######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023775 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Hayawan #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الحيوان #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 7 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023775 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23775 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23775 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1424 ه #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | # (بسم الله الرحمن الرحيم) وبه ثقتي ### || 1- [مؤلفات الجاحظ والرد على من عابها] # جنبك الله الشبهة، وعصمك من الحيرة، وجعل بينك وبين المعرفة نسبا، وبين ~~الصدق سببا، وحبب إليك التثبت، وزين في عينك الإنصاف، وأذاقك حلاوة التقوى، ~~وأشعر قلبك عز الحق، وأودع صدرك برد اليقين وطرد عنك ذل اليأس، وعرفك ما في ~~الباطل من الذلة، وما في الجهل من القلة. # ولعمري لقد كان غير هذا الدعاء أصوب في أمرك، وأدل على مقدار وزنك، وعلى ~~الحال التي وضعت نفسك فيها، ووسمت عرضك بها، ورضيتها لدينك حظا، ولمروءتك ~~شكلا، فقد انتهى إلي ميلك على أبي إسحاق، وحملك عليه، وطعنك على معبد، ~~وتنقصك له في الذي كان جرى بينهما في مساوي الديك ومحاسنه، وفي ذكر منافع ~~الكلب ومضاره، والذي خرجا إليه من استقصاء ذلك وجمعه، ومن تتبعه ونظمه، ومن ~~الموازنة بينهما، والحكم فيهما. ثم عبتني بكتاب حيل اللصوص «1» ، وكتاب غش ~~الصناعات، وعبتني بكتاب الملح والطرف «2» ، وما حر من النوادر وبرد، وما ~~عاد بارده حارا لفرط برده حتى أمتع بأكثر من إمتاع الحار، وعبتني بكتاب ~~احتجاجات البخلاء، ومناقضتهم للسمحاء، والقول في الفرق بين الصدق إذا كان ~~ضارا في العاجل، والكذب إذا كان نافعا في الآجل، ولم جعل الصدق أبدا ~~محمودا، والكذب أبدا مذموما، والفرق بين الغيرة وإضاعة الحرمة، وبين ~~الإفراط في الحمية والأنفة، وبين التقصير في حفظ حق الحرمة، وقلة الاكتراث ~~لسوء القالة، وهل الغيرة اكتساب وعادة، أم بعض ما يعرض من جهة الديانة، ~~ولبعض التزيد فيه # PageV01P007 # والتحسن به، أو يكون ذلك في طباع الحرية، وحقيقة الجوهرية، ما كانت ~~العقول سليمة، والآفات منفية والأخلاط معتدلة. # وعبتني بكتاب الصرحاء والهجناء «1» ، ومفاخرة السودان والحمران «2» ، ~~وموازنة ما بين حق الخؤولة والعمومة «3» ، وعبتني بكتاب الزرع والنخل ~~والزيتون والأعناب «4» ، وأقسام فضول الصناعات، ومراتب التجارات «5» ؛ ~~وبكتاب فضل ما بين الرجال والنساء «6» ، وفرق ما بين الذكور والإناث، وفي ~~أي موضع يغلبن ويفضلن، وفي أي موضع يكن المغلوبات والمفضولات، ونصيب أيهما ~~في الولد أوفر، وفي أي موضع يكون حقهن أوجب، وأي عمل هو ms0001 بهن أليق، وأي ~~صناعة هن فيها أبلغ. # وعبتني بكتاب القحطانية وكتاب العدنانية في الرد على القحطانية «7» ، ~~وزعمت أني تجاوزت الحمية إلى حد العصبية، وأني لم أصل إلى تفضيل العدنانية ~~إلا بتنقص القحطانية، وعبتني بكتاب العرب والموالي «8» ، وزعمت أني بخست ~~الموالي حقوقهم، كما أني أعطيت العرب ما ليس لهم. وعبتني بكتاب العرب ~~والعجم، وزعمت أن القول في فرق ما بين العرب والعجم «9» ، هو القول في فرق ~~ما بين الموالي والعرب، ونسبتني إلى التكرار والترداد، وإلى التكثير، ~~والجهل بما في المعاد من الخطل، وحمل الناس المؤن. # وعبتني بكتاب الأصنام «10» ، وبذكر اعتلالات الهند لها، وسبب عبادة العرب ~~إياها، وكيف اختلفا في جهة العلة مع اتفاقهما على جملة الديانة، وكيف صار ~~عباد البددة «11» والمتمسكون بعبادة الأوثان المنحوتة، والأصنام المنجورة، ~~أشد الديانين # PageV01P008 # إلفا لما دانوا به، وشغفا بما تعبدوا له، وأظهرهم جدا، وأشدهم على من ~~خالفهم ضغنا، وبما دانو ضنا، وما الفرق بين البد والوثن، وما الفرق بين ~~الوثن والصنم، وما الفرق بين الدمية والجثة، ولم صوروا في محاريبهم وبيوت ~~عباداتهم، صور عظمائهم ورجال دعوتهم، ولم تأنقوا في التصوير، وتجودوا «1» ~~في إقامة التركيب، وبالغوا في التحسين والتفخيم، وكيف كانت أولية تلك ~~العبادات، وكيف اقترفت تلك النحل، ومن أي شكل كانت خدع تلك السدنة «2» ، ~~وكيف لم يزالوا أكثر الأصناف عددا، وكيف شمل ذلك المذهب الأجناس المختلفة. # وعبتني بكتاب المعادن «3» ، والقول في جواهر الأرض، وفي اختلاف أجناس ~~الفلز والإخبار عن ذائبها وجامدها، ومخلوقها ومصنوعها، وكيف يسرع الانقلاب ~~إلى بعضها، ويبطئ عن بعضها، وكيف صار بعض الألوان يصبغ ولا ينصبغ، وبعضها ~~ينصبغ ولا يصبغ، وبعضها يصبغ وينصبغ، وما القول في الإكسير والتلطيف. # وعبتني بكتاب فرق ما بين هاشم وعبد شمس «4» ، وكتاب فرق ما بين الجن ~~والإنس «5» ، وفرق ما بين الملائكة والجن «6» ، وكيف القول في معرفة الهدهد ~~واستطاعة العفريت «7» ، وفي الذي كان عنده علم من الكتاب «8» ، وما ذلك ~~العلم، وما تأويل قولهم: كان عنده اسم الله الأعظم «9» . # وعبتني بكتاب الأوفاق والرياضات «10» ، وما القول في الأرزاق والإنفاقات # PageV01P009 # وكيف أسباب التثمير ms0002 والترقيح، وكيف يجتلب التجار الحرفاء، وكيف الاحتيال ~~للودائع، وكيف التسبب إلى الوصايا، وما الذي يوجب لهم حسن التعديل، ويصرف ~~إليهم باب حسن الظن، وكيف ذكرنا غش الصناعات والتجارات «1» ، وكيف التسبب ~~إلى تعرف ما قد ستروا وكشف ما موهوا؛ وكيف الاحتراس منه والسلامة من أهله. # وعبتني برسائلي «2» ، وبكل ما كتبت به إلى إخواني وخلطائي، من مزح وجد، ~~ومن إفصاح وتعريض، ومن تغافل وتوقيف، ومن هجاء لا يزال ميسمه باقيا، ومديح ~~لا يزال أثره ناميا ومن ملح تضحك، ومواعظ تبكي. # وعبتني برسائلي الهاشميات «3» ، واحتجاجي فيها، واستقصائي معانيها، ~~وتصويري لها في أحسن صورة، وإظهاري لها في أتم حلية، وزعمت أني قد خرجت ~~بذلك من حد المعتزلة إلى حد الزيدية، ومن حد الاعتدال في التشيع والاقتصاد ~~فيه، إلى حد السرف والإفراط فيه. وزعمت أن مقالة الزيدية خطبة مقالة ~~الرافضة، وأن مقالة الرافضة خطبة مقالة الغالية «4» . وزعمت أن في أصل ~~القضية والذي جرت عليه العادة. أن كل كبير فأوله صغير، وأن كل كثير فإنما ~~هو قليل جمع من قليل، وأنشدت قول الراجز: [من الرجز] # قد يلحق الصغير بالجليل ... وإنما القرم من الأفيل # وسحق النخل من الفسيل «5» # وأنشدت قول الشاعر: [من الرجز] # رب كبير هاجه صغير ... وفي البحور تغرق البحور «6» # وقلت: وقال يزيد بن الحكم: [من م. الكامل] # فاعلم بني فإنه ... بالعلم ينتفع العليم «7» # PageV01P010 # إن الأمور دقيقها ... مما يهيج له العظيم # وقلت: وقال الآخر: [من المديد] # صار جدا ما مزحت به ... رب جد ساقه اللعب «1» # وأنشدت قول الآخر: [من الكامل] # ما تنظرون بحق وردة فيكم ... تقضى الأمور ورهط وردة غيب «2» # قد يبعث الأمر الكبير صغيرة ... حتى تظل له الدماء تصبب # وقالت كبشة بنت معد يكرب: [من الطويل] # جدعتم بعبد الله آنف قومه ... بني مازن أن سب راعي المحزم «3» # وقال الآخر: [من السريع] # أية نار قدح القادح ... وأي جد بلغ المازح «4» # وتقول العرب: «العصا من العصية، ولا تلد الحية إلا حية» «5» . # وعبت كتابي في خلق القرآن «6» ، كما عبت كتابي في الرد على المشبهة «7» ؛ ~~وعبت كتابي في القول ms0003 في أصول الفتيا والأحكام «8» ، كما عبت كتابي في ~~الاحتجاج لنظم القرآن وغريب تأليفه وبديع تركيبه «9» . وعبت معارضتي ~~للزيدية وتفضيلي الاعتزال على كل نحلة «10» ، كما عبت كتابي في الوعد ~~والوعيد «11» ، وكتابي على # PageV01P011 # النصارى واليهود «1» ثم عبت جملة كتبي في المعرفة والتمست تهجينها بكل ~~حيلة، وصغرت من شأنها، وحططت من قدرها، واعترضت على ناسخيها والمنتفعين ~~بها، فعبت كتاب الجوابات «2» ، وكتاب المسائل «3» ، وكتاب أصحاب الإلهام ~~«4» ، وكتاب الحجة في تثبيت النبوة «5» ، وكتاب الأخبار، ثم عبت إنكاري ~~بصيرة غنام المرتد «6» ، وبصيرة كل جاحد وملحد، وتفريقي بين اعتراض الغمر ~~«7» ، وبين استبصار المحق، وعبت كتاب الرد على الجهمية في الإدراك «8» . ~~وفي قولهم في الجهالات. وكتاب الفرق ما بين النبي والمتنبي «9» . والفرق ما ~~بين الحيل والمخاريق «10» . وبين الحقائق الظاهرة والأعلام الباهرة. ثم ~~قصدت إلى كتابي هذا بالتصغير لقدره والتهجين لنظمه، والاعتراض على لفظه، ~~والتحقير لمعانيه، فزريت على نحته وسبكه، كما زريت على معناه ولفظه، ثم ~~طعنت في الغرض الذي إليه نزعنا، والغاية التي إليها قصدنا. على أنه كتاب ~~معناه أنبه من اسمه، وحقيقته آنق من لفظه، وهو كتاب يحتاج إليه المتوسط ~~العامي، أما الريض فللتعلم والدربة، وللترتيب والرياضة، وللتمرين وتمكين ~~العادة، إذ كان جليله يتقدم دقيقه، وإذا كانت مقدماته مرتبة وطبقات معانيه ~~منزلة. وأما الحاذق فلكفاية المؤنة، لأن كل من التقط كتابا جامعا، وبابا من ~~أمهات العلم مجموعا، كان له غنمه، وعلى مؤلفه غرمه، وكان له نفعه، وعلى ~~صاحبه كده، مع تعرضه لمطاعن البغاة، ولاعتراض المنافسين، ومع عرضه عقله ~~المكدود على العقول الفارغة، ومعانيه على الجهابذة، وتحكيمه فيه المتأولين ~~والحسدة. # ومتى ظفر بمثله صاحب علم، أو هجم عليه طالب فقه، وهو وادع رافه، ونشيط ~~جام، ومؤلفه متعب مكدود، فقد كفي مؤونة جمعه وخزنه، وطلبه وتتبعه، وأغناه # PageV01P012 # ذلك عن طول التفكير، واستفاد العمر وفل الحد، وأدرك أقصى حاجته وهو مجتمع ~~القوة. وعلى أن له عند ذلك أن يجعل هجومه عليه من التوفيق، وظفره به بابا ~~من التسديد. # وهذا كتاب تستوي فيه رغبة الأمم، وتتشابه فيه العرب والعجم، لأنه وإن ms0004 كان ~~عربيا أعرابيا، وإسلاميا جماعيا، فقد أخذ من طرف الفلسفة، وجمع بين معرفة ~~السماع وعلم التجربة، وأشرك بين علم الكتاب والسنة، وبين وجدان الحاسة، ~~وإحساس الغريزة. ويشتهيه الفتيان كما تشتهيه الشيوخ، ويشتهيه الفاتك كما ~~يشتهيه الناسك، ويشتهيه اللاعب ذو اللهو كما يشتهيه المجد ذو الحزم، ~~ويشتهيه الغفل كما يشتهيه الأريب، ويشتهيه الغبي كما يشتهيه الفطن. # وعبتني بحكاية قول العثمانية والضرارية «1» ، وأنت تسمعني أقول في أول ~~كتابي: وقالت العثمانية والضرارية، كما سمعتني أقول: قالت الرافضة والزيدية ~~«2» ، فحكمت علي بالنصب لحكايتي قول العثمانية، فهلا حكمت علي بالتشيع ~~لحكايتي قول الرافضة!! وهلا كنت عندك من الغالية لحكايتي حجج الغالية، كما ~~كنت عندك من الناصبة لحكايتي قول الناصبة!! وقد حكينا في كتابنا قول ~~الإباضية والصفرية، كما حكينا قول الأزارقة والزيدية. وعلى هذه الأركان ~~الأربعة بنيت الخارجية، وكل اسم سواها فإنما هو فرع ونتيجة، واشتقاق منها، ~~ومحمول عليها. # وإلا كنا عندك من الخارجية، كما صرنا عندك من الضرارية والناصبة. فكيف ~~رضيت بأن تكون أسرع من الشيعة، أسرع إلى إعراض الناس من الخارجية، اللهم ~~إلا أن تكون وجدت حكايتي عن العثمانية والضرارية أشبع وأجمع، وأتم وأحكم، ~~وأجود صنعة، وأبعد غاية. ورأيتني قد وهنت حق أوليائك، بقدر ما قويت باطل ~~أعدائك! ولو كان ذلك كذلك، لكان شاهدك من الكتاب حاضرا، وبرهانك على ما ~~ادعيت واضحا. # وعبتني بكتاب العباسية «3» ، فهلا عبتني بحكاية مقالة من أبى وجوب ~~الإمامة، ومن يرى الامتناع من طاعة الأئمة الذين زعموا أن ترك الناس سدى ~~بلا قيم أرد عليهم، وهملا بلا راع أربح لهم، وأجدر أن يجمع لهم ذلك بين ~~سلامة العاجل، وغنيمة الآجل، وأن تركهم نشرا لا نظام لهم، أبعد من المفاسد، ~~وأجمع لهم على المراشد!! بل ليس ذلك بك، ولكنه بهرك ما سمعت، وملأ صدرك ~~الذي قرأت، وأبعلك # PageV01P013 # وأبطرك، فلم تتجه للحجة وهي لك معرضة، ولم تعرف المقاتل وهي لك بادية، ~~ولم تعرف باب المخرج إذ جهلت باب المدخل، ولم تعرف المصادر إذ جهلت ~~الموارد. # رأيت أن سب الأولياء أشفى لدائك، وأبلغ ms0005 في شفاء سقمك، ورأيت أن إرسال ~~اللسان أحضر لذة، وأبعد من النصب، ومن إطالة الفكرة ومن الاختلاف إلى أرباب ~~هذه الصناعة. # ولو كنت فطنت لعجزك، ووصلت نقصك بتمام غيرك، واستكفيت من هو موقوف على ~~كفاية مثلك، وحبيس على تقويم أشباهك كان ذلك أزين في العاجل. # وأحق بالمثوبة في الآجل، وكنت إن أخطأتك الغنيمة لم تخطك السلامة، وقد ~~سلم عليك المخالف بقدر ما ابتلي به منك الموافق. وعلى أنه لم يبتل منك إلا ~~بقدر ما ألزمته من مؤنة تثقيفك، والتشاغل بتقويمك. وهل كنت في ذلك إلا كما ~~قال العربي: # «هل يضر السحاب نباح الكلاب» «1» ، وإلا كما قال الشاعر: [من الرمل] # هل يضر البحر أمسى زاخرا ... أن رمى فيه غلام بحجر «2» # وهل حالنا في ذلك إلا كما قال الشاعر: [من الكامل] # ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران «3» # وكما قال حسان بن ثابت: [من الخفيف] # ما أبالي أنب بالحزن تيس ... أم لحاني بظهر غيب لئيم «4» # وما أشك أنك قد جعلت طول إعراضنا عنك مطية لك، ووجهت حلمنا عنك إلى الخوف ~~منك، وقد قال زفر بن الحارث لبعض من لم ير حق الصفح، فجعل العفو سببا إلى ~~سوء القول: [من الطويل] # فإن عدت والله الذي فوق عرشه ... منحتك مسنون الغرارين أزرقا «5» # فإن دواء الجهل أن تضرب الطلى ... وأن يغمس العريض حتى يغرقا # PageV01P014 # وقال الأول: [من الكامل] # وضغائن داويتها بضغائن ... حتى شفيت وبالحقود حقودا # وقال الآخر: [من البسيط] # وما نفى عنك قوما أنت خائفهم ... كمثل وقمك جهالا بجهال «1» # فاقعس إذا حدبوا واحدب إذا قعسوا ... ووازن الشر مثقالا بمثقال # فإنا وإن لم يكن عندنا سنان زفر بن الحارث، ولا معارضة هؤلاء الشر بالشر، ~~والجهل بالجهل، والحقد بالحقد، فإن عندي ما قال المسعودي: [من الطويل] # فمسا تراب الأرض منه خلقتما ... وفيه المعاد والمصير إلى الحشر «2» # ولا تأنفا أن ترجعا فتسلما ... فما كسى الأفواه شرا من الكبر # فلو شئت أدلى فيكما غير واحد ... علانية أو قال عندي في السر # فإن أنا لم آمر ولم ms0006 أنه عنكما ... ضحكت له كيما يلج ويستشري # وقال النمر بن تولب: [من الطويل] # جزى الله عني جمرة ابنة نوفل ... جزاء مغل بالأمانة كاذب «3» # بما خبرت عني الوشاة ليكذبوا ... علي وقد أوليتها في النوائب # يقول: أخرجت خبرها، فخرج إلى من أحب أن يعاب عندها. # ولو شئت أن نعارضك لعارضناك في القول بما هو أقبح أثرا وأبقى وسما، وأصدق ~~قيلا، وأعدل شاهدا. وليس كل من ترك المعارضة فقد صفح، كما أنه ليس من عارض ~~فقد انتصر، وقد قال الشاعر قولا، إن فهمته فقد كفيتنا مؤونة المعارضة، ~~وكفيت نفسك لزوم العار، وهو قوله: [من السريع] # إن كنت لا ترهب ذمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل «4» # PageV01P015 # فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل # فالسامع الذم شريك له ... ومطعم المأكول كالآكل # مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر سائل # ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل # فلا تهج إن كنت ذا إربة ... حرب أخي التجربة العاقل # فإن ذا العقل إذا هجته ... هجت به ذا خيل خابل # تبصر في عاجل شداته ... عليك غب الضرر الآجل # وقد يقال: إن العفو يفسد من اللئيم بقدر إصلاحه من الكريم، وقد قال ~~الشاعر: [من البسيط] # والعفو عند لبيب القوم موعظة ... وبعضه لسفيه القوم تدريب ### || 2- [لا تزر وازرة وزر أخرى] # فإن كنا أسأنا في هذا التقريع والتوقيف، فالذي لم يأخذ فينا بحكم القرآن ~~ولا بأدب الرسول عليه الصلاة والسلام، ولم يفزع إلى ما في الفطن الصحيحة، ~~وإلى ما توجبه المقاييس المطردة، والأمثال المضروبة، والأشعار السائرة، ~~أولى بالإساءة وأحق باللائمة، قال الله عز وجل: ولا تزر وازرة وزر أخرى # «1» . وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يجن يمينك على شمالك» . # وهذا حكم الله تعالى وآداب رسوله والذي أنزل به الكتاب ودل عليه من حجج ~~العقول. ### || 3- [المفقأ والمعمى] # فأما ما قالوا في المثل المضروب «رمتني بدائها وانسلت» «2» ، وأما قول ~~الشعراء، وذم الخطباء لمن أخذ إنسانا بذنب غيره، وما ضربوا في ذلك من ~~الأمثال، # PageV01P016 # كقول النابغة حيث يقول في شعره: ms0007 [من الطويل] # وكلفتني ذنب امرئ وتركته ... كذي العر يكوى غيره وهو راتع «1» # وكانوا إذا أصاب إبلهم العر «2» كووا السليم ليدفعه عن السقيم، فأسقموا ~~الصحيح من غير أن يبرئوا السقيم. # وكانوا إذا كثرت إبل أحدهم فبلغت الألف، فقؤوا عين الفحل، فإن زادت الإبل ~~على الألف فقؤوا العين الأخرى، وذلك المفقأ والمعمى اللذان سمعت في أشعارهم ~~«3» . # قال الفرزدق: [من الوافر] # غلبتك بالمفقئ والمعنى ... وبيت المحتبي والخافقات «4» # وكانوا يزعمون أن المفقأ يطرد عنها العين والسواف «5» والغارة، فقال ~~الأول: # [من الطويل] # فقأت لها عين الفحيل عيافة ... وفيهن رعلاء المسامع والحامي «6» # الرعلاء: التي تشق أذنها وتترك مدلاة، لكرمها. ### || 4- [ذبح العتيرة] # وكانوا يقولون في موضع الكفارة والأمنية، كقول الرجل: إذا بلغت إبلي كذا ~~وكذا وكذلك غنمي، ذبحت عند الأوثان كذا وكذا عتيرة «7» . والعتيرة من نسك ~~الرجبية والجمع عتائر- والعتائر من الظباء- فإذا بلغت إبل أحدهم أو غنمه ~~ذلك # PageV01P017 # العدد، استعمل التأويل وقال: إنما قلت إني أذبح كذا وكذا شاة، والظباء ~~شاء كما أن الغنم شاء، فيجعل ذلك القربان شاء كله مما يصيد من الظباء، ~~فلذلك يقول الحارث ابن حلزة اليشكري: [من الخفيف] # عنتا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الربيض الظباء «1» # بعد أن قال: # أم علينا جناح كندة أن يغ ... نم غازيهم ومنا الجزاء ### || 5- [إمساك البقر عن شرب الماء] # وكانوا إذا أوردوا البقر فلم تشرب، إما لكدر الماء، أو لقلة العطش، ضربوا ~~الثور ليقتحم الماء، لأن البقر تتبعه كما تتبع الشول الفحل، وكما تتبع أتن ~~الوحش الحمار. فقال في ذلك عوف بن الخرع: [من الوافر] # تمنت طيئ جهلا وجبنا ... وقد خاليتهم فأبوا خلائي «2» # هجوني أن هجوت جبال سلمى ... كضرب الثور للبقر الظماء # وقال في ذلك أنس بن مدركة في قتله سليك بن السلكة: [من البسيط] # إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر «3» # أنفت للمرء إذ نيكت حليلته ... وأن يشد على وجعائها الثفر # وقال الهيبان الفهمي: [من الطويل] # كما ضرب اليعسوب أن عاف باقر ... وما ذنبه أن عافت الماء باقر # ولما كان الثور أمير البقر، ms0008 وهي تطيعه كطاعة إناث النحل لليعسوب، سماه ~~باسم أمير النحل. # PageV01P018 # وكانوا يزعمون أن الجن هي التي تصد الثيران عن الماء حتى تمسك البقر عن ~~الشرب حتى تهلك، وقال في ذلك الأعشى: [من الطويل] # فإني وما كلفتموني- وربكم- ... لأعلم من أمسى أعق وأحربا «1» # لكالثور والجني يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا # وما ذنبه أن عافت الماء باقر ... وما إن تعاف الماء إلا ليضربا # كأنه قال: إذا كان يضرب أبدا لأنها عافت الماء، فكأنها إنما عافت الماء ~~ليضرب. # وقال يحيى بن منصور الذهلي في ذلك: [من الطويل] # لكالثور والجني يضرب وجهه ... وما ذنبه إن كانت الجن ظالمه # وقال نهشل بن حري: [من الوافر] # أتترك عارض وبنو عدي ... وتغرم دارم وهم براء «2» # كدأب الثور يضرب بالهراوى ... إذا ما عافت البقر الظماء # وكيف تكلف الشعرى سهيلا ... وبينهما الكواكب والسماء ### || 6- [ذنب العطرق] # وقال أبو نويرة بن الحصين، حين أخذه الحكم بن أيوب بذنب العطرق: [من ~~الطويل] # أبا يوسف لو كنت تعلم طاعتي ... ونصحي إذن ما بعتني بالمحلق «3» # ولا ساق سراق العرافة صالح ... بني ولا كلفت ذنب العطرق # وقال خداش بن زهير حين أخذ بدماء بني محارب: [من الطويل] # أكلف قتلى معشر لست منهم ... ولا دارهم داري ولا نصرهم نصري # PageV01P019 # أكلف قتلى العيص عيص شواحط ... وذلك أمر لم تثف له قدري «1» # وقال الآخر: [من الطويل] # إذا عركت عجل بنا ذنب طيء ... عركنا بتيم اللات ذنب بني عجل ### || 7- [جناية اليهودي] # ولما وجد اليهودي أخا حنبض الضبابي في منزله فخصاه فمات، وأخذ حنبض بني ~~عبس بجناية اليهودي، قال قيس بن زهير: أتأخذنا بذنب غيرنا، وتسألنا العقل ~~والقاتل يهودي من أهل تيماء؟ فقال: والله أن لو قتلته الريح، لوديتموه! ~~فقال قيس لبني عبس: الموت في بني ذبيان خير من الحياة في بني عامر! ثم أنشأ ~~يقول: [من الطويل] # أكلف ذا الخصيين إن كان ظالما ... وإن كنت مظلوما وإن كنت شاطنا «2» # خصاه امرؤ من آل تيماء طائر ... ولا يعدم الإنسي والجن كائنا # فهلا بني ذبيان- أمك هابل- ... رهنت بفيف الريح إن كنت ms0009 راهنا «3» # إذا قلت قد أفلت من شر حنبض ... أتاني بأخرى شره متباطنا # فقد جعلت أكبادنا تجتويكم ... كما تجتوي سوق العضاه الكرازن «4» ### || 8- [قتل لقمان بن عاد لنسائه وابنته] # ولما قتل لقمان بن عاد ابنته- وهي صحر أخت لقيم- قال حين قتلها «5» : # ألست امرأة! وذلك أنه قد كان تزوج عدة نساء، كلهن خنه في أنفسهن، فلما ~~قتل أخراهن ونزل من الجبل، كان أول من تلقاه صحر ابنته، فوثب عليها فقتلها ~~وقال: # PageV01P020 # وأنت أيضا امرأة! وكان قد ابتلي بأن أخته كانت محمقة وكذلك كان زوجها، ~~فقالت لإحدى نساء لقمان: هذه ليلة طهري وهي ليلتك، فدعيني أنام في مضجعك، ~~فإن لقمان رجل منجب، فعسى أن يقع علي فأنجب. فوقع على أخته فحملت بلقيم. # فهو قول النمر بن تولب: [من المتقارب] # لقيم بن لقمان من أخته ... فكان ابن أخت له وابنما «1» # ليالي حمق فاستحصنت ... عليه فغر بها مظلما # فأحبلها رجل محكم ... فجاءت به رجلا محكما # فضربت العرب في ذلك المثل بقتل لقمان ابنته صحرا، فقال خفاف بن ندبة في ~~ذلك: [من الوافر] # وعباس يدب لي المنايا ... وما أذنبت إلا ذنب صحر» # وقال في ذلك ابن أذينة: [من الطويل] # أتجمع تهياما بليلى إذا نأت ... وهجرانها ظلما كما ظلمت صحر «3» # وقال الحارث بن عباد: [من الخفيف] # قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال «4» # لم أكن من جناتها علم الل ... ه وإني بحرها اليوم صالي # وقال الشاعر، وأظنه ابن المقفع: [من المتقارب] # فلا تلم المرء في شأنه ... فرب ملوم ولم يذنب «5» # وقال آخر: [من الطويل] # لعل له عذرا وأنت تلوم ... وكم لائم قد لام وهو مليم # PageV01P021 ### || 9- [جزاء سنمار] # وقال بعض العرب، في قتل بعض الملوك «1» لسنمار الرومي؛ فإنه لما علا ~~الخورنق ورأى بنيانا لم ير مثله، ورأى في ذلك المستشرف، وخاف إن هو استبقاه ~~أن يموت فيبني مثل ذلك البنيان لرجل آخر من الملوك، رمى به من فوق القصر، ~~فقال في ذلك الكلبي في شيء كان بينه وبين بعض الملوك: [من الطويل] # جزاني جزاه الله شر جزائه # حديث ms0010 سنمار # سوى رصه البنيان سبعين حجة ... يعلى عليه بالقراميد والسكب # فلما رأى البنيان تم سحوقه ... وآض كمثل الطود ذي الباذخ الصعب # وظن سنمار به كل حبوة ... وفاز لديه بالمودة والقرب # فقال اقذفوا بالعلج من رأس شاهق ... فذاك لعمر الله من أعظم الخطب # وجاء المسلمون، يروي خلف عن سلف، وتابع عن سابق، وآخر عن أول، أنهم لم ~~يختلفوا في عيب قول زياد: «لآخذن الولي بالولي، والسمي بالسمي، والجار ~~بالجار» ، ولم يختلفوا في لعن شاعرهم حيث يقول: [من الوافر] # إذا أخذ البريء بغير ذنب ... تجنب ما يحاذره السقيم # قال: وقيل لعمرو بن عبيد: إن فلانا لما قدم رجلا ليضرب عنقه، فقيل له: ~~إنه مجنون! فقال: لولا أن المجنون يلد عاقلا لخليت سبيله. قال: فقال عمرو: ~~ما خلق الله النار إلا بالحق! ولما قالت التغلبية للجحاف، في وقعة البشر ~~«3» : فض الله فاك وأعماك، وأطال # PageV01P022 # سهادك، وأقل رقادك، فو الله إن قتلت إلا نساء أعاليهن ثدي، وأسافلهن ~~دمى!! فقال لمن حوله: لولا أن تلد هذه مثلها لخليت سبيلها! فبلغ ذلك الحسن ~~فقال: أما الجحاف فجذوة من نار جهنم. # قال: وذم رجل عند الأحنف بن قيس الكمأة بالسمن، فقال عند ذلك الأحنف: «رب ~~ملوم لا ذنب له» «1» . # فبهذه السيرة سرت فينا. # وما أحسن ما قال سعيد بن عبد الرحمن: [من الطويل] # وإن امرأ أمسى وأصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد «2» ### || 10- [عناية العلماء بالملح والفكاهات] # وقلت: وما بال أهل العلم والنظر، وأصحاب الفكر والعبر، وأرباب النحل، ~~والعلماء وأهل البصر بمخارج الملل، وورثة الأنبياء، وأعوان الخلفاء، يكتبون ~~كتب الظرفاء والملحاء، وكتب الفراغ والخلعاء، وكتب الملاهي والفكاهات، وكتب ~~أصحاب الخصومات، وكتب أصحاب المراء، وكتب أصحاب العصبية وحمية الجاهلية!! ~~ألأنهم لا يحاسبون أنفسهم، ولا يوازنون بين ما عليهم ولهم، ولا يخافون تصفح ~~العلماء، ولا لائمة الأرباء، وشنف الأكفاء، ومشنأة «3» الجلساء!؟ # فهلا أمسكت- يرحمك الله- عن عيبها والطعن عليها، وعن المشورة والموعظة، ~~وعن تخويف ما في سوء العاقبة، إلى أن تبلغ حال العلماء، ومراتب الأكفاء؟! ~~فأما كتابنا هذا، فسنذكر جملة ms0011 المذاهب فيه، وسنأتي بعد ذلك على التفسير، ~~ولعل رأيك عند ذلك أن يتحول، وقولك أن يتبدل، فتثبت أو تكون قد أخذت من ~~التوقف بنصيب، إن شاء الله. # PageV01P023 ### || 11- [أقسام الكائنات] # وأقول «1» : إن العالم بما فيه من الأجسام على ثلاثة أنحاء: متفق، ~~ومختلف، ومتضاد؛ وكلها في جملة القول جماد ونام. وكان حقيقة القول في ~~الأجسام من هذه القسمة، أن يقال: نام وغير نام. ولو أن الحكماء وضعوا لكل ~~ما ليس بنام اسما، كما وضعوا للنامي اسما، لاتبعنا أثرهم؛ وإنما ننتهي إلى ~~حيث انتهوا. وما أكثر ما تكون دلالة قولهم جماد، كدلالة قولهم موات. وقد ~~يفترقان في مواضع بعض الافتراق. وإذا أخرجت من العالم الأفلاك والبروج ~~والنجوم والشمس والقمر، وجدتها غير نامية، ولم تجدهم يسمون شيئا منها بجماد ~~ولا موات، وليس لأنها تتحرك من تلقاء أنفسها لم تسم مواتا ولا جمادا. # وناس يجعلونها مدبرة غير مدبرة، ويجعلونها مسخرة غير مسخرة، ويجعلونها ~~أحيا من الحيوان؛ إذ كان الحيوان إنما يحيا بإحيائها له، وبما تعطيه ~~وتعيره. وإنما هذا منهم رأي، والأمم في هذا كله على خلافهم، ونحن في هذا ~~الموضع إنما نعبر عن لغتنا، وليس في لغتنا إلا ما ذكرنا. # والناس يسمون الأرض جمادا، وربما يجعلونها مواتا إذا كانت لم تنبت قديما، ~~وهي موات الأرض، وذلك كقولهم: «من أحيا أرضا مواتا فهي له» «2» . # وهم لا يجعلون الماء والنار والهواء، جمادا ولا مواتا، ولا يسمونها ~~حيوانا ما دامت كذلك، وإن كانت لا تضاف إلى النماء والحس. # والأرض هي أحد الأركان الأربعة، التي هي الماء والأرض والهواء والنار، ~~والاسمان لا يتعاوران عندهم إلا الأرض. ### ||| 12- [تقسيم النامي] # ثم النامي على قسمين: حيوان ونبات، والحيوان على أربعة أقسام: شيء يمشي، ~~وشيء يطير، وشيء يسبح، وشيء ينساح «3» . إلا أن كل طائر يمشي، وليس الذي ~~يمشي ولا يطير يسمى طائرا. والنوع الذي يمشي على أربعة أقسام: ناس، وبهائم، ~~وسباع، وحشرات. على أن الحشرات راجعة في المعنى إلى مشاكلة طباع # PageV01P024 # البهائم والسباع. إلا أننا في هذا كله نتبع الأسماء القائمة المعروفة، ~~البائنات ms0012 بأنفسها، المتميزات عند سامعيها، من أهل هذه اللغة وأصحاب هذا ~~اللسان، وإنما نفرد ما أفردوا، ونجمع ما جمعوا. ### ||| 13- [تقسيم الطير] # والطير كل سبع وبهيمة وهمج. والسباع من الطير على ضربين: فمنها العتاق ~~والأحرار والجوارح، ومنها البغات وهو كل ما عظم من الطير: سبعا كان أو ~~بهيمة، إذا لم يكن من ذوات السلاح والمخالب المعقفة، كالنسور والرخم ~~والغربان، وما أشبهها من لئام السباع. # ثم الخشاش، وهو ما لطف جرمه وصغر شخصه، وكان عديم السلاح ولا يكون كالزرق ~~«1» واليؤيؤ «2» والباذنجان «3» . # فأما الهمج فليس من الطير، ولكنه مما يطير. والهمج فيما يطير، كالحشرات ~~فيما يمشي. # والحيات من الحشرات، وأي سبع أدخل في معنى السبعية من الأفاعي والثعابين؟ ~~ولكن ليس ذلك من أسمائها، وإن كانت من ذوات الأنياب وأكالة اللحوم وأعداء ~~الإنس وجميع البهائم، ولذلك تأكلها الأوعال والخنازير والقنافذ والعقبان ~~والشاهمرك «4» والسنانير، وغير ذلك من البهائم، والسباع. فمن جعل الحيات ~~سباعا، وسماها بذلك عند بعض القول والسبب فقد أصاب، ومن جعل ذلك لها كالاسم ~~الذي هو العلامة كالكلب والذئب والأسد فقد أخطأ. # ومن سباع الطير شكل يكون سلاحه المخالب كالعقاب وما أشبهها، وشيء يكون ~~سلاحه المناقير كالنسور والرخم والغربان، وإنما جعلناها سباعا لأنها أكالة ~~لحوم. # ومن بهائم الطير ما يكون سلاحه المناقير كالكراكي وما أشبهها، ومنه ما # PageV01P025 # يكون سلاحه الأسنان كالبوم والوطواط وما أشبهها، ومنه ما يكون سلاحه ~~الصياصي كالديكة، ومنه ما يكون سلاحه السلح «1» كالحبارى «2» والثعلب أيضا ~~كذلك. # والسبع من الطير: ما أكل اللحم خالصا، والبهيمة: ما أكلت الحب خالصا. # وفي الفن الذي يجمعها من الخلق المركب والطبع المشترك، كلام سنأتي عليه ~~في موضعه إن شاء الله تعالى. # والمشترك عندهم كالعصفور؛ فإنه ليس بذي مخلب معقف ولا منسر «3» وهو يلقط ~~الحب، وهو مع هذا يصيد النمل إذا طار، ويصيد الجراد، ويأكل اللحم، ولا يزق ~~فراخه كما تزق الحمام، بل يلقمها كما تلقم السباع من الطير فراخها. وأشباه ~~العصافير من المشترك كثير، وسنذكر ذلك في موضعه إن شاء الله تعالى. # وليس كل ما طار ms0013 بجناحين فهو من الطير؛ قد يطير الجعلان «4» والجحل «5» ~~واليعاسيب والذباب والزنابير والجراد والنمل والفراش والبعوض والأرضة ~~والنحل وغير ذلك، ولا يسمى بالطير. وقد يقال ذلك لها عند بعض الذكر والسبب. ~~وقد يسمون الدجاج طيرا ولا يسمون بذلك الجراد، والجراد أطير، والمثل ~~المضروب به أشهر «6» ، والملائكة تطير، ولها أجنحة وليست من الطير. وجعفر ~~بن أبي طالب ذو جناحين يطير بهما في الجنة حيث شاء، وليس جعفر من الطير. # واسم طائر يقع على ثلاثة أشياء: صورة، وطبيعة، وجناح. وليس بالريش ~~والقوادم والأباهر والخوافي «7» ، يسمى طائرا، ولا بعدمه يسقط ذلك عنه. ألا ~~ترى أن # PageV01P026 # الخفاش والوطواط من الطير، وإن كانا أمرطين ليس لهما ريش ولا زغب ولا ~~شكير ولا قصب «1» وهما مشهوران بالحمل والولادة، وبالرضاع، وبظهور حجم ~~الآذان، وبكثرة الأسنان. والنعامة ذات ريش ومنقار وبيض وجناحين، وليست من ~~الطير. # وليس أيضا كل عائم سمكة، وإن كان مناسبا للسمك في كثير من معانيه. ألا ~~ترى أن في الماء كلب الماء، وعنز الماء، وخنزير الماء؛ وفيه الرق «2» ~~والسلحفاة، وفيه الضفدع وفيه السرطان، والبينيب «3» ، والتمساح والدخس «4» ~~والدلفين واللخم «5» والبنبك «6» ، وغير ذلك من الأصناف. والكوسج والد ~~اللخم، وليس للكوسج أب يعرف. وعامة ذا يعيش في الماء، ويبيت خارجا من ~~الماء، ويبيض في الشط ويبيض بيضا له صفرة، وقيض وغرقئ، وهو مع ذلك مما يكون ~~في الماء مع السمك. ### ||| 14- [تقسيم الحيوان الي فصيح و أعجم] # ثم لا يخرج الحيوان بعد ذلك في لغة العرب من فصيح وأعجم، كذلك يقال في ~~الجملة، كما يقال الصامت لما لا يصنع صمتا قط ولا يجوز عليه خلافه، والناطق ~~لما لم يتكلم قط، فيحملون ما يرغو، ويثغو، وينهق، ويصهل، ويشحج، ويخور، ~~ويبغم، ويعوي، وينبح، ويزقو، ويضغو، ويهدر، ويصفر، ويصوصي، ويقوقي، وينعب، ~~ويزأر، وينزب، ويكش، ويعج «7» ، على نطق الإنسان إذا جمع بعضه على بعض. ~~ولذلك أشباه، كالذكور والإناث إذا اجتمعا، وكالعير التي تسمى لطيمة، ~~وكالظعن؛ فإن هذه الأشياء إذا وجد بعضها إلى بعض، أو أخذ بعضها من بعض، # PageV01P027 # سميت بأنبه النوعين ذكرا، وبأقواهما. والفصيح ms0014 هو الإنسان، والأعجم كل ذي ~~صوت لايفهم إرادته إلا ما كان من جنسه. ولعمري إنا نفهم عن الفرس والحمار ~~والكلب والسنور والبعير، كثيرا من إرادته وحوائجه وقصوره، كما نفهم إرادة ~~الصبي في مهده ونعلم- وهو من جليل العلم- أن بكاءه يدل على خلاف ما يدل ~~عليه ضحكه. وحمحمة الفرس عند رؤية المخلاة، على خلاف ما يدل عليه حمحمته ~~عند رؤية الحجر، ودعاء الهرة الهر خلاف دعائها لولدها، وهذا كثير. # والإنسان فصيح، وإن عبر عن نفسه بالفارسية أو بالهندية أو بالرومية، وليس ~~العربي أسوأ فهما لطمطمة «1» الرومي من الرومي لبيان لسان العربي. فكل ~~إنسان من هذا الوجه يقال له فصيح، فإذا قالوا: فصيح وأعجم، فهذا هو التأويل ~~في قولهم أعجم، وإذا قالوا العرب والعجم ولم يلفظوا بفصيح وأعجم، فليس هذا ~~المعنى يريدون، إنما يعنون أنه لا يتكلم بالعربية، وأن العرب لا تفهم عنه. ~~وقال كثير: [من الطويل] # فبورك ما أعطى ابن ليلى بنية ... وصامت ما أعطى ابن ليلى وناطقه # ويقال «جاء بما صأى وصمت» «2» . فالصامت مثل الذهب والفضة، وقوله صأى ~~يعني الحيوان كله، ومعناه نطق وسكت؛ فالصامت في كل شيء سوى الحيوان. # ووجدنا كون العالم بما فيه حكمة، ووجدنا الحكمة على ضربين: شيء جعل حكمة ~~وهو لا يعقل الحكمة ولا عاقبة الحكمة، وشيء جعل حكمة وهو يعقل الحكمة ~~وعاقبة الحكمة. فاستوى بذاك الشيء العاقل وغير العاقل في جهة الدلالة على ~~أنه حكمة؛ واختلفا من جهة أن أحدهما دليل لا يستدل، والآخر دليل يستدل، فكل ~~مستدل دليل وليس كل دليل مستدلا، فشارك كل حيوان سوى الإنسان، جميع الجماد ~~في الدلالة، وفي عدم الاستدلال، واجتمع للإنسان أن كان دليلا مستدلا. # ثم جعل للمستدل سبب يدل به على وجوه استدلاله، ووجوه ما نتج له ~~الاستدلال، وسموا ذلك بيانا. # PageV01P028 ### || 15- [وسائل البيان] # وجعل البيان على أربعة أقسام: لفظ، وخط، وعقد «1» ، وإشارة، وجعل بيان ~~الدليل الذي لا يستدل تمكينه المستدل من نفسه، واقتياده كل من فكر فيه إلى ~~معرفة ما استخزن من البرهان، وحشي من الدلالة، وأودع من عجيب ms0015 الحكمة. # فالأجسام الخرس الصامتة، ناطقة من جهة الدلالة، ومعربة من جهة صحة ~~الشهادة، على أن الذي فيها من التدبير والحكمة، مخبر لمن استخبره، وناطق ~~لمن استنطقه، كما خبر الهزال وكسوف اللون، عن سوء الحال، وكما ينطق السمن ~~وحسن النضرة، عن حسن الحال. وقد قال الشاعر وهو نصيب: [من الطويل] # فعاجوا فأثنوا بالذي أنت أهله ... ولو سكتوا أثنت عليك الحقائب «2» # وقال آخر: [من الوافر] # متى تك في عدو أو صديق ... تخبرك العيون عن القلوب # وقد قال العكلي في صدق شم الذئب وفي شدة حسه واسترواحه: [من الرجز] # يستخبر الريح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصفا الموقع «3» # وقال عنترة، هو يصف نعيب غراب: [من الكامل] # حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع «4» # وقال الفضل بن عيسى بن أبان في قصصه: سل الأرض، فقل: من شق أنهارك، وغرس ~~أشجارك، وجنى ثمارك؛ فإن لم تجبك حوارا، أجابتك اعتبارا. # فموضوع الجسم ونصبته، دليل على ما فيه وداعية إليه، ومنبهة عليه. فالجماد ~~الأبكم الأخرس من هذا الوجه، قد شارك في البيان الإنسان الحي الناطق. فمن ~~جعل أقسام البيان خمسة، فقد ذهب أيضا مذهبا له جواز في اللغة، وشاهد في ~~العقل. # فهذا أحد قسمي الحكمة، وأحد معنيي ما استخزنها الله تعالى من الوديعة. # PageV01P029 ### || 16- [ما يعجز عنه الإنسان مما قدر عليه الحيوان] # والقسمة الأخرى ما أودع صدور صنوف سائر الحيوان، من ضروب المعارف، وفطرها ~~عليه من غريب الهدايات، وسخر حناجرها له من ضروب النغم الموزونة، والأصوات ~~الملحنة، والمخارج الشجية، والأغاني المطربة؛ فقد يقال إن جميع أصواتها ~~معدلة، وموزونة موقعة، ثم الذي سهل لها من الرفق العجيب في الصنعة، مما ~~ذلله الله تعالى لمناقيرها وأكفها، وكيف فتح لها من باب المعرفة على قدر ما ~~هيأ لها من الآلة، وكيف أعطى كثيرا منها من الحس اللطيف، والصنعة البديعة، ~~من غير تأديب وتثقيف، ومن غير تقويم وتلقين، ومن غير تدريج وتمرين، فبلغت ~~بعفوها وبمقدار قوى فطرتها، من البديهة والارتجال، ومن الابتداء والاقتضاب، ~~ما لا يقدر عليه حذاق رجال الرأي، ms0016 وفلاسفة علماء البشر، بيد ولا آلة. بل لا ~~يبلغ ذلك من الناس أكملهم خصالا وأتمهم خلالا، لا من جهة الاقتضاب ~~والارتجال ولا من جهة التعسف والاقتدار، ولا من جهة التقدم فيه، والتأني ~~فيه، والتأتي له. والترتيب لمقدماته، وتمكين الأسباب المعينة عليه. فصار ~~جهد الإنسان الثاقب الحس، الجامع القوى، المتصرف في الوجوه، المقدم في ~~الأمور، يعجز عن عفو كثير منها. # وهو ينظر إلى ضروب ما يجيء منها، كما أعطيت العنكبوت، وكما أعطيت السرفة ~~«1» ، وكما علم النحل، بل وعرف التنوط من بديع المعرفة، ومن غريب الصنعة، ~~في غير ذلك من أصناف الخلق. ثم لم يوجب لهم العجز في أنفسهم في أكثر ذلك، ~~إلا بما قوي عليه الهمج والخشاش وصغار الحشرات، ثم جعل الإنسان ذا العقل ~~والتمكين، والاستطاعة والتصريف، وذا التكلف والتجربة، وذا التأني ~~والمنافسة، وصاحب الفهم والمسابقة، والمتبصر شأن العاقبة، متى أحسن شيئا ~~كان كل شيء دونه في الغموض عليه أسهل، وجعل سائر الحيوان، وإن كان يحسن ~~أحدها ما لا يحسن أحذق الناس متى أحسن شيئا عجيبا، لم يمكنه أن يحسن ما هو ~~أقرب منه في الظن، وأسهل منه في الرأي، بل لا يحسن ما هو أقرب منه في ~~الحقيقة. # فلا الإنسان جعل نفسه كذلك، ولا شيء من الحيوان اختار ذلك، فأحسنت هذه ~~الأجناس بلا تعلم، ما يمتنع على الإنسان وإن تعلم، فصار لا يحاوله؛ إذ كان ~~لا يطمع فيه، ولا يحسدها؛ إذا لا يؤمل اللحاق بها. ثم جعل تعالى وعز، هاتين ~~الحكمتين بإزاء عيون الناظرين، وتجاه أسماع المعتبرين، ثم حث على التفكير # PageV01P030 # والاعتبار، وعلى الاتعاظ والازدجار، وعلى التعرف والتبين، وعلى التوقف ~~والتذكر، فجعلها مذكرة منبهة، وجعل الفطر تنشئ الخواطر، وتجول بأهلها في ~~المذاهب. ذلك الله رب العالمين، فتبارك الله أحسن الخالقين # «1» . ### || 17- [مزج الهزل بالجد في الكتاب] # وهذا كتاب موعظة وتعريف وتفقه وتنبيه. وأراك قد عبته قبل أن تقف على ~~حدوده، وتتفكر في فصوله، وتعتبر آخره بأوله، ومصادره بموارده، وقد غلطك فيه ~~بعض ما رأيت في أثنائه من مزح لا تعرف معناه، ms0017 ومن بطالة لم تطلع على غورها؛ ~~ولم تدر لم اجتلبت، ولا لأي علة تكلفت، وأي شيء أريغ بها، ولأي جد احتمل ~~ذلك الهزل، ولأي رياضة تجشمت تلك البطالة؛ ولم تدر أن المزاح جد إذا اجتلب ~~ليكون علة للجد، وأن البطالة وقار ورزانة، إذا تكلفت لتلك العافية. ولما ~~قال الخليل بن أحمد: لا يصل أحد من علم النحو إلى ما يحتاج إليه. حتى يتعلم ~~ما لا يحتاج إليه، قال أبو شمر: إذا كان لا يتوصل إلى ما يحتاج إليه إلا ~~بما لا يحتاج إليه، فقد صار ما لا يحتاج إليه يحتاج إليه «2» . وذلك مثل ~~كتابنا هذا؛ لأنه إن حملنا جميع من يتكلف قراءة هذا الكتاب على مر الحق، ~~وصعوبة الجد، وثقل المؤونة، وحلية الوقار، لم يصبر عليه مع طوله إلا من ~~تجرد للعلم، وفهم معناه، وذاق من ثمرته، واستشعر قلبه من عزه، ونال سروره ~~على حسب ما يورث الطول من الكد، والكثرة من السآمة. وما أكثر من يقاد إلى ~~حظه بالسواجير «3» ، وبالسوق العنيف، وبالإخافة الشديدة. ### || 18- [نعت الكتاب] # ثم لم أرك رضيت بالطعن على كل كتاب لي بعينه، حتى تجاوزت ذلك إلى أن عبت ~~وضع الكتب كيفما دارت بها الحال، وكيف تصرفت بها الوجوه. وقد كنت أعجب من ~~عيبك البعض بلا علم، حتى عبت الكل بلا علم، ثم تجاوزت ذلك إلى التشنيع، ثم ~~تجاوزت ذلك إلى نصب الحرب فعبت الكتاب؛ ونعم الذخر والعقدة «4» هو، ونعم ~~الجليس والعدة، ونعم النشرة والنزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم # PageV01P031 # الأنيس لساعة الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة ونعم القرين والدخيل، ~~ونعم الوزير والنزيل. والكتاب وعاء ملئ علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن ~~مزاحا وجدا؛ إن شئت كان أبين من سحبان وائل، وإن شئت كان أعيا من باقل، وإن ~~شئت ضحكت من نوادره، وإن شئت عجبت من غرائب فرائده، وإن شئت ألهتك طرائفه، ~~وإن شئت أشجتك مواعظه. ومن لك بواعظ مله، وبزاجر مغر، وبناسك فاتك، وبناطق ~~أخرس، وببارد حار. وفي البارد الحار يقول الحسن بن هانئ: [من المنسرح] # قل ms0018 لزهير إذا انتحى وشدا ... أقلل أو أكثر فأنت مهذار «1» # سخنت من شدة البرودة ح ... تى صرت عندي كأنك النار # لا يعجب السامعون من صفتي ... كذلك الثلج بارد حار # ومن لك بطبيب أعرابي، ومن لك برومي هندي، وبفارسي يوناني، وبقديم مولد، ~~وبميت ممتع، ومن لك بشيء يجمع لك الأول والآخر، والناقص والوافر، والخفي ~~والظاهر، والشاهد والغائب، والرفيع والوضيع، والغث والسمين، والشكل وخلافه، ~~والجنس وضده. # وبعد: فمتى رأيت بستانا يحمل في ردن «2» ، وروضة تقل في حجر، وناطقا ينطق ~~عن الموتى، ويترجم عن الأحياء!! ومن لك بمؤنس لا ينام إلا بنومك، ولا ينطق ~~إلا بما تهوى؛ آمن من الأرض، وأكتم للسر من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من ~~أرباب الوديعة، وأحفظ لما استحفظ من الآدميين، ومن الأعراب المعربين، بل من ~~الصبيان قبل اعتراض الاشتغال، ومن العميان قبل التمتع بتمييز الأشخاص، حين ~~العناية تامة لم تنقص، والأذهان فارغة لم تنقسم، والإرادة وافرة لم تتشعب، ~~والطينة لينة، فهي أقبل ما تكون للطبائع، والقضيب رطب، فهو أقرب ما يكون من ~~العلوق، حين هذه الخصال لم يخلق جديدها، ولم يوهن غربها، ولم تتفرق قواها، ~~وكانت كما قال الشاعر: [من الطويل] # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا «3» # PageV01P032 # وقال عبدة بن الطيب: [من الكامل] # لا تأمنوا قوما يشب صبيهم ... بين القوابل بالعداوة ينشع «1» # ومن كلامهم: التعلم في الصغر كالنقش في الحجر. وقد قال جران العود: [من ~~الوافر] # تركن برجلة الروحاء حتى ... تنكرت الديار على البصير # كوحي في الحجارة أو وشوم ... بأيدي الروم باقية النؤور # وقال آخر، وهو صالح بن عبد القدوس: [من السريع] # وإن من أدبته في الصبى ... كالعود يسقى الماء في غرسه # حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي قد كان في يبسه # وقال آخر: [من الطويل] # يقوم من ميل الغلام المؤدب ... ولا ينفع التأديب والرأس أشيب # وقال آخر: [من الكامل] # وتلوم عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم «2» # وقد قال ذو الرمة لعيسى بن عمر: اكتب شعري؛ فالكتاب أحب إلي من الحفظ. ~~لأن الأعرابي ms0019 ينسى الكلمة وقد سهر في طلبها ليلته، فيضع في موضعها كلمة في ~~وزنها، ثم ينشدها الناس، والكتاب لا ينسى ولا يبدل كلاما بكلام. # وعبت الكتاب، ولا أعلم جارا أبر، ولا خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا ~~معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية، ولا أقل جناية، ولا أقل إملالا وإبراما، ~~ولا أحفل أخلاقا، ولا أقل خلافا وإجراما، ولا أقل غيبة، ولا أبعد من عضيهة ~~«3» ، ولا أكثر أعجوبة وتصرفا، ولا أقل تصلفا وتكلفا، ولا أبعد من مراء، ~~ولا أترك لشغب، ولا أزهد في جدال، ولا أكف عن قتال، من كتاب. ولا أعلم ~~قرينا أحسن موافاة، ولا أعجل مكافأة، ولا أحضر معونة، ولا أخف مؤونة، ولا ~~شجرة أطول عمرا، ولا أجمع # PageV01P033 # أمرا، ولا أطيب ثمرة، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع إدراكا، ولا أوجد في كل ~~إبان، من كتاب. ولا أعلم نتاجا في حداثة سنه وقرب ميلاده، ورخص ثمنه، ~~وإمكان وجوده، يجمع من التدابير العجبية والعلوم الغريبة، ومن آثار العقول ~~الصحيحة، ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم الرفيعة، والمذاهب القويمة، ~~والتجارب الحكيمة، ومن الإخبار عن القرون الماضية، والبلاد المتنازحة، ~~والأمثال السائرة، والأمم البائدة، ما يجمع لك الكتاب. قال الله عز وجل ~~لنبيه عليه الصلاة والسلام اقرأ وربك الأكرم. # الذي علم بالقلم # «1» فوصف نفسه، تبارك وتعالى، بأن علم بالقلم، كما وصف نفسه بالكرم، ~~واعتد بذلك في نعمه العظام، وفي أياديه الجسام. وقد قالوا: «القلم أحد ~~اللسانين» ، وقالوا: «كل من عرف النعمة في بيان اللسان، كان بفضل النعمة في ~~بيان القلم أعرف» . ثم جعل هذا الأمر قرآنا، ثم جعله في أول التنزيل ~~ومستفتح الكتاب. ### || 19- [حاجة بعض الناس إلى بعض] # ثم اعلم، رحمك الله تعالى، أن [كون الاجتماع ضروريا] # صفة لازمة في طبائعهم، وخلقة قائمة في جواهرهم، وثابتة لا تزايلهم، ~~ومحيطة بجماعتهم، ومشتملة على أدناهم وأقصاهم، وحاجتهم إلى ما غاب عنهم- ~~مما يعيشهم ويحييهم، ويمسك بأرماقهم، ويصلح بالهم، ويجمع شملهم، وإلى ~~التعاون في درك ذلك، والتوازر عليه- كحاجتهم إلى التعاون على معرفة ما ~~يضرهم، والتوازر على ما يحتاجون من الارتفاق ms0020 بأمورهم التي لم تغب عنهم، ~~فحاجة الغائب موصولة بحاجة الشاهد، لاحتياج الأدنى إلى معرفة الأقصى، ~~واحتياج الأقصى إلى معرفة الأدنى، معان متضمنة، وأسباب متصلة، وحبال ~~منعقدة. وجعل حاجتنا إلى معرفة أخبار من كان قبلنا، كحاجة من كان قبلنا إلى ~~أخبار من كان قبلهم، وحاجة من يكون بعدنا إلى أخبارنا؛ ولذلك تقدمت في كتب ~~الله البشارات بالرسل، ولم يسخر لهم جميع خلقه، إلا وهم يحتاجون إلى ~~الارتفاق بجميع خلقه. وجعل الحاجة حاجتين: # إحداهما قوام وقوت، والأخرى لذة وإمتاع وازدياد في الآلة، وفي كل ما أجذل ~~النفوس، وجمع لهم العتاد. وذلك المقدار من جميع الصنفين وفق لكثرة حاجاتهم ~~وشهواتهم، وعلى قدر اتساع معرفتهم وبعد غورهم، وعلى قدر احتمال طبع البشرية ~~وفطرة الإنسانية. ثم لم يقطع الزيادة إلا لعجز خلقهم عن احتمالها، ولم يجز ~~أن يفرق # PageV01P034 # بينهم وبين العجز، إلا بعدم الأعيان، إذ كان العجز صفة من صفات الخلق، ~~ونعتا من نعوت العبيد. # لم يخلق الله تعالى أحدا يستطيع بلوغ حاجته بنفسه دون الاستعانة ببعض من ~~سخر له، فأدناهم مسخر لأقصاهم، وأجلهم ميسر لأدقهم. وعلى ذلك أحوج الملوك ~~إلى السوقة في باب، وأحوج السوقة إلى الملوك في باب، وكذلك الغني والفقير، ~~والعبد وسيده. ثم جعل الله تعالى كل شيء للإنسان خولا، وفي يده مذللا ميسرا ~~إما بالاحتيال له والتلطف في إراغته واستمالته، وإما بالصولة عليه، والفتك ~~به، وإما أن يأتيه سهوا ورهوا. على أن الإنسان لولا حاجته إليها، لما احتال ~~لها، ولا صال عليها. # إلا أن الحاجة تفترق في الجنس والجهة والجبلة، وفي الحظ والتقدير. # ثم تعبد الإنسان بالتفكر فيها، والنظر في أمورها، والاعتبار بما يرى، ~~ووصل بين عقولهم وبين معرفة تلك الحكم الشريفة، وتلك الحاجات اللازمة، ~~بالنظر والتفكير، وبالتنقيب والتنقير، والتثبت والتوقف؛ ووصل معارفهم ~~بمواقع حاجاتهم إليها، وتشاعرهم بمواضع الحكم فيها بالبيان عنها. ### || 20- [البيان ضروري للاجتماع] # وهو البيان الذي جعله الله تعالى سببا فيما بينهم، ومعبرا عن حقائق ~~حاجاتهم، ومعرفا لمواضع سد الخلة ورفع الشبهة، ومداواة الحيرة، ولأن أكثر ~~الناس عن الناس ms0021 أفهم منهم عن الأشباح الماثلة، والأجسام الجامدة، والأجرام ~~الساكنة، التي لا يتعرف ما فيها من دقائق الحكمة وكنوز الآداب، وينابيع ~~العلم، إلا بالعقل الثاقب اللطيف، وبالنظر التام النافذ، وبالأداة الكاملة، ~~وبالأسباب الوافرة، والصبر على مكروه الفكر، والاحتراس من وجوه الخدع. ~~والتحفظ من دواعي الهوى؛ ولأن الشكل أفهم عن شكله، وأسكن إليه وأصب به. ~~وذلك موجود في أجناس البهائم، وضروب السباع. والصبي عن الصبي أفهم له، وله ~~آلف وإليه أنزع، وكذلك العالم والعالم، والجاهل والجاهل، وقال الله عز وجل ~~لنبيه عليه الصلاة والسلام: ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا # «1» لأن الإنسان عن الإنسان أفهم، وطباعه بطباعه آنس؛ وعلى قدر ذلك يكون ~~موقع ما يسمع منه. # ثم لم يرض لهم من البنيان بصنف واحد، بل جمع ذلك ولم يفرق، وكثر ولم # PageV01P035 # يقلل، وأظهر ولم يخف، وجعل آلة البيان التي بها يتعارفون معانيهم، ~~والترجمان الذي إليه يرجعون عند اختلافهم؛ في أربعة أشياء؛ وفي خصلة خامسة؛ ~~وإن نقصت عن بلوغ هذه الأربعة في جهاتها، فقد تبدل بجنسها الذي وضعت له ~~وصرفت إليه، وهذه الخصال هي: اللفظ، والخط، والإشارة، والعقد؛ والخصلة ~~الخامسة ما أوجد من صحة الدلالة، وصدق الشهادة ووضوح البرهان، في الأجرام ~~الجامدة والصامتة، والساكنة التي لا تتبين ولا تحس، ولا تفهم ولا تتحرك إلا ~~بداخل يدخل عليها، أو عند ممسك خلي عنها، بعد أن كان تقييده لها. # ثم قسم الأقسام ورتب المحسوسات، وحصل الموجودات، فجعل اللفظ للسامع، وجعل ~~الإشارة للناظر، وأشرك الناظر واللامس في معرفة العقد، إلا بما فضل الله به ~~نصيب الناظر في ذلك على قدر نصيب اللامس. وجعل الخط دليلا على ما غاب من ~~حوائجه عنه، وسببا موصولا بينه وبين أعوانه؛ وجعله خازنا لما لا يأمن ~~نسيانه، مما قد أحصاه وحفظه، وأتقنه وجمعه، وتكلف الإحاطة به؛ ولم يجعل ~~للشام والذائق نصيبا. ### || 21- [خطوط الهند] # ولولا خطوط الهند لضاع من الحساب الكثير والبسيط، ولبطلت معرفة التضاعيف، ولعدموا الإحاطة ~~بالباورات وباورات الباورات، ولو أدركوا ذلك لما أدركوه إلا بعد أن تغلظ ~~المؤونة، وتنتقض المنة، ولصاروا ms0022 في حال معجزة وحسور، وإلى حال مضيعة وكلال ~~حد، مع التشاغل بأمور لولا فقد هذه الدلالة لكان أربح لهم، وأرد عليهم، أن ~~يصرف ذلك الشغل في أبواب منافع الدين والدنيا. ### || 22- [نفع الحساب] # ونفع الحساب معلوم، والخلة في موضع فقده معروفة. قال الله تعالى: # الرحمن علم القرآن خلق الإنسان علمه البيان # «1» . ثم قال: الشمس والقمر بحسبان # «2» . وبالبيان عرف الناس القرآن. وقال الله تبارك وتعالى: هو الذي جعل ~~الشمس ضياء والقمر نورا، وقدره منازل، لتعلموا عدد السنين والحساب # «3» # PageV01P036 # فأجرى الحساب مجرى البيان بالقرآن. وبحسبان منازل القمر، عرفنا حالات ~~المد والجزر، وكيف تكون الزيادة في الأهلة وأنصاف الشهور، وكيف يكون ~~النقصان في خلال ذلك، وكيف تلك المراتب وتلك الأقدار. ### || 23- [فضل الكتابة] # ولولا الكتب المدونة والأخبار المخلدة، والحكم المخطوطة التي تحصن الحساب ~~وغير الحساب، لبطل أكثر العلم، ولغلب سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان ~~للناس مفزع إلى موضع استذكار. ولو تم ذلك لحرمنا أكثر النفع؛ إذ كنا قد ~~علمنا أن مقدار حفظ الناس لعواجل حاجاتهم وأوائلها، لا يبلغ من ذلك مبلغا ~~مذكورا ولا يغني فيه غناء محمودا. ولو كلف عامة من يطلب العلم ويصطنع ~~الكتب، ألا يزال حافظا لفهرست كتبه لأعجزه ذلك، ولكلف شططا، ولشغله ذلك عن ~~كثير مما هو أولى به. وفهمك لمعاني كلام الناس، ينقطع قبل انقطاع فهم عين ~~الصوت مجردا، وأبعد فهمك لصوت صاحبك ومعاملك والمعاون لك، ما كان صياحا ~~صرفا، وصوتا مصمتا ونداء خالصا، ولا يكون ذلك إلا وهو بعيد من المفاهمة، ~~وعطل من الدلالة. فجعل اللفظ لأقرب الحاجات، والصوت لأنفس من ذلك قليلا، ~~والكتاب للنازح من الحاجات. فأما الإشارة فأقرب المفهوم منها: رفع الحواجب، ~~وكسر الأجفان، ولي الشفاه وتحريك الأعناق، وقبض جلدة الوجه؛ وأبعدها أن ~~تلوى بثوب على مقطع جبل، تجاه عين الناظر، ثم ينقطع عملها ويدرس أثرها، ~~ويموت ذكرها، ويصير بعد كل شيء فضل عن انتهاء مدى الصوت ومنتهى الطرف، إلى ~~الحاجة وإلى التفاهم بالخطوط والكتب. فأي نفع أعظم، وأي مرفق أعون من الخط، ~~والحال فيه كما ذكرنا!! ms0023 وليس للعقد حظ الإشارة في بعد الغاية. ### || 24- [فضل القلم] # فلذلك وضع الله عز وجل القلم في المكان الرفيع، ونوه بذكره في المنصب ~~الشريف حين قال ن والقلم وما يسطرون # «1» فأقسم بالقلم كما أقسم بما يخط بالقلم؛ إذ كان اللسان لا يتعاطى ~~شأوه، ولا يشق غباره ولا يجري في حلبته، ولا يتكلف بعد غايته. لكن لما أن ~~كانت حاجات الناس بالحضرة «2» أكثر من حاجاتهم # PageV01P037 # في سائر الأماكن، وكانت الحاجة إلى بيان اللسان حاجة دائمة واكدة، وراهنة ~~ثابتة، وكانت الحاجة إلى بيان القلم أمرا يكون في الغيبة وعند النائبة، إلا ~~ما خصت به الدواوين؛ فإن لسان القلم هناك أبسط، وأثره أعم، فلذلك قدموا ~~اللسان على القلم. ### || 25- [فضل اليد] # فاللسان الآن إنما هو في منافع اليد والمرافق التي فيها، والحاجات التي ~~تبلغها. # فمن ذلك حظها وقسطها من منافع الإشارة، ثم نصيبها في تقويم القلم، ثم ~~حظها في التصوير، ثم حظها في الصناعات، ثم حظها في العقد، ثم حظها في الدفع ~~عن النفس، ثم حظها في إيصال الطعام والشراب إلى الفم، ثم التوضؤ والامتساح، ~~ثم انتقاد الدنانير والدراهم ولبس الثياب، وفي الدفع عن النفس، وأصناف ~~الرمي، وأصناف الضرب، وأصناف الطعن، ثم النقر بالعود وتحريك الوتر؛ ولولا ~~ذلك لبطل الضرب كله أو عامته. وكيف لا يكون ذلك كذلك ولها ضرب الطبل والدف، ~~وتحريك الصفاقتين «1» ، وتحريك مخارق خروق المزامير، وما في ذلك من الإطلاق ~~والحبس. ولو لم يكن في اليد إلا إمساك العنان والزمام والخطام، لكان من ~~أعظم الحظوظ. # وقد اضطربوا في الحكم بين العقد والإشارة، ولولا أن مغزانا في هذا الكتاب ~~سوى هذا الباب، لقد كان هذا مما أحب أن يعرفه إخواننا وخلطاؤنا. فلا ينبغي ~~لنا أيضا أن نأخذ في هذا الباب من الكلام، إلا بعد الفراغ مما هو أولى بنا ~~منه، إذ كنت لم تنازعني، ولم تعب كتبي، من طريق فضل ما بين العقد والإشارة، ~~ولا في تمييز ما بين اللفظ وبينهما، وإنما قصدنا بكلامنا إلى الإخبار عن ~~فضيلة الكتاب. ### || 26- [فضل الكتاب] # والكتاب هو ms0024 الذي يؤدي إلى الناس كتب الدين، وحساب الدواوين مع خفة نقله، ~~وصغر حجمه؛ صامت ما أسكته، وبليغ ما استنطقته. ومن لك بمسامر لا يبتديك في ~~حال شغلك، ويدعوك في أوقات نشاطك، ولا يحوجك إلى التجمل له والتذمم منه. ~~ومن لك بزائر إن شئت جعل زيارته غبا، ووروده خمسا، وإن شئت لزمك لزوم ظلك، ~~وكان منك مكان بعضك. # PageV01P038 # والقلم مكتف بنفسه، لا يحتاج إلى ما عند غيره؛ ولا بد لبيان اللسان من ~~أمور: منها إشارة اليد، ولولا الإشارة لما فهموا عنك خاص الخاص إذا كان أخص ~~الخاص قد يدخل في باب العام، إلا أنه أدنى طبقاته؛ وليس يكتفي خاص الخاص ~~باللفظ عما أداه، كما اكتفى عام العام والطبقات التي بينه وبين أخص الخاص. # والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يغريك، والرفيق الذي ~~لا يملك، والمستميح الذي لا يستريثك «1» ، والجار الذي لا يستبطيك، والصاحب ~~الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا يخدعك ~~بالنفاق، ولا يحتال لك بالكذب. والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، ~~وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود بنانك، وفخم ألفاظك، وبجح «2» نفسك، وعمر ~~صدرك، ومنحك تعظيم العوام وصداقة الملوك، وعرفت به في شهر، ما لا تعرفه من ~~أفواه الرجال في دهر، مع السلامة من الغرم، ومن كد الطلب، ومن الوقوف بباب ~~المكتسب بالتعليم، ومن الجلوس بين يدي من أنت أفضل منه خلقا، وأكرم منه ~~عرقا، ومع السلامة من مجالسة البغضاء ومقارنة الأغبياء. # والكتاب هو الذي يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في ~~الحضر، ولا يعتل بنوم، ولا يعتريه كلال السهر. وهو المعلم الذي إن افتقرت ~~إليه لم يخفرك «3» ، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن عزلت لم ~~يدع طاعتك، وإن هبت ريح أعاديك لم ينقلب عليك، ومتى كنت منه متعلقا بسبب أو ~~معتصما بأدنى حبل، كان لك فيه غنى من غيره، ولم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى ~~جليس السوء. ولو لم يكن من فضله عليك، وإحسانه إليك، إلا ms0025 منعه لك من الجلوس ~~على بابك، والنظر إلى المارة بك، مع ما في ذلك من التعرض للحقوق التي تلزم، ~~ومن فضول النظر، ومن عادة الخوض فيما لا يعنيك، ومن ملابسة صغار الناس، ~~وحضور ألفاظهم الساقطة، ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الردية، وجهالاتهم ~~المذمومة، لكان في ذلك السلامة، ثم الغنيمة، وإحراز الأصل، مع استفادة ~~الفرع. # ولو لم يكن في ذلك إلا أنه يشغلك عن سخف المنى وعن اعتياد الراحة، وعن ~~اللعب، وكل ما أشبه اللعب، لقد كان على صاحبه أسبغ النعمة وأعظم المنة. # PageV01P039 # وقد علمنا أن أفضل ما يقطع به الفراغ نهارهم، وأصحاب الفكاهات ساعات ~~ليلهم، الكتاب. وهو الشيء الذي لا يرى لهم فيه مع النيل أثر في ازدياد ~~تجربة ولا عقل ولا مروءة، ولا في صون عرض، ولا في إصلاح دين، ولا في تثمير ~~مال، ولا في رب صنيعة «1» ولا في ابتداء إنعام. ### || 27- [أقوال لبعض العلماء في فضل الكتاب] # وقال أبو عبيدة، قال المهلب لبنيه في وصيته: يا بني لا تقوموا في الأسواق ~~إلا على زراد أو وراق «2» . # وحدثني صديق لي قال: قرأت على شيخ شامي كتابا فيه من مآثر غطفان فقال: ~~«ذهبت المكارم إلا من الكتب» «3» . # وسمعت الحسن اللؤلؤي يقول: غبرت «4» أربعين عاما ما قلت «5» ولا بت ولا ~~اتكأت إلا والكتاب موضوع على صدري. # وقال ابن الجهم: إذا غشيني النعاس في غير وقت نوم- وبئس الشيء النوم ~~الفاضل عن الحاجة- قال: فإذا اعتراني ذلك تناولت كتابا من كتب الحكم، فأجد ~~اهتزازي للفوائد، والأريحية التي تعتريني عند الظفر ببعض الحاجة، والذي ~~يغشى قلبي من سرور الاستبانة وعز التبيين أشد إيقاظا من نهيق الحمير وهدة ~~الهدم. # وقال ابن الجهم: إذا استحسنت الكتاب واستجدته، ورجوت منه الفائدة ورأيت ~~ذلك فيه- فلو تراني وأنا ساعة بعد ساعة أنظر كم بقي من ورقه مخافة ~~استنفاده، وانقطاع المادة من قلبه، وإن كان المصحف عظيم الحجم كثير الورق، ~~كثير العدد- فقد تم عيشي وكمل سروري. # وذكر العتبي كتابا لبعض القدماء فقال: لولا طوله وكثرة ورقه لنسخته. فقال # PageV01P040 # ابن الجهم: لكني ما رغبني ms0026 فيه إلا الذي زهدك فيه؛ وما قرأت قط كتابا ~~كبيرا فأخلاني من فائدة، وما أحصي كم قرأت من صغار الكتب فخرجت منها كما ~~دخلت. # وقال العتبي ذات يوم لابن الجهم: ألا تتعجب من فلان!! نظر في كتاب ~~الإقليدس مع جارية سلمويه في يوم واحد، وساعة واحدة، فقد فرغت الجارية من ~~الكتاب وهو بعد لم يحكم مقالة واحدة، على أنه حر مخير، وتلك أمة مقصورة، ~~وهو أحرص على قراءة الكتاب من سلمويه على تعليم جارية. قال ابن الجهم: قد ~~كنت أظن أنه لم يفهم منه شكلا واحدا، وأراك تزعم أنه قد فرغ من مقالة!! قال ~~العتبي: وكيف ظننت به هذا الظن، وهو رجل ذو لسان وأدب؟ قال: لأني سمعته ~~يقول لابنه: كم أنفقت على كتاب كذا؟ قال: أنفقت عليه كذا، قال: إنما رغبني ~~في العلم أني ظننت أني أنفق عليه قليلا وأكتسب كثيرا، فأما إذا صرت أنفق ~~الكثير، وليس في يدي إلا المواعيد، فإني لا أريد العلم بشيء!! ### || 28- [السماع و الکتابة] # فالإنسان لا يعلم حتى يكثر سماعه، ولا بد من أن تكون كتبه أكثر من سماعه؛ ~~ولا يعلم، ولا يجمع العلم، ولا يختلف إليه، حتى يكون الإنفاق عليه من ماله، ~~ألذ عنده من الإنفاق من مال عدوه. ومن لم تكن نفقته التي تخرج في الكتب، ~~ألذ عنده من إنفاق عشاق القيان، والمستهترين بالبنيان، لم يبلغ في العلم ~~مبلغا رضيا. وليس ينتفع بإنفاقه، حتى يؤثر اتخاذ الكتب إيثار الأعرابي فرسه ~~باللبن على عياله، وحتى يؤمل في العلم ما يؤمل الأعرابي في فرسه. ### || 29- [حرض الزنادقة علی تحسين كتبهم] # وقال إبراهيم بن السندي مرة: وددت أن الزنادقة لم يكونوا حرصاء على ~~المغالاة بالورق النقي الأبيض، وعلى تخير الحبر الأسود المشرق البراق، وعلى ~~استجادة الخط والإرغاب لمن يخط، فإني لم أر كورق كتبهم ورقا، ولا كالخطوط ~~التي فيها خطا. وإذا غرمت مالا عظيما- مع حتي للمال وبغض الغرم- كان سخاء ~~النفس بالإنفاق على الكتب، دليلا على تعظيم العلم، وتعظيم العلم دليل على ~~شرف النفس، وعلى السلامة من ms0027 سكر الآفات. قلت لإبراهيم: إن إنفاق الزنادقة ~~على تحصيل الكتب، كإنفاق النصارى على البيع، ولو كانت كتب الزنادقة كتب حكم ~~وكتب # PageV01P041 # فلسفة، وكتب مقاييس وسنن وتبين وتبيين، أو لو كانت كتبهم كتبا تعرف الناس ~~أبواب الصناعات، أو سبل التكسب والتجارات، أو كتب ارتفاقات ورياضات، أو بعض ~~ما يتعاطاه الناس من الفطن والآداب- وإن كان ذلك لا يقرب من غنى ولا يبعد ~~من مأثم- لكانوا ممن قد يجوز أن يظن بهم تعظيم البيان، والرغبة في التبين، ~~ولكنهم ذهبوا فيها مذهب الديانة، وعلى طريق تعظيم الملة، فإنما إنفاقهم في ~~ذلك، كإنفاق المجوس على بيت النار، وكإنفاق النصارى على صلبان الذهب، أو ~~كإنفاق الهند على سدنة البددة «1» . ولو كانوا أرادوا العلم لكان العلم لهم ~~معرضا، وكتب الحكمة لهم مبذولة، والطرق إليها سهلة معروفة. فما بالهم لا ~~يصنعون ذلك إلا بكتب دياناتهم، كما يزخرف النصارى بيوت عباداتهم! ولو كان ~~هذا المعنى مستحسنا عند المسلمين، أو كانوا يرون أن ذلك داعية إلى العبادة، ~~وباعثة على الخشوع، لبلغوا في ذلك بعفوهم، ما لا تبلغه النصارى بغاية ~~الجهد. ### || 30- [مسجد دمشق] # وقد رأيت مسجد دمشق،حين استجاز هذا السبيل ملك من ملوكها، ومن رآه فقد علم أن أحدا لا يرومه، ~~وأن الروم لا تسخوا أنفسهم به، فلما قام عمر بن عبد العزيز، جلله بالجلال، ~~وغطاه بالكرابيس «2» ، وطبخ سلاسل القناديل حتى ذهب عنها ذلك التلألؤ ~~والبريق؛ وذهب إلى أن ذلك الصنيع مجانب لسنة الإسلام، وأن ذلك الحسن الرائع ~~والمحاسن الدقاق، مذهلة للقلوب، ومشغلة دون الخشوع، وأن البال لا يكون ~~مجتمعا وهناك شيء يفرقه ويعترض عليه. ### || 31- [صفة كتب الزنادقة] # والذي يدل على ما قلنا، أنه ليس في كتبهم مثل سائر، ولا خبر طريف، ولا ~~صنعة أدب، ولا حكمة غريبة، ولا فلسفة، ولا مسألة كلامية، ولا تعريف صناعة، ~~ولا استخراج آلة، ولا تعليم فلاحة، ولا تدبير حرب، ولا مقارعة عن دين، ولا ~~مناضلة عن نحلة، وجل ما فيها ذكر النور والظلمة، وتناكح الشياطين، وتسافد ~~العفاريت، وذكر الصنديد، والتهويل بعمود السنخ، والإخبار عن شقلون، وعن ms0028 ~~الهامة والهمامة. وكله هذر وعي وخرافة، وسخرية وتكذب، لا ترى فيه موعظة ~~حسنة، ولا حديثا مونقا، # PageV01P042 # ولا تدبير معاش، ولا سياسة عامة، ولا ترتيب خاصة. فأي كتاب أجهل، وأي ~~تدبير أفسد من كتاب يوجب على الناس الإطاعة، والبخوع «1» بالديانة، لا على ~~جهة الاستبصار والمحبة، وليس فيه صلاح معاش ولا تصحيح دين!؟ والناس لا ~~يحبون إلا دينا أو دنيا: فأما الدنيا فإقامة سوقها وإحضار نفعها. وأما ~~الدين فأقل ما يطمع في استجابة العامة، واستمالة الخاصة، أن يصور في صورة ~~مغلطة، ويموه تمويه الدينار البهرج، والدرهم الزائف الذي لا يغلط فيه ~~الكثير، ويعرف حقيقته القليل. فليس إنفاقهم عليها من حيث ظننت. وكل دين ~~يكون أظهر اختلافا وأكثر فسادا، يحتاج من الترقيع والتمويه، ومن الاحتشاد ~~له والتغليظ فيه إلى أكثر. وقد علمنا أن النصرانية أشد انتشارا من اليهودية ~~تعبدا، فعلى حسب ذلك يكون تزيدهم في توكيده، واحتفالهم في إظهار تعليمه. ### || 32- [فضل التعلم] # وقال بعضهم: كنت عند بعض العلماء، فكنت أكتب عنه بعضا وأدع بعضا، فقال ~~لي: اكتب كل ما تسمع، فإن أخس ما تسمع خير من مكانه أبيض. # وقال الخليل بن أحمد: تكثر من العلم لتعرف، وتقلل منه لتحفظ. # وقال أبو إسحاق: القليل والكثير للكتب، والقليل وحده للصدر. # وأنشد قول ابن يسير «2» : [من المتقارب] # أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع # ولم أستفد غير ما قد جمع ... ت لقيل هو العالم المصقع # ولكن نفسي إلى كل نو ... ع من العلم تسمعه تنزع # فلا أنا أحفظ ما قد جمع ... ت ولا أنا من جمعه أشبع # وأحصر بالعي في مجلسي ... وعلمي في الكتب مستودع # فمن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع # إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع ### || 33- [التخصص بضروب من العلم] # وقال أبو إسحاق: كلف ابن يسير الكتب ما ليس عليها. إن الكتب لا تحيي # PageV01P043 # الموتى، ولا نحول الأحمق عاقلا، ولا البليد ذكيا، ولكن الطبيعة إذا كان ~~فيها أدنى قبول، فالكتب تشحذ وتفتق، وترهف وتشفي. ومن ms0029 أراد أن يعلم كل شيء، ~~فينبغي لأهله أن يداووه! فإن ذلك إنما تصور له بشيء اعتراه!! فمن كان دكيا ~~حافظا فليقصد إلى شيئين، وإلى ثلاثة أشياء، ولا ينزع عن الدرس والمطارحة، ~~ولا يدع أن يمر على سمعه وعلى بصره وعلى ذهنه، ما قدر عليه من سائر ~~الأصناف، فيكون عالما بخواص. ويكون غير غفل من سائر ما يجري فيه الناس ~~ويخوضون فيه. ومن كان مع الدرس لا يحفظ شيئا، إلا نسي ما هو أكثر منه، فهو ~~من الحفظ من أفواه الرجال أبعد. ### || 34- [جمع الكتب] # وحدثني موسى بن يحيى قال: ما كان في خزانة كتب يحيى، وفي بيت مدارسه كتاب ~~إلا وله ثلاث نسخ. # وقال أبو عمرو بن العلاء: ما دخلت على رجل قط ولا مررت ببابه، فرأيته ~~ينظر في دفتر وجليسه فارغ اليد، إلا اعتقدت أنه أفضل منه وأعقل. # وقال أبو عمرو بن العلاء: قيل لنا يوما: إن في دار فلان ناسا قد اجتمعوا ~~على سوءة، وهم جلوس على خميرة لهم، وعندهم طنبور. فتسورنا عليهم في جماعة ~~من رجال الحي، فإذا فتى جالس في وسط الدار، وأصحابه حوله، وإذا هم بيض ~~اللحى، وإذا هو يقرأ عليهم دفترا فيه شعر. فقال الذي سعى بهم: السوءة في ~~ذلك البيت، وإن دخلتموه عثرتم عليها! فقلت: والله لا أكشف فتى أصحابه شيوخ، ~~وفي يده دفتر علم، ولو كان في ثوبه دم يحيى بن زكرياء!! وأنشد رجل يونس ~~النحوي: [من البسيط] # استودع العلم قرطاسا فضيعه ... فبئس مستودع العلم القراطيس «1» # قال، فقال يونس: قاتله الله، ما أشد ضنانته بالعلم، وأحسن صيانته له، إن ~~علمك من روحك، ومالك من بدنك، فضعه منك بمكان الروح، وضع مالك بمكان ~~البدن!! وقيل لابن داحة- وأخرج كتاب أبي الشمقمق، وإذا هو في جلود كوفية، # PageV01P044 # ودفتين طائفيتين، بخط عجيب- فقيل له: لقد أضيع من تجود بشعر أبي الشمقمق! ~~فقال: لا جرم والله!! إن العلم ليعطيكم على حساب ما تعطونه، ولو استطعت أن ~~أودعه سويداء قلبي، أو أجعله محفوظا على ناظري، لفعلت. # ولقد دخلت على إسحاق ms0030 بن سليمان في إمرته، فرأيت السماطين والرجال مثولا ~~كأن على رؤوسهم الطير، ورأيت فرشته وبزته؛ ثم دخلت عليه وهو معزول، وإذا هو ~~في بيت كتبه، وحواليه الأسفاط والرقوق، والقماطر والدفاتر والمساطر ~~والمحابر، فما رأيته قط أفخم ولا أنبل، ولا أهيب ولا أجزل منه في ذلك ~~اليوم؛ لأنه جمع مع المهابة المحبة، ومع الفخامة الحلاوة، ومع السؤدد ~~الحكمة. # وقال ابن داحة: كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب، لا يجالس الناس، وينزل مقبرة من المقابر، وكان لا يكاد يرى إلا وفي ~~يده كتاب يقرؤه. فسئل عن ذلك، وعن نزوله المقبرة فقال: لم أر أوعظ من قبر، ~~ولا أمنع من كتاب، ولا أسلم من الوحدة، فقيل له: قد جاء في الوحدة ما جاء! ~~فقال: ما أفسدها للجاهل وأصلحها للعاقل!. ### || 35- [ضروب من الخطوط] # وضروب من الخطوط بعد ذلك، تدل على قدر منفعة الخط. قال الله تبارك وتعالى ~~كراما كاتبين. يعلمون ما تفعلون # «1» وقال الله عز وجل في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة # «2» وقال فأما من أوتي كتابه بيمينه # «3» وقال وأما من أوتي كتابه وراء ظهره # «4» وقال اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا # «5» . # ولو لم تكتب أعمالهم لكانت محفوظة لا يدخل ذلك الحفظ نسيان، ولكنه تعالى ~~وعز، علم أن كتاب المحفوظ ونسخه، أوكد وأبلغ في الإنذار والتحذير، وأهيب في ~~الصدور. # PageV01P045 # وخط آخر، وهو خط الحازي والعراف «1» والزاجر. وكان فيهم حليس الخطاط ~~الأسدي، ولذلك قال شاعرهم في هجائهم: [من الطويل] # فأنتم عضاريط الخميس إذا غزوا ... غناؤكم تلك الأخاطيط في الترب «2» # وخطوط أخر، تكون مستراحا للأسير والمهموم والمفكر، كما يعتري المفكر من ~~قرع السن، والغضبان من تصفيق اليد وتجحيظ العين. وقال تأبط شرا: # [من البسيط] # لتقرعن علي السن من ندم ... إذا تذكرت يوما بعض أخلاقي «3» # وفي خط الحزين في الأرض يقول ذو الرمة: [من الطويل] # عشية مالى حيلة غير أنني ... بلقط الحصى والخط في الدار مولع «4» # أخط وأمحو الخط ثم أعيده ... بكفي والغربان في الدار وقع # وذكر النابغة ms0031 صنيع النساء، وفزعهن إلى ذلك، إذا سبين واغتربن وفكرن، ~~فقال: # [من الطويل] # ويخططن بالعيدان في كل منزل ... ويخبأن رمان الثدي النواهد «5» # وقد يفزع إلى ذلك الخجل والمتعلل، كما يفزع إليه المهموم وهو قول القاسم ~~ابن أمية بن أبي الصلت: [من الكامل] # لا ينقرون الأرض عند سؤالهم ... لتلمس العلات بالعيدان «6» # بل يبسطون وجوههم فترى لها ... عند اللقاء كأحسن الألوان # وقال الحارث بن الكندي، وذكر رجلا سأله حاجة فاعتراه العبث بأسنانه، ~~فقال: [من الوافر] # وآض بكفه يحتك ضرسا ... يرينا أنه وجع بضرس # PageV01P046 # وربما اعترى هؤلاء عد الحصى، إذا كانوا في موضع حصى، ولم يكونوا في موضع ~~تراب، وهو قول امرئ القيس: [من الطويل] # ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي حسراتي «1» # وقال أمية بن أبي الصلت: [من الخفيف] # نهرا جاريا وبيتا عليا ... يعتري المعتفين فضل نداكا «2» # في تراخ من المكارم جزل ... لم تعللهم بلقط حصاكا # وقال الآخر، وهو يصف امرأة قتل زوجها، فهي محزونة تلقط الحصى: [من ~~الطويل] # وبيضاء مكسال كأن وشاحها ... على أم أحوى المقلتين خذول # عقلت لها من زوجها عدد الحصى ... مع الصبح، أو في جنح كل أصيل # يقول: لم أعطها عقلا عن زوجها، ولم أورثها إلا الهم الذي دعاها إلى لقط ~~الحصى. يخبر أنه لمنعته، لا يوصل منه إلى عقل ولا قود. ### || 36- [أقوال الشعراء في الخط] # ومما قالوا في الخط، ما أنشدنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي قال: قال ~~المقنع الكندي «3» في قصيدة له مدح فيها الوليد بن يزيد: [من الكامل] # كالخط في كتب الغلام أجاده ... بمداده، وأسد من أقلامه # قلم كخرطوم الحمامة مائل ... مستحفظ للعلم من علامه # يسم الحروف إذا يشاء بناءها ... لبيانها بالنقط من أرسامه # من صوفة نفث المداد سخامه ... حتى تغير لونها بسخامه # يحفى فيقصم من شعيرة أنفه ... كقلامة الأظفور من قلامه # وبأنفه شق تلاءم فاستوى ... سقي المداد، فزاد في تلآمه # مستعجم وهو الفصيح بكل ما ... نطق اللسان به على استعجامه # PageV01P047 # وله تراجمة بألسنة لهم ... تبيان ما يتلون من ترجامه # ما خط من ms0032 شيء به كتابه ... ما إن يبوح به على استكتامه # وهجاؤه قاف ولام بعدها ... ميم معلقة بأسفل لامه # ثم قال: # قالت لجارتها الغزيل إذ رأت ... وجه المقنع من وراء لثامه # قد كان أبيض فاعتراه أدمة ... فالعين تنكره من ادهيمامه # كم من بويزل عامها مهرية ... سرح اليدين ومن بويزل عامه # وهب الوليد برحلها وزمامها ... وكذاك ذاك برحله، وزمامه # وقويرح عتد أعد لنيه ... لبن اللقوح فعاد ملء حزامه # وهب الوليد بسرجها ولجامها ... وكذاك ذاك بسرجه، ولجامه # أهدى المقنع للوليد قصيدة ... كالسيف أرهف حده بحسامه # وله المآثر في قريش كلها ... وله الخلافة بعد موت هشامه # وقال الحسن بن جماعة الجذامي في الخط: [من الطويل] # إليك بسري بات يرقل عالم ... أصم الصدى محرورف السن طائع «1» # بصير بما يوحى إليه وما له ... لسان ولا أذن بها هو سامع # كأن ضمير القلب باح بسره ... لديه، إذا ما حثحثته الأصابع # له ريقة من غير فرث تمده ... ولا من ضلوع صفقتها الأضالع # وقال الطائي، يمدح محمد بن عبد الملك الزيات: [من الطويل] # وما برحت صورا إليك نوازعا ... أعنتها مذ راسلتك الرسائل # لك القلم الأعلى الذي بشباته ... يصاب من الأمر الكلى والمفاصل # لك الخلوات اللاء لولا نجيها ... لما احتفلت للملك تلك المحافل # لعاب الأفاعي القاتلات لعابه ... وأري الجنى اشتارته أيد عواسل # له ريقة طل ولكن وقعها ... بآثارها في الشرق والغرب وابل # فصيح إذا استنطقته وهو راكب ... وأعجم إن خاطبته وهو راجل # إذا ما امتطى الخمس اللطاف وأفرغت ... عليه شعاب الفكر وهي حوافل # أطاعته أطراف القنا وتقوضت ... لنجواه تقويض الخيام الجحافل # PageV01P048 # إذا استغزر الذهن الجلي وأقبلت ... أعاليه في القرطاس وهي أسافل # وقد رفدته الخنصران وسددت ... ثلاث نواحيه الثلاث الأنامل # رأيت جليلا شأنه وهو مرهف ... ضنى وسمينا خطبه وهو ناحل # أرى ابن أبي مروان أما لقاؤه ... فدان وأما الحكم فيه فعادل # وقد ذكر البحتري في كلمة له، بعض كهول العسكر، ومن أنبل أبناء كتابهم ~~الجلة فقال: [من الكامل] # وإذا دجت أقلامه ثم انتحت ... برقت مصابيح الدجى في كتبه ### || 37- [الكتابات القديمة] # وكانوا يجعلون ms0033 الكتاب حفرا في الصخور، ونقشا في الحجارة، وخلقة مركبة في ~~البنيان، فربما كان الكتاب هو الناتئ، وربما كان الكتاب هو الحفر، إذا كان ~~تاريخا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو إحياء شرف ~~يريدون تخليد ذكره، أو تطويل مدته، كما كتبوا على قبة غمدان «1» ، وعلى باب ~~القيروان، وعلى باب سمرقند «2» ، وعلى عمود مأرب، وعلى ركن المشقر «3» ، ~~وعلى الأبلق الفرد «4» ، وعلى باب الرها «5» ، يعمدون إلى الأماكن ~~المشهورة، والمواضع المذكورة، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، ~~وأمنعها من الدروس، وأجدر أن يراها من مربها، ولا تنسى على وجه الدهر. ### || 38- [فضل الکتابة و تسجیل المعاهدات و المحالفات] # وأقول: لولا الخطوط لبطلت العهود والشروط والسجلات والصكاك، وكل # PageV01P049 # إقطاع، وكل إنفاق، وكل أمان، وكل عهد وعقد، وكل جوار وحلف. ولتعظيم ذلك، ~~والثقة به والاستناد إليه، كانوا يدعون في الجاهلية من يكتب لهم ذكر الحلف ~~والهدنة، تعظيما للأمر، وتبعيدا من النسيان، ولذلك قال الحارث بن حلزة، في ~~شأن بكر وتغلب: [من الخفيف] # واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دم فيه العهود والكفلاء «1» # حذر الجور والتعدي، وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء! # والمهارق، ليس يراد بها الصحف والكتب، ولا يقال للكتب مهارق حتى تكون كتب ~~دين، أو كتب عهود، وميثاق، وأمان. ### || 39- [الرقوم والخطوط] # وليس بين الرقوم والخطوط # فرق، ولولا الرقوم لهلك أصحاب البز والغزول، وأصحاب الساج وعامة المتاجر، ~~وليس بين الوسوم التي تكون على الحافر كله والخف كله والظلف كله، وبين ~~الرقوم فرق، ولا بين العقود والرقوم فرق، ولا بين الخطوط والرقوم كلها فرق، ~~وكلها خطوط، وكلها كتاب، أو في معنى الخط والكتاب، ولا بين الحروف المجموعة ~~والمصورة من الصوت المقطع في الهواء، ومن الحروف المجموعة المصورة من ~~السواد في القرطاس فرق. ### || 40- [اللسان والقلم] # واللسان: يصنع في جوبة الفم وهوائه الذي في جوف الفم وفي خارجه، وفي ~~لهاته، وباطن أسنانه، مثل ما يصنع القلم في المداد والليقة والهواء ~~والقرطاس، وكلها صور وعلامات وخلق مواثل، ودلالات، فيعرف منها ما كان في ~~تلك ms0034 الصور لكثرة تردادها على الأسماع، ويعرف منها ما كان مصورا من تلك ~~الألوان لطول تكرارها على الأبصار، كما استدلوا بالضحك على السرور، ~~وبالبكاء على الألم. وعلى مثل ذلك عرفوا معاني الصوت، وضروب صور الإشارات، ~~وصور جميع الهيئات، وكما عرف المجنون لقبه، والكلب اسمه. وعلى مثل ذلك فهم ~~الصبي الزجر والإغراء، ووعى المجنون الوعيد والتهدد، وبمثل ذلك اشتد حضر ~~الدابة مع رفع الصوت، حتى # PageV01P050 # إذا رأى سائسه حمحم. وإذا رأى الحمام القيم عليه انحط للقط الحب، قبل أن ~~يلقي له ما يلقطه. ولولا الوسوم ونقوش الخواتم، لدخل على الأموال الخلل ~~الكثير، وعلى خزائن الناس الضرر الشديد. ### || [الخط و الحضارة] # وليس في الأرض أمة بها طرق «1» أو لها مسكة، ولا جيل لهم قبض وبسط، إلا ~~ولهم خط. فأما أصحاب الملك والمملكة، والسلطان والجباية، والديانة ~~والعبادة، فهناك الكتاب المتقن، والحساب المحكم، ولا يخرج الخط من الجزم ~~والمسند المنمنم والسمون كيف كان، قال ذلك الهيثم بن عدي، وابن الكلبي. ### || 41- [تخلید الأمم لمآثرها] # قال: فكل أمة تعتمد في استبقاء مآثرها، وتحصين مناقبها، على ضرب من ~~الضروب، وشكل من الأشكال. # وكانت العرب في جاهليتها تحتال في تخليدها، بأن تعتمد في ذلك على الشعر ~~الموزون، والكلام المقفى، وكان ذلك هو ديوانها. وعلى أن الشعر يفيد فضيلة ~~البيان، على الشاعر الراغب، والمادح، وفضيلة المأثرة، على السيد المرغوب ~~إليه، والممدوح به. وذهبت العجم على أن تقيد مآثرها بالبنيان، فبنوا مثل ~~كرد بيداد، وبنى أردشير بيضاء إصطخر «2» . وبيضاء المدائن، والحضر، والمدن ~~والحصون، والقناطر والجسور، والنواويس «3» ، قال: ثم إن العرب أحبت أن ~~تشارك العجم في البناء، وتنفرد بالشعر، فبنوا غمدان، وكعبة نجران «4» ، ~~وقصر مارد، وقصر مأرب، وقصر شعوب «5» والأبلق الفرد، وفيه وفي مارد، قالوا ~~«تمرد مارد وعز الأبلق» «6» وغير ذلك من البنيان، قال: ولذلك لم تكن الفرس ~~تبيح شريف البنيان، كما لا تبيح شريف الأسماء، إلا لأهل البيوتات، كصنيعهم ~~في النواويس والحمامات # PageV01P051 # والقباب الخضر، والشرف على حيطان الدار، وكالعقد على الدهليز وما أشبه ~~ذلك، فقال بعض من حضر: «كتب الحكماء وما ms0035 دونت العلماء من صنوف البلاغات ~~والصناعات، والآداب والإرفاق «1» ، من القرون السابقة والأمم الخالية، ومن ~~له بقية ومن لا بقية له، أبقى ذكرا وأرفع قدرا وأكثر ردا، لأن الحكمة أنفع ~~لمن ورثها، من جهة الانتفاع بها، وأحسن في الأحدوثة، لمن أحب الذكر الجميل» ~~. ### || 42- [طمس الملوك و الأمراءآثار من سبقهم] # والكتب بذلك أولى من بنيان الحجارة وحيطان المدر؛ لأن من شأن الملوك أن ~~يطمسوا على آثار من قبلهم، وأن يميتوا ذكر أعدائهم، فقد هدموا بذلك السبب ~~أكثر المدن وأكثر الحصون، كذلك كانوا أيام العجم وأيام الجاهلية. وعلى ذلك ~~هم في أيام الإسلام، كما هدم عثمان صومعة غمدان، وكما هدم الآطام «2» التي ~~كانت بالمدينة، وكما هدم زياد كل قصر ومصنع كان لابن عامر، وكما هدم ~~أصحابنا بناء مدن الشامات «3» لبني مروان. ### || 43- [تاريخ الشعر العربي] # وأما الشعر فحديث الميلاد، صغير السن، أول من نهج سبيله، وسهل الطريق ~~إليه: امرؤ القيس بن حجر، ومهلهل بن ربيعة. وكتب أرسطاطاليس، ومعلمه ~~أفلاطون، ثم بطليموس، وديمقراطس، وفلان وفلان، قبل بدء الشعر بالدهور قبل ~~الدهور، والأحقاب قبل الأحقاب. # ويدل على حداثة الشعر، قول امرئ القيس بن حجر: [من المنسرح] # إن بني عوف ابتنوا حسنا ... ضيعه الدخللون إذ غدروا «4» # أدوا إلى جارهم خفارته ... ولم يضع بالمغيب من نصروا «5» # PageV01P052 # لا حميري وفى ولا عدس ... ولا است عير يحكها الثفر # لكن عوير وفى بذمته ... لا قصر عابه ولا عور # فانظر، كم كان عمر زرارة! وكم كان بين موت زرارة ومولد النبي عليه الصلاة ~~والسلام؟! فإذا استظهرنا الشعر، وجدنا له- إلى أن جاء الله بالإسلام- خمسين ~~ومائة عام، وإذا استظهرنا بغاية الاستظهار فمائتي عام. # قال: وفضيلة الشعر مقصورة على العرب، وعلى من تكلم بلسان العرب. ### || 44- [صعوبة ترجمة الشعر] # والشعر لا يستطاع أن يترجم، ولا يجوز عليه النقل، ومتى حول تقطع نظمه ~~وبطل وزنه، وذهب حسنه وسقط موضع التعجب، لا كالكلام المنثور. والكلام ~~المنثور المبتدأ على ذلك أحسن وأوقع من المنثور الذي تحول من موزون الشعر. # قال: وجميع الأمم يحتاجون إلى الحكم في الدين، والحكم في ms0036 الصناعات، وإلى ~~كل ما أقام لهم المعاش وبوب لهم أبواب الفطن، وعرفهم وجوه المرافق؛ حديثهم ~~كقديمهم، وأسودهم كأحمرهم، وبعيدهم كقريبهم؛ والحاجة إلى ذلك شاملة لهم. # وقد نقلت كتب الهند، وترجمت حكم اليونانية، وحولت آداب الفرس، فبعضها ~~ازداد حسنا، وبعضها ما انتقص شيئا، ولو حولت حكمة العرب، لبطل ذلك المعجز ~~الذي هو الوزن، مع أنهم لو حولوها لم يجدوا في معانيها شيئا لم تذكره العجم ~~في كتبهم، التي وضعت لمعاشهم وفطنهم وحكمهم، وقد نقلت هذه الكتب من أمة إلى ~~أمة، ومن قرن إلى قرن، ومن لسان إلى لسان، حتى انتهت إلينا، وكنا آخر من ~~ورثها ونظر فيها. فقد صح أن الكتب أبلغ في تقييد المآثر، من البنيان ~~والشعر. ### || [قيمة الترجمة] # ثم قال بعض من ينصر الشعر ويحوطه ويحتج له: إن الترجمان لا يؤدي أبدا ما ~~قال الحكيم، على خصائص معانيه، وحقائق مذاهبه ودقائق اختصاراته، وخفيات ~~حدوده، ولا يقدر أن يوفيها حقوقها، ويؤدي الأمانة فيها، ويقوم بما يلزم ~~الوكيل ويجب على الجري، وكيف يقدر على أدائها وتسليم معانيها، والإخبار ~~عنها على حقها وصدقها، إلا أن يكون في العلم بمعانيها، واستعمال تصاريف ~~ألفاظها، وتأويلات مخارجها، ومثل مؤلف الكتاب وواضعه، فمتى كان رحمه الله ~~تعالى ابن # PageV01P053 # البطريق، وابن ناعمة، وابن قرة، وابن فهريز، وثيفيل، وابن وهيلي، وابن ~~المقفع، مثل أرسطاطاليس؟! ومتى كان خالد مثل أفلاطون؟! ### || 45- [شرائط الترجمان] # ولا بد للترجمان من أن يكون بيانه في نفس الترجمة، في وزن علمه في نفس ~~المعرفة، وينبغي أن يكون أعلم الناس باللغة المنقولة والمنقول إليها، حتى ~~يكون فيهما سواء وغاية. ومتى وجدناه أيضا قد تكلم بلسانين، علمنا أنه قد ~~أدخل الضيم عليهما، لأن كل واحدة من اللغتين تجذب الأخرى وتأخذ منها، ~~وتعترض عليها. وكيف يكون تمكن اللسان منهما مجتمعين فيه، كتمكنه إذا انفرد ~~بالواحدة، وإنما له قوة واحدة، فإن تكلم بلغة واحدة استفرغت تلك القوة ~~عليهما، وكذلك إن تكلم بأكثر من لغتين، وعلى حساب ذلك تكون الترجمة لجميع ~~اللغات. وكلما كان الباب من العلم أعسر وأضيق، والعلماء ms0037 به أقل، كان أشد ~~على المترجم، وأجدر أن يخطئ فيه. ولن تجد البتة مترجما يفي بواحد من هؤلاء ~~العلماء. ### || [ترجمة كتب الدين] # هذا قولنا في كتب الهندسة. والتنجيم، والحساب، واللحون، فكيف لو كانت هذه ~~الكتب كتب دين وإخبار عن الله- عز وجل- بما يجوز عليه مما لا يجوز عليه، ~~حتى يريد أن يتكلم على تصحيح المعاني في الطبائع، ويكون ذلك معقودا ~~بالتوحيد، ويتكلم في وجوه الإخبار واحتمالاته للوجوه، ويكون ذلك متضمنا بما ~~يجوز على الله تعالى، مما لا يجوز، وبما يجوز على الناس مما لا يجوز، وحتى ~~يعلم مستقر العام والخاص، والمقابلات التي تلقى الأخبار العامية المخرج ~~فيجعلها خاصية. وحتى يعرف من الخبر ما يخصه الخبر الذي هو أثر، مما يخصه ~~الخبر الذي هو قرآن، وما يخصه العقل مما تخصه العادة أو الحال الرادة له عن ~~العموم، وحتى يعرف ما يكون من الخبر صدقا أو كذبا، وما لا يجوز أن يسمى ~~بصدق ولا كذب؛ وحتى يعرف اسم الصدق والكذب، وعلى كم معنى يشتمل ويجتمع، ~~وعند فقد أي معنى ينقلب ذلك الاسم، وكذلك معرفة المحال من الصحيح، وأي شيء ~~تأويل المحال؛ وهل يسمى المحال كذبا أم لا يجوز ذلك، وأي القولين أفحش: ~~المحال أم الكذب، وفي أي موضع يكون المحال أفظع، والكذب أشنع؛ وحتى يعرف ~~المثل والبديع، والوحي والكناية، وفصل ما بين الخطل والهذر، والمقصور ~~والمبسوط والاختصار، وحتى يعرف أبنية الكلام، وعادات القوم، وأسباب ~~تفاهمهم، والذي # PageV01P054 # ذكرنا قليل من كثير. ومتى لم يعرف ذلك المترجم أخطأ في تأويل كلام الدين. # والخطأ في الدين أضر من الخطأ في الرياضة والصناعة، والفلسفة والكيمياء، ~~وفي بعض المعيشة التي يعيش بها بنو آدم. # وإذا كان المترجم الذي قد ترجم لا يكمل لذلك، أخطأ على قدر نقصانه من ~~الكمال. وما علم المترجم بالدليل عن شبه الدليل؟ وما علمه بالأخبار ~~النجومية؟ وما علمه بالحدود الخفية؟ وما علمه بإصلاح سقطات الكلام، وأسقاط ~~الناسخين للكتب؟ وما علمه ببعض الخطرفة لبعض المقدمات؟ وقد علمنا أن ~~المقدمات لا بد أن تكون اضطرارية، ولا ms0038 بد أن تكون مرتبة، وكالخيط الممدود. ~~وابن البطريق وابن قرة لا يفهمان هذا موصوفا منزلا، ومرتبا مفصلا، من معلم ~~رفيق، ومن حاذق طب فكيف بكتاب قد تداولته اللغات واختلاف الأقلام، وأجناس ~~خطوط الملل والأمم؟! ولو كان الحاذق بلسان اليونانيين يرمي إلى الحاذق ~~بلسان العربية، ثم كان العربي مقصرا عن مقدار بلاغة اليوناني، لم يجد ~~المعنى والناقل التقصير، ولم يجد اليوناني الذي لم يرض بمقدار بلاغته في ~~لسان العربية بدا من الاغتفار والتجاوز، ثم يصير إلى ما يعرض من الآفات ~~لأصناف الناسخين، وذلك أن نسخته لا يعدمها الخطأ، ثم ينسخ له من تلك النسخة ~~من يزيده من الخطأ الذي يجده في النسخة. # ثم لا ينقص منه؛ ثم يعارض بذلك من يترك ذلك المقدار من الخطأ على حاله، ~~إذا كان ليس من طاقته إصلاح السقط الذي لا يجده في نسخته. ### || 46- [مشقة تصحيح الكتب] # ولربما أراد مؤلف الكتاب أن يصلح تصحيفا، أو كلمة ساقطة، فيكون إنشاء عشر ~~ورقات من حر اللفظ وشريف المعاني، أيسر عليه من إتمام ذلك النقص، حتى يرده ~~إلى موضعه من اتصال الكلام، فكيف يطيق ذلك المعرض المستأجر. والحكيم نفسه ~~قد أعجزه هذا الباب! وأعجب من ذلك أنه يأخذ بأمرين: قد أصلح الفاسد وزاد ~~الصالح صلاحا. ثم يصير هذا الكتاب بعد ذلك نسخة لإنسان آخر، فيسير فيه ~~الوراق الثاني سيرة الوراق الأول؛ ولا يزال الكتاب تتداوله الأيدي الجانية، ~~والأعراض المفسدة، حتى يصير غلطا صرفا، وكذبا مصمتا، فما ظنكم بكتاب ~~تتعاقبه المترجمون بالإفساد، وتتعاوره الخطاط بشر من ذلك أو بمثله، كتاب ~~متقادم الميلاد، دهري الصنعة! «1» . # PageV01P055 ### || 47- [بين أنصار الكتب وأنصار الشعر] # قالوا: فكيف تكون هذه الكتب أنفع لأهلها من الشعر المقفى؟ # قال الآخر: إذا كان الأمر على ما قلتم، والشأن على ما نزلتم، أليس معلوما ~~أن شيئا هذه بقيته وفضلته وسؤره وصبابته، وهذا مظهر حاله على شدة الضيم، ~~وثبات قوته على ذلك الفساد وتداول النقص، حري بالتعظيم، وحقيق بالتفضيل على ~~البنيان، والتقديم على شعر إن هو حول تهافت، ونفعه مقصور على أهله، ms0039 وهو يعد ~~من الأدب المقصور، وليس بالمبسوط، ومن المنافع الاصطلاحية وليست بحقيقة ~~بينة، وكل شيء في العالم من الصناعات والأرفاق والآلات، فهي موجودات في هذه ~~الكتب دون الأشعار، وها هنا كتب هي بيننا وبينكم، مثل كتاب أقليدس، ومثل ~~كتاب جالينوس، ومثل المجسطي، مما تولاه الحجاج، وكتب كثيرة لا تحصى فيها ~~بلاغ للناس، وإن كانت مختلفة ومنقوصة مظلومة ومغيرة، فالباقي كاف شاف، ~~والغائب منها كان تكميلا لتسلط الطبائع الكاملة. # فأما فضيلة الشعر فعلى ما حكينا، ومنتهى نفعه إلى حيث انتهى بنا القول. # وحسبك ما في أيدي الناس من كتب الحساب، والطب، والمنطق، والهندسة، ومعرفة ~~اللحون، والفلاحة، والتجارة، وأبواب الأصباغ، والعطر، والأطعمة، والآلات. # وهم أتوكم بالحكمة، وبالمنفعة التي في الحمامات وفي الأصطرلابات «1» ~~والقرسطونات «2» وآلات معرفة الساعات، وصنعة الزجاج والفسيفساء، والأسرنج ~~«3» والزنجفور «4» واللازورد «5» والأشربة، والأنبجات «6» ، والأيارجات «7» ~~ولكم المينا، # PageV01P056 # والنشادر والشبه «1» وتعليق الحيطان والأساطين، ورد ما مال منها إلى ~~التقويم. ولهم صب الزردج «2» ، واستخراج النشاستج «3» ، وتعليق الخيش، ~~واتخاذ [الجمازات] # وعمل الحراقات «4» ، واستخراج شراب الداذي «5» وعمل الدبابات «6» . ### || 48- [فضل الحجاج فيما ابتدعه] # وكان الحجاج أول من أجرى في البحر السفن المقيرة المسمرة غير المخرزة، ~~والمدهونة والمسطحة، وغير ذوات الجؤجؤ، وكان أول من عمل المحامل «7» ، ولذا ~~قال بعض رجاز الأكرياء: [من الرجز] # أول خلق عمل المحاملا ... أخزاه ربي عاجلا وآجلا «8» # وقال آخر: [من الرجز] # شيب أصداغي فهن بيض ... محامل لقدها نقيض «9» # وقال آخر: [من الرجز] # شيب أصداغي فهن بيض ... محامل فيها رجال قبض # لو يتكون سنة لم يغرضوا «10» # PageV01P057 # وقال القوم: لولا ما عرفوكم من أبواب الحملانات «1» لم تعرفوا صنعة ~~الشبه، ولولا غضار الصين على وجه الأرض لم تعرفوا الغضار، على أن الذي ~~عملتم ظاهر فيه التوليد، منقوص المنفعة عن تمام الصيني. وعلى أن الشبه لم ~~تستخرجوه، وإنما ذلك من الأمور التي وقعت اتفاقا، لسقوط الناطف «2» من يد ~~الأجير في الصفر الذائب، فخفتم إفساده، فلما رأيتم ما أعطاه من اللون عملتم ~~في الزيادة والنقصان، وكذلك جميع ما تهيأ لكم، ولستم تخرجون في ذلك من أحد ~~أمرين: إما أن ms0040 تكونوا استعملتم الاشتقاق من علم ما أورثوكم، وإما أن يكون ~~ذلك تهيأ لكم من طريق الاتفاق!! ### || 49- [الجمازات] # وقد علمتم أن أول شأن # الجمازات، # أن أم جعفر أمرت الرحالين أن يزيدوا في سير النجيبة التي كانت عليها، ~~وخافت فوت الرشيد، فلما حركت مشت ضروبا من المشي، وصنوفا من السير، فجمزت ~~في خلال ذلك، ووافقت امرأة تحسن الاختيار، وتفهم الأمور، فوجدت لذلك الجمز ~~راحة، ومع الراحة لذة، فأمرتهم أن يسيروا بها في تلك السيرة، فما زالوا ~~يقربون ويبعدون، ويخطئون ويصيبون، وهي في كل ذلك تصوبهم وتخطئهم على قدر ما ~~عرفت، حتى شدوا من معرفة ذلك ما شدوا، ثم إنها فرغتهم لإتمام ذلك حتى تم ~~واستوى. وكذلك لا يخلو جميع أمركم، من أن يكون اتفاقا، أو اتباع أثر. ### || 50- [الترغيب في اصطناع الكتاب] # ثم رجع بنا القول إلى [الترغيب في اصطناع الكتاب] # والاحتجاج على من زرى على واضع الكتب، فأقول «3» : إن من شكر النعمة في ~~معرفة مغاوي الناس ومراشدهم، ومضارهم ومنافعهم، أن يحتمل ثقل مؤونتهم في ~~تقويمهم، وأن يتوخى إرشادهم وإن جهلوا فضل ما يسدى إليهم، فلن يصان العلم ~~بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره، على أن قراءة الكتب أبلغ في ~~إرشادهم من تلاقيهم؛ إذ كان مع التلاقي يشتد التصنع، ويكثر التظالم، وتفرط ~~العصبية، وتقوى الحمية، وعند المواجهة والمقابلة، يشتد حب الغلبة، وشهوة ~~المباهاة والرياسة، مع الاستحياء من # PageV01P058 # الرجوع، والأنفة من الخضوع؛ وعن جميع ذلك تحدث الضغائن، ويظهر التباين. ~~وإذا كانت القلوب على هذه الصفة وعلى هذه الهيئة، امتنعت من التعرف، وعميت ~~عن مواضع الدلالة، وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجة، ~~لأن المتوحد بدرسها، والمنفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه ولا يغالب عقله، ~~وقد عدم من له يباهي ومن أجله يغالب «1» . ### || 51- [الكتاب قد يفضل صاحبه] # والكتاب قد يفضل صاحبه، ويتقدم مؤلفه، ويرجح قلمه على لسانه بأمور: # منها أن الكتاب يقرأ بكل مكان، ويظهر ما فيه على كل لسان، ويوجد مع كل ~~زمان، على تفاوت ما بين الأعصار، وتباعد ms0041 ما بين الأمصار، وذلك أمر يستحيل ~~في واضع الكتاب، والمنازع في المسألة والجواب. ومناقلة اللسان وهدايته لا ~~تجوزان مجلس صاحبه، ومبلغ صوته. وقد يذهب الحكيم وتبقى كتبه، ويذهب العقل ~~ويبقى أثره. # ولولا ما أودعت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت من عجيب حكمتها، ودونت من ~~أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها كل مستغلق كان علينا، ~~فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لما حسن حظنا ~~من الحكمة، ولضعف سببنا إلى المعرفة. ولو لجأنا إلى قدر قوتنا، ومبلغ ~~خواطرنا، ومنتهى تجاربنا لما تدركه حواسنا، وتشاهده نفوسنا، لقلت المعرفة، ~~وسقطت الهمة، وارتفعت العزيمة، وعاد الرأي عقيما، والخاطر فاسدا، ولكل الحد ~~وتبلد العقل. ### || 52- [أفضل الكتب] # وأكثر من كتبهم نفعا، وأشرف منها خطرا، وأحسن موقعا، كتب الله تعالى، ~~فيها الهدى والرحمة، والإخبار عن كل حكمة، وتعريف كل سيئة وحسنة. وما زالت ~~كتب الله تعالى في الألواح والصحف، والمهارق «3» والمصاحف. وقال الله عز ~~وجل الم ذلك الكتاب لا ريب فيه # «4» . وقال ما فرطنا في الكتاب من شيء # » . # ويقال لأهل التوراة والإنجيل: أهل الكتاب. # PageV01P059 ### || 53- [مواصلة السير في خدمة العلم] # وينبغي أن يكون سبيلنا لمن بعدنا، كسبيل من كان قبلنا فينا. على أنا وقد ~~وجدنا من العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما ~~وجدنا. # فما ينتظر العالم بإظهار ما عنده، وما يمنع الناصر للحق من القيام بما ~~يلزمه، وقد أمكن القول وصلح الدهر وخوى نجم التقية «1» ، وهبت ريح العلماء، ~~وكسد العي والجهل، وقامت سوق البيان والعلم؟! وليس يجد الإنسان في كل حين ~~إنسانا يدربه، ومقوما يثقفه. والصبر على إفهام الريض شديد، وصرف النفس عن ~~مغالبة العالم أشد منه، والمتعلم يجد في كل مكان الكتاب عتيدا، وبما يحتاج ~~إليه قائما وما أكثر من فرط في التعليم أيام خمول ذكره، وأيام حداثة سنه!! ~~ولولا جياد الكتب وحسنها، ومبينها ومختصرها، لما تحركت همم هؤلاء لطلب ~~العلم، ونزعت إلى حب الأدب، وأنفت من حال الجهل، وأن تكون في ms0042 غمار الحشو، ~~ولدخل على هؤلاء من الخلل والمضرة، ومن الجهل وسوء الحال، وما عسى ألا يمكن ~~الإخبار عن مقداره، إلا بالكلام الكثير، ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه: ~~«تفقهوا قبل أن تسودوا» «2» . ### || 54- [كتب أبي حنيفة] # وقد تجد الرجل يطلب الآثار وتأويل القرآن، ويجالس الفقهاء خمسين عاما، ~~وهو لا يعد فقيها، ولا يجعل قاضيا، فما هو إلا أن ينظر في كتب أبي حنيفة، ~~وأشباه أبي حنيفة، ويحفظ كتب الشروط في مقدار سنة أو سنتين، حتى تمر ببابه ~~فتظن أنه من باب بعض العمال، وبالحرا «3» ألا يمر عليه من الأيام إلا ~~اليسير، حتى يصير حاكما على مصر من الأمصار، أو بلد من البلدان. ### || 55- [وجوب العناية تنقيح المؤلفات] # وينبغي لمن كتب كتابا ألا يكتبه إلا على أن الناس كلهم له أعداء، وكلهم ~~عالم بالأمور، وكلهم متفرغ له، ثم لا يرضى بذلك حتى يدع كتابه غفلا، ولا ~~يرضى بالرأي الفطير، فإن لابتداء الكتاب فتنة وعجبا، فإذا سكنت الطبيعة ~~وهدأت الحركة، # PageV01P060 # وتراجعت الأخلاط، وعادت النفس وافرة، أعاد النظر فيه، فيتوقف عند فصوله ~~توقف من يكون وزن طمعه في السلامة أنقص من وزن خوفه من العيب، ويتفهم معنى ~~قول الشاعر: [من البسيط] # إن الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يلج بهم عي وإكثار «1» # ويقف عند قولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسر» «2» فيخاف أن يعتريه ما ~~اعترى من أحرى فرسه وحده، أو خلا بعلمه عند فقد خصومه، وأهل المنزلة من أهل ~~صناعته. ### || 56- [تداعي المعاني في التأليف] # وليعلم أن صاحب القلم يعتريه ما يعتري المؤدب عند ضربه وعقابه، فما أكثر ~~من يعزم على خمسة أسواط فيضرب مائة؟! لأنه ابتدأ الضرب وهو ساكن الطباع، ~~فأراه السكون أن الصواب في الإقلال، فلما ضرب تحرك دمه، فأشاع فيه الحرارة ~~فزاد في غضبه، فأراه الغضب أن الرأي في الإكثار، وكذلك صاحب القلم؛ فما ~~أكثر من يبتدئ الكتاب وهو يريد مقدار سطرين، فيكتب عشرة! والحفظ مع الإقلال ~~أمكن، وهو مع الإكثار أبعد. ### || 57- [مقايسة بين الولد والكتاب] # واعلم أن العاقل إن لم ms0043 يكن بالمتتبع، فكثيرا ما يعتريه من ولده، أن يحسن ~~في عينه منه المقبح في عين غيره، فليعلم أن لفظه أقرب نسبا منه من ابنه، ~~وحركته أمس به رحما من ولده، لأن حركته شيء أحدثه من نفسه وبذاته، ومن عين ~~جوهره فصلت، ومن نفسه كانت؛ وإنما الوالد كالمخطة يتمخطها، والنخامة ~~يقذفها، ولا سواء إخراجك من جزئك شيئا لم يكن منك، وإظهارك حركة لم تكن حتى ~~كانت منك. ولذلك تجد فتنة الرجل بشعره، وفتنته بكلامه وكتبه، فوق فتنته ~~بجميع نعمته. ### || 58- [ما ينبغي ان تكون عليه لغة الكتب] # وليس الكتاب إلى شيء أحوج منه إلى إفهام معانيه، حتى لا يحتاج السامع لما # PageV01P061 # فيه من الروية، ويحتاج من اللفظ إلى مقدار يرتفع به عن ألفاظ السفلة ~~والحشو، ويحطه من غريب الأعراب ووحشي الكلام، وليس له أن يهذبه جدا، وينقحه ~~ويصفيه ويروقه، حتى لا ينطق إلا بلب اللب، وباللفظ الذي قد حذف فضوله، ~~وأسقط زوائده، حتى عاد خالصا لا شوب فيه؛ فإنه إن فعل ذلك، لم يفهم عنه إلا ~~بأن يجدد لهم إفهاما مرارا وتكرارا، لأن الناس كلهم قد تعودوا المبسوط من ~~الكلام، وصارت أفهامهم لا تزيد على عاداتهم إلا بأن يعكس عليها ويؤخذ بها. ~~ألا ترى أن كتاب المنطق الذي قد وسم بهذا الاسم، لو قرأته على جميع خطباء ~~الأمصار وبلغاء الأعراب، لما فهموا أكثره، وفي كتاب إقليدس كلام يدور، وهو ~~عربي وقد صفي، ولو سمعه بعض الخطباء لما فهمه، ولا يمكن أن يفهمه من يريد ~~تعليمه، لأنه يحتاج إلى أن يكون قد عرف جهة الأمر، وتعود اللفظ المنطقي ~~الذي استخرج من جميع الكلام. ### || 59- [قول صحار العبدي في الإيجاز و نقده] # قال معاوية بن أبي سفيان، رضي الله عنهما، لصحار العبدي: ما الإيجاز؟ ~~قال: # أن تجيب فلا تبطئ، وتقول فلا تخطئ. قال معاوية: أو كذلك تقول!! قال صحار: # أقلني يا أمير المؤمنين! لا تخطئ ولا تبطئ «1» . # فلو أن سائلا سألك عن الإيجاز، فقلت: لا تخطئ ولا تبطئ، وبحضرتك خالد بن ~~صفوان، لما عرف بالبديهة ms0044 وعند أول وهلة، أن قولك «لا تخطئ» متضمن بالقول، ~~وقولك «لا تبطئ» متضمن بالجواب. وهذا حديث كما ترى آثروه ورضوه، ولو أن ~~قائلا قال لبعضنا: ما الإيجاز؟ لظننت أنه يقول: الاختصار. ### || [حقيقة الإيجاز] # والإيجاز ليس يعنى به قلة عدد الحروف واللفظ، وقد يكون الباب من الكلام ~~من أتى عليه فيما يسع بطن طومار فقد أوجز، وكذلك الإطالة، وإنما ينبغي له ~~أن يحذف بقدر ما لا يكون سببا لإغلاقه، ولا يردد وهو يكتفي في الإفهام ~~بشطره، فما فضل عن المقدار فهو الخطل. ### || 60- [استغلاق كتب أبي الحسن الأخفش] # وقلت لأبي الحسن الأخفش: أنت أعلم الناس بالنحو، فلم لا تجعل كتبك # PageV01P062 # مفهومة كلها، وما بالنا نفهم بعضها ولا نفهم أكثرها، وما بالك تقدم بعض ~~العويص وتؤخر بعض المفهوم؟! قال: أنا رجل لم أضع كتبي هذه لله، وليست هي من ~~كتب الدين، ولو وضعتها هذا الوضع الذي تدعوني إليه، قلت حاجاتهم إلي فيها، ~~وإنما كانت غايتي المنالة، فأنا أضع بعضها هذا الوضع المفهوم، لتدعوهم ~~حلاوة ما فهموا إلى التماس فهم ما لم يفهموا، وإنما قد كسبت في هذا ~~التدبير، إذ كنت إلى التكسب ذهبت، ولكن ما بال إبراهيم النظام، وفلان ~~وفلان، يكتبون الكتب لله بزعمهم، ثم يأخذها مثلي في مواقفته «1» ، وحسن ~~نظره، وشدة عنايته، ولا يفهم أكثرها؟! وأقول: لو أن يوسف السمتي، كتب هذه ~~الشروط، أيام جلس سلمان بن ربيعة شهرين للقضاء، فلم يتقدم إليه رجلان، ~~والقلوب سليمة والحقوق على أهلها موفرة، لكان ذلك خطلا ولغوا؛ ولو كتب في ~~دهره شروط سلمان، لكان ذلك غرارة ونقصا، وجهلا بالسياسة، وبما يصلح في كل ~~دهر. ### || 61- [مواضع الإسهاب] # ووجدنا الناس إذا خطبوا في صلح بين العشائر أطالوا، وإذا أنشدوا الشعر ~~بين السماطين في مديح الملوك أطالوا. وللإطالة موضع وليس ذلك بخطل، ~~وللإقلال موضع وليس ذلك من عجز. # ولولا أني أتكل على أنك لا تمل باب القول في البعير حتى تخرج إلى الفيل، ~~وفي الذرة حتى تخرج إلى البعوضة، وفي العقرب حتى تخرج إلى الحية، وفي الرجل ~~حتى ms0045 تخرج إلى المرأة، وفي الذبان والنحل حتى تخرج إلى الغربان والعقبان، ~~وفي الكلب حتى تخرج إلى الديك، وفي الذئب حتى تخرج إلى السبع، وفي الظلف ~~حتى تخرج إلى الحافر، وفي الحافر حتى تخرج إلى الخف، وفي الخف حتى تخرج إلى ~~البرثن، وفي البرثن حتى تخرج إلى المخلب، وكذلك القول في الطير وعامة ~~الأصناف، لرأيت أن جملة الكتاب، وإن كثر عدد ورقه، أن ذلك ليس مما يمل، ~~ويعتد علي فيه بالإطالة، لأنه وإن كان كتابا واحدا فإنه كتب كثيرة، وكل ~~مصحف منها فهو أم على حدة، فإن أراد قراءة الجميع لم يطل عليه الباب الأول ~~حتى يهجم على الثاني، ولا الثاني حتى يهجم على الثالث، فهو أبدا مستفيد ~~ومستطرف، وبعضه # PageV01P063 # يكون جماما لبعض، ولا يزال نشاطه زائدا. ومتى خرج من آي القرآن صار إلى ~~الأثر، ومتى خرج من أثر صار إلى خبر، ثم يخرج من الخبر إلى شعر، ومن الشعر ~~إلى نوادر، ومن النوادر إلى حكم عقلية، ومقاييس سداد، ثم لا يترك هذا ~~الباب؛ ولعله أن يكون أثقل، والملال إليه أسرع، حتى يفضي به إلى مزح ~~وفكاهة، وإلى سخف وخرافة، ولست أراه سخفا، إذ كنت إنما استعملت سيرة ~~الحكماء، وآداب العلماء. ### || 62- [مخاطبة العرب وبني إسرائيل في القرآن الكريم] # ورأينا الله تبارك وتعالى، إذا خاطب العرب والأعراب، أخرج الكلام مخرج ~~الإشارة والوحي والحذف، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم، جعله مبسوطا، ~~وزاد في الكلام. فأصوب العمل اتباع آثار العلماء، والاحتذاء على مثال ~~القدماء، والأخذ بما عليه الجماعة. ### || 63- [أقوال لبعض الشعراء في الكتب] # قال ابن يسير في صفة الكتب، في كلمة له «1» : [من البسيط] # | 1- # أقبلت أهرب لا آلو مباعدة ... في الأرض منهم فلم يحصني الهرب # | 2- # بقصر أوس فما والت خنادقه ... ولا النواويس فالماخور فالخرب # | 3- # فأيما موئل منها اعتصمت به ... فمن ورائي حثيثا منهم الطلب # | 4- # لما رأيت بأني لست معجزهم ... فوتا ولا هربا، قربت أحتجب # | 5- # فصرت في البيت مسرورا بهم جذلا ... جار البراءة لا شكوى ولا شغب # | 6- # فردا يحدثني الموتى وتنطق لي ... عن ms0046 علم ما غاب عني منهم الكتب # | 7- # هم مؤنسون وألاف غنيت بهم ... فليس لي في أنيس غيرهم أرب # | 8- # لله من جلساء لا جليسهم ... ولا عشيرهم للسوء مرتقب # | 9- # لا بادرات الأذى يخشى رفيقهم ... ولا يلاقيه منهم منطق ذرب # | 10- # أبقوا لنا حكما تبقى منافعها ... أخرى الليالي على الأيام وانشعبوا # | 11- # فأيما آدب منهم مددت يدي ... إليه فهو قريب من يدي كثب # PageV01P064 # | 12- # إن شئت من محكم الآثار يرفعها ... إلى النبي ثقات خيرة نجب # | 13- # أو شئت من عرب علما بأولهم ... في الجاهلية أنبتني به العرب # | 14- # أو شئت من سير الأملاك من عجم ... تنبي وتخبر كيف الرأي والأدب # | 15- # حتى كأني قد شاهدت عصرهم ... وقد مضت دونهم من دهرهم حقب # | 16- # يا قائلا قصرت في العلم نهيته ... أمسى إلى الجهل فيما قال ينتسب # | 17- # إن الأوائل قد بانوا بعلمهم ... خلاف قولك قد بانوا وقد ذهبوا # | 18- # ما مات منا امرؤ أبقى لنا أدبا ... نكون منه إذا ما مات نكتسب # وقال أبو وجزة وهو يصف صحيفة كتب له فيها بستين وسقا: [من البسيط] # راحت بستين وسقا في حقيبتها ... ما حملت حملها الأدنى ولا السددا «1» # ما إن رأيت قلوصا قبلها حملت ... ستين وسقا وما جابت به بلدا # وقال الراجز: [من الرجز] # تعلمن أن الدواة والقلم ... تبقى ويفني حادث الدهر الغنم «2» # يقول: كتابك الذي تكتبه علي يبقى فتأخذني به، وتذهب غنمي فيما يذهب. ### || 64- [نشر الأخبار في العراق] # ومما يدل على نفع الكتاب، أنه لولا الكتاب لم يجز أن يعلم أهل الرقة ~~والموصل وبغداد وواسط، ما كان بالبصرة، وما يحدث بالكوفة في بياض يوم، حتى ~~تكون الحادثة بالكوفة غدوة، فتعلم بها أهل البصرة قبل المساء. # وذلك مشهور في الحمام الهدى، إذا جعلت بردا، قال الله جل وعز- وذكر ~~سليمان وملكه الذي لم يؤت أحدا مثله- فقال وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى ~~الهدهد # «3» إلى قوله: أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين # «4» فلم يلبث أن قال الهدهد جئتك من سبإ بنبإ يقين. إني وجدت امرأة ~~تملكهم، وأوتيت من كل شيء، ولها عرش عظيم # «5» # قال سليمان اذهب بكتابي ms0047 هذا فألقه إليهم # «6» وقد # PageV01P065 # كان عنده من يبلغ الرسالة على تمامها، من عفريت، ومن بعض من عنده علم من ~~الكتاب، فرأى أن الكتاب أبهى وأنبل، وأكرم وأفخم من الرسالة عن ظهر لسان، ~~وإن أحاط بجميع ما في الكتاب. وقالت ملكة سبأ يا أيها الملأ إني ألقي إلي ~~كتاب كريم # «1» . فهذا مما يدل على قدر اختيار الكتب. ### || 65- [استخدام الكتابة في الأمور الدين والدنيا] # وقد يريد بعض الجلة الكبار، وبعض الأدباء والحكماء، أن يدعو بعض من يجري ~~مجراه في سلطان أو أدب، إلى مأدبة أو ندام «2» ، أو خروج إلى متنزه، أو بعض ~~ما يشبه ذلك، فلو شاء أن يبلغه الرسول إرادته ومعناه، لأصاب من يحسن ~~الأداء، ويصدق في الإبلاغ، فيرى أن الكتاب في ذلك أسرى وأنبه وأبلغ. # ولو شاء النبي صلى الله عليه وسلم، ألا يكتب «3» الكتب إلى كسرى، وقيصر، ~~والنجاشي، والمقوقس، وإلى ابني الجلندى، وإلى العباهلة من حمير، وإلى هوذة ~~بن علي، وإلى الملوك والعظماء، والسادة النجباء، لفعل، ولوجد المبلغ ~~المعصوم من الخطأ والتبديل، ولكنه عليه الصلاة والسلام، علم أن الكتاب أشبه ~~بتلك الحال، وأليق بتلك المراتب، وأبلغ في تعظيم ما حواه الكتاب. # ولو شاء الله أن يجعل البشارات على الألسنة بالمرسلين، ولم يودعها الكتب ~~لفعل، ولكنه تعالى وعز، علم أن ذلك أتم وأكمل، وأجمع وأنبل. # وقد يكتب بعض من له مرتبة في سلطان أو ديانة، إلى بعض من يشاكله، أو يجري ~~مجراه، فلا يرضى بالكتاب حتى يخزمه ويختمه، وربما لم يرض بذلك حتى يعنونه ~~ويعظمه، قال الله جل وعز: أم لم ينبأ بما في صحف موسى وإبراهيم الذي وفى # «4» فذكر صحف موسى الموجودة، وصحف إبراهيم البائدة المعدومة. ليعرف الناس ~~مقدار النفع، والمصلحة في الكتب. ### || 66- [نظام التوريث عند فلاسفة اليونانية] # قالوا: وكانت فلاسفة اليونانية، تورث البنات العين، وتورث البنين الدين: # PageV01P066 # وكانت تصل العجز بالكفاية، والمؤونة بالكلفة. وكانت تقول: لا تورثوا ~~الابن من المال، إلا ما يكون عونا له على طلب المال، واغذوه بحلاوة العلم، ~~واطبعوه على تعظيم الحكمة، ليصير جمع العلم ms0048 أغلب عليه من جمع المال، وليرى ~~أنه العدة والعتاد، وأنه أكرم مستفاد. # وكانوا يقولون: لا تورثوا الابن من المال إلا ما يسد الخلة، ويكون له ~~عونا على درك الفضول، إن كان لا بد من الفضول؛ فإنه إن كان فاسدا زادت تلك ~~الفضول في فساده، وإن كان صالحا كان فيما أورثتموه من العلم وبقيتم له من ~~الكفاية، ما يكسبه الحال، فإن الحال أفضل من المال، ولأن المال لم يزل ~~تابعا للحال. وقد لا يتبع الحال المال. وصاحب الفضول بعرض فساد، وعلى شفا ~~إضاعة، مع تمام الحنكة، واجتماع القوة، فما ظنكم بها مع غرارة الحداثة، ~~وسوء الاعتبار، وقلة التجربة. # وكانوا يقولون: خير ميراث ما أكسبك الأركان الأربعة، وأحاط بأصول ~~المنفعة، وعجل لك حلاوة المحبة، وبقى لك الأحدوثة الحسنة، وأعطاك عاجل ~~الخير وآجله، وظاهره وباطنه. # وليس يجمع ذلك إلا كرام الكتب النفيسة، المشتملة على ينابيع العلم، ~~والجامعة لكنوز الأدب، ومعرفة الصناعات، وفوائد الأرفاق، وحجج الدين الذي ~~بصحته، وعند وضوح برهانه، تسكن النفوس، وتثلج الصدور. ويعود القلب معمورا، ~~والعز راسخا، والأصل فسيحا. # وهذه الكتب هي التي تزيد في العقل وتشحذه، وتداويه وتصلحه، وتهذبه. # وتنفي الخبث عنه. وتفيدك العلم. وتصادق بينك وبين الحجة، وتعودك الأخذ ~~بالثقة. وتجلب الحال. وتكسب المال. ### || 67- [وراثة الكتب] # ووراثة الكتب الشريفة، والأبواب الرفيعة، منبهة للمورث، وكنز عند الوارث، ~~إلا أنه كنز لا تجب فيه الزكاة، ولا حق السلطان. وإذا كانت الكنوز جامدة، ~~ينقصها ما أخذ منها، كان ذلك الكنز مائعا يزيده ما أخذ منه، ولا يزال بها ~~المورث مذكورا في الحكماء ومنوها باسمه في الأسماء، وإماما متبوعا وعلما ~~منصوبا، فلا يزال الوارث محفوظا، ومن أجله محبوبا ممنوعا، ولا تزال تلك ~~المحبة نامية، ما كانت تلك # PageV01P067 # الفوائد قائمة، ولن تزال فوائدها موجودة ما كانت الدار دار حاجة، ولن ~~يزال من تعظيمها في القلوب أثر، ما كان من فوائدها على الناس أثر. # وقالوا: من ورثته كتابا، وأودعته علما، فقد ورثته ما يغل ولا يستغل، وقد ~~ورثته الضيعة التي لا تحتاج إلى إثارة، ولا ms0049 إلى سقي، ولا إلى إسجال بإيغار ~~«1» ، ولا إلى شرط، ولا تحتاج إلى أكار «2» ، ولا إلى أن تثار، وليس عليها ~~عشر، ولا للسلطان عليها خرج. وسواء أفدته علما أو ورثته آلة علم، وسواء ~~دفعك إليه الكفاية، أو ما يجلب الكفاية. وإنما تجري الأمور وتتصرف الأفعال ~~على قدر الإمكان، فمن لم يقدر إلا على دفع السبب، ولم يجب عليه إحضار ~~المسبب، فكتب الآباء، تحبيب للأحياء، ومحي لذكر الموتى. # وقالوا: ومتى كان الأديب جامعا بارعا. وكانت مواريثه كتبا بارعة، وآدابا ~~جامعة، كان الولد أجدر أن يرى التعلم حظا، وأجدر أن يسرع التعليم إليه، ~~ويرى تركه خطأ. وأجدر أن يجري من الأدب على طريق قد أنهج له، ومنهاج قد وطئ ~~له. # وأجدر أن يسري إليه عرق من نجله، وسقي من غرسه، وأجدر أن يجعل بدل الطلب ~~للكسب، النظر في الكتب، فلا يأتي عليه من الأيام مقدار الشغل بجمع الكتب، ~~والاختلاف في سماع العلم، إلا وقد بلغ بالكفاية وغاية الحاجة. وإنما تفسد ~~الكفاية من له تمت آلاته. وتوافت إليه أسبابه، فأما الحدث الغرير، والمنقوص ~~الفقير، فخير مواريثه الكفاية إلى أن يبلغ التمام، ويكمل للطلب. فخير ميراث ~~ورث كتب وعلم، وخير المورثين من أورث ما يجمع ولا يفرق،. ويبصر ولا يعمي. ~~ويعطي ولا يأخذ. # ويجود بالكل دون البعض. ويدع لك الكنز الذي ليس للسلطان فيه حق. والركاز ~~«3» الذي ليس للفقراء فيه نصيب، والنعمة التي ليس للحاسد فيها حيلة. ولا ~~للصوص فيها رغبة، وليس للخصم عليك فيه حجة، ولا على الجار فيه مؤونة. ### || 68- [قول ديموقراط تأليف كتب العلم] # وأما ديمقراط فإنه قال: ينبغي أن يعرف أنه لا بد من أن يكون لكل كتاب علم ~~وضعه أحد من الحكماء، ثمانية أوجه: منها الهمة، والمنفعة، والنسبة، والصحة، ~~والصنف، والتأليف، والإسناد، والتدبير، فأولها أن تكون لصاحبه همة، وأن # PageV01P068 # يكون فيما وضع منفعة، وأن يكون له نسبة ينسب إليها، وأن يكون صحيحا، وأن ~~يكون على صنف من أصناف الكتب معروفا به، وأن يكون مؤتلفا من أجزاء خمسة، ~~وأن يكون مسندا إلى ms0050 وجه من وجوه الحكمة، وأن يكون له تدبير موصوف. # فذكر أن أبقراط قد جمع هذه الثمانية الأوجه في هذا الكتاب، وهو كتابه ~~الذي يسمى (أفوريسموا) ، تفسيره كتاب الفصول. ### || 69- [مقاولة في شأن الكلب ] # وقولك: وما بلغ من قدر الكلب مع لؤم أصله، وخبث طبعه، وسقوط قدره، ومهانة ~~نفسه، ومع قلة خيره وكثرة شره، واجتماع الأمم كلها على استسقاطه، ~~واستسفاله، ومع ضربهم المثل في ذلك كله به، ومع حاله التي يعرف بها، ومن ~~العجز عن صولة السباع واقتدارها، وعن تمنعها وتشرفها، وتوحشها وقلة ~~إسماحها، وعن مسالمة البهائم وموادعتها، والتمكين من إقامة مصلحتها ~~والانتفاع بها، إذ لم يكن في طبعها دفع السباع عن أنفسها، ولا الاحتيال ~~لمعاشها، ولا المعرفة بالمواضع الحريزة من المواضع المخوفة، ولأن الكلب ليس ~~بسبع تام، ولا بهيمة تامة، حتى كأنه من الخلق المركب والطبائع الملفقة، ~~والأخلاط المجتلبة، كالبغل المتلون في أخلاقه، الكثير العيوب المتولدة عن ~~مزاجه. ### || 70- [الطبائع الملفقة] «1» # وشر الطبائع ما تجاذبته الأعراق المتضادة. والأخلاق المتفاوتة، والعناصر ~~المتباعدة، كالراعبي من الحمام، الذي ذهبت عنه هداية الحمام «2» ، وشكل ~~هديره وسرعة طيرانه، وبطل عنه عمر الورشان، وقوة جناحه وشدة عصبه، وحسن ~~صوته، وشحو «3» حلقه، وشكل لحونه، وشدة إطرابه، واحتماله لوقع البنادق وجرح ~~المخالب، وفي الراعبي أنه مسرول مثقل، وحدث له عظم بدن، وثقل وزن لم يكن ~~لأبيه ولا لأمه. # وكذلك البغل، خرج من بين حيوانين يلدان حيوانا مثلهما، ويعيش نتاجهما ~~ويبقى بقاءهما، وهو لا يعيش له ولد وليس بعقيم، ولا يبقى للبغلة ولد وليست # PageV01P069 # بعاقر، فلو كان البغل عقيما، والبغلة عاقرا، لكان ذلك أزيد في قوتهما، ~~وأتم لشدتهما، فمع البغل من الشبق والنعظ ما ليس مع أبيه، ومع البغلة من ~~السوس «1» ، وطلب السفاد، ما ليس مع أمها. وذلك كله قدح في القوة، ونقص في ~~البنية. وخرج غرموله أعظم من غراميل أعمامه وأخواله، فترك شبههما، ونزع إلى ~~شيء ليس له في الأرض أصل، وخرج أطول عمرا من أبويه، وأصبر على الأثقال من ~~أبويه. # أو كابن المذكرة من النساء، والمؤنث من الرجال، فإنه ms0051 يكون أخبث نتاجا من ~~البغل، وأفسد أعراقا من السمع، وأكثر عيوبا من العسبار «2» ، ومن كل خلق ~~خلق إذا تركب من ضد، ومن كل شجرة مطعمة بخلاف «3» . # وليس يعتري مثل ذلك الخلاسي من الدجاج، ولا الورداني «4» من الحمام. # وكل ضعف دخل على الخلقة، وكل رقة عرضت للحيوان، فعلى قدر جنسه. # وعلى وزن مقداره وتمكنه، يظهر العجز والعيب. # وزعم الأصمعي، أنه لم يسبق الحلبة فرس أهضم قط. # وقال محمد بن سلام: لم يسبق الحلبة أبلق قط ولا بلقاء. # والهداية في الحمام، والقوة على بعد الغاية «5» . إنما هي للمصمتة «6» من ~~الخضر. ### || [الشيات في الحيوان ضعف و نقص] # وزعموا أن الشيات كلها ضعف ونقص- والشية: كل لون دخل على لون- وقال الله ~~جل وعز: إنه يقول إنها بقرة لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلمة لا ~~شية فيها # «7» . ### || [ابن المذكرة من المؤنث] # وزعم عثمان بن الحكم أن ابن المذكرة من المؤنث، يأخذ أسوأ خصال أبيه، ~~وأردأ خصال أمه، فتجتمع فيه عظام الدواهي، وأعيان المساوي «8» ، وأنه إذا ~~خرج # PageV01P070 # كذلك، لم ينجع فيه أدب، ولا يطمع في علاجه طبيب، وأنه رأى في دور ثقيف، ~~فتى اجتمعت فيه هذه الخصال، فما كان في الأرض يوم، إلا وهم يتحدثون عنه ~~بشيء، يصغر في جنبه أكبر ذنب كان ينسب إليه! وزعمت أن الكلب في ذلك ~~كالخنثى، والذي هو لا ذكر ولا أنثى، أو كالخصي الذي لما قطع منه ما صار به ~~الذكر فحلا، خرج من حد كمال الذكر بفقدان الذكر، ولم يكمل لأن يصير أنثى، ~~للغريزة الأصلية، وبقية الجوهرية. # وزعمت أنه يصير كالنبيذ الذي يفسده إفراط الحر، فيخرجه من حد الخل، ولا ~~يدخله في حد النبيذ. # وقال مرداس بن خذام: [من الطويل] # سقينا عقالا بالثوية شربة ... فمالت بلب الكاهلي عقال «1» # فقلت اصطبحها يا عقال فإنما ... هي الخمر خيلنا لها بخيال # رميت بأم الخل حبة قلبه ... فلم ينتعش منها ثلاث ليال # فجعل الخمر أم الخل قد يتولد عنها. وقد يتولد عن الخل- إذ كان خمرا مرة- ~~الخمر. # وقال سعيد بن وهب: [من الكامل] ms0052 # هلا وأنت بماء وجهك تشتهى ... رود الشباب قليل شعر العارض! # فالآن حين بدت بخدك لحية ... ذهبت بملحك مثل كف القابض # مثل السلافة عاد خمر عصيرها ... بعد اللذاذة خل خمر حامض # ويصير أيضا كالشعر الوسط، والغناء الوسط، والنادرة الفاترة، التي لم تخرج ~~من الحر إلى البرد فتضحك السن، ولم تخرج من البرد إلى الحر فتضحك السن. # PageV01P071 ### | باب ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء و كيف ما كان قبل الخصاء # باب ذكر ما يعتري الإنسان بعد الخصاء وكيف ما كان قبل الخصاء # قالوا: كل ذي ريح منتنة، وكل ذي دفر وصنان كريه المشمة، كالنسر وما ~~أشبهه، فإنه متى خصي نقص نتنه وذهب صنانه، غير الإنسان، فإن الخصي يكون ~~أنتن، وصنانه أحد، ويعم أيضا خبث العرق سائر جسده، حتى لتوجد لأجسادهم ~~رائحة لا تكون لغيرهم. فهذا هذا. # وكل شيء من الحيوان يخصى فإن عظمه يدق، فإذا دق عظمه استرخى لحمه، وتبرأ ~~من عظمه، وعاد رخصا رطبا، بعد أن كان عضلا صلبا، والإنسان إذا خصي طال عظمه ~~وعرض، فخالف أيضا جميع الحيوان من هذا الوجه. # وتعرض للخصيان أيضا طول أقدام، واعوجاج في أصابع اليد، والتواء في أصابع ~~الرجل، وذلك من أول طعنهم في السن. وتعرض لهم سرعة التغير والتبدل، وانقلاب ~~من حد الرطوبة والبضاضة وملاسة الجلد، وصفاء اللون ورقته، وكثرة الماء ~~وبريقه، إلى التكرش والكمود، وإلى التقبض والتخدد، وإلى الهزال، وسوء ~~الحال. فهذا الباب يعرض للخصيان، ويعرض أيضا لمعالجي النبات من الأكرة من ~~أهل الزرع والنخل، لأنك ترى الخصي وكأن السيوف تلمع في لونه، وكأنه مرآة ~~صينية، وكأنه وذيلة مجلوة، وكأنه جمارة رطبة، وكأنه قضيب فضة قد مسه ذهب، ~~وكأن في وجناته الورد، ثم لا يلبث كذلك إلا نسيئات «1» يسيرة، حتى يذهب ذلك ~~ذهابا لا يعود، وإن كان ذا خصب، وفي عيش رغد، وفي فراغ بال، وقلة نصب. ### || 71- [من طرائف عبد الأعلى القاص] # وكان من طرائف ما يأتي به عبد الأعلى القاص، قوله في الخصي، وكان لغلبة # PageV01P072 # السلامة عليه يتوهم عليه الغفلة، وهو الذي ms0053 ذكر الفقير مرة في قصصه فقال ~~«1» : # الفقير مرقته سلقة، ورداؤه علقة، وجردقته فلقة، وسمكته شلقة، وإزاره خرقة ~~«2» . # قالوا: ثم ذكر الخصي فقال: إذا قطعت خصيته، قويت شهوته وسخنت معدته، ~~ولانت جلدته، وانجردت شعرته، واتسعت فقحته، وكثرت دمعته!! وقالوا: الخصي لا ~~يصلع كما لا تصلع المرأة، وإذا قطع العضو الذي كان به فحلا تاما، أخرجه ذلك ~~من أكثر معاني الفحول وصفاتهم، وإذا أخرجه من ذلك الكمال، صيره كالبغل الذي ~~ليس هو حمارا ولا فرسا، وتصير طباعه مقسومة على طباع الذكر والأنثى، وربما ~~لم يخلص له الخلق ولم يصف، حتى يصير كالخلق من أخلاق الرجال، أو يلحق بمثله ~~من أخلاق النساء، ولكنه يقع ممزوجا مركبا، فيخرج إلى أن يكون مذبذبا، لا ~~إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. وربما خرجت النتيجة وما يولده التركيب، عن مقدار ~~معاني الأبوين، كما يجوز عمر البغل عمر أبويه، وكذلك ما عددنا في صدر هذا ~~الكلام. ### || 72- [طلب النسل] # وقالوا: وللإنسان قوى معروفة المقدار، وشهوات مصروفة في وجوه حاجات ~~النفوس، مقسومة عليها. لا يجوز تعطيلها وترك استعمالها ما كانت النفوس ~~قائمة بطبائعها ومزاجاتها وحاجاتها. وباب المنكح من أكبرها، وأقواها، ~~وأعمها. # ويدخل في باب المنكح ما في طبائعهم من طلب الولد، وهو باب من أبوابهم ~~عظيم؛ فمنهم من يطلبه للكثرة والنصرة، وللحاجة إلى العدد والقوة، ولذلك ~~استلاطت العرب الرجال، وأغضت «3» على نسب المولود على فراش أبيه، وقد أحاط ~~علمه بأنه من الزوج الأول. قال الأشهب بن رميلة: [من البسيط] # قال الأقارب لا تغررك كثرتنا ... وأغن نفسك عنا أيها الرجل «4» # PageV01P073 # عل بني يشد الله كثرتهم ... والنبع ينبت قضبانا فيكتهل # وقال الآخر: [من الرجز] # إن بني صبية صيفيون ... أفلح من كان له ربعيون «1» # يشكو كما ترى صغر البنين، وضعف الأسر. # وما أكثر ما يطلب الرجل الولد نفاسة بماله على بني عمه، ولإشفاقه من أن ~~تليه القضاة وترتع فيه الأمناء، فيصير ملكا للأولياء، ويقضي به القاضي ~~الذمام ويصطنع به الرجال. # وربما هم الرجل بطلب الولد لبقاء الذكر، وللرغبة في العقب، أو على جهة ~~طلب ms0054 الثواب في مباهاة المشركين، والزيادة في عدد المسلمين، أو للكسب ~~والكفاية، وللمدافعة والنصرة، وللامتناع، وبقاء نوع الإنسان، ولما طبع الله ~~تعالى تعالى بني آدم عليه، من حب الذرية وكثرة النسل، كما طبع الله تعالى ~~الحمام والسنانير على ذلك، وإن كان إذا جاءه الولد زاد في همه ونصبه، وفي ~~جبنه وبخله، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الولد مجبنة مبخلة مجهلة» ~~«2» فيحتمل في الولد المؤن المعروفة، والهموم الموجودة لغير شيء قصد له، ~~وليس في ذلك أكثر من طلب الطباع، ونزوع النفس إلى ذلك. # وذكر أبو الأخزر الحماني عير العانة بخلاف ما عليه أصحاب الزواج من ~~الحيوان، فقال عند ذكر سفاده: [من الرجز] # لا مبتغي الذرء ولا بالعازل # لأن الإنسان من بين الحيوان المزاوج، إذا كره الولد عزل، والمزاوج من ~~أصناف الحيوانات إنما غايتها طلب الذرء والولد. لذلك سخرت، وله هيئت، لما ~~أراد الله تعالى من إتمام حوائج الإنسان. والحمار لا يطلب الولد، فيكون ~~إفراغه في الأتان لذلك، ولا إذا كان لا يريد الولد عزل كما يعزل الإنسان، ~~غير أن غايته قضاء الشهوة فقط، ليس يخطر على باله أن ذلك الماء يخلق منه ~~شيء. # وروى ابن عون عن محمد بن سيرين عن عبيدة قال: «ليس في البهائم شيء يعمل ~~عمل قوم لوط إلا الحمار» . # PageV01P074 # وعامة اكتساب الرجال وإنفاقهم، وهمهم وتصنعهم، وتحسينهم لما يملكون، إنما ~~هو مصروف إلى النساء والأسباب المتعلقة بالنساء، ولو لم يكن إلا التنمص ~~والتطيب والتطوس والتعرس «1» والتخضب، والذي يعد لها من الطيب والصبغ، ~~والحلي، والكساء، والفرش، والآنية، لكان في ذلك ما كفى. ولو لم يكن له إلا ~~الاهتمام بحفظها وحراستها، وخوف العار من جنايتها والجناية عليها، لكان في ~~ذلك المؤنة العظيمة، والمشقة الشديدة. ### || 73- [قول في الغرائز و بيان سبب شره الخصي] # فإذا بطل العضو الذي من أجله يكون اشتغال النفس بالأصناف الكثيرة، من ~~اللذة والألم، فباضطرار أن تعلم أن تلك القوى لم تبطل من التركيب، ولم ~~تعدمها الخلقة، وإنما سد دونها بسد، وأدخل عليها حجاب، فلا بد لها ms0055 إذا كانت ~~موجودة من عمل، لأن عمل كل جوهر لا يعدم إلا بعدم ذاته، فإذا صرفت من وجه ~~فاضت من وجه. ولا سيما إذا جمت ونازعت، ولا بد إذا زخرت وغزرت، وطغت وطمت، ~~من أن تفيض أو تفتح لنفسها بابا، وليس بعد المنكح باب له موقع كموقع ~~المطعم، فاجتمعت تلك القوى التي كانت للمنكح وما يشتمل عليه باب المنكح، ~~إلى القوة التي عنده للمطعم، فإذا اجتمعت القوتان في باب واحد كان أبلغ في ~~حكمه، وأبعد غاية في سبيله، ولذلك صار الخصي آكل من أخيه لأمه وأبيه، وعلى ~~قدر الاستمراء يكون هضمه، وعلى قدر حاجة طبعه وحركة نفسه والحرارة المتولدة ~~عن الحركة يكون الاستمراء، لأن الشهوة من أمتن أبواب الاستمراء، والحركة من ~~أعظم أبواب الحرارة. ### || 74- [تفوق رغبة الإناث علي الذكور في الطعام] # ودوام الأكل في الإناث أعم منه في الذكور، وكذلك الحجر دون الفرس، وكذلك ~~الرمكة دون البرذون، وكذلك النعجة دون الكبش، وكذلك النساء في البيوت دون ~~الرجال. وما أشك أن الرجل يأكل في المجلس الواحد ما لا تأكل المرأة، ولكنها ~~تستوفي ذلك المقدار وتربي عليه مقطعا غير منظوم، وهي بدوام ذلك منها، يكون ~~حاصل طعامها أكثر. وهن يناسبن الصبيان في هذا الوجه، لأن طبع الصبي سريع ~~الهضم، سريع الكلب، قصير مدة الأكل، قليل مقدار الطعم، فللمرأة كثرة ~~معاودتها، ثم تبين بكثرة مقدار المأكول. فيصير للخصي نصيبان: نصيبه من شبه # PageV01P075 # النساء، ثم اجتماع قوى شهوتيه في باب واحد، أعني شهوة المنكح التي تحولت، ~~وشهوة المطعم. # قال، وقيل لبعض الأعراب: أي شيء آكل؟ قال: برذونة رغوث «1» . # ولشدة نهم الإناث، صارت اللبؤة أشد عراما وأنزق، إذا طلبت الإنسان ~~لتأكله، وكذلك صارت إناث الأجناس الصائدة أصيد، كالإناث من الكلاب والبزاة ~~وما أشبه ذلك، وأحرص ما تكون عند ارتضاع جرائها من أطبائها، حتى صار ذلك ~~منها سببا للحرص والنهم في ذلك. ### || 75- [صوت الخصي] # ويعرض له عند قطع ذلك العضو تغير الصوت، حتى لا يخفى على من سمعه من غير ~~أن يرى صاحبه أنه خصي، وإن ms0056 كان الذي يخاطبه ويناقله الكلام أخاه أو ابن ~~عمه، أو بعض أترابه من فحولة جنسه، وهذا المعنى يعرض لخصيان الصقالبة أكثر ~~مما يعرض للخراسانية، وللسودان من السند والحبشان. وما أقل من تجده ناقصا ~~عن هذا المقدار، إلا وله بيضة أو عرق، فليس يحتاج في صحة تمييز ذلك، ولا في ~~دقة الحس فيه، إلى حذق بقيافة، بل تجد ذلك شائعا في طباع السفلة والغثراء ~~«2» ، وفي أجناس الصبيان والنساء. ### || 76- [شعر الخصي] # ومتى خصي قبل الإنبات لم ينبت، وإذا خصي بعد استحكام نبات الشعر في ~~مواضعه، تساقط كله إلا شعر العانة، فإنه وإن نقص من غلظه ومقدار عدده فإن ~~الباقي كثير. ولا يعرض ذلك لشعر الرأس، فإن شعر الرأس والحاجبين وأشفار ~~العينين يكون مع الولادة، وإنما يعرض لما يتولد من فضول البدن. # وقد زعم ناس أن حكم شعر الرأس خلاف حكم أشفار العينين، وقد ذكرنا ذلك في ~~موضعه من باب القول في الشعر، وهذه الخصال من أماكن شعر النساء، والخصيان ~~والفحولة فيه سواء، وإنما يعرض لسوى ذلك من الشعر الحادث الأصول، الزائد في ~~النبات. ألا ترى أن المرأة لا تصلع، فناسبها الخصي من هذا الوجه، فإن # PageV01P076 # عرض له عارض فإنما هو من القرع، لا من جهة النزع والجلح، والجله والصلع ~~«1» وكذلك النساء في جميع ذلك. # والمرأة ربما كان في قصاص مقاديم شعر رأسها ارتفاع، وليس ذلك بنزع ولا ~~جلح، إذا لم يكن ذلك حادثا يحدثه الطعن في السن. # وتكون مقاطع شعر رأسه ومنتهى حدود قصاصه، كمقاطع شعر المرأة ومنتهى ~~قصاصها، وليس شعرها كلما دنا من موضع الملاسة والانجراد يكون أرق حتى يقل ~~ويضمحل، ولكنه ينبت في مقدار ذلك الجلد على نبات واحد، ثم ينقطع عند منتهاه ~~انقطاعا واحدا. والمرأة ربما كانت سبلاء، وتكون لها شعرات رقيقة زغبية ~~كالعذار موصولا بأصداغها، ولا يعرض ذلك للخصي إلا من علة في الخصاء، ولا ~~يرى أبدا بعد مقطع من صدغيه شيء من الشعر، لا من رقيقه ولا من كثيفه. ### || 77- [ذوات اللحى والشوارب] # وقد توجد المرأة ذات لحية. ms0057 وقد رأيت ذلك، وأكثر ما رأيته في عجائز ~~الدهاقين، وكذلك الغبب «2» والشارب، وقد رأيت ذلك أيضا. وهي ليست في رأي ~~العين بخنثى، بل نجدها أنثى تامة. إلا أن تكون لم تضرب في ذلك بالسبب الذي ~~يقوى، حتى يظهر في غير ذلك المكان. ولا تعرض اللحى للنساء، إلا عند ارتفاع ~~الحيض، وليس يعرض ذلك للخصي. # وقد ذكر أهل بغداد، أنه كان لابنة من بنات محمد بن راشد الخناق، لحية ~~وافرة، وأنها دخلت مع نساء متنقبات إلى بعض الأعراس لترى العرس وجلوة ~~العروس، ففطنت لها امرأة فصاحت: رجل والله! وأحال الخدم والنساء عليها ~~بالضرب، فلم تكن لها حيلة إلا الكشف عن فرجها. فنزعن عنها وقد كادت تموت. # ويفضل أيضا الخصي المرأة في الانجراد والزعر، بأن تجد المرأة زباء «3» ~~الذراعين والساقين، وتجد ركب «4» المرأة في الشعر كأنه عانة الرجل، ويعرض ~~لها الشعر في إبطيها وغير ذلك. # PageV01P077 # ولا يعرض للخصي ما يعرض للديك إذا خصي: أن يذبل غضروف عرفه ولحيته. # والخصاء ينقص من شدة الأسر، وينقض مبرم القوى، ويرخي معاقد العصب، ويقرب ~~من الهرم والبلى. ### || 78- [مشي الخصي] # ويعرض للخصي أن يشتد وقع رجله على أرض السطح، حتى لو تفقدت وقع قدمه وقدم ~~أخيه الفحل الذي هو أعبل «1» منه لوجدت لوقعه ووطئه شيئا لا تجده لصاحبه. ~~وكأن العضو الذي كان يشد توتير النسا، ومعاقد الوركين ومعاليق العصب، لما ~~بطل وذهب الذي كان يمسكه ويرفعه، فيخف لذلك وقع رجله، صار كالذي لا يتماسك ~~ولا يحمل بعضه بعضا. ### || 79- [أثر الخصاء في الذكاء] # ويعرض له أن أخوين صقلبيين من أم وأب، لو كان أحدهما توءم أخيه، أنه متى ~~خصي أحدهما خرج الخصي منهما أجود خدمة، وأفطن لأبواب المعاطاة والمناولة، ~~وهو لها أتقن وبها أليق، وتجده أيضا أذكى عقلا عند المخاطبة، فيخص بذلك ~~كله، ويبقى أخوه على غثارة «2» فطرته، وعلى غباوة غريزته، وعلى بلاهة ~~الصقلبية، وعلى سوء فهم العجمية. # ويد الإنسان لا تكون أبدا إلا خرقاء، ولا تصير صناعا ما لم تكن المعرفة ~~ثقافا لها. واللسان لا يكون أبرأ، ms0058 ذاهبا في طريق البيان، متصرفا في ~~الألفاظ، إلا بعد أن تكون المعرفة متخللة به، منقلة له، واضعة له في مواضع ~~حقوقه، وعلى أماكن حظوظه، وهو علة له في الأماكن العميقة، ومصرفة له في ~~المواضع المختلفة. # فأول ما صنع الخصاء بالصقلبي تزكية عقله، وإرهاف حده، وشحذ طبعه، وتحريك ~~نفسه. فلما عرف كانت حركته تابعة لمعرفته، وقوته على قدر ما هيجه. # فأما نساء الصقالبة وصبيانهم، فليس إلى تحويل طبائعهم، ونقل خلقهم إلى ~~الفطنة الثاقبة، وإلى الحركة الموزونة، وإلى الخدمة الثابتة الواقعة ~~بالموافقة، سبيل. # PageV01P078 # وعلى حسب الجهل يكون الخرق، وعلى حسب المعرفة يكون الحذق. وهذا جملة ~~القول في نسائهم، وعلى أنهن لا حظوظ لهن عند الخلوة، ولا نفاذ لهن في ~~صناعة؛ إذ كن قد منعن فهم المعاطاة ومعرفة المناولة. # والخصيان مع جودة آلاتهم ووفارة طبائعهم في معرفة أبواب الخدمة. وفي ~~استواء حالهم في باب المعاطاة، لم تر أحدا منهم قط نفذ في صناعة تنسب إلى ~~بعض المشقة، وتضاف إلى شيء من الحكمة، مما يعرف ببعد الروية، والغوص بإدامة ~~الفكرة، إلا ما ذكروا من نفاذ ثقف في التحريك للأوتار، فإنه كان في ذلك ~~مقدما، وبه مذكورا. إلا أن الخصي من صباه، يحسن صنعة الدابوق «1» . ويجيد ~~دعاء الحمام الطوري «2» . وما شئت من صغار الصناعات. # وقد زعم البصريون أن حديجا الخصي، خادم المثنى بن زهير، كان يجاري المثنى ~~في البصر بالحمام. وفي صحة الفراسة، وإتقان المعرفة، وجودة الرياضة. # وسنذكر حاله في باب القول في الحمام إن شاء الله تعالى. # هذا قولهم فيمن خصي من الصقالبة. وملوكنا لعقول خصيان خراسان أحمد، وهم ~~قليل، ولذلك لم نأت من أمرهم بشيء مشهور، وأمر مذكور. ### || 80- [خصيان السند] # وأما السند، فلم يكن فيهم أيضا من الخصيان إلا النفر الذين كان خصاهم ~~موسى بن كعب، وقد رأيت أنا بعضهم، وزعم لي أنه خصى أربعة هو أحدهم، ورأيت ~~الخصاء، قد جذبه إلى حب الحمام، وعمل التكك «3» ، والهراش بالديوك، وهذا ~~شيء لم يجر منه على عرق، وإنما قاده إليه قطع ذلك العضو. ### || 81- [خصيان الحبشة ms0059 والنوبة والسودان] # فأما الخصيان من الحبشان والنوبة وأصناف السودان، فإن الخصاء يأخذ منهم ~~ولا يعطيهم، وينقصهم ولا يزيدهم، ويحطهم عن مقادير إخوانهم، كما يزيد ~~الصقالبة عن مقادير إخوتهم، لأن الحبشي متى خصي سقطت نفسه، وثقلت حركته، ~~وذهب نشاطه، ولا بد أن يعرض له فساد، لأنه متى استقصي جبابه لم # PageV01P079 # يتماسك بوله، وسلس مخرجه، واسترخى الممسك له، فإن هم لم يستقصوا جبابه، ~~فإنما يدخل الرجل منزله من له نصف ذلك العضو. وعلى أنك لا تجد منهم خصيا ~~أبدا، إلا وبسرته بجرة «1» ، ونفخة شنيعة، وذلك عيب شديد، وهو ضرب من ~~الفتق، مع قبحه في العين، وشنعته في الذكر. وكل ما قبح في العين فهو مؤلم، ~~وكل ما شنع في النفس فهو مؤذ. وما أكثر ما تجد فيهم الألطع «2» ، وذلك فاش ~~في باطن شفاههم. # ومتى كانت الشفاه هدلا، وكانت المشافر منقلبة، كانت أظهر للطع، وهو ضرب ~~من البرص. والبياض الذي يعرض لغراميل الخيل وخصاها، ضرب أيضا من البرص، ~~وربما عرض مثل ذلك لحشفة قضيب المختون، إما لطبع الحديد «3» ، وإما لقرب ~~عهده بالإحداد وسقي الماء، إلا أن ذلك لا يعدو مكانه. # وكلما عظمت الحشفة انبسط ذلك البياض على قدر الزيادة فيها، وإنما ذلك ~~كالبياض الذي يعرض من حرق النار وتشييطها، وكالذي يعرض للصقالبة من التعالج ~~بالكي «4» . وربما اشتد بياضه حتى يفحش ويرديه، إلا أنه لا يفشو ولا ينتشر، ~~إلا بقدر ما ينبسط مكانه، ويتحول صاحبه رجلا، بعد أن كان صبيا. وليس كالذي ~~يعرض من البلغم ومن المرة. وبعض البرص يذهب حتى كأنه لم يكن، وبعضه لا يذهب ~~ولا يقف، بل لا يزال يتفشى ويتسع حتى ربما سلخه، ولا يذهب إلا بأن يذهب به ~~نبي، فيكون ذلك علامة له. ومن البهق الأبيض ما يكاد يلحق بالبرص، ولكن الذي ~~هون أمره الذي ترون من كثرة برء الناس منه. # ثم الخصاء يكون على ضروب، ويكون في ضروب، فمن ذلك ما يعرض بعد الكبر ~~للأحرار، كما يعرض للعبيد، وللعرب كما يعرض للعجم، كما خصى بعض عباهلة ~~اليمن علقمة ms0060 بن سهل الخصي. ### || 82- [علقمة الفحل وعلقمة الخصي] # وإنما قيل لعلقمة بن عبدة الفحل، حين وقع على هذا اسم الخصي. وكان عبدا ~~صالحا، وهو كان جنب الجديل وداعرا «5» ، الفحلين الكريمين، إلى عمان، # PageV01P080 # وكان من نازليها. وهو كان أحد الشهود على قدامة بن مظعون في شرب الخمر، ~~وهو الذي قال لعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: أتقبل شهادة الخصي؟ قال: ~~«أما شهادتك فأقبل» . وهو علقمة بن سهل بن عمارة، فلما سموه الخصي، قالوا ~~لعلقمة ابن عبدة: الفحل. وعلقمة الخصي، الذي يقول: [من الطويل] # فلن يعدم الباقون قبرا لجثتي ... ولن يعدم الميراث مني المواليا «1» # حراص على ما كنت أجمع قبلهم ... هنيئا لهم جمعي وما كنت واليا # ودليت في زوراء ثمت أعنقوا ... لشأنهم قد أفردوني وشانيا # فأصبح مالي من طريف وتالد ... لغيري، وكان المال بالأمس ماليا # وكما عرض للدلال ونومة الضحى، من خصاء عثمان بن حيان المري والي المدينة ~~لهما. بكتاب هشام بن عبد الملك «2» . ### || 83- [أثر تحريف كتاب هشام بن عبد الملك] # فمن بني مروان من يدعي أن عامل المدينة صحف، لأنه رأى في الكتاب: # «أحص من قبلك من المخنثين» فقرأها: «اخص من قبلك من المخنثين» . وذكر ~~الهيثم عن الكاتب الذي تولى قراءة ذلك الكتاب، أنه قال: وكيف يقولون ذلك ~~ولقد كانت الخاء معجمة بنقطة، كأنها سهيل أو تمرة صيحانية «3» ؟! فقال ~~اليقطري: ما وجه كتاب هشام في إحصاء عدد المخنثين؟ وهذا لا معنى له، وما ~~كان الكتاب إلا بالخاء المعجمة دون الحاء المهملة. # وذكر عن مشايخ من أهل المدينة أنهم حكوا عنهما أنهما قالا: الآن صرنا ~~نساء بالحق!! كأن الأمر لو كان إليهما لاختارا أن يكونا امرأتين! قال: وذكر ~~أنهما # PageV01P081 # خرجا بالخصلتين من الخصاء والتخنيث، من فتور الكلام ولين المفاصل ~~والعظام، ومن التفكك والتثني، إلى مقدار لم يروا أحدا بلغه، لا من مخنثات ~~النساء، ولا من مؤنثي الرجال. ### || 84- [أبو همام السنوط] # وكما عرض لأبي همام السنوط من امتلاخ اللخم «1» مذاكيره وخصييه، أصابه ~~ذلك في البحر في بعض المغازي، فسقطت لحيته، ولقب بالسنوط، وخرج ms0061 لذلك نهما ~~وشرها. # وقال ذات يوم: لو كان النخل بعضه لا يحمل إلا الرطب، وبعضه لا يحمل إلا ~~التمر، وبعضه لا يحمل إلا المجزع، وبعضه لا يحمل إلا البسر، وبعضه لا يحمل ~~إلا الخلال، وكنا متى تناولنا من الشمراخ بسرة، خلق الله مكانها بسرتين، ~~لما كان بذلك بأس! ثم قال: أستغفر الله! لو كنت تمنيت أن يكون بدل نواة ~~التمر زبدة كان أصوب!! ومنه ما يعرض من جهة الأوجاع التي تعرض للمذاكير ~~والخصيتين، حتى ربما امتلخهما طبيب، وربما قطع إحداهما، وربما سقطتا جميعا ~~من تلقاء أنفسهما. ### || 85- [نسل منزوع البيضة اليسرى] # والعوام يزعمون أن الولد إنما يكون من البيضة اليسرى «2» . وقد زعم ناس ~~من أهل سليمان بن علي ومواليهم، أن ولد داود بن جعفر الخطيب المعتزلي، إنما ~~ولد له بعد أن نزعت بيضته اليسرى، لأمر كان عرض له. # والخصي الطيان. الذي كان في مسجد ابن رغبان، ولد له غلام، وكان ليس له ~~إلا البيضة اليمنى، فجاء أشبه به من الذباب بالذباب والغراب بالغراب، ولو ~~أبصره أجهل خلق الله تعالى بفراسة، وأبعدهم من قيافة، ومن مخالطة النخاسين، ~~أو من مجالسة الأعراب، لعلم أنه سلالته وخلاصته، لا يحتاج فيه إلى مجزز ~~المدلجي، ولا إلى ابن كريز الخزاعي. # PageV01P082 ### || 86- [خصاء الروم] # ومن أهل الملل من يخصي ابنه ويقفه على بيت العبادة، ويجعله سادنا، كصنيع ~~الروم، إلا أنهم لا يحدثون في القضيب حدثا، ولا يتعرضون إلا للأنثيين، ~~كأنهم إنما كرهوا لأولادهم إحبال نسائهم ورواهبهم فقط!! فأما قضاء الوطر ~~وبلوغ اللذة، فقد زعموا أنهم يبلغون من ذلك مبلغا لا يبلغه الفحل، كأنهم ~~يزعمون أنه يستقصي جميع ما عندها ويستجلبه، لفرط قوته على المطاولة. ### || [الروم أول من ابتدع الخصاء] # وكل خصاء في الدنيا فإنما أصله من قبل الروم، ومن العجب أنهم نصارى، وهم ~~يدعون من الرأفة والرحمة، ورقة القلب والكبد، ما لا يدعيه أحد من جميع ~~الأصناف، وحسبك بالخصاء مثلة! وحسبك بصنيع الخاصي قسوة! ولا جرم أنهم بعثوا ~~على أنفسهم من الخصيان، من طلب الطوائل وتذكر الأحقاد، ما ms0062 لم يظنوه عندهم، ~~ولا خافوه من قبلهم، فلا هم ينزعون، ولا الخصيان ينكلون، لأن الرماية فيهم ~~فاشية، وإن كان الخصي أسوارا» # بلغ منهم، وإن كان جمع مع الرماية الثروة، واتخذ بطرسوس، وأذنة الضياع ~~واصطنع الرجال، واتخذ العقد «2» المغلة فمضرة كل واحد منهم عليهم، تفي ~~بمضرة قائد ضخم. ولم تر عداوة قط تجوز مقدار عداوتهم لهم، وهذا يدل على ~~مقدار فرط الرغبة في النساء، وعلى شهوة شديدة للمباضعة، وعلى أنهم قد عرفوا ~~مقدار ما فقدوا، وهذه خصلة كريمة مع طلب المثوبة، وحسن الأحدوثة. ### || 87- [خصاء الصابئة] # فأما الصابئون، فإن العابد منهم ربما خصى نفسه. فهو في هذا الموضع قد ~~تقدم الرومي، فيما أظهر من حسن النية، وانتحل من الديانة والعبادة، بخصاء ~~الولد التام، وبإدخاله النقص على النسل، كما فعل ذلك أبو المبارك الصابي. ~~وما زال خلفاؤنا وملوكنا يبعثون إليه، ويسمعون منه، ويسمر عندهم، للذي ~~يجدونه عنده من الفهم والإفهام، وطرف الأخبار، ونوادر الكتب، وكان قد أربى ~~على المائة، ولم أسمع قط بأغزل منه، وإن كان يصدق عن نفسه فما في الأرض ~~أزنى منه. # PageV01P083 ### || 88- [حديث أبي المبارك الصابي] # حدثني محمد بن عباد قال: سمعته يقول- وجرى ذكر النساء ومحلهن من قلوب ~~الرجال، حتى زعموا أن الرجل كلما كان عليهن أحرص كان ذلك أدل على تمام ~~الفحولة فيه، وكان أذهب له في الناحية التي هي في خلقته ومعناه وطبعه، إذ ~~كان قد جعل رجلا ولم يجعل امرأة- قال ابن عباد، فقال لنا: ألستم تعلمون أني ~~قد أربيت على المائة، فينبغي لمن كان كذلك أن يكون وهن الكبر، ونفاذ الذكر، ~~وموت الشهوة، وانقطاع ينبوع النطفة، قد أمات حنينه إلى النساء وتفكيره في ~~الغزل؟! قال: قلنا: صدقت. قال: وينبغي أن يكون من عود نفسه تركهن مددا، ~~وتخلى عنهن سنين ودهرا، أن تكون العادة وتمرين الطبيعة، وتوطين النفس، قد ~~حط من ثقل منازعة الشهوة، ودواعي الباءة، وقد علمتم أن العادة التي هي ~~الطبيعة الثانية، قد تستحكم ببعض عمد هجر لملامسة النساء. قال: قلنا: صدقت. ~~قال: وينبغي أن يكون من ms0063 لم يذق طعم الخلوة بهن ولم يجالسهن متبذلات، ولم ~~يسمع حديثهن وخلابتهن للقلوب، واستمالتهن للأهواء، ولم يرهن منكشفات ~~عاريات، إذا تقدم له ذلك مع طول الترك، ألا يكون بقي معه من دواعيهن شيء؟! ~~قال: قلنا: صدقت. # قال: وينبغي أن يكون لمن قد علم أنه محبوب. وأن سببه إلى خلاطهن محسوم، ~~أن يكون اليأس من أمتن أسبابه إلى الزهد والسلوة. وإلى موت الخواطر. قال: ~~قلنا: # صدقت. قال: وينبغي أن يكون من دعاه الزهد في الدنيا، وفيما يحتويه النساء ~~مع جمالهن وفتنة النساك بهن، واتخاذ الأنبياء لهن، إلى أن خصى نفسه. ولم ~~يكرهه عليه أب ولا عدو، ولا سباه ساب، أن يكون مقدار ذلك الزهد هو المقدار ~~الذي يميت الذكر لهن، ويسري عنه ألم فقد وجودهن، وينبغي لمن كان في إمكانه ~~أن ينشئ العزم ويختار الإرادة التي يصير بها إلى قطع ذلك العضو الجامع ~~لكبار اللذات، وإلى ما فيه من الألم، ومع ما فيه من الخطر، وإلى ما فيه من ~~المثلة والنقص الداخل على الخلقة، أن تكون الوساوس في هذا الباب لا تعروه، ~~والدواعي لا تقروه. قال: # قلنا: صدقت. قال: وينبغي لمن سخت نفسه عن السكن وعن الولد، وعن أن يكون ~~مذكورا بالعقب الصالح، أن يكون قد نسي هذا الباب، إن كان قد مر منه على ~~ذكر. # هذا وأنتم تعلمون أني سملت عيني يوم خصيت نفسي، فقد نسيت كيفية الصور ~~وكيف تروع، وجهلت المراد منها، وكيف تراد، أفما كان من كان كذلك حريا أن ~~تكون نفسه ساهية لاهية مشغولة بالباب الذي أحتمل له هذه المكاره؟! قال: ~~قلنا: صدقت. قال: أو لو لم أكن هرما، ولم يكن ها هنا طول اجتناب. # PageV01P084 # وكانت الآلة قائمة أليس في أني لم أذق حيوانا منذ ثمانين سنة ولم تمتل ~~عروقي من الشراب مخافة الزيادة في الشهوة. والنقصان من العزم- أليس في ذلك ~~ما يقطع الدواعي، ويسكن الحركة إن هاجت؟! قال: قلنا: صدقت. قال: فإني بعد ~~جميع ما وصفت لكم، لأسمع نغمة المرأة فأظن مرة أن كبدي قد ذابت، ms0064 وأظن مرة ~~أنها قد انصدعت، وأظن مرة أن عقلي قد اختلس، وربما اضطرب فؤادي عند ضحك ~~إحداهن، حتى أظن أنه قد خرج من فمي، فكيف ألوم عليهن غيري؟! فإن كان- حفظك ~~الله تعالى- قد صدق على نفسه في تلك الحال، بعد أن اجتمعت فيه هذه الخصال، ~~فما ظنك بهذا قبل هذا الوقت بنحو ستين سنة أو سبعين سنة؟! وما ظنك به قبل ~~الخصاء بساعة؟! وليس في الاستطاعة ولا في صفة الإمكان، أن يحتجز عن إرادة ~~النساء، ومعه من الحاجة إليهن والشهوة لهن هذا المقدار! الله تعالى أرحم ~~بخلقه، وأعدل على عباده، من أن يكلفهم هجران شيء، قد وصله بقلوبهم هذا ~~الوصل، وأكده هذا التأكيد. # وقد خصى نفسه من الصابئين رجال، قد عرفناهم بأسمائهم وأنسابهم، وصفاتهم ~~وأحاديثهم. وفي الذي ذكرنا كفاية إن شاء الله تعالى. ### || 89- [استئذان عثمان بن مظعون في الخصاء] # وقد ذكر أن عثمان بن مظعون، استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في السياحة ~~فقال: «سياحة أمتي الجماعة» «1» . واستأذنه في الخصاء فقال: «خصاء أمتي ~~الصوم، والصوم وجاء» «2» . فهذا خصاء الديانة. ### || 90- [خصاء الجلب و قسوته] # فأما من خصى الجلب «3» على جهة التجارة، فإنه يجب القضيب، ويمتلخ ~~الأنثيين، إلا أن تقلصت إحداهما من فرط الفزع، فتصير إلى موضع لا يمكن ردها ~~إلا بعلاج طويل، فللخاصي عند ذلك ظلم لا يفي به ظلم، وظلم يربي على كل ظلم، ~~لأنه عند ذلك لا يحفل بفوت المتقلص، ويقطع ما ظهر له، فإن برئ مجبوب القضيب ~~أو ذا بيضة واحدة، فقد تركه لا امرأة ولا رجلا ولا خصيا، وهو حينئذ ممن ~~تخرج لحيته، وممن لا يدعه الناس في دورهم ومواضع الخصوص من بيوتهم، فلا # PageV01P085 # يكون مع الخصيان مقربا ومكرما، وخصيب العيش منعما، ولا هو إذا رمي به في ~~الفحول، كان له ما للفحول من لذة غشيان النساء، ومن لذة النسل والتمتع بشم ~~الأولاد؛ فلم يزل عند الفحول مستضعفا محتقرا، وعند الخصيان مجرحا مطرحا، ~~فهو أسوأ حالا من السدم المعنى «1» فلا أعلم قتله- إذا كان القتل قتلة ~~صريحة مريحة- إلا أصغر ms0065 عند الله تعالى، وأسهل على هذا المظلوم من طول ~~التعذيب. والله تعالى بالمرصاد. ### || 91- [أنواع خصاء البهائم] # # وأما خصاء البهائم، فمنه الوجاء، وهو أن يشد عصب مجامع الخصية من أصل ~~القضيب، حتى إذا ندرت البيضة، وجحظت الخصية، وجأها حتى يرضها، فهي عند ذلك ~~تذبل وتنخسف، وتذوي وتستدق، حتى تذهب قواها، وتنسد المجاري إليها، ويسري ~~ذلك الفساد إلى موضع تربية النطفة، فيمنعها من أن تكثر أو تعذب أو تخثر. # ومنها ما يكون بالشد والعصب، وشدة التحزيق، والعقد بالخيط الشديد الوتير ~~الشديد الفتل، فإذا تركه على ذلك عمل فيه وحز، أو أكل ومنعه من أن يجزي ~~إليه الغذاء، فلا يلبث أن ينقطع ويسقط. # ومنه الامتلاخ، وهو امتلاخ البيضتين. ### || 92- [خصاء الناس] # فأما خصاء الناس، فإن للخاصي حديدة مرهفة محماة، وهي الحاسمة، وهي القاطعة. قال أبو زيد: ~~يقال خصيت الدابة أخصيها خصاء، ووجأتها أجؤها وجاء. # ويقال: برئت إليك من الخصاء أو الوجاء، ولا يقال ذلك إلا لما كان قريب ~~العهد لم يبرأ منه، فإذا برئ لم يقل له. # وأما الخصاء فهو أن يسل الخصيتين، والوجاء أن توجأ العرق والخصيتان على ~~حالهما. والمعصوب من التيوس الذي تعصب خصيتاه حتى تسقطا. والواحد من ~~الخصيان خصي ومخصي. ويقال ملست الخصيتين أملسهما ملسا، ومتنتهما أمتنهما ~~متنا، وذلك أن تشق عنهما الصفن فتسلهما بعروقهما. والصفن: جلدة الخصيتين. # PageV01P086 ### || 93- [خصاء البهائم و الديكة] # والخصاء في أحداث البهائم، وفي الغنم خاصة، يدع اللحم رخصا ونديا عذبا، ~~فإن خصاه بعد الكبر، لم يقو خصاؤه- بعد استحكام القوة- على قلب طباعه. ~~وأجود الخصاء ما كان في الصغر، وهو يسمى بالفارسية ثربخت يعنى بذلك أنه خصي ~~رطبا. والخصي من فحولها أحمل للشحم، لعدم الهيج والنعظ، وخروج قواه مع ماء ~~الفحلة. وكثرة السفاد تورث الضعف والهزال في جميع الحيوان. وقد ذكر لمعاوية ~~كثرة الجماع فقال: ما استهتر به أحد إلا رأيت ذلك في منته «1» . # والديك يخصى ليرطب لحمه ويطيب ويحمل الشحم. ### || 94- [خصاء العرب لفحولة الإبل] # وكانت العرب تخصي فحولة الإبل لئلا يأكل بعضها بعضا، وتستبقي ما كان أجود ms0066 ~~ضرابا، وأكثر نسلا، وكل ما كان مئناثا وكان شابا ولم يكن مذكارا، وهم يسمون ~~الإذكار المحق الخفي. وما كان منها عياياء طباقاء، فمنها ما يجعل السدم ~~المعنى. وإذا كان الفحل لا يتخذ للضراب، شدوا ثيله شدا شديدا، وتركوه يهدر ~~ويقبقب في الهجمة. ولا يصل إليهن وإن أردنه، فإذا طلبن الفحل جيء لهن بفحل ~~قعسري «2» ويقولون: «لقوة لاقت قبيسا!» «3» . والقبيس من الجمال: السريع ~~الإلقاح، واللقوة: السريعة القبول لماء الفحل. # وشكت امرأة زوجها. وأخبرت عن جهله بإتيان النساء. وعيه وعجزه. وأنه إذا ~~سقط عليها أطبق صدره- والنساء يكرهن وقوع صدور الرجال على صدورهن- فقالت: ~~زوجي عياياء طباقاء، وكل داء له داء «4» !! وقال الشاعر: [من الطويل] # طباقاء لم يشهد خصوما ولم يقد ... ركابا إلى أكوارها حين تعكف «5» # PageV01P087 ### || 95- [خصاء العرب للخيل] # وكانوا يخصون الخيل لشبيه بذلك، ولعلة صهيلها ليلة البيات، وإذا أكمنوا ~~الكمناء أو كانو هرابا. ### || 96- [ القول في كلمة خنذيذ] # ويزعم من لا علم له، أن الخنذيذ # في الخيل هو الخصي «1» . وكيف يكون ذلك كما قال، مع قول خفاف بن ندبة: ~~[من الخفيف] # وخناذيذ خصية وفحولا «2» # وقال بشر بن أبي خازم: [من الوافر] # وخنذيذ ترى الغرمول منه ... كطي البرد يطويه التجار «3» # وليس هذا أراد بشر، وإنما أراد زمان الغزو، والحال التي يعتري الخيل فيها ~~هذا المعنى، كما قال جد الأحيمر: [من مجزوء الكامل] # لا لا أعق ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر «4» # لكنما غزوي إذا ... ضج المطي من الدبر # وإنما فخر بالغزو في ذلك الزمان. # وأما الخنذيذ فهو الكريم التام، وربما وصفوا به الرجل. وقال كثير: [من ~~الطويل] # على كل خنذيذ الضحى متمطر ... وخيفانة قد هذب الجري آلها «5» # وقال القطامي: [من الطويل] # على كل خنذيذ السراة مقلص ... تخنث منه لحمه المتكاوس «6» # PageV01P088 # ومن الدليل على أنهم ربما جعلوا الرجل إذا ما مدحوه خنذيذا، قول بعض ~~القيسيين، من قيس بن ثعلبة: [من الطويل] # دعوت بني سعد إلي فشمرت ... خناذيذ من سعد طوال السواعد «1» ### || 97- [عبد الله بن الحارث وعبد الملك بن مروان] # وقال عبد الله بن الحارث، وكتب ms0067 بها إلى عبد الملك بن مروان حين فارق ~~مصعبا: [من الطويل] # بأي بلاء أم بأية علة ... يقدم قبلي مسلم والمهلب «2» # ويدعى ابن منجوف أمامي كأنه ... خصي دنا للماء من غير مشرب # فقلت ليونس: أقوى! فقال: الإقواء أحسن من هذا! قال: فلما أخذته قيس ~~نصبوه، فجعلوا يرمونه بالنبل ويقولون: أذات مغازل ترى؟! يريدون بيت ابن ~~الحر: # [من الطويل] # ألم ترقيسا- قيس عيلان- برقعت ... لحاها وباعت نبلها بالمغازل «3» # فلما أتي مصعب برأسه، قال لسويد: يا أبا المنهال! كيف ترى؟ قال: أيها ~~الأمير! هو والله الذي أتى الماء من غير مشرب. # وقال أعشى همدان: [من الكامل] # وأبو بريذعة الذي حدثته ... فينا أذل من الخصي الديزج «4» # وتعرض للخصي سرعة الدمعة، وذلك من عادة طبائع الصبيان ثم النساء، فإنه ~~ليس بعد الصبيان أغزر دمعة من النساء، وكفاك بالشيوخ الهرمين. ### || 98- [أخلاق الخصي] # ويعرض للخصي العبث واللعب بالطير، وما أشبه ذلك من أخلاق النساء، وهو من ~~أخلاق الصبيان أيضا. # PageV01P089 # ويعرض له الشره عند الطعام، والبخل عليه، والشح العام في كل شيء، وذلك من ~~أخلاق الصبيان ثم النساء. # وقال الشاعر: [من الطويل] # كأن أبا رومان قيسا إذا غدا ... خصي براذين يقاد رهيص # له معدة لا يشتكي الدهر ضعفها ... وحنجرة بالدورقين قموص # ويعرض للخصي سرعة الغضب، والرضا، وذلك من أخلاق الصبيان والنساء. # ويعرض له حب النميمة، وضيق الصدر بما أودع من السر، وذلك من أخلاق ~~الصبيان والنساء، ويعرض له دون أخيه لأمه وأبيه، ودون ابن عمه وجميع رهطه، ~~البصر بالرفع والوضع، والكنس والرش، والطرح والبسط، والصبر على الخدمة، ~~وذلك يعرض للنساء، ويعرض له الصبر على الركوب، والقوة على كثرة الركض حتى ~~يجاوز في ذلك رجال الأتراك وفرسان الخوارج. ومتى دفع إليه مولاه دابته ودخل ~~إلى الصلاة، أو ليغتسل في الحمام، أو ليعود مريضا، لم يترك أن يجري تلك ~~الدابة ذاهبا وجائيا، إلى رجوع مولاه إليه. # ويعرض له حب الرمي بالنشاب، للذي يدور في نفسه من حب غزو الروم. # ويعرض له حب أن تملكه الملوك، على ألا تقيم له إلا القوت، ويكون ms0068 ذلك أحب ~~إليه من أن تملكه السوقة، وإن ألحقته بعيش الملوك!!. # ومن العجب أنهم مع خروجهم من شطر طبائع الرجال، إلى طبائع النساء، لا ~~يعرض لهم التخنيث. وقد رأيت غير واحد من الأعراب مخنثا متفككا، ومؤنثا يسيل ~~سيلا، ورأيت عدة مجانين مخنثين، ورأيت ذلك في الزنج الأقحاح. وقد خبرني من ~~رأى كرديا مخنثا، ولم أر خصيا قط مخنثا، ولا سمعت به؛ ولا أدري كيف ذلك ولا ~~أعرف المانع منه. ولو كان الأمر في ذلك إلى ظاهر الرأي، لقد كان ينبغي لهم ~~أن يكون ذلك فيهم عاما! ومما يزيدني في التعجب من هذا الباب، كثرة ما يعرض ~~لهم من الحلاق «1» # ، مع قلة ما يعرض لهم من التخنيث، مع مفارقتهم لشطر معاني الرجال إلى شبه ~~النساء. # ويزعم كثير من الشيوخ المعمرين؛ وأهل التجربة المميزين، أنهم اختبروا # PageV01P090 # أعمار ضروب الناس، فوجدوا طول «1» # الأعمار في الخصيان أعمار في الخصيان أعم منه في مثل أعدادهم من جميع ~~أجناس الرجال، وأنهم تفقدوا أعمارهم وأعمار إخوتهم وبني أعمامهم الذين لم ~~يخصوا، فوجدوا طول العمر في الخصيان أعم، ولم يجدوا في عموم طوال العمر ~~فيهم واحدا نادرا، كفلان وفلان من الفحول. # وزعموا أنهم لم يجدوا لطول أعمارهم علة إلا عدم النكاح، وقلة استفراغ ~~النطف لقوى أصلابهم. # قالوا: وكذلك لم نجد فيما يعايش الناس في دورهم، من الخيل والإبل، ~~والحمير، والبقر، والغنم، والكلاب، والدجاج، والحمام، والديكة، والعصافير، ~~أطول أعمارا من البغال. # وكذلك قالوا: وجدنا أقلها أعمارا العصافير. وليس ذلك إلا لكثرة سفاد ~~العصافير وقلة سفاد البغال. # وجعل هؤلاء القوم زيادة عمر البغل على عمر أبويه دليلا على أن قول الناس: ~~لا يعيش أحد فوق عمر أبويه خطأ. وأولئك إنما عنوا الناس دون جميع الحيوان ~~«2» . ### || 99- [النتاج المركب] # وقالوا: قد وجدنا غرمول البغل أطول من غرمول الحمار والفرس والبرذون، ~~وهؤلاء أعمامه وأخواله، فقد وجدنا بعض| النتاج المركب، # وبعض الفروع المستخرجة، أعظم من الأصل؛ ووجدنا الحمام الراعبي أعظم من ~~الورشان الذي هو أبوه، ومن الحمامة التي هي أمه، ولم نجده أخذ من ms0069 عمر ~~الورشان شيئا، وخرج صوته من تقدير أصواتهما، كما خرج شحيح البغل من نهيق ~~الحمار وصهيل الفرس. # وخرج الراعبي مسرولا، ولم يكن ذلك في أبويه؛ وخرج مثقلا سيء الهداية. # وللورشان هداية، وإن كان دون الحمام؛ وجاء أعظم جثة من أبويه، ومقدار ~~النفس من ابتداء هديله إلى منقطعه، أضعاف مقدار هديل أبويه. # وفوالج البخت إذا ضربت في إناث البخت، ولم يخرج الحوار إلا أدن «4» # قصير العنق، لا ينال كلأ ولا ماء إلا بأن يرفعا إليه، فيصير- لمكان نقصان ~~خلقه- جزور لحم، # PageV01P091 # ولا يكون من اليعملات ولا من السابقة، ولو عالوه وكفوه مؤنة تكلف المأكول ~~والمشروب، ثم بلغ إلى أن يصير جملا يمكنه الضراب. وكذلك الأنثى التي هي ~~الحائل إلى أن تصير ناقة؛ فلو ألقحها الفحل لجاء ولدها أقصر عنقا من الفيل، ~~الذي لو لم يجعل الله تعالى له خرطوما يتناول به طعامه وشرابه، لمات جوعا ~~وهزالا؛ وليس كذلك العراب. وإذا ضربت الفوالج في العراب جاءت هذه الجوامز ~~والبخت الكريمة التي تجمع عامة خصال العراب وخصال البخت، فيكون ما يخرج ~~التركيب من هذين الجنسين أكرم وأفخم وأنفس وأثمن. ومتى ضربت فحول العراب في ~~إناث البخت جاءت هذه الإبل البهونية «1» # والصرصرانية «2» # فتخرج أقبح منظرا من أبويها، وأشد أسرا من أبويها. وقال الراجز: [من ~~الرجز] # ولا بهوني من الأباعر # وبعد؛ فإن هذه الشهرية الخراسانية، يخرج لها أبدان فوق أبدان أمهاتها ~~وآبائها من الخيل والبراذين، وتأخذ من عتق الخيل، ومن وثاجة «3» # البراذين، وليس نتاجها كنتاج البرذون خالصا والفرس خالصا. # وما أشبه قرابة الحمار بالرمكة والحجر، من قرابة الجمل الفالج البختي ~~بقرابة القلوص الأعرابية. ### || 100- [الحمر الوحشية] # ويقال إن الحمر الوحشية، وبخاصة الأخدرية أطول الحمير أعمارا # وإنما هي من نتاج الأخدر، فرس كان لأردشير بن بابك صار وحشيا فحمى عدة ~~عانات فضرب فيها، فجاء أولاده منها أعظم من سائر الحمر وأحسن. وخرجت ~~أعمارها عن أعمار الخيل وسائر الحمر- أعني حمر الوحش- فإن أعمارها تزيد على ~~الأهلية مرارا عدة. ### || 101- [عير أبي سيارة] # ولا يعرفون حمارا وحشيا عاش أكثر وعمر أطول من | عير ms0070 أبي سيارة # عميلة بن أعزل؛ فإنهم لا يشكون أنه دفع عليه بأهل الموسم أربعين عاما «4» # !! # PageV01P092 # قال الأصمعي: لم يكن عيرا وإنما كان أتانا. ### || 102- [لهج ملوك فارس بالصيد] # وزعموا- وكذلك هو في كتبهم- أن ملوك فارس، كانت لهجة بالصيد؛ إلا أن ~~بهرام جور هو المشهور بذلك في العوام. # وهم يزعمون أن فيروز بن قباذ الملك الفارسي، ألح في طلب حمار أخدري «1» # ؛ وقد ذكر له ووصف؛ فطاوله عند طلبه والتماسه، وجد في ذلك فلج به عند ~~طلبه الاغترام، وأخرجته الحفيظة إلى أن آلى ألا يأخذه إلا أسرا، ولا يطارده ~~إلا فردا، فحمل فرسه عليه، فحطه في خبار «2» # فجمع جراميزه «3» # وهو على فرسه ووثب؛ فإذا هو على ظهره؛ فقمص به، فضم فخذيه فحطم بعض ~~أضلاعه، ثم أقبل به إلى معظم الناس، وهم وقوف ينظرون إليه وهو راكبه. # قالوا: وكان الملك منهم إذا أخذ عيرا أخدريا وغير ذلك؛ فإذا وجده فتيا ~~وسمه باسمه وأرخ في وسمه يوم صيده وخلى سبيله، وكان كثيرا إذا ما صاده ~~الملك الذي يقوم به بعده. سار فيه مثله تلك السيرة وخلى سبيله، فعرف آخرهم ~~صنيع أولهم؛ وعرفوا مقدار مقادير أعمارها. ### || 103- [الحكمة في تخالف الميول] # ولولا أن ناسا من كل جيل، وخصائص من كل أمة، يلهجون ويكلفون بتعرف معاني ~~آخرين لدرست. ولعل كثيرا من هؤلاء يزري على أولئك، ويعجب الناس من تفرغهم ~~لما لا يجدي، وتركهم التشاغل بما يجدي، فالذي حبب لهذا أن يرصد عمر حمار أو ~~ورشان أو حية أو ضب، هو الذي حبب إلى الآخر أن يكون صيادا للأفاعي والحيات، ~~يتتبعها ويطلبها في كل واد وموضع وجبل للترياقات. وسخر هذا ليكون سائس ~~الأسد والفهود والنمور والببور «4» # ، وترك من تلقاء نفسه أن يكون راعي غنم!! # PageV01P093 # والذي فرق هذه الأقسام، وسخر هذه النفوس، وصرف هذه العقول لاستخراج هذه ~~العلوم من مدافنها، وهذه المعاني من مخابيها، هو الذي سخر بطليموس مع ملكه، ~~وفلانا وفلانا للتفرغ للأمور السماوية، ولرعاية النجوم واختلاف مسير ~~الكواكب. وكل ميسر لما خلق له، لتتم النعمة ولتكمل المعرفة، وإنما تأبى ms0071 ~~التيسير للمعاصي. # فأما الصناعات فقد تقصر الأسباب بعض الناس على أن يصير حائكا، وتقصر ~~بعضهم على أن يكون صيرفيا، فهي وإن قصرته على الحياكة، فلم تقصره على خلف ~~المواعيد وعلى إبدال الغزول، وعلى تشقيق العمل دون الإحكام والصدق وأداء ~~الأمانة، ولم تقصر الصيرفي على التطفيف في الوزن والتغليط في الحساب، وعلى ~~دس المموه؛ تعالى الله عز وجل عن ذلك علوا كبيرا. ### || 104- [خضوع النتاج المركب للطبيعة] # ولو كان أمر النتاج وما يحدث بالتراكيب ويخرج من التزاويج، إلى تقدير ~~الرأي وما هو أقرب إلى الظن، لكانت الأظلاف تجري مجرى الحوافر والأخفاف. ~~ألا ترى أن قرابة الضأن من الماعز، كقرابة البخت من العراب، والخيل من ~~الحمير!! وسبيل نتائج الظلف على خلاف ذلك؛ لأن التيس- على شدة غلمته- لا ~~يعرض للنعجة إلا بالقليل الذي لا يذكر. وكذلك ما يحدث بينهما من الولد ~~كذلك: إما ألا يتم خلقه، وإما ألا يعيش؛ وكذلك الكبش والعنز فضلا عن أن ~~يكون بينهما نتاج؛ لأنه قد يضرب الجنس في الجنس الذي لا يلقحه، ولا يكون ~~اللقاح إلا بعد ضراب. # وطلب التيس للنعجة قليل وأقل من القليل، وكذلك الكبش للعنز، وأقل من ذلك ~~أن تتلاقح ولا يبقى ذلك الولد البتة. # وقد تجاسر ناس على توليد أبواب من هذا الشكل، فادعوا أمورا، ولم يحفلوا ~~بالتقريع والتكذيب عند مسألة البرهان!! ### || 105- [زعم في الزرافة] # زعموا أن | الزرافة خلق مركب من بين الناقة الوحشية وبين البقرة الوحشية، وبين الذيخ وهو ذكر الضباع؛ ~~وذلك أنهم لما رأوا أن اسمها بالفارسية (أشتر كاو # PageV01P094 # بلنك) ؛ وتأويل «أشتر» بعير، وتأويل «كاو» بقرة، وتأويل «بلنك» الضبع؛ ~~لأن الضباع عرج؛ كذلك الذكر والأنثى يكون بهما خماع «1» # ؛ كما عرض للذئب القزل «2» # - وكل ذئب أقزل- وكما أن كل غراب يحجل كما يحجل المقيد من الناس؛ وكما أن ~~العصفور لا يمشي؛ ومشيه أن يجمع رجليه أبدا معا في كل حركة وسكون. # وقولهم للزرافة أشتر كاو بلنك اسم فارسي، والفرس تسمي الأشياء ~~بالاشتقاقات؛ كما تقول للنعامة: اشتر مرغ، وكأنهم في التقدير قالوا: هو ~~طائر وجمل؛ فلم نجد ms0072 هذا الاسم أوجب أن تكون النعامة نتاج ما بين الإبل ~~والطير، ولكن القوم لما شبهوها بشيئين متقاربين؛ سموها بذينك الشيئين. وهم ~~يسمون الشيء المر الحلو «ترش شيرين» وهو في التفسير حلو حامض. فجسر القوم ~~فوضعوا لتفسير اسم الزرافة حديثا؛ وجعلوا الخلقة ضربا من التراكيب؛ فقالوا: ~~قد يعرض الذيخ في تلك البلاد للناقة الوحشية فيسفدها، فتلقح بولد يجيء خلقه ~~ما بين خلق الناقة والضبع؛ فإن كان أنثى فقد يعرض لها الثور الوحشي ~~فيضربها؛ فيصير الولد زرافة، وإن كان ولد الناقة ذكرا عرض للمهاة فألقحها ~~فتلد زرافة. فمنهم من حجر البتة أن تكون الزرافة الأنثى تلقح من الزرافة ~~الذكر، وزعموا أن كل زرافة في الأرض، فإنما هي من النتاج الذي ركبوا؛ ~~وزعموا أن ذلك مشهور في بلاد الحبشة، وأقاصي اليمن. وقال آخرون: # ليس كل خلق مركب لا ينسل ولا يبقى نجله ولا يتلاقح نسله، على ما حكينا من ~~شأن الورشان والراعبي «3» # . وهؤلاء وما أشبههم يفسدون العلم، ويتهمون الكتب، وتغرهم كثرة أتباعهم ~~ممن تجده مستهترا بسماع الغريب، ومغرما بالطرائف والبدائع. ولو أعطوا مع ~~هذا الاستهتار نصيبا من التثبت، وحظا من التوقي، لسلمت الكتب من كثير من ~~الفساد. ### || 106- [النتاج المركب في الطيور] # وأنا رأيت طائرا له صوت غير حسن، فقال لي صاحب الطيور: إنه من نتاج ما ~~بين القمري «4» # والفاختة «5» . # PageV01P095 # وقناص الطير، ومن يأتي كل أوقة «1» # وغيضة في التماس الصيد، يزعمون أن أجناسا من الطير الأوابد والقواطع، ~~تلتقي على المياه فتتسافد؛ وأنهم لا يزالون يرون أشكالا لم يروها قط، ~~فيقدرون أنها من تلاقح تلك المختلفة. ### || 107- [زعم بعض الأعراب في الحرباء] # وقال أبو زيد النحوي، وذكر عمن لقي من الأعراب أنهم زعموا أن ذكر أم حبين ~~هو الحرباء. قال: وسمعت أعرابيا من قيس يقول لأم حبين حبينة، والحبينة هو ~~اسمها. قال: وقيس تسمي ذكر العظاءة العضرفوط. # وقال يحيى الأغر: سمعت أعرابيا يقول: لا خير في العظاءة، وإن كان ضبا ~~مكونا. قال: فإذا سام أبرص، والورل، والوحر، والضب والحلكاء. كلها عنده ~~عظاءة. ### || 108- [ولد الثعلب والهرة الوحشية] ms0073 # وزعم يحيى بن نجيم أن الثعلب يسفد الهرة الوحشية، فيخرج بينهما ولد. # وأنشد قول حسان بن ثابت رضي الله تعالى عنه: [من المتقارب] # أبوك أبوك وأنت ابنه ... فبئس البني وبئس الأب «2» # وأمك سوداء نوبية ... كأن أناملها العنظب «3» # يبيت أبوك بها معرسا ... كما ساور الهرة الثعلب # وأنشد أبو عبيدة قول عبد الرحمن بن الحكم: [من الوافر] # ألا أبلغ معاوية بن حرب ... مغلغلة عن الرجل اليماني «4» # أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني # PageV01P096 # فأشهد أن رحمك من قريش ... كرحم الفيل من ولد الأتان # قال كيسان: ولأي شي قال: # كرحم الفيل من ولد الأتان # إنما كان ينبغي أن يقول: كرحم الفيل من الخنزير. قال أبو عبيدة: أرادها ~~هو التبعيد بعينه؛ وأنت تريد ما هو أقرب. ### || 109- [زعم بعض المفسرين و الأخباريين في حيوان سفينة نوح] # وزعم بعض المفسرين وأصحاب الأخبار «1» # : أن أهل سفينة نوح كانوا تأذوا بالفأر، فعطس الأسد عطسة فرمى من منخريه ~~بزوج سنانير، فلذلك السنور أشبه شيء بالأسد. وسلح الفيل زوج خنازير؛ فلذلك ~~الخنزير أشبه شيء بالفيل. قال كيسان: فينبغي أن يكون ذلك السنور آدم ~~السنانير، وتلك السنورة حواءها. قال أبو عبيدة لكيسان: أولم تعلم أنت أن ~~لكل جنس من الحيوان آدم وحواء؟! وضحك فضحك القوم. ### || 110- [شره سعد القرقرة] # ولما رأى أبو قردودة سعد القرقرة، أكل عند النعمان مسلوخا بعظامه قال: ~~[من البسيط] # بين النعام وبين الكلب منبته ... وفي الذئاب له ظئر وأخوال # يقول: إن سعدا ضرب في أعراقه نجر النعام الذي يلتهم الجمر، ويلتقم ~~الحجارة، فيطفئ الجمر ويميع الصخر، وضرب في أعراقه نجر الكلب الذي يرض كل ~~عظم. ولا يقبض عليه بكفه إلا هو واثق بفته، ولا يسيغه إلا وهو على ثقة من ~~استمرائه. فأما الذئب فإنه لا يروم بفكيه شيئا إلا ابتلعه بغير معاناة، ~~عظما كان أو غيره، مصمتا كان أو أجوف. # ولذلك قال الراجز: [من الرجز] # أطلس يخفي شخصه غباره ... في فمه شفرته وناره «2» # PageV01P097 # فأبو قردودة لم يرد أن الذئب والكلب خالاه، وأن النعام نجله، وإنما ms0074 قال ~~ذلك على المثل والتشبيه، ولم يرد أن له ظئرا من الكلاب، وخالا من الذئاب. # وشبيه ذلك قول أمير المؤمنين المأمون لبعض الناس: يا نطف الخمارين، ~~ونزائع الظؤورة، وأشباه الخؤولة. # وعلى شبيه بذلك قال سلم بن قتيبة لبعض من ذكره، وهو عند سليمان بن علي: ~~أيها الأمير، إن آل فلان أعلاج خلق الله وأوباشه، لئام غدر، شرابون بأنقع ~~«1» # ، ثم هذا بعد في نفسه، نطفة خمار في رحم صناجة «2» . ### || 111- [زواج الأجناس المتباينة من الناس] # وقال لي أبو إسحاق: قال لي أبو العباس- وأبو العباس هذا كان ختن إبراهيم ~~على أخته، وكان رجلا يدين بالنجوم، ولا يقر بشيء من الحوادث إلا بما يجري ~~على الطباع. قال أبو إسحاق: وقال أبو إسحاق: وقال لي مرة: أتعرف موضع ~~الحظوة من خلوة النساء؟. # قلت: لا والله لا أعرفه. قال: بل اعلم أن لا يكون الحظ إلا في نتاج شكلين ~~متباينين، فالتقاؤهما هو الأكسير المؤدي إلى الخلاص: وهو أن تزاوج بين ~~هندية وخراساني، فإنها لا تلد إلا الذهب الإبريز. ولكن احرس ولدها، إن كان ~~الولد أنثى فاحذر عليها من شدة لواط رجال خراسان وزناء نساء الهند، واعلم ~~أن شهوتها للرجال على قدر حظوتها عندهم، واعلم أنها ستساحق النساء على ~~أعراق الخراسانية، وتزني بالرجال على أعراق الهند، واعلم أنه مما يزيد في ~~زناها ومساحقتها معرفتها بالحظوة عند الزناة، وبالحظ عند السحاقات. ### || 112- [زعمهم في الخلق المركب] # وقالوا في الخلق المركب ضروبا من الحق والباطل، ومن الصدق والكذب. فمن ~~الباطل زعمهم أن الشبوط ولد الزجر «3» # من البني، وأن الشبوط لا يخلق من الشبوط، وأنه كالبغل في تركيبه وإنساله. ~~ورووا ذلك عن أبي واثلة إياس بن معاوية بن قرة. # PageV01P098 # وزعموا أن أم جعفر بنت جعفر بن المنصور، حصرت في حوض لها ضخم أو بركة ~~كبيرة عددا كثيرا من الزجر والبني، وأنها لم تخلط بهما غيرهما، فمات أكثره ~~وبقيت بقية كانت الصميم في القوة، وفي احتمال تغير المكان فلم تحمل البيض ~~حينا، ثم إنها حملت بالشبابيط. ### || 113- [مطر الضفادع والشبابيط] # وزعم حريث أنه ms0075 كان بإيذج «1» # ، فإذا سحابة دهماء طخياء تكاد تمس الأرض، وتكاد تمس قمم رؤوسهم، وأنهم ~~سمعوا فيها كأصوات المجانيق، وكهدير الفحول في الأشوال، ثم إنها دفعت بأشد ~~مطر رئي أو سمع به، حتى استسلموا للغرق، ثم اندفعت بالضفادع العظام «2» # ، ثم اندفعت بالشبابيط السمان الخدال «3» فطبخوا واشتووا، وملحوا وادخروا ~~«4» . ### || 114- [غرور أبي واثلة والخليل بن أحمد] # ورووا عن أبي واثلة أنه زعم أن من الدليل على أن الشبوط كالبغل، أن الناس ~~لم يجدوا في طول ما أكلوا الشبابيط في جوفها بيضا قط. فإن كان هذا الخبر عن ~~هذا الرجل المذكور بشدة العقل، المنعوت بثقوب الفراسة ودقة الفطنة صحيحا، ~~فما أعظم المصيبة علينا فيه، وما أخلق الخبر أن يكون صحيحا، وذلك أني سمعت ~~له كلاما كثيرا من تصنيف الحيوان وأقسام الأجناس، يدل على أن الرجل حين ~~أحسن في أشياء وهمه العجب بنفسه أنه لا يروم شيئا فيمتنع عليه. # وغره من نفسه الذي غر الخليل بن أحمد، حين أحسن في النحو والعروض، فظن ~~أنه يحسن الكلام وتأليف اللحون، فكتب فيهما كتابين لا يشير بهما ولا يدل ~~عليهما إلا المرة المحترقة، ولا يؤدي إلى مثل ذلك إلا خذلان من الله تعالى، ~~فإن الله عز وجل لا يعجزه شيء. ### || 115- [بيض الشبوط وتناسله] # والشبوط- حفظك الله تعالى- جنس كثير الذكور قليل الإناث، فلا يكون إناثه # PageV01P099 # أيضا يجمعن البيض، وإذا جمعن فلو جمعت بيض عشر منهن لما كان كشطر بيض ~~بنية واحدة. وقد رأيت بيض الشبوط وذقته للتعرف فوجدته غير طائل، ولا معجب. # وكل صياد تسأله فهو ينبيك أن له بيضا، ولكنه إذا كان يكون ضئيلا قليلا، ~~لأن الشبابيط في أصل العدد من أقل السمك. وكذلك الجنس منه إذا كانت الأنثى ~~منه مذكارا. ### || 116- [مواطن الشبوط] # على أنه رب نهر يكون أكثر سمكه الشبوط، وذلك قليل، كنهر رامهرمز. # والشبوط لا يتربى في البحار، ولا يسكن إلا في الأودية والأنهار، ويكره ~~الماء الملح ويطلب الأعذب فالأعذب، ويكون في الماء الجاري، ولا يكون في ~~الساكن. # وسنذكر شأنه في موضعه من هذا الكتاب إن شاء ms0076 الله تعالى. ### || 117- [رد على ما زعموا في الزرافة] # ولم يصب أبو واثلة، وكذبوا على أم جعفر «1» . فإذا قالوا في الزرافة ما ~~قالوا «2» فلا تأمنهم على ما هو دونه. وإن كان من كذب على الموتى واستشهد ~~الغيب أحذق، فصاحب الزرافة قد استعمل بعض هذه الحيلة، وصاحب الشبوط يكذب ~~على الأحياء، ويستشهد الحضور. وإن كان الذي دعا إلى القول في الزرافة أنهم ~~جعلوا تركيب اسمه دليلا على تركيب الخلق. فالجاموس بالفارسية كاوماش. ~~وتأويله ضأني بقري، لأنهم وجدوا فيه مشابهة الكبش وكثيرا من مشابهة الثور، ~~وليس أن الكباش ضربت في البقر فجاءت بالجواميس. ### || 118- [رأي للفرس في تقسيم الحيوان] # وزعم الفرس أن الحيوان كله الذي يلد حيوانا مثله مما يمشي على أربع ~~قوائم، لا تخلو أجناسها من المعز والضأن. والجواميس عندهم ضأن البقر، ~~والبخت عندهم ضأن الإبل، والبراذين عندهم ضأن الخيل. ### || 119- [زعم في الإبل] # والناس يقولون في الإبل أقاويل عجيبة: فمنهم من يزعم أن فيها عرقا من ~~سفاد # PageV01P100 # الجن، وذهبوا إلى الحديث: أنهم إنما كرهوا الصلاة في أعطان الإبل لأنها ~~خلقت من أعناق الشياطين «1» فجعلوا المثل والمجاز على غير جهته. وقال ابن ~~ميادة: [من الطويل] # فلما أتاني ما تقول محارب ... تغنت شياطين وجن جنونها «2» # قال الأصمعي المأثور من السيوف الذي يقال: إن الجن عملته «3» . ### || 120- [القول في الشيطان] # وهم يسمون الكبر والخنزوانة والنعرة التي تضاف إلى أنف المتكبر شيطانا، ~~قال عمر: حتى أنزع شيطانه، كما قال: «حتى أنزع النعرة التي في أنفه» «4» . ~~ويسمون الحية إذا كانت داهية منها شيطانا، وهو قولهم: شيطان الحماطة «5» . ~~قال الشاعر: # [من الطويل] # تعالج مثنى حضرمي كأنه ... تعمج شيطان بذي خروع قفر «6» # شبه الزمام بالحية. وعلى مثل ذلك قال الشاعر: [من الطويل] # شناحية فيها شناح كأنها ... حباب بكف الشأو من أسطع حشر «7» # والحباب: الحية الذكر، وكذلك الأيم «8» . وقد نهي عن الصلاة عند غيبوبة ~~الشمس، وعند طلوع القرص إلى أن يتتام ذلك. وفي الحديث: «إنها تطلع بين قرني ~~شيطان» «9» . # PageV01P101 ### || 121- [ضرورة حذق اللغة للعالم و المتكلم] # فللعرب أمثال واشتقاقات وأبنية، وموضع كلام يدل ms0077 عندهم على معانيهم ~~وإرادتهم، ولتلك الألفاظ مواضع أخر، ولها حينئذ دلالات أخر، فمن لم يعرفها ~~جهل تأويل الكتاب والسنة، والشاهد والمثل، فإذا نظر في الكلام وفي ضروب من ~~العلم، وليس هو من أهل هذا الشأن، هلك وأهلك. ### || 122- [الإبل الوحشية] # وزعم ناس أن من الإبل وحشيا وكذلك الخيل، وقاسوا ذلك على الحمير ~~والسنانير والحمام وغير ذلك، فزعموا أن تلك الإبل تسكن أرض وبار، لأنها غير ~~مسكونة، ولأن الحيوان كلما اشتدت وحشيته كان للخلاء أطلب. قالوا: وربما خرج ~~الجمل منها لبعض ما يعرض، فيضرب في أدنى هجمة من الإبل الأهلية. قالوا: # فالمهرية من ذلك النتاج. # وقال آخرون: هذه الإبل الوحشية # هي الحوش، وهي التي من بقايا إبل وبار، فلما أهلكهم الله تعالى كما أهلك ~~الأمم مثل عاد وثمود والعمالقة وطسم وجديس وجاسم، بقيت إبلهم في أماكنهم ~~التي لا يطورها إنسي فإن سقط إلى تلك الجيزة بعض الخلعاء، أو بعض من أضل ~~الطريق حثت الجن في وجهه، فإن ألح خبلته، فضربت هذه الحوش في العمانية، ~~فجاءت هذه المهرية، وهذه العسجدية التي تسمى الذهبية. # وأنشدني سعدان المكفوف عن أبي العميثل قول الراجز: [من الرجز] # ما ذم إبلي عجم ولا عرب ... جلودها مثل طواويس الذهب # وقال الآخر: [من الوافر] # إذا اصطكت بضيق حجرتاها ... تلاقى العسجدية واللطيم «1» # والعسجد من أسماء الذهب. # PageV01P102 # قالوا: وإنما سميت صاحبة يزيد بن الطثرية حوشية على هذا المعنى «1» . # وقال رؤبة: [من الرجز] # جرت رحانا من بلاد الحوش «2» ### || 123- [رد على ما زعموا من مطر الضفادع والشبابيط] # وأما الذي زعم أنهم مطروا الشبوط «3» ، فإنه لما ظن أن الضفادع التي تصاب ~~بعقب المطر «4» ، بحيث لا ماء ولا وحل ولا عين ولا شريعة- فإنهم ربما رأوها ~~وسط الدو والدهناء والصمان «5» - ولم يشك أنها كانت في السحاب وعلم أنها ~~تكون في الأنهار ومنابع المياه، وليس ذلك من الذكر والأنثى، قاس على ذلك ~~الظن السمك، ثم جسر فجعل السمك شبوطا. وتلك الضفادع إنما هي شيء يخلق تلك ~~الساعة، من طباع الماء والهواء والزمان وتلك التربة، على مقادير ومقابلات، ~~وعلى ms0078 ما أجرى الله تعالى عليه نشأة الخلق. ### || 124- [امتناع التلاقح بين بعض الأجناس المتقاربة] # وقد تعرف القرابة التي تكون في رأي العين بين الشكلين من الحيوان فلا ~~يكون بينهما تسافد ولا تلاقح، كالضأن والمعز، وكالفأر والجرذان، فليس ~~بالعجب في البقر والجواميس أن تكون كذلك. وقد رأينا الخلاسي «6» من الدجاج ~~والديكة، وهو الذي تخلق من بين المولدات والهنديات، وهي تحمل اللحم والشحم. # وزعم لي مسعود بن عثمان، أنه أهدى إلى عمرو بن مسعدة، دجاجة ووزن فيها ~~سبعة عشر رطلا بعد طرح الأسقاط وإخراج الحشوة. # PageV01P103 ### || 125- [أثر زواج الأجناس المتباينة من الناس] «1» # ورأينا الخلاسي من الناس، وهو الذي يتخلق بين الحبشي والبيضاء، والعادة ~~من هذا التركيب أنه يخرج أعظم من أبويه وأقوى من أصليه ومثمريه. ورأينا ~~البيسري «2» من الناس، وهو الذي يخلق من بين البيض والهند، لا يخرج ذلك ~~النتاج على مقدار ضخم الأبوين وقوتهما، ولكنه يجيء أحسن وأملح. وهم يسمون ~~الماء إذا خالطته الملوحة بيسرا قياسا على هذا التركيب الذي حكينا عن البيض ~~والهنديات، ورأينا الخلاسي من الكلاب، وهو الذي يخلق بين السلوقي وكلب ~~الراعي، ولا يكون ذلك من الزئني والقلطي «3» ، ومن كلاب الدور والحراس. ~~وسنقول في السمع والعسبار، وفي غيرهما من الخلق المركب إن شاء الله تعالى. ### || 126- [أطول الناس أعمارا] # وذكروا أنهم وجدوا أطول أعمار الناس في ثلاثة مواضع: أولها سروحمير، ثم ~~فرغانة، ثم اليمامة، وإن في الأعراب لأعمارا أطول، على أن لهم في ذلك كذبا ~~كثيرا، والهند تربي عليهم في هذا المعنى. هكذا يقول علماء العرب. ### || 127- [أثر النبيذ في عمر الإنسان] # وكان عثمان ماش ويزال وجذعان، يذكرون أنهم عدوا أربعين فتى من فتيان قريش ~~وثقيف أعذار عام واحد فأحصوا عشرين من قريش، وعشرين من ثقيف، وتوخوا ~~المتجاورين في المحلة والمتقاربين في الدور من الموفرين على النبيذ، ~~والمقصورين على التنادم، وأنهم أحصوا مثل ذلك العدد وأشباه أولئك في السن ~~ممن لا يذوق النبيذ ولا يعرف شرابا إلا الماء، فذكروا أنهم وجدوا بعد مرور ~~دهر عامة من كاب يشرب النبيذ حيا، ومن لا ms0079 يشربه قد مات عامتهم، وكانوا قد ~~بلغوا في السن. # أما عثمان ويزال فكانا من المعمرين، وقد رأيتهما جميعا ولم أسمع هذا ~~منهما، وسنأتي على هذا الباب في موضعه من ذكر المعمرين، ونميز الصدق فيه من ~~الكذب، وما يجوز وما لا يجوز إن شاء الله تعالى. # PageV01P104 ### || 128- [ما يعرض للخصيان] # وما أكثر | ما يعرض للخصيان # البول في الفراش وغير ذلك، ولا سيما إذا بات أحدهم ممتلئا من النبيذ. # ويعرض لهم أيضا حب الشراب والإفراط في شهوته وشدة النهم. # ويعرض لهم أيضا إيثار المخفس «1» وحب الصرف، وذلك أيضا مما يعرض للنساء، ~~والإفراط في شهوتهن وشدة الهمة لهن والغيرة عليهن. ويحتلمون، ويجنبون ~~ويغتسلون، ويرون الماء غير الرائق ولا الغليظ، الذي له ريح طلع الفحال. # ويعرض للخصي شدة الاستخفاف بمن لم يكن ذا سلطان عظيم أو مال كثير أو جاه ~~عريض، حتى ربما كان عند مولاه بعض من عسى أن يتقدم هؤلاء المذكورين الذين ~~يكون الخصي كلفا بهم وبتعظيمهم، ومغرما بخدمتهم، في الأدب والحسب، وفي بعد ~~الهمة وكرم الشيمة، فيعمد عند دخول ذلك الرجل الذي له السلطان والجاه ~~والمال إلى متكأ هذا الأديب الكريم، والحسيب الشريف، فينزعه من تحت مرفقه، ~~غير محتفل بذلك ولا مكترث لما فيه، ويضعه له من غير أن يكون موضع المرافق ~~بعيدا، أو كان ذلك مما يفوت بعض الفوت، ويفعل ذلك وإن كان يعاشر هذا الأديب ~~الكريم مولاه وهو على يقين أنه لا يرى ذلك الموسر وصاحب الجاه أبدا. ### || 129- [أقوال في منع خصاء الخيل و إباحته] # وقد حرم بعضهم خصاء الخيل خاصة، وبعضهم زاد على ذلك حتى حرم خصاء ~~البهائم. وقال بعضهم: إذا كان الخصاء إنما اجتلبه فاعله أو تكلفه صاحبه على ~~جهة التماس المنفعة، أو على طريق التجارة، فذلك جائز، وسبيله سبيل الميسم، ~~فإن الميسم نار، وألمه يجوز كل ألم وقد رأينا إبل الصدقة موسومة، ووسمت ~~العرب الخيل وجميع أصناف النعم في الإسلام، على مثل صنيعها في الجاهلية. ~~وقد كانت القصواء ناقة النبي صلى الله عليه وسلم موسومة، وكذلك العضباء ms0080 «2» ~~. # PageV01P105 ### || 130- [وسم الحيوان] # وقال آخرون: الخصاء غير شبيه بالميسم «1» ، لأن في الخصاء من شدة الألم، ~~ومن المثلة «2» ، ومن قطع النسل، ومن إدخال النقص على الأعضاء، والنقص ~~لمواد القوى، ما ليس في الميسم وغيره، وهو بقطع الألية أشبه، والسمة إنما ~~هي لذعة، والخصاء مجاوز لكل شديدة. # قال القوم: ولا بأس بقطع الألية إذا منعت بثقلها أو عظمها الشاة من ~~اللحاق بالقطيع وخيف عليها من الذئب. وقطع الألية في جواز العقول أشبه من ~~الميسم، لأن الميسم ليس للبعير فيه حظ، وإنما الحظ فيه لرب المال، وقطع ~~الألية من شكل الختان، ومن شكل البط «3» والفصد «4» ، ومن جنس الوجور ~~والبيطرة، ومن جنس اللدود «5» والحجامة، ومن جنس الكي عند الحاجة، وقطع ~~الجارحة إذا خيف عليها الأكلة. ### || 131- [وسم الإبل] # قال الأولون: بل لعمري إن للإبل في السمات لأعظم المنافع، لأنها قد تشرب ~~بسماتها ولا تذاد عن الحوض إكراما لأربابها، وقد تضل فتؤوى، وتصاب في ~~الهواشات «6» فترد. # قالوا: فإنا لا نسألكم إلا عن سمات الخيل والبغال والحمير والغنم. وبعد ~~فكيف نستجيز أن نعمها بالإحراق بالنار، لأمر عسى ألا يحتاج إليه من ألف ~~بعير واحد، ثم عسى ألا يحتاج من جميع ذلك في جميع عمره إلا إلى شربة واحدة. # وقال القوم: إنما المياسم في النعم السائمة كالرقوم في ثياب البزاز، ومتى ~~ارتفعت الرقوم ومنعت المياسم، اختلطت الأموال، وإذا اختلطت أمكن فيها ~~الظلم، والمظلوم باذل نفسه دون المعيشة والهضيمة. # PageV01P106 # وقالوا: ليس قطع الألية كالمجثمة وكالشيء المصبور، وقد نهينا عن إحراق ~~الهوام، وقيل لنا: لا تعذبوا بعذاب الله تعالى، والميسم نار، وقطع الألية ~~من شكل قطع العروق، وصاحب المجثمة يقدر أن يرمي- إن كان به تعلم الرماية- ~~شيئا لا يألم ولم ينه عن تعذيبه، فما يرد الشيء المصبور من العذاب مردا ~~بوجه من الوجوه. ### || 132- [القول في نقص بعض أجزاء الحيوان أو نقضها أو إيلامها] # وقال آخرون: ليس لك أن تحدث في جميع الحيوان حدثا من نقض أو نقص أو ~~إيلام، لأنك لا تملك النشأة، ولا يمكنك التعويض له، فإذا أذن لك مالك ~~العين، ms0081 بل مخترعه ومنشئ ذاته والقادر على تعويضه، وهو الله عز وجل، حل لك ~~من ذلك ما كان لا يحل. وليس لك في حجة العقل أن تصنع بها إلا ما كان به ~~مصلحة، كعلاج الدبر وكالبيطرة. # وقال آخرون: لنا أن نصنع كل ما كان يصنع على عهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وبعده، مما لم يكن مدفوعا عند بعضهم، إلا أن يكون نهي ذلك البعض من ~~جماعتهم، في طريق الخلاف والرد والمفارقة ولا يكون عندهم قولا من الأقاويل، ~~فإن ذلك في سبيل العلاج بعد أن كان المتكلف يعرف وجه الملام. والمذهب في ~~ذلك معروف وإن كان خارجا من ذلك الحد، فقد علمنا أنه أبيح من طريق التعبد ~~والمحنة، كما جعل الله تعالى لنا ما أحل ذبحه من البهائم، وكما جعل لنا أن ~~نقتل القمل والبراغيث والبعوض، وإن لم يكن منها إلا مقدار الأذى فقط. ~~والقتل لا يكون قصاصا من الأذى، ولكن لما أباح لنا خالق الشيء والقادر على ~~تعويضه قتله، كان قتله أسوغ في العقل مع الأذى، من ذبح البهيمة مع السلامة ~~من الأذى. # قال: وليس كل مؤذ ولا كل ذي أذى حكم الله تعالى فيه بإباحة القتل، والله ~~عز وجل، بمقادير الأمور وبحكم المختلف والمتفق، والقليل من ذلك والكثير، ~~أحكم وأعلم. # وقد أمر الله تعالى إبراهيم عليه الصلاة والسلام، بذبح إسحاق أو إسماعيل ~~عليهما الصلاة والسلام، فأطاع الوالد وطاوع الولد «1» . # PageV01P107 # والجواب الماضي إنما هو قول من قال بالتعويض، وهو قول النظام. وأكثر ~~المتكلمين يعترضون عليه فيه. ### || 133- [ منع خصاء الإنسان و إباحته] # ولا يزال- يرحمك الله تعالى- بعض الملحدين من المعاندين، أو بعض الموحدين ~~من الأغبياء المنقوصين، قد طعن في ملك الخصي وبيعه وابتياعه، ويذكرون الخصي ~~الذي كان المقوقس عظيم القبط أهداه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله. # مع مارية القبطية أم إبراهيم عليه السلام. قالوا: فقد ملك عليه الصلاة ~~والسلام خصيا بعد أن عرفه وأحاط علمه بأنه خصي، وأنتم تزعمون أن الخصاء ~~حرام، وأن من اشترى من الخاصي خصيا ms0082 ثم زاد على قيمته وهو فحل، فقد أعان على ~~الخصاء وحث عليه، ورغب فيه، وأنه من أفحش الظلم وأشد القسوة، وزعمتم أن من ~~فعل ذلك فهو شريك الخاصي في الإثم، وأن حاله كحال المعروفين بالابتياع من ~~اللصوص. وقلتم: وكذلك من شهد القمار وهراش الكلاب، ونطاح الكباش وقتال ~~الديوك، وأصحاب المجارحات وحرب الفئتين الضالتين. وقلتم: لأن هذه المواضع ~~لو لم تحضرها النظارة لما عملوا تلك الأعمال، ولو فعلوها ما بلغوا مقدار ~~الشطر، لغلبة الرياء والسمعة على قلوب الناس، فكذلك الخاصي، والمشتري، ~~والمبتاع من المشتري، شركاء متعاونون، وخلطاء مترادفون. وإذا كان المبتاع ~~يزيد في السلعة لهذه العلة، والبائع يزيد في السوم لهذا السبب، وقد أقررتم ~~بأن النبي صلى الله عليه وسلم قد قبل له من المقوقس، كما قبل مارية، ~~واستخدمه، وجرى عليه ملكه وأمره، فافهم- فهمك الله تعالى- ما أنا مجيب به ~~في هذه المسألة. والله الموفق، وعلى الله قصد السبيل. # أقول: قبل كل شيء لا يخلو هذا الحديث الذي رويتموه من أن يكون مرضي ~~الإسناد. صحيح المخرج، أو يكون مسخوط الإسناد، فاسد المخرج. فإن كان ~~مسخوطا. فقد بطلت المسألة، وإن كان مرضيا، فقد علمنا أنه ليس في الحديث أنه ~~قبله منه بعد أن علم أنه خصي، وعلى أن قبول الهدية خلاف الابتياع، لأن بائع ~~الخصي إنما يحرم عليه التماس الزيادة، وكذلك المبتاع إنما يحرم عليه دفع ~~الزيادة إذا كان لو سلم إليه بذلك الثمن فحلا أجمل منه وأشب وأخدم منه لم ~~يزده، والبائع أيضا لا يستام بالفحل سومه بالخصي. وقبول الهدية، وقبول ~~الهبة، وسبيل البيع والابتياع لا بأس به إذا كان على ما وصفنا، وإنما هدية ~~الخصي كهدية الثوب والعطر، والدابة والفاكهة. ولأن الخصي لا يحرم ملكه ولا ~~استخدامه، بل لا يحل طرده ونفيه، # PageV01P108 # وعتقه جائز، وجواز العتق يوجب الملك. ولو باعه المالك على غير طلب ~~الزيادة، أو لو تاب من الخصاء أو استحلة مما أتى إليه، لما حرم على الخاصي ~~نفسه استخدامه، والخصي مال وملك، واستخدامه حسن جميل، ولأن خصاءه إياه لا ms0083 ~~يعتقه عليه، ولا يزيل عن ملكه إلا بمثل ما وجب به ملكه. # وأخرى: أن في قبول هدية ذلك الملك، وتلقي كرامته بالإكرام تدبيرا وحكمة. ~~فقد بطلت المسألة، والحمد لله كما هو أهله. # وقد رووا مع ذلك أيضا: أن زنباعا الجذامي، خصى عبدا له «1» ، وأن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أعتقه عليه فيما بلغنا. والله أعلم. # وربما سألوا عن الشيء وليس القول فيه يقع في نسق القول في الخصي، وفي ~~الخلق المركب، ولكن إذ قد أجبنا في مسألة كلامية من مسائل الطعن في النبوة، ~~فلا بأس أن نضيف إليها أخرى، ولا سيما إذا لم تطل فتزيد في طول الكتاب. # وقد لا يزال الطاعن يقول: قد علمنا أن العرب لم يسموا حروب أيام الفجار ~~بالفجور وقريش خاصة، إلا أن القتال في البلد الحرام، في الشهر الحرام كان ~~عندهم فجورا، وتلك حروب قد شهدها النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وهو ~~ابن أربع عشر سنة، وابن أربع عشرة سنة يكون بالغا «2» ، وقال: «شهدت الفجار ~~فكنت أنبل على عمومتي» «3» . # وجوابنا في ذلك: أن بني عامر بن صعصعة، طالبوا أهل الحرم من قريش وكنانة، ~~بجريرة البراض بن قيس، في قتله عروة الرحال، وقد علموا أنهم يطالبون من لم ~~يجن ومن لم يعاون، وأن البراض بن قيس كان قبل ذلك خليعا مطرودا، فأتوهم إلى ~~حرمهم يلزمونهم ذنب غيرهم، فدافعوا عن أنفسهم، وعن أموالهم، وعن ذراريهم، ~~والفاجر لا يكون المسعي عليه، ولذلك أشهد الله تبارك وتعالى نبيه عليه ~~الصلاة والسلام ذلك الموقف، وبه نصروا كما نصرت العرب على فارس يوم ذي قار، ~~به عليه الصلاة والسلام وبمخرجه. وهذان جوابان واضحان قريبان، والله الموفق ~~للصواب، وإليه المرجع والمآب. # PageV01P109 ### || 134- [محاسن الخصي ومساويه] # ثم رجع بنا القول إلى ذكر محاسن الخصي ومساويه. # الخصي ينكح ويتخذ الجواري ويشتد شغفه بالنساء، وشغفهن به، وهو وإن كان ~~مجبوب العضو فإنه قد بقي له ما عسى أن يكون فيه من ذلك ما هو أعجب إليهن. ~~وقد يحتلم ويخرج منه عند الوطء ماء، ولكنه ms0084 قليل متغير الريح، رقيق ضعيف. ~~وهو يباشر بمشقة، ثم لا يمنعه من المعاودة الماء الذي يخرج منه إذ كان قليل ~~المقدار لا يخرجه من القوة إلى الضعف، مثل الذي يعتري من يخرج منه شيء يكون ~~من إنسان، وهو أخثر، وأكثر، وأحد ريحا، وأصح جوهرا. # والخصي يجتمع فيه أمنية المرأة، وذلك أنها تبغض كل سريع الإراقة، بطيء ~~الإفاقة، كما تكره كل ثقيل الصدر «1» ، وخفيف العجز، والخصي هو السريع ~~الإفاقة، البطيء الإراقة، المأمون الإلقاح، فتقيم المرأة معه، وهي آمنة ~~العار الأكبر، فهذا أشد لتوفير لذتها وشهوتها، وإذا ابتذلن الخيصان، وحقرن ~~العبيد، وذهبت الهيبة من قلوبهن، وتعظيم البعول، والتصنع لذوي الأقدار ~~باجتلاب الحياء وتكلف الخجل، ظهر كل شيء في قوى طبائعهن وشهواتهن، فأمكنها ~~النخير والصياح، وأن تكون مرة من فوق، ومرة من أسفل، وسمحت النفس بمكنونها، ~~وأظهرت أقصى ما عندها. # وقد تجد في النساء من تؤثر النساء، وتجد فيهن من تؤثر الرجال، وتجد فيهن ~~من تؤثر الخصيان، وتجد فيهن من تجمع ولا تفرق، وتعم ولا تخص، وكذلك شأن ~~الرجال في الرجال، وفي النساء والخصيان فالمرأة تنازع إلى الخصي لأن أمره ~~أستر وعاقبته أسلم، وتحرص عليه لأنه ممنوع منها، ولأن ذلك حرام عليها، فلها ~~جاذبان: # جاذب حرص كما يحرص على الممنوع، وجاذب أمن كما يرغب في السلامة. # وقال الأصمعي: قال يونس بن عبيد: لو أخذنا بالجزع لصبرنا «2» . قال ~~الشاعر: [من البسيط] # وزادها كلفا بالحب أن منعت ... وحب شيء إلى الإنسان ما منعا «3» # والحرص على الممنوع باب لا يقدر على الاحتجاز منه، والاحتراس من خدعه، # PageV01P110 # إلا كل مبرز في الفطنة ومتمهل في العزيمة، طويل التجارب، فاضل العقل على ~~قوى الشهوات. وبئس الشيء القرين السوء. وقالوا: صاحب السوء قطعة من النار. # وباب من هذا الشكل، فبكم أعظم حاجة إلى أن تعرفوه وتقفوا عنده، وهو ما ~~يصنع الخبر السابق إلى السمع، ولا سيما إذا صادف من السامع قلة تجربة، فإن ~~قرن بين قلة التجربة وقلة التحفظ، دخل ذلك الخبر السابق إلى مستقره دخولا ~~سهلا، وصادف موضعا وطيئا، ms0085 وطبيعة قابلة، ونفسا ساكنة؛ ومتى صادف القلب ~~كذلك، رسخ رسوخا لا حيلة في إزالته. ومتى ألقي إلى الفتيان شيء من أمور ~~الفتيات، في وقت الغرارة، وعند غلبة الطبيعة، وشباب الشهوة، وقلة التشاغل؛ ~~وكذلك متى ألقي إلى الفتيان شيء من أمورهن وأمور الغلمان، وهناك سكر ~~الشباب، فكذلك تكون حالهم. وإن الشطار ليخلو أحدهم بالغلام الغرير فيقول ~~له: لا يكون الغلام فتى أبدا حتى يصادق فتى وإلا فهو تكش، والتكش عندهم ~~الذي لم يؤدبه فتى ولم يخرجه، فما الماء العذب البارد، بأسرع في طباع ~~العطشان، من كلمته، إذا كان للغلام أدنى هوى في الفتوة، وأدنى داعية إلى ~~المنالة. وكذلك إذا خلت العجوز المدربة بالجارية الحدثة كيف تخلبها. ~~وأنشدنا: [من الخفيف] # فأتتها طبة عالمة ... تخلط الجد بأصناف اللعب # ترفع الصوت إذا لانت لها ... وتناهى عند سورات الغضب # وقال الشاعر فيما يشبه وقوع الخبر السابق إلى القلب: [من الكامل] # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول «1» # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # وقال مجنون بني عامر: [من الطويل] # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا «2» ### || 135- [أثر التكرار في خلق الإنسان] # وباب آخر مما يدعو إلى الفساد، وهو طول وقوع البصر على الإنسان الذي في ~~طبعه أدنى قابل، وأدنى حركة عند مثله. وطول التداني، وكثرة الرؤية هما أصل # PageV01P111 # البلاء، كما قيل لابنة الخس: لم زنيت بعبدك ولم تزني بحر، وما أغراك به؟ ~~قالت: # طول السواد، وقرب الوساد «1» . # ولو أن أقبح الناس وجها، وأنتنهم ريحا، وأظهرهم فقرا، وأسقطهم نفسا، ~~وأوضعهم حسبا، قال لأمرأة قد تمكن من كلامها، ومكنته من سمعها: والله يا ~~مولاتي وسيدتي، لقد أسهرت ليلى، وأرقت عيني، وشغلتني عن مهم أمري، فما أعقل ~~أهلا، ولا مالا، ولا ولدا؛ لنقض طباعها، ولفسخ عقدها، ولو كانت أبرع الخلق ~~جمالا، وأكملهم كمالا، وأملحهم ملحا. فإن تهيأ مع ذلك من هذا المتعشق، أن ~~تدمع عينه، احتاجت هذه المرأة أن يكون معها ورع أم الدرداء، ومعاذة ~~العدوية، ورابعة ms0086 القيسية، والشجاء الخارجية. ### || 136- [زهد الناس فيما يملكونه ورغبتهم فيما ليس يملكونه] # وإنما قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: «اضربوهن بالعري» «2» لأن ~~الثياب هي المدعاة إلى الخروج في الأعراس، والقيام في المناحات، والظهور في ~~الأعياد، ومتى كثر خروجها لم يعدمها أن ترى من هو من شكل طبعها. ولو كان ~~بعلها أتم حسنا، والذي رأت أنقص حسنا، لكان ما لا تملكه، أطرف مما تملكه، ~~ولكان ما لم تنله، ولم تستكثر منه، أشد لها اشتغالا وأشد لها اجتذابا. ~~ولذلك قال الشاعر: [من الطويل] # وللعين ملهى بالتلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف # وقال سعيد بن مسلم: لأن يرى حرمتي ألف رجل على حال تكشف منها وهي لا ~~تراهم، أحب إلي من أن ترى حرمتي رجلا واحدا غير منكشف. # وقال الأول: لا يضرك حسن من لم تعرف؛ لأنك إذا أتبعتها بصرك، وقد نقضت ~~طبعك، فعلمت أنك لا تصل إليها بنفسك ولا بكتابك ولا برسولك، كان الذي رأيت ~~منها كالحلم، وكما يتصور للمتمني، فإذا انقضى ما هو فيه من المنى، ورجعت ~~نفسه إلى مكانها الأول، لم يكن عليه من فقدها إلا مثل فقد ما رآه في النوم، ~~أو مثلته له الأماني. # PageV01P112 ### || 137- [عقيل بن علفة وبناته] # وقيل لعقيل بن علفة: لو زوجت بناتك! فإن النساء لحم على وضم إذا لم يكن ~~غانيات!! قال: كلا، إني أجيعهن فلا يأشرن، وأعريهن فلا يظهرن «1» !! فوافقت ~~إحدى كلمتيه قول النبي صلى الله عليه وسلم ووافقت الأخرى قول عمر بن ~~الخطاب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصوم وجاء» «2» . وقال عمر: ~~استعينوا عليهن بالعري. وقد جاء في الحديث: # «وفروا أشعارهن فإن ترك الشعر مجفرة» «3» . وقد أتينا على هذا الباب في ~~الموضع الذي ذكرنا فيه شأن الغيرة، وأول الفساد، وكيف ينبت، وكيف يحصد. ### || 138- [بعض ميول الخصيان] # وقد رأيت غير خصي يتلوط، ويطلب الغلمان في المواضع، ويخلو بهم ويأخذهم ~~على جهة الصداقة، ويحمل في ذلك الحديد، ويقاتل دون السخول، ويتمشى مع ~~الشطار. # وقد كان في قطيعة الربيع خصي أثير ms0087 عند مولاه، عظيم المنزلة عنده؛ وكان ~~يثق به في ملك يمينه، وفي حرمه من بنت وزوجة وأخت، لا يخص شيئا دون شيء، ~~فأشرف ذات يوم على مربد له، وفي المربد غنم صفايا، وقد شد يدي شاة وركبها ~~من مؤخرها يكومها، فلما أبصره برق وبعل «4» وسقط في يديه، وهجم عليه أمر لو ~~يكون رآه من خصي لعدو له لما فارق ذلك الهول أبدا قلبه، فكيف وإنما عاين ~~الذي عاين فيمن كان يخلفه في نسائه من حرمه وملك يمينه. فبينما الرجل وهو ~~واجم حزين، وهو ينظر إليه وقد تحرق عليه غيظا إذ رفع الخصي رأسه، فلما أثبت ~~مولاه مر مسرعا نحو باب الدار ليركب رأسه، وكان المولى أقرب إلى الباب منه، ~~فسبقه إليه، وكان الموضع الذي رآه منه موضعا لا يصعد إليه، فحدث لشقائه أمر ~~لم يجد مولاه معه بدا من صعوده، فلبث الخصي ساعة ينتفض من حمى ركبته ثم ~~فاظ، ولم يمس إلا وهو في القبر. # ولفرط إرادتهم النساء، وبالحسرة التي نالتهم، وبالأسف الذي دخلهم، أبغضوا # PageV01P113 # الفحول بأشد من تباغض الأعداء فيما بينهم، حتى ليس بين الحاسد الباغي ~~وبين أصحاب النعم المتظاهرة، ولا بين الماشي المعنى وبين راكب الهملاج ~~الفاره «1» ، ولا بين ملوك صاروا سوقة، صاروا ملوكا، ولا بين بني الأعمام ~~مع وقوع التنافس، أو وقوع الحرب، ولا بين الجيران والمتشاكلين في الصناعات، ~~من الشنف والبغضاء، بقدر ما يلتحف عليه الخصيان للفحول. # وبغض الخصي للفحل من شكل بغض الحاسد لذي النعمة، وليس من شكل ما يولده ~~التنافس وتلحقه الجنايات. ### || 139- [نسك طوائف من الناس] # ولرجال كل فن وضرب من الناس، ضرب من النسك، إذ لا بد لأحدهم من النزوع، ~~ومن ترك طريقته الأولى: فنسك الخصي غزو الروم، لما أن كانوا هم الذين ~~خصوهم، ولزوم أذنة والرباط بطرسوس وأشباهها. فظن عند ذلك أهل الفراسة أن ~~سبب ذلك إنما كان لأن الروم لما كانوا هم الذين خصوهم، كانوا مغتاظين ~~عليهم، وكانت متطلبة إلى التشفي منهم، فأخرج لهم حب التشفي شدة الاعتزام ~~على قتلهم، وعلى ms0088 الإنفاق في كل شيء يبلغ منهم. ونسك الخراساني أن يحج: ونسك ~~البنوي «3» أن يدع الديوان. ونسك المغني: أن يكثر التسبيح وهو يشرب النبيذ، ~~والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والصلاة في جماعة. ونسك الرافضي: ~~إظهار ترك النبيذ. ونسك السوادي ترك شرب المطبوخ فقط. ونسك اليهودي: إقامة ~~السبت. ونسك المتكلم: التسرع إلى إكفار أهل المعاصي، وأن يرمى الناس ~~بالجبر، أو بالتعطيل، أو بالزندقة، يريد أن يوهم أمورا: # منها أن ذلك ليس إلا من تعظيمه للدين، والإغراق فيه، ومنها أن يقال: لو ~~كان نطفا، أو مرتابا، أو مجتنحا على بلية، لما رمى الناس، ولرضي منهم ~~بالسلامة، وما كان ليرميهم إلا للعز الذي في قلبه، ولو كان هناك من ذل ~~الريبة شيء لقطعه ذلك عن التعرض لهم، أو التنبيه على ما عسى إن حركهم له أن ~~يتحركوا. ولم نجد في المتكلمين أنطف ولا أكثر عيوبا، ممن يرمي خصومه ~~بالكفر. # PageV01P114 ### || 140- [أبوعبدالله الجماز وجارية آل جعفر] # وكان أبو عبد الله الجماز، وهو محمد بن عمرو، يتعشق جارية لآل جعفر يقال ~~لها طغيان، وكان لهم خصي يحفظها إذا أرادت بيوت المغنين، وكان الخصي أشد ~~عشقا لها من الجماز، وكان قد حال بينه وبين كلامها، والدنو منها، فقال ~~الجماز وكان اسم الخادم سنانا: [من المجتث] # ما للمقيت سنان ... وللظباء الملاح # لبئس زان خصي ... غاز بغير سلاح # وقال أيضا فيه وفيها: [من المجتث] # نفسي الفداء لظبي ... يحبني وأحبه # من أجل ذاك سنان ... إذا رآني يسبه # هبه أجاب سنانا ... ينيكه أين زبه # وقال أيضا فيهما: [من المجتث] # ظبي سنان شريكي ... فيه فبئس الشريك # فلا ينيك سنان ... ولا يدعنا ننيك ### || 141- [ما قيل من الشعر في الخصاء] # وقال الباخرزي يذكر محاسن خصال الخصيان: [من الخفيف] # ونساء لمطمئن مقيم ... ورجال إن كانت الأسفار # وقال حميد بن ثور يهجو امرأته: [من الطويل] # جلبانة ورهاء تخصي حمارها ... بفي من بغى خيرا إليها الجلامد «1» # وقال مزرد بن ضرار: [من الطويل] # فجاءت كخاصي العير لم تحل عاجة ... ولا جاجة منها تلوح على وشم «2» # PageV01P115 # وقال عمرو ms0089 الخاركي: [من الهزج] # إذا لام على المرد ... نصيح زادني حرصا «1» # ولا والله ما أق ... لع ما عمرت أو أخصى # وقال آخر: [من الوافر] # رماك الله من أير بأفعى ... ولا عافاك من جهد البلاء # جزاك الله شرا من رفيق ... إذا بلغت بي ركب النساء # أجبنا في الكريهة حين نلقى ... وما تنفك تنعظ في الخلاء # فلا والله ما أمسى رفيقي ... ولولا البول عوجل بالخصاء # وقال بعض عبد القيس: [من الكامل] # ما كان قحذم ابن واهصة الخصى ... يرجو المناكح في بني الجارود # ومن انتكاس الدهر أن زوجتها ... ولكل دهر عثرة بجدود # لو كان منذر إذ خطبت إليهم ... حيا لكان خصاك بالمغمود # وقال أبو عبيدة: حدثني أبو الخطاب قال «2» : كان عندنا رجل أحدب فسقط في ~~بئر فذهبت حدبته وصار آدر فقيل له: كيف تجدك؟ فقال: الذي جاء شر من الذي ~~ذهب! وأبو الحسن عن بعض رجاله قال: خرج معاوية ذات يوم يمشي ومعه خصي له، ~~إذ دخل على ميسون ابنة بحدل وهي أم يزيد، فاستترت منه فقال: أتستترين منه، ~~وإنما هو مثل المرأة؟ قالت: أترى أن المثلة به تحل ما حرم الله تعالى؟! # PageV01P116 ### | [ذكر ما جاء في خصاء الدواب] ### || 142- [خصاء الدواب] # ذكر آدم بن سليمان عن الشعبي قال: قرأت كتاب عمر رضي الله تعالى عنه إلى ~~سعد، ينهى عن حذف أذناب الخيل وأعرافها، وعن خصائها، ويأمره أن يجري من رأس ~~المائتين. وهو أربعة فراسخ. # وسفيان الثوري عن عاصم بن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنه كان ينهى ~~عن خصاء البهائم ويقول: هل الإنماء إلا في الذكور. # وشريك بن عبد الله، قال: أخبرني إبراهيم بن المهاجر، عن إبراهيم النخعي ~~أن عمر رضي الله تعالى عنه نهى عن خصاء الخيل. # وسفيان الثوري عن إبراهيم بن المهاجر قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله ~~تعالى عنه لبعض عماله: لا تجرين فرسا إلا من المائتين، ولا تخصين فرسا. # وقال: وسمعت نافعا يقول: كان عبد الله بن عمر يكره خصاء الذكور من الإبل، ~~والبقر، والغنم. # وعبيد الله ms0090 بن عمر عن نافع: أن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما كان يكره ~~الخصاء ويقول: لا تقطعوا نامية خلق الله تعالى. # وعبد الله وأبو بكر ابنا نافع عن نافع قال: نهى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عن أن تخصى ذكور الخيل، والإبل، والبقر، والغنم، يقول: فيها نشأة ~~الخلق، ولا تصلح الإناث إلا بالذكور. # ومحمد بن أبي ذئب قال: سألت الزهري: هل بخصاء البهائم بأس؟ قال: # أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وعلى آله الطاهرين، نهى عن صبر الروح. قال الزهري: والخصاء صبر ~~شديد. # وأبو جعفر الرازي قال: حدثنا الربيع بن أنس، عن أنس بن مالك في قوله ~~تعالى: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله # «1» قال: هو الخصاء. # وأبو جرير عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس نحوه. # PageV01P117 # أبوبكر الهذلي قال: سألت الحسن عن خصاء الدواب فقال: تسألني عن هذا؟ # لعن الله من خصى الرجال. # أبو بكر الهذلي عن عكرمة في قوله تعالى: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله # قال: خصاء الدواب. قال: وقال سعيد بن جبير: أخطأ عكرمة، هو دين الله. # نصر بن طريف قال: حدثنا قتادة عن عكرمة في قوله تعالى: فليغيرن خلق الله # قال: خصاء البهائم. فبلغ مجاهدا فقال: كذب هو دين الله. # فمن العجب أن الذي قال عكرمة هو الصواب، ولو كان هو الخطأ لما جاز لأحد ~~أن يقول له: كذبت. والناس لا يضعون هذه الكلمة في موضع خطأ الرأي ممن يظن ~~به الاجتهاد، وكان ممن له أن يقول. ولو أن إنسانا سمع قول الله تبارك ~~وتعالى: # فليغيرن خلق الله # قال: إنما يعني الخصاء، لم يقبل ذلك منه؛ لأن اللفظ ليست فيه دلالة على ~~شيء دون شيء، وإذا كان اللفظ عاما لم يكن لأحد أن يقصد به إلى شيء بعينه ~~إلا أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك مع تلاوة الآية، أو يكون ~~جبريل عليه السلام قال ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الله تبارك ~~وتعالى ms0091 لا يضمر ولا ينوي، ولا يخص ولا يعم بالقصد؛ وإنما الدلالة في بنية ~~الكلام نفسه، فصورة الكلام هو الإرادة وهو القصد، وليس بينه وبين الله ~~تعالى عمل آخر كالذي يكون من الناس، تعالى الله عن قول المشبهة علوا كبيرا. # أبو جرير عن عمار بن أبي عمار أن ابن عباس قال في قوله تعالى: ولآمرنهم ~~فليغيرن خلق الله # قال: هو الخصاء. # وأبو جرير عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس مثله. # أبو داود النخعي، عن محمد بن سعيد عن عبادة بن نسي، عن إبراهيم بن محيريز ~~قال: كان أحب الخيل إلى سلف المسلمين، في عهد عمر، وعثمان، ومعاوية، رضي ~~الله تعالى عنهم، الخصيان؛ فإنها أخفى للكمين والطلائع، وأبقى على الجهد. # أبو جرير قال: أخبرني ابن جريج عن عطاء أنه لم ير بأسا بخصاء الدواب. # وأبو جرير عن أيوب عن ابن سيرين، أنه لم يكن يرى بأسا بالخصاء، ويقول: لو ~~تركت الفحولة لأكل بعضها بعضا. # وعمر ويونس عن الحسن: أنه لم يكن يرى بأسا بخصاء الدواب. # سفيان بن عيينة عن ابن طاوس عن أبيه: أنه خصى بعيرا. # PageV01P118 # وسفيان بن عيينة عن مالك بن مغول عن عطاء، أنه سئل عن خصاء البغل فقال: ~~إذا خفت عضاضه. ### || 143- [أقوال في النتاج المركب] # ولنصل هذا الكلام بالكلام الذي قبل هذا في الخلق المركب وفي تلاقح ~~الأجناس المختلفة. زعموا أن العسبار ولد الضبع من الذئب، وجمعه عسابر. وقال ~~الكميت: [من مجزوء الكامل] # وتجمع المتفرقو ... ن من الفراعل العسابر «1» # يرميهم بأنهم أخلاط ومعلهجون. ### || [السمع ولد الذئب من الضبع] # وزعموا أن السمع ولد الذئب من الضبع، ويزعمون أن السمع كالحية لا تعرف ~~العلل، ولا تموت حتف أنفها، ولا تموت إلا بعرض يعرض لها. ويزعمون أنه لا ~~يعدو شيء كعدو السمع، وأنه أسرع من الريح والطير. # وقال سهم بن حنظلة يصف فرسه: [من البسيط] # فاعص العواذل وارم الليل في عرض ... بذي شبيب يقاسي ليله خببا «2» # كالسمع لم ينقب البيطار سرته ... ولم يدجه ولم يغمز له عصبا # وقال ابن كناسة يصف ms0092 فرسا: [من الخفيف] # كالعقاب الطلوب يضربها الط ... ل وقد صوبت على عسبار # وقال سؤر الذئب: [من الخفيف] # هو سمع إذا تمطر شيئا ... وعقاب يحثها عسبار # يقول: إذا اشتد هرب المطلوب الهارب من الطالب الجاد، فهو أحث للطالب، ~~وإذا صار كذلك صار المطلوب حينئذ في معنى من يحث الطلب، إذ صار إفراط سرعته ~~سببا لإفراط طلب العقاب. # وقال تأبط شرا، أو أبو محرز خلف بن حيان الأحمر: [من المديد] # مسبل بالحي أحوى رفل ... وإذا يعدو فسمع أزل «3» # PageV01P119 # وإنما قال أزل وجعله عاديا ووصفه بذلك، لأنه ابن الذئب. # وقال الأصمعي: [من الرجز] # يدير عيني لمظة عسباره # وقال في موضع آخر: [من الرجز] # كأن منها طرفه استعاره # وقال آخر: [من الرجز] # تلقى بها السمع الأزل الأطلسا ### || [الديسم ولد الذئب من الكبة] # وزعموا أن ولد الذئب من الكلبة الديسم، ورووا لبشار بن برد في ديسم ~~العنزي أنه قال: [من الطويل] # أديسم يا ابن الذئب من نسل زارع ... أتروي هجائي سادرا غير مقصر # وزارع: اسم الكلب، يقال للكلاب أولاد زارع. ### || 144- [زعم لأرسطو في النتاج المركب] # وزعم صاحب المنطق أن أصنافا أخر من السباع المتزاوجات المتلاقحات مع ~~اختلاف الجنس والصورة، معروفة النتاج مثل الذئاب التي تسفد الكلاب في أرض ~~رومية: قال: وتتولد أيضا كلاب سلوقية من ثعالب وكلاب. قال: وبين الحيوان ~~الذي يسمى باليونانية طاغريس «1» وبين الكلب، تحدث هذه الكلاب الهندية. ~~قال: وليس يكون ذلك من الولادة الأولى. # قال أبو عثمان: عن بعض البصريين عن أصحابه قال: وزعموا أن نتاج الأولى ~~يخرج صعبا وحشيا لا يلقن ولا يؤلف. ### || 145- [تلاقح السبع والكلبة] # وزعم لي بعضهم عن رجل من أهل الكوفة من بني تميم أن الكلبة تعرض لهذا ~~السبع حتى تلقح، ثم تعرض لمثله مرارا حتى يكون جرو البطن الثالث قليل ~~الصعوبة يقبل التلقين، وأنهم يأخذون إناث الكلاب، ويربطونها في تلك ~~البراري، فتجيء هذه السباع وتسفدها، وليس في الأرض أنثى يجتمع على حب ~~سفادها، ولا ذكر يجتمع له من النزوع إلى سفاد الأجناس المختلفة، أكثر في ~~ذلك من ms0093 الكلب والكلبة. # PageV01P120 # قال: وإذا ربطوا هذه الكلاب الإناث في تلك البراري، فإن كانت هذه السباع ~~هائجة سفدتها، وإن لم يكن السبع هائجا فالكلبة مأكولة. وقال أبو عدنان «1» ~~: [من الطويل] # أيا باكي الأطلال في رسم دمنة ... ترود بها عين المها والجآذر # وعانات جوال وهيق سفنج ... وسنداوة فضفاضة وحضاجر «2» # وسمع خفي الرز ثلب ودوبل ... وثرملة تعتادها وعسابر «3» # وقد سمعنا ما قال صاحب المنطق من قبل، وما نظن بمثله أن يخلد على نفسه في ~~الكتب شهادات لا يحققها الامتحان، ولا يعرف صدقها أشباهه من العلماء، وما ~~عندنا في معرفة ما ادعى إلا هذا القول. # وأما الذين ذكروا في أشعارهم السمع والعسبار، فليس في ظاهر كلامهم دليل ~~على ما ادعى عليهم الناس من هذا التركيب المختلف، فأدينا الذي قالوا ~~وأمسكنا عن الشهادة، إذ لم نجد عليها برهانا. ### || 146- [أولاد السعلاة] # وللناس في هذا الضرب ضروب من الدعوى، وعلماء السوء يظهرون تجويزها ~~وتحقيقها، كالذي يدعون من أولاد السعالي من الناس، كما ذكروا عن عمرو بن ~~يربوع «4» ، وكما يروي أبو زيد النحوي عن السعلاة التي أقامت في بني تميم ~~حتى ولدت فيهم، فلما رأت برقا يلمع من شق بلاد السعالي، حنت وطارت إليهم، ~~فقال شاعرهم: [من الوافر] # رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال وما أغاما «5» # PageV01P121 # وأنشدني أن الجن طرقوا بعضهم فقال: [من الوافر] # أتوا ناري فقلت منون أنتم ... فقالوا الجن قلت عموا ظلاما «1» # فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطعاما # ولم أعب الرواية، وإنما عبت الإيمان بها، والتوكيد لمعانيها. فما أكثر من ~~يروي هذا الضرب على التعجب منه، وعلى أن يجعل الرواية له سببا لتعريف الناس ~~حق ذلك من باطله، وأبو زيد وأشباهه مأمونون على الناس؛ إلا أن كل من لم يكن ~~متكلما حاذقا، وكان عند العلماء قدوة وإماما، فما أقرب إفساده لهم من إفساد ~~المتعمد لإفسادهم! وأنشدوا في تثبيت أولاد السعلاة: [من الرجز] # تقول جمع من بوان ووتد ... وحسن أن كلفتني ما أجد # ولم تقل جيء بأبان أو أحد ... أو ولد ms0094 السعلاة أو جرو الأسد # أو ملك الأعجام مأسورا بقد # وقال آخر: [من الرجز] # يا قاتل الله بني السعلاة ... عمرا وقابوسا شرار النات «2» ### || 147- [ما زعموا في جرهم] # وذكروا أن جرهما كان من نتاج ما بين الملائكة وبنات آدم، وكان الملك من ~~الملائكة إذا عصى ربه في السماء أهبطه إلى الأرض في صورة رجل، وفي طبيعته، ~~كما صنع بهاروت وماروت حين كان من شأنهما وشأن الزهرة «3» ، وهي أناهيد «4» ~~ما # PageV01P122 # كان، فلما عصى الله تعالى بعض الملائكة وأهبطه إلى الأرض في صورة رجل، ~~تزوج أم جرهم فولدت له جرهما، ولذلك قال شاعرهم: [من الرجز] # لا هم إن جرهما عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا «1» ### || 148- [ما زعموا في بلقيس وذي القرنين] # ومن هذا النسل ومن هذا التركيب والنجل كانت بلقيس ملكة سبأ «2» ، وكذلك ~~كان ذو القرنين كانت أمه فيرى آدمية وأبوه عبرى من الملائكة. ولذلك لما سمع ~~عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه رجلا ينادي: يا ذا القرنين، فقال: أفرغتم ~~من أسماء الأنبياء فارتفعتم إلى أسماء الملائكة؟. # وروى المختار بن أبي عبيد أن عليا كان إذا ذكر ذا القرنين قال: ذلك الملك ~~الأمرط. ### || 149- [ما زعموا في تلاقح الجن و الإنس] # وزعموا أن التناكح والتلاقح قد يقع بين الجن والإنس «3» ، لقوله تعالى: # وشاركهم في الأموال والأولاد # «4» . وذلك أن الجنيات إنما تعرض لصرع رجال الإنس على جهة التعشق وطلب ~~السفاد، وكذلك رجال الجن لنساء بني آدم، ولولا ذلك لعرض الرجال للرجال، ~~والنساء للنساء، ونساؤهم للرجال والنساء. # ومن زعم أن الصرع من المرة، رد قوله تعالى: الذين يأكلون الربا لا يقومون ~~إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس # «5» وقال تعالى: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان* # «6» . فلو كان الجان لا يفتض الآدميات، ولم يكن ذلك قط، وليس ذلك في ~~تركيبه، لما قال الله تعالى هذا القول. ### || 150- [ما زعموا في النسناس و غيره] # وزعموا أن النسناس تركيب ما بين الشق والإنسان. ويزعمون أن خلقا من وراء # PageV01P123 # السد تركيب من النسناس، والناس، والشق، ويأجوج ومأجوج. وذكروا عن الواق ms0095 ~~واق والدوال باي «1» أنهم نتاج ما بين بعض النبات والحيوان. وذكروا أن أمة ~~كانت في الأرض، فأمر الله تعالى الملائكة فأجلوهم؛ وإياهم عنوا بقولهم: ~~أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك # «2» . ولذلك قال الله عز وجل لآدم وحواء: ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من ~~الظالمين* # «3» . فهذا يدل على أن ظالما وظلما قد كان في الأرض. # قال الأصمعي- أو خلف- في أرجوزة مشهورة، ذكر فيها طول عمر الحية: # [من الرجز] # أرقش إن أسبط أو تثنى ... حسبت ورسا خالط اليرنا «4» # خالطه من هاهنا وهنا ... إذا تراءاه الحواة استنا «5» # قال: وكان يقال لتلك الأمة مهنا. ### || 151- [قول المجوس في بدء الخلق] # وزعم المجوس أن الناس من ولد مهنة ومهنينة، وأنهما تولدا فيما بين أرحام ~~الأرضين، ونطفتين ابتدرتا من عيني ابن هرمز حين قتله هرمز. وحماقات أصحاب ~~الاثنين كثيرة في هذا الباب. ولولا أني أحببت أن تسمع نوعا من الكلام، ~~ومبلغ الرأي، لتحدث لله تعالى شكرا على السلامة، لما ذكرت كثيرا من هذا ~~الجنس. ### || 152- [عبدالله بن هلال صديق إبليس وختنه] # وزعم ابن هيثم أنه رأى بالكوفة فتى من ولد عبد الله بن هلال الحميري صديق إبليس وختنه، # وأنهم كانوا لا يشكون أن إبليس جده من قبل أمهاته. وسنقول في ذلك بالذي ~~يجب إن شاء الله تعالى. وصلة هذا الكلام تجيء بعد هذا إن شاء الله تعالى. # PageV01P124 ### || 153- [حوار في الكلب و الديك] # وقلت: ولو تم للكلب معنى السبع وطباعه، لما ألف الإنسان، واستوحش من ~~السبع، وكره الغياض، وألف الدور، واستوحش من البراري وجانب القفار، وألف ~~المجالس والديار. ولو تم له معنى البهيمة في الطبع والخلق والغذاء، لما أكل ~~الحيوان، وكلب على الناس. نعم حتى ربما كلب ووثب على صاحبه وكلب على أهله. ~~وقد ذكر ذلك طرفة فقال: [من المنسرح] # كنت لنا والدهور آونة ... تقتل حال النعيم بالبؤس «1» # ككلب طسم وقد ترببه ... يعله بالحليب في الغلس # ظل عليه يوما يفرفره ... إلا يلغ في الدماء ينتهس # وقال حاجب بن دينار المازني في مثل ذلك: [من ms0096 الطويل] # وكم من عدو قد أعنتم عليكم ... بمال وسلطان إذا سلم الحبل «2» # كذي الكلب لما أسمن الكلب رابه ... بإحدى الدواهي حين فارقه الجهل # وقال عوف بن الأحوص: [من الطويل] # فإني وقيسا كالمسمن كلبه ... تخدشه أنيابه وأظافره # وأنشد ابن الأعرابي لبعضهم: [من الطويل] # وهم سمنوا كلبا ليأكل بعضهم ... ولو ظفروا بالحزم ما سمن الكلب «3» # وفي المثل: «سمن كلبك يأكلك» «4» . # وكان رجل من أهل الشام مع الحجاج بن يوسف، وكان يحضر طعامه، فكتب إلى ~~أهله يخبرهم بما هو فيه من الخصب، وأنه قد سمن فكتبت إليه امرأته: [من ~~الطويل] # أتهدي لي القرطاس والخبز حاجتي ... وأنت على باب الأمير بطين «5» # PageV01P125 # إذا غبت لم تذكر صديقا وإن تقم ... فأنت على ما في يديك ضنين # فأنت ككلب السوء في جوع أهله ... فيهزل أهل الكلب وهو سمين # وفي المثل: «سمن كلب في جوع أهله» ، وذلك أنه عند السواف «1» يصيب المال، ~~والإخداج «2» يعرض للنوق، يأكل الجيف فيسمن. وعلى أنه حارس محترس منه، ~~ومؤنس شديد الإيحاش من نفسه، وأليف كثير الخيانة على إلفه. وإنما اقتنوه ~~على أن ينذرهم بموضع السارق، وتركوا طرده لينبههم على مكان المبيت. وهو ~~أسرق من كل سارق، وأدوم جناية من ذلك المبيت. ويدل على أنه سروق عندهم، قول ~~الشاعر: [من الطويل] # أفي أن سرى كلب فبيت جلة ... وجبجبة للوطب ليلى تطلق «3» # فهو سراق، وصاحب بيات، وهو نباش، وآكل لحوم الناس. ألا إنه يجمع سرقة ~~الليل مع سرقة النهار، ثم لا تجده أبدا يمشي في خزانة، أو مطبخ، أو عرصة ~~دار، أو في طريق، أو في براري، أو في ظهر جبل، أو في بطن واد، إلا وخطمه في ~~الأرض يتشمم ويستروح، وإن كانت الأرض بيضاء حصاء ودوية ملساء، أو صخرة ~~خلقاء؛ حرصا وجشعا، وشرها وطمعا «4» . نعم حتى لا تجده أيضا يرى كلبا إلا ~~اشتم استه، ولا يتشمم غيرها منه، ولا تراه يرمى بحجر أيضا أبدا إلا رجع ~~إليه فعض عليه؛ لأنه لما كان لا يكاد يأكل إلا شيئا رموا به إليه صار ينسى ~~لفرط شرهه ms0097 وغلبة الجشع على طبعه، أن الرامي إنما أراد عقره أو قتله، فيظن ~~لذلك أنه إنما أراد إطعامه والإحسان إليه. كذلك يخيل إليه فرط النهم وتوهمه ~~غلبة الشره، ولكنه رمى بنفسه على الناس عجزا ولؤما، وفسولة ونقصا «5» ، ~~وخاف السباع واستوحش من الصحارى. # ولما سمعوا بعض المفسرين يقول في قوله تعالى: والذين في أموالهم حق # PageV01P126 # معلوم. للسائل والمحروم # «1» إن المحروم هو الكلب «2» ؛ وسمعوا في المثل: # «اصنعوا المعروف ولو إلى الكلب» «3» عطفوا عليه واتخذوه في الدور. وعلى ~~أن ذلك لا يكون إلا من سفلتهم وأغبيائهم، ومن قل تقززه وكثر جهله، ورد ~~الآثار إما جهلا وإما معاندة. ### || 154- [حوار في الديك] # وأما الديك فمن بهائم الطير وبغاثها، ومن كلولها والعيال على أربابها، ~~وليس من أحرارها ولا من عتاقها وجوارحها، ولا مما يطرب بصوته ويشجي بلحنه، ~~كالقماري والدباسي «4» والشفانين «5» والوراشين والبلابل والفواخت، ولا مما ~~يونق بمنظره ويمتع الأبصار حسنه، كالطواويس والتدارج «6» ، ولا مما يعجب ~~بهدايته ويعقد الذمام بإلفه ونزاعه، وشدة أنسه وحنينه، وتريده بإرادته لك، ~~وتعطف عليه لحبه إياك، كالحمام، ولا هو أيضا من ذوات الطيران منها، فهو ~~طائر لا يطير، وبهيمة لا يصيد، ولا هو أيضا مما يكون صيدا فيمتع من هذه ~~الجهة ويراد لهذه اللذة. # والخفاش أمرط، وهو جيد الطيران، والديك كاس وهو لا يطير. وأي شيء أعجب من ~~ذي ريش أرضي، ومن ذي جلدة هوائي. # وأجمع الخلق لخصال الخير الإنسان، وليس الزواج إلا في الإنسان وفي الطير، ~~فلو كان الديك من غير الطير ثم كان ممن لا يزاوج، لقد كان قد منع هذه ~~الفضيلة وعدم هذه المشاكلة الغريبة، وحرم هذا السبب الكريم والشبه المحمود. ~~فكيف وهو لا يزاوج، وهو من الطير الذي ليس الزواج والإلف وثبات العهد، وطلب ~~الذرء وحب النسل، والرجوع إلى السكن والحنين إلى الوطن- إلا له وللإنسان. ~~وكل شيء لا يزاوج فإنما دخله النقص وخسر هذه الفضيلة من جهة واحدة، وقد دخل ~~الديك النقص من جهتين. ووصف أبو الأخزر الحماني الحمار وعير العانة خاصة، ~~فإنه أمثل في باب المعرفة من الأهلي، ms0098 فذكر كيف يضرب في الأتن، ووصف ~~استبهامه عن طلب # PageV01P127 # الولد، وجهله بموضع الذرء، وأن الولد لم يجئ منه عن طلب له، ولكن النطفة ~~البريئة من الأسقام، إذا لاقت الأرحام البريئة من الأسقام حدث النتاج على ~~الخلقة، وعلى ما سويت عليه البنية. وذكر أن نزوه على الأتان، من شكل نزوه ~~على العير، وإنما ذلك على قدر ما يحضره من الشبق، ثم لا يلتفت إلى دبر من ~~قبل، وإلى ما يلقح من مثله مما لا يلقح فقال: [من الرجز] # لا مبتغي الضنء ولا بالعازل # يقول: هو لا يريد الولد ولا يعزل. # والأشياء التي تألف الناس ولا تريد سواهم، ولا تحن إلى غيرهم، كالعصفور ~~والخطاف والكلب والسنور. والديك لا يألف منزله ولا ربعه ولا ينازع إلى ~~دجاجته ولا طروقته، ولا يحن إلى ولده، بل لم يدر قط أن له ولدا؛ ولو درى ~~لكان على درايته دليل، فإذ قد وجدناه لبيضه وفراريجه الكائنة منه، كما نجده ~~لما لم يلده ولما ليس من شكله ولا يرجع إلى نسبه، فكيف تعرف الأمور إلا ~~بهذا وشبهه. وهو مع ذلك أبله لا يعرف أهل داره، ومبهوت لا يثبت وجه صاحبه، ~~وهو لم يخلق إلا عنده وفي ظله، وفي طعامه وشرابه، وتحت جناحه. # والكلب على ما فيه يعرف صاحبه، وهو والسنور يعرفان أسماءهما، ويألفان ~~موضعهما، وإن طردا رجعا، وإن أجيعا صبرا، وإن أهينا احتملا. # والديك يكون في الدار من لدن كان فروجا صغيرا إلى أن صار ديكا كبيرا، وهو ~~إن خرج من باب الدار، أو سقط على حائط من حيطان الجيران. أو على موضع من ~~المواضع، لم يعرف كيف الرجوع، وإن كان يرى منزله قريبا، وسهل المطلب يسيرا، ~~ولا يذكر ولا يتذكر، ولا يهتدي ولا يتصور له كيف يكون الاهتداء، ولو حن ~~لطلب، ولو احتاج لالتمس. ولو كان هذا الخبر في طباعه لظهر، ولكنها طبيعة ~~بلهاء مستبهمة، طامحة وذاهلة، ثم يسفد الدجاجة ولا يعرفها، هذا مع شدة ~~حاجته إليهن وحرصه على السفاد، والحاجة تفتق الحيلة، وتدل على المعرفة، إلا ms0099 ~~ما عليه الديك؛ فإنه مع حرصه على السفاد، لا يعرف التي يسفد، ولا يقصد إلى ~~ولد، ولا يحضن بيضا ولا يعطفه رحم، فهو من ها هنا أحمق من الحبارى «1» وأعق ~~من الضب «2» . # وقال عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه: «كل شيء يحب ولده حتى # PageV01P128 # الحبارى» «1» . فضرب بها المثل كما ترى في الموق والغفلة، وفي الجهل ~~والبله. # وتقول العرب: «أعق من الضب» ؛ لأنه يأكل حسوله. ### || 155- [أكل الهرة أولادها] # وكرم عند العرب حظ الهرة، لقولهم: أبر من هرة «2» ، وأعق من ضب. فوجهوا | أكل الهرة أولادها # على شدة الحب لها، ووجهوا أكل الضب لها على شدة البغض لها، وليس ينجو منه ~~شيء منها إلا بشغله بأكل إخوته عنه، وليس يحرسها مما يأكلها إلا ليأكلها. ~~ولذلك قال العملس بن عقيل، لأبيه عقيل بن علفة: [من الوافر] # أكلت بنيك أكل الضب حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل «3» # فلو أن الألى كانوا شهودا ... منعت فناء بيتك من بجيل # وقال أيضا: [من الوافر] # أكلت بنيك أكل الضب حتى ... تركت بنيك ليس لهم عديد «4» # وشبه السيد بن محمد الحميري، عائشة رضي الله تعالى عنها في نصبها الحرب ~~يوم الجمل لقتال بنيها، بالهرة حين تأكل أولادها، فقال: [من السريع] # جاءت مع الأشقين في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها «5» # كأنها في فعلها هرة ... تريد أن تأكل أولادها ### || 156- [رعاية الذئبة لولد الضبع] # وتقول العرب أيضا: «أحمق من جهيزة» «6» ، وهي عرس الذئب؛ لأنها تدع ولدها ~~وترضع ولد الضبع. # PageV01P129 # قال: وهذا معنى قول ابن جذل الطعان. [من الطويل] # كمرضعة أولاد أخرى وضيعت ... بنيها فلم ترقع بذلك مرقعا «1» ### || 157- [رعاية الذئب لولد الضبع] # ويقولون: إن الضبع إذا صيدت أو قتلت، فإن الذئب يأتي أولادها باللحم. # وأنشد الكميت: [من الطويل] # كما خامرت في حضنها أم عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها «2» # وأوس هو الذئب. وقال في ذلك: [من مجزوء الكامل] # في كل يوم من ذؤاله ... ضغث يزيد على إباله «3» # فلأحشأنك مشقصا ... أوسا أويس من الهباله # الأوس: الإعطاء، وأويس هو الذئب. وقال في ذلك الهذلي: [من ms0100 الرجز] # يا ليت شعري عنك والأمر أمم ... ما فعل اليوم أويس في الغنم» # وقال أمية بن أبي الصلت: [من الكامل] # وأبو اليتامى كان يحسن أوسهم ... ويحوطهم في كل عام جامد «5» ### || 158- [حمق النعامة] # ويقولون: «أحمق من نعامة» «6» كما يقولون: «أشرد من نعامة» «7» قالوا ذلك # PageV01P130 # لأنها تدع الحضن على بيضها ساعة الحاجة إلى الطعم، فإن هي في خروجها ذلك ~~رأت بيض أخرى قد خرجت للطعم، حضنت بيضها ونسيت بيض نفسها، ولعل تلك أن تصاد ~~فلا ترجع إلى بيضها بالعراء حتى تهلك. قالوا: ولذلك قال ابن هرمة: # [من المتقارب] # فإني وتركي ندى الأكرمين ... وقدحي بكفي زندا شحاحا «1» # كتاركة بيضها بالعراء ... وملبسة بيض أخرى جناحا # وقد تحضن الحمام على بيض الدجاج، وتحضن الدجاجة بيض الطاوس، فأما أن يدع ~~بيضه ويحضن بيض الدجاجة، أو تدع الدجاجة بيضها وتحضن بيض الطاوس فلا. فأما ~~فروج الدجاجة إذا خرج من تحت الحمامة؛ فإنه يكون أكيس «2» . وأما الطاوس ~~الذي يخرج من تحت الدجاجة فيكون أقل حسنا وأبغض صوتا. ### || 159- [الفرخ والفروج] # وكل بيضة في الأرض فإن اسم الذي فيها والذي يخرج منها فرخ، إلا بيض ~~الدجاج فإنه يسمى فروجا. ولا يسمى فرخا، إلا أن الشعراء يجعلون الفروج فرخا ~~على التوسع في الكلام. ويجوزون في الشعر أشياء لا يجوزونها في غير الشعر، ~~قال الشاعر: [من الطويل] # لعمري لأصوات المكاكي بالضحى ... وسود تداعى بالعشي نواعبه «3» # أحب إلينا من فراخ دجاجة ... ومن ديك أنباط تنوس غباغبه # وقال الشماخ بن ضرار: [من الوافر] # ألا من مبلغ خاقان عني ... تأمل حين يضربك الشتاء «4» # فتجعل في جنابك من صغير ... ومن شيخ أضر به الفناء # فراخ دجاجة يتبعن ديكا ... يلذن به إذا حمس الوغاء # PageV01P131 ### || 160- [حوار في الكلب والديك] # فإن قلت: وأي شيء بلغ من قدر الكلب وفضيلة الديك، حتى يتفرغ لذكر ~~محاسنهما ومساويهما، والموازنة بينهما والتنوية بذكرهما، شيخان من علية ~~المتكلمين، ومن الجلة المتقدمين. وعلى أنهما متى أبرما هذا الحكم وأفصحا ~~بهذه القضية، صار بهذا التدبير بهما حظ وحكمة وفضيلة وديانة، وقلدهما كل من ~~هو دونهما، وسيعود ms0101 ذلك عذرا لهما إذا رأيتهما يوازيان بين الذبان وبنات ~~وردان، وبين الخنافس والجعلان، وبين جميع أجناس الهمج وأصناف الحشرات، ~~والخشاش، حتى البعوض والفراش والديدان والقردان «1» فإن جاز هذا في الرأي ~~وتم عليه العمل، صار هذا الضرب من النظر عوضا من النظر في التوحيد، وصار ~~هذا الشكل من التمييز خلفا من التعديل والتجوير، وسقط القول في الوعد ~~والوعيد، ونسي القياس والحكم في الاسم، وبطل الرد على أهل الملل، والموازنة ~~بين جميع النحل، والنظر في مراشد الناس ومصالحهم، وفي منافعهم ومرافقهم؛ ~~لأن قلوبهم لا تتسع للجميع، وألسنتهم لا تنطلق بالكل. وإنما الرأي أن تبدأ ~~من الفتق بالأعظم، والأخوف فالأخوف. # وقلت: وهذا باب من أبواب الفراغ وشكل من أشكال التطرف وطريق من طرق ~~المزاح، وسبيل من سبل المضاحك. ورجال الجد غير رجال الهزل، وقد يحسن ~~بالشباب ويقبح مثله من الشيوخ، ولولا التحصيل والموازنة، والإبقاء على ~~الأدب، والديانة بشدة المحاسبة، لما قالوا: لكل مقام مقال «2» ، ولكل زمان ~~رجال «3» ، ولكل ساقطة لاقطة «4» ، ولكل طعام أكلة «5» . ### || 161- [تنوع الملكات وقوتها وضرورة ظهورها] # قد زعم أناس أن كل إنسان فيه آلة لمرفق من المرافق، وأداة لمنفعة من ~~المنافع، ولا بد لتلك الطبيعة من حركة وإن أبطأت، ولا بد لذلك الكامن من ~~ظهور، فإن أمكنه ذلك بعثه، وإلا سرى إليه كما يسري السم في البدن، ونمى كما ~~ينمي العرق، كما أن البزور البرية، والحبة الوحشية الكامنة في أرحام ~~الأرضين، لا بد لها من حركة # PageV01P132 # عند زمان الحركة، ومن التفتق والانتشار في إبان الانتشار. وإذا صارت ~~الأمطار لتلك الأرحام كالنطفة، وكان بعض الأرض كالأم الغاذية فلا بد لكل ~~ثدي قوي أن يظهر قوته، كما قال الأول: [من الطويل] # ولا بد للمصدور يوما من النفث «1» # وقال: [من الطويل] # ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر «2» # ولذلك صار طلب الحساب أخف على بعضهم، وطلب الطب أحب إلى بعضهم. وكذلك ~~النزاع إلى الهندسة، وشغف أهل النجوم بالنجوم. وكذلك أيضا ربما تحرك له بعد ~~الكبرة، وصرف رغبته إليه بعد الكهولة، على قدر قوة ms0102 العرق في بدنه، وعلى قدر ~~الشواغل له وما يعترض عليه، فتجد واحدا يلهج بطلب الغناء واللحون، وآخر ~~يلهج بشهوة القتال، حتى يكتتب مع الجند، وآخر يختار أن يكون وراقا، وآخر ~~يختار طلب الملك، وتجد حرصهم على قدر العلل الباطنة المحركة لهم، ثم لا ~~تدري كيف عرض لهذا هذا السبب دون الآخر إلا بجملة من القول، ولا تجد ~~المختار لبعض هذه الصناعات على بعض يعلم لم اختار ذلك في جملة ولا تفسير، ~~إذ كان لم يجر منه على عرق، ولا اختاره على إرث. ### || 162- [من سار على غير طبعه] # وليس العجب من رجل في طباعه سبب يصل بينه وبين بعض الأمور ويحركه في بعض ~~الجهات، ولكن العجب ممن يموت مغنيا وهو لا طبع له في معرفة الوزن، وليس له ~~جرم حسن «3» ، فيكون إن فاته أن يكون معلما ومغني خاصة أن يكون مطربا ومغني ~~عامة، وآخر قد مات أن يذكر بالجود، وأن يسخى على الطعام، وهو أبخل الخلق ~~طبعا. فتراه كلفا باتخاذ الطيبات ومستهترا بالتكثير منها. ثم هو أبدا مفتضح ~~وأبدا منتقض الطباع، ظاهر الخطأ، سيئ الجزع عند مؤاكلة من كان هو الداعي ~~له، والمرسل إليه، والعارف مقدار لقمه ونهاية أكله. # فإن زعمتم أن كل واحد من هؤلاء إنما هو رهن بأسبابه. وأسير في أيدي علله، # PageV01P133 # عذرتم جميع اللئام وجميع المقصرين، وجميع الفاسقين والضالين. وإن كان ~~الأمر إلى التمكين دون التسخير. أفليس من أعجب العجب ومن أسوأ التقدير ~~التمثيل بين الديكة والكلاب. # قد عرفنا قولك، وفهمنا مذهبك. # فأما قولك: «وما بلغ من خطر الديك وقدر الكلب» فإن هذا ونحوه كلام عبد لم ~~يفهم عن ربه، ولم يعقل عن سيده، إلا بقدر فهم العامة أو الطبقة التي تلي ~~العامة. # كأنك، فهمك الله تعالى، تظن أن خلق الحية والعقرب، والتدبير في خلق ~~الفراش والذباب، والحكمة في خلق الذئاب والأسد وكل مبغض إليك أو محقر عندك، ~~أو مسخر لك أو واثب عليك، أن التدبير فيه مختلف أو ناقص، وأن الحكمة فيه ~~صغيرة أو ممزوجة. ### || 163- [مصلحة الكون، ms0103 فی امتزاج الخیر بالشر] # اعلم أن المصلحة في أمر ابتداء الدنيا إلى انقضاء مدتها امتزاج الخير ~~بالشر، والضار بالنافع، والمكروه بالسار، والضعة بالرفعة، والكثرة بالقلة. ~~ولو كان الشر صرفا هلك الخلق، أو كان الخير محضا سقطت المحنة وتقطعت أسباب ~~الفكرة، ومع عدم الفكرة يكون عدم الحكمة، ومتى ذهب التخيير ذهب التمييز، ~~ولم يكن للعالم تثبت وتوقف وتعلم، ولم يكن علم، ولا يعرف باب التبين، ولا ~~دفع مضرة، ولا اجتلاب منفعة، ولا صبر على مكروه ولا شكر على محبوب، ولا ~~تفاضل في بيان، ولا تنافس في درجة، وبطلت فرحة الظفر وعز الغلبة، ولم يكن ~~على ظهرها محق يجد عز الحق، ومبطل يجد ذلة الباطل، وموقن يجد برد اليقين، ~~وشاك يجد نقص الحيرة وكرب الوجوم؛ ولم تكن للنفوس آمال ولم تتشعبها ~~الأطماع. ومن لم يعرف كيف الطمع لم يعرف اليأس، ومن جهل اليأس جهل الأمن، ~~وعادت الحال من الملائكة الذين هم صفوة الخلق، ومن الإنس الذين فيهم ~~الأنبياء والأولياء، إلى حال السبع والبهيمة، وإلى حال الغباوة والبلادة، ~~وإلى حال النجوم في السخرة؛ فإنها أنقص من حال البهائم في الرتعة. ومن هذا ~~الذي يسره أن يكون الشمس والقمر والنار والثلج، أو برجا من البروج أو قطعة ~~من الغيم؛ أو يكون المجرة بأسرها، أو مكيالا من الماء أو مقدارا من ~~الهواء؟! وكل شيء في العالم فإنما هو للإنسان ولكل مختبر ومختار، ولأهل ~~العقول والاستطاعة، ولأهل التبين والروية. # PageV01P134 # وأين تقع لذة البهيمة بالعلوفة، ولذة السبع بلطع الدم وأكل اللحم- من ~~سرور الظفر بالأعداء؛ ومن انفتاح باب العلم بعد إدمان القرع؟ وأين ذلك من ~~سرور السودد ومن عز الرياسة؟ وأين ذلك من حال النبوة والخلافة، ومن عزهما ~~وساطع نورهما. # وأين تقع لذة درك الحواس الذي هو ملاقاة المطعم والمشرب، وملاقاة الصوت ~~المطرب واللون المونق، والملمسة اللينة- من السرور بنفاذ الأمر والنهي، ~~وبجواز التوقيع، وبما يوجب الخاتم من الطاعة ويلزم من الحجة؟!. # ولو استوت الأمور بطل التمييز، وإذا لم تكن كلفة لم تكن مثوبة، ولو كان ~~ذلك لبطلت ثمرة ms0104 التوكل على الله تعالى، واليقين بأنه الوزر والحافظ، ~~والكالئ والدافع، وأن الذي يحاسبك أجود الأجودين، وأرحم الراحمين، وأنه ~~الذي يقبل اليسير ويهب الكثير، ولا يهلك عليه إلا هالك. ولو كان الأمر على ~~ما يشتهيه الغرير والجاهل بعواقب الأمور، لبطل النظر وما يشحذ عليه «1» ، ~~وما يدعو إليه، ولتعطلت الأرواح من معانيها، والعقول من ثمارها، ولعدمت ~~الأشياء حظوظها وحقوقها. # فسبحان من جعل منافعها نعمة، ومضارها ترجع إلى أعظم المنافع، وقسمها بين ~~ملذ ومؤلم، وبين مؤنس وموحش، وبين صغير حقير وجليل كبير، وبين عدو يرصدك ~~وبين عقيل يحرسك، وبين مسالم يمنعك، وبين معين يعضدك، وجعل في الجميع تمام ~~المصلحة، وباجتماعها تتم النعمة، وفي بطلان واحد منها بطلان الجميع، قياسا ~~قائما وبرهانا واضحا. فإن الجميع إنما هو واحد ضم إلى واحد وواحد ضم ~~إليهما، ولأن الكل أبعاض، ولأن كل جثة فمن أجزاء، فإذا جوزت رفع واحد ~~والآخر مثله في الوزن وله مثل علته وحظه ونصيبه، فقد جوزت رفع الجميع؛ لأنه ~~ليس الأول بأحق من الثاني في الوقت الذي رجوت فيه إبطال الأول، والثاني ~~كذلك والثالث والرابع، حتى تأتي على الكل وتستفرغ الجميع. كذلك الأمور ~~المضمنة والأسباب المقيدة؛ ألا ترى أن الجبل ليس بأدل على الله تعالى من ~~الحصاة، وليس الطاوس المستحسن بأدل على الله تعالى من الخنزير المستقبح. ~~والنار والثلج وإن اختلفا في جهة البرودة والسخونة، فإنهما لم يختلفا في ~~جهة البرهان والدلالة. # وأظنك ممن يرى أن الطاوس أكرم على الله تعالى من الغراب، وأن التدرج «2» # PageV01P135 # أعز على الله تعالى من الحدأة، وأن الغزال أحب إلى الله تعالى من الذئب. ~~فإنما هذه أمور فرقها الله تعالى في عيون الناس، وميزها في طبائع العباد، ~~فجعل بعضها بهم أقرب شبها، وجعل بعضها إنسيا، وجعل بعضها وحشيا، وبعضها ~~غاذيا، وبعضها قاتلا. وكذلك الدرة والخرزة والتمرة والجمرة. # فلا تذهب إلى ما تريك العين واذهب إلى ما يريك العقل. ### || 164- [الاعتماد علی العقل دون الحواس] # وللأمور حكمان: حكم ظاهر للحواس، وحكم باطن للعقول. والعقل هو الحجة. وقد ~~علمنا أن خزنة ms0105 النار من الملائكة، ليسوا بدون خزنة الجنة؛ وأن ملك الموت ~~ليس بدون ملك السحاب، وإن أتانا بالغيث وجلب الحياء «1» ؛ وجبريل الذي ينزل ~~بالعذاب، ليس بدون ميكائيل الذي ينزل بالرحمة؛ وإنما الاختلاف في المطيع ~~والعاصي، وفي طبقات ذلك ومواضعه. والاختلاف بين أصحابنا أنهم إذا استووا في ~~المعاصي استووا في العقاب، وإذا استووا في الطاعة استووا في الثواب، وإذا ~~استووا في عدم الطاعة والمعصية استووا في التفضل. هذا هو أصل المقالة، ~~والقطب الذي تدور عليه الرحى. ### || 165- [التين والزيتون] # وقد قال الله عز وجل: والتين والزيتون # «2» فزعم زيد بن أسلم أن التين دمشق، والزيتون فلسطين «3» . وللغالية في ~~هذا تأويل أرغب بالعترة عنه وذكره. وقد أخرج الله تبارك وتعالى الكلام مخرج ~~القسم. وما تعرف دمشق إلا بدمشق، ولا فلسطين إلا بفلسطين. فإن كنت إنما تقف ~~من ذكر التين على مقدار طعم يابسه ورطبه، وعلى الاكتنان بورقه وأغصانه، ~~والوقود بعيدانه، وأنه نافع لصاحب السل، وهو غذاء قوي ويصلح في مواضع من ~~الدواء، وفي الأضمدة، وأنه ليس شيء حلو إلا وهو ضار بالأسنان غيره، وأنه ~~عند أهل الكتاب الشجرة التي أكل منها آدم عليه السلام، وبورقها ستر السوءة ~~عند نزول العقوبة، وأن صاحب البواسير يأكله ليزلق عنه الثفل، ويسهل عليه ~~مخرج الزبل؛ وتقف من الزيتون على زيته والاصطباح به، وعلى # PageV01P136 # التأدم بهما والوقود بشجرهما، وما أشبه ذلك من أمرهما- فقد أسأت ظنا ~~بالقرآن، وجهلت فضل التأويل. وليس لهذا المقدار عظمهما الله عز وجل، وأقسم ~~بهما ونوه بذكرهما. ### || 166- [التأمل في جناح البعوضة] # ولو وقفت على جناح بعوضة وقوف معتبر، وتأملته تأمل متفكر بعد أن تكون ~~ثاقب النظر سليم الآلة، غواصا على المعاني، لا يعتريك من الخواطر إلا على ~~حسب صحة عقلك، ولا من الشواغل إلا ما زاد في نشاطك، لملأت مما توجدك العبرة ~~من غرائب الطوامير الطوال، والجلود الواسعة الكبار، ولرأيت أن له من كثرة ~~التصرف في الأعاجيب، ومن تقلبه في طبقات الحكمة، ولرأيت له من الغزر ~~والريع، ومن الحلب والدر ولتبجس عليك من كوامن المعاني ودفائنها، ومن ms0106 خفيات ~~الحكم وينابيع العلم، ما لا يشتد معه تعجبك ممن وقف على ما في الديك من ~~الخصال العجيبة، وفي الكلب من الأمور الغريبة، ومن أصناف المنافع، وفنون ~~المرافق؛ وما فيهما من المحن الشداد، ومع ما أودعا من المعرفة، التي متى ~~تجلت لك تصاغر عندك كبير ما تستعظم، وقل في عينك كثير ما تستكثر. كأنك تظن ~~أن شيئا وإن حسن عندك في ثمنه ومنظره، أن الحكمة التي هي في خلقه إنما هي ~~على مقدار ثمنه ومنظره. ### || 167- [كلمات الله] # وقد قال الله تعالى: ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من ~~بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله # «1» والكلمات في هذا الموضع، ليس يريد بها القول والكلام المؤلف من ~~الحروف، وإنما يريد النعم والأعاجيب، والصفات وما أشبه ذلك، فإن كلا من هذه ~~الفنون لو وقف عليه رجل رقيق اللسان صافي الذهن، صحيح الفكر تام الأداة، ~~لما برح أن تحسره المعاني وتغمره الحكم. ### || 168- [الموازنة والمقابلة بين نوعين] # وقد قال المتكلمون والرؤساء والجلة العظماء في التمثيل بين الملائكة ~~والمؤمنين، وفي فرق ما بين الجن والإنس. وطباع الجن أبعد من طباع الإنس، ~~ومن طباع الديك، ومن طباع الكلب. وإنما ذهبوا إلى الطاعة والمعصية. ويخيل ~~إلي أنك لو كنت سمعتهما يمثلان ما بين التدرج والطاوس، لما اشتد تعجبك. ~~ونحن نرى أن # PageV01P137 # تمثيل ما بين خصال الدرة والحمامة، والفيل والبعير، والثعلب والذيب أعجب، ~~ولسنا نعني أن للدرة ما للطاوس من حسن ذلك الريش وتلاوينه وتعاريجه، ولا أن ~~لها غناء الفرس في الحرب والدفع عن الحريم؛ لكنا إذا أردنا مواضع التدبير ~~العجيب من الخلق الخسيس، والحس اللطيف من الشيء السخيف، والنظر في العواقب ~~من الخلق الخارج من حدود الإنس والجن والملائكة، لم نذهب إلى ضخم البدن ~~وعظم الحجم، ولا إلى المنظر الحسن ولا إلى كثرة الثمن. وفي القرد أعاجيب ~~وفي الدب أعاجيب، وليس فيهما كبير مرفق إلا بقدر ما تتكسب به أصحاب القردة، ~~وإنما قصدنا إلى شيئين يشيع القول فيهما، ويكثر الاعتبار مما يستخرج ~~العلماء من ms0107 خفي أمرهما. ولو جمعنا بين الديك وبين بعض ما ذكرت، وبين الكلب ~~وبين بعض ما وصفت، لانقطع القول قبل أن يبلغ حد الموازنة والمقابلة. # وقد ذكرت أن بعض ما دعاك إلى الإنكار عليهما والتعجب من أمرهما، سقوط قدر ~~الكلب ونذالته، وبله الديك وغباوته، وأن الكلب لا بهيمة تامة ولا سبع تام، ~~وما كان ليخرجه من شيء من حدود الكلاب إلى حدود الناس، مقدار ما هو عليه من ~~الأنس بهم، فقد يكون في الشيء بعض الشبه من شيء ولا يكون ذلك مخرجا لهما من ~~أحكامهما وحدودهما. ### || 169- [تشبيه الإنسان بالقمر والشمس ونحوهما] # وقد يشبه الشعراء والعلماء والبلغاء الإنسان بالقمر والشمس، والغيث ~~والبحر، وبالأسد والسيف، وبالحية وبالنجم، ولا يخرجونه بهذه المعاني إلى حد ~~الإنسان. # وإذا ذموا قالوا: هو الكلب والخنزير، وهو القرد والحمار، وهو الثور، وهو ~~التيس، وهو الذيب، وهو العقرب، وهو الجعل، وهو القرنبى؛ ثم لا يدخلون هذه ~~الأشياء في حدود الناس ولا أسمائهم، ولا يخرجون بذلك الإنسان إلى هذه ~~الحدود وهذه الأسماء. وسموا الجارية غزالا، وسموها أيضا خشفا، ومهرة، ~~وفاختة، وحمامة، وزهرة، وقضيبا، وخيزرانا، على ذلك المعنى. وصنعوا مثل ذلك ~~بالبروج والكواكب، فذكروا الأسد والثور، والحمل والجدي، والعقرب والحوت، ~~وسموها بالقوس والسنبلة والميزان، وغيرها. وقال في ذلك ابن عسلة الشيباني: ~~[من الكامل] # فصحوت والنمري يحسبها ... عم السماك وخالة النجم # ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «نعمت العمة لكم النخلة خلقت ~~من فضلة # PageV01P138 # طينة آدم» «1» وهذا الكلام صحيح المعنى، لا يعيبه إلا من لا يعرف مجاز ~~الكلام. # وليس هذا مما يطرد لنا أن نقيسه، وإنما نقدم على ما أقدموا، ونحجم عما ~~أحجموا، وننتهي إلى حيث انتهوا. # ونراهم يسمون الرجل جملا ولا يسمونه بعيرا، ولا يسمون المرأة ناقة؛ ~~ويسمون الرجل ثورا ولا يسمون المرأة بقرة، ويسمون الرجل حمارا ولا يسمون ~~المرأة أتانا؛ ويسمون المرأة نعجة ولا يسمونها شاة. وهم لا يضعون نعجة اسما ~~مقطوعا، ولا يجعلون ذلك علامة مثل زيد وعمرو، ويسمون المرأة عنزا. ### || 170- [تسمية الإنسان بالعالم الأصغر] # أو ما ms0108 علمت أن الإنسان الذي خلقت السموات والأرض وما بينهما من أجله كما ~~قال عز وجل: سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه # «2» إنما سموه العالم الصغير سليل العالم الكبير، لما وجدوا فيه من جمع ~~أشكال ما في العالم الكبير، ووجدنا له الحواس الخمس ووجدوا فيه المحسوسات ~~الخمس، ووجدوه يأكل اللحم والحب، ويجمع بين ما تقتاته البهيمة والسبع، ~~ووجدوا فيه صولة الجمل ووثوب الأسد، وغدر الذئب، وروغان الثعلب، وجبن ~~الصفرد «3» ، وجمع الذرة، وصنعة السرفة «4» وجود الديك، وإلف الكلب، ~~واهتداء الحمام. وربما وجدوا فيه مما في البهائم والسباع خلقين أو ثلاثة، ~~ولا يبلغ أن يكون جملا بأن يكون فيه اهتداؤه وغيرته، وصولته وحقده، وصبره ~~على حمل الثقل، ولا يلزم شبه الذئب بقدر ما يتهيأ فيه من مثل غدره ومكره، ~~واسترواحه وتوحشه، وشدة نكره. كما أن الرجل يصيب الرأي الغامض المرة ~~والمرتين والثلاث، ولا يبلغ ذلك المقدار أن يقال له داهية وذو نكراء أو ~~صاحب بزلاء، وكما يخطئ الرجل فيفحش خطاؤه في المرة والمرتين والثلاث، فلا ~~يبلغ الأمر به أن يقال له غبي وأبله ومنقوص. # وسموه العالم الصغير لأنهم وجدوه يصور كل شيء بيده، ويحكي كل صوت بفمه ~~«5» . وقالوا: ولأن أعضاءه مقسومة على البروج الاثني عشر والنجوم السبعة، ~~وفيه # PageV01P139 # الصفراء وهي من نتاج النار، وفيه السوداء وهي من نتاج الأرض، وفيه الدم ~~وهو من نتاج الهواء، وفيه البلغم وهو من نتاج الماء. وعلى طبائعه الأربع ~~وضعت الأوتاد الأربعة. فجعلوه العالم الصغير، إذ كان فيه جميع أجزائه ~~وأخلاطه وطبائعه. ألا ترى أن فيه طبائع الغضب والرضا، وآلة اليقين والشك، ~~والاعتقاد والوقف وفيه طبائع الفطنة والغباوة، والسلامة والمكر، والنصيحة ~~والغش، والوفاء والغدر، والرياء والإخلاص، والحب والبغض، والجد والهزل، ~~والبخل والجود، والاقتصاد والسرف، والتواضع والكبر، والأنس والوحشة، ~~والفكرة والإمهال، والتمييز والخبط، والجبن والشجاعة، والحزم والإضاعة، ~~والتبذير والتقتير، والتبذل والتعزز، والادخار والتوكل، والقناعة والحرص، ~~والرغبة والزهد، والسخط والرضا، والصبر والجزع، والذكر والنسيان، والخوف ~~والرجاء، والطمع واليأس، والتنزه والطبع، والشك واليقين، والحياء والقحة، ~~والكتمان والإشاعة، ms0109 والإقرار والإنكار، والعلم والجهل، والظلم والإنصاف، ~~والطلب والهرب، والحقد وسرعة الرضا، والحدة وبعد الغضب، والسرور والهم، ~~واللذة والألم، والتأميل والتمني، والإصرار والندم، والجماح والبدوات، ~~والعي والبلاغة، والنطق والخرس، والتصميم والتوقف، والتغافل والتفاطن، ~~والعفو والمكافأة، والاستطاعة والطبيعة، وما لا يحصى عدده، ولا يعرف حده. # فالكلب سبع وإن كان بالناس أنيسا، ولا تخرجه الخصلة والخصلتان مما قارب ~~بعض طبائع الناس، إلى أن يخرجه من الكلبية. قال: وكذلك الجميع. وقد عرفت ~~شبه باطن الكلب بباطن الإنسان، وشبه ظاهر القرد بظاهر الإنسان: ترى ذلك في ~~طرفه وتغميض عينه، وفي ضحكه وفي حكايته، وفي كفه وأصابعه، وفي رفعها ~~ووضعها، وكيف يتناول بها، وكيف يجهز اللقمة إلى فيه وكيف يكسر الجوز ~~ويستخرج لبه وكيف يلقن كل ما أخذ به وأعيد عليه، وأنه من بين جميع الحيوان ~~إذا سقط في الماء غرق مثل الإنسان، ومع اجتماع أسباب المعرفة فيه يغرق، إلا ~~أن يكتسب معرفة السباحة، وإن كان طبعه أوفى وأكمل فهو من هاهنا أنقص وأكل. ~~وكل شيء فهو يسبح من جميع الحيوانات، مما يوصف بالمعرفة والفطنة، ومما يوصف ~~بالغباوة والبلادة؛ وليس يصير القرد بذلك المقدار من المقاربة إلى أن يخرج ~~من بعض حدود القرود إلى حدود الإنسان. ### || 171- [عود إلى الحوار في شأن الكلب والديك] # وزعمت أن مما يمنع من التمثيل بين الديك والكلب أنه حارس محترس منه. # وكل حارس من الناس فهو حارس غير مأمون تبدله. # PageV01P140 # ولقد سأل زياد ليلة من الليالي: من على شرطتكم؟ قالوا: بلج بن نشبة ~~الجشمي. فقال: [من الطويل] # وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس # ويقال: إن الشاعر قال هذا الشعر في الفلافس النهشلي، حين ولي شرطة الحارث ~~بن عبد الله فقال: [من الطويل] # أقلي علي اللوم يا ابنة مالك ... وذمي زمانا ساد فيه الفلافس «1» # وساع مع السلطان يسعى عليهم ... ومحترس من مثله وهو حارس # وليس يحكم لصغار المضار على كبارها بل الحكم للغامر على المغمور والقاهر ~~على المقهور. ولو قد حكينا ما ذكر هذا الشيخ من خصال الكلب ms0110 وذكر صاحبه من ~~خصال الديك، أيقنت أن العجلة من عمل الشيطان، وأن العجب بئس الصاحب. # وقلت: وما يبلغ من قدر الكلب ومن مقدار الديك، أن يتفرغ لهما شيخان من ~~جلة المعتزلة، وهم أشراف أهل الحكمة؛ فأي شيء بلغ، غفر الله تعالى لك، من ~~قدر جزء لا يتجزأ من رمل عالج، والجزء الأقل من أول قطع الذرة للمكان ~~السحيق، والصحيفة التي لا عمق لها، ولأي شيء يعنون بذلك، وما يبلغ من ثمنه ~~وقدر حجمه، حتى يتفرغ للجدال فيه الشيوخ الجلة، والكهول العلية، وحتى ~~يختاروا النظر فيه على التسبيح والتهليل، وقراءة القرآن وطول الانتصاب في ~~الصلاة؛ وحتى يزعم أهله أنه فوق الحج والجهاد، وفوق كل بر واجتهاد. فإن ~~زعمت أن ذلك كله سواء، طالت الخصومة معك، وشغلتنا بهما عما هو أولى بنا ~~فيك. على أنك إذا عممت ذلك كله بالذم، وجللته بالعيب، صارت المصيبة فيك ~~أجل، والعزاء عنها أعسر. وإن زعمت أن ذلك إنما جاز لأنهم لم يذهبوا إلى ~~أثمان الأعيان في الأسواق، وإلى عظم الحجم، وإلى ما يروق العين ويلائم ~~النفس، وأنهم إنما ذهبوا إلى عاقبة الأمر فيه، وإلى نتيجته، وما يتولد عنه ~~من علم النهايات، ومن باب الكل والبعض، وكان ويكون، ومن باب ما يحيط به ~~العلم أو ما يفضل عنه، ومن فرق ما بين مذاهب الدهرية ومذاهب الموحدين. فإن ~~كان هذا العذر مقبولا، وهذا الحكم صحيحا، فكذلك نقول في الكلب، لأن الكلب ~~ليس له خطر ثمين ولا قدر في الصدر جليل؛ لأنه إن # PageV01P141 # كان كلب صيد فديته أربعون درهما، وإن كان كلب ضرع فديته شاة، وإن كان كلب ~~دار فديته زنبيل من تراب، حق على القاتل أن يؤديه، وحق على صاحب الدار أن ~~يقبله، فهذا مقدار ظاهر حاله ومفتشه، وكوامن خصاله، ودفائن الحكمة فيه. # والبرهانات على عجيب تدبير الرب تعالى ذكره فيه، على خلاف ذلك؛ فلذلك ~~استجازوا النظر في شأنه، والتمثيل بينه وبين نظيره. # وتعلم أيضا مع ذلك أن الكلب إذا كان فيه، مع خموله وسقوطه، من عجيب ~~التدبير ms0111 والنعمة السابغة والحكمة البالغة، مثل هذا الإنسان الذي له خلق ~~الله السموات والأرض وما بينهما، أحق بأن يفكر فيه، ويحمد الله تعالى على ~~ما أودعه من الحكمة العجيبة، والنعمة السابغة. # وقلت: ولو كان بدل النظر فيهما النظر في التوحيد، وفي نفي التشبيه، وفي ~~الوعد والوعيد، وفي التعديل والتجوير، وفي تصحيح الأخبار، والتفضيل بين علم ~~الطبائع والاختيار، لكان أصوب. ### || 172- [دفاع عن المتكلمين] # والعجب أنك عمدت إلى رجال لا صناعة لهم ولا تجارة إلا الدعاء إلى ما ~~ذكرت، والاحتجاج لما وصفت، وإلا وضع الكتب فيه والولاية والعداوة فيه، ولا ~~لهم لذة ولا هم ولا مذهب ولا مجاز إلا عليه وإليه؛ فحين أرادوا أن يقسطوا ~~بين الجميع بالحصص، ويعدلوا بين الكل بإعطاء كل شيء نصيبه، حتى يقع التعديل ~~شاملا، والتقسيط جامعا، ويظهر بذلك الخفي من الحكم، والمستور من التدبير، ~~اعترضت بالتعنت والتعجب، وسطرت الكلام، وأطلت الخطب، من غير أن يكون صوب ~~رأيك أديب، وشايعك حكيم. ### || 173- [نسك طوائف من الناس] # وسأضرب لك مثلا قد استوجبت أغلظ منه، وتعرضت لأشد منه ولكنا نستأني بك ~~وننتظر أوبتك. وجدنا لجميع أهل النقص، ولأهل كل صنف منهم نسكا يعتمدون عليه ~~في الجمال، ويحتسبون به في الطاعة وطلب المثوبة، ويفزعون إليه، على قدر ~~فساد الطباع، وضعف الأصل، واضطراب الفرع، مع خبث المنشأ، وقلة التثبت ~~والتوقف، ومع كثرة التقلب والإقدام مع أول خاطر «1» : فنسك المريب # PageV01P142 # المرتاب من المتكلمين أن يتحلى برمي الناس بالريبة، ويتزين بإضافة ما يجد ~~في نفسه إلى خصمه، خوفا من أن يكون قد فطن له، فهو يستر ذلك الداء برمي ~~الناس به. # ونسك الخارجي الذي يتحلى به ويتزيا بجماله، إظهار استعظام المعاصي، ثم لا ~~يلتفت إلى مجاوزة المقدار وإلى ظلم العباد، ولا يقف على أن الله تعالى لا ~~يحب أن يظلم أظلم الظالمين، وأن في الحق ما وسع الجميع. # ونسك الخراساني أن يحج وينام على قفاه، ويعقد الرياسة، ويتهيأ للشهادة، ~~ويبسط لسانه بالحسبة. وقد قالوا: إذا نسك الشريف تواضع، وإذا نسك الوضيع ~~تكبر. وتفسيره قريب واضح. # ونسك ms0112 البنوي والجندي طرح الديوان، والزراية على السلطان. ونسك دهاقين ~~السواد ترك شرب المطبوخ. ونسك الخصي لزوم طرسوس وإظهار مجاهدة الروم. # ونسك الرافضي ترك النبيذ. ونسك البستاني ترك سرقة الثمر. ونسك المغني ~~الصلاة في الجماعة وكثرة التسبيح، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. # ونسك اليهودي التشدد في السبت وإقامته. # والصوفي المظهر النسك من المسلمين، إذا كان فسلا يبغض العمل تطرف وأظهر ~~تحريم المكاسب، وعاد سائلا، وجعل مسألته وسيلة إلى تعظيم الناس له. # وإذا كان النصراني فسلا نذلا مبغضا للعمل، وترهب ولبس الصوف؛ لأنه واثق ~~أنه متى لبس وتزيا بذلك الزي وتحلى بذلك اللباس، وأظهر تلك السيما، أنه قد ~~وجب على أهل اليسر والثروة منهم أن يعولوه ويكفوه، ثم لا يرضى بأن ربح ~~الكفاية باطلا حتى استطال بالمرتبة. # فإذا رمى المتكلم المريب أهل البراءة، ظن أنه قد حول ريبته إلى خصمه، ~~وحول براءة خصمه إليه. وإذا صار كل واحد من هذه الأصناف إلى ما ذكرنا، فقد ~~بلغ الأمنية، ووقف على النهاية. فاحذر أن تكون منهم واعلم أنك قد أشبهتهم ~~في هذا الوجه، وضارعتهم في هذا المذهب. # PageV01P143 ### | باب مما قدمنا ذكره، وبينه وبين ما ذكرنا بعض الفرق ### || 174- طائفة من الأمثال # يقال: أجرأ من الليث «1» ، وأجبن من الصفرد «2» ، وأسخى من لافظة «3» . ~~وأصبر على الهون من كلب، وأحذر من عقعق» # ، وأزهى من غراب «5» ، وأصنع من سرفة «6» وأظلم من حية «7» ، وأغدر من ~~الذئب «8» ، وأخبث من ذئب الحمز «9» وأشد عداوة من عقرب «10» ، وأروغ من ~~ثعلب «11» ، وأحمق من حبارى «12» ، وأهدى من قطاة «13» ، وأكذب من فاختة ~~«14» ، وألأم من كلب على جيفة «15» ، وأجمع من ذرة «16» ، وأضل # PageV01P144 # من حمار أهلي، وأعق من ضب «1» ، وأبر من هرة «2» ، وأنفر من الظليم «3» ، ~~وأضل من ورل «4» وأضل من ضب «5» ، وأظلم من الحية «6» . # فيعبرون عن هذه الأشياء بعبارة كالعبارة عن الناس، في مواضع الإحسان ~~والإساءة، حتى كأنهم من الملومين والمشكورين، ثم يعبرون في هذا الباب الآخر ~~بدون هذا التعبير، ويجعلون خبرهم مقصورا على ما في الخلقة من الغريزة ~~والقوى فيقولون: أبصر من عقاب «7» ، وأسمع من ms0113 فرس «8» ، وأطول ذماء من ضب ~~«9» ، وأصح من الظليم «10» . # والثاني يشبه العبارة عن الحمد والذم، والأول يشبه العبارة عن اللائمة ~~والشكر. وإنما قلنا ذلك، لأن كل مشكور محمود، وليس كل محمود مشكورا؛ وكل ~~ملوم مذموم وليس كل مذموم ملوما. وقد يحمدون البلدة ويذمون الأخرى، وكذلك ~~الطعام والشراب، وليس ذلك على جهة اللوم ولا على جهة الشكر؛ لأن الأجر لا ~~يقع إلا على جهة التخير والتكلف، وإلا على ما لا ينال إلا بالاستطاعة ~~والأول إنما ينال بالخلقة وبمقدار من المعرفة، ولا يبلغ أن يسمى عقلا، كما ~~أنه ليس كل قوة تسمى استطاعة. والله سبحانه وتعالى أعلم. # PageV01P145 ### | باب ما ذكر صاحب الديك من ذم الكلاب # وتعداد أصناف معايبها ومثالبها، من لؤمها وجبنها وضعفها وشرهها، وغدرها ~~وبذائها، وجهلها وتسرعها، ونتنها وقذرها، وما جاء في الآثار من النهي عن ~~اتخاذها وإمساكها، ومن الأمر بقتلها وطردها، ومن كثرة جناياتها وقلة ردها ~~ومن ضرب المثل بلؤمها ونذالتها، وقبحها وقبح معاظلتها ومن سماجة نباحها ~~وكثرة أذاها، وتقذر المسلمين من دنوها، وأنها تأكل لحوم الناس، وأنها ~~كالخلق المركب والحيوان الملفق: كالبغل في الدواب وكالراعبي في الحمام، ~~وأنها لا سبع ولا بهيمة، ولا إنسية ولا جنية، وأنها من الحن دون الجن، ~~وأنها مطايا الجن ونوع من المسخ، وأنها تنبش القبور وتأكل الموتى، وأنها ~~يعتريها الكلب من أكل لحوم الناس. # فإذا حكينا ذلك حكينا قول من عدد محاسنها، وصنف مناقبها، وأخذنا من ذكر ~~أسمائها وأنسابها وأعراقها، وتفدية الرجال إياها واستهتارهم بها، وذكر ~~كسبها وحراستها، ووفائها وإلفها وجميع منافعها، والمرافق التي فيها، وما ~~أودعت من المعرفة الصحيحة والفطن العجيبة والحس اللطيف والأدب المحمود. ~~وذلك سوى صدق الاسترواح وجودة الشم، وذكر حفظها ونفاذها واهتدائها، ~~وإثباتها لصور أربابها وجيرانها، وصبرها، ومعرفتها بحقوق الكرام، وإهانتها ~~اللئام، وذكر صبرها على الجفا، واحتمالها للجوع، وذكر ذمامها وشدة منعها ~~معاقد الذمار «1» منها، وذكر يقظتها وقلة غفلتها وبعد أصواتها، وكثرة نسلها ~~وسرعة قبولها وإلقاحها وتصرف أرحامها في ذلك، مع اختلاف طبائع ذكورها ~~والذكور من غير جنسها، وكثرة أعمامها وأخوالها، ms0114 وترددها في أصناف السباع، ~~وسلامتها من أعراق البهائم، وذكر لقنها وحكايتها، وجودة ثقافتها ومهنها ~~وخدمتها، وجدها ولعبها وجميع أمورها؛ بالأشعار المشهورة والأحاديث ~~المأثورة، وبالكتب المنزلة والأمثال السائرة، وعن تجربة الناس لها وفراستهم ~~فيها، وما عاينوا منها؛ وكيف قال أصحاب الفأل فيها، وبإخبار المتطيرين # PageV01P146 # عنها، وعن أسنانها ومنتهى أعمارها وعدد جرائها، ومدة حملها، وعن أسمائها ~~وألقابها، وسماتها وشياتها، وعن دوائها وأدوائها وسياستها، وعن اللاتي لا ~~تلقن منها وعن أعراقها والخارجي منها وعن أصول مواليدها ومخارج بلدانها. ### || 175- [أكل الكلاب للحوم الناس] # وذكر صاحب الديك ما يحفظ من أكل الكلاب للحوم الناس # فقال: قال الجارود بن أبي سبرة في ذلك: [من الطويل] # ألم تر أن الله ربي بحوله ... وقوته أخزى ابن عمرة مالكا # فمن كان عنه بالمغيب سائلا ... فقد صار في أرض الرصافة هالكا # تظل الكلاب العاديات ينشنه ... إذا اجتبن مسودا من الليل حالكا # وقال نفيع بن صفار المحاربي من ولد محارب بن خصفة في حرب قيس وتغلب: [من ~~الكامل] # أفنت بني جشم بن بكر حربنا ... حتى تعادل ميل تغلب فاستوى # أكل الكلاب أنوفهم وخصاهم ... فلتبك تغلب للأنوف وللخصى # وقال أبو يعقوب الخريمي، وهو إسحاق بن حسان بن قوهي في قتلى حرب ببغداد: ~~[من المنسرح] # وهل رأيت الفتيان في باحة المع ... رك معفورة مناخرها «1» # كل فتى مانع حقيقته ... يشقى به في الوغى مساعرها # باتت عليه الكلاب تنهشه ... مخضوبة من دم أظافرها # وقال أبو الشمقمق (وهو مروان بن محمد، مولى مروان بن محمد، ويكنى أبا ~~محمد) : [من مجزوء الرمل] # يوسف الشاعر فرخ ... وجدوه بالأبله «2» # حلقي قد تلقي ... كامنا في جوف جله # خيطوها خشية الكل ... ب عليه بمسلة # وذكر لي عن أبي بكر الهذلي، قال: كنا عند الحسن إذ أقبل وكيع بن أبي سود # PageV01P147 # فجلس، فقال يا أبا سعيد: ما تقول في دم البراغيث يصيب الثوب: أيصلى فيه؟ # فقال: يا عجبا ممن يلغ في دماء المسلمين كأنه كلب، ثم يسأل عن دم ~~البراغيث!! فقام وكيع يتخلج في مشيته كتخلج المجنون، فقال الحسن: إن لله في ms0115 ~~كل عضو منه نعمة فيستعين بها على المعصية، اللهم لا تجعلنا ممن يتقوى ~~بنعمتك على معصيتك!! ### || 176- [ما أضيف من الحيوان إلى خبث الرائحة] # وقال صاحب الديك: أشياء من الحيوان تضاف إلى نتن الجلود وخبث الرائحة، ~~كريح أبدان الحيات، وكنتن التيوس وصنان عرقها، وكنتن جلد الكلاب إذا أصابه ~~مطر. وضروب من النتن في سوى ذلك، نحن ذاكروها إن شاء الله تعالى. # وقال روح بن زنباع الجذامي في امرأته، وضرب بالكلب المثل: [من البسيط] # ريح الكرائم معروف له أرج ... وريحها ريح كلب مسه مطر # قال: وكانت امرأة روح بن زنباع أم جعفر بنت النعمان بن بشير، وكان عبد ~~الملك زوجه إياها، وقال: إنها جارية حسناء، فاصبر على بذاء لسانها. # وقال الآخر: [من الرجز] # وريح مجروب وريح جله ... وريح كلب في غداة طله # وأنشد أبو زيد في ذلك: [من البسيط] # كأن ريحهم من خبث طعمتهم ... ريح الكلاب إذا ما بلها المطر «1» . # ومما ذكر به الكلب في أكله العذرة، قول الراجز: [من الرجز] # أحرص من كلب على عقي صبي «2» # وقال مثل ذلك حنظلة بن عرادة في ذكره لابنه السرندى: [من البسيط] # ما للسرندى أطال الله أيمته ... خلى أباه بقفر البيد وادلجا «3» # مجع خبيث يعاطي الكلب طعمته ... وإن رأى غفلة من جاره ولجا «4» # PageV01P148 # ربيته وهو مثل الفرخ أصربه ... والكلب يلحس من تحت استه الردجا «1» # يقال للذي يخرج من بطن الصبي حين يخرج من بطن أمه عقي بكسر العين، ويقال ~~عقى الصبي يعقي عقيا، فإذا شد بطنه للسمن قيل قد صرب ليسمن. والعقي وهو ~~العقية الغيبة، وإياه عنى ابن عمر حين قيل له: هلا بايعت أخاك ابن الزبير؟ # فقال: إن أخي وضع يده في عقية ودعا إلى البيعة. إني لا أنزع يدي من جماعة ~~وأضعها في فرقة. # وفي الحديث المرفوع: «الراجع في هبته كالراجع في قيئه» «2» . وهذا المثل ~~في الكلب. # ويقال: «أبخل من كلب على جيفة» » # . وقال بعضهم في الكلب: الجيفة أحب إليه من اللحم الغريض، ويأكل العذرة ~~ويرجع في قيئه، ويشغر ببوله فيصير في جوف ms0116 فيه وأنفه، ويحذفه تلقاء خيشومه. # وقال صاحب الكلب: إن كنتم إنما تستسقطون الكلب وتستسفلونه بهذا وأشباهه، ~~فالجيفة أنتن من العذرة، والعذرة شر من القيء، والجيفة أحب إلى أشراف ~~السباع ورؤسائها من اللحم العبيط الغريض الغض. ### || 177- [مأكل السبع] # والأسد سيد السباع، وهو يأكل الجيفة، ولا يعرض لشرائع الوحش وافتراس ~~البهائم، ولا للسابلة من الناس، ما وجد في فريسته فضلة. ويبدأ بعد شرب الدم ~~فيبقر بطنه ويأكل ما فيه من الغثيثة والثفل والحشوة والزبل، وهو يرجع في ~~قيئه، وعنه ورث السنور ذلك. # PageV01P149 ### || 178- [ما قيل في السبع من الأمثال] # وهو المضروب به المثل في النجدة والبسالة، وفي شدة الإقدام والصولة، ~~فيقال: «ما هو إلا الأسد على براثنه» «1» و «هو أشد من الأسد» «2» و «هو ~~أجرا من الليث العادي» «3» و «فلان أسد البلاد» «4» و «هو الأسد الأسود» ~~«5» . وقيل لحمزة بن عبد المطلب أسد الله. فكفاك من نبل الأسد أنه اشتق ~~لحمزة بن عبد المطلب من اسمه. ويقال للملك أصيد إذا أرادوا أن يصفوه بالكبر ~~وبقلة الالتفات «6» ، وبأن أنفه فيه أسلوب «7» ولأن الأسد يلتفت معا لأن ~~عنقه من عظم واحد. وقال حاتم: [من البسيط] # هلا إذا مطر السماء عليكم ... ورفعت رأسك مثل رأس الأصيد «8» # وقال الآخر: [من الطويل] # يذودون كلبا بالرماح وطيئا ... وتغلب والصيد النواظر من بكر # وقال الآخر: [من المتقارب] # وكم لي بها من أب أصيد ... نماه أب ما جد أصيد # وبعد فإن الذي يأكل الجيفة لم يبعد من طبع كثير من الناس؛ لأن من الناس ~~من يشتهي اللحم الغاب، ومنهم من يشتهي النمكسود. وليس بين النمكسود وبين ~~المصلوب اليابس كبير فرق، وإنما يذبحون الديكة والبط والدجاج والدراج من ~~أول الليل، ليسترخي لحمها، وذلك أول التجييف. # فالأسد أجمع لهذه الخصال من الكلب، فهلا ذكرتم بذلك الأسد وهو أنبه ذكرا ~~وأبعد صيتا. # PageV01P150 ### || 179- [عيوب التيس والعنز] # وأما ما ذكرتم من نتن الجلد ومن استنشاق البول، فإن للتيس في ذلك ما ليس ~~للكلب، وقد شاركه في الحذف ببوله تلقاء أنفه، وباينه بشدة الصنان؛ فإن ~~الأمثال له أكثر ms0117 ذكرا. وفي العنز أيضا عيوب. # وفي توجيه التيس ببوله إلى حاق خيشومه قال الشاعر لبعض من يهجوه: [من ~~الطويل] # دعيت يزيد كي تزيد فلم تزد ... فعاد لك المسمي فأسماك بالقحر # وما القحر إلا التيس يعتك بوله ... عليه فيمذي في لبان وفي نحر # وقال آخر في مثل ذلك: [من الوافر] # أعثمان بن حيان بن لؤم ... عتود في مفارقه يبول # ولو أني أشافهه لشالت ... نعامته ويفهم ما يقول # وبعد: فما يعلم من صنيع العنز في لبنها وفي الارتضاع من خلفها إلا أقبح. # وقال ابن أحمر الباهلي في ذلك: [من البسيط] # إنا وجدنا بني سهم وجاملهم ... كالعنز تعطف روقيها وترتضع «1» # وقلتم: هجا ابن غادية السلمي بعض الكرام، حين عزل عن ينبع، فقال لمن ظن ~~أنه إنما عزل لمكانه: [من الكامل] # ركبوك مرتحلا فظهرك منهم ... دبر الحراقف والفقار موقع # كالكلب يتبع خانقيه وينتحي ... نحو الذين بهم يعز ويمنع # وقال ابن هرمة الفهري: [من الوافر] # فما عادت لذي يمن رؤوسا ... ولا ضرت بفرقتها نزارا «2» # كعنز السوء تنطح من خلاها ... وترأم من يحد لها الشفارا # وما نعلم الرجوع في الجرة، وإعادة الفرث إلى الفم ليستقصى مضغه إلا أسمج ~~وأقذر من الرجوع في القيء. وقد اختار الله عز وجل تلك الطبيعة للأنعام، ~~وجعل # PageV01P151 # الناس ليسوا لشيء من اللحمان أشد أكلا ولا أشد عجبا به منكم، ولا أصلح ~~لأبدانهم ولا أغذى لهم من لحوم هذه الأنعام أفتائها ومسانها. ### || 180- [عود إلى القول في الديك والكلاب] # وقال صاحب الديك: ما يشبه عود الماشية في الجرة، ورجوعها في الفرث تطحنه ~~وتسيغه، الرجوع في القيء. وقد زعمتم أن جرة البعير أنتن من قيء الكلاب لطول ~~غبوبها في الجوف، وانقلابها إلى طباع الزبل، وأنها أنتن من الثلط. وإنما ~~مثل الجرة مثل الريق الذي ذكره ابن أحمر فقال: [من البسيط] # هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوم ريق الطامع الأمل «1» # فإنما مثل القيء مثل العذرة؛ لأن الريق الذي زعمتم، ما دام في فم صاحبه، ~~ألذ من السلوى، وأمتع من النسيم، وأحسن موقعا من الماء ms0118 البارد من العطاش ~~المسهوم. # والريق كذلك ما لم يزايل موضعه، ومتى زايل فم صاحبه إلى بعض جلده اشتد ~~نتنه وعاد في سبيل القيء. # فالريق والجرة في سبيل واحد، كما أن القيء والعذرة في سبيل واحد. ولو أن ~~الكلب قلس حتى يمتلئ منه فمه، ثم رجع فيه من غير مباينة له، لكان في ذلك ~~أحق بالنظافة من الأنعام في جرتها، وحشيها وأهليها، وإن الأرانب لتحيض حيضا ~~نتنا، فما عاف لحمها أصحاب التقذر لمشاركتها الأنعام في الجرة. # فقال صاحب الكلب: أما ما عبتموه من أكل العذرة، فإن ذلك عام في الماشية ~~المتخير لحمها على اللحمان، لأن الإبل والشياه كلها جلالة وهن على يابس ما ~~يخرج من الناس أحرص؛ وعلى أنها إذا تعودت أكل ما قد جف ظاهره وداخله رطب، ~~رجع أمرها إلى ما عليه الكلب. ثم الدجاج لا ترضى بالعذرة، وبما يبقى من ~~الحبوب التي لم يأت عليها الاستمراء والهضم، حتى تلتمس الديدان التي فيها، ~~فتجمع نوعين من العذرة لأنها إذا أكلت ديدان العذرة فقد أتت على النوعين ~~جميعا. ولذلك قال عبد الرحمن بن الحكم في هجائه الأنصار بخبيث الطعام، فضرب ~~المثل بالدجاج من بين جميع الحيوان، وترك ذكر الكلاب وهي له معرضة فقال: ~~[من الوافر] # وللأنصار آكل في قراها ... لخبث الأطعمات من الدجاج # PageV01P152 # ولو قال: [من الوافر] # وللأنصار آكل في قراها ... لخبث الأطعمات من الكلاب # لكان الشعر صحيحا مرضيا. # وعلى أن الكلاب متى شبعت، لم تعرض للعذرة. والأنعام الجلالة وكذلك ~~الحافر، قد جعلت ذلك كالحمض إذا كانت لها خلة؛ فهي مرة تتغذى به ومرة ~~تتحمض. وقد جاء في لحوم الجلالة ما جاء. ### || 181- [رغبة الملوك والأشراف في الدجاج] # وملوكنا وأهل العيش منا، لا يرغبون في شيء من اللحمان رغبتهم في الدجاج، ~~وهم يقدمونها على البط والنواهض، والقبج والدراج. نعم وعلى الجداء والأعنق ~~الحمر من بنات الصفايا. وهم يعرفون طبعها وسوء قوتها، وهم مع ذلك يأكلون ~~الرواعي كما يأكلون المسمنات. ### || 182- [الشبوط أجود السمك] # وأطيب ما في الأنهار من السمك، وأحسنها قدودا وخرطا، وأسبطها ms0119 سبوطا، ~~وأرفعها ثمنا وأكثرها تصرفا في المالح والطري، وفي القريس «1» والنشوط «2» ~~الشبوط، وليس في الماء سمكة رفيعة الذكر ولا ذات خمول، إلا وهي أحرص على ~~أكل العذرة منها، وإنها في ذلك لأشد طلبا لها من الخنزير في البر، والجري ~~في البحر. ### || 183- [لحم الخنزير] # وقد علم الناس كيف استطابة أكل لحوم الخنازير، وأكل الخنازير لها، وكيف ~~كانت الأكاسرة والقياصرة يقدمونها ويفضلونها. ولولا التعبد لجرى عندنا ~~مجراه عند غيرنا. # وقد علم الناس كيف استطابة أكل الجري لأذنابها. ### || 184- [ما قیل فی الجري] # وفي الجري قال أبو كلدة: هو أدم العميان، وجيد في الكوشان «3» ودواء # PageV01P153 # للكليتين، وصالح لوجع الظهر وعجب الذنب، وخلاف على اليهود، وغيظ على ~~الروافض؛ وفي أكله إحياء لبعض السنن، وإماتة بعض البدع، ولم يفلج عليه مكثر ~~منه قط، وهو محنة بين المبتدع والسني، هلك فيه فئتان مذ كانت الدنيا: محلل ~~ومحرم. # وقال أبو إسحاق: هو قبيح المنظر، عاري الجلد، ناقص الدماغ، يلتهم العذرة ~~ويأكل الجرذان صحاحا والفأر، وزهم لا يستطاع أكله إلا محسيا ولا يتصرف تصرف ~~السمك، وقد وقع عليه اسم المسخ، لا يطيب مملوحا ولا ممقورا، ولا يؤكل ~~كبابا، ولا يختار مطبوخا، ويرمى كله إلا ذنبه. # والأصناف التي تعرض للعذرة كثيرة، وقد ذكرنا الجلالات من الأنعام والجري ~~والشبوط من السمك. ويعرض لها من الطير الدجاج والرخم والهداهد. ### || 185- [الأنوق وما سمي بهذا الاسم] # وقد بلغ من شهوة الرخمة لذلك، أن سموها الأنوق، حتى سموا كل شيء من ~~الحيوان يعرض للعذرة بأنوق، وهو قول الشاعر: [من الرجز] # حتى إذا أضحى تدرى واكتحل ... لجارتيه ثم ولى فنثل # رزق الأنوقين القرنبى # والجعل ### || 186- [ما قيل من الشعر في الجعل] # ولشدة طلب الجعل لذلك قال الشاعر: [من البسيط] # يبيت في مجلس الأقوام يربؤهم ... كأنه شرطي بات في حرس # وكذلك قال الآخر: [من الرجز] # إذا أتوه بطعام وأكل ... بات يعشي وحده ألفي جعل # هذا البيت يدل على عظم مقدار النجو، فهجاه بذلك، وعلى أن الجعل يقتات ~~البراز. # وفي مثل ذلك يقول ابن عبدل- إن كان قاله- وإنما قلت هذا ms0120 لأن الشعر يرتفع ~~عنه. والشعر قوله: [من الخفيف] # نعم جار الخنزيرة المرضع الغر ... ثى إذا ما غدا أبو كلثوم «1» # PageV01P154 # ثاويا قد أصاب عند صديق ... من ثريد ملبق مأدوم # ثم أنحى بجعره حاجب الشم ... س فألقى كالمعلف المهدوم «1» # بضريط ترى الخنازير منه ... عامدات لتله المركوم # وقال الراجز في مثل ذلك: [من الرجز] # قد دقه ثارده وصومعا «2» ... ثمت ألبان البخاتي جعجعا # جعجعة العود ابتغى أن ينجعا ... ثمت خوى باركا واسترجعا # عن جاثم يحسب كلبا أبقعا # وفي طلب الجعل للزبل قال الراجز (وهو أبو الغصن الأسدي) : [من الرجز] # ماذا تلاقي طلحات الحرجه ... من كل ذات بخنق غملجه # ظل لها بين الحلال أرجه ... من الضراط والفساء السمجه # فجئتها قاعدة منشجه ... تعطيه عنها جعلا مدحرجه # وقال يحيى الأغر: تقول العرب «سدك به جعله» «3» . وقال الشاعر: [من ~~البسيط] # إذا أتيت سليمى شب لي جعل ... إن الشقي الذي يغرى به الجعل «4» # يضرب هذا المثل للرجل إذا لصق به من يكره، وإذا كان لا يزال يراه وهو ~~يهرب منه. # قال يحيى: وكان أصله ملازمة الجعل لمن بات في الصحراء، فكلما قام لحاجة ~~تبعه؛ لأنه عنده أنه يريد الغائط. ### || 187- [القرنبى] # وفي القرنبى يقول ابن مقبل: [من الطويل] # ولا أطرق الجارات بالليل قابعا ... قبوع القرنبى أخلفته مجاعره «5» # PageV01P155 # والقبوع: الاجتماع والتقبض. والقرنبى: دويبة فوق الخنفساء ودون الجعل، ~~وهو والجعل يتبعان الرجل إلى الغائط. ### || 188- [الهدد و خبث ريح] # ومن الطير الذي يضارع الرخمة في ذلك الهدهد، منتن البدن وإن لم تجده ~~ملطخا بشيء من العذرة؛ لأنه يبني بيته ويصنع أفحوصه من الزبل، وليس اقتياته ~~منه إلا على قدر رغبته وحاجته في ألا يتخذ بيتا ولا أفحوصا إلا منه، فخامره ~~ذلك النتن فعلق ببدنه وجرى في أعراق أبويه؛ إذ كان هذا الصنيع عاما في ~~جنسه. # وتعتري هذه الشهوة الذبان، حتى إنها لو رأت عسلا وقذرا، لكانت إلى القذر ~~أسرع. وقال الشاعر: [من الطويل] # قفا خلف وجه قد أطيل كأنه ... قفا مالك يقصي الهموم على بثق «1» # وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... وأبخل من ms0121 كلب عقور على عرق «2» # ويزعمون أن الزنبور لهج بصيد الذبان، ولا يكاد يصيده إلا وهو ساقط على ~~عذرة لفرط شهوته لها ولاستفراغها، فيعرف الزنبور ذلك، فيجعل غفلته فرصة ~~ونهزة. # قالوا: وإنما قلنا ذلك لأنا لم نجده يروم صيده وهو ساقط على ثمرة، فما ~~دونها في الحلاوة. ### || 189- [شعر في الهجاء] # وقال أبو الشمقمق في ذلك: [من الخفيف] # الطريق الطريق جاءكم الأح ... مق رأس الأنتان والقذره «3» # وابن عم الحمار في صورة الفي ... ل وخال الجاموس والبقرة # يمشي رويدا يريد حلقتكم ... كمشي خنزيرة إلى عذره # وقال حماد عجرد في بشار بن برد العقيلي: [من السريع] # ما صور الله شبها له ... من كل من من خلقه صورا «4» # PageV01P156 # أشبه بالخنزير وجها ولا ... بالكلب أعراقا ولا مكسرا «1» # ولا رأينا أحدا مثله ... أنجس أو أطفس أو أقذرا «2» # لو طليت جلدته عنبرا ... لنتنت جلدته العنبرا # أو طليت مسكا ذكيا إذن ... تحول المسك عليه خرا # وقال أبو نواس في هجاء جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي: [من المتقارب] # إذا ما مدحت فتى من خرا ... أليس جزائي أن اعطى الخرا # وقال أعرابي يهجو رجلا يقال له جلمود بن أوس، كان منتن العرق: [من الرجز] # إني إذا ما عارضي تألقا ... ورعدت حافته وبرقا # أهلكت جلمود بن أوس غرقا ... كان لحمقاء فصار أحمقا # أخبث شيء عرقا وخرقا # وقال حماد عجرد في بشار: [من الخفيف] # يا ابن برد اخسأ إليك فمثل ال ... كلب في الخلق أنت لا الإنسان «3» # بل لعمري لأنت شر من الكل ... ب وأولى منه بكل هوان # ولريح الخنزير أطيب من ري ... حك يا ابن الطيان ذي التبان # وقال بعض الشعراء في عبد الله بن عمير: [من الطويل] # غزا ابن عمير غزوة تركت له ... ثناء كريح الجورب المتخرق «4» ### || [أخبث شی عرقا و خرقا] # وقال حماد عجرد في بشار: [من السريع] # قل لشقي الجد في رمسه ... ومن يفر الناس من رجسه «5» # للقرد بشار بن برد ولا ... تحفل برغم القرد أو تعسه # للقرد بالليث اغترار به ... فما الذي أدناك من مسه # يا ابن ms0122 استها فاصبر على ضغمة ... بنابه يا قرد أو ضرسه # PageV01P157 # نهاره أخبث من ليله ... ويومه أخبث من أمسه # وليس بالمقلع عن غيه ... حتى يدلى القرد في رمسه # ما خلق الله شبيها له ... من جنه طرا ومن إنسه # والله ما الخنزير في نتنه ... من ربعه بالعشر أو خمسه # بل ريحه أطيب من ريحه ... ومسه ألين من مسه # ووجهه أحسن من وجهه ... ونفسه أنبل من نفسه # وعوده أكرم من عوده ... وجنسه أكرم من جنسه # وأنا حفظك الله تعالى أستظرف وضعه الخنزير بهذا المكان وفي هذا الموضع، ~~حين يقول: وعوده أكرم من عوده. # وأي عود للخنزير؟! قبحه الله تعالى، وقبح من يشتهي أكله. وقال حماد عجرد ~~في بشار بن برد: [من البسيط] # إن ابن برد رأى رؤيا فأولها ... بلا مشورة إنسان ولا أثر # رأى العمى نعمة لله سابغة ... عليه، إذ كان مكفوفا عن النظر # وقال: لو لم أكن أعمى لكنت كما ... قد كان برد أبي في الضيق والعسر # أكد نفسي بالتطيين مجتهدا ... إما أجيرا وإما غير مؤتجر # أو كنت إن أنا لم أقنع بفعل أبي ... قصاب شاء شقي الجد أو بقر # كإخوتي دائبا أشقى شقاءهم ... في الحر والبرد والإدلاج والبكر # فقد كفاني العمى من كل مكسبة ... والرزق يأتي بأسباب من القدر # فصرت ذا نشب من غير ما طلب ... إلا بمسألتي إذ كنت في صغري # أضم شيئا إلى شيء فأذخره ... مما أجمع من تمر ومن كسر # من كان يعرفني لو لم أكن زمنا ... أو كان يبذل لي شيئا سوى الحجر؟! # فقل له لا هداه الله من رجل ... فإنها عرة تربي على العرر # لقد فطنت إلى شيء تعيش به ... يا ابن الخبيثة قد أدققت في النظر # يا ابن التي نشزت عن شيخ صبيتها ... لأير ثوبان ذي الهامات والعجر # أما يكفك عن شتمي ومنقصتي ... ما في حرامك من نتن ومن دفر # نفتك عنها عقيل وهي صادقة ... فسل أسيدا وسل عنها أبا زفر # يا عبد أم الظباء المستطب بها ... من اللوى، لست مولى الغر من مضر # PageV01P158 # بل أنت ms0123 كالكلب ذلا أو أذل وفي ... نذالة النفس كالخنزير واليعر «1» # وأنت كالقرد في تشويه منظره ... بل صورة القرد أبهى منك في الصور # ووصف ابن أبي كريمة حشا له، كان هو وأصحابه يتأذون بريحه فقال: [من ~~البسيط] # ولي كنيف بحمد الله يطرقني ... أرواح وادي خبال غير فتار # له بدائع نتن ليس يعرفها ... من البرية إلا خازن النار # إذا أتانى دخيل زادني بدعا ... كأنه لهج عمدا بإضراري # قد اجتواني له الخلان كلهم ... وباع مسكنه من قربه جاري # فمن أراد من البرسام أقتله ... أو الصداع فمره يدخلن داري # استكثف النتن في أنفي لكثرته ... فليس يوجدنيه غير إضماري «2» ### || [ثروة المحلول من الشعر] # وقيل للمحلول: ويلك، ما حفظت بيت شعر قط؟ فقال: بيتا واحدا اشتهيته ~~فحفظته. فقيل له: فهاته. قال: أما إني لا أحفظ إلا بيتا واحدا. قيل: فكيف ~~رزق منك هذا البيت؟ فأنشده، فأنشدهم: [من السريع] # كأنما نكهتها مدة ... تسيل من مخطة مجذوم ### || 190- [نتن إبط الإنسان] # وزعم أصحابنا أن رجلا من بني سعد- وكان أنتن الناس إبطا- بلغه أن ناسا من ~~عبد القيس يتحدونه برجل منهم، فمضى إليهم شدا، فوافاهم وقد أزبد إبطاه، وهو ~~يقول: [من الرجز] # أقلت من جلهة ناعتينا ... بذي حطاط يعطس المخنونا «3» # يزوي له من نتنه الجبينا ... حتى ترى لوجهه غضونا # نبئت عبد القيس يأبطونا # قال: ومتح أعرابي على بئر وهو يقول: [من الرجز] # يا ريها إذا بدا صناني ... كأنني جاني عبيثران «4» # PageV01P159 # وقال آخر: [من الرجز] # كأن إبطي وقد طال المدى ... نفحة خرء من كواميخ القرى «1» # ويقال إنه ليس في الأرض رائحة أنتن، ولا أشد على النفس، من بخر فم أو نتن ~~حر، ولا في الأرض رائحة أعصم لروح من رائحة التفاح. ### || 191- [فوائد العذرة] # وقال صاحب الكلب: فما نرى الناس يعافون تسميد بقولهم قبل نجومها وتفتق ~~بزورها ولا بعد انتشار ورقها وظهور موضع اللب منها حتى ربما ذروا عليها ~~السماد ذرا، ثم يرسل عليها الماء حتى يشرب اللب قوى العذرة، بل من لهم ~~بالعذرة؟! وعلى أنهم ما يصيبونها إلا مغشوشة مفسدة. وكذلك صنيعهم في ms0124 ~~الريحان. فأما النخل فلو استطاعوا أن يطلوا بها الأجذاع طليا لفعلوا. وإنهم ~~ليوقدون بها الحمامات وأتاتين الملال «2» ، وتنانير الخبز. ومن أكرم سمادهم ~~الأبعار كلها والأخثاء «3» إذا جفت. وما بين الثلط «4» جافا والخثاء يابسا، ~~وبين العذرة جافة ويابسة فرق. وعلى أنهم يعالجون بالعذرة وبخرء الكلب، من ~~الذبحة والخانوق «5» في أقصى مواضع التقزز وهو أقصى الحلق، ومواضع اللهاة، ~~ويضعونها على مواضع الشوكة، ويعالجون بها عيون الدواب. ### || 192- [أقوال لمسبح الكناس] # وقال مسبح الكناس: إنما اشتق الخير من الخرء. والخرء في النوم خير. وسلحة ~~مدركة ألذ من كوم العروس ليلة العرس. ولقد دخلت على بعض الملوك لبعض ~~الأسباب، وإذا به قعاص «6» وزكام وثقل رأس، وإذا ذلك قد طاوله، وقد كان ~~بلغني أنه كان هجر الجلوس على المقعدة وإتيان الخلاء، فأمرته بالعود إلى ~~عادته، فما مرت به أيام حتى ذهب ذلك عنه. # وزعم أن الدنيا منتنة الحيطان والتربة، والأنهار والأودية، إلا أن الناس ~~قد # PageV01P160 # غمرهم ذلك النتن المحيط بهم، وقد محق حسهم له طول مكثه في خياشيمهم. # قال: فمن ارتاب بخبري، فليقف في الرد إلى أن يمتحن ذلك في أول ما يخرج ~~إلى الدنيا، عن بيت مطيب؛ وليتشمم تشمم المتشبث. على أن البقاع تتفاوت في ~~النتن. فهذا قول مسبح الكناس. ### || 193- [عصبية سلمويه و ابن ما سويه] # وزعم لي سلمويه وابن ماسويه متطببا الخلفاء، أنه ليس على الأرض جيفة أنتن ~~نتنا ولا أثقب ثقوبا من جيفة بعير، فظننت أن الذي وهمهما ذلك عصبيتهما ~~عليه، وبغضهما لأربابه، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله، هو ~~المذكور في الكتب براكب البعير. # ويقال إن الحجاج قال لهم: أي الجيف أنتن؟ فقيل: جيف الكلاب. فامتحنت فقيل ~~له: أنتن منها جيف السنانير، وأنتن جيفها الذكور منها. فصلب ابن الزبير بين ~~جيفتي سنورين ذكرين «1» . ### || 194- [أطيب الأشياء رائحة وأخبثها] # وأنا أقول في النتن والطيب شيئا، لعلك إن تفقدته أن توافقني عليه وترضى ~~قولي. أما النتن فإني لم أشم شيئا أنتن من ريح حش مقير، يبول فيه الخصيان ~~ولا يصب عليه الماء؛ فإن ms0125 لأبوالهم المترادفة المتراكبة ولريح القار وريح ~~هواء الحش وما ينفصل إليه من ريح البالوعة- جهة من النتن ومذهبا في ~~المكروه، ليس بينه وبين الأبدان عمل، وإنما يقصد إلى عين الروح وصميم ~~القلب، ولا سيما إذا كان الخلاء غير مكشوف، وكان مغموما غير مفتوح. فأما ~~الطيب فإني لم أشمم رائحة قط أحيا للنفس ولا أعصم للروح، ولا أفتق ولا ~~أغنج، ولا أطيب خمرة من ريح عروس، إذا أحكمت تلك الأخلاط، وكان عرف بدنها ~~ورأسها وشعرها سليما. وإن كانت بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنك ~~ستجد ريحا تعلم أنه ليس فوقها إلا ريح الجنة. ### || 195- [ما قيل في الظربان] # ومما قالوا في النتن، وفي ريح جحر الظربان خاصة، قول الحكم بن عبدل: # [من الكامل] # ألقيت نفسك في عروض مشقة ... ولحصد أنفك بالمناجل أهون «2» # PageV01P161 # أنت امرؤ في أرض أمك فلفل ... جم وفلفلنا هناك الدندن «1» # فبحق أمك وهي منك حقيقة ... بالبر واللطف الذي لا يخزن # لا تدن فاك من الأمير ونحه ... حتى يداوي ما بأنفك أهرن # إن كان للظربان جحر منتن ... فلجحر أنفك يا محمد أنتن # وقال الربيع بن أبي الحقيق- وذكر الظربان- حين رمى قوما بأنهم يفسون في ~~مجالسهم، لأن الظربان أنتن خلق الله تعالى فسوة «2» . وقد عرف الظربان ذلك ~~فجعله من أشد سلاحه، كما عرفت الحبارى ما في سلاحها من الآلة، إذا قرب ~~الصقر منها «3» . والظربان يدخل على الضب جحره وفيه حسوله أو بيضه، فيأتي ~~أضيق موضع في الجحر فيسده بيديه، ويحول استه فلا يفسو ثلاث فسوات حتى يدار ~~بالضب فيخر سكران مغشيا عليه، فيأكله، ثم يقيم في جحره حتى يأتي على آخر ~~حسوله. # وتقول العرب: إنه ربما دخل في خلال الهجمة فيفسو، فلا تتم له ثلاث فسوات ~~حتى تتفرق الإبل عن المبرك، تتركه وفيه قردان فلا يردها الراعي، إلا بالجهد ~~الشديد «4» . # فقال الربيع، وهجاهم أيضا بريح التيوس: [من المتقارب] # قليل غناؤهم في الهياج ... إذا ما تنادوا لأمر شديد «5» # وأنتم كلاب لدى دوركم ... تهر هرير العقور الرصود # وأنتم ظرابي إذ تجلسون ... وما إن لنا فيكم ms0126 من نديد # وأنتم تيوس وقد تعرفون ... بريح التيوس وقبح الخدود # قال: ويقال: «أفسى من الظربان» ويسمى مفرق النعم، يريدون من نتن ريح ~~فسائه. ويقال في المثل- إذا وقع بين الرجلين شر فتباينا وتقاطعا-: «فسا ~~بينهما # PageV01P162 # ظربان» . ويقال: «أنتن من ظربان» «1» لأن الضب إنما يخدع في جحره ويوغل ~~في سربه لشدة طلب الظربان له. وقال الفرزدق في ذلك: [من الطويل] # ولو كنت في نار الجحيم لأصبحت ... ظرابي من حمان عني تثيرها «2» # وكان أبو عبيدة يسمي الحماني صاحب الأصم: الظربان، يريد هذا المعنى، كما ~~يسمى كل حماني ظربانا. # وقال ابن عبدل: [من الكامل] # لا تدن فاك من الأمير ونحه ... حتى يداوي ما بأنفك أهرن «3» # إن كان للظربان جحر منتن ... فلجحر أنفك يا محمد أنتن # في شعره الذي يقول: # ليت الأمير أطاعني فشفيته ... من كل من يكفي القصيد ويلحن # متكور يحثو الكلام كأنما ... باتت مناخره بدهن تعرن # وبنى لهم سجنا فكنت أميرهم ... زمنا فأضرب من أشاء وأسجن # قل لابن آكلة العفاص محمد ... إن كنت من حب التقرب تجبن # ألقيت نفسك في عروض مشقة ... ولحصد أنفك بالمناجل أهون # أنت امرؤ في أرض أمك فلفل ... جم وفلفلنا هناك الدندن # فبحق أمك وهي منك حقيقة ... بالبر واللطف الذي لا يخزن # لا تدن فاك من الأمير ونحه ... حتى يداوي ما بأنفك أهرن # إن كان للظربان جحر منتن ... فلجحر أنفك يا محمد أنتن # فسل الأمير غير موفق ... وبنو أبيه للفصاحة معدن # وسل ابن ذكوان تجده عالما ... بسليقة العرب التي لا تحزن # إذ أنت تجعل كل يوم عفصة ... فتجيد ما عملت يداك وتحسن # أشبهت أمك غير باب واحد ... أن قد ختنت وأنها لا تختن # PageV01P163 # فلئن أصبت دراهما فدفنتها ... وفتنت فيها، وابن آدم يفتن # فبما أراك وأنت غير مدرهم ... إذ ذاك تقصف في القيان وتزفن # إذ رأس مالك لعبة بصرية ... بيضاء مغربة عليها السوسن # وقال ابن عبدل أيضا: [من الوافر] # نجوت محمدا ودخان فيه ... كريح الجعر فوق عطين جلد «1» # ركبت إليه في رجل أتاني ... كريم يطلب المعروف عندي # فقلت له ولم ms0127 أعجل عليه، ... وذلك بعد تقريظي وحمدي # فأعرض مكمحا عني كأني ... أكلم صخرة في رأس صمد «2» # أقرب كل آصرة ليدنو ... فما يزداد مني غير بعد # فأقسم غير مستثن يمينا ... أبا بخر لتتخمن ردي # فلو كنت المهذب من تميم ... لخفت ملامتي ورجوت حمدي # نجوت محمدا فوجدت ريحا ... كريح الكلب مات قريب عهد # وقد ألذعتني ثعبان نتن ... سيبلغ إن سلمنا أهل نجد # وأدنى خطمه فوددت أني ... قرنت دونوه مني ببعد # كما افتدت المعاذة من جواه ... بخلعتها ولم ترجع بزند # وفارقها جواه فاستراحت ... وكانت عنده كأسير قد # وقد أدنيت فاه إلي حتى ... قتلت بذاك نفسي غير عمد # وما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند «3» # يذقن حلاوة ويخفن موتا ... زعافا إن هممن له بورد «4» # فلما فاح فوه علي فوحا ... بمثل غثيثة الدبر المغد «5» # فقلت له: تنح بفيك عني ... فما هذا بريح قتار رند «6» # وما هذا بريح طلا ولكن ... يفوح خراك منه غير سرد «7» # PageV01P164 # فحدثني فإن الصدق أدنى ... لباب الحق من كذب وجحد # أبات يجول في عفج طحور ... فأعلم أم أتاك به مغدي «1» # نكهت علي نكهة أخدري ... شتيم أعصل الأنياب ورد # فإن أهديت لي من فيك حتفي ... فإني كالذي أهديت أهدي # لكم شردا يسرن مغنيات ... تكون فنونها من كل فند «2» # أما تخزى خزيت لها إذا ما ... رواها الناس من شيب ومرد # لأرجو إن نجوت ولم يصبني ... جوى إني إذن لسعيد جد # وقلت له: متى استطرفت هذا ... فقال أصابني من جوف مهدي # فقلت له: أما داويت هذا ... فتعذر فيه آمالا بجهد # فقال: أما علمت له رقاء ... فتسديه لنا فيما ستسدي # فقلت له: ولا آلوه عيا ... له فيما أسر له وأبدي # عليك بقيئة وبجعر كلب ... ومثلي ذاك من نون كنعد # وحلتيت وكراث وثوم ... وعودي حرمل ودماغ فهد «3» # وحنجرة ابن آوى وابن عرس ... ووزن شعيرة من بزر فقد «4» # وكف ذرحرح ولسان صقر ... ومثقالين من صوان رقد «5» # يدق ويعجن المنخول منه ... ببول آجن وبجعر قرد # وتدفنه زمانا في شعير ... وترقبه فلا يبدو لبرد # فدخن فاك ما عتقت منه ms0128 ... ولا يعجن بأظفار وند «6» # فإن حضر الشتاء وأنت حي، ... أراك الله غيك أمر رشد # فدحرجها بنادق وازدردها ... متى رمت التكلم أي زرد # فتقذف بالمصل على مصل ... ببلعوم وشدق مسمعد «7» # وويلك ما لبطنك مذ قعدنا ... كأن دويه إرزام رعد # PageV01P165 # فإن لحكة الناسور عندي ... دواء إن صبرت له سيجدي # يميت الدود عنك وتشتهيه ... إن انت سننته سن المقدي «1» # به، وطليته بأصول دفلى ... وشيء من جنى لصف ورند «2» # أظني ميتا من نتن فيه ... أهان الله من ناجاه بعدي ### || 196- [أشعار العرب في هجاء الكلب] # وقال صاحب الديك: سنذكر | أشعار العرب في هجاء الكلب # مجردا على وجهه، ثم نذكر ما ذموا من خلاله وأصناف أعماله، وأمورا من ~~صفاته، ونبدأ بذكر هجائه في الجملة. قال بشار بن برد: [من الطويل] # عددت سويدا إذ فخرت وتولبا ... وللكلب خير من سويد وتولب «3» # وقال بشار أو غيره: [من الطويل] # أتذكر إذ ترعى على الحي شاءهم ... وأنت شريك الكلب في كل مطعم # وتلحس ما في القعب من فضل سؤره ... وقد عاث فيه باليدين وبالفم # وقال ابن الذئبة: [من الرجز] # من يجمع المال ولا يتب به ... ويترك المال لعام جدبه «4» # يهن على الناس هوان كلبه # وقال آخر: [من الطويل] # إن شريبي لا يغب بوجهه ... كلومي كأن كلبا يهارش أكلبا # ولا أقسم الأعطان بيني وبينه ... ولا أتوقاه وإن كان مجربا # وهجا الأحوص ابنا له فشبهه بجرو كلب فقال: [من الرجز] # أقبح به من ولد وأشقح ... مثل جري الكلب لم يفقح «5» # PageV01P166 # إن ير سوءا ما يقم فينبح ... بالباب عند حاجة المستفتح # وقال أبو حزابة: [من السريع] # يا ابن علي برح الخفاء ... أنت لغير طلحة الفداء «1» # قد علم الأشراف والأكفاء ... أنك أنت الناقص اللفاء «2» # حبلق جدعه الرعاء ... يغمه المئزر والرداء «3» # بنو علي كلهم سواء ... كأنهم زينية جراء «4» # وقال عبد بني الحسحاس، وذكر قبح وجهه فقال: [من الطويل] # أتيت نساء الحارثيين غدوة ... بوجه براه الله غير جميل «5» # فشبهنني كلبا ولست بفوقه ... ولا دونه إن كان غير قليل # وقال أبو ذباب السعدي في هوان الكلب: [من ms0129 الوافر] # لكسرى كان أعقل من تميم ... ليالي فر من أرض الضباب «6» # وأسكن أهله ببلاد ريف ... وأشجار وأنهار عذاب # فصار بنو بنيه لها ملوكا ... وصرنا نحن أمثال الكلاب # فلا رحم الإله صدى تميم ... فقد أزرى بنا في كل باب # وأراد اللعين هجاء جرير- وجرير من بني كليب- فاشتق هجاءه من نسبه فقال: ~~[من الوافر] # سأقضي بين كلب بني كليب ... وبين القين قين بني عقال «7» # فإن الكلب مطعمه خبيث ... وإن القين يعمل في سفال # كلا العبدين- قد علمت معد ... لئيم الأصل من عم وخال # PageV01P167 # فما بقيا علي تركتماني ... ولكن خفتما صرد النبال # وقال رجل من همدان، يقال له الضحاك بن سعد، يهجو مروان بن محمد بن مروان ~~بن الحكم، واشتق له اسما من الكلب فجعله كلبا فقال: [من البسيط] # لج الفرار بمروان فقلت له ... عاد الظلوم ظليما همه الهرب «1» # أين الفرار وترك الملك إن قبلت ... منك الهوينى فلا دين ولا أدب # فراشة الحلم فرعون العذاب، وإن ... يطلب نداه فكلب دونه كلب # وقال آخر وجعل الكلب مثلا في اللؤم: [من الطويل] # سرت ما سرت من ليلها ثم عرست ... على رجل بالعرج ألأم من كلب «2» # وكذلك قول الأسود بن المنذر، فإنه قال: [من المتقارب] # فإن امرأ أنتم حوله ... تحفون قبته بالقباب «3» # يهين سراتكم جاهدا ... ويقتلكم مثل قتل الكلاب # وقال سحيمة بن نعيم: [من الطويل] # ألست كليبيا لكلب وكلبة ... لها عند أطناب البيوت هرير # وقال النجراني في ذلك: [من الرجز] # من منزلي قد أخرجتني زوجتي ... تهر في وجهي هرير الكلبة # زوجتها فقيرة من حرفتي ... قلت لها لما أراقت جرتي # أم هلال أبشري بالحسرة ... وأبشري منك بقرب الضرة ### || 197- [الفلحس والأرشم] # ويقال للكلب «فلحس» وهو من صفات الحرص والإلحاح. ويقال: «فلان أسأل من ~~فلحس» «4» . وفلحس: رجل من بني شيبان كان حريصا رغيبا، وملحفا ملحا. وكل ~~طفيلي فهو عندهم فلحس. # PageV01P168 # والأرشم «1» : الكلب والذئب، وقد اشتق منه للإنسان إذا كان يتشمم الطعام ~~ويتبع مواضعه. قال جرير في بعضهم: [من الطويل] # لقى حملته أمه وهي ضيفة ... فجاءت بيتن للضيافة أرشما «2» # وقال جرير في ms0130 استرواح الطعام: [من الكامل] # وبنو الهجيم سخيفة أحلامهم ... ثط اللحى متشابهو الألوان «3» # لو يسمعون بأكلة أو شربة ... بعمان أضحى جمعهم بعمان # متأبطين بنيهم وبناتهم ... صعر الخدود لريح كل دخان # وقال سهم بن حنظلة الغنوي في ذلك: [من المتقارب] # وأما كلاب فمثل الكلا ... ب لا يحسن الكلب إلا هريرا «4» # وأما نمير فمثل البغا ... ل أشبهن آباءهن الحميرا # وأما هلال فعطارة ... تبيع كباء وعطرا كثيرا ### || 198- [بين جرير والراعي] # ومر جرير يوما بالمربد، فوقف عليه الراعي وابنه جندل، فقال له ابنه جندل: ~~إنه قد طال وقوفك على هذا الكلب الكليبي، فإلى متى؟! وضرب بغلته، فمضى ~~الراعي وابنه جندل، فقال جرير: والله لأثقلن رواحلك! فلما أمسى أخذ في ~~هجائه، فلم يأته ما يريد، فلما كان مع الصبح انفتح له القول فقال: [من ~~الوافر] # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا «5» # ولو جعلت فقاح بني نمير ... على خبث الحديد إذا لذابا # PageV01P169 # ثم وقف في موقفه، فلما مر به جندل قبض على عنان فرسه، فأنشده قوله، حتى ~~إذا بلغ إلى هذا البيت: # أجندل ما تقول بنو نمير ... إذا ما الأير في است أبيك غابا # قال: فأدبر وهو يقول: يقولون والله شرا. # وقال الشاعر- وضرب بالكلب المثل في قبح الوجه-: [من الكامل] # سفرت فقلت لها هج فتبرقعت ... فذكرت حين تبرقعت ضبارا «1» # وضبار: اسم كلب له. ### || 199- [أمثال في الكلاب] # وقال كعب الأحبار لرجل وأراد سفرا: إن لكل رفقة كلبا، فلا تكن كلب أصحابك ~~«2» . # وتقول العرب: «أحب أهلي إلي كلبهم الظاعن» «3» . ومن الأمثال «وقع الكلب ~~على الذئب ليأخذ منه مثل ما أخذ» «4» . ومن أمثالهم: «الكلاب على البقر» ~~«5» . # ومن أمثالهم في الشؤم قولهم: «على أهلها دلت براقش» «6» . وبراقش: كلبة ~~قوم نبحت على جيش مروا ليلا وهم لا يشعرون بالحي، فاستباحوهم واستدلوا على ~~مواضعهم بنباحها. # قال الشاعر: [من الوافر] # ألم تر أن سيد آل ثور ... نباتة عضه كلب فماتا ### || 200- [قتيل الكبش وقتيل العنز] # وقال صاحب الكلب: قد يموت الناس بكل شيء، وقد قال عبد الملك بن # PageV01P170 # مروان: ألا تتعجبون ms0131 من الضحاك بن قيس يطلب الخلافة ونطح أباه كبش فوجد ~~ليس به حبض ولا نبض «1» . وقال عرفجة بن شريك يهجو أسلم بن زرعة- ووطئت ~~أباه عنز بالمربد فمات- فقال: [من الطويل] # ولم أستطع إذ بان مني معشري ... مكان قتيل العنز أن أتكلما # فيما ابن قتيل العنز هل أنت ثائر ... بزرعة تيسا في الزريبة أزنما ### || 201- [شعر في الهجاء] # وقال أبو الهول يهجو جعفر بن يحيى: [من السريع] # أصبحت محتاجا إلى الضرب ... في طلب العرف إلى الكلب «2» # قد وقح السب له وجهه ... فصار لا ينحاش للسب # إذا شكا صب إليه الهوى ... قال له مالي وللصب # أعني فتى يطعن في دينه ... يشب معه خشب الصلب # قال: وقلت لأبي عبيدة: أليس بقع الكلاب أمثلها؟ قال: لا. قلت: ولم قال: # [من الوافر] # وخفت هجاءهم لما تواصوا ... كخوف الذئب من بقع الكلاب؟ # قال: ليس هكذا قال، إنما قال: # كخوف الذئب من سود الكلاب # ألا ترى أنه حين أراد الهجاء قال: [من الوافر] # كأنك بالمبارك بعد شهر ... تخوض غموره بقع الكلاب «3» # ويدل على ذلك قول الجدلي: [من الطويل] # لعمري لجو من جواء سويقة ... أسافله ميث وأعلاه أجرع «4» # PageV01P171 # أحب إلينا أن نجاور أهله ... ويصبح منا وهو مرأى ومسمع # من الجوسق الملعون بالري لا يني ... على رأسه داعي المنية يلمع # يقولون لي صبرا فقلت: لطالما ... صبرت ولكن لا أرى الصبر ينفع # فليت عطائي كان قسم بينهم ... وكان لي الصمان والحزن أجمع # وكان لهم أجري هنيئا وأصبحت ... بي البازل الكوماء بالرمل تضبع # أأجعل نفسي عدل علج كأنما ... يموت به كلب إذا مات أبقع # قال: فقد بين كما ترى أن الأبقع شرها. # قال: وقلت: فلم قال الشاعر: [من البسيط] # أرسلت أسدا على بقع الكلاب فقد ... أمسى شريدهم في الأرض فلالا «1» # قال: فكيف يقول ذلك وهو يمدحهم؟ وإذا صغر شأن من هزموا فقد صغر شأن ~~الممدوح. بل إنما قال: «أرسلت أسدا على سود الكلاب» . # قال: وإنما جاء الحديث في قتل سود الكلاب، لأن عقرها أكثر ما تكون سودا، ~~وذلك من غلبة أنفسها. # وليس في ms0132 الأرض حيوان من بقرة وثور وحمار وفرس وكلب وإنسان، إلا والسود ~~أشدها أسرا وعصبا، وأظهرها قوة وصبرا. # وقال أبو سعد المخزومي في هجائه دعبلا: [من الكامل] # يا ثابت بن أبي سعيد إنها ... دول وأحر بها بأن تتنقلا «2» # هلا جعلت لها كحرمة دعبل ... في است أم كلب لا يساوي دعبلا # وقال ابن نوفل: [من الطويل] # وجئت على قصواء تنقل سوءة ... إلينا وكم من سوءة لا تهابها «3» # وتزعم أن لم تخز سلم بن جندل ... وقد خزيت بعد الرجال كلابها # وقال الحسن بن هانئ يهجو جعفر بن يحيى: [من الطويل] # قفا خلف وجه قد أطيل كأنه ... قفا مالك يقضي الهموم على بثق «4» # PageV01P172 # وأعظم زهوا من ذباب على خرا ... وأبخل من كلب عقور على عرق # وقال أبو الشمقمق: [من الخفيف] # أهل جود ونائل وفعال ... غلبوا الناس بالندى والعطية «1» # جئته زائرا فأدنى مكاني ... وتلقى بمرحب وتحيه # لا كمثل الأصم حارثة اللؤ ... م شبيه الكليبة القلطيه # جئته زائرا فأعرض عني ... مثل إعراض قحبة سوسيه # وتولى كأنه أير بغل ... غاب في دبر بغلة مصريه # وقال أيضا: [من الوافر] # ألا قولا لسران المخازي ... ووجه الكلب والتيس الضروط «2» # له بطن يضل الفيل فيه ... ودبر مثل راقود النشوط «3» # وأير عارم لا خير فيه ... كدور سفينة في بثق روط «4» # ولحية حائك من باب قلب ... موصلة الجوانب بالخيوط # له وجه عليه الفقر باد ... مرقعة جوانبه بقوط # إذا نهض الكرام إلى المعالي ... ترى سران يسفل في هبوط # وقال أيضا في ذلك: [من البسيط] # يا رازق الكلب والخنزير في سعة ... والطير والوحش في يهماء دويه «5» # لو شئت صيرته في حال فاقته ... حتى تقر بتلك الحال عينيه # وقال جرير بن عطية، يهجو الصلتان العبدي: [من الطويل] # أقول لها والدمع يغسل كحلها ... متى كان حكم الله في كرب النخل «6» # PageV01P173 # فأجابه الصلتان فقال: [من الطويل] # تعيرنا أن كانت النخل مالنا ... وود أبوك الكلب لو كان ذا نخل # يعيره جرير بأنه كان هو وأبوه من أصحاب النخل. # وقال وضاح اليمن: [من البسيط] # وأكتم السر غضبانا وفي سكري ... حتى ms0133 يكون له وجه ومستمع «1» # وأترك القول عن علم ومقدرة ... حتى يكون لذاك النجد مطلع # لا قوتي قوة الراعي ركائبه ... يبيت يأوي إليه الكلب والربع # ولا العسيف الذي تشتد عقبته ... حتى يثوب وباقي نعله قطع # وقال محمد بن عباد الكاتب مولى بجيلة، وأبوه من سبي دابق وكاتب زهير، ~~وصديق ثمامة، يهجو أبا سعد دعي بني مخزوم، وبعد أن لقى منه ما لقى: [من ~~مجزوء الكامل] # فعلت نزار بك الذي اس ... تأهلته نفيا وضربا «2» # فهجوت قحطانا لأه ... جوهم مكايدة وإربا # وأردت كيما تشتفي ... بهجائهم منهم فتربا # ووثقت أنك ما سبب ... ت، حماك لؤمك أن تسبا # كالكلب إن ينبح فلي ... س جوابه إلا اخس كلبا # خفض عليك وقر مكا ... نك لا تطف شرقا وغربا # واكشف قناع أبيك فال ... آباء ليس تنال غصبا # وقال آخر يصف كلبا: [من الطويل] # ولذ كطعم الصرخدي تركته ... بأرض العدا من خشية الحدثان «3» # ومبد لي الشحناء بيني وبينه ... دعوت وقد طال السرى فدعاني # PageV01P174 # فوصفه كما ترى أنه يبدي له البغضاء. # وقال آخر: [من الطويل] # سرت ما سرت من ليلها ثم عرست ... على رجل بالعرج ألأم من كلب «1» # وقال راشد بن شهاب اليشكري: [من الطويل] # فلست إذا هبت شمال عرية ... بكلب على لحم الجزور ولا برم # وقال كثير بن عبد الرحمن، وهو يصف نعلا من نعال الكرام: [من الطويل] # إذا طرحت لم يطب الكلب ريحها ... وإن وضعت في مجلس القوم شمت «2» # وقال اللعين في بعض أضيافه، يخبر أنه قراه لحم كلب. وقد قال ابن ~~الأعرابي: # إنما وصف تيسا: [من الطويل] # فقلت لعبدي اقتلا داء بطنه ... وأعفاجه اللائي لهن زوائد «3» # فجاءا بخرشاوي شعير عليهما ... كراديس من أوصال أعقد سافد # وقال خليد عينين وهو يهجو جرير بن عطية ويرد عليه: [من الطويل] # وعيرتنا بالنخل أن كان مالنا ... وود أبوك الكلب لو كان ذا نخل # وقال دعبل بن علي: [من المتقارب] # ولو يرزق الناس عن حيلة ... لما نال كفا من التربه # ولو يشرب الماء أهل العفا ... ف لما نال من مائهم شربه # ولكنه ms0134 رزق من رزقه ... يعم به الكلب والكلبه # PageV01P175 ### | باب ذكر من هجي بأكل لحوم الكلاب ولحوم الناس ### || 202- [أكل لحوم الكلاب و ما قيل في ذلك من الشعر] # قال سالم بن دارة الغطفاني: [من الرجز] # يا فقعسي لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرمه «1» # فما أكلت لحمه ولا دمه # وقال الفرزدق في ذلك: [من الطويل] # إذا أسدي جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله «2» # وقال مساور بن هند: [من المتقارب] # إذا أسدية ولدت غلاما ... فبشرها بلؤم في الغلام «3» # يخرسها نساء بني دبير ... بأخبث ما يجدن من الطعام # ترى أضفار أعقد ملقيات ... براثنها على وضم الثمام # فهذا الشعر وما أشبهه يدل على أن اللعين إنما قراهم كلبا ولم يقرهم تيسا، ~~وأن الصواب خلاف ما قال ابن الأعرابي. # وقال مساور بن هند أيضا: [من الطويل] # بني أسد أن تمحل العام فقعس ... فهذا إذن دهر الكلاب وعامها «4» # PageV01P176 # وقال شريح بن أوس يهجو أبا المهوش الأسدي: [من الطويل] # وعيرتنا تمر العراق وبره ... وزادك أير الكلب شيطه الجمر «1» ### || 203- شعر في أكل لحوم الناس] # وقال معروف الدبيري في أكلهم لحوم الناس: [من الوافر] # إذا ما ضفت يوما فقعسيا ... فلا تطعم له أبدا طعاما «2» # فإن اللحم إنسان فدعه ... وخير الزاد ما منع الحراما # وقد هجيت هذيل وأسد وبلعنبر وباهلة بأكل لحوم الناس، قال حسان بن ثابت ~~يذكر هذيلا: [من البسيط] # إن سرك الغدر صرفا لا مزاج له ... فأت الرجيع وسل عن دار لحيان «3» # قوم تواصوا بأكل الجار بينهم ... فالكلب والشاة والإنسان سيان # وقال الشاعر في مثل ذلك في هذيل: [من الطويل] # وأنتم أكلتم شحمة بن مخدم ... زباب فلا يأمنكم أحد بعد «4» # تداعوا له من بين خمس وأربع ... وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد # ورفعتم جردانه لرئيسكم ... معاوية الفلحاء يا لك ما شكد # وقال الشاعر في ذلك في باهلة: [من الرجز] # إن غفاقا أكلته باهله ... تمششوا عظامه وكاهله «5» # وأصبحت أم غفاق ثاكله # وهجا شاعر آخر بلعنبر، وهو يريد ثوب بن شحمة، وكان شريفا وكان يقال له ~~مجير الطير. فأما ms0135 مجير الجراد فهو مدلج بن سويد بن مرشد بن خيبري فعير ~~الشاعر ثوب بن شحمة بأكل الرجل العنبري لحم المرأة إلى أن أتى ثوب من الجبل ~~فقال: # [من الرجز] # عجلتم ما صادكم علاج ... من العنوق ومن النعاج «6» # حتى أكلتم طفلة كالعاج # PageV01P177 # فلما عيره قال ثوب: [من البسيط] # يا بنت عمي ما أدراك ما حسبي ... إذ لا تجن خبيث الزاد أضلاعي «1» # إني لذو مرة تخشى بوادره ... عند الصياح بنصل السيف قراع # ومن ظريف الشعر قول أبي عدنان: [من الطويل] # فما كلبة سوداء تفري بنابها ... عراقا من الموتى مرارا وتكدم # أتيح لها كلب فضنت بعرقها ... فهارشها وهي على العرق تعذم # فقف على هذا الشعر فإنه من أعاجيب الدنيا. # وقال سنيح بن رباح شار الزنجي: [من الكامل] # ما بال كلب بني كليب سبنا ... أن لم يوازن حاجبا وعقالا «2» ### || 204- [قتيل الكلاب] # وتنازع مالك بن مسمع وشقيق بن ثور، فقال له مالك: إنما رفعك قبر بتستر ~~فقال شقيق: حين وضعك قبر بالمشقر، يا ابن قتيل النساء وقتيل الكلاب!!. # قال «3» : وكان يقال لمسمع بن شيبان قتيل الكلاب، # وذلك أنه لجأ في الردة إلى قوم من عبد القيس، فكان كلبهم ينبح عليه فخاف ~~أن يدل على مكانه فقتله فقتل به. ### || 205- [أمثال أخرى في الكلب] # قال: والعرب تقول: «أسرع من لحسة كلب أنفه» «4» . ويقال: «أحرص من لعوة» ~~«5» وهي الكلبة، وجمعها لعاء. وفي المثل: «ألأم من كلب على عرق» «6» ، و ~~«نعم كلب في بؤس أهله» «7» . وفي المثل: «اصنع المعروف ولو مع الكلب» «8» . # PageV01P178 ### || 206- [رؤيا الكلب و تأويلها] # وقال ابن سيرين: الكلب في النوم رجل فاحش، فإن كان أسود فهو عربي، وإن ~~كان أبقع فهو عجمي «1» . # وقال الأصمعي عن حماد بن سلمة عن ابن أخت أبي بلال مرداس بن أدية قال: # رأيت أبا بلال في النوم كلبا تذرف عيناه، وقال: إنا حولنا بعدكم كلابا من ~~كلاب النار. # قال «2» : ولما خرج شمر بن ذي الجوشن الضبابي لقتال الحسين بن علي رضي ~~الله تعالى عنهما، فرأى الحسين فيما يرى النائم أن كلبا أبقع ms0136 يلغ في ~~دمائهم، فأول ذلك أن يقتلهم شمر بن ذي الجوشن. وكان منسلخا برصا. # قال: والمسلمون كلهم يسمون الخوارج: كلاب النار. ### || 207- [شعر في وصف الفرس الناقة و نشاطها] # وقال صاحب الديك: صاحب الكلب يصفه بالسرعة في الحضر، وبالصبر على طول ~~العدو، وبسعة الإهاب، وأنه إذا عدا ضبع وبسط يديه ورجليه حتى يمس قصصه ~~الأرض، وحتى يشرط أذنيه بشبا «3» أظفاره، وأنه لا يحتشي ريحا مع ما يصيب ~~الكلاب من اللهث. فإن كان كما تقولون فلم وصفت الشعراء الفرس وشبهته بضروب ~~من الخلق، وكذلك الأعضاء وغير ذلك من أمره، وتركوا الكلب في المنسأ لا ~~يلتفت أحد لفته؟! وقال أبو دؤاد الإيادي في ذلك: [من الخفيف] # عن لسان كجثة الورل الأح ... مرمج الندى عليه العرار «4» # ولم يذكره في شيء. وقال خالد بن عجرة الكلابي: [من الوافر] # كأن لسانه ورل عليه ... بدار مضية مج العرار «5» # PageV01P179 # وقال امرؤ القيس: [من الطويل] # وخد أسيل كالمسن وبركة ... كجؤجؤ هيق دفه قد تمورا # ولم يذكره في شيء. وقال عقبة بن سابق: [من الهزج] # عريض الخد والجب ... هة والصهوة والجنب «1» # ولم يذكره في شيء. وقال امرؤ القيس: [من الطويل] # وسامعتان تعرف العتق فيهما ... كسامعتي مذعورة وسط ربرب # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عقبة بن سابق: [من الخفيف] # ولها بركة كجؤجؤ هيق ... ولبان مضرج بالخضاب # ولم يذكره في شيء. وقال خفاف بن ندبة: [من السريع] # عبل الذراعين سليم الشظا ... كالسيد يوم القرة الصارد «2» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس: [من الطويل] # سليم الشظا عبل الشوى شنج النسا ... أقب كتيس الحلب الغذوان «3» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عقبة بن سابق: [من الهزج] # وأرساغ كأعناق ... ظباء أربع غلب «4» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الجعدي: [من المتقارب] # كأن تماثيل أرساغه ... رقاب وعول لدى مشرب «5» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس: [من المتقارب] # لها متنتان خظاتا كما ... أكب على ساعديه النمر «6» # PageV01P180 # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال أبو دؤاد: [من مجزوء ms0137 الكامل] # يمشي كمشي نعامتين ... تتابعان أشق شاخص «1» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ابن الصعق: [من مجزوء الكامل] # بمحنب مثل العقا ... ب تخاله للضمر قدحا «2» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ربيعة بن جشم النمري، ويروى لامرئ القيس: ~~[من المتقارب] # وساقان كعباهما أصمعا ... ن لحم حماتيهما منبتر «3» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري: [من ~~المتقارب] # كأن حماتيهما أرنبان ... تقبضتا خيفة الأجدل «4» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال خالد بن عبد الرحمن في مثل ذلك: [من ~~الوافر] # كأن حماتها كردوس فحل ... مقلصة على ساقي ظليم «5» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الأعشى: [من الكامل] # أما إذا استقبلته فكأنه ... جذع سما فوق النخيل مشذب «6» # وإذا تصفحه الفوارس معرضا ... فتقول سرحان الغضا المتصوب # أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق يقمصها وظيف أحدب # منه وجاعرة كأن حماتها ... لما كشفت الجل عنه أرنب # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال الأسعر الجعفي: [من الكامل] # أما إذا استقبلته فكأنه ... باز يكفكف أن يطير وقد رأى «7» # PageV01P181 # أما إذا استعرضته متمطرا ... فتقول هذا مثل سرحان الغضا # أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق قموص الوقع عارية النسا # ولم يذكره في شيء. وقال أبو داؤد: [من الكامل] # كالسيد ما استقبلته وإذا ... ولى تقول ململم ضرب «1» # لأم إذا استعرضته ومشى ... متتابعا ما خانه عقب # يمشي كمشي نعامة تبعت ... أخرى إذا هي راعها خطب # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال امرؤ القيس: [من الطويل] # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل «2» # ولم يذكره في شيء من ذلك. وقال ابن سنان العبدي: [من الكامل] # أما إذا ما أقبلت فمطارة ... كالجذع شذبه نفي المنجل # أما إذا ما أعرضت فنبيلة ... ضخم مكان حزامها والمركل # أما إذا تشتد فهي نعامة ... تنفي سنابكها صلاب الجندل ### || 208- [قول أبي عبيدة في تشبيه الفرس بضروب من الحيوان] # قال أبو عبيدة: ومما يشبه خلقه من خلق النعامة طول وظيفها وقصر ساقيها ~~وعري نسييها. ومما يشبه من خلقه خلق ms0138 الأرنب صغر كعبيها. ومما يشبه من خلقه ~~خلق الحمار الوحشي غلظ لحمه، وظمأ فصوصه وسراته، وتمحص عصبه، وتمكن أرساغه، ~~وعرض صهوته. # قال صاحب الكلب: قد قال أبو عبيدة: إن مما يشبه من خلقه خلق الكلب هرت ~~شدقه، وطول لسانه، وكثرة ريقه، وانحدار قصه «3» ، وسبوغ ضلوعه، وطول ~~ذراعيه، ورحب جلده، ولحوق بطنه. وقال طفيل الغنوي، يصف الخيل: [من الطويل] # تباري مراخيها الزجاج كأنها ... ضراء أحست نبأة من مكلب «4» # PageV01P182 # وقال طفيل أيضا: [من الطويل] # كأن على أعطافه ثوب مائح ... وإن يلق كلب بين لحييه يذهب «1» # وقال صاحب الديك: وأين يقع البيت والبيتان والثلاثة، من جميع أشعار ~~العرب؟! وقال صاحب الكلب: لعلنا إن تتبعنا ذلك وجدناه كثيرا، ولكنك تقدمت ~~في أمر ولم تشعر بالذي تعني، فنلتقط من الجميع أكثر مما التقطت. والإنسان ~~شريف الأعضاء وقد تشبه مواضع منه مواضع من الفرس العتيق. وما حضرنا من ~~الأشعار إلا قوله: [من مجزوء الكامل] # وترى الكميت أمامه ... وكأنه رجل مغاضب # وقال الشاعر في ذلك: [من الكامل] # خوص تراح إلى الصراخ إذا غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب «2» # وقد شبهوا بالكلب كل شيء وكان اسم فرس عامر بن الطفيل، الكلب، والمزنوق، ~~والورد. ### || 209- [شعر في وصف الناقة] # قال صاحب الديك: قد قال أوس بن حجر، ووصف الناقة ونشاطها والذي يهيجها ~~فقال: [من البسيط] # كأن هرا جنيبا عند مغرضها ... والتف ديك برجليها وخنزير «3» # فهلا قال: والتف كلب كما قال: والتف ديك!! وقال أبو حية «4» : [من ~~الكامل] # وتزاورت عنه كأن بدفها ... هرا ينشب ضبعها بالأظفر # وقال الأعشى: [من الكامل] # بجلالة سرح كأن بدفها ... هرا إذا انتعل المطي ظلالها «5» # PageV01P183 # وقال عنترة بن شداد العبسي: [من الكامل] # وكأنما ينأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مؤوم «1» # هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم # وقال المثقب العبدي: [من الوافر] # فسل الهم عنك بذات لوث ... عذافرة كمطرقة القيون «2» # بصادقة الوجيف كأن هرا ... يباريها ويأخذ بالوضين # قال صاحب الكلب: إنما يذكرون في هذا الباب السباع المنعوتة بالمخالب وطول ~~الأظفار، كما ذكر الهر وابن ms0139 آوى. والكلب ليس يوصف بالمخالب، وليس أن الهر ~~أقوى منه. ألا ترى أوس بن حجر قال في ذلك: [من البسيط] # كأن هرا جنيبا عند مغرضها «3» # فذكر الموضع الذي يوصف بالخلب والخدش والخمش والتظفير، فلما أراد أن ~~يفزعها ويثورها حتى تذهب جافلة في وجهها، أو نادة، أو كأنها مجنونة من حاق ~~المرح والنشاط قال: [من البسيط] # والتف ديك برجليها وخنزير «4» # وقال أبو النجم: [من الرجز] # لو جر شن وسطها لم تحفل ... من شهوة الماء ورز معضل «5» # ولو قال أوس: # والتف شن برجليها وخنزير # لكان جائزا، لولا يبس الشن وقحوله، وأنه ليس مما يلتوي على رجليها. وقال ~~آخر: [من الطويل] # كأن ابن آوى موثق تحت غرزها ... إذا هو لم يكلم بنابيه ظفرا # PageV01P184 ### || 210- [الرجوع في الهبة] # وقال صاحب الديك: حديث عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمر وعبد الله ابن ~~عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يحل لرجل أن يعطي عطية ~~ويرجع فيها، إلا الوالد فيما يعطي ولده. ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع ~~فيها كمثل الكلب يأكل، حتى إذا شبع قاء ثم عاد في قيئه» «1» . # وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرجع في ~~هبته إلا الوالد من ولده. والعائد في هبته كالعائد في قيئه» . # وعن جعفر بن محمد عن أبيه عن عبد الله بن جعفر، أن أبا بكر أمر بقتل ~~الكلب. قال عبد الله بن جعفر: وكانت أمي تحت أبي بكر، وكان جرو لي تحت ~~سريره فقلت له: يا أبت، وكلبي أيضا؟ فقال: لا تقتلوا كلب ابني، ثم أشار ~~بإصبعه إلى الكلب- أي خذوه من تحت السرير- وأنا لا أدري، فقتل. # وإسماعيل بن أمية قال: أمتان من الجن مسختا، وهما الكلاب والحيات. # ابن المبارك قال: إذا عرف الرجل قدر نفسه صار عند نفسه أذل من الكلب. ### || 211- [لؤم الكلب] # قال صاحب الديك- وذكر الكلب فقال-: من لؤمه أنه إذا أسمنته أكلك «2» ، ~~وإن أجعته أنكرك. ومن لؤمه اتباعه لمن أهانه، وإلفه لمن أجاعه؛ لأنه ms0140 أجهل ~~من أن يأنس بما يؤنس به وأشره وأنهم وأحرص وألج من أن يذهب بمطمعته ما يذهب ~~بمطامع السباع. # ومن جهله أيضا أنا لم نجده يحرس المحسنين إليه بنباحه، وأربابه الذين ~~ربوه وتبنوه إلا كحراسته لمن عرفه ساعة واحدة، بل لمن أذله وأجاعه وأعطشه. # بل ليس ذلك منه حراسة، وإنما هو فيه من فضل البذاء أو الفحش، وشدة التحرش ~~والتسرع. وقد قال الشاعر في ذلك: [من الرجز] # إذا تخازرت وما بي من خزر ... ثم كسرت العين من غير عور «3» # PageV01P185 # أبذى إذا بوذيت من كلب ذكر ... أسود قزاح يعوي في السحر # وإنما ذلك شكل من شكل الجبن، وكالذي يعتري نساء السفلة من الصخب. ### || 212- [جبن الكلب] # والكلب جبان وفيه جرأة ولؤم. ولو كان شجاعا وفيه بعض التهيب كان أمثل. # ومن فرط الجبن أنه يفزع من كل شيء وينبحه. # والبرذون ربما رمح البرذون مبتدئا، وقلق وصهل صهيلا في اختلاط، وليس ذلك ~~من فضل قوة يجدها في نفسه على المرموح، ولكنه يكون جبانا، فإذا رأى البرذون ~~الذي يظن أنه يعجز عنه أراه الجبن أنه واقع به، فعندها يقلق وإذا قلق رمح. # وهذه العلة تعرض للمجنون؛ فإن المجنون الذي تستولي عليه السوداء، ربما ~~وثب على من لا يعرفه. وليس ذلك إلا لأن المرة أو همته أنه يريده بسوء، وأن ~~الرأي أن يبدأه بالضرب. وعلى مثل ذلك يرمي بنفسه في الماء والنار. ### || 213- [مما حدث للنظام] # فأما الذي شهدت أنا من أبي إسحاق بن سيار النظام، فإنا خرجنا ليلة في بعض ~~طرقات الأبلة، وتقدمته شيئا، وألح عليه كلب من شكل كلاب الرعاء، وكره أن ~~يعدو فيغريه ويضريه «1» ، وأنف أيضا من ذلك- وكان أنفا شديد الشكيمة أباء ~~للهضيمة- وكره أن يجلس مخافة أن يشغر عليه أو لعله أن يعضه فيهرت ثوبه، ~~وألح عليه فلم ينله بسوء. فلما جزنا حده وتخلصنا منه، قال إبراهيم في كلام ~~له كثير، يعدد خصاله المذمومة، فكان آخر كلامه أن قال: إن كنت سبع فاذهب مع ~~السباع، وعليك بالبراري والغياض، وإن كنت بهيمة فاسكت عنا سكوت ms0141 البهائم! ~~ولا تنكر قولي وحياتي عنه بقول ملحون. من قولي: «إن كنت سبع» ولم أقل «إن ~~كنت سبعا» ! ### || 214- [ افسادالإعراب والنوادر المولدين] # وأنا أقول: إن الإعراب يفسد نوادر المولدين، كما أن اللحن يفسد كلام ~~الأعراب «2» ؛ لأن سامع ذلك الكلام إنما أعجبته تلك الصورة وذلك المخرج، ~~وتلك # PageV01P186 # اللغة وتلك العادة؛ فإذا دخلت على هذا الأمر- الذي إنما أضحك بسخفه وبعض ~~كلام العجمية التي فيه- حروف الإعراب والتحقيق والتثقيل وحولته إلى صورة ~~ألفاظ الأعراب الفصحاء، وأهل المروءة والنجابة انقلب المعنى مع انقلاب ~~نظمه، وتبدلت صورته. ### || [عود إلى الحديث عن الكلب] # ثم قال أبو إسحاق: إن أطعمه اللص بالنهار كسرة خبز خلاه، ودار حوله ليلا. # فهو في هذا الوجه مرتش وآكل سحت «1» ؛ وهو مع ذلك أسمج الخلق صوتا، وأحمق ~~الخلق يقظة ونوما، وينام النهار كله على نفس الجادة، وعلى مدق الحوافر، وفي ~~كل سوق وملتقى طريق، وعلى سبيل الحمولة وقد سهر الليل كله بالصياح والصخب، ~~والنصب والتعب، والغيظ والغضب، وبالمجيء والذهاب، فيركبه من حب النوم على ~~حسب حاجته إليه، فإن وطئته دابة فأسوأ الخلق جزعا وألأمه لؤما، وأكثره ~~نباحا وعواء، فإن سلم ولم تطأه دابة ولا وطئه إنسان، فليست تتم له السلامة؛ ~~لأنه في حال متوقع للبلية. ومتوقع البلية في بلية. فإن لم يسلم فليس على ~~ظهرها مبتلى أسوأ حالا منه؛ لأنه أسوؤهم جزعا، وأقلهم صبرا، ولأنه الجاني ~~ذلك على نفسه، وقد كانت الطرق الخالية له معرضة، وأصول الحيطان مباحة. # وبعد فإن كل خلق فارق أخلاق الناس فإنه مذموم. والناس ينامون بالليل الذي ~~جعله الله تعالى سكنا، وينتشرون بالنهار الذي جعله الله تعالى لحاجات الناس ~~مسرحا. # قال صاحب الكلب: لو شئنا أن نقول: إن سهره بالليل ونومه بالنهار خصلة ~~ملوكية لقلنا، ولو كان خلاف ذلك ألذ لكانت الملوك بذلك أولى. وأما الذي ~~أشرتم به من النوم في الطرق الخالية، وعبتموه به من نومه على شارعات الطرق ~~والسكك العامرة وفي الأسواق الجامعة، فكل امرئ أعلم بشأنه. ولولا أن الكلب ~~يعلم ما يلقى من الأحداث والسفهاء وصبيان الكتاب، ms0142 من رض عظامه بألواحهم إذا ~~وجدوه نائما في طريق خال ليس بحضرته رجال يهابون، ومشيخة يرحمون ويزجرون ~~السفهاء، وأن ذلك لا يعتريه في مجامع الأسواق- لقل خلافه عليك، ولما رقد في ~~الأسواق. وعلى أن هذا الخلق إنما يعتري كلاب الحراس، وهي التي في الأسواق ~~مأواها ومنازلها. # PageV01P187 # وبعد فمن أخطأ وأظلم ممن يكلف السباع أخلاق الناس وعادات البهائم!! وقد ~~علمنا أن سباع الأرض عن آخرها إنما تهيج وتسرح وتلتمس المعيشة وتتلاقى على ~~السفاد والعظال ليلا؛ لأنها تبصر بالليل. ### || 215- [سبب اختيار الليل للنوم] # وإنما نام الناس بالليل عن حوائجهم، لأن التمييز والتفصيل والتبين لا ~~يمكنهم إلا نهارا، وليس للمتعب المتحرك بد من سكون يكون جماما له. ولولا ~~صرفهم التماس الجمام إلى الوقت الذي لو لم يناموا فيه والوقت مانع من ~~التمييز والتبين، لكانت الطبائع تنتقض. فجعلوا النوم بالليل لضربين: أحدهما ~~لأن الليل إذ كان من طبعه البرد والركود والخثورة، كان ذلك أنزع إلى النوم ~~وما دعا إليه، لأنه من شكله. # وأما الوجه الآخر فلأن الليل موحش مخوف الجوانب من الهوام والسباع، ولأن ~~الأشياء المبتاعة والحاجات إلى تمييز الدنانير، والدراهم، والحبوب، ~~والبزور، والجواهر، وأخلاط العطر، والبربهار «1» وما لا يحصى عدده، فقادتهم ~~طبائعهم وساقتهم غرائزهم إلى وضع النوم في موضعه، والانتشار والتصرف في ~~موضعه على ما قدر الله تعالى من ذلك وأحبه. وأما السباع فإنها تتصرف وتبصر ~~بالليل، ولها أيضا علل أخرى يطول ذكرها. ### || 216- [نوم الملوك] # وأما ما ذكرتموه من نوم الملوك # بالنهار وسهرهم بالليل، فإن الملوك لم تجهل فضل النوم بالليل والحركة ~~بالنهار، ولكن الملوك لكثرة أشغالها فضلت حوائجها عن مقدار النهار ولم يتسع ~~لها، فلما استعانت بالليل ولم يكن لها بد من الخلوة بالتدبير المكتوم والسر ~~المخزون، وجمعت المقدار الفاضل عن اتساع النهار إلى المقدار الذي لا بد ~~للخلوة بالأسرار منه؛ أخذت من الليل صدرا صالحا. فلما طال ذلك عليها أعانها ~~المران، وخف ذلك عليها بالدربة. # وناس منهم ذهبوا إلى التناول من الشراب وإلى أن سماع الصوت الحسن مما ~~يزيد في المنة «2» ، ويكون ms0143 مادة للقوة. وعلموا أن العوام إذا كانت لا ~~تتناول الشراب # PageV01P188 # ولا تتكلف السماع على هذا المعنى، أن ظنها سيسوء، وقولها سيكثر؛ فرأوا أن ~~الليل أستر وأجدر أن يتم به التدبير، وقال الراجز: [من الرجز] # الليل أخفى والنهار أفضح «1» # وقالوا في المثل: «الليل أخفى للويل» «2» . ### || 217- [تلهي المحزون بالسماع] # وما زالت ملوك العجم تلهي المحزون بالسماع، # وتعلل المريض، وتشغله عن التفكير، حتى أخذت ذلك ملوك العرب عن ملوك ~~العجم. ولذلك قال ابن عسلة الشيباني: [من الكامل] # وسماع مدجنة تعللنا ... حتى ننام تنام تناوم العجم «3» # فصحوت والنمري يحسبها ... عم السماك وخالة النجم # النجم: واحد وجمع، وإنما يعني في البيت الثريا. ومدجنة: يعني سحابة ~~دائمة. ### || 218- [قول أم تأبط شرا في ولدها] # وفيما يحكى عن امرأة من عقلاء نساء العرب- وإذا كان نساء العرب في الجملة ~~أعقل من رجال العجم، فما ظنك بالمرأة منهم إذا كانت مقدمة فيهم- فرووا ~~جميعا أن أم تأبط شرا قالت: «والله ما ولدته يتنا، ولا سقيته غيلا ولا أبته ~~على مأقة» «4» . # فأما اليتن فخروج رجل المولود قبل رأسه، وذلك علامة سوء، ودليل على ~~الفساد. وأما سقي الغيل، فارتضاع لبن الحبلى، وذلك فساد شديد. # PageV01P189 ### || 219- [ما ينبغي للأم في سياسة رضيعها حين بكائه] # وأما قولها في المأقة، فإن الصبي يبكي بكاء شديدا متعبا موجعا، فإذا كانت ~~الأم جاهلة حركته في المهد حركة تورثه الدوار، أو نومته بأن تضرب يدها على ~~جنبه. ومتى نام الصبي وتلك الفزعة أو اللوعة أو المكروه قائم في جوفه، ولم ~~يعلل ببعض ما يلهيه ويضحكه ويسره، حتى يكون نومه على سرور، فيسري فيه ويعمل ~~في طباعه، ولا يكون نومه على فزع أو غيظ أو غم؛ فإن ذلك مما يعمل في ~~الفساد. # والأم الجاهلة والمرقصة الخرقاء، إذا لم تعرف فرق ما بين هاتين الحالتين، ~~كثر منها ذلك الفساد، وترادف، وأعان الثاني الأول والثالث الثاني حتى يخرج ~~الصبي مائقا. # وفي المثل: «صاحبي مئق وأنا تئق» «1» ، يضرب هذا المثل للمسافر الأحمق ~~الرفيق والزميل، وقد استفرغه الضجر لطول السفر فقلبه ملآن، فأول شيء يكون ms0144 ~~في ذلك المئق من المكروه لم يحتمله بل يفيض ضجره عليه، لامتلائه من طول ما ~~قاسى من مكروه السفر. ### || 220- [ما يحتاج إليه الملوك] # فاحتاج حذاق الملوك وأصحاب العنايات التامة، أن يداووا أنفسهم بالسماع ~~الحسن، ويشدوا من متنهم بالشراب، الذي إذا وقع في الجوف حرك الدم، وإذا حرك ~~الدم حرك طباع السرور، ثم لا يزال زائدا في مكيال الدم، زائدا في الحركة ~~المولدة للسرور. هذه صفة الملوك. وعليه بنوا أمرهم، جهل ذلك من جهله، وعلمه ~~من علمه. # وقال صاحب الكلب: أما تركه الاعتراض على اللص الذي أطعمه أياما وأحسن ~~إليه مرارا، فإنما وجب عليه حفظ أهله لإحسانهم إليه، وتعاهدهم له. فإذا كان ~~عهده ببر اللص أحدث من عهده ببر أهله، لم يكلف الكلب النظر في العواقب، ~~وموازنة الأمور. والذي أضمر اللص من البيات غيب قد ستر عنه؛ وهو لا يدري ~~أجاء ليأخذ أم جاء ليعطي، أو هم أمروه أو هو المتكلف لذلك؛ ولعل أهله أيضا ~~أن يكونوا قد استحقوا ذلك منه بالضرب والإجاعة، وبالسب والإهانة. # وأما سماجة الصوت فالبغل أسمج صوتا منه، كذلك الطاووس على أنهم يتشاءمون ~~به. وليس الصوت الحسن إلا لأصناف الحمام من القماري والدباسي، # PageV01P190 # وأصناف الشفانين والوراشين. فأما الأسد والذئب؛ وابن آوى والخنزير، وجميع ~~الطير والسباع والبهائم فكذلك. وإنما لك أن تذم الكلب في الشيء الذي لا ~~يعم. والناس يقولون: ليس في الناس شيء أقل من ثلاثة أصناف: البيان الحسن، ~~والصوت الحسن، والصورة الحسنة؛ ثم الناس بعد مختلطون ممتزجون. وربما كان من ~~الناس بل كثيرا ما تجده وصوته أقبح من صوت الكلب، فلم تخصون الكلب بشيء ~~عامة الخلق فيه أسوأ حالا من الكلب؟! وأما عواؤه من وطء الدابة وسوء جزعه ~~من ضرب الصبيان، فجزع الفرس من وقع عذبة السوط، أسوأ من جزعه من وقع حافر ~~برذون. وهو في هذا الموضع للفرس أشد مناسبة منه للحمار. # على أن الديك لا يذكر بصبر ولا جزع. ### || 221- [نوادر ديسيموس اليوناني] # قال صاحب الديك: حدثني العتبي قال: كان في اليونانيين ممرور له نوادر ms0145 ~~عجيبة، وكان يسمى ديسيموس «1» ، قال: والحكماء يروون له أكثر من ثمانين ~~نادرة ما منها إلا وهي غرة؛ وعين من عيون النوادر: فمنها أنه كان كلما خرج ~~من بيته مع الفجر إلى شاطئ الفرات للغائط والطهور، ألقى في أصل باب داره ~~وفي دوارته حجرا، كي لا ينصفق الباب، فيحتاج إلى معالجة فتحه، وإلى دفعه ~~كلما رجع من حاجته، فكان كلما رجع لم يجد الحجر في موضعه، ووجد الباب ~~منصفقا. فكمن له في بعض الأيام ليرى هذا الذي يصنع ما يصنع. فبينا هو في ~~انتظاره إذ أقبل رجل حتى تناول الحجر، فلما نحاه عن مكانه انصفق الباب، ~~فقال له: ما لك ولهذا الحجر؟ وما لك تأخذه؟ فقال لم أعلم أنه لك. قال: فقد ~~علمت أنه ليس لك! قال: وقال بعضهم: ما بال ديسيموس يعلم الناس الشعر ولا ~~يقول الشعر؟ قال: # ديسيموس كالمسن الذي يشحذ ولا يقطع. # ورآه رجل يأكل في السوق فقال: أتأكل في السوق؟ فقال: إذا جاع ديسيموس في ~~السوق أكل من السوق. # قال: وأسمعه رجل كلاما غليظا وسطا عليه، وفحش في القول، وتحلم عنه فلم ~~يجبه، فقيل له: ما منعك من مكافأته وهو لك معرض؟ قال: أرأيت لو رمحك حمار # PageV01P191 # أكنت ترمحه؟ قال: لا. قال: فإن ينبح عليك كلب تنبح عليه؟ قال: لا، قال: ~~فإن السفيه إما أن يكون حمارا، وإما أن يكون كلبا؛ لأنه لا يخلو من شرارة ~~تكون فيه أو جهل، وما أكثر ما يجتمعان فيه. ### || 222- [أمثال أخرى في الكلب] # وقال صاحب الديك: يقال للسفيه إنما هو كلب، وإنما أنت كلب نباح، وما زال ~~ينبح علينا منذ اليوم، وكلب من هذا؟ ويا كلب ابن الكلب، وأخسأ كلبا. # وقالوا في المثل: «احتاج إلى الصوف من جز كلبه» «1» ، و «أجع كلبك يتبعك» ~~«2» ، و «أحب شيء إلى الكلب خانقه» «3» ، و «سمن كلبك يأكلك» «4» ، و «أجوع ~~من كلبة حومل» «5» ، و «كالكلب يربض في الآري فلا هو يأكل ولا يدع الدابة ~~تعتلف» . ### || 223- [براقش] # وفي أمثالهم في الشؤم: «على أهلها دلت براقش» «6» . # وبراقش: كلبة ms0146 نبحت على جيش مروا في جوف الليل وهم لا يشعرون بموضع الحي، ~~فاستدلوا عليهم بنباح الكلبة فاستباحوهم. ### || 224- [الجن والحن] # وقال صاحب الديك: روى إسماعيل المكي عن أبي عطاء العطاردي قال: # سمعت ابن عباس يقول: السود من الكلاب الجن، والبقع منها الحن. ويقال إن ~~الحن ضعفة الجن، كما أن الجني إذا كفر وظلم وتعدى وأفسد، قيل شيطان؛ وإن ~~قوي على البنيان والحمل الثقيل، وعلى استراق السمع قيل مارد، فإن زاد فهو ~~عفريت، فإن زاد فهو عبقري. كما أن الرجل إذا قاتل في الحرب وأقدم ولم يحجم ~~فهو الشجاع، # PageV01P192 # فإن زاد فهو البطل، فإن زاد قالوا: بهمة، فإن زاد قالوا: أليس. فهذا قول ~~أبي عبيدة. # وبعض الناس يزعم أن الحن والجن صنفان مختلفان، وذهبوا إلى قول الأعرابي ~~حين أتى بعض الملوك ليكتتب في الزمنى، فقال في ذلك: [من الرجز] # إن تكتبوا الزمنى فإني لزمن ... من ظاهر الداء وداء مستكن «1» # أبيت أهوي في شياطين ترن ... مختلف نجارهم حن وجن ### || 225- [ما ورد من الحديث والخبر في الكلاب] ### ||| [1- قتل الكلاب] # وعن أبي عنبسة عن أبي الزبير عن جابر: قال: أمرنا رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بقتل الكلاب، حتى أن المرأة لتقدم بكلبها من البادية فنقتله، ثم ~~نهانا عن قتلها وقال: # «عليكم بالأسود البهيم ذي النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان» . # وعن أبي الزبير عن جابر قال: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل ~~الكلاب، فكنا نقتلها كلها حتى قال: «إنها أمة من الأمم؛ فاقتلوا البهيم ~~الأسود ذا النكتتين على عينيه؛ فإنه شيطان» . # وعبد الله وأبو بكر ابنا نافع عن ابن عمر، ونافع عن أبي رافع قال: أمرني ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أقتل الكلاب، فكنا نقتلها؛ فانتهيت إلى ~~ظاهر بني عامر، وإذا عجوز مسكينة معها كلب وليس قربها إنسان فقالت: ارجع ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره أن هذا الكلب يؤنسني، وليس قربي أحد. ~~فرجع إليه فأخبره، فأمر أن يقتل كلبها فقتله. # وقال في حديث آخر: إنه لما فرغ من قتل ms0147 كلاب المدينة وقتل كلب المرأة قال: ~~الآن استرحت. قالوا: فقد صح الخبر عن قتل جميع الكلاب، ثم صح الخبر بنسخ ~~بعضه وقتل الأسود البهيم منها، مع الخبر بأنها من الجن والحن، وأن أمتين ~~مسختا، وهما الحيات والكلاب. # ثم روى الأشعث عن الحسن قال: ما خطب عثمان خطبة إلا أمر بقتل الكلاب وذبح ~~الحمام. # وعن الحسن قال: سمعت عثمان بن عفان يقول: اقتلوا الكلاب واذبحوا الحمام. # قال: وقال عطاء: في قتل كلب الصيد إذا كان صائدا أربعون درهما، وفي كلب ~~الزرع شاة. # PageV01P193 ### ||| [2- دية الكلب] # والحسن بن عمارة عن يعلى بن عطاء عن إسماعيل بن حسان عن عبد الله بن عمر ~~قال: قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم في كلب الصيد بأربعين درهما، وفي ~~كلب الغنم بشاة، وفي كلب الزرع بفرق من طعام، وفي كلب الدار بفرق من تراب، ~~حق على القاتل أن يؤديه، وحق على صاحب الدار أن يقبضه. # قالوا: والتراب لا يكون عقلا إذا كان في مقدار الفرق. # وفي قوله: وحق على صاحب الدار أن يقبضه، دليل على أنه عقوبة على اتخاذه ~~وأن ذلك على التصغير لأمر الكلب وتحقيره، وعلى وجه الإرغام لمالكه. ولو كان ~~عوضا أو ثوابا، أو كان في طريق الأموال المحروص عليها، لما أكره على قبضه ~~أحد، ولكان العفو أفضل. ### ||| [3- شأن الكلاب] # قال: وسئل عن الكلب يكون في الدار وفي الدار من هو له كاره. # ابن أبي عروبة عن قتادة عن أبي الحكم: أن ابن عمر سئل عن ذلك فقال: # لمأثم على رب الدار الذي يملكها. # وعن ابن عمر قال: من اتخذ كلبا ليس بكلب زرع ولا ضرع ولا صيد نقص من أجره ~~كل يوم قيراط. فقال رجل: فإن اتخذه رجل وهو كاره؟ قال: إنما إثمه على صاحب ~~الدار. # وصدقة بن طيسلة المازني قال: سألت الحسن قلت: إن دورنا في الجبان وهي ~~معورة وليس عليها أبواب، أفترى أن نتخذ فيها كلابا؟ قال: لا لا. # وعن ابن أبي أنيسة عن سالم عن أبيه قال: قال رسول الله ms0148 صلى الله عليه ~~وسلم: «من اقتنى كلبا إلا كلب صيد أو كلب ماشية، نقص من أجره كل يوم ~~قيراطان» . # وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من اقتنى كلبا فإنه ينقص من ~~عمله كل يوم قيراط» . # ويونس عن أبيه عن إسحاق قال: حدثنا هنيدة بن خالد الخزاعي قال: انطلقت مع ~~نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، نعود رجلا من الأنصار، فلما انتهوا ~~إلى باب الدار ثارت أكلب في وجوه القوم، فقال بعضهم لبعض: ما يبقي هؤلاء من ~~عمل فلان شيئا، كل كلب منها ينقص قيراطا في كل يوم. # PageV01P194 # هشام بن حسان عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من اتخذ ~~كلبا ليس بكلب صيد ولا زرع ولا ضرع، فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراط، ~~والقيراط مثل جبل أحد» . # يونس عن أبي إسحاق عن مجاهد قال: أقبل عبد الله بن عمرو بن العاص حتى نزل ~~ناحية مكة، وكانت امرأة عم له تهاديه، فلما كانت ذات يوم قالت له: لو أرسلت ~~إلي الغنم فاستأنست برعائها وكلابها فقد نزلت قاصية! فقال: لولا كلابها ~~لفعلت؛ إن الملائكة لا تدخل دارا فيها كلب. # الثوري عن سماك بن حرب، أن ابن عباس قال على منبر البصرة: إن الكلاب من ~~الحن وإن الحن من ضعفة الجن، فإذا غشيكم منها شيء فألقوا إليها شيئا أو ~~اطردوه، فإن لها أنفس سوء. # وهشيم عن المغيرة عن إبراهيم قالوا: لم يكونوا ينهوننا عن شيء من اللعب ~~ونحن غلمان إلا الكلاب. # قال صاحب الديك: روى إبراهيم بن أبي يحيى الأسلمي، عن محمد بن المنكدر، ~~عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: تقامر رجلان على عهد عمر بديكين، فأمر عمر ~~بالديكة أن تقتل فأتاه رجل من الأنصار فقال: أمرت بقتل أمة من الأمم تسبح ~~الله تعالى؟! فأمر بتركها. # وعن قتادة أن أبا موسى قال: لا تتخذوا الدجاج في الدور فتكونوا أهل قرية، ~~وقد سمعتم ما قال الله تعالى في أهل القرى: أفأمن أهل القرى أن ms0149 يأتيهم ~~بأسنا بياتا وهم نائمون # «1» . # وهذا عندي من أبي موسى ليس على ما يظنه الناس، لأن تأويله هذا ليس على ~~وجه، ولكنه كره للفرسان ورجال الحرب اتخاذ ما يتخذه الفلاح وأصحاب التعيش، ~~مع حاجته يومئذ إلى تفرغهم لحروب العجم، وأخذهم في تأهب الفرسان وفي دربة ~~رجال الحرب. فإن كان ذهب إلى الذي يظهر في اللفظ فهذا تأويل مرغوب عنه. # وقال صاحب الكلب لصاحب الديك: فقد أمر عمر بقتل الديكة ولم يستثن منها ~~شيئا دون شيء، ونهى أبو موسى عن اتخاذ الدجاج ولم يستثن منها شيئا دون شيء، ~~والديكة تدخل في هذا الاسم، واسم الدجاج يجمعها جميعا. ورويتم في قتل ~~الحمام مثل روايتكم في قتل الكلاب، ولم أركم رويتم أن الحمام مسخ، ولا أن ~~بعضه من الجن وبعضه من الحن، ولا أن أمتين مسختا وكان أحدهما الحمام. # PageV01P195 # وزعمتم أن عمر إنما أمر بقتل الديكة حين كره الهراش بها والقمار بها. ~~فلعل كلاب المدينة في تلك الأيام كثر فيها العقور وأكثر أهلها من الهراش ~~بها والقمار فيها. وقد علمتم أن ولاة المدينة ربما دمروا على صاحب الحمام ~~إذا خيف قبله القمار وظنوا أنه الشرف «1» . وذكروا عنه الرمي بالبندق ~~وخديعة أولادهم بالفراخ. فما بالكم لم تخرجوا للكلاب من التأويل والعذر، ~~مثل الذي خرجتم للحمام والديكة. ### || 226- [المسخ من الحيوان] # ورويتم في الجري «2» والضباب أنهما كانتا أمتين مسختا. وروى بعضهم في ~~الإربيانة أنها كانت خياطة تسرق السلوك، وأنها مسخت وترك عليها بعض خيوطها ~~لتكون علامة لها ودليلا على جنس سرقتها. ورويتم في الفأرة أنها كانت طحانة ~~«3» ، وفي سهيل أنه كان عشارا باليمن «4» وفي الحية أنها كانت في صورة جمل، ~~وأن الله تعالى عاقبها حتى لاطها بالأرض، وقسم عقابها على عشرة أقسام، حين ~~احتملت دخول إبليس في جوفها حتى وسوس إلى آدم من فيها. وقلتم في الوزغة وفي ~~الحكأة «5» ما قلتم. وزعمتم أن الإبل خلقت من أعنان الشياطين «6» ، وتأولتم ~~في ذلك أقبح التأويل. وزعمتم أن الكلاب أمة من الجن مسخت. والذئب أحق بأن ~~يكون شيطانا من ms0150 الكلب، لأنه وحشي وصاحب قفار، وبه يضرب المثل في التعدي، ~~والكلب ألوف وصاحب ديار، وبه يضرب المثل. والذئب ختور غدار، والكلب وفي ~~مناصح. وقد أقام الناس في الديار الكلاب مقام السنانير للفأر. والذئب مضرة ~~كله، والكلب منافعه فاضلة على مضاره، بل هي غالبة عليها وغامرة لها، وهذه ~~صفة جميع هذه الأشياء النافعة. # والناس لم يطبقوا على اتخاذها عبثا ولا جهلا، والقضاة والفقهاء والعباد ~~والولاة والنساك، الذين يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، والمحتسبة ~~وأصحاب التكلف والتسليم جميعا، لم يطبقوا على ترك النكير على ما يشاهدونه ~~منها في دور من لا يعصيهم ولا يمتنع عليهم إلا وقد علموا أنه قد كان لقتل ~~الكلاب بأعيانها في # PageV01P196 # ذلك الدهر، معنى. وإلا فالناس في جميع أقطار الأرض لا يجمعون على مسالمة ~~أصحاب المعاصي، الذين قد خلعوا عذرهم وأبرزوا صفحتهم. بل ما ترى خصما يطعن ~~على شاهد عند قاض بأن في داره كلبا، ولا ترى حكما يرد بذلك شهادة. بل لو ~~كان اتخاذ الكلاب مأمورا به، لما كان إلا كذلك. # ولو أنكم حملتم حكم جميع الهداهد على حكم هدهد سليمان «1» ، وجميع ~~الغربان على حكم غراب نوح «2» ، وجميع الحمام على حكم حمامة السفينة «3» ، ~~وجميع الذئاب على حكم ذئب أهبان بن أوس، وجميع الحمير على حكم حمار عزير ~~«4» - لكان ذلك حكما مردودا. ### || 227- [ما لايحدث إلا في دهر الأنبياء و نزول الوحي] # وقد نعرض لخصائص الأمور أسباب في دهر الأنبياء ونزول الوحي، لا يعرض ~~مثلها في غير زمانهم «5» : قد كان جبريل عليه السلام يمشي في الأرض على ~~صورة دحية الكلبي، وكان إبليس يتراءى في السكك في صورة سراقة المدلجي، وظهر ~~في صورة الشيخ النجدي. ومثل هذا كثير. ### || 228- [ما يسمى شيطانا وليس به] # فإن زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم نظر إلى رجل يتبع حماما طيارا ~~فقال: «شيطان يتبع شيطانا» ، فخبرونا عمن يتخذ الحمام من بين جميع سكان ~~الآفاق ونازلة البلدان من الحرميين والبصريين ومن بني هاشم إلى من دونهم، ~~أتزعمون أنهم شياطين على الحقيقة، وأنهم من نجل الشياطين؛ ms0151 أو تزعمون أنهم ~~كانوا إنسا فمسخوا بعد جنا؛ أم يكون قوله لذلك الرجل شيطان، على مثل قوله ~~شياطين الإنس والجن # وعلى قول عمر: لأنزعن شيطانه من نعرته «6» ، وعلى قول منظور بن رواحة: ~~[من الطويل] # فلما أتاني ما تقول ترقصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر «7» # PageV01P197 # وقد قال مرة أبو الوجيه العكلي: «وكان ذلك حين ركبني شيطاني» «1» قيل له: # وأي الشياطين تعني؟ قال: الغضب. # والعرب تسمي كل حية شيطانا. وأنشد الأصمعي: [من الطويل] # تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... تعمج شيطان بذي خروع قفر «2» # وقالت العرب: ما هو إلا شيطان الحماطة «4» . ويقولون: «ما هو إلا شيطان» ~~«3» يريدون القبح؛ و «ما هو إلا شيطان» ، يريدون الفطنة وشدة العارضة. # وروي عن بعض الأعراب في وقعة كانت: والله ما قتلنا إلا شيطان برصا، لأن ~~الرجل الذي قاتلهم كان اسمه شيطان، وكان به برص. # وفي بني سعد بنو شيطان. قال طفيل الغنوي: [من الطويل] # وشيطان إذ يدعوهم ويثوب «5» # وقال ابن ميادة: [من الطويل] # فلما أتاني ما تقول محارب ... تغنت شياطيني وجن جنونها «6» # وقال الراجز: [من الرجز] # إني وإن كنت حديث السن ... وكان في العين نبو عني «7» # فإن شيطاني كبير الجن # وقال أبو النجم: [من الرجز] # إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر «8» # PageV01P198 # وهذا كله منهم على وجه المثل، وعلى قول منظور بن رواحة: [من الطويل] # أتاني وأهلي بالدماخ فغمرة ... مسب عويف اللؤم حي بني بدر «1» # فلما أتاني ما يقول ترقصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر ### || 229- [خرافة العذرى] # [1] وقد رويتم عن عبد الله بن فايد بإسناد له يرفعه قال: خرافة رجل من ~~بني عذرة استهوته الشياطين، فتحدث رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما بحديث ~~فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة قال: «لا وخرافة حق» «2» . ### || [حديث عمر مع الذي استهوته الجن] # [2] ورويتم أن شريك بن خباسة دخل الجنة وخرج منها ومعه ورقة من ورقها «3» ~~، وأن عمر سأل الرجل المفقود الذي استهوته الجن فقال: ما كان طعامهم؟ # قال: الفول والرمة. وسأل عن شرابهم فقال: الجدف «4» . وقال ms0152 الأعشى: [من ~~الطويل] # وإني وما كلفتموني وربكم ... لأعلم من أمسى أعق وأحوبا «5» # لكالثور والجني يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا ### || [من خفته الجن ثم عود الي الحوار] # [3] وزعمتم أن الجن خنقت حرب بن أمية، وخنقت مرداس بن أبي عامر، وخنقت ~~الغريض المغني، وأنها قتلت سعد بن عبادة، واستهوت عمرو بن عدي واستهوت ~~عمارة بن الوليد، فأنتم أملياء بالخرافات «6» أقوياء على رد الصحيح وتصحيح ~~السقيم، ورد تأويل الحديث المشهور إلى أهوائكم. وقد عارضناكم وقابلناكم ~~وقارضناكم. ### || 230- [فضل الكلاب] # وقالوا: في الحديث أن «من اقتنى كلبا ليس بكلب زرع ولا ضرع ولا قنص # PageV01P199 # فقد أثم» . فهاتوا شيئا من جميع الحيوان يصلح للزرع والضرع والقنص. وبعد ~~فهل اتخذوا كلب الضرع إلا ليحرس الماشية وأولادها من السباع؟ وهل عند الكلب ~~عند طروق الأسد والنمر والذئاب وجميع ما يقتات اللحمان من رؤساء السباع، ~~إلا صياحه ونباحه وإنذاره ودلالته، وأن يشغلها بعض الشغل، ويهجهج بها بعض ~~الهجهجة، إلى أن يلحق بها من يحميها، ويتوافى إليها من يذود عنها، إذ ليس ~~في هذا القياس أنا متى وجدنا دهرا تكثر فيه اللصوص ويفشو فيه السراق، وتظهر ~~فيه النقوب، ويشيع فيه التسلق، ممن إذا أفضى إلى منزل القوم لم يرض إلا ~~بالحريبة «1» ليس دونها شيء، أو يأتي على الأنفس، وهو لا يصل إلى ما يريد ~~حتى يمر على النساء مكشفات، ومن عسى إذا أخذ المرأة أخذ يد ألا يرضى أن ~~يتوعد بذبح الأولاد وأن يتقى بالمال، حتى يذبح، ومن عسى إن تمكن شيئا أو ~~أمن قليلا، أن يركب الحرم بالسوءة العظمى وبالتي لا شوى لها. فهذا الحال ~~أحق بالحراسة من تلك الأحوال. # وبعد فلم صار نساء الحرمين يتزاورن ليلا، ونساء المصرين يتزاورن نهارا، ~~ونساء الحرمين لا يرين نهارا، ونساء المصرين لا يرين ليلا؛ إلا للمكابرات ~~ولمكان كثرة من يستقفي ويتحوب للنقب والتسلق. وإذا كان الأمر كذلك فأي ~~الأمور أحق بالتحصين والحياطة، وأيهما أشبه بالتغرير والإضاعة: اتخاذ ~~الكلاب التي لا تنام عند نوم من قد دأب نهاره، أو ترك ms0153 اتخاذها؟ ويقظة ~~السراق على قدر المسروقين. # وعلى أنا لو حلنا بين حرس الأسواق وما تشتمل عليه من حرائب الناس، وبين ~~اتخاذ الكلاب، لامتنعوا من ضمان الحراسة، ولامتنع كل محروس من إعطائهم تلك ~~الأجرة، ولوجد اللصوص ذلك من أعظم الغنم وأجود الفرص. أو ما تعلمون أن هذا ~~الحريم، وهذه الحرمات وهذه العقائل من الأموال، أحق بالمنع والحراسة والدفع ~~عنها بكل حيلة، من حفظ الغنم وحريم الراعي وحرمة الأجير؟! وبعد فإن الذئاب ~~لا تجتمع على قطيع واحد، والذي يخاف من الذئب السلة والخطفة، والاستلاب ~~والاختلاس. والأموال التي في حوانيت التجار وفي منازل أهل اليسار يأتيها من ~~العدد والعدة، ومن نجب أصحاب النجدة، من يحتملها بحذافيرها، مع ثقل وزنها ~~وعظم حجمها، ثم يجالدون دون ذلك بسيوف الهند وبالأذرع الطوال. # وهم من بين جميع الخليقة لولا أنهم قد أحسوا من أنفسهم الجراءة وثبات ~~العزيمة، بما ليس من غيرهم، لكانوا كغيرهم، ولولا أن قلوبهم أشد من قلوب ~~الأسد لما # PageV01P200 # خرجوا، على أن جميع الخلق يطالبونهم، وعلى أن السلطان لم يول إلا ~~لمكانهم. # والكلاب لم تتخذ إلا للإنذار بهم، وعلى أنهم إذا أخذوا ماتوا كراما. # ولعل المدينة قد كانت في ذلك الدهر مأمونا عليها من أهل الفساد وكان أكثر ~~كلابها عقورا، وأكثر فتيانها من بين مهارش أو مقامر. والكلب العقور والكلب ~~الكلب أشد مضرة من الذئب المأمور بقتله. # وقد يعرض للكلاب الكلب والجنون لأمور: منها أن تأكل لحوم الناس، ومنها ~~كالجنون الذي يعرض لسائر الحيوان. ### || 231- [قتل العامة للوزغ] # وجهال الناس اليوم يقتلون الوزغ، على أن آباءها وأمهاتها كانت تنفخ على ~~نار إبراهيم، وتنقل إليها الحطب. فأحسب أن آباءها وأمهاتها قد كن يعرفن فصل ~~ما بين النبي والمتنبي، وأنهن اعتقدن عداوة إبراهيم، على تقصير في أصل ~~النظر، أو عن معاندة بعد الاستبانة حتى فعلن ذلك- كيف جاز لنا أن تزر وازرة ~~وزر أخرى؟! إلا أن تدعوا أن هذه التي نقتلها هي تلك الجاحدة للنبوة، ~~والكافرة بالربوبية، وأنها لا تتناكح ولا تتوالد. # وقد يستقيم في بعض الأمر أن تقتل ms0154 أكثر هذه الأجناس، إما من طريق المحنة ~~والتعبد وإما إذ كان الله عز وجل قد قضى على جماعتها الموت، أن يجري ذلك ~~المجرى على أيدي الناس، كما أجرى موت جميع الناس على يد ملك واحد، وهو ملك ~~الموت. # وبعد فلعل النبي صلى الله عليه وسلم قال هذا القول إن كان قاله، على ~~الحكاية لأقاويل قوم. # ولعل ذلك كان على معنى كان يومئذ معلوما فترك الناس العلة ورووا الخبر ~~سالما من العلل، مجردا غير مضمن. # ولعل من سمع هذا الحديث شهد آخر الكلام ولم يشهد أوله، ولعله عليه الصلاة ~~والسلام قصد بهذا الكلام إلى ناس من أصحابه قد كان دار بينهم وبينه فيه ~~شيء. وكل ذلك ممكن سائغ غير مستنكر ولا مدفوع. ### || 232- [قتل الفواسق] # وقد رويتم في الفواسق ما قد رويتم في الحية والحدأة والعقرب والفأرة # PageV01P201 # والغراب، ورويتم في الكلب العقور، وكيف يقتلن في الحل والحرم. فإن كنتم ~~فقهاء فقد علمتم أن تسمية الغراب بالفسق، والفأرة بالفويسقة؛ أن ذلك ليس من ~~شكل تسمية الفاسق، ولا من شكل تسمية إبليس. # وقد قالوا: ما فجرها إلا فاجر، ولم يجعلوا الفاجر اسما له لا يفارقه. وقد ~~يقال للفاسق من الرجال: خبيث. وقد قال صلى الله عليه وسلم: «من أكل من هذه ~~الشجرة الخبيثة فلا يقربن مصلانا» وهو على غير قوله عز وجل الخبيثات ~~للخبيثين # «1» . وقد قال بعض الرجاز وذكر ذئبا: [من الرجز] # أما أتاك عني الحديث ... إذ أنا بالغائط أستغيث # والذئب وسط غنمي يعيث ... وصحت بالغائط يا خبيث # وهذا الباب كثير، وليس هذا موضعه، وقد ذكرناه في كتاب الاسم والحكم. # وقد يشبه الاسم الاسم في صورة تقطيع الصوت، وفي الخط في القرطاس، وإن ~~اختلفت أماكنه ودلائله. فإذا كان كذلك فإنما يعرف فضله بالمتكلمين به، ~~وبالحالات والمقالات، وبالذين عنوا بالكلام. وهذه جملة، وتفسيرها يطول. ### || [القتل و القصاص] # وقالوا: قد أمرنا بقتل الحية والعقرب، والذئب والأسد، على معنى ينتظم ~~معنيين: أحدهما الامتحان والتعبد بفكر القلب وعمل الجارحة، لا على وجه ~~الانتقام والعقوبة. وأمرنا بضرب الباغي بالسيف ms0155 إذا كانت العصى لا تغني فيه ~~على جهة الدفع وعلى جهة العقاب، ولم نؤمر بالقصد إلى قتله، وإنما الغاية في ~~دفع بأسه عنا، فإن أتى إلى ذلك المقدار عليه، كان كسارق مات من قطع يده، ~~وقاذف مات عن جلد ظهره. # وقد أمرنا بالقصد إلى قتل الحيات والعقارب وإن لم تعرض لنا في ذلك الوقت؛ ~~لأن جنسها الجنس المتلف متى هم بذلك. وليس لنا أن نضرب الباغي بالسيف إلا ~~وهو مقبل غير مدبر، ولنا أن نقتل الحية مقبلة ومدبرة، كما يقتل الكافر ~~مقبلا ومدبرا؛ إلا أن قتل الكافر يجمع الامتحان والعقوبة، وليس في قتل ~~الحية إلا الامتحان. وقد كان يجوز أن تمتحن بحبسها والاحتيال لمنعها، دون ~~قتلها. وإذا ولى الباغي من غير أن يكون يريد الرجوع إلى فئة، فحكمه الأسر ~~والحبس أبدا إلى أن يؤنس منه النزوع. # وسبيل الأحناش والسباع وذوات السموم من الهمج والحشرات، القتل مقبلة ~~ومدبرة. # وقد أبيح لنا قتل ضروب من الحيوان عند ما يبلغ من جناياتها علينا الخدش، ~~فضلا من الجرح والقتل، كالبعوض والنمل، والبراغيث والقمل. # PageV01P202 # والبعير قتله فساد، فإن صال على الناس كان قتله صلاحا. والإنسان قتله ~~حرام، فإن خيف منه كان قتله حلالا. ### || 233- [طائفة من المسائل] # والحديث عن مسخ الضب والجري، وعن مسخ الكلاب والحكأة وأن الحمام شيطان، ~~من جنس المزاح الذي كنا كتبنا به إلى بعض إخواننا ممن يدعي علم كل شيء، ~~فجعلنا هذه الخرافات وهذه الفطن الصغار، من باب المسائل. # فقلنا له: ما الشنقناق والشيصبان وتنكوير ودر كاذاب ومن قاتل امرأة ابن ~~مقبل؟ ومن خانق الغريض؟ ومن هاتف سعد؟ وخبرنا عن بني أقيش وعن بني لبنى، ~~ومن زوجها؟ وعن بني غزوان ومن امرأته؟ وعن سملقة وزوبعة، والميدعان، وعن ~~النقار ذي الرقبة وعن آصف، ومن منهم أشار بأصفر سليم «1» ، وعن أطيقس اسم ~~كلب أصحاب الكهف «2» ، وكيف صارت الكلاب لا تنبح من سماه؟ وأين بلغ كتاب ~~شرطهم؟ وكيف حدثوا عن ابن عباس في الفأر والقرد والخنزير والفيل والأرنب ~~والعنكبوت والجري، أنهن كلهن مسخ؛ وكيف خصت ms0156 هذه بالمسخ؟ وهل يحل لنا أن ~~نصدق بهذا الحديث عن ابن عباس؟ وكيف صارت الظباء ماشية الجن؟ وكيف صارت ~~الغيلان تغير كل شيء إلا حوافرها؟ ولم ماتت من ضربة وعاشت من ضربتين «3» ؟ ~~ولم صارت الأرانب والكلاب والنعام مراكب الغيلان؟ ولم صارت الرواقيد مطايا ~~السواحر؟ وبأي شيء زوج أهل السعلاة ابن يربوع «4» ؟ وما فرق ما بينه وبين ~~عبد الله بن هلال؟ وما فعلت الفتاة التي كانت سميت بصبر على يد حرمي وأبي ~~منصور؟ ولم غضب من ذلك المذهب؟ ولم مضى على وجهه شفشف؟ وما الفرق بين ~~الغيلان والسعالي، وبين شيطان الخضراء وشيطان الحماطة؟ ولم علق السمك ~~المالح بأذنابه والطري بآذانه، وما بال الفراخ تحمل بأجنحتها والفراريج # PageV01P203 # بأرجلها؟ وما بال كل شيء أصل لسانه مما يلي الحلق وطرفه مما يلي الهواء، ~~إلا لسان الفيل؟ ولم قالت الهند: لولا أن لسانه مقلوب لتكلم «1» ؟ ولم صار ~~كل ماضغ وآكل يحرك فكه الأسفل، إلا التمساح فإنه يحرك فكه الأعلى «2» ؟ ولم ~~صار لأجفان الإنسان الأشفار، وليس ذلك للدواب إلا في الأجفان العالية؟ وما ~~بال عين الجرادة وعين الأفعى لا تدوران؟ وما بيضة العقر «3» وما بيضة الديك ~~«4» ؟ ولم امتنع بيض الأنوق؟ وهل يكون الأبلق العقوق؟ وما بال لسان سمك ~~البحر عديما؟ وما بال الغريق من الرجال يطفو على قفاه، ومن النساء على ~~وجهه؟ ولم صار القتيل إذا قتل يسقط على وجهه ثم يقلبه ذكره؛ وأين تذهب ~~شقشقة البعير وغرمول الحمار والبغل وكبد الكوسج بالنهار، ودم الميت؟ ولم ~~انتصب خلق الإنسان من بين سائر الحيوان؟ # وخبرني عن الضفادع، لم صارت تنق بالليل وإذا أوقدت النار أمسكت؟. # وقالوا: قد عارضناكم بما يجري مجرى الفساد والخرافة. لنردكم إلى الاحتجاج ~~بالخبر الصحيح المخرج للظاهر. # فإن أعجبتك هذه المسائل، واستطرفت هذا المذهب، فاقرأ رسالتي إلى أحمد ابن ~~عبد الوهاب الكاتب، فهي مجموعة هناك. ### || 234- [أصناف الكلاب] # والكلاب أصناف لا يحيط بها إلا من أطال الكلام. وجملة ذلك أن ما كان منها ~~للصيد فهي الضراء، وواحدها ضروة، وهي الجوارح والكواسب، ونحن لا نعرفها إلا ms0157 ~~السلوقية؛ وهي من أحرار الكلاب وعتاقها، والخلاسية هجنها ومقاريفها. وكلاب ~~الرعاء من زينيها وكرديها فهي كرادتها. # PageV01P204 # وقد تصيد الكلاب غير السلوقية، ولكنها تقصر عن السلوقية بعيدا. وسلوق من ~~أرض اليمن كان لها حديد جيد الطبع، كريم العنصر حر الجوهر. وقد قال ~~النابغة: [من الطويل] # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب «1» # وقال الأصمعي: سمعت بعض الملوك وهو يركض خلف كلب وقد دنا خطمه من عجب ذنب ~~الظبي وهو يقول: إيه فدتك نفسي!! وأنشد لبعض الرجاز: [من الرجز] # مفديات وملعنات # قال صاحب الديك: فلما صار الكلب عندهم يجمع خصال اللؤم والنذالة، والحرص ~~والشره، والبذاء والتسرع وأشباه ذلك، صاروا يشتقون من اسمه لمن هجوه بهذه ~~الخصال. وقال بشار: [من الكامل] # واستغن بالوجبات عن ذهب ... لم يبق قبلك لامرئ ذهبه «2» # يرد الحريص على متالفه ... والليث يبعث حينه كلبه ### || 235- [ما اشتق من اسم الكلب] # قال صاحب الكلب: لما اشتقوا من اسمه للأشياء المحمودة أكثر؛ قال عامر بن ~~الطفيل: [من الكامل] # ومدجج يسعى بشكته ... محمرة عيناه كالكلب «3» # ومن ولد ربيعة بن نزار كلب بن ربيعة، وكلاب بن ربيعة، ومكالب بن ربيعة، ~~ومكلبة بنو ربيعة بن نزار. وفيهم من السباع أسد، وضبيعة، وذئب، وذؤيب، وهم ~~خمسة عشر رجلا؛ ثمانية من جميع السباع، ومن الثمانية أربعة مشتقة من اسم # PageV01P205 # الكلب. ومن هذا الباب كليب بن يربوع، وكلاب بن ربيعة، وكلب بن وبرة. ومنه ~~بنو الكلبة، قال الشاعر: [من الطويل] # سيكفيك من ابني نزار لراغب ... بنو الكلبة الشم الطوال الأشاجع «1» # والكلبة لقب مية بنت علاج بن شحمة العنبري. وبنوها بنو الكلبة الذين سمعت ~~بهم- تزوجها خزيمة بن النعمان من بني ضبيعة بن ربيعة بن نزار، فهي أمهم. ~~وفيها يقول شبيل بن عزرة الضبعي صاحب الغريب- وكان شيعيا من الغالية، فصار ~~خارجيا من الصفرية-: [من الطويل] # بنو كلبة هرارة وأبوهم ... خزيمة عبد خامل الأصل أوكس «2» # وفي مية الكلبة يقول أبوها، وهو علاج بن شحمة: [من الطويل] # إن تك قد بانت بمية غربة ... فقد كان مما لا يمل مزارها # دعتها رجال ms0158 من ضبيعة كلبة ... وما كان يشكى في المحول جوارها # ومما اشتق له من اسم الكلب من القرى والبلدان والناس وغير ذلك، قولهم في ~~الوقعة التي كانت بإرم الكلبة «3» . ومن ذلك قولهم: حين نزلنا من السراة ~~صرنا إلى نجد الكلبة. # وكان سبب خروج مالك بن فهم بن غنم بن دوس إلى أزد شنوءة من السراة أن بني ~~أخته قتلوا كلبة لجاره، وكانوا أعد منه فغضب ومضى. فسمي ذلك النجد الذي هبط ~~منه نجد الكلبة. # وبطسوج بادوريا نهر يقال له: نهر الكلبة. # ويقولون: كان ذلك عند طلوع كوكب الكلب. ومن ذلك قولهم: عباد بن أنف ~~الكلب. ومن ذلك أبو عمر الكلب الجرمي النحوي، وكان رجلا من العلية عالما، ~~عروضيا نحويا فرضيا. وعلويه كلب المطبخ، وكان أشرب الناس للنبيذ، وقد ~~راهنوا بينه وبين محمد بن علي. # PageV01P206 # والكلب: كلب الماء، وكلب الرحى والضبة التي يقال لها الكلب. وكذلك الكلبة ~~والكلبتان، والكلاب والكلوب. # وقال راشد بن شهاب في ذلك المعنى: [من الطويل] # أمكن كلاب القنا من ثغورها ... وأخضب ما يبدو من استاهها بدم «1» # وقال: # فسوف يرى الأقوام ديني ودينكم ... إذا كلبتا قين ومقراضه أزم # وقال الراجز: [من الرجز] # ما زال مذ كان غلاما يستتر ... له على العير إكاف وثفر # والكلبتان والعلاة والوتر # وقال أشهب بن رميلة، وكان أول من رمى بني مجاشع بأنهم قيون: [من الرجز] # يا عجبا هل يركب القين الفرس ... وعرق القين على الخيل نجس «2» # وإنما أداته إذا جلس ... الكلبتان والعلاة والقبس # وكان اسم المزنوق فرس عامر بن الطفيل: الكلب. # وقد زعمت العلماء أن حرب أيام هراميت «3» إنما كان سببه كلب «4» . # قال صاحب الديك: قد قيل للخوارج: كلاب النار، وللنوائح: كلاب النار. # وقد قال جندل بن الراعي لأبيه في وقوفه على جرير: ما لك تطيل الوقوف على ~~كلب بني كليب «5» ؟! وقال زفر بن الحارث: [من الكامل] # يا كلب قد كلب الزمان عليكم ... وأصابكم منا عذاب مرسل «6» # PageV01P207 # إن السماوة لا سماوة فالحقي ... بمنابت الزيتون وابني بحدل # وبأرض عك في السواحل إنها ... أرض تذوب بها ms0159 اللقاح وتهزل # وقال حصين بن القعقاع يرثي عتيبة بن الحارث: [من الكامل] # بكر النعي بخير خندف كلها ... بعتيبة بن الحارث بن شهاب «1» # قتلوا ذؤابا بعد مقتل سبعة ... فشفى الغليل وريبة المرتاب # يوم الحليس بذي الفقار كأنه ... كلب بضرب جماجم ورقاب # وقال آخر: [من البسيط] # لله در بني الحداء من نفر ... وكل جار على جيرانه كلب «2» # إذا غدوا وعصي الطلح أرجلهم ... كما تنصب وسط البيعة الصلب # وإذا كان العود سريع العلوق في كل زمان أو كل أرض، أو في عامة ذلك قالوا: # ما هو إلا كلب. # وقالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم في وزر بن جابر حين خرج من عنده ~~واستأذنه إلى أهله: # «نعم إن لم تدركه أم كلبة» يعني الحمى. # ومما ذكروا به العضو من أعضاء الكلب والكلبة والخلق منهما أو الصفة ~~الواحدة من صفاتهما، أو الفعل الواحد من أفعالهما، قال رؤبة: [من الرجز] # لاقيت مطلا كنعاس الكلب «3» # يقول: مطلا مقرمطا دائما. وقال الشاعر في ذلك: [من الوافر] # يكون بها دليل القوم نجم ... كعين الكلب في هبى قباع # قال: هذه أرض ذات غبرة من الجدب لا يبصر القوم فيها النجم الذي يهتدى به ~~إلا وهو كأنه عين الكلب، لأن الكلب أبدا مغمض غير مطبق الجفون ولا مفتوحها. # والهبى: الظلمة واحدها هاب، والجمع هبى مثل غاز وغزى. والقباع: التي قبعت ~~في # PageV01P208 # القتام، واحدها قابع، كما يقبع القنفذ وما أشبهه في جحره. وأنشد لابن ~~مقبل: [من الطويل] # ولا أطرق الجارات بالليل قابعا ... قبوع القرنبى أخلفته مجاعره «1» # والقبوع: الاجتماع والتقبض. والقرنبى: دويبة أعظم من الخنفساء. ### || 236- [شعر في الهجاء له سبب بالكلب] # وقال الآخر في صفة بعض ما يعرض له من العيوب: [من الكامل] # ما ضر تغلب وائل أهجوتها ... أم بلت حيث تناطح البحران «2» # إن الأراقم لا ينال قديمها ... كلب عوى متهتم الأسنان # وقال الشاعر في منظور بن زبان: [من البسيط] # لبئس ما خلف الآباء بعدهم ... في الأمهات عجان الكلب منظور # ومن هذا الضرب قول الأعرابي: [من الطويل] # لقد شان صغري والياها وزينا ms0160 ... لصغري فتى من أهلها لا يزينها # كلاب لعاب الكلب إن ساق هجمة ... يعذب فيها نفسه ويهينها # وقال عمرو بن معد يكرب: [من الطويل] # لحا الله جرما كلما ذر شارق ... وجوه كلاب هارشت فازبأرت «3» # وقال أبو سفيان بن حرب: [من الطويل] # ولو شئت نجتني كميت طمرة ... ولم أجعل النعماء لابن شعوب # وما زال مهري مزجر الكلب منهم ... لدن غدوة حتى دنت لغروب «4» # وقال عبد الرحمن بن زياد: [من الطويل] # دعته بمسروق الحديث وظالع ... من الطرف حتى خاف بصبصة الكلب # PageV01P209 # وقال شريح بن أوس: [من الطويل] # وعيرتنا تمر العراق ونخله ... وزادك أير الكلب شيطه الجمر «1» # وقال آخر وهو يهجو قوما: [من الطويل] # فجاءا بخرشاوي شعير عليهما ... كراديس من أوصال أعقد سافد «2» # وقال الحارث بن الوليد: [من الكامل] # ذهب الذين إذا رأوني مقبلا ... هشوا وقالوا: مرحبا بالمقبل # وبقيت في خلف كأن حديثهم ... ولغ الكلاب تهارشت في منهل # وقال سبرة بن عمرو الفقعسي، حين ارتشى ضمرة النهشلي، ونفر عليه عباد بن ~~أنف الكلب الصيداوي فقال سبرة: [من الكامل] # يا ضمر كيف حكمت أمك هابل ... والحكم مسؤول به المتعمد «3» # أحفظت عهدا أم رعيت أمانة ... أم هل سمعت بمثلها لا ينشد # شنعاء فاقرة تجلل نهشلا ... تغور به الرفاق وتنجد # إن الرفاق أمال حكمك حبها ... فلك اللقاء وراكب متجرد # فضح العشيرة واستمر كأنه ... كلب يبصبص للعظال ويطرد # لا شيء يعدلها ولكن دونها ... خرط القتاد تهاب شوكتها اليد # جوعان يلحس أسكتا زيفية ... غلم يثور على البراثن أعقد # وقال مزرد بن ضرار: [من الطويل] # وإن كناز اللحم من بكراتكم ... تهر عليها أمكم وتكالب «4» # وليت الذي ألقى فناؤك رحله ... لتقريه بالت عليه الثعالب # وهذان البيتان من باب الاشتقاق لا من باب الصفات وذكر الأعضاء. وقال: # [من الرجز] # يا سبر يا عبد بني كلاب ... يا أير كلب موثق بباب # أكان هذا أول الثواب ... يا ورلا رقرق في سراب # لا يعلقنكم ظفري ونابي # PageV01P210 # وقال الآخر: [من الوافر] # كأن بني طهية رهط سلمى ... حجارة خارئ يرمي الكلابا «1» # وقال صاحب الكلب: ومما اشتق من ms0161 اسم الكلب في موضع النباهة، كليب بن ~~ربيعة، هو كليب وائل. ويقال إنه قيل في رجلين من بني ربيعة ما لم يقل في ~~أحد من العرب، حتى ضرب بهما المثل، وهو قولهم: «أعز من كليب وائل» «2» ، ~~والآخر: «لا حر بوادي عوف» «3» . # قالوا: وكانت ربيعة إذا انتجعت معه لم توقد نارا ولم تحوض حوضا، وكان ~~يحمي الكلأ ولا يتكلم عنده إلا خفضا، ويجير الصيد ويقول: صيد أرض كذا وكذا ~~في جواري لا يباح. وكان له جرو كلب قد كتعه «4» فربما قذف به في الروضة ~~تعجبه، فيحميها إلى منتهى عوائه، ويلقيه بحريم الحوض فلا يرده بعير حتى ~~تصدر إبله «5» . ### || 237- [ما قيل من الشعر في كليب] # وفي ذلك يقول معبد بن شعبة التميمي: [من الطويل] # أظن ضرار أنني سأطيعه ... وأني سأعطيه الذي كنت أمنع # إذ اغرورقت عيناه واحمر وجهه ... وقد كاد غيظا وجهه يتبضع # تقدم في الظلم المبين عامدا ... ذراعا إذا ما قدمت لك إصبع # كفعل كليب كنت أنبئت أنه ... يخلط أكلاء المياه ويمنع # يجير على أفناء بكر بن وائل ... أرانب ضاح والظباء فترتع # وقال دريد بن الصمة: [من الوافر] # لعمرك ما كليب حين دلى ... بحبل كلبه فيمن يميح «6» # PageV01P211 # بأعظم من بني سفيان بغيا ... وكل عدوهم منهم مريح # وقال العباس بن مرداس: [من الطويل] # كما كان يبغيها كليب بظلمه ... من العز حتى طاح وهو قتيلها «1» # على وائل إذ ينزل الكلب مائحا ... وإذ يمنع الأكلاء منها حلولها # وقال عباس أيضا لكليب بن عهمة الظفري: [من الكامل] # أكليب إنك كل يوم ظالم ... والظلم أنكد وجهه ملعون «2» # تبغي بقومك ما أراد بوائل ... يوم الغدير سميك المطعون # وإخال أنك سوف تلقى مثلها ... في صفحتيك سنانه المسنون # وقال النابغة الجعدي: [من الطويل] # كليب لعمري كان أكثر ناصرا ... وأيسر ذنبا منك ضرج بالدم «3» # رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم # وقال قطران العبشمي، ويقال العبشي: [من الطويل] # ألم تر جساس بن مرة لم يرد ... حمى وائل حتى احتداه جهولها # أجر كليبا إذ رمى الناب طعنة ... جدت وائلا ms0162 حتى استخفت عقولها # بأهون مما قلت إذ أنت سادر ... وللدهر والأيام وال يديلها # وقال رجل من بني هلال بن عامر بن صعصعة: [من الطويل] # نحن أبسنا تغلب ابنة وائل ... بقتل كليب إذ طغى وتخيلا «4» # أبأناه بالناب التي شق ضرعها ... فأصبح موطوء الحمى متذللا «5» # وقال رجل من بني سدوس: [من الطويل] # وأنت كليبي لكليب وكلبة ... لها حول أطناب البيوت هرير # PageV01P212 # وقال ابن مقبل العجلاني: [من الطويل] # بكت أم بكر إذ تبدد رهطها ... وأن أصبحوا منهم شريد وهالك «1» # وإن كلا حييك فيهم بقية ... لو أن المنايا حالها متماسك # كلاب وكعب لا يبيت أخوهم ... ذليلا ولا تعيي عليه المسالك «2» # وقال رجل من بني كلاب من الخوارج، لمعاوية بن أبي سفيان: [من البسيط] # قد سرت سير كليب في عشيرته ... لو كان فيهم غلام مثل جساس «3» # الطاعن الطعنة النجلاء عاندها ... كطرة البرد، أعيا فتقها الآسي «4» ### || 238- [أهون من تبالة على الحجاج] # وقال أبو اليقظان في مثل هذا الاشتقاق: كان أول عمل وليه الحجاج بن يوسف ~~تبالة «5» ، فلما سار إليها وقرب منها قال للدليل: أين هي، وعلى أي سمت هي؟ ~~قال: تسترك عنها هذه الأكمة. قال: لا أراني أميرا إلا على موضع تسترني منه ~~أكمة، أهون بها علي؟! وكر راجعا، فقيل في المثل: «أهون من تبالة على ~~الحجاج» «6» . # والعامة تقول: لهو أهون علي من الاعراب على عركوك. ### || 239- [الحجاج والمنجم حينما حضرته الوفاة] # قال «7» : ولما حضرت الحجاج الوفاة وقد ولي قبل ذلك ما ولي، وافتتح ما ~~افتتح، وقتل من قتل، قال للمنجم: هل ترى ملكا يموت؟ قال: نعم ولست به، أرى ~~ملكا يموت اسمه كليب، وأنت اسمك الحجاج قال: فأنا والله كليب، أمي سمتني به ~~وأنا صبي. فمات، وكان استخلف على الخراج يزيد بن أبي مسلم، وعلى الحرب يزيد ~~بن أبي كبشة. # PageV01P213 ### || 240- [ما كان العرب يسمون به أولادهم] # قال «1» : والعرب إنما كانت تسمي بكلب، وحمار، وحجر، وجعل، وحنظلة، وقرد، ~~على التفاؤل بذلك. وكان الرجل إذا ولد له ذكر خرج يتعرض لزجر الطير والفأل، ~~فإن سمع إنسانا يقول حجرا، ms0163 أو رأى حجرا سمى ابنه به وتفاءل فيه الشدة ~~والصلابة، والبقاء والصبر، وأنه يحطم ما لقى. وكذلك إن سمع إنسانا يقول ~~ذئبا أو رأى ذئبا، تأول فيه الفطنة والخب والمكر والكسب. وإن كان حمارا ~~تأول فيه طول العمر والوقاحة والقوة والجلد. وإن كان كلبا تأول فيه الحراسة ~~واليقظة وبعد الصوت، والكسب وغير ذلك. # ولذلك صور عبيد الله بن زياد في دهليزه كلبا وأسدا، وقال: كلب نابح، وكبش ~~ناطح، وأسد كالح. فتطير إلى ذلك فطارت عليه. # وقال آخر: لو كان الرجل منهم إنما كان يسمي ابنه بحجر وجبل، وكلب، وحمار، ~~وثور، وخنزير، وجعل، على هذا المعنى فهلا سمى ببرذون، وبغل، وعقاب، وأشباه ~~ذلك؛ وهذه الأسماء من لغتهم. # قال الأول: إنما لم يكن ذلك، لأنه لا يكاد يرى بغلا وبرذونا، ولعله لا ~~يكون رآهما قط، وإن كانت الأسماء عندهم عتيدة لأمور لعلهم يحتاجون إليها ~~يوما ما. # قالوا: فقد كان يسمع بفرس وبعير، كما كان يسمع بحمار وثور، وقد كان ~~يستقيم أن يشتق منهما اشتقاقات محمودة. بل كيف صار ذلك كذلك ونحن نجده يسمي ~~بنجم ولا يسمي بكوكب! إلا أن بعضهم قد سمى بذلك عبدا له، وفيه يقول: # [من مخلع البسيط] # كوكب إن مت فهي ميتتي ... لا مت إلا هرما يا كوكب # ووجدناهم يسمون بجبل وسند، وطود، ولا يسمون بأحد ولا بثبير وأجأ وسلمى ~~ورضوى، وصندد وحميم، وهو تلقاء عيونهم متى أطلعوا رؤوسهم من خيامهم. ويمسون ~~ببرج ولا يسمون بفلك، ويسمون بقمر وشمس على جهة اللقب أو على جهة المديح، ~~ولم يسموا بأرض وسماء، وهواء وماء، إلا على ما وصفنا. # وهذه الأصول في الزجر أبلغ، كما أن جبلا أبلغ من حجر، وطودا أجمع من صخر. # وتركوا أسماء جبالهم المعروفة. # PageV01P214 # وقد سموا بأسد وليث وأسامة وضرغامة. وتركوا أن يسموا بسبع وسبعة. وسبع هو ~~الاسم الجامع لكل ذي ناب ومخلب. # قال الأول: قد تسموا أيضا بأسماء الجبال، فتسموا بأبان وسلمى. # قال آخرون: إنما هذه أسماء ناس سموا بها هذه الجبال، وقد كانت لها أسماء ~~تركت ms0164 لثقلها، أو لعلة من العلل؛ وإلا فكيف سموا بسلمى وتركوا أجأ ورضوى. # وقال بعضهم: قد كانوا ربما فعلوا ذلك على أن يتفق لواحد ولود ولمعظم ~~جليل، أن يسمع أو يرى حمارا، فيسمي ابنه بذلك؛ وكذلك الكلب والذئب، ولن ~~يتفق في ذلك الوقت أن يسمع بذكر فرس ولا حجر أو هواء أو ماء؛ فإذا صار ~~حمار، أو ثور، أو كلب اسم رجل معظم، تتابعت عليه العرب تطير إليه، ثم يكثر ~~ذلك في ولده خاصة بعده. وعلى ذلك سمت الرعية بنيها وبناتها بأسماء رجال ~~الملوك ونسائهم، وعلى ذلك صار كل علي يكنى بأبي الحسن، وكل عمر يكنى بأبي ~~حفص، وأشباه ذلك. فالأسماء ضروب، منها شيء أصلي كالسماء والأرض والهواء ~~والماء والنار، وأسماء أخر مشتقات منها على جهة الفأل، وعلى شكل اسم الأب، ~~كالرجل يكون اسمه عمر فيسمى ابنه عميرا، ويسمي عمير ابنه عمران، ويسمي ~~عمران ابنه معمرا. # وربما كانت الأسماء بأسماء الله عز وجل مثل ما سمى الله عز وجل أبا ~~إبراهيم آزر، وسمى إبليس بفاسق، وربما كانت الأسماء مأخوذة من أمور تحدث في ~~الأسماء؛ مثل يوم العروبة سميت في الإسلام يوم الجمعة «1» ، واشتق له ذلك ~~من صلاة يوم الجمعة. ### || 241- [ما ترك الناس ألفاظ الجاهلية] # وسنقول في المتروك من هذا الجنس ومن غيره، ثم نعود إلى موضعنا الأول إن ~~شاء الله تعالى. # ترك الناس مما كان مستعملا في الجاهلية أمورا كثيرة، فمن ذلك تسميتهم ~~للخراج إتاوة، وكقولهم للرشوة ولما يأخذه السلطان: الحملان والمكس. وقال ~~جابر ابن حني: [من الطويل] # أفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم «2» # PageV01P215 # وكما قال العبدي في الجارود: [من الطويل] # أيا ابن المعلى خلتنا أم حسبتنا ... صراري نعطي الماكسين مكوسا «1» # وكما تركوا انعم صباحا، وانعم ظلاما، وصاروا يقولون: كيف أصبحتم؟ # وكيف أمسيتم؟ # وقال قيس بن زهير بن جذيمة، ليزيد بن سنان بن أبي حارثة: انعم ظلاما أبا ~~ضمرة! قال: نعمت أنت؟ قال: قيس بن زهير. # وعلى ذلك قال امرؤ القيس: [من الطويل] # ألا عم ms0165 صباحا أيها الطلل البالي ... وهل يعمن من كان في العصر الخالي «2» # وعلى ذلك قال الأول: [من الوافر] # أتوا ناري فقلت منون قالوا ... سراة الجن قلت عموا ظلاما «3» # وكما تركوا أن يقولون للملك أو السيد المطاع: أبيت اللعن، كما قيل: [من ~~الرجز] # مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه «4» # وقد زعموا أن حذيفة بن بدر كان يحيا بتحية الملوك ويقال له: أبيت اللعن. # وتركوا ذلك في الإسلام من غير أن يكون كفرا. # وقد ترك العبد أن يقول لسيده ربي، كما يقال رب الدار، ورب البيت. # PageV01P216 # وكذلك حاشية السيد والملك تركوا أن يقولوا ربنا. كما قال الحارث بن حلزة: ~~[من الخفيف] # ربنا وابننا وأفضل من يم ... شي ومن دون ما لديه الثناء «1» # وكما قال لبيد حين ذكر حذيفة بن بدر: [من الطويل] # وأهلكن يوما رب كندة وابنه ... ورب معد بين خبت وعرعر «2» # وكما عير زيد الخيل حاتما الطائي في خروجه من طيء ومن حرب الفساد «3» ، ~~إلى بني بدر، حيث يقول: [من الطويل] # وفر من الحرب العوان ولم يكن ... بها حاتم طبا ولا متطببا «4» # وريب حصنا بعد أن كان آبيا ... أبوة حصن فاستقال وأعتبا # أقم في بني بدر ولا ما يهمنا ... إذا ما تقضت حربنا أن تطربا # وقال عوف بن محلم، حين رأى الملك: إنه ربي ورب الكعبة. وزوجه أم أناس بنت ~~عوف. # وكما تركوا أن يقولوا لقوام الملوك السدنة وقالوا الحجبة. # وقال أبو عبيدة معمر بن المثنى عن أبي عبد الرحمن يونس بن حبيب النحوي ~~حين أنشده شعر الأسدي: [من الوافر] # ومركضة صريحي أبوها ... تهان لها الغلامة والغلام «5» # قال: فقلت له: فتقول: للجارية غلامة؟ قال: لا، هذا من الكلام المتروك ~~وأسماؤه زالت مع زوال معانيها، كالمرباع والنشيطة وبقي الصفايا؛ فالمرباع: ~~ربع جميع الغنيمة الذي كان خالصا للرئيس، وصار في الإسلام الخمس، على ما ~~سنه الله # PageV01P217 # تعالى. وأما النشيطة فإنه كان للرئيس أن ينشط عند قسمة المتاع العلق ~~النفيس يراه إذا استحلاه. وبقي الصفي وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ~~من كل مغنم، ms0166 وهو كالسيف اللهذم والفرس العتيق، والدرع الحصينة، والشيء ~~النادر. # وقال ابن عنمة الضبي حليف بني شيبان، في مرثيته بسطام بن قيس: [من ~~الوافر] # لك المرباع منها والصفايا ... وحكمك والنشيطة والفضول «1» # والفضول: فضول المقاسم، كالشيء إذا قسم وفضلت فضلة استهلكت، كاللؤلؤة، ~~والسيف، والدرع، والبيضة، والجارية، وغير ذلك. ### || 242- [كلمات الإسلامية محدثة] # وأسماء حدثت ولم تكن، وإنما اشتقت لهم من أسماء متقدمة، على التشبيه، مثل ~~قولهم لمن أدرك الجاهلية والإسلام مخضرم كأبي رجاء العطاردي، بن سالمة، ~~وشقيق بن سالمة؛ ومن الشعراء النابغة الجعدي وابن مقبل، وأشباههم من ~~الفقهاء والشعراء. ويدل على أن هذا الاسم أحدث في الإسلام، أنهم في ~~الجاهلية لم يكونوا يعلمون أن ناسا يسلمون وقد أدركوا الجاهلية، ولا كانوا ~~يعلمون أن الإسلام يكون. # ويقال إن أول من سمى الأرض التي لم تحفر قط ولم تحرث إذا فعل بها ذلك ~~مظلومة، النابغة حيث يقول: [من البسيط] # إلا الأوراري لأيا ما أبينها ... والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد «2» # ومنه قيل سقاء مظلوم إذا أعجل عليه قبل إدراكه. وقال الحادرة: [من ~~الكامل] # ظلم البطاح له انهلال حريصة ... فصفا النطاف له بعيد المقلع «3» # PageV01P218 # وقال آخر: [من الرجز] # قالت له مي بأعلى ذي سلم ... لو ما تزورنا إذا الشعب ألم # ألا بلى يا مي واليوم ظلم «1» # يقول ظلم حين وضع الشيء في غير موضعه. وقال الآخر: [من الرجز] # أنا أبو زينب واليوم ظلم # وقال ابن مقبل: [من البسيط] # عاد الأذلة في دار وكان بها ... هرت الشقاشق ظلامون للجزر «2» # وقال آخر: [من الطويل] # وصاحب صدق لم تنلني أذاته ... ظلمت وفي ظلمي له عامدا أجر «3» # وقال آخر: [من البسيط] # لا يظلمون إذا ضيفوا وطابهم ... وهم لجودهم في جزرهم ظلم # وظلم الجزور: أن يعرقبوها، وكان في الحق أن تنحر نحرا. وظلمهم الجزر أيضا ~~أن ينحروها صحاحا سمانا لا علة بها. # قال: ومن ذلك قولهم: «الحرب غشوم» «4» ؛ وإنما سميت بهذا لأنها تنال غير ~~الجاني. # قال: ومن ذلك قولهم: «من أشبه أباه فما ظلم» «5» ، يقول: قد وضع الشبه في ~~موضعه. # ومن المحدث المشتق، ms0167 اسم منافق لمن راءى بالإسلام واستسر بالكفر أخذ # PageV01P219 # ذلك من النافقاء والقاصعاء والداماء «1» ، ومثل المشرك والكافر، ومثل ~~التيمم. قال الله تعالى: فتيمموا صعيدا طيبا* # «2» أي تحروا ذلك وتوخوه. وقال: فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه # «3» فكثر هذا في الكلام حتى صار التيمم هو المسح نفسه «4» . وكذلك عادتهم ~~وصنيعهم في الشيء إذا طالت صحبتهم وملابستهم له. # وكما سموا رجيع الإنسان الغائط، وإنما الغيطان البطون التي كانوا ينحدرون ~~فيها إذا أرادوا قضاء الحاجة للستر «5» . # ومنه العذرة، وإنما العذرة الفناء، والأفنية هي العذرات، ولكن لما طال ~~إلقاؤهم النجو والزبل في أفنيتهم، سميت تلك الأشياء التي رموا بها، باسم ~~المكان الذي رميت به «6» . وفي الحديث: «أنقوا عذراتكم» «7» . # وقال ابن الرقيات: [من الخفيف] # رحم الله أعظما دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات «8» # كان لا يحجب الصديق ولا يع ... تل بالبخل طيب العذرات # ولكنهم لكثرة ما كانوا يلقون نجوهم في أفنيتهم سموها باسمها. # ومنه النجو: وذلك أن الرجل كان إذا أراد قضاء الحاجة تستر بنجوة «9» . # والنجو: الارتفاع من الأرض، قالوا من ذلك: ذهب ينجو، كما قالوا ذهب يتغوط ~~إذا ذهب إلى الغائط لذلك الأمر، ثم اشتقوا منه فقالوا إذا غسل موضع النجو ~~قد استنجى. # PageV01P220 # وقالوا: ذهب إلى المخرج، وإلى المتوضأ، وإلى المذهب، وإلى الخلاء، وإلى ~~الحش، وإنما الحش القطعة من النخل وهي الحشان «1» . وكانوا بالمدينة إذا ~~أرادوا قضاء الحاجة دخلوا النخل؛ لأن ذلك أستر، فسموا المتوضأ الحش، وإن ~~كان بعيدا من النخل؛ كل ذلك هربا من أن يقولوا ذهب لخرء، لأن الاسم الخرء، ~~وكل شيء سواه من [نجو] ورجيع وبراز وزبل وغائط فكله كناية. # ومن هذا الباب الملة، والملة موضع الخبزة، فسموا الخبزة باسم موضعها. # وهذا عند الأصمعي خطأ. # ومن هذا الشكل الراوية، والراوية هو الجمل نفسه، وهو حامل المزادة فسميت ~~المزادة باسم حامل المزادة «2» . ولهذا المعنى سموا حامل الشعر والحديث ~~راوية. # ومنه قولهم: ساق إلى المرأة صداقها. قالوا: وإنما كان يقال ذلك حين كانوا ~~يدفعون في الصداق إبلا، وتلك الإبل يقال لها النافجة. وقال شاعرهم: [من ~~الطويل] # وليس تلادي ms0168 من وراثة والدي ... ولا شاد مالي مستفاد النوافج «3» # وكانوا يقولون: تهنيك النافجة. قال: فإذا كانوا يدفعون الصداق عينا وورقا ~~فلا يقال ساق إليها الصداق. # ومن ذلك أنهم كانوا يضربون على العروس البناء، كالقبة والخيمة والخيام، ~~على قدر الإمكان، فيقال بنى عليها، اشتقاقا من البناء، ولا يقال ذلك اليوم. ~~والعروس إما أن تكون مقيمة في مكانها أو تتحول إلى مكان أقدم من بنائها. # قال «4» : ومن ذلك قولهم في البغي المكتسبة بالفجور: قحبة، وإنما القحاب ~~السعال. وكانوا إذا أرادوا الكناية عن من زنت وتكسبت بالزنى، قالوا قحبت أي ~~سعلت، كناية. وقال الشاعر: [من مجزوء الكامل] # إن السعال هو القحاب # وقال: [من الرمل] # وإذا ما قحبت واحدة ... جاوب المبعد منها فخضف «5» # PageV01P221 # وكذلك كان كنايتهم في انكشاف عورة الرجل، يقال «1» : كشف علينا متاعه ~~وعورته وشواره. والشوار: المتاع. وكذلك الفرج وإنما يعنون الأير والحر ~~والاست. ### || 243- [كلمات للنبي صلى الله عليه وسلم، لم يتقدمه فيهن أحد] # وكلمات النبي صلى الله عليه وسلم، لم يتقدمه فيهن أحد «2» : من ذلك قوله: ~~«إذا لا ينتطح فيها عنزان» «3» . ومن ذلك قوله: «مات حتف أنفه» «4» . ومن ~~ذلك قوله: «يا خيل الله اركبي» «5» ومن ذلك قوله: «كل الصيد في جوف الفرا» ~~«6» ، وقوله: «لا يلسع المؤمن من جحر مرتين» «7» . ### || 244- [شنشنة أعرفها من أخزم] # وقال عمر رضي الله تعالى عنه | : «شنشنة أعرفها من أخزم» # «8» ، يعني شبه ابن العباس بالعباس. وأخزم: فحل معروف بالكرم. ### || 245- [ما يكره من الكلام] # وأما الكلام الذي جاءت به كراهية من طريق الروايات، فروي عن رسول الله # PageV01P222 # صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا يقولن أحدكم خبثت نفسي ولكن ليقل لقست ~~نفسي» «1» ، كأنه كره صلى الله عليه وسلم أن يضيف المؤمن الطاهر إلى نفسه ~~الخبث والفساد بوجه من الوجوه. # وجاء عن عمر ومجاهد وغيرهما النهي عن قول القائل: استأثر الله بفلان، بل ~~يقال مات فلان. ويقال استأثر الله بعلم الغيب واستأثر الله بكذا وكذا. # قال النخعي: كانوا يكرهون أن يقال: قراءة عبد الله، وقراءة سالم، وقراءة ~~أبي، وقراءة زيد. وكانوا يكرهون ms0169 أن يقولوا سنة أبي بكر وعمر، بل يقال سنة ~~الله وسنة رسوله، ويقال فلان يقرأ بوجه كذا، وفلان يقرأ بوجه كذا. # وكره مجاهد أن يقولوا مسيجد ومصيحف، للمسجد القليل الذرع، والمصحف القليل ~~الورق. ويقول: هم وإن لم يريدوا التصغير فإنه بذلك شبيه. ### || 246- [وجوه تصغير الكلام] # وربما صغروا الشيء من طريق الشفقة والرقة «2» ، كقول عمر: أخاف على هذا ~~العريب. وليس التصغير بهم يريد. وقد يقول الرجل: إنما فلان أخيي وصديقي؛ ~~وليس التصغير له يريد. وذكر عمر ابن مسعود فقال: «كنيف ملئ علما» «3» . ~~وقال الحباب بن المنذر يوم السقيفة: «أنا جذيلها المحكك، وعذيقها المرجب» ~~«4» . # وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: «الحميراء» «5» ، وكقولهم ~~لأبي قابوس الملك: أبو قبيس. وكقولهم: دبت إليه دويهية الدهر، وذلك حين ~~أرادوا لطافة المدخل ودقة المسلك. # ويقال إن كل فعيل في أسماء العرب فإنما هو على هذا المعنى، كقولهم # PageV01P223 # المعيدي، وكنحو: سليم، وضمير، وكليب، وعقير، وجعيل، وحميد، وسعيد، وجبير؛ ~~وكنحو عبيد، وعبيد الله، وعبيد الرماح. وطريق التحقير والتصغير إنما هو ~~كقولهم: نجيل ونذيل. قالوا: ورب اسم إذا صغرته كان أملأ للصدر، مثل قولك ~~أبو عبيد الله، هو أكبر في السماع من أبي عبد الله، وكعب بن جعيل، هو أفخم ~~من كعب بن جعل. وربما كان التصغير خلقة وبنية، لا يتغير، كنحو الحميا ~~والسكيت، وجنيدة، والقطيعا، والمريطاء، والسميراء، والمليساء- وليس هو ~~كقولهم القصيرى، وفي كبيدات السماء والثريا. # وقال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: دققت الباب على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: من هذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا! كأنه كره قولي أنا ~~«1» . # وحدثني أبو علي الأنصاري، وعبد الكريم الغفاري قالا: حدثنا عيسى بن حاضر ~~قال: كان عمرو بن عبيد يجلس في داره، وكان لا يدع بابه مفتوحا، فإذا قرعه ~~إنسان قام بنفسه حتى يفتحه له. فأتيت الباب يوما فقرعته فقال: من هذا؟ ~~فقلت: أنا. # فقال: ما أعرف أحدا يسمى أنا. فلم أقل شيئا وقمت خلف الباب، إذ جاء رجل ~~من أهل خراسان فقرع الباب، فقال ms0170 عمرو: من هذا؟ فقال: رجل غريب قدم عليك، ~~يلتمس العلم. فقام له ففتح له الباب، فلما وجدت فرجة أردت أن ألج الباب، ~~فدفع الباب في وجهي بعنف، فأقمت عنده أياما ثم قلت في نفسي: والله إني يوم ~~أتغضب على عمرو بن عبيد، لغير رشيد الرأي. فأتيت الباب فقرعته عليه فقال: ~~من هذا؟ # فقلت: عيسى بن حاضر. فقام ففتح لي الباب. # وقال رجل عند الشعبي: أليس الله قال كذا وكذا! قال: وما علمك؟ وقال ~~الربيع بن خثيم: اتقوا تكذيب الله، ليتق أحدكم أن يقول قال الله في كتابه ~~كذا وكذا، فيقول الله كذبت لم أقله. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: لا يقل أحدكم أهريق الماء ولكن يقول ~~أبول. # وسأل عمر رجلا عن شيء، فقال: الله أعلم. فقال عمر: قد خزينا إن كنا لا ~~نعلم أن الله أعلم؛ إذا سئل أحدكم عن شيء فإن كان يعلمه قاله، وإن كان لا ~~يعلمه قال: لا علم لي بذلك. # PageV01P224 # وسمع عمر رجلا يدعو ويقول؛ اللهم اجعلني من الأقلين! قال: ما هذا الدعاء؟ # قال: إني سمعت الله عز وجل يقول: وقليل من عبادي الشكور # «1» وقال: وما آمن معه إلا قليل # «2» . قال عمر: عليك من الدعاء بما يعرف. # وكره عمر بن عبد العزيز قول الرجل لصاحبه: ضعه تحت إبطك، وقال: هلا قلت ~~تحت يدك وتحت منكبك! وقال مرة- وراث فرس بحضرة سليمان- فقال: # ارفعوا ذلك النثيل «3» . ولم يقل ذلك الروث. # وقال الحجاج لأم عبد الرحمن بن الأشعث: عمدت إلى مال الله فوضعته تحت. ~~كأنه كره أن يقول على عادة الناس: تحت استك، فتلجلج خوفا من أن يقول قذعا ~~أو رفثا، ثم قال: تحت ذيلك. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقولن أحدكم لمملوكه عبدي وأمتي، ~~ولكن يقول: فتاي وفتاتي، ولا يقول المملوك ربي وربتي، ولكن يقول سيدي ~~وسيدتي» «4» . # وكره مطرف بن عبد الله، قول القائل للكلب: اللهم أخزه. # وكره عمران بن الحصين، أن يقول الرجل لصاحبه: «أنعم الله بك عينا» ؛ و ~~«لا أنعم الله بك عينا» ms0171 . # وقد كرهوا أشياء مما جاءت في الروايات لا تعرف وجوهها، فرأي أصحابنا: لا ~~يكرهونها. ولا نستطيع الرد عليهم، ولم نسمع لهم في ذلك أكثر من الكراهة. ~~ولو كانوا يروون الأمور مع عللها وبرهاناتها خفت المؤنة، ولكن أكثر ~~الروايات مجردة، وقد اقتصروا على ظاهر اللفظ دون حكاية العلة، ودون الإخبار ~~عن البرهان. وإن كانوا قد شاهدوا النوعين مشاهدة واحدة. # قال ابن مسعود وأبو هريرة «5» : «لا تسموا العنب الكرم؛ فإن الكرم هو ~~الرجل المسلم «6» . # PageV01P225 # وقد رفعوا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم. # وأما قوله: «لا تسبوا الدهر فإن الدهر هو الله» «1» فما أحسن ما فسر ذلك ~~عبد الرحمن بن مهدي قال: وجه هذا عندنا، أن القوم قالوا: وما يهلكنا إلا ~~الدهر # «2» فلما قال القوم ذلك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ذلك الله» . ~~يعني أن الذي أهلك القرون هو الله عز وجل، فتوهم منه المتوهم أنه إنما أوقع ~~الكلام على الدهر. # وقال يونس: وكما غلطوا في قول النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: «قل ومعك ~~روح القدس» «3» فقالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم لحسان: قل ومعك جبريل ~~«4» ؛ لأن روح القدس أيضا من أسماء جبريل. ألا ترى أن موسى قال: «ليت أن ~~روح الله مع كل أحد» ، وهو يريد العصمة والتوفيق. والنصارى تقول للمتنبي: ~~معه روح دكالا، ومعه روح سيفرت. وتقول اليهود: معه روح بعلزبول، يريدون ~~شيطانا. فإذا كان نبيا قالوا: # روحه روح القدس، وروحه روح الله، وقال الله عز وجل: وكذلك أوحينا إليك ~~روحا من أمرنا # «5» ، يعني القرآن. # وسمع الحسن رجلا يقول: طلع سهيل وبرد الليل. فكره ذلك وقال: إن سهيلا لم ~~يأت بحر ولا ببرد قط. ولهذا الكلام مجاز ومذهب، وقد كره الحسن كما ترى. # وكره مالك بن أنس أن يقول الرجل للغيم والسحابة: ما أخلقها للمطر! وهذا ~~كلام مجازه قائم، وقد كرهه ابن أنس. كأنهم من خوفهم عليهم العود في شيء من ~~أمر الجاهلية، احتاطوا في أمورهم، فمنعوهم من الكلام الذي فيه أدنى متعلق. # ورووا أن ابن عباس ms0172 قال: لا تقولوا والذي خاتمه على فمي، فإنما يختم الله ~~عز وجل على فم الكافر. وكره قولهم: قوس قزح. وقال: قزح شيطان «6» ، وإنما ~~ذهبوا إلى # PageV01P226 # التعريج والتلوين، كأنه كره ما كانوا عليه من عادات الجاهلية. وكان أحب ~~أن يقال قوس الله، فيرفع من قدره، كما يقال بيت الله، وزوار الله، وأرض ~~الله، وسماء الله، وأسد الله «1» . # وقالت عائشة رضي الله عنها: «قولوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاتم ~~النبيين، ولا تقولوا: لا نبي بعده» فإلا تكن ذهبت إلى نزول المسيح فما أعرف ~~له وجها إلا أن تكون قالت لا تغيروا ما سمعتم، وقولوا كما قيل لكم، والفظوا ~~بمثله سواء. # وكره ابن عمر رضي الله عنهما قول القائل: أسلمت في كذا وكذا، وقال: ليس ~~الإسلام إلا لله عز وجل. وهذا الكلام مجازه عند الناس سهل، وقد كرهه ابن ~~عمر، وهو أعلم بذلك. # وكره ابن عباس رضي الله عنهما قول القائل: أنا كسلان. # وقال عمر: لا تسموا الطريق السكة. # وكره أبو العالية قول القائل: كنت في جنازة، وقال: قل تبعت جنازة. كأنه ~~ذهب إلى أنه عنى أنه كان في جوفها، وقال قل تبعت جنازة. والناس لا يريدون ~~هذا، ومجاز هذا الكلام قائم، وقد كرهه أبو العالية، وهي عندي شبيه بقول من ~~كره أن يقول: أعطاني فلان نصف درهم. وقال: إذا قلت: كيف تكيل الدقيق؟ فليس ~~جوابه أن تقول: القفيز بدنينير، ولكن يتناول القفيز ثم يكيل به الدقيق، ~~ويقول: هكذا الكيلة وهذا من القول مسخوط! وكره ابن عباس قول القائل: الناس ~~قد انصرفوا، يريد من الصلاة، قال بل قولوا: # قد قضوا الصلاة، وقد فرغوا من الصلاة، وقد صلوا؛ لقوله: ثم انصرفوا صرف ~~الله قلوبهم # «2» ، قال: وكلام الناس: كان ذلك حين انصرفنا من الجنازة، وقد انصرفوا من ~~السوق، وانصرف الخليفة، وصرف الخليفة الناس من الدار اليوم بخير، وكنت في ~~أول المنصرفين. وقد كرهه ابن عباس. ولو أخبرونا بعلته انتفعنا بذلك. # وكره حبيب بن أبي ثابت، أن يقال للحائض طامث، وكره مجاهد قول القائل: ms0173 # دخل رمضان، وذهب رمضان، وقال: قولوا شهر رمضان، فلعل رمضان اسم من أسماء ~~الله تعالى. # PageV01P227 # قال أبو إسحاق: إنما أتى من قبل قوله تعالى: شهر رمضان الذي أنزل فيه ~~القرآن # «1» فقد قال الناس يوم التروية، ويوم عرفة ولم يقولوا عرفة. ### || 247- [رأي النظام في بعض المفسرين و صور من تكلفهم في التأويل] # كان أبو إسحاق يقول: لا تسترسلوا إلى كثير من المفسرين، وإن نصبوا أنفسهم ~~للعامة، وأجابوا في كل مسألة؛ فإن كثيرا منهم يقول بغير رواية على غير ~~أساس، وكلما كان المفسر أغرب عندهم كان أحب إليهم، وليكن عندكم عكرمة، ~~والكلبي، والسدي، والضحاك، ومقاتل بن سليمان، وأبو بكر الأصم، في سبيل ~~واحدة. فكيف أثق بتفسيرهم وأسكن إلى صوابهم، وقد قالوا في قوله عز وجل: # وأن المساجد لله # «2» : إن الله عز وجل لم يعن بهذا الكلام مساجدنا التي نصلي فيها، بل ~~إنما عنى الجباه وكل ما سجد الناس عليه: من يد ورجل، وجبهة وأنف وثفنة. # وقالوا في قوله تعالى: أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت # «3» : إنه ليس يعني الجمال والنوق، وإنما يعني السحاب «4» . # وإذا سئلوا عن قوله: وطلح منضود # «5» قالوا: الطلح هو الموز. # وجعلوا الدليل على أن شهر رمضان قد كان فرضا على جميع الأمم وأن الناس ~~غيروه، قوله تعالى كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم # «6» . # وقالوا في قوله تعالى: رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا # «7» قالوا: # يعني أنه حشره بلا حجة. # وقالوا في قوله تعالى: ويل للمطففين # «8» : الويل واد في جهنم. ثم قعدوا # PageV01P228 # يصفون ذلك الوادي. ومعنى الويل في كلام العرب معروف، وكيف كان في ~~الجاهلية قبل الإسلام، وهو من أشهر كلامهم! وسئلوا عن قوله تعالى: قل أعوذ ~~برب الفلق # «1» قالوا: الفلق: واد في جهنم، ثم قعدوا يصفونه. وقال آخرون: الفلق: ~~المقطرة بلغة اليمن. # وقال آخرون في قوله تعالى: عينا فيها تسمى سلسبيلا # «2» قالوا: أخطأ من وصل بعض هذه الكلمة ببعض. قالوا: وإنما هي: سل سبيلا ~~إليها يا محمد. فإن كان كما قالوا فأين معنى تسمى، وعلى ms0174 أي شيء وقع قوله ~~تسمى فتسمى ماذا، وما ذلك الشيء؟ # وقالوا في قوله تعالى: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا # «3» قالوا الجلود كناية عن الفروج. كأنه كان لا يرى أن كلام الجلد من ~~أعجب العجب! وقالوا في قوله تعالى: كانا يأكلان الطعام # «4» : إن هذا إنما كان كناية عن الغائط. كأنه لا يرى أن في الجوع وما ~~ينال أهله من الذلة والعجز والفاقة، وأنه ليس في الحاجة إلى الغذاء- ما ~~يكتفى به في الدلالة على أنهما مخلوقان، حتى يدعي على الكلام ويدعي له شيئا ~~قد أغناه الله تعالى عنه. # وقالوا في قوله تعالى: وثيابك فطهر # «5» : إنه إنما عنى قلبه. # ومن أعجب التأويل قول اللحياني: (الجبار) من الرجال يكون على وجوه: # يكون جبارا في الضخم والقوة، فتأول قوله تعالى: إن فيها قوما جبارين # «6» قال: # ويكون جبارا على معنى قتالا، وتأول في ذلك: وإذا بطشتم بطشتم جبارين # «7» ، وقوله لموسى صلى الله عليه وسلم: إن تريد إلا أن تكون جبارا في ~~الأرض # «8» أي قتالا بغير حق. # والجبار: المتكبر عن عبادة الله تعالى، وتأول قوله عز وجل: # PageV01P229 # ولم يكن جبارا عصيا # «1» ، وتأول في ذلك قول عيسى: ولم يجعلني جبارا شقيا # «2» أي لم يجعلني متكبرا عن عبادته، قال: الجبار: المسلط القاهر، وقال: ~~وهو قوله: وما أنت عليهم بجبار # «3» أي مسلط فتقهرهم على الإسلام. والجبار: الله. # وتأول أيضا (الخوف) على وجوه، ولو وجده في ألف مكان لقال: والخوف على ألف ~~وجه، وكذلك الجبار. وهذا كله يرجع إلى معنى واحد؛ إلا أنه لا يجوز أن يوصف ~~به إلا الله عز وجل. ### || 248- [تكلف بعض القضاة في أحكامهم] # وقال رجل لعبيد الله بن الحسن القاضي: إن أبي أوصى بثلث ماله في الحصون. ~~قال: اذهب فاشتر به خيلا، فقال الرجل: إنه إنما ذكر الحصون! قال: أما سمعت ~~قول الأسعر الجعفي: [من الكامل] # ولقد علمت على تجنبي الردى ... أن الحصون الخيل لا مدر القرى «4» # فينبغي في مثل هذا القياس على هذا التأويل، أنه ما قيل للمدن والحصون ~~حصون إلا على التشبيه بالخيل. # وخبرني النوشرواني ms0175 قال: قلت للحسن القاضي: أوصى جدي بثلث ماله لأولاده، ~~وأنا من أولاده. قال: ليس لك شيء. قلت: ولم؟ قال: أو ما سمعت قول الشاعر: ~~[من الطويل] # بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد «5» # قال: فشكوت ذلك إلى فلان فزادني شرا. # وقالوا في قوله «6» : ما ساءك وناءك: ناءك، أبعدك. قالوا: وساءك أبرصك. ~~قال: # لقوله تعالى: تخرج بيضاء من غير سوء* # «7» . وبئس التكلف. # PageV01P230 # وقال ابن قميئة: [من الطويل] # وحمال أثقال إذا هي أعرضت ... على الأصل لا يسطيعها المتكلف «1» # وقال الله وهو يخبر عن نبيه صلى الله عليه وسلم: وما أنا من المتكلفين # «2» . # وليس يؤتى القوم إلا من الطمع، ومن شدة إعجابهم بالغريب من التأويل. ### || 249- [رأي في أبي حنيفة] # وسئل حفص بن غياث، عن فقه أبي حنيفة، فقال: أعلم الناس بما لم يكن، وأجهل ~~الناس بما كان «3» ! وقالوا في قوله تعالى: ثم لتسئلن يومئذ عن النعيم # «4» قالوا: النعيم: الماء الحار في الشتاء، والبارد في الصيف. ### || 250- [الصرورة] # ومن الأسماء المحدثة التي قامت مقام الأسماء الجاهلية، قولهم في الإسلام ~~لمن لم يحج: صرورة. # وأنت إذا قرأت أشعار الجاهلية وجدتهم قد وضعوا هذا الاسم على خلاف هذا ~~الموضع. قال ابن مقروم الضبي: [من الكامل] # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... عبد الإله صرورة متبتل «5» # لدنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولهم من تاموره بتنزل # والصرورة عندهم إذا كان أرفع الناس في مراتب العبادة، وهو اليوم اسم للذي ~~لم يحج إما لعجز، وإما لتضييع، وإما لإنكار. فهما مختلفان كما ترى. ### || 251- [ألفاظ القرآن الكريم] # فإذا كانت العرب يشتقون كلاما من كلامهم وأسماء من أسمائهم، واللغة # PageV01P231 # عارية في أيديهم ممن خلقهم ومكنهم وألهمهم وعلمهم، وكان ذلك منهم صوابا ~~عند جميع الناس؛ فالذي أعارهم هذه النعمة أحق بالاشتقاق وأوجب طاعة. وكما ~~أن له أن يبتدئ الأسماء؛ فكذلك له أن يبتدئها مما أحب.. قد سمى كتابه ~~المنزل قرآنا، وهذا الاسم لم يكن حتى كان، وجعل السجود للشمس كفرا، فلا ~~يجوز أن يكون السجود لها كفرا إلا وترك ذلك السجود بعينه يكون إيمانا، ~~والترك ms0176 للشيء لا يكون إلا بالجارحة التي كان بها الشيء، وفي مقداره من ~~الزمان، وتكون بدلا منه وعقبا. فواحدة أن يسمى السجود كفرا، وإذا كان كفرا ~~كان جحودا وإذا كان جحودا كان شركا، والسجود ليس بجحد، والجحد ليس بإشراك ~~إلا أن تصرفه إلى الوجه الذي يصير به إشراكا. ### || 252- [ما اشتق من نباح الكلاب و ما قيل من الشعر فيه] # وقال طفيل الغنوي: [من الطويل] # عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تم حول مجرم «1» # وإنما أخذ ذلك للجميع من نباح الكلاب. # وذكروا أن الظبي إذا أسن ونبتت لقرونه شعب نبح، وهو قول أبي دؤاد: [من ~~الهزج] # وقصرى شنج الأنسا ... ء نباح من الشعب «2» # يعني من جهة الشعب؛ وأنشد بعضهم: [من الطويل] # وينبح بين الشعب نبحا كأنه ... نباح سلوق أبصرت ما يريبها «3» # وبيضها الهزل المسود غيرها ... كما ابيض عن حمض المراحم نيبها # لأن الظبي إذا هزل ابيض، والبعير يشيب وجهه من أكل الحمض. وكذلك قال ابن ~~لجأ: [من الرجز] # شابت ولما تدن من ذكائها «4» # PageV01P232 # كما قال الآخر: [من الرجز] # أكلن حمضا فالوجوه شيب ... شربن حتى نزح القليب «1» # وقد تصير الناقة الحمراء إذا أتمت حبشية. ولذلك قال الشاعر: [من الكامل] # حمراء لا حبشية الإتمام # وما أشبه ذلك بقول العبدي: [من الطويل] # وداويتها حتى شتت حبشية ... كأن عليها سندسا وسدوسا «2» # والدواء: اللبن، فلذلك تصير الفرس إذا ألقت شعرها وطرت، تستديل هذا ~~اللون. # وقال خالد بن الصقعب النهدي: [من الوافر] # هبطنا بعد عهدك بطن خبت ... تظل حمامه مثل الخصوم «3» # كأن عرين أيكته تلاقى ... به جمعان من نبط وروم # نباح الهدهد الحولي فيه ... كنبح الكلب في الأنس المقيم # ويقال إن الهدهد ينبح. وربما جعلوا الهدهد، الذي ينبح، الحمام الذكر. قال ~~الشاعر- وهو يصف الحمام الذكر كيف يصنع فيها: [من الكامل] # وإذا استترن أرن فيها هدهد ... مثل المداك خضبته بجساد «4» # وقال طفيل في النبوح مدفع ... عن الزاد مما جلف الدهر محثل «5» # PageV01P233 # وقال الجعدي: [من المتقارب] # فلما دنونا لصوت النباح ... ولا نبصر الحي إلا التماسا «1» # وقال ابن عبدل: ms0177 [من الكامل] # آليت إذ آليت مجتهدا ... ورفعت صوتا ما به بحح # لا يدرك الشعراء منزلتي ... في الشعر إن سكتوا وإن نبحوا # وقال عمرو بن كلثوم: [من الوافر] # وقد هرت كلاب الحي منا ... وشد بنا قتادة من يلينا «2» # وقال بعض العلماء: كلاب الحي شعراؤهم، وهم الذين ينبحون دونهم، ويحمون ~~أعراضهم. وقال آخرون: إن كلاب الحي كل عقور، وكل ذي عيون أربع. # وأما قوله: [من الوافر] # لعمرك ما خشيت على أبي ... رماح بني مقيدة الحمار «3» # ولكني خشيت على أبي ... رماح الجن أو إياك حار # فالطواعين هي عند العرب رماح الجن. وفي الحديث: «إن الطاعون وخز من ~~الشيطان» «4» . # وقال أبو سلمى: [من الرجز] # لا بد للسودد من أرماح ... ومن سفيه دائم النباح # ومن عديد يتقى بالراح «5» # وقال الأعشى: [من الرمل] # مثل أيام لنا نعرفها ... هر كلب الناس فيها ونبح «6» # PageV01P234 # رزن الأحلام في مجلسهم ... كلما كلب من الناس نبح # وقال: [من الطويل] # سينبح كلبي جاهدا من ورائكم ... وأغنى غنائي عنكم أن أؤنبا «1» # وقال أبو ذؤيب: [من الطويل] # ولا هرها كلبي ليبعد تعرها ... ولو نبحتني بالشكاة كلابها «2» # كلابها: شعراؤها، وهو قول بشر بن أبي خازم: [من الوافر] # وإني والشكاة لآل لأم ... كذات الضغن تمشي في الرفاق «3» # وقال أبو زبيد: [من الطويل] # ألم ترني سكنت لأيا كلابهم ... وكفكفت عنكم أكلبي وهي عقر «4» ### || 253- [هجاء ضروب من الحيوان] # قال صاحب الكلب: قد علمنا أنكم تتبعتم على الكلب كل شيء هجي به، وجعلتم ~~ذلك دليلا على سقوط قدره وعلى لؤم طبعه؛ وقد رأينا الشعراء قد هجوا الأصناف ~~كلها، فلم يفلت منهم إنسان ولا سبع، ولا بهيمة ولا طائر ولا همج ولا حشرة، ~~ولا رفيع من الناس ولا وضيع، إلا أن يسلم بعض ذلك عليهم بالخمول، فكفاك ~~بالخمول دقة ولؤما وقلة ونذالة. وقال أمية بن أبي عائذ لإياس بن سهم: [من ~~الطويل] # فأبلغ إياسا أن عرض ابن أختكم ... رداؤك فاصطن حسنه أو تبذل «5» # فإن تك ذا طول فإني ابن أختكم ... وكل ابن أخت من ندى الخال مغتلي # فكن أسدا أو ms0178 ثعلبا أو شبيهه ... فمهما تكن أنسب إليك وأشكل # PageV01P235 # فما ثعلب إلا ابن أخت ثعالة ... وإن ابن أخت الليث ريبال أشبل # ولن تجد الآساد أخوال ثعلب ... إذا كانت الهيجا تلوذ بمدخل # فهذا من الثعلب. وقال مزرد بن ضرار: [من الطويل] # وإن كناز اللحم من بكراتكم ... تهر عليها أمكم وتكالب «1» # وليت الذي ألقى فناؤك رحله ... لتقريه بالت عليه الثعالب # فقد وضع الثعلب كما ترى بهذا الموضع الذي كفاك به نذالة. قال ابن هرمة: # [من الوافر] # فما عادت بذي يمن رؤوسا ... ولا ضرت لفرقتها نزارا «2» # كعنز السوء تنطح من خلاها ... وترأم من يحد لها الشفارا # وهذا قول الشاعر في العنز. وقال ابن أحمر: [من البسيط] # إنا وجدنا بني سهم وجاملهم ... كالعنز تعطف روقيها فترتضع «3» # وقال الفرزدق: [من الطويل] # على حين لم أترك على الأرض حية ... ولا نابحا إلا استقر عقورها # وكان نفيع إذ هجاني لأهله ... كباحثة عن مدية تستثيرها «4» # فهذا قولهم في العنز. ولا نعلم في الأرض أقل شرا ولا أكثر خيرا من شاة. # وقال الخريمي: [من البسيط] # يا للرجال لقوم قد مللتهم ... أرى جوارهم إحدى البليات «5» # ذئب رضيع وخنزير تعارضها ... عقارب وجنت وجنا بحيات # ما ظنكم بأناس خير كسبهم ... مصرح السحت سموه الأمانات # PageV01P236 # فهذا قولهم في العقارب والحيات والضباع والخنازير. # وقال حماد عجرد في بشار: [من الكامل] # قد كان في حبي غزالة شاغل ... للقرد عن شتمي وفي ثوبان # أو في سميعة أختها وشرادها ... لمجونها مع سفلة المجان # أو بيت ضيق عرسه وركوبها ... شر البغاء بأوكس الأثمان # هذا قول حماد في القرد. وقال حماد في بشار بن برد أيضا: [من الطويل] # ولكن معاذ الله لست بقاذف ... بريئا لسواق لقوم نوائح # وما قلت في الأعمى لجهل وأمه ... ولكن بأمر بين لي واضح # سأعرض صحفا عن حصين لأمه ... ولست عن القرد ابن برد بصافح # وقال الآخر: [من الطويل] # لما أتيت ابني يزيد بن خثعم ... أرى القرد والخنزير محتبيان # أمام بيوت القوم من آل خثعم ... وراء قبيحات الوجوه بطان # وقال العتابي: [من الرجز] # اسجد لقرد السوء ms0179 في زمانه ... وإن تلقاك بخنزوانه # لا سيما ما دام في سلطانه «1» # وقال أبو الشمقمق: [من الرجز] # إن رياح اللؤم من شحه ... لا يطمع الخنزير في سلحه «2» # كفاه قفل ضل مفتاحه ... قد يئس الحداد من فتحه # وقال خلف بن خليفة: [من المتقارب] # فسبحان من رزقه واسع ... يعم به القرد والقرده # وهذا كثير. ولعمري لو جمع كله لكان مثل هجاء الناس للكلب، وكذلك لو جمع ~~جميع ما مدح به الأسد فما دونه، والأمثال السائرة التي وقعت في حمد هذه ~~الأشياء، لما كانت كلها في مقدار مديح الكلب. فهذه حجتنا في مرتبة الكلب ~~على جميع السباع والبهائم. # PageV01P237 # ولما قال معبد في قتل الكلب، وتلا قول الله عز وجل: واتل عليهم نبأ الذي ~~آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا ~~لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل ~~عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص # «1» ، قال أبو إسحاق: وإن كنت إنما جعلت الكلب شر الخلق بهذه العلة، فقد ~~قال على نسق هذا الكلام: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب ~~لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك ~~كالأنعام بل هم أضل # «2» ، فالذي قال في الإبل والبقر والغنم أعظم، فأسقط من أقدارها بقدر ~~معنى الكلام. # وأدنى ذلك أن تشرك بين الجميع في الذم فإنك متى أنصفت في هذا الوجه، دعاك ~~ذلك إلى أن تنصفها في تتبع ما لها من الأشعار والأمثال والأخبار والآيات، ~~كما تتبعت ما عليها. ### || 254- [الشرف والخمول في القبائل العرب] # وقال صاحب الكلب: سنضرب مثلا بيننا يكون عدلا: إذا استوى القبيلان في ~~تقادم الميلاد ثم كان أحد الأبوين كثير الذرء «3» والفرسان والحكماء ~~والأجواد والشعراء، وكثير السادات في العشائر، وكثير الرؤساء في الأرحاء ~~«4» وكان الآخر قليل الذرء والعدد، ولم يكن فيهم خير كثير ولا شر كثير، ~~خملوا أو دخلوا في غمار العرب، وغرقوا في معظم الناس، وكانوا من المغمورين ~~ومن ms0180 المغمورين ومن المنسيين، فسلموا من ضروب الهجاء ومن أكثر ذلك، وسلموا ~~من أن يضرب بهم المثل في قلة ونذالة إذا لم يكن شر، وكان محلهم من القلوب ~~محل من لا يغبط الشعراء، ولا يحسدهم الأكفاء؛ وكانوا كما قال حميد بن ثور: ~~[من الطويل] # وقولا إذا جاوزتما أرض عامر ... وجاوزتما الحيين نهدا وخثعما «5» # نزيعان من جرم بن ربان إنهم ... أبوا أن يريقوا في الهزاهز محجما # وإذا تقادم الميلاد ولم يكن الذرء وكان فيهم خير كثير وشر كثير، ومثالب # PageV01P238 # ومناقب، ولم يسلموا من أن يهجوا ويضرب بهم المثل، ولعل أيضا أن تتفق لهم ~~أشعار تتصل بمحبة الرواة، وأمثال تسير على ألسنة العلماء، فيصير حينئذ من ~~لا خير فيه ولا شر، أمثل حالا في العامة، ممن فيه الفضل الكثير وبعض النقص، ~~ولا سيما إذا جاوروا من يأكلهم وحالفوا من لا ينصفهم، كما لقيت غني أو ~~باهلة. # ولو أن عبسا أقامت في بني عامر ضعف ما أقامت؛ لذهب شطر شرفها؛ ولكن قيس ~~بن زهير لما رأى دلائل الشر قال لأصحابه: الذل في بني غطفان خير من العز في ~~بني عامر! وقد يكون القوم حلولا مع بني أعمامهم، فإذا رأوا فضلهم عليهم ~~حسدوهم وإن تركوا شيئا من إنصافهم اشتد ذلك عليهم وتعاظمهم، بأكثر من قدره، ~~فدعاهم ذلك إلى الخروج منهم إلى أعدائهم. فإذا صاروا إلى آخرين نهكوهم ~~وحملوا عليهم، فوق الذي كانوا فيه من بني أعمامهم، حتى يدعوهم ذلك إلى ~~الندم على مفارقتهم، فلا يستطيعون الرجوع، حمية واتقاء، ومخافة أن يعودوا ~~لهم إلى شيء مما كانوا عليه، وإلى المقام في حلفائهم الذين يرون من ~~احتقارهم، ومن شدة الصولة عليهم. ### || 255- [بكل واد بنو سعد] # وقد خرج الأضبط بن قريع السعدي من بني سعد، فجاوز ناسا، فلما رأى مذهبهم ~~وظلمهم ونهكهم، قال: «بكل واد بنو سعد!» » # ، فأرسلها مثلا. # وقد كان عباس بن ريطة الرعلي سيد بني سليم، وقد ناله ضيم في بعض الأمر، ~~فأبى الضيم، فلما حاول مفارقتهم إلى بني غنم عز عليه فقال في كلمة له: ms0181 [من ~~الطويل] # وأمكم تزجي التؤام لبعلها ... وأم أخيكم كزة الرحم عاقر # وزعموا أن أبا عمرو أنشد هذا الشعر، وخبر عن هذه القصة في يوم من أيامه، ~~فدمعت عينه، فحلف شبيل بن عزرة بالطلاق: إنه لعربي في الحقيقة لغية أو ~~لرشدة! ### || 256- [قبائل في شطرها خير كثير وفي الشطر الآخر شرف وضعة] # فمن القبائل المتقادمة الميلاد التي في شطرها خير كثير، وفي الشطر الآخر ~~شرف وضعة، مثل قبائل غطفان وقيس عيلان، ومثل فزارة ومرة وثعلبة. ومثل عبس # PageV01P239 # وعبد الله بن غطفان، ثم غني وباهلة، واليعسوب والطفاوة فالشرف والخطر في ~~عبس وذبيان، والمبتلى والملقى والمحروم والمظلوم، مثل باهلة وغني، مما لقيت ~~من صوائب سهام الشعراء، وحتى كأنهم آلة لمدارج الأقدام، ينكب فيها كل ساع، ~~ويعثر بها كل ماش. وربما ذكروا اليعسوب والطفاوة، وهاربة البقعاء «1» وأشجع ~~الخنثى ببعض الذكر. وذلك مشهور في خصائص العلماء ولا يجوز ذلك صدورهم. وجل ~~معظم البلاء لم يقع إلا بغني وباهلة، وهم أرفع من هؤلاء وأكثر فضولا ~~ومناقب، حتى صار من لا خير فيه ولا شر عنده أحسن حالا ممن فيه الخير الكثير ~~وبعض الشر، وصار مثلهم كما قال الشاعر: [من البسيط] # اضرب ندى طلحة الطلحات مبتدئا ... ببخل أشعث واستثبت وكن حكما «2» # تخرج خزاعة من لؤم ومن كرم ... ولا تعد لها لؤما ولا كرما # وقد ظرف في شعره فظلم خزاعة ظلما عبقريا. # وقال في مثل ذلك الأشعر الرقبان الأسدي: [من المتقارب] # بحسبك في القوم أن يعلموا ... بأنك فيهم غني مضر «3» # وأنت مليخ كلحم الحوار ... فلا أنت حلو ولا أنت مر # وكما قال الشاعر في علباء بن حبيب حيث يقول: [من الهزج] # أرى العلباء كالعلباء ... لا حلو ولا مر # شييخ من بني الجارو ... دلا خير ولا شر «4» # فهذا ونحوه من أشد الهجاء. # PageV01P240 # والخمول اسم لجميع أصناف النقص كلها أو عامتها، ولكنه كالسرو عند ~~العلماء. وليس ينفعك العامة إذا ضرتك الخاصة. # ومن هذا الضرب تميم بن مر، وثور وعكل، وتيم ومزينة. ففي عكل وتيم ومزينة ~~من الشرف والفضل، ما ليس في ms0182 ثور، وقد سلم ثور إلا من الشيء اليسير، مما لا ~~يرويه إلا العلماء، ثم حلت البلية وركد الشر، والتحف الهجاء على عكل وتيم، ~~وقد شعثوا بين مزينة شيئا، ولكنهم حببهم إلى المسلمين قاطبة ما تهيأ لهم من ~~الإسلام، حين قل حظ تيم فيه. وقد نالوا من ضبة، مع ما في ضبة من الخصال ~~الشريفة؛ لأن الأب متى نقص ولده في العدد عن ولد أخيه فقد ركبهم الآخرون ~~بكل عظيمة، حتى يروا تسليم المرباع إليهم حظا، والسير تحت اللواء، والحمل ~~على أموالهم في النوائب؛ حتى ربما كانوا كالعضاريط والعسفاء؛ والأتباع، وفي ~~الأتباع والدخلاء، ثم لا يجدون من ذلك بدا؛ كأنهم متى امتنعوا خذلوهم، ~~فاستباحوهم، فرأوا أن النعمة أربح لهم. # وقد أعان غيلان على الأحنف بكلمة، فقال الأحنف: عبيد في الجاهلية، أتباع ~~في الإسلام. # فإن هربوا تفرقوا فصاروا أشلاء في البلاد، فصار حكمهم حكم من درج، وحكم ~~أبيهم كحكم من لم يعقب. وإذا هم حالفوا القرباء فذلك حيث لا يرفعون رؤوسهم ~~من الذل والغرم. ### || 257- [الحلف عند العرب] # والحلف ضربان: فأحدهما كانضمام عبس وضبة، وأسد وغطفان فإن هؤلاء أقوياء ~~لم ينهكوا كما نهكت باهلة وغني، لحاجة القوم إليهم، ولخشونة مسهم إن تذكروا ~~على حال؛ فقد لقيت ضبة من سعد، وعبس من عامر، وأسد من عيينة بن حصن ما ~~لقوا. # وقد رأيت مشقة ذلك على النابغة، وكيف كره خروج أسد من بني ذبيان. # وعيينة بن حصن وإن كان أسود من النابغة وأشرف، فإن النابغة كان أحزم ~~وأعقل. # وقد سلمت ثور وابتليت عكل وتيم، ولولا الربيع بن خثيم وسفيان الثوري، لما ~~علمت العامة أن في العرب قبيلة يقال لها ثور. ولشريف واحد ممن قبلت تيم ~~أكثر من ثور وما ولد. # PageV01P241 # وكذلك بلعنبر، قد ابتليت وظلمت وبخست، مع ما فيها من الفرسان والشعراء، ~~ومن الزهاد، ومن الفقهاء، ومن القضاة والولاة، ومن نوادر الرجال إسلاميين ~~وجاهليين. # وقد سلمت كعب بن عمرو؛ فإنه لم ينلها من الهجاء إلا الخمش والنتف. # ورب قوم قد رضوا بخمولهم مع السلامة على ms0183 العامة، فلا يشعرون حتى يصب الله ~~تعالى على قمم رؤوسهم حجارة القذف، بأبيات يسيرها شاعر، وسوط عذاب يسير به ~~الراكب والمثل، كما قال الشاعر: [من الرجز] # إن منافا فقحة لدارم ... كما الظليم فقحة البراجم «1» # وقال الشاعر: [من الوافر] # وجدنا الحمر من شر المطايا ... كما الحبطات شر بني تميم «2» # فما الميسم في جلد البعير، بأعلق من بعض الشعر. ### || 258- [أثر الشعر في نباهة القبيلة] # وإذا كان بيت واحد يربطه الشاعر في قوم لهم النباهة والعدد والفعال، مثل ~~نمير، يصير أهله إلى ما صارت إليه نمير وغير نمير، فما ظنك بالظليم وبمناف ~~وبالحبطات، وقد بلغ مضرة جرير عليهم حيث قال: [من الوافر] # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا «3» # إلى أن قال شاعر آخر وهو يهجو قوما آخرين: [من الوافر] # وسوف يزيدكم ضعة هجائي ... كما وضع الهجاء بني نمير «4» # وحتى قال أبو الرديني: [من الوافر] # أتوعدني لتقتلني نمير ... متى قتلت نمير من هجاها «5» # PageV01P242 ### || 259- [بكاء العرب من الهجاء و ذكر بعض من بكي منهم لذلك] # ولأمر ما بكت العرب بالدموع الغزار من وقع الهجاء، وهذا من أول كرمها، ~~كما بكى مخارق بن شهاب، وكما بكى علقمة بن علاثة، وكما بكى عبد الله بن ~~جدعان من بيت لخداش «1» بن زهير. وما زال يهجوه من غير أن يكون رآه، ولو ~~كان رآه ورأى جماله وبهاءه ونبله والذي يقع في النفوس من تفضيله ومحبته ومن ~~إجلاله والرقة عليه أمسك. ألا ترى أن النبيت وغسان بن مالك بن عمرو بن تميم ~~«2» ، ليس يعرفهم بالعجز والقلة إلا دغفل بن حنظلة، وإلا النخار العذري ~~وإلا ابن الكيس النمري، وإلا صحار العبدي، وإلا ابن شرية وأبو السطاح ~~وأشباههم ومن شابه طريقهم والاقتباس من مواريثهم، وقد سلموا على العامة ~~وحصلوا نسب العرب فالرجل منهم عربي تميمي، فهو يعطي حق القوم في الجملة ولا ~~يقتضي ما عليه وعلى رهطه في الخاصة. والحرمان أسوأ حالا في العامة من هذه ~~القبائل الخاملة وهم أعد وأجلد. ### || 260- [ما تبتلي به القبائل فيصيبها بالخمول] # وبلية ms0184 أخرى: أن يكون القبيل متقادم الميلاد، قليل الذلة قليل السيادة، ~~وتهيأ أن يصير في ولد إخوتهم الشرف الكامل والعدد التام، فيستبين لمكانهم ~~منهم من قلتهم وضعفهم لكل من رآهم أو سمع بهم، أضعاف الذي هم عليه لو لم ~~يكونوا ابتلوا بشرف إخوتهم. # ومن شؤم الإخوة أن شرفهم ضعة إخوتهم، ومن يمن الأولاد أن شرفهم شرف من ~~قبلهم من آبائهم ومن بعدهم من أولادهم: كعبد الله بن دارم وجرير بن دارم. ~~فلو أن الفقيم لم يناسب عبد الله بن دارم وكان جارا، كان خيرا له. # ولقد ضعضعت قريش- لما جاءت به من الخصال الشريفة التامة؛ من أركان كنانة- ~~سنام الأرض وجبلها وعينها التي تبصربها، وأنفها التي بها تعطس، فما ظنك بمن ~~أبصر بني زيد بن عبد الله بن دارم، وبني نهشل بن دارم، وبني مجاشع بن دارم، ~~ثم رأى بني فقيم بن جرير بن دارم؟! وكذلك كل أخوين إذا برع أحدهما وسبق ~~وعلا الرجال؛ في الجود والإفضال، # PageV01P243 # أو في الفروسة أو في البيان، فإن كان الآخر وسطا من الرجال، قصدوا بحسن ~~مآثره في الطبقة السفلى لتبين البراعة في أخيه، فصارت قرابته التي كانت ~~مفخرة هي التي بلغت به أسفل السافلين. وكذلك عنزة بن أسد في ربيعة. ولو كان ~~سودد ربيعة مرة في عنزة ومرة في ضبيعة أضجم، لكان خيرا لهم اليوم، ولود ~~كثير من هؤلاء القبائل التي سلمت على الشعراء أو على العوام أن يكون فيهم ~~شطر ما للعنزيين من الشرف، ولو أن الناس وازنوا بين خصال هذه القبائل خيرها ~~وشرها لكانوا سواء. # وقال صاحب الكلب: ذكرت عيوب الكلب فقلت: الكلب إذا كان في الدار محق أجور ~~أهل الدار حتى يأتي على أقصاها، لأن الأجور إذ أخذ منها كل يوم وزن قيراط، ~~والقيراط مثل أحد، لم يلبث على ذلك أن يأتي على آخرها. وقلت: في الكلب أشد ~~الأذى على الجار والضيف والدخيل، يمنعه النوم ليلا والقائلة نهارا، وأن ~~يسمع الحديث. ثم الذي على سامع النباح من المؤنة من الصوت الشديد. # ولو لم يكن ms0185 في الكلب ما يؤذي بشدة صوته إلا بإدامة مجاوبة الكلاب لكان في ~~ذلك مما ينغص العيش، ويمنع من الكلام والحديث. ### || 261- [شعر في النباح والاستنباح] # وقال أرطأة بن سهية في بعض افتخاره: [من الطويل] # وإني لقوام إلى الضيف موهنا ... إذا أغدف الستر البخيل المواكل «1» # دعا فأجابته كلاب كثيرة ... على ثقة مني بما أنا فاعل # وما دون ضيفي، من تلاد تحوزه ... يد الضيف، إلا أن تصان الحلائل # وقال ابن هرمة: [من الطويل] # ومستنبح نبهت كلبي لصوته ... وقلت له قم في اليفاع فجاوب «2» # فجاء خفي الصوت قد مسه الضوى ... بضربة مسنون الغرارين قاضب # فرحبت واستبشرت حتى بسطته ... وتلك التي ألقى بها كل آئب # وقال آخر: [من الطويل] # هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح «3» # PageV01P244 # وقال مزرد بن ضرار: [من الطويل] # نشأت غلاما أتقي الذم بالقرى ... إذا ضاف ضيف من فزارة راغب # فإن آب سار أسمع الكلب صوته ... أتى دون نبح الكلب، والكلب دائب # وقال بشار بن برد: [من الوافر] # سقى الله القباب بتل عبدي ... وبالشرقين أيام القباب «1» # وأياما لنا قصرت وطالت ... على فرعان نائمة الكلاب # وقال رجل من بني عبد الله بن غطفان: [من الطويل] # إذا أنت لم تستبق ود صحابة ... على دخن أكثرت بث المعاتب «2» # وإني لأستبقي امرأ السوء عدة ... لعدوة عريض من الناس جانب «3» # أخاف كلاب الأبعدين ونبحها ... إذا لم تجاوبها كلاب الأقارب # وقال أحيحة بن الجلاح: [من المنسرح] # ما أحسن الجيد من مليكة والل ... بات إذ زانها ترائبها «4» # يا ليتني ليلة إذا هجع ال ... ناس ونام الكلاب صاحبها # وقلت: وفي الكلب قذارة في نفسه، وإقذاره أهله لكثرة سلاحه وبوله، على أنه ~~لا يرضى بالسلاح على السطوح، حتى يحفر ببراثنه وينقب بأظافره، وفي ذلك ~~التخريب. # ولو لم يكن إلا أنه يكون سبب الوكف، وفي الوكف من منع النوم ومن إفساد حر ~~المتاع، ما لا يخفى مكانه، مع ما فيه من عض الصبيان وتفزيع الولدان، وشق ~~الثياب، والتعرض للزوار؛ ومع ما في خلقه أيضا من الطبع المستدعي للصبيان ms0186 ~~إلى ضربه ورجمه وتهييجه بالعبث، ويكون سببا لعقرهم والوثوب عليهم. # وقلت: وبئس الشيء هو في الدار، وفيها الحرم والأزواج، والسراري والحظيات ~~المعشوقات؛ وذلك أن ذكره أير ظاهر الحجم، وهو إما مقبع وإما قائم، وليس معه ~~ما # PageV01P245 # يواريه، وربما أشظ وأنعظ بحضرتهن، ولعلهن يكن مغيبات أو محتاجات إلى ما ~~يحتاج إليه النساء عند غيبة فحلهن، وإذا عجز عن أن يعمهن. ### || 262- [وفد قرحان] # وقد رمى ضابئ بن الحارث البرجمي أم أناس من العرب، أن الكلب الذي كان ~~يسمى قرحان «1» ، كان يأتي أمهم، حتى استعدوا عليه، وحبسه في ذلك عثمان بن ~~عفان رضي الله تعالى عنه. ولولا أن المعنى الذي رماهم به كان مما يكون ~~ويجوز ويخاف مثله، لما بلغ منه عثمان ما بلغ، حتى مات في حبسه. وفي ذلك ~~يقول ضابئ ابن الحارث: [من الطويل] # تجشم نحوي## | وفد قرحان # شقة ... تظل بها الوجناء وهي حسير «2» # فزودتهم كلبا فراحوا كأنما ... حباهم بتاج الهرمزان أمير # فأمكم لا تتركوها وكلبكم ... فإن عقوق الوالدات كبير # إذا عثنت من آخر الليل دخنة ... يبيت له فوق السرير هرير «3» ### || 263- [قصص تتعلق بالكلاب] # وزعم اليقطري أنه أبصر رجلا يكوم كلبة من كلاب الرعاء، ومر بذلك الزب ~~العظيم في ثفرها- والثفر منها ومن السبع، كالحر من المرأة والظبية من ~~الأتان والحجر، والحياء من الناقة والشاة- فزعم أنها لم تعقد عليه، ولا ~~ندري أمكنته أم اغتصبها نفسها. # وأما الناس ففي ملح أحاديثهم: أن رجلا أشرف على رجل وقد ناك كلبة فعقدت ~~عليه، فبقي أسيرا مستخزيا يدور معها حيث دارت. قال: فصاح به الرجل: # اضرب جنبيها. فأطلقته، فرفع رأسه إليه، فقال: أخزاه الله أي نياك كلبات ~~هو! وخبرني من لا أرد خبره، أنه أشرف من سطح له قصير الحائط، فإذا هو بسواد ~~في ظل القمر في أصل حائط، وإذا أنين كلبة، فرأى رأس إنسان يدخل في القمر، ~~ثم يرجع إلى موضعه من ظل القمر، فتأمل في ذلك فإذا هو بحارس ينيك كلبة. ~~قال: # PageV01P246 # فرجمته وأعلمته أني قد رأيته، فصبحني من الغد يقرع الباب علي، فقلت ms0187 له: ~~ما حاجتك؟ وما جاء بك؟ فلقد ظننت أنك ستركب البحر أو تمضي على وجهك إلى ~~البراري. قال: جعلت فداك، أسألك أن تستر علي، ستر الله عليك، وأنا أتوب على ~~يديك! قال: قلت ويلك، فما اشتهيت من كلبة؟! قال: جعلت فداك، كل رجل حارس ~~ليس له زوجة ولا نجل، فهو ينيك إناث الكلاب إذ كن عظام الأجسام. قال: # فقلت: فما يخاف أن تعضه؟ قال: لو رام ذلك منها غير الحارس التي هي له وقد ~~باتت معه فأدخلها في كسائه في ليالي البرد والمطر، لما تركته. وعلى أنه إن ~~أراد أن يوعبه كله لم تستقر له. قال: ونسيت أن أسأله: فهل تعقد على أيور ~~الناس كما تعقد على أيور الكلاب؟ فلقيته بعد ثلاثين سنة، فقال: لا أدري ~~لعلها لا تعقد عليه، لأنه لا يدخله فيها إلى أصله، لعل ذلك أيضا إنما هو ~~شيء يحدث بين الكلب والكلبة، فإذا اختلفا لم يقع الالتحام. قال: فقلت: فطيب ~~هو؟ قال: قد نكت عامة إناث الحيوانات فوجدتهن كلهن أطيب من النساء. قلت: ~~وكيف ذلك؟ قال: ما ذاك إلا لشدة الحرارة. قال: فطال الحديث حتى أنس فقلت ~~له: فإذا دار الماء في صلبك وقرب الفراغ؟ قال: فربما التزمت الكلبة وأهويت ~~إلى تقبيلها. ثم قال: أما إن الكلاب أطيب شيء أفواها، وأعذب شيء ريقا؛ ولكن ~~لا يمكن أن أنيكها من قدام، ولو ذهبت أن أنيكها من خلف وثنيت رأسها إلى أن ~~أقبلها، لم آمن أن تظن بي أني أريد غير ذلك فتكدم فمي ووجهي. قال فقلت: ~~فإني أسألك بالذي يستر عليك، هل نزعت عن هذا العمل منذ أعطيتني صفقة يدك ~~بالتوبة؟ قال: ربما حننت إلى ذلك فأحتبس بعهدك. # قال: وقلت: وإنك لتحن إليها؟ قال: والله إني لأحن إليها، ولقد تزوجت بعدك ~~امرأتين، ولي منهما رجال ونساء، ومن تعود شيئا لم يكد يصبر عنه! قال: فقلت ~~له: # هل تعرف اليوم في الحراس من ينيك الكلبات؟ قال: نعم، خذ محمويه الأحمر، ~~وخذ يشجب الحارس، وخذ قفا الشاة، وخذ فارسا ms0188 الحمامي فإن فارسا كان حارسا ~~وكان قيم حمام، وكان حلقيا، فزعم أنه ناك الكلاب خمسين سنة، وشاخ وهزل وقبح ~~وتشنج، حتى كان لا ينيكه أحد. قال: فلم يزل يحتال لكلب عنده حتى ناكه. قال: # وكان معه بخير حتى قتله اللصوص، ثم أشرف على فارس، هذا المحتسب الأحدب، ~~وهو ينيك كلبة فرماه بحجر فدمغه «1» . # PageV01P247 # قال: فالكلاب كما ترى تتهم بالنساء، وينيكها الرجال، وتنيك الرجال، وليس ~~شيء أحق بالنفي والإغراب والإطراد وبالقتل منها. ونحن من السباع العادية ~~الوحشية في راحة، إلا في الفرط «1» فإن لها عراما على بعض الماشية، وجناية ~~على شرار العامة وكذلك البهائم. وما عسى أن يبلغ من وطء بعير ونطح كبش، أو ~~خمش سنور أو رمح حمار، ولعل ذلك يكون في الدهر المرة والمرتين، ولعل ذلك ~~أيضا لا ينال إلا عبدا أو خادما أو سائسا، وذلك محتمل. فالكلاب مع هذه ~~الآفات شركاء الناس في دورهم وأهاليهم!! قال صاحب الكلب: إن كنتم إلى الأذى ~~بالسلاح تذهبون، وإلى قشر طين السطوح بالبراثن تميلون، وإلى نتن السلاح ~~وقذر المأكول والمشروب تقصدون، فالسنور أكثر في ذلك. وقد رويتم عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم في ذلك أنه قال: «هن من الطوافات عليكم» «2» . فإذا كان ~~ذلك في السنانير مغتفرا، لانتفاعهم بها في أكل الفأر، فمنافع الكلاب أكثر، ~~وهي بالاعتقاد أحق. وفي إطلاق ذلك في السنور دليل على أنه في الكلاب أجوز. # وأما ما ذكرتم من إنعاظه، فلعمري إنه ما ينبغي للغيور أن يقيم الفرس ولا ~~البرذون والبغل والحمار والتيس في المواضع التي تراها النساء. والكلب في ~~ذلك أحسن حالا. وقد كره ناس إدخال منازلهم الحمام والديكة والدجاج والبط ~~خاصة؛ لأن له عند السفاد قضيبا يظهر، وكذلك التيس من الظباء، فضلا عن تيوس ~~الصفايا. فهذا المعنى الذي ذكرتم يجري في وجوه كثيرة وعلى أن للحمام خاصة ~~من الاستشارة «3» ، والكسم بالذئب، والتقبيل الذي ليس للناس مثله، ثم ~~التقبيل والتغزل والتنفش، والابتهاج بما يكون منه بعد الفراغ، وركوب الأنثى ~~للذكر وعدم إمكانها لغير ذكرها، ما يكون أهيج ms0189 للنساء مما ذكرتم. فلم أفردتم ~~الكلب بالذكر دون هذه الأمور، التي إذا عاينت المرأة غرمول واحد منها، حقرت ~~بعلها أو سيدها، ولم يزل ظل ذلك الغرمول يعارضها في النوم، وينبهها ساعة ~~الغفلة، ويحدث لها التمني لما لا تقدر عليه، والاحتقار لما تقدر عليه، ~~وتركتم ذكر ما هو أجل وأعظم إلى ما هو أخس وأصغر؟! فإن كنتم تذهبون في ~~التشنيع عليه إلى ما يعقر من الصبيان عند العبث # PageV01P248 # والتعرض، والتحكك والتهييج والتحريش، فلو أن الذي يأتي صبيانكم إلى ~~الكلب، من الإلحاح بأصناف العبث- والصبيان أقسى الخلق وأقلهم رحمة- أنزلوه ~~بالأحنف ابن قيس، وقيس بن عاصم، بل بحاجب بن زرارة وحصن بن حذيفة، لخرجوا ~~إلى أقبح مما يخرج إليه الكلب. ومن ترك منهم الأخذ فوق يد ابنه، فهو أحق ~~باللائمة. # وبعد فما وجدنا كلبا وثب على صبي فعقره من تلقاء نفسه، وإنه ليتردد عليه ~~وهو في المهد، وهو لحم على وضم، فلا يشمه ولا يدنو منه. وهو أكثر خلق الله ~~تعالى تشمما واسترواحا؛ وما في الأرض كلب يلقى كلبا غريبا إلا شم كل واحد ~~منهما است صاحبه، ولا في الأرض مجوسي يموت فيحزن على موته ويحمل إلى ~~الناووس إلا بعد أن يدنى منه كلب يشمه، فإنه لا يخفى عليه في شمه عندهم، ~~أحي هو أم ميت؛ للطافة حسه، وأنه لا يأكل الأحياء. فأما اليهود فإنهم ~~يتعرفون ذلك من الميت، بأن يدهنوا استه. ولذلك قال الشاعر وهو يرمي ناسا ~~بدين اليهودية: [من الطويل] # إذا مات منهم ميت مسحوا استه ... بدهن وحفوا حوله بقرام «1» ### || 264- [جنايات الديك] # وقالوا: فإذا ذكرتم جنايات الكلاب، فواحد من جنايات الديكة أعظم من ~~جنايات الكلاب؛ لأن عبد الله بن عثمان بن عفان، ابن بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، إنما مات من نقر ديك في دار عثمان، نقر عينه فكان سبب موته «2» ~~. فقتل الديك لعترة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعظم من كثير مما ~~تستعظمونه من جنايات الكلاب. # وقد نقر ديك عين ابن حسكة بن عتاب، أو عين ابن أخته. ms0190 # وقد نقر ديك عين ابن الريان بن أبي المسيح وهو في المهد فاعور، ثم ضربته ~~الحمرة فمات. # ووثب ديك فطعن بصيصته عين بنت لثمامة بن أشرس، قال ثمامة: فأتاني الصريخ، ~~فو الله ما وصلت إليها حتى كمد وجهها كله واسود الأنف والوجنتان وغارت ~~العينان. وكان شأن هذا الديك- فيما زعم ثمامة- عجبا من العجب: ذكر أن رجلا ~~ذكر أن ديكا عند بقال لهم، يقاتل به الكلاب، قال: فأتيت البقال الذي # PageV01P249 # عنده فسألته عن الديك، فزعم أنه قد وجه به إلى قتال الكلاب، وقد تراهنوا ~~في ذلك. # فلم أبرح حتى اشتريته؛ وكنت أصونه وجعلته في مكنة، فخرجت يوما لبعض مصلحة ~~وأقبلت بنتي هذه لتنظر إليه، فكان هذا جزائي منه! قال: وديك آخر أقبل إلى ~~رأس زيد بن علي، حتى وطئ في ذؤابته ثم أقبل ينقر دماغه وعينيه. فقال رجل من ~~قريش، لمن حضر ذلك من الخدم: [من الخفيف] # اطردوا الديك عن ذؤابة زيد ... طالما كان لا تطاه الدجاج «1» ### || 265- [نفع الكلب] # والكلب إن كان كما يقول، فإن له يدا تشج وأخرى تأسو، بل ما يدفع الله ~~بحراسته ويجلب من المنافع بصيده أكثر وأغمر، وهو الغامر لا المغمور، ~~والفاضل لا المفضول. والديك يفقأ العيون وينقر الأدمغة ويقتل الأنفس، ويشج ~~ولا يأسو؛ فشره صرف وخيره ممزوج. إلا أن يزعموا أنه يحرس من الشيطان، فيكون ~~هذا من القول الذي يحتاج إلى البرهان. ومن عارض منافع الكلاب وحراستها ~~أموال الناس من اللصوص، ومنع السباع من الماشية، وموضع نفع الكلب # في المزارع- وذلك عيان ونفعه عام وخطبه عظيم- بما يدعى من حراسة الديكة ~~للشيطان، لم يكايل ولم يوازن ولم يعرف المقايسة، ولا وقف قط على معنى ~~المقابلة ودل بذلك على أن مبلغ رأيه لا يجوز رأي النساء. ### || 266- [العواء وما قيل من الشعر فيه] # ويكون العواء للكلب والذئب والفصيل. وقال النابغة: [من الوافر] # ألم أك جاركم فتركتموني ... لكلبي في دياركم عواء «2» # وقال الشاعر: [من الطويل] # وإني امرؤ لا تقشعر ذؤابتي ... من الذئب يعوي والغراب المحجل «3» # وقال الشاعر: [من الطويل] # ومستنبح تستكشط الريح ms0191 ثوبه ... ليسقط عنه وهو بالثوب معصم «4» # PageV01P250 # عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوم # فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهبين مطعم # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # وقال ذو الرمة: [من الطويل] # به الذئب محزونا كأن عواءه ... عواء فصيل آخر الليل محثل» # وقال آخر: [من الرجز] # ومنهل طامسة أعلامه ... يعوي به الذئب وتزقو هامه # وقال عقيل بن علفة يهجو زبان بن منظور: [من البسيط] # لا بارك الله في قوم يسودهم ... ذئب عوى وهو مشدود على كور «3» # لم يبق من مازن إلا شرارهم ... فوق الحصى حول زبان بن منظور # وقال غيلان بن سلمة: [من الكامل] # ومعرس حين العشاء به ... الحبس فالأنواء فالعقل # قد بثه وهنا وأرقني ... ذئب الفلاة كأنه جذل # فتركته يعوي بقفرته ... ولكل صاحب قفرة شكل # بتنوفة جرداء يجزعها ... لحب يلوح كأنه سحل «4» # وقال مغلس بن لقيط: [من الطويل] # عوى منهم ذئب فطرب عاديا ... على فعليات مستثار سخيمها «5» # إذا هن لم يلحسن من ذي قرابة ... دما هلست أجسادها ولحومها # وقال الأحيمر السعدي: [من الطويل] # عوى الذئب فاستأنست بالذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير «6» # PageV01P251 # وقال آخر: [من الطويل] # وعاو عوى والليل مستحلس الندى ... وقد زحفت للغور تالية النجم «1» # وذلك أن الرجل إذا كان باغيا أو زائرا، أو ممن يلتمس القرى، ولم ير ~~بالليل نارا، عوى ونبح، لتجيبه الكلاب، فيهتدي بذلك إلى موضع الناس. # وقال الشاعر: [من الطويل] # ومستنبح أهل الثرى يلمس القرى ... إلينا وممساه من الأرض نازح «2» # وقال عمرو بن الأهتم: [من الطويل] # ومستنبح بعد الهدو دعوته ... وقد حان من ساري الشتاء طروق «3» # فهذا من عواء الفصيل والذئب والكلب. ### || 267- [ما قالوا في أنس الكلب وإلفه] # وقال صاحب الكلب: ومما قالوا في أنس الكلب وإلفه، وحبه لأهله ولمن أحسن ~~إليه قول ابن الطثرية: [من الكامل] # يا أم عمرو أنجزي الموعودا ... وارعي بذاك أمانة وعهودا «4» # ولقد طرقت كلاب أهلك بالضحى ... حتى تركت عقورهن رقودا # يضربن بالأذناب من فرح بنا ... متوسدات أذرعا وخدودا ms0192 # وقال الآخر: [من البسيط] # لو كنت أحمل خمرا يوم زرتكم ... لم ينكر الكلب أني صاحب الدار «5» # لكن أتيت وريح المسك يفعمني ... والعنبر الورد أذكيه على النار # PageV01P252 # فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني ... وكان يعرف ريح الزق والقار # وقال أبو الطمحان القيني في الإلف، وهو يمدح مالك بن حمار الشمخي: # [من الوافر] # سأمدح مالكا في كل ركب ... لقيتهم وأترك كل رذل «1» # فما أنا والبكارة من مخاض ... عظام جلة سدس وبزل # وقد عرفت كلابهم ثيابي ... كأني منهم ونسيت أهلي # نمت بك من بني شمخ زناد ... لها ما شئت من فرع وأصل # وقال الشاعر في أنس الكلاب وإلفها، يذكر رجلا: [من الطويل] # عنيف بتسواق العشار ورعيها ... ولكن بتلقام الثريد رفيق # سنيد يظل الكلب يمضغ ثوبه ... له في ديار الغانيات طريق # وقال الآخر: [من الكامل] # بات الحويرث والكلاب تشمه ... وسرت بأبيض كالهلال على الطوى «2» # وقال ذو الرمة: [من الطويل] # رأتني كلاب الحي حتى ألفنني ... ومدت نسوج العنكبوت على رحلي «3» # وقال حسان بن ثابت: [من الكامل] # أولاد جفنة حول قبر أبيهم ... قبر ابن مارية الكريم المفضل «4» # بيض الوجوه نقية حجزاتهم ... شم الأنوف من الطراز الأول # يغشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # وفي هذا المعنى قال الشاعر: [من المتقارب] # وبوأت بيتك في معلم ... رحيب المباءة والمسرح «5» # PageV01P253 # كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح # ترى دعس آثار تلك المطي ... أخاديد كاللقم الأفيح # ولو كنت في نفق زائغ ... لكنت على الشرك الأوضح # وفي مثل ذلك، وليس في ذكر إلف الكلاب، ولكنه مما ينبغي أن يكون مجموعا ~~إلى هذه الأشعار، وبك إلى ذلك حاجة شديدة، قال أمية بن أبي الصلت: # [من الخفيف] # لا الغيابات منتواك ولكن ... في ذرى مشرف القصور ذراكا «2» # وقال البزار الحلي، في المعنى الأول: [من الرمل] # ألف الناس فما ينبحهم ... من أسيف يبتغي الخير وحر «3» # وقال عمران بن عصام: [من المتقارب] # لعبد العزيز على قومه ... وغيرهم منن غامره «4» # فبابك ألين أبوابهم ... ودارك آهلة عامره # وكلبك آنس بالمعتفين ... من الأم بابنتها الزائره # وكفك حين ms0193 ترى السائلي ... ن أندى من الليلة الماطره # فمنك العطاء ومنا الثناء ... بكل محبرة سائره # وقال هلال بن خثعم: [من الطويل] # إني لعف عن زيارة جارتي ... وإني لمشنوء إلي اغتيابها «5» # إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها ... زؤورا ولم تأنس إلي كلابها # PageV01P254 # وما أنا بالداري أحاديث سرها ... ولا عالم من أي حوك ثيابها # وإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها # وقال حاتم الطائي، وهو حاتم بن عبد الله، ويكنى أبا سفانة، وكان أسره ثوب ~~ابن شحمة العنبري مجير الطير: [من الطويل] # إذا ما بخيل الناس هرت كلابه ... وشق على الضيف الغريب عقورها «1» # فإني جبان الكلب بيتي موطأ ... جواد إذا ما النفس شح ضميرها # ولكن كلابي قد أقرت وعودت ... قليل على من يعتريها هريرها ### || 268- [هجو الناس بهجو كلابهم] # وقال صاحب الكلب: إن كثيرا من هجاء الكلب، ليس يراد به الكلب، وإنما يراد ~~به هجاء رجل، فيجعل الكلب وصلة في الكلام ليبلغ ما يريد من شتمه. وهذا أيضا ~~مما يرتفق الناس به من أسباب الكلاب. ولذلك قال الشاعر: [من الكامل] # من دون سيبك لون ليل مظلم ... وحفيف نافجة وكلب موسد «2» # وأخوك محتمل عليك ضغينة ... ومسيف قومك لائم لا يحمد # والضيف عندك مثل أسود سالخ ... لا بل أحبهما إليك الأسود # فهذا قول الشاعر. وقال الآخر: [من الوافر] # وما يك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل # فهو لم يرد مدح الكلب بالجبن، وإنما أراد نفسه حين قال: [من الكامل] # وحفيف نافجة وكلب موسد # فإن كان الكلب إنما أسره أهله، فإنما اللوم على من أسره. وإنما هذا الضرب ~~كقوله: [من البسيط] # قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار «3» # PageV01P255 # ومعلوم أن هذا لا يكون، ولكن حقر أمرهم وصغرهم. # وقال ابن هرمة: [من الكامل] # وإذا تنور طارق مستنبح ... نبحت فدلته علي كلابي «1» # وقال ابن مهية: [من الوافر] # جلبنا الخيل من شعبى تشكى ... حوافرها الدوابر والنسورا «2» # فلما أن طلعن بعين جعدي ... وأهل الجوف أن قتلوا غرورا # ولم يك كلبهم ليفيق حتى ... يهارش ms0194 كلبهم كلبا عقورا # ومعلوم أن هذا لا يكون، إنما هو مثل. وقال أعرابي: [من الطويل] # أخو ثقة قد يحسب المجد فرصة ... إلى أهله أو ذمة لا تخفر # حبيب إلى كلب الكريم نباحه ... كريه إلى الكوماء والكلب أبصر # وقال ابن هرمة: [من البسيط] # وفرحة من كلاب الحي يتبعها ... شحم يزف به الداعي وترعيب # فهذا قول هؤلاء. وقال الآخر: [من الطويل] # هجمنا عليه وهو يكعم كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح «3» # وقال الآخر: [من الطويل] # وتكعم كلب الحي من خشية القرى ... ونارك كالعذراء من دونها ستر «4» # وقال أعشى بني تغلب: [من الوافر] # إذا احتلت معاوية بن عمرو ... على الأطواء خنقت الكلابا «5» # فالكلب مرة مكعوم، ومرة مخنوق، ومرة موسد ومحرش، ومرة يجعله جبانا، # PageV01P256 # ومرة وثابا، كما قال الراعي في الحطيئة: [من الطويل] # ألا قبح الله الحطيئة إنه ... على كل ضيف ضافه فهو سالح «1» # وقعنا إليه وهو يخنق كلبه ... دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح # وقال أعشى بني تغلب: [من الطويل] # بكيت على زاد خبيث قريته ... ألا كل عبسي على الزاد نابح # وقال الفرزدق: [من الطويل] # ولا تنزع الأضياف إلا إلى فتى ... إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا # (وقال الآخر: # دع الكلب ينبح إنما الكلب نابح # وقال الآخر: # ألا كل كلب لا أبا لك نابح # وقال الفرزدق: # إذا ما أبى أن ينبح الكلب أوقدا) «2» # ومتى صار الكلب يأبى النباح؟! فهذا على أنهم يتشفون بذكر الكلب، ويرتفقون ~~به، لا على أن هذا الأمر الذي ذكروه قد كان على الحقيقة. # وقال الآخر، وهو جرير: [من الطويل] # ولو كنت في نجران أو بعماية ... إذن لأتاني من ربيعة راكب «3» # يثير الكلاب آخر الليل وطؤه ... كضب العراد خطوه متقارب «4» # فبات يمنينا الربيع وصوبه ... وينظر من لقاعة وهو كاذب «5» # فذكر تقارب خطوه، وإخفاء حركته، وأنه مع ذلك قد أثار الكلاب من آخر ~~الليل، وذلك وقت نومها وراحتها، وهذا يدل على تيقظها ودقة حسها. # PageV01P257 ### || 269- [حالة الكلب لسبب القرى من البرد] # وفيما ذكروا من حالة الكلب لسبب القرى من البرد، ms0195 # والذي يلقى، وكيف الشأن في ذلك، قال أعشى باهلة: [من البسيط] # وأجحر الكلب مبيض الصقيع به ... وألجأ الحي من تنفاحه الحجر «1» # وقال الحطيئة: [من الطويل] # إذا أجحر الكلب الصقيع اتقينه ... بأثباج لا خور ولا قفرات «2» # وقال ابن هرمة: [من الخفيف] # وسل الجار والمعصب والأض ... ياف وهنا إذا تحبوا لديا «3» # كيف يلقونني إذا نبح الكل ... ب وراء الكسور نبحا خفيا # ومشى الحالب المبس إلى النا ... ب فلم يقر أصفر الحي ريا «4» # لم تكن خارجية من تراث ... حادث، بل ورثت ذاك عليا «5» # وقال الأعشى: [من المتقارب] # وتبرد برد رداء العرو ... س في الصيف رقرقت فيه العبيرا «6» # وتسخن ليلة لا يستطي ... ع نباحا بها الكلب إلا هريرا # وقال الهذلي: [من الطويل] # وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختص بالنقرى المثرين داعيها «7» # PageV01P258 # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من الشتاء ولا تسري أفاعيها # وقال الفرزدق: [من الطويل] # إذا احمر آفاق السماء وهتكت ... كسور بيوت الحي نكباء حرجف «1» # وجاء قريع الشول قبل إفالها ... يزف وجاءت خلفه وهي زحف «2» # وهتكت الأطناب كل ذفرة ... لها تامك من عاتق الني أعرف «3» # وباشر راعيها الصلى بلبانه ... وكف لحر النار ما يتحرف # وقاتل كلب الحي عن نار أهله ... ليربض فيها، والصلا متكنف # وأصبح مبيض الصقيع كأنه ... على سروات النيب قطن مندف ### |PARATEXT| # تم المصحف الأول ويتلوه المصحف الثاني من كتاب الحيوان وأوله باب احتجاج ~~صاحب الكلب بالأشعار المعروفة # PageV01P259 # الجزء الثاني # (بسم الله الرحمن الرحيم) ### | باب احتجاج صاحب الكلب بالأشعار المعروفة والأمثال السائرة، والأخبار الصحيحة والأحاديث المأثورة، وما أوجد العيان فيها، وما استخرجت التجارب منها من أصناف المنافع والمرافق، وعن مواضع أخلاقها المحمودة وأفعالها المرادة. # ونبدأ بقول العرب: «إن دماء الملوك شفاء من داء الكلب» «1» ، ثم نذكر ~~الأبواب لما قدمنا في صدر كلامنا هذا. قال بعض المريين: [من الوافر] # أرى الخلان بعد أبي عمير ... بحجر في لقائهم جفاء «2» # من البيض الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاؤوا # لهم شمس النهار إذا استقلت ... ونور ما يغيبه العماء «3» # بناة مكارم وأساة كلم ... دماؤهم من ms0196 الكلب الشفاء «4» # وقال الفرزدق: [من الطويل] # من الدارميين الذين دماؤهم ... شفاء من الداء المجنة والخبل «5» # وقال عبد الله بن قيس الرقيات: [من المنسرح] # عاودني النكس فاشتفيت كما ... تشفي دماء الملوك من كلب «6» # PageV02P260 # وقال ابن عياش الكندي لبني أسد في قتلهم حجر بن عمرو: [من الطويل] # عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكم ... تريقون تامورا شفاء من الكلب «1» # وقال الفرزدق: [من الطويل] # ولو تشرب الكلبى المراض دماءنا ... شفتها وذو الخبل الذي هو أدنف «2» # وذاك أنهم يزعمون أن دماء الأشراف والملوك تشفي من عضة الكلب الكلب، ~~وتشفي من الجنون أيضا، كما قال الفرزدق: # ولو تشرب الكلبى المراض دماءنا ... شفتها............... # ثم قال: «وذو الخبل الذى هو أدنف» وقد قال ذلك عاصم بن القرية، وهو ~~جاهلي: [من الطويل] # وداويته مما به من مجنة ... دم ابن كهال والنطاسي واقف «3» # وقلدته دهرا تميمة جده ... وليس لشيء كاده الله صارف «4» # وكان أصحابنا يزعمون أن قولهم: «دماء الملوك شفاء من الكلب» ، على معنى ~~أن الدم الكريم هو الثأر المنيم، وأن داء الكلب على معنى قول الشاعر: [من ~~الرمل] # كلب من حس ما قد مسه ... وأفانين فؤاد مختبل «5» # وعلى معنى قوله: [من الكامل] # كلب بضرب جماجم ورقاب «6» # PageV02P261 # فإذا كلب من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب، وليس أن ~~هناك دما في الحقيقة يشرب ولولا قول عاصم بن القرية: «والنطاسي واقف» . ~~لكان ذلك التأويل جائزا. # وقول عوف بن الأحوص: [من الوافر] # ولا العنقاء ثعلبة بن عمرو ... دماء القوم للكلبى شفاء «1» # وفي الكلب يقول الأعشى: [من الطويل] # أراني وعمرا بيننا دق منشم ... فلم يبق إلا أن يجن وأكلبا «2» # ألا ترى أنه فرق بينهما، ولو كان كما قال لبيد بن ربيعة: [من البسيط] # يسعى خزيمة في قوم ليهلكهم ... على الحمالة هل بالمرء من كلب «3» # لكان ذلك على تأويل ما ذهبوا إليه جائزا، وقال الآخر: [من الطويل] # وأمر أميري قد أطعتم فإنما ... كواه بنار بين عينيه مكلب «4» # وهذا عندي لا يدخل في الباب الأول، وقد جعلوه منه. ### || 271- [طباع الكلب العجيبة] # قال صاحب ms0197 الكلب: وزعمتم أنه يبلغ من فضل قوة طباع الديك في الإلقاح، أنه ~~متى سفد دجاجة وقد احتشت بيضا صغارا من نتاج الريح والتراب، قلبها كلها ~~حيوانا ولو لم يكن سفدها إلا مرة واحدة، وجعلتموه في ذلك بغاية الفحلة، ~~فطباع الكلب أعجب إلقاحا وأثقب، وأقوى وأبعد، لأن الكلب إذا عض إنسانا، ~~فأول ذلك أن يحيله نباحا مثله، وينقله إلى طباعه، فصار ينبح، ثم يحبله ~~ويلقحه بأجراء صغار يبولها علقا في صور الكلاب، على بعد ما بين العنصرين ~~والطبعين والجنسين، والذى يتولد في أرحام الدجاج، أقرب مشاكلة إلى طباع ~~الديك، فالكلب هو العجب العجيب، لأنه أحبل ذكرا من خلاف جنسه، ولأنه مع ~~الإحبال والإلقاح، أحاله نباحا # PageV02P262 # مثله. فتلك الأدراص «1» وتلك الكلاب الصغار، أولاد ونتاج، وإن كان لا ~~يبقى. # وقد تعلمون أن أولاد البغلات من البغال لا تبقى، وأن اللقاح قد يقع، ~~وإنما منع البغل من البغلة بهذه العلة. ### || 272- دواء الكلب # قال أبو اليقظان وغيره: كان الأسود بن أوس بن الحمرة، أتى النجاشي ومعه ~~امرأته، وهي بنت الحارث أحد بني عاصم بن عبيد بن ثعلبة، فقال النجاشي: # لأعطينك شيئا يشفي من داء الكلب. فأقبل حتى إذا كان ببعض الطريق أتاه ~~الموت، فأوصى امرأته أن تتزوج ابنه قدامة بن الأسود، وأن تعلمه # --- دواء الكلب، # ولا يخرج ذلك منهم إلى أحد، فتزوجته نكاح مقت «2» ، وعلمته دواء الكلب، ~~فهو إلى اليوم فيهم «3» . # فولد الأسود قدامة وولد قدامة المحل- وأمه بنت الحارث- فكان المحل يداوي ~~من الكلب. فولد المحل عقبة وعمرا، فداوى ابن المحل عتيبة بن مرداس، وهو ابن ~~فسوة الشاعر، فبال مثل أجراء الكلب علقا، ومثل صور النمل والأدراص فقال ابن ~~فسوة حين برئ: [من الطويل] # ولولا دواء ابن المحل وعلمه ... هررت إذا ما الناس هر كلابها «4» # وأخرج عبد الله أولاد زارع ... مولعة «5» أكتافها وجنوبها # وأولاد زارع: الكلاب. # وأما قوله: # ولولا دواء ابن المحل وعلمه ... هررت ......... # فإنما ذهب إلى أن الذي يعضه الكلب الكلب، ينبح نباح الكلاب ويهر هريرها. # PageV02P263 ### || 273- [أعراض الكلب] # وقال محمد بن حفص، وهو أبو عبيد ms0198 الله بن محمد، ابن عائشة: عض رجلا من بني ~~العنبر كلب كلب فأصابه داء الكلب، فبال علقا في صورة الكلاب، فقالت بنت ~~المستنثر «1» : [من الطويل] # أبا لك أدراصا وأولاد زارع ... وتلك لعمري نهية المتعجب «2» # وحدثني أبو الصهباء عن رجال من بني سعد، منهم عبد الرحمن بن شبيب، قالوا: ~~عض سنجير الكلب الكلب، فكان يعطش ويطلب الماء بأشد الطلب، فإذا أتوه به صاح ~~عند معاينته: لا، لا أريد! وهكذا يصيب صاحب تلك العضة. وذلك أنه يعطش عنها ~~أشد العطش ويطلب الماء أشد الطلب، فإذا أتوه به هرب منه أشد الهرب، فقال ~~دلم وهو عبد لبني سعد: [من الطويل] # لقد جئت يا سنجير أجلو ملقة ... إباؤك للشيء الذي أنت طالب # وهي أبيات لم أحفظ منها إلا هذا البيت. ### || [نشرة طیبة لزیاد] # وذكر مسلمة بن محارب، وعلي بن محمد عن رجاله، أن زيادا كتب دواء الكلب، ~~وعلقه على باب المسجد الأعظم «3» ، ليعرفه جميع الناس. ### || [رد على ما زعموا من أعراض الكلب] # وأنا، حفظك الله تعالى، رأيت كلبا مرة في الحي ونحن في الكتاب، فعرض له ~~صبي يسمى مهديا من أولاد القصابين. وهو قائم يمحو لوحه فعض وجهه فنقع ثنيته ~~دون موضع الجفن من عينه اليسرى، فخرق اللحم الذي دون العظم إلى شطر خده، ~~فرمى به ملقيا على وجهه وجانب شدقه؟ وترك مقلته صحيحة، وخرج منه من الدم ما ~~ظننت أنه لا يعيش معه، وبقي الغلام مبهوتا قائما لا ينبس، وأسكته الفزع ~~وبقي طائر القلب، ثم خيط ذلك الموضع، ورأيته بعد ذلك بشهر وقد عاد إلى ~~الكتاب، وليس في وجهه من الشتر «4» إلا موضع الخيط الذى خيط، فلم ينبح إلى ~~أن برئ، ولا # PageV02P264 # هر، ولا دعا بماء، حتى إذا رآه صاح: ردوه! ولا بال جروا ولا علقا، ولا ~~أصابه مما يقولون قليل ولا كثير. ولم أجد أحدا من تلك المشايخ، يشك أنهم لم ~~يروا كلبا قط أكلب ولا أفسد طبعا منه. فهذا الذي عاينت. # وأما الذي بلغني عن هؤلاء الثقات فهو الذي قد كتبته ms0199 لك. ### || 274- [مما قيل في الكلب الكلب] # وفي الكلب الكلب أنشد الأعرابي: [من الرجز] # حياكم الله فإني منقلب ... وإنما الشاعر مجنون كلب # أكثر ما يأتي على فيه الكذب # إما أن يكون الشعر لهميان وإما أن يكون للزفيان. # وأنشدني: [من الطويل] # فإن كنتم كلبى فعندي شفاؤكم ... وفي الجن إن كان اعتراك جنون «1» # وأنشدني: [من الوافر] # وما أدري إذا لاقيت عمرا ... أكلبى آل عمرو أم صحاح # قال: فأما المكلب الذي يصيب كلابه داء في رؤوسها يسمى الجحام «2» فتكوى ~~بين أعينها. ### || 275- [مسألة كلامية] # وسنذكر # وإنما نذكرها لكثرة من يعترض في هذا ممن ليس له علم بالكلام. # ولو كان أعلم الناس باللغة، لم ينفعك في باب الدين حتى يكون عالما ~~بالكلام. # وقد اعترض معترضون في قوله عز وجل: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ~~فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين. ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه ~~أخلد إلى # PageV02P265 # الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك ~~مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا # «1» فزعموا أن هذا المثل لا يجوز أن يضرب لهذا المذكور في صدر هذا ~~الكلام، لأنه قال: واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها # «2» . فما يشبه حال من أعطي شيئا فلم يقبله- ولم يذكر غير ذلك- بالكلب ~~الذي إن حملت عليه نبح وولى ذاهبا، وإن تركته شد عليك ونبح، مع أن قوله: # يلهث، لم يقع في موضعه، وإنما يلهث الكلب من عطش شديد وحر شديد، ومن تعب، ~~وأما النباح والصياح فمن شيء آخر. # قلنا له: إن قال ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا # «3» ، فقد يستقيم أن يكون الراد لا يسمى مكذبا، ولا يقال لهم كذبوا إلا ~~وقد كان ذلك منهم مرارا، فإن لم يكن ذلك فليس ببعيد أن يشبه الذي أوتي ~~الآيات والأعاجيب والبرهانات والكرامات، في بدء حرصه عليها وطلبه لها، ~~بالكلب في حرصه وطلبه، فإن الكلب يعطي الجد والجهد من نفسه في كل حالة من ~~الحالات، وشبه رفضه وقذفه لها من يديه، ورده لها بعد الحرص عليها وفرط ~~الرغبة ms0200 فيها، بالكلب إذا رجع ينبح بعد إطرادك له. وواجب أن يكون رفض قبول ~~الأشياء الخطيرة النفيسة في وزن طلبهم والحرص عليها. # والكلب إذا أتعب نفسه في شدة النباح مقبلا إليك ومدبرا عنك، لهث واعتراه ~~ما يعتريه عند التعب والعطش. # وعلى أننا ما نرمي بأبصارنا إلى كلابنا وهي رابضة وادعة، إلا وهي تلهث، ~~من غير أن تكون هناك إلا حرارة أجوافها، والذي طبعت عليه من شأنها، إلا أن ~~لهث الكلب يختلف بالشدة واللين! ### || 276- [كرم الكلاب] # وقال صاحب الكلب: ليس الديك من الكلب في شيء، فمن الكلاب ذوات الأسماء ~~المعروفة والألقاب المشهورة. ولكرامها وجوارحها وكواسبها، وأحرارها ~~وعتاقها، أنساب قائمة ودواوين مخلدة، وأعراق محفوظة، ومواليد محصاة، مثل ~~كلب جذعان، وهو السلهب بن البراق بن يحيى بن وثاب بن مظفر بن محارش. # PageV02P266 ### || 277- [شعر فيه أسماء الكلاب] # وقد ذكر العرب أسماءها وأنسابها. # قال مزرد بن ضرار: [من الطويل] # فعد قريض الشعر إن كنت مغزرا ... فإن غزير الشعر ما شاء قائل «1» # لنعت صباحي طويل شقاؤه ... له رقميات وصفراء ذابل «2» # بقين له مما يبري وأكلب ... تقلقل في أعناقهن السلاسل «3» # سخام، ومقلاء القنيص، وسلهب ... وجدلاء، والسرحان، والمتناول «4» # بنات سلوقيين كانا حياته ... فماتا فأودى شخصه فهو خامل «5» # وأيقن إذ ماتا بجوع وخلة ... وقال له الشيطان: إنك عائل «6» # فطوف في أصحابه يستثيبهم ... فآب وقد أكدت عليه المسائل «7» # إلى صبية مثل المغالي وخرمل ... رواد، ومن شر النساء الخرامل «8» # فقال لها: هل من طعام فإنني ... أذم إليك الناس، أمك هابل «9» # فقالت: نعم، هذا الطوي وماؤه ... ومحترق من حائل الجلد قاحل «10» # فلما تناهت نفسه من طعامه ... وأمسى طليحا ما يعانيه باطل «11» # تغشى، يريد النوم، فضل ردائه ... فأعيا على العين الرقاد البلابل «12» # ففكر في هذا الشعر وقف على فصوله، حتى تعرف غناء الكلاب عندهم، وكسبها ~~عليهم، وموقعها منهم. # PageV02P267 # وقال لبيد في ذكرها وذكر أسماءها: [من الكامل] # لتذودهن وأيقنت إن لم تذد ... أن قد أحم من الحتوف حمامها «1» # فتقصدت منها كساب وضرجت ... بدم وغودر في المكر سخامها «2» # ومن عادة الشعراء إذا كان الشعر مرثية أو ms0201 موعظة، أن تكون الكلاب التي ~~تقتل بقر الوحش، وإذا كان الشعر مديحا، وقال كأن ناقتي بقرة من صفتها كذا، ~~أن تكون الكلاب هي المقتولة، ليس على أن ذلك حكاية عن قصة بعينها، ولكن ~~الثيران ربما جرحت الكلاب وربما قتلتها، وأما في أكثر ذلك فإنها تكون هي ~~المصابة، والكلاب هي السالمة والظافرة، وصاحبها الغانم. ### || [شعر آخر فيه ذكر لبعض أسماء الكلاب] # وقال لبيد في هذا القول الثاني غير القول الأول، وذلك على معنى ما فسرت ~~لك، فقال في ذلك وذكر أسماءها: [من الطويل] # فأصبح وانشق الضباب وهاجه ... أخو قفرة يشلى ركاحا وسائلا «3» # عوابس كالنشاب تدمى نحورها ... يرين دماء الهاديات نوافلا «4» # ومن أسمائها قولهم: «على أهلها جنت براقش» «5» . # ومن أسمائها قول الآخر: ضبار: [من الكامل] # سفرت فقلت لها هج فتبرقعت ... فذكرت حين تبرقعت ضبارا «6» # وقال الكميت الأسدي: [من المتقارب] # فبات وباتت عليه السما ... ء من كل حابية تهطل «7» # PageV02P268 # مكبا كما اجتنح الهالكي ... على النصل إذ طبع المنصل «1» # ثم ذكر أسماء الكلاب فقال: [من المتقارب] # وفي ضبن حقف يرى حقفه ... خطاف وسرحة والأحدل «2» # وأربعة كقداح السرا ... ء لا عانيات ولا عبل # وقال الآخر: [من البسيط] # بتنا وبات جليد الليل يضربنا ... بين البيوت قرانا نبح درواس «3» # إذا ملا بطنه ألبانها حلبا ... باتت تغنيه وضرى ذات إجراس # ودرواس: اسم كلب، والوضرى: استه، وغناؤها: الضراط. # وقال ضابئ بن الحارث في ذلك: [من الكامل] # فترملت بدم قدام وقد ... أوفى اللحاق وحان مصرعه «4» # وقال الآخر: [من مجزوء الوافر] # ولو هيا له الله ... من التوفيق أسبابا «5» # لسمى نفسه عمرا ... وسمى الكلب وثابا # ومثل هذا كثير. ### || 278- [أحرص الكلاب] # والكلب أشد ما يكون حرصا إذا كان خطمه يمس عجب ذنب الظبي والأرنب والثور ~~وغير ذلك، مما هو من صيده، ولذلك قال الشاعر «6» : [من المديد] # ربما أغدو معي كلبي ... طالبا للصيد في صحبي # PageV02P269 # فسمونا للقنيص معا ... فدفعناه إلى أظب «1» # فاستدرته فدر لها ... يلطم الرفغين بالترب «2» # فادراها وهي لاهية ... في جميم الحاج والغرب «3» # ففرى جماعهن كما ... قد مخلولان من عصب «4» # ثم قال: # غير ms0202 يعفور أهل به ... جاف دفيه عن القلب «5» # ضم لحييه بمخطمه ... ضمك الكسرين بالشعب # وانتحى للباقيات كما ... كسرت شغواء من لهب «6» # فتعايا التيس حين كبا ... ودنا فوه من العجب «7» # ظل بالوعساء ينفضه ... آرما منه على الصلب «8» # تلك لذاتي وكنت فتى ... لم أقل من لذة حسبي ### || 279- [الإهلال والاستهلال] # وأما قوله «9» : «غير يعفور أهل به» ، فالإهلال الذي ذكر هو شيء يعتريه ~~في ذلك الوقت، يخرج من جوفه صوت شبيه بالعواء الخفيف، وهو ما بين العواء ~~والأنين، وذلك من حاق الحرص، وشدة الطلب، وخوف الفوات. ويقال: أهلت السماء، ~~إذا صبت، واستهلت: إذا ارتفع صوت وقعها، ومنه الإهلال بالحج. وقال ابن ~~أحمر: [من السريع] # يهل بالفرقد ركبانها ... كما يهل الراكب المعتمر «10» # PageV02P270 # ومنه استهلال الصبي، ولذلك قال الأعرابي: أرأيت من لا شرب ولا أكل ولا ~~صاح واستهل، أليس ذلك يطل «1» ؟! ### || [تخريق الكلب أذنية] # وإذا ضبع الكلب، وهو أن يمد ضبعه كله، ولا يكون كالحمار الضيق الإبطين- ~~والكلب في افتراش ذراعيه وبسط رجليه حتى يصيب قصه الأرض، أكثر من الفرس- ~~وعند ذلك ما ينشط أذنيه حتى يدميهما ولذلك قال الحسن بن هانئ، وقد طال ما ~~نعت بهما: [من الرجز] # فانصاع كالكوكب في انحداره ... لفت المشير موهنا بناره «2» # شدا إذا أحصف في إحضاره ... خرق أذنيه شبا أظفاره «3» # وأول هذه الأرجوزة: # لما غدا الثعلب من وجاره ... يلتمس الكسب على صغاره ### || 280- [معرفة أبي نواس بالكلاب] # وأنا كتبت لك رجزه في هذا الباب، لأنه كان عالما راوية، وكان قد لعب ~~بالكلاب زمانا، وعرف منها ما لا تعرفه الأعراب، وذلك موجود في شعره، وصفات ~~الكلاب مستقصاة في أراجيزه، هذا مع جودة الطبع وجودة السبك، والحذق ~~بالصنعة، وإن تأملت شعره فضلته، إلا أن تعترض عليك فيه العصبية، أو ترى أن ~~أهل البدو أبدا أشعر، وأن المولدين لا يقاربونهم في شيء. فإن اعترض هذا ~~الباب عليك فإنك لا تبصر الحق من الباطل، مادمت مغلوبا. ### || 281- [طردية أبي نواس] # [1] قال الحسن بن هانئ: [من الرجز] # لما غدا الثعلب من وجاره ... يلتمس الكسب على صغاره «4» # عارضه في سنن امتياره ms0203 ... مضمر يموج في صداره «5» # PageV02P271 # في حلق الصفر وفي أسياره ... منضمة قصراه من إضماره «1» # قد نحت التسهيم من أقطاره ... من بعد ما كان إلى أصباره «2» # غضا غذته الجور من عشاره ... أيام لا يحجب عن أظآره «3» # وهو طلا لم يدن من إشغاره ... في منزل يحجب عن زواره # يساس فيه طرفي نهاره ... حتى إذا أحمد في اختباره # وآض مثل القلب من نضاره ... كأن خلف ملتقى أشفاره «4» # جمر غضى يدمن في استعاره ... كأن لحييه لدى افتراره # شك مسامير على طواره ... يضم قطريه من اضطباره «5» # وإن تمطى تم في أشباره ... عشر إذا قدر في اقتداره # سمع إذا استروح لم تماره ... إلا بأن يطلق من عذاره «6» # فانصاع كالكوكب في انحداره ... لفت المشير موهنا بناره # شدا إذا أحصف في إحضاره ... خرق أذنيه شبا أظفاره # حتى إذا ما انساب في غباره ... عافره أخرق في عفاره «7» # فتلتل المفصل من فقاره ... وشق عنه جانبي صداره # ما خير للثعلب في ابتكاره ### || [طردية ثانية لأبي نواس] # [2] وقال في كلب سليمان بن داود الهاشمي- وكان الكلب يسمى زنبورا: # [من الرجز] # إذا الشياطين رأت زنبورا ... قد قلد الحلقة والسيورا «8» # دعت لخزان الفلا ثبورا ... أدفى ترى في شدقه تأخيرا «9» # ترى إذا عارضته مفرورا ... خناجرا قد نبتت سطورا «10» # PageV02P272 # مشتبكات تنظم السحورا ... أحسن في تأديبه صغيرا «1» # حتى توفى السبعة الشهورا ... من سنه وبلغ الشغورا # وعرف الإيحاء والصفيرا ... والكف أن تومئ أو تشيرا # يعطيك أقصى حضره المذخورا ... شدا ترى من همزه الأظفورا «2» # منتشطا من أذنه سيورا ... فما يزال والغا تامورا «3» # من ثعلب غادره مجزورا ... أو أرنب كورها تكويرا # أو ظبية تقرو رشا غريرا ... غادرها دون الطلا عقيرا «4» # فأمتع الله به الأميرا ... ربي، ولا زاله مسرورا # وقد قال كما ترى: # شدا ترى من همزه الأظفورا ... منتشطا من أذنه سيورا # بإثر قوله: # حتى توفى السبعة الشهورا ... من سنه وبلغ الشغورا # فإن الكلب إذا شغر برجله وبال، فذلك دليل على تمام بلوغه للإلقاح، وهو من ~~الحيوان الذي يحتلم «5» . ### || [أمارات البلوغ فى الغلمان و الجوارى] # وأما احتلام الغلام فيعرف بأمور: منها انفراق طرف ms0204 الأرنبة، ومنها تغير ~~ريح إبطيه، ومنها الأنياب، ومنها غلظ الصوت. # ومن الغلمان من لا يحتلم. وفي الجواري جوار لا يحضن، وذلك في النساء عيب، ~~وليس مثله من الرجال عيبا، وقد رأيت رجالا يوصفون بالقوة على النساء، ~~وبعضهم لم يحتلم إلا مرة أو مرتين، وبعضهم لم يحتلم البتة. ### || [طردية ثالثة لأبى نواس] # [3] وقد قال الحسن بن هانئ مثل ذلك، في أرجوزة أخرى: [من الرجز] # يمري إذا كان الجراء عبطا ... براثنا سحم الأثافي ملطا # ينشط أذنيه بهن نشطا # PageV02P273 # وهذه الأجوزة أولها «1» : # عددت كلبا للطراد سلطا ... مقلدا قلائدا ومقطا «2» # فهو الجميل والحسيب رهطا ... ترى له شدقين خطا خطا # يمري إذا كان الجراء عبطا ... براثنا سحم الأثافي ملطا # ينشط أذنيه بهن نشطا ... تخال ما دمين منها شرطا # ما إن يقعن الأرض إلا فرطا ... كأنما يعجلن شيئا لقطا # أعجل من قول قطاة قطا ... فاجتاح خزان الصحارى الرقطا «3» # يلقين منه حكما مشتطا ... للعظم حطما والأديم عطا ### || [شعر فى نعت سرعة القوائم] # والشعراء إذا أرادوا سرعة القوائم قالوا كما قال: [من البسيط] # يخفي التراب بأظلاف ثمانية ... ومسهن إذا أقبلن تحليل «4» # وقال الآخر: [من الكامل] # وكأنما جهدت أليته ... أن لا تمس الأرض أربعه «5» # فأفرط المولدون فى صفة السرعة- وليس ذلك بأجود- فقال شاعر منهم يصف كلبة ~~بسرعة العدو: [من الرجز] # كأنما ترفع ما لم يوضع «6» # وقال الحسن بن هانئ: [من الرجز] # ما إن يقعن الأرض إلا فرطا ### || [طردية رابعة لأبى نواس] # [4] وقال الحسن بن هانئ في نعت كلب: [من الرجز] # أنعت كلبا أهله في كده ... قد سعدت جدودهم بجده «7» # PageV02P274 # فكل خير عندهم من عنده ... يظل مولاه له كعبده # يبيت أدنى صاحب من مهده ... وإن عري جلله ببرده # ذو غرة محجل بزنده ... تلذ منه العين حسن قده # يا حسن شدقيه وطول خده ... تلقى الظباء عنتا من طرده # يشرب كأسا شدها في شده ... يا لك من كلب نسيح وحده «1» ### || [طردية خامسة لأبى نواس] # [5] وقال في صفاتها، وأسمائها وسماتها، وأنسابها، وألقابها، وتفدية ~~أربابها لها كما ذكرنا قبل ذلك- «2» : [من الرجز] # قد أغتدي والطير في ms0205 مثواتها ... لم تعرب الأفواه عن لغاتها # بأكلب تمرح في قداتها ... تعد عين الوحش من أقواتها «3» # قد نحت التقريح وارياتها ... من شدة التسهيم واقتياتها «4» # وأشفق القانص من حفاتها ... وقلت قد أحكمتها فهاتها # وأدن للصيد معلماتها ... وارفع لنا نسبة أمهاتها # فجاء يزجيها على شياتها ... شم العراقيب مؤنفاتها «5» # غر الوجوه ومحجلاتها ... مشرفة الأكناف موفياتها «6» # قود الخراطيم مخرطماتها ... سودا وصفرا وخلنجياتها «7» # مسميات وملقباتها ... حمرا وبيضا ومطوقاتها # مختبرات من سلوقياتها ... كأن أقمارا على لباتها # ترى على أفخاذها سماتها ... مفديات ومحمياتها # مفروشة الأيدي شرنبثاتها ... شم العراقيب مؤلفاتها «8» # PageV02P275 # حيد الأظافير مكعبراتها ... زل المآخير عملساتها «1» # تسمع في الآثار من وحاتها «2» ... من نهم الحرص ومن خواتها # لتفثأ الأرنب عن حياتها «3» ... إن حياة الكلب في وفاتها # حتى ترى القدر على مثفاتها «4» ... كثيرة الضيفان من عفاتها # تقذف جالاها بجوزي شاتها «5» # فقد قال كما ترى: # تسمع في الآثار من وحاتها ... من نهم الحرص ومن خواتها # وهذا هو معناها الأول، وأما قوله «6» : # تعد عين الوحش من أقواتها # فعلى قول أبي النجم: [من الرجز] # تعد عانات اللوى من مالها # وزعموا أن قوله: [من الرجز] # كطلعة الأشمط من جلبابه # هو قول الأول: [من الرجز] # كطلعة الأشمط من كسائه # وهو كما قال الآخر: [من الرجز] # كطلعة الأشمط من برد سمل # [6] وقال الحسن بن هانئ: [من الرجز] # لما تبدى الصبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه «7» # وانعدل الليل إلى مآبه ... هجنا بكلب طالما هجنا به # PageV02P276 # خزطه القانص واغتدى به ... يعزه طورا على استصعابه # وتارة ينصب لانصبابه ... فانصاع للصوت الذي يعنى به # كلمعان البرق من سحابه ... كأن عينيه لدى ارتيابه # فصا عقيق قد تقابلا به ... حتى إذا عفره هاها به # بابا به يا بعد ما بابا به ... ينتسف المقود من جذابه # من مرح يغلو إذا اغلولى به «1» ... وميعة تعرف من شبابه # كأن متنيه لدى انسلابه «2» ... متنا شجاع لج في انسيابه # كأنما الأظفور في قنابه «3» ... موسى صناع رد في نصابه # يثرد وجه الأرض في ذهابه «4» ... كأن نسرا ما توكلنا به # يعفو على ما جر من ثيابه ... إلا الذي أثر ms0206 من هدابه # ترى سوام الوحش يحتوى به ... يرحن أسرى ظفره ونابه «5» ### || [صفة أبى نواس لثعلب أفلت منه مرارا] # [7] وقال في ثعلب كان قد أفلت منه مرارا: [من الرجز] # قد طالما أفلت يا ثعالا ... وطالما وطالما وطالا «6» # جلت بكلبي يومك الأجوالا ... ماطلت من لا يسأم المطالا «7» # حتى إذا اليوم حدا الآصالا ... أتاك حين يقدم الآجالا «8» ### || طردية سابعة لأبى نواس # [8] وقال أبو نواس أيضا: [من الرجز] # يا رب بيت بفضاء سبسب ... بعيد بين السمك والمطنب «9» # لفتية قد بكروا بأكلب ... قد أدبوها أحسن التأدب # PageV02P277 # من كل أدفى ميسان المنكب ... يشب في القود شباب المقرب «1» # ينشط أذنيه بجد المخلب ... فما تني وشيقة من أرنب «2» # وجلدة مسلوبة من ثعلب ... مقلوبة الفروة أو لم تقلب # وعير عانات وأم التولب ... ومرجل يهدر هدر المصعب «3» # يقذف جالاه بجوز القرهب «4» ### || 282- [صفة ما يستدل به على فراهية الكلاب وشياتها وسياستها] # قال بعض من خبر ذلك «5» : إن طول ما بين يدي الكلب ورجليه- بعد أن يكون ~~قصير الظهر- من علامة السرعة. # قال «6» : ويصفونه بأن يكون صغير الرأس، طويل العنق غليظها، وأن يشبه بعض ~~خلقه بعضا، وأن يكون أغضف الأذنين مفرط الغضب، ويكون بعيد ما بينهما، ويكون ~~أزرق العينين، طويل المقلتين، ناتئ الحدقة، طويل الخطم، واسع الشدقين، ناتئ ~~الجبهة عريضها، وأن يكون الشعر الذي تحت حنكه كأنه طاقة ويكون غليظا، وكذلك ~~شعر خديه، ويكون قصير اليدين، طويل الرجلين، لأنه إذا كان كذلك كان أسرع في ~~الصعود بمنزلة الأرنب. # قالوا: ولا يكاد يلحق الأرنب في الصعود، إلا كل كلب قصير اليدين، طويل ~~الرجلين. # وينبغي أن يكون طويل الصدر غليظا، ويكون ما يلي الأرض من صدره عريضا، وأن ~~يكون غليظ العضدين، مستقيم اليدين، مضموم الأصابع بعضها إلى بعض، إذا مشى ~~أو عدا، وهو أجدر الا يصير بينها من الطين وغير ذلك ما يفسدها، ويكون ذكي ~~الفؤاد نشيطا، ويكون عريض الظهر، عريض ما بين مفاصل عظامه، عريض ما بين ~~عظمي أصل الفخذين اللذين يصيبان أصل الذنب، وطويل الفخذين # PageV02P278 # غليظهما شديد لحمهما، ويكون رزين المحزم «1» ، رقيق الوسط طويل ms0207 الجلدة ~~التي بين أصل الفخذين والصدر، ومستقيم الرجلين، ويكون في ركبته انحناء ~~ويصير قصير الساقين دقيقهما، كأنهما خشبة من صلابتهما. وليس يكره أن تكون ~~الإناث طوال الأذناب، ويكره ذلك للذكور. ولين شعرهما يدل على القوة. # وقد يرغب ذلك في جميع الجوارح من الطير وذوات الأربع، من لين الريش لذوات ~~الريش. # ولين الشعر لذوات الشعر من عتاق الخيل علامة صالحة. # قال: وينبغي أن يكون الكلب شديد المنازعة للمقود والسلسلة، وأن يكون ~~العظم الذي يلي الجنبين من عظام الجنبين صغيرا في قدر ثلاث أصابع. # وزعم أنهم يقولون: إن السود منها أقلها صبرا على البرد والحر، وإن البيض ~~أفره إذا كن سود العيون. # قال «2» : ومن علامة الفره التي ليس بعدها شيء، أن يكون على ساقيه أو على ~~إحداهما أو على رأس الذنب مخلب، وينبغي أن يقطع من الساقين، لئلا يمنعه من ~~العدو. ### || 283- [خير غذاء للكلب] # وذكر أن خير الأشياء التي تطعمها للكلب الخبز الذي قد يبس، ويكون الماء ~~الذي يسقاه يصب عليه شيء من زيت، فإن ذلك كالقت «3» المحض للخيل، ويشتد ~~عليه عدوه. ### || [خير طعام سمان لكلاب] # وقال: خير الطعام في إسمان الكلاب رأس مطبوخ، وأكارع بشعرها، من غير أن ~~تطعم من عظامها شيئا، والسمن إذا طعم منه قدر ثلاث سكرجات «4» مرتين أو ~~ثلاث مرات فإن ذلك مما يسمنه، ويقال إنه يعيد الهرم شابا «5» ، حتى يكون ~~ذلك في الصيد وفي المنظر، والعظم والثريد من أردأ ما تأكله للعدو. # PageV02P279 ### || 284- [من علاج الكلب] # ومما يكون غذاء ومن خير شيء يداوى به الكلب من وجع البطن والديدان، أن ~~يطعم قطعة ألية وصوف شاة معجونا بسمن البقر، فإنه يلقي كل دود وقذر في ~~بطنه. # وخير ما يعالج به الحفا «1» أن يدهن استه ثلاثة أيام. ويجم فيها ولا ~~يستعمل، أو يمسح على يديه ورجليه القطران. # وذكر عن خزيمة بن طرخان الأسدي، من أهل همذان، أنه قال: ليس من علاج الكلب # خير من أن يحقن. ### || [كدى، وأكدى، والكدية] # وقال: يقال كدي الجرو يكدى كدى وهو داء يأخذ الجراء خاصة، ms0208 يصيبها منه قيء ~~وسعال، حتى تكوى بين عينيها، ويقال أكدى الرجل إكداء: إذا لم يظفر بحاجته. ~~والكدية من الأرض: ارتفاع في صلابة. ويقال في الماء: حفر فأكدى. ### || [علاج لكلاب لأنفسها] # وزعم صاحب المنطق أن الكلاب إذا كان في أجوافها دود، أكلت سنبل القمح ~~فتبرأ. # وزعم أن الكلاب تمرض فتأتي حشيشة تعرفها بعينها، فتأكل منها فتبرأ. ### || 285- [عداوة بعض الحيوان لبعض] # وزعم صاحب المنطق أن العقاب تأكل الحيات، وأن بينهما عداوة؛ لأن الحية ~~أيضا تطلب بيضها وفراخها. # قال: والغداف يقاتل البومة، لأن الغداف يخطف بيض البومة نهارا. وتشد ~~البومة على بيض الغداف ليلا فتأكله؛ لأن البومة ذليلة بالنهار ردية النظر، ~~وإذا كان الليل لم يقو عليها شيء من الطير. والطير كلها تعرف البومة بذلك ~~وصنيعها بالليل، فهي تطير حول البومة وتضربها وتنتف ريشها. ومن أجل ذلك صار ~~الصيادون ينصبونها للطير. # والغداف يقاتل ابن عرس؛ لأنه يأكل بيضه وفراخه. # قال: وبين الحدأة والغداف قتال؛ لأن الحدأة تخطف بيض الغداف؛ لأنها أشد ~~مخالب وأسرع طيرانا. # PageV02P280 # وبين الأطرغلة «1» والشقراق «2» قتال؛ لأنه يقتل الأطرغلة ويطالبها. # وبين العنكبوت والعظاية «3» عداوة، والعظاية تأكل العنكبوت. # وعصفور الشوك يعبث بالحمار، وعبثه ذلك قتال له؛ لان الحمار إذا مر بالشوك ~~وكانت به دبرة «4» أو جرب تحكك به، ولذلك متى نهق الحمار سقط بيض عصفور ~~الشوك، وجعلت فراخه تخرج من عشها. ولهذه العلة يطير العصفور وراء الحمار ~~وينقر رأسه. # والذئب مخالف للثور والحمار والثعلب جميعا، لأنه يأكل اللحم النيء ولذلك ~~يقع على البقر والحمير والثعالب. # وبين الثعالب والزرق «5» خلاف لهذه العلة؛ لأنهما جميعا يأكلان اللحم. # والغراب يخالف الثور؛ ويخالف الحمار جميعا، ويطير حولهما، وربما نقر ~~عيونهما. وقال الشاعر: [من الرجز] # عاديتنا لازلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب # ولا أعرف هذا من قول صاحب المنطق؛ لأن الثعلب لا يجوز أن يعادي من بين ~~أحرار الطير وجوارحها الزرق وحده، وغير الزرق آكل اللحم. وإن كان سبب ~~عداوته له اجتماعهما على أكل اللحم، فليبغض العقاب من الطير، والذئب من ~~ذوات الأربع؛ فإنها آكل للحم. والثعلب ms0209 إلى أن يحسد ما هو كذلك أقرب، وأولى ~~فى القياس، فلو زعم أنه يعم أكلة اللحم بالعداوة، حتى يعطى الزرق من ذلك ~~نصيبه، كان ذلك أجوز. ولعل المترجم قد أساء في الإخبار عنه. # قال: والحية تقاتل الخنزير، وتقاتل ابن عرس، وإنما تقاتل ابن عرس إذ كان ~~مأواهما في بيت واحد، وتقاتل الخنزير لأن الخنزير يأكل الحيات. ويزعمون أن ~~الذي يأكل الحيات القنافذ، والأوعال، والخنازير، والعقبان. # PageV02P281 # قال: فالحية تعرف هذا من الخنزير، فهي تطالبه. # قال: والغراب مصادق للثعلب، والثعلب مصادق للحية، والأسد والنمر مختلفان. # قال: وبين الفيلة اختلاف شديد، وكذلك ذكورها وإناثها، وهي تستعمل الأنياب ~~إذا قاتل بعضها بعضا، وتعتمد بها على الحيطان فتهدمها، وتزحم النخلة بجنبها ~~فتصرعها. ### || [تذليل الفيل والبعير] # وإذا صعب من ذكورتها شيء احتالوا له حتى يكومه «1» ذكر آخر، فإذا كامه ~~خضع أبدا. وإذا اشتد خلقه وصعب عصبوا رجليه فسكن. # ويقال إن البعير إذا صعب وخافه القوم، استعانوا عليه فأبر كوه وعقلوه حتى ~~يكومه فحل آخر، فإذا فعل ذلك به ذل! ### || [الفيل و السنور] وأما أصحابنا فحكوا وجوه العداوة التي ~~بين الفيل والسنور- وهذا أعجب- وذهبوا إلى فزع الفيل من السنور، ولم يروه ~~يفزع مما هو أشد وأضخم. وهذا الباب على خلاف الأول، كأن أكثر ذلك الباب بني ~~على عداوة الأكفاء. ### || الشاة و الذئب] # والشاة من الذئب أشد فرقا منها من الأسد، وإن كانت تعلم أن الأسد يأكلها. ### || [الحمام و الشاهين] # وكذلك الحمام يعتريه من الشاهين ما لا يعتريه من العقاب والبازي والصقر. ### || [أعداء الفأرة] # وكذلك الفأرة من السنور «2» ، وقد يأكلها ابن عرس. وأكثر ذلك أن يقتلها ~~ولا يأكلها. وهي من السنور أشد فرقا. ### || [الثعلب و الدجاج] # والدجاجة تأكلها أصناف من السباع، والثعلب يطالبها مطالبة شديدة، ولو أن ~~دجاجا على رف مرتفع، أو كن على أغصان شجرة شاهقة، ثم مر تحتها كل صنف مما ~~يأكلها، فإنها تكون مستمسكة بها معتصمة بالأغصان التي هي عليها. فإذا مر ~~تحتها ابن آوى وهن ألف، لم تبق واحدة منهن إلا رمت بنفسها إليه. ### || 286- [ما ms0210 يأباه بعض الحيوان من الطعام] # والسبع لا يأكل الحار، والسنور لا يذوق الحموضة، ويجزع من الطعام الحار. # والله تعالى أعلم. # PageV02P282 ### || 287- [ما أشبه فيه الأسود والإنسان] # ثم رجع بنا القول إلى مفاخر الكلب، ونبدأ بكل ما أشبه فيه الكلب الأسود ~~والإنسان؛ وبشيء من صفات العظال. # قال صاحب المنطق (في كتابه الذي يقال له الحيوان، في موضع ذكر فيه الأسد) ~~قال: إذا ضرب الأسد بمخالبه، رأيت موضع آثار مخالبه في أقدار شرط الحجام أو ~~أزيد قليلا، إلا أنه من داخل أوسع خرزا، كأن الجلد ينضم على سم مخالبه، ~~فيأكل ما هنالك. فأما عضته فإن دواءها دواء عضة الكلب. # قال: ومما أشبه فيه الكلب الأسد انطباق أسنانه. ومما أشبه فيه الكلب ~~الأسد النهم، فإن الأسد يأكل أكلا شديدا، ويمضغ مضغا متداركا، ويبتلع البضع ~~«1» الكبار، من حاق الرغبة «2» ومن الحرص، وكالذي يخاف الفوت. ولما نازع ~~السنور من شبهه صار إذا ألقيت له قطعة لحم فإما أن يحملها أو يأكلها حيث لا ~~تراه؛ وإما أن يأكلها وهو يكثر التلفت، وإن لم يكن بحضرته سنور ينازعه، ~~والكلب يعض على العظم ليرضه، فإن مانعه شيء وكان مما يسيغه، ابتلعه وهو ~~واثق بأنه يستمريه ويسيغه. # والنهم يعرض للحيات، والحية لا تمضغ، وإنما تبتلع ذوات الراسات «3» ، وهي ~~غير ذوات الأنياب، فإنها تمضغ المضغة والمضغتين وإن ابتلعت شيئا فيه عظم ~~أتت عودا شاخصا فالتوت عليه، فحطمت العظم، والحية قوية جدا. # قال: والأسد وإن كان مما لا يفارق الغياض ولا يفارق الماء فإنه قليل ~~الشرب للماء، وليس يلقى رجعه إلا مرة في اليوم، وربما كان في اليومين ~~والثلاثة. ورجعه يابس شديد اليبس متعلق، شبيه برجيع الكلب. ويشبهه أيضا من ~~جهة أخرى وذلك أنهما جميعا إذا بالا شغرا «4» . # والكلب من أسماء الأسد، لقرابة ما بينه وبين الكلب. # والكلب يشبه الخنزير، فإن الخنزير يسمن في أسبوع، وإن جاع أياما ثم شبع ~~شبعة تبين ذلك تبينا ظاهرا. ألا تراه ينزع إلى محاسن الحيوان، ويشبه أشراف ~~السباع وكرائم البهائم؟! # PageV02P283 ### || 288- [عظال الكلاب] # ويقال: ليس في الأرض ms0211 فحل من جميع أجناس الحيوان لذكره حجم ظاهر إلا ~~الإنسان والكلب. وليس في الأرض شيئان يتشابكان من فرط إرادة كل واحد منهما ~~لطباع صاحبه، حتى يلتحم عضو الذكر بعضو الأنثى حتى يصير التحامهما التحام ~~الخلقة والبنية، لا كالتحام الملامسة والملازمة، إلا كما يوجد من التحام ~~قضيب الكلب بثفر الكلبة وقد يلزق القراد، ويغمس العلس «1» مقاديمه في جوف ~~اللحم، حتى يرى صاحب القراد كأنه صاحب ثؤلول «2» . وما القراد المضروب به ~~المثل في الالتحام إلا دون التحام الكلبين. ولذلك إذا ضربوا المثل ~~للمتباضعين بالسيوف، والملتقيين للصراع، فالتف بعضهم ببعض، قالوا: «كأنهم ~~الكلاب المتعاظلة» «3» . وليس هذا النوع من السفاد إلا للكلاب وزعم صاحب ~~المنطق وغيره، أن الذباب في ذلك كالكلب. ### || 289- [إسماعيل بن غزوان وجارية مويس بن عمران] # وكان إسماعيل بن غزوان قد تعشق جارية كانت لمويس بن عمران، وكانت إذا ~~وقعت وقعة إليه لم تمكث عنده إلا بقدر ما يقع عليها، فإذا فرغ لبست خفها ~~وطارت، وكان إسماعيل يشتهي المعاودة وأن يطيل الحديث، ويريد القرص والشم ~~والتقبيل والتجريد، ويعلم أنه في الكوم الثاني والثالث أجدر أن ينظر، وأجدر ~~أن يشتفي فكان ربما ضجر ويذكرها بقلبه وهو في المجلس، فيقول: يا رب امسخني ~~وإياها كلبين ساعة من الليل أو النهار، حتى يشغلها الالتحام عن التفكير في ~~غضب مولاتها إن احتبست!! ### || 290- [من أعاجيب الكلاب] # وفي الكلبة أعجوبة أخرى «4» : وذلك أنه يسفدها كلب أبقع وكلب أسود وكلب ~~أبيض وكلب أصفر، فتؤدي إلى كل سافد شكله وشبهه، في أكثر ما يكون ذلك. # PageV02P284 ### || 291- [تأويل الظالع في شعر الحطيئة] # وأما تأويل الظالع في قول الحطيئة: [من الطويل] # تسديتها من بعد ما نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كل موقد «1» # قال الأصمعي: يظلع الكلب لبعض ما يعرض للكلاب، فلا يمنعه ذلك من أن يهيج ~~في زمن هيج الكلاب، فإذا رأى الكلبة المستحرمة لم يطمع في معاظلتها والكلاب ~~منتبهة تنبح، فلا يزال ينتظر وقت فترة الكلاب ونومها، وذلك من آخر الليل. # وقال أحيحة بن الجلاح: [من المنسرح] # يا ليتني ليلة إذا ms0212 هجع ال ... ناس ونام الكلاب صاحبها «2» ### || 292- [طردية ثامنة لأبي نواس] # [1] ومما قيل في الكلاب: [من الرجز] «3» : # وفتية من آل ذهل في الذرى ... من الرقاشيين في أعلى العلا «4» # بيض بهاليل كرام المنتمى ... باتوا يسيرون إلى صوح اللوى «5» # ينفون عن أعينهم طيب الكرى ... إلا غشاشا بعد ما طال السرى «6» # يعدين إبلاء الفتى على الفتى ... حتى إذا ما كوكب الصبح بدا # ماجوا بغضف كاليعاسيب خسا ... ثلاثة يقطعن حزان الصوى «7» # PageV02P285 # رحيبة الأشداق غضف في دفا ... تلوي بأذناب قليلات اللحا «1» # سمعمعات الضمر من طول الطوى ... من كل مضبور القرا عاري النسا «2» # محملج المتنين منحوض الشوى ... شرنبث البرثن خفاق الحشا «3» # تخال منه القص من غير جنا ... مسنتا صفواء في حيدي صفا «4» # يلتهب الغائط منه إن عدا ... يقادح المرو وشذان الحصا «5» # حتى إذا استسحر في رأد الضحى ... بمربإ أوفى به على الربا «6» # أرانبا من دونها سربا ظبا ... نواشزا من أنس إلى خلا «7» # فوضى يدعثرن أفاحيص القطا ... لعلعن واستلهثن من غير ظما «8» # مبالغات في نهيم وصأى ... كأنما أعينها جمر الغضى «9» # ثم تطلعن معا كالبرق لا ... في الأرض يهوين ولا لوح الهوا «10» # كأنها في شرطها لما انبرى ... كواكب يرمى الشياطين بها # يذمرن بالإيساد ذمرا وأيا ... حتى إذا ما كن منهن كها «11» # دارت عليهن من الموت رحى ... تجذبهن بحديدات الشبا «12» # شوامذ يلعطن معبوط الدما ... بين خليع الزور مرضوض الصلا «13» # PageV02P286 # وبين مفري النياط قد شصا ... كأنه مبتهل إذا دعا «1» # ومائل الفودين مجلوز القفا ... يقفين بالأكباد منها والكلى «2» # وبالقلوب وكراديس الطلى «3» # [2] وقال أيضا «4» : [من الرجز] # لما تبدى الصبح من حجابه ... وانعدل الليل إلى مآبه # خرطه القانص واغتدى به ... في مقود يردع من جذابه «5» # يعزه طورا على استصعابه ... وتارة ينصب لانصبابه # كأنما يفتر من أنيابه ... عن مرهفات السن من حرابه «6» # يرثم أنف الأرض في ذهابه ... حتى إذا أشرف من حدابه «7» # بعد انحدار الطرف وانقلابه ... بروضة القاع إلى أعجابه «8» # أرسله كالسهم إذ غالى به ... يكاد أن ينسل من إهابه «9» # كلمعان البرق في سحابه ... حتى إذا ما كاد أو حدا به # وانصات للصوت الذي يدعى ms0213 به ... كأنما أدمج في خضابه «10» # ما بين لحييه إلى أقرابه ... مشهر الغدو في إيابه «11» # [3] وقال أيضا «12» : [من الرجز] # ما البرق في ذي عارض لماح ... ولا انقضاض الكوكب المنصاح «13» # PageV02P287 # ولا انبتات الدلو بالمتاح ... ولا انسياب الحوت بالمنداح «1» # حين دنا من راحة السباح ... أجد في السرعة من سرياح «2» # يكاد عند ثمل المراح ... إذا سما الخاتل للأشباح «3» # يطير في الجو بلا جناح ... يفتر عن مثل شبا الرماح «4» # فكم وكم ذي جدة لياح ... ونازب أعفر ذي طماح «5» # غادره مضرج الصفاح # PageV02P288 # [طردية تاسعة لأبي نواس] # [طردية عاشرة لأبي نواس] ### | باب آخر في الكلب وشأنه ### || 293- [تفسير بعض ما قيل من الشعر في الكلاب] # قال طفيل الغنوي: [من الطويل] # أناس إذا ما أنكر الكلب أهله ... حموا جارهم من كل شنعاء مظلع «1» # يقول: إذا تكفروا في السلاح لم تعرفهم كلابهم. # ولم يدع جميع أصحاب المعارف إلا أن الكلب أشد ثباتا، وأصدق حسا. وفي ذلك ~~يقول الآخر: [من الطويل] # فلا ترفعي صوتا وكوني قصية ... إذا ثوب الداعي وأنكرني كلبي «2» # يقول: إياك والصراخ إذا عاينت الجيش. # وقوله: «أنكرني كلبي» ، يخبر أن سلاحه تام من الدرع والمغفر والبيضة «3» ~~. # فإذا تكفر «4» بسلاحه أنكره كلبه فنبحه. # وأما قوله: [من المتقارب] # إذا خرس الفحل وسط الحجور ... وصاح الكلاب وعق الولد «5» # فأما قوله: إذا خرس الفحل، فإن الفحل [الحصان] «6» إذا عاين الجيش وبوارق ~~السيوف، لم يلتفت لفت الحجور. # وأما قوله «7» : وصاح الكلاب. فإن الكلاب في تلك الحالة تنبح أربابها كما ~~تنبح سرعان الخيل إليهم؛ لأنها لا تعرفهم من عدوهم. # PageV02P289 # وأما قوله: وعق الولد، فإن المرأة إذا صبحتهم الخيل، ونادى الرجال يا ~~صباحاه! ذهلت عن ولدها، وشغلها الرعب عن كل شيء «1» . فجعل تركها احتمال ~~ولدها والعطف عليه في تلك الحالة، عقوقا منها، وهو قولهم: نزلت بهم أمور لا ~~ينادى وليدها «2» ، وإنما استعاروا هذه الكلمة فصيروها في هذا الموضع من ~~هذا المكان. # وقد ذكر ذلك مزرد بن ضرار وغيره، فقال: [من الطويل] # تبرأت من شتم الرجال بتوبة ... إلى الله مني لا ينادى وليدها «3» # وقال الآخر: [من الطويل] ms0214 # ظهرتم على الأحرار من بعد ذلة ... وشقوة عيش لا ينادى وليدها # والذي يخرسه إفراط البرد، وإلحاح المطر، كما قال الهذلي: [من البسيط] # وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختص بالنقرى المثرين داعيها «4» # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من الصقيع، ولا تسري أفاعيها # وقال ابن هرمة: [من الخفيف] # واسأل الجار والمعصب والأضيا ... ف وهنا إذا تحيوا لديا «5» # كيف يلقونني إذا نبح الكل ... ب وراء الكسور نبحا خفيا # وقال آخر: [من المتقارب] # إذا عمي الكلب في ديمة ... وأخرسه الله من غير صر «6» # PageV02P290 # يقول: الكلب وإن أخرسه البرد الذى يكون مع المطر والريح التي تمر ~~بالصحارى المطيرة فتبرد، فإن الكلب وإن ناله ذلك فإن ذلك من خصب، وليس ذلك ~~من صر. ### || 294- [سبب نبح الكلاب السحاب] # والكلب إذا ألحت عليه السحائب بالأمطار في أيام الشتاء لقي جنة فمتى أبصر ~~غيما نبحه «1» ، لأنه قد عرف ما يلقى من مثله، وفي المثل: «لا يضر السحاب ~~نباح الكلاب» «2» فقال الشاعر: [من الطويل] # وما لي لا أغزو وللدهر كرة ... وقد نبحت نحو السماء كلابها # يقول: قد كنت أدع الغزو مخافة العطش على الخيل والأنفس، فما عذري اليوم ~~والغدران كثيرة، ومناقع المياه موفورة. # والكلاب لا تنبح السحاب إلا من إلحاح المطر وترادفه «3» . # وقال الأفوه الأودي، في نبح الكلاب السحاب، وذلك من وصف الغيم: [من ~~الطويل] # له هيدب دان ورعد ولجة ... وبرق تراه ساطعا يتبلج «4» # فباتت كلاب الحي ينبحن مزنه ... وأضحت بنات الماء فيها تعمج «5» ### || 295- [قول أبي حية النميري في الكلب] # وقال أبو خالد النميري: وذكروا فرعون ذا الأوتاد عند أبي حية النميري، ~~فقال أبو حية: الكلب خير منه وأحزم! قال: فقيل له كيف خصصت الكلب بذلك؟ ~~قال: # لأن الشاعر يقول: [من الطويل] # وما لي لا أغزو وللدهر كرة ... وقد نبحت نحو السماء كلابها # وقال الفرزدق: [من الطويل] # فإنك إن تهجو حنيفة سادرا ... وقبلك قد فاتوا يد المتناول «6» # PageV02P291 # كفرعون إذ يرمي السماء بسهمه ... فرد عليه السهم أفوق ناصلي «1» # فهذا يرمي السماء بجهله، وهذا ينبح السحاب من جودة فطنته. ### || 296- [تعصب فهد الأحزم ms0215 للكلب] # وزعم فهد الأحزم أن الكلب إنما عرف مخرج ذلك الشيء المؤذي له حتى نبحه ~~بالقياس، لأنه إنما نبحه بعد أن توالى عليه الأذى من تلك الجهة. وكان فهد ~~يتعصب للكلب. فقلت له: وكذلك الحمار إذا رفعت عليه السوط مر من تحتك مرا ~~حثيثا، فالقياس علمه أن السوط متى رفع حط، ومتى حط أصابه، ومتى أصابه ألم. # فما فضل الكلب في هذا الموضع على الحمار، والحمار هو الموصوف بالجهل؟! ### || 297- [مما قيل في نباح الكلاب] # قال الفرزدق: [من الطويل] # وقد نبح الكلب السحاب ودونها ... مهامه تعشي نظرة المتأمل «2» # وقال الآخر: [من الرجز] # ما لك لا تنبح يا كلب الدوم ... قد كنت نباحا فما بال اليوم «3» # قال: كان هذا رجل ينتظر عيرا له تقدم، فكان إذا جاءت العير نبح، فاحتبست ~~عليه العير، فقال كالمتمني وكالمنتظر المستبطئ: ما لك لا تنبح؟ أي ما للعير ~~لا تأتي. ### || 298- [فراسة إياس بن معاوية] # وقال «4» : خرج إياس بن معاوية، فسمع نباح كلب فقال: هذا كلب مشدود. ثم ~~سمع نباحه فقال: قد أرسل. فانتهوا إلى الماء فسألوهم فكان كما قال. # فقال له غيلان أبو مروان: كيف علمت أنه موثق وأنه أطلق؟ قال: كان نباحه ~~وهو موثق يسمع من مكان واحد، فلما أطلق سمعته يقرب مرة ويبعد مرة، ويتصرف ~~في ذلك. # وقالوا «5» : مر إياس بن معاوية ذات ليلة بماء، فقال: أسمع صوت كلب غريب. # PageV02P292 # قيل له: كيف عرفت ذلك؟ قال: بخضوع صوته وشدة نباح الآخر. فسألوا فإذا هو ~~غريب مربوط والكلاب تنبحه. ### || 299- [استطراد لغوي] # وقال بعض العلماء: كلب أبقع، وفرس أبلق، وكبش أملح «1» ، وتيس أبرق، وثور ~~أشيه «2» . # ويقال كلب وكلاب وكليب، ومعز وماعز ومعيز. وقال لبيد: [من الوافر] # فبتنا حيث أمسينا قريبا ... على جسداء تنبحنا الكليب «3» # وقال علقمة بن عبدة: [من الطويل] # وتصبح عن غب السرى وكأنها ... مولعة تخشى القنيص شبوب «4» # تعفق بالأرطى لها وأرادها ... رجال فبذت نبلهم وكليب # وقال عبادة بن محبر السعدي: [من الوافر] # فمن للخيل بعد أبي سراج ... إذا ما أشنج الصر الكليبا «5» # وهؤلاء كلهم جاهليون. ms0216 # وقال حمويه الخريبي «6» وأنشدوه: [من الوافر] # كأنك بالمبارك بعد حين ... تخوض غماره بقع الكلاب «7» # وأنشدوه: [من البسيط] # أرسلت أسدا على سود الكلاب فقد ... أمسى شريدهم في الأرض فلالا # PageV02P293 # فقال: لا خير في بقع الكلاب البتة، وسود الكلاب أكثرها عقورا. ### || 300- [خير الكلاب والسنانير] # وخير الكلاب ما كان لونه يذهب إلى ألوان الأسد من الصفرة والحمرة. # والتبقيع هجنة. # وخير السنانير الخلنجية، وخير كلاب الصيد البيض. # قالوا: إن الأسد للهراش الحمر والصفر، والسود للذئاب، وهي شرها، وقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها. ~~ولكن اقتلوا منها كل أسود بهيم» . # وكل شيء من الحيوان إذا اسود شعره أو جلده، أو صوفه، كان أقوى لبدنه ولم ~~تكن معرفته بالمحمودة. ### || 301- [خير الحمام] # وزعم أن الحمام الهداء «1» إنما هو في الخضر والنمر «2» ، فإذا اسود ~~الحمام حتى يدخل في الاحتراق صار مثل الزنجي الشديد البطش. القليل المعرفة. ~~والأسود لا يجيء من البعد، لسود هدايته. والأبيض وما ضرب فيه البياض لا ~~يجيء من الغاية، لضعف قواه. وعلى قدر ما يعتريه من البياض يعتريه من الضعف. # فالكلب هو الأصفر والأحمر، والحمام هو الأخضر والأنمر، والسنور هو ~~الخلنجي العسال، وسائر الألوان عيب. # وقد يكون فيها ومنها الخارجي «3» كما يكون من الخيل، ولكنه لا يكاد ينجب، ~~ولا تعدو الأمور المحمودة منه رأسه، وقد يكون ربما أشبه وقرب من النجابة، ~~فإذا كان كذلك كان كهذه الأمهات والآباء المنجبة، إلا أن ذلك لا يتم منها ~~إلا بعد بطون عدة. ### || 302- [استطراد لغوي] # وقال أبو زيد: قال رداد: أقول للرجل الذي إذا ركب الإبل فعقر ظهورها من # PageV02P294 # إتعابه. هذا رجل معقر، وكذلك السرج والقتب، ولا يقال للكلب إلا عقور. ~~ويقال هو ضرو للكلب الضاري على الصيد، وضروة للكلبة، وهذا ضراء كثيرة، وكلب ~~ضار، وكلاب ضوار. وقد ضريت أشد الضراوة. وقال ذو الرمة: [من البسيط] # مقزع أطلس الأطمار ليس له ... إلا الضراء وإلا صيدها نشب «1» # وقال طفيل الغنوي: [من الطويل] # تباري مراخيها الزجاج كأنها ... ضراء أحست نبأة من مكلب «2» # ومنه ms0217 قيل: إناء ضار «3» وقد قال عمر رضي الله تعالى عنه: «إياكم وهذه ~~المجازر فإن لها ضراوة كضراوة الخمر» «4» . # وقال الأصمعي: كلب أبقع وكلبة بقعاء، وفرس أبلق وفرس بلقاء، وتيس أبرق ~~وعنز برقاء، وكذلك جبل أبرق وكساء أبرق وكلب أبرق. # وقال ابن داحة: نزل عندنا أعرابي ومعه ابنان له صغيران، وكان أحدهما ~~مستهترا «5» باللعب بالكلاب، وكان الآخر مستهترا بالحملان، فقال الأعرابي ~~لصاحب الكلب: [من الكامل] # ما لي أراك مع الكلاب جنيبة ... وأرى أخاك جنيبة الحملان «6» # قال: فرد عليه الغلام: [من الكامل] # لولا الكلاب وهرشها من دونها ... كان الوقير فريسة الذؤبان «7» # PageV02P295 # والوقير: اسم للغنم الكثيرة السائمة مع ما فيها من الحمير وغير ذلك. # وقال الشماخ بن ضرار: [من الوافر] # فأوردهن تقريبا وشدا ... شرائع لم يكدرها الوقير «1» ### || مما قيل من الشعر فى نفع الكلاب # وقال الشاعر في تثبيت ما قال الغلام: [من البسيط] # تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي صولة المستأسد الضاري # وقال الآخر: [من البسيط] # إن الذئاب ترى من لا كلاب له ... وتتقي حوزة المستثفر الحامي «2» ### || 303- [عفة عمر بن أبي ربيعة وابن أبي عتيق] # وقال محمد بن إبراهيم: قدمت امرأة إلى مكة، وكانت ذات جمال وعفاف وبراعة ~~وشارة، فأعجبت ابن أبي ربيعة، فأرسل إليها فخافت شعره، فلما أرادت الطواف ~~قالت لأخيها: اخرج معي. فخرج معها، وعرض لها عمر فلما رأى أخاها أعرض عنها، ~~فأنشدت قول جرير «3» : [من البسيط] # تعدو الذئاب على من لا كلاب له ... وتتقي حوزة المستأسد الحامي # هذا حديث أبي الحسن، وأما بنو مخزوم فيزعمون أن ابن أبي ربيعة لم يحل ~~إزاره على حرام قط، وإنما كان يذهب في نسيبه إلى أخلاق ابن أبي عتيق، فإن ~~ابن أبي عتيق كان من أهل الطهارة والعفاف، وكان من سمع كلامه توهم أنه من ~~أجرأ الناس على فاحشة. # وما يشبه الذي يقول بنو مخزوم ما ذكروا عن قريش والمهاجرين؛ فإنهم ~~يقولون: إن عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة إنما سمي بعمر بن الخطاب وإنه ولد ~~ليلة مات عمر. فلما كان ms0218 بعد ذلك ذكروا فساد هذا وصلاح ذلك فقالوا: أي باطل ~~وضع، وأي حق رفع!! # PageV02P296 # ومثل هذا الكلام لا يقال لمن يوصف بالعفة الثابتة. ### || 304- [وصية شريح لمعلم ولده] # ولبغض المزاح في لعب الصبيان بالكلاب واستهتارهم بها. كتب شريح إلى معلم ~~ولد له كان يدع الكتاب ويلعب بالكلاب: [من الكامل] # ترك الصلاة لأكلب يلهو بها ... طلب الهراش مع الغواة الرجس «1» # وليأتينك غاديا بصحيفة ... يغدو بها كصحيفة المتلمس «2» # فإذا خلوت فعضه بملامة ... أو عظه موعظة الأديب الأكيس # وإذا هممت بضربه فبدرة ... وإذا ضربت بها ثلاثا فاحبس # واعلم بأنك ما فعلت فإنه ... مع ما يجرعني أعز الأنفس # وهذا الشعر عندنا لأعشى بني سليم في ابن له. وقد رأيت ابنه هذا شيخا ~~كبيرا. وهو يقول الشعر؛ وله أحاديث كثيرة ظريفة. ### || 305- [مما يدل على قدر الكلب] من دلائل كرم الكلب # وقال صاحب الكلب: ومما يدل على قدر الكلب كثرة ما يجري على ألسنة الناس ~~من مدحه بالخير والشر، وبالحمد وبالذم، حتى ذكر في القرآن مرة بالحمد ومرة ~~بالذم. وبمثل ذلك ذكر في الحديث، وكذلك في الأشعار والأمثال، حتى استعمل في ~~الاشتقاقات، وجرى في طريق الفأل والطيرة، وفي ذكر الرؤيا والأحلام، ومع ~~الجن والحن والسباع والبهائم. فإن كنتم قضيتم عليه بالشر وبالنقص، وباللؤم ~~وبالسقوط لأن ذلك كله قد قيل فيه، فالذي قيل فيه من الخير أكثر، ومن الخصال ~~المحمودة أشهر. # وليس شيء أجمع لخصال النقص من الخمول، لأن تلك الخصال المخالفة لذلك، ~~تعطي من النباهة وتقيم من الذكر على قدر المذكور من ذلك. وكما لا تكون ~~الخصال التي تورث الخمول مورثة للنباهة، فكذلك خصال النباهة في مجانبة ~~الخمول، لأن الملوم أفضل من الخامل. # PageV02P297 ### || 306- [الترجمان بن هريم والحارث بن شريح] # وسمع الترجمان بن هريم عند يزيد بن عمر بن هبيرة، رجلا يقول: ما جاء ~~الحارث ابن شريح بيوم خير قط. قال الترجمان: إلا يكن جاء بيوم خير فقد جاء ~~بيوم شر «1» . ### || 307- [سياسة الحزم] # وبعد فأي رئيس كان خيره محضا عدم الهيبة. ومن لم يعمل بإقامة جزاء السيئة ~~والحسنة، ms0219 وقتل في موضع القتل، وأحيا في موضع الإحياء. وعفا في موضع العفو، ~~وعاقب في موضع العقوبة، ومنع ساعة المنع، وأعطى ساعة الإعطاء، خالف الرب في ~~تدبيره، وظن أن رحمته فوق رحمة ربه. # وقد قالوا: بعض القتل إحياء للجميع. وبعض العفو إغراء، كما أن بعض المنع ~~إعطاء، ولا خير فيمن كان خيره محضا، وشر منه من كان شره صرفا، ولكن اخلط ~~الوعد بالوعيد، والبشر بالعبوس، والإعطاء بالمنع، والحلم بالإيقاع، فإن ~~الناس لا يهابون ولا يصلحون إلا على الثواب والعقاب، والإطماع والإخافة. ~~ومن أخاف ولم يوقع وعرف بذلك، كان كمن أطمع ولم ينجز وعرف بذلك، ومن عرف ~~بذلك دخل عليه بحسب ما عرف منه. فخير الخير ما كان ممزوجا، وشر الشر ما كان ~~صرفا، ولو كان الناس يصلحون على الخير وحده لكان الله عز وجل أولى بذلك ~~الحكم. # وفي إطباق جميع الملوك وجميع الأئمة في جميع الأقطار وفي جميع الأعصار ~~على استعمال المكروه والمحبوب، دليل على أن الصواب فيه دون غيره. # وإذا كان الناس إنما يصلحون على الشدة واللين، وعلى العفو والانتقام وعلى ~~البذل والمنع، وعلى الخير والشر، عاد بذلك الشر خيرا وذلك المنع إعطاء وذلك ~~المكروه محبوبا. وإنما الشأن في العواقب، وفيما يدوم ولا ينقطع وفيما هو ~~أدوم، ومن الأنقطاع أبعد. ### || شعر ما فى الحزم # وقال الشاعر، وهو يمدح قوما: [من البسيط] # إن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب أخبار «2» # PageV02P298 # وإن توددتهم لانوا وإن شهموا ... كشفت أذمار حرب غير أغمار «1» # وقال العتبي: [من الطويل] # ولكن بنو خير وشر كليهما ... جميعا ومعروف ألم ومنكر «2» # وقال بعض من ارتجز يوم جبلة «3» : [من الرجز] # أنا الغلام الأعسر ... الخير في والشر # والشر في أكثر «4» # وقال عبد الملك بن مروان لزفر بن الحارث؛ وقد دخل عليه في رجالات قيس: # ألست امرأ من كندة؟ قال: وما خير من لا يتقى حسدا، ويدعى رغبة. # وقال ثمامة: الشهرة بالشر خير من أن لا أعرف بخير ولا شر. ### || 308- [امارات النباهة] # وكان يقال: يستدل على نباهة الرجل من ms0220 الماضين بتباين الناس فيه. # وقال: ألا ترى أن عليا- رضي الله تعالى عنه- قال: يهلك في فئتان: محب ~~مفرط، ومبغض مفرط. # وهذه صفة أنبه الناس، وأبعدهم غاية في مراتب الدين وشرف الدنيا. ألا ترى ~~أن الشاعر يقول: [من الهزج] # أرى العلباء كالعلبا ... ء لا حلو ولا مر # شييخ من بني الجارو ... د لا خير ولا شر # وقال الآخر: [من الرجز] # عيرتني يا ثكلتني أمي ... أسود مثل الجعل الأحم «5» # ينطح عرض الجبل الأصم ... ليس بذي القرن ولا الأجم # PageV02P299 # وإذا كان الرجل أبرع الناس براعة، وأظهرهم فضلا، وأجمعهم لخصال الشرف، ثم ~~كانت كل خصلة مساوية لأختها في التمام، ولم تغلب عليه خصلة واحدة، فإن هذا ~~الرجل لا يكاد يوصف إلا بالسيادة والرياسة خاصة إذا لم يكن له مسند عما ~~يكون هو الغالب عليه. # وقالوا فيما يشبه ما ذكرنا، وإن لم يكن هو بعينه، قال الشاعر: [من ~~البسيط] # هينون لينون أيسار ذوو يسر ... سواس مكرمة أبناء أيسار «1» # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري # وقد قال مثل الذي وصفنا جعفر الضبي في الفضل بن سهل: أيها الأمير أسكتني ~~عن وصفك تساوي أفعالك في السؤدد، وحيرني فيها كثرة عددها، فليس إلى ذكر ~~جميعها سبيل، وإن أردت وصف واحدة اعترضت أختها، إذ لم تكن الأولى أحق ~~بالذكر. ولست أصفها إلا بإظهار العجز عن وصفها. # ولذلك قالوا: «أحلم من الأحنف» «2» ، و «ما هو إلا في حلم معاوية» و ~~«أحلم من قيس بن عاصم» «3» ، ولم يقولوا: أحلم من عبد المطلب، ولا هو أحلم ~~من هاشم، لأن الحلم خصلة من خصاله كتمام حلمه، فلما كانت خصاله متساوية، ~~وخلاله مشرفة متوازية، وكلها كان غالبا ظاهرا، وقاهرا غامرا، سمي بأجمع ~~الأشياء ولم يسم بالخصلة الواحدة، فيستدل بذلك على أنها كانت أغلب خصال ~~الخير عليه. ### || 309- [هجاء الشعراء للأشراف] # وإذا بلغ السيد في السؤدد الكمال، حسده من الأشراف من يظن أنه الأحق به، ~~وفخرت به عشيرته، فلا يزال سفيه من شعراء تلك القبائل قد غاظه ارتفاعه على ~~مرتبة سيد ms0221 عشيرته فهجاه. ومن طلب عيبا وجده. فإن لم يجد عيبا وجد بعض ما ~~إذا ذكره، وجد من يغلط فيه ويحمله عنه. ولذلك هجي حصن بن حذيفة، وهجي زرارة ~~ابن عدس، وهجي عبد الله بن جدعان، وهجي حاجب بن زرارة. # PageV02P300 # وإنما ذكرت لك هؤلاء لأنهم من سؤددهم وطاعة القبيلة لهم، لم يذهبوا فيمن ~~تحت أيديهم من قومهم، ومن حلفائهم وجيرانهم، مذهب كليب بن ربيعة، ولا مذهب ~~حذيفة بن بدر، ولا مذهب عيينة بن حصن، ولا مذهب لقيط بن زرارة، ولأن لقيطا ~~لم يأمر بسحب ضمرة بن ضمرة إلا وهو لو بقي لجاوز ظلم كليب وتهكم عيينة، فإن ~~هؤلاء وإن كانوا سادة فقد كانوا يظلمون، وكانوا بين أن يظلموا وبين أن ~~يحتملوا ظلما ممن ظلمهم. ولا بد من الاحتمال كما لا بد من الانتصار. # وقد قال عز وجل: ولكم في القصاص حياة # «1» . وإلى هذا المعنى رجع قول الحكيم الأول: «بعض القتل إحياء للجميع» ~~«2» . ### || [حزم السادة] # وعامة هولاء السادة لم يكن شأنهم أن يردوا الناس إلى أهوائهم، وإلى ~~الانسياق لهم بعنف السوق، وبالحرب في القود، بل كانوا لا يؤثرون الترهيب ~~على الترغيب. # والخشونة على التليين. وهم مع ذلك قد هجوا بأقبح الهجاء. # ومتى أحب السيد الجامع، والرئيس الكامل قومه أشد الحب وحاطهم على حسب حبه ~~لهم، كان بغض أعدائهم له على حسب حب قومه له. هذا إذا لم يتوثب إليه ولم ~~يعترض عليه من بني عمه وإخوته من قد أطمعته الحال باللحاق به. وحسد الأقارب ~~أشد، وعداوتهم على حسب حسدهم. # وقد قال الأولون: رضا الناس شيء لا ينال. # وقد قيل لبعض العرب: من السيد فيكم؟ قال الذي إذا أقبل هبناه، وإذا أدبر ~~اغتبناه! وقد قال الأول: بغضاء السوق «3» موصولة بالملوك والسادة، وتجري في ~~الحاشية مجرى الملوك. ### || 310- [صعوبة سياسة العوام] # وليس في الأرض عمل أكد لأهله من سياسة العوام. وقد قال الهذلي يصف صعوبة ~~السياسة: [من الوافر] # وإن سياسة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل «4» # PageV02P301 # وقال آخر في شبيه بهذا المعنى: [من الطويل] # ودون ms0222 الندى في كل قلب ثنية ... لها مصعد حزن ومنحدر سهل «1» # وود الفتى في كل نيل ينيله ... إذا ما انقضى، لو أن نائله جزل # وقال عامر بن الطفيل: [من الطويل] # وإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب «2» # فما سودتني عامر من وراثة ... أبى الله أن أسمو بأم ولا أب # ولكنني أحمي حماها وأتقي ... أذاها وأرمي من رماها بمنكب # وقال زياد بن ظبيان لابنه عبيد الله بن زياد وزياد يغرغر بنفسه «3» : ألا ~~أوصي بك الأمير؟ قال: لا. قال: ولم؟ قال: إذا لم يكن للحي إلا وصية الميت، ~~فالحي هو الميت» . # وقال آخر في هذا المعنى: [من الكامل] # والعز لا يأتي بغير تطلب # وقال بشامة بن الغدير في خلاف ذلك، وأن يثبت أن يكون منه كان: [من ~~الطويل] # وجدت أبي فيهم وجدي كليهما ... يطاع ويؤتى أمره وهو محتبي «5» # فلم أتعمل للسيادة فيهم ... ولكن أتتني طائعا غير متعب ### || 311- [بحث في السعادة] # ومن الناس من يقول: إن العيش كله في كثرة المال، وصحة البدن، وخمول ~~الذكر. # وقال من يخالفه: لا يخلو صاحب البدن الصحيح والمال الكثير، من أن يكون ~~بالأمور عالما، أو يكون بها جاهلا. فإن كان بها عالما فعلمه بها لا يتركه ~~حتى يكون له من القول والعمل على حسب علمه، لأن المعرفة لا تكون كعدمها، ~~لأنها لو كانت # PageV02P302 # موجودة غير عاملة لكانت المعرفة كعدمها، وفي القول والعمل ما أوجب ~~النباهة، وأدنى حالاته أن تخرجه من حد الخمول، ومتى أخرجته من حد الخمول ~~فقد صار معرضا لمن يقدر على سلبه. # وكما أن المعرفة لا بد لها من عمل، ولا بد للعمل من أن يكون قولا أو ~~فعلا، والقول لا يكون قولا إلا وهناك مقول له، والفعل لا يكون فعلا إلا ~~وهناك مفعول له، وفي ذلك ما أخرج من الخمول وعرف به الفاعل. # وإذا كانت المعرفة هذا عملها في التنبيه على نفسها، فالمال الكثير أحق ~~بأن عمله الدلالة على مكانه، والسعاية على أهله. والمال أحق بالنميمة، ~~وأولى بالشكر، وأخدع لصاحبه، بل ms0223 يكون له أشد قهرا، ولحيه أشد فسادا. # وإن كانت معرفته ناقصة فبقدر نقصانها يجهل مواضع اللذة. وإن كانت تامة ~~فبقدر تمامها ينفى الخمول ويجلب الذكر. # وبعد فليس يفهم فضيلة السلامة. وحقائق رشد العافية، الذين ليس لهم من ~~المعرفة إلا الشدو «1» ، وإلا خلاق «2» أوساط الناس. ومتى كان ذلك كذلك، لم ~~يعرف المدخل الذي من أجله يكره ذو المال الشهرة. ومن عرف ذلك على حقه ~~وصدقه، لم يدعه فهمه لذلك حتى يدل على فهمه. وعلى أنه لا يفهم هذا الموضع ~~حتى يفهم كل ما كان في طبقته من العلم. وفي أقل من ذلك ما يبين به حاله من ~~حال الخامل. # وشروط الأماني غير شروط جواز الأفعال وإمكان الأمور. وليس شيء ألذ ولا ~~أسر من عز الأمر والنهي، ومن الظفر بالأعداء، ومن عقد المنن في أعناق ~~الرجال، والسرور بالرياسة وبثمرة السيادة، لأن هذه الأمور هي نصيب الروح، ~~وحظ الذهن، وقسم النفس «3» . فأما المطعم والمشرب والمنكح والمشمة، وكل ما ~~كان من نصيب الحواس، فقد علمنا أن كل ما كان أشد نهما وأرغب، كان أتم ~~لوجدانه الطعم. وذلك قياس على مواقع الطعم من الجائع، والشراب من العطشان. # ولكنا إذا ميلنا بين الفضيلة التي مع السرور، وبين لذة الطعام، وما يحدث ~~الشره له من ألم السهر والالتهاب والقلق وشدة الكلب، رأينا أن صاحبه مفضول ~~غير فاضل. هذا مع ما يسب به، ومع حمله له على القبيح، وعلى أن نعمته متى ~~زالت لم # PageV02P303 # يكن أحد أشقى منه. هذا مع سرور العالم بما وهب الله له من السلامة من آفة ~~الشره، ومن فساد الأخلاط. # وبعد فلا يخلو صاحب الثروة والصامت الكثير «1» ، الخامل الذكر من أن يكون ~~ممن يرغب في المركب الفاره، والثوب اللين، والجارية الحسنة، والدار الجيدة، ~~والمطعم الطيب، أو يكون ممن لا يرغب في شيء من ذلك. فإن كان لا يرغب في هذا ~~النوع كله، ولا يعمل في ماله للدار الآخرة. ولا يعجب بالأحدوثة الحسنة، ~~ويكون ممن لا تعدو لذته أن يكون كثير الصامت، فإن هذا حمار ms0224 أو أفسد طبعا من ~~الحمار، وأجهل من الحمار، وقد رضي أن يكون في ماله أسوأ حالا من الوكيل. # وبعد فلا بد للمال الكثير من الحراسة الشديدة، ومن الخوف عليه، فإن أعمل ~~الحراسة له، وتعب في حفظه وحسب الخوف، خرج عليه فضل. فإن هو لم يخف عليه- ~~ولا يكون ذلك في سبيل التوكل- فهو في طباع الحمار وفي جهله. والذي أوجب له ~~الخمول ليؤديه إلى سلامة المال له، قد أعطاه من الجهل ما لا يكون معه إلا ~~مثل مقدار لذة البهيمة في أكل الخبط «2» . # وإن هو ابتاع فره الدواب، وفره الخدم والجواري، واتخذ الدار الجيدة، ~~والطعام الطيب والثوب اللين وأشباه ذلك، فقد دل على ماله. ومن كان كذلك ثم ~~ظهرت له ضيعة فاشية، أو تجارة مربحة، يحتمل مثل ذلك الذي يظهر من نفقته. ~~وإلا فإنه سيوجد في اللصوص عند أول من يقطع عليه، أو مكابرة تكون، أو تعب ~~يؤخذ لأهله المال العظيم. # ولو عنى بقوله الخمول وصحة البدن والمال، فذهب إلى مقدار من المال مقبولا ~~ولكن ما لمن كان ماله لا يجاوز هذا المقدار يتهيأ الخمول. ### || 312- [طبقات الخمول] # ولعمري إن الخمول ليكون في طبقات كثيرة، قال أبو نخيلة: [من الطويل] # شكرتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أقرضته نعمة يقضي «3» # فأحييت من ذكري وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # PageV02P304 # قالوا: ولسقوط الخامل من عيون الناس، قالت الأعرابية لابنها: إذا جلست مع ~~الناس فإن أحسنت أن تقول كما يقولون فقل، وإلا فخالف تذكر! وأما الأصمعي ~~فزعم أنها قالت: فخالف ولو بأن تعلق في عنقك أير حمار. # وليس يقول هذا القول إلا من ليس يعرف شكر الغنى، وتقلب الأموال إلى ما ~~خلقت له، وقطعها عقلها، وخلعها عذرها، وتيه أصحابها، وكثرة خطاهم في حفظها ~~وسترها، وعجزهم عن إماتة حركتها ومنعها من جميع ما تنازع إليه وتحمل عليه. ### || 313- [ملحة من الملح] # وقد روينا في الملح أن رجلا قال لصاحب له: أبوك الذي جهل قدره، وتعدى ~~طوره، فشق العصا، وفارق الجماعة، لا جرم ms0225 لقد هزم ثم أسر ثم قتل ثم صلب! قال ~~له صاحبه: دعني من ذكر هزيمة أبي، ومن أسره وقتله وصلبه. أبوك هل حدث نفسه ~~بشيء من هذا قط؟! ### || 314- [حكم الأسباب في همم الناس] # وليس إلى الناس بعد الهمم وقصرها، وإنما تجري الهمم بأهلها إلى الغايات، ~~على قدر ما يعرض لهم من الأسباب. ألا ترى أن أبعد الناس همة في نفسه، ~~وأشدهم تلفتا إلى المراتب، لا تنازعه نفسه إلى طلب الخلافة، لأن ذلك يحتاج ~~إلى نسب، أو إلى أمر قد وطئ له بسبب، كسبب طلب أوائل الخوارج الخلافة ~~بالدين وحده دون النسب. فإن صار من الخوارج فقد حدث له سبب إمكان الطلب، ~~أكدى أم نجح. # وقد زعم ناس من العلماء أن رجالا خطبت للسيادة والنباهة والطاعة في ~~العشيرة. ### || 315- [سلطان الحظ علي نباهة القبيلة] # وكذلك القبيلة ربما سعدت بالحظ، وربما حظيت بالجد، وإنما ذلك على قدر ~~الاتفاق، وإنما هو كالمعافى والمبتلى، وإنما ذلك كما قال زهير: [من الطويل] # وجدت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم «1» ### || [سلطان الحظ على الآثار الأدبية] # وكما تحظى بعض الأشعار وبعض الأمثال، وبعض الألفاظ دون غيرها، ودون ما ~~يجري مجراها أو يكون أرفع منها. # قالوا: وذلك موجود في المرزوق والمحروم، وفي المحارف «2» والذي تجوز # PageV02P305 # عليه الصدقة. وكم من حاذق بصناعته، وكثير الجولان في تجارته، وقد بلغ ~~فرغانة «1» مرة، والأندلس مرة، ونقب في البلاد، وربع في الآفاق «2» ، ومن ~~حاذق يشاور ولا يستعمل، ثم لا تجدهما يستبينان، من سوء الحال وكثرة الدين. ~~ومن صاحب حرب منكوب، وهو الليث على براثنه، مع تمام العزيمة وشدة الشكيمة، ~~ونفاذ البصيرة، ومع المعرفة بالمكيدة والصبر الدائم على الشدة. # وبعد؛ فكم من بيت شعر قد سار، وأجود منه مقيم في بطون الدفاتر، لا تزيده ~~الأيام إلا خمولا، كما لا تزيد الذي دونه إلا شهرة ورفعة. وكم من مثل قد ~~طار به الحظ حتى عرفته الإماء، ورواه الصبيان والنساء. ### || [أثر الحظ فى نباهة الفرسان] # وكذلك حظوظ الفرسان. وقد عرفت شهرة عنترة في ms0226 العامة. ونباهة عمرو بن معد ~~يكرب، وضرب الناس المثل بعبيد الله بن الحر، وهم لا يعرفون، بل لم يسمعوا ~~قط بعتيبة بن الحارث بن شهاب، ولا ببسطام بن قيس، وكان عامر بن الطفيل أذكر ~~منهما نسبا. # ويذكرون عبيد الله بن الحر، ولا يعرفون شعبة بن ظهير ولا زهير بن ذؤيب، ~~ولا عباد بن الحصين. ويذكرون اللسن والبيان والخطيب ابن القرية ولا يعرفون ~~سحبان وائل. # والعامة لم يصل ذكر هؤلاء إليهم إلا من قبل الخاصة، والخاصة لم تذكر ~~هؤلاء دون أولئك، فتركت تحصيل الأمور والموازنة بين الرجال وحكمت بالسابق ~~إلى القلب، على قدر طباع القلب وهيئته، ثم استوت علل العامة في ذلك ~~وتشابهت. # والعامة والباعة والأغنياء والسفلة كأنهم أعذار عام واحد. وهم في باطنهم ~~أشد تشابها من التوأمين في ظاهرهما، وكذلك هم في مقادير العقول وفي ~~الاعتراض والتسرع، وإن اختلفت الصور والنغم «3» ، والأسنان والبلدان. ### || 316- [تشابه طبائع العامة في كل بلد و فى كل عصر] # وذكر الله عز وجل رد قريش ومشركي العرب على النبي صلى الله عليه وسلم ~~قوله، فذكر ألفاظهم، وجهد معانيهم، ومقادير هممهم التي كانت في وزن ما يكون ~~من جميع # PageV02P306 # الأمم إلى أنبيائهم، فقال: تشابهت قلوبهم # «1» وقال: أتواصوا به # «2» ثم قال: # وخضتم كالذي خاضوا # «3» . ومثل هذا كثير، ألا ترى أنك لا تجد بدا في كل بلدة وفي كل عصر ~~للحاكة من أن يكونوا على مقدار واحد وجهة واحدة، من السخط والحمق، والغباوة ~~والظلم، وكذلك النخاسون «4» على طبقاتهم. من أصناف ما يبيعون. وكذلك ~~السماكون والقلاسون «5» وكذلك أصحاب الخلقان «6» كلهم، في كل دهر وفي كل ~~بلد، على مثال واحد، وعلى جهة واحدة. # وكل حجام في الأرض فهو شديد الاستهتار بالنبيذ، وإن اختلفوا في البلدان ~~والأجناس والأسنان. # ولا ترى مسجونا ولا مضروبا عند السلطان إلا وهو يقول: إني مظلوم، ولذلك ~~قال الشاعر: [من البسيط] # لم يخلق الله مسجونا تسائله ... ما بال سجنك إلا قال مظلوم «7» # وليس في الأرض خصمان يتنازعان إلى حاكم، إلا كل واحد منهما يدعي عدم ~~الإنصاف والظلم على ms0227 صاحبه. ### || 317- [مبالغة الإنسان فى تقدير ما ينسب الله] # وليس في الأرض إنسان إلا وهو يطرب من صوت نفسه، ويعتريه الغلط في شعره ~~وفي ولده. إلا أن الناس في ذلك على طبقات من الغلط: فمنهم الغرق «8» ~~المغمور، ومنهم من قد نال من الصواب ونال من الخطأ، ومنهم من يكون خطؤه ~~مستورا لكثرة صوابه، فما أحسن حاله ما لم يمتحن بالكشف. ولذلك احتاج العاقل ~~في العجب بولده، وفي استحسان كتبه وشعره، من التحفظ والتوقي، ومن إعادة ~~النظر والتهمة إلى أضعاف ما يحتاج إليه في سائر ذلك. # PageV02P307 ### || 318- [جود حاتم وكعب بن مامة] # والعامة تحكم أن حاتما أجود العرب «1» ، ولو قدمته على هرم الجواد لما ~~اعترضته عليهم «2» . ولكن الذي يحدث به عن حاتم، لا يبلغ مقدار ما رووه عن ~~كعب بن مامة، لأن كعبا بذل نفسه في أعطية الكرم وبذل المجهود فساوى حاتما ~~من هذه الوجه «3» ، وباينه ببذل المهجة. # ونحن نقول: إن الأشعار الصحيحة بها المقدار الذي يوجب اليقين بأن كعبا ~~كان كما وصفوا. فلو لم يكن الأمر في هذا إلى الجدود والحظوظ والاتفاقات، ~~وإلى علل باطنة تجري الأمور عليها، وفي الغوص عليها وفي معرفتها بأعيانها ~~عسر، لما جرت الأمور على هذه المجاري، ولو كان الأمر فيها مفوضا إلى تقدير ~~الرأي، لكان ينبغي لغالب بن صعصعة أن يكون من المشهورين بالجود، دون هرم ~~وحاتم. ### || 319- [كلف العامة بمآثر الجاهلية] # فإن زعمت أن غالبا كان إسلاميا وكان حاتم في الجاهلية. والناس بمآثر ~~العرب في الجاهلية أشد كلفا، فقد صدقت. وهذا أيضا ينبئك أن الأمور في هذا ~~على خلاف تقدير الرأي، وإنما تجري في الباطن على نسق قائم، وعلى نظر صحيح، ~~وعلى تقدير محكم، فقد تقدم في تعبيتهما «4» وتسويتهما من لا تخفى عليه ~~خافية، ولا يفوته شيء ولا يعجزه، وإلا فما بال أيام الإسلام ورجالها. لم ~~تكن أكبر في النفوس، وأحل في الصدور من رجال الجاهلية، مع قرب العهد وعظم ~~خطر ما ملكوا، وكثرة ما جادت به أنفسهم، ومع الإسلام الذي شملهم، وجعله ~~الله تعالى أولى بهم ms0228 من أرحامهم. # ولو أن جميع مآثر الجاهلية وزنت به، وبما كان في الجماعات اليسيرة من ~~رجالات قريش في الإسلام لأربت هذه عليها، أو لكانت مثلها. # PageV02P308 ### || 320- [دلالة الخلق على الخالق] # فليس لقدر الكلب والديك في أنفسهما وأثمانهما ومناظرهما ومحلهما من صدور ~~العامة أسلفنا هذا الكلام، وابتدأنا بهذا القول. ولسنا نقف على أثمانهما من ~~الفضة والذهب، ولا إلى أقدارهما عند الناس. وإنما نتنظر «1» فيما وضع الله ~~عز وجل فيهما من الدلالة عليه، وعلى إتقان صنعه، وعلى عجيب تدبيره، وعلى ~~لطيف حكمته، وفيما استخزنهما «2» من عجائب المعارف، وأودعهما من غوامض ~~الأحساس «3» ، وسخر لهما من عظام المنافع والمرافق، ودل بهما على أن الذي ~~ألبسهما ذلك التدبير، وأودعهما تلك الحكم، يجب أن يفكر فيهما؛ ويعتبر بهما، ~~ويسبح الله عز وجل عندهما. فغشى ظاهرهما بالبرهان، وعم باطنهما بالحكم، ~~وهيج على النظر فيهما والاعتبار بهما؛ ليعلم كل ذي عقل أنه لم يخلق الخلق ~~سدى؛ ولم يترك الصور هملا؛ وليعلموا أن الله عز وجل لم يدع شيئا غفلا «4» ~~غير موسوم، ونثرا غير منظوم، وسدى غير محفوظ؛ وأنه لا يخطئه من عجيب ~~تقديره، ولا يعطله من حلي تدبيره، ولا من زينة الحكم وجلال قدرة البرهان. # ثم عم ذلك بين الصؤابة «5» والفراشة، إلى الأفلاك السبعة وما دونها من ~~الأقاليم السبعة. ### || 321- [تأويل الآية الكريمة: ويخلق ما لا تعلمون] # وقد قال تعالى: ويخلق ما لا تعلمون # «6» . وقد يتجه هذا الكلام في وجوه: # أحدها أن تكون ها هنا ضروب من الخلق لا يعلم بمكانهم كثير من الناس، ولا ~~بد أن يعرف ذلك الخلق معنى نفسه، أو يعلمه صفوة جنود الله وملائكته، أو ~~تعرفه الأنبياء، أو يعرفه بعض الناس، لا يجوز إلا ذلك. أو يكون الله عز وجل ~~إنما عنى أنه خلق أسبابا، ووهب عللا، وجعل ذلك رفدا لما يظهر لنا ونظاما. # وكان بعض المفسرين يقول: من أراد أن يعرف معنى قوله: ويخلق ما لا # PageV02P309 # تعلمون # فليوقد نارا في وسط غيضه، أو في صحراء برية ثم ينظر إلى ما يغشى النار من ~~أصناف الخلق ms0229 من الحشرات والهمج فإنه سيرى صورا، ويتعرف خلقا لم يكن يظن أن ~~الله تعالى خلق شيئا من ذلك العالم. وعلى أن الخلق الذي يغشى ناره يختلف ~~على قدر اختلاف مواضع الغياض والبحار والجبال. ويعلم أن ما لم يبلغه أكثر ~~وأعجب. وما أرد هذا التأويل، وإنه ليدخل عندي في جملة ما تدل عليه الآية. # ومن لم يقل ذلك لم يفهم عن ربه ولم يفقه في دينه. ### || 322- [ديدان الخل والملح] «1» # كأنك لا ترى أن في [ديدان الخل والملح] # والديدان التي تتولد في السموم إذا عتقت وعرض لها العفن- وهي بعد قواتل- ~~عبرة وأعجوبة، وأن التفكر فيها مشحذة للأذهان، ومنبهة لذوي الغفلة، وتحليل ~~لعقدة البلدة» # ، وسبب لاعتياد الروية وانفساح الصدور، وعز في النفوس، وحلاوة تقتاتها ~~الروح، وثمرة تغذي العقل، وترق في الغايات الشريفة، وتشرف إلى معرفة ~~الغايات البعيدة. ### || 323- [فأرة البيش والسمندل] # وكأنك لا ترى أن في فأرة البيش «3» وفي السمندل «4» آية غربية، وصفة ~~عجيبة، وداعية إلى التفكر، وسببا إلى التعجب والتعجيب. ### || 324- [الجعل والورد] # وكأنك لا ترى أن في الجعل «5» ، الذي متى دفنته في الورد سكنت حركته ~~وبطلت في رأي العين روحه، ومتى أعدته إلى الروث انحلت عقدته، وعادت حركته، ~~ورجع حسه- أعجب العجب، وأحكم الحكم!. ### || 325- [حصول الخلد على رزقه] # وأي شيء أعجب من الخلد «6» ! وكيف يأتيه رزقه، وكيف يهيئ الله له ما # PageV02P310 # يقوته وهو أعمى لا يبصر، وأصم لا يسمع، وبليد لا يتصرف، وأبله لا يعرف!. ~~ومع ذلك أنه لا يجوز باب جحره، ولا يتكلف سوى ما يجلب إليه رازقه ورازق ~~غيره. # وأي شيء أعجب من طائر ليس له رزق إلا أن يخلل أسنان التمساح، ويكون ذلك ~~له. ### || 326- [الطائران العجيبان] # وأي شيء أعجب من طائرين، يراهما الناس من أدنى جدود البحر «1» من شق ~~البصرة، إلى غاية البحر من شق السند، أحدهما كبير الجثة يرتفع في الهواء ~~صعدا، والآخر صغير الجثة يتقلب عليه ويعبث به، فلا يزال مرة يرفرف حوله ~~ويرتقي على رأسه، ومرة يطير عند ذناباه، ويدخل تحت جناحه ويخرج من بين ~~رجليه، فلا يزال يغمه ms0230 ويكربه حتى يتقيه بذرقه، فإذا ذرق شحا له فاه فلا ~~يخطئ أقصى حلقه حتى كأنه دحا به في بئر، وحتى كأن ذرقه مدحاة بيد أسوار «2» ~~، فلا الطائر الصغير يخطئ في التلقي، وفي معرفته أنه لا رزق له إلا الذي في ~~ذلك المكان؛ ولا الكبير يخطئ التسديد «3» ، ويعلم أنه لا ينجيه منه إلا أن ~~يتقيه بذرقه، فإذا أوعى ذلك الذرق «4» ، واستوفى ذلك الرزق، رجع شبعان ريان ~~بقوت يومه، ومضى الطائر الكبير لطيته. # وأمرهما مشهور وشأنهما ظاهر، لا يمكن دفعه ولا تهمة المخبرين عنه. ### || 327- [التخالف بين الحىوان فى الطباع] # فجعل تعالى وعز بعض الوحوش كسوبا محتالا، وبعض الوحوش متوكلا غير محتال، ~~وبعض الحشرات يدخر لنفسه رزق سنته؛ وبعضا يتكل على الثقة بأن له كل يوم قدر ~~كفايته، رزقا معدا وأمرا مقطوعا. وجعل بعض الهمج يدخر، وبعضه يتكسب، وبعض ~~الذكورة يعول ولده، وبعض الذكورة لا يعرف ولده، وبعض الإناث تخرج «5» ~~ولدها، وبعض الإناث تضيع ولدها وتكفل ولد غيرها، وبعض الأجناس معطوفة على ~~كل ولد من جنسها، وبعض الإناث لا تعرف ولدها بعد استغنائه عنها، # PageV02P311 # وبعض الإناث لا تزال تعرفه وتعطف عليه، وبعض الإناث تأكل ولدها، وكذلك ~~بعض الذكورة. وبعض الأجناس يعادي كل ما يكسر بيضها أو يأكل أولادها. وجعل ~~يتم بعض الحيوان من قبل أمهاتها، وجعل يتم بعضها من قبل آبائها، وجعل بعضها ~~لا يلتمس الولد وإن أتاه الولد، وجعل بعضها مستفرغ الهم في حب الذرء «1» ~~والتماس الولد؛ وجعل بعضها يزاوج وبعضها لا يزاوج ليكون للمتوكل من الناس ~~جهة في توكله، وللمتكسب جهة في تكسبه وليحضر على بالهم أسباب البر والعقوق، ~~وأسباب الحظر والتربية، وأسباب الوحشة من الأرحام الماسة. ### || 328- افتراق المعاني واختلاف العلل، # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعضهم: «اعقلها وتوكل» «2» . وقال ~~لبلال «أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . # فافهموا هذا التدبير، وتعلموا هذه الحكم، واعرفوا مداخلها ومخارجها ~~ومفرقها ومجموعها؛ فإن الله عز وجل لم يردد في كتابه ذكر الاعتبار، والحث ~~على التفكير، والترغيب في النظر وفي التثبت والتعرف ms0231 والتوقف، إلا وهو يريد ~~أن تكونوا علماء من تلك الجهة، حكماء من هذه التعبئة «3» . ### || 329- [المعرفة والاستدلال] # ولولا استعمال المعرفة لما كان للمعرفة معنى، كما أنه لولا الاستدلال ~~بالأدلة لما كان لوضع الدلالة معنى. لولا تمييز المضار من المنافع، والردي ~~من الجيد بالعيون المجعولة لذلك، لما جعل الله عز وجل العيون المدركة. ~~والإنسان الحساس إذا كانت الأمور المميزة عنده، أخذ ما يحتاج إليه وترك ما ~~يستغني عنه وما يضر أخذه، فيأخذ ما يحب ويدع ما يكره، ويشكر على المحبوب ~~ويصبر على المكروه، حتى يذكر بالمكروه كيفية العقاب ويذكر بالمحبوب كيفية ~~الثواب، ويعرف بذلك كيفية التضاعيف، ويكون ما يغمه رادعا له، وممتحنا ~~بالصبر عليه، وما يسره باسطا له وممتحنا بالشكر عليه. وللعقل في خلال ذلك ~~مجال، وللرأي تقلب، وتنشق # PageV02P312 # للخواطر أسباب، ويتهيأ لصواب الرأي أبواب. ولتكون المعارف الحسية ~~والوجدانات الغريزية، وتمييز الأمور بها، إلى ما يتميز عند العقول وتحصره ~~المقاييس. وليكون عمل الدنيا سلما إلى عمل الآخرة، وليترقى من معرفة الحواس ~~إلى معرفة العقول، ومن معرفة الروية من غاية إلى غاية؛ حتى لا يرضى من ~~العلم والعمل إلا بما أداه إلى الثواب الدائم، ونجاه من العقاب الأليم. ### || 330- [ما يحسن الكلب مما لا يحسنه الإنسان] # سنذكر طرفا مما أودع الله- عز وجل- الكلب مما لا تحسنه أنت أيها الإنسان، ~~مع احتقارك له وظلمك إياه. # وكيف لا تكون تلك الحكم لطيفة، وتلك المعاني غريبة، وتلك الأحساس «1» ~~دقيقة، ونحن نعلم أن أدق الناس حسا وأرقهم ذهنا وأحضرهم فهما، وأصحهم خاطرا ~~وأكملهم تجربة وعلما، لو رام الشيء الذي يحسنه الكلب في كثير من حالات ~~الكلب لظهر له من عجزه وخرقه، وكلال حده وفساد حسه، ما لا يعرف بدونه إن ~~الأمور لم تقسم على مقدار رأيه، ولا على مبلغ عقله وتقديره، ولا على محبته ~~وشهوته؛ وأن الذي قسم ذلك لا يحتاج إلى المشاورة والمعاونة، وإلى مكانفة ~~ومرافدة، ولا إلى تجربة وروية. ونحن ذاكرون من ذلك جملا إن شاء الله تعالى. ### || 331- [خبرة الكلب في الصيد] # اعلم أن الكلب إذا عاين ms0232 الظباء، قريبة كانت أو بعيدة، عرف المعتل وغير ~~المعتل وعرف العنز من التيس. وهو إذا أبصر القطيع لم يقصد إلا قصد التيس- ~~وإن علم أنه أشد حضرا، وأطول وثبة، وأبعد شوطا- ويدع العنز وهو يرى ما فيها ~~من نقصان حضرها وقصر قاب خطوها، ولكنه يعلم أن التيس إذا عدا شوطا أو شوطين ~~حقب ببوله «2» !!. ### || 332- [ما يعتري الحيوان عند الفزع] # وكل حيوان إذا اشتد فزعه، فإنه يعرض له إما سلس البول والتقطير، وإما ~~الأسر «3» والحقب. وكذلك المضروب بالسياط على الأكتاف، وبالعصي على ~~الأستاه. وما أكثر ما يعتريهم البول والغائط. # PageV02P313 # وكذلك صار بعض الفرسان الأبطال إذا عاين العدو قطر إلى أن يذهب عنه، لهول ~~الجنان. # وإذا حقب «1» التيس لم يستطع البول مع شدة الحضر، ومع النفز والزمع «2» ، ~~ووضع القوائم معا ورفعها معا، في أسرع من الطرف فيثقل عدوه، ويقصر مدى ~~خطاه، ويعتريه البهر حتى يلحقه الكلب فيأخذه. # والعنز من الظباء إذا اعتراها البول من شده الفزع لم تجمعه، وحذفت به ~~كإيزاغ المخاض الضوارب «3» ، لسعة السبيل وسهولة المخرج، فتصير لذلك أدوم ~~شدا، وأصبر على المطاولة. # فهذا شيء في طبع الكلب معرفته، دون سائر الحيوان. # والكلب المجرب لا يحتاج في ذلك إلى معاناة، ولا إلى تعلم، ولا إلى روية ~~ولا إلى تكلف، قد كفاه ذلك الذي خلق العقل والعاقل والمعقول، والداء ~~والدواء والمداواة والمداوي، وقسم الأمور على الحكمة، وعلى تمام مصلحة ~~الخليقة. ### || 333- [ذكاء الكلب و مهارته في الاحتيال للصيد] # ومن معرفة الكلب، أن المكلب يخرجه إلى الصيد في يوم، الأرض فيه ملبسة من ~~الجليد، ومغشاة بالثلج، قد تراكم عليها طبقا على طبق، حتى طبقها واستفاض ~~فيها، حتى ربما ضربته الريح ببردها، فيعود كل طبق منها وكأنه صفاة ملساء، ~~أو صخرة خلقاء «4» ، حتى لا يثبت عليها قدم ولا خف، ولا حافر ولا ظلف، إلا ~~بالتثبيت الشديد، أو بالجهد والتفريق- فيمضي الكلاب بالكلب، وهو إنسان ~~عاقل، وصياد مجرب، وهو مع ذلك لا يدري أين جحر الأرنب من جميع بسائط الأرض، ~~ولا موضع كناس ظبي، ولا مكو ثعلب «5» ، ولا غير ms0233 ذلك من موالج «6» وحوش ~~الأرض؛ # PageV02P314 # فيتخرق «1» الكلب بين يديه وخلفه، وعن يمينه وشماله ويتشمم ويتبصر، فلا ~~يزال كذلك حتى يقف على أفواه تلك الجحرة، وحتى يثير الذي فيها بتنفيس الذي ~~فيها، وذلك أن أنفاسها وبخار أجوافها وأبدانها، وما يخرج من الحرارة ~~المستكنة في عمق الأرض- مما يذيب ما لاقاها من فم الجحر، من الثلج الجامد، ~~حتى يرق ويكاد أن يثقبه وذلك خفي غامض، لا يقع عليه قانص «2» ولا راع، ولا ~~قائف «3» ولا فلاح، وليس يقع عليه إلا الكلب الصائد الماهر. # وعلى أن للكلب في تتبع الدراج «4» والإصعاد خلف الأرانب في الجبل الشاهق، ~~من الرفق وحسن الاهتداء والتأتي ما يخفى مكانه على البيازرة «5» والكلابين. ### || 334- [الانتباه الغريزي في الكلب] # وقد خبرني صديق لي أنه حبس كلبا له في بيت وأغلق دونه الباب في الوقت ~~الذي كان طباخه يرجع فيه من السوق ومعه اللحم، ثم أحد سكينا بسكين، فنبح ~~الكلب وقلق، ورام فتح الباب؛ لتوهمه أن الطباخ قد رجع من السوق بالوظيفة ~~«6» ، وهو يحد السكين ليقطع اللحم!!. # قال: فلما كان العشي صنعنا به مثل ذلك، لنتعرف حاله في معرفة الوقت، فلم ~~يتحرك!!. # قال: وصنعت ذلك بكلب لي آخر فلم يقلق إلا قلقا يسيرا، فلم يلبث أن رجع ~~الطباخ فصنع بالسكين مثل صنيعي، فقلق حتى رام فتح الباب!!. # قال فقلت: والله لئن كان عرف الوقت بالرصد «7» فتحرك له، فلما لم يشم ريح ~~اللحم عرف أنه ليس بشيء، ثم لما سمع صوت السكين والوقت بعد لم يذهب، وقد ~~جيء باللحم فشم ريح اللحم من المطبخ وهو في البيت، أو عرف فصل ما بين ~~إحدادي السكين وإحداد الطباخ، إن هذا أيضا لعجب. # PageV02P315 # وإن اللحم ليكون بيني وبينه الذراعان والثلاث الأذرع، فما أجد ريحه إلا ~~بعد أن أدنيه من أنفي. وكل ذلك عجب. # ولم أجد أهل سكة أصطفانوس «1» ، ودار جارية، وباعة مربعة بني منقر «2» ~~يشكون أن كلبا كان يكون في أعلى السكة، وكان لا يجوز محرس الحارس أيام ~~الأسبوع كله، حتى إذا كان يوم الجمعة أقبل قبل صلاة ms0234 الغداة، من موضعه ذلك ~~إلى باب جارية، فلا يزال هناك مادام على معلاق الجزار شيء من لحم. وباب ~~جارية تنحر عنده الجزر في جميع أيام الجمع خاصة، فكان ذلك لهذا الكلب عادة، ~~ولم يره أحد منهم في ذلك الموضع في سائر الأيام، حتى إذا كان غداة الجمعة ~~أقبل! فليس يكون مثل هذا إلا عن مقدارية بمقدار ما بين الوقتين. # ولعل كثيرا من الناس ينتابون بعض هذه المواضع في يوم الجمعة، إما لصلاة، ~~وإما لغير ذلك، فلا يعدمهم «3» النسيان من أنفسهم، والاستذكار بغيرهم. وهذا ~~الكلب لم ينس من نفسه، ولا يستذكر بغيره. # وزعم هؤلاء بأجمعهم أنهم تفقدوا شأن هذا الكلب منذ انتبهوا لصنيعه هذا، ~~فلم يجدوه غادر ذلك يوما واحدا. فهذا هذا. ### || 335- [قصة في وفاء الكلب] # وأنشد أبو الحسن بن خالويه عن أبي عبيدة لبعض الشعراء: [من الطويل] # يعرد عنه جاره وشقيقه ... وينبش عنه كلبه وهو ضاربه # قال أبو عبيدة: قيل ذلك لأن رجلا خرج إلى الجبان ينتظر ركابه فأتبعه كلب ~~كان له، فضرب الكلب وطرده، وكره أن يتبعه، ورماه بحجر، فأبى الكلب إلا أن ~~يذهب معه، فلما صار إلى الموضع الذي يريد فيه الانتظار، ربض الكلب قريبا ~~منه، فبينا هو كذلك إذ أتاه أعداء له يطلبونه بطائلة لهم عنده، وكان معه ~~جار له وأخوه دنيا، فأسلماه وهربا عنه، فجرح جراحات ورمي به في بئر غير ~~بعيدة القعر، ثم حثوا عليه من التراب حتى غطى رأسه ثم كمم فوق رأسه منه، ~~والكلب في ذلك # PageV02P316 # يزجم «1» ويهر، فلما انصرفوا أتى رأس البئر؛ فما زال يعوي وينبث عنه ~~ويحثو التراب بيده ويكشف عن رأسه حتى أظهر رأسه، فتنفس وردت إليه الروح؛ ~~وقد كاد يموت ولم يبق منه إلا حشاشة، فبينا هو كذلك إذ مر ناس فأنكروا مكان ~~الكلب ورأوه كأنه يحفر عن قبر، فنظروا فإذا هم بالرجل في تلك الحال، ~~فاستشالوه «2» فأخرجوه حيا، وحملوه حتى أدوه إلى أهله، فزعم أن ذلك الموضع ~~يدعى ببئر الكلب. وهو متيامن عن النجف. # وهذا العمل يدل على ms0235 وفاء طبيعي وإلف غريزي ومحاماة شديدة، وعلى معرفة ~~وصبر، وعلى كرم وشكر، وعلى غناء عجيب ومنفعة تفوق المنافع، لأن ذلك كله كان ~~من غير تكلف ولا تصنع. ### || 336- [مؤمن بن خاقان و الأعرابى] # وقال مؤمل بن خاقان، لأعرابي من بني أسد، وقد أكل جرو كلب: أتاكل لحم ~~الكلب وقد قال الشاعر: [من الطويل] # إذا أسدي جاع يوما ببلدة ... وكان سمينا كلبه فهو آكله «3» # أكل هذا قرما إلى اللحم؟ قال: فأنشأ الأسدي يقول: [من الطويل] # وصبا بحظ الليث طعما وشهوة ... فسائل أخا الحلفاء إن كنت لا تدري «4» ### || 337- [طلب الأسد للكلب] # قال: وذلك لأن الأسد لا يحرص على شيء من اللحمان حرصه على لحم الكلب. ~~وأما العامة فتزعم أن لحوم الشاء أحب اللحمان إليه، قالوا: ولذلك يطيف ~~الأسد بجنبات القرى، طلبا لاغترار الكلب؛ لأن وثبة الأسد تعجل الكلب عن ~~القيام وهو رابض، حتى ربما دعاهم ذلك إلى إخراج الكلب من قراهم؛ إلا أن ~~يكون بقرب ضياعهم خنازير، فليس حينئذ شيء أحب إليهم من أن تكثر الأسد ~~عندهم. وإنما # PageV02P317 # يخرجون عنهم في تلك الحالات الكلاب، لأنهم يخافونها على ما هو عندهم أنفس ~~من الكلب، وهذه مصلحة في الكلب، ولا يكون ذلك إلا في القرى التي بقرب ~~الغيضة أو المأسدة «1» . ### || 338- [علة طلب الأسد للكلب] # فزعم لي بعض الدهاقين قولا لا أدري كيف هو، ذكر أنهم لا يشكون أنه إنما ~~يطلب الكلب لحنقه عليه. لا من طريق أن لحمه أحب اللحمان إليه. وإن الأسد ~~ليأتي مناقع المياه. وشطوط الأنهار، فيأكل السراطين والضفادع، والرق «2» ~~والسلاحف، وإنه أشره من أن يختار لحما على لحم. قال: وإنما يكون ذلك منه ~~إذا أراد المتطرف من حمير القرية وشائها وسائر دوابها. فإذا لج الكلب في ~~النباح انتبهوا ونذروا «3» بالأسد. فكانوا بين أن يحصنوا أموالهم وبين أن ~~يهجهجوا «4» به. فيرجع خائبا. فإذا أراد ذلك بدأ بالكلب؛ لأن يأمن بذلك ~~الإنذار، ثم يستولي على القرية بما فيها. فإنما يطالب الأسد الكلاب لهذه ~~العلة. ### || 339- [من حيل الأسد في الصيد] # وسمعت حديثا من شيوخ ملاحي ms0236 الموصل- وأنا هائب له- ورأيت الحديث يدور ~~بينهم، ويتقبله جميعهم. وزعموا أن الأسد ربما جاء إلى قلس السفينة «5» ، ~~فيتشبث به ليلا، والملاحون يمدون السفينة فلا يشكون أن القلس قد التف على ~~صخرة، أو تعلق بجذم شجرة «6» . ومن عاداتهم أن يبعثوا الأول من المدادين ~~ليحله. # فإذا رجع إليه الملاح ليمده تمدد الأسد بالأرض، ولزق بها وغمض عينيه كي ~~لا يبصر وبيصهما بالليل، فإذا قرب منه وثب عليه فخطفه، فلا يكون للملاحين ~~هم إلا إلقاء أنفسهم في الماء وعبورهم إليه. وربما أكله إلا ما بقي منه، ~~وربما جر فريسته إلى عريسه «7» وعرينه، وإلى أجرائه وأشباله، وإن كان ذلك ~~على أميال. # PageV02P318 ### || 340- [سلاح الكلب وسلاح الديك] # قالوا: فليس الديك من بابة الكلب؛ لأنه إن ساوره قهره قهرا ذريعا. وسلاح ~~الكلب الذي هو في فيه، أقوى من صيصة «1» الديك التي في رجله، وصوته أندى ~~وأبعد مدى وعينه أيقظ. ### || 341- [دفاع عن الكلب] # والكلب يكفي نفسه ويحمي غيره، ويعول أهله، فيكون لصاحبه غنمه وليس عليه ~~غرمه. ولما يرمح «2» الدواب من الناس، ولما يحرن ويجمع، وتنطح وتقتل أهلها ~~في يوم واحد، أكثر مما يكون من جميع الكلاب في عام. # والكبش ينطح فيعقر ويقتل، من غير أن يهاج ويعبث به. # والبرذون يعض ويرمح من غير أن يهاج به ويعبث. # وأنت لا تكاد ترى كلبا يعض أحدا إلا من تهييج شديد، وأكثر ذلك أيضا إنما ~~هو النباح والوعيد. ### || 342- [معرفة الكلب صاحبه وفرحه به] # والكلب يعرف وجه ربه من وجه عبده وأمته، ووجه الزائر. حتى ربما غاب صاحب ~~الدار حولا مجرما، فإذا أبصره قادما اعتراه من الفرح والبصبصة «3» ، ~~والعواء الذي يدل على السرور، وعلى شدة الحنين ما لا يكون فيه شيء فوقه. ### || 343- [قصة في وفاء كلب] # وخبرني صديق لي قال: كان عندنا جرو كلب، وكان لي خادم لهج بتقريبه، مولع ~~بالإحسان إليه، كثير المعاينة له، فغاب عن البصرة أشهرا، فقلت لبعض من ~~عندي: أتظنون أن فلانا (يعني الكلب) يثبت اليوم صورة فلان (يعني خادمه ~~الغائب) وقد فارقه وهو جرو، وقد صار كلبا يشغر ms0237 ببوله؟ قالوا: ما نشك أنه قد ~~نسي صورته وجميع بره كان به. قال: فبينا أنا جالس في الدار إذ سمعت من قبل ~~باب الدار نباحه، فلم أر شكل نباحه من التأنب والتعثيث «4» والتوعد، ورأيت ~~فيه بصبصة # PageV02P319 # السرور، وحنين الإلف. ثم لم ألبث أن رأيت الخادم طالعا علينا، وإن الكلب ~~ليلتف على ساقيه، ويرتفع إلى فخذيه، وينظر في وجهه، ويصيح صياحا يستبين فيه ~~الفرح. # ولقد بلغ من إفراط سروره أني ظننت أنه عرض «1» . ثم كان بعد ذلك يغيب ~~الشهرين والثلاثة، أو يمضي إلى بغداد ثم يرجع إلى العسكر بعد أيام، فأعرف ~~بذلك الضرب من البصبصة «2» ، وبذلك النوع من النباح، أن الخادم قدم. حتى ~~قلت لبعض من عندي: ينبغي أن يكون فلان قد قدم، وهو داخل عليكم مع الكلب. # وزعم لي أنه ربما ألقي لهذا الجرو إلى أن صار كلبا تاما، بعض الطعام ~~فيأكل منه ما أكل، ثم يمضي بالباقي فيخبؤه. وربما ألقي إليه الشيء وهو ~~شبعان فيحتمله، حتى يأتي به بعض المخابئ فيضعه هناك، حتى إذا جاع رجع إليه ~~فأكله «3» . ### || 344- [أدب الكلب] # وزعم لي غلماني وغيرهم من أهل الدرب، أنه كان ينبح على كل راكب يدخل ~~الدرب إلى عراقيب برذونه، سائسا كان أو صاحب دابة إلا أنه كان إذا رأى محمد ~~بن عبد الملك داخلا إلى باب الدرب أو خارجا منه، لم ينبح البتة، لا عليه ~~ولا على دابته، بل كان لا يقف له على الباب ولا على الطريق، ولكنه يدخل ~~الدهليز سريعا، فسألت عن ذلك فبلغني أنه كان إذا أقبل صاح به الخادم، وأهوى ~~له بالضرب، فيدخل الدهليز، وأنه ما فعل ذلك به إلا ثلاث مرار، حتى صار إذا ~~رأى محمد بن عبد الملك، دخل الدهليز من تلقاء نفسه، فإذا جاوز وثب على ~~عراقيب دواب الشاكرية «4» . # ورأيت هذا الخبر عندهم مشهورا. # قال: وكنا إذا تغدينا دنا من الخوان فزجرناه مرة أو مرتين، فكان لا ~~يقربنا، لمكان الزجر، ولا يبعد عن الخوان لعلة الطمع، فإن ألقينا إليه شيئا ~~أكله ثم، ودنا ms0238 من أجل ذلك بعض الدنو. فكنا نستظهر عليه، فنرمي باللقمة فوق ~~مربضه بأذرع. فإذا أكلها ازداد في الطمع، فقربه ذلك من الخوان، ثم يجوز ~~موضعه الذي كان فيه. ولولا ما كنا نقصد إليه من امتحان ما عنده، ليصير ما ~~يظهر لنا حديثا، لكان إطعام الكلب والسنور من الخوان خطأ من وجوه: أولها أن ~~يكون يصير له به دربة، حتى إن منها ما يمد يده إلى ما على المائدة حتى ربما ~~تناول بفيه ما عليها، وربما قاء الذي يأكل # PageV02P320 # وهم يرونه، وربما لم يرض بذلك حتى يعود في قيئه. وهذا كله مما لا ينبغي ~~أن يحضره الرئيس، ويشهده رب الدار. وهو على الحاشية أجوز. ### || 345- [الأكل بين أيدي السباع] # فأما علماء الفرس والهند، وأطباء اليونانيين ودهاة العرب، وأهل التجربة ~~من نازلة الأمصار وحذاق المتكلمين، فإنهم يكرهون[الأكل بين أيدي السباع] # يخافون نفوسها وأعينها، للذي فيها من الشره والحرص، والطلب والكلب، ولما ~~يتحلل عند ذلك من أجوافها من البخار الرديء، وينفصل من عيونها من الأمور ~~المفسدة، التي إذا خالطت طباع الإنسان نقضته. # وقد روي مثل ذلك عن الثوري عن سماك بن حرب عن ابن عباس أنه قال على منبر ~~البصرة: إن الكلاب من الحن، وإن الحن من ضعفة الجن، فإذا غشيكم منها شيء ~~فألقوا إليه شيئا واطردوها، فإن لها أنفس سوء «1» . # ولذلك كانوا يكرهون قيام الخدم بالمذاب والأشربة على رؤوسهم وهم يأكلون؛ ~~مخافة النفس والعين. وكانوا يأمرون بإشباعهم قبل أن يأكلوا، وكانوا يقولون ~~في السنور والكلب: إما أن تطرده قبل أن تأكل وإما أن تشغله بشيء يأكله، ولو ~~بعظم. # ورأيت بعض الحكماء وقد سقطت من يده لقمة فرفع رأسه، فإذا عين غلام له ~~تحدق نحو لقمته، وإذا الغلام يزدرد ريقه لتحلب فمه من الشهوة. وكان ذلك ~~الحكيم جيد اللقم، طيب الطعام، ويضيق على غلمانه. فيزعمون أن نفوس السباع ~~وأعينها في هذا الباب أردأ وأخبث. ### || 346- [العين التي أصابت سهل بن حنيف] # وبين هذا المعنى وبين قولهم في إصابة العين # الشيء العجيب المستحسن شركة وقرابة؛ وذلك ms0239 أنهم قالوا: قد رأينا رجالا ~~ينسب ذلك إليهم، ورأيناهم، وفيهم من إصابة العين مقدار من العدد، لا نستطيع ~~أن نجعل ذلك النسق من باب الاتفاق. وليس إلى رد الخبر سبيل؛ لتواتره ~~وترادفه، ولأن العيان قد حققه، والتجربة قد ضمت إليه. # وفي الحديث المأثور في العين التي أصابت سهل بن حنيف فأمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في ذلك بالذي أمر، وذلك مشهور «2» . # PageV02P321 ### || 347- [كلام في العين والحسد] # قالوا: ولولا فاصل ينفصل من عين المستحسن إلى بدن المستحسن، حتى يكون ذلك ~~الداخل عليه هو الناقض لقواه لما جاز أن يلقى مكروها البتة. وكيف يلقى ~~المكروه من انساق في حيزه وموضعه، والذي أصابته العين في حيزه «1» أيضا ~~وموضعه، من غير تماس ولا تصادم، ولا فاصل ولا عامل لاقى معمولا فيه. ولا ~~يجوز أن يكون المعتل بعد صحته يعتل من غير معنى بدنه. ولا تنتقض الأخلاط ~~ولا تتزايل إلا لأمر يعرض، لأنه حينئذ يكون ليس بأولى بالانتقاض من جسم ~~آخر. وإن جاز للصحيح أن يعتل من غير حادث، جاز للمعتل أن يبرأ من غير حادث. ~~وكذلك القول في الحركة والسكون. وإذا جاز ذلك كان الغائب قياسا على الحاضر ~~الذي لم يدخل عليه شيء من مستحسن له. فإذا كان لا بد من معنى قد عمل فيه، ~~فليس لذلك المعنى وجه إلا أن يكون انفصل إليه شيء عمل فيه. وإلا فكيف يجوز ~~أن يعتل من ذات نفسه، وهو على سلامته وتمام قوته، ولم يتغير ولم يحدث عليه ~~ما يغيره. فهو وجسم غائب في السلامة من الأعراض سواء. وهذا جواب المتكلمين ~~الذين يصدقون بالعين، ويثبتون الرؤيا. ### || 348- [صفة المتكلمين] # وليس يكون المتكلم جامعا لأقطار الكلام متمكنا في الصناعة، يصلح للرئاسة، ~~حتى يكون الذي يحسن من كلام الدين في وزن الذي يحسن من كلام الفلسفة. ~~والعالم عندنا هو الذي يجمعهما، والصيب هو الذي يجمع بين تحقيق التوحيد ~~وإعطاء الطبائع حقائقها من الأعمال. # ومن زعم أن التوحيد لا يصلح إلا بإبطال حقائق الطبائع، فقد حمل عجزه على ~~الكلام في ms0240 التوحيد. وكذلك إذا زعم أن الطبائع لا تصح إذا قرنتها بالتوحيد. ~~ومن قال فقد حمل عجزه على الكلام في الطبائع. # وإنما ييأس منك الملحد إذا لم يدعك التوفر على التوحيد إلى بخس حقوق ~~الطبائع؛ لأن في رفع أعمالها رفع أعيانها. وإذا كانت الأعيان هي الدالة على ~~الله فرفعت الدليل، فقد أبطلت المدلول عليه، ولعمري إن في الجمع بينهما ~~لبعض الشدة. # PageV02P322 # وأنا أعوذ بالله تعالى أن أكون كلما غمز قناتي باب من الكلام صعب المدخل، ~~نقضت ركنا من أركان مقالتي! ومن كان كذلك لم ينتفع به. ### || 349- [الفاصل الذى يفصل من العين و نحوها] # فإن قال قائل: وما بلغ من أمر هذا الفاصل الذي لا يشعر به القوم الحضور ~~ولا الذي انفصل منه، ولا المار بينهما، ولا المتلقي له ببدنه وليس دونه ~~شيء، وكيف لم يعمل في الأقرب دون الأبعد، والأقرب إنسان مثله، ولعله أن ~~يكون طبعه أشد اجتذابا للآفات!. # وبعد، فكيف يكون شيء يصرع الصحيح ويضجع القائم، وينقض القوى، ويمرض ~~الأصحاء، ويصدع الصخر ويهشم العظم، ويقتل الثور، ويهد الحمار، ويجري في ~~الجماد مجراه في النبات، ويجري في النبات مجراه في الحيوان، ويجري في ~~الصلابة والملاسة جريه في الأشياء السخيفة الرخوة؛ وهو مما ليس له صدم كصدم ~~الحجر، أو غرب كغرب السيف، أو حد كحد السنان؛ وليس من جنس السم، فيحمل على ~~نفوذ السم؛ وليس من جنس الغذاء فيحمل على نفوذ الغذاء، وليس من جنس السحر ~~فيقال إن العمار «1» عملوا ذلك من طريق طاعتهم للعزائم. فلعل ذلك إنما كان ~~شيئا وافق شيئا. # قيل لهم: قد تعلمون كيف مقدار سم الجرارة «2» أو سم الأفعى، وكيف لو ~~وزنتم الجرارة «3» قبل لسعها وبعده لوجدتموها على حال واحدة. وأنت ترى كيف ~~تفسخ عقد بدن الفيل، وكيف تنقض قوى البعير، من غير صدم كصدم الحجر، وغرب ~~كغرب السيف، وحد كحد السنان. # فإن قلت: فهل ناب الأفعى وإبرة العقرب إلا في سبيل حد السنان؟ قلنا: إن ~~البعير لو كان إنما يتفسخ لطعن العقرب بإبرتها لما كان ذلك يبلغ ms0241 منها مقدار ~~النخس فقط، ولكنه لا بد أن يكون ذلك لأحد أمرين: إما أن تكون العقرب تمج ~~فيه شيئا من إبرتها، فيكون طبع ذلك وإن قل يفسخ الفيل والزندبيل «4» ، وإما ~~أن يكون طبع ذلك الدم إذا لاقاه طبع ذلك الناب وتلك الإبرة أن يجمد فيقتل ~~بالإجماد، أو يذيب فيقتل بالإذابة. فأيهما كان فإن الأمر فيه على خلاف ما ~~صدرتم به المسألة. # PageV02P323 # ولا تنازع بين الأعراب- والأعراب ناس إنما وضعوا بيوتهم وأبنيتهم وسط ~~السباع والأحناش والهمج، فهم ليس يعبرون إلا بها، وليس يعرفون سواها- وقد ~~أجمعوا على أن الأفعى إذا هرمت فلم تطعم- ولم يبق في فمها دم أنها تنكز «1» ~~بأنفها، وتطعن به، ولا تعض بفيها، فيبلغ النكز لها ما كان يبلغ لها قبل ذلك ~~اللدغ. # وهل عندنا في ذلك إلا تكذيبهم أو الرجوع إلى الفاصل الذي أنكرتموه، لأن ~~أحدا لا يموت من تلك النخسة، إن كان ليس هناك أكثر من تلك الغمزة. # وقال العجاج، أو ابنه رؤبة: [من الرجز] # كنتم كمن أدخل في جحر يدا ... فأخطأ الأفعى ولاقى الأسودا «2» # ثم قال: # بالشم لا بالسم منه أقصدا # وقال الآخر: [من البسيط] # أصم ما شم من خضراء أيبسها ... أو مس من حجر أوهاه فانصدعا «3» # وقد حدثني الأصمعي بفرق ما بين النكز «4» وغيره عند الأعراب «5» . # وههنا أمثال نضربها، وأمور قد عاينتموها، يذلل بها هذا المعنى عندكم ~~ويسهل بها المدخل. قولوا لنا: ما بال العجين يكون في أقصى الدار ويفلق ~~إنسان بطيخة في أدنى الدار، فلا يفلح ذلك العجين أبدا ولا يختمر؟ فما ذلك ~~الفاصل؟ # وكيف تقولون بصدم كان ذلك كصدم الحجر، أو بغرب كغرب السيف!! وكيف لم يعرض ~~ذلك الفساد في كل معجون هو أقرب إليه من ذلك العجين. # وعلى أن نكز الحية التي يصفه الشعراء بأن المنكوز ميت لا محالة، في سبيل ~~ما حدثني به حاذق من حذاق الأطباء، أن رجلا يضرب الحية من دواهي الحيات ~~بعصاه فيموت الضارب، لأنهم يرون أن شيئا فصل من الحية فجرى فيها حتى داخل ~~الضارب فقتله، والأطباء أيضا والنصارى ms0242 أجرا على دفع الرؤيا والعين. وهذه ~~الغرائب التي تحكى عن الحيات وصرع الشيطان الإنسان، من غيرهم. # PageV02P324 # فأما الدهرية فمنكرة للشياطين والجن والملائكة والرؤيا والرقى، وهم يرون ~~أن أمرهم لا يتم لهم إلا بمشاركة أصحاب الجهالات. # وقد نجد الرجل ينقف شحم الحنظل «1» ، وبينه وبين صاحبه مسافة صالحة، فيجد ~~في حلقه مرارة الحنظل، وكذلك السوس إذا عولج به وبينه وبين الإنسان مسافة ~~متوسطة البعد، يجد في حلقه حلاوة السوس. وناقف الحنظل لا تزال عينه تهمل ما ~~دام ينقفه، ولذلك قال ابن حذام، قال أبو عبيدة: وهو الذي يقول: [من الطويل] # كأني غداة البين يوم تحملوا ... لدى سمرات الحي ناقف حنظل «2» # يخبر عن بكائه، ويصف درور دمعته في إثر الحمول، فشبه نفسه بناقف الحنظل، ~~وقد ذكره امرؤ القيس في قوله: [من الكامل] # عوجا على الطلل القديم لعلنا ... نبكي الديار كما بكى ابن خذام «3» # ويزعمون أنه أول من بكى في الديار. # وقد نجد الرجل يقطع البصل، أو يوخف الخردل «4» فتدمع عيناه. وينظر ~~الإنسان فيديم النظر في العين المحمرة فتعتري عينه حمرة. # والعرب تقول: «لهو أعدى من الثؤباء!» «5» ، كما تقول: «لهو أعدى من ~~الجرب!» «6» ، وذلك أن من تثاءب مرارا، وهو تجاه عين إنسان، اعترى ذلك ~~الإنسان التثاؤب. # ورأيت ناسا من الأطباء وهم فلاسفة المتكلمين، منهم معمر، ومحمد بن الجهم، ~~وإبراهيم بن السندي، يكرهون دنو الطامث «7» من إناء اللبن لتسوطه «8» أو ~~تعالج منه شيئا، فكأنهم يرون أن لبدنها ما دام ذلك العرض يعرض لها، رائحة ~~لها حدة وبخار غليظ، يكون لذلك المسوط مفسدا. # PageV02P325 ### || 350- [من أثر العين الحاسدة] # ولا تبعدن هذا من قلبك تباعدا يدعوك إلى إنكاره، وإلى تكذيب أهله. فإن ~~أبيت إلا إنكار ذلك، فما تقول في فرس تحصن «1» تحت صاحبه، وهو في وسط ~~موكبه، وغبار الموكب قد حال بين استبانة بعضهم لبعض، وليس في الموكب حجر ~~ولا رمكة «2» ، فيلتفت صاحب الحصان فيرى حجرا أو رمكة، على قاب غرض أو ~~غرضين «3» ، أو غلوة أو غلوتين «4» . حدثني، كيف شم هذا الفرس ريح تلك ~~الفرس الأنثى، وما باله ms0243 يدخل دارا من الدور، وفي الدار الأخرى حجر، فيتحصن ~~«5» مع دخوله من غير معاينة وسماع صهيل!! وهذا الباب سيقع في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. # وقال أبو سعيد عبد الملك بن قريب: كان عندنا رجلان يعينان الناس، فمر ~~أحدهما بحوض من حجارة، فقال: تالله ما رأيت كاليوم قط! فتطاير الحوض فلقين، ~~فأخذه أهله فضببوه «6» بالحديد، فمر عليه ثانية فقال: وأبيك لقلما أضررت ~~أهلك فيك! فتطاير أربع فلق. # قال: وأما الآخر، فإنه سمع صوت بول من وراء حائط فقال: إنك لشر الشخب «7» ~~! فقالوا له: إنه فلان ابنك، قال: وا انقطاع ظهراه! قالوا: إنه لا بأس ~~عليه. # قال: لا يبول والله بعدها أبدا! قال: فما بال حتى مات. # قال الأصمعي: ورأيت أنا رجلا عيونا فدعي عليه فعور. قال: إذا رأيت الشيء ~~يعجبني، وجدت حرارة تخرج من عيني. # قال: وسمع رجل بقرة تحلب فأعجبه صوت شخبها «8» ، فقال: أيتهن هذه، فخافوا ~~عينه فقالوا: الفلانية- لأخرى وروا بها عنها- فهلكتا جميعا: المورى بها ~~والمورى عنها. # PageV02P326 # وقد حمل الناس كما ترى على العين ما لا يجوز، وما لا يسوغ في شيء من ~~المجازات. وقول الذي اعور: إذا رأيت الشيء يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني، ~~من أعظم الحجج في الفاصل من صاحب العين إلى المعين. ### || [استطراد لغوى] # قال: ويقال إن فلانا لعيون: إذا كان يتشوف للناس ليصيبهم بعين. ويقال عنت ~~فلانا أعينه عينا: إذا أصبته بعين، ورجل معين ومعيون: إذا أصيب بالعين. ~~وقال عباس بن مرداس: [من الكامل] # قد كان قومك يحسبونك سيدا ... وإخال أنك سيد معيون «1» # ويقال للعيون: إنه لنفوس، وما أنفسه، أي ما أشد عينه، وقد أصابته نفس أو ~~عين. ### || 351- [دفاع عن الكلب] # وأما قول القائل: إن من لؤم الكلب وغدره أن اللص إذا أراد دار أهله أطعم ~~الكلب الذي يحرسهم قبل ذلك مرارا ليلا ونهارا، ودنا منه ومسح ظهره، حتى ~~يثبت صورته، فإذا أتاه ليلا أسلم إليه الدار بما فيها- فإن هذا التأويل لا ~~يكون إلا من نتيجة سوء الرأي، فإن سوء الرأي يصور لأهله الباطل ms0244 في صورة ~~الحق. وفيه بعض الظلم للكلب وبعض المعاندة للمحتج عن الكلب، وقد ثبت للكلب ~~استحقاق المدح من حيث أراد أن يهجوه منه، فإن كان الكلب بفرط إلفه وشكره كف ~~عن اللص عند ذكر إحسانه، وإثبات صورته، فما أكثر من يفرط عليه الحياء حتى ~~ينسب إلى الضعف والكرم وحتى ينسب إلى الغفلة، وربما شاب الرجل بعض الفطنة ~~ببعض التغافل، ليكون أتم لكرمه، فإن الفطنة إذا تمت منعت من أمور كثيرة، ما ~~لم يكن الخيم «2» كريما والعرق سليما. # وإنك أيها المتأول، حين تكلف الكلب- مع ما قد عجل إليه اللص من اللطف ~~والإحسان- أن يتذكر نعمة سالفة، وأن يحترس من خديعة المحسن إليه، مخافة أن ~~يكون يريغ «3» بإكرامه سوءا- لحسن الرأي فيه، بعيد الغاية في تفضيله. # PageV02P327 # ولو كان للكلب آلة يعرف بها عواقب الأمور وحوادث الدهور، وكان يوازن بين ~~عواجلها وأواجلها، وكان يعرف مصادرها ومواردها، ويختار أنقص الشرين وأتم ~~الخيرين، ويتثبت في الأمور، ويخاف العيب ويأخذ بحجة ويعطي بحجة، ويعرف ~~الحجة من الشبهة، والثقة من الريبة، ويتثبت في العلة، ويخاف زيغ «1» الهوى ~~وسرف الطبيعة، لكان من كبار المكلفين ومن رؤوس الممتحنين. ### || 352- [اختيار الأشياء والموازنة بين الأشياء لدى العاقلين] # والعادة القائمة، والنسق الذي لا يتخطى ولا يغادر، والنظام الذي لا ينقطع ~~ولا يختلط، في ذوي التمكين والاستطاعة، وفي ذوي العقول والمعرفة، أن ~~أبدانهم متى أحست بأصناف المكروه والمحبوب، وازنوا وقابلوا، وعايروا وميزوا ~~بين أتم الخيرين وأنقص الشرين، ووصلوا كل مضرة ومنفعة في العاجل بكل مضرة ~~ومنفعة في الآجل وتتبعوا مواقعها، وتدبروا مساقطها، كما يتعرفون مقاديرها ~~وأوزانها، واختاروا بعد ذلك أتم الخيرين وأنقص الشرين. فأما الشر صرفا ~~والخير محضا فإنهم لا يتوقفون عندهما، ولا يتكلفون الموازنة بينهما، وإنما ~~ينظرون في الممزوج وفي بعض ما يخشى في معارضته، ولا يوثق بمعراه ومكشفه، ~~فيحملونه على خلاص الذهن، كما يحمل الذهب على الكير «2» . # وأما ذوات الطبائع المسخرة والغريزة المحبولة فإنما تعمل من جهة التسخير ~~والتنبيه، كالسم الذي يقتل بالكمية ولا يغذو، وكالغذاء الذي يغذو ويقتل ~~بالمجاوزة لمقدار الاحتمال. # وإن ms0245 هيأ الله عز وجل أصناف الحيوان المسخرة لدرك ما لا تبلغه العقول ~~اللطيفة، بلغته بغير معاناة ولا روية ولا توقف، ولا خوف من عاقبة. # ومتى تقدمت إلى الأمور التي يعالجها أهل العقول المبسوطة، المتمكنة ~~بطبائعها، المقصورة غير المبسوطة، لم يمكنها أن تعرف من تلك الطبيعة ما كان ~~موازيا لتلك الأمور ببديهة ولا فكرة. وإذا كانت كذلك فليس بواجب أن تكون ~~كلما أحسنت أمرا أمكنها أن تحسن ما كان في وزنه في الغموض والإلطاف، وفي ~~الصنعة التي لا تمكن، إلا بحسن التأتي وببعد الروية، وبمقابلة الأمور بعضها ~~ببعض. وهذا الفن لا يصاب إلا عند من جهته العقل، ويمكنه الاستدلال، والكف ~~عنه والقطع له # PageV02P328 # إذا شاء، وإتمامه إذا شاء، وبلوغ غايته، والانصراف عنه إلى عقيبه من ~~الأفعال، ومن جهته تعرف العلل، ويمكنه إكراه نفسه على المقاييس والتكلف ~~والتأتي. # ومتى كانت الآلة موجودة فإنها تنبيك على مكانها، وإلا كان وجودها كعدمها. ~~وبالحس الغريزي تشعر صاحبها بمكانها، لا يحتاج في ذلك إلى تلقين وإشارة، ~~وإلى تعليم وتأديب، وإن كان صاحب الآلة أحمق من الحبارى «1» ، وأجهل من ~~العقرب «2» ، والعاقل الممكن لا يفضل في هذا المكان على الأشياء المسخرة، ~~ولا ينفصل منها في هذا الباب. ### || 353- [الإلهام في الحيوان] # وليس عند البهائم والسباع إلا ما صنعت له، ونصبت عليه، وألهمت معرفته ~~وكيفية تكلف أسبابها والتعلم لها من تلقاء أنفسها. فإذا أحسن العنكبوت نسج ~~ثويه «3» وهو من أعجب العجب، لم يحسن عمل بيت الزنبور. وإذا صنع النحل ~~خلاياه مع عجيب القسمة التي فيها، لم يحسن أن يعمل مثل بيت العنكبوت. # والسرفة- التي يقال: «أصنع من سرفة» «4» لا تحسن أن تبني مثل بيت الأرضة، ~~على جفاء هذا العمل وغلظه، ودقة ذلك العمل ولطافته. # وليس كذلك العاقل وصاحب التمييز، ومن ملك التصرف، وخول «5» الاستطاعة، ~~لأنه يكون ليس بنجار فيتعلم النجارة، ثم يبدو له بعد الحذق الانتقال إلى ~~الفلاحة. ثم ربما ملها بعد أن حذقها، وصار إلى التجارة. ### || 354- [أسمح من لافظة] # وقال صاحب الكلب: وزعمت أن قولهم «أسمح من لافظة» # «6» أن اللافظة ms0246 الديك، لأنه يعض على الحبة بطرفي منقاره. ثم يحذف بها ~~قدام الدجاجة. وما رأينا # PageV02P329 # أحدا من العلماء ومن الذين رووا هذا المثل يقول ذلك. والناس في هذا المثل ~~رجلان: # زعم أحدهما أن اللافظة العنز؛ لأن العنز ترعى في روضة وتأكل من معلفها ~~وهي جائعة. فيدعوها الراعي وصاحبها باسمها إلى الحلب، فتترك ما هي فيه حتى ~~تنهك حلبا، وقال الآخر: اللافظة الرحى، لأنها لا تمسك في جوفها شيئا مما ~~صار في بطنها. # وكيف تكون اللافظة الديك! وليس لنا أن نلحق في هذه الكلمة تاء التأنيث في ~~الأسماء المذكرة. واللافظة مع هاء التأنيث أشبه بالعنز والرحى، وإنما سمينا ~~الجمل راوية، وحامل العلم راوية، وعلامة، حين احتج أهل اللغة على ذلك ولم ~~يختلفوا فيه، وكيف ولا اختلاف بينهم أن الديك خارج من هذا التأويل، وإن ~~اختلافهم بين العنز والرحى. # وبعد فقد زعم ثمامة بن أشرس رحمه الله تعالى: أن ديكة مرو تطرد الدجاج عن ~~الحب، وتنزع الحب من أفواه الدجاج «1» . # وقال صاحب الديك: قولهم: «أسمح من لافظة» لا يليق بالرحى، لأن الرحى صخرة ~~صماء، والذي يخرج ما في بطنها المدير لها، والعرب إنما تمدح بهذه الأسماء ~~الإنسان وما جرى مجراه في الوجوه الكثيرة، ليكون ذلك مشحذة للأذهان، وداعية ~~إلى السباق وبلوغ الغايات وأما ترك الشاة للعلف فليس بلفظ للعلف، إلا أن ~~يحملوا ذلك على المجازات البعيدة، وقد يكون ذلك عند بعض الضرورة. والشاة ~~ترضع من خلفها حتى تأتي على أقصى لبن في ضرعها، وتنثر العلف، وتقلب المحلب ~~«2» ، وتنطح من قام عليها وأتاها بغذائها. وهي من أموق «3» البهائم، وزوجها ~~شتيم «4» المحيا، منتن الريح، يبول في جوف فيه وفي حاق «5» خياشيمه. # وتقول العرب: «ما هو إلا تيس في سفينة» «6» ، إذا أرادوا به الغباوة و ~~«ما هو إلا تيس» ، إذا أرادوا به نتن الريح. # PageV02P330 # والعنز خرقاء، وأبوها وهو التيس أخرق منها. # وأمر الديك وشأنه، وكيف يلفظ ما قد صار في منقاره، وكيف يؤثر به طروقته ~~من ذات نفسه- شيء يراه الناس، ويراه جميع العباد. # وهذه المكرمة، وهذا ms0247 الغزل، وهذا الإيثار «1» ، شيء يراه الناس لم يكن في ~~ذكر قط ممن يزاوج إلا الديك، والديك أحق بهذا المثل. فإن كنتم قد صدقتم على ~~العرب في تأويل هذا المثل فهذا غلط من العرب وعصبية للبن، وعشق للدقيق. # والمثل إنما يلفظ به رجل من الأعراب، وليس الأعرابي بقدوة إلا في الجر ~~والنصب والرفع وفي الأسماء، وأما غير ذلك فقد يخطئ فيه ويصيب فالديك أحق ~~بهذا المثل الذي ذكرنا، وسائر خصاله الشريفة. # والذي يدل على أن هذا الفعل في الديك، إنما هو من جهة الغزل لا غير، أنه ~~لا يفعل ذلك إذا هرم وعجز عن السفاد، وانصرفت رغبته عنهن وهو في أيام شبابه ~~أنهم وأحرص على المأكول، وأضن على الحب، فما له لم يؤثرهن به عند زهده، ~~ويؤثرهن عند رغبته؟! وما باله لم يفعل ذلك وهو فروج صغير، وصنع ذلك حين ~~أطاق السفاد؟! فتركه لذلك في العجز عنهن، وبذله في أوقات القوة عليهن دليل ~~على الذي قلنا، وهذا بين لا يرده إلا جاهل أو معاند. ### || 355- [دفاع عن الكلب] # وقال صاحب الكلب: لسنا ننكر خصال الديك ومناقبه من الأخبار المحمودة، ~~ولولا ذلك ما ميلنا «2» بينه وبين الكلب. ومن يميل بين العسل والخل في وجه ~~الحلاوة والحموضة؟! وكيف يفضل شيء على شيء وليس في المفضول شيء من الفضل؟! ~~والذي قلتم من قذقه الحب قدام الدجاج صحيح. وليس هذا الذي أنكرنا، وإنما ~~أنكرنا موضع المثل الذي صرفتموه إلى حجتكم، وتركتم الذين ما زال الناس ~~يقلدونهم في الشاهد والمثل. وإن جاز لكم أن تردوا عليهم هذا المثل جاز لكل ~~من كره مثلا أو شاهدا أن يرد عليهم كما رددتم، وفي ذلك إفساد أمر العرب ~~كله. # فإن زعمت أن الديك، كان أحق به، فخصومك كثير ولسنا نحيط بأوائل # PageV02P331 # كلامهم، على أي مقادير كانوا يضعونها، ومن أي شيء اشتقوها، وكيف كان ~~السبب. ورب شيء أنكرناه فإذا عرفنا سببه أقررنا به. # وقال أبو الحسن: مر إياس بن معاوية بديك ينقر حبا ولا يفرقه، فقال: ينبغي ~~أن يكون هذا هرما، ms0248 فإن الهرم إذا ألقي له الحب لم يفرقه ليجتمع الدجاج ~~حوله. # والهرم قد فنيت رغبته فيهن، فليس همه إلا نفسه. # ورووا عنه أنه قال: اللافظة الديك الشاب، وإنه يأخذ الحبة يؤثر بها ~~الدجاج، والهرم لا يفعل ذلك، وإنما هو لافظة مادام شابا. # وقال صاحب الكلب: وذكر ابن سيرين عن أبي هريرة: «أن كلبا مر بامرأة وهو ~~يلهث عند بئر، فنزعت خفها فسقته، فغفر الله تعالى لها» «1» . # وعنه قال: «غفر الله لبغي أو لمؤمنة مر بها كلب فنزعت خفها فسقته» «2» . # وقال صاحب الكلب: وقال ابن داحة: ضرب ناس من السلطاء جارا لهم، ولببوه ~~وسحبوه وجروه، وله كلب قد رباه، فلم يزل ينبح عليهم ويشقق ثيابهم، ولولا أن ~~المضروب المسحوب كان يكفه ويزجره، لقد كان عقر بعضهم أو منعه منهم. # قال إبراهيم النظام: قدمتم السنور على الكلب، ورويتم أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أمر بقتل الكلاب واستحياء السنانير وتقريبها وتربيتها، كقوله عند ~~مسألته عنها: «إنهن من الطوافات عليكم» «3» . وكل منفعة عند السنور إنما هي ~~أكل الفأر فقط، وعلى أنكم قلما تجدون سنورا يطلب الفأر، فإن كان مما يطلب ~~ويأكل الفأر، لم يعدمكم أن يأكل حمامكم وفراخكم والعصافير التي يتلهى بها ~~أولادكم، والطائر يتخذ لحسنه وحسن صوته. والذي لابد منه الوثوب على صغار ~~الفراريج. فإن هو عف عن أموالكم # PageV02P332 # لم يعف عن أموال جيرانكم، ومنافع الكلب لا يحصيها الطوامير «1» . والسنور ~~مع ذلك يأكل الأوزاغ والعقارب، والخنافيس، وبنات وردان «2» ، والحيات، ~~ودخالات الآذان «3» والفأر والجرذان، وكل خبيثة وكل ذات سم، وكل شيء تعافه ~~النفس. ثم قلتم في سؤر السنور وسؤر الكلب ما قلتم. ثم لم ترضوا به حتى ~~أضفتموه إلى نبيكم صلى الله عليه وسلم!! ### || 356- [أطيب الحيوان أفواها] # ولا يشك الناس أن ليس في السباع أطيب أفواها من الكلاب «4» ، وكذلك كل ~~إنسان سائل الريق سائل اللعاب. والخلوف «5» لا يعرض للمجانين الذين تسيل ~~أفواههم. ومن كان لا يعتريه الخلوف فهو من البخر أبعد. وكما أن طول انطباق ~~الفم يورث الخلوف. فكثرة تحلب الأفواه بالريق تنفي ms0249 الخلوف. وحتى إن من سال ~~فوه من اللعاب فإنما قضوا له بالسلامة من فيه، وإن استنكهوه مع أشباهه ~~وجدوه طيبا، وإن كان لا يقرب سواكا على الريق. وكذلك يقال، إن أطيب الناس ~~أفواها الزنج، وإن كانت لا تعرف سنونا «6» ولا سواكا. # على أن الكلب سبع، وسباع الطير وذوات الأربع موصوفة بالبخر، والذي يضرب ~~به في ذلك المثل الأسد، وقد ذكره الحكم بن عبدل في هجائه محمد بن حسان ~~فقال: [من الوافر] # فنكهته كنكهة أخدري ... شتيم شابك الأنياب ورد «7» # وقال بشار: [من الطويل] # وأفسى من الظربان في ليلة الكرى ... وأخلف من صقر وإن كان قد طعم «8» # يهجو بها حماد عجرد. # PageV02P333 # ويقال: ليس في البهائم أطيب أفواها من الظباء. ### || 357- [رضيع ملهم] # وزعم علماء البصريين، وذكر أبو عبيدة النحوي، وأبو اليقظان سحيم بن حفص، ~~وأبو الحسن المدائني، وذكر ذلك عن محمد بن حفص عن مسلمة بن محارب، وهو حديث ~~مشهور في مشيخة أصحابنا من البصريين، أن طاعونا جارفا جاء على أهل دار، فلم ~~يشك أهل تلك المحلة أنه لم يبق فيها صغير ولا كبير، وقد كان فيها صبي ~~يرتضع، ويحبو ولا يقوم على رجليه، فعمد من بقي من المطعونين من أهل تلك ~~المحلة إلى باب تلك الدار فسده، فلما كان بعد ذلك بأشهر تحول فيها بعض ورثة ~~القوم، ففتح الباب، فلما أفضى إلى عرصة الدار إذا هو بصبي يلعب مع أجراء ~~كلبة، وقد كانت لأهل الدار، فراعه ذلك، فلم يلبث أن أقبلت كلبة كانت لأهل ~~الدار، فلما رآها الصبي حبا إليها، فأمكنته من أطبائها فمصها، فظنوا أن ~~الصبي لما بقي في الدار وصار منسيا واشتد جوعه، ورأى أجراءها تستقي من ~~أطبائها، حبا إليها فعطفت عليه، فلما سقته مرة أدامت ذلك له، وأدام هو ~~الطلب. # والذي ألهم هذا المولود مص إبهامه ساعة يولد من بطن أمه، ولم يعرف كيفية ~~الارتضاع، هو الذي هداه إلى الارتضاع من أطباء الكلبة. ولو لم تكن الهداية ~~شيئا مجعولا في طبيعته، لما مص الإبهام وحلمة الثدي، فلما أفرط عليه ms0250 الجوع ~~واشتدت حاله، وطلبت نفسه وتلك الطبيعة فيه، دعته تلك الطبيعة وتلك المعرفة ~~إلى الطلب والدنو، فسبحان من دبر هذا وألهمه وسواه ودل عليه!! ### || 358- [إلهام الحمام] # ومثل هذا الحديث ما خبر به عن بابويه صاحب الحمام. ولو سمعت قصصه في كتاب ~~اللصوص، علمت أنه بعيد من الكذب والتزيد. وقد رأيته وجالسته ولم أسمع هذا ~~الحديث منه، ولكن حدثني به شيخ من مشايخ البصرة، ومن النزول بحضرة مسجد ~~محمد بن رغبان. وقال بابويه: كان عندي زوج حمام مقصوص، وزوج حمام طيار، ~~وفرخان من فراخ الزوج الطيار. قال: وكان في الغرفة ثقب في أعلاها وقد كنت ~~جعلت قدام الكوة «1» رفا ليكون مسقطا لما يدخل ويخرج من الحمام، فتقدمت في ~~ذلك مخافة أن يعرض لي عارض فلا يكون للطيار منفذ للتكسب ولورود الماء. ~~فبينا أنا كذلك إذ جاءني رسول السلطان، فوضعني في # PageV02P334 # الحبس، فنسيت قدر الزوج الطيار والفرخين. وما لهما من الثمن، وما فيهما ~~من الكرم، ومت من رحمة الزوج المقصوص، وشغلني الاهتمام بهما عن كثير مما ~~أنا فيه، فقلت: أما الزوج الطيار فإنهما يخرجان ويرجعان ويزقان، ولعلهما أن ~~يسلما ولعلهما أن يذهبا- وقد كنت ربيتهما حتى تحصنا ووردا «1» - فإذا شب ~~الفرخان ونهضا مع أبويهما، وسقطا على المعلاة، فإما أن يثبتا وإما أن ~~يذهبا، ولكن كيف يكون حال المقصوصين، ومن أسوأ حالا منهما؟! فخلي سبيلي بعد ~~شهر، فلم يكن لي هم إلا النظر إلى ما خلفت خلفي من الحمام، وإذا الفرخان قد ~~ثبتا وإذا الزوجان قد ثبتا، وإذا الزوجان الطياران ثبتا على حالهما، إلا ~~أني رأيتهما زاقين، إذ علامة ذلك في موضع الغبب، وفي القرطمتين «2» ، وفي ~~أصول المناقير، وفي عيونهما، فقلت: # فكيف يكونان زاقين مع استغناء فرخيهما عنهما؟! ولا أشك في موت المقصوصين. # ثم دخلت الغرفة فإذا هما على أفضل حال، فاشتد تعجبي من ذلك، فلم ألبث أن ~~دنوا إلى أفواه الزوج الكبار يصنعان كما يصنع الفرخ في طلب الزق، ورأيتهما ~~حين زقاهما، فإذا هما لما اشتد جوعهما، وكانا يريانهما يزقان الفرخين ~~ويريان الفرخين ms0251 كيف يستطعمان ويستزقان، حملهما الجوع وحب العيش، وتلهب ~~العطش، وما في طبعهما من الهداية، على أن طلبا ما يطلب الفرخ، فزقاهما ثم ~~صار الزق عادة في الطيار، والاستطعام عادة في المقصوص. ### || 359- [من عجائب الحمام] # ومن الحمام حمام يزق فراخه ولا يزق شيئا من فراخ غيره، وإن دنا منه مع ~~فراخه فرخ من فراخ غيره، وشاكل فرخيه في السن واللون طردهما ولم يزقهما، ~~ومن الحمام ما يزق كل فرخ دنا منه، كما أن من الحمام حماما لا يزق فراخه ~~البتة حتى يموت. # وإنما تعظم البلية على الفرخ إذا كان الأب هو الذي لا يزق، لأن الولادة ~~وعامة الحضن والكفل على الأم، فإذا ظهر الولد فعامة الزق على الأب. كأنه ~~صاحب العيال والكاسب عليهم، وكالأم التي تلد وترضع. ### || 360- [الطائر العجيب: كاسر العظام] # [كاسر العظام] # وأعجب من هذا، الطائر الذي يقال له ## كاسر العظام # «3» ، فإنه يبلغ من بر الفراخ # PageV02P335 # كلها بعد القيام بشأن فراخ نفسه، أنه يتعاهد فرخ العقاب الثالث، الذي ~~تخرجه من عشها، لأنها أشره وأرغب بطنا، وأقسى قلبا وأسوأ خلقا من أن تحتمل ~~إطعام ثلاثة. # وهي مع ذلك سريعة الجزع، فتخرج ما فضل عن فرخين. فإذا أخرجته قبله كاسر ~~العظام وأطعمه، لأن العقاب من اللائي تبيض ثلاث بيضات في أكثر حالاتها. ### || 361- [دفاع أسدي عن أكل قومه لحوم الكلاب] # قال: وعير رجل من بني أسد بأكل لحوم الكلاب، وذهب إلى قوله: [من الرجز] # يا فقعسي لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرمه «1» # فما أكلت لحمه ولا دمه # قال: فقال الأعرابي: أما علمت أن الشدة والشجاعة، والبأس والقوة من ~~الحيوان، في ثلاثة أصناف: العقاب في الهواء، والتمساح في ساكن الماء، ~~والأسد في ساكن الغياض. # وليس في الأرض لحم أشهى إلى التمساح ولا إلى الأسد من لحم الكلب. فإن ~~شئتم فعدوه عدوا لهما، فإنهما يأكلانه من طريق الغيظ وطلب الثأر، وإن شئتم ~~فقولوا غير ذلك. ### || 362- [الطبيعة الأسدية في أشبه بني أسد] # وبنو أسد أسد الغياض «2» ، وأشبه شيء بالأسد، فلذلك تشتهي من اللحمان ~~أشهاها ms0252 إلى الأسد. والدليل على أنهم أسد، وفي طباع الأسد، أنك لو أحصيت ~~جميع القتلى من سادات العرب ومن فرسانهم، لوجدت شطرها أو قريبا من شطرها ~~لبني أسد. ### || 363- [أنفة الكلب] # قالوا: ثم بعد ذلك كله أن الكلب لا يرضى بالنوم والربوض على بياض الطريق، ~~وعلى عفر التراب، وهو يرى ظهر البساط، ولا يرضى بالبساط وهو يجد الوسادة، ~~ولا يرضى بالمطارح دون مرافق المطارح «3» فمن نبله في نفسه أن يتخير أبدا ~~أنبل موضع # PageV02P336 # في المجلس، وحيث يدعه رب المجلس صيانة له وإبقاء عليه- إلا أن يتصدر فيه ~~من لايجوز إلا أن يكون صدرا، فلا يقصر الكلب دون أن يرقى عليه. # وقد كان في حجج معاوية في اتخاذ المقصورة بعد ضرب البرك إياه بالسيف، أنه ~~أبصر كلبا على منبره. # هذا على ما طبع عليه من إكرام الرجل الجميل اللباس، حتى لا ينبح عليه إن ~~دنا من باب أهله، مع الوثوب على كل أسود، وعلى كل رث الهيئة، وعلى كل سفيه ~~تشبه حاله حال أهل الريبة. # ومن كبره وشدة تجبره، وفرط حميته «1» وأنفته واحتقاره. أنه متى نبح على ~~رجل في الليل، ولم يمنعه حارس ولم يمكنه الفوت، فدواؤه عند الرجل أنه لا ~~ينجيه منه إلا أن يقعد بين يديه مستخزيا مستسلما، وأنه إذا رآه في تلك ~~الحال دنا منه فشغر «2» عليه؛ ولم يهجه، كأنه حين ظفر به، ورآه تحت قدرته، ~~رأى أن يسمه بميسم ذل، كما كانت العرب تجز نواصي الأسرى من الفرسان، إذا ~~رامت أن تخلي سبيلها وتمن عليها، ولو كف العربي عن جز ناصيته، لوسمه الأسير ~~من الشعر والقوافي الخالدات البواقي، التي هي أبقى من الميسم، بما هو أضر ~~عليه من جز ناصيته، ولعله لا يبلغ أهله حتى تستوي مع سائر شعر رأسه، ولكن ~~ذل الجز لا يزال يلوح في وجهه، ولا يزال له أثر في قلبه. ### || 364- [تقدير مطرف للكلب] # وذكر أن مطرف بن عبد الله كان يكره أن يقال للكلب اخسأ، وما أشبه ذلك، ~~وفي دعائه على أصحاب الكلب الذي كان أربابه ms0253 لا يمنعونه من دخول مصلاه، قال: # اللهم امنعهم بركة صيده!! دليل على حسن رأيه فيه. ### || [من أقوال المسيح عليه السلام] # قالوا: ومر المسيح بن مريم في الحواريين بجيفة كلب، فقال بعضهم: ما أشد ~~نتن ريحه! قال: فهلا قلت: ما أشد بياض أسنانه!! قالوا: وقال رجل لكلب: ~~اخسأ، ويلك! فقال همام بن الحارث: الويل لأهل النار. ### || 365- [هراش الحيوان] # والهراش الذي يجري بينها وهو شر، يكون بين جميع الأجناس المتفقة، # PageV02P337 # كالبرذون والبرذون، والبعير والبعير، والحمار والحمار، وكذلك جميع ~~الأجناس، فأما الذي يفرط ويتم ذلك فيه، ويتمنع ناس من الناس، ويقع فيه ~~القمار، ويتخذ لذلك، وينفق عليه، ويغالى به، فالكلب والكلب، والكبش والكبش، ~~والديك والديك، والسمانى والسمانى «1» . ### || [التحريش بين الجرذان] # فأما الجرذ فإنه لا يقاتل الجرذ حتى يشد رجل أحدهما في طرف خيط، ويشد ~~الجرذ الآخر بالطرف الآخر، ويكون بينهما من السماواة والالتقاء، والعض ~~والخمش، وإراقة الدم وفري الجلود، ما لا يكون بين شيئين من الأنواع التي ~~يهارش بها. # والذي يحدث للجرذان طبيعة القتال، الرباط نفسه، فإن انقطع الخيط وانحل ~~العقد، أخذ هذا شرقا وهذا غربا، ولم يلتقيا أبدا. # وإذا تقابلت جحرة «2» الفأر، وخلالها الموضع، فبينها شر طويل، ولكنه لا ~~يعدو الوعيد والصخب، ولا يلتقي منهما اثنان أبدا ... ### || [قصة ثمامة فيما شاهده من الفار] # وحدثني ثمامة بن أشرس قال: كان بقي في الحبس جحر فأر، وتلقاءه جحر آخر، ~~فيرى لكل واحد منهما وعيدا وصياحا ووثوبا، حتى يظن أنهما سيلتقيان ثم لا ~~يحتجزان حتى يقتل كل واحد منهما صاحبه. فبينا كل واحد منهما في غاية ~~الوعيد. إذ مر هاربا حتى دخل جحره، فما زالا كذلك، حتى أتى الله تعالى ~~بالفرج وخلي سبيلي. ### || 366- [ جودة الشم عند الكلاب السلوقية] # وزعم أن السلوقية الطويلة المناخر أجود شما، والشم العجيب والحس اللطيف ~~من ذلك، إلا أن ذلك في طلب الذكور للإناث والإناث للذكور خاصة. وأما شم ~~المأكول، واسترواح الطعم، فللسباع في ذلك ما ليس لغيرها. وإن الفأر ليشم، ~~وإن الذر والنمل ليشم، وإن السنانير لتشم، وكذلك الكلب، وله ms0254 في ذلك فضيلة، ~~ولا يبلغ ما يبلغ الذئب وقال أعرابي: [من الرجز] # كان أبو الصحيم من أربابها ... صب عليه الله من ذئابها # أطلس لا ينحاش من كلابها ... يلتهم الطائر في ذهابها # في الجرية الأولى فلا مشى بها # ألا تراه يجتهد في الدعاء عليها بذئب لا ينحاش من الكلاب. # PageV02P338 ### | باب ما يشبه بالكلب وليس هو منه ### || 367- [تشبيه قوائم الفرس بقوائم الكلب] # وإذا جرى الفرس المحجل شبهوا قوائمه بقوائم الكلب إذا ارتفعت في بطنه، ~~فيصير تحجيلها كأنه أكلب صغار تعدو، كما قال العماني: [من الرجز] # كأن تحت البطن منه أكلبا ... بيضا صغارا ينتهشن المنقبا «1» # وقال البدري: [من الرجز] # كأن أجراء كلاب بيض ... دون صفاقيه إلى التغريض «2» # وقال الآخر: [من الرجز] # كأن قطا أو كلابا أربعا ... دون صفاقيه إذا ما ضبعا «3» # ويصفون الطلع أول ما يبدو صغارا بآذان الكلاب البيض. وقال في ذلك الراجز: # [من الرجز] # أنعت جمارا على سحيض ... يخرج بعد النجم والتبعيض # طلعا كآذان الكلاب البيض # ويوصف صوت الشخب «4» في الإناء بهرير هراش الكلاب. # وقال أعرابي: [من الرجز] # كأن خلفيها إذا ما هرا ... جروا كلاب هورشا فهرا «5» # PageV02P339 # وقال الآخر: [من الرجز] # كأن صوت شخبها المسحنفر ... بين الأباهيم وبين الخنصر «1» # هراش أجراء ولما تثغر «2» # وقال أبو دؤاد: [من الهزج] # طويل طامح الطرف ... إلى وهوهة الكلب «3» ### || 368- [جواب صبى] # [ابن وو وو] # وزعم الهيثم بن عدي قال: كان رجل يسمى كلبا، وكان له بني يلعب في الطريق، ~~فقال له رجل: ابن من؟ فقال # : ابن وو وو # وو «4» ! ### || 369- [ما يستحب في ذنب كلب الصيد] # ويحبون أن يكون ذنب الكلب الصائد يابسا، ليس له من اللحم قليل ولا كثير، ~~ولذلك قال: [من الرجز] # تلوي بأذناب قليلات اللحا «5» # وقال الشاعر: [من البسيط] # إني وطلب ابن غلاق ليقريني ... كالغابط الكلب يبغي الطرق في الذنب «6» # الطرق: الشحم اليسير، يقال: ليس به طرق. # PageV02P340 ### || 370- [طيب لحم أجراء الكلاب] # ويقال: ليس في الأرض فرخ ولا جرو ولا شيء من الحيوان أسمن ولا أرطب ولا ~~أطيب من أجراء الكلب. وهي أشبه شيء بالحمام، ms0255 فإن فراخ الحمام أسمن شيء ما ~~دامت صغارا من غير أن تسمن، فإذا بلغت لم تقبل الشحم، وكذلك أولاد الكلاب. # وقال الآخر: [من البسيط] # وأغضف الأذن طاوي البطن مضطمر ... لوهوه رذم الخيشوم هرار «1» # الأصمعي قال: قال أعرابي: أصابتنا سنة شديدة، ثم أعقبتها سنة تتابع فيها ~~الأمطار فسمنت الماشية، وكثرت الألبان والأسمان، فسمن ولدان الحي، حتى كأن ~~است أحدهم جرو يتمطى! ### || 371- [طلب أبى دلامة] # أبو الحسن قال «2» : قال أبو العباس أمير المؤمنين لأبي دلامة: سل! قال: ~~كلبا. # قال: ويلك! ما تصنع بالكلب؟! قال: قلت أصيد به. قال: فلك كلب. قال: ~~ودابة. # قال: ودابة. قال: وغلاما يركب الدابة ويصيد. قال: وغلاما. قال: وجارية. ~~قال: # وجارية. قال: يا أمير المؤمنين! كلب وغلام وجارية ودابة، هؤلاء عيال، ولا ~~بد من دار. قال: ودار. قال: ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة. قال: أقطعناك مائة ~~جريب عامرة ومائة جريب غامرة. قال: وأي شيء الغامرة؟ قال: ليس فيها نبات. ~~قال: أنا أقطعك خمسمائة جريب من فيافي بني أسد غامرة. قال: قد جعلنا لك ~~المائتين عامرتين كلها، ثم قال: أبقي لك شيء؟ قال: نعم، أقبل يدك. قال: أما ~~هذه فدعها. قال: ما منعت عيالي شيئا أهون عليهم فقدا منه؟! «3» . # PageV02P341 ### || 372- [علمه حيلة فوقع في أسرها] # أبو الحسن عن أبي مريم قال: كان عندنا بالمدينة رجل قد كثر عليه الدين ~~حتى توارى من غرمائه، ولزم منزله. فأتاه غريم له عليه شيء يسير، فتلطف حتى ~~وصل إليه، فقال له: ما تجعل لي إن أنا دللتك على حيلة تصير بها إلى الظهور ~~والسلامة من غرمائك؟ قال: أقضيك حقك، وأزيدك مما عندي مما تقر به عينك. # فتوثق منه بالأيمان، فقال له: إذا كان غدا قبل الصلاة مر خادمك يكنس بابك ~~وفناءك ويرش، ويبسط على دكانك حصرا، ويضع لك متكأ، ثم أمهل حتى تصبح ويمر ~~الناس، ثم تجلس، وكل من يمر عليك ويسلم انبح له في وجهه، ولا تزيدن على ~~النباح أحدا كائنا من كان، ومن كلمك من أهلك أو خدمك أو من غيرهم، ms0256 أو غريم ~~أو غيره، حتى تصير إلى الوالي فإذا كلمك فانبح له، وإياك أن تزيده أو غيره ~~على النباح؛ فإن الوالي إذا أيقن أن ذلك منك جد لم يشك أنه قد عرض لك عارض ~~من مس فيخلي عنك، ولا يغري عليك. قال: ففعل، فمر به بعض جيرانه فسلم عليه، ~~فنبح في وجهه، ثم مر آخر ففعل مثل ذلك، حتى تسامع غرماؤه فأتاه بعضهم فسلم ~~عليه فلم يزده على النباح، ثم آخر، فتعلقوا به فرفعوه إلى الوالي، فسأله ~~الوالي فلم يزده على النباح، فرفعه معهم إلى القاضي، فلم يزده على ذلك، ~~فأمر بحبسه أياما وجعل عليه العيون، وملك نفسه وجعل لا ينطق بحرف سوى ~~النباح، فلما رأى القاضي ذلك أمر بإخراجه ووضع عليه العيون في منزله، وجعل ~~لا ينطق بحرف إلا النباح، فلما تقرر ذلك عند القاضي أمر غرماءه بالكف عنه، ~~وقال: هذا رجل به لمم «1» . فمكث ما شاء الله تعالى. ثم إن غريمه الذي كان ~~علمه الحيلة، أتاه متقاضيا لعدته فلما كلمه جعل لا يزيده على النباح، فقال ~~له ويلك يا فلان!! وعلي أيضا، وأنا علمتك هذه الحيلة؟! فجعل لا يزيده على ~~النباح، فلما يئس منه انصرف يائسا مما يطالبه به. ### || 373- [اتحاد المتعاديين في وجه عدوهما المشترك] # قال أبو الحسن عن سلمة بن خطاب الأزدي، قال: لما تشاغل عبد الملك بن ~~مروان بمحاربة مصعب بن الزبير، اجتمع وجوه الروم إلى ملكهم فقالوا له: قد ~~أمكنتك الفرصة من العرب، بتشاغل بعضهم مع بعض، لوقوع بأسهم بينهم، فالرأي ~~لك أن تغزوهم إلى بلادهم، فإنك إن فعلت ذلك بهم نلت حاجتك، فلا تدعهم حتى # PageV02P342 # تنقضي الحرب التي بينهم فيجتمعوا عليك! فنهاهم عن ذلك وخطأ رأيهم، فأبوا ~~عليه إلا أن يغزوا العرب في بلادهم. فلما رأى ذلك منهم أمر بكلبين فحرش ~~بينهما، فاقتتلا قتالا شديدا، ثم دعا بثعلب فخلاه، فلما رأى الكلبان ~~الثعلب، تركا ماكانا فيه، وأقبلا عليه حتى قتلاه، فقال ملك الروم: كيف ~~ترون!؟ هكذا العرب، تقتتل بينها، فإذا رأونا تركوا ذلك واجتمعوا ms0257 علينا ~~فعرفوا صدقه، ورجعوا عن رأيهم. ### || 374- [كرم الكلاب] # قال: وقال المغيرة لرجل خاصم إليه صديقا له، وكان الصديق توعده بصداقة ~~المغيرة، فأعلمه الرجل ذلك، وقال: إن هذا يتوعدني بمعرفتك إياه، وزعم أنها ~~تنفعه عندك. قال «1» : أجل! إنها والله لتنفع، وإنها لتنفع عند الكلب ~~العقور «2» !. # فإذا كان الكلب العقور كذلك، فما ظنك بغيره؟ وأنت لا تصيب من الناس من ~~تنفع عنده المعرفة من ألف واحدا. # وهذا الكرم في الكلاب عام. والكلب يحرس ربه، ويحمي حريمه شاهدا وغائبا، ~~وذاكرا وغافلا، ونائما ويقظان، ولا يقصر عن ذلك وإن جفوه، ولا يخذلهم وإن ~~خذلوه. ### || 375- [نوم الكلاب] # والكلب أيقظ الحيوان عينا في وقت حاجتهم إلى النوم، وإنما نومه نهارا، ~~عند استغنائهم عن حراسة، ثم لا ينام إلا غرارا وإلا غشاشا «4» . وأغلب ما ~~يكوم النوم عليه وأشد ما يكون إسكارا له أن يكون كما قال رؤبة: [من الرجز] # لاقيت مطلا كنعاس الكلب «5» # يعني بذلك القرمطة في المواعيد. # وكذلك فإنه أنوم ما يكون أن يفتح عينه بقدر ما يكفيه للحراسة، وذلك ساعة، # PageV02P343 # وهو في هذا كله [أيقظ من ذئب، و] «1» أسمع من فرس «2» . وأحذر من عقعق ~~«3» ، مع بعد صوته. ### || 376- [قول رجل من العرب في الجمال] # وقيل لرجل من العرب: ما الجمال؟ فقال: غؤور العينين، وإشراف الحاجبين، ~~ورحب الأشداق، وبعد الصوت. ### || 377- [صبر الكلب و احتماله] # هذا مع قلة السآمة، والصبر على الجفوة، واحتمال الجراحات الشداد، وجوائف ~~«4» الطعان ونوافذ السهام. وإذا ناله ذلك لم يزل ينظفه بريقه؛ لمعرفته بأن ~~ذلك هو دواؤه حتى يبرأ، لا يحتاج إلى طبيب، ولا إلى مرهم ولا إلى علاج. ### || 378- [طول ذماء الضب والكلب والأفعى] # وتقول العرب: «الضب أطول شيء ذماء» «5» ، والكلب أعجب في ذلك منه. # وإنما عجبوا من الضب، لأنه يغبر «6» ليلته مذبوحا مفري الأوداج، ساكن ~~الحركة، حتى إذا قرب من النار تحرك. كأنهم يظنون أنه قد كان حيا، وإن كان ~~في العين ميتا. # والأفعى تبقى أياما تتحرك. ### || 379- [ما يعتريه الاختلاج بعد الموت] # فأما الذي يعتريه الاختلاج بعد جموده ليلة، فلحم البقر والجزر «7» ، ~~تختلج ms0258 وهي على المعاليق اختلاجا شديدا. # PageV02P344 # والحية يقطع ثلثها الأسفل، فتعيش وينبت ذلك المقطوع. ### || 380- [حياة الكلب مع الجراح الشديدة] # قال: والكلب أشد الأشياء التي تعيش على الجراح، التي لا يعيش عليها شيء ~~إلا الكلب، والخنزير، والخنفساء. ### || 381- [قوة فك الكلب و أنيابه] # والكلب أشد الأشياء فكا، وأرهفها نابا، وأطيبها فما، وأكثرها ريقا، يرمى ~~بالعظم المدمج «1» ، فيعلم بالغريزة أنه إن عضه رضه، وإن بلعه استمرأه. ### || 382- [إلف الكلب و غيره من الحيوان للإنسان] # وهو ألوف للناس، مشارك من هذا الموضع العصافير والخطاطيف والحمام ~~والسنانير، بل يزيد على ذلك في باب الخاص وفي باب العام. فأما باب الخاص، ~~فإن من الحمام ما هو طوراني «2» وحشي، ومنه ما هو آلف أهلي. والخطاف من ~~القواطع غير الأوابد، إذا قطع إلى الإنس لم يبن بيته إلا في أبعد المواضع، ~~من حيث لا تناله أيديهم. فهو مقسوم على بلاده وبلاد من اضطرته إليه الحاجة. ~~والعصافير تكون في القرب حيث تمتنع منهم في أنفسها. والكلاب مخالطة لها ~~ملابسة، ليس منها وحشي، وكلها أهلي. وليس من القواطع ولا من الأوابد ما ~~يكون آنس بالناس- من كثير مما يوصف بالأنس والإلف- من الكلاب دون سواها. ~~وفي السنانير الوحشية والأهلية. # وعلى أن إلف الكلب فوق إلف الإنسان الألوف، وهو في الكلب أغرب منه في ~~الحمام والعصفور؛ لأنه سبع، والحمام بهيمة والسبع بالسباع أشبه، فتركها ولم ~~يناسبها، ورغب عنها. وكيف، وهو يصيد الوحوش ويمنع جميع السباع من الإفساد؟! ~~فذلك أحمد له وأوجب لشكره. ثم يصير في كثير من حالاته، آنس بالناس منه ~~بالكلاب دنية وقصرة «3» ، ولا تراه يلاعب كلبا مادام إنسان يلاعبه. ثم لم # PageV02P345 # يرض بهذه القرابة وهذه المشاكلة، وبمقدار ما عليه من طباع الخطاف والحمام ~~والعصفور، وبمقدار ما فضلها الله تعالى به من الأنس، حتى صار إلى غاية ~~المنافع سلما، وإلى أكثر المرافق. ### || 383- [الحاجة إلى الكلاب] # وليس لحارس الناس ولحارس أموالهم بد من كلب، وكلما كان أكبر كان أحب ~~إليه. ولا بد لأقاطيع المواشي من الكلاب، وإلا فإنها نهب للذئاب ولغير ~~الذئاب ثم كلاب الصيد، ms0259 حتى كان أكثر أهل البيت عيالا على كل كلب. ### || 384- [مقلدات الإنسان من الحيوان] # وقد صار اليوم عند الكلب من الحكايات وقبول التلقين، وحسن التصريف في ~~أصناف اللعب، وفي فطن الحكايات ما ليس في الجوارح المذللة لذاك، المصرفة ~~فيه، وما ليس عند الدب والقرد والفيل، والغنم المكية، والببغاء. ### || [الكلب الزيني] # والكلب الزيني الصيني «1» يسرج على رأسه ساعات كثيرة من الليل فلا يتحرك. ~~وقد كان في بني ضبة كلب زيني صيني، يسرج على رأسه، فلا ينبض فيه نابض، ~~ويدعونه باسمه ويرمى إليه ببضعة لحم والمسرجة على رأسه، فلا يميل ولا ~~يتحرك، حتى يكون القوم هم الذين يأخذون المصباح من رأسه، فإذا زايل رأسه ~~وثب على اللحم فأكله!. درب فدرب وثقف فثقف، وأدب فقبل. وتعلق في رقبته ~~الزنبلة «2» والدوخلة «3» وتوضع فيها رقعة، ثم يمضي إلى البقال ويجيء ~~بالحوائج. ### || 385- [تعليم الكلب والقرد] # ثم صار القراد وصاحب الرباح «4» من ثم يستخرج فيما بين الكلب والقرد ~~ضروبا من العمل، وأشكالا من الفطن، حتى صاروا يطحنون عليه، فإذا فرغ من ~~طحنه مضوا به إلى المتمعك «5» ، فيمعك كما يمعك حمار المكاري وبغل الطحان. # PageV02P346 # وقرابة أخرى بينه وبين الإنسان: أنه ليس شيء من الحيوان لذكره حجم باد ~~إلا الكلب والإنسان. ### || 386- [ ما يسبح من الحيوان و ما لا يسبح] # والكلب بعد هذا أسبح من حية، ولا يتعلق به في ذلك الثور، وذلك فضيلة له ~~على القرد، مع كثرة فطن القرد وتشبهه بالإنسان؛ لأن كل حيوان في الأرض فإنه ~~إذا ألقي في الماء الغمر سبح، إلا القرد والفرس الأعسر. والكلب أسبحها ~~كلها، حتى إنه ليقدم في ذلك على البقرة والحية. ### || 387- [ما فى أناث الكلاب من الأعاجيب] # وفي طباع أرحام الكلاب أعجوبة؛ لأنها تلقح من أجناس غير الكلاب، ويلقحها ~~كما يلقح منها، وتلقح من كلاب مختلفة الألوان، فتؤدي شبه كل كلب «1» ، ~~وتمتلئ أرحامها أجراء من سفاد كلب، ومن مرة واحدة، كما تمتلئ من عدة كلاب ~~ومن كلب واحد. وليست هذه الفضيلة إلا لأرحام الكلاب. ### || 388- [فخر قبيلتين زنجيتين] # قالوا: والزنج صنفان، قبيلة زنجية ms0260 فوق قبيلة، وهما صنفان: النمل والكلاب، ~~فقبيلة هم الكلاب، وقبيلة هم النمل، فخر هؤلاء بالكثرة، وفخر هؤلاء بالشدة. # وهذان الاسمان هما ما اختاراهما لأنفسهما ولم يكرها عليهما. ### || 389- [أكلك كلب الله] # قال: ويقال إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لعتبة بن أبي لهب: «أكلك # | كلب الله» # فأكله الأسد. [ففى هذا الخبر فائدتان] «3» . فواحدة: قد ثبت بذلك أن ~~الأسد كلب الله. # والثانية: أن الله تبارك وتعالى لا يضاف إليه إلا العظيم، من جميع ~~[الأشياء من] » # الخير والشر. فأما الخير فقولك: بيت الله، وأهل الله، وزوار الله، وكتاب ~~الله، وسماء الله، وأرض الله، وخليل الله، وكليم الله، وروح الله، وما أشبه ~~ذلك. وأما الشر # PageV02P347 # فكقولهم: دعه في لعنة الله وسخط الله، [وأليم عذابه] «1» ، ودعه في نار ~~الله وسعيره «2» ، وما أشبه ذلك. وقد يسمي المسلمون والناس كلبا. ### || 390- [تسمية أنواع من الحيوانات بالكلاب] # وقد زعم آخرون: أن بنات آوى، والثعالب والضباع، والكلاب كلها كلاب، ولذلك ~~تسافد وتلاقح. # وقال آخرون: لعمري إنها الكلاب إذا أردتم أن تشبهوها، فأما أن تكون كلابا ~~لعلة أو علتين- والوجوه التي تخالف فيها الكلاب أكثر فإن هذا مما لا يجوز. # وقول من زعم أن الجواميس بقر وأن الخيل حمر، أقرب إلى الحق من قولكم، ~~وقول من زعم أن الجواميس ضأن البقر. والبقر ضأن أيضا، ولذلك سموا بقر الوحش ~~نعاجا، كأنهم إنما ابتغوا اتفاق الأسماء. # وما بال من زعم أن الأسد والذئب والضبع والثعلب وابن آوى كلاب أحق ~~بالصواب ممن زعم أن الجواميس ضأن والبقر ضأن والماعز كلها شيء واحد. وهذا ~~أقرب إلى الإمكان؛ لتشابهها في الظلف والقرون والكروش وأنها تجتر. والسنور ~~والفهد والنمر والببر «3» والأسد والذئب والضبع والثعلب إلى أن تكون شيئا ~~واحدا أقرب. وعلى أننا لم نتبين إلى الساعة أن الضباع والكلاب وبنات آوى ~~والذئاب تتلاقح؛ وما رأينا على هذا قط سمعا «4» ولا عسبارا «5» ، ولا كل ما ~~يعدون. وما ذكرهم لذلك إلا من طريق الإخبار عن السرعة، أو عن بعض ما يشبه ~~ذلك. فأما التلاقح والتركيب العجيب الغريب، فالأعراب أفطن- والكلام ms0261 عندهم ~~أرخص- من أن يكونوا وصفوا كل شيء يكون في الوحش، وكل شيء يكون في السهل ~~والجبل، مما إذا جمع جميع أعاجيبه لم يكن أظرف ولا أكثر مما يدعون من هذا ~~التسافد والتلاقح والتراكيب في الامتزاجات. فكيف يدعون ما هو أظرف، والذي ~~هو أعجب وأرغب، إلى ما يستوي في معرفته جميع الناس؟!. # PageV02P348 ### || 391- [تتمة القول في حديث السابق ] # وقال آخرون: ليس الكلب من أسماء الأسد، كما أن ليس الأسد من أسماء الكلب، ~~إلا على أن تمدحوا كلبكم فيقول قائلكم: ما هو إلا الأسد؛ وكذلك القول في ~~الأسد إذا سميتموه كلبا، وذلك عند إرادة التصغير والتحقير، والتأنيب ~~والتقريع؛ كما يقال ذلك للإنسان على جهة التشبيه. # فإن كان النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك فإن ذلك على بعض ما وصفنا لك. ~~ويقول أهل حمص: إنهم لا يغلبون؛ لأن فيها نور الله في الأرض. وما كلب الله ~~إلا كنور الله. # والله، تبارك وتعالى علوا كبيرا، لا تضاف إليه الكلاب والسنانير والضباع ~~والثعالب. # والنبي صلى الله عليه وسلم لم يقل هذا قط. وإن كان قاله فعلى صلة كلام أو ~~على حكاية كلام. # وقال صاحب الكلب: قد وضح الأمر، وتلقاه الناس بالقبول، في أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: «أكلك كلب الله» وهو يعني الأسد. ومن دفع هذا الحديث ~~فقد أنكر علامات الرسول صلى الله عليه وسلم. ### || 392- [التسمية بمشتقات الكلب] # والناس قد سموا الناس بكلب وكليب وكلاب وأكلب ومكاليب ومكالبة بنو ربيعة، ~~وكليب بن ربيعة بن عامر. وفي العرب من القبائل كلب، وبنو الكلبة، وبنو ~~كلاب، وأكلب بن ربيعة بن نزار عمارة ضخمة «1» . وكلب بن وبرة جذم «2» من ~~الأجذام وهم نفر جمجمة، وكل سادات فهو يكنى أبا كليب، ومن ذلك عمرو ذو ~~الكلب وأبو عمرو الكلب الجرمي وأبو عامر الكلب النحوي. وكيف لا يجوز مع ذلك ~~أن يسمى الأسد بالكلب، وكل هؤلاء أرفع من الأسد؟! وقد قالوا: كلب الماء، ~~وكلب الرحى. والضبة «3» التي في الرحل يقال لها الكلب، والكلب: الخشبة التي ~~تمنع الحائط من السقوط، ms0262 وتشخص في القناطر والمسنيات «4» . # PageV02P349 # والكلب الذي في السماء ذو الصور. # ويقال: داء الكلب، وقد اعتراه في الطعام كلب، وقد كلب عليهم في الحرب، و ~~«دماء القوم للكلبى شفاء» «1» . # ومنه الكلبة والكلبتان «2» والكلاب «3» والكلوب «4» ثم المكلب والمكلب ~~«5» وهذا مختلف مشتق من ذلك الأصل. # ومنه علويه كلب المطبخ، وحمويه كلب الجن. ### || 393- [بين أبي علقمة المزني وسوار بن عبد الله] # ولما شهد أبو علقمة المزني عند سوار بن عبد الله أو غيره من القضاة وتوقف ~~في قبول شهادته، قال له أبو علقمة: لم توقفت في إجازة شهادتي؟ قال: بلغني ~~أنك تلعب بالكلاب والصقور. قال: من خبرك أني ألعب فقد أبطل، وإذا بلغك أني ~~أصطاد بها فقد صدقك من أبلغك، وإني أخبرك أني جاد في الاصطياد بها غير لاعب ~~ولا هازئ، فقد وقف المبلغ على فرق ما بين الجد واللعب. قال: ما وقف ولا ~~وقفته عليه. فأجاز شهادته. ### || 394- [قوله تعالى: يسألونك ماذا أحل لهم] # وقد قال الله تعالى: يسئلونك ماذا أحل لهم # «6» فقال لنبيه: قل أحل لكم الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين # «7» . فاشتق لكل صائد وجارح كاسب من باز، وصقر، وعقاب، وفهد، وشاهين، ~~وزرق «8» ، ويؤيؤ «9» ، وباشق، وعناق الأرض «10» ، من اسم الكلب. وهذا يدل ~~على أنه أعمها نفعا، وأبعدها صيتا، # PageV02P350 # وأنبهها ذكرا. ثم قال: تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم ~~واذكروا اسم الله عليه # «1» فذكر تعليمهم لها إذ أضاف ذلك إلى نفسه، ثم أخبر عن أدبها وأنها تمسك ~~على أربابها لا على أنفسها. وزعم أصحاب الصيد أن ليس في الجوارح شيء أجدر ~~أن يمسك على صاحبه ولا يمسك على نفسه من الكلب. ### || 395- [تأويل آية أصحاب الكهف] # قال الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: أم حسبت أن أصحاب الكهف ~~والرقيم كانوا من آياتنا عجبا. إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا: ربنا آتنا ~~من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا # «2» . فخبر كما ترى عن دعائهم وإخلاصهم، ثم قال جل وعز: فضربنا على ~~آذانهم في الكهف سنين عددا ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين ms0263 أحصى لما لبثوا ~~أمدا # «3» ، ثم قال عز وجل: نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم ~~وزدناهم هدى. وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا: ربنا رب السماوات والأرض ~~لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا # «4» ثم قال: فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم ~~مرفقا. وترى الشمس إذا طلعت تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ~~ذات الشمال # «5» ثم قال بعد هذه الصفة لحالهم، والتمكين لهم من قلوب السامعين، ~~والأعجوبة التي أتاهم بها: وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد # «6» ثم قال: لو اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا # «7» فخبر أنهم لم يستصحبوا من جميع من يألف الناس ويرتفقون به، ويسكنون ~~إليه، شيئا غير الكلب، فإن مما يألف الناس ويرتفقون به، ويسكنون إليه، شيئا ~~غير الكلب، فإن مما يألف الناس ويرتفقون به، ويسكنون إليه: الفرس والبعير ~~والحمار والبغل، والثور والشاة، والحمام والديكة، كل ذلك مما يرتفق به ~~ويستصحب في الأسفار، وينقل من بلد إلى بلد. # والناس يصطادون بغير الكلب، ويستمتعون بأمور كثيرة، فخبر عنهم بعد أن ~~جعلهم خيارا أبرارا، أنهم لم يختاروا استصحاب شيء سوى الكلب، وليس يكون ذلك ~~من الموفقين المعصومين المؤيدين، إلا بخاصة في الكلب لا تكون في غيره. # PageV02P351 # ثم أعاد ذكر الكلب، ونبأ عن حاله، بأن قال عز وجل: إذ يتنازعون بينهم ~~أمرهم فقالوا ابنوا عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم ~~لنتخذن عليهم مسجدا. سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ~~رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا ~~قليل. فلا تمار فيهم إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا # «1» وفي قولهم في الآية ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم ~~رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم # «2» دليل على أن الكلب رفيع الحال، نبيه الذكر، إذ جعل رابعهم، وعطف ذكره ~~على ذكرهم، واشتق ذكره من أصل ذكرهم، حتى كأنه واحد منهم، ومن أكفائهم أو ~~أشباههم أو مما يقاربهم. ms0264 ولولا ذلك لقال: سيقولون ثلاثة معهم كلب لهم. وبين ~~قول القائل معهم كلب لهم، وبين قوله رابعهم كلبهم # «3» - فرق بين وطريق واضح. # فإن قلتم: هذا كلام لم يحكه الله تعالى عن نفسه، وإنما حكاه عن غيره، ~~وحيث يقول: ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم # «4» وقد صدقتم، والصفة على ما ذكرتم؛ لأن الكلام لو كان منكرا لأنكره ~~الله تعالى، ولو كان معيبا لعابه الله، فإذ حكاه ولم يعبه، وجعله قرآنا ~~وعظمه بذلك المعنى، مما لا ينكر في العقل ولا في اللغة، كان الكلام إذا كان ~~على هذه الصفة مثله؛ إذ كان الله عز وجل المنزل له. ### || 396- [الاستطاعة قبل الفعل] # ومثل ذلك مثل بعض المخالفين في القدر، فإنه سأل بعض أصحابنا فقال: هل ~~تعرف في كتاب الله تعالى أنه يخبر عن الاستطاعة، أنها قبل الفعل؟ قال: نعم، ~~أتى كثير، من ذلك قوله تعالى قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من ~~مقامك وإني عليه لقوي أمين # «5» . قال المخالف: سألتك أن تخبرني عن الله، فأخبرتني عن عفريت لو كان ~~بين يدي لبزقت في وجهه! قال صاحبنا: أما سليمان النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~فقد ترك النكير عليه، ولو كان مثل هذا القول كفرا وافتراء على الله، ~~ومغالبة وتفويضا للمشيئة إلى النفس، لكان سليمان ومن حضره من المسلمين من ~~الجن والإنس أحق بالإنكار، بل لم يكن العفريت في هذا الموضع هو الذي يسرع ~~فيه # PageV02P352 # ويذكر الطاعة، ولا يتقرب فيه بذكر سرعة النفوذ، ويبشر فيه بأن معه من ~~القوة المجعولة ما يتهيأ لمثله قضاء حاجته، فيكذب ثم لا يرضى بالكذب حتى ~~يقول قولا مستنكرا، ويدعي قوة لا تجعل له، ثم يستقبل بالافتراء على الله ~~تعالى والاستبداد عليه، والاستغناء عنه- نبيا قد ملك الجن والإنس والرياح ~~والطير، وتسيير الجبال، ونطق كل شيء، ثم لا يزجره فضلا عن أن يضربه، ويسجنه ~~فضلا عن أن يقتله. # وبعد، فإن الله تبارك وتعالى لم يجعل ذلك القول قرآنا، ويترك التنبيه على ~~ما فيه من العيب، إلا والقول ms0265 كان صدقا مقبولا. وبعد، فإن هذا القول قد سمعه ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتلاه على الناس، وما زالوا يتلونه في ~~مجالسهم ومحاريبهم، أفما كان في جميع هؤلاء واحد يعرف معرفتك، أو يغضب لله ~~تعالى غضبك؟!. ### || 397- [دفاع عن الكلب] # قال صاحب الكلب: لو اعترضت جميع أهل البدو في جميع الآفاق من الأرض، أن ~~تصيب أهل خيمة واحدة، ليس عندهم كلب واحد فما فوق الواحد لما وجدته. وكذلك ~~كانوا في الجاهلية، وعلى ذلك هم في الإسلام. فمن رجع بالتخطئة على جميع ~~طوائف الأمم، والتأنيب والاعتراض على جميع اختيارات الناس، فليتهم رأيه؛ ~~فإن رأي الفرد ولا سيما الحسود، لا يفي برأي واحد، ولا يرى الاستشارة حظا ~~وكيف بأن يفي بجميع أهل البدو من العرب والعجم. والدليل على أن البدو قد ~~يكون في اللغة لهما جميعا قول الله عز وجل: وجاء بكم من البدو من بعد أن ~~نزغ الشيطان بيني وبين إخوتي # ولو ابتلي صاحب هذا القول بأن ينزل البادية، لتحول رأيه، واستبدل به رأي ~~من قد جرب تقريب الكلب وإبعاده. وقد قال أبو عباد النميري: لا يكون البنيان ~~قرية حتى ينبح فيه كلب، ويزقو فيه ديك. # ولما قال أحمد بن الخاركي: لا تصير القرية قرية حتى يصير فيها حائك ~~ومعلم، قال أبو عباد: يا مجنون إذا صارت إلى هذا فقد صارت مدينة. # وللكلب إثباته وجه صاحبه، ونظره في عينيه وفي وجهه، وحبه له، ودنوه منه، ~~حتى ربما لاعبه ولاعب صبيانه بالعض الذي لا يؤثر ولا يوجع، وهي الأضراس ~~التي لو نشبها في الصخر لنشبت، والأنياب التي لو أنحى بها على الحصى لرضها. # PageV02P353 # وقد تراه وما يصنع بالعظم المدمج، وبالفقرة من الصلب القاسي الذي ليس ~~بالنخر البالي، ولا بالحديث العهد بالودك الذي يلين معه بالمضغ ويطيب، ~~فتراه كيف يرضه ويفتته، ثم إن مانعه بعض الممانعة، ووافق منه بعض الجوع، ~~كيف يبتلعه وهو واثق باستمرائه وهضمه، أو بإذابته وحله. # وله ضروب من النغم، وأشكال من الأصوات، وله نوح وتطريب، ودعاء وخوار، ~~وهرير وعواء، ms0266 وبصبصة، وشيء يصنعه عند الفرح، وله صوت شبيه بالأنين إذا كان ~~يغشى الصيد، وله إذا لاعب أشكاله في غدوات الصيف شيء بين العواء والأنين. # وله وطء للحصى مثله بأن لو وطئ الحصى على أرض السطوح لا يكون مثله وطء ~~الكلب يربى على وزنه مرارا «1» . # وإذا مر على واد جامد ظاهر الماء، تنكب مواضع الخرير في أسفله. # قال الشاعر- ورأى رجلا اسمه وثاب واسم كلبه عمرو- فقال: [من مجزوء ~~الوافر] # ولو هيا له الله ... من التوفيق أسبابا «2» # لسمى نفسه عمرا ... وسمى الكلب وثابا ### || 398- [أطباء الكلبة والخنزيرة والفهدة] # قال: والكلبة كثيرة الأطباء، وكذلك الخنزيرة. وللفهدة أربعة أطباء من لدن ~~صدرها وقرب إبطيها إلى رفغيها «3» ، وللفيل حلمتان تصغران عن جثته. وهما ~~مما يلي الصدر مثل الإنسان، والذكر في ذلك يشبه بالرجل؛ لأن للرجل ثديين ~~صغيرين عن جثته. ### || 399- [واقية الكلاب] # ويقال: إن على الكلاب واقية من عبث السفهاء والصبيان بها. قال دريد بن ~~الصمة، حين ضرب امرأته بالسيف ولم يقتلها: [من الوافر] # أقر العين أن عصبت يداها ... وما إن يعصبان على خضاب «4» # PageV02P354 # فأبقاهن أن لهن جدا ... وواقية كواقية الكلاب «1» # وقال الآخر: [من المتقارب] # إن يقنا الله من شرها ... فإن الكلاب لها واقيه # ويروى: # سينجيه من شرها شره # وقال غيره: [من الكامل] # ولقد قتلتك بالهجاء فلم تمت ... إن الكلاب طويلة الأعمار «2» # وقال بشر بن المعتمر: [من السريع] # الناس دأبا في طلاب الثرا ... فكلهم من شأنه الختر «3» # كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر ### || 400- [استطراد لغوي] # قال: ويقال قزح الكلب ببوله يقزح قزحا، إذا بال. قال: وقال أبو الصقر: ~~يقزح ببوله حين يبول، وشغر الكلب يشغر إذا رفع رجله، بال أو لم يبل. ويقال ~~شغرت بالمرأة أشغرها شغرا إذا رفعت رجلها للنكاح، قال: ويقال عاظل الكلب ~~معاظلة، يعني السفاد، قال أبو الزحف: [من الرجز] # كمشية الكلب مشى للكلبة ... يبغي العظال مصحرا بالسوءة «4» # قال: ويقال كلب عاظل وكلاب عظل وعظالى. # وقال حسان بن ثابت الأنصاري: [من الطويل] # ولست بخير من يزيد وخالد ... ولست بخير من معاظلة الكلب «5» # قال مالك ms0267 بن عبد الله الجعدي، يوم فيف الريح «6» : حدثني أبي، لقد نظرت # PageV02P355 # يومئذ إلى بني عبد الحارث بن نمير، فما شبهتهم إلا بالكلاب المتعاظلة حول ~~اللواء. # وقال أبو براء عامر بن مالك ملاعب الأسنة- لاعبه الحارث واليوم قال فقال ~~«1» منذ يومئذ. # قال: والسلوقية منسوبة إلى سلوق من بلاد اليمن، لها سلاح جيد وكلاب فره. ~~وقال القطامي: [من الكامل] # معه ضوار من سلوق له ... طورا تعانده وتنفعه «2» ### || 401- [تعفير البهائم والسباع أولادها] # قالوا: وليس في الأرض بهيمة ولا سبع أنثى تريد فطام ولدها وإخراجه من ~~اللبن إلى اللحم، أو من اللبن إلى العشب، إن كانت بهيمة إلا وهي تعفر ~~ولدها. والتعفير: # أن ترضعه وتمنعه حتى يجوع ويطلب اللحم إن كان سبعا، والعشب إن كان بهيمة. # فلا تزال تنوله وتماطله وكلما مرت عليه الأيام كان وقت منعها له أطول، ~~حتى إذا قوي على أكل اللحم أو العشب فطمته. قال لبيد في مثل ذلك «3» : [من ~~الكامل] # أفتلك أم وحشية مسبوعة ... خذلت وهادية الصوار قوامها «4» # خنساء ضيعت الفرير فلم يرم ... عرض الشقائق طوفها وبغامها «5» # لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب لا يمن طعامها «6» # صادفن منها غرة فأصبنها ... إن المنايا لا تطيش سهامها # لأن البقرة إذا كانت بحضرة ولدها لم تضيعه ومنعت السباع منه، وقاتلت دونه ~~بقرونها أشد القتال، حتى تنجيه أو تعطب. # PageV02P356 ### || 402- [بعض من كني بالكلاب] # قال: وكان ابن لسان الحمرة «1» يكنى أبا كلاب. وكان زوج حبى المدنية يقال ~~له ابن أم كلاب، وقال الشاعر يذكرها: [من الطويل] # وما وجدت وجدي به أم واحد ... ولا وجد حبى بابن أم كلاب «2» # رأته طويل الساعدين شمردلا ... كما انبعثت من قوة وشباب ### || 403- [صفة عيون الكلاب] # وقال آخر يصف عيون الكلاب إذا أبصرت الصيد: [من الطويل] # مجزعة غضف كأن عيونها ... إذا آذن القناص بالصيد عضرس «3» # مجزعة: في أعناقها جزع، وهو الودع يجعل في القلائد. يقول: تبيض عيونها ~~حين تختل الصيد. والعضرس هاهنا: البرد. # وقال الآخر: [من الكامل] # خوص تراح إلى الصراخ إذا غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب «4» # وقال آخر وذكر الضراء، ms0268 وهو يصف الشيخ وضعفه: [من الوافر] # ومنها أن يقاد به بعير ... ذلول حين تهترش الكلاب # قال: وهم عند الحاجة يعدون الكلب والمطية، وأنشد: [من الطويل] # فأعقب خيرا كل أهوج مهرج ... وكل مفداة العلالة صلدم «5» # PageV02P357 # وقال الآخر: [من الرجز] # مفديات وملقبات # وأنشد قول أبي ذؤيب في شبيه بالمعنى الأول: [من الكامل] # شغف الكلاب الضاريات به ... فإذا يرى الصبح المصدق يفزع «1» # يقول: هذه الثيران لما قد لقين مع الصبح والإشراق من الكلاب، صار أحدها ~~حين يرى ساطع الصبح يفزع، وذلك أنها تمطر ليلتها فتشرق في الشمس، فعندها ~~ترسل عليها الكلاب. ### || 404- [تعرض الذئب للغنم مع الصبح] # ويقال إن أكثر ما يعرض الذئب للغنم مع الصبح، وإنما رقب فترة الكلب ~~وكلاله، لأنه بات ليلته دائبا يحرس. # وقال أعرابي وكسر ذئب شاة له مع الصبح، فقال: [من البسيط] # أودى بوردة أم الورد ذو عسل ... من الذئاب إذا ما راح أو بكرا «2» # لولا ابنها وسليلات لها غرر ... ما انفكت العين تذري دمعها دررا # كأنما الذئب إذ يعدو على غنمي ... في الصبح طالب وتر كان فاتأرا «3» # اعتامها اعتامه شثن براثنه ... من الضواري اللواتي تقصم القصرا «4» ### || 405- [مسألة زيد الخليل للرسول الكريم] # ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام لزيد الخيل من الخير ما قال. وسماه ~~زيد الخير، ما سأله زيد شيئا، ولا ذكر له حاجة، إلا أنه قال: يا رسول الله، ~~فينا رجلان يقال لأحدهما ذريح، والآخر يكنى أبا دجانة، ولهما أكلب خمسة ~~تصيد الظباء، فما # PageV02P358 # ترى في صيدهم؟ فأنزل الله عز وجل: يسئلونك ماذا أحل لهم قل أحل لكم ~~الطيبات وما علمتم من الجوارح مكلبين تعلمونهن مما علمكم الله فكلوا مما ~~أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه # «1» . # فأول شيء يعظم في عينك شأن الكلب، أن هذا الوافد الكريم الذي قيل له ما ~~قيل، وسمي بما لم يسم به أحد- لم يسأل إلا عن شأن الكلب. # وثانية وهي أعظمها: أن الله تعالى أنزل فيه عند ذلك آيا محكما فقال: أحل ~~لكم الطيبات # فسمى صيدها طيبا، ثم قال: وما علمتم من ms0269 الجوارح مكلبين # مخبرا عن قبولها للتعليم والتأديب. ثم قال: مما علمكم الله # ولولا أن ذلك الباب من التعليم والعلم مرضي عند الله عز وجل، لما أضافه ~~إلى نفسه. ثم قال: # فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه # فأول شيء يعظم به في عينك إمساكه عليك. وهكذا يقول أصحاب الصيد، إن كل ~~صائد فإنما يمسك على نفسه إلا الكلب فإنه يمسك على صاحبه. # ولو كان الجواب لزيد الخيل سنة من سنن النبي صلى الله عليه وسلم لكان في ~~ذلك الرفعة، فكيف والكتاب فوق السنة. # وقد روى هشام أن ابن عباس سمى كلاب ذريح هذه وكلاب أبي دجانة فقال: # المختلس، وغلاب، والقنيص، وسلهب، وسرحان، والمتعاطس «2» . ### || 406- [دواء الذبحة والخانوق] # وزعم الأطباء أن من أجود أدوية الذبحة والخانوق أن ينفح في حلق من كان ~~ذلك به، ما جف من رجيع الكلاب. وأجود ذلك أن يكون يتغرغر به وربما طلوه على ~~جلد المحموم الحديد الحمى. ### || [رجيع الكلاب] # وأجود رجيع الكلاب أن يشتد بياضه. وليس يعتريه البياض إلا عن أكل الطعام، ~~وذلك رديء للقانص منها. # والجعور قد تبيض إذا كان قوت صاحبها اللبن، ولذلك قال أبو كلاب- وهو ابن ~~لسان الحمرة- ومر به رجل من بني أسد فقال: قد علمت العرب يا معشر بني أسد ~~أنكم أشدها بياض جعور، فعكف عليه فضربه بالسيف حتى برد. # PageV02P359 # وذلك أنه عيره بأنهم لا يعرفون البقل، ولا يعرفون إلا اللبن. وقال الشاعر ~~يهجو ناسا منهم: [من الطويل] # عراجلة بيض الجعور كأنهم ... بمنعرج الغيطان شهب العناكب «1» # والعرب تقول: اللحم أقل الطعام بخرا. ### || 407- [دفاع عن الكلب] # وقال صاحب الكلب: وما للديك وللكلاب، والكلاب ينزل فيها القرآن ويحدث ~~فيها السنن، ويشتق من أسمائها للناس وللأسد، ولها أسماء معروفة وأعراق ~~منسوبة، وبلدان مشهورة، وألقاب وسمات، ومناقب ومقامات!! وما للديك إلا ما ~~تقول العوام: إنه إذا كان في الدار ديك أبيض أفرق «2» لم يدخله شيطان. وليس ~~يقوم خير ذلك، ولو كان ذلك حقا، بشؤمه؛ لأن العوام تقضي على من كان في داره ~~ديك أبيض أفرق بالزندقة. ms0270 # والذين يقولون إن الدار إذا كان فيها ديك أفرق لم يدخلها شيطان، هم الذين ~~يقولون من أكل لحم سنور أسود لم يضره سحر «3» ، وإذا دخنت الدار بالدخنة ~~«4» التي سموها بدخنة مريم، أو باللبان، لم يكن عليها لعمار الدار سبيل، ~~فإن مرت ساحرة تطير سقطت. وهم الذين لا يشكون أن من نام بين البابين تخبطه ~~العمار وخبلته الجن. ### || 408- [ما يقال له: جرو] # قال: ويقال لولد الكلب والذئب والسنور أشباه ذلك: جرو. ويقال للصغير من ~~الحنظل على مثل ذلك: جرو. وقال النمر بن تولب: [من الطويل] # بجرو يلقى في سقاء كأنه ... من الحنظل العامي جرو مفلق «5» ### || 409- [من قول صاحب الكلب] # ومما زاد في ذكر الكلب قول السيد بن محمد في شأن عائشة في الحديث # PageV02P360 # الذي رووه «1» - وكان السيد رافضيا غاليا، وليس في ذكره شرف، ولكنه أجمع ~~للفن-: [من الكامل] # تهوي من البلد الحرام فنبهت ... بعد الهدو كلاب أهل الحوءب «2» # قال: ويقال صرفت الكلبة صرافا وصروفا، وظلعت تظلع ظلوعا ### || 410- [قولهم: لا أفعل حتى ينام ظالع الكلاب] # قال: ومن الأمثال في ذلك: «لا أفعل حتى ينام ظالع الكلاب» «3» . قال ~~الأصمعي: هذا باطل، إنما ذلك إذا أصاب الكلب ما يظلع منه لم يطق سفاد ~~الكلبة حتى تهدأ الرجل، وحتى تمل الكلاب النباح وتفترق، وتحتاج إلى النوم ~~لطول التعب، وإذا كان في ذلك الوقت يلتمس الظالع ورام سفاد الكلبة، لم يعرف ~~ظلعه إلا الكلبة. وأنشد فقال «4» : [من الطويل] # تسديتها من بعد ما نام ظالع ال ... كلاب وأخبى ناره كل موقد # وأنشد غيره لجران العود: [من الطويل] # وكان فؤادي قد صحا ثم هاجه ... حمائم ورق بالمدائن هتف «5» # كأن الهديل الظالع الرجل وسطها ... من البغي شريب يغرد مترف ### || 411- [ما قيل من الشعر في إشلاء الكلب على الضيوف] # وقالوا أبياتا في غير هذا الباب، قال الأعرابي: [من الطويل] # نزلنا بعباد فأشلى كلابه ... علينا فكدنا بين بابيه نؤكل «6» # فقلت لأصحابي أسر إليهم ... أذا اليوم أو يوم القيامة أطول # PageV02P361 # وقال آخر: [من الكامل] # أعددت للضيفان كلبا ضاريا ... عندي وفضل هراوة من ms0271 أرزن «1» # وقال في خلاف ذلك مالك بن حريم الهمداني: [من الطويل] # وواحدة إلا أبيت بغرة ... إذا ما سوام الحي بات مصرعا «2» # وثانية ألا تفزع جارتي ... إذا كان جار القوم فيهم مفزعا # وثالثة ألا أصمت كلبنا ... إذا نزل الأضياف حرصا لتوزعا ### || 412- [استطراد لغوي] # قال: ويقال لحز الكلب الإناء، فهو يلحزه لحزا، ولحسه فهو يلحسه لحسا. # قال أبو يزيد: وذلك إذا لحس الإناء من باطنه. والقرو: ميلغة الكلب، فإذا ~~كان للكلب فإنما هو من أسفل كوز أو ما أشبه ذلك، وإلا فالقرو أسفل نخلة ~~ينجر ويقوب وينتبذ فيه. # وقال الأعشى: [من السريع] # أرمي بها البيد إذا أعرضت ... وأنت بين القرو والعاصر «3» # في مجدل شيد بنيانه ... يزل عنه ظفر الطائر «4» ### || 413- [أحجية في الكلب] # ومما يحاجي به الناس بعضهم بعضا أن يقولوا: أتعرفون شيئا إذا قام كان ~~أقصر منه إذا قعد؟ يريدون الكلب، لأن الكلب قعوده إقعاؤه، وهو إذا أقعى كان ~~أرفع لسمكه، وأرفع في الهواء طولا منه إذا قام. وقال عمر بن لجأ: [من ~~الرجز] # عليه حنوا قتب مستقدم ... مقع كإقعاء الكليب المعصم «5» # PageV02P362 # ويقال أقعى الكلب إقعاء، ولا يقال قعد ولا جلس، وفي الحديث: «أنه نهى أن ~~يقعي أحدهم في الصلاة إقعاء الكلب» «1» . ### || 414- [معرفة سن الكلب] # قال صاحب الكلب: يعرف فتاء الكلب وهرمه بالأسنان، فإذا كانت سوداء كانت ~~دليلا على كبره، وإذا كانت بيضا حادة دلت على الفتاء والحداثة. وقال: أسنان ~~الذكر أكثر. ### || 415- [أصناف الحيوان المشقوفة الأفواه] # وأصناف الحيوان المشقوقة الأفواه كالكلب والأسد والفهد موصوفات بشدة ~~المماضيغ والفك والخراطيم. كالكلب والخنزير والذئب، فأشبه الكلب الأسد في ~~شحو الفم واتساعه، وعلى أن شحو فمه على مقدار جسمه، وأشبه الذئب والخنزير ~~في طول الخطم وامتداد الخرطوم، ولذلك كان شديد القلب، جيد الاسترواح. فجمع ~~الكلب دون هذه الأصناف ما يصلح للرض والحطم، كما جمع ما يصلح للابتلاع ~~والالتهام والحطم والاستمراء. ### || 416- [بعض ما قيل في الأسد] # والأسد حريص واسع الشحو، فهو يبتلع البضعة التي لو رآها الإنسان لم يظن ~~أن حلقه يتسع لمرور ذلك. ويقال إن عنقه ms0272 عظم واحد واللقم لا تجول فيه، وهو ~~في ذلك قليل الريق، فلا يسلس في حلقه ما يمر فيه، بل يبتلع لفرط نهمه وشحو ~~لحييه ضعفي ذلك المقدار. # وقد زعم ناس أن الذي يدل على أن عنق السبع عظم واحد، ضعفه عن تصريفه ~~عنقه، فلا يلتفت إلا معا، فيسمى الأصيد. ### || 417- [أسنان الذئب والأفاعي] # وقال جران العود في الذئب: [من البسيط] # شد المماضغ منه كل ملتفت ... وفي الذراعين والخرطوم تسهيل «2» # PageV02P363 # وقالوا في أسنان الذئب وفي أسنان بعض الحيات بأنها ممطولة «1» في الفكين، ~~يذهب إلى أنه عظم مخلوق في الفك، وأنه لا يثغر. وأنشدوا: [من السريع] # مطلن في اللحيين مطلأ إلى ... رأس وأشداق رحيبات # والحيات توصف بسعة الأشداق، والأفاعي خاصة هي المنعوتة بذلك. # وقال الشاعر- وهو جاهلي-: [من الكامل] # خلقت لهازمه عزين ورأسه ... كالقرص فلطح من طحين شعير «2» # ويدير عينا للوقاع كأنها ... سمراء طاحت من نفيض برير «3» # وكأن شدقيه إذا استعرضته ... شدقا عجوز مضمضت لطهور ### || 418- [مما أشبه فيه الكلب الإنسان والأسد] # ومما أشبه فيه الكلب الإنسان والأسد، أن كل واحد من هذه الأجناس إنما له ~~بطن واحد، وبعد البطن المعى، إلا أن بعض بطنها أعظم من بعض، ويناسبها في ~~الذي ذكرنا الذئب والدب، فما أكثر ما يناسبان الكلب، فلذلك صارا يتناكحان ~~ويتلاقحان. وهذا قول صاحب المنطق. قال: وأمعاء الكلب أشبه شيء بأمعاء ~~الحية، وهذا أيضا مما يزيد في قدره، لأنه إما أن يشبه الإنسان، وإما أن ~~يشبه رؤساء السباع ودواهي الحشرات، وكلما كانت هذه المعاني فيه أكثر كان ~~قدره أكبر. ### || 419- [ما يحلم من الحيوان و ما يحتلم] # قال: والكلب يحلم ويحتلم، وكذلك الفرس والحمار، والصبي يحلم ولا يحتلم، ~~والثور في هذا كله كالصبي. ويعرف ذلك في الكلب إذا تفزع وأنعظ. # وزعم أن الاحتلام قد عوين من الفرس والبرذون والحمار. ### || 420- [بعض الأمور التناسلية لدى الحيوان] # قالوا: وليس العظال والتحام الفرجين إلا في الكلب والذئاب، ومن أراد أن ~~يفرق بين الكلاب إذا تعاظلت وتسافدت رام أمرا عسيرا. # PageV02P364 # قالوا: والحيوان الذي يطاول عند السفاد معروف، مثل الكلب ms0273 والذئب ~~والعنكبوت والجمل، وإن لم يكن هناك التحام. وإذا أراد العنكبوت السفاد جلبت ~~الأنثى بعض خيوط نسجها من الوسط، فإذا فعلت ذلك فعل الذكر مثل ذلك، فلا ~~يزالان يتدانيان حتى يتشابكا فيصير بطن الذكر قبالة بطن الأنثى. وذلك شبيه ~~بعادات الضفادع. ### || 421- [تلاحم الذئب والذئبة عند السفاد] # وقال أبو الحسن عن بعض الأعراب، قال «1» : إذا هجم الرجل على الذئب ~~والذئبة وهما يتسافدان، وقد التحم الفرجان، قتلهما ذلك الهاجم عليهما كيف ~~شاء، لأنهما قليلا ما يوجدان كذلك، لأن الذئب وحشي جدا وشهي «2» جدا، صاحب ~~قفرة «3» وخلوة، وانفراد وتباعد، وإذا أراد الذئبة توخى موضعا من القفار لا ~~يطؤه الأنيس، خوفا على نفسه، وضنا بالذي يجد في المطاولة من اللذة. ### || [حديث أحمد بن المثنى] # وحدثني أحمد بن المثنى قال: خرجت إلى صحراء خوخ لجناية جنيتها وخفت ~~الطلب، وأنا شاب، إذ عرض لي ذئب فكنت كلما درت من شق استدار بي، فإذا درت ~~له دار من خلفي، وأنا وسط برية لا أجد معينا إلا بشيء أسند إليه ظهري، ~~وأصابني الدوار، وأيقنت بالهلكة. فبينا أنا كذلك وقد أصابني ما أصابني- ~~وذلك هو الذي أراده الذئب وقدره- إذا ذئبة قد عرضت، وكان من الصنع وتأخير ~~الأجل أن ذلك كان في زمن اهتياجها وتسافدها، فلما عاينها تركني وقصد نحوها، ~~فما تلعثم «4» أن ركبها. وقد كنت قرأت في بعض الكتب أنها تلتحم، ففوقت سهمي ~~وهما ينظران إلي، فلما لم أر عندهما نكيرا حقق ذلك عندي ما كان في الكتاب ~~من تلاحمهما، فمشيت إليهما بسيفي حتى قتلتهما. ### || 422- [ لقاح الكلاب والخنازير] # قال: ومما يعد للكلاب أنها كثيرا ما تلقح وتلقح لحال الدفء أو الخصب، ~~والكلب والخنزير في ذلك سواء، ولا يكاد غيرهما من الأصناف يتلاقح في ذلك ~~الزمان. فالكلب كما ترى ينازع أيضا مواضع الإساءة والمحاسن في جميع ~~الحيوان. # PageV02P365 ### || 423- [أسوأ ما يكون الحيوان خلقا] # قال: وإناث الكلاب تصعب أخلاقها إذا كان لها جراء. وكل شيء له بيض أو ~~جراء أو فراخ فأسوأ ما يكون خلقا وأنزق وأكثر ما يكون أذى وأعرم- إذا كان ~~كذلك، ms0274 إلا إناث البقر. # والكلب كلما كان أسن كان صوته أجهر وأغلظ. ### || 424- [تناسل الكلاب] # قال: والكلب ينزو إذا تمت له ستة أشهر، وربما كان ذلك منه وهو ابن ثمانية ~~أشهر. والكلبة الأنثى تحمل واحدا وستين يوما، أطول ما يكون، ولا تضع قبل أن ~~يتم لحملها ستون يوما، ولا يبقى الجرو ولا يثربى إذا قصر عن ذلك، والأنثى ~~تصلح أن ينزى عليها بعد ستة أشهر ### || 425- [ولد البكر من الحيوان و الإنسان] # والكلبة والحجر «1» والمرأة وغير ذلك، يكون أول نتاجها أصغر جثة، وكذلك ~~البيض إذا كان بكرا، وكذلك ما يخرج منه من فروج أو فرخ. ### || 426- [بقية القول في تناسل الكلاب] # وذكور الكلاب تهيج قبل الإناث في السن، والإناث تهيج قبلها في وقت ~~حركتها، وكلما تأخر وقت الحدث إلى تمام الشباب كان أقوى لولده. # والكلاب لا تريد السفاد عمرها كله، بل إلى وقت معلوم. # وهي تلقح إلى أن تبلغ ثماني عشرة سنة، وربما انتدرت الكلبة فبلغت ~~العشرين. # والكلاب أجناس كثيرة: الكلب السلوقي يسفد إذا كان ابن ثمانية أشهر، ~~والأنثى تطلب ذلك قبل الثمانية، وذلك عند شغور الذكر ببوله. والكلبة تحمل ~~من نزو واحد. وقد عرف ذلك الذين عرفوا الكلاب وحضروا ليعرفوا ذلك. قال: ~~والكلبة السلوقية تحمل سدس السنة ستين يوما، وربما زادت على ذلك يوما أو ~~يومين. # والجرو إذا وضع يكون أعمى اثني عشر يوما ثم يبصر، والكلبة تسفد بعد وضعها ~~في الشهر الثاني، ولا تسفد قبل ذلك. # PageV02P366 # ومن إناث الكلاب ما تحمل خمس السنة، يعني اثنين وسبعين يوما، وإذا وضعت ~~الجراء تكون عمياء اثنين وعشرين يوما. # ومن أصناف الكلاب ما يحمل ربع السنة، أعني ثلاثة أشهر، وتضع جراء وتبقى ~~كذلك سبعة عشر يوما، ثم ترضع جراءها على عدد أيامها التي لا تبصر فيها. # وزعم أن إناث الكلاب تحيض في كل سبعة أيام «1» ، وعلامة ذلك ورم أثفارها، ~~ولا تقبل السفاد في ذلك الوقت، بل في السبعة التي بعدها ليكون ذلك تمام ~~أربعة عشر يوما أكثر ما يكون، وربما كان كذلك لتمام ستة عشر يوما. ms0275 # قالوا: وإناث الكلاب تلقي بعد وضع الجراء رطوبة غليظة بلغمية، وإذا ~~وضعتها بعد الجراء اعتراها هزال، وكذلك عامة الإناث. ولبنها يظهر في ~~أطبائها قبل أن تضع بخمسة أيام أكثر ذلك. وربما كثر اللبن في أطبائها قبل ~~ذلك بسبعة أيام، وربما كان ذلك في مقدار أربعة أيام. ولبنها يظهر ويجود إذا ~~وضعت من ساعتها. قال: فأما السلوقية فيظهر لبنها بعد حملها بثلاثين يوما، ~~ويكون لبنها أول ما تضع غليظا، فإذا أزمن رق ودق. ولبن الكلاب يخالف لبن ~~سائر الحيوان بالغلظ، بعد لبن الخنازير والأرانب. # وقد تكون علامة مبلغ سفادها مثل ما يعرض للنساء من ارتفاع الثديين. # ومعرفة ذلك عسيرة، وهذه علامات تظهر لأناث الكلاب. وذكورة الكلاب ترفع ~~أرجلها وتبول لتمام ستة أشهر، ومنها ما لا يفعل ذلك إلى أن يبلغ ثمانية ~~أشهر، ومنها ما يعجل قبل ذلك. قال: ونقول بقول عام إن الذكور تفعل ذلك إذا ~~قويت، فأما الإناث فهي تبول مقعية، ومنها ما تشغر. # وأكثر ما تضع الكلبة اثنا عشر جروا، وذلك في الفرط، وأكثر ذلك الخمسة ~~والستة، وربما وضعت واحدا «2» . فأما إناث السلوقية فهي تضع ثمانية أجراء، ~~وإناثها وذكورها تسفد ما بقيت، ويعرض للكلاب السلوقية عرض خاص: وهي أنها ~~كلما بقيت كانت أقوى على السفاد. ### || 427- [أعمار الكلاب] # وذكورة السلوقية تعيش عشر سنين، والإناث تعيش اثنتي عشرة سنة، وأكثر ~~أجناس الكلاب تعيش أربع عشرة سنة. وبعض الأجناس تبقى عشرين سنة «3» . # PageV02P367 # قال: وإناث الكلاب أطول أعمارا من الذكور، وكذلك هي في الجملة، وليس يلقي ~~الكلب من أسنانه سنا ما خلا النابين، وإنما يلقيهما إذا كان ابن أربعة ~~أشهر. # قال: ومن أجل أن الكلاب لا تلقي غير هذين النابين يشك بعض الناس أنها لا ~~تلقى سنا البتة. ### || 428- [أمراض الكلاب] # قال «1» : وللكلاب ثلاثة أصناف من المرض، وأسماؤها: الكلب بفتح اللام، ~~والذبحة، والنقرس. والكلب جنون، فإن عرض لشيء من الحيوان كلب أ ال يضا أماته، ~~ما خلا الإنسان. وهو داء يقتل الكلاب، وتقتل به الكلاب كل شيء عضته، إلا ~~الإنسان فإنه يعالج فيسلم. ### || [أدواء ms0276 بعض الحيوان] # قال: وداء الكلب يعرض للحمار، فأما الجنون وذهاب العقل فإنه يصيب كل شيء، ~~فمن ذلك ما يصيب الدواب، فإن منها ما يصرع كما يصرع المجنون. # والسائس من الدواب: الذاهب العقل. ### || 429- [صرع أعين الطبيب] # وقد كان شأن أعين الطبيب عجبا، وذلك أنه كان يصرع، واتفق أنه كان له بغل ~~يصرع، فكان ربما اتفق أن يصرعا جميعا «2» ! وقد رأى ذلك كثير من أصحابنا ~~البصريين. ### || 430- [الصرع عند الحيوان] # والصرع عام في الحيوان، ليس يسلم منه صنف منها حتى لا يعرض له منه شىء. ~~والإنسان فوق جميع الحيوان تعذيبا، وكذلك هو في العقل والمعرفة والاحتيال ~~له، مع دفع المضرة واجتلاب المنفعة، وما أكثر ما يعتريهم ذلك. ومن ذلك ما ~~يذهب، ومن ذلك ما لا يذهب. ### || 431- [بعض من عرض لهم الصرع من الفضلاء] # وقد كان بختيشوع المتطبب عرض له ذلك، وقد كان عرض لعبد الملك بن قريب ~~فذهب عنه. وربما عرض للرجل الذي لا يظن به ذلك في بيان ولا تبيين، ولا # PageV02P368 # في أدب، ولا في اعتدال من الأخلاط، والصحة من المزاج، ثم لا يعرض من ذلك ~~إلا ما لا حيلة له فيه، كما كان يعرض لبشر بن أبي عمرو بن العلاء النحوي ~~المازني وكما عرض لعبد الرحمن ومنصور الأسديين، فما زالا كذلك حتى ماتا، ~~ولم يبلغنا أنهما صرعا. ### || 432- [الموتة] # والموتة «1» جنس من الصرع، إلا أن صاحبه إذا أفاق عاد إلى كمال عقله ~~كالنائم والسكران والمغشي عليه، وإن عاش صاحب #الموتة # في ذلك مائة عام. # وليس يلقى شيء من الحيوان في هذا الباب كما يلقى الورشان. ### || 433- [اختلاف درجات السكر لدى الحيوان كتباينها لدي الإنسان] # وأما السكر فليس شيء من الحيوان إلا وهو يسكر، واختلاف سكره كاختلاف سكر ~~الإنسان، فإن من الناس من تراه يتحدث وهو يشرب فلا تنكر منه شيئا، حتى يغلب ~~عليه نوم السكر ضربة واحدة، ومنهم من تراه والنبيذ يأخذ منه الأول فالأول، ~~وتراه كيف تثقل حركته، ويغلظ حسه ويتمحق، حتى يطيش عليه السكر بالعبث، ~~ويطبق عليه النوم. ومنهم من يأخذه ms0277 بالعبث لا يعدوه. ومنهم من لا يرضى بدون ~~السيف، وإلا بأن يضرب أمه ويطلق امرأته. ومنهم من يعتريه البكاء، ومنهم من ~~يعتريه الضحك، ومنهم من يعتريه الملق والتفدية، والتسليم على المجالس، ~~والتقبيل لرؤوس الناس، ومنهم من يرقص ويثب، ويكون ذلك على ضربين: أحدهما من ~~العرض «2» وفضل الأشر «3» ، والآخر تحريك المرارة، وهي علة الفساد وهيجان ~~الآفة. # وكل هذه الحالات والصور، والعنوت، والأجناس، والتوليد، الذي يختلف في ~~طبائع الناس، وطبائع الأشربة؛ وطبائع البلدان والأزمان والأسنان، وعلى قدر ~~الأعراق والأخلاق، وعلى قدر القلة والكثرة، وعلى قدر التصريف والتوفيق، قد ~~وجدوه في جميع أصناف الناس والحيوان، إلا أن في الناس واحدة لم توجد في ~~سائر الحيوان قط، فإن في الناس من لا يسكر البتة، كان [منهم] محمد بن الجهم ~~وأبو عبد الله العمي. # PageV02P369 # وكان بين عقل زبيد بن حميد إذا شرب عشرة أرطال، وبين عقله إذا ابتدأ ~~الشرب، مقدار صالح. ### || 434- [سكر العمي] # وإما العمي فإن بني عبد الملك الزياديين دعوني مرة ليعجبوني منه، ولم ~~ينبهوني على هذه الخاصة التي فيه، لأكون أنا الذي أنتبه عليه، فدخلت على ~~رجل ضخم فدم «1» غليظ اللسان، غليظ المعاني، عليه من الكلام أشل المؤنة، ~~وفي معانيه اختلاف، ليس منها شيء يواتي صاحبه ولا يعاونه ولا يشاركه ولا ~~يناسبه، وحتى ترى أن أذنه في شق ولسانه في شق، وحتى تظن أن كلامه كلام ~~محموم أو مجنون، وأن كل واحد منهما يقطع نظام المعاني، ويخلط بين الأسافل ~~والأعالي. فشرب القوم شرب الهيم «2» ، وكانت لهم أجساد مدبرة، وأجواف ~~منكرة، وكنت كأني رجل من النظارة. فما زال العمي يشرب رطلا، ويرق لسانه، ~~وينحل عقده «3» ، ويصفو ذهنه، ويذهب كدره. ولو قلت إني لم أر مثله حسن نفس ~~كنت صادقا. فالتفت إلي القوم أجمعهم فقالوا: لولا هذا العجب ما عجبناك ~~اليوم مع حداثة عهدنا بك. # وزعم العمي وكان كثير المنازعة عند القضاة، أنه كان إذا قارب العشرة ~~الأرطال ثم نازع الخصوم، كان ذلك اليوم الذي يفوت فيه ذرع الخصوم «4» للحن ~~بحجته «5» ، ويستميل فيه رأي القاضي ms0278 المنعقد في مجلسه الطويل، القطوب في ~~وجه من نازع إليه. # وقال الشاعر: [من الطويل] # وجدت أقل الناس عقلا إذا انتشى ... أقلهم عقلا إذا كان صاحيا «6» # تزيد حسى الكاس السفيه سفاهة ... وتترك أخلاق الرجال كما هيا «7» # قال: وهذا شعر بعض المولدين، والأعاريب لا تخطئ هذا الخطأ؛ قد رأينا أسفه ~~الناس صاحيا أحلم الناس سكران؛ وهو مرداس صاحب زهير، ورأينا أحسن # PageV02P370 # الناس خلقا وأوزنهم حلما، حتى إذا صار في رأسه رطل كان أخف من فراشة «1» ~~، وأكثر نزوا من جرادة رمضة «2» ، فإن المثل بها يضرب. ### || 435- [سبب ما له عرف المعتزلة سكر البهائم] # وكان سبب ما له عرف أصحابنا سكر البهائم. أن محمد بن علي بن سليمان ~~الهاشمي لما شرب على علويه كلب المطبخ، وعلى الدهمان، وعلى شراب البصريين، ~~وعلى كل من نزع إليه من الأقطار، وتحداه من الشراب الجواد من الشراب، أحب ~~أن يشرب على الإبل من البخاتي والعراب، ثم على الظلف من الجواميس والبقر، ~~ثم على الخيل العتاق والبراذين، فلما فرغ من كل عظيم الجثة واسع الجفرة «3» ~~. صار إلى الشاء والظباء، ثم صار إلى النسور والكلب وإلى ابن عرس، وحتى ~~أتاهم حاو فأرغبوه، فكان يحتال لأفواه الحيات حتى يصب في حاق «4» أجوافها ~~بالأقماع المدنية، وبالمساعط، ويتخذ لكل شيء شكله، وكان ملكا تواتيه ~~الأمور، وتطيعه الرجال، فأبصروا تلك الاختلافات في هذه الأجناس المختلفة. ### || 436- [نعت النظام] # فخبرني أبو إسحاق إبراهيم النظام، وقد كان جالسه حينا- وكان إبراهيم ~~مأمون اللسان، قليل الزلل والزيغ في باب الصدق والكذب. ولم أزعم أنه قليل ~~الزيغ والزلل على أن ذلك قد كان يكون منه وإن كان قليلا، بل إنما قلت على ~~مثل قولك: فلان قليل الحياء، وأنت لست تريد هناك حياء البتة، وذلك أنهم ~~ربما وضعوا القليل في موضع ليس. وإنما كان عيبه الذي لا يفارقه سوء ظنه، ~~وجودة قياسه على العارض والخاطر والسابق الذي لا يوثق بمثله. فلو كان بدل ~~تصحيحه القياس التمس تصحيح الأصل الذي كان قاس عليه أمره على الخلاص، ولكنه ~~كان يظن ثم يقيس عليه وينسى ms0279 أن بدء أمره كان ظنا فإذا أتقن ذلك وأيقن، جزم ~~عليه، وحكاه عن صاحبه حكاية المستبصر في صحة معناه. ولكنه كان لا يقول ~~سمعت، ولا رأيت. وكان كلامه إذا خرج مخرج الشهادة القاطعة لم يشك السامع ~~أنه إنما حكى ذلك عن سماع قد امتحنه، أو عن معاينة قد بهرته. # PageV02P371 ### || 437- [حديث النظام في تجربة إسكار البهائم و السباع] # فحدثني إبراهيم قال: شهدت أكثر هذه التجرية التي كانت منهم في إسكار ~~البهائم وأصناف السباع، ولقد احتال لأسد مقلم الأظفار ينادى عليه: العجب ~~العجب!! حتى سقاه وعرف مقداره في الاحتمال، فزعم، أنه لم يجد في جميع ~~الحيوان أملح سكرا من الظبي. ولولا أنه من الترفه لكنت لا يزال عندي الظبي ~~حتى أسكره وأرى طرائف ما يكون منه. ### || 438- [القول في سرعة التعلم والجرأة عند بعض الحيوان] # قال: وإناث الكلاب السلوقية أسرع تعلما من الذكورة. # قال: وجميع أصناف السباع ذكورتها أجرأ وأمضى وأقوى، إلا الفهدة والذيبة. # والعامة تزعم أن اللبؤة أجرأ من الأسد، وليس ذلك بشيء، وهو أنزق وأحد، ~~وأفرق من الهجهجة «1» ، وأبعد من التصميم وشدة الصولة. ### || 439- [بين عروة بن مرثد وكلب حسبه لصا] # قال بشر بن سعيد «2» : كان بالبصرة شيخ من بني نهشل يقال له عروة بن ~~مرثد، نزل ببني أخت له في سكة بني مازن، وبنو أخته من قريش، فخرج رجالهم ~~إلى ضياعهم وذلك في شهر رمضان، وبقيت النساء يصلين في مسجدهم، فلم يبق في ~~الدار إلا كلب يعس، فرأى بيتا فدخل وانصفق الباب، فسمع الحركة بعض الإماء ~~فظنوا أن لصا دخل الدار فذهبت إحداهن إلى أبي الأعز، وليس في الحي رجل ~~غيره، فأخبرته فقال أبو الأعز: ما يبتغي اللص منا؟! ثم أخذ عصاه وجاء حتى ~~وقف على باب البيت فقال: إيه يا ملأمان «3» ! أما والله إنك بي لعارف، وإني ~~بك أيضا لعارف، فهل أنت إلا من لصوص بني مازن، شربت حامضا خبيثا، حتى إذا ~~دارت الأقداح في رأسك منتك نفسك الأماني، وقلت دور بني عمرو، والرجال خلوف، ~~والنساء يصلين في مسجدهن، فأسرقهن! ms0280 سوءة والله، ما يفعل هذا الأحرار! لبئس ~~والله ما منتك نفسك! فاخرج وإلا دخلت عليك فصرمتك مني العقوبة! لايم الله ~~لتخرجن أو لأهتفن هتفة مشؤومة عليك، يلتقي فيها الحيان: عمرو وحنظلة، ويصير ~~أمرك إلى # PageV02P372 # تباب، ويجيء سعد بعدد الحصى، ويسيل عليك الرجال من هاهنا وهاهنا!! ولئن ~~فعلت لتكونن أشأم مولود في بني تميم!! فلما رأى أنه لا يجيبه أخذه باللين ~~وقال: # اخرج يا بني وأنت مستور، إني والله ما أراك تعرفني، ولو عرفتني لقد قنعت ~~بقولي واطمأننت إلي، أنا عروة بن مرثد أبو الأعز المرثدي، وأنا خال القوم ~~وجلدة ما بين أعينهم لا يعصونني في أمر، وأنا لك بالذمة كفيل خفير، أصيرك ~~بين شحمة أذني وعاتقي لا تضار، فاخرج فأنت في ذمتي، وإلا فإن عندي قوصرتين ~~«1» إحداهما إلى ابن أختي البار الوصول. فخذ إحداهما فانتبذها حلالا من ~~الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. # وكان الكلب إذا سمع الكلام أطرق، وإذا سكت وثب يريغ المخرج، فتهافت ~~الأعرابي، أي تساقط «2» ، ثم قال: يا ألأم الناس وأوضعهم، ألا يأني لك أنا ~~منذ الليلة في واد وأنت في آخر، إذا قلت لك السوداء والبيضاء تسكت وتطرق، ~~فإذا سكت عنك تريغ المخرج؟! والله لتخرجن بالعفو عنك أو لألجن عليك البيت ~~بالعقوبة! فلما طال وقوفه جاءت جارية من إماء الحي فقالت: أعرابي مجنون!! ~~والله ما أرى في البيت شيئا!! ودفعت الباب فخرج الكلب شدا، وحاد عنه أبو ~~الأعز مستلقيا، وقال: # الحمد لله الذي مسخك كلبا، وكفاني منك حربا!! ثم قال: تالله ما رأيت ~~كالليلة، ما أراه إلا كلبا!! أما والله لو علمت بحاله لو لجت عليه. ### || 440- [ بعض خصال الديك] # قال صاحب الديك: في الديك الشجاعة، وفي الديك الصبر عند اللقاء، وهم لا ~~يجدون الصبر تحت السياط والعصا، إلا أن يكون ذلك موصولا بالصبر في الحرب ~~على وقع السلاح. # وفي الديك الجولان، وهو ضرب من الروغان، وجنس من تدبير الحرب، وفيه ~~الثقافة والتسديد «3» ؛ وذلك أنه يقدر إيقاع صيصيته «4» بعين الديك الآخر ~~ويتقرب إلى المذبح فلا يخطئ. ms0281 # وهم يتعجبون من الجزار، ويضربون به المثل إذ كان لا يخطئ اللبة، ومن ~~اللحام إذا كان لا يخطئ المفصل، ولذلك قالوا في المثل: «يطبق المحز ولا ~~يخطئ # PageV02P373 # المفصل!» «1» . وهذا القول يذمون به ويمدحون. والديك في ذلك أعجب، وله مع ~~الطعنة سرعة الوثبة، والارتفاع في الهواء. وسلاحه طرير «2» ، وفي موضع ~~عجيب، وليس ذلك إلا له، وبه سمى قرن الثور صيصية، ثم سموا الآطام «3» التي ~~كانت بالمدينة للامتناع بها من الأعداء صياصي، قال الله عز وجل: وأنزل ~~الذين ظاهروهم من أهل الكتاب من صياصيهم # «4» . والعرب تسمي الدارع وذا الجنة «5» صاحب سلاح، فلما كان اسم سلاح ~~الديك وما يمتنع به صيصية، سموا قرن الثور الذي يجرح صيصية. وعلى أنه يشبه ~~في صورته بصيصية الديك وإن كان أعظم. ثم لما وجدوا تلك الآطام معاقلهم ~~وحصونهم وجنتهم، وكانت في مجرى الترس والدرع والبيضة، أجروها مجرى السلاح، ~~ثم سموها صياصي. ثم أسموا شوكة الحائك التي بها تهيأ السداة واللحمة صيصية ~~إذ كانت مشبهة بها في الصورة، وإن كانت أطول شيئا؛ ولأنها مانعة من فساد ~~الحوك والغزل؛ ولأنها في يده كالسلاح، متى شاء أن يجأ بها إنسانا وجأه به ~~«6» . # وقال دريد بن الصمة: [من الطويل] # نظرت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد «7» ### || 441- [استطراد لغوي] # وقد تسمي العرب إبرة العقرب شوكة، كما تسمي صيصية الديك شوكة، وهي من هذا ~~الوجه شبيهة بشوك النخل. # ويقال لمن ضربته الحمرة. قد ضربته الشوكة؛ لأن الشوكة إذا ضربت إنسانا، ~~فما أكثر ما تعتريه من ذلك الحمرة. # PageV02P374 # وقد قال القطامي في تسمية إبرة العقرب شوكة: [من الطويل] # سرى في جليد الأرض حتى كأنما ... تخزم بالأطراف شوك العقارب «1» # وتوصف الحجر «2» وتشبه بالشوكة؛ لأن الشوكة غليظة المآخر، لطيفة المقادم. ~~والشوك والسلاء سواء. وقال في ذلك علقمة بن عبدة يصف الحجر: [من البسيط] # سلاءة كعصا النهدي غل لها ... ذو فيئة من نوى قران معجوم «3» # ومن سمى إبرة العقرب حمة فقد أخطأ. وإنما الحمة سموم ذوات الشعر كالدبر ~~«4» والزنابير، وذوات الأنياب والأسنان كالأفاعي وسائر الحيات، ms0282 وسموم ذوات ~~الإبر من العقارب. فأما البيش «5» وما أشبهه من السموم، فليس يقال له حمة. # وها هنا أمور لها سموم في خراطيمها، كالذبان والبعوض وأشياء من الحشرات ~~تعض وربما قتلت، كالشبث «6» وسام أبرص. والطبوع «7» شديد الأذى، والرتيلاء ~~«8» ربما قتلت، والضمج» # دون ذلك، وعقارب طيارة: ولم نرهم يسمون جميع السموم بالحمة، فقلنا مثل ما ~~قالوا، وانتهينا إلى حيث انتهوا. ### || [بعض من تقتل عضته] # وقد يعرف بعض الناس بأنه متى عض قتل، كان منهم صفوان أبو جشم الثقفي، ~~وداود القراد. # وسيقع هذا الباب في موضعه على ما يمكننا إن شاء الله تعالى. ### || [استطراد لغوي] # والناس يسمون الرجل إذا بلغ من حرصه ألا يدع ذكرا، غلاما كان أو رجلا، # PageV02P375 # وخصيا كان أو فحلا، إلا نكحه من فرط غلمته، ومن قوة فحلته: صيصية. ~~ويقولون: # ما فلان إلا صيصية، وهو عندهم اسم لمن اشتد لواطه؛ تشبيها منهم بصيصية ~~الديك في الحدة والصلابة. ### || 442- [ بعض مزايا الديك] # وللديك انتصابه إذا قام، ومباينته صورة في العين لصورة الدجاجة، وليس هذا ~~الفرق الواضح من جميع الإناث والذكور موجودا إلا فيه، وليس ذلك للحمام ~~والحمامة، ولا للحمار والحمارة، ولا للبرذون والرمكة «1» ولا للفرس والحجر ~~«2» ، ولا للجمل والناقة؛ وليس ذلك إلا لهذه الفحولة لأنها كالرجل والمرأة، ~~والتيس والظبية، والديك والدجاجة وكالفحال والنخلة المطعمة. ألا ترى أنك لو ~~رأيت ناقة مقبلة لم تدر أناقة هي أم جمل، حتى تنظر إلى موضع الثيل والضرع، ~~وإلى موضع الحيا. # وكذلك العنز، وكذلك جميع ما وصفت، إلا أن يدعوا أن للعامة أو لبعض الخاصة ~~في ذلك خصوصية. ولذلك ضربوا المثل بالتيس والنخلة والفحال، فاشتقوا من هذا ~~الفحل. وهذا أيضا من خصال الديك. # ثم للديك لحية ظاهرة، وليست تكون اللحى إلا للجمل فإنه يوصف بالعثنون، ~~وإلا للتيس وإلا للرجل. وقال الراجز في الجمل: [من الرجز] # مختلط العثنون كالتيس الأحم ... سام كأن رأسه فيه وذم # إذ ضم من قطريه هياج قطم # ثم الديك بعد صاحب اللحية والفرق «3» . وقالت امرأة في ولدها وزوجها: [من ~~الرجز] # أشهب ذي رأس كرأس ms0283 الديك «4» # أما قولها أشهب، فإنها تريد أن شعر جسده قد ابيض من الكبر، وإنما جعلت ~~شعر رأسه كرأس الديك لأنه كان مخضوب الرأس واللحية بالحمرة، ثم لم ترض له ~~بشبه الرجال من هذا الوجه حتى جعلت رأسه أفرق، وذلك شيء من الجمال والوقار ~~والفضل، لايتهيأ للناس مع كمالهم وتمامهم إلا بالتكلف والاحتيال فيه. # PageV02P376 # ثم يبلغ من شدة تعجله ومن قوته على السفاد، وعلى الباب الذي يفخر به ~~الإنسان إذا كان ذا حظ منه وهو مما يذكي النفس- كنحو ما ذكر عن التيس ~~المراطي، وكنحو ما تراهم يبركون للبختي الفالج عدة قلاص «1» ، فإذا ضرب ~~الأولى فخافوا عليها أن يحطمها وهو في ذلك قد رمى بمائه مرارا أفلته الرجال ~~على التي تليه في القرب، حتى يأتي على الثلاث والأربع على ذلك المثال. وما ~~دعاهم إلى تحويله عن الثالثة إلى الرابعة إلا تخوفهم من العجز منه. # وزعم أبو عبد الله الأبرص العمي، وكان من المعتزلين، أن التيس المراطي ~~قرع في أول يوم من أول هيجة نيفا وثمانين قرعة. # والناس يحكون ما يكون من العصفور في الساعة الواحدة من العدد الكثير. # والناس يدخلون هذا الشكل في باب الفضل، وفي باب شدة العجلة وتظاهر القوة. # والديك يكون له وحده الدجاج الكثير، فيوسعها قمطا وسفادا. # وقد قلنا في حالة البيض الكثير الترابي وقلبه إياه بسفاد إلى الحيوانية. ~~وعلى أن الذي يخصيه إنما يخرج له من بين الزمكي «2» وموضع القطاة «3» ~~بيضتين عظيمتين معروفتين. # وأنا رأيت ديكا هنديا تسنم دجاجة هندية فلم يتمكن منها، فرأيت نطفته حين ~~مجها- وقد زلق عن ظهرها- على مدرة «4» ، وكانت الدار مثارة «5» لتجعل ~~بستانا، فإذا تلك المجة كالبزقة البيضاء، فأخذها بعض من كان معنا فشمها حين ~~رأى بياضها وخثورتها وكدرتها، ليعلم هل تناسب ريحها ريح نطفة الإنسان، وريح ~~طلع الفحال، فلم يجد ذلك. # ثم معرفة الديك بالليل وساعاته، وارتفاق بني آدم بمعرفته وصوته: يعرف ~~آناء الليل وعدد الليل وعدد الساعات، ومقادير الأوقات، ثم يقسط أصواته على ~~ذلك تقسيطا موزونا لا يغادر منه شيئا. ثم قد علمنا ms0284 أن الليل إذا كان خمس ~~عشرة ساعة # PageV02P377 # أنه يقسط أصواته المعروفة بالعدد عليها، كما يقسطها والليل تسع ساعات، ثم ~~يصنع فيما بين ذلك من القسمة وإعطاء الحصص على حساب ذلك. فليعلم الحكماء ~~أنه فوق الأسطرلاب، وفوق مقدار الجزر والمد على منازل القمر، وحتى كأن طبعه ~~فلك على حدة. فجمع المعرفة العجيبة والرعاية العجيبة. # ورب معرفة تكون نبيلة وأخرى لا تكون في طريق النبالة. وإن كانت المعارف ~~كلها مفصلة مقدرة، إلا أنها في منازل ومراتب. وليس في الأرض معرفة بدقيق ~~ولا جليل وهي في نفسها شريفة كريمة. # والمعرفة كلها بصر، والجهل كله عمى، والعمى كله شين ونقص، والاستبانة ~~كلها خير وفصل. # ثم له بعد ذلك ارتفاق الناس بهذا المعنى منه. # ومن ذلك بعد صوته، وأنه يدل على أن موضعه مأهول مأنوس، ولذلك قالوا: # لا يكون البنيان قرية حتى يصقع فيها ديك. # وليس في الأرض طائر أملح ملحا من فروج، وليس ذلك الاسم إلا لولد الديك، ~~وإلا فكل شيء يخرج من البيض فإنما هو فرخ والفروج حين تنصدع عنه البيضة، ~~يخرج كاسبا عارفا بموضع لقط الحب وسد الخلة، وهو أصيد للذباب من السوداني ~~«1» ، ويدرج مع الولادة بلا فصل. # وهذا مع ما أعطى من محبة النساء، ورحمة الرجال، وحسن الرأي من جميع ~~الدار، ثم اتباعه لمن دعاه، وإلفه لمن قربه. ثم ملاحة صوته وحسن قده، ثم ~~الذي فيه مما يصح له الفروج ويتفرج فيه. ### || 443- [قول جعفر بن سعيد في تفضيل الديك على الطاوس] # وكان جعفر بن سعيد، يزعم أن الديك أحمد من الطاوس، وأنه مع جماله ~~وانتصابه واعتداله وتقلعه إذا مشى، سليم من مقابح الطاوس ومن موقه وقبح ~~صورته، ومن تشاؤم أهل الدار به ومن قبح رجليه، ونذالة مرآته. وزعم أنه لو ~~ملك طاوسا لألبس رجليه خفا. # وكان يقول: وإنما يفخر له بالتلاوين، وبتلك التعاريج التي لألوان ريشه. ~~وربما # PageV02P378 # رأيت الديك النبطي وفيه شبيه بذلك. إلا إن الديك أجمل من التدرج «1» ؛ ~~لمكان الاعتدال والانتصاب والإشراف، وأسلم من العيوب من الطاوس. # وكان يقول: ولو ms0285 كان الطاوس أحسن من الديك النبطي في تلاوين ريشه فقط لكان ~~فضل الديك عليه بفضل القد والخرط، وبفضل حسن الانتصاب وجودة الإشراف أكثر ~~من مقدار فضل حسن ألوانه على ألوان الديك، ولكان السليم من العيوب في العين ~~أجمل لاعتراض تلك الخصال القبيحة على حسن الطاوس في عين الناظر إليه. وأول ~~منازل الحمد السلامة من الذم. # وكان يزعم أن قول الناس فلان أحسن من الطاوس، وما فلان إلا طاوس، وأن قول ~~الشاعر: [من الرجز] # جلودها مثل طواويس الذهب «2» # وأنهم لما سموا جيش ابن الأشعث الطواويس لكثرة من كان يجتمع فيه من ~~الفتيان المنعوتين بالجمال، إنما قالوا ذلك لأن العامة لا تبصر الجمال. ~~ولفرس رائع كريم أحسن من كل طاوس في الأرض، وكذلك الرجل والمرأة. وإنما ~~ذهبوا من حسنه إلى حسن ريشه فقط، ولم يذهبوا إلى حسن تركيبه وتنصبه، كحسن ~~البازي وانتصابه، ولم يذهبوا إلى الأعضاء والجوارح وإلى الشيات والهيئة، ~~والرأس والوجه الذي فيه. # وكان جعفر يقول: لما لم يكن في الطاوس إلا حسنه في ألوانه، ولم يكن فيه ~~من المحاسن ما يزاحم ذلك ويجاذبه وينازعه ويشغل عنه، ذكر وتبين وظهر. # وخصال الديك كثيرة، وهي متكافئة في الجمال. ونقول: لم يكن لعبد المطلب في ~~قريش نظير، وكما أنه ليس للعرب في الناس نظير؛ وذلك حين لم تكن فيه خصلة ~~أغلب من أختها، وتكاملت فيه وتساوت، وتوافت إليه فكان الطبع في وزن ~~المعرفة، فقالوا عند ذلك: سيد الأبطح وسيد الوادي وسيد قريش. وإذا قالوا ~~سيد قريش فقد قالوا سيد العرب، وإذا قالوا سيد العرب فقد قالوا سيد الناس. # ولو كان مثل الأحنف الذي برع في حلمه وبرع في سائر خصاله لذكروه بالحلم؛ ~~ولذلك ذكر قيس بن زهير في الدهاء، والحارث بن ظالم في الوفاء، وعتيبة ابن ~~الحارث في النجدة والثقافة. # PageV02P379 # ولو أن الأحنف بن قيس رأى حاجب بن زرارة، أو زرارة بن عدس، أو حصن بن ~~حذيفة، لقدمهم على نفسه. وهؤلاء عيون أهل الوبر لا يذكرون بشيء دون شيء ~~لاستواء خصال الخير فيهم. ms0286 # وفي منحول شعر النابغة: [من الوافر] # فألفيت الأمانة لم تخنها ... كذلك كان نوح لا يخون «1» # وليس لهذا الكلام وجه، وإنما ذلك كقولهم كان داود لا يخون، وكذلك كان ~~موسى لا يخون عليهما السلام. وهم وإن لم يكونوا في حال من الحالات أصحاب ~~خيانة ولا تجوز عليهم، فإن الناس إنما يضربون المثل بالشيء النادر من فعل ~~الرجال ومن سائر أمورهم، كما قالوا: عيسى ابن مريم روح الله، وموسى كليم ~~الله، وإبراهيم خليل الرحمن، صلى الله عليهم وسلم. # ولو ذكر ذاكر الصبر على البلاء فقال: كذلك كان أيوب لا يجزع كان قولا ~~صحيحا. ولو قال: كان كذلك نوح عليه السلام لا يجزع لم تكن الكلمة أعطيت ~~حقها. # ولو ذكر الاحتمال وتجرع الغيظ فقال: وكذلك كان معاوية لا يسفه، وكان حاتم ~~لا يفحش، لكان كلاما مصروفا عن جهته ولو قال: كذلك كان حاتم لا يبخل لكان ~~ذلك كلاما معروفا ولكان القول قد وقع موقعه، وإن كان حاتم لا يعرف بقلة ~~الاحتمال وبالتسرع إلى المكافأة. # ولو قال: سألتك فمنعتني وقد كان الشعبي لا يمنع، وكان النخعي لا يقول ~~«لا» ، لكان غير محمود في جهة البيان، وإن كان ممن يعطي ويختار «نعم» على ~~«لا» . ولكن لما لم يكن ذلك هو المشهور من أمرهما لم تصرف الأمثال إليهما، ~~ولم تضرب بهما. # قال جعفر: وكذلك القول في الديك وجماله؛ لكثرة خصاله، وتوازن خلاله، ولأن ~~جمال الديك لا يلهج بذكره إلا البصراء بمقادير الجمال والتوسط في ذلك، ~~والاختلاط والقصد، وما يكون ممزوجا وما يكون خالصا. وحسن الطاوس حسن لا ~~تعرف العوام غيره، فلذلك لهجت بذكره. # PageV02P380 # ومن الدجاج الخلاسي «1» والهندي، ومن الدجاج الزنجي ومنها الكسكري «2» ، ~~ومن الديكة ما يخصى فلا يبلغه في الطيب والسمن شيء وإن اشتد لحمه. وإن كان ~~غير خصي فقد يمدح ذلك من وجه هو أرد عليه في باب الفخر، من رخاوة اللحم ~~واستطابة الأكل. وعلى أنه لو كان أدناه من بعض سباع الطير، أو عدا خلفه ~~إنسان، فكان يريد أخذه حتى إذا فسخه البهر ارتد ms0287 في موضعه لا يبرحه، ثم ذبحه ~~على المكان، لجمع به الخصال كلها. # ولو علق في عنقه حجر ليلته بعد أن ذبحه، أو أولج بطنه شيئا من حلتيت «3» ~~لجمع به الخصال؛ فإنه أعمل فيه من البورق وقشور البطيخ في اللحم المفصل. # وهو بعد غيور يحمي دجاجه. وقال الراجز: [من الرجز] # يغار والغيرة خلق في الذكر # وقال الآخر: [من الكامل] # الفحل يحمي شوله معقولا «4» ### || 444- [لحم الدجاج] # ولحم الدجاج فوق جميع اللحمان في الطيب والبياض، وفي الحسن. والملوك ~~تقدمه على جميع الفراخ والنواهض «5» ، والبط، والدراج، وهم للدراج آكل منهم ~~للجداء الرضع، وللعنق الحمر «6» من أولاد الصفايا. # والدجاج أكثر اللحوم تصرفا، لأنها تطيب شواء، ثم حارا وباردا، ثم تطيب في ~~البزماورد «7» ، ثم تطيب في الهرائس «8» ، ويحدث لها به نفحة لا تصاب مع ~~غيرها، # PageV02P381 # وتطيب طبيخا، وتطيب فصوصها، وإن قطعتها مع اللحم دسم ذلك اللحم. وتصلح ~~للحشاوى، وللملاقسطي، وتصلح في الاسفرجات وسمينها يقدم في السكباجة «1» على ~~البط، إلا أنها تطعم المفصود وليس ذلك للبط. ### || 445- [لفظ: الدجاج] # قال: والديكة دجاج إذا ذكرت في جملة الجنس، وهذا الباب مما تغلب فيه ~~الإناث على الذكورة. وقال آخرون: لا، ولكن الديك نفسه دجاجة، إلا أنهم ~~أرادوا إبانته بأنه ذكر فقالوا: ديك، كما يسمون الذكر والأنثى فرسا بلا ~~هاء، فإذا أرادوا أن يثبتوا إناثها قالوا حجر، وإن كانت حجرا فهي فرس. وقال ~~الأخطل: [من البسيط] # نازعته في الدجى الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقفة الساري «2» # وقد بين ذلك القرشي حيث يقول: [من الخفيف] # اطردوا الديك عن ذؤابة زيد ... كان ما كان لا تطاه الدجاج «3» # وذلك أنه كان رأى رأس زيد بن علي في دار يوسف بن عمر، فجاء ديك فوطئ شعره ~~ونقره في لحمه ليأكله. ### || 446- [حوار في صياح الديكة] # قالوا: قد أخطأ من زعم أن الديكة إنما تتجاوب، بل إنما ذلك منها شيء ~~يتوافق في وقت، وليس ذلك بتجاوب كنباح الكلاب؛ لأن الكلب لا وقت له، وإنما ~~هو صامت ساكت ما لم يحس بشيء يفزع منه، فإذا أحس به ms0288 نبح، وإذا سمع نباح كلب ~~آخر أجاب ثم أجاب ذلك آخر، ثم أجابهما الكلب الأول، وتبين أنه المجاوب جميع ~~الكلاب. والديك ليس إذا من أجل أنه أنكر شيئا استجاب، أو سمع صوتا صقع «4» ~~، وإنما يصقع لشيء في طبعه، إذا قابل ذلك الوقت من الليل هيجه. فعدد أصواته ~~في الوقت الذي يظن أنه تتجاوب فيه الديكة، كعدد أصواته في القرية وليس # PageV02P382 # في القرية ديك غيره، وذلك هو في المواقيت. والعلة التي لها يصقع في وقت ~~بعينه شائعة فيها في ذلك الوقت. وليس كذلك الكلاب! قد تنبح الكلاب في ~~الخريبة «1» وكلاب في بني سعد غير نابحة، وليس يجوز أن تكون ديكة المهالبة ~~تصقع، وديكة المسامعة «2» ساكتة. # فإن أراد مريد بقوله إن الديكة تتجاوب، وعلى مثل قول العرب: هذه الجبال ~~تتناظر، إذا كان بعضها قبالة بعض، وإذا كان الجبل من صاحبه بالمكان الذي لو ~~كان إنسان رآه- جاز ذلك. وعلى هذا المثال قال النبي صلى الله عليه وسلم في ~~نار المشركين ما قال، حيث قال: «لا تتراءى ناراهما» «3» ، ومع قول الشاعر: # لا تتراءى قبورهما # وقال ابن مقبل العجلاني: [من الطويل] # سل الدار من جنبي حبر فواهب ... وحيث يرى هضب القليب المضيح «4» # وتقول العرب: إذا كانت بمكان كذا وكذا، حيث ينظر إليك الجبل فخذ عن يسارك ~~أو عن يمينك. # وقال الراجز: [من الكامل] # وكما يرى شيخ الجبال ثبيرا # PageV02P383 # وشيخ الجبال عنده أبو قبيس. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله الأخيار: «أنا بريء من كل مسلم ~~مع كل مشرك» . # قيل: ولم يا رسول الله؟ قال: «لا تتراءى ناراهما» «1» . # وقال الكسائي: تقول العرب: داري تنظر إلى دار فلان، ودورنا تتناظر. وقال ~~الله تبارك وتعالى: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # «2» . # وإنما قال القوم في تجاوب الديكة ببيت شعر سمعوه للطرماح، جهلوا معناه، ~~وهو: [من الطويل] # فيا صبح كمش غبر الليل مصعدا ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح «3» # إذا صاح لم يخذل وجاوب صوته ... حماش الشوى يصدحن من كل مصدح «4» # وكذلك غلطوا في قول عبدة بن الطبيب: ms0289 [من البسيط] # إذ صفق الديك يدعو بعض أسرته ... إلى الصباح وهم قوم معازيل «5» # وإنما أراد توافي ذلك منها معا؛ فجعلها دعاء وتجاوبا على ما فسرناه. ### || 447- [تفضيل الحمار على الديك] # قال صاحب الكلب: لولا أنا وجدنا الحمار المضروب به المثل في الجهل «6» ، ~~يقوم في الصباح وفي ساعات الليل مقام الديكة، لقد كان ذلك قولا ومذهبا غير ~~مردود. ولو أن متفقدا يتفقد ذلك من الحمار لوجده منظوما يتبع بعضه بعضا على ~~عدد معلوم؛ ولوجد ذلك مقسوما على ساعات الليل، ولكان لقائل أن يقول في نهيق ~~الحمار في ذلك الوقت: ليس على تجاوب، إنما ذلك شيء يتوافى معا، لا ستواء # PageV02P384 # العلة، ولم تكن للديك الموصوف بأنه فوق الأسطرلاب فضيلة ليست للحمار. # وعلى أن الحمار أبعد صوتا، وقد بلغ من شدة صوته ما إن حلف أحمد بن عبد ~~العزيز: إن الحمار ما ينام! قيل له: وما ذاك؟ قال: لأني أجد صياحه ليس ~~بصياح شيء انتبه تلك الساعة، ولا هو صياح من يريد أن ينام بعد انقضاء ~~صياحه!. # هذا والحمار هو الذي ضرب به القرآن المثل في بعد الصوت، وضرب به المثل في ~~الجهل، فقال: كمثل الحمار يحمل أسفارا # «1» . فلو كان شيء من الحيوان أجهل بما في بطون الأسفار من الحمار، لضرب ~~الله المثل به دونه. ### || [عشرة أمثال في شأن الحمار] # وعلى أن فيه من الخصال ما ليس في الديك، وذلك أن العرب وضعته من الأمثال ~~التي هي له في عشرة أماكن، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل الصيد ~~في جوف الفرا» «2» وكفاك به مثلا إذا كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~تفضيل هداية أبي سفيان. # وقال العرب: «أنكح من الفرأ» «3» . والفرأ مهموز مفتوحة الفاء مجموعه ~~فراء، قال الشاعر: [من الطويل] # بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها «4» # وتقول العرب: «العير أوقى لدمه» «5» . وقولهم: «من ينك العير ينك نياكا» ~~«6» . وقالوا: «الجحش إذا فاتتك الأعيار» «7» وقالوا: «أصبر من عير أبي # PageV02P385 # سيارة» «1» ؛ لأنه كان دفع بأهل الموسم على ذلك الحمار أربعين عاما. ms0290 # وقالوا: «إن ذهب عير فعير في الرباط» «2» . وقالوا في المديح لصاحب ~~الرأي: # «جحيش وحده» «3» ، و «عيير وحده» «4» ، و «العير يضرط والمكواة في النار» ~~«5» ؛ وقالوا: «حمار يحمل أسفارا» «6» ، و «أضل من حمار أهله» «7» ، و ~~«أخزى الله الحمار مالا لا يزكى ولا يذكى» «8» ، و «قد حيل بين العير ~~والنزوان» «9» . # فالذي مدح به أكثر؛ فقد وجدنا الحمار أبعد صوتا، ووجدناه يعرف من أوقات ~~الليل ويميز عددا معلوما إلى الصبح، إلا أن له في الأسحار فضيلة. # والحمار أجهل الخلق، فليس ينبغي للديك أن يقضى له بالمعرفة والحمار قد ~~ساواه في يسير علمه، ثم باينه أن الحمار أحسن هداية. والديك إن سقط على ~~حائط جاره لم يحسن أن يهتدي إلى داره، وإن خرج من باب الدار ضل، وضلاله من ~~أسفل كضلاله من فوق. ### || 448- [ما روي صاحب الديك من أحاديث في الديك] # قال صاحب الديك: حدثونا عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله # PageV02P386 # ابن عتبة، قال: «صرخ ديك عند النبي صلى الله عليه وسلم فسبه بعض أصحابه، ~~فقال: لا تسبه فإنه يدعو إلى الصلاة» . # وعن ابن الماجشون، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ~~ابن مسعود، عن يزيد بن خالد الجهني: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى ~~عن سب الديك وقال: إنه يؤذن للصلاة» . # الحسن بن عمارة، عن عمرو بن مرة، وعن سالم بن أبي الجعد، يرفعه إلى النبي ~~صلى الله عليه وسلم قال: «إن مما خلق الله تعالى لديكا عرفه تحت العرش ~~وبراثنه في الأرض السفلى، وجناحاه في الهواء، فإذا ذهب ثلثا الليل وبقي ~~ثلثه ضرب بجناحه ثم قال: # سبحوا الملك القدوس، سبوح قدوس- أي أنه لا شريك له- فعند ذلك تضرب الطير ~~بأجنحتها وتصيح الديكة» . # وأبو العلاء عن كعب: «إن لله تعالى ديكا عنقه تحت العرش، وبراثنه في أسفل ~~الأرضين، فإذا صاحت الديكة يقول: سبحان الملك القدوس الملك الرحمن، لا إله ~~غيره» . قال: والديكة أكيس شيء. # وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن ms0291 الديك الأبيض صديقي، وعدو ~~عدو الله، يحرس دار صاحبه وسبع دور» . # وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يبيته معه في البيت. # وروي أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسافرون بالديكة. ### || 449- [ذبح الديك الأفرق] # وزعم أصحاب التجربة أنه كثيرا ما يرون الرجل إذا ذبح الديك الأبيض الأفرق ~~«1» ، أنه لا يزال ينكب في أهله وماله «2» . ### || 450- [كيف تعرف الديك من الدجاجة إذا كان صغيرا] # ومما في المحاجاة أن يقال [كيف تعرف الديك من الدجاجة إذا كان صغيرا] # حين يخرج من البيضة؟ فقالوا: يعلق بمنقاره، فإن تحرك فهو ديك وإن لم ~~يتحرك فهو دجاجة. # PageV02P387 ### || 451- [ بعض ما قيل من الشعر في حسن الدجاجة ونبل الديك] # قال الشاعر في حسن الدجاجة ونبل الديك «1» : [من الوافر] # غدوت بشربة من ذات عرق ... أبا الدهناء من حلب العصير «2» # وأخرى بالعقنقل ثم رحنا ... نرى العصفور أعظم من بعير # كأن الديك ديك بني نمير ... أمير المؤمنين على السرير # كأن دجاجهم في الدار رقطا ... بنات الروم في قمص الحرير «3» # فبت أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرجل القصير # أدافعهن بالكفين عني ... وأمسح جانب القمر المنير ### || 452- [طعن صاحب الكلب في الديك] # وقال صاحب الكلب: الأشياء التي تألف الناس لا تريد سواهم كالعصفور ~~والخطاف والكلب والسنور. والديك مما يتخذه الناس، وليس مما يحن إليهم فيقطع ~~البلاد نزاعا، فيكون كالقواطع من الطير التي تريدهم كالخطاف، ولا هو من ~~الأوابد كالعصفور الذي حيثما دار رجع إليهم، ولا هو كالكلب الذي لا يعرف ~~سواهم، ولا هو كالأهلي من السنانير التي متى ألفتهم لم تفارقهم، وتعس ~~بالليل، وتطوف في القبائل من دار إلى دار ثم لا يكون مرجعها إلا إليهم. ~~والديك في خلاف ذلك كله، ثم لا يألف منزله ولا يعرف ربعه، ثم لا يحن إلى ~~دجاجه، ثم لا تتوق نفسه إلى طروقته، ولا يشتاق إلى ولده، ولا يعرف الذين ~~غذوه وربوه، بل لم يدر قط أن له ولدا، ولو كان درى لكان على درايته دليل، ~~فإذ قد وجدناه لفراريجه وبيضه المخلوقة منه ومن نجله، كما ms0292 نجده لما لم يلد ~~ولما ليس من شكله أيضا ولا يرجع إلى نسبه، فكيف لا نقضي عليه بالنقص، إذ ~~كانت الأمور لا تعرف إلا بهذا وشبهه!!. # وهو لا يعرف أهل داره، ولا يثبت وجه صاحبه الذي لم يخلق إلا عنده، وفي ~~ظله وتحت جناحه، ولم يزل في رزقه وعياله. والحمام ترجع إليه من مائتي فرسخ، # PageV02P388 # ويصطاد فيتحول عن وطنه عشر حجج، ثم هو على ثبات عهده وقوة عقده، وعلى ~~حفاظه وإلفه، والنزاع إلى وطنه. فإن وجد فرجة ووافق جناحه وافيا وافاه وصار ~~إليه، وإن كان جناحه مقصوصا جدف «1» إلى أهله، وتكلف المضي إلى سكنه، فإما ~~بلغ وإما أعذر. # والخطاف يقطع إليهم من حيث لا يبلغه خبر، ولا يطؤه صاحب سفر؛ على أنا لا ~~نراه يتخذ وكره إذا صار إليهم إلا في أحصن موضع، ولا يحمله الأنس بهم على ~~ترك التحرز منهم، والحزم في ملابستهم، ولا يحمله الخوف منهم على منع نفسه ~~لذة السكون إليهم، ولا يبخس الارتفاق بهم حظه. # والعصافير لا تقيم في دار إلا وهي مسكونة، فإن هجرها الناس لم تقم فيها ~~العصافير. ### || [قول صاحب الكلب في السنور و الهرة] # والسنور يعرف ربة المنزل، ويألف فرخ الحمام، ويعابث فراريج الدار. إن سرق ~~وربط شهرا عاد عند انفلاته، وانحلال رباطه. # والهرة تعرف ولدها وإن صار مثلها، وإن أطعمت شيئا حملته إليه وآثرته به. # وربما ألقي إليها الشيء فتدنو لتأكله، ويقبل ولدها فتمسك عنه، وترضه له. ~~وربما طرح لها الشيء وولدها غائب عنها- ولها ضروب من النغم، وأشكال من ~ ~الصياح- فتصيح ضربا من الصياح يعرف أهل الدار أنه صياح الدعاء لا غير ذلك. ~~ويقال: «أبر من هرة» «2» . # ومتى أرادت ما يريد صاحب الغائط، أتت مواضع تراب في زاوية من زوايا الدار ~~فتبحثه، حتى إذا جعلت له مكانا كهيئة الحفرة جعلته فيها ثم غطته من ذلك ~~التراب، ثم تشممت أعلى ذلك التراب وما ظهر منه، فإن وجدت شيئا من الرائحة ~~زادت عليها ترابا، فلا تزال كذلك حتى تعلم أنها قد أخفت المرئي والمشموم ~~جميعا ms0293 «3» . فإن هي لم تجد ترابا خمشت وجه الأرض، أو ظهر السطح، حتى تبلغ ~~في الحفر المبلغ، ومن ستر ذلك المجهود. # وزعم ناس من الأطباء أن السنور يعرف وحده ريح رجعه، فإنما يستره لمكان شم ~~الفأر له، فإنها تفر من تلك الرائحة. أو يغطيه لما يكون فيه من خلق من ~~أخلاق # PageV02P389 # الأسد. وما يشاكل فيه الأسد في الخلق، على قدر ما يشاكله في الخلق. ~~وتعداد ذلك كثير. ### || 453- [سلاح الديك] # والديك لا تراه إلا سالحا، ثم لا يتوقى ثوب رب الدار ولا فراشه ولا ~~بساطه. # هذا، وحياته التراب، ولذا يدفن نفسه فيه، ويدخله في أصول ريشه. # ثم لا ترى سلاحا أنتن من سلاحه، ولا يشبه ذرق الحمام، وصوم النعام، وجعر ~~الكلب. ثم مع ذلك لا تراه إلا سائلا رقيقا. ولو كان مدحرجا كأبعار الشاء ~~والإبل والظباء، أو متعلقا يابسا كجعر الكلب والأسد، ثم لو كان على مقدار ~~نتنه لكان أهون في الجملة. # وقال أبو نواس في ديك بعض أصحابه: [من الرجز] # آذيتنا بديكك السلاح ... فنجنا من منتن الأرواح «1» ### || 454- [استخدام الخناقين للكلب] # وقال صاحب الكلب: ومن مرافق الكلب أن الخناقين «2» يظاهر بعضهم بعضا، فلا ~~يكونون في البلاد إلا معا، ولا يسافرون إلا معا؛ فربما استولوا على درب ~~بأسره، أو على طريق بأسره. ولا ينزلون إلا في طريق نافذ، ويكون خلف دورهم: ~~إما صحارى وإما بساتين، وإما مزابل وأشباه ذلك. وفي كل دار كلاب مربوطة، ~~ودفوف وطبول. # ولا يزالون يجعلون على أبوابهم معلم كتاب منهم، فإذا خنق أهل دار منهم ~~إنسانا ضرب النساء بالدفوف، وضرب بعضهم الكلاب فسمع المعلم فصاح بالصبيان: ~~انبحوا! وأجابهم أهل كل دار بالدفوف والصنوج، كما يفعل نساء أهل القرى، ~~وهيجوا الكلاب. فلو كان المخنوق حمارا لما شعر بمكانه أحد، كما كان ذلك ~~بالرقة. # وانظر كيف أخذوا أهل درب بأسره!! وذلك أن بعضهم رغب في ثويب كان على ~~حمال، وفيه دريهمات معه، فألقى الوهق «3» في عنقه فغشي عليه ولم يمت، # PageV02P390 # وتحرك بطنه فأتى المتوضأ وتحرك الحمال والساجور «1» في عنقه، فرجعت نفس ms0294 ~~الحمال، فلما لم يحس بأحد عنده، قصد نحو باب الدار، وخرح وزياره «2» في ~~عنقه، وتلقته جماعته فأخبرهم الخبر، وتصايح الناس فأخذوا عن آخرهم. ### || [بعض الخبر و الشعر في الخناقين] # وقد كان بالكوفة شبيه بذلك، وفي غيرها من البلدان. فقال حماد الراوية، ~~وذكر المرميين بالخنق من القبائل وأصحاب القبائل والنحل، وكيف يصنع الخناق، ~~وسمى بعضهم فقال «3» : [من الطويل] # إذا سرت في عجل فسر في صحابة ... وكندة فاحذرها حذارك للخسف # وفي شيعة الأعمى زيار وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف «4» # وكلهم شر على أن رأسهم ... حميدة والميلاء حاضنة الكسف # متى كنت في حيي بجيلة فاستمع ... فإن لهم قصفا يدل على حتف # إذا اعتزموا يوما على خنق زائر ... تداعوا عليه بالنباح وبالعزف # وأما ذكره لبني عجل فلمكان ذي الضفرتين وغيره من بني عجل. وأما ذكره ~~كندة، فقد أنشدنا سفيان بن عيينة، وأبو عبيدة النحوي: [من الهزج] # إذا ما سرك العيش ... فلا تأخذ على كنده «5» # ومن كندة أبو قصبة أخذ بالكوفة وقتل وصلب. # وكان بالكوفة ممن يأكل لحوم الناس عدية المدنية الصفراء. وكان بالبصرة ~~رادويه صاحب قصاب رادويه. # وأما الأعمى في بني ضبة الذي ذكره فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية، ~~وهم صنف ممن يعمل في الخنق بطريق المنصورية. # والمغيرة هذا من موالي بجيلة، وهو الخارج على خالد بن عبد الله القسري، ~~وعند ذلك قال خالد وهو على المنبر: أطعموني ماء! # PageV02P391 # وفي ذلك يقول يحيى بن نوفل: [من الوافر] # وقلت لما أصابك أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير «1» # لأعلاج ثمانية وشيخ ... كبير السن ذي بصر ضرير # وأما حميدة فقد كانت لها رياسة في الغالية، وهي ممن استجاب لليلى ~~السبائية الناعظية، والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصورية، وهو الكسف. # قالت الغالية: إياه عنى الله تبارك وتعالى وإن يروا كسفا من السماء ساقطا ~~يقولوا سحاب مركوم # «2» . وقد ذكره أبو السري معدان الأعمى الشميطي في قصيدته التي صنف فيها ~~الرافضة ثم الغالية، وقدم الشميطية على جميع أصناف الشيعة، فقال «3» : # [من الخفيف] # إن ذا الكسف صد آل كميل ... وكميل ms0295 رذل من الأرذال «4» # تركا بالعراق داء دويا ... ضل فيه تلطف المحتال # منهم جاعل العسيب إماما ... وفريق يرض زند الشمال # وفريق يقول إنا براء ... من علي وجندب وبلال # وبراء من الذي سلم الأم ... ر على قدرة بغير قتال # وفريق يدين بالنص حتما ... وفريق يدين بالإهمال # لأن الكميلية لا تجيز الوكالة في الإمامة، وتقول لا بد من إمام صامت أو ~~ناطق، ولابد من علم يمد الناس إليه أعناقهم. وأبو منصور يقول بخلاف ذلك. # وأما قوله «5» : [من الطويل] # وفي شيعة الأعمى زيار وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف # فقد قال معدان: [من الخفيف] # حبشي وكافر سبيانى ... حربي وناسخ قتال # تلك تيمية وهاتيك صمت ... ثم دين المغيرة المغتال # PageV02P392 # خنق مرة وشم بخار ... ثم رضخ بالجندل المتوالي # لأن من الخناقين من يكون جامعا، وبذلك يسمونه إذا جمع الخنق والتشميم، ~~وحمل معه في سفره حجرين مستديرين مدملكين وململمين فإذا خلا برجل من أهل ~~الرفقة استدبره فرمى بأحدهما قمحدوته «1» ، وكذلك إن كان ساجدا. فإن دمغه ~~الأول سلبه، وإن هو رفع رأسه طبق بالآخر وجهه. وكذلك إن ألفاه نائما أو ~~غافلا. # ولقد صحب منهم ناس رجلا خرج من الري، وفي حقوه هميان «2» ، فكان لا يفارق ~~معظم الناس، فلما رأوه قد قرب من مفرق الطريقين ورأوا احتراسه، وهم نزول ~~إما في صحراء وإما في بعض سطوح الخانات، والناس متشاغلون بأمورهم، فلم يشعر ~~صاحب الهميان نهارا والناس حوله إلا والوهق «3» في عنقه، وطرحه الآخر حين ~~ألقاه في عنقه، ووثب إليه وجلس على صدره، ومد الآخر برجليه وألقى عليه ثوبا ~~وأذن في أذنه فقام إليهم بعض أهل الرفقة كالمعين والمتفجع، فقالوا له: ~~مكانك؛ فإنه إن رآك خجل واستحى. فأمسك القوم عنهم، وارتحل القوم، وأعجلوا ~~بصاحبهم، فلما خلوا به أخذوا ما أحبوا، وتركوا ما أحبوا، ثم حملوه على ~~أيديهم، حتى إذا برزوا رموه في بعض الأودية. ### || 455- [شعر أعشى همدان في السبئية] # وقد ذكر أعشى همدان السبئية وشأنهم في كرسي المختار: [من الطويل] # شهدت عليكم أنكم سبئية ... وإني بكم يا شرطة الكفر عارف «4» # وأقسم ms0296 ما كرسيكم بسكينة ... وإن كان قد لفت عليه اللفائف # وأن لبس التابوت فتنا وإن سمت ... حمام حواليه وفيكم زخارف # وإني امرؤ أحببت آل محمد ... وآثرت وحيا ضمنته المصاحف # وإن شاكرا طافت به وتمسحت ... بأعواد ذاو دبرت لا تساعف # ودانت به لابن الزبير رقابنا ... ولا غبن فيها أو تحز السوالف # وأحسب عقباها لآل محمد ... فينصر مظلوم ويأمن خائف # ويجمع ربى أمة قد تشتتت ... وهاجت حروب بينهم وحسائف # PageV02P393 # أبو عبيدة: الحسيفة الضغينة، وجمعها حسائف ### || 456- [من قتل نفسه بيده] # وما أكثر إما لخوف المثلة، وإما لخوف التعذيب والهوان وطول الأسر. # وقد كان الحكم بن الطفيل، أخو عامر بن الطفيل، وأصحابه خنقوا أنفسهم في ~~بعض الأيام «1» ، فعيروا بذلك تعييرا شديدا، فقال خراشة بن عامر بن الطفيل: ~~[من الطويل] # وقدتهم للموت ثم خذلتهم ... فلا وألت نفس عليك تحاذر # فهل تبلغني عامرا إن لقيته ... أسليت عن سلمان أم أنت ذاكر # فإن وراء الحي غزلان أيكة ... مضمخة آذانها والغدائر # وإنكم إذ تخنقون نفوسكم ... لكم تحت أظلال العضاه جرائر # وقال عروة بن الورد في يوم ساحوق، ويذكر خنق الحكم بن الطفيل وأصحابه ~~أنفسهم، فقال «2» : [من الطويل] # ونحن صبحنا عامرا في ديارها ... علالة أرماح وعضبا مذكرا «3» # بكل رقيق الشفرتين مهند ... ولدن من الخطي قد طر أسمرا «4» # عجبت لهم إذ يخنقون نفوسهم ... ومقتلهم عند الوغى كان أعذرا # يشد الحليم منهم عقد حبله ... ألا إنما يأتي الذي كان حذرا ### || 457- [رثاء أبي زبيد الطائي كلبا له] # وقال أبو زبيد في كلب له، كان يساور الأسد ويمنعه من الفساد، حين حطمه ~~الأسد، وكان اسمه أكدر، فقال «5» : [من البسيط] # أخال أكدر مختالا كعادته ... حتى إذا كان بين الحوض والعطن «6» # PageV02P394 # لاقى لدى ثلل الأطواء داهية ... أسرت وأكدر تحت الليل في قرن «1» # حطت به سنة ورهاء تطرده ... حتى تناهى إلى الأهوال في سنن «2» # إلى مقارب خطو الساعدين له ... فوق السراة كذفرى القارح الغضن «3» # ريبال ظلماء لا قحم ولا ضرع ... كالبغل خط به العجلان في سكن «4» # فأسريا وهما سنا همومهما ... إلى عرين كعش الأرمل اليفن «5» # هذا بما ms0297 علقت أظفاره بهم ... وظن أكدر غير الأفن والحتن «6» # حتى إذا ورد العرزال وانتبهت ... لحسه أم أجر ستة شزن «7» # باد جناجنها حصاء قد أفلت ... لهن يبهرن تعبيرا على سدن «8» # وظن أكدر أن تموا ثمانية ... أن قد تجلل أهل البيت باليمن # فخاف عزتهم لما دنا لهم ... فحاص أكدر مشفيا من الوسن «9» # بأربع كلها في الخلق داهية ... عضف عليهن ضافي اللحم واللبن «10» # ألفاه متخذ الأنياب جنته ... وكان بالليل ولأجا إلى الجنن «11» ### || 458- [رثاء أعرابي شاة له أكلها ذئب] # وقال صاحب الكلب: قال أعرابي وأكل ذيب شاة له تسمى وردة، وكنيتها أم ~~الورد «12» : [من البسيط] # أودى بوردة أم الورد ذو عسل ... من الذئاب إذا ما راح أو بكرا # PageV02P395 # لولا ابنها وسليلات لها غرر ... ما انفكت العين تذري دمعها دررا # كأنما الذئب إذ يعدو على غنمي ... في الصبح طالب وتر كان فاتأرا # اعتامها اعتامه شثن براثنه ... من الضواري اللواتي تقصم القصرا # قال: في هذا الشعر دليل أن الذئب إنما يعدو عليها مع الصبح، عند فتور ~~الكلب عن النباح؛ لأنه بات ليلته كلها دائبا يقظان يحرس، فلما جاء الصبح ~~جاء وقت نوم الكلاب، وما يعتريها من النعاس. ثم لم يدع الله على الذئب بأن ~~يأكله الأسد حتى يختاره ويعتامه، إلا والأسد يأكل الذئاب، ويختار ذلك. ~~وإنما استطاب لحم الذئب بفضل شهوته للحم الكلب. ### || 459- [قول صاحب الديك في إجازة الشعراء بالدجاج] # وقال صاحب الديك: لم نر شريفا قط أجاز شاعرا بكلب، ولا حبا به زائرا، وقد ~~رأيتهم يجيزون الشعراء بالدجاج «1» . وأعظم من ذلك أن لقيم الدجاج، لما قال ~~في افتتاح خيبر، وهو يعني النبي صلى الله عليه وسلم: [من الكامل] # رميت نطاة من النبي بفيلق ... شهباء ذات مناكب وفقار «2» # وهب له دجاج خيبر عن آخرها. رواه أبو عمرو، والمدائني عن صالح بن كيسان، ~~ولتلك الدجاج قيل: لقيم الدجاج. ### || 460- [إباس بن معاوية و أخوة] «3» # وقال صاحب الكلب: قال أبو الحسن: كان إياس بن معاوية وهو صغير، ضعيفا ~~دقيقا دميما، وكان له أخ أشد حركة منه وأقوى، فكان معاوية أبوه ms0298 يقدمه على ~~إياس، فقال له إياس يوما يا أبت! إنك تقدم أخي علي، وسأضرب لك مثلي ومثله: ~~هو مثل الفروج حين تنفلق عنه البيضة، يخرج كاسيا كافيا نفسه، يلتقط، ~~ويستخفه الناس، وكلما كبر انتقص، حتى إذا تم فصار دجاجة، لم يصلح إلا ~~للذبح. وأنا مثل فرخ الحمام حين تنفلق عنه البيضة عن ساقط لا يقدر على ~~حركة، فأبواه يغذوانه حتى يقوى ويثبت ريشه، ثم يحسن بعد ذلك ويطير، فيجد به ~~الناس «4» ويكرمونه، # PageV02P396 # ويرسل من المواضع البعيدة فيجيء، فيصان لذلك ويكرم، ويشترى بالأثمان ~~الغالية «1» . فقال أبوه: لقد أحسنت المثل!! فقدمه على أخيه، فوجد عنده ~~أكثر مما كان يظن فيه، [وخرج إياس باقعة منقطع النظير] «2» . # قال صاحب الكلب: وقد أغفل إياس في هذا القول بعض مصالح الدجاج، وذلك أن ~~الدجاج من لدن يخرج من حد الصغر والكيس إلى أن يدخل في حد الكبر واحتمال ~~اللحم والشحم، يكون أخبث حالا لأنه لا يصلح فيه للذبح، وقد خرج من حد الكيس ~~والاستملاح. # وإياس هو الذي يقول «3» : لست بخب «4» والخب لا يخدعني، و [قال: # الخب] «5» لا يخدع ابن سيرين؛ وهو يخدع أبي ويخدع الحسن. # PageV02P397 ### | باب ما يحتاج إلى معرفته ### || 461- [أسماء الفرج] «1» # يقال فرج المرأة والجمع فروج، وهو القبل، والفرج كناية، والاسم الحر، ~~وجمعه أحراح. وقال الفرزدق: [من الرجز] # إني أقود جملا ممراحا ... في قبة موقرة أحراحا «2» # قالوا: وإنما جمعوه على أحراح، لأن الواحد حرح. هكذا كان أصله. وقد ~~يستعار ذلك وهو قليل، قال الشاعر «3» : [من الوافر] # تراها الضبع أعظمهن رأسا ... جراهمة لها حرة وثيل «4» # فلم يرض الاستعارة حتى ألحق فيها الهاء. # وهو الكعثب، وقال الفرزدق: [من الطويل] # إذ بطحت فوقث الأثافي رفعنها ... بثديين مع نحر كريم وكعثب «5» # وقال الأغلب: [من الرجز] # حياكة عن كعثب لم يمصح «6» # PageV02P398 # وهو الأجم، وقال الراجز: [من الرجز] # جارية أعظمها أجمها ... قد سمنتها بالسويق أمها # بائنة الرجل فما تضمها «1» # وقال: وقد يسمى الشكر، بفتح الشين وإسكان الكاف، وأنشدوا «2» : [من ~~الوافر] # وكنت كليلة الشيباء هبت ... بمنع الشكر أتأمها القبيل «3» # أتأمها: أفضاها. وأما ms0299 قوله «4» : [من الرجز] # قد أقبلت عمرة من عراقها ... ملصقة السرج بخاق باقها # قال: وهو إن أراد الحر فليس ذلك من أسمائه، ولكنه سماه بذلك على المزاح. # قالوا «5» : والظبية اسم الفرج من الحافر، والجمع الظبيات، وقد استعاره ~~أبو الأخزر فجعله للخف فقال: [من الرجز] # ساورها عند القروء الوحم ... في الأرض ذات الظبيات الجحم # وقد قال الأول: [من الطويل] # فجاء بغرمول وفلك مدملك ... فخرق ظبييها الحصان المشبق # وهو من الظلف والخف الحيا. والجمع أحيية. وهو من السبع ثفر، وقد استعاره ~~الأخطل للظلف فقال «6» : [من الطويل] # جزى الله عنا الأعورين ملامة ... وعبلة ثفر الثورة المتضاجم «7» # PageV02P399 # فلم يرض أن استعاره من السبع للبقرة حتى جعل البقرة ثورة. # وقد استعاره النابعة الجعدي للحافر، كما استعاره الأخطل للظلف، فقال «1» ~~: # [من الطويل] # بريذنة بل البراذين ثفرها ... وقد شربت من آخر الليل أيلا «2» # وقد قالوا برذونة، وقال الراجز «3» : [من الرجز] # تزحزحي إليك يا برذونه ... إن البراذين إذا جرينه # مع الجياد ساعة أعيينه # وقد استعاره آخر فجعله للنعجة فقال «4» : [من الطويل] # وما عمرو إلا نعجة ساجسية ... تحرك تحت الكبش والثفر وارم # والساجسية: ضأن في تغلب. # وقد استعاره آخر فجعله للمرأة فقال «5» : [من الرجز] # نحن بنو عمرة في انتساب ... بنت سويد أكرم الضباب # جلدتنا من ثفرها المنجاب # ويقال لجردان الحمار غرمول، وقد يقال ذلك للإنسان وقضيب البعير، وهو لكل ~~شيء، ومقلم الجمل فقط. ومن السباع العقدة، وأصله للكلب والذئب. وقال جرير: ~~[من البسيط] # إذا روين على الخنزير من سكر ... نادين يا أعظم القسين جردانا «6» # ويقال: صرفت الكلبة صرافا وصروفا، وظلعت تظلع ظلوعا. # وقالوا في الأمثال: «لا أفعل حتى ينام ظالع الكلاب» «7» أي الصارف. # PageV02P400 # ولم يعرف الأصمعي ظلعت الكلبة بمعنى صرفت. واستحرمت، وأجعلت واستجعلت، ~~واستطارت. والذئبة في ذلك كالكلبة. # قال: ويقال في السباع: قد وضعت، وولدت، ورمصت مثل ما يقال للناس والغنم. ### || 462- [ بحث في المذكر والمؤنثه] # قال: ويقال كلبة وكلب، وذئبة وذئب وبرذون وبرذونة. وأنشد «1» : [من ~~الطويل] # أريت إذا ما جالت الخيل جولة ... وأنت على برذونة غير طائل # ويقال رجل ورجال، ms0300 وامرأة ونساء، وليس لها جمع من واحدها. ويقال بعير ~~وناقة وجمل، ولا يقال جملة ولا بعيرة، وقد قالوا رجل ورجلة وشيخ وشيخة. ~~ويقال كبش ونعجة، ولا يقال كبشة «2» ، كما لا يقال أسدة «3» ، ويقال أسد ~~ولبوة ولبوات، ويقال ذئبة وذئب، وقال الشاعر: [من الطويل] # كأنهما ضبعانة في مفازة ... وذئبة محل أم جروين تعسل «4» # ويقال إنسان وإنسانة، وسبع وسبعة، وحمام وحمامة، وحمار وحمارة، وسرحان ~~وسرحانة، وسيد وسيدة، وهقل وهقلة، وإلق وإلقة «5» ، وقال رؤبة: [من الرجز] # جد وجدت إلقة من الإلق «6» # وزعم أنه يقال ضبع وضبعة، وثعلب وثعلبة. وأصحابنا لا يقولون هذا ويضحكون ~~ممن يقولون ضبعة عرجاء. ويقال ثرملة «7» . # PageV02P401 # ويقال من الفراخ فرخ وفرخة، ومن النمور نمر ونمرة. قال: ويقال ذيخ وذيخة ~~«1» ، وضبعان وضبعانة، وجيأل وجيألة «2» . ويقال عقرب وعقربة. والعقربان ~~الذكر وحده. وقال الشاعر «3» : [من السريع] # كأن مرعى أمكم إذ غدت ... عقربة يكومها عقربان «4» # ومن الضفادع ضفدع وضفدعة، ومن القنافذ قنفذ وقنفذة، وشيهم وشيهمة «5» ، ~~ومن القرود قرد وقردة. # ويقال إلقة وقشة «6» ، ولا يقال إلق وقش، ويقال لولد القرد رباح والأنثى ~~إلقة. # وقال الشاعر «7» : [من السريع] # وإلقة ترغث رباحها ... والسهل والنوفل والنضر «8» # ومن النعام هقل وهقلة. وهيق وهيقة، وصعل وصعلة، وسفنج وسفنجة، ونعام ~~ونعامة، والواحد من فراخها الرأل والجمع رئال ورئلان وأرآل وأرؤل، والأنثى ~~رألة، وحفانة والجمع حفان، وقد يكون الحفان أيضا للواحد. ويقال لها قلاص ~~والواحدة قلوص ولا يقال قلوصة، ويقال ظليم ولا يقال ظليمة، ويقال نقنق ولا ~~يقال نقنقة. # ويقال من الأرانب أرنب ولا يقال أرنبة، والذكر خزز. ويقال للأنثى عكرشة ~~ولولدها خرنق. ويقال هذه أرنب وهذه عقاب، ولا يقال هذا الأرنب ولا هذا ~~العقاب. # وقال الشماخ: [من الوافر] # فما تنفك بين عويرضات ... تجر برأس عكرشة زموع «9» # PageV02P402 # قال ويقال لولد الكلب جرو والأنثى جروة، وهو درص والجمع أدراص، ويقال لمن ~~عضه الكلب الكلب: بال كأدراص الكلاب. ### || 463- [بدء الإبصار عند أولاد السباع] # وجرو الكلب يكون أعمى عشرة أيام وأكثر، وقد يعرض شبيه بذلك لكثير من ~~السباع. ### || 464- [استطراد لغوي] # ويقال بصبص الجرو وفقح وجصص، ms0301 إذا فتح عينيه شيئا، وصأصأ إذا لم يفتح ~~عينيه. ولذلك قال عبيد الله بن جحش، والسكران بن عمرو، للمسلمين ببلاد ~~الحبشة: «إنا فقحنا وصأصأتم» «1» . قال بعض الرجاز في بعض الصبيان «2» : ~~[من الرجز] # أقبح به من ولد وأشقح ... مثل جري الكلب لم يفقح # إن يسر سار لم يقم فينبح ... بالباب عند حاجة المستفتح # ويقال لولد الأسد جرو وأجراء وجراء، وهي لجميع السباع، ويقال له خاصة: # شبل. والجمع أشبال وشبول. وقال زهير: [من الكامل] # ولأنت أشجع حين تتجه ال ... أبطال من ليث أبي أجر «3» ### || 465- [خبث الثعلب] # وحدثني صديق لي قال: تعجب أخ لنا من خبث الثعلب. وكان صاحب قنص، وقال لي ~~ما أعجب أمر الثعلب! يفصل بين الكلب والكلاب، فيحتال للكلاب بما يعلم أنه ~~يجوز عليه، ولا يحتال مثل تلك الحيلة للكلب، لأن الكلب لا يخفى عليه الميت ~~من المغشي عليه. ولا ينفع عنده التماوت. ولذلك لا يحمل من مات من المجوس ~~إلى النار حتى يدنى منه كلب، لأنه لا يخفى عليه مغمور الحس أحي هو أو ميت. ~~وللكلب عند ذلك عمل يستدل به المجوس. # قال: وذلك أني هجمت على ثعلب في مضيق، ومعي بني لي، فإذا هو ميت # PageV02P403 # منتفخ، فصددت عنه، فلم ألبث أن لحقتني الكلاب. فلما أحس بها وثب كالبرق، ~~بعد أن تحايد عن السنن، فسألت عن ذلك فإذا ذلك من فعله معروف، وهو أن ~~يستلقي وينفخ خواصره ويرفع قوائمه، فلا يشك من رآه من الناس أنه ميت منذ ~~دهر، وقد تزكر «1» بالانتفاخ بدنه، فكنت أتعجب من ذلك، إذ مررت في الزقاق ~~الذي في أصل دار العباسية ومنفذه إلى مازن، فإذا جرو كلب مهزول سيئ الغذاء، ~~قد ضربه الصبيان وعقروه ففر منهم ودخل الزقاق، فرمى بنفسه في أصل أسطوانة ~~وتبعوه حتى هجموا عليه، فإذا هو قد تماوت فضربوه بأرجلهم فلم يتحرك ~~فانصرفوا عنه. فلما جاوزوا تأملت عينه فإذا هو يفتحها ويغمضها، فلما بعدوا ~~عنه وأمنهم عدا، وأخذ في غير طريقهم فأذهب الذي كان في نفسي للثعلب، إذا ~~كان الثعلب ليس ms0302 فيه إلا الروغان والمكر، وقد ساواه الكلب في أجود حيله. ### || 466- [مقايسه بين الثعلب والكلب] # ومع الكلب بعد ما ليس معه، إلا أن يفخر بفروته «2» في موضع انتفاع الناس ~~به، فجعر الكلب للذبحة أنفع منه، إذ كان في الذبحة الموت وليس يقوم مقامه ~~شيء. # وجلد الثعلب منه عوض «3» . ### || 467- [قول صاحب الديك في الكلاب] # قال صاحب الديك: شرار عباد الله من قتل أولاد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. ولم نجد شعراء الناس شبهوا أولئك القاتلين بشيء سوى الكلاب. قال أبو ~~نضلة الأبار، في قتل سلم بن أحوز المازني، صاحب شرطة نصر بن سيار الليثي، ~~يحيى بن زيد وأصحابه، فقال: [من الطويل] # ألم تر ليثا ما الذي ختمت به ... لها الويل في سلطانها المتخاذل # كلاب تعاوت لا هدى الله سبلها ... فجاءت بصيد لا يحل لآكل # بنفسي وأهلي فاطمي تقنصوا ... زمان عمى من أمة وتخاذل # لقد كشفت للناس ليث عن استها ... وغاب قبيل الحق دون القبائل # قال صاحب الديك: وروى هشيم عن المغيرة عن إبراهيم قال: لم يكونوا ينهوننا ~~عن شيء من اللعب ونحن غلمان إلا الكلاب. # PageV02P404 ### || 468- [التقامر بالبيض] # وذكر محمد بن عجلان المديني عن زيد بن أسلم، أنه كان لا يرى بأسا بالبيض ~~الذي يتقامر به الفتيان، أن يهدى إليه منه شيء أو يشتريه فيأكله. # وهشام بن حسان قال: سئل الحسن عن البيض يلعب به الصبيان يشتريه الرجل ~~فيأكله، فلم ير به بأسا وإن أطعموه أن يأكل منه. والجوز الذي يلعب به ~~الصبيان. # وحاتم بن إسماعيل الكوفي قال: حدثنا عبد الرحمن بن حرملة، عن سعيد بن ~~المسيب، أنه لم يكن يرى بأسا بالبيض الذي يلعب به الصبيان. ### || 469- [قتل الحيات والكلاب] # قال: وحدثني ابن جريج قال، وأخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أخبرني ~~أبو الطفيل أنه سمع علي بن أبي طالب يقول: اقتلوا من الحيات ذا الطفيتين ~~«1» ، والكلب الأسود البهيم ذا الغرتين «2» . # قال: والغرة: حوة تكون بعينيه. ### || 470- [قول صاحب الكلب في صقاع الديك] # قال صاحب الكلب: قد أخبرني أبو حرب عن ms0303 منصور القصاب، قال: سألت الحسن عن ~~البيض الذي يتقامرون به، فكرهه. # وما رأينا قط أحدا يريد الادلاج ينتظر صقاع الديك «3» . وإنما يوالي ~~الديك بين صياحه قبيل الفجر ثم مع الفجر إلى أن ينبسط النهار، وفيما بين ~~الفجر وامتداد النهار لا يحتاج الناس إلى الاستدلال بأن يصوت الديك. ولها ~~في الأسحار أيضا بالليل الصيحة والصيحتان، وكذلك الحمار. على أن الحمار ~~أبعد صوتا، وأجدر أن ينبه كل نائم لحاجة إن كانت له. وما رأينا صاحب سحور ~~يستعمله، وكذلك صاحب الأذان، وما رأيناه يتكل في وقت أذانه على صياح الديك، ~~لأن صورة صوته ومقدار مخرجه في السحر الأكبر كصياحه قبل الفجر. وصياحه قبل ~~الفجر؛ كصياحه وقد نور الفجر وقد أضاء النهار. ولو كان بين الصيحتين فرق ~~وعلامة كان لعمري ذلك دليلا. # ولكنه من سمع هتافه وصقاعه فإنما يفزع إلى مواضع الكواكب، وإلى مطلع ~~الفجر الكاذب والصادق. # PageV02P405 # والديك له عدة أصوات بالنهار لا يغادر منها شيئا، ولتلك أوقات لا يحتاج ~~فيها الناس إليه. ### || 471- [طرائق معرفة الأوقات] # وملوكنا وعلماؤنا يستعملون بالنهار الأسطرلابات، وبالليل البنكامات، ولهم ~~بالنهار سوى الأسطرلابات خطوط وظل يعرفون به ما مضى من النهار وما بقي. # ورأيناهم يتفقدون المطالع والمجاري. ورأينا أصحاب البساتين وكل من كان ~~بقرب الرياض، يعرفون ذلك بريح الأزهار. ورأينا الروم ونصارى القرى يعرفون ~~ذلك بحركات الخنازير وببكورها وغدوها وأصواتها، ولذلك قالوا في وصف الرجل: ~~له وثبة الأسد، وروغان الثعلب، وانسلاب الذئب «1» وجمع الذرة وبكور ~~الخنزير. والراعي يعرف ذلك في بكور الإبل وفي حنينها وغير ذلك من أمرها. ### || 472- [هديل الحمام] # وللحمام أوقات صياح ودعاء مع الصبح وقبيل ذلك على نسق واحد، ولكن الناس ~~إنما ذكروا ذلك في الديك والحمار، لامتداد أصواتهما. # وهديل الحمام ودعاؤه لا يجوز بعيدا، إلا ما كان من الوراشين «2» والفواخت ~~في رؤوس النخل وأعالي الأشجار، فلعمري إن ذلك لما يسمع من موضع صالح البعد. ### || 473- [ما يصيح من الطير مع السحر والصبح] # وللعصافير والخطاطيف وعامة الطير، مما يصير أو يصرصر «3» ، ومما يهدل مع ~~الفجر إلى بعيد ذلك- صياح كثير. ms0304 ثم الذي لا يدع الصياح في الأسحار مع الصبح ~~أبدا الضوع «4» ، والصدى «5» ، والهامة، والبومة وهذا الشكل من الطير. وقد ~~كتبنا في غير هذا الموضع الأشعار في ذلك «6» . # PageV02P406 # قال: وقد يصيح مع الصبح البوم، والصدى والهام، والضوع والخطاطيف، ~~والعصافير، والحمر «1» في ذلك الوقت أكثر من الديكة. قال الوليد بن يزيد في ~~ذلك: # [من الهزج] # سليمى تيك في العير ... قفي إن شئت أو سيري «2» # فلما أن دنا الصبح ... بأصوات العصافير # وقال كلثوم بن عمرو العتابي: [من البسيط] # يا ليلة لي بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير «3» # فالعصافير والخطاطيف والحمر «4» والحمام والضوعان «5» وأصناف البوم كلها ~~تقوم مقام الديك. وقال ثعلبة بن صعير المازني: [من الكامل] # أعمير ما يدريك أن رب فتية ... بيض الوجوه ذوي ندى ومآثر «6» # حسني الفكاهة لا تذم لحامهم ... سبطي الأكف لدى الحروب مساعر «7» # باكرتهم بسباء جون مترع ... قبل الصباح وقبل لغو الطائر «8» ### || 474- [صوت الديك وما قيل فيه من الشعر] # قال: ويقال لصوت الديكة الدعاء. والزقاء، والهتاف، والصراخ، والصقاع. # وهو يهتف ويصقع ويزقو ويصرخ. وقال جران العود: [من الطويل] # تميل بك الدنيا ويغلبك الهوى ... كما مال خوار النقا المتقصف «9» # ونلغى كأنا مغنم قد حويته ... وترغب عن جزل العطاء وتصدف # فموعدك الشط الذي بين أهلنا ... وأهلك حتى تسمع الديك يهتف # PageV02P407 # وقال الممزق العبدي: [من الطويل] # وقد تخذت رجلاي في جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرق «1» # أنيخت بجو يصرخ الديك عندها ... وباتت بقاع كادئ النبت سملق «2» # وقال لبيد: [من الطويل] # لدن أن دعا ديك الصباح بسحرة ... إلى قدر ورد الخامس المتأوب «3» ### || 475- [طيور الليل] # ويقال للطائر الذي يخرج من وكره بالليل البومة والصدى والهامة والضوع ~~والوطواط والخفاش، وغراب الليل، ويصيد بعضها الفأر وسام أبرص والقطا وصغار ~~الحشرات، وبعضها يصيد البعوض والفراش وما أشبه ذلك. والبوم يدخل بالليل على ~~كل طائر في بيته، ويخرجه منه ويأكل فراخه وبيضه. وهذه الأسماء مشتركة. ### || [ما قيل من الشعر في الهامة و الصدي] # وقال خزيمة بن أسلم: [من الطويل] # فلا تزقون لي هامة فوق مرقب ... فإن زقاء الهام ms0305 أخبث خابث # وقال عبد الله بن خازم أو غيره: [من الوافر] # فإن تك هامة بهراة تزقو ... فقد أزقيت بالمروين هاما «4» # وقال توبة بن الحمير: [من الطويل] # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح «5» # PageV02P408 # لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح # وقال الراجز: [من الرجز] # ومنهل طامسة أعلامه ... يعوي به الذئب ويزقو هامه # وأنشدني في الصدى: [من الطويل] # تجشمت من جراك والبوم والصدى ... له صائح أن كنت أسريت من أجلي # وقال سويد بن أبي كاهل في الضوع: [من الرمل] # لن يضرني غير أن يحسدني ... فهو يزقو مثل ما يزقو الضوع «1» # قال: في قراءة ابن مسعود: إن كانت إلا # زقية واحدة # «2» ، ونفخ في # «3» الزقية يريد الصور. # وصوت الدجاجة القوقأة، تقول هي تقوقئ. ### || 476- [شعر في الدجاج] # وقال أعرابي: [من الطويل] # أليس يرى عيني جبيرة زوجها ... ومحجرها، قامت عليه النوائح # تنجبها لا أكثر الله خيره ... رميصاء قد شابت عليها المسائح «4» # لها أنف خنزير وساقا دجاجة ... ورؤيتها ترح من العيش تارح # وقال العجير السلولي: [من البسيط] # لا نوم إلا غرار العين ساهرة ... حتى أصيب بغيظ آل مطلوب «5» # إن تهجروني فقد بدلت أيكتكم ... ذرق الدجاج بحفاز اليعاقيب «6» # PageV02P409 # وقال أبو الأسود الدؤلي: [من الطويل] # ألم تعلما يا ابني دجاجة أنني ... أغش إذا ما النصح لم يتقبل «1» ### || 477- [شعر في هجاء الدجاج وهجاء من اتخذها] # وقال صاحب الكلب: وسنروي في الدجاج ونذكر كل من هجاها وهجا من اتخذها ~~وأشبهها في وجه من الوجوه، قال الراجز «2» : [من الرجز] # أقبلن من نير ومن سواج «3» ... بالحي قد مل من الإدلاج # فهم رجاج وعلى رجاج «4» ... يمشون أفواجا إلى أفواج # مشي الفراريج إلى الدجاج # وقال عبد الله بن الحجاج: [من الوافر] # فإن يعرض أبو العباس عني ... ويركب بي عروضا عن عروض «5» # ويجعل وده يوما لغيري ... ويبغضني فإني من بغيض # فنصر الله يأسو كل جرح ... ويجبر كسر ذي العظم المهيض # فدى لك من إذا ما جئت يوما ... تلقاني بجامعة ربوض «6» # لدى جنب الخوان وذاك فحش ... وبئست خبزة الشيخ المريض ms0306 # كأني إذ فزعت إلى أحيح ... فزعت إلى مقوقية بيوض «7» # إوزة غيضة لقحت كشافا ... لفقحتها إذا بركت نقيض «8» # PageV02P410 # وقالت امرأة في زوجها وهي ترقص ابنا لها منه «1» : [من الرجز] # وهبته من سلفع أفوك ... ومن هبل قد عسا حنيك «2» # أشهب ذي رأس كرأس الديك # تريد بقولها «أشهب» أنه شيخ وشعر جسده أبيض وأن لحيته حمراء. # وقد قال الشاعر، وهو الأعشى: [من الخفيف] # وبني المنذر الأشاهب بالحي ... ره يمشون غدوة كالسيوف «3» # وإنما أراد الأعشى أن يعظم ويفخم أمرهم وشأنهم، بأن يجعلهم شيوخا. # وأما قولها: «ذي رأس كرأس الديك» فإنما تعني أنه مخضوب الرأس واللحية. # وقال الآخر: «4» [من البسيط] # حلت خويلة في حي مجاورة ... أهل المدائن فيها الديك والفيل # يقارعون رؤوس العجم ضاحية ... منهم فوارس لا عزل ولا ميل «5» # قال ابن أحمر: [من البسيط] # في رأس خلقاء من عنقاء مشرفة ... لا يبتغى دونها سهل ولا جبل «6» # إلا كمثلك فينا غير أن لنا ... شوقا وذلك مما كلفت جلل # هيهات حي غدوا من ثجر منزلهم ... حي بنجران صاح الديك فاحتملوا «7» # وقال «8» : [من الطويل] # أبعد حلول بالركاء وجامل ... غدا سارحا من حولنا وتنشرا «9» # PageV02P411 # تبدلت إصطبلا وتلا وجرة ... وديكا إذا ما آنس الفجر فرفرا «1» # وبستان ذي ثورين لا لين عنده ... إذا ما طغى ناطوره وتغشمرا «2» # وقال أوس بن حجر: [من البسيط] # كأن هرا جنيبا عند مغرضها ... والتف ديك برجليها وخنزير «3» # وقال الحكم بن عبدل: [من الطويل] # مررت على بغل تزفك تسعة ... كأنك ديك مائل الرأس أعور «4» # تخيرت أثوابا لزينة منظر ... وأنت إلى وجه يزينك أفقر # وقال النمر بن تولب: [من الوافر] # أعذني رب من حصر وعي ... ومن نفس أعالجها علاجا «5» # ومن حاجات نفسي فاعصمني ... فإن لمضمرات النفس حاجا # وأنت وليها وبرئت منها ... إليك وما قضيت فلا خلاجا # وأنت وهبتها كوما جلادا ... أرجي النسل منها والنتاجا «6» # وتأمرني ربيعة كل يوم ... لأشريها وأقتني الدجاجا # وما تغني الدجاج الضيف عني ... وليس بنافعي إلا نضاجا # أأهلكها وقد لاقيت فيها ... مرار الطعن والضرب الشجاجا # وتذهب باطلا غدوات صهبى ... على الأعداء تختلج اختلاجا # جموم ms0307 الشد شائلة الذنابى ... تخال بياض غرتها سراجا # وشدي في الكريهة كل يوم ... إذا الأصوات خالطت العجاجا # وقال عبد الرحمن بن الحكم: [من الوافر] # وللأنصار آكل في قراها ... لخبث الأطعمات من الدجاج # PageV02P412 # وقال الآخر لصاحبه: [من الرجز] # آذيتنا بديكك السلاح ... فنجنا من منتن الأرواح «1» # وقالوا: «هو أسلح من حبارى» ساعة الخوف، ومن «دجاجة» ، ساعة الأمن. # وقال عقيل بن علفة: [من الطويل] # وهل أشهدن خيلا كأن غبارها ... بأسفل علكد دواخن تنضب «2» # تبيت على رمض كأن عيونهم ... فقاح الدجاج في الودي المعصب «3» ### || 478- [كلب الرفقة] # وقال صاحب الديك: حدث الأصمعي قال: أخبرني العلاء بن أسلم قال: # أردت الخروج إلى مكة المعظمة، شرفها الله تعالى، فجاءني هشام بن عقبة- ~~وهو أخو ذي الرمة- فقال لي: يا ابن أخي، إنك تريد سفرا يحضر الشيطان فيه ~~حضورا لا يحضره في غيره، فاتق الله وصل الصلوات لوقتها فإنك مصليها لا ~~محالة، فصلها وهي تنفعك، وأعلم أن لكل رفقة كلبا ينبح عليهم، فإن كان نهب ~~شركوه فيه، وإن كان عار تقلده دونهم فلا تكن كلب الرفقة # «4» !! وقد رووا شبيها بذلك عن تبيع بن كعب. ### || 479- [أم كلبة] # وقال زيد الخيل: [من الكامل] # يا نصر نصر بني قعين إنما ... أنتم إماء يتبعن الأشترا «5» # يتبعن فضلة أير كلب منغظ ... عض الكلاب بعجبه فاستثفرا «6» # قال «7» : فلما قدم زيد من عند النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أبرح فتى ~~إن لم تدركه أم كلبة» ، # يعني الحمى. # PageV02P413 ### || 480- [الكلب بين الهجاء والفخر] # وقال جرير في البعيث: [من الطويل] # إذا أنت لاقيت البعيث وجدته ... أشح على الزاد الخبيث من الكلب # وقال صاحب الكلب: وقد قال عمرو بن معد يكرب: [من الهزج] # وقد كنت إذا ما الحي ... يوما كرهوا صلحي «1» # ألف الخيل بالخيل ... وأكفي النبح بالنبح ### || 481- [استعارات من اسم الكلب] # قال ومن الاستعارات من اسم الكلب قول الرجل منهم، إن أوطن نفسه على شيء: ~~قد ضربت جروتي، وضربت عليه «2» . وقال أبو النجم: [من الرجز] # حتى إذا ما ابيض جرو التتفل ... وبدلت والدهر ذو تبدل «3» # وقال: [من الطويل] # من الحنظل العامي ms0308 جرو مفلق «4» # وقال عتبة الأعور: [من مجزوء الكامل] # ذهب الذين أحبهم ... وبقيت فيمن لا أحبه # إذ لا يزال كريم قو ... مي فيهم كلب يسبه ### || 482- [احتقار العرب للصيد] # قال صاحب الديك: # فخرتم علينا بصيد الكلب، وهجوتم الديك إذ كان مما لا يصيد ولا يصاد به، ~~وقد وجدنا العرب يستذلون الصيد ويحقرون الصياد، فمن ذلك قول عمرو بن معد ~~يكرب: [من الكامل] # ابني زياد أنتم في قومكم ... ذنب ونحن فروع أصل طيب «5» # PageV02P414 # نصل الخميس إلى الخميس وأنتم ... بالقهر بين مربق ومكلب «1» # لا يحسبن بنو طليحة حربنا ... سوق الحمير بجأبة فالكوكب «2» # حيد عن المعروف سعي أبيهم ... طلب الوعول بوفضة وبأكلب «3» # حتى يكهن بعد شيب شامل ... ترحا له من كاهن متكذب ### || 483- [الاشتفاء بدماء الملوك] # وأما قول زهير: [من الطويل] # وإن يقتلوا فيشتفى بدمائهم ... وكانوا قديما من مناياهم القتل «4» # فهذا البيت نفسه ليس يدل على قولهم أن كل من كان به جنون أو كلب ثم حسا ~~من دم ملك أو سيد كريم أفاق وبرئ. ### || 484- [فرار الكلب من الماء] # وقد ضربوا لصاحب الكلب أمثالا في شدة طلبه الماء، وفي شدة فراره منه إذا ~~عاينه. # وقالوا وقلتم: فالماء المطلوب إذا عاينه من غير أن يمسه، وهو الطالب له ~~ولم يحرص عليه إلا من حاجة إليه. فكيف صار إذا رآه صاح؟! قالوا: وقد يعتري ~~الناظر إلى الماء، والذي يديم التحديق إليه وهو يمشي على قنطرة أو جرف أو ~~جسر الدوار، فإنه ربما رمى بنفسه من تلقاء نفسه إلى الماء، وإن كان لا يحسن ~~السباحة، وذلك إنما يكون على قدر ما يصادف ذلك من المرار. ومن الطباع. # فممن فعل ذلك بنفسه أبو الجهجهاه محمد بن مسعود، فكاد يموت حتى استخرج. ~~ومنهم منصور بن إسماعيل التمار، وجماعة قد عرفت حالهم. # PageV02P415 ### || 485- [ما يعتري المختنق والممرور] # وهذا كما يعتري الذي يصيبه الأسن «1» من البخار المختنق في البئر إذا صار ~~فيها، فإنه ربما استقى واستخرج وقد تغير عقله. وأصحاب الركايا «2» يرون أن ~~دواءه أن يلقوا عليه دثارا ثقيلا، وأن يزمل تزميلا وإن كان ms0309 في تموز وآب، ثم ~~يحرس وإن كان قريبا من رأس البئر، فإنه إن لم يحل بينه وبينها طرح نفسه في ~~تلك البئر، أتاها سعيا في أول ما يفتح عينه ويرجع إليه اليسير من عقله، حتى ~~يكفي نفسه فيها من ذات نفسه، في الموضع الذي قد لقي منه ما لقي، وقد كان ~~عنده معلوما أن القوم لو تركوه طرفة عين لهلك. هكذا كان عنده أيام صحة ~~عقله، فلما فسد أراه الفساد أن الرأي في العود إلى ذلك الموضع. # وكما يعتري الممرور «3» حتى يرجم الناس، فإن المرة تصور له أن الذي رجمه ~~قد كان يريد رجمه، فيرى أن الصواب أن يبدأه بالرجم وعلى مثل ذلك تريه المرة ~~أن طرحه نفسه في النار أجود وأحزم. # وليس في الأرض إنسان يذبح نفسه أو يختنق أو يتردى في بئر، أو يرمي نفسه ~~من حالق، إلا من خوف المثلة أو التعذيب أو التعيير وتقريع الشامتين، أو لأن ~~به وجعا شديدا فيحرك عليه المرة فيحمى لذلك بدنه ويسخن جوفه، فيطير من ذلك ~~شيء إلى دماغه أو قلبه، فيوهمه ذلك أن الصواب في قتل نفسه، وأن ذلك هو ~~الراحة. # وأن الحزم مع الراحة. # ولا يختار الخنق الوادع الرابح الرافه، السليم العقل والطباع. وللغيظ ~~ربما رمى بنفسه في هذه المهالك، وقذف بها في هذه المهاوي. # وقد يعتري الذي يصعد على مثل سنسيرة أو عقرقوف «4» أو خضراء زوج، فإنه ~~يعتريه أن يرمي بنفسه من تلقاء نفسه، فيرون عند ذلك أن يصعد إليه بعض ~~المعاودين المجربين، ولا يصنع شيئا حتى يشد عينيه، ويحتال لإنزاله، فهذا ~~المعنى عام فيمن كانت طبيعته تثور عند مثل هذه العلة، وما أكثر من لا ~~يعتريه ذلك. # وقد قال الناس في عذر هؤلاء ولأن فيهم ضروبا من الأقاويل. # PageV02P416 # وإنما تكلمنا على المغلوب. فأما من كانت هذه العوارض لا تفسد عقله، ولا ~~تنقض استطاعته، فليس بيننا اختلاف في أنه ملوم. على أن إلزامه اللائمة لا ~~يكون إلا من بعد خصومة طويلة، لا يصلح ذكرها في هذا الباب. ### || 486- [لؤم ms0310 الغراب وضعفه] # وقال صاحب الكلب «1» : الغراب من لئام الطير وليس من كرامها، ومن بغاثها ~~وليس من أحرارها، ومن ذوات البراثن الضعيفة والأظفار الكليلة، وليس من ذوات ~~المخالب المعقفة والأظفار الجارحة. ومن ذوات المناقير وليس من ذوات ~~المناسر. # وهو مع أنه قوي النظر. لا يتعاطى الصيد. وربما راوغ العصفور، ولا يصيد ~~الجرادة إلا أن يلقاها في سد «2» من الجراد. وهو فسل إن أصاب جيفة نال منها ~~وإلا مات هزالا، ويتقمم كما يتقمم بهائم الطير وضعافها، وليس ببهيمة لمكان ~~أكله الجيف، وليس بسبع لعجزه عن الصيد. ### || 487- [ألوان الغربان] # وهو مع ذلك يكون حالك السواد شديد الاحتراق، ويكون مثله من الناس الزنج ~~فإنهم شرار الناس، وأردأ الخلق تركيبا ومزاجا، كمن بردت بلاده فلم تطبخه ~~الأرحام، أو سخنت فأحرقته الأرحام. وإنما صارت عقول أهل بابل وإقليمها فوق ~~العقول، وجمالهم فوق الجمال لعلة الاعتدال. # والغراب إما أن يكون شديد الاحتراق فلا يكون له معرفة ولا جمال، وإما أن ~~يكون أبقع فيكون اختلاف تركيبه وتضاد أعضائه دليلا على فساد أمره. والبقع ~~ألأم من السود وأضعف. ### || 488- [أنواع الغربان] # ومن الغربان غراب الليل، وهو الذي ترك أخلاق الغربان وتشبه بأخلاق البوم» ~~. # ومنها غراب البين. وغراب البين «4» نوعان: أحدهما غربان صغار معروفة # PageV02P417 # بالضعف واللؤم والآخر: [كل غراب يتشاءم به. و] «1» إنما لزمه هذا الاسم ~~لأن الغراب إذا بان أهل الدار للنجعة، وقع في مرابض بيوتهم يلتمس ويتقمم، ~~فيتشاءمون به ويتطيرون منه، إذ كان لا يعتري منازلهم إلا إذا بانوا، فسموه ~~غراب البين. ثم كرهوا إطلاق ذلك الاسم له مخافة الزجر والطيرة، وعلموا أنه ~~نافذ البصر صافي العين- حتى قالوا: «أصفى من عين الغراب» «2» . كما قالوا: ~~«أصفى من عين الديك» «3» - فسموه الأعور كناية، كما كنوا طيرة عن الأعمى ~~فكنوه أبا بصير. وبها اكتنى الأعشى بعد أن عمي. ولذلك سموا الملدوغ ~~والمنهوش سليما، وقالوا للمهالك من الفيافي: # المفاوز. وهذا كثير. # والغدقان «4» جنس من الغربان، وهي لئام جدا. ### || 489- [التشاؤم بالغراب] # ومن أجل تشاؤمهم بالغراب اشتقوا من اسمه الغربة، والاغتراب، والغريب. # وليس في الأرض ms0311 بارح ولا نطيح «5» ، ولا قعيد، ولا أعضب «6» ولا شيء مما ~~يتشاءمون به إلا والغراب عندهم أنكد منه، يرون أنه صياحه أكثر أخبارا، وأن ~~الزجر فيه أعم. وقال عنترة: [من الكامل] # حرق الجناح كأن لحيى رأسه ... جلمان، بالأخبار هش مولع «7» ### || 490- [التعاير بأكل لحم الغراب] # وهو عندهم عار، وهم يتعايرون بأكل لحمه. ولو كان ذلك منهم لأنه يأكل # PageV02P418 # اللحوم، ولأنه سبع، لكانت الضواري والجوارح أحق بذلك عندهم. وقد قال وعلة ~~الجرمي: [من الوافر] # فما بالعار ما عيرتمونا ... شواء الناهضات مع الخبيص «1» # فما لحم الغراب لنا بزاد ... ولا سرطان أنهار البريص «2» ### || 491- [فسق الغراب وتأويل رؤياه] # قال: والغربان جنس من الأجناس التي أمر بقتلها في الحل والحرم «3» ، ~~وسميت بالفسق وهي فواسق، اشتق لها من اسم إبليس. # وقالوا: رأى فلان فيما يرى النائم أنه يسقط أعظم صومعة بالمدينة غراب. # فقال سعيد بن المسيب: يتزوج أفسق الفاسقين امرأة من أهل المدينة. فلم ~~يلبثوا إلا أياما حتى كان ذلك. ### || 492- [غراب نوح] # وقالوا في المثل «4» : «لا يرجع فلان حتى يرجع # غراب نوح» # «5» ، وأهل البصرة يقولون: «حتى يرجع نشيط من مرو» «6» ، وأهل الكوفة ~~يقولون: «حتى يرجع مصقلة من سجستان» «7» . [وكما تقول العرب: حتى يؤوب ~~القارظ العنزي] «8» فهو مثل في كل موضع من المكروه. # PageV02P419 ### || 493- [قبح فرخ الغراب و فرخ العقاب] # وزعم الأصمعي عن خلف الأحمر، أنه قال: رأيت فرخ غراب فلم أر صورة أقبح ~~ولا أسمج ولا أبغض ولا أقذر ولا أنتن منه. وزعم أن فراخ الغربان أنتن من ~~الهدهد- على أن الهدهد مثل في النتن- فذكر عظم رأس وصغر بدن، وطول منقار ~~وقصر جناح، وأنه أمرط أسود، وساقط النفس، ومنتن الريح. # وصاحب المنطق يزعم أن رؤية فرخ العقاب أمر صعب، وشيء عسى. ولست أحسن أن ~~أقضى بينهما. # والغربان عندنا بالبصرة أوابد غير قواطع، وهي تفرخ عندنا في رؤوس النخل ~~الشامخة، والأشجار العالية. ### || 494- [أسطورة خداع الغراب للديك] # # فالغراب عند العرب مع هذا كله، قد خدع الديك وتلعب به «1» ، ورهنه عند ~~الخمار، وتخلص من الغرم، وأغلقه عند الخمار، فصار له الغنم وعلى ms0312 الديك ~~الغرم، ثم تركه تركا ضرب به المثل. # فإن كان معنى الخبر على ظاهر لفظه. فالديك هو المغبون والمخدوع والمسخور ~~به، ثم كان المتلعب به أنذل الطير وألأمه. # وإن كان هذا القول مهم يجري مجرى الأمثال المضروبة، فلولا أن عليا الديك ~~في قلوبهم دون محل الغراب- على لؤم الغراب ونذالته وموقه وقلة معرفته- لما ~~وضعوه في هذا الموضع. ### || 495- [دهاء أمية بن أبي الصلت] # فإن أردتم معرفة ذلك فانظروا في أشعارهم المعروفة، وأخباره الصحيحة ثم ~~ابدؤوا بقول أمية بن أبي الصلت، فقد كان داهية من دواهي ثقيف، وثقيف من ~~دهاة العرب، وقد بلغ من اقتداره في نفسه أنه قد كان هم بادعاء النبوة، وهو ~~يعلم كيف الخصال التي يكون الرجل بها نبيا أو متنبيا إذا اجتمعت له، نعم ~~وحتى ترشح «2» لذلك بطلب الروايات، ودرس الكتب، وقد بان عند العرب علامة، ~~ومعروفا بالجولان في البلاد، راوية. # PageV02P420 ### || 496- [ حديث العرب في الغراب و الديك و طوق الحمامة] # وفي كثير من الروايات من أحاديث العرب، أن الديك كان نديما للغراب، ~~وأنهما شربا الخمر عند خمار ولم يعطياه شيئا، وذهب الغراب ليأتيه بالثمن ~~حين شرب، ورهن الديك، فخاس به، فبقي محبوسا. ### || 497- [الغراب والحمامة في سفينة نوح] # وأن نوحا صلى الله عليه وسلم حين بقي في اللجة أياما بعث الغراب، فوقع ~~على جيفة ولم يرجع، ثم بعث الحمامة لتنظر هل ترى في الأرض موضعا يكون ~~للسفينة مرفأ، واستجعلت «1» على نوح الطوق الذي في عنقها، فرشاها بذلك- أي ~~فجعل ذلك جعلا لها. # وفي جميع ذلك يقول أمية بن أبي الصلت: [من الوافر] # بآية قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب «2» # يقول: حين تركه في أيديهم وذهب وتركه. # والعامة تضرب به المثل وتقول: «ما هو إلا غراب نوح» «3» . # ثم قال: [من الوافر] # وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تدل على المهالك لا تهاب # تلمس هل ترى في الأرض عينا ... وغايتها من الماء العباب «4» # فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليه الثأط والطين الكباب «5» # فلما فرسوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب «6» # إذا ماتت ms0313 تورثه بنيها ... وإن تقتل فليس لها استلاب «7» # PageV02P421 # كذي الأفعى ترببها لديه ... وذي الجني أرسله تساب «1» # فلا رب المنية يأمننها ... ولا الجني أصبح يستتاب # الجني: إبليس؛ لذنوبه. والأفعى هي الحية التي كلم إبليس آدم من جوفها. # ومن لا علم عنده يروي أيضا أن إبليس قد دخل جوف الحمار مرة، وذلك أن نوحا ~~لما دخل السفينة تمنع الحمار بعسره ونكده، وكان إبليس قد أخذ بذنبه. وقال ~~آخرون: بل كان في جوفه فلما قال نوح للحمار: ادخل يا ملعون! ودخل الحمار، ~~دخل إبليس معه، إذ كان في جوفه. قال: فلما رآه نوح في السفينة قال: يا ~~ملعون من أدخلك السفينة؟ قال: أنت أمرتني. قال: ومتى أمرتك؟ قال: حين قلت، ~~ادخل يا ملعون، ولم يكن ثم ملعون غيري. ### || 498- [شعر أمية في الديك والغراب والحمامة] # قال أمية بن أبي الصلت: [من الخفيف] # هو أبدى من كل ما يأثر النا ... س أماثيل باقيات سفورا «2» # خلق النخل مصعدات تراها ... تقصف اليابسات والخضورا «3» # والتماسيح والثياتل والإ ... يل شتى والريم واليعفورا «4» # وصوارا من النواشط عينا ... ونعاما خواضبا وحميرا «5» # وأسودا عواديا وفيولا ... وذيابا والوحش والخنزيرا # وديوكا تدعو الغراب لصلح ... وإوزين أخرجت وصقورا» # قال: ثم ذكر الحمامة فقال «7» : [من الخفيف] # سمع الله لابن آدم نوح ... ربنا ذو الجلال والإفضال # PageV02P422 # حين أوفى بذي الحمامة والنا ... س جميعا في فلكه كالعيال # فأتته بالصدق لما رشاها ... وبقطف لما غدا عثكال «1» # ووصف في هذه القصيدة أمر الحمامة والغراب صفة ثانية، وغير ذلك، وبدأ بذكر ~~السفينة فقال «2» : [من الطويل] # ترفع في جري كأن أطيطه ... صريف محال تستعيد الدواليا «3» # على ظهر جون لم يعد لراكب ... سراه وغيم ألبس الماء داجيا «4» # فصارت بها أيامها ثم سبعة ... وست ليال ذائبات غواطيا «5» # تشق بهم تهوي بأحسن إمرة ... كأن عليها هاديا ونواتيا «6» # وكان لها الجودي نهيا وغاية ... وأصبح عنه موجه متراخيا «7» # [ثم قال] : # وما كان أصحاب الحمامة خيفة ... غداة غدت منهم تضم الخوافيا # رسولا لهم والله يحكم أمره ... يبين لهم هل يؤنس الترب باديا # فجاءت بقطف آية مستبينة ... فأصبح منها موضع ms0314 الطين جاديا «8» # على خطمها واستوهبت ثم طوقها ... وقالت ألا لا تجعل الطوق حاليا «9» # ولا ذهبا، إني أخاف نبالهم ... يخالونه مالي وليس بماليا # وزدني على طوقي من الحلي زينة ... تصيب إذا أتبعت طوقي خضابيا # وزدني لطرف العين منك بنعمة ... وأرث إذا ما مت طوقي حماميا # يكون لأولادي جمالا وزينة ... ويهوين زيني زينة أن يرانيا «10» # PageV02P423 # ثم عاد أيضا في ذكر الديك فقال: # ولا غرو إلا الديك مدمن خمرة ... نديم غراب لا يمل الحوانيا «1» # ومرهنه عن الغراب حبيبه ... فأوفيت مرهونا وخلفا مسابيا «2» # أدل عليه الديك: إني كما ترى ... فأقبل على شأني وهاك ردائيا # أمنتك لا تلبث من الدهر ساعة ... ولا نصفها حتى تؤوب مآبيا # ولا تدركنك الشمس عند طلوعها ... فأعلق فيهم أو يطول ثوائيا # فرد الغراب والرداء يحوزه ... إلى الديك وعدا كاذبا وأمانيا # بأية ذنب أو بأية حجة ... أدعك فلا تدعو علي ولا ليا # فإني نذرت حجة لن أعوقها ... فلا تدعوني مرة من ورائيا # تطيرت منها والدعاء يعوقني ... وأزمعت حجا أن أطير أماميا # فلا تيأسن إني مع الصبح باكر ... أوافي غدا نحو الحجيج الغواديا # لحب امرئ فاكهته قبل حجتي ... وآثرت عمدا شأنه قبل شانيا «3» # هنالك ظن الديك إذ زال زوله ... وطال عليه الليل ألا مفاديا «4» # فلما أضاء الصبح طرب صرخة ... ألا يا غراب هل سمعت ندائيا # على وده لو كان ثم مجيبه ... وكان له ندمان صدق مواتيا # وأمسى الغراب يضرب الأرض كلها ... عتيقا وأضحى الديك في القد عانيا «5» # فذلك مما أسهب الخمر لبه ... ونادم ندمانا من الطير عاديا «6» ### || 499- [ما يلقم فراخه وما يزقها] # قال: ومن الطير ما يلقم فراخه مثل العصفور، لأن العصفور لا يزق. وكذلك ~~أشباه العصفور. # ومن الطير ما يزق فراخه، مثل الحمام وما أشبه ذلك كبهائم الطير الخالصة. # لأن الدجاجة تأكل اللحم، وتلغ في الدم، وولدها حين يخرج من البيض يخرج ~~كاسبا # PageV02P424 # مليحا، كيسا بصيرا بما يعيشه ويقوته، ولا يحتاج إلى تلقيم سباع الطير ~~والعصافير لأولادها، لأن أولادها إذ لم ترضع ولم تلقط الحب كالفراريج أول ~~ما تخرج من البيض ms0315 ولم تزقها الآباء ولا الأمهات كأجناس الحمام- فلا بد لها ~~من تلقيم. ### || 500- [ما له طبيعة مشتركة من الطير] # والفروج مشترك الطبيعة. قد أخذ من طبائع الجوارح نصيبا، وهو أكله للحم، ~~وحسوه للدم، وأكله للديدان وما هو أقذر من الذباب، والعصفور أيضا مشارك ~~الطباع، لأنه يجمع بين أكل الحبوب واللحمان، وبين لقط الحبوب وصيد أجناس ~~كثيرة من الحيوان، كالنمل إذا طار. وكالجراد، وغير ذلك. وليس في الأرض رأس ~~أشبه برأس الحية من العصفور «1» . ### || 501- [هداية العصفور] # والعصفور يتعالى ويطير، ويهتدي ويستجيب. ولقد بلغني أنه قد رجع من قريب ~~من فرسخ. وهي تكون عندنا بالبصرة في الدور، فإذا أمكنت الثمار «2» لم تجد ~~منها إلا اليسير، فتصير من القواطع إلى قاصي النخل، وذلك أنها إذا مرت ~~بعصافير القرى وقد سبقت إلى ما هو إليها أقرب، جاوزتها إلى ما هو أبعد، ثم ~~تقرب الأيام الكثيرة إلى ما هو أبعد، ثم تقرب الأيام الكثيرة المقدار، في ~~المسافة إلى أكثر مما ذكرت من الفرسخ أضعافا. ### || 502- [تخنن العصافير و تعطفها] # [أشد تعطفا من عصفور] # والعصافير لا تقيم في دور الأمصار إذا شخص أهلها عنها، إلا ما كان منها ~~مقيما على بيض أو فراخ، فإنه ليس في الأرض طائر أحنى على ولده ولا # أشد تعطفا من عصفور. # والذي يدل على أن في طبعها من ذلك ما ليس في طبع سواها من الطير الذي تجد ~~من إسعاد بعضهن لبعض، إذا دخلت الحية إلى جحر بعضهن لتأكل فرخا، أو تبتلع ~~بيضا، فإن لأبوي الفرخ عند ذلك صياحا وقلقا وطيرانا، وتدفيفا وترنيقا «3» ~~فوق الجحر ودونه وحواليه، فلا يبقى عصفور من حيث يسمع صياحهما أو يسمع ~~أصواتهما إلا جئن أرسالا مسعدات، يصنعن معهما كما يصنعان. # PageV02P425 ### || 503- [ حذر العصفور] # وليس في الأرض أصدق حذرا منه، ويقال إنه في ذلك لأكثر من العقعق «1» ~~والغراب. # وخبرني من يصيد العصافير قال: ربما كان العصفور ساقطا على حائط سطح ~~بحذائي، فيغمني صياحه وحدة صوته، فأصبح وأومئ إليه بيدي، وأشير كأني أرميه، ~~فما يطير. حتى ربما أهويت إلى الأرض كأني أتناول ms0316 شيئا، كل ذلك لا يتحرك له. ~~فإن مست يدي أديي حصاة أو نواة وأنا أريد رميها، طار قبل أن تستمكن منها ~~يدي «2» . ### || 504- [سفاد العصفور و أثر في عمره] «3» # وليس في الطير أكثر عدد سفاد من العصافير «4» ، ولذلك يقال إنها أقصر ~~الطير أعمارا. ويقال إنه ليس شيء مما يألف الناس ويعايشهم في دورهم أقصر ~~عمرا منها، يعنون: من الخيل والبغال والحمير، والبقر والغنم، والكلاب ~~والسنانير، والخطاطيف والزرازير، والحمام والدجاج. ### || 505- [نقزان العصفور] # ولا يقدر العصفور على المشي، وليس عنده إلا النقزان «5» ، ولذلك يسمى ~~النقاز، وإنما يجمع رجليه ثم يثب، وذلك في جميع حركاته، وفي جميع ذهابه ~~ومجيئه. فهي الصعو، والعصافير، والنقاقيز. وإن هو مشى هذه المشية- التي هي ~~نقزان- على سطح وإن ارتفع سمكه، فكأنك تسمع لوطئه وقع حجر، لشدة وطئه، ~~ولصلابة مشيه، وهو ضد الفيل؛ لأن إنسانا لو كان جالسا ومن خلف ظهره فيل لما ~~شعر به، لخفة وقع قوائمه، مع سرعة مشي وتمكين في الخطا. ### || 506- [سبعية الرخم والنسر] # والرخم والنسر سباع، وإنما قصر بها عدم السلاح. فأما البدن والقوة ففوق ~~جميع الجوارح. ولكنها في معنى الدجاج، لمكان البراثن ولعدم المخالب. # PageV02P426 ### || 507- [وفاء العصافير] # ولقد رأيت سنورا وثب على فرخ عصفور فأخطأه فتناول الفرخ بعض الغلمان ~~فوضعه في البيت، فكان أبوه يجىء حتى يطعمه، فلما قوي وكاد يطير جعله في ~~قفص، فرأيت أباه يجيء يتخرق السنانير وهي تهم به، حتى يدخل إليه من أعلى ~~فتح الباب، وهي تهم بالوثوب والاختطاف له، حتى يسقط على القفص فينازعه ~~ساعة، فإذا لم يجد إلى الوصول سبيلا طار فسقط خارجا من البيت، ثم لا يصبر ~~حتى يعود. # فكان ذلك دأبه. فلما قوي فرخه أرسلوه معه فطارا جميعا. # وعرفنا أنه الأب دون الأم لسواد اللحية. ### || 508- [القول في سماجة صوت الديك] # قال: والدليل على أن صوت الديك كريه في السماع، غير مطرب، قول الشاعر «1» ~~: [من الكامل] # ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا ... وأمله ديك الصباح صياحا # أوفى على شعف الجدار بسدفة ... غردا يصفق بالجناح جناحا «2» ### || 509- [صغر قدر الدجاج] # قال: ويدل على صغر ms0317 قدر الدجاج # عندهم قول بشار بن برد الأعمى «3» : [من الوافر] # بجدك يا ابن أقرع نلت مالا ... ألا إن اللئام لهم جدود # فمن نذر الزيادة في الهدايا ... أقمت دجاجة فيمن يزيد ### || 510- [أثر كثرة الدجاج في عدد بيضها و فراريجها] «4» # قال: وإذا كثر الدجاج في دار أو إصطبل أو قرية، لم يكن عدد بيضها ~~وفراريجها على حسب ما كان يبيض القليل منهن ويفرخه. يعرف ذلك تجار الدجاج ~~ومن اتخذها للغلة. ### || [رعي الدجاج في مصر] # وهي بمصر ترعى كما يرعى الغنم، ولها راع وقيم. # PageV02P427 ### || 511- [فراخ الدجاج وفراخ الحمام] # والموت إلى الدجاج سريع جدا، العادة في صغار فراريجها خلاف ما عليها نتو ~~فراخ الحمام، لأن الفروج تتصدع عنه البيضة فهو كيس ظريف، مليح مقبول، محب، ~~غني بنفسه، مكتف بمعرفته، بصير بموضع معيشته من لقط الحب، ومن صيد الذباب ~~وصغار الطير من الهوام. ويخرج كاسيا حتى كأنه من أولاد ذوات الأربع. # ويخرج سريع الحركة شديد الصوت حديده، يدعى بالنقر فيجيب، ولا يقال له: ~~قر، قر، ثلاث مرات- حتى يلقنه. فإن استدبره مستدبر ودعاه عطف عليه، وتتبع ~~الذي يطعمه ويلاعبه، وإن تباعد من مكانه الأول. فهو آلف شيء. ثم كلما مرت ~~عليه الأيام ماق وحمق، ونقص كيسه، وأقبل قبحه وأدبر ملحه. فلا يزال كذلك ~~حتى ينسلخ من جميع ما كان يحب له إلى ضد ذلك، ويصير من حالة إلى حال لم ~~يبلغ الانتفاع بذبحه وبيضه وفراريجه. وذهب عنهم الاستمتاع بكيسه. ولا يكاد ~~يقبل الشحم. حتى يلحق بأبيه، وكذلك إن كانت أنثى، لا تقبل السمن، ولا تحمل ~~اللحم حتى تكاد تلحق بأمها في الجثة. # والفرخ يخرج حارضا «1» ساقطا، أنقص من أن يقال له مائق، وأقبح شيء، وهو ~~في ذلك عاري الجلد مختلف الأوصال متفاوت الأعضاء، ضعيف الحوصلة، عظيم ~~المنقار، فكلما مرت به الأيام زادت في لحمه وشحمه، وفي معرفته وبصره، حتى ~~إذا بلغ خرج منه من الأمور المحمودة ما عسى لو أن واصفا تتبع ذلك لملأ منه ~~الأجلاد الكثيرة. ثم إذا جاز حد الفراخ إلى حد النواهض «2» ، إلى ms0318 حد العتق ~~والمخالب «3» ، قل لحمه وذهب شحمه على حساب ذلك ينقص. فإذا تم وانتهى لم ~~تكن في الأرض دابة ولا طائر أقل شحما ولا أخبث لحما منه، ولا أجدر ألا يقبل ~~شيئا من السمن ولو تخيروا له فؤارة «4» المسمنات وما يسمن به- ما سمن. ### || 512- [علة قلة البيض و الفراخ إذا كثر الدجاج] # وسألت عن السبب الذي صار له الدجاج إذا كثرن قل بيضهن وفراخهن، فزعموا ~~أنها في طباع النخل، فإن النخلة إذا زحمت أختها، بل إذا مس طرف سعفها # PageV02P428 # طرف سعف الأخرى وجاورتها، وضيقت عليها في الهواء، وكذلك أطراف العروق في ~~الأرض- كان ذلك كربا عليها وغما. # قالوا: فتدانيها وتضاغطها، وأنفاسها وأنفاس أبدانها، يحدث لها فسادا. # قال: وكما أن الحمام إذا كثرت في الكنة «1» والشريحة احتاجت إلى شمس وإلى ~~ماء تغتسل فيه في بعض الأحايين، وإلى أن تكون بيوتها مكنوسة في بعض الأوقات ~~ومرشوشة، وإلا لم يكن لها كبير بيض. على أنه إذا كان لها في الصميمين الدفء ~~في الشتاء والكن في الصيف، لم تغادر الدهر كله أن تبيض. ### || 513- [فخر صاحب الديك بكثرة ما اشتق من البيض] # قال صاحب الديك: فخرتم للكلب بكثرة ما اشتق للأشياء من اسم الكلب، وقد ~~اشتق لأكثر من ذلك العدد من البيض، فقالوا لقلانس الحديد: بيض، وقالوا: # فلان يدفع عن بيضة الإسلام، وقالوا «2» : قال علي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: أنا بيضة البلد. وفي موضع الذم من قولهم «3» : [من البسيط] # تأبى قضاعة أن تدري لكم نسبا ... وابنا نزار وأنتم بيضة البلد # ويسمى رأس الصومعة والقبة بيضة. ويقال للمجلس إذا كان معمورا غير مطول ~~بيض جاثمة، ويقال للوعاء الذي يكون فيه الحبن والخراج- وهو الذي يجتمع فيه ~~القيح- بيضة. وقال الأشتر بن عبادة: [من الوافر] # يكف غروبها ويغض منها ... وراء القوم خشية أن يلاموا # مظاهر بيضتين على دلاص ... به من وقعة أخرى كلام # وقال النابغة: [من الوافر] # فصبحهم ململمة رداحا ... كأن رؤوسهم بيض النعام «4» # وقال العجير السلولي: [من الطويل] # إذا البيضة الصماء عضت صفيحة ... بحربائها صاحت صياحا وصلت # PageV02P429 ### || 514- [شرط ms0319 أبي عباد في الخمر] # ولما أنشدوا أبا عباد النمري قول ابن ميادة، وهو الرماح «1» : [من ~~الكامل] # ولقد غدوت على الفتى في رحله ... قبل الصباح بمترع نشاج «2» # جاد القلال له بدر صبابة ... حمراء مثل سخينة الأوداج «3» # حبست ثلاثة أحرس في دارة ... قوراء بين جوازل ودجاج «4» # تدع الغوي كأنه في نفسه ... ملك يعصب رأسه بالتاج # ويظل يحسب كل شيء حوله ... نجب العراق نزلن بالأحداج «5» # فحين سمعه أبو عباد يقول: # حبست ثلاثة أحرس في دارة ... قوراء بين جوازل ودجاج # قال: لو وجدت خمرا زيتية ذهبية، أصفى من عين الديك، وعين الغراب، ولعاب ~~الجندب وماء المفاصل، وأحسن حمرة من النار، ومن نجيع «6» غزال، ومن فوة ~~الصباغ- لما شربتها حتى أعلم أنها من عصير الأرجل، وأنها من نبات القرى، ~~وما لم تكدر في الزقاق، وأن العنكبوت قد نسجت عليها، وأنها لم تصر كذلك إلا ~~وسط دسكرة، وفي قرية سوادية وحولها دجاج وفراريج. وإن لم تكن رقطاء أو فيها ~~رقط فإنها لم تتم كما أريد. وأعجب من هذا أني لا أنتفع بشربها حتى يكون ~~بائعها على غير الإسلام. ويكون شيخا لا يفصح بالعربية، ويكون قميصه متقطعا ~~بالقار. # وأعجب من هذا أن الذي لا بد منه أن يكون اسمه وإن كان مجوسيا شهريار، ~~ومازيار، وما أشبه ذلك، مثل أدير، واردان، ويازان. فإن كان يهوديا فاسمه ~~مانشا، وأشلوما، وأشباه ذلك، وإن كان نصرانيا فاسمه يوشع وشمعون وأشباه ~~ذلك. ### || 515- [استطراد لغوي] # ويقال حمس الشر وأحمس إذا اشتد. ويقال قد احتمس الديكان احتماسا، إذا # PageV02P430 # اقتتلا اقتتالا شديدا، ويقال وقع الطائر يقع وقوعا. وكل واقع فمصدره ~~الوقوع، ومكانه موقعة، والجمع مواقع. وقال الراجز «1» : [من الرجز] # كأن متنيه من النفي ... مواقع الطير على الصفي «2» # يقال صفا وصفي. والنفي: ما نفى الرشاء من الماء، وما تنفيه مشافر الإبل ~~من من الماء المدير «3» . فشبه مكانه على ظهر الساقي والمستقي بذرق الطير ~~على الصفا. # ويقال: وقع الشيء من يدي وقوعا، وسقط من يدي سقوطا. ويقال وقع الربيع ~~بالأرض، ويقال سقط. وقال الراعي: [من الكامل] # وقع الربيع ms0320 وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزل نسولا «4» ### || 516- [لؤم الفروج] # قال: وكان عندنا فروج، وفي الدار سنانير تعابث الحمام وفراخه، وكان ~~الفروج يهرب منها إلى الحمام، فجاؤونا بدراج، فترك الحمام وصار مع الدراج، ~~ثم اشترينا فروجا كسكريا للذبح فجعلناه في قفص، فترك الدراج ولزم قرب ~~القفص، فجئنا بدجاجة فترك الديك وصار مع الدجاجة، فذكرت قول الفزر عبد بني ~~فزارة- وكانت بأذنه خربة «5» -: إن الوئام يتنزع في جميع الطمش «6» ، لا ~~يقرب العنز الضأن ما وجدت المعز، وتنفر [الشاء] «7» من المخلب ولا تتأنس ~~بالخف. فجعلها كما ترى تنفر ولا تأنس منزله وكذلك حدثنا الأصمعي قال: قلت ~~للمنتجع بن نبهان- وكانت بأذنه خربة «8» - أكان تميم مسلما؟ قال: إن كان هو ~~الذي سمى ابنه زيد مناة فما كان # PageV02P431 # مسلما، وإلا يكن هو الذي سماه فلا أدري. ولم يقل: وإلا يكن هو سماه فقد ~~كان مسلما. ### || 517- [الوثام] [لولا الوئام لهلك الأنام] # والوئام: المشاكلة. وقالوا: تقول العرب #: «لولا الوئام لهلك الأنام» # «1» . وقال بعضهم: تأويل ذلك: لولا أن بعض الناس إذا رأى صاحبه قد صنع ~~خيرا فتشبه به لهلك الناس، وقال الآخرون: إنما ذهب إلى أنس بعض الناس ببعض، ~~كأنه قال: إنما يتعايشون على مقادير الأنس الذي بينهم، ولو عمتهم الوحشة ~~عمتهم الهلكة، وقال قوم بن مالك، في الوئام: [من الوافر] # علام أوائم البخلاء فيها ... فأقعد لا أزور ولا أزار «2» # وقال الأخطل «3» : [من البسيط] # نازعته في الدجى الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقفة الساري # وقال جرير «4» : [من البسيط] # لما مررت على الديرين أرقني ... صوت الدجاج وقرع بالنواقيس «5» ### || 518- [شعر في الديكة والدجاج] # قالوا: وقد وجدنا الديكة والدجاج وأفعالها، مذكورات في مواضع كثيرة، قال ~~ذو الرمة «6» : [من البسيط] # كأن أصوات من إيغالهن بنا ... أواخر الميس أصوات الفراريج «7» # PageV02P432 # وقال الهذلي «1» : [من المتقارب] # ومن أينها بعد إبدانها ... ومن شحم أثباجها الهابط «2» # تصيح جنادبه ركدا ... صياح المسامير في الواسط # فهو على كل مستوفز ... سقوط الدجاج على الحائط # وقال مروان بن محمد: [من السريع] # ضيع ما ورثه راشد ... من كيلة الأكداس في صفه # فرب كدس ms0321 قد علا رمسه ... كالديك إذ يعلو على رفه ### || 519- [بيضة الديك وبيضة العقر] # ويقال في المثل للذي يعطي عطية لا يعود في مثلها: «كانت بيضة الديك» «3» ~~. # فإن كان معروف له قيل: «بيضة العقر» «4» . ### || 520- [استطراد لغوي] # ويقال دجاجة بيوض في دجاج بيض وبيض، بإسكان موضع العين من الفعل من لغة ~~سفلى مضر، وضم موضع العين من نظيره من الفعل مع الفاء من لغة أهل الحجاز. # ويقال عمد الجرح يعمد عمدا، إذا عصر قبل أن ينضج فورم ولم يخرج بيضته ~~وذلك الوعاء والغلاف الذى يجمع المدة يسمى بيضة، وإذا خرج ذلك بالعصر من ~~موضع العين فقد أفاق صاحبه. # ويقال حضن الطائر فهو يحضن حضانا. ### || 521- [السفاد و الضراب و نحوهما] # ويقال «5» : هو التسافد من الطير، والتعاظل من السباع. ويقال قمط الحمام ~~الحمامة وسفدها، ويقال قعا الفحل يقعو قعوا، وهو إرساله بنفسه عليها في ~~ضرابه، # PageV02P433 # والفحل من الخف يضرب، وهو القعو والضراب. ومن الظلف والحافر ينزو نزوا، ~~وكذلك السنانير، والظليم يقعو، وكل الطير يقعو قعوا، وأما الخف والظلف فإنه ~~يقعو بعد التسنم. وهو ضراب كله ما خلا التسنم. وأما الظلف خاصة فهو قافط، ~~يقال قفط يقفط قفطا. أو القفط نزوة واحدة. وليس في الحافر إلا النزو. ### || 522- [حضن الدجاج بيض الطاوس] # قال «1» : ويوضع بيض الطاوس تحت الدجاجة، وأكثر ذلك لأن الذكر يعبث ~~بالأنثى إذا حضنت، قال: ولهذه العلة كثير من إناث طير الوحش يهربن بيضهن من ~~ذكورتها، ثم لا تضعه بحيث يشعر به ذكورتهن. # قال: ويوضع تحت الدجاجة بيضتان من بيض الطاوس، لا تقوى على تسخين أكثر من ~~ذلك. على أنهم يتعهدون الدجاجة بجميع حوائجها خوفا من أن تقوم عنه فيفسده ~~الهواء. ### || 523- [خصى ذكور الطير] # قال: وخصى ذكور أجناس الطير تكون في أوان أول السفاد أعظم. وكلما كان ~~الطير أعظم سفادا. كانت خصيته أعظم، مثل الديك، والقبج، والحجل. # وخصية العصفور أعظم من خصية ما يساويه في الجثة مرتين. ### || 524- [بيض الدجاج] # قال: وكل ما كان من الدجاج أصغر جثة يكون أكبر لبيضه. وبعض الدجاج يكون ~~يبيض بيضا ms0322 كثيرا، وربما باض بيضتين في يوم واحد؛ وإذا عرض له ذلك كان من ~~أسباب موته «2» . ### || 525- [شعر في صفة الديك] # وقال آخر «3» في صفة الديك: [من البسيط] # ماذا يؤرقني والنوم يعجبني ... من صوت ذي رعثات ساكن الدار # PageV02P434 # كأن حماضة في رأسه نبتت ... من آخر الليل قد همت بإثمار «1» # وقال الطرماح «2» : [من الطويل] # فيا صبح كمش غبر الليل مصعدا ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح # إذا صاح لم يخذل وجاوب صوته ... حماش الشوى يصدحن من كل مصدح ### || 526- [حضن الحمام بيض الدجاج] # # قال «3» : والفروج إذا خرج من بيضه عن حضن الحمام، كان أكيس له. ### || 527- [بيض الطاوس] # وبيض الطاوس إذا لم تحضنه الأنثى التي باضته خرج الفرخ أقمأ وأصغر. ### || 528- [بيض الدجاج] # قال: وإذا أهرمت الدجاجة فليس لأواخر ما تبيض صفرة. وقد عاينوا للبيضة ~~الواحدة محتين، خبرني بذلك جماعة ممن يتعرف الأمور. وإذا لم يكن للبيضة مح ~~لم يخلق من البيضة فروج ولا فرخ، لأنه ليس له طعام يغذوه ويربيه. والبيض ~~إذا كان فيه محتان وكان البياض وافرا- ولا يكون ذلك للمسنات- فإذا كان ذلك ~~خلق الله تعالى من البياض فروجين، وتربى الفروجان، وتم الخلق، لأن الفرخ ~~إنما يخلق من البياض، والصفرة غذاء الفروج. ### || 529- [استطراد لغوي] # قال: ويقال قفط الطائر يقفط قفطا، وسفد يسفد سفادا، وهما واحد. ويكون ~~السفاد للكلب والشاة، ويقال قمط الحمام يقمط قمطا. # ويقال ذرق الطائر يذرق ذرقا، وخزق يخزق خزقا، يقال ذلك للإنسان، فإذا # PageV02P435 # اشتق له من الحذقة نفسه ومن اسمه الذي هو اسمه قيل خرئ، وهو الخرء ~~والخراء. # ويقال للحافر راث يروث، وللمعز والشاء: بعر يبعر، ويقال للنعام: صام ~~يصوم، وللطير: نجا ينجو واسم نجو النعام الصوم، واسم نجو الطير العرة. وقال ~~الطرماح: # [من المديد] # في شناظي أقن بينها ... عرة الطير كصوم النعام «1» # ويقال للصبي عقى، مأخوذ من العقي. # ويقال لحمت الطير، ويقال ألحم طائرك إلحاما، أي أطعمه لحما واتخذ له. # ويقال هي لحمة النسب، ويقال ألحمت الثوب إلحاما، وألحمت الطائر إلحاما، ~~وهي لحمة الثوب، ولحمة، بالفتح والضم. ### || 530- [صفاء عين الديك] # ومن ms0323 خصال الديك المحمودة قولهم في الشراب: «أصفى من عين الديك» وإذا ~~وصفوا عين الحمام الفقيع بالحمرة، أو عين الجراد قالوا: كأنها عين الديك. ~~وإذا قالوا: «أصفى من عين الغراب» فإنما يريدون حدته ونفاذ البصر. ### || [ما قيل في عين الديك] # وفي عين الديك يقول الأعشى: [من الطويل] # وكأس كعين الديك باكرت حدها ... بغرتها إذ غاب عنها بغاتها «2» # وقال آخر: [من الطويل] # وكأس كعين الديك باكرت حدها ... بفتيان صدق والنواقيس تضرب «3» # وقال آخر «4» : [من الخفيف] # قدمته على عقار كعين الدي ... ك صفى زلالها الراووق # PageV02P436 # وقال الآخر «1» : [من الطويل] # ثلاثة أحوال وشهرا مجرما ... تضيء كعين العترفان المحارب # والعترفان من أسماء الديك، وسماه بالمحارب كما سماه بالعترفان. ### || 531- [وصف الماء الصافي] # وإذا وصفوا الماء والشراب بالصافي قالوا، كأنه الدمع، وكأنه ماء قطر، ~~وكأنه ماء مفصل، وكأنه لعاب الجندب، إلا أن هذا الشاعر قال: [من الطويل] # مطبقة ملآنة بابلية ... كأن حمياها عيون الجنادب # وقال آخر «2» : [من الطويل] # وما قرقف من أذرعات كأنها ... إذا سكبت من دنها ماء مفصل ### || 532- [المفاصل وماء المفاصل] # والمفاصل: ماء بين السهل والجبل، وقال أبو ذؤيب «3» : [من الطويل] # مطافيل أبكار حديث نتاجها ... تشاب بماء مثل ماء المفاصل # وقال ابن نجيم: إنما عنوا مفاصل فقار الجمل، لأن لكل مفصل حقا، فيستنقع ~~فيه ماء أبدا أصفى ولا أحسن منه وإن رق. ### || 533- [ثقوب بصر الكلب و سمعه] # وقال مرة قطرب، وهو محمد بن المستنير النحوي: «والله لفلان أبصر من كلب، ~~وأسمع من كلب، وأشم من كلب» !. فقيل له: أنشدنا في ذلك ما يشبه قولك. فأنشد ~~قوله «4» : [من البسيط] # يا ربة البيت قومي غير صاغرة ... حطي إليك رحال القوم فالقربا «5» # PageV02P437 # في ليلة من جمادى ذات أندية ... لا يبصر الكلب من ظلمائها الطنبا «1» # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... حتى يجر على خيشومه الذنبا # وأنشد هذا البيت في ثقوب بصره، والشعر لمرة بن محكان السعدي. # ثم أنشد في ثقوب السمع: [من الطويل] # خفي السرى لا يسمع الكلب وطأه ... أتى دون نبح الكلب والكلب دابب ### || 534- [خصال القائد التركي] # قال ms0324 أبو الحسن: قال نصر بن سيار الليثي: كان عظماء الترك يقولون للقائد ~~العظيم القيادة: لا بد أن تكون فيه عشر خصال من أخلاق الحيوان: سخاء الديك، ~~وتحنن الدجاجة، وقلب الأسد، وحملة الخنزير، وروغان الثعلب، وختل الذئب، ~~وصبر الكلب على لجراحة، وحذر الغراب، وحراسة الكركي، وهداية الحمام «2» . # وقد كتبنا هذا في باب ما للدجاج والديك، لأن صاحب هذا الكلام قسم هذه ~~الخصال، فأعطى كل جنس منها خصلة واحدة وأعطى جنس الدجاج خصلتين. ### || 535- [بعض ما ورد من الحديث والخبر في الديك] # وعباد بن إبراهيم عن عبد الرحمن بن زيد قال: كان مكحول يسافر بالديك، ~~وعنه في هذا الإسناد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الديك صديقي، وصديق ~~صديقي، وعدو عدو الله، يحفظ داره وأربع دور من حواليه» «3» . # والمسيب بن شريك عن الأعمش نحسبه عن إبراهيم، قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «لا تذبحوا الديك، فإن الشيطان يفرح به» «4» . # والقربا» ، ما الفائدة في هذا؟ فقال: كان الضيف إذا نزل بالعرب في ~~الجاهلية ضموا إليه رحله، وبقي سلاحه معه لا يؤخذ خوفا من البيان والإغارة» ~~، فقال مرة بن محكان يخاطب امرأته: ضمي إليك رحال هؤلاء الضيفان وسلاحهم، ~~فإنهم عندي في عز وأمن من الغارات والبيات، فليسوا ممن يحتاج أن يبيت لابسا ~~سلاحه) . # PageV02P438 ### || 536- [ريش جناح الطائر] # قال «1» : وليس جناح إلا وفيه عشرون ريشة: فأربع قوادم. وأربع مناكب، ~~وأربع أباهر، وأربع كلى، وأربع خواف، ويقال: سبع قوادم، وسبع خواف، وسائره ~~لقب. ### || 537- [الكف و الركبه لدى الإنسان وذوات الأربع] # قال: وكل شيء من ذوات الأربع فركبتاه في يديه، وركبتا الإنسان في رجليه، ~~قال: والإنسان كفه في يده، والطائر كفه في رجله. ### || 538- [أسنان الإنسان] # قال «2» : وفي الفم ثنيتان ورباعيتان ونابان وضاحكان وأربعة أرحاء سوى ~~ضرس الحكم. والنواجذ والعوارض سواء. ومثلها أسفل. ### || 539- [التفاؤل بالدجاجة] # قال صاحب الديك: والدجاجة يتفاءل بذكرها، ولذلك لما ولد لسعيد بن العاص ~~عنبسة بن سعيد، قال لابنه يحيى: أى شيء تنحلة؟ قال: دجاجة بفراريجها! يريد ~~احتقاره بذلك، إذ كان ابن أمة ولم ms0325 يكن ابن حرة. فقال سعيد- أو قيل له-: إن ~~صدق الطير ليكونن أكثرهم ولدا! فهم اليوم أكثرهم ولدا «3» ، وهم بالكوفة ~~والمدينة. ### || 540- [شعر في الدجاج] # وقال الشاعر «4» : [من الوافر] # غدوت بشربة من ذات عرق ... إبا الدهناء من حلب العصير # وأخرى بالعقنقل ثم سرنا ... نرى العصفور أعظم من بعير # كأن الديك ديك بني نمير ... أمير المؤمنين على السرير # كأن دجاجهم في الدار رقطا ... بنات الروم في قمص الحرير # PageV02P439 # فبت أرى الكواكب دانيات ... ينلن أنامل الرجل القصير # أدافعهن بالكفين عني ... وأمسح جانب القمر المنير ### || 541- [نطق الدجاج] # قال: ويوصف بالدعاء وبالمنطق، قال لبيد بن ربيعة: [من السريع] # وصدهم منطق الدجاج عن القص ... د وضرب الناقوس فاجتنبا «1» # وقال: [من الطويل] # لدن أن دعا ديك الصباح بسحرة ... إلى قدر ورد الخامس المتأوب «2» ### || 542- [دعابة أعرابي، وقسمته للدجاج] # قال أبو الحسن: حدثني أعرابي كان ينزل بالبصرة قال «3» : قدم أعرابي من ~~البادية فأنزلته، وكان عندي دجاج كثير، ولي امرأة وابنان وابنتان منها، ~~فقلب لامرأتي: بادري واشوي لنا دجاجة وقدميها إلينا نتغداها فلما حضر ~~الغداء جلسنا جميعا أنا وامراتي وابناي وابنتاي والأعرابي. قال: فدفعنا ~~إليه الدجاجة فقلنا له: # اقسمها بيننا- نريد بذلك أن نضحك منه- فقال: لا أحسن القسمة، فإن رضيتم ~~بقسمتي قسمتها بينكم، قلنا: فإنا نرضى. فأخذ رأس الدجاجة فقطعه فناولنيه ~~وقال: # الرأس للرأس، وقطع الجناحين وقال: الجناحان للابنين. ثم قطع الساقين ~~فقال: # الساقان للابنتين. ثم قطع الزمكي وقال: العجز للعجز. [ثم قطع الزور] «4» ~~وقال: # الزور للزائر: قال فأخذ الدجاجة بأسرها وسخر بنا. قال: فلما كان من الغد ~~قلت لامرأتي: اشوي لنا خمس دجاجات. فلما حضر الغداء. قلت: اقسم بيننا. قال: ~~إني أظن أنكم وجدتم في أنفسكم! قلنا: لا! لم نجد في أنفسنا فأقسم. قال: ~~أقسم شفعا أو وترا، قلنا: اقسم وترا قال: أنت وامرأتك ودجاجة ثلاثة. ثم رمى ~~إلينا بدجاجة. ثم قال: وابناك ودجاجة ثلاثة. ثم رمى إليهما بدجاجة. ثم قال: ~~وابنتاك ودجاجة ثلاثة. ثم رمى إليهما بدجاجة. ثم قال: أنا ودجاجاتان ثلاثة. ~~وأخذ دجاجتين وسخر بنا. قال: فرآنا ونحن ننظر ms0326 إلى دجاجتيه فقال: ما تنظرون! ~~لعلكم # PageV02P440 # كرهتم قسمتي الوتر لا يجيء إلا هكذا، فهل لكم في قسمة الشفع؟ قلنا: نعم. # فضمهن إليه، ثم قال: أنت وابناك ودجاجة أربعة. ورمى إلينا بدجاجة، ثم ~~قال: # والعجوز وابنتاها ودجاجة أربعة، ورمى إليهن بدجاجة، ثم قال: أنا وثلاث ~~دجاجات أربعة، وضم إليه الثلاث، ورفع يديه إلى السماء وقال: اللهم الحمد، ~~أنت فهمتنيها! ### || 543- [ قول صاحب الكلب في كيس الفروج] # قال صاحب الكلب: [أما قولهم] «1» : من أعظم مفاخر الديك والدجاج على سائر ~~الحيوان، إن الفروج يخرج من البيضة كاسيا يكفي نفسه، ثم يجمع كيس الخلقة ~~وكيس المعرفة، وذلك كله مع خروجه من البيضة- فقد زعم صاحب المنطق أن ولد ~~العنكبوت يأخذ في النسج ساعة يولد. وعمل العنكبوت عمل شاق ولطيف دقيق، لا ~~يبلغه الفروج ولا أبو الفروج!! على أن ما مدحوا الفروج به من خروجه من ~~البيضة كاسيا، قد شركه في حاله غير جنسه. وكذلك ذوات الأربع كلها تلد كواسي ~~كواسب، كولد الشاء. # وفراخ القبج والدراج، وفراخ البط الصيني في ذلك كله لا حقة بالفراريج، ~~وتزيد على ذلك أنها تزداد حسنا كلما كبرت. فقد سقط هذا الفخر. ### || 544- [شعر هزلي في الديك] # ومن الشعر الذي قيل في الديك، مما يكتب للهزل وليس للجد والفائدة، قول ~~أبي الشمقمق: [من مجزوء الرمل] # هتفت أم حصين ... ثم قالت: من ينيك # فتحت فرجا رحيبا ... مثل صحراء العتيك # فيه وز فيه بط ... فيه دراج وديك ### || 545- [حديث صاحب الأهواز عن العرب] # قال: ومما فيه ذكر الدجاج وليس من شكل ما بنينا كلامنا عليه. ولكنه يكتب ~~لما فيه من العجب. قال: قال الهامرز. قال «2» صاحب الأهواز: ما رأينا قوما ~~أعجب من العرب! أتيت الأحنف بن قيس فكلمته في حاجة لي إلى ابن زياد، وكنت ~~قد ظلمت في الخراج، فكلمه فأحسن إلي وحط عني، فأهديت إليه هدايا كثيرة فغضب ~~وقال: إنا لا نأخذ على معونتنا أجرا! فلما كنت في بعض الطريق سقطت من ردائي # PageV02P441 # دجاجة فلحقني رجل منهم فقال: هذه سقطت من ردائك. فأمرت له بدرهم، ms0327 ثم ~~لحقني بالأبلة فقال: أنا صاحب الدجاجة! فأمرت له بدراهم؛ ثم لحقني بالأهواز ~~فقال: أنا صاحب الدجاجة! فقلت له: إن رأيت زادي بعد هذا كله قد سقط فلا ~~تعلمني، وهو لك!! ### || 546- [جرو البطحاء] # قال صاحب الكلب: كان يقال لأبي العاصي بن الربيع بن عبد العزى بن عبد ~~شمس، وهو زوج زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولأخيه كنانة بن ~~الربيع: جرو البطحاء. ### || 547- [المورياني و أسطورة البازي والديك] # قال صاحب الديك لصاحب الكلب: وسنضرب لك المثل الذي ضربه المورياني للديك ~~والبازي: وذلك أن خلاد بن يزيد الأرقط قال: بينما أبو أيوب المورياني جالس ~~في أمره ونهيه، إذ أتاه رسول أبي جعفر فانتقع لونه، وطارت عصافير رأسه «1» ~~، وأذن بيوم بأسه، وذعر ذعرا نقض حبوته «2» ، واستطار فؤاده، ثم عاد طلق ~~الوجه، فتعجبنا من حاليه وقلنا له: إنك لطيف الخاصة قريب المنزلة. فلم ذهب ~~بك الذعر واستفرغك الوجل؟ فقال: سأضرب لكم مثلا من أمثال الناس. # زعموا أن البازي قال للديك: ما في الأرض شيء أقل وفاء منك! قال: وكيف؟ # قال: أخذك أهلك بيضة فحضنوك، ثم خرجت على أيديهم فأطعموك على أكفهم، ~~ونشأت بينهم، حتى إذا كبرت صرت لا يدنو منك أحد إلا طرت هاهنا وهاهنا وضججت ~~وصحت. وأخذت أنا من الجبال مسنا فعلموني وألفوني، ثم يخلى عني فآخذ صيدي في ~~الهواء فأجيء به إلى صاحبي. فقال له الديك: إنك لو رأيت من البزاة في ~~سفافيدهم مثل ما رأيت من الديوك لكنت أنفر مني! ولكنكم أنتم لو علمتم ما ~~أعلم، لم تتعجبوا من خوفي، مع ما ترون من تمكن حالي. ### || 548- [استجادة الخيل و الكلاب] # قال صاحب الكلب: ذكر محمد بن سلام عن سعيد بن صخر قال: أرسل مسلم بن ~~عمرو، ابن عم له إلى الشام ومصر يشتري له خيلا، فقال له: لا علم لي # PageV02P442 # بالخيل- وكان صاحب قنص- قال: ألست صاحب كلاب؟ قال: بلى. قال فانظر كل شيء ~~تستحسنه في الكلب فاستعمله في الفرس. فقدم بخيل لم يكن في العرب مثلها. ### || 549- [حاجة الديك إلى الدجاجة] ms0328 # قال محمد بن سلام: استأذن رجل على امرأة فقالت له: ماله من حاجة. قالت ~~الجارية: يريد أن يذكر حاجة. قالت: لعلها حاجة الديك إلى الدجاجة! «1» . ### || 550- [هرب الكميت من السجن متنكرا بثياب زوجه] # محمد بن سلام عن سلام أبي المنذر قال «2» : حبس خالد بن عبد الله الكميت ~~ابن زيد، وكانت امرأته تختلف إليه في ثياب وهيئة حتى عرفها البوابون، فلبس ~~يوما ثيابها وخرج عليهم. فسمى في شعره «3» البوابين النوابح، وسمى خالدا ~~المشلي: # [من الطويل] # خرجت خروج القدح قدح ابن مقبل ... على الرغم من تلك النوابح والمشلي «4» # علي ثياب الغانيات وتحتها ... صريمة عزم أشبهت سلة النصل ### || 551- [فتيا الحسن في استبدال البيض] # قال: وأخبرنا خشرم قال: سمعت فلانا البقال يسأل الحسن قال: إن الصبيان ~~يأتونني ببيضتين مكسورتين، يأخذون مني صحيحة واحدة. قال: ليس به بأس. ### || 552- [أرحام الكلاب] # محمد بن سلام عن بعض أشياخه قال: قال مصعب بن الزبير على منبر مسجد ~~البصرة، لبعض بني أبي بكره: إنما كانت أمكم مثل الكلبة، ينزو عليها الأعفر ~~والأسود والأبقع، فتؤدي إلى كل كلب شبهه «5» . # هذا في هذا الموضع هجاء، وأصحاب الكلاب يرون هذا من باب النجابة، وأن ذلك ~~من صحة طباع الأرحام، حين لا تختلط النطف فتجيء جوارح الأولاد مختلفة ~~مختلطة. # PageV02P443 ### || 553- [من وصية عثمان الخياط للشطار] # وقال صاحب الكلب: في # وصية عثمان الخياط للشطار # اللصوص: إياكم إياكم وحب النساء وسماع ضرب العود، وشرب الزبيب المطبوخ، ~~وعليكم باتخاذ الغلمان؛ فإن غلامك هذا أنفع لك من أخيك، وأعون لك من ابن ~~عمك، وعليكم بنبيذ التمر، وضرب الطنبور، وما كان عليه السلف واجعلوا النقل ~~باقلاء، وإن قدتم على الفستق، والريحان شاهسفرم «1» ، وإن قدرتم على ~~الياسمين. ودعوا لبس العمائم وعليكم بالقناع. والقلنسوة كفر، والخف شرك، ~~واجعل لهوك الحمام، وهارش الكلاب وإياك والكباش واللعب بالصقورة والشواهين، ~~وإياكم والفهود. # فلما انتهى إلى الديك قال: والديك فإن له صبرا ونجدة، وروغانا وتدبيرا، ~~وإعمالا للسلاح، وهو يبهر بهر الشجاع. # ثم قال: وعليكم بالنرد ودعوا الشطرنج لأهلها، ولا تلعبوا في النرد إلا ~~بالطويلتين. والودغ «2» رأس ms0329 مال كبير، وأول منافعه الحذق باللقف «3» . # ثم حدثهم بحديث يزيد بن مسعود القيسي. ### || 554- [ ما يصيده الكلب الأسود البهيم] # وقال صاحب الديك: ذكر محمد بن سلام عن يحيى بن النضر، عن أبي أمية عبد ~~الكريم المعلم قال: كان الحسن بن إبراهيم يكره صيد الكلب الأسود البهيم. ### || 555- [قصيدة ابن أبي كريمة في الكلب و الفهد] # وأنشد صاحب الكلب قول أحمد بن زياد بن أبي كريمة في صفة صيد الكلب، قصيدة ~~طويلة أولها «4» : [من الطويل] # وغب غمام مزقت عن سمائه ... شامية حصاء جون السحائب «5» # مواجه طلق لم يردد جهامه ... تذاؤب أرواح الصبا والجنائب # PageV02P444 # بعثت وأثواب الدجى قد تقطصت ... لغرة مشهور من الصبح ثاقب «1» # وقد لاح ناعي الليل حتى كأنه ... لساري الدجى في الفجر قنديل راهب # بهاليل لا يثنيهم عن عزيمة ... وإن كان جم الرشد، لوم القرائب «2» # بتجنيب غضف كالقداح لطيفة ... مشرطة آذانها بالمخالب «3» # تخال سياطا في صلاها منوطة ... طوال الهوادي كالقداح الشوازب «4» # إذا افترشت خبتا أثارت بمتنه ... عجاجا وبالكذان نار الحباحب «5» # يفوت خطاها الطرف سبقا كأنها ... سهام مغال أو رجوم الكواكب # طراد الهوادي لاحها كل شتوة ... بطامسة الأرجاء مرت المسارب «6» # تكاد من الأحراج تنسل كلما ... رأت شبحا لولا اعتراض المناكب «7» # تسوف وتوفى كل نشز وفدفد ... مرابض أبناء النفاق الأرانب «8» # كأن بها ذعرا، يطير قلوبها ... أنين المكاكي أو صرير الجنادب «9» # تدير عيونا ركبت في براطل ... كجمر الغضى خزرا ذراب الأنائب «10» # إذا ما استحثت لم يجن طريدها ... لهن ضراء أو مجاري المذانب «11» # وإن باصها صلتا مدى الطرف أمسكت ... عليه بدون الجهد سبل المذاهب «12» # PageV02P445 # تكاد تفرى الأهب عنها إذا انتحت ... لنبأة شخت الجرم عاري الرواجب «1» # كأن غصون الخيزران متونها ... إذا هي جالت في طراد الثعالب «2» # كواشر عن أنيابهن كوالح ... مذلقة الآذان شوس الحواجب «3» # كأن بنات القفر حين تفرقت ... غدون عليها بالمنايا الشواعب «4» # ثم وصف الفهود: # بذلك أبغي الصيد طورا وتارة ... بمخطفة الأكفال رحب الترائب «5» # مرققة الأذناب نمر ظهورها ... مخططة الآماق غلب الغوارب «6» # مدنرة ورق كأن عيونها ... حواجل تستذمى متون الرواكب «7» # إذا قلبتها في الفجاج حسبتها ... سنا ms0330 ضرم في ظلمة الليل ثاقب «8» # مولعة فطح الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خط كاتب «9» # نواصب آذان لطاف كأنها ... مداهن، للإجراس من كل جانب 1» # ذوات أشاف ركبت في أكفها ... نوافذ في صم الصخور نواشب «11» # ذراب بلا ترهيف قين كأنها ... تعقرب أصداغ الملاح الكواعب «12» # فوارس مالم تلق حربا، ورجلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائب «13» # PageV02P446 # ترو وتسكين يكون دريئة ... لهن بذي الأسراب في كل لاحب «1» # تضاءل حتى لا تكاد تبينها ... عيون لدى الصرات غير كواذب # حراص يفوت البرق أمكث جريها ... ضراء مبلات بطول التجارب «2» # توسد أجياد الفرائس أذرعا ... مرملة تحكى عناق الحبائب «3» ### || 556- [سهل بن هارون وديكه] # قال دعبل الشاعر «4» : أقمنا عند سهل بن هارون فلم نبرح، حتى كدنا نموت ~~من الجوع، فلما اضطررناه قال: يا غلام، ويلك غدنا! قال: فأتينا بقصعة فيها ~~مرق فيه لحم [ديك عاس] «5» هرم ليس قبلها ولا بعدها غيرها لا تحز فيه ~~السكين، ولا تؤثر فيه الأضراس. فاطلع في القصعة وقلب بصره فيها، ثم أخذ ~~قطعة خبز يابس فقلب جميع ما في القصعة حتى فقد الرأس من الديك وحده، [فبقي ~~مطرقا ساعة] «6» ثم رفع رأسه إلى الغلام فقال: أين الرأس؟ فقال: رميت به. ~~قال: ولم رميت به؟ قال: لم أظنك تأكله! قال: ولأي شيء ظننت أني لا آكله؟ فو ~~الله إني لأمقت من يرمي برجليه [فكيف من يرمي برأسه] «7» ؟! ثم قال له: لو ~~لم أكره ما صنعت إلا للطيرة والفأل، لكرهته! الرأس رئيس وفيه الحواس، ومنه ~~يصدح الديك، ولولا صوته ما أريد؛ وفيه فرقه الذي يتبرك به، وعينه التي يضرب ~~بها المثل، يقال: «شراب كعين الديك» «8» ، ودماغه عجيب لوجع الكلية، ولم أر ~~عظما قط أهش تحت الأسنان من عظم رأسه، فهلا إذ ظننت أني لا آكله، ظننت أن ~~العيال يأكلونه؟! وإن كان بلغ من نبلك أنك لا تأكله، فإن عندنا من يأكله. ~~أو ما علمت أنه خير من طرف الجناح، ومن الساق والعنق! انظر أين هو؟ قال: ~~والله ما أدري أين رميت به! قال: لكني أدري أنك رميت به ms0331 في بطنك، والله ~~حسيبك! ### |PARATEXT| # كمل المصحف الثاني من كتاب الحيوان بحمد الله تعالى وحسن عونه ويتلوه في الثالث إن شاء الله ذكر الحمام PageV02P447 # بسم الله الرحمن الرحيم* ### | باب ذكر الحمام وما أودعها الله عز وجل من ضروب المعرفة، ومن الخصال المحمودة، لتعرف بذلك حكمة الصانع، وإتقان صنع المدبر. ### || 557 [استنشاط القارئ ببعض الهزل] # وإن كنا قد أمللناك بالجد وبالاحتجاجات الصحيحة والمروجة؛ لتكثر الخواطر، ~~وتشحذ العقول- فإنا سننشطك ببعض البطالات، وبذكر العلل الظريفة، ~~والاحتجاجات الغريبة؛ فرب شعر يبلغ بفرط غباوة صاحبه من السرور والضحك ~~والاستطراف، ما لا يبلغه حشد أحر النوادر، وأجمع المعاني. # وأنا أستظرف أمرين استظرافا شديدا: أحدهما استماع حديث الأعراب. والأمر ~~الآخر احتجاج متنازعين في الكلام، وهما لا يحسنان منه شيئا؛ فإنهما يثيران ~~من غريب الطيب ما يضحك كل ثكلان وإن تشدد، وكل غضبان وإن أحرقه لهيب الغضب. ~~ولو أن ذلك لا يحل لكان في باب اللهو والضحك والسرور والبطالة والتشاغل، ما ~~يجوز في كل فن. # وسنذكر من هذا الشكل عللا، ونورد عليك من احتجاجات الأغبياء حججا. فإن ~~كنت ممن يستعمل الملالة، وتعجل إليه السآمة، كان هذا الباب تنشيطا لقلبك، ~~وجماما لقوتك. ولنبتدئ النظر في باب الحمام وقد ذهب عنك الكلال وحدث ~~النشاط. # وإن كنت صاحب علم وجد، وكنت ممرنا موقحا، وكنت إلف تفكير وتنقير، ودراسة ~~كتب، وحلف تبين، وكان ذلك عادة لك لم يضرك مكانه من الكتاب، وتخطيه إلى ما ~~هو أولى بك. ### || 558- [ضرورة التنويع في التأليف] # وعلى أني قد عزمت- والله الموفق- أني أوشح هذا الكتاب وأفصل أبوابه، # PageV03P003 # بنوادر من ضروب الشعر، وضروب الأحاديث، ليخرج قارئ هذا الكتاب من باب إلى ~~باب، ومن شكل إلى شكل؛ فإني رأيت الأسماع تمل الأصوات المطربة والأغاني ~~الحسنة والأوتار الفصيحة، إذا طال ذلك عليها. وما ذلك إلا في طريق الراحة، ~~التي إذا طالت أورثت الغفلة. # وإذا كانت الأوائل قد سارت في صغار الكتب هذه السيرة، كان هذا التدبير ~~لما طال وكثر أصلح، وما غايتنا من ذلك كله إلا أن تستفيدوا خيرا. # وقال أبو ms0332 الدرداء: إني لأجم نفسي ببعض الباطل، كراهة أن أحمل عليها من ~~الحق ما يملها [1] ! ### || 559- [طائفة من النوادر] ### ||| 1- [ادعاء أبي عبدالله الكرخي الفقه] # فمن الاحتجاجات الطيبة، ومن العلل الملهية، ما حدثني به ابن المديني قال ~~[2] : تحول أبو عبد الله الكرخي اللحياني إلى الحربية [3] فادعى أنه فقيه، ~~وظن أن ذلك يجوز له؛ لمكان لحيته وسمته. # قال: فألقى على باب داره البواري، وجلس وجلس إليه بعض الجيران، فأتاه رجل ~~فقال: يا أبا عبد الله! رجل أدخل إصبعه في أنفه فخرج عليها دم، أي شيء ~~يصنع؟! قال: يحتجم. قال: قعدت طبيبا أو قعدت فقيها؟ ### ||| 2- [جواب أبي عبدالله المروزي] # وحدثني شمعون الطبيب قال [4] : كنت يوما عند ذي اليمينين طاهر بن الحسين ~~فدخل عليه أبو عبد الله المروزي فقال طاهر: يا أبا عبد الله مذكم دخلت ~~العراق؟ قال: منذ عشرين سنة، وأنا صائم منذ ثلاثين سنة. قال: يا أبا عبد ~~الله، سألناك عن مسألة فأجبتنا عن مسألتين! PageV03P004 ### ||| 3- [جواب شيخ كندي] # وحدثني أبو الجهجاه قال: ادعى شيخ عندنا أنه من كندة، قبل أن ينظر في شيء ~~من نسب كندة، فقلت له يوما وهو عندي: ممن أنت يا أبا فلان؟ قال: من كندة. ~~قلت: من أيهم أنت؟ قال: ليس هذا موضع هذا الكلام، عافاك الله! ### ||| 4- [جواب ختن أبي بكر بن بريرة] # ودخلت على ختن أبي بكر بن بريرة، وكان شيخا ينتحل قول الإباضية، فسمعته ~~يقول: العجب ممن يأخذه النوم وهو لا يزعم أن الاستطاعة مع الفعل [1] ! قلت: ~~ما الدليل على ذلك؟ قال: الأشعار الصحيحة. قلت: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله ~~[2] : [من الرجز] # ما إن يقعن الأرض إلا وفقا # ومثل قوله: [من الرجز] # يهوين شتى ويقعن وفقا [3] # ومثل قولهم في المثل: «وقعا كعكمي عير» [4] . # وكقوله أيضا: [من الطويل] # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل [5] # وكقوله [6] : [من الطويل] # أكف يدي عن أن تمس أكفهم ... إذا نحن أهوينا وحاجتنا معا # ثم أقبل علي فقال: أما في هذا مقنع؟ قلت: بلى، وفي دون هذا! PageV03P005 ### ||| 5- [جواب هشام بن ms0333 الحكم] # وذكر محمد بن سلام عن أبان بن عثمان قال: قال رجل من أهل الكوفة لهشام ~~ابن الحكم: أترى الله عز وجل في عدله وفضله كلفنا ما لا نطيق ثم يعذبنا؟! ~~قال: # قد والله فعل، وكنا لا نستطيع أن نتكلم به! ### ||| 6- [سؤال ممرور لأبي يوسف القاضي] # وحدثني محمد بن الصباح قال: بينا أبو يوسف القاضي يسير بظهر الكوفة- وذلك ~~بعد أن كتب كتاب الحيل- إذ عرض له ممرور عندنا أطيب الخلق، فقال له: # يا أبا يوسف، قد أحسنت في كتاب الحيل، وقد بقيت عليك مسائل في الفطن، فإن ~~أذنت لي سألتك عنها. قال: قد أذنت لك فسل. قال: أخبرني عن الحر كافر هو أو ~~مؤمن؟ فقال أبو يوسف: دين الحر دين المرأة ودين صاحبة الحر: إن كانت كافرة ~~فهو كافر، وإن كانت مؤمنة فهو مؤمن. قال: ما صنعت شيئا. قال: فقل أنت إذن؛ ~~إذ لم ترض بقولي. فقال: الحر كافر. قال: وكيف علمت ذلك؟ قال لأن المرأة إذا ~~ركعت أو سجدت استدبر الحر القبلة واستقبلت هي القبلة، ولو كان دينه دين ~~المرأة لصنع كما تصنع. هذه واحدة يا أبا يوسف. قال: صدقت. # قال: فتأذن لي في أخرى؟ قال: نعم. قال: أخبرني عنك إذا أتيت صحراء فهجمت ~~على بول وخراء كيف تعرف أبول امرأة هو أم بول رجل؟ قال: والله ما أدري! قال ~~أجل والله ما تدري! قال: أفتعرف أنت ذاك؟ قال: نعم، إذا رأيت البول قد سال ~~على الخراء وبين يديه فهو بول امرأة، وخراء امرأة، وإذا رأيت البول بعيدا ~~من الخراء فهو بول رجل وخراء رجل. قال: صدقت! قال: وحكى لي جواب مسائل ~~فنسيت منها مسألة، فعاودته فإذا هو لا يحفظها. ### ||| 7- [جواب الحجاج العبسي] # وحدثني أيوب الأعور، قال قائل للحجاج العبسي: ما بال شعر الاست إذا نبت ~~أسرع والتف؟ قال: لقربه من السماد والماء هطل عليه!! ### ||| 8- [جواب نوفل عريف الكناسين] # وحدثني محمد بن حسان قال: وقفت على نوفل عريف الكناسين، وإذا موسوس قد ~~وقف عليه، وعنده كل كناس بالكرخ، فقال له ms0334 الموسوس: ما بال بنت # PageV03P006 # وردان [1] تدع قعر البئر وفيه كر [2] خراء وهو لها مسلم وعليها موفر، ~~وتجيء تطلب اللطاخة التي في است أحدنا وهو قاعد على المقعدة، فتلزم نفسها ~~الكلفة الغليظة، وتتعرض للقتل، وإنما هذا الذي في أستاهنا قيراط من ذلك ~~الدرهم، وقد دفعنا إليها الدرهم وافيا وافرا. قال: فضحك القوم، فحرك نوفل ~~رأسه ثم قال: أتضحكون؟! قد والله سأل الرجل فأجيبوا! وأما أنا فقد- والله- ~~فكرت فيها منذ ستين سنة، ولكنكم لا تنظرون في شيء من أمر صناعتكم. لا جرم ~~أنكم لا ترتفعون أبدا! قال له الموسوس: قل- يرحمك الله- فأنت زعيم القوم، ~~فقال نوفل: قد علمنا أن الرطب أطيب من التمر، والحديث أطرف من العتيق، ~~والشيء من معدنه أطيب، والفاكهة من أشجارها أطرف. قال: فغضب شريكه مسبح ~~الكناس ثم قال: والله لقد وبختنا، وهولت علينا، حتى ظننا أنك ستجيب بجواب ~~لا يحسنه أحد، ما الأمر عندنا وعند أصحابنا هكذا. قال: فقال لنا الموسوس: ~~ما الجواب عافاكم الله، فإني ما نمت البارحة من الفكرة في هذه المسألة؟ قال ~~مسبح: لو أن لرجل ألف جارية حسناء ثم عتقن عنده لبردت شهوته عنهن وفترت، ثم ~~إن رأى واحدة دون أخسهن في الحسن صبا إليها ومات من شهوتها. فبنت وردان ~~تستظرف تلك اللطاخة وقد ملت الأولى؛ وبعض الناس الفطير أحب إليهم من ~~الخمير. وأيضا إن الكثير يمنع الشهوة، ويورث الصدود. قال: فقال الموسوس- ~~واستحسن جواب مسبح، بعد أن كان لا يرى جوابا إلا جواب نوفل-: لا تعرف مقدار ~~العالم حتى تجلس إلى غيره! أنتم أعلم أهل هذه المدرة، ولقد سألت علماءها ~~عنه منذ عشرين سنة فما تخلص أحد منهم إلى مثل ما تخلصهم إليه. وقد والله- ~~أنمتم عيني، وطاب بكم عيشي! وقد علمنا أن كل شيء يستلب استلابا أنه ألذ ~~وأطيب. ولذلك صار الدبيب إلى الغلمان ونيكهم على جهة القهر ألذ وأطيب، وكل ~~شيء يصيبه الرجل فهو أعز عليه من المال الذي يرثه أو يوهب له. ### ||| 9- [علة الحجاج بن يوسف] # قال: وحدثني أبان بن عثمان قال: قال الحجاج ms0335 بن يوسف: والله لطاعتي أوجب ~~من طاعة الله؛ لأن الله تعالى يقول: فاتقوا الله ما استطعتم # [3] فجعل فيها PageV03P007 # مثنوية [1] ؛ وقال: واسمعوا وأطيعوا # [2] ولم يجعل فيها مثنوية ولو قلت لرجل: # ادخل من هذا الباب، فلم يدخل، لحل لي دمه! ### ||| 10- [احتجاج مدني وكوفي] # قال: وأخبرني محمد بن سليمان بن عبد الله النوفلي قال: قال رجل من أهل ~~الكوفة لرجل من أهل المدينة: نحن أشد حبا لرسول الله- صلى الله عليه وسلم ~~وعلى آله- منكم يا أهل المدينة! فقال المدني: فما بلغ من حبك لرسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله؟ قال: وددت أني وقيت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم- وأنه لم يكن وصل إليه يوم أحد، ولا في غيره من الأيام شيء من المكروه ~~يكرهه إلا كان بي دونه! فقال المدني: أفعندك غير هذا؟ قال: وما يكون غير ~~هذا؟ قال: وددت أن أبا طالب كان آمن فسر به النبي صلى الله عليه وسلم وأني ~~كافر! ### ||| 11- [جواب رجل من وجوه أهل الشام] # وحدثني أبان بن عثمان قال: قال ابن أبي ليلى: إني لأساير رجلا من وجوه ~~أهل الشام، إذ مر بحمال معه رمان، فتناول منه رمانة فجعلها في كمه. فعجبت ~~من ذلك، ثم رجعت إلى نفسي وكذبت بصرى، حتى مر بسائل فقير، فأخرجها فناوله ~~إياها. # قال: فعلمت أني رأيتها فقلت له: رأيتك قد فعلت عجبا. قال: وما هو؟ قلت: # رأيتك أخذت رمانة من حمال وأعطيتها سائلا؟ قال: وإنك ممن يقول هذا القول؟ # أما علمت أني أخذتها وكانت سيئة وأعطيتها فكانت عشر حسنات؟ قال: فقال ابن ~~أبي ليلى: أما علمت أنك أخذتها فكانت سيئة وأعطيتها فلم تقبل منك؟! ### ||| 12- [من جهل الأعراب بالنحو] # وقال الربيع: قلت لأعرابي: أتهمز إسرائيل؟ قال: إني إذا لرجل سوء؟ قلت: # أتجر فلسطين؟ قال: إني إذا لقوي [3] . ### ||| 13- [احتجاج رجل من أهل الجاهلية] # قال: وحدثنا حماد بن سلمة قال: كان رجل في الجاهلية معه محجة يتناول به ~~متاع الحاج سرقة، فإذا قيل له: سرقت! قال: لم أسرق، إنما سرق محجني! قال: ~~فقال حماد: ms0336 لو كان هذا اليوم حيا لكان من أصحاب أبي حنيفة! PageV03P008 ### ||| 14- [الأعمش وجليسه] # قال [1] : وحدثني محمد بن القاسم قال: قال الأعمش لجليس له: أما تشتهي ~~بناني [2] زرق العيون نقية البطون، سود الظهور، وأرغفة حارة لينة، وخلا ~~حاذقا؟ # قال: بلى! قال: فانهض بنا. قال الرجل: فنهضت معه ودخل منزله. قل: فأومأ ~~إلي: # أن خذ تلك السلة. قال: فكشفها فإذا برغيفين يابسين وسكرجة [3] كامخ شبث ~~[4] . # قال: فجعل يأكل. قال: فقال لي تعال كل. فقلت: وأين السمك؟ قال: ما عندي، ~~سمك، إنما قلت لك: تشتهي! ### ||| 15- [رأي في فقه أبي حنيفة] # قال: وسئل حفص بن غياث عن فقه أبي حنيفة، قال: كان أجهل الناس بما يكون، ~~وأعرفهم بما لا يكون [5] . ### ||| 16- [علة خشنام بن هند] # وأماعلة خشنام بن هند، # فإن خشنام بن هند كان شيخا من الغالية، وكان ممن إذا أراد أن يسمي أبا ~~بكر وعمر قال: الجبت والطاغوت، ومنكر ونكير، وأف وتف، وكسير وعوير. وكان لا ~~يزال يدخل داره حمار كساح ويضربه مائة عصا على أن أبا بكر وعمر في جوفه. ~~ولم أرقط أشد احترافا منه. وكان مع ذلك نبيذيا وصاحب حمام. ويشبه في القد ~~والخرط شيوخ الحربية [6] . وكان من بني غبر من صميمهم. # وكان له بني يتبعه، فكان يزني [7] أمه عند كل حق وباطل، وعند كل جد وهزل. # قلت له يوما- ونحن عند بني ربعي: ويحك، بأي شيء تستحل أن تقذف أمه ~~PageV03P009 # بالزنا؟ فقال: لو كان علي في ذلك حرج لما قذفتها: فلم تزوجت امرأة ليس في ~~قذفها حرج؟ قال: إني قد احتلت حيلة حتى حل لي من أجلها ما كان يحرم. قلت: ~~وما تلك الحيلة؟ قال: أنا رجل حديد، وهذا غلام عارم، وقد كنت طلقت أمه فكنت ~~إذا افتريت عليها أثمت، فقلت في نفسي إن أرغتها [1] وخدعتها حتى أنيكها مرة ~~واحدة حل لي بعد ذلك افترائي عليها، بل لا يكون قولي حينئذ فرية، وعلمت أن ~~زنية واحدة لا تعدل عشرة آلاف فرية. فأنا اليوم أصدق ولست أكذب. والصادق ~~مأجور. # إني والله ما أشك أن ms0337 الله إذا علم أني لم أزن بها تلك المرة إلا من خوف ~~الإثم إذا قذفتها- أنه سيجعل تلك الزنية له طاعة فقلت: أنت الآن على يقين ~~أن زناك طاعة لله تعالى؟ قال: نعم. ### ||| 17- [حجة الشيخ الإباضي في كراهية الشيعة] # [2] قال الشيخ الإباضي وقد ذهب عني اسمه وكنيته وهو ختن أبي بكر بن ~~بريرة- وجرى يوما شيء من ذكر التشيع والشيعة، فأنكر ذلك واشتد غضبه عليهم، ~~فتوهمت أن ذلك إنما اعتراه للإباضية التي فيه، وقلت: وما علي إن سألته؟ ~~فإنه يقال: # إن السائل لا يعدمه أن يسمع في الجواب حجة أو حيلة أو ملحة- فقلت: وما ~~أنكرت من التشيع ومن ذكر الشيعة؟ قال: أنكرت منه مكان الشين التي في أول ~~الكلمة؛ لأني لم أجد الشين في أول كلمة قط إلا وهي مسخوطة مثل: شؤم، وشر، ~~وشيطان، وشغب، وشح، وشمال، وشجن، وشيب، وشين، وشراسة، وشنج [3] ، وشك، ~~وشوكة، وشبث [4] ، وشرك، وشارب، وشطير، وشطور، وشعرة، وشاني [5] ، وشتم، ~~وشتيم [6] ، وشيطرج [7] ، وشنعة، وشناعة، وشأمة، وشوصة [8] ، وشتر [9] ~~PageV03P010 # وشجوب [1] وشجة، وشطون، وشاطن [2] ، وشن [3] ، وشلل، وشيص [4] ، وشاطر ~~[5] ، وشاطرة، وشاحب. # قلت له: ما سمعت متكلما قط يقول هذا ولا يبلغه، ولا يقوم لهؤلاء القوم ~~قائمة بعد هذا! ### ||| 18- [حيلة أبي كعب القاص] # قال: وتعشى أبو كعب القاص بطفشيل [6] كثير اللوبيا، وأكثر منه، وشرب نبيذ ~~تمر، وغلس إلى بعض المساجد ليقص على أهله، إذ انفتل الإمام من الصلاة فصادف ~~زحاما كثيرا، ومسجدا مستورا بالبواري [7] من البرد والريح والمطر، وإذا ~~محراب غائر في الحائط، وإذا الإمام شيخ ضعيف؛ فلما صلى استدبر المحراب وجلس ~~في زاوية منه يسبح، وقام أبو كعب فجعل ظهره إلى وجه الإمام ووجهه إلى وجوه ~~القوم، وطبق وجه المحراب بجسمه وفروته وعمامته وكسائه، ولم يكن بين فقحته ~~وبين أنف الإمام كبير شيء، وقص وتحرك بطنه، فأراد أن يتفرج بفسوة وخاف أن ~~تصير ضراطا، فقال في قصصه: قولوا جميعا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها ~~أصواتكم. # وفسا فسوة في المحراب فدارت فيه وجثمت على أنف الشيخ واحتملها، ثم كده ~~بطنه فاحتاج إلى أخرى فقال: ms0338 قولوا: لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. ~~فأرسل فسوة أخرى فلم تخطئ أنف الشيخ، واختنقت في المحراب. فخمر الشيخ أنفه، ~~فصار لا يدري ما يصنع. إن هو تنفس قتلته الرائحة، وإن هو لم يتنفس مات ~~كربا. # فما زال يداري ذلك، وأبو كعب يقص، فلم يلبث أبو كعب أن احتاج إلى أخرى. # وكلما طال لبثه تولد في بطنه من النفخ على حسب ذلك. فقال: قولوا جميعا: ~~لا إله إلا الله! وارفعوا بها أصواتكم. فقال الشيخ من المحراب- وأطلع رأسه ~~وقال-: لا تقولوا! لا تقولوا قد قتلني! إنما يريد أن يفسو! ثم جذب إليه ثوب ~~أبي كعب وقال: PageV03P011 # جئت إلى ها هنا لتفسو أو تقص؟ فقال: جئنا لنقص، فإذا نزلت بلية فلا بد ~~لنا ولكم من الصبر! فضحك الناس، واختلط المجلس. ### ||| 19- [جواب أبي كعب القاص] # وأبو كعب هذا هو الذي كان يقص في مسجد عتاب كل أربعا فاحتبس عليهم في بعض ~~الأيام وطال انتظارهم له. فبينما هم كذلك إذ جاء رسوله فقال: يقول لكم أبو ~~كعب: انصرفوا؛ فإني قد أصبحت اليوم مخمورا! ### ||| 20-[علة عبد العزيز] # وأما علة عبد العزيز # بشكست فإن عبد العزيز كان له مال، وكان إذا جاء وقت الزكاة وجاء القواد ~~بغلام مؤاجر [1] ، قال: يا غلام ألك أم؟ ألك خالات؟ فيقول الغلام: # نعم. فيقول: خذ هذه العشرة الدارهم- أو خذ هذه الدنانير- من زكاة مالي، ~~فادفعها إليهن، وإن شئت أن تبركني بعد ذلك على جهة المكارمة، فافعل، وإن ~~شئت أن تنصرف فانصرف. فيقول ذلك وهو واثق أن الغلام لا يمنعه بعد أخذ ~~الدراهم، وهو يعلم أنه لن يبلغ من صلاح طباع المؤاجرين أن يؤدوا الأمانات. ~~فغبر بذلك ثلاثين سنة وليس له زكاة إلا عند أمهات المؤاجرين وأخواتهم ~~وخالاتهم. ### ||| 21- [احتجاج كوفي للتسمية بمحمد] # وحدثني محمد بن عباد بن كاسب قال: قال لي الفضل بن مروان شيخ من طياب ~~الكوفيين وأغبيائهم: إن ولد لك مائة ذكر فسمهم كلهم محمدا، وكنهم بمحمد؛ ~~فإنك سترى فيهم البركة. أو تدري لأي شيء كثر مالي؟ قلت: لا والله ms0339 ما أدري. ~~قال: إنما كثر مالي لأني سميت نفسي فيما بيني وبين الله محمدا! وإذا كان ~~اسمي عند الله محمدا فما أبالي ما قال الناس! ### ||| 22- [جواب أحمد بن رياح الجوهري] # وشبه هذا الحديث قول المروزي: قلت: لأحمد بن رياح الجوهري اشتريت كساء ~~أبيض طبريا بأربعمائة درهم، وهو عند الناس- فيما ترى عيونهم قومسي [2] ~~يساوي مائة درهم! قال: علم الله أنه طبري فما علي مما قال الناس؟! ~~PageV03P012 ### ||| 23- [احتجاج حارس يكني أبا خزيمة] # [1] وكان عندنا حارس يكنى أبا خزيمة، فقلت يوما- وقد خطر على بالي-: # كيف اكتنى هذا العلج الألكن بأبي خزيمة؟ ثم رأيته فقلت له: خبرني عنك، ~~أكان أبوك يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فجدك أو عمك أو خالك؟ قال: لا. قلت: ~~فلك ابن يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فكان لك مولى يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: # فكان في قريتك رجل صالح أو فقيه يسمى خزيمة؟ قال: لا. قلت: فلم اكتنيت ~~بأبي خزيمة، وأنت علج ألكن، وأنت فقير، وأنت حارس؟ قال: هكذا اشتهيت. قلت: ~~فلأي شيء اشتهيت هذه الكنية من بين جميع الكنى؟ قال: ما يدريني. قلت: ~~فتبيعها الساعة بدينار، وتسكتني بأي كنية شئت؟ قال: لا والله، ولا بالدنيا ~~وما فيها! ### ||| 24- [جواب الزيادي] # وحدثني مسعدة بن طارق، قلت للزيادي- ومررت به وهو جالس في يوم غمق [2] ~~حار ومد [3] ، على باب داره في شروع نهر الجوبار [4] بأردية، وإذا ذلك ~~البحر يبخر في أنفه- قال فقلت له بعت دارك وحظك من دار جدك زياد بن أبي ~~سفيان، وتركت مجلسك في ساباط غيث [5] ، وإشرافك على رحبة بني هاشم، ومجلسك ~~في الأبواب التي تلي رحبة بني سليم، وجلست على هذا النهر في مثل هذا اليوم، ~~ورضيت به جارا؟ قال. نلت أطول آمالي في قرب هولاء البزازين [6] . قلت له لو ~~كنت بقرب المقابر فقلت نزلت هذا الموضع للاتعاظ به والاعتبار كان ذلك وجها. ~~ولو كنت بقرب الحدادين فقلت لأتذكر بهذه النيران والكيران [7] نار جهنم، ~~كان ذلك قولا. ولو كنت اشتريت دارا بقرب العطارين فاعتللت بطلب رائحة الطيب ~~كان ذلك وجها ms0340 فأما قرب البزازين فقط فهذا ما لا أعرفه. أفلك فيهم دار غلة، ~~أو هل لك عليهم ديون حالة، أو هل لك فيهم أو عندهم غلمان يؤدون الضريبة، أو ~~هل لك معهم شركة مضاربة؟ قال: لا. قلت: فما ترجو إذا من قربهم فلم يكن عنده ~~إلا: نلت آمالي بقرب البزازين. PageV03P013 ### ||| 25- [حكاية عن ممرور] # # وحدثني ثمامة بن أشرس قال: كان رجل ممرور يقوم كل يوم فيأتي دالية لقوم، ~~ولا يزال يمشي مع رجال الدالية على ذلك الجذع ذاهبا وجائيا، في شدة الحر ~~والبرد. حتى إذا أمسى نزل إليهم وتوضأ وصلى، وقال: اللهم اجعل لنا من هذا ~~فرجا ومخرجا! ثم انصرف إلى بيته. فكان كذلك حتى مات. ### ||| 26- [بين أعمى وقائده] # وحدثني المكي قال [1] : كان رجل يقود أعمى بكراء، وكان الأعمى ربما عثر ~~العثرة ونكب النكبة، فيقول: اللهم أبدل لي به قائدا خيرا منه! قال: فقال ~~القائد: # اللهم أبدل لي به أعمى خيرا لي منه. ### ||| 27- [حماقة ممرور] # وحدثني يزيد مولى إسحاق بن عيسى قال كنا في منزل صاحب لنا، إذ خرج واحد ~~من جماعتنا ليقيل [2] في البيت الآخر، فلم يلبث إلا ساعة حتى سمعناه يصيح: ~~أوه أوه! قال: فنهضنا بأجمعنا إليه فزعين، فقلنا له: ما لك؟ وإذا هو نائم ~~على شقه الأيسر، وهو قابض على خصيته بيده فقلت له: لم صحت؟ قال: إذا غمزت ~~خصيتي اشتكيتها، وإذا اشتكيتها صحت. قال: فقلنا له: لا تغمزها بعد حتى لا ~~تشتكي! قال: نعم إن شاء الله تعالى. ### ||| 28- [حماقة مولاة عيسى بن علي] # قال يزيد: وكانت لعيسى بن علي مولاة عجوز خراسانية تصرخ بالليل من ضربان ~~ضرس لها، فكانت قد أرقت الأمير إسحاق، فقلت له: إنها مع ذلك لا تدع أكل ~~التمر! قال: فبعث إليها بالغداة فقال لها: أتأكلين التمر بالنهار وتصيحين ~~بالليل؟ فقالت: إذا اشتهيت أكلت وإذا أوجعني صحت! ### ||| 29- [حكاية ثمامة عن ممرور] # وحدثني ثمامة قال [3] : مررت في غب مطر والأرض ندية، والسماء متغيمة، ~~والريح شمال، وإذا شيخ أصفر كأنه جرادة، قد جلس على قارعة الطريق، ms0341 وحجام ~~PageV03P014 # زنجي يحجمه، وقد وضع على كاهله وأخدعيه محاجم، كل محجمة كأنها قعب، وقد ~~مص دمه حتى كاد أن يستفرغه. قال: فوقفت عليه فقلت: يا شيخ لم تحتجم في هذا ~~البرد؟ قال لمكان هذا الصفار [1] الذي بي. ### ||| 30- [صنيع ممرور] # وحدثني ثمامة قال [2] : حدثني سعيد بن مسلم قال: كنا بخراسان في منزل بعض ~~الدهاقين ونحن شباب، وفينا شيخ. قال: فأتانا رب المنزل بدهن طيب فدهن بعضنا ~~رأسه، وبعضنا لحيته، وبعضنا مسح شاربه، وبعضنا مسح يديه وأمرهما على وجهه، ~~وبعضنا أخذ بطرف إصبعه فأدخل في أنفه ومسح به شاربه. فعمد الشيخ إلى بقية ~~الدهن فصبها في أذنه، فقلنا له: ويحك، خالفت أصحابك كلهم! هل رأيت أحدا إذا ~~أتوه بدهن طيب صبه في أذنه؟ قال: فإنه مع هذا يضرني؟ ### ||| 31- [أمر عيص، سيد بني تميم] # وحدثني مسعدة بن طارق الذراع قال [3] : والله إنا لوقوف على حدود دار ~~فلان للقسمة، ونحن في خصومة، إذ أقبل عيص سيد بني تميم وموسرهم والذي يصلي ~~على جنائزهم. فلما رأيناه مقبلا إلينا أمسكنا عن الكلام، فأقبل علينا فقال: ~~حدثوني عن هذه الدار، هل ضم منها بعضها إلى بعض أحد؟! قال مسعدة: فأنا منذ ~~ستين سنة أفكر في كلامه ما أدري ما عنى به. قال: وقال لي مرة: ما من شر من ~~ذين! قلت: # ولم ذاك؟ قال: من جرا يتعلقون. # وحدثني الخليل بن يحيى السلولي قال [4] : نازع التميمي بعض بني عمه في ~~حائط، فبعث إلينا لنشهد على شهادته، فأتاه جماعة منهم الحميري والزهري، ~~والزيادي، والبكراوي. فلما صرنا إليه وقف بنا على الحائط وقال: أشهدكم ~~جميعا أن نصف هذا الحائط لي! ### ||| 32- [جواب ممرور] # قال: وقدم ابن عم له إلى عمر بن حبيب، وادعى عليه ألف درهم فقال ابن ~~PageV03P015 # عمه: ما أعرف مما قال قليلا ولا كثيرا، ولا له علي شيء! قال: أصلحك الله ~~تعالى! فاكتب بإنكاره. قال: فقال عمر: الإنكار لا يفوتك، متى أردته فهو بين ~~يديك! ### ||| 33- [أمنية الجرار والغزال] # قال [1] : وقلت لأبي عتاب الجرار: ألا ترى عبد العزيز الغزال وما ms0342 يتكلم ~~به في قصصه؟ قال: وأي شيء قاله؟ قلت: قال: ليت الله تعالى لم يكن خلقني ~~وأنا الساعة أعور! قال أبو عتاب: وقد قصر في القول، وأساء في التمني. ولكني ~~أقول: ليت الله تعالى لم يكن خلقني وأنا الساعة أعمى مقطوع اليدين ~~والرجلين! ### ||| 34- [تعزية طريفة لأبي عتاب الجرار] # [2] ودخل أبو عتاب على عمرو بن هداب وقد كف بصره، والناس يعزونه، فمثل ~~بين يديه، وكان كالجمل المحجوم [3] ، وله صوت جهير، فقال: يا أبا أسيد، لا ~~يسوءنك ذهابهما، فلو رأيت ثوابهما في ميزانك تمنيت أن الله تعالى قد قطع ~~يديك ورجليك، ودق ظهرك، وأدمى ضلعك!. ### ||| 35- [داود بن المعتمر وبعض النساء] # وبينما داود بن المعتمر الصبيري جالس معي، إذ مرت به امرأة جميلة لها ~~قوام وحسن، وعينان عجيبتان، وعليها ثياب بيض، فنهض داود فلم أشك أنه قام ~~ليتبعها، فبعثت غلامي ليعرف ذلك، فلما رجع قلت له: قد علمت أنك إنما قمت ~~لتكلمها؛ فليس ينفعك إلا الصدق، ولا ينجيك مني الجحود، وإنما غايتي أن أعرف ~~كيف ابتدأت القول، وأي شيء قلت لها- وعلمت أنه سيأتي بآبدة. وكان مليا ~~بالأوابد- قال: ابتدأت القول بأن قلت لها [4] : لولا ما رأيت عليك من سيماء ~~الخير لم أتبعك. # قال: فضحكت حتى استندت إلى الحائط، ثم قالت: إنما يمنع مثلك من اتباع ~~مثلي والطمع فيها، ما يرى من سيماء الخير فأما إذ قد صار سيماء الخير هو ~~الدي يطمع في النساء فإنا لله وإنا إليه راجعون! وتبع داود بن المعتمر ~~امرأة، فلم يزل يطريها حتى أجابت، ودلها على المنزل PageV03P016 # الذي يمكنها فيه ما يريد، فتقدمت الفاجرة وعرض له رجل فشغله، وجاء إلى ~~المنزل وقد قضى القوم حوائجهم وأخذت حاجتها، فلم تنتظره. فلما أتاهم ولم ~~يرها قال: # أين هي؟ قالوا: والله قد فرغنا وذهبت! قال فأي طريق أخذت؟ قالوا: لا ~~والله ما ندري؟ قال فإن عدوت في إثرها حتى أقوم على مجامع الطرق أتروني ~~ألحقها؟ قالوا: # لا والله ما تلحقها! قال: فقد فاتت الآن؟ قالوا: نعم. قال: فعسى أن يكون ~~خيرا! فلم ms0343 أسمع قط بإنسان يشك أن السلامة من الذنوب خير غيره. ### ||| 36- [قول أبي لقمان الممرور في الجزء الذي لا يتجزأ] # وسأل بعض أصحابنا أبا لقمان الممرور عن الجزء الذي لا يتجزأ: ما هو؟ قال: # الجزء الذي لا يتجزأ هو علي بن أبي طالب عليه السلام. فقال له أبو ~~العيناء محمد: # أفليس في الأرض جزء لا يتجزأ غيره؟ قال: بلى حمزة جزء لا يتجزأ، وجعفر ~~جزء لا يتجزأ! قال فما تقول في العباس؟ قال: جزء لا يتجزأ. قال: فما تقول ~~في أبي بكر وعمر؟ # قال: أبو بكر يتجزأ، وعمر يتجزأ. قال: فما تقول في عثمان؟ قال: يتجزأ ~~مرتين، والزبير يتجزأ مرتين. قال: فأي شيء تقول في معاوية؟ قال: لا يتجزأ ~~ولا لا يتجزأ. # فقد فكرنا في تأويل أبي لقمان حين جعل الإمام جزءا لا يتجزأ إلى أي شيء ~~ذهب، فلم نقع عليه إلا أن يكون كان أبو لقمان إذا سمع المتكلمين يذكرون ~~الجزء الذي لا يتجزأ، هاله ذلك وكبر في صدره، وتوهم أنه الباب الأكبر من ~~علم الفلسفة، وأن الشيء إذا عظم خطره سموه بالجزء الذي لا يتجزأ. # وقد تسخفنا في هذه الأحاديث، واستجزنا ذلك بما تقدم من العذر، وسنذكر قبل ~~ذكرنا القول في الحمام جملا من غرر ونوادر وأشعار ونتف وفقر من قصائد قصار ~~وشوارد وأبيات، لنعطي قارئ الكتاب من كل نوع تذهب إليه النفوس نصيبا إن شاء ~~الله. ### || 560- [تناسب الألفاظ مع الأغراض] # ولكل ضرب من الحديث ضرب من اللفظ، ولكل نوع من المعاني نوع من الأسماء: ~~فالسخيف للسخيف، والخفيف للخفيف، والجزل للجزل، والإفصاح في موضع الإفصاح، ~~والكناية في موضع الكناية، والاسترسال في موضع الاسترسال. # وإذا كان موضع الحديث على أنه مضحك ومله، وداخل في باب المزاح والطيب، ~~فاستعملت فيه الإعراب، انقلب عن جهته. وإن كان في لفظه سخف وأبدلت # PageV03P017 # السخافة بالجزالة، صار الحديث الذي وضع على أن يسر النفوس يكر بها، ويأخذ ~~بأكظامها [1] . ### || 561- [الوقار المتكلف] # [2] وبعض الناس إذا انتهى إلى ذكر الحر والأير والنيك ارتدع وأظهر ~~التقزز، واستعمل باب التورع. ms0344 وأكثر من تجده كذلك فإنما هو رجل ليس معه من ~~العفاف والكرم [3] ، والنبل والوقار، إلا بقدر هذا الشكل من التصنع. ولم ~~يكشف قط صاحب رياء ونفاق، إلا عن لؤم مستعمل، ونذالة متمكنة. ### || 562- [تسمح بعض الأئمة في ذكر ألفاظ] # وقد كان لهم في عبد الله بن عباس مقنع، حين سمعه بعض الناس [4] ينشد في ~~المسجد الحرام: [من الرجز] # وهن يمشين بنا هميسا ... إن تصدق الطير ننك لميسا [5] # فقيل له في ذلك، فقال: إنما الرفت ما كان عند النساء. # وقال الضحاك: لو كان ذلك القول رفثا لكان قطع لسانه أحب إليه من أن يقول ~~هجرا. # قال شبيب بن يزيد الشيباني، ليلة بيت عتاب بن ورقاء: [من الرجز] من ينك ~~العير ينك نياكا [6] وقال علي بن أبي طالب- رضي الله عنه- حين دخل على بعض ~~الأمراء فقال له [7] : من في هذه البيوت؟ فلما قيل له: عقائل من عقائل ~~العرب، قال علي: «من يطل أير أبيه ينتطق به» [8] . PageV03P018 # فعلى علي رضي الله تعالى عنه- يعول في تنزيه اللفظ وتشريف المعاني. # وقال أبو بكر- رضي الله عنه- حين قال بديل بن ورقاء للنبي صلى الله عليه ~~وسلم: جئتنا بعجرائك وسودانك، ولو قد مس هؤلاء وخز السلاح لقد أسلموك! فقال ~~أبو بكر- رضي الله عنه-: عضضت ببظر اللات [1] ! وقد رووا مرفوعا قوله: «من ~~يعذرني من ابن أم سباع مقطعة البظور؟» [2] . ### || 563- [لكل مقام مقال] # ولو كان ذلك الموضع موضع كناية هي المستعملة. وبعد فلو لم يكن لهذه ~~الألفاظ مواضع استعملها أهل هذه اللغة وكان الرأي ألا يلفظ بها، لم يكن ~~لأول. # كونها معنى إلا على وجه الخطإ، ولكان في الحزم والصون لهذه اللغة أن ترفع ~~هذه الأسماء منها. # وقد أصاب كل الصواب الذي قال: «لكل مقام مقال» [3] . ### || 564- [صور من الوقار المتكلف] # ولقد دخل علينا فتى حدث كان قد وقع إلى أصحاب عبد الواحد بن زيد ونحن عند ~~موسى بن عمران، فدار الحديث إلى أن قال الفتى: أفطرت البارحة على رغيف ~~وزيتونة ونصف، أو زيتونة وثلث، أو زيتونة وثلثي زيتونة، أو ما أشبه ذلك. ms0345 # بل أقول: أكلت زيتونة، وما علم الله من أخرى، فقال موسى: إن من الورع ما ~~يبغصه الله، علم الله؛ وأظن ورعك هذا من ذلك الورع. # وكان العتبي ربما قال: فقال لي المأمون كذا وكذا، حين صار التجم على قمة ~~الرأس، أو حين جازني شيئا، أو قبل أن يوازي هامتي. هكذا هو عندي، وفي أغلب ~~ظني، وأكره أن أجزم على شيء وهو كما قلت إن شاء الله تعالى، وقريبا مما ~~نقلت. # فيتوقف في الوقت الذي ليس من الحديث في شيء. وذلك الحديث إن كان مع طلوع ~~الشمس لم يزده ذلك خيرا، وإن كان مع غروبها لم ينقصه ذلك شيئا. هذا ولعل ~~الحديث في نفسه لم يكن قط ولم يصل هو في تلك الليلة البتة. وهو مع ذلك زعم ~~أنه دخل على أصحاب الكهف فعرف عددهم، وكانت عليهم ثياب سبنية PageV03P019 # وكلبهم ممعط الجلد. وقد قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: لو ~~اطلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولملئت منهم رعبا # [1] . ### || 565- [يعض نوادر الشعر] # وسنذكر من نوادر الشعر جملة، فإن نشطت لحفظها فاحفظها؛ فإنها من أشعار ~~المذاكرة. قال الثقفي [2] : [من البسيط] # من كان ذا عضد يدرك ظلامته ... إن الذليل الذي ليست له عضد # تنبو يداه إذا ما قل ناصره ... ويأنف الضيم إن أثرى له عدد # وقال أبو قيس بن الأسلت [3] : [من السريع] # بز امرئ مستبسل حاذر ... للدهر، جلد غير مجزاع # الكيس والقوة خير من ال ... إشفاق والفهة والهاع # وقال عبده بن الطبيب [4] : [من البسيط] # رب حبانا بأموال مخولة ... وكل شيء حباه الله تخويل # والمرء ساع لأمر ليس يدركه ... والعيش شح وإشفاق وتأميل # وكان عمر بن الخطاب- رضي الله تعالى عنه- يردد هذا النصف الآخر، ويعجب من ~~جودة ما قسم [5] . # وقال المتلمس [6] : [من الوافر] # وأعلم علم حق غير ظن ... وتقوى الله من خير العتاد # لحفظ المال أيسر من بغاه ... وضرب في البلاد بغير زاد PageV03P020 # وإصلاح القليل يزيد فيه ... ولا يبقى الكثير مع الفساد # وقال آخر [1] : [من الطويل] # وحفظك مالا قد عنيت بجمعه ... أشد من ms0346 الجمع الذي أنت طالبه # وقال حميد بن ثور الهلالي [2] : [من الطويل] # أتشغل عنا يابن عم فلن ترى أخا ... البخل إلا [3] سوف يعتل بالشغل # وقال ابن أحمر [4] : [من البسيط] # هذا الثناء وأجدر أن أصاحبه ... وقد يدوم ريق الطامع الأمل # وقال ابن مقبل [5] : [من الطويل] # هل الدهر إلا تارتان، فمنهما ... أموت وأخرى أبتغي العيش أكدح # وكلتاهما قد خط لي في صحيفة ... فلا الموت أهوى لي ولا العيش أروح # وقال عمرو بن هند [6] : [من الطويل] # وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحي في طرة البرد # يعلل والأيام تنقص عمره ... كما تنقص النيران من طرف الزند # وقال أمية- إن كان قالها [7]-: [من الخفيف] # ربما تجزع النفوس من الأم ... ر له فرجة كحل العقال PageV03P021 ### || 566- [شعر في الغزل] # وقال آخر [1] : [من الطويل] # رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية آرام الكناس رميم # ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم # رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم أن لا يزال يهيم # وقال آخر [2] : [من البسيط] # لم أعطها بيدي إذ بت أرشفها ... إلا تطاول غصن الجيد للجيد # كما تطاعم في خضراء ناعمة ... مطوقان أصاخا بعد تغريد # فإن سمعت بهلك للبخيل فقل ... بعدا وسحقا له من هالك مودي ### || 567- [شعر في الحكم] # وقال أبو الأسود الدؤلي [3] : [من الكامل] # المرء يسعى ثم يدرك مجده ... حتى يزين بالذي لم يفعل # وترى الشقي إذا تكامل غيه ... يرمى ويقذف بالذي لم يعمل # وقال دريد [4] : [من الطويل] # رئيس حروب لا يزال ربيئة ... مشيح على محقوقف الصلب ملبد [5] # صبور على رزء المصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد # وهون وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي # وقال سعيد بن عبد الرحمن [6] : [من الطويل] # وإن امرأ يمسي ويصبح سالما ... من الناس إلا ما جنى لسعيد PageV03P022 # وقال أكثم بن صيفي: [من المتقارب] # نربى ويهلك آباؤنا ... وبينا نربي بنينا فنينا # وقال بعض المحدثين: [من المنسرح] # فالآن أسمحت للخطوب فلا ... يلفى فؤادي من حادث يجب # قلبني الدهر في قوالبه ... وكل شيء ليومه سبب ms0347 # وقال آخر [1] : [من الوافر] # لدوا للموت وابنوا للخراب ... فكلكم يصير إلى ذهاب # ألا يا موت لم أر منك بدا ... أبيت فما تحيف ولا تحابي # كأنك قد هجمت على مشيبي ... كما هجم المشيب على شبابي # وقال آخر: [من البسيط] # يا نفس خوضي بحار العلم أو غوصي ... فالناس من بين معموم ومخصوص # لا شيء في هذه الدنيا يحاط به ... إلا إحاطة منقوص بمنقوص ### || 568- [شعر في التشبيه] # وأنشدنا للأحيمر [2] : [من الكامل] # بأقب منطلق اللبان كأنه ... سيد تنصل من حجور سعالي [3] # وقال الآخر [4] : [من الطويل] # أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا من دجية الليل يطرف # وقالوا [5] : قال خلف الأحمر: لم أر أجمع من بيت لامرئ القيس، وهو قوله: # [من المتقارب] # أفاد وجاد وساد وزاد ... وقاد وذاد وعاد وأفضل PageV03P023 # ولا أجمع من قوله [1] : [من الطويل] # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # وقالوا: ولم نر في التشبيه كقوله، حين شبه شيئين بشيئين في حالتين ~~مختلفين في بيت واحد، وهو قوله [2] : [من الطويل] # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي ### || 569-[قطعة من أشعار النساء] : # وسنذكر # قالت أعرابية [3] : [من الطويل] # رأت نضو أسفار أميمة شاحبا ... على نضو أسفار فجن جنونها # فقالت: من أي الناس أنت، ومن تكن ... فإنك مولى فرقة لا تزينها # وقالت امرأة من خثعم: [من الطويل] # فإن تسألوني من أحب فإنني ... أحب، وبيت الله، كعب بن طارق # أحب الفتى الجعد السلولي ناضلا ... على الناس معتادا لضرب المفارق # وقالت أخرى: [من الطويل] # وما أحسن الدنيا وفي الدار خالد ... وأقبحها لما تجهز غاديا # وقالت أم فروة الغطفانية [4] : [من الطويل] # فما ماء مزن أي ماء تقوله ... تحدر من غر طوال الذوائب # بمنعرج أو بطن واد تحدرت ... عليه رياح الصيف من كل جانب # نفى نسم الريح القذا عن متونه ... فما إن به عيب يكون لعائب PageV03P024 # بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب # وقال بعض العشاق [1] : [من الطويل] # وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجلهتين جثوم # وأنت التي أورثت ms0348 قلبي حرارة ... وقرحت قرح القلب وهو كليم # وأنت التي أسخطت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كظيم # فقالت المعشوقة [2] : [من الطويل] # وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم # وأبرزتني للناس حتى تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم # فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجلدي من قول الوشاة كلوم # وقال آخر [3] : [من الطويل] # شهدت وبيت الله أنك غادة ... رداح وأن الوجه منك عتيق [4] # وأنك لا تجزينني بمودة ... ولا أنا للهجران منك مطيق # فأجابته [5] : [من الطويل] # شهدت وبيت الله أنك بارد ال ... ثنايا وأن الخصر منك رقيق # وأنك مشبوح الذراعين خلجم ... وأنك إذ تخلو بهن رفيق [6] ### || 570- [شعر مختار] # وقال آخر [7] : [من الكامل] # الله يعلم يا مغيرة أنني ... قد دستها دوس الحصان الهيكل PageV03P025 # فأخذتها أخذ المقصب شاته ... عجلان يشويها لقوم نزل # وقال كعب بن سعد الغنوي [1] : [من الطويل] # وحدثتماني أنما الموت بالقرى ... فكيف وهاتا هضبة وقليب # وماء سماء كان غير مجمة ... ببرية تجري عليه جنوب [2] # ومنزلة في دار صدق وغبطة ... وما أقتال في حكم علي طبيب # وقال دريد بن الصمة [3] : [من الطويل] # رئيس حروب لا يزال ربيئة ... مشيح على محقوقف الصلب ملبد # صبور على رزء المصائب حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد # وهون وجدي أنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي ### || 571- [قطع من البديع] # وقطعة من البديع قوله: [من الرجز] # إذا حداها صاحبي ورجعا ... وصاح في آثارها فأسمعا # يتبعن منهن جلالا أتلعا ... أدمك في ماء المهاوي منقعا # وقال الراجز في البديع المحمود [4] : [من الرجز] # قد كنت إذ حبل صباك مدمش ... وإذ أهاضيب الشباب تبغش [5] # ومن هذا البديع المستحسن منه، قول حجر بن خالد بن مرثد [6] : [من الطويل] # سمعت بفعل الفاعلين فلم أجد ... كفعل أبي قابوس حزما ونائلا # يساق الغمام الغر من كل بلدة ... إليك فأضحى حول بيتك نازلا # فأصبح منه كل واد حللته ... وإن كان قد خوى المرابيع سائلا [6] # فإن أنت تهلك يهلك الباع والندا ... وتضحي قلوص الحمد جرباء حائلا [7] # فلا ملك ما يبلغنك ms0349 سعيه ... ولا سوقة ما يمدحنك باطلا PageV03P026 ### | باب في صدق الظن وجودة الفراسة ### || 572- [شعر في الظن والفراسة] # قال أوس بن حجر [1] : [من المنسرح] # الألمعي الذي يظن بك الظ ... ن كأن قد رأى وقد سمعا # وقال عمر بن الخطاب [2] : «إنك لا تنتفع بعقل الرجل حتى تعرف صدق فطنته» ~~. # وقال أوس بن حجر [3] : [من المتقارب] # مليح نجيح أخو مأزق ... نقاب يحدث بالغائب # وقال أبو الفضة، قاتل أحمر بن شميط: [من الوافر] # فإلا يأتكم خبر يقين ... فإن الظن ينقص أو يزيد # وقيل لأبي الهذيل: إنك إذا راوغت واعتللت- وأنت تكلم النظام وقمت- فأحسن ~~حالاتك أن يشك الناس فيك وفيه! قال: خمسون شكا خير من يقين واحد!! وقال ~~كثير في عبد الملك: [من الوافر] # رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشبابا [4] PageV03P027 # فقلت له، ولا أعيا جوابا: ... إذا شابت لدات المرء شابا # ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما قال أمرض أو أصابا # وليس في جودة الظن بيت شعرا أحسن من بيت بلعاء بن قيس: [من الطويل] # وأبغي صواب الظن، أعلم أنه ... إذا طاش ظن المرء طاشت مقادره [1] # وقال الله عز وجل: ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه # [2] . # وقال ابن أبي ربيعة في الظن [3] : [من الخفيف] # ودعاني إلى الرشاد فؤاد ... كان للغي مرة قد دعاني # ذاك دهر لو كنت فيه قريني ... غير شك عرفت لي عصياني # وتقلبت في الفراش ولا تع ... لم إلا الظنون أين مكاني ### || 573- [من مختار الشعر] # وقال ابن أبي ربيعة في غير هذا الباب [4] : [من الوافر] # وخل كنت عين النصح منه ... إذا نظرت ومستمعا مطيعا # أطاف بغية فنهيت عنها ... وقلت له أرى أمرا شنيعا # أردت رشاده جهدي، فلما ... أبى وعصى أتيناها جميعا # وقال معقر بن حمار البارقي [5] : [من البسيط] # الشعر لب المرء يعرضه ... والقول مثل مواقع النبل # منها المقصر عن رميته ... ونوافذ يذهبن بالخصل ### || 574- [أبيات للمحدثين حسان] # وأبيات للمحدثين حسان، قال العتابي [6] : [من الطويل] # وكم نعمة آتاكها الله جزلة ... مبرأة من كل خلق يذيمها PageV03P028 # فسلطت أخلاقا عليها ذميمة ... تعاورنها حتى تفرى أديمها ms0350 # ولوعا وإشفاقا ونطقا من الخنا ... بعوراء يجري في الرجال نميمها # وكنت امرأ لو شئت أن تبلغ المدى ... بلغت بأدنى نعمة تستديمها # ولكن فطام النفس أعسر محملا ... من الصخرة الصماء حين ترومها # وقال أيضا: [من الطويل] # وكنت امرأ هيابة تستفزني ... رضاعي بأدنى ضجعة أستلينها # أوافي أمير المؤمنين بهمة ... توقل في نيل المعالي فنونها # رعى أمة الإسلام فهو إمامها ... وأدى إليها الحق فهو أمينها # ويستنتج العقماء حتى كأنما ... تغلغل في حيث استقر جنينها # وما كل موصوف له يهتدي ... ولا كل من أم الصوى يستبينها # مقيم بمستن العلا، حيث تلتقي ... طوارف أبكار الخطوب وعونها # وقال الحسن بن هانئ [1] : [من السريع] # قولا لهارون إمام الهدى ... عند احتفال المجلس الحاشد # نصيحة الفضل وإشفاقه ... أخلى له وجهك من حاسد [2] # بصادق الطاعة ديانها ... وواحد الغائب والشاهد # أنت على ما بك من قدرة ... ما أنت مثل الفضل بالواجد # أوحده الله فما مثله ... لطالب ذاك ولا ناشد # وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد # وقال عدي بن الرقاع العاملي [3] : [من الكامل] # وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها # وعلمت حتى لست أسأل عالما ... عن حرف واحدة لكي أزدادها # صلى الإله على امرئ ودعته ... وأتم نعمته عليه وزادها PageV03P029 ### || 575- [شعر لبنت عدی بن الرقاع] # قال [1] : واجتمع ناس من الشعراء بباب عدي بن الرقاع يريدون مما تنته ~~ومساجلته، فخرجت إليهم بنت له صغيرة، فقالت [1] : [من الطويل] # تجمعتم من كل أوب ومنزل ... على واحد لا زلتم قرن واحد ### || [شعر لعبد الرحمن بن حسان بن ثابت و هو صغیر] # وقال عبد الرحمن بن حسان الأنصاري، وهو صغير [2] : [من البسيط] # الله يعلم أني كنت مشتغلا ... في دار حسان أصطاد اليعاسيبا # وقال لأبيه وهو صبي- ورجع إليه وهو يبكي ويقول: لسعني طائر! قال: فصفه لي ~~يا بني! قال كأنه ثوب حبرة! قال حسان: قال ابني الشعر ورب الكعبة! وكان ~~الذي لسعه زنبورا. ### || [شعر طرفه و هو صغير] # وقال سهل بن هارون، وهو يختلف إلى ms0351 الكتاب لجار لهم [3] : [من البسيط] # نبيت بغلك مبطونا فقلت له ... فهل تماثل أو نأتيه عوادا # وقال طرفة وهو صبي صغير [4] : [من الرجز] # يا لك من قبرة بمعمر ... خلالك الجو فبيضي واصفري # وقال بعض الشعراء [5] : [من الوافر] # إذا ما مات ميت من تميم ... فسرك أن يعيش فجئ بزاد PageV03P030 # بخبز أو بلحم أو بسمن ... أو الشيء الملفف في البجاد [1] # تراه يطوف بالآفاق حرصا ... ليأكل رأس لقمان بن عاد # وقال الأصمعي: الشيء الملفف في البجاد: الوطب. # وقال أعرابي: [من الطويل] # ألا بكرت تلحى قتيلة بعد ما ... بدا في سواد الرأس أبيض واضح # لتدرك بالإمساك والمنع ثروة ... من المال أفنتها السنون الجوائح # فقلت لها: لا تعذليني فإنما ... بذكر الندى تبكي علي النوائح ### || 576- [أشعار في معان مختلف] # وقال بشار أبياتا تجوز في المذاكرة، في باب المنى، وفي باب الحزم، وفي ~~باب المشورة، وناس يجعلونها للجعجاع الأزدي، وناس يجعلونها لغيره، وهي قوله ~~[2] : # [من الطويل] # إذا بلغ الرأي المشورة فاستعن ... برأي نصيح أو نصيحة حازم # ولا تحسب الشورى عليك غضاضة ... مكان الخوافي رافد للقوادم # وأدن من القربى المقرب نفسه ... ولا تشهد الشورى امرأ غير كاتم # وما خير كف أمسك الغل أختها ... وما خير نصل لم يؤيد بقائم # فإنك لا تستطرد الهم بالمنى ... ولا تبلغ العليا بغير المكارم # وقال بعض الأنصار [3] : [من الوافر] # وبعض خلائق الأقوام داء ... كداء الشيخ ليس له شفاء PageV03P031 # وبعض القول ليس له عناج ... كمخض الماء ليس له إتاء # وقال تأبط شرا- إن كان قالها-[1] : [من المديد] # شامس في القر حتى إذا ما ... ذكت الشعرى فبرد وظل [2] # وله طعمان: أري وشري ... وكلا الطعمين قد ذاق كل [3] # مسبل في الحي أحوى رفل ... وإذا يغدو فسمع أزل [4] # ووراء الثأر منه ابن أخت ... مصع عقدته ما تحل # مطرق يرشح سما، كما ... أطرق أفعى ينفث السم صل # خبر ما نابنا مصمئل ... جل حتى دق فيه الأجل [5] # كل ماض قد تردى بماض ... كسنا البرق إذا ما يسل [6] # فاسقنيها يا سواد بن عمرو ... إن جسمي بعد خالي لخل # وقال سلامة بن جندل ms0352 [7] : [من الطويل] # سأجزيك بالود الذي كان بيننا ... أصعصع إني سوف أجزيك صعصعا # سأهدي وإن كنا بتثليث مدحة ... إليك وإن حلت بيوتك لعلعا # فإن يك محمودا أبوك فإننا ... وجدناك محمود الخلائق أروعا # فإن شئت أهدينا ثناء ومدحة ... وإن شئت أهدينا لكم مائة معا # فقال صعصعة بن محمود بن بشر بن عمرو بن مرثد: الثناء والمدحة أحب إلينا. ~~وكان أحمر بن جندل أسيرا في يده، فخلى سبيله من غير فداء. PageV03P032 # وقال أوس بن حجر، في هذا الشكل من الشعر- وهو يقع في باب الشكر ~~والحمد-[1] : [من الطويل] # لعمرك ما ملت ثواء ثويها ... حليمة إذ ألقى مراسي مقعد [2] # ولكن تلقت باليدين ضمانتي ... وحل بفلج فالقنافذ عودي [3] # وقد غبرت شهري ربيع كليهما ... بحمل البلايا والخباء الممدد # ولم تلهها تلك التكاليف؛ إنها ... كما شئت من أكرومة وتخرد [4] # سأجزيك أو يجزيك عني مثوب ... وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي # وقال أبو يعقوب الأعور [5] : [من الطويل] # فلم أجزه إلا المودة جاهدا ... وحسبك مني أن أود وأجهدا ### || 577- [ من شعر الإيجاز] # وأبيات تضاف إلى الإيجاز وحذف الفضول. قال بعضهم ووصف كلابا في حال شدها ~~وعدوها، وفي سرعة رفع قوائمها ووضعها- فقال [6] : [من الرجز] # كأنما ترفع ما لم يوضع # ووصف آخر ناقة بالنشاط والقوة فقال [7] : [من الرجز] # خرقاء إلا أنها صناع # وقال الآخر [8] : [من الرجز] # الليل أخفى والنهار أفضح PageV03P033 # ووصف الآخر قوسا فقال [1] : [من الرجز] # في كفه معطية منوع # وقال الآخر [2] : [من الرجز] # ومهمه فيه السراب يسبح ... كأنما دليله مطوح # يدأب فيه القوم حتى يطلحوا ... كأنما باتوا بحيث أصبحوا # ومثل هذا البيت الأخير قوله [3] : [من الكامل] # وكأنما بدر وصيل كتيفة ... وكأنما من عاقل أرمام [4] # ومثله [5] : [من المتقارب] # تجاوزت حمران في ليلة ... وقلت قساس من الحرمل [6] # ومن الباب الأول قوله [7] : [من المجتث] # عادني الهم فاعتلج ... كل هم إلى فرج # وهذا الشعر لجعيفران الموسوس. # وقال الآخر [8] : [من الرجز] # لم أقض من صحبة زيد أربي ... فتى إذا نبهته لم يغضب # أبيض بسام وإن لم يعجب ... ولا يضن بالمتاع المحقب # موكل النفس بحفظ الغيب ... أقصى رفيقيه له ms0353 كالأقرب PageV03P034 # وقال دكين [1] : [من الرجز] # وقد تعللت ذميل العنس ... بالسوط في ديمومة كالترس # إذ عرج الليل بروج الشمس # وقال دكين أيضا [2] : [من الرجز] # بموطن ينبط فيه المحتسي ... بالمشرفيات نطاف الأنفس # وقال الراجز [3] : [من الرجز] # طال عليهن تكاليف السرى ... والنص في حين الهجير والضحى # حتى عجاهن فما تحت العجى ... رواعف يخضبن مبيض الحصى [4] # في هذه الأرجوزة يقول: # وضحك المزن بها ثم بكى # ومن الإيجاز المحذوف قول الراجز، ووصف سهمه حين رمى عيرا كيف نفذ سهمه، ~~وكيف صرعه، وهو قوله [5] : [من الرجز] # حتى نجا من جوفه وما نجا ### || 578- [شعر في الاتعاظ و الزهد] # ومما يجوز في باب الاتعاظ قول المرأة وهي تطوف بالبيت [6] : [من الرجز] # أنت وهبت الفتية السلاهب ... وهجمة يحار فيها الطالب # وغنما مثل الجراد السارب ... متاع أيام وكل ذاهب # ومثله قول المسعودي: [من الكامل] # أخلف وأنطف، كل شي ... ء زعزعته الريح ذاهب [7] PageV03P035 # وقال القدار وكان سيد عنزة في الجاهلية: [من الكامل] # أهلكت مهري في الرهان لجاجة ... ومن اللجاجة ما يضر وينفع # قال: وسمعت عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر ينشد- وكان فصيحا: [من ~~الطويل] # إذا أنت لم تنفع فضر فإنما ... يرجى الفتى كيما يضر وينفعا [1] # وقال الأخطل: [من البسيط] # شمس العداوة حتى يستفاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا [2] # وقال حارثة بن بدر: [من الطويل] # طربت بفاثور وما كدت أطرب ... سفاها وقد جربت فيمن يجرب [3] # وجربت ماذا العيش إلا تعلة ... وما الدهر إلا منجنون يقلب # وما اليوم إلا مثل أمس الذي مضى ... ومثل غد الجائي وكل سيذهب # وقال حارثة بن بدر الغداني أيضا [4] : [من الطويل] # إذا الهم أمسى وهو داء فألقه ... ولست بممضيه وأنت تعادله # فلا تنزلن أمر الشديدة بامرئ ... إذا رام أمرا عوقته عواذله # وقل للفؤاد إن نزا بك نزوة ... من الروع أفرخ أكثر الروع باطله ### || 579- [شعر في الغزو] # وقال الحارث بن يزيد وهو جد الأحيمر السعدي وهو يقع في باب الغزو وتمدحهم ~~ببعد المغزى [5] : [من مجزوء الكامل] # لا لا أعق ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر PageV03P036 # لكنما ms0354 غزوي إذا ... ضج المطي من الدبر # وقال ابن محفض المازني [1] : [من الطويل] # إن تك درعي يوم صحراء كلية ... أصيبت فما ذاكم علي بعار [2] # ألم تك من أسلابكم قبل ذاكم ... على وقبى يوما ويوم سفار [3] # [فتلك سرابيل ابن داود بيننا ... عواري والأيام غير قصار] [4] # ونحن طردنا الحي بكر بن وائل ... إلى سنة مثل الشهاب ونار [5] # وموم وطاعون وحمى وحصبة ... وذي لبد يغشى المهجهج ضاري [6] # وحكم عدو لا هوادة عنده ... ومنزل ذل في الحياة وعار # وقال آخر [7] : [من الطويل] # خذوا العقل إن أعطاكم القوم عقلكم ... وكونوا كمن سيم الهوان فأرتعا # ولا تكثروا فيها الضجاج فإنه ... محا السيف ما قال ابن دارة أجمعا # وقال أبو ليلى [8] : [من الوافر] # كأن قطاتها كردوس فحل ... مقلصة على ساقي ظليم PageV03P037 ### || 580-[شعر في السيادة] # # وقال أبو سلمى [1] : [من الرجز] # لابد للسودد من أرماح ... ومن سفيه دائم النباح # ومن عديد يتقى بالراح # وقال الهذلي [2] : [من الوافر] # وإن سيادة الأقوام فاعلم ... لها صعداء مطلبها طويل # وقال حارثة بن بدر، وأنشده سفيان بن عيينة: [من الكامل] # خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسودد [3] ### || 581- [شعر في هجاء السادة] # وقال أبو نخيلة: [من الطويل] # وإن بقوم سودوك لفاقة ... إلى سيد، لو يظفرون بسيد [4] # وقال إياس بن قتادة، في الأحنف بن قيس: [من الطويل] # وإن من السادات من لو أطعته ... دعاك إلى نار يفور سعيرها [5] # وقال حميضة بن حذيفة: [من الطويل] # أيظلمهم قسرا فتبا لسعيه ... وكل مطاع لا أبالك يظلم # وقال آخر: [من الطويل] # فأصبحت بعد الحلم في الحي ظالما ... تخمط فيهم والمسود يظلم [6] ~~PageV03P038 # وكان أنس بن مدركة الخثعمي يقول: [من الوافر] # عزمت على إقامة ذي صباح ... لأمر ما يسود من يسود [1] # وقال الآخر: [من الوافر] # كما قال الحمار لسهم رام ... لقد جمعت من شيء لأمر # وقال أبو حية: [من الطويل] # إذا قلن كلا قال والنقع ساطع ... بلى، وهو واه بالجراء أباجله [2] # وقال آخر: [من البسيط] # إني رأيت أبا العوراء مرتفقا ... بشط دجلة يشري التمر والسمكا # كشدة الخيل تبقى عند مذودها ms0355 ... والموت أعلم إذ قفى بمن تركا # هذه مساعيك في آثار سادتنا ... ومن تكن أنت ساعيه فقد هلكا # وقال شتيم بن خويلد، أحد بني غراب بن فزارة [3] : [من المتقارب] # وقلت لسيدنا يا حليم ... إنك لم تأس أسوا رفيقا [4] # أعنت عديا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا # زحرت بها ليلة كلها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا [5] # وقال ابن ميادة [6] : [من الطويل] # أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد ... لدى بابه إذنا يسيرا ولا نزلا ~~PageV03P039 # وإن الذي ولاك أمر جماعة ... لأنقص من يمشي على قدم عقلا ### || 582- [شعر في المجد و السيادة] # وقال آخر [1] : [من الوافر] # ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا # إذا المجد الرفيع تعاورته ... بناة السوء أوشك أن يضيعا # وقال الآخر [2] : [من الطويل] # إذا المرء أثرى ثم قال لقومه ... أنا السيد المفضى إليه المعمم # ولم يعطهم خيرا أبوا أن يسودهم ... وهان عليهم رغمه وهو أظلم # وقال الآخر [3] : [من الطويل] # تركت لبحر درهميه ولم يكن ... ليدفع عني خلتي درهما بحر # فقلت لبحر خذهما واصطرفهما ... وأنفقهما في غير حمد ولا أجر # أتمنع سؤال العشيرة بعد ما ... تسميت بحرا وأكنيت أبا الغمر # وقال الهذلي [4] : [من الطويل] # وكنت إذا ما الدهر أحدث نكبة ... أقول شوى، ما لم يصبن صميمي # وقال آخر [5] في غير هذا الباب: [من الطويل] # سقى الله أرضا يعلم الضب أنها ... بعيد من الأدواء طيبة البقل # بنى بيته في رأس نشز وكدية ... وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل ### || 583- [أبو الحارث والبرذون] # وحدثني المكي قال: نظر أبو الحارث جمين إلى برذون يستقى عليه ماء، فقال: ~~[من الطويل] # [وما] [6] المرء حيث يضع نفسه PageV03P040 # هذا لو قد هملج لم يبتل يما ترى [1] ! ### || 584- [بين العقل والحظ] # وقال عبد العزيز بن زرارة الكلابي: [من الوافر] # وما لب اللبيب بغير حظ ... بأغنى في المعيشة من فتيل # رأيت الحظ يستر كل عيب ... وهيهات الحظوظ من العقول ### || 585- [هجو الخلف] # وقال الآخر [2] : [من الكامل] # ذهب الذين أحبهم سلفا ... وبقيت كالمقهور في خلف # من كل مطوي على حنق ... متضجع يكفى ولا يكفي ms0356 ### || 586- [عبد العين] # وقال آخر [3] : [من الطويل] # ومولى كعبد العين أما لقاؤه ... فيرضى وأما غيبه فظنون # ويقال للمرائي، ولمن إذا رأى صاحبه تحرك له وأراه الخدمة والسرعة في ~~طاعته فإذا غاب عنه وعن عينه خالف ذلك: «إنما هو عبد عين» [4] . # وقال الله عز وجل: ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم ~~من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما # [5] . ### || 587- [من إيجاز القرآن] # وقد ذكرنا أبياتا تضاف إلى الإيجاز وقلة الفضول، ولي كتاب جمعت فيه آيا ~~من القرآن؛ لتعرف بها فصل ما بين الإيجاز والحذف، وبين الزوائد والفضول ~~PageV03P041 # والاستعارات، فإذا قرأتها رأيت فضلها في الإيجاز والجمع للمعاني الكثيرة ~~بالألفاظ القليلة على الذي كتبته لك في باب الإيجاز وترك الفضول. فمنها ~~قوله حين وصف خمر أهل الجنة: # لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [1] وهاتان الكلمتان قد جمعتا جميع عيوب خمر أهل الدنيا. # وقوله عز وجل حين ذكر فاكهة أهل الجنة فقال: لا مقطوعة ولا ممنوعة # [2] جمع بهاتين الكلمتين جميع تلك المعاني. # وهذا كثير قد دللتك عليه، فإن أردته فموضعه مشهور. ### || 588- [رأي أعرابي في تثمير المال] # وقال أعرابي من بني أسد: [من الطويل] # يقولون ثمر ما استطعت، وإنما ... لوارثه ما ثمر المال كاسبه # فكله وأطعمه وخالسه وارثا ... شحيحا ودهرا تعتريك نوائبه ### || 589- [شعر في الهجاء] # وقال رجل من بني عبس [3] : [من البسيط] # أبلغ قرادا لقد حكمتم رجلا ... لا يعرف النصف بل قد جاوز النصفا # كان امرأ ثائرا والحق يغلبه ... فجانب السهل سهل الحق واعتسفا # وذاكم أن ذل الجار حالفكم ... وأن أنفكم لا يعرف الأنفا # إن المحكم ما لم يرتقب حسبا ... أو يرهب السيف أو حد القنا جنفا [4] # من لاذ بالسيف لاقى قرضه عجبا ... موتا على عجل أو عاش منتصفا # بيعوا الحياة بها إذ سام طالبها ... إما رواحا وإما متة أنفا # ليس امرؤ خالدا والموت يطلبه ... هاتيك أجساد عاد أصبحت جيفا # أبلغ لديك أبا كعب مغلغلة ... أن الذي بيننا قد مات أو دنفا PageV03P042 # كانت أمور فجابت عن حلومكم ... ثوب العزيمة ms0357 حتى انجاب وانكشفا # إني لأعلم ظهر الضغن أعدله ... عني، وأعلم أني آكل الكتفا ### || 590- [شعر حكمي] # وقال أسقف نجران [1] : [من الكامل] # منع البقاء تصرف الشمس ... وطلوعها من حيث لا تمسي # وطلوعها بيضاء صافية ... وغروبها صفراء كالورس # اليوم أعلم ما يجيء به ... ومضى بفصل قضائه أمس # وقال عبيد بن الأبرص [2] : [من مخلع البسيط] # وكل ذي غيبة يؤوب ... وغائب الموت لا يؤوب # من يسأل الناس يحرموه ... وسائل الله لا يخيب # وعاقر مثل ذات رحم ... وغانم مثل من يخيب # أفلح بما شئت فقد يبلغ بالض ... عف وقد يخدع الأريب # المرء ما عاش في تكذيب ... طول الحياة له تعذيب # وقال آخر [3] : [من الرجز] # إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها # وجعلت أوصابها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها PageV03P043 ### || 591- [مرثية محمد المخلوع] # وقال بنت عيسى بن جعفر وكان مملكة لمحمد المخلوع حين قتل: [من المنسرح] # أبكيك لا للنعيم والأنس ... بل للمعالي والرمح والفرس [1] # أبكي على فارس فجعت به ... أرملني قبل ليلة العرس ### || 592- [من نعت النساء] # وقال سلم الخاسر: [من الطويل] # تبدت فقلت الشمس عند طلوعها ... بجيد نقي اللون من أثر الورس [2] # فلما كررت الطرف قلت لصاحبي ... على مرية: ما هاهنا مطلع الشمس! ### || 593- [شعر رثاء] # وقال الآخر [3] : [من الوافر] # كفى حزنا بدفنك ثم أني ... نفضت تراب قبرك عن يديا # وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا PageV03P044 ### | باب من المديح بالجمال وغيره ### || 594- [شعر في المديح] # قال مزاحم العقيلي: [من الطويل] # يزين سنا الماوي كل عشية ... على غفلات الزين والمتجمل [1] # وجوه لو ان المدلجين اعتشوا بها ... صدعن الدجى حتى ترى الليل ينجلي # وقال الشمردل: [من البسيط] # إذا جرى المسك يندى في مفارقهم ... راحوا كأنهم مرضى من الكرم [2] # يشبهون ملوكا من تجلتهم ... وطول أنضية الأعناق والأمم # النضي: السهم الذي لم يرش، يعني أن أعناقهم ملس مستوية، والأمم: # القامات. # وقال القتال الكلابي [3] : [من البسيط] # يا ليتني، والمنى ليست بنافعة ... لمالك أو لحصن أو لسيار # طوال أنضية الأعناق لم يجدوا ... ريح الإماء إذا راحت بأزفار PageV03P045 # لم يرضعوا الدهر ms0358 إلا ثدي واضحة ... لواضح الوجه يحمي باحة الدار # وقال آخر: [من الطويل] # إذا كان عقل قلتم إن عقلنا ... إلى الشاء لم تحلل علينا الأباعر # وإن امرأ بعدي يبادل ودكم ... بود بني ذبيان مولى لخاسر # أولئك قوم لا يهان هديهم ... إذا صرحت كحل وهبت أعاصر [1] # مذاليق بالخيل العتاق إذا عدوا ... بأيديهم خطية وبواتر [2] # وقال أبو الطمحان القيني في المعنى الذي ذكرنا [3] : [من الطويل] # كم فيهم من سيد وابن سيد ... وفي بعقد الجار، حين يفارقه # يكاد الغمام الغر يرعد أن رأى ... وجوه بني لأم وينهل بارقه # وقال لقيط بن زرارة [4] : [من الطويل] # وإني من القوم الذين عرفتم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه # نجوم سماء كلما غار كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه [5] # وقال بعض التميميين، يمدح عوف بن القعقاع بن معبد بن زرارة: [من الطويل] # بحق امرئ سرو عتيبة خاله ... وأنت لقعقاع وعمك حاجب PageV03P046 # دراري نجوم كلما انقض كوكب ... بدا كوكب ترفض عنه الكواكب # وقال طفيل الغنوي [1] : [من الطويل] # وكان هريم من سنان خليفة ... وعمرو ومن أسماء لما تغيبوا # نجوم ظلام كلما غاب كوكب ... بدا ساطعا في حندس الليل كوكب # وقال الخريمي [2] ، يمدح بني خريم من آل سنان بن أبي حارثة: [من الطويل] # بقية أقمار من الغر لو خبت ... لظلت معد في الدجى تتكسع # إذا قمر منهم تغور أو خبا ... بدا قمر في جانب الليل يلمع # وقال بعض غني [3] وهو يمدح جماعة إخوة، أنشدنيها أبو قطن الذي يقال له ~~شهيد الكرم: [من البسيط] # حبر ثناء بني عمرو فإنهم ... أولو فضول وأنفال وأخطار # إن يسألوا الخير يعطوه، وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب أخبار # وإن توددتهم لانوا، وإن شهموا ... كشفت أذمار حرب غير أغمار # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري ### || 595- [شعر في الفخر] # وقال رجل من بني نهشل [4] : [من البسيط] # إني لمن معشر أفنى أوائلهم ... قيل الكماة ألا أين المحامونا PageV03P047 # لو كان في الألف منا واحد ms0359 فدعوا ... من فارس خالهم إياه يعنونا # وليس يذهب منا سيد أبدا ... إلا افتلينا غلاما سيدا فينا ### || 596- [شعر في المديح] # وفي المعنى الأول يقول النابغة الذبياني [1] : [من الطويل] # وذاك لأن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا طلعت لم يبد منهن كوكب # وفي غير ذلك من المديح يقول الشاعر [2] : [من الكامل] # وأتيت حيا في الحروب محلهم ... والجيش باسم أبيهم يستهزم # وفي ذلك يقول الفرزدق [3] : [من الطويل] # لتبك وكيعا خيل ليل مغيرة ... تساقى السمام بالردينية السمر # لقوا مثلهم فاستهزموهم بدعوة ... دعوها وكيعا والرماح بهم تجري # وأما قول الشاعر: [من الرجز] # تخامل المحتد أو هزام # فإنما ذهب إلى أن الدعوة إذا قام بها خامل الذكر والنسب فلا يحسده من ~~أكفائه أحد وأما إذا قام بها مذكور بيمن النقيبة، وبالظفر المتتابع، فذلك ~~أجود ما يكون، وأقرب إلى تمام الأمر. # وقال الفرزدق [4] : [من الطويل] # تصرم مني ود بكر بن وائل ... وما كان ودي عنهم يتصرم # قوارص تأتيني ويحتقرونها ... وقد يملأ القطر الأناء فيفعم PageV03P048 # وقال الفرزدق [1] : [من الطويل] # وقالت أراه واحدا لا أخا له ... يؤمله في الوارثين الأباعد # لعلك يوما أن تريني كأنما ... بني حوالي الأسود الحوارد [2] # فإن تميما قبل أن يلد الحصى ... أقام زمانا وهو في الناس واحد # وقال الفرزدق أيضا [3] : [من الطويل] # فإن كان سيف خان أو قدر أتى ... لميقات يوم حتفه غير شاهد # فسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد # كذاك سيوف الهند تنبو ظباتها ... ويقطعن أحيانا مناط القلائد [4] ### || 597- [خير القصائد] # وإن أحببت أن تروي من قصار القصائد شعرا لم يسمع بمثله، فالتمس ذلك في ~~قصار قصائد الفرزدق؛ فإنك لم تر شاعرا قط يجمع التجويد في القصار والطوال ~~غيره. # وقد قيل للكميت: إن الناس يزعمون أنك لا تقدر على القصار! قال [5] : من ~~قال الطوال فهو على القصار أقدر. # هذا الكلام يخرج في ظاهر الرأي والظن، ولم نجد ذلك عند التحصيل على ما ~~قال. ### || [جواب عقيل بن علفة و جرير] # وقيل لعقيل بن ms0360 علفة: لم لا تطيل الهجاء؟ قال [6] : «يكفيك من القلادة ما ~~أحاط بالعنق» . PageV03P049 # وقيل لجرير: إلى كم تهجو الناس؟ قال [1] «إني لا أبتدي، ولكني أعتدي» . # وقيل له: لم لا تقصر؟ قال: «إن الجماح يمنع الأذى» . ### || 598- [شعر مختار] # قال عبيد بن الأبرص [2] : [من الكامل] # نبئت أن بني جديلة أوعبوا ... نفراء من سلمى لنا وتكتبوا [3] # ولقد جرى لهم فلم يتعيفوا ... تيس قعيد كالهراوة أعضب [4] # وأبو الفراخ على خشاش هشيمة ... متنكب إبط الشمائل ينعب [5] # فتجاوزوا ذاكم إلينا كله ... عدوا وقرطبة فلما قربوا [6] # طعنوا بمران الوشيج فما ترى ... خلف الأسنة غير عرق يشخب [7] # وتبدلوا اليعبوب بعد إلههم ... صنما ففروا يا جديل وأعذبوا [8] # وقال آخر: [من الطويل] # ألم تر حسان بن ميسرة الذي ... بجوخى إلى جيرانه كيف يصنع # متاريب ما تنفك منهم عصابة ... إليه سراعا يحصدون ويزرع [9] # - PageV03P050 ### || 599- [شعر في معنى قوله: يريد أن يعربه فيعجمه] # وباب آخر مثل قوله [1] : [من الرجز] # يريد أن يعربه فيعجمه # وقال آخر: [من الرجز] # كأن من يحفظها يضيعها # وقال آخر: [من الرجز] # أهوج لا ينفعه التثقيف # وقال بعض المحدثين [2] في هذا المعنى: [من الطويل] # إذا حاولوا أن يشعبوها رأيتها ... مع الشعب لا تزداد إلا تداعيا # وقال صالح بن عبد القدوس [3] : [من السريع] # والشيخ لا يترك أخلاقه ... حتى يوارى في ثرى رمسه # إذا ارعوى عاد إلى جهله ... كذي الضنا عاد إلى نكسه # ومثل هذا قوله [4] : [من الكامل] # وتروض عرسك بعد ما هرمت ... ومن العناء رياضة الهرم # وقال حسيل بن عرفطة [5] : [من الطويل] # ليهنيك بغض في الصديق وظنة ... وتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه # وأنك مشنوء إلى كل صاحب ... قلاك ومثل الشر يكره جانبه PageV03P051 # وأنك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه [1] # فلم أر مثل الجهل يدعو إلى الردى ... ولا مثل بغض الناس غمض صاحبه ### || 600- [كلمة للزبرقان] # وقال الأصمعي: قال الزبرقان بن بدر: خصلتان كبيرتان في امرئ السوء: شدة ~~السباب، وكثرة اللطام. ### || 601- [شعر في تمجيد الأقارب] # وقال خالد بن نضلة [2] : [من الطويل] # لعمري لرهط المرء خير بقية ... عليه ولو عالوا به كل ms0361 مركب # من الجانب الأقصى وإن كان ذا ندى ... كثير ولا ينبيك مثل المجرب # إذا كنت في قوم عدا لست منهم ... فكل ما علفت من خبيث وطيب # فإن تلتبس بي خيل دودان لا أرم ... وإن كنت ذا ذنب وإن غير مذنب ### || 602- [بكل واد بنو سعد] # قال: ولما تأذى الأضبط بن قريع في بني سعد تحول عنهم إلى آخرين فآذوه ~~فقال: بكل واد بنو سعد [3] ! ### || 603- [مقطعات شتى] # وقال سحيم بن وثيل [4] : [من الطويل] # ألا ليس زين الرحل قطع ونمرق ... ولكن زين الرحل يا مي راكبه [5] ~~PageV03P052 # وقال أعرابي [1] : [من الطويل] # فما وجد ملواح من الهيم خلئت ... عن الماء حتى جوفها يتصلصل [2] # تحوم وتغشاها العصي وحولها ... أقاطيع أنعام تعل وتنهل # بأكثر مني غلة وتعطفا ... إلى الورد، إلا أنني أتجمل # وقال خالد بن علقمة ابن الطيفان، في عيب أخذ العقل والرضا بشيء دون الدم، ~~فقال [3] : [من الطويل] # وإن الذي أصبحتم تحلبونه ... دم غير أن اللون ليس بأحمرا # فلا توعدوا أولاد حيان بعدما ... رضيتم وزوجتم سيالة مسهرا [4] # وأعجب قرد يقصم القمل حالقا ... إذا عب في البقية بربرا # إذا سكبوا في القعب من ذي إنائهم ... رأوا لونه في القعب وردا وأشقرا ~~PageV03P053 ### | باب آخر في ذكر الغضب، والجنون، في المواضع التي يكون فيها محمودا ### || 604- - [شعر في الجنون] # قال الأشهب بن رميلة [1] : [من الطويل] # هر المقادة من لا يستقيد لها ... واعصوصب السير وارتد المساكين [2] # من كل أشعث قد مالت عمامته ... كأنه من ضرار الضيم مجنون # وقال في شبيه ذلك أبو الغول الطهوي [3] : [من الوافر] # فدت نفسي وما ملكت يميني ... معاشر صدقت فيهم ظنوني # معاشر لا يملون المنايا ... إذا دارت رحى الحرب الطحون # ولا يجزون من خير بشر ... ولا يجزون من غلظ بلين # ولا تبلى بسالتهم وإن هم ... صلوا بالحرب حينا بعد حين # هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون [4] # فنكب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون # وقال ابن الطثرية [5] : [من البسيط] # لو أنني لم أنل منكم معاقبة ... إلا السنان لذاق الموت مظعون # أو لا ختطبت فإني ms0362 قد هممت به ... بالسيف إن خطيب السيف مجنون PageV03P054 # وقال آخر [1] : [من الكامل] # حمراء تامكة السنام كأنها ... جمل بهودج أهله مظعون [2] # جادت بها يوم الوداع يمينه ... كلتا يدي عمرو الغداة يمين # ما إن يجود بمثلها في مثله ... إلا كريم الخيم أو مجنون [3] # وفي هذا المعنى يقول حسان، أو ابنه عبد الرحمن بن حسان [4] : [من الخفيف] # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا # إن يكن غث من رقاش حديث ... فبما نأكل الحديث سمينا # وفي شبيه بذلك قول الشنفرى [5] : [من الطويل] # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فول جن إنسان من الحسن جنت # وقال القطامي [6]- حين وصف إفراط ناقته في المرح والنشاط: [من البسيط] # يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل # وقال ابن أحمر [7] ، في معنى التشبيه والاشتقاق: [من الوافر] # بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا [8] PageV03P055 # تفقأ فوقه القلع السواري ... وجن الخازباز به جنونا [1] # وفي مثل ذلك يقول الأعشى [2] : [من الخفيف] # وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجن التلاع والآفاق # لم يزدهم سفاهة نشوة الخم ... ر ولا اللهو فيهم والسباق # وقال آخر في باب المزاح والبطالة، مما أنشدنيه أبو الأصبغ بن ربعي: [من ~~الطويل] # أتوني بمجنون يسيل لعابه ... وما صاحبي إلا الصحيح المسلم ### || 605- [إبراهيم بن هانئ والشعر] # وأنشدني إبراهيم بن هانئ، وعبد الرحمن بن منصور: [من الطويل] # جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون # وكان إبراهيم بن هانئ لا يقيم شعرا ولا أدري كيف أقام هذا البيت! وكان ~~يدعى بحضرة أبي إسحاق علم الحساب، والكلام، والهندسة، واللحون، وأنه يقول ~~الشعر؛ فقال أبو إسحاق: نحن لم نمتحنك في هذه الأمور، فلك أن تدعيها عندنا. ~~كيف صرت تدعي قول الشعر، وأنت إذا رويته لغيرك كسرته؟! قال: # فإني هكذا طبعت، أن أقيمه إذا قلت، وأكسره إذا أنشدت! قال أبو إسحاق: ما ~~بعد هذا الكلام كلام! ### || 606- [جواب أعرابي] # وقلت لأعرابي، أيما أشد غلمة: المرأة أو الرجل؟ فأنشد [3] : [من الطويل] # فو الله ما أدري وإني لسائل ... ألأير ms0363 أدنى للفجور أو الحر # وقد جاء هذا مرخيا من عنانه ... وأقبل هذا فاتحا فاه يهدر ### || 607- [مقطعات شتى] # وأنشد بعضهم [4] : [من الخفيف] # أصبح الشيب في المفارق شاعا ... واكتسى الرأس من بياض قناعا PageV03P056 # ثم ولى الشباب إلا قليلا ... ثم يأبى القليل إلا نزاعا # وأنشد محمد بن يسير [1] : [من المنسرح] # قامت تخاصرني لقبتها ... خود تأطر ناعم بكر [2] # كل يرى أن الشباب له ... في كل مبلغ لذة عذر # وقال الآخر في خلاف ذلك، أنشدنيه محمد بن هشام السدري: [من الطويل] # فلا تعذراني في الإساءة إنه ... أشر الرجال من يسيء فيعذر [3] # وقال ابن فسوة [4] : [من الطويل] # فليت قلوصي عريت أو رحلتها ... إلى حسن في داره وابن جعفر # إلى معشر لا يخصفون نعالهم ... ولا يلبسون السبت ما لم يحضر [5] # وقال الطرماح بن حكيم، وهو أبو نفر [6] : [من الطويل] # لقد زادني حبا لنفسي أنني ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل # إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل # ملأت عليه الأرض حتى كأنها ... من الضيق في عينيه كفة حابل # وقال آخر: [من الوافر] # إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قبلي تدور # وقال الخريمي [7] وذكر عماه: [من المنسرح] # أصغي إلى قائدي ليخبرني ... إذا النقينا عمن يحييني PageV03P057 # أريد أن أعدل السلام وأن ... أفصل بين الشريف والدون # اسمع ما لا أرى فأكره أن ... أخطئ، والسمع غير مأمون # لله عيني التي فجعت بها ... لو أن دهرا بها يواتيني # لو كنت خيرت ما أخذت بها ... تعمير نوح في ملك قارون # وقال بعض القدماء [1] : [من الوافر] # ألم تر حوشبا أضحى يبني ... قصورا نفعها لبني بقيله # يؤمل أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله # وقال ابن عباس بعد ما ذهب بصره [2] : [من البسيط] # إن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور # قلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور # وقال حسان يذكر بيان ابن عباس [3] : [من الطويل] # إذا قال لم يترك مقالا ولم يقف ... لعي ولم يثن اللسان على هجر # يصرف بالقول اللسان ms0364 إذا انتحى ... وينظر في أعطافه نظر الصقر ### || 608- [شعر في الخصب والجدب] # وقال بعض الأعراب [4] يذكر الخصب والجدب: [من الطويل] # مطرنا فلما أن روينا تهادرت ... شقاشق فيها رائب وحليب # ورامت رجالا من رجال ظلامة ... وعدت ذحول بينهم وذنوب PageV03P058 # ونصت ركاب للصبا فتروحت ... لهن بما هاج الحبيب خبيب [1] # وطن فناء الحي حتى كأنه ... رحى منهل من كرهن نحيب # بني عمنا لا تعجلوا، ينضب الثرى ... قليلا ويشفى المترفين طبيب # فلو قد تولى النبت وامتيرت القرى ... وحنت ركاب الحي حين تثوب # وصار غبوق الخود وهي كريمة ... على أهلها، ذو جدتين مشوب [3] # وصار الذي في أنفه خنزوانة ... ينادى إلى هادي الرحى فيجيب [3] # أولئك أيام تبين ما الفتى ... أكاب سكيت أم أشم نجيب ### || 609- [شعر لأنس بن أبي إياس] # وقال: ولما ولي حارثة بن بدر سرق، كتب إليه أنس بن أبي إياس الدؤلي [4] : # [من الطويل] # أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق # وباه تميما بالغنى إن للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق # ولا تحقرن يا حار شيئا ملكته ... فحظك من ملك العراقين سرق # فإن جميع الناس إما مكذب ... يقول بما يهوى، وإما مصدق # يقولون أقوالا ولا يعرفونها ... ولو قيل هاتوا حققوا لم يحققوا # وقال بعض الأعراب: [من الطويل] # فلما رأينا القوم ثاروا بجمعهم ... رعينا الحديث وهو فيهم مضيع # وأدركنا من عز قيس حفيظة ... ولا خير فيمن لا يضر وينفع ### || [نصيحة رجل لبعض السلاطين] # ويقال إن رجلا قال لبعض السلاطين: الدنيا بما فيها حديث، فإن استطعت أن ~~تكون من أحسنها حديثا فافعل! PageV03P059 ### || 610- [أقوال مأثورة] # وقال حذيفة بن بدر لصاحبه يوم جفر الهباءة [1] ، حين أعطاهم بلسانه ما ~~أعطى: إياك والكلام المأثور [2] . # وأنشد الأصمعي: [من الخفيف] # كل يوم كأنه يوم أضحى ... عند عبد العزيز أو يوم فطر # وقال: وذكر لي بعض البغداديين أنه سمع مدنيا مر بباب الفضل بن يحيى- وعلى ~~بابه جماعة من الشعراء- فقال [3] : [من الخفيف] # ما لقينا من جود فضل بن يحيى ... ترك الناس كلهم شعراء # وقال الأصمعي: قال لي خلف الأحمر: الفارسي إذا تظرف ms0365 تساكت، والنبطي إذا ~~تظرف أكثر الكلام. # وقال الأصمعي: قال رجل لأعرابي: كيف فلان فيكم؟ قال: مرزوق أحمق! قال: ~~هذا الرجل الكامل. # قال: وقال أعرابي لرجل: كيف فلان فيكم؟ قال: غني حظي، قال: هذا من أهل ~~الجنة! ### || 611- [السواد والبياض ] # الأصمعي قال: أخبرني جوسق قال: كان يقال بالبدو: «إذا ظهر البياض قل ~~السواد، وإذا ظهر السواد قل البياض» . قال الأصمعي: يعني بالسواد التمر، ~~وبالبياض اللبن والأقط [4] ، يقول: إذا كانت السنة مجدبة كثر التمر وقل ~~اللبن والأقط. وقال: إذا كان العام خصيبا ظهر في صدقة الفطر البياض يعني ~~الإقط وإذا كان جدبيا ظهر السواد، يعني التمر. # وتقول الفرس: إذا زخرت الأودية بالماء كثر التمر، وإذا اشتدت الرياح كثر ~~الحب. PageV03P060 ### || 612- [قول في أثر الريح في المطر] # وحدثني محمد بن سلام، عن شعيب بن حجر قال: جاء رجل على فرس فوقف بماء من ~~مياه العرب فقال: أعندكم الريح التي تكب [1] البعير؟ قالوا: لا. قال: # فتذري [2] الفارس؟ قالوا: لا. قال: فكما تكون يكون مطركم. # وحدثني العتبي قال: هجمت على بطن بين جبلين، فلم أر واديا أخصب منه، وإذا ~~رجال يتركلون على مساحيهم [3] ، وإذا وجوه مهجنة، وألوان فاسدة فقلت: # واديكم أخصب واد، وأنتم لا تشبهون المخاصيب قال: فقال شيخ منهم: ليس لنا ~~ريح. ### || 613- [شعر في الخصب] # وقال النمر بن تولب [4] : [من البسيط] # كأن جمرة، أو عزت لها شبها ... في العين يوما تلاقينا بأرمام [5] # ميثاء جاد عليها وابل هطل ... فأمرعت لاحتيال فرط أعوام # إذا يجف ثراها بلها ديم ... من كوكب بزل بالماء سجام # لم يرعها أحد واربتها زمنا ... فأو من الأرض محفوف بأعلام [6] # تسمع للطير في حافاتها زجلا ... كأن أصواتها أصوات جرام [7] # كأن ريح خزاماها وحنوتها ... بالليل ريح يلنجوج وأهضام [8] # قال: فلم يدع معنى من أجله يخصب الوادي ويعتم نبته إلا ذكره وصدق النمر! ~~PageV03P061 # وقال الأسدي في ذكر الخصب ورطوبة الأشجار ولدونة الأغصان وكثرة الماء [1] ~~: [من الكامل] # وكأن أرحلنا بجو محصب ... بلوى عنيزة من مقيل الترمس [2] # في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس أهله لم يقبس # ذهب إلى ms0366 أنه قد بلغ من الرطوبة في أغصانه وعيدانه، أنها إذا حك بعضها ~~ببعض لم يقدح. # وفي شبيه بذلك يقول الآخر، وذهب إلى كثرة الألوان والأزهار والأنوار [3] ~~: # [من الرجز] # كانت لنا من غطفان جاره ... كأنها من دبل وشاره # والحلي حلي التبر والحجاره ... مدفع ميثاء إلى قراره # ثم قال [4] : [من الرجز] # إياك أعني واسمعي يا جاره # وقال بشار [5] : [من الخفيف] # وحديث كأنه قطع الرو ... ض وفيه الحمراء والصفراء PageV03P062 ### | باب من الفطن وفهم الرطانات والكنايات والفهم والإفهام ### || 614- [حديث المرأة التي طرقها اللصوص] # الأصمعي قال: كانت امرأة تنزل متنحية من الحي، وتحب العزلة وكان لها غنم، ~~فطرقها اللصوص فقالت لأمتها: اخرجي! من هاهنا؟ قالت: هاهنا حيان، والحمارس، ~~وعامر والحارث، ورأس عنز وشادن. وراعيا بهمنا: فنحن ما أولئك. أي: # فنحن أولئك. فلما سمعوا ذلك ظنوا أن عندها بنيها. وقال الأصمعي مرة: فلما ~~سمعت حسهم قالت لأمتها: أخرجي سلح بني من هاهنا. # قال: وسلح جمع سلاح [1] . وحيان والحمارس: أسماء تيوس لها. ### || 615- [قصة الممهورة الشياه والخمر] # قال الأصمعي [2] : تزوج رجل [3] امرأة فساق إليها مهرها ثلاثين شاة، وبعث ~~بها رسولا، وبعث بزق خمر. فعمد الرسول فذبح شاة في الطريق فأكلها، وشرب بعض ~~الزق. فلما أتى المرأة نظرت إلى تسع وعشرين ورأت الزق ناقصا، فعلمت أن ~~الرجل لا يبعث إلا بثلاثين وزق مملوء فقالت للرسول: قل لصاحبك: إن سحيما قد ~~رثم [4] ، وإن رسولك جاءنا في المحاق! فلما أتاه الرسول بالرسالة: قال يا ~~عدو الله، أكلت من الثلاثين شاة شاة، وشربت من رأس الزق! فاعترف بذلك. ### || 616- [قصة العنبري الأسير] # الأصمعي قال [5] : أخبرني شيخ من بني العنبر قال: أسر بنو شيبان رجلا من ~~PageV03P063 # بني العنبر، قال: دعوني حتى أرسل إلى أهلي ليفدوني. قالوا: على ألا تكلم ~~الرسول إلا بين أيدينا. قال: نعم. قال: فقال للرسول. ائت أهلي فقل: إن ~~الشجر قد أورق. # وقل: إن النساء قد اشتكت وخرزت القرب. ثم قال له: أتعقل؟ قال: نعم. قال: ~~إن كنت تعقل فما هذا؟ قال: الليل. قال: أراك تعقل انطلق إلى أهلي فقل لهم: ms0367 ~~عروا جملي الأصهب، واركبوا ناقتي الحمراء، وسلوا حارثا عن أمري- وكان حارث ~~صديقا له- فذهب الرسول فأخبرهم. فدعوا حارثا فقص عليه الرسول القصة، فقال ~~أما قوله: «إن الشجر قد أورق» فقد تسلح القوم. وأما قوله: «إن النساء قد ~~اشتكت وخرزت القرب» فيقول: قد اتخذت الشكا [1] وخرزت القرب للغزو. وأما ~~قوله: «هذا الليل» فإنه يقول: أتاكم جيش مثل الليل. وأما قوله: «عروا جملي ~~الأصهب» فيقول: ارتحلوا عن الصمان. وأما قوله: «اركبوا ناقتي الحمراء» ~~فيقول انزلوا الدهناء وكان القوم قد تهيؤوا لغزوهم، فخافوا أن ينذرهم، ~~فأنذرهم وهم لا يشعرون فجاء القوم يطلبونهم فلم يجدوهم. ### || 617- [قصة العطاردي] # وكذلك صنع العطاردي في شأن شعب جبلة [2] ، وهو كرب بن صفوان؛ وذلك أنه ~~حين لم يرجع لهم قولا حين سألوه أن يقول، ورمى بصرتين في إحداهما شوك، ~~والأخرى تراب، فقال قيس بن زهير: هذا رجل مأخوذ عليه ألا يتكلم، وهو ينذركم ~~عددا وشوكة [3] . # قال الله عز وجل: وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم # [4] . ### || 618- [شعر في صفة الخيل والجيش] # قال أبو نخيلة [5] : [من الرجز] # لما رأيت الدين دينا يؤفك ... وأمست القبة لا تستمسك PageV03P064 # يفتق من أعراضها ويهتك ... سرت من الباب فطار الدكدك # منها الدجوجي ومنها الأرمك ... كالليل إلا أنها تحرك # وقال منصور النمري [1] : [من البسيط] # ليل من النقع لا شمس ولا قمر ... إلا جبينك والمذروبة الشرع [2] # وقال آخر: [من السريع] # كأنهم ليل إذا استنفروا ... أو لجة ليس لها ساحل # وقال العجاج [3] : [من الرجز] # كأنما زهاؤه إذا جهر ... ليل ورز وغره إذا وغر # سار سرى من قبل العين فجر # وفي هذا الباب وليس منه يقول بشار [4] : [من الطويل] # كأن مثار النقع فوق رؤوسهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # وقال كلثوم بن عمرو [5] : [من البسيط] # تبني سنابكهم من فوق أرؤسهم ... سقفا كواكبه البيض المباتير # وهذا المعنى قد غلب عليه بشار، كما غلب عنترة على قوله [6] : [من الكامل] # فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم # غردا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم # فلو أن امرأ القيس عرض في ms0368 هذا المعنى لعنترة لافتضح. PageV03P065 ### || 619- [مقطعات شتى] # وقال بعضهم في غير هذا المعنى: [من الخفيف] # وفلاة كأنما اشتمل اللي ... ل على ركبها بأبناء حام # خضت فيها إلى الخليفة بالر ... قة بحري ظهيرة وظلام # وقال العرجي [1] : [من البسيط] # سميتني خلقا بخلة قدمت ... ولا جديد إذا لم يلبس الخلق # يا أيها المتحلي غير شيمته ... ومن خلائقه الإقصاد والملق # ارجع إلى خيمك المعروف ديدنه ... إن التخلق يأتي دونه الخلق # وقال آخر [2] : [من الكامل] # أودى الخيار من المعاشر كلهم ... واستب بعدك يا كليب المجلس # وتنازعوا في كل أمر عظيمة ... لو قد تكون شهدتهم لم ينبسوا # وأبيات أبي نواس على أنه مولد شاطر، أشعر من شعر مهلهل في إطراق الناس في ~~مجلس كليب، وهو قوله [3] : [من الطويل] # على خبز إسماعيل واقية البخل ... وقد حل في دار الأمان من الأكل # وما خبزه إلا كآوى يرى ابنها ... ولم ترآوى في الحزون ولا السهل # وما خبزه إلا كعنقاء مغرب ... تصور في بسط الملوك وفي المثل # يحدث عنها الناس من غير رؤية ... سوى صورة ما أن تمر ولا تحلي # وما خبزه إلا كليب بن وائل ... ليالي يحمي عزه منبت البقل PageV03P066 # وإذ هو لا يستب خصمان عنده ... ولا القول مرفوع بجد ولا هزل # فإن خبز إسماعيل حل به الذي ... أصاب كليبا لم يكن ذاك عن بذل # ولكن قضاء ليس يسطاع دفعه ... بحيلة ذي دهي ولا فكر ذي عقل ### || 620- [شعر العرب و المولدين] # والقضية التي لا أحتشم منها، ولا أهاب الخصومة فيها: أن عامة العرب ~~والأعراب والبدو والحضر من سائر العرب، أشعر من عامة شعراء الأمصار والقرى، ~~من المولدة والنابتة. وليس ذلك بواجب لهم في كل ما قالوه. # وقد رأيت ناسا منه يبهرجون أشعار المولدين، ويستسقطون من رواها ولم أر ~~ذلك قط إلا في رواية للشعر غير بصير بجوهر ما يروى. ولو كان له بصر لعرف ~~موضع الجيد ممن كان، وفي أي زمان كان. # وأنا رأيت أبا عمرو الشيباني وقد بلغ من استجادته لهذين البيتين، ونحن في ~~المسجد يوم الجمعة، أن كلف ms0369 رجلا حتى أحضره دواة وقرطاسا حتى كتبهما له. # وأنا أزعم أن صاحب هذين البيتين لا يقول شعرا أبدا. ولولا أن أدخل في ~~الحكم بعض الفتك؛ لزعمت أن ابنه لا يقول شعرا أبدا، وهما قوله [1] : [من ~~السريع] # لا تحسبن الموت موت البلى ... فإنما الموت سؤال الرجال # كلاهما موت ولكن ذا ... أفظع من ذاك لذل السؤال ### || 621- [القول في المعنى واللفظ] # وذهب الشيخ إلى استحسان المعنى، والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي ~~والعربي، والبدوي والقروي، والمدني. وإنما الشأن في إقامة الوزن، وتخير ~~اللفظ، وسهولة المخرج، وكثرة الماء، وفي صحة الطبع وجودة السبك، فإنما ~~الشعر صناعة، وضرب من النسج، وجنس من التصوير. # وقد قيل للخليل بن أحمد: ما لك لا تقول الشعر؟ قال: «الذي يجيئني لا ~~أرضاه، والذي أرضاه لا يجيئني» [2] . PageV03P067 # فأنا أستحسن هذا الكلام، كما أستحسن جواب الأعرابي حين قيل له: كيف تجدك؟ ~~قال: أجدني أجد ما لا أشتهي، وأشتهي ما لا أجد [1] ! ### || 622- [شعر ابن المقفع] # وقيل لابن المقفع: ما لك لا تجوز البيت والبيتين والثلاثة! قال: إن جزتها ~~عرفوا صاحبها. فقال له السائل: وما عليك أن تعرف بالطول الجياد؟! فعلم أنه ~~لم يفهم عنه. ### || 623- [الفرق بين المولد والأعرابي] # ونقول: إن | الفرق بين المولد والأعرابي: # أن المولد يقول بنشاطه وجمع باله الأبيات اللاحقة بأشعار أهل البدو، فإذا ~~أمعن انحلت قوته، واضطرب كلامه. ### || 624- [شعر في تعظيم الاشراف] # وفي شبيه بمعنى مهلهل وأبي نواس، في التعظيم والإطراق عند السادة، يقول ~~الشاعر في بعض بني مروان [2] : [من البسيط] # في كفه خيزران ريحه عبق ... في كف أروع في عرنينه شمم # يغضي حياء ويغضى من مهابته ... فما يكلم إلا حين يبتسم # إن قال قال بما يهوى جميعهم ... وإن تكلم يوما ساخت الكلم # كم هاتف بك من داع وهاتفة ... يدعوك يا قثم الخيرات يا قثم # وقال أبو نواس في مثل ذلك [3] : [من المديد] # فترى السادات ماثلة ... لسليل الشمس من قمره # فهم شتى ظنونهم ... حذر المطوي من خبره PageV03P068 # وقال إبراهيم بن هرمة في مديح المنصور، وهو شبيه بهذا وليس منه ms0370 [1] : [من ~~الطويل] # له لحظات عن حفافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل # فأم الذي أمنت آمنة الردى ... وأم الذي أو عدت بالثكل ثاكل ### || 625- [شعر في الحلف و العقد] # وقال مهلهل، وهو يقع في باب الحلف وكد بعقد [2] : [من المنسرح] # ملنا على وائل وأفلتنا ... يوما عدي جريعة الذقن [3] # دفعت عنه الرماح مجتهدا ... حفظا لحلفي وحلف ذي يمن # أذكر من عهدنا وعهدهم ... عهدا وثيقا بمنحر البدن # ما بل بحر كفا بصوفتها [4] ... وما أناف الهضاب من حضن [5] # يزيده الليل والنهار معا ... شدا، خراط الجموح في الشطن [6] ### || 626- [شعر في مصرع عمرو بن هند] # وقال جابر بن حني التغلبي [7] : [من الطويل] # ولسنا كأقوام قريب محلهم ... ولسنا كمن يرضيكم بالتملق # فسائل شرحبيلا بنا ومحلما ... غداة نكر الخيل في كل خندق # لعمرك ما عمرو بن هند وقد دعا ... لتخدم ليلى أمه بموفق PageV03P069 # فقام ابن كلثوم إلى السيف مغضبا ... فأمسك من ندمانه بالمخنق # وعممه عمدا على الرأس ضربة ... بذي شطب صافي الحديدة مخفق ### || 627- [شعر في الأقارب] # وقال المتلمس [1] : [من الطويل] # على كلهم آسى وللأصل زلفة ... فزحزح عن الأدنين أن يتصدعوا # وقد كان إخواني كريما جوارهم ... ولكن أصل العود من حيث ينزع # وقال المتلمس [2] : [من الطويل] # ولو غير أخوالي أرادوا نقيضتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما # وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما # يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما # أحارث إنا لو تساط دماؤنا ... تزايلن حتى لا يمس دم دما ### || 628- [تفسير كلمة لعمر] # قال: وسألت عن قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفي: # والله لأنا أشد بغضا لك من الأرض للدم [3] ! قال: لأن الدم الجاري من كل ~~شيء بين، لا يغيض في الأرض؛ ومتى جف وتجلب ففرقته رأيت مكانه أبيض [4] . # إلا إن صاحب المنطق قال في كتابه في الحيوان: كذلك الدماء، إلا دم ~~البعير. ### || 629- [أشعار شتى] # وقال النمر بن تولب [5] : [من الطويل] # إذا كنت في سعد، وأمك منهم ms0371 ... غريبا فلا تغررك أمك من سعد PageV03P070 # وقال [1] : [من الطويل] # وإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد # وقال آخر [2] : [من الطويل] # تخيره الله الغداة لدينه ... على علمه والله بالعلم أفرس # وقال آخر [3] : [من الطويل] # وما ترك الهاجون لي في أديمكم ... مصحا ولكني أرى مترقعا # وقال العجلي، أو العكلي، لنوح بن جرير: [من الكامل] # أتسبني فأراك مثلي سبة ... وأسب جدكم بسب أبينا # ولقد أرى والمقتضى متجوز ... يا نوح أن أباك لا يوفينا # وقال عمرو بن معد يكرب [4] : [من الوافر] # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # وصله بالزماع فكل أمر ... سما لك أو سموت له ولوع ### || شعر في صاحب السوء # وقال المقنع الكندي [5] : [من البسيط] # وصاحب السوء كالداء العياء إذا ... ما ارفض في الجوف يجري هاهنا وهنا # ينبي ويخبر عن عورات صاحبه ... وما رأى عنده من صالح دفنا # كمهر سوء إذا رفعت سيرته ... رام الجماع وإن خفضته حرنا # إن يحي ذاك فكن منه بمعزلة ... أو مات ذاك فلا تعرف له جننا # - PageV03P071 ### | باب ذكر خصال الحرم ### || 630- [خصال الحرم] # فمن خصاله: أن الذئب يصيد الظبي ويريغه ويعارضه، فإذا دخل الحرم كف عنه ~~[2] . # ومن خصاله: أنه لا يسقط على الكعبة حمام إلا وهو عليل. يعرف ذلك متى ~~امتحن وتعرفت حاله [3] . ولا يسقط عليها ما دام صحيحا. # ومن خصاله: أنه إذا حاذى أعلى الكعبة عرقة من الطير كاليمام وغيره، ~~انفرقت فرقتين ولم يعلها طائر منها [4] . # ومن خصاله [5] : أنه إذا أصاب المطر الباب الذي من شق العراق، كان الخصب ~~والمطر في تلك السنة في شق العراق، وإذا أصاب الذي من شق الشام كان الخصب ~~والمطر في تلك السنة في شق الشام. وإذا عم جوانب البيت كان المطر والخصب ~~عاما في سائر البلدان. # ومن خصال الحرم [6] : أن حصى الجمار يرمى بها في ذلك المرمى، مذ يوم حج ~~الناس البيت على طوال الدهر، ثم كأنه على مقدار واحد. ولولا موضع الآية ~~والعلامة والأعجوبة التي فيها، لقد كان ذلك كالجبال. هذا من غير ms0372 أن تكسحه ~~السيول، ويأخذ منه الناس. PageV03P072 # ومن سنتهم [1] : أن كل من علا الكعبة من العبيد فهو حر، لا يرون الملك ~~على من علاها، ولا يجمعون بين عز علوها وذلة الملك. # وبمكة رجال من الصلحاء لم يدخلوا الكعبة قط. # وكانوا في الجاهلية لا يبنون بيتا مربعا؛ تعظيما للكعبة [2] . والعرب ~~تسمي كل بيت مربع كعبة، ومنه: كعبة نجران [3] . وكان أول من بنى بيتا مربعا ~~حميد بن زهير، أحد بني أسد بن عبد العزى. # ثم البركة والشفاء الذي يجده من شرب من ماء زمزم على وجه الدهر وكثرة من ~~يقيم عليه يجد فيه الشفاء، بعد أن لم يدع في الأرض حمة إلا أتاها، وأقام ~~عندها، وشرب منها، واستنقع فيها [4] . # هذا مع شأن الفيل، والطير الأبابيل، والحجارة السجيل، وأنها لم تزل أمنا ~~ولقاحا [5] ، لا تؤدي إتاوة، ولا تدين للملوك، ولذلك سمي البيت العتيق؛ ~~لأنه لم يزل حرا لم يملكه أحد. # وقال حرب بن أمية في ذلك [6] : [من الوافر] # أبا مطر هلم إلى صلاح ... فتكفيك الندامى من قريش # فتأمن وسطهم وتعيش فيهم ... أبا مطر هديت لخير عيش # وتنزل بلدة عزت قديما ... وتأمن أن يزروك رب جيش # وقال الله عز وجل: وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا واتخذوا من مقام ~~إبراهيم مصلى # [7] وقال عز وجل، حكاية عن إبراهيم: ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي ~~زرع عند بيتك المحرم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم ~~وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون # [8] . PageV03P073 ### || 631- [خصال المدينة] # [1] والمدينة هي طيبة، ولطيبها قيل تلفط خبثها وينصع طيبها. وفي ريح ~~ترابها وبنة تربتها، وعرف ترابها ونسيم هوائها، والنعمة التي توجد في سككها ~~وفي حيطانها- دليل على أنها جعلت آية حين جعلت حرما. # وكل من خرج من منزل مطيب إلى استنشاق ريح الهواء والتربة في كل بلدة فإنه ~~لابد عند الاستنشاق والتثبت من أن يجدها منتنة. فذلك على طبقات من شأن ~~البلدان، إلا ما كان في مدينة الرسول، رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فللصياح [2] والعطر والبخور والنضوح، من الرائحة الطيبة- إذا ms0373 كان فيها- ~~أضعاف ما يوجد له في غيرها من البلدان، وإن كان الصياح أجود، والعطر أفخر، ~~والبخور أثمن. ### || 632- ### | باب ذكر الحمام ### || 633- أجناسه # قال صاحب الحمام: الحمام وحشي، وأهلي، وبيوتي، وطوراني [1] . وكل طائر ~~يعرف بالزواج، وبحسن الصوت، والهديل، والدعاء، والترجيع فهو حمام، وإن خالف ~~بعضه بعضا في بعض الصوت واللون، وفي بعض القد. ولحن الهديل. وكذلك تختلف ~~أجناس الدجاج على مثل ذلك ولا يخرجها ذلك من أن تكون دجاجا: # كالديك الهندي والخلاسي [2] والنبطي، وكالدجاج السندي والزنجي وغير ذلك. # وكذلك الإبل: كالعراب والبخت، والفوالج، والبهونيات [3] والصرصرانيات [4] ~~، والحوش، والنجب، وغير ذلك من فحول الإبل؛ ولا يخرجها ذلك من أن تكون ~~إبلا. # وما ذاك إلا مخالفة الجرذان والفأر، والنمل والذر، وكاختلاف الضأن ~~والمعز، وأجناس البقر الأهلية والبقر الوحشية، وكقرابة ما بينهما وبين ~~الجواميس. # وقد تختلف الحيات والعقارب بضروب الاختلاف، ولا يخرجها ذلك من أن تكون ~~عقارب وحيات، وكذلك الكلاب، والغربان. # وحسبك بتفاوت ما بين الناس: كالزنج والصقالبة، في الشعور والألوان، ~~وكيأجوج ومأجوج، وعاد وثمود، ومثل الكنعانيين والعمالقة. # فقد تخالف الماعزة الضائنة حتى لا يقع بينهما تسافد ولا تلاقح. وهي في ~~ذلك غنم وشاء. # قال: والقمري حمام، والفاختة حمام، والورشان حمام. والشفنين حمام، وكذلك ~~PageV03P075 # اليمام واليعقوب. وضروب أخرى كلها حمام. ومفاخرها التي فيها ترجع إلى ~~الحمام التي لا تعرف إلا بهذا الاسم. # قال [1] : وقد زعم أفليمون (صاحب الفراسة) أن الحمام يتخذ لضروب: منها ما ~~يتخذ للأنس والنساء والبيوت، ومنا ما يتخد للزجال والسباق. # والزجال: إرسال الحمام الهوادي ### || 634- [من مناقب الحمام] # ومن مناقب الحمام # حبه للناس، وأنس الناس به، وأنك لم تر حيوانا قط أعدل موضعا، ولا أقصد ~~مرتبة من الحمام. وأسفل الناس لا يكون دون أن يتخذها، وأرفع الناس لا يكون ~~فوق أن يتخذها. وهي شيء يتخذه ما بين الحجام إلى الملك الهمام. # والحمام مع عموم شهوة الناس له، ليس شيء مما يتخذونه هم أشد شغفا به ولا ~~أشد صبابة منهم بالحمام، ثم تجد ذلك في الخصيان كما تجده في الفحول، وتجده ~~في الصبيان كما تجده ms0374 في الرجال، وتجده في الفتيان كما تجده في الشيوخ، ~~وتجده في النساء كما تجده في الرجال. # والحمام من الطير الميامين، وليس من الحيوان الذي تظهر له عورة وحجم قضيب ~~كالكلب والحمار وأشباه ذلك، فيكون ذلك مما يكون يجب على الرجال ألا يدخلوه ~~دورهم. ### || 635- [كلمه لمثني في الحمام] # قال مثنى بن زهير: ومن العجب الحمام ملقى، # والسكران موقى، فأنشده ابن يسير بيت الخريمي [2] : [من الطويل] # وأعددته ذخرا لكل ملمة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع ### || 636- [شرب الحمام] # ومتى رأى إنسان عطشان الديك والدجاجة يشربان الماء، ورأى ذئبا وكلبا ~~يلطعان الماء لطعا، ذهب عطشه من قبح حسو الديك نغبة نغبة ومن لطع الكلب. ~~PageV03P076 # وإنه ليرى الحمام وهو يشرب الماء! وهو ريان فيشتهي أن يكرع في ذلك الماء ~~معه. ### || 637- [صدق رغبة الحمام في النسل] # [1] والديك والكلب في طلب السفاد وفي طلب الذرء كما قال أبو الأخزر ~~الحماني: [من السريع] # لا مبتغي الضنء ولا بالعازل # والحمام أكثر معانيه الذرء وطلب الولد. فإذا علم الذكر أنه قد أودع رحم ~~الأنثى ما يكون منه الولد تقدما في إعداد العش، ونقل القصب وشقق الخوص، ~~وأشباه ذلك من العيدان الخوارة الدقاق حتى يعملا أفحوصة وينسجاها نسجا ~~مداخلا، وفي الموضع الذي قد رضياه اتخذاه واصطنعاه، بقدر جثمان الحمامة، ثم ~~أشخصا لتلك الأفحوصة حروفا غير مرتفعة؛ لتحفط البيض وتمنعه من التدحرج، ~~ولتلزم كنفي الجؤجؤ ولتكون رفدا لصاحب الحضن، وسدا للبيض، ثم يتعاوران ذلك ~~المكان ويتعاقبان ذلك القرموص وتلك الأفحوصة، يسخنانها ويدفيانها ~~ويطيبانها، وينفيان عنها طباعها الأول، ويحدثان لها طبيعة أخرى مشتقة من ~~طبائعهما، ومستخرجة من رائحة أبدانهما وقواهما الفاصلة منهما؛ لكي تقع ~~البيضة إذا وقعت، في موضع أشبه المواضع طباعا بأرحام الحمام، مع الحضانة ~~والوثارة؛ لكي لا تنكسر البيضة بيبس الموضع، ولئلا ينكر طباعها طباع ~~المكان، وليكون على مقدار من البرد والسخانة والرخاوة والصلابة. ثم إن ~~ضربها المخاض وطرقت [2] ببيضتها، بدرت إلى الموضع الذي قد أعدته، وتحاملت ~~إلى المكان الذي اتخذته وصنعته، إلا أن يقرعها رعد قاصف، أو ريح عاصف فإنها ~~ربما ms0375 رمت بها دون كنها وظل عشها، وبغير موضعها الذي اختارته. والرعد ربما ~~مرق [3] عنده البيض وفسد، كالمرأة التي تسقط من الفزع، ويموت جنينها من ~~الروع. ### || 638- [عناية الحمام بالبيض] # وإذا وضعت البيض في ذلك المكان فلا يزالان يتعاقبان الحضن ويتعاورانه، ~~حتى إذا بلغ ذلك البيض مداه وانتهت أيامه، وتم ميقاته الذي وظفه خالقه، ~~ودبره PageV03P077 # صاحبه، انصدع البيض عن الفرخ، فخرج عاري الجلد، صغير الجناح، قليل ~~الحيلة، منسد الحلقوم. فيعينانه على خلاصه من قيضه [1] وترويحه من ضيق هوته ~~[2] . ### || 639- [عنايتهما بالفراخ] # وهما يعلمان أن الفرخين لا تتسع حلوقهما وحواصلهما للغذاء، فلا يكون لهما ~~عند ذلك هم إلا أن ينفخا في حلوقهما الريح، لتتسع الحوصلة بعد التحامها، ~~وتنفتق بعد ارتتاقها، ثم يعلمان أن الفرخ وإن اتسعت حوصلته شيئا، أنه لا ~~يحتمل في أول اغتذائه أن يزق بالطعم، فيزق عند ذلك باللعاب المختلط بقواهما ~~وقوى الطعم- وهم يسمون ذلك اللعاب اللباء- ثم يعلمان أن طبع حوصلته يرق عن ~~استمراء الغذاء وهضم الطعم، وأن الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية، وتحتاج إلى ~~أن يكون لها بعض المتانة والصلابة، فيأكلن من شورج أصول الحيطان، وهو شيء ~~بين الملح الخالص وبين التراب الملح، فيزقان الفرخ حتى إذا علما أنه قد ~~اندبغ واشتد زقاه بالحب الذي قد غب في حواصلهما ثم زقاه بعد ذلك بالحب الذي ~~هو أقوى وأطرى [3] . فلا يزلان يزقانه بالحب والماء على مقدار قوته ومبلغ ~~طاقته، وهو يطلب ذلك منهما، ويبض [4] نحوهما؛ حتى إذا علما أنه قد أطاق ~~اللقط منعاه بعض المنع، ليحتاج إلى اللقط فيتعوده، حتى إذا علما أن أداته ~~قد تمت، وأن أسبابه قد اجتمعت وأنهما إن فطماه فطما مقطوعا مجذوذا قوي على ~~اللقط، وبلغ لنفسه منتهى حاجته- ضرباه إذا سألهما الكفاية، ونفياه متى رجع ~~إليهما ثم تنزع عنهما تلك الرحمة العجيبة منهما له، وينسيان ذلك العطف ~~المتمكن عليه، ويذهلان عن تلك الأثرة له، والكد المضني من الغدو عليه، ~~والرواح إليه، ثم يبتديان العمل ابتداء ثانيا، على ذلك النظام وعلى تلك ~~المقدمات. # فسبحان من عرفهما وألهمهما، وهداهما، وجعلهما ms0376 دلالة لمن استدل، ومخبرا ~~صادقا لمن استخبر، ذلكم الله رب العالمين. ### || 640- [حالات الطعم الذي يصير في أجواف الحيوان] # وما أعجب | حالات الطعم الذي يصير في أجواف الحيوان، # وكيف تتصرف به PageV03P078 # الحالات، وتختلف في أجناسه الوجوه: فمنها ما يكون مثل ### || 641- زق الحمام # لفرخه، والزق في معنى القيء أو في معنى التقيؤ وليس بهما؛ وجرة البعير ~~والشاة والبقرة في معنى ذلك، وليس به. والبعير يريد أن يعود في خضمه [1] ~~الأول واستقصاء طعمه. وربما كانت الجرة رجيعا. والرجيع: أن يعود على ما قد ~~أعاد عليه مرة حتى ينزعه من جوفه، ويقلبه عن جهته. # والحمام يخرجه من حوصلته ومن مستكنه وقراره، وموضع حاجته واستمرائه، ~~بالأثرة والبر، إلى حوصلة ولده. قد ملك ذلك وطابت به نفسه ولم تغنث عليه ~~نفسه ولم يتقذر من صنيعه، ولم تخبث نفسه، ولم تتغير شهوته. ولعل لذته في ~~إخراجه أن تكون كلذته في إدخاله، وإنما اللذة في مثل هذا بالمجاري، كنحو ما ~~يعتري مجرى النطفة من استلذاذ مرور النطفة، فهذا شأن قلب الحمام ما في ~~جوفه، وإخراجه بعد إدخاله. والتمساح يخرجه على أنه رجعه ونجوه الذي لا مخرج ~~له ولا فرج له في سواه. ### || 642- [طبيعة الإنسان والحيوان في الطعام] # وقد يعتري ذلك الإنسان لما يعرض من الداء، فلا يعرف إلا الأكل والقيء، ~~ولا يعرف النجو إلا في الحين على بعض الشدة. وليس ما عرض بسبب آفة كالذي ~~يخرج على أصل تركيب الطبيعة. # والسنور والكلب على خلاف ذلك كله، لأنهما يخرجانه بعارض يعرض لهما من خبث ~~النفس، ومن الفساد، ومن التثوير والانقباض ثم يعودان بعد ذلك فيه من ~~ساعتهما، مشتهيين له، حريصين عليه. # والإنسان إذا ذرعه ذلك لم يكن شيء أبغض إليه منه، وربما استقاء وتكلف ذلك ~~لبعض الأمر. وليس التكلف في هذا الباب إلا له. # وذوات الكروش كلها تقعص بجرتها، فإذا أجادت مضغه أعادته، والجرة هي ~~الفرث، وأشد من ذلك أن تكون رجيعا، فهي تجيد مضغها وإعادتها إلى مكانها، ~~إلا أن ذلك مما لا يجوز أفواهها. وليس عند الحافر من ms0377 ذلك قليل ولا كثير، ~~بوجه من الوجوه. PageV03P079 # وقد يعتري سباع الطير شبيه بالقيء، وهو الذي يسمونه «الزمج» [1] . وبعض ~~السمك يقيء قيئا ذريعا، كالبال [2] ، فإنه ربما دسع الدسعة، فتلقى بعض ~~المراكب، فيلقون من ذلك شدة. والناقة الضجور ربما دسعت بجرتها في وجه الذي ~~يرحلها أو يعالجها، فيلقى من ذلك أشد الأذى. ومعلوم أنها تفعل ذلك على عمد. # فلذوات الأقدام في ذلك مذهب، ولذوات الكروش من الظلف والخف في ذلك مذهب، ~~ولذوات الأنياب في ذلك مذهب، وللسمك والتمساح الذي يشبه السمك في ذلك مذهب. # ويزعمون أن جوف التمساح إن هو إلا معاليق فيه، وأنه في صورة الجراب، ~~مفتوح الفم، مسدود الدبر، ولم أحق ذلك، وما أكثر من لا يعرف الحال فيه. ### || 643- [الرجوع الي طلب النسل عند الحمام] # ثم رجع بنا القول في الحمام بعد أن استغنى ولده عنه، وبعد أن نزعت الرحمة ~~منه، وذلك أنه يبتدئ الذكر الدعاء والطرد، وتبتدئ الأنثى بالتأتي ~~والاستدعاء، ثم تزيف وتتشكل، ثم تمكن وتمنع، وتجيب وتصدف بوجهها، ثم ~~يتعاشقان ويتطاوعان، ويحدث لهما من التغزل والتفتل ومن السوف والقبل، ومن ~~المص والرشف، ومن التنفخ والتنفج، ومن الخيلاء والكبرياء، ومن إعطاء ~~التقبيل حقه، ومن إدخال الفم في الفم، وذلك من التطاعم، وهي المطاعمة. وقال ~~الشاعر [3] : [من البسيط] # لم أعطها بيدي إذ بت أرشفها ... إلا تطاول غصن الجيد بالجيد # كما تطاعم في خضراء ناعمة ... مطوقان أصاخا بعد تغريد # هذا مع إرسالها جناحيها وكفيها على الأرض، ومع تدرعها وتبعلها ومع تصاوله ~~وتطاوله، ومع تنفجه وتنفخه، مع ما يعتريه مع الحكة والتفلي والتنفش حتى ~~تراه وقد رمى فيه بمثله. # ثم الذي ترى من كسحه بذنبه، وارتفاعه بصدره، ومن ضربه بجناحه، ومن ~~PageV03P080 # فرحه ومرحه بعد قمطه والفراغ من شهوته، ثم يعتريه ذلك في الوقت الذي يفتر ~~فيه أنكح الناس. ### || [القوة التناسلية لدي الحمام] # وتلك الخصلة يفوق بها جميع الحيوان، لأن الإنسان الذي هو أكثر الخلق في ~~قوة الشهوة، وفي دوامها في جميع السنة، وأرغب الحيوان في التصنع والتغزل، ~~والتشكل [1] والتفتل أفتر ما يكون ms0378 إذا فرغ، وعندها يركبه الفتور، ويحب فراق ~~الزوج، إلى أن يعود إلى نشاطه، وترجع إليه قوته. # والحمام أنشط ما يكون وأفرح، وأقوى ما يكون وأمرح، مع الزهو والشكل، ~~واللهو والجذل، أبرد ما يكون الإنسان وأفتره، وأقطع ما يكون وأقصره. # هذا، وفي الإنسان ضروب من القوى: أحدها فضل الشهوة، والأخرى دوام الشهوة ~~في جميع الدهر، والأخرى قوة التصنع والتكلف، وأنت إذا جمعت خصاله كلها كانت ~~دون قوة الحمام عند فراغه من حاجته وهذه فضيلة لا ينكرها أحد، ومزية لا ~~يجحدها أحد!! ### || 644- [البغال و نشاطها] # ويقال: إن الناس لم يجدوا مثل نشاط الحمام في وقت فترة الإنسان إلا ما ~~وجدوه في البغال؛ فإن البغال تحمل أثقالا عشية، فتسير بقية يومها وسواد ~~ليلتها، وصدر نهار غدها، حتى إذا حطوا عن جميع ما كان محملا من أصناف ~~الدواب أحمالها، لم يكن لشيء منها همة، ولا لمن ركبها من الناس إلا المراغة ~~[2] والماء والعلف، وللإنسان الاستلقاء ورفع الرجلين والغمز والتأوه، إلا ~~البغال فإنها في وقت إعياء جميع الدواب وشدة كلالها، وشغلها بأنفسها مما مر ~~عليها، ليس عليها عمل إلا أن تدلي أيورها وتشظ [3] وتضرب بها بطونها؛ ~~وتحطها وترفعها. وفي ذلك الوقت لو رأى المكاري امرأة حسناء لما انتشر لها ~~ولا هم بها. ولو كان منعظا ثم اعتراه بعض ذلك الإعياء لنسي الإنعاظ [4] . # وهذه خصلة تخالف فيها البغال جميع الحيوان، وتزعم العملة [5] أنها تلتمس ~~PageV03P081 # بذلك الراحة وتتداوى به. فليس العجب- إن كان ذلك حقا- إلا في إمكان ذلك ~~لها في ذلك الوقت، وذلك لا يكون إلا عن شهوة وشبق مفرط. ### || 645- [النشاط العجيب لدي الأتراك] # وشبه آخر وشكل من ذلك، كالذي يوجد عند الأتراك عند بلوغ المنزل بعد مسير ~~الليل كله وبعض النهار، فإن الناس في ذلك الوقت ليس لهم إلا أن يتمددوا ~~ويقيدوا دوابهم. والتركي في ذلك الوقت إذا عاين ظبيا أو بعض الصيد، ابتدأ ~~الركض بمثل نشاطه قبل أن يسير ذلك السير، وذلك وقت يهم فيه الخارجي والخصي ~~أنفسهما؛ فإنهما المذكوران بالصبر على ظهر الدابة. ### || 646- [فطام البهائم ms0379 أولادها] # وليس في الأرض بهيمة تفطم ولدها عن اللبن دفعة واحدة، بل تجد الظبية أو ~~البقرة أو الأتان أو الناقة، إذا ظنت أن ولدها قد أطاق الأكل منعته بعض ~~المنع، ثم لا تزل تنزل ذلك المنع وترتبه وتدرجه، حتى إذا علمت أن به غنى ~~عنها إن هي فطمته فطاما لا رجعة فيه، منعته كل المنع. # والعرب تسمي هذا التدبير من البهائم التعفير، ولذلك قال لبيد [1] : [من ~~الكامل] # لمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها # وعلى مثل هذه السيرة والعادة يكون عمل الحمام في فراخه. ### || 647- [من عجائب الحمام] # ومن عجيب أمر الحمام أنه يقلب بيضه، حتى يصير الذي كان منه يلي الأرض يلي ~~بدن الحمام من بطنه وباطن جناحه، حتى يعطي جميع البيضة نصيبها من الحضن، ~~ومن مس الأرض، لعلمها أن خلاف ذلك العمل يفسده. # وخصلة أخرى محمودة في الحمام، وذلك أن البغل المتولد بين الحمار والرمكة ~~لا يبقى له نسل، والراعبي المتولد فيما بين الحمام والورشان، يكثر نسله ~~ويطول عمر ولده. والبخت والفوالج، إن ضرب بعضها بعضا خرج الولد منقوص ~~PageV03P082 # الخلق لا خير فيه. والحمام كيفما أدرته، وكيفما زاوجت بين متفقها ~~ومختلفها، يكون الولد تام الخلق، مأمول الخير. فمن نتاج الحمام إذا كان ~~مركبا مشتركا ما هو كالراعبي والورداني. وعلى أن للورداني غرابة لون وظرافة ~~قد، للراعبي فضيلة في عظم البدن والفراخ، وله من الهديل والقرقرة ما ليس ~~لأبويه، حتى صار ذلك سببا للزيادة في ثمنه، وعلة للحرص على اتخاذه. # والغنم على قسمين: ضأن ومعز، والبقر على قسمين: أحدهما الجواميس إلا ما ~~كان من بقر الوحش. والظلف إذا اختلفا لم يكن بينهما تسافد ولا تلاقح، فهذه ~~فضيلة للحمام في جهة الإنسال والإلقاح، واتساع الأرحام لأصناف القبول. وعلى ~~أن بين سائر أجناس الحمام من الوراشين، والقماري، والفواخت، تسافدا ~~وتلاقحا. ### || 648- [مما أشبه فيه الحمام الناس] # ومما أشبه فيه الحمام الناس، أن ساعات الحضن أكثرها على الأنثى، وإنما ~~يحضن الذكر في صدر النهار حضنا يسيرا، والأنثى كالمرأة التي تكفل الصبي ~~فتفطمه ms0380 وتمرضه، وتتعهده بالتمهيد والتحريك. حتى إذا ذهب الحضن وانصرم وقته، ~~وصار البيض فراخا كالعيال في البيت، يحتاجون إلى الطعام والشراب، صار أكثر ~~ساعات الزق على الذكر كما كان أكثر ساعات الحضن على الأنثى. # ومما أشبه فيه الحمام الناس ما قال مثنى بن زهير وهو إمام الناس في ~~البصرة بالحمام وكان جيد الفراسة، حاذقا بالعلاج، عارفا بتدبير الخارجي إذا ~~ظهرت فيه مخيلة الخير- واسم الخارجي عندهم: المجهول- وعالما بتدبير العريق ~~المنسوب إذا ظهرت فيه علامات الفسولة وسوء الهداية. وقد يمكن أن يخلف ابن ~~قرشيين ويندب ابن خوزي [1] من نبطية. وإنما فضلنا نتاج العلية على نتاج ~~السفلة لأن نتاج النجابة فيهم أكثر، والسقوط في أولاد السفلة أعم، فليس ~~بواجب أن يكون السفلة لا تلد إلا السفلة والعلية لا تلد إلا العلية، وقد ~~يلد المجنون العاقل والسخي البخيل، والجميل القبيح. # وقد زعم الأصمعي أن رجلا من العرب قال لصاحب له: إذا تزوجت امرأة من ~~العرب فانظر إلى أخوالها، وأعمامها، وإخوتها، فإنها لا تخطئ الشبه بواحد ~~منهم! وإن كان هذا الموصي والحكيم، جعل ذلك حكما عاما فقد أسرف في القول، ~~وإن كان ذهب إلى التخويف والزجر والترهيب كي يختار لنفسه، ولأن المتخير ~~أكثر نجابة فقد أحسن. PageV03P083 # وقال مثنى بن زهير [1] : لم أر قط في رجل وامرأة إلا وقد رأيت مثله في ~~الذكر والأنثى من الحمام: رأيت حمامة لا تريد إلا ذكرها، كالمرأة لا تريد ~~إلا زوجها وسيدها، ورأيت حمامة لا تمنع شيئا من الذكورة، ورأيت امرأة لا ~~تمنع يد لامس، ورأيت الحمامة لا تزيف إلا بعد طرد شديد وشدة طلب، ورأيتها ~~تزيف لأول ذكر يريدها ساعة يقصد إليها، ورأيت من النساء كذلك، ورأيت حمامة ~~لها زوج وهي تمكن ذكرا آخر لا تعدوه، ورأيت مثل ذلك من النساء، ورأيتها ~~تزيف لغير ذكرها وذكرها يراها، ورأيتها لا تفعل ذلك إلا وذكرها يطير أو ~~يحضن، ورأيت الحمامة تقمط الحمام الذكور، ورأيت الحمامة تقمط الحمامة، ~~ورأيت أنثى كانت لي لا تقمط إلا الإناث، ورأيت أخرى تقمط الإناث فقط، ولا ~~تدع ms0381 أنثى تقمطها. # قال: ورأيت ذكرا يقمط الذكورة وتقمطه؛ ورأيت ذكرا يقمطها ولا يدعها ~~تقمطه، ورأيت أنثى تزيف للذكورة ولا تدع شيئا منها يقمطها. # قال: ورأيت هذه الأصناف كلها في السحاقات من المذكرات والمؤنثات، وفي ~~الرجال الحلقيين [2] واللوطيين. وفي الرجال من لا يريد النساء، وفي النساء ~~من لا يريد الرجال. # قال: وامتنعت علي خصلة، فو الله لقد رأيت من النساء من تزني أبدا وتساحق ~~أبدا ولا تتزوج أبدا، ومن الرجال من يلوط أبدا، ويزني أبدا ولا يتزوج، ~~ورأيت حماما ذكرا يقمط ما لقي ولا يزاوج. ورأيت حمامة تمكن كل حمام أرادها ~~من ذكر وأنثى، وتقمط الذكورة والإناث، ولا تزاوج. ورأيتها تزاوج ولا تبيض، ~~وتبيض فيفسد بيضها؛ كالمرأة تتزوج وهي عاقر، وكالمرأة تلد وتكون خرقاء ~~ورهاء. ويعرض لها الغلظة والعقوق للأولاد، كما يعتري ذلك العقاب. # وأما أنا فقد رأيت الجفاء للأولاد شائعا في اللواتي حملن من الحرام ~~ولربما ولدت من زوجها، فيكون عطفها وتحننها كتحنن العفيفات الستيرات، فما ~~هو إلا أن تزني أو تقحب فكأن الله لم يضرب بينها وبين ذلك الولد بشبكة رحم، ~~وكأنها لم تلده. # قال مثنى بن زهير: ورأيت ذكرا له أنثيان وقد باضتا منه، وهو يحضن مع هذه ~~PageV03P084 # ومع تلك، ويزق مع هذه ومع تلك، ورأيت أنثى تبيض بيضة، ورأيت أنثى تبيض في ~~أكثر حالاتها ثلاث بيضات. # وزعم أنه إنما جزم بذلك فيها ولم يظنه بالذكر، لأنها قد كانت قبل ذلك عند ~~ذكر آخر، وكانت تبيض كذلك. # ورأيت أنا حمامة في المنزل لم يعرض لها ذكر إلا اشتدت نحوه بحدة ونزق ~~وتسرع، حتى تنقر أين صادفت منه، حتى يصد عنها كالهارب منها، وكان زوجها ~~جميلا في العين رائعا، وكان لها في المنزل بنون وبنو بنين وبنات وبنات ~~بنات، وكان في العين كأنه أشب من جميعهن. وقد بلغ من حظوته أني قلما رأيته ~~أراد واحدة من عرض تلك الإناث فامتنعت عليه، وقد كن يمتنعن من غيره، فبينا ~~أنا ذات يوم جالس بحيث أراهن إذ رأيت تلك الأنثى قد زافت ms0382 لبعض بنيها! فقلت ~~لخادمي: ما الذي غيرها عن ذلك الخلق الكريم؟ فقال: إني رحلت زوجها من ~~القاطول [1] فذهب، ولهذا شهر. فقلت: هذا عذر! قال مثنى بن زهير: وقد رأيت ~~الحمامة تزاوج هذا الحمام، ثم تتحول منه إلى آخر، ورأيت ذكرا فعل مثل ذلك ~~في الإناث، ورأيت الذكر كثير النسل قويا على القمط، ثم يصفي كما يصفي الرجل ~~إذا أكثر من النسل والجماع. # ثم عدد مثنى أبوابا غير ما حفظت مما يصاب مثله في الناس. ### || 649- [خبرة مثنى بن زهير بالحمام] # وزعموا أن مثنى كان ينظر إلى العاتق [2] والمخلف، فيظن أنه يجيء من ~~الغاية فلا يكاد ظنه يخطئ. وكان إذا أظهر ابتياع حمام أغلوه عليه، وقالوا: ~~لم يطلبه إلا وقد رأى فيه علامة المجيء من الغاية، وكان يدس في ذلك ففطنوا ~~له وتحفظوا منه، فربما اشترى نصفه وثلثه، فلا يقصر عند الزجال من الغاية. # وكان له خصي يقال له خديج، يجري مجراه، فكانا إذا تناظرا في شأن طائر لم ~~تخلف فراستهما. PageV03P085 ### || 650- [المدة التي يبيض فيها الحمام والدجاج] # قال: والحمام تبيض عشرة أشهر من السنة، فإذا صانوه وحفظوه، وأقاموا له ~~الكفاية وأحسنوا تعهده، باض في جميع السنة. # قالوا: والدجاجة تبيض في كل السنة خلا شهرين. ### || 651- [ضروب من الدجاج] # ومن الدجاج ما هو عظيم الجثة، يبيض بيضا كبيرا، وما أقل ما يحضن، ومن ~~الدجاج ما يبيض ستين بيضة، وأكثر الدجاج العظيم الجثة يبيض أكثر من الصغير ~~الجثة. # قال: أما الدجاج التي نسبت إلى أبي ريانوس الملك، فهو طويل البدن ويبيض ~~في كل يوم، وهي صعبة الخلق وتقتل فراريجها. # ومن الدجاج الذي يربى في المنازل ما يبيض مرتين في اليوم، ومن الدجاج ما ~~إذا باض كثيرا مات سريعا، لذلك العرض. ### || 652- [عدد مرات البيض عند الطيور] # قال: والخطاف تبيض مرتين في السنة، وتبني بيتها في أوثق مكان وأعلاه. # فأما الحمام والفواخت، والأطرغلات والحمام البري، فإنها تبيض مرتين في ~~السنة، والحمام الأهلي يبيض عشر مرات. وأما القبج والدراج فهما يبيضان بين ~~العشب، ولا سيما فيما طال شيا ms0383 والتوى. ### || 653- [خروج البيضة] # وإذا باض الطير بيضا لم تخرج البيضة من حد التحديد والتلطيف، بل يكون ~~الذي يبدأ بالخروج الجانب الأعظم، وكان الظن يسرع إلى أن الرأس المحدد هو ~~الذي يخرج أولا. # قال: وما كان من البيض مستطيلا محدد الأطراف فهو للإناث، وما كان مستديرا ~~عريض الأطراف فهو للذكور. # قال: والبيضة عند خروجها لينة القشر. غير جاسية [1] ولا يابسة ولا جامدة. ### || 654- [بيض الريح والتراب] # قال [2] : والبيض الذي يتولد من الريح والتراب أصغر وألطف، وهو في الطيب ~~PageV03P086 # دون الآخر. ويكون بيض الريح من الدجاج والقبج، والحمام، والطاوس، والإوز. ### || 655- [أثر حضن الطائر] # قال: وحضن الطائر وجثومه على البيض صلاح لبدن الطائر، كما يكون صلاحا ~~لبدن البيض. ولا كذلك الحضن على الفراخ والفراريج فربما هلك الطائر عن ذلك ~~السبب. ### || 656- [تكون بيض الريح] # وزعم ناس أن بيض الريح [1] إنما تكون من سفاد متقدم. وذلك خطأ من وجهين: ~~أما أحدهما فأن ذلك قد عرف من فراريج لم يرين ديكا قط. والوجه الآخر: # أن بيض الريح لم يكن منه فروج قط إلا أن يسفد الدجاجة ديك، بعد أن يمضي ~~أيضا خلق البيض. ### || 657- [معارف شتى في البيض] # قال: وبيض الصيف المحضون أسرع خروجا منه في الشتاء ولذلك تحضن الدجاجة ~~البيضة في الصيف خمس عشرة ليلة. # قال: وربما عرض غيم في الهواء أو رعد، في وقت حضن الطائر، فيفسد البيض. ~~وعلى كل حال ففساده في الصيف أكثر، والموت فيها في ذلك الزمان أعم. # وأكثر ما يكون فساد البيض في الجنائب [2] ، ولذلك كان ابن الجهم لا يطلب ~~من نسائه الولد إلا والريح شمال. وهذا عندي تعرض للبلاء، وتحكك بالشر، ~~واستدعاء للعقوبة. # وقال: وبعضهم يسمي بيض الريح: البيض الجنوبي، لأن أصناف الطير تقبل الريح ~~في أجوافها. # وربما أفرخ بيض الريح بسفاد كان، ولكن لونه يكون متغيرا وإن سفد الأنثى ~~طائر من غير جنسها، غير خلق ذلك المخلوق الذي كان من الذكر المتقدم. وهو في ~~الديكة أعم. # ويقولون [3] : إن البيض يكون من أربعة أشياء: فمنه ما يكون من التراب، ~~ومنه PageV03P087 # ما ms0384 يكون من السفاد، ومنه ما يكون من النسيم إذا وصل إلى أرحامهن وفي بعض ~~الزمان، ومنه شيء يعتري الحجل وما شاكله في الطبيعة، فإن الأنثى ربما كانت ~~على سفالة الريح التي تهب من شق الذكر في بعض الزمان فتحتشي من ذلك بيضا. ~~ولم أرهم يشكون أن النخلة المطلعة تكون بقرب الفحال وتحت ريحه، فتلقح بتلك ~~الريح وتكتفي بذلك. قال: وبيض أبكار الطير أصغر، وكذلك أولاد النساء. إلى ~~أن تتسع الأرحام وتنتفخ الجنوب. ### || 658- [هديل الحمام] # ويكون | هديل الحمام # الفتي ضئيلا فإذا زق مرارا فتح الزق جلدة غببه وحوصلته، فخرج الصوت أغلظ ~~وأجهر. ### || 659- [حياة البكر] # وهم لا يثقون بحياة البكر من الناس كما يثقون بحياة الثاني، ويرون أن ~~طبيعة الشباب والابتداء لا يعطيانه شيئا إلا أخذه تضايق مكانه من الرحم، ~~ويحبون أن تبكر بجارية! وأظن أن ذلك إنما هو لشدة خوفهم على الذكر. وفي ~~الجملة لا يتيمنون بالبكر الذكر. فإن كان البكر ابن بكر تشاءموا به، فإن ~~كان البكر ابن بكرين فهو في الشؤم مثل قيس بن زهير، والبسوس، فإن قيسا كان ~~أزرق وبكرا ابن بكرين. ولا أحفظ شأن البسوس حفظا أجزم عليه. ### || 660- [ما يعتري الحمام والإوز بعد السفاد] # قال: وأما الحمام فإنه إذا قمط تنفش وتكبر ونفض ذنبه وضرب بجناحه، وأما ~~الإوز فإنه إذا سفد أكثر من السباحة، اعتراه في الماء من المرح مثل ما ~~يعتري الحمام في الهواء. ### || 661- [مدة تخلق البيض] # قال: وبيض الدجاج يتم خلقه في عشرة أيام وأكثر شيئا، وأما بيض الحمام ففي ~~أقل من ذلك. ### || 662- [احتباس بيض الحمامة] # والحمامة ربما احتبس البيض في جوفها بعد الوقت لأمور تعرض لها: إما لأمر ~~عرض لعشها وأفحوصها. وإما لنتف ريشها، وإما لعلة وجع من أوجاعها وإما لصوت # PageV03P088 # رعد؛ فإن الرعد إذا اشتد لم يبق طائر على الأرض واقع إلا عدا فزعا، وإن ~~كان يطير رمى بنفسه إلى الأرض. قال علقمة بن عبدة [1] : [من الطويل] # رغا فوقهم سقب السماء فداحض ... بشكته لم يستلب وسليب # كأنهم صابت عليهم سحابة ... صواعقها لطيرهن دبيب ms0385 ### || 663- [تقبيل الحمام] # قال: وليس التقبيل إلا للحمام والإنسان، ولا يدع ذلك ذكر الحمام إلا بعد ~~الهرم. وكان في أكثر الظن أنه أحوج ما يكون إلى ذلك التهييج به عند الكبر ~~والضعف. # وتزعم العوام أن تسافد الغربان هو تطاعمها بالمناقير، وأن إلقاحها إنما ~~يكون من ذلك الوجه. ولم أر العلماء يعرفون هذا. # قال: وإناث الحمام إذا تسافدت أيضا قبل بعضهن بعضا، ويقال إنها تبيض عن ~~ذلك، ولكن لا يكون عن ذلك البيض فراخ، وإنه في سبيل بيض الريح. ### || 664- [تكون الفرخ في البيضة] # قال: ويستبين خلق الفراخ إذا مضت لها ثلاثة أيام بليالها وذلك في شباب ~~الدجاج، وأما في المسان منها فهو أكثر، وفي ذلك الوقت توجد الصفرة من ~~الناحية العليا من البيضة، عند الطرف المحدد وحيث يكون أول نقرها، فثم ~~يستبين في بياض البيضة مثل نقطة من دم، وهي تختلج وتتحرك. والفرخ إنما يخلق ~~من البياض، ويغتذي الصفرة، ويتم خلقه لعشرة أيام. والرأس وحده يكون أكبر من ~~سائر البدن. ### || 665- [البيض العجيب] # قال: ومن الدجاج ما يبيض بيضا له صفرتان في بعض الأحايين، خبرني بذلك كم ~~شئت [2] من ثقات أصحابنا. # وقال صاحب المنطق: وقد باضت فيما مضى دجاجة ثماني عشرة بيضة، لكل بيضة ~~محتان، ثم سخنت وحضنت، فخرج من كل بيضة فروجان، ما خلا البيض PageV03P089 # الذي كان فاسدا في الأصل. وقد يخرج من البيضة فروجان، ويكون أحدهما أعظم ~~جثة، وكذلك الحمام. وما أقل ما يغادر الحمام أن يكون أحد الفرخين ذكرا ~~والآخر أنثى. ### || 666- [معارف في البيض] # قال: وربما باضت الحمامة وأشباهها من الفواخت ثلاث بيضات، فأما الأطر ~~غلات والفواخت فإنها تبيض بيضتين، وربما باضت ثلاث بيضات ولكن لا يخرج منها ~~أكثر من فرخين، وربما كان واحدا فقط. # قال: وبعض الطير لا يبيض إلا بعد مرور الحول عليه كاملا، والحمامة في ~~أكثر أمرها يكون أحد فرخيها ذكرا والآخر أنثى، وهي تبيض أولا البيضة التي ~~فيها الذكر، ثم تقيم يوما وليلة. ثم تبيض الأخرى، وتحضن ما بين السبعة عشر ~~يوما إلى العشرين، على قدر ms0386 اختلاف طباع الزمان، والذي يعرض لها من العلل. ~~والحمامة أبر بالبيض، والحمام أبر بالفراخ. # قال: وأما جميع أجناس الطير مما يأكل اللحم، فلم يظهر لنا أنه يبيض ويفرخ ~~أكثر من مرة واحدة، ما خلا الخطاف فإنه يبيض مرتين. ### || 667- [تربية الطيور فراخها] # والعقاب تبيض ثلاث بيضات، فيخرج لها فرخان. واختلفوا فقال بعضهم: # لأنها لا تحضن إلا بيضتين، وقال آخرون: قد تحضن ويخرج لها ثلاثة أفراخ، ~~ولكنها ترمي بواحد استثقالا للتكسب على ثلاثة. وقال آخرون: ليس ذلك إلا بما ~~يعتريها من الضعف عن الصيد، كما يعتري النفساء من الوهن والضعف. وقال ~~آخرون: العقاب طائر سيء الخلق، رديء التربية، وليس يستعان على تربية ~~الأولاد إلا بالصبر. وقال آخرون: لا، ولكنها شديدة النهم والشره، وإذا لم ~~تكن أم الفراخ ذات أثرة لها، ضاعت. # وكذلك قالوا في العقعق [1] ، عند إضاعتها لفراخها، حتى قالوا: «أحمق من ~~عقعق» [2] ، كما قالوا: «أحذر من عقعق» [3] . PageV03P090 # وقالوا: وأما الفرخ الذي يخرجه العقاب، فإن المكلفة، وهي طائر يقال لها ~~كاسر العظام، تقبله وتربيه. # والعقاب تحضن ثلاثين يوما، وكذلك كل طائر عظيم الجثة، مثل الإوز وأشباه ~~ذلك، فأما الوسط فهو يحضن عشرين يوما. مثل الحدأ ومثل أصناف البزاة ~~كالبواشق واليآيئ. # والحدأة تبيض بيضتين. وربما باضت ثلاث بيضات وخرج منهمن ثلاثة فراخ. # قالوا: وأما العقبان السود الألوان، فإنها تربي وتحضن. # وجميع الطير المعقف المخالب تطرد فراخها من أعشاشها عند قوتها على ~~الطيران. وكذلك سائر الأصناف من الطير، فإنها تطرد الفراخ ثم لا تعرفها، ما ~~عدا الغداف، فإنها لا تزال لولدها قابلة، ولحاله متفقدة. ### || 668- [أجناس العقبان] # وقال قوم: إن العقبان والبزاة التامة، والجهاررانك، والسمنان. والزمامج ~~والزرارقة إنها كلها عقبان. وأما الشواهين والصقورة واليوايئ، فإنها أجناس ~~أخر. ### || 669- [حضن الطير] # قال: وقالوا: فراخ البزاة سمينة طيبة جدا. وأما الإوزة فإنها التي تحضن ~~دون الذكر، وأما الغربان فعلى الإناث الحضن، والذكورة تأتي الإناث بالطعمة. # وأما الحجل فإن الزوج منها يهيئان للبيض عشين وثيقين مقسومين عليهما، ~~فيحضن أحدهما الذكر، والآخر الأنثى، وكذلك هما في التربية. وكل واحد منهما ms0387 ~~يعيش خمسا وعشرين سنة، ولا تلقح الأنثى بالبيض ولا يلقح الذكر إلا بعد ثلاث ~~سنين. ### || 670- [الطاوس] # قال: وأما الطاوس # فأول ما تبيض ثماني بيضات. وتبيض أيضا بيض الريح. # والطاوس يلقي ريشه في زمن الخريف إذا بدا أول ورق الشجر يسقط. وإذا بدأ ~~الشجر يكتسي ورقا. بدأ الطاوس فاكتسى ريشا. ### || 671- [ما ليس له عش من الطير] # قال: وما كان من الطير الثقيل الجثة فليس يهيئ لبيضه عشا؛ من أجل أنه لا # PageV03P091 # يجيد الطيران، ويثقل عليه النهوض ولا يتحلق، مثل الدراج والقبج، وإنما ~~يبيض على التراب. وفراخ هذه الأجناس كفراريج الدجاج، وكذلك فراريج البط ~~الصيني، فإن هذه كلها تخرج من البيض كاسية كاسبة تلقط من ساعتها، وتكفي ~~نفسها. ### || 672- [القبجة] # قال: وإذا دنا الصياد من عش | القبجة # ولها فراخ، مرت بين يديه مرا غير مفيت، وأطمعته في نفسها ليتبعها، فتمر ~~الفراخ في رجوعها إلى موضع عشها. والفراخ ليس معها من الهداية ما مع أمها. ~~وعلى أن القبجة سيئة الدلالة والهداية، وكذلك كل طائر يعجل له الكيس ~~والكسوة، ويعجل له الكسب في صغره. # وهذا إنما اعتراها لقرابة ما بينها وبين الديك. # قال: فإذا أمعن الصائد خلفها وقد خرجت الفراخ من موضعها، طارت وقد نحته ~~إلى حيث لا يهتدي الرجوع منه إلى موضع عشها، فإذا سقطت قريبا دعتها بأصوات ~~لها، حتى يجتمعن إليها. # قال: وإناث القبج تبيض خمس عشرة بيضة إلى ست عشرة بيضة. قال: والقبج طير ~~منكر وهي تفر ببيضها من الذكر؛ لأن الأنثى تشتغل بالحضن عن طاعة الذكر في ~~طلب السفاد. والقبج الذكر يوصف بالقوة على السفاد، كما يوصف الديك والحجل ~~والعصفور. # قال: فإذا شغلت عنه بالحضن، ظلب مواضع بيضها حتى يفسده فلذلك ترتاد ~~الأنثى عشها في مخابئ إذا أحست بوقت البيض. ### || 673- [وثوب الذكورة على الذكورة] # وإذا قاتل بعض ذكورة القبج بعضا فالمغلوب منها مسفود والغالب سافد. وهذا ~~العرض يعرض للديكة ولذكور الدراريج، فإذا دخل بين الديكة ديك غريب، فما ~~أكثر ما تجتمع عليه حتى تسفده!. # وسفاد ذكورة هذه الأجناس إنما يعرض لها ms0388 لهذه الأسباب، فأما ذكورة الحمير ~~والخنازير والحمام، فإن ذكورها تثب على بعض من جهة الشهوة. # وكان عند يعقوب بن صباح الأشعثي، هران ضخمان، أحدهما يكوم الآخر متى ~~أراده، من غير إكراه، ومن غير أن يكون المسفود يريد من السافد مثل ما يريد # PageV03P092 # منه السافد. وهذا الباب شائع في كثير من الأجناس، إلا أنه في هذه الأجناس ~~أوجد. ### || 674- [صيد البزاة للحمام] # ثم رجع بنا القول إلى ذكر الحمام، من غير أن يشاب بذكر غيره. # زعم صاحب المنطق أن البزاة عشرة أجناس، فمنها ما يضرب الحمامة والحمامة ~~جاثمة، ومنها ما لا يضرب الحمام إلا وهو يطير، ومنها ما لا يضرب الحمام في ~~حال طيرانه ولا في حال جثومه، ولا يعرض له إلا أن يجده في بعض الأغصان، أو ~~على بعض الأنشاز والأشجار. فعدد أجناس صيدها، ثم ذكر أن الحمام لا يخفى ~~عليه في أول ما يرى البازي في الهواء أي البزاة هو، وأي نوع صيده، فيخالف ~~ذلك. ولمعرفة الحمام بذلك من البازي أشكال: أول ذلك أن الحمام في أول نهوضه ~~يفصل بين النسر والعقاب، وبين الرخمة والبازي، وبين الغراب والصقر؛ فهو يرى ~~الكركي والطبرزين [1] ولا يستوحش منهما! ويرى الزرق فيتضاءل. فإن رأى ~~الشاهين فقد رأى السم الذعاف الناقع. ### || 675- [إحساس الحيوان بعدوه] # والنعجة ترى الفيل والزندبيل [2] والجاموس والبعير، فلا يهزها ذلك، وترى ~~السبع وهي لم تره قبل ذلك، وعضو من أعضاء تلك البهائم أعظم وهي أهول في ~~العين وأشنع، ثم ترى الأسد فتخافه. وكذلك الببر [3] والنمر. فإن رأت الذئب ~~وحده اعتراها منه وحده مثل ما اعتراها من تلك الأجناس لو كانت مجموعة في ~~مكان واحد. وليس ذلك عن تجربة، ولا لأن منظره أشنع وأعظم، وليس في ذلك علة ~~إلا ما طبعت عليه من تمييز الحيوان عندها. فليس بمستنكر أن تفصل الحمامة ~~بين البازي والبازي، كما فصلت بين البازي والكركي. # فإن زعمت أنها تعرف بالمخالب فمنقار الكركي أشنع وأعظم وأفظع، وأطول ~~وأعرض. فأما طرف منقار الأبغث فما كان كل سنان وإن كان مذربا [4] ليبلغه. ms0389 ~~PageV03P093 ### || 676- [بلاهة الحمام و خرقه] # قال صاحب الديك: وكيف يكون للحمام من المعرفة والفطنة ما تذكرون، وقد جاء ~~في الأثر [1] : «كونوا بلها كالحمام» ! وقال صاحب الديك: تقول العرب: «أخرق ~~من حمامة» [2] ، ومما يدل على ذلك قول عبيد بن الأبرص [3] : [من مجزوء ~~الكامل] # عيوا بأمرهم كما ... عيت ببيضتها الحمامه # جعلت لها عودين من ... نشم وآخر من ثمامه # فإن كان عبيد إنما عنى حمامة من حمامكم هذا الذي أنتم به تفخرون، فقد ~~أكثرتم في ذكر تدبيرها لمواضع بيضها، وإحكامها لصنعة عشاشها وأفاحيصها. # وإن قلتم: إنه إنما عنى بعض أجناس الحمام الوحشي والبري، فقد أخرجتم بعض ~~الحمام من حسن التدبير. وعبيد لم يخص حماما دون حمام. ### || 677- [رغبة عثمان في ذبح الحمام] # وحدث أسامة بن زيد قال: سمعت بعض أشياخنا منذ زمان، يحدث أن عثمان ابن ~~عفان- رضي الله تعالى عنه- أراد أن يذبح الحمام ثم قال: «لولا أنها أمة من ~~الأمم لأمرت بذبحهن، ولكن قصوهن» . فدل بقوله: قصوهن على أنها إنما تذبح ~~لرغبة من يتخذهن، ويلعب بهن من الفتيان والأحداث والشطار، وأصحاب المراهنة ~~والقمار، والذين يتشرفون على حرم الناس والجيران، ويختدعون بفراخ الحمام ~~أولاد الناس، ويرمون بالجلاهق [4] وما أكثر من قد فقأ عينا وهشم أنفا، وهتم ~~فما، وهو لا يدري ما يصنع، ولا يقف على مقدار ما ركب به القوم. ثم تذهب ~~جنايته هدرا؛ ويعود ذلك الدم مطلولا بلا عقل ولا قود ولا قصاص ولا أرش؛ إذ ~~كان صاحبه مجهولا. PageV03P094 # وعلى شبيه بذلك كان عمر- رضي الله عنه- أمر بذبح الديكة وأمر النبي صلى ~~الله عليه وسلم بقتل الكلاب [1] . # قالوا: ففيما ذكرنا دليل على أن أكل لحوم الكلاب لم يكن من دينهم ولا ~~أخلاقهم، ولا من دواعي شهواتهم. ولولا ذلك لما جاء الأثر عن النبي- صلى ~~الله عليه وسلم- وعمر وعثمان- رضي الله تعالى عنهما بذبح الديكة والحمام، ~~وقتل الكلاب. ولولا أن الأمر على ما قلنا، لقالوا: اقتلوا الديوك والحمام ~~كما قال: اقتلوا الكلاب. وفي تفريقهم بينها دليل على افتراق الحالات عندهم. # قال: حدثني أسامة بن زيد، وإبراهيم بن أبي يحيى، ms0390 أن عثمان شكوا إليه ~~الحمام، وأنه قال: «من أخذ منهن شيئا فهو له» . وقد علمنا أن اللفظ وإن كان ~~قد وقع على شكاية الحمام، فإن المعنى إنما هو على شكاية أصحاب الحمام؛ لأنه ~~ليس في الحمام معنى يدعو إلى شكاية. # قال: وحدثنا عثمان قال: سئل الحسن عن الحمام الذي يصطاده الناس، قال: # لا تأكله، فإنه من أموال الناس! فجعله مالا، ونهى عن أكله بغير إذن أهله. ~~وكل ما كان مالا فيبيعه حسن وابتياعه حسن. فكيف يجوز لشيء هذه صفته أن ~~يذبح، إلا أن يكون ذلك على طريق العقاب والزجر لمن اتخذه لما لا يحل!!. # قال: ورووا عن الزهري عن سعيد بن المسيب قال: نهى عثمان عن اللعب ~~بالحمام، وعن رمي الجلاهق. فهذا يدل على ما قلنا. ### || 678- [أمن حمام مكة وغزلانها] # والناس يقولون: «آمن من حمام مكة، ومن غزلان مكة» [2] . وهذا شائع على ~~جميع الألسنة، لا يرد أحد ممن يعرف الأمثال والشواهد. قال عقيبة الأسدي ~~لابن الزبير: [من الكامل] # مازلت مذ حجج بمكة محرما ... في حيث يأمن طائر وحمام # فلتنهضن العيس تنفخ في البرا ... يجتبن عرض مخارم الأعلام [3] # أبنو المغيرة مثل آل خويلد؟! ... يا للرجال لخفة الأحلام! PageV03P095 # وقال النابغة في الغزلان وأمنها، كقول جميع الشعراء في الحمام: [من ~~البسيط] # والمؤمن العائذات الطير تمسحها ... ركبان مكة بين الغيل والسعد [1] # ولو أن الظباء ابتليت ممن يتخذها بمثل الذي ابتليت به الحمام ثم ركبوا ~~المسلمين في الغزلان بمثل ما ركبوهم به في الحمام، لساروا في ذبح الغزلان ~~كسيرتهم في ذبح الحمام. # وقالوا [2] : إنه ليبلغ من تعظيم الحمام لحرمة البيت الحرام، أن أهل مكة ~~يشهدون عن آخرهم أنهم لم يروا حماما قط سقط على ظهر الكعبة، إلا من علة ~~عرضت له. فإن كانت هذه المعرفة اكتسابا من الحمام فالحمام فوق جميع الطير ~~وكل ذي أربع. وإن كان هذا إنما كان من طريق الإلهام، فليس ما يلهم كما لا ~~يلهم. # وقال الشاعر في أمن الحمام: [من الوافر] # لقد علم القبائل أن بيتي ... تفرع في الذوائب والسنام ms0391 [3] # وأنا نحن أول من تبنى ... بمكتها البيوت مع الحمام # وقال كثير- أو غيره من بني سهم [4]- في أمن الحمام: [من الخفيف] # لعن الله من يسب عليا ... وحسينا من سوقة وإمام # أيسب المطيبون جدودا ... والكرام الأخوال والأعمام # يأمن الظبي والحمام ولا يأ ... من آل الرسول عند المقام!! # رحمة الله والسلام عليهم ... كلما قام قائم بسلام # وذكر شأن ابن الزبير وشأن ابن الحنفية، فقال [5] : [من الطويل] # ومن ير هذا الشيخ بالخيف من منى ... من الناس يعلم أنه غير ظالم ~~PageV03P096 # سمي النبي المصطفى وابن عمه ... وفكاك أغلال ونفاع غارم # أبى فهو لا يشري هدى بضلالة ... ولا يتقي في الله لومة لائم # ونحن بحمد الله نتلو كتابه ... حلولا بهذا الخيف خيف المحارم # بحيث الحمام آمنات سواكن ... وتلقى العدو كالولي المسالم ### || 679- [حمامة نوح] # قال صاحب الحمام [1] : أما العرب والأعراب والشعراء، فقد أطبقوا على أن ~~الحمامة هي التي كانت دليل نوح ورائده، وهي التي استجعلت [2] عليه الطوق ~~الذي في عنقها، وعند ذلك أعطاها الله تعالى تلك الحلية؛ ومنحها تلك الزينة، ~~بدعاء نوح عليه السلام، حين رجعت إليه ومعها من الكرم ما معها، وفي رجليها ~~من الطين والحمأة ما برجليها، فعوضت من ذلك الطين خضاب الرجلين، ومن حسن ~~الدلالة والطاعة طوق العنق. ### || 680- [شعر في طوق الحمامة] # وفي طوقها يقول الفرزدق [3] : [من الوافر] # فمن يك خائفا لأذاة شعري ... فقد أمن الهجاء بنو حرام # هم قادوا سفيههم وخافوا ... قلائد مثل أطواق الحمام # وقال في ذلك بكر بن النطاح [4] : [من الطويل] # إذا شئت غنتني ببغداد قينة ... وإن شئت غناني الحمام المطوق # لباسي الحسام أو إزار معصفر ... ودرع حديد أو قميص مخلق # فذكر الطوق، ووصفها بالغناء والإطراب. وكذلك قال حميد بن ثور [5] : [من ~~الطويل] # رقود الضحى لا تعرف الجيرة القصا ... ولا الجيرة الأدنين إلا تجشما ~~PageV03P097 # وليست من اللائي يكون حديثها ... أمام بيوت الحي إن وإنما # ثم قال: # وما هاج هذا الشوق إلا حمامة ... دعت ساق حر ترحة وترنما [1] # مطوقة خطباء تصدح كلما ... دنا الصيف وانجاب الربيع فأنجما [2] # ثم قال بعد ذكر الطوق ms0392 [3] : # إذا شئت غنتني بأجزاع بيشة ... أو النخل من تثليث أو بيلملما # عجبت لها، أنى يكون غناؤها ... فصيحا ولم تفغر بمنطقها فما # ولم أر محزونا له مثل صوتها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما # وقال في ذكر الطوق- وأن الحمامة نواحة- عبد الله بن أبي بكر وهو شهيد يوم ~~الطائف، وهو صاحب ابن صاحب [4] : [من الطويل] # فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم تطلق # أعاتك لا أنساك ما هبت الصبا ... وما ناح قمري الحمام المطوق # وقال جهم بن خلف، وذكرها بالنوح، والغناء، والطوق، ودعوة نوح؛ وهو قوله ~~[5] : [من المتقارب] # وقد شاقني نوح قمرية ... طروب العشي هتوف الضحى # من الورق نواحة باكرت ... عسيب أشاء بذات الغضا PageV03P098 # تغنت عليه بلحن لها ... يهيج للصب ما قد مضى # مطوقة كسبت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا # فلم أر باكية مثلها ... تبكي ودمعتها لا ترى # أضلت فريخا فطافت له ... وقد علقته حبال الردى # فلما بدا اليأس منه بكت ... عليه، وماذا يرد البكا # وقد صاده ضرم ملحم ... خفوق الجناح حثيث النجا [1] # حديد المخالب عاري الوظي ... ف ضار من الورق فيه قنا # ترى الطير والوحش من خوفه ... جوامز منه إذا ما اغتدى ### || 681- [نزاع صاحب الديك في الفخر بالطوق] # قال صاحب الديك: وأما قوله: [من الوافر] # مطوقة كساها الله طوقا ... ولم يخصص به طيرا سواها # كيف لم يخصص بالأطواق غير الحمام، والتدارج أحق بالأطواق وأحسن أطواقا ~~منها، وهي في ذكورتها أعم؟! وعلى أنه لم يصف بالطوق الحمامة التي فاخرتم ~~بها الديك؛ لأن الحمامة ليست بمطوقة، وإنما الأطواق لذكورة الوارشين وأشباه ~~الوارشين، من نوائح الطير وهواتفها ومغنياتها. ولذلك قال شاعركم، حيث يقول ~~[2] : # [من الطويل] # أعاتك لا أنساك ما هبت الصبا ... وما ناح قمري الحمام المطوق # وقال الآخر [3] : [من المتقارب] # وقد شاقني نوح قمرية ... طروب العشي هتوف الضحى # ووصفها فقال: [من المتقارب] # مطوقة كسيت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا # فإن زعمتم أن الحمام والقمري واليمام والفواخت والدباسي [4] والشفانين ~~PageV03P099 # والوارشين حمام كله، قلنا: إنا نزعم أن ذكورة التدارج وذكورة القبج، ms0393 ~~وذكورة الحجل ديوك كلها. فإن كان ذلك كذلك، فالفخر بالطوق نحن أولى به. # قال صاحب الحمام [1] : العرب تسمي هذه الأجناس كلها حماما، فجمعوها ~~بالاسم العام، وفرقوها بالاسم الخاص، ورأينا صورها متشابهة، وإن كان في ~~الأجسام بعض الاختلاف، وفي الجثث بعض الائتلاف وكذلك المناقير. ووجدناها ~~تتشابه من طريق الزواج، ومن طريق الدعاء والغناء والنوح، وكذلك هي في ~~القدود وصور الأعناق، وقصب الريش، وصيغة الرؤوس والأرجل والسوق والبراثن. # والأجناس التي عددتم ليس يجمعها اسم ولا بلدة، ولا صورة ولا زواج. وليس ~~بين الديكة وبين تلك الذكورة نسب إلا أنها من الطير الموصوفة بكثرة السفاد، ~~وأن فراخها وفراريجها تخرج من بيضها كاسية كاسبه. والبط طائر مثقل، وقد ~~ينبغي أن تجعلوا فرخ البطة فروجا، والأنثى دجاجة والذكر ديكا، ونحن نجد ~~الحمام، ونجد الوراشين، تتسافد وتتلاقح، ويجيء منها الراعبي والورداني؛ ~~ونجد الفواخت والقماري تتسافد وتتلاقح، مع ما ذكرنا من التشابه في تلك ~~الوجوه. وهذا كله يدل على أن بعضها مع بعض كالبخت والعراب ونتائج ما ~~بينهما، وكالبراذين والعتاق، وكلها خيل، وتلك كلها إبل. وليس بين التدارج ~~والقبج والحجل والدجاج هذه الأمور التي ذكرنا. # وعلى أنا قد وجدنا الأطواق عامة في ذوات الأوضاح من الحمام، لأن فيها من ~~الألوان، ولها من الشيات وأشكال وألوان الريش ما ليس لغيرها من الطير. ولو ~~احتججنا بالتسافد دون التلاقح، لكان لقائل مقال، ولكنا وجدناها تجمع ~~الخصلتين، لأنا قد نجد سفهاء الناس، ومن لا يتقذر من الناس والأحداث ومن ~~تشتد غلمته عند احتلامه، ويقل طروقه، وتطول عزبته؛ كالمعزب من الرعاء فإن ~~هذه الطبقة من الناس، لم يدعوا ناقة، ولا بقرة، ولا شاة، ولا أتانا، ولا ~~رمكة، ولا حجرا، ولا كلبة، إلا وقد وقعوا عليها. # ولولا أن في نفوس الناس وشهواتهم ما يدعو إلى هذه القاذورة، لما وجدت هذا ~~العمل شائعا في أهل هذه الصفة، ولو جمعتهم لجمعت أكثر من أهل بغداد ~~والبصرة. ثم لم يلقح واحد منهم شيئا من هذه الأجناس على أن بعض هذه الأجناس ~~يتلقى ذلك بالشهوة المفرطة. PageV03P100 # ولقد ms0394 خبرني من إخواني من لا أتهم خبره أن مملوكا كان لبعض أهل القطيعة- ~~أعني قطيعة الربيع- وكان ذلك المملوك يكوم بغلة وأنها كانت تودق [1] وتتلمظ ~~وأنها في بعض تلك الوقعات تأخرت وهو موعب فيها ذكره تطلب الزيادة، فلم يزل ~~المملوك يتأخر وتتأخر البغلة حتى أسندته إلى زاوية من زوايا الإصطبل، ~~فاضغطته حتى برد [2] ، فدخل بعض من دخل فرآه على تلك الحال فصاح بها فتنحت ~~وخر الغلام ميتا [3] . # وأخبرني صديق لي قال: بلغني عن برذون لزرقان المتكلم، أنه كان يدربخ [4] ~~للبغال والحمير والبراذين حتى تكومه، قال: فأقبلت يوما في ذلك الإصطبل، ~~فتناولت المجرفة [5] ، فوضعت رأس عود المجرفة [5] على مراثه وإنه لأكثر من ~~ذراع ونصف، وإنه لخشن غليظ غير محكوك الرأس ولا مملسه، فدفعته حتى بلغ أقصى ~~العود، وامتنع من الدخول ببدن المجرفة. فحلف أنه ما رآه تأطر ولا انثنى. # قال صاحب الحمام: فهذا فرق ما بيننا وبينكم. ### || 682- [ما وصف به الحمام من الإسعاد وحسن الغناء] # ونذكر ما وصف به الحمام من الإسعاد، ومن حسن الغناء والإطراب والنوح ~~والشجا. قال الحسن بن هانئ [6] : [من المنسرح] # إذا ثنته الغصون جللني ... فينان ما في أديمه جوب # تبيت في مأتم حمائمه ... كما ترن الفواقد السلب # يهب شوقي وشوقهن معا ... كأنما يستخفنا طرب # وقال آخر [7] : [من الطويل] # لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن وهنا وإني لنائم PageV03P101 # فقلت اعتذارا عند ذاك وإنني ... لنفسي مما قد سمعت للائم # كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقتني بالبكاء الحمائم # وقال نصيب [1] : [من الطويل] # ولو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدي شفيت النفس قبل التندم # ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... بكاها فقلت الفضل للمتقدم # وقال أعرابي: [من الطويل] # عليك سلام الله قاطعة القوى ... على أن قلبي للفراق كليم # قريح بتغريد الحمام إذا بكت ... وإن هب يوما للجنوب نسيم # وقال المجنون [2] ، أو غيره: [من الطويل] # ولو لم يهجني الرائحون لها جني ... حمائم ورق في الديار وقوع # تجاوبن فاستبكين من كان ذا هوى ... نوائح لا تجري لهن دموع # وقال الآخر [3] : [من الطويل] ms0395 # ألا يا سيالات الدحائل باللوى ... عليكن من بين السيال سلام # أرى الوحش آجالا إليكن بالضحى ... لهن إلى أفيائكن بغام [4] # وإني لمجلوب لي الشوق كلما ... ترنم في أفنانكن حمام # وقال عمرو بن الوليد [5] : [من الخفيف] # حال من دون أن أحل به النأ ... ي وصرف النوى وحرب عقام # فتبدلت من مساكن قومي ... والقصور التي بها الآطام [6] # كل قصر مشيد ذي أواس ... تتغنى على ذراه الحمام [7] PageV03P102 # وقال آخر [1] : [من الطويل] # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... فقد هاج لي مسراك وجدا على وجد # أأن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غض النبات من الرند # بكيت كما يبكي الوليد ولم تكن ... جليدا وأبديت الذي لم تكن تبدي # وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل، وأن النأي يشفي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على أن قرب الدار خير من البعد ### || 683- [أنساب الحمام] # وقال صاحب الحمام: للحمام مجاهيل، ومعروفات، وخارجيات، ومنسوبات. # والذي يشتمل عليه دواوين أصحب الحمام أكثر من كتب النسب التي تضاف إلى ~~ابن الكلبي، والشرقي بن القطامي، وأبي اليقظان، وأبي عبيدة النحوي، بل إلى ~~دغفل ابن حنظلة، وابن لسان الحمرة، بل إلى صحار العبدي. وإلى أبي السطاح ~~اللخمي، بل إلى النخار العذري، وصبح الطائي، بل إلى مثجور بن غيلان الضبي، ~~وإلى سطيح الذئبي، بل ابن شرية الجرهمي، وإلى زيد بن الكيس النمري؛ وإلى كل ~~نسابة راوية، وكل متفنن علامة. # ووصف الهذيل المازني، مثنى بن زهير وحفظه لأنساب الحمام. فقال: والله لهو ~~أنسب من سعيد بن المسيب، وقتادة بن دعامة للناس، بل هو أنسب من أبي بكر ~~الصديق رضي الله عنه! لقد دخلت على رجل أعرف بالأمهات المنجبات من سحيم ابن ~~حفص، وأعرف بما دخلها من الهجنة والإقراف، من يونس بن حبيب. ### || 684- [مما أشبه فيه الحمام الناس] # قال: ومما أشبه فيه الحمام الناس في الصور والشمائل ورقة الطباع، وسرعة ~~القبول والانقلاب، أنك إذا كنت صاحب فراسة، فمر بك رجال بعضهم كوفي، وبعضهم ~~بصري، وبعضهم شامي وبعضهم يماني، لم يخف ms0396 عليك أمورهم في الصور والشمائل ~~والقدود والنغم أيهم بصري، وأيهم كوفي، وأيهم يماني، وأيهم مدني وكذلك ~~الحمام؛ لا ترى صاحب حمام تخفى عليه نسب الحمام وجنسها وبلادها إذا رآها. ~~PageV03P103 ### || 685- [مبلغ ثمن الحمام وغيره] # [1] وللحمام من الفضيلة والفخر، أن الحمام الواحد يباع بخسمائة دينار، ~~ولا يبلغ ذلك باز ولا شاهين، ولا صقر ولا عقاب، ولا طاوس، ولا تدرج ولا ~~ديك، ولا بعير ولا حمار، ولا بغل. ولو أردنا أن نحقق الخبر بأن برذونا أو ~~فرسا بيع بخمسمائة دينار، لما قدرنا عليه إلا في حديث السمر. # وأنت إذا أردت أن تتعرف مبلغ ثمن الحمام الذي جاء من الغاية، ثم دخلت ~~بغداد والبصرة وجدت ذلك بلا معاناة. وفيه أن الحمام إذا جاء من الغاية بيع ~~الفرخ الذكر من فراخ بعشرين دينارا أو أكثر، وبيعت الأنثى بعشرة دنانير أو ~~أكثر، وبيعت البيضة بخمسة دنانير، فيقوم الزوج منها في الغلة مقام ضيعة، ~~وحتى ينهض بمؤنة العيال، ويقضي الدين، وتبنى من غلاته وأثمان رقابه الدور ~~الجياد، وتبتاع الحوانيت المغلة. هذا؛ وهي في ذلك الوقت ملهى عجيب، ومنظر ~~أنيق، ومعتبر لمن فكر، ودليل لمن نظر. ### || 686- [عناية الناس بالحمام] # ومن دخل الحجر ورأى قصورها المبنية لها بالشامات وكيف اختزان تلك الغلات، ~~وحفظ تلك المؤونات؛ ومن شهد أرباب الحمام. وأصحاب الهدى وما يحتملون فيها ~~من الكلف الغلاظ أيام الزجل، في حملانها على ظهور الرجال، وقبل ذلك في بطون ~~السفن، وكيف تفرد في البيوت، وتجمع إذا كان الجمع أمثل، وتفرق إذا كانت ~~التفرقة أمثل وكيف تنقل الإناث عن ذكورتها، وكيف تنقل الذكورة عن إناثها ~~إلى غيرها، وكيف يخاف عليها الضوى [2] إذا تقاربت أنسابها، وكيف يخاف على ~~أعراقها من دخول الخارجيات فيها، وكيف يحتاط في صحة طرقها ونجلها؛ لأنه لا ~~يؤمن أن يقمط الأنثى ذكر من عرض الحمام، فيضرب في النجل بنصيب، فتعتريه ~~الهجنة- والبيضة عند ذلك تنسب إلى طرقها. وهم لا يحوطون أرحام نسائهم كما ~~يحوطون أرحام المنجبات من إناث الحمام. ومن شهد أصحاب الحمام عند زجلها من ~~الغاية، والذين يعلمون ms0397 الحمام كيف يختارون لصاحب العلامات، وكيف يتخيرون ~~الثقة وموضع الصدق والأمانة، والبعد من الكذب والرشوة، وكيف يتوخون ~~PageV03P104 # ذا التجربة والمعرفة اللطيفة، وكيف تسخو أنفسهم بالجعالة الرفيعة، وكيف ~~يختارون لحملها من رجال الأمانة والجلد والشفقة والبصر وحسن المعرفة- لعلم ~~عند ذلك صاحب الديك والكلب أنهما لا يجريان في هذه الحلبة، ولا يتعاطيان ~~هذه الفضيلة. ### || 687- [بعض خصائص الحمام] # قال: وللحمام من حسن الاهتداء، وجودة الاستدلال، وثبات الحفظ والذكر، ~~وقوة النزاع إلى أربابه، والإلف لوطنه، ما ليس لشيء. وكفاك اهتداء ونزاعا ~~أن يكون طائر من بهائم الطير، يجيء من برغمة، لا بل من العليق، أو من خرشنة ~~[1] أو من الصفصاف [2] ، لا بل من البغراس [3] ، ومن لؤلؤة [4] . # ثم الدليل على أنه يستدل بالعقل والمعرفة، والفكرة والعناية أنه إنما ~~يجيء من الغاية على تدريج وتدريب وتنزيل. والدليل على علم أربابه بأن تلك ~~المقدمات قد نجعن فيه، وعملن في طباعه، أنه إذا بلغ الرقة غمروا به بكرة ~~إلى الدرب وما فوق الدرب من بلاد الروم، بل لا يجعلون ذلك تغميرا؛ لمكان ~~المقدمات والترتيبات التي قد عملت فيه وحذقته ومرنته. # ولو كان الحمام مما يرسل بالليل، لكان مما يستدل بالنجوم؛ لأنا رأيناه ~~يلزم بطن الفرات، أو بطن دجلة، أو بطون الأودية التي قد مر بها، وهو يرى ~~ويبصر ويفهم انحدار الماء. ويعلم بعد طول الجولان وبعد الزجال، إذا هو أشرف ~~على الفرات أو دجلة، أن طريقه وطريق الماء واحد، وأنه ينبغي أن ينحدر معه. # وما أكثر ما يستدل بالجواد من الطرق إذا أعيته بطون الأودية. فإذا لم يدر ~~أمصعد أم منحدر، تعرف ذلك بالريح، ومواضع قرص الشمس في السماء. وإنما يحتاج ~~إلى ذلك كله إذا لم يكن وقع بعد على رسم يعمل عليه فربما كر حين يزجل به ~~يمينا وشمالا، وجنوبا وشمالا، وصبا ودبورا- الفراسخ الكثيرة وفوق الكثيرة. ~~PageV03P105 ### || 688- [الغمر والمجرب من الحمام] # وفي الحمام الغمر والمجرب، وهم لا يخاطرون بالأغمار لوجهين: أحدهما أن ~~يكون الغمر عريفا فصاحبه يضن به، فهو يريد أن يدربه ويمرنه ثم يكلفه بعد ~~الشيء الذي ms0398 اتخذه له، وبسببه اصطنعه واتخذه. وإما أن يكون الغمر مجهولا، ~~فهو لا يتعنى ويشقي نفسه، ويتوقع الهداية من الأغمار المجاهيل. # وخصلة أخرى: أن المجهول إذا رجع مع الهدى المعروفات، فحمله معها إلى ~~الغاية فجاء سابقا، لم يكن له كبير ثمن حتى تتلاحق به الأولاد. فإن أنجب ~~فيهن صار أبا مذكورا وصار نسبا يرجع إليه، وزاد ذلك في ثمنه. # فأما المجرب غير الغمر، فهو الذي قد عرفوه الورود [1] والتحصب؛ لأنه متى ~~لم يقدر على أن ينقض حتى يشرب الماء من بطون الأودية والأنهار والغدران، ~~ومناقع المياه، ولم يتحصب بطلب بزور البراري، وجاع وعطش- التمس مواضع ~~الناس. وإذا مر بالقرى والعمران سقط، وإذا سقط أخذ بالبايكير [2] وبالقفاعة ~~[3] ، وبالملقف [4] وبالتدبيق [5] وبالدشاخ [6] ؛ ورمى أيضا بالجلاهق [7] ~~وبغير ذلك من أسباب الصيد. # والحمام طائر ملقى غير موقى [8] ، وأعداؤه كثير، وسباع الطير تطلبه أشد ~~الطلب. وقد يترفع مع الشاهين، وهو للشاهين أخوف. فالحمام أطير منه ومن جميع ~~سباع الطير، ولكنه يذعر فيجهل باب المخلص ويعتريه ما يعتري الحمار من الأسد ~~إذا رآه، والشاة إذا رأت الذئب والفارة إذا رأت السنور. ### || 689- [سرعة طيران الحمام] # والحمام أشد طيرانا من جميع سباع الطير، إلا في انقضاض وانحدار؛ فإن تلك ~~PageV03P106 # تنحط انحطاط الصخور ومتى التقت أمة من سباع الطير أو جفالة [1] من بهائم ~~الطير، أو طرن على عرقة [2] وخيط ممدود، فكلها يعتريها عند ذلك التقصير عما ~~ما كانت عليه، إذا طارت في غير جماعة. # ولن ترى جماعة طير أكثر طيرانا إذا كثرن من الحمام؛ فإنهن كلما التففن ~~وضاق موضعهن كان أشد لطيرانهن، وقد ذكر ذلك النابغة الذبياني في قوله [3] : ~~[من البسيط] # واحكم كحكم فتاة الحي إذ نظرت ... إلى حمام شراع وارد الثمد [4] # يحفه جانبا نيق ويتبعه ... مثل الزجاجة لم تكحل من الرمد [5] # قال: ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتا ونصفه فقد [6] # فحسبوه فألفوه كما حسبت ... تسعا وتسعين لم تنقص ولم تزد # فكملت مائة فيها حمامتها ... وأسرعت حسبة في ذلك العدد # قال الأصمعي: لما أراد مديح الحاسب وسرعة إصابته، شدد الأمر وضيقه ms0399 عليه؛ ~~ليكون أحمد له إذا أصاب؛ فجعله حزر طيرا، والطير أخف من غيره، ثم جعله ~~حماما والحمام أسرع الطير، وأكثرها اجتهادا في السرعة إذا كثر عددهن؛ وذلك ~~أنه يشتد طيرانه عند المسابقة والمنافسة. وقال: يحفه جانبا نيق ويتبعه، ~~فأراد أن الحمام إذا كان في مضيق من الهواء كان أسرع منه إذا اتسع عليه ~~الفضاء. ### || 690- [غايات الحمام] # وصاحب الحمام قد كان يدرب ويمرن وينزل في الزجال، والغاية يومئذ واسط [7] ~~. # فكيف يصنع اليوم بتعريفه الطريق وتعريفه الورود والتحصب [8] ، مع بعد ~~الغاية؟! PageV03P107 ### || 691- [ما يختار للزجل من الحمام] # والبغداديون يختارون للزجال من الغاية الإناث، والبصريون يختارون الذكور ~~فحجة البغداديين أن الذكر إذا سافر وبعد عهده بقمط الإناث، وتاقت نفسه إلى ~~السفاد، ورأى أنثاه في طريقه، ترك الطلب إن كان بعد في الجولان؛ أو ترك ~~السير إن كان وقع على القصد، ومال إلى الأنثى وفي ذلك الفساد كله. # وقال البصري: الذكر أحن إلى بيته لمكان أنثاه، وهو أشد متنا وأقوى بدنا، ~~وهو أحسن اهتداء. فنحن لا ندع تقديم الشيء القائم إلى معنى قد يعرض وقد لا ~~يعرض. ### || 692- [نصيحة شدفويه في تربية الحمام] # وسمعت شدفويه السلائحي من نحو خمسين سنة، وهو يقول لعبد السلام بن أبي ~~عمار: اجعل كعبة حمامك في صحن دارك، فإن الحمام إذا كان متى خرج من بيته ~~إلى المعلاة لم يصل إلى معلاته إلا بجمع النفس والجناحين، وبالنهوض ومكابدة ~~الصعود- اشتد متنه، وقوي جناحه ولحمه. ومتى أراد بيته فاحتاج إلى أن ينتكس ~~ويجيء منقضا كان أقوى على الارتفاع في الهواء بعد أن يروى. وقد تعلمون أن ~~الباطنيين أشد متنا من الظاهريين، وأن النقرس لا يصيب الباطني في رجله ليس ~~ذلك إلا لأنه يصعد إلى العلالي فوق الكناديج [1] درجة بعد درجة، وكذلك ~~نزوله، فلو دربتم الحمام على هذا الترتيب كان أصوب. ولا يعجبني تدريب ~~العاتق وما فوق العاتق [2] إلا من الأماكن القريبة؛ لأن العاتق كالفتاة ~~العاتق، وكالصبي الغرير، فهو لا يعدمه ضعف البدن، وقلة المعرفة، وسوء ~~الإلف. ولا يعجبني أن تتركوا الحمام حتى إذا ms0400 صار في عدد المسان واكتهل، ~~وولد البطون بعد البطون، وأخذ ذلك من قوة شبابه، حملتموه على الزجل، وعلى ~~التمرين، ثم رميتم به أقصى غاية لا، ولكن التدريب مع الشباب، وانتهاء ~~الحدة، وكمال القوة، من قبل أن تأخذ القوة في النقصان. فهو يلقن بقربه من ~~الحداثة، ويعرف بخروجه من حد الحداثة. فابتدئوا به التعليم والتمرين في هذه ~~المنزلة الوسطى. PageV03P108 ### || 693- [الوقت الملائم لتمرين فراخ الحمام] # وهم إذا أرادوا أن يمرنوا الفراخ أخرجوها وهي جائعة، حتى إذا ألقوا إليها ~~الحب أسرعت النزول. ولا تخرج والريح عاصف، فتخرج قبل المغرب وانتصاف ~~النهار، وحذاقهم لا يخرجونها مع ذكورة الحمام؛ فإن الذكورة يعتريها النشاط ~~والطيران والتباعد ومجاوزة القبيلة. فإن طارت الفراخ معها سقطت على دور ~~الناس. فرياضتها شديدة، وتحتاج إلى معرفة وعناية، وإلى صبر ومطاولة؛ لأن ~~الذي يراد منها إذا احتيج إليه بعد هذه المقدمات كان أيضا من العجب العجيب. ### || 694- [حوار يعقوب بن داود مع رجل في اختيار الحمام] # وحدثني بعض من أثق به أن يعقوب بن داود، قال لبعض من دخل عليه- وقد ذهب ~~عني اسمه ونسيته، بعد أن كنت عرفته-: أما ترى كي أخلف ظننا وأخطأ رأينا، ~~حتى عم ذلك ولم يخص؟! أما كان في جميع من اصطنعناه واخترناه، وتفرسنا فيه ~~الخير وأردناه به- واحد تكفينا معرفته مؤنة الاحتجاج عنه، حتى صرت لا أقرع ~~إلا بهم، ولا أعاب إلا باختيارهم!! قال: فقال له رجل إن الحمام يختار من ~~جهة النسب، ومن جهة الخلقة. ثم لا يرضى له أربابه بذلك حتى ترتبه وتنزله ~~وتدرجه، ثم تحمل الجماعة منه بعد ذلك الترتيب والتدريب إلى الغاية، فيذهب ~~الشطر ويرجع الشطر، أو شبيه بذلك أو قريب من ذلك. وأنت عمدت إلى حمام لم ~~تنظر في أنسابها ولم تتأمل مخيلة الخير في خلقها ثم لم ترض حتى ضربت بها ~~بكرة واحدة إلى الغاية، فليس بعجب ولا منكر ألا يرجع إليك واحد منها، وإنما ~~كان العجب في الرجوع. فأما في الضلال فليس في ذلك عجب. وعلى أنه لو رجع ~~منها واحد أو ms0401 أكثر من الواحد لكان خطؤك موفرا عليك، ولم ينتقصه خطأ من ~~أخطأ؛ لأنه ليس من الصواب أن يجيء طائرا من الغاية على غير عرق وعلى غير ~~تدريب. # PageV03P109 ### | باب ومن كرم الحمام الإلف والأنس والنزاع والشوق ### || 695- [صدق خلق الحمام] # وذلك يدل على ثبات العهد، وحفظ ما ينبغي أن يحفظ، وصون ما ينبغي أن يصان ~~وإنه لخلق صدق في بني آدم فكيف إذا كان ذلك الخلق في بعض الطير. # وقد قالوا [1] : عمر الله البلدان بحب الأوطان. # قال ابن الزبير [2] : ليس الناس بشيء من أقسامهم أقنع منهم بأوطانهم! ~~وأخبر الله عز وجل عن طبائع الناس في حب الأوطان، فقال: قالوا وما لنا ألا ~~نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا # [3] وقال: ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما ~~فعلوه إلا قليل منهم # [4] . # وقال الشاعر [5] : [من البسيط] # وكنت فيهم كممطور ببلدته ... فسر أن جمع الأوطان والمطرا # فتجده يرسل من موضع فيجيء، ثم يخرج من بيته إلى أضيق موضع وإلى رخام ~~ونقان [6] فيرسل من أبعد من ذلك فيجيء. ثم يصنع به مثل ذلك المرار الكثيرة، ~~ويزاد في الفراسخ، ثم يكون جزاؤه أن يغمر به من الرقة إلى لؤلؤة [7] فيجيء ~~ويسترق PageV03P110 # من منزل صاحبه فيقص، ويغبر هناك حولا وأكثر من الحول، فحين ينبت جناحه ~~يحن إلى إلفه وينزع إلى وطنه، وإن كان الموضع الثاني أنفع له، وأنعم لباله. ~~فيهب فضل ما بينهما لموضع تربيته وسكنه، كالإنسان الذي لو أصاب في غير ~~بلاده الريف لم يقع ذلك في قلبه، وهو يعالجهم على أن يعطى عشر ما هو فيه في ~~وطنه. # ثم ربما باعه صاحبه، فإذا وجد مخلصا رجع إليه، حتى ربما فعل ذلك مرارا. # وربما طار دهره وجال في البلاد، وألف الطيران والتقلب في الهواء، والنظر ~~إلى الدنيا، فيبدو لصاحبه فيقص جناحه ويلقيه في ديماس [1] ، فينبت جناحه، ~~فلا يذهب عنه ولا يتغير له. نعم، حتى ربما جدف [2] وهو مقصوص، فإما صار ~~إليه، وإما بلغ عذرا. ### || 696- [قص جناح الحمام] # ومتى قص ms0402 أحد جناحيه كان أعجز له عن الطيران، ومتى قصهما جميعا كان أقوى ~~له عليه، ولكنه لا يبعد، لأنه إذا كان مقصوصا من شق واحد اختلف خلقه، ولم ~~يعتدل وزنه، وصار أحدهما هوائيا والآخر أرضيا فإذا قص الجناحان جميعا طار، ~~وإن كان مقصوصا فقد بلغ بذلك التعديل من جناحيه أكثر مما كان يبلغ بهما إذا ~~كان أحدهما وافيا والآخر مبتورا. # فالكلب الذي تدعون له الإلف وثبات العهد، لا يبلغ هذا، وصاحب الديك الذي ~~لا يفخر للديك بشيء من الوفاء والحفاظ والإلف، أحق بألا يعرض في هذا الباب. # قال: وقد يكون الإنسان شديد الحضر. فإذا قطعت إحدى يديه فأراد العدو كان ~~خطوه أقصر، وكان عن ذلك القصد والسنن أذهب، وكانت غاية مجهوده أقرب. ### || 697- [حديث نباتة الأقطع] # وخبرني كم شئت [3] ، أن نباتة الأقطع وكان من أشداء الفتيان وكانت يده ~~قطعت من دوين المنكب، وكان ذلك في شقه الأيسر؛ فكان إذا صار إلى القتال ~~وضرب بسيفه، فإن أصاب الضريبة ثبت، وإن أخطأ سقط لوجهه؛ إذ لم يكن جناحه ~~الأيسر يمسكه ويثقله حتى يعتدل بدنه. PageV03P111 ### || 698- [أجنحة الملائكة] # وقد طعن قوم في أجنحة الملائكة. # وقد قال الله تعالى: الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا ~~أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع يزيد في الخلق ما يشاء # [1] وزعموا أن الجناحين كاليدين، وإذا كان الجناح اثنين أو أربعة كانت ~~معتدلة، وإذا كانت ثلاثة كان صاحب الثلاثة كالجادف من الطير [2] ، الذي أحد ~~جناحيه مقصوص، فلا يستطيع الطيران لعدم التعديل. وإذا كان أحد جناحيه وافيا ~~والآخر مقصوصا، اختلف خلقه وصار بعضه يذهب إلى أسفل والآخر إلى فوق. # وقالوا: إنما الجناح مثل اليد، ووجدنا الأيدي والأرجل في جميع الحيوان لا ~~تكون إلا أزواجا. فلو جعلتم لكل واحد منهم مائة جناح لم ننكر ذلك. وإن ~~جعلتموها أنقص بواحد أو أكثر بواحد لم نجوزه. # قيل لهم: قد رأينا من ذوات الأربع ما ليس له قرن، ورأينا ما له قرنان ~~أملسان، ورأينا ما له قرنان لهما شعب في مقاديم القرون، ورأينا بعضها جما ~~ولأخواتها ms0403 قرون، ورأينا منها ما لا يقال لها جم لأنها ليست لها شكل ذوات ~~القرون، ورأينا لبعض الشاء عدة قرون نابتة في عظم الرأس أزواجا وأفرادا، ~~ورأينا قرونا جوفا فيها قرون، ورأينا قرونا لا قرون فيها، ورأيناها مصمتة، ~~ورأينا بعضها يتصل قرنه في كل سنة، كما تسلخ الحية جلدها، وتنفض الأشجار ~~ورقها، وهي قرون الأيائل، وقد زعموا أن للحمار الهندي [3] قرنا واحدا. ### || 699- [ضروب من الطير] # وقد رأينا طائرا شديد الطيران بلا ريش كالخفاش، ورأينا طائرا لا يطير وهو ~~وافي الجناح، ورأينا طائرا لا يمشي وهو الزرزور. ونحن نؤمن بأن جعفرا ~~الطيار ابن أبي طالب، له جناحان يطير بهما في الجنان، جعلا له عوضا من يديه ~~اللتين قطعتا على لواء المسلمين في يوم مؤتة [4] . وغير ذلك من أعاجيب ~~أصناف الخلق. PageV03P112 # فقد يستقيم- وهو سهل جائز شائع مفهوم، ومعقول قريب غير بعيد أن يكون إذا ~~وضع طباع الطائر على هذا الوضع الذي تراه ألا يطير إلا بالأزواج. فإذا وضع ~~على غير هذا الوضع، وركب غير هذا التركيب صارت ثلاثة أجنحة وفوق تلك ~~الطبيعة. # ولو كان الوطواط في وضع أخلاطه وأعضائه وامتزاجاته كسائر الطير، لما طار ~~بلا ريش. ### || 700- [الطير الدائم الطيران] # وقد زعم البحريون أنهم يعرفون طائرا لم يسقط قط، وإنما يكون سقوطه من لدن ~~خروجه من بيضه إلى أن يتم قصب ريشه [1] ، ثم يطير فليس له رزق إلا من بعوض ~~الهواء وأشباه البعوض؛ إلا أنه قصير العمر سريع الانحطام. ### || 701- [بقية الحديث في أجنحة الملائكة] # وليس بمستنكر أن يمزج الطائر ويعجن غير عجنه الأول فيعيش ضعف ذلك العمر. ~~وقد يجوز أيضا أن يكون موضع الجناح الثالث بين الجناحين، فيكون الثالث ~~للثاني كالثاني للأول، وتكون كل واحدة من ريشة عاملة في التي تليها من ذلك ~~الجسم فتستوي في القوى وفي الحصص. # ولعل الجناح الذي أنكره الملحد الضيق العطن أن يكون مركز قوادمه في حاق ~~[2] الصلب. # ولعل ذلك الجناح أن تكون الريشة الأولى منه معينة للجناح الأيمن والثانية ~~معينة للجناح الأيسر، وهذا مما لا يضيق عنه الوهم، ms0404 ولا يعجز عنه الجواز. # فإذا كان ذلك ممكنا في معرفة العبد بما أعاره الرب جل وعز، كان ذلك في ~~قدرة الله أجوز. وما أكثر من يضيق صدره لقلة علمه! ### || 702- [أعضاء المشي لدى الحيوان والإنسان] # وقد علموا أن كل ذي أربع فإنه إذا مشى قدم إحدى يديه، ولا يجوز أن يستعمل ~~اليد الأخرى ويقدمها بعد الأولى حتى يستعمل الرجل المخالفة لتلك اليد: # إن كانت اليد المتقدمة اليمنى حرك الرجل اليسرى، وإذا حرك الرجل اليسرى ~~لم PageV03P113 # يحرك الرجل اليمنى- وهو أقرب إليها وأشبه بها- حتى يحرك اليد اليسرى. ~~وهذا كثير. # وفي طريق أخرى فقد يقال: إن كل إنسان فإنما ركبته في رجله، وجميع ذوات ~~الأربع فإنما ركبها في أيديها. وكل شيء ذي كف وبنان كالإنسان، والقرد، ~~والأسد، والضب، والدب، فكفه في يده. والطائر كفه في رجله. ### || 703- [غرائب تصرفات بعض الناس] ### ||| 1- [استعمال الإنسان رجليه ما كان يعمله بيديه] # وما رأيت أحدا ليس له يد إلا وهو يعمل برجليه ما كان يعمل بيديه، وما أقف ~~على شيء من عمل الأيدي إلا وأنا قد رأيت قوما يتكلفونه بأرجلهم. # ولقد رأيت واحدا منهم راهن على أن يفرغ برجليه ما في دستيجة [1] نبيذ في ~~قناني رطليات وفقاعيات فراهنوه، وأزعجني أمر فتركته عند ثقات لا أشك في ~~خبرهم، فزعموا أنه وفى وزاد. قلت: قد عرفت قولكم «وفى» فما معنى قولكم ~~«زاد» قالوا: هو أنه لو صب من رأس الدستيجة حوالي أفواه القناني كما يعجز ~~عن ضبطه جميع أصحاب الكمال في الجوارح، لما أنكرنا ذلك. ولقد فرغ ما فيها ~~في جميع القناني فما ضيع أوقية واحدة. ### ||| 2- [قيام بعض الناس بعمل دقيق في الظلام] # وخبرني الحزامي عن خليل أخيه، أنه متى شاء أن يدخل في بيت ليلا بلا ~~مصباح، ويفرغ قربة في قناني فلا يصب إستارا [2] واحدا فعله. # ولو حكى لي الحزامي هذا الصنيع عن رجل ولد أعمى أو عمي في صباه، كان ~~يعجبني منه أقل. فأما من تعود أن يفعل مثل ذلك وهو يبصر فما أشد عليه أن ~~يفعله وهو مغمض ms0405 العينين. فإن كان أخوه قد كان يقدر على ذلك إذا غمض عينيه ~~فهو عندي عجب، وإن كان يبصر في الظلمة فهو قد أشبه في هذا الوجه السنور ~~والفأر، فإن هذا عندي عجب آخر وغرائب الدنيا كثيرة عند كل من كان كلفا ~~بتعرافها، وكان له في العلم أصل، وكان بينه وبين التبين نسب. PageV03P114 ### ||| 3- [اختلاف احوال الناس عند سماع الغرائب] # وأكثر الناس لا تجدهم إلا في حالتين: إما في حال إعراض عن التبين وإهمال ~~للنفس، وإما في حال تكذيب وإنكار وتسرع إلى أصحاب الاعتبار وتتبع الغرائب، ~~والرغبة في الفوائد. ثم يرى بعضهم أن له بذلك التكذيب فضيلة، وأن ذلك باب ~~من التوقي، وجنس من استعظام الكذب، وأنه لم يكن كذلك إلا من حاق الرغبة في ~~الصدق. وبئس الشيء عادة الإقرار والقبول. والحق الذي أمر الله تعالى به ~~ورغب فيه، وحث عليه أن ننكر من الخبر ضربين: أحدهما ما تناقض واستحال، ~~والآخر ما امتنع في الطبيعة، وخرج من طاقة الخلقة. فإذا خرج الخبر من هذين ~~البابين، وجرى عليه حكم الجواز، فالتدبير في ذلك التثبت وأن يكون الحق في ~~ذلك هو ضالتك، والصدق هو بغيتك، كائنا ما كان، وقع منك بالموافقة أم وقع ~~منك بالمكروه. ومتى لم تعلم أن ثواب الحق وثمرة الصدق أجدى عليك من تلك ~~الموافقة لم تقع على أن تعطي التثبت حقه. ### || 704- [تشبيه رماد الأثافي بالحمام] # قال: وهم يصفون الرماد الذي بين الأثافي بالحمامة، ويجعلون الأثافي أظآرا ~~لها، للانحناء الذي في أعالي تلك الأحجار، ولأنها كانت معطفات عليها ~~وحانيات على أولادها. قال ذو الرمة [1] : [من الطويل] # كأن الحمام الورق في الدار جثمت ... على خرق بين الأثافي جوازله # شبه الرماد بالفراخ قبل أن تنهض والجثوم في الطير مثل الربوض في الغنم. ~~وقال الشماخ [2] : [من الطويل] # وإرث رماد كالحمامة ماثل ... ونؤيين في مظلومتين كداهما # وقال أبو حية [3] : [من الوافر] # من العرصات غير مخد نؤي ... كباقي الوحي خط على إمام [4] PageV03P115 # وغير خوالد لوحن حتى ... بهن علامة من غير شام [1] # كأن بها حمامات ثلاثا ... مثلن ms0406 ولم يطرن مع الحمام # وقال العرجي [2] : [من الطويل] # ومربط أفراس وخيم مصرع ... وهاب كجثمان الحمامة هامد [3] # وقال البعيث: [من الطويل] # ويسفع ثوين العام والعام قبله ... وسحق رماد كالنصيف من العصب [4] ### || 705- [بعض ما قيل من الشعر في نوح الحمام وفي ارتفاع بيوتها] # وقالوا في نوح الحمام، قال جران العود [5] : [من البسيط] # واستقبلوا واديا نوح الحمام به ... كأنه صوت أنباط مثاكيل # وقالوا في ارتفاع مواضع بيوتها وأعشاشها. وقال الأعشى [6] : [من الطويل] # ألم تر أن العرض أصبح بطنه ... خيلا وزرعا نابتا وفصافصا [7] # وذا شرفات يقصر الطرف دونه ... ترى للحمام الورق فيه قرامصا # وقال عمرو بن الوليد [8] : [من الخفيف] # فتبدلت من مساكن قومي ... والقصور التي بها الآطام # كل قصر مشيد ذي أواس ... تتغنى على ذراه الحمام # والحمام أيضا ربما سكن أجواف الركايا، ولا يكون ذلك إلا للوحشي منها، وفي ~~البير التي لا تورد. قال الشاعر: [من الوافر] # بدلو غير مكربة أصابت ... حماما في مساكنه فطارا PageV03P116 # يقول: استقى بسفرته من هذه البئر، ولم يستق بدلو. وهذه بئر قد سكنها ~~الحمام لأنها لا تورد. # وقال جهم بن خلف [1] : [من الطويل] # وقد هاج شوقي أن تغنت حمامة ... مطوقة ورقاء تصدح في الفجر # هتوف تبكي # | ساق حر # ولن ترى ... لها دمعة يوما على خدها تجري # تغنت بلحن فاستجابت لصوتها ... نوائح بالأصياف في فنن السدر [2] # إذا فترت كرت بلحن شج لها ... يهيج للصب الحزين جوى الصدر # دعتهن مطراب العشيات والضحى ... بصوت يهيج المستهام على الذكر # فلم أر ذا وجد يزيد صبابة ... عليها، ولا ثكلى تبكي على بكر # فأسعدنها بالنوح حتى كأنما ... شربن سلافا من معتقة الخمر # تجاوبن لحنا في الغصون كأنها ... نوائح ميت يلتدمن لدى قبر [3] # بسرة واد من تبالة مونق ... كسا جانبيه الطلح واعتم بالزهر [4] ### || 706- [استطراد لغوي] # ويقال: هدر الحمام يهدر. قال: ويقال في الحمام الوحشي من القماري ~~والفواخت والدباسي وما أشبه ذلك: قد هدل يهدل هديلا. فإذا طرب قيل غرد يغرد ~~تغريدا. والتغريد يكون للحمام والإنسان، وأصله من الطير. # وأما أصحابنا فيقولون: إن الجمل يهدر، ولا يكون ms0407 باللام، والحمام يهدل ~~وربما كان بالراء. # وبعضهم يزعم أن الهديل من أسماء الحمام الذكر. قال الراعي واسمه عبيد بن ~~الحصين [5] : [من الكامل] # كهداهد كسر الرماة جناحه ... يدعو بقارعة الطريق هديلا PageV03P117 ### || 707- [ساق حر] # وزعم الأصمعي أن قوله [1] : «هتوف تبك ساق حر» # إنما هو حكاية صوت وحشي الطير من هذه النواحات. وبعضهم يزعم أن «ساق حر» ~~هو الذكر، وذهب إلى قول الطرماح في تشبيه الرماد بالحمام، فقال [2] : [من ~~المديد] # بين أظآر بمظلومة ... كسراة الساق ساق الحمام ### || 708- [صفة فرس] # وقال آخر [3] يصف فرسا: [من الراجز] # ينجيه من مثل حمام الأغلال ... رفع يد عجلى ورجل شملال # تظمأ من تحت وتروي من عال # الأغلال: جمع غلل، وهو الماء الذي يجري بين ظهري الشجر قال: والمعنى أن ~~الحمام إذا كان يريد الماء فهو أسرع لها. وقوله: شملال أي خفيفة. ~~PageV03P118 ### | باب ليس في الأرض جنس يعتريه الأوضاح والشيات ### || 709- شيات الحمام # ويكون فيها المصمت والبهيم أكثر ألوانا، ومن أصناف التحاسين ما يكون في ~~الحمام، فمنها ما يكون أخضر مصمتا، وأحمر مصمتا وأسود مصمتا، وأبيض مصمتا، ~~وضروبا من ذلك، كلها مصمتة [1] . إلا أن الهداية للخضر النمر. فإذا ابيض ~~الحمام كالفقيع فمثله من الناس الصقلابي، فإن الصقلابي فطير [2] خام لم ~~تنضجه الأرحام؛ إذ كانت الأرحام في البلاد التي شمسها ضعيفة. # وإن اسود الحمام فإنما ذلك احتراق، ومجاوزة لحد النضج. ومثل سود الحمام ~~من الناس الزنج؛ فإن أرحامهم جاوزت حد الإنضاح إلى الإحراق، وشيطت [4] ~~الشمس شعورهم فتقبضت. # والشعر إذا أدنيته من النار تجعد، فإن زدته تفلفل [5] ، فإن زدته احترق. # وكما أن عقول سودان الناس وحمرانهم دون عقول السمر، كذلك بيض الحمام ~~وسودها دون الخضر في المعرفة والهداية. ### || 710- [استطراد لغوي] # وأصل الخضرة إنما هو لون الريحان والبقول، ثم جعلوا بعد الحديد أخضر، ~~والسماء خضراء، حتى سموا بذلك الكحل والليل. # قال الشماخ بن ضرار [5] : [من الطويل] # ورحن رواحا من زرود فنازعت ... زبالة جلبابا من الليل أخضرا PageV03P119 # وقال الراجز [1] : [من الرجز] # حتى انتضاه الصبح من ليل خضر ... مثل انتضاء البطل السيف الذكر # نضو هوى ms0408 بال على نضو سفر # وقال الله عز وجل: ومن دونهما جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان # [2] قال: خضراوان من الري سوداوان. # ويقال: إن العراق إنما سمي سوادا بلون السعف الذي في النخل، ومائه. # والأسودان: الماء والتمر. والأبيضان: الماء واللبن. والماء أسود إذا كان ~~مع التمر، وأبيض إذا كان مع اللبن. # ويقولون: سود البطون وحمر الكلى، ويقولون: سود الأكباد يريدون العداوة، ~~وأن الأحقاد قد أحرقت أكبادهم، ويقال للحافر أسود البطن؛ لأن الحافر لا ~~يكون في بطونها شحم. # ويقولون: نحن بخير ما رأينا سواد فلان بين أظهرنا، يريدون شخصه. وقالوا: # بل يريدون ظله. # فأما خضر محارب، فإنما يريدون السود وكذلك: خضر غسان ولذلك قال الشاعر ~~[3] : [من البسيط] # إن الخضارمة الخضر الذين غدوا ... أهل البريص ثمان منهم الحكم [4] # ومن هذا المعنى قول القرشي في مديح نفسه [5] : [من الرمل] # وأنا الأخضر من يعرفني ... أخضر الجلدة في بيت العرب # وإذا قالوا: فلان أخضر القفا، فإنما يعنون به أنه قد ولدته سوداء. وإذا ~~قالوا: PageV03P120 # فلان أخضر البطن، فإنما يريدون أنه حائك، لأن الحائك بطنه لطول التزاقه ~~بالخشبة التي يطوى عليها الثوب يسود. # وكان سبب عداوة العروضي لإبراهيم النظام، أنه كان يسميه الأخضر البطن، ~~والأسود البطن؛ فكان يكشف بطنه للناس- يريد بذلك تكذيب أبي إسحاق- حتى قال ~~له إسماعيل بن غزوان: إنما يريد أنك من أبناء الحاكة! فعاداه لذلك. # فإذا قيل أخضر النواجذ، فإنما يريدون أنه من أهل القرى، ممن يأكل الكراث ~~والبصل. # وإذا قيل للثور: خاضب؛ فإنما يريدون أن البقل قد خضب أظلافه بالخضرة. # وإذا قيل للظليم: خاضب، فإنما يريدون حمرة وظيفيه [1] فإنهما يحمران في ~~القيظ، وإذا قيل للرجل خاضب، فإنما يريدون الحناء فإذا كان خضابه بغير ~~الحناء قالوا: صبغ ولا يقال خضب. ### || 711- [الألفاظ المثناة] # ويقولون في شبيه بالباب الأول: الأحمران: الذهب والزعفران، والأبيضان: # الماء واللبن، والأسودان: الماء والتمر. # ويقولون: أهلك النساء الأحمران: الذهب والزعفران، وأهلك الناس الأحامر: # الذهب، والزعفران، واللحم، والخمر. # والجديدان: الليل والنهار، وهما الملوان. # والعصر: الدهر، والعصران: صلاة الفجر وصلاة العشي، والعصران: الغداة ~~والعشي، قال ms0409 الشاعر [2] : [من الطويل] # وأمطله العصرين حتى يملني ... ويرضى بنصف الدين والأنف راغم # ويقال: «البائعان بالخيار» [3] وإنما هو البائع والمشتري [4] ، فدخل ~~المبتاع في البائع. PageV03P121 # وقال الله عز وجل: ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك # [1] ، دخلت الأم في اسم الأبوة، كأنهم يجمعون على أنبه الاسمين وكقولهم: ~~ثبيرين [2] ، والبصرتين [3] . وليس ذلك بالواجب؛ وقد قالوا: سيرة العمرين، ~~وأبو بكر فوق عمر، قال الفرزدق [4] : [من الطويل] # أخذنا بآفاق السماء عليكم ... لنا قمراها والنجوم الطوالع # وأما قول ذي الرمة [5] : [من الطويل] # وليل كجلباب العروس ادرعته ... بأربعة والشخص في العين واحد # فإنه ليس يريد لون الجلباب، ولكنه يريد سبوغه. ### || 712- [جواب أعرابي] # قال [6] : وكذلك قول الأعرابي حين قيل له: بأي شيء تعرف حمل شاتك؟ # قال: «إذا استفاضت خاصرتها، ودجت شعرتها» . فالداجي هاهنا اللابس. # قال الأصمعي ومسعود بن فيد الفزاري: ألا ترونه يقول: «كان ذلك وثوب ~~الإسلام داج» . وأما لفظ الأصمعي فإنه قال: كان ذلك منذ دجا الإسلام [7] . ~~يعني أنه ألبس كل شيء. ### || 713- [شيات الحمام] # ثم رجع بنا القول إلى ذكر شيات الحمام. # وزعموا أن الأوضاح كلها ضعف، قليلها وكثيرها، إلا أن ذلك بالحصص على ~~PageV03P122 # قدر الكثرة والقلة، كذلك هي في جميع الحيوان سواء مستقبلها ومستدبرها. ~~وذلك ليس بالواجب حتى لا يغادر شيئا البتة؛ لأن الكلبة السلوقية البيضاء ~~أكرم وأصيد، وأصبر من السوداء. # والبياض في الناس على ضروب: فالمعيب منه بياض المغرب والأشقر والأحمر أقل ~~في الضعف والفساد، إذا كان مشتقا من بياض البهق والبرص والبرش والشيب ~~والمغرب عند العرب لا خير فيه البتة. والفقيع لا ينجب، وليس عنده إلا حسن ~~بياضه، عند من اشتهى ذلك. ### || 714- [سوابق الخيل] # وزعم ابن سلام الجمحي أنه لم يرقط بلقاء ولا أبلق جاء سابقا. وقال ~~الأصمعي: لم يسبق الحلبة أهضم قط؛ لأنهم يمدحون المجفر [1] من الخيل، كما ~~قال [2] : [من المنسرح] # خيط على زفرة فتم ولم ... يرجع إلى دقة ولا هضم # ويقولون: إن الفرس بعنقه وبطنه. # وخبرني بعض أصحابنا، أنه رأى فرسا للمأمون بلقاء سبقت الحلبة. وهذه نادرة ~~غريبة. ### || 715- [نظافة الحمام ونفع ذرقه] ms0410 # والحمام طائر ألوف مألوف ومحبب، موصوف بالنظافة، حتى إن ذرقه لا يعاف ولا ~~نتن له، كسلاح [3] الدجاج والديكة. وقد يعالج بذرقه صاحب الحصاة. # والفلاحون يجدون فيه أكثر المنافع. والخباز يلقي الشيء منه في الخمير ~~لينتفخ العجين ويعظم الرغيف، ثم لا يستبين ذلك فيه. ولذرقه غلات، يعرف ذلك ~~أصحاب الحجر. وهو يصلح في بعض وجوه الدبغ. PageV03P123 ### | باب الحمام طائر لئيم # (باب) ### || 716- [لؤم الحمام] # وقال صاحب الديك: الحمام طائر لئيم قاسي القلب، وإن بر بزعمكم ولد غيره، ~~وصنع به كما يصنع بفرخه؛ وذلك أنهما يحضنان كل بيض، ويزقان كل فرخ، وما ذاك ~~منهما إلا في الفرط. # فأما لؤمه فمن طريق الغيرة، فإنه يرى بعينه الذكر الذي هو أضعف منه، وهو ~~يطرد أنثاه ويكسح بذنبه حولها، ويتطوس [1] لها ويستميلها، وهو يرى ذلك ~~بعينه- ثم لم نرقط ذكرا واثب ذكرا عند مثل ذلك. # فإذا قلت: إنه يشتد عليه ويمنعه إذا جثمت له وأراد أن يعلوها؛ فكل ذكر ~~وأنثى هنالك يفعل ذلك، وليس ذلك من الذكر الغريب من طريق الغيرة، ولكنه ضرب ~~من البخل ومن النفاسة. وإذا لم يكن من ذكرها إلا مثل ما يكون من جميع ~~الحمام علم أن ذلك منه ليس من طريق الغيرة. وأنا رأيت النواهض تفعل ذلك، ~~وتقطع على الذكر بعد أن يعلو على الأنثى. # قال: وأما ما ذكرتم من أن الحمام معطوف على فراخه ما دامت محتاجة إلى ~~الزق، فإذا استغنت نزعت منها الرحمة، فليس ذلك كما قلتم. الحمام طائر ليس ~~له عهد؛ وذلك أن الذكر ربما كانت معه الأنثى السنين، ثم تنقل عنه وتوارى ~~عنه شهرا واحدا، ثم تظهر له مع زوج أضعف منه، فيراها طول دهره وهي إلى جنب ~~بيته وتماريده [2] فكأنه لا يعرفها بعد معرفتها الدهر الطويل، وإنما غابت ~~عنه الأيام اليسيرة. فليس يوجه ذلك الجهل الذي يعامل به فراخه بعد أن كبرت، ~~إلا على الغباوة وسوء الذكر، وأن الفرخ حين استوى ريشه وأشبه غيره من ~~الحمام جهل الفصل الذي بينهما. # فإن كان يعرف أنثاه وهو يجدها مع ms0411 ذكر ضعيف وهو مسلم لذلك وقانع به، وقليل ~~الاكتراث به، فهو من لؤم في أصل الطبيعة. PageV03P124 ### || 717- [قسوة الحمام] # قال: وباب آخر من لؤمه: القسوة، وهي ألأم اللؤم؛ وذلك أن الذكر ربما كان ~~في البيت طائر ذكر قد اشتد ضعفه، فينقر رأسه والآخر مستخذ له، قد أمكنه من ~~رأسه خاضعا له، شديد الاستسلام لأمره، فلا هو يرحمه لضعفه وعجزه عنه، ولا ~~هو يرحمه لخضوعه، ولا هو يمل وليس له عنده وتر. ثم ينقر يافوخه حتى ينقب ~~عنه، ثم لا يزال ينقر ذلك المكان بعد النقب حتى يخرج دماغه فيموت بين يديه. # فلو كان مما يأكل اللحم واشتهى الدماغ كان ذلك له عذرا؛ إذ لم يعد ما طبع ~~الله عليه سباع الطير. # فإذا رأينا من بعض بهائم الطير من القسوة ما لا نرى من سباع الطير لم يكن ~~لنا إلا أن نقضي عليه من اللؤم على حسب مباينته لشكل البهيمة، ويزيد في ذلك ~~على ما في جوارح الطير من السبعية. ### || 718- [أقوال لصاحب الديك في الحمام] # وقال صاحب الديك: # زعم أبو الأصبغ بن ربعي قال: كان روح أبو همام صاحب المعمى، عند مثنى ابن ~~زهير، فبينما هو يوما وهو معه في السطح إذ جاء جماعة فصعدوا. فلم يلبث أن ~~جاء آخرون، ثم لم يلبث أن جاء مثلهم، فأقبل عليهم فقال: أي شيء جاء بكم؟ ~~وما الذي جمعكم اليوم؟ قالوا: هذا اليوم الذي يرجع فيه مزاجيل الحمام من ~~الغاية. قال: # ثم ماذا؟ قالوا: ثم نتمتع بالنظر إليها إذا أقبلت. قال: لكنني أتمتع ~~بتغميض العين إذا أقبلت، وترك النظر إليها!! ثم نزل وجلس وحده. ### || 719- [التلهي بالحمام] # وقال مثنى بن زهير ذات يوم: ما تلهى الناس بشيء مثل الحمام، ولا وجدنا ~~شيئا مما يتخذه الناس ويلعب به ويلهى به، يخرج من أبواب الهزل إلى أبواب ~~الجد- كالحمام- وأبو إسحاق حاضر- فغاظه ذلك، وكظم على غيظه. فلما رأى مثنى ~~سكوته عن الرد عليه طمع فيه فقال: يبلغ والله من كرم الحمام ووفائه، وثبات ~~عهده، وحنينه إلى أهله، أني ربما قصصت ms0412 الطائر وبعد أن طار عندي دهرا، فمتى ~~نبت جناحه كنباته الأول، لم يدعه سوء صنعي إليه إلى الذهاب عني. ولربما ~~بعته # PageV03P125 # فيقصه المبتاع حينا، فما هو إلا أن يجد في جناحه قوة على النهوض حتى أراه ~~أتاني جادفا أو غير جادف [1] . وربما فعلت ذلك به مرارا كثيرة، كل ذلك لا ~~يزداد إلا وفاء. # قال أبو إسحاق: أما أنت فأراك دائبا تحمده وتذم نفسك. ولئن كان رجوعه ~~إليك من الكرم إن إخراجك له من اللؤم! وما يعجبني من الرجال من يقطع نفسه ~~لصلة طائر، وينسى ما عليه في جنب ما للبهيمة. ثم قال: خبرني عنك حين تقول: # رجع إلي مرة بعد مرة، وكلما زهدت فيه كان في أرغب، وكلما باعدته كان لي ~~أطلب؛ إليك جاء، وإليك حن أم إلى عشه الذي درج منه، وإلى وكره الذي ربي ~~فيه؟! أرأيت أن لو رجع إلى وكره وبيته ثم لم يجدك، وألفاك غائبا أو ميتا، ~~أكان يرجع إلى موضعه الذي خلفه؟! وعلى أنك تتعجب من هدايته، وما لك فيه ~~مقال غيره. فأما شكرك على إرادته لك، فقد تبين خطاؤك فيه، وإنما بقي الآن ~~حسن الاهتداء، والحنين إلى الوطن. ### || 720- [مشابهة هداية الحمام لهداية الرخم] # وقد أجمعوا على أن الرخم من لئام الطير وبغاثها، وليست من عتاقها ~~وأحرارها، وهي من قواطع الطير، ومن موضع مقطعها إلينا ثم مرجعها إليه من ~~عندنا، أكثر وأطول من مقدار أبعد غايات حمامكم. فإن كانت وقت خروجها من ~~أوطانها إلينا خرجت تقطع الصحارى والبراري والجزائر والغياض والبحار ~~والجبال، حتى تصير إلينا في كل عام- فإن قلت إنها ليست تخرج إلينا على سمت ~~ولا على هداية ولا دلالة، ولا على أمارة وعلامة، وإنما هربت من الثلوج ~~والبرد الشديد، وعلمت أنها تحتاج إلى الطعم، وأن الثلج قد ألبس ذلك العالم، ~~فخرجت هاربة فلا تزال في هربها إلى أن تصادف أرضا خصبا دفئا، فتقيم عند ~~أدنى ما تجد- فما تقول فيها عند رجوعها ومعرفتها بانحسار الثلوج عن ~~بلادها؟! أليست قد اهتدت طريق الرجوع!؟ # ومعلوم عند أهل ms0413 تلك الأطراف، وعند أصحاب التجارب وعند القانص، أن طير كل ~~جهة إذا قطعت رجعت إلى بلادها وجبالها وأوكارها، وإلى غياضها وأعشتها. فتجد ~~هذه الصفة في جميع القواطع من الطير، كرامها كلئامها، وبهائمها كسباعها. ثم ~~لا يكون اهتداؤها على تمرين وتوطين، ولا عن تدريب وتجريب، ولم تلقن ~~بالتعليم، ولم تثبت بالتدبير والتقويم. فالقواطع لأنفسها تصير إلينا، ~~ولأنفسها تعود إلى أوكارها. PageV03P126 # وكذلك الأوابد من الحمام، لأنفسها ترجع. وإلفها للوطن إلف مشترك مقسوم ~~على جميع الطير. فقد بطل جميع ما ذكرت. ### || 721- [قواطع السمك] # ثم قال: وأعجب من جميع قواطع الطير| قواطع السمك، # كالأسبور والجواف والبرستوج، فإن هذه الأنواع تأتي دجلة البصرة من ~~أقصى البحار، تستعذب الماء في ذلك الإبان، كأنها تتحمض بحلاوة الماء ~~وعذوبته، بعد ملوحة البحر؛ كما تتحمض الإبل فتتطلب الحمض- وهو ملح- بعد ~~الخلة- وهو ما حلا وعذب. ### || 722- [طلب الأسد للملح] # والأسد إذا أكثرت من حسو الدماء- والدماء حلوة- وأكل اللحم واللحم حلو- ~~طلبت الملح لتتملح به، وتجعله كالحمض بعد الخلة. # ولولا حسن موقع الملح لم يدخله الناس في أكثر طعامهم. # والأسد يخرج للتملح فلا يزال يسير حتى يجد ملاحة. وربما اعتاد الأسد ~~مكانا فيجده ممنوعا، فلا يزال يقطع الفراسخ الكثيرة بعد ذلك فإذا تملح رجع ~~إلى موضعه وغيضته وعرينه، وغابه وعريسته، وإن كان الذي قطع خمسين فرسخا. ### || 723- [محبي ء قواطع السمك إلي البصرة] # ونحن بالبصرة نعرف الأشهر التي يقبل إلينا فيها هذه الأصناف وهي تقبل ~~مرتين في كل سنة، ثم نجدها في إحداهما أسمن الجنس، فيقيم كل جنس منها عندنا ~~شهرين إلى ثلاثة أشهر، فإذا مضى ذلك الأجل، وانقضت عدة ذلك الجنس، أقبل ~~الجنس الآخر. فهم في جميع أقسام شهور السنة من الشتاء والربيع، والصيف ~~والخريف، في نوع من السمك غير النوع الآخر. إلا أن البرستوج يقبل إلينا ~~قاطعا من بلاد الزنج، يستعذب الماء من دجلة البصرة، يعرف ذلك جميع الزنج ~~والبحريين. ### || 724- [بعد بلاد الزنج والصين عن البصرة] # وهم يزعمون أن الذي بين البصرة والزنج، أبعد مما بين الصين وبينها. # وإنما غلط ناس فزعموا أن الصين ms0414 أبعد، لأن بحر الزنج حفرة واحدة عميقة ~~واسعة، وأمواجها عظام، ولذلك البحر ريح تهب من عمان إلى جهة الزنج شهرين، ~~وريح تهب من بلاد الزنج تريد جهة عمان شهرين، على مقدار واحد فيما بين ~~الشدة # PageV03P127 # واللين، إلا أنها إلى الشدة أقرب، فلما كان البحر عميقا والريح قوية، ~~والأمواج عظيمة، وكان الشراع لا يحط، وكان سيرهم مع الوتر ولم يكن مع ~~القوس، ولا يعرفون الخب والمكلأ [1] ، صارت الأيام التي تسير فيها السفن ~~إلى الزنج أقل. ### || 725- [البرستوج] # قال: والبرستوج سمك يقطع أمواج الماء، ويسيح إلى البصرة من الزنج، ثم ~~يعود ما فضل عن صيد الناس إلى بلاده وبحره. وذلك أبعد مما بين البصرة إلى ~~العليق المرار الكثيرة. وهم لا يصيدون من البحر فيما بين البصرة إلى الزنج ~~من البرستوج شيئا إلا في إبان مجيئها إلينا ورجوعها عنا، وإلا فالبحر منها ~~فارغ خال. # فعامة الطير أعجب من حمامكم، وعامة السمك أعجب من الطير. ### || 726- [هداية السمك و الحمام] # والطير ذو جناحين، يحلق في الهواء، فله سرعة الدرك وبلوغ الغاية ~~بالطيران، وله إدراك العالم بما فيه بعلامات وأمارات إذا هو حلق في الهواء، ~~وعلا فوق كل شيء. # والسمكة تسبح في غمر البحر والماء، ولا تسبح في أعلاه. ونسيم الهواء الذي ~~يعيش به الطير لو دام على السمك ساعة من نهار لقتله وقال أبو العنبر: قال ~~أبو نخيلة الراجز [2] وذكر السمك: [من الرجز] # تغمه النشرة والنسيم ... فلا يزال مغرقا يعوم # في البحر والبحر له تخميم ... وأمة الوالدة الرؤوم # تلهمه جهلا وما يريم # يقول: النشرة والنسيم الذي يحيي جميع الحيوانات، إذا طال عليه الخموم ~~واللخن والعفن، والرطوبات الغليظة، فذلك يغم السمك ويكربه، وأمه التي ولدته ~~تأكله؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، وهو في ذلك لا يريم هذا الموضع. # وقال رؤبة [3] : [من الرجز] # والحوت لا يكفيه شيء يلهمه ... يصبح عطشان وفي الماء فمه PageV03P128 # يصف طباعه واتصاله بالماء، وأنه شديد الحاجة إليه، وإن كان غرقا فيه ~~أبدا. ### || 727- [شعر في الهجاء] # وأنشدني محمد بن يسير لبعض المدنيين، يهجو رجلا، وهو ms0415 قوله [1] : [من ~~مجزوء الرمل] # لو رأى في السقف فرجا ... لنزا حتى يموتا # أو رآه وسط بحر ... صار فيه الدهر حوتا # قال: يقول في الغوص في البحر، وفي طول اللبث فيه. ### || 728- [شعر في الضفدع] # وقال الذكواني [2] ، وهو يصف الضفدع: [من الرجز] # يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كيما ينق والنقيق يتلفه # قال: يقول: الضفدع لا يصوت، ولا يتهيأ له ذلك حتى يكون في فيه ماء، وإذا ~~أراد ذلك أدخل فكه الأسفل في الماء، وترك الأعلى حتى يبلغ الماء نصفه. # والمثل الذي يتمثل به الناس: «فلان لا يستطيع أن يجيب خصومه لأن فاه ملآن ~~ماء» [3] . وقال شاعرهم [4] : [من البسيط] # وما نسيت مكان الآمريك بذا ... يا من هويت ولكن في فمي ماء # وإنما جعلوا ذلك مثلا، حين وجدوا الإنسان إذا كان في فمه ماء على الحقيقة ~~لم يستطع الكلام. فهو تأويل قول الذكواني: [من الرجز] # يدخل في الأشداق ماء ينصفه # بفتح الياء وضم الصاد، فإنه ذهب إلى قول الشاعر [5] : [من الطويل] # وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري # المضوفة: الأمر الذي يشفق منه. PageV03P129 # وكقول الآخر [1] : [من الوافر] # فإن الظن ينصف أو يزيد # وهذا ليس من الإنصاف الذي هو العدل، وإنما هو من بلوغ نصف الساق. # وأما قوله: [من الرجز] # كيما ينق والنقيق يتلفه # فإنه ذهب إلى قول الشاعر [2] : [من الطويل] # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر ### || 729- [معرفة العرب والأعراب بالحيوان] # وقل معنى سمعناه في باب معرفة الحيوان من الفلاسفة، وقرأناه في كتب ~~الأطباء والمتكلمين- إلا ونحن قد وجدناه أو قريبا منه في أشعار العرب ~~والأعراب، وفي معرفة أهل لغتنا وملتنا. ولولا أن يطول الكتاب لذكرت ذلك ~~أجمع. وعلى أني قد تركت تفسير أشعار كثيرة، وشواهد عديدة مما لا يعرفه إلا ~~الرواية النحرير؛ من خوف التطويل. ### || 730- [حمام النساء وحمام الفراخ] # وقال أفليمون صاحب الفراسة: اجعل حمام النساء المسرولات العظام الحسان، ~~ذوات الاختيال والتبختر والهدير؛ واجعل حمام الفراخ ذوات الأنساب الشريفة ~~والأعراق الكريمة، فإن الفراخ إنما تكثر عن حسن التعهد، ms0416 ونظافة القراميص ~~[3] والبروج. واتخذ لهن بيتا محفورا على خلقة الصومعة، محفوفا من أسفله إلى ~~مقدار ثلثي حيطانه بالتماريد [4] ، ولتكن واسعة وليكن بينها حجاز. # وأجود ذلك أن تكون تماريدها محفورة في الحائط على ذلك المثال، وتعهد ~~البرج PageV03P130 # بالكنس والرش في زمان الرش، وليكن مخرجهن من كو [1] في أعلى الصومعة، ~~وليكن مقتصدا في السعة والضيق، بقدر ما يدخل منه ويخرج منه الواحد بعد ~~الواحد. وإن استطعت أن يكون البيت بقرب مزرعة فافعل. فإن أعجزك المنسوب ~~منها فالتمس ذلك بالفراسة التي لا تخطئ وقلما يخطئ. المتفرس. # قال: وليس كل الهدى تقوى على الرجعة من حيث أرسلت؛ لأن منها ما تفضل قوته ~~على هدايته، ومنها البطيء وإن كان قويا، ومنها السريع وإن كان ضعيفا، على ~~قدر الحنين والاغترام. ولا بد لجميعها من الصرامة، ومن التعليم أولا ~~والتوطين آخرا. ### || 731- [انتخاب الحمام] # وقال [2] : جماع الفراسة لا يخرج من أربعة أوجه: أولها التقطيع، الثاني ~~المجسة، والثالث الشمائل، والرابع الحركة. # فالتقطيع: انتصاب العنق والخلقة، واستدارة الرأس من غير عظم ولا صغر، مع ~~عظم القرطمتين [3] ، واتساع المنخرين، وانهرات الشدقين وهذان من أعلام ~~الكرم في الخيل؛ للاسترواح وغير ذلك. ثم حسن خلقة العينين، وقصر المنقار في ~~غير دقة ثم اتساع الصدر وامتلاء الجؤجؤ، وطول العنق، وإشراف المنكبين، وطول ~~القوادم في غير إفراط، ولحوق بعض الخوافي ببعض، وصلابة العصب في غير انتفاخ ~~ولا يبس واجتماع الخلق في غير الجعودة والكزازة، وعظم الفخذين، وقصر ~~الساقين والوظيفين، وافتراق الأصابع، وقصر الذنب وخفته، من غير تفنين ~~وتفرق. ثم توقد الحدقتين، وصفاء اللون. فهذه أعلام الفراسة في التقطيع. # وأما أعلام المجسة، فوثاقة الخلق، وشدة اللحم، ومتانة العصب، وصلابة ~~القصب، ولين الريش في غير رقة وصلابة المنقار في غير دقة. # وأما أعلام الشمائل، فقلة الاختيال، وصفاء البصر وثبات النظر وشدة الحذر، ~~وحسن التلفت، وقلة الرعدة عند الفزع، وخفة النهوض إذا طار، وترك المبادرة ~~إذا لقط. PageV03P131 # وأما أعلام الحركة، فالطيران في علو، ومد العنق في سمو، وقلة الاضطراب في ~~جو السماء، وضم الجناحين في الهواء، وتدافع الركض ms0417 في غير اختلاط، وحسن ~~القصد في غير دوران، وشدة المد في الطيران. فإذا أصبته جامعا لهذه الخصال ~~فهو الطائر الكامل. وإلا فبقدر ما فيه من المحاسن تكون هدايته وفراهته. ### || 732- [أدواء الحمام وعلاجها] # قال [1] : فاعلموا أن الحمام من الطير الرقيق، الذي تسرع إليه الآفة، ~~وتعروه الأدواء، وطبيعته الحرارة واليبس. وأكثر أدوائه الخنان [2] والكباد ~~[3] ، والعطاش، والسل، والقمل. فهو يحتاج إلى المكان البارد والنظيف، وإلى ~~الحبوب الباردة كالعدس والماش والشعير المنخول. والقرطم له بمنزلة اللحم ~~للإنسان؛ لما فيه من قوة الدسم. # فمما يعالج به الكباد [4] : الزعفران والسكر الطبرزد، وماء الهندباء يجعل ~~في سكرجة، ثم يوجر ذلك أو يمج في حلقه مجا وهو على الريق. # ومما يعالج به الخنان [4] : أن يلين لسانه يوما أو يومين بدهن البنفسج، ~~ثم بالرماد والملح، يدلك بها حتى تنسلخ الجلدة العليا التي غشيت لسانه. ثم ~~يطلى بعسل ودهن ورد، حتى يبرأ. # ومما يعالج به السل [4] : أن يطعم الماش [5] المقشور، ويمج في حلقه من ~~اللبن الحليب، ويقطع من وظيفيه عرقان ظاهران في أسفل ذلك، مما يلي المفصل ~~من باطن. # ومما يعالج به القمل: أن يطلى أصول ريشه بالزيبق المحلل بدهن البنفسج، ~~يفعل به ذلك مرات حتى يسقط قمله؛ ويكنس مكانه الذي يكون فيه كنسا نظيفا. ### || 733- [تعليم الحمام و تدريبه] # وقال: اعلم أن الحمام والطير كلها لا يصلح التغمير به من البعد. وهدايته ~~على PageV03P132 # قدر التعليم، وعلى قدر التوطين. فأول ذلك أن يخرج إلى ظهر سطح يعلو عليه، ~~وينصب عليه علم يعرفه، ويكون طيرانه لا يجاوز محلته، وأن يكون علفه بالغداة ~~والعشي، يلقى له فوق ذلك السطح، قريبا من علمه المنصوب له، حتى يألف المكان ~~ويتعود الرجوع إليه. ولكن لينظر من أي شيء يتخذ العلم؟ فإنه لا ينبغي أن ~~يكون أسود، ولا يكون شيئا تراه من البعد أسود. وكلما كان أعظم كان أدل. # ولا ينبغي أن يطيره وزوجته معا، ولكن ينتف أحدهما ويطير الآخر، ويخرجان ~~إلى السطح جميعا، ثم يطير الوافي الجناح؛ فإنه ينازع إلى زوجته. وإذا عرف ~~المكان، ودار ورجع، ms0418 وألف ذلك الموضع، ونبت ريش الآخر، صنع به كذلك. # وأجود من ذلك أن يخرجا إلى السطح وهما مقصوصان، حتى يألفا ذلك الموضع، ثم ~~يطير أحدهما قبل صاحبه، ويصنع بالثاني كما صنع بالأول. # وما أشبه قوله هذا بقول ماسرجويه؛ فإنه وصف في كتابه، طباع جميع الألبان، ~~وشربها للدواء، فلما فرغ من الصفة قال: وقد وصفت لك حال الألبان في أنفسها، ~~ولكن انظر إلى من يسقيك اللبن؛ فإنك بدءا تحتاج إلى تنظيف جوفك، وتحتاج إلى ~~من يعرف مقدار علتك من قدر اللبن، وجنس علتك من جنس اللبن. ### || 734- [حوار مع نجار] # ومثل ذلك قول نجار كان عندي، دعوته لتعليق [1] باب ثمين كريم فقلت له: # إن إحكام تعليق الباب شديد ولا يحسنه من مائة نجار نجار واحد. وقد يذكر ~~بالحذق في نجارة السقوف والقباب، وهو لا يكمل لتعليق باب على تمام الاحكام ~~فيه. والسقوف، والقباب عند العامة أصعب. # ولهذا أمثال: فمن ذلك أن الغلام والجارية يشويان الجدي والحمل ويحكمان ~~الشي، وهما لا يحكمان شي جنب. ومن لا علم له يظن أن شي البعض أهون من شي ~~الجميع!. # فقال لي: قد أحسنت حين أعلمتني أنك تبصر العمل، فإن معرفتي بمعرفتك ~~تمنعني من التشفيق [2] . فعلقه فأحكم تعليقه؛ ثم لم يكن عندي حلقة لوجه ~~الباب إذا أردت إصفاقه، فقلت له: أكره أن أحبسك إلى أن يذهب الغلام إلى ~~السوق PageV03P133 # ويرجع. ولكن اثقب لي موضعها. فلما ثقبه وأخذ وحقه ولاني ظهره للانصراف، ~~والتفت إلي فقال: قد جودت الثقب، ولكن انظر أي نجار يدق فيه الزرة؛ فإنه إن ~~أخطأ بضربة واحدة شق الباب- والشق عيب- فعلمت أنه يفهم صناعته فهما تاما. ### || 735- [قص الحمام ونتفه] # وبعض الناس إذا أراد أن يعلم زوجا قصهما ولم ينتفهما. وبين النتف والقص ~~بون بعيد. والقص كثير القص لا يوجع ولا يقرح مغارز قصب الريش، والنتف يوهن ~~المنكبين. فإذا نتف الطائر مرارا لم يقو على الغاية، ولم يزل واهن ~~المنكبين. ومتى أبطأ عليه فنتفه وقد جفت أصوله وقربت من الطرح كان أهون ~~عليه، وكلما كان النبات أطرأ ms0419 كان أضر عليه. وإنه ليبلغ من مضرته، وأن الذكر ~~لا يجيد الإلقاح، والأنثى لا تجيد القبول. وربما نتفت الأنثى وقد احتشت ~~بيضا، وقد قاربت أن تبيض، فتبطئ بعد وقتها الأيام؛ وربما أضر ذلك بالبيض. ### || 736- [زجل الحمام] # قال: وإذا بلغ الثاني مبلغ الأول في استواء الريش، والاهتداء إلى العلم، ~~طيرا جميعا، ومنعا من الاستقرار؛ إلا أن يظن بهما الإعياء والكلال. ثم يوطن ~~لهما المراجل برا وبحرا، من حيث يبصران إذا هما ارتفعا في الهواء السمت ~~ونفس العلم، وأقاصي ما كانا يريانه منها عند التباعد في الدوران والجولان. ~~فإذا رجعا من ذلك المكان مرات زجلا من أبعد منه- وقد كانوا مرة يعجبهم أن ~~يزجلوا من جميع التوطينات، ما لم تبعد، مرتين مرتين- فلا يزالان كذلك حتى ~~يبلغا الغاية، ويكون أحدهما محتبسا إذا أرسل صاحبه؛ ليتذكره فيرجع إليه. ~~فإن خيف عليه أن يكون قد مل زوجته، عرضت عليه زوجة أخرى قبل الزجل؛ فإذا ~~تسنمها مرة حيل بينه وبينها يومه ذلك، ثم عرضوها عليه قبل أن يحمل، فإذا ~~أطاف بها نحيت عنه، ثم حمل إلى الزاجل؛ فإن ذلك أسرع له. # وقال: اعلموا أن أشد المزاجل ما قلت أعلامه، كالصحارى والبحار. ### || 737- [اختلاف طباع الطير] # قال: والطير تختلف في الطباع اختلافا شديدا: فمنها القوي، ومنها الضعيف، ~~ومنها البطيء، ومنها السريع، ومنها الذهول، ومنها الذكور، ومنها القليل ~~الصبر على العطش، ومنها الصبور. وذلك لا يخفى فيهن عند التعليم والتوطين، ~~في سرعة # PageV03P134 # الإجابة والإبطاء. فلا تبعدن غاية الضعيف والذهول والقليل الصبر على ~~العطش، ولا تزجلن ما كان منشؤه في بلا الحر في بلاد البرد، ولا ما كان ~~منشؤه في بلاد البرد في بلاد الحر؛ إلا ما كان بعد الاعتياد. ولا يصبر على ~~طول الطيران في غير هوائه وأجوائه طائر إلا بطول الإقامة في ذلك المكان، ~~ولا تستوي حاله وحال من لا يعدو هواءه والهواء الذي يقرب من طباع هوائه. ### || 738- [تعليم الحمام ورود الماء] # قال: ولا بد أن يعلم الورود، فإذا أردت به ذلك فأورده العيون والغدران ~~والأنهار، ثم حل بينه ms0420 وبين النظر إلى الماء، حتى تكف بصره بأصابعك عن جهة ~~الماء واتساع المورد، إلا بقدر ما كان يشرب فيه من المساقي، ثم أوسع له إذا ~~عب قليلا بقدر ما لا يروعه ذلك المنظر وليكن معطشا؛ فإنه أجدر أن يشرب. ~~تفعل به ذلك مرارا، ثم تفسح له المنظر أولا أولا، حتى لا ينكر ما هو فيه. ~~فلا تزال به حتى يعتاد الشرب بغير سترة. ### || 739- [استئناسه واستيحاشه] # قال: واعلم أن الحمام الأهلي الذي عايش الناس، وشرب من المساقي ولقط في ~~البيوت يختل بالوحدة، ويستوحش بالغربة. # قال: واعلم أن الوحشي يستأنس، والأهلي يستوحش. # قال: واعلم أنه ينسى التأديب إذا أهمل، كما يتأدب بعد الإهمال. ### || 740- [ترتيب الزجل] # وإذا زجلت فلا تخطرف به من نصف الغاية إلى الغاية، ولكن رتب ذلك؛ فإنه ~~ربما اعتاد المجيء من ذلك البعد، فمتى أرسلته من أقرب منه تحير، وأراد أن ~~يبتدئ أمره ابتداء. وهم اليوم لا يفعلون ذلك؛ لأنه إذا بلغ الرقة أو فوق ~~ذلك شيئا فقد صار عقدة، وصار له ثمن وغلة. فهو لا يرى أن يخاطر بشيء له ~~قدر. ولكنه إن جاء من هيت [1] أدرب [2] به؛ لأنه إن ذهب لم يذهب شيء له ~~ثمن، ولا طائر له رياسة؛ وليس له اسم ولا ذكر؛ وإن جاء جاء شيء كبير وخطير، ~~وإن جاء من الغاية فقد حوى به ملكا. على هذا هم اليوم. PageV03P135 # وقال: لا ترسل الزاق [1] حتى تستأنف به الرياضة ولا تدع ما تعده للزجال ~~أن يحصن بيضا، ولا يجثم عليه، فإن ذلك مما ينقضه [2] ويفتحه [3] ، ويعظم له ~~رأسه، لأنه عند ذلك يسمن وتكثر رطوبته فتقذف الحرارة تلك الرطوبة الحادة ~~العارضة إلى رأسه، فإن ثقب البيض وزق وحضن، احتجت إلى تضميره واستئناف ~~سياسته. ولكن إن بدا لك أن تستفرخه فانقل بيضه إلى غيره، بعد أن تعلمه ~~بعلامة تعرفه بها إذا انصدع. ### || 741- [علاج الحمام الفزع] # وإن أصاب الحمام أيضا فزع وذعر؛ عن طلب شيء من الجوارح له، فإياك أن ~~تعيده إلى الزجل حتى ترضمه [4] وتستفرخه؛ فإن ذلك الذعر لا ms0421 يفارقه ولا يسكن ~~حتى تستأنف به التوطين. ### || 742- [طريقة استكثار الفراخ] # وإن أردت أن تستكثر من الفراخ فاعزل الذكورة عن الإناث شهرا أو نحوه، حتى ~~يصول بعضها على بعض، ثم اجمع بينها؛ فإن بيضها سيكثر ويقل سقطه ومروقه. # وكذلك كل أرض أثيرت، وكذلك الحيال لما كان من الحيوان حائلا [5] . قال ~~الأعشى [6] : [من الخفيف] # من سراة الهجان صلبها الع ... ض ورعي الحمى وطول الحيال # وقال الحارث بن عباد [7] وجعل ذلك مثلا: [من الخفيف] # قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال PageV03P136 ### || 743- [حديث أفليمون عن نفع الحمام] # وقال أفليمون صاحب الفراسة، لصاحبه: وأنا محدثك عن نفع الحمام بحديث ~~يزيدك رغبة فيها: وذلك أن ملكين طلب أحدهما ملك صاحبه، وكان المطلوب أكثر ~~مالا وأقل رجالا، وأخصب بلادا، وكانت بينهما مسافة من الأرض بعيدة، فلما ~~بلغه ذلك دعا خاصته فشاورهم في أمره وشكا إليهم خوفه على ملكه، فقال له ~~بعضهم: دامت لك أيها الملك السلامة، ووقيت المكروه! إن الذي تاقت له نفسك ~~قد يحتال له باليسير من الطمع، وليس من شأن العاقل التغرير، وليس بعد ~~المناجزة بقية، والمناجز لا يدري لمن تكون الغلبة، والتمسك بالثقة خير من ~~الإقدام على الغرر. # وقال بعضهم: دام لك العز، ومد لك في البقاء! ليس في الذل درك ولا في ~~الرضا بالضيم بقية، فالرأي اتخاذ الحصون وإذكاء العيون، والاستعداد للقتال؛ ~~فإن الموت في عز خير من الحياة في ذل! وقال بعضهم: وقيت وكفيت، وأعطيت فضل ~~المزيد! الرأي طلب المصاهرة له والخطبة إليه؛ فإن الصهر سبب ألفة تقع به ~~الحرمة، وتثبت به المودة، ويحل به صاحبه المحل الأدنى. ومن حل من صاحبه هذا ~~المحل لم يخله مما عراه، ولم يمتنع من مناوأة من ناواه. فالتمس خلطته؛ فإنه ~~ليس بعد الخلطة عداوة، ولا مع الشركة مباينة! فقال لهم الملك: كل قد أشار ~~برأي، ولكل مدة، وأنا ناظر في قولكم، وبالله العصمة، وبشكره تتم النعمة. ~~وأظهر الخطبة إلى الملك الذي فوقه، وأرسل رسلا، وأهدى هدايا، وأمرهم ~~بمصانعة جميع من يصل إليه، ودس ms0422 رجالا من ثقاته، وأمرهم باتخاذ الحمام في ~~بلاده وتوطينهن، واتخذ أيضا عند نفسه مثلهن، فرفعهن من غاية إلى غاية. فجعل ~~هؤلاء يرسلون من بلاد صاحبهم، وجعل من عند الملك يرسلون من بلاد الملك، ~~وأمرهم بمكاتبته بخبر كل يوم، وتعليق الكتب في أصول أجنحة الحمام. فصار لا ~~يخفى عليه شيء من أمره. وأطمعه الملك في التزويج واستفرده [1] وطاوله، ~~وتابع بين الهدايا، ودس لحرسه رجالا يلاطفونهم حتى صاروا يبيتون بأبوابه ~~معهم. فلما كتب أصحابه إليه بغرتهم وصل الخبر إليه من يومه، فسار إليه في ~~جند PageV03P137 # قد انتخبهم، حتى إذا كان على ليلة أو بعض ليلة، أخذ بمجامع الطرق، ثم ~~بيتهم [1] ووثب أصحابه من داخل المدينة وهو وجنده من خارج، ففتحوا الأعراب ~~وقتلوا الملك. وأصبح قد غلب على تلك المدينة، وعلى تلك المملكة، فعظم شأنه، ~~وأعظمته الملوك، وذكر فيهم بالحزم والكيد. # وإنما كان سبب ذلك كله الحمام!. ### || 744- [حديث آخر في نفع الحمام] # قال: وأحدثك عن الحمام أيضا بحديث آخر في أمر النساء والرجال وما يصاب من ~~اللذة فيهن، والصواب في معاملتهن. قال: وذلك أن رجلا أتاني مرة فشكا إلي ~~حاله في فتاة علقها فتزوجها، وكات جارية غرا حسناء، وكانت بكرا ذات عقل ~~وحياء، وكانت غريرة فيما يحسن النساء من استمالة أهواء الرجال، ومن أخذها ~~بنصيبها من لذة النساء فلما دخل بها امتنعت عليه، ودافعته عن نفسها، ~~فزاولها بكل ضرب كان يحسنه من لطف، وأدخل عليها من نسائه ونسائها من ظن ~~أنها تقبل منهن، فأعيتهن، حتى هم برفضها مع شدة وجده بها، فأتاني فشكا ذلك ~~إلي مرة، فأمرته أن يفردها ويخليها من الناس، فلا يصل إليها أحد، وأن يضعف ~~لها الكرامة في اللطف والإقامة لما يصلحها من مطعم ومشرب وملبس وطيب وغير ~~ذلك، مما تلهو به امرأة وتعجب به، وأن يجعل خادمها أعجمية لا تفهم عنها، ~~وهي في ذلك عاقلة، ولا تفهمها إلا بالإيماء؛ حتى تستوحش إليها وإلى كل من ~~يصل إليها من النساء وحتى تشتهي أن تجد من يراجعها الكلام وتشكو إليه وحشة ms0423 ~~الوحدة، وأن يدخل عليها أزواجا من الحمام، ذوات صورة حسنة، وتخيل وهدير ~~فيصيرهن في بيت نظيف، ويجعل لهن في البيت تماريد [2] وبين يدي البيت حجرة ~~نظيفة، ويفتح لها من بيتها بابا فيصرن نصب عينها فتلهو بهن وتنظر إليهن، ~~ويجعل دخوله عليها في اليوم دفعة إلى تلك الحمام. والتسلي بهن، والاستدعاء ~~لهن إلى الهدير ساعة، ثم يخرج، فإنها لا تلبث أن تتفكر في صنيعهن إذا رأت ~~حالهن؛ فإن الطبيعة لا تلبث حتى تحركها، ويكون أوفق المقاعد لها الدنو ~~منهن، وأغلب الملاهي عليها النظر إليهن؛ لأن الحواس لا تؤدي إلى النفس شيئا ~~من قبل السمع، والبصر، والذوق، والشم والمجسة إلا تحرك من العقل في قبول ~~ذلك أو رده، والاحتيال في إصابته أو دفعه، PageV03P138 # والكراهية له أو السرور به بقدر ما حرك النفس منه. فإذا رأيت الغالب ~~عليها الدنو منهن، والتأمل لهن، فأدخل عليها امرأة مجربة غزلة تأنس بها، ~~وتفطنها لصنيعهن، وتعجبها منهن، وتستميل فكرتها إليهن، وتصف لها موقع اللذة ~~على قدر ما ترى من تحريك الشهوة. ثم أخرج المرأة عنها، وحاول الدنو منها، ~~فإن رأيت كراهية أمسكت وأعدت المرأة إليها، فإنها لا تلبث أن تمكنك. فإن ~~فعلت ما تحب وأمكنتك بعض الإمكان، ولم تبلغ ما تريد فأخبرني بذلك. # قال: وقلت له: مر المرأة فلتسألها عن حالها في نفسها، وحالك عندها، فلعل ~~فيها طبيعة من الحياء تمنعها من الانبساط، ولعلها غر لا يلتمس ما قبلها من ~~الخرق [1] . ففعل، وأمر المرأة أن تكشفها عن ذات نفسها، فشكت إليها الخرق ~~[1] ، فأشارت عليها بالمتابعة، وقالت: اعتبري بما ترين من هذا الحمام؛ فقد ~~ترين الزوجين كيف يصنعان! قالت: قد تأملت ذلك فعجبت منه، ولست أحسنه! فقالت ~~لها: لا تمنعي يده ولا تحملي على نفسك الهيبة، وإن وجدت من نفسك شيئا تدعوك ~~إليه لذة فاصنعيه؛ فإن ذلك يأخذ بقلبه، ويزيد في محبتك، ويحرك ذلك منه أكثر ~~مما أعطاك. فلم يلبث أن نال حاجته وذهبت الحشمة، وسقطت المداراة فكان سبب ~~الصنع لهما، والخروج من الوحشة إلى الأنس، ومن الحال ms0424 الداعية إلى مفارقتها ~~إلى الحال الداعية إلى ملازمتها، والضن بها- الحمام. ### || 745- [الخوف على النساء من الحمام] # وما أكثر من الرجال، من ليس يمنعه من إدخال الحمام إلى نسائه الا هذا ~~الشيء الذي حث عليه صاحب الفراسة؛ وذلك أن تلك الرؤية قد تذكر وتشهي وتمحن ~~[2] . # وأكثر النساء بين ثلاثة أحوال: إما امرأة قد مات زوجها، فتحريك طباعها ~~خطار بأمانتها وعفافها. والمغيبة [3] في مثل هذا المعنى. والثالثة: امرأة ~~قد طال لبثها مع زوجها؛ فقد ذهب الاستطراف، وماتت الشهوة. وإذا رأت ذلك ~~تحرك منها كل ساكن وذكرت ما كانت عنه بمندوحة. # والمرأة سليمة الدين والعرض والقلب، ما لم تهجس في صدرها الخواطر، ولم ~~تتوهم حالات اللذة وتحرك الشهوة. فأما إذا وقع ذلك فعزمها أضعف العزم، ~~وعزمها على ركوب الهوى أقوى العزم. PageV03P139 # فأما الأبكار الغريرات فهن إلى أن يؤخذن بالقراءة في المصحف، ويحتال لهن ~~حتى يصرن إلى حال التشييخ والجبن والكزازة [1] وحتى لا يسمعن من أحاديث ~~الباه والغزل قليلا ولا كثيرا- أحوج. ### || 746- [نادرة لعجوز أعجمية] # [2] ولقد ركبت عجوز سندية ظهر بعير، فلما أقبل بها هذا البعير وأدبر ~~وطمر، فمخضها مرة مخض السقاء، وجعلها مرة كأنها ترهز [3] فقالت بلسانها- ~~وهي سندية أعجمية- أخزى الله هذا الذمل؛ فإنه يذكر بالسر [4] ! تريد: أخزى ~~الله هذا الجمل، فإنه يذكر بالشر. حدثنا بهذه النادرة محمد بن عباد بن ~~كاسب. ### || 747- [نادرة لعجوز أعرابية] # وحدثنا ربعي الأنصاري: أن عجوزا من الأعراب جلست في طريق مكة إلى فتيان ~~يشربون نبيذا لهم، فسقوها قدحا فطابت نفسها، وتبسمت؛ ثم سقوها قدحا آخر ~~فاحمر وجهها وضحكت، فسقوها قدحا ثالثا فقالت: خبروي عن نسائكم بالعراق، ~~أيشربن من هذا الشراب؟ فقالوا: نعم. فقالت: زنين ورب الكعبة! ### || 748- [عقاب خصي] # وزعم إبراهيم الأنصاري المعتزلي أن عباس بن يزيد بن جرير دخل مقصورة لبعض ~~حواريه، فأبصر حماما قد قمط حمامة، ثم كسح بذنبه ونفش ريشه، فقال: # لمن هذا الحمام؟ فقالوا: لفلان خادمك- يعنون خصيا له- فقدمه فضرب عنقه. ### || 749- [داعية الزنا] # [5] وقد قال الحطيئة لفتيان من بني قريع- وقد كانوا ربما جلسوا بقرب ~~خيمته، فتغنى بعضهم غناء الركبان- فقال: ms0425 يا بني قريع! إياي والغناء؛ فإنه داعية الزنا # [6] !. PageV03P140 ### || 750- [حمام واسط] # وأما أبو أحمد التمار المتكلم، فإنه شاهد صاحب حمام في يوم مجيء حمامه من ~~واسط، وكانت واسط يومئذ الغاية، فرآه كلما أقبل طائر من حمامه نعر [1] ~~ورقص، فقال له: والله إني لأرى منك عجبا؛ أراك تفرح بأن جاءك حمام من واسط، ~~وهو ذلك الذي كان، وهو الذي جاء. وهو الذي اهتدى؛ وأنت لم تجئ ولم تهتد؛ ~~وحين جاء من واسط، لم يجئ معه بشيء من خبر أبي حمزة، ولا بشيء من مقاريض ~~[2] واسط، وبزيون [3] واسط، ولا جاء معه أيضا بشيء من خطمي [4] ، ولا بشيء ~~من جوز ولا بشيء من زبيب. وقد مر بكسكر [5] فأين كان عن جداء كسكر، ودجاج ~~كسكر، وسمك كسكر، وصحناة [6] كسكر، وربيثاء كسكر وشعير كسكر؟! وذهب صحيحا ~~نشيطا، ورجع مريضا كسلان، وقد غرمت ما غرمت!! فقل لي: ما وجه فرحك؟ # فقال: فرحي أني أرجو أن أبيعه بخمسين دينارا. قال: ومن يشتريه منك بخمسين ~~دينارا؟ قال: فلان، وفلان. فقام ومضى إلى فلان فقال: زعم فلان أنك تشتري ~~منه حماما جاء من واسط بخمسين دينارا؟ قال: صدق. قال: فقل لي لم تشتريه ~~بخمسين دينارا؟ قال: لأنه جاء من واسط. قال: فإذا جاء من واسط فلم تشتريه ~~بخمسين دينارا؟ قال: لأني أبيع الفرخ منه بثلاثة دنانير، والبيضة بدينارين. ~~قال: # ومن يشتري منك؟ قال: مثل فلان وفلان. فأخذ نعله ومضى إلى فلان، فقال: زعم ~~فلان أنك تشتري منه فرخا من طائر جاء من واسط بثلاثة دنانير، والبيضة ~~بدينارين. # قال: صدق، قال: فقل لي: لم تشتري فرخة بثلاثة دنانير؟ قال: لأن أباه جاء ~~من واسط. قال: ولم تشتريه بثلاثة دنانير إذا جاء أبوه من واسط؟ قال: لأني ~~أرجو أن يجيء من واسط. قال: وإذا جاء من واسط فأي شيء يكون؟ قال: يكون أن ~~أبيعه بخمسين دينارا. قال: ومن يشتريه منك بخمسين دينارا؟ قال: فلان. فتركه ~~ومضى إلى فلان، فقال: زعم فلان أن فرخا من فراخه إذا جاء أبوه من واسط ~~اشتريته أنت ms0426 منه PageV03P141 # بخمسين دينارا. قال: صدق. قال: ولم تشتريه بخمسين دينارا قال: لأنه جاء ~~من واسط. قال: وإذا جاء من واسط لم تشتريه بخمسين دينارا؟ قال: فأعاد عليه ~~مثل قول الأول. فقل: لا رزق الله من يشتري حماما جاء من واسط بخمسين ~~دينارا، ولا رزق الله إلا من لا يشتريه بقليل ولا بكثير. ### || 751- [نوادر لأبي أحمد التمار] # وأبو أحمد هذا هو الذي قال- وهو يعظ بعض المسرفين- لو أن رجلا كانت عنده ~~ألف ألف دينار ثم أنفقها كلها لذهبت كلها. وإنما سمع قول القائل: لو أن ~~رجلا عنده ألف ألف دينار فأخذ منها ولم يضع عليها لكان خليقا أن يأتي ~~عليها. # وهو القائل في قصصه: ولقد عظم رسول الله صلى الله عليه وسلم حق الجار، ~~وقال فيه قولا أستحيي والله من ذكره! وهو الذي قال لبعضهم: بلغني أن في ~~بستانك أشياء تهمني، فأحب أن تهب لي منه أمرا من أمر الله عظيم. # وكان زجالا قبل أن يكون تمارا. # وزعم سليمان الزجال وأخوه ثابت، أنه قبل أن يكون تمارا قال يوما- وذكر ~~الحمام، حين زهد في بيع الحمام؛ وذكر بعض الملوك- فقال: أما فلان فإنه لما ~~بلغني أنه يلعب بالحمام سقط من عيني! والله سبحانه وتعالى أعلم. # تم القول في الحمام، والحمد لله وحده. # PageV03P142 ### | باب القول في أجناس الذبان # بسم الله، وبالله والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله. وصلى الله على ~~سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم، وعلى أبرار عترته الطيبين ~~الأخيار. # أوصيك أيها القارئ المتفهم، وأيها المستمع المنصت المصيخ، ألا تحقر شيئا ~~أبدا لصغر جثته، ولا تستصغر قدره لقلة ثمن. ### || 752- [دلالة الدقيق من الخلق على الله] # ثم اعلم أن الجبل ليس بأدل على الله من الحصاة، ولا الفلك المشتمل على ~~عالمنا هذا بأدل على الله من بدن الإنسان. وأن صغير ذلك ودقيقه كعظيمه ~~وجليله. # ولم تفترق الأمور في حقائقها، وإنما افترق المفكرون فيها، ومن أهمل ~~النظر، وأغفل مواضع الفرق، وفصول الحدود. # فمن قبل ترك النظر، ومن قبل قطع النظر، ومن قبل ms0427 النظر من غير وجه النظر، ~~ومن قبل الإخلال ببعض المقدمات، ومن قبل ابتداء النظر من جهة النظر، ~~واستتمام النظر مع انتظام المقدمات- اختلفوا. # فهذه الخصال هي جماع هذا الباب، إلا ما لم نذكره من باب العجز والنقص، ~~فإن الذي امتنع من المعرفة من قبل النقصان الذي في الخلقة باب على حدة. # وإنما ذكرنا باب الخطأ والصواب، والتقصير والتكميل. فإياك أن تسيء الظن ~~بشيء من الحيوان لاضطراب الخلق، ولتفاوت التركيب، ولأنه مشنوء في العين، أو ~~لأنه قليل النفع والرد؛ فإن الذي تظن أنه أقلها نفعا لعله أن يكون أكثرها ~~ردا، فإلا يكن ذلك من جهة عاجل أمر الدنيا، كان ذلك في آجل أمر الدين. ~~وثواب الدين وعقابه باقيان، ومنافع الدنيا فانية زائلة؛ فلذلك قدمت الآخرة ~~على الأولى. # فإذا رأيت شيئا من الحيوان بعيدا من المعاونة، وجاهلا بسبب المكانفة [1] ~~، أو PageV03P143 # كان مما يشتد ضرره، وتشتد الحراسة منه، كذوات الأنياب من الحيات والذئاب ~~وذوات المخالب من الأسد والنمور، وذوات الإبر والشعر من العقارب والدبر، ~~فاعلم أن مواقع منافعها من جهة الامتحان، والبلوى. ومن جهة ما أعد الله عز ~~وجل للصابرين، ولمن فهم عنه، ولمن علم أن الاختيار والاختبار لا يكونان ~~والدنيا كلها شر صرف أو خير محض؛ فإن ذلك لا يكون إلا بالمزواجة بين ~~المكروه والمحبوب، والمؤلم والملذ، والمحقر والمعظم، والمأمون والمخوف. ~~فإذا كان الحظ الأوفر في الاختبار والاختيار. وبهما يتوسل إلى ولاية الله ~~عز وجل، وآبد [1] كرامته، وكان ذلك إنما يكون في الدار الممزوجة من الخير ~~والشر، والمشتركة والمركبة بالنفع والضر، المشوبة باليسر والعسر- فليعلم ~~موضع النفع في خلق العقرب، ومكان الصنع في خلق الحية، فلا يحقرن الجرجس [2] ~~والفراش والذر والذبان ولتقف حتى تتفكر في الباب الذي رميت إليك بجملته، ~~فإنك ستكثر حمد الله عز وجل على خلق الهمج والحشرات وذوات السموم والأنياب، ~~كما تحمده على خلق الأغذية من الماء والنسيم. # فإن أردت الزراية والتحقير، والعداوة والتصغير، فاصرف ذلك كله إلى الجن ~~والإنس، واحقر منهم كل من عمل عملا من جهة الاختيار يستوجب به ms0428 الاحتقار، ~~ويستحق به غاية المقت من وجه، والتصغير من وجه. # فإن أنت أبغضت من جهة الطبيعة، واستثقلت من جهة الفطرة ضربين من الحيوان: ~~ضربا يقتلك بسمه، وضربا يقتلك بشدة أسره [3] لم تلم. إلا أن عليك أن تعلم ~~أن خالقهما لم يخلقهما لأذاك، وإنما خلقهما لتصبر على أذاهما، ولأن تنال ~~بالصبر الدرجة التي يستحيل أن تنالها إلا بالصبر. والصبر لا يكون إلا على ~~حال مكروه. فسواء عليك أكان المكروه سبعا وثابا، أو كان مرضا قاتلا، وعلى ~~أنك لا تدري لعل النزع [4] ، والعلز [5] والحشرجة، أن يكون أشد من لدغ حية، ~~وضغمة [6] PageV03P144 # سبع. فإلا تكن له حرقة كحرق النار وألم كألم الدهق [1] ، فلعل هناك من ~~الكرب ما يكون موقعه من النفس فوق ذلك. # وقد عمنا أن الناس يسمون الانتظار لوقع السيف على صليف [2] العنق جهد ~~البلاء؛ وليس ذلك الجهد من شكل لذع النار، ولا من شكل ألم الضرب بالعصا. # فافهم فهمك الله مواقع النفع كما يعرفها أهل الحكمة وأصحاب الأحساس ~~الصحيحة. # ولا تذهب في الأمور مذهب العامة، وقد جعلك الله تعالى من الخاصة، فإنك ~~مسؤول عن هذه الفضيلة، لأنها لم تجعل لعبا، ولم تترك هملا. واصرف بغضك إلى ~~مريد ظلمك، لا يراقب فيك إلا ولا ذمة، ولا مودة، ولا كتابا ولا سنة. وكلما ~~زادك الله عز وجل نعمة ازداد عليك حنقا، ولك بغضا. وفر كل الفرار واهرب كل ~~الهرب، واحترس كل الاحتراس، ممن لا يراقب الله عز وجل؛ فإنه لا يخلو من أحد ~~أمرين، إما أن يكون لا يعرف ربه مع ظهور آياته ودلالاته، وسبوغ آلائه، ~~وتتابع نعمائه، ومع برهانات رسله، وبيان كتبه؛ وإما أن يكون به عارفا ~~وبدينه موقنا، وعليه مجترئا، وبحرماته مستخفا. فإن كان بحقه جاهلا فهو بحقك ~~أجهل، وله أنكر. وإن كان به عارفا وعليه مجترئا فهو عليك أجرأ، ولحقوقك ~~أضيع ولأياديك أكفر. # فأما خلق البعوضة والنملة والفراشة والذرة والذبان والجعلان، واليعاسيب ~~والجراد- فإياك أن تتهاون بشأن هذا الجند، وتستخف بالآلة التي في هذا الذرء ~~[3] ؛ فربت أمة أجلاها عن بلادها النمل، ms0429 ونقلها عن مساقط رؤوسها الذر، ~~وأهلكت بالفأر، وجردت بالجراد، وعذبت بالبعوض، وأفسد عيشها الذبان، فهي جند ~~إن أراد الله عز وجل أن يهلك بها قوما بعد طغيانهم وتجبرهم وعتوهم؛ ليعرفوا ~~أو ليعرف بهم أن كثير أمرهم، لا يقوم بالقليل من أمر الله عز وجل. وفيها ~~بعد معتبر لمن اعتبر، وموعظة لمن فكر، وصلاج لمن استبصر، وبلوى ومحنة، ~~وعذاب ونقمة، وحجة صادقة، وآية واضحة، وسبب إلى الصبر والفكرة. وهما جماع ~~الخير في باب المعرفة والاستبانة، وفي باب الأجر وعظم المثوبة. PageV03P145 # وسنذكر جملة من حال الذبان، ثم نقول في جملة ما يحضرنا من شأن الغربان ~~والجعلان. ### || 753- [أمثال في الفراش والذباب] # ويقال في موضع الذم والهجاء: «ما هم إلا فراش نار وذبان طمع» [1] . ~~ويقال: # «أطيش من فراشة» [2] ، «وأزهى من ذبان» [3] . # وقال الشاعر [4] : [من الوافر] # كأن بني ذويبة رهط سلمى ... فراش حول نار يصطلينا # يطفن بحرها ويقعن فيها ... ولا يدرين ماذا يتقينا # والعرب تجعل الفراش والنحل والزنابير والدبر كلها من الذبان. وأما قولهم: # «أزهى من ذباب» فلأن الذباب يسقط على أنف الملك الجبار، وعلى موق عينيه ~~ليأكله، ثم يطرده فلا ينطرد. ### || 754- [أمثال في الأنف] # والأنف هو النخوة وموضع التجبر. # وكان من شأن البطارقة [5] وقواد الملوك إذا أنفوا من شيء أن ينخروا كما ~~ينخر الثور عند الذبح، والبرذون عند النشاط. # والأنف هو موضع الخنزوانة [6] والنعرة. وإذا تكبرت الناقة بعد أن تلقح ~~فإنها تزم بأنفها. # والأصيد: الملك الذي تراه أبدا من كبره مائل الوجه. وشبه بالأسد فقيل ~~أصيد؛ لأن عنق الأسد من عظم واحد، فهو لا يلتفت إلا بكله، فلذلك يقال ~~للمتكبر: «إنما أنفه في أسلوب» [7] ، ويقال: أرغم الله أنفه وأذل معطسه! ~~ويقال: PageV03P146 # ستفعل ذلك وأنفك راغم! والرغام: التراب. ولولا كذا وكذا لهشمت أنفك. ~~فإنما يخصون بذلك الأنف؛ لأن الكبر إليه يضاف قال الشاعر [1] : [من السريع] # يا رب من يبغض أذوادنا ... رحن على بغضائه واغتدين [2] # لو نبت البقل على أنفه ... لرحن منه أصلا قد أبين # ويقال «بعير مذبوب» إذا عرض له ما يدعو الذبان إلى السقوط ms0430 عليه. وهم ~~يعرفون الغدة [3] إذا فشت أو أصابت بعيرا بسقوط الذبان عليه. ### || 755- [احتيال الجمالين على السلطان] # وبسقوط الذبان على البعير يحتال الجمال للسلطان، إذا كان قد تسخر إبله ~~وهو لذلك كاره، وإذا كان في جماله الجمل النفيس أو الناقة الكريمة؛ فإنه ~~يعمد إلى الخضخاض [4] فيصب فيه شيئا من دبس ثم يطلى به ذلك البعير، فإذا ~~وجد الذبان ريح الدبس تساقطن عليه. فيدعي عند ذلك أن به غدة ويجعل الشاهد ~~له عند السلطان ما يوجد عليه من الذبان! فما أكثر ما يتخلصون بكرائم ~~أموالهم بالحيل من أيدي السلطان ولا يظن ذلك السلطان إلا أنه متى شاء أن ~~يبيع مائة أعرابي بدرهم فعل. والغدة [3] عندهم تعدي، وطباع الإبل أقبل شيء ~~للأدواء التي تعدي، فيقول الجمال عند ذلك للسلطان: لو لم أخف على الإبل إلا ~~بعيري هذا المغد أن يعدي لم أبال، ولكني أخاف إعداء الغدة ومضرتها في سائر ~~مالي! فلا يزال يستعطفه بذلك، ويحتال له به حتى يخلي سبيله. ### || 756- [نفور الذبان من الكمأة] # ويقال إن الذبان لا يقرب قدرا فيه كمأة. كما لا يدخل سام أبرص بيتا فيه ~~زعفران. PageV03P147 ### || 757- [الخوف على المكلوب من الذبان] # ومن أصابه عض الكلب حموا وجهه من سقوط الذبان عليه. قالوا: وهو أشد عليه ~~من دبيب النبر على البعير. ### || 758- [النبر] # والنبر دويبة إذا دبت على البعير، تورم، وربما كان ذلك سبب هلاكه. # قال الشاعر [1] وهو يصف سمن إبله، وعظم أبدانها: [من الكامل] # حمر تحقنت النجيل كأنما ... بجلودهن مدارج الأنبار [2] ### || 759- [مميزات خلقية لبعض الحيوان] # [3] وليس في الأرض ذباب إلا وهو أقرح [4] ، ولا في الأرض بعير إلا وهو ~~أعلم [5] ، كما أنه ليس في الأرض ثور إلا وهو أفطس [6] . # وفي أن كل بعير أعلم يقول عنترة [7] : [من الكامل] # وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم [8] # كأنه قال: كشدق البعير؛ إذ كان كله بعير أعلم. # والشعراء يشبهون الضربة بشدق البعير، ولذلك قال الشاعر [9] : [من البسيط] # كم ضربة لك تحكي فا قراسية ... من المصاعب في أشداقه شنع [10] ~~PageV03P148 # وقال الكميت [1] : [من المتقارب] # مشافر ms0431 قرحى أكلن البريرا [2] # وإذا قيل الأعلم، علم أنه البعير، كما أنه إذا قيل الأقرح علم أنه ~~الذبان، قال الشاعر [3] : [من الكامل] # ولأنت أطيش، حين تغدو سادرا ... حذر الطعان، من القدوح الأقرح [4] # يعني الذبان لأنه أقرح، ولأنه أبدا يحك بإحدى ذراعيه على الأخرى كأنه ~~يقدح بعودي مرخ وعفار، أو عرجون، أو غير ذلك مما يقدح به. ### || 760- [إغارة الشعراء على المعاني] # ولا يعلم في الأرض شاعر تقدم في تشبيه مصيب تام، وفي معنى غريب عجيب، أو ~~في معنى شريف كريم، أو في بديع مخترع، إلا وكل من جاء من الشعراء من بعده ~~أو معه، إن هو لم يعد على لفظه فيسرق بعضه أو يدعيه بأسره، فإنه لا يدع أن ~~يستعين بالمعنى، ويجعل نفسه شريكا فيه؛ كالمعنى الذي تتنازعه الشعراء ~~فتختلف ألفاظهم، وأعاريض أشعارهم، ولا يكون أحد منهم أحق بذلك المعنى من ~~صاحبه. أو لعله أن يجحد أنه سمع بذلك المعنى قط، وقال إنه خطر على بالي من ~~غير سماع، كما خطر على بال الأول. هذا إذا قرعوه به. إلا ما كان من عنترة ~~في صفة الذباب؛ فإنه وصفه فأجاد صفته فتحامى معناه جميع الشعراء فلم يعرض ~~له أحد منهم. ولقد عرض له بعض المحدثين ممن كان يحسن القول، فبلغ من ~~استكراهه لذلك المعنى، ومن اضطرابه فيه، أنه صار دليلا على سوء طبعه في ~~الشعر. قال عنترة [5] : [من الكامل] # جادت عليها كل عين ثرة ... فتركن كل حديقة كالدرهم PageV03P149 # فترى الذباب بها يغني وحده ... هزجا كفعل الشارب المترنم # غردا يحك ذراعه بذراعه ... فعل المكب على الزناد الأجذم # قال: يريد فعل الأقطع المكب على الزناد. والأجذم: المقطوع اليدين. فوصف ~~الذباب إذا كان واقعا ثم حك إحدى يديه بالأخرى، فشبهه عند ذلك برجل مقطوع ~~اليدين، يقدح بعودين. ومتى سقط الذباب فهو يفعل ذلك. # ولم أسمع في هذا المعنى بشعر أرضاه غير شعر عنترة. ### || 761- [قول في حديث] # وقد كان عندنا في بني العدوية شيخ منهم منكر، شديد العارضة فيه توضيع، ~~فسمعني أقول: قد جاء في الحديث: «إن ms0432 تحت جناح الذباب اليمين شفاء وتحت ~~جناحه الأيسر سما. فإذا سقط في إناء أو في شراب أو في مرق فاغمسوه فيه؛ ~~فإنه يرفع عند ذلك الجناح الذي تحته الشفاء، ويحط الجناح الذي تحته السم» ~~[1] . # فقال: بأبي أنت وأمي هذا يجمع العداوة والمكيدة! ### || 762- [قصة لتميمي مع أناس من الأزد] # وقد كان عندنا أناس من الأزد، ومعهم ابن حزن، وابن حزن هذا عدوي من آل ~~عموج، وكان يتعصب لأصحابه من بني تميم وكانوا على نبيذ، فسقط ذباب في قدح ~~بعضهم، فقال له الآخر: غط التميمي، ثم سقط آخر في قدح بعضهم، فقال الباقون: ~~غط التميمي! فلما كان في الثالثة قال ابن حزن: غطه فإن كان تميميا رسب، وإن ~~كان أزديا طفا. فقال صاحب المنزل: ما يسرني أنه كان نقصكم حرفا. # وإنما عنى أن أزد عمان ملاحون. ### || 763- [ضروب الذبان] # والذبان ضروب سوى ما ذكرناه من الفراش والنحل والزنابير. فمنها الشعراء، ~~وقال الراجز [2] : [من الرجز] # ذبان شعراء وبيت ماذل PageV03P150 # وللكلاب ذباب على حدة يتخلق منها ولا يريد سواها. ومنها ذبان الكلأ ~~والرياض. وكل نوع منها يألف ما خلق منه. قال أبو النجم [1] : [من الرجز] # مستأسد ذبانه في غيطل ... يقلن للرائد أعشبت انزل [2] ### || 764- [ما قيل في طنين الذباب] # والعرب تسمي طنين الذبان والبعوض غناء. وقال الأخطل [3] في صفة الثور: # [من البسيط] # فردا تغنيه ذبان الرياض كما ... غنى الغواة بصنج عند أسوار [4] # وقال حضرمي بن عامر [5] في طنين الذباب: [من الكامل] # ما زال إهداء القصائد بيننا ... شتم الصديق وكثرة الألقاب # حتى تركت كأن أمرك بينهم ... في كل مجمعة طنين ذباب # ويقال: «ما قولي هذا عندك إلا طنين ذباب» . ### || 765- [سفاد الذباب وأعمارها] # وللذباب وقت تهيج فيه للسفاد مع قصر أعمارها. وفي الحديث: «أن عمر الذباب ~~أربعون يوما» ولها أيضا وقت هيج في أكل الناس وعضهم، وشرب دمائهم. # وإنما يعرض هذا الذبان في البيوت عند قرب أيامها؛ فإن هلاكها يكون بعد ~~ذلك وشيكا. والذبان في وقت من الأوقات من حتوف الإبل والدواب. ### || 766- [ذوات الخراطيم] # والذباب والبعوض من # ذوات ms0433 الخراطيم، # ولذلك اشتد عضها وقويت على خرق الجلود الغلاظ. وقال الراجز [6] في وصف ~~البعوضة: [من الرجز] # مثل السفاة دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها [7] PageV03P151 # وقالوا: ذوات الخراطيم من كل شيء أقوى عضا ونابا وفكا؛ كالذيب والخنزير، ~~والكلب. وأما الفيل فإن خرطومه هو أنفه، كما أن لكل شيء من الحيوان أنفا، ~~وهو يده، ومنه يغني وفيه يجري الصوت، كما يجري الزامر الصوت في القصبة ~~بالنفخ. # ومتى تضاغط الهواء صوت على قدر الضغط، أو على قدر الثقب. ### || 768- [أمثال من الشعر في الذباب] # والذباب: اسم الواحد، والذبان: اسم الجماعة. وإذا أرادوا التصغير ~~والتقليل ضربوا بالذبان المثل. قال الشاعر [1] : [من الوافر] # رأيت الخبز عز لديك حتى ... حسبت الخبز في جو السحاب # وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزية الذباب # وقال آخر [2] : [من الكامل] # لما رأيت القصر أغلق بابه ... وتعلقت همدان بالأسباب # أيقنت أن إمارة ابن مضارب ... لم يبق منها قيس أير ذباب # قال بعضهم: لم يذهب إلى مقدار أيره وإنما ذهب إلى مثل قول ابن أحمر [3] : # [من السريع] # ما كنت عن قومي بمهتضم ... لو أن معصيا له أمر # كلفتني مخ البعوض فقد ... أقصرت لا نجح ولا عذر [4] ### || 769- [ما يلغ من الحيوان وما لا يلغ] # قال: وليس شي مما يطير يلغ في الدم، وإنما يلغ في الدماء من السباع ذوات ~~الأربع. وأما الطير فإنها تشرب حسوا، أو عبة بعد عبة. ونغبة بعد نغبة. ~~وسباع الطير PageV03P152 # قليلة الشرب للماء. والأسد كذلك. قال أبو زبيد الطائي [1] : [من المنسرح] # تذب عنه كف بها رمق ... طيرا عكوفا كزور العرس # إذا ونى ونية دلفن له ... فهن من والغ ومنتهس [2] # قال: والطير لا تلغ، وإنما يلغ الذباب. وجعله من الطير، وهو وإن كان يطير ~~فليس ذلك من أسمائه. فإذ قد جاز أن يستعير له اسم الطائر، جاز أن يستعير ~~للطير ولغ السباع فيجعل حسوها ولغا، وقال الشاعر: [من الطويل] # سراع إلى ولغ الدماء رماحهم ... وفي الحرب والهيجاء أسد ضراغم ### || 770- [خصلتان محمودتان في الذباب] # قال وفي الذباب خصلتان من الخصال المحمودة: # أما ms0434 إحداهما: فقرب الحيلة لصرف أذاها ودفع مكروهها؛ فمن أراد إخراجها من ~~البيت فليس بينه وبين أن يكون البيت على المقدار الأول من الضياء والكن بعد ~~إخراجها مع السلامة من التأذي بالذبان- إلا أن يغلق الباب، فإنهن يتبادرن ~~إلى الخروج، ويتسابقن في طلب الضوء والهرب من الظلمة، فإذا أرخي الستر وفتح ~~الباب عاد الضوء وسلم أهله من مكروه الذباب، فإن كان في الباب شق، وإلا ~~جافى المغلق أحد البابين عن صاحبه ولم يطبقه عليه إطباقا. وربما خرجن من ~~الفتح الذي يكون بين أسفل الباب والعتبة. والحيلة في إخراجها والسلامة من ~~أذاها يسيرة، وليس كذلك البعوض؛ لأن البعوض إنما يشتد أذاه، ويقوى سلطانه، ~~ويشتد كلبه في الظلمة، كما يقوى سلطان الذبان في الضياء، وليس يمكن الناس ~~أن يدخلوا منازلهم من الضياء ما يمنع عمل البعوض؛ لأن ذلك لا يكون إلا ~~بإدخال الشمس، والبعوض لا يكون إلا في الصيف، وشمس الصيف لا صبر عليها. ~~وليس في الأرض ضياء انفصل من الشمس إلا ومعه نصيبه من الحر، وقد يفارق الحر ~~الضياء في بعض المواضع، والضياء لا يفارق الحر في مكان من الأماكن. # فإمكان الحيلة في الذباب يسير، وفي البعوض عسير! والفضيلة الأخرى: أنه ~~لولا أن الذبابة تأكل البعوضة وتطلبها وتلتمسها على وجوه حيطان البيوت، وفي ~~الزوايا، لما كان لأهلها فيها قرار! PageV03P153 # وذكر محمد بن الجهم- فيما خبرني عنه بعض الثقات- أنه قال لهم ذات يوم: هل ~~تعرفون الحكمة التي استفدناها في الذباب؟ قالوا: لا. # قال: بلى، إنها تأكل البعوض وتصيده وتلقطه وتفنيه: وذلك أني كنت أريد ~~القائلة [1] ، فأمرت بإخراج الذباب وطرح الستر وإغلاق الباب قبل ذلك بساعة. ~~فإذا خرجن حصل في البيت البعوض، في سلطان البعوض وموضع قوته. فكنت أدخل إلى ~~القائلة [1] فيأكلني البعوص أكلا شديدا. فأتيت ذات يوم المنزل في وقت ~~القائلة [1] ، فإذا ذلك البيت مفتوح، والستر مرفوع، وقد كان الغلمان أغفلوا ~~ذلك في يومهم، فلما اضطجعت للقائلة لم أجد من البعوض شيئا وقد كان غضبي ~~اشتد على الغلمان، فنمت في عافية. فما كان من الغد ms0435 عادوا إلى إغلاق الباب ~~وإخراج الذباب، فدخلت ألتمس القائلة [1] ، فإذا البعوض كثير. ثم أغفلوا ~~إغلاق الباب يوما آخر، فلما رأيته مفتوحا شتمتهم فلما صرت إلى القائلة [1] ~~لم أجد بعوضة واحدة، فقلت في نفسي عند ذلك: أراني قد نمت في يومي الإغفال ~~والتضييع وامتنع مني النوم في أيام التحفظ والاحتراس. فلم لا أجرب ترك ~~إغلاق الباب في يومي هذا. فإن نمت ثلاثة أيام لا ألقى من البعوض أذى مع فتح ~~الباب، علمت أن الصواب في الجمع بين الذبان وبين البعوض؛ فإن الذبان هي ~~التي تفنيه، وأن صلاح أمرنا في تقريب ما كنا نباعد. # ففعلت ذلك، فإذا الأمر قد تم. فصرنا إذا أردنا إخراج الذبان أخرجناها ~~بأيسر حيلة، وإذا أردنا إفناء البعوض أفنيناها على أيدي الذبان بأيسر حيلة. # فهاتان خصلتان من مناقب الذبان. ### || 776- [طب القوابل والعجائز] # وكان محمد بن الجهم يقول [2] : لا تتهاونوا بكثير مما ترون من علاج ~~القوابل والعجائز، فإن كثيرا من ذلك إنما وقع إليهن من قدماء الأطباء؛ ~~كالذبان يلقى في الإثمد ويسحق معه، فيزيد ذلك في نور البصر، ونفاذ النظر، ~~وفي تشديد مراكز شعر الأشفار [3] في حافات الجفون. PageV03P154 ### || 777- [فائدة دوام النظر إلى الخضرة] # وقلت له مرة [1] : قيل لما سرجويه: ما بال الأكرة [2] وسكان البساتين، مع ~~أكلهم الكراث والتمر، وشروبهم ماء السواقي على المالح [3] أقل الناس خفشانا ~~وعميانا وعمشانا وعورا؟ قال: إني فكرت في ذلك فلم أجد له علة إلا طول وقوع ~~أبصارهم على الخضرة. ### || 778- [من لا يتقزز من الذبان والزنابير والدود] # قال ابن الجهم: ومن أهل السفالة ناس يأكلون الذبان، وهم لا يرمدون. وليس ~~لذلك أكلوه وإنما هم كأهل خراسان الذي يأكلون فراخ الزنابير، والزنابير ~~ذبان، وأصحاب الجبن الرطب يأخذون الجبنة التي قد نغلت دودا، فينكتها أحدهم ~~حتى يخرج ما فيها من الدود في راحته، ثم يقمحها [4] كما يقمح السويق. وكان ~~الفرزدق يقول: ليت أنهم دفعوا إلي نصيبي من الذبان ضربة واحدة، بشرط أن ~~آكله لراحة الأبد منها. وكان كما زعموا شديد التقذر لها والتقزز منها. ### || 779- [دعاء أحد القصاص] ms0436 # وقال ثمامة [5] : تساقط الذبان في مرق بعض القصاص وعلى وجهه فقال: كثر ~~الله بكن القبور! وحكى ثمامة [6] عن هذا القاص أنه سمعه بعبادان يقول في ~~قصصه: اللهم من علينا بالشهادة، وعلى جميع المسلمين. ### || 780- [قصة في عمر الذباب] # وقال لي المكي مرة: إنما عمر الذبان أربعون يوما، قلت: هكذا جاء في ~~الأثر. # وكنا يومئذ بواسط في أيام العسكر وليس بعد أرض الهند أكثر ذبابا من واسط، ~~ولربما رأيت الحائط وكأن عليه مسحا [7] شديد السواد من كثرة ما عليه من ~~الذبان. PageV03P155 # فقلت للمكي: أحسب الذبان يموت في كل أربعين يوما، وإن شئت ففي أكثر، وإن ~~شئت ففي أقل. ونحن كما ترى ندوسها بأرجلنا، ونحن هاهنا مقيمون من أكثر من ~~أربعين يوما، بل منذ أشهر وأشهر، وما رأينا ذبابا واحدا ميتا. فلو كان ~~الأمر على ذلك لرأينا الموتى كما رأينا الأحياء. قال: إن الذبابة إذا أرادت ~~أن تموت ذهبت إلى بعض الخربات، قلت: فإنا قد دخلنا كل خربة في الدنيا، ما ~~رأينا فيها قط ذبابا ميتا. ### || 781- [نوادر للمكي] # وكان المكي طيبا طيب الحجج، ظريف الحيل، عجيب العلل وكان يدعي كل شيء على ~~غاية الإحكام، ولم يحكم شيئا قط، لا من الجليل ولا من الدقيق. وإذ قد جرى ~~ذكره فسأحدثك ببعض أحاديثه، وأخبرك عن بعض علله، لتلهى بها ساعة، ثم نعود ~~إلى بقية ذكر الذبان. # ادعى هذا المكي البصر بالبراذين، ونظر إلى برذون واقف، قد ألقى صاحبه في ~~فيه اللجام، فرأى فأس اللجام وأين بلغ منه، فقال لي: العجب! كيف لا يذرعه ~~القيء، وأنا لو أدخلت إصبعي الصغرى في حلقي لما بقي في جوفي شيء إلا خرج؟!! ~~قلت: # الآن علمت أنك تبصر! ثم مكث البرذون ساعة يلوك لجامه، فأقبل علي فقال لي: # كيف لا يبرد أسنانه؟! قلت: إنما يكون علم هذا عند البصراء مثلك! ثم رأى ~~البرذون كلما لاك اللجام والحديدة سال لعابه على الأرض فأقبل علي وقال: ~~لولا أن البرذون أفسد الخلق عقلا لكان ذهنه قد صفا! قلت له: قد كنت أشك في ms0437 ~~بصرك بالدواب، فأما بعد هذا فلست أشك فيه! وقلت له مرة ونحن في طريق بغداد: ~~ما بال الفرسخ في هذه الطريق يكون فرسخين، والفرسخ يكون أقل من مقدار نصف ~~فرسخ؟! ففكر طويلا ثم قال: كان كسرى يقطع للناس الفراسخ، فإذا صانع صاحب ~~القطيعة زادوه، وإذا لم يصانع نقصوه! وقلت له مرة: علمت أن الشاري حدثني أن ~~المخلوع بعث إلى المأمون بجراب فيه سمسم؛ كأنه يخبر أن عنده من الجند بعدد ~~ذلك الحب وأن المأمون بعث إليه بديك أعور، يريد أن طاهر بن الحسين يقتل ~~هؤلاء كلهم، كما يلقط الديك الحب! قال: فإن هذا الحديث أنا ولدته. ولكن ~~انظر كيف سار في الآفق؟! وأحاديثه وأعاجيبه كثيرة. # PageV03P156 ### || 782- [معارف في الذباب] # ثم رجع بنا القول إلى صلة كلامنا في الإخبار عن الذبان. # فأما سكان بلاد الهند فإنهم لا يطبخون قدرا، ولا يعملون حلوى ولا يكادون ~~يأكلون إلا ليلا؛ لما يتهافت من الذبان في طعامهم. وهذا يدل على عفن التربة ~~ولخن الهواء. # وللذبان يعاسيب وجحلان [1] ، ولكن ليس لها قائد ولا أمير. ولو كانت هذه ~~الأصناف التي يحرس بعضها بعضا. وتتخذ رئيسا يدبرها ويحوطها، إنما أخرج ذلك ~~منها العقل دون الطبع، وكالشيء يخص به البعض دون الكل لكان الذر والنمل أحق ~~بذلك من الكراكي [2] والغرانيق [2] والثيران، ولكان الفيل أحق به من ~~البعير؛ لأنه ليس للذر قائد ولا حارس، ولا يعسوب يجمعها ويحميها بعض ~~المواضع، ويوردها بعضا. # وكل قائد فهو يعسوب ذلك الجنس المقود. وهذا الاسم مستعار من فحل النحل ~~وأمير العسالات. # وقال الشاعر وهو يعني الثور: [من الطويل] # كما ضرب اليعسوب إذ عاف باقر ... وما ذنبه إذ عافت الماء باقر [3] # وكما قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في صلاح الزمان وفساده: «فإذا ~~كان ذلك ضرب يعسوب الدين بذنبه» [4] . # وعلى ذلك المعنى قال حين مر بعبد الرحمن بن عتاب بن أسيد قتيلا يوم ~~الجمل: «لهفي عليك يعسوب قريش! جدعت أنفي وشفيت نفسي!» [5] . # قالوا: وعلى هذا المعنى قيل: «يعسوب الطفاوة» . ### || 783- [أقذر الحيوان] # وزعم بعض الحكماء ms0438 أنه لا ينبغي أن يكون في الأرض شيء من الأشياء أنتن ~~PageV03P157 # من العذرة، فكذلك لا شيء أقذر من الذبان والقمل. وأما العذرة فلولا أنها ~~كذلك لكان الإنسان مع طول رؤيته لها، وكثرة شمه لها من نفسه في كل يوم ~~صباحا ومساء، لقد كان ينبغي أن يكون قد ذهب تقذره له على الأيام، أو تمحق، ~~أو دخله النقص. # فثباتها ستين عاما وأكثر وأقل على مقدار واحد من النتن في أنف الرجل ~~ومنهم من وجدناه بعد مائة عام كذلك، وقد رأينا المران والعادات وصنيعها في ~~الطبائع. وكيف تهون الشديد، وتقلل الكثير. فلولا أنا فوق كل شيء من النتن، ~~لما ثبتت هذا الثبات، ولعرض لها ما يعرض لسائر النتن، وبعد فلو كان إنما ~~يشم شيئا خرج من جوف غيره ولم يخرج من جوف نفسه، لكان ذلك أشبه. فإذ قد ثبت ~~في أنفه على هذا المقدار. وهو منه دون غيره، وحتى صار يجده أنتن من رجيع ~~جميع الأجناس- فليس ذلك إلا لما قد خص به من المكروه. # وكذلك القول في القمل الذي إنما يخلق من عرق الإنسان، ومن رائحته ووسخ ~~جلده. وبخار بدنه. وكذلك الذبان المخالطة لهم في جميع الحالات، والملابسة ~~لهم دون جميع الهوام والهمج والطير والبهائم والسباع حتى تكون ألزم من كل ~~ملازم، وأقرب من كل قريب؛ حتى ما يمتنع عليه شيء من بدن الإنسان، ولا من ~~ثوبه، ولا من طعامه، ولا من شرابه، حتى لزمه لزوما لم يلزمه شيء قط كلزومه، ~~حتى إنه يسافر السفر البعيد من مواضع الخصب، فيقطع البراري والقفار التي ~~ليس فيها ولا بقربها نبات ولا ماء ولا حيوان، ثم مع ذلك يتوخى عند الحاجة ~~إلى الغائط في تلك البرية أن يفارق أصحابه، فيتباعد في الأرض، وفي صحراء ~~خلقاء [1] ، فإذا تبرز فمتى وقع بصره على برازه رأى الذبان ساقطا عليه. ~~فقبل ذلك ما كان يراه. فإن كان الذباب شيئا يتخلق له في تلك الساعة فهذه ~~أعجب مما رآه ومما أردنا وأكثر مما قلنا. وإن كان قد كان ساقطا على ms0439 الصخور ~~الملس، والبقاع الجرد، في اليوم القائظ، وفي الهاجرة التي تشوي كل شيء، ~~وينتظر مجيئه- فهذا أعجب مما قلنا. وإن كانت قد تبعته من الأمصار، إما ~~طائرة معه، وإما ساقطة عليه، فلما تبرز انتقلت عنه إلى برازه، فهذا تحقيق ~~لقولنا إنه لا يلزم الإنسان شيء لزوم الذباب؛ لأن العصافير، والخطاطيف، ~~والزرازير، والسنانير، والكلاب وكل شيء يألف الناس، فهو يقيم مع الناس. ~~فإذا مضى الإنسان في سفره، فصار كالمستوحش، وكالنازل بالقفار، فكل شيء أهلي ~~يألف الناس فإنما هو مقيم على مثل ما كان من إلفه لهم، لا يتبعهم من دور ~~الناس إلى منازل الوحش؛ إلا الذبان. PageV03P158 # قال: فإذا كان الإنسان يستقذر الذبان في مرقه وفي طعامه هذا الاستقذار، ~~ويستقذر القمل مع محله من القرابة والنسبة هذا الاستقذار فمعلوم أن ذلك لم ~~يكن إلا لما خص به من القذر. وإلا فبدون هذه القرابة وهذه الملابسة، تطيب ~~الأنفس عن كثير من المحبوب. ### || 784- [لجاج الذباب] # قال: وفي الذبان خبر آخر: وذلك أنهن ربما تعودن المبيت على خوص فسيلة ~~وأقلابها [1] من فسائل الدور، أو شجرة، أو كلة [2] ، أو باب، أو سقف بيت، ~~فيطردن إذا اجتمعن لوقتهن عند المساء ليلتين أو ثلاث ليال، فيتفرقن أو ~~يهجرن ذلك المكان في المستقبل، وإن كان ذلك المكان قريبا، وهو لهن معرض، ثم ~~لا يدعن أن يلتمسن مبيتا غيره. ولا يعرض لهن من اللجاج في مثل ذلك، مثل ~~الذي يعرض لهن من كثرة الرجوع إلى العينين والأنف بعد الذب والطرد، وبعد ~~الاجتهاد في ذلك. ### || 785- [أذى الذباب ونحوها] # وقال محمد بن حرب: ينبغي أن يكون الذبان سما ناقعا؛ لأن كل شيء يشتد أذاه ~~باللمس من غيره، فهو بالمداخلة والملابسة أجدر أن يؤذي. وهذه الأفاعي ~~والثعابين والجرارات [3] قد تمس جلودها ناس فلا تضرهم إلا بأن تلابس إبرة ~~العقرب وناب الأفعى الدم ونحن قد نجد الرجل يدخل في خرق أنفه ذباب، فيجول ~~في أوله من غير أن يجاوز ما حاذى روثة أنفه وأرنبته [4] فيخرجه الإنسان من ~~جوف أنفه بالنفخ وشدة النفس ولم يكن له ms0440 هنالك لبث، ولا كان منه عض، وليس ~~إلا ما مس بقوائمه وأطراف جناحيه، فيقع في ذلك المكان من أنفه، من الدغدغة ~~والأكال والحكة، ما لا يصنع الخردل [5] وبصل النرجس، ولبن التين. فليس يكون ~~ذلك منه إلا وفي طبعه من مضادة طباع الإنسان ما لا يبلغه مضادة شيء وإن ~~أفرط. # قال: وليس الشأن في أنه لم ينخس، ولم يجرح، ولم يخز ولم يعض، ولم ~~PageV03P159 # يغمز، ولم يخدش. وإنما هو على قدر منافرة الطباع للطباع، وعلى قدر ~~القرابة والمشاكلة. ### || 786- [الأصوات المكروهة] # وقد نجد الإنسان يغتم بتنقض [1] الفتيلة وصوتها عند قرب انطفاء النار، أو ~~لبعض البلل يكون قد خالط الفتيلة، ولا يكون الصوت بالشديد، ولكن الاغتمام ~~به، والتكره له ويكون في مقدار ما يعتريه من أشد الأصوات. ومن ذلك المكروه ~~الذي يدخل على الإنسان من غطيط النائم، وليست تلك الكراهة لعلة الشدة ~~والصلابة، ولكن من قبل الصورة والمقدار، وإن لم يكن من قبل الجنس. وكذلك ~~صوت احتكاك الآجر الجديد بعضه ببعض. وكذلك شجر الآجام [2] على الأجراف [3] ~~؛ فإن النفس تكرهه كما تكره صوت الصاعقة. ولو كان على ثقة من السلامة من ~~الاحتراق، لما احتفل بالصاعقة ذلك الاحتفال. ولعل ذلك الصوت وحده ألا ~~يقتله. # فأما الذي نشاهد اليوم الأمر عليه، فإنه متى قرب منه قتله. ولعل ذلك إنما ~~هو لأن الشي إذا اشتد صدمه فسخ القوة أو لعل الهواء الذي فيه الإنسان ~~والمحيط به أن يحمى ويستحيل نارا للذي قد شارك ذلك الصوت من النار. وهم لم ~~يجدوا الصوت شديدا جدا إلا ما خالط منه النار. ### || 787- [ما يقتات بالذباب] # وقال ابن حرب: الذبان قوت خلق كثير من خلق الله عز وجل، وهو قوت ~~الفراريج، والخفافيش، والعنكبوت، والخلد، وضروب كثيرة من الهمج، همج الطير، ~~وحشرات السباع. فأما الطير والسودانيات، والحصانيات [4] ، والشاهمركات [5] ~~، وغير ذلك من أصناف الطير؛ وأما الضباع- فإنها تأكل الجيف، وتدع في ~~أفواهها فضولا، وتفتح أفواهها للذبان، فإذا احتشت ضمت عليها. فهذه إنما ~~تصيد الذبان بنوع واحد، وهو الاختطاف والاختلاس، وإعجالها عن الوثوب إذا ~~تلقطته بأطراف ms0441 المناقير، أو كبعض ما ذكرنا من إطباق الفم عليها. ~~PageV03P160 # فأما الصيد الذي ليس للكلب، ولا لعناق الأرض [1] ، ولا للفهد، ولا لشيء ~~من ذوات الأربع مثله في الحذق والختل والمداراة، وفي صواب الوثبة، وفي ~~التسدد وسرعة الخطف، فليس مثل الذي يقال له الليث، وهو الصنف المعروف من ~~العناكب بصيد الذبان؛ فإنك تجده إذا عاين الذبان ساقطا، كيف يلطأ [2] ~~بالأرض، وكيف يسكن جميع جوارحه للوثبة، وكيف يؤخر ذلك إلى وقت الغرة، وكيف ~~يريها أنه عنها لاه؛ فإنك ترى من ذلك شيئا لم تر مثله من فهد قط، وإن كان ~~الفهد موصوفا منعوتا. # واعلم أنه قد ينبغي ألا يكون في الأرض شيء أصيد منه؛ لأنه لا يطير، ولا ~~يصيد إلا ما يطير! ويصيد طائرا شديد الحذر، ثم يصيد صيادا! لأن الذباب يصيد ~~البعوض. وخديعتك للخداع أعجب، ومكرك بالماكر أغرب! فكذلك يكون صيد هذا الفن ~~من العنكبوت. # وزعم الجرداني أن الوزغ تختل الذبان، وتصيدها صيدا حسنا شبيها بصيد ~~الليث. # قال: والزنبور حريص على صيد الذبان، ولكنه لا يطمع فيها إلا أن تكون ~~ساقطة على خرء، دون كل تمر وعسل؛ لشدة عجبها بالخرء، وتشاغلها به! فعند ذلك ~~يطمع فيه الزنبور ويصيده. # وزعم الجرداني وتابعه كيسان: أن الفهد إنما أخذ ذلك عن الليث. ومتى رآه ~~الفهد يصيد الذبان حتى تعلم منه؟! فظننت أنهما قلدا في ذلك بعض من إذا مدح ~~شيئا أسرف فيه. ### || 788- [تقليد الحيوان للحيوان] # ويزعمون أن السبع الصيود إذا كان مع سبع هو أصيد منه، تعلم منه وأخذ عنه. ~~وهذا لم أحقه. فأما الذي لا أشك فيه فأن الطائر الحسن الصوت الملحن، إذا ~~كان مع نوائح الطير ومغنياتها، فكان بقرب الطائر من شكله، وهو أحذق منه ~~وأكرز وأمهر، جاوبه وحكاه، وتعلم منه، أو صنع شيئا يقوم مقام التعلم. ~~PageV03P161 ### || 789- [تعليم البراذين والطير] # والبرذون يراض فيعرف ما يراد منه، فيعين على نفسه. وربما استأجروا للطير ~~رجلا يعلمها. فأما الذي رأيته أنا في البلابل، فقد رأيت رجلا يدعى لها ~~فيطارحها من شكل أصواتها. ### || 790- [اختراع الطير للأصوات واللحون] ms0442 # وفي الطير ما يخترع الأصوات واللحون التي لم يسمع بمثلها قط من المؤلف ~~للحون من الناس؛ فإنه ربما أنشأ لحنا لم يمر على أسماع المغنين قط. # وأكثر ما يجدون ذلك من الطير في القماري، وفي السودانيات، ثم في الكرارزة ~~[1] . وهي تأكل الذبان أكلا ذريعا. ### || 791- [اللجوج من الحيوان] # ويقال إن اللجاح في ثلاثة أجناس من بين جميع الحيوان: الخنفساء، والذباب، ~~والدودة الحمراء؛ فإنها في إبان ذلك تروم الصعود إلى السقف، وتمر على ~~الحائط الأملس شيئا قليلا فتسقط وتعود، ثم لا تزال تزداد شيئا ثم تسقط، إلى ~~أن تمضي إلى باطن السقف، فربما سقطت ولم يبق عليها إلا مقدار إصبع، ثم ~~تعود. # والخنفساء تقبل قبل الإنسان فيدفعها، فتبعد بقدر تلك الطردة والدفعة ثم ~~تعود أيضا، فيصنع بها أشد من تلك ثم تعود، حتى ربما كان ذلك سببا لغضبه، ~~ويكون غضبه سببا لقتلها. ### || 792- [اعتقاد المفاليس في الخنافيس] # وما زالوا كذلك، وما زالت كذلك، حتى سقط إلى المفاليس أن الخنافس تجلب ~~الرزق. وأن دنوها دليل على رزق حاضر: من صلة، أو جائزة، أو ربح، أو هدية، ~~أو حظ. فصارت الخنافس إن دخلت في قمصهم ثم نفذت إلى سراويلاتهم لم يقولوا ~~لها قليلا ولا كثيرا. وأكثر ما عندهم اليوم الدفع لها ببعض الرفق. ويظن ~~بعضهم أنه إذا دافعها فعادت، ثم دافعها، فعادت، ثم دافعها فعادت- أن ذلك ~~كلما كان أكثر، كان حظه من المال الذي يؤمله عند مجيئها أجزل. PageV03P162 # فانظر، أية واقية وأية حافظة، وأي حارس، وأي حصن أنشأه لها هذا القول! ~~وأي حظ كان لها حين صدقوا بهذا الخبر هذا التصديق! والطمع هو الذي أثار هذا ~~الأمر من مدافنه، والفقر هو الذي اجتذب هذا الطمع واجتلبه. ولكن الويل لها ~~إن ألحت على غني عالم، وخاصة إن كان مع جدته وعلمه حديدا عجولا. ### || 793- [اعتقاد العامة في أمير الذبان] # وقد كانوا يقتلون الذباب الكبير الشديد الطنين الملح في ذلك، الجهير ~~الصوت، الذي تسميه العوام: «أمير الذبان» ، فكانوا يحتالون في صرفه وطرده ~~وقتله، إذا أكربهم بكثرة طنينه وزجله ms0443 وهماهمه فإنه لا يفتر. فلما سقط إليهم ~~أنه مبشر بقدوم غائب وبرء سقيم، صاروا إذا دخل المنزل وأوسعهم شرا، لم يهجه ~~أحد منهم. # وإذا أراد الله عز وجل أن ينسئ في أجل شيء من الحيوان هيأ لذلك سببا، كما ~~أنه إذا أراد أن يقصر عمره ويحين يومه هيأ لذلك سببا. فتعالى الله علوا ~~كبيرا! ثم رجع بنا القول إلى إلحاح الذبان. ### || 794- [إلحاح الذباب] # كان لنا بالبصرة قاض يقال له عبد الله بن سوار، لم ير الناس حاكما قط ولا ~~زميتا ولا ركينا، ولا وقورا حليما، ضبط من نفسه وملك من حركته مثل الذي ضبط ~~وملك. كان يصلي الغداة في منزله، وهو قريب الدار من مسجده، فيأتي مجلسه ~~فيحتبي ولا يتكئ، فلا يزال منتصبا ولا يتحرك له عضو، ولا يلتفت، ولا يحل ~~حبوته [2] ولا يحول رجلا عن رجل، ولا يعتمد على أحد شقيه، حتى كأنه بناء ~~مبني، أو صخرة منصوبة. فلا يزال كذلك، حتى يقوم إلى صلاة الظهر ثم يعود إلى ~~مجلسه فلا يزال كذلك حتى يقوم إلى العصر، ثم يرجع لمجلسه، فلا يزال كذلك ~~حتى يقوم لصلاة المغرب، ثم ربما عاد إلى محله، بل كثيرا ما كان يكون ذلك ~~إذا بقي عليه من قراءة العهود والشروط والوثائق، ثم يصلي العشاء الأخيرة ~~وينصرف. # فالحق يقال: لم يقم في طول تلك المدة والولاية مرة واحدة إلى الوضوء، ولا ~~احتاج إليه، ولا شرب ماء ولا غيره من الشراب. كذلك كان شأنه في طوال الأيام ~~وفي PageV03P163 # قصارها، وفي صيفها وفي شتائها. وكان مع ذلك لا يحرك يده، ولا يشير برأسه. # وليس إلا أن يتكلم ثم يوجز، ويبلغ بالكلام اليسير المعاني الكثيرة. فبينا ~~هو كذلك ذات يوم وأصحابه حواليه، وفي السماطين بين يديه، إذ سقط على أنفه ~~ذباب فأطال المكث، ثم تحول إلى مؤق عينه، فرام الصبر في سقوطه على المؤق، ~~وعلى عضه ونفاذ خرطومه كما رام من الصبر على سقوطه على أنفه من غير أن يحرك ~~أرنبته، أو يغضن وجهه، أو يذب بإصبعه. فلما ms0444 طال ذلك عليه من الذباب وشغله ~~وأوجعه وأحرقه، وقصد إلى مكان لا يحتمل التغافل، أطبق جفنه الأعلى على جفنه ~~الأسفل فلم ينهض، فدعاه ذلك إلى أن والى بين الإطباق والفتح، فتنحى ريثما ~~سكن جفنه، ثم عاد إلى مؤقه بأشد من مرته الأولى فغمس خرطومه في مكان كان قد ~~أوهاه قبل ذلك، فكان احتماله له أضعف، وعجزه عن الصبر في الثانية أقوى، ~~فحرك أجفانه وزاد في شدة الحركة وفي فتح العين، وفي تتابع الفتح والإطباق، ~~فتنحى عنه بقدر ما سكنت حركته ثم عاد إلى موضعه، فما زال يلح عليه حتى ~~استفرغ صبره وبلغ مجهوده. فلم يجد بدا من أن يذب عن عينيه بيده، ففعل، ~~وعيون القوم إليه ترمقه، وكأنهم لا يرونه، فتنحى عنه بقدر ما رد يده وسكنت ~~حركته ثم عاد إلى موضعه، ثم ألجأه إلى أن ذب عن وجهه بطرف كمه، ثم ألجأه ~~إلى أن تابع بين ذلك، وعلم أن فعله كله بعين من حضره من أمنائه وجلسائه. ~~فلما نظروا إليه قال: أشهد أن الذباب ألح من الخنفساء، وأزهى من الغراب! ~~وأستغفر الله! فما أكثر من أعجبته نفسه فأراد الله عز وجل أن يعرفه من ضعفه ~~ما كان عنه مستورا! وقد علمت أني عند الناس من أزمت الناس، فقد غلبني ~~وفضحني أضعف خلقه! ثم تلا قوله تعالى: وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب # [1] . # وكان بين اللسان، قليل فضول الكلام، وكان مهيبا في أصحابه، وكان أحد من ~~لم يطعن عليه في نفسه، ولا في تعريض أصحابه للمنالة. ### || 795- [قصة في إلحاح الذباب] # فأما الذي أصابني أنا من الذبان، فإني خرجت أمشي في المبارك [2] أريد دير ~~الربيع، ولم أقدر على دابة، فمررت في عشب أشب [3] ونبات ملتف كثير الذبان، ~~PageV03P164 # فسقط ذباب من تلك الذبان على أنفي، فطردته، فتحول إلى عيني فطردته، فعاد ~~إلى موق عيني، فزدت في تحريك يدي فتنحى عني بقدر شدة حركتي وذبي عن عيني- ~~ولذبان الكلإ والغياض والرياض وقع ليس لغيرها- ثم عاد إلي فعدت عليه ثم عاد ms0445 ~~إلي فعدت بأشد من ذلك، فلما عاد استعملت كمي فذببت به عن وجهي، ثم عاد، ~~وأنا في ذلك أحث السير، أؤمل بسرعتي انقطاعه عني فلما عاد نزعت طيلساني [1] ~~من عنقي فذببت به عني بدل كمي؛ فلما عاود ولم أجد له حيلة استعملت العدو، ~~فعدوت منه شوطا تاما لم أتكلف مثله مذ كنت صبيا، فتلقاني الأندلسي فقال لي: # ما لك يا أبا عثمان! هل من حادثة؟ قلت: نعم أكبر الحوادث، أريد أن أخرج ~~من موضع للذبان علي فيه سلطان! فضحك حتى جلس. وانقطع عني، وما صدقت ~~بانقطاعه عني حتى تباعد جدا. ### || 796- [ذبان العساكر] # والعساكر أبدا كثيرة الذبان. فإذا ارتحلوا لم ير المقيم بعد الظاعن منها ~~إلا اليسير. # وزعم بعض الناس أنهن يتبعن العساكر، ويسقطن على المتاع، وعلى جلال ~~الدواب، وأعجاز البراذين التي عليها أسبابها حتى تؤدي إلى المنزل الآخر. # وقال المكي: يتبعوننا ليؤذونا، ثم لا يركبون إلا أعناقنا ودوابنا! ### || 797- [تخلق الذباب] # ويقول بعضهم: بل إنما يتخلق من تلك العفونات والأبخرة والأنفاس، فإذا ~~ذهبت فنيت مع ذهابها، ويزعمون أنهم يعرفون ذلك بكثرتها في الجنائب، وبقلتها ~~في الشمائل. # قالوا: وربما سددنا فم الآنية التي فيها الشراب بالصمامة، فإذا نزعناها ~~وجدنا هناك ذبابا صغارا. # وقال ذو الرمة [3] : [من الطويل] # وأيقن أن القنع صارت نطافه ... فراشا وأن البقل ذاو ويابس PageV03P165 # القنع: الموضع الذي يجتمع فيه نقران الماء. والفراش: الماء الرقيق الذي ~~يبقى في أسفل الحياض. # وأخبرني رجل من ثقيف، من أصحاب النبيذ أنهم ربما فلقوا السفرجلة أيام ~~السفرجل للنقل والأكل، وليس هناك من صغار الذبان شيء البتة ولا يعدمهم أن ~~يروا على مقاطع السفرجل ذبابا صغارا. وربما رصدوها وتأملوها، فيجدونها تعظم ~~حتى تلحق بالكبار في الساعة الواحدة. ### || 798- [حياة الذباب والجعلان بعد موته] # قال: وفي الذبان طبع كطبع الجعلان، فهو طبع غريب عجيب. ولولا أن العيان ~~قهر أهله لكانوا خلقاء أن يدفعوا الخبر عنه؛ فإن الجعل إذا دفن في الورد ~~مات في العين، وفنيت حركاته كلها، وعاد جامدا تارزا [1] ولم يفصل الناظر ~~إليه بينه وبين الجعل ms0446 الميت، ما أقام على تأمله. فإذا أعيد إلى الروث عادت ~~إليه حركة الحياة من ساعته. # وجربت أنا مثل ذلك في الخنفساء، فوجدت الأمر فيها قريبا من صفة الجعل، ~~ولم يبلغ كل ذلك إلا لقرابة ما بين الخنفساء والجعل. # ودخلت يوما على ابن أبي كريمة، وإذا هو قد أخرج إجانة [2] كان فيها ماء ~~من غسالة أوساخ الثياب، وإذا ذبان كثيرة قد تساقطن فيه من الليل فموتن. ~~هكذا كن في رأي العين. فغبرن كذلك عشيتهن وليلتهن، والغد إلى انتصاف ~~النهار، حتى انتفخن وعفن واسترخين؛ وإذا ابن أبي كريمة قد أعد آجرة جديدة، ~~وفتات آجر جديد، وإذا هو يأخذ الخمس منهن والست، ثم يضعهن على ظهر الآجرة ~~الجديدة، ويذر عليهن من دقاق ذلك الآجر الجديد المدقوق بقدر ما يغمرها فلا ~~تلبث أن يراها قد تحركت، ثم مشت، ثم طارت؛ إلا أنه طيران ضعيف. ### || 799- [غلام ابن أبي كريمة] # وكان ابن أبي كريمة يقول: لا والله، لا دفنت ميتا أبدا حتى ينتن! قلت: # وكيف ذاك؟ قال: إن غلامي هذا نصيرا مات، فأخرت دفنه لبعض الأمر، فقدم ~~أخوه تلك الليلة فقال: ما أظن أخي مات! ثم أخذ فتيلتين ضخمتين، فرواهما ~~دهنا ثم PageV03P166 # أشعل فيها النار، ثم أطفأهما وقربهما إلى منخريه، فلم يلبث أن تحرك. وها ~~هو ذا قد تراه! قلت له: إن أصحاب الحروب والذين يغسلون الموتى، والأطباء، ~~عندهم في هذا دلالات وعلامات فلا تحمل على نفسك في واحد من أولئك ألا تستره ~~بالدفن حتى يجيف. # والمجوس يقربون الميت من أنف الكلب، ويستدلون بذلك على أمره فعلمت أن ~~الذي عايناه من الذبان قد زاد في عزمه. ### || 800- [النعر] # والنعر: ضرب من الذبان، والواحدة نعرة. وربما دخلت في أنف البعير أو ~~السبع، فيزم بأنفه؛ للذي يلقى من المكروه بسببه. فالعرب تشبه ذا الكبر من ~~الرجال إذا صعر خده، وزم أنفه- بذلك البعير في تلك الحال. فيقال عند ذلك: ~~«فلان في أنفه نعرة» [1] ، و «في أنفه خنزوانة» [2] . وقال عمر: «والله لا ~~أقلع عنه أو أطير نعرته» [3] . # ومنها القمع، وهو ضرب ms0447 من ذبان الكلأ. وقال أوس [4] : [من الطويل] # ألم تر أن الله أنزل مزنه ... وعفر الظباء في الكناس تقمع # وذلك مما يكون في الصيف وفي الحر. ### || 801- [أذى الذبان للدواب] # والذبان جند من جند الله شديد الأذى. وربما كان أضر من الدبر [5] في بعض ~~الزمان، وربما أتت على القافلة بما فيها؛ وذلك أنها تغشى الدواب حتى تضرب ~~بأنفسها الأرض- وهي في المفاوز- وتسقط، فيهلك أهل القافلة؛ لأنهم لا يخرجون ~~من تلك المفاوز على دوابهم- وكذلك تضرب الرعاء بإبلهم، والجمالون بجمالهم ~~عن تلك الناحية، ولا يسلكها صاحب دابة، ويقول بعضهم لبعض: بادروا قبل حركة ~~الذبان، وقبل أن تتحرك ذبان الرياض والكلأ! PageV03P167 # والزنابير لا تكاد تدمي إذا لسعت بأذنابها. والذبان تغمس خراطيمها في جوف ~~لحوم الدواب، وتخرق الجلود الغلاظ حتى تنزف الدم نزفا. ولها مع شدة الوقع ~~سموم. وكذلك البعوضة ذات سم، ولو زيد في بدن البعوضة وزيد في حرقة لسعها ~~إلى أن يصير بدنها كبدن الجرارة [1]- فإنها أصغر العقارب- لما قام له شيء، ~~ولكان أعظم بلية من الجرارة النصيبية [2] أضعافا كثيرة. وربما رأيت الحمار ~~وكأنه ممغر أو معصفر. وإنهم مع ذلك ليجللون حمرهم ويبرقعونها، وما يدعون ~~موضعا إلا ستروه بجهدهم، فربما رأيت الحمير وعليها الرجال فيما بين عبدسي ~~[3] والمذار [4] بأيديهم المناخس والمذاب، وقد ضربت بأنفسها الأرض واستسلمت ~~للموت. وربما رأيت صاحب الحمير إذا كان أجيرا يضربها بالعصا بكل جهده، فلا ~~تنبعث. # وليس لجلد البقرة والحمار والبعير عنده خطر. ولقد رأيت ذبابا سقط على ~~سالفة [5] حمار كان تحتي، فضرب بأذنيه، وحرك رأسه بكل جهده، وأنا أتأمله ~~وما يقلع عنه، فعمدت بالسوط لأنحيه به فنزا عنه، ورأيت مع نزوه عنه الدم ~~وقد انفجر؛ كأنه كان يشرب الدم وقد سد المخرج بفيه، فلما نحاه طلع. ### || 802- [ونيم الذباب] # وتزعم العامة أن الذبان يخرأ على ما شاء قالوا: لأنا نراه يخرأ على الشيء ~~الأسود أبيض، وعلى الأبيض أسود. PageV03P168 # ويقال قد ونم الذباب- في معنى خرئ الإنسان- وعر الطائر. وصام النعام، ~~وذرق الحمام. قال الشاعر [1] : [من الوافر] # وقد ونم الذباب عليه حتى ... كأن ونيمه نقط ms0448 المداد # وليس طول كوم البعير إذا ركب الناقة، والخنزير إذا ركب الخنزيرة، بأطول ~~ساعة من لبث ذكورة الذبان على ظهور الإناث عند السفاد. ### || 803- [تخلق الذباب] # [2] والذباب من الخلق الذي يكون مرة من السفاد والولاد، ومرة من تعفن ~~الأجسام والفساد الحادث في الأجرام. # والباقلاء إذا عتق شيئا في الأنبار [3] استحال كله ذبابا، فربما أغفلوه ~~في تلك الأنبار فيعودون إلى الأنبار [3] وقد تطاير من الكوى والخروق فلا ~~يجدون في الأنبار إلا القشور. # والذباب الذي يخلق من الباقلاء يكون دودا، ثم يعود ذبابا. وما أكثر ما ~~ترى الباقلاء مثقبا في داخله شيء كأنه مسحوق، إذا كان الله قد خلق منه ~~الذبان وصيره. # وما أكثر ما تجده فيه تام الخلق. ولو تم جناحاه لقد كان طار. ### || 804- [حديث شيخ عن تخلق الذباب] # وحدثني بعض أصحابنا عن شيخ من أهل الخريبة قال: كنت أحب الباقلاء، وأردت، ~~إما البصرة وإما بغداد- ذهب عني حفظه- فصرت في سفينة حملها باقلاء، فقلت في ~~نفسي: هذا والله من الحظ وسعادة الجد، ومن التوفيق والتسديد، ولقد أربع من ~~وقع له مثل هذا الذي قد وقع لي: أجلس في هذه السفينة على هذا الباقلاء، ~~فآكل منه نيا ومطبوخا ومقلوا، وأرض [4] بعضه وأطحنه، وأجعله مرقا وإداما، ~~وهو يغذو غذاء صالحا، ويسمن، ويزيد في الباه. فابتدأت فيما أملته، ودفعنا ~~السفينة، PageV03P169 # فأنكرت كثرة الذبان. فلما كان الغد جاء منه ما لم أقدر معه على الأكل ~~والشرب. # وذهبت القائلة وذهب الحديث، وشغلت بالذب. على أنهن لم يكن يبرحن بالذب، ~~وكن أكثر من أن أكون أقوى عليهن؛ لأني كنت لا أطرد مائة حتى يخلفها مائة ~~مكانها. وهن في أول ما يخرجن من الباقلاء كأن بهن زمانة [1] فلما كان ~~طيرانهن أسوأ كان أسوأ لحالي، فقلت للملاح: ويلك! أي شيء معك حتى صار ~~الذبان يتبعك! قد والله أكلت وشربت! قال: أو ليس تعرف القصة؟ قلت: لا ~~والله! قال: # هي والله من هذه الباقلاء، ولولا هذه البلية لجاءنا من الركاب كما يجيئون ~~إلى جميع أصحاب الحمولات. وما ظننته إلا ممن قد اغتفر ms0449 هذا للين الكراء، وحب ~~التفرد بالسفينة. فسألته أن يقربني إلى بعض الفرض [2] ، حتى أكتري من هناك ~~إلى حيث أريد، فقال لي: أتحب أن أزودك منه؟ قلت: ما أحب أن ألتقي أنا ~~والباقلاء في طريق أبدا!. ### || 805- [من كره الباقلاء] # ولذلك كان أبو شمر لا يأكل الباقلاء، وكان أخذ ذلك عن معلمه معمر أبي ~~الأشعث. وكذلك كان عبد الله بن مسلمة بن محارب والوكيعي ومعمر، وأبو الحسن ~~المدائني، برهة من دهرهم. # وكان يقول: لولا أن الباقلاء عفن فاسد الطبع، رديء يخثر الدم ويغلظه ~~ويورث السوداء وكل بلاء- لما ولد الذبان. والذبان أقذر ما طار ومشى! وكان ~~يقول: كل شيء ينبت منكوسا فهو رديء للذهن، كالباقلاء والباذنجان. # وكان يزعم أن رجلا هرب من غرمائه فدخل في غابة باقلاء، فتستر عنهم بها، ~~فأراد بعضهم إخراجه والدخول فيها لطلبه، فقال: أحكمهم وأعلمهم كفاكم له ~~بموضعه شرا! وكان يقول: سمعت ناسا من أهل التجربة يحلفون بالله: إنه ما ~~أقام أحد أربعين يوما في منبت باقلاء وخرج منه إلا وقد أسقمه سقما لا يزايل ~~جسمه. # وزعم أن الذي منع أصحاب الأدهان والتربية بالسمسم من أن يربوا السماسم ~~[3] PageV03P170 # بنور الباقلاء، الذي يعرفون من فساد طبعه، وأنه غير مأمون على الدماغ ~~وعلى الخيشوم والصماخ [1] ، ويزعمون أن عمله الذي عمله هو القصد إلى ~~الأذهان بالفساد. # وكان يزعم أن كل شيء يكون رديئا للعصب فإنه يكون رديئا للذهن، وأن البصل ~~إنما كان يفسد الذهن؛ إذ كان رديا للعصب، وأن البلاذر [2] إنما صار يصلح ~~العقل ويورث الحفظ؛ لأنه صالح للعصب. # وكان يقول: سواء علي أكلت الذبان أو أكلت شيئا لا يولد إلا الذبان، وهو ~~لا يولده إلا هو. والشيء لا يلد الشيء إلا وهو أولى الأشياء به، وأقربها ~~إلى طبعه، وكذلك جميع الأرحام، وفيما ينتج أرحام الأرض وأرحام الحيوان، ~~وأرحام الأشجار، وأرحام الثمار، فيما يتولد منها وفيها. ### || 806- [حديث أبي سيف حول حلاوة الخرء] # وبينما أنا جالس يوما في المسجد مع فتيان من المسجديين مما يلي أبواب بني ~~سليم، وأنا يومئذ حدث السن إذ ms0450 أقبل أبو سيف الممرور- وكان لا يؤذي أحدا، ~~وكان كثير الظرف من قوم سراة- حتى وقف علينا، ونحن نرى في وجهه أثر الجد، ~~ثم قال مجتهدا: والله الذي لا إله إلا هو إن الخرء لحلو. ثم والله الذي لا ~~إله إلا هو إن الخرء لحلو. ثم والله الذي لا إله إلا هو إن الخرء لحلو، ~~يمينا باتة يسألني الله عنها يوم القيامة! فقلت له: أشهد أنك لا تأكله ولا ~~تذوقه، فمن أين علمت ذلك؟ فإن كنت علمت أمرا فعلمنا مما علمك الله. قال: ~~رأيت الذبان يسقط على النبيذ الحلو، ولا يسقط على الحازر [3] ، ويقع على ~~العسل ولا يقع على الخل، وأراه على الخرء أكثر منه على التمر. أفتريدون حجة ~~أبين من هذه؟ فقلت: يا أبا سيف بهذا وشبهه يعرف فضل الشيخ على الشاب. ### || 807- [تخلق بعض الحيوان من غير ذكر وأنثى] # [4] ثم رجع بنا القول إلى ذكر خلق الذبان من الباقلاء. وقد أنكر ناس من ~~العوام PageV03P171 # وأشباه العوام أن يكون شيء من الخلق كان من غير ذكر وأنثى. وهذا جهل بشأن ~~العالم، وبأقسام الحيوان. وهم يظنون أن على الدين من الإقرار بهذا القول ~~مضرة. # وليس الأمر كما قالوا. وكل قول يكذبه العيان فهو أفحش خطأ، وأسخف مذهبا، ~~وأدل على معاندة شديدة أو غفلة مفرطة. # وإن ذهب الذاهب إلى أن يقيس ذلك على مجاز ظاهر الرأي، دون القطع على غيب ~~حقائق العلل، فأجراه في كل شيء- قال قولا يدفعه العيان أيضا، مع إنكار ~~الدين له. # وقد علمنا أن الإنسان يأكل الطعام ويشرب الشراب، وليس فيهما حية ولا ~~دودة، فيخلق منها في جوفه ألوان من الحيات، وأشكال من الديدان من غير ذكر ~~ولا أنثى. ولكن لابد لذلك الولاد واللقاح من أن يكون عن تناكح طباع، ~~وملاقاة أشياء تشبه بطباعها الأرحام وأشياء تشبه في طبائعها ملقحات ~~الأرحام. ### || 808- [استطراد لغوي بشواهد من الشعر] # وقد قال الشاعر: [من الكامل] # فاستنكح الليل البهيم فألقحت ... عن هيجه واستنتجت أحلاما # وقال الآخر: [من مجزوء الكامل] # وإذا الأمور تناكحت ... فالجود أكرمها نتاجا # وقال ms0451 ذو الرمة: [من الطويل] # وإني لمدلاج إذا ما تناكحت ... مع الليل أحلام الهدان المثقل [1] # وقال علي بن معاذ: [من السريع] # للبدر طفل في حضان الهوا ... مستزلق من رحم الشمس [2] # وقال دكين الراجز [3] ، أو أبو محمد الفقعسي: [من الرجز] # وقد تعللت ذميل العنس ... بالسوط في ديمومة كالترس # إذا عرج الليل بروج الشمس PageV03P172 # وقال أمية بن أبي الصلت [1] : [من الكامل] # والأرض نوخها الإله طروقة ... للماء حتى كل زند مسفد [2] # والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد # وذكر أمية الأرض فقال [3] : [من البسيط] # والطوط نزرعه فيها فنلبسه ... والصوف نجتزه ما أردف الوبر [4] # هي القرار فما نبغي بها بدلا ... ما أرحم الأرض إلا أننا كفر # وطعنة الله في الأعداء نافذة ... تعيي الأطباء لا تثوى لها السبر [5] # ثم رجع إليها فقال: # منها خلقنا وكانت أمنا خلقت ... ونحن أبناؤها لو أننا شكر [6] ### || 809- [ما تستنكره العامة من القول] # وتقول العرب: الشمس أرحم بنا! فإذا سمع السامع منهم أن جالينوس قال: # عليكم بالبقلة الرحيمة- السلق- استشنعه السامع، وإذا سمع قول العرب: ~~الشمس أرحم بنا، وقول أمية [7] : [من البسيط] # ما أرحم الأرض إلا أننا كفر # لم يستشنعه، وهما سواء. # فإذا سمع أهل الكتاب يقولون: إن عيسى ابن مريم أخذ في يده اليمنى غرفة، ~~وفي اليسرى كسرة خبز، ثم قال: هذا أبي، للماء، وهذه أمي، لكسرة الخبز. # استشنعه، فإذا سمع قول أمية [8] : [من الكامل] # والأرض نوخها الإله طروقة ... للماء حتى كل زند مسفد # لم يستشنعه. PageV03P173 # والأصل في ذلك أن الزنادقة أصحاب ألفاظ في كتبهم، وأصحاب تهويل؛ لأنهم ~~حين عدموا المعاني ولم يكن عندهم فيها طائل، مالوا إلى تكلف ما هو أخضر ~~وأيسر وأوجز كثيرا. ### || 810- [حظوة بعض الألفاظ لدى بعض الناس] # ولكل قوم ألفاظ حظيت عندهم. وكذلك كل بليغ في الأرض وصاحب كلام منثور، ~~وكل شاعر في الأرض وصاحب كلام موزون؛ فلا بد من أن يكون قد قد لهج وألف ~~ألفاظا بأعيانها؛ ليديرها في كلامه، وإن كان واسع العلم غزير المعاني، كثير ~~اللفظ. # فصار حظ الزنادقة من الألفاظ التي سبقت إلى قلوبهم، ms0452 واتصلت بطبائعهم، ~~وجرت على ألسنتهم التناكح، والنتائج، والمزاج والنور والظلمة، والدفاع ~~والمناع، والساتر والغامر، والمنحل، والبطلان، والوجدان، والأثير والصديق ~~وعمود السبح، وأشكالا من هذا الكلام. فصار وإن كان غريبا مرفوضا مهجورا عند ~~أهل ملتنا ودعوتنا، وكذلك هو عند عوامنا وجمهورنا، ولا يستعمله إلا الخواص ~~وإلا المتكلمون. ### || 811- [لكل مقام مقال ولكل صناعة شكل] # وأنا أقول في هذا قولا، وأرجو أن يكون مرضيا. ولم أقل «أرجو» لأني أعلم ~~فيه خللا، ولكني أخذت بآداب وجوه أهل دعوتي وملتي، ولغتي، وجزيرتي، وجيرتي؛ ~~وهم العرب. وذلك أنه قيل لصحار العبدي: الرجل يقول لصاحبه، عند تذكيره ~~أياديه وإحسانه: أما نحن فإنا نرجو أن نكون قد بلغنا من أداء ما يجب علينا ~~مبلغا مرضيا. وهو يعلم أنه قد وفاه حقه الواجب، وتفضل عليه بما لا يجب. قال ~~صحار: كانوا يستحبون أن يدعوا للقول متنفسا، وأن يتركوا فيه فضلا، وأن ~~يتجافوا عن حق إن أرادوه لم يمنعوا منه. # فلذلك قلت «أرجو» . فافهم فهمك الله تعالى. # فإن رأيي في هذا الضرب من هذا اللفظ، أن أكون ما دمت في المعاني التي هي ~~عبارتها، والعادة فيها، أن ألفظ بالشيء العتيد [1] الموجود، وأدع التكلف ~~لما عسى ألا يسلس ولا يسهل إلا بعد الرياضة الطويلة. PageV03P174 # وأرى أن ألفظ بألفاظ المتكلمين ما دمت خائضا في صناعة الكلام مع خواص أهل ~~الكلام؛ فإن ذلك أفهم لهم عني، وأخف لمؤنتهم علي. # ولكل صناعة ألفاط قد حصلت لأهلها بعد امتحان سواها، فلم تلزق بصناعتهم ~~إلا بعد أن كانت مشاكلا بينها وبين تلك الصناعة. # وقبيح بالمتكلم أن يفتقر إلى ألفاظ المتكلمين في خطبة، أو رسالة، أو في ~~مخاطبة العوام والتجار، أو في مخاطبة أهله وعبده وأمته، أو في حديثه إذا ~~تحدث، أو خبره إذا أخبر. # وكذلك فإنه من الخطأ أن يجلب ألفاظ الأعراب، وألفاظ العوام وهو في صناعة ~~الكلام داخل. ولكل مقام مقال، ولكل صناعة شكل. ### || 812- [خلق بعض الحيوان من غير ذكر وأنثى] # ثم رجع بنا القول إلى ما يحدث الله عز وجل من خلقه من غير ms0453 ذكر ولا أنثى. # فقلنا [1] : إنه لابد في ذلك من تلاقي أمرين يقومان مقام الذكر والأنثى، ~~ومقام الأرض والمطر. وقد تقرب الطبائع، وإن لم تتحول في جميع معانيها، ~~كالنطفة والدم، وكاللبن والدم. # وقد قال صاحب المنطق: أقول بقول عام: لابد لجميع الحيوان من دم، أو من ~~شيء يشاكل الدم. # ونحن قد نجد الجيف يخلق منها الديدان، وكذلك العذرة. ولذلك المجوسي كلما ~~تبرز ذر على برازه شيئا من التراب؛ لئلا يخلق منها ديدان. والمجوسي لا ~~يتغوط في الآبار والبلاليع لأنه بزعمه يكرم بطن الأرض عن ذلك، ويزعم أن ~~الأرض أحد الأركان التي بنيت العوالم الخمسة عليها بزعمهم: أبرسارس ~~وأبرمارس وأبردس وكارس وحريرة أمنة. وبعضهم يجعل العوالم ستة ويزيد أسرس، ~~ولذلك لا يدفنون موتاهم ولا يحفرون لهم القبور، ويضعونهم في النواويس وضعا. # قالوا: ولو استطعنا أن نخرج تلك الجيف من ظهور الأرضين وأجواف الأحراز ~~[2] ، كما أخرجناها من بطون الأرضين لفعلنا. وهم يسمون يوم القيامة روز ~~رستهار، كأنه يوم تقوم الجيف. فمن بغضهم لأبدان الموتى سموها بأسمج ~~أسمائهم. PageV03P175 # قالوا: وعلى هذا المثال أعظمنا النار والماء، وليسا بأحق بالتعظيم من ~~الأرض. # وبعد فنحن ننزع الصمامة من رؤوس الآنية التي يكون فيها بعض الشراب، فنجد ~~هنالك من الفراش ما لم يكن عن ذكر ولا أنثى، وإنما ذلك لاستحالة بعض أجزاء ~~الهواء وذلك الشراب إذا انضم عليه ذلك الوعاء. وهذا قول ذي الرمة وتأويل ~~شعره، حيث يقول [1] : [من الطويل] # وأبصرن أن القنع صارت نطافه ... فراشا وأن البقل ذاو ويابس # وكذلك كل ما تخلق من جمار النخلة وفيها، من ضروب الخلق والطير، وأشباه ~~الطير، وأشباه بنات وردان [2] ، والذي يسمى بالفارسية فاذو، وكالسوس، ~~والقوادح [3] ، والأرضة، وبنات وردان اللاتي يخلقن من الأجذاع والخشب ~~والحشوش. وقد نجد الأزج [4] الذي يكبس فيه اليخ [5] بخراسان، كيف يستحيل ~~كله ضفادع. وما الضفدع بأدل على الله من الفراش. # وإنما يستحيل ذلك الثلج إذا انفتح فيه كقدر منخر الثور، حتى تدخله الريح ~~التي هي اللاقحة، كما قال الله عز وجل: وأرسلنا الرياح لواقح # [6] ، فجعلها لاقحة ولم ms0454 يجعلها ملقحة. # ونجد وسط الدهناء [7]- وهي أوسع من الدو [8] ومن الصمان [9]- وعلى ظهر ~~مسجد الجامع في غب المطر من الضفادع ما لا يحصى عدده. وليس أن ذلك كان عن ~~ذكر وأنثى، ولكن الله خلقها تلك الساعة من طباع تلك التربة وذلك المطر ~~PageV03P176 # وذلك الهواء المحيط بهما، وتلك الريح المتحركة. وإن زعموا أن تلك الضفادع ~~كانت في السحاب، فالذي أقروا به أعجب من الذي أنكروه. وإنما تقيم الضفادع ~~وتتربى وتتوالد في مناقع المياه، في أرض تلاقي ماء. والسحاب لا يوصف بهذه ~~الصفة. قد نجد الماء يزيد في دجلة والفرات فتنز البطون والحفائر التي تليها ~~من الأرض، فيخلق من ذلك الماء السمك الكثير، ولم يكن في تلك الحفائر الحدث ~~[1] ، ولا في بحر تلك الأرضين شيء من بيض السمك. # ولم نجد أهل القاطول [2] يشكون في أن الفأر تخلق من أرضهم، وأنهم ربما ~~أبصروا الفأرة من قبل أن يتم خلقها. فنسبوا بأجمعهم خلق الفأر إلى الذكر ~~والأنثى، وإلى بعض المياه والترب والأجواء والزمان، كما قالوا في السمك، ~~والضفادع، والعقارب. ### || 813- [ضعف اطراد القياس والرأي في الأمور الطبيعية] # فإن قاس ذلك قائس فقال: ليس بين الذبان وبنات وردان وبين الزنابير فرق، ~~ولا بين الزنابير والدبر والخنافس فرق، ولا بين الزرازير والخفافيش ولا بين ~~العصافير والزرازير فرق فإذا فرغوا من خشاش الأرض صاروا إلى بغاثها ثم إلى ~~أحرارها، ثم إلى الطواويس والتدارج [3] والزمامج [4] حتى يصعدوا إلى الناس. ~~قيل لهم: ليس ذلك كذلك، وينبغي لكم بديا أن تعرفوا الطبيعة والعادة، ~~والطبيعة الغريبة من الطبيعة العامية، والممكن من الممتنع، وأن الممكن على ~~ضربين: فمنه الذي لا يزال يكون، ومنه الذي لا يكاد يكون، وما علة الكثرة ~~والقلة، وتعرفوا أن الممتنع أيضا على ضربين: فمنه ما يكون لعلة موضوعة يجوز ~~دفعها، وما كان منه لعلة لا يجوز دفعها، وفصل ما بين العلة التي لا يجوز ~~دفعها وهي على كل حال علة، وبين الامتناع الذي لا علة له إلا عين الشيء ~~وجنسه. # وينبغي أن تعرفوا فرق ما بين المحال والممتنع، وما ms0455 يستحيل كونه من الله ~~عز وجل؛ وما يستحيل كونه من الخلق. PageV03P177 # وإذا عرفتم الجواهر وحظوظها من القوى، فعند ذلك فتعاطوا الإنكار ~~والإقرار، وإلا فكونوا في سبيل المتعلم، أو في سبيل من آثر الراحة ساعة على ~~ما يورث كد التعلم من راحة الأبد. قد يكون أن يجيء على جهة التوليد شيء ~~يبعد في الوهم مجيئه، ويمتنع شيء هو أقرب في الوهم من غيره؛ لأن حقائق ~~الأمور ومغيبات الأشياء، لا ترد إلى ظاهر الرأي، وإنما يرد إلى الرأي ما ~~دخل في باب الحزم والإضاعة وما هو أصوب وأقرب إلى نيل الحاجة. وليس عند ~~الرأي علم بالنجح والإكداء؛ كنحو مجيء الزجاج من الرمل، وامتناع الشبه [1] ~~والزئبق من أن يتحول في طبع الذهب والفضة. والزئبق أشبه بالفضة المايعة من ~~الرمل بالزجاج الفرعوني. والشبه الدمشقي بالذهب الإبريز أشبه من الرمل بفلق ~~[2] الزجاج النقي الخالص الصافي. # ومن العجب أن الزجاج- وهو مولد- قد يجري مع الذهب في كثير مفاخر الذهب؛ ~~إذ كان لا يغير طبعه ماء ولا أرض؛ والفضة التي ليست بمولدة إذا دفنت زمانا ~~غير طويل استحالت أرضا. فأما الحديد فإنه في ذلك سريع غير بطيء. # وقد زعم ناس أن الفرق الذي بينهما إنما هو أن كل شيء له في العالم أصل ~~وخميرة، لم يكن كالشيء الذي يكتسب ويجتلب ويلفق ويلزق، وأن الذهب لا يخلو ~~من أن يكون ركنا من الأركان قائما منذ كان الهواء والماء والنار والأرض. ~~فإن كان كذلك فهو أبعد شيء من أن يولد الناس مثله. وإن كان الذهب إنما حدث ~~في عمق الأرض، بأن يصادف من الأرض جوهرا. ومن الهواء الذي في خلالها جوهرا، ~~ومن الماء الملابس لها جوهرا، ومن النار المحصورة فيها جوهرا، مع مقدار من ~~طول مرور الزمان، ومقدار من مقابلات البروج. فإن كان الذهب إنما هو نتيجة ~~هذه الجواهر على هذه الأسباب، فواجب ألا يكون الذهب أبدا إلا كذلك. # فيقال لهؤلاء: أرأيتم الفأرة التي خلقت من صلب جرذ ورحم فأرة، وزعمتم ~~أنها فأرة على مقابلة من الأمور السماوية والهوائية والأرضية ms0456 وكانت نتيجة ~~هذه الخصال، مع استيفاء هذه الصفات؟ ألسنا قد وجدنا فأرة أخرى تهيأ لها من ~~أرحام الأرضين، ومن حضانة الهواء، ومن تلقيح الماء، ومن مقابلات السماويات ~~والهوائيات. فالزمان أصار جميع ذلك سببا لفأرة أخرى مثلها. وكذلك كل ما ~~عددناه فمن أين يستحيل أن يخلط الإنسان بين مائية طبيعية ومائية جوهر؟ إما ~~من طريق PageV03P178 # التبعيد والتقريب، ومن طريق الظنون والتجريب، أو من طريق أن يقع ذلك ~~اتفاقا، كما صنع الناطف [1] الساقط من يد الأجير في مذاب الصفر [2] حتى ~~أعطاه ذلك اللون، وجلب ذلك النفع، ثم إن الرجال دبرته وزادت ونقصت، حتى صار ~~شبها ذهبيا. هذا مع النوشاذر المولد من الحجارة السود. # فلو قلتم: إن ذلك قائم الجواز في العقل مطرد في الرأي، غير مستحيل في ~~النظر. ولكنا وجدنا العالم بما فيه من الناس منذ كانا فإن الناس يلتمسون ~~هذا وينتصبون له، ويكلفون به. فلو كان هذا الأمر يجيء من وجه الجمع ~~والتوليد والتركيب والتجريب، أو من وجه الاتفاق، لقد كان ينبغي أن يكون ذلك ~~قد ظهر من ألوف سنين وألوف؛ إذ كان هذا المقدار أقل ما تؤرخ به الأمم، ~~ولكان هذا مقبولا غير مردود. وعلى أنه لم يتبين لنا منه أنه يستحيل أن يكون ~~الذهب إلا من حيث وجد. وليس قرب كون الشيء في الوهم بموجب لكونه، ولا بعده ~~في الوهم بموجب لامتناعه. # ولو أن قائلا قال: إن هذا الأمر إذ قد يحتاج إلى أن تتهيأ له طباع الأرض، ~~وطباع الماء، وطباع الهواء، وطباع النار، ومقادير حركات الفلك، ومقدار من ~~طول الزمان. # فمتى لم تجتمع هذه الخصال وتكمل هذه الأمور لم يتم خلق الذهب. وكذلك قد ~~يستقيم أن يكون قد تهيأ لواحد أن يجمع بين مائتي شكل من الجواهر، فمزجها ~~على مقادير، وطبخها على مقادير، وأغبها مقدارا من الزمان، وقابلت مقدارا من ~~حركات الأجرام السماوية، وصادفت العالم بما فيه على هيئة، وكان بعض ما جرى ~~على يده اتفاقا وبعضه قصدا، فلما اجتمعت جاء منها ذهب فوقع ذلك في خمسة ~~آلاف ms0457 سنة مرة، ثم أراد صاحبه المعاودة فلم يقدر على أمثال مقادير طبائع تلك ~~الجواهر، ولم يضبط مقادير ما كان قصد إليه في تلك المرة، وأخطأ ما كان وقع ~~له اتفاقا، ولم يقابل من الفلك مثل تلك الحركات، ولا من العالم مثل تلك ~~الهيئة، فلم يعد له ذلك. # فإن قال لنا هذا القول قائل وقال: بينوا لي موضع إحالته، ولا تحتجوا ~~بتباعد اجتماع الأمور به، فإنا نقر لكم بتباعدها. هل كان عندنا في ذلك قول ~~مقنع، والدليل الذي تثلج به الصدور؟! وهل عندنا في استطاعة الناس أن يولدوا ~~مثل ذلك، إلا بأن PageV03P179 # يعرض هذا القول على العقول السليمة، والأفهام التامة وترده إلى الرسل ~~والكتب؟! فإذا وجدنا هذه الأمور كلها نافية له، كان ذلك عندنا هو المقنع. ~~وليس الشأن فيما يظهر اللسان من الشك فيه والتجويز له، ولكن ليرده إلى ~~العقل؛ فإنه سيجده منكرا ونافيا له، إذا كان العقل سليما من آفة المرض. ومن ~~آفة التخبيل. ### || 814- [ضروب التخبيل] # والتخبيل ضروب: تخبيل من المرار، وتخبيل من الشيطان، وتخبيل آخر كالرجل ~~يعمد إلى قلب رطب لم يتوقح [1] ، وذهن لم يستمر [2] ، فيحمله على الدقيق ~~وهو بعد لا يفي بالجليل، ويتخطى المقدمات متسكعا [3] بلا أمارة، فرجع حسيرا ~~[4] بلا يقين، وغبر زمانا لا يعرف إلا الشكوك والخواطر الفاسدة، التي متى ~~لاقت القلب على هذه الهيئة، كانت ثمرتها الحيرة، والقلب الذي يفسد في يوم ~~لا يداوى في سنة، والبناء الذي ينقض في ساعة لا يبنى مثله في شهر. ### || 815- [قولهم: هذا نبيذ يمنع جانبه] # ثم رجع بنا القول إلى ذكر الذبان # قيل لعلويه كلب المطبخ: أي شيء معنى قولهم: «هذا نبيذ يمنع جانبه» ؟ # قال: يريدون أن الذبان لا يدنو منه. وكان الرقاشي حاضرا فأنشد قول ابن ~~عبدل: [من الخفيف] # عشش العنكبوت في قعر دني ... إن ذا من رزيتي لعظيم # ليتني قد غمرت دني حتى ... أبصر العنكبوت فيه يعوم # غرقا لا يغيثه الدهر إلا ... زبد فوق رأسه مركوم [5] # مخرجا كفه ينادي ذبابا ... أن أغثني فإنني مغموم # قال: دعني فلن أطيق ms0458 دنوا ... من شراب يشمه المزكوم # قال: والذبان يضرب به المثل في القذر وفي استطابة النتن، فإذا عجز الذباب ~~عن شم شيء فهو الذي لا يكون أنتن منه. PageV03P180 # ولذلك حين رمى ابن عبدل محمد بن حسان بن سعد بالبخر، قال [1] : [من ~~الوافر] # وما يدنو إلى فيه ذباب ... ولو طليت مشافره بقند [2] # يرين حلاوة ويخفن موتا ... وشيكا إن هممن له بورد ### || 816-[أبو ذبان] # ويقال لكل أبخر # : أبو ذبان، # وكانت فيما زعموا كنية عبد الملك بن مروان [3] وأنشدوا قول أبي حزابة: ~~[من الرجز] # أمسى أبو ذبان مخلوع الرسن ... خلع عنان قارح من الحصن [4] # وقد صفت بيعتنا لابن حسن ### || 817- [شعر فيه هجاء بالذباب] # قال رجل يهجو هلال بن عبد الملك الهنائي: [من الوافر] # ألا من يشتري مني هلالا ... مودته وخلته بفلس # وأبرأ للذي يبتاع مني ... هلالا من خصال فيه خمس # فمنهن النغانغ والمكاوي ... وآثار الجروح وأكل ضرس [5] # ومن أخذ الذباب بإصبعيه ... وإن كان الذباب برأس جعس [6] ### || 818- [التسوية بين الذبان والناس في العجز] # قالوا: وضرب الله عز وجل لضعف الناس وعجزهم مثلا، فقال: يا أيها الناس ~~ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو ~~اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب # [7] فقال PageV03P181 # بعض الناس: قد سوى بين الذبان والناس في العجز: وقالوا: فقد يولد الناس ~~من التعفين الفراش وغير الفراش وهذا خلق، على قوله: وإذ تخلق من الطين ~~كهيئة الطير # [1] وعلى قوله: أحسن الخالقين* # [2] وعلى قول الشاعر [3] : [من الكامل] # وأراك تفري ما خلقت وبع ... ض القوم يخلق ثم لا يفري # قيل لهم: إنما أراد الاختراع، ولم يرد التقدير. ### || 819- [قول في شعر] # وأما قول ابن ميادة [4] : [من الطويل] # ألا لا نبالي أن تخندف خندف ... ولسنا نبالي أن يطن ذبابها [5] # فإنما جعل الذباب هاهنا مثلا، وقد وضعه في غير موضع تحقير له وموضع ~~تصغير. وهو مثل قوله [6] : [من الطويل] # بني أسد كونوا لمن قد علمتم ... موالي ذلت للهوان رقابها # فلو حاربتنا الجن لم نرفع العصا ... عن ms0459 الجن حتى لا تهر كلابها # وليس يريد تحقير الكلاب. # ويقال: هو ذباب العين، وذباب السيف، ويقال تلك أرض مذبة أي كثيرة الذباب. # وقال أبو الشمقمق في هجائه لبعض من ابتلي به [7] : [من الرمل] # أسمج الناس جميعا كلهم ... كذباب ساقط في مرقه # ويقال إن اللبن إذا ضرب بالكندس [8] ونضح به بيت لم يدخله ذبان. ~~PageV03P182 ### || 820- [أبو حكيم وثمامة بن أشرس] # وسمعت أبا حكيم الكيمائي وهو يقول لثمامة بن أشرس: قلنا لكم إننا ندلكم ~~على الإكسير، فاستثقلتم الغرم، وأردتم الغنم بلا غرم. وقلنا لكم: دعونا ~~نصنع هذه الجسور صنعة لا تنتقض أبدا، فأبيتم. وقلنا لكم: ما ترجون من هذه ~~المسنيات [1] التي تهدمها المدود [2] ، وتخربها المرادي [3] ؟! نحن نعمل ~~لكم مسنيات [1] بنصف هذه المؤونة، فتبقى لكم أبدا. ثم قولوا للمدود أن ~~تجتهد جهدها، وللمرادي أن تبلغ غايتها فأبيتم. وقولوا لي: الذباب ما ترجون ~~منها؟! وما تشتهون من البعوض؟ # وما رغبتكم في الجرجس [4] ؟ لم لا تدعوني أخرجها من بيوتكم بالمؤونة ~~اليسيرة؟ # وهو يقول هذا القول وأصحابنا يضحكون، وابن سافري جالس يسمع. # فلما نزلنا أخذ بيده ومضى به إلى منزله، فغداه وكساه وسقاه، ثم قال له: # أحببت أن تخرج البعوض من داري. فأما الذباب فإني أحتمله. قال: ولم تحتمل ~~الأذى وقد أتاك الله بالفرج؟ قال: فافعل. قال: لابد لي من أن أخلط أدوية ~~وأشتري أدوية قال: فكم تريد؟ قال: أريد شيئا يسيرا. قال: وكم ذاك؟ قال: ~~خمسون دينارا. # قال: ويحك! خمسون يقال لها يسير؟! قال: أنت ليس تشتهي الراحة من قذر ~~الذبان ولسع البعوض! ثم لبس نعليه وقام على رجليه. فقال له: اقعد. قال: إن ~~قعدت قبل أن آخذها ثم اشتريت دواء بمائة دينار لم تنتفع به؛ فإني لست أدخن ~~هذه الدخنة، إلا للذين إذا أمرتهم بإخراجهن أخرجوهن. ولا أكتمك ما أريد؛ ~~إني لست أقصد إلا إلى العمار [5] . فما هو إلا أن سمع بذكر العمار حتى ذهب ~~عقله، ودعا له بالكيس وذهب ليزن الدنانير، فقال له: لا تشق على نفسك! هاتها ~~بلا وزن عددا، وإنما خاف أن ms0460 تحدث حادثة، أو يقع شغل، فتفوت. فعدها وهو زمع ~~[6] فغلط بعشرة دنانير، فلما انصرف وزنها وعدها فوجد دنانيره تنقص، فبكر ~~عليه يقتضيه الفضل، فضحك أبو حكيم حتى كاد يموت، ثم قال: تسألني عن الفرع ~~وقد استهلك الأصل؟! ولم يزل يختلف إليه ويدافعه حتى قال له ثمامة: ويلك ~~أمجنون أنت؟! قد ذهب المال PageV03P183 # والسخرية مستورة. فإن نافرته فضحت نفسك، وربحت عداوة شيطان هو والله أضر ~~عليك من عمار بيتك، الذي ليس يخرجون عنك الذباب والبعوض بلا كلفة، مع حق ~~الجوار. قال: هم سكاني وجيراني. قالوا: لو كان سمع منك أبو حكيم هذه الكلمة ~~لكانت الخمسون دينارا مائة دينار!!. ### || 821- [شعر في أصوات الذباب وغنائها] # ومما قيل في أصوات الذباب وغنائها، قال المثقب العبدي [1] : [من الوافر] # وتسمع للذباب إذا تغنى ... كتغريد الحمام على الغصون # وقال آخر: [من مجزوء الكامل] # حو مساربه تغ ... نى في غياطله ذبابه [2] # وقال أبو النجم [3] : [من الرجز] # أنف ترى ذبابها تعلله ... من زهر الروض الذي يكلله [4] # وقال أيضا [5] : [من الرجز] # والشيخ تهديه إلى طحمائه ... فالروض قد نور في عزائه [6] # مختلف الألوان في أسمائه ... نورا تخال الشمس في حمرائه [7] # مكللا بالورد من صفرائه ... يجاوب المكاء من مكائه [8] # صوت ذباب العشب في درمائه ... يدعو كأن العقب من دعائه [9] # صوت مغن مد في غنائه PageV03P184 # وقال الشماخ [1] : [من الطويل] # يكلفها ألا تخفض صوتها ... أهازيج ذبان على عود عوسج # بعيد مدى التطريب أول صوته ... سحيل وأعلاه نشيج المحشرج [2] ### || 822- [المغنيات من الحيوان] # والأجناس التي توصف بالغناء أجناس الحمام والبعوض، وأصنف الذبان من ~~الدبر، والنحل، والشعراء، والقمع والنعر، وليس لذبان الكلب غناء، ولا لما ~~يخرج من الباقلاء. قال الشاعر [3] : [من الرجز] # تذب عنها بأثيث ذائل ... ذبان شعراء وصيف ماذل [4] ### || 823- [ألوان الذبان] # وذبان الشعراء حمر. قال: والذبان التي تهلك الإبل زرق. # قال الشاعر: [من الرجز] # تربعت والدهر ذو تصفق ... حالية بذي سبيب مونق [5] # إلا من أصوات الذباب الأزرق ... أو من نقانق الفلا المنقنق # والذبان الذي يسقط على الدواب صفر. # وقال أرطأة بن سهية [6] ، لزميل بن أم دينار: ms0461 [من الكامل] # أزميل إني إن أكن لك جازيا ... أعكر عليك وإن ترح لا تسبق # إني امرو تجد الرجال عداوتي ... وجد الركاب من الذباب الأزرق # وإذا مر بك الشعر الذي يصلح للمثل وللحفظ، فلا تنس حظك من حفظه. ~~PageV03P185 # وقال المتلمس [1] : [من الطويل] # فهذا أوان العرض جن ذبابه ... زنابيره والأزرق المتلمس [2] # وبه سمي المتلمس. # وقال ابن ميادة: [3] [من البسيط] # بعنتريس كأن الدبر يلسعها ... إذا تغرد حاد خلفها طرب [4] ### || 824- [ما يسمى بالذبان] # والدليل على أن أجناس النحل والدبر كلها ذبان، ما حدث به عباد بن صهيب، ~~وإسماعيل المكي عن الأعمش، عن عطية بن سعيد العوفي قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: # «كل ذباب في النار إلا النحلة» [5] . # وقال سليمان: سمعت مجاهدا يكره قتل النحل وإحراق العظام. يعني في الغزو. # وحدثنا عنبسة قال: حدثنا حنظلة السدوسي قال: أنبأنا أنس بن مالك، أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قال: «عمر الذباب أربعون يوما. والذباب في النار» ~~. ### || 825- [بحث كلامي في عذاب الحيوان والأطفال] # وقد اختلف الناس في تأويل قوله: «والذباب في النار» وقال قوم: الذباب خلق ~~خلق للنار. كما خلق الله تعالى ناسا كثيرا للنار، وخلق أطفالا للنار. ~~فهؤلاء قوم خلعوا عذرهم فصار أحدهم إذا قال: ذلك عدل من الله عز وجل؛ فقد ~~بلغ أقصى العذر، ورأى أنه إذا أضاف إليه عذاب الأطفا فقد مجده. ولو وجد ~~سبيلا إلى أن يقول إن ذلك ظلم لقاله ولو وجد سبيلا إلى أن يزعم أن الله ~~تعالى يخبر عن شيء أنه PageV03P186 # يكون وهو لا يكون، ثم يقول إلا أن ذلك صدق لقاله. إلا أنه يخاف السيف عند ~~هذه، ولا يخاف السيف عند تلك. وإن كانت تلك أعظم في الفرية من هذه. # وبعض يزعم أن الله عز وجل إنما عذب أطفال المشركين ليغم بهم آباءهم. ثم ~~قال المتعاقلون منهم: بل عذبهم لأنه هكذا شاء، ولأن هذا له. فليت شعري ~~أيحتسب بهذا القول في باب التمجيد لله تعالى؛ لأن كل من فعل ما يقدر عليه ~~فهو محمود، وكل ms0462 من لم يخف سوط أمير فأتى قبيحا فالذي يحسن ذلك القبيح أن ~~صاحبه كان في موضع أمن، أو لأنه آمن يمتنع من مطالبة السلطان. فكيف وكون ~~الكذب والظلم والعبث واللهو والبخل كله محال ممن لا يحتاج إليه، ولا تدعوه ~~إليه الدواعي. # وزعم أبو إسحاق أن الطاعات إذا استوت استوى أهلها في الثواب، وأن المعاصي ~~إذا استوت استوى أهلها في العقاب. وإذا لم يكن منهم طاعة ولا معصية استووا ~~في التفضل. # وزعم أن أجناس الحيوان وكل شيء يحس ويألم، في التفضل سواء وزعم أن أطفال ~~المشركين والمسلمين كلهم في الجنة. وزعم أنه ليس بين الأطفال ولا بين ~~البهائم والمجانين فرق، ولا بين السباع في ذلك وبين البهائم فرق. # وكان يقول: إن هذه الأبدان السبعية والبهيمية لا تدخل الجنة، ولكن الله ~~عز وجل ينقل تلك الأرواح خالصة من تلك الآفات؛ فيركبها في أي الصور أحب. # وكان أبو كلدة، ومعمر، وأبو الهذيل وصحصح، يكرهون هذا الجواب. # ويقولون: سواء عند خواصنا وعوامنا، أقلنا: إن أرواح كلابنا تصير إلى ~~الجنة، أم قلنا: # إن كلابنا تدخل الجنة ومتى ما اتصل كلامنا بذكر الكلب على أي وجه كان؛ ~~فكأنا عندهم قد زعمنا أن الجنة فيها كلاب. ولكنا نزعم [1] أن جميع ما خلق ~~الله تعالى من السباع والبهائم والحشرات والهمج فهو قبيح المنظرة مؤلم، أو ~~حسن المنظرة ملذ؛ فما كان كالخيل والظباء، والطواويس، والتدارج فإن تلك في ~~الجنة، ويلذ أولياء الله عز وجل بمناظرها. وما كان منها قبيحا في الدنيا ~~مؤلم النظر جعله الله عذابا إلى عذاب أعدائه في النار فإذا جاء في الأثر: ~~أن الذباب في النار، وغير ذلك من الخلق، فإنما يراد به هذا المعنى. # وذهب بعضهم إلى أنها تكون في النار، وتلذ ذلك، كما أن خزنة جهنم والذين ~~يتولون من الملائكة التعذيب، يلذون موضعهم من النار. PageV03P187 # وذهب بعضهم إلى أن الله تعالى يطبعهم على استلذاذ النار والعيش فيها، كما ~~طبع ديدان الثلج والخل على العيش في أماكنها [1] . # وذهب آخرون إلى أن الله عز وجل يحدث ms0463 لأبدانهما علة لا تصل النار إليها، ~~وتنعم قلوبهما وأبدانهما من وجه آخر كيف شاء. وقالوا: وقد وجدنا الناس ~~يحتالون لأنفسهم في الدنيا حيلا، حتى يدخل أحدهم بعض الأتاتين [2] بذلك ~~الطلاء، ولا تضره النار، وهو في معظمها، وموضع الجاحم [3] منها. ففضل ما ~~بين قدرة الله وقدرة عباده أكثر من فضل ما بين حر نار الدنيا والآخرة. # وذهب بعضهم إلى أن سبيلها فيها كسبيل نار إبراهيم؛ فإنه لما قذف فيها بعث ~~الله عز وجل ملكا يقال له ملك الظل، فكان يحدثه ويؤنسه؛ فلم تصل النار إلى ~~أذاه، مع قربه من طباع ذلك الملك. # وكيفما دار الأمر في هذه الجوابات؛ فإن أخسها وأشنعها أحسن من قول من زعم ~~أن الله تعالى يعذب بنار جهنم من لم يسخطه ولا يعقل كيف يكون السخط. # ومن العجب أن بعضهم يزعم أن الله تعالى إنما عذبه ليغم أباه. وإنما يفعل ~~ذلك من لا يقدر على أن يوصل إليهم ضعف الاغتمام، وضعف الألم الذي ينالهم ~~بسبب أبنائهم. فأما من يقدر على إيصال ذلك المقدار إلى من يستحقه، فكيف ~~يوصله ويصرفه إلى من لا يستحقه؟ وكيف يصرفه عمن أسخطه إلى من لم يسخطه؟ هذا ~~وقد سمعوا قول الله عز وجل: يود المجرم لو يفتدي من عذاب يومئذ ببنيه. # وصاحبته وأخيه. وفصيلته التي تؤويه. ومن في الأرض جميعا ثم ينجيه. كلا ~~إنها لظى. نزاعة للشوى # [4] وكيف يقول هذا القول من يتلو القرآن؟! ثم رجع بنا القول إلى الذبان ~~وأصناف الذبان. ### || 826- [الذبان أجهل الخلق] # والذبان أجهل الخلق؛ لأنها تغشى النار من ذات أنفسها حتى تحترق. وقال ~~الشاعر: [من المتقارب] # ختمت الفؤاد على حبها ... كذاك الصحيفة بالخاتم PageV03P188 # هوت بي إلى حبها نظرة ... هوي الفراشة للجاحم # وقال آخر [1] : [من الوافر] # كأن مشافر النجدات منها ... إذا ما مسها قمع الذباب # بأيدي مأتم متساعدات ... نعال السبت أو عذب الثياب ### || 827- [كراع الأرنب] # وقال بعض الشعراء [2] ، يهجو حارثة بن بدر الغداني: [من الكامل] # زعمت غدانة أن فيها سيدا ... ضخما يواريه جناح الجندب # وزعم ناس أنه قال: [من ms0464 الكامل] # يرويه ما يروي الذباب فينتشي ... سكرا، وتشبعه كراع الأرنب [3] # قالوا: لا يجوز أن يقول: «يرويه ما يروي الذباب» و «يواريه جناح الجندب» ~~ثم يقول: «ويشبعه كراع الأرنب» . # وإنما [4] ذكر # | كراع الأرنب؛ # لأن يد الأرنب قصيرة، ولذلك تسرع في الصعود، ولا يلحقها من الكلاب إلا كل ~~قصير اليد. وذلك محمود من الكلب. والفرس توصف بقصر الذراع. ### || 828- [قصة في الهرب من الذباب] # وحدثني الحسن بن إبراهيم العلوي قال: مررت بخالي، وإذا هو وحده يضحك، ~~فأنكرت ضحكه؛ لأني رأيته وحده، وأنكرته، لأنه كان رجلا زميتا ركينا [5] ، ~~قليل الضحك. فسألته عن ذلك فقال: أتاني فلان يعني شيخا مدينيا- وهو مذعور ~~فقلت له: ما وراءك؟ فقال: أنا والله هارب من بيتي! قلت ولم؟ قال: في بيتي ~~ذباب أزرق، كلما دخلت ثار في وجهي، وطار حولي وطن عند أذني، فإذا وجد ~~PageV03P189 # مني غفلة لم يخطئ موق عيني. هذا والله دأبه ودأبي دهرا معه. قلت له: إن ~~شبه الذباب بالذباب كشبه الغراب بالغراب؛ فلعل الذي آذاك اليوم أن يكون غير ~~الذي آذاك أمس، ولعل الذي آذاك آمس غير الذي آذاك أول من أمس، فقال: أعتق ~~ما أملك إن لم أكن أعرفه بعينه منذ خمس عشرة سنة. فهذا هو الذي أضحكني. ### || 829- [قصة في سفاد الذباب] # وقال الخليل بن يحيى: قد رأيت الخنزير يركب الخنزيرة عامة نهاره، ورأيت ~~الجمل يركب الناقة ساعة من نهاره. وكنت قبل ذلك أغبط العصفور والعصم- فإن ~~الذكر وإن كان سريع النزول عن ظهر الأنثى فإنه لسرعة العودة، ولكثرة العدد، ~~كأنه في معنى الخنزير والجمل وحتى رأيت الذباب وفطنت له، فإذا هو يركب ~~الذبابة عامة نهاره. فقال له محمد بن عمر البكراوي: ليس ذلك هو السفاد. ~~قال: أما الذي رأت العينان فهذا حكمه. فإن كنت تريد أن تطيب نفسك بإنكار ما ~~تعرف مما قسم الله عز وجل بين خلقه، من فضول اللذة، فدونك. # ويزعمون أن للورل [1] في ذلك ما ليس عند غيره. ### || 830- [قصة آكل الذبان] # وأنشد ابن داحة في مجلس أبي عبيدة، قول السيد الحميري [2] : [من ms0465 الكامل] # أترى ضهاكا وابنها وابن ابنها ... وأبا قحافة آكل الذبان # كانوا يرون، وفي الأمور عجائب ... يأتي بهن تصرف الأزمان # أن الخلافة في ذؤابة هاشم ... فيهم تصير وهيبة السلطان # وكان ابن داحة رافضيا، وكان أبو عبيدة خارجيا صفريا، فقال له: ما معناه ~~في قوله: «آكل الذبان» ؟ فقال: لأنه كان يذب عن عطر ابن جدعان. قال: ومتى ~~احتاج العطارون إلى المذاب؟! قال: غلطت إنما كان يذب عن حيسة ابن جدعان. ~~قال: # فابن جدعان وهشام بن المغيرة، كان يحاس لأحدهما الحيسة [3] على عدة أنطاع ~~[4] ، PageV03P190 # فكان يأكل منها الراكب والقائم والقاعد فأين كانت تقع مذبة أبي قحافة من ~~هذا الجبل؟! قال: كان يذب عنها ويدور حواليها. فضحكوا منه، فهجر مجلسهم ~~سنة. ### || 831- [تحقير شأن الذبابة] # قال: وفي باب # | تحقير شأن الذبابة # وتصغير قدرها، يقول الرسول: «لو كانت الدنيا تساوي عند الله تعالى جناح ~~ذبابة ما أعطى الكافر منها شيئا» [1] . ### || 832- [أعجوبة في ذبان البصرة] # وعندنا بالبصرة في الذبان أعجوبة، لو كانت بالشامات أو بمصر لأدخلوها في ~~باب الطلسم؛ وذلك أن التمر يكون مصبوبا في بيادر التمر في شق البساتين، فلا ~~ترى على شيء منها ذبابة لا في الليل، ولا في النهار، ولا في البردين [2] ~~ولا في أنصاف النهار، نعم وتكون هناك المعاصر، ولأصحاب المعاصر ظلال، ومن ~~شأن الذباب الفرار من الشمس إلى الظل. وإنما تلك المعاصر بين تمرة ورطبة، ~~ودبس وثجير [3] ، ثم لا تكاد ترى في تلك الظلال والمعاصر، في انتصاف ~~النهار، ولا في وقت طلب الذبان الكن، إلا دون ما تراه في المنزل الموصوف ~~بقلة الذبان. # وهذا شيء يكون موجودا في جميع الشق الذي فيه البساتين. فإن تحول شيء من ~~تمر تلك الناحية إلى جميع ما يقابلها في نواحي البصرة، غشيه من الذبان ما ~~عسى إلا يكون بأرض الهند أكثر منه وليس بين جزيرة نهر دبيس [4] ، وبين موضع ~~الذبان إلا فيض البصرة، ولا بين ما يكون من ذلك بنهر أذرب وبين موضع الذبان ~~مما يقابله، إلا سيحان [5] ، وهو ذلك التمر وتلك المعصرة، ولا تكون تلك ms0466 ~~المسافة إلا مائة ذراع أو أزيد شيئا أو أنقص شيئا. ### || 833- [نوم عجيب لضروب من الحيوان] # وأعجوبة أخرى، وهي عندي أعجب من كل شيء صدرنا به جملة القول في ~~PageV03P191 # الذباب. فمن العجب أن يكون بعض الحيوان لا ينام كالصافر والتنوط؛ فإنهما ~~إذا كان الليل فإن أحدهما يتدلى من غصن الشجرة، ويضم عليه رجليه، وينكس ~~رأسه، ثم لا يزال يصيح حتى يبرق النور. والآخر لا يزال يتنقل في زوايا ~~بيته، ولا يأخذه القرار، خوفا على نفسه، فلا يزال كذلك، وقد نتف قبل ذلك ~~مما على ظهور الأشجار مما يشبه الليف فنفشه، ثم فتل منه حبلا، ثم عمل منه ~~كهيئة القفة، ثم جعله مدلى بذلك الحبل، وعقده بطرف غصن من تلك الأغصان؛ إلا ~~أن ذلك بترصيع ونسج، ومداخلة عجيبة؛ ثم يتخذ عشه فيه، ويأوي إليه مخافة على ~~نفسه. # والأعراب يزعمون أن الذئب شديد الاحتراس، وأنه يرواح بين عينيه، فتكون ~~واحدة مطبقة نائمة وتكون الأخرى مفتوحة حارسة ولا يشكون أن الأرنب تنام ~~مفتوحة العينين. # وأما الدجاج والكلاب فإنما تعزب [1] عقولهما في النوم، ثم ترجع إليهما ~~بمقدار رجوع الأنفاس. فأما الدجاج فإنها تفعل ذلك من الجبن وأما الكلب فإنه ~~يفعل ذلك من شدة الاحتراس. # وجاؤوا كلهم يخبرون أن الغرانيق والكراكي لا تنام أبدا إلا في أبعد ~~المواضع من الناس، وأحرزها من صغار سباع الأرض، كالثعلب وابن آوى. وأنها لا ~~تنام حتى تقلد أمرها رئيسا وقائدا، وحافظا وحارسا، وأن الرئيس إذا أعيا رفع ~~إحدى رجليه، ليكون أيقظ له. ### || 834- [سلطان النوم] # وسلطان النوم معروف. وإن الرجل ممن يغزو في البحر، ليعتصم بالشراع ~~وبالعود وبغير ذلك، وهو يعلم أن النوم متى خالط عينيه استرخت يده، ومتى ~~استرخت يده باينه الشيء الذي كان يركبه ويستعصم به، وأنه متى باينه [2] لم ~~يقدر عليه، ومتى عجز عن اللحاق به فقد عطب. ثم هو في ذلك لا يخلو، إذا سهر ~~ليلة أو ليلتين، من أن يغلبه النوم ويقهره، وإما أن يحتاج إليه الحاجة التي ~~يريه الرأي الخوان، وفساد العقل المغمور بالعلة الحادثة، ms0467 أنه قد يمكن أن ~~يغفي وينتبه في أسرع الأوقات، وقبل أن تسترخي يده كل الاسترخاء، وقبل أن ~~تباينه الخشبة إن كانت خشبة. PageV03P192 ### || 835- [أعجب من نوم الذبان] # وليس في جميع ما رأينا وروينا، في ضروب نوم الحيوان # ، أعجب من نوم الذبان، # وذلك أنها ربما جعلت مأواها بالليل دروند الباب [1] وقد غشوه ببطانة ساج ~~[2] أملس كأنه صفاة، فإذا كان الليل لزقت به، وجعلت قوائمها مما يليه، ~~وعلقت أبدانها إلى الهواء. فإن كانت لا تنام البتة ولا يخالطها عزوب [3] ~~المعرفة فهذا أعجب: أن تكون أمة من أمم الحيوان لا تعرف النوم، ولا تحتاج ~~إليه. وإن كانت تنام ويعزب عنها ما يعزب [3] عن جميع الحيوان سوى ما ذكرنا، ~~فما تخلو من أن تكون قابضة على مواضع قوائمها، ممسكة بها، أو تكون مرسلة ~~لها مخلية عنها. فإن كانت مرسلة لها فكيف لم تسقط وهي أثقل من الهواء؟! وإن ~~كانت ممسكة لها فكيف يجامع التشدد والتثبيت النوم؟!. ### || 836- [بعض ما يعتري النائم] # ونحن نرى كل من كان في يده كيس أو درهمأو حبل، أو عصا فإنه متى خالط ~~عينيه النوم استرخت يده وانفتحت أصابعه. ولذلك يتثاءب المحتال للعبد الذي ~~في يده عنان دابة مولاه، ويتناوم له وهو جالس؛ لأن من عادة الإنسان إذا لم ~~يكن بحضرته من يشغله، ورأى إنسانا قبالته ينود [4] أو ينعس، أن يتثاءب ~~وينعس مثله. فمتى استرخت يده أو قبضته عن طرف العنان، وقد خامره سكر النوم، ~~ومتى صار إلى هذه الحال- ركب المحتال الدابة ومر بها. PageV03P193 ### | باب القول في الغربان # اللهم جنبنا التكلف، وأعذنا من الخطأ، واحمنا العجب بما يكون منه، والثقة ~~بما عندنا، واجعلنا من المحسنين. # نذكر على اسم الله جمل القول في الغربان، والإخبار عنها، وعن غريب ما ~~أودعت من الدلالة، واستخزنت من عجيب الهداية. # وقد كنا قدمنا ما تقول العرب في شأن منادمة الغراب والديك وصداقته له، ~~وكيف رهنه عند الخمار، وكيف خاس به وسخر منه وخدعه وكيف خرج سالما غير ~~غارم، وغانما غير خائب، وكيف ضربت به العرب الأمثال، وقالت ms0468 فيه الأشعار، ~~وأدخلته في الاشتقاق لزجرها عند عيافتها وقيافتها، وكيف كان السبب في ذلك. ### || 837- [ذكر الغراب في القرآن] # فهذا إلى ما حكى الله عز وجل من خبر ابني آدم، حين قربا قربانا فحسد الذي ~~لم يتقبل منه المتقبل منه، فقال عندما هم به من قتله، وعند إمساكه عنه، ~~والتخلية بينه وبين ما اختار لنفسه: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من ~~أصحاب النار وذلك جزاء الظالمين # [1] . ثم قال: فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله فأصبح من الخاسرين فبعث الله ~~غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه # [2] حتى قال القائل، وهو أحد ابني آدم ما قال: فلولا أن للغراب فضيلة ~~وأمورا محمودة، وآلة وسببا ليس لغيره من جميع الطير لما وضعه الله تعالى في ~~موضع تأديب الناس، ولما جعله الواعظ والمذكر بذلك. وقد قال الله عز وجل: ~~PageV03P194 # فبعث الله غرابا يبحث في الأرض ليريه كيف يواري سوأة أخيه # [1] ، فأخبر أنه مبعوث، وأنه هو اختاره لذلك من بين جميع الطير. # قال صاحب الديك: جعلت الدليل على سوء حاله وسقوطه الدليل على حسن حاله ~~وارتفاع مكانه. وكلما كان ذلك المقرع به أسفل كانت الموعظة في ذلك أبلغ. # ألا تراه يقول: يا ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب فأواري سوأة أخي ~~فأصبح من النادمين # [1] . # ولو كان في موضع الغراب رجل صالح، أو إنسان عاقل، لما حسن به أن يقول: يا ~~ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا العاقل الفاضل الكريم الشريف. وإذا كان دونا ~~وحقيرا فقال: أعجزت وأنا إنسان أن أحسن ما يحسنه هذا الطائر، ثم طائر من ~~شرار الطير. وإذا أراه ذلك في طائر أسود محترق، قبيح الشمائل، رديء المشية، ~~ليس من بهائم الطير المحمودة، ولا من سباعها الشريفة، وهو بعد طائر يتنكد ~~به ويتطير منه، آكل جيف، رديء الصيد. وكلما كان أجهل وأنذل كان أبلغ في ~~التوبيخ والتقريع. # وأما قوله: فأصبح من النادمين # [1] فلم يكن به على جهة الإخبار أنه كان قتله ليلا، وإنما هو كقوله: ومن ~~يولهم يومئذ ms0469 دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء بغضب من الله # [2] . ولو كان المعنى وقع على ظاهر اللفظ دون المستعمل في الكلام من ~~عادات الناس، كان من فر من الزحف ليلا لم يلزمه وعيد. # وإنما وقع الكلام على ما عليه الأغلب من ساعات أعمال الناس، وذلك هو ~~النهار دون الليل. # وعلى ذلك المعنى قال صالح بن عبد الرحمن، حين دفعوا إليه جوابا الخارجي ~~ليقتله، وقالوا: إن قتله برئت الخوارج منه، وإن ترك قتله فقد أبدى لنا ~~صفحته. فتأول صالح عند ذلك تأويلا مستنكرا: وذلك أنه قال: قد نجد التقية ~~تسيغ الكفر، والكفر باللسان أعظم من القتل والقذف بالجارحة. فإذا جازت ~~التقية في الأعظم كانت في الأصغر أجوز. فلما رأى هذا التأويل يطرد له، ووجد ~~على حال بصيرته ناقصة، وأحس بأنه إنما التمس عذرا ولزق الحجة تلزيقا فلما ~~عزم على قتل جواب، وهو عنده واحد الصفرية في النسك والفضل قال: إني يوم ~~أقتل جوابا على هذا الضرب من التأويل PageV03P195 # لحريص على الحياة! ولو كان حين قال إني يوم أقتل جوابا إنما عنى النهار ~~دون الليل، كان عند نفسه إذا قتله تلك القتلة ليلا لم يأثم به. وهذا أيضا ~~كقوله تعالى: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله # [1] . # ولو كان هذا المعنى إنما يقع على ظاهر اللفظ دون المستعمل بين الناس، ~~لكان إذا قال من أول الليل: إني فاعل ذلك غدا في السحر، أو مع الفجر أو قال ~~الغداة: # إني فاعل يومي كله، وليلتي كلها، لم يكن عليه حنث، ولم يكن مخالفا إذا لم ~~يستثن، وكان إذن لا يكون مخالفا إلا فيما وقع عليه اسم غد. فأما كل ما خالف ~~ذلك في اللفظ فلا. وليس التأويل كذلك لأنه جل وعلا إنما ألزم عبده أن يقول: ~~إن شاء الله، ليتقى عادة التألي [2] ولئلا يكون كلامه ولفظه يشبه لفظ ~~المستبد والمستغني، وعلى أن يكون عند ذلك ذاكر الله، لأنه عبد مدبر، ومقلب ~~ميسر، ومصرف مسخر. # وإذا كان المعنى ms0470 فيه، والغاية التي جرى إليها اللفظ، إنما هو على ما ~~وصفنا، فليس بين أن يقول أفعل ذلك بعد طرفة، وبين أن يقول أفعل ذلك بعد سنة ~~فرق. # وأما قوله: فأصبح من النادمين # فليس أنه كان هنالك ناس قتلوا إخوتهم وندموا فصار هذا القاتل واحدا منهم؛ ~~وإنما ذلك على قوله لآدم وحواء عليهما السلام: ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا ~~من الظالمين* # [3] ، على معنى أن كل من صنع صنيعكما فهو ظالم. ### || 838- [الاستثناء في القسم] # وعجبت من ناس ينكرون قولنا في الأستثناء، وقد سمعوا الله عز وجل يقول: # إنا بلوناهم كما بلونا أصحاب الجنة إذ أقسموا ليصرمنها مصبحين. ولا ~~يستثنون. # فطاف عليها طائف من ربك وهم نائمون. فأصبحت كالصريم # [4] ، مع قوله عز وجل: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله # [5] . ### || 839- [تسمية الغراب ابن دأية] # والعرب تسمي الغراب ابن دأية، لأنه إذا وجد دبرة [6] في ظهر البعير، أو ~~في عنقه PageV03P196 # قرحة سقط عليها، ونقره وأكله، حتى يبلغ الدايات. قال الشاعر [1] : [من ~~الطويل] # نجيبة قرم شادها القت والنوى ... بيثرب حتى نيها متظاهر [2] # فقلت لها سيري فما بك علة ... سنامك ملموم ونابك فاطر [3] # فمثلك أو خيرا تركت رذية ... تقلب عينيها إذا مر طائر [4] # ومثله قول الراعي: [من الطويل] # فلو كنت معذورا بنصرك طيرت ... صقوري غربان البعير المقيد # هذا البيت لعنترة، في قصيدة له. ضرب ذلك مثلا للبعير المقيد ذي الدبر، ~~إذا وقعت عليه الغربان. ### || 840- [علة غرز الريش والخرق في ظهر البعير] # وإذا كان بظهر البعير دبرة غرزوا في سنامه إما قوادم ريش أسود وإما خرقا ~~سودا، لتفزع الغربان منه، ولا تسقط عليه. قال الشاعر، وهو ذو الخرق الطهوي ~~[5] : [من البسيط] # لما رأت إبلي حطت حمولتها ... هزلى عجافا عليها الريش والخرق [6] # قالت ألا تبتغي عيشا نعيش به ... عما نلاقي، فشر العيشة الرنق # الرنق، بالراء المهملة، وبالنون، هو الكدر غير الصافي. # وقال آخر: [من البسيط] # كأنها ريشة في غارب جرز ... في حيثما صرفته الريح ينصرف PageV03P197 # جرز: عظيم. قال رؤبة [1] : [من الرجز] # عن جرز منه ms0471 وجوز عار # وقد توضع الريش في أسنمتها وتغرز فيها لغير ذلك [2] ، وذلك أن الملوك ~~كانت تجعل الريش علامة لحباء الملك، تحميها بذلك وتشرف صاحبها. # قال الشاعر [3] : [من الكامل] # يهب الهجان بريشها ورعائها ... كالليل قبل صباحه المتبلج [4] # ولذلك قالوا في الحديث: فرجع النابغة من عند النعمان وقد وهب له مائة من ~~عصافيره بريشها [5] . # وللريش مكان آخر: وهو أن الملوك إذا جاءتها الخرائط بالظفر غرزت فيها ~~قوادم ريش سود. ### || 841- [غربان الإبل] # وقال الشاعر [6] : [من الطويل] # سأرفع قولا للحصين ومالك ... تطير به الغربان شطر المواسم # وتروى به الهيم الظماء، ويطبي ... بأمثاله الغازين سجع الحمائم # يعني غربان الليل. وأما قوله: «وتروى به الهيم الظماء» فمثل قول الماتح ~~[7] : # [من الرجز] # علقت يا حارث عند الورد ... بجاذل لا رفل التردي [8] # ولا عيي بابتناء المجد PageV03P198 # وقالوا في البعير إذا كان عليه حمل من تمر أو حب، فتقدم الإبل بفضل قوته ~~ونشاطه، فعرض ما عليه للغربان. قال الراجز [1] : [من الرجز] # قد قلت قولا للغراب إذ حجل ... عليك بالقود المسانيف الأول [2] # تغد ما شئت على غير عجل # ومثله [3] : [من الرجز] # يقدمها كل علاة مذعان ... حمراء من معرضات الغربان [4] ### || 842- [أمثال في الغراب] # ويقال: «أصح بدنا من غراب» ، و «أبصر من غراب» [5] ، و «أصفى عينا من ~~غراب» [6] . # وقال ابن ميادة [7] : [من الطويل] # ألا طرقتنا أم أوس ودونها ... حراج من الظلماء يعشى غرابها # فبتنا كأنا بيننا لطمية ... من المسك، أو دارية وعيابها [8] PageV03P199 # يقول [1] : إذا كان الغراب لا يبصر في حراج الظلماء. وواحد الحراج حرجة، ~~وهي هاهنا مثل، حيث جعل كل شيء التف وكثف من الظلام حراجا، وإنما الحراج من ~~السدر وأشباه السدر. # يقول: فإذا لم يبصر فيها الغراب مع حدة بصره، وصفاء مقلته فما ظنك ~~بغيره؟! وقال أبو الطمحان القيني [2] : [من الطويل] # إذا شاء راعيها استقى من وقيعة ... كعين الغراب صفوها لم يكدر # والوقيعة: المكان الصلب الذي يمسك الماء، والجمع الوقائع. ### || 843- [استطراد لغوي] # قال: وأنشدنا أبو عمرو بن العلاء، في الوقائع: [من الطويل] # إذا ما استبالوا الخيل كانت أكفهم ... وقائع للأبوال والماء ms0472 أبرد [3] # يقول: كانوا في فلاة فاستبالوا الخيل في أكفهم، فشربوا أبوالها من العطش. # ويقال شهد الوقيقة والوقعة بمعنى واحد. قال الشاعر [4] : [من الطويل] # لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... على زفر داء من الشر باقيا # وقال زفر بن الحارث [5] : [من الطويل] # لعمري لقد أبقت وقيعة راهط ... لمروان صدعا بيننا متنائيا # وقال الأخطل [6] : [من الطويل] # لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول ~~PageV03P200 ### || 844- [أمثال من الشعر والنثر في الغراب] # وفي صحة بدن الغراب يقول الآخر [1] : [من المنسرح] # إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضج من طول عمره الأبد # قد شاب رأس الزمان واكتهل الده ... ر وأثواب عمره جدد # يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد # قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد # تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصداع والرمد # ويقال: «أرض لا يطير غرابها» [2] . قال النابغة [3] : [من الكامل] # ولرهط حراب وقد سورة ... في المجد ليس غرابها بمطار [4] # جعله مثلا. يعني أن هذه الأرض تبلغ من خصبها أنه إذا دخلها الغراب لم ~~يخرج منها، لأن كل شيء يريده فيها. # وفي زهو الغراب يقول حسان، في بعض قريش [5] : [من الكامل] # إن الفرافصة بن الاحوص عنده ... شجن لأمك من بنات عقاب # أجمعت أنك أنت ألأم من مشى ... في فحش مومسة وزهو غراب # ويقال: «وجد فلان تمرة الغراب» [6] ، كأنه يتبع عندهم أطيب التمر. # ويقال: «إنه لأحذر من غراب» [7] و: «أشد سوادا من غراب» [8] . ~~PageV03P201 # وقد مدحوا بسواد الغراب. قال عنترة [1] : [من الكامل] # فيها اثنتان وأربعون حلوبة ... سودا كخافية الغراب الأسحم # وقال أبو دؤاد [2] : [من البسيط] # تنفي الحصى صعدا شرقي منسمها ... نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا [3] # والمغاريد: كمء. صغار. وأنشد [4] : [من البسيط] # يحج مأمومة في قعرها لجف ... فاست الطبيب قذاها كالمغاريد [5] # وقد ذكرنا شدة منقاره، وحدة بصره في غير هذا المكان. ### || 845- [شعر في مديح السواد] # وقالوا في مديح السواد، قال امرؤ القيس [6] : [من البسيط] # العين قادحة واليد سابحة ... والأذن مصغية واللون غربيب # وفي السواد يقول ربيعة أبو ذؤاب الأسدي ms0473 [7] ، قاتل عتيبة بن الحارث بن ~~شهاب: [من الكامل] # إن المودة والهوادة بيننا ... خلق كسحق اليمنة المنجاب [8] # إلا بجيش لا يكت عديده ... سود الجلود من الحديد غضاب [9] PageV03P202 ### || 846 [شعر ومثل في شيب الغراب] # وفي المثل: «لا يكون ذلك حتى يشيب الغراب» [1] . وقال العرجي [2] : [من ~~الخفيف] # لا يحول الفؤاد عنه بود ... أبدا أو يحول لون الغراب # وقال ساعدة بن جؤية [3] : [من الكامل] # شاب الغراب ولا فؤادك تارك ... عهد الغضوب ولا عتابك يعتب ### || 847- [نقر الغراب للدماغ والعيون] # ومما يذكر للغراب ما حدث به أبو الحسن، عن أبي سليم، أن معاوية قال لأبي ~~هوذة بن شماس الباهلي: لقد هممت أن أحمل جمعا من باهلة في سفينة ثم أغرقهم! ~~فقال أبو هوذة: إذن لا ترضى باهلة بعدتهم من بني أمية! قال: اسكت أيها ~~الغراب الأبقع! وكان به برص، فقال أبو هوذة: إن الغراب الأبقع ربما درج إلى ~~الرخمة حتى ينقر دماغها، ويقلع عينيها! فقال يزيد بن معاوية: ألا تقتله يا ~~أمير المؤمنين؟ # فقال: مه! ونهض معاوية. ثم وجهه بعد في سرية فقتل. فقال معاوية ليزيد: ~~هذا أخفى وأصوب [4] ! وقال آخر [5] في نقر الغراب العيون: [من الوافر] # أتوعد أسرتي وتركت حجرا ... يريغ سواد عينيه الغراب # ولو لاقيت علباء بن جحش ... رضيت من الغنيمة بالإياب # وقال أبو حية- في أن الغراب يسمونه الأعور تطيرا منه [6]-: [من ~~الكامل] # وإذا تحل قتودها بتنوفة ... مرت تليح من الغراب الأعور [7] # لأنها تخاف من الغربان، لما تعلم من وقوعها على الدبر. PageV03P203 ### || 848- [مدح لون الغراب] # ومما يمدح به الشعراء بلون الغراب قال أبو حية [1] : [من الوافر] # غراب كان أسود حالكيا ... ألا سقيا لذلك من غراب # وقال أبو حية [2] : [من المتقارب] # زمان علي غراب غداف ... فطيره الدهر عني فطارا # فلا يبعد الله ذاك الغداف ... وإن كان لا هو إلا ادكارا # فأصبح موضعه بائضا ... محيطا خطاما محيطا عذارا [3] # وقال أبو حية في غير ذلك، وهو مما يعد للغراب [4] : [من الطويل] # كأن عصيم الورس منهن جاسد ... بما سال من غربانهن من الخطر [5] ### || 849- [استطراد لغوي] # والغراب ضروب، ms0474 ويقع هذا الاسم في أماكن، فالغراب حد السكين والفأس، يقال ~~فأس حديدة الغراب. وقال الشماخ [6] : [من الطويل] # فأنحى عليها ذات حد غرابها ... عدو لأوساط العضاه مشارز [7] # المشارزة: المعاداة والمخاشنة. # والغراب: حد الورك ورأسه الذي يلي الظهر، ويبدأ من مؤخر الردف. والجمع ~~غربان. قال ذو الرمة [8] : [من الطويل] # وقربن بالزرق الحمائل بعد ما ... تقوب من غربان أوراكها الخطر [9] ~~PageV03P204 # تقوب: تقشر ما على أوراكها من سلحها وبولها، من ضربها بأذنابها. ### || 850- [غراب البين] # وكل غراب فقد يقال له # غراب البين # إذا أرادوا به الشؤم، أما غراب البين نفسه، فإنه غراب صغير. وإنما قيل ~~لكل غراب غراب البين، لسقوطها في مواضع منازلهم إذا بانوا عنها. قال أبو ~~خولة الرياحي [1] : [من الطويل] # فليس بيربوع إلى العقل فاقة ... ولا دنس يسود منه ثيابها # فكيف بنوكي مالك إن كفرتم ... لهم هذه، أم كيف بعد خطابها # مشائم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها ### || 851- [الوليد بن عقبة وعبد الله بن الزبير] # ومن الدليل على أن الغراب من شرار الطير، ما رواه أبو الحسن قال: كان ابن ~~الزبير يقعد مع معاوية على سريره، فلا يقدر معاوية أن يمتنع منه، فقال ذات ~~يوم: أما أحد يكفيني ابن الزبير؟ فقال الوليد بن عقبة: أنا أكفيكه يا أمير ~~المؤمنين. فسبق فقعد في مقعده على السرير، وجاء ابن الزبير فقعد دون ~~السرير، ثم أنشد ابن الزبير: # [من الطويل] # تسمى أبانا بعد ما كان نافعا ... وقد كان ذكوان تكنى أبا عمرو # فانحدر الوليد حتى صار معه، ثم قال: [من الوافر] # ولولا حرة مهدت عليكم ... صفية ما عددتم في النفير # ولا عرف الزبير ولا أبوه ... ولا جلس الزبير على السرير # وددنا أن أمكم غراب ... فكنتم شر طير في الطيور ### || 852- [القواطع والرواجع والأوابد] # قال أبو زيد [2] : إذا كان الشتاء قطعت إلينا الغربان، أي جاءت بلادنا، ~~فهي PageV03P205 # قواطع إلينا، فإذا كان الصيف فهي رواجع. والطير التي تقيم بأرض شتاءها ~~وصيفها أبدا فهي الأوابد. والأوابد أيضا هي الدواهي، يقال جاءنا بآبدة. ~~ومنها أوابد الوحش. # ومنها أوابد الأشعار. ms0475 والأوابد أيضا: الإبل إذا توحش منها شيء فلم يقدر ~~عليه إلا بعقر. وأنشد أبو زيد في الأوابد [1] : [من الرجز] # ومنهل وردته التقاطا ... طام فلم ألق به فراطا [2] # إلا القطا أوابدا غطاطا [3] ### || 853- [صوت الغراب] # ويقال نغق الغراب ينغق نغيقا، بغين معجمة، ونعت ينعب نعيبا بعين غير ~~معجمة. فإذا مرت عليه السنون الكثيرة وغلظ صوته قيل شحج يشحج شحيجا. # وقال ذو الرمة [4] : [من الطويل] # ومستشحجات بالفراق كأنها ... مثاكيل من صيابة النوب نوح [5] # والنوبة توصف بالجزع. ### || 854- [أثر البادية في رجال الروم والسند] # وأصحاب الإبل يرغبون في اتخاذ النوبة والبربر والروم للإبل، يرون أنهم ~~يصلحون على معايشها، وتصلح على قيامهم عليها. # ومن العجب أن رجال الروم تصلح في البدو مع الإبل، ودخول الإبل بلاد الروم ~~هو هلاكها. PageV03P206 # فأما السند؛ فإن السندي صاحب الخربة [1] إذا صار إلى البدو، وهو طفل، خرج ~~أفصح من أبي مهدية، ومن أبي مطرف الغنوي. ولهم طبيعة في الصرف، لا ترى ~~بالبصرة صيرفيا إلا وصاحب كيسه سندي. ### || 855- [تفوق أهل السند] # واشترى محمد بن السكن، أبا روح فرجا السندي، فكسب له المال العظيم. # فقل صيدلاني عندنا إلا وله غلام سندي. فبلغوا أيضا في البربهار والمعرفة ~~بالعقاقير، وفي صحة المعاملة، واجتلاب الحرفاء مبلغا حسنا. # وللسند في الطبخ طبيعة، ما أكثر ما ينجبون فيه. # وقد كان يحيى بن خالد أراد أن يحول إجراء الخيل عن صبيان الحبشان ~~والنوبة، إلى صبيان السند، فلم يفلحوا فيه، وأراد تحويل رجال السند إلى ~~موضع الفراشين من الروم، فلم يفلحوا فيه. # وفي السند حلوق [2] جياد، وكذلك بنات السند. ### || 856- [استطراد لغوي] # والغراب يسمى أيضا حاتما. وقال عوف بن الخرع [3] : [من الطويل] # ولكنما أهجو صفي بن ثابت ... مثبجة لاقت من الطير حاتما [4] # وقال المرقش، من بني سدوس [5] : [من مجزوء الكامل] # ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم PageV03P207 # فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم # وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم # وأنشد لخثيم بن عدي [1] : [من الطويل] # وليس بهياب إذا شد رحله ... يقول عداني اليوم واق وحاتم # ولكنه يمضي على ms0476 ذاك مقدما ... إذا صد عن تلك الهنات الخثارم # والخثارم: هو المتطير من الرجال. وأما قوله: «واق وحاتم» فحاتم هو ~~الغراب، والواقي هو الصرد، كأنه يرى أن الزجر بالغراب إذا اشتق من اسمه ~~الغربة، والاغتراب، والغريب، فإن ذلك حتم. ويشتق من الصرد التصريد، والصرد ~~وهو البرد. ويدلك على ذلك قوله [2] : [من الطويل] # دعا صرد يوما على غصن شوحط ... وصاح بذات البين منها غرابها [3] # فقلت: أتصريد وشحط وغربة ... فهذا لعمري نأيها واغترابها # فاشتق التصريد من الصرد، والغربة من الغراب، والشحط من الشوحط. # ويقال أغرب الرجل: إذا اشتد مرضه، فهو مغرب. # قال: والعنقاء المغرب، العقاب، لأنها تجيء من مكان بعيد. ### || 857- [أصل التطير في اللغة] # قال: وأصل التطير إنما كان من الطير ومن جهة الطير، إذا مر بارحا [4] أو ~~سانحا [5] ، أو رآه يتفلى وينتتف، حتى صاروا إذا عاينوا الأعور من الناس أو ~~البهائم، أو الأعضب أو الأبتر، زجروا عند ذلك وتطيروا عندها، كما تطيروا من ~~الطير إذا رأوها على تلك الحال. فكان زجر الطير هو الأصل، ومنه اشتقوا ~~التطير، ثم استعملوا ذلك في كل شيء. PageV03P208 ### || 858- [أسماء الغراب] # والغراب لسواده إن كان أسود، ولاختلاف لونه إن كان أبقع، ولأنه غريب يقطع ~~إليهم، ولأنه لا يوجد في موضع خيامهم يتقمم، إلا عند مباينتهم لمساكنهم، ~~ومزايلتهم لدورهم، ولأنه ليس شيء من الطير أشد على ذوات الدبر من إبلهم من ~~الغربان، ولأنه حديد البصر فقالوا عند خوفهم من عينه «الأعور» . كما قالوا: ~~«غراب» لاغترابه وغربته «وغراب البين» ، لأنه عند بينونتهم يوجد في دورهم. # ويسمونه «ابن داية» ، لأنه ينقب عن الدبر حتى يبلغ إلى دايات العنق وما ~~اتصل بها من خرزات الصلب، وفقار الظهر. ### || 859- [مراعاة التفاؤل في التسمية] # وللطيرة سمت العرب المنهوش بالسليم، والبرية بالمفازة، وكنوا الأعمى أبا ~~بصير، والأسود أبا البيضاء، وسموا الغراب بحاتم، إذ كان يحتم الزجر به على ~~الأمور. # فصار تطيرهم من القعيد والنطيح [1] ومن جرد الجراد، ومن أن الجرادة ذات ~~ألوان، وجميع ذلك- دون التطير بالغراب. ### || 860- [ضروب من الطيرة] # ولإيمان العرب بباب الطيرة والفأل عقدوا الرتائم ms0477 [2] ، وعشروا إذا دخلوا ~~القرى تعشير الحمار [3] ، واستعملوا في القداح الآمر، والناهي، والمتربص. ~~وهن غير قداح الأيسار. ### || 861- [اشتقاق أسماء في الطيرة] # ويدل على أنهم يشتقون من اسم الشيء الذي يعاينون ويسمعون، قول سوار ابن ~~المضرب [4] : [من الوافر] # تغنى الطائران ببين ليلى ... على غصنين من غرب وبان PageV03P209 # فكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير دان # فاشتق كما ترى الاغتراب من الغرب، والبينونة من البان. # وقال جران العود [1] : [من الطويل] # جرى يوم رحنا بالجمال نزفها ... عقاب وشحاج من البين يبرح # فأما العقاب فهي منها عقوبة ... وأما الغراب فالغريب المطوح # فلم يجد في العقاب إلا العقوبة. وجعل الشحاج هو الغراب البارح وصاحب ~~البين، واشتق منه الغريب المطوح. # ورأى السمهري غرابا على بانة ينتف ريشه، فلم يجد في البان إلا البينونة، ~~ووجد في الغراب جميع معاني المكروه، فقال [2] : [من الطويل] # رأيت غرابا واقعا فوق بانة ... ينتف أعلى ريشه ويطايره # فقلت، ولو أني أشاء زجرته ... بنفسي، للنهدي: هل أنت زاجره # فقال: غراب باغتراب من النوى ... وبالبان بين من حبيب تعاشره # فذكر الغراب بأكثر مما ذكر به غيره، ثم ذكر بعد شأن الريش وتطايره. وقال ~~الأعشى [3] : [من الرمل] # ما تعيف اليوم في الطير الروح ... من غراب البين أو تيس برح # فجعل التيس من الطير، إذ تقدم ذكر الطير، وجعله من الطير في معنى التطير. # وقال النابغة [4] : [من الكامل] # زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود PageV03P210 # وقال عنترة [1] : [من الكامل] # ظعن الذين فراقهم أتوقع ... وجرى ببينهم الغراب الأبقع # حرق الجناح كأن لحيي رأسه ... جلمان بالأخبار هش مولع # فزجرته ألا يفرخ بيضه ... أبدا ويصبح خائفا يتفجع # إن الذين نعبت لي بفراقهم ... هم أسهروا ليلى التمام فأوجعوا # فقال: «وجرى ببينهم الغراب» لأنه غريب، ولأنه غراب البين، ولأنه أبقع. ثم ~~قال: «حرق الجناح» تطيرا أيضا من ذلك. ثم جعل لحيي رأسه جلمين، والجلم ~~يقطع. وجعله بالأخبار هشا مولعا، وجعل نعيبه وشحيجه كالخبر المفهوم. ### || 862- [التشاؤم بالغراب] # قال: فالغراب أكثر من جميع ما يتطير به في باب الشؤم. ألا ms0478 تراهم كلما ~~ذكروا مما يتطيرون منه شيئا ذكروا الغراب معه! وقد يذكرون الغراب ولا ~~يذكرون غيره، ثم إذا ذكروا كل واحد من هذا الباب لا يمكنهم أن يتطيروا منه ~~إلا من وجه واحد، والغراب كثير المعاني في هذا الباب، فهو المقدم في الشؤم. ### || 863- [دفاع صاحب الغراب] # قال صاحب الغراب: الغراب وغير الغراب في ذلك سواء. والأعرابي إن شاء اشتق ~~من الكلمة، وتوهم فيها الخير، وإن شاء اشتق منها الشر. وكل كلمة تحتمل ~~وجوها. # ولذلك قال الشاعر: [من الطويل] # نظرت وأصحابي ببطن طويلع ... ضحيا وقد أفضى إلى اللبب الحبل [2] # إلى ظبية تعطو سيالا تصوره ... يجاذبها الأفنان ذو جدد طفل [3] ~~PageV03P211 # فقلت وعفت: الحبل حبل وصالها ... تجذذ من سلماك وانصرم الحبل [1] # وقلت: سيال! قد تسلت مودتي ... تصور غصونا! صار جثمانها يعلو [2] # وعفت الغرير الطفل طفلا أتت به ... فقلت لأصحابي: مضيكم جهل # رجوعي حزم وامترائي ضلة ... كذلك كان الزجر يصدقني قبل # وقال ابن قيس الرقيات [3] : [من الخفيف] # بشر الظبي والغراب بسعدى ... مرحبا بالذي يقول الغراب # وقال آخر [4] : [من الطويل] # بدا إذ قصدنا عامدين لأرضنا ... سنيح فقال القوم: مر سنيح # وهاب رجال أن يقولوا وجمجموا ... فقلت لهم: جار إلي ربيح # عقاب بإعقاب من الدار بعد ما ... مضت نية لا تستطاع طروح # وقالوا: دم! دامت مودة بيننا ... وعاد لنا غض الشباب صريح # وقال صحابي: هدهد فوق بأنة! ... هدى وبيان في الطريق يلوح # وقالوا: حمامات! فحم لقاؤها ... وطلح! فنيلت والمطي طليح # قالوا: فهو إذا شاء جعل الحمام من الحمام والحميم والحمى. وإن شاء قال: # «وقالوا حمامات فحم لقاؤها» وإذا شاء اشتق البين من البان. وإذا شاء اشتق ~~منه البيان. # وقال آخر [5] : [من الطويل] # وقالوا: عقاب! قلت عقبى من الهوى ... دنت بعد هجر منهم، ونزوح # وقالوا: حمامات! فحم لقاؤها ... وعاد لنا حلو الشباب ربيح # وقالوا: تغنى هدهد فوق بانة! ... فقلت: هدى نغدو به ونروح # ولو شاء الأعرابي أن يقول إذا رأى سواد الغراب: سواد سودد، وسواد ~~الإنسان: PageV03P212 # شخصه، وسواد العراق: سعف نخله، والأسودان: الماء والتمر، وأشباه ذلك- ~~لقاله. # قال: ms0479 وهؤلاء بأعيانهم الذين يصرفون الزجر كيف شاؤوا، وإذا لم يجدوا من ~~وقوع شيء بعد الزجر بدا- هم الذين إذا بدا لهم في ذلك بداء أنكروا الطيرة ~~والزجر البتة. ### || 864- [تطير النابغة] # وقد زعم الأصمعي أن النابغة خرج مع زبان بن سيار يريدان الغزو، فبينما ~~هما يريدان الرحلة إذ نظر النابغة وإذا على ثوبه جرادة تجرد ذات ألوان، ~~فتطير وقال: غيري الذي خرج في هذا الوجه! فلما رجع زبان من تلك الغزوة ~~سالما غانما، قال [1] : [من الوافر] # تخبر طيره فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير # أقام كأن لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير # تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور # بلى شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا وباطله كثير # فزعم كما ترى زبان- وهو من دهاة العرب وساداتهم- أن الذي يجدونه إنما هو ~~شيء من طريق الاتفاق، وقال: [من الوافر] # تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور # وهذا لا ينقض الأول من قوله: أما واحدة فإنه إن جعل ذلك من طريق العقاب ~~للمتطير لم ينقض قوله في الاتفاق. وإن ذهب إلى أن مثل ذلك قد يكون ولا يشعر ~~به اللاهي عن ذلك والذي لا يؤمن بالطيرة، فإن المتوقع فهو في بلاء مادام ~~متوقعا. وإن وافق بعض المكروه جعله من ذلك. ### || 865- [تطير ابن الزبير] # ويقال إن ابن الزبير لما خرج مع أهله من المدينة إلى مكة، سمع بعض إخوته ~~ينشد: [من الطويل] # وكل بني أم سيمسون ليلة ... ولم يبق من أعيانهم غير واحد PageV03P213 # فقال لأخيه: ما دعاك إلى هذا؟ قال: أما إني ما أردته! قال: ذلك أشد له. # وهذا منه إيمان شديد بالطيرة كما ترى. ### || 866- [بعض من أنكر الطيرة] # وممن كان لا يرى الطيرة شيئا المرقش. من بني سدوس، حيث قال [1] : [من ~~مجزوء الكامل] # إني غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم # فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم # فكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم # قال سلامة بن جندل [2] : [من البسيط] # ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشؤوم # وممن ms0480 كان ينكر الطيرة ويوصي بذلك، الحارث بن حلزة، وهو قوله- قال أبو ~~عبيدة: أنشدنيها أبو عمرو، وليست إلا هذه الأبيات، وسائر القصيدة مصنوع ~~مولد- وهو قوله [3] : [من السريع] # يا أيها المزمع ثم انثنى ... لا يثنك الحازي ولا الشاحج # ولا قعيد أغضب قرنه ... هاج له من مربع هائج # بينا الفتى يسعى ويسعى له ... تاح له من أمره خالج # يترك ما رقح من عيشه ... يعيث فيه همج هامج # لا تكسع الشول بأغبارها ... إنك لا تدري من الناتج # وقال الأصمعي: قال سلم بن قتيبة: أضللت ناقة لي عشراء، وأنا بالبدو، ~~فخرجت في طلبها، فتلقاني رجل بوجهه شين من حرق النار، ثم تلقاني رجل آخذ ~~بخطام بعيره، وإذا هو ينشد [4] : [من مجزوء الكامل] # فلئن بغيت لها البغا ... ة فما البغاة بواجدينا PageV03P214 # ثم من بعد هذا كله، سألت عنها بعض من لقيته. فقال لي: التمسها عند تلك ~~النار. فأتيتهم فإذا هم قد نتجوها حوارا [1] ، وقد أوقدوا لها نارا فأخذت ~~بخطامها وانصرفت. ### || 867- [عدم إيمان النظام بالطيرة] # وأخبرني أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام قال: جعت حتى أكلت الطين، وما ~~صرت إلى ذلك حتى قلبت قلبي أتذكر: هل بها رجل أصيب عنده غداء أو عشاء، قما ~~قدرت عليه، وكان علي جبة وقميصان، فنزعت القميص الأسفل فبعته بدريهمات، ~~وقصدت إلى فرضة الأهواز، أريد قصبة الأهواز، وما أعرف بها أحدا. وما كان ~~ذلك إلا شيئا أخرجه الضجر وبعض التعرض. فوافيت الفرضة فلم أصب فيها سفينة، ~~فتطيرت من ذلك. ثم إني رأيت سفينة في صدرها خرق وهشم فتطيرت من ذلك أيضا، ~~وإذا فيها حمولة، فقلت للملاح: تحملني؟ قال: نعم. قلت: ما اسمك؟ # قال: «داوداذ» وهو بالفارسية الشيطان، فتطيرت من ذلك. ثم ركبت معه، تصك ~~الشمال وجهي، وتثير بالليل الصقيع على رأسي. فلما قربنا من الفرصة صحت: يا ~~حمال! معي لحاف لي سمل، ومضربة خلق، وبعض ما لا بد لمثلي منه، فكان أول ~~حمال أجابني أعور فقلت لبقار كان واقفا: بكم تكري ثورك هذا إلى الخان؟ فلما ~~أدناه من متاعي إذا الثور أعضب ms0481 القرن، فازددت طيرة إلى طيرة، فقلت في نفسي: # الرجوع أسلم لي. ثم ذكرت حاجتي إلى أكل الطين فقلت: ومن لي بالموت؟! فلما ~~صرت في الخان وأنا جالس فيه، ومتاعي بين يدي وأنا أقول: إن أنا خلفته في ~~الخان وليس عنده من يحفظه فش الباب وسرق، وإن جلست أحفظه لم يكن لمجيئي إلى ~~الأهواز وجه. فبينا أنا جالس إذ سمعت قرع الباب، قلت: من هذا عافاك الله ~~تعالى؟ # قال: رجل يريدك، قلت: ومن أنا؟ قال: أنت إبراهيم. فقلت: ومن إبراهيم؟ ~~قال: # إبراهيم النظام. قلت: هذا خناق، أو عدو، أو رسول سلطان! ثم إني تحاملت ~~وفتحت الباب، فقال: أرسلني إليك إبراهيم بن عبد العزيز ويقول: # نحن وإن كنا اختلفنا في بعض المقالة، فإنا قد نرجع بعد ذلك إلى حقوق ~~الإخلاق والحرية. وقد رأيتك حين مررت بي على حال كرهتها منك، وما عرفتك حتى ~~خبرني عنك بعض من كان معي وقال: ينبغي أن يكون قد نزعت بك حاجة. ~~PageV03P215 # فإن شئت فأقم بمكانك شهرا أو شهرين، فعسى أن نبعث إليك ببعض ما يكفيك ~~زمنا من دهرك. وإن اشتهيت الرجوع فهذه ثلاثون مثقالا، فخذها وانصرف، وأنت ~~أحق من عذر. # قال: فهجم والله علي أمر كاد ينقضني. أما واحدة: فأني لم أكن ملكت قبل ~~ذلك ثلاثين دينارا في جميع دهري. والثانية: أنه لم يطلع مقامي وغيبتي عن ~~وطني، وعن أصحابي الذين هم على حال أشكل بي وأفهم عني. والثالثة: ما بين لي ~~من أن الطيرة باطل؛ وذلك أنه قد تتابع علي منها ضروب، والواحدة منها كانت ~~عندهم معطبة. # قال: وعلى مثل ذلك الاشتقاق يعمل الذين يعبرون الرؤيا. ### || 868- [ضروب من العجب في غربان البصرة] # وبالبصرة من شأن الغربان ضروب من العجب، لو كان ذلك بمصر أو ببعض الشامات ~~[1] : لكان عندهم من أجود الطلسم. وذلك أن الغربان تقطع إلينا في الخريف، ~~فترى النخل وبعضها مصرومة [2] ، وعلى كل نخلة عدد كثير من الغربان، وليس ~~منها شيء يقرب نخلة واحدة من النخل الذي لم يصرم، ولو لم يبق عليها إلا ms0482 عذق ~~واحد. وإنما أو كار جميع الطير المصوت في أقلاب تلك النخل، والغراب أطير ~~وأقوى منها ثم لا يجترئ أن يسقط على نخلة منها، بعد أن يكون قد بقي عليها ~~عذق واحد. ### || 869- [منقار الغراب] # ومنقار الغراب معول، وهو شديد النقر. وإنه ليصل إلى الكمأة المندفنة في ~~الأرض بنقرة واحدة حتى يشخصها. ولهو أبصر بمواضع الكمأة من أعرابي يطلبها ~~في منبت الإجرد [3] والقصيص [4] ، في يوم له شمس حارة. وإن الأعرابي ليحتاج ~~إلى أن PageV03P216 # يرى ما فوقها من الأرض فيه بعض الانتفاخ والانصداع، وما يحتاج الغراب إلى ~~دليل. # وقال أبو دؤاد الإيادي [1] : [من البسيط] # تنفي الحصى صعدا شرقي منسمها ... نفي الغراب بأعلى أنفه الغردا # ولو أن الله عز وجل أذن للغراب أن يسقط على النخلة وعليها الثمرة لذهبت، ~~وفي ذلك الوقت لو أن إنسانا نقر العذق نقرة واحدة لا نتثر عامة ما فيه، ~~ولهلكت غلات الناس. ولكنك ترى منها على كل نخلة مصرومة الغربان الكثيرة، ~~ولا ترى على التي تليها غرابا واحدا، حتى إذا صرموا ما عليها تسابقن إلى ما ~~سقط من التمر في جوف الليف وأصول الكرب [2] لتستخرجه كما يستخرج المنتاخ ~~[3] الشوك. ### || 870- [حوار في نفور الغربان من النخل] # فإن قال قائل: إنما أشباح تلك الأعذاق المدلاة كالخرق السود التي تفزع ~~الطير أن يقع على البزور، وكالقودام السود تغرز في أسنمة ذوات الدبر من ~~الإبل، لكيلا تسقط عليها الغربان. فكأنها إذا رأت سواد الأعذاق فزعت كما ~~يفزع الطير من الخرق السود. # قال الآخر: قد نجد جميع الطير الذمي يفزع بالخرق السود فلا يسقط على ~~البزور، يقع كله على النخل وعليه الحمل، وهل لعامة الطير وكور إلا في أقلاب ~~النخل ذوات الحمل. # قال الآخر: يشبه أن تكون الغربان قطعت إلينا من مواضع ليس فيها نخل ولا ~~أعذاق، وهذا الطير الذي يفزع بالخرق السود إنما خلقت ونشأت في المواضع التي ~~لم تزل ترى فيها النخيل والأعذاق. ولا نعرف لذلك علة سوى هذا. # قال الآخر: وكيف يكون الشأن كذلك ومن الغربان غربان أوابد بالعراق فلا ms0483 ~~تبرح تعشش في رؤوس النخل، وتبيض وتفرخ، إلا أنها لا تقرب النخلة التي يكون ~~عليها الحمل. PageV03P217 # والدليل على أنها تعشش في نخل البصرة، وفي رؤوس أشجار البادية قول ~~الأصمعي: [من المتقارب] # ومن زردك مثل مكن الضباب ... يناوح عيدانه السيمكان [1] # ومن شكر فيه عش الغراب ... ومن جيسران وبنداذجان [2] # وقال أبو محمد الفقعسي [3] ، وهو يصف فحل هجمة [4] : [من الرجز] # يتبعها عدبس جرائض ... أكلف مربد هصور هائض [5] # بحيث يعتش الغراب البائض ### || 871- [التطير والتفاؤل من الطير والنبات] # والعامة تتطير من الغراب إذا صاح صيحة واحدة، فإذا ثنى تفاءلت به. # والبوم عند أهل الري وأهل مرو يتفاءل به، وأهل البصرة يتطيرون منه. ~~والعربي يتطير من الخلاف، والفارسي يتفاءل إليه، لأن اسمه بالفارسية ~~«باذامك» أي يبقى، وبالعربية خلاف، والخلاف غير الوفاق. # والريحان يتفاءل به، لأنه مشتق من الروح، ويتطير منه لأن طعمه مر، وإن ~~كان في العين والأنف مقبولا. # وقال شاعر من المحدثين [6] : [من الكامل] # أهدى له أحبابه أترجة ... فبكى وأشفق من عيافة زاجر PageV03P218 # متطيرا مما أتاه، فطعمه ... لونان باطنه خلاف الظاهر # والفرس تحب الآس [1] وتكره الورد، لأن الورد لا يدوم، والآس دائم. # قال: وإذا صاح الغراب مرتين فهو شر، وإذا صاح ثلاث مرات فهو خير، على قدر ~~عدد الحروف. ### || 872- [عداوة الحمار للغراب] # ويقال: إن بين الغراب والحمار عداوة. كذا قال صاحب المنطق. # وأنشدني بعض النحويين [2] : [من الرجز] # عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب ### || 873- [أمثال في الغراب] # ويقال: «أصح من غراب» . وأنشد ابن أبي كريمة لبعضهم، وهو يهجو صريع ~~الغواني مسلم بن الوليد: [من الوافر] # فما ريح السذاب أشد بغضا ... إلى الحيات منك إلى الغواني [3] # وأنشد: [من الوافر] # وأصلب هامة من ذي حيود ... ودون صداعه حمى الغراب [4] # وزعم لي داهية من دهاة العرب الحوائين، أن الأفاعي وأجناس الأحناش، تأتي ~~أصول الشيح والحرمل، تستظل به، وتستريح إليه. # ويقال: «أغرب من غراب» . وأنشد قول مضرس بن لقيط: [من الطويل] # كأني وأصحابي وكري عليهم ... على كل حال من نشاط ومن سأم # غراب من الغربان أيام قرة ... رأين ms0484 لحاما بالعراص على وضم [5] ### || 874- [حديث الطيرة] # وقد اعترض قوم علينا في الحديث الذي جاء في تفرقة ما بين الطيرة والفأل، ~~PageV03P219 # وزعموا أنه ليس لقوله: «كان يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة» [1] معنى. ~~وقالوا: # إن كان ليس لقول القائل: يا هالك، وأنت باغ، وجه ولا تحقيق، فكذلك إذا ~~قال: يا واجد، ليس له تحقيق، وليس قوله يا مضل ويا مهلك، أحق بأن يكون لا ~~يوجب ضلالا ولا هلاكا من قوله يا واجد، ويا ظافر، من ألا يكون يوجب ظفرا ~~ولا وجودا. # فإما أن يكونا جميعا يوجبان، وإما أن يكونا جميعا لا يوجبان. قيل لهم: ~~ليس التأويل ما إليه ذهبتم. لو أن الناس أملوا فائدة الله عز وجل ورجوا ~~عائدته، عند كل سبب ضعيف وقوي، لكانوا على خير. ولو غلطوا في جهة الرجاء ~~لكان لهم بنفس ذلك الرجاء خير. ولو أنهم بدل ذلك قطعوا أملهم ورجاءهم من ~~الله تعالى، لكان ذلك من الشر والفأل، أن يسمع كلمة في نفسها مستحسنة. ثم ~~إن أحب بعد ذلك أو عند ذلك أن يحدث طمعا فيما عند الله تعالى، كان نفس ~~الطمع خلاف اليأس. # وإنما خبر أنه كان يعجبه. وهذا إخبار عن الفطرة كيف هي، وعن الطبيعة إلى ~~أي شيء تتقلب. # وقد قيل لبعض الفقهاء [2] : ما الفأل؟ قال: أن تسمع وأنت مضل: يا واجد، ~~وأنت خائف: يا سالم. ولم يقل إن الفأل يوجب لنفسه السلامة. ولكنهم يحبون له ~~إخراج اليأس وسوء الظن وتوقع البلاء من قلبه على كل حال- وحال الطيرة حال ~~من تلك الحالات- ويحبون أن يكون لله راجيا، وأن يكون حسن الظن. فإن ظن أن ~~ذلك المرجو يوافق بتلك الكلمة ففرح بذلك فلا بأس. ### || 875- [تطير بعض البصريين] # وقال الأصمعي [3] : هرب بعض البصريين من بعض الطواعين، فركب ومضى بأهله ~~نحو سفوان، فسمع غلاما له أسود يحدو خلفه، وهو يقول: [من الرجز] # لن يسبق الله على حمار ... ولا على ذي ميعة مطار [4] # أو يأتي الحين على مقدار ... قد يصبح الله أمام الساري # فلما سمع ذلك رجع بهم. PageV03P220 ### || 876- [معرفة في ms0485 الغربان] # قال: والغربان تسقط في الصحارى تلتمس الطعم، ولا تزال كذلك، فإذا وجبت ~~[1] الشمس نهضت إلى أو كارها معا. وما أقل ما تختلط البقع بالسود المصمتة. ### || 877- [الأنواع الغريبة من الغربان] # قال: ومنها أجناس كثيرة عظام كأمثال الحداء السود، ومنها صغار. وفي ~~مناقيرها اختلاف في الألوان والصور. ومنها غربان تحكي كل شيء سمعته، حتى ~~إنها في ذلك أعجب من الببغاء. وما أكثر ما يتخلف منها عندنا بالبصرة في ~~الصيف، فإذا جاء القيظ قلت. وأكثر المتخلفات منها البقع. فإذا جاء الخريف ~~رجعت إلى البساتين، لتنال مما يسقط من التمر في كرب النخل وفي الأرض، ولا ~~تقرب النخلة إذا كان عليها عذق واحد، وأكثر هذه الغربان سود، ولا تكاد ترى ~~فيهن أبقع. ### || 878- [قبح فرخ الغراب] # وقال الأصمعي: قال خلف: لم أر قط أقبح من فرخ الغراب! رأيته مرة فإذا هو ~~صغير الجسم، عظيم الرأس، عظيم المنقار، أجرد أسود الجلد، ساقط النفس، ~~متفاوت الأعضاء. ### || 879- [غربان البصرة] # قال: وبعضها يقيم عندنا في القيظ. فأما في الصيف فكثير. وأما في الخريف ~~فالدهم. وأكثر ما تراه في أعالي سطوحنا في القيظ والصيف البقع. وأكثر ما ~~تراه في الخريف في النخل وفي الشتاء في البيوت السود. # وفي جبل تكريت [2] في تلك الأيام، غربان سود كأمثال الحداء السود عظما. ### || 880- [تسافد الغربان] # وناس يزعمون أن تسافدها على غير تسافد الطير، وأنها تزاق بالمناقير، ~~وتلقح من هناك. PageV03P221 ### || 881- [نوادر وأشعار] # نذكر شيئا من # | نوادر وأشعار # وشيئا من أحاديث، من حارها وباردها. # قال ابن نجيم: كان ابن ميادة يستحسن هذا البيت لأرطأة بن سهية [1] : [من ~~الطويل] # فقلت لها يا أم بيضاء إنه ... هريق شبابي واستشن أديمي # صار شنا. # وكان الأصمعي يستحسن قول الطرماح بن حكيم، في صفة الظليم [2] : [من ~~الكامل] # مجتاب شملة برجد لسراته ... قدرا وأسلم ما سواه البرجد [3] # ويستحسن قوله في صفة الثور [4] : [من الكامل] # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # وكان أبو نواس يستحسن قول الطرماح [5] : [من الطويل] # إذا قبضت نفس الطرماح أخلقت ... عرى المجد واسترخى عنان القصائد ms0486 # وقال كثير [6] : [من الطويل] # إذا المال يوجب عليك عطاؤه ... صنيعة بر أو خليل توامقه # منعت وبعض المنع حزم وقوة ... فلم يفتلتك المال إلا حقائقه # وقال سهل بن هارون؛ يمدح يحيى بن خالد [7] : [من الطويل] # عدو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما PageV03P222 # قال: وكان ربعي بن الجارود يستحسن قوله: [من الوافر] # فخير منك من لا خير فيه ... وخير من زيارتك القعود # وقال الأعشى [1] : [من البسيط] # قد نطعن العير في مكنون فائله ... وقد يشيط على أرماحنا البطل # لا تنتهون ولن ينهى ذوي شطط ... كالطعن يذهب فيه الزيت والفتل # وقال العلاء بن الجارود [2] : [من مجزوء الرمل] # أظهروا للناس نسكا ... وعلى المنقوش داروا # وله صاموا وصلوا ... وله حجوا وزاروا # وله قاموا وقالوا ... وله حلوا وساروا # لو غدا فوق الثريا ... ولهم ريش لطاروا # وقال الآخر في مثل ذلك [3] : [من الكامل] # شمر ثيابك واستعد لقابل ... واحكك جبينك للقضاء بثوم # وامش الدبيب إذا مشيت لحاجة ... حتى تصيب وديعة ليتيم # وقال أبو الحسن: كان يقال: «من رق وجهه رق علمه» . # وقال عمر: «تفقهوا قبل أن تسودوا» [4] . # وقال الأصمعي: «وصلت بالعلم، وكسبت بالملح» [5] . # ومن الأشعار الطيبة قول الشاعر في السمك والخادم [6] : [من الخفيف] # مقبل مدبر خفيف ذفيف ... دسم الثوب قد شوى سمكات PageV03P223 # من شبابيط لجة ذات غمر ... حدب من شحومها زهمات [1] # ففكر فيهما فإنهما سيمتعانك ساعة. # وقال الشاعر [2] : [من الكامل] # إن أجز علقمة بن سيف سعيه ... لا أجزه ببلاء يوم واحد # لأحبني حب الصبي ورمني ... رم الهدي إلى الغني الواجد # ولقد شفيت غليلتي ونقعتها ... من آل مسعود بماء بارد # وقال رجل من جرم [3] : [من الطويل] # نبئت أخوالي أرادوا عمومتي ... بشنعاء فيها ثامل السم منقعا # سأركبها فيكم وأدعى مفرقا ... وإن شئتم من بعد كنت مجمعا ### || 882- [أحاديث مستحسنة] # وقال يونس بن حبيب: ما أكلت في شتاء شيئا قط إلا وقد برد، ولا أكلت في ~~صيف شيئا إلا وقد سخن. # وقال أبو عمرو المديني: لو كانت البلايا بالحصص، ما نالني كما نالني: # اختلفت الجارية بالشاة إلى التياس اختلافا ms0487 كثيرا، فرجعت الجارية حاملا ~~والشاة حائلا. # وقال جعفر بن سعيد [4] : الخلاف موكل بكل شيء يكون، حتى القذاة في الماء ~~في رأس الكوز، فإن أردت أن تشرب الماء جاءت إلى فيك، وإن أردت أن تصب من ~~رأس الكوز لتخرج رجعت. ### || 883- [حديث أبي عمران وإسماعيل بن غزوان] # وقال إسماعيل بن غزوان: بكرت اليوم إلى أبي عمران، فلزمت الجادة، ~~PageV03P224 # فاستقبلني واحد فلزم الجادة التي أنا عليها، فلما غشيني انحرفت عنه يمنة ~~فانحرف معي، فعدت إلى سمتي فعاد، فعدت فعاد ثم عدت فعاد. فلولا أن صاحب ~~برذون فرق بيننا لكان إلى الساعة يكدني. فدخلت على أبي عمران فدعا بغدائه، ~~فأهويت بلقمتي إلى الصباغ فأهوى إليه بعضهم، فنحيت يدي فنحى يده، ثم عدت ~~فعاد، ثم نحيت فنحى، فقلت لأبي عمران: ألا ترى ما نحن فيه؟ قال سأحدثك ~~بأعجب من هذا، أنا منذ أكثر من سنة أشفق أن يراني ابن أبي عون الخياط، فلم ~~يتفق لي أن يراني مرة واحدة، فلما أن كان أمس ذكرت لأبي الحارث الصنع في ~~السلامة من رؤيته، فاستقبلني أمس أربع مرات! # 884 ### || 884- [نوادر من الكلام البليغ] # وذكر محمد بن سلام، عن محمد بن القاسم قال: قال جرير: أنا لا أبتدي ولكني ~~أعتدي [1] . # وقال أبو عبيدة: قال الحجاج: أنا حديد حقود حسود! [2] قال: وقال قديد بن ~~منيع، لجديع بن علي: لك حكم الصبي على أهله! [3] وقال أبو إسحاق- وذكر ~~إنسانا [4]-: هو والله أترف من ربيب ملك [5] ، وأخرق من امرأة [6] ، ~~وأظلم من صبي [7] . # وقال لي أبو عبيدة: ما ينبغي أن يكون كان في الدنيا مثل هذا النظام. قلت: # وكيف؟ قال: مر بي يوما فقلت: والله لأمتحننه، ولأسمعن كلامه؛ فقلت له: ما ~~عيب الزجاج- قال: يسرع إليه الكسر، ولا يقبل الجبر- من غير أن يكون فكر أو ~~ارتدع! PageV03P225 # قال: وقال جبار بن سلمى بن مالك- وذكر عامر بن الطفيل فقال [1] : كان لا ~~يضل حتى يضل النجم، ولا يعطش حتى يعطش البعير ولا يهاب حتى يهاب السيل، كان ~~والله خير ما يكون حين لا تظن نفس بنفس خيرا. ms0488 # وقال ابن الأعرابي: قال أعرابي [2] : اللهم لا تنزلني ماء سوء فأكون امرأ ~~سوء! يقول: يدعوني قلته إلى منعه. # وقال محمد بن سلام، عن حماد بن سلمة، عن الأزرق بن قيس: إن الأحنف كان ~~يكره الصلاة في المقصورة، فقال له بعض القوم: يا أبا بحر، لم لا تصلي في ~~المقصورة؟ قال: وأنت لم لا تصلي فيها؟ قال: لا أترك. # وهذا الكلام يدل على ضروب من الخير كثيرة. # ودخل عبد الله بن الحسن على هشام في ثياب سفره، فقال: اذكر حوائجك. # فقال عبد الله: ركابي مناخة، وعلي ثياب سفري! فقال: إنك لا تجدني خيرا ~~مني لك الساعة. # قال أبو عبيدة [3] : بلغ عمر بن عبد العزيز قدوم عبد الله بن الحسن، ~~فأرسل إليه: إني أخاف عليك طواعين الشام، وإنك لا تغنم أهلك خيرا لهم منك ~~فالحق بهم، فإن حوائجهم ستسبقك. # وكان ظاهر ما يكلمونه به ويرونه إياه جميلا مذكورا، وكان معناهم الكراهة ~~لمقامه بالشام، وكانوا يرون جماله، ويعرفون بيانه وكماله فكان ذلك العمل من ~~أجود التدبير فيه عند نفسه. ### || 885- [شعر في الزهد والحكمة] # وأنشد: [من الطويل] # تليح من الموت الذي هو واقع ... وللموت باب أنت لا بد داخله [4] # وقال آخر: [من الوافر] # أكلكم أقام على عجوز ... عشنزرة مقلدة سخابا [5] PageV03P226 # وقال آخر [1] : [من البسيط] # الموت باب وكل الناس داخله ... فليت شعري بعد الباب ما الدار # لو كنت أعلم من يدري فيخبرني ... أجنة الخلد مأوانا أم النار # وقال آخر [2] : [من الكامل] # اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد # فإذا ذكرت مصيبة تشجى بها ... فاذكر مصابك بالنبي محمد # وقال آخر: [من مجزوء الكامل] # والشمس تنعى ساكن ال ... دنيا ويسعدها القمر # أين الذين عليهم ... ركم الجنادل والمدر # أفناهم غلس العشا ... ء يهز أجنحة السحر # ما للقلوب رقيقة ... وكأن قلبك من حجر # ولقلما تبقى وعو ... دك كل يوم يهتصر # وقال زهير [3] : [من الطويل] # ومن يوف لا يذمم ومن يفض قلبه ... إلى مطمئن البر لا يتجمجم # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لا يكرم ms0489 # ومهما تكن عند امرئ من خليقة ... وإن خالها تخفى على الناس تعلم # ومن لا يزل يسترحل الناس نفسه ... ولا يعفها يوما من الذم يندم # وقال زهير أيضا [4] : [من البسيط] # يطعنهم ما ارتموا حتى إذا طعنوا ... ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا ~~PageV03P227 # وقال [1] : [من الوافر] # وجار البيت والرجل المنادي ... أمام الحي عقدهما سواء [2] # جوار شاهد عدل عليكم ... وسيان الكفالة والتلاء [3] # فإن الحق مقطعه ثلاث: ... يمين، أو نفار، أو جلاء # فتفهم هذه الأقسام الثلاثة، كيف فصلها هذا الأعرابي! وقال أيضا [4] : [من ~~الطويل] # فلو كان حمد يخلد الناس لم تمت ... ولكن حمد المرء ليس بمخلد # ولكن منه باقيات وراثة ... فأورث بنيك بعضها وتزود # تزود إلى يوم الممات فإنه ... وإن كرهته النفس آخر معهد # وقال الأسدي [5] : [من الطويل] # فإني أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم # وقال الحادرة [6] : [من الطويل] # فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم ... بإحساننا إن الثناء هو الخلد # وقال الغنوي [7] : [من الكامل] # فإذا بلغتم أهلكم فتحدثوا ... ومن الحديث مهالك وخلود PageV03P228 # وقال آخر [1] : [من الطويل] # فقتلا بتقتيل وعقرا بعقركم ... جزاء العطاس لا يموت من اتأر # وقال زهير [2] : [من المنسرح] # والإثم من شر ما تصول به ... والبر كالغيث نبته أمر [3] # أي كثير. ولو شاء أن يقول: # والبر كالماء نبته أمر # استقام الشعر، ولكن كان لا يكون له معنى، وإنما أراد أن النبات يكون على ~~الغيث أجود. ثم قال [4] : [من المنسرح] # قد أشهد الشارب المعذل لا ... معروفه منكر ولا حصر [5] # في فتية ليني المآزر لا ... ينسون أحلامهم إذا سكروا [6] # يشوون للضيف والعفاة ويو ... فون قضاء إذا هم نذروا [7] # يمدح كما ترى أهل الجاهلية بالوفاء بالنذور أنشدني حبان بن عتبان، عن أبي ~~عبيدة، من الشوارد التي لا أرباب لها، قوله [8] : [من مجزوء الكامل] # إن يغدروا أو يفجروا ... أو يبخلوا لم يحفلوا # يغدوا عليك مرجلي ... ن كأنهم لم يفعلوا # كأبي براقش كل يو ... م لونه يتخيل PageV03P229 # وقال الصلتان السعدي، وهو غير الصلتان العبدي [1] : [من المتقارب] # أشاب الصغير وأفنى الكبي ... ر كر الغداة ومر العشي ms0490 # إذا ليلة هرمت يومها ... أتى بعد ذلك يوم فتي # نروح ونغدو لحاجاتنا ... وحاجة من عاش لا تنقضي # تموت مع المرء حاجاته ... وتبقى له حاجة ما بقي # إذا قلت يوما لدى معشر ... أروني السري أروك الغني # ألم تر لقمان أوصى بني ... ه وأوصيت عمرا فنعم الوصي # وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفي # أنشدني محمد بن زياد الأعرابي: [من الطويل] # ولا تلبث الأطماع من ليس عنده ... من الدين شيء أن تميل به النفس # ولا يلبث الدحس الإهاب تحوزه ... بجمعك أن ينهاه عن غيرك الترس [2] # وأنشدني أبو زيد النحوي لبعض القدماء [3] : [من الطويل] # ومهما يكن ريب المنون فإنني ... أرى قمر الليل المعذر كالفتى # يعود ضئيلا ثم يرجع دائبا ... ويعظم حتى قيل قد ثاب واستوى # كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى # وقال أبو النجم [4] : [من الرجز] # ميز عنه قنزعا من قنزع ... مر الليالي أبطئي وأسرعي # أفناه قيل الله للشمس اطلعي ... ثم إذا واراك أفق فارجعي # وقال عمرو بن هند [5] : [من الطويل] # وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحي في طرة البرد PageV03P230 # يعلل والأيام تنقص عمره ... كما تنقص النيران من طرف الزند # وقال ابن ميادة [1] : [من البسيط] # هل ينطق الربع بالعلياء غيره ... سافي الرياح ومستن له طنب [2] # وقال أبو العتاهية [3] : [من الرجز] # أسرع في نقص امرئ تمامه # وقال [4] : [من الخفيف] # ولمر الفناء في كل شيء ... حركات كأنهن سكون # وقال ابن ميادة [5] : [من الطويل] # أشاقك بالقنع الغداة رسوم ... دوارس أدنى عهدهن قديم # يلحن وقد جرمن عشرين حجة ... كما لاح في ظهر البنان وشوم # وقال آخر [6] : [من البسيط] # في مرفقيها إذا ما عونقت جمم ... على الضجيع وفي أنيابها شنب [7] # وقال ابن ميادة في جعفر ومحمد ابني سليمان، وهو يعني أمير المؤمنين ~~المنصور [8] : [من الطويل] # وفى لكما يا ابني سليمان قاسم ... بجد النهى إذ يقسم الخير قاسمه # فبيتكما بيت رفيع بناؤه ... متى يلق شيئا محدثا فهو هادمه # لكم كبش صدق شذب الشول عنكم ... وكسر قرني كل كبش يصادمه [9] PageV03P231 ### | باب ms0491 في من يهجى ويذكر بالشؤم # قال دعبل بن علي، في صالح الأفقم- وكان لا يصحب رجلا إلا مات أو قتل، أو ~~سقطت منزلته [1]-: [من الكامل] # قل للأمين أمين آل محمد ... قول امرئ شفق عليه محام # إياك أن تغتر عنك صنيعة ... في صالح بن عطية الحجام # ليس الصنائع عنده بصنائع ... لكنهن طوائل الإسلام # اضرب به نحر العدو فإنه ... جيش من الطاعون والبرسام # وقال محمد بن عبد الله في محمد بن عائشة: [من مجزوء الرمل] # للهلالي قتيل ... أبدا في كل عام # قتل الفضل بن سهل ... وعلي بن هشام # وعجيفا آخر القو ... م بأكناف الشآم # وغدا يطلب من يق ... تل بالسيف الحسام # فأعاذ الله منه ... أحمدا خير الأنام # يعني أحمد بن أبي دؤاد. # وقال عيسى بن زينب في الصخري، وكان مشؤوما: [من السريع] # يا قوم من كان له والد ... يأكل ما جمع من وفر # فإن عندي لابنه حيلة ... يموت إن أصحبه الصخري # كأنما في كفه مبرد ... يبرد ما طال من العمر ### || 887- [شعر في مديح وهجاء] # وقال الأعشى [2] : [من المتقارب] # فما إن على قلبه غمرة ... وما إن بعظم له من وهن PageV03P232 # وقال الكميت [1] : [من المنسرح] # ولم يقل عند زلة لهم ... كروا المعاذير إنما حسبوا # وقال آخر [2] : [من الطويل] # فلا تعذراني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من يسيء فيعذر # وقال العتابي [3] : [من الكامل] # رحل الرجاء إليك مغتربا ... حشدت عليه نوائب الدهر # ردت عليك ندامتي أملي ... وثنى إليك عنانه شكري # وجعلت عتبك عتب موعظة ... ورجاء عفوك منتهى عذري # وقال أعشى بكر [4] : [من المنسرح] # قلدتك الشعر يا سلامة ذا ... الإفضال والشيء حيث ما جعلا # والشعر يستنزل الكريم كما اس ... تنزل رعد السحابة السبلا # لو كنت ماء عدا جممت إذا ... ما ورد القوم لم تكن وشلا [5] # أنجب آباؤه الكرام به ... إذ نجلاه فنعم ما نجلا # استأثر الله بالبقاء وبالحم ... د وولى الملامة الرجلا # وقال الكذاب الحرمازي لقومه، أو لغيرهم [6] : [من الرجز] # لو كنتم شاء لكنتم نقدا ... أو كنتم ماء لكنتم ثمدا [7] # أو كنتم قولا لكنتم فندا [8] PageV03P233 # وقال الأعشى في ms0492 الثياب [1] : [من الخفيف] # فعلى مثلها أزور بني قي ... س إذا شط بالحبيب الفراق # المهينين ما لهم في زمان الس ... وء حتى إذا أفاق أفاقوا # وإذا ذو الفضول ضن على المو ... لى وصارت لخيمها الأخلاق [2] # ومشى القوم بالعماد إلى الرز ... حى وأعيا المسيم أين المساق [3] # أخذوا فضلهم هناك وقد تج ... ري على عرقها الكرام العتاق # وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجن التلاع والآفاق # لم يزدهم سفاهة شرب الخم ... ر ولا اللهو فيهم والسباق # واضعا في سراة نجران رحلي ... ناعما غير أنني مشتاق # في مطايا أربابهن عجال ... عن ثواء وهمهن العراق # درمك غدوة لنا ونشيل ... وصبوح مباكر واغتباق [4] # وندامى بيض الوجوة كأن الش ... رب منهم مصاعب أفناق [5] # فيهم الخصب والسماحة والنج ... دة جمعا والخاطب المسلاق [6] # وأبيون لا يسامون ضيما ... ومكيثون والحلوم وثاق [7] # وترى مجلسا يغص به المح ... راب بالقوم والثياب رقاق # وقال أيضا [8] في الثياب: [من المتقارب] # أزور يزيد وعبد المسيح ... وقيسا هم خير أربابها # وكعبة نجران حتم علي ... ك حتى تناخي بأبوابها # إذا الحبرات تلوت بهم ... وجروا أسافل هدابها PageV03P234 # وفي الثياب يقول الآخر [1] : [من الطويل] # أسيلم ذاكم لا خفا بمكانه ... لعين ترجي أو لأذن تسمع # من النفر البيض الذين إذا انتموا ... وهاب الرجال حلقة الباب قعقعوا # جلا الأذفر الأحوى من المسك فرقه ... وطيب الدهان رأسه فهو أنزع # إذا النفر السود اليمانون حاولوا ... له حوك برديه أجادوا وأوسعوا # وقال كثير [2] : [من الطويل] # يجرر سربالا عليه كأنه ... سبي هلال لم تفتق شرانقه # وقال الجعدي [3] : [من الوافر] # أتاني نصرهم وهم بعيد ... بلادهم بأرض الخيزران # يريد أرض الخصب والأغصان اللينة. # وقال الشاعر [4] : [من البسيط] # في كفه خيزران ريحها عبق ... بكف أروع في عرنينه شمم # لأن الملك لا يختصر إلا بعود لدن ناعم. وقال آخر [5] : [من الطويل] # تجاوبها أخرى على خيزرانة ... يكاد يدنيها من الأرض لينها # وقال آخر [6] : [من الطويل] # نبتم نبات الخيزراني في الثرى ... حديثا، متى ما يأتك الخير ينفع # وقال المسيب بن علس: [من الوافر] # قصار الهم إلا في صديق ... كأن وطابهم موشى ms0493 الضباب [7] PageV03P235 ### || 888- [عين الرضا وعين السخط] # وقال المسيب بن علس [1] : [من الكامل] # تامت فؤادك إذ عرضت لها ... حسن برأي العين ما تمق [2] # وقال ابن أبي ربيعة [3] : [من الرمل] # حسن في كل عين من تود # وقال عبد الله بن معاوية [4] : [من الطويل] # وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا # وقال روح أبو همام [5] : [من الطويل] # وعين السخط تبصر كل عيب ... وعين أخي الرضا عن ذاك تعمى ### || 889- [شعر وخبر] # وقال الفرزدق [6] : [من الطويل] # ألا خبروني أيها الناس إنما ... سألت ومن يسأل عن العلم يعلم # سؤال امرئ لم يغفل العلم صدره ... وما السائل الواعي الأحاديث كالعمي # وقيل لدغفل: أنى لك هذا العلم؟ قال: لسان سؤول، وقلب عقول [7] وقال ~~النابغة [8] : [من الطويل] # فآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل [9] PageV03P236 # مضلوه: دافنوه، على حد قوله تعالى: أإذا ضللنا في الأرض # [1] . # وقال المخبل [2] : [من الطويل] # أضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم # قوال زهير- أو غيره- في سنان بن أبي حارثة [3] : [من الكامل] # إن الرزية لا رزية مثلها ... ما تبتغي غطفان يوم أضلت # ولذلك زعم بعض الناس أن سنان بن أبي حارثة خرف فذهب على وجهه، فلم يوجد ~~[4] . ### || 900- [من هام على وجهه فلم يوجد] # ويزعمون أن ثلاثة نفر هاموا على وجوههم فلم يوجدوا: طالب بن أبي طالب، ~~وسنان بن أبي حارثة، ومرداس بن أبي عامر. # وقال جرير [5] : [من الطويل] # وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... علي من الفضل الذي لا يرى ليا # وقال امرؤ القيس [6] : [من الطويل] # وهل يعمن إلا خلي منعم ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال [7] # وقال الأصمعي: هو كقولهم: «استراح من لا عقل له!» وقال ابن أبي ربيعة [8] ~~: [من الطويل] # وأعجبها من عيشها ظل غرفة ... وريان ملتف الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها ... فليست لشيء آخر الليل تسهر PageV03P237 ### | باب في مديح الصالحين والفقهاء ### || 901- [شعر في مديح العلماء ورثائهم] # قال ابن الخياط [1] ، يمدح مالك بن أنس: [من الكامل] # يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان # هدي ms0494 التقي وعز سلطان التقى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان # وقال ابن الخياط في بعضهم: [من الطويل] # فتى لم يجالس مالكا منذ أن نشا ... ولم يقتبس من علمه فهو جاهل # وقال آخر [2] : [من البسيط] # فأنت بالليل ذئب لا حريم له ... وبالنهار على سمت ابن سيرين # وقال الخليل بن أحمد وذكروا عنده الحظ والجد، فقال: أما الجد فلا أقول ~~فيه شيئا، وأما الحظ فأخزى الله الحظ، فإنه يبلد الطالب إذا اتكل عليه ~~ويبعد المطلوب إليه من مذمة الطالب. # وقال ابن شبرمة: [من البسيط] # لو شئت كنت ككرز في تعبده ... أو كابن طارق حول البيت والحرم # قد حال دون لذيذ العيش خوفهما ... وسارعا في طلاب العز والكرم # وقال آخر [3] يرثي الأصمعي: [من البسيط] # لا در در خطوب الدهر إذ فجعت ... بالأصمعي لقد أبقت لنا أسفا PageV03P238 # عش ما بدا لك في الدنيا فلست ترى ... في الدهر منه ولا من علمه خلفا # وقال الحسن بن هانئ [1] ، في مرثية خلف الأحمر: [من الرجز] # لو كان حي وائلا من التلف ... لوألت شغواء في أعلى الشعف [2] # أم فريخ أحرزته في لجف ... مزغب الألغاد لم يأكل بكف [3] # هاتيك أم عصماء في أعلى الشرف ... تظل في الطباق والنزع الألف [4] # أودى جماع العلم مذ أودى خلف ... قليذم من العيالم الخسف [5] # وقال يرثيه في كلمة له [6] : [من المنسرح] # بت أعزي الفؤاد عن خلف ... وبات دمعي إلا يفض يكف [7] # أنسى الرزايا ميت فجعت به ... أضحى رهينا للترب في جدف [8] # كان يسنى برفقه غلق ال ... أفهام في لا خرق ولا عنف # يجوب عنك التي عشيت لها ... حيران، حتى يشفيك في لطف # لا يهم الحاء في القراءة بالخا ... ء ولا لامها مع الألف # ولا مضلا سبل الكلام ولا ... يكون إسناده عن الصحف # وكان ممن مضى لنا خلفا ... فليس إذ مات عنه من خلف # وقال آخر [9] في ابن شبرمة: [من الرجز] # إذا سألت الناس أين المكرمه ... والعز والجرثومة المقدمه # وأين فاروق الأمور المحكمه ... تتابع الناس على ابن شبرمه PageV03P239 ### || 902- [شعر مختار] # وقال ابن عرفطة [1] : [من الطويل] # ليهنيك ms0495 بغض للصديق وظنة ... وتحديثك الشيء الذي أنت كاذبه # وأنك مشنوء إلى كل صاحب ... بلاك، ومثل الشر يكره جانبه # وإنك مهداء الخنا نطف النثا ... شديد السباب رافع الصوت غالبه # وقال النابغة الجعدي [2] : [من المتقارب] # أبى لي البلاء وأني امرؤ ... إذا ما تبينت لم أرتب # وليس يريد أنه في حال تبينه غير مرتاب، وإنما يعني أن بصيرته لا تتغير ~~وقال ابن الجهم، ذات يوم: أنا لا أشك! قال له المكي: وأنا لا أكاد أوقن! ~~وقال طرفة [3] : [من الطويل] # وكري إذا نادى المضاف محنبا ... كسيد الغضى في الطخية المتورد [4] # وتقصير يوم الدجن والدجن معجب ... ببهكنة تحت الخباء الممدد [5] # أرى قبر نحام بخيل بماله ... كقبر غوي في البطالة مفسد [6] # لعمرك إن الموت ما أخطأ الفتى ... لكالطول المرخى وثنياه باليد [7] # أرى الموت أعداد النفوس ولا أرى ... بعيدا غدا، ما أقرب اليوم من غد [8] # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرجال بمشهد ~~PageV03P240 ### | باب القول في الجعلان والخنافس ### || 903- [صداقة الحيوانات لبعضها] # وسنقول في هذه المحقرات من حشرات الأرض، وفي المذكور من بغاث الطير ~~وخشاشه، مما يقتات العذرة ويوصف باللؤم، ويتقزز من لمسه وأكل لحمه، ~~كالخنفساء والجعل، والهداهد والرخم، فإن هذه الأجناس أطلب للعذرة من ~~الخنازير. # فأول ما نذكر من أعاجيبها صداقة ما بين الخنافس والعقارب، وصداقة ما بين ~~الحيات والوزغ. # وتزعم الأعراب أن بين ذكورة الخنافس وإناث الجعلان تسافدا وأنهما ينتجان ~~خلقا ينزع إليهما جميعا. # وأنشد خشنام الأعور النحوي عن سيبويه النحوي، عن بعض الأعراب في هجائه ~~عدوا له كان شديد السواد: [من الرجز] # عاديتنا يا خنفسا كام جعل ... عداوة الأوعال حيات الجبل [1] # من كل عود مرهف الناب عتل ... يخرق إن مس وإن شم قتل [2] # ويثبت أكل الأوعال للحيات الشعر المشهور، الذي في أيدي أصحابنا، وهو: # [من الرمل] # عل زيدا أن يلاقي مرة ... في التماس بعض حيات الجبل # غاير العينين مفطوح القفا ... ليس من حيات حجر والقلل [3] PageV03P241 # يتوارى في صدوع مرة ... ربذى الخطفة ms0496 كالقدح المؤل [1] # وترى السم على أشداقه ... كشعاع الشمس لاحت في طفل [2] # طرد الأروى فما تقربه ... ونفى الحيات عن بيض الحجل # وإنما ذكر الأورى من بين جميع ما يسكن الجبال من أصناف الوحش، لأن الأروى ~~من بينها تأكل الحيات، للعداوة التي بينها وبين الحيات. ### || 904- [استطراد لغوي] # والأروى: إناث الأوعال، واحدتها أروية. والناس يسمون بناتهم باسم ~~الجماعة، ولا يسمون البنت الواحدة باسم الواحدة منها: لا يسمون بأروية، ~~ويسمون بأروى. # وقال شماخ بن ضرار [3] : [من الوافر] # فما أروى وإن كرمت علينا ... بأدنى من موقفة حرون [4] # وأنشد أبو زيد في جماعة الأورية [5] : [من الطويل] # فما لك من أروى، تعاديت بالعمى ... ولاقيت كلابا مطلا وراميا [6] # يقال: تعادى القوم وتفاقدوا: إذا مات بعضهم على إثر بعض. # وقالت في ذلك ضباعة بنت قرط، في مرثية زوجها هشام بن المغيرة [7] : [من ~~السريع] # إن أبا عثمان لم أنسه ... وإن صمتا عن بكاه لحوب PageV03P242 # تفاقدوا من معشر ما لهم ... أي ذنوب صوبوا في القليب [1] ### || 905- [طلب الحيات البيض] # وأما قوله: [من الرمل] # ونفى الحيات عن بيض الحجل # فإن الحيات تطلب بيض كل طائر وفراخه. وبيض كل طائر مما يبيض على الأرض ~~أحب إليها. فما أعرف لذلك علة إلا سهولة المطلب. # والأيائل تأكل الحيات، والخنازير تأكل الحيات وتعاديها. ### || 906- [عداوة الحمار للغراب] # وزعم صاحب المنطق أن بين الحمار والغراب عداوة. وأنشدني بعض النحويين [2] ~~: [من الرجز] # عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب # وأنشد ابن أبي كريمة لبعض الشعراء في صريع الغواني [3] : [من الوافر] # فما ريح السذاب أشد بغضا ... إلى الحيات منك إلى الغواني ### || 907- [أمثال في الخنفساء] # ويقال: «ألج من الخنفساء» [4] ، و «أفحش من فاسية» وهي الخنفساء و «أفحش ~~من فالية الأفاعي» [5] . # والفساء يوصف بن ضربان من الخلق: الخنفساء، والظربان وفي لجاج الخنفساء ~~يقول خلف الأحمر [6] : [من المتقارب] # لنا صاحب مولع بالخلاف ... كثير الخطاء قليل الصواب # ألج لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب PageV03P243 ### || 908- [طول ذماء الخنفساء] # وقال الرقاشي: ذكرت صبر الخنزير على نفوذ السهام في جنبه، فقال لي ~~أعرابي: الخنفساء ms0497 أصبر منه، ولقد رأيت صبيا من صبيانكم البارحة وأخذ شوكة ~~وجعل في رأسها فتيلة، ثم أوقد نهارا، ثم غرزها في ظهر الخنفساء، حتى أنفذ ~~الشوكة. فغبرنا ليلتنا وإنها لتجول في الدار وتصبح لنا. والله إني لأظنها ~~كانت مقربا [1] ، لانتفاخ بطنها. # قال: وقال القناني: العواساء: الحامل من الخنافس، وأنشد [2] : [من الرجز] # بكرا عواساء تفاسا مقربا ### || 909-[أعاجيب الجعل] # قال: ومن أعاجيب الجعل # أنه يموت من ريح الورد، ويعيش إذا أعيد إلى الروث. ويضرب بشدة سواد لونه ~~المثل. قال الراجز وهو يصف أسود سالخا [3] : [من الرجز] # مهرت الأشداق عود قد كمل ... كأنما قمص من ليط جعل [4] # والجعل يظل دهرا لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، كالنمل الذي يغبر دهرا ~~لا جناح له، ثم ينبت له جناحان، وذلك عند هلكته. ### || 910- [تطور الدعاميص] # والدعاميص [5] قد تغبر حينا بلا أجنحة، ثم تصير فراشا وبعوضا. وليس كذلك ~~الجراد والذبان، لأن أجنحتها تنبت على مقدار من العمر ومرور من الأيام. # وزعم ثمامة، عن يحيى بن خالد: أن البرغوث قد يستحيل بعوضة. PageV03P244 ### || 911- [عادة الجعل] # والجعل يحرس النيام، فكلما قام منهم قائم فمضى لحاجته تبعه، طمعا في أنه ~~إنما يريد الغائط. وأنشد بعضهم قول الشاعر [1] : [من البسيط] # يبيت في مجلس الأقوام يربؤهم ... كأنه شرطي بات في حرس # وأنشد بعضهم لبعض الأعراب في هجائه رجلا بالفسولة، وبكثرة الأكل، وبعظم ~~حجم النجو [2] : [من الرجز] # حتى إذا أضحى تدرى واكتحل ... لجارتيه ثم ولى فنثل # رزق الأنوقين القرنبى والجعل # سمى القرنبي والجعل- إذ كانا يقتاتان الزبل- أنوقين. والأنوق: الرخمة، ~~وهي أحد ما يقتات العذرة. وقال الأعشى [3] : [من الرجز] # يا رخما، قاظ على ينخوب ... يعجل كف الخارئ المطيب [4] # المطيب: الذي يستطيب بالحجارة، أي يتمسح بها. وهم يسمون بالأنوق كل شيء ~~يقتات النجو والزبل، إلا أن ذلك على التشبيه لها بالرخم في هذا المعنى ~~وحده. # وقال آخر [5] : [من الرجز] # يا أيهذا النابحي نبح القبل ... يدعو علي كلما قام يصل [6] # رافع كفيه كما يفري الجعل ... وقد ملأت بطنه حتى أتل # غيظا فأمسى ضغنه قد اعتدل # والقبل: ما أقبل ms0498 عليك من الجبل. وقوله أتل، أي امتلأ عليك غيظا فقصر في ~~مشيته. وقال الجعدي [7] : [من الرمل] # منع الغدر فلم أهمم به ... وأخو الغدر إذا هم فعل PageV03P245 # خشية الله وأني رجل ... إنما ذكري كنار بقبل # وقال الراجز- وهو يهجو بعضهم بالفسولة، وبكثرة الأكل، وعظم حجم النجو ~~[1]-: # بات يعشي وحده ألفي جعل # وقال عنترة [2] : [من الوافر] # إذا لاقيت جمع بني أبان ... فإني لائم للجعد لاحي # كسوت الجعد جعد بني أبان ... ردائي بعد عري وافتضاح # ثم شبهه بالجعل فقال: # كأن مؤشر العضدين جحلا ... هدوجا بين أقلبة ملاح [3] # تضمن نعمتي فغدا عليها ... بكورا أو تهجر في الرواح # وقال الشماخ [4] : [من الطويل] # وإن يلقيا شأوا بأرض هوى له ... مفرض أطراف الذراعين أفلج # والشأو هاهنا: الروث، كأنه كثره حتى ألحقه بالشأو الذي يخرج من البئر، ~~كما يقول أحدهم إذا أراد أن ينقي البئر: أخرج من تلك البئر شأوا أو شأوين، ~~يعني من التراب الذي قد سقط فيها، وهو شيء كهيئة الزبيل الصغير. # والشاو: الطلق. والشأو: الفوت. # والمفرض الأفلج الذي عنى، هو الجعل، لأن الجعل في قوائمه تحزيز، وفيها ~~تفريج. ### || 912- [معرفة في الجعل] # وللجعل جناحان لا يكادان يريان إلا عند الطيران، لشدة سوادهما، وشبههما ~~بجلده، ولشدة تمكنهما في ظهره. PageV03P246 # قال الشاعر، حيث عدد الخونة، وحث الأمير على محاسبتهم: [من البسيط] # واشدد يديك بزيد إن ظفرت به ... واشف الأرامل من دحروجة الجعل # والجعل لا يدحرج إلا جعرا يابسا، أو بعرة. # وقال سعد بن طريف، يهجو بلال بن رباح مولى أبي بكر [1] : [من البسيط] # وذاك أسود نوبي له ذفر ... كأنه جعل يمشي بقرواح [2] # وسنذكر شأنه وشأن بلال في موضعه من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ### || 913- [أبو الخنافس وأبو العقارب] # وكان بالكوفة رجل من ولد عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي يكنى أبا ~~الخنافس راضيا بذلك، ولم تكن الكنية لقبا ولا نبزا، وكان من الفقهاء، وله ~~هيئة ورواء. وسألته: هل كان في آبائه من يكنى أبا الخنافس؟ فإن أبا العقارب ~~في آل سلم مولى بني العباس كثير على اتباع ms0499 أثر. وكان أبو الخنافس هذا اكتنى ~~به ابتداء. ### || 914- [طول ذماء الخنفساء] # وقال لي أبو الفضل العنبري: يقولون: الضب أطول شيء ذماء، والخنفساء أطول ~~منه ذماء، وذلك أنه يغرز في ظهرها شوكة ثاقبة، وفيها ذبالة تستوقد وتصبح ~~لأهل الدار، وهي تدب بها وتجول! وربما كانت في تضاعيف حبل قت، أو في بعض ~~الحشيش والعشب والخلا، فتصير في فم الجمل فيبتلعها من غير أن يضغم ~~الخنفساء، فإذا وصلت إلى جوفه وهي حية جالت فيه، فلا تموت حتى تقتله. # فأصحاب الإبل يتعاورون تلك الأواري والعلوفات، خوفا من الخنافس. ### || 915- [هجاء جواس لحسان بن بحدل] # وقال جواس بن القعطل في حسان بن بحدل: [من الكامل] # هل يهلكني لا أبالكم ... دنس الثياب كطابخ القدر # جعل تمطى في عمايته ... زمر المروءة ناقص الشبر [3] PageV03P247 # لزبابة سوداء حنظلة ... والعاجز التدبير كالوبر [1] # فأما الهجاء والمدح، ومفاخرة السودان والحمران، فإن ذلك كله مجموع في ~~كتاب «الهجناء والصرحاء» وقد قدمنا في صدر هذا الكتاب جملة في القول في ~~الجعلان وغير ذلك من الأجناس اللئيمة والمستقذرة، في باب النتن والطيب، ~~فكرهنا إعادته في هذا الموضع. PageV03P248 ### | باب القول في الهدهد # وأما القول في الهدهد، فإن العرب والأعراب كانوا يزعمون أن القنزعة التي ~~على رأسه ثواب من الله تعالى على ما كان من بره لأمه! لأن أمه لما ماتت جعل ~~قبرها على رأسه، فهذه القنزعة عوض عن تلك الوهدة. # والهدهد طائر منتن الريح والبدن، من جوهره وذاته، فرب شيء يكون منتنا من ~~نفسه، من غير عرض يعرض له، كالتيوس والحيات وغير ذلك من أجناس الحيوان فأما ~~الأعراب فيجعلون ذلك النتن شيئا خامره بسبب تلك الجيفة التي كانت مدفونة في ~~رأسه. وقد قال في ذلك أمية أو غيره من شعرائهم. فأما أمية فهو الذي يقول ~~[1] : [من الكامل] # اعلم بأن الله ليس كصنعه ... صنيع ولا يخفى على الله ملحد # وبكل منكرة له معروفة ... أخرى على عين بما يتعمد # جدد وتوشيم ورسم علامة ... وخزائن مفتوحة لا تنفد # عمن أراد بها وجاب عنانها ... لا يستقيم لخالق يتزيد # غيم وظلماء ms0500 وغيث سحابة ... أزمان كفن واستراد الهدهد [2] # يبغي القرار لأمه ليجنها ... فبنى عليها في قفاه يمهد [3] # مهدا وطيئا فاستقل بحمله ... في الطير يحملها ولا يتأود [4] # من أمه فجزي بصالح حملها ... ولدا، وكلف ظهره ما تفقد # فتراه يدلح ما مشى بجنازة ... فيها وما اختلف الجديد المسند [5] ~~PageV03P249 ### || 916- [معرفة الهدهد بمواضع المياه] # [1] ويزعمون أن الهدهد هو الذي كان يدل سليمان عليه السلام على مواضع ~~المياه في قعور الأرضين إذا أراد استنباط شيء منها. ### || 917- [سؤال في الهدهد] # [2] ويروون أن نجدة الحروري أو نافع بن الأزرق قال لابن عباس: إنك تقول ~~إن الهدهد إذا نقر الأرض عرف مسافة ما بينه وبين الماء، والهدهد لا يبصر ~~الفخ دوين التراب، حتى إذا نقر التمرة انضم عليه الفخ! فقال ابن عباس: «إذا ~~جاء القدر عمي البصر» [3] . # ومن أمثالهم: «إذا جاء الحين غطى العين» [4] . # وابن عباس إن كان قال ذلك فإنما عنى هدهد سليمان عليه السلام بعينه؛ فإن ~~القول فيه خلاف القول في سائر الهداهد. # وسنأتي على ذكر هذا الباب من شأنه في موضعه إن شاء الله تعالى. # وقد قال الناس في هدهد سليمان، وغراب نوح، وحمار عزير، وذئب أهبان بن ~~أوس، وغير ذلك من هذا الفن، أقاويل، وسنقول في ذلك بجملة من القول في موضعه ~~إن شاء الله. ### || 918- [اتخاذ الهدهد عشه من الزبل] # وقد قال صاحب المنطق وزعم في كتاب الحيوان، أن لكل طائر يعشش شكلا يتخذ ~~عشه منه، فيختلف ذلك على قدر اختلاف المواضع وعلى قدر اختلاف صور تلك ~~القراميص والأفاحيص. وزعم أن الهدهد من بينها يطلب الزبل، حتى إذا وجده نقل ~~منه، كما تنقل الأرضة من التراب، ويبني منه بيتا، كما تبني الأرضة، ويضع ~~جزءا على جزء، فإذا طال مكثه في ذلك البيت، وفيه أيضا ولد، أو في مثله، ~~وتربى ريشه وبدنه بتلك الرائحة، فأخلق به أيضا أن يورث ابنه النتن الذي ~~علقه، كما أورث جده أباه، وكما أورثه أبوه. قال: ولذلك يكون منتنا. ~~PageV03P250 # وهذا وجه أن كان معلوما أنه لا يتخذ عشه إلا من الزبل. # فأما ms0501 ناس كثير، فيزعمون أن رب بدن يكون طيب الرائحة، كفأرة المسك التي ~~ربما كانت في البيوت. ومن ذلك ما يكون منتن البدن، كالذي يحكى عن الحيات ~~والأفاعي والثعابين، ويوجد عليه التيوس. ### || 919- [طائر الاغتيولس] # وذكر صاحب المنطق أن الطير الكبير، الذي يسمى باليونانية اغتيولس، يحكم ~~عشه ويتقنه، ويجعله مستديرا مداخلا كأنه كرة معمولة. وروى أنهم يزعمون أن ~~هذا الطائر يجلب الدارصيني من موضعه، فيفرش به عشه، ولا يعشش إلا في أعالي ~~الشجر المرتفعة المواضع. # قال: وربما عمد الناس إلى سهام يشدون عليها رصاصا، ثم يرمون بها أعشتها، ~~فيسقط عليهم الدارصيني، فيلتقطونه ويأخذونه. ### || 920- [زعم البحريين في الطير] # ويزعم البحريون أن طائرين يكونان ببلاد السفالة [1] ، أحدهما يظهر قبل ~~قدوم السفن إليهم، وقبل أن يمكن البحر من نفسه، لخروجهم في متاجرهم فيقول ~~الطائر: # قرب آمد، فيعلمون بذلك أن الوقت قد دنا، وأن الإمكان قد قرب. # قالوا: ويجيء به طائر آخر، وشكل آخر، فيقول: سمارو. وذلك في وقت رجوع من ~~قد غاب منهم، فيسمون هذين الجنسين من الطير: قرب، وسمارو، كأنهم سموهما ~~بقولهما، وتقطيع أصواتهما، كما سمت العرب ضربا من الطير القطا، لأن القطا ~~كذلك تصيح، وتقطيع أصواتها قطا، وكما سموا الببغاء بتقطيع الصوت الذي ظهر ~~منه. # فيزعم أهل البحر أن ذينك الطائرين لا يطير أحدهما أبدا إلا في إناث، وأن ~~الآخر لا يطير أبدا إلا في ذكورة. ### || 921- [وفاء الشفنين] # وزعم لي بعض الأطباء ممن أصدق خبره، أن الشفنين [2] إذا هلكت أنثاه لم ~~يتزوج وإن طال عليه التعزب. وإن هاج سفد ولم يطلب الزواج. PageV03P251 ### || 922- [من عجائب الطير] # وحكوا أن عندهم طائرين، أحدهما وافي الجناحين وهو لم يطر قط، والآخر وافي ~~الجناحين، ولكنه من لدن ينهض للطيران فلا يزال يطير ويقتات من الفراش ~~وأشباه الفراش، وأنه لا يسقط إلا ميتا. إلا أنهم ذكروا أنه قصير العمر. ### || 923- [كلام في قول أرسطو] # ولست أدفع خبر صاحب المنطق عن صاحب الدارصيني، وإن كنت لا أعرف الوجه في ~~أن طائرا ينهض من وكره في الجبال، أو بفارس أو باليمن، فيؤم ms0502 ويعمد نحو بلاد ~~الدارصيني، وهو لم يجاوز موضعه ولا قرب منه. وليس يخلو هذا الطائر من أن ~~يكون من الأوابد أو من القواطع. وإن كان من القواطع فكيف يقطع الصحصحان [1] ~~الأملس وبطون الأودية، وأهضام الجبال [2] بالتدويم في الأجواء، وبالمضي على ~~السمت، لطلب ما لم يره ولم يشمه ولم يذقه. وأخرى فإنه لا يجلب منه بمنقاره ~~ورجليه، ما يصير فراشا له ومهادا، إلا بالاختلاف الطويل. وبعد فإنه ليس ~~بالوطيء الوثير، ولا هو له بطعام. # فأنا وإن كنت لا أعرف العلة بعينها فلست أنكر الأمور من هذه الجهة. فاذكر ~~هذا. ### || 924- [قول أبي الشيص في الهدهد] # وقال أبو الشيص في الهدهد [3] : [من البسيط] # لا تأمنن على سري وسركم ... غيري وغيرك أو طي القراطيس # أو طائر سأحليه وأنعته ... ما زال صاحب تنقير وتدسيس # سود براثنه، ميل ذوائبه ... صفر حمالقه، في الحسن مغموس # قد كان هم سليمان ليذبحه ... لولا سعايته في ملك بلقيس # وقد قدمنا في هذا الكتاب في تضاعيفه، عدة مقطعات في أخبار الهدهد. ~~PageV03P252 ### | باب القول في الرخم # وقال: إن لئام الطير ثلاثة: الغربان، والبوم، والرخم ### || 925- [أسطورة الرخم] # ويقال: إنه قيل للرخمة: ما أحمقك! قالت: وما حمقي، وأنا أقطع في أول ~~القواطع، وأرجع في أول الرواجع، ولا أطير في التحسير [1] . ولا أغتر ~~بالشكير [2] ، ولا أسقط على الجفير [3] . # وقد ذكرنا تفسير هذا. وقال الكميت [4] : [من مجزوء الكامل] # إذ قيل يا رخم انطقي ... في الطير، إنك شر طائر ### || 926- [شر الطير] # وقال أبو الحسن المدائني: أمر بعض ملوك العجم الجلندي بن عبد العزيز ~~الأزدي، وكان يقال له في الجاهلية عرجدة، فقال له: صد لي # شر الطير، # واشوه بشر الحطب، وأطعمه شر الناس. فصاد رخمة وشواها ببعر، وقربها إلى ~~خوزي [5] . فقال له الخوزي: أخطأت في كل شيء أمرك به الملك: ليس الرخمة شر ~~الطير، وليس البعرة شر الحطب، وليس الخوزي شر الناس. ولكن اذهب فصد بومة، ~~واشوها بدفلى، وأطعمها نبطيا ولد زنى. ففعل، وأتى الملك فأخبره، فقال: ليس ~~يحتاج إلى ولد زنى! يكفيه أن يكون نبطيا. PageV03P253 ### || 927- [الغراب والرخمة] ms0503 # والغراب يقوى على الرخمة، والرخمة أعظم من الغراب وأشد. والرخمة تلتمس ~~لبيضها المواضع البعيدة، والأماكن الوحشية، والجبال الشامخة، وصدوع الصخر. # فلذلك يقال في بيض الأنوق ما يقال [1] . ### || 928- [ما قيل في بيض الأنوق] # وقال عتبة بن شماس [2] : [من الخفيف] # إن أولى بالحق في كل حق ... ثم أولى أن يكون حقيقا # من أبوه عبد العزيز بن مروا ... ن ومن كان جده الفاروقا # رد أموالنا علينا وكانت ... في ذرى شاهق تفوت الأنوقا # وطلب رجل من أهل الشام الفريضة من معاوية فجاد له بها، فسأل لولده، فأبى، ~~فسأله لعشيرته، فقال معاوية [3] : [من الخفيف] # طلب الأبلق العقوق، فلما ... لم يجده أراد بيض الأنوق # وليس يكون العقوق إلا من الإناث، فإذا كانت من البلق كانت بلقاء. وإنما ~~هذا كقولهم: «زل في سلى جمل» [4] ، والجمل لا يكون له سلى [5] . # وقد يرون بيض الأنوق، ولكن ذلك قليلا ما يكون، وأقل من القليل، لأن بيضها ~~في المواضع الممتنعة، وليست فيها منافع فيتعرض في طلبها للمكروة. ~~PageV03P254 # وأنا أظن أن معاوية لم يقل كما قالوا: ولكنه قدم في اللفظ بيض الأنوق، ~~فقال: # «طلب بيض الأنوق، فلما لم يجده طلب الأبلق العقوق» . ### || 929- [ما يسمى بالهدهد] # وأما قول ابن أحمر [1] : [من الكامل] # يمشي بأوظفة شديد أسرها ... شم السنابك لا تقي بالجدجد [2] # إذ صبحته طاويا ذا شرة ... وفؤاده زجل كعزف الهدهد # فقد يكون ألا يكون عنى بهذا الهدهد، لأن ذكورة الحمام وكل شيء غنى من ~~الطير وهدر ودعا، فهو هدهد. ومن روى «كعزف الهدهد» [3] فليس من هذا في شيء. # وقد قال الشاعر في صفة الحمام: [من الكامل] # وإذا استشرن أرن فيها هدهد ... مثل المداك خضبته بجساد [4] ### || 930- [ميل بعض النساء إلى المال] # وخطب رجل جميل امرأة، وخطبها معه رجل دميم فتزوجت الدميم لماله، وتركته، ~~فقال [5] : [من الطويل] # ألا يا عباد الله ما تأمرونني ... بأحسن من صلى وأقبحهم بعلا # يدب على أحشائها كل ليلة ... دبيب القرنبى بات يقرو نقا سهلا [6] ~~PageV03P255 ### || 931- [الأجناس التي تطلب العذرة] # والأجناس التي تريد العذرة وتطلبها كثيرة، كالخنازير، والدجاج، والكلاب، ~~والجراد، وغير ذلك. ms0504 ولكنها لا تبلغ مبلغ الجعل والرخمة. ### || 932- [أكل الأعراب لبعض الحيوان] # وقال ابن أبي كريمة: كنت عند أبي مالك عمرو بن كركرة، وعنده أعرابي، فجرى ~~ذكر القرنبى. قال: فقلت له: أتعرف القرنبى؟ قال: وما لي لا أعرف القرنبى؟! ~~فو الله لربما لم يكن غدائي إلا القرنبى يحسحس [1] لي. قال: فقلت له: إنها ~~دويبة تأكل العذرة. قال: ودجاجكم تأكل العذرة! وقال [2] : قال بعض المدنيين ~~لبعض الأعراب: أتأكلون الحيات والعقارب والجعلان والخنافس؟ فقال: نأكل كل ~~شيء إلا أم حبين [3] . قال: فقال المدني: # «لتهن أم الحبين العافية» . # قال: وحدثنا ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، ~~عن ابن عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال [4] : «من الدواب أربع ~~لا يقتلن: النملة، والنحلة، والصرد، والهدهد» . ### | باب في الخفاش ### || 933- [القول في الخفاش] # فأول ذلك أن الخفاش طائر، وهو مع أنه طائر من عرض الطير فإنه شديد ~~الطيران، كثير التكفي في الهواء، سريع التقلب فيه، ولا يجوز أن يكون طعمه ~~إلا من البعوض، وقوته إلا من الفراش وأشباه الفراش، ثم لا يصيده إلا في وقت ~~طيرانه في الهواء، وفي وقت سلطانه، لأن البعوض إنما يتسلط بالليل. ولا يجوز ~~أن يبلغ ذلك إلا بسرعة اختطاف واختلاس، وشدة طيران، ولين أعطاف وشدة متن، ~~وحسن تأت، ورفق في الصيد. وهو مع ذلك كله ليس بذي ريش، وإنما هو لحم وجلد. ~~فطيرانه بلا ريش عجب، وكلما كان أشد كان أعجب. PageV03P256 ### || 934- [من أعاجيب الخفاش] # ومن أعاجيبه أنه لا يطير في ضوء ولا في ظلمة. وهو طائر ضعيف قوى البصر، ~~قليل شعاع العين الفاصل من الناظر. ولذلك لا يظهر في الظلمة، لأنها تكون ~~غامرة لضياء بصره، غالبة لمقدار قوى شعاع ناظره. ولا يظهر نهارا، لأن بصره ~~لضعف ناظره يلتمع في شدة بياض النهار. ولأن الشيء المتلألئ ضار لعيون ~~الموصوفين بحدة البصر، ولأن شعاع الشمس بمخالفة مخرج أصوله وذهابه، يكون ~~رادعا لشعاع ناظره، ومفرقا له. فهو لا يبصر ليلا ولا نهارا. فلما علم ذلك ~~واحتاج إلى ms0505 الكسب والطعم، التمس الوقت الذي لا يكون فيه من الظلام ما يكون ~~غامرا قاهرا، وعاليا غالبا. ولا من الضياء ما يكون معشيا رادعا، ومفرقا ~~قامعا. فالتمس ذلك في وقت غروب القرص، وبقية الشفق، لأنه وقت هيج البعوض ~~وأشباه البعوض، وارتفاعها في الهواء، ووقت انتشارها في طلب أرزاقها. ~~فالبعوض يخرج للطعم، وطعمه دماء الحيوان، وتخرج الخفافيش لطلب الطعم، فيقع ~~طالب رزق على طالب رزق، فيصير ذلك هو رزقه. # وهذا أيضا مما جعل الله في الخفافيش من الأعاجيب. ### || 935- [البائضة والوالدة] # [1] ويزعمون أن السك [2] الآذان والممسوحة، من جميع الحيوان، أنها تبيض ~~بيضا، وأن كل أشرف [3] الآذان فهو يلد ولا يبيض. ولا ندري لم كان الحيوان ~~إذا كان أشرف الآذان ولد، وإذا كان ممسوحا باض. # ولآذان الخفافيش حجم ظاهر، وشخوص بين. وهي وإن كانت من الطير فإن هذا ~~لها، وهي تحبل وتلد، وتحيض، وترضع. ### || 936- [ما يحيض من الحيوان] # والناس يتقززون من الأرانب والضباع، لمكان الحيض. # وقد زعم صاحب المنطق أن ذوات الأربع كلها تحيض، على اختلاف في القلة ~~والكثرة. والزمان، والحمرة والصفرة، والرقة والغلظ. قال: ويبلغ من ضن أنثى ~~PageV03P257 # الخفافيش بولدها ومن خوفها عليه، أنها تحمله تحت جناحها، وربما قبضت عليه ~~بفيها، وربما أرضعته وهي تطير، وتقوى من ذلك، ويقوى ولدها على ما لا يقوى ~~عليه الحمام والشاهمرك، وسباع الطير. ### || 937- [معارف في الخفاش] # وقال معمر أبو الأشعث: ربما أتأمت الخفافيش فتحمل معها الولدين جميعا، ~~فإن عظما عاقبت بينهما. # والخفاش من الطير، وليس له منقار مخروط، وله فم فيما بين مناسر السباع ~~وأفواه البوم. وفيه أسنان حداد صلاب مرصوفة من أطراف الحنك، إلى أصول الفك، ~~إلا ما كان في نفس الخطم. # وإذا قبضت على الفرخ وعضت عليه لتطير به، عرفت ذرب أسنانها [1] ، فعرفت ~~أي نوع ينبغي أن يكون ذلك العض، فتجعله أزما ولا تجعله عضا ولا تنييبا ولا ~~ضغما، كما تفعل الهرة بولدها، فإنها مع ذرب أنيابها، وحدة أظفارها ودقتها، ~~لا تخدش لها جلدا، إلا أنها تمسكها ضربا من الإمساك، وتأزم عليها ضربا من ~~الأزم ms0506 قد عرفته. # ولكل شيء حد به يصلح، وبمجاوزته والتقصير دونه يفسد. # وقد نرى الطائر يغوص في الماء نهاره، ثم يخرج منه كالشعرة سللها من ~~العيجن، غير مبتل الريش، ولا لثق الجناحين. ولو أن أرفق الناس رفقا، راهن ~~على أن يغمس طائرا منها في الماء غمسة واحدة ثم خلى سربه ليكون هو الخارج ~~منه، لخرج وهو متعجن الريش، مفسد النظم، منقوض التأليف. ولكان أجود ما يكون ~~طيرانا أن يكون كالجادف. فهذا أيضا من أعاجيب الخفاش. ### || 938- [من أعاجيب الخفافيش] # ومن أعاجيبها تركها ذرى الجبال وبسيط الفيافي، وأقلاب النخل، وأعالي ~~الأغصان، ودغل الغياض والرياض، وصدوع الصخر، وجزائر البحر، ومجيئها تطلب ~~مساكن الناس وقربهم، ثم إذا صارت إلى بيوتهم وقربهم، قصدت إلى أرفع مكان ~~وأحصنه، وإلى أبعد المواضع من مواضع الاجتياز، وأعرض الحوائج. PageV03P258 ### || 939- [طول عمر الخفاش] # ثم الخفاش بعد ذلك من الحيوان الموصوف بطول العمر، حتى يجوز في ذلك ~~العقاب والورشان إلى النسر، ويجوز حد الفيلة والأسد وحمير الوحش، إلى أعمار ~~الحيات. # ومن أعاجيب الخفافيش أن أبصارها تصلح على طول العمر، ولها صبر على طول ~~فقد الطعم. فيقال إن اللواتي يظهرن في القمر من الخفافيش المسنات المعمرات، ~~وإن أولادهن إذا بلغن لم تقو أبصارهن على ضياء القمر. # ومن أعاجيبها أنها تضخم وتجسم وتقبل الشحم على الكبر وعلى السن. ### || 940- [القدرة التناسلية] # وقد زعم صاحب المنطق أن الكلاب السلوقية كلما دخلت في السن كان أقوى لها ~~على المعاظلة. # وهذا غريب جدا، وقد علمنا أن الغلام أحد ما يكون وأشبق وأنكح وأحرص، عند ~~أول بلوغه. ثم لا يزال كذلك حتى يقطعه الكبر أو إصفاء أو تعرض له آفة. # ولا تزال الجارية من لدن إدراكها وبلوغها وحركة شهوتها على شبيه بمقدار ~~واحد من ضعف الإرادة. وكذلك عامتهن. فإذا اكتهلن وبلغت المرأة حد النصف ~~فعند ذلك يقوى عليها سلطان الشهوة والحرص على الباه، فإنما تهيج الكهلة عند ~~سكون هيج الكهل وعند إدبار شهوته، وكلال حده. ### || 941- [قول النساء في الخفافيش] # وأما قول النساء وأشباه النساء في الخفافيش، فإنهم يزعمون أن ms0507 الخفاش إذا ~~عض الصبي لم ينزع سنه من لحمه حتى يسمع نهيق حمار وحشي. فما أنسى فزعي من ~~سن الخفاش، ووحشتي من قربه! إيمانا بذلك القول، إلى أن بلغت. # وللنساء وأشباه النساء في هذا وشبهه خرافات، عسى أن نذكر منها شيئا إذا ~~بلغنا إلى موضعه إن شاء الله. ### || 942- [ضعف البصر لدى بعض الحيوان] # ومن الطير وذوات الأربع ما يكون فاقد البصر بالليل، ومنها ما يكون سيء ~~البصر. فأما قولهم: إنه الفأرة والسنور وأشياء أخر أبصر بالليل، فهذا باطل. # PageV03P259 # والإنسان رديء البصر بالليل، والذي لا يبصر منهم بالليل تسميه الفرس ~~شبكور وتأويله أنه أعمى ليل [1] ، وليس له في لغة العرب اسم أكثر من أنه ~~يقال لمن لا يبصر بالليل بعينه: هدبد. ما سمعت إلا بهذا، فأما الأغطش فإنه ~~السيء البصر بالليل والنهار جميعا. # وإذا كانت المرأة مغربة العين فكانت ردية البصر، قيل لها: جهراء. وأنشد ~~الأصمعي في الشاء [2] : [من الكامل] # جهراء لا تألو إذا هي أظهرت ... بصرا ولا من عيلة تغنيني # وذكروا أن الأجهر الذي لا يبصر في الشمس. وقوله «لا تألو» أي لا تستطيع. # وقوله: «أظهرت» صارت في الظهيرة. «والعيلة» : الفقر. قال: يعني به شاة. # وقال يحيى بن منصور، في هجاء بعض آل الصعق: [من البسيط] # يا ليتني، والمنى ليست بمغنية، ... كيف اقتصاصك من ثأر الأحابيش # أتنكحون مواليهم كما فعلوا ... أم تغمضون كإغماض الخفافيش # وقال أبو الشمقمق، وهو مروان بن محمد [3] : [من مجزوء الرمل] # أنا بالأهواز محزو ... ن وبالبصرة داري # في بني سعد وسعد ... حيث أهلي وقراري # صرت كالخفاش لا أب ... صر في ضوء النهار # وقال الأخطل التغلبي [4] : [من الطويل] # وقد غبر العجلان حينا إذا بكى ... على الزاد ألقته الوليدة في الكسر # فيصبح كالخفاش يدلك عينه ... فقبح من وجه لئيم ومن حجر [5] # وقالوا: السحاة مقصورة: اسم الخفاش، والجمع سحا كما ترى. PageV03P260 ### || 943- [لغز في الخفاش] # وقالوا في اللغز، وهم يعنون الخفاش [1] : [من الطويل] # أبى شعراء الناس لا يخبرونني ... وقد ذهبوا في الشعر في كل مذهب # بجلدة إنسان وصورة طائر ... وأظفار يربوع ms0508 وأنياب ثعلب ### || 944- [النهي عن قتل الضفادع والخفافيش] # هشام الدستوائي قال: حدثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن عبد الله بن عمر ~~أنه قال: «لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقهن تسبيح. ولا تقتلوا الخفاش فإنه إذا ~~خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم» . # حماد بن سلمة قال: حدثنا قتادة، عن زرارة بن أوفى، قال: قال عبد الله بن ~~عمر: «لا تقتلوا الخفاش، فإنه استأذن في البحر: أن يأخذ من مائه فيطفئ نار ~~بيت المقدس حيث حرق. ولا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح» . # قال: وحدثنا عثمان بن سعيد القرشي قال: سمعت الحسن يقول: «نهى رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عن قتل الوطواط، وأمر بقتل الأوزاغ» . # قال: والخفاش يأتي الرمانة وهي على شجرتها، فينقب عنها، فيأكل كل شيء ~~فيها حتى لا يدع إلا القشر وحده. وهم يحفظون الرمان من الخفافيش بكل حيلة. # قال: ولحوم الخفافيش موافقة للشواهين والصقورة والبوازي، ولكثير من جوارح ~~الطير، وهي تسمن عنها، وتصح أبدانها عليها. ولها في ذلك عمل محمود نافع ~~عظيم النفع، بين الأثر. والله سبحانه وتعالى أعلم. ### |PARATEXT| # تم المصحف الثالث من كتاب الحيوان ويليه المصحف الرابع وأوله في الذر ~~PageV03P261 # (بسم الله الرحمن الرحيم* # وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم) نبدأ في هذا الجزء، بعون ~~الله وتأييده، بالقول في جملة الذرة والنملة، كما شرطنا به آخر المصحف ~~الثالث. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ### | [باب في الذرة والنملة] ### || 945- [خصائص النملة] # قد علمنا أن ليس عند الذرة غناء الفرس في الحرب، والدفع عن الحريم. ولكنا ~~إذا أردنا موضع العجب والتعجيب، والتنبيه على التدبير، ذكرنا الخسيس ~~القليل، والسخيف المهين، فأريناك ما عنده من الحس اللطيف، والتقدير الغريب، ~~ومن النظر في العواقب، ومشاكلة الإنسان ومزاحمته. # والإنسان هو الذي سخر له هذا الفلك بما يشتمل عليه. # وقد [1] علمنا أن الذرة تدخر للشتاء في الصيف، وتتقدم في حال المهلة، ولا ~~تضيع أوقات إمكان الحزم. ثم يبلغ من تفقدها وحسن خبرها [2] ، والنظر في ~~عواقب ms0509 أمرها، أنها تخاف على الحبوب التي ادخرتها للشتاء في الصيف، أن تعفن ~~وتسوس، [فتنقلها من] [3] بطن الأرض، فتخرجها إلى ظهرها، لتيبسها وتعيد ~~إليها جفوفها، وليضربها النسيم، وينفى عنها اللخن والفساد. # ثم ربما كان- بل يكون أكثر- مكانها نديا [4] . وخافت أن تنبت نقرت موضع ~~القطمير من وسط الحبة، وتعلم أنها من ذلك الموضع تبتدئ وتنبت وتنقلب [5] ، ~~فهي تفلق الحب كله أنصافا. فأما إذا كان الحب من حب الكزبرة، فلقته أرباعا، ~~لأن PageV04P262 # أنصاف حب الكزبرة ينبت من بين جميع الحبوب. فهي على هذا الوجه مجاوزة ~~لفطنة جميع الحيوان، حتى ربما كانت في ذلك أحزم من كثير من الناس. # ولها، مع لطافة شخصها وخفة وزنها، وفي الشم والاستراوح ما ليس لشيء. # وربما أكل الإنسان الجراد أو بعض ما يشبه الجراد، فتسقط من يده الواحدة ~~أو صدر الواحدة، وليس يرى بقربه ذرة ولا له بالذر عهد في ذلك المنزل، فلا ~~يلبث أن تقبل ذرة قاصدة إلى تلك الجرادة، فترومها وتحاول قلبها ونقلها، ~~وسحبها وجرها، فإذا أعجزتها بعد أن بلغت عذرا، مضت إلى جحرها راجعة، فلا ~~يلبث ذلك الإنسان أن يراها قد أقبلت، وخلفها صويحباتها كالخيط الأسود ~~الممدود، حتى يتعاون عليها فيحملنها. # فأول ذلك صدق الشم لما لا يشمه الإنسان الجائع. ثم بعد الهمة، والجراءة ~~على محاولة نقل شيء في وزن جسمها مائة مرة، وأكثر من مائة مرة. # وليس شيء من الحيوان يقوى على حمل ما يكون ضعف وزنه مرارا غيرها. # وعلى أنها لا ترضى بأضعاف الأضعاف، إلا بعد انقطاع الأنفاس. ### || 946- [كلام النمل] # فإن قلت: وما علم الرجل أن التي حاولت نقل الجرادة فعجزت، هي التي أخبرت ~~صويحباتها من الذر، وأنها كانت على مقدمتهن؟ قلنا: لطول التجربة، ولأنا لم ~~نر ذرة قط حاولت نقل جرادة فعجزت عنها، ثم رأيناها راجعة، إلا رأينا معها ~~مثل ذلك، وإن كنا لا نفصل في العين بينها وبين أخواتها، فإنه ليس يقع في ~~القلب غير الذي قلنا. وعلى أننا لم نر ذرة قط حملت شيئا أو مضت إلى جحرها ~~فارغة، فتلقاها ذرة، ms0510 إلا واقفتها ساعة وخبرتها بشيء. فدل ذلك على أنها في ~~رجوعها عن الجرادة، إنما كانت لأشباهها كالرائد لا يكذب أهله [1] . # ومن العجب أنك تنكر أنها توحي إلى أختها بشيء، والقرآن قد نطق بما هو ~~أكثر من ذلك أضعافا. وقال رؤبة بن العجاج [2] : [من الرجز] # لو كنت علمت كلام الحكل ... علم سليمان # كلام النمل # [3] PageV04P263 # وقال الله عز وجل: حتى إذا أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ~~ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكا من ~~قولها وقال رب أوزعني أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي # [1] فقد أخبر القرآن أنها قد عرفت سليمان وأثبتت عينه، وأن علم منطقها ~~عنده، وأنها أمرت صويحباتها بما هو أحزم وأسلم. ثم أخبر أنها تعرف الجنود ~~من غير الجنود، وقد قالت: وهم لا يشعرون # . ونخالك أيها المنكر تبسمه بحالهن، أنك لم تعرف قبل ذلك الوقت وبعده، ~~شيئا من هذا الشكل من الكلام، ولا تدبيرا في هذا المقدار. وأما ما فوق ذلك ~~فليس لك أن تدعيه. ولكن، ما تنكر من أمثاله وأشباهه وما دون ذلك، والقرآن ~~يدل على أن لها بيانا، وقولا، ومنطقا يفصل بين المعاني التي هي بسبيلها؟! ~~فلعلها مكلفة، ومأمورة منهية، ومطيعة عاصية. فأول ذلك أن المسألة من مسائل ~~الجهالات. # وإن من دخلت عليه الشبهة من هذا المكان لناقص الروية ردي الفكرة. # وقد علمنا، وهم ناس ولهم بذلك فضيلة في الغريزة وفي الجنس والطبيعة. وهم ~~ناس إلى أن ينتهوا إلى وقت البلوغ ونزول الفرض حتى لو وردت ذرة لشربت من ~~أعلاه. ### || 947- [شعر فيه ذكر النمل] # وقال أبو دهبل [2] : [من المديد] # آب هذا الليل فاكتنعا ... وأمر النوم فامتنعا [3] # في قباب وسط دسكرة ... حولها الزيتون قد ينعا [4] # ولها بالماطرون إذا ... أكل النمل الذي جمعا [5] # خرفة، حتى إذا ارتبعت ... سكنت من جلق بيعا [6] PageV04P264 # عند غيري فالتمس رجلا ... يأكل التنوم والسلعا [1] # ذاك شيء لست آكله ... وأراه مأكلا فظعا # وقال أبو النجم في مثل ذلك [2] : [من الرجز] # 1- # وكان نشاب الرياح سنبله ... واخضر نبتا سدره وحرمله ms0511 [3] # 3- # وابيض إلا قاعه وجدوله ... وأصبح الروض لويا حوصله [4] # 5- # واصفر من تلع فليج بقله ... وانحت من حرشاء فلج خردله [5] # 7- # وانشق عن فصح سواء عنصله ... وانتفض البروق سودا فلفله [6] # 9- # واختلف النمل قطارا ينقله ... طار عن المهر نسيل ينسله [7] ### || 948- [استطراد لغوي] # قال أبو زيد: الحمكة القملة، وجمعه حمك. وقد ينقاس ذلك في الذرة. # قال أبو عبيدة: قرية النمل من التراب [8] ، وهي أيضا جرثومة النمل. # وقال غيره: قرية النمل ذلك التراب والجحر بما فيه من الذر والحب والمازن. # والمازن هو البيض، وبه سموا مازن. PageV04P265 # قال أبو عمرو: الزبال ما حملت النملة بفيها، وهو قول ابن مقبل [1] : # [من المتقارب] # كريم النجار حمى ظهره ... فلم يرتزأ بركوب زبالا [2] ### || 949- [شعر في التعذيب بالنمل] # وأنشد ابن نجيم: [من الخفيف] # هلكوا بالرعاف والنمل طورا ... ثم بالنحس والضباب الذكور # وقال الأصمعي في تسليط الله الذر على بعض الأمم [3] : [من الخفيف] # لحقوا بالزهويين فأمسوا ... لا ترى عقر دارهم بالمبين # سلط الله فازرا وعقيفا ... ن فجازاهم بدار شطون # يتبع القار والمسافر منهم ... تحت ظل الهدى بذات الغصون # فازر، وعقيفان: صنفان من الذر. وكذلك ذكروه عن دغفل بن حنظلة الناسب [4] ~~. ويقال: إن أهل تهامة هلكوا بالرعاف مرتين. قال: وكان آخر من مات بالرعاف ~~من سادة قريش، هشام بن المغيرة. # قال أمية بن أبي الصلت في ذلك [5] : [من الخفيف] # نزع الذكر في الحياة وغنا ... وأراه العذاب والتدميرا [6] # أرسل الذر والجراد عليهم ... وسنينا فأهلكتهم ومورا [7] PageV04P266 # ذكر الذر إنه يفعل الشر ... ر وإن الجراد كان ثبورا [1] ### || 950- [نملة سليمان] # وقرأ أبو إسحاق قوله عز وجل: وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير ~~فهم يوزعون. حتى إذا أتوا على واد النمل # [2] ، فقال [3] : كان ذلك الوادي معروفا بوادي النمل، فكأنه كان حمى. ~~وكيف ننكر أن يكون حمى؟! والنمل ربما أجلت أمة من الأمم عن بلادهم. # ولقد سألت أهل كسكر فقلت: شعيركم عجب، وأرزكم عجب، وسمككم عجب، وجداؤكم ~~عجب، وبطكم عجب، ودجاجكم عجب، فلو كانت لكم أعناب! فقالوا: كل أرض كثيرة ~~النمل لا تصلح فيها الأعناب. ثم قرأ: قالت نملة ms0512 يا أيها النمل ادخلوا ~~مساكنكم # [4] فجعل تلك الجحرة مساكن. والعرب تسميها كذلك ثم قال: لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده # [4] فجمعت من اسمه وعينه، وعرفت الجند من قائد الجند، ثم قالت: وهم لا ~~يشعرون # فكانوا معذورين، وكنتم ملومين، وكان أشد عليكم. فلذلك قال: فتبسم ضاحكا ~~من قولها # [5] لما رأى من بعد غورها وتسديدها، ومعرفتها. فعند ذلك قال: رب أوزعني ~~أن أشكر نعمتك التي أنعمت علي وعلى والدي وأن أعمل صالحا ترضاه وأدخلني ~~برحمتك في عبادك الصالحين # [5] ### || 951- [أمثال في النمل] # قال: ويقال: «ألطف من ذرة» و: «أضبط من نملة» [6] . # قال: والنملة أيضا: قرحة تعرض للساق، وهي معروفة في جزيرة العرب. # قال: ويقال: «أنسب من ذرة» . PageV04P267 ### || 952- [قول في بيت من الشعر] # فأما قوله [1] : [من الخفيف] # لو يدب الحولي من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم # فإن الحولي منها لا يعرف من مسانها، وإنما هو كما قال الشاعر: [من ~~الطويل] # تلقط حولي الحصى: في منازل ... من الحي أمست بالحبيبين بلقعا # قال: وحولي الحصى: صغارها. فشبهه بالحولي من ذوات الأربع. ### || 953- [أحاديث و آثار في النمل] # ابن جريج، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عباس، ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من الدواب أربع لا يقتلن: النملة، ~~والنحلة، والصرد، والهدهد» . # وحدثنا عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، قال: حدثنا الحسن بن سعد، مولى ~~علي بن عبد الرحمن بن عبد الله قال: «نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منزلا فانطلق لحاجته، فجاء وقد أوقد رجل على قرية نمل، إما في شجرة وإما في ~~أرض، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من فعل هذا؟! أطفئها أطفئها!» . # ويحيى بن أيوب، عن أبي زرعة بن جرير، قال أنبأنا أبو زرعة عن أبي هريرة ~~قال: «نزل نبي من الأنبياء تحت شجرة، فعضته نملة، فقام إلى نمل كثير تحت ~~شجرة فقتلهن، فقيل له: أفلا نملة واحدة؟!» [2] . # وعبد الله بن زياد المدني، قال: أخبرني ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن، عن ms0513 أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نزل ~~نبي من الأنبياء تحت شجرة، فقرصته نملة، فأمر بجهازه فأخرج من تحتها، ثم ~~أمر بقرية النمل فأحرقت، فأوحى الله إليه: أفي أن قرصتك نملة أهلكت أمة من ~~الأمم يسبحون الله تعالى؟! فهلا نملة واحدة!» [3] . # يحيى بن كثير، قال: حدثنا عمر بن المغيرة بن الحارث الزماني، عن هشام ~~PageV04P268 # الدستوائي قال: إن النمل والذر إذا كانا في الصيف كله ينقلن الحب، فإذا ~~كان الشتاء وخفن أن ينبت فلقنه. # هشام بن حسان، أن أهل الأحنف بن قيس لقوا من النمل أذى، فأمر الأحنف ~~بكرسي فوضع عند جحرهن، فجلس عليه ثم تشهد فقال: لتنتهن أو لنحرقن عليكن، أو ~~لنفعلن أو لنفعلن! قال: فذهبن. # وعوف بن أبي جميلة عن قسامة بن زهير قال: قال أبو موسى الأشعري: إن لكل ~~شيء سادة، حتى إن للنمل سادة. # عبد الله بن زياد المدني، قال: أنبأنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد ~~الرحمن، عن أبي هريرة قال: «سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: خرج ~~نبي من الأنبياء بالناس يستسقون، فإذا هم بنملة رافعة رأسها إلى السماء، ~~فقال ذلك النبي: ارجعوا فقد استجيب لكم من أجل هذا النمل!» . # مسعر بن كدام، قال حدثنا زيد القمي، عن أبي الصديق الناجي قال: «خرج ~~سليمان بن داود- عليهما الصلاة والسلام- يستسقي فرأى نملة مستلقية على ~~ظهرها، رافعة قوائمها إلى السماء وهي تقول: اللهم إنا خلق من خلقك، ليس بنا ~~غنى عن سقيك، فإما أن تسقينا وترزقنا، وإما أن تميتنا وتهلكنا! فقال: ~~ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم!» [1] . ### || 954- [تأويل آية] # وحدثني أبو الجهجاه قال: سأل أبو عمرو المكفوف عن قوله تعالى: حتى إذا ~~أتوا على واد النمل قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم لا يحطمنكم ~~سليمان وجنوده وهم لا يشعرون. فتبسم ضاحكا من قولها # [2] فقلت له: إن نذيرا يعجب منه نبي من الأنبياء ثم يعظم خطره حتى يضحكه ~~لعجيب! قال: فقال: ليس التأويل ما ذهبت إليه. قال: فإنه قد يضحك النبي، ms0514 ~~عليه السلام، من الأنبياء من كلام الصبي، ومن نادرة غريبة. وكل شيء يظهر من ~~غير معدنه، كالنادرة تسمع من المجنون، فهو يضحك، فتبسم سليمان عندي على أنه ~~استظرف ذلك المقدار من النملة. فهذا هو التأويل. PageV04P269 ### || 955- [سادة النمل] # وقال أبو الجهجاه: سألته عن قول أبي موسى: إن لكل شيء سادة حتى الذر. # قال: يقولون: إن سادتها اللواتي يخرجن من الجحر، يرتدن بجماعتها، ويستبقن ~~إلى شم الذي هو من طعامهن. ### || [تأویل شعر لزهیر] # وقال زهير # [1] : [من الطويل] # وقال سأقضي حاجتي ثم أتقي ... عدوي بألف من ورائي ملجم # فشد ولم تفزع بيوت كثيرة ... لدى حيث ألقت رحلها أم قشعم [2] # قال بعض العلماء: قرية النمل. ### || 956- [استطراد لغوي] # قال: ويقال في لسانه حبسة: إذا كان في لسانه ثقل يمنعه من البيان. فإذا ~~كان الثقل الذي في لسانه من قبل العجمة قيل: في لسانه حكلة. والحكل من ~~الحيوان كله ما لم يكن له صوت يستبان باختلاف مخارجه، عند حرجه وضجره، ~~وطلبه ما يغذوه، أو عند هياجه إذا أراد السفاد، أو عند وعيد لقتال، وغير ~~ذلك من أمره. ### || 957- [ رأي الهند في سبب اختلاف كلام الناس] # وتزعم الهند أن سبب ما له كثر كلام الناس واختلفت صور ألفاظهم، ومخارج ~~كلامهم، ومقادير أصواتهم في اللين والشدة، وفي المد والقطع- كثرة حاجاتهم. # ولكثرة حاجاتهم كثرت خواطرهم وتصاريف ألفاظهم، واتسعت على قدر اتساع ~~معرفتهم. # قالوا: فحوائج السنانير لا تعدو خمسة أوجه: منها صياحها إذا ضربت، ولذلك ~~صورة. وصياحها إذا دعت أخواتها وآلافها، ولذلك صورة. وصياحها إذا دعت ~~أولادها للطعم، ولذلك صورة. وصياحها إذا جاعت، ولذلك صورة. فلما قلت وجوه ~~المعرفة ووجوه الحاجات، قلت وجوه مخارج الأصوات. وأصواتها تلك فيما بينها ~~هو كلامها. # وقالوا: ثم من الأشياء ما يكون صوتها خفيا فلا يفهمه عنها إلا ما كان من ~~PageV04P270 # شكلها. ومنها ما يفهم صاحبه بضروب الحركات والإشارات والشمائل. وحاجاتها ~~ظاهرة جلية، وقليلة العدد يسيرة. ومعها من المعرفة ما لا يقصر عن ذلك ~~المقدار، ولا يجوزه. # وراضة الإبل، والرعاء، ورواض الدواب في المروج، والسواس، وأصحاب ms0515 القنص ~~بالكلاب والفهود، يعرفون باختلاف الأصوات والهيئات والتشوف، واستحالة ~~البصر، والاضطراب، ضروبا من هذه الأصناف، ما لا يعرف مثله من هو أعقل منهم، ~~إذا لم يكن له من معاينة أصناف الحيوان ما لهم. فالحكل من الحيوان من هذا ~~الشكل. # وقد ذكرناه مرة قال رؤبة [1] : [من الرجز] # لو أنني عمرت عمر الحسل ... أو أنني أوتيت علم الحكل # علم سليمان كلام النمل ### || 958- [تأويل بيت للعماني] # وقال أبو العباس محمد بن ذؤيب الفقيمي، وهو الذي يقال له العماني في بعض ~~قصائده في عبد الملك بن صالح. والعماني ممن يعد ممن جمع الرجز والقصيد، ~~كعمر بن لجإ، وجرير بن الخطفي، وأبي النجم وغيرهم. # قال العماني [2] : [من الطويل] # ويعلم قول الحكل لو أن ذرة ... تساود أخرى لم يفته سوادها # يقول: الذر الذي لا يسمع لمناجاته صوت، لو كان بينها سواد لفهمه. # والسواد هو السرار. قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن مسعود: «أذنك حتى ~~أساودك» أي تسمع سوادي. وقالت ابنة الخس: قرب الوساد وطول السواد [3] . # قال أبو كبير الهذلي [4] : [من الكامل] # ساودت عنها الطالبين فلم أنم ... حتى نظرت إلى السماك الأعزل [5] ~~PageV04P271 # وقال النمر بن تولب [1] : [من الكامل] # ولقد شهدت إذا القداح توحدت ... وشهدت عند الليل موقد نارها # عن ذات أولية أساود ربها ... وكأن لون الملح تحت شفارها # وقد فسرنا شأن الحكل. # وقال التيمي الشاعر المتكلم- وأنشد لنفسه وهو يهجو ناسا من بني تغلب ~~معروفين-[2] : [من الكامل] # عجم وحكل لا تبين، ودينها ... عبادة أعلاج عليها البرانس [3] # ففصل بين الحكل والعجم مثل ذوات الحافر والظلف والخف، وجعل الحكل كالذر ~~والنمل والخنافس، والأشكال التي ليست تصيح من أفواهها. فقال لي يومئذ حفص ~~الفرد: أشهد أن الذي يقال فيه حق، كان والله نصرانيا، ثم صار يخبر عن ~~النصارى كما يخبر عن الأعراب! ### || 959- [بين الأصمعي والمفضل] # وقال الأصمعي للمفضل، لما أنشد المفضل جعفر بن سليمان قول أوس بن حجر [4] ~~: [من المنسرح] # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جدعا [5] # فجعل الذال معجمة، وفتحها، وصحف، وذهب إلى الأجذاع. قال الأصمعي: ~~PageV04P272 # إنما هي: ms0516 «تولبا جدعا» الدال مكسورة. وفي الجدع يقول أبو زبيد [1] : [من ~~البسيط] # ثم استقاها فلم يقطع نظائمها ... عن التضبب لا عبل ولا جدع # وإنما ذلك كقول ابن حبناء الأشجعي: [من الوافر] # وأرسل مهملا جدعا وخفا ... ولا جدع النبات ولا جديب # فنفخ المفضل، ورفع بها صوته، وتكلم وهو يصيح. فقال الأصمعي: لو نفخت ~~بالشبور لم ينفعك! تكلم بكلام النمل وأصب! والشبور: شيء مثل البوق، والكلمة ~~بالفارسية. وهو شيء يكون لليهود، إذا أراد رأس الجالوت أن يحرم كلام رجل ~~منهم نفخوا عليه بالشبور. ### || 960- [تحريم الكلام لدى اليهود والنصارى] # وليس تحريم الكلام من الحدود القائمة في كتبهم، ولكن الجاثليق ورأس ~~الجالوت، لا يمكنهما في دار الإسلام حبس ولا ضرب، فليس عندهما إلا أن يغرما ~~المال، ويحرما الكلام. على أن الجاثليق كثيرا ما يتغافل عن الرجل العظيم ~~القدر، الذي له من السلطان ناحية. # وكان طيمانو رئيس الجاثليق، قد هم بتحريم كلام عون العبادي، عندما بلغه ~~من اتخاذ السراري، فتوعده وحلف: لئن فعل ليسلمن! وكما ترك الأشقيل وميخاييل ~~وتوفيل، سمل عين منويل- وفي حكمهم أن من أعان المسلمين على الروم يقتل؛ وإن ~~كان ذا رأي سملوا عينيه ولم يقتلوه- فتركوا سنتهم فيه. # وقد ذكرنا شأنهم في غير ذلك، في كتابنا على النصارى فإن أردته فاطلبه ~~هنالك. ### || 961- [معنى بيت لابن أبي ربيعة] # وقال عمر بن أبي ربيعة [2] : [من الكامل] # لو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهن حدور # والحدر: الورم والأثر يكون عن الضرب. PageV04P273 ### || 962- [التسميه بالنمل] # وقد يسمى بنملة ونميلة، ويكتنون بها. وتسموا بذر، واكتنوا بأبي ذر. # ويقال: سيف في متنه ذر، وهو ذري السيف. ### || 963- [أشعار في صفة السيف] # وقال ابن ضبة [1] : [من الهزج] # وقد أغدو مع الفتيا ... ن بالمنجرد التر [2] # وذى البركة كالتابو ... ت والمحزم كالقر [3] # معي قاضبة كالمل ... ح في متنيه كالذر # وقد أعتسر الضرب ... ة تثني شثن الشتر # وقال الآخر: [من الوافر] # تكاد الريح ترميها صرارا ... وترجف إن يلثمها خمار # وتحسب كل شيء قيل حقا ... ويرعب قلبها الذر الصغار # وقال أوس بن حجر، في صفة ms0517 السيف [4] : [من الطويل] # كأن مدب النمل يتبع الربا ... ومدرج ذر خاف بردا فأسهلا [5] # على صفحتيه بعد حين جلائه ... كفى بالذي أبلى وأنعت منصلا [6] # قال [7] : وخطب إلى عقيل بن علفة بعض بناته رجل من الحرقة من جهينة، ~~فأخذه فشده قماطا، ودهن استه برب وقمطه وقربه من قرية النمل، فأكل النمل ~~حشوة بطنه. PageV04P274 ### || 964- [شعر فيه ذكر النمل] # وقال ذو الرمة [1] : [من الطويل] # وقرية لا جن ولا أنسية ... مداخلة أبوابها بنيت شزرا [2] # نزلنا بها ما نبتغي عندها القرى ... ولكنها كانت لمنزلنا قدرا # وقال أبو العتاهية [3] : [من الكامل] # أخبث بدار همها أشب ... جثل الفروع كثيرة شعبه # إن استهانتها بمن صرعت ... لبقدر ما تعلو به رتبه # وإذا استوت للنمل أجنحة ... حتى يطير فقد دنا عطبه # وقال البعيث: [من الطويل] # ومولى كبيت النمل لا خير عنده ... لمولاه إلا سعيه بنميم ### || 965- [بعض ما قيل في النمل] # قال: وقد سمعت بعض الأعراب يقول: إنه لنمام نملي. على قولهم: «كذب علي ~~نمل» إذا أرادوا أن يخبروا أنه نمام. وقال حميد بن ثور، في تهوين قوة الذر ~~[4] : # [من الطويل] # منعمة، لو يصبح الذر ساريا ... على جلدها بضت مدارجه دما # وقال الله عز وجل: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره # [5] . # قال: وقيل لعائشة- رضي الله تعالى عنها، وقد تصدقت بحبة عنب-: # أتصدقين بحبة عنب؟! قالت: «إن فيها لمثاقيل ذر» [6] . PageV04P275 ### || 966- [لغز في النمل] # ومما قيل في الشعر من اللغز [1] : [من المتقارب] # فما ذو جناح له حافر ... وليس يضر ولا ينفع # يعني النمل. فزعم أن للنمل حافرا، وإنما يحفر جحره، وليس يحفره بفمه. ### || 967- [التعذيب بالنمل] # وعذب عمر بن هبيرة سعيد بن عمرو الحرشي بأنواع العذاب فقيل له: إن أردت ~~ألا يفلح أبدا فمرهم أن ينفخوا في دبره النمل. ففعلوا فلم يفلح بعدها. ### || 968- [ما يدخر قوته من الحيوان] # قالوا: وأجناس من الحيوان تدخر، وتشبه في ذلك بالإنسان ذي العقل والروية، ~~وصاحب النظر في العواقب، والتفكير في الأمور: مثل الذر، والنمل، والفأر، ~~والجرذان، والعنكبوت، والنحل. إلا أن النحل لا يدخر ms0518 من الطعام إلا جنسا ~~واحدا، وهو العسل. ### || 969- [أكل الذر للنمل] # وزعم اليقطري أنك لو أدخلت نملة في جحر ذر لأكلتها، حتى تأتي على عامتها. ~~وذكر أنه قد جرب ذلك. # وقال صاحب المنطق: إن الضباع تأكل النمل أكلا ذريعا، وذلك أن الضباع تأتي ~~قرية النمل في وقت اجتماع النمل، فتلحس ذلك النمل بلسانها، بشهوة شديدة، ~~وإرادة قوية. ### || 970- [أكل النمل للأرضة] # قالوا: وربما أفسدت الأرضة على أهل القرى منازلهم، وأكلت كل شيء لهم. # ولا تزال كذلك حتى ينشو في تلك القرى النمل، فيسلط الله ذلك النمل على ~~تلك الأرضة، حتى تأتي على آخرها. وعلى أن النمل بعد ذلك سيكون له أذى، إلا ~~أنه دون الأرضة تعديا. وما أكثر ما يذهب النمل أيضا من تلك القرى، حتى تتم ~~لأهلها السلامة من النوعين جميعا. PageV04P276 # وزعم بعضهم أن تلك الأرضة بأعيانها تستحيل نملا، وليس فناؤها لأكل النمل ~~لها، ولكن الأرضة نفسها تستحيل نملا. فعلى قدر ما يستحيل منها يرى النقص ~~[1] في عددها. ومضرتها على الأيام. ### || 971- [مثل في النمل] # قال: وبالنمل يضرب المثل؛ يقال: «جاؤوا مثل النمل» [1] . # والزنج نوعان [2] : أحدهما يفخر بالعدد، وهم يسمون النمل، والآخر يفخر ~~بالصبر وعظم الأبدان، وهم يسمون الكلاب. وأحدهما يكبو والآخر ينبو. فالكلاب ~~تكبو، والنمل تنبو [2] . ### || 972- [أجنحة النمل] # قال: ومن أسباب هلاك النمل نبات الأجنحة له. وقد قال الشاعر [3] : [من ~~الكامل] # وإذا استوت للنمل أجنحة ... حتى يطير فقد دنا عطبه # وإذا صار النمل كذلك أخصبت العصافير؛ لأنها تصطادها في حال طيرانها. ### || 973- [وسيلة لقتل النمل] # قالوا [4] : وتقتل بأن يصب في أفواه بيوتها القطران والكبريت الأصفر، ~~ويدس في أفواهها الشعر. وقد جربنا ذلك فوجدناه باطلا. انتهى. PageV04P277 ### | باب جملة القول في القرد والخنزير # وفي تأويل المسخ، وكيف كان، وكيف يمسخ الناس على خلقتهما دون كل شيء، وما ~~فيهما من العبرة والمحنة؛ وفي خصالهما المذمومة، وما فيهما من الأمور ~~المحمودة؛ وما الفصل الذي بينهما في النقص، وفي الفضل، وفي الذم وفي الحمد. ### || 974- [ذكر الحيوان في القرآن] # وقد ذكر الله عز وجل في القرآن العنكبوت، والذر ms0519 والنمل، والكلب، والحمار، ~~والنحل، والهدهد، والغراب، والذئب، والفيل والخيل، والبغال، والحمير، ~~والبقر، والبعوض، والمعز، والضأن، والبقرة، والنعجة، والحوت، والنون. فذكر ~~منها أجناسا، فجعلها مثلا في الذلة والضعف، وفي الوهن، وفي البذاء، والجهل. ### || [و ان شأن القرد و الخنزير] # وقال الله عز وجل: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها # [1] فقللها كما ترى وحقرها، وضرب بها المثل. وهو مع ذلك جل وعلا، لم يمسخ ~~أحدا من حشو أعدائه وعظمائهم بعوضة. # وقال تعالى: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون ~~الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه ~~منه ضعف الطالب والمطلوب # [2] . إنما قرع الطالب في هذا الموضع [3] بإنكاره وضعفه، إذ عجز ضعفه عن ~~ضعف مطلوب لا شيء أضعف منه، وهو الذباب. ثم مع ذلك لم نجده جل وعلا، ذكر ~~أنه مسخ أحدا ذبابا. # وقال: وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت # [3] فدل بوهن بيته على وهن خلقه، فكان هذا القول دليلا على التصغير ~~والتقليل. وإنما لم يقل: إني مسخت أحدا من أعدائي عنكبوتا. PageV04P278 # وقال تعالى: فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث # [1] فكان في ذلك دليل على ذم طباعه، والإخبار عن تسرعه وبذائه. وعن جهله ~~في تدبيره، وتركه وأخذه. ولم يقل إني مسخت أحدا من أعدائي كلبا. # وذكر الذرة فقال: فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره. ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره # [2] فكان ذلك دليلا على أنه من الغايات في الصغر والقلة، وفي خفة الوزن ~~وقلة الرجحان. ولم يذكر أنه مسخ أحدا من أعدائه ذرة. # وذكر الحمار فقال: كمثل الحمار يحمل أسفارا # [3] فجعله مثلا في الجهل والغفلة، وفي قلة المعرفة وغلظ الطبيعة. ولم يقل ~~إني مسخت أحدا من أعدائي حمارا. وكذلك جميع ما خلق وذكر من أصناف الحيوان ~~بالذم والحمد. # فأما غير ذلك مما ذكر من أصناف الحيوان، فإنه لم يذكره بذم ولا نقص، بل ~~قد ذكر أكثرهن بالأمور المحمودة، حتى صار إلى ذكر القرد فقال: ms0520 وجعل منهم ~~القردة والخنازير # [4] فلم يكن لهما في قلوب الناس حال. ولو لم يكن جعل لهما في صدور العامة ~~والخاصة من القبح والتشويه، ونذالة النفس، ما لم يجعله لشيء غيرهما من ~~الحيوان، لما خصهما الله تعالى بذلك. # وقد علمنا أن العقرب أشد عداوة وأذى، وأفسد، وأن الأفعى والثعبان وعامة ~~الأحناش، أبغض إليهم وأقتل لهم، وأن الأسد أشد صولة، وأنهم عن دفعهم له ~~أعجز، وبغضهم له على حسب قوته عليهم، وعجزهم عنه، وعلى حسب سوء أثره فيهم. # ولم نره تعالى مسخ أحدا من أعدائه على صورة شيء من هذه الأصناف. # ولو كان الاستنذال والاستثقال والاستسقاط أراد، لكان المسخ على صورة بنات ~~وردان أولى وأحق. ولو كان التحقير والتصغير أراد، لكانت الصؤابة والجرجسة ~~أولى بذلك. ولو كان إلى الاستصغار ذهب لكان الذر والقمل والذباب أولى بذلك. # والدليل على قولنا قوله تبارك وتعالى: إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم. # طلعها كأنه رؤس الشياطين # [5] وليس أن الناس رأوا شيطانا قط على صورة، ولكن PageV04P279 # لما كان الله تعالى قد جعل في طباع جميع الأمم استقباح جميع صور ~~الشياطين، واستسماجه وكراهته، وأجرى على ألسنة جميعهم ضرب المثل في ذلك- ~~رجع بالإيحاش والتنفير، وبالإخافة والتقريع، إلى ما قد جعله الله في طباع ~~الأولين والآخرين وعند جميع الأمم على خلاف طبائع جميع الأمم. # وهذا التأويل أشبه من قول من زعم من المفسرين، أن رؤوس الشياطين نبات نبت ~~باليمن. [وقول بعضهم: إن الشياطين ها هنا: الحيات] [1] . # وقال الله عز وجل لنبيه: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس، أو فسقا أهل لغير ~~الله به، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم # [2] فذكر أنه رجس، وذكر الخنزير، وهو أحد المسوخ، ولم يذكر في هذه الآية ~~التي أحصى فيها أصناف الحرام، وأباح ما وراء ذلك- القرد. # وصار بعضهم إلى تحريمه من جهة الحديث. وهو عند كثير منهم يحتمل المعارضة. ### || 975- [مساوئ الخنزير] # فلولا أن في ms0521 الخنزير معنى متقدما سوى المسخ، وسوى ما فيه من قبح المنظر ~~وسماجة التمثيل، وقبح الصوت، وأكل العذرة، مع الخلاف الشديد واللواط المفرط ~~والأخلاق السمجة، ما ليس في القرد الذي هو شريكه في المسخ- لما ذكره دونه. ### || 976- [علة النص علی تحريم الخنزير في القرآن، دون القرد] # وقد زعم ناس أن العرب لم تكن تأكل القرود. وكان من تنصر من كبار القبائل ~~وملوكها يأكل الخنزير، فأظهر لذلك تحريمه؛ إذ كان هناك عالم من الناس، ~~وكثير من الأشراف والوضعاء، والملوك والسوقة، يأكلونه أشد الأكل، ويرغبون ~~في لحمه أشد الرغبة. # قالوا: ولأن لحم القرد ينهى عن نفسه. ويكفي الطبائع في الزجر عنه غنثه. ~~ولحم الخنزير مما يستطاب ويتواصف، وسبيل لحم القرد كسبيل لحم الكلب، بل هو ~~شر PageV04P280 # منه وأخبث. وقد قال الشاعر للأسدي الذي ليم بأكل لحم الكلب [1] : [من ~~الرجز] # يا فقعسي لم أكلته لمه ... لو خافك الله عليه حرمه # فما أكلت لحمه ولا دمه # وليس يريد بقوله: «لو خافك الله عليه» أن الله يخافه على شيء أو يخافه من ~~شيء. ولكنه لما كان الكلب عنده مما لا يأكله أحد ولا يخاف على أكله إلا ~~المضطر، جعل بدل قوله: أمن الكلب على أكل لحمه، أن الله هو الذي لم يخف ذلك ~~فيحرمه. وهذا مما لا تقف الأعراب عليه، ولا تتبع الوهم مواضعه؛ لأن هذا باب ~~يدخل في باب الدين، فيما يعرف بالنظر. ### || 977- [ ما قیل فی جوده لحوم الکلاب] # وقد يأكل أجراء الكلاب ناس، ويستطيبونها فيما يزعمون. ويقولون: إن جرو ~~الكلب أسمن شيء صغيرا، فإذا شب استحال لحمه، كأنه يشبه بفرخ الحمام مادام ~~فرخا وناهضا، إلى أن يستحكم ويشتد. # وما أكثر من يأكل السنانير. والذين يأكلونها صنفان من الناس: أحدهما ~~الفتى المغرور، الذي يقال له أنت مسحور، ويقال له: من أكل سنورا أسود بهيما ~~لم يعمل فيه السحر، فيأكله لذلك. فإذا أكله لهذه العلة، وقد غسل ذلك وعصره، ~~أذهب الماء زهومته، ولم يكن ذلك المخدوع بمستقذر ما استطابه. ولعله أيضا أن ~~يكون عليه ضرب من الطعام ms0522 فوق الذي هو فيه، فإذا أكله على هذا الشرط، ودبر ~~هذا التدبير، ولم ينكره، عاوده. فإذا عاوده صار ذلك ضراوة له. # والصنف الآخر أصحاب الحمام؛ فما أكثر ما ينصبون المصائد للسنانير، التي ~~يلقون منها في حمامهم. وربما صادف غيظ أحدهم وحنقه وغضبه عليه، أن يكون ~~السنور مفرط السمن، فيدع قتله ويذبحه. فإذا فعل ذلك مرة أو مرتين، صار ~~ضراوة عليها. وقد يتقزز الرجل من أكل الضب والورل والأرنب، فما هو إلا أن ~~يأكله مرة لبعض التجربة، أو لبعض الحاجة، حتى صار ذلك سببا إلى أكلها، حتى ~~يصير بهم الحال إلى أن يصيروا أرغب فيها من أهلها. ### || [طیب لحم الجراد] # وها هنا قوم لا يأكلون الجراد الأعرابي السمين، ونحن لا نعرف طعاما أطيب ~~منه. والأعراب إنما يأكلون الحيات على شبيه بهذا الترتيب ولهذه العوارض. ~~PageV04P281 ### || [أکل الأفاعی و الحیات] # وزعم بعض الأطباء والفلاسفة، أن الحيات والأفاعي تؤكل نيئة ومطبوخة، ~~ومشوية، وأنها تغذو غذاء حسنا. ### || [رؤبة و أکله الجرذان] # وزعم أبو زيد، أنه دخل على رؤبة، وعنده جرذان قد شواهن، فإذا هو يأكلهن، ~~فأنكر ذلك عليه، فقال رؤبة: هن خير من اليرابيع والضباب وأطيب؛ لأنها عندكم ~~تأكل الخبز والتمر وأشباه ذلك. وكفاك بأكل الجرذان [1] ! ولولا هول الحيات ~~في الصدور من جهة السمرم، لكانت جهة التقذر أسهل أمرا من الجرذان. ### || [أکل الذبان و الزنابیر] # وناس من السفالة يأكلون الذبان. وأهل خراسان يعجبون باتخاذ البزماورد من ~~فراخ الزنابير، ويعافون أذناب الجراد الأعرابي السمين. وليس بين ريح الجراد ~~إذا كانت مشوية وبين ريح العقارب مشوية فرق. والطعم تبع للرائحة: خبيثها ~~لخبيثها، وطيبها لطيبها. # وقد زعم ناس، ممن يأكلون العقارب مشوية ونيئة، أنها كالجراد السمان. # وكان الفضل بن يحيى يوجه خدمه في طلب فراخ الزنابير ليأكلها. وفراخها ضرب ~~من الذبان. # فأما لحوم البراذين فقد كثر علينا وفينا، حتى أنسنا به. وزعم بعضهم أنه ~~لم يأكل أطيب من رأس برذون وسرته. فأما السرة والمعرف [2] فإنهم يزاحمون ~~بها الجداء والدجاج. ويقدمون الأسرام المحشوة. ### || [أکل السراطین و نحوها] # ومن أصحابنا ms0523 من يأكل السراطين أكلا ذريعا. فأما الرق [3] والكوسج [4] فهو ~~من أعجب طعام البحريين. وأهل البحر يأكلون البلبل فهو اللحم الذي في جوف ~~الأصداف. # والأعرابي إذا وجد أسود سالخا، رأى فيه ما لا يرى صاحب الكسمير في ~~كسميره. PageV04P282 ### || [أکل دیدان الجبن] # وخبرني كم شئت من الناس، أنه رأى أصحاب الجبن الرطب بالأهواز وقراها، ~~يأخذون القطعة الضخمة من الجبن الرطب، وفيها ككواء الزنابير، وقد تولد فيها ~~الديدان، فينفضها وسط راحته، ثم يقمحها في فيه، كما يقمح السويق والسكر، أو ~~ما هو أطيب منه. ### || 978- [ذكر بعض أنواع العذاب] # وقد خبر الله تعالى عن أصحاب النقم، وما أنزل الله من العذاب، وما أخذ من ~~الشكل والمقابلات، فقال: فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ~~ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا # [1] ، وقال: # ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل. وأرسل عليهم ~~طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل # [2] . # وليس من هذه الأصناف شيء أبلغ في المثلة والشنعة، ممن جعل منهم القردة ~~والخنازير. ### || 979- [ما يقبل اللأدب من الحيوان] # فالخنزير يكون أهليا ووحشيا، كالحمير والسنانير، مما يعايش الناس. وكلها ~~لا تقبل الآداب. وإن الفهود وهي وحشية تقبل كلها، كما تقبل البوازي، ~~والشواهين، والصقورة، والزرق، واليؤيؤ، والعقاب، وعناق الأرض، وجميع ~~الجوارح الوحشيات. # ثم يفضلها الفهد بخصلة غريبة وذلك أن كبارها ومسانها أقبل للآداب، وإن ~~تقادمت في الوحش، من أولادها الصغار، وإن كانت تقبل الآداب؛ لأن الصغير إذا ~~أدب فبلغ، خرج جبينا مواكلا، والمسن الوحشي يخلص لك كله، حتى يصير أصيد ~~وأنفع. # وصغار سباع الطير وكبارها على خلاف ذلك، وإن كان الجميع يقبل الأدب. # والخنزير وإن كان أهليا فإنه لا يقبل الأدب على حال، حتى كأنه- وإن كان ~~بهيمة- في طباع ذئب. # وذلك أن أعرابيا أخذ جرو ذئب وكان التقطه التقاطا، فقال: أخذته وهو لا ~~يعرف أبويه ولا عملهما، وهو غر لم يصد شيئا، فهو إذا ربيناه وألفناه، أنفع ~~لنا من PageV04P283 # الكلب. فلما شب عدا على شاة له فقتلها وأكل ms0524 لحمها، فقال الأعرابي [1] : ~~[من الوافر] # أكلت شويهتي وربيت فينا ... فمن أدراك أن أباك ذيب # فالذئب وجرو الذئب إذا كانا سبعين وحشيين كانا ثم من أشد الوحش توحشا ~~وألزمها للقفار، وأبعدها من العمران. # والذئب أغدر من الخنزير والخنوص [2] وهما بهيمتان. ### || 980- [ضرر الخنزير] # وأما ضرره وإفساده، فما ظنك بشيء يتمنى له الأسد؟! وذلك أن الخنازير إذا ~~كانت بقرب ضياع قوم، هلكت تلك الضياع، وفسدت تلك الغلات. وربما طلب الخنزير ~~بعض العروق المدفونة في الأرض فيخرب مائة جريب، ونابه ليس يغلبه معول. فإذا ~~اشتد عليهم البلاء تمنوا أن يصير في جنبتهم أسد. ولربما صار في ضياعهم ~~الأسد فلا يهيجونه، ولا يؤذونه، ولو ذهب إنسان ليحفر له زبية منعوه أشد ~~المنع؛ إذ كان ربما حمى جانبهم من الخنازير فقط. فما ظنك بإفسادها، وما ظنك ~~ببهيمة يتمنى أن يكون بدلها أسد؟! ثم مع ذلك إذا اجتمعوا للخنازير بالسلاح، ~~وبالآلات والأدوات التي تقتل بها، فربما قتل الرجل منهم، أو عقره العقر ~~الذي لا يندمل؛ لأنه لا يضرب بنابه شيئا إلا قطعه، كائنا ما كان. فلو قتلوا ~~في كل يوم منها مائة وقتلت في كل يوم إنسانا واحدا، لما كان في ذلك عوض. # والخنازير تطلب العذرة، وليست كالجلالة [3] ؛ لأنها تطلب أحرها وأرطبها ~~وأنتنها، وأقربها عهدا بالخروج. فهي في القرى تعرف أوقات الصبح والفجر، ~~وقبل ذلك وبعده؛ لبروز الناس للغائط. فيعرف من كان في بيته نائما في ~~الأسحار ومع الصبح، أنه قد أسحر وأصبح، بأصواتها ومرورها، ووقع أرجلها في ~~تلك الغيطان، وتلك المتبرزات. وبذلك ضربوا المثل ببكور الخنزير، كما ضربوا ~~المثل بحذر الغراب وروغان الثعلب. PageV04P284 # على أن الثعلب ليس بأروغ من الخنزير، ولا أكد للفارس، ولا أشد إتعابا ~~لصاحبه. ### || 981- [بعض أسباب مسخ] # [1] فأما قبح وجهه فلو أن القبح [2] والإفلاس، والغدر والكذب، تجسدت ثم ~~تصورت لما زادت على قبح الخنزير. وكل ذلك بعض الأسباب التي مسخ لها الإنسان ~~خنزيرا. # وإن القرد لسمج الوجه، قبيح [في] [3] كل شيء. وكفاك به أنه للمثل ~~المضروب- ولكنه في وجه آخر مليح. فملحه يعترض على ms0525 قبحه فيمازجه ويصلح منه. ~~والخنزير أقبح منه لأنه ضرب مصمت بهيم. فصار أسمج ببعيد. ### || 982- [و ثب الذكورة على الذكورة] # وحدثني بعض أهل العلم، ممن طال ثواؤه في أرض الجزيرة، وكان صاحب أخبار ~~وتجربة، وكان كلفا يحب التبين، معترضا للأمور، يحب أن يفضي إلى حقائقها، ~~وتثبيت أعيانها بعللها، وتمييز أجناسها، وتعرف مقادير قواها وتصرف أعمالها، ~~وتنقل حالاتها؛ وكان يعرف للعلم قدره، وللبيان فضله. # قال: ربما رأيت الخنزير الذكر وقد ألجأه أكثر من عشرين خنزيرا إلى مضيق، ~~وإلى زاوية، فينزون عليه واحدا واحدا، حتى يبلغ آخرهم. # وخبرني هذا الرجل وغيره من أهل النظر وأصحاب الفكر، أنهم رأوا مثل ذلك من ~~الحمير. وذكروا أن ذلك إما تأنيت في طبعه، وإما أن يكون له في أعينها من ~~الاستحسان شبيه بالذي يعتري عيون بعض الرجال في الغلمان، والأحداث الشباب. # وقد يكون هذا بين الغزانق والكراكي. والتسافد بين الذكر والأنثى. والسافد ~~والمسفود إذا كانا من جميع الذكورة، كثير في جميع أصناف الحيوان، إلا أنه ~~في جميع الخنازير والحمير أفشى. وأما تسافد الحمام الذكر والأنثى للذكر، ~~فأكثر من أن يكون فيه تنازع. PageV04P285 ### || 983- [معارف في الخنزير] # وباب آخر مما ذكر صاحب المنطق، فزعم أن من الخنازير ما له ظلف واحد، وليس ~~لشيء من ذوات الأنياب في نابه من القوة والذرب ما للخنزير الذكر، وللجمل، ~~والفهد، والكلب. قال: والإنسان يلقي أسنانه، وكذلك الحافر والخف. قال: # والخنزير لا يلقي أسنانه البتة. ### || [من لم يثغر] # ويقال: إن عبد الصمد بن علي لم يثغر قط، وأنه دخل قبره بأسنان الصبا. ### || 984- [أسنان الذئب والحية] # وزعم بعضهم أن أسنان الذئب مخلوقة في الفك، ممطولة في نفس العظم. # وذلك مما توصف به أسنان الحية. قال الشاعر: [من السريع] # مطلن في اللحيين مطلا إلى ... الرأس وأشداق رحيبات # والشاعر يمدح الشيء فيشدد أمره، ويقوي شأنه، وربما زاد فيه، ولعل الذي ~~قال في الذئب ما قال، هذا أراد. ولا يشكون أن الضبع كذلك. ### || 985- [مرق لحم الحيوان] # قال وليس يجمد # | مرق لحم الحيوان # السمين، مثل الخنزير والفرس، وأما ما ms0526 كان كثير الثرب فمرقته تجمد، مثل ~~مرق لحم المعزى. ### || [طباع الخنزير] # قال: والخنزير الذكر يقاتل في زمن الهيج، فلا يدع خنزيرا إلا قتله، ويدنو ~~من الشجرة ويدلك جلده، ثم يذهب إلى الطين والحمأة فيتلطخ به، فإذا تساقط ~~عاد فيه. # قال: وذكورة الخنازير تطرد الذكورة عن الإناث، وربما قتل أحدهما صاحبه ~~وربما هلكا جميعا، وكذلك الثيران والكباش والتيوس في أقاطيعها، وهي قبل ذلك ~~الزمان متسالمة. ### || 987- [مايعرض لبعض الحيوان عند الهيج] # والجمل في تلك الحالة لا يدع جملا ولا إنسانا يدنو من هجمته [1] . والجمل ~~خاصة يكره قرب الفرس، ويقاتله أبدا. PageV04P286 # ومثل هذا يعرض للذئبة والذئب. والأسد ليس ذلك من صفاتها؛ لأن بعضها لا ~~يأوي إلى بعض، بل ينفرد كل واحد بلبؤته. وإذا كان للذئبة الأنثى جراء ساءت ~~أخلاقها وصعبت، وكذلك إناث الخيل والفيل: يسوء خلقها في ذلك الزمان. # والفيالون يحمونها النزو؛ لأنها إذا نزت جهلت جهلا شديدا، واعتراها هيج ~~لا يقام له. وإذا كان ذلك الزمان أجادوا عقله، وأرسلوه في الفيلة الوحشية. ~~فأما الخنزير والكلب فإنهما لا يجهلان على الناس؛ لمكان الألفة. # قال: وزعم بعض الناس أن إناث الخيل تمتلئ ريحا في زمان هيجها، فلا ~~يباعدون الذكورة عنها. وإذا اعتراها ذلك ركضت ركضا شديدا، ثم لا تأخذ غربا ~~ولا شرقا، بل تأخذ في الشمال والجنوب. # ويعرض مثل هذا العرض لإناث الخنازير. فإذا كان زمن هياج الخنازير، تطأطئ ~~رؤوسها، وتحرك أذنابها تحريكا متتابعا، وتتغير أصواتها إذا طلبت السفاد. ~~وإذا طلبت الخنزيرة السفاد بالت بولا متتابعا. ### || [تناسل الخنازير] # قال: وإناث الخنازير تحمل أربعة أشهر. وأكثر ما تحمل عشرون خنوصا [2] . # وإذا وضعت أجراء كثيرة لم تقو على رضاعها وتربيتها. # قال: وإناث الخنازير تحمل من نزوة واحدة، وربما كان من أكثر. وإذا طلبت ~~الذكر لم تنزع حتى تطاوع وتسامح، وترخي أذنابها. فإذا فعلت ذلك تكتفي بنزوة ~~واحدة. # ويعلف الذكر الشعير في أوان النزو، ويصلح للأنثى. ### || 988- [مدد الحمل الحيوان] # والخنزيرة تضع في أربعة أشهر، والشاة في خمسة، والمرأة والبقرة في تسعة ~~أشهر، والحافر كله في سنة. ### || 988- [خصائص ms0527 الخنزير] # قال: ومتى قلعت العين الواحدة من الخنزير هلك. وكثير من الخنازير تبقى ~~خمسة عشر عاما. والخنزير ينزو إذا تم له ثمانية أشهر، والأنثى تريد الذكر ~~إذا تمت لها ستة أشهر. وفي بعض البلدان ينزو إذا تم له أربعة أشهر، ~~والخنزيرة إذا تمت لها ستة أشهر، ولكن أولادهما لا تجيء كما يريدون. وأجود ~~النزو أن يكون ذلك منه # PageV04P287 # وهو ابن عشرة أشهر إلى ثلاث سنين. وإذا كانت الخنزيرة بكرا ولدت جراء ~~ضعافا وكذلك البكر من كل شيء. ### || 989- [الحلال والحرام من الطيبات في القرآن] # وقال الله تبارك وتعالى: كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم ~~إياه تعبدون # [1] ثم ذكر غير الطيبات فقال: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما ~~أهل لغير الله به والمنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع ~~إلا ما ذكيتم وما ذبح على النصب، وأن تستقسموا بالأزلام، ذلكم فسق # [2] ثم قال: هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه ~~وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل # [3] وقال: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا ~~تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين # [4] . # وقوله تعالى: طيبات # تحتمل وجوها كثيرة، يقولون: هذا ماء طيب، يريدون العذوبة. وإذا قالوا ~~للبر والشعير والأرز طيب، فإنما يريدون أنه وسط، وأنه فوق الدون. ويقولون: ~~فم طيب الريح، وكذلك البر، يريدون أنه سليم من النتن، ليس أن هناك ريحا ~~طيبة ولا ريحا منتنة. ويقولون: حلال طيب، وهذا لا يحل لك، ولا يطيب لك، وقد ~~طاب لك أي حل لك، كقول: فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع # [5] . ### || 990- [استطراد لغوي] # قال طويس المغني لبعض ولد عثمان بن عفان [6] : لقد شهدت زفاف أمك ~~المباركة إلى أبيك الطيب. يريد الطهارة. ولو قال: شهدت زفاف أمك الطيبة إلى ~~أبيك المبارك، لم يحسن ذلك؛ لأن قولك طيب إنما يدل على قدر ما اتصل به من ~~الكلام. PageV04P288 # وقد قال الشاعر [1] : [من الكامل] # والطيبون ms0528 معاقد الأزر # وقد يخلو الرجل بالمرأة فيقول: وجدتها طيبة. يريد طيبة الكوم [2] ، لذيذة ~~نفس الوطء. وإذا قالوا: فلان طيب الخلق، فإنما يريدون الظرف والملح. # وقال الله عز وجل: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة # [3] يريد ريحا ليست بالضعيفة ولا القوية. # ويقال: لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه. وقال الله عز وجل: # فإن طبن لكم عن شيء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا # [4] وقال: لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين وشمال كلوا من رزق ~~ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور # [5] وذلك إذ كانت طيبة الهواء والفواكه، خصيبة. # وقال: إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات لعنوا في الدنيا ~~والآخرة ولهم عذاب عظيم # [6] ثم قال: الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين ~~والطيبون للطيبات أولئك مبرؤن مما يقولون لهم مغفرة ورزق كريم # [7] . # وفي هذا دليل على أن التأويل في امرأة نوح وامرأة لوط، عليهما السلام، ~~على غير ما ذهب إليه كثير من أصحاب التفسير: وذلك أنهم حين سمعوا قوله عز ~~وجل: # ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأت نوح وامرأت لوط كانتا تحت عبدين من ~~عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما # [8] فدل ذلك على أنه لم يعن الخيانة في الفرج. PageV04P289 # وقد يقع اسم الخيانة على ضروب: أولها المال، ثم يشتق من الخيانة في المال ~~الغش في النصيحة والمشاورة. وليس لأحد أن يوجه الخبر إذا نزل في أزواج ~~النبي صلى الله عليه وسلم وحرم الرسل، على أسمج الوجوه، إذا كان للخبر مذهب ~~في السلامة، أو في القصور على أدنى العيوب. # وقد علمنا أن الخيانة لا تتخطى إلى الفرج حتى تبتدئ بالمال. وقد يستقيم ~~أن يكونا من المنافقين فيكون ذلك منهما خيانة عظيمة. ولا تكون نساؤهم ~~زواني، فيلزمهم أسماء قبيحة. وقال الله عز وجل: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا ~~على أنفسكم تحية من عند الله مباركة طيبة # [1] وقال: فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا # [2] وقال: من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة # [3] وقال ms0529 تعالى: قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق # [4] وقال: # ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة # [5] و: مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة # [6] وقال: وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ~~ما رزقناكم # [7] فقوله: طيب، يقع في مواضع كثيرة، وقد فصلنا بعض ذلك في هذا الباب. ~~PageV04P290 ### || ثم رجع بنا القول إلى موضعنا من ذكر الخنزير # ثم قال: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة ~~أو دما مسفوحا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقا أهل لغير الله به فمن اضطر ~~غير باغ ولا عاد فإن ربك غفور رحيم # [1] ألا تراه قد ذكر أصناف ما حرم ولم يذكرها بأكثر من التحريم، فلما ذكر ~~الخنزير قال: فإنه رجس # ؟! فجعل الخنزير وإن كان غير ميتة أو ذكر الذابح عليه اسم الله، أنه رجس. ~~ولا نعلم لهذا الوجه إلا الذي خصه الله به من ذكر المسخ، فأراد تعظيم شأن ~~العقاب ونزول الغضب، وكان ذلك القول ليس مما يضر الخنزير، وفيه الزجر عن ~~محارمه، والتخويف من مواضع عذابه. وإن قيل: ينبغي أن يكون مسخ صورة القرد، ~~فهلا ذكره في التحريم مع أصناف ما حرم، ثم خصه أيضا أنه من بينها رجس، وهو ~~يريد مذهبه وصفته؟ قلنا. إن العرب لم تكن تأكل القرود، ولا تلتمس صيدها ~~للأكل. وكل من تنصر من ملوك الروم والحبشة والصين، وكل من تمجس من ملك أو ~~سوقة، فإنهم كانوا يرون للحم الخنزير فضيلة، وأن لحومها مما تقوم إليه ~~النفوس، وتنازع إليه الشهوات. # وكان في طباع الناس من التكره للحوم القردة، والتقذر منها ما يغني عن ~~ذكرها. فذكر الخنزير إذ كان بينهما هذا الفرق، ولو ذكر ذلك وألحق القرد ~~بالخنزير لموضع التحريم، لكان ذلك إنما كان على وجه التوكيد لما جعله الله ~~تعالى في طبائعهم من التكره والتقذر، ولا غير ذلك. # وقال الله عز وجل: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم ~~حرمنا عليهم شحومهما إلا ما ms0530 حملت ظهورهما أو الحوايا أو ما اختلط بعظم ذلك ~~جزيناهم ببغيهم وإنا لصادقون # [2] . ### ||| 991- [وجوه التحريم] # وقد أنبأك كما ترى عن التحريم أنه يكون من وجوه: فمنها ما يكون كالكذب ~~والظلم والغشم والغدر؛ وهذه أمور لا تحل على وجه من الوجوه. ومنها ما يحرم ~~في العقل من ذبح الإنسان الطفل. وجعل في العقول التبين بأن خالق الحيوان أو ~~المالك له، والقادر على تعويضه، يقبح ذلك في السماع على ألسنة رسله. ~~PageV04P291 # وهذا مما يحرم بعينه لا أنه حرم لعلة قد يجوز دفعها. والظلم نفسه هو ~~الحرام، ولم يحرم لعلة غير نفسه. # وباب آخر، وهو ما جاء من طريق التعبد، وما يعرف بالجملة، ويعرف بالتفسير. # ومنه ما يكون عقابا، ويكون مع أنه عقاب امتحانا واختبارا، كنحو ما ذكر من ~~قوله: ذلك جزيناهم ببغيهم # [1] وكنحو أصحاب البقرة الذين قيل لهم: اذبحوا بقرة فإني أريد أن أضرب ~~بها القتيل ثم أحييهما جميعا. ولو اعترضوا من جميع البقر بقرة فذبحوها، ~~كانوا غير مخالفين. فلما ذهبوا مذهب التشكك والتعلل، ثم التعرض، والتعنت في ~~طريق التعنت، صار ذلك سبب تغليظ الفرض [2] . # وقد قال الله عز وجل: من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا ~~بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا # [3] وقال الله تعالى: # الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة ~~والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم ~~الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم # [4] ومثله: ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا # [5] يجوز أن يكون إنما يريدون صرف العذاب، ويجوز أن يكون إنما يريدون ~~تخفيف الفرائض. وقد يجوز أن يكون على قول من قال: لا أستطيع النظر إلى ~~فلان، على معنى الاستقبال. # وباب آخر من التحريم، وهو قوله: كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما ~~حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة # [6] . ### ||| 992- [شعر في الخنزير] # وقال مروان بن محمد [7] : [من المنسرح] # يمشي رويدا يريد ختلكم ... كمشي ms0531 خنزيرة إلى عذره PageV04P292 # وقال آخر [1] : [من الخفيف] # نعم جار الخنزيرة المرضع الغر ... ثى إذا ما غدا، أبو كلثوم # طاويا قد أصاب عند صديق ... من ثريد ملبد مأدوم # ثم أنحى بجعره حاجب الشم ... س فألقى كالمعلف المهدوم ### ||| 993- [جرير والحضرمي] # وقال أبو الحسن: وفد جرير على هشام، فقال الحضرمي: أيكم يشتمه؟ # فقالوا: ما أحد يقدم عليه! قال: فأنا أشتمه ويرضى ويضحك! قال: فقام إليه ~~فقال: # أنت جرير؟ قال: نعم. قال: فلا قرب الله دارك ولا حيا مزارك! يا كلب! فجعل ~~جرير ينتفخ، ثم قال له: رضيت في شرفك وفضلك وعفافك أن تهاجي القرد العاجز؟! ~~يعني الفرزدق. فضحك. # فحدث صديق لي أبا الصلع السندي بهذا الحديث، قال: فشعري أعجب من هذا لأني ~~شتمت البخلاء، فشتمت نفسي بأشد مما شتمتهم. فقال: وما هو؟ قال قولي: [من ~~مجزوء الرمل] # لا ترى بيت هجاء ... أبدا يسمع مني # الهجا أرفع ممن ... قدره يصغر عني ### ||| 994- [طريفة] # قال أبو الحسن: كان واحد يسخر بالناس، ويدعي أنه يرقي من الضرس إذا ضرب ~~على صاحبه. فكان إذا أتاه من يشتكي ضرسه قال له إذا رقاه: إياك أن تذكر إذا ~~صرت إلى فراشك القرد؛ فإنك إن ذكرته بطلت الرقية! فكان- إذا آوى إلى فراشه- ~~أول شيء يخطر على باله ذكر القرد، ويبيت على حاله من ذلك الوجع، فيغدو إلى ~~الذي رقاه فيقول له: كيف كنت البارحة؟ فيقول: بت وجعا! فيقول: لعلك ذكرت ~~القرد! فيقول: نعم! فيقول: من ثم لم تنتفع بالرقية! ### ||| 995- [شعر لبعض ظرفاء الكوفيين] # وقال بعض ظرفاء الكوفيين [1] : [من الوافر] # فإن يشرب أبو فروخ أشرب ... وإن كانت معتقة عقارا PageV04P293 # وإن يأكل أبو فروخ آكل ... وإن كانت خنانيصا صغارا [1] ### ||| 996- [قرد يزيد بن معاوية] # وقال يزيد بن معاوية [2] : [من الطويل] # فمن مبلغ القرد الذي سبقت به ... جياد أمير المؤمنين أتان # تعلق أبا قيس بها إن أطعتني ... فليس عليها إن هلكت ضمان ### ||| [جزع بشار من شعر حماد] # وزعم الجرداني، أن بشارا الأعمى، لم يجزع من هجاء قط كجزعه من بيت حماد ~~عجرد، حيث يقول [3] : [من الهزج] ms0532 # ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد ### ||| 997- [شعر في الهجاء] # وقال بشير بن أبي جذيمة العبسي [4] : [من الطويل] # أتخطر للأشراف حذيم كبرة ... وهل يستعد القرد للخطران # أبى قصر الأذناب أن يخطروا بها ... ولؤم قرود وسط كل مكان # لقد سمنت قردانكم آل حذيم ... وأحسابكم في الحي غير سمان # الأصمعي عن أبي الأشهب عن أبي السليل قال: ما أبالي أخنزيرا رأيت يجر ~~برجله، أو مثل عبيد ينادي: يال فلان! ### ||| 998- [استطراد لغوي] # الأصمعي عن أبي ظبيان قال [5] : الخوز هم البناة الذين بنوا الصرح واسمهم ~~مشتق من الخنزير. ذهب إلى اسمه بالفارسية خوك، فجعلت العرب خوك خوزا. إلى ~~هذا ذهب. PageV04P294 ### ||| 999- [تناسخ المسخ] # وقد قال الناس في المسخ بأقاويل مختلفة: فمنهم من زعم أن المسخ لا يتناسل ~~ولا يبقى إلا بقدر ما يكون موعظة وعبرة، فقطعوا على ذلك الشهادة. ومنهم من ~~زعم أنه يبقى ويتناسل، حتى جعل الضب والجري، والأرانب، والكلاب وغير ذلك، ~~من أولاد تلك الأمم التي مسخت في هذه الصور. وكذلك قولهم في الحيات. # وقالوا في الوزغ: إن أباها، لما صنع في نار إبراهيم وبيت المقدس ما صنع، ~~أصمه الله وأبرصه، فقيل: «سام أبرص» . فهذا الذي نرى هو من ولده؛ حتى صار ~~في قتله الأجر العظيم، ليس على أن الذي يقتله كالذي يقتل الأسد والذئاب، ~~إذا خافها على المسلمين. # وقالوا في سهيل، وفي الزهرة، وفي هاروت وماروت، وفي قيرى وعيرى أبوي ذي ~~القرنين، وجرهم، ما قالوا. # فأما القول في نفس المسخ فإن الناس اختلفوا في ذلك: فأما الدهرية فهم في ~~ذلك صنفان: فمنهم من جحد المسخ وأقر بالخسف والريح والطوفان، وجعل الخسف ~~كالزلازل، وزعم أنه يقر من القذف بما كان من البرد الكبار؛ فأما الحجارة ~~فإنها لا تجيء من جهة السماء. وقال: لست أجوز إلا ما اجتمعت عليه الأمة أنه ~~قد يحدث في العالم. فأنكر المسخ البتة. ### ||| 1000- [أثر البيئة] # وقال الصنف الآخر: لا ننكر أن يفسد الهواء في ناحية من النواحي فيفسد ~~ماؤهم وتفسد تربتهم، فيعمل ذلك في طباعهم على الأيام، كما ms0533 عمل ذلك في طباع ~~الزنج، وطباع الصقالبة، وطباع بلاد يأجوج ومأجوج. # وقد رأينا العرب وكانوا أعرابا حين نزلوا خراسان، كيف انسلخوا من جميع ~~تلك المعاني، وترى طباع بلاد الترك كيف تطبع الإبل والدواب وجميع ماشيتهم: ~~من سبع وبهيمة، على طبائعهم. وترى جراد البقول والرياحين وديدانها خضراء، ~~وتراها في غير الخضرة على غير ذلك [1] . وترى القملة في رأس الشاب الأسود ~~الشعر سوداء، وتراها في رأس الشيخ الأبيض الشعر بيضاء، وتراها في رأس ~~الأشمط شمطاء، وفي PageV04P295 # لون الجمل الأورق. فإذا كانت في رأس الخضيب بالحمرة تراها حمراء. فإن نصل ~~خضابه صار فيها شكلة، من بين بيض وحمر. # وقد نرى حرة بني سليم، وما اشتملت عليه من إنسان، وسبع، وبهيمة، وطائر، ~~وحشرة فتراها كلها سوداء [1] . # وقد خبرنا من لا يحصى من الناس أنهم قد أدركوا رجالا من نبط بيسان [2] ، ~~ولهم أذناب إلا تكن أذناب التماسيح والأسد والبقر والخيل؛ وإلا كأذناب ~~السلاحف والجرذان، فقد كان لهم عجوب [3] طوال كالأذناب. # وربما رأينا الملاح النبطي في بعض الجعفريات على وجهه شبه القرد. وربما ~~رأينا الرجل من المغرب فلا نجد بينه وبين المسخ، إلا القليل. # وقد يجوز أن يصادف ذلك الهواء الفاسد، والماء الخبيث، والتربة الردية، ~~ناسا في صفة هؤلاء المغربيين والأنباط، ويكونون جهالا، فلا يرتحلون؛ ضنانة ~~بمساكنهم وأوطانهم، ولا ينتقلون. فإذا طال ذلك عليهم زاد في تلك الشعور، ~~وفي تلك الأذناب، وفي تلك الألوان الشقر، وفي تلك الصور المناسبة للقرود. # قالوا: ولم نعرف، ولم يثبت عندنا بالخبر الذي لا يعارض، أن الموضع الذي ~~قلب صور قوم إلى صور الخنازير، هو الموضع الذي نقل صور قوم إلى صور القرود. # وقد يجوز أن تكون هذه الصور انقلبت في مهب الريح الشمالي، والأخرى في مهب ~~الجنوب. ويجوز أن يكون ذلك كان في دهر واحد؛ ويجوز أن يكون بينهما دهر ~~ودهور. # قالوا: فلسنا ننكر المسخ إن كان على هذا الترتيب؛ لأنه إن كان على مجرى ~~الطبائع، وما تدور به الأدوار، فليس ذلك بناقض لقولنا، ولا مثبت لقولكم. # قال أبو إسحاق: ms0534 الذي قلتم ليس بمحال، ولا ينكر أن يحدث في العالم ~~برهانات، وذلك المسخ كان على مجرى ما أعطوا من سائر الأعاجيب، والدلائل ~~والآيات. ونحن إنما عرفنا ذلك من قبلهم. ولولا ذلك لكان الذي قلتم غير ~~ممتنع. # ولو كان ذلك المسخ في هذا الموضع على ما ذكرتم، ثم خبر بذلك نبي، أو دعا ~~به نبي، لكان ذلك أعظم الحجة. PageV04P296 # فأما أبو بكر الأصم، وهشام بن الحكم، فإنهما كانا يقولان بالقلب، ~~ويقولان: # إنه إذا جاز أن يقلب الله خردلة من غير أن يزيد فيها جسما وطولا أو عرضا ~~جاز أن يقلب ابن آدم قردا من غير أن ينقص من جسمه طولا أو عرضا. # وأما أبو إسحاق فقد كان- لولا ما صح عنده من قول الأنبياء وإجماع ~~المسلمين على أنه قد كان، وأنه قد كان حجة وبرهانا في وقته- لكان لا ينكر ~~مذهبهم في هذا الموضع. # وقوله هذا قول جميع من قال بالطبائع، ولم يذهب مذهب جهم، وحفص الفرد. # وقال ابن العنسي يذكر القرد: [من الطويل] # فهلا غداة الرمل يا قرد حذيم ... تؤامرها في نفسها تستشيرها ### ||| 1001- [القول في تحريم الخنزير] # قال: وسأل سائلون في تحريم الخنزير عن مسألة؛ فمنهم من أراد الطعن، ومنهم ~~من أراد الاستفهام، ومنهم من أحب أن يعرف ذلك من جهة الفتيا؛ إذ كان قوله ~~خلاف قولنا. # قالوا: إنما قال الله: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # [1] ، فذكر اللحم دون الشحم، ودون الرأس، ودون المخ، ودون العصب، ودون ~~سائر أجزائه؛ ولم يذكره كما ذكر الميتة بأسرها، وكذلك الدم؛ لأن القول وقع ~~على جملتهما، فاشتمل على جميع خصالهما بلفظ واحد، وهو العموم. وليس ذلك في ~~الخنزير؛ لأنه ذكر اللحم من بين جميع أجزائه وليس بين ذكر اللحم والعظم ~~فرق، ولا بين اللحم والشحم فرق. وقد كان ينبغي في قياسكم هذا لو قال: حرمت ~~عليكم الميتة والدم وشحم الخنزير، أن تحرموا الشحم، وإنما ذكر اللحم، فلم ~~حرمتم الشحم؛ وما بالكم؛ تحرمون الشحم عند ذكر غير الشحم! فهلا حرمتم اللحم ~~بالكتاب، وحرمتم ما سواه بالخبر ms0535 الذي لا يدفع!؟ فإن بقيت خصلة أو خصلتان ~~مما لم تصيبوا ذكره في كتاب منزل، وفي أثر لا يدفع، رددتموه إلى جهة العقل. # قلنا: إن الناس عادات، وكلاما يعرف كل شيء بموضعه، وإنما ذلك على قدر ~~استعمالهم له، وانتفاعهم به. # وقد يقول الرجل لوكيله: اشتر لي بهذا الدينار لحما، أو بهذه الدراهم، ~~فيأتيه باللحم فيه الشحم والعظم، والعرق والعصب والغضروف. والفؤاد والطحال، ~~والرئة، PageV04P297 # وببعض أسقاط الشاة وحشو البطن. والرأس لحم، والسمك أيضا لحم. وقال الله ~~تعالى: هو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية ~~تلبسونها # [1] . فإن كان الرسول ذهب إلى المستعمل من ذلك، وترك بعض ما يقع عليه اسم ~~لحم، فقد أخذ بما عليه صاحبه. فإذا قال حرمت عليكم لحما، فكأنه قال: لحم ~~الشاة والبقرة والجزور. ولو أن رجلا قال: أكلت لحما- وإنما أكل رأسا أو ~~كبدا أو سمكا- لم يكن كاذبا. وللناس أن يضعوا كلامهم حيث أحبوا، إذا كان ~~لهم مجاز؛ إلا في المعاملات. # فإن قلت: فما تقول في الجلد؟ فليس للخنزير جلد، كما أنه ليس للإنسان جلد ~~إلا بقطع ما ظهر لك منه بما تحته، وإنما الجلد ما يسلخ ويدحس [2] فيتبرأ ~~مما كان به ملتزقا ولم يكن ملتحما، كفرق ما بين جلد الحوصلة والعرقين. # فإن سألت عن الشعر، وعن جلد المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما ~~أكل السبع، فإني أزعم أن جلده لا يدبغ ولا ينتفع به إلا الأساكفة، والقول ~~في ذلك أن كله محرم. وإنما ذلك كقوله تعالى: ومن يولهم يومئذ دبره # [3] وكقوله عز وجل: ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله # [4] . # والعرب تقول للرجل الصانع نجارا، إن كان لا يعمل بالمثقب والمنشار ونحوه ~~ولا يضرب بالمضلع ونحو ذلك، وتسميه خبازا إذا كان يطبخ ويعجن. وتسمي العير ~~لطيمة، وإن لم يكن فيها ما يحمل العطر إلا واحد. وتقول: هذه ظعن فلان؛ ~~للهوادج إذا كانت فيها امرأة واحدة. ويقال: هولاء بنو فلان؛ وإن كانت ~~نساؤهم أكثر من الرجال. # فلما كان اللحم هو العمود الذي ms0536 إليه يقصد، وصار في أعظم الأجزاء قدرا، ~~دخل سائر تلك الأجزاء في اسمه. ولو كان الشحم معتزلا من اللحم ومفردا في ~~جميع الشحام، كشحوم الكلى والثروب، لم يجز ذلك. وإذا تكلمت على المفردات لم ~~يكن المخ لحما، لا الدماغ، ولا العظم، ولا الشحم، ولا الغضروف، ولا الكروش، ~~ولا ما أشبه ذلك. فلما قال: حرمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير # [5] وكانت PageV04P298 # هذه الأشياء المشبهة باللحم تدخل في باب العموم في اسم اللحم، كان القول ~~واقعا على الجميع. # وقال الشاعر: [من الكامل] # من يأتنا صبحا يريد غداءنا ... فالهام منضجة لدى الشحام # لحم نضيج لا يعني طابخا ... يؤتى به من قبل كل طعام ### ||| 1002- [مسألة الهدهد] # وإذ قد ذكرنا بعض الكلام، والمسائل في بعض الكلام، فسنذكر شأن الهدهد ~~والمسألة في ذلك. قال الله عز وجل: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد ~~أم كان من الغائبين. لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان ~~مبين # [1] ثم قال: # فمكث غير بعيد # [2] يعني الهدهد. فقال لسليمان المتوعد له بالذبح عقوبة له- والعقوبة لا ~~تكون إلا على المعصية لبشري آدمي لم تكن عقوبته الذبح، فدل ذلك على أن ~~المعصية إنما كانت له، ولا تكون المعصية لله إلا ممن يعرف الله، أو ممن كان ~~يمكنه أن يعرف الله تعالى فترك ما يجب عليه من المعرفة- وفي قوله لسليمان: ~~أحطت بما لم تحط به وجئتك من سبإ بنبإ يقين. إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت ~~من كل شيء ولها عرش عظيم # [3] . ثم قال بعد أن عرف فصل ما بين الملوك والسوقة، وما بين النساء ~~والرجال، وعرف عظم عرشها، وكثرة ما أوتيت في ملكها، قال: وجدتها وقومها ~~يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل فهم لا ~~يهتدون # [4] فعرف السجود للشمس وأنكر المعاصي. ثم قال: ألا يسجدوا لله الذي يخرج ~~الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون # [5] ويتعجب من سجودهم لغير الله. ثم علم أن الله يعلم غيب السموات ~~والأرض، ويعلم السر والعلانية. ثم قال: الله ms0537 لا إله إلا هو رب العرش العظيم # [6] وهذا يدل على أنه أعلم من ناس كثير من المميزين المستدلين الناظرين. ~~PageV04P299 # قال سليمان: سننظر أصدقت أم كنت من الكاذبين # [1] ثم قال: اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ثم تول عنهم فانظر ماذا يرجعون. ~~قالت يا أيها الملأ إني ألقي إلي كتاب كريم. إنه من سليمان وإنه بسم الله ~~الرحمن الرحيم. ألا تعلوا علي وأتوني مسلمين # [2] فلما جاء سليمان قال أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل ~~أنتم بهديتكم تفرحون # [3] وذلك أنها قالت: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها ~~أذلة وكذلك يفعلون وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون # [4] ثم قال سليمان للهدهد: ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها ~~ولنخرجنهم منها أذلة وهم صاغرون # [5] وقال: يا أيها الملؤا أيكم يأتيني بعرشها قبل أن يأتوني مسلمين. قال ~~عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك وإني عليه لقوي أمين. قال ~~الذي عنده علم من الكتاب أنا آتيك به قبل أن يرتد إليك طرفك فلما رآه ~~مستقرا عنده قال هذا من فضل ربي ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر ~~لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم # [6] فطعن في جميع ذلك طاعنون، فقال بعضهم: قد ثبت أن الهدهد يحتمل العقاب ~~والعتاب، والتكليف والثواب، والولاية، ودخول الجنة بالطاعة، ودخول النار ~~بالمعصية؛ لأن المعرفة توجب الأمر والنهي، والأمر والنهي يوجبان الطاعة ~~والمعصية، والطاعة والمعصية يوجبان الولاية والعداوة، فينبغي للهداهد أن ~~يكون فيها العدو والولي، والكافر والمسلم، والزنديق والدهري. # وإذا كان حكم الجنس حكما واحدا لزم الجميع ذلك. وإن كان الهدهد لا يبلغ ~~عند جميع الناس في المعرفة مبلغ الذرة، والنملة، والقملة، والفيل، والقرد، ~~والخنزير، والحمام- وجميع هذه الأمم، تقدمها عليه في المعرفة- فينبغي أن ~~تكون هذه الأصناف المتقدمة عليه، في عقول هذه الأمة والأنبياء. # وقد رأينا العلماء يتعجبون من خرافات العرب والأعراب في الجاهلية ومن ~~قولهم في الديك والغراب، ويتعجبون من الرواية في طوق الحمام فإن الحمام كان ms0538 ~~رائد نوح على نبينا وعليه السلام. PageV04P300 # وهذا القول الذي تؤمنون به في الهدهد، من هذا النوع. # قلنا: إن الله تعالى لم يقل: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى هدهدا من عرض ~~الهداهد، فلم يوقع قوله على الهداهد جملة، ولا على واحد منها غير مقصود ~~إليه، ولم يذهب إلى الجنس عامة، ولكنه قال: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى ~~الهدهد # [1] فأدخل في الاسم الألف واللام، فجعله معرفة فدل بذلك القصد على أنه ~~ذلك الهدهد بعينه. وكذلك غراب نوح، وكذلك حمار عزير، وكذلك ذئب أهبان ابن ~~أوس؛ فقد كان لله فيه وفيها تدبير، وليجعل ذلك آية لأنبيائه، وبرهانا ~~لرسله. # ولا يستطيع أعقل الناس أن يعمل عمل أجرإ الناس، كما لا يستطيع أجرأ الناس ~~أن يعمل أعمال أعقل الناس. فبأعمال المجانين والعقلاء عرفنا مقدارهما من ~~صحة أذهانهما وفسادها، وباختلاف أعمال الأطفال والكهول عرفنا مقدارهما في ~~الضعف والقوة، وفي الجهل والمعرفة. وبمثل ذلك فصلنا بين الجماد والحيوان، ~~والعالم وأعلم منه، والجاهل وأجهل منه. ولو كان عند السباع والبهائم ما عند ~~الحكماء والأدباء، والوزراء والخلفاء والأمم والأنبياء، لأثمرت تلك العقول، ~~باضطرار، إثمار تلك العقول. وهذا باب لا يخطئ فيه إلا المانية [2] وأصحاب ~~الجهالات فقط. فأما عوام الأمم، فضلا عن خواصهم، فهم يعلمون من ذلك مثل ما ~~نعلم. وإنما يتفاضل بالبيان والحفظ، وبنسق المحفوظ. فأما المعرفة فنحن فيها ~~سواء. ولم نعرف العقل وعدمه ونقصانه، وإفادته، وأقدار معارف الحيوان إلا ~~بما يظهر منها. وبتلك الأدلة عرفنا فرق ما بين الحي والميت، وبين الجماد ~~والحيوان. # فإن قال الخصم: ما نعرف كلام الذئب، ولا معرفة الغراب، ولا علم الهدهد. # قلنا: نحن ناس نؤمن بأن عيسى عليه السلام خلق من غير ذكر وإنما خلق من ~~أنثى؛ وأن آدم وحواء خلقا من غير ذكر وأنثى، وأن عيسى تكلم في المهد، وأن ~~يحيى بن زكريا نطق بالحكمة في الصبا، وأن عقيما ألقح، وأن عاقرا ولدت [3] ؛ ~~وبأشياء كثيرة PageV04P301 # خرجت خارجية من نسق العادة. فالسبب الذي به عرفنا أنه قد كان لذلك ms0539 الهدهد ~~مقدار من المعرفة، دون ما توهمتم وفوق ما مع الهدهد. ومتى سألتمونا عن ~~الحجة فالسبيل واحدة. ونحن نقر بأن من دخل الجنة من المجانين والأطفال ~~يدخلون عقلاء كاملين، من غير تجارب وتمرين وترتيب. فمسألتكم عما ألهم ~~الهدهد، هي المسألة عما ألهم الطفل في الجنة. # فإن قال قائل: فإن ذلك القول كله، الذي كان من الهدهد، إنما كان على ~~الإلهام والتسخير، ولم يكن ذلك عن معرفة منه، فلم قال: لأعذبنه عذابا شديدا ~~أو لأذبحنه # [1] ؟ قلنا: فإنه قد يتوعد الرجل ابنه- وهو بعد لم يجر عليه الأحكام- ~~بالضرب الوجيع، إن هو لم يأت السوق، أو يحفظ سورة كذا وكذا؛ فلا يعنفه أحد ~~على ذلك الوعيد. ويكذب فيضربه على الكذب، ويضرب صبيا فيضربه لأنه ضربه. # وهو في ذلك قد حسن خطه، وجاد حسابه، وشدا من النحو والعروض والفرائض شدوا ~~حسنا، ونفع أهله، وتعلم أعمالا، وتكلم بكلام، وأجاب في الفتيا بكلام فوق ~~معاني الهدهد في اللطافة والغموض. وهو في ذلك لم يكمل لاحتمال الفرض ~~والولاية والعداوة. # فإن قال: فهل يجوز لأحد أن يقول لابنه: إن أنت لم تأت السوق ذبحتك؛ وهو ~~جاد؟ قلنا: لا يجوز ذلك. وإنما جاز ذلك في الهدهد لأن سليمان- ومن هو دون ~~سليمان من جميع العالم- له أن يذبح الهدهد والحمام والديك، والعناق والجدي. # والذبح سبيل من سبل مناياهم. فلو ذبحه سليمان لم يكن في ذلك إلا بقدر ~~التقديم والتأخير، وإلا بقدر صرف ما بين أن يموت حتف أنفه، أو يموت بالذبح. ~~ولعل صرف ما بينهما لا يكون إلا بمقدار ألم عشرين درة [2] . ولعل نتف جناحه ~~يفي بذلك الضرب. وإذا قلنا ذلك فقد أعطينا ذلك الهدهد بعينه حق ما دلت عليه ~~الآية، ولم نجز ذلك في جميع الهداهد، ولم نكن كمن ينكر قدرة الله على أن ~~يركب عصفورا من العصافير ضربا من التراكيب يكون أدهى من قيس بن زهير. ولو ~~كان الله تعالى قد فعل ذلك بالعصافير لظهرت كذلك دلائل. # على أنا لو تأولنا الذبح على مثال تأويل قولنا في ذبح إبراهيم إسماعيل ms0540 ~~عليهما السلام- وإنما كان ذلك ذبحا في المعنى لغيره- أو على معنى قول ~~القائل: أما أنا PageV04P302 # فقد ذبحته وضربت عنقه، ولكن السيف خانني. أو على قولهم: المسك الذبيح، أو ~~على قولهم: فجئت وقد ذبحني العطش- لكان ذلك مجازا. # ولو أن صبيا من صبياننا سئل، قبل أن يبلغ فرض البلوغ بساعة، وكان رأى ~~ملكة سبإ في جميع حالاتها، لما كان بعيدا ولا ممتنعا أن يقول: رأيت امرأة ~~ملكة، ورأيتها تسجد للشمس من دون الله، ورأيتها تطيع الشيطان وتعصي الرحمن، ~~ولا سيما إن كان من صبيان الخلفاء والوزراء، أو من صبيان الأعراب. # والدليل على أن ذلك الهدهد كان مسخرا وميسرا، مضيه إلى اليمن، ورجوعه من ~~ساعته. # ولم يكن من الطير القواطع فرجع إلى وكره. والدليل على ذلك أن سليمان عليه ~~السلام لم يقل: نعم قد رأيت كل ما ذكرت، وأنت لم تعلم حين مضيت بطالا هاربا ~~من العمل، أتكدي أم تنجح، أو ترى أعجوبة أو لا تراها. ولكنه توعده على ظاهر ~~الرأي، ونافره القول؛ ليظهر الآية والأعجوبة. ### ||| 1003- [طعن الدهرية في ملك سليمان] # ثم طعن في ملك سليمان وملكة سبإ، ناس من الدهرية، وقالوا: زعمتم أن ~~سليمان سأل ربه فقال: رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي # [1] وأن الله تعالى أعطاه ذلك، فملكه على الجن فضلا عن الإنس، وعلمه منطق ~~الطير، وسخر له الريح، فكانت الجن له خولا، والرياح له مسخرة ثم زعمتم- وهو ~~إما بالشام وإما بسواد العراق- أنه لا يعرف باليمن ملكة هذه صفتها. وملوكنا ~~اليوم دون سليمان في القدرة، لا يخفى عليهم صاحب الخزر، ولا صاحب الروم، ~~ولا صاحب الترك، ولا صاحب النوبة، وكيف يجهل سليمان موضع هذه الملكة، مع ~~قرب دارها واتصال بلادها! وليس دونها بحار ولا أوعار؛ والطريق نهج للخف ~~والحافر والقدم. # فكيف والجن والإنس طوع يمينه. ولو كان، حين خبره الهدهد بمكانها، أضرب ~~عنها صفحا، لكان لقائل أن يقول: ما أتاه الهدهد إلا بأمر يعرفه. فهذا وما ~~أشبهه دليل على فساد أخباركم. # قلنا: إن الدنيا إذا خلاها الله ms0541 وتدبير أهلها، ومجاري أمورها وعاداتها ~~كان لعمري كما تقولون. ونحن نزعم أن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم كان أنبه ~~أهل PageV04P303 # زمانه؛ لأنه نبي ابن نبي، وكان يوسف وزير ملك مصر من النباهة بالموضع ~~الذي لا يدفع، وله البرد، وإليه يرجع جواب الأخبار، ثم لم يعرف يعقوب مكان ~~يوسف، ولا يوسف مكان يعقوب عليهما السلام- دهرا من الدهور، مع النباهة، ~~والقدرة، واتصال الدار. ### ||| 1004- [القول في موسى بن عمران] # وكذلك #| القول في موسى بن عمران # ومن كان معه في التيه، فقد كانوا أمة من الأمم يتكسعون أربعين عاما، في ~~مقدار فراسخ يسيرة ولا يهتدون إلى المخرج. وما كانت بلاد التيه إلا من ~~ملاعبهم ومنتزهاتهم. ولا يعدم مثل ذلك العسكر الأدلاء والجمالين، والمكارين ~~[1] ، والفيوج [2] ، والرسل، والتجار. ولكن الله صرف أوهامهم، ورفع ذلك ~~الفصل [3] من صدورهم. ### ||| 1005- [القول في الشياطين] # وكذلك # | القول في الشياطين # الذين يسترقون السمع في كل ليلة، فنقول: إنهم لو كان كلما أراد مريد منهم ~~أن يصعد ذكر أنه قد رجم صاحبه، وأنه كذلك منذ كان لم يصل معه أحد إلى ~~استراق السمع، كان محالا أن يروم ذلك أحد منهم مع الذكر والعيان. # ومثل ذلك أنا قد علمنا أن إبليس لا يزال عاصيا إلى يوم البعث. ولو كان ~~إبليس في حال المعصية ذاكرا لإخبار الله تعالى أنه لا يزال عاصيا وهو يعلم ~~أن خبره صدق، كان محالا أن تدعوه نفسه إلى الإيمان، ويطمع في ذلك، مع ~~تصديقه بأنه لا يختار الإيمان أبدا. # ومن المحال أن يجمع بين وجود الاستطاعة وعدم الدواعي وجواز الفعل. # ولو أن رجلا علم يقينا أنه لا يخرج من بيته يومه ذلك، كان محالا أن تدعوه ~~نفسه إلى الخروج، مع علمه بأنه لا يفعل. ولكن إبليس لما كان مصروف القلب عن ~~ذكر ذلك الخبر، دخل في حد المستطيعين. PageV04P304 # ومثل ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بشره الله بالظفر وتمام الأمر ~~[1] بشر أصحابه بالنصر، ونزول الملائكة. ولو كانوا لذلك ذاكرين في كل حال، ~~لم يكن عليهم من المحاربة مؤونة. ms0542 وإذا لم يتكلفوا المؤونة لم يؤجروا. ولكن ~~الله تعالى بنظره إليهم رفع ذلك في كثير من الحالات عن أوهامهم؛ ليحتملوا ~~مشقة القتال، وهم لا يعلمون: # أيغلبون أم يغلبون؛ أو يقتلون أم يقتلون. # ومثل ذلك ما رفع من أوهام العرب، وصرف نفوسهم عن المعارضة للقرآن، بعد أن ~~تحداهم الرسول بنظمه. ولذلك لم نجد أحدا طمع فيه. ولو طمع فيه لتكلفه، ولو ~~تكلف بعضهم ذلك فجاء بأمر فيه أدنى شبهة لعظمت القصة على الأعراب وأشباه ~~الأعراب، والنساء وأشباه النساء، ولألقى ذلك للمسلمين عملا، ولطلبوا ~~المحاكمة والتراضي ببعض العرب، ولكثر القيل والقال. # فقد رأيت أصحاب مسيلمة، وأصحاب ابن النواحة إنما تعلقوا بما ألف لهم ~~مسيلمة من ذلك الكلام، الذي يعلم كل من سمعه أنه إنما عدا على القرآن ~~فسلبه، وأخذ بعضه، وتعاطى أن يقارنه. فكان لله ذلك التدبير، الذي لا يبلغه ~~العباد ولو اجتمعوا له. # فإن كان الدهري يريد من أصحاب العبادات والرسل، ما يريد من الدهري الصرف، ~~الذي لا يقر إلا بما أوجده العيان، وما يجري مجرى العيان- فقد ظلم. # وقد علم الدهري أننا نعتقد أن لنا ربا يخترع الأجسام اختراعا وأنه حي لا ~~بحياة، وعالم لا بعلم، وأنه شيء لا ينقسم، وليس بذي طول ولا عرض ولا عمق، ~~وأن الأنبياء تحيي الموتى. وهذا كله عند الدهري مستنكر، وإنما كان يكون له ~~علينا سبيل لو لم يكن الذي ذكرنا جائزا في القياس، واحتجنا إلى تثبيت ~~الربوبية وتصديق الرسالة، فإذا كان ذلك جائزا، وكان كونه غير مستنكر، ولا ~~محال، ولا ظلم، ولا عيب، فلم يبق له إلا أن يسألنا عن الأصل الذي دعا إلى ~~التوحيد، وإلى تثبيت الرسل. # وفي كتابنا المنزل الذي يدلنا على أنه صدق، نظمه البديع الذي لا يقدر على ~~مثله العباد، مع ما سوى ذلك من الدلائل التي جاء بها من جاء به. # وفيه مسطور أن سليمان بن داود غبر حينا- وهو ميت- معتمدا على عصاه، في ~~الموضع الذي لا يحجب عنه إنسي ولا جني، والشياطين مهم المكدود بالعمل ~~الشديد، ومنهم المحبوس والمستعبد، ms0543 وكانوا كما قال الله تعالى: PageV04P305 # يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات # [1] وقال: والشياطين كل بناء وغواص. وآخرين مقرنين في الأصفاد # [2] ، وأنه غبر كذلك حينا وهو تجاه أعينهم، فلا هم عرفوا سجية وجوه ~~الموتى، ولا هو إذ كان ميتا سقط سقوط الموتى. # وثبت قائما معتمدا على عصاه، وعصاه ثابتة قائمة في يده، وهو قابض عليها. # وليست هذه الصفة صفة موتانا. # وقال: فلما قضينا عليه الموت ما دلهم على موته إلا دابة الأرض تأكل ~~منسأته فلما خر تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب ~~المهين # [3] ونحن دون الشياطين والجن في صدق الحس، ونفوذ البصر. ولو كنا من بعض ~~الموتى بهذا المكان، لما خفي علينا أمره وكان أدنى ذلك أن نظن ونرتاب. # ومتى ارتاب قوم وظنوا وماجوا وتكلموا وشاوروا، لقنوا وثبتوا. ولا سيما ~~إذا كانوا في العذاب ورأوا تباشير الفرج. # ولولا الصرفة. التي يلقيها الله تعالى على قلب من أحب، ولولا أن الله ~~يقدر على أن يشغل الأوهام كيف شاء، ويذكر بما يشاء، وينسي ما يشاء، لما ~~اجتمع أهل داره وقصره، وسوره وربضه، وخاصته، ومن يخدمه من الجن والإنس ~~والشياطين، على الإطباق بأنه حي. كذلك كان عندهم. فحدث ما حدث من موته، ~~فلما لم يشعروا به كانوا على ما لم يزالوا عليه. فعلمنا أن الجن والشياطين ~~كانت توهم الأغبياء والعوام والحشوة والسفلة، أن عندهما شيئا من علم الغيب- ~~والشياطين لا تعلم ذلك- فأراد الله أن يكشف من أمرهم للجهال ما كان كشفه ~~للعلماء. فبهذا وأشباهه من الأمور نحن إلى الإقرار به مضطرون بالحجج ~~الاضطرارية فليس لخصومنا حيلة إلا أن يواقفونا، وينظروا في العلة التي ~~اضطرتنا إلى هذا القول؛ فإن كانت صحيحة فالصحيح لا يوجب إلا الصحيح. وإن ~~كانت سقيمة علمنا أنما أتينا من تأويلنا. # وأما قوله: لأعذبنه # [4] فإن التعذيب يكون بالحبس، كما قال الله عز وجل: # لو كانوا يعلمون الغيب ما لبثوا في العذاب المهين # [5] . وإنما كانوا مخيسين [6] . PageV04P306 # وقد يقول العاشق لمعشوقته: يا معذبتي! وقد عذبتني! ms0544 ومن العذاب ما يكون ~~طويلا، ومنه ما يكون قصير الوقت. ولو خسف الله تعالى بقوم في أقل من عشر ~~ساعة لجاز لقائل أن يقول: كان ذلك يوم أحل الله عذابه ونقمته ببلاد كذا ~~وكذا. ### ||| 1006- [قوة الخنزير و شدة احتماله] # وقال أبو ناصرة: الخنزير ربما قتل الأسد، وما أكثر ما يلحق بصاحب السيف ~~والرمح، فيضربه بنابه، فيقطع كل ما لقيه من جسده: من عظم وعصب، حتى يقتله. # وربما احتال أن ينبطح على وجهه على الأرض، فلا يغني ذلك عنه شيئا. # وليس لشيء من الحيوان كاحتمال بدنه لوقع السهام، ونفوذها فيه. ### ||| [بعض طباع الخنزير] # وهو مع ذلك أروغ من ثعلب، إذا أراده الفارس. وإذا عدا أطمع في نفسه كل ~~شيء، وإذا طولب أعيا الخيل العتاق. والخنزير مع ذلك أنسل الخلق؛ لأن ~~الخنزيرة تضع عشرين خنوصا، وهو مع كثرة إنساله- من أقوى الفحول على السفاد، ~~ومع القوة على السفاد هو أطولها مكثا في سفاده، فهو بذلك أجمع للفحولة. # وإذا كان الكلب والذئب موصوفين بشدة القلب؛ لطول الخطم، فالخنزير أولى ~~بذلك. ### ||| [مدد الحمل الحيوان] # وللفيل ناب عجيب، ولكنه لقصر عنقه لا يبلغ الناب مبلغا، وإنما يستعين ~~بخرطومه، وخرطومه هو أنفه، والخطم غير الخرطوم. # قال أبو ناصرة: وله طيب، وهو طيب لحمه ولحم أولاده. وإذا أرادوا وصف ~~اختلاط ودك الكركي [1] في مرق طبيخ، قالوا كأن إهالته إهالة [2] خنزير؛ ~~لأنه لا يسرع إليها الجمود. وسرعة جمود إهالة الماعز في الشتاء عيب. وللضأن ~~في ذلك بعض الفضيلة على الماعز؛ ولا يلحق بالخنزير. # وإذا نقص من الإنسان عظم واحتيج إلى صلته في بعض الأمراض لم يلتحم به إلا ~~عظم الخنزير. ### ||| [قبول عظم الخنزیر للالتحام بعظم الانسان] # وإذا ضرب فصاح لم يكن السامع يفصل بين صوته وبين صوت صبي مضروب. ~~PageV04P307 ### ||| [طیب لحمه] # وفي إطباق جميع الأمم على شهوة أكله واستطابة لحمه، دليل على أن له في ~~ذلك ما ليس لغيره. ### ||| 1007- [زعم المجوس في المنخنقة و نحوها] # والمجوس تزعم أن المنخنقة والموقوذة والمتردية، وكل ما اعتبط [1] ولم يمت ~~حتف أنفه، فهو ms0545 أطيب لحما وأحلى؛ لأن دمه فيه، والدم حلو دسم. وإنما عافه من ~~عافه من طريق العادة والديانة، لا من طريق الاستقذار والزهد الذي يكون في ~~أصل الطبيعة. ### ||| 1008- [اختلاف ميل الناس إلى الطعام] # وقد عاف قوم الجري والضباب [2] على مثل ذلك، وشغف به آخرون. # وقد كانت العرب في الجاهلية تأكل دم الفصد، وتفضل طعمه، وتخبر عما يورث ~~من القوة. # قال: وأي شيء أحسن من الدم، وهل اللحم إلا دم استحال كما يستحيل اللحم ~~شحما؟ ولكن الناس إذا ذكروا معناه، ومن أين يخرج وكيف يخرج، كان ذلك كاسرا ~~لهم، ومانعا من شهوته. ### ||| 1009- [ما يغير نظر الإنسان إلى الأشياء] # وكيف حال النار في حسنها، فإنه ليس في الأرض جسم لم يصبغ أحسن منه. # ولولا معرفتهم بقتلها وإحراقها وإتلافها، والألم والحرقة المولدين عنها، ~~لتضاعف ذلك الحسن عندهم. وإنهم ليرونها في الشتاء بغير العيون التي يرونها ~~بها في الصيف. ليس ذلك إلا بقدر ما حدث من الاستغناء عنها. # وكذلك جلاء السيف؛ فإن الإنسان يستحسن قد السيف وخرطه، وطبعه وبريقه. ~~وإذا ذكر صنيعه والذي هيئ له، بدا له في أكثر ذلك، وتبدل في عينه، وشغله ~~ذلك عن تأمل محاسنه. # ولولا علم الناس بعداوة الحيات لهم، وأنهها وحشية لا تأنس ولا تقبل أدبا، ~~ولا PageV04P308 # ترعى حق تربية، ثم رأوا شيئا من هذه الحيات، البيض، المنقشة الظهور- لما ~~بيتوها ونوموها إلا في المهد، مع صبيانهم. ### ||| 1010- [رد على من طعن في تحريم الخنزير] # فيقال لصاحب هذه المقالة: تحريم الأغذية إنما يكون من طريق العبادة ~~والمحنة، وليس أنه جوهر شيء من المأكول يوجب ذلك. وإنما قلنا: إنا وجدنا ~~الله تعالى قد مسخ عبادا من عباده في صور الخنزير دون بقية الأجناس، فعلمنا ~~أنه لم يفعل ذلك إلا لأمور اجتمعت في الخنزير. فكان المسخ على صورته أبلغ ~~من التنكيل. لم نقل إلا هذا. ### ||| 1011- [طباع القرد] # والقرد يضحك ويطرب، ويقعي ويحكي، ويتناول الطعام بيديه ويضعه في فيه، وله ~~أصابع وأظفار، وينقي الجوز، ويأنس الأنس الشديد، ويلقن بالتلقين الكثير، ~~وإذا سقط في الماء غرق ms0546 ولم يسبح؛ كالإنسان قبل أن يتعلم السباحة. فلم تجد ~~الناس للذي اعترى القرد من ذلك- دون جميع الحيوان علة- إلا هذه المعاني ~~التي ذكرتها، من مناسبة الإنسان من قبلها. # ويحكى عنه من شدة الزواج، والغيرة على الأزواج، ما لا يحكى مثله إلا عن ~~الإنسان؛ لأن الخنزير يغار، وكذلك الجمل والفرس، إلا أنها لا تزاوج. ~~والحمار يغار ويحمي عانته الدهر كله، ويضرب فيها كضربه لو أصاب أتانا من ~~غيرها. وأجناس الحمام تزاوج ولا تغار. # واجتمع في القرد الزواج والغيرة، وهما خصلتان كريمتان، واجتماعهما من ~~مفاخر الإنسان على سائر الحيوان. ونحن لم نر وجه شيء غير الإنسان أشبه صورة ~~وشبها، على ما فيه من الاختلاف، ولا أشبه فما ووجها بالإنسان من القرد. ~~وربما رأينا وجه بعض الحمر إذا كان ذا خطم، فلا نجد بينه وبين القرد إلا ~~اليسير. ### ||| [أمثال فی القرد] # وتقول الناس: «أكيس من قشة» [1] و «أملح من رباح» [2] ولم يقل أحد: # أكيس من خنزير، وأملح من خنوص. وهو قول العامة: «القرد قبيح ولكنه مليح» ~~. PageV04P309 ### ||| [کف القرد و أصابعه] # وقال الناس في الضب: إنه مسخ. وقالوا: انظر إلى كفه وأصابعه. فكف القرد ~~وأصابعه أشبه وأصنع. فقدمت القرد على الخنزير من هذا الوجه. ### ||| 1012- [علة تحريم لحم الخنزير] # وأما القول في لحمه، فإنا لم نزعم أن الخنزير هو ذلك الإنسان الذي مسخ، ~~ولا هو من نسله، ولم ندع لحمه من جهة الاستقذار لشهوته في العذرة، ونحن نجد ~~الشبوط والجري، والدجاج، والجراد، يشاركنه في ذلك ولكن للخصال التي عددنا ~~من أسباب العبادات. وكيف صار أحق بأن تمسخ الأعداء على صورته في خلقته. ### ||| 1013- [حديث عبيد الكلابي] # قال: وقلت مرة لعبيد الكلابي- وأظهر من حب الإبل والشغف بها ما دعاني إلى ~~أن قلت له-: أبينها وبينكم قرابة؟ قال: نعم، لها فينا خؤولة. إني والله ما ~~أعني البخاتي، ولكني أعني العراب، التي هي أعرب! قلت له: مسخك الله تعالى ~~بعيرا! قال: الله لا يمسخ الإنسان على صورة كريم، وإنما يمسخه على صورة ~~لئيم، مثل الخنزير ثم القرد. فهذا قول أعرابي ms0547 جلف تكلم على فطرته. ### ||| 1014- [قول فی آية] # وقد تكلم المخالفون في قوله تعالى: وسئلهم عن القرية التي كانت حاضرة ~~البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون ~~لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون # [1] . # وقد طعن ناس في تأويل هذه الآية، بغير علم ولا بيان، فقالوا: وكيف يكون ~~ذلك وليس بين أن تجيء في كل هلال فرق، ولا بينها إذا جاءت في رأس الهلال ~~فرق، ولا بينها إذا جاءت في رأس السنة فرق. ### ||| 1015- [هجرة السمك] # وهذا بحر البصرة والأبلة، يأتيهم ثلاثة أشهر معلومة معروفة من السنة ~~السمك الأسبور، فيعرفون وقت مجيئه وينتظرونه، ويعرفون وقت انقطاعه ومجيء ~~غيره، فلا يمكث بهم الحال إلا قليلا حتى يقبل السمك من ذلك البحر، في ذلك ~~الأوان، فلا PageV04P310 # يزالون في صيد ثلاثة أشهر معلومة من السنة، وذلك في كل سنة مرتين لكل ~~جنس. # ومعلوم عندهم أنه يكون في أحد الزمانين أسمن، وهو الجواف، ثم يأتيهم ~~الأسبور، على حساب مجيء الأسبور والجواف. فأما الأسبور فهو يقطع إليهم من ~~بلاد الزنج. # وذلك معروف عند البحريين. وأن الأسبور في الوقت الذي يقطع إلى دجلة ~~البصرة لا يوجد في الزنج، وفي الوقت الذي يوجد في الزنج لا يوجد في دجلة. ~~وربما اصطادوا منها شيئا في الطريق في وقت قطعها المعروف، وفي وقت رجوعها. ~~ومع ذلك أصناف من السمك كالإربيان، والرق، والكوسج، والبرد، والبرستوج. وكل ~~ذلك معروف الزمان، متوقع المخرج. # وفي السمك أوابد وقواطع، وفيها سيارة لا تقيم. وذلك الشبه يصاب. ولذلك ~~صاروا يتكلمون بخمسة السنة، يهذونها [1] ، سوى ما تعلقوا به من غيرها. # ثم القواطع من الطير قد تأتينا إلى العراق منهم في ذلك الإبان جماعات ~~كثيرة، تقطع إلينا ثم تعود في وقتها. ### ||| 1016- [رد على المعترض] # قلنا لهؤلاء القوم: لقد أصبتم في بعض ما وصفتم، وأخطأتم في بعض. قال الله ~~تعالى: إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم # [2] ويوم السبت يدور مع الأسابيع، والأسابيع تدور مع شهور القمر. وهذا لا ms0548 ~~يكون مع استواء من الزمان. وقد يكون السبت في الشتاء والصيف والخريف، وفيما ~~بين ذلك. وليس هذا من باب أزمان قواطع السمك وهيج الحيوان وطلب السفاد، ~~وأزمان الفلاحة، وأوقات الجزر والمد؛ وفي سبيل الأنواء، والشجر كيف ينفض ~~الورق والثمار؛ والحيات كيف تسلخ، والأيائل كيف تلقي قرونها، والطير كيف ~~تنطق ومتى تسكت. # ولو قال لنا قائل: إني نبي وقلنا له: وما آيتك؟ وعلامتك؟ فقال: إذا كان ~~في آخر تشرين الآخر أقبل إليكم الأسبور من جهة البحر، ضحكوا منه وسخروا به. # ولو قال: إذا كان يوم الجمعة أو يوم الأحد أقبل إليكم الأسبور، حتى لا ~~يزال يصنع ذلك في كل جمعة- علمنا اضطرارا إذا عاينا الذي ذكر على نسقه أنه ~~صادق، وأنه لم يعلم ذلك إلا من قبل خالق ذلك. تعالى الله عن ذلك. ~~PageV04P311 # وقد أقررنا بعجيب ما نرى من مطالع النجوم، ومن تناهي المد والجزر على قدر ~~امتلاء القمر، ونقصانه وزيادته، ومحاقه [1] واستراره [2] . وكل شيء يأتي ~~على هذا النسق من المجاري، فإنما الآية فيه لله وحده على وحدانيته. # فإذا قال قائل لأهل شريعة [3] ولأهل مرسى، من أصحاب بحر أو نهر أو واد، ~~أو عين، أو جدول: تأتيكم الحيتان في كل سبت، أو قال: في كل رمضان. ورمضان ~~متحول الأزمان في الشتاء والصيف والربيع والخريف. والسبت يتحول في جميع ~~الأزمان. فإذا كان ذلك كانت تلك الأعجوبة فيه دالة على توحيد الله تعالى، ~~وعلى صدق صاحب الخبر، وأنه رسول ذلك المسخر لذلك الصنف. وكان ذلك المجيء ~~خارجا من النسق القائم، والعادة المعروفة. وهذا الفرق بذلك بين. والحمد ~~لله. ### ||| 1017- [شنعةالخنزير والقرد] # قال الله تعالى: فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين # [4] وفي الموضع الذي ذكر أنه مسخ ناسا خنازير قد ذكر القرود. ولم يذكر ~~أنه مسخ قوما خنازير، ولم يمسخ منهم قرودا. وإذا كان الأمر كذلك فالمسخ على ~~صورة القردة أشنع؛ إذ كان المسخ على صورتها أعظم، وكان العقاب به أكبر. وإن ~~الوقت الذي قد ذكر أنه قد مسخ ناسا قرودا ms0549 فقد كان مسخ ناسا خنازير. فلم يدع ~~ذكر الخنازير وذكر القرود؛ إلا والقرود في هذا الباب أوجع وأشنع وأعظم في ~~العقوبة، وأدل على شدة السخطة. هذا قول بعضهم. ### ||| 1018- [استطراد لغوي] # قال: ويقال لموضع الأنف من السباع الخطم، والخرطوم- وقد يقال ذلك ~~للخنزير- والفنطيسة [5] ، والجمع الفناطيس. وقال الأعرابي: كأن فناطيسها ~~كراكر [6] الإبل. PageV04P312 ### ||| 1019- [خصائص بعض البلدان] # وقال صاحب المنطق: لا يكون خنزير ولا أيل بحريا. وذكر أن خنازير بعض ~~البلدان يكون لها ظلف واحد، ولا يكون بأرض نهاوند حمار؛ لشدة برد الموضع، ~~ولأن الحمار صرد. # وقال: في أرض كذا وكذا لا يكون بها شيء من الخلد، وإن نقله إنسان إليها ~~لم يحفر، ولم يتخذ بها بيتا. وفي الجزيرة التي تسمى صقلية لا يكون بها صنف ~~من النمل، الذي يسمى أقرشان. ### ||| 1020- [قول أهل الكتابين في المسخ] # وأهل الكتابين [1] ينكرون أن يكون الله تعالى مسخ الناس قرودا وخنازير، ~~وإنما مسخ امرأة لوط حجرا. كذلك يقولون. ### | القول في الحيات ### || (القول في الحيات) # اللهم جنبنا التكلف، وأعذنا من الخطل، واحمنا من العجب ~~بما يكون منا، والثقة بما عندنا، واجعلنا من المحسنين. ### || [احتیال الحیات للصید] # حدثنا أبو جعفر المكفوف النحوي العنبري، وأخوه روح الكاتب ورجال من بني ~~العنبر، أن عندهم في رمال بلعنبر حية تصيد العصافير وصغار الطير بأعجب صيد. ~~زعموا أنها إذا انتصف النهار واشتد الحر في رمال بلعنبر، وامتنعت الأرض على ~~الحافي والمنتعل، ورمض [2] الجندب، غمست هذه الحية ذنبها في الرمل، ثم ~~انتصبت كأنها رمح مركوز، أو عود ثابت، فيجيء الطائر الصغير أو الجرادة، ~~فإذا رأى عودا قائما وكره الوقوع على الرمل لشدة حره، وقع على رأس الحية، ~~على أنها عود. # فإذا وقع على رأسها قبضت عليه. فإن كان جرادة أو جعلا أو بعض ما لا ~~يشبعها مثله، ابتلعته وبقيت على انتصابها. وإن كان الواقع على رأسها طائرا ~~يشبعها مثله أكلته وانصرفت. وأن ذلك دأبها ما منع الرمل جانبه في الصيف ~~والقيظ، في انتصاف النهار والهاجرة. وذلك أن الطائر لا يشك أن الحية عود، ~~وأنه سيقوم له ms0550 مقام الجذل [3] للحرباء، إلى أن يسكن الحر ووهج الرمل. ~~PageV04P313 # وفي هذا الحديث من العجب أن تكون هذه الحية تهتدي لمثل هذه الحيلة. # وفيه جهل الطائر بفرق ما بين الحيوان والعود. وفيه قلة اكتراث الحية ~~بالرمل الذي عاد كالجمر، وصلح أن يكون ملة [1] وموضعا للخبزة، ثم أن يشتمل ~~ذلك الرمل على ثلث الحية ساعات من النهار، والرمل على هذه الصفة. فهذه ~~أعجوبة من أعاجيب ما في الحيات. ### || [رضاع الحیة و إعجابها باللبن] # وزعم لي [2] رجال من الصقالبة، خصيان وفحول، أن الحية في بلادهم تأتي ~~البقرة المحفلة [3] فتنطوي على فخذيها وركبتيها إلى عراقيبها، ثم تشخص ~~صدرها نحو أخلاف ضرعها، حتى تلتقم الخلف؛ فلا تستطيع البقرة مع قوتها أن ~~تترمرم [4] . # فلا تزال تمص اللبن، وكلما مصت استرخت. فإذا كادت تتلف أرسلتها. # وزعموا أن تلك البقرة إما أن تموت، إما أن يصيبها في ضرعها فساد شديد ~~تعسر مداواته. # والحية تعجب باللبن. وإذا وجدت الأفاعي الإناء غير مخمر كرعت فيه، وربما ~~مجت فيه ما صار في جوفها، فيصيب شارب ذلك اللبن أذى ومكروه كثير. # ويقال إن اللبن محتضر [5] . وقد ذهب ناس إلى العمار، على قولهم إن الثوب ~~المعصفر محتضر [5] . فظن كثير من العلماء أن المعنى في اللبن إنما رجع إلى ~~الحيات. ### || [ما تعجب به الحيات] # والحية تعجب باللفاح [6] والبطيخ، وبالحرف [7] ، والخردل المرخوف [8] ؛ ~~وتكره ريح السذاب [9] والشيح، كما تكره الوزغ ريح الزعفران. PageV04P314 ### || [قوة بدن الحية] # وليس في الأرض شيء جسمه مثل جسم الحية، إلا والحية أقوى بدنا منه أضعافا. ~~ومن قوتها أنها إذا أدخلت رأسها في جحرها، أو في صدع إلى صدرها، لم يستطع ~~أقوى الناس وهو قابض على ذنبها بكلتا يديه أن يخرجها؛ لشدة اعتمادها، ~~وتعاون أجزائها. وليست بذات قوائم لها أظفار أو مخالب أو أظلاف، تنشبها في ~~الأرض، وتتشبث بها، وتعتمد عليها. وربما انقطعت في يدي الجاذب لها، مع أنها ~~لدنة ملساء علكة فيحتاج الرفيق في أمرها عند ذلك، أن يرسلها من يديه بعض ~~الإرسال، ثم ينشطها كالمختطف والمختلس، وربما انقطع ذنبها في يد ms0551 الجاذب ~~لها. فأما أذناب الأفاعي فإنها تنبت. # ومن عجيب ما فيها من هذا الباب، أن نابها يقطع بالكاز [1] ، فينبت حتى ~~يتم نباته في أقل من ثلاث ليال. ### || [نزع عين الخطاف] # والخطاف في هذا الباب خلاف الخنزير؛ لأن الخطاف إذا قلمت إحدى عينيه ~~رجعت. وعين البرذون يركبها البياض، فيذهب في أيام يسيرة. ### || [الاحتيال لناب الأفعي] # وناب الأفعى يحتال له بأن يدخل في فيها حماض أترج [2] ، ويطبق لحيها ~~الأعلى على الأسفل، فلا تقتل بعضتها أياما صالحة. # والمغناطيس الجاذب للحديد، إذا حك عليه الثوم، لم يجذب الحديد. ### || 1021- [خصائص الأفعى] # والأفعى لا تدور عينها في رأسها، وهي تلد وتبيض، وذلك أنها إذا طرقت [3] ~~ببيضها تحطم في جوفها، فترمي بفراخها أولادا، حتى كأنها من الحيوان الذي ~~يلد حيوانا مثله. # وفي الأفاعي من العجب أنها تذبح حتى يفرى منها كل ودج، فتبقى كذلك ~~PageV04P315 # أياما لا تموت. وأمرت الحاوي فقبض على خرزة [1] عنقها، فقلت له: اقبضها ~~من الخرزة [1] التي تليها قبضا رفيقا. فما فتح بينها بقدر سم الإبرة حتى ~~بردت ميتة. # وزعم أنه قد ذبح غيرها من الحيات فعاشت على شبيه بذلك، ثم إنه فصل تلك ~~الخرزة [1] على مثال ما صنع بالأفعى، فماتت بأسرع من الطرف. ### || 1022- [قوة بدن الممسوح] # وكل شيء ممسوح البدن، ليس بذي أيد ولا أرجل، فإنه يكون شديد البدن، ~~كالسمكة والحية. ### || 1023- [حىيث في سم الأفعى] # وزعم أحمد بن غالب قال: باعني حواء ثلاثين أفعى بدينارين، وأهدي إلي خمسا ~~اصطادها من قبالة القلب، في تلك الصحارى على شاطئ دجلة. قال: وأردتها ~~للترياق. قال: فقال لي حين جاءني بها: قل لي: من يعالجها؟ قال: فقلت له: ~~فلان الصيدلاني. فقال: ليس عن هذا سألتك، قل لي: من يذبحها ويسلخها؟ قال: ~~قلت: # هذا الصيدلاني بعينه. قال: أخاف أن يكون مغرورا من نفسه. إنه والله إن ~~أخطأ موضع المفصل من قفاه، وحركته أسرع من البرق، فإن كان لا يحسن ولا يدري ~~كيف يتغفله، فينقره نقرة، لم يفلح بعدها أبدا. ولكني سأتطوع لك بأن أعمل ~~ذلك بين يديه. قال: فبعثت ms0552 إليه. وكان رأسه إلى الجونة [2] ، فيغفل الواحدة ~~فيقبض على قفاها بأسرع من الطرف، ثم يذبحها. فإذا ذبحها سال من أفواهها ~~لعاب أبيض، فيقول: هذا هو السم الذي يقتل! قال: فجالت يده جولة، وقطرت من ~~ذلك اللعاب قطرة على طرف قميص الصيدلاني. قال: فتفشى ذلك القاطر حتى صار في ~~قدر الدرهم العظيم. ثم إن الحواء امتحن ذلك الموضع فتهافت في يده، وبقيت ~~الأفاعي مذبحة تجول في الطست ويكدم بعضها بعضا، حتى أمسينا. # قال: وبكرت على أبي رجاء إلى باب الجسر، أحدثه بالحديث، فقال لي وددت أني ~~رأيت موضع القطرة من قميص الصيدلاني! قال: فو الله مارمت حتى مر معي إلى ~~الصيدلاني، فأريته موضعه. # وأصحابنا يزعمون أن لعاب الأفاعي لا يعمل في الدم. إلا أن أحمد بن المثنى ~~PageV04P316 # زعم أن من الأفاعي جنسا لا يضر الفراريج من بين الأشياء، ولا أدري أي ~~الخبرين أبعد: أخبر ابن غالب في تفسيخ الثوب، أو خبر ابن المثنى في سلامة ~~الفروج على الأفعى؟ ### || 1024- [ما تضيء عينه من الحيوان] # وزعم محمد بن الجهم أن العيون التي تضيء بالليل كأنها مصابيح، عيون الأسد ~~والنمور، والسنانير والأفاعي. فبينا نحن عنده إذ دخل عليه بعض من يجلب ~~الأفاعي من سجستان، ويعمل الترياقات، ويبيعها أحياء ومعمولة [1] ، فقال له: # حدثهم بالذي حدثتني به من عين الأفعى. قال: نعم، كنت في منزلي نائما في ~~ظلمة، وقد كنت جمعت رؤوس أفاع كن عندي، لأرمي بها، وأغفلت تحت السرير رأسا ~~واحدا، ففتحت عيني تجاه السرير في الظلمة، فرأيت ضياء إلا أنه ضئيل ضعيف ~~رقيق، فقلت: عين غول أو بعض أولاء السعالى، وذهبت نفسي في ألوان من ~~المعاني، فقمت فقدحت نارا، وأخذت المصباح معي، ومضيت نحو السرير فلم أجد ~~تحته إلا رأس أفعى، فأطفأت السراج ونمت وفتحت عيني، فإذا ذلك الضوء على ~~حاله، فنهضت فصنعت كصنيعي الأول، حتى فعلت ذلك مرارا. قال: فقلت آخر مرة: ~~ما أرى شيئا إلا رأس أفعى، فلو نحيته! فنحيته وأطفأت السراج، ثم رجعت إلى ~~منامي، ففتحت عيني فلم أر الضوء، فعلمت ms0553 أنه من عين الأفعى، ثم سألت عن ذلك، ~~فإذا الأمر حق، وإذا هو مشهور في أهل هذه الصناعة. ### || 1025- [قوة بدن الحية و علة لك] # قال: وربما قبض الرجل الشديد الأسر والقوة القبضة على قفا الحية فتلتف ~~عليه فتصرعه. وفي صعودها وفي سعيها خلف الرجل الشديد الحضر، أو عند هربها ~~حتى تفوت وتسبق، وليست بذات قوائم، وإنما تنساب على بطنها، وفي تدافع ~~أجزائها وتعاونها، وفي حركة الكل من ذات نفسها، دليل على إفراط قوة بدنها. # ومن ذلك أنها لا تمضغ، وإنما تبتلع، فربما كان في البضعة أو في الشيء ~~الذي ابتلعته عظم، فتأتي جذم شجرة، أو حجرا شاخصا [2] فتنطوي عليه انطواء ~~شديدا فيتحطم ذلك العظم حتى يصير رفاتا. PageV04P317 # ثم يقطع ذنبها فينبت. ثم تعيش في الماء، إن صارت في الماء، بعد أن كانت ~~برية، وتعيش في البر بعد أن طال مكثها في الماء وصارت مائية. # قال: وإنما أتتها هذه القوة، واشتدت فقر ظهرها هذه الشدة؛ لكثرة أضلاعها، ~~وذلك أن لها من الأضلاع عدد أيام الشهر. وهي مع ذلك أطول الحيوان عمرا. ### || 1026- [موت الحية] # ويزعمون أن الحية لا تموت حتف أنفها، وإنما تموت بعرض يعرض لها. ومع ذلك ~~فإنه ليس في الحيوان شيء هو أصبر على جوع من حية؛ لأنها إن كانت شابة فدخلت ~~في حائط صخر، فتتبعوا موضع مدخلها بوتد أو بحجر، ثم هدموا هذا الحائط، ~~وجدوها هناك منطوية وهي حية. فالشابة تذكر بالصبر عند هذه العلة. فإن هرمت ~~صغرت في بدنها، وأقنعها النسيم، ولم تشته الطعم. وقد قال الشاعر:- وهو ~~جاهلي [1]-: [من الرجز] # فابعث له من بعض أعراض اللمم ... لميمة من حنش أعمى أصم # قد عاش حتى هو لا يمشي بدم ... فكلما أقصد منه الجوع شم # وهذا القول لهذا المعنى. وفي هذا الوجه يقول الشاعر [2] : [من الرجز] # داهية قد صغرت من الكبر ... صل صفا ما ينطوي من القصر # طويلة الإطاق من غير خفر ... كمطرق قد ذهبت به الفكر [3] # جاء بها الطوفان أيام زخر ### || 1027- [صبرها علي فقد الطعم] # ومن أعاجيبها أنها ms0554 وإن كانت موصوفة بالشره والنهم، وسرعة الابتلاع، فلها ~~في الصبر في أيام الشتاء ما ليس للزهيد. ثم هي بعد مما يصير بها الحال إلى ~~أن تستغني عن الطعم. PageV04P318 ### || 1028- [النمس والثعابين] # ثم قد يزعمون أن بمصر دويبة يقال لها النمس يتخذها الناطور إذا اشتد خوفه ~~من الثعابين؛ لأن هذه الدابة تنقبض وتنضم، تتضاءل وتستدق، حتى كأنها قديدة ~~[1] أو قطعة حبل، فإذا عضها الثعبان وانطوى عليها زفرت، وأخذت بنفسها وزخرت ~~جوفها فانتفخ. فتفعل ذلك وقد انطوى عليها، فتقطعه قطعا من شدة الزخرة. وهذا ~~من أعجب الأحاديث. ### || 1029- [القواتل من الحيات] # والثعابين إحدى القواتل. ويزعمون أنها ثلاثة أجناس لا ينجع فيها رقية ولا ~~حيلة، كالثعبان، والأفعى، والهندية. ويقال: إن ما سواها فإنما يقتل مع ما ~~يمدها من الفزع؛ فقد يفعل الفزع وحده؛ فكيف إذا قارن سمها؟! وسمها إن لم ~~يقتل أمرض. ### || 1030- [ما يفعل الفزع في المسموم] # ويزعمون أن رجلا قال [2] تحت شجرة، فتدلت عليه حية منها فعضت رأسه، ~~فانتبه محمر الوجه، فحك رأسه، وتلفت، فلم ير شيئا، فوضع رأسه ينام، وأقام ~~مدة طويلة لا يرى بأسا، فقال له بعض من كان رأى تدليها عليه ثم تقلصها عنه ~~وهروبها منه: هل علمت من أي شيء كان انتباهك تحت الشجرة؟ قال: لا والله، ما ~~علمت. # قال: بلى، فإن الحية الفلانية نزلت عليك حتى عضت رأسك، فلما جلست فزعا ~~تقلصت عنك وتراجعت. ففزع فزعة وصرخ صرخة كانت فيها نفسه. وكأنهم توهموا أنه ~~لما فزع واضطراب، وقد كان ذلك السم مغمورا ممنوعا فزال مانعه، وأوغله ذلك ~~الفزع، حين تفتحت منافسه، إلى موضع الصميم والدماغ وعمق البدن، فانحل موضع ~~العقد الذي انعقدت عليه أجزاؤه وأخلاطه. # وأنشد الأصمعي: [من الرجز] # نكيثة تنهشه بمنبذ PageV04P319 # وأنشد لأبي دؤاد الإيادي [1] : [من الخفيف] # فأتاني تقحيم كعب لي المن ... طق إن النكيثة الإقحام [2] ### || [أثر الفزع في فعل السم] # قال: فالفزع إما أن يكون يوصل السم إلى المقاتل، وإما أن يكون معينا له، ~~كتعاون الرجلين على نزع وتد. فهم لا يجزمون على أن الحية من القواتل ms0555 البتة، ~~إلا أن تقتل إذا عضت النائم والمغشي عليه، والطفل الغرير، والمجنون الذي لا ~~يعقل، وحتى تجرب عليه الأدوية. ### || 1031- [الترياق وانقلاب الأفعى] # وكنت يوما عند أبي عبد الله أحمد بن أبي دؤاد، وكان عنده سلمويه وابن ~~ماسويه، وبختيشوع بن جبريل، فقال: هل ينفع الترياق من نهشة أفعى؟ فقال ~~بعضهم: إذا عضت الأفعى فأدركت قبل أن تنقلب نفع الترياق، وإن لم تدرك لم ~~ينفع؛ لأنهم إن قللوا من الترياق قتله السم، وإن كثروا منه قتله الفاضل عن ~~مقدار الحاجة. # قلت: فإن ابن أبي العجوز خبرني بأنها ليست تنقلب لمج السم وإفراغه، ولكن ~~الأفعى في نابها عصل [3] ، وإذا عضت استفرغت إدخال الناب كله، وهو أحجن ~~أعصل، فيه مشابه من الشص، فإذا انقلبت كان أسهل لنزعه وسله. فأما لصب السم ~~وإفراغه فلا. قال: والله لعله ما قلت! قلت: ما أسرع ما شككت!!. # ثم قلت له: فكأنما وضعوا الترياق واجتلبوا الأفاعي وضنوا وعزموا على أنه ~~لا ينفع إلا بدرك الأفعى قبل أن تنقلب! وكيف صار الترياق بعد الانقلاب لا ~~يكون إلا في إحدى منزلتين: إما أن يقتل بكثرته، وإما ألا ينفع بقلته! فكأن ~~الترياق ليس نفعه إلا في المنزلة الوسطى التي لا تكون فاضلة ولا ناقصة! ~~ولكني أقول لك: كيف يكون نفعه إذا كان الترياق جيدا قويا، وعوجل فسقي ~~المقدار الأوسط، قبل أن يبلغ الصميم، ويغوص في العمق. وعلى هذا وضع، وهم ~~كانوا أحزم وأحذق من أن يتكلفوا شيئا، ومقداره من النفع لا يوصل إلى ~~معرفته. PageV04P320 # ويقول بعض الحذاق: إن سقي الترياق بعد النهش بساعة أو ساعتين موت ~~المنهوش. # ثم قلت له: وما علمك؟ وبأي سبب أيقنت أنها تمج من جوف نابها شيئا؟! ولعله ~~ليس هنالك إلا مخالطة جوهر ذلك الناب لدم الإنسان! أولسنا قد نجد من ~~الإنسان من يعض صاحبه فيقتله، ويكون معروفا بذلك؟! وقد تقرون أن الهندية ~~والثعبان يقتلان، إما بمخالطة الريق الدم، وإما بمخالطة السن الدم، من غير ~~أن تدعوا أن أسنانهما مجوفة. وقد أجمع جميع أصحاب التجارب أن الحية تضرب ms0556 ~~بقصبة فتكون أشد عليها من العصا. وقد يضرب الرجل على جسده بقضبان اللوز ~~وقضبان الرمان، وقضبان اللوز أعلك [1] وألدن، ولكنها أسلم، وقضبان الرمان ~~أخف وأسخف ولكنها أعطب. # وقد يطأ الإنسان على عظم حية أو إبرة عقرب، وهما ميتتان، فيلقى الجهد. # وقد يخرج السكين من الكير وهو محمى، فيغمس في اللبن فمتى خالط الدم قام ~~مقام السم، من غير أن يكون مج في الدم رطوبة غليظة أو رقيقة. # وبعض الحجارة يكوى بها- وهو رخو- الأورام حتى يفرقها ويحمصها [2] من غير ~~أن يكون نفذ إليها شيء منه، وليس إلا الملاقاة. # قلت: ولعل قوى قد انفصلت من أنياب الأفاعي إلى دماء الناس. وقد رووا أنه ~~قيل لجالينوس: إن ها هنا رجلا يرقي العقارب فتموت، أو تنحل فلا تعمل، فرآه ~~يرقيها ويتفل عليها، فدعا به بحضرة جماعة وهو على الريق، ودعا بغدائه فتغدى ~~معه، ثم دعي له بالعقارب فتفل عليها، فلم يجد لعابه يصنع شيئا إلا أن يكون ~~ريقا. # وهو حديث يدور بين أهل الطب، وأنت طبيب. فلم أره في يومه ذلك قال شيئا ~~إلا من طريق الحزر والحدس، والبلاغات. ### || 1032- [السموم] # وسموم الحيات ذوات الأنياب، والعقارب ذوات الإبر، إنما تعمل في الدم ~~بالإجماد والإذابة. وكذا سموم ذوات الشعر والقرون والجم، إنما تعمل في ~~العصب، ومنها ما يعمل في الدم. PageV04P321 ### || 1033- [شرب المسموم للبن] # وحدثني بعض أصحابنا قال: كنت إما برماي وإما بباري وهما بلاد حيات وأفاع، ~~ونحن في عرس، إذ أدخلوا الخدر العروس فأبطؤوا عليه شيئا، فأغفى وتلوت على ~~ذراعه أفعى، فذهب ينفضها وحجمت على ذراعه- وقد يقال ذلك إذا كانت العضة في ~~صورة شرط الحجام- فصرخ وجاؤوا يتعادون [1] فوجدوها فقتلوها، وسقوه في تلك ~~الليلة لبن أربعين عنزا، كلما استقر في جوفه قعب من ذلك اللبن قاء فيخرج ~~منه كأمثال طلع الفحال [2] الأبيض، فيه طرائق من دسم تعلوه خضرة، حتى ~~استوفى ذلك اللبن كله. قال: فعندها قال شيخ من أهل القرية: إن كنتم أخرجتم ~~ذلك السم فقد أخرجتم نفسه معه! قال: فغبر أياما بأسوإ حال ثم مات. قال: ~~وكنت ms0557 أعجب من سرعة استحالة اللبن وجموده. ### || 1034- [اكتفاء الحيات والضباب بالنسيم] # قلت: والحيات البرية إذا هرمت تنسمت النسيم فاكتفت بذلك، وكذلك الضباب ~~إذا هرمت. # قال: ولا يكون ذلك للمائية من حيات الغياض وشطوط الأنهار، ومناقع المياه. ### || 1035- [الحيات المائية] # قال: والحيات المائية، إما أن تكون برية أو جبلية، فاكتسحتها السيول ~~واحتملتها في كثير من أصناف الحشرات والدواب والسباع، فتوالدت تلك الحيات ~~وتلاقحت هناك. وإما أن تكون كانت أمهاتها وآباؤها في حيات الماء. وكيف دارت ~~الأمور فإن الحيات في أصل الطبع مائية. وهي تعيش في الندى، وفي الماء، وفي ~~البر وفي البحر، وفي الصخر والرمل. ومن طباعها أن ترق وتلطف على شكلين: ~~أحدهما لطول العمر، والآخر للبعد من الريف. وعلى حسب ذلك تعظم في المياه ~~والغياض. ### || [ما أشبه الحيات من السمك] # قال: وكل شيء في الماء مما يعايش السمك، مما أشبه الحيات كالمارماهي ~~والأنكليس فإنها كلها على ضربين: فأحدهما من أولاد الحيات انقلبت بما عرض ~~لها من طباع البلد والماء. والآخر من نسل سمك وحيات تلاقحت؛ إذ كان طباع ~~السمك قريبا من طباع تلك الحيات. والحيات في الأصل مائية، وكلها كانت حيات. ~~PageV04P322 ### || 1036- [قرابة بعض النبات لبعض] # وقد زعم أهل البصرة أن مشان [1] الكوفة قريب من برني [2] البصرة، قلبته ~~البلدة. # ويزعم أهل الحجاز أن نخل النارجيل [3] هو نخل المقل [4] ، ولكنه انقلب ~~لطباع البلدة. وأشباه ذلك كثير. # ويزعمون أن الفيلة مائية الطباع بالجاموسية والخنزيرية التي فيها. ### || 1037- [الذئب والنسيم] # قال: والذئب أيضا، وإن كان عندهم مما لا يجتزي بالنسيم، فإنه من الحيوان ~~الذي يفتح فاه للنسيم؛ ليبرد جوفه من اللهيب الذي يعتري السباع؛ ولأن ذلك ~~يمد قوته، ويقطع عنه ببرودته ولطافته الريق. فإن كان ذا سعر إذا عدا احتشى ~~ريحا. ### || 1038- [ اختلاف صبر الذئب والأسد على الطعام] # وربما جاع الأسد ففعل فعل الذئب، فالأسد والذئب يختلفان في الجوع والصبر؛ ~~لأن الأسد شديد النهم، رغيب حريص شره؛ وهو مع ذلك يحتمل أن يبقى أياما لا ~~يأكل شيئا. والذئب وإن كان أقفر منزلا، وأقل خصبا، وأكثر كدا وإخفاقا، فلا ms0558 ~~بد له من شيء يلقيه في جوفه، فإذا لم يجد شيئا استعار النسيم، [وربما استف ~~التراب] [5] . ### || 1039- [حيلة بعض الجائعين] # والناس إذا جاعوا واشتد جوعهم شدوا على بطونهم العمائم. فإن استقلوا، ~~وإلا شدوا الحجر. ### || 1040- [شعر في الذئب] # وأنشد: [من الطويل] # كسيد الغضا العادي أضل جراءه ... على شرف مستقبل الريح يلحب [6] ~~PageV04P323 # كأنه يجمع استدخال الريح والنسيم، فلعله أن يجد ريح جرائه. # وقال الراجز [1] : [من الرجز] # يستخبر الريح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصفا الموقع [2] ### || 1041- [شم الظليم] # والظليم يكون على بيضه فيشم ريح القانص من أكثر من غلوة، ويبعد عن رئاله ~~فيشم ريحها من مكان بعيد. # وأنشدني يحيى بن نجيم بن زمعة قال [3] : [من الرجز] # أشم من هيق وأهدى من جمل # [4] وأنشدني عمرو بن كركرة: [من الرجز] # ما زال يشتم اشتمام الهيق # قال: وإنما جعله ذئب غضا لأنهم يقولون: ذئب الخمر أخبث. # ويقولون: شيطان الحماطة: يريدون الحية [5] . ### || 1042- [بعض ضروب الحيات] # وكل حية خفيفة الجسم فهي شيطان. والثقال لا تنشط من أرض إلى أرض، وتثقل ~~عما تبلغه المستطيلات الخفاف. وقال طرفة [6] : [من الطويل] # تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... تعمج شيطان بذي خروع قفر PageV04P324 # الكرماني عن أنس- ولا أدري من أنس هذا- في صفة ناقة: [من الطويل] # شناحية فيها شناح كأنها ... حباب بكف الشأو من أسطع حشر [1] # والحباب: الحية الذكر. ### || 1043- [بعض المضاف إلى النبات من الحيوان] # وكما يقولون [2] : ذئب الخمر، يقولون: أرنب الخلة [3] ، وتيس الربل، وضب ~~السحا [3] . والسحا بقلة تحسن حاله من أكلها. # وكذلك يقولون: «ما هو إلا قنفذ برقة» [4] لأنه يكون أخبث له. ### || 1044- [بعض طبايع البلدان] # وذلك كله على قدر طبائع البلدان والأغذية العاملة في طبائع الحيوان. ألا ~~ترى أنهم يزعمون أن من دخل أرض تبت [5] لم يزل ضاحكا مسرورا، من غير عجب ~~حتى يخرج منها. ومن أقام بالموصل حولا ثم تفقد قوته وجد فيها فضلا. ومن ~~أقام بالأهواز حولا فتفقد عقله ذو فراسة وجد النقصان فيه بينا. كما يقال في ~~حمى خيبر، وطحال البحرين، ودماميل الجزيرة، وجرب الزنج. وقال الشماخ [6] : ~~[من الوافر] # كأن نطاة خيبر زودته ms0559 ... بكور الورد ريثة القلوع [7] # وقال أوس بن حجر [8] : [من الطويل] # كأن به إذ جئته خيبرية ... يعود عليه وردها وقلالها [9] PageV04P325 # وقال آخر [1] : [من الرجز] # كأن حمى خيبر تمله # وكذلك القول في وادي جحفة، وفي مهيعة، وفي أصول النخل حيث كان. # وقال عبد الله بن همام السلولي في دماميل الجزيرة [2] : [من الطويل] # أتيح له من شرطة الحي جانب ... غليظ القصيرى لحمه متكاوس # تراه إذا يمضي يحك كأنما ... به من دماميل الجزيرة ناخس # فحدثني أبو زفر الضراري قال [3] : مات ضرار بن عمرو وهو ابن تسعين سنة ~~بالدماميل. قلت: والله إن هذا لعجب! قال: كلا، إنما احتملها من الجزيرة. # وكذلك القول في طواعين الشام. قال أحد بني المغيرة، فيمن مات منهم ~~بطواعين الشام، ومن مات منهم بطعن الرماح أيام تلك المغازي [4] : [من ~~السريع] # من ينزل الشام ويعرس به ... فالشام إن لم يفنه كاذب # أفنى بني ريطة فرسانهم ... عشرين لم يقصص لهم شارب # ومن بني أعمامهم مثلهم ... لمثل هذا عجب العاجب # طعن وطاعون مناياهم ... ذلك ما خط لنا الكاتب ### || 1045- [قدوم عبد الله بن الحسن على عمر بن عبد العزيز وهشام] # قال [5] ولما قدم عبد الله بن الحسن بن الحسن رضي الله عنهم، على عمر بن ~~عبد العزيز- رضي الله عنه- في حوائج له، فلما رأى مكانه بالشام، وعرف سنه ~~وسمته وعقله، ولسانه، وصلاته وصيامه، فلم يكن شيء أحب إليه من ألا يراه أحد ~~من أهل الشام، فقال له: إني أخاف عليك طواعين الشام؛ فإنك لن تغنم أهلك ~~أكثر PageV04P326 # منك، فالحق بهم؛ فإن حوائجك ستسبقك إليهم. ثم قدم على هشام، فكره عبد ~~الله أن يدخل منزل له حتى يأتيه في ثياب سفره؛ مخافة سوء ظنه. فلما أعلمه ~~الحاجب مكانه، ودخل عليه وعاينه، كره أن يقيم بها طرفة عين. قال: اذكر ~~حوائجك. قال: # أحط رحلي وأضع ثياب سفري، وأتذكر حوائجي. قال: إنك لن تجدني في حال خيرا ~~لك مني الساعة! يريد أن القلوب أرق ما تكون إذا تلاقت العيون عن بعد عهد. # وليس ذلك أراد. ### || 1046- [طحال البحرين] # والعامة تنشد ms0560 [1] : [من الطويل] # من يسكن البحرين يعظم طحاله ... ويغبط بما في بطنه وهو جائع # ونظر دكين الراجز، إلى أبي العباس محمد بن ذويب الفقيمي الراجز، وهو غليم ~~مصفر مطحول، وهو يمتح على بكرة ويرتجز. فقال: من هذا العماني؟ فلزمته هذه ~~النسبة [2] . ### || 1047- [جرب الزنج] # وحدثني يوسف الزنجي أنه لا بد لكل من قدم من شق العراق إلى بلاد الزنج ~~ألا يزال جربا، ما أقام بها. وإن أكثر من شرب نبيذها، أو شراب النارجيل، ~~طمس الخمار على عقله، حتى لا يكون بينه وبين المعتوه إلا الشيء اليسير [3] ~~. ### || 1048- [طبيعة المصيصة] # وخبرني كم شئت من الغزاة، أن من أطال الصوم بالمصيصة في أيام الصيف، هاج ~~به المرار. وأن كثيرا منهم قد جنوا عن ذلك الاحتراق [4] . ### || 1049- [طبيعة قصبةالأهواز] # فأما قصبة الأهواز، فإنها قلبت كل من نزلها من بني هاشم إلى كثير من ~~PageV04P327 # طباعهم وشمائلهم، ولا بد للهاشمي، قبيح الوجه كان أو حسنا، أو دميما كان ~~أو بارعا رائعا، من أن يكون لوجهه وشمائله طبائع يبين بها من جميع قريش ~~وجميع العرب. فلقد كادت البلدة أن تنقل ذلك فتبدله، ولقد تخيفته وأدخلت ~~الضيم عليه، وبينت أثرها فيه فما ظنك بصنيعها في سائر الأجناس [1] ؟! ~~ولفساد عقولهم، ولؤم طبع بلادهم، لا تراهم مع تلك الأموال الكثيرة، والضياع ~~الفاشية، يحبون من البنين والبنات ما يحبه أوساط أهل الأمصار على الثروة ~~واليسار، وإن طال ذلك. والمال منبهة كما تعلمون. # وقد يكتسب الرجل، من غيرهم، المويل [2] اليسير، فلا يرضى لولده حتى يفرض ~~له المؤدبين، ولا يرضى لنسائه مثل الذي كان يرضاه قبل ذلك. وليس في الأرض ~~صناعة مذكورة، ولا أدب شريف؛ ولا مذهب محمود، لهم في شيء منه نصيب وإن خس ~~[3] . ولم أر بها وجنة حمراء لصبي ولا صبية، ولا دما ظاهرا ولا قريبا من ~~ذلك. وهي قتالة للغرباء. # وعلى أن حماها خاصة ليست للغريب بأسرع منها إلى القريب. ووباؤها وحماها، ~~في وقت انكشاف الوباء ونزوع الحمى عن جميع البلدان. # وكل محموم في الأرض فإن حماه لا تنزع عنه، ولا تفارقه وفي ms0561 بدنه منها ~~بقية، فإذا نزعت عنه فقد أخذ منها عند نفسه البراءة، إلى أن يعود إلى ~~الخلط، وأن يجمع في جوفه الفساد [4] . # وليست كذلك الأهواز لأنها تعاود من نزعت عنه من غير حدث، كما تعاود أصحاب ~~الحدث؛ لأنهم ليسوا يؤتون من قبل النهم [5] ، ومن قبل الخلط والإكثار، ~~وإنما يؤتون من عين البلدة. # وكذلك جمعت سوق الأهواز الأفاعي في جبلها الطاعن في منازلها، المطل ~~عليها؛ والجرارات [6] في بيوتها ومقابرها ومنابرها. ولو كان في العالم شيء ~~هو شر من PageV04P328 # الأفعى والجرارة، لما قصرت قصبة الأهواز عن توليده وتلقيحه. وبليتها أنها ~~من ورائها سباخ [1] ومناقع مياه غليظة وفيها أنهار تشقها تسايل كنفهم، ~~ومياه أمطارهم ومتوضآتهم. # فإذا طلعت الشمس فطال مقامها، وطالت مقابلتها لذلك الجبل، قبل بالصخرية ~~التي فيه تلك الجرارات. فإذا امتلأت يبسا وحرارة، وعادت جمرة واحدة، قذفت ~~ما قبلت من ذلك عليهم. # وقد تحدث تلك السباخ وتلك الأنهار بخارا فاسدا، فإذا التقى عليهم ما تحدث ~~السباخ وما قذفه ذلك الجبل، فسد الهواء. وبفساد الهواء يفسد كل شيء يشتمل ~~عليه ذلك الهواء. # وحدثني إبراهيم بن عباس بن محمد بن منصور، عن مشيخة من أهل الأهواز، عن ~~القوابل، أنهن ربما قبلن [2] الطفل المولود، فيجدنه في تلك الساعة محموما. # يعرفن ذلك ويتحدثن به. ### || 1050- [عيون الحيات والخطاطيف] # قال: ويعرض لفراخ الحيات مثل الذي يعرض لفراخ الخطاطيف؛ فإن نازعا لو نزع ~~عيون فراخ الخطاطيف، وفراخ الحيات، لعادت بصيرة. ### || 1051- [مفارقة السلحفاة والرق والضفدع للماء] # وزعم أن السلحفاة والرق، والضفدع، مما لا بد له من التنفس، ولا بد لها من ~~مفارقة الماء، وأنها تبيض وتكتسب الطعم وهي خارجة من الماء، وذلك للنسب ~~الذي بينها وبين الضب، وإن كان هذا بريا وهذا بحريا. ### || 1052- [شبه بعض الحيوان البري بنظيره من البحري] # ويزعمون أن ما كان في البر من الضب والورل والحرباء، والحلكاء، وشحمة ~~الأرض، والوزغ والعظاء [3] مثل الذي في البحر من السلحفاة والرق، والتمساح، ~~PageV04P329 # والضفدع، وأن تلك الأجناس البرية وإن اختلفت في أمورها، فإنها قد تتشابه ~~في أمور، وأن هذه الأجناس ms0562 البحرية من تلك، ككلب الماء من كلب الأرض. ### || 1053- [صوم بعض الحيوان] # وقد زعم صاحب المنطق أن الحية وسام أبرص من العظاء، والتمساح، تسكن في ~~أعشتها الأربعة أشهر الشديدة البرد، لا تطعم شيئا، وأن سائر الحيات تسكن ~~بطن الأرض. فأما الأفاعي فإنها تسكن في صدوع الصخر. # وليس لشيء من الحيوان من الصبر عن الطعم ما لهذه الأجناس. وإن الفيل ~~ليناسبها من وجهين: أحدهما من طول العمر، فإن منها ما قد عاش أربعمائة سنة. # والوجه الآخر أن الفيلة مائية وهذه الأجناس مائية وإن كان بعضها لا يسكن ~~الماء. ### || 1054- [داهية الغبر] # قال: وسمعت يونس بن حبيب يقول [1] : «داهية الغبر» # قال [2] : وقيل ذلك لأنها ربما سكنت بقرب ماء، إما غدير وإما عين، فتحمي ~~ذلك الموضع. وربما غبر ذلك الماء في المنقع حينا وقد حمته. وقال الكذاب ~~الحرمازي [3] : [من الرجز] # يا ابن المعلى نزلت إحدى الكبر ... داهية الدهر وصماء الغبر # قال: وسأل الحكم بن مروان بن زنباع، عن بني عبد الله بن غطفان، قال: أفعى ~~إن أيقظتها لسعتك، وإن تركتها لم تضرك. ### || 1055- [نادرة تتعلق بالحيات] # وذكر عن سعيد بن صخر قال: نهش رجل من أهل البادية كثير المال، فأشفى على ~~الموت، فأتاهم رجل فقال: أنا أرقيه، فما تعطوني؟ فشارطوه على ثلاثين درهما، ~~فرقاه وسقاه أشياء ببعض الأخلاط، فلما أفاق قال الراقي والمداوي: حقي! قال ~~الملدوغ: وما حقه، قالوا: ثلاثون درهما. قال أعطيه من مالي ثلاثين درهما في ~~نفثات نفثها، وحمض سقاه! لا تعطوه شيئا! PageV04P330 ### || 1056- [حديث سكر الشطرنجي] # وحدثني بعض أصحابنا عن سكر الشطرنجي، وكان أحمق القاصين، وأحذقهم بلعب ~~الشطرنج، وسألته عن خرق كان في خرمة [1] أنفه فقلت له: ما كان هذا الخرق؟ ~~فذكر أنه خرج إلى جبل [2] يتكسب بالشطرنج، فقدم البلدة وليس معه إلا درهم ~~واحد، وليس يدري أينجح أم يخفق، ويجد صاحبه الذي اعتمده أم لا يجده؟ # فورد على حواء [3] وبين يديه جون [4] عظام فيها حيات جليلة. # والحية إذا عضت لم تكن غايتها النهش أو العض، وأن ترضى بالنهش، ولكنها لا ~~تعض إلا للأكل ms0563 والابتلاع. وربما كانت الحيات عظاما جدا ولا سموم لها، ولا ~~تعقر بالعض، كحيات الجولان. # وفي البادية حية يقال لها الحفاث، والحفاث من الحيات تأكل الفأر وأشباه ~~الفأر، ولها وعيد منكر، ونفخ وإظهار للصولة، وليس وراء ذلك شيء. والجاهل ~~ربما مات من الفزع منها. وربما جمعت الحية السم وشدة الجرح، والعض ~~والابتلاع، وحطم العظم. # فوقف سكر على الحواء وقد أخرج من جونته أعظم حيات في الأرض، وادعى نفوذ ~~الرقية وجودة الترياق، فقال له سكر: خذ مني هذا الدرهم، وارقني رقية لا ~~تضرني معها حية أبدا! قال: فإني أفعل. قال: فأرسل قبل ذلك حية، حتى ترقيني ~~بعد أن تعضني، فإن أفقت علمت أن رقيتك صحيحة. قال: فإني أفعل، فاختر أيتهن ~~شئت. فأشار إلى واحدة مما تعض للأكل دون السم، فقال: دع هذه، فإن هذه إن ~~قبضت على لحمك لم تفارقك حتى تقطعك! قال: فإني لا أريد غيرها. وظن أنه إنما ~~زواها عنه لفضيلة فيها. قال: أما إذ أبيت إلا هذه فاختر موضعا من جسدك حتى ~~أرسلها عليه. فاختار أنفه، فناشده وخوفه، فأبى إلا ذلك أو يرد عليه درهمه. ~~فأخذها الحواء وطواها على يده، كي لا يدعها تنكز [5] فتقطع أنفه من أصله. ~~ثم أرسلها عليه. فلما أنشبت أحد نابيها في شق أنفه صرخ عليه صرخة جمعت عليه ~~أهل تلك PageV04P331 # البلدة، ثم غشي عليه، فأخذ الحواء فوضع في السجن، وقتلوا تلك الحيات، ~~وتركوه حتى أفاق كانه أجن الخلق، فتطوعوا بحمله فحملوه مع المكاري [1] ، ~~وردوه إلى البصرة، وبقي أثر نابها في أنفه إلى أن مات. ### || 1057- ما يغتصب بيت غيره من الحيوان [أظلم من حية] # قال: وأشياء من الحشرات لا تتخذ لنفسها ولا لبيضها ولا أولادها بيوتا، بل ~~تظلم كل ذي جحر جحره، فتخرجه منه، أو تأكله إن ثبت لها. # والعرب تقول للمسيء : «أظلم من حية» # لأن، الحية لا تتخذ لنفسها بيتا. وكل بيت قصدت نحوه هرب أهله منه. وأخلوه ~~لها. ### || 1058- [ عداوةالورل للحيات] # والورل يقوى على الحيات ويأكلها أكلا ذريعا. وكل شدة يلقاها ذو جحر منها ms0564 ~~فهي تلقى مثل ذلك من الورل. والورل ألطف جرما من الضب. # وزعم أنهم يقولون: «أظلم من ورل» [2] كما يقولون: «أظلم من حية» [3] ، ~~وكما يقولون: «أظلم من ذئب» [4] ويقولون: «من استرعى الذئب ظلم» [5] . ### || 1059- [الورل والضب] # وبراثن الورل أقوى من براثن الضب. والضباب تحفر جحرتها في الكدى [6] . # والورل لا يحفر لنفسه بل يخرج الضب من بيته. فتزعم الأعراب أنه إنما صار ~~لا يحفر لنفسه إبقاء على براثنه. ويمنع الحية أن تحفر بيتها أن أسنانها أكل ~~من أسنان الفأر ومن التي تحفر بالأفواه والأيدي، كالنمل والذر وما أشبه ~~ذلك. والحية لا ترى أن تعاني ذلك، وحفر غيرها ومعاناته يكفيها. PageV04P332 ### || 1060- [شعر في ظلم الحية] # وفي ضرب المثل بظلم الحية، يقول مضرس بن لقيط [1] : [من الطويل] # لعمرك إني لو أخاصم حية ... إلى فقعس ما أنصفتني فقعس # إذا قلت مات الداء بيني وبينهم ... سعى حاطب منهم لآخر يقبس # فما لكم طلسا إلي كأنكم ... ذئاب الغضا والذئب بالليل أطلس [2] # وجعله أطلس؛ لأنه حين تشتد ظلمة الليل فهو أخفى له، ويكون حينئذ أخبث له ~~وأضرى. # وقال حريز بن نشبة العدوي، لبني جعفر بن كلاب، وضرب جور الحية والذئب في ~~الحكم مثلا، فقال [3] : [من البسيط] # كأنني حين أحبو جعفرا مدحي ... أسقيهم طرق ماء غير مشروب [4] # ولو أخاصم أفعى نابها لثق ... أو الأساود من صم الأهاضيب [5] # لكنتم معها إلبا، وكان لها ... ناب بأسفل ساق أو بعرقوب [6] # ولو أخاصم ذئبا في أكيلته ... لجاءني جمعكم يسعى مع الذيب [7] ### || 1061- [فم الأفعى] # قال: والحية واسعة الشحو والفم، لها خطم، ولذلك ينفذ نابها. وكذلك كل ذي ~~فم واسع الشحو، كفم الأسد. فإذا اجتمع له سعة الشحو وطول اللحيين، وكان ذا ~~خطم وخرطوم فهو أشد له؛ كالخنزير، والذئب والكلب. ولو كان لرأس الحية عظم ~~كان أشد لعضتها، ولكنه جلد قد أطبق على عظمين رقيقين مستطيلين بفكها الأعلى ~~والأسفل. ولذلك إذا أهوى الرجل بحجر أو عصى، رأيتها تلوي رأسها وتحتال ~~PageV04P333 # في ذلك، وتمنعه بكل حيلة، لأنها تعلم وتحس بضعف ذلك الموضع منها، وهو ~~مقتل. وما أكثر ما ms0565 يكون في أعناقها تخصير [1] ، ولتندورها أغباب [2] ، وذلك ~~في الأفاعي أعم. وذلك الموضع المستدق [1] إنما هو شيء كهيئة الخريطة، ~~وكهيئة فم الجراب، منضم الأثناء، مثنى الغضون. فإذا شئت أن تفتح انفتح لك ~~فم واسع. # ولذلك قال إبراهيم بن هانئ: كان فتح فم الجراب يحتاج إلى ثلاثة أيد، ~~ولولا أن الحمالين قد جعلوا أفواههم بدل اليد الثالثة لقد كان ذلك ممتنعا ~~حتى يستعينوا بيد إنسان. # وهذا مما يعد في مجون ابن هانئ. # وكذلك حلوق الحيات وأعناقها وصدورها، قد تراها فتراها في العين دقيقة، ~~ولا سيما إذا أفرطت في الطول. ### || 1062- [شراهة الحية والأسد] # وهي تبتلع فراخ الحمام. والحية أنهم وأشره من الأسد. والأسد يبلع البضعة ~~العظيمة من غير مضع، وذلك لما فيه من فضل الشره. وكذلك الحية. وهما واثقان ~~بسهولة وسعة المخرج. ### || 1063- [تنين أنطاكية] # ومما عظمها وزاد في فزع الناس منها، الذي يرويه أهل الشام، وأهل البحرين، ~~وأهل أنطاكية، وذلك أني رأيت الثلث الأعلى من منارة مسجد أنطاكية أظهر جدة ~~من الثلثين الأسفلين، فقلت لهم: ما بال هذا الثلث الأعلى أجد وأطرى؟ قالوا: ~~لأن تنينا [3] ترفع من بحرنا هذا، فكان لا يمر بشيء إلا أهلكه، فمر على ~~المدينة في الهواء، محاذيا لرأس هذه المنارة، وكان أعلى مما هي عليه، فضربه ~~بذنبه ضربة، حذفت من الجميع أكثر من هذا المقدار، فأعادوه بعد ذلك، ولذلك ~~اختلف في المنظر. ### || [الخلاف في التنين] # ولم يزل أهل البقاع يتدافعون أمر التنين. ومن العجب أنك تكون في مجلس ~~PageV04P334 # وفيه عشرون رجلا، فيجري ذكر التنين فينكره بعضهم. وأصحاب التثبت يدعون ~~العيان. والموضع قريب، ومن يعاينه كثير. وهذا اختلاف شديد. ### || 1064- [قول الاعراب في الاصله] # والأعراب تقول في الأصلة قولا عجيبا: تزعم أن الحية التي يقال لها الأصلة ~~لا تمر بشيء إلا احترق. مع تهاويل كثيرة، وأحاديث شنيعة. ### || 1065-[الأجدهاني] # وتزعم الفرس أن # الأجدهاني # أعظم من البعير، وأن لها سبعة رؤوس، وربما لقيت ناسا فتبتلع من كل جهة فم ~~ورأس إنسانا. وهو من أحاديث الباعة والعجائز. ### || 1066- [الحية ذات الرأسين] # وقد زعم صاحب المنطق ms0566 أنه قد ظهرت حية لها رأسان. فسألت أعرابيا عن ذلك ~~فزعم أن ذلك حق. فقلت له: فمن أي جهة الرأسين تسعى؟ ومن أيهما تأكل وتعض؟ ~~فقال: فأما السعي فلا تسعى، ولكنها تسعى إلى حاجتها بالتقلب، كما يتقلب ~~الصبيان على الرمل. وأما الأكل فإنها تتعشى بفم وتتغدى بفم. وأما العض ~~فإنها تعض برأسيها معا!! فإذا به أكذب البرية. وهذه الأحاديث كلها، مما ~~يزيد في الرعب منها، والاستهالة لمنظرها. ### || 1067- [فرانق الأسد] # ومثل شأن التنين مثل أمر # | فرانق [1] الأسد، # فإن ذكره يجري في المجلس، فيقول بعضهم: أنا رأيته وسمعته! ### || 1068- [فزع الناس من الحية] # وربما زاد في الرعب منها والاستهالة لمنظرها قول جميع المحدثين: إن من ~~أعظم ما خلق الله الحية والسرطان والسمك! ### || 1069- [طول عمر الحية] # وتقول الأعراب: إن الحية أطول عمرا من النسر، وإن الناس لم يجدوا حية قط ~~ماتت حتف أنفها، وإنما تموت بالأمر يعرض لها. وذلك لأمور؛ منها قولهم: إن ~~فيها شياطين، وإن فيها من مسخ، وإن إبليس إنما وسوس إلى آدم وإلى حواء من ~~جوفها. PageV04P335 ### || زعم الفضل بن إسحاق # وزعم لي الفضل بن إسحاق، أنه كان لأبيه نخان [1] ، وأن طول كل نخ تسعة ~~عشر ذراعا. ### || 1070- [ضروب الحيات] # ومن الحيات الجرد والزعر، وذلك فيها من [الغالب] [2] . # ومنها ذوات شعر، ومنها ذوات قرون. وإنما يتخلق لها في كل عام قشر وغلاف ~~[فهي تسلخ القشور الناعمة والغلف، التي على مقادير أجسادها، وإنما يستدل ~~بالقشور، فأما الجلود فإن أبدانها لا تفارقها إلا بسلخ السكين] [3] . ### || 1071- [انسلاخ جلد الإنسان] # وأما الجلود فإن الأرميني زعم أنه كان عندهم رجل ينقشر من جلده وينسلخ في ~~كل شهر مرة. قال فجمع ذلك فوجد فيه ملء جراب أو قال: أكثر. ### || 1072- [علة الفزع من الحية] # وأما الذي لا أشك في أنه قد زاد في أقدارها في النفوس، وعظم من أخطارها، ~~وهول من أمرها، ونبه على ما فيها من الآية العجيبة والبرهان النير، والحجة ~~الظاهرة، فما في قلب العصا حية، وفي ابتلاعها ما هول به القوم وسحروا من ~~أعين الناس، وجاؤوا به ms0567 من الإفك. قال الله عز وجل: وقال موسى يا فرعون إني ~~رسول من رب العالمين حقيق على أن لا أقول على الله إلا الحق قد جئتكم ببينة ~~من ربكم فأرسل معي بني إسرائيل قال إن كنت جئت بآية فأت بها إن كنت من ~~الصادقين. فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين # [4] ، إلى قوله: فألقوا حبالهم وعصيهم # [5] . # فإن قلت: إنه إنما حول العصا ثعبانا لأنهم جاؤوا بحبال وعصي؛ فحولوها في ~~أعين الناس كلها حيات، فلذلك قلب الله العصا حية على هذه المعارضة. ولو ~~كانوا PageV04P336 # حين سحروا أعين الناس جعلوا حبالهم وعصيهم ذئابا في أعين الناس ونمورا، ~~لجعل الله عصا موسى ذئبا أو نمرا، فلم يكن ذلك لخاصة في بدن الحية. # قلنا: الدليل على باطل ما قلتم، قول الله تعالى: وما تلك بيمينك يا موسى. # قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي فيها مآرب أخرى قال ~~ألقها يا موسى فألقاها فإذا هي حية تسعى # [1] وقال الله عز وجل: إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا # [2] إلى قوله: وألق عصاك فلما رآها تهتز كأنها جان ولى مدبرا ولم يعقب يا ~~موسى لا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون # [3] فقلبت العصا جانا، وليس هناك حبال ولا عصي. وقال الله: قال لئن اتخذت ~~إلها غيري لأجعلنك من المسجونين قال أولو جئتك بشيء مبين قال فأت به إن كنت ~~من الصادقين فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين # [4] فقلب العصا حية كان في حالات شتى. فكان هذا مما زاد في قدر الحية. # وقد ورد أنه صلى الله عليه وسلم قال في دعائه أن لا يميته الله لديغا [5] ~~. وتأويل ذلك: أنه صلى الله عليه وسلم ما استعاذ بالله من أن يموت لديغا، ~~وأن تكون ميتته بأكل هذا العدو، إلا وهو من أعداء الله، بل من أشدهم عداوة. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أشد الناس عذابا بوم القيامة من قتل ~~نبيا أو قتله نبي» كأنه كان في المعلوم أن النبي لا يقتل أحدا، ولا يتفق ~~ذلك ms0568 إلا في أشرار الخلق. ويدل على ذلك، الذي اتفق من قتل أبي بن خلف بيده، ~~والنضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط، ومعاوية بن المغيرة بن أبي العاصي- ~~صبرا [6] . # وحدثت عن عبد الله بن أبي هند، قال: حدثني صيفي بن أبي أيوب، أنه سمع أبا ~~بشير الأنصاري يقول: «كان رسول صلى الله عليه وسلم يتعوذ من هؤلاء السبع: ~~كان يقول: # اللهم إني أعوذ بك من الهدم [7] وأعوذ بك من التردي، وأعوذ بك من الغم ~~PageV04P337 # والغرق [1] ، وأعوذ بك من الحرق والهرم، وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند ~~الموت وأعوذ بك من أن أموت في سبيلك مدبرا، وأعوذ بك من أن أموت لديغا» [2] ~~. # وطلحة بن عمرو قال: حدثني عطاء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان ~~يقول: «اللهم إني أعوذ بك من الأسد والأسود، وأعوذ بك من الهدم» [3] . ### || 1073- [استطراد لغوي] # قال: ويقال للحية: صفرت تصفر صفيرا، والرجل يصفر بالطير للتنفير، ~~وبالدواب وببعض الطير للتعليم. وتتخذ الصفارة يصفر بها للحمام وللطير في ~~المزارع. قال أعشى همدان يهجو رجلا: [من الكامل] # وإذا جثا للزرع يوم حصاده ... قطع النهار تأوها وصفيرا ### || 1074- [لسان الحية] # والحية مشقوقة اللسان سوداؤه. وزعم بعضهم أن لبعض الحيات لسانين. وهذا ~~عندي غلط، وأظن أنه لما رأى افتراق طرف اللسان قضى بأن له لسانين. ### || 1075- [عجيبة للضب] # ويقال: إن للضب أيرين، ويسمى أير الضب نزكا. قال الشاعر [4] : [من ~~الطويل] # كضب له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في الأنام وناعل [5] # قال أبو خلف النمري: سئل أبو حية النميري عن أير الضب، فزعم أن أير الضب ~~كلسان الحية: الأصل واحد، الفرع اثنان. PageV04P338 ### || 1076- [زعم بعض المفسرين في عقاب الحية] # وبعض أصحاب التفسير يزعم أن الله عاقب الحية حين أدخلت إبليس في جوفها، ~~حتى كلم آدم وحواء وخدعهما على لسانها، ببشر خصال: منها شق اللسان. # قالوا: فلذلك ترى الحية إذا ضربت للقتل كيف تخرج لسانها لتري الضارب ~~عقوبة الله، كأنها تسترحم. وصاحب هذا التفسير لم يقل ذلك إلا لحية كانت ~~عنده تتكلم، ولولا ذلك لأنكر آدم ms0569 كلامها، وإن كان إبليس لا يحتال إلا من ~~جهة الحية، ولا يحتال بشيء غير مموه ولا مشبه. ### || 1077- [استطراد لغوي] # قال: ويقال: أرض محواة ومحياة من الحيات، كما يقال أرض مضبة وضببة من ~~الضباب، وفائرة من الفأر. ### || 1078- قولهم: هذا أجل من الحرش! # [هذا أجل من الحرش] # وقال الأصمعي في تفسير قولهم في المثل # : «هذا أجل من الحرش» # [1] : إن الضب قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجن! قال: وذلك أنهم ~~يزعمون أن الحرش تحريك اليد عند جحر الضب، ليخرج إذا ظن أنه حية- قال: وسمع ~~ابنه صوت الحفر فقال: يا أبه هذا الحرش؟ قال: يا بني، هذا أجل من الحرش! ~~فأرسلها مثلا. ### || 1079- [أسماء ما يأكل الحيات] # بين الحيات وبين الخنازير عداوة، والخنازير تأكلها أكلا ذريعا. وسموم ~~ذوات الأنياب من الحيات، وذوات الإبر، سريعة في الخنازير، وهي تهلك عند ذلك ~~هلاكا وشيكا، فلذلك لا ترضى بقتلها حتى تأكلها. وتأكل الحيات العقبان، ~~والأيائل، والأراوي، والأوعال، والسنانير والشاهمرك [2] ، والقنفذ. إلا أن ~~القنفذ أكثر ما يقصد إلى الأفاعي، وإنما يظهر بالليل. قال الراجز: [من ~~الرجز] # قنفذ ليل دائم التجآب # وهذا الراجز هو أبو محمد الفقعسي. PageV04P339 ### || 1080- [التشبيه بالقنفذ] # وكذلك يشبه النمام، والمداخل، والدسيس، بالقنفذ، لخروجه بالليل دون ~~النهار، ولاحتياله للأفاعي. قال عبدة بن الطبيب [1] : [من الكامل] # اعصوا الذي يلقي القنافذ بينكم ... متنصحا وهو السمام الأنقع # يزجي عقاربه ليبعث بينكم ... حربا كما بعث العروق الأخدع [2] # حران لا يشفي غليل فؤاده ... عسل بماء في الإناء مشعشع [3] # لا تأمنوا قوما يشب صبيهم ... بين القوابل بالعداوة ينشع [4] # وهذا البيت الآخر يضم إلى قول مجنون بني عامر [5] : [من الطويل] # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # ويضم إليه قول ابن أود: «الطينة تقبل الطبائع ما كانت لينة» . # ثم قال عبدة بن الطبيب [6] ، في صلة الأبيات التي ذكر فيها القنفذ ~~والنميمة: # [من الكامل] # إن الذين ترونهم خلانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا # قوم إذا دمس الظلام عليهم ... جذعوا قنافذ بالنميمة تمزع # وهذا الشعر من غرر الأشعار. وهو مما يحفظ. # وقال ms0570 الأودي [7] : [من البسيط] # كقنفذ القن لا تخفى مدارجه ... خب إذا نام عنه الناس لم ينم [8] ~~PageV04P340 ### || [عهد آل سجستان علي العرب] # وفي عهد آل سجستان على العرب حين افتتحوها [1] : لا تقتلوا قنفذا ولا ~~ورلا ولا تصيدوا، لأنها بلاد أفاع. وأكثر ما يجتلب أصحاب صنعة الترياق ~~والحواؤون الأفاعي من سجستان. وذلك كسب لهم وحرفة ومتجر. ولولا كثرة ~~قنافذها لما كان لهم بها قرار. ### || [أكل القنفذ للحية] # والقنفذ لا يبالي أي موضع قبض من الأفعى. وذلك أنه إن قبض على رأسها أو ~~على قفاها فهي مأكولة على أسهل الوجوه، وإن قبض على وسطها أو على ذنبها، ~~جذب ما قبض عليه، فاستدار وتجمع، ومنحه سائر بدنه، فمتى فتحت فاها لتقبض ~~على شيء منه، لم تصل إلى جلده مع شوكه النابت فيه. والأفعى تهرب منه، وطلبه ~~لها وجراءته عليها، على حسب هربها منه وضعفها عنه. ### || 1081- [أمثال في الحية والورل والضب] # وأما قولهم: «أضل من حية» ؛ و «أضل من ورل» ؛ [2] و «أضل من ضب» [2] . # فأما الحية فإنها لا تتخذ لنفسها بيتا، والذكر لا يقيم في الموضع، وإنما ~~يقيم على بيضها بقدر ما تخرج فراخها وتقوى على الكسب والتماس الطعم، ثم ~~تصير الأنثى سيارة، فمتى وجدت جحرا دخلت واثقة بأن الساكن فيه بين أمرين: ~~إما أقام فصار طعما لها، وإما هرب فصار البيت لها ما أقامت فيه ساعة، كان ~~ذلك من ليل أو نهار. ### || 1082- [بيض الحيات] # وقد رأيت بيض الحيات وكسرتها لأتعرف ما فيها. فإذا هو بيض مستطيل أكدر ~~اللون أخضر، وفي بعضه نمش [3] ولمع [4] . فأما داخله فلم أرقيحا قط، ولا ~~صديدا خرج من جرح فاسد، إلا والذي في بيضها أسمج منه وأقذر. ويزعمون أنها ~~كثيرة البيض جدا، وأن السلامة في بيضها على دون ذلك، وأن بيضها يكون منضدا ~~في جوفها طولا على غرار واحد، وعلى خيط واحد. ### || [جسم الحية] # وهي طويلة البطن والأرحام. وعدد أضلاعها عدد أيام الشهر. وكان ذلك بعض ما ~~زاد في شدة بدنها. PageV04P341 ### || 1083- [أكثر الحيوان نسلا] # والخلق الكثير الذرء [1] الدجاج. والضب أكثر بيضا ms0571 من الدجاجة. والخنزيرة ~~تضع عشرين خنوصا. # ويخرج من أجواف العقارب عقارب صغار، كثيرة العدد جدا. وعامة العقارب إذا ~~حبلت كان حتفها في ولادها، لأن أولادها إذا استوى خلقها أكلت بطون الأمهات ~~حتى تثقبها. وتكون الولادة من ذلك الثقب، فتخرج ولأمهات ميتة. # وأكثر من ذلك كله ذرء السمك، لأن الإنسان لو زعم أن بيضة واحدة من بعض ~~الأسبور عشرة آلاف بيضة، لكان ذلك لعظم ما تحمل، ولدقة حبه وصغره. ولكن ~~يعتريها أمران: أحدهما الفساد، والآخر أن الذكورة في أوان ولادة الإناث ~~تتبع أذنابها، فكلما زحرت بشيء التقمته والتهمته. # ثم السمك بعد ذلك في الجملة إنما طبعها أن يأكل بعضها بعضا. ### || 1084- [علة كثرة الأولاد] # ويزعمون أن الكثرة في الأولاد إنما تكون من العفن واللخن [2] ، وعلى قدر ~~كثرة المائية وقلتها. فذهبوا إلى أن أرحام الروميات والنصرانيات أكثر لخنا ~~ورطوبة، لأن غسل الفروج بالماء البارد مرارا في اليوم، مما يطيب الأرحام، ~~وينفي اللخن [2] والعفن، ويزعمون أن المرأة إذا كان فرجها نظيفا، وكانت ~~معطرة قوية المنة [3] قل حملها، فإن أفرطت في السمن عادت عاقرا. وسمان ~~الرجال لا يكاد يعتريهم ذلك. # وكذلك العاقر من إناث الإبل والبقر والغنم والنخل. إذا قويت النخلة وكانت ~~شابة، وسمن جمارها، صارت عاقرا لا تحمل، فيحتالون عند ذلك بإدخال الوهن ~~عليها. ### || 1085- [اعتراض علي التعليل السابق] # وقد طعن في ذلك ناس فقالوا: إن في الضب على خلاف ما ذكرتم. قد تبيض ~~الأنثى سبعين بيضة فيها سبعون حسلا [4] . ولولا أن الضب يأكل ولده لانتفشت ~~PageV04P342 # الصحارى ضبابا. والضب لا يحفر إلا في كدية [1] وفي بلاد العراد [2] . ~~وإذا هرمت تبلغت بالنسيم. وهذا كله مما يستدل به على بعد طبعها من اللخن ~~والعفن. # وقيل لهم: قد يمكن أن يكون ذلك كذلك في جميع صفاتها إلا في أرحامها فقط. ### || 1086- [سفاد الحيات] # وليس للحيات سفاد معروف ينتهي إليه علم، ويقف عليه عيان. وليس عند الناس ~~في ذلك إلا الذي يرون من ملاقاة الحية للحية، والتواء كل منهما على صاحبه، ~~حتى كأنهما زوج خيزران مفتول، أو خلخال مفتول. فأما ms0572 أن يقفوا على عضو يدخل ~~أو فرج يدخل فيه فلا. ### || 1087- [ذكر الأيم والجرادة الذكر في الشعر] # والعرب تذكر الحيات بأسمائها وأجناسها. فإذا قالوا: أيم، فإنما يريدون ~~الذكر دون الأنثى. ويذكرونه عند جودة الانسياب، وخفة البدن، كما تذكر ~~الشعراء في صفة الخيل الجرادة الذكر، دون الأنثى. فهم وإن ألحقوا لها فإنما ~~يريدون الذكر. قال بشر بن أبي خازم [3] : [من الوافر] # جرادة هبوة فيها اصفرار # لأن الأنثى لا تكون صفراء، وإنما الموصوف بالصفرة الذكر، لأن الأنثى تكون ~~بين حالتين: إما أن تكون حبلى ببيضها فهي مثقلة، وإما أن تكون قد سرأت [4] ~~وقذفت بيضها، فهي أضعف ما تكون. # قال الشاعر [5] : [من الطويل] # أتذهب سلمى في اللمام ولا ترى ... وفي الليل أيم حيث شاء يسيب [6] ~~PageV04P343 ### || 1088- [آثار الحيات والعظاء في الرمال] # وإذا انسابت في الكثبان والرمل، يبين مواضع مزاحفها، وعرفت آثارها. # وقال آخر [1] : [من الوافر] # كأن مزاحف الحيات فيها ... قبيل الصبح آثار السياط # وكذلك يعرفون آثار العظاء. وأنشد ابن الأعرابي: [من الطويل] # بها ضرب أذناب العظاء كأنها ... ملاعب ولدان تخط وتمصع [2] # وقال الآخر، وهو يصف حيات [3] : [من المتقارب] # كأن مزاحفها أنسع ... جررن فرادى ومثناتها # وقال ثمامة الكلبي [4] : [من الوافر] # كأن مزاحف الهزلى صباحا ... خدود رصائع جدلت تؤاما # والهزلى من الحيات. قال جرير أو غيره [5] : [من الطويل] # ومن ذات أصفاء سهوب كأنها ... مزاحف هزلى بينها متباعد [6] # وقال بعض المحدثين، وذكر حال البرامكة كيف كانت، وإلى أي شيء صارت: [من ~~الكامل] # وإذا نظرت إلى الترى بعراصهم ... قلت: الشجاع ثوى بها والأرقم # وقال البعيث [7] : [من الطويل] # لقى حملته أمة وهي ضيفة ... فجاءت بيتن للضيافة أرشما [8] PageV04P344 # مدامن جوعات كأن عروقه ... مسارب حيات تسربن سمسما [1] ### || 1089- [أعجوبة جلد الحية] # [وليس في الأرض قشر ولا ورقة] [2] ، ولا ثوب، ولا جناح، ولا ستر عنكبوت، ~~إلا وقشر الحية أحسن منه وأرق، وأخف وأنعم، وأعجب صنعة وتركيبا. # ولذلك وصف كثير قميص ملك، فشبهه بسلخ الحية، حيث يقول [3] : [من الطويل] # إذا ما أفاد المال أودى بفضله ... حقوق، فكره العاذلات يوافقه # يجرر سربالا عليه كأنه ... سبيء لهزلى ms0573 لم تقطع شرانقه [4] # والسبيء: السلخ والجلد. قال الشاعر [5] : [من الطويل] # وقد نصل الأظفار وانسبأ الجلد ### || 1090- [صمم النعام والأفعى] # وترعم العرب أن النعام والأفعى صم لا تسمع، وكذلك هما من بين جميع الخلق. ~~وسنذكر من ذلك في هذا الموضع طرفا، ونؤخر الباقي إلى الموضع الذي نذكر فيه ~~جملة القول في النعام. ### || [أصحاب الدعاوي الكبيرة] # وقد ابتلينا بضربين من الناس، ودعواهما كبيرة، أحدهما يبلغ من حبه ~~للغرائب أن يجعل سمعه هدفا لتوليد الكذابين، وقلبه قرارا لغرائب الزور. ~~ولكلفه بالغريب، وشغفه بالطرف، لا يقف على التصحيح والتمييز، فهو يدخل الغث ~~في السمين، والممكن في الممتنع، ويتعلق بأدنى سبب ثم يدفع عنه كل الدفع. # والصنف الآخر، وهو أن بعضهم يرى أن ذلك لا يكون منه عند من يسمعه يتكلم ~~إلا من خاف التقزز من الكذب. ### || [قول في صمم الأفعي و عماه] # فزعم ناس أن الدليل على أن الأفاعي صم، قول الشاعر: [من الرجز] # أنعت نضناضا من الحيات ... أصم لا يسمع للرقاة [6] PageV04P345 # قد ذكروا بالصمم أجناسا من خبيثات الحيات، وذهبوا إلى امتناعها من الخروج ~~عند رقية الراقي عند رأس الجحر، فقال بعضهم: [من الرجز] # وذات قرنين من الأفاعي ... صماء لا تسمع صوت الداعي # ويزعمون أن كل نضناض أفعى. وقال آخر [1] : [من المتقارب] # ومن حنش لا يجيب الرقا ... ة أرقش ذي حمة كالرشا [2] # أصم سميع طويل السبا ... ت منهرت الشدق عاري النسا [3] # فزعم أنه أصم سميع، فجاز له أن يجعله أصم بقوله: «ومن حنش لا يجيب ~~الرقاة» وقال الآخر [4] : [من السريع] # أصم أعمى لا يجيب الرقى ... يفتر عن عصل حديدات [5] # والأفعى ليس بأعمى، وعينه لا تنطبق، وإن قلعت عينه عادت. وهو قائم العين ~~كعين الجرادة، كأنها مسمار مضروب. ولها بالليل شعاع خفي. قال الراعي يصف ~~الأفعى: [من الطويل] # ويدني ذراعيه إذا ما تبادرا ... إلى رأس صل قائم العين أسفع # وهذه صفة سليم الأفعى، فيجوز أن يكون الشاعر وصفها بالتمنع من الخروج ~~بالصمم، كما وصفها بالعمى، لمكان السبات وطول الإطراق. # قال الشاعر [6] : [من المتقارب] # أصم سميع طويل ms0574 السبات ... منهرت الشدق عاري القرا # وقال آخر: [من السريع] # منهرت الشدق رقود الضحى ... سار طمور بالدجنات [7] PageV04P346 # وتارة تحسبه ميتا ... من طول إطراق وإخبات [1] # يسبته الصبح وطورا له ... نفخ ونفث في المغارات # ويعلم أنه وصف أفعى بقوله: [من السريع] # أصم أعمى لا يجيب الرقى ... يفتر عن عصل حديدات # منهرت الشدق رقود الضحى # «الخ» ثم ذكر أنيابه، فقال: # قدمن عن ضرسيه واستأخرا ... إلى صماخين ولهوات # فجعله أعصل الأنياب، منهرت الأشداق، ثم وصفها بالسبات وطول الإطراق، ~~وبسرعة النشطة [2] ، وخفة الحركة، إذا همت بذلك وكانت تعظم. ### || 1091- [شعر امرأة في صفة الحية] # وقد وصفتها امرأة جاهلية بجميع هذه الصفة، إلا أنها زادت شيئا. والشعر ~~صحيح. وليس في أيدي أصحابنا من صفة الأفاعي مثلها. # وقد رأيت عند داود بن محمد الهاشمي كتابا في الحيات، أكثر من عشرة أجلاد، ~~ما يصح منها مقدار جلد ونصف. # ولقد ولدوا على لسان خلف الأحمر، والأصمعي، أرجازا كثيرة. فما ظنك ~~بتوليدهم على ألسنة القدماء! ولقد ولدوا على لسان جحشويه في الحلاق أشعارا ~~ما قالها جحشويه قط. فلو تقذروا من شيء تقذروا من هذا الباب. # والشعر الذي في الأفعى [3] : [من الكامل] # قد كاد يقتلني أصم مرقش ... من حبكم، والخطب غير كبير # خلقت لهازمه عزين ورأسه ... كالقرص فلطح من دقيق شعير # ويدير عينا للوقاع كأنها ... سمراء طاحت من نفيض برير PageV04P347 # وكأن ملقاه بكل تنوفة ... ملقاك كفة منخل مأطور [1] # وكأن شدقيه إذا استعرضته ... شدقا عجوز مضمضت لطهور # فقد زعمت [2] كما ترى أنها تدير عينا، وزعم الأول أنها قائمة العين [3] . ~~إلا أن تزعم أنها لم ترد بالإدارة أن مقلتها تزول عن موضعها، ولكنها أرادت ~~أنها جوالة في إدراك الأشخاص، البعيدة والقريبة، والمتيامنة والمتياسرة وقد ~~يجوز أن يكون إنما جعلها سميعة لدقة الحس، وكثرة الاكتراث وجودة الشم، لا ~~جودة السمع؛ فإن الذين زعموا أن النعامة صماء زعموا أنها تدرك من جهة الشم ~~والعين، جميع الأمور التي كانت تعرفها من قبل السمع لو كانت سميعة. وقد قال ~~الشاعر في صفة الحية [4] : [من البسيط] # تهوي إلى الصوت والظلماء ms0575 عاكفة ... تعرد السيل لاقى الحيد فاطلعا [5] # هذا بعد أن قال: # إني وما تبتغي مني كملتمس ... صيدا وما نال منه الري والشبعا # أهوى إلى باب جحر في مقدمه ... مثل العسيب ترى في رأسه نزعا # اللون أربد والأنياب شابكة ... عصل ترى السم يجري بينها قطعا [6] # أصم ما شم من خضراء أيبسها ... أو شم من حجر أوهاه فانصدعا # فقد جعل لها أنيابا عصلا، ووصفها بغاية الخبث، وزعم أنها تسمع. فهؤلاء ~~ثلاثة شعراء. ### || 1092- [الثقة بالعلماء] # فإن قلت: إن المولد لا يؤمن عليه الخطأ، إذ كان دخيلا في ذلك الأمر، وليس ~~كالأعرابي الذي إنما يحكي الموجود الظاهر له، الذي عليه نشأ، وبمعرفته غذي. ~~PageV04P348 # فالعلماء الذين اتسعوا في علم العرب، حتى صاروا إذا أخبروا عنهم بخبر ~~كانوا الثقات فيما بيننا وبينهم، هم الذين نقلوا إلينا. وسواء علينا جعلوه ~~كلاما وحديثا منثورا، أو جعلوه رجزا وقصيدا موزونا. # ومتى أخبرني بعض هؤلاء بخبر لم أستظهر عليه بمسألة الأعراب. ولكنه إن ~~تكلم وتحدث، فأنكرت في كلامه بعض الإعراب، لم أجعل ذلك قدوة حتى أوقفه ~~عليه، لأنه ممن لا يؤمن عليه اللحن الخفي قبل التفكر. فهذا وما أشبهه حكمه ~~خلاف الأول. ### || 1093- [الرقية] # والرقية تكون على ضروب: فمنها الذي يدعيه الحواء والرقاء؛ وذلك يشبه ~~بالذي يدعي ناس من العزائم على الشياطين والجن، وذلك أنهم يزعمون أن في تلك ~~الرقية عزيمة لا يمتنع منها الشيطان، فكيف العامر [1] ؟! وأن العامر إذا ~~سئل بها أجاب، فيكون هو الذي يتولى إخراج الحيات من الصخر. فإن كان الأمر ~~على ما قالوا فما ينبغي أن يكون بين خروج الأفاعي الصم وغيرها فرق، إذا ~~كانت العزائم والرقى والنفث ليس شيئا يعمل في نفس الحية، وإنما هو شيء يعمل ~~في الذي يخرج الحية. # وإذا كان ذلك كذلك فالسميع والأصم فيه سواء. # وكذلك يقولون في التحبيب والتبغيض، وفي النشرة وحل العقدة، وفي التعقيد ~~والتحليل. ### || [العزيمة] # ويزعمون أن الجن لا تجيب صاحب العزيمة حتى يتوحش ويأتي الخرابات ~~والبراري، ولا يأنس بالناس، ويتشبه بالجن، ويغسل بالماء القراح [2] ، ~~ويتبخر باللبان الذكر، ويراعي المشتري ms0576 فإذا دق ولطف، وتوحش وعزم، أجابته ~~الجن، وذلك بعد أن يكون بدنه يصلح هيكلا لها، وحتى يلذ دخوله وادي منازلها، ~~وألا يكره ملابسته والكون فيه. فإن هو ألح عليها بالعزائم، ولم يأخذ لذلك ~~أهبته خبلته، وربما قتلته، لأنها تظن أنه متى توحش لها، واحتمى، وتنظف فقد ~~فرغ. وهي لا تجيب بذلك فقط، حتى يكون المعزم مشاكلا لها في الطباع. # فيزعمون أن الحيات إنما تخرج إخراجا، وأن الذي يخرجها هو الذي يخرج ~~سمومها من أجساد الناس، إذا عزم عليها. PageV04P349 ### || [التعويذ] # والرقية الأخرى بما يعرف من التعويذ. قال أبو عبيدة: سمعت أعرابيا يقول: # قد جاءكم أحدكم يسترقيكم فارقوه. قال: فعوذوه ببعض العوائذ. # والوجه الآخر مشتق من هذا ومحمول عليه، كالرجل يقول: ما زال فلان يرقي ~~فلانا حتى لان وأجاب. ### || 1094- [قول الشعراء والمتكلمين في رقى الحيات] # وقد قالت الشعراء في الجاهلية والإسلام في رقى الحيات، وكانوا يؤمنون ~~بذلك ويصدقون به، وسنخبر بأقاويل المتكلمين في ذلك، وبالله التوفيق. # ومنهم من زعم أن إخراج الحية من جحرها إلى الراقي، إنما كان للعزيمة ~~والإقسام عليها، ولأنها إذا فهمت ذلك أجابت ولم تمتنع. # وكان أمية بن أبي الصلت، لا يعرف قولهم في أن العمار هم الذين يجيبون ~~العزائم بإخراج الحيات من بيوتها، وفي ذلك يقول [1] : [من البسيط] # والحية الذكر الرقشاء أخرجها ... من جحرها أمنات الله والقسم # إذا دعا باسمها الإنسان أو سمعت ... ذات الإله بدا في مشيها رزم [2] # من خلفها حمة لولا الذي سمعت ... قد كان ثبتها في جحرها الحمم [3] # ناب حديد وكف غير وادعة ... والخلق مختلف في القول والشيم [4] # إذا دعين بأسماء أجبن لها ... لنافث يعتديه الله والكلم [5] # لولا مخافة رب كان عذبها ... عرجاء تظلع، في أنيابها عسم [6] # وقد بلته فذاقت بعض مصدقه ... فليس في سمعها، من رهبة صمم [7] # فكيف يأمنها أم كيف تألفه ... وليس بينهما قربى، ولا رحم! PageV04P350 # يقول: لو أنها أخرجت حين استحلفت بالله لما خرجت، إذ ليس بينهما قربى ولا ~~رحم. ثم ذكر الحمة والناب. # وقال آخرون: إنما الحية مثل الضب والضبع، إذا ms0577 سمع بالله والهدم والصوت ~~خرج ينظر. والحواء [1] إذا دنا من الجحر رفع صوته وصفق بيديه، وأكثر من ~~ذلك، حتى يخرج الحية، كما يخرج الضب والضبع. # وقال كثير [2] : [من الطويل] # وسوداء مطراق إلي من الصفا ... أني إذا الحاوي دنا فصدا لها [3] # والتصدية. التصفيق، قال الله تعالى: وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء ~~وتصدية # [4] الآية. فالمكاء: صوت بين النفخ والصفير، والتصدية: تصفيق اليد باليد. # فكان الحواء يحتال بذلك للحية، ويوهم من حضر أنه بالرقية أخرجها، وهو في ~~ذلك يتكلم ويعرض، إلا أن ذلك صوت رفيع. وهو لو رفع صوته ببيت شعر أو ~~بخرافة، لكان ذلك والذي يظهر من العزيمة عند الحية سواء. وإنما ينكر الصوت، ~~كما ينكره الضب وغير ذلك من الوحش. # ثم قال [5] : [من الطويل] # كففت يدا عنها وأرضيت سمعها ... من القول حتى صدقت ما وعى لها # وأشعرتها نفثا بليغا، فلو ترى ... وقد جعلت أن ترعني النفث بالها # تسللتها من حيث أدركها الرقى ... إلى الكف لما سالمت، وانسلالها # فقال كما ترى: # كففت يدا عنها وأرضيت سمعها # (البيت) ثم قال: # وأشعرتها نفثا بليغا فلو ترى PageV04P351 # وقال الأعشى [1] : [من الطويل] # أبا مسمع إني امرؤ من قبيلة ... بنى لي عزا موتها وحياتها # فلا تلمس الأفعى يديك تريدها ... إذا ما سعت يوما إليها سفاتها # وقال آخر: [من الرجز] # يدعو به الحية في أقطاره ... فإن أبى شم سفا وجاره # والسفا: التراب اليابس بين التربين. يقال سفا وسفاة. ### || 1095- [من حيل الحواء والراقي] # والحواء والراقي يري الناس أنه إذا رأى جحرا لم يخف عليه: أجحر حية هو أم ~~جحر شيء غيره، فإن كان جحر حية لم يخف عليه أهي فيه أم لا، ثم إذا رقى وعزم ~~فامتنعت من الخروج، وخاف أن تكون أفعى صماء لا تسمع، وإذا أراغها [2] ~~ليأخذها فأخطأ، لم يأمن من أن تنقره نقرة؛ لا يفلح بعدها أبدا، فهو عند ذلك ~~يستبري بأن يشم من تراب الجحر، فلا يخفى عليه: أهي أفعى أم حية من سائر ~~الحيات. فلذلك قال: # يدعو به الحية في أقطاره # (البيت) ms0578 والوجار: الجحر. ### || 1096- [ريح الأفعى] # وزعم لي بعض الحوائين أن للحيات نتنا وسهكا [3] ، وأن # | ريح الأفعى # معروفة. # وليس شيء أغلق، ولا أعنق [4] ، ولا أسرع أخذا لرائحة من طين أو تراب، ~~وأنه إذا شم من طينة الجحر لم يخف عليه. وقال: اعتبر ذلك بهذا الطين ~~السداني والراهطي إذا ألقي في الزعفران والكافور، أو غيره ذلك من الطيب، ~~فإنه متى وضع إلى جنب روثة أو عذرة، قبل ذلك الجسم. PageV04P352 # والرقاء يوهم الناس إذا دخل دورهم لاستخراج الحيات أنه يعرف أماكنها ~~برائحتها، فلذلك يأخذ قصبة ويشعب رأسها، ثم يطعن بها في سقف البيت ~~والزوايا، ثم يشمها ويقول مرة: فيها حيات؛ ويقول مرة: بلى فيها حيات، على ~~قدر الطمع في القوم، وفي عقولهم. ### || 1097- [تأثير الأصوات] # وأمر الصوت عجيب، وتصرفه في الوجوه عجب. فمن ذلك أن منه ما يقتل، كصوت ~~الصاعقة. ومنها ما يسر النفوس حتى يفرط عليها السرور؛ فتقلق حتى ترقص، وحتى ~~ربما رمى الرجل بنفسه من حالق [1] . وذلك مثل هذه الأغاني المطربة. # ومن ذلك ما يكمد. ومن ذلك ما يزيل العقل حتى يغشى على صاحبه، كنحو هذه ~~الأصوات الشجية، والقراءات الملحنة. وليس يعتريهم ذلك من قبل المعاني؛ ~~لأنهم في كثير من ذلك لا يفهمون معاني كلامهم. وقد بكى ماسرجويه من قراءة ~~أبي الخوخ، فقيل له: كيف بكيت من كتاب الله ولا تصدق به؟ قال: إنما أبكاني ~~الشجا! وبالأصوات ينومون الصبيان والأطفال. ### || [أثر الأصوات في الحيوان] # والدواب تصر [2] آذانها إذا غنى المكاري. والإبل تصر آذانها إذا حدا في ~~آثارها الحادي، وتزداد نشاطا، وتزيد في مشيها. ويجمع بها الصيادون السمك في ~~حظائرهم التي يتخذونها له. وذلك أنهم يضربون بعصي معهم، ويعطعطون [3] ، ~~فتقبل أجناس السمك شاخصة الأبصار مصغية إلى تلك الأصوات، حتى تدخل في ~~الحظيرة ويضرب بالطساس للطير، وتصاد بها. ويضرب بالطساس للأسد وقد أقبلت، ~~فتروعها تلك الأصوات. # وقال صاحب المنطق: الأيائل تصاد بالصفير والغناء. وهي لا تنام مادامت ~~تسمع ذلك من حاذق الصوت. فيشغلونها بذلك ويأتون من خلفها فإن رأوها مسترخية ~~الآذان وثبوا عليها، وإن كانت ms0579 قائمة الأذنين فليس إليها سبيل. # والصفير تسقى به الدواب الماء، وتنفر به الطير عن البذور. PageV04P353 # وزعم صاحب المنطق أن الرعد الشديد إذا وافق سباحة السمك في أعلى الماء ~~رمت ببيضها قبل انتهاء الأجل. وربما تم الأجل فتسمع الرعد الشديد، فيتعطل ~~عليها أياما بعد الوقت. ### || [قول لأبي الوجيه العكلي] # وقال أبو الوجيه العكلي: أحب السحابة الخرساء ولا أحبها! فقيل له: وكيف ~~ذلك؟ قال: لأنها لا تخرس حتى تمتلئ ماء وتصب صبا كثيرا، ويكون غيثا طبقا ~~[1] . # وفي ذلك الحيا [2] . إلا أن الكماة لا تكون على قدر الغيث. ذهب إلى أن ~~للرعد في الكمأة عملا. ### || [دعابة لجعفر بن سعيد] # وقال جعفر بن سعيد: سأل كسرى عن الكمأة فقيل له: لا تكون بالمطر دون ~~الرعد، ولا بالرعد دون المطر. قال: فقال كسرى: رشوا بالماء واضربوا ~~بالطبول! وكان من جعفر على التمليح. وقد علم جعفر أن كسرى لا يجهل هذا ~~المقدار. ### || [أثر الصوت في الحية] # فالحية واحدة من جميع أجناس الحيوان الذي للصوت في طبعه عمل. فإذا دنا ~~الحواء وصفق بيديه، وتكلم رافعا صوته حتى يزيد، خرج إليه كل شيء كان في ~~الجحر، فلا يشك من لا علم له أن من لا علم له أن لحية خرجت من جهة الطاعة ~~وخوف المعصية، وأن العامر [3] أخرجها تعظيما للعزيمة، ولأن المعتزم مطاع في ~~العمار. والعامة أسرع شيء إلى التصديق. ### || 1098- [شعر في الروح وهيكلها] # وفي الروح، وفي أن البدن هيكل لها، يقول سليمان الأعمى؛ وكان أخا مسلم ~~ابن الوليد الأنصاري. وكانوا لا يشكون بأن سليمان هذا الأعمى، كان من ~~مستجيبي بشار الأعمى، وأنه كان يختلف إليه وهو غلام فقبل عنه ذلك الدين. ~~وهو الذي يقول [4] : [من المديد] # إن في ذا الجسم معتبرا ... لطلوب العلم مقتبسه # هيكل للروح ينطقه ... عرقه والصوت من نفسه PageV04P354 # لا تعظ إلا اللبيب فما ... يعدل الضلع على قوسه # رب مغروس يعاش به ... فقدته كف مغترسه # وكذاك الدهر مأتمه ... أقرب الأشياء من عرسه ### || 1099- [قول في شعر لأمية بن أبي الصلت] # وكانت العرب تقول: كان ذلك إذ ms0580 كان كل شيء ينطق، وكان ذلك والحجارة رطبة. # قال أمية [1] : [من الوافر] # وإذ هم لا لبوس لهم تقيهم ... وإذ صم السلام لهم رطاب [2] # بآية قام ينطق كل شيء ... وخان أمانة الديك الغراب # وأرسلت الحمامة بعد سبع ... تدل على المهالك لا تهاب # تلمس هل ترى في الأرض عينا ... وعاينة بها الماء العباب # فجاءت بعد ما ركضت بقطف ... عليها التأط والطين الكباب [3] # فلما فرسوا الآيات صاغوا ... لها طوقا كما عقد السخاب [4] # إذا ماتت تورثه بنيها ... وإن تقتل فليس له انسلاب # ضفذكر رطوبة الحجارة، وأن كل شيء قد كان ينطق. ثم خبر عن منادمة الديك ~~الغراب، واشتراط الحمامة على نوح، وغير ذلك مما يدل على ما قلنا. ثم ذكر ~~الحية، وشأن إبليس وشأنها، فقال: [من الوافر] # كذي الأفعى ترببها لديه ... وذي الجني أرسلها تساب [5] # فلا رب البرية يأمننها ... ولا الجني أصبح يستتاب PageV04P355 # فإن قلت: إن أمية كان أعرابيا، وكان بدويا، وهذا من خرافات أعراب ~~الجاهلية، وزعمت أن أمية لم يأخذ ذلك عن أهل الكتاب فإني سأنشدك لعدي بن ~~زيد، وكان نصرانيا ديانا، وترجمانا، وصاحب كتب، وكان من دهاة أهل ذلك ~~الدهر. ### || 1100- [ عقاب حواء وآدم و الحية] # قال عدي بن زيد، يذكر شأن آدم ومعصيته، وكيف أغواه، وكيف دخل في الحية، ~~وأن الحية كانت في صورة جمل فمسخها الله عقوبة لها، حين طاوعت عدوه على ~~وليه. فقال [1] : [من البسيط] # قضى لستة أيام خليقته ... وكان آخرها أن صور الرجلا # دعاه آدم صوتا فاستجاب له ... بنفخة الروح في الجسم الذي جبلا # ثمت أورثه الفردوس يعمرها ... وزوجه صنعة من ضلعه جعلا # لم ينهه ربه عن غير واحدة ... من شجر طيب: أن شم أو أكلا # فكانت الحية الرقشاء إذ خلقت ... كما ترى ناقة في الخلق أو جملا # فعمدا للتي عن أكلها نهيا ... بأمر حواء لم تأخذ له الدغلا # كلاهما خاط إذ بزا لبوسهما ... من ورق التين ثوبا لم يكن غزلا # فلاطها الله إذ أغوت خليفته ... طول الليالي ولم يجعل لها أجلا [2] # تمشي على بطنها في الدهر ما عمرت ms0581 ... والترب تأكله حزنا وإن سهلا # فأتعبا أبوانا في حياتهما ... وأوجدا الجوع والأوصاب والعللا # وأوتيا الملك والإنجيل نقرؤه ... نشفي بحكمته أحلامنا عللا # من غير ما حاجة إلا ليجعلنا ... فوق البرية أربابا كما فعلا ### || 1101- [عقاب حواء وآدم والحية] # فرووا أن كعب الأحبار قال: مكتوب في التوارة أن حواء عند ذلك عوقبت بعشر ~~خصال، وأن آدم لما أطاع حواء وعصى ربه عوقب بعشر خصال، وأن الحية التي دخل ~~فيها إبليس عوقبت أيضا بعشر خصال. PageV04P356 # وأول خصال حواء التي عوقبت بها وجع الافتضاض، ثم الطلق، ثم النزع، ثم ~~بقناع الرأس، وما يصيب الوحمى والنفساء من المكروه، والقصر في البيوت، ~~والحيض، وأن الرجال هم القوامون عليهن، أن تكون عند الجماع هي الأسفل. # وأما خصال آدم صلى الله عليه وسلم: فالذي انتقص من طوله، وبما جعله الله ~~يخاف من الهوام والسباع، ونكد العيش، وبتوقع الموت، وبسكنى الأرض، وبالعري ~~من ثياب الجنة، وبأوجاع أهل الدنيا، وبمقاساة التحفظ من إبليس، وبالمحاسبة ~~بالطرف، وبما شاع عليه من اسم العصاة. # وأما الحية فإنها عوقبت بنقص جناحها، وقطع أرجلها، والمشي على بطنها، ~~وبإعراء جلدها- حتى يقال: «أعرى من حية» وبشق لسانها- لذلك كلما خافت من ~~القتل أخرجت لسانها لتريهم العقوبة- وبما ألقي عليها من عداوة الناس، ~~وبمخافة الناس، وبجعله لها أول ملعون من اللحم والدم، وبالذي ينسب إليها من ~~الكذب والظلم [1] . ### || [ظلم الحية و كذبها] # فأما الظلم فقولهم: «أظلم من حية» [2] وأما الكذب فإنها تنطوي في الرمل ~~على الطريق وتدخل بعض جسدها في الرمل، فتظهر كأنها طبق خيزران. ومنها حيات ~~بيض قصار تجمع بين أطرافها على طرق الناس، وتستدير كأنها طوق أو خلخال، أو ~~سوار ذهب أو فضة- ولما تلقي على نفسها من السبات، ولما تظهر من الهرب من ~~الناس. وكل ذلك إنما تغرهم وتصطادهم بتلك الحيلة، فذلك هو كذبها. ### || 1102- [عقاب الأرض] # قال: وعوقبت الأرض حين شربت دم ابن آدم بعشر خصال: أنبت فيها الشوك، وصير ~~فيها الفيافي، وخرق فيها البحار، وملح أكثر مائها، وخلق فيها الهوام ~~والسباع، وجعلها قرارا لإبليس والعاصين، وجعل جهنم فيها، ms0582 وجعلها لا تربي ~~ثمرتها. إلا في الحر، وهي تعذب بهم إلى يوم القيامة، وجعلها توطأ بالأخفاف، ~~والحوافر، والأظلاف، والأقدام، وجعلها مالحة الطعم. ### || [شرب الأرض للدم] # ثم لم تشرب بعد دم ابن آدم دم أحد من ولده، ولا من غير ولده. قال: ولذلك ~~PageV04P357 # قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لأبي مريم الحنفي: «لأنا أشد لك ~~بغضا من الأرض للدم» [1] . # وزعم صاحب المنطق أن الأرض لا تشرب الدم، إلا يسيرا من دماء الإبل خاصة. ### || 1103- [اختبار العسل] # وإذا أرادوا أن يمتحنوا جودة العسل من رداءته، قطروا على الأرض منه قطرة. # فإذا استدارت كأنها قطعة زئبق، ولم تأخذ من الأرض ولم تعطها فهو الماذي ~~الخالص الذهبي. فإن كان فيه غشوشة نفشت القطرة على قدر ما فيها، وأخذت من ~~الأرض وأعطتها. وإن لم يقدروا على اللحم الغريض دفنوه وغرقوه في العسل، ~~فإنهم متى رجعوا فغسلوه عنه وجدوه غضا طريا، لأنه ذهبي الطباع، ليس بينه ~~وبين سائر الأجرام شيء. فهو لا يعطيه شيئا ولا يأخذ منه. وكذلك الذهب إذا ~~كان مدفونا. ### || 1104- [زمن الفطحل] # وهذه الأحاديث، وهذه الأشعار، تدل على أنهم قد كانوا يقولون: إن الصخور ~~كانت رطبة لينة، وإن كل شيء قد كان يعرف وينطق وإن الأشجار والنخل لم يكن ~~عليها شوك. وقد قال العجاج، أو رؤبة [2] : [من الرجز] # أو عمر نوح # زمن الفطحل ... والصخر مبتل كطين الوحل ### || 1105- [مرويات كعب الأحبار] # وأنا أظن أن كثيرا مما يحكى عن كعب أنه قال: «مكتوب في التوراة» أنه إنما ~~قال: «نجد في الكتب» ، وهو إنما يعني كتب الأنبياء، والذي يتوارثونه من كتب ~~سليمان؛ وما في كتبهم من مثل كتب إشعياء وغيره. والذين يروون عنه في صفة ~~عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأشباه ذلك، فإن كانوا صدقوا عليه وكان الشيخ ~~لا يضع الأخبار فما كان وجه كلامه عندنا إلا على ما قلت لك. PageV04P358 ### || 1106- [نطق الحية] # وفي أن الحية قد كانت تسمع وتنطق، يقول النابغة في المثل الذي ضربه، وهو ~~قوله [1] : [من الطويل] # أليس لنا مولى يحب سراحنا ms0583 ... فيعذرنا من مرة المتناصره # ليهنكم أن قد نفيتم بيوتنا ... محل عبيدان المحلئ باقره [2] # وإني للاق من ذوي الضغن نكبة ... بلا عثرة والنفس لا بد عاثره # كما لقيت ذات الصفا من حليفها ... وما انفكت الأمثال في الناس سائره # فقالت له: أدعوك للعقل وافرا ... ولا تغشيني منك للظلم بادره [3] # فواثقها بالله حتى تراضيا ... فكانت تديه الجزع خفيا وظاهره # فما توفى العقل إلا أقله ... وجارت به نفس عن الخير جائره # تفكر أنى يجمع الله شمله ... فيصبح ذا مال ويقتل واتره # فظل على فأس يحد غرابها ... ليقتلها، والنفس للقتل حاذره [4] # فلما وقاها الله ضربة فأسه ... ولله عين لا تغمض ساهره # فقال: تعالي نجعل الله بيننا ... على العقل حتى تنجزي لي آخره # فقالت: يمين الله، أفعل؛ إنني ... رأيتك ختارا يمينك فاجره # أبى لك قبر لا يزال مواجها ... وضربة فأس فوق رأسي فاقره [5] # فذهب النابغة في الحيات مذهب أمية بن أبي الصلت، وعدي بن زيد، وغيرهما من ~~الشعراء. ### || 1107- [الصخور والأشجار في ماضي الزمان] # وأنشدني عبد الرحمن بن كيسان: [من الطويل] # فكان رطيبا يوم ذلك صخرها ... وكان خضيدا طلحها وسيالها [6] PageV04P359 # فزعم كما ترى أن الصخور كانت لينة، وأن الأشجار: الطلح والسيال كانت ~~خضيدا لا شوك عليها. # وزعم بعض المفسرين وأصحاب الأخبار، أن الشوك إنما اعتراها في صبيحة اليوم ~~الذي زعمت النصارى فيه أن المسيح ابن الله. ### || [أثر قدم إبراهيم عليه السلام] # وكان مقاتل يقول- حدثنا بذلك عنه أبو عقيل السواق، وكما أحد رواته ~~والحاملين عنه- إن الصخور كانت لينة، وإن قدم إبراهيم عليه السلام أثرت في ~~تلك الصخرة، كتأثير أقدام الناس في ذلك الزمان. إلا أن الله تعالى توفى تلك ~~الآثار، وعفى عليها، ومسحها ومحاها، وترك أثر مقام إبراهيم صلى الله عليه ~~وسلم. والحجة إنما هي في إفراده بذلك ومحو ما سواه من آثار أقدام الناس. ~~ليس أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم كان وطئ على صخرة خلقاء يابسة فأثر ~~فيها. ### || 1108- [فضل المتكلمين والمعتزلة] # وأنا أقول على تثبيت ذلك بالحجة. ونعوذ بالله من الهذر والتكلف وانتحال ~~ما لا أقوم ms0584 به. أقول: إنه لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام من جميع الأمم، ~~ولولا مكان المعتزلة لهلكت العوام من جميع النحل. فإن لم أقل، ولولا أصحاب ~~إبراهيم وإبراهيم لهلكت العوام من المعتزلة، فإني أقول: إنه قد أنهج لهم ~~سبلا، وفتق لهم أمورا، واختصر لهم أبوابا ظهرت فيها المنفعة، وشملتهم بها ~~النعمة. ### || 1109- [ما يحتاج إليه الناس] # وأنا أزعم أن الناس يحتاجون بديا إلى طبيعة ثم إلى معرفة، ثم إلى إنصاف. # وأول ما ينبغي أن يبتدئ به صاحب الإنصاف أمره ألا يعطى نفسه فوق حقها، ~~وألا يضعها دون مكانها، وأن يتحفظ من شيئين؛ فإن نجاته لا تتم إلا بالتحفظ ~~منهما: # أحدهما تهمة الإلف، والآخر تهمة السابق إلى القلب- والله الموفق. ### || 1110- [حديث عن تأليف هذا الكتاب] # وما أكثر ما يعرض في وقت إكبابي على هذا الكتاب، وإطالتي الكلام، وإطنابي ~~في القول، بيت ابن هرمة، حيث يقول [1] : [من البسيط] # إن الحديث تغر القوم خلوته ... حتى يلج بهم عي وإكثار PageV04P360 # وقولهم في المثل: «كل مجر في الخلاء يسر» [1] . # وأنا أعوذ بالله أن أغر من نفسي، عند غيبة خصمي، وتصفح العلماء لكلامي، ~~فإني أعلم أن فتنة اللسان والقلم، أشد من فتنة النساء، والحرص على المال. # وقد صادف هذا الكتاب مني حالات تمنع من بلوغ الإرادة فيه، أول ذلك العلة ~~الشديدة، والثانية قلة الأعوان، والثالثة طول الكتاب، والرابعة أني لو ~~تكلفت كتابا في طوله، وعدد ألفاظه ومعانيه، ثم كان من كتب العرض والجوهر، ~~والطفرة، والتولد، والمداخلة، والغرائز، والتماس- لكان أسهل وأقصر أياما، ~~وأسرع فراغا؛ لأني كنت لا أفزع فيه إلى تلقط الأشعار، وتتبع الأمثال، ~~واستخراج الآي من القرآن، والحجج من الرواية، مع تفرق هذه الأمور في الكتب، ~~وتباعد ما بين الأشكال. فإن وجدت فيه خللا من اضطراب لفظ، ومن سوء تأليف، ~~أو من تقطيع نظام، ومن وقوع الشيء في غير موضعه- فلا تنكر، بعد أن صورت ~~عندك حالي التي ابتدأت عليها كتابي. # ولولا ما أرجو من عون الله على إتمامه؛ إذ كنت لم ألتمس به إلا إفهامك ~~مواقع الحجج لله، وتصاريف تدبيره، ms0585 والذي أودع أصناف خلقه من أصناف حكمته- ~~لما تعرضت لهذا المكروه. # فإن نظرت في هذا الكتاب فانظر فيه نظر من يلتمس لصاحبه المخارج، ولا يذهب ~~مذهب التعنت، ومذهب من إذا رأى خيرا كتمه، وإذا رأى شرا أذاعه. # وليعلم من فعل ذلك أنه قد تعرض لباب إن أخذ بمثله، وتعرض له في قوله ~~وكتبه، أن ليس ذلك إلا من سبيل العقوبة، والأخذ منه بالظلامة. فلينظر فيه ~~على مثال ما أدب الله به، وعرف كيف يكون النظر والتفكير والاعتبار ~~والتعليم؛ فإن الله عز وجل يقول: وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ~~خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه # [2] . ### || 1111- [الحكمة في الأشياء الصغيرة] # فينبغي أن تكون إذا مررت بذكر الآية والأعجوبة، في الفراشة والجرجسة، ألا ~~تحقر تلك الآية، وتصغر تلك الأعجوبة؛ لصغر قدرهما عندك، ولقلة معرفتهما عند ~~PageV04P361 # معرفتك، لصغر أجسامهما عند جسمك. ولكن كن عند الذي يظهر لك من تلك الحكم، ~~ومن ذلك التدبير، كما قال الله عز وجل: وكتبنا له في الألواح من كل شيء ~~موعظة وتفصيلا لكل شيء # [1] ثم قال: فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها # [1] ثم قال الله تعالى: وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع ~~بهم خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه # [2] . وقد قال عامر بن عبد قيس: «الكلمة إذا خرجت من القلب وقعت في ~~القلب، وإذا خرجت من اللسان لم تجاوز الآذان» [3] . ### || 1112- [حث على التنبه عند النظر] # وأنا أعيذ نفسي بالله أن أقول إلا له، وأعيذك بالله أن تسمع إلا له. وقد ~~قال الله عز وجل: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يسمعوا وتراهم ينظرون إليك وهم ~~لا يبصرون # [4] فاحذر من أن تكون منهم، وممن ينظر إلى حكمة الله وهو لا يبصرها، وممن ~~يبصرها بفتح العين واستماع الآذان؛ ولكن بالتوقف من القلب، والتثبت من ~~العقل، وبتحفيظه وتمكينه من اليقين، والحجة الظاهرة. ولا يراها من يعرض ~~عنها. # وقد قال الله عز وجل: ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون # [5] وقال: إن شر الدواب عند الله الصم البكم ms0586 الذين لا يعقلون # [6] ولو كانوا صما بكما وكانوا هم لا يعقلون، لما عيرهم بذلك، كما لم ~~يعير من خلقه معتوها كيف لم يعقل، ومن خلقه أعمى كيف لم يبصر، وكما لم يلم ~~الدواب، ولم يعاقب السباع. ولكنه سمى البصير المتعامي أعمى، والسميع ~~المتصامم أصم، والعاقل المتجاهل جاهلا. # وقد قال الله عز وجل: فانظر إلى آثار رحمت الله كيف يحي الأرض بعد موتها ~~إن ذلك لمحي الموتى وهو على كل شيء قدير # [7] فانظر كما أمرك الله، وانظر من الجهة التي دلك منها، وخذ ذلك بقوة. ~~قال تعالى: خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه* # [8] . PageV04P362 ### || 1113- [عود إلى القول في الحيات] # ثم رجع بنا القول إلى ما في الحيات من العلم والعبرة، والفائدة والحكمة؛ ~~ولذلك قال أبو ذر الغفاري: «لقد تركنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وما ~~يمر بنا طائر إلا وعندنا من شأنه علم» . وهذا القول صحيح عن أبي ذر، ولم ~~يخص أبو ذر خشاش الطير من بغاثها وأحرارها، ولا ما يدخل في بابة الهمج. وقد ~~أريناك من تحقيق قوله طرفا. ولعلك إن جمعت نظرك إلى نظرنا، أن تستتم هذا ~~الباب، فقد قال الشاعر [1] : [من الطويل] # خليلي ليس الرأي في رأي واحد ... أشيرا علي اليوم ما تريان # وقال الأحنف: «ما من الناس أحد إلا وقد تعلمت منه شيئا، حتى من الأمة ~~الورهاء والعبد الأوره» . ### || [أنواع الحيات] # والحيات مختلفات الجهات جدا، وهي من الأمم التي يكثر اختلاف أجناسها في ~~الضرر والسم، وفي الصغر والعظم، وفي التعرض للناس، وفي الهرب منهم. فمنها ~~ما لا يؤذي إلا أن يكون الناس قد آذوها مرة. وأما الأسود فإنه يحقد ويطالب، ~~ويكمن في المتاع حتى يدرك بطائلته. وله زمان يقتل فيه كل شيء نهشه. # وأما الأفعى فليس ذلك عندها، ولكنها تظهر في الصيف مع أول الليل، إذا سكن ~~وهج الرمل وظاهر الأرض؛ فتأتي قارعة الطريق حتى تستدير وتطحن كأنها رحى، ثم ~~تلصق بدنها بالأرض وتشخص رأسها؛ لئلا يدركها السبات، معترضة؛ لئلا يطأها ~~إنسان أو دابة فتنهشه. كأنها ms0587 تريد ألا تنهش إلا بأن يتعرض لها، وهي قد ~~تعرضت لنهشه باعتراضها في الطريق وتناومها عليه! وهي من الحيات التي ترصد ~~وتوصف بذلك. قال معقل بن خويلد [2] : [من الطويل] # أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم # يريد: الأفاعي في مراصدها. وكل منقطة فهي عرماء، من شاة أو غير ذلك. # وقال آخر: [من الرجز] # وكم طوت من حنش وراصد ... للسفر في أعلى البيات قاصد PageV04P363 # والأفعى تقتل في كل حال وفي كل زمان. والشجاع يواثب ويقوم على ذنبه، ~~وربما بلغ رأسه رأس الفارس. ### || [ما يقتل الحية و العقرب من الحيوان] # وليس يقتلها- إذا تطوقت على الطريق وفي المناهج، أو اعترضتها لتقطعها ~~عابرة إلى الجانب الآخر- شيء كأقاطيع الشياه إذا مرت بها، وكذلك الإبل ~~الكثيرة إذا مرت، فإن الحية إذا وقعت بين أرجلها كان همتها نفسها، ولم يكن ~~لها همة إلا التخلص بنفسها؛ لئلا تعجلها بالوطء. فإن نجت من وطء أيديها، لم ~~تنج من وطء أرجلها. وإن سلمت من واحدة لم تسلم من التي تليها، إلى آخرها. # وقال عمر بن لجأ، وهو يصف إبله [1] : [من الرجز] # تعرض الحيات في غشاشها # وقال ذو الأهدام: [من الرجز] # تعجلها عن نهشها والنكز # ومن ذلك أن العقرب تقع في يد السنور، فيلعب بها ساعة من الليل وهي في ذلك ~~مسترخية مستخذية لا تضربه. والسنانير من الخلق الذي لا تسرع السموم فيه. ### || 1114- [مسالمة الأفعى للقانص والراعي] # وربما باتت الأفعى عند رأس الرجل وعلى فراشه فلا تنهشه. وأكثر ما يوجد ~~ذلك من القانص والراعي. قال الشاعر [2] : [من الوافر] # تبيت الحية النضناض منه ... مكان الحب مستمع السرار # قال: الحب: الحبيب. والنضناض من الحيات: الذي يحرك لسانه. وعن عيسى بن ~~عمر قال: قلت لذي الرمة: ما النضناض؟ فأخرج لسانه يحركه. # وإنما يصف القانص وأنه يبيت بالقفر. ومثله قول أبي النجم [3] : [من ~~الرجز] # تحكي لنا القرناء في عرزالها ... جري الرحى تجري على ثفالها PageV04P364 # العرزال: المكان وفي ذلك يقول أبو وجزة [1] : [من البسيط] # تبيت جارته الأفعى وسامره ... ربد به عاذر منهن ms0588 كالجرب # وقوله: ربد، يريد البعوض. وعاذر: أثر. ### || 1115- [قصه في مسالمة الأفعى] # قال: وبات يحيى بن منقاش مع دارم الدارمي، فلما أصبح يحيى رأى بينهما ~~أفعى مستوية، فوثب يحيى ليقتلها، فقال له دارم. قد أعتقتها وحررتها! ولم ~~تقتلها وهي ضجيعتي من أول الليل؟ فقال يحيى: [من الطويل] # أعوذ بربي أن ترى لي صحبتي ... يطيف بنا ليلا محرر دارم # من الخرس لا ينجو صحيحا سليمها ... وإن كان معقودا بحلي التمائم ### || 1116- [المسالمة العقارب للناس ] # والعقارب في ذلك دون الحيات، إلا الجرارات، فإنها ربما باتت في لحاف ~~الرجل الليلة بأسرها، وتكون في قميصه عامة يومها، فلا تلسعه. فهي بالأفعى ~~أشبه. # فأما سائر العقارب فإنها تقصد إلى الصوت، فإذا ضربت إنسانا فرت كما يصنع ~~المسيء الخائف للعقاب. # والعقرب لا تضرب الميت ولا المغشي عليه، ولا النائم إلا أن يحرك شيئا من ~~جسده، فإنها عند ذلك تضربه. ### || [مسالمة الخنافس للعقارب و الحيات] # ويقال إنها تأوي مع الخنافس وتسالمها، ولا تصادق من الحيات إلا كل أسود ~~سالخ. ### || [عقارب نصر الحجاج] # وحدث أبو إسحاق المكي قال: كان في دار نصر بن الحجاج السلمي عقارب إذا ~~لسعت قتلت، فدب ضيف لهم على بعض أهل الدار فضربته عقرب على مذاكيره، فقال ~~نصر يعرض به [2] : [من المتقارب] # وداري إذا نام سكانها ... أقام الحدود بها العقرب PageV04P365 # إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربها تضرب # قال: فأدخل الناس بها حواء، وحكوا له شأن تلك العقارب، فقال: إن هذه ~~العقارب تستقي من أسود سالخ. ونظر إلى موضع في الدار فقال: احفروا هاهنا. # فحفروا عن أسودين: ذكر وأنثى، وللذكر خصيتان ورأوا حول الذكر عقارب كثيرة ~~فقتلوها. ### || [حديث عقرب و الفضل بن العباس] # قال: وقال الفضل بن عباس حين راهنه عقرب بالشعر، وقيل لكل واحد منهما: # لست في شيء حتى تغلب صاحبك، فقال الفضل [1] : [من السريع] # قد تجر العقرب في سوقنا ... لا مرحبا بالعقرب التاجره # كل عدو يتقى مقبلا ... وعقرب تخشى من الدابره # كل عدو كيده في استه ... فغير ذي أيد ولا ضائره # قد ضاقت العقرب ms0589 واستيقنت ... بأن لا دنيا ولا آخره # إن عادت العقرب عدنا لها ... وكانت النعل لها حاضره ### || [من سمي بعقرب] # واسم أم حارثة بن بدر، عقرب. وآل أبي موسى يكتنون بأبي العقارب. ومن ~~هؤلاء الذين يكتنون بالعقرب: ابن أبي العقرب الليثي الخطيب الفصيح، ~~الراوية. ### || [حديث و خبر في العقرب] # ورووا أن عقربا لسعت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «لعنها الله، فإنها ~~لا تبالي من ضربت!» وقال الضبي: أنا عقرب، أضر ولا أنفع [2] . ### || [الجرارات] # وكان الرجل تلسعه الجرارة بعسكر مكرم، أو بجند يسابور، فتقتله؛ وربما ~~تناثر لحمه، وربما تعفن وأنتن، حتى لا يدنو منه أحد إلا وهو مخمر أنفه، ~~مخافة إعدائه، ولا سيما إن كان قد نال من اللحم وهو لا يعلم أن الوخزة التي ~~وخزها كانت من جرارة. # وكانوا إذا شعروا بها دعوا حجاما، يحجم ذلك الموضع ويمصه، قبل أن يتفشى ~~فيه السم ويدخل تلك المداخل. فكان الحجام لا يجيئهم حتى يقبض دنانير كثيرة. ~~وإنما كانوا يجودون له بذلك؛ لما كان لصاحبهم في ذلك من الفرج، وما على ~~الحجام في ذلك من ضرر. وذلك أن وجهه ربما اسمار واربد، وربما عطلت مقاديم ~~PageV04P366 # أسنانه وتوجعت عليه، فيلقى من ذلك الجهد، وذلك لما كان يتصل إلى فيه من ~~بخار الدم، ومن ذلك السم المخالط لذلك الدم. ثم إنهم بعد ذلك حشوا أذناب ~~المحاجم بالقطن، فصار القطن لا يمنع قوة المص والجذب، ولم يدعه يصل إلى فم ~~الحجام. # ثم إنهم بعد مدة سنيات [1] أصابوا نبتة في بعض الشعب [2] ، فإذا عالجوا ~~الملسوع بها حسنت حاله. # والجرارات تألف الأخواء [3] التي تكون بحضرة الأتاتين [4] ، وتألف الحشوش ~~[5] والمواضع النارية. وسمها نار. ### || [قول ماسرجويه في العقرب] # وقيل لماسرجويه: قد نجد العقرب تلسع رجلين فتقتل أحدهما ويقتلها الآخر، ~~وربما نجت ولم تمت، كما أنه ربما عقرت ولم تفت، ونجدها تضرب رجلين في ساعة ~~واحدة، فيختلفان في سوء الحال. ونجدها تختلف مواضع ضررها على قدر الأغذية، ~~وعلى قدر الأزمان، وعلى قدر مواضع الجسد. ونجد واحدا يتعالج بالمسوس [6] ~~فيحمده، ونجد آخر يدخل ms0590 يده في مدخل حار من غير أن يكون فيه ماء فيحمده، ~~ونجد آخر يعالجه بالنخالة الحارة فيحمدها، ونجد آخر يحجم ذلك الموضع ~~فيحمده، ونجد كل واحد من هؤلاء يشكو خلاف ما يوافقه، ثم إنا نجده يعاود ذلك ~~العلاج عند لسعة أخرى فلا يحمده! قال ماسرجويه: لما اختلفت السموم في ~~أنفسها بالجنس والقدر، وفي الزمان، باختلاف ما لاقاه اختلف الذي وافقه على ~~حسب اختلافه. # وكان يقول: إن قول القائل في العقرب: شر ما تكون حين تخرج من جحرها، ليس ~~يعنون من ليلتها- إذ كان لا بد من أن يكون لها نصيب من الشدة- ولكنهم إنما ~~يعنون: في أول ما تخرج من جحرها عند استقبال الصيف، بعد طول مكثها في غير ~~عالمنا وغذائنا وأنفاسنا ومعايشنا. PageV04P367 ### || [زعم العامة في العقرب] # والعامة تزعم أنها شر ما تكون إذا ضربت الإنسان وقد خرج من الحمام؛ لتفتح ~~المسام، وسعة المجاري، وسخونة البدن. ولذلك صار سمها في الصيف أشد. هذا قول ~~أبي إسحاق. كأنه كان يرى أن الهواء كلما كان أحر، وكان البدن أسخن كان شرا. # ونحن نجدهم يصرخون من لسعتها الليل كله، وإذا طلعت الشمس سكن ما بهم. ~~فإذا بقيت فضلة من تلك الجارحة في الشمس فما أكثر ما يسكن. وسمومها بالليل ~~أشد، إلا أن يزعم أن أجواف الناس في برد الليل أسخن وفي حر النهار أفتر. ### || 1117- [الدساس] # وزعم لي بعض العلماء ممن قد روى الكتب، وهو في إرث منها، أن الحية التي ~~يقال لها: الدساس، تلد ولا تبيض؛ وأن أنثى النمور لم تضع نمرا قط إلا ومعه ~~أفعى. ### || 1118- [زعم استحالة الكمأة إلى أفاع] # والأعراب تزعم أن الكمأة تبقى في الأرض فتمطر مطرة صيفية، فيستحيل بعضها ~~أفاعي. فسمع هذا الحديث مني بعض الرؤساء الطائيين، فزعم لي أنه عاين كمأة ~~ضخمة فتأملها، فإذا هي تتحرك، فنهض إليها فقلعها، فإذا هي أفعى. هذا ما ~~حدثته عن الأعراب، حتى برئت إلى الله من عيب الحديث. ### || 1119- [معارف في الحيات عن صاحب المنطق] # وزعم صاحب المنطق أن الوزغة والحيات تأكل اللحم والعشب. وزعم ms0591 أن الحيات ~~أظهر كلبا من جميع الحيوان، مع قلة شرب الماء. وأن الأسد مع نهمه قليل شرب ~~الماء. قال: ولا تضبط الحيات أنفسها إذا شمت ريح السذاب، وربما اصطيدت به ~~وإذا أصابوها كذلك وجدوها وقد سكرت. # قال: والحيات تبتلع البيض، والفراخ، والعشب. ### || 1120- [سلخ الحيوان] # وزعم أن الحيات تسلخ جلودها في أول الربيع، عند خروجها من أعشتها وفي أول ~~الخريف. # وزعم أن السلخ يبتدئ من ناحية عيونها أولا. قال: ولذلك يظن بعض من ~~يعانيها أنها عمياء. # PageV04P368 # وهي تسلخ من جلودها في يوم وليلة من الرأس إلى الذنب، ويصير داخل الجلد ~~هو الخارج، كما يسلخ الجنين من المشيمة، وكذلك جميع الحيوان المحزز الجسد، ~~وكل طائر لجناحه غلاف مثل الجعل والدبر وكذلك السرطان، يسلخ أيضا، فيضعف ~~عند ذلك من المشي. # وتسلخ جلودها مرارا. # والسلخ يصيب عامة الحيوان [1] : أما الطير فسلخها تحسيرها [2] ، وأما ~~ذوات الحوافر فسلخها عقائقها [3] ، وسلخ الإبل طرح أوبارها، وسلخ الجراد ~~انسلاخ جلودها، وسلخ الأيائل إلقاء [4] قرونها، وسلخ الأشجار إسقاط ورقها. ~~[5] ### || [أصل الأسروع] # والأسروع: دويبة تنسلخ فتصير فراشة. وقال الطرماح شعرا [6] : [من الكامل] # وتجرد الأسروع واطرد السفا ... وجرت بجاليها الحداب القردد [7] # وانساب حيات الكثيب وأقبلت ... ورق الفراش لما يشب الموقد [8] # يصف الزمان. # والدعموص ينسلخ، فيصير إما بعوضة وإما فراشة. ### || [انسلاخ البرغوث] # وزعم ثمامة عن يحيى بن برمك أن البرغوث ينسلخ فيصير بعوضة، وأنه البعوضة ~~التي من سلخ دعموص ربما انسلخت برغوثا. # والنمل تحدث لها أجنحة ويتغير خلقها، وذلك هو سلخها. وهلكها يحين عند ~~طيرانها. ### || [انسلاخ الجراد] # والجراد ينسلخ على غير هذا النوع. قال الراجز [9] : [من الرجز] # ملعونة تسلخ لونا لونين PageV04P369 ### || 1121- [أثر البلدان فى ضرر الأفاعي و نحوها] # قال: وعض السباع ذوات الأربع، ولدغ الهوام، يختلف بقدر اختلاف البلدان؛ ~~كالذي يبلغنا عن أفاعي الرمل، وعن جرارات قرى الأهواز، وعقارب نصيبين [1] ، ~~وثعابين مصر، وهنديات [2] الخرابات. # وفي الشبثان [3] ، والزنابير، والرتيلات [4] ما يقتل. فأما الطبوع [5] ~~فإنه شديد الأذى. وللضمج [6] أذى لا يبلغ ذلك. ### || 1122- [أقوال لصاحب المنطق] # وقال صاحب المنطق: ويكون بالبلدة التي تسمى باليونانية: «طبقون» حية ms0592 ~~صغيرة شديدة اللدغ، إلا أن تعالج بحجر، يخرج من بعض قبور قدماء الملوك. # ولم أفهم هذا، ولم كان ذلك. # وإذا أكل بعض ذوات السموم من جسد بعضها، كانت أردأ ما تكون سما، مثل ~~العقارب والأفاعي. # قال: والأيل إذا ألقى قرونه علم أنه قد ألقى سلاحه فهو لا يظهر. وكذلك إن ~~سمن علم أنه يطلب، فلا يظهر. وكذلك أول ما ينبت قرنه يعرضه للشمس؛ ليصلب ~~ويجف. وإن لدغت الأيل حية أكل السراطين؛ فلذلك نظن أن السراطين صالحة للديغ ~~من الناس. # قال: وإذا وضعت أنثى الأيل ولدا أكلت مشيمتها. فيظن أن المشيمة شيء ~~يتداوى به من علة النفاس. # قال: والدبة إذا هربت دفعت جراءها بين يديها، وإن خافت على أولادها ~~غيبتها، وإذا لحقت صعدت في الشجر وحملت معها جراءها. # قال: والفهد إذا عراه الداء الذي يقال له: «خانق الفهود» أكل العذرة فبرئ ~~منه. PageV04P370 # قال: والسباع تشتهي رائحة الفهود، والفهد يتغيب عنها، وربما فر بعضها منه ~~فيطمع في نفسه، فإذا أراده السبع وثب عليه الفهد فأكله. # قال: والتمساح يفتح فاه إذا غمه ما قد تعلق بأسنانه، حتى يأتي طائر فيأكل ~~ذلك، فيكون طعاما له وراحة للتمساح. # قال: وأما السلحفاة فإنها إذا أكلت الأفعى أكلت صعترا جبليا، وقد فعلت ~~ذلك مرارا، فربما عادت فأكلت منها ثم أكلت من الصعتر مرارا كثيرة، فإذا ~~أكثرت من ذلك هلكت. # قال: وأما ابن عرس، فإنه إذا قاتل الحية بدأ بأكل السذاب، لأن رائحة ~~السذاب مخالفة للحية، كما أن سام أبرص لا يدخل بيتا فيه زعفران. # قال: والكلاب إذا كان في أجوافها دود أكلت سنبل القمح. # قال: ونظن أن ابن عرس يحتال للطير بحيلة الذئب للغنم؛ فإنه يذبحها كما ~~يفعل الذئب بالشاة. # قال: وتتقاتل الحيات المشتركة في الطعم. # وزعم أن القنافذ لا يخفى عليها شيء من جهة الريح وتحولها وهبوبها، وأنه ~~كان بقسطنطينية رجل يقدم ويعظم؛ لأنه كان يعرف هبوب الريح ويخبرهم بذلك ~~وإنما كان يعرف الحال فيها بما يرى من هيئة القنافذ. ### || 1123- [العيون الحمر] # والعيون الحمر للعرض المفارق، ms0593 كعين الغضبان، وعين السكران، وعين الكلب، ~~وعين الرمد. ### || [العيون الذهبية] # والعيون الذهبية، عيون أصناف البزاة من بين العقاب إلى الزرق. ### || [العيون التي تسرج بالليل] # والعيون التي تسرج بالليل، عيون الأسد، وعيون النمور، وعيون السنانير، ~~وعيون الأفاعي. ### || [خبر و شعر في العين] # قال أبو حية [1] : [من الطويل] # غضاب يثيرون الذحول، عيونهم ... كجمر الغضا ذكيته فتوقدا PageV04P371 # وقال آخر [1] : [من الكامل] # ومدجج يسعى بشكته ... محمرة عيناه كالكلب # رجع بالكلب إلى صفة المدجج. # وقال معاوية لصحار العبدي: يا أحمر! قال: والذهب أحمر! قال يا أزرق! قال: # والبازي أرزق! وأنشدوا [2] : [من الطويل] # ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطير شكل عيونها # وقال آخر: [من الطويل] # وشكلة عين لو حبيت ببعضها ... لكنت مكان العين مرأى ومسمعا ### || [بعض ألوان العيون] # ومن العيون المغرب [3] ، والأزرق، والأشكل، والأسجر [4] ، والأشهل [5] ، ~~والأخيف [6] . وذلك إذا اختلفا. ### || [عين الفأر] # وعين الفأرة كحلاء، وهي أبصر بالليل من الفرس والعقاب. # وفي حمرة العينين وضيائهما يقول محمد بن ذؤيب العماني، في صفة الأسد: # [من الرجز] ### || [شعر في حمرة العينين و ضيائهما] # أجرأ من ذي لبدة هماس ... غضنفر مضبر رهاس [7] # مناع أخياس إلى أخياس ... كأنما عيناه في مراس [8] # شعاع مقباس إلى مقباس # وقال المرار: [من المنسرح] # كأنما وقد عينيه النمر PageV04P372 ### || [أصوات خشاش الأرض] # نحو الضب، والورل، والحية، والقنفذ، وما أشبه ذلك. # يقال للضب والحية والورل: فح يفح فحيحا. وقال رؤبة [1] : [من الرجز] # فحي فلا أفرق أن تفحي ... وأن ترحي كرحى المرحي [2] # أصبح من نحنحة وأح ... يحكي سعال النشر الأبح [3] # قال: الفحيح: صوت الحية من فيها. والكشيش والنشيش: صوت جلدها إذا حكت ~~بعضه ببعض. قال الراجز في صفة الشخب والحب [4] : [من الرجز] # حلبت للأبرش وهو مغض ... حمراء منها شخبة بالمخض # ليست بذات وبر مبيض ... كأن صوت شخبها المرفض # كشيش أفعى أجمعت لعص # ويقال للضب والورل: كش يكش كشيشا. وأنشد أبو الجراح [5] : [من الطويل] # ترى الضب إن لم يرهب الضب غيره ... يكش له مستنكرا ويطاوله [6] ~~PageV04P373 ### | باب من ضرب المثل للرجل الداهية وللحي الممتنع بالحية # قال ذو الإصبع ms0594 العدواني [1] : [من الهزج] # عذير الحي من عدوا ... ن كانوا حية الأرض # بغى بعضهم ظلما ... فلم يرع على بعض # وفيهم كانت السادا ... ت والموفون بالقرض ### || 1124- [أمثال أشعار في الحية] # يقال: «فلان حية الوادي» [2] ، و: «ما هو إلا صل أصلال» [3] . والصل: ~~الداهية والحية. قال النابغة [4] : [من البسيط] # ماذا رزئنا به من حية ذكر ... نضناضة بالرزايا، صل أصلال # وقال آخر: [من المنسرح] # صل صفا تنطف أنيابه ... سمام ذيفان مجيرات # وقال آخر [5] : [من المديد] # مطرق يرشح سما، كما ... أطرق أفعى ينفث السم صل # ومن أمثالهم: «صمي صمام» [6] ، و: «صمي ابنة الجبل» ، [6] وهي الحية. ~~PageV04P374 # قال الكميت [1] : [من الوافر] # إذا لقي السفير لها ونادى ... بها: صمي ابنة الجبل، السفير ### ||| قولهم: [جاءبأم الربيق على أريق] # ومن أمثالهم: «جاء بأم الربيق على أريق» [2] ، أم الربيق: إحدى الحيات. ~~وأريق: # أم الطبق. ضربوا به مثلا في الدواهي. وأصلها من الحيات قال [3] : [من ~~البسيط] # إذا وجدت بواد حية ذكرا ... فاذهب ودعني أمارس حية الوادي ### ||| قولهم: [أدرك القويمة لا تأكلها الهويمة] # وفي المثل: «أدرك القويمة لا تأكلها الهويمة» [4] يعني الصبي الذي يدرج ~~ويتناول كل شيء سنح له، ويهوي به إلى فيه. كأنه قال لأمه: أدركيه لا تأكله ~~الهامة! وهي الحية. وهو قوله في التعويذ: «ومن كل شيطان وهامة، ونفس وعين ~~لامة» . ### ||| [شعر لأخطل فى الحية] # وقال الأخطل، في جعلهم الرجل الشجاع وذا الرأي الداهية حية- وكذلك يجعلون ~~إذا أرادوا تعظيم شأنها. وإذا أرادوا ذلك فما أكثر ما يجعلون الحية ذكرا. ~~قال الأخطل [5] : [من الطويل] # أنبئت كلبا تمنى أن يسافهنا ... وطالما سافهونا ثم ما ظفروا # كلفتمونا رجالا قاطعي قرن ... مستلحقين كما يستلحق اليسر [6] # ليست عليهم إذا عدت خصالهم ... خصل وليس لهم إيجاب ما قمروا # قد أنذروا حية في رأس هضبته ... وقد أتتهم به الأنباء والنذر # باتوا رقودا على الأمهاد ليلهم ... وليلهم ساهر فيها، وما شعروا # ثمت قالوا أمات الماء حيته ... وما يكاد ينام الحية الذكر ### || 1125- [حية الماء] # وما أكثر ما يذكرون # | حية الماء؛ # لأن حيات الماء فيها تفاوت. إما أن تكون لا تضر كبير ms0595 ضرر، وإما أن تكون ~~أقتل من الحيات والأفاعي. PageV04P375 ### || 1126- [سبب وجود الحيات في بعض البيوت] ### ||| [الهنديات] # ويقال إن الهنديات إنما تصير في البيوت والدور، والإصطبلات، والخرابات؛ ~~لأنها تحمل في القضب وفي أشباه ذلك. ### ||| [علة وجود الحيات فى بعض البيوت] # والحيات تأكل الجراد أكلا شديدا، فربما فتح رأس كرزه وجرابه وجوالقه، ~~الذي يأتي الجراد، وقد ضربه برد السحر، وقد تراكم بعضه على بعض؛ لأنها ~~موصوفة بالصرد. # والحيات توصف بالصرد، كذلك الحمير، والماعز من الغنم. ولذلك قال الشاعر ~~[1] : [من الطويل] # بليت كما يبلى الوكاء ولا أرى ... جنابا ولا أكناف ذروة تخلق [2] # ألوي حيازيمي بهن صبابة ... كما تتلوى الحية المتشرق # وإنما تشرق إذا أدركها برد السحر ولم تصر بعد إلى صلاحها، وإذا خرجت ~~بالليل تكتسب الطعم كما يفعل ذلك سائر السباع. فربما اجترف صاحب الكرز ~~الجراد، فأدخله كرزه، وفيه الأفعى وأسود سالخ، حتى ينقل ذلك إلى الدور، ~~فربما لقى الناس منها جهدا. # وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج [3] : [من الرجز] # يا عجبا والدهر ذو عجائب ... من شاهد وقلبه كالغائب # وحاطب يحطب في بجاده ... في ظلمة الليل وفي سواده [4] # يحطب في بجاده الأيم الذكر ... والأسود السالخ مكروه النظر ### || 1127- [شعر في حية الماء] # فممن ذكر حية الماء، عبد الله بن همام السلولي فقال: [من البسيط] # كحية الماء لا تنحاش من أحد ... صلب المراس إذا ما حلت النطق PageV04P376 # وقال الشماخ بن ضرار [1] : [من البسيط] # خوص العيون تبارى في أزمتها ... إذا تفصدن من حر الصياخيد [2] # وكلهن تباري ثني مطرد ... كحية الماء ولى غير مطرود [3] # وقال الأخطل [4] : [من الطويل] # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر # وقال أيضا [5] : [من الطويل] # هلم ابن صفار فإن قتالنا ... جهارا وما منا ملاوذة العذر # فإنك في قيس لتال مذبذب ... وغيرك منهم ذو الثناء وذو الفخر # ونحن منعنا ماء دجلة منكم ... ونمنع ما بين العراق إلى البشر # ألا يا ابن صفار فلا ترم العلى ... ولا تذكرن حيات قومك في الشعر # فما تركت حياتنا لك حية ... تحرك في أرض براح ولا ms0596 بحر # وقال نفيع يعيره بالكحيل [6] : [من الطويل] # فإن تك قتلاكم بدجلة غرقت ... فما أشبهت قتلى حنين ولا بدر # ثووا إذ لقونا بالكحيل كما ثوى ... شمام إلى يوم القيامة والحشر [7] # بدجلة حالت حربنا دون قومنا ... وأوطاننا ما بين دجلة فالحضر # ولو كنتم حيات بحر لكنتم ... غداة الكحيل إذ تقومون في الغمر ### || 1128- [ما يشبه بالأيم] # فالأيم الحية الذكر يشبهون به الزمام، وربما شبهوا الجارية المجدولة ~~الخميصة PageV04P377 # الخواصر، في مشيها، بالأيم؛ لأن الحية الذكر ليس له غبب، وموضع بطنه ~~مجدول غير متراخ. وقال ابن ميادة [1] : [من الطويل] # قعدت على السعلاة تنفض مسحها ... وتجذب مثل الأيم في بلد قفر [2] # تيمم خير الناس من آل حاضر ... وتحمل حاجات تضمنها صدري [3] ### || 1129- [شعر في حمرة العين] # وقال الآخر في حمرة عين الأفعى [4] : [من البسيط] # لولا الهراوة والكفات أوردني ... حوض المنية قتال لمن علقا [5] # أصم منهرت الشدقين ملتبد ... لم يغذ إلا المنايا من لدن خلقا [6] # كأن عينيه مسماران من ذهب ... جلاهما مدوس التألاق فائتلقا [7] ### || [شعر في حمرة عيون الناس] # وقال في حمرة عيون الناس في الحرب وفي الغضب، ابن ميادة [8] : [من ~~الطويل] # وعند الفزاري العراقي عارض ... كأن عيون القوم في نبضة الجمر # وفي حمرة العين من جهة الخلقة، يقول أبو قردودة، في ابن عمار حين قتله ~~النعمان [9] : [من البسيط] # إني نهيت ابن عمار وقلت له: ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره # إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره # يا جفنة كإزاء الحوض قد هدمت ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره ~~PageV04P378 ### || 1130- [معرفة الحية] # وأكثر ما يذكرون من الحيات بأسمائها دون صفاتها: الأفعى، والأسود، ~~والشجاع، والأرقم. قال عمر بن لجأ [1] : [من الرجز] # يلزق بالصخر لزوق الأرقم # وقال آخر [2] : [من الطويل] # ورفع أولى القوم وقع خرادل ... ووقع نبال مثل وقع الأساود ### || 1131- [ذكر الأفاعي في بعض كتب الأنبياء] # وفي بعض كتب الأنبياء، أن الله تبارك وتعالى قال لبني إسرائيل: «يا أولاد ~~الأفاعي» . ### || 1132- [مثال وشعر في الحية] # ويقال: «رماه الله بأفعى حارية» [3] وهي التي تحري، وكلما كبرت في السن ~~صغرت في الجسم. ms0597 وأنشد الأصمعي في شدة اسوداد أسود سالخ: [من الرجز] # مهرت الأشداق عود قد كمل ... كأنما قيظ من ليط جعل # وقال جرير في صفة عروق بطن الشبعان [4] : [من الطويل] # وأعور من نبهان أما نهاره ... فأعمى، وأما ليله فبصير # رفعت له مشبوبة يلتوي بها ... يكاد سناها في السماء يطير # فلما استوى جنباه لاعب ظله ... عريض أفاعي الحالبين ضرير # قال: ويقال: «أبصر من حية» [5] ، كما يقال: «أسمع من فرس» [6] ، و «أسمع ~~من عقاب» [7] . وقال الراجز: [من الرجز] # أسمع من فرخ العقاب الأشجع PageV04P379 # وقال آخر [1] : [من الطويل] # أسود شرى لاقت أسود خفية ... تساقوا على حرد دماء الأساود [2] # ضرب المثل بجنسين من الأسود، إذ كانا عنده الغاية في الشدة والهول، فلم ~~يقنع بذلك حتى رد ذلك كله إلى سموم الحيات. ### || 1133- [ما يشبه بالأسود] # وفي هول منظر الأسود يقول الشاعر [3] : [من الكامل] # من دون سيبك لون ليل مظلم ... وحفيف نافجة وكلب موسد # والضيف عندك مثل أسود سالخ ... لا بل أحبهما إليك الأسود # ويصفون ذوائب الناس، فإذا بلغوا الغاية شبهوها بالأساود. قال جران العود ~~[4] : # [من الطويل] # ألا لا تغرن امرأ نوفلية ... على الرأس منها، والترائب وضح [5] # ولا فاحم يسقى الدهان كأنه ... أساود يزهاها لعينك أبطح [6] ### || [استطراد لغوي] # قال: والخرشاء: القشرة الغليظة بعد أن تنقب فيخرج ما فيها، وجماعه ~~الخراشي، غير مهموز. قال: وخرشاء الحية: سلخها حين تسلخ. وقال: هذا أسود ~~سالخ، وهذان أسودان سالخان، وأساود سالخة. وقال مرقش [7] : [من السريع] # إن يغضبوا يغضب لذاكم كما ... ينسل عن خرشائه الأرقم PageV04P380 ### || 1134- [تعليق الحلي والخلاخيل على السليم] # وكانوا يرون أن تعليق الحلي، وخشخشة الخلاخيل على السليم، مما لا يفيق ~~ولا يبرأ إلا به. وقال زيد الخيل [1] : [من الطويل] # أيم يكون النعل منه ضجيعة ... كما علقت فوق السليم الخلاخل # وخبرني خالد بن عقبة، من بني سلمة بن الأكوع، وهو من بني المسبع، أن رجلا ~~من حزن، من بني عذرة، يسمى أسباط، قال في تعليقهم الحلي على السليم [2] : ~~[من الطويل] # أرقت فلم تطعم لي العين مهجعا ... وبت كما بات السليم مقرعا # كأني ms0598 سليم ناله كلم حية ... ترى حوله حلي النساء مرصعا # وقال الذبياني [3] : [من الطويل] # فبت كأني ساورتني ضئيلة ... من الرقش في أنيابها السم ناقع [4] # يسهد من ليل التمام سليمها ... لحلي النساء في يديه قعاقع [5] ### || 1135- [استطراد فيه لغة وشعر] # قال: ويقال لسان طلق ذلق [6] . يقال للسليم إذا لدغ: قد طلق، وذلك حين ~~ترجع إليه نفسه. وهو قول النابغة [7] : [من الطويل] # تناذرها الراقون من سوء سمها ... تطلقه طورا وطورا تراجع PageV04P381 # وقال العبدي [1]- إن كان قاله-: [من الطويل] # تبيت الهموم الطارقات يعدنني ... كما تعتري الأهوال رأس المطلق # وأنشد [2] : [من الوافر] # تلاقي من تذكر آل ليلى ... كما يلقى السليم من العداد # والعداد: الوقت. يقال: إن تلك اللسعة لتعاده: إذا عاده الوجع في الوقت ~~الذي لسع فيه. ### || 1136- [الحمل المصلي] # وذكر النبي صلى الله عليه وسلم السم الذي كان في # الحمل المصلي، # الذي كانت اليهودية قدمته إليه فنال منه، فقال: «إن تلك الأكلة لتعادني» ~~[3] . ### || 1137- [جلدالحية] # وفي الحية قشرها، وهو أحسن من كل ورقة وثوب، وجناح، وطائر؛ وأعجب من ستر ~~العنكبوت، وغرقئ البيض. ### || [ما يشبه بلسان الحية] # ويقال في مثل، إذا مدحوا الخف اللطيف، والقدم اللطيفة قالوا: كأنه لسان ~~حية. ### || [نفع الحية] # وبالحية يتداوى من سم الحية. وللدغ الأفاعي يؤخذ الترياق الذي لا يوجد ~~إلا بمتون الأفاعي. قال كثير [4] : [من الوافر] # وما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مكامنها ضبابي # وترقيني لك الحاوون حتى ... أجابك حية تحت الحجاب PageV04P382 ### || 1138- [قصة امرأة لدغتها حية] # جويبر بن إسماعيل، عن عمه، قال: حججت فإنا لفي وقعة مع قوم نزلوا منزلنا، ~~ومعنا امرأة، فنامت فانتبهت وحية منطوية عليها، قد جمعت رأسها مع ذنبها بين ~~ثدييها، فهالها ذلك وأزعجنا، فلم تزل منطوية عليها لا تضرها بشيء، حتى ~~دخلنا أنصاب الحرم [1] ، فانسابت فدخلت مكة، فقضينا نسكنا وانصرفنا، حتى إذ ~~كنا بالمكان الذي انطوت عليها فيه الحية، وهو المنزل الذي نزلناه، نزلت ~~فنامت واستيقظت، فإذا الحية منطوية عليها، ثم صفرت الحية فإذا الوادي يسيل ~~حيات عليها، فنهشتها حتى نقت عظامها، فقلت لجارية كانت لها: ويحك: أخبرينا ms0599 ~~عن هذه المرأة. قالت: بغت ثلاث مرات، كل مرة تأتي بولد، فإذا وضعته سجرت ~~التنور، ثم ألقته فيه. ### || 1139- [قول امرأة في علي والزبير وطلحة] # قال ونظرت امرأة إلى علي، والزبير، وطلحة، رضي الله تعالى عنهم، وقد ~~اختلفت أعناق دوابهم حين التقوا، فقالت: من هذا الذي كأنه أرقم يتلمظ؟ قيل ~~لها: الزبير. قالت: فمن هذا الذي كأنه كسر ثم جبر؟ قيل لها: علي. قالت: فمن ~~هذا الذي كأن وجهه دينار هرقلي؟ قيل لها: طلحة. ### || 1140- [استطراد لغوي] # وقال أبو زيد: نهشت أنهش نهشا. والنهش: هو تناولك الشيء بفيك، فتمضغه ~~فتؤثر فيه ولا تجرحه. وكذلك نهش الحية. وأما نهش السبع فتناوله من الدابة ~~بفيه، ثم يقطع ما أخذ منه فوه. ويقال نهشت اللحم أنهشه نهشا، وهو انتزاع ~~اللحم بالثنايا؛ للأكل. ويقال نشطت العقد نشطا: إذا عقدته بأنشوطة. ونشطت ~~الإبل تنشط نشطا: إذا ذهبت على هدى أو غير هدى، نزعا أو غير نزع. ونشطته ~~الحية فهي تنشطه نشطا، وهو أن تعضه عضا. ونكزته الحية تنكزه نكزا، وهو ~~طعنها الإنسان بأنفها. فالنكز من كل دابة سوى الحية العض. ويقال: نشطته ~~شعوب نشطا وهي المنية. # قال: وتقول العرب. نشطته الشعوب، فتدخل عليها التعريف. PageV04P383 ### || [علة تسميةالنهيش بالسليم] # ويسمون النهيش سليما على الطيرة. قال ابن ميادة: [1] [من الطويل] # كأني بها لما عرفت رسومها ... قتيل لدى أيدي الرقاة سليم ### || [شعر في الحية] # ومما يضربون به المثل بالحيات في دواهي الأمر، كقول الأقيبل القيني [2] : # [من البسيط] # لقد علمت وخير القول أنفعه ... أن انطلاقي إلى الحجاج تغرير # لئن ذهبت إلى الحجاج يقتلني ... إني لأحمق من تحدى به العير # مستحقبا صحفا تدمى طوابعها ... وفي الصحائف حيات مناكير ### || [استطراد لغوى] # وقال الأصمعي: يقال للحية الذكر أيم وأيم، مثقل ومخفف، نحو لين ولين، ~~وهين وهين. قال الشاعر [3] : [من البسيط] # هينون لينون أيسار ذوو يسر ... سواس مكرمة أبناء أيسار # وأنشد في تخفيف الأيم وتشديده [4] : [من الكامل] # ولقد وردت الماء لم تشرب به ... زمن الربيع إلى شهور الصيف # إلا عواسر كالمراط معيدة ... بالليل مورد أيم متغضف ms0600 # الصيف، يعني مطر الصيف. والعواسر: يعني ذئابا رافعة أذنابها. # والمراط: السهام التي قد تمرط ريشها. ومعيدة: يعني معاودة للورد. يقول هو ~~مكان لخلائه يكون فيه الحيات، وترده الذئاب. ومتغضف يريد بعضه على بعض، ~~يريد تثني الحية. # وأنشد لابن هند: [من البسيط] # أودى بأم سليمى لاطئ لبد ... كحية منطو من بين أحجار PageV04P384 # وقال محمد بن سعيد: [من البسيط] # قريحة لم تدنيها السياط ولم ... تورد عراكا ولم تعصر على كدر # كمنطوى الحية النضناض مكمنها ... في الصدر ما لم يهيجها على زور # الليث لليث منسوب أظافره ... والحية الصل نجل الحية الذكر # وقال ذو الرمة [1] : [من الطويل] # وأحوى كأيم الضال أطرق بعدما ... حبا تحت فينان من الظل وارف # قال: ويقال انبست الحيات: إذا تفرقت وكثرت. وذلك عند إقبال الصيف. قال ~~أبو النجم [2] : [من الرجز] # وانبس حيات الكثيب الأهيل # وقال الطرماح [3] : [من الكامل] # وتجرد الأسروع واطرد السفا ... وجرت بجاليها الحداب القردد # وانساب حيات الكثيب وأقبلت ... ورق الفراش لما يشب الموقد # قال: ويقال جبأ عليه الأسود من حجره: إذا فاجأه. وهو يجبأ جبأ وجبوا. # وقال رجل من بني شيبان [4] : [من الطويل] # وما أنا من ريب المنون بجبإ ... وما أنا من سيب الإله بيائس [5] ### || 1141- [ما يشرع في اللبن] # قال: ويقال: اللبن محتضر فغط إناءك. كأنهم يرون أن الجن تشرع فيه، على ~~PageV04P385 # تصديق الحديث في قول المفقود لعمر، حين سأله وقد استهوته الجان: ما كان ~~طعامهم؟ قال الرمة. يريد العظم البالي. قال: فما شرابهم؟ قال: الجدف. قال: ~~وهو كل شراب لا يخمر. # وتقول الأعراب: ليس ذلك إلا في اللبن. وأما الناس فيذهبون إلى أن الحيات ~~تشرع في اللبن، وكذلك سام أبرص، كذلك الحيات تشرع في كثير من المرق. ### || 1142- [حديث في المعصفر] # وجاء في الحديث: «لا تبيتوا في المعصفر؛ فإنها محتضرة» أي يحضرها الجن ~~والعمار. ### || 1143- [شعر فيه االعرقان] # وقال الشاعر فيما يمجنون به، من ذكر الأفعى [1] : [من الوافر] # رماك الله من أير بأفعى ... ولا عافاك من جهد البلاء # أجبنا في الكريهة حين تلقى ... ونعظا ما تفتر في الخلاء!! # فلولا ms0601 الله ما أمسى رفيقي ... ولولا البول عوجل بالخصاء # وقال أبو النجم [2] : [من الكامل] # نظرت فأعجبها الذي في درعها ... من حسنها ونظرت في سرباليا # فرأت لها كفلا ينوء بخصرها ... وعثا روادفه وأخثم ناتيا [3] # ورأيت منتشر العجان مقبضا ... رخوا حمائله وجلدا باليا # أدني له الركب الحليق كأنما ... أدني إليه عقاربا وأفاعيا [4] # وقال آخر [5] : [من الطويل] # مريضة أثناء التهادي كأنما ... تخاف على أحشائها أن تقطعا # تسيب انسياب الأيم أخصره الندى ... يرفع من أطرافه ما ترفعا PageV04P386 ### || 1144- [شعر في العقربان] # وقال إياس بن الأرت [1] : [من السريع] # كأن مرعى أمكم سوءة ... عقربة يكومها عقربان # إكليلها زول وفي شولها ... وخز حديد مثل وخز السنان # كل امرئ قد يتقى مقبلا ... وأمكم قد تتقى بالعجان # وقال آخر [2] لمضيفه: [من الوافر] # تبيت تدهده القذان حولي ... كأنك عند رأسي عقربان [3] # فلو أطعمتني حملا سمينا ... شكرتك؛ والطعام له مكان ### || 1145- [شعر في الحيات و الأفاعي] # وقال النابغة [4] : [من المتقارب] # فلو يستطيعون دبت لنا ... مذاكي الأفاعي وأطفالها [5] # وقال رجل من قريش: [من البسيط] # ما زال أمر ولاة السوء منتشرا ... حتى أظل عليهم حية ذكر # ذو مرة تفرق الحيات صولته ... عف الشمائل قد شدت له المرر # لم يأتهم خبر عنه يلين له ... حتى أتاهم به عن نفسه الخبر # وقال بشار [6] : [من الطويل] # تزل القوافي عن لساني كأنها ... حمات الأفاعي ريقهن قضاء # وقال: [من الطويل] # فكم من أخ قد كان يأمل نفعكم ... شجاع له ناب حديد ومخلب # أخ لو شكرتم فعله لو عضضتم ... رؤوس الأفاعي عض لا يتهيب PageV04P387 # وقال الحارث دعي الوليد، في ذكر الأسود بالسم من بين الحيات: [من الطويل] # فإن أنت أقررت الغداة بنسبتي ... عرفت وإلا كنت فقعا بقردد [1] # ويشمت أعداء ويجذل كاشح ... عمرت لهم سما على رأس أسود # وقال آخر: [من البسيط] # ومعشر منقع لي في صدورهم ... سم الأساود يغلي في المواعيد # وسمتهم بالقوافي فوق أعينهم ... وسم المعيدي أعناق المقاحيد [2] # وقال أبو الأسود [3] : [من المنسرح] # ليتك آذنتني بواحدة ... جعلتها منك آخر الأبد # تحلف ألا تبرني أبدا ... فإن فيها بردا على كبدي # إن كان ms0602 رزقي إليك فارم به ... في ناظري حية على رصد # وقال أبو السفاح يرثي أخاه يحيى بن عميرة ويسميه بالشجاع: [من السريع] # يعدو فلا تكذب شداته ... كما عدا الليث بوادي السباع [4] # يجمع عزما وأناة معا ... ثمت ينباع انبياع الشجاع [5] # وقال المتلمس [6] : [من الطويل] # فأطرق إطراق الشجاع، ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما # وقال معمر بن لقيط أو ابن ذي القروح: [من الطويل] # شموس يظل القوم معتصما به ... وإن كان ذا حزم من القوم عاديا PageV04P388 # أبيت كما بات الشجاع إلى الذرى ... وأغدو على همي وإن بت طاويا # وإني أهض الضيم مني بصارم ... رهيف وشيخ ماجد قد بنى ليا # وهكذا صفة الأفعى؛ لأنها أبدا نابتة مستوية، فإن أنكرت شيئا فنشطتها ~~كالبرق الخاطف. # ووصف آخر أفعى، فقال [1] : [من الرجز] # وقد أراني بطوي الحس ... وذات قرنين طحون الضرس # نضناضة مثل انثناء المرس ... تدير عينا كشهاب القبس # لما التقينا بمضيق شكس ... حتى قنصت قرنها بخمس [2] # وهم يتهاجون بأكل الأفاعي والحيات. قال الشاعر: [من الطويل] # فإياكم والريف لا تقربنه ... فإن لديه الموت والحتم قاضيا # هم طردوكم عن بلاد أبيكم ... وأنتم حلول تشتوون الأفاعيا # وقال عمر بن أبي ربيعة [3] : [من الطويل] # ولما فقدت الصوت منهم وأطفئت ... مصابيح شبت بالعشاء وأنؤر # وغاب قمير كنت أرجو مغيبه ... وروح رعيان وهوم سمر # ونفضت عني الليل أقبلت مشية ال ... حباب، وركني خيفة القوم أزور ### || 1146- [ضرب المثل بسم الأساود] # وضرب كلثوم بن عمرو، المثل بسم الأساود، فقال [4] : [من الطويل] # تلوم على ترك الغنى باهلية ... طوى الدهر عنها كل طرف وتالد # رأت حولها النسوان يرفلن في الكسا ... مقلدة أجيادها بالقلائد [5] # يسرك أني نلت ما نال جعفر ... من الملك، أو ما نال يحيى بن خالد ~~PageV04P389 # وأن أمير المؤمنين أعضني ... معضهما بالمرهفات البوارد! [1] # ذريني تجئني ميتتي مطمئنة ... ولم أتقحم هول تلك الموارد # فإن كريمات المعالي مشوبة ... بمستودعات في بطون الأساود ### || 1147- [حيات الجبل] # وفي التشنيع لحيات الجبل، يقول اللعين المنقري [2] ، لرؤبة بن العجاج: ~~[من البسيط] # إني أنا ابن جلا إن كنت تعرفني ... يا رؤب، والحية الصماء في ms0603 الجبل # أبا الأراجيز يا ابن اللؤم توعدني ... وفي الأراجيز جلب اللؤم والكسل ### || [خبران في الحيات] # الأصمعي، قال: حدثني ابن أبي طرفة. قال [3] مر قوم حجاج من أهل اليمن مع ~~المساء، برجل من هذيل، يقال له أبو خراش، فسألوه القرى، فقال لهم: هذه قدر، ~~وهذه مسقاة، وبذلك الشعب ماء! فقالوا: ما وفيتنا حق قرانا! فأخذ القربة ~~فتقلدها يسقيهم، فنهشته حية. # قال أبو إسحاق: بلغني وأنا حدث، أن النبي صلى الله عليه وسلم «نهى عن ~~اختناث فم القربة، والشرب منه» [4] . قال: فكنت أقول إن لهذا الحديث لشأنا، ~~وما في الشرب من فم قربة حتى يجيء فيها هذا النهي؟! حتى قيل: إن رجلا شرب ~~من فم قربة، فوكعته حية فمات، وإن الحيات تدخل في أفواه القرب، فعلمت أن كل ~~شيء لا أعرف تأويله من الحديث، أن له مذهبا وإن جهلته. ### || [شعر في سلح الحية] # وقال الشاعر في سلخ الحية: [من الرجز] # حتى إذا تابع بين سلخين ... وعاد كالميسم أحماه القين [5] # أقبل وهو واثق بثنتين: ... بسمه الرأس ونهش الرجلين # قال: كأنه ذهب إلى أن سمه لا يكون قاتلا مجهزا حتى تأتي عليه سنتان. ~~PageV04P390 # وزعم بعضهم أن السلخ للحية مثل البزول والقروح للخف والحافر. قال: وليس ~~ينسلخ إلا بعد سنين كثيرة، ولم يقفوا من السنين على حد. # وزعم بعضهم أن الحية تسلخ في كل عام مرتين، والسلخ في الحيات كالتحسير من ~~الطير، وأن الطير لا تجتمع قوية إلا بعد التحسير وتمام نبات الريش. # وكذلك الحية، تضعف في أيام السلخ ثم تشتد بعد. ### || [تأويل رؤيا الحيات] # قال الأصمعي: أخبرني أبو رفاعة، شيخ من أهل البادية، قال: رأيت في المنام ~~كأني أتخطى حيات. فمطرت السماء، فجعلت أتخطى سيولا. # وحكى الأصمعي أن رجلا رأى في المنام في بيوته حيات، فسأل عن ذلك ابن ~~سيرين أو غيره، فقال: هذا رجل يدخل منزله أعداء المسلمين. وكانت الخوارج ~~تجتمع في بيته. ### || [شعر للعرجي و الشماخ في الحيات] # قال العرجي [1] ، في دبيب السم في المنهوش: [من الطويل] # وأشرب جلدي حبها ومشى به ms0604 ... كمشي حميا الكأس في جلد شارب # يدب هواها في عظامي وحبها، ... كما دب في الملسوع سم العقارب # وقال العرجي في العرماء من الأفاعي، وكونها في صدوع الصخر، فقال [2] : ~~[من الطويل] # تأتي بليل ذو سعاة فسلها ... بها حافظ هاد ولم أرق سلما # كمثل شهاب النار في كف قابس ... إذا الريح هبت من مكان تضرما # أبر على الحواء حتى تناذروا ... حماه محاماة من الناس، فاحتمى # يظل مشيحا سامعا، ثم إنها ... إذا بعثت لم تأل إلا تقدما # قال: ويقال: تطوت الحية. وأنشد العرجي [3] : [من الخفيف] # ذكرتني إذ حية قد تطوت ... فرقا عند عرسه في الثياب [4] PageV04P391 # وقال الشماخ، أو البعيث [1] : [من الطويل] # وأطرق إطراق الشجاع وقد جرى ... على حد نابيه الذعاف المسمم ### || 1148- [ما ينبح من الحيوان] # والأجناس التي تذكر بالنباح: الكلب، والحية [2] ، والظبي إذا أسن، ~~والهدهد. # وقد كتبنا ذلك مرة ثم. # قال أبو النجم [3] : [من الرجز] # والأسد قد تسمع من زئيرها ... وباتت الأفعى على محفورها # تأسيرها يحتك في تأسيرها ... مر الرحى تجري على شعيرها [4] # كرعدة الجراء أو هديرها ... تضرم القصباء في تنورها # توقر النفس على توقيرها ... تعلم الأشياء في تنقيرها # في عاجل النفس وفي تأخيرها ### || 1149- [قول في آية] # وسنذكر مسألة وجوابها. وذلك أن ناسا زعموا أن جميع الحيوان على أربعة ~~أقسام. شيء يطير، وشيء يمشي، وشيء يعوم، وشيء ينساح. # وقد قال الله عز وجل: والله خلق كل دابة من ماء، فمنهم من يمشي على بطنه، ~~ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، يخلق الله ما يشاء # [5] . # وقد وضع الكلام على قسمة أجناس الحيوان، وعلى تصنيف ضروب الخلق، ثم قصر ~~عن الشيء الذي وضع عليه كلامه، فلم يذكر ما يطير وما يعوم، ثم جعل ما ~~ينساح، مثل الحيات والديدان، مما يمشي؛ والمشي لا يكون إلا برجل، كما أن ~~العض لا يكون إلا بفم، والرمح لا يكون إلا بحافر؛ وذكر ما يمشي على أربع، ~~وهاهنا PageV04P392 # دواب كثيرة تمشي على ثمان قوائم، وعلى ست، وعلى أكثر من ثمان. ومن تفقد ~~قوائم السرطان وبنات وردان، ms0605 وأصناف العناكب- عرف ذلك. # قلنا: قد أخطأتم في جميع هذا التأويل وحده. فما الدليل على أنه وضع كلامه ~~في استقصاء أصناف القوائم؟ وبأي حجة جزمتم على ذلك؟ وقد قال الله عز وجل: # وقودها الناس والحجارة* # [1] وترك ذكر الشياطين والنار لهم آكل، وعذابهم بها أشد. فترك ذكرهم من ~~غير نسيان، وعلى أن ذلك معلوم عند المخاطب. وقد قال الله عز وجل: خلقكم من ~~تراب ثم من نطفة ثم جعلكم أزواجا # [2] أخرج من هذا العموم عيسى ابن مريم، وقد قصد في مخرج هذا الكلام إلى ~~جميع ولد آدم. وقال: # هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا # [3] أدخل فيها آدم وحواء. ثم قال على صلة الكلام: إنا خلقنا الإنسان من ~~نطفة أمشاج نبتليه # [4] أخرج منها آدم وحواء وعيسى ابن مريم. # وحسن ذلك إذ كان الكلام لم يوضع على جميع ما تعرفه النفوس من جهة استقصاء ~~اللفظ. فقوله: فمنهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين ومنهم من ~~يمشي على أربع # [5] كان على هذا المثال الذي ذكرنا. وعلى أن كل شيء يمشي على أربع فهو ~~مما يمشي على رجلين، والذي يمشي على ثمان هو مما يمشي على أربع، وعلى رجلين ~~وإذا قلت: لي على فلان عشرة آلاف درهم، فقد خبرت أن لك عليه ما بين درهم ~~إلى عشرة آلاف. # وأما قولكم: إن المشي لا يكون إلا بالأرجل، فينبغي أيضا أن تقولوا فإذا ~~هي حية تسعى # [6] : إن ذلك خطأ؛ لأن السعي لا يكون إلا بالأرجل. # وفي هذا الذي جهلتموه ضروب من الجواب: # - أما وجه منه: فهو قول القائل وقول الشاعر: «ما هو إلا كأنه حية» و: ~~«كأن مشيته مشية حية» يصفون ذلك، ويذكرون عنده مشية الأيم والحباب، وذكور ~~PageV04P393 # الحيات. ومن جعل للحيات مشيا من الشعراء، أكثر من أن نقف عليهم. ولو ~~كانوا لا يسمون انسيابها وانسياحها مشيا وسعيا، لكان ذلك مما يجوز على ~~التشبيه والبدل، وأن قام الشيء مقام الشيء أو مقام صاحبه؛ فمن عادة العرب ~~أن تشبه به في ms0606 حالات كثيرة. وقال الله تعالى: هذا نزلهم يوم الدين # [1] والعذاب لا يكون نزلا، ولكنه أجراه مجرى كلامهم، كقول حاتم حين أمروه ~~بفصد بعير، وطعنه في سنامه، وقال: # «هذا فصده!» [2] . # وقال الآخر [3] : [من الرجز] # فقلت يا عمرو اطعمني تمرا ... فكان تمري كهرة وزبرا [4] # وذم بعضهم الفأر، وذكر سوء أثرها في بيته، فقال [5] : [من الرجز] # يا عجل الرحمن بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب # يقول: هذا هو عمارتها. كما يقول الرجل، «ما نرى من خيرك ورفدك إلا ما ~~يبلغنا من حطبك علينا، وفتك في أعضادنا!» [6] . # وقال النابغة في شبيه بهذا، وليس به [7] : [من الطويل] # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # - ووجه آخر: أن الأعراب تزعم- وكذلك قال ناس من الحوائين والرقائين- إن ~~للحية حزوزا في بطنه، فإذا مشى قامت حزوزه، وإذا ترك المشي تراجعت إلى ~~مكانها، وعادت تلك المواضع ملسا. ولم توجد بعين ولا لمس، ولا يبلغها إلا كل ~~حواء دقيق الحس. # وليس ذلك بأعجب من شقشقة الجمل العربي؛ فإنه يظهرها كالدلو، فإذا هو ~~أعادها إلى لهاته تراجع ذلك الجلد إلى موضعه، فلا يقدر أحد عليه بلمس ولا ~~عين. PageV04P394 # وكذلك عروق الكلى إلى المثانة التي يجري فيها الحصى المتولد في الكلية ~~إذا قذفته تلك العروق إلى المثانة، فإذا بال الإنسان انضمت العروق واتصلت ~~بأماكنها، والتحمت حتى كان موضعها كسائر ما جاوز تلك الأماكن. # - ووجه آخر: وهو أن هذا الكلام عربي فصيح؛ إذ كان الذي جاء به عربيا ~~فصيحا، ولو لم يكن قرآنا من عند الله تبارك وتعالى، ثم كان كلام الذي جاء ~~به، وكان ممن يجهل اللحن ولا يعرف مواضع الأسماء في لغته، لكان هذا- خاصة- ~~مما لا يجهله. # فلو أننا لم نجعل لمحمد صلى الله عليه وسلم، فضيلة في نبوة، ولا مزية في ~~البيان والفصاحة، لكنا لا نجد بدا من أن نعلم أنه كواحد من الفصحاء. فهل ~~يجوز عندكم أن يخطئ أحد منهم في مثل هذا في حديث، أو وصف أو خطبة، أو ~~رسالة، فيزعم أن كذا وكذا يمشي أو يسعى أو ms0607 يطير، وذلك الذي قال ليس من لغته ~~ولا من لغة أهله؟! فمعلوم عند هذا الجواب، وعند ما قبله، أن تأويلكم هذا ~~خطأ. # وقال الله عز وجل: إن أصحاب الجنة اليوم في شغل فاكهون # [1] وأصحاب الجنة لا يوصفون بالشغل، وإنما ذلك جواب لقول القائل: خبرني ~~عن أهل الجنة، بأي شيء يتشاغلون؟ أم لهم فراغ أبدا؟ فيقول المجيب: لا، ما ~~شغلهم إلا في افتضاض الأبكار، وأكل فواكه الجنة، وزيارة الإخوان على نجائب ~~الياقوت! وهذا على مثال جواب عامر بن عبد قيس، حين قيل له وقد أقبل من جهة ~~الحلبة، وهو بالشام: من سبق؟ قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم! قيل: فمن ~~صلى؟ قال: أبو بكر! قال: إنما أسألك عن الخيل! قال: وأنا أجيبك عن الخير! ~~[2] وهو كقول المفسر حين سئل عن قوله: لهم رزقهم فيها بكرة وعشيا # [3] فقال: ليس فيها بكرة وعشي. وقد صدق القرآن، وصدق المفسر، ولم ~~يتناكرا، ولم يتنافيا؛ لأن القرآن ذهب إلى المقادير، والمفسر ذهب إلى ~~الموجود، من دوران ذلك مع غروب الشمس وطلوعها. PageV04P395 # وعلى ذلك المعنى روي عن عمر أنه قال: «متعتان كانتا على عهد رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، أنا أنهى عنهما وأضرب عليهما» [1] . # قد كان المسلمون يتكلمون في الصلاة ويطبقون [2] إذا ركعوا، فنهى عن ذلك ~~إمام من الأئمة، وضرب عليه، بعد أن أظهر النسخ، وعرفهم أن ذلك من المنسوخ، ~~فكأن قائلا قال: أتنهانا عن شيء، وقد كان على عهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم؟ فيقول: نعم. وقد قدم الاحتجاج في الناسخ والمنسوخ. # ومن العجب أن ناسا جعلوا هذا القول على المنبر من عيوبه. فإن لم يكن ~~المعنى فيه على ما وصفنا، فما في الأرض أجهل من عمر حين يظهر الكفر في ~~الإسلام على منبر الجماعة، وهو إنما علاه بالإسلام. ثم في شيء ليس له حجة ~~فيه ولا علة. وأعجب منه تلك الأمة، وتلك الجماعة التي لم تنكر تلك الكلمة ~~في حياته، ولا بعد موته؛ ثم ترك ذلك جميع التابعين وأتباع التابعين، حتى ~~أفضى الأمر ms0608 إلى أهل دهرنا هذا. # وتلك الجماعة هم الذين قتلوا عثمان على أن سير رجلا، وهذا لا يقوله إلا ~~جاهل أو معاند. # وعلى تأويل قوله: هذا نزلهم يوم الدين # [3] قال: جهنم يصلونها فبئس المهاد # [4] وقال تعالى: حتى إذا جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم ~~رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا، قالوا بلى ولكن ~~حقت كلمة العذاب على الكافرين # [5] فجعل للنار خزائن، وجعل لها خزنة، كما جعل في الجنة خزائن وجعل لها ~~خزنة. PageV04P396 # ولو أن جهنم فتحت أبوابها، ونحي عنها الخزنة، ثم قيل لكل لص في الأرض، ~~ولكل خائن في الأرض: دونك؛ فقد أبيحت لك! لما دنا منها، وقد جعل لها خزائن ~~وخزنة. وإنما هذا على مثال ما ذكرنا. وهذا كثير في كلام العرب. # والآي التي ذكرنا في صدق هذا الجواب، كلها حجج على الخوارج في إنكارهم ~~المنزلة بين المنزلتين. ### || 1150- [شعر لخلف الأحمر في الحيات] # وقال خلف الأحمر في ذكر الحيات: [من الوافر] # يرون الموت دوني إن رأوني ... وصل صفا لنابيه ذباب [1] # من المتحرمات بكهف طود ... حرام ما يرام له جناب [2] # أبى الحاوون أن يطؤوا حماه ... ولا تسري بعقوته الذئاب [3] # كأن دما أمير على قراه ... وقطرانا أمير به كباب [4] # إذا ما استجرس الأصوات أبدى ... لسانا دونه الموت الضباب # إذا ما الليل ألبسه دحاه ... سرى أصمى تصيح له الشعاب [5] # فقلت لحيان بن عتبي: لم قال موسى بن جابر الحنفي: [من الرمل] # طرد الأروى فما تقربه ... ونفى الحيات عن بيض الحجله # قال: لأن الذئاب تأكل الحيات. قلت: فلم قال خلف الأحمر: # ولا تسري بعقوته الذئاب؟ # قال: لأن الذئاب تأكل الحيات. فظننت أنه حدس ولم يقل بعلم. # وقال الزيادي في يحيى بن أبي حفصة [6] : [من البسيط] # إني ويحيى وما يبغي كملتمس ... صيدا وما نال منه الري والشبعا ~~PageV04P397 # أهوى إلى باب جحر في مقدمه ... مثل العسيب ترى في رأسه قزعا # اللون أربد والأنياب شابكة ... عصل ترى السم يجري بينها قطعا # يهوي إلى الصوت والظلماء عاكفة ... تعرد السيل لاقى الحيد فاطلعا ms0609 # لو نال كفك آبت منه مخضبة ... بيضاء قد جللت أنيابها قزعا # بيعت بوكس قليل فاستقل بها ... من الهزال أبوها بعد ما ركعا # فرد عليه يحيى فقال [1] : [من البسيط] # كم حية ترهب الحيات صولته ... يحمى لريديه قد غادرته قطعا [2] # يلقين حية قف ذا مساورة ... يسقى به القرن من كأس الردى جرعا [3] # تكاد تسقط منهن الجلود؛ لما ... يعلمن منه إذا عاينه، قزعا [4] # أصم ما شم من خضراء أيبسها ... أو مس من حجر أوهاه فانصدعا [5] ### || [شعر في الحيات] # وقال آخر: [من السريع] # وكم طوت من حنش راصد ... للسفر في أعلى الثنيات # أصم أعمى لا يجيب الرقى ... يفتر عن عصل حديدات [6] # منهرت الشدق رقود الضحى ... سار طمور في الدجنات [7] # ذي هامة رقطاء مفطوحة ... من الدواهي الجبليات # صل صفا، تنطف أنيابه ... سمام ذيفان مجيرات [8] # مطلن في اللحيين مطلا إلى ... رأس وأشداق رحيبات # قدمن عن ضرسين واستأخرا ... إلى سماخين ولهوات [9] # يسبته الصبح وطورا له ... نفخ ونفث في المغارات [10] PageV04P398 # وتارة تحسبه ميتا ... من طول إطراق وإخبات [1] # وقال آخر، وهو جاهلي [2] : [من الرجز] # لا هم إن كان أبو عمرو ظلم ... وخانني في علمه وقد علم # فابعث له في بعض أعراض اللمم ... لميمة من حنش أعمى أصم # أسمر زحافا من الرقط العرم ... قد عاش حتى هو لا يمشي بدم [3] # فكلما أقصد منه الجوع شم ... حتى إذا أمسى أبو عمرو ولم # يمس منه مضض ولا سقم ... قام وود بعدها أن لم يقم # ولم يقم لإبل ولا غنم ... ولا لخوف راعه ولا لهم # حتى دنا من رأس نضناض أصم ... فخاضه بين الشراك والقدم [4] # بمذرب أخرجه من جوف كم ... كأن وخز نابه إذا انتظم [5] # وخزة إشفى في عطوف من أدم [6] # ومخالب الأسد وأشباه الأسد من السباع، تكون في غلف، إذا وطئت على بطون ~~أكفها ترفعت المخالب ودخلت في أكمام لها، وهو قول أبي زبيد [7] : [من ~~الوافر] # بحجن كالمحاجن في فتوخ ... يقيها فضة الأرض الدخيس [8] # وكذلك أنياب الأفاعي، هي ما لم تعض فمصونة في أكمام، ألا تراه يقول [9] : # [من الرجز] # فخاضه بين الشراك ms0610 والقدم ... بمذرب أخرجه من جوف كم PageV04P399 ### || [رجز و شعر فى لعاب الحية] # وقال آخر [1] : [من الرجز] # أنعت نضناضا كثير الصقر ... مولده كمولد ابن الدهر [2] # كانا جميعا ولدا في شهر ... يظل في مرأى بعيد القعر # بين حوافي سدر وصخر [3] # وقال: [من الطويل] # وكيف وقد أسهرت عينك تبتغي ... عنادا لنابي حية قد تربدا [4] # من الصم يكفي مرة من لعابه ... وما عاد إلا كان في العود أحمدا [5] ### || [شعر لخلف فى الأفعى] # وقال خلف الأحمر- وهي مخلوطة فيها شيء، وله شيء، من الغبرة وما علمت أن ~~وصف عين الأفعى على معرفة واختبار غيره- وهو قوله [6] : [من الرجز] # 1- # أفعى رخوف العين مطراق البكر ... داهية قد صغرت من الكبر [7] # | 3- # صل صفا ما ينطوي من القصر ... طويلة الإطراق من غير حسر [8] # | 5- # كأنما قد ذهبت به الفكر ... شقت له العينان طولا في شتر # 7- # مهروتة الشدقين حولاء النظر ... جاء بها الطوفان أيام زخر # 9- # كأن صوت جلدها إذا استدر ... نشيش جمر عند طاه مقتدر ### || 1151- [أحاديث في الوزغ] # هشام بن عروة قال: أخبرني أبي أن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كانت ~~تقتل الأوزاغ. PageV04P400 # يحيى بن أبي أنيسة، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت [1] : «سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول للوزغ: فويسق» . # قالت [1] : «ولم أسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتله» . # قال: قالت عائشة رضي الله عنها [1] : «سمعت سعدا يقول: أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم بقتله» . # عبد الرحمن بن زياد قال: أخبرني هشام عن عروة عن عائشة «أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قال للوزغ: الفويسق» . # أبو بكر الهذلي، عن معاذ عن عائشة قالت: «دخل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم علي وفي يدي عكاز فيه زج، فقال: يا عائشة ما تصنعين بهذا؟ قلت: أقتل ~~به الوزغ في بيتي. قال: إن تفعلي فإن الدواب كلها، حين ألقي إبراهيم صلى ~~الله عليه وسلم في النار، كانت تطفئ عنه، وإن هذا كان ينفخ عليه، فصم وبرص» ~~[2] . # وهذه الأحاديث كلها يحتج بها أصحاب الجهالات، ومن زعم أن الأشياء ms0611 كلها ~~كانت ناطقة، وأنها أمم مجراها مجرى الناس. ### || 1152- [تأول آيات من الكتاب] # وتأولوا قوله تعالى: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم ~~أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء # [3] ، وقالوا: قال الله عز وجل: إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض ~~والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا # [4] وقال تعالى: يا جبال أوبي معه والطير # [5] وقال: وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج ~~منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله # [6] . PageV04P401 # فذهبت الجهمية ومن أنكر إيجاد الطبائع مذهبا، وذهب ابن حائط ومن لف لفه ~~من أصحاب الجهالات مذهبا، وذهب ناس من غير المتكلمين، واتبعوا ظاهر الحديث ~~وظاهر الأشعار، وزعموا أن الحجارة كانت تعقل وتنطق، وإنما سلبت المنطق فقط. ~~فأما الطير والسباع فعلى ما كانت عليه. # قالوا: والوطواط، والصرد، والضفدع، مطيعات ومثابات والعقرب، والحية ~~والحدأة، والغراب، والوزغ، والكلب، وأشباه ذلك، عاصيات معاقبات. # ولم أقف على واحد منهم فأقول له: إن الوزغة التي تقتلها على أنها كانت ~~تضرم النار على إبراهيم أهي هذه أم هي من أولادها فمأخوذة هي بذنب غيرها؟ ~~أم تزعم أنه في المعلوم أن تكون تلك الوزغ لا تلد ولا تبيض ولا تفرخ إلا من ~~يدين بدينها، ويذهب مذهبها؟! وليس هؤلاء ممن يفهم تأويل الأحاديث، وأي ضرب ~~منها، يكون مردودا، وأي ضرب منها يكون متأولا، وأي ضرب منها يقال إن ذلك ~~إنما هو حكاية عن بعض القبائل. # ولذلك أقول: لولا مكان المتكلمين لهلكت العوام، واختطفت واسترقت، ولولا ~~المعتزلة لهلك المتكلمون. ### || 1153- [أحاديث في قتل الوزغ] # شريك عن التخمي، عن ليث، عن نافع، أن ابن عمر كان يقتل الوزغ في بيته ~~ويقول هو شيطان! هشام بن حسان، عن خالد الربعي، قال: لم يكن شيء من خشاش ~~الأرض إلا كان يطفئ النار عن إبراهيم، إلا الوزغ، فإنه كان ينفخ عليه. # حنظلة بن أبي سفيان، قال: سمعت القاسم بن محمد يقول إن الأوازغ كانت يوم ~~حرق بيت المقدس تنفخه ms0612 والوطاوط بأجنحتها. # شريك عن النخعي، عن جابر، عن ابن عباس، قال: الوزغ شريك الشيطان. # أبو داود الواسطي قال: أخبرنا أبو هاشم، قال [1] : من قتل وزغة حط الله ~~عنه سبعين خطيئة، ومن قتل سبعا كان كعتق رقبة. PageV04P402 # هشام بن حسان، عن واصل مولى أبي عيينة، عن عقيل، عن يحيى بن يعمر، قال: ~~لأن أقتل مائة من الوزغ أحب إلي من أن أعتق مائة رقبة. # وهذا الحديث ليس من شكل الأول، لأن يحيى بن يعمر لم يزعم أنه يقتله لكفره ~~أو لكفر أبيه، ولكنها دابة تطاعم الحيات وتزاقها وتقاربها، وربما قتلت ~~بعضتها، وتكرع في المرق واللبن ثم تمجه في الأناء فينال الناس بذلك مكروه ~~كبير، من حيث لا يعلمون. وقتله في سبيل قتل الحيات والعقارب. ### || 1154- [صنع السم من الأوزاغ] # وأهل السجن يعملون منها سموما أنفذ من سم البيش [1] ، ومن ريق الأفاعي، ~~وذلك أنهم يدخلون الوزغ قارورة، ثم يصبون فيها من الزيت ما يغمرها، ~~ويضعونها في الشمس أربعين يوما، حتى تختلط بالزيت وتصير شيئا واحدا، فإن ~~مسح السجين منه على رغيف مسحة يسيرة فأكل منه عشرة أنفس ماتوا. ولا أدري لم ~~توخوا من مواضع الدفن عتب الأبواب. ### || 1155- [حديث فيه نصائح] # يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، قال: «أمرنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بأربع ونهانا عن أربع، أمرنا أن نجيف ~~أبوابنا، وأن نخمر آنيتنا، وأن نوكي أسقيتنا، وأن نطفئ سرجنا. فإن الشيطان ~~إذا وجد بابا مجافا لم يفتحه، وإناء مخمرا لم يكشفه، وسقاء موكى لم يحله. ~~وإن الفويسقة تأتي المصباح فتضرمه على أهل البيت [2] . ونهانا عن أربع: ~~نهانا عن اشتمال الصماء، وأن يمشي أحدنا في النعل الواحدة أو الخف الواحد، ~~وأن يحتبي الرجل منا في الثوب الواحد ليس عليه غيره، وأن يستلقي أحدنا على ~~ظهره ويرفع إحدى رجليه على الأخرى» [3] . # وهذا الحديث ليس هذا موضعه، وهو يقع في باب جملة القول في النار، وهو يقع ~~بعد هذا الذي يلي القول في النعام. PageV04P403 ### || 1156- [ما جاء في الحيات ms0613 من الحديث] # شعبة أبو بسطام، قال أخبرني أبو قيس، قال: جلست إلى علقمة بن قيس، وربيع ~~بن خثيم فقال ربيع: قولوا وافعلوا خيرا تجزوا خيرا، وقال علقمة: من استطاع ~~منكم ألا يرى الحية، إلا قتلها إلا التي مثل الميل؛ فإنها جان. وإنه لا ~~يضره قتل حية أو كافر. # إسماعيل المكي، عن أبي إسحاق، عن علقمة قال: قال عبد الله بن مسعود: # من قتل حية فقتل كافرا. # ثم سمعت عبد الرحمن بن زيد يقول: من قتل حية أو عقربا قتل كافرا. # وهذا مما يتعلق به أصحاب ابن حائط، وتأويله في الحديث الآخر. # عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي قال: سمعت القاسم بن عبد الرحمن، يقول: ~~قال عبد الله: من قتل حية أو عقربا فكأنما قتل كافرا. فعلى هذا المعنى يكون ~~تأليف الحديث. # سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما ~~سالمناهن مذ حاربناهن» . # سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قالت عائشة: «من ترك قتل حية مخافة أثآرها ~~فعليه لعنة الله والملائكة» . # الربيع بن صبيح عن عطاء الخراساني قال: كان فيما أخذ على الحيات ألا ~~يظهرن. فمن ظهر منهن حل قتله. وقتالهن كقتال الكفار، ولا يترك قتلهن إلا ~~شاك. # وهذا مما يتعلق به أصحاب ابن حائط. # محمد بن عجلان قال: سمعت أبي يحدث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: «ما سالمناهن مذ حاربناهن» . # ابن جريج قال: أخبرني عبد الله بن عبيد بن عمير قال: أخبرني أبو الطفيل ~~أنه سمع علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: «اقتلوا من الحيات ذا ~~الطفيتين، والكلب الأسود البهيم ذا الغرتين» [1] . # قال: والغرة: حوة تكون بعينيه. PageV04P404 ### || 1157- [طعام بعض الحيوان] # قال صاحب المنطق: الطير على ضربين: أوابد وقواطع، ومنه ما يأكل اللحم لا ~~يأكل غيره وإن لم يكن ذا سلاح. فأما ذو السلاح فواجب أن يكون طعامه اللحم. # ومن الطير ما يأكل الحبوب لا يعدوها، ومنه المشترك الطباع، كالعصفور ~~والدجاج والغراب. فإنها تأكل النوعين جميعا، ms0614 وكطير الماء، يأكل السمك ويلقط ~~الحب. # ومنه ما يأكل شيئا خاصا، مثل جنس النحل المعسل الذي غذاؤه شيء واحد، وجنس ~~العنكبوت، فإن طعم النحل المعسل العسل، والعنكبوت يعيش من صيد الذباب. ### || [ماله مسكن من الحيوان] # ومن الحيوان ما له مسكن ومأوى، كالخلد، والفأر، والنمل، والنحل، والضب. ~~ومنه ما لا يتخذ شيئا يرجع إليه كالحيات لأن ذكورة الحيات سيارة، وإناثها ~~إنما تقيم في المكان إلى تمام خروج الفراخ من البيض، واستغناء الفراخ ~~بأنفسها. # ومنها ما يكون يأوي إلى شقوق الصخور والحيطان، والمداخل الضيقة، مثل سام ~~أبرص. # قال: والحيات تألفها كما تألف العقارب الخنافس. والعظايا تألف المزابل ~~والخرابات. والوزغ قريبة من الناس. ### || 1158- [زعم زرادشت في العظايا وسوام أبرص] # وزعم زرادشت أن العظايا ليست من ذوات السموم، وأن سام أبرص من ذوات ~~السموم، وأن أهرمن [1] لما قعد ليقسم السموم. كان الحظ الأوفر لكل شيء سبق ~~إلى طلبه، كالأفاعي، والثعابين والجرارات، وأن نصيب الوزغ نصيب وسط قصد، لا ~~يكمل أن يقتل، ولكنه يزاق [2] الحية، فتميره [3] مما عندها. ومتى دبر [4] ~~الوزغ جاء منه السم القاتل، أسرع من سم البيش، ومن لعاب الأفاعي، فأما ~~العظاية فإنها احتبست عن الطلب حتى نفذ السم، وأخذ كل شيء قسطه، على قدر ~~السبق والبكور، فلما جاءت العظاية وقد فني السم، دخلها من الحسرة، ومما ~~علاها من الكرب، حتى جعلت وجهها إلى الخرابات والمزابل، فإذا رأيت العظاية ~~تمشي مشيا PageV04P405 # سريعا ثم تقف، فإن تلك الوقفة إنما هي لما يعرض لها من التذكر والحسرة ~~على ما فاتها من نصيبها من السم. ### || 1159- [رد عليه] # ولا أعلم العظاية في هذا القياس إلا أكثر شرورا من الوزغ؛ لأنها لولا ~~إفراط طباعها في الشرارة، لم يدخلها من قوة الهم مثل الذي دخلها ولم يستبن ~~للناس من اغتباط الوزغ بنصيبه من السم، بقدر ما استبان من ثكل العظاية، ~~وتسللها وإحضارها وبكائها وحزنها، وأسفها على ما فاتها من السم. ### || 1160- [زعم زرادشت في خلق الفأرة والسنور] # ويزعم زرادشت، وهو مذهب المجوس، أن الفأرة من خلق الله، وأن السنور من ms0615 ~~خلق الشيطان، وهو إبليس، وهو أهرمن [1] . فإذا قيل له: كيف تقول ذلك ~~والفأرة مفسدة، تجذب فتيلة المصباح فتحرق بذلك البيت والقبائل الكثيرة، ~~والمدن العظام، والأرباض الواسعة، بما فيها من الناس والحيوان والأموال، ~~وتقرض دفاتر العلم، وكتب الله، ودقائق الحساب، والصكاك [2] ، والشروط؛ ~~وتقرض الثياب، وربما طلبت القطن لتأكل بزره فتدع اللحاف غربالا، وتقرض ~~الجرب، وأوكية الأسقية والأزقاق والقرب فتخرج جميع ما فيها؛ وتقع في الآنية ~~وفي البئر، فتموت فيه وتحوج الناس إلى مؤن عظام؛ وربما عضت رجل النائم، ~~وربما قتلت الإنسان بعضتها. والفأر بخراسان ربما قطعت أذن الرجل. وجرذان ~~أنطاكية تعجز عنها السنانير، وقد جلا عنها قوم وكرهها آخرون لمكان جرذانها، ~~وهي التي فجرت المسناة [3] ، حتى كان ذلك سبب الحسر [4] بأرض سبأ؛ وهي ~~المضروب بها المثل، وسيل العرم مما تؤرخ بزمانه العرب. والعرم: المسناة. ~~وإنما كان جرذا. # وتقتل النخل والفسيل، وتخرب الضيعة، وتأتي على أزمة الركاب والخطم، وغير ~~ذلك من الأموال. PageV04P406 # والناس ربما اجتلبوا السنانير ليدفعوا بها بوائق الفأر- فكيف صار خلق ~~الضار المفسد من الله، وخلق النافع من الضرر من خلق الشيطان؟! والسنور يعدى ~~به على كل شيء خلقه الشيطان من الحيات، والعقارب، والجعلان، وبنات وردان، ~~والفأرة لا نفع لها، ومؤنها عظيمة. # قال: لأن السنور لو بال في البحر لقتل عشرة آلاف سمكة! فهل سمعت بحجة قط، ~~أو بحيلة، أو بأضحوكة، أو بكلام ظهر على تلقيح هرة، يبلغ مؤن هذا ~~الاعتلال؟! فالحمد لله الذي كان هذا مقدار عقولهم واختيارهم. # وأنشد أبو زيد [1] : [من الرجز] # والله لو كنت لهذا خالصا ... لكنت عبدا آكل الأبارصا # يعني جماع سام أبرص: أبارص. ### || 1161- [أثر أكل سام أبرص ونحوه] # وسام أبرص ربما قتل أكله، وليس يؤكل إلا من الجوع الشديد. وربما قتل ~~السنانير وبنات عرس، والشاهمرك [2] ، وجميع اللقاطات. # وقال آخر [3] : [من الوافر] # كأن القوم عشوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم # وهو شيء يعرض عن أكل دسم الضأن، وهو أيضا يلقى على دسمه النعاس. # وقد يفعل ذلك الحيق. والخشخاش. # والخشخاش يسمى بالفارسية «أناركبو» وتأويله رمان الخس. ms0616 وإنما اشتق له ذلك ~~إذ كان يورث النعاس، كما يورثه الخس. ### || [أكل السمانى] # وأكل الطعام الذي فيه سمان يورث الدوار. وزعموا أن صبيا من الأعراب فيما ~~PageV04P407 # مضى من الدهر، صاد هامة على قبر، فظنها سمان، فأكلها فغثت نفسه، فقال [1] ~~: # [من الرجز] # نفسي تمقس من سمانى الأقبر ### || [استطراد لغوي] # ويقال: غثت نفسه غثيانا وغثيا، ولقست تلقس لقسا، وتمقست تتمقس تمقسا: إذا ~~غثيت. ### || 1162- [أكل الأعراب للحيات] # وأخبرني صباح بن خاقان، قال: كنت بالبادية، فرأيت ناسا حول نار فسألت ~~عنهم، فقالوا: قد صادوا حيات فهم يشوونها ويأكلونها؛ إذ نظرت إلى رجل منهم ~~ينهش حية قد أخرجها من الجمر، فرأيته إذا امتنعت عليه يمدها كما يمد عصب لم ~~ينضج. فما صرفت بصري عنه حتى لبط به [2] ، فما لبث أن مات، فسألت عن شأنه، ~~فقيل لي: عجل عليها قبل أن تنضج وتعمل النار في متنها. ### || [أكل الحوائين للحيات] # وقد كان قد بغداد وفي البصرة جماعة من الحوائين، يأكل أحدهم أي حية أشرت ~~إليها في جونته، غير مشوية. وربما أخذ المرارة وسط راحته، فلطعها بلسانه، ~~ويأكل عشرين عقربانة نية بدرهم. وأما المشوي فإن ذلك عنده عرس. ### || 1163- [شعر في الحيات] # وقال كثير [3] : [من الوافر] # وما زالت رقاك تسل ضغني ... فتخرج من مكامنها ضبابي # وترقيني لك الحاوون حتى ... أجابت حية خلف الحجاب # وقال أبو عدنان، وذكر ابن ثروان الخارجي، حين كان صار إلى ظهر البصرة، ~~وخرج إليه من خرج من بني نمير: [من الطويل] # حسبت نميرا يا ابن ثروان كالألى ... لقيتهم بالأمس: ذهلا ويشكرا # كما ظن صياد العصافير أن في ... جميع الكوى، جهلا، فراخا وأطيرا ~~PageV04P408 # فأدخل يوما كفه جحر أسود ... فشرشره بالنهش حتى تشرشرا [1] # أراد قول رؤبة [2] : [من الرجز] # كنتم كمن أدخل في حجر يدا ... فأخطأ افعى ولاقى الأسودا # لو مس حرفي حجر تقصدا ... بالشم لا بالسم منه قصدا [3] # فقدم الأسود على الأفعى، وهذا لا يقوله من يعرف مقدار سم الحيات، وقال ~~عنترة [4] : [من الطويل] # حلفنا لهم والخيل تردي بنا معا ... نزايلكم حتى تهروا العواليا # عوالي سمر من ms0617 رماح ردينة ... هرير الكلاب يتقين الأفاعيا ### || [حديث فى الحية] # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اتقوا ذا الطفيتين والأبتر» [5] . # شبه الخيطين على ظهره بخوص المقل. وأنشدت لأبي ذؤيب [6] : [من الطويل] # عفت غير نؤي الدار لأيا أبينه ... وأقطاع طفي قد عفت في المعاقل [7] # والطفي: خوص المقل. # وهم يصفون بطن المرأة الهيفاء الخميصة البطن، ببطن الحية. وهي الأيم. # وقال العجاج [8] : [من الرجز] # وبطن أيم وقواما عسلجا # [9] PageV04P409 ### || [مناقضة شعرية] # وقال أدهم بن أبي الزعراء، وشبه نفسه بحية: [من الطويل] # وما أسود بالبأس ترتاح نفسه ... إذا حلبة جاءت ويطرق للحس # به نقط حمر وسود كأنما ... تنضح نضحا بالكحيل وبالورس [1] # أصم قطاري يكون خروجه ... قبيل غروب الشمس مختلط الدمس [2] # له منزل، أنف ابن قترة يغتذي ... به السم، لم يظهر نهارا إلى الشمس [3] # يقيل إذا ما قال بين شواهق ... تزل العقاب عن نفانفها الملس [4] # بأجرأ مني يا ابنة القوم مقدما ... إذا الحرب دبت أو لبست لها لبسي [5] # فأجابه عنترة الطائي، فقال [6] : [من الطويل] # عساك تمنى من أراقم أرضنا ... بأرقم يسقى السم من كل منطف [7] ### || [شعر في الأسود] # وقال عنترة [8] : [من الطويل] # أترجو حياة يا ابن بشر بن مسهر ... وقد علقت رجلاك في ناب أسودا # أصم جبالي إذا عض عضة ... تزايل عنه جلده فتبددا # بسلع صفا لم يبد للشمس قبلها ... إذا ما رآه صاحب اليم أرعدا [9] # له ربقة في عنقه من قميصه ... وسائره عن متنه قد تقددا [10] # رقود ضحيات، كأن لسانه ... إذا سمع الأجراس مكحال أرمدا [11] # يفيت النفوس قبل أن يقع الرقى ... وإن أبرق الحاوي عليه وأرعدا [12] ~~PageV04P410 ### || [شعر فى الحية] # وقال آخر [1] : [من البسيط] # لا ينبت العشب في واد تكون به ... ولا يجاورها وحش ولا شجر # ربداء شابكة الأنياب ذابلة ... ينبو، من اليبس، عن يافوخها الحجر # لو سرحت بالندى ما مسها بلل ... ولو تكنفها الحاوون ما قدروا [2] # قد حاوروها فما قام الرقاة لها ... وخاتلوها فما نالوا ولا ظفروا # تقصر الورل العادي بضربتها ... نكزا، ويهرب عنها الحية الذكر [3] ### || جملة القول في الظليم ### ||| 1164- [أعاجيب في الظليم] # فمما فيه من ms0618 الأعاجيب أنه يغتذي الصخر، ويبتلع الحجارة، ويعمد إلى المرو، ~~والمرو من الحجارة التي توصف بالملاسة، ويبتلع الحصى، والحصى أصلب من ~~الصخر، ثم يميعه ويذيبه في قانصته، حتى يجعله كالماء الجاري، ويقصد إليه ~~وهو واثق باستمرائه وهضمه، وأنه له غذاء وقوام. # وفي ذلك أعجوبتان: إحداهما التغذي بما لا يتغذي به. والأخرى استمراؤه ~~وهضمه للشيء الذي لو ألقي في شيء ثم طبخ أبدا ما انحل ولا لان، والحجارة هو ~~المثل المضروب في الشدة. قال الشاعر: [من البسيط] # حتى يلين لضرس الماضغ الحجر # وقال آخر [4] : [من البسيط] # ما أطيب العيش لو أن الفتى حجر ... تنبو الحوادث عنه وهو ملموم [5] # ووصف الله قلوب قوم بالشدة والقسوة، فقال: فهي كالحجارة أو أشد قسوة # [6] ، وقال في التشديد: نارا وقودها الناس والحجارة # [7] . لأنه حين حذر PageV04P411 # الناس أعلمهم أنه يلقي العصاة في نار تأكل الحجارة. # ومن الحجارة ما يتخذه الصفارون [1] علاة [2] دون الحديد؛ لأنه أصبر على ~~دق عظام المطارق والفطيسات [3] . # فجوف النعامة يذيب هذا الجوهر الذي هذه صفته. ### ||| 1165- [شواهد لأكل النعام الحصى والحجارة] # وقال ذو الرمة [4] : [من البسيط] # أذاك أم خاضب بالسي مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب [5] # شخت الجزارة مثل البيت سائره ... من المسوح خدب شوقب خشب [6] # كأن رجليه مسماكان من عشر ... صقبان لم يتقشر عنهما النجب [7] # الهاه آء وتنوم، وعقبته ... من لائح المرو، والمرعى له عقب [8] # وقال أبو النجم [9] : [من الرجز] # والمرو يلقيه إلى أمعائه ... في سرطم ماد على التوائه [10] # يمور في الحلق على علبائه ... تمعج الحية في غشائه [11] # هاد ولو حار بحوصلائه ### ||| [إذابة جوف الظليم للحجارة] # [12] ومن زعم أن جوف الظليم إنما يذيب الحجارة بقيظ الحرارة فقد أخطأ. ~~ولكن PageV04P412 # لابد من مقدار للحرارة ونحو غرائز أخر، وخاصيات أخر، ألا ترى أن القدور ~~التي يوقد تحتها الأيام والليالي، لا تذوب. ### ||| 1166- [القول في الخاصيات والمقابلات والغرائز] # وسأدلك على أن [القول في الخاصيات والمقابلات والغرائز] # حق. ألا ترى أن جوف الكلب والذيب يذيبان العظام ولا يذيبان نوى التمر، ~~ونوى التمر أرخى وألين وأضعف من العظام المصمتة. وما أكثر ms0619 ما يهضم العظم. ~~وقد يهضم العظم جوف الأسد وجوف الحية. إذا ازدردت بضع اللحم بالشره والنهم، ~~وفيها بعض العظام. # والبراذين التي يحيل أجوافها القت والتبن روثا، لا تستمري الشعير. # والإبل تقبض بأسنانها على أغصان أم غيلان، وله شوك كصياصي [1] البقر، ~~والقضبان علكة [2] يابسة جرد، وصلاب متينة، فتستمرئها وتجعلها ثلطا [3] ، ~~ولا تقوى على هضم الشعير المنقع، وليس ذلك إلا بالخصائص والمقابلات. # وقد قدر كل شيء لشيء. ولولا ذلك لما نفذ خرطوم البعوضة والجرجسة في جلد ~~الفيل والجاموس، ولما رأيت الجاموس يهرب إلى الانغماس في الماء مرة، ومرة ~~يتلطخ بالطين، ومرة يجعله أهله على ربيث الدكان. ولو دفعوا إليك مسلة شديدة ~~المتن، لما أدخلتها في جلد الجاموس إلا بعد التكلف، وإلا ببعض الاعتماد. # والذي سخر جلد الجاموس حتى انفرى وانصدع لطعنة البعوضة، وسخر جلد الحمار ~~لطعنة الذباب، وسخر الحجارة لجوف الظليم، والعظم لجوف الكلب- هو الذي سخر ~~الصخر الصلب لأذناب الجراد، إذا أرادت أن تلقي بيضها؛ فإنها في تلك الحال ~~متى عقدت ذنبها في ضاحي صخرة انصدعت لها. ولو كان انصداعها من جهة الأسر ~~[4] ، ومن قوة الآلة، ومن الصدم وقوة الغمز، لا نصدعت لما هو في الحس أشد ~~وأقوى، ولكنه على جهة التسخير، والمقابلات، والخصائص. # وكذلك عود الحلفاء، مع دقته ورخاوته ولين انعطافه، إذا نبت في عمق الأرض، ~~وتلقاه الآجر والخزف الغليظ، ثقب ذلك، عند نباته وشبابه، وهو في ذلك عبقر ~~نضير. # وزعم لي ناس من أهل الأردن، أنهم وجدوا الحلفاء قد خرق جوف القار [5] . ~~PageV04P413 # وزعم لي أبو عتاب الجرار، أنه سمع الأكرة يخبرون أنهم وجدوه قد خرق فلسا ~~بصريا [1] . # وليس ذلك لشدة الغمز وحدة الرأس، ولكنه يكون على قدر ملاقاة الطباع. # ويزعمون أن الصاعقة تسقط في حانوت الصيقل [2] فتذيب السيوف بطبعها، وتدع ~~الأغماد على شبيه بحالها، وتسقط على الرجل ومعه الدراهم فتسبك الدراهم، ولا ~~يصيب الرجل أكثر من الموت. # والبحريون عندنا بالبصرة والأبلة التي تكون فيها الصواعق. لا يدعون في ~~صحون دورهم وأعالي سطوحهم، شيئا من الصفر إلا رفعوه؛ لأنها عندهم تنقض ms0620 من ~~أصل مخارجها، على مقدار من محاذاة الأرض، ومقابلة المكان. فإذا كان الصفر ~~لها ضاحيا، عدلت إليه عن سننها [3] . # وما أنكر ما قالوا. وقد رأيتهم يستعملون ذلك. # وقد يسقط النوى في تراب المتوضإ، فإذا صهرج [4] نبت، فإذا انتهى إلى ~~الصاروج أمسك. وإن كان الصاروج رقيقا فإن قير، وجعل غلظه بقدر طول الإبهام، ~~نبت ذلك النوى حتى يخرق ذلك القار. # ولو رام رجل خرقه بمسمار أو سكة، لما بلغ إرادته حتى يشق على نفسه. # والذي سخر هذه الأمور القوية في مذهب الرأي وإحساس الناس، هو الذي سخر ~~القمقم، والطيجن [5] ، والمرجل، والطست [6] ، لإبرة العقرب. فما أحصي عدد ~~من أخبرني من الحوائين، من أهل التجارب، أنها ربما خرجت من جحرها في الليل ~~لطلب الطعم. ولها نشاط وعرام، فتضرب كل ما لقيت ولقيها: من حيوان، أو نبات، ~~أو جماد. # وزعم لي خاقان بن صبيح- واستشهد المثنى بن بشر، وما كان يحتاج خبره إلى ~~شاهد؛ لصدقه- أنه سمع في داره نقرة وقعت على قمقم- وقد كان سمع بهذا ~~PageV04P414 # الحديث- فنهض نحو الصوت، فإذا هو بعقرب فتعاورها هو والمثني بنعالهما حتى ~~قتلاها، ثم دعوا بماء فصباه في القمقم في عشيتهما، وهو صحيح لا يسيل منه ~~شيء. # فمن تعجب من ذلك فليصرف بديا تعجبه إلى الشيء الذي تقذفه بذنبها العقرب ~~في بدن الإنسان والحمير والبغال، فليفكر في مقدار ذلك من القلة والكثرة. # فقد زعم لي ناس من أهل العسكر أنهم وزنوا جرارة [1] بعد أن ألسعوها ~~فوجدوا وزنها على تحقيق الوزن على مقدار واحد، فإن كان الشيء المقذوف من ~~شكل الشيء الحار، فلم قصرت النار عن مبلغ عمله؟! وإن كان من شكل الشيء ~~البارد فلم قصر الثلج عن مبلغ عمله؟! فقد وجب الآن أن السم ليس يقتل ~~بالحرارة، ولا بالبرودة إذا كان باردا. ولو وجدنا فيما أردنا شيئا بلغ مبلغ ~~الثلج والنار لذكرناه. # فقد دل ما ذكرنا على أن جوف النعامة ليس يذيب الصخر الأملس بالحرارة، ~~ولكنه لا بد على كل حال من مقدار من الحرارة، مع خاصيات أخر، ليست بذات ~~أسماء، ms0621 ولا تعرف إلا بالوهم في الجملة. ### ||| 1167- [علة قتل السم] # والسم يقتل بالكم والكيف والجنس، والكم المقدار، والكيف: الحد. # والجنس: عين الجوهر وذاته. # وتزعم الهند أن السم إنما يقتل بالغرابة، وأن كل شيء غريب خالط جوف حيوان ~~قتله. وقد أبى ذلك ناس فقالوا: وما باله يكون غريبا إذا لاقى العصب واللحم، ~~وربما كان عاملا فيهما جميعا. بل ليس يقتل إلا بالجنس، وليس تحس النفس إلا ~~بالجنس، ولو كان الذي يميت حسهما إنما يميته لأنه غريب. جاز أيضا أن يكون ~~الحساس إنما حس لأنه غريب، ولو كان هذا جائزا لقيل في كل شيء. # وقال ابن الجهم: لولا أن الذهب المائع، والفضة المائعة، يجمدان إذا صارا ~~في جوف الإنسان. وإذا جمدا لم يجاوزا مكانهما- لكانا من القواتل بالغرابة. # وهذا القول دعوى في النفس، والنفس تضيق جدا. وما قرأت للقدماء في النفس ~~الأجلاد الكثيرة. وإنما يستدل ببقاء تلك الكتب على وجه الدهر إلى يومنا ~~هذا، ونسخ الرجال لها أمة بعد أمة، وعمرا بعد عمر، على جهل أكثر الناس ~~بالكلام. والمتكلمون يريدون أن يعلموا كل شيء، ويأبى الله ذلك. فهذا باب من ~~أعاجيب الظليم. PageV04P415 ### | باب آخر وهو عندي أعجب من الأول # [و هو عندى أعجب من الأول] # وهو ابتلاعه الجمر حتى ينفذ إلى جوفه، فيكون جوفه هو العامل في إطفائه، ~~ولا يكون الجمر هو العامل في إحراقه. # وأخبرني إبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام- وكنا لا نرتاب بحديثه إذا حكى ~~عن سماع أو عيان- أنه شهد محمد بن عبد الله- يلقي الحجر في النار، فإذا عاد ~~كالجمر قذف به قدامه، فإذا هو يبتلعه كما يبتلع الجمر. كنت قلت له: إن ~~الجمر سخيف سريع الانطفاء إذا لقي الرطوبات، ومتى أطبق عيه شيء يحول بينه ~~وبين النسيم خمد، والحجر أشد إمساكا لما يتداخله من الحرارة، وأثقل ثقلا، ~~وألزق لزوقا وأبطأ انطفاء، فلو أحميت الحجارة! فأحماها ثم قذف بها إليه، ~~فابتلع الأولى فارتبت به، فلما ثنى وثلث اشتد تعجبي له، فقلت له: لو أحميت ~~أواقي الحديد، ما كان منها ربع رطل ونصف ms0622 رطل! ففعل، فابتلعه، فقلت: هذا ~~أعجب من الأول والثاني، وقد بقيت علينا واحدة، وهو أن ننظر: أيستمري الحديد ~~كما يستمري الحجارة؟ ولم يتركنا بعض السفهاء وأصحاب الخرق [1] أن نتعرف ذلك ~~على الأيام. # وكنت عزمت على ذبحه وتفتيش جوفه وقانصته، فلعل الحديد يكون قد بقي هناك ~~لا ذائبا ولا خارجا فعمد بعض ندمائه إلى سكين فأحمي، ثم ألقاه إليه ~~فابتلعه، فلم يجاوز أعلى حلقه حتى طلع طرف السكين من موضع مذبحه، ثم خر ~~ميتا. فمنعنا بخرقه من استقصاء ما أردنا. ### || 1168- [شبه النعامة بالبعير وبالطائر] # وفي النعامة أنها لا طائر ولا بعير، وفيها من جهة المنسم والوظيف [2] ~~والخرمة [3] ، والشق الذي في أنفه، ما للبعير. وفيها من الريش والجناحين ~~والذنب والمنقار، ما للطائر. وما كان فيها من شكل الطائر أخرجها ونقلها إلى ~~البيض، وما كان فيها من شكل البعير لم يخرجها ولم ينقلها إلى الولد. وسماها ~~أهل PageV04P416 # فارس: «أشتر مرغ» ، كأنهم قالوا: هو طائر وبعير. ### || [شعر في شبه النعامة بالعبير و الطائر] # وقال يحيى بن نوفل [1] : [من الوافر] # فأنت كساقط بين الحشايا ... تصير إلى الخبيث من المصير # ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاظمها إذا ما قيل طيري # فإن قيل احملي قالت فإني ... من الطير المربة بالوكور [2] # ثم هجا خالدا فقال: # وكنت لدى المغيرة عير سوء ... تصول، من المخافة، للزئير # لأعلاج ثمانية وعلج ... كبير السن ذي بصر ضرير # هتفت بكل صوتك: أطعموني ... شرابا، ثم بلت على السرير # وإنما قيل ذلك في النعامة؛ لأن الناس يضربون بها المثل للرجل إذا كان ممن ~~يعتل في كل شيء يكلفونه بعلة، وإن اختلف ذلك التكليف، وهو قولهم: «إنما أنت ~~نعامة، إذا قيل لها احملي قالت: أنا طائر، وإذا قيل لها طيري قالت: أنا ~~بعير» ، ### || 1169- [قصة أذني النعامة] # وتزعم الأعراب أن النعامة ذهبت تطلب قرنين، فرجعت مقطوعة الأذنين؛ فلذلك ~~يسمونه الظليم، ويصفونه بذلك [3] . # وقد ذكر أبو العيال الهذلي ذلك، فقال [4] : [من الكامل] # وإخال أن أخاكم وعتابه ... إذ جاءكم بتعطف وسكون # يمسي إذا يمسي ببطن جائع ... صفر ووجه ساهم مدهون [5] # فغدا ms0623 يمث ولا يرى في بطنه ... مثقال حبة خردل موزون [6] PageV04P417 # أو كالنعامة إذ غدت من بيتها ... ليصاغ قرناها بغير أذين # فاجتثت الأذنان منها فانثنت ... صلماء ليست من ذوات قرون [1] ### || 1170- [تقليد الغراب للعصفور] # ويقولون: ذهب الغراب يتعلم مشية العصفور، فلم يتعلمها، ونسي مشيته، فلذلك ~~صار يحجل ولا يقفز قفزان العصفور. ### || 1171- [مشي طوائف من الحيوان] # والبرغوث والجرادة ذات قفز، ولا تمشي مشية لديك والصقر والبازي، ولكن ~~تمشي مشية المقيد أو المحجل خلقه. # قال أبو عمران الأعمى، في تحول قضاعة إلى قحطان عن نزار [2] : [من ~~الطويل] # كما استوحش الحي المقيم ففارقوا ال ... خليط فلا عز الذين تحملوا # كتارك يوما مشية من سجية ... لأخرى ففاتته فأصبح يحجل ### || 1172- [عظام النعامة] # ومن أعاجيبها أنها مع عظم عظامها، وشدة عدوها، لا مخ فيها. # وفي ذلك يقول الأعلم الهذلي [3] : [من الوافر] # على حت البراية زمخري الس ... واعد ظل في شري طوال # يعني ظليما شبه به عدو فرسه. والحت: السريع. والشري: الحنظل. وبرايته: # قوته على ما يبريه من السير. والسواعد: مجاري مخه في العظم وكذلك مجاري ~~عروق الضرع، يقال لها السواعد. # قال: ونظن إنما قيل لها ذلك لأن بعضها يسعد بعضا، كأنه من التعاون أو من ~~المواساة. PageV04P418 # قال: والزمخري: الأجوف. ويقال: إن قصب عظم الظليم لا مخ له. وقال أبو ~~النجم [1] : [من الرجز] # هاو يظل المخ في هوائه # وواحد السواعد: ساعد. # وقال صاحب المنطق: ليس المخ إلا في المجوفة، مثل عظم الأسد. # وفي بعض عظامه مخ يسير. وكذلك المخ قليل في عظام الخنازير، وليس في بعضها ~~منه شيء البتة. ### || 1173- [بيض النعام و ما قيل فيه من الشعر] # ومن أعاجيبها [2] أنها مع عظم بيضها تكثر عدد البيض، ثم تضع بيضها طولا، ~~حتى لو مددت عليها خيطا لما وجدت لها منه خروجا عن الأخرى، تعطي كل بيضة من ~~ذلك قسطه، ثم هي مع ذلك ربما تركت بيضها وذهبت تلتمس الطعام، فتجد بيض أخرى ~~فتحضنه، وربما حضنت هذه بيض تلك، وربما ضاع البيض بينهما. # وأما عدد بيضها ورئالها فقد قال ذو الرمة [3] : [من ms0624 البسيط] # أذاك أم خاضب بالسي مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى وهو منقلب # وفي وضعها له طولا وعرضا على خط وسطر، يقول [4] : [من الوافر] # وما بيضات ذي لبد هجف ... سقين بزاجل حتى روينا [5] # وضعن فكلهن على غرار ... هجان اللون لم تقرع جنينا # يبيت يحفهن بمرفقيه ... ويلحفهن هفهافا ثخينا [6] PageV04P419 # وقال الآخر [1] : [من البسيط] # تهوي بها مكربات في مرافقها ... فتل صلاب مياسير معاجيل [2] # يدا مهاة، ورجلا خاضب سنق ... كأنه من جناه الشري مخلول [3] # هيق هجف وزفانية مرطى ... زعراء، ريش جناحيها هراميل [4] # كأنما منثنى أقماع ما هصرت ... من العفاء بليتيها ثآليل [5] # تروحا من سنام العرق فالتبطا ... إلى القنان التي فيها المداحيل [6] # إذا استهلا بشؤبوب فقد فعلت ... بما أصابا من الأرض الأفاعيل [7] # فصادفا البيض قد أبدت مناكبها ... منها الرئال، لها منها سرابيل [8] # فنكبا ينقفان البيض عن بشر ... كأنها ورق البسباس مغسول [9] ### || 1174- [تشبيه القدر الضخمة بالنعامة] # والشعراء يشبهون القدر الضخمة التي تكون بمنزل العظيم وأشباهه من ~~PageV04P420 # الأجواد، بالنعامة. قال الرماح، ابن ميادة [1] : [من الطويل] # وقلت لها لا تعجلي # .... # ... كذلك تقري الشوك ما لم تردد # إلى جامع مثل النعامة يلتقي ... عوازبه فوق # ............. # جامع: يعني القدر. وجعلها مثل النعامة. # وقال ابن ميادة [2] يمدح الوليد بن يزيد: [من الطويل] # نتاج العشار المنقيات إذا شتت ... روابدها مثل النعام العواطف [3] # وقال الفرزدق [4] : [من الطويل] # وقدر كحيزوم النعامة أحمشت ... بأجذال خشب زال عنها هشيمها [5] ### || 1175- [الذئب والنعام] # وضحك أبو كلدة حين أنشد شعر ابن النطاح، وهو قوله [6] : [من الكامل] # والذئب يلعب بالنعام الشارد # قال: وكيف يلعب بالنعام، والذئب لا يعرض لبيض النعام وفراخه حين لا ~~يكونان حاضرين، أو يكون أحدهما، لأنهما متى ناهضاه ركضه الذكر فرماه إلى ~~الأنثى، وأعجلته الأنثى فركضته ركضة تلقيه إلى الذكر فلا يزالان كذلك حتى ~~يقتلاه أو يعجزهما هربا، وإذا حاول ذلك منه أحدهما لم يقو عليه. قال: فكيف ~~يقول: [من الكامل] # والذئب يلعب بالنعام الشارد # وهذه حاله مع النعام؟! PageV04P421 # وزعم أن نعامتين اعتورتا ذئبا فهزمتاه، وصعد شجرة، فجالدهما، فنقره ~~أحدهما، فتناول الذئب رأسه فقطعه، ثم نزل إلى الآخر فساوره ms0625 فهزمه. ### || 1176- [جبن الظليم و نفاره] # والظليم يوصف بالجبن، ويوصف بالنفار والتوحش وقال سهم بن حنظلة [1] ، في ~~هجائه بني عامر: [من المتقارب] # إذا ما رأيت بني عامر ... رأيت جفاء ونوكا كثيرا # نعام تجر بأعناقها ... ويمنعها نوكها أن تطيرا ### || 1177- [ضرر النعامة] # والنعامة تتخذها الناس في الدور، وضررها شديد، لأنها ربما رأت في أذن ~~الجارية أو الصبية قرطا فيه حجر، أو حبة لؤلؤ، فتخطفه لتأكله. فكم أذن قد ~~خرقتها! وربما رأت ذلك في لبة [2] الصبي أو الصبية، فتضربه بمنقارها، فربما ~~خرقت ذلك المكان. ### || 1178- [شعر فى تشبيه الفرس بالظليم] # ومما يشبه به الفرس مما في الظليم، قول امرئ القيس بن حجر [3] : [من ~~الطويل] # وخد أسيل كالمسن وبركة ... كجؤجؤ هيق دفه قد تمورا [4] # وقال عقبة بن سابق: [من الخفيف] # وله بركة كجؤجؤ هيق ... ولبان مضرج بالخضاب [5] # وقال أبو داؤد الإيادي [6] : [من مجزوء الكامل] # يمشي كمشي نعامت ... ين يتابعان أشق شاخص [7] PageV04P422 # وقال آخر: [من الوافر] # كأن حماته كردوس فحل ... مقلصة على ساقي ظليم [1] # وقال أبو داؤد الإيادي [2] : [من الكامل] # كالسيد ما استقبلته وإذا ... ولى تقول ململم ضرب [3] # لأم إذا استقبلته ومشى ... متتابعا ما خانه عقب [4] # يمشي كمشي نعامة تبعت ... أخرى إذا ما راعها خطب ### || [القول فيما اشتق له من البيض اسم] # قال العدبس الكناني: باضت البهمى [5] : أي سقطت نصالها [6] وباض الصيف، ~~وباض القيظ: اشتد الحر وخرج كل ما فيه- من ذلك. # وقال الأسدي: [من الطويل] # فجئنا وقد باض الكرى في عيوننا ... فتى من عيوب المقرفين مسلما [7] # وقال أمية بن أبي الصلت [8] : [من الخفيف] # ركبت بيضة البيات عليهم ... لم يحسوا منها سواها نذيرا [9] # وقال الراعي [10] ، يهجو ابن الرقاع: [من البسيط] # لو كنت من أحد يهجى هجوتكم ... يا ابن الرقاع، ولكن لست من أحد # تأبى قضاعة لم تقبل لكم نسبا ... وابنا نزار فأنتم بيضة البلد ~~PageV04P423 # وفي المديح قول علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «أنا بيضة البلد» ، [1] ~~ومنه «بيضة الإسلام» [2] . وبيضة القبة: أعلاها، وكذلك الصومعة، والبيض: ~~قلانس الحديد. # وقال أبو حية النميري [3] : [من الوافر] # وصد الغانيات البيض عني ms0626 ... وما إن كان ذلك عن تقالي [4] # رأين الشيب باض على لداتي ... وأفسد ما علي من الجمال [5] # وبيض الجرح والخراج والحبن [6] : الوعاء الذي يجمع فيه الصديد، إذا خرج ~~برئ وصلح. # وقد يسمون ما في بطون إناث السمك بيضا، وما في بطون الجراد بيضا، وإن ~~كانوا لا يرون قشرا يشتمل عليه، ولا قيضا [7] يكون لما فيه حضنا. # والخرشاء: قشرة البيض إذا خرج ما فيه. وسلخ الحية يقال له الخرشاء. ### ||| 1179- [شعر في التشبيه بالبيض] # وقال الأعشى [8] في تشبيه اللفاء الحسناء [9] بالبيضة: [من السريع] # أو بيضة في الدعص مكنونة ... أو درة سيقت إلى تاجر [10] # وقال في بيض الحديد [11] : [من الطويل] # كأن نعام الدو باض عليهم ... إذا شام يوما للصريخ المندد [12] ~~PageV04P424 # وقال الأعشى [1] : [من الطويل] # أتتنا من البطحاء يبرق بيضها ... وقد رفعت نيرانها فاستقلت # وقال زيد الخيل [2] : [من الطويل] # كأن نعام الدوباض عليهم ... فأحداقهم تحت الحديد خوازر [3] ### ||| [استطراد لغوى] # قال: ويقال تقيضت البيضة، والإناء، والقارورة، تقيضا: إذا انكسرت فلقا. # فإذا هي لم تتفلق فلقا وهي متلازقة، فهي منقاضة انقياضا. وقيض البيضة: ~~قشرتها اليابسة. وغرقئها: القشرة الرقيقة التي بين اللحم وبين الصميم. قال: ~~والصميم: # الجلدة. # قال: ويقال غرقأت البيضة: إذا خرجت وليس لها قشر ظاهر غير الغرقئة. # قال الرداد: غرقأت الدجاجة بيضها، فالبيضة مغرقأة. والخرشاء: القشرة ~~الغليظة من البيضة، بعد أن تثقب فيخرج ما فيها من البلل؛ وجماعها الخراشي، ~~غير مهموز. # قال: وقال رداد: خرشاء الحية: سلخها حين تنسلخ. # قال: وتغدى أعرابي عند بعض الملوك، فدبت على حلقه قملة، فتناولها فقصعها ~~بإبهامه وسبابته، ثم قتلها، فقالوا له: ويلك! ما صنعت؟! فقال: بأبي أنتم ~~وأمي، ما بقي إلا خرشاؤها! وقال المرقش [4] : [من السريع] # إن تغضبوا نغضب لذاكم كما ... ينسل من خرشائه الأرقم [5] # وقال دريد بن الصمة في بيض الحديد [6] : # قال: ويقال في الحافر نزا ينزو. وأما الظليم فيقال: قعا يقعو، مثل ~~البعير. PageV04P425 # يقال: قاع يقوع قوعا وقياعا، وقعا يقعو قعوا. فهذا ما يسوون فيه بينه ~~وبين البعير. # ويقال: خف البعير، والجمع أخفاف. ومنسم البعير، والجمع مناسم؛ وكذلك ms0627 يقال ~~للنعامة. # وقال الراعي [1] : [من الطويل] # ورجل كرجل الأخدري يشيلها ... وظيف على خف النعامة أروح [2] # وقال جران العود [3] : [من الطويل] # لها مثل أظفار العقاب ومنسم ... أزج كظنبوب النعامة أروح [4] # قال: والزاجل: ماء الظليم؛ وهو كالكراض من ماء الفحل. وأنشد لابن أحمر ~~[5] : [من الوافر] # وما بيضات ذي لبد هجف ... سقين بزاجل حتى روينا # وقال الطرماح [6] : [من الخفيف] # سوف تدنيك من لميس سبندا ... ة أمارت بالبول ماء الكراض [7] # وربما استعاروا المناسم. قال الشاعر: [من الرجز] # توعدني بالسجن والآدات ... إذا عدت تأظبت أدات ### ||| [تربط بالحبل أكيرعات] # قال: ويقال لولد النعام: الرأل، والجمع رئال ورئلان؛ وحفان. وحفانة ~~PageV04P426 # للواحدة، والجمع حفان؛ وحسكل. ويقال: هذا خيط نعام وخيطان. وقال الأسود ~~بن يعفر: [من الكامل] # وكأن مرجعهم مناقف حنظل ... لعب الرئال بها وخيط نعام # ويقال: قطيع من نعام، ورعلة من نعام. # وقال الأصمعي: الرعلة: القطعة من النعام. والسرب من الظباء والقطا. ~~والإجل من الظلف. # وقال طفيل الغنوي [1] في بيضة الحي وما أشبه ذلك: [من الطويل] # ضوابع تنوي بيضة الحي بعدما ... أذاعت بريعان السوام المعزب [2] # قال: ويقال: للظليم إذا رعى في هذا النبات ساعة وفي هذا ساعة قد عقب يعقب ~~تعقيبا. وأنشدني لذي الرمة [3] : [من البسيط] # ألهاه آء وتنوم وعقبته ... من لائح المرو والمرعى له عقب # قال: ويقال للرجل، إذا كان صغير الأذنين لاصقتين بالرأس: أصمع؛ وامرأة ~~صمعاء. ويقال: خرج السهم متصمعا: إذا ابتلت قذذه من الدم وانضمت. وقال أبو ~~ذؤيب [4] : [من الكامل] # سهما فخر وريشه متصمع # ويقال: أتانا بثريدة مصمعة: إذا دققها وحدد رأسها. وصومعة الراهب منه؛ ~~لأنها دقيقة الرأس. وفلان أصمع القلب: إذا كان ذكيا حديدا ماضيا. وقال طرفة ~~[5] : # [من الطويل] # لعمري لقد مرت عواطس جمة ... ومر قبيل الصبح ظبي مصمع [6] PageV04P427 # أراد: ماضيا. ### ||| [شعر في البيض] # وقال الشاعر في بيضة البلد: [من البسيط] # أقبلت توضع بكرا لا خطام لها ... حسبت رهطك عندي بيضة البلد # ويشبه عظام جماجم الرؤوس ببيض النعام. وقال الأعرج القيني: [من الوافر] # بكينا بالرماح غداة طرق ... على قتلى بناصفة كرام [1] # جماجم غودرت بحمام ms0628 عرق ... كأن فراشها بيض النعام [2] # وقال مقاتل بن طلبة [3] : [من الطويل] # رأيت سحيما فاقد الله بينها ... تنيك بأيديها وتأبى أيورها # وقال السحيمي يرد عليه: [من الطويل] # مقاتل، بشرها ببيض نعامة ... وإن لم تبشرها فأنت أميرها # وقال أبو الشيص الخزاعي في بيضة الخدر: [من البسيط] # وأبرز الخدر من ثنييه بيضته ... وأعجل الروع نصل السيف يخترط [4] # فثم تفديك منا كل غانية ... والشيخ يفديك والولدان والشمط [5] # وقال جحش بن نصيب: [من الطويل] # كأن فلاق الهام تحت سيوفنا ... خذاريف بيض عجل النقف طائره [6] # وقال مهلهل [7] في بيضة الخدر: [من الكامل] # وتجول بيضات الخدور حواسرا ... يمسحن فضل ذوائب الأيتام [8] PageV04P428 # وهو وما قبله يدلان على أنهم لا يشبهون ببيض النعام إلا الأبكار. # قال الشاعر [1] : [ممن الطويل] # وبيض أفقنا بالضحى من متونها ... سماوة بيض كالخباء المقوض [2] # هجوم عليها نفسه، غير أنه ... متى يرم في عينيه بالشخص ينهض [3] # يعني بالبيض بيض النعام. وسماوة الشيء: شخصه. لأن الظليم لما رآهم فزع ~~ونهض. وهذا البيت أيضا يدل على أنه فروقة [4] . # وقال ذو الرمة [5] في بيض النعام: [من الطويل] # تراه إذا هب الصبا درجت به ... غرابيب من بيض هجائن دردق [6] # قال: والصبا والجنوب تهبان في أيام يبس البقل، وهو الوقت الذي يثقب ~~النعام فيه البيض. يقول: درجت به رئلان سود غرابيب، وهي من بيض هجائن: أي ~~بيض. # والدردق: الصغار، وهو من صغر الرئلان. ### ||| [الحصول علي بيض النعام] # قال طفيل بن عوف الغنوي [7] ، وذكر كيف يأخذون بيض النعام: [من الطويل] # عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تم حول مجرم [8] PageV04P429 # سوى نار بيض أو غزال معفر ... أغن من الخنس المناخر توءم [1] # هذه إبل راع معزب صاحب بواد وبدوة لا يأتي المحاضر والمياه حيث تكون ~~النيران. وهو صاحب لبن وليس صاحب بقل، فإبله لا ترى نارا سوى نار بيض أو ~~غزال. ### ||| 1180 [نار الصيد] # وهذه النار هي النار التي يصطاد بها الظباء والرئلان وبيض النعام [2] لأن ~~هذه كلها تعشى إذا رأت نارا، ويحدث لها فكرة فيها ونظر. والصبي الصغير ~~كذلك. # وأول ما ms0629 يعابث الرضيع، أول ما يناغي، المصباح. # وقد يعتري مثل ذلك الأسد، ويعتري الضفدع؛ لأن الضفدع ينق، فإذا رأى نارا ~~سكت. وهذه الأجناس قد تغتر بالنار، ويحتال لها بها. ### ||| 1181- [تشبيه الغيوم بالنعام] # وتوصف الغيوم المتراكمة بأن عليها نعاما. قال الشاعر [3] : [من المتقارب] # كأن الرباب دوين السحا ... ب نعام تعلق بالأرجل [4] # وقال آخر [5] : [من الطويل] # خليلي لا تستسلما وادعوا الذي ... له كل أمر أن يصوب ربيع # حيا لبلاد أبعد المحل أهلها ... وفي العظم شيء في شظاه صدوع [6] # بمستنضد غر النشاص كأنها ... جبال عليهن النسور وقوع [7] ### ||| 1182- [استطراد لغوي] # وقال آخر [8] : [من الكامل] # وضع النعامات الرجال بريدها ... من بين مخفوض وبين مظلل [9] PageV04P430 # والنعائم في السماء [1] ، والنعائم والنعامتان من آلات البئر. والنعامة: ~~بيت الصائد. # وقال في مثل ذلك عروة بن مرة الهذلي [2] : [من الطويل] # وذات ريد كزنق الفأس مشرفة ... طريقها سرب بالناس مجبوب [3] # لم يبق من عرشها إلا نعامتها ... حالان منهزم منها ومنصوب [4] ### ||| 1183- [مسكن النعام] # وفي المثل: «ما يجمع بين الأروى والنعام» [5] لأن الأروى تسكن الجبال ولا ~~تسهل [6] ، والنعام تسكن السهل ولا ترقى في الجبال. ولذلك قال الشاعر [7] : ~~[من المتقارب] # وخيل تكردس بالدارعين ... كمشي الوعول على الظاهره [8] # وقال كثير [9] : [من الكامل] # يهدي مطايا كالحني ضوامرا ... بنياط أغبر شاخص الأميال [10] PageV04P431 # فكأنه إذ يغتدي متسنما ... وهدا فوهدا ناعق برئال [1] ### ||| 1184- [شعر في تشبيه النعام] # وقال الأعشى [2] ، في تشبيه النعام بما يتدلى من السحاب من قطع الرباب: # [من مجزوء الكامل] # يا هل ترى برقا على ال ... جبلين يعجبني انجيابه [3] # من ساقط الأكناف ذي ... زجل أرب به سحابه [4] # مثل النعام معلقا ... لما زقا ودنا ربابه [5] # وقال وشبه ناقته بالظليم [6] : [من الكامل] # وإذا أطاف لبابه بسديسه ... ومسافرا ولجا به وتزيدا # شبهته هقلا يباري هقلة ... ربداء في خيط نقانق أربدا [7] # وذكر زهير [8] الظليم وأولاده، حتى شبه ناقته بالظليم: [من الطويل] # كأني وردفي والقراب ونمرقي ... على خاضب الساقين أزعر نقنق [9] # تراخى به حب الضحاء وقد رأى ... سماوة قشراء الوظيفين عوهق [10] # تحن إلى ميل الحبابير جثم ... لدى سكن من بيضها المتفلق [11] # تحطم عنها عن ms0630 خراطم أسيح ... وعن حدق كالسبج لم يتفلق PageV04P432 # السبج: الخرز ### ||| 1185- [النعامة فرس خالد بن نضلة] # وكان اسم فرس خالد بن نضلة: «النعامة» . قال: [من الطويل] # تدارك إرخاء النعامة حنثرا ... ودودان أدته إلي مكبلا ### ||| 1186- [تشبيه مشي الشيخ بمشي الرئال] # وقال عروة بن الورد [1] : [من الطويل] # أليس ورائي أن أدب على العصا ... فيأمن أعدائي ويسأمني أهلي # رهينة قعر البيت كل عشية ... يطيف بي الولدان أهدج كالرأل # شبه هدجان الشيخ الضعيف في مشيته بهدجان الرأل. # وقال أبو الزحف [2] : [من الرجز] # أشكو إليك وجعا بركبتي ... وهدجانا لم يكن في مشيتي # كهدجان الرأل حول الهيقت [3] # وقال آخر، ولست أدري أيهما حمل على صاحبه: [من الرجز] # أشكو إليك وجعا بمرفقي ... وهدجانا لم يكن في خلقي # كهدجان الرأل حول النقنق # ولم يفضحه إلا قوله: # أشكو إليك وجعا بمرفقي # لأن الأول حكى أن وجعه في المكان الذي يصيب الشيوخ، ووجع المرفق مثل وجع ~~الأذن، وضربان الضرس ليس من أوجاع الكبر في شيء. PageV04P433 ### ||| 1187- [شعر فيه ذكر النعامة] # وقال ابن ميادة [1] ، وذكر بني نعامة من بني أسد- وقد كان قطري بن ~~الفجاءة يكنى أبا نعامة-: [من الطويل] # فهل يمنعني أن أسير ببلدة ... نعامة، مفتاح المخازي وبابها ### ||| 1188- [جعل البيضة الفاسدة مثلا] # وهجا دريد بن الصمة رجلا فجعل البيضة الفاسدة مثلا له، ثم ألحق النسر ~~بأحرار الطير وكرامها- وما رأيتهم يعرفون ذلك لنسر- فقال [2] : [من الطويل] # فإني على رغم العذول لنازل ... بحيث التقى عيط وبيض بني بدر # أيا حكم السوءات لا تهج واضطجع ... فهل أنت إن هاجيت إلا من الخضر # وهل أنت إلا بيضة مات فرخها ... ثوت في سلوخ الطير في بلد قفر # حواها بغاث: شر طير علمتها ... وسلاء ليست من عقاب ولا نسر ### ||| 1189- [استطراد لغوي] # ويقال للأنثى من ولد النعامة: قلوص؛ على التشبيه بالنعام من الإبل. وهذا ~~الجمع إلى ما جعلوه له من اسم البعير، وإلى ما جعلوا له من الخف والمنسم، ~~والخرمة، وغير ذلك. # قال عنترة [3] : [من الكامل] # تأوي له قلص النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم [4] PageV04P434 # وقال شماخ بن ضرار [1] : [من الطويل] ms0631 # قلوص نعام زفها قد تمورا [2] ### ||| 1190- [وصف الرئال] # ووصف لبيد الرئال فقال [3] : [من الوافر] # فأضحت قد خلت إلا عرارا ... وعزفا، بعد أحياء حلال [4] # وخيطا من خواضب مزلفات ... كأن رئالها ورق الإفال [5] ### ||| [قول في بيت لحسان] # وقال حسان بن ثابت، رضي الله عنه [6] : [من الوافر] # لعمرك إن إلك في قريش ... كإل السقب من رأل النعام [7] # وقد عاب عليه هذا البيت ناس، وظنوا أنه أراد التبعيد، فذكر شيئين قد ~~يتشابهان من وجوه. وحسان لم يرد هذا، وإنما أراد ضعف نسبه في قريش، وأنه ~~حين وجد أدنى نسب انتحل ذلك النسب. ### ||| 1191- [النعامة، فرس الحارث بن عباد] # وقال الفرزدق- وذكر الفرس الذي يقال له: «النعامة» وهو فرس الحارث بن ~~PageV04P435 # عباد، التي يقول فيها [1] : [من الخفيف] # قربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب وائل عن حيال # وقول الفرزدق [2] : [من الطويل] # ترييك نجوم الليل والشمس حية ... كرام بنات الحارث بن عباد # نساء أبوهن الأغر، ولم تكن ... من الحت في أجبالها وهداد [3] # أبوها الذي آوى النعامة بعدما ... أبت وائل في الحرب غير تماد # وقد مدحوا بنات الحارث بن عباد هذا، فمن ذلك قوله [4] : [من الكامل] # جاؤوا بحارشة الضباب كأنهم ... جاؤوا ببنت الحارث بن عباد [5] # ويلحق هذا البيت بموضعه، من قولهم. باض الصيف، وباض القيظ. # وقال مضرس [6] : [من الطويل] # بلماعة قد باكر الصيف ماءها ... وباضت عليها شمسه وحرائره ### ||| 1192- [ابن النعامة، فرس خزز بن لوذان] # وابن النعامة: فرس خزز بن لوذان. وهو الذي يقول لامرأته حين أنكرت عليه ~~إيثاره فرسه باللبن [7] : [من الكامل] # كذب العتيق وماء شن بارد ... إن كنت سائلتي غبوقا فاذهبي [8] PageV04P436 # إني لأخشى أن تقول خليلتي ... هذا غبار ساطع فتلبب [1] # إن العدو لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي # ويكون مركبك القعود وحدجه ... وابن النعامة يوم ذلك مركبي [2] ### ||| 1193- [شعر في النعامة] # وقال أبو بكر الهذلي [3] : [من الكامل] # وضع النعامات الرجال بريدها ... يرفعن بين مشعشع [4] ومهلل # وقال ذو الإصبع العدواني [5] : [من البسيط] # ولي ابن عم على ما كان من خلق ... مخالف لي أقليه ويقليني [6] # أزرى بنا أننا شالت نعامتنا ... فخالني دونه ms0632 بل خلته دوني [7] # وقال أبو داؤد الإيادي في ذكر الصيد، وذكر فرسه [8] : [من الخفيف] # وأخذنا به الصرار وقلنا ... لحقير بنانه أضمار [9] # وأتى يبتغي تفرس أم البي ... ض شدا وقد تعالى النهار # غير جعف أوابد ونعام ... ونعام خلالها أثوار # في حوال العقارب العمر فيها ... حين ينهضن بالصباح عذار # ثم قال: # يتكشفن عن صرائع ست ... قسمت بينهن كأس عقار # بين ربداء كالمظلة أفق ... وظليم مع الظليم حمار PageV04P437 # ومهاتين حرس ورئال ... وشبوب كأنه أوثار [1] ### ||| [شعر في تشبيه النافة بالظليم] # ووصف علقمة بن عبدة [2] ناقته، وشبهها بأشياء منها، ثم أطنب في تشبيهه ~~إياها بالظليم: [من البسيط] # تلاحظ السوط شزرا وهي ضامزة ... كما توجس طاوي الكشح موشوم [3] # كأنها خاضب زعر قوائمه ... أجني له باللوى شري وتنوم [4] # يظل في الحنظل الخطبان ينقفه ... وما استطف من التنوم مخذوم [5] # فوه كشق العصا لأيا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم [6] # يكاد منسمه يختل مقلته ... كأنه حاذر للنخس مشهوم [7] # حتى تذكر بيضات وهيجه ... يوم رذاذ، عليه الريح مغيوم # فلا تزيده في مشيه نفق ... ولا الزفيف دوين الشد مسؤوم [8] # يأوي إلى حسكل زعر حواصلها ... كأنهن إذا بركن جرثوم [9] # وضاعة كعصي الشرع جؤجؤه ... كأنه بتناهي الروض علجوم [10] PageV04P438 # حتى تلافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عرسين فيه البيض مركوم [1] # يوحى إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم [2] # صعل، كأن جناحيه وجؤجؤه ... بيت أطافت به خرقاء مهجوم [3] # تحفه هقلة سطعاء خاضبة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم [4] ### ||| 1194- [رؤياالنعامة] # الأصمعي قال: أخبرني رجل من أهل البصرة قال: أرسل شيخ من ثقيف ابنه ~~فلانا- ولم يحفظ اسمه- إلى ابن سيرين، فكلمه بكلام، وأم ابنه هذا قاعدة، ~~ولا يظن أنها تفطن، فقال له: يا بني اذهب إلى ابن سيرين، فقل له: رجل رأى ~~أن له نعامة تطحن. قال: فقلت له؛ فقال: هذا رجل اشترى جارية فخبأها في بني ~~حنيفة. # قال: فجئت أبي فأخبرته، فنافرته أمي، وما زالت به حتى اعترف أن له جارية ~~في بني حنيفة. # وما أعرف هذا التأويل. ولولا أنه من حديث الأصمعي مشهور ما ذكرته في ~~كتابي. ### ||| 1195- [مسيلمة ms0633 الكذاب] # وأما قول الشاعر الهذلي في # مسيلمة الكذاب، # في احتياله وتمويهه وتشبيه ما يحتال به من أعلام الأنبياء، بقوله [من ~~الطويل] # ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف PageV04P439 # قال: هذا شعر أنشدناه أبو الزرقاء سهم الخثعمي، هذا منذ أكثر من أربعين ~~سنة. والبيت من قصيدة قد كان أنشدنيها فلم أحفظ منها إلا هذا البيت. # فذكر أن مسيلمة طاف قبل التنبي، في الأسواق التي كانت بين دور العجم ~~والعرب، يلتقون فيها للتسوق والبياعات، كنحو سوق الأبلة، وسوق لقه، وسوق ~~الأنبار، وسوق الحيرة. # قال: وكان يلتمس تعلم الحيل والنيرجات [1] ، واختيارات النجوم ~~والمتنبئين. # وقد كان أحكم حيل السدنة [2] والحواء [3] وأصحاب الزجر [4] والخط [5] ~~ومذهب الكاهن والعياف والساحر، وصاحب الجن الذي يزعم أن معه تابعه. # قال: فخرج وقد أحكم من ذلك أمورا. فمن ذلك أنه صب على بيضة من خل قاطع- ~~والبيض إذا أطيل إنقاعه في الخل لان قشره الأعلى، حتى إذا مددته استطال ~~واستدق وامتد كما يمتد العلك، أو على قريب من ذلك- قال: فلما تم له فيها ما ~~طاول وأمل، طولها ثم أدخلها قارورة ضيقة الرأس، وتركها حتى جفت ويبست. فلما ~~جفت انضمت، وكلما انضمت استدارت، حتى عادت كهيئتها الأولى. فأخرجها إلى ~~مجاعة، وأهل بيته، وهم أعراب، وادعى بها أعجوبة، وأنها جعلت له آية. فآمن ~~به في ذلك المجلس مجاعة. وكان قد حمل معه ريشا في لون ريش أزواج حمام، وقد ~~كان يراهن في منزل مجاعة مقاصيص. فالتفت، بعد أن أراهم الآية في البيض، إلى ~~الحمام فقال لمجاعة: إلى كم تعذب خلق الله بالقص؟! ولو أراد الله للطير ~~خلاف الطيران لما خلق لها أجنحة، وقد حرمت عليكم قص أجنحة الحمام! فقال له ~~مجاعة كالمتعنت: فسل الذي أعطاك في البيض هذه الآية أن ينبت لك جناح هذا ~~الطائر الذكر الساعة! فقلت لسهم: أما كان أجود من هذا وأشبه أن يقول: فسل ~~الذي أدخل لك هذه البيضة فم هذه القارورة أن يخرجها كما أدخلها. قال. فقال: ~~كأن القوم كانوا PageV04P440 # أعرابا، ومثل هذا الامتحان من مجاعة ms0634 كثير، ولعمري إن المتنبئ ليخدع ألفا ~~مثل قيس ابن زهير، قبل أن يخدع واحدا من آخر المتكلمين، وإن كان ذلك ~~المتكلم لا يشق غبار قيس فيما قيس بسبيله. # قال مسيلمة: فإن أنا سألت الله ذلك، فانتبه له حتى يطير وأنتم ترونه، ~~أتعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: نعم. قال: فإني أريد أن أناجي ربي، ~~وللمناجاة خلوة، فانهضوا عني، وإن شئتم فادخلوه هذا البيت وأدخلوني معه، ~~حتى أخرجه إليكم الساعة في الجناحين يطير، وأنتم ترونه. ولم يكن القوم ~~سمعوا بتغريز الحمام، ولا كان عندهم باب الاحتياط في أمر المحتالين. وذلك ~~أن عبيدا الكيس، فإنه المقدم في هذه الصناعة، لو منعوه الستر والاختفاء، ~~لما وصل إلى شيء من عمله جل ولا دق؛ ولكان واحدا من الناس. # فلما خلا بالطائر أخرج الريش الذي قد هيأه، فأدخل طرف كل ريشة مما كان ~~معه، في جوف ريش الحمام المقصوص، من عند المقطع والقص. وقصب الريش أجوف، ~~وأكثر الأصول حداد وصلاب. فلما وفى الطائر ريشه صار في العين كأنه برذون ~~موصول الذنب، لا يعرف ذلك إلا من ارتاب به. والحمام بنفسه قد كان له أصول ~~ريش، فلما غرزت تمت فلما أرسله من يده طار. وينبغي ألا يكون فعل ذلك بطائر ~~قد كانوا قطوه بعد أن ثبت عندهم. فلما فعل ذلك ازداد من كان آمن به بصيرة، ~~وآمن به آخرون لم يكونوا آمنوا به، ونزع منهم في أمره كل من كان مستبصرا في ~~تكذيبه. # قال: ثم إنه قال لهم- وذلك في مثل ليلة منكرة الرياح مظلمة، في بعض زمان ~~البوارح [1]- إن الملك على أن ينزل إلي، والملائكة تطير، وهي ذوات أجنحة، ~~ولمجيء الملك زجل وخشخشة وقعقعة، فمن كان منكم ظاهرا فليدخل منزله؛ فإن من ~~تأمل اختطف بصره! ثم صنع راية من رايات الصبيان التي تعمل من الورق الصيني، ~~ومن الكاغد [2] ، وتجعل لها الأذناب والأجنحة، وتعلق في صدورها الجلاجل [3] ~~، وترسل يوم الريح بالخيوط الطوال الصلاب. PageV04P441 # قال: فبات القوم يتوقعون نزول الملك، ويلاحظون السماء، وأبطأ عنهم حتى ~~قام جل أهل ms0635 اليمامة؛ وأطنبت الريح [1] وقويت، فأرسلها، وهم لا يرون الخيوط، ~~والليل لا يبين عن صورة الرق، وعن دقة الكاغد. وقد توهموا قبل ذلك ~~الملائكة. # فلما سمعوا ذلك ورأوه تصارخوا وصاح: من صرف بصره ودخل بيته فهو آمن! ~~فأصبح القوم وقد أطبقوا على نصرته والدفع عنه. فهو قوله [2] : [من الطويل] # ببيضة قارور وراية شادن ... وتوصيل مقصوص من الطير جادف # فقلت لسهم: يكون مثل هذا الأمر العجيب، فلا يقول فيه شاعر، ولا يشيع به ~~خبر؟! قال: أو كلما كان في الأرض عجب، أو شيء غريب، فقد وجب أن يشيع ذكره، ~~ويقال فيه الشعر، ويجعل زمانه تاريخا! ألسنا معشر العرب نزعم أن كسرى ~~أبرويز، وهو من أحرار فارس، من الملوك الأعاظم، وسليل ملوك، وأبو ملوك، مع ~~حزمه ورأيه وكماله، خطب إلى النعمان بن المنذر، وإلى رجل يرضى أن تكون ~~امرأته ظئرا لبعض ولد كسرى، وهو عامله، ويسميه كسرى عبدا، وهو مع ذلك أحيمر ~~أقيشر، إما من أشلاء قصي بن معد، وإما من عرض لخم. وهو الذي قالوا: تزوج ~~مومسة- وهي الفاجرة؛ ولا يقال لها مومسة إلا وهي بذلك مشهورة- وعرفها بذلك، ~~وأقام عليها، وهجي بها ولم يحفل بهجائهم. ومما زاد في شهرتها قصة المرقش. ~~وناكها قرة بن هبيرة حين سباها. فعلم بذلك وأقام عليها، ثم لم يرض حتى قال ~~لها: هل مسك؟ قالت: وأنت والله لو قدر عليك لمسك! فلم يرض بها حتى قال لها: ~~صفيه لي. فوصفته حتى قالت: كأن شعر خديه حلق الدرع! وبال على رأسه خلف ابن ~~نوالة الكناني عام حج، ونصره عدي بن زيد بأحمق سبب [3] . وخطب أخوه المنذر ~~إلى عبيدة بن همام، فرده أقبح الرد، وقال [4] : [من المتقارب] PageV04P442 # أتوني ولم أرض ما بيتوا ... وقد طرقوني بأمر نكر # لأنكح أيمهم منذرا ... وهل ينكح العبد حر لحر # ثم مع ذلك خطب إليه كسرى بعض بناته فرغب بها عنه، حتى كان ذلك سبب هربه ~~وعلة لقتله- فهل رأيت شاعرا في ذلك الزمان مع كثرة الشعراء فيه، ومع ~~افتخارهم بالذي كان منهم في يوم جلولى [1] ويوم ms0636 ذي قار، وفي وقائع المثنى ~~بن حارثة وسعد بن أبي وقاص- فهل سمعت في ذلك بشعر صحيح طريف المخرج، كما ~~سمعته في جميع مفاخرهم مما لا يداني هذا المفخر؟! ولقد خطب بعض إخوته إلى ~~رجال من نزار، من غير أهل البيوتات، فرغبوا عنهم. # وأم النعمان سلمى بنت الصائغ [2] : يهودي من أنباط الشام، ثم كان نجله ~~لفعل غير محمود. # وقد قال جبلة بن الأيهم، لحسان بن ثابت: قد دخلت علي ورأيتني، فأين أنا ~~من النعمان؟ قال: والله [3] ....... # فالنعمان مع هذه المثالب كلها قد رغب بنفسه عن مصاهرة كسرى، وهو من أنبه ~~الأكاسرة. وكما كان أبرويز أعظم خطرا، كانت أنفته أفخر للعرب، وأدل على ما ~~يدعون من العلو في النسب وكان الأمر مشهودا ظاهرا، ومرددا على الأسماع ~~مستفيضا. فإذ قد تهيأ أن يكون مثل هذا الأمر الجليل، والمفخر العظيم، ~~والعرب أفخر الأمم، ومع ذلك قد أغفلوه- فشأن مسيلمة أحق بأن يجوز ذلك عليه. ~~PageV04P443 # وأنشدني يوسف لبعض شعراء بني حنيفة، وكان يسمى مسيلمة ويكنى أبا ثمامة ~~[1] : [من مجزوء الكامل] # لهفي عليك أبا ثمامه ... لهفي على ركني شمامه # كم آية لأبيهم ... كالشمس تطلع من غمامه # وقد كتبنا قصته وقصة ابن النواحة (في كتابنا الذي ذكرنا فيه فصل ما بين ~~النبي والمتنبي) وذكرنا جميع المتنبئين، وشأن كل واحد منهم على حدته، وبأي ~~ضرب كان يحتال، وذكرنا جملة احتيالاتهم، والأبواب التي تدور عليها ~~مخاريقهم. # فإن أردت أن تعرف هذا الباب فاطلب هذا الكتاب؛ فإنه موجود. ### ||| 1196- [هجاء عبد القيس للنعمان] # وقد هجا عبد القيس بن خفاف البرجمي، النعمان بن المنذر، في الجاهلية، ~~وذكر ولادة الصائغ له فقال [2] : [من الخفيف] # لعن الله ثم ثنى بلعن ... ابن ذا الصائغ، الظلوم الجهولا # يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا [3] ### ||| 1197- [سهم الحنفي] # وكان سهم الحنفي # يلي طبرستان، لمعن بن زائدة، مع حداثة سنه يومئذ، وكان له مروءة وقدر في ~~نفسه. ### ||| 1198- [كثرة الشعر و قلته فى قبائل العرب] # وبنو حنيفة مع كثرة عددهم، وشدة بأسهم، وكثرة وقائعهم، وحسد العرب لهم ~~على ms0637 دارهم وتخومهم وسط أعدائهم، حتى كأنهم وحدهم يعدلون بكرا كلها- ومع ذلك ~~لم نر قبيلة قط أقل شعرا منهم. وفي إخوتهم عجل قصيد ورجز، وشعراء ورجازون. ~~وليس ذلك لمكان الخصب وأنهم أهل مدر، وأكالو تمر؛ لأن الأوس والخزرج كذلك، ~~وهم في الشعر كما قد علمت. وكذلك عبد PageV04P444 # القيس النازلة قرى البحرين، فقد تعرف أن طعامهم أطيب من طعام أهل ~~اليمامة. # وثقيف أهل دار ناهيك بها خصبا وطيبا، وهم وإن كان شعرهم أقل، فإن ذلك ~~القليل يدل على طبع في الشعر عجيب. وليس ذلك من قبل رداءة الغذاء، ولا من ~~قلة الخصب الشاغل والغنى عن الناس؛ وإنما ذلك عن قدر ما قسم الله لهم من ~~الحظوظ والغرائز، والبلاد والأعراق مكانها. # وبنو الحارث بن كعب قبيل شريف، يجزون مجاري ملوك اليمن، ومجاري سادات ~~أعراب أهل نجد ولم يكن لهم في الجاهلية كبير حظ في الشعر. ولهم في الإسلام ~~شعراء مفلقون. # وبنو بدر كانوا مفحمين، وكان ما أطلق الله به ألسنة العرب خيرا لهم من ~~تصيير الشعر في أنفسهم. # وقد يحظى بالشعر ناس ويخرج آخرون، وإن كانوا مثلهم أو فوقهم. ولم تمدح ~~قبيلة في الجاهلية، من قريش، كما مدحت مخزوم. ولم يتهيأ من الشاهد والمثل ~~لمادح في أحد من العرب، ما تهيأ لبني بدر. # وقد كان في ولد زرارة لصلبه، شعر كثير، كشعر لقيط وحاجب وغيرهما من ولده. ~~ولم يكن لحذيفة ولا حصن، ولا عيينة بن حصن، ولا لحمل بن بدر. شعر مذكور. ### ||| [حظوة الخلفاء و الولاة بالشعر] # وقد كان عبد العزيز بن مروان أحظى في الشعر من كثير من خلفائهم. ولم يكن ~~أحد من أصحابنا، من خلفائنا وأئمتنا، أحظى في الشعر من الرشيد. وقد كان ~~يزيد ابن مزيد وعمه، ممن أحظاه الشعر. # وما أعلم في الأرض نعمة بعد ولاية الله، أعظم من أن يكون الرجل ممدوحا. ### ||| 1199- [الصم من الحيوان] # تقول العرب: ضربان من الحيوان لا يسمعان الأصوات. وذلك عام في الأفاعي ~~والنعام. # واعتد من ادعى للنعام الصمم بقول علقمة [1] : [من البسيط] # فوه كشق ms0638 العصا لأيا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم PageV04P445 # قال: ولا يصلح أن تكون «ما» في الموضع الذي ذكر؛ لأن ذلك يصير كقول ~~القائل: التمر حلو، والثلج بارد، والنار حارة. ولا يحتاج إلى أن يخبر أن ~~الذي يسمع هذا الصوت؛ لأنه لا مسموع إلا الصوت. # قال خصمه: فقد قال علقمة بن عبدة: [من البسيط] # حتى تلافى وقرن الشمس مرتفع ... أدحي عرسين فيه البيض مركوم # يوحي إليها بإنقاض ونقنقة ... كما تراطن في أفدانها الروم # ثم قال: # تحفه هقلة سفعاء خاذلة ... تجيبه بزمار فيه ترنيم # واحتج من زعم أنها تسمع، بقوله [1] : [من الطويل] # وصحم صيام بين صمد ورجلة ... وبيض تؤام بين ميث ومذنب [2] # متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة ... يجيب زمارا كاليراع المثقب [3] # وقال الطرماح [4] : [من الكامل] # يدعو العرار بها الزمار كأنه ... ألم تجاوبه النساء العود [5] # قال: وصوت النعامة الذكر: العرار. وصوت الأنثى: الزمار. # وأنشد الذي زعم أنها لا تسمع، قول أسامة بن الحارث الهذلي [6] : [من ~~الطويل] # تذكرت إخواني فبت مسهدا ... كما ذكرت بوا من الليل فاقد [7] PageV04P446 # لعمري لقد أمهلت في نهي خالد ... عن الشام إما يعصينك خالد [1] # وأمهلت في إخوانه فكأنما ... تسمع بالنهي النعام المشرد # وقال الذي زعم أنها تسمع: فقد قال الله عز وجل: أولئك الذين لعنهم الله ~~فأصمهم وأعمى أبصارهم # [2] ولو عنى أن عماهم كعمى العميان، وصممهم كصمم الصمان، لما قال: أفلا ~~يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها # [3] وإنما ذلك كقوله: إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين* # [4] وكيف تسمع المدبر عنك! ولذلك يقال: «إن الحب يعمي ويصم» [5] . وقد ~~قال الهذلي: [من الطويل] # تسمع بالنهي النعام المشرد # والشارد النافر عنك لا يوصف بالفهم. ولو قال: تسمع بالنهي، وسكت- كان ~~أبلغ فيما يريد. وهو كما قال الله تعالى: ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا ~~مدبرين* # [4] . قال الراجز [6] : [من الرجز] # ردي ردي ورد قطاة صما ... كدرية أعجبها برد الما [7] # أي لأنها لا تسمع صوتا يثنيها ويردها. # وأنشد قول الشاعر [8] : [من الطويل] # دعوت خليدا دعوة فكأنما ... دعوت به ابن الطود ms0639 أو هو أسرع # والطود: الجبل. وابنه: الحجر الذي يتدهده [9] منه، كقوله [10] : [من ~~الطويل] # كجلمود صخر حطه السيل من عل PageV04P447 # وقال الراجز [1] : [من الرجز] # ومنهل أعور إحدى العينين ... بصير أخرى وأصم الأذنين # كأنه كان في ذلك المنهل بيران، والآبار أعين، فغورت إحدى البيرين وتركت ~~الأخرى وقوله: «أصم الأذنين» لما أن كان عنده في الأرض فضاء وخلاء، حيث لا ~~يسمع فيه صوت. جعله أن كان لا يسمع صوتا أصم؛ وإن كان ذلك لفقد الأصوات. # قال: وقد قال الحارث بن حلزة قولا يدل على أنها تسمع، حيث قال [2] : [من ~~الخفيف] # ولقد أستعين يوما على اله ... م إذا خف بالثوي الثواء # بزفوف كأنها هقلة أ ... م رئال دوية سفعاء [3] # ثم قال: # آنست نبأة وأفزعها القن ... اص عصرا وقد دنا الإمساء # فترى خلفهن من سرعة المش ... ي منينا كأنه أهباء [4] # ولو قال: «أفزعها القناص» ولم يقل: «آنست نبأة» - والنبأة الصوت- لكان ~~لكم في ذلك مقال. # وقال امرؤ القيس [5] : [من الطويل] # وصم صلاب ما يقين من الوجى ... كأن مكان الردف منه على رال [6] # وإنما يعني أنها مصمتة غير جوفاء. وقال الآخر [7] : [من البسيط] # قل ما بدا لك من زور ومن كذب ... حلمي أصم وأذني غير صماء # (علا) ، والتاج (فرر) ، والجمهرة 126، والعين 7/174، والخزانة 2/397، ~~3/242، 243، والمقاصد النحوية 3/449، وبلا نسبة في اللسان والتاج (حطط) . ~~PageV04P448 # يريد أن حلمه ليس بسخيف متخلخل، وليس بخفيف سار، ولكنه مصمت. # قال الشاعر [1] : [من الطويل] # وأسأل من صماء ذات صليل # وإنما يريد أرضا يابسة، ورملة نشافة، تسأل الماء: أي تريده وتبتلعه؛ وهي ~~في ذلك صماء. ### ||| 1200- [ذكر الصم في القرآن الكريم] # وقد قال الله لناس يسمعون: صم بكم عمي فهم لا يرجعون # [2] ذلك على المثل. وقال: ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع ~~إلا دعاء ونداء صم بكم عمي فهم لا يعقلون # [3] . وذلك كله على ما فسرنا. وقال: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم ~~يخروا عليها صما وعميانا # [4] وقال أيضا: إنما أنذركم بالوحي ولا يسمع الصم الدعاء إذا ما ينذرون # [5] . ### ||| 1201- [شعر في ms0640 معني الصمم] # وقال عنترة [6] : [من الطويل] # ظللنا نكر المشرفية فيهم ... وخرصان صم السمهري المثقف [7] # وقال العجير السلولي [8] : [من الطويل] # وقد جذب القوم العصائب مؤخرا ... ففيهن عن صلع الرجال حسور # فظل رداء العصب ملقى كأنه ... سلى فرس تحت الرجال عقور [9] PageV04P449 # لو ان الصخور الصم يسمعن صلقنا ... لرحن وفي أعراضهن فطور [1] # وقال زهير [2] : [من المديد] # ليتني خلقت للأبد ... صخرة صماء في كبد # لا تشكي شر جارتها ... خلقت غليظة الكبد # وقالت جمل بنت جعفر: [من الطويل] # بني جعفر لا سلم حتى نزوركم ... بكل رديني وأبيض ذي أثر [3] # وحتى تروا وسط البيوت مغيرة ... تصمكم بالضرب حاشية الذعر [4] # تبين لذي الشك الذي لم يكن درى ... ويبصرها الأعمى ويسمع ذو الوقر [5] # وقال دريد [6] : [من الوافر] # متى كان الملوك قطينا ... علي ولاية صماء مني ### ||| 1202- [مثل وحديث في الصمم] # ومن الأمثال قولهم: «صمت حصاة بدم» [7] قال: فأصله أن يكثر القتل وسفك ~~الدماء، حتى لو وقعت حصاة على الأرض لم يسمع لها صوت؛ لأنها لا تلقى صلابة ~~الأرض. # وقد جاء في بعض الحديث: «إذا كانت تلك الملاحم بلغت الدماء الثنن» [8] ~~يعني ثنن الخيل، وهو الشعر الذي خلف الحافر. PageV04P450 # وقال الزبير بن عبد المطلب [1] : [من الوافر] # وينبي نخوة المختال عني ... جراز الحد ضربته صموت [2] # لأن السيف إذا مر في العظم مرا سريعا فلم يكن له صوت- كان في معنى ~~الصامت. ### ||| 1203- [شعر في الصمم] # وقال ابن ميادة [3] : [من الطويل] # متى أدع في قيس بن عيلان خائفا ... إلى فزع تركب إلي خيولها # بملمومة كالطود شهباء فيلق ... رداح يصم السامعين صليلها [4] # لأن الصوت إذا اشتد جدا لم يفهم معناه، إن كان صاحبه أراد أن يخبر عن ~~شيء. ومتى كثرت الأصوات صارت وغى [5] ، ومنع بعضها بعضا من الفهم. فإذا لم ~~يفهمها صار في معنى الأصم، فجاز أن يسمى باسم الأصم. # وعلى ذلك قال الأضبط بن قريع، حين آذوه بنو سعد فتحول من جوارهم في آخرين ~~فآذوه، فقال: «بكل واد بنو سعد» [6] . # وقال جران العود [7] : [من الطويل] # وقالت لنا والعيس صعر من البرى ... وأخفافها بالجندل الصم ms0641 تقذف [8] ~~PageV04P451 ### ||| 1204- [قول منكر صمم النعام] # وقال الذي ينكر صمم شيء من الخلق: اعتللتم في صمم النعام بقول زهير: # [من الوافر] # [أصك مصلم الأذنين أجنى ... له بالسي تنوم وآء] [1] # وبقول أوس بن حجر [2] : [من الطويل] # وينهى ذوي الأحلام عني حلومهم ... وأرفع صوتي للنعام المخزم # يريد خرق أنفه، وهو في موضع الخرمة من البعير. # وأما قوله: «وأرفع صوتي للنعام» فإنما خص بذلك النعام لأنها تجمع الشرود ~~والنفار، إلى الموق وسوء الفهم. ولو قال: «وأرفع صوتي للحمير والدواب» لكان ~~كذلك. والمصلمة: السك التي ليس لآذانها حجم. ### ||| 1205- [رد عليه] # قال: قول الذي زعم أنها ليست بصماء لا يجوز؛ لأن الدواب تسمع وتفهم ~~الزجر، وتجيب الدعاء. بل لو قال: وأرفع صوتي للصخور والحجارة، كان صوابا، ~~وكان لرفع صوته معنى؛ إذ كان الرفع والوضع عند الصخور سواء. وليس كذلك ~~الدواب. ولو كان إنما جعله مصلما، وجعل آذان النعام مصلومة، لأنه ليس ~~لآذانها حجم فالطير كله كذلك إلا الخفاش. وكل شيء يبيض من الحيوان فليس لها ~~حجم آذان. ففي قصدهم بهذه الكلمة إلى النعام، بين جميع ما ليس لأذنيه حجم، ~~دليل على أن تأويلكم خطأ. قال علقمة بن عبدة [3] : [من البسيط] # فوه كشق العصا لأيا تبينه ... أسك ما يسمع الأصوات مصلوم PageV04P452 # وقالت كبشة بنت معد يكرب [1] : [من الطويل] # وأرسل عبد الله إذ حان يومه ... إلى قومه ألا تغلوا لهم دمي [2] # ولا تأخذوا منهم إفالا وأبكرا ... وأترك في بيت بصعدة مظلم [3] # جدعتم بعبد الله آنف قومكم ... بني مازن أن سب راعي المخزم # فإن أنتم لم تثأروا لأخيكم ... فمشوا بآذان النعام المصلم # فلو كانت إنما تريد أنه ليس لمسامعها حجم، كانت الدنيا لها معرضة. وقال ~~عنترة [4] : [من الكامل] # وكأنما أقص إلإكام عشية ... بقريب بين المنسمين مصلم [5] # تأوي له حزق النعام كما أوت ... حزق يمانية لأعجم طمطم [6] # ولو كان عنترة إنما أراد عدم الحجم، لقد كانت الدنيا له معرضة. # وقال زهير [7] : [من الوافر] # بآرزة الفقارة لم يخنها ... قطاف في الركاب ولا خلاء [8] PageV04P453 # كأن الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه ms0642 هواء [1] # أصك مصلم الأذنين، أجنى ... له بالسي تنوم وآء [2] ### ||| 1206- [رد منكر صمم النعام] # قال القوم: فإنا لا نقول ذلك، ولكن العرب في أمثالها تقول: إن النعامة ~~ذهبت تطلب قرنين فقطعوا أذنيها [3] . ليجعلوها مثلا في الموق وسوء التدبير. ~~فإذا ذكر الشاعر الظليم، وذكر أنه مصلم الأذنين، فإنما يريد هذا المعنى. ~~فكثر ذلك حتى صار قولهم: مصلم الأذنين، مثل قولهم صكاء. وسواء قال صكاء، أو ~~قال نعامة، كما أنه سواء قال خنساء أو قال مهاة ونعجة وبقرة وظبية؛ لأن ~~الظباء والبقر كلها فطس خنس وإذا سموا امرأة خنساء فليس الخنس والفطس ~~يريدون، بل كأنهم قالوا: مهاة وظبية. ولذلك قال المسيب بن علس [4] ، في صفة ~~الناقة: [من الكامل] # صكاء ذعلبة إذا استقبلتها ... حرج إذا استدبرتها هلواع [5] # فتفهم هذا البيت، فإنه قد أحسن فيه جدا. # والصكك في الناس، والاصطكاك في رجلي الناقة عيب. فهو لم يكن ليصفها بما ~~فيه عيب، ولكنه لا يفرق بين قوله صكاء، وبين قوله نعامة، وكذلك لا يفرقون ~~بين قولهم أعلم، وبين قولهم: بعير. قال الراجز: [من الرجز] # إني لمن أنكر أو توسما ... أخو خناثير يقود الأعلما [6] PageV04P454 # كأنه يقول: يقود بعيرا. وهو كقول عنترة [1] : [من الكامل] # وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم ### ||| 1207- [رد مدعي الصمم] # فقال من ادعى للنعام الصمم: أما قولكم: من الدليل على أن النعامة تسمع ~~قول الشاعر [2] : [من الكامل] # تدعو النعام به العرار # وقوله [3] : [من الطويل] # متى ما تشأ تسمع عرارا بقفرة ... يجيب زمارا كاليراع المثقب # وقوله [4] : [من الخفيف] آنست نبأة وأفزعها القناص عصرا وقد دنا الإمساء ~~فليس ذلك أراد. وقد يراك الأخرس من الناس- والأخرس أصم- فيعرف ما تقول، بما ~~يرى من صورة حركتك، كما يعرف معانيك من إشارتك، ويدعوك ويطلب إليك بصوت؛ ~~وهو لم يسمع صوتك قط فيقصد إليه، ولكنه يريد تلك الحركة، وتلك الحركة تولد ~~الصوت، أراده هو أو لم يرده. ويضرب فيصيح، وهو لم يقصد إلى الصياح، ولكنه ~~متى أدار لسانه في جوبة الفم بالهواء الذي فيه، والنفس الذي يحضره جماع [5] ~~الفم، حدث ms0643 الصوت. وهذا إنما غايته الحركة فيعرف صورة تلك الحركة. # والأخرس يرى الناس يصفقون بأيديهم، عند دعاء إنسان، أو عند الغضب والحد، ~~فيعرف صورة تلك الحركة؛ لطول تردادها على عينيه، كما يعرف سائر الإشارات. ~~وإذا تعجب ضرب بيديه كما يضربون. # فالنعامة تعرف صورة إشارة الرئلان وإرادتها، فتعقل ذلك، وتجاوبها بما ~~تعقل عنها من الإشارة والحركة، وغدت لحركتها أصوات. ولو كانا يسمعان لم تزد ~~حالهما في التفاهم على ذلك. PageV04P455 ### ||| 1208- [الشم النعمامة] # والعرب تقول: «أشم من نعامة» [1] و: «أشم من ذرة» [1] . قال الراجز [2] : # [من الرجز] # أشم من هيق وأهدى من جمل # وقال الحرمازي، في أرجوزته [2] : [من الرجز] # وهو يشتم اشتمام الهيق # قال: وأخبرنا ابن الأعرابي أن أعرابيا كلم صاحبه، فرآه لا يفهم عنه ولا ~~يسمع فقال: «أصلخ كصلخ النعامة!» [3] . ### ||| [شم الفرس و الذئب والذر] # وقد يكون الفرس في الموكب وخلفه، على قاب غلوتين، حجر أو رمكة [4] ، ~~فيتحصن [5] تحت راكبه، من غير أن تكون صهلت. # والذئب يشتم ويستروح من ميل، والذرة تشتم ما ليس له ريح، مما لو وضعته ~~على أنفك ما وجدت له رائحة وإن أجدت التشمم، كرجل الجرادة تنبذها من يدك في ~~موضع لم تر فيه ذرة قط، فلا تلبث أن ترى الذر إليها كالخيط الأسود الممدود. # وقال الشاعر [6] ، وهو يصف استرواح الناس: [من الطويل] # وجاء كمثل الرأل يتبع أنفه ... لعقبيه من وقع الصخور قعاقع [7] # فإن الرأل يشتم رائحة أبيه وأمه والسبع والإنسان من مكان بعيد. وشبه به ~~رجلا جاء يتبع الريح فيشتم. PageV04P456 ### ||| 1209- [استطراد لغوي] # وقال الآخر [1] : [من الكامل] # والمرء لم يغضب لمطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب # ومطلب أنفه: فرج أمه؛ لأن الولد إذا تمت أيامه في الرحم، قلا [2] مكانه ~~وكرهه، وضاق به موضعه، فطلب بأنفه موضع المخرج مما هو فيه من الكرب، حتى ~~يصير أنفه ورأسه على فم الرحم، تلقاء فم المخرج. فالأناء [3] والمكان ~~يرفعانه في تلك الجهة، والولد يلتمس تلك الجهة بأنفه، ولولا أنه يطلب ~~الهواء من ذاته، ويكره مكانه من ذاته، ثم خرج إلى عالم آخر خلاف ms0644 عالمه الذي ~~ربي فيه، لمات؛ كما يموت السمك إذا فارقه الماء. ولكن الماء لما كان قابلا ~~لطباع السمك غاذيا لها، والسمك مريدا له، كان في مفارقته له عطبه. وكان في ~~مفارقة الولد لجوف البطن واغتذائه فضلات الدم، ما لا ينقص شيئا من طباعه ~~وطباع المكان الذي كان له مرة مسكنا. فلذلك قال الشاعر الجاهلي [4] : [من ~~الكامل] # والمرء لم يغضب لمطلب أنفه ... أو عرسه لكريهة لم يغضب # يقول: متى لم يحم فرج أمه وامرأته، فليس ممن يغضب من شيء يؤول إليه. ### ||| 1210- [قول المتكلمين في صمم الأخرس] # وزعم المتكلمون أن الأخرس أصم، وأنه لم يوت من العجز عن المنطق لشيء في ~~لسانه، ولكنه إنما أتي في ذلك؛ لأنه حين لم يسمع صوتا قط، مؤلفا أو غير ~~مؤلف، لم يعرف كيفيته فيقصد إليه. وأن جميع الصم ليس فيهم مصمت [5] ، وإنما ~~يتفاوتون في الشدة واللين؛ فبعضهم يسمع الهدة والصاعقة، ونهيق الحمار إذا ~~كان قريبا منه، والرعد الشديد، لا يسمع غير ذلك. ومنهم من يسمع السرار، ~~وإذا رفعت له الصوت لم يسمع. ومتى كلمته وقرت الشكاية في أذنه، فهم عنك كل ~~الفهم. وإن PageV04P457 # تكلمت على ذلك المقدار في الهواء، ولم يكن ينفذ في قناة تحصره وتجمعه، ~~حتى تؤديه إلى دماغه- لم يفهمه. # فالأصم في الحقيقة إنما هو الأخرس، والأخرس إنما سمي بذلك على التشبيه ~~والقرابة. ومتى ضرب الأصم من الناس إنسانا أو شيئا غيره، ظن أنه لم يبالغ، ~~حتى يسمع صوت الضربة. قال الشاعر [1] : [من الطويل] # أشار بهم لمع الأصم فأقبلوا ... عرانين، لا يأتيه للنصر محلب [2] # وقال الأسدي [3] : [من المتقارب] # وأوصيكم بطعان الكماة ... فقد تعلمون بأن لا خلودا # وضرب الجماجم ضرب الأصم ... حنظل شابة يجنى الهبيدا [4] # وقال الهذلي [5] : [من البسيط] # فالطعن شغشغة والضرب معمعة ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا [6] # وإنما جعله تحت الديمة؛ لأن الأغصان والأشجار تصير ألدن وأعلك، فيحتاج ~~PageV04P458 # الذي يضرب تلك الأصول قبل المطر، إلى عشر ضربات حتى يقطع ذلك المضروب؛ ~~فإذا أصابه المطر احتاج إلى أكثر من ذلك. ### ||| 1211- [تحقيق معني شعري] # وأنشدني يحيى ms0645 الأغر: [من المتقارب] كضرب القيون سبيك الحديد يوم الجنائب ~~ضربا وكيدا [1] فلم أعرفه؛ فسألت بعض الصياقلة فقال: نعم، هذا بين معروف. ~~إذا أخرجنا الحديدة من الكير في يوم شمال [2] ، واحتاجت في القطع إلى مائة ~~ضربة، احتاجت في قطعها يوم الجنوب إلى أكثر من ذلك، وإلى أشد من ذلك الضرب؛ ~~لأن الشمال ييبس ويقصف، والجنوب يرطب ويلدن. ### ||| 1212- [الأخرس] # والإنسان أبدا أخرس، إذا كان لا يسمع ولا يتبين الأصوات التي تخرج من ~~فيه، على معناه [3] . ويقال في غير الإنسان، على غير ذلك. قال كثير [4] : ~~[من الطويل] # ألم تسألي يا أم عمرو فتخبري ... سلمت وأسقاك السحاب البوارق # بكيا لصوت الرعد خرس روائح ... ونعق ولم يسمع لهن صواعق ### ||| 1213- [السحابة الخرساء] # وتقول العرب: «مازلت تحت عين خرساء» . والعين: السحابة تبقى أياما تمطر. ~~وإذا كثر ماؤها وكثف، ولم يكن فيها مخارق تمدح ببرق [5] . PageV04P459 ### ||| [سرعة الضوء و سرعة الصوت] # ومتى رأيت البرق سمعت الرعد بعد. والرعد يكون في الأصل قبله، ولكن الصوت ~~لا يصل إليك في سرعة البرق؛ لأن البارق والبصر أشد تقاربا من الصوت والسمع. ~~وقد ترى الإنسان، وبينك وبينه رحله فيضرب بعصا إما حجرا، وإما دابة، وإما ~~ثوبا، فترى الضرب، ثم تمكث وقتا إلى أن يأتيك الصوت. ### ||| [السحابة الخرساء] # فإذا لم تصوت السحابة لم تبشر بشيء، وإذا لم يكن لها رز [1] سميت خرساء. ### ||| 1214- [الصخرة الصماء] # وإذا كانت الصخرة في هذه الصفة سميت صماء. قال الأعشى [2] : [من الكامل] # وإذا تجيء كتيبة ملمومة ... مكروهة يخشى الكماة نزالها # وعلى غير هذا المعنى قال كثير [3] : [من الطويل] # كأني أنادي صخرة، حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت # ومن هذا الشكل قول زهير [4] : [من الكامل] # وتنوفة عمياء لا يجتازها ... إلا المشيع ذو الفؤاد الهادي [5] # قفر هجعت بها، ولست بنائم، ... وذراع يلقية الجران وسادي [6] PageV04P460 # ووقعت بين قتود عنس ضامر ... لحاظة طفل العشي سناد [1] # فجعل التنوفة عمياء، حين لم تكن بها أمارات. ### ||| 1215- [الزبابة] # ودابة يقال لها الزبابة، عمياء صماء، تشبه الفأرة؛ وليست بالخلد؛ لأن ~~الخلد أعمى وليس بأصم. والزباب يكون ms0646 في الرمل. وقال الشاعر [2] : [من مجزوء ~~الكامل] # وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا ### ||| [الأعمى من ولد الحيوان] # وكل مولود في الأرض يولد أعمى، إن كان تأويل العمى أنه لا يبصر إلا بعد ~~أيام. فمنه ما يفتح عينيه بعد أيام كالجرو؛ إلا أولاد الدجاج؛ فإن فراريجها ~~تخرج كاسية كاسبة. ### ||| 1216- [شعر فيه مجون] # وقال أبو الشمقمق- وجعل الأير أعمى أصم على التشبيه- فقال [3] : [من ~~الطويل] # فسلم عليه فاتر الطرف ضاحكا ... وصوت له بالحارث بن عباد # بأصلع مثل الجرو جهم غضنفر ... معاود طعن جائف وسناد # أصم وأعمى ينغض الدهر رأسه ... يسير على ميل بغير قياد [4] ### ||| 1217- [قول لمن زعم أن النعامة تسمع و رد عليه] # وقال من زعم أن النعامة تسمع: يدل على ذلك قول طرفة [5] : [من المنسرح] # هل بالديار الغداة من خرس ... أم هل بربع الجميع من أنس PageV04P461 # سوى مهاة تقرو أسرته ... وجؤذر يرتعي على كنس [1] # أو خضاب يرتعي بهقلته ... متى ترعه الأصوات يهتجس [2] # فقد قال طرفة كما ترى: # متى ترعه الأصوات يهتجس # وقال الآخر: جوابنا في هذا هو جوابنا فيما قبله. ### ||| 1218- [فكاهة] # وروى الهيثم بن عدي، وسمعه بعض أصحابنا من أبي عبيدة، قال: تضارط ~~أعرابيان عند خالد بن عبد الله، أحدهما تميمي والآخر أزدي فضرط الأزدي ضرطة ~~ضئيلة، فقال التميمي: [من الطويل] # حبقت عجيفا محثلا ولو انني ... حبقت لأسمعت النعام المشردا [3] # فمر كمر المنجنيق وصوته ... يبذ هزيم الرعد، بدءا عمردا [4] ### ||| 1219- [من لقبه: نعامة] # وزعم أبو عمرو الشيباني عن بعض العرب، أن كل عربي وأعرابي كان يلقب ~~نعامة، فإنما يلقب بذلك لشدة صممه. وأنه سأله عن الظليم: هل يسمع؟ فقال: # يعرف بأنفه وعينه، ولا يحتاج معهما إلى سمع. وأنشدني: [من الطويل] # فجئتك مثل الهقل يشتم رأله ... ولا عرف إلا سوفها وشميمها [5] # وزعم أن لقب بيهس نعامة، وأنه لقب بذلك لأنه كان في خلق نعامة، وكان ~~PageV04P462 # شديد الصمم مائقا. فأنشد لعدي بن زيد [1] : [من الطويل] # ومن حذر الأيام ما حز أنفه ... قصير وخاض الموت بالسيف بيهس [2] # نعامة لما صرع القوم رهطه ... تبين في أثوابه كيف ms0647 يلبس # وقال المتنخل الهذلي [3] وذكر سيفا: [من السريع] # منتخب اللب له ضربة ... خدباء كالعط من الخذعل [4] # يقول: هذا السيف أهوج لا عقل له. والخدب في هذا الموضوع: الهوج. # وتهاوي الشيء لا يتمالك. ويقال للسيف لا يبالي ما لقي. ### ||| 1220- [شعر في النعام و التشبيه به] # وقال الأعشى [5] في غير هذا الباب: [من المتقارب] # كحوصلة الرال في جريها ... إذا جليت بعد إقعادها [6] # «كحوصلة الرأل» يصف الخمر بالحمرة. جليت: أخرجت؛ وهو مأخوذ من جلوة ~~العروس القاعدة، إذا قعدت عن الطلب. ومثله في غير الخمر قول علقمة [7] : ~~[من البسيط] # تأوي إلى حسكل حمر حواصله ... كأنهن إذا بركن جرثوم PageV04P463 # وقال الأخنس بن شهاب [1] : [من الطويل] # تظل بها ربد النعام كأنها ... إماء تزجي بالمساء حواطب [2] # تزجي: تدفع؛ وذلك أنه يثقل حملها فتمشي مشية النعامة. وقال الراجز [3] : # [من الكامل] # وإذا الرياح تروحت بعشية ... رتك النعام إلى كثيف العرفج [4] # والرتك: مشي سريع. يقول تبادر إلى الكثيف تستتر به من البرد. وقال [5] : # [من الكامل] # رتك النعامة في طريق حام [6] ### ||| 1221- [استقبال الظليم للريح] # وليس لقول من زعم أن الظليم إذا عدا استقبل الريح [7] ، وإنما ذلك مخافة ~~أن تكون الريح من خلفه فتكبته- معنى؛ لأنا نجدهم يصفون جميع ما يستدعونه ~~باستقبال الريح. قال عبدة بن الطبيب [8] ، يصف الثور: [من البسيط] # مستقبل الريح يهفو وهو مبترك ... لسانه عن شمال الشدق معدول [9] ~~PageV04P464 # ووصف الذيب طفيل الغنوي، فقال [1] : [من الطويل] # كسيد الغضا العادي أضل جراءه ... على شرف مستقبل الريح يلحب ### ||| 1222- [استطراد] # ويلحق بموضع ذكر الضرب الشديد، قولهم في المثل: «ضربناهم ضرب غرائب ~~الإبل» [2] . قال أبو حية [3] : [من الطويل] # جديرون يوم الروع أن يخضبوا القنا ... وأن يتركوا الكبش المدجج ثاويا [4] # ضربناهم ضرب الجنابى على جبى ... غرائب تغشاه حرارا ضواريا [5] # وإذا جاءت عطاشا قد بلغ منها العطش واليبس، قيل: جاءت تصل أجوافها صليلا. ~~قال الراعي [6] : [من الكامل] # فسقوا صوادي يسمعون عشية ... للماء في أجوافهن صليلا # قال: وأنشدنا أبو مهدية، لمزاحم العقيلي [7] : [من الطويل] # غدت من عليه بعد ما تم ظمؤها ... تصل، وعن قيض بزيزاء مجهل [8] ~~PageV04P465 # قال الزيزاء: ms0648 المكان الغليظ. # وقال آخر [1] : [من الطويل] # ألم تعلمي يا أم حسان أنني ... إذا عبرة نهنهتها فتجلت [2] # رجعت إلى صدر كجرة حنتم ... إذا قرعت صفرا من الماء صلت [3] ### ||| 1223- [اختبار أميرالمؤمنين المنصور لأحد الحواء] # وزعم ابن أبي العجوز الحواء، أن الأفاعي صم، فلذلك لا تجيب الرقى، ثم زعم ~~لي في ذلك المجلس أن أمير المؤمنين المنصور، أراد امتحان رقى حية وأن يتعرف ~~صحتها من سقمها، وأنه أمر فصاغوا له أفعى من رصاص، فجاءت ولا يشك الناظر ~~فيها؛ وأنه أمر بإلزاقها في موضع من السقف؛ وأنه أحضره وقال له: إن هذه ~~الأفعى قد صارت في هذه الدار، وقد كرهتها لمكانها؛ فإن احتلت لي برقية، أو ~~بما أحببت أحسنت إليك. قال: إن أردت أن آخذها هربت، ولكن أرقيها حتى تنزل! ~~فرقاها فلما رآها لا تتحرك زاد في رفع صوته وألقى قناعه، فلما رآها لا ~~تتحرك نزع عمامته وزاد في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرك نزع قلنسوته وزاد ~~في رفع صوته. فلما رآها لا تتحرك نزع ثيابه، وزاد في رفع صوته، حتى أزبد، ~~وتمرغ في الأرض، فلما فعل ذلك سال ذلك الرصاص وذاب، حتى صار بين أيديهم، ~~فأقر عند ذلك المنصور بجودة رقيته. # فقلت له: ويلك! زعمت قبيل أن الأفاعي لا تجيب الرقى؛ لأنها لا تسمع، وهي ~~حيوان، ثم زعمت أنها أجابت، وهي جماد!! ### ||| 1224- [شعر و خبر في نفار النعامة] # وقال الشاعر: [من الطويل] PageV04P466 # وربداء يكفيها الشميم وما لها ... سوى الربد من أنس بتلك المجاهل # يخبر أن النعامة لا تستأنس بشيء من الوحش، وأن الشم يغنيها في فهم ما ~~تحتاج إليه. # وهي مع ذلك إذا صارت إلى دور الناس، فليس معها من الوحشة منهم، على قدر ~~ما يذكرون. # وفي الوحش ما يأنس، وفيها ما لا يأنس. وقال كثير [1] : [من الطويل] # فأقسمت لا أنساك ما عشت ليلة ... وإن شحطت دار وشط مزارها # وما استن رقراق السراب وما جرت ... ببيض الربا أنسيها ونوارها [2] # ووصف بلادا قفارا غير مأنوسة فقال [3] : [من الخفيف] # ما ترى العين حولها من ms0649 أنيس ... قربها غير رابدات الرئال [4] # خصها بالذكر؛ لأنها أنفر وأشرد، وأقل أنسا من جميع الوحش. # وقال الأحيمر [5] : كنت آتي الظبي حتى آخذ بذارعيه؛ وما كان شيء من بهائم ~~الوحش ينكرني إلا النعام. وأنشد قول ذي الرمة [6] : [من الطويل] # وكل أحم المقلتين كأنه ... أخو الإنس من طول الخلاء المغفل [7] ~~PageV04P467 ### ||| [نفار الوحش و هربها من الصحاري] # يدل على ذلك في قدر ما شاهدنا أنهم يخرجون إلى الصحارى الأغفال، التي لم ~~يذعر صيدها، ولا يطؤها الناس، فيأتون الوحش فوضى هملا، ومعهم كلابهم ~~وفهودهم تتلوى بأيديهم، فيتقدمون إلى المواضع التي لو كانوا ابتدؤوا الصيد ~~من جهتها لأخذوا ما أخذوا فإذا نفرت وحوش هذه الأرض، ومرت بالأرض المجاورة ~~لها، نفرت سكان تلك الأرض مع هذه النوافر، ولا تعود تلك الصحارى إلى مثل ما ~~كانت عليه، من كثرة الوحش حينا. # ومتى لم تنفرها الأعراب بالكلاب والقسي، ونصب الحبائل، رتعت بقربهم، ثم ~~دنت منهم أولا فأولا، حتى تطأ أكناف بيوتهم. وهي اليوم في حير [1] المعتصم ~~بالله والواثق بالله على هذه الصفة. ### ||| 1225- [هجرة الظباء الي الناس] # وخبرني إبراهيم بن السندي قال خبرني عبد الملك بن صالح، وإسحاق بن عيسى، ~~وصالح صاحب الموصل، أن خالد بن برمك، بينا هو على سطح من سطوح القرى مع ~~قحطبة، وهم يتغدون، وذلك في بعض منازلهم، حين فصلوا من خراسان إلى الجبل. ~~قال: وبين قحطبة وبين الأعداء مسيرة أيام وليال. قال: فبينا خالد يتغدى معه ~~وذلك حين نزلوا وبهم كلال السير، وحين علقوا [2] على دوابهم، ونصبوا ~~قدورهم، وقربوا سفرهم [3] . # قال فنظر خالد إلى الصحراء، فرأى أقاطيع الظباء قد أقبلت من جهة الصحارى، ~~حتى كادت تخالط العسكر، فقال لقحطبة: أيها الأمير! ناد في الناس: «يا خيل ~~الله اركبي» [4] ؛ فإن العدو قد حث إليك السير، وغاية أصحابك أن يسرجوا ~~ويلجموا قبل أن يروا سرعان الخيل [5] . فقام قحطبة مذعورا، فلما لم ير شيئا ~~يروعه، ولم ير غبارا قال لخالد: ما هذا الرأي! قال: أيها الأمير! لا تتشاغل ~~بي وبكلامي، وناد في الناس. # أما ترى أقاطيع الوحش ms0650 قد أقبلت، فارقت مواضعها حتى خالطت الناس؟! إن ~~وراءها PageV04P468 # جمعا عظيما!. قال: فو الله ما ألجموا وأسرجوا حتى رأوا ساطع الغبار، ولا ~~تلبسوا [1] وتسلحوا حتى رأوا الطليعة [2] . فما التأموا حتى استوى أصحاب ~~قحطبة على ظهور خيولهم. ولولا نظرة خالد بن برمك وفراسته، لقد كان ذلك ~~الجيش اصطلم [3] . ### ||| 1226- [قصة في قوة الشم] # وكان إبراهيم بن السندي يحدثنا من صدق حس أبيه في الشم، بشيء ما يحكى ~~مثله إلا عن السباع والذر والنعام. وزعم أن أباه قال ذات يوم: أجد ريح بول ~~فأرة! ثم تشمم وأجال أنفه في المجلس، فقال: هو في تلك الزاوية! فنظروا فإذا ~~على طرف البساط من البلل بقدر الدرهم، أو أوسع شيئا، فقضوا أنه بول فأرة. # قال: وشهدته مرة وأشراطه [4] قيام على رأسه في السماطين [5] ، فقال: أجد ~~ريح جورب عفن منتن! فتشممنا بأجمعنا، فلم نجد شيئا، ثم تشمم وقال: انزعوا ~~خف ذاك. فنزعوا خفه، فكلما مد النازع له شيئا بدا من لفافته. فما زال النتن ~~يكثف ويزداد، حتى خلع خفه ونزعه من رجله، فظهر من نتن لفافته ما عرف به صدق ~~حسه. ثم قال: انزعوا الآن أخفافكم بأجمعكم، فلا بد من ألا يكون في جميع ~~اللفائف منتن غير لفافته، أو تكون لفافته أنتنها؛ فنزعوا، فلم يجدوا في ~~جميعها لفافة منتنة غيرها. # وأنشدوا [6] : [من الطويل] # غزا ابن عمير غزوة تركت لنا ... ثناء كنتن الجورب المتخرق ### ||| 1227- [أقوى درجات التشمم] # وليس الذي يحكى من صدق الحس في الشم- عن بعض الناس، وعن النعام والسباع، ~~والفأر والذر، وضروب من الحشرات- من شكل ما نطق به القرآن العظيم، ~~PageV04P469 # من شأن يعقوب ويوسف عليهما الصلاة والسلام حين يقول تعالى: قال أبوهم إني ~~لأجد ريح يوسف لولا أن تفندون، قالوا تالله إنك لفي ضلالك القديم # [1] . وكان هذا من يعقوب بعد أن قال يوسف اذهبوا بقميصي هذا فألقوه على ~~وجه أبي يأت بصيرا وأتوني بأهلكم أجمعين # [2] . ولذلك قال: ولما فصلت العير قال أبوهم إني لأجد ريح يوسف لولا أن ~~تفندون # [1] ثم قال: فلما أن جاء البشير ألقاه على ms0651 وجهه فارتد بصيرا # [3] . # وإنما هذا علامة ظهرت له خاصة؛ إذ كان الناس لا يشتمون أرواح [4] أولادهم ~~إذا تباعدوا عن أنوفهم، وما في طاقة الحصان الذي يجد ريح الحجر [5] مما ~~يجوز الغلوتين والثلاث [6] . فكيف يجد الإنسان وهو بالشام ريح ابنه في ~~قميصه، ساعة فصل من أرض مصر؟! ولذلك قال: ألم أقل لكم إني أعلم من الله ما ~~لا تعلمون # [7] . ### ||| 1228- [بعض المجاعات] # وقد غبر [8] موسى وهو يسير أربعين عاما، لا يذوق ذواقا [9] . وجاع أهل ~~المدينة في تلك الحطمة [10] ، حتى كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يشدون الحجر على بطونهم، من الجوع والجهد [11] . وكان النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وعلى آله الطيبين الطاهرين PageV04P470 # يقول: «إني لست كأحدكم، إني أبيت عند ربي، يطعمني ويسقيني» [1] . ### ||| 1229- [حجاج في ذبح الحيوان وقتله] # ورجال ممن ينتحل الإسلام، يظهرون التقذر من الصيد، ويرون أن ذلك من ~~القسوة، وأن أصحاب الصيد لتؤديهم الضراوة التي اعترتهم من طروق الطير في ~~الأوكار، ونصب الحبائل للظباء، التي تنقطع عن الخشفان [2] حتى تموت هزلا ~~وجوعا، وإشلاء السباع على بهائم الوحش وستسلم أهلها إلى القسوة، وإلى ~~التهاون بدماء الناس. # والرحمة شكل واحد. ومن لم يرحم الكلب لم يرحم الظبي، ومن لم يرحم الظبي ~~لم يرحم الجدي، ومن لم يرحم العصفور لم يرحم الصبي. وصغار الأمور تؤدي إلى ~~كبارها. # وليس ينبغي لأحد أن يتهاون بشيء مما يؤدي إلى القسوة يوما ما. وأكثر ما ~~سمعت هذا الباب، من ناس من الصوفية، ومن النصارى؛ لمضاهاة النصارى سبيل ~~الزنادقة، في رفض الذبائح، والبغض لإراقة الدماء، والزهد في أكل اللحمان. # وقد- كان يرحمك الله- على الزنديق ألا يأتي ذلك في سباع الطير، وذوات ~~الأربع من السباع. فأما قتل الحية والعقرب، فما كان ينبغي لهم البتة أن ~~يقفوا في قتلهما طرفة عين؛ لأن هذه الأمور لا تخلو من أن تكون شرا صرفا، أو ~~يكون ما فيها من الخير مغمورا بما فيها من الشر. والشر شيطان، والظلمة عدو ~~النور. فاستحياء الظلمة وأنت قادر على إماتتها، لا يكون من عمل النور. بل ~~قد ms0652 ينبغي أن تكون رحمة النور لجميع الخلائق والناس، إلى استنقاذهما من شرور ~~الظلمة. # وكما ينبغي أن يكون حسنا في العقل استحياء النور والعمل في تخليصه والدفع ~~عنه- فكذلك ينبغي أن يكون قتل الظلمة وإماتتها، والعون على إهلاكها، وتوهين ~~أمرها- حسنا. PageV04P471 # والبهيمة التي يرون أن يدفعوا عنها أيضا ممزوجة [1] ، إلا أن شرها أقل. ~~فهم إذا استبقوها فقد استبقوا الشرور المخالطة لها. # فإن زعموا أن ذلك إنما جاز لهم؛ لأن الأغلب على طباعها النور فليغتفروا ~~في هذا الموضع إدخال الأذى على قليل ما فيها من أجزاء الشر كما اغتفروا ما ~~في إدخال الروح والسرور على ما في البهيمة من أجزاء الظلمة لدفعهم عن ~~البهيمة؛ إذ كان أكثر أجزائها من النور. # وإنما ذكرت ما ذكرت؛ لأنهم قالوا: الدليل على أن الذي أنتم فيه، من أكل ~~الحيوان كل يوم من الذبائح، مكروه عند الله، أنكم لم تروا قط ذباحي الحيوان ~~ولا قتالي الإنسان، ولا الذين لا يقتاتون إلا اللحمان يفلحون أبدا. ~~ويستغنون؛ كنحو صيادي السمك وصيادي الوحش وأصناف الجزارين والقصابين، ~~والشوائين والطهائين والفهادين والبيازرة [2] والصقارين والكلابين؛ لا ترى ~~أحدا منهم صار إلى غنى ويسر، ولا تراه أبدا إلا فقيرا محارفا [3] ، وعلى ~~حال مشبهة بحاله الأولى. # وكذلك الجلادون، ومن يضرب الأعناق بين يدي الملوك. وكذلك أصحاب الاستخراج ~~والعذاب، وإن أصابوا الإصابات، وجميع أهل هذه الأصناف. # نعم؛ وحتى ترى بعضهم وإن خرج نادرا خارجيا، ونال منهم ثروة وجاها ~~وسلطانا، فإما أن يقتل، وإما يغتصب نفسه بميتة عاجلة، عند سروره بالثروة، ~~أو يبعث الله عليه المحق [4] فلا ينمو له شيء، وإما ألا يجعل من نسلهم عقبا ~~مذكورا، ولا ذكرا نبيها وذرية طيبة، مثل الحجاج بن يوسف، وأبي مسلم، ويزيد ~~بن أبي مسلم ومثل أبي الوعد، ومثل رجال ذكروهم لا نحب أن نسميهم. # قال: فإن هؤلاء، مع كثرة الطروقة [5] وظهور القدرة، ومع كثرة الإنسال، قد ~~قبح الله أمرهم، وأخمل أولادهم. فهم بين من لم يعقب، أو بين من هو في معنى ~~من لم يعقب. PageV04P472 # فقلت للنصارى بديا: كيف كان الناس ms0653 أيام الحكم بما في التوراة أيام موسى ~~وداود، وهما صاحبا حروب وقتل، وسباء وذبائح؟! نعم حتى كان القربان كله أو ~~عامته حيوانا مذبوحا، لذلك سميتم بيت المذبح. # ولسنا نسألكم عن سيرة النصارى اليوم، ولكنا نسألكم عن دين موسى وحكم ~~التوراة، وحكم صاحب الزبور. وما زالوا عندكم إلى أن أنكروا ربوبية المسيح، ~~على أكثر من حالنا اليوم في الذبائح. وأنتم في كثير من حالاتكم تغلون علينا ~~السمك، حتى نتوخى أياما بأعيانها، فلا نشتري السمك إلا فيها؛ طلبا للإمكان ~~والاسترخاص، وهي يوم الخميس، ويوم السبت، ويوم الثلاثاء؛ لأن شراءكم في ذلك ~~اليوم يقل. على أنكم تكثرون من الذبائح في أيام الفصح، وهل تدعون أكل ~~الحيوان إلا أياما معدودة، وساعات معلومة؟!. # فإذا كانت الحرفة والمحن إنما لزما القصابين والجزارين والشوائين، وأصناف ~~الصيادين، من جهة العقوبة- فأنتم شركاء صيادي السمك خاصة؛ لأنكم آكل الخلق ~~له، وأنتم أيضا شركاء القصابين في عامة الدهر. فلا أنتم تدينون للإسلام ~~فتعرفوا ما عليكم ولكم، وفصل ما بين الرحمة والقسوة، وما الرحمة، وفي أي ~~موضع يكون ذلك القتل رحمة؟ فقد أجمعوا على أن قتل البعض إحياء للجميع، وأن ~~إصلاح الناس. في إقامة جزاء الحسنة والسيئة. ولكم في القصاص حياة # [1] . # والقود حياة. وهذا شيء تعمل به الأمم كلها، غير الزنادقة. والزنادقة لم ~~تكن قط أمة، ولا كان لها ملك ومملكة، ولم تزل بين مقتول وهارب ومنافق. فلا ~~أنتم زنادقة. ولا ينكر لمن كان ذلك مذهبه أن يقول هذا القول. # فأنتم لا دهرية، ولا زنادقة، ولا مسلمون؛ ولا أنتم راضون بحكم الله أيام ~~التوراة. # فإن كان هذا الحكم قد أمر الله به- وهو عدل- فليس بين الزمانين فرق. # وبعد فإنا نجدكم تأكلون السمك أكلا ذريعا، وتتقذرون من اللحمان! أفلأن ~~السمك لا يألم القتل، أم لأن السمك لما قتلتموه بلاسكين لم يحس قتله؟! ~~فالجميع حيوان، وكل مقتول يألم، وكل يحس. فكيف صار أكل اللحم قسوة، وأكل ~~السمك ليس بقسوة؟!. وكيف صار ذبح البهائم قسوة ولا تكون تفرقة ما بين ~~PageV04P473 # السمك والماء حتى تموت قسوة! وكيف ms0654 صار ذبح الشاة قسوة وصيد السمك ~~بالسنانير المذربة المعقفة [1] ليس لها شعائر تخالف العقاف المنصوص في ~~جهاتها. # وكيف وهي وإن لم تنشب في أجوافها، وتقبض على مجامع أرواحها، لم تقدر على ~~أخذها؟!. # وكيف صار وجء اللبة [2] من الجزور أقسى من ضرب النبائل؟! أم كيف صار طعن ~~العير بالرمح، ونصب الحبائل للظباء، وإرسال الكلاب عليها أشد من وقع ~~النبائل في ظهر السمك؟! ولأنكم تكثرون قولكم: لا نأكل شيئا فيه دم أيام ~~صومنا، فللسمك دم، ولا بد لجميع الحيوان من دم أو شيء يشاكل الدم، فما وجه ~~اعتلالكم بالدم؟! ألأن كل شيء فيه دم فهو أشد ألما؟ فكيف نعلم ذلك؟ وما ~~الدليل عليه؟ # فإن زعمتم أن ذلك داخل في باب التعبد والمصلحة، لا في باب القياس والرحمة ~~والقسوة، فهذا باب آخر. إلا أن تدعوا أن ذوات الدماء أقوى للأبدان، وآشر ~~[3] للنفوس، فأردتم بذلك قلة الأشر وضعف البدن. فإن كان ذلك كذلك فقد ينبغي ~~أن يكون هذا المعنى مستبينا في آكلي السمك من البحريين. # وأما ما ذكرتم من ملازمة الحرفة لهؤلاء الأصناف، فإن كل من نزلت صناعته، ~~ودق خطر تجارته، كذلك سبيله. # وأحل الكسب كله وأطيبه عند جميع الناس سقي الماء، إما على الظهر، وإما ~~على دابة. ولم أر سقاء قط بلغ حال اليسار والثروة وكذلك ضراب اللبن، ~~والطيان، والحراث. وكذلك ما صغر من التجارات والصناعات. # ألا ترون أن الأموال كثيرا ما تكون عند الكتاب، وعند أصحاب الجوهر، وعند ~~أصحاب الوشي والأنماط [4] ، وعند الصيارفة والحناطين [5] ، وعند البحريين ~~PageV04P474 # والبصريين. والجلاب [1] أبدا، والبيازرة [2] أيسر ممن يبتاع منهم. # وجمل الأموال حق بأن تربح الجمل من تفاريق الأموال. وكذلك سبيل القصاب ~~والجزار، والشواء، والبازيار [2] ، والفهاد. # وأما ما ذكرتم من انقطاع نسل القساة، وخمول أولادهم، كانقطاع نسل فرعون، ~~وهامان، ونمرود، وبخت نصر، وأشباههم، فإن الله يقول: ولا تزر وازرة وزر ~~أخرى * # [3] . # وإن شئتم أن تعدوا من المذكورين بالصلاح أكثر من هؤلاء ممن كان عقيما أو ~~كان ميناثا [4] ، أو يكون ممن نبت لهم أولاد سوء عقوهم في حياتهم، وعرضوهم ms0655 ~~للسب بعد موتهم- لوجدتموهم. # وعلى أني لم أنصب نفسي حربا للحجاج بن يوسف، ويزيد بن أبي مسلم، أتحرى ~~بهما، وهما عندي من أهل النار. ولكني عرفت مغزاكم. # وعلى أنكم ليس القصابين أردتم، ولكنكم أردتم دين المسلمين. # وقد خرج الحجاج من الدنيا سليما في بدنه، وظاهر نعمته، وعلي مرتبته من ~~الملك، ومكانه من جواز الأمر والنهي. # فإن كان الله عندكم سلمه وعاقب أولاده، وكان ذلك دينكم فإن هذا قول إن ~~خاطبتم به الجبرية [5] فعسى أن تتعلقوا منهم بسبب فأما من صحح القول بالعدل ~~فإن هذا القول عنده من الخطإ الفاحش الذي لا شبهة فيه. ### ||| 1230- [شعر في القانص و فقره] # وكان مما أنشدوا من الدليل على أن القانص لا يزال فقيرا- قول ذي الرمة ~~[6] : # [من البسيط] PageV04P475 # حتى إذا ما لها في الجدر واتخذت ... شمس النهار شعاعا بينها طبب [1] # ولاح أزهر مشهور بنقبته ... كأنه حين يعلو عاقرا لهب [2] # هاجت به جوع طلس مخصرة ... شوازب لاحها التغريث والجنب [3] # جرد مهرتة الأشداق ضارية ... مثل السراحين في أعناقها العذب [4] # ومطعم الصيد هبال لبغيته ... ألفى أباه بذاك الكسب يكتسب [5] # مقزع أطلس الأطمار ليس له ... إلا الضراء وإلا صيدها نشب [6] # فانصاع جانبه الوحشي وانكدرت ... يلحبن لا يأتلي المطلوب والطلب [7] # قال: فجعله كما ترى مقزعا أطلس الأطمار، وخبر أن كلابه نشبه، وأنه ألفى ~~أباه كذلك. PageV04P476 # وأنشدوا في ذلك قول الآخر: [من الطويل] # وأعصم أنسته المنية نفسه ... رعى النبع والظيان في شاهق وعر [1] # موارده قلت تصفقه الصبا ... بنيق مزل، غير كدر ولا نزر [2] # قرته السحاب ماءها، وتهدلت ... عليه غصون دانيات من السمر [3] # أتيح له طلح إزاه بكفه: ... هتوف وأشباه تخيرن من حجر [4] # أبو صبية لا يستدر إذا شتا ... لقوحا، ولا عنزا، وليس بذي وفر [5] # له زوجة شمطاء يدرج حولها ... فطيم تناجيه، وآخر في الحجر [6] # مشوهة لم تعب طيبا ولم تبت ... تقتر هنديا بليل على جمر [7] # محددة العرقوب ثلم نابها ... تعرقها الأوذار من فقر الحمر [8] # مسفعة الخدين، سود درعها ... تقدرها بالليل، والأخذ بالقدر [9] # كغول الفلاة لم تخضب بنانها ... ولم تدر ما زي الخرائد ms0656 بالمصر [10] # فأرسل سهما أرهف القين حده ... فأنفذ حضنيه فخر على النحر [11] ~~PageV04P477 ### ||| 1231- [مساءلة المنانية] # كان أبو إسحاق يسأل المنانية [1] ، عن مسألة قريبة المأخذ قاطعة، وكان ~~يزعم أنها ليست له. # وذلك أن المنانية تزعم أن العالم بما فيه، من عشرة أجناس: خمسة منها خير ~~ونور، وخمسة منها شر وظلمة. وكلها حاسة وحارة. # وأن الإنسان مركب من جميعها على قدر ما يكون في كل إنسان من رجحان أجناس ~~الخير على أجناس الشر، ورجحان أجناس الشر على أجناس الخير. # وأن الإنسان وإن كان ذا حواس خمسة، فإن في كل حاسة متونا من ضده من ~~الأجناس الخمسة. فمتى نظر الإنسان نظرة رحمة فتلك النظرة من النور، ومن ~~الخير. # ومتى نظر نظرة وعيد، فتلك النظرة من الظلمة. وكذلك جميع الحواس. # وأن حاسة السمع جنس على حدة، وأن الذي في حاسة البصر من الخير والنور، لا ~~يعين الذي في حاسة السمع من الخير ولكنه لا يضاده، ولا يفاسده، ولا يمنعه. ~~فهو لا يعينه لمكان الخلاف والجنس، ولا يعين عليه؛ لأنه ليس ضدا. # وأن أجناس الشر خلاف لأجناس الشر، ضد لأجناس الخير. وأجناس الخير يخالف ~~بعضها بعضا ولا يضاد. وأن التعاون والتآدي [2] لا يقع بين مختلفها، ولا بين ~~متضادها، وإنما يقع بين متفقها. # قال: فيقال للمناني: ما تقول في رجل قال لرجل: يا فلان، هل رأيت فلانا؟ # فقال المسؤول: نعم قد رأيته. أليس السامع قد أدى إلى الناظر، والناظر قد ~~أدى إلى الذائق؟! وإلا فلم قال اللسان: نعم! إلا وقد سمع الصوت صاحب ~~اللسان؟! وهذه المسألة قصيرة كما ترى، ولا حيلة له بأن يدفع قوله. ### ||| 1232- [مساءلة زنديق] # ومسألة أخرى، سأل عنها أمير المؤمنين الزنديق الذي كان يكنى بأبي علي، ~~PageV04P478 # وذلك عند ما رأى من تطويل محمد بن الجهم وعجز العتبي وسوء فهم القاسم بن ~~سيار، فقال له المأمون: أسألك عن حرفين فقط. خبرني: هل ندم مسيء قط على ~~إساءته، أو نكون نحن لم نندم على شيء كان منا قط؟! قال: بل ندم كثير من ~~المسيئين على إساءتهم. قال: ms0657 فخبرني عن الندم على الإساءة، إساءة أو إحسان؟ ~~قال: # إحسان. قال: فالذي ندم هو الذي أساء أو غيره؟ قال: الذي ندم هو الذي ~~أساء. قال: # فأري صاحب الخير هو صاحب الشر، وقد بطل قولكم: إن الذي ينظر نظر الوعيد ~~غير الذي ينظر نظر الرحمة. قال: فإني أزعم أن الذي أساء غير الذي ندم. قال: ~~فندم على شيء كان منه أو على شيء كان من غيره؟ فقطعه بمسألته [1] ، ولم يتب ~~ولم يرجع، حتى مات، وأصلاه الله نار جهنم. ### ||| 1233- [شعر في هجو الزنادقة] # وقد ذكر حماد عجرد ناسا في هجائه لبشار [2] ، فقال: [من الكامل] # لو كنت زنديقا، عمار، حبوتني ... أو كنت أعبد غير رب محمد # أو كنت عندك أو تراك عرفتني ... كالنضر أو ألفيت كابن المقعد # أو كابن حماد ربيئة دينكم ... جبل وما جبل الغوي بمرشد [3] # لكنني وحدت ربي مخلصا ... فجفوتني بغضا لكل موحد # وحبوت من زعم السماء تكونت، ... والأرض خالقها لها لم يمهد # والنسم مثل الزرع آن حصاده ... منه الحصيد ومنه ما لم يحصد [4] # وحماد هذا أشهر بالزندقة من عمارة بن حربية، الذي هجاه بهذه الأبيات. # وأما قوله: # وحبوت من زعم السماء تكونت # فليس يقول أحد: إن الفلك بما فيه من التدبير، تكون بنفسه ومن نفسه! ~~PageV04P479 # فجهل حماد بهذا المقدار من مقالة القوم، كأنه عندي مما يعرفه من براءته ~~الساحة. # فإن كان قد أجابهم فإنما هو من مقلديهم. # وهجا حماد بن الزبرقان، حمادا الراوية فقال [1] : [من الكامل] # نعم الفتى لو كان يعرف ربه ... ويقيم وقت صلاته حماد # هدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم يسنها الحداد [2] # وابيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد # فقد كان كما ترى: # هدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم ..... # (البيت) فقد رأيت جماعة ممن يعاقرون الشراب، قد عظمت آنفهم. وصارت لهم ~~خراطيم، منهم روح الصائغ، وعبد الواحد صاحب اللؤلوي وجماعة من ندمان [3] ~~حماد بن الصباح، وعبد الله أخو نهر ابن عسكر وناس كثير. # ويدل على ذلك من المنافرة قول جرير [4] للأخطل: [من الكامل] # وشربت بعد أبي ms0658 ظهير وابنه ... سكر الدنان كأن أنفك دمل # وكان منهم يونس بن فروة. وفي يونس يقول حماد عجرد [5] : [من الكامل] # أما ابن فروة يونس فكأنه ... من كبره أير الحمار القائم # ما الناس عندك غير نفسك وحدها ... والخلق عندك ما خلاك بهائم # إن الذي أصبحت مفتونا به ... سيزول عنك وأنف جارك راغم # فتعض من ندم يديك على الذى ... فرطت فيه، كما يعض النادم # فلقد رضيت بعصبة آخيتهم ... وإخاهم لك بالمعرة لازم # فعلمت حين جعلتهم لك دخلة ... أني لعرضك في إخائك ظالم [6] PageV04P480 ### ||| 1234- [في ذكر بعض الزنادقة] # [1] وكان حماد عجرد، وحماد الراوية، وحماد بن الزبرقان، ويونس بن هارون، ~~وعلي بن الخليل، ويزيد بن الفيض، وعبادة وجميل بن محفوظ، وقاسم، ومطيع، ~~ووالبة بن الحباب، وأبان بن عبد الحميد، وعمارة بن حربية، يتواصلون، وكأنهم ~~نفس واحدة وكان بشار ينكر عليهم. # ويونس الذي زعم حماد عجرد أنه قد غر نفسه بهؤلاء، كان أشهر بهذا الرأي ~~منهم، وقد كان كتب كتابا لملك الروم في مثالب العرب، وعيوب الإسلام، بزعمه. ### ||| 1235- [هجا أبي نواس أبان والزنادقة] # وذكر أبو نواس أبان بن عبد الحميد اللاحقي، وبعض هؤلاء، ذكر إنسان يرى ~~لهم قدرا وخطرا، في هجائية لأبان، وهو قوله [3] : [من المجتث] # جالست يوما أبانا ... لا در در أبان # ونحن حضر رواق ال ... أمير بالنهروان # حتى إذا ما صلاة الأ ... أولى أتت لأذان # فقام ثم بها ذو ... فصاحة وبيان # فكل ما قال قلنا ... إلى انقضاء الأذان # فقال: كيف شهدتم ... بذا، بغير عيان؟! # لا أشهد الدهر حتى ... تعاين العينان! # فقلت: سبحان ربي! ... فقال: سبحان ماني [3] ! # فقلت: عيسى رسول ... فقال: من شيطان! # فقلت: موسى كليم ال ... مهيمن المنان # فقال: ربك ذو مق ... لة إذا ولسان! PageV04P481 # فنفسه خلقته ... أم من؟! فقمت مكاني # عن كافر يتمرى ... بالكفر بالرحمن [1] # يريد أن يتسوى ... بالعصبة المجان # بعجرد وعباد ... والوالبي الهجان # وقاسم ومطيع ... ريحانة الندمان # وتعجبي من أبي نواس، وقد كان جالس المتكلمين أشد من تعجبي من حماد، حين ~~يحكي عن قوم من هؤلاء قولا لا يقوله أحد. وهذه قرة عين ms0659 المهجو. # والذي يقول: سبحان ماني يعظم أمر عيسى تعظيما شديدا فكيف يقول: إنه من ~~قبل شيطان؟! وأما قوله: «فنفسه خلقته أم من» فإن هذه مسألة نجدها ظاهرة على ~~ألسن العوام. والمتكلمون لا يحكون هذا عن أحد. # وفي قوله: «والوالبي الهجان» دليل على أنه من شكلهم. # والعجب أنه [2] يقول في أبان: إنه ممن يتشبه بعجرد ومطيع، ووالبة بن ~~الحباب، وعلي بن الخليل [3] ، وأصبغ [4]- وأبان فوق ملء الأرض من هؤلاء، ~~ولقد كان أبان، وهو سكران، أصح عقلا من هؤلاء وهم صحاة. فأما اعتقاده فلا ~~أدري ما أقول لك فيه: لأن الناس لم يؤتوا في اعتقادهم الخطأ المكشوف، من ~~جهة النظر. # ولكن للناس تأس وعادات، وتقليد للآباء والكبراء، ويعملون على الهوى، وعلى ~~ما يسبق إلى القلوب، ويستثقلون التحصيل، ويهملون النظر، حتى يصيروا في حال ~~متى عاودوه وأرادوه، نظروا بأبصار كليلة، وأذهان مدخولة، ومع سوء عادة. ~~والنفس لا تجيب وهي مستكرهة. وكان يقال: «العقل إذا أكره عمي» . ومتى عمي ~~الطباع وجسا وغلط وأهمل، حتى يألف الجهل، لم يكد يفهم ما عليه وله. فلهذا ~~وأشباهه قاموا على الإلف، والسابق إلى القلب. PageV04P482 ### ||| 1236- [شعر لحماد عجرد] # وقال حماد عجرد: [من مجزوء الرمل] # اعلموا أن لودي ... ثمنا عندي ثمينا # ليت شعري أي حكم ... قد أراكم تحكمونا # أن تكونوا غير معطي ... ن وأنتم تأخذونا # ابن لقمان بن عاد ... في است هذا الدين دينا [1] # وما رأيت أحدا وضع لقمان بن عاد في هذا الموضع، غيره! وقال حماد عجرد في ~~بشار: [من مجزوء الكامل] # يا ابن الخبيثة إن أم ... ك لم تكن ذات اكتتام # وتبدلت ثوبان ذا الأ ... ير المضبر والعرام [2] # ثوبان دقاق الأزز ... بأرواث حسام # عرد كقائمة السر ... ير يبيلها عند الرطام [4] # وأتت سميعة بعدها ... بالمصملات العظام [4] # أخت لهم كانت تكابر ... أن تسافح من قيام # وقال حماد يذكر بشارا: [من السريع] # غزالة الرجسة أو بنتها ... سميعة الناعية الفهرا # وقال وذكر أمه: [من الكامل] # أبني غزالة يا بني جشم استها ... ليحقكم أن تفرحوا لا تجزعوا [5] ~~PageV04P483 ### ||| [حماد عجرد و بشار] # وما كان ms0660 ينبغي لبشار أن يناظر حمادا من جهة الشعر وما يتعلق بالشعر، لأن ~~حمادا في الحضيض، وبشارا مع العيوق. وليس في الأرض مولد قروي يعد شعره في ~~المحدث إلا وبشار أشعر منه. ### ||| 1237- [شعر في هجو بعض الزنادقة] # وقال أبو الشمقمق [1] في جميل بن محفوظ: [من المتقارب] # وهذا جميل على بغله ... وقد كان يعدو على رجله # يروح ويغدو كأير الحمار ... ويرجع صفرا إلى أهله [2] # وقد زعموا أنه كافر ... وأن التزندق من شكله # كأني به قد دعاه الإمام ... وآذن ربك في قتله ### ||| 1238- [غلو أبي نواس في شعره] # وأما أبو نواس فقد كان يتعرض للقتل بجهده. وقد كانوا يعجبون من قوله [3] ~~: # [من المديد] # كيف لا يدنيك من أمل ... من رسول الله من نفره # فلما قال [4] : [من المنسرح] # فاحبب قريشا لحب أحمدها ... واشكر لها الجزل من مواهبها # جاء بشيء غطى على الأول. # وأنكروا عليه قوله: [من الرجز] # لو أكثر التسبيح ما نجاه PageV04P484 # فلما قال [1] : [من البسيط] # يا أحمد المرتجى في كل نائبة ... قم سيدي نعص جبار السموات [2] # غطى هذا على الأول. وهذا البيت مع كفره مقيت جدا. وكان يكثر في هذا ~~الباب. ### ||| [خطأ ابي نواس فى شعره] # وأما سوى هذا الفن فلم يعرفوا له من الخطإ إلا قوله [3] : [من السريع] # أمستخبر الدار هل تنطق ... أنا مكان الدار لا أنطق # كأنها إذ خرست جارم ... بين ذوي تفنيده مطرق [4] # فعابوه بذلك، وقالوا: لا يقول أحد: لقد سكت هذا الحجر، كأنه إنسان ساكت، ~~وإنما يوصف خرس الإنسان بخرس الدار، ويشبه صممه بصمم الصخر. # وعابوه بقوله، حين وصف عين الأسد بالجحوظ، فقال [5] : [من السريع] # كأن عينه إذا التهبت ... بارزة الجفن عين مخنوق # وهم يصفون عين الأسد بالغؤور. قال الراجز [6] : [من الرجز] # كأنما ينظر من جوف حجر # وقال أبو زبيد [7] : [من البسيط] # كأن عينيه في وقبين من حجر ... قيضا اقتياضا بأطراف المناقير [8] # ومع هذا فإنا لا نعرف بعد بشار أشعر منه. PageV04P485 # وقال أبو زبيد [1] : [من الطويل] # وعينان كالوقبين في ملء صخرة ... ترى فيهما كالجمرتين تسعر ### ||| 1239- [قصة راهبين من الزنادقة] # وحدثني ms0661 أبو شعيب القلال، وهو صفري [2] ، قال: رهبان الزنادقة سياحون؛ ~~كأنهم جعلوا السياحة بدل تعلق النسطوري [3] في المطامير [4] . # ومقام الملكاني [5] في الصوامع، ومقام النسطوري في المطامير [4] . # قال: ولا يسيحون إلا أزواجا. ومتى رأيت منهم واحدا فالتفت رأيت صاحبه، ~~والسياحة عندهم ألا يبيت أحدهم في منزل ليلتين. قال: ويسيحون على أربع ~~خصال: على القدس، والطهر، والصدق، والمسكنة. فأما المسكنة، فأن يأكل من ~~المسألة، ومما طابت به أنفس الناس له حتى لا يأكل إلا من كسب غيره الذي ~~عليه غرمه ومأثمه، وأما الطهر فترك الجماع، وأما الصدق فعلى ألا يكذب. وأما ~~القدس فعلى أن يكتم ذنبه، وإن سئل عنه. # قال: فدخل الأهواز منهم رجلان، فمضى أحدهما نحو المقابر للغائط، وجلس ~~الآخر بقرب حانوت صائغ، وخرجت امرأة من بعض تلك القصور ومعها حق [6] فيه ~~أحجار نفيسة، فلما صعدت من الطريق إلى دكان الصائغ زلقت فسقط الحق من يدها، ~~وظليم لبعض أهل تلك الدور يتردد فلما سقط الحق وباينه الطبق [7] ، تبدد ما ~~PageV04P486 # فيه من الأحجار، فالتقم ذلك الظليم أعظم حجر فيه وأنفسه، وذلك بعين ~~السائح؛ ووثب الصائغ وغلمانه فجمعوا تلك الأحجار، ونحوا الناس وصاحوا بهم ~~فلم يدن منهم أحد، وفقدوا ذلك الحجر، فصرخت المرأة، فكشف القوم وتناحوا [1] ~~، فلم يصيبوا الحجر، فقال بعضهم: والله ما كان بقربنا إلا هذا الراهب ~~الجالس، وما ينبغي أن يكون إلا معه! فسألوه عن الحجر؛ فكره أن يخبرهم أنه ~~في جوف الظليم فيذبح الظليم، فيكون قد شارك في دم بعض الحيوان، فقال ما ~~أخذت شيئا! وبحثوه وفتشوا كل شيء معه وألحوا عليه بالضرب، وأقبل صاحبه ~~وقال: اتقوا الله! فأخذوه وقالوا: # دفعته إلى هذا حتى غيبه! فقال: ما دفعت إليه شيئا! فضربوهما ليموتا. ~~فبينما هما كذلك إذ مر رجل يعقل، ففهم عنهم القصة، ورأى ظليما يتردد فقال ~~لهم: أكان هذا الظليم يتردد في الطريق حين سقط الحجر؟ قالوا: نعم. قال: فهو ~~صاحبكم. # فعوضوا أصحاب الظليم، وذبحوه وشقوا عن قانصته، فوجدوا الحجر وقد نقص في ~~ذلك المقدار من الزمان شبيها بشطره، إلا أنها ms0662 أعطته لونا صار الذي استفادوه ~~من جهة اللون أربح لهم من وزن ذلك الشطر أن لو كان لم يذهب. # ونار القانصة غير نار الحجر. PageV04P487 ### | [باب في النيران وأقسامها] # (القول في النيران وأقسامها) [1] ونحن ذاكرون جملا من القول في النيران ~~وأجناسها، ومواضعها، وأي شيء منها يضاف إلى العجم، وأي شيء منها يضاف إلى ~~العرب، ونخبر عن نيران الديانات، وغير الديانات، وعمن عظمها وعمن استهان ~~بها، وعمن أفرط في تعظيمها حتى عبدها. ونخبر عن المواضع التي عظم فيها من ~~شأن النار. ### || 1240- [نار القربان] # [2] فمن مواضعها التي عظمت بها أن الله عز وجل جعلها لبني إسرائيل في ~~موضع امتحان إخلاصهم، وتعرف صدق نياتهم، فكانوا يتقربون بالقربان. فمن كان ~~منهم مخلصا نزلت نار من قبل السماء حتى تحيط به فتأكله، فإذا فعلت ذلك كان ~~صاحب القربان مخلصا في تقربه. ومتى لم يروها وبقي القربان على حاله، قضوا ~~بأنه كان مدخول القلب فاسد النية. ولذلك قال الله تعالى في كتابه: الذين ~~قالوا إن الله عهد إلينا ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان تأكله النار قل ~~قد جاءكم رسل من قبلي بالبينات وبالذي قلتم فلم قتلتموهم إن كنتم صادقين # [3] . # والدليل على أن ذلك قد كان معلوما، قول الله عز وجل: قد جاءكم رسل من ~~قبلي بالبينات وبالذي قلتم # ثم إن الله ستر على عباده، وجعل بيان ذلك في الآخرة. وكان ذلك التدبير ~~مصلحة ذلك الزمان [4] ، ووفق طبائهم وعللهم، وقد كان القوم من المعاندة ~~والغباوة على مقدار لم يكن لينجع فيهم ويكمل لمصلحتهم إلا ما كان في هذا ~~الوزن، فهذا باب من عظم شأن النار في صدور الناس. PageV04P488 # 1241- باب آخر # [تنويه القرآن الكريم بشأن النار] ### || 1241- [نار موسى] # [1] ومما زاد في تعظيم شأن النار في صدور الناس قول الله عز وجل: وهل ~~أتاك حديث موسى. إذ رأى نارا فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا لعلي آتيكم ~~منها بقبس أو أجد على النار هدى. فلما أتاها نودي يا موسى، إني أنا ربك ~~فاخلع نعليك إنك بالواد المقدس طوى # [2] ، وقال ms0663 عز وجل: إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا سآتيكم منها بخبر أو ~~آتيكم بشهاب قبس لعلكم تصطلون. فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن ~~حولها وسبحان الله رب العالمين # [3] . # وكان ذلك مما زاد في قدر النار في صدور الناس. ### || 1242- [نار إبراهيم] # [4] ومن ذلك نار إبراهيم صلى الله عليه وسلم، وقال الله عز وجل: قالوا ~~سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم. قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم ~~يشهدون # [5] ثم قال: قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين # [6] فلما قال الله عز وجل: # قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم # [7] كان ذلك مما زاد في نباهة النار وقدرها في صدور الناس. PageV04P489 ### || باب آخر ### ||| 1243- [نار الشجر] # # [1] وهو قوله عز وجل: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون # [2] . # والنار من أكبر الماعون، وأعظم [المنافع] [3] المرافق [في هذه الدنيا على ~~عباده] [3] . ولو لم يكن فيها إلا أن الله عز وجل قد جعلها الزاجرة عن ~~المعاصي، لكان ذلك مما يزيد في قدرها، وفي نباهة ذكرها. # وقال تعالى: أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ~~المنشؤن # [4] ، ثم قال: نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين # [5] . فقف عند قوله [6] : نحن جعلناها تذكرة ومتاعا # فإن كنت بهذا القول مؤمنا فتذكر ما فيها من النعمة أولا ثم آخرا، ثم توهم ~~مقادير النعم وتصاريفها [7] . ### ||| 1244- [نار الله] # [8] وقد علمنا أن الله عذب الأمم بالغرق، والرياح، وبالحاصب، والرجم، ~~وبالصواعق، وبالخسف، والمسخ، وبالجوع، وبالنقص من الثمرات، ولم يبعث عليهم ~~نارا، كما بعث عليهم ماء وريحا وحجارة. [وإنما] [9] جعلها من عقاب الآخرة ~~[وعذاب العقبى] [9] ، ونهى أن يحرق بها شيء من الهوام [10] ، وقال [رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم] [9] : «لا تعذبوا بعذاب الله» [11] . فقد عظمها ~~كما ترى. PageV04P490 # فتفهم- رحمك الله- فقد أراد الله إفهامك. # وقال الله تعالى للثقلين: يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران، ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان # [1] ، فجعل الشواظ والنحاس، وهما النار والدخان، من الآية. ولذلك قال على ~~نسق الكلام: فبأي آلاء ربكما تكذبان # [1] ولم ms0664 يعن أن التعذيب بالنار نعمة يوم القيامة، ولكنه أراد التحذير ~~بالخوف والوعيد بها، غير إدخال الناس فيها، وإحراقهم بها. ### ||| 1245- [شعر في بعض النبات] # وقال المرار بن منقذ [2] : [من الكامل] # وكأن أرحلنا بجو محصب ... بلوى عنيزة من مقيل الترمس # في حيث خالطت الخزامى عرفجا ... يأتيك قابس أهلها لم يقبس # أراد خصب الوادي ورطوبته. وإذا كان كذلك لم تقدح عيدانه، فإن دخلها ~~مستقبس لم يور نارا. # وقال كثير [3] : [من الطويل] # له حسب في الحي، وار زناده ... عفار ومرخ حثه الوري عاجل [4] # والعفار والمرخ، من بين جميع العيدان التي تقدح، أكثرها في ذلك وأسرعها. # قال: ومن أمثالهم: «في كل الشجر نار، واستمجد المرخ والعفار» [5] . ### ||| 1246- [نار الاستمطار] # [6] ونار أخرى، وهي النار التي كانوا يستمطرون بها في الجاهلية الأولى؛ ~~فإنهم PageV04P491 # كانوا إذا تتابعت عليهم الأزمات وركد عليهم البلاء، واشتد الجدب، ~~واحتاجوا إلى الاستمطار، استجمعوا وجمعوا ما قدروا عليه من البقر، ثم عقدوا ~~في أذنابها وبين عراقيبها، السلع والعشر [1] ، ثم صعدوا بها في جبل وعر، ~~وأشعلوا فيها النيران، وضجوا بالدعاء والتضرع. فكانوا يرون أن ذلك من أسباب ~~الشقيا. ولذلك قال أمية [2] : [من الخفيف] # سنة أزمة تخيل بالنا ... س ترى للعضاه فيها صريرا [3] # إذ يسفون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئا فطيرا [4] # ويسوقون باقرا يطرد السه ... ل مهازيل خشية أن يبورا [5] # عاقدين النيران في شكر الأذ ... ناب عمدا كيما تهيج البحورا [6] # فاشتوت كلها فهاج عليهم ... ثم هاجت إلى صبير صبيرا [7] # فرآها الإله ترشم بالقط ... ر وأمسى جنابهم ممطورا [8] # فسقاها نشاصه واكف الغى ... ث منه إذ رادعوه الكبيرا [9] # سلع ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البنقورا [10] PageV04P492 # هكذا كان الأصمعي ينشد هذه الكلمة، فقال له علماء بغداد: صحفت، إنما هي ~~البيقور، مأخوذة من البقر. # وأنشد القحذمي للورل الطائي [1] : [من البسيط] # لا در در رجال خاب سعيهم ... يستمطرون لدى الأزمات بالعشر # أجاعل أنت بيقورا مسلعة ... ذريعة لك بين الله والمطر [2] ### ||| [استطراد لغوى] # قال: ويقال بقر، وبقير، وبيقور، وباقر. ويقال للجماعة منها قطيع، وإجل، ~~وكور، وأنشد [3] : [من الطويل] # فسكنتهم بالقول ms0665 حتى كأنهم ... بواقر جلح أسكنتها المراتع [4] # وأنشد [5] : [من البسيط] # ولا شبوب من الثيران أفرده ... عن كوره كثرة الإغراء والطرد [6] ### ||| 1247- [نار التحالف و الحلف] # [7] ونار أخرى، هي التي توقد عند التحالف؛ فلا يعقدون حلفهم إلا عندها. # فيذكرون عند ذلك منافعها، ويدعون إلى الله عز وجل، بالحرمان والمنع من ~~منافعها، على الذي ينقض عهد الحلف، ويخيس بالعهد. PageV04P493 # ويقولون في الحلف: الدم الدم، والهدم الهدم [1] ، يحركون الدال في هذا ~~الموضع؛ لا يزيده طلوع الشمس إلا شدا، وطول الليالي إلا مدا، ما بل البحر ~~صوفة [2] ، وما أقام رضوى في مكانه، (إن كان جبلهم رضوى [3] ) . # وكل قوم يذكرون جبلهم، والمشهور من جبالهم. # وربما دنوا منها حتى تكاد تحرقهم. # ويهولون على من يخاف عليه الغدر، بحقوقها ومنافعها، والتخويف من حرمان ~~منفعتها. وقال الكميت [4] : [من المتقارب] # كهولة ما أوقد المحلفو ... ن للحالفين وما هولوا # وأصل الحلف والتحالف، إنما هو من الحلف والأيمان. ولقد تحالفت قبائل من ~~قبائل مرة بن عوف، فتحالفوا عند نار فدنوا منها، وعشوا [5] بها، حتى ~~محشتهم. فسموا: المحاش [6] . # وكان سيدهم والمطاع فيهم، أبو ضمرة يزيد بن سنان بن أبي حارثة. ولذلك ~~يقول النابغة [7] : [من الكامل] # جمع محاشك يا يزيد فإنني ... جمعت يربوعا لكم وتميما [8] PageV04P494 # ولحقت بالنسب الذي عيرتني ... وتركت أصلا يا يزيد ذميما [1] # وقوله: «تميم» يريد: تميمة [2] . فحذف الهاء. ### ||| 1248- [التحالف والتعاقد على الملح] # وربما تحالفوا وتعاقدوا على الملح. والملح شيئان: أحدهما المرقة، والأخرى ~~اللبن. وأنشدوا لشتيم بن خويلد الفزاري [3] : [من المتقارب] # لا يبعد الله رب العباد ... والملح ما ولدت خالده # وأنشدوا فيه قول أبي الطمحان [4] : [من الطويل] # وإني لأرجو ملحها في بطونكم ... وما بسطت من جلد أشعث أغبرا # وذلك أنه كان جاورهم، فكان يسقيهم اللبن؛ فقال: أرجو أن تشكروا لي رد ~~إبلي، على ما شربتم من ألبانها، وما بسطت من جلد أشعث أغبر. كأنه يقول: ~~كنتم مهازيل- والمهزول يتقشف جلده وينقبض- فبسط ذلك من جلودكم. ### ||| 1249- [نار المسافر] # [5] ونار أخرى، وهي النار التي كانوا ربما أوقدوها خلف المسافر، وخلف ~~الزائر PageV04P495 # الذي لا يحبون رجوعه. وكانوا يقولون في ms0666 الدعاء: أبعده الله وأسحقه، وأوقد ~~نارا خلفه، وفي إثره! وهو معنى قول بشار [1]- وضربه مثلا: [من المتقارب] # صحوت وأوقدت للجهل نارا ... ورد عليك الصبا ما استعارا # وأنشدوا [2] : [من الطويل] # وجمة أقوام حملت ولم تكن ... لتوقد نارا إثرهم للتندم # والجمة: الجماعة يمشون في الصلح. وقال الراجز [3] في إبله: [من الرجز] # تقسم في الحق وتعطى في الجمم # يقول: لا تندم على ما أعطيت في الحمالة، عند كلام الجماعة فتوقد خلفهم ~~نارا كي لا يعودوا. ### ||| 1250- [نار الحرب] # [4] ونار أخرى وهي النار التي كانوا إذا أرادوا حربا، وتوقعوا جيشا ~~عظيما، وأرادوا الاجتماع أوقدوا ليلا على جبلهم نارا؛ ليبلغ الخبر أصحابهم. # وقد قال عمرو بن كلثوم [5] : [من الوافر] # ونحن غداة أوقد في خزاز ... رفدنا فوق رفد الرافدينا # وإذا جدوا في جمع عشائرهم إليهم أوقدوا نارين. وهو قول الفرزدق [6] : # [من الكامل] # لولا فوارس تغلب ابنة وائل ... سد العدو عليك كل مكان PageV04P496 # ضربوا الصنائع والملوك وأوقدوا ... نارين أشرفتا على النيران ### ||| 1251- [نار الحرتين] # [1] ونار أخرى، وهي # «نار الحرتين» ، # وهي نار خالد بن سنان، أحد بني مخزوم، من بني قطيعة بن عبس. ولم يكن في ~~بني إسماعيل نبي قبله. وهو الذي أطفأ الله به نار الحرتين. وكانت ببلاد بني ~~عبس، فإذا كان الليل فهي نار تسطع في السماء، وكانت طيئ تنفش [2] بها إبلها ~~من مسيرة ثلاث، وربما ندرت منها العنق [3] فتأتي على كل شيء فتحرقه. وإذا ~~كان النهار فإنما هي دخان يفور. فبعث الله خالد بن سنان فاحتفر لها بئرا، ~~ثم أدخلها فيها، والناس ينظرون؛ ثم اقتحم فيها حتى غيبها. # وسمع بعض القوم وهو يقول: [هلك الرجل! فقال خالد بن سنان] [4] : كذب ابن ~~راعية المعز، لأخرجن منها وجبيني يندى! فلما حضرته الوفاة، قال لقومه: إذا ~~أنا مت ثم دفنتموني، فاحضروني بعد ثلاث؛ فإنكم ترون عيرا أبتر يطوف بقبري، ~~فإذا رأيتم ذلك فانبشوني؛ فإني أخبركم بما هو كائن إلى يوم القيامة. ~~فاجتمعوا لذلك في اليوم الثالث، فلما رأوا العير [5] وذهبوا ينبشونه، ~~اختلفوا، فصاروا فرقتين، وابنه عبد الله في الفرقة التي ms0667 أبت أن تنبشه، وهو ~~يقول: لا أفعل! إني إذا أدعى ابن المنبوش! فتركوه. # وقد قدمت ابنته على النبي صلى الله عليه وسلم، فبسط لها رداءه وقال: هذه ~~ابنة نبي ضيعه قومه. # قال: وسمعت سورة: قل هو الله أحد # فقالت: قد كان أبي يتلو هذه السورة. ### ||| [نبوة خالد بن سنان] # والمتكلمون لا يؤمنون بهذا، ويزعمون أن خالدا هذا كان أعرابيا وبريا، من ~~أهل شرج وناظرة [6] ، ولم يبعث الله نبيا قط من الأعراب ولا من الفدادين ~~[7] أهل PageV04P497 # الوبر، وإنما بعثهم من أهل القرى، وسكان المدن [1] . # وقال خليد عينين [2] : [من الطويل] # وأي نبي كان في غير قومه ... وهل كان حكم الله إلا مع النخل # وأنشدوا [3] : [من الوافر] # كنار الحرتين لها زفير ... يصم مسامع الرجل السميع ### ||| 1252- [عبادة النار] # وما زال الناس كافة، والأمم قاطبة- حتى جاء الله بالحق- مولعين بتعظيم ~~النار؛ حتى ضل كثير من الناس لإفراطهم فيها، أنهم يعبدونها [4] . # فأما النار العلوية، كالشمس والكواكب، فقد عبدت البتة. قال الله تعالى: # وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله # [5] . # وقد يجيء في الأثر وفي سنة بعض الأنبياء، تعظيمها على جهة التعبد ~~والمحنة، وعلى إيجاب الشكر على النعمة بها وفيها. فيغلط لذلك كثير من ~~الناس، فيجوزون الحد، ويزعم أهل الكتاب أن الله تعالى أوصاهم بها، وقال: ~~«لا تطفئوا النيران من بيوتي» . فلذلك لا تجد الكنائس والبيع [6] ، وبيوت ~~العبادات، إلا وهي لا تخلو من نار أبدا، ليلا ولا نهارا؛ حتى اتخذت للنيران ~~البيوت والسدنة. ووقفوا عليها الغلات الكثيرة. ### ||| 1253- [إطفاء نيران المجوس] # أبو الحسن عن مسلمة وقحدم، أن زيادا بعث عبد الله بن أبي بكرة، وأمره أن ~~PageV04P498 # يطفئ النيران، فأراد عبد الله أن يبدأ بنار جور فيطفئها [1] ، فقيل له: ~~ليست للمجوس نار أعظم من نار الكاريان [2] من دار الحارث. فإن أطفأتها لم ~~يمتنع عليك أحد، وإن أطفأت سافلتها استعدوا للحرب وامتنعوا. فابدأ بها. ~~فخرج إلى الكاريان فتحصن أهلها في القلعة. وكان رجل من الفرس من أهل تلك ~~البلاد معروف بالشدة. لا يقدر عليه أحد، وكان يمر كل عشية بباب منزله ms0668 ~~استخفافا وإذلالا بنفسه، فغم ذلك عبد الله، فقال: أما لهذا أحد؟! وكان مع ~~عبد الله بن أبي بكرة رجل من عبد القيس، من أشد الناس بطشا، وكان جبانا، ~~فقالوا له: هذا العبدي، هو شديد جبان. وإن أمرته به خاف القتال فلم يعرض ~~له. فاحتل له حيلة. فقال: نعم. # قال: فبينا هو في مجلسه إذ مر الفارسي، فقال عبد الله: ما رأيت مثل خلق ~~هذا، وما في الأرض- كما زعموا- أشد منه بطشا! ما يقوى عليه أحد! فقال ~~العبدي: # ما تجعلون لي إن احتملته حتى أدخله الدار وأكتفه؟ فقال له عبد الله: لك ~~أربعة آلاف درهم. فقال: تفون لي بألف؟ قال: نعم! فلما كان الغد مر الفارسي، ~~فقام إليه العبدي فاحتمله فيما امتنع ولا قدر أن يتحرك، حتى أدخله الدار ~~وضرب به الأرض ووثب عليه الناس فقتلوه، وغشي على العبدي حين قتلوه. فلما ~~قتل أعطى أهل القلعة بأيديهم [3] . فقتل ابن أبي بكرة الهرابذة، وأطفأ ~~النار، ومضى يطفئ النيران حتى بلغ سجستان. ### ||| [تعظيم المجوس للنار] # والمجوس تقدم النار في التعظيم على الماء، وتقدم الماء في التعظيم على ~~الأرض. ولا تكاد تذكر الهواء. ### ||| 1254- [نار السعالي والجن والغيلان] # ونار أخرى، التي يحكونها من نيران السعالي [4] والجن وهي غير نار ~~الغيلان. # وأنشد أبو زيد لسهم بن الحارث [5] : [من الطويل] PageV04P499 # ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقاما [1] # سوى تحليل راحلة وعين ... أكالئها مخافة أن تناما # أتوا ناري، فقلت منون أنتم ... فقالوا: الجن! قلت: عموا ظلاما [2] # فقلت: إلى الطعام، فقال منهم ... زعيم: نحسد الإنس الطعاما # وهذا غلط وليس من هذا الباب، وسنضعه في موضعه إن شاء الله تعالى. بل الذي ~~يقع ههنا قول أبي المطراب عبيد بن أيوب [3] : [من الطويل] # فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقفر [4] # أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالي نيرانا تبوخ وتزهر [5] ### ||| 1255- [نار الاحتيال] # [6] وما زالت السدنة تحتال للناس جهة النيران بأنواع الحيل، كاحتيال ~~رهبان كنيسة القمامة ببيت المقدس بمصابيحها، وأن زيت قناديلها يستوقد لهم ~~من غير نار، في بعض ms0669 ليالي أعيادهم قال [7] : وبمثل احتيال السادن لخالد بن ~~الوليد، حين رماه بالشرر؛ ليوهمه أن ذلك من الأوثان، أو عقوبة على ترك ~~عبادتها وإنكارها، والتعرض لها؛ حتى قال [8] : # [من الرجز] # يا عز كفرانك لا سبحانك ... إني وجدت الله قد أهانك # حتى كشف الله ذلك الغطاء، من رسول الله صلى الله عليه وسلم. ### ||| 1256- [نار الصيد و البيض] # [9] ونار أخرى، وهي النار التي توقد للظباء وصيدها، لتعشى إذا أدامت ~~النظر، PageV04P500 # وتختل من ورائها، ويطلب بها بيض النعام في أفاحيصها ومكناتها. # ولذلك قال طفيل الغنوي [1] : [من الطويل] # عوازب لم تسمع نبوح مقامة ... ولم تر نارا تم حول مجرم # سوى نار بيض أو غزال بقفرة ... أغن من الخنس المناخر توءم ### ||| 1257- [نار التهويل] # [2] وقد يوقدون النيران يهولون بها على الأسد إذا خافوها، والأسد إذا ~~عاين النار حدق إليها وتأملها، فما أكثر ما تشغله عن السابلة، ### ||| [قصة أبى ثعلب الأعرج] ومر أبو ثعلب الأعرج. على وادي السباع، فعرض له سبع، فقال له المكاري: # لو أمرت غلمانك فأوقدوا نارا، وضربوا على الطساس [الذي معهم] [3] ففعلوا ~~فأحجم عنها [4] ، فأنشدني له ابن أبي كريمة، في حبه بعد ذلك للنار، ومدحه ~~لها وللصوت الشديد، بعد بغضه لهما وهو قوله [5] : [من الطويل] # فأحببتها حبا هويت خلاطها ... ولو في صميم النار نار جهنم # وصرت ألذ الصوت لو كان صاعقا ... وأطرب من صوت الحمار المرقم [6] ### ||| 1258- [نار الاصطلاء] # [7] وروي أن أعرابيا اشتد عليه البرد، فأصاب نارا، فدنا منها ليصطلي بها، ~~وهو يقول: اللهم لا تحرمنيها في الدنيا ولا في الآخرة!. ### ||| 1259- [حيرة الضفدع عند رؤية النار] # ومما إذا أبصر النار اعترته الحيرة، الضفدع؛ فإنه لا يزال ينق فإذا أبصر ~~النار سكت. PageV04P501 ### ||| 1260- [نار الحباحب] # [1] ومن النيران # «نار الحباحب» # وهي أيضا «نار أبي الحباحب» . وقال أبو حية [2] : [من الطويل] # يعشر في تقريبه فإذا انحنى ... عليهن في قف أرنت جنادله [3] # وأوقدن نيران الحباحب والتقى ... غضا تتراقى بينهن ولاوله [4] # وقال القطامي [5] في نار أبي الحباحب: [من الطويل] # تخود تخويد النعامة بعدما ... تصوبت الجوزاء قصد المغارب [6] # ألا إنما نيران قيس إذا ms0670 اشتوت ... لطارق ليل مثل نار الحباحب # ويصفون نارا أخرى، وهي قريبة من نار أبي الحباحب، وكل نار تراها العين ~~ولا حقيقة لها عند التماسها [7] ، فهي نار أبي الحباحب. ولم أسمع في أبي ~~حباحب نفسه شيئا. ### ||| 1261- [نار البرق] # وقال الأعرابي، وذكر البرق [8] : [من الطويل] # نار تعود به للعود جدته ... والنار تشعل نيرانا فتحترق # يقول: كل نار في الدنيا فهي تحرق العيدان وتبطلها وتهلكها، إلا # «نار البرق» ، # PageV04P502 # فإنها تجيء بالغيث. وإذا غيثت الأرض ومطرت أحدث الله للعيدان جدة. ~~وللأشجار أغصانا لم تكن. # 1262 ### ||| -[نار اليراعة] # ونار أخرى، وهي شبيهة بنار البرق، ونار أبي حباحب، وهي «نار اليراعة» ، # واليراعة: طائر صغير، إن طار بالنهار كان كبعض الطير، وإن طار بالليل كان ~~كأنه شهاب قذف أو مصباح يطير. ### ||| 1263- [الدفء برؤية النار] # وفي الأحاديث السائرة المذكورة في الكتب، أن رجلا ألقي في ماء راكد في ~~شتاء بارد، في ليلة من الحنادس [1] ، لا قمر ولا ساهور [2]- وإنما ~~ذكر ذلك، لأن ليلة العشر والبدر والطوق الذي يستدير حول القمر، يكون كاسرا ~~[3] من برد تلك الليلة- قالوا: فما زال الرجل حيا وهو في ذلك تارز [4] ~~جامد، ما دام ينظر إلى نار، كانت تجاه وجهه في القرية، أو مصباح، فلما طفئت ~~انتفض. ### ||| 1264- [نار الخلعاء والهراب] # وقال الشاعر [5] : [من الطويل] # ونار قبيل الصبح بادرت قدحها ... حيا النار قد أوقدتها للمسافر [6] # يقول: بادرت الليل، لأن النار لا ترى بالنهار، كأنه كان خليعا أو مطلوبا. # وقال آخر: [من الطويل] # ودوية لا يثقب النار سفرها ... وتضحي بها الوجناء وهي لهيد [7] ~~PageV04P503 # كأنهم كانوا هرابا، فمن حثهم السير لا يوقدون لبرمة ولا ملة؛ لأن ذلك لا ~~يكون إلا بالنزول والتمكث، وإنما يجتازون بالبسيسة [1] ، أو بأدنى علقة. ~~وقال بعض اللصوص [2] : [من الرجز] # ملسا بذود الحدسي ملسا ... نبهت عنهن غلاما غسا [3] # لما تغشى فروة وحلسا ... من غدوة حتى كأن الشمسا [4] # بالأفق الغربي تكسى ورسا ... لا تخبزا خبزا وبسا بسا [5] # ولا تطيلا بمناخ حبسا ... وجنباها أسدا وعبسا # قال: والبسيسة: أن يبل الدقيق بشيء حتى يجتمع ويؤكل. ### ||| 1265- [نار الوشم] ms0671 # ونار أخرى، وهي # «نار الوشم # والميسم» يقال للرجل: ما نار إبلك؟ فيقول: # علاط [6] ، أو خباط [7] ، أو حلقة [8] أو كذا وكذا. ### ||| 1266- [رجز لبعض اللصوص] # وقرب بعض اللصوص إبلا من الهواشة [9] ، وقد أغار عليها من كل جانب، ~~PageV04P504 # وجمعها من قبائل شتى، فقربها إلى بعض الأسواق، فقال له بعض التجار: ما ~~نارك؟ # وإنما يسأله عن ذلك؛ لأنهم يعرفون بميسم كل قوم كرم إبلهم من لؤمها. فقال ~~[1] : # [من الرجز] # تسألني الباعة ما نجارها ... إذ زعزعوها فسمت أبصارها [2] # فكل دار لأناس دارها ... وكل نار العالمين نارها # وقال الكردوس المرادي [3] : [من الطويل] # تسائلني عن نارها ونتاجها ... وذلك علم لا يحيط به الطمش # والطمش: الخلق. والورى: الناس خاصة ### |PARATEXT| # تم المصحف الرابع من كتاب الحيوان، ~~ويليه إن شاء الله تعالى المصحف الخامس. # وأوله: نبدأ في هذا الجزء بتمام القول في نيران العجم والعرب، ونيران ~~الديانة، ومبلغ أقدارها. PageV04P505 # (بسم الله الرحمن الرحيم) * ### | تتمة القول في النيران وأقسامها ### || القول في نيران العرب والعجم # (أول المصحف الخامس من كتاب الحيوان في الكتاب على بقية النبران) نبدأ في ~~هذا الجزء بتمام القول في نيران العرب والعجم، ونيران الديانة ومبلغ ~~أقدارها عند أهل كل ملة وما يكون منها مفخرا، وما يكون منها مذموما، وما ~~يكون صاحبها بذلك مهجورا. # ونبدأ بالإخبار عنها وبدئها، وعن نفس جوهرها، وكيف القول في كمونها ~~وظهورها، إن كانت النار قد كانت موجودة العين قبل ظهورها، وعن كونها، على ~~المجاورة كان ذلك أم على المداخلة، وفي حدوث عينها إن كانت غير كامنة، وفي ~~إحالة الهواء لها والعود جمرا، إن كانت الاستحالة جائزة، وكانت الحجة في ~~تثبيت الأعراض صحيحة. وكيف القول في الضرام الذي يظهر من الشجر، وفي الشرر ~~الذي يظهر من الحجر. وما القول في لون النار في حقيقتها. وهل يختلف الشرار ~~في طبائعها، أم لا اختلاف بين جميع جواهرها، أم يكون اختلافها على قدر ~~اختلاف مخارجها ومداخلها، وعلى قدر اختلاف ما لاقاها وهيجها؟ ### ||| 1267- [قول النظام في النار] # ونبدأ، باسم الله وتأييده، بقول أبي إسحاق. # قال أبو إسحاق: الناس ms0672 اسم للحر والضياء. فإذا قالوا: أحرقت أو سخنت، ~~فإنما الإحراق والتسخين لأحد هذين الجنسين المتداخلين، وهو الحر دون ~~الضياء. # وزعم أن الحر جوهر صعاد. وإنما اختلفا، ولم يكن اتفاقهما على الصعود ~~موافقا بين جواهرهما؛ لأنهما متى صارا من العالم العلوي إلى مكان صار ~~أحدهما فوق صاحبه. # وكان يجزم القول ويبرم الحكم بأن الضياء هو الذي يعلو إذا انفرد، ولا ~~يعلى. # PageV05P003 # قال: ونحن إنما صرنا إذا أطفأنا نار الأتون [1] وجدنا أرضه وهواه وحيطانه ~~حارة، ولم نجدها مضيئة، لأن في الأرض، وفي الماء الذي قد لابس الأرض، حرا ~~كثيرا، وتداخلا متشابكا؛ وليس فيهما ضياء. وقد كان حر النار هيج تلك ~~الحرارة فأظهرها، ولم يكن هناك ضياء من ملابس فهيجه الضياء وأظهره، كما ~~اتصل الحر بالحر فأزاله من موضعه، وأبرزه من مكانه. فلذلك وجدنا أرض الأتون ~~[1] ، وحيطانها، وهواها حارة، ولم نجدها مضيئة. # وزعم أبو إسحاق أن الدليل على أن في الحجر والعود نارا مع اختلاف الجهات، ~~أنه يلزم من أنكر ذلك أن يزعم أن ليس في السمسم دهن ولا في الزيتون زيت. # ومن قال ذلك لزمه أن يقول: أن ليس في الإنسان دم، وأن الدم إنما تخلق عند ~~البط [2] ، وكان ليس بين من أنكر أن يكون الصبر [3] مر الجوهر، والعسل حلو ~~الجوهر قبل ألا يذاقا، وبين السمسم والزيتون قبل أن يعصرا- فرق. # وإن زعم الزاعم أن الحلاوة والمرارة عرضان، والزيت والخل جوهر، وإذا لزم ~~من قال ذلك في حلاوة العسل، وحموضة الخل، وهما طعمان- لزمه مثل ذلك في ~~ألوانهما، فيزعم أن سواد السبج [4] ، وبياض الثلج، وحمرة العصفر، وصفرة ~~الذهب، وخضرة البقل، إنما تحدث عند رؤية الإنسان، وإن كانت المعاينة ~~والمقابلة غير عاملتين في تلك الجواهر. # قال: فإذا قاس ذلك المتكلم في لون الجسم بعد طعمه، وفي طوله وعرضه وصورته ~~بعد رائحته، وفي خفته وثقل وزنه، كما قاس في رخاوته وصلابته- فقد دخل في ~~باب الجهالات، ولحق بالذين زعموا أن القربة ليس فيها ماء، وإن وجدوها ~~باللمس ثقيلة مزكورة [5] وإنما تخلق عند حل رباطها. وكذلك فليقولوا في ms0673 ~~الشمس والقمر، والكواكب، والجبال، إذا غابت عن أبصارهم. # قال: فمن هرب عن الانقطاع إلى الجهالات، كان الذي هرب إليه أشد عليه. ~~PageV05P004 # وكان يضرب لهما مثلا ذكرته لظرافته: # حكى عن رجل أحدب سقط في بئر، فاستوت حدبته وحدثت له أدرة [1] في خصيته، ~~فهناه رجل عن ذهاب حدبته، فقال: الذي جاء شر من الذي ذهب! ### ||| 1268- [رد النظام على ضرار في إنكار الكمون] # وكان أبو إسحاق يزعم أن ضرار بن عمرو قد جمع في إنكاره القول بالكمون ~~الكفر والمعاندة؛ لأنه كان يزعم أن التوحيد لا يصح إلا مع إنكار الكمون، ~~وأن القول بالكمون لا يصح إلا بأن يكون في الإنسان دم. وإنما هو شيء تخلق ~~عند الرؤية. # قال: وهو قد كان يعلم يقينا أن جوف الإنسان لا يخلو من دم. # قال: ومن زعم أن شيئا من الحيوان يعيش بغير الدم، أو شيء يشبه الدم، ~~فواجب عليه أن يقول بإنكار الطبائع؛ ويدفع الحقائق بقول جهم في تسخين النار ~~وتبريد الثلج، وفي الإدراك والحس، والغذاء والسم. وذلك باب آخر في ~~الجهالات. # ومن زعم أن التوحيد لا يصلح إلا بألا يكون في الإنسان دم، وإلا بأن تكون ~~النار لا توجب الإحراق، والبصر الصحيح لا يوجب الإدراك- فقد دل على أنه في ~~غاية النقص والغباوة، أو في غاية التكذيب والمعاندة. # وقال أبو إسحاق: وجدنا الحطب عند انحلال أجزائه، وتفرق أركانه التي بني ~~عليها، ومجموعاته التي ركب منها وهي أربع: نار، ودخان، وماء، ورماد، ووجدنا ~~للنار حرا وضياء، ووجدنا للماء صوتا، ووجدنا للدخان طعما ولونا ورائحة، ~~ووجدنا للرماد طعما ولونا ويبسا، ووجدنا للماء السائل من كل واحد من ~~أصحابه. ثم وجدناه ذا أجناس ركبت من المفردات. # ووجدنا الحطب ركب على ما وصفنا، فزعمنا أنه ركب من المزدوجات، ولم يركب ~~من المفردات. # قال أبو إسحاق: فإذا كان المتكلم لا يعرف القياس ويعطيه حقه فرأى أن ~~العود حين احتك بالعود أحدث النار فإنه يلزمه في الدخان مثل ذلك، ويلزمه في ~~الماء السائل مثل ذلك. وإن قاس قال في الرماد مثل قوله ms0674 في الدخان والماء. ~~وإلا فهو إما جاهل، وإما متحكم. PageV05P005 # وإن زعم أنه إنما أنكر أن تكون النار كانت في العود، لأنه وجد النار أعظم ~~من العود، ولا يجوز أن يكون الكبير في الصغير، وكذلك الدخان- فليزعم أن ~~الدخان لم يكن في الحطب، وفي الزيت وفي الزيت وفي النفط. # فإن زعم أنهما سواء، وأنه إنما قال بذلك لأن بدن ذلك الحطب لم يكن يسع ~~الذي عاين من بدن النار والدخان، فليس ينبغي لمن أنكر كمونها من هذه الجهة ~~أن يزعم أن شرر القداحة والحجر لم يكونا كامنين في الحجر والقداحة. # وليس ينبغي أن ينكر كمون الدم في الإنسان، وكمون الدهن في السمسم، وكمون ~~الزيت في الزيتون. ولا ينبغي أن ينكر من ذلك إلا ما لا يكون الجسم يسعه في ~~العين. # فكيف وهم قد أجروا هذا الإنكار في كل ما غاب عن حواسهم من الأجسام ~~المستترة بالأجسام حتى يعود بذلك إلى إبطال الأعراض؟! كنحو حموضة الخل، ~~وحلاوة العسل، وعذوبة الماء، ومرارة الصبر. # قال: فإن قاسوا قولهم وزعموا أن الرماد حادث، كما قالوا في النار ~~والدخان، فقد وجب عليهم أن يقولوا في جميع الأجسام مثل ذلك كالدقيق المخالف ~~للبر في لونه، وفي صلابته، وفي مساحته، وفي أمور غير ذلك منه. فقد ينبغي أن ~~يزعم أن الدقيق حادث، وأن البر قد بطل. # وإذا زعم ذلك زعم أن الزبد الحادث بعد المخض لم يكن في اللبن، وأن جبن ~~اللبن حادث، وقاس ماء الجبن على الجبن. وليس اللبن إلا الجبن والماء. # وإذا زعم أنهما حادثان، وأن اللبن قد بطل، لزمه أن يكون كذلك الفخار، ~~الذي لم نجده حتى عجنا التراب اليابس المتهافت على حدته، بالماء الرطب ~~السيال على حدته، ثم شويناه بالنار الحارة الصعادة على حدتها. ووجدنا ~~الفخار في العين واللمس والذوق والشم، وعند النقر والصك- على خلاف ما وجدنا ~~عليه النار وحدها، والماء وحده، والتراب وحده؛ فإن ذلك الفخار هو تلك ~~الأشياء. والحطب هو تلك الأشياء، إلا أن أحدها من تركيب العباد، والآخر من ~~تركيب الله. # والعبد ms0675 لا يقلب المركبات عن جواهرها بتركيبه ما ركب منها. # والحجر متى صك بيضة كسرها، وكيف دار الأمر، سواء كانت الريح تقلبه أو ~~إنسان. # PageV05P006 # فإن زعموا أن الفخار ليس ذلك التراب، وذلك الماء، وتلك النار، وقالوا مثل ~~ذلك في جميع الأخبصة [1] والأنبذة، كان آخر قياسهم أن يجيبوا بجواب أبي ~~الجهجاه؛ فإنه زعم أن القائم غير القاعد، والعجين غير الدقيق. وزعم- ولو ~~أنه لم يقل ذلك- أن الحبة متى فلقت فقد بطل الصحيح، وحدث جسمان في هيئة ~~نصفي الحبة. وكذلك إذا فلقت بأربع فلق، إلى أن تصير سويقا، ثم تصير دقيقا، ~~ثم تصير عجينا، ثم تصير خبزا، ثم تعود رجيعا وزبلا، ثم تعود ريحانا وبقلا، ~~ثم يعود الرجيع أيضا لبنا وزبدا؛ لأن الجلالة [2] من البهائم تأكله، فيعود ~~لحما ودما. # وقال: فليس القول إلا ما قال أصحاب الكمون، أو قول هذا. ### ||| 1269- [رد النظام على أصحاب الأعراض] # قال أبو إسحاق: فإن اعترض علينا معترض من أصحاب الأعراض فزعم أن النار لم ~~تكن كامنة، وكيف تكمن فيه وهي أعظم منه؟ ولكن العود إذا احتك بالعود حمي ~~العودان، وحمي من الهواء المحيط بهما الجزء الذي بينهما، ثم الذي يلي ذلك ~~منهما، فإذا احتدم رق، ثم جف والتهب. فإنما النار هواء استحال. # والهواء في أصل جوهره حار رقيق، وهو جسم رقيق، وهو جسم خوار، جيد القبول، ~~سريع الانقلاب. # والنار التي تراها أكثر من الحطب، إنما هي ذلك الهواء المستحيل، ~~وانطفاؤها بطلان تلك الأعراض الحادثة من النارية فيه. فالهواء سريع ~~الاستحالة إلى النار، سريع الرجوع إلى طبعه الأول. وليس أنها إذا عدمت فقد ~~انقطعت إلى شكل لها علوي واتصلت، وصارت إلى تلادها [3] ، ولا أن أجزاءها ~~أيضا تفرقت في الهواء، ولا أنها كانت كامنة في الحطب، متداخلة منقبضة فيه، ~~فلما ظهرت انبسطت وانتشرت. # وإنما اللهب هواء استحال نارا؛ لأن الهواء قريب القرابة من النار، والماء ~~هو حجاز بينهما، لأن النار يابسة حارة، والماء رطب بارد، والهواء حار رطب، ~~فهو يشبه الماء من جهة الرطوبة والصفاء، ويشبه النار بالحرارة والخفة فهو ~~يخالفهما ms0676 ويوافقهما؛ فلذلك جاز أن ينقلب إليهما انقلابا سريعا، كما ينعصر ~~الهواء إذا استحال رطبا PageV05P007 # وحدث له كثافة، إلى أن تعود أجزاؤه مطرا. فالماء ضد النار، والهواء خلاف ~~لهما، وليس بضد. ولا يجوز أن ينقلب الجوهر إلى ضده حتى ينقلب بديا إلى ~~خلافه. فقد يستقيم أن ينقلب الماء هواء، ثم ينقلب الهواء نارا، وينقلب ~~الهواء ماء، ثم ينقلب الماء أرضا. فلا بد في الانقلاب من الترتيب والتدريج. ~~وكل جوهر فله مقدمات؛ لأن الماء قد يحيل الطين صخرا، وكذلك في العكس، فلا ~~يستحيل الصخر هواء، والهواء صخرا، إلا على هذا التنزيل والترتيب. # وقال أبو إسحاق لمن قال بذلك من حذاق أصحاب الأعراض: قد زعمتم أن النار ~~التي عايناها لم تخرج من الحطب، ولكن الهواء المحيط بهما احتدم واستحال ~~نارا. فلعل الحطب الذي يسيل منه الماء الكثير، أن يكون ذلك الماء لم يكن في ~~الحطب، ولكن ذلك المكان من الهواء استحال ماء. وليس ذلك المكان من الهواء ~~أحق بأن يستحيل ماء من أن يكون سبيل الدخان في الاستحالة سبيل النار ~~والماء. # فإن قاس القوم ذلك، فزعموا أن النار التي عايناها، وذلك الماء والدخان في ~~كثافة الدخان وسواده، والذي يتراكم منه في أسافل القدور وسقف المطابخ إنما ~~ذلك هواء استحال، فلعل الرماد أيضا، هواء استحال رمادا. # فإن قلتم: الدخان في أول ثقله المتراكم على أسافل القدور، وفي بطون سقف ~~مواقد الحمامات، الذي إذا دبر ببعض التدبير جاء منه الأنقاس [1] العجيبة ~~أحق بأن استحال أرضيا. فإن قاس صاحب العرض، وزعم أن الحطب انحل بأسره، ~~فاستحال بعضه رمادا كما قد كان بعضه رمادا مرة، واستحال بعضه ماء كما كان ~~بعضه ماء مرة، وبعضه استحال أرضا، كما كان بعضه أرضا مرة، ولم يقل إن ~~الهواء المحيط به استحال رمادا، ولكن بعض أخلاط الحطب استحال رمادا ودخانا، ~~وبعض الهواء المتصل به استحال ماء وبعضه استحال نارا، على قدر العوامل، ~~وعلى المقابلات له. # وإذا قال صاحب العرض ذلك كان قد أجاب في هذه الساعة على حد ما نزلته لك. ms0677 # وهذا باب من القول في النار. وعلينا أن نستقصي للفريقين والله المعين. ### ||| 1270- [رد على منكري كمون النار في الحطب] # وباب آخر، وهو أن بعض من ينكر كمون النار في الحطب قالوا: إن هذا الحر ~~PageV05P008 # الذي رأيناه قد ظهر من الحطب، لو كان في الحطب لكان واجبا أن يجده من مسه ~~كالجمر المتوقد، إذا لم يكن دونه مانع منه. ولو كان هناك مانع لم يكن ذلك ~~المانع إلا البرد؛ لأن اللون والطعم والرائحة لا يفاسد الحر، ولا يمانعه ~~إلا الذي يضاده، دون الذي يخالفه ولا يضاده. # فإن زعم زاعم أنه قد كان هناك من أجزاء البرد ما يعادل ذلك الحر ويطاوله، ~~ويكافيه ويوازيه؛ فلذلك صرنا إذا مسسنا الحطب لم نجده مؤذيا، وإنما يظهر ~~الحرق ويحرق لزوال البرد، إذا قام في مكانه وظهر الحر وحده فظهر عمله. ولو ~~كان البرد المعادل لذلك الحر مقيما في العود على أصل كمونه فيه. لكان ينبغي ~~لمن مس الرماد بيده أن يجده أبرد من الثلج. فإذا كان مسه كمس غيره، فقد ~~علمنا أنه ليس هناك من البرد ما يعادل هذا الحر الذي يحرق كل شيء لقيه. # فإن زعم أنهما خرجا جميعا من العود، فلا يخلو البرد أن يكون أخذ في جهته، ~~فلم وجدنا الحر وحده وليس هو بأحق أن نجده من ضده. وإن كان البرد أخذ ~~شمالا، وأخذ الحر جنوبا، فقد كان ينبغي أن يجمد ويهلك ما لاقاه، كما أهلك ~~الحر وأحرق وأذاب كل ما لاقاه. # قالوا: فلما وجدنا جميع أقسام هذا الباب، علمنا أن النار لم تكن كامنة في ~~الحطب. # قال أبو إسحاق: والجواب عن ذلك أنا نزعم أن الغالب على العالم السفلي ~~الماء والأرض، وهما جميعا باردان، وفي أعماقهما وأضعافهما من الحر ما يكون ~~مغمورا ولا يكون غامرا، ويكون مقموعا ولا يكون قامعا؛ لأنه هناك قليل، ~~والقليل ذليل، والذليل غريب، والغريب محقور. فلما كان العالم السفلي كذلك، ~~اجتذب ما فيه من قوة البرد وذلك البرد الذي كان في العود عند زوال مانعه؛ ~~لأن العود ms0678 مقيم في هذا العالم. ثم لم ينقطع ذلك البرد إلى برد الأرض، الذي ~~هو كالقرص له، إلا بالطفرة [1] والتخليف [2] ، لا بالمرور على الأماكن ~~والمحاذاة لها وقام برد الماء منه مقام قرص الشمس من الضياء الذي يدخل ~~البيت للخرق الذي يكون فيه، فإذا سد فمع السد ينقطع إلى قرصه، وأصل جوهره. ~~PageV05P009 # فإذا أجاب بذلك أبو إسحاق لم يجد خصمه بدا من أن يبتدئ مسألة في إفساد ~~القول بالطفرة والتخليف. # ولولا ما اعترض به أبو إسحاق من الجواب بالطفرة في هذا الموضع، لكان هذا ~~مما يقع في باب الاستدلال على حدوث العالم. ### ||| 1271- [قول النظام في الكمون] # وكان أبو إسحاق يزعم أن احتراق الثوب والحطب والقطن، إنما هو خروج نيرانه ~~منه، وهذا هو تأويل الاحتراق، وليس أن نارا جاءت من مكان فعملت في الحطب، ~~ولكن النار الكامنة في الحطب لم تكن تقوى على نفي ضدها عنها، فلما اتصلت ~~بنار أخرى، واستمدت منها، قويتا جميعا على نفي ذلك المانع، فلما زال المانع ~~ظهرت. فعند ظهورها تجزأ الحطب وتجفف وتهافت؛ لمكان عملها فيه. # فإحراقك للشيء إنما هو إخراجك نيرانه منه. # وكان يزعم أن حرارة الشمس، إنما تحرق في هذا العالم بإخراج نيرانها منه. # وهي لا تحرق ما عقد العرض وكثف تلك النداوة؛ لأن التي عقدت تلك الأجزاء ~~من الحر أجناس لا تحترق، كاللون والطعم والرائحة، والصوت. والاحتراق إنما ~~هو ظهور النار عند زوال مانعها فقط. # وكان يزعم أن سم الأفعى مقيما في بدن الأفعى، ليس يقتل، وأنه متى مازج ~~بدنا لا سم فيه لم يقتل ولم يتلف، وإنما يتلف الأبدان التي فيها سموم ~~ممنوعة مما يضادها. فإذا دخل عليها سم الأفعى، عاون السم الكامن ذلك السم ~~الممنوع على مانعه. فإذا زال المانع تلف البدن. فكان المنهوش عند أبي ~~إسحاق، إنما كان أكثر ما أتلفه السم الذي معه. # وكذلك كان يقول في حر الحمام، والحر الكامن في الإنسان: أن الغشي الذي ~~يعتريه في الحمام ليس من الحر القريب، ولكن من الحر الغريب، حرك الحر ~~الكامن في ms0679 الإنسان، وأمده ببعض أجزائه، فلما قوي عند ذلك على مانعه فأزاله، ~~صار ذلك العمل الذي كان يوقعه بالمانع واقعا به. وإنما ذلك كماء حار يحرق ~~اليد، صب عليه ماء بارد، فلما دخل عليه الماء البارد صار شغله بالداخل، ~~وصار من وضع يده فيه ووضع يده في شيء قد شغل فيه بغيره. فلما دفع الله، عز ~~وجل، عنه ذلك الجسم # PageV05P010 # الذي هو مشغول به، صار ذلك الشغل مصروفا إلى من وضع يده فيه؛ إذ كان لا ~~ينفك من عمله. # وكان مع ذلك يزعم أنك لو أطفأت نار الأتون [1] لم تجد شيئا من الضوء، ~~ووجدت الكثير من الحر؛ لأن الضياء لما لم يكن له في الأرض أصل ينسب إليه، ~~وكان له في العلو أصل، كان أولى به. # وفي الحقيقة أنهما جميعا قد اتصلا بجوهرهما من العالم العلوي. وهذا الحر ~~الذي تجده في الأرض، إنما هو الحر الكامن الذي زال مانعه. # هكذا كان ينبغي أن يقول. وهو قياسه. # وكان يزعم أنك إن أبصرت مصباحا قائما إلى الصبح أن الذي رأيته في أول ~~وهلة قد بطل من هذا العالم، وظفر من الدهن بشيء من وزنه وقدره بلا فضل [2] ~~، ثم كذلك الثالث والرابع والتاسع. فأنت إن ظننت أن هذا المصباح ذلك، فليس ~~به، ولكن ذلك المكان لما كان لا يخلو من أقسام متقاربة متشابهة، ولم يكن في ~~الأول شية [3] ولا علامة، وقع عندك أن المصباح الذي رأيته مع طلوع الفجر، ~~هو الذي رأيته مع غروب الشفق. # وكان يزعم أن نار المصباح لم تأكل شيئا من الدهن ولم تشربه، وأن النار لا ~~تأكل ولا تشرب، ولكن الدهن ينقص على قدر ما يخرج منه من الدخان والنار ~~الكامنين، اللذين كانا فيه. وإذا خرج كل شيء فهو بطلانه. ### || باب في المجاز والتشبيه بالأكل ### ||| 1272- [المجاز والتشبيه في الأكل] # وقد يقولون ذلك أيضا على المثل، وعلى الاشتقاق، وعلى التشبيه. # فإن قلتم: فقد قال الله عز وجل في الكتاب: الذين قالوا إن الله عهد إلينا ~~ألا نؤمن لرسول حتى يأتينا بقربان ms0680 تأكله النار # [4] علمنا أن الله، عز وجل، إنما كلمهم بلغتهم. PageV05P011 # وقد قال أوس بن حجر [1] : [من الطويل] # فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا [2] # وقد أكلت أظفاره الصخر كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصلا # فجعل النحت والتنقص أكلا. # وقال خفاف بن ندبة [3] : [من البسيط] # أبا خراشة أما كنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع # والضبع: السنة. فجعل تنقص الجدب، والأزمة، أكلا. ### || باب آخر مما يسمونه أكلا # وقال مرداس بن أدية [4] : [من البسيط] # وأدت الأرض مني مثل ما أكلت ... وقربوا لحساب القسط أعمالي # وأكل الأرض لما صار في بطنها: إحالتها له إلى جوهرها. # باب آخر في المجاز والتشبيه بالأكل # ] ### || (باب آخر) ### ||| 1273- [في المجاز والتشبيه بالأكل] # وهو قول الله عز وجل: إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما # [5] وقوله PageV05P012 # تعالى، عز اسمه: أكالون للسحت # [1] . وقد يقال لهم ذلك وإن شربوا بتلك الأموال الأنبذة، ولبسوا الحلل، ~~وركبوا الدواب، ولم ينفقوا منها درهما واحدا في سبيل الأكل. # وقد قال الله عز وجل: إنما يأكلون في بطونهم نارا # [2] . وهذا مجاز آخر. # وقال الشاعر في أخذ السنين من أجزاء الخمر [3] : [من الخفيف] # أكل الدهر ما تجسم منها ... وتبقى مصاصها المكنونا [4] # وقال الشاعر: [من السريع] # مرت بنا تختال في أربع ... يأكل منها بعضها بعضا [5] # وهل قوله [6] : «وقد أكلت أظفاره الصخر» ، إلا كقوله [7] : [من الطويل] # كضب الكدى أفنى براثنه الحفر [8] # وإذا قالوا: أكله الأسد، فإنما يذهبون إلى الأكل المعروف. وإذا قالوا: ~~أكله الأسود [9] ، فإنما يعنون النهش واللدغ والعض فقط. # وقد قال الله عز وجل: أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا # [10] . # ويقال: هم لحوم الناس. PageV05P013 # وقال قائل لإسماعيل بن حماد: أي اللحمان أطيب؟ قال: لحوم الناس، هي والله ~~أطيب من الدجاج، ومن الفراخ، والعنوز الحمر [1] . # ويقولون في باب آخر: فلان يأكل الناس. وإن لم يأكل من طعامهم شيئا. # وأما قول أوس بن حجر [2] : [من الطويل] # وذو شطبات قده ابن مجدع ... له رونق ذريه يتأكل [3] # فهذا على خلاف الأول. وكذلك قول دهمان النهري [4] : [من الرمل] # سألتني ms0681 عن أناس أكلوا ... شرب الدهر عليهم وأكل # فهذا كله مختلف، وهو كله مجاز. ### || باب آخر في مجاز الذوق # ] # (باب آخر) ### ||| 1274- [في مجاز الذوق] # وهو قول الرجل إذا بالغ في عقوبة عبده: ذق! و: كيف ذقته؟! و: كيف وجدت ~~طعمه! وقال عز وجل: ذق إنك أنت العزيز الكريم # [5] . # وأما قولهم: «ما ذقت اليوم ذواقا» [6] ، فإنه يعني: ما أكلت اليوم طعاما، ~~ولا شربت شرابا، وإنما أراد القليل والكثير، وأنه لم يذقه، فضلا عن غير ~~ذلك. PageV05P014 # وقال بعض طبقات الفقهاء، ممن يشتهي أن يكون عند الناس متكلما: ما ذقت ~~اليوم ذواقا على وجه من الوجوه، ولا على معنى من المعاني، ولا على سبب من ~~الأسباب، ولا على جهة من الجهات، ولا على لون من الألوان. # وهذا من عجيب الكلام! قال: ويقول الرجل لوكيله: ايت فلانا فذق ما عنده ~~وقال شماخ بن ضرار [1] : [من الطويل] # فذاق فأعطته من اللين جانبا ... كفى، ولها أن يغرق السهم حاجز # وقال ابن مقبل [2] : [من البسيط] # أو كاهتزاز رديني تذاوقه ... أيدي التجار فزادوا متنه لينا [3] # وقال نهشل بن حري [4] : [من الوافر] # وعهد الغانيات كعهد قين ... ونت عنه الجعائل مستذاق [5] # الجعائل: من الجعل. # وتجاوزوا ذلك إلى أن قال يزيد بن الصعق، لبني سليم حين صنعوا بسيدهم ~~العباس ما صنعوا. وقد كانوا توجوه وملكوه، فلما خالفهم في بعض الأمر وثبوا ~~عليه، وكان سبب ذلك قلة رهطه. وقال يزيد بن الصعق [6] : [من الوافر] # وإن الله ذاق حلوم قيس ... فلما ذاق خفتها قلاها PageV05P015 # رآها لا تطيع لها أميرا ... فخلاها تردد في خلاها [1] # فزعم أن الله، عز وجل، يذوق. # وعند ذلك قال عباس الرعلي يخبر عن قلته وكثرتهم، فقال [2] : [من الطويل] # وأمكم تزجي التؤام لبعلها ... وأم أخيكم كزة الرحم عاقر [3] # وزعم يونس أن أسلم بن زرعة لما أنشد هذا البيت اغرورقت عيناه. # وجعل عباس أمه عاقرا إذ كانت نزورا. وقد قال الغنوي [4] : [من الكامل] # وتحدثوا ملأ لتصبح أمنا ... عذراء لا كهل ولا مولود # جعلها إذ قل ولدها كالعذراء التي لم تلد قط. لما ms0682 كانت كالعذراء جعلها ~~عذراء. # وللعرب إقدام على الكلام، ثقة بفهم أصحابهم عنهم. وهذه أيضا فضيلة أخرى. # وكما جوزوا لقولهم أكل وإنما عض، وأكل وإنما أفنى، وأكل وإنما أحاله، ~~وأكل وإنما أبطل عينه- جوزوا أيضا أن يقولوا: ذقت ما ليس بطعم، ثم قالوا: # طعمت، لغير الطعام. وقال العرجي [5] : [من الطويل] # وإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا [6] # وقال الله تعالى: إن الله مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني ومن لم ~~يطعمه فإنه مني # [7] ، يريد: لم يذق طعمه. PageV05P016 # وقال علقمة بن عبدة [1] : [من البسيط] # وقد أصاحب فتيانا طعامهم ... حمر المزاد ولحم فيه تنشيم [2] # يقول: هذا طعامهم في الغزو والسفر البعيد الغاية، وفي الصيف الذي يغير ~~الطعام والشراب. # والغزو على هذه الصفة من المفاخر؛ ولذلك قال الأول [3] : [من مجزوء ~~الكامل] # لا لا أعق ولا أحو ... ب ولا أغير على مضر # لكنما غزوي إذا ... ضج المطي من الدبر # وعلى المعنى الأول قول الشاعر [4] : [من الرجز] # قالت ألا فاطعم عميرا تمرا ... وكان تمري كهرة وزبرا # وعلى المعنى الأول قال حاتم: «هذا فصدي أنه!» [5] ولذلك قال الراجز [6] : ~~[من الرجز] # لعامرات البيت بالخراب # يقول: هذا هو عمارتها. PageV05P017 ### ||| 1275- [تأويل النظام لقولهم: النار يابسة] # وكان أبو إسحاق يتعجب من قولهم: النار يابسة. قال: أما قولهم: الماء رطب، ~~فيصح؛ لأنا نراه سيالا. وإذا قال الأرض يابسة، فإنما يريد التراب المتهافت ~~فقط. فإن لم يرد إلا بدن الأرض الملازم بعضه لبعض؛ لما فيها من اللدونة ~~فقط، فقد أخطأ، لأن أجزاء الأرض مخالطة لأجزاء الماء، فامتنعت من التهافت ~~على أقدار ذلك. # ومتى حفرنا ودخلنا في عمق الأرض، وجدنا الأرض طينا؛ بل لا تزال تجد الطين ~~أرطب حتى تصير إلى الماء. والأرض اليوم كلها أرض وماء، والماء ماء وأرض، ~~وإنما يلزمها من الاسم على قدر الكثرة والقلة. فأما النار فليست بيابسة ~~البدن. ولو كانت يابسة البدن لتهافتت تهافت التراب، ولتبرأ بعضها من بعض. ~~كما أن الماء لما كان رطبا كان سيالا. # ولكن القوم لما وجدوا النار تستخرج كل ms0683 شيء في العود من النار فظهرت ~~الرطوبات لذلك السبب، ووجدوا العود تتميز أخلاطه عند خروج نيرانه التي كانت ~~إحدى مراتعها من التمييز فوجدوا العود قد صار رمادا يابسا متهافتا- ظنوا أن ~~يبسه إنما هو مما أعطته النار وولدت فيه. # والنار لم تعطه شيئا، ولكن نار العود لما فارقت رطوبات العود، ظهرت تلك ~~الرطوبات الكامنة والمانعة، فبقي من العود الجزء الذي هو الرماد، وهو جزء ~~الأرض وجوهرها؛ لأن العود فيه جزء أرضي، وجزء مائي، وجزء ناري، وجزء هوائي، ~~فلما خرجت النار واعتزلت الرطوبة بقي الجزء الأرضي. # فقولهم: النار يابسة، غلط، وإنما ذهبوا إلى ما تراه العيون، ولم يغوصوا ~~على مغيبات العلل. # وكان يقول: ليس القوم في طريق خلص المتكلمين، ولا في طريق الجهابذة ~~المتقدمين. ### ||| 1276- [قول النظام في علاقة الذكاء بالجنس] # وكان يقول: إن الأمة التي لم تنضجها الأرحام [1] ، ويخالفون في ألوان ~~أبدانهم، PageV05P018 # وأحداق عيونهم، وألوان شعورهم، سبيل الاعتدال- لا تكون عقولهم وقرائحهم ~~إلا على حسب ذلك. وعلى حسب ذلك تكون أخلاقهم وآدابهم، وشمائلهم، وتصرف ~~هممهم في لؤمهم وكرمهم، لاختلاف السبك وطبقات الطبخ. وتفاوت ما بين الفطير ~~والخمير [1] ، والمقصر والمجاوز- وموضع العقل عضو من الأعضاء، وجزء من تلك ~~الأجزاء- كالتفاوت الذي بين الصقالبة والزنج [2] . # وكذلك القول في الصور ومواضع الأعضاء. ألا ترى أن أهل الصين والتبت، حذاق ~~الصناعات، لها فيها الرفق والحذق، ولطف المداخل، والاتساع في ذلك، والغوص ~~على غامضه وبعيده. وليس عندهم إلا ذلك؛ فقد يفتح لقوم في باب الصناعات ولا ~~يفتح لهم في سوى ذلك. ### ||| 1277- [تخطئة من زعم أن الحرارة تورث اليبس] # قال: وكان يخطئهم في قولهم: إن الحرارة تورث اليبس، لأن الحرارة إنما ~~ينبغي أن تورث السخونة، وتولد ما يشاكلها. ولا تولد ضربا آخر مما ليس منها ~~في شيء. ولو جاز أن تولد من الأجناس التي تخالفها شكلا واحدا لم يكن ذلك ~~الخلاف بأحق من خلاف آخر. إلا أن يذهبوا إلى سبيل المجاز: فقد يقول الرجل: ~~إنما رأيتك لأني التفت. وهو إنما رآه لطبع في البصر الدراك [3] ، عند ذلك ~~الالتفات. # وكذلك يقول: قد ms0684 نجد النار تداخل ماء القمقم [4] بالإيقاد من تحته، فإذا ~~صارت النار في الماء لابسته، واتصلت بما فيه من الحرارات، والنار صعادة- ~~فيحدث عند ذلك للماء غليان؛ لحركة النار التي قد صارت في أضعافه. وحركتها ~~تصعد. فإذا ترفعت أجزاء النار رفعت معها لطائف من تلك الرطوبات التي قد ~~لابستها؛ فإذا دام ذلك الإيقاد من النار الداخلة على الماء، صعدت أجزاء ~~الرطوبات PageV05P019 # الملابسة لأجزاء النار. ولقوة حركة النار وطلبها التلاد [1] العلوي، كان ~~ذلك. فمتى وجد من لا علم له في أسفل القمقم كالجبس [2] ، أو وجد الباقي من ~~الماء مالحا عند تصعد لطائفه، على مثال ما يعتري ماء البحر- ظن أن النار ~~التي أعطته اليبس. # وإن زعموا أن النار هي الميبسة- على معنى ما قد فسرنا- فقد أصابوا. فإن ~~ذهبوا إلى غير المجاز أخطؤوا. # وكذلك الحرارة، إذا مكنت في الأجساد بعثت الرطوبات ولابستها، فمتى قويت ~~على الخروج أخرجتها منه، فعند خروج الرطوبات توجد الأبدان يابسة، ليس أن ~~الحر يجوز أن يكون له عمل إلا التسخين والصعود؛ والتقلب إلى الصعود من ~~الصعود، كما أن الاعتزال من شكل الزوال [3] . # وكذلك الماء الذي يفيض إلى البحر من جميع ظهور الأرضين وبطونها، إذا صار ~~إلى تلك الحفرة العظيمة. فالماء غسال مصاص، والأرض تقذف إليه ما فيها من ~~الملوحة. # وحرارة الشمس والذي يخرج إليه [4] من الأرض، من أجزاء النيران المخالطة ~~يرفعان لطائف الماء بارتفاعهما، وتبخيرهما. فإذا رفعا اللطائف، فصار منهما ~~مطر وما يشبه المطر، وكان ذلك دأبهما، عاد ذلك الماء ملحا لأن الأرض إذا ~~كانت تعطيه الملوحة، والنيران تخرج منه العذوبة واللطافة- كان واجبا أن ~~يعود إلى الملوحة. # ولذلك يكون ماء البحر أبدا على كيل واحد، ووزن واحد؛ لأن الحرارت تطلب ~~القرار وتجري في أعماق الأرض، وترفع اللطائف [5] ؛ فيصير مطرا، وبردا، ~~وثلجا، وطلا [6] . ثم تعود تلك الأمواه سيولا تطلب الحدور [7] ، وتطلب ~~القرار، وتجري في أعماق الأرض، حتى تصير إلى ذلك الهواء. فليس يضيع من ذلك ~~الماء شيء، ولا يبطل منه شيء. والأعيان قائمة. فكأنه منجنون [8] غرف من ~~بحر، وصب في جدول يفيض إلى ms0685 ذلك النهر. PageV05P020 # فهو عمل الحرارات [1] إذا كانت في أجواف الحطب، أو في أجواف الأرضين، أو ~~في أجواف الحيوان. # والحر إذا صار في البدن، فإنما هو شيء مكره، والمكره لا يألو يتخلص وهو ~~لا يتخلص إلا وقد حمل معه كل ما قوي عليه، مما لم يشتد، فمتى خرج خرج معه ~~ذلك الشيء. # قال: فمن ههنا غلط القوم. ### ||| 1278- [قول الدهرية في أركان العالم] # قال أبو إسحاق: قالت الدهرية في عالمنا هذا بأقاويل: فمنهم من زعم أن ~~عالمنا هذا من أربعة أركان: حر، وبرد، ويبس، وبلة [2] . وسائر الأشياء ~~نتائج، وتركيب، وتوليد. وجعلوا هذه الأربعة أجساما. # ومنهم من زعم أن هذا العالم من أربعة أركان: من أرض، وهواء، وماء، ونار. # وجعلوا الحر، والبرد، واليبس، والبلة أعراضا في هذه الجواهر. ثم قالوا في ~~سائر الأراييح، والألوان، والأصوات: ثمار هذه الأربعة [3] ، على قدر ~~الأخلاط، في القلة والكثرة، والرقة والكثافة. # فقدموا ذكر نصيب حاسة اللمس فقط، وأضربوا عن أنصباء الحواس الأربع. # قالوا: ونحن نجد الطعوم غاذية وقاتلة، وكذلك الأراييح [4] . ونجد الأصوات ~~ملذة ومؤلمة، وهي مع ذلك قاتلة وناقصة للقوى متلفة. ونجد للألوان في المضار ~~والمنافع، واللذاذة والألم، المواقع التي لا تجهل، كما وجدنا مثل ذلك في ~~الحر والبر، واليبس والبلة، ونحن لم نجد الأرض باردة يابسة، غير أنا نجدها ~~مالحة، أي ذات مذاقة ولون كما وجدناها ذات رائحة، وذات صوت متى قرع بعضها ~~بعضا. # فبرد هذه الأجرام وحرها، ويبسها ورطوبتها، لم تكن فيها لعلة كون الطعوم ~~والأراييح والألوان فيها. وكذلك طعومها، وأراييحها وألوانها، لم تكن فيها ~~لمكان كمون البرد، واليبس، والحر، والبلة فيها. PageV05P021 # ووجدنا كل ذلك إما ضارا وإما نافعا، وإما غاذيا وإما قاتلا، وإما مؤلما ~~وإما ملذا. # وليس يكون كون الأرض مالحة أو عذبة، ومنتنة أو طيبة أحق بأن يكون علة ~~لكون اليبس والبرد، والحر والرطوبة، من أن يكون كون الرطوبة واليبس، والحر ~~والبرد- علة لكون اللون والطعم والرائحة. # وقد هجم الناس على هذه الأعراض الملازمة، والأجسام المشاركة هجوما واحدا، ~~على هذه الحلية والصورة ألفاها الأول والآخر. ms0686 # قال: فكيف وقع القول منهم على نصيب هذه الحاسة [1] ، وحدها ونحن لم نر من ~~البلة، أو من اليبس نفعا ولا ضرا، تنفرد به دون هذه الأمور؟!. # قال: والهواء يختلف على قدر العوامل فيه من تحت ومن فوق، ومن الأجرام ~~المشتملة عليه والمخالطة له. وهو جسم رقيق، وهو في ذلك محصور، وهو خوار ~~سريع القبول. وهو مع رقته يقبل ذلك الحصر؛ مثل عمل الريح والزق [2] ، فإنها ~~تدفعه من جوانبه، وذلك لعلة الحصر ولقطعه عن شكله. # والهواء ليس بالجسم الصعاد، والجسم النزال، ولكنه جسم به تعرف المنازل ~~والمصاعد. # والأمور ثلاثة: شيء يصعد في الهواء، وشيء ينزل في الهواء، وشيء مع ~~الهواء. فكما أن الصاعد فيه، والمنحدر- لا يكونان إلا مخالفين، فالواقع معه ~~لا يكون إلا موافقا. # ولو أن إنسانا أرسل من يده- وهو في قعر الماء- زقا [2] منفوخا، فارتفع ~~الزق لدفع الريح التي فيه، لم يكن لقائل أن يقول: ذلك الهواء شأنه الصعود ~~بل إنما ينبغي أن يقول: ذلك الهواء من شأنه أن يصير إلى جوهره، ولا يقيم في ~~غير جوهره؛ إلا أن يقول: من شأنه أن يصعد في الماء، كما أن من شأن الماء أن ~~ينزل في الهواء، وكما أن الماء يطلب تلاد الماء، والهواء يطلب تلاد الهواء. # قالوا: والنار أجناس كثيرة مختلفة. وكذلك الصاعد. ولا بد إذا كانت مختلفة ~~PageV05P022 # أن يكون بعضها أسرع من بعض، أو يكون بعضها إذا خرج من عالم الهواء، وصار ~~إلى نهاية، إلى حيث لا منفذ- ألا يزال فوق الآخر الذي صعد معه، وإن وجد ~~مذهبا لم يقم عليه. # ويدل على ذلك أنا نجد الضياء صعادا، والصوت صعادا، ونجد الظلام رابدا [1] ~~، وكذلك البرد والرطوبة. فإذا صح أن هذه الأجناس مختلفة، فإذا أخذت في جهة، ~~علمنا أن الجهة لا تخالف بين الأجناس ولا توافق، وأن الذي يوافق بينهما ~~ويخالف اختلاف الأعمال. # ولا يكون القطعان متفقين، إلا بأن يكون سرورهما سواء. وإذا صارا إلى ~~الغاية، صار اتصال كل واحد منهما بصاحبه، كاتصال بعضه ببعض. ثم لا يوجد ~~أبدا، إلا إما أعلى، وإما ms0687 أسفل. # قال أبو إسحاق: فيستدل على أن الضياء أخف من الحر بزواله. وقد يذهب ضوء ~~الأتون، وتبقى سخونته. # قال أبو إسحاق: لأمر ما حصر الهواء في جوف هذا الفلك. ولا بد لكل محصور ~~من أن يكون تقلبه وضغطه على قدر شدة الحصار. وكذلك الماء إذا اختنق. # قال: والريح هواء نزل لا غير. فلم قضوا على طبع الهواء في جوهريته ~~باللدونة، والهواء الذي يكون بقرب الشمس، والهواء الذي بينهما على خلاف ~~ذلك؟ # ولولا أن قوى البرد غريزية فيه، لما كان مروحا عن النفوس، ومنفسا عن جميع ~~الحيوان إذا اختنق في أجوافها البخار والوهج المؤذي، حتى فزعت إليه ~~واستغاثت به، وصارت تجتلب من روحه وبرد نسيمه، في وزن ما خرج من البخار ~~الغليظ، والحرارة المستكنة. # قال: وقد علموا ما في اليبس من الخصومة والاختلاف. وقد زعم قوم أن اليبس ~~إنما هو عدم البلة. قالوا: وعلى قدر البلة قد تتحول عليه الأسماء. حتى قال ~~خصومهم: فقولوا أيضا إنما نجد الجسم باردا على قدر قلة الحر فيه. # وكذلك قالوا في الكلام: إن الهواء إنما يقع عندنا أنه مظلم لفقدان ~~الضياء، PageV05P023 # ولأن الضياء قرص قائم، وشعاع ساطع فاصل، وليس للظلام قرص. ولو كان في هذا ~~العالم شيء يقال له ظلام، لما قام إلا في قرص، فكيف تكون الأرض قرصة، ~~والأرض غبراء، ولا ينبغي أن يكون شعاع الشيء أسبغ منه [1] . # قال: والأول لا يشبه القول في اليبس والبلة، والقول في الحر والبرد، ~~والقول في اليبس والرطوبة. والقول في الخشونة واللين، لأن التراب لو كان ~~كله يابسا، وكان اليبس في جميع أجزائه شائعا، لم يكن بعضه أحق بالتقطيع ~~والتبرد والتهافت، من الجزء الذي نجده متمسكا [2] . # قال خصمه: ولو كان أيضا التهافت الذي نجده فيه إنما هو لعدم البلة، وكله ~~قد عدم البلة، لكان ينبغي للكل أن يكون متهافتا، ولا نجد منه جزأين ~~متلازقين. # فإن زعمتم أنه إنما اختلف في التهافت على قدر اختلاف اليبس، فينبغي لكم ~~أن تجعلوا اليبس طبقات، كما يجعل ذلك للخضرة والصفرة. # وقال إبراهيم: ms0688 أرأيت لو اشتمل اليبس الذي هو غاية التراب كله كما عرض ~~لنصفه، أما كان واجبا أن يكون الافتراق داخلا على الجميع؟ وفي ذلك القول ~~بالجزء الذي لا يتجزأ. # وأبو إسحاق، وإن كان اعترض على هؤلاء في باب القول في اليبس، فإن المسألة ~~عليه في ذلك أشد. # وكان أبو إسحاق يقول: من الدليل على أن الضياء أخف من الحر أن النار تكون ~~منها على قاب غلوة [3] فيأتيك ضوؤها ولا يأتيك حرها. ولو أن شمعة في بيت ~~غير ذي سقف، لارتفع الضوء في الهواء حتى لا تجد منه على الأرض إلا الشيء ~~الضعيف، وكان الحر على شبيه بحاله الأول. ### ||| 1279- [رد النظام على الديصانية] # وقال أبو إسحاق: زعمت الديصانية [4] أن أصل العالم إنما هو من ضياء ~~وظلام، PageV05P024 # وأن الحر والبرد، واللون والطعم والصوت والرائحة، إنما هي نتائج على قدر ~~امتزاجهما [1] . # فقيل لهم: وجدنا الحبر إذا اختلط باللبن صار جسما أغبر، وإذا خلطت الصبر ~~[2] بالعسل صار جسما مر الطعم على حساب ما زدنا. وكذلك نجد جميع المركبات. ~~فما لنا إذا مزجنا بين شيئين من ذوات المناظر، خرجنا إلى ذوات الملامس، ~~وإلى ذوات المذاقة والمشمة؟! وهذا نفسه داخل على من زعم أن الأشياء كلها ~~تولدت من تلك الأشياء الأربعة [3] ، التي هي نصيب حاسة واحدة [4] . ### ||| 1280- [نقد النظام لبعض مذاهب الفلاسفة] # وقال أبو إسحاق: إن زعم قوم أن ههنا جنسا هو روح، وهو ركن خامس- لم ~~نخالفهم. # وإن زعموا أن الأشياء يحدث لها جنس إذا امتزجت بضرب من المزاج، فكيف صار ~~المزاج يحدث لها جنسا وكل واحد منه إذا انفرد لم يكن ذا جنس، وكان مفسدا ~~للجسم، وإن فصل عنها أفسد جنسها؟! وهل حكم قليل ذلك إلا كحكم كثيره؟ ولم لا ~~يجوز أن يجمع بين ضياء وضياء فيحدث لهما منع الإدراك؟!. # فإن اعتل القوم بالزاج [5] والعفص [6] والماء، وقالوا: قد نجد كل واحد من ~~هذه الثلاثة ليس بأسود، وإذا اختلطت صارت جسما واحدا أشد سوادا من الليل، ~~ومن السبج [7] ، ومن الغراب- قال أبو إسحاق: بيني وبينكم في ذلك فرق. أنا ms0689 ~~أزعم أن السواد قد يكون كامنا ويكون ممنوع المنظرة، فإذا زال مانعه ظهر، ~~كما أقول في PageV05P025 # النار والحجر [1] وغير ذلك من الأمور الكامنة. فإن قلتم بذلك فقد تركتم ~~قولكم. # وإن أبيتم فلا بد من القول. قال أبو إسحاق: وقد خلط أيضا كثير منهم ~~فزعموا أن طباع الشيخ البلغم. # ولو كان طباعه البلغم، والبلغم لين رطب أبيض، لما ازداد عظمه نحولا، ~~ولونه سوادا، وجلده تقبضا. # وقال النمر بن تولب [2] : [من الطويل] # كأن محطا في يدي حارثية ... صناع علت مني به الجلد من عل [3] # وقال الراجز [4] : [من الرجز] # وكثرت فواضل الإهاب [5] # قال: ولكنهم لما رأوا بدنه يتغضن، ويظهر من ذلك التغضن رطوبات بدنية ~~كالبلغم من الفم، والمخاط السائل من الأنف، والرمص [6] والدمع من العين، ~~ظنوا أن ذلك لكثرة ما فيه من أجزاء الرطوبات. وأرادوا أن يقسموا الصبا ~~والشباب، والكهولة والشيوخة على أربعة أقسام كما تهيأ لهم ذلك في غير باب. # وإذا ظهرت تلك الرطوبات، فإنما هي لنفي اليبس لها، ولعصره قوى البدن. # ولو كان الذي ذكروا لكان دمع الصبا أكثر ومخاطه أغزر، ورطوباته أظهر. وفي ~~البقول والرياحين والأغصان والأشجار ذلك؛ إذ كانت في الحداثة أرطب، وعلى ~~مرور السنين والأيام أيبس. # قال الراجز [7] : [من الرجز] PageV05P026 # اسمع أنبئك بآيات الكبر ... نوم العشي وسعال بالسحر [1] # وسرعة الطرف وضعف في النظر ... وتركي الحسناء في قبل الطهر [2] # وحذر أزداده إلى حذر ... والناس يبلون كما يبلى الشجر [3] # وكان يتعجب من القول بالهيولى. # وكان يقول: قد عرفنا مقدار رزانة [4] البلة. وسنعطيكم أن للبرد وزنا. ~~أليس الذي لا تشكون فيه أن الحر خفيف ولا وزن له، وأنه إذا دخل في جرم له ~~وزن صار أخف. وإنكم لا تستطيعون أن تثبتوا لليبس من الوزن مثل ما تثبتون ~~للبلة. وعلى أن كثيرا منكم يزعم أن البرد المجمد للماء هو أيبس. # وزعم بعضهم أن البرد كثيرا ما يصاحب اليبس، وأن اليبس وحده لو حل بالماء ~~لم يجمد، وأن البرد وحده لو حل بالماء لم يجمد، وأن الماء أيضا يجمد ~~لاجتماعهما عليه. وفي هذا ms0690 القول أن شيئين مجتمعين قد اجتمعا على الإجماد، ~~فما تنكرون أن يجتمع شيئان على الإذابة؟!. # وإن جاز لليبس أن يجمد جاز للبلة أن تذيب. # قال أبو إسحاق: فإن كان بعض هذه الجواهر صعادا وبعضها نزالا، ونحن نجد ~~الذهب أثقل من مثله من هذه الأشياء النزالة، فكيف يكون أثقل منها وفيه ~~أشياء صعادة؟!. # فإن زعموا أن الخفة إنما تكون من التخلخل والسخف [5] ، وكثرة أجزاء ~~الهواء في الجرم. فقد ينبغي أن يكون الهواء أخف من النار، وأن النار في ~~الحجر، كما أن فيه هواء. والنار أقوى رفع الحجر من الهواء الذي فيه. ~~PageV05P027 # وكان يقول: من الدليل على أن النار كامنة في الحطب، أن الحطب يحرق بمقدار ~~من الإحراق، ويمنع الحطب أن يخرج جميع ما فيه من النيران، فيجعل فحما، فمتى ~~أحببت أن تستخرج الباقي من النار استخرجته، فترى النار عند ذلك يكون لها ~~لهب دون الضرام. فمتى أخرجت تلك النار الباقية، ثم أوقدت عليها ألف عام لم ~~تستوقد. وتأويل: «لم تستوقد» إنما هو ظهور النار التي كانت فيه. فإذا لم ~~يكن فيه شيء فكيف يستوقد؟. # وكان يكثر التعجب من ناس كانوا ينافسون في الرآسة، إذا رآهم يجهلون جهل ~~صغار العلماء، وقد ارتفعوا في أنفسهم إلى مرتبة كبار العلماء. # وذلك أن بعضهم كان يأخذ العود فينقيه [1] فيقول: أين تلك النار الكامنة؟! ~~ما لي لا أراها، وقد ميزت العود قشرا بعد قشر؟!. ### ||| 1281- [استخراج الأشياء الكامنة] # فكان يقول في الأشياء الكامنة: إن لكل نوع منها نوعا من الاستخراج، وضربا ~~من العلاج. فالعيدان تخرج نيرانها بالاحتكاك، واللبن يخرج زبده بالمخض، ~~وجبنه يجمع بإنفحة [2] ، وبضروب من علاجه. # ولو أن إنسانا أراد أن يخرج القطران من الصنوبر، والزفت من الأرز [3] ؛ ~~لم يكن يخرج له بأن يقطع العود ويدقه ويقشره، بل يوقد له نارا بقربه، فإذا ~~أصابه الحر عرق وسال، في ضروب من العلاج. # ولو أن إنسانا مزج بين الفضة والذهب، وسبكهما سبيكة واحدة، ثم أراد أن ~~يعزل أحدهما من صاحبه لم يمكنه ذلك بالفرض [4] والدق. وسبيل التفريق بينهما ms0691 ~~قريبة سهلة عند الصاغة، وأرباب الحملانات [5] . ### ||| 1282- [رد النظام على أرسطاطاليس] # وزعم أبو إسحاق أن أرسطاطاليس كان يزعم أن الماء الممازج للأرض لم ~~PageV05P028 # ينقلب أرضا، وأن النار الممازجة للماء لم تنقلب ماء. وكذلك ما كان من ~~الماء في الحجر، ومن النار في الأرض والهواء. وأن الأجرام إنما يخف وزنها ~~وتسخف [1] ، على قدر ما فيها من التخلخل [2] ومن أجزاء الهواء. وأنها ترزن ~~[3] وتصلب وتمتن على قدر قلة ذلك فيها. # ومن قال هذا القول في الأرض والماء والنار والهواء، وفيما تركب منها من ~~الأشجار وغير ذلك- لم يصل إلى أن يزعم أن في الأرض عرضا يحدث، وبالحرا [4] ~~أن يعجز عن تثبيت كون الماء والأرض والنار عرضا. # وإذا قال في تلك الأشجار بتلك القالة [5] ، قال في الطول والعرض، والعمق، ~~وفي التربيع والتثليث والتدوير، بجواب أصحاب الأجسام. وكما يلزم أصحاب ~~الأعراض [6] أصحاب الأجسام [7] بقولهم في تثبيت السكون والحركة أن القول في ~~حراك الحجر كالقول في سكونه- كذلك أصحاب الأجسام يلزمون كل من زعم أن شيئا ~~من الأعراض لا ينقض أن الجسم يتغير في المذاقة والملمسة والمنظرة والمشمة ~~من غير لون الماء. وفي برودة نفس الأرض وتثبيتها كذلك. # ومتى وجدنا طينة مربعة صارت مدورة، فليس ذلك بحدوث تدوير لم يكن. # فكان عنده تغيره في العين أولى من تغير الطينة في العين من البياض إلى ~~السواد. # وسبيل الصلابة والرخاوة؛ والثقل والخفة، سبيل الحلاوة والملوحة، والحرارة ~~والبرودة. PageV05P029 ### ||| 1283- [أصحاب القول بالاستحالة] # وليس يقيس القول في الأعراض إلا من قال بالاستحالة. وليس في الاستحالة ~~شيء أقبح من قولهم في استحالة الجبل الصخير [1] إلى مقدار خردلة، من غير أن ~~يدخل أجزاءه شيء على حال. فهو على قول من زعم أن الخردلة تتنصف أبدا أحسن. ~~فأما إذا قال بالجزء الذي لا يتجزأ، وزعم أن أقل الأجسام، الذي تركيبه من ~~ثمانية أجزاء لا تتجزأ، أو ستة أجزاء لا تتجزأ، يستحيل جسما على قدر طول ~~العالم وعرضه وعمقه- فإنا لو وجدناه كذلك لن نجد بدا من أن نقول: إنا لو ~~رفعنا من أوهامنا من ذلك شبرا من ms0692 الجميع، فإن كان مقدار ذلك الشبر جزءا ~~واحدا فقد وجدناه جسما أقل من ثمانية أجزاء ومن ستة أجزاء. وهذا نقض الأصل. ~~مع أن الشبر الذي رفعناه من أوهامنا، فلا بد إن كان جسما أن يكون من ستة ~~أجزاء أو من ثمانية أجزاء. وهذا كله فاسد. ### ||| 1284- [الأضواء والألوان] # والنار حر وضياء، ولكل ضياء بياض ونور، وليس لكل بياض نور وضياء. وقد غلط ~~في هذا المقام عالم من المتكلمين. # والضياء ليس بلون، لأن الألوان تتفاسد، وذلك شائع في كلها، وعام في ~~جميعها؛ فاللبن والحبر يتفاسدان، ويتمازج التراب اليابس والماء السائل، كما ~~يتمازج الحار والبارد، والحلو والحامض. فصنيع البياض في السواد، كصنيع ~~السواد في البياض. والتفاسد الذي يقع بين الخضرة والحمرة، فبذلك الوزن يقع ~~بين البياض وجميع الألوان. # وقد رأينا أن البياض مياع [2] مفسد لسائر الألوان. فأنت قد ترى الضياء ~~على خلاف ذلك؛ لأنه إذا سقط على الألوان المختلفة كان عمله فيها عملا ~~واحدا، وهو التفصيل بين أجناسها، وتمييز بعضها من بعض، فيبين عن جميعها ~~إبانة واحدة، ولا تراه يخص البياض إلا بما يخص بمثله السواد، ولا يعمل في ~~الخضرة إلا مثل عمله في الحمرة، فدل ذلك على أن جنسه خلاف أجناس الألوان، ~~وجوهره خلاف جواهرها، وإنما يدل على اختلاف الجواهر اختلاف الأعمال؛ ~~فباختلاف الأعمال واتفاقها تعرف اختلاف الأجسام واتفاقها. PageV05P030 ### ||| جملة القول في الضد والخلاف والوفاق # قالوا: الألوان كلها متضادة، وكذلك الطعوم، وكذلك الأراييح، وكذلك ~~الأصوات، وكذلك الملامس: من الحرارة والبرودة، واليبس والرطوبة، والرخاوة ~~والصلابة، [والملاسة] [1] والخشونة. وهذه جميع الملامس. # وزعموا أن التضادد إنما يقع بين نصيب الحاسة الواحدة فقط. فإذا اختلفت ~~الحواس صار نصيب هذه الحاسة الواحدة من المحسوسات، خلاف نصيب تلك الحاسة، ~~ولم يضادها بالضد كاللون واللون؛ لمكان التفاسد، والطعم والرائحة؛ لمكان ~~التفاسد. # ولا يكون الطعم ضد اللون، ولا اللون ضد الطعم، بل يكون خلافا. ولا يكون ~~ضدا ولا وفاقا، لأنه من غير جنسه، ولا يكون ضدا، لأنه [لا] [1] يفاسده. # وزعم من لا علم له من أصحاب الأعراض [2] ، أن السواد إنما ms0693 ضاد البياض، ~~لأنهما لا يتعاقبان، ولا يتناوبان، ولأنهما يتنافيان. # قال القوم: لو كان ذلك من العلة، كان ينبغي لذهاب الجسم قدما أن يكون ~~بعضه يضاد بعضا، لأن كونه في المكان الثاني لا يوجد مع كونه في المكان ~~الثالث. # وكذلك التربيع: كطينة لو ربعت بعد تثليثها، ثم ربعت بعد ذلك. ففي قياسهم ~~أن هذين التربيعين ينبغي لهما أن يكونا متضادين، إذ كانا متنافيين، لأن ~~الجسم لا يحتمل في وقت واحد طولين، وأن الضد يكون على ضدين: يكون أحدهما أن ~~يخالف الشيء الشيء من وجوه عدة، والآخر [أن] [3] يخالفه من وجهين [أو وجه] ~~[3] فقط. # قالوا: والبياض يخالف الحمرة ويضادها، لأنه يفاسدها ولا يفاسد الطعم؛ ~~وكذلك البياض للصفرة والحوة [4] والخضرة. فأما السواد خاصة فإن البياض ~~يضاده بالتفاسد، وكذلك التفاسد، وكذلك السواد. # وبقي لهما خاصة من الفصول في أبواب المضادة: أن البياض ينصبغ ولا يصبغ، ~~والسواد يصبغ ولا ينصبغ، وليس كذلك سائر الألوان لأنها كلها تصبغ وتنصبغ. ~~PageV05P031 # قالوا: فهذا باب يساق. ### || باب آخر # إن الصفرة متى اشتدت صارت حمرة، ومتى اشتدت الحمرة صارت سوادا، وكذلك ~~الخضرة متى اشتدت صارت سوادا. # والسواد يضاد البياض مضادة تامة، وصارت الألوان الأخر فيما بينها تتضاد ~~عادة، وصارت الطعوم والأراييح والملامس تخالفها ولا تضادها. ### ||| 1285- [أصل الألوان جميعها] # وقد جعل بعض من يقول بالأجسام [1] هذا المذهب دليلا على أن الألوان كلها ~~إنما هي من السواد والبياض، وإنما تختلفان على قدر المزاج. وزعموا أن اللون ~~في الحقيقة إنما هو البياض والسواد، وحكموا في المقالة الأولى بالقوة ~~للسواد على البياض؛ إذ كانت الألوان كلها كلما اشتدت قربت من السواد، وبعدت ~~من البياض، فلا تزال كذلك إلى أن تصير سوادا. # وقد ذكرنا قبل هذا قول من جعل الضياء والبياض جنسين مختلفين، وزعم أن كل ~~ضياء بياض وليس كل بياض ضياء. ### ||| 1286- [عظم شأن المتكلمين] # وما كان أحوجنا وأحوج جميع المرضى أن يكون جميع الأطباء متكلمين، وإلى أن ~~يكون المتكلمون علماء؛ فإن الطب لو كان من نتائج حذاق المتكلمين ومن ~~تلقيحهم له، لم نجد في ms0694 الأصول التي يبنون عليها من الخلل ما نجد. ### ||| 1287- [ألوان النيران والأضواء] # وزعموا أن النار حمراء، وذهبوا إلى ما ترى العين، والنار في الحقيقة ~~بيضاء. # ثم قاسوا على خلاف الحقيقة المرة الحمراء [2] ، وشبهوها بالنار. ثم زعموا ~~أن المرة الحمراء مرة. وأخلق بالدخان أن يكون مرا. وليس الدخان من النار في ~~شيء. PageV05P032 # وكل نور وضياء هو أبيض، وإنما يحمر في العين بالعرض الذي يعرض للعين. # فإذا سلمت من ذلك، وأفضت إليه العين رأته أبيض، وكذلك نار العود تنفصل من ~~العود، وكذلك انفصال النار من الدهن ومعها الدخان ملابسا لأجزائها. فإذا ~~وقعت الحاسة على سواد أو بياض في مكان واحد، كان نتاجهما [1] في العين ~~منظرة [2] الحمرة. # ولو أن دخانا عرض بينك وبينه قرص الشمس أو القمر لرأيته أحمر. وكذلك قرص ~~الشمس في المشرق أحمر وأصفر، للبخار والغبار المعترض بينك وبينه. # والبخار والدخان أخوان. # ومتى تحلق القرص في كبد السماء، فصار على قمة رأسك؛ ولم يكن بين عينيك ~~وبينه إلا بقدر ما تمكن البخار من الارتفاع في الهواء صعدا- وذلك يسير ~~قليل- فلا تراه حينئذ إلا في غاية البياض. # وإذا انحط شرقا أو غربا صار كل شيء بين عينيك وبين قرصها من الهواء، ~~ملابسا للغبار والدخان والبخار، وضروب [3] الضباب والأنداء [4] فتراها إما ~~صفراء، وإما حمراء. # ومن زعم أن النار حمراء فلم يكذب إن ذهب إلى ما ترى العين، ومن ذهب إلى ~~الحقيقة والمعلوم في الجوهرية، فزعم أنها حمراء، ثم قاس على ذلك جهل وأخطأ. # وقد نجد النار تختلف على قدر اختلاف النفط الأزرق، والأسود، والأبيض. # وذلك كله يدور في العين مع كثرة الدخان وقلته. # ونجد النار تتغير في ألوانها في العين، على قدر جفوف الحطب ورطوبته، وعلى ~~قدر أجناس العيدان والأدهان، فنجدها شقراء، ونجدها خضراء إذا كان حطبها مثل ~~الكبريت الأصفر. PageV05P033 ### ||| 1288- [علة تلون السحاب] # ونجد لون السحاب مختلفا في الحمرة والبياض، على قدر المقابلات والأعراض، ~~ونجد السحابة بيضاء، فإذا قابلت الشمس بعض المقابلة، فإن كانت السحابة ~~غربية أفقيه والشمس منحطة، رأيتها صفراء، ثم سوداء، تعرض للعين ms0695 لبعض ما ~~يدخل عليها. ### ||| 1289- [شعر في ألوان النار] # وقال الصلتان الفهمي في النار: [من الطويل] # وتوقدها شقراء في رأس هضبة ... ليعشو إليها كل باغ وجازع [1] # وقال مزرد بن ضرار [2] : [من الطويل] # فأبصر ناري وهي شقراء أوقدت ... بعلياء نشز، للعيون النواظر [3] # وقال آخر [4] : [من الطويل] # ونار كسحر العود يرفع ضوءها ... مع الليل هبات الرياح الصوارد [5] # والغبار يناسب بعض الدخان. ولذلك قال طفيل الغنوي [6] : [من الطويل] # إذا هبطت سهلا كأن غباره ... بجانبها الأقصى دواخن تنضب [7] # لأن دخانه يكون أبيض يشبه الغبار، وناره شقراء. # والعرب تجمع الدخان دواخن. وقال الأزرق الهمداني: [من الطويل] # ونوقدها شقراء من فرع تنضب ... وللكمت أروى للنزال وأشبع PageV05P034 # وذلك أن النار إذا ألقي عليها اللحم فصار لها دخان، اصهابت [1] بدخان ماء ~~اللحم وسواد القتار [2] . وهذا يدل أيضا على ما قلنا. # وفي ذلك يقول الهيبان الفهمي: [من الوافر] # له فوق النجاد جفان شيزى ... ونار لا تضرم للصلاء [3] # ولكن للطبيخ، وقد عراها ... طليح الهم مستلب الفراء [4] # وما غذيت بغير لظى، فناري ... كمرتكم الغمامة ذي العفاء [5] # وقال سحر العود: [من الوافر] # له نار تشب على يفاع ... لكل مرعبل الأهدام بالي [6] # ونار فوقها بجر رحاب ... مبجلة تقاذف بالمحال [7] ### ||| 1290- [علة اختلاف ألوان النار] # ويدل أيضا على ما قلنا: أن النار يختلف لونها على قدر اختلاف جنس الدهن ~~والحطب والدخان، وعلى قدر كثرة ذلك وقلته، وعلى قدر يبسه ورطوبته- قول ~~الراعي حين أراد أن يصف لون ذئب فقال [8] : [من الكامل] # وقع الربيع وقد تقارب خطوه ... ورأى بعقوته أزل نسولا [9] PageV05P035 # متوضح الأقراب فيه شهبة ... هش اليدين تخاله مشكولا [1] # كدخان مرتجل بأعلى تلعة ... غرثان ضرم عرفجا مبلولا [2] # المرتجل: الذي أصاب رجلا من جراد، فهو يشويه. وجعله غرثان لكون الغرث لا ~~يختار الحطب اليابس على رطبه، فهو يشويه بما حضره. وأدار هذا الكلام، ليكون ~~لون الدخان بلون الذئب الأطحل [3] متفقين. ### ||| 1291- [تعظيم زرادشت لشأن النار] # وزرادشت هو الذي عظم النار وأمر بإحيائها، ونهى عن إطفائها، ونهى الحيض ~~عن مسها والدنو منها. وزعم أن العقاب في الآخرة إنما هو بالبرد والزمهرير ms0696 ~~والدمق [4] . ### ||| 1292- [سبب تخويف زرادشت أصحابه بالبرد والثلج] # وزعم أصحاب الكلام أن زرادشت- وهو صاحب المجوس- جاء من بلخ، وادعى أن ~~الوحي نزل عليه على جبال سيلان، وأنه حين دعا سكان تلك الناحية الباردة، ~~الذين لا يعرفون إلا الأذى بالبرد، ولا يضربون المثل إلا به؛ حتى يقول ~~الرجل لعبده: لئن عدت إلى هذا لأنزعن ثيابك، ولأقيمنك في الريح، ولأوقفنك ~~في الثلج! فلما رأى موقع البرد منهم هذا الموقع، جعل الوعيد بتضاعفه، وظن ~~أن ذلك أزجر لهم عما يكره. # وزرادشت في توعده تلك الأمة بالثلج دون النار، مقر بأنه لم يبعث إلا إلى ~~أهل تلك الجبال. وكأنه إذا قيل له: أنت رسول إلى من؟ قال لأهل البلاد ~~الباردة، الذين لابد لهم من وعيد، ولا وعيد لهم إلا بالثلج. # وهذا جهل منه، ومن استجاب له أجهل منه. ### ||| 1293- [رد على زرادشت في التخويف بالثلج] # والثلج لا يكمل لمضادة النار، فكيف يبلغ مبلغها؟ والثلج يؤكل ويشرب، ~~PageV05P036 # ويقضم قضما، ويمزج بالأشربة، ويدفن فيه الماء وكثير من الفواكه. # وربما أخذ بعض المترفين القطعة منه كهامة [1] الثور، فيضعها على رأسه ~~ساعة من نهار، ويتبرد بذلك. # ولو أقام إنسان على قطعة من الثلج مقدار صخرة في حمدان ريح [2] ساعة من ~~نهار، لما خيف عليه المرض قط. # فلو كان المبالغة في التنفير والزجر أراد، وإليه قصد؛ لذكر ما هو في ~~الحقيقة عند الأمم أشد. والوعيد بما هو أشد، وبما يعم بالخوف سكان البلاد ~~الباردة والحارة أشبه، إذا كان المبالغة يريد. # والثلج قد يداوى به بعض المرضى، ويتولد فيه الدود، وتخوضه الحوافر، ~~والأظلاف، والأخفاف، والأقدام، بالليل والنهار، في الأسفار. # وفي أيام الصيد يهون على من شرب خمسة أرطال نبيذ أن يعدو عليه خمسة ~~أشواط. ### ||| 1294- (معارضة بعض المجوس في عذاب النار) # وقد عارضني بعض المجوس وقال: فلعل أيضا صاحبكم إنما توعد أصحابه بالنار، ~~لأن بلادهم ليست ببلاد ثلج ولا دمق [3] ، وإنما هي ناحية الحرور والوهج ~~والسموم [4] ، لأن ذلك المكروه أزجر لهم. فرأي هذا المجوسي أنه قد عارضني! ~~فقلت له: إن أكثر بلاد العرب موصوفة ms0697 بشدة الحر في الصيف. وشدة البرد في ~~الشتاء؛ لأنها بلاد صخور وجبال، والصخر يقبل الحر والبرد ولذلك سمت الفرس ~~بالفارسية، العرب والأعراب: «كهيان» ، والكه بالفارسية هو الجبل. فمتى ~~أحببت أن تعرف مقدار برد بلادهم في الشتاء وحرها في الصيف، فانظر في ~~أشعارهم، وكيف قسموا ذلك، وكيف وضعوه لتعرف أن الحالتين سواء عندهم في ~~الشدة. ### ||| 1295- [القول في البرودة والثلج] # والبلاد ليس يشتد بردها على كثرة الثلج، فقد تكون بلدة أبرد وثلجها أقل، ~~PageV05P037 # والماء ليس يجمد للبرد فقط، فيكون متى رأينا بلدة ثلجها أكثر، حكمنا أن ~~نصيبها من البرد أوفر. # وقد تكون الليلة باردة جدا، وتكون صنبرة [1] فلا يجمد الماء، ويجمد فيما ~~هو أقل منها بردا. وقد يختلف جمود الماء في الليلة ذات الريح، على خلاف ما ~~يقدرون ويظنون. # وقد خبرني من لا أرتاب بخبره، أنهم كانوا في موضع من الجبل، يستغشون [2] ~~به بلبس المبطنات [3] ، ومتى صبوا ماء في إناء زجاج، ووضعوه تحت السماء، ~~جمد من ساعته. # فليس جمود الماء بالبرد فقط، ولا بد من شروط ومقادير، واختلاف جواهر، ~~ومقابلات أحوال، كسرعة البرد في بعض الأدهان، وإبطائه عن بعض وكاختلاف عمله ~~في الماء المغلى، وفي الماء المتروك على حاله وكاختلاف عمله في الماء ~~والنبيذ، وكما يعتري البول من الخثورة والجمود، على قدر طبائع الطعام ~~والقلة. # والزيت خاصة يصيبه المقدار القليل من النار، فيستحيل من الحرارة إلى ~~مقدار لا يستحيل إليه ما هو أحر. ### ||| 1296- [رد آخر على المجوس] # وحجة أخرى على المجوس. وذلك أن محمدا صلى الله عليه وسلم، لو كان قال: لم ~~أبعث إلا إلى أهل مكة- لكان له متعلق من جهة هذه المعارضة. فأما وأصل ~~نبوته، والذي عليه مخرج أمره وابتداء مبعثه إلى ساعة وفاته، أنه المبعوث ~~إلى الأحمر والأسود، وإلى الناس كافة [4] ، وقد قال الله تعالى: ~~PageV05P038 # قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا # [1] وقد قال تعالى: نذيرا للبشر # [2]- فلم يبق أن يكون مع ذلك قولهم معارضة، وأن يعد في باب الموازنة. ### ||| 1297- [ما قيل في البرد] # ومما قالوا في البرد ms0698 قول الكميت [3] : [من المتقارب] # إذا التف دون الفتاة الضجيع ... ووحوح ذو الفروة المرمل [4] # وراح الفنيق مع الرائحات ... كإحدى أوائلها المرسل [5] # وقال الكميت أيضا في مثل ذلك [6] : [من البسيط] # وجاءت الريح من تلقاء مغربها ... وضن من قدره ذو القدر بالعقب [7] # وكهكه المدلج المقرور في يده ... واستدفأ الكلب في المأسور ذي الذئب [8] # وقال في مثله جران العود [9] : [من الوافر] # ومشبوح الأشاجع أريحي ... بعيد السمع، كالقمر المنير [10] # رفيع الناظرين إلى المعالي ... على العلات في الخلق اليسير [11] # يكاد المجد ينضح من يديه ... إذا دفع اليتيم عن الجزور [12] PageV05P039 # وألجأت الكلاب صبا بليل ... وآل نباحهن إلى الهرير [1] # وقد جعلت فتاة الحي تدنو ... مع الهلاك من عرن القدور [2] # وقال في مثل ذلك ابن قميئة [3] : [من الخفيف] # ليس طعمي طعم الأرامل إذ ق ... لص در اللقاح في الصنبر [4] # ورأيت الإماء كالجعثن البا ... لي عكوفا على قرارة قدر [5] # ورأيت الدخان كالودع [6] الأه ... جن ينباع من وراء الستر # حاضر شركم وخيركم د ... ر خروس من الأرانب بكر [7] # وقال في مثل ذلك [8] : [من الكامل] # وإذا العذارى بالدخان تقنعت ... واستعجلت نصب القدور فملت # درت بأرزاق العيال مغالق ... بيدي من قمع العشار الجلة [9] PageV05P040 # وقال الهذلي [1] : [من البسيط] # وليلة يصطلي بالفرث جازرها ... يختص بالنقرى المثرين داعيها # لا ينبح الكلب فيها غير واحدة ... من الشتاء ولا تسري أفاعيها # وفي الجمد والبرد والأزمات يقول الكميت [2] : [من الوافر] # وفي السنة الجماد يكون غيثا ... إذا لم تعط درتها الغضوب [3] # وروحت اللقاح مبهلات ... ولم تعطف على الربع السلوب [4] # وكان السوف للفتيان قوتا ... تعيش به وهيبت الرقوب [5] # وفي هذه القصيدة يقول في شدة الحر: # وخرق تعزف الجنان فيه ... لأفئدة الكماة لها وجيب [6] # قطعت ظلام ليلته ويوما ... يكاد حصى الإكام به يذوب # وقال آخر لمعشوقته [7] : [من الطويل] # وأنت التي كلفتني البرد شاتيا ... وأوردتنيه فانظري أي مورد [8] # فما ظنك ببرد يؤدي هذا العاشق إلى أن يجعل شدته عذرا له في تركه الإلمام ~~بها. وذلك قوله في هذه القصيدة [9] : # فيا حسنها إذ لم أعج أن يقال لي ... تروح فشيعنا إلى ضحوة الغد # فأصبحت ms0699 مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد ~~PageV05P041 # ومما يقع في الباب قبل هذا، ولم نجد له بابا قول مسكين الدارمي: [من ~~الوافر] # وإني لا أقوم على قناتي ... أسب الناس كالكلب العقور [1] # وإني لا أحل ببطن واد ... ولا آوي إلى البيت القصير # وإني لا أحاوص عقد ناد ... ولا أدعو دعائي بالصفير [2] # ولست بقائل للعبد أوقد ... إذا أوقدت بالعود الصغير # ولو تأملت دخان أتون [3] واحد، من ابتدائه إلى انقضائه، لرأيت فيه الأسود ~~الفاحم، والأبيض الناصع. # والسواد والبياض، هما الغاية في المضادة، وذلك على قدر البخار والرطوبات. # وفيما بينهما ضروب من الألوان. # وكذلك الرماد، منه الأسود، ومنه الأبيض، ومنه الأصهب، ومنه الخصيف [4] . # وذلك كله على قدر اختلاف حالات المحترق وجواهره. # فهذا بعض ما قالوا في البرد. ### ||| 1298- [ما قيل من الشعر في صفة الحر] # وسنذكر بعض ما قالوا في صفة الحر. قال مضرس بن زرارة بن لقيط [5] : [من ~~الطويل] # ويوم من الشعرى كأن ظباءه ... كواعب مقصور عليها ستورها [6] PageV05P042 # تدلت عليها الشمس حتى كأنه ... من الحر يرمى بالسكينة نورها [1] # سجودا لدى الأرطى كأن رؤوسها ... علاها صداع أو فوال يصورها [2] # وقال القطامي [3] : [من البسيط] # فهن معترضات والحصى رمض ... والريح ساكنة والظل معتدل [4] # حتى وردن ركيات الغوير وقد ... كاد الملاء من الكتان يشتعل [5] # وقال الشماخ بن ضرار [6] : [من الطويل] # كأن قتودي فوق جأب مطرد ... من الحقب لاحته الجداد الغوارز [7] # طوى ظمأها في بيضة القيظ بعدما ... جرت في عنان الشعريين الأماعز [8] # وظلت بيمؤود كأن عيونها ... إلى الشمس، هل تدنو، ركي نواكز [9] ~~PageV05P043 # ولهذه الأبيات كان الحطيئة والفرزدق يقدمان الشماخ بغاية التقديم. # وقال الراعي [1] : [من الوافر] # ونار وديقة في يوم هيج ... من الشعرى نصبت لها الجبينا [2] # إذا معزاء هاجرة أرنت ... جنادبها وكان العيس جونا [3] # وقال مسكين الدارمي [4] : [من الطويل] # وهاجرة ظلت كأن ظباءها ... إذا ما اتقتها بالقرون سجود # تلوذ لشؤبوب من الشمس فوقها ... كما لاذ من حر السنان طريد [5] # وقال جرير [6] : [من الطويل] # وهاجد موماة بعثت إلى السرى ... وللنوم أحلى عنده من جنى النحل [7] # يكون نزول الركب فيها ms0700 كلا ولا ... غشاشا ولا يدنون رحلا إلى رحل [8] # ليوم أتت دون الظلال سمومه ... وظل المها صورا جماجمها تغلي [9] # وفيها يقول جرير: [من الطويل] # تمنى رجال من تميم لي الردى ... وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي [10] ~~PageV05P044 ### ||| 1299- [احتجاج النظام للكمون] # وقال أبو إسحاق: أخطأ من زعم أن النار تصعد في أول العود، وتنحدر وتغوص ~~فيه، وتظهر عليه، وتأخذ منه عرضا. # وقال: العود، النار في جميعه كامنة، وفيه سائحة، وهي أحد أخلاطه. والجزء ~~الذي يرى منها في الطرف الأول، غير الجزء الذي في الوسط والجزء الذي في ~~الوسط غير الجزء الذي في الطرف الآخر. فإذا احتك الطرف فحمي زال مانعه، ~~وظهرت النار التي فيه. وإذا ظهرت حمي لشدة حرها الموضع الذي يليها، وتنحى ~~أيضا مانعه. # وكذلك الذي في الطرف الآخر ولكن الإنسان إذا رأى النار قد اتصلت في العود ~~كله، وظهرت أولا فأولا، ظن أن الجزء الذي كان في المكان الأول قد سرى إلى ~~المكان الثاني، ثم إلى المكان الثالث. فيخبر عن ظاهر ما يرى ولا يعرف حقيقة ~~ما بطن من شأنها. # وقال أبو إسحاق: ولو كانت العيدان كلها لا نار فيها، لم يكن سرعة ظهورها ~~من العراجين، ومن المرخ والعفار [1] ، أحق منها بعود العناب [2] والبردي ~~[3] وما أشبه ذلك. لكنها لما كانت في بعض العيدان أكثر، وكان مانعها أضعف، ~~كان ظهورها أسرع، وأجزاؤها إذا ظهرت أعظم. وكذلك ما كمن منها في الحجارة. ~~ولو كانت أجناس الحجارة مستوية في الاستسرار [4] فيها، لما كان حجر المرو ~~أحق بالقدح إذا صك بالقداحة، من غيره من الحجارة، ولو طال مكثه في النار ~~ونفخ عليه بالكير. # ولم صار لبعض العيدان جمر باق، ولبعضها جمر سريع الانحلال، وبعضها لا ~~يصير جمرا؟ ولم صار البردي مع هشاشته ويبسه ورخاوته، لا تعمل فيه النيران؟ # ولذلك إذا وقع الحريق في السوق سلم كل مكان يكون بين أضعاف البردي. ولذلك ~~ترى النار سريعة الانطفاء في أضعاف البردي، ومواضع جميع الليف. # وقال أبو إسحاق: فلم اختلفت في ذلك؟ إلا على قدر ما يكون فيها ms0701 من النار، ~~وعلى قدر قوة الموانع وضعفها. PageV05P045 # ولم صارت تقدح على الاحتكاك حتى تلهبت، كالساج [1] في السفن إذا اختلط ~~بعضه ببعض عند تحريك الأمواج لها؟ ولذلك أعدوا لها الرجال لتصب من الماء ~~صبا دائما. وتدوم الريح فتحتك عيدان الأغصان في الغياض، فتلتهب نار فتحدث ~~نيران. # ولم صار العود يحمى إذا احتك بغيره؟ ولم صار الطلق [2] لا يحمى؟ فإن قلت ~~لطبيعة هناك، فهل دللتمونا إلا على اسم علقتموه على غير معنى وجدتموه؟ ~~أولسنا قد وجدنا عيون ماء حارة وعيون ماء بارد، بعضها يبرص وينفط الجلد [3] ~~، وبعضها يجمد الدم ويورث الكزاز [4] ؟ أولسنا قد وجدنا عيون ريح [5] وعيون ~~نار [6] ؟ فلم زعمتم أن الريح والماء كانا مختنقين في بطون الأرض ولم ~~تجوزوا لنا مثل ذلك في النار؟ وهل بين اختناق الريح والماء فرق؟ وهل الريح ~~إلا هواء تحرك؟ وهل بين المختنق والكامن فرق؟. # وزعم أبو إسحاق: أنه رمى بردائه في بئر النبي صلى الله عليه وسلم التي من ~~طريق مكة، فردته الريح عليه. # وحدثني رجل من بني هاشم قال: كنت برامة [7] ، من طريق مكة فرميت في بئرها ~~ببعرة فرجعت إلي، ثم أعدتها فرجعت، فرميت بحصاة فسمعت لها حريقا [8] وحفيفا ~~[9] شديدا وشبيها بالجولان، إلى أن بلغت قرار الماء. PageV05P046 # وزعم أبو إسحاق أنه رأى عين نار في بعض الجبال، يكون دخانها نهارا وليلا. # أو ليس الأصل الذي بني عليه أمرهم: أن جميع الأبدان من الأخلاط الأربعة ~~[1] : من النار، والماء، والأرض، والهواء؟ فإذا رأينا موضعا من الأرض يخرج ~~منه ماء قلنا: هذا أحد الأركان؛ فما بالنا إذا رأينا موضعا من الأرض يخرج ~~منه نار لم نقل مثل ذلك فيه؟. # ولم نقول في حجر النار إنه متى وجد أخف من مقدار جسمه من الذهب والرصاص ~~والزئبق، إنما هو لما خالطه من أجزاء الهواء الرافعة له؟ وإذا وجدناه أعلك ~~علوكة، وأمتن متانة، وأبعد من التهافت جعلنا ذلك لما خالطه من أجزاء الماء. ~~وإذا وجدناه ينقض الشرر، ويظهر النار جعلنا لك للذي خالطه من الهواء؟ ولم ~~جعلناه إذا خف عن ms0702 شيء بمقدار جسمه، لما خالطه من أجزاء الهواء، ولا نجعله ~~كذلك لما خالطه من أجزاء النار؟! ولا سيما إذا كانت العين تجده يقدح ~~بالشرر، ولم تجر أجزاء الهواء فيه عندنا عيانا. فلم أنكروا ذلك، وهذه القصة ~~توافق الأصل الذي بنوا عليه أمرهم؟. # قال: أو ليس من قوله أنه لولا النيران المتحركة في جوف الأرض، التي منها ~~يكون البخار- الذي بعضه أرضي وبعضه مائي- لم يرتفع ضباب، ولم يكن صواعق ولا ~~مطر ولا أنداء. ### ||| 1300- [الصواعق وما قيل فيها] # ومتى كان البخار حارا يابسا قدح وقذف بالنار التي تسمى «الصاعقة» ، إذا ~~اجتمعت تلك القوى في موضع منه. فإن كانت القوى ريحا كان لها صوت، وإن كانت ~~نارا كانت لها صواعق. حتى زعم كثير من الناس [أن بعض السيوف من خبث نيران ~~الصواعق] [2] ، وذلك شائع على أفواه الأعراب والشعراء. قال أبو الهول ~~الحميري [3] : [من الخفيف] PageV05P047 # حاز صمصامة الزبيدي من بي ... ن جميع الأنام موسى الأمين [1] # سيف عمرو، وكان فيما سمعنا ... خير ما أطبقت عليه الجفون [2] # أوقدت فوقه الصواعق نارا ... ثم ساطت به الزعاف المنون [3] # وقال منهم آخر [4] : [من الكامل] # يكفيك من قلع السماء عقيقة ... فوق الذراع ودون بوع البائع [5] # قال الأصمعي: الانعقاق: تشقق البرق. ومنه وصف السيف بالعقيقة، وأنشد [6] ~~: [من الوافر] # وسيفي كالعقيقة وهو كمعي [7] # وقال الأخطل [8] : [من الطويل] # وأرقني من بعد ما نمت نومة ... وعضب إباطي كالعقيق يماني [9] PageV05P048 ### || جملة من القول في الماء # (ونذكر بعون الله وتأييده جملة من القول في الماء ثم نصير إلى ذكر ما ~~ابتدأنا به، من القول في النار) ذكروا أن الماء لا يغذو، وإنما هو مركب ~~ومعبر وموصل للغذاء. واستدلوا لذلك بأن كل رقيق سيال فإنك متى طبخته انعقد، ~~إلا الماء. وقالوا في القياس: إنه لا ينعقد في الجوف عند طبخ الكبد له، ~~فإذا لم ينعقد لم يجئ منه لحم ولا عظم. # ولأننا لم نر إنسانا قط اغتذاه وثبت عليه روحه، وإن السمك الذي يموت عند ~~فقده [1] ليغذوه سواه مما يكون فيه دونه. # قال خصمهم: إنما صار الماء لا ms0703 ينعقد؛ لأنه ليس فيه قوى مستفادة مأخوذة من ~~قوى الجواهر. والماء هو الجوهر القابل لجميع القوى. فبضرب من القوى والقبول ~~يصير دهنا، وبضرب آخر يصير خلا، وبضرب آخر يصير دما، وبضرب آخر يصير لبنا. # وهذه الأمور كلها إنما اختلفت بالقوى العارضة فيها. فالجوهر المنقلب في ~~جميع الأجرام [2] السيالة، إنما هو الماء. فيصير عند ضرب من القبول دهنا، ~~وعند ضرب من القبول لبنا. # وعصير كل شيء ماؤه والقابل لقوى ما فيه. فإذا طبخت الماء صرفا، سالما على ~~وجهه، ولا قوى فيه، لم ينعقد وانحل بخارا حتى يتفانى؛ وإنما ينعقد الكامن ~~من الملابس له. فإذا صار الماء في البدن وحده ولم يكن فيه قوى لم ينعقد. ~~وانعقاده إنما هو انعقاد ما فيه. # والماء لا يخلو من بعض القبول ولكن البعض لا ينعقد ما لم يكثر. ### ||| [استحالة الهواء إلى الماء و عكسه] # وزعم أصحاب الأعراض [3] أن الهواء سريع الاستحالة إلى الماء، وكذلك الماء ~~إلى الهواء، للمناسبة التي بينهما من الرطوبة والرقة. وإنما هما غير ~~سيارين. ويدل على ذلك اجتذاب الهواء للماء وملابسته له، عند مص الإنسان ~~بفيه فم الشرابة [4] . # ولذلك سرى الماء وجرى في جوف قصب الخيزران، إذا وضعت طرفه في الماء. ~~PageV05P049 # وكذلك الهواء، فيه ظلام الليل وضياء النهار وما كان فيه من الأشباح. ~~والحدقة لا ترى من الضياء العارض في الهواء ما تباعد منها. ### ||| 1301- [ألوان الماء] # والماء يرق فيكون له لون، ويكون عمقه مقدارا عدلا فيكون له لون، فإن بعد ~~غوره وأفرط عمقه رأيته أسود. # وكذلك يحكون عن الدردور [1] . # ويزعمون أن عين حوارا ترمى بمثل الزنوج. # فتجد الماء جنسا واحدا، ثم تجد ذلك الجنس أبيض إذا قل عمقه، وأخضر إذا ~~كان وسطا، وأسود إذا بعد غوره. ### ||| [تحقيق في لون الماء] # ويختلف منظره على قدر اختلاف إنائه وأرضه، وما يقابله. فدل ذلك على أنه ~~ليس بذي لون، وإنما يعتريه في التخييل لون ما يقابله ويحيط به. ولعل هذه ~~الأمور إذا تقابلت أن تصنع في العين أمورا، فيظن الإنسان مع قرب المجاورة ~~والالتباس، أن ms0704 هذه الألوان المختلفة إنما هي لهذا الماء الرائق الخالص، ~~الذي لم ينقلب في نفسه، ولا عرض له ما يقلبه. وكيف يعرض له ويقلبه وعين كل ~~واحد منهما غير عين صاحبه؟ وهو يرى الماء أسود كالبحر، متى أخذ منه أحد ~~غرفة رآه كهيئته إذا رآه قليل العمق. ### ||| [تشابه الماء و الهواء] # ويتشابهان أيضا لسرعة قبولهما للحر والبرد، والطيب والنتن؛ والفساد ~~والصلاح. ### ||| 1302- [حجة للنظام في الكمون] # قال أبو إسحاق: قال الله عز وجل عند ذكر إنعامه على عباده وامتنانه على ~~خلقه، فذكر ما أعانهم به من الماعون: أفرأيتم النار التي تورون. أأنتم ~~أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤن # [2] ، وكيف قال «شجرتها» وليس في تلك الشجرة PageV05P050 # شيء. وجوفها وجوف الطلق [1] في ذلك سواء. وقدرة الله على أن يخلق النار ~~عند مس الطلق، كقدرته على أن يخلقها عند حك العود وهو، تعالى وعز، لم يرد ~~في هذا الموضع إلا التعجيب [2] من اجتماع النار والماء. # وهل بين قولكم في ذلك وبين من زعم أن البذر الجيد والرديء والماء العذب ~~والملح، والسبخة [3] والخبرة [4] الرخوة، والزمان المخالف والموافق، سواء، ~~وليس بينها من الفرق إلا أن الله شاء أن يخلق عند اجتماع هذه حبا. وعنبا ~~وقضبا. # وزيتونا ونخلا # [5] دون تلك الأضداد. # ومن قال بذلك وقاسه في جميع ما يلزم من ذلك، قال كقول الجهمية في جميع ~~المقالات، وصار إلى الجهالات، وقال بإنكار الطبائع والحقائق. # وقال الله عز وجل: الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه ~~توقدون # [6] . # ولو كان الأمر في ذلك على أن يخلقها ابتداء لم يكن بين خلقها عند أخضر ~~الشجر وعند اليابس الهشيم فرق، ولم يكن لذكر الخضرة الدالة على الرطوبة ~~معنى. ### ||| [تعقيب] # وقد ذكرنا جملة من قولهم في النار. وفي ذلك بلاغ لمن أراد معرفة هذا ~~الباب. وهو مقدار قصد، لا طويل ولا قصير. # فأما القول في نار جهنم، وفي شواظها [7] ودوامها وتسعرها وخبوها والقول ~~في خلق السماء من دخان والجان من نار السموم [8] ، وفي مفخر النار على ~~الطين، وفي احتجاج إبليس بذلك- فإنا ms0705 سنذكر من ذلك جملة في موضعه إن شاء ~~الله تعالى. ### ||| 1303- [ ما قيل في حسن النار] # ونحن راجعون في القول في النار إلى مثل ما كنا ابتدأنا به القول في صدر ~~هذا PageV05P051 # الكلام، حتى نأتي من أصناف النيران على ما يحضرنا، إن شاء الله تعالى. # قالوا: وليس في العالم جسم صرف غير ممزوج، ومرسل غير مركب، ومطلق القوى، ~~غير محصور ولا مقصور، أحسن من النار. # قال: والنار سماوية علوية؛ لأن النار فوق الأرض، والهواء فوق الماء، ~~والنار فوق الهواء. # ويقولون: «شراب كأنه النار» ، و «كأن لون وجهها النار» . وإذا وصفوا ~~بالذكاء قالوا: «ما هو إلا نار» وإذا وصفوا حمرة القرمز [1] وحمرة الذهب ~~قالوا: «ما هو إلا نار» . # قال: وقالت هند [2] : «كنت والله في أيام شبابي أحسن من النار الموقدة!» ~~. # وأنا أقول: لم يكن بها حاجة إلى ذكر «الموقدة» وكان قولها: «أحسن من ~~النار» يكفيها. وكذلك اتهمت هذه الرواية. # وقال قدامة حكيم المشرق في وصف الذهن [3] : «شعاع مركوم [4] ، ونسم ~~معقود، ونور بصاص [5] . وهو النار الخامدة، والكبريت الأحمر» [6] . # ومما قال العتابي: «وجمال كل مجلس بأن يكون سقفه أحمر، وبساطه أحمر» . # وقال بشار بن برد: [من الطويل] # هجان عليها حمرة في بياضها ... تروق بها العينين والحسن أحمر [7] # وقال أعرابي: [من الطويل] # هجان عليها حمرة في بياضها ... ولا لون أدنى للهجان من الحمر PageV05P052 ### ||| 1304- [تعظيم الله شأن النار] # قال [1] : ومما عظم الله به شأن النار أنها تنتقم في الآخرة من جميع ~~أعدائه. # وليس يستوجبها بشري من بشري، ولا جني من جني بضغينة ولا ظلم، ولا جناية ~~ولا عدوان، ولا يستوجب النار إلا بعداوة الله عز وجل وحده، وبها يشفي صدور ~~أوليائه من أعدائهم في الآخرة. ### ||| 1305- [عظم شأن الله ما أضيف إلى الله] # وكل شيء أضافه الله إلى نفسه فقد عظم شأنه، وشدد أمره. وقد فعل ذلك ~~بالنار [2] ، فقالوا بأجمعهم: دعه في نار الله وسقره، وفي غضب الله ولعنته، ~~وسخط الله وغضبه. هما ناره أو الوعيد بناره، كما يقال: بيت الله، وزوار ~~الله، وسماء الله، وعرش الله. ms0706 ### ||| [المنه الأولي بالنار] # ثم ذكرها فامتن بها على أهل الأرض من وجهين [3] : أحدهما قوله عز وجل: # الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون # [4] فجعلها من أعظم الماعون معونة، وأخفها مؤونة. ### ||| 1306- [استطراد لغوي] # والماعون الأكبر: الماء والنار، ثم الكلأ والملح. # قال الشاعر في الماعون بيتا جامعا، أحسن فيه التأدية حيث قال [5] : [من ~~البسيط] # لا تعدلن أتاويين قد نزلوا ... وسط الفلاة بأصحاب المحلات [6] # والمحلات هي الأشياء التي إذا كانت مع المسافرين حلوا حيث شاؤوا، وهي ~~القداحة، والقربة، والمسحاة. فقال: إياك أن تعدل، إذا أردت النزول، من معه ~~أصناف PageV05P053 # الماعون بأتاويين، يعني واحدا أتى من هاهنا، وآخر أتى من هاهنا. كأنهم ~~جماعة التقوا من غير تعريف بنسب ولا بلد. # وإذا تجمعوا أفذاذا [1] لم يكمل كل واحد منهم خصال المحلات. # قال أبو النجم [2] : [من الرجز] # يضعن بالفقر أتاويات ... معترضات غير عرضيات [3] # وقالت امرأة من الكفار، وهي تحرض الأوس والخزرج، حين نزل فيهم النبي صلى ~~الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه: [من المتقارب] # أطعتم أتاوي من غيركم ... فلا من مراد ولا مذحج # ولم ترد أنهما أشرف من قريش، ومن الحيين كعب وعامر، ولكنها أرادت أن تؤلب ~~وتذكي العصبية. ### ||| [اختيار ما تنبي عليه المدن] # وقالوا: لا تبتنى المدن إلا على الماء والكلإ والمحتطب. فدخلت النار في ~~المحتطب؛ إذ كان كل عود يوري. ### ||| [المنه الثانية بالنار] # وأما الوجه الآخر [4] من الامتنان بها، فكقوله تعالى: يرسل عليكما شواظ ~~من نار ونحاس فلا تنتصران # [5] ثم قال على صلة الكلام: فبأي آلاء ربكما تكذبان # [6] . وليس يريد أن إحراق الله عز وجل العبد بالنار من آلائه ونعمائه. # ولكنه رأى [7] أن الوعيد الصادق إذا كان في غاية الزجر عما يطغيه ويرديه ~~[8] فهو من النعم السابغة والآلاء العظام. PageV05P054 # وكذلك نقول في خلق جهنم: إنها نعمة عظيمة، ومنة جليلة، إذا كان زاجرا عن ~~نفسه ناهيا، وإلى الجنة داعيا. فأما الوقوع فيها فما يشك أنه البلاء ~~العظيم. # وكيف تكون النقم نعما! ولو كانت النقمة نعمة لكانت رحمة، ولكان السخط رضا ~~وليس ms0707 يهلك على البينة إلا هالك. وقال الله عز وجل: ليهلك من هلك عن بينة ~~ويحيى من حي عن بينة # [1] . ### ||| 1307- [عظات للحسن البصري] # وقال الحسن: «والله يا ابن آدم، ما توبقك إلا خطاياك! قد أريد بك النجاة ~~فأبيت إلا أن توقع نفسك» !. # وشهد الحسن بعض الأمراء، وقد تعدى إقامة الحد، وزاد في عدد الضرب، فكلمه ~~في ذلك، فلما رآه لا يقبل النصح قال: أما إنك لا تضرب إلا نفسك، فإن شئت ~~فقلل، وإن شئت فكثر. # وكان كثيرا ما يتلو عند ذلك: فما أصبرهم على النار # [2] . ### ||| 1308- [عقاب الآخرة وعقاب الدنيا] # والعقاب عقابان: فعقاب آخرة، وعقاب دنيا. فجميع عقاب الدنيا بلية من وجه، ~~ونعمة من وجه. إذ كان يؤدي إلى النعمة وإن كان مؤلما. فهو عن المعاصي زاجر، ~~وإن كان داخلا في باب الامتحان والتعبد، مع دخوله في باب العقاب والنعمة؛ ~~إذ كان زجرا، وتنكيلا لغيره. وقد كلفنا الصبر عليه، والرضا به، والتسليم ~~لأمر الله فيه. # وعقاب الآخرة بلاء صرف، وخزي بحت. لأنه ليس بمخرج منه، ولا يحتمل وجهين. ### ||| 1309- [معارف في النار] # وقال أبو إسحاق: الجمر في الشمس أصهب [3] ، وفي الفيء أشكل [4] ، وفي ظل ~~PageV05P055 # الأرض- الذي هو الليل- أحمر. وأي صوت خالطته النار فهو أشد الأصوات، ~~كالصاعقة، والإعصار الذي يخرج من شق [1] البحر، وكصوت الموم [2] ، والجذوة ~~من العود إذا كان في طرفه نار ثم غمسته في إناء فيه ماء نوى منقع. # ثم بالنار يعيش أهل الأرض من وجوه: فمن ذلك صنيع الشمس في برد الماء ~~والأرض؛ لأنها صلاء جميع الحيوان، عند حاجتها إلى دفع عادية البرد. ثم ~~سراجهم الذي يستصبحون به، والذي يميزون بضيائه بين الأمور. # وكل بخار يرتفع من البحار والمياه وأصول الجبال، وكل ضباب يعلو، وندى ~~يرتفع ثم يعود بركة ممدودة على جميع النبات والحيوان- فالماء الذي يحله ~~ويلطفه، ويفتح له الأبواب، ويأخذ بضبعه [3] من قعر البحر والأرض النار ~~المخالطة لهما من تحت، والشمس من فوق. ### ||| 1310- [عيون الأرض] # وفي الأرض عيون نار، وعيون قطران، وعيون نفط وكباريت وأصناف جميع الفلز ~~من الذهب والفضة والرصاص ms0708 والنحاس. فلولا ما في بطونها من أجزاء النار لما ~~ذاب في قعرها جامد، ولما انسبك في أضعافها شيء من الجواهر، ولما كان ~~لمتقاربها جامع، ولمختلفها مفرق. ### ||| 1311- [ما قالت العرب في الشمس] # قال: وتقول العرب [4] «الشمس أرحم بنا» . # وقيل لبعض العرب: أي يوم أنفع؟ قال: يوم شمال وشمس. # وقال بعضهم [5] لامرأته: [من الوافر] # تمنين الطلاق وأنت عندي ... بعيش مثل مشرقة الشمال [6] PageV05P056 # وقال عمر [1] : «الشمس صلاء العرب» . وقال عمر: «العربي كالبعير، حيثما ~~دارت الشمس استقبلها بهامته» . # ووصف الراجز إبلا فقال [2] : [من الرجز] # تستقبل الشمس بجمجماتها # وقال قطران العبسي [3] : [من الطويل] # بمستأسد القريان حو تلاعه ... فنواره ميل إلى الشمس زاهرة [4] ### ||| 1312- [الخيري] # والخيري [5] ينضم ورقه بالليل، وينفتح بالنهار. # ولإسماعيل بن غزوان في هذا نادرة. وهو أن سائلا سألنا من غير أهل الكلام، ~~فقال: ما بال ورق الخيري ينضم بالليل وينتشر بالنهار؟ فانبرى له إسماعيل بن ~~غزوان فقال: لأن برد الليل وثقله، من طباعهما الضم والقبض والتنويم، وحر ~~شمس النهار من طباعه الإذابة، والنشر، والبسط، والخفة، والإيقاظ. قال ~~السائل: فيما قلت دليل، ولكنه! قال إسماعيل: وما عليك أن يكون هذا في يدك، ~~إلى أن تصيب شيئا هو خير منه. ### ||| [تسرع الحمر الألوانو و فالج ذوى البدانة] # وكان إسماعيل أحمر حليما، وكذلك كان الحرامي. وكنت أظن بالحمر الألوان ~~التسرع والحدة، فوجدت الحلم فيهم أعم. وكنت أظن بالسمان الخدال [6] العظام ~~أن الفالج إليهم أسرع، فوجدته في الذين يخالفون هذه الصفة أعم. PageV05P057 ### ||| 1313- [أثر الشمس و الحركة الجو في الأبدان] # وقال إياس بن معاوية: «صحة الأبدان مع الشمس» . ذهب إلى أهل العمد ~~والوبر. # وقال مثنى بن بشير: «الحركة خير من الظل والسكون» . # وقد رأينا لمن مدح خلاف ذلك كلاما، وهو قليل. # وقيل لابنة الخس: أيما أشد: الشتاء أم الصيف؟ قالت: ومن يجعل الأذى ~~كالزمانة [1] ؟!. # وقال أعرابي: لا تسبوا الشمال فإنها تضع أنف الأفعى، وترفع أنف الرفقة. # وقال خاقان بن صبيح، وذكر نبل الشتاء وفضله على نبل الصيف فقال: # «تغيب فيه الهوام، وتنجحر [2] فيه الحشرات، وتظهر الفرشة والبزة [3] ، ~~ويكثر فيه ms0709 الدجن [4] ؛ وتطيب فيه خمرة [5] البيت، ويموت فيه الذبان ~~والبعوض، ويبرد الماء، ويسخن الجوف، ويطيب فيه العناق» . # وإذا ذكرت العرب برد الماء وسخونة الجوف قالت [6] : «حرة تحت قرة» . # ويجود فيه الاستمراء؛ لطول الليل، ولتفصي الحر [7] . # وقال بعضهم: لا تسرن بكثرة الإخوان، ما لم يكونوا أخيارا؛ فإن الإخوان ~~غير الخيار بمنزلة النار، قليلها متاع، وكثيرها بوار [8] . PageV05P058 ### ||| 1314- [نار الزحفتين] # قال [1] : ومن النيران «نار الزحفتين» ، # وهي نار أبي سريع، وأبو سريع هو العرفج [2] . # وقال قتيبة بن مسلم، لعمر بن عباد بن حصين: والله للسؤدد أسرع إليك من ~~النار في يبيس العرفج [2] !. # وإنما قيل لنار العرفج: نار الزحفتين؛ لأن العرفج [2] إذا التهبت فيه ~~النار أسرعت فيه وعظمت، وشاعت واستفاضت، في أسرع من كل شيء. فمن كان في ~~قربها [3] يزحف عنها، ثم لا تلبث أن تنطفئ من ساعتها، في مثل تلك السرعة؛ ~~فيحتاج الذي يزحف عنها أن يزحف إليها من ساعته؛ فلا تزال للمصطلي كذلك، ولا ~~يزال المصطلي بها كذلك. فمن أجل ذلك قيل: «نار الزحفتين» . # قال [4] : وقيل لبعض الأعراب: ما بال نسائكم رسحا [5] ؟ قال: أرسحهن عرفج ~~الهلباء [6] . ### ||| 1315- [صورة العقد بين الراعي و المسترعي] # وهذا شرط الراعي فيما بينه وبين من استرعاه ماشيته في القار والحار [7] ، ~~وذلك أن شرطهم عليه أن يقول المسترعي للراعي [8] : «إن عليك أن ترد ضالتها، ~~وتهنأ جرباها [9] ، وتلوط [10] حوضها. ويدك مبسوطة في الرسل [11] ما لم ~~تنهك حلبا، أو تضر بنسل» . PageV05P059 # قال: فيقول عند ذلك الراعي لرب الماشية، بعد هذا الشرط: «ليس لك أن تذكر ~~أمي بخير ولا شر ولك حذفة [1] بالعصا عند غضبك، أخطأت أو أصبت، ولي مقعدي ~~من النار وموضع يدي من الحار [والقار] [2] » ### ||| 1316- [شبه ما بين النار والإنسان] # [شبه ما بين النار والإنسان] # قال: ووصف بعض الأوائل # فجعل ذلك قرابة ومشاكلة، قال: وليس بين الأرض وبين الإنسان، ولا بين ~~الإنسان، والماء، ولا بين الهواء والإنسان، مثل قرابة ما بينه وبين النار؛ ~~لأن الأرض إنما هي أم للنبات، [وليس للماء] [3] إلا أنه مركب. وهو لا يغذو؛ ~~إلا ما يعقده الطبخ وليس ms0710 للهواء فيه إلا النسيم والمتقلب. وهذه الأمور وإن ~~كانت زائدة، وكانت النفوس تتلف مع فقد بعضها، فطريق المشاكلة والقرابة غير ~~طريق إدخال المرفق وجر المنفعة، ودفع المضرة. # قال: وإنما قضيت لها بالقرابة، لأني وجدت الإنسان يحيا ويعيش في حيث تحيا ~~النار وتعيش، وتموت وتتلف حيث يموت الإنسان ويتلف. # وقد تدخل نار في بعض المطامير [4] والجباب [5] ، والمغارات، والمعادن [6] ~~، فتجدها متى ماتت هناك علمنا أن الإنسان متى صار في ذلك الموضع مات. ولذلك ~~لا يدخلها أحد ما دامت النار إذا صارت فيها ماتت. ولذلك يعمد أصحاب المعادن ~~والحفاير إذا هجموا على فتق في بطن الإرض أو مغارة في أعماقها أو أضعافها، ~~قدموا شمعة في طرفها أو في رأسها نار، فإن ثبتت النار وعاشت دخلوا في طلب ~~الجواهر من الذهب وغير ذلك. وإلا لم يتعرضوا له. وإنما يكون دخولهم بحياة ~~النار، وامتناعهم بموت النار. # وكذلك إذا وقعوا على رأس الجب الذي فيه الطعام، لم يجسروا على النزول ~~PageV05P060 # فيه، حتى يرسلوا في ذلك الجب قنديلا فيه مصباح أو شيئا يقوم مقام ~~القنديل، فإن مات لم يتعرضوا له، وحركوا في جوفه أكسية [1] وغيرها من أجزاء ~~الهواء. # قال: ومما يشبه النار فيه بالإنسان، أنك ترى للمصباح قبل انطفائه ونفاد ~~دهنه، اضطراما وضياء ساطعا، وشعاعا طائرا، وحركة سريعة وتنقضا [2] شديدا، ~~وصوتا متداركا. فعندها يخمد المصباح. # وكذلك الإنسان، له قبل حال الموت، ودوين انقضاء مدته بأقرب الحالات، حال ~~مطمعة تزيد في القوة على حاله قبل ذلك أضعافا، وهي التي يسمونها «راحة ~~الموت» ، وليس له بعد تلك الحال لبث. ### ||| 1317- [قول أحد المتكلمين في النفس] # وكان رئيس من المتكلمين، وأحد الجلة المتقدمين، يقول في النفس قولا بليغا ~~عجيبا، لولا شنعته لأظهرت اسمه، وكان يقول: الهواء اسم لكل فتق، وكذلك ~~الحيز [3] . والفتق لا يكون إلا بين الأجرام الغلاظ، وإلا فإنما هو الذي ~~يسميه أصحاب الفلك «اللج» . وإذا هم سألوهم عن خضرة الماء قالوا: هذا لج ~~الهواء، وقالوا: لولا أنك في ذلك المكان لرأيت في اللج الذي فوق ذلك مثل ~~هذه الخضرة. ms0711 وليس شيء إلا وهو أرق من كتيفه أو من الأجرام الحاصرة له. وهو ~~اسم لكل متحرك ومتقلب لكل شيء فيه من الأجرام المركبة. ولا يستقيم أن يكون ~~من جنس النسيم، حتى يكون محصورا، إما بحصر كتيفي كالسفينة لما فيها من ~~الهواء الذي به حملت مثل وزن جرمها الأضعاف الكثيرة، وإما أن يكون محصورا ~~في شيء كهيئة البيضة المشتملة على ما فيها، كالذي يقولون في الفلك الذي هو ~~عندنا: سماء. # قال: وللنسيم الذي هو فيه معنى آخر، وهو الذي يجعله بعض الناس ترويحا عن ~~النفس، يعطيها البرد والرقة والطيب، ويدفع النفس، ويخرج إليه البخار ~~والغلظ، والحرارات الفاضلة [4] ، وكل ما لا تقوى النفس على نفيه واطراده. ~~PageV05P061 # قال: وليس الأمر كذلك. بل أزعم أن النفس من جنس النسيم وهذه النفس ~~القائمة في الهواء المحصور، عرض لهذه النفس المتفرقة في أجرام جميع ~~الحيوان، وهذه الأجزاء التي في هذه الأبدان، هي من النسيم في موضع الشعاع ~~والأكثاف، والفروع التي تكون من الأصول. # قال: وضياء النفس كضياء دخل من كوة [1] فلما سدت الكوة انقطع بالطفرة إلى ~~عنصره من قرص الشمس وشعاعها المشرق فيها، ولم يقم في البيت مع خلاف شكله من ~~الجروم [2] . ومتى عم السد لم تقم النفس في الجرم فوق لا. # وحكم النفس عند السد- إذ كنا لا نجدها بعد ذلك- كحكم الضياء بعد السد، إذ ~~كنا لا نجده بعد ذلك. # فالنفس من جنس النسيم، وبفساده تفسد الأبدان، وبصلاحه تصلح. وكان يعتمد ~~على أن الهواء نفسه هو النفس والنسيم، وأن الحر واللدونة وغير ذلك من ~~الخلاف، إنما هو من الفساد العارض. # قيل له: فقد يفسد الماء فتفسد الأجرام من الحيوان بفساده، ويصلح فتصلح ~~بصلاحه، وتمنع الماء وهي تنازع إليه فلا تحل [3] بعد المنازعة إذا تم ~~المنع، وتوصل بجرم الماء فتقيم في مكانها. فلعل النفس عند بطلانها في جسمها ~~قد انقطعت إلى عنصر الماء بالطفرة. # وبعد فما علمك؟ لعل الخنق هيج على النفس أضدادا لها كثيرة، غمرتها حتى ~~غرقت فيها، وصارت مغمورة بها. # وكان هذا الرئيس يقول: لولا ms0712 أن تحت كل شعرة وزغبة مجرى نفس لكان المخنوق ~~يموت مع أول حالات الخنق، ولكن النفس قد كان لها اتصال بالنسيم من تلك ~~المجاري على قدر [من] [4] الأقدار، فكان نوطها [5] جوف الإنسان. فالريح ~~والبخار لما طلب المنفذ فلم يجده، دار وكثف وقوي؛ فامتد له الجلد فسد له ~~PageV05P062 # المجاري. فعند ذلك ينقطع النفس. ولولا اعتصامها بهذا السبب لقد كانت ~~انقطعت إلى أصلها من القرص، مع أول حالات الخنق. # وكان يقول: إن لم تكن النفس غمرت بما هيج عليها من الآفات، ولم تنقطع ~~للطفر إلى أصلها جاز أن يكون الضياء الساقط على أرض البيت عند سد الكوة أن ~~يكون لم ينقطع إلى أصله. ولكن السد هيج عليه من الظلام القائم في الهواء ما ~~غمره، وقطعه عن أصله. ولا فرق بين هذين. # وكان يعظم شأن الهواء، ويخبر عن إحاطته بالأمور ودخوله فيها، وتفضل قوته ~~عليها. # وكان يزعم أن الذي في الزق [1] من الهواء، لو لم يكن له مجار ومنافس، ~~ومنع من كل وجهة- لأقل الجمل الضخم. # وكان يقول: وما ظنك بالرطل من الحديد أو بالزبرة [2] منه، أنه متى أرسل ~~في الماء خرقه، كما يخرق الهواء! قال: والحديد يسرع إلى الأرض إذا أرسلته ~~في الهواء، بطبعه وقوته، ولطلبه الأرض المشاكلة له، ودفع الهواء له، وتبريه ~~منه، ونفيه له بالمضادة، واطراده له بالعداوة. # قال: ثم تأخذ تلك الزبرة [2] فتبسطها بالمطارق، فتنزل نزولا دون ذلك؛ ~~لأنها كلما اجتمعت فكان الذي يلاقيها من الماء أصغر جرما، كانت أقوى عليه. # ومتى ما أشخصت [3] هذه الزبرة [2] المفطوحة المبسوطة المسطوحة، بنتق [4] ~~الحيطان في مقدار غلظ الإصبع، حمل مثل زنته المرار الكثيرة وليس إلا لما ~~حصرت تلك الإصبع من الهواء. وكلما كان نتو الحيطان أرفع كان للأثقال أحمل، ~~وكان الهواء أشد انحصارا. # قال: ولولا أن ذلك الهواء المحصور متصل بالهواء المحصور في جرم الحديد، ~~وفي جرم الخشب والقار، فرفع بذلك الاتصال السفينة علوا- لما كان يبلغ من ~~حصر ارتفاع إصبع للهواء ما يحمله البغل. PageV05P063 # ويدل على ذلك شأن السكابة [1] ؛ فإنك تضع رأس السكابة ms0713 الذي يلي الماء في ~~الماء، ثم تمصه من الطرف الآخر، فلو كان الهواء المحصور في تلك الأنبوبة ~~إنما هو مجاور لوجه الماء، ولم يكن متصلا بما لابس جرم الماء من الهواء، ثم ~~مصصته بأضعاف ذلك الجذب إلى ما لا يتناهى لما ارتفع إليك من الماء شيء ~~رأسا. # وكان يقول في السبيكة التي تطيل عليها الإيقاد، كيف لا تتلوى، فما هو إلا ~~أن ينفخ عليها بالكير [2] حتى تدخل النيران في تلك المداخل، وتعاونها ~~الأجزاء التي فيها من الهواء. # وبمثل ذلك قام الماء في جوف كوز المسقاة المنكس. ولعلمهم بصنيع الهواء ~~إذا احتصر وإذا حصر، جعلوا سمك [3] الصينية مثل طولها. أعني المركب الصيني. # وكان يخبر عن صنيع الهواء بأعاجيب. # وكان يزعم [4] أن الرجل إذا ضربت عنقه سقط على وجهه، فإذا انتفخ انتفخ ~~غرموله وقام وعظم. فقلبه عند ذلك على القفا. فإذا جاءت الضبع لتأكله فرأته ~~على تلك الحال، ورأت غرموله على تلك الهيئة، استدخلته وقضت وطرها من تلك ~~الجهة، ثم أكلت الرجل، بعد أن يقوم ذلك عندها أكثر من سفاد الذيخ. # والذيخ: ذكر الضباع العرقاء [5] . # وذكر بعض الأعراب أنه عاينها عند ذلك، وعند سفاد الضبع لها، فوجد لها عند ~~تلك الحال حركة وصياحا، لم يجده عندها في وقت سفاد الذيخ لها. # ولذلك قال أبو إسحاق لإسماعيل بن غزوان: «أشهد بالله إنك لضبع» . لأن ~~إسماعيل شد جارية له على سلم وحلف ليضربنها مائة سوط دون الإزار- ليلتزق ~~جلد السوط بجلدها، فيكون أوجع لها- فلما كشف عنها رطبة بضة خدلة [6] ، وقع ~~عليها، فلما قضى حاجته منها وفرغ، ضربها مائة سوط. فعند ذلك قال أبو إسحاق ~~ما قال. PageV05P064 ### ||| 1318- [اختلاف أحوال الغرقى] # [1] وإذا غرقت المرأة رسبت. فإذا انتفخت وصارت في بطنها ريح وصارت في ~~معنى الزق، طفا بدنها وارتفع، إلا أنها تكون منكبة، ويكون الرجل مستلقيا. # وإذا ضربت عنق الرجل وألقي في الماء لم يرسب، وقام في جوف الماء وانتصب، ~~ولم يغرق، ولم يلزم القعر، ولم يظهر. كذلك يكون إذا كان مضروب العنق، كان ~~الماء جاريا أو كان ms0714 ساكنا. حتى إذا خف وصار فيه الهواء، وصار كالزق ~~المنفوخ، انقلب وظهر بدنه كله، وصار مستلقيا، كان الماء جاريا أو كان ~~قائما. # فوقوفه وهو مضروب العنق، شبيه بالذي عليه طباع العقرب التي فيها الحياة، ~~إذا ألقيتها في ماء غمر [2] ، لم تطف ولم ترسب، وبقيت في وسط عمق الماء، لا ~~يتحرك منها شيء. ### ||| [ما يسبح من الحيوان] # والعقرب من الحيوان الذي لا يسبح. فأما الحية فإنها تكون جيدة السباحة، ~~إذا كانت من اللواتي تنساب وتزحف. فأما أجناس الأفاعي التي تسير على جنب ~~فليس عندها في السباحة طائل. # والسباحة المنعوتة، إنما هي للإوزة والبقرة والكلب. فأما السمكة فهي ~~الأصل في السباحة، وهي المثل، وإليها جميع النسبة. # والمضروب العنق يكون في عمق الماء قائما. والعقرب يكون على خلاف ذلك. ### || رجع إلى ذكر النار ### ||| 1319- [مناغاة الطفل للمصباح] # ثم رجع بنا القول إلى ذكر النار. # قال: والنار من الخصال المحمودة أن الطفل لا يناغي شيئا كما يناغي ~~المصباح. وتلك المناغاة نافعة له في تحريك النفس، وتهييج الهمة، والبعث على ~~الخواطر، وفتق اللهاة، وتسديد [3] اللسان، وفي السرور الذي له في النفس ~~أكرم أثر. PageV05P065 ### ||| 1320- [قول الأديان في النار] # قال: وكانت النار معظمة عند بني إسرائيل، حيث جعلها الله تعالى تأكل ~~القربان، وتدل على إخلاص المتقرب، وفساد نية المدغل [1] ، وحيث قال الله ~~لهم [2] : «لا تطفئوا النار من بيوتي» . ولذلك لا تجد الكنائس والبيع أبدا ~~إلا وفيها المصابيح تزهر [3] ، ليلا ونهارا، حتى نسخ الإسلام ذلك وأمرنا ~~بإطفاء النيران، إلا بقدر الحاجة. # فذكر ابن جريح قال: أخبرني أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: # أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال [4] : «إذا رقدت فأغلق بابك، ~~وخمر [5] إناءك، وأوك سقاءك [6] ، وأطفئ مصباحك، فإن الشيطان لا يفتح غلقا ~~ولا يكشف إناء، ولا يحل وكاء. وإن الفأرة الفويسقة تحرق أهل البيت» . # وفطر بن خليفة عن أبي الزبير؛ عن جابر بن عبد الله، قال [7] : قال لنا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أغلقوا أبوابكم، وأوكوا أسقيتكم وخمروا ~~آنيتكم، وأطفئوا سرجكم، فإن ms0715 الشيطان لا يفتح غلقا، ولا يحل وكاء، ولا يكشف ~~غطاء. وإن PageV05P066 # الفويسقة تضرم البيت على أهله. وكفوا مواشيكم وأهليكم حين تغرب الشمس، ~~حتى تذهب فحمة العشاء» . # قال: ويدل على أنه صلى الله عليه وسلم لم يأمر بحفظها إلا بقدر الحاجة ~~إليها، ويأمر بإطفائها إلا عند الاستغناء عنها- ما حدث به عباد بن كثير ~~قال: حدثني الحسن بن ذكوان عن شهر بن حوشب قال [1] : «أمر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أن تحبسوا صبيانكم عند فحمة العشاء، وأن تطفئوا المصابيح، ~~وأن توكئوا الأسقية، وأن تخمروا الآنية، وأن تغلقوا الأبواب» . قال: فقام ~~رجل فقال: يا رسول الله إنه لا بد لنا من المصابيح، للمرأة النفساء، ~~وللمريض، وللحاجة تكون. قال: فلا بأس إذا، فإن المصباح مطردة للشيطان، مذبة ~~للهوام [2] ، مدلة [3] على اللصوص. ### ||| 1321- [نار الغول] # قال: ونار أخرى، وهي التي تذكر الأعراب أن الغول توقدها بالليل، للعبث ~~والتخليل، وإضلال السابلة. # قال أبو المطراب عبيد بن أيوب العنبري [4] : [من الطويل] # فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتر # أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالي نيرانا تبوخ وتزهر ### ||| 1322- [جمرات العرب] # قال: وجمرات العرب: عبس، وضبة، ونمير [5] . يقال لكل واحد منهم: جمرة [6] ~~. PageV05P067 # وقد ذكر أبو حية النميري قومه خاصة فقال [1] : [من الطويل] # وهم جمرة لا يصطلي الناس نارهم ... توقد لا تطفا لريب النوائب # ويروى: الدوابر [2] . # ثم ذكر هذه القبائل فعمهم بذلك، لأنها كلها مضرية، فقال [3] : [من ~~الطويل] # لنا جمرات ليس للناس مثلها ... ثلاث فقد جربن كل التجارب # نمير وعبس تتقى صقراتها ... وضبة قوم بأسهم غير كاذب # يعني شدتها [4] . # إلى كل قوم قد دلفنا بجمرة ... لها عارض [5] جون قوي المناكب ### ||| [سقوط الجمرة] # وعلى ذلك المعنى قيل: «قد سقطت الجمرة» ، إذا كان في استقبال زمان الدفاء ~~[6] . ويقولون: قد سقطت الجمرة الأولى، والثانية، والثالثة [7] . ### ||| 1323- [استطراد لغوي] # والجمار: الحصى الذي يرمى به. والرمي: التجمير، قال الشاعر [8] : [من ~~الطويل] # ولم أر كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفتن ذا هوى PageV05P068 # والتجمير أيضا: أن يرمى بالجند في ثغر [1] من الثغور، ثم لا يؤذن ms0716 لهم في ~~الرجوع. # وقال حميد الأرقط: [من الرجز] # فاليوم لا ظلم ولا تتبير ... ولا لغاز إن غزا تجمير [2] # وقال بعض من جمر من الشعراء في بعض الأجناد [3] : [من الطويل] # معاوي إما أن تجهز أهلنا ... إلينا، وإما أن نؤوب معاويا # أجمرتنا تجمير كسرى جنوده ... ومنيتنا حتى مللنا الأمانيا # وقال الجعدي [4] : [من الخفيف] # كالخلايا أنشأن من أهل سابا ... ط بجند مجمر بأوال # ويقال قد أجمر الرجل: إذا أسرع أو أعجل مركبه. # وقال لبيد [5] : [من الرمل] # وإذا حركت غرزي أجمرت ... أو قرابي، عدو جون قد أبل [6] # وقال الراجز: [من الرجز] # أجمر إجمارا له تطميم # التطميم: الارتفاع والعلو. ويقال: أجمر ثوبه، إذا دخنه [7] . # والمجمرة والمجمر: الذي يكون فيه الدخنة. وهو مأخوذ من الجمر. ~~PageV05P069 # ويقال: قد جمرت المرأة شعرها إذا ضفرته. والضفر يقال له الجمير [1] . ~~قال: # ويسمى الهلال قبل ليلة السرار [2] بليلة: «ابن جمير» قال أبو حردبة [3] : ~~[من الكامل] # فهل الإله يشيعني بفوارس ... لبني أمية في سرار جمير # وأنشدني الأصمعي: [من الرجز] # مضفورها يطوى على جميرها # ويقال: قد تجمر القوم، إذا هم اجتمعوا حتى يصير لهم بأس، ويكونوا كالنار ~~على أعدائهم فكأنهم جمرة، أو كأنهم جمير من شعر مضفور، أو حبل مرصع القوى ~~[4] . # وبه سميت تلك القبائل والبطون من تميم: الجمار [5] . # والمجمر مشدد الميم: حيث يقع حصى الجمار. وقال الهذلي [6] : [من الطويل] # لأدركهم شعث النواصي كأنهم ... سوابق حجاج توافي المجمرا # ويقال خف مجمر: إذا كان مجتمعا شديدا. # ويقال: عد فلان إبله أو خيله أو رجاله جمارا [7] : إذا كان ذلك جملة ~~واحدة. # وقال الأعشى [8] : [من المتقارب] # فمن مبلغ وائلا قومنا ... وأعني بذلك بكرا جمارا # قال: ويقال في النار وما يسقط من الزند: السقط، والسقط، والسقط. ويقال: # هذا مسقط الرمل، أي منقطع الرمل، ويقال: أتانا مسقط النجم، إذا جاء حين ~~غاب. PageV05P070 # ويقال رفع الطائر سقطيه [1] . وقال الشاعر [2] : [من البسيط] # حتى إذا ما أضاء الصبح وانبعثت ... عنه نعامة ذي سقطين معتكر [3] # أراد ناحيتي الليل. # ويقال: شبت النار والحرب تشب شبا، وشببتها أنا أشبها شبا، وهو رجل شبوب ~~للحرب. ms0717 # ويقال: حسب ثاقب، أي مضيء متوقد. وكذلك يقال في العلم. ويقال: هب لي ~~ثقوبا، وهو ما أثقبت [4] به النار، من عطبة [5] أو من غيرها. ويقال: أثقب ~~النار إذا فتح عينها لتشتعل. وهو الثقوب، ويقال: ثقب الزند ثقوبا، إذا ظهرت ~~ناره. وكذلك النار. والزند الثاقب الذي إذا قدح ظهرت النار منه. # ويقال: ذكت النار تذكو ذكوا، إذا اشتعلت. ويقال ذكها إذا أريد اشتعالها. # وذكاء اسم للشمس، مضموم الذال المعجمة، وابن ذكاء: الصبح، ممدود مضموم ~~الذال. وقال العجاج [6] : [من الرجز] # وابن ذكاء كامن في كفر # وقال ثعلبة بن صعير المازني [7] . وذكر ظليما ونعامة: [من الكامل] ~~PageV05P071 # فتذكرا ثقلا رثيدا بعد ما ... ألقت ذكاء يمينها في كافر [1] # وأما الذكاء مفتوح الذال ممدود فحدة الفؤاد، وسرعة اللقن [2] . # وقالوا: أضرمت النار حتى اضطرمت وألهبتها حتى التهبت، وهما واحد. # والضرام من الحطب: ما ضعف منه ولان. والجزل: ما غلظ واشتد. فالرمث [3] ~~وما فوقه جزل [4] . والعرفج [5] وما دونه ضرام [6] . والقصب وكل شيء ليس له ~~جمر فهو ضرام. وكل ماله جمر فهو جزل. # ويقال: ما فيها نافخ ضرمة، أي ما فيها أحد ينفخ نارا. # ويقال: صليت الشاة فأنا أصليها صليا إذا شويتها، فهي مصلية. ويقال: صلي ~~الرجل النار يصلاها، وأصلاه الله حر النار إصلاء. وتقول: هو صال حر النار، ~~في قوم صالين وصلى. # ويقال: همدت النار تهمد همودا، وطفئت تطفأ طفوءا، إذا ماتت. وخمدت تخمد ~~خمودا، إذا سكن لهبها وبقي جمرا حارا. # وشبت النار تشب شبوبا إذا هاجت والتهبت، وشب الفرس بيديه فهو يشب شبابا، ~~وشب الصبي يشب شبابا. ويقال: ليس لك عضاض ولا شباب. # ويقال: عشا إلى النار فهو يعشو إليها عشوا وعشوا، وذلك يكون من أول ~~الليل، يرى نارا فيعشو إليها يستضيء بها. قال الحطيئة [7] : [من الطويل] ~~PageV05P072 # متى تأته تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # وقال الأعشى [1] : [من الطويل] # وبات على النار الندى والمحلق # ويقال: عشي الرجل يعشى عشاوة، وهو رجل أعشى، وهو الذي لا بيبصر بالليل. ~~وعشي الرجل على صاحبه يعشى عشا ms0718 شديدا. ### ||| 1324- [نار الحرب] # ويذكرون نارا أخرى، وهي على طريق المثل [والاستعارة] [2] ، لا على طريق ~~الحقيقة، كقولهم في # نار الحرب. # قال ابن ميادة [3] : [من الطويل] # يداه: يد تنهل بالخير والندا ... وأخرى شديد بالأعادي ضريرها [4] # وناراه: نار نار كل مدفع ... وأخرى يصيب المجرمين سعيرها [5] # وقال ابن كناسة: [من الخفيف] # خلفها عارض يمد على الآ ... فاق ستريين من حديد ونار [6] # نار حرب يشبها الحد والج ... د وتعشي نوافذ الأبصار [7] # وقال الراعي: [من الطويل] # وغارتنا أودتم ببهراء، إنها ... تصيب الصريح مرة والمواليا [8] # وكانت لنا ناران: نار بجاسم ... ونار بدمخ يحرقان الأعاديا PageV05P073 # جاسم: بالشام. ودمخ: جبل بالعالية [1] . ### ||| 1325- [نار القرى] # ونار أخرى [2] ، وهي مذكورة على الحقيقة لا على المثل، وهي من أعظم مفاخر ~~العرب، وهي النار التي ترفع للسفر، ولمن يلتمس القرى. فكلما كان موضعها ~~أرفع كان أفخر. # وقال أمية بن أبي الصلت [3] : [من الخفيف] # لا الغيابات منتواك ولكن ... في ذرى مشرف القصور ثواكا [4] # وقال الكناني [5] : [من المتقارب] # وبوأت بيتك في معلم ... رفيع المباءة والمسرح [6] # كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح [7] # ترى دعس آثار تلك المط ... ي أخاديد كاللقم الأفيح [8] # ولو كنت في نفق رائغ ... لكنت على الشرك الأوضح [9] # وأنشدني أبو الزبرقان [10] : [من الوافر] PageV05P074 # له نار تشب بكل ريع ... إذا الظلماء جللت البقاعا [1] # وما إن كان أكثرهم سواما ... ولكن كان أرحبهم ذراعا [2] # ويروى: # «ولم يك أكثر الفتيان مالا» . # وفي نار القرى يقول الآخر: [من الطويل] # على مثل همام ولم أر مثله ... تبكي البواكي أو لبشر بن عامر # غلامان كان استوردا كل مورد ... من المجد ثم استوسعا في المصادر # كأن سنا ناريهما كل شتوة ... سنا الفجر يبدو للعيون النواظر # وفي ذلك يقول عوف بن الأحوص [3] : [من الطويل] # ومستنبح يخشى القواء ودونه ... من الليل بابا ظلمة وستورها [4] # رفعت له ناري فلما اهتدى بها ... زجرت كلابي أن يهر عقورها # فلا تسأليني واسألي عن خليقتي ... إذا رد عافي القدر من يستعيرها [5] # ترى أن قدري لا تزال كأنها ... لذي الفروة المقرور أم يزورها [6] # مبرزة لا يجعل الستر دونها ... إذا أخمد ms0719 النيران لاح بشيرها [7] ~~PageV05P075 # إذا الشول راحت ثم لم تفد لحمها ... بألبانها ذاق السنان عقيرها [1] ### ||| 1326- [خبر و شعر في الماء] # أما إن ذكرنا جملة من القول في الماء من طريق الكلام وما يدخل في الطب، ~~فسنذكر من ذلك جملة في باب آخر: # قالوا [2] : مد الشعبي يده وهو على مائدة قتيبة بن مسلم يلتمس الشراب، ~~فلم يدر صاحب الشراب اللبن، أم العسل، أم بعض الأشربة؟ فقال له: أي الأشربة ~~أحب إليك؟ قال: أعزها مفقودا، وأهونها موجودا! قال قتيبة: اسقه ماء. # وكان أبو العتاهية في جماعة من الشعراء عند بعض الملوك، إذ شرب رجل منهم ~~ماء، ثم قال: «برد الماء وطاب» ! فقال أبو العتاهية: اجعله شعرا. ثم قال: ~~من يجيز هذا البيت؟ فأطرق القوم مفكرين، فقال أبو العتاهية: سبحان الله! ~~وما هذا الإطراق؟! ثم قال [3] : [من مجزوء الرمل] # برد الماء وطابا ... حبذا الماء شرابا # وقال الله عز وجل: أنهار من ماء غير آسن # [4] ثم لم يذكره بأكثر من السلامة من التغير، إذ كان الماء متى كان خالصا ~~سالما لم يحتج إلى أن يشرب بشيء غير ما في خلقته من الصفاء والعذوبة، ~~والبرد والطيب، والحسن، والسلس في الحلق. وقد قال عدي بن زيد [5] : [من ~~الرمل] # لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري [6] PageV05P076 # قال أبو المطراب عبيد بن أيوب العنبري [1] : [من الطويل] # وأول خبث الماء خبث ترابه ... وأول خبث النجل خبث الحلائل [2] # وأوصى رجل من العرب ابنته ليلة زفافها بوصايا، فكان مما قال لها [3] : # «احذري مواقع أنفه، واغتسلي بالماء القراح [4] ، حتى كأنك شن [5] ممطور!» ~~وأوصت امرأة ابنتها بوصايا، فكان منها: «وليكن أطيب طيبك الماء» . # وزعموا أنها القائلة لبنتها: [من الرجز] # بنيتي إن نام نامي قبله ... وأكرمي تابعه وأهله # ولا تكوني في الخصام مثله ... فتخصميه فتكوني بعله [6] # ومن الأمثال: [من الطويل] # فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد # وأخذ المسيح عليه السلام في يده اليمنى ماء، وفي يده اليسرى خبزا فقال: # «هذا أبي، وهذا أمي» ، فجعل الماء أبا، لأن الماء من ms0720 الأرض يقوم مقام ~~النطفة من المرأة. # وإذا طبخ الماء ثم برد لم تلقح عليه الأشجار، وكذلك قضبان الشجر. # والحبوب والبذور لو طبخت طبخة ثم بذرت لم تعلق. # وقالوا في النظر إلى الماء الدائم الجريان ما قالوا [7] . # وجاء في الأثر: من كان به برص قديم فليأخذ درهما حلالا، فليشتر به عسلا، ~~ثم يشربه بماء سماء، فإنه يبرأ بإذن الله. PageV05P077 # والنزيف هو الماء عند العرب. # وما ظنكم بشراب خبث وملح فصار ملحا زعاقا [1] ، وبحرا أجاجا [2] ، ولد ~~العنبر الورد [3] ، وأنسل الدر النفيس، فهل سمعت بنجل أكرم ممن نجله، ومن ~~نتاج أشرف ممن نسله. # وما أحسن ما قال أبو عباد كاتب ابن أبي خالد حيث يقول [4] : «ما جلس بين ~~يدي رجل قط، إلا تمثل لي أنني سأجلس بين يديه. وما سرني دهر قط، إلا شغلني ~~عنه تذكر ما يليق بالدهور من الغير» . # قال الله عز وجل: يل لها ادخلي الصرح فلما رأته حسبته لجة وكشفت عن ~~ساقيها # [5] . لأن الزجاج أكثر ما يمدح به أن يقال: كأنه الماء في الفيافي. # وقال الله عز وجل: هذا عذب فرات سائغ شرابه # [6] . # وقال القطامي [7] : [من البسيط] # وهن ينبذن من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي # وقال الله عز وجل: والله خلق كل دابة من ماء # [8] . # فيقال: إنه ليس شيء إلا وفيه ماء، أو قد أصابه ماء. أو خلق من ماء. ~~والنطفة ماء، والماء يسمى نطفة. وقال الله تعالى: وكان عرشه على الماء # [9] . قال ابن عباس: موج مكفوف. # وقال عز وجل: ونزلنا من السماء ماء مباركا # [10] . PageV05P078 ### ||| [التسيمية بماء الماء السماء] # وحين اجتهدوا في تسمية امرأة بالجمال. والبركة، والحسن. والصفاء، والبياض ~~قالوا: ماء السماء [1] . وقالوا: المنذر بن ماء السماء. ### ||| [استطراد لغوى] # ويقال: صبغ له ماء، ولون له ماء، وفلان ليس في وجهه ماء، وردني فلان ~~ووجهي بمائه. قال الشاعر: [من الطويل] # ماء الحياء يجول في وجناته ### ||| [شعر في صفة الماء] # وقالت أم فروة [2] في صفة الماء: [من الطويل] # وما ماء مزن أي ماء تقوله ... تحدر من غر ms0721 طوال الذوائب # بمنعرج أو بطن واد تحدبت ... عليه رياح المزن من كل جانب # نفى نسم الريح القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب # بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب ### ||| 1327- [ما يحبه الحيوان من الماء] # [3] والإبل لا تحب من الماء إلا الغليظ. والحوافر لا تحب العذوبة وتكره ~~الماء الصافي، حتى ربما ضرب الفرس بيده الشريعة ليثور الماء ثم يشربه. # والبقر تعاف الماء الكدر، ولا تشرب إلا الصافي. # والظباء تكرع في ماء البحر الأجاج، وتخضم الحنظل. ### ||| 1328- [استطراد لغوي] # والأبيضان: الماء، واللبن. والأسودان: الماء، والتمر. # وسواد العراق: ماؤه الكثير. والماء إن كان له عمق اشتد سواده في العين. ### ||| 1329- [شعر في صفة الماء] # وقال العكلي في صفة الماء: [من الرجز] PageV05P079 # عاده من ذكر سلمى عوده ... والليل داج مطلخم أسوده [1] # فبت ليلي ساهرا ما أرقده ... حتى إذا الليل تولى كبده # وانكب للغور انكبابا فرقده ... وحثه حاد كميش يطرده [2] # أغر أجلى مغرب مجرده ... أصبح بالقلب جوى ما يبرده [3] # ماء غمام في الرصاف مقلده ... زل به عن رأس نيق صدده [4] # عن ظهر صفوان مزل مجسده ... حتى إذا السيل تناهى مدده [5] # وشكد الماء الذي يشكده ... بين نعامى ودبور تلهده [6] # كل نسيم من صبا تستورده ... كأنما يشهده أو يفقده # فهو شفاء الصاد مما يعمده [7] # وقال آخر [8] في الماء: [من الكامل] # يا كأس ما ثغب برأس شظية ... نزل أصاب عراصها شؤبوب [9] PageV05P080 # ضحيان شاهقة يرف بشامه ... نديان، يقصر دونه اليعقوب [1] # بألذ منك مذاقة لمحلا ... عطشان داغش ثم عاد يلوب [2] # وقال جرير [3] : [من الكامل] # لو شئت قد نقع الفؤاد بشربة ... تدع الحوائم لا يجدن غليلا [4] # بالعذب من رصف القلات مقيله ... قض الأباطح لا يزال ظليلا [5] ### ||| 1330- [فضل الماء] # قال: وفي الماء أن أطيب شراب عمل وركب، مثل السكنجبين [6] ، والجلاب [7] ~~، والبنفسج وغير ذلك مما يشرب من الأشربة، فإن لذ وطاب، فإن تمام لذته إن ~~يجرع شاربه بعد شربه له جرعا من الماء، يغسل بها فمه، ويطيب بها نفسه، وهو ~~في هذا الموضع كالخلة والحمض جميعا [8] وهو لتسويغ الطعام ms0722 في المريء [9] ، ~~والمركب والمعبر، والمتوصل به إلى الأعضاء. # فالماء يشرب صرفا وممزوجا، والأشربة لا تشرب صرفا، ولا ينتفع بها إلا ~~بممازجة الماء. PageV05P081 # وهو بعد طهور الأبدان، وغسول الأدران. # وقالوا: هو كالماء الذي يطهر كل شيء، ولا ينجسه شيء. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم في بئر رومة [1] : «الماء لا ينجسه شيء» . # ومنه ما يكون منه الملح، والبرد، والثلج، فيجتمع الحسن في العين، والكرم ~~في البياض والصفاء، وحسن الموقع في النفس. # وبالماء يكون القسم، كقول الشاعر: [من السريع] # غضبى ولا والله يا أهلها ... لا أشرب البارد أو ترضى # ويقولون: لو علم فلان أن شرب البارد يضع من مروءته لما ذاقه. # وسمى الله عز وجل أصل الماء غيثا بعد أن قال: وكان عرشه على الماء # [2] . # ومن الماء ماء زمزم، وهو لما شرب له [3] . ومنه [ما] [4] يكون دواء وشفاء ~~بنفسه، كالماء للحمى. ### ||| 1331- [علة ذكر النار في كتاب الحيوان] # قد ذكرنا جملة من القول في النار، وإن كان ذلك لا يدخل في باب القول في ~~أصناف الحيوان، فقد يرجع إليها من وجوه كريمة نافعة الذكر، باعثة على ~~الفكر، وقد يعرض من القول ما عسى أن يكون أنفع لقارئ هذا الكتاب من باب ~~القول في الفيل، والزندبيل [5] ، وفي القرد والخنزير، وفي الدب والذئب، ~~والضب والضبع، وفي السمع والعسبار [6] . # وعلى أن الحكمة ربما كانت في الذبابة مع لطافة شخصها، ونذالة قدرها، ~~PageV05P082 # وخساسة حالها- أظهر منها في الفرس الرائع، وإن كان الفرس أنفع في باب ~~الجهاد، وفي الجاموس مع عظم شخصه، وفي دودة القز، وفي العنكبوت- أظهر منها ~~في الليث الهصور، والعقاب الشغواء [1] . # وربما كان ذكر العظيم الجثة الوثيق البدن، الذي يجمع حدة الناب وصولة ~~الخلق أكثر فائدة، وأظهر حكمة من الصغير الحقير، ومن القليل القمي [2] . ~~كالبعير والصؤابة، والجاموس والثعلب والقملة. # وشأن الأرضة أعجب من شأن الببر [3] مع مسالمة الأسد له، ومحاربته للنمر. # وشأن الكركي [4] أعجب من شأن العندليب، فإن الكركي من أعظم الطير، ~~والعندليب أصغر من ابن تمرة [5] . # ولذلك ذكر يونس بعض لاطة الرواة فقال [6] : «يضرب ما بين ms0723 الكركي إلى ~~العندليب» . يقول: لا يدع رجلا ولا صبيا إلا عفجه. # ويشبه ذلك هجاء خلف الأحمر أبا عبيدة، حيث يقول: [من السريع] # ويضرب الكركي إلى القنبر ... لا عانسا يبقي ولا محتلم # والعانس من الرجال مثله من النساء. # فلسنا نطنب في ذكر العظيم الجثة لعظم جثته، ولا نرغب عن ذكر الصغير ~~الجثة، لصغر جثته، وإنما نلتمس ما كان أكثر أعجوبة، وأبلغ في الحكمة، وأدل ~~عند العامة على حكمة الرب. وعلى إنعام هذا السيد. # ورب شيء الأعجوبة فيه إنما هي في صورته، وصنعته، وتركيب أعضائه، وتأليف ~~أجزائه، كالطاووس في تعاريج ريشه، وتهاويل ألوانه، وكالزرافة في عجيب ~~PageV05P083 # تركيبها، ومواضع أعضائها. والقول فيهما شبيه بالقول في التدرج والنعامة. # وقد يكون الحيوان عجيب صنعة البدن، ثم لا يذكر بعد حسن الخلق بخلق كريم، ~~ولا حس ثاقب، ولا معرفة عجيبة، ولا صنعة لطيفة. ومنه ما يكون كالببغاء، ~~والنحلة، والحمامة، والثعلب، والدرة [1] ، ولا تكون الأعجوبة في تصويره، ~~وتركيب أعضائه، وتنضيد ألوان ريشه في وزن تلك الأشياء التي ذكرناها، أو ~~يكون العجب فيما أعطى في حنجرته من الأغاني العجيبة، والأصوات الشجية ~~المطربة، والمخارج الحسنة- مثل العجب فيما أعطي من الأخلاق الكريمة، أو في ~~صنعة الكف اللطيفة، والهداية الغريبة، أو المرفق النافع، أو المضرة التي ~~تدعو إلى شدة الاحتراس، ودقة الاحتيال، فيقدم في الذكر لذلك. ### ||| 1332- [العقعق] # وأي شيء أعجب من العقعق [2] وصدق حسه، وشدة حذره، وحسن معرفته، ثم ليس في ~~الأرض طائر أشد تضييعا لبيضه وفراخه منه. والحبارى مع أنها أحمق الطير، ~~تحوط بيضها أو فراخها أشد الحياطة [3] ، وبأغمض معرفة، حتى قال عثمان بن ~~عفان، رضي الله عنه: «كل شيء يحب ولده حتى الحبارى» [4] . يضرب بها المثل ~~في الموق [5] . # ثم العقعق مع حذقه بالاستلاب، وبسرعة الخطف، لا يستعمل ذلك إلا فيما لا ~~ينتفع به، فكم من عقد ثمين خطير، ومن قرط شريف نفيس، قد اختطف من بين أيدي ~~قوم، فإما رمى به بعد تحلقه في الهواء، وإما أحرزه ولم يلتفت إليه أبدا. # وزعم الأصمعي أن عقعقا مرة استلب سخابا [6] كريما ms0724 لقوم، فأخذ أهل السخاب ~~أعرابية كانت عندهم، فبينما هي تضرب، وتسحب وتسب إذ مر العقعق PageV05P084 # والسخاب في منقاره، فصاحوا به فرمى به، فقالت الأعرابية وتذكرت السلامة ~~بعد أن كانت قد ابتليت ببلية أخرى فقالت [1] : [من الطويل] # ويوم السخاب من تعاجيب ربنا ... كما أنه من بلدة السوء نجاني # تعني الذين كانت نزلت بهم من أهل الحاضرة. ### ||| 1333- [كلام في الاستطراد] # ولا بأس بذكر ما يعرض. ما لم يكن من الأبواب الطوال. التي ليس فيها إلا ~~المقاييس المجردة، والكلامية المحضة، فإن ذلك مما لا يخف سماعه ولا تهش ~~النفوس لقراءته. وقد يحتمل ذلك صاحب الصناعة، وملتمس الثواب والحسبة [2] ، ~~إذا كان حليف فكر، أليف عبر، فمتى وجدنا من ذلك بابا يحتمل أن يوشح ~~بالأشعار الظريفة البليغة. والأخبار الطريفة العجيبة، تكلفنا ذلك، ورأيناه ~~أجمع لما ينتفع به القارئ. # ولذلك استجزنا أن نقول في باب النار ما قلنا. # وأنا كاتب لك بعد هذا؛ إذ كنت قد أمللتك بالتطويل، وحملتك على أصعب ~~المراكب، وأوعر الطرق، إذ قد ذكرنا فيه جملة صالحة من كلام المتكلمين، ولا ~~أرى أن أزيد في سآمتك، وأحملك استفراغ طاقتك، بأن أبتدئ القول في الإبل، ~~والبقر، والغنم، والأسد، والذئاب، والحمير، والظباء، وأشباه ذلك، مما أنا ~~كاتبه لك. # ولكني أبدأ بصغار الأبواب وقصارها، ومحقراتها، وملاحها، لئلا تخرج من ~~الباب الأول، إلا وأنت نشيط للباب الثاني، وكذلك الثالث والرابع إلى آخر ما ~~أنا كاتبه لك، إن شاء الله. ### ||| 1334- [سرد منهج سائر الكتاب] # ونبدأ بذكر ما في العصفور، ثم نأخذ في ذكر ما في الفأر والعقرب، والذي ~~بينهما من العداوة، مع سائر خصالهما. # ثم القول في العقرب والخنفساء، وفي الصداقة بينهما، مع سائر خصالهما. ~~PageV05P085 # ثم القول في السنور، وبعض القول في العقرب. # ثم القول في البعوض والبراغيث، ثم القول في القمل والصئبان. ثم القول في ~~الورل والضب. ثم القول في اليربوع والقنفذ. ثم القول في النسور والرخم. # ثم القول في العقاب، وفي الأرنب. ثم القول في القردان والضفادع. ثم القول ~~في الحبارى وما أشبه ذلك. وإن كنا ms0725 قد استعملنا في هذا الكتاب جملا من أخبار ~~ما سمينا بذلك. # وسنذكر قبل ذكرنا لهذا الباب أبوابا من الشعر طريفة، تصلح للمذاكرة، ~~وتبعث على النشاط معه وتستخف معه قراءة ما طال من الكتب الطوال. # ولولا سوء ظني بمن يظهر التماس العلم في هذا الزمان، ويذكر اصطناع الكتب ~~في هذا الدهر- لما احتجت في مداراتهم واستمالتهم، وترقيق نفوسهم وتشجيع ~~قلوبهم، مع كثرة فوائد هذا الكتاب- إلى هذه الرياضة الطويلة، وإلى كثرة هذا ~~الاعتذار، حتى كأن الذي أفيده إياهم أستفيده منهم، وحتى كأن رغبتي في ~~صلاحهم، رغبة من يرغب في دنياهم، ويتضرع إلى ما حوته أيديهم. # هذا. ولم أذكر لك من الأبواب الطوال شيئا، ولو قد صرت إلى ذكر فرق ما بين ~~الجن والإنس، وفرق ما بين الملائكة والأنبياء، وفرق ما بين الأنثى والذكر، ~~وفرق ما بينهما وبين ما ليس بأنثى ولا ذكر، حتى يمتد بنا القول في فضيلة ~~الإنسان على جميع أصناف الحيوان، وفي ذكر الأمم والأعصار، وفي ذكر القسم ~~والأعمار، وفي ذكر مقادير العقول والعلوم والصناعات. ثم القول في طباع ~~الإنسان منذ كان نطفة إلى أن يفنيه الهرم، وكيف حقيقة ذلك الرد إلى أرذل ~~العمر، فإن مللت الكتاب واستثقلت القراءة، فأنت حينئذ أعذر، ولحظ نفسك ~~أبخس. وما عندي لك من الحيلة إلا أن أصوره لك في أحسن صورة، وأقلبك منه في ~~الفنون المختلفة، فأجعلك لا تخرج من الاحتجاج بالقرآن الحكيم إلا إلى ~~الحديث المأثور، ولا تخرج من الحديث إلا إلى الشعر الصحيح، ولا تخرج من ~~الشعر الصحيح الظريف إلا إلى المثل السائر الواقع، ولا تخرج من المثل ~~السائر الواقع إلا إلى القول في طرف الفلسفة، والغرائب التي صححتها ~~التجربة، وأبرزها الامتحان، وكشف قناعها البرهان، والأعاجيب التي للنفوس ~~بها كلف شديد وللعقول الصحيحة إليها النزاع القوي. # ولذلك كتبته لك، وسقته إليك، واحتسبت الأجر فيك. # PageV05P086 # فانظر فيه نظر المنصف من الأكفاء والعلماء، أو نظر المسترشد من المتعلمين ~~والأتباع. فإن وجدت الكتاب الذي كتبته لك يخالف ما وصفت فانقصني من نشاطك ~~له على قدر ما ms0726 نقصتك مما ينشطك لقراءته، وإن أنت وجدتني- إذا صح عقلك ~~وإنصافك- قد وفيتك ما ضمنت لك فوجدت نشاطك بعد ذلك مدخولا، وحدك مفلولا ~~فاعلم أنا لم نؤت إلا من فسولتك [1] ، ومن فساد طبعك، ومن إيثارك لما هو ~~أضر بك. PageV05P087 ### | باب في مديح النصارى واليهود والمجوس والأنذال وصغار الناس # من ذلك ما هو مديح رغبة، ومنه ما هو إحماد [1] . # أنشدنا أبو صالح مسعود بن قند الفزاري، في ناس خالطهم من اليهود: [من ~~الوافر] # وجدنا في اليهود رجال صدق ... على ما كان من دين يريب [2] # لعمرك إنني وابني عريض ... لمثل الماء خالطه الحليب # خليلان اكتسبتهما وإني ... لخلة ماجد أبدا كسوب # وقال أبو الطمحان الأسدي، وكان نديما لناس من بني الحداء وكانوا نصارى، ~~فأحمد ندامهم فقال [3] : [من الطويل] # كأن لم يكن في القصر مقاتل ... وزورة ظل ناعم وصديق [4] # ولم أرد البطحاء أمزج ماءها ... بخمر من البروقتين عتيق [5] # معي كل فضفاض القميص كأنه ... إذا ما جرى فيه المدام فنيق [6] # بنو الصلت والحداء كل سميدع ... له في العروق الصالحات عروق [7] # وإني وإن كانوا نصارى أحبهم ... ويرتاح قلبي نحوهم ويتوق PageV05P088 # وقال ابن عبدل، أو غيره، في مجوسي ساق عنه صداقا فقال [1] : [من ~~المتقارب] # شهدت عليك بطيب المشا ... ش وأنك بحر جواد خضم [2] # وإنك سيد أهل الجحيم ... إذا ما ترديت فيمن ظلم # نظيرا لهامان في قعرها ... وفرعون والمكتني بالحكم [3] # كفاني المجوسي مهر الربا ... ب، فدى للمجوسي خالي وعم # فقال له المجوسي: جعلتني في النار؟ أما ترضى أن تكون مع من سميت؟ قال: # بلى. قال: فمن تعني بالحكم؟ قال: أبا جهل بن هشام. # وأنشدني أبو الرديني العكلي، لبعض العكليين، وكان قين لهم أحد جلما [4] ~~له، فقال يمدحه: [من الرجز] # يا سود يا أكرم قين في مضر ... لك المساعي كلها والمفتخر # على قيون الناس، والوجه الأغر ... كان أبوك رجلا لا يقتسر [5] # ثبتا إذا ما هو بالكير ازبأر ... زادك نفخا تلتظي منه سقر [6] # حتى يطير حوله منها شرر ... قد عطف الكتيف حتى قد مهر [7] # بالشعب إن شاء وإن شاء سمر ... ما زال ms0727 مذ كان غلاما يشتبر [8] # له على العير إكاف وثفر ... والكلبتان والعلاة والوتر [9] # فانظر ثوابي، والثواب ينتظر ... في جلمي والأحاديث عبر [10] PageV05P089 ### | باب من أراد أن يمدح فهجا ### || 1335- [خطأ الأخطل] # قال سعيد بن سلم: لما قال الأخطل بالكوفة: أخطأ الفرزدق حين قال [1] : ~~[من الكامل] # أبني غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال [2] # لولا عطية لاجتدعت أنوفكم ... من بين ألأم أعين وسبال [3] # - كيف يكون قد وهبهم له وهو يهجوهم بمثل هذا الهجاء؟! قال: فانبرى له فتى ~~من بني تميم فقال له: وأنت الذي قلت في سويد بن منجوف [4] : [من الطويل] # وما جذع سوء رقق السوس جوفه ... لما حملته وائل بمطيق # أردت هجاءه فزعمت أن وائلا تعصب به الحاجات، وقدر سويد لا يبلغ ذلك ~~عندهم، فأعطيته الكثير ومنعته القليل [5] ! وأردت أن تهجو حاتم بن النعمان ~~الباهلي، وأن تصغر شأنه، وتضع منه، فقلت [6] : [من الوافر] # وسود حاتما أن ليس فيها ... إذا ما أوقد النيران نار # فأعطيته السودد من قيس ومنعته ما لا يضره [7] . PageV05P090 # وأردت أن تمدح سماك بن زيد الأسدي فهجوته فقلت [1] : [من البسيط] # نعم المجير سماك من بني أسد ... بالطف إذ قتلت جيرانها مضر # قد كنت أحسبه قينا وأنبؤه ... فاليوم طير عن أثوابه الشرر # وقلت [2] في زفر بن الحارث: [من البسيط] # بني أمية إني ناصح لكم ... فلا يبيتن فيكم آمنا زفر # مفترشا كافتراش الليث كلكله ... لوقعة كائن فيها لكم جزر # فأردت أن تغري به بني أمية فوهنت أمرهم، وتركتهم ضعفاء ممتهنين، وأعطيت ~~زفر عليهم من القوة ما لم يكن في حسابه. ### || 1336- [أبو العطاف وعمرو بن هداب] # قال [3] : ورجع أبو العطاف من عند عمرو بن هداب، في يومين كانا لعمرو، ~~وأبو العطاف يضحك. فسئل عن ذلك فقال: أما أحد اليومين فإنه جلس للشعراء، ~~فكان أول من أنشده المديح فيه طريف بن سوادة، فما زال ينشده أرجوزة له ~~طويلة، حتى انتهى إلى قوله: [من الرجز] # أبرص فياض اليدين أكلف ... والبرص أندى باللهى وأعرف [4] # مجلوذ في الزحفات مزحف [5] # المجلوذ: السريع. # وكان عمرو أبرص فصاح به ناس: ما ms0728 لك؟ قطع الله لسانك!. قال عمرو: مه، ~~البرص من مفاخر العرب. أما سمعتم ابن حبناء يقول [6] : [من البسيط] ~~PageV05P091 # إني امرؤ حنظلي حين تنسبني ... لامل عتيك ولا أخوالي العوق # لا تحسبن بياضا في منقصة ... إن اللهاميم في أقرابها بلق # أو ما سمعتم قول الآخر [1] : [من الرجز] # يا كأس لا تستنكري نحولي ... ووضحا أوفى على خصيلي [2] # فإن نعت الفرس الرجيل ... يكمل بالغرة والتحجيل [3] # أو ما سمعتم بقول أبي مسهر [4] : [من الطويل] # يشتمني زيد بأن كنت أبرصا ... فكل كريم لا أبالك أبرص # ثم أقبل على الراجز فقال: ما تحفظ في هذا؟ قال: أحفظ والله قوله [5] : ~~[من الرجز] # يا أخت سعد لا تعري بالروق ... ليس يضر الطرف توليع البلق [6] # إذا جرى في حلبة الخيل سبق # ومحمد بن سلام يزعم أنه لم ير سابقا قط أبلق ولا بلقاء [7] . # وقد سبق للمأمون فرس، إما أبلق وإما بلقاء. # وأنشدني أبو نواس لبعض بني نهشل [8] : [من الرمل] # نفرت سودة عني أن رأت ... صلع الرأس وفي الجلد وضح [9] PageV05P092 # قلت يا سودة، هذا والذي ... يفرج الكربة منا والكلح # هو زين لي في الوجه كما ... زين الطرف تحاسين القرح [1] # وزعم أبو نواس أنهم كانوا يتبركون به، وأن جذيمة الوضاح كان يفخر بذلك. # وزعم أصحابنا أن بلعاء بن قيس، لما شاع في جلده البرص قال له قائل: ما ~~هذا يا بلعاء؟ فقال: «هذا سيف الله جلاه!» . وكنانة تقول: «سيف الله حلاه» ~~[2] . # ثم رجع الحديث إلى أبي العطاف وضحكه. قال [3] : وأما اليوم الآخر فإن ~~عمرا لما ذهب بصره، ودخل عليه الناس يعزونه، دخل عليه إبراهيم بن جامع، وهو ~~أبو عتاب من آل أبي مصاد، وكان كالجمل المحجوم، فقام بين يدي عمرو فقال: يا ~~أبا أسيد لا تجزعن من ذهاب عينيك وإن كانتا كريمتيك؛ فإنك لو رأيت ثوابهما ~~في ميزانك تمنيت أن يكون الله عز وجل قد قطع يديك ورجليك، ودق ظهرك، وأدمى ~~ضلعك. # قال: فصاح به القوم وضحك بعضهم. فقال عمرو: معناه صحيح، ونيته حسنة، وإن ~~كان قد أخطأ في اللفظ [4] . ### || 1337- [بين الجاحظ ms0729 وأبي عتاب] # وقلت لأبي عتاب: بلغني أن عبد العزيز الغزال قال: ليت أن الله لم يكن ~~خلقني، وأني الساعة أعور. قال أبو عتاب: بئس ما قال؛ وددت والله أن الله لم ~~يكن خلقني وأني الساعة أعمى مقطوع اليدين والرجلين. # وأتى بعض الشعراء أبا الواسع وبنوه حوله، فاستعفاه أبو الواسع من إنشاد ~~مديحه، فلم يزل به حتى أذن له. فلما انتهى إلى قوله: [من البسيط] # فكيف تنفى وأنت اليوم رأسهم ... وحولك الغر من أبنائك الصيد # قال أبو الواسع: ليتك تركتهم رأسا برأس! PageV05P093 # ومدح الممزق أبو عباد بن الممزق، بشر بن أبي عمرو- وليس هو بشر بن أبي ~~عمرو بن العلاء فقال [1] : [من الكامل] # من كان يزعم أن بشرا ملصق ... فالله يجزيه وربك أعلم [2] # تنبيك قامته وقلة لحمه ... وتشادق فيه ولون أسحم [3] # إن الصريح المحض فيه دلالة ... والعرق منكشف لمن يتوسم [4] # أما لسانك واحتباؤك في الملا ... فزرارة العدسي عندك أعجم [5] # إني لأرجو أن يكون مقالهم ... زورا، وشانئك الحسود المرغم [6] ### || 1338- [خطأ الكميت في المديح] # ومن المديح الخطإ الذي لم أر قط أعجب منه، قول الكميت بن زيد وهو يمدح ~~النبي صلى الله عليه وسلم، فلو كان مديحه لبني أمية لجاز أن يعيبهم بذلك ~~بعض بني هاشم، أو لو مدح به بعض بني هاشم لجاز أن يعترض عليه بعض بني أمية، ~~أو لو مدح أبا بلال الخارجي لجاز أن تعيبه العامة، أو لو مدح عمرو بن عبيد ~~لجاز أن يعيبه المخالف، أو لو مدح المهلب لجاز أن يعيبه أصحاب الأحنف. # فأما مديح النبي صلى الله عليه وسلم، فمن هذا الذي يسوؤه ذلك حيث قال [7] ~~: [من المنسرح] # فاعتتب الشوق من فؤادي والشع ... ر إلى من إليه معتتب [8] # إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب [9] PageV05P094 # عنه إلى غيره، ولو رفع النا ... س إلي العيون وارتقبوا [1] # وقيل: أفرطت بل قصدت ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا [2] # إليك يا خير من تضمنت الأرلج ... ض ولو عاب قولي العيب [3] # بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك الضجاج واللجب [4] # أنت المصفى المحض ms0730 المهذب في ال ... نسبة إن نص قومك النسب # ولو كان لم يقل فيه عليه السلام إلا مثل قوله [5] : [من الطويل] # وبورك قبر أنت فيه وبوركت ... به، وله أهل بذلك يثرب # لقد غيبوا برا وحزما ونائلا ... عشية واراك الصفيح المنصب [6] # فلو كان لم يمدحه عليه السلام إلا بهذه الأشعار التي لا تصلح في عامة ~~العرب لما كان ذلك بالمحمود، فكيف مع الذي حكينا قبل هذا؟! ### || 1339- [غلط بعض الشعراء في المديح والفخر] # ومن الأشعار الغائظة لقبيلة الشاعر- وهي الأشعار التي لو ظنت الشعراء أن ~~مضرتها تعود بعشر ما عادت به، لكان الخرس أهون عليها من ذلك القول- فمن ذلك ~~قول لبيد بن ربيعة [7] : [من الكامل] # أبني كلاب كيف تنفى جعفر ... وبنو ضبينة حاضرو الأجباب [8] # قتلوا ابن عروة ثم لطوا دونه ... حتى تحاكمتم إلى جواب [9] # يرعون منخرق اللديد كأنهم ... في العز أسرة حاجب وشهاب [10] PageV05P095 # متظاهر حلق الحديد عليهم ... كبني زرارة أو بني عتاب [1] # قوم لهم عرفت معد فضلها ... والحق يعرفه ذوو الألباب # ومن هذا الباب قول منظور بن زبان بن سيار بن عمرو بن جابر الفزاري، وهو ~~أحد سادة غطفان: [من الطويل] # فجاؤوا بجمع محزئل كأنهم ... بنو دارم إذا كان في الناس دارم [2] # وذلك أن تميما لما طال افتخار قيس عليها بأن شعراء تميم كانت تضرب المثل ~~بقبائل قيس ورجالها، فغبرت تميم زمانا لا ترفع رؤوسها حتى أصابت هذين ~~الشعرين من هذين الشاعرين العظيمي القدر، فزال عنها الذل وانتصفت، فلو علم ~~هذان الشاعران الكريمان ماذا يصنعان بعشائرهما- لكان الخرس أحب إليهما. # قال أبو عبيدة: ومن ذلك قول الحارث بن حلزة، وأنشدها الملك [3] وكان به ~~وضح [4] وأنشده من وراء ستر فبلغ من استحسانه القصيدة إلى أن أمر برفع ~~الستر. # ولكراهتهم لدنو الأبرص منهم قال لبيد بن ربيعة [5] ، للنعمان بن المنذر، ~~في الربيع بن زياد: [من الرجز] # مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه ... إن استه من برص ملمعه [6] # وإنه يدخل فيها إصبعه ... يدخلها حتى يواري أشجعه [7] # كأنما يطلب شيئا ضيعه PageV05P096 # قال ابن الأعرابي: فلما أنشد الملك لبيد في ms0731 الربيع بن زياد ما أنشد قال ~~الربيع: # أبيت اللعن، والله لقد نكت أمه، قال: فقال لبيد: قد كانت لعمري يتيمة في ~~حجرك، وأنت ربيتها، فهذا بذاك، وإلا تكن فعلت ما قلت فما أولاك بالكذب! وإن ~~كانت هي الفاعلة فإنها من نسوة لذلك فعل. يعني بذلك أن نساء عبس فواجر، لأن ~~أمه كانت عبسية. # والعربي يعاف الشيء ويهجو به غيره، فإن ابتلي بذلك فخر به. ولكنه لا يفخر ~~به لنفسه من جهة ما هجا به صاحبه. فافهم هذه؛ فإن الناس يغلطون على العرب ~~ويزعمون أنهم قد يمدحون الشيء الذي قد يهجون به. وهذا باطل، فإنه ليس شيء ~~إلا وله وجهان وطرفان وطريقان. # فإذا مدحوا ذكروا أحسن الوجهين، وإذا ذموا ذكروا أقبح الوجهين. # والحارث بن حلزة فخر ببكر بن وائل على تغلب، ثم عاتبهم عتابا دل على أنهم ~~لا ينتصفون منهم، فقال [1] : [من الخفيف] # وأتانا عن الأراقم أنبا ... ء وخطب نعنى به ونساء [2] # يخلطون البريء منا بذي الذن ... ب ولا ينفع الخلي الخلاء # زعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا وأنا الولاء [3] # إن إخواننا الأراقم يغلو ... ن علينا في قولهم إحفاء [4] # ثم قال: # واتركوا الطيخ والتعاشي وإما ... تتعاشوا ففي التعاشي الداء [5] # واذكروا حلف ذي المجاز وما ق ... دم فيه، العهود والكفلاء [6] # حذر الجور والتعدي وهل ين ... قض ما في المهارق الأهواء [7] PageV05P097 # واعلموا أننا وإياكم في ... ما اشترطنا يوم اختلفنا سواء # أم علينا جناح كندة أن يغ ... نم غازيهم ومنا الجزاء [1] # أم علينا جرا حنيفة أم ما ... جمعت من محارب غبراء [2] # أم علينا جرا قضاعة أم لي ... س علينا فيما جنوا أنداء [3] # ليس منا المضربون، ولا قي ... س، ولا جندل، ولا الحداء [4] # أم جنايا بني عتيق فمن يغ ... در فإنا من غدرهم برآء # عننا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الربيض الظباء [5] # ومن المديح الذي يقبح، قول أبي الحلال في مرثية يزيد بن معاوية، حيث ~~يقول: [من الرجز] # يا أيها الميت بحوارينا ... إنك خير الناس أجمعينا [6] # وقال الآخر: [من الرجز] ms0732 # مدحت خير العالمين عنقشا ... يشب زهراء تقود الأعمشا [7] # وقال الآخر: [من الرجز] # إن الذي أمسى يسمى كوزا ... اسما نبيها لم يكن تنبيزا [8] # لما ابتدرنا القصب المركوزا ... وجدتني ذا وثبة أبوزا [9] PageV05P098 # ودخل بعض أغثاث [1] شعراء البصريين على رجل من أشراف الوجوه يقال في نسبه ~~[2] ، فقال: إني مدحتك بشعر لم تمدح قط بشعر هو أنفع لك منه. قال: ما ~~أحوجني إلى المنفعة، ولا سيما كل شيء منه يخلد على الأيام، فهات ما عندك ~~فقال: [من السريع] # سألت عن أصلك فيما مضى ... أبناء تسعين وقد نيفوا [3] # فكلهم يخبرني أنه ... مهذب جوهره يعرف # فقال له: قم في لعنة الله وسخطه! فلعنك الله ولعن من سألت ولعن من ~~أجابك!! ### | [باب في السخف والباطل] ### || 1340- [في السخف والباطل] # وسنذكر لك بابا من السخف، وما نتسخف به لك، إذ كان الحق يثقل ولا يخف إلا ~~ببعض الباطل. # أنشدنا أبو نواس في التدليك: [من الرجز] # إن تبخلي بالركب المحلوق ... فإن عندي راحتي وريقي # وهذا الشعر مما يقال إن أبا نواس ولده. # ومما يظن أنه ولده قوله: [من الرجز] # لم أر كالليلة في التوفيق ... حرا على قارعة الطريق # كأن فيه لهب الحريق # وأنشدني ابن الخاركي لبعض الأعرب في التدليك: [من الرجز] # لا بارك الإله في الأحراح ... فإن فيها عدم اللقاح # لا خير في السفاح واللقاح ... إلا مناجاة بطون الراح PageV05P099 # وأنشدني محمد بن عباد: [من الرجز] # تسألني ما عتدي وعن ددي ... فإنني يا بنت آل مرثد [1] # راحلتي رجلاي وامراتي يدي # وأنشدني بعض أصحابنا لبعض المدنيين: [من المنسرح] # أصفي هوى النفس، غير متئب ... حليلة لا تسومني نفقه [2] # تكون عوني على الزمان لل ... كسب، إذا ما أخفقت، مرتفقه [3] # وشعر في ذلك سمعناه على وجه الدهر، وهو قوله [4] : [من البسيط] # إذا نزلت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج # وأنشدنا أبو خالد النميري [5] : [من البسيط] # لو أنها رخصة قضيت من وطري ... لكن جلدتها تربي على السفن [6] # أشكو إلى الله نعظا قد بليت به ... وما ألاقي من الإملاق والحزن [7] # وقال الذكواني يرد ms0733 على الأول قوله: [من البسيط] # جلدي عميرة فيه العار والحوب ... والعجز مطرح والفحش مسبوب [8] # وبالعراق نساء كالمها قطف ... بأرخص السوم خدلات مناجيب [9] # وما عميرة من ثدياء حالية ... كالعاج صفرها الأكنان والطيب [10] # قال: مثل هذا الشعر كمثل رجل قيل له: أبوك ذاك الذي مات جوعا؟ قال: # فوجد شيئا فلم يأكله؟! PageV05P100 # وقال الحرامي: [من الوافر] # عيال عالة وكساد سوق ... وأير لا ينام ولا ينيم ### | باب مما قالوا في السر # قال ابن ميادة [1] : [من الطويل] # أتظهر ما في الصدر أم أنت كاتمه ... وكتمانه داء لمن هو كاتمه # وإضماره في الصدر داء وعلة ... وإظهاره شنع لمن هو عالمه # وتقول العرب: «من ارتاد لسره [موضعا] [2] فقد أشاعه» . # وأرى الأول قد أذن في واحد [3] وهو قوله [4] : [من المتقارب] # وسرك ما كان عند امرئ ... وسر الثلاثة غير الخفي # وقال الآخر [5] فيما يوافق فيه المثل الأول: [من المتقارب] # فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا # فإني رأيت غواة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا # وقال مسكين الدارمي [6] : [من الطويل] # إذا ما خليلي خانني وائتمنته ... فذاك وداعيه وذاك وداعها PageV05P101 # رددت عليه وده وتركتها ... مطلقة لا يستطاع رجاعها # وإني امرؤ مني الحياء الذي ترى ... أعيش بأخلاق قليل خداعها # أواخي رجالا لست أطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها # يظلون شتى في البلاد، وسرهم ... إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # وقال أبو محجن الثقفي [1] : [من البسيط] # وقد أجود وما مالي بذي فنع ... وأكتم السر فيه ضربة العنق [2] # وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه [3] : «من كتم سره كان الخيار في يده» ~~. # وقال بعض الحكماء: «لا تطلع واحدا من سرك، إلا بقدر ما لا تجد فيه بدا من ~~معاونتك» . # وقال آخر [4] : «إن سرك من دمك، فانظر أين تريقه!» . # وقال الشاعر [5] : [من البسيط] # ولو قدرت على نسيان ما اشتملت ... مني الضلوع من الأسرار والخبر # لكنت أول من بنسى سرائره ... إذ كنت من نشرها يوما على خطر # وقال الآخر: [من الرمل] # فإذا استودعت سرا أحدا ... فقد استودعت بالسر دمك # وقال قيس بن ms0734 الخطيم [6] : [من الطويل] # وإن ضيع الإخوان سرا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين # يكون له عندي إذا ما ائتمنته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين PageV05P102 # وقيل لمزبد: يا مزبد، ما هذا الذي تحت حضنك؟ فقال: يا أحمق، فلم خبأته ~~[1] ؟! وقال أبو الشيص: [من الطويل] # ضع السر في صماء ليست بصخرة ... صلود كما عاينت من سائر الصخر # ولكنها قلب امرئ ذي حفيظة ... يرى ضيعة الأسرار هترا من الهتر [2] # يموت وما ماتت كرائم فعله ... ويبلى وما يبلى نثاه على الدهر [3] # وقال سحيم الفقعسي، في نشر ما يودع من السر [4] : [من الطويل] # ولا أكتم الأسرار لكن أذيعها ... ولا أدع الأسرار تغلي على قلبي # وإن قليل العقل من باب ليله ... تقلبه الأسرار جنبا إلى جنب # وقال الفرار السلمي- وهذا الشعر في طريق شعر سحيم، وإن لم يكن في معنى ~~السر- وهو قوله [5] : [من الكامل] # وكتيبة لبستها بكتيبة ... حتى إذا التبست نفضت بها يدي # وتركتهم تقص الرماح ظهورهم ... من بين منجدل وآخر مسند [6] # ما كان ينفعني مقال نسائهم ... وقتلت دون رجالهم: لا تبعد ### || 1341- [تخاذل أسلم بن زرعة] # وقيل لأسلم بن زرعة إنك إن انهزمت من أصحاب مرداس بن أدية غضب عليك ~~الأمير عبيد الله بن زياد قال: يغضب علي وأنا حي؛ أحب إلي من أن يرضى عني ~~وأنا ميت. PageV05P103 # قال: وولي دستبى [1] فخرج إليها في أصحابه، فلما شارفها عرضت له الخوارج، ~~وكان أكثر منهم عددا وعدة، فقال: والله لأصافنهم، ولأعبين أصحابي فلعلهم ~~إذا رأوا كثرتهم انصرفوا، ولا أزال بذلك قويا في عملي هذا. فلما رأت ~~الخوارج كثرة القوم نزلوا عن خيولهم فعرقبوها [2] وقطعوا أجفان سيوفهم، ~~ونبذوا كل دقيق كان معهم، وصبوا أسقيتهم. فلما رأى ذلك رأى الموت الأحمر. ~~فأقبل عليهم فقال: عرقبتم دوابكم وقطعتم أجفان سيوفكم، ونبذتم دقيقكم؟ خار ~~الله لنا ولكم! ثم ضرب وجوه أصحابه وانصرف عنهم. ### || 1342- [ضيق صدر النظام بحمل السر] # وكان أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام. أضيق الناس صدرا بحمل سر وكان شر ~~ما يكون إذا يؤكد عليه صاحب السر وكان إذا لم يؤكد عليه ربما ms0735 نسي القصة، ~~فيسلم صاحب السر. # وقال له مرة قاسم التمار: سبحان الله ما في الأرض أعجب منك، أودعتك سرا ~~فلم تصبر عن نشره يوما واحدا، والله لأشكونك للناس! فقال: يا هؤلاء، سلوه ~~نممت عليه مرة واحدة، أو مرتين، أو ثلاثا، أو أربعا، فلمن الذنب الآن؟ # فلم يرض بأن يشاركه في الذنب، حتى صير الذنب كله لصاحب السر. ### || 1343- [شعر في حفظ السر] # وقال بعض الشعراء [3] : [من المتقارب] # ختمت الفؤاد على سرها ... كذاك الصحيفة بالخاتم # هوى بي إلى حبها نظرة ... هوي الفراشة للجاحم [4] # وقال البعيث [5] : [من الطويل] # فإن تك ليلى حملتني لبانة ... فلا وأبي ليلى إذا لا أخونها [6] ~~PageV05P104 # حفظت لها السر الذي كان بيننا ... ولا يحفظ الأسرار إلا أمينها # وقال رجل من بني سعد [1] : [من الوافر] # إذا ما ضاق صدرك عن حديث ... فأفشته الرجال فمن تلوم # إذا عاتبت من أفشى حديثي ... وسري عنده فأنا الظلوم # وإني حين أسأم حمل سري ... وقد ضمنته صدري سؤوم # ولست محدثا سري خليلا ... ولا عرسي، إذا خطرت هموم # وأطوي السر دون الناس، إني ... لما استودعت من سر كتوم ### || 1344- [اعتذار شيخ] # قال: وقيل لشيخ: ويحك هاهنا ناس يسرق أحدهم خمسين سنة، ويزني خمسين سنة، ~~ويصنع العظائم خمسين سنة، وهو في ذلك كله مستور جميل الأمر، وأنت إنما لطت ~~منذ خمسة أشهر، وقد شهرت به في الآفاق! قال: بأبي أنت. ومن يكون سره عند ~~الصبيان أي شيء تكون حاله! ### || 1345- [وصية العباس لابنه] # أبو الحسن، عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: قال العباس بن عبد المطلب ~~لعبد الله ابنه: «يا بني أنت أعلم مني، وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك- ~~يعني عمر بن الخطاب- فاحفظ عني ثلاثا: لا تفش له سرا، ولا تغتابن عنده ~~أحدا، ولا يطلعن منك على كذبة» . ### | باب في ذكر المنى # قال [2] : سئل ابن أبي بكرة: أي شيء أدوم إمتاعا؟ قال: المنى. # قال [3] : وقال يزيد بن معاوية على منبره: ثلاث يخلقن العقل، وفيها دليل ~~على الضعف: سرعة الجواب، وطول التمني، والاستغراق في الضحك! PageV05P105 # وقال عباية الجعفي: ما سرني ms0736 بنصيبي من المنى حمر النعم! وقال الأصمعي: ~~قال ابن أبي الزناد: المنى والحلم أخوان [1] . # وقال معمر بن عباد: «الأماني للنفس، مثل الترهات [2] للسان» . # وقال الشاعر: [من البسيط] # الله أصدق والآمال كاذبة ... وجل هذي المنى في الصدر وسواس # وقال الآخر [3] : [من البسيط] # إذا تمنيت مالا بت مغتبطا ... إن المنى روس أموال المفاليس # لولا المنى مت من هم ومن حزن ... إذا تذكرت ما في داخل الكيس # وقال بعض الأعراب [4] : [من الطويل] # منى إن تكن حقا تكن أحسن المنى ... وإلا فقد عشنا به زمنا رغدا # أماني من سلمى حسان كأنما ... سقتني بها سلمى على ظما بردا # وقال بشار [5] : [من الطويل] # كررنا أحاديث الزمان الذي مضى ... فلذ لنا محمودها وذميمها # وروى الأصمعي عن بعضهم أنه قال: الاحتلام أطيب من الغشيان، وتمنيك للشيء ~~أوفر حظا في اللذة من قدرتك عليه. # قال: كأنه ذهب إلى أنه إذا ملك وجبت عليه في ذلك الملك حقوق، وخاف الزوال ~~واحتاج إلى الحفظ. PageV05P106 # وقال: وفي الحديث المأثور: «ما عظمت نعمة الله على أحد إلا عظمت مؤونة ~~الناس عليه» . # قال: وقيل لمزبد: أيسرك أن عندك قنينة شراب؟ قال: يا ابن أم، من يسره ~~دخول النار بالمجاز؟! قال: وقدموا إلى أبي الحارث جميز جام خبيص [1] وقالوا ~~له: أهذا أطيب أم الفالوذج [2] ؟ قال: لا أقضي على غائب! قال: وقال مديني ~~لرجل: أيسرك أن هذه الدار لك؟ قال: نعم. قال: وليس إلا نعم فقط؟ قال: فما ~~أقول؟ قال: تقول: نعم، وأحم [3] سنة! قال: نعم، وأنا أعور. # قال [4] : وقيل لمزبد: أيسرك أن هذه الجبة لك؟ قال: نعم، وأضرب عشرين ~~سوطا. قال: ولم تقول هذا؟ قال: لأنه لا يكون شيء إلا بشيء. # قال [5] : وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة: من تمنى طول العمر فليوطن نفسه ~~على المصائب. # يقول: إنه لا يخلو من موت أخ، أو عم، أو ابن عم، أو صديق، أو حميم وقال ~~المجنون [6] : [من الطويل] # أيا حرجات الحي حيث تحملوا ... بذي سلم لاجادكن ربيع [7] # وخيماتك اللاتي بمنعرج اللوى ... بلين بلى لم تبلهن ربوع # فقدتك ms0737 من قلب شعاع، فطالما ... نهيتك عن هذا وأنت جميع [8] # فقربت لي غير القريب، وأشرفت ... مناك ثنايا ما لهن طلوع PageV05P107 ### || 1346- [أماني الخوارج] # قال [1] : وقال عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث: لولا أربع خصال ما أعطيت ~~عربيا طاعة: لو ماتت أم عمرو- يعني أمه- ولو نسبت، ولو قرأت القرآن، ولو لم ~~يكن رأسي صغيرا. # قال: وقدم عبد الملك، وكان يحب الشعر فبعثت إلى الرواة، فما أتت علي سنة ~~حتى رويت الشاهد والمثل، وفصولا بعد ذلك. وقدم مصعب وكان يحب النسب، فدعوت ~~النسابين فتعلمته في سنة. ثم قدم الحجاج، وكان يدني على القرآن، فحفظته في ~~سنة. # قال: وقال يزيد بن المهلب: لا أخرج حتى أحج، وأحفظ القرآن، وتموت أمي. ~~فخرج قبل ذلك كله. # وقال عبيد الله بن يحيى: كان من أصحابنا بمرو جماعة، فجلسنا ذات يوم ~~نتمنى، فتمنيت أن أصير إلى العراق من أيامي سالما، وأن أقدم فأتزوج سماع ~~[2] ، وألي كسكر [3] . # قال: فقدمت سالما، وتزوجت سماع، ووليت كسكر. ### || 1347- [خبر وشعر في دجلة والفرات] # قال: ووقف هشام بن عبد الملك على الفرات، ومعه عبد الرحمن بن رستم، فقال ~~هشام: ما في الأرض نهر خير من الفرات! فقال عبد الرحمن: ما في الأرض نهر شر ~~من الفرات، أوله للمشركين، وآخره للمنافقين. # وقال أبو الحسن: الفرات ودجلة رائدان [4] لأهل العراق لا يكذبان. # قال الأصمعي وأبو الحسن: فهما الرائدان، وهما الرافدان. PageV05P108 # وقال الفرزدق [1] : [من الوافر] # أمير المؤمنين وأنت عف ... كريم، لست بالوالي الحريص [2] # بعثت إلى العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص [3] # ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص [4] # تفيهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم قومه أكل الخبيص [5] ### || 1348- [نهر أم عبد الله] # قال [6] : وبينا غيلان بن خرشة، يسير مع [عبد الله] [7] بن عامر، إذ وردا ~~على نهر أم عبد الله [8] فقال ابن عامر: ما أنفع هذا النهر لأهل هذا المصر! ~~قال غيلان: # أجل أيها الأمير، والله إنهم ليستعذبون [9] منه، وتفيض مياههم إليه، ~~ويتعلم صبيانهم فيه العوم، وتأتيهم ميرتهم [10] فيه. # فلما أن كان بعد ذلك ساير ذات يوم زيادا- وكان زياد ms0738 عدوا لابن عامر- فقال ~~زياد: ما أضر هذا النهر بأهل هذا المصر! فقال: أجل والله أيها الأمير! تنز ~~منه دورهم، ويغرق فيه صبيانهم، ويبعضون ويبرغثون [11] ! PageV05P109 ### | [القول في العصافير] # (القول في العصافير وسنقول باسم الله وعونه في العصفور بجملة من القول.) # وعلى أنا قد ذكرنا من شأنه أطرافا ومقطعات من القول تفرقن في تضاعيف تلك ~~الأصناف. وإذا طال الكلام وكثرت فنونه، صار الباب القصير من القول في غماره ~~مستهلكا، وفي حومته غرقا، فلا بأس أن تكون تلك الفقر مجموعات، وتلك ~~المقطعات موصولات، وتلك الأطراف مستقصيات مع الباقي من ذكرنا فيه؛ ليكون ~~الباب مجتمعا في مكان واحد. فبالاجتماع تجتمع القوة، ومن الأبعاض يلتئم ~~الكل، وبالنظام تظهر المحاسن. ### || 1349- [دعوى الإحاطة بالعلم] # ولست أدعي في شيء من هذه الأشكال الإحاطة به، والجمع لكل شيء فيه. # ومن عجز عن نظم الكثير، وعن وضعه في مواضعه- كان عن بلوغ آخره، وعن ~~استخراج كل شيء فيه أعجز. والمتح [1] أهون من الاستنباط [2] ، والحصد أيسر ~~من الحرث. # وهذا الباب لو ضمنه على كتابه من هو أكثر مني رواية أضعافا، وأجود مني ~~حفظا بعيدا، وكان أوسع مني علما وأتم عزما، وألطف نظرا وأصدق حسا، وأغوص ~~على البعيد الغامض، وأفهم للعويص الممتنع، وأكثر خاطرا وأصح قريحة، وأقل ~~سآمة، وأتم عناية، وأحسن عادة مع إفراط الشهوة، وفراغ البال، وبعد الأمل، ~~وقوة الطمع في تمامه، والانتفاع بثمرته، ثم مد له في العمر، ومكنته ~~المقدرة- لكان قد ادعى معضلة، وضمن أمرا معجزا، وقال قولا مرغوبا عنه، ~~متعجبا منه؛ ولكان لغوا ساقطا، وحارضا بهرجا [3] ؛ ولكان ممن يفضل قوله على ~~فعله، ووعده على مقدار إنجازه؛ لأن الإنسان، وإن أضيف إلى الكمال وعرف ~~بالبراعة، وغمر [4] العلماء؛ فإنه PageV05P110 # لا يكمل أن يحيط علمه بكل ما في جناح بعوضة، أيام الدنيا، ولو استمد بقوة ~~كل نظار حكيم؛ واستعار حفظ كل بحاث واع [1] ؛ وكل نقاب في البلاد، ودراسة ~~للكتب. ### || [تفاوت الخلق في العلم] # وما أشك أن عند الوزراء في ذلك ما ليس عند الرعية من العلماء، وعند ~~الخلفاء ما ليس عند الوزراء، وعند ms0739 الأنبياء ما ليس عند الخلفاء، وعند ~~الملائكة ما ليس عند الأنبياء، والذي عند الله أكثر، والخلق عن بلوغه أعجز، ~~وإنما علم الله كل طبقة من خلقه بقدر احتمال فطرهم، ومقدار مصلحتهم. ### || 1350- [القول في: علم آدم الأسماء كلها # فإن قلت: فقد علم الله عز وجل آدم الأسماء كلها [2]- ولا يجوز ~~تعريف الأسماء بغير المعاني- وقلت: ولولا حاجة الناس إلى المعاني، وإلى ~~التعاون والترافد، لما احتاجوا إلى الأسماء. وعلى أن المعاني تفضل [3] عن ~~الأسماء، والحاجات تجوز مقادير السمات، وتفوت ذرع العلامات [4] فمما لا اسم ~~له خاص الخاص. والخاصيات كلها ليست لها أسماء قائمة. # وكذلك تراكيب الألوان، والأراييح، والطعوم، ونتائجها. # وجوابي في ذلك: أن الله عز وجل لم يخبرنا أنه قد كان علم آدم كل شيء ~~يعلمه تعالى، كما لا يجوز أن يقدره على كل شيء يقدر عليه. # وإذا كان العبد المحدود الجسم، المحدود القوى، لا يبلغ صفة ربه الذي ~~اخترعه، ولا صفة خالقه الذي ابتدعه- فمعلوم أنه إنما عنى بقوله: وعلم آدم ~~الأسماء كلها # [5] علم مصلحته في دنياه وآخرته. # وقال الله عز وجل: وفوق كل ذي علم عليم # [6] . وقال الله عز وجل: PageV05P111 # ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت ~~كلمات الله # [1] . وقال الله تعالى: يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا # [2] . وقال تقدست أسماؤه: وما يعلم جنود ربك إلا هو # [3] . وقال الله عز وجل: ويخلق ما لا تعلمون # [4] . # وهذا الباب من المعلوم، غير باب علم ما يكون قبل أن يكون؛ لأن باب (كان) ~~قد يعلم بعضه، وباب (يكون) لا سبيل إلى معرفة شيء منه. والمخاطبة وقعت على ~~جميع المتعبدين، واشتملت على جميع أصناف الممتحنين، ولم تقع على أهل عصر ~~دون عصر، ولا على أهل بلد دون بلد، ولا على جنس دون جنس، ولا على تابع دون ~~متبوع ولا على آخر دون أول. ### || أجناس الطير التي تألف دور الناس # العصافير، والخطاطيف، والزرازير، والخفافيش. فبين هذه [وبين الناس] [5] ~~مناسبة ومشاكلة، وإلف ومحبة. # والخطاطيف تقطع [6] إليهم وتعزب [7] عنهم. والعصافير لا ms0740 تفارقهم. وإن ~~وجدت دارا مبنية لم تسكنها حتى يسكنها إنسان. ومتى سكنتها لم تقم فيها إذا ~~خرج منها ذلك الإنسان. فبفراقه تفارق، وبسكناه تسكن، وهذه فضيلة لها على ~~الخطاطيف. # والحمام لا يقيم معهم في دورهم إلا بعد أن يثبتوه ويعلموه، ويرتبوا حاله ~~ويدرجوه. ومنها ما هو وحشي طوراني [8] ، وربما توحش بعد الأنس والعصافير ~~على خلاف ذلك، فلها بذلك فضيلة على الحمام، وعلى الخطاف. PageV05P112 # وقد يدرب العصفور ويثبت فيستجيب من المكان البعيد، ويثبت ويدجن. # فهو مما يثبت ويعايش الناس، من تلقاء نفسه مرة، وبالتثبيت مرة. وليس كذلك ~~شيء مما يأوي إلى الناس من الطير. # وقد بلغني أن بعض ما يستجيب منها قد درب فرجع من ميل. فأما الهداية من ~~تلقاء نفسه فمن الفراسخ الكثيرة. ### ||| 1351- [انتقال العصافير إلى البساتين] # وحدثني حمويه الخريبي وأبو جراد الهزاردري قالا: إذا كان زمان البيادر لم ~~يبق بالبصرة عصفور إلا صار إلى البساتين، إلا ما أقام على بيضه وفراخه. ~~وكذلك العصافير إذا خرج أهل الدار من الدار، فإنه لا يقيم في تلك الدار ~~عصفور إلا على بيض أو فراخ. فإذا لم يكن لها استوحشت، والتمست لأنفسها ~~الأوكار في الدور المعمورة. ولذلك قال أبو يعقوب إسحاق الخريمي [1] : [من ~~المنسرح] # فتلك بغداد ما تبنى من ال ... وحشة في دورها عصافرها # قالا [2] : فعلى قدر قرب القبائل من البساتين سبق العصافير إليها، فإذا ~~جاءت العصافير التي تلي أقرب القبائل منها إلى أوائل البساتين فوجدت عصافير ~~ما هو أقرب إليها منها قد سبقت إليها تعدتها إلى البساتين التي تليها وكذلك ~~صنيع ما بقي من عصافير القبائل الباقية حتى تصير عصافير آخر البصرة إلى آخر ~~البساتين. وذلك شبيه بعشرين فرسخا. فإذا قضت حاجتها، وانقضى أمر البيادر ~~أقبلت من هناك، على أمارات لها معروفة، وعلامات قائمة، حتى تصير إلى أو ~~كارها. ### ||| 1352- [ضروب الطير] # والطير كله على ثلاثة أضرب: فضرب من بهائم الطير، وضرب كسباع الطير، وضرب ~~كالمشترك المركب منها جميعا [3] . # فالبهيمة كالحمام وأشباه الحمام، مما يغتذي الحبوب والبزور والنبات، ولا ~~يغتذي غير ذلك. PageV05P113 # والسبع ms0741 [1] : الذي لا يغتذي إلا اللحم. # وقد يأكل الأسد الملح [2] ، ليس على طريق التغذي، ولكن على طريق التملح ~~والتحمض. ### ||| 1353- [ما يشارك فيه العصفور الطير و الحيات] # فمما يشارك فيه العصفور بهائم الطير، أنه ليس بذي مخلب ولا منسر [3] ، ~~وهو مما إذا سقط على عود قدم أصابعه الثلاث، وأخر الدابرة [4] . وسباع ~~الطير تقدم إصبعين، وتؤخر إصبعين. # ومما شارك فيه السبع [5] أن بهائم الطير تزق فراخها، والسباع تلقم ~~فراخها. ### ||| 1354- [ضروب الفراخ] # والفراخ على ثلاثة أضرب: ففرخ كالفروج لا يزق ولا يلقم؛ وهو يظهر كاسبا ~~[6] . وفرخ كفرخ الحمام وأشباه الحمام، فهو يزق ولا يلقم. وفرخ كفرخ العقاب ~~والبازي، والزرق، والشاهين والصقر، وأشباهها من السباع فهو يلقم ولا يزق. # فأشبهها العصفور من هذا الوجه. # وفيه من أخلاق السباع [7] : أنه يصيد الجرادة، والنمل الطيار، ويأكل ~~اللحم، ويلقم فراخه اللحم. # وليس في الأرض رأس أشبه برأس حية من رأس عصفور [8] ### ||| 1355- [الأجناس التي تعايش الناس] # والأجناس التي تعايش الناس: الكلب، والسنور، والفرس، والبعير، والحمار، ~~والبغل، والحمام، والخطاف، والزرزور، والخفاش، والعصفور. PageV05P114 ### ||| 1356- [أطول الحيوان عمرا وأقصره] # قالوا [1] : وليس في جميعها أطول عمرا من البغل، ولا أقصر عمرا من ~~العصفور. # قالوا: ونظن ذلك إنما كان لقلة سفاد البغل، وكثرة سفاد العصفور. # ويزعمون أن محمد بن سليمان أنزى البغال على البغلات، كما أنزى العتاق على ~~الحجور، والبراذين [2] على الرماك [3] ، والحمير على الأتن [4] ، فوجد تلك ~~الفحولة من البغال بأعيانها، أقصر أعمارا من سائر الحافر، حين سوى بينها في ~~السفاد، ووجد البغال تلقح إلقاحا فاسدا لا يتم ولا يعيش. # وذكروا أن قصر العمر لم يعرض لإناثها كما عرض لذكورتها. # وهذا شبيه بما ذكر صاحب المنطق [5] في العصافير، فإنه ذكر أن إناثها أطول ~~أعمارا. وأن ذكورتها لا تعيش إلا سنة واحدة. ### ||| 1357- [أثر السمن في الحمل] # والمرأة تنقطع عن الحبل قبل أن ينقطع الرجل عن الإحبال بدهر، وتفرط في ~~السمن فتصير عاقرا، ويكون الرجل أسمن منها فلا يصير عاقرا. # وكذلك الحجر، والرمكة، والأتان. وكذلك النخلة المطعمة. ويسمن لب الفحال ~~[6] فيكون أجود لإلقاحه. وهما يختلفان كما ترى. ms0742 ### ||| 1358- [الأجناس الفاضلة من الحيوان] # وللعصفور فضيلة أخرى. وذلك أن من فضل الجنس أن تتميز ذكورته في العين من ~~إناثه، كالرجل والمرأة، والديك والدجاجة، والفحال والمطعمة، والتيس والصفية ~~[7] ، والطاوس، والتدرج [8] ، والدراج [9] وإناثها. PageV05P115 # وليس ذلك كالحجر والفرس، والرمكة والبرذون، والناقة والجمل، والعير ~~والأتان، والأسد واللبؤة، فإن هذه الأجناس تقبل نحوك فلا ينفصل في العين ~~الأنثى من الذكر، حتى تتفقد مواضع القنب [1] والأطباء [2] ، وموضع الضرع ~~والثيل [3] ، وموضع ثفر الكلبة [4] من القضيب. # لأن للعصفور الذكر لحية سوداء. وليس اللحية إلا للرجل والجمل، والتيس، ~~والديك، وأشباه ذلك. فهذه أيضا فضيلة للعصفور. وذكر ابن الأعرابي أن للناقة ~~عثنونا [5] كعثنون الجمل، وأنها متى كان عثنونها أطول كان فيها أحمد. # 1359 ### ||| 1359- [حب العصافير فراخها] # وليس في الأرض طائر، ولا سبع ولا بهيمة، أحنى على ولد، ولا أشد به شعفا، ~~وعليه إشفاقا [6]- من العصافير. فإذا أصيبت بأولادها، أو خافت عليها ~~العطب، فليس بين شيء من الأجناس من المساعدة، مثل الذي مع العصافير، لأن ~~العصفور يرى الحية قد أقبلت نحو حجره وعشه ووكره، لتأكل بيضه أو فراخه، ~~فيصيح ويرنق [7] فلا يسمع صوته عصفور إلا أقبل إليه وصنع مثل صنيعه، بتحرق ~~ولوعة، وقلق، واستغاثة وصراخ، وربما أفلت الفرخ وسقط إلى الأرض- وقد ذهبت ~~الحية- فيجتمعن عليه، إذا كان قد نبت ريشه أدنى نبات، فلا يزلن يهيجنه، ~~ويطرن حوله، لعلمها أن ذلك يحدث للفرخ قوة على النهوض فإذا نهض طرن حواليه ~~ودونه، حتى يحتثثنه [8] بذلك العمل. # وكان الخريمي ينشد [9] : [من الرجز] # واحتث كل بازل ذقون ... حتى رفعن سيرة اللجون [10] PageV05P116 # وينشد [1] : [من الرجز] # واحتث محتثاتها الخدورا [2] # وتقول العرب [3] : «العاشية تهيج الآبية» [4] . # ولو أن إنسانا أخذ فرخي عصفور من وكره، ووضعهما بحيث يراهما أبواهما في ~~منزله، لوجد العصفور يتقحم في ذلك المنزل، حتى يدخل في ذلك القفص، فلا يزال ~~في تعهده بما يعيشه حتى يستغني عنه. ثم يحتملان في ذلك غاية التغرير ~~والخطار؛ وذلك من فرط الرقة على أولادهما. ### ||| 1360- [ما لا يسمح بالمشي من الحيوان] # وأجناس الحيوان التي لا تستطيع أن تسمح [5] بالمشي ضروب: منها ms0743 الضبع، ~~لأنها خلقت عرجاء، فهي أبدا تخمع. قال الشاعر [6] : [من الوافر] # وجاءت جيأل وأبو بنيها ... أحم المأقيين به خماع [7] # وقال مدرك بن حصن [8] : [من الطويل] # من الغثر ما تدري أرجل شمالها ... بها الظلع إما هرولت أم يمينها [9] ~~PageV05P117 # والذئب أقزل [1] شنج [2] النسا، وإن أحث إلى المشي فكأنه يتوجى [3] . # وكذلك الظبي، شنج النسا، فهو لا يسمح بالمشي. قال الشاعر [4] : [من ~~الهزج] # وقصرى شنج الأنسا ... ء نباح من الشعب [5] # ظبي أشعب: إذا كان بعيد ما بين القرنين. ولا يسمع له نباح. وإذا أراد ~~العدو، فإنما هو النقز [6] والوثب، ورفع القوائم معا. # ومن ذلك الأسد فإنه يمشي كأنه رهيص [7] ، وإذا مشى تخلع [8] . # قال أبو زبيد [9] : [من البسيط] # إذا تبهنس يمشي خلته وعثا ... وعت سواعد منه بعد تكسير [10] # ومن ذلك الفرس، لا يسمح بالمشي. وهو يوصف بشنج النسا. # وقال الشاعر [11] : [من الرمل] # شنج الأنساء من غير فحج [12] PageV05P118 # ومن ذلك الغراب، فإنه يحجل كأنه مقيد. قال الشاعر [1] : [من الطويل] # كتارك يوما مشية من سجية ... لأخرى ففاتته فأصبح يحجل # وقال الطرماح [2] : [من الكامل] # شنج النسا أدفى الجناح كأنه ... في الدار بعد الظاعنين مقيد [3] # والسنور، والفهد، وأشباههما في طريق الأسد. # والحية تمشي. ومنها ما يثب، ومنها ما ينتصب ويقوم على ذنبه. # والأفعى إذا نهشت أو انباعت للنهش [4] ، لم تستقل [5] ببدنها كله ولكنها ~~تستقل [5] ببدنها الذي يلي الرأس، بحركة ونشط أسرع من اللمح. # والجرادة تطير وتمشي وتطمر [6] . فإذا صرت إلى العصفور ذهب المشي البتة. # وأكثر ما عند البرغوث الطمور [6] والوثوب. # وقال الحسن بن هانئ [7] يصف رجلا يفلي القمل والبرغوث بأنامله: # أو طامري واثب ... لم ينجه منه وثابه # لأن البرغوث مشاء وثاب. # قال: وقول الناس [8] : «طامر بن طامر» [9] ، إنما يريدون البرغوث. ~~PageV05P119 # والعصفور ليس يعرف إلا أن يجمع رجليه ثم يثب، فيضعهما معا ويرفعهما معا. ~~فليس عنده إلا النقزان [1] . ولذلك سمي العصفور نقازا. # وهو العصفور والجمع عصافير، ونقاز والجمع نقاقيز. وهو الصعو. ويزعمون أن ~~العرب تجعل الخرق [2] والقنبر، والحمر، وأشباه ذلك كله، من العصافير. # والعصفور طيرانه نقزان أيضا، فهو لا يسمح ms0744 بالطيران كما لا يسمح بالمشي. ### ||| 1361- [شدة وطء العصفور] # وليس لشيء جسمه مثل جسم العصفور مرارا كثيرة، من شدة الوطء، وصلابة الوقع ~~على الأرض، إذا مشى، أو على السطح- ما للعصفور، فإنك إذا كنت تحت السطح ~~الذي يمشي عليه العصفور حسبت وقعه عليه وقع حجر. # والكلب منعوت بشدة الوطء، وكذلك الخصيان من كل شيء. والعصفور يأخذ بنصيبه ~~من ذلك أكثر من قسط جسمه من تلك الأجسام بالأضعاف الكثيرة. ### ||| 1362- [ما يجيد المشي من الحيوان] # والذباب من الطير الذي يجيد المشي. ويمشي مشيا سبطا حثيثا، وحسنا مستويا. # والقطاة مليحة المشية، مقاربة الخطو. # وقد توصف مشية المرأة بمشية القطاة. وقال الكميت [3] : [من الكامل] # يمشين مشي قطا البطاح تأودا ... قب البطون رواجح الأكفال [4] # وقال الشاعر [5] : [من مجزوء الرمل] # يتمشين كما تم ... شي قطا أو بقرات # لأن البقرة تتبختر في مشيتها. PageV05P120 # وقلت لابن دبوقاء [1] : أي شيء أول التشاجي [2] ؟ قال: التباهر والقرمطة ~~[3] في المشي. وقال [4] : [من مجزوء الكامل] # فدفعتها فتدافعت ... مشي القطاة إلى الغدير # وكل حيوان من ذوات الرجلين والأربع، إذا انكسرت لها قائمة تحاملت ~~بالصحيحة، إلا النعامة فإنها تسقط البتة. ### ||| 1363- [سفاد العصفور] # قال [5] : وكثرة عدد السفاد، والمبالغة في الإبطاء، والدوام في كثرة ~~العدد لضروب من الحيوان- فالإنسان يغلب هذه الأجناس بأن ذلك دائم منه في ~~جميع الأزمنة. فأما الإبطاء في حال السفاد فللجمل والورل والذبان ~~والخنازير. فهذه فضيلة لذة لهذه الأجناس والأصناف. فأما كثرة العدد ~~فللعصافير. ### ||| 1364- [سفاد التيس] # وقد زعم أبو عبد الله العتبي الأبرص، وكان قاطع الشهادة عند أصحابنا ~~البصريين- أن الذي يقال له المشرطي قرع في يوم واحد نيفا وثمانين [6] قرعة. # إلا أن ذلك منه ومن مثله ينمحق؛ حتى يعود جافرا [7] في الأيام القليلة. ### ||| 1365- [تيس بني حمان] # وبنو حمان يزعمون أن تيس بني حمان قرع وألقح بعد أن ذبح [8] . وفخروا بذلك، فقال بعض من يهجوهم: [من ~~الطويل] # وألهى بني حمان عسب عتودهم ... عن المجد حتى أحرزته الأكارم [9] ~~PageV05P121 ### ||| 1366- [زعم لصاحب المنطق] # وزعم صاحب المنطق، في كتاب الحيوان، أن ثورا فيما سلف من الدهر سفد وألقح ~~من ساعته بعد ms0745 أن خصي. # فإذا أفرط المديح وخرج من المقدار، أو أفرط التعجيب وخرج من المقدار- ~~احتاج صاحبه إلى أن يثبته بالعيان، أو بالخبر الذي لا يكذب مثله، وإلا فقد ~~تعرض للتكذيب. # ولو جعلوا حركتهم خبرا وحكاية، وتبرؤوا عن عيبه- ما ضرهم ذلك، وكان ذلك ~~أصون لأقدارهم، وأتم لمروءات كتبهم. ### ||| 1367- [القول في الجناح واليد والرجل] # وقالوا: وكل طائر جيد الجناح، يكون ضعيف الرجلين، كالزرزور والخطاف؛ ~~وجناحاهما أجود من جناح العصفور. ورجل العصفور قوية. # والجناحان هما يدا الطائر؛ لأنهم يجعلون كل طائر وإنسان ذا أربع: فجناحا ~~الطائر يداه، ويدا الإنسان جناحاه. ولذلك إن قطعت يد الإنسان لم يجد العدو. # وكذلك إن قطعت رجل الطائر لم يجد الطيران. # والدابة قد تقوم على رجليها دون يديها، والإنسان قد يمشي على أربع. ~~قالوا: # فهم في عدد الأيدي والأرجل سواء. وفي الآلات الأربع؛ إلا أن الآلة تكون ~~في مكان ببعض الأعمال أليق، وهو عليها أسهل، فتجذبها طبائعها إلى ما فيها ~~من ذلك، كمشي الدابة على يديها، وثقل ذلك على الإنسان. # والحمام يضرب بجناحه الحمام، ويقاتله به، ويدفع به عن نفسه. فقوادمه [1] ~~هي أصابعه، وجناحه هو يده، ورجله كالقدم. وهي رجل وإن سموها كفا، حين ~~وجدوها تكف به، كما يصنع الإنسان بكفه. # وكل مقطوع اليدين، وكل من لم يخلق له يدان فهو يصنع برجليه عامة ما يصنعه ~~الوافر الخلق بيديه. # وكل سبع يكون شديد اليدين فإنه يكون ضعيف الرجلين. # وكل شيء من ذوات الأربع، من البراثن والحوافر، فإن أيديها أكبر من ~~أرجلها. # والناس أرجلهم أكبر من أيديهم، وأقدامهم أكبر من أكفهم. PageV05P122 # وجعلوا ركبهم في أرجلهم، وجعلوا ركب الدواب في أيديها. ### ||| 1368 - [نفع العصافير وضررها] # وللعصافير طباهجات [1] وقلايا [2] تدعى العصافيرية، ولها حشاوي يطعمها ~~العوام المفلوج. والعوام تأكلها للقوة على الجماع. وعظام سوقها وأفخاذها ~~أحد وأذرب من الإبر. وهي مخوفة على المعدة والأمعاء. # وهي تخرب السقف تخريبا فاحشا. وتجتلب الحيات إلى منازل الناس؛ لحرص ~~الحيات على ابتلاع العصافير وفراخها وبيضها. ### ||| 1369- [عمر العصفور] # والذين زعموا أن ذكورتها لا تعيش إلا سنة، يحتاجون إلى ms0746 أن يعرفوا الناس ~~ذلك. وكيف يستطيعون تعريفهم؟! وقد تكون القرى بقرب المزارع والبيادر مملوءة ~~عصافير، ومملوءة من بيضها وفراخها، وهم مع ذلك لم يروا عصفورا قط ميتا. # والذين يزعمون أن الذباب لا يعيش أكثر من أربعين يوما، وكانوا لا يكادون ~~يرون ذبابة ميتة- أعذر، لأنهم ذهبوا إلى الحديث [3] . وأصحاب الحديث لا ~~يؤاخذون بما يؤاخذ به الفلاسفة. # والذين زعموا أن البغل إنما طال عمره لقلة السفاد، والعصفور إنما قصر ~~عمره لكثرة السفاد وغلمته [4]- لو قالوا بذلك على جهة الظن ~~والتقريب، لم يلمهم أحد من العلماء. والأمور المقربة غير الأمور الموجبة، ~~فينبغي أن يعرفوا فصل ما بين الموجب والمقرب، وفصل ما بين الدليل وشبه ~~الدليل ولعل طول عمر البغل يكون للذي قالوا، ولشيء آخر. # وليس ينبغي لنا أن نجزم على هذه العلة فقط، إلا بعد أن يحيط علمنا بأن ~~عمره لم يفضل على أعمار تلك الأجناس إلا لهذه العلة. PageV05P123 ### ||| 1370- [بعض خصال العصفور] # والعصفور لا يستقر ما كان خارجا من وكره، حتى كأنه في دوام الحركة وصبي. ~~له صوت حديد مؤذ. # وزعموا أن البلبل لا يستقر أبدا وهذا غلط، لأن البلبل إنما يقلق لأنه ~~محصور في قفص. والذين عاينوا البلابل والعصافير في أو كارها، وغير محصورة ~~في الأقفاص، يعلمون فضل العصفور على البلبل في الحركة. # فأما صدق الحس، وشدة الحذر، والإزكان [1] الذي ليس عند خبيث الطير [2] ، ~~ولا عند الغراب [3]- فإن عند العصفور منه ما ليس عند جميع ما ذكرنا، ~~لو اجتمعت قواهم، وركبوا في نصاب واحد. # من ذلك أنه يغم بحدة صوته بعض من يقرب منه، فيصيح به ويهوي بيديه إلى ~~الأرض كأنه يريد أن يرميه بحجر فلا يراه يحفل بذلك. فإن وقعت يده على حصاة ~~طار من قبل أن يتمكن من أخذها. ### ||| 1371- [علة العداوة بين الحمار وعصفور الشوك] # وزعم صاحب المنطق أن بين الحمار وعصفور الشوك عداوة. وقال: لأن الحمار ~~يدخل الشجر والشوك، فربما زاحم الموضع الذي فيه وكره فيبدد عشه. # وربما نهق الحمار فسقط فرخ العصفور أو بيضه من جوف ms0747 وكره. قال: ولذلك إذا ~~رآه العصفور رنق [4] فوق رأسه، وعلى عينيه، وآذاه بطيرانه وصياحه. # وربما كان العصفور أبلق [5] . ويصاب فيه الأصبغ [6] ، والجرادي [7] ، ~~والأسود، والفيقع [8] ، والأغبس [9] . فإذا أصابوه كذلك باعوه بالثمن ~~الكثير. PageV05P124 ### ||| 1372- [تأويل عبد الأعلى] # [1] وقال أبو بدر الأسيدي: قيل لعبد الأعلى القاص: لم سمي العصفور ~~عصفورا؟ # قال: لأنه عصى وفر. وقيل: ولم سمي الطفشيل [2] طفشيلا؟ قال: لأنه طفا ~~وشال. # وقيل له: لم سمي الكلب القلطي قلطيا؟ [3] قال: لأنه قل ولطئ. وقيل له: لم ~~سمي الكلب السلوقي سلوقيا؟ قال: لأنه يستل ويلقى. ### ||| 1373- [حديث في قتل العصفور] # قال [4] : وحدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن صهيب مولى ابن ~~عامر، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: «ما من إنسان يقتل عصفورا أو ما فوقها بغير حقها إلا سأله الله عنها» ~~. قيل: يا رسول الله: وما حقها؟ # قال: «أن تذبحها فتأكلها، ولا تقطع رأسها فترمي بها» . ### ||| 1374- [صياح العصافير ونحوها] # ويقال: قد صر العصفور يصر صريرا. قال: ويقال للعصافير والمكاكي [5] ~~والقنابر، والخرق [6] ، والحمر: قد صفر يصفر صفيرا. وقال طرفة بن العبد [7] ~~: [من الرجز] # يا لك من قبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شيت أن تنقري # ويقال: قد نطق العصفور. وقال كثير [8] : [من الطويل] # سوى ذكرة منها إذا الركب عرسوا ... وهبت عصافير الصريم النواطق [9] ~~PageV05P125 # ولذكر العصفور موضع آخر: وذلك أن العصافير تصيح مع الصبح. وقال كلثوم ابن ~~عمرو [1] : [من البسيط] # يا ليلة لي بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير # وقال خلف الأحمر [2] : [من المتقارب] # فلما أصاتت عصافيره ... ولاحت تباشير أرواقه [3] # غدا يقتري أنفا عازبا ... ويلتس ناضر أوراقه [4] # وقال الوليد بن يزيد [5] : [من مجزوء الوافر] # فلما أن دنا الصبح ... بأصوات العصافير ### ||| 1375- [أحلام العصافير] # ولها موضع آخر. وذلك أنهم يضربون المثل بأحلام العصافير لأحلام السخفاء ~~[6] . وقال دريد بن الصمة [7] : [من البسيط] # يا آل سفيان ما بالي وبالكم ... أنتم كثير وفي أحلام عصفور # وقال حسان بن ثابت [8] : [من البسيط] # لا بأس بالقوم من طول ms0748 ومن عظم ... جسم البغال وأحلام العصافير # ومن هذا الباب في معنى التصغير والتحقير، قول لبيد [9] : [من الطويل] # فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر PageV05P126 # والمسحر: المخدع، على قوله [1] : [من الوافر] # ونسحر بالطعام وبالشراب # وقال لبيد [2] : [من الوافر] # عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب [3] # فكأنه يخبر عن ضعف طباع الإنسان. # وقال قوم: المسحر، يعني كل ذي سحر، يذهب إلى الرئة؛ لقوله: [من الوافر] # ونسحر بالطعام وبالشراب ### ||| 1376- [قولهم: صريم سحر] # ولذكر السحر موضع آخر، يقول الرجل لصاحبه [4] : «صرمت سحري منك» ، أي لست ~~منك. وقال خفاف بن ندبة [5] : [من الوافر] # ولولا ابنا تماضر أن يساؤوا ... وأني منك غير صريم سحر # فكأنه قال: لست كذلك منك. # وقال قيس بن الخطيم [6] : [من الوافر] # تقول ظعينتي لما استقلت ... أتترك ما جمعت صريم سحر # أي قد تركته آيسا منه. PageV05P127 # وأنشد الآخر [1] : [من الوافر] # أيذهب ما جمعت صريم سحر ... ظليفا، إن ذا لهو العجيب [2] # كذبتم والذي رفع المعالي ... ولما يخضب الأسل الخضيب [3] ### ||| 1377- [العصفور والضب] # وإذا وصفوا شدة الحر، وصفوا كيف يوفي [4] الحرباء على العود والجذل [5] ، ~~وكيف تلجأ العصافير إلى جحرة الضباب [6] من شدة الحر. # وقال أبو زبيد [7] : [من الخفيف] # أي ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصابح الجوزاء [8] # واستكن العصفور كرها مع الض ... ب وأوفى في عوده الحرباء # ونفى الجندب الحصى بكراعي ... ه وأذكت نيرانها المعزاء [9] # من سموم كأنها لفح نار ... صقرتها الهجيرة الغراء [10] # وأنشدوا [11] : [من الطويل] # تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئ ... مع الضب والشقذان تسمو صدورها # قال: الشقذان [12] : الحرابي. قوله: «تسمو» أي ترتفع على رأس العود. ~~والواحد من الشقذان شقذان، بتحريك القاف وفتح الشين. PageV05P128 ### ||| 1378- [عصافير النعمان] # وأكرم فحل كان للعرب من الإبل كان يسمى عصفورا، وتسمى أولاده عصافير ~~النعمان [1] . # وكانوا يقولون: صنع به الملك كذا وكذا، وحباه بكذا وكذا، ووهب له مائة من ~~عصافيره. # وعصفور، وداعر، وشاغر، وذو الكبلين: فحولة إبل النعمان. # وعصافير الرحل [2] واحدها عصفور. ### ||| 1379- [عصفور القواس] # وعصفور القواس إليه تضاف القسي العصفورية [3] . وقد ذكره ابن يسير حين ~~دعا على حمام له ms0749 بالشواهين، والصقورة، والسنانير والبنادق، فقال [4] : [من ~~الكامل] # من كل أكلف بات يدجن ليله ... فغدا بغدوة ساغب ممطور [5] # ضرم يقلب طرفه متأنسا ... شيئا فكن له من التقدير [6] # يأتي لهن ميامنا ومياسرا ... صكا بكل مذلق مطرور [7] # لا ينج منه شريدهن، فإن نجا ... شيء فصار بجانبات الدور [8] # لمشمرين عن السواعد حسر ... عنها بكل رشيقة التوتير [9] # ليس الذي تشوي يداه رمية ... فيهم بمعتذر ولا معذور [10] # يتبوعون مع الشروق غدية ... في كل معطية الجذاب نتور [11] PageV05P129 # عطف السيات موانع في بذلها ... تعزى إذا نسبت إلى عصفور [1] # ينفثن عن جذب الأكف سواسيا ... متشابهات صغن بالتدوير [2] # تجري لها مهج النفوس وإنها ... لنواصل سلب من التحسير [3] # ما إن يني متباين متباعد ... في الجو يحسر طرف كل بصير [4] # عن سمتهن إذا قصدن لجمعه ... متقطرا متضمخا بعبير [5] # فيؤوب ناجيهن بين مجلهق ... دام، ومخلوب إلى منسور [6] # عاري الجناح من القوادم والقرا ... كاس عليه بصائر التامور [7] ### ||| 1380- [شعر في العصفور] # وقال أبو السري، وهو معدان الأعمى المديبري، وهو يذكر ظهور الإمام، ~~وأشراط خروجه، فقال: [من الخفيف] # في زمان تبيض فيه الخفافي ... ش وتسقى سلافة الجريال [8] # ويقيم العصفور سلما مع الأي ... م وتحمي الذئاب لحم السخال [9] # يقول: إذا ظهر الإمام فآية ذلك أن تبيض الخفافيش- وهي اليوم تلد- وتحل ~~لنا الخمر، وتسالم الحيات العصافير، والذئاب السخال. ### ||| 1381- [سجود عيسى بن عقبة] # ورووا في # طول سجود عيسى بن عقبة، # أنه كان يطيل ذلك حتى يظن العصفور PageV05P130 # أنه كالشيء الذي لا يخاف جانبه، وحتى يظن العصفور أنه سارية، فيسقط عليه. # وذكر عمر بن الفضل، عن الأعمش، عن يزيد بن حيان قال [1] : كان عيسى بن ~~عقبة إذا سجد وقعت العصافير على ظهره؛ من طول سجوده. # وكان محمد بن طلحة يسجد حتى إن العصافير ليسقطن على ظهره ما يحسبنه إلا ~~حائطا. ### ||| 1382- [الشيخ والعصفور] # وفي المثل: أن شيخا نصب للعصافير فخا، فارتبن به وبالفخ، وضربه البرد، ~~فكلما مشى إلى الفخ وقد انضم على عصفور، فقبض عليه ودق جناحه، وألقاه في ~~وعائه، دمعت عينه مما كان يصك وجهه من برد الشمال. قال: فتوامرت [2] ~~العصافير ms0750 بأمره وقلن: لا بأس عليكن، فإنه شيخ صالح رحيم رقيق الدمعة! قال: ~~فقال عصفور منها: لا تنظروا إلى دموع عينيه، ولكن انظروا إلى عمل يديه! ### ||| 1383- [استطراد] # ومن أمثال العامة للشيء تتعرفه بغير مؤونة: «الحجر مجان [3] ، والعصفور ~~مجان!» . # قال: ويقال عصفور وعصفورة. وأنشد قوله [4] : [من الطويل] # ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما [5] ### ||| 1384- [شعر فيما يصوره الفزع] # وقال في هذا المعنى جرير، وإن لم يكن ذكر العصفور، حيث يقول [6] : [من ~~الكامل] PageV05P131 # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تشد عليكم ورجالا # قال يونس: أخذ هذا المعنى من قول الله: يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو # [1] . # وقال الشاعر [2] : [من الطويل] # كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل [3] # يؤدى إليه أن كل ثنية ... تيممها ترمي إليه بقاتل [4] # وقال بشار في شبيه ذلك [5] : [من الوافر] # كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين لو نفع الحذار [6] # جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنه قصار # يروعه السرار بكل أمر ... مخافة أن يكون به السرار [7] # وقال عبيد بن أيوب [8] : [من الطويل] # لقد خفت حتى لو تطير حمامة ... لقلت عدو أو طليعة معشر # فإن قيل خير قلت هذا خديعة ... وإن قيل شر قلت حقا فشمر # وخفت خليلي ذا الصفاء ورابني ... وقلت: فلانا أو فلانة فاحذر PageV05P132 # وقال أبان اللاحقي [1] : [من الخفيف] # اخفض الصوت إن نطقت بليل ... والتفت بالنهار قبل الكلام ### ||| 1385- [أحاديث الغاضري] # ومن ملح أحاديث الأصمعي، قال: حدثني شيخ من أهل المدينة وكان عالي السن ~~قال: قال الغاضري: كانت هذه الأرض لقوم ابتدؤوها وشقوها، وكانت الثمرة إذا ~~أدركت قال قائلهم لقيمه: اثلم الحائط، ليصيب المار مما فيه والمعتفي [2] . ~~ثم يقول: أرسل إلى آل فلان بكذا وكذا، وإلى آل فلان بكذا وكذا. فإذا بيعت ~~الثمرة قال: أرسل إلى فلان بكذا وكذا ودينار، وإلى فلان بكذا وكذا. فيضج ~~[3] الوكيل. # فيقول: ما أنت وهذا؟! لا أم لك! فلما عمرت الأرضون وأغنت [4] أقطعها [5] ~~قوم سواهم، فإن أحدهم ليسد حائطه، ويصغر بابه، ثم يدلج [6] فيمر فيقول: ما ~~هذه الثلمة [7] ؟! ويستطيف ms0751 [8] من وراء الحائط، فهو أطول من معقل [9] أبي ~~كريز. # وإذا دخل حائطه دخل معه بقذافة، فإذا رأى العصفور على القنا [10] رماه، ~~فيقع العصفور مشويا على قرص [11] ، والقرص كالعصفور. ### ||| 1386-[العصافير الهبيرية] # وبحمص # العصافير الهبيرية، # وهي تطعم على رفوف. وتكون أسمن من السمانى، وأطيب من كل طير. وهي تهدى ~~إلى ملوكنا. وهي قليلة هناك. PageV05P133 ### ||| 1387- [شعر في نطق العصفور] # وقال الراعي [1] : [من البسيط] # ما زال يركب روقيه وكلكله ... حتى استثار سفاة دونها الثأد [2] # حتى إذا نطق العصفور وانكشفت ... عماية الليل عنه وهو معتمد [3] # وقال الراعي [4] : [من البسيط] # وأصفر مجدول من القد مارن ... يلاث بعينيها فيلوى ويطلق [5] # لدى ساعدي مهرية شدنية ... أنيخت قليلا والعصافير تنطق [6] ### ||| 1388- [صيد العصافير] # قال [7] : وتصاد العصافير بأهون حيلة. وذلك أنهم يعملون لها مصيدة، ~~ويجعلون لها سلة في صورة المحبرة التي يقال لها: اليهودية، المنكوسة ~~الأنبوبة؛ ثم ينزل في جوفها عصفور واحد، فتنقض عليه العصافير ويدخلن عليه، ~~وما دخل منها فإنه لا يجد سبيلا إلى الخروج منها. فيصيد الرجل منها في ~~اليوم الواحد المئين [8] وهو وادع، وهن أسرع إلى ذلك العصفور من الطير إلى ~~البوم إذا جعلن في المصائد. # ومتى أخذ رجل فراخ العصافير من أوكارها، فوضعها في قفص بحيث تراها الآباء ~~والأمهات، فإنها تأتيها بالطعم على الخطر الشديد، والخوف من الناس ~~والسنانير، مع شدة حذرها، ودقة حسها. ليس ذلك إلا لبرها بأولادها، وشدة ~~حبها لها. ### | باب في العقارب والفأر والسنانير ### || 1389- [القول في العقارب والفأر والسنانير] # نقول في العقارب والفأر والجرذان بما أمكن من القول. وإنما ذكرنا العقارب ~~PageV05P134 # مع ذكرنا للفأر، للعداوة التي بين الفأر والعقارب. كما رأينا أن نذكر ~~السنانير في باب ذكر الفأر، للعداوة التي بينهما. # فإن قلت: قد عرفنا عداوة الفأر للعقرب، فكيف تعادي الفأرة السنور، ~~والفأرة لا تقاوم السنور؟! قيل: لعمري إن جرذان أنطاكية لتساجل السنانير في ~~الحرب التي بينهما، وما يقوم لها ولا يقوى عليها إلا الواحد بعد الواحد. ~~وهي بخراسان قوية جدا، وربما قطعت أذن النائم [1] . # وفي الفأر ما إذا عض قتل. أخبرني أبو يونس ms0752 الشريطي أنه عاين ذلك. # وأنا رأيت سنورا عندنا ساور جرذا في بيت الحطب، فأفلت الجرذ منه وقد فقأ ~~عين السنور. ### || 1390- [قتال الحيوان] # والقتال يكون بين الديكة، وبين الكباش والكلاب والسمانى [2] والقبج [3] ، ~~وضروب مما يقبل التحريش، ويواثب عند الإغراء. ### || 1391- [قتال المقارب و الجرذان] # ويزعمون [4] أنهم لم يروا قتالا قط بين بهيمتين ولا سبعين أشد من قتال ~~يكون بين جرذين. فإذا ربط أحدهما بطرف خيط، وشد رجل الآخر بالطرف الآخر من ~~الخيط، فلهما عند ذلك من الخلب والخمش [5] والعض، والتنييب [6] والعفاس [7] ~~، ما لا يوجد بين شيئين من ذوات العقار والهراش. إلا أن ذلك ما داما في ~~الرباط، فإذا PageV05P135 # انحل أو انقطع ولى كل واحد منهما عن صاحبه، وهرب في الأرض، وأخذ في خلاف ~~جهته الآخر. ### || 1392- [قتال الجرذ] # وإن جعلا في إناء من قوارير، أعني الجرذ والعقرب، وإنما ذكرت القوارير، ~~لأنها لا تستر عن أعين الناس صنيعهما، ولا يستطيعان الخروج؛ لملاسة ~~الحيطان- فالفأرة عند ذلك تختل العقرب، فإن قبضت على إبرتها قرضتها [1] ، ~~وإن ضربها العقرب ضربا كثيرا فاستنفدت سمها كان ذلك من أسباب حتفها. # ودخلت مرة أنا وحمدان بن الصباح على عبيد بن الشونيزي فإذا عنده برنية ~~[2] زجاج، فيها عشرون عقربا وعشرون فأرة، فإذا هي تقتتل، فخيل لي أن تلك ~~الفأر قد اعتراها ورم من شدة وقع اللسع. ورأيت العقارب قد كلت عنها ~~وتاركتها، ولم أر إلا هذا المقدار الذي وصفت. # وحدثنا عنها عبيد بأعاجيب. ولو كان عبيد إسنادا [3] لخبرت عنه، ولكن موضع ~~البياض من هذا الكتاب خير من جميع ما كان لعبيد. ### || 1393- [تدبير الجرذ] # وللجرذ تدبير في الشيء يأكله أو يحسوه، فإنه ليأتي القارورة الضيقة ~~الرأس، فيحتال حتى يدخل طرف ذنبه في عنقها. فكلما ابتل بالدهن أخرجه فلطعه، ~~ثم أعاده، حتى لا يدع في القارورة شيئا. # ورأيت من الجرذان أعجوبة، وذلك أن الصيادة لما سقطت على جرذ منها ضخم، ~~اجتمعن لإخراجه وسل عنقه من الصيادة، فلما أعجزهن ذلك قرضن الموضع المنضم ~~عليه من جميع الجوانب، ليتسع الخرق فيجذبنه. فهجمت على نحاتة لو اعتمدت ms0753 ~~بسكين على ذلك الموضع لظننت أنه لم يكن يمكنني إلا شبيه بذلك. ### || 1394- [علة دفن السنور خرأه] # وزعم [4] بعض الأطباء أن السنور إنما يدفن خرأه ثم يعود إلى موضعه فيشتمه ~~PageV05P136 # فإن كان يجد من ريحه بعد شيئا زاد عليه من التراب، لأن الفأرة لطيفة ~~الحس، جيدة الشم، فإذا وجدت تلك الرائحة عرفتها فأمعنت في الهرب، فلذلك ~~يصنع السنور ما يصنع. ### || 1395- [فأرة سيل العرم] # [1] ولا يشك الناس [في] [2] أن أرض سبإ وجنتيها إنما خربتا حين دخلهما ~~سيل العرم- والعرم: المسناة- وأن الذي فجر المسناة، وسبب لدخول الماء ~~الفأرة. # والسيل إذا دخل أخرب بقدر قوته. وقوته من ثلاثة أوجه: إما أن تدفعه ريح ~~في مكان يفحش فيه الريح، وإما أن يكون وراءه وفوقه ماء كثير، وإما أن يصيب ~~حدورا عميقا. ### || 1396- [حديث ثمامة عن الفأر] # وأما حديث ثمامة فإنه قال: لم أر قط أعجب من قتال الفأر، كنت في الحبس ~~وحدي، وكان في البيت الذي أنا فيه جحر فأر، يقابله جحر آخر، فكان الجرذ ~~يخرج من أحد الجحرين فيرقص ويتوعد، ويضرب بذنبه، ثم يرفع صدره ويهز رأسه. ~~فلا يزال كذلك حتى يخرج الجرذ الذي يقابله، فيصنع كصنيعه. فبينما هما إذ ~~عدا أحدهما فدخل جحره، ثم صنع الآخر مثل ذلك. فلم يزل ذلك دأبهما في الوعيد ~~وفي الفرار، وفي التحاجز وفي ترك التلاقي. إلا أني في كل مرة أظن للذي يظهر ~~لي من جدهما واجتهادهما، وشدة توعدهما، أنهما سيلتقيان بشيء أهونه العض ~~والخمش، ولا والله إن التقيا قط؟ فعجبت من وعيد دائم لا إيقاع معه، ومن ~~فرار دائم لا ثبات معه، ومن هرب لا يمنع من العودة، ومن إقدام لا يوجب ~~الالتقاء. وكيف يتوعد صاحبه ويتوعده الآخر؟ وبأي شيء يتوعده، وهما يعلمان ~~أنهما لا يلتقيان أبدا؟ فإن كان قتالهما ليس هو إلا الصخب والتنييب [3] فلم ~~يفر كل واحد منهما حتى يدخل جحره؟ وإن كان غير ذلك فأي شيء يمنعهما من ~~الصدمة؟ وهذا أعجب. PageV05P137 ### || 1397- [أطول الحيوان ذماء وأقصره] # وتقول العرب [1] : «الضب أطول شيء ذماء» [2] . # ولا أعلم في الأرض ms0754 شيئا أقصر ذماء [2] ، ولا أضعف منة [3] ولا أجدر أن ~~يقتله اليسير من الفأر. ### || 1398- [لعب السنور بالفأر] # وبلغ من تحرزه واحتياطه، أنه يسكن السقوف، فربما فاجأه السنور وهو يريد ~~أن يعبر إلى بيته والسنور في الأرض والفأرة في السقف، ولو شاءت أن تدخل ~~بيتها لم يكن للسنور عليها سبيل، فتتحير، فيقول السنور بيده كالمشير ~~بيساره: ارجع. فإذا رجعت أشار بيمينه: أن عد فيعود. وإنما يطلب أن تعيا أو ~~تزلق أو يدار بها [4] . ولا يفعل ذلك بها ثلاث مرات، حتى تسقط إلى الأرض، ~~فيثب عليها. فإذا وثب عليها لعب بها ساعة ثم أكلها. وربما خلى سبيلها، ~~وأظهر التغافل عنها فتمعن في الهرب، فإذا ظنت أنها نجت وثب عليها وثبة ~~فأخذها. فلا يزال كذلك كالذي يحب أن يسخر من صاحبه، وأن يخدعه، وأن يأخذه ~~أقوى ما يكون طمعا في السلامة، وأن يورثه الحسرة والأسف، وأن يلذ بتنغيصه ~~وتعذيبه. # وقد يفعل مثل ذلك العقاب بالأرنب، ويفعل مثل ذلك السنور بالعقرب. ### || 1399- [أكل الجرذان واليرابيع والضباب والضفادع] # وقال أبو زيد [5] : دخلت على رؤبة هو يمل [6] جرذانا، فإذا نضجت أخرجها ~~من الجمر فأكلها، فقلت له: أتأكل الجرذان؟! قال: هي خير من اليرابيع ~~والضباب. # إنها عندكم تأكل التمر والجبن والسويق والخبز، وتحسو الزيت والسمن. # وقد كان ناس من أهل سيف البحر [7] من شق فارس يأكلون الفأر والضفادع، ~~PageV05P138 # ممقورة [1] ومملوحة، وكانوا يسمونها: جنك جنك [2] ووال وال [3] . # وقال أوس بن حجر [4] : [من الطويل] # لحينهم لحي العصا فطردنهم ... إلى سنة جرذانها لم تحلم [5] # يقال: تحلم الصبي: إذا بدأ في السمن؛ فإذا زاد على المقدار قيل قد ضبب، ~~أي سمن سمنا متناهيا. ### || 1400- [مثل وشعر في الجرذ] # ويقال [6] : «أسرق من زبابة» . والزبابة: الفأرة. ويقال [7] : «أسرق من ~~جرذ» . # وقال أنس بن أبي إياس لحارثة بن بدر حين ولي أرض سرق [8] : [من الطويل] # أحار بن بدر قد وليت ولاية ... فكن جرذا فيها تخون وتسرق # وباه تميما بالغنى إن للغنى ... لسانا به المرء الهيوبة ينطق # فإن جميع الناس إما مكذب ... يقول بما تهوى وإما مصدق # يقولون ms0755 أقوالا ولا يعلمونها ... وإن قيل هاتوا حققوا لم يحققوا # فلا تحقرن يا حار شيئا أصبته ... فحظك من ملك العراقين سرق # فلما بلغت حارثة بن بدر قال: لا يعمى عليك الرشد. ### || 1401- [طلب كثرة الجرذان] # قال [9] : ووقفت عجوز على قيس بن سعد، فقالت: أشكو إليك قلة الجرذان. ~~PageV05P139 # قال: ما ألطف ما سألت! لأملأن بيتك جرذانا. تذكر أن بيتها قفر من الأدم ~~والمأدوم، فأكثر لها يا غلام من ذلك. # قال [1] : وسمعت قاصا مدينيا يقول في دعائه: اللهم أكثر جرذاننا وأقل ~~صبياننا. ### || 1402- [فزع الناس من الفأر] # وبين الفأر وبين طباع كثير من الناس منافرة، حتى إن بعضهم لو وطئ على ~~ثعبان، أو رمي بثعبان- لكان الذي يدخله من المكروه والوحشة والفزع، أيسر ~~مما يدخله من الفأرة لو رمي بها، أو وطئ عليها. # وخبرني رجال من آل زائدة بن مقسم، أن سليمان الأزرق دعي لحية شنعاء قد ~~صارت في دارهم، فدخلت في جحر، وأنه اغتصبها نفسها حتى قبض على ما ألفى ~~منها، ثم أدارها على رأسه كما يصنع بالمخراق [2] ، وأهوى بها إلى الأرض ~~ليضربها بها، فابتدرت من حلقها فأرة كانت ازدردتها. فلما رأى الفأرة هرب ~~وصرخ صرخة. # قالوا: فأخذ مشايخنا الغلمان بإخراج الفأرة وتلك الحية الشنعاء إلى مجلس ~~الحي ليعجبوهم من إنسان قتل هذه وفر من هذه. ### || 1403- [علة نتن الحيات] # وسألت بعض الحوائين ممن يأكل الأفاعي فما دونها، فقلت: ما بال الحيات ~~منتنة الجلود والجروم [3] ؟ قال: أما الأفاعي فإنها ليست بمنتنة، لأنها لا ~~تأكل الفأر، وأما الحيات عامة فإنها تطلب الفأر طلبا شديدا. وربما رأيت ~~الحية وما يكون غلظها إلا مثل غلظ إبهام الكبير، ثم أجدها قد ابتلعت الجرذ ~~أغلظ من الذراع. فأنكر نتن الحيات إلا من هذا الوجه. ولم أر الذي قال قولا. ### || 1404- [رجز في الفأر] # ودخل أعرابي بعض الأمصار، فلقي من الجرذان جهدا، فرجز بها ودعا عليها، ~~فقال [4] : [من الرجز] PageV05P140 # يعجل الرحمن بالعقاب ... لعامرات البيت بالخراب # حتى يعجلن إلى الثياب ... كحل العين وقص الرقاب [1] # مستتبعات خلفة الأذناب ... مثل مداري الحصن السلاب [2] # ثم دعا عليهن ms0756 بالسنور فقال: # أهوى لهن أنمر الإهاب ... منهرت الشدق حديد الناب [3] # كأنما برثن بالحراب ### || 1405- [التشبيه بالجرذان] # وتوصف عضل الحفار والماتح [4] والذي يعمل في المعادن، فتشبه بالجرذان، ~~إذا تفلق لحمه عن صلابة، وصار زيما [5] . قال الراجز [6] : [من الرجز] # أعددت للورد، إذا الورد حفز ... غربا جرورا وجلالا خزخز [7] # وماتحا لا ينثني إذا احتجز ... كأن جوف جلده إذا احتفز [8] # في كل عضو جرذين أو خزز # والخزز: ذكر الأرانب واليرابيع. ### || 1406- [أنواع الفأر] # والزباب، والخلد، واليرابيع، والجرذان، كله فأر. ويقال لولد اليرابيع درص ~~وأدراص. والخلد أعمى، لا يزال كذلك. والزباب أصم، لا يزال كذلك. وأنشد [9] ~~: # [من مجزوء الكامل] PageV05P141 # وهم زباب حائر ... لا تسمع الآذان رعدا # هكذا أنشدونا. ### || 1407- [شعر وخبر في الفأر] # وأنشد الأصمعي لمزرد بن ضرار، في تشبيه الجرع في حلوق [1] الإبل بجثمان ~~[2] الزباب- وهو الشكل الذي وصفناه- فقال في وصف ضيف له سقاه، فوصف جرعه: # [من الطويل] # فقلت له اشرب لو وجدت بهازرا ... طوال الذرى من مفرهات خناجر [3] # ولكنما صادفت ذودا منيحة ... لمثلك يأتي للقرى غير عاذر [4] # فأهوى له الكفين وامتد حلقه ... بجرع كأثباج الزباب الزنابر [5] # وقال أعرابي وهو يطنز [6] بغريم له، ويذكر قرص الفأر الصكاك، عند فراره ~~منه: # «الزم الصك لا يقرضه الفأر!» تهزؤوا به [7] : [من البسيط] # أهون علي بسيار وصفوته ... إذا جعلت ضرارا دون سيار [8] # التابعي ناشرا عندي صحيفته ... في السوق بين قطين غير أبرار [9] # جاؤوا إلي غضابا يلغطون معا ... يشفي إراتهم أن غاب أنصاري [10] # لما أبوا جهرة إلا ملازمتي ... أجمعت مكرا بهم في غير إنكار PageV05P142 # وقلت: إني سيأتيني غدا جلبي ... وإن موعدكم دار ابن هبار # وما أواعدهم إلا لأربثهم ... عني فيخرجني نقضي وإمراري [1] # وما جلبت إليهم غير راحلة ... تخدي برحلي وسيف جفنه عاري [2] # إن القضاء سيأتي دونه زمن ... فاطو الصحيفة واحفظها من الفار # وصفقة لا يقال الربح تاجرها ... وقعت فيها وقوع الكلب في النار [3] ### || 1408- [تشبيه فم الإنسان بفم الفأرة] # والعرب تعيب الإنسان إذا كان ضيق الفم، أو كان دقيق الخطم، يشبهون ذلك ~~بفم الفأرة. وقال عبدة بن الطبيب [4] : [من البسيط] # ما مع أنك يوم ms0757 الورد ذو لغط ... ضخم الجزارة بالسلمين وكار [5] # تكفي الوليدة في البادي مؤتزرا ... فاحلب فإنك حلاب وصرار [6] # ما كنت أول ضب صاب تلعته ... غيث فأمرع واسترخت به الدار [7] # أنت الذي لا نرجي نيله أبدا ... جلد الندى، وغداة الروع خوار [8] # تدعو بنييك عبادا وحذيمة ... فا فأرة شجها في الجحر محفار [9] ### || 1409- [شعر أبي الشمقمق في الفأر والسنور] # وقال أبو الشمقمق [10] في الفأر والسنور: [من الخفيف] # ولقد قلت حين أقفر بيتي ... من جراب الدقيق والفخاره # ولقد كان آهلا غير قفر ... مخصبا خيره كثير العماره # فأرى الفأر قد تجنبن بيتي ... عائذات منه بدار الإماره PageV05P143 # ودعا بالرحيل ذبان بيتي ... بين مقصوصة إلى طياره # وأقام السنور في البيت حولا ... ما يرى في جوانب البيت فاره # ينغض الرأس منه من شدة الجو ... ع وعيش فيه أذى ومراره [1] # قلت لما رأيته ناكس الرأ ... س كئيبا، في الجوف منه حراره # ويك صبرا فأنت من خير سن ... ور رأته عيناي قط بحاره # قال: لا صبر لي، وكيف مقامي ... ببيوت قفر كجوف الحماره # قلت: سر راشدا إلى بيت جار ... مخصب رحله عظيم التجاره # وإذا العنكبوت تغزل في دني ... وحبي والكوز والقرقاره [2] # وأصاب الجحام كلبي فأضحى ... بين كلب وكلبة عياره [3] # وقال أيضا: [من الخفيف] # ولقد قلت حين أجحرني البر ... د كما تجحر الكلاب ثعاله [4] # في بييت من الغضارة قفر ... ليس فيه إلا النوى والنخاله [5] # عطلته الجرذان من قلة الخير ... وطار الذباب نحو زباله [6] # هاربات منه إلى كل خصب ... جيدة لم يرتجين منه بلاله [7] # وأقام السنور فيه بشر ... يسأل الله ذا العلا والجلاله # أن يرى فأرة، فلم ير شيئا ... ناكسا رأسه لطول الملاله # قلت لما رأيته ناكس الرأ ... س كئيبا يمشي على شر حاله # قلت صبرا يا ناز رأس السنا ... نير، وعللته بحسن مقاله [8] # قال: لا صبر لي، وكيف مقامي ... في قفار كمثل بيد تباله [9] PageV05P144 # لا أرى فيه فأرة أنغض الرأ ... س ومشيي في البيت مشي خياله [1] # قلت: سر راشدا فخار لك الله ... ولا تعد كربج البقاله [2] # فإذا ما سمعت أنا بخير ... في نعيم ms0758 من عيشة ومناله # فائتنا راشدا ولا تعدونا ... إن من جاز رحلنا في ضلاله # قال لي قولة، عليك سلام ... غير لعب منه ولا ببطاله [3] # ثم ولى كأنه شيخ سوء ... أخرجوه من محبس بكفاله # وقال أيضا [4] : [من مجزوء الرمل] # نزل الفأر ببيتي ... رفقة من بعد رفقه # حلقا بعد قطار ... نزلوا بالبيت صفقه # ابن عرس رأس بيتي ... صاعدا في رأس نبقه # سيفه سيف حديد ... شقه من ضلع سلقه [5] # جاءنا يطرق بالليل ... فدق الباب دقه # دخل البيت جهارا ... لم يدع في البيت فلقه [6] # وتترس برغيف ... وصفق نازويه صفقه [7] # صفقة أبصرت منها ... في سواد العين زرقه # زرقة مثل ابن عرس ... أغبش تعلوه بلقه [8] # وقال أيضا: [من مجزوء الرمل] # أخذ الفأر برجلي ... جفلوا منها خفافي [9] # وسراويلات سوء ... وتبابين ضعاف [10] PageV05P145 # درجوا حولي بزفن ... وبضرب بالدفاف [1] # قلت: ما هذا؟ فقالوا: ... أنت من أهل الزفاف # ساعة ثمت جازوا ... عن هواي في خلاف # نقروا استي وباتوا ... دون أهلي في لحافي # لعقوا استي وقالوا ... ريح مسك بسلاف [2] # صفعوا نازوية حتى ... استهلت بالرعاف [3] ### || 1410- [أحاديث في الفأرة والهرة] # يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال [4] : «خمس يورثن النسيان: أكل ~~التفاح، وسؤر الفأرة، والحجامة في النقرة، ونبذ القملة، والبول في الماء ~~الراكد» . # وابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال [5] : «إذا رقدت فأغلق بابك، وخمر إناءك، وأوك ~~سقاءك، وأطفئ مصباحك؛ فإن الشيطان لا يفتح غلقا ولا يكشف إناء، ولا يحل ~~وكاء، وإن الفأرة الفويسقة تحرق على أهل البيت» . # قالوا: في قول النبي صلى الله عليه وسلم في السنانير: «إنهن من الطوافات ~~عليكم» [6] ، وفي تفريقه بين سؤر السنور وسؤر الكلب- دليل على حبه ~~لاتخاذهن. وليس لاتخاذهن وجه إلا إفناء الفأر وقتل الجرذان. فكأن النبي صلى ~~الله عليه وسلم كما أحب استحياء السنانير، فقد أحب إهلاك الفأر. # وعن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [7] : «عذبت ~~امرأة في هرة سجنتها- ويقال: ربطتها- فلم تطعمها ولم تسقها، ولم ترسلها ~~تأكل من خشاش ms0759 الأرض» . PageV05P146 # وعن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال [1] : ~~«دخلت امرأة ممن كان قبلكم النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها، ولا هي ~~تركتها تصيب من خشاش الأرض [2] ، حتى ماتت فأدخلت النار، كلما أقبلت ~~نهشتها، وكلما أدبرت نهشتها» . # قال: وذكر النبي صلى الله عليه وسلم، صاحب المحجن يجر قصبه [3] في النار ~~حتى قال [4] : # «وحتى رأيت فيها صاحبة الهرة التي ربطتها، فلم تدعها تأكل من خشاش الأرض» ~~. ### || 1411- [وصف السنور بصفة الأسد] # قال ابن يسير في صفة السنور- فوصفه بصفة الأسد، إلا ما وصفه به من ~~التنمير، فإن السنور يوصف بصفة الأسد، إذا أرادوا به الصورة والأعضاء، ~~والوثوب والتخلع في المشي. ألا إن في السنانير السود والنمر والبلق [5] ، ~~والخلنجية [6] . وليس في ألوان الأسد من ذلك شيء، إلا كما ترون في النوادر: ~~من الفأرة البيضاء، والفاختة البيضاء، والورشان الأبيض، والفرس الأبيض- ~~فقال ابن يسير في دعائه على حمام ذلك الجار حين انتهى إلى ذكر السنور [7] : ~~[من الكامل] # وخبعثن في مشيه متبهنس ... خطف المؤخر كامل التصدير [8] # مما أعير مفر أغضف ضيغم ... عن كل أعصل كالسنان هصور [9] # متسربل ثوب الدجى أو غبشة ... شيبت على متنيه بالتنمير [10] PageV05P147 # يختص كل سليل سابق غاية ... محض النجار مهذب مخبور [1] ### || 1412- [فزع الناقة من الهر] # وإذا وصفوا الناقة بأنها رواع [2] شديدة التفزع، لفرط نشاطها ومرحها، ~~وصفوها بأن هرا قد نيب [3] في دفها. وأكثر ما يذكرون في ذلك الهر؛ لأنه ~~يجمع العض بالناب، والخمش بالمخالب. وليس كل سبع كذلك. # وقال ضابئ بن الحارث [4] : [من الطويل] # بأدماء حرجوج ترى تحت غرزها ... تهاويل هر أو تهاويل أخيلا [5] # وقد أوس بن حجر [6] : [من البسيط] # كأن هرا جنيبا تحت مغرضها ... والتف ديك برجليها وخنزير [7] # وقال عنترة [8] : [من الكامل] # وكأنما ينأى بجانب دفها ال ... وحشي من هزج العشي مؤوم [9] # هر جنيب كلما عطفت له ... غضبى اتقاها باليدين وبالفم [10] # والفيل يفزع من السنور فزعا شديدا. ### || 1413- [السنور في الهجاء] # ومما يقع في باب الهجاء، للسنور، قول عبد الله بن عمرو بن الوليد، في أم ~~سعيد بنت ms0760 خالد: [من الوافر] PageV05P148 # وما السنور في نفسي بأهل ... لغزلان الخمائل والبراق [1] # فطلقها فلست لها بأهل ... ولو أعطيت هندا في الصداق [2] ### || 1414- [الرجم بالسنانير] # قال صاحب الكلب: قالوا: ولما مات القصبي- وكان من موالي بني ربيعة بن ~~حنظلة، وهو عمرو القصبي، ومات بالبصرة- رجم بالسنانير الميتة. قال: وقد ~~صنعوا شبيها بذلك بخالد بن طليق، حين زعم أهله أن ذلك كان عن تدبير محمد بن ~~سليمان. # وقالوا: ولم نر الناس رموا أحدا بالكلاب الميتة. والكلاب أكثر من ~~السنانير حية وميتة. فليس ذلك إلا لأن السنانير أحقر عندهم وأنتن. ### || 1415- [استطراد لغوي] # قال: ويقال للجرذان العضلان. وأولاد الفأر أدراص، والواحد درص. وكذلك ~~أولاد اليرابيع. يقال: أدراص ودروص. وقال أوس بن حجر [3] : [من الطويل] # وود أبو ليلى طفيل بن مالك ... بمنعرج السوبان لو يتقصع [4] # قال: واليرابيع: ضرب من الفأر. قال: ويقال: نفق اليربوع ينفق تنفيقا: إذا ~~عمل النافقاء، وهي إحدى مجاحره، ومحافره. وهي النافقاء والقاصعاء، ~~والداماء، والراهطاء. وقال الشاعر [5] : [من الوافر] # فما أم الردين وإن أدلت ... بعالمة بأخلاق الكرام # إذا الشيطان قصع في قفاها ... تنفقناه بالحبل التؤام [6] PageV05P149 # فإذا طلب من إحدى هذه الحفائر نافق، أي فخرج النافقاء، وإن طلب من ~~النافقاء قصع. ويقال: أنفقته إنفاقا: إذا صاح به حتى يخرج. ونفق هو: إذا ~~خرج من النافقاء. ### || 1416- [احتيال اليرابيع] # وفي # احتيال اليرابيع # بالنافقاء، والقاصعاء، والدماء والراهطاء، وفي جمعها التراب على نفس باب ~~الجحر، وفي تقدمها بالحيلة والحراسة، وفي تغليطها لمن أرادها، والتورية ~~بشيء عن شيء، وفي معرفتها بباب الخديعة، وكيف توهم عدوها خلاف ما هي عليه، ~~ثم في وطئها على زمعاتها [1] ، في السهولة وفي الأرض اللينة، كي لا يعرف ~~أثرها الذي يقتصه [2] ، وفي استعمالها واستعمال بعض ما يقاربها في الحيلة ~~التوبير- والتوبير: الوطء على مآخير أكفها- العجب العجيب. ### || 1417- [أنفاق الزباء] # وزعم أبو عقيل بن درست، وشداد الحارثي، وحسين الزهري أن الزباء الرومية ~~إنما عملت تلك الأنفاق التي ذكرها الشاعر فقال [3] : [من الوافر] # أقام لها على الأنفاق عمرو ... ولم تشعر بأن لها كمينا # على تدبير اليرابيع في محافيرها هذه، ومخارجها التي أعدتها ms0761 ومداخلها، ~~وعلى قدر ما يفجؤها من الأمر. # وأن أهل تبت والروم، إنما استخرجوا الاحتيال بالأنفاق والمطامير والمخارق ~~على تدبير اليرابيع. ### || 1418- [اشتقاق المنافق] # وإنما سمى الله عز وجل الكافر في باطنه الموري بالإيمان، والمستتر بخلاف ~~ما يسر- بالمنافق، على النافقاء والقاصعاء، وعلى تدبير اليربوع في التورية ~~بشيء عن شيء. قال الشاعر [4] : [من الوافر] # إذا الشيطان قصع في قفاها ... تنفقناه بالحبل التؤام PageV05P150 # وهذا الاسم لم يكن في الجاهلية لمن عمل بهذا العمل. ولكن الله عز وجل ~~اشتق لهم هذا الاسم من هذا الأصل. ### || 1419- [كلمات إسلامية] # وقد علمنا أن قولهم لمن لم يحج: «صرورة» [1] ، ولمن أدرك الجاهلية ~~والإسلام: «مخضرم» [2] ، قولهم وتسميتهم لكتاب الله: «قرآنا» «فرقانا» ، ~~وتسميتهم للتمسح بالتراب: «التيمم» ، وتسميتهم للقاذف ب «فاسق» - أن ذلك لم ~~يكن في الجاهلية. # وإذا كان للنابغة أن يبتدئ الأسماء على الاشتقاق من أصل اللغة، كقوله [3] ~~: # [من البسيط] # والنؤي كالحوض بالمظلومة الجلد [4] # وحتى اجتمعت العرب على تصويبه، وعلى اتباع أثره، وعلى أنها لغة عربية- ~~فالله الذي له أصل اللغة أحق بذلك. ### || 1420- [شعر شماخ في الزموع] # وذكر شماخ بن ضرار الزموع [5] ، وكيف تطأ الأرنب على زمعاتها [5] لتغالط ~~الكلاب وجميع ما يطالبها- فذكر بديئا شأن العير والعانة، فقال [6] : [من ~~الوافر] # إذا ما استافهن ضربن منه ... مكان الرمح من أنف القدوع [7] PageV05P151 # وقد جعلت ضغائنهن تبدو ... بما قد كان نال بلا شفيع [1] # مدلات، يردن النأي منه ... وهن بعين مرتقب تبوع [2] # ثم أخذ في صفة العقاب، وصار إلى صفة الأرنب فقال: # كأن متونهن موليات ... عصي جناح طالبة لموع [3] # قليلا ما تريث إذا استفادت ... غريض اللحم عن ضرم جزوع [4] # ثم قال: # فما تنفك بين عويرضات ... تجر برأس عكرشة زموع [5] # تطارد سيد صارات، ويوما ... على خزان قارات الجموع [6] # تلوذ ثعالب الشرفين منها ... كما لاذ الغريم من التبيع [7] # نماها العز في قطن، نماها ... إلى فرخين في وكر رفيع [8] # ترى قطعا من الأحناش فيها ... جماجمهن كالخشل النزيع # والزموع: التي تمشي على زمعاتها: مآخير رجليها قال أبو المفضل: توبر ~~بيديها، وتمشي على زمعاتها على رجليها، وهي مواضع الثنن [9] من الدواب، ~~والزمع ms0762 المعلق خلف الظلف من الشاة والظبي والثور. PageV05P152 # قال: وكل ذلك توبير. وهو أن تطأ على مآخير قوائمها، كي لا يعرف أثرها ~~إنسان ولا كلب. # وذكر أنها تطارد ذئبا مرة، وخززا مرة، وهو الذكر من الأرانب؛ والعكرشة: # الأنثى، والخرنق: ولدها. فإذا قلت أرنب، أو عقاب فليس إلا التأنيث. هذه ~~العقاب، وهذه الأرانب، إلا أن تقول: خزز. # وقطن: جبل معروف. والأحناش: الحيات. وأحناش الأرض: الضب، والقنفذ، ~~واليربوع، وهي أيضا حشرات الأرض. فجعل الحية حنشا على قولهم: «قد آذتني ~~دواب رأسي» : يعنون القمل؛ وعلى قوله تعالى: ما دلهم على موته إلا دابة ~~الأرض تأكل منسأته # [1] . # قال أبو المفضل العنبري: ما أراد إلا الحيات بأعيانها في هذا الموضع، فإن ~~العقبان أسرع إلى أكل الحيات، من الحيات إلى أكل الفأر. ويدل على أنه إنما ~~أراد رؤوس الحيات بأعيانها، قوله [2] : [من الوافر] # ترى قطعا من الأحناش فيها ... جماجمهن كالخشل النزيع # لأن أرؤس الحيات سخيفة، قليلة اللحم والعظام. فلذلك شبهها بالخشل النزيع. ~~والخشل: المقل السخيف اليابس الخفيف. ### || 1421- [شعر فيه ذكر المقل والحتي] # قال خلف الأحمر [3] : [من الوافر] # سقى حجاجنا نوء الثريا ... على ما كان من مطل وبخل # هم جمعوا النعال فأحرزوها ... وسدوا دونها بابا بقفل # إذا أهديت فاكهة وشاة ... وعشر دجائج بعثوا بنعل # ومسواكين طولهما ذراع ... وعشر من ردي المقل خشل [4] PageV05P153 # فإن أهديت ذاك ليحملوني ... على نعل فدق الله رجلي [1] # أناس تائهون، لهم رواء [2] ... تغيم سماؤهم من غير وبل [3] # إذا انتسبوا ففرع من قريش ... ولكن الفعال فعال عكل [4] # والحتي، المقل على وجهه، وقال أبو ذؤيب [4] : [من البسيط] # لا در دري إن أطعمت نازلهم ... قرف الحتي وعندي البر مكنوز [5] ### | باب آخر مما للسنور فيه فضيلة على جميع أصناف الحيوان ما خلا الإنسان # وإذا قال القائل: فلان وضع كتابا في أصناف الحيوان- فليس يدخل فيها ~~الملائكة والجن. وعلى هذا كلام الناس. # وللحيوان موضع آخر، وهو قول الله عز وجل في كتابه: وإن الدار الآخرة لهي ~~الحيوان # [6] . # قد علمنا أن العجم من السباع والبهائم، كلما قربت من مشاكلة الناس كان ~~أشرف ms0763 لها والإنسان هو الفصيح وهو الناطق. ### || 1422- [إطلاق الناطق على الحيوان] # وقد يشتقون لسائر الحيوان الذي يصوت ويصيح، اسم الناطق إذا قرنوه في ~~PageV05P154 # الذكر إلى الصامت. ولهذا الفرق أعطوه هذه المشاكلة، وهذا الاشتقاق. فإذا ~~تهيأ من لسان بعضها من الحروف مقدار يفضل به على مقادير الأصناف الباقية، ~~كان أولى بهذا الاسم عندهم. فلما تهيأ للقطاة ثلاثة أحرف قاف. وطاء، وألف، ~~وكان ذلك هو صوتها، سموها بصوتها. ثم زعموا أنها صادقة في تسميتها نفسها ~~قطا. قال الكميت [1] : [من مجزوء الكامل] # كالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذخائر [2] # وقال الآخر وذكر القطاة [3] : [من الطويل] # وصادقة قد خبرت، ما بعثتها ... طروقا، وباقي الليل في الأرض مسدف [4] # فجعلها مخبرة، وجعل خبرها صدقا، حين زعمت أنها قطا؛ وإن كانت القطاة لم ~~ترم [5] ذلك. # والعرب تتوسع في كلامها. وبأي شيء تفاهم الناس فهو بيان، إلا أن بعضه ~~أحسن من بعض. # والذي تهيأ للشاة قولها: ما، ولذلك قال ذو الرمة [6] : [من البسيط] # لا يرفع الصوت إلا ما تخونه ... داع يناديه باسم الماء مبغوم [7] # وقال أبو عباد النميري لخربق العميري، وكان يتعشقه ورآه قد اشترى أضحية، ~~فقال: [من المجتث] # يا ذابح الماه ماه ... فعلت فعل الجفاه # أما رحمت من المو ... ت يا خريبق شاه # والصبيان هم الذين يسمون الشاة: ماه، كأنهم سموها بالذي سمعوه منها، حين ~~جهلوا اسمها. PageV05P155 # وقيل لصبي يلعب على بابهم [1] : من أبوك يا غلام؟ وكان اسم أبيه كلبا- ~~فقال: وو وو. # وزعم صاحب المنطق، أن كل طائر عريض اللسان، والإفصاح بحروف الكلام منه ~~أوجد. # ولابن آوى صياح يشبه صياح الصبيان. وكذلك الخنزير. وقد تهيأ للكلب مثل: ~~عف عف، ووو وو، وأشباه ذلك. وتهيأ للغراب القاف. وقد تهيأ للهزاردستان- وهو ~~العندليب- ألوان أخر، وقد تهيأ للببغاء من الحروف أكثر. فإذا صرت إلى ~~السنانير وجدتها قد تهيأ لها من الحروف العدد الكثير، ومتى أحببت أن تعرف ~~ذلك فتسمع تجاوب السنانير، وتوعد بعضها لبعض في جوف الليل، ثم أحص ما تسمعه ~~وتتبعه، وتوقف عنده، فإنك ترى من عدد الحروف ما لو كان لها ms0764 من الحاجات ~~والعقول والاستطاعات؛ ثم ألفتها لكانت لغة صالحة الموضع، متوسطة الحال. ### || 1423- [العلة في صعوبة بعض اللغات] # واللغات إنما تشتد وتعسر على المتكلم بها؛ على قدر جهله بأماكنها التي ~~وضعت فيها، وعلى قدر كثرة العدد وقلته، وعلى قدر مخارجها، وخفتها وسلسها، ~~وثقلها وتعقدها في أنفسها، كفرق ما بين الزنجي والخوزي فإن الرجل يتنخس [2] ~~في بيع الزنج وابتياعهم شهرا واحدا فيتكلم بعامة كلامهم، ويبايع الخوز، ~~ويجاورهم زمانا فلا يتعلق منهم بطائل. # والجملة: أن من أعون الأسباب على تعلم اللغة فرط الحاجة إلى ذلك. وعلى ~~قدر الضرورة إليها في المعاملة يكون البلوغ فيها، والتقصير عنها. ### || 1424- [مناسبة الهر للإنسان] # والسنور يناسب الإنسان في أمور [3] : منها أنه يعطس، ومنها أنه يتثاءب، ~~ومنها أنه يتمطى ويغسل وجهه وعينيه بلعابه، وتلطع الهرة وبر جلد ولدها بعد ~~الكبر، وفي الصغر، حتى يصير كأن الدهان تجري في جلده. PageV05P156 ### || 1425- [ما يتهيأ للغربان من الحروف] # ويتهيأ لبعض الغربان من الحروف والحكاية ما لا يعشره [1] الببغاء. ### || 1426- [نفع خرء الفأر] # وزعمت الأطباء أن خرء الفأر يسقاه صاحب الأسر فيطلق عن بوله. والأسر هو ~~حصر البول ولكن لا يسمى بذلك. وهو الأسر بالألف، دون الياء. # ويصيب الصبي الحصر فيحتمل من خرء الفأر فيطلق عنه. فقد تهيأ في خرء الفأر ~~دواءان لداءين قاتلين مجهزين. ولذلك قيل [2] لأعرابي قد اجتمعت فيه أوجاع ~~شداد: أي شيء تشتكي؟ قال: أما الذي يعمدني [3] فحصر وأسر. ### || 1427- [استطراد لغوي] # يقال: خثى الثور يخثي خثيا. وواحد الأخثاء خثي كما ترى. # ويقال: خزق الطائر، وذرق، ومزق، وزرق. # قال ابن الأعرابي: لا يكون النجو جعرا حتى يكون يابسا. # ويقال: ونم الذباب. واسم نجوه: الونيم. وقال الشاعر [4] : [من الوافر] # وقد ونم الذباب عليه حتى ... كأن ونيمه نقط المداد # وهو ونيم الذباب، وعرة الطائر، وصوم النعام، وروث الحمار، وبعر البعير ~~والشاة والظبي، وخثي البقر. # وقال الزبير: «من أهدى لنا مكتلا من عرة أهدينا له مكتلا من تمر» [5] . ~~PageV05P157 # قال: العرة اسم لجميع ما يكون من جميع الحيوان. ولذا قال الزبير ما قال. # قال: ويقال: رمصت الدجاجة، ms0765 وذرقت، وسلحت. فإذا صاروا إلى الإنسان والفأرة ~~قالوا: خرء الإنسان وخرء الفأرة. ويقال خروءة الفأرة أدخلوا الهاء فيه، كما ~~قالوا ذكورة للذكران. وقد يستعار ذلك لغير الإنسان والفأرة. قالت دختنوس ~~بنت لقيط بن زرارة، في يوم شعب جبلة [1] : [من مجزوء الكامل] # فرت بنو أسد خرو ... ء الطير عن أربابها [2] # فلذلك يقال لبني أسد: خروء الطير. وقيل لهم: عبيد العصا [3] ببيت قاله ~~صاحبهم بشر بن أبي خازم [4] ، قالها لأوس بن حارثة: [من الطويل] # عبيد العصا لم يتقوك بذمة ... سوى سيب سعدى إن سيبك واسع [5] ### || 1428- [ميسم الشعر] # فيجب على العاقل بعد أن يعرف ميسم الشعر مضرته، أن يتقي لسان أخس الشعراء ~~وأجهلهم شعرا بشطر ماله؛ بل بما أمكن من ذلك. فأما العربي أو المولى ~~الراوية، فلو خرج إلى الشعراء من جميع ملكه لما عنفته. # والذي لا يكثرث لوقع نبال الشعر، كما قال الباخرزي [6] : [من المنسرح] # ما لي أرى الناس يأخذون ويعطو ... ن ويستمتعون بالنشب [7] # وأنت مثل الحمار أبهم لا ... تشكو جراحات ألسن العرب PageV05P158 # ولأمر ما قال حذيفة لأخيه، والرماح شوارع في صدره: «إياك والكلام ~~المأثور» [1] . # وهذا مذهب فرعت [2] فيه العرب جميع الأمم. وهو مذهب جامع لأسباب الخير. ### || 1429- [استطراد لغوي] # قال: ويقال لموضع الغائط: الخلاء، والمذهب، والمخرج، والكنيف والحش، ~~والمرحاض، والمرفق. # وكل ذلك كناية واشتقاق، وهذا أيضا يدلك على شدة هربهم من الدناءة ~~والفسولة، والفحش والقذع. # قال: وعن اليزيدي: رجع الرجل، من الرجيع وخبرني أبو العاص عن يونس، قال: ~~ليس الرجيع إلا رجيع القول والسفر والجرة. قال الله تعالى: والسماء ذات ~~الرجع # [3] وقال الهذلي وهو المتنخل [4] : # [من السريع] # أبيض كالرجع رسوب إذا ... ما ثاخ في محتفل يختلي [5] # وفي الحديث [6] : «فلما قدمنا الشام وجدنا مرافقهم [7] قد استقبل بها ~~القبلة، فكنا ننحرف ونستغفر الله» . PageV05P159 ### || 1430- [شعر ابن عبدل في الفأرة والسنور] # وقال ابن عبدل في الفأرة والسنور: [من الخفيف] # يا أبا طلحة الجواد أغثني ... بسجال من سيبك المقسوم [1] # أحي نفسي فدتك نفسي فإني ... مفلس قد- علمت ذاك- عديم # أو تطوع لنا بسلف دقيق ... أجره إن فعلت ذاك عظيم ms0766 [2] # قد علمتم فلا تعامس عني ... ما قضى الله في طعام اليتيم [3] # أراد: لا تعامسوا. فاكتفى بالضمة من الواو. وأنشد [4] : [من الوافر] # فلو أن الأطبا كان حولي ... وكان مع الأطباء الأساة # ليس لي غير جرة وأصيص ... وكتاب منمنم كالوشوم [5] # وكساء أبيعه برغيف ... قد رقعنا خروقه بأديم [6] # وإكاف أعارنيه نشيط ... هو لحاف لكل ضيف كريم [7] # ونبيذ مما يبيع صهيب ... يذر الشيخ رمحه ما يقوم # رب حلا فقد ذكرت أصيصي ... ولحافي حتى يغور النجوم # كل بيت عليه نصف رعيف ... ذاك قسم عليهم معلوم # فر منه موليا فار بيتي ... ولقد كان ساكنا ما يريم # قلت: هذا صوم النصارى فحلوا ... لا تليحوا شيوخكم في السموم [8] # ضحك الفأر ثم قلن جميعا ... أهو الحق كل يوم تصوم # قلت: إن البراء قد قام في ال ... ناس بإذن وأنت فينا ذميم [9] # حملوا زادهم على خنفسات ... وقراد مخيس مزموم [10] PageV05P160 # وإذا ضفدع عليه إكاف ... علموه بعد النفار الرسيم [1] # خطموا أنفه بقطعة حبل ... يا لقومي لأنفه المخطوم # نصبوا منجنيقهم حول بيتي ... يا لقومي لبيتي المهدوم [2] # وإذا في الغباء سم بريص ... قائم فوق بيتنا بقدوم [3] # قلت: بيت الجرين مجمع صدق ... كان قدما لجمعكم معلوم [4] # قلن: لولا سنورتاه احتفرنا ... مسكنا تحت تمره المركوم [5] # إن تلاق سنورتاه فضاء ... تذرانا وجمعنا كالهزيم # عشش العنكبوت في قعر دني ... إن ذا من رزيتي لعظيم # ليتني قد غمرت دني حتى ... أبصر العنكبوت فيه يعوم # غرقا لا يغيثه الدهر إلا ... زبد فوق رأسه مركوم # مخرجا كفه ينادي ذبابا ... أن أغثني فإنني مظلوم # قال ذرني فلن أطيق دنوا ... من نبيذ يشمه المزكوم # وقال في الفأر والسنور: [من المنسرح] # قد قال سنورنا وأعهده ... قد كان عضبا مفوها لسنا [6] # الو أصبحت عندنا جنازتها ... لحنطت واشترى لها كفنا [7] # ثم جمعنا صحابتي وغدوا ... فيهم كريب يبكي وقام لنا # كل عجوز حلو شمائلها ... كانت لجرذان بيتنا شجنا [8] # من كل حدباء ذات خشخشة ... أو جرذ ذي شوارب أرنا [9] PageV05P161 # سقيا لسنوة فجعت بها ... كانت لميثاء حقبة سكنا [1] ### || 1431- [ضروب الفأر] # قال: والفأر ضروب: فمنها الجرذان والفأر المعروفان، وهما كالجواميس ms0767 ~~والبقر، وكالبخت والعراب. ومنها الزباب. ومنها الخلد. واليرابيع شكل من ~~الفأر، واسم ولد اليربوع درص، مثل ولد الفأر. # ومن الفأر فأرة المسك [2] ، وهي دويبة تكون في ناحية تبت، تصاد لنوافجها ~~وسررها [3] ، فإذا اصطادها صائد عصب سرتها بعصاب شديد، وسرتها مدلاة، ~~فيجتمع فيها دمها فإذا أحكم ذلك ذبحها. # وما أكثر من يأكلها- فإذا ماتت قور السرة التي كان عصبها له والفأرة حية، ~~ثم دفنها في الشعير حتى يستحيل ذلك الدم المحتقن هناك، الجامد بعد موتها، ~~مسكا ذكيا، بعد أن كان ذلك الدم لا يرام نتنا. # قال: وفي البيوت أيضا قد يوجد فأر مما يقال له: فأر المسك، وهي جرذان سود ~~ليس عندها إلا تلك الرائحة اللازمة له. # قال: وفي الجرذان جنس لها عبث بالعقود والشنوف [4] ، والدراهم والدنانير، ~~على شبيه بالذي عليه خلق العقعق [5] ؛ إلا أن هذه الجرذان تفرح بالدنانير ~~والدراهم، وبخشخاش الحلي. وذلك أنها تخرجها من جحورها في بعض الزمان، فتلعب ~~عليها وحواليها، ثم تنقلها واحدا واحدا، حتى تعيدها عن آخرها إلى موضعها. # فزعم الشرقي بن القطامي- وقد رووه عن شوكر أن رجلا [6] من أهل الشام اطلع ~~على جرذ يخرج من جحره دينارا دينارا، فلما رآه قد أخرج مالا صالحا استخفه ~~الحرص، فهم أن يأخذه، ثم أدركه الحزم، وفتح له الرزق المقسوم بابا من ~~الفطنة، PageV05P162 # فقال: الرأي أن أمسك عن أخذه ما دام يخرج، فإذا رأيته يدخل فعند أول ~~دينار يغيبه ويعيده إلى مكانه أثب عليه، فأجترف المال. # قال: ففعلت وعدت إلى موضعي الذي كنت أراه منه. فبينما هو يخرج إذ ترك ~~الإخراج، ثم جعل يرقص ويثب إلى الهواء، ويذهب يمنة ويسرة ساعة، ثم أخذ ~~دينارا فولى به، فأدخله الجحر، فلما رأيت ذلك قمت إلى الدنانير فأخذتها، ~~فلما عاد ليأخذ دينارا آخر فلم يجد الدنانير أقبل يثب في الهواء، ثم يضرب ~~بنفسه الأرض، حتى مات. # وهذا الحديث من أحاديث النساء وأشباه النساء. ### | باب آخر يدعونه للفأر # وهو الذي ينظر فيه أصحاب الفراسة في قرض الفأر، كما ينظر بعضهم في ~~الخيلان [1] ، وفي الأكتاف، وفي ms0768 أسرار الكف [2] . # ويزعمون [3] أن أبا جعفر المنصور نزل في بعض القرى، فقرض الفأر مسحا له ~~كان يجلس عليه، فبعث به ليرفأ [4] ، فقال لهم الرفاء: إن هنا أهل بيت ~~يعرفون بقرض الفأر ما ينال صاحب المتاع من خير أو شر، فلا عليكم أن تعرضوه ~~عليهم قبل أن تصلحوه. فبعث المنصور إلى شيخهم، فلما وقعت عينه على موضع ~~القرض وثب وقام قائما ثم قال: من صاحب هذا المسح؟ فقال المنصور: أنا. فقام ~~ثم قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته! والله لتلين ~~الخلافة أو أكون جاهلا أو كذابا! ذكر هذا الحديث عمر بن مجمع السكوني ~~الصريمي وقد قضى على بعض البلدان. PageV05P163 ### || 1432- [فأرة المسك] # وسألت [1] بعض العطارين من أصحابنا المعتزلة عن # فأرة المسك # فقال: ليس بالفأرة، وهو بالخشف أشبه. ثم قص علي شأن المسك وكيف يصطنع. ~~وقال، لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد تطيب بالمسك لما تطيبت به، ~~فأما الزباد [2] فليس مما يقرب ثيابي منه شيء. # قلت له: وكيف يرتضع الجدي من لبن خنزيرة فلا يحرم لحمه؟ قال: لأن ذلك ~~اللبن استحال لحما، وخرج من تلك الطبيعة، ومن تلك الصورة، ومن ذلك الاسم. # وكذلك لحوم الجلالة [3] . فالمسك غير الدم، والخل غير الخمر. والجوهر ليس ~~يحرم بعينه، وإنما يحرم للأعراض والعلل. فلا تقزز منه عند تذكرك الدم ~~الحقين؛ فإنه ليس به. وقد تتحول النار هواء، والهواء ماء، فيصير الشبه الذي ~~بين الماء والنار بعيدا جدا. ### || 1433- [بيت الفأر] # والجرذان لا تحفر بيوتها على قارعة طريق، وتجتنب الخفض؛ لمكان المطر، ~~وتجتنب الجواد [4] ؛ لأن الحوافر تهدم عليها بيوتها. فإذا أخرجها وقع حافر ~~فرس، مع هذا الصنيع، دل ذلك على شدة الجري والوقع. وقال امرؤ القيس [5] يصف ~~فرسه: # [من الطويل] # فللسوط ألهوب وللرجل درة ... وللزجر منه وقع أهوج منعب [6] PageV05P164 # فأدرك، لم يعرق مناط عذاره ... يدر كخذروف الوليد المثقب [1] # ترى الفأر في مستعكد الأرض لاجئا ... إلى جدد الصحراء من شد ملهب [2] # خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من سحاب مركب [3] # خفاهن: أظهرهن. وقرأ بعضهم: ms0769 إن الساعة آتية أكاد أخفيها # [4] ، بفتح الألف [5] ؛ أي أظهرها. وقال امرؤ القيس [6] : [من المتقارب] # فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # وقال أعرابي [7] : إن بني عامر جعلتني على حنديرة [8] أعينها، تريد أن ~~تختفي دمي [9] . ### || 1434- [استطراد لغوي] # وقال أبو عبيدة: أربعة أحرف تهمزها عقيل من بين جميع العرب، تقول [10] : # فأرة، ومؤسى، وجؤنة، وحؤت [11] . PageV05P165 # فأصناف ما يقع عليه اسم الفأرة: فأرة البيش، وفأرة البيت، وفأرة المسك، ~~وفأرة الإبل. وفي فأرة المسك يقول حميد الأرقط: [من الرجز] # ممطورة خالط منها النشر ... ذا أرج شقق عنه الفأر # وفي [الفأرة في اللغة] # قال الشاعر [1] : [من البسيط] # كأن فأرة مسك في مباءتها ... إذا بدا من ضياء الصبح تبشير [2] # وهذا شبيه بالذي قال الراعي [3]- وليس به-: [من الطويل] # تبيت بنات القفر عند لبانه ... بأحقف من أنقاء توضح هائل [4] # كأن القطار حركت في مبيته ... جدية مسك في معرس قافل [5] ### || 1435- [فأرة الإبل] ### ||| [الأصمعى وأبو مهدية] # قال الأصمعي: قلت لأبي مهدية: كيف تقول: لا طيب إلا المسك؟ قال: # فأين أنت من العنبر؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر. قال: فأين ~~البان؟! فقلت: لا طيب إلا المسك والعنبر والبان [6] . قال: فأين أنت عن ~~أدهان بحجر [7] ؟! قال: فقلت: لا طيب إلا المسك، والعنبر. والبان، وأدهان ~~بحجر. قال: فأين فأرة الإبل صادرة؟! قال الأصمعي: فأرة الإبل [8] . ~~PageV05P166 ### || 1436- [فأرة البيش والسمندل] # وفأرة البيش دويبة تغتذي السموم فلا تضرها. والبيش سم، وحكمه حكم الطائر ~~الذي يقال له: سمندل؛ فإنه يسقط في النار فلا يحترق ريشه ### || 1437- [ما لا يقبل الاحتراق] # ونبيت عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال: لو أخذ الطحلب فجفف في الظل، ثم ~~أسقط في النيران لم يحترق. # ولولا ما عاينوا من شأن الطلق والعود الذي يجاء به من كرمان [1] لاشتد ~~إنكارهم. # وزعم [2] ابن أبي حرب أن قسا راهن على أن الصليب الذي في عنقه من خشب، ~~أنه لا يحترق؛ لأنه من العود الذي كان صلب عليه المسيح، وأنه كان يفتن بذلك ~~ناسا من أهل النظر، حتى فطن له بعض المتكلمين، فأتاهم ms0770 بقطعة عود يكون ~~بكرمان [1] . فكان أبقى على النار من صليبه. ### || 1438- [مساوي السنانير] # قال صاحب الكلب: والسنور لص لئيم، وشره خؤون. فمن ذلك أن صاحب المنزل ~~يرمي إليه ببعض الطعم، فيحتمله احتمال المريب، واللص المغير، حتى يولج به ~~خلف حب أو راقود، أو عدل [3] أو حطب، ثم لا يأكله إلا وهو يتلفت يمينا ~~وشمالا، كالذي يخاف أن يسلب ما أعطي، أو يعثر على سرقته فيعاقب. ثم ليس في ~~الأرض خبثة إلا وهو يأكلها، مثل الخنافس والجعلان، وبنات وردان، والأوزاغ، ~~والحيات، والعقارب، والفأر، وكل نتن وكل خبثة، وكل مستقذر. # وهذه الأنعام تدخل الغيض، فتجتنب مواضع السموم بطبائعها، وتتخطاها ولا ~~تلتفت لفتها. وربما أشكل الشيء على البعير، فيمتحنه بالشمة الواحدة. فلا ~~تغلط الإبل إلا في البيش وحده. ولا تغلط الخيل إلا في الدفلى [4] وحده. ~~PageV05P167 # والسنانير تموت عن أكل الأوزاغ والحيات والعقارب، وما لا يحصى عدده من ~~هذه الحشرات، فهذا يدل على جهل بمصلحة المعاش، وعلى حس غليظ وشره شديد. ### || 1439- [هيج الحيوان] # قالوا: وكل أنثى من جميع الحيوان، ما خلا المرأة، فلا بد لها من هيج في ~~زمان معلوم، ثم لا يعرف ذلك منها وفيها إلا بالدلائل والآثار، أو ببعض ~~المعاينة. # وإناث السنانير، إذا هجن للسفاد، آذين بصياحهن أهل القبائل ليلا ونهارا، ~~بشيء ظاهر قاهر علي. لا يعتريهن فترة ولا ملالة ولا سآمة. فرب رجل حر شديد ~~الغيرة، وهو جالس مع نسائه وهن يترددن على مثل هذه الهيئة، ويصرخن في طلب ~~السفاد. فكم من حرة قد خجلت، وحر قد انتقضت طبيعته. # وليس لشيء من فحولتها [1] مثل ذلك. فكل جنس في العالم من الحيوان فذكورته ~~أظهر هيجا، إلا السنانير. # وليس لشيء من فحولة الأجناس مثل الذي للجمل من الإزباد، وهجران الرعي، ~~وترك الماء، حتى تنضم أياطله [2] ، ويتورم رأسه، ويكون كذلك الأيام ~~الكثيرة. وهو في ذلك الوقت لو حمل على ظهره- مع امتناعه شهرا من الطعام- ~~ثلاثة أضعاف حمله لحملها. ### || 1440- [المكي وإسماعيل بن غزوان] # ونظر المكي إلى جمل قد أزبد وتلغم، وطار على رأسه منه كشقق البرس [3] ، ~~وقد ms0771 زم بأنفه، وهو يهدر ويقبقب [4] ، لا يعقل شيئا إلا ما هو فيه، فقال ~~لإسماعيل بن غزوان: والله لوددت أن أهل البصرة رأوني يوما واحدا إلى الليل ~~على هذه الصفة، وأني خرجت من قليل مالي وكثيره! فقال له إسماعيل: وأي شيء ~~لك في ذلك؟ قال: # كنت والله لا أصبح حتى يوافي داري جميع نساء أهل البصرة، وجواريك فيهن ~~فلا PageV05P168 # أبدا إلا بهن! قال إسماعيل: إنك والله ما سبقتني إلا إلى القول، وأما ~~النية والأمنية فأنا والله أتمنى هذا منذ أنا صبي!. ### || 1441- [حال بعض الحيوان عند معاينة الأنثى] # وللحمار والفرس عند معاينة الحجر والأتان هيج وصياح، وقلق وطلب. # والجمل يقيم على تلك الصفة عاين أو لم يعاين، ثم يدنى من هذه الذكورة ~~إناثها فلا تسمح بالإمكان إلا بعد أن تسوى وتدارى. ### || 1442- [مقايسة بين السنور والكلب ] # قالوا: والسنانير إذا انتقل أربابها من دار إلى دار، كان وطنها أحب إليها ~~منهم، وإن أثبتت أعيانهم. فإن هم حولوها فأنكرت الدار لم تقم على معرفتهم، ~~فربما هربت من دارهم الحادثة ولم تعرف دارهم الأولى، فتبقى مترددة: إما ~~وحشية، وإما مأخوذة، وإما مقتولة. # والكلب يخلي الدار، ويذهب مع أهل الدار. والحمام في ذلك كالسنور. ### || 1443- [اختلاف أثمان السنور] # قال صاحب الكلب: السنور يسوى في صغره درهما، فإذا كبر لم يسو شيئا [1] . ~~وقال العمي [2] : [من الطويل] # فإنك فيما قد أتيت من الخنا ... سفاها، وما قد ردت فيه بإفراط # كسنور عبد الله، بيع بدرهم ... صغيرا فلما شب بيع بقيراط # وصاحب هذا الشعر، لو غبر مع امرئ القيس بن حجر، والنابغة الذبياني، وزهير ~~ابن أبي سلمى، ثم مع جرير والفرزدق، والراعي والأخطل، ثم مع بشار وابن ~~هرمة، وابن أبي عيينة، ويحيى بن نوفل وأبي يعقوب الأعور، ألف سنة- لما قال ~~بيتا واحدا مرضيا أبدا. # وقد يضاف هذا الشعر إلى بشار، وهو باطل. PageV05P169 ### || 1444- [حلاق الحيوان وبعض الأمم] # وزعم لي من لا أرد خبره، أن الحلاق قد يعرض للسنانير، كما يعرض للخنازير ~~والحمير. # وزعم لي بعض أهل النظر، أن الزنج أشبهوا الحمير في كل ms0772 شيء، حتى في ~~الحلاق؛ فإنه ليس على ظهرها زنجي إلا وهو حلقي. # وقد غلط. ليس عليها زنجي عليه مؤونة من أن يناك. وليس هذا تأويل الحلاق. ~~وتأويل الحلاق أن يكون هو الطالب. # والنبيذ يهتك ستر الحلقي، وينقض عزم المتجمل [1] . وهم يشربون النبيذ ~~أبدا. وسوء الاحتمال له، وسرعة السكر إليهم عام فيهم. # وعندنا منهم أمم. فلو كان هذا المعنى حقا لكان علمه ظاهرا. فخبرني صاحبنا ~~هذا [2] أن في منزل أبي يوسف يعقوب بن إسحاق الكندي هرين ذكرين عظيمين، ~~يكوم أحدهما الآخر، وذلك كثيرا ما يكون. وأن المنكوح لا يمانع الناكح، ولا ~~يلتمس منه مثل الذي يبذله له. ### || 1445- [أكل الهرة أولادها] # قالوا: والهرة تأكل أولادها. فكفاك بهذه الخصلة لؤما وشرها، وعقوقا وغلظ ~~قلب! وقال السيد الحميري- وذكر مسير عائشة، رضي الله تعالى عنها، إلى ~~البصرة مع طلحة والزبير، حين شهدت ما لم يشهدا، وأقدمت على ما نكصا عنه ~~[3]-: [من السريع] # جاءت مع الأشقين في هودج ... تزجي إلى البصرة أجنادها # كأنها في فعلها هرة ... تريد أن تأكل أولادها # ولبئس ما قال في أم المؤمنين وبنت الصديق! وقد كان قادرا على أن يوفر على ~~علي- رضي الله عنه- فضله، من غير أن يشتم الحواريين، وأمهات المؤمنين، ولو ~~PageV05P170 # أراد الحق لسار فيها وفي ذكرها سيرة علي بن أبي طالب. فلا هو جعل عليا ~~قدوة، ولا هو رعى للنبي صلى الله عليه وسلم حرمة. # وذكورة سنانير الجيران تأكل أولاد الهرة، ما دمن صغارا أو فوق الصغار ~~شيئا، وتقتلها وتطلبها أشد الطلب. والأمهات تحرسها منها وتقاتل دونها، مع ~~عجزها عن الذكورة. ### || 1446- [الألوان الأصلية في الحيوان] # قال أبو إسحاق: السنور الذي هو السنور، هو المنمر، وهو الأنمر، وهو الذي ~~يقال له: البقالي، وذلك لكثرة اتخاذ البقالين لها، من بين سائر السنانير، ~~لأنها أصيد للفأر. # قال: وجميع ألوان السنانير إنما هي كالشيات الداخلة على اللون. # قال: وكذلك الحمار، إنما هو الأخضر، والألوان الأخر داخلة عليه. # قال: فأما الأسد فليست بذات شيات، ولا تعدو لونا واحدا، ويكون ذلك اللون ~~متقاربا غير متفاوت. ms0773 ### || 1447- [أحوال إناث السنانير وذكورها] # قال: ومن فضيلة ما في السنانير، أنها تضع في السنة مرتين وكذلك الماعزة ~~في القرى، إلا ما داس الحب. # قال: ويحدث لإناث السنانير من القوة والشجاعة إذا كامها الفحل وهرب منها ~~عند الفراغ فلو لحقته قطعته. # ويحدث للذكر استخذاء، كما يحدث للذئب القوي إذا ناله الخدش اليسير، ويحدث ~~للضعيف من الجرأة عليه حتى يثب عليه فيأكله؛ فلا يمتنع منه. كما قال الشاعر ~~[1] : [من الطويل] # وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم # ويحدث مثل ذلك للجرذ إذا خصي، من الحرد على سائر الجرذان، حتى يثب ~~فيقطعها، وتهرب منه ضعفا عنه. PageV05P171 # وسائر الحيوان إنما يعتريه الضعف عن أمثاله إذا خصي وترك أمثاله على ~~حالها. ### || 1448- [قول زرادشت في الفأر والرد عليه] # ثم رجعنا إلى قول زرادشت في الفأر. # زعم زرادشت أن الفأرة من خلق الله. وأن السنور من خلق الشيطان. فقيل ~~للمجوس: ينبغي على أصل قولكم أن يكون الشيء الذي خلق الله خيرا كله ونفعا ~~كله، ومرفقا [1] كله، ويكون ما خلق الشيطان على خلاف ذلك. ونحن نجد عيانا ~~أن الذي قلتم به خطأ. رأينا الناس كلهم يرون أن الفأر بلاء ابتلوا به، فلم ~~يجدوا بدا من الاحتيال لصرف مضرته، كالداء النازل الذي يلتمس له الشفاء. ثم ~~وجدناهم قد أقاموا السنانير مقام التداوي والتعالج، وأقاموا الفأر مقام ~~الداء الذي أنزله الله، وأمر بالتداوي منه، فاجتلبوا لذلك السنانير وبنات ~~عرس، ثم نصبوا لها ألوان الصيادات، وصنعوا لها ألوان السموم والمعجونات ~~التي إذا أكلت منها ماتت. واستفرهوا [2] السنانير واختاروا الصيادات. # واجتبوا السنور دون ابن عرس، لأن ابن عرس يعمل في الفأر والطير كعمل ~~الذئب بالغنم، فأول ما يصنع بالفريسة أن يذبحها، ثم لا يأكلها إلا في ~~الفرط. # والسنور يقتل ثم يأكل. فالفار من السنور أشد فزعا، وهو الذي قوبل به ~~طباعها وطباعه. # وكما أن الذي يأكل الدجاج كثير، وأن الذي جعل بإزائه ابن آوى. وكما أن ~~الذي يأكل الغنم كثير، والذي جعل بإزائها الذئب. # والأسد أقوى منه على ms0774 النعجة، والنعجة من الذئب أشد فرقا [3] . # والحيات تطالب الفأر والجرذان، وهي من السنور أشد فزعا. # وإن كان في الجرذان ما يساوي السنور فإنها منه أشد فزعا. # فإن كنتم إنما جعلتموه من خلق الشيطان لأكله صنفا واحدا من خلق الله- ~~فالأصناف التي يأكلها من خلق الشيطان أكثر. PageV05P172 # وزعم زرادشت أن السنور لو بال في البحر، لقتل عشرة آلاف سمكة. # فإن كان إنما استبصر في ذمه في قتل السمك فالسمك أحق بأن يكون من خلق ~~الشيطان؛ لأن السمك يأكل بعضه بعضا، والذكر يتبع الأنثى في زمان طرح البيض، ~~فكلما قذفت به التهمه. وإن غرق إنسان في الماء، بحرا كان أو واديا، أو بعض ~~ذوات الأربع- فالسمك أسرع إلى أكله من الضباع والسنور إلى الجيف. # وعلى أن اعتلاله على السنور، وقوله: لو بال في البحر قتل عشرة آلاف سمكة. # فما يقول فيمن زعم أن الجرذ لو بال في البحر قتل مائة ألف سمكة؟ وبأي شيء ~~يبين منه؟ وهل ينبغي لمن كسر هذا القول الظاهر الكسر، المكشوف الموق [1] أن ~~يفرح؟! وهل تقر الجماعة والأمم بأن في الفأر شيئا من المرافق؟! وهل يمازج ~~مضرتها شيء من الخير وإن قل؟! أو ليست الفأر والجرذان هي التي تأكل كتب ~~الله تعالى، وكتب العلم، وكتب الحساب؛ وتقرض الثياب الثمينة، وتطلب سر نوى ~~[2] القطن، وتفسد بذلك اللحف والدواويج [3] والجباب، والأقبية والخفاتين ~~[4] ، وتحسو الأدهان، فإن عجزت أفواهها أخرجتها بأذنابها؟! أو ليست التي ~~تنقب السلال وتقرض الأوكية [5] وتأكل الجرب حتى يعلق المتاع في الهواء إذا ~~أمكن تعليقه؟!. # وتجلب إلى البيوت الحيات؛ للعداوة التي بينها وبين الحيات، ولحرص الحيات ~~على أكلها، فتكون سببا في اجتماعها في منازلهم، وإذا كثرن قتلن النفوس. # وقال ابن أبي العجوز: لولا مكان الفأر لما أقامت الحيات في بيوت الناس، ~~إلا ما لا بال به من الإقامة. # وتقتل الفسيل [6] والنخل، وتهلك العلف والزرع، وربما أهلكن القراح [7] ~~كله، وحملن شعير الكدس وبره. PageV05P173 # أو ليس معلوما من أخلاقها اجتذاب فتائل المصابيح رغبة في تلك الأدهان، ~~حتى ربما جذبتها جهلا وفي أطرافها الأخر ms0775 السرج تستوقد فتحرق بذلك القبائل ~~الكثيرة، بما فيها من الناس والأموال والحيوان؟!. # وهي بعد آكل للبيض وأصناف الفراخ من الحيات لها. # فكيف لم تكن من هذه الجهة من خلق الشيطان؟!. # هذا، وبين طباعها وطباع الإنسان منافرة شديدة، ووحشة مفرطة. وهي لا تأنس ~~بالناس وإن طالت معايشتها لهم والسنور آنس الخلق بهم. # وكيف تأنس بهم وهم لا يقلعون عن قتلها ما لم تقلع هي عن مساءتهم؟! فلو كن ~~مما يؤكل لكان في ذلك بعض المرفق [1] . فكيف وإنها لتلقى في الطريق ميتة، ~~فما يعرض لها الكلب الجائع! فالأمم كلها على التفادي منها واتخاذ السنانير ~~لها. # وزرادشت بهذا العقل دعا الناس إلى نكاح الأمهات، وإلى التوضؤ بالبول، ~~وإلى التوكيل في نيك المغيبات، وإلى إقامة سور للسنب [2] ، وصاحب الحائض ~~والنفساء [3] . ### || 1449- [علة نجاح زرادشت] # ولولا أنه صادف دهرا في غاية الفساد، وأمة في غاية البعد من الحرية ومن ~~الغيرة والألفة، ومن التقزز والتنظف، لما تم له هذا الأمر. # وقد زعم ناس أن ذلك إنما كان وإنما تم لأنه بدأ بالملك [4] ؛ فدعاه على ~~قدر ما عرف من طباعه وشهوته وخلقه. فكان الملك هو الذي حمل على ذلك رعيته. # والذي قال هذا القول ليس يعرف من الأمور إلا بقدر ما باين [5] به العامة؛ ~~لأنه لا يجوز أن يكون الملك حمل العامة على ذلك، إلا بعد أن يكون زرادشت ~~ألفى PageV05P174 # على ذلك الفساد أجناد الملك. ولم يكن الملك ليقوى على العامة بأجناده، ~~وبعشرة أضعاف أجناده، إلا أن يكون في العامة عالم من الناس، يكونون أعوانا ~~للأجناد على سائر الرعية. # وعلى أن الملوك ليس لها في مثل هذه الأمور علة تدعو إلى المخاطرة بملكها، ~~وإنما غاية الملوك كل شيء لا بد للملوك منه، فأما ما فضل عن ذلك فإنها لا ~~تخاطر بأصول الملك تطلب الفضول، إلا من كان ملكه في نصاب إمامة، وإمامته في ~~نصاب نبوة، فإنه يتبع كل شيء توجبه الشريعة، وإن كان ذلك سبيل الرأي؛ لأن ~~الذي شرع الشريعة أعلم بغيب تلك المصلحة. # وقد ينبغي أن يكون ms0776 ذلك الزمان كان أفسد زمان، وأولئك الأهل كانوا شر أهل. ~~ولذلك لم تر قط ذا دين تحول إلى المجوسية عن دينه. ولم يكن ذلك المذهب إلا ~~في شقهم وصقعهم [1] من فارس والجبال وخراسان. وهذه كلها فارسية. ### || 1450- [أثر البيئة في العقيدة] # فإن تعجبت من استسقاطي لعقل كسرى أبرويز وآبائه، وأحبائه وقرابينه وكتابه ~~وأطبائه، وحكمائه وأساورته- فإني أقول في ذلك قولا تعرف به أني ليس إلى ~~العصبية ذهبت. # اعلم أني لم أعن بذلك القول الذين ولدوا بعد على هذه المقالة، ونشؤوا على ~~هذه الديانة، وغذوا بهذه النحلة، وربوا جميعا على هذه الملة؛ فقد علمنا ~~جميعا أن عقول اليونانية فوق الديانة بالدهرية والاستبصار في عبادة البروج ~~والكواكب؛ وعقول الهند فوق الديانة بطاعة البد [2] ، وعبادة البددة [3] ، ~~وعقول العرب فوق الديانة بعبادة الأصنام والخشب المنجور، والحجر المنصوب، ~~والصخرة المنحوتة. # فداء المنشأ والتقليد، داء لا يحسن علاجه جالينوس ولا غيره من الأطباء. # وتعظيم الكبراء، وتقليد الأسلاف، وإلف دين الآباء، والأنس بما لا يعرفون ~~غيره، يحتاج إلى علاج شديد. والكلام في هذا يطول. # فإن آثرت أن تتعجب، حتى دعاك التعجب إلى ذكر أبرويز- فاذكر سادات قريش، ~~فإنهم فوق كسرى وآل كسرى. PageV05P175 ### || 1451- [دفاع صاحب السنور] # وقال المحتج للسنانير: قد قالوا: «أبر من هرة» [1] و «أعق من ضب» [2] ، ~~وهذا قول الذين عاينوها تأكل أولادها. وزعموا أن ذلك من شدة الحب لها. وقال ~~بعضهم: إنما يعتريها ذلك من جنون يعتريها عند الولادة، وجوع يذهب معه علمها ~~بفرق ما بين جرائها وجراء غيرها من الأجناس، ولأنها متى أشبعت أو أطعمت شطر ~~شبعها لم تعرض لأولادها. والرد على الأمم أمثالها عمل مسخوط. والعرب لا ~~تتعصب للسنور على الضب؛ فيتوهم عليها في ذلك خلاف الحق، وإنما هذا منكم على ~~جهة قولكم في السنور إذا نجث [3] لنجوه ثم ستره، ثم عاود ذلك المكان فشمه ~~فإذا وجد رائحة زاد عليه من التراب. فقلتم: ليس الكرم وستر القبيح أراد، ~~وإنما أراد تأنيس الفأر. فنحن لا ندع ظاهر صنيعه الذي لا حكم له إلا الجميل ~~لما يدعي مدع من ms0777 تصاريف الضمير. # وعلى أن الذي قلتموه إن كان حقا فالذي أعطيتموه من فضيلة التدبير أكثر ~~مما سلبتموه من فضيلة الحياء. ### || 1452- [العيون التي تسرج بالليل] # قال: والعيون التي تسرج بالليل: عيون الأسد، والأفاعي؛ والسنانير، ~~والنمور. # والأسد سجر [4] العيون. وعيون السنانير منها زرق، ومنها ذهبية، كعيون ~~أحرار الطير وعتاقها. وعيون الأفاعي بين الزرق والذهبية. وقال حسان بن ثابت ~~[5] : [من الطويل] # ثريد كأن السمن في حجراته ... نجوم الثريا أو عيون الضياون PageV05P176 # الضيون: السنور. ### || 1453- [تحقيق في الألوان] # وإذا قال الناس: ثوب أزرق فإنهم يذهبون إلى لون واحد. وإذا وصفوا بذلك ~~العين وقع على لونين؛ لأن البازي يسمى أزرق وكذلك العقاب، والزرق، وكل شيء ~~ذهبي العين. فإذا قالوا: سنور أزرق لم يدر، أذهبوا إلى ألوان الثياب أم إلى ~~ألوان عيون البزاة. # وقد قال صحار العبدي حين قال له معاوية: يا أزرق! قال: البازي أزرق. # وأنشد [1] : [من الطويل] # ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عتاق الطير شكل عيونها # والذهب قد يقال له أصفر، ويقال له أحمر. # وقال بعض بني مروان لبعض ولد متمم بن نويرة: يا أحمر! قال: الذهب أحمر. # فلذلك زعم أن عتاق الطير شكل عيونها. # وقال الأخطل [2] : [من الطويل] # وما زالت القتلى تمور دماؤهم ... بدجلة حتى ماء دجلة أشكل # فالشكلة عندهم تقع على الصفرة والحمرة إذا خالطا غيرهما. ### || 1454- [الزرق العيون من العرب] # فمن الزرق من الناس صحار العبدي، وعبد الرحمن ابنه، وداود بن متمم بن ~~نويرة، والعباس بن الوليد بن عبد الملك بن مروان، ومرون بن محمد بن مروان، ~~وسعيد بن قيس الهمداني، وزرقاء اليمامة. وهي عنز، من بنات لقمان بن عاديا. # ومن الزرق ممن كانوا يتشاءمون به: قيس بن زهير، وكان أزرق وكان بكرا وابن ~~بكرين [3] . PageV05P177 # وكانت البسوس زرقاء وبكرا بنت بكرين. ولها حديث لا أحقه. # وكانت الزباء زرقاء. والزرق العيون، من بني قيس بن ثعلبة، منهم المرقشان، ~~وغيرهما. ### || 1455- [الحمر الحماليق من العرب] # والحمر الحماليق [1] ، من بني شيبان. وكان النعمان أزرق، أقشر، أحمر ~~العينين، أحمر الحماليق. وفيه يقول أبو قردودة حين نهى ms0778 ابن عمار عن منادمته ~~[2] : # [من البسيط] # إني نهيت ابن عمار وقلت له ... لا تأمنن أحمر العينين والشعره # إن الملوك متى تنزل بساحتهم ... تطر بنارك من نيرانهم شرره # يا جفنة كإزاء الحوض قد هدموا ... ومنطقا مثل وشي اليمنة الحبره ### || 1456- [شعر في الزرق] # وقال عبد الله بن همام السلولي: [من البسيط] # ولا يكونن مال الله مأكلة ... لكل أزرق من همدان مكتحل # وقال آخر [3] : [من الطويل] # لقد زرقت عيناك يا ابن مكعبر ... كما كل ضبي من اللؤم أزرق # وفي باب آخر يقول زهير [4] : [من الطويل] # فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم [5] PageV05P178 ### || 1457- [معارف في حمرة العين] # وقال يونس: لم أر قرشيا قط أحمر عروق العينين إلا كان سيدا شجاعا. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان أشكل العينين ضليع الفم [1] . ### || 1458- [شعر في الدعاء على الفأر] # قال: ونزل أبو الرعل الجرمي بعض قرى أنطاكية فلقي من جرذانها شرا، فدعا ~~عليها بالسنانير فقال: [من البسيط] # يا رب شعث برى الإسآد أو جههم ... ومنزل الحكم في طه وحاميم [2] # أتح لشيخ ثوى بالشام مغتربا ... نائي النصير بعيد الدار مهموم # تكنفته قريبات الخطى دكن ... وقص الرقاب لطيفات الخراطيم [3] # حجن المخالب والأنياب شابكة ... غلب الرقاب رحيبات الحيازيم [4] # ثاروا لهن فما تنفك من قنص ... لكل ذيالة مقاء علجوم [5] # حتى أبيت وزادي غير منعكم ... على النزيل ولا كرزي بمعكوم [6] # وأنشدني ابن أبي كريمة، ليزيد بن ناجية السعدي: سعد بن بكر، وكان لقي من ~~الفأر جهدا، فدعا عليهن بالسنانير، فقال: [من الكامل] # أزهير ما لك لا يهمك ما بي ... أخزى إله محمد أصحابي # كحل العيون، صغيرة آذانها ... جنح الحنادس يعتورن جرابي [7] PageV05P179 # شم الأنوف لريح كل قفية ... يلحظن لحظ مروع مرتاب [1] # دكن الجباب تدرعت أبدانها ... صعل الرؤوس طويلة الأذناب [2] # شخت المخالب والأنايب والشوى ... ثجل الخصور رحيبة الأقراب [3] # أسقى الإله بلادهن سحائبا ... غر النشاص بعيدة الأطناب [4] # ترمي بغبس كالليوث تسربلت ... منها الجلود مدارع السنجاب [5] # غلب الرقاب لطيفة أعجازها ... فطح الجباه رهيفة الأنياب [6] # متبهنسات للطراد كأنها ... آساد بيشة أدمجت بخضاب [7] # ونحن نظن ms0779 أن هذه القصيدة من توليد ابن أبي كريمة. ### || 1459- [معارف في السنور ] # والسنور ثاقب البصر بالليل. وكذلك الفأرة سوداء العينين، وهي في ذلك ~~ثاقبة البصر. # والسنور ضعيف الهامة. وهامته من مقاتله. ولا يستطيع أن يذوق الطعام الحار ~~والحامض. ### || 1460- [مقارنة بين السنور والكلب] # قال: وللسنور فضيلة أخرى: أنه كثير الأسماء القائمة بأنفسها، غير ~~المشتقات. # ولا أنها تجمع الصفات والأعمال، بل هي أسماء قائمة. من ذلك: القط، والهر، ~~والضيون، والسنور. # وليس للكلب اسم سوى الكلب، ولا للديك اسم إلا الديك. PageV05P180 # وليس للأسد اسم إلا الأسد والليث، وأما الضيغم، والخنابس، والرئبال، ~~وغيرها- فليست بمقطوعة، والباقي ليست بأسماء مقطوعة؛ ولا تصلح في كل مكان. # وكذلك الخمر. فإذا قالوا: قهوة، ومدامة، وسلاف، وخندريس وأشباه ذلك، ~~فإنما تلك أسماء مشتركة. وكذلك السيف. وليس هذه الأسماء عند العامة كذلك. # قال: وعلى السنور من المحبة، ولا سيما من محبة النساء، ومعه من الإلف ~~والأنس والدنو، والمضاجعة والنوم في اللحاف الواحد- ما ليس مع الكلب، ولا ~~مع الحمام، ولا مع الدجاج، ولا مع شيء مما يعايش الناس. # هذا، ومنها الوحشي والأهلي فلولا قوة حبه للناس لما كان في هذا المعنى ~~أكثر من الكلاب، والكلاب كلها أهلية. # قالوا: وليس بعجيب أن يكون الكلب طيب الفم؛ لكثرة ريقه، ولبعد قرابته ~~ومشاكلته للأسد، وإنما العجب في طيب فم السنور، وكأنه في الشبه من أشبال ~~الأسد. # ومن يقبل أفواه السنانير وأجراءها من الخرائد [1] وربات الحجال، ~~والمخدرات، والمطهمات [2] ، والقينات [3] أكثر من أن يحصى لهن عدد، وكلهن ~~يخبرن عن أفواهها [4] بالطيب والسلامة مما عليه أفواه السباع، وأفواه ذوات ~~الجرة [5] من الأنعام. # وما رأينا وضيعة قط ولا رفيعة، قبلت فم كلب أو ديك. وما كان ذلك من حارس ~~قط، ولا من كلاب، ولا من مكلب [6] ، ولا من مهارش. # والسنور يخضب، وتصاغ له الشنوف [7] والأقرطة، ويتحف [8] ويدلل. # ومن رأى السنور كيف يختل العصفور، مع حذر العصفور، وسرعة طيرانه- ~~PageV05P181 # على أن جهته في الصيد جهة الفهد والأسد. ومن رآه كيف يرتفع بوثبته إلى ~~الجرادة في حال طيرانها- علم أنه أسرع من الجرادة. # وله ms0780 إهاب فضفاض، وقميص من جلده واسع، يموج فيه بدنه. وهو مما يضبع [1] ~~لسعة إبطيه، ولو شاء إنسان أن يعقد صلبه، ويثني أوله على آخره، كما يثنى ~~المخراق [2] ، وكما يثنى قضيب الخيزران لفعل. # ويوصف الفرس بأنه رهل اللبان [3] ، رحيب الإهاب، واسع الآباط. وعيب ~~الحمار للكزازة التي في يديه، وفي منكبيه، وانضمامهما إلى إبطيه، وضيق ~~جلده، وإنما يعدو بعنقه. ### || 1461- [التجارة في السنانير] # قالوا: وللسنور تجار وباعة، ودلالون، وناس يعرفون بذلك. ولها راضة [4] . # وقال السندي بن شاهك [5] : ما أعياني أحد من أهل الأسواق: من التجار، ومن ~~الباعة والصناع، كما أعياني أصحاب السنانير، يأخذون السنور الذي يأكل ~~الفراخ والحمام، ويواثب أقفاص الفواخت والوراشين والدباسي [6] والشفانين ~~[7] ، ويدخلونه في دن، ويشدون رأسه، ثم يدحرجونه على الأرض حتى يشغله ~~الدوار، ثم يدخلونه في قفص فيه الفراخ والحمام، فإذا رآه المشتري رأى شيئا ~~عجبا، وظن أنه قد ظفر بحاجته. فإذا مضى به إلى البيت مضى بشيطان، فيجمع ~~عليه بليتين إحداهما أكل طيوره وطيور الجيران، والثانية أنه إذا ضري عليها ~~لم يطلب سواها. # ومررت يوما وأنا أريد منزل المكي بالأساورة [8] وإذا امرأة قد تعلقت برجل ~~وهي تقول: بيني وبينك صاحب المسلحة [9] فإنك دللتني على سنور، وزعمت أنه ~~PageV05P182 # لا يقرب الفراخ، ولا يكشف القدور، ولا يدنو من الحيوان، وزعمت أنك أبصر ~~الناس بسنور، فأعطيتك على بصرك ودلالتك دانقا [1] ؛ فلما مضيت به إلى البيت ~~مضيت بشيطان قد والله أهلك الجيران بعد أن فرغ منا. ونحن منذ خمسة أيام ~~نحتال في أخذه، وها هو ذا قد جئتك به فرد علي دانقي [1] ، وخذ ثمنه من الذي ~~باعني. ولا والله إن تبصر من السنانير قليلا ولا كثيرا! قال الدلال: انظروا ~~بأي شيء تستقيلني [2] ؟! ولا والله إن في ناحيتنا فتى هو أبصر بسنور مني، ~~وذلك من من سيدي ومولاي! فقلت للدلال: ولا والله إن في هذه الناحية فتى هو ~~أشكر لله منك. ### || 1462- [أكل السنانير] # وناس يأكلون السنانير ويستطيبونها. وليس يأكل الكلب أحد إلا في الفرط ~~والعامة تزعم [3] أن من أكل السنور الأسود لم يعمل فيه ms0781 السحر. والكلب لا ~~يؤكل. ### || 1463- [أكل الديك] # والديك خبيث اللحم عضله، إلا أن يخصى. وتلك حيلة لأهل حمص وليست عندنا ~~فيه حيلة. وقال جحشويه: [من الخفيف] كيف صبري عن مثل جمجمة الهر تثنى ~~بمسبطر متين [4] # ليس يخفى عليك حين تراها ... أنها عدة لداء دفين ### || 1464- [سكينة التابوت] # قالوا [5] : وزعم بعض أهل الكتاب، وبعض أصحاب التفسير، أن السكينة التي ~~كانت في تابوت موسى كانت رأس هر [6] . PageV05P183 ### || 1465- [استطراد لغوي] # قالوا: وقلتم في الاشتقاق من اسم الكلب: كليب، وكلاب، ومكلبة، ومكالب، ~~وأصاب القوم كلبة الزمان، مثل هلبة، وهي الشدة. # والكلاب واحدها كلب، وتجمع على كلاب وأكلب وكليب، كما يجمع البخت بخيتا ~~وأبختا. # والكلاب بتثقيل اللام: صاحب الكلاب. والمكلب، بتثقيل اللام وضم الميم: # الذي يعلم الكلاب الصيد. وقال طفيل الغنوي [1] : [من الطويل] # تباري مراخيها الزجاج كأنها ... ضراء أحست نبأة من مكلب [2] # وقال الآخر [3] : [من الكامل] # خوص تراح إلى الصداح إذا غدت ... فعل الضراء تراح للكلاب [4] # والكلب: داء يقع في الإبل، فيقال كلبت الإبل تكلب كلبا، وأكلب القوم: إذا ~~وقع في إبلهم الكلب. ويقال كلب الكلب واستكلب: إذا ضري وتعود أكل الناس، ~~ويقال للرجل إذا عضه الكلب الكلب: قد كلب الرجل. # ويقال: إن الرجل الكلب يعض إنسانا آخر، فيأتون رجلا شريفا، فيقطر لهم من ~~دم إصبعه، فيسقون ذلك الكلب فيبرأ [5] . وقال الكميت [6] : [من البسيط] # أحلامكم لسقام الجهل شافية ... كما دماؤكم يشفى بها الكلب # قالوا: فقد يقولون للسنور هر، وللأنثى هرة. ويقال من ذلك هر الكلب يهر ~~PageV05P184 # هريرا، وتسمى المرأة بهرة، ويكنى الرجل أبا هر، وأبا هريرة. وقال الأعشى ~~[1] : [من البسيط] # ودع هريرة إن الركب مرتحل ... وهل تطيق وداعا أيها الرجل # وقال امرؤ القيس [2] : [من الكامل] # دار لهر والرباب وفرتنى ... ولميس قبل تفرق الأيام [3] # وقال ابن أحمر [4] : [من السريع] # إن امرأ القيس على عهده ... في إرث ما كان بناه حجر # بنت عليه الملك أطنابها ... كأس رنوناة وطرف طمر [5] # يلهو بهند فوق أنماطها ... وفرتنى تسعى عليه وهر [6] ### || 1466- [أطباء الهرة و حملها] # قال: وللهرة ثمانية أطباء: أربعة تقابل أربعة، أولهن ms0782 بين الإبط والصدر، ~~وآخرهن عند الرفغ. وتحمل خمسين يوما، وتضع جراها عميا. وليس بين تفقيحها ~~وتفقيح جراء الكلاب إلا اليسير. ### || 1467- [إيثار الهرة والديك] # والهرة من الخلق الذي يؤثر على نفسه، ولها فضيلة في ذلك على الديك الذي ~~له الفضيلة في ذلك على جميع الحيوان، إلا أن الديك لا يفعل ذلك بالدجاج إلا ~~مادام شابا. ولا يفعل ذلك بأولاده، ولا يعرفهم؛ وإنما يفعل ذلك بالدجاج على ~~غير الزواج، وعلى غير القصد إلى واحدة يقصد إليها بالهوى. # والهرة يلقى إليها الشيء الطيب وهي جائعة، فتدعو أولادها، وقد استغنين عن ~~اللبن، وأطقن الأكل والتقمم والتكسب، نعم حتى ربما فعلت ذلك بهن وهن في ~~PageV05P185 # العين شبيهات بها في العظم؛ فلا تزال ممسكة عن تلك الشحمة على جوعها، ومع ~~شره السنانير، حتى يقبل ولدها فيأكله. # ورجل من أصحابنا ائتمنوه على مال، فشد عليه فأخذه، فلما لامه بعض نصحائه ~~قال: يطرحون اللحم قدام السنور فإذا أكله ضربوه! فضرب شره السنور مثلا ~~لنفسه. # والهرة ربما رموا إليها بقطعة اللحم، فتقصد نحوها حتى تقف عليها، فإذا ~~أقبل ولدها تجافت عنها. وربما قبضت عليها بأسنانها فرمت بها إليه بعد شم ~~الرائحة، وذوق الطعم. ### || 1468- [نقل الهرة أولادها] # والهرة تنقل أولادها في المواضع، من الخوف عليها. ولا سبيل لها في حملها ~~إلا بفيها. وهي تعرف دقة أطراف أنيابها، وذرب أسنانها. فلها بتلك الأنياب ~~الحداد ضرب من القبض عليها، والعض لها، بمقدار تبلغ به الحاجة، ولا تؤثر ~~فيها ولا تؤذيها. ### || 1469- [مخالب الهرة والأسد] # فأما كفها والمخالب المعقفة الحداد التي فيها، فإنها مصونة في أكمامها. # فمتى وقعت كفها على وجه الأرض صارت في صون، ومتى أرادت استعمالها نشرتها ~~وافرة، غير مكلومة ولا مثلومة، كما وصف أبو زبيد كف الأسد فقال [1] : [من ~~الوافر] # بحجن كالمحاجن في قنوب ... يقيها قضة الأرض الدخيس ### || 1470- [أنياب الأفاعي] # كذلك مخالبها ومخالب الأسد، وأنياب الأفاعي. وقد قال الراجز، وهو جاهلي ~~[2] : [من الرجز] # حتى دنا من رأس نضناض أصم ... فخاضه بين الشراك والقدم [3] # بمذرب أخرجه من جوف كم [4] PageV05P186 ### || 1471- [زعم بعض المفسرين ms0783 والقصاص في خلق السنانير والخنازير] # وزعم بعض المفسرين أن السنور خلق من عطسة الأسد، وأن الخنزير خلق من سلحة ~~[1] الفيل؛ لأن أصحاب التفسير يزعمون أن أهل سفينة نوح لما تأذوا بكثرة ~~الفأر وشكوا إلى نوح ذلك سأل ربه الفرج، فأمره أن يأمر الأسد فيعطس. فلما ~~عطس خرج من منخريه زوج سنانير: ذكر وأنثى. خرج الذكر من المنخر الأيمن، ~~والأنثى من المنخر الأيسر. فكفياهم مؤونة الجرذان. ولما تأذوا بريح نجوهما ~~شكوا ذلك إلى نوح، وشكا ذلك إلى ربه. فأمره أن يأمر الفيل فليسلح. فسلح زوج ~~خنازير فكفياهم مؤونة رائحة النجو. # وهذا الحديث نافق عند العوام، وعند بعض القصاص. ### || 1472- [إنكار تخلق الحيوان من غير الحيوان، والرد عليه] # وقد أنكر ناس أن يكون الفأر تخلق في أرحام إناثها من أصلاب ذكورتها ومن ~~أرحام بعض الأرضين [2] كطينة القاطول [3] ؛ فإن أهلها زعموا [4] أنهم ربما ~~رأوا الفأرة لم يتم خلقها بعد، وإن عينيها لتبصان [5] ، ثم لا يريمون حتى ~~يتم خلقها وتشتد حركتها. # وقالوا: لا يجوز لشيء خلق من الحيوان أن يخلق من غير الحيوان. ولا يجوز ~~أن يكون شيء له في العالم أصل أن يؤلف الناس أشياء تستحيل إلى مثل هذا ~~الأصل. # فأنكروا من هذا الوجه تحويل الشبه [6] ذهبا، والزيبق فضة. # وقد علمنا أن للنوشاذر في العالم أصلا موجودا. وقد يصعدون [7] الشعر ~~ويدبرونه حتى يستحيل كحجر النوشاذر، ولا يغادر منه شيئا في عمل ولا بدن. ~~PageV05P187 # وقد يدبرون الرماد والقلي [1] فيستحيل حجارة سودا إذا عمل منها أرحاء [2] ~~كان لها في الريع [3] فضيلة. # قالوا [4] : وللمردارسنج [5] في العالم أصل قائم. والرصاص يدبر فيستحيل ~~مرداسنجا [5] . وللرصاص في العالم أصل قائم، فيدبرون المرداسنج [5] فيستحيل ~~رصاصا. # وللتوتياء [6] أصل قائم، فيدبرون أقليميا [7] النحاس فتستحيل توتياء. # وكذلك المينا [8] ، له أصل قائم، وقد عمله الناس. # وكذلك الحجارة السود للطحين وغير ذلك. # فأما قولهم: لا يجوز أن يكون شيء من الحيوان يخلق من ذكر وأنثى- فيجيء من ~~غير ذكر وأنثى- فقد قلنا في جميع ذلك في صدر كتابنا هذا بما أمكننا. ### || 1473- [معارف في الحيات والأفاعي] # وقال: الحيات كلها ms0784 تعوم [9] ، إلا الأفاعي، فإنها لا يعوم منها إلا ~~الجبليات. # قال: والحية إن رأت حية ميتة لم تأكلها، ولا تأكل الفأر ولا الجرذان ~~الميتة، ولا العصافير الميتة، مع حرص الحية عليها، ولا تأكل إلا لحم الشيء ~~الحي، إلا أن يدخل الحواء في حلوقها اللحم إدخالا. فأما من تلقاء نفسها فإن ~~وجدته، وهي جائعة لم تأكله. # فينبغي أن يكون صاحب المنطق إنما عنى بقوله: «أخبث ما تكون ذوات السموم ~~إذا أكل بعضها بعضا» الابتلاع دون كل شيء. وهم لا يعرفون ذلك في ~~PageV05P188 # الحيات إلا للأسود، فإنه ربما كان مع الأفاعي في جونة، فيجوع فيبتلعها. ~~وذلك إذا أخذها من قبل رؤوسها، وإن رام ذلك من جهة الرأس فعضته الأفعى ~~قتلته. # وزعموا أن الحية لا تصاعد في الحائط الأملس ولا في غير الأملس، فإنما ~~يقول ذلك أصحاب المخاريق [1] والذين يستخرجون الحيات بزعمهم من السقوف، ~~ويشمون أراييح أبدانها من أطراف القصب، إذا مسحوها في ترابيع البيوت. # قالوا: وقد تصعد الحيات في الدرج وأشباه الدرج؛ لتطلب بيوت العصافير، ~~والفأر، والخطاطيف، والزرازير، والخفافيش، وتتحامى في السقف. ### | القول في العقرب # (القول في العقرب) وسنذكر تمام القول في العقرب؛ إذ كنا قد ذكرنا من ~~شأنها شيئا في باب القول في الفأر. ### || 1474- [نفع العقرب] # ولما قيل ليحيى بن خالد، النازل في مربعة الأحنف- وزعموا أنهم لم يروا ~~رجلا لم يختلف إلى البيمارستانات [2] ولا رجلا مسلما ليس بنصراني ولا رجلا ~~لم ينصب نفسه للتكسب بالطب كان أطب منه- فلما قيل له: إن القيني قال [3] : ~~«أنا مثل العقرب أضر ولا أنفع» قال: ما أقل علمه بالله عز وجل؛ لعمري إنها ~~لتنفع إذا شق بطنها ثم شد على موضع اللسعة، فإنها حينئذ تنفع منفعة بينة! ~~والعقرب تجعل في جوف فخار مشدود الرأس مطين الجوانب، ثم يوضع الفخار في ~~تنور، فإذا صارت العقرب رمادا سقي من ذلك الرماد من به الحصاة مقدار نصف ~~دانق [4] . PageV05P189 # وقال حنين: وقد يسقى منه الدانق وأكثر، فيفتت الحصاة من غير أن يضر بشيء ~~من الأعضاء والأخلاط. وخير الدواء ما قصد إلى ms0785 العضو السقيم، وسلمت عليه ~~الأعضاء الصحيحة. # وقال يحيى: وقد تلسع أصحاب ضروب من الحميات العقارب فيفيقون، وتلسع ~~الأفاعي فتموت، ومنها ما يلسع بعضها بعضا فيموت الملسوع، فهي من هذا الوجه ~~تكفي الناس مؤونة عظيمة. # وتلقى العقرب في الدهن وتترك فيه، حتى يأخذ الدهن منها ويمتص ويجتذب ~~قواها كلها بعد الموت، فيكون ذلك الدهن يفرق الأورام الغلاط. وقد عرف ذلك ~~حنين. ### || 1475- [بعض أعاجيب العقرب] # ومن أعاجيبها أنها لا تسبح، ولا تتحرك إذا ألقيت في الماء كيف كان الماء: # ساكنا أو جاريا [1] . # والعقرب تطلب الإنسان وتقصد نحوه، فإذا قصد نحوها فرت وهربت وتقصد أيضا ~~نحو الإنسان، فإذا ضربته هربت، هرب من قد أساء، وتعلم أنها مطلوبة. # والزنابير تطالب من تعرض لها وتقصد لعينه، ولا تكاد تعرض للكاف عنها. ### || 1476- [ فصل ما بين المودة والمسالمة في الحيوان] # وبين العقارب وبين الخنافس مودة. والمودة غير المسالمة. # والمسالمة: أن يكون كل واحد من الجنسين لا يعرض للآخر بخير ولا شر، بعد ~~أن يكون كل واحد منهما مقربا لصاحبه. # والعداوة أن يعرض كل واحد منهما لصاحبه بالشر والأذى والقتل، ليس من جهة ~~أن أحدهما طعام لصاحبه. # والأسد ليس يثب على الإنسان والحمار والبقرة والشاة من جهة العداوة، ~~وإنما يثب عليه من طريق طلب المطعم. ولو مر به وهو غير جائع لم يعرض له ~~الأسد. PageV05P190 # والنمر على غير ذلك. ولكن قد يقال: إن بين الببر [1] والأسد مسالمة. # والمودة: كما يكون بين العقارب والخنافس، فإن بعضها يتألف بعضا، وليست ~~تلك بمسالمة، وكما بين الحيات والوزغ، فإنها تساقى السم وتزاق، وكما بين ~~ضروب من العقارب وأسود سالخ [2] . # والأسود ربما جاع في جونة الحواء فأكل الأفعى وربما عضته الأفعى فقتلته. ### || 1477- [علاقة الرائحة بالطعم] # وريح العقارب إذا شويت مثل ريح الجراد. # وما زلت أظن أن الطعم أبدا يتبع الرائحة، حتى حقق ذلك عندي بعض من يأكلها ~~مشوية ونية، أنه ليس بينها وبين الجراد الأعرابي السمين فرق. ### || 1478- [رؤية الخرق الذي في إبرة العقرب] # وزعم لي بختيشوع بن جبريل، أنه عاين الخرق الذي في ms0786 إبرة العقرب. وإن كان ~~صادقا كما قال، فما في الأرض أحد بصرا منه. وإنه لبعيد، وما هو بمستنكر. ### || 1479- [من أعاجيب العقرب] # وفي العقارب أعجوبة أخرى؛ لأنه يقال: إنها مائية الطباع، وإنها من ذوات ~~الذرو [3] والإنسال وكثرة الولد، كما يعتري ذلك السمك والضب والخنزيرة، في ~~كثرة الخنانيص [4] . ### || 1480- [موت العقرب بعد الولادة] # قال [5] : ومع ذلك إن حتفها في أولادها، وإن أولادها إذا بلغن وحان وقت ~~الولادة، أكلن جلد بطنها من داخل، حتى إذا خرقنه خرجن منه وماتت الأم. ~~PageV05P191 # وقد يطأ الإنسان على العقرب وهي ميتة، فتغترز إبرتها في رجله، فيلقى ~~الجهد الجاهد؛ وربما أمرضت، وربما قتلت. # قال: وفي أشعار اللغز قيل في أكل أولاد العقرب بطن الأم، وأن عطبها في ~~أولادها [1] : [من الطويل] # وحاملة لا يكمل الدهر حملها ... تموت ويبقى حملها حين تعطب # وليس هذا شيئا. ### || 1481- [ولادة العقرب من فيها] # خبرني من أثق بعقله، وأسكن إلى خبره، أنه أرى العقرب عيانا وأولادها ~~يخرجن من فيها، وذكر عددا كثيرا، وأنها صغار بيض على ظهورها نقط سود، وأنها ~~تحمل أولادها على ظهرها، وأنه عاين ذلك مرة أخرى. فقلت: إن كانت العقرب تلد ~~من فيها فأخلق بها أن يكون تلاقحها من حيث تلد أولادها!. ### || 1482- [العقارب القاتلة] # والعقارب القاتلة تكون في موضعين [2] : بشهرزور. وقرى الأهواز، إلا أن ~~القواتل التي بالأهواز جرارات [3] . ولم نذكر عقارب نصيبين، لأن أصلها- ~~فيما لا يشكون فيه- من شهرزور حين حوصر أهلها ورموا بالمجانيق [4] ، ~~وبكيزان محشوة من عقارب شهرزور، حتى توالدت هناك، فأعطى القوم بأيديهم. ### || 1483- [لغز في العقرب] # ومن اللغز فيها في غير هذا الجنس: [من الطويل] # وما بكرة مضبورة مقمطرة ... مسرة كبر أن تنال فتمرضا [5] # بأشوس منها حين جاءت مدلة ... لتقتل نفسا أو تصيب فتمرضا [6] # فلما دنا نادى أوابا بنعم غيرها ... ديرا إذا نال الغريفة أو قضا ~~PageV05P192 ### || 1484- [استخراج العقارب بالجراد والكراث] # قال [1] : والعقارب تستخرج من بيوتها بالجراد: تشد الجرادة في طرف عود، ~~ثم تدخل الجحر، فإذا عاينتها تعلقت بها، فإذا أخرج العود خرجت العقرب وهي ~~متعلقة بالجرادة. # فأما إبراهيم بن هانىء فأخبرني أنه ms0787 كان يدخل في جحرها خوط [2] كراث، فلا ~~يبقى منها عقرب إلا تبعته. ### || 1485- [ألسنة الحيات والأفاعي] # ألسنة الحيات كلها سود. وألسنة الأفاعي حمر، إلا أنها مشقوقة. ### || 1486- [جرارات الأهواز] # وسنذكر عقارب الشتاء وعقيرب الحر. وكل شيء من هذا الباب، ولكنا نبدأ بذكر ~~جرارات الأهواز. # ذكروا أن أقتلها عقارب عسكر مكرم، وأنها متى ضربت رجلا فظن أن تلك العضة ~~عضة نملة، أو وخزة شوكة، فنال من اللحم تضاعف ما به. # وربما باتت مع الرجل في إزاره فلم تضربه. # وهي لا تدب على كل شيء له غفر [3] ، ولا تدب على المسوح [4] ، وما أكثر ~~ما تأوي في أصول الآجر الذي قد أخرج من الأتاتين [5] ونضد في الأنابير [6] ~~. # وكان أهل العسكر يرون [7] أن من أصلح ما يعالج به موضع اللسعة أن يحجم، ~~وكان الحجام لا يرضى إلا بدنانير ودنانير، لأن ثناياه ربما نصلت، وجلد وجهه ~~ربما PageV05P193 # تبطط [1] من السم الذي يرتفع إلى فيه، بمصته وجذبته من أذناب المحاجم [2] ~~. حتى عمدوا بعد ذلك إلى شيء من قطن، فحشوا به تلك الأنبوبة، فإذا جذب ~~بمصته فارتفع إليه من بخار الدم أجزاء من ذلك السم، تعلقت بالقطن، ولم تنفذ ~~إلى فيه. والقطن ليس مما يدفع قوة المص. ثم وقعوا بعد ذلك على حشيشة فوجدوا ~~فيها الشفاء! ### || 1487- [من أعاجيب العقرب] # ومن أعاجيب ما في العقرب أنا وجدنا عقارب القاطول يموت بعضها عن لسع بعض، ~~ثم لا يموت عن لسعها شيء غير العقارب [3] . # ونجد العقرب تلسع إنسانا فيموت الإنسان، وتسلع آخر فتموت هي. فدل ذلك على ~~أنها كما تعطي تأخذ، وأن للناس أيضا سموما عجيبة. ولذلك صار بعضهم إذا عض ~~قتل. # ومن أعاجيبها أنها تضرب الطست [4] أو القمقم [5] فتخرقه. وربما ضربته ~~فتثبت فيه إبرتها ثم تنصل حتى تبين منها. ### || 1488- [العنبر وأثره في الطيور والبال] # والعنبر يقذفه البحر إلى عبريه [6] ، فلا يأكل منه شيء إلا مات، ولا ~~ينقره طائر بمنقار إلا نصل فيه منقاره. فإذا وضع رجليه نصلت [7] أظفاره. ~~فإن كان قد أكل منه قتله ما أكل. وإن لم يكن أكل فإنه ms0788 ميت لا محالة، لأنه ~~إذا بقي بغير منقار، ولم يكن للطائر شيء يأكل به مات. # والبحريون والعطارون يخبروننا أنهم ربما وجدوا فيه المنقار والظفر. وإن ~~البال [8] ليأكل منه اليسير فيموت. PageV05P194 # والبال: سمكة ربما كان طولها أكثر من خمسين ذراعا. ### || 1489- [أعاجيب لسع العقرب] # ومن أعاجيب العقارب أنها تلسع الأفعى فتموت الأفعى ولا تموت هي، وتلسع ~~بعض الناس، فتموت هي، ولا ينال الملسوع منها من المكروه قليل ولا كثير. ~~ويزعم العوام أن ذلك إنما يكون لمن لسعت أمه عقرب وهو حمل في بطنها. # وقد لسعت عقرب رجلا مفلوجا، فذهب عنه الفالج [1] . وقصة هذا المفلوج ~~معروفة، وقد عرفها صليبا وغيره من الأطباء. # ومن العقارب طيارات وجرارات، ومعقفات، وخضر، وحمر. ### || 1490- [اختلاف السموم، واختلاف علاجها] # وتختلف سموم العقارب بأسباب: منها اختلاف أجناسها، كالجرارة وغيرها، ~~ومنها اختلاف الترب كفرق ما بين جرارات عقارب شهرزور [2] وعسكر مكرم. # وتختلف مضرة سمومها على قدر طباع الملسوع. ويختلف قدر سمومها على قدر ~~مواضع اللسعة، وعلى قدر اختلاف ما بين النهار والليل، وعلى قدر ما صادفت ~~عليه الملسوع من غذائه، ومن تفتح منافسه، وعلى قدر ما تصادف عليه العقرب من ~~الحبل وغير الحبل وعلى قدر لسعتها في أول الليل عند خروجها من جحرها بعد أن ~~أقامت فيه شتوتها. وأشد من ذلك أن تلسع أول ما تخرج من جحرها بعد أن أقامت ~~فيه يومها. # قال ماسرجويه: فلذلك اختلفت وجوه العلاج، فصار ضرب من العلاج يفيق عنه ~~إنسان ولا يصلح أمر الآخر. ### || 1491-[لسعة الزنبور] # وخبرني ثمامة عن أمير المؤمنين المأمون أنه قال [3] : قال لي بختيشوع بن ~~جبريل وسلمويه، وابن ماسويه: «إن الذباب إذا دلك به موضع # لسعة الزنبور # سكن» PageV05P195 # فلسعني زنبور فحككت على موضعه أكثر من عشرين ذبابة فما سكن إلا في قدر ~~الزمان الذي كان يسكن فيه من غير علاج. فلم يبق في يدي منهم إلا أن يقولوا: ~~كان هذا الزنبور حتفا قاضيا، ولولا هذا العلاج لقتلك. ### || 1492- [حجج الأطباء] # وكذلك هم إذا سقوا دواء فضر، أو قطعوا عرقا فضر، قالوا: أنت مع ms0789 هذا ~~العلاج الصواب تجد ما تجد! فلولا ذلك العلاج كنت الساعة في نار جهنم. # وقيل لي- وقرأت في كتاب الحيوان- إن ريح السذاب [1] يشتد على الحيات. ~~فألقيت على وجوه الأفاعي جرز السذاب فما كان عندها إلا كسائر البقل. # فلو قلت لهم في هذا شيئا لقالوا: الحيات غير الأفاعي. وهذا باطل. الأفاعي ~~نوع من الحيات. وكلهم قد عم ولم يخص. ### || 1493- [ما يدخر من الحيوان] # وجميع الحشرات والأحناش، وجميع العقارب وهذه الدبابات [2] التي تعض ~~وتلسع، التي تكمن في الشتاء لا تأكل شيئا في تلك الأشهر ولا تشرب، وكذا كل ~~شيء من الهمج والحشرات مما لا يتحرك في الشتاء إلا النمل والذر والنحل، ~~فإنها قد ادخرت ما يكفيها، وليست كغيرها مما تثبت حياته مع ترك الطعم. ### || 1494- [حرص العقارب والحيات على أكل الجراد] # وللعقرب ثماني أرجل وهي حريصة على أكل الجراد. وكذلك الحيات. وما أكثر ما ~~تلدغ وتنهش صاحب الجراد [3] . ### || 1495- [أثر المرضع في الرضيع] # ومن عجيب سم الأفاعي ما خبرني به بعض من يخبر شأن الأفاعي قال [4] : ~~PageV05P196 # كنت بالبادية ورأيت ناقة ترتع، وفصيلها يرتضع من أخلافها، إذ نهشت الناقة ~~على مشافرها أفعى، فبقيت واقفة سادرة، والفصيل يرتضع، فبينا هو يرتضع إذ خر ~~ميتا. # فكان موته قبل موت أمه من العجب. وكان مرور السم في تلك الساعة القصيرة ~~أعجب، وكان ما صار من فضول سمها في لبن الضرع حتى قتل الفصيل قبل أمه عجبا ~~آخر. # والمرأة المرضع تشرب النبيذ فيسكر عن لبنها الرضيع وتشرب دواء المشي ~~فيعتري الرضيع الخلفة [1] . فلذلك يختار الحكماء لأولادهم الظئر البريئة من ~~ألأدواء: # في عقلها، وفي بدنها. # وتوهموا أن اللبن إنما نجع في الفصيل لقرابة ما بين اللبن والدم، فصار ~~ذلك السم أسرع إليه منه إلى أمه. ولعل ضعف الفصيل قد أعان أيضا على ذلك. ### || 1496- [قصتان في من لسعته العقرب] # قال أبو عبيدة [2] : لسعت أعرابيا عقرب بالبصرة، فخيف عليه فاشتد جزعه، ~~فقال بعض الناس: ليس شيء خيرا له من أن تغسل له خصية زنجي عرق- وكانت ليلة ~~غمقة [3]- فلما سقوه قطب [4] ، فقيل له: ms0790 طعم ماذا تجد؟ قال: طعم ~~قربة جديدة. # وخبرني محمد وعلي ابنا بشير، أن ظئرا لسليمان بن رياش لسعتها عقرب فملأت ~~الدنيا صراخا، فقال سليمان: اطلبوا لها هذه العقرب، فإن دواءها أن تلسعها ~~لسعة أخرى في ذلك المكان، فقالت العجوز: قد برئت، وقد سكن وجعي، ولا حاجة ~~لي إلى هذا العلاج. قال: فأتوه بعقرب لا والله إن يدرى: أهي تلك أم غيرها؟ ~~فأمر بها فأمسكت فقالت: أنشدك بالله واللبن فأبى وأرسلها عليها. فلسعتها ~~فغشي عليها ومرضت زمانا وتساقط شعر رأسها. فقيل لسليمان في ذلك فقال: يا ~~مجانين! لا والله إن رد علي روحها إلا اللسعة الثانية. ولولا هي لقد كانت ~~ماتت. PageV05P197 ### | باب القول في القمل والصؤاب # وسنقول في القمل والصؤاب ما وجدنا تمكينا من القول، إن شاء الله تعالى. ### || 1497- [ما زعمه إياس بن معاوية والرد عليه] # ذكروا عن إياس بن معاوية، أنه زعم أن الصئبان ذكورة القمل والقمل إناثها، ~~وأن القمل من الشكل الذي تكون إناثه أعظم من ذكورته. # وذكروا عنه أنه قال: وكذلك الزرارقة والبزاة. فجعل البزاة في الإناث. # وليس فيما قال شيء من الصواب والتسديد. وقد خبرناكم [1] عن حكايته في ~~الشبوط، حين جعله كالبغل، وجعله مخلوقا من بين البني والزجر. # والقمل يعتري من العرق والوسخ، إذا علاهما ثوب، أو ريش، أو شعر، حتى يكون ~~لذلك المكان عفن وخموم. ### || 1498- [أثرالشعر في لون القملة] # [2] والقملة تكون في رأس الأسود سوداء، ورأس الأبيض الشعر بيضاء، وتكون ~~خصيفة [3] اللون، وكالحبل الأبرق [4] إذا كانت في رأس الأشمط [5] . وإذا ~~كانت في رأس الخاضب بالحمرة كانت حمراء، وإن كان الخاضب ناصل الخضاب كان في ~~لونها شكلة [6] ، إلا أن يستولي على الشعر النصول فتعود بيضاء. # وهذا شيء يعتري القمل، كما تعتري الخضرة دود البقل، وجراده وذبابه، وكل ~~شيء يعيش فيه. ### || 1499- [أثر البيئة في الحيوان] # وليس ذلك بأعجب من حرة بن سليم، فإن من طباع تلك الحرة أن تسود كل ~~PageV05P198 # شيء يكون فيها [1] : من إنسان، أو فرس، أو حمار، أو شاة، أو بعير، أو ~~طائر، أو حية. # ولم ms0791 نسمع ببلدة أقوى في هذا المعنى من بلاد الترك، فإنها تصور إبلهم ~~وخيلهم، وجميع ما يعيش فيها، على صورة الترك. ### || 1500- [تولد القمل] # والقمل يعرض لثياب كل الناس إذا عرض لها الوسخ والعرق، والخموم، إلا ثياب ~~المجذمين [2] فإنهم لا يقملون. # وإذا قمل إنسان وأفرط عليه ذلك، زأبق [3] رأسه إن كن في رأسه أو جسده، ~~وإن كن في ثيابه، فموتن. # وقال أبو قطيفة لأصحابه [4] : أتدرون ما يذرأ [5] القمل! قالوا: لا. قال: ~~ذاك والله من قلة عنايتكم بما يصلح أبدانكم! يذرأ القمل الفساء. # فأما ثمامة فحدثني عن يحيى بن خالد البرمكي، أن شيئين يورثان القمل [6] : # أحدهما الإكثار من التين اليابس، والآخر بخار اللبان إذا ألقي على ~~المجمرة. ### || 1501- [الإنسان القمل الطباع] # وربما كان الإنسان قمل الطباع، وإن تنظف وتعطر وبدل الثياب، كما عرض لعبد ~~الرحمن بن عوف، والزبير بن العوام، استأذنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~في لباس الحرير فأذن لهما فيه [7] ؛ ولولا أنهما كانا في حد ضرورة لما أذن ~~لهما فيه، مع ما قد جاء في ذلك من التشديد [8] . PageV05P199 # فلما كان في خلافة عمر، رأى عمر على بعض بني المغيرة من أخواله، قميص ~~حرير، فعلاه بالدرة [1] ، فقال المغيري: أو ليس عبد الرحمن بن عوف يلبس ~~الحرير؟ # قال: وأنت مثل عبد الرحمن؛ لا أم لك! ### || 1502- [الاحتيال للبراغيث] # واحتاج أصحابنا إلى التسلم من عض البراغيث، أيام كنا بدمشق، ودخلنا ~~أنطاكية، فاحتالوا لبراغيثها بالأسرة فلم ينتفعوا بذلك؛ لأن براغيثهم تمشي. # وبراغيثهم نوعان: الأبجل والبق، إنما سموا ذلك الجنس على شبيه بما حكى لي ~~ثمامة عن يحيى بن خالد البرمكي، فإن يحيى زعم أن البراغيث من الخلق الذي ~~يعرض له الطيران فيستحيل بقا، كما يعرض الطيران للنمل، وكما يعرض الطيران ~~للدعاميص؛ فإن الدعاميص إذا انسلخت صارت فراشا. # فكان أصحابنا قد لقوا من تلك البراغيث جهدا. وكانت لها بلية أخرى: وذلك ~~أن الذي تسهره البراغيث لا يستريح إلا أن يقتلها بالعرك والقتل. وإلى أن ~~يقبض عليها فيرمي بها إلى الأرض من فوق سريره فيرى أنهن إذا صرن ms0792 عشرين كان ~~أهون عليه من أن يكن إحدى وعشرين. فكان الرجل إذا رام ذلك من واحدة منها ~~نتنت يده وكانوا ملوكا، ومثل هذا شديد على مثلهم، فما زالوا في جهد منها ~~حتى لبسوا قمص الحرير الصيني، وجعلوها طويلة الأردان والأبدان فناموا ~~مستريحين [2] . ### || 1503- [خروج القمل من جسم الإنسان] # وخبرني كم شئت من أطباء الناس وأصحاب التجارب، منهم من يقشعر من الكذب، ~~ويتقزز منه- أنهم رأوا القمل عيانا وهو يخرج من جلد الإنسان. فإذا كان ~~الإنسان قملا كان قمله مستطيلا، في شبيه بخلقة الديدان الصغار البيض. # ويذكر أن مثل ذلك قد كان عرض لأيوب النبي، صلى الله عليه وسلم، حين كان ~~امتحن بتلك الأوجاع حتى سمي: «المبتلى» وخبرني شيخ من بني ليث، أنه اعتراه ~~جرب، وأنه تطلى بالمرتك [3] والدهن، PageV05P200 # ثم دخل الحمام فرأى قملا كثيرا، يخرج من تلك الجلب [1] والقروح. # وخبرني أبو موسى العباسي صديقنا أنه كان له غلام بمصر، وكان الغلام ربما ~~أخذه إبرة ففتح بها فتحا في بعض جسده، في الجلد، فلا يلبث أن يطلع من تحت ~~الجلد في القيح قملة. ### || 1504- [قمل الحيوان] # والقمل يسرع إلى الدجاج والحمام، إذا لم يغتسل ويكن نظيف البيت. وهو يعرض ~~للقرد [2] ، ويتولد من وسخ جلد الأسير وما في رأسه من الوسخ. ولذلك كانوا ~~يضجون ويقولون: أكلنا القد [3] والقمل! ### || 1505- [تلبيد الشعر] # وكانوا يلبدون شعورهم، وذلك العمل هو التلبيد، والحاج الملبد هو هذا. # وقال الشاعر: [من الكامل] # يا رب، رب الراقصات عشية ... بالقوم بين منى وبين ثبير [4] # زحف الرواح قد انقضت مناتهم ... يحملن كل ملبد مأجور [5] # وقال عبد الله بن العجلان النهدي: [من المنسرح] # إني وما مار بالفريق وما ... قرقر بالجلهتين من سرب [6] # جماعة من القطا وغيره، واحدتها سربة وعبر بها ها هنا عن الحجاج. # من شعر كالغليل يلبد بال ... قمل وما مار من دم سرب [7] # والعتر عتر النسيك يخفر بال ... بدن لحل الإحرام والنصب [8] PageV05P201 # وقال أمية بن أبي الصلت [1] : [من البسيط] # شاحين آباطهم لم ينزعوا تفثا ... ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا [2] # ويروى: «لم يقربوا تفثا» قال ms0793 الله عز وجل: ثم ليقضوا تفثهم # [3] . وما أقل ما ذكروا التفث في الأشعار. # والتلبيد: أن يأخذ شيئا من خطمي وآس وسدر، وشيئا من صمغ فيجعله في أصول ~~شعره وعلى رأسه، كي يتلبد شعره ولا يعرق ويدخله الغبار، ويخم فيقمل. # وكانوا يكرهون تسريح الشعر وقتل القمل. فكان ذلك العمل يقل معه القمل. # وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لكعب بن عجرة: هل آذاك هوام رأسك؟!» ~~[4] ### || 1506- [تعيير هوازن وأسد بأكل القرة] # وقال ابن الكلبي [5] : عيرت هوازن وأسد بأكل القرة [6] . وهما بنو ~~القملة. # وذلك أن أهل اليمن كانوا إذا حلقوا رؤوسهم بمنى وضع كل رجل منه على رأسه ~~قبضة من دقيق. فإذا حلقوا رؤوسهم سقط ذلك الشعر مع ذلك الدقيق، ويجعلون ~~الدقيق صدقة. فكان ناس من الضركاء [7] وفيهم ناس من قيس وأسد، يأخذون ذلك ~~الشعر بدقيقه، فيرمون بالشعر، وينتفعون بالدقيق. # وأنشد لمعاوية بن أبي معاوية الجرمي، في هجائهم [8] : [من الطويل] ~~PageV05P202 # ألم تر جرما أنجدت وأبوكم ... مع الشعر في قص الملبد شارع [1] # إذا قرة جاءت يقول أصب بها ... سوى القمل إني من هوازن ضارع ### || 1507- [شعر في هجو القملين] # وقال بعض العقيليين، ومر بأبي العلاء العقيلي وهو يتفلى، فقال [2] : [من ~~الكامل] # وإذا مررت به مررت بقانص ... متصيد في شرقة مقرور [3] # للقمل حول أبي العلاء مصارع ... من بين مقتول وبين عقير # وكأنهن لدى خبون قميصه ... فذ وتوءم سمسم مقشور [4] # ضرج الأنامل من دماء قتيلها ... حنق على أخرى العدو مغير [5] # وقال الحسن بن هانىء [6] ، في أيوب، وقد ذهب عني نسبه، وطالما رأيته في ~~المسجد: [من مجزوء الكامل] # من ينأ عنه مصاده ... فمصاد أيوب ثيابه # تكفيه فيها نظرة ... فتعل من علق حرابه [7] # يا رب محترس بخب ... ن الدرز تكنفه صؤابه [8] # فاشي النكاية غير معلو ... م إذا دب انسيابه # أو طامري واثب ... لم ينجه عنه وثابه # الطامري: البرغوث. ثم قال: # أهوى له بمذلق الغربين إصبعه نصابه [9] PageV05P203 # لله درك من أخي ... قنص أصابعه كلابه [1] ### || 1508- [أحاديث وأخبار في القمل] # وفي الحديث أن أكل التفاح، وسؤر الفأرة، ونبذ القملة يورث النسيان ms0794 [2] . # وفي حديث آخر أن الذي ينبذ القملة لا يكفى الهم. # والعامة تزعم أن لبس النعال السود يورث الغم والنسيان. # وتناول أعرابي قملة دبت على عنقه، ففدغها ثم قتلها بين باطن إبهامه ~~وسبابته، فقيل له: ما تصنع ويلك بحضرة الأمير؟! فقال: بأبي أنت وأمي: وهل ~~بقي منها إلا خرشاؤها؟ يعني جلدتها وقشرتها وكل وعاء فهو خرشاء. ### || 1509- [المأمون وسعيد بن جابر] # وحدثني إبراهيم بن هانىء، قال: حدثني سعيد بن جابر، قال: لما كادت ~~الأجناد تحيط ببغداد من جوانبها. قال لنا المخلوع [3] : لو خرجنا هكذا ~~قطربل [4] على دوابنا، ثم رجعنا من فورنا، كان لنا في ذلك نشرة [5] ، قال: ~~فلما صرنا هناك هجمنا على موضع خمارين، فرأى أناسا قد تطافروا [6] من بعض ~~تلك الحانات، فسأل عنهم، فإذا هم أصحاب قمار ونرد ونبيذ، فبعث في آثارهم ~~فردوا وقال لنا: أشتهي أن أسمع حديثهم، وأرى مجلسهم وقمارهم. قال: فدخلنا ~~إلى موضعهم، فإذا تخت النرد قطعة لبد، وإذا فصوص النرد من طين، بعضه مسود ~~وبعضه متروك، وإذا الكعبان من عروة كوز محككة، وإذا بعضهم يتكئ على دن خال ~~وتحتهم بوار قد تنسرت [7] . قال: فبينا هو يضحك منهم إذ رأيت قملة تدب على ~~ذيله، فتغفلته وأخذتها فرآني وقد تناولت شيئا، فقال لي: أي شيء تناولت؟ ~~فقلت: دويبة دبت PageV05P204 # على ذيلك من ثياب هؤلاء. قال: وأي دابة هي؟ قلت: قملة. قال: أرنيها؛ فقد ~~والله سمعت بها! قال: فتعجبت يومئذ من المقادير كيف ترفع رجالا في السماء، ~~وتحط آخرين في الثرى! ### || 1510- [معارف و خبر في القمل] # قال: والقرد يتفلى، فإذا أصاب قملة رمى بها إلى فيه. # ونساء العوام يعجبهن صوت قصع القمل على الأظفار. # ورأيت مرة أنا وجعفر بن سعيد، بقالا في العتيقة وإذا امرأته جالسة بين ~~يديه، وزوجها يحدثها وهي تفلي جيبها وقد جمعت بين باطن إبهامها وسبابتها ~~عدة قمل، فوضعتها على ظفر إبهامها الأيسر، ثم قلبت عليها ظفرها الأيمن ~~فشدختها به، فسمعت لها فرقعة، فقلت لجعفر: فما منعها أن تضعها بين حجرين؟ ~~قال: لها لذة في هذه الفرقعة، ms0795 والمباشرة أبلغ عندها في اللذة. فقلت: فما ~~تكره مكان زوجها؟ # قال: لولا أن زوجها يعجب بذلك لنهاها! ### || 1511- [شعر لابن ميادة] # وقال ابن ميادة [1] : [من الطويل] # سقتني سقاة المجد من آل ظالم ... بأرشية أطرافها في الكواكب [2] # وإن بأعلى ذي النخيل نسية ... يسيرن أعيارا شداد المناكب [3] # يشلن بأستاه عليهن دسمة ... كما شال بالأذناب سمر العقارب [4] ~~PageV05P205 ### | باب في البرغوث # (باب) ### || 1512- [القول في البرغوث] # [1] والبرغوث أسود أحدب نزاء، من الخلق الذي لا يمشي صرفا. # وبما قال بعضهم: دبيبها من تحتي أشد علي من عضها. # وليس ذلك بدبيب. وكيف يمكنه الدبيب- وهو ملزق على النطع بجلد جنب ~~النائم؟! ولكن البرغوث خبيث، فمتى أراد الإنسان أن ينقلب من جنب إلى جنب، ~~انقلب البرغوث واستلقى على ظهره، ورفع قوائمه فدغدغه بها، فيظن من لا علم ~~عنده أنه إنما يمشي تحت جنبه. # وقد ذكرنا من شأنه في مواضع، ولو كان الباب يكبر حتى يكون لك مجموعا ولم ~~تعرفه تكلفت لك جمعه. ### || 1513- [شعر في البرغوث] # وقال بعض الأعراب [2] : [من البسيط] # ليل البراغيث عناني وأنصبني ... لا بارك الله في ليل البراغيث [3] # كأنهن وجلدي إذ خلون به ... أيتام سوء أغاروا في المواريث # وقال محبوب بن أبي العشنط النهشلي [4] : [من البسيط] # لروضة من رياض الحزن أو طرف ... من القرية جرد غير محروث [6] # للنور فيه إذا مج الندى أرج ... يشفي الصداع ويشفي كل ممغوث [7] ~~PageV05P206 # أملا وأحلى لعيني إن مررت به ... من كرخ بغداد ذي الرمان والتوث [1] # الليل نصفان: نصف للهموم فما ... أقضى الرقاد، ونصف للبراغيث # أبيت حين تساميني أوائلها ... أنزو وأخلط تسبيحا بتغويث [2] # سود مداليج في الظلماء مؤذية ... وليس ملتمس منها بمشبوث [3] # وقد جعل «التوث» بالثاء. ووجه الكلام بالتاء. وتعجيمها نقطتان من فوقها. # وقال آخر [4] : [من الطويل] # وإن امرأ تؤذي البراغيث جلده ... ويخرجنه من بيته لذليل # ألا رب برغوث تركت مجدلا ... بأبيض ماضي الشفرتين صقيل [5] # وقال آخر: [من الطويل] # لقد علم البرغوث حين يعضني ... ببغداد إني بالبلاد غريب # وقال آخر: [من الطويل] # لقيت من البرغوث جهدا ولا أرى ... أميرا على البرغوث يقضي ولا يعدي ms0796 # يقلبني فوق الفراش دبيبه ... وتصبح آثار تبين في جلدي # وقال آخر [6] : [من الطويل] # ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شد مغيرها # فلا الدين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معد يضيرها # وقال يزيد بن نبيه الكلابي: [من الطويل] # أصبحت سالمت البراغيث بعد ما ... مضت ليلة مني وقل رقودها PageV05P207 # فيا ليت شعري هل أزورن بلدة ... قليل بها أوباشها وسنيدها [1] # وهل أسمعن الدهر أصوات ضمر ... تطالع بالركبان صعرا خدودها [2] # وهل أرين الدهر نارا بأرضها ... بنفسي وأهلي أرضها ووفودها # تراطن حولي كلما ذر شارق ... ببغداد أنباط القرى وعبيدها # وقال آخر: [من البسيط] # لا بارك الله في البرغوث، إن له ... لذعا شديدا كلذع الكي بالنار # أقول والنجم قد غارت أوائله ... وغلس المدلج الساري بأسحار [3] # لبرقة من براق الحزن أعمرها ... فيها الظباء تراعي غب أمطار [4] # أشفى لدائي من درب به نبط ... ومنزل بين حجام وجزار # من ينحر الشول لا يخطي قوائمها ... بمدية كشرار النار بتار [5] # وقال آخر: [من الخفيف] # إن هذا المصلوب لا شك فيه ... هو من بعد صلبه مبعوث # حل من حيث ليس يأكله ال ... بق ولا يهتدي له البرغوث # بين حنوي مطية إن يسقها ... سائقاها فذاك سير مكيث [6] # فعليه الدبار والخزي لما ... قلت من ذا فقال لص خبيث [7] # وقال أبو الرماح الأسدي [8] : [من الطويل] # تطاول بالفسطاط ليلي ولم يكن ... بحنو الغضا ليل علي يطول # يؤرقني حدب صغار أذلة ... وإن الذي يؤذينه لذليل # إذا جلت بعض الليل منهن جولة ... تعلقن بي أو جلن حيث أجول PageV05P208 # إذا ما قتلناهن أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهن قتيل # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... وليس لبرغوث علي سبيل # وقال أبو الشمقمق [1] : [من المنسرح] # يا طول يومي وطول ليلتيه ... إن البراغيث قد عبثن بيه # فيهن برغوثة مجوعة ... قد عقدت بندها بفقحتيه [2] # وقال آخر [3] : [من الطويل] # هنيئا لأهل الري طيب بلادهم ... وأن أمير الري يحيى بن خالد # تطاول في بغداد ليلي ومن يكن ... ببغداد يلبث ليله غير راقد # بلاد إذا جن الظلام تقافزت ms0797 ... براغيثها من بين مثنى وواحد # ديازجة سود الجلود كأنها ... بغال بريد أرسلت في مذاود [4] # وقال آخر [5] : [من الرجز] # أرقني الأسيود الأسك ... ليلة حك ليس فيها شك # أحك حتى ماله محك ... أحك حتى مرفقي منفك # وقال آخر: [من الرجز] # يا أم مثواي عدمت وجهك ... أنقذني رب العلا من مصرك # ولذع برغوث أراه مهلكي ... أبيت ليلي دائم التحكك # تحكك الأجرب عند المبرك # وقال آخر: [من البسيط] # الحمد لله برغوث يؤرقني ... أحيلك الجلد لا سمع ولا بصر [6] PageV05P209 # وقال آخر: [من الرجز] # قبيلة في طولها وعرضها ... لم يطبقوا عينا لهم بغمضها # خوف البراغيث وخوف عضها ... كأن في جلودها من مضها [1] # عقاربا ترفض من مرفضها ... إن دام هذا هربت من أرضها [2] # يا رب فاقتل بعضها ببعضها ### || 1514- [معارف في البرغوث] # قال: والبرغوث في صورة الفيل. وزعموا أنها تبيض وتفرخ، وأنهم رأوا بيضها ~~رؤية العين. والبراغيث تناكح وهي مستدبرة ومتعاظلة [3] . وهي من الجنس الذي ~~تطول ساعة كومها. ### || 1515- [استقذار القمل] # وليس الناس لشيء مما يعضهم ويؤذيهم، من الجرجس، والبق، والبراغيث ~~والذبان- أشد استقذارا منهم للقمل. ومن العجب أن قرابته أمس. فأما قملة ~~النسر، وهي التي يقال لها بالفارسية: «دده» ، وهي تكون بالجبل، فإنها إذا ~~عضت قتلت. ### || 1516- [القول في البعوض] # حدثني إبراهيم بن السندي قال: لما كان أبي بالشام واليا، أحب أن يسوي بين ~~القحطاني والعدناني، وقال: لسنا نقدمكم إلا على الطاعة لله عز وجل، ~~وللخلفاء، وكلكم إخوة، وليس للنزاري عندي شيء ليس لليماني مثله. # قال: وكان يتغدى مع جملة من جلة [4] الفريقين، ويسوي بينهم في الإذن ~~والمجلس. وكان شيخ اليمانية يدخل عليه معتما، وقد جذب كور عمامته حتى غطى ~~بها حاجبه وكان لا ينزعها في حر ولا برد، فأراد فتى من قيس- وقد كان أبي ~~يستخليه ويقربه- أن يسقطه من عين أبي ويوحشه منه، فقال له ذات يوم ووجد ~~المجلس خاليا: إني أريد أن أقول شيئا ليس يخرجه مني إلا الشكر والحرية، ~~وإلا PageV05P210 # المودة والنصيحة، ولولا ما أعرف من تقززك وتنطسك [1] ؛ وأنك متى انتبهت ~~على ما أنا ملقيه إليك لم آمن ms0798 أن تستغشني [2] ، وإن لم تظهره لي. إن هذا ~~اليماني إنما يعتم أبدا، ويمد طرة [3] العمامة حتى يغطي بها حاجبيه؛ لأن به ~~داء لو علمت به لم تؤاكله! قال: فقال أبي: فرماني والله بمعنى كاد ينقض علي ~~جميع ما بيدي، وقلت: # والله لئن أكلت معه وبه الذي به إن هذا لهو البلاء، ولئن منعت الجميع ~~مؤاكلتي لأوحشنهم جميعا بعد المباسطة والمباثة [4] والملابسة والمؤاكلة، ~~ولئن خصصته بالمنع أو أقعدته على غير مائدتي. ليغضبن، ولئن غضب ليغضبن معه ~~كل قحطاني بالشام. فبت بليلة طويلة. فلما كان الغد وجلست، ودخلوا للسلام، ~~جرى شيء من ذكر السموم وغرائب أعمالها، فأقبل علي ذلك الشيخ فقال: عندي من ~~هذا بالمعاينة ما ليس عند أحد. خرجت مع ابن اخي هذا، ومع ابن عمي هذا، ومع ~~ابني هذا، أريد قريتي الفلانية، فإذا بقرب الجادة بعير قد نهشته أفعى. وإذا ~~هو وافر اللحم، وكل شيء حواليه من الطير والسباع ميت، فقمنا منه على قاب ~~أرماح نتعجب، وإذا عليه بعوض كثيرة. # فبينا أنا أقول لأصحابي: يا هؤلاء، إنكم لترون العجب: أول ذلك أن بعيرا ~~مثل هذا يتفسخ من عضة شيء لعله أن لا يكون في جسم عرق من عروقه، أو عصبة من ~~عصبه، فما هذا الذي مجه فيه، وقذفه إليه؟ ثم لم يرض بأن قتله حتى قتل كل ~~طائر ذاق منه، وكل سبع عض عليه. وأعجب من هذا قتله لأكابر السباع والطير، ~~وتركه قتل البعوضة، مع ضعفها ومهانتها! فبينا نحن كذلك إذ هبت ريح من تلقاء ~~الجيفة، فطيرت البعوض إلى شقنا، وتسقط بعوضة على جبهتي، فما هو إلا أن ~~عضتني إذ اسمأد [5] وجهي تورم رأسي، فكنت لا أضرب بيدي إلى شيء أحكه من ~~رأسي وحاجبي، إلا انتثر في يدي. # فحملت إلى منزلي في محمل وعولجت بأنواع العلاج، فبرأت بعد دهر طويل. على ~~أنه أبقى علي من الشين أنه تركني أقرع الرأس. أمرط الحاجبين. PageV05P211 # قال: والقوم يخوضون معه في ذلك الحديث، خوض قوم قد قتلوا [1] تلك القصة ~~يقينا. # قال: فتبسمت، ونكس الفتى ms0799 القيسي رأسه، فظن الشيخ أنه قد جرى بيننا في ذلك ~~ذرء [2] من القول، فقال: إن هذا القيسي خبيث، ولعله أن يكون قد احتال لك ~~بحيلة! قال إبراهيم: فلم أسمع في السموم بأعجب من هذا الحديث. ### || 1517- [طلسمات البعوض والعقرب] # ويزعم أهل أنطاكية أنهم لا يبعضون لطلسم هناك. ولو ادعى أهل عقر الدير، ~~المتوسطة لأجمة ما بين البصرة وكسكر لكان طلسمهم أعجب. # ويزعم [3] أهل حمص أن فيها طلسما من أجله لا تعيش فيها العقارب. وإن طرحت ~~فيها عقرب غريبة ماتت من ساعتها. # ولعمري إنه ليجوز أن تكون بلدة تضاد ضربا من الحيوان فلا يعيش فيها ذلك ~~الجنس، فيدعي كذابو أهلها أن ذلك برقية، أو دعوة، أو طلسم. ### || 1518- [ألم عضة البرغوث والقملة] # والبرغوث إذا عض، وكذاك القملة، فليس هناك من الحرقة والألم ما له مدة ~~قصيرة ولا طويلة. # وأما البعوض فأشهد أن بعوضة عضت ظهر قدمي، وأنا بقرب كاذة والعوجاء [4] ، ~~وذلك بعد أن صلى الناس المغرب، فلم أزل منها في أكال وحرقة، وأنا أسير في ~~السفينة، إلى أن سمعت أذان العشاء. # ولذلك يقال: إن البعوضة لو ألحقت بمقدار جرم الجرارة [5]- فإنها ~~أصغر العقارب- ثم زيدت من تضاعيف ما معها من السم على حسب ذلك لكانت شرا من ~~PageV05P212 # الدويبة التي تسمى بالفارسية: «دده» وهي أكبر من القملة شيئا، وتكون ~~بمهرجان قذق [1] . فإنها مع صغر جسمها تفسخ الإنسان في أسرع من الإشارة ~~باليد، وهي تعض ولا تلسع، وهي من ذوات الأفواه، وهي التي بزعمهم يقال لها ~~«قملة النسر» . وذلك أن النسر في بعض الزمان، إذا سقط بتلك الأرض سقطت منه ~~قملة تستحيل هذه الدابة الخبيثة. # والبعوضة من ذوات الخراطيم. # وحدثني محمد بن هاشم السدري قال: كنت بالزط [2] . فكنت والله أرى البعوضة ~~تطير عن ظهر الثور فتسقط على الغصن من الأغصان، فتقلس [3] ما في بطنها، ثم ~~تعود. # والبعوضة تغمس خرطومها في جلد الجاموس، كما يغمس الرجل أصابعه في الثريد. # ومن العجب أن بين البصرة وواسط شطرين. فالشطر الذي يلي الطف وباب طنج ~~يبيت أهله في عافية، ms0800 وليس عندهم من البعوض ما يذكر، والشطر الذي يلي زقاق ~~الهفة لا ينام أهله من البعوض. فلو كان هذا ببلاد الشام أو بلاد مصر لادعوا ~~الطلسم. # وحدثني إبراهيم النظام قال [4] : وردنا فم زقاق الهفة، في أجمة البصرة، ~~فأردنا النفوذ فمنعنا صاحب المسلحة [5] ، فأردنا التأخر إلى الهور [6] الذي ~~خرجنا منه، فأبى علينا. ووردنا عليه وهو سكران وأصحابه سكارى، فغضب على ~~ملاح نبطي، فشده قماطا، ثم رمى به في الأجمة، على موضع أرض تتصل بموضع ~~أكواخ صاحب المسلحة [7] . فصاح الملاح: اقتلني أي قتلة شئت وأرحني! فأبى ~~وطرحه، فصاح، PageV05P213 # ثم عاد صياحه إلى الأنين، ثم خفت وناموا في كللهم [1] وهم سكارى. فجئت ~~إلى المقموط، وما جاوز وقت عتمة، فإذا هو ميت، وإذا هو أشد سوادا من ~~الزنجي. وأشد انتفاخا من الزق المنفوخ، وذلك كله بقدر ما بين العشاء ~~والمغرب. فقلت: إنها لما لسبته ولسعته من كل جانب لسعا على لسع إن اجتماع ~~سمومها فيه أربت [2] على نهشة أفعى بعيدا. فهي ضرر ومحنة، ليس فيها شيء من ~~المرافق. ### || 1519- [نفع العقرب] # والعقارب بأكلها مشوية من بعينه ريح السبل [3] ، فيجدها صالحة. ويرمى بها ~~في الزيت، حتى إذا تفسخت وامتص الزيت ما فيها من قواها فطلوا بذلك الدهن ~~الخصى [4] التي فيها النفخ- فرق تلك الريح حتى تخمص [5] الجلدة، ويذهب ~~الوجع. # فإذا سمعت بدهن العقارب فإنما يعنون هذا الدهن. ### | باب في البق و الجرجس و الشران و الفراش و الأذى # (باب) ### || 1520- [أجناس البعوض] # في البق، والجرجس [6] والشران [7] ، والفراش، والأذى. # وقال الله عز وجل: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها # [8] ، قال: يريد فما دونها. # وهو قول القائل للرجل يقول: فلان أسفل الناس وأنذلهم! فيقول: هو فوق ذلك! ~~يضع قوله فوق، في موضع: هو شر من ذلك. PageV05P214 # قال: وضروب من الطير لا تلتمس أرزاقها إلا بالليل، منها الخفاش، والبومة، ~~والصدى [1] ، والضوع [2] ، وغراب الليل. # والبعوض بالنهار تؤذي بعض الأذى، وإنما سلطانها بالليل. وكذلك البراغيث. # وأما القمل فأمره في الحالات مستو. وليس للذبان بالليل عمل. إلا أني متى ms0801 ~~بيت معي في القبة ما صار إليها، وسكن فيها من الذبان، ولم أطردها بالعشي ~~وبعد العصر، فإني لا أجد فيها بعوضة واحدة. ### || 1521- [شعر و رجز في البعوض] # وقال الراجز في خرطوم البعوضة [3] : [من الرجز] # مثل السفاة دائم طنينها ... ركب في خرطومها سكينها [4] # وقال الهذلي [5] : [من الوافر] # كأن وغى الخموش بجانبيه ... وغى ركب أميم ذوي هياط [6] # والخموش: أصناف البعوض. والوغى: أصوات الملتفة التي لا يبين واحدها عن ~~معنى، وهو كما تسمع من الأصوات الجيشين إذا التقيا على الحرب، وكما تسمع من ~~ضجة السوق. # وقال الكميت وهو يذكر قانصا وصاحب قترة [7]- لأنه لا يبتني بيته ~~إلا عند PageV05P215 # شريعة [1] ينتابها الوحش- فقال وهو يصف البعوض [2] : [من الطويل] # به حاضر من غير جن تروعه ... ولا أنس ذو أرنان وذو زجل [3] # والحاضر: الذي لا يبرحه البعوض، لأن البعوض من الماء يتخلق فكيف يفارقه، ~~والماء الراكد لا يزال يولده؟! فإن صار نطافا أو ضحضحا [4] استحال دعاميص، ~~وانسلخت الدعاميص فصارت فراشا وبعوضا. وقال ذو الرمة [5] : [من الطويل] # وأيقن أن القنع صارت نطافه ... فراشا وأن البقل ذاو ويابس # وصف الصيف. وقال أبو وجزة [6] ، وهو يصف القانص والشريعة والبعوض: # [من البسيط] # تبيت جارته الأفعى وسامره ... رمد به عاذر منهن كالجرب # رمد في لونها، يعني البعوض، وهي التي تسامر القانص وتسهره. والعاذر: # الأثر. يقول: في جلده عواذير وآثار كآثار الجرب من لسع البعوض، وهو مع ~~ذلك وسط الأفاعي. # وقال الراجز يصف البعوض [7] : [من الرجز] # وليلة لم أدر ما كراها ... أمارس البعوض في دجاها [8] # كل زجول خفق حشاها ... ست لدى إيفائها شواها [9] # لا يطرب السامع من غناها ... حنانة أعظمها أذاها PageV05P216 ### || 1522- [أرجل الجرادة والعقرب والنملة والسرطان] # وكذلك قوائم الجرادة، هي ست: يدان، ورجلان، والميشاران وبهما تعتمد إذا ~~نزت [1] . # فأما العقرب فلها ثمان أرجل. وللنملة ست أرجل. # وللسرطان ثمان أرجل، وهو في ذلك يستعين بأسنانه، فكأنه يمشي على عشر. ~~وعيناه في ظهره. وما أكثر من يشويه ويأكله للشهوة، لا للحاجة ولا للعلاج. ### || 1523- [شعر و رجز في البعوض] # وقال الراجز [2] ، ووصف حاله وحال البعوض: ms0802 [من الرجز] # 1- # لم أر كاليوم ولا مذ قط ... أطول من ليلي بنهر بط # 3- # كأنما نجومه في ربط ... أبيت بين خطتي مشتط # 5- # من البعوض ومن التغطي ... إذا تغنين غناء الزط [3] # 7- # وهن مني بمكان القرط ... فثق بوقع مثل وقع الشرط # وقال أيضا [4] : [من الرجز] # إذا البعوض زجلت أصواتها ... وأخذ اللحن مغنياتها # لم تطرب السامع خافضاتها [5] ... كل زجول تتقى شذاتها [6] # صغيرة، عظيمة أذاتها ... تنقص عن بغيتها بغاتها # ولا تصيب أبدا رماتها ... رامحة، خرطومها قناتها [7] # وأنشدني جعفر بن سعيد: [من الرجز] PageV05P217 # ظللت بالبصرة في تهواش ... وفي براغيث أذاها فاشي [1] # من نافر منها وذي اهتماش ... يرفع جنبي عن الفراش # فأنا في حك وفي تخراش ... تترك في جنبي كالخراش [2] # وزوجة دائمة الهراش ... تغلي كغلي المرجل النشاش [3] # تأكل ما جمعت من تهباشي ... بل أم معروف خموش ناش [4] # وقال رجل من بني حمان، وقع في جند الثغور: [من الطويل] # أأنصر أهل الشام ممن يكيدهم ... وأهلي بنجد ساء ذلك من نصر # براغيث ترذيني إذا الناس نوموا ... وبق أقاسيه على ساحل البحر [5] # فإن يك فرض بعدها لا أعد له ... وإن بذلوا حمر الدنانير كالجمر [6] ### | باب في العنكبوت # قال الله عز وجل: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت ~~اتخذت بيتا، وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون # [7] ، ثم قال على إثر ذلك: وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا ~~العالمون # [8] يريد ذكره بالوهن. وكذلك هو. ولم يرد إحكام الصنعة في الرقة ~~والصفاقة، واستواء الرقعة، وطول البقاء، إذا كان لا يعمل فيه تعاور الأيام، ~~وسلم من جنايات الأيدي. PageV05P218 ### || 1524- [شعر في العنكبوت] # وقال الحداني: [من الطويل] # يزهدني في ود هارون أنه ... غذته بأطباء ملعنة عكل # كأن قفا هارون إذ قام مدبرا ... قفا عنكبوت سل من دبرها غزل # ألا ليت هارونا يسافر جائعا ... وليس على هارون خف ولا نعل # وقال مزرد بن ضرار: [من الطويل] # ولو أن شيخا ذا بنين كأنما ... على رأسه من شامل الشيب قونس [1] # ولم يبق من أضراسه غير واحد ... إذا مسه يدمى مرارا ويضرس [2] # تبيت فيه ms0803 العنكبوت بناتها ... نواشئ حتى شبن أو هن عنس # لظل إليها رانيا وكأنه ... إذا كش ثور من كريص منمس [3] ### || 1525- [أجناس العنكبوت ونسيجها] # قال: ومن أجناس العنكبوت جنس رديء التدبير، لأنه ينسج ستره على وجه ~~الأرض، والصخور. ويجعله على ظهر الأرض خارجا، وتكون الأطراف داخلة. فإذا ~~وقع عليه شيء مما يغتذيه من شكل الذبان وما أشبه ذلك أخذه. # وأما الدقيق الصنعة فإنه يصعد بيته ويمد الشعرة ناحية القرون والأوتاد، ~~ثم يسدي من الوسط، ثم يهيئ اللحمة، ويهيئ مصيدته في الوسط، فإذا وقع عليها ~~ذباب تحرك ما هناك ارتبط ونشبت به [4] ، فيتركه على حاله حتى إذا وثق بوهنه ~~وضعفه، غله [5] وأدخله إلى خزانته. وإن كان جائعا مص من رطوبته ورمى به. ~~فإذا فرغ رم ما تشعث من نسجه. # وأكثر ما يقع على تلك المصيدة من الصيد عند غيبوبة الشمس. PageV05P219 # وإنما تنسج الأنثى. فأما الذكر فإنه ينقض ويفسد. # وولد العنكبوت أعجب من الفروج، الذي يظهر إلى الدنيا كاسبا [1] محتالا ~~مكتفيا. # قال: وولد العنكبوت يقوم على النسج ساعة يولد. # قال: والذي ينسج به لا يخرج من جوفه، بل من خارج جسده. # وقال الحداني [2] : [من الطويل] # كأن قفا هارون إذ قام مدبرا ... قفا عنكبوت سل من دبرها غزل # فالنحل، والعنكبوت، ودود القز، تختلف من جهات ما يقال إنه يخرج منها. ### || 1526- [العنكبوت الذي يسمى الليث] # ومن العناكب جنس يصيد الذباب صيد الفهود، وهو الذي يسمى: «الليث» وله ست ~~عيون. وإذا رأى الذباب لطئ بالأرض، وسكن أطرافه. وإذا وثب لم يخطئ [3] . ~~وهو من آفات الذبان، ولا يصيد إلا ذبان الناس. ### || 1527- [ذبان الأسد و الكلاب] # [4] وذبان الأسد على حدة، وذبان الكلاب على حدة، وليس يقوم لها شيء. وهي ~~أشد من الزنابير، وأضر من العقارب الطيارة. وفيها من الأعاجيب أنها تعض ~~الأسد، كما يعض الكلب ذبان الكلب. # وكذلك ذبان الكلأ، لما يغشى الكلأ من بعير وغير ذلك. ولها عض منكر، ولا ~~يبلغ مبلغ ذبان الأسد. # فمن أعاجيبها سوى شدة عضها وسمها، وأنها مقصورة على الأسد، وأنها متى رأت ~~بأسد دما ms0804 من جراح أو رمي، ولو في مقدار الخديش الصغير فإنها تستجمع عليه، ~~فلا تقلع عنه حتى تقتله. PageV05P220 ### || 1528- [قتل الذر للحية] # وهذا شبيه بما يروى ويخبر عن الذر، فإن الذر متى رأت بحية خدشا لم تقلع ~~عنه حتى تقتله، وحتى تأكله. ### || 1529- [ولوع النمل بالأراك] # ولقد أردت أن أغرس في داري أراكة، فقالوا لي: إن الأراكة إنما تنبت من حب ~~الأراك، وفي نباتها عسر، وذلك أن حب الأراك يغرس في جوف طين، وفي قواصر [1] ~~، ويسقى الماء أياما. فإذا نبت الحب وظهر نباته فوق الطين، وضعت القوصرة ~~[1] كما هي في جوف الأرض، ولكنها إلى أن تصير في جوف الأرض، فإن الذر ~~يطالبها مطالبة شديدة. وإن لم تحفظ منها بالليل والنهار أفسدتها. # فعمدت إلى منارات من صفر [2] من هذه المسارج [3] ، وهي في غاية الملاسة ~~واللين، فكنت أضع القوصرة على الترس الذي فوق العمود الأملس، فأجد فيها ~~الذر الكثير، فكنت أنقل المنارة من مكان إلى مكان، فما أفلح ذلك الحب. ### || 1530- [ضروب العناكب] # قال: والعناكب ضروب: فمنها هذا الذي يقال له الليث، وهو الذي يصيد الذبان ~~صيد الفهد، وقد ذكرنا في صدر هذا الكلام [4] حذقه ورفقه، وتأتيه وحيلته. # ومنها أجناس طوال الأرجل، والواحدة منها إذا مشت على جلد الإنسان تبثر ~~[5] . ويقال إن العنكبوت الطويلة الأرجل، إنما اتخذت بيتا وأعدت فيه ~~المصايد والحبائل، والخيوط التي تلتف على ما يدخل بيتها من أصناف الذبان ~~وصغار الزنابير- لأنها حين علمت أنها لا بد لها من قوت، وعرفت ضعف قوائمها، ~~وأنها تعجز عما يقوى عليه الليث، احتالت بتلك الحيل. # فالعنكبوت، والفأر، والنحل، والذر، والنمل، من الأجناس التي تتقدم في ~~إحكام شأن المعيشة. PageV05P221 # ومنها جنس رديء، مشنوء [1] الصورة، غليظ الأرجل، كثيرا ما يكون في المكان ~~الترب من الصناديق والقماطر والأسفاط. وقد قيل: إن بينه وبين الحية، كما ~~بين الخنفساء والعقرب. # وإناث العناكب هي العوامل: تغزل وتنسج. والذكر أخرق ينقض ولا ينسج. # وإن كان ما قال صاحب المنطق حقا فما أغرب الأعجوبة في ذلك، وذلك أنه زعم ~~أن العنكبوت تقوى على النسج، وعلى ms0805 التقدم في إحكام شأن المعاش حين تولد. ### || 1531- [الكاسب من أولاد الحيوان] # وقالوا: وأشياء من أولاد الحيوان تكون عالمة بصناعتها، عارفة بما يعيشها ~~ويصلحها، حتى تكون في ذلك كأمهاتها وآبائها، حين تخرج إلى الدنيا، كالفروج ~~من ولد الدجاج، والحسل من ولد الضباب، وفرخ العنكبوت. # وهذه الأجناس، مع الفأر والجرذان، هي التي من بين جميع الخلق تدخر لنفسها ~~ما تعيش به من الطعم. ### | جملة القول في النحل # زعم صاحب المنطق أن خلية من خلايا النحل فيما سلف من الزمان، اعتلت ومرض ~~ما كان فيها من النحل، وجاء نحل من خلية أخرى يقاتل هذا النحل حتى أخرجت ~~العسل، وأقبل القيم على الخلايا يقتل بذلك النحل الذي جاء إلى خليته. # قال: فخرج النحل من الخلية يقاتل النحل الغريب، والرجل بينها يطرد ~~الغريب، فلم تلسعه نحل الخلية التي هو حافظها، لدفعه المكروه عنها. # قال: وأجود العسل ما كان لونه لون الذهب. ### || 1532- [نظام النحل] # قال: والنحل تجتمع فتقسم الأعمال بينها، فبعضها يعمل الشمع، وبعضها يعمل ~~العسل، وبعضها يبني البيوت، وبعضها يستقي الماء ويصبه في الثقب، ويلطخه ~~بالعسل. PageV05P222 # ومنه ما يبكر إلى العمل. ومن النحل ما يكفه [1] ؛ حتى إذا نهضت واحدة ~~طارت كلها. يقال: «بكر بكور اليعسوب» ، يريد أمير النحل لأنها تتبعه غدوة ~~إلى عملها. # ومنها ما ينقل العسل من أطراف الشجر، ومنها ما ينقل الشمع الذي تبني به، ~~فلا تزال في عملها حتى إذا كان الليل آبت إلى مآبها. ### || 1533- [استطراد لغوي] # قال: والأري: عمل العسل. يقال: أرت تأري أريا. والأري في غير هذا الموضع: ~~القيء [2] . وقال أبو ذؤيب [3] : [من الطويل] # بأري التي تأري إلى كل مغرب ... إذا اصفر ليط الشمس حان انقلابها [4] # ومغارب: جمع مغرب. وكل شيء واراك من شيء فهو مغرب، كما جعله أبو ذؤيب. ~~والأصل مغرب الشمس. وقال أبو ذؤيب [5] : [من الطويل] # فبات بجمع ثم تم إلى منى ... فأصبح رأدا يبتغي المزج بالسحل [6] # المزج: العسل. والسحل: النقد. ### || 1534- [ما له رئيس من الحيوان] # ومن الحيوان ما يكون لكل جماعة منها رأس وأمير، ومنها ما لا ms0806 يكون ذلك له. # فأما الحيوان الذي لا يجد بدا ولا مصلحة لشأنه إلا في اتخاذ رئيس ورقيب ~~فمثل ما يصنع الناس، ومثل ما تتخذ النحل والغرانيق، والكراكي [7] . ~~PageV05P223 # فأما الإبل والحمير والبقر، فإن الرياسة لفحل الهجمة [1] ، ولعير العانة ~~[2] ، ولثور الربرب [3] . وذكورتها لا تتخذ الرقباء من الذكورة. # وقد زعم [4] ناس أن الكراكي لا ترى أبدا إلا فرادى فكأن الذي يجمعها ~~الذكر، ولا يجمعها إلا أزواجا. # ولا أدري كيف هذا القول؟! والنحل أيضا تسير بسيرة الإبل والبقر والحمير، ~~لأن الرئيس هو الذي يوردها ويصدرها، وتنهض بنهوضه، وتقع بوقوعه. واليعسوب ~~هو فحلها. فترى كما ترى، سائر الحيوان الذي يتخذ رئيسا إنما هي إناث ~~الأجناس، إلا الناس؛ فإنهم يعلمون أن صلاحهم في اتخاذ أمير وسيد، ورئيس. # وزعم بعضهم أن رياسة اليعسوب، وفحل الهجمة، والثور، والعير، لأحد أمرين: ~~أحدهما لاقتدار الذكر على الإناث، والآخر لما في طباع الإناث من حب ~~ذكورتها. # ولو لم تتأمر عليها الفحول لكانت هي لحبها الفحول تغدو بغدوها، وتروح ~~برواحها. # قالوا: وكذلك الغرانيق والكراكي [5] . فأما ما ذكروا من رؤساء الإبل ~~والبقر والجواميس والحمير، فما أبعدهم في ذلك عن الصواب. # وأما إلحاقهم الغرانيق والكراكي [5] بهذه المنزلة فليس على ما قالوا. # وعلى أنا لا نجد بدا من أن يعلم أن ذكورتها أقوى على قسر الإناث وجمعها ~~إليها من الإناث. # وعلى أنه لا بد من أن يكون بعض طاعة الإناث لها من جهة ما في طباعها من ~~حب ذكورتها. PageV05P224 # ولو كان اتخاذ الغرانيق والكراكي الرؤساء والرقباء إنما علته المعرفة- لم ~~يكن للغرانيق والكراكي في المعرفة فضل على الذر والنمل، وعلى الذئب والفيل، ~~وعلى الثعلب والحمام. # أما الغنم فهي أغثر وأموق [1] من أن تجري في باب هذا القول. # وقد تخضع الحيات للحية، والكلاب للكلب، والديوك للديك، حتى لا ترومه [2] ~~ولا تحاول مدافعته. ### || 1535- [قصة فى خنوع الكلاب] # ولقد خرجت في بعض الأسحار في طلب الحديث، فلما صرت في مربعة المحلة، ثار ~~إلي عدة من الكلاب، من ضخامها، ومما يختاره الحراس. فبينا أنا في الاحتيال ~~لهن وقد غشينني إذ ms0807 سكتن سكتة واحدة معا، ثم أخذ كل واحد في شق كالخائف ~~المستخفي، وسمعت نغمة [3] إنسان، فانتهزت تلك الفرصة من إمساكهن عن النباح، ~~فقلت: إن ههنا لعلة إذ أقبل رجلان ومعها كلب أزب [4] ضخم دوسر [5] ، وهو في ~~ساجور [6] ، ولم أر كلبا قط أضخم منه، فقلت: إنهن إنما أمسكن عن النباح ~~وتسترن، من الهيبة له! وهي مع ذلك لا تتخذ رئيسا. ### || 1536- [سادة الحيوان] # وروي عن عباد بن صهيب، عن عوف بن أبي جميلة، عن قسامة بن زهير قال: # قال أبو موسى [7] : «إن لكل شيء سادة حتى إن للنمل سادة» . فقال بعضهم: ~~سادة النمل: المتقدمات. # وهذا تخريج، ولا ندري ما معنى ما قال أبو موسى في هذا. # ولو كان اتخاذ الرئيس من النحل، والكراكي، والغرانيق [8] ، والإبل، ~~والحمير، PageV05P225 # والثيران، لكثرة ما معها من المعرفة- لكانت القرود، والفيلة والذر، ~~والثعالب، أولى بذلك. فلا بد من معرفة، ولا بد من طباع وصنعة. # والحمام يزجلن [1] من لؤلؤة [2] ، وهن بصريات وبغداديات، وهن جماع من ~~هاهنا وهاهنا، فلا تتخذ رئيسا. ### || 1537- [طعن ناس من الملحدين في آية النحل] # وقد طعن ناس من الملحدين، وبعض من لا علم له بوجوه اللغة وتوسع العرب في ~~لغتها، وفهم بعضها عن بعض، بالإشارة والوحي- فقالوا: قد علمنا أن الشمع شيء ~~تنقله النحل، مما يسقط على الشجر، فتبني بيوت العسل منه، ثم تنقل من ~~الأشجار العسل الساقط عليها، كما يسقط الترنجبين [3] ، والمن [4] ، وغير ~~ذلك. إلا أن مواضع الشمع وأبدانه خفي. وكذلك العسل أخفى وأقل. فليس العسل ~~بقيء ولا رجع [5] ، ولا دخل للنحلة في بطن قط. ### || 1538- [رد الجاحظ على الملحدين] # وفي القرآن قول الله عز وجل: وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال ~~بيوتا ومن الشجر ومما يعرشون. ثم كلي من كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا ~~يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس إن في ذلك لآية لقوم ~~يتفكرون # [6] . # ولو كان إنما ذهب إلى أنه شيء يلتقط من الأشجار، كالصموغ وما يتولد من ~~طباع الأنداء والأجواء والأشجار إذا تمازجت- لما كان في ذلك عجب إلا ms0808 بمقدار ~~ما نجده في أمور كثيرة. PageV05P226 ### || 1539- [زعم ابن حائط في نبوة النحل] # قلنا: قد زعم ابن حائط وناس من جهال الصوفية، أن في النحل أنبياء، لقوله ~~عز وجل: وأوحى ربك إلى النحل # . وزعموا أن الحواريين كانوا أنبياء لقوله عز وجل: وإذ أوحيت إلى ~~الحواريين # [1] . # قلنا: وما خالف إلى أن يكون في النحل أنبياء؟! بل يجب أن تكون النحل كلها ~~أنبياء، لقوله عز وجل على المخرج العام: وأوحى ربك إلى النحل # ، ولم يخص الأمهات والملوك واليعاسيب، بل أطلق القول إطلاقا. # وبعد فإن كنتم مسلمين فليس هذا قول أحد من المسلمين. وإلا تكونوا مسلمين ~~فلم تجعلون الحجة على نبوة النحل كلاما هو عندكم باطل؟! ### || 1540- [قول في المجاز] # وأما قوله عز وجل: يخرج من بطونها شراب # [2] فالعسل ليس بشراب، وإنما هو شيء يحول بالماء شرابا، أو بالماء نبيذا. ~~فسماه كما ترى شرابا، إذ كان يجيء منه الشراب. # وقد جاء في كلام العرب أن يقولوا: جاءت السماء اليوم بأمر عظيم. # وقد قال الشاعر [3] : [من الوافر] # إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # فزعموا أنهم يرعون السماء، وأن السماء تسقط. # ومتى خرج العسل من جهة بطونها وأجوافها فقد خرج في اللغة من بطونها ~~وأجوافها. # ومن حمل اللغة على هذا المركب، لم يفهم عن العرب قليلا ولا كثيرا وهذا ~~PageV05P227 # الباب هو مفخر العرب في لغتهم، وبه وبأشباهه اتسعت. وقد خاطب بهذا الكلام ~~أهل تهامة، وهذيلا، وضواحي كنانة. وهؤلاء أصحاب العسل. والأعراب أعرف بكل ~~صمغة سائلة، وعسلة ساقطة، فهل سمعتم بأحد أنكر هذا الباب أو طعن عليه من ~~هذه الحجة؟! ### || 1541- [أحاديث في العسل] # حدث عن سفيان الثوري، قال حدثنا أبو طعمة عن بكر بن ماعز، عن ربيع بن ~~خثيم قال: «ليس للمريض عندي دواء إلا العسل» . # وعن هشام بن حسان، عن الحسن أنه كان يعجبه إذا استمشى [1] الرجل أن يشرب ~~اللبن والعسل. # إبراهيم بن أبي يحيى، قال: بلغني عن ابن عباس: «أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم سئل: أي الشراب أفضل؟ قال: الحلو البارد» [2] . # وسفيان ms0809 الثوري عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: # «عليكم بالشفاءين: القرآن والعسل» [3] . # شعبة عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: مضى رجل إلى ابن مسعود فقال: إن ~~أخي يشتكي بطنه، وقد نعتت له الخمر. فقال: سبحان الله! ما كان الله ليجعل ~~شفاءه في رجس، وإنما جعل الشفاء في اثنين: في القرآن والعسل. # سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أبي المتوكل الناجي، عن أبي سعيد ~~الخدري: «أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال إن أخي يشتكي بطنه، ~~فقال عليه السلام: اسقه عسلا. ثم أتاه فقال: قد فعلت. قال: اسقه عسلا. ثم ~~أتاه فقال: قد فعلت. فقال: اسقه عسلا. ثم أتاه الرابعة، فقال: صدق الله ~~وكذب بطن أخيك. اسقه عسلا! فسقاه فبرأ الرجل» [4] . # قال: والذي يدل على صحة تأويلنا لقول الله عز وجل: PageV05P228 # يخرج من بطونها شراب مختلف ألوانه فيه شفاء للناس # [1] ، أن تكون المعجونات كلها إنما بالعسل، وكذلك الأنبجات [2] . ### || 1542- [نفع العسل] # وإذا ألقي في العسل اللحم الغريض [3] فاحتاج صاحبه إليه بعد شهر أخرجه ~~طريا لم يتغير. # وإذا قطرت منه قطرة على وجه الأرض، فإن استدار كما يستدير الزئبق، ولم ~~يتفش، ولم يختلط بالأرض والتراب فهو الصحيح. وأجوده الذهبي [4] . ### || 1453- [لذة شراب العسل] # ويزعم أصحاب الشراب أنهم لم يروا شرابا قط ألذ ولا أحسن ولا أجمع لما ~~يريدون، من شراب العسل الذي ينتبذ بمصر. وليس في الأرض تجار شراب ولا غير ~~ذلك أيسر منهم. # وفيه أعجوبة: وذلك أنهم لا يعملونه إلا بماء النيل أكدر ما يكون. وكلما ~~كان أكدر كان أصفى. وإن عملوه بالصافي فسد. # وقد يلقى العسل على الزبيب، وعلى عصير الكرم فيجودهما. ### || 1544- [التشبيه بالعسل] # وهو المثل في الأمور المرتفعة، فيقولون: ماء كأنه العسل. ويصفون كل شيء ~~حلو، فيقولون [5] : كأنه العسل. ويقال: هو معسول اللسان [6] . وقال الشاعر ~~[7] : [من الطويل] PageV05P229 # لسانك معسول ونفسك شحة ... ودون الثريا من صديقك مالكا [1] ### || 1545- [التنويه بالعسل في القرآن] # وقال الله عز وجل في كتابه، وذكر أنهار الجنة، فقال: مثل الجنة التي وعد ms0810 ~~المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من ~~خمر لذة للشاربين. وأنهار من عسل مصفى # [2] . فاستفتح الكلام بذكر الماء، وختمه بذكر العسل. وذكر الماء واللبن ~~فلم يذكرهما في نعتهما ووصفهما إلا بالسلامة من الأسن والتغيرو وذكر الخمر ~~والعسل فقال: من خمر لذة للشاربين # ومن عسل مصفى # ، فكان هذا ضربا من التفضيل، وذكرها [3] في مواضع أخر [4] فنفى عنها عيوب ~~خمر الدنيا. فقال عز وجل اسمه: لا يصدعون عنها ولا ينزفون # [5] . فكان هذا القول الأول أظهر دليل على التفضيل. ### | باب القول في القراد ### || 1546- [القول في القراد] # يقال: «أسمع من قراد» [6] و «ألزق من قراد» [7] و «ما هو إلا قراد ثفر» ~~[8] . وقال الشاعر [9] : [من الطويل] PageV05P230 # هم السمن بالسنوت لا ألس فيهم ... وهم يمنعون جارهم أن يقردا [1] # السنوت، عند أهل مكة: العسل. وعند آخرين: الكمون. # وقال الحطيئة [2] : [من الوافر] # لعمرك ما قراد بني كليب ... إذا نزع القراد بمستطاع # قال: وذلك أن الفحل يمنع أن يخطم [3] . فإذا نزعوا من قراداته شيئا لذ ~~لذلك، وسكن إليه، ولان لصاحبه، فعند ذلك يلقي الخطام في رأسه. # قال: وأخبرني فراس بن خندق، وأبو برزة قال: كان جحدر إذا نزلت رفقة قريبا ~~منه، أخذ شنة [4] فجعل فيها قردانا، ثم نثرها بقرب الإبل فإذا وجدت الإبل ~~مسها نهضت، وشد الشنة في ذنب بعض الإبل، فإذا سمعت صوت الشنة، وعملت فيها ~~القردان نفرت. ثم كان يثب في ذروة ما ند [5] منها، ويقول: ارحم الغارة [6] ~~الضعاف! يعني القردان. # قال أبو برزة: ولم تكن همته تجاوز بعيرا. ### || 1547- [القراد في الهجو] # قال رشيد بن رميض [7] : [من الوافر] # لنا عز ومأوانا قريب ... ومولى لا يدب مع القراد # وهجاهم الأعشى فقال [8] : [من الطويل] PageV05P231 # فلسنا لباغي المهملات بقرفة ... إذا ما طما بالليل منتشراتها [1] # أبا مسمع أقصر، فإن قصيدة ... متى تأتكم تلحق بها أخواتها [2] # وهجاهم حضين بن المنذر فقال: [من الوافر] # تنازعني ضبيعة أمر قومي ... وما كانت ضبيعة للأمور # وهل كانت ضبيعة غير عبد ... ضممناه إلى نسب شطير [3] # وأوصاني أبي، فحفظت عنه ms0811 ... بفك الغل عن عنق الأسير # وأوصى جحدر فوقى بنيه ... بإرسال القراد على البعير # قال: وفي القردان يقول الآخر- قال: وبعضهم يجعلها في البراغيث؛ وهذا باطل ~~[4] : [من الطويل] # ألا يا عباد الله من لقبيلة ... إذا ظهرت في الأرض شد مغيرها # فلا الدين ينهاها ولا هي تنتهي ... ولا ذو سلاح من معد يضيرها # فمن أصناف القردان: الحمنان، والحلم، والقرشام، والعل، والطلح. ### || 1548- [شعر ومثل في القراد] # وقال الطرماح [5] : [من الخفيف] # لما وردت الطوي والحوض كال ... صيرة دفن الإزاء ملتبده [6] # سافت قليلا على نصائبه ... ثم استمرت في طامس تخده [7] PageV05P232 # وقد لوى أنفه بمشفرها ... طلح قراشيم شاحب جسده [1] # عل طويل الطوى كبالية السف ... ع متى يلق العلو يصطعده [2] # وفي لزوق القراد يقول الراعي [3] : [من الكامل] # نبتت مرافقهن فوق مزلة ... لا يستطيع بها القراد مقيلا # والعرب تقول: «ألزق من البرام!» [4] ، كما تقول: «ألزق من القراد!» [5] . ~~وهما واحد. ### || 1549- [شعر لأمية في الأرض والسماء] # وذكر أمية بن أبي الصلت، خلق السماء، وإنه ذكر من ملاستها أن القراد لا ~~يعلق بها، فقال [6] : [من الكامل] # والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها معاقلنا وفيها نولد # فيها تلاميذ على قذفاتها ... حبسوا قياما فالفرائص ترعد [7] # فبني الإله عليهم مخصوفة ... خلقاء لا تبلى ولا تتأود [8] PageV05P233 # فلو أنه تحدو البرام بمتنها ... زل البرام عن التي لا تقرد [1] ### || 1550- [استطراد لغوي] # قال: القراد أول ما يكون- وهو الذي لا يكاد يرى من صغر- قمقامة، ثم يصير ~~حمنانة، ثم يصير قرادا، ثم يصير حلمة. # قال: ويقال للقراد: العل، والطلح، والقتين، والبرام، والقرشام. # قال: والقمل واحدتها قملة، وهي من جنس القردان، وهي أصغر منها. ### || 1551- [تخلق القراد والقمل] # قال: والقردان يتخلق من عرق البعير، ومن الوسخ والتلطخ بالثلوط [2] ~~والأبوال، كما يتخلق من جلد الكلب، وكما يتخلق القمل من عرق الإنسان ووسخه، ~~إذا انطبق عليه ثوب أو شعر أو ريش. # والحلم يعرض لأذني الكلب أكثر ذلك. ### || 1552- [أمثال وأشعار وأخبار في القراد] # قال: ويقال «أقطف من حلمة» [3] ، و «ألزق من برام» [4] ، و «أذل من قراد» ~~[5] . # وقال الشاعر [6] : [من الطويل] # يكاد خليلي من تقارب شخصه ... يعض القراد ms0812 باسته وهو قائم # وقال أبو حنش لقيس بن زهير: «والله لأنت بها أذل من قراد!» [5] ، فقدمه ~~وضرب عنقه. PageV05P234 # وقال الراجز [1] : [من الرجز] # قردانه في العطن الحولي ... بيض كحب الحنظل المقلي [2] # من الخلاء ومن الخوي [3] # ويقال لحلمة الثدي: القراد. وقال عدي بن الرقاع [4] : [من الطويل] # كأن قرادي صدره طبعتهما ... بطين من الجولان كتاب أعجم # والقراد يعرض لاست الجمل، والنمل يعرض للخصى. وقال الشاعر [5] : [من ~~المتقارب] # وأنت مكانك من وائل ... مكان القراد من است الجمل # وقال الممزق [6] : [من الطويل] # تناخ طليحا ما تراع من الشذا ... ولو ظل في أوصالها العل يرتقي [7] # ويروى: «فباتت ثلاثا لا تراع» . يصف شدة جزعها من القردان. # وقال بشار بن برد: [من الوافر] # أعادي الهم منفردا بشوق ... على كبدي كما لزق القراد # وكانوا إذا خافوا الجدب والأزمة تقدموا في عمل العلهز. والعلهز: قردان ~~يعالج PageV05P235 # بدم الفصد مع شيء من وبر. فيدخرون ذلك كما يدخر من خاف الحصار الأكارع ~~[1] والجاورس [2] . # والشعوبية تهجو العرب بأكل العلهز، والفث [3] ، والدعاع [4] ، والهبيد ~~[5] ، والمغافير [6] ، وأشباه ذلك. وقال حسان بن ثابت [7] : [من الخفيف] # لم يعللن بالمغافير والصم ... غ ولا شري حنظل الخطبان # وقال الطرماح [8] : [من الخفيف] # لم تأكل الفث والدعاع ولم ... تنقف هبيدا يجنيه مهتبده # وقال الأصمعي: قال رجل من أهل المدينة لرجل: أيسرك أن تعيش حتى تجيء حلمة ~~[9] من إفريقية مشيا؟ قال: فأنت يسرك ذلك؟ قال: أخاف أن يقول إنسان: إنها ~~بمخيض، فيغشى علي! ومخيض على رأس بريد من المدينة. # ويقولون: أم القراد، للواحدة الكبيرة منها. ويتسمون بقراد، ويكتنون بأبي ~~قراد. وقد ذكر ذلك أبو النجم فقال [10] : [من الرجز] # للأرض من أم القراد الأطحل [11] # وفي العرب بنو قراد. PageV05P236 ### | باب في الحبارى # ونقول في الحبارى بقول موجز، إن شاء الله تعالى. # قال ابن الأعرابي: قال أعرابي [1] «إنه ليقتل الحبارى هزلا ظلم الناس ~~بعضهم لبعض!» . قال يقول: إذا كثرت الخطايا منع الله عز وجل در السحاب. ~~وإنما تصيب الطير من الحب ومن الثمر على قدر المطر. # وقال الشاعر [2] : [من الخفيف] # يسقط الطير حيث ينتثر الح ... ب ms0813 وتغشى منازل الكرماء # وهذا مثل قوله [3] : [من الرجز] # أما رأيت الألسن السلاطا ... والأذرع الواسعة السباطا [4] # إن الندى حيث ترى الضغاطا [5] ### || 1553- [ما قيل من المثال في الحبارى] # وقالوا في المثل: «مات فلان كمد الحبارى» [6] : وقال أبو الأسود الدؤلي ~~[7] : # [من الوافر] # وزيد ميت كمد الحبارى ... إذا ظعنت هنيدة أو تلم PageV05P237 # ويروى: «ملم» وهو اسم امرأة. # وذلك أن الطير تتحسر [1] وتتحسر معها الحبارى. والحبارى إذا نتفت أو ~~تحسرت أبطأ نبات ريشها، فإذا طار صويحباتها ماتت كمدا [2] . # وأما قوله: «أو تلم» يقول: أو تقارب أن تظعن [3] . # وقال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «كل شيء يحب ولده حتى الحبارى!» [4] . ~~يضرب بها المثل في الموق [5] . ### || 1554- [سلاح الحبارى و غيرها من الحيوان] # قال [6] : وللحبارى خزانة بين دبره وأمعائه، له فيها أبدا سلح رقيق لزج، ~~فمتى ألح عليها الصقر- وقد علمت أن سلاحها [7] من أجود سلاحها، وأنها إذا ~~ذرقته بقي كالمكتوف، أو المدبق [8] المقيد فعند ذلك تجتمع الحباريات على ~~الصقر فينتفن ريشه كله طاقة طاقة [9] وفي ذلك هلاك الصقر. ### || 1555- [سلاح بعض الحيوان] # قال: وإنما الحبارى في سلاحها كالظرابي في فسائها، وكالثعلب في سلاحه [7] ~~، وكالعقرب في إبرتها، والزنبور في شعرته، والثور في قرنه، والديك في ~~صيصيته [10] ، والأفعى في نابها، والعقاب في كفها، والتمساح في ذنبه. # وكل شيء معه سلاح فهو أعلم بمكانه. وإذا عدم السلاح كان أبصر بوجوه ~~PageV05P238 # الهرب؛ كالأرنب في إيثارها للصعداء، لقصر يديها، وكاستعمال الأرانب ~~للتوبير [1] والوطء على الزمعات [2] ، واتخاذ اليرابيع. القاصعاء ~~والنافقاء، والداماء، والراهطاء [3] . ### || 1556- [شعر في الحبارى] # وقال الشاعر [4] : [من الوافر] # وهم تركوك أسلح من حبارى ... رأت صقرا وأشرد من نعام # يريد: نعامة. وقال قيس بن زهير: [من الطويل] # متى تتحزم بالمناطق ظالما ... لتجري إلى شأو بعيد وتسبح # تكن كالحبارى إن أصيبت فمثلها ... أصيب وإن تفلت من الصقر تسلح # وقال ابن أبي فنن، يصف ناسا من الكتاب، في قصيدة له ذكر فيها خيانتهم، ~~فقال [5] : [من الوافر] # رأوا مال الإمام لهم حلالا ... وقالوا الدين دين بني صهارى # ولو كانوا يحاسبهم أمين ... لقد سلحوا كما سلح الحبارى ### || 1557- [الخرب ms0814 والنهار] # والخرب: ذكر الحبارى. والنهار: فرخ الحبارى. وفرخها حارض [6] ساقط لا خير ~~فيه. وقال متمم بن نويرة [7] : [من الطويل] # وضيف إذا أرغى طروقا بعيره ... وعان ثوى في القد حتى تكنعا [8] ~~PageV05P239 # وأرملة تمشي بأشعث محثل ... كفرخ الحبارى رأسه قد تصوعا [1] # وقال أعرابي [2] : [من الرجز] # أحب أن أصطاد ضبا سحبلا ... وخربا يرعى ربيعا، أرملا [3] # فجعل الخرب أرمل، لأن ريشه يكون أكثر. وقد ذكرنا ما في هذا الباب فيما قد ~~سلف من كتابنا [4] . ### || 1558- [خبر فيه ذكر الحبارى] # وقال أبو الحسن المدائني: قال سعيد النواء: قدمت المدينة فلقيت علي بن ~~الحسين، فقلت: يا ابن رسول الله، متى يبعث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب؟ # قال: إذا بعث الناس. # قال: ثم تذاكرنا أيام الجمل فقال: ليته كان ممنوعا قبل ذلك بعشرين سنة- ~~أو كلمة غير هذه- قال: فأتيت حسن بن حسن. فذكرت له ما قال، فقال: لوددت ~~والله أنه كان يقاتلهم إلى اليوم! قال: فخرجت من فوري ذلك إلى علي بن ~~الحسين، فأخبرته بما قال، فقال: إنه لقليل الإبقاء على أبيه. # قال: وبلغ الخبر المختار فقال: أيضرب [5] بين ابني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ لأقتلنه! فتواريت ما شاء الله، ثم لم أشعر إلا وأنا بين يديه، ~~فقال: الحمد لله الذي أمكنني منك! قال فقلت: أنت استمكنت مني؟ أما والله ~~لولا رؤيا رأيتها لما قدرت علي! قال: وما رأيت؟ فقلت: رأيت عثمان بن عفان. ~~فقالت: أنت عثمان بن عفان؟ فقال: أنا حبارى، تركت أصحابي حيارى، لا يهود ~~ولا نصارى! فقال: يا أهل الكوفة انظروا إلى ما أرى الله عدوكم! ثم خلى ~~سبيلي. [وقد روي هذا الكلام عن شتير بن شكل، أنه رأى معاوية في النوم فقال ~~الكلام الذي روي عن عثمان. PageV05P240 # ووجه كلام علي بن الحسين الذي رواه عنه سعيد النواء، إن كان صادقا فإنه ~~للذي كان يسمع من الغالية [1] ، من الإفراط والغلو والفحش. # فكأنه إنما أراد كسرهم، وأن يحطهم عن الغلو إلى القصد [2] ؛ فإن دين الله ~~عز وجل بين التقصير والغلو، وإلا فعلي بن الحسين أفقه ms0815 في الدين، وأعلم ~~بمواضع الإمامة، من أن يخفى عليه فضل [3] ما بين علي وبين طلحة والزبير. ### || 1559- [شعر ومعرفة في الحبارى] # وقال الكميت [4] : [من الطويل] # وعيد الحبارى من بعيد تنفشت ... لأزرق مغلول الأظافير بالخضب [5] # والحبارى طائر حسن. وقد يتخذ في الدور. # وناس كثير من العرب وقريش يستطيبون محسي الحبارى جدا. # قال: والحبارى من أشد الطير طيرانا، وأبعدها مسقطا وأطولها شوطا، وأقلها ~~عرجة [6] . وذلك أنها تصطاد بظهر البصرة عندنا، فيشقق عن حواصلها. فيوجد ~~فيه الحبة الخضراء غضة، لم تتغير ولم تفسد. # وأشجار البطم [7] وهي الحبة الخضراء بعيدة المنابت منا وهي علوية أو ~~ثغرية [8] ، أو جبلية. فقال الشاعر [9] : [من المنسرح] # ترتعي الضرو من براقش أو هيلا ... ن أو يانعا من العتم PageV05P241 # شجر الزيتون. والضر وشجر البطم، وهي الحبة الخضراء بالجبال شجرتها. # وقال الكودن العجلي، ويروى العكلي: «البطم لا يعرفه أهل الجلس» ، وبلاد ~~نجد هي الجلس، وهو ما ارتفع. والغور هو ما انخفض. # وبراقش: واد باليمن، كان لقوم عاد. وبراقش: كلبة كانت تتشاءم بها العرب ~~[1] . وقال حمزة بن بيض [2] : [من الخفيف] # بل جناها أخ علي كريم ... وعلى أهلها براقش تجني ### | باب في الضأن والمعز # (القول في الضأن والمعز) قال صاحب الضأن: قال الله تبارك وتعالى: ثمانية ~~أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين # [3] ، فقدم ذكر الضأن. # وقال عز وجل: وفديناه بذبح عظيم # [4] . وقد أجمعوا على أنه كبش. ولا شيء أعظم مما عظم الله عز وجل، ومن ~~شيء فدي به نبي. # وقال تعالى: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة # [5] ولم يقل إن هذا أخي له تسع وتسعون عنزا ولي عنز واحدة؛ لأن الناس ~~يقولون: كيف النعجة؟ يريدون الزوجة. # وتسمي المها من بقر الوحش نعاجا ولم تسم بعنوز. وجعله [6] الله عز وجل ~~السنة في الأضاحي. والكبش للعقيقة [7] وهدية العرس وجعل الجذع [8] من ~~PageV05P242 # الضأن كالثني [1] من المعز في الأضحية. # وهذا ما فضل الله به الضأن في الكتاب والسنة. ### || 1560- [فضل الضأن على المعز] # تولد الضأن مرة في السنة، وتفرد ولا تتئم. والماعزة قد تولد ms0816 مرتين، وقد ~~تضع الثلاث وأكثر وأقل. # والبركة والنماء والعدد في الضأن، والخنزيرة كثيرة الخنانيص. يقال إنها ~~تلد عشرين خنوصا. ولا نماء فيها [2] . # قال: وفضل الضأن على المعز أن الصوف أغلى وأثمن وأكثر قدرا من الشعر. # والمثل السائر: «إنما فلان كبش من الكباش» . وإذا هجوه قالوا: «إنما هو ~~تيس من التيوس» إذا أرادوا النتن أيضا. فإذا أرادوا الغاية في الغباوة ~~قالوا [3] : «ما هو إلا تيس في سفينة!» . # والحملان يلعب بها الصبيان، والجداء لا يلعب بها. ولبن الضأن أطيب وأخثر ~~[4] وأدسم، وزبده أكثر. ورؤوس الضأن المشوية هي الطيبة المفضلة، ورؤوس ~~المعز ليس عندها طائل. # ويقال رؤوس الحملان، ولا يقال رؤوس العرضان [5] . # ويقال للوطي الذي يلعب بالحدر [6] من أولاد الناس: «هو يأكل رؤوس ~~PageV05P243 # الحملان» ؛ لمكان ألية الحمل، ولأنه أخدل [1] وأرطب. ولم يقولوا في ~~الكناية والتعريض: هو يأكل رؤوس العرضان. # والشواء المنعوت شواء الضأن، وشحمه يصير كله إهالة [2] أوله وآخره. ~~والمعز يبقى شحمه على حاله، وكذلك لحمه. ولذلك صار الخبازون الحذاق قد ~~تركوا الضأن؛ لأن المعز يبقى شحمه ولحمه، فيصلح لأن يسخن مرات، فيكون أربح ~~لأصحاب العرس. # والكباش للهدايا وللنطاح [3] . فتلك فضيلة في النجدة وفي الثقافة، ومن ~~الملوك من يراهن عليها، ويضع السبق عليها، كما يراهن على الخيل. # والكبش الكراز [4] يحمل الراعي وأداة الراعي. وهو له كالحمار في الوقير ~~[5] . # ويعيش الكراز عشرين سنة. # وإذا شبق الراعي واغتلم اختار النعجة على العنز. وإذا نعتوا شكلا من ~~أشكال مشي البراذين [6] الفره [7] قالوا: هو يمشي مشي النعاج. # وقال الله عز وجل: ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها # [8] فقدم الصوف. # والبخت [9] هي ضأن الإبل، منها الجمازات [10] . والجواميس هي ضأن البقر. # يقال للجاموس الفارسية: «كاوماش» . # ولا يذكر الماعز بفضيلة إلا ارتفاع ثمن جلده، وغزارة لبنه. فإذا صرت إلى ~~عدد كثرة النعاج وجلود النعاج والضأن كلها أربى ذلك على ما يفضل به الماعز ~~الضأن في ثمن الجلد، والغزر في اللبن. PageV05P244 ### || 1561- [قول ابنة الخس ودغفل في المعز] # وقيل لابنة الخس: ما تقولين في مائة من الماعز؟ قالت: قنى! قيل: فمائة من ~~الضأن؟ قالت: ms0817 غنى. قيل: فمائة من الإبل؟ قالت: منى! [1] وسئل دغفل بن حنظلة ~~عن بني مخزوم، فقال: معزى مطيرة، عليها قشعريرة، إلا بني المغيرة؛ فإن فيهم ~~تشادق الكلام، ومصاهرة الكرام [2] . ### || 1562- [ما قيل من الأمثال في العنز] # وتقول العرب: «لهو أصرد من عنز جرباء!» [3] وتقول العرب: «العنز تبهي ولا ~~تبني» [4] لأن العنز تصعد على ظهور الأخبية فتقطعها بأظلافها، والنعجة لا ~~تفعل ذلك. # هذا. وبيوت الأعراب إنما تعمل من الصوف والوبر، فليس للماعز فيها معونة، ~~وهي تخرقها. وقال الأول [5] : [من مجزوء البسيط] # لو نزل الغيث لأبنين امرأ ... كانت له قبة، سحق بجاد [6] # أبناه: إذا جعل له بناء. وأبنية العرب: خيامهم؛ ولذلك يقولون: بنى فلان ~~على امرأته البارحة. ### || 1563- [ضرر لحم الماعز] # وقال لي شمؤون الطبيب: يا أبا عثمان، إياك ولحم الماعز؛ فإنه يورث الهم، ~~ويحرك السوداء، ويورث النسيان، ويفسد الدم وهو والله يخبل الأولاد! [7] . ~~PageV05P245 # وقال الكلابي: «العنوق بعد النوق» [1] ، ولم يقل: الحمل بعد الجمل. # وقال عمرو بن العاص للشيخ الجهني المعترض عليه في شأن الحكمين: وما أنت ~~والكلام يا تيس جهينة؟! ولم يقل يا كبش جهينة؛ لأن الكبش مدح والتيس ذم. # وأما قوله: «إن الظلف لا يرى مع الخف» فالبقر والجواميس والضأن والمعز في ~~ذلك سواء. # قال: وأتي عبد الملك بن مروان في دخوله الكوفة على موائد بالجداء، فقال: # فأين أنتم عن العماريس [2] ؟ فقيل له: عماريس الشام أطيب!. # وفي المثل: «لهو أذل من النقد» [3] . النقد هو المعز. وقال الكذاب ~~الحرمازي [4] : # [من الرجز] # لو كنتم قولا لكنتم فندا ... أو كنتم ماء لكنتم زبدا # أو كنتم شاء لكنتم نقدا ... أو كنتم عودا لكنتم عقدا ### || 1564- [اشتقاق الأسماء من الكبش] # قال: والمرأة تسمى كبشة، وكبيشة. والرجل يكنى أبا كبشة، وقال أبو قردودة ~~[5] : [من المتقارب] # كبيشة إذ حاولت أن تب ... ين يستبق الدمع مني استباقا # وقامت تريك غداة الفراق ... كشحا لطيفا وفخذا وساقا [6] PageV05P246 # ومنسدلا كمثاني الحبا ... ل توسعه زنبقا أو خلاقا [1] # وأول هذه القصيدة: # كبيشة عرسي تريد الطلاقا ... وتسألني بعد وهن فراقا ### || 1565- [قول القصاص في تفضيل الكبش على التيس] # وقال ms0818 بعض القصاص [2] : ومما فضل الله عز وجل به الكبش أن جعله مستور ~~العورة من قبل ومن دبر، ومما أهان الله تعالى به التيس أن جعله مهتوك ~~الستر، مكشوف القبل والدبر. ### || 1566- [التيس في الهجاء] # وقال حسان بن ثابت الأنصاري [3] : [من الطويل] # سألت قريشا كلها فشرارها ... بنو عامر شاهت وجوه الأعابد [4] # إذا جلسوا وسط الندي تجاوبوا ... تجاوب عتدان الربيع السوافد [5] # وقال آخر [6] : [من الوافر] # أعثمان بن حيان بن أدم ... عتود في مفارقه يبول # ولو أني أشاء قد ارفأنت ... نعامته ويعلم ما أقول [7] # وقال الشاعر: [من الكامل] # سميت زيدا كي تزيد فلم تزد ... فعاد لك المسمي فسماك بالقحر [8] # وما القحر إلا التيس يعتك بوله ... عليه ويمذي في اللبان وفي النحر [9] ~~PageV05P247 ### || 1567- [نتن التيوس] # فالتيس كالكلب؛ لأنه يقزح [1] ببوله، فيريد به حاق [2] خيشومه. وبول ~~التيس من أخثر البول وأنتنه، وريح أبدان التيوس إليها ينتهي المثل. ولو كان ~~هذا العرض في الكبش لكان أعذر له؛ لأن الخموم واللخن، والعفن والنتن، لو ~~عرض لجلد ذي الصوف المتراكم، الصفيق الدقيق، والملتف المستكثف؛ لأن الريح ~~لا تتخلله، والنسيم لا يتخرقه- لكان ذلك أشبه. # فقد علمنا الآن أن للتيس مع تخلخل شعره، وبروز جلده [3] وجفوف عرقه، ~~وتقطع بخار بدنه- فضلا ليس لشيء سواه. والكلب يوصف بالنتن إذا بله المطر. # والحيات توصف بالنتن. ولعل ذلك أن يجده من وضع أنفه على جلودها. # وبول التيس يخالط خيشومه. وليس لشيء من الحيوان ما يشبه هذا، إلا ما ~~ذكرنا من الكلب، على أن صاحب الكلب قد أنكر هذا. # وجلود التيوس، وجلود آباط الزنج، منتنة العرق، وسائر ذلك سليم. والتيس ~~إبط كله [4] ، ونتنه في الشتاء كنتنه في الصيف. وإنا لندخل السكة وفي ~~أقصاها تياس [5] ، فنجد نتنها من أدناها، حتى لا يكاد أحدنا يقطع تلك السكة ~~إلا وهو مخمر الأنف. إلا ما كان مما طبع الله عز وجل عليه البلوي وعليا ~~الأسواري؛ فإن بعضهما صادق بعضا على استطابة ريح التيوس. وكان ربما جلسا ~~على باب التياس؛ ليستنشقا تلك الرائحة، فإذا مر بهما من يعرفهما وأنكر ~~مكانهما، ادعيا أنهما ms0819 ينتظران بعض من يخرج إليهما من بعض تلك الدور. ### || 1568- [المكي وجاريته] # فأما المكي فإنه تعشق جارية يقال لها سندرة، ثم تزوجها نهارية [6] وقد ~~PageV05P248 # دعاني إلى منزلها غير مرة، وخبرني أنها كانت ذات صنان، وأنه كان معجبا ~~بذلك منها، وأنها كانت تعالجه بالمرتك [1] ، وأنه نهاها مرارا حتى غضب ~~عليها في ذلك. # قال: فلما عرفت شهوتي كانت إذا سألتني حاجة ولم أقضها قالت: والله ~~لأتمرتكن، ثم والله لأتمرتكن، ثم والله لأتمرتكن! فلا أجد بدا من أن أقضي ~~حاجتها كائنا ما كان. ### || 1569- [اشتهاء ريح الكرياس] # وحدثني مويس بن عمران، وكان هو والكذب لا يأخذان في طريق، ولم يكن عليه ~~في الصدق مؤونة، لإيثاره له حتى كان يستوي عنده ما يضر وما لا يضر- قال: # كان عندنا رجل يشتهي ريح الكرياس [2] لا يشفيه دونه شيء، فكان قد أعد ~~مجوبا [3] أو سكة حديد في صورة المبرد، فيأتي الكراييس التي تكون في الأزقة ~~القليلة المارة، فيخرق الكرياس ولا يبالي، أكان من خزف أو من خشب، ثم يضع ~~منخريه عليه، حتى يقضي وطره. # قال: فلقي الناس من سيلان كراييسهم شرا حتى عثروا عليه فما منعهم من حبسه ~~إلا الرحمة له من تلك البلية، مع الذي رأوا من حسن هيئته، فقال لهم: يا ~~هؤلاء، لو مررتم بي إلى السلطان كان يبلغ من عقابي أكثر مما أبلغ من نفسي؟ ~~قالوا: # لا والله! وتركوه. ### || 1570- [نتن العنز] # قالوا: وهذا شأن التيس، وهو أبو العنز. «ولا تلد الحية إلا حية» [4] ، ~~ولا بد لذلك النتن عن ميراث في ظاهر أو باطن. وأنشدوا لابن أحمر [5] : [من ~~البسيط] # إني وجدت بني أعيا وجاملهم ... كالعنز تعطف روقيها فترتضع [6] # وهذا عيب لا يكون في النعاج. PageV05P249 ### || [مثالب العنز] # والعنز هي التي ترتضع من خلفها وهي محفلة [1] ، حتى تأتي على أقصى لبنها، ~~وهي التي تنزع الوتد وتقلب المعلف، وتنثر ما فيه. # وإذا ارتعت الضائنة [2] والماعزة في قصيل [3] ، نبت ما تأكله الضائنة [2] ~~، ولا ينبت ما تأكله الماعزة، لأن الضائنة تقرض بأسنانها وتقطع، والماعزة ~~تقبض عليه فتثيره وتجذبه، وهي في ذلك تأكله. ms0820 ويضرب بها المثل بالموق [4] في ~~جلبها حتفها على نفسها. وقال الفرزدق [5] : [من الطويل] # فكانت كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها ### || 1571- [تيس بني حمان] # وقال الشاعر [6] : [من الطويل] # لعمرك ما تدري فوارس منقر ... أفي الرأس أم في الإست تلقى الشكائم [7] # وألهى بني حمان عسب عتودهم ... عن المجد حتى أحرزته الأكارم # وذلك أن بني حمان تزعم أن تيسهم قرع شاة بعد أن ذبح وأنه ألقحها [8] . ### || 1572- [أعجوبة الضأن] # قالوا: في الضأن أعجوبة؛ وذلك أن النعجة ربما عظمت أليتها حتى تسقط على ~~الأرض، ويمنعها ذلك من المشي، فعند الكبش رفق في السفاد، وحذق لم يسمع ~~بأعجب منه، وذلك أنه يدنو منها ويقف منها موقفا يعرفه، ثم يصك [9] أحد ~~جانبي الألية بصدره، بمقدار من الصك يعرفه، فيفرج عن حياها [10] المقدار ~~الذي لا يعرفه غيره، ثم يسفدها في أسرع من اللمح. PageV05P250 ### || 1573- [فضل الضأن على الماعز] # وقالوا: والضأن أحمل للبرد والجمد وللريح والمطر. # قالوا: ومن مفاخر الضأن على المعز أن التمثيل الذي كان عند كسرى والتخيير ~~[1] ، إنما كان بين النعجة والنخلة، ولم يكن هناك للعنز ذكر وعلى ذلك الناس ~~إلى اليوم. # والموت إلى المعزى أسرع، وأمراضها أكثر. وإنما معادن [2] الغنم الكثير ~~الذي عليه يعتمد الناس- الجبال، والمعز لا تعيش هناك. وأصواف الكباش أمنع ~~للكباش من غلظ جلود المعز. ولولا أن أجواف الماعز أبرد وكذلك كلاها، لما ~~احتشت من الشحم كما تحتشي. ### || 1574- [جمال ذكورة الحيوان وقبح التيوس] # [3] وذكورة كل جنس أتم حسنا من إناثها. وربما لم يكن للإناث شيء من ~~الحسن، وتكون الذكورة في غاية الحسن؛ كالطواويس والتدارج [4] . وإناثها لا ~~تدانيها في الحسن، ولها من الحسن مقدار، وربما كن دون الذكورة، ولهن من ~~الحسن مقدار، كإناث الدراريج والقبج [5] والدجاج والحمام، والوراشين، ~~وأشباه ذلك. # وإذا قال الناس: تياس، عرف معناه واستقذرت صناعته. وإذا قالوا: كباش، ~~فإنما يعنون بيع الكباش واتخاذها للنطاح. # والتيوس قبيحة جدا. وزاد في قبحها حسن الصفايا [6] . ### || 1575- [التشبيه بالكباش والتفاؤل بها] # وإذا وصفوا أعذاق [7] النخل العظام قالوا: كأنها كباش. PageV05P251 # وقال الشاعر: [من الطويل] # كأن كباش ms0821 الساجسية علقت ... دوين الخوافي أو غراير تاجر [1] # وصور عبيد الله بن زياد، في زقاق قصره، أسدا، وكلبا، وكبشا [2] فقرنه مع ~~سبعين عظيمي الشأن: وحشي، وأهلي؛ تفاؤلا به. ### || 1576- [شعر في ذم العنز ] # ومما ذموا فيه العنز دون النعجة قول أبي الأسود الدؤلي [3] : [من الطويل] # ولست بمعراض إذا ما لقيته ... يعبس كالغضبان حين يقول # ولا بسبس كالعنز أطول رسلها ... ورئمانها يومان ثم يزول [4] # وقال أبو الأسود أيضا [5] : [من المتقارب] # ومن خير ما يتعاطى الرجال ... نصيحة ذي الرأي للمجتبيها # فلا تك مثل التي استخرجت ... بأظلافها مدية أو بفيها # فقام إليها بها ذابح ... ومن تدع يوما شعوب يجيها [6] # فظلت بأوصالها قدرها ... تحش الوليدة أو تشتويها [7] # وقال مسكين الدارمي [8] : [من الطويل] # إذا صبحتني من أناس ثعالب ... لترفع ما قالوا منحتهم حقرا [9] # فكانوا كعنز السوء تثغو لحينها ... وتحفر بالأظلاف عن حتفها حفرا [10] # وقال الفرزدق [11] : [من الطويل] PageV05P252 # وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها # وكان كعنز السوء قامت بظلفها ... إلى مدية تحت التراب تثيرها ### || 1577- [أمنية أبي شعيب القلال] # وقال رمضان لأبي شعيب القلال- وأبو الهذيل حاضر-: أي شيء تشتهي؟ # وذلك نصف النهار، وفي يوم من صيف البصرة. قال أبو شعيب: أشتهي أن أجيء ~~إلى باب صاحب سقط [1] ، وله على باب حانوته ألية معلقة، من تلك المبزرة ~~المشرجة [2] ، وقد اصفرت، وودكها يقطر من حاق السمن [3] ، فآخذ بحضنها ثم ~~أفتح لها فمي، فلا أزال كدما كدما، ونهشا نهشا، وودكها يسيل على شدقي، حتى ~~أبلغ عجب الذنب [4] ! قال أبو الهذيل: ويلك قتلتني قتلتني!! يعني من ~~الشهوة. ### | باب في الماعز # قال صاحب الماعز: في أسماء الماعز وصفاتها، ومنافعها وأعمالها، دليل على ~~فضلها. فمن ذلك أن الصفية [5] أحسن من النعجة. وفي اسمها دليل على تفضيلها. # ولبنها أكثر أضعافا، وأولادها أكثر أضعافا، وزبدها أكثر وأطيب. # وزعم [6] أبو عبد الله العتبي أن التيس المشراطي قرع في يوم واحد نيفا ~~وثمانين قرعة. وكان قاطع الشهادة. وقد بيع من نسل المشراطي وغيره الجدي ~~بثمانين درهما. والشاة بنحو من ذلك. # وتحلب خمسة مكاكيك وأكثر. ms0822 وربما بيع الجلد جلد الماعز فيشتريه الباضوركي ~~[7] بثمانين درهما وأكثر. PageV05P253 # والشاة إذا كانت كذلك فلها غلة نافعة تقوم بأهل البيت. # والنعال البقرية من السبت [1] وغير السبت مقسوم نفعها بين الماعز والبقر، ~~لأن للشرك [2] من جلودها خطرا. وكذلك القبال والشسع [3] . # ووصف حميد بن ثور جلدا من جلودها، فقال [4] : [من الطويل] # تتابع أعوام علينا أطبنها ... وأقبل عام أصلح الناس واحد # وجاءت بذي أونين مازال شاته ... تعمر حتى قيل هل مات خالد # وقال راشد بن سهاب [5] : [من الطويل] # ترى رائدات الخيل حول بيوتنا ... كمعزى الحجاز أعوزتها الزرائب ### || 1578- [لحم الماعز والضأن] # ومن منافعها الانتفاع بشحم الثرب والكلية، وهما فوق شحم الألية. وإذا ~~مدحوا اللحم قالوا: لحم الماعز الخصي الثني! وقال الشاعر [6] : [من الوافر] # كأن القوم عشوا لحم ضأن ... فهم نعجون قد مالت طلاهم # والممرورون الذين يصرعون، إذا أكلوا لحم الضأن اشتد ما بهم، حتى يصرعهم ~~ذلك في غير أوان الصرع. # وأوان الصرع الأهلة وأنصاف الشهور. وهذان الوقتان هما وقت مد البحر ~~وزيادة الماء. ولزيادة القمر إلى أن يصير بدرا أثر بين في زيادة الدماء ~~والأدمغة، وزيادة جميع الرطوبات [7] . PageV05P254 ### || 1579- [أمثال في المعز والضأن] # ويقال: «فلان ماعز من الرجال» [1] ، و «فلان أمعز من فلان» . والعتاق معز ~~الخيل، والبراذين ضأنها. # وإذا وصفوا الرجل بالضعف والموق [2] قالوا: «ما هو إلا نعجة من النعاج» . # ويقولون في التقديم والتأخير: «ما له سبد ولا لبد» [3] . # وقال الشاعر [4] : [من الكامل] # نشبي وما جمعت من صفد ... وحويت من سبد ومن لبد # همم تقاذفت الهموم بها ... فنزعن من بلد إلى بلد # يا روح من حسمت قناعته ... سبب المطامع من غد وغد [5] # من لم يكن لله متهما ... لم يمس محتاجا إلى أحد # وهذا شعر رويته على وجه الدهر. # وزعم لي حسين بن الضحاك أنه له. وما كان ليدعي ما ليس له. # وقال لي سعدان المكفوف: لا يكون: «فنزعن من بلد إلى بلد» بل كان ينبغي أن ~~يقول: «فنازعن» [6] . ### || 1580- [فضل الماعز] # وقال: والماعزة قد تولد في السنة مرتين، إلا ما ألقي منها في الدياس [7] ~~. ولها في ms0823 الدياس نفع موقعه كبير. وربما باعوا عندنا بطن الماعز [8] بثمن ~~شاة من الضأن. PageV05P255 # قال: والأقط [1] للمعز. وقرونها هي المنتفع بها. # قال: والجدي أطيب من الحمل وأكرم. وربما قدموا على المائدة الحمل مقطوع ~~الألية من أصل الذنب؛ ليوهموا أنه جدي. # وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه- وعقول الخلفاء فوق عقول الرعية، وهم ~~أبصر بالعيش، استعملوا ذلك أو تركوه- فقال [2] : أترون أني لا أعرف ~~الطيبات؟ # لباب البر بصغار المعزى! وملوكنا يحمل معهم في أسفارهم البعيدة الصفايا ~~الحوامل، المعروفات أزمان الحمل والوضع، ليكون لهم في كل منزل جداء معدة. ~~وهم يقدرون على الحملان السمان بلا مؤونة. # والعناق الحمراء والجداء، هي المثل في المعز والطيب. ويقولون: جداء ~~البصرة، وجداء كسكر. # وسلخ الماعز على القصاب أهون. والنجار يذكر في خصال الساج [3] سلسه [4] ~~تحت القدوم والمثقب والميشار. ### || 1581- [أمارات حمل الشاة] # وقيل لأعرابي [5] : بأي شيء تعرف حمل شاتك؟ قال: إذا تورم حياها ودجت [6] ~~شعرتها واستفاضت خاصرتها. # وللداجي يقال: قد كان ذلك وقد دجا ثوب الإسلام [7] ، وكان ذلك وثوب ~~الإسلام داج. PageV05P256 ### || 1582- [المرعزي وقرابة الماعزة من الناس] # قال: وللماعز المرعزي [1] ؛ وليس للضأن إلا الصوف. # والكساء كلها صوف ووبر وريش وشعر، وليس الصوف إلا للضأن. # وذوات الوبر كالإبل والثعالب، والخزز [2] والأرنب، وكلاب الماء، والسمور ~~[3] ، والفنك [4] ، والقاقم [5] ، والسنجاب، والدباب [6] . # والتي لها شعر كالبقر والجواميس، والماعز، والظباء، والأسد، والنمور، ~~والذئاب، والببور [7] ، والكلاب، والفهود، والضباع، والعتاق، والبراذين، ~~والبغال، والحمير، وما أشبه ذلك. # والإنسان الذي جعله الله تعالى فوق جميع الحيوان في الجمال والاعتدال، ~~وفي العقل والكرم، ذو شعر. # فالماعزة بقرابتها من الناس بهذا المعنى أفخر وأكرم. ### || 1583- [الماعز التي لا ترد] # وزعم الأصمعي أن لبني عقيل ما عزا لا ترد [8] ؛ فأحسب واديهم أخصب واد ~~وأرطبه. أليس هذا من أعجب العجب؟!. ### || 1584- [جلود الماعز] # ومن جلودها تكون القرب، والزقاق [9] ، وآلة المشاعل [10] ، وكل نحي [11] ~~PageV05P257 # وسعن [1] ، ووطب [2] ، وشكية [3] وسقاء، ومزادة، مسطوحة كانت أو مثلوثة ~~[4] . # ومنها ما يكون الخون [5] ، وعكم السلف [6] ، والبطائن والجرب. ومن ~~الماعزة تكون أنطاع [7] البسط، وجلال [8] الأثقال في الأسفار، وجلال قباب ~~الملوك، وبقباب الأدم تتفاخر العرب. وللقباب ms0824 الحمر قالوا: مضر الحمراء. ~~وقال عبيد بن الأبرص [9] : [من البسيط] # فاذهب إليك فإني من بني أسد ... أهل القباب وأهل الجرد والنادي [10] ### || 1585- [الفخر بالماعز] # وقالوا: وفخرتم بكبشة وكبيشة وأبي كبشة [11] ، فمنا عنز اليمامة وعنز ~~وائل، ومنا ماعز بن مالك، صاحب التوبة النصوح. # وقال صاحب الماعز: وطعنتم على الماعزة بحفرها عن حتفها [12] ، فقد قيل ~~ذلك للضأن. من ذلك قول البكري للعنبرية، وهي «قيلة» وصار معها إلى النبي ~~فسأله الدهناء [13] ، فاعترضت عنه قيلة، فقال لها البكري: إني وإياك كما ~~قال القائل [14] : PageV05P258 # «عن حتفها تبحث ضأن بأظلافها!» ، فقالت له العنبرية: مهلا، فإنك ما علمت: # جوادا بذي الرجل [1] ، هاديا في الليلة الظلماء، عفيفا عن الرفيقة! فقال: ~~لازلت مصاحبا بعد أن أثنيت علي بحضرة الرسول بهذا!. ### || 1586- [ضرر الضأن ونفع الماعز] # وقالوا: والنعجة حرب [2] ، واتخاذها خسران، إلا أن تكون في نعاج سائمة، ~~لأنها لا ترفع رأسها من الأكل. والنعجة آكل من الكبش، والحجر آكل من الفحل، ~~والرمكة آكل من البرذون. والنعجة لا يقوم نفعها بمؤونتها. والعنز تمنع الحي ~~الجلاء [3] ، فإن العرب تقول: إن العنوق [4] تمنع الحي الجلاء. # والصفية من العراب أغزر من بختية [5] بعيدا. # ويقال [6] : «أحمق من راعي ضأن ثمانين!» . ### || 1587- [كرم الماعز] # وأصناف أجناس الأظلاف وكرامها بالمعز أشبه، لأن الظباء والبقر من ذوات ~~الأذناب والشعر، وليست من ذوات الألايا [7] والصوف. # والشمل [8] ، والتعاويذ والقلائد، إنما تتخذ للصفايا، ولا تتخذ للنعاج، ~~ولا يخاف على ضروعها العين والنفس. # والأشعار التي قيلت في الشاء إذا تأملتها وجدت أكثرها في المعز: في ~~صفاياها وفي حوها [9] ، وفي تيوسها وفي عنوقها وجدائها. PageV05P259 # وقال مخارق بن شهاب المازني- وكان سيدا كريما، وكان شاعرا- فقال يصف تيس ~~غنمه [1] : [من الطويل] # وراحت أصيلانا كأن ضروعها ... دلاء وفيها واتد القرن لبلب [2] # له رعثات كالشنوف وغرة ... شديخ ولون كالوذيلة مذهب [3] # وعينا أحم المقلتين وعصمة ... ثنى وصلها دان من الظلف مكثب [4] # إذا دوحة من مخلف الضال أربلت ... عطاها كما يعطو ذرى الضال قرهب [5] # تلاد رقيق الخد إن عد نجره ... فصردان نعم النجر منه وأشعب [6] # أبو الغر والحو اللواتي كأنها ... من الحسن في ms0825 الأعناق جزع مثقب [7] # إذا طاف فيها الحالبان تقابلت ... عقائل في الأعناق منها تحلب [8] # ترى ضيفها فيها يبيت بغبطة ... وضيف ابن قيس جائع يتحوب [9] # قال [10] : فوفد ابن قيس هذا، على النعمان، فقال له: كيف المخارق فيكم؟ # قال: سيد شريف، من رجل يمدح تيسه، ويهجو ابن عمه! وقال الراجز [11] : [من ~~الرجز] # أنعت ضأنا أمجرت غثاثا [12] PageV05P260 # والمجر: أن تشرب فلا تروى. وذلك من مثالبها. # وقال رجل لبعض ولد سليمان بن عبد الملك: ماتت أمك بغرا، وأبوك بشما [1] . # وقال أعرابي [2] : [من الكامل] # مولى بن تيم، ألست مؤديا ... منيحتنا كما تؤدى المنائح [3] # فإنك لو أديت صعدة لم تزل ... بعلياء عندي، ما ابتغي الربح رابح [4] # لها شعر داج وجيد مقلص ... وخلق زخاري وضرع مجالح [5] # ولو أشليت في ليلة رجبية ... لأرواقها هطل من الماء سافح [6] # لجاءت أمام الحالبين وضرعها ... أمام صفاقيها مبد مضارح [7] # وويل أمها كانت نتيجة واحد ... ترامى بها بيد الإكام القراوح [8] ### || 1588- [أصناف الظلف وأصناف الحافر] # ليس سبيل أصناف الظلف في التشابه سبيل أصناف الحافر، والخف. واسم النعم ~~يشتمل على الإبل والبقر والغنم. وبعد بعض الظلف من بعض، كبعده من الحافر ~~والخف؛ لأن الظلف للضأن والمعز والبقر والجواميس والظباء والخنازير وبقر ~~الوحش، وليس بين هذه الأجناس تسافد ولا تلاقح، لا الغنم في الغنم من الضأن ~~والماعز، ولا الغنم في سائر الظلف ولا شيء من سائر تلك الأجناس تسافد غيرها ~~أو تلاقحها. فهي تختلف في الصوف والشعر، وفي الأنس والوحشة، وفي عدم ~~التلاقح والتسافد، وليس كذلك الحافر والخف. PageV05P261 ### || 1589- [رجز في العنز] # وقال الراجز [1] : [من الرجز] # لهفي على عنزين لا أنساهما ... كأن ظل حجر صغراهما # وصالغ معطرة كبراهما # قوله: صالغ، يريد انتهاء السن. والمعطرة: الحمراء؛ مأخوذة من العطر. ~~وقوله: # «كأن ظل حجر صغراهما» يريد أنها كانت سوداء، لأن ظل الحجر يكون أسود، ~~وكلما كان الساتر أشد اكتنازا كان الظل أشد سوادا. ### || 1590- [قولهم:أظل من حجر] # [2] ، ولا أدفأ من شجر [3] ، وليس يكون ظل أبرد ولا أشد سوادا من ظل جبل. ~~وكلما كان أرفع سمكا، وكان مسقط الشمس أبعد، وكان أكثر ms0826 عرضا وأشد اكتنازا، ~~كان أشد لسواد ظله. # ويزعم المنجمون أن الليل ظل الأرض، وإنما اشتد جدا لأنه ظل كرة الأرض. # وبقدر ما زاد بدنها في العظم ازداد سواد ظلها. # وقال حميد بن ثور [4] : [من الطويل] # إلى شجر ألمى الظلال كأنها ... رواهب أحرمن الشراب عذوب # والشفة الحماء يقال لها لمياء. يصفون بذلك اللثة. فجعل ظل الأشجار ~~الملتفة ألمى. PageV05P262 ### || 1591- [أقط الماعز] # وقال امرؤ القيس بن حجر [1] : [من الوافر] # لنا غنم نسوقها غزار ... كأن قرون جلتها العصي [2] # فدل بصفة القرون على أنها كانت ماعزة. ثم قال: # فتملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري [3] # فدل على أن الأقط منها يكون. ### || 1592- [استطراد لغوي] # وقال: ويقال لذوات الأظلاف: قد ولدت الشاة والبقرة، مضمومة الواو مكسورة ~~اللام مشدودة. يقال هذه شاة تحلب قفيزا، ولا يقال تحلب، والصواب ضم التاء ~~وفتح اللام. # ويقال أيضا: وضعت، في موضع ولدت. وهي شاة زبى، من حين تضع إلى خمسة عشر ~~يوما- وقال أبو زيد: إلى شهرين- من غنم رباب، مضمومة الراء على فعال، كما ~~قالوا: رجل ورجال، وظئر وظؤار وهي ربى بينة الرباب والربة بكسر الراء، ~~ويقال هي في ربابها. وأنشد [4] : [من الرجز] # حنين أم البو في ربابها [5] # والرباب مصدر، وفي الربى حديث عمر: «دع الربى والماخض والأكولة» [6] . # وقال أبو زيد: ومثل الربى من الضأن الرغوث، قال طرفة [7] : [من الوافر] ~~PageV05P263 # فليت لنا مكان الملك عمرو ... رغوثا حول قبتنا تخور # وقالوا: إذا وضعت العنز ما في بطنها قيل سليل ومليط. وقال أبو زيد: هي ~~ساعة تضعه من الضأن والمعز جميعا، ذكرا كان أو أنثى: سخلة، وجمعها سخل ~~وسخال. فلا يزال ذلك اسمه ما رضع اللبن، ثم هي البهمة للذكر والأنثى، ~~وجمعها بهم. وقال الشاعر [1] : [من البسيط] # وليس يزجركم ما توعظون به ... والبهم يزجرها الراعي فتنزجر # ويروى: «يزجر أحيانا» . وإذا بلغت أربعة أشهر وفصلت عن أمهاتها، وأكلت من ~~البقل واجترت، فما كان من أولاد المعز فهو جفر، والأنثى جفرة، والجمع جفار. # ومنه حديث عمر رضي الله عنه، حين قضى في الأرنب يصيبها المحرم ms0827 بجفر [2] . # فإذا رعى وقوي وأتى عليه حول فهو عريض، وجمعه عرضان. والعتود نحو منه، ~~وجمعه أعتدة وعتدان. وقال يونس: جمعه أعتدة وعتد. وهو في ذلك كله جدي، ~~والأنثى عناق. وقال الأخطل [3] : [من البسيط] # واذكر غدانة عتدانا مزنمة ... من الحبلق يبنى حولها الصير [4] # ويقال له إذا تبع أمه وفطم: تلو، والأنثى: تلوة؛ لأنه يتلو أمه. # ويقال للجدي: إمر والأنثى أمرة. وقالوا: هلع وهلعة. والبدرة: العناق ~~أيضا. # والعطعط: الجدي. فإذا أتى عليه الحول فالذكر تيس والأنثى عنز. ثم يكون ~~جذعا في السنة الثانية، والأنثى جذعة. ثم ثنيا في الثالثة، والأنثى ثنية. ~~ثم يكون رباعيا في الرابعة، والأنثى رباعية. ثم يكون سديسا، والأنثى سديس ~~أيضا مثل الذكر بغير هاء. # ثم يكون صالغا والأنثى صالغة. والصالغ بمنزلة البازل من الإبل، والقارح ~~من الخيل. # ويقال: قد صلغ يصلغ صلوغا، والجمع الصلغ. وقال رؤبة [5] : [من الرجز] ~~PageV05P264 # والحرب شهباء الكباش الصلغ # وليس بعد الصالغ شيء. # وقال الأصمعي: الحلام والحلان من أولاد المعز خاصة. وجاء في الحديث [1] : # «في الأرنب يصيبها المحرم حلام» . قال ابن أحمر [2] : [من البسيط] # تهدي إليه ذراع البكر تكرمة ... إما ذكيا وإما كان حلانا # ويروى: «ذراع الجدي» ويروى: «ذبيحا» ، والذبيح هو الذي أدرك أن يضحى به. ~~وقال مهلهل بن ربيعة [3] : [من الرجز] # كل قتيل في كليب حلام ... حتى ينال القتل آل همام [4] # وقالوا في الضأن كما قالوا في المعز، إلا في مواضع. قال الكسائي: هو ~~خروف، في موضع العريض، والأنثى خروفة. ويقال له حمل، والأنثى من الحملان ~~رخل والجمع رخال، كما يقال ظئر وظؤار وتوءم وتؤام. والبهمة: الضأن والمعز ~~جميعا. # فلا يزال كذلك حتى يصيف. فإذا أكل واجتر فهو فرير وفرارة وفرفور، وعمروس. # وهذا كله حين يسمن ويجتر. والجلام، بكسر الجيم وتعجيم نقطة من تحت الجيم. ~~قال الأعشى [5] : [من المتقارب] # سواهم جذعانها كالجلام ... وأقرح منها القياد النسورا # يعني الحوافر. # واليعر: الجدي، بإسكان العين، وقال البريق الهذلي [6] : [من الطويل] ~~PageV05P265 # مقيما بأملاح كما ربط اليعر # والبذج: من أولاد الضأن خاصة. وقال الراجز [1] : [من الرجز] # قد هلكت جارتنا ms0828 من الهمج ... فإن تجع تأكل عتودا أو بذج [2] # والجمع بذجان. ### || 1593- [دعاء أعرابي] # وقال أعرابي [3] : اللهم ميتة كميتة أبي خارجة! قالوا: وما ميتة أبي ~~خارجة؟ # قال: أكل بذجا، وشرب مشعلا، ونام في الشمس، فأتته المنية شبعان ريان ~~[دفآن] [4] !. ### || 1594- [تيس بني حمان] # وفي المثل [5] : «أغلم من # تيس بني حمان» . # وبنو حمان تزعم أنه قفط سبعين عنزا وقد فريت أوداجه. # فهذا من الكذب الذي يدخل في باب الخرافة. ### || 1595- [زعم لصاحب المنطق] # وقد ذكر أرسطوطاليس في كتاب الحيوان، أنه قد ظهر ثور وثب بعد أن خصي، ~~فنزا على بقرة فأحبلها. # ولم يحك هذا عن معاينة. والصدور تضيق بالرد على أصحاب النظر وتضيق بتصديق ~~هذا الشكل. PageV05P266 ### || 1596- [أحاديث في الغنم] # قال: وحدثنا سعد بن طريف، عن الأصبغ بن نباتة قال: سمعت عليا يقول: # «ما أهل بيت لهم شاة إلا يقدسون [1] كل ليلة» . # وقال: حدثنا عنبسة القطان، قال حدثنا السكن بن عبد الله بن عبد الأعلى ~~القرشي، عن رجل من الأنصار، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «امسحوا ~~رعام الشاء، ونقوا مرابضها من الشوك والحجارة، فإنها في الجنة» . # وقال: «ما من مسلم له شاة إلا قدس كل يوم مرة. فإن كانت له شاتان قدس في ~~كل يوم مرتين» . # قال: وحدثنا عنبسة القطان، بهذا الإسناد، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «أوصيكم بالشاء خيرا، فنقوا مرابضها من الحجارة والشوك فإنها في ~~الجنة» . # وعن محمد بن عجلان، عن وهب بن كيسان، عن محمد بن عمرو بن عطاء العامري من ~~بني عامر بن لؤي، أن رجلا مر على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وهو ~~بالعقيق، فقال: أين تريد؟ قال: أريد غنيمة لي. قال: امسح رعامها، وأطب ~~مراحها، وصل في جانب مراحها؛ فإنها من دواب الجنة [2] . # وعن فرج بن فضالة، عن معاوية بن صالح، عن رجل من أصحاب أبي الدرداء، أنه ~~عمل طعاما اجتهد فيه، ثم دعاه فأكل، فلما أكل قال [3] : الحمد لله الذي ~~أطعمنا الخمير، وألبسنا الحبير، بعد الأسودين: الماء والتمر. قال: وعند ~~صاحبه ضائنة ms0829 له، فقال: هذه لك؟ قال: نعم. قال: أطب مراحها واغسل رعامها، ~~فإنها من دواب الجنة، وهي صفوة الله من البهائم. # قال: وحدثنا إبراهيم بن يحيى، عن رجل، عن عطاء بن أبي رباح، عن أبي ~~هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: «إن الله عز وجل خلق الجنة ~~بيضاء، وخير الزي البياض» . قال: وبعث إلى الرعيان: «من كانت له غنم سود ~~فليخلطها بعفر، فإن دم عفراء أزكى من دم سوداوين» . # وحدثنا أبو المقدام قال: حدثنا عبد الرحمن بن حبيب، عن عطاء، عن ابن ~~PageV05P267 # عباس، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا بالرعاة فجمعوا له، فقال: «من ~~كان منكم يرعى غنما سودا فليخلط فيها بيضا» . # قال [1] : وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني اتخذت غنما رجوت نسلها ~~ورسلها وإني لا أراها تنمو. قال: «فما ألوانها؟» قالت: سود. قال: «عفري» . ~~أي اخلطي فيها بيضا. # قال: وحدثنا طلحة بن عمرو الحضرمي، عن عطاء، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: «الغنم بركة موضوعة، والإبل جمال لأهلها، والخير معقود في نواصي ~~الخيل إلى يوم القيامة» [2] . # حنظلة بن أبي سفيان المكي قال: سمعت طاووسا يقول: من ها هنا أطلع الشيطان ~~قرنيه، من مطلع الشمس. والجفاء والكبر في أهل الخيل والإبل، في الفدادين ~~أهل الوبر [3] . والسكينة في أهل الغنم [4] . # قال وحدثنا بكر بن خنيس، عن يحيى بن عبيد الله بن عبد الله بن موهب، عن ~~أبيه، عن أبي هريرة قال [5] : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رأس ~~الكفر قبل المشرق، والفخر والخيلاء في أهل الخيل والإبل والفدادين أهل ~~الوبر. والسكينة في أهل الغنم، والإيمان يمان والحكمة يمانية» . # وعن عوف بن أبي جميلة، عن الحسن، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ~~[6] : «الفخر في أهل الخيل، والجفاء في أهل الإبل، والسكينة في أهل الغنم» ~~. # وعن عثمان بن مقسم، عن نافع، أن ابن عمر حدثه أنه سمع النبي صلى الله ~~عليه وسلم يقول [6] : «السكينة في أهل الغنم» . # والفداد: الجافي الصوت والكلام. وأنشدنا أبو ms0830 الرديني العكلي: [من الرجز] # جاءت سليم ولها فديد PageV05P268 ### || 1597- [أخبار ونصوص في الغنم] # وكان من الأنبياء عليهم السلام من رعى الغنم [1] . ولم يرع أحد منهم ~~الإبل. # وكان منهم شعيب، وداود، وموسى، ومحمد؛ عليهم السلام. قال الله عز وجل: # وما تلك بيمينك يا موسى. قال هي عصاي أتوكؤا عليها وأهش بها على غنمي ولي ~~فيها مآرب أخرى # [2] . # وكان النبي صلى الله عليه وسلم يرعى غنيمات خديجة. # والمعزبون [3] بنزولهم البعد من الناس، في طباع الوحش. # وجاء في الحديث: «من بدا جفا» [4] . # ورعاء الغنم وأربابها أرق قلوبا، وأبعد من الفظاظة والغلظة. # وراعي الغنم إنما يرعاها بقرب الناس، ولا يعزب، ولا يبدو [5] ، ولا ينتجع ~~[6] . # قالوا: والغنم في النوم غنم. # وقالوا في الغنم: إذا أقبلت أقبلت، وإذا أدبرت أقبلت [7] . ### || 1598- [الحامي و السائبة و الوصيلة] # وكان لأصحاب الإبل مما يحرمونه على أنفسه: الحامي [8] والسائبة [9] ، ~~PageV05P269 # ولأصحاب الشاء الوصيلة [1] . ### || [العتيرة والرجبية الغذوى] # والعتيرة أيضا من الشاء. وكان أحدهم إذا نذر أن يذبح من العتائر والرجبية ~~كذا وكذا شاة، فبلغ الذي كان يتمنى في نذره، وشح على الشاء قال: والظباء ~~أيضا شاء، وهي تجزي إذا كانت شاء: فيجعل عتائره من صيد الظباء. وقال الحارث ~~بن حلزة [2] : [من الخفيف] # عنتا باطلا وظلما كما تع ... تر عن حجرة الربيض الظباء # وقال الطرماح [3] : [من الطويل] # كلون الغري الفرد أجسد رأسه ... عتائر مظلوم الهدي المذبح [4] # ومنها الغدوي [5] والغذوي جميعا. وقال الفرزدق [6] : [من الكامل] # ومهور نسوتهم إذا ما أنكحوا ... غذوي كل هبنقع تنبال [7] ### || 1599- [ميل الحيوان على شقة الأيسر] # وقال أبو عتاب: ليس في الأرض شاة ولا بعير ولا أسد ولا كلب يريد الربوض ~~إلا مال على شقه الأيسر، إبقاء على ناحية كبده. PageV05P270 # قال: ومتى تفقدتم الصفايا التي في البيوت، والنعاج، والجداء، والحملان ~~وجدتموها كذلك. ### || 1600- [معالجة العقاب الفريسة] # قال [1] : والعقاب تستعمل كفها اليمنى إذا أصعدت بالأرانب والثعالب في ~~الهواء، وإذا ضربت بمخالبها في بطون الظباء والذئاب. فإذا اشتكت كبدها أحست ~~بذلك، فلا تزال إذا اصطادت شيئا تأكل من كبده، حتى تبرأ. وإن لم تعاين ~~فريسة فربما ms0831 جلت [2] على الحمار الوحشي فتنقض عليه انقضاض الصخرة، فتقد ~~بدابرتها [3] ما بين عجب [4] ذنبه إلى منسجه [5] . وقد ذكرنا من شأنها في ~~باب القول فيها ما فيه كفاية. ### || 1601- [أخذ الحيوان على يساره حين الهرب] # قال [6] : وليس في الأرض هارب من حرب أو غيرها استعمل الحضر [7] إلا أخذ ~~على يساره، إذا ترك عزمه وسوم [8] طبيعته. وأنشد: [من الطويل] # تخامص عن وحشية وهو ذاهل ... وفي الجوف نار ليس يخبو ضرامها [9] # وأنشد الأصمعي للأعشى [10] : [من الطويل] # ويسر سهما ذا غرار يسوقه ... أمين القوى في ضالة المترنم [11] # فمر نضي السهم تحت لبانه ... وحال على وحشية لم يعتم [12] PageV05P271 # قال: ووضع: «على» موضع: «عن» . ### || 1602- [ميل شقشقة الجمل ولسان الثور] # وفي باب آخر يقول أوس بن حجر [1] : [من البسيط] # أو سركم في جمادى أن نصالحكم ... إذ الشقاشق معدول بها الحنك [2] # وذلك أنه ليس في الأرض جمل هاج وأخرج شقشقته إلا عدل بها إلى أحد شقي ~~حنكه، والثور إذا عدا عدل بلسانه عن شق شماله إلى يمينه. وقال عبدة بن ~~الطبيب [3] : [من البسيط] # مستقبل الريح يهفو وهو متبرك ... لسانه عن شمال الشدق معدول [4] ### || 1603- [حال الثور عند الكر والفر] # قال: وإذا كر الكلب أو الثور فهو يصنع خلاف صنيعه عند الفر. وقال الأعشى ~~[5] : [من الطويل] # فلما أضاء الصبح قام مبادرا ... وحان انطلاق الشاة من حيث يمما # فصبحه عند الشروق غدية ... كلاب الفتى البكري عوف بن أرقما # فأطلق عن مجنوبها فاتبعنه ... كما هيج السامي المعسل خشرما [6] # فأنحى على شؤمى يديه فذادها ... بأظمأ من فرع الذؤابة أسحما [7] ~~PageV05P272 # ثم قال: # وأدبر كالشعرى وضوحا ونقبة ... يواعس من حر الصريمة معظما [1] ### || 1604- [علة غزو العرب أعداءهم من شق اليمين] # قال: ولعلم العرب بأن طبع الإنسان داعية إلى الهرب من شق الشمال، يحبون ~~أن يأتوا أعداءهم من شق اليمين. قال: ولذلك قال شتيم بن خويلد: [من الطويل] # فجئناهم من أيمن الشق غدوة ... ويأتي الشقي الحين من حيث لا يدري # وأما رواية أصحابنا فهي: «فجئناهم من أيمن الشق عندهم» . ### || 1605- [الأعسر من الناس واليسر] # وإذا كان أكثر عمل الرجل ms0832 بيساره كان أعسر، فإذا استوى عملا بهما قيل ~~«أعسر يسر» [2] ، فإذا كان أعسر مصمتا فليس بمستوى الخلق، وهو عندهم إذا ~~كان كذلك فليس بميمون الخلق. ويشتقون من اليد العسرى العسر والعسرة. فلما ~~سموها الشمال أجروها في الشؤم وفي المشؤوم على ذلك المعنى. وسموها اليد ~~اليسار واليد اليسرى على نفي العسر والنكد، كما قالوا: سليم، ومفازة. ثم ~~أفصحوا بها في موضع فقالوا اليد الشؤمى. ### || 1606- [مما قيل من الشعر في الشمال] # ومما قالوا في الشمال قول أبي ذؤيب [3] : [من الطويل] # أبالصرم من أسماء جد بك الذي ... جرى بيننا يوم استقلت ركابها # زجرت لها طير الشمال فإن يكن ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها # وقال شتيم بن خويلد [4] : [من المتقارب] # وقلت لسيدنا يا حليم ... إنك لم تأس أسوا رفيقا PageV05P273 # زجرت بها ليلة كلها ... فجئت بها مؤيدا خنفقيقا # أعنت عديا على شأوها ... تعادي فريقا وتبقي فريقا # أطعت عريب إبط الشمال ... تنحي لحد المواسي الحلوقا # وقال آخر [1] : [من الطويل] # وهون وجدي أنني لم أكن لهم ... غراب شمال ينفض الريش حاتما [2] # وإذا مال شقة قالوا: احول شقه وقال الأشتر بن عمارة [3] : [من المتقارب] ~~. # عشية يدعو معتر يال جعفر ... أخوكم أحول الشق مائله # وقال آخر [4] : [من المنسرح] # أي أخ كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد # حتى إذا قارب الحوادث من ... خطوي وحل الزمان من عقدي # احول عني وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي ### || 1607- [الوقت الجيد في الحمل على الشاء] # قال الأصمعي # الوقت الجيد في الحمل على الشاء # أن تخلى سبعة أشهر بعد ولادها. ويكون حملها خمسة أشهر، فتولد في كل سنة ~~مرة. فإن حمل عليها في كل سنة مرتين فذلك الإمغال، يقال: أمغل بنو فلان فهم ~~ممغلون، والشاة ممغل. # وإذا ولدت الشاة ومضى لها أربعة أشهر فهي لجبة، والجميع اللجاب واللجبات. ~~وذلك حين يأخذ لبنها في النقصان. ### || 1608- [استطراد لغوي] # قال: والأير من البعير: المقلم، ومن الحافر الجردان، ومن الظلف كله: # القضيب. ومن الفرس العتيق: النضي. زعم ذلك أبو عبيدة. PageV05P274 # وما أراد من الحافر الفحل ms0833 فهو الوداق، وهو من الإبل الضبعة، ومن الضأن ~~الحنو. ويقال: حنت تحنو حنوا، وهي نعجة حان كما ترى. وما كان من المعز فهو ~~الحرمة. ويقال: عنز حرمى. وأنكر بعضهم قولهم: «شاة صارف» وزعم أنه مولد. # قال: وهو من السباع الإجعال، يقال: كلبة مجعل. فإذا عظم بطنها قيل أجحت ~~فهي مجح. # وما كان من الخف فهو مشفر، وما كان من الغنم فهو مرمة، وما كان من الحافر ~~فهو جحفلة. ### || 1609- [استطراد لغوي آخر] # وإذا قلت لكل ذات حمل وضعت، جاز. فإذا ميزت قلت للخف: نتجت، وللظلف: ~~ولدت. والبقرة تجري هذا المجرى. وقلت للحافر: نتجت. # ويقال للحافر من بين هذا كله إذا كان في بطنها ولد: نتوج. وإذا عظم بطن ~~الحافر قيل قد أعقت فهي عقوق، والجماع عقق، وبعضهم يقول: عقائق. # ويقال للبقرة الوحشية نعجة. والبقرة تجري مجرى الضائنة في حالها. # وما كان من الخف فصوته بغام. فإذا ضجت فهو الرغاء. فإذا طربت في إثر ~~ولدها قيل حنت. فإذا مدت الحنين قيل سجرت. # قال: والإلماع في السباع وفي الخيل، دون البهائم، وهو أن تشرق ضروعها. # قال: والخروف في الخيل والضأن، دون البهائم كلها. # قال: ويقال للطير: قد قمطها يقمطها. ويقال للتيس والكلب: قد سفد يسفد ~~سفادا. ويقال في الخيل: كامها يكومها كوما، وكذلك في الحافر كله. وفي ~~الحمار وحده: باكها يبوكها بوكا. ### || 1610- [قولهم: ما له سبد ولا لبد] # وتقول العرب [1] : «ما له عندي سبد ولا لبد» . فقدموا السبد، ففي هذا ~~المعنى أنهم قدموا الشعر على الصوف. # فإن قال قائل: فقد قدموا في مواضع كثيرة ذكر ما هو أخس فقالوا: «ما له ~~PageV05P275 # عندي قليل ولا كثير» ، و «العير والنفير» [1] حتى قالوا: الخل والزيت، ~~وقالوا: ربيعة ومضر، وسليم وعامر، والأوس والخزرج. وقال الله: لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها # [2] . # والذي يدل على أن ذلك الذي قلنا كما قلنا قول الراعي [3] : [من البسيط] # حتى إذا هبط الغيطان وانقطعت ... عنه سلاسل رمل بينها عقد # لاقى أطيلس مشاء بأكلبه ... إثر الأوابد ما ينمي له سبد [4] # فقدم السبد. ms0834 ثم قال: # يشلي سلوقية زلا جواعرها ... مثل اليعاسيب في أصلابها أود [5] # وقال الراعي: # أما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد [6] # وهو لو قال: لم يترك له لبد، ولو قال: ما ينمي له لبد- لقام الوزن، ولكان ~~له معنى. فدل ذلك على أنه إنما أراد تقديم المقدم. ### || 1611- [مفاخرة بين صاحب الضأن وصاحب الماعز] # قال صاحب الضأن: فخرتم على الضأن بأن الإنسان ذو شعر، وأنه بالماعز أشبه، ~~فالإنسان ذو ألية، وليس بذي ذنب، فهو من هذا الوجه بالضأن أشبه. # قال صاحب الماعز: كما فخرتم [7] بقوله: ثمانية أزواج من الضأن اثنين # [8] وقلتم: فقد قدمها، فقال الله: امعشر الجن والإنس # [9] . PageV05P276 # فإن وجب لضأنك التقديم على الماعز بتقديم هذه الآية- وجب للجن التقديم ~~بتلك الآية. ### || 1612- [القول في الضفادع] # علمك الله علما نافعا، وجعل لك من نفسك سامعا، وأعاذك من العجب، وعرفك ~~لباس التقوى، وجعلك من الفائزين. # اعلم، رحمك الله تعالى، أن الله جل وعز قد أضاف ست سور من كتابه إلى ~~أشكال من أجناس الحيوان الثلاثة، منها مما يسمونها باسم البهيمة وهي سورة ~~البقرة، وسورة الأنعام، وسورة الفيل، وثلاثة منها مما يعدون اثنتين منها من ~~الهمج [1] . وواحدة من الحشرات [2] . # فلو كان موقع ذكر هذه البهائم، وهذه الحشرات والهمج، من الحكمة والتدبير، ~~موقعها من قلوب الذين لا يعتبرون ولا يفكرون، ولا يميزون، ولا يحصلون ~~الأمور، ولا يفهمون الأقدار- لما أضاف هذه السور العظام الخطيرة، والشريفة ~~الجليلة، إلى هذه الأمور المحقرة المسخفة [3] ، والمغمورة المقهورة. # ولأمر ما وضعها في هذا المكان، ونوه بأسمائها هذا التنويه. فافهم، فإن ~~الأديب الفهم [4] ، لا يعود قلبه الاسترسال. وخذ نفسك بالفكرة، وقلبك ~~بالعبرة. ### | باب في الضفادع ### || 1613- [القول في الضفادع] # وأنا ذاكر من شأن الضفدع من القول ما يحضر مثلي. وهو قليل في جنب ما عند ~~علمائنا. والذي عند علمائنا لا يحس في جنب ما عند غيرهم من العلماء. # والذي عند العلماء قليل في جنب ما عند الأنبياء، والذي عند الأنبياء قليل ~~في جنب ما عند الله تبارك وتعالى. # من ذلك الضفدع [5] ، لا ms0835 يصيح ولا يمكنه الصياح حتى يدخل حنكه الأسفل ~~PageV05P277 # في الماء. فإذا صار في فمه بعض الماء صاح. ولذلك لا تسمع للضفادع نقيقا ~~إذا كن خارجات من الماء. # والضفادع من الحيوان الذي يعيش في الماء، ويبيض في الشط، مثل الرق [1] ~~والسلحفاة، وأشباه ذلك. # والضفادع تنق، فإذا أبصرت النار أمسكت [2] . ### || 1614- [زعم في الضفادع] [3] # والضفادع من الحيوان الذي يخلق في أرحام الحيوان، وفي أرحام الأرضين، إذا ~~ألقحتها المياه، لأن اليخ [4] يخراسان يكبس في الآزاج [5] ، ويحال بينه ~~وبين الريح والهواء والشمس، بأحكم ما يقدرون عليه وأوثقه. ومتى انخرق في ~~تلك الخزانة خرق في مقدار منخر الثور حتى تدخله الريح، استحال ذلك اليخ كله ~~ضفادع. # ولم نعرف حق هذا وصدقه من طريق حديث الرجل والرجلين، بل نجد الخبر عنه ~~كالإطباق، وكالخبر المستفيض الذي لا معارض له. ### || 1615- [أعجوبة في الضفادع] # وفيها أعجوبة أخرى [6] : وذلك أنا نجد، من كبارها وصغارها، الذي لا يحصى ~~في غب المطر [7] ، إذا كان المطر ديمة، ثم نجدها في المواضع التي ليس ~~بقربها بحر ولا نهر، ولا حوض، ولا غدير، ولا واد، ولا بير. ونجدها في ~~الصحاصح الأماليس [8] ، وفوق ظهور مساجد الجماعة. حتى زعم كثير من ~~المتكلفين، ومن أهل الخسارة [9] وممن لا يحتفل بسوء الحال عند العلماء، ولا ~~يكترث للشك- أنها كانت في السحاب. PageV05P278 # ولذلك طمع بعض الكذابين ممن نكره اسمه، فذكر أن أهل أيذج مطروا مرة أكبر ~~شبابيط في الأرض، وأسمنها وأعذبها وأعظمها، وأنهم اشتووا، وملحوا، وقرسوا ~~[1] ، وتزود منه مسافرهم. وإنما تلك الضفادع شيء يخلق في تلك الحال بمزاوجة ~~الزمان، وتلك المطرة، وتلك الأرض، وذلك الهواء. ### || 1616- [معارف في الضفدع] # # والضفادع من الخلق الذي لا عظام له [2] . # ويزعم أصحاب الغرائب أن العلاجيم [3] منها الذكورة السود. # ويقال: «أرسح من ضفدع» [4] . # وتزعم الأعراب أن الضفدع كان ذا ذنب، وأن الضب سلبه إياه [5] وذلك في ~~خرافة من خرافات الأعراب. ويقول آخرون: إن الضفدع إذا كان صغيرا كان ذا ~~ذنب، فإذا خرجت له يدان أو رجلان سقط. ### || 1617- [جملة من الأمثال] # وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع ms0836 بين الأروى والنعام» [6] و «حتى يجمع ~~بين الماء والنار» ، و «حتى يشيب الغراب» [7] ، و «حتى يبيض القار» [8] ، و ~~«حتى تقع السماء على الأرض» . # ومن حديث الأمثال: «حتى يجيء نشيط من مرو» [9] . وهو لأهل البصرة. ~~PageV05P279 # و «حتى يجيء مصقلة من طبرستان» [1] ، وهو لأهل الكوفة. # وقال الله عز وجل: ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط # [2] . # وتقول العرب: «لا يكون ذلك حتى يجمع بين الضب والنون» [3] ، و: «حتى يجمع ~~بين الضفدع والضب!» . وقال الكميت [4] : [من الوافر] # يؤلف بين ضفدعة وضب ... ويعجب أن نبر بني أبينا # وقال في النون والضب [5] : [من الطويل] # ولو أنهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشكل الموافق للشكل # ولكنهم جاؤوا بحيتان لجة ... قوامس، والمكني فينا أبا الحسل [6] ### || 1618- [معارف في الضفدع] # [7] وهو من الخلق الذي لا يصاب له عظم [8] . والضفدع أجحظ الخلق عينا. # والأسد تنتابها في الشرائع، وفي مناقع المياه، والآجام والغياض، فتأكلها ~~أكلا شديدا. # وهي من الخلق المائي الذي يصبر عن الماء أياما صالحة. والضفادع تعظم ولا ~~تسمن، كالدراج والأرنب، فإن سمنهما أن يحتملا اللحم. # وفي سواحل فارس ناس يأكلونها. ### || 1619- [قول مسيلمة في الضفدع] # ولا أدري ما هيج مسيلمة على ذكرها، ولم ساء رأيه فيها، حيث جعل بزعمه ~~فيما نزل عليه من قرآنه: يا ضفدع كم تنقين! نصفك في الماء ونصفك في الطين! ~~لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين [9] . PageV05P280 ### || 1620- [معيشة الضفادع مع السمك] # والضفادع من الخلق الذي يعيش مع السمك في الماء. وليس كل شيء يعيش في ~~الماء فهو سمك. وقد قال الصلتان العبدي، في القضاء الذي قضى بين جرير ~~والفرزدق. والفصل الذي بينهما [1] : [من الطويل] # فإن يك بحر الحنظليين زاخرا ... فما تستوي حيتانه والضفادع [2] ### || 1621- [طلب الحيات والضفادع] # والحيات تأني مناقع الماء، تطلب الضفادع. والفأر تكون بقرب المياه كثيرة، ~~فلذلك تأتي الحيات تلك المواضع. ولأن صيدها من أسهل الصيد عليها، وهي تعرف ~~صيدها. ألا تراها تحيد عن ابن عرس، وإن رأت جرذا أكبر منه لم تنهنهه دون أن ~~تبتلعه؟! وترى الورل فتفر منه. وترى الوحرة [3] فتشد عليها، وترى ms0837 القنفذ- ~~وإن صغر- فلا تجترئ أن تمر به خاطفة، وترى الوبرة [4] ، وهي مثل ذلك القنفذ ~~مرتين فتأكلها. # ولطلبها الضفادع بالليل في الشرائع يقول الأخطل [5] : [من الطويل] # ضفادع في ظلماء ليل تجاوبت ... فدل عليها صوتها حية البحر # وقد سرق معناه بعض الشعراء، فقال- وهو يذكر الضفدع، وأنه لا ينق حتى يدخل ~~حنكه الماء [6] : [من الرجز] # يدخل في الأشداق ماء ينصفه ... كيما ينق والنقيق يتلفه PageV05P281 ### || 1622- [شعر في الضفادع] # وقال زهير [1] : [من البسيط] # وقابل يتغنى كلما قدرت ... على العراقي يداه قائما دفقا [2] # يحيل في جدول تحبو ضفادعه ... حبو الجواري ترى في مائه نطقا [3] # يخرجن من شربات ماؤها طحل ... على الجذوع يخفن الغم والغرقا [4] # وقال أوس بن حجر [5] : [من الطويل] # فباكرن جونا للعلاجيم فوقه ... مجالس غرقى لا يحلا ناهله [6] # جون قال: يريد غديرا كثير الماء. قال: وإذا كثر الماء وكثر عمقه اسود في ~~العين. والعلاجيم: الضفادع السود؛ وجعلها غرقى، يقول: هي فيما شاءت من ~~الماء، كقولك: فلان في خير غامر من قبل فلان. وجعل لها مجالس حول الماء ~~وفوقه، لأن هذه الأجناس- التي تعيش مع السمك في الماء وليست بسمك- أكثر ~~حالاتهن إذ لم تكن سمكا خالصا أن تظهر على شطوط المياه، وفي المواضع التي ~~تبيض فيها من الدغل [7] . وذلك كالسرطان والسلحفاة، والرق [8] ، والضفدع، ~~وكلب الماء، وأشباه ذلك. PageV05P282 ### || 1623- [استطراد لغوي] # ويقال: نق الضفدع ينق نقيقا، وأنقض ينقض إنقاضا. # وقال رؤبة [1] : [من الرجز] # إذا دنا منهن إنقاض النقق ... في الماء والساحل خضخاض البثق [2] ### || 1624- [سمع الضفدع] # وقد زعم ناس أن أبا الأخزر الحماني حيث قال: [من الرجز] # تسمع القنقن صوت القنقن [3] # إنما أراد الضفدع. قالوا: وكذلك الطرماح حيث يقول [4] : [من الطويل] # يخافتن بعض المضغ من خشية الردى ... وينصتن للصوت انتصات القناقن # قالوا: لأن الضفدع جيد السمع إذا ترك النقيق وكان خارجا من الماء. وهو في ~~ذلك الوقت أحذر من الغراب [5] والعصفور والعقعق [6] ، وأسمع من فرس [7] ، ~~وأسمع من قراد [7] ، وأسمع من عقاب [8] . وبكل هذا جاء الشعر. ### || ذكر ما جاء في الضفادع في الآثار # إبراهيم بن أبي يحيى، عن سعيد بن أبي خالد ms0838 بن فارض، عن سعيد بن المسيب، ~~عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن قتل ~~الضفدع» [9] . PageV05P283 # قال: وحدثنا سعيد عن قتادة قال: سمعت زرارة يحدث أنه سمع عبد الله بن ~~عمرو يقول: «لا تسبوا الضفادع فإن أصواتها تسبيح» [1] . # قال: وحدثنا هشام صاحب الدستوائي، عن قتادة عن زرارة بن أوفى، عن عبد ~~الله بن عمرو أنه قال: «لا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقهن تسبيح، ولا تقتلوا ~~الخفاش، فإنه إذا خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم» . # وعن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن زرارة، قال: قال عبد الله بن عمرو: «لا ~~تقتلوا الخفاش، فإنه استأذن البحر أن يأخذ من مائه فيطفئ بيت المقدس حيث ~~حرق. ولا تقتلوا الضفادع، فإن نقيقها تسبيح» . # وعن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب، وفي إسناد له: أن طبيبا ذكر الضفدع ~~عند النبي صلى الله عليه وسلم، ليجعل في دواء، فنهى النبي صلى الله عليه ~~وسلم عن قتل الضفدع» . ### ||| 1625- [ما يوصف بجودة الحراسة وشدة الحذر] # والعرب تصف هذه الأصناف التي ذكرناها بجودة الحراسة، وبشدة الحذر، وأعطوا ~~الثعلب والذئب أمورا لا يبلغها كثير من الناس. ### ||| 1626- [قول عجيب لصاحب المنطق في الغرانيق] # وقال صاحب المنطق في الغرانيق [2] قولا عجيبا. فزعم أن الغرانيق من ~~الطيور القواطع [3] ، وليست من الأوابد. وأنها إذا أحست بتغير الزمان ~~اعتزمت على الرجوع إلى بلادها وأوكارها. وذكر أنها بعيدة سحيقة. قال: فعند ~~ذلك تتخذ قائدا وحارسا، ثم تنهض معا، فإذا طارت ترفعت في الجواء جدا، كي لا ~~يعرض لها شيء من سباع الطير، أو يبلغها سهم أو بندق. وإن عاينت غيما أو ~~مطرا، أو خافت مطرا، أو سقطت لطلب ما لا بد لها منه من طعم، أو هجم عليها ~~الليل- أمسكت عن الصياح، وضمت إليها أجنحتها. فإذا أرادت النوم أدخل كل ~~واحد منها رأسه تحت جناحه، لأنه يرى أن الجناح أحمل لما يرد عليه من رأسه، ~~أو بعض ما في رأسه: من العين وغير ذلك، PageV05P284 # ويعلم أنه ms0839 ليس بعد ذهاب الرأس حياة. ثم ينام كل واحد منها وهو قائم على ~~رجليه، لأنه يظن أنه إن مكنهما نام إن كان لا يحب النوم. أو نام نوما ثقيلا ~~إن كان يحب أن يكون نومه غرارا [1] . فأما قائدها وسائقها وحارسها، فإنه لا ~~ينام إلا وهو مكشوف الرأس. وإن نام فإن نومه يكون أقل من الغشاش [2] . ~~وينظر في جميع النواحي، فإن أحس شيئا صاح بأعلى صوته. ### ||| 1627- [صيد طير الماء] # وسألت بعض من اصطاد في يوم واحد مائة طائر من طير الماء، فقلت له: كيف ~~تصنعون؟ قال: إن هذا الذي تراه ليس من صيد يوم واحد، وإن كله صيد في ساعة ~~واحدة. قلت له: وكيف ذاك؟ قال: وذلك أنا نأتي مناقع الماء ومواضع الطير، ~~فنأخذ قرعة يابسة صحيحة. فنرمي بها في ذلك الماء، فإذا أبصرها الطير تدنو ~~منه بدفع الريح لها في جهته، مرة أو مرتين فزع. فإذا كثر ذلك عليه أنس. ~~وإنما ذلك الطير طير الماء والسمك [3] ، فهي أبدا على وجه الماء. فلا تزال ~~الريح تقربها وتباعدها، وتزداد هي بها أنسا، حتى ربما سقط الطائر عليها، ~~والقرعة في ذلك إما واقفة في مكان، وإما ذاهبة وجائية. فإذا لم نرها تنفر ~~منها أخذنا قرعة أخرى، أو أخذناها بعينها، وقطعنا موضع الإبريق [4] منها، ~~وخرقنا فيها موضع عينين، ثم أخذها أحدنا فأدخل رأسه فيها، ثم دخل الماء ~~ومشى فيه إليها مشيا رويدا، فكلما دنا من طائر قبض على رجليه ثم غمسه في ~~الماء، ودق جناحه وخلاه، فبقي طافيا فوق الماء يسبح برجليه، ولا يطيق ~~الطيران، وسائر الطير لا ينكر انغماسه. ولا يزال كذلك حتى يأتي على آخر ~~الطير. فإذا لم يبق منها شيء رمى بالقرعة عن رأسه، ثم نلقطها ونجمعها ~~ونحملها. ### ||| 1628- [نفع الضفدع] # قال: ومن جيد ما يعالج به الملسوع، أن يشق بطن الضفدع، ثم يرفد [5] به ~~موضع اللسعة. ولسنا نعني لدغة الحية، وإنما نعني لسعة العقرب. PageV05P285 ### ||| 1629- [حيرة الضفدع والأسد عند رؤية النار] # والضفدع إذا رأى النار أمسك عن النقيق [1] ، وإذا رأى الفجر. والأسد ms0840 إذا ~~رأت النار أحجمت عن الإقدام. وإذا اشتد الأصوات. ### ||| 1630- [استطراد لغوي] # قال: ويقال للضفدع: نق ينق، وهدر يهدر. وقال الراعي: [من المتقارب] # فأوردهن قبيل الصباح ... عينا ضفادعها تهدر ### ||| 1631- [قول صاحب المنطق في الضفادع والسمك] # وأما قول صاحب المنطق في أن الضفادع لا تنق حتى تدخل فكها الأسفل في ~~الماء، لأن الصوت لا يجيئها حتى يكون في فكها ماء، فقد قال ذلك، وقد وافقه ~~عليه ناس من العلماء، وادعوا في ذلك العيان [2] . # فأما زعمه أن السمكة لا تبتلع شيئا من الطعم إلا ببعض الماء، فأي عيان دل ~~على هذا؟! وهذا عسر. ### | باب في الجراد ### || (القول في الجراد) # أحضرني على اسم الله ذهنك، وفرغ لما ألقيه إليك قلبك، ~~فرب حرف من حروف الحكم الشريفة، والأمثال الكريمة- قد عفا أثره، ودثر ذكره، ~~ونبا الطرف عنه، ولم يشغل الذهن بالوقوف عليه. ورب بيت هذا سبيله، وخطبة ~~هذه حالها. # ومدار الأمر على فهم المعاني لا الألفاظ، والحقائق لا العبارات. فكم من ~~دارس كتابا خرج غفلا كما دخل، وكم من متفهم لم يفهم؟! ولن يستطيع الفهم إلا ~~من فرع قلبه للتفهم، كما لا يستطيع الإفهام إلا من صحت نيته في التعليم. ### || 1632- [فضل الإنسان على سائر الحيوان] # فأقول: إن الفرق الذي بين الإنسان والبهيمة، والإنسان والسبع والحشرة، ~~والذي صير الإنسان إلى استحاق قول الله عز وجل: PageV05P286 # وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه # [1] ليس هو الصورة، وأنه خلق من نطفة وأن أباه خلق من تراب، ولا أنه يمشي ~~على رجليه، ويتناول حوائجه بيديه، لأن هذه الخصال كلها مجموعة في البله ~~والمجانين، والأطفال والمنقوصين. # والفرق الذي هو الفرق إنما هو الاستطاعة والتمكين. وفي وجود الاستطاعة ~~وجود العقل والمعرفة. وليس يوجب وجودهما وجود الاستطاعة. # وقد شرف الله تعالى الجان وفضله على السبع والبهيمة، بالذي أعطاه من ~~الاستطاعة الدالة على وجود العقل والمعرفة. # وقد شرف الله الملائكة وفضلهم على الجان، وقدمهم على الإنسان وألزمهم من ~~التكليف على حسب ما خولهم من النعمة. وليست لهم صورة الإنسان ولم يخلقوا ms0841 من ~~النطف، ولا خلق أبوهم من التراب. وإنما الشأن في العقل، والمعرفة، ~~والاستطاعة. # أفتظن أن الله عز وجل يخص بهذه الخصال بعض خلقه دون بعض، ثم لا يطالبهم ~~إلا كما يطالب بعض من أعدمه ذلك، وأعراه منه؟! فلم أعطاه العقل، إلا ~~للاعتبار والتفكير؟! ولم أعطاه المعرفة، إلا ليؤثر الحق على هواه؟! ولم ~~أعطاه الاستطاعة، إلا لإلزام الحجة؟! فهل فكرت قط في فصل [2] ما بينك وبين ~~الخلق المسخر لك، وبين الخلق الذي جعل لك والخلق المسلط عليك؟! وهل فكرت قط ~~في فصل ما بين ما جعله عليك عاديا؟! وبين ما جعله لك غاذيا؟! وهل فكرت قط ~~في فصل ما بين الخلق الذي جعل لك عذابا، والخلق الذي جعل لك قاتلا، وبين ما ~~آنسه بك وبين ما أوحشه منك، وبين ما صغره في عينك وعظمه في نفسك، وبين ما ~~عظمه في عينك وصغره في نفسك؟!. # بل هل فكرت في النحلة والعنكبوت والنملة، أنت ترى الله تقدس وعز كيف نوه ~~بذكرها ورفع من قدرها، وأضاف إليها السور العظام، والآيات الجسام، وكيف جعل ~~الإخبار عنها قرآنا وفرقانا، حيث يقول: وأوحى ربك إلى النحل # [3] . فقف PageV05P287 # على صغر النحلة وضعف أيدها [1] ، ثم ارم بعقلك إلى قول الله: ثم كلي من ~~كل الثمرات فاسلكي سبل ربك ذللا # [2] ، فإنك تجدها أكبر من الطود، وأوسع من الفضاء. ثم انظر إلى قوله: حتى ~~إذا أتوا على واد النمل # [3] . فما ترى في مقدار النملة في عقل الغبي، وغير الذكي؟! فانظر كيف ~~أضاف الوادي إليها، وخبر عن حذرها ونصحها لأصحابها، وخوفها ممن قد مكن، ~~فإنك تجدها عظيمة القدر، رفيعة الذكر، قد عظمها في عقلك، بعد أن صغرها في ~~عينك. ### || 1633- [عجز الإنسان وصغر قدره] # وخبرني عن الله تعالى، أما كان قادرا أن يعذب الكنعانيين، والجبابرة، ~~والفراعنة، وأبناء العمالقة: من نسل عاد وثمود، وأهل العتو والعنود- ~~بالشياطين ثم بالمردة، ثم بالعفاريت، ثم بالملائكة الذين وكلهم الله تعالى ~~بسوق السحاب، وبالمد والجزر، وبقبض أرواح الخلق. وبقلب الأرضين، وبالماء ~~والريح، وبالكواكب والنيران، وبالأسد والنمور والببور [4] وبالفيلة والإبل ms0842 ~~والجواميس، وبالأفاعي والثعابين وبالعقارب والجرارات، وبالعقبان والنسور، ~~وبالتماسيح، وباللخم [5] والدلفين. # فلم عذبهم بالجراد والقمل والضفادع؟! وهل يتلقى عقلك قبل التفكير إلا أنه ~~أراد أن يعرفهم عجزهم، ويذكرهم صغر أقدارهم، ويدلهم على ذلك بأذل خلقه، ~~ويعرفهم أن له في كل شيء جندا، وأن القوي من قواه وأعانه، والضعيف من ضعفه، ~~والمنصور من نصره، والمخذول من خلاه وخذله، وأنه متى شاء أن يقتل بالعسل ~~الماذي والماء الزلال كما يقتل بالسم الساري، والسيف الماضي قتل؟ # ولم كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا رأى على جسده البثرة ابتهل في ~~الدعاء وقال: «إن الله تعالى إذا أراد أن يعظم صغيرا عظمه» ؟! ولم قال لنا: ~~فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات # [6] ؟! فافهم عنه تعالى ذكره، وتقدست أسماؤه قوله: «آيات» ثم قال: ~~PageV05P288 # «مفصلات» . فهل وقفت قط على هذه الآيات؟! وهل توهمت تأويل قوله: هذا آية ~~وغير آية؟! وهل وقفت على فصل ما بين الآية وغير الآية، وإذا كانت مفصلات ~~كان ماذا، وإذا لم تكن مفصلات كان ماذا. # فافهم قوله: فأرسلنا عليهم # . وما في الأرض أنقص معرفة وعلما، ولا أضعف قوة وبطشا، ولا أوهن ركنا ~~وعظما من ضفدع. فقد قال- كما ترى: # فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم # . فقد جعله- كما ترى- أفضل آياته والعذاب الذي أرسله على أعدائه. # وقد قال جل وعز: فإذا جاء أمرنا وفار التنور # [1] فأظهر الماء جل ثناؤه من أبعد مواضع الماء من ظنونهم، وخبرنا بذلك كي ~~لا نخلي أنفسنا من الحذر والإشفاق، ولنكون علماء بالعلم الذي أعطانا، ~~ولنكون راجين خائفين، ليصح الاختيار، ويحسن الاختبار: فتبارك الله أحسن ~~الخالقين # [2] . ما أحسن ما قدر، وأتقن ما برأ!. ### || 1634- [سيل العرم] # وكان السبب الذي سلطه الله تعالى على العرم، وهو مسناة جنتي بلاد سبإ، ~~جرذا، فهو الذي خرقه، وبدل نعمتهم بؤسا، وملكهم يبابا وعزهم ذلا، إلى أن ~~عادوا فقراء [3] . فقال الله: وبدلناهم بجنتيهم جنتين ذواتي أكل خمط وأثل ~~وشيء من سدر قليل # [4] . هذا بعد أن قال: لقد كان لسبإ في مسكنهم آية جنتان عن يمين ms0843 وشمال ~~كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور. فأعرضوا فأرسلنا عليهم ~~سيل العرم # [5] . ### || 1635- [شعر في سد مأرب] # وقال الأعشى [6] : [من المتقارب] PageV05P289 # ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفى عليه العرم [1] # رخام بنته لهم حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم # وأنشد أبو عمرو بن العلاء [2] : [من المنسرح] # من سبإ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما ### || 1636- [معارف في الجراد] # ثم انظر إلى الجراد وهذا باب القول فيه. # قال: فأول ما يبدو الجراد إذا باض سرء، وسرؤه: بيضه. # يقال: سرأت تسرأ سرءا. # فانظر الآن، فكم ترى فيه من أعجوبة، ومن آية بليغة. فأول ذلك التماسها ~~لبيضها الموضع الصلد، والصخور الصم الملس، ثقة بأنها إذا ضربت بأذنابها ~~فيها انفرجت لها. ### || 1637- [ذنب الجرادة وإبرة العقرب] # ومعلوم أن ذنب الجرادة ليس في خلقة المسمار، ولا طرف ذنبها كحد السنان، ~~ولا لها من قوة الأسر، ولذنبها من الصلابة [3] ما إذا اعتمدت به على الكدية ~~[4] والكذانة [5] جرح فيهما. فكيف وهي تتعدى إلى ما هو أصلب من ذلك، وليس ~~في طرف ذنبها كإبرة العقرب؟!. # وعلى أن العقرب ليس تخرق القمقم من جهة الأيد [6] وقوة البدن [7] ، بل ~~إنما PageV05P290 # ينفرج بطبع مجعول هناك. وكذلك انفراج الصخور لأذناب الجراد. # ولو أن عقابا أرادت أن تخرق في جلد الجاموس لما انخرق لها إلا بالتكلف ~~الشديد، والعقاب هي التي تنكدر [1] على الذئب الأطلس فتقد بدابرتها [2] ما ~~بين صلاه [3] إلى موضع الكاهل. # فإذا غرزت الجرادة وألقت بيضها، وانضمت عليها تلك الأخاديد التي أحدثتها، ~~وصارت كالأفاحيص لها، وصارت حافظة لها ومربية. وصائنة وواقية، حتى إذا جاء ~~وقت دبيب الروح فيها أحدث الله في أمرها عجبا آخر. فسبحان من استخزنها ~~حكمته، وحشاها بالأدلة عليه، وأنطقها بأنها مدبرة، ومذللة ميسرة، ليفكر ~~مفكر، ويعتبر معتبر! ذلكم الله رب العالمين، وتبارك الله رب العالمين! ### || 1638- [مراتب الجراد] # وقال الأصمعي [4] : يقال: قد سرأت الجرادة تسرأ سرءا. فإذا خرج من بيضه ~~فهو دبا والواحدة دباة. ويخرج أصهب إلى البياض، فإذا اصفر وتلونت فيه خطوط ~~واسود فهو برقان. يقال رأيت ms0844 دبا برقانا، والواحدة برقانة، فإذا بدت فيه ~~خطوط سود وبيض وصفر فهو المسيح. فإذا بدا حجم جناحه فذلك الكتفان، لأنه ~~حينئذ يكتف المشي، واحدة كتفانة. قال ابن كناسة: [من الخفيف] # يكتف المشي كالذي يتخطى ... طنبا أو يشك كالمتمادي [5] # يصف فرسا. فإذا ظهرت أجنحته وصار أحمر إلى الغبرة فهو الغوغاء والواحدة ~~غوغاءه، وذلك حين يستقل ويموج بعضه في بعضه ولا يتوجه جهة. ولذلك قيل لرعاع ~~الناس غوغاء. # فإذا بدت في لونه الحمرة والصفرة، وبقي بعض الحمرة، واختلف في ألوانه، ~~فهو الخيفان، والواحدة خيفانة. ومن ثمة قيل للفرس خيفانة. PageV05P291 # فإذا اصفرت الذكورة واسودت الإناث ذهبت عنه أسماء غير الجراد. فإذا باض ~~قيل غرز الجراد، وقد رز. # فإذا كثر الجراد في السماء وكثف فذلك السد. ويقال: رأيت سدا من جراد، ~~ورأيت رجلا من جراد، للكثير منه. وقال العجاج [1] : [من الرجز] # سير الجراد السد يرتاد الخضر ### || 1639- [مثل في الجراد] # ومما تقول العرب: «أصرد من جرادة» [2] . وإنما يصطاد الجراد بالسحر. إذا ~~وقع عليه الندى طلب مكانا أرفع من موضعه، فإن كان مع الندى برد لبد في ~~موضعه. ولذلك قال الشاعر [3] : [من الكامل] # وكتيبة لبستها بكتيبة ... كالثائر الحيران أشرف للندى # الثائر: الجراد. أشرف: أتى على شرف. للندى: أي من أجل الندى. ### || 1640- [استطراد لغوي] # ويقال: سخت الجرادة تسخ سخا، ورزت وأرزت، وجرادة رزاء وراز ومرز: إذا ~~غمزت ذنبها في الأرض، وإذا ألقت بيضها قيل: سرأت تسرأ سرءا. # ويقال: قد بشر الجراد الأرض فهو يبشرها بشرا: إذا حلقها فأكل ما عليها. # ويقال: جرد الجراد: إذا وقع على شيء فجرده. وأنشدني ابن الأعرابي [4] : ~~[من الطويل] # كما جرد الجارود بكر بن وائل # ولهذا البيت سمي الجارود. PageV05P292 # وأنشدني آخر: [من الطويل] # يقول أمير: ها جراد وضبة ... فقد جردت بيتي وبيت عياليا # وهذا من الاشتقاق. # ومنه قيل ثوب جرد، بإسكان الراء، إذا كان قد انجرد وأخلق. قالت سعدى بنت ~~الشمردل [1] : [من الكامل] # سباء عادية وهادي سربة ... ومقاتل بطل وليث مسلع [2] # أجعلت أسعد للرماح دريئة ... هبلتك أمك أي جرد ترقع [3] ### || 1641- [تطير النابغة] # ويدخل ms0845 في هذا الباب ما حدثنا به الأصمعي، قال [4] : تجهز النابغة ~~الذبياني مع زبان بن سيار الفزاري، للغزو. فلما أراد الرحيل نظر إلى جرادة ~~قد سقطت عليه، فقال: «جرادة تجرد، وذات لونين. غيري من خرج في هذا الوجه» ~~ولم يلتفت زبان إلى طيرته وزجره، ونفذ لوجهه، فلما رجع إلى موضعه الذي كان ~~النابغة فارقه فيه، وذكر ما نال من السلامة والغنيمة، أنشأ يذكر شأن ~~النابغة فقال [5] : [من الوافر] # تخبر طيره فيها زياد ... لتخبره وما فيها خبير # أقام كأن لقمان بن عاد ... أشار له بحكمته مشير # تعلم أنه لا طير إلا ... على متطير وهو الثبور # بلى، شيء يوافق بعض شيء ... أحايينا، وباطله كثير PageV05P293 # واسم النابغة زياد بن عمرو، وكنيته أبو ثمامة. وأنشدني أبو عبيدة [1] : ~~[من الطويل] # وقائلة: من أمها واهتدى لها؟ ... زياد بن عمرو أمها واهتدى لها ### || 1642- [استطراد لغوي] # قال: ويقال أبشرت الأرض إبشارا: إذا بذرت فخرج منها بذرها. فعند ذلك ~~يقال: ما أحسن بشرة الأرض. # وقال الكميت- وكنية الجراد عندهم: أم عوف. وجناحاها: برداها- ولذا قال ~~[2] : [من الطويل] # تنفض بردي أم عوف ولم تطر ... لنا بارق، بخ للوعيد وللرهب [3] # وأنشدنا أبو زيد [4] : [من البسيط] # كأن رجليه رجلا مقطف عجل ... إذا تجاوب من برديه ترنيم # يقول: كأن رجلي الجندب، حين يضرب بهما الأرض من شدة الحر والرمضاء، رجلا ~~رجل مقطف. والمقطف: الذي تحته دابة قطوف [5] ، فهو يهمزها [6] برجليه. ### || 1643- [شعر في الجندب والجراد] # وقال أبو زبيد الطائي [7] ، يصف الحر وشدته، وعمل الجندب بكراعيه: [من ~~الخفيف] PageV05P294 # أي ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصابح الجوزاء # واستكن العصفور كرها مع الضب وأوفى في عوده الحرباء ونفى الجندب الحصى ~~بكراعيه وأذكت نيرانها المعزاء وأنشد أبو زيد، لعوف بن ذروة [1] ، في صفة ~~الجراد: [من الرجز] # 1- # قد خفت أن يحدرنا للمصرين ... ويترك الدين علينا والدين [2] # | 3- # زحف من الخيفان بعد الزحفين ... من كل سفعاء القفا والخدين [3] # | 5- # ملعونة تسلخ لونا عن لون ... كأنها ملتفة في بردين # | 7- # تنحي على الشمراخ مثل الفأسين ... أو مثل مئشار غليظ الحرفين [4] # | 9- # أنصبه منصبه في قحفين [5] # وعلى معنى ms0846 قوله: # تنحي على الشمراخ مثل الفأسين ... أو مثل مئشار غليظ الحرفين # قال حماد لأبي عطاء [6] : [من مجزوء الوافر] # فما صفراء تكنى أم عوف ... كأن رجيلتيها منجلان ### || 1644- [تشبيه الفرس بالجرادة] # ويوصف الفرس فيشبه بالجرادة، ولذا قال الشاعر: [من الكامل] # فإذا أتيت أباك فاشتر مثلها ... إن الرداف عن الأحبة يشغل # فإذا رفعت عنانها فجرادة ... وإذا وضعت عنانها لا تفشل PageV05P295 # ولم يرض بشر بن أبي خازم بأن يشبهه بالجرادة حتى جعله ذكرا، حيث يقول [1] ~~: [من الوافر] # بكل قياد مسنفة عنود ... أضر بها المسالح والعوار [2] # مهارشة العنان كأن فيها ... جرادة هبوة فيها اصفرار [3] # فوصفها بالصفرة، لأن الصفرة هي الذكورة، وهي أخف أبدانا، وتكون لخفة ~~الأبدان أشد طيرانا. ### || 1645- [تشبيه مسامير الدرع بحدق الجراد] # ويوصف قتير [4] الدرع ومساميرها [فيشبه] [5] بحدق الجراد [6] . وقال قيس ~~بن الخطيم [7] : [من الطويل] # ولما رأيت الحرب حربا تجردت ... لبست مع البردين ثوب المحارب # مضاعفة يغشى الأنامل فضلها ... كأن قتيريها عيون الجنادب # وقال المقنع الكندي [8] : [من الطويل] # ولي نثرة ما أبصرت عين ناظر ... كصنع لها صنعا ولا سردها سردا [9] ~~PageV05P296 # تلاحم منها سردها فكأنما ... عيون الدبا في الأرض تجردها جردا [1] # وقال عمرو بن معد يكرب [2] : [من الوافر] # تمناني ليلقاني أبي ... وددت وأين ما مني ودادي # تمناني وسابغتي دلاص ... خروس الحس محكمة السراد [3] # مضاعفة تخيرها سليم ... كأن سكاكها حدق الجراد [4] ### || 1646- [تشبيه وسط الفرس بوسط الجرادة] # ويوصف وسط الفرس بوسط الجرادة. قال رجل من عبد القيس [5] يصف فرسا: # [من الكامل] # أما إذا ما استدبرت فنعامة ... تنفي سنابكها رضيض الجندل ### || 1647- [تشبيه الحباب بحدق الجراد] # ويوصف حباب الشراب بحدق الجراد. قال المتلمس [6] : [من الوافر] # كأني شارب يوم استبدوا ... وحث بهم وراء البيد حادي # عقارا عتقت في الدن حتى ... كأن حبابها حدق الجراد ### || 1648- [لعاب الجندب] # وإذا صفا الشراب وراق شبهوه بلعاب الجندب. ولذا قال الشاعر [7] : [من ~~الكامل] # صفراء من حلب الكروم كأنها ... ماء المفاصل أو # لعاب الجندب # [8] PageV05P297 # ولعاب الجندب سم على الأشجار، لا يقع على شيء إلا أحرقه. ### || 1649- [زعم في الدبا] # ولا يزال بعض من يدعي العلم يزعم أن ms0847 الدبا يريد الخضرة، ودونها النهر ~~الجاري، فيصير بعضه جسرا لبعض، وحتى يعبر إلى الخضرة، وأن تلك حيلة منها. # وليس ذلك كما قال: ولكن الزحف الأول من الدبا يريد الخضرة، فلا يستطيعها ~~إلا بالعبور إليها، فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت تلك لعمري ~~أرضا للزحف الثاني الذي يريد الخضرة. فإن سموا ذلك جسرا استقام. فأما أن ~~يكون الزحف الأول مهد للثاني ومكن له، وآثره بالكفاية- فهذا ما لا يعرف. # ولو أن الزحفين جميعا أشرفا على النهر، وأمسك أحدهما عن تكلف العبور إلى ~~أن يمهد له الآخر- كان ذلك قولا. ### || 1650- [استطراد لغوي] # ويقال في الجراد: خرقة من جراد، والجميع خرق. وقال الشاعر [1] : [من ~~مجزوء الكامل] # وكأنها خرق الجراد ... يثور يوم غبار # ويقال للقطعة الكثيرة منها رجل جراد، ورجلة من جراد. والثول: # القطعة من النحل. # وتوصف كثرة النبل، ومرورها، وسرعة ذلك بالجراد. وقال أبو النجم [2] : [من ~~الرجز] # كأنما المعزاء من نضالها ... رجل جراد طار عن حدالها [3] # وإذا جاء منه ما يسد الأفق قالوا: رأينا سدا من جراد. وقال المفضل النكري ~~[4] : # [من الوافر] # كأن النبل بينهم جراد ... تهيجه شآمية خريق [5] PageV05P298 # والمرتجل: الذي قد أصاب رجل جراد، فهو يشويه. # وقال بعض الرجاز، وهو يصف خيلا قد أقبلت إلى الحي: [من الرجز] # حتى رأينا كدخان المرتجل ... أو شبه الحفان، في سفح الجبل # ولأن الحفان أتمها أبدانا، قال ابن الزبعرى [1] : [من الرمل] # ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل # حين ألقت بقباء بركها ... واستحر القتل في عبد الأشل [2] # ساعة ثم استخفوا رقصا ... رقص الحفان في سفح الجبل [3] # وقتلنا الضعف من ساداتهم ... وعدلنا ميل بدر فاعتدل [4] ### || 1651- [طيب الجراد الأعرابي] # والجراد الأعرابي لا يتقدمه في الطيب شيء. وما أحصي كم سمعت من الأعراب ~~من يقول: ما شبعت منه قط! وما أدعه إلا خوفا من عاقبته؛ أو لأني أعيا ~~فأتركه! ### || 1652- [أكل الجراد] # والجراد يطيب حارا وباردا، ومشويا ومطبوخا، ومنظوما في خيط، ومجعولا في ~~الملة [5] . # والبيض الذي يتقدم في الطيب ثلاثة أجناس: بيض الأسبور [6] وبيض الدجاج، ~~وبيض الجراد فوق ms0848 بيض الأسبور في الطيب. وبيض الأسبور فوق بيض الدجاج. # وجاء في الأثر، أن الجراد ذكر عند عمر فقال [7] : «ليت لنا منه قفعة [8] ~~أو قفعتين» . PageV05P299 # وهو يؤكل يابسا وغير يابس، ويجعل أدما [1] ونقلا [2] . # والجراد المأكول ضروب، فمنه الأهوازي، ومنه المذنب، وأطيبه الأعرابي، ~~وأهل خراسان لا يأكلونه. ### || 1653- [الولوع بأكل الجراد] # وحدثني رتبيل بن عمرو بن رتبيل قال: والله إني لجالس على باب داري في بني ~~صبير، إذ أقبلت امرأة لم أر قط أتم حسنا وملحا [3] وجسما منها، ورأيت في ~~مشيها تأودا، ورأيتها تتلفت. فلم ألبث أن طلعت أخرى لا أدري أيتهما أقدم، ~~إذ قالت التي رأيتها بديا للأخرى: ما لك لا تلحقيني؟ قالت: أنا منذ أيام ~~كثيرة أكثر أكل هذا الجراد، فقد أضعفني! فقالت: وإنك لتحبينه حبا تحتملين ~~له مثل ما أرى بك من الضعف؟ قالت: والله إنه لأحب إلي من الحبل!. ### || 1654- [طرفة في الجراد] # وقال الأصمعي: قال رجل من أهل المدينة لامرأته: لا جزاك الله خيرا، فإنك ~~غير مرعية ولا مبقية! قالت: لأنا والله أرعى وأبقى من التي كانت قبلي! قال: ~~فأنت طالق إن لم أكن كنت آتيها بجرادة فتطبخ منها أربعة ألوان، وتشوي ~~جنبيها! فرفعته إلى القاضي فجعل القاضي يفكر ويطلب له المخرج. فقال للقاضي: ~~أصلحك الله أأشكلت عليك المسألة؟ هي طالق عشرين! ### || 1655- [تشبيه الجيش بالدبا] # ووصف الراجز حربا، فوصف دنو الرجالة من الرجالة، فقال: [من الرجز] # أو كالدبا دب ضحى إلى الدبا ### || 1656- [قول أبي إسحاق في آية الضفادع] # وقرأ بعض أصحابنا بحضرة أبي إسحاق: وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا ~~بها فما نحن لك بمؤمنين. فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع ~~والدم آيات مفصلات # [4] فقال رجل لأبي إسحاق: انظر كيف قرن الضفادع مع ضعفها PageV05P300 # إلى الطوفان، مع قوة الطوفان وغلبته. قال أبو إسحاق: الضفادع أعجب في هذا ~~الموضع من الطوفان، وإذا أراد الله تعالى أن يصير الضفادع أضر من الطوفان ~~فعل. ### || 1657- [شعر في تشبيه بالجراد] # وقال أبو الهندي [1] : [من الكامل] # لما سمعت الديك صاح بسحرة ... وتوسط النسران بطن ms0849 العقرب # وتتابعت عصب النجوم كأنها ... عفر الظباء على فروع المرقب # وبدا سهيل في السماء كأنه ... ثور وعارضه هجان الربرب [2] # نبهت ندماني فقلت له: اصطبح ... يا ابن الكرام من الشراب الأصهب # صفراء تنزو في الإناء كأنها ... عين الجرادة أو لعاب الجندب # نزو الدبا من حر كل ظهيرة ... وقادة، حرباؤها يتقلب # وقال أبو الهندي [3] أيضا: [من السريع] # فإن هذا الوطب لي ضائر ... في ظاهر الأمر وفي الغامض [4] # إن كنت تسقيني فمن قهوة ... صفراء مثل المهرة الناهض # تنزو الفقاقيع إذا شعشعت ... نزو جراد البلد الرامض [5] # وقال الأفوه [6] : [من الكامل] # بمناقب بيض، كأن وجوههم ... زهر قبيل ترجل الشمس # دبوا كمنتشر الجراد هوت ... بالبطن، في درع وفي ترس [7] # وكأنها آجال عادية ... حطت إلى إجل من الخنس [8] PageV05P301 ### || 1658- [أقوال فيما يضر من الأشياء] # وروى الأصمعي، وأبو الحسن، عن بعض المشايخ. قال: ثلاثة أشياء ربما صرعت ~~أهل البيت عن آخرهم: أكل الجراد، ولحوم الإبل، والفطر من الكمأة. # وقال غيرهما: شرب الماء في الليل يورث الخبل، والنظر إلى المختصر يورث ~~ضعف القلب، والاطلاع في الآبار العادية [1] ينقض التركيب. ويسول مصارع ~~السوء. # فأما الفطر الذي يخلق في ظل شجر الزيتون فإنما هو حتف قاض، وسم ناقع. # وكل شيء يخلق تحت ظلال الشجر يكون رديئا، وأردؤه شجر الزيتون، وربما قتل، ~~وإن كان مما اجتنبوه من أوساط الصحارى. # قالوا: ومما يقتل: الحمام على الملأة، والجماع على البطنة، والإكثار من ~~القديد [2] اليابس. # وقال الآخر [3] : شرب الماء البارد على الظمإ الشديد- إذا عجل الكرع، ~~وعظم الجرع، ولم يقطع النفس- يقتل. # قالوا [4] : وثلاث تورث الهزال: شرب الماء على الريق، والنوم على غير ~~وطاء، وكثرة الكلام برفع الصوت. # والجماع على الامتلاء من الطعام ودخوله. وربما خيف عليه أن يكون قاتل ~~نفسه [5] . # وقالوا [6] : وأربعة أشياء تسرع إلى العقل بالإفساد: الإكثار من البصل، ~~والباقلى والجماع، والخمار. # وأما ما يذكرون في الباب من الهم والوحدة والفكرة، فجميع الناس يعرفون ~~PageV05P302 # ذلك. وأما الذي لا يعرفه إلا الخاصة فالكفاية التامة، والتعظيم الدائم، ~~وإهمال الفكر، والأنف من التعلم. هذا قول أبي إسحاق. # وقال أبو ms0850 إسحاق [1] : ثلاثة أشياء تخلق العقل، وتفسد الذهن: طول النظر في ~~المرآة، والاستغراق في الضحك، ودوام النظر إلى البحر. # وقال معمر: قطعت في ثلاثة مجالس، ولم أجد لذلك علة؛ إلا أني أكثرت في أحد ~~تلك الأيام من أكل الباذنجان، وفي اليوم الآخر من أكل الزيتون، وفي اليوم ~~الثالث من الباقلى. # وزعم أنه كلم رجلا من الملحدين في بعض العشايا، وأنه علاه علوا ظاهرا ~~قاهرا، وأنه بكر على بقية ما في مسألته من التخريج، فأجبل وأصفى [2] ، فقال ~~له خصمه: ما أحدثت بعدي؟ قال: قلت: ما أتهم إلا إكثاري البارحة من ~~الباذنجان! فقال لي- وما خالف إلى التهمة: ما أشك أنك لم تؤت إلا منه! وقال ~~لي من أثق به: ما أخذت قط شيئا من البلاذر فنازعت أحدا إلا ظهرت عليه. # وقال أبو ناضرة: ما أعرف وجه انتفاع الناس بالبلاذر إلا أن يؤخذ للعصب. # قلت: فأي شيء بقي بعد صلاح العصب، وأنتم بأجمعكم تزعمون أن الحس للعصب ~~خاصة؟ ### | باب في القطا ### || 1659- [القول في القطا] # تقول العرب: «أصدق من قطاة [3] » و «أهدى من قطاة» [4] . # وفي القطا أعجوبة، وذلك أنها لا تضع بيضها أبدا إلا أفرادا، ولا يكون ~~بيضها أزواجا أبدا. وقال أبو وجزة [5] : [من البسيط] # وهن ينسبن وهنا كل صادقة ... باتت تباشر عرما غير أزواج PageV05P303 # والعرم التي عنى: بيض القطا، لأنها منقطة. وقال الأخطل [1] : [من الطويل] # شفى النفس قتلى من سليم وعامر ... ولم يشفها قتلى غني ولا جسر # ولا جشم شر القبائل إنهم ... كبيض القطا ليسوا بسود ولا حمر # وقال معقل بن خويلد [2] : [من الطويل] # أبا معقل لا توطئنكم بغاضتي ... رؤوس الأفاعي في مراصدها العرم # يريد: الأفاعي العرم في مراصدها. وهي منقطة الظهور. وما أكثر ما تبيض ~~العقاب ثلاث بيضات، إلا أنها لا تلحم ثلاثة [3] ، بل تخرج منهن واحدة. ~~وربما باضت الحمامة ثلاث بيضات، إلا أن واحدة تفسد لا محالة. وقال الآخر ~~[4] في صفة البيض: [من الطويل] # وبيضاء لا تنحاش منا وأمها ... إذا ما رأتنا زال منها زويلها # نتوج ولم تقرف لما يمتنى له ... إذا ms0851 أنتجت ماتت وحي سليلها # يعني البيضة. نتوج، حامل: ولم تقرف: لم تدان. لما يمتنى: أي للضراب. # والامتناء: انتظارك الناقة إذا ضربت ألاقح هي أم لا. # وقال ابن أحمر [5] : [من الطويل] # بتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخا بيوضها [6] ~~PageV05P304 # وذلك أنها قد كانت قبل ذلك الوقت تشرب من الغدر، فلما أفرخت صافت، ~~فاحتاجت إلى طلب الماء من مكان بعيد، فذلك أسرع لها. ### || 1660- [تشبيه مشي المرأة السمينة بمشي القطاة] # ويشبه مشي المرأة إذا كانت سمينة غير خراجة طوافة بمشي القطاة في القرمطة ~~والدل. وقال ابن ميادة [1] : [من البسيط] # إذا الطوال سدون المشي في خطل ... قامت تريك قواما غير ذي أود [2] # تمشي ككدرية في الجو فاردة ... تهدي سروب قطا يشربن بالثمد [3] # وقال جران العود [4] : [من الطويل] # فلما رأين الصبح بادرن ضوءه ... رسيم قطا البطحاء، أو هن أقطف # وقال الكميت [5] : [من الكامل] # يمشين مشي قطا البطاح تأودا ... قب البطون رواجح الأكفال ### || 1661- [شعر في التشبيه بالقطاة] # وقال الآخر [6] في غير هذا المعنى: [من الوافر] # كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح # قطاة غرها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح # وقال آخر [7] : [من الطويل] # وكنا كزوج من قطا بمفازة ... لدى خفض عيش ونق مورق رغد # فخانهما ريب الزمان فأفردا ... ولم تر عيني قط أقبح من فرد PageV05P305 ### || 1662- [شعر في صدق القطاة] # وفي صدق القطاة يقول الشاعر [1] : [من الطويل] # وصادقة ما خبرت قد بعثتها ... طروقا وباقي الليل في الأرض مسدف # ولو تركت نامت، ولكن أعشها ... أذى من قلاص كالحني المعطف [2] # وتقول العرب: «لو ترك القطا لنام» [3] . ويقال: أعششت القوم إعشاشا: إذا ~~نزلت بهم وهم كارهون لك فتحولوا عن منزلهم. # وقال الكميت [4] : [من البسيط] # لا تكذب القول إن قالت قطا صدقت ... إذ كل ذي نسبة لابد ينتحل # وقال مزاحم العقيلي [5] ، في تجاوب القطاة وفرخها: [من الطويل] # فنادت وناداها، وما اعوج صدرها ... بمثل الذي قالت له لم يبدل. # والقطاة لم ترد اسم نفسها، ولكن الناس سموها بالحروف التي تخرج من فيها، ~~وزاد في ذلك أنها على ms0852 أبنية كلام العرب، فجعلوها صادقة ومخبرة، ومريدة ~~وقاصدة. ### || 1663- [استطراد لغوي] # ويقال سرب نساء، وسرب قطا، وسرب ظباء. كل ذلك بكسر السين وإسكان الراء. ~~فإذا كان من الطريق والمذهب قالوا: خل سربه. و: فلان خلي السرب؛ بفتح السين ~~وإسكان الراء. وهذا عن يونس بن حبيب. وقال الشاعر: [من البسيط] # أما القطاة فإني سوف أنعتها ... نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها PageV05P306 # سكاء مخطوفة في ريشها طرق ... سود قوادمها صهب خوافيها # ويقال في ريشها فتخ، وهو اللين. ويقال في جناحه طرق: إذا غطى الريش ~~الأعلى الأسفل. وقال ذو الرمة [1] : [من الطويل] # طراق الخوافي واقع فوق ريعة ... ندى ليلة في ريشه يترقرق [2] # ويقال: اطرقت الأرض: إذا ركب التراب بعضه بعضا، ولزم بعضه بعضا، فصار ~~كطراق [2] النعال طبقا. وقال العجاج [3] : [من الرجز] # فاطرقت إلا ثلاثا دخسا [5] # والطرق، بإسكان الراء: الضرب بالحصى، وهو من فعال الحزاة والعائفين [6] : # وقال [7] لبيد، أو البعيث: [من الطويل] # لعمرك ما تدري الطوارق بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع # قال: ويقال طرقت القطاة ببيضها: إذا حان خروجه وتعضلت به شيئا. قال أبو ~~عبيد ولا يقال ذلك في غير القطاة. وغره قول العبدي [8] : [من الطويل] # وقد تخذت رجلي لدى جنب غرزها ... نسيفا كأفحوص القطاة المطرق [9] # وهذا الشاعر لم يقل إن التطريق لا يكون إلا للقطاة، بل يكون لكل بياضة، ~~ولكل ذات ولد. وكيف يقول ذلك وهم يروون عن قابلة البادية أنها قالت لجارية ~~PageV05P307 # تسمى «سحابة» ، وقد ضربها المخاض وهي تطلق على يدها [1] : [من الرجز] # أيا سحاب طرقي بخير ... وطرقي بخصية وأير # ولا ترينا طرف البظير ### || 1664- [ولادة البكر] # وقال أوس بن حجر [2] : [من المتقارب] # بكل مكان ترى شطبة ... مولية، ربها مسبطر [3] # وأحمر جعدا عليه النسو ... روفي ضبنه ثعلب منكسر [4] # وفي صدره مثل جيب الفتا ... ة تشهق حينا وحينا تهر [5] # فإنا وإخوتنا عامرا ... على مثل ما بيننا نأتمر [6] # لنا صرخة ثم إسكاتة ... كما طرقت بنفاس بكر # فهذا كما ترى يرد عليه. # وإنما ذكر أوس بن حجر البكر دون غيرها، لأن الولاد على البكر أشد، ms0853 وخروج ~~الولد أعسر، والمخرج أكز وأضيق، ولولا أن البكر أكثر ما تلد أصغر جثة وألطف ~~جسما، إلى أن تتسع الرحم بتمطي الأولاد فيها لكان أعسر وأشق. ### || 1665- [أجود قصيدة في القطا] # وقال المرار، أو العكب التغلبي، وهي أجود قصيدة قيلت في القطا: [من ~~الطويل] # بلاد مروراة يحار بها القطا ... ترى الفرخ في حافاتها يتحرق [7] ~~PageV05P308 # يظل بها فرخ القطاة كأنه ... يتيم جفا عنه مواليه مطرق # بديمومة قد مات فيها وعينه ... على موته تغضي مرارا وترمق [1] # شبيه بلا شيء هنالك شخصه ... يواريه قيض حوله متفلق [2] # له محجر ناب وعين مريض ... ة وشدق بمثل الزعفران مخلق # تعاجيه كحلاء المدامع حرة ... لها ذنب وحف وجيد مطوق [3] # سماكية كدرية عرعرية ... سكاكية غبراء سمراء عسلق [4] # إذا غادرته تبتغي ما يعيشه ... كفاها رذاياها النجاء الهبنق [5] # غدت تستقي من منهل ليس دونه، ... مسيرة شهر للقطا، متعلق # لأزغب مطروح، بجوز تنوفة ... تلظى سموما قيظه، فهو أورق [6] # تراه إذا أمسى وقد كاد جلد ... ه من الحر عن أوصاله يتمزق [7] # غدت فاستقلت ثم ولت مغيرة ... بها حين يزهاها الجناحان أولق [8] # تيمم ضحضاحا من الماء قد بدت ... دعاميصه فالماء أطحل أورق [9] # فلما أتته مقذحرا تغوثت ... تغوث مخنوق فيطفو ويغرق [10] # تحير وتلقي في سقاء كأنه ... من الحنظل العامي جرو مفلق [11] # فلما ارتوت من مائه لم يكن لها ... أناة وقد كادت من الري تبصق # طمت طموة صعدا ومدت جرانها ... وطارت كما طار السحاب المحلق [12] ~~PageV05P309 ### || 1666- [شعر البعيث في القطا] # وقال البعيث: [من الطويل] # نجت بطوالات كأن نجاءها ... هوي القطا تعرو المناهل جونها [1] # طوين سقاء الخمس ثمت قلصت ... لورد المياه واستتبت قرونها [2] # إذا ما وردن الماء في غلس الضحى ... بللن أداوى ليس خرز يشينها [3] # أداوى خفيفات المحامل أشنقت ... إلى ثغر اللبات منها حصينها [4] # جعلن حباب الماء حين حملنه ... إلى غصص قد ضاق عنها وتينها [5] # إذا شئن أن يسمعن والليل واضع ... هذا ليله والريح تجري فنونها [6] # تناوم سرب في أفاحيصه السفا ... وميتة الخرشاء حي جنينها [7] # يروين زغبا بالفلاة كأنها ... بقايا أفاني الصيف، حمرا بطونها [8] # «يروين» من قولك: رويت: ms0854 أي حملت في راوية. # إذا ملأت منها قطاة سقاءها ... فلا تعكم الأخرى ولا تستعينها [9] ### | ذكر نوادر وأحاديث وأشعار وكلام يتم بها هذا الجزء # قالوا [10] : خرف النمر بن تولب، فكان هجيراه [11] : اصبحوا الركب، ~~اغبقوا الركب. PageV05P310 # وخرفت امرأة من العرب فكان هجيراها: زوجوني، زوجوني! فقال عمر بن الخطاب ~~رضي الله عنه: لما لهج به أخو عكل خير مما لهجت به صاحبتكم! وحدثني عبد ~~الله بن إبراهيم بن قدامة الجمحي قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا ~~رأى رجلا يضرب في كلامه قال: أشهد أن الذي خلقك وخلق عمرو بن العاص واحد! ~~وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لصعصعة بن صوحان في المنذر بن الجارود: ~~ما وجدنا عند صاحبك شيئا! قال [1] : إن قلت ذاك إنه لنظار في عطفيه، تفال ~~في شراكيه، تعجبه حمرة برديه! قال: وحدثنا جرير بن حازم القطعي قال: قال ~~الحسن: لو كان الرجل كلما قال أصاب، وكلما عمل أحسن، لأوشك أن يجن من ~~العجب. # عن أبان بن عثمان قال: سمعت أبا بلال في جنازة وهو يقول [2] : كل ميتة ~~ظنون إلا ميتة الشجاء قالوا: وما ميتة الشجاء؟ قال: أخذها زياد فقطع يديها ~~ورجليها، فقيل لها: كيف ترين يا شجاء؟ فقالت: قد شغلني هول المطلع عن برد ~~حديدكم هذا [3] . # قال: وقيل لرابعة القيسية: لو أذنت لنا كلمنا قومك فجمعوا لك ثمن خادم، ~~وكان لك في ذلك مرفق وكفتك الخدمة وتفرغت للعبادة. فقالت والله إني لأستحيي ~~أن أسأل الدنيا من يملك الدنيا، فكيف أسأل الدنيا من لا يملكها؟! والناسكات ~~المتزهدات من النساء المذكورات في الزهد والرياسة، من نساء الجماعة وأصحاب ~~الأهواء. فمن نساء الجماعة [4] : أم الدرداء، ومعاذة العدوية، ورابعة ~~القيسية. # ومن نساء الخوارج [5] : الشجاء، وحمادة الصفرية وغزالة الشيبانية قتلن ~~PageV05P311 # جميعا، وصلبت الشجاء وحمادة، قتل خالد بن عتاب غزالة. وكانت امرأة صالح ~~بن مسرح. # ومن نساء الغالية [1] : الميلاء، وحميدة، وليلى الناعظية. # محمد بن سلام عن ابن جعدبة قال: ما أبرم عمر بن الخطاب أمرا قط إلا تمثل ~~ببيت شعر. # وعن ms0855 أبان بن عثمان، قال عبد الملك: لقد كنت أمشي في الزرع فأتقي الجندب ~~أن أقتله، وإن الحجاج ليكتب إلي في قتل فئام [2] من الناس؛ فما أحفل بذلك. # وقيل له- وقد أمر بضرب أعناق الأسراء-: أقستك الخلافة يا أمير المؤمنين، ~~وقد كنت رؤوفا! قال: كلا، ما أقستني، ولكن أقساني احتمال الضغن على الضغن ~~قالوا [3] : ومات يونس النحوي سنة اثنتين وثمانين ومائة هو ابن ثمان ~~وثمانين سنة. وقال يونس: ما أكلت شيئا قط في الشتاء إلا وقد برد، ولا في ~~الصيف إلا وقد سخن. # وحدثني محمد بن يسير قال [3] : قال أبو عمرو المدايني: لو كانت البلايا ~~بالحصص ما نالني كل ما نالني: اختلفت جاريتي بالشاة إلى التياس وبي إلى ~~حملها حاجة، فرجعت جاريتي حاملا، والشاة حائلا. # محمد بن القاسم قال [4] : قال جرير: أنا لا أبتدي، ولكني أعتدي. # وقال القيني [5] : أنا مثل العقرب. أضر ولا أنفع. # وقال القيني [6] : أنا أصدق في صغار ما يضرني، لأكذب في كبار ما ينفعني. # قال أبو إسحاق: استراح فلان من حيث تعب الكرام. # وقال الحجاج: أنا حديد حقود حسود [7] . PageV05P312 # وحدثني نفيع قال [1] : قال لي القيني: أنا لا أصدق مادام كذبي يخفى. # قال: وذكر شبيب بن شيبة عند خالد بن صفوان فقال خالد: ليس له صديق في ~~السر، ولا عدو في العلانية! وقال أبو نخيلة [2] في شبيب بن شيبة: [من ~~الرجز] # إذا غدت سعد على شبيبها ... على فتاها وعلى خطيبها # من مطلع الشمس إلى مغيبها ... عجبت من كثرتها وطيبها # وقال يحيى بن أبي علي الكرخي: أنا إنسان لا أبالي ما استقبلت به الأحرار ~~[3] . # وقال عمرو بن القاسم: إنما قويت على خصمي بأني لم أتستر قط عن شيء من ~~القبيح [4] ! فقال أبو إسحاق: نلت اللذة، وهتكت المروءة، وغلبتك النفس ~~الدنية، فأرتك مكروه عملك محبوبا وسيىء قولك حسنا. ومن كان على هذا السبيل ~~لم يتلفت إلى خير يكون منه، ولم يكترث بشر يفعله. # وقال الفرزدق [5] : [من الطويل] # وكان يجير الناس من سيف مالك ... فأصبح يبغي نفسه من يجيرها # ومن هذا الباب قول ms0856 التوت اليماني [6] : [من الطويل] # على أي باب أطلب الإذن بعد ما ... حجبت عن الباب الذي أنا حاجبه # ومن هذا الشكل قول عدي بن زيد [7] : [من الرمل] # لو بغير الماء حلقي شرق ... كنت كالغصان بالماء اعتصاري # وقال زهير [8] : [من الطويل] # فلما وردن الماء زرقا جمامه ... وضعن عصي الحاضر المتخيم PageV05P313 # وكتب سويد بن منجوف [1] إلى مصعب بن الزبير: [من الوافر] # فأبلغ مصعبا عني رسولا ... وهل يلفى النصيح بكل واد # تعلم أن أكثر من تواخى ... وإن ضحكوا إليك هم الأعادي # وحدثني إبراهيم بن عبد الوهاب، قال [2] : كتب شيخ من أهل الري على باب ~~داره: «جزى الله من لا يعرفنا ولا نعرفه خيرا. فأما أصدقاؤنا الخاصة فلا ~~جزاهم الله خيرا، فإنا لم نؤت قط إلا منهم!» وأنشدني النهشلي لأعرابي يصف ~~نخلا: [من البسيط] # ترى مخارفها ثنيي جوانبها ... كأن جاني بيض النحل جانيها [3] # ووصف آخر نخلا فقال: [من الرجز] # إذا علا قمتها الراقي أهل [4] # وقال الشاعر [5] : [من الوافر] # ومن تقلل حلوبته وينكل ... عن الأعداء يغبقه القراح # رأيت معاشرا يثنى عليهم ... إذا شبعوا وأوجههم قباح # يظل المصرمون لهم سجودا ... وإن لم يسق عندهم ضياح [6] # وقال الشاعر: [من البسيط] # البائتين قريبا من بيوتهم ... ولو يشاؤون آبوا الحي أو طرقوا # يقول: لرغبته في القرى، وفي طعام الناس، يبيت بهم، ويدع أهله. ولو شاء أن ~~يبيت عندهم لفعل. # وقال آخر، يمدح ضد هؤلاء: [من البسيط] # تقري قدورهم سراء ليلهم ... ولا يبيتون دون الحي أضيافا [7] PageV05P314 # وقال جرير [1] : [من الطويل] # وإني لأستحيي أخي أن أرى له ... علي من الحق الذي لا يرى ليا # قال: أستحيي أن يكون له عندي يد ولا يرى لي عنده مثلها. # وقال امرؤ القيس [2] : [من الطويل] # وهل ينعمن إلا خلي منعم ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال # قال: وهو كقوله [2] : «استراح من لا عقل له» . وأنشد مع هذا البيت قول ~~عمر ابن أبي ربيعة. ويحكى أن المنصور كان يعجبه النصف الأخير من البيت ~~الثاني جدا، ويتمثل به كثيرا، حتى انتقده بعض من قضى به عليه أن المعنى ~~قدمه ms0857 دهرا، وكان استحسانه عن فضل معرفته بإحقاقه فيه، وصواب قوله [3] : [من ~~الطويل] # وأعجبها من عيشها ظل غرفة ... وريان ملتف الحدائق أخضر # ووال كفاها كل شيء يهمها ... فليست لشيء آخر الدهر تسهر # وأنشد [4] : [من الطويل] # إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهم ... وقوفا، بأيديهم مسوك الأرانب [5] # هجاهم بأنهم إنما يعيشون من الصيد. وأنشد: [من الطويل] # إذا ابتدر الناس المكارم والعلا ... أقاموا رتوبا في النهوج اللهاجم [6] # يخبر أنهم يسألون الناس. والنهج واللهجم: الطريق الواسع. # وقال الآخر [7] : [من الطويل] # لنا إبل يروين يوما عيالنا ... ثلاث وإن يكثرن يوما فأربع # نمدهم بالماء لا من هوانهم ... ولكن إذا ما قل شيء يوسع PageV05P315 # وقال الآخر [1] : [من الطويل] # من المهديات الماء بالماء بعدما ... رمى بالمقادي كل قاد ومعتم [2] # وقال الآخر: [من الطويل] # وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار # دعا جعلا لا يهتدي لمبيته ... من اللوم حتى يهتدي ابن وبار # وقال الحسن بن هانئ [3] : [من الطويل] # أضمرت للنيل هجرانا ومقلية ... إذ قيل لي إنما التمساح في النيل [4] # فمن رأى النيل رأي العين من كثب ... فما أرى النيل إلا في البواقيل [5] # وقال ابن ميادة [6] : [من الطويل] # أتيت ابن قشراء العجان فلم أجد ... لدى بابه إذنا يسيرا ولا نزلا # فإن الذي ولاك أمر جماعة ... لأنقص من يمشي على قدم عقلا # ومن هذا الباب قوله [7] : [من البسيط] # إني رأيت أبا العوراء مرتفقا ... بشط دجلة يشري التمر والسمكا # كشرة الخيل تبقى عند مذودها ... والموت أعلم إذ قفى بمن تركا # هذي مساعيك في آثار سادتنا ... ومن تكن أنت ساعيه فقد هلكا # ومن هذا الباب قوله [8] : [من الوافر] # ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا # إذا المجد الرفيع تعاورته ... ولاة السوء أوشك أن يضيعا # وقال جران العود [9] : [من الطويل] PageV05P316 # أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا في دجية الليل يطرف # وقال: [من الطويل] # ولم أجد الموقوذ ترجى حياته ... إذا لم يرعه الماء ساعة ينضح [1] # وكان أبو عباد النميري أتى باب بعض العمال، يسأله شيئا من عمل السلطان، ~~فبعثه ms0858 إلى أستقانا فسرقوا كل شيء في البيدر وهو لا يشعر، فعاتبه في ذلك، ~~فكتب إليه أبو عباد [2] : [من مجزوء الرمل] # كنت بازا أضرب الكر ... كي والطير العظاما # فتقنصت بي الص ... عو فأوهنت القدامى [3] # وإذا ما أرسل البا ... زي على الصعو تعامى # أراد قول أبي النجم [4] في الراعي: [من الرجز] # يمر بين الغانيات الجهل ... كالصقر يجفو عن طراد الدخل # وبات أبو عباد مع أبي بكر الغفاري، في ليالي شهر رمضان، في المسجد ~~الأعظم، فدب إليه، وأنشأ يقول: [من السريع] # يا ليلة لي بت ألهو بها ... مع الغفاري أبي بكر # قمت إليه بعد ما قد مضى ... ثلث من الليل على قدر # في ليلة القدر، فيا من رأى ... أدب مني ليلة القدر # ما قام حمدان أبو بكر ... إلا وقد أفزعه نخري [5] # وقال في قلبان صديقته: [من مجزوء الخفيف] # إن قلبان قد بغت ... لشقائي وقد طغت # وإذا لم تنك بأي ... ر عظيم القوى بكت # وقال مسكين الدارمي [6] : [من الطويل] PageV05P317 # إليك أمير المؤمنين رحلتها ... تثير القطا ليلا وهن هجود # لدى كل قرموص كأن فراخه ... كلى غير أن كانت لهن جلود # وقال أبو الأسود الدؤلي، واسمه ظالم بن عمرو بن سفيان [1] : [من الطويل] # أمنت على السر امرأ غير كاتم ... ولكنه في النصح غير مريب # أذاع به في الناس حتى كأنه ... بعلياء نار أوقدت بثقوب [2] # وكنت متى لم ترع سرك تنتشر ... قوارعه من مخطئ ومصيب [3] # وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه ... وما كل مؤت نصحه بلبيب # ولكن إذا ما استجمعا عند واحد ... فحق له من طاعة بنصيب [4] # وقال أيضا [5] : [من الطويل] # إذا كنت مظلوما فلا تلف راضيا ... عن القوم حتى تأخذ النصف واغضب # وإن كنت أنت الظالم القوم فالطرح ... مقالتهم وأشغب بهم كل مشغب # وقارب بذي جهل، وباعد بعالم ... جلوب عليك الحق من كل مجلب # فإن حدبوا فاقعس وإن هم تقاعسوا ... ليستمسكوا مما وراءك فاحدب [6] # ولا تذعنن للحق واصبر على التي ... بها كنت أقضي للبعيد على أبي # فإني امرؤ أخشى إلهي وأتقي ... معادي وقد جربت ما لم ms0859 تجرب # وقال مسلمة بن عبد الملك: [من الرجز] # إني إذا الأصوات في القوم علت ... في موطن يخشى به القوم العنت # موطن نفسي على ما خيلت ... بالصبر حتى تنجلي عما انجلت # وقال الكميت [7] : [من المتقارب] # وبيض رقاق خفاف المتون ... تسمع للبيض منها صريرا [8] PageV05P318 # تشبه في الهام آثارها ... مشافر قرحى أكلن البريرا # وأنشدني أبو عبيدة: [من الرجز] # نصبحها قيسا بلا استبقائها ... صفائحا فيها فضول مائها # من كل غضب عل من دمائها ... إذا علا البيضة في استوائها # رونقه أوقد في حربائها ... نارا وقد أمخض من ورائها # وأنشدني لرجل من طيئ: [من الرجز] # لم أر فتيان صباح أصبرا ... منهم إذا كان الرماح كسرا # سفع الحدود درعا وحسرا ... لا يشتهون الأجل المؤخرا [1] # وقال ابن مفرغ [2] : [من الرجز] # قب البطون والهوادي قود ... إن حادت الأبطال لا تحيد [3] # إذا رجعناهن قالت عودوا ... كأنما يعلمن ما نريد # ومن المجهولات: [من الطويل] # عليك سلام الله من منزل قفر ... فقد هجت لي شوقا قديما وما تدري # عهدتك من شهر جديدا ولم أخل ... صروف النوى تبلي مغانيك في شهر # الخريمي أبو يعقوب [4] : [من الطويل] # لعمرك ما أخلقت وجها بذلته ... إليك ولا عرضته للمعاير # أي لا أعير لقصدك. # فتى وفرت أيدي المحامد عرضه ... عليه وخلت ماله غير وافر # وقال مطيع بن إياس [5] : [من المنسرح] # قد كلفتني طويلة العنق ... وحب طول الأعناق من خلقي PageV05P319 # أقلق من بعدها فإن قربت ... فالقرب أيضا يزيد في قلقي # وقال سهل بن هارون [1] : [من البسيط] # إذا امرؤ ضاق عني لم يضق خلقي ... من أن يراني غنيا عنه بالياس # ولا يراني إذا لم يرع آصرتي ... مستمريا دررا منه بإبساس [2] # لا أطلب المال كي أغنى بفضلته ... ما كان مطلبه فقرا إلى الناس # وقال [3] ليحيى بن خالد: [من الطويل] # عدو تلاد المال فيما ينوبه ... منوع إذا ما منعه كان أحزما # فسيان حالاه، له فضل منعه ... كما يستحق الفضل إن هو أنعما # مذلل نفس قد أبت غير أن ترى ... مكاره ما تأتي من الحق مغنما # وقال أبو الأسود لزياد: [من الطويل] # لعمرك ms0860 ما حشاك الله روحا ... به جشع ولا نفسا شريره # ولكن أنت لا شرس غليظ ... ولا هش تنازعه خؤوره # كأنا إذ أتيناه نزلنا ... بجانب روضة ريا مطيره ### |PARATEXT| # تم الجزء الخامس من كتاب الحيوان ويليه الجزء السادس أوله باب.. من كتاب ~~الحيوان. PageV05P320 # (بسم الله الرحمن الرحيم) * ### | باب الإطناب والإيجاز لبعض الأبواب السابقة] # (باب) بسم الله، والحمد لله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على ~~محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # اللهم جنبنا فضول القول، والثقة بما عندنا، ولا تجعلنا من المتكلفين. ### || 1667- [مسرد الأجزاء السابقة] # قد قلنا في الخطوط [1] ومرافقها، وفي عموم منافعها، وكيف كانت الحاجة إلى ~~استخراجها، وكيف اختلفت صورها على قدر اختلاف طبائع أهلها، وكيف كانت ~~ضرورتهم إلى وضعها، وكيف كانت تكون الخلة عند فقدها. # وقلنا في العقد ولم تكلفوه، وفي الإشارة ولم اجتلبوها [2] ، ولم شبهوا ~~جميع ذلك ببيان اللسان حتى سموه بالبيان، ولم قالوا: القلم أحد اللسانين، ~~والعين أنم من اللسان. # وقلنا في الحاجة إلى المنطق وعموم نفعه، وشدة الحاجة إليه، وكيف صار أعم ~~نفعا، ولجميع هذه الأشكال أصلا، وصار هو المشتق منه، والمحمول عليه، وكيف ~~جعلنا دلالة الأجسام الصامتة نطقا والبرهان الذي في الأجرام الجامدة بيانا. # وذكرنا جملة القول في الكلب والديك في الجزأين الأولين، وذكرنا جملة ~~القول في الحمام، وفي الذبان، وفي الغربان، وفي الخنافس، وفي الجعلان، إلا ~~ما بقي من فضل القول فيهما، فإنا قد أخرنا ذلك، لدخوله في باب الحشرات، ~~وصواب موقعهما في باب القول في الهمج- في الجزء الثالث. # وإذا سمعت ما أودعها الله تعالى من عظيم الصنعة، وما فطرها الله تعالى ~~عليه من غريب المعرفة، وما أجرى بأسبابها من المنافع الكثيرة، والمحن ~~العظيمة، وما جعل فيها من الداء والدواء- أجللتها أن تسميها همجا، وأكبرت ~~الصنف الآخر أن تسميه حشرة، وعلمت أن أقدار الحيوان ليست على قدر ~~الاستحسان، ولا على أقدار الأثمان. PageV06P321 # وذكرنا جملة القول في الذرة والنملة، وفي القرد والخنزير، وفي الحيات ~~والنعام، وبعض القول في النار في الجزء الرابع. # والنار- حفظك الله- وإن لم تكن ms0861 من الحيوان، فقد كان جرى من السبب المتصل ~~بذكرها، ومن القول المضمر بما فيها، ما أوجب ذكرها والإخبار عن جملة القول ~~فيها. # وقد ذكرنا بقية القول في النار، ثم جملة القول في العصافير، ثم جملة ~~القول في الجرذان والسنانير والعقارب. ولجمع هذه الأجناس في باب واحد سبب ~~سيعرفه من قرأه، ويتبينه من رآه! ثم القول في القمل والبراغيث والبعوض، ثم ~~القول في العنكبوت و؟؟؟ # القول في الحبارى، ثم القول في الضأن والمعز، ثم القول في الضفادع ~~والجراد؟؟؟ # القول في القطا. ### || 1668- [الإطناب والإيجاز] # وقد بقيت- أبقاك الله تعالى- أبواب توجب الإطالة، وتحوج إلى الإطناب. # وليس بإطالة ما لم يجاوز مقدار الحاجة، ووقف عند منتهى البغية. # وإنما الألفاظ على أقدار المعاني، فكثيرها لكثيرها، وقليلها لقليلها، ~~وشريفها لشريفها، وسخيفها لسخيفها. والمعاني المفردة، البائنة بصورها ~~وجهاتها، تحتاج من الألفاظ إلى أقل مما تحتاج إليه المعاني المشتركة، ~~والجهات الملتبسة. # ولو جهد جميع أهل البلاغة أن يخبروا من دونهم عن هذه المعاني، بكلام وجيز ~~يغني عن التفسير باللسان، والإشارة باليد والرأس- لما قدروا عليه. # وقد قال الأول [1] : «إذا لم يكن ما تريد فأرد ما يكون!» . # وليس ينبغي للعاقل أن يسوم [2] اللغات ما ليس في طاقتها. ويسوم النفوس ما ~~ليس في جبلتها [3] . ولذلك صار يحتاج صاحب كتاب المنطق إلى أن يفسره لمن ~~PageV06P322 # طلب من قبله علم المنطق، وإن كان المتكلم رفيق اللسان، حسن البيان، إلا ~~أني لا أشك على حال أن النفوس إذ كانت إلى الطرائف أحن، وبالنوادر أشغف، ~~وإلى قصار الأحاديث أميل، وبها أصب- أنها خليقة لاستثقال الكثير، وإن ~~استحقت تلك المعاني الكثيرة، وإن كان ذلك الطويل أنفع، وذلك الكثير أرد [1] ~~. ### || 1669- [رجع الي سرد سائر أبواب الكتاب] # وسنبدأ بعون الله تعالى وتأييده، بالقول في الحشرات والهمج، وصغار ~~السباع، والمجهولات الخاملة الذكر من البهائم، ونجعل ذلك كله بابا واحدا، ~~ونتكل، بعد صنع الله تعالى، على أن ذلك الباب إذ كان أبوابا كثيرة، وأسماء ~~مختلفة- أن القارئ لها لا يمل بابا حتى يخرجه الثاني إلى خلافه، وكذلك يكون ~~مقام الثالث من الرابع، والرابع ms0862 من الخامس، والخامس من السادس. ### || 1670- [مقياس قدر الحيوان] # وليس الذي يعتمد عليه من شأن الحيوان عظم الجثة، ولا كثرة العدد، ولا ثقل ~~الوزن! والغاية التي يجرى إليها، والغرض الذي نرمي إليه غير ذلك، لأن خلق ~~البعوضة وما فيها من عجيب التركيب، ومن غريب العمل، كخلق الذرة وما فيها من ~~عجيب التركيب، ومن الأحساس الصادقة، والتدابير الحسنة، ومن الروية والنظر ~~في العاقبة، والاختيار لكل ما فيه صلاح المعيشة، ومع ما فيها من البرهانات ~~النيرة، والحجج الظاهرة [2] . # وكذلك خلق السرفة [3] وعجيب تركيبها، وصنعة كفها، ونظرها في عواقب أمرها. # وكذا خلق النحلة مع ما فيها من غريب الحكم، وعجيب التدبير، ومن التقدم ~~فيما يعيشها، والادخار ليوم العجز عن كسبها، وشمها ما لا يشم، ورؤيتها لما ~~لا يرى، وحسن هدايتها، والتدبير في التأمير عليها، وطاعة ساداتها، وتقسيط ~~أجناس الأعمال بينها، على أقدار معارفها وقوة أبدانها [4] . PageV06P323 # فهذه النحلة، وإن كانت ذبابة، فانظر قبل كل شيء في ضروب انتفاع ضروب ~~الناس فيها، فإنك تجدها أكبر من الجبل الشامخ، والفضاء الواسع. # وكل شيء وإن كان فيه من العجب العاجب، ومن البرهان الناصع، ما يوسع فكر ~~العاقل، ويملأ صدر المفكر، فإن بعض الأمور أكثر أعجوبة، وأظهر علامة. وكما ~~تختلف برهاناتها في الغموض والظهور، فكذلك تختلف في طبقات الكثرة، وإن ~~شملتها الكثرة، ووقع عليها اسم البرهان. ### || 1671- [رجع إلى سرد سائر أبواب الكتاب] # ولعل هذا الجزء الذي نبتدئ فيه بذكر ما في الحشرات والهمج، أن يفضل من ~~ورقه شيء، فنرفعه ونتمه بجملة القول في الظباء والذئاب، فإنهما بابان ~~يقصران عن الطوال، ويزيدان على القصار. # وقد بقي من الأبواب المتوسطة والمقتصدة المعتدلة، التي قد أخذت من القصر ~~لمن طلب القصر بحظ، ومن الطول لمن طلب الطول بحظ وهو القول في البقر، ~~والقول في الحمير، والقول في كبار السباع وأشرافها، ورؤسائها، وذوي النباهة ~~منها، كالأسد والنمر، والببر وأشباه ذلك، مما يجمع قوة أصل الناب، والذرب ~~[1] ، وشحو [2] الفم، والسبعية وحدة البرثن، وتمكنه في العصب، وشدة القلب ~~وصرامته عند الحاجة، ووثاقة خلق البدن، وقوته ms0863 على الوثب. # وسنذكر تسالم المتسالمة منها، وتعادي المتعادية منها، وما الذي أصلح ~~بينها على السبعية الصرف، واستواء حالها في اقتيات اللحمان، حتى ربما استوت ~~فريستها في الجنس. # وقد شاهدنا غير هذه الأجناس يكون تعاديها من قبل هذه الأمور التي ~~ذكرناها. # وليس فيما بين هذه السباع بأعيانها تفاوت في الشدة، فتكون كالأسد الذي ~~يطلب الفهد ليأكله، والفهد لا يطمع فيه ولا يأكله. فوجدنا التكافؤ في القوة ~~والآلة من أسباب التفاسد. وإن ذلك ليعمل في طباع عقلاء الإنس حتى يخرجوا ~~إلى تهارش السباع، فما بالها لم تعمل هذا العمل في أنفس السباع؟! ~~PageV06P324 # وسنذكر علة التسالم وعلة التعادي، ولم طبعت رؤساء السباع على الغفلة وبعض ~~ما يدخل في باب الكرم، دون صغار السباع وسفلتها، وحاشيتها وحشوها [1] ، ~~وكذلك أوساطها، والمعتدلة الآلة والأسر [2] منها. ### || 1672- [شواهد هذا الكتاب ] # ولم نذكر، بحمد الله تعالى، شيئا من هذه الغرائب، وطريفة من هذه الطرائف ~~إلا ومعها شاهد من كتاب منزل، أو حديث مأثور، أو خبر مستفيض، أو شعر معروف، ~~أو مثل مضروب، أو يكون ذلك مما يشهد عليه الطبيب، ومن قد أكثر قراءة الكتب، ~~أو بعض من قد مارس الأسفار، وركب البحار، وسكن الصحاري واستذرى [3] ~~بالهضاب، ودخل في الغياض [4] ، ومشى في بطون الأودية. # وقد رأينا أقواما يدعون في كتبهم الغرائب الكثيرة، والأمور البديعة، ~~ويخاطرون من أجل ذلك بمروءاتهم، ويعرضون أقدارهم، ويسلطون السفهاء على ~~أعراضهم، ويجترون سوء الظن إلى أخبارهم، ويحكمون حساد النعم في كتبهم، ~~ويمكنون لهم من مقالتهم. وبعضهم يتكل على حسن الظن بهم، أو على التسليم ~~لهم، والتقليد لدعواهم. وأحسنهم حالا من يحب أن يتفضل عليه ببسط العذر له، ~~ويتكلف الاحتجاج عنه، ولا يبالي أن يمن بذلك على عقبه، أو من دان بدينه، أو ~~اقتبس ذلك العلم من قبل كتبه. # ونحن حفظك الله تعالى، إذا استنطقنا الشاهد، وأحلنا على المثل، فالخصومة ~~حينئذ إنما هي بينهم وبينها، إذ كنا نحن لم نستشهد إلا بما ذكرنا. وفيما ~~ذكرنا مقنع عند علمائنا، إلا أن يكون شيء يثبت بالقياس، أو يبطل بالقياس، ms0864 ~~فواضع الكتاب ضامن لتخليصه وتلخيصه، ولتثبيته وإظهار حجته. # فأما الأبواب الكبار فمثل القول في الإبل، والقول في فضيلة الإنسان على ~~جميع الحيوان، كفضل الحيوان على جميع النامي، وفضل النامي على جميع الجماد. ~~PageV06P325 # وليس يدخل في هذا الباب القول فيما قسم الله، عز وجل، لبعض البقاع من ~~التعظيم دون بعض، ولا فيما قسم من الساعات والليالي، والأيام والشهور ~~وأشباه ذلك، لأنه معنى يرجع إلى المختبرين بذلك، من الملائكة والجن ~~والآدميين. # فمن أبواب الكبار القول في فصل ما بين الذكورة والإناث، وفي فصل ما بين ~~الرجل والمرأة خاصة. # وقد يدخل في القول في الإنسان ذكر اختلاف الناس في الأعمار، وفي طول ~~الأجسام، وفي مقادير العقول، وفي تفاضل الصناعات، وكيف قال من قال في تقديم ~~الأول، وكيف قال من قال في تقديم الآخر. # فأما الأبواب الأخر، كفضل الملك على الإنسان، وفضل الإنسان على الجان، ~~وهي جملة القول في اختلاف جواهرهم، وفي أي موضع يتشاكلون، وفي أي موضع ~~يختلفون؛ فإن هذه من الأبواب المعتدلة في القصر والطول. ### || 1673- # وليس من الأبواب باب إلا وقد يدخله نتف من أبواب أخر على قدر ما يتعلق ~~بها من الأسباب، ويعرض فيه من التضمين. ولعلك أن تكون بها أشد انتفاعا. # وعلى أني ربما وشحت هذا الكتاب وفصلت فيه بين الجزء والجزء بنوادر كلام، ~~وطرف أخبار، وغرر أشعار، مع طرف مضاحيك. ولولا الذي نحاول من استعطاف على ~~استتمام انتفاعكم لقد كنا تسخفنا [1] وسخفنا شأن كتابنا هذا. # وإذا علم الله تعالى موقع النية، وجهة القصد، أعان على السلامة من كل ~~مخوف ### || 1674- [العلة في عدم افراد باب للسمك] # ولم نجعل لما يسكن الملح والعذوبة، والأنهار والأدوية، والمناقع والمياه ~~الجارية، من السمك ومما يخالف السمك، مما يعيش مع السمك- بابا مجردا، لأني ~~لم أجد في أكثره شعرا يجمع الشاهد ويوثق منه بحسن الوصف، وينشط بما فيه من ~~غير ذلك للقراءة. ولم يكن الشاهد عليه إلا أخبار البحريين، وهم قوم لا ~~PageV06P326 # يعدون القول في باب الفعل، وكلما كان الخبر أغرب كانوا به أشد عجبا، مع ms0865 ~~عبارة غثة، ومخارج سمجة. # وفيه عيب آخر: وهو أن معه من الطول والكثرة ما لا تحتملونه، ولو غناكم ~~بجميعه مخارق، وضرب عليه زلزل، وزمر به برصوما، فلذلك لم أتعرض له. # وقد أكثر في هذا الباب أرسطاطاليس، ولم أجد في كتابه على ذلك من الشاهد ~~إلا دعواه. # ولقد قلت لرجل من البحريين: زعم أرسطاطاليس أن السمكة لا تبتلع الطعم ~~أبدا إلا ومعه شيء من ماء، مع سعة المدخل، وشر النفس. فكان من جوابه أن قال ~~لي: ما يعلم هذا إلا من كان سمكة مرة، أو أخبرته به سمكة، أو حدثه بذلك ~~الحواريون أصحاب عيسى، فإنهم كانوا صيادين، وكانوا تلامذة المسيح. # وهذا البحري صاحب كلام، وهو يتكلف معرفة العلل. وهذا كان جوابه. # ولكني لن أدع ذكر بعض ما وجدته في الأشعار والأخبار، أو كان مشهورا عند ~~من ينزل الأسياف [1] وشطوط الأودية والأنهار، ويعرفه السماكون، ويقر به ~~الأطباء- بقدر ما أمكن من القول. ### || 1675- [زعم إياس بن معاوية في الشبوط] # وقد روى لنا غير واحد من أصحاب الأخبار، أن إياس بن معاوية زعم أن ~~الشبوطة كالبغل، وأن أمها بنية، وأباها زجر [2] ، وأن من الدليل على ذلك أن ~~الناس لم يجدوا في بطن شبوطة قط بيضا. # وأنا أخبرك أني قد وجدته فيها مرارا، ولكني وجدته أصغر جثة، وأبعد من ~~الطيب، ولم أجده عاما كما أجده في بطون جميع السمك. # فهذا قول أبي واثلة إياس بن معاوية المزني الفقيه القاضي، وصاحب الإزكان ~~[3] ، وأقوف [4] من كرز بن علقمة، داهية مضر في زمانه، ومفخر من مفاخر ~~العرب. PageV06P327 ### || 1676- [الشك في أخبار البحريين والسماكين والمترجمين] # فكيف أسكن بعد هذا إلى أخبار البحريين، وأحاديث السماكين، وإلى ما في ~~كتاب رجل لعله أن لو وجد هذا المترجم أن يقيمه على المصطبة، ويبرأ إلى ~~الناس من كذبه عليه، ومن إفساد معانيه بسوء ترجمته. ### || 1677- [فصيلة الضب] # والذي حضرني من أسماء # | الحشرات، مما يرجع عمود صورها إلى قالب واحد، وإن اختلفت بعد ذلك في أمور. فأول ما ~~نذكر من ذلك الضب. # والأجناس التي ترجع إلى صورة ms0866 الضب: الورل، والحرباء، والوحرة [1] ، ~~والحلكة [2] ، وشحمة الأرض، وكذلك العظاء، والوزغ، والحرذون. وقال أبو زيد: # وذكر العظاية هو العضرفوط. ويقال في أم حبين حبينة وأشباهها مما يسكن ~~الماء الرق، والسلحفا، والغيلم، والتمساح، وما أشبه ذلك. ### || 1678- [الحشرات] # ومما نحن قائلون في شأنه من الحشرات: الظربان، والعث [3] والحفاث [4] ~~والعربد [5] ، والعضرفوط [6] ، والوبر [7] ، وأم حبين، والجعل، والقرنبى ~~[8] والدساس [9] ، والخنفساء، والحية، والعقرب، والشبث [10] والرتيلاء [11] ~~، والطبوع، PageV06P328 # والحرقوص [1] ، والدلم [2] ، وقملة النسر [3] ، والمثل، والنبر، وهي ~~دويبة إذا دبت على جلد البعير تورم [4] ، ولذلك يقول الشاعر [5] ، وهو يصف ~~إبله بالسمن: [من الرجز] # كأنها من بدن واستيقار ... دبت عليها ذربات الأنبار [6] # وقال الآخر [7] : [من الكامل] # حمر تحقنت النجيل كأنما ... بجلودهن مدارج الأنبار # والضمج [8] ، والقنفذ، والنمل، والذر، والدساس [9] ، [ومنها ما] [10] ~~تتشاكل في وجوه، وتختلف من وجوه: كالفأر والجرذان والزباب [11] ، والخلد ~~واليربوع، وابن عرس، وابن مقرض [12] ومنها العنكبوت الذي يقال له منونة، ~~وهي شر من الجرارة والضمج [8] . ### || 1679- [ما فيه الوحشي والأهلي من الحيوان] # وسنقول في الأجناس التي يكون في الجنس منها الوحشي والأهلي، كالفيلة، ~~والخنازير، والبقر، والحمير، والسنانير. PageV06P329 # والظباء قد تدجن وتولد على صعوبة فيها. وليس في أجناس الإبل جنس وحشي، ~~إلا في قول الأعراب. ### || [ما هو أهلي صرف أو وحشي صرف من الحيوان ] # ومما يكون أهليا ولا يكون وحشيا وهو سبع- الكلاب وليس يتوحش منها إلا ~~الكلب الكلب. فأما الضباع والذئاب، والأسد، والنمور، والببور، والثعالب، ~~وبنات آوى، فوحشية كلها، وقد يقلم الأسد وتنزع أنيابه، ويطول ثواؤه مع ~~الناس حتى يهرم مع ذلك، ويحس بعجزه عن الصيد، ثم هو في ذلك لا يؤتمن عرامه ~~[1] ولا شروده، إذا انفرد عن سواسه [2] ، وأبصر غيضة قدامها صحراء. ### || 1680- [قصة الأعرابي والذئب] # وقد كان بعض الأعراب ربى جرو ذئب صغيرا، حتى شب، وظن أنه يكون أغنى غناء ~~من الكلب، وأقوى على الذب عن الماشية، فلما قوي شيئا وثب على شاة فذبحها- ~~وكذلك يصنع الذئب- ثم أكل منها فلما أبصر الرجل أمره قال [3] : # [من الوافر] # أكلت شويهتي وربيت فينا ... فمن أنباك أن أباك ذيب # وقد أنكر ناس من أصحابنا هذا الحديث، وقالوا: ms0867 لم يكن ليألفه ويقيم معه ~~بعد أن اشتد عظمه! ولم لم يذهب مع الذئاب والضباع، ولم تكن البادية أحب ~~إليه من الحاضرة، والقفار أحب إليه من المواضع المأنوسة. ### || 1681- [كيف يصير الوحشي من الحيوان أهليا] # وليس يصير السبع من هذه الأجناس أو الوحشي من البهائم أهليا بالمقام ~~فيهم، وهو لا يقدر على الصحاري. وإنما يصير أهليا إذا ترك منازل الوحش وهي ~~له معرضة. ### || 1682- [ما يعتري الوحشي إذا صار إلى الناس] # وقد تتسافد وتتوالد في الدور وهي بعد وحشية، وليس ذلك فيها بعام. ومن ~~الوحش ما إذا صار إلى الناس وفي دورهم ترك السفاد، ومنها ما لا يطعم ولا ~~يشرب PageV06P330 # البتة بوجه من الوجوه، ومنها ما يكره على الطعم ويدخل في حلقة كالحية، ~~ومنها ما لا يسفد ولا يدجن، ولا يطعم ولا يشرب، ولا يصيح حتى يموت وهذا ~~المعنى في وحشي الطير أكثر. ### || 1683- [السوداني و رياضته للوحوش] # [1] والذي يحكى عن السوداني القناص الجبلي ليس بناقض لما قلنا، لأن الشيء ~~الغريب، والنادر الخارجي، لا يقاس عليه. وقد زعموا أنه بلغ من حذقه بتدريب ~~الجوارح وتضريتها أنه ضرى ذئبا حتى اصطاد به الظباء وما دونها، صيدا ذريعا، ~~وأنه ألفه حتى رجع إليه من ثلاثين فرسخا، وقد كان بعض العمال سرقه منه. وقد ~~ذكروا أن هذا الذئب قد صار إلى العسكر، وأن هذا السوداني ضرى أسدا حتى ~~اصطاد له الحمير فما دونها صيدا ذريعا، وأنه ضرى الزنابير فاصطاد بها ~~الذبان. وكل هذا عجب، وهو غريب نادر، بديع خارجي وذكروا أنه من قيس عيلان، ~~وأن حليمة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم قد ولدته. ### || 1684- [الحيوانات العجيبة] # وليس عندي في الحمار الهندي [2] شيء. وقد ذكره صاحب المنطق. فأما الدباب، ~~وفأرة المسك [3] ، والفنك [4] ، والقاقم [5] ، والسنجاب، والسمور [6] ، ~~وهذه الدواب ذوات الفراء [7] والوبر الكثيف الناعم، والمرغوب فيه، والمنتفع ~~به، فهي عجيبة. # وإنما نذكر ما يعرفه أصحابنا وعلماؤنا، وأهل باديتنا. ألا ترى أني لم ~~أذكر لك PageV06P331 # الحريش [1] ، والدخس [2] ، ولا هذه السباع المشتركة الخلق، المتولدة فيما ~~بين السباع المختلفة الأعضاء، المتشابهة الأرحام، ms0868 التي إذا صار بعضها في ~~أيدي القرادين والمتكسبين والطوافين، وضعوا لها أسماء، فقالوا: مقلاس، ~~وكيلاس، وشلقطير، وخلقطير وأشباه ذلك، حين لم تكن من السباع الأصلية ~~والمشهورة النسب، والمعروفة بالنفع والضرر. # وقد ذكرنا منها ما كان مثل الضبع، والسمع [3] ، والعسبار [4] ، إذ كانت ~~معروفة عند الأعراب، مشهورة في الأخبار، منوها بها في الأشعار. ### || 1685- [الاعتماد على معارف الأعراب في الوحش] # وإنما أعتمد في مثل هذا على ما عند الأعراب، وإن كانوا لم يعرفوا شكل ما ~~احتيج إليه منها من جهة العناية والفلاية، ولا من جهة التذاكر والتكسب. ~~ولكن هذه الأجناس الكثيرة، ما كان منها سبعا أو بهيمة أو مشترك الخلق، ~~فإنما هي مبثوثة في بلاد الوحش: من صحراء، أو واد، أو غائط، أو غيضة، أو ~~رملة، أو رأس جبل، وهي في منازلهم ومناشئهم [5] ، فقد نزلوا كما ترى بينها، ~~وأقاموا معها. وهم أيضا من بين الناس وحش، أو أشباه الوحش. ### || 1686- توارث المعرفة بالداء والدواء # وربما؛ بل كثيرا ما يبتلون بالناب والمخلب، وباللدغ واللسع، والعض ~~والأكل، فخرجت بهم الحاجة إلى تعرف حال الجاني والجارح والقاتل، وحال ~~المجني عليه والمجروح والمقتول، وكيف الطلب والهرب، وكيف الداء والدواء، ~~لطول الحاجة، ولطول وقوع البصر، مع ما يتوارثون من المعرفة بالداء والدواء. ~~PageV06P332 ### || 1687- [معرفة العرب للآثار والأنواء والنجوم] # ومن هذه الجهة عرفوا الآثار في الأرض والرمل، وعرفوا الأنواء ونجوم ~~الاهتداء، لأن كل من كان بالصحاصح الأماليس [1]- حيث لا أمارة ولا ~~هادي، مع حاجته إلى بعد الشقة- مضطر إلى التماس ما ينجيه ويؤديه [2] . # ولحاجته إلى الغيث، وفراره من الجدب، وضنه بالحياة، اضطرته الحاجة إلى ~~تعرف شأن الغيث. # ولأنه في كل حال يرى السماء، وما يجري فيها من كوكب، ويرى التعاقب بينها، ~~والنجوم الثوابت فيها، وما يسير منها مجتمعا وما يسير منها فاردا [3] ، وما ~~يكون منها راجعا ومستقيما. ### || [أقوال لبعض الأعراب فى النجوم] # وسئلت أعرابية فقيل لها: أتعرفين النجوم؟ قالت: سبحان الله! أما أعرف ~~أشباحا وقوفا علي كل ليلة! وقال اليقطري: وصف أعرابي لبعض أهل الحاضرة نجوم ~~الأنواء، ونجوم الاهتداء، ونجوم ساعات ms0869 الليل والسعود والنحوس، فقال قائل ~~لشيخ عبادي كان حاضرا: أما ترى هذا الأعرابي يعرف من النجوم ما لا نعرف! ~~قال: ويل أمك، من لا يعرف أجذاع [4] بيته؟ # قال: وقلت لشيخ من الأعراب قد خرف، وكان من دهاتهم: إني لا أراك عارفا ~~بالنجوم! قال: أما إنها لو كانت أكثر لكنت بشأنها أبصر، ولو كانت أقل لكنت ~~لها أذكر. # وأكثر سبب ذلك كله- بعد فرط الحاجة، وطول المدارسة- دقة الأذهان، وجودة ~~الحفظ. ولذلك قال مجنون من الأعراب- لما قال له أبو الأصبغ بن ربعي: أما ~~تعرف النجوم؟ قال: وما لي أعرف من لا يعرفني؟! فلو كان لهذا الأعرابي ~~المجنون مثل عقول أصحابه، لعرف مثل ما عرفوا. PageV06P333 ### || 1688- [ما يجب في التعليم] # ولو كان عندي في أبدان السمور، والفنك، والقاقم [1] ، ما عندي في أبدان ~~الأرانب والثعالب، دون فرائها، لذكرتها بما قل أو كثر، لكنه لا ينبغي لمن ~~قل علمه أن يدع تعليم من هو أقل منه علما. ### || 1689- [الدساس وعلة اختصاصه بالذكر] # ولو كانت الدساس [2] من أصناف الحيات لم نخصها من بينها بالذكر، ولكنها ~~وإن كانت على قالب الحيات وخرطها، وأفرغت كإفراغها وعلى عمود صورها، ~~[فخصائصها] [3] دون خصائصها، كما يناسبها في ذلك الحفاث [4] والعربد [5] . # وليسا من الحيات، كما أن هذا ليس من الحيات، لأن الدساس ممسوحة الأذن، ~~وهي مع ذلك مما يلد ولا يبيض. والمعروف في ذلك أن الولادة هي في الأشرف [6] ~~، والبيض في الممسوح [7] . # وقد زعم ناس أن الولادة لا تخرج الدساس من اسم الحية، كما أن الولادة لا ~~تخرج الخفاش من اسم الطير. # وكل ولد يخرج من بيضه فهو فرخ، إلا ولد بيض الدجاج فإنه فروج. # والأصناف التي ذكرناها مع ذكر الضب تبيض كلها، ويسمى ولدها بالاسم الأعم ~~فرخا. # وزعم لي ابن أبي العجوز، أن الدساس تلد. وكذلك خبرني به محمد بن أيوب ابن ~~جعفر عن أبيه، وخبرني به الفضل بن إسحاق بن سليمان فإن كان خبرهما عن إسحاق ~~فقد كان إسحاق من معادن [8] العلم. PageV06P334 # وقد زعموا بهذا الإسناد أن الأروية [1] تضع مع كل ولد وضعته ms0870 أفعى في ~~مشيمة واحدة. # وقال الآخرون: الأروية [1] لا تعرف بهذا المعنى، ولكنه ليس في الأرض نمرة ~~إلا وهي تضع ولدها وفي عنقه أفعى في مكان الطوق. وذكروا أنها تنهش وتعض، ~~ولا تقتل. # ولم أكتب هذا لتقر به، ولكنها رواية أحببت أن تسمعها. ولا يعجبني الإقرار ~~بهذا الخبر، وكذلك لا يعجبني الإنكار له. ولكن ليكن قلبك إلى إنكاره أميل. ### || 1690- [مواضع الشك واليقين] # وبعد هذا فاعرف مواضع الشك، وحالاتها الموجبة له، لتعرف بها مواضع اليقين ~~والحالات الموجبة له، وتعلم الشك في المشكوك فيه تعلما. فلو لم يكن في ذلك ~~إلا تعرف التوقف ثم التثبت، لقد كان ذلك مما يحتاج إليه. # ثم اعلم أن الشك في طبقات عند جميعهم. ولم يجمعوا على أن اليقين طبقات في ~~القوة والضعف. ### || 1691- [أقوال لبعض المتكلمين في الشك] # ولما قال ابن الجهم للمكي: أنا لا أكاد أشك! قال المكي: وأنا لا أكاد ~~أوقن! ففخر عليه المكي بالشك في مواضع الشك، كما فخر عليه ابن الجهم ~~باليقين في مواضع اليقين. # وقال أبو إسحاق: نازعت من الملحدين الشاك والجاحد فوجدت الشكاك أبصر ~~بجوهر الكلام من أصحاب الجحود. # وقال أبو إسحاق: الشاك أقرب إليك من الجاحد، ولم يكن يقين قط حتى كان ~~قبله شك، ولم ينتقل أحد عن اعتقاد إلى اعتقاد غيره حتى يكون بينهما حال شك. # وقال ابن الجهم: ما أطمعني في أوبة المتحير لأن كل من اقتطعته عن اليقين ~~الحيرة فضالته التبين، ومن وجد ضالته فرح بها. # وقال عمرو بن عبيد: تقرير لسان الجاحد أشد من تعريف قلب الجاهل. ~~PageV06P335 # وقال أبو إسحاق: إذا أردت أن تعرف مقدار الرجل العالم، وفي أي طبقة هو، ~~وأردت أن تدخله الكور [1] وتنفخ عليه، ليظهر لك فيه الصحة من الفساد، أو ~~مقداره من الصحة والفساد، فكن عالما في صورة متعلم، ثم اسأله سؤال من يطمع ~~في بلوغ حاجته منه. ### || 1692- [فصل ما بين العوام و الخواص في الشك] # والعوام أقل شكوكا من الخواص، لأنهم لا يتوقفون في التصديق والتكذيب ولا ~~يرتابون بأنفسهم، فليس عندهم إلا ms0871 الإقدام على التصديق المجرد، أو على ~~التكذيب المجرد، وألغوا الحال الثالثة من حال الشك التي تشتمل على طبقات ~~الشك، وذلك على قدر سوء الظن وحسن الظن بأسباب ذلك. وعلى مقادير الأغلب. ### || 1693- [حرمة المتكلمين] # وسمع رجل، ممن قد نظر بعض النظر، تصويب العلماء لبعض الشك، فأجرى ذلك في ~~جميع الأمور، حتى زعم أن الأمور كلها يعرف حقها وباطلها بالأغلب. # وقد مات ولم يخلف عقبا، ولا واحدا يدين بدينه. فلو ذكرت اسمه مع هذه ~~الحال لم أكن أسأت، ولكني على حال أكره التنويه بذكر من قد تحرم بحرمة ~~الكلام، وشارك المتكلمين في اسم الصناعة، ولا سيما إن كان ممن ينتحل تقديم ~~الاستطاعة. ### || 1694- [الأوعال والثياتل والأيايل] # فأما القول في # | الأوعال، والثياتل [2] ، والأيايل # [3] وأشباه ذلك، فلم يحضرنا فيها ما إن نجعل لذكرها بابا مبوبا. ولكننا ~~سنذكرها في مواضع ذكرها من تضاعيف هذا الكتاب إن شاء الله تعالى. ~~PageV06P336 ### | باب في الضب # (الضب) ### || 1695- [ذم هذا الكتاب ومدحه] # وأنا مبتدئ على اسم الله تعالى في القول في الضب. على أني أذم هذا الكتاب ~~في الجملة، لأن الشواهد على كل شيء بعينه وقعت متفرقة غير مجتمعة. # ولو قدرت على جمعها لكان ذلك أبلغ في تزكية الشاهد، وأنور للبرهان، وأملأ ~~للنفس، وأمتع لها، بحسن الرصف [1] . وأحمده، لأن جملة الكتاب على حال ~~مشتملة على جميع تلك الحجج، ومحيطة بجميع تلك البرهانات، وإن وقع بعضه في ~~مكان بعض، تأخر متقدم، وتقدم متأخر. ### || 1696- [جحر الضب و ما قيل فيه من الشعر] # وقالوا [2] : ومن كيس [3] الضب أنه لا يتخذ جحره إلا في كدية وهو الموضع ~~الصلب- أو في ارتفاع عن المسيل والبسيط، ولذلك توجد براثنه ناقصة كليلة، ~~لأنه يحفر في الصلابة، ويعمق الحفر، ولذلك قال خالد بن الطيفان [4] : [من ~~الطويل] # ومولى كمولى الزبرقان دملته ... كما دملت ساق تهاض، بها كسر [5] # إذا ما أحالت والجبائر فوقها ... مضى الحول لا برء مبين ولا جبر # تراه كأن الله يجدع أنفه ... وأذنيه إن مولاه ثاب له وفر # ترى الشر قد أفنى دوائر وجهه ... كضب الكدى أفنى براثنه الحفر ms0872 ~~PageV06P337 # وقال كثير [1] : [من المتقارب] # فإن شئت قلت له صادقا ... وجدتك بالقف ضبا جحولا # من اللاء يحفرن تحت الكدى ... ولا يبتغين الدماث السهولا # وقال دريد بن الصمة [2] : [من الطويل] # وجدنا أبا الجبار ضبا مورشا ... له في الصفاة برثن ومعاول # له كدية أعيت على كل قانص ... ولو كان منهم حارشان وحابل # ظللت أراعي الشمس لولا ملالتي ... تزلع جلدي عنده وهو قائل [3] # وأنشد لدريد بن الصمة [4] : [من الطويل] # وعوراء من قيل امرىء قد رددتها ... بسالمة العينين طالبة عذرا [5] # ولو أنني إذ قالها قلت مثلها ... وأكثر منها، أورثت بيننا غمرا # فأعرضت عنها وانتظرت به غدا ... لعل غدا يبدي لمنتظر أمرا # لأخرج ضبا كان تحت ضلوعه ... وأقلم أظفارا أطال بها الحفرا # وقال أوس بن حجر، في أكل الصخر للأظفار [6] : [من الطويل] # فأشرط فيها نفسه وهو معصم ... وألقى بأسباب له وتوكلا # وقد أكلت أظفاره الصخر، كلما ... تعايا عليه طول مرقى توصلا # فقد وصفوا الضب كما ترى، بأنه لا يحفر إلا في كدية، ويطيل الحفر حتى تفنى ~~براثنه، ويتوخى به الارتفاع عن مجاري السيل والمياه، وعن مدق الحوافر، ~~لكيلا ينهار عليه بيته. PageV06P338 ### || 1697- [الموضع الذي يختاره الضب لجحره] # ولما علم أنه نساء سيئ الهداية، لم يحفر وجاره إلا عند أكمة، أو صخرة، أو ~~شجرة، ليكون متى تباعد من جحره لطلب الطعم، أو لبعض الخوف فالتفت ورآه؛ ~~أحسن الهداية إلى جحره. ولأنه إذا لم يقم علما [1] فلعله أن يلج على ظربان ~~أو ورل، فلا يكون دون أكله له شيء. ### || 1698- [بعض الأمثال في خداع الضب] # فقالت العرب: «خب ضب» [2] ؛ و: «أخب من ضب» [3] ؛ و «أخدع من ضب» [4] ؛ ~~و: «كل ضب عند مرداته» [5] . # وإذا خدع في زوايا حفيرته فقد توثق لنفسه عند نفسه. ### || 1699- [حذر بعض الحيوان] # ولهذه العلة اتخذ اليربوع القاصعاء، والنافقاء، والداماء، والراهطاء، وهي ~~أبواب قد اتخذها لحفيرته، فمتى أحس بشر خالف تلك الجهة إلى الباب. # ولهذا وشبهه من الحذر كان التوبير [6] من الأرانب وأشباهها. والتوبير: أن ~~تطأ على زمعاتها [6] فلا يعرف الكلب والقائف من أصحاب القنص آثار قوائمها. # ولما ms0873 أشبه هذا التدبير صار الظبي لا يدخل كناسه إلا وهو مستدبر، يستقبل ~~بعينه ما يخافه على نفسه وخشفه [7] . PageV06P339 ### || 1700- [شعر في حزم الضب و خبثه و تدبيره] # وقد جمع يحيى بن منصور الذهلي أبوابا من حزم الضب، وخبثه وتدبيره. إلا ~~أنه لم يرد تفضيل الضب في ذلك. ولكنه بعد أن قدمه على حمقى الرجال. قال: # فكيف لو فكرتم في حزم اليربوع والضب. # وأنشدني فقال [1] : [من الوافر] # وبعض الناس أنقص رأي حزم ... من اليربوع والضب المكون [2] # يرى مرداته من رأس ميل ... ويأمن سيل بارقة هتون [3] # ويحفر في الكدى خوف انهيار ... ويجعل مكوه رأس الوجين [4] # ويخدع إن أردت له احتيالا ... رواغ الفهد من أسد كمين # ويدخل عقربا تحت الذنابى ... ويعمل كيد ذي خدع طبين [5] # فهذا الضب ليس بذي ... حريم مع اليربوع والذئب اللعين # وقد ذكر يحيى جميع ما ذكرنا، إلا احتياله بإعداد العقرب لكف المحترش، ~~فإنه لم يذكر هذه الحيلة من عمله. وسنذكر ذلك في موضعه. والشعر الذي يثبت ~~له ذلك كثير. # فهذا شأن الضب في الحفر، وإحكام شأن منزله. ### || 1701- [الورل و عدم اتخاذه بيتا] # ومن كلام العرب أن الورل إنما يمنعه من اتخاذ البيوت أن اتخاذها لا يكون ~~إلا بالحفر، والورل يبقي على براثنه، ويعلم أنها سلاحه الذي به يقوى على ما ~~هو أشد بدنا منه. وله ذنب يؤكل ويستطاب، كثير الشحم. ### || 1702- [قول الأعراب في مطايا الجن من الحيوان] # والأعراب لا يصيدون يربوعا، ولا قنفذا، ولا ورلا من أول الليل، وكذلك كل ~~شيء يكون عندهم من مطايا الجن، كالنعام والظباء. PageV06P340 # ولا تكون الأرنب والضبع من مراكب الجن، لأن الأرنب تحيض ولا تغتسل من ~~الحيض، والضباع تركب أيور القتلى والموتى إذا جيفت [1] أبدانهم وانتفخوا ~~وأنعظوا ثم لا تغتسل عندهم من الجنابة. ولا حنابة إلا ما كان للإنسان فيه ~~شرك. ولا تمتطي القرود، لأن القرد زان، ولا يغتسل من جنابة. # فإن قتل أعرابي قنفذا أو ورلا، من أول الليل، أو بعض هذه المراكب، لم ~~يأمن على فحل إبله، ومتى اعتراه شيء حكم بأنه عقوبة ms0874 من قبلهم. # قالوا: ويسمعون الهاتف عند ذلك بالنعى، وبضروب الوعيد. ### || 1703- [قول الأعراب في قتل الجان من الحيات] # وكذلك يقولون في الجان من الحيات. وقتل الجان عندهم عظيم. ولذلك رأى رجل ~~منهم جانا في قعر بئر، لا يستطيع الخروج منها، فنزل على خطر شديد حتى ~~أخرجها، ثم أرسلها من يده فانسابت، وغمض عينيه لكيلا يرى مدخلها كأنه يريد ~~الإخلاص في التقرب إلى الجن. # قال المازني: فأقبل عليه رجل فقال له: كيف يقدر على أذاك من لم ينقذه من ~~الأذى غيرك؟! ### || 1704- [ما لا يتم له التدبير إذا دخل الأسراب و الأنفاق] # وقال: ثلاثة أشياء لا يتم لها التدبير إذا دخلت الأسراب، والأنفاق، ~~والمكامن والتوالج [2] حتى يغص بها الخرق. # - فمن ذلك: أن الظربان إذا أراد أن يأكل حسلة الضب أو الضب نفسه؛ اقتحم ~~جحر الضب مستدبرا، ثم التمس أضيق موضع فيه، فإذا وجده قد غص به، وأيقن أنه ~~قد حال بينه وبين النسيم، فسا عليه، فليس يجاوز ثلاث فسوات حتى يغشى على ~~الضب فيأكله كيف شاء. # - والآخر: أن الرجل إذا دخل وجار الضبع ومعه حبل، فإن لم يسد ببدنه ~~وبثوبه جميع المخارق والمنافذ ثم وصل إلى الضبع من الضياء بمقدار سم ~~الإبرة، وثبت عليه. فقطعته، ولو كان أشد من الأسد. PageV06P341 # - والثالث: أن الضب إذا أراد أن يأكل حسوله وقف لها من جحرها في أضيق ~~موضع من منفذه إلى خارج، فإذا أحكم ذلك بدأ فأكل منها، فإذا امتلأ جوفه ~~انحط عن ذلك المكان شيئا قليلا، فلا يفلت منه شيء من ولده إلا بعد أن يشبع ~~ويزول عن موضعه، فيجد منفذا. # وقال بعض الأعراب: [من الرجز] # ينشب في المسلك عند سلته ... تزاحم الضب عصى في كديته ### || 1705- [شعر في أكل الضب ولده] # وقال: الدليل على أن الضب يأكل ولده قول عملس بن عقيل بن علفة لأبيه [1] ~~: [من الوافر] # أكلت بنيك أكل الضب حتى ... وجدت مرارة الكلأ الوبيل # فلو أن الأولى كانوا شهودا ... منعت فناء بيتك من بجيل # وأنشد لغيره [2] : [من الوافر] # أكلت بنيك أكل الضب حتى ms0875 ... تركت بنيك ليس لهم عديد # وقال عمرو بن مسافر: عتبت على أبي يوما في بعض الأمر، فقلت: [من البسيط] # كيف ألوم أبي طيشا ليرحمني ... وجده الضب لم يترك له ولدا # وقال خداش بن زهير [3] : [من البسيط] # فإن سمعتم بجيش سالكا سرفا ... أو بطن قو فأخفوا الجرس واكتتموا # ثم ارجعوا فأكبوا في بيوتكم ... كما أكب على ذي بطنه الهرم # جعله هرما لطول عمره. وذي بطنه: ولده. PageV06P342 # وقال أبو بكر بن أبي قحافة لعائشة، رضي الله عنهما: إني كنت نحلتك سبعين ~~وسقا [1] من مالي بالعالية، وإنك لم تحوزيه، وإنما هو مال الوارث، وإنما هو ~~أخواك وأختاك. قالت: ما أعرف لي أختا غير أسماء. قال: إنه قد ألقى في روعي ~~أن ذا بطن بنت خارجة جارية. # قال آخرون: لم يعن بذي بطنه ولده، ولكن الضب يرمي ما أكل، أي يقيء؛ ثم ~~يرجع فيأكله. فذلك هو ذو بطنه. فشبهوه في ذلك بالكلب والسنور. # وقال عمرو بن مسافر: ما عنى إلا أولاده، فكأن خداشا قال: ارجعوا عن الحرب ~~التي لا تستطيعونها، إلى أكل الذرية والعيال. ### || 1706- [قول أبي سليمان الغنوي في أكل الضبة أولادها] # قال: وقال أبو سليمان الغنوي: أبرأ إلى الله تعالى من أن تكون الضبة تأكل ~~أولادها! ولكنها تدفنهن وتطم عليهن التراب، وتتعهدهن في كل يوم حتى يخرجن ~~[2] ، وذلك في ثلاثة أسابيع. غير أن الثعالب والظربان والطير، تحفر عنهن ~~فتأكلهن. ولو أفلت منهن كل فراخ الضباب لملأن الأرض جميعا. # ولو أن إنسانا نحل أم الدرداء، أو معاذة العدوية، أو رابعة القيسية، أنهن ~~يأكلن أولادهن، لما كان عند أحد من الناس من إنكار ذلك، ومن التكذيب عنهن، ~~ومن استعظام هذا القول، أكثر مما قاله أبو سليمان في التكذيب على الضباب أن ~~تكون تأكل أولادها. # قال أبو سليمان: ولكن الضب يأكل بعره، وهو طيب عنده. وأنشد [3] : [من ~~البسيط] # يعود في تيعه حدثان مولده ... فإن أسن تغدى نجوه كلفا # قال: وقال أفار بن لقيط: التيع: القيء. ولكنا رويناه هكذا. إنما قال: ~~«يعود في رجعه» . وكذلك الضب، يأكل ms0876 رجعه [4] . PageV06P343 # وزعم أصحابنا أن أبا المنجوف السدوسي روى عن أبي الوجيه العكلي قوله [1] ~~: [من الطويل] # وأفطن من ضب إذا خاف حارشا ... أعد له عند التلمس عقربا ### || جملة القول في نصيب الضباب من الأعاجيب والغرائب # أول ذلك طول الذماء، وهو بقية النفس وشدة انعقاد الحياة والروح بعد الذبح ~~وهشم الرأس، والطعن الجائف النافذ، حتى يكون في ذلك أعجب من الخنزير، ومن ~~الكلب، ومن الخنفساء، وهذه الأشياء التي قد تفردت بطول الذماء. # ثم شارك الضب الوزغة والحية، فإن الحية تقطع من ثلث جسمها، فتعيش إن سلمت ~~من الذر. فجمع الضب الخصلتين جميعا. إلا ما رأيت في دخال الأذن من هذه ~~الخصلة الواحدة، فإني كنت أقطعه بنصفين، فيمضي أحد نصفيه يمنة والآخر يسرة. ~~إلا أني لا أعرف مقدار بقائهما بعد أن فاتا بصري. # ومن أعاجيبه طول العمر. وذلك مشهور في الأشعار والأخبار، ومضروب به ~~المثل. فشارك الحيات في هذه الفضيلة، وشارك الأفعى الرملية والصخرية في ~~أنها لا تموت حتف أنفها، وليس إلا أن تقتل أو تصطاد، فتبقى في جون ~~الحوائين، تذيلها [2] الأيدي، وتكره على الطعم في غير أرضها وهوائها، حتى ~~تموت، أو تحتملها السيول في الشتاء وزمان الزمهرير، فما أسرع موتها حينئذ، ~~لأنها صردة. ### ||| [مثل في الحية] وتقول العرب: «أصرد من حية» ؛ كما تقول: «أعرى من حية» [3] . ~~وقال القشيري: «والله لهي أصرد من عنز جرباء» [4] . PageV06P344 ### ||| 1707- [حتوف الحيات] # وحتوفها التي تسرع إليها ثلاثة أشياء: # أحدها مرور أقاطيع الإبل والشاء، وهي منبسطة على وجه الأرض، إما للتشرق ~~نهارا في أوائل البرد، وإما للتبرد ليلا في ليالي الصيف، وإما لخروجها في ~~طلب الطعم. # والخصلة الثانية ما يسلط عليها من القنافذ والأوعال والورل، فإنها ~~تطالبها مطالبة شديدة، وتقوى عليها قوة ظاهرة، والخنازير تأكلها وقد ذكرنا ~~ذلك في باب القول في الحيات [1] . # والخصلة الثالثة: تكسب الحوائين بصيدها. وهي تموت عندهم سريعا. ### ||| 1708- [ما يشارك الضب فيه الحية] # والضب يشاركها في طول العمر، ثم الاكتفاء بالنسيم والتعيش ببرد الهواء. # وذلك عند الهرم وفناء الرطوبات، ونقص الحرارات [2] . وهذه كلها عجب. ### ||| 1709- [عودإلى ms0877 أعاجيب الضب] # ثم اتخاذه الجحر في الصلابة، وفي بعض الارتفاع. خوفا من الانهدام، ومسيل ~~المياه. ثم لا يكون ذلك إلا عند علم يرجع إليه إن هو أضل جحره. ولو رأى ~~بالقرب ترابا متراكبا بقدر تلك المرداة [3] والصخرة، لم يحفل بذلك. فهذا ~~كله كيس وحزم. # وقال الشاعر [4] : [من الطويل] # سقى الله أرضا يعلم الضب أنها ... عذية بطن القاع طيبة البقل # يرود بها بيتا على رأس كدية ... وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل # وقال البطين: [من البسيط] # وكل شيء مصيب في تعيشه ... الضب كالنون، والإنسان كالسبع PageV06P345 # ومن أعاجيبه [1] أن له أيرين، وللضبة حرين. وهذا شيء لا يعرف إلا لهما. # فهذا قول الأعراب. # وأما قول كثير من العلماء، ومن نقب في البلاد، وقرأ الكتب، فإنهم يزعمون ~~أن للسقنقور أيرين، وهو الذي يتداوى به العاجز عن النكاح، ليورثه ذلك ~~القوة. # قالوا: وإن للحرذون أيضا أيرين، وإنهم عاينوا ذلك معاينة. وآخر من زعم لي ~~ذلك موسى بن إبراهيم. # والحرذون دويبة تشبه الحرباء، تكون بناحية مصر وما والاها، وهي دويبة ~~مليحة موشاة بألوان ونقط. # وقال جالينوس: الضب الذي له لسانان يصلح لحمه لكذا وكذا. فهذه أيضا ~~أعجوبة أخرى في الضب: أن يكون بعضه ذا لسانين وذا أيرين. # ومن أعاجيب الضبة أنها تأكل أولادها. وتجاوز في ذلك خلق الهرة، حتى قالت ~~الأعراب: «أعق من ضب» [2] . ### ||| 1710- [احتيال الضب بالعقرب] # وزعمت العرب أنه يعد العقرب في جحره، فإذا سمع صوت الحرش استثفرها [3] ، ~~فألصقها بأصل عجب الذنب من تحت، وضم عليها، فإذا أدخل الحارش يده ليقبض على ~~أصل ذنبه لسعته العقرب. # وقال علماؤهم: بل يهيئ العقارب في جحره، لتلسع المحترش إذا أدخل يده. # وقال أبو المنجد بن رويشد: رأيت الضب أخور [4] دابة في الأرض على الحر، ~~تراه أبدا في شهر ناجر [5] بباب جحره، متدخلا يخاف أن يقبض قابض بذنبه، ~~فربما أتاه الجاهل ليستخرجه، وقد أتى بعقرب فوضعها تحت ذنبه بينه وبين ~~الأرض، يحبسها بعجب الذنب، فإذا قبض الجاهل على أصل ذنبه لسعته، فشغل ~~بنفسه. PageV06P346 # فأما ذو المعرفة فإن معه ms0878 عويدا يحركه هناك، فإذا زالت العقرب قبض عليه. # وقال أبو الوجيه: كذب والله من زعم أن الضبة تستثفر [1] عقربا، ولكن ~~العقارب مسالمة للضباب، لأنها لا تعرض لبيضها وفراخها. والضب يأكل الجراد ~~ولا يأكل العقارب. وأنشد قول التميمي الذي كان ينزل به الأزدي: إنه ليس إلى ~~الطعام يقصد، وليس به إلا أنه قد صار به إلفا وأنيسا، فقال: [من الوافر] # أتأنس بي ونجرك غير نجري ... كما بين العقارب والضباب [2] # وأنشد: [من الطويل] # تجمعن عند الضب حتى كأنه ... على كل حال أسود الجلد خنفس # لأن العقارب تألف الخنافس. وأنشدوا للحكم بن عمرو البهراني [3] : [من ~~السريع] # والوزغ الرقط على ذلها ... تطاعم الحيات في الجحر # والخنفس الأسود من نجره ... مودة العقرب في السر # لأنك لا تراهما أبدا إلا ظاهرتين، يطاعمان أو يتسايران، ومتى رأيت مكنة ~~[4] أو اطلعت على جحر فرأيت إحداهما رأيت الأخرى. # قال: ومما يؤكد القول الأول قوله: [من الطويل] # ومستثفر دون السوية عقربا ... لقد جئت بجريا من الدهر أعوجا # يقول: حين لم ترض من الدهاء والنكر [5] إلا بما تخالف عنده الناس ~~وتجوزهم. ### ||| 1711- [إعجاب الضب والعقرب بالتمر] # وأنشدني ابن داحة لحذيفة بن دأب عم عيسى بن يزيد، الذي يقال له ابن ~~PageV06P347 # دأب في حديث طويل من أحاديث العشاق: [من الطويل] # لئن خدعت حبى بسب مزعفر ... فقد يخدع الضب المخادع بالتمر [1] # لأن الضب شديد العجب بالتمر، فضرب الضب مثلا في الخبث والخديعة. # والذي يدل على أن الضب والعقرب يعجبان بالتمر عجبا شديدا، ما جاء من ~~الأشعار في ذلك. # وأنشدني ابن الأعرابي، لابن دغماء العجلي: [من الطويل] # سوى أنكم دربتم فجريتم ... على دربة، والضب يحبل بالتمر # فجعل صيده بالتمر كصيده بالحبالة. وأنشدني القشيري: [من الطويل] # وما كنت ضبا يخرج التمر ضغنه ... ولا أنا ممن يزدهيه وعيد # وقال بشر بن المعتمر، في قصيدته التي ذكر فيها آيات الله عز ذكره، في ~~صنوف خلقه، مع ذكر الإباضية، والرافضة والحشوية والنابتة فقال فيها [2] : ~~[من السريع] # وهقلة ترتاع من ظلها ... لها عرار ولها زمر # تلتهم المرو على شهوة ... وحب ms0879 شيء عندها الجمر # وضبة تأكل أولادها ... وعترفان بطنه صفر # يؤثر بالطعم، وتأذينه ... منجم ليس له فكر # وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التمر # وقال أيضا بشر، في قصيدة له أخرى [3] : [من السريع] # أما ترى الهقل وأمعاءه ... يجمع بين الصخر والجمر # وفأرة البيش على بيشها ... أحرص من ضب على تمر # وقال أبو دارة- وقد رأيته أنا، وكان صاحب قنص-: [من الطويل] # وما التمر إلا آفة وبلية ... على جل هذا الخلق من ساكن البحر PageV06P348 # وفي البر من ذئب وسمع وعقرب ... وثرملة تسعى وخنفسة تسري [1] # وقد قيل في الأمثال إن كنت واعيا ... عذيرك، إن الضب يحبل بالتمر # وسنفسر معاني هذه الأبيات إذا كتبنا القصيدتين على وجوههما [2] بما ~~يشتملان عليه من ذكر الغرائب والحكم، والتدبير والأعاجيب التي أودع الله ~~تعالى أصناف هذا الخلق، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر، فيصير بذلك عاقلا عالما، ~~وموحدا مخلصا. ### ||| 1712- [طول ذماء الضب] # والدليل على ما ذكرنا من تفسير قولهم: الضب أطول شيء ذماء [3] ، قولهم: # «إنه لأحيا من ضب» [4] ، لأن حارشه ربما ذبحه فاستقصى فري الأوداج، ثم ~~يدعه، فربما تحرك بعد ثلاثة أيام. # وقال أبو ذؤيب الهذلي [5] : [من الكامل] # ذكر الورود بها وشاقى أمره ... شؤما وأقبل حينه يتتبع # فأبدهن حتوفهن فهارب ... بذمائه أو ساقط متجعجع # وكان الناس يروون: «فهارب بدمائه» يريدون من الدم. وكانوا يكسرون الدال، ~~حتى قال الأصمعي: «بذمائه» معجمة الذال مفتوحة وقال كثير [6] : [من الكامل] # ولقد شهدت الخيل يحمل شكتي ... متلمظ خذم العنان بهيم [7] # باقي الذماء إذا ملكت مناقل ... وإذا جمعت به أجش هزيم [8] PageV06P349 ### ||| 1713- [خبث الضب ومكره] # والضب إذا خدع في جحره وصف عند ذلك بالخبث والمكر، ولذلك قال الشاعر: [من ~~البسيط] # إنا منينا بضب من بني جمح ... يرى الخيانة مثل الماء بالعسل # وأنشد أبو عصام [1] : [من الطويل] # إن لنا شيخين لا ينفعاننا ... غنيين لا يجدي علينا غناهما # كأنهما ضبان ضبا مغارة ... كبيران غيداقان صفر كشاهما [2] # فإن يحبلا لا يوجدا في حبالة ... وإن يرصدا يوما يخب راصداهما # ولذلك شبهوا الحقد الكامن في القلب، الذي يسري ضرره، وتدب عقاربه بالضب، ~~فسموا ms0880 ذلك الحقد ضبا. قال معن بن أوس: [من الطويل] # ألا من لمولى لا يزال كأنه ... صفا فيه صدع لا يدانيه شاعب [3] # تدب ضباب الغش تحت ضلوعه ... لأهل الندى من قومه بالعقارب # وقال أبو دهبل الجمحي [4] : [من البسيط] # فاعلم بأني لمن عاديت مضطغن ... ضبا وإنى عليك اليوم محسود # وأنشد ابن الأعرابي [5] : [من الرجز] # يا رب مولى حاسد مباغض ... علي ذي ضغن وضب فارض [6] # له قروء كقروء الحائض PageV06P350 # كأنه ذهب إلى أن حقده يخبو تارة ثم يستعر، ثم يخبو ثم يستعر. # وقال ابن ميادة [1] ، وضرب المثل بنفخ الضب وتوثبه: [من الطويل] # فإن لقيس من بغيض أقاصيا ... إذا أسد كشت لفخر ضبابها # وقال الآخر: [من الطويل] # فلا يقطع الله اليمين التي كست ... حجاجي منيع بالقنا من دم سجلا [2] # ولو ضب أعلى ذي دميث حبلتما ... إذا ظل يمطو من حبالكم حبلا [3] # والضب يوصف بشدة الكبر، ولا سيما إذا أخصب وأمن وصار [4] ، كما قال عبدة ~~بن الطبيب، فإنه ضرب الضب مثلا حيث يقول [5] ليحيى بن هزال: [من البسيط] # لأعرفنك يوم الورد ذا لغط ... ضخم الجزارة بالسلمين وكار # تكفي الوليدة والرعيان مؤتزرا ... فاحلب فإنك حلاب وصرار # ما كنت أول ضب صاب تلعته ... غيث فأمرع واسترخت به الدار # وقال ابن ميادة [6] : [من الطويل] # ترى الضب أن لم يرهب الضب غيره ... يكش له مستكبرا ويطاوله # وقال دعلج عبد المنجاب: [من الطويل] # إذا كان بيت الضب وسط مضبة ... تطاول للشخص الذي هو حابله # المضبة: مكان ذو ضباب كثيرة، ولا تكثر إلا وبقربها حية أو ورل، أو ظربان، ~~ولا يكون ذلك إلا في موضع بعيد من الناس، فإذا أمن وخلا له جوه، وأخصب، نفخ ~~وكش نحو كل شيء يريده. ### ||| 1714- [ما يوصف بالكبر من الحيوان] # ومما يوصف بالكبر الثور في حال تشرقه، وفي حال مشيته الخيلاء في الرياض، ~~PageV06P351 # عند غب ديمة. ولذلك قال الكميت [1] : [من الخفيف] # كشبوب ذي كبرياء من الوح ... دة لا يبتغي عليها ظهيرا [2] # وهذا كثير، وسيقع في موضعه من القول في البقر. # ومما يوصف بالكبر الجمل الفحل، إذا ms0881 طافت [3] به نوق الهجمة [4] ، ومر نحو ~~ماء أو كلأ فتبعنه. وقال الراجز: [من الرجز] # فإن تشردن حواليه وقف ... قالب حملاقيه في مثل الجرف [5] # لو رض لحد عينه لما طرف ... كبرا وإعجابا وعزا وترف # والناقة يشتد كبرها إذا لقحت، وتزم بأنفها [6] وتنفرد عن صحاباتها، وأنشد ~~الأصمعي: [من الرجز] # وهو إذا أراد منها عرسا ... دهماء مرباع اللقاح جلسا [7] # عاينها بعد السنان أنسا ... حتى تلقته مخاضا قعسا [8] # حتى احتشت في كل نفس نفسا ... على الدوام ضامزات خرسا [9] # خوصا مسرات لقاحا ملسا [10] # وأما قول الشماخ [11] : [من الطويل] # جمالية لو يجعل السيف غرضها ... على حده لاستكبرت أن تضورا [12] ~~PageV06P352 # فليس من الأول في شيء. ### ||| 1715- [المذكورون من الناس بالكبر] # والمذكورون من الناس بالكبر، ثم من قريش: بنو محزوم، وبنو أمية. ومن ~~العرب: بنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس خاصة. # فأما الأكاسرة من الفرس فكانوا لا يعدون الناس إلا عبيدا، وأنفسهم إلا ~~أربابا. # ولسنا نخبر إلا عن دهماء الناس وجمهورهم كيف كانوا، من ملوك وسوقة. ### ||| 1716- [الكبر في الأجناس الذليلة] # والكبر في الأجناس الذليلة من الناس أرسخ وأعم. ولكن الذلة والقلة ~~مانعتان من ظهور كبرهم، فصار لا يعرف ذلك إلا أهل المعرفة. كعبيدنا من ~~السند، وذمتنا من اليهود. # والجملة أن كل من قدر من السفلة والوضعاء والمحقرين أدنى قدرة، ظهر من ~~كبره على من تحت قدرته، على مراتب القدرة، ما لا خفاء به. فإن كان ذميا ~~وحسن بما له في صدور الناس، تزيد في ذلك، واستظهرت طبيعته بما يظن أن فيه ~~رقع ذلك الخرق، وحياص [1] ذلك الفتق، وسد تلك الثلمة. فتفقد ما أقول لك، ~~فإنك ستجده فاشيا. # وعلى هذا الحساب من هذه الجهة، صار المملوك أسوأ ملكة من الحر. # وشيء قد قتلته علما، وهو أني لم أر ذا كبر قط على من دونه إلا وهو يذل ~~لمن فوقه بمقدار ذلك ووزنه. ### ||| 1717- [كبر قبائل من العرب] # فأما بنو مخزوم. وبنو أمية، وبنو جعفر بن كلاب، وبنو زرارة بن عدس، ~~فأبطرهم ما وجدوا لأنفسهم من الفضيلة. ولو كان في ms0882 قوى عقولهم وديانتهم فضل ~~على قوى دواعي الحمية فيهم، لكانوا كبنى هاشم في تواضعهم، وفي إنصافهم لمن ~~دونهم. PageV06P353 # وقد قال في شبيه بهذا المعنى عبدة بن الطبيب، حيث يقول [1] : [من الطويل] # إن الذين ترونهم خلانكم ... يشفي صداع رؤوسهم أن تصرعوا # فضلت عداوتهم على أحلامهم ... وأبت ضباب صدورهم لا تنزع ### ||| 1718- [من عجائب الضب] # فأما ما ذكروا [2] أن للضب أيرين، وللضبة حرين، فهذا من العجب العجيب. # ولم نجدهم يشكون. وقد يختلفون ثم يرجعون إلى هذا العمود. وقال الفزاري ~~[3] : # [من الطويل] # جبى المال عمال الخراج وجبوتي ... محذفة الأذناب صفر الشواكل [4] # رعين الدبا والبقل حتى كأنما ... كساهن سلطان ثياب المراجل [5] # سبحل له نزكان كانا فضيلة ... على كل حاف في البلاد وناعل [6] # ترى كل ذيال إذا الشمس عارضت ... سما بين عرسيه سمو المخايل # واسم أيره النزك، معجمة الزاي والنون من فوق بواحدة، وساكنة الزاي. فهذا ~~قول الفزاري. وأنشد الكسائي [7] : [من الطويل] # تفرقتم لا زلتم قرن واحد ... تفرق أير الضب والأصل واحد # فهذا يؤكد ما رواه أبو خالد النميري، عن أبي حية النميري. قال أبو خالد ~~[8] : # سئل أبو حية عن ذلك، فزعم أن أير الضب كلسان الحية: الأصل واحد، والفرع ~~اثنان. PageV06P354 ### ||| 1719- [زعم بعض المفسرين في عقاب الحية] # وبعض أهل التفسير يزعم أن الله عز وجل عاقب الحية- حين أدخلت إبليس في ~~جوفها حتى كلم آدم على لسانها- بعشر خصال، منها شق اللسان [1] . # قالوا [1] : فلذلك ترى الحية أبدا إذا ضربت لتقتل كيف تخرج لسانها، تلويه ~~كما يصنع المسترحم من الناس بإصبعه إذا ترحم أو دعا، لتري الظالم عقوبة ~~الله تعالى لها. ### ||| 1720- [قول بعض العلماء في تناسل الضب] # قال أبو خالد: قال أبو حية: الأصل واحد، والفرع اثنان، وللأنثى مدخلان. # وأنشد لحبى المدنية [2] : [من الوافر] # وددت بأنه ضب وأني ... كضبة كدية وجدت خلاء # قال: قالت هذا البيت لابنها، حين عذلها، لأنها تزوجت ابن أم كلاب، وهو ~~فتى حدث، وكانت هي قد زادت على النصف، فتمنت أن يكون لها حران ولزوجها ~~أيران. # وقال ابن الأعرابي: للأنثى سبيلان، ولرحمها قرنتان، وهما زاويتا ms0883 الرحم. ~~فإذا امتلأت الزاويتان أتأمت، وإذا لم تمتلئ أفردت. # وقال غيره من العلماء: هذا لا يكون لذوات البيض والفراخ، وإنما هذا من ~~صفة أرحام اللواتي يحبلن بالأولاد، ويضعن خلقا كخلقهن ويرضعن. وكيف تفرد ~~الضبة وهي لم تتئم قط. وهي تبيض سبعين بيضة في كل بيضة حسل. # قال: ولهذه الحشرات أيور معروفة، إلا أن بعضها أحقر من بعض. فأما الخصى ~~فشيء ظاهر لمن شق عنها. ### ||| 1721- [تناسل الذباب] # وجسر أبو خالد، فزعم أنه قد أبصر أير ذباب وهو يكوم ذبابة وزعم أن اسم ~~أيره المتك. وأنشد لعبد الله بن همام السلولي [3] : [من الكامل] ~~PageV06P355 # لما رأيت القصر غلق بابه ... وتعلقت همدان بالأسباب # أيقنت أن إمارة ابن مضارب ... لم يبق منها قيس أير ذباب # وهذا شعر لا يدل على ما قال. # وقال أصحابنا: إنما المتك البظر. ولذلك يقال للعلج: يابن المتكاء كما ~~يقال له: يابن البظراء. ### || القول فيمن استطاب لحم الضب ومن عافه # روى أنه أتي به على خوان النبي صلى الله عليه وسلم فلم يأكله، وقال [1] : ~~«ليس من طعام قومي» . # وأكله خالد بن الوليد فلم ينكر عليه [1] . # ورووا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال [2] : «لا أحله ولا أحرمه» . ~~وأنكر ذلك ابن عباس وقال: # ما بعثه الله تعالى إلا ليحل ويحرم. # وحرمه قوم، ورووا أن أمتين مسختا، أخذت إحداهما في البر، فهي الضباب، ~~وأخذت الأخرى في طريق البحر، فهي الجري [3] . # ورووا عن بعض الفقهاء أنه رأى رجلا أكل لحم ضب، فقال: اعلم أنك قد أكلت ~~شيخا من مشيخة بني إسرائيل [4] . # وقال بعض من يعافه: الذي يدل على أنه مسخ شبه كفه بكف الإنسان. # وقال العدار الأبرص، نديم أيوب بن جعفر، وكان أيوب لا يغب [5] أكل ~~الضباب، في زمانها. ولها في المربد سوق تقوم في ظل دار جعفر. ولذلك قال أبو ~~فرعون، في كلمة له طويلة: [من الرجز] PageV06P356 # سوق الضباب خير سوق في العرب # وكان أبو إسحاق إبراهيم النظام والعدار، إذا كان عند أيوب قاما عن خوانه ~~[1] ، إذا وضع له عليه ضب. ومما قال ms0884 فيه العدار قوله: [من الطويل] # له كف إنسان وخلق عظاية ... وكالقرد والخنزير في المسخ والغضب ### ||| 1722- [القول العوام في المسخ] # والعوام تقول ذلك. وناس يزعمون أن الحية مسخ، والضب مسخ، والكلب مسخ، ~~والإربيان [2] ، مسخ، والفأر مسخ. ### ||| [قول أهل الكتاب فى المسخ] # ولم أر أهل الكتاب يقرون بأن الله تعالى مسخ إنسانا قط خنزيرا ولا قردا. ~~إلا أنهم قد أجمعوا أن الله تبارك وتعالى قد مسخ امرأة لوط حجرا [3] ، حين ~~التفتت [4] . # وتزعم الأعراب: أن الله عز ذكره قد مسخ كل صاحب مكس وجابي خراج وإتاوة، ~~إذا كان ظالما. وأنه مسخ ماكسين، أحدهما ذئبا والآخر ضبعا. ### ||| 1723- [شعر الحكم بن عمرو في غرائب الخلق] # وأنشد محمد بن السكن المعلم النحوي، للحكم بن عمرو البهراني، في ذلك وفي ~~غيره شعرا عجيبا، وقد ذكر فيه ضروبا كلها طريف غريب، وكلها باطل، والأعراب ~~تؤمن بها أجمع. # وكان الحكم هذا أتى بني العنبر بالبادية، على أن العنبر من بهراء، فنفوه ~~من البادية إلى الحاضرة، وكان يتفقه ويفتي فتيا الأعراب [5] ، وكان مكفوفا ~~ودهريا PageV06P357 # عد مليا [1] ، وهو الذي يقول [2] : [من الخفيف] # 1- # إن ربي لما يشاء قدير ... ما لشيء أراده من مفر # | 2- # مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أم عمرو # | 3- # بعث النمل والجراد وقفى ... بنجيع الرعاف في حي بكر # | 4- # خرقت فارة بأنف ضئيل ... عرما محكم الأساس بصخر [3] # | 5- # فجرته وكان جيلان عنه ... عاجزا لو يرومه بعد دهر [4] # | 6- # مسخ الضب في الجدالة قدما ... وسهيل السماء عمدا بصغر [5] # | 7- # والذي كان يكتني برغال ... جعل الله قبره شر قبر [6] # | 8- # وكذا كل ذي سفين وخرج ... ومكوس وكل صاحب عشر [6] # | 9- # منكب كافر وأشراط سوء ... وعريف جزاؤه حر جمر [7] # | 10- # وتزوجت في الشبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زق خمر [8] # | 11- # ثيب إن هويت ذلك منها ... ومتى شئت لم أجد غير بكر [9] # | 12- # بنت عمرو وخالها مسحل الخى ... ر وخالي هميم صاحب عمرو [9] # | 13- # ولها خطة بأرض وبار ... مسحوها فكان لي نصف شطر [10] # | 14- # أرض حوش وجامل عكنان ... وعروج من المؤبل دثر [11] # | 15- # سادة الجن ليس فيها من الج ... ن سوى تاجر وآخر مكر # | 16- # ونفوا عن حريمها ms0885 كل عفر ... يسرق السمع كل ليلة بدر [11] PageV06P358 # | 17- # في فتو من الشنقناق غر ... ونساء من الزوابع زهر [1] # | 18- # تأكل الفول ذا البساطة مسيا ... بعد روث الحمار في كل فجر # | 19- # جعل الله ذلك الروث بيضا ... من أنوق ومن طروقة نسر # | 20- # ضربت فردة فصارت هباء ... في محاق القمير آخر شهر [2] # | 21- # تركت عبدلا ثمال اليتامى ... وأخوه مزاحم كان بكري [3] # | 22- # وضعت تسعة وكانت نزورا ... من نساء في أهلها غير نزر [3] # | 23- # غلبتني على النجابة عرسي ... بعد ما طار في النجابة ذكري [4] # | 24- # وأرى فيهم شمائل إنس ... غير أن النجار صورة عفر [5] # | 25- # وبها كنت راكبا حشرات ... ملجما قنفذا ومسرج وبر [6] # | 26- # كنت لا أركب الأرانب للحي ... ض ولا الضبع أنها ذات نكر # | 27- # تركب المقعص المجيف ذا النع ... ظ وتدعو الضباع من كل جحر [7] # | 28- # جائبا للبحار أهدي لعرسي ... فلفلا مجتنى وهضمة عطر [8] # | 29- # وأحلي هرير من صدف البح ... ر وأسقي العيال من نيل مصر [9] # | 30- # ويسني المعقود نفثي وحلي ... ثم يخفى على السواحر سحري # | 31- # وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنه كثير التمري [10] # | 32- # مولج دبره خواية مكو ... وهو بالليل في العفاريت يسري [10] # | 33- # يحسب الناظرون أني ابن ماء ... ذاكر عشه بضفة نهر # | 34- # رب يوم أكلت من كبد اللي ... ث وأعقبت بين ذئب ونمر PageV06P359 # | 35- # ليس ذاكم كمن يبيت بطينا ... من شواء ومن قلية جزر # | 36- # ثم لاحظت خلتي في غدو ... بين عيني وعينها السم يجري # | 37- # ثم أصبحت بعد خفض ولهو ... مدنفا مفردا محالف عسر # | 38- # أتراني مقت من ذبح الدى ... ك وعاديت من أهاب بصقر # | 39- # وسمعت النقيق في ظلم اللي ... ل فجاوبته بسر وجهر # | 40- # ثم يرمى بي الجحيم جهارا ... في خمير وفي دراهم قمر # | 41- # فلعل الإله يرحم ضعفي ... ويرى كبرتي ويقبل عذري ### ||| 1724- [القول في الضب واستطابته] # وسنقول في الذين استحلوه واستطابوه وقدموه. # قالوا: الشيء لا يحرم إلا من جهة كتاب، أو إجماع، أو حجة عقل، أو من جهة ~~القياس على أصل في كتاب الله عز وجل، أو إجماع. ولم نجد في تحريمه شيئا من ~~هذه الخصال، وإن كان إنما يترك من قبل التقزز؛ فقد أكل الناس الدجاج، ~~والشبابيط؛ ms0886 ولحوم الجلالة، وأكلوا السراطين، والعقصير [1] ، وفراخ ~~الزنابير، والصحناء [2] والربيثا [3] فكان التقزز مما يغتذي العذرة رطبة ~~ويابسة، أولى وأحق من كل شيء يأكل الضروب التي قد ذكرناها وذكرها الراجز ~~حيث يقول: [من الرجز] # يا رب ضب بين أكناف اللوى ... رعى المرار والكباث والدبا [4] # حتى إذا ما ناصل البهمى ارتمى ... وأجفئت في الأرض أعراف السفا # ظل يباري هبصا وسط الملا ... وهو بعيني قانص بالمرتبا [5] # كان إذا أخفق من غير الرعا ... رازم بالأكباد منها والكشى [6] # فإن عفتموه لأكل الدبا فلا تأكلوا الجراد، ولا تستطيبوا بيضه. ~~PageV06P360 # وقد قال أبو حجين المنقري: [من الطويل] # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بأسفل واد ليس فيه أذان # وهل آكلن ضبا بأسفل تلعة ... وعرفج أكماع المديد خواني [1] # أقوم إلى وقت الصلاة وريحه ... بكفي لم أغسلهما بشنان [2] # وهل أشربن من ماء لينة شربة ... على عطش من سور أم أبان [3] # وقال آخر [4] : [من الطويل] # لعمري لضب بالعنيزة صائف ... تضحى عرادا فهو ينفخ كالقرم [5] # أحب إلينا أن يجاور أرضنا ... من السمك البني والسلجم الوخم [6] # وقال آخر في تفضيل أكل الضب [7] : [من الطويل] # أقول له يوما وقد راح صحبتي ... وبالله أبغي صيده وأخاتله # فلما التقت كفي على فضل ذيله ... وشالت شمالي زايل الضب باطله [8] # فأصبح محنوذا نضيجا وأصبحت ... تمشى على القيزان حولا حلائله [9] # شديد اصفرار الكشيتين كأنما ... تطلى بورس بطنه وشواكله [10] # فذلك أشهى عندنا من بياحكم ... لحى الله شاريه وقبح آكله [11] ~~PageV06P361 # وقال أبو الهندي، من ولد شبث بن ربعي [1] : [من المتقارب] # أكلت الضباب فما عفتها ... وإني لأهوى قديد الغنم [2] # وركبت زبدا على تمرة ... فنعم الطعام ونعم الأدم [3] # وسمن السلاء وكمء القصيص ... وزين السديف كبود النعم [4] # ولحم الخروف حنيذا وقد ... أتيت به فائرا في الشبم [5] # فأما البهط وحيتانكم ... فما زلت منها كثير السقم [6] # وقد نلت ذاك كما نلتم ... فلم أر فيها كضب هرم # وما في البيوض كبيض الدجاج ... وبيض الجراد شفاء القرم # ومكن الضباب طعام العريب ... ولا تشتهيه نفوس العجم [7] # وإلى هذا المعنى ذهب جران العود، حين أطعم ضيفه ضبا، فهجاه ابن عم ms0887 له كان ~~يغمز في نسبه، فلما قال في كلمة له [8] : [من الوافر] # وتطعم ضيفك الجوعان ضبا ... وتأكل دونه تمرا بزبد # وقال في كلمة له أخرى [8] : [من الوافر] # وتطعم ضيفك الجوعان ضبا ... كأن الضب عندهم عريب # قال جران العود [8] : [من الوافر] # فلولا أن أصلك فارسي ... لما عبت الضباب ومن قراها # قريت الضيف من حبي كشاها ... وأي لوية إلا كشاها [9] PageV06P362 # واللوية: الطعيم الطيب، واللطف [1] يرفع للشيخ والصبي. وقد قال الأخطل ~~[2] : [من الطويل] # ففلت لهم هاتوا لوية مالك ... وإن كان قد لاقى لبوسا ومطعما ### ||| 1725- [بزماورد الزنابير] # وقال مويس بن عمران: كان بشر بن المعتمر خاصا بالفضل بن يحيى، فقدم عليه ~~رجل من مواليه، وهو أحد بني هلال بن عامر، فمضى به يوما إلى الفضل؛ ليكرمه ~~بذلك، وحضرت المائدة، فذكروا الضب ومن يأكله، فأفرط الفضل في ذمه، وتابعه ~~القوم بذلك ونظر الهلالي فلم ير على المائدة عربيا غيره، وغاظه كلامهم، فلم ~~يلبث الفضل أن أتي بصحفة ملآنة من فراخ الزنابير، ليتخذ له منها بزماورد ~~[3]- # والدبر والنحل عند العرب أجناس من الذبان- فلم يشك الهلالي أن الذي رأى ~~من ذبان البيوت والحشوش [4] . وكان الفضل حين ولي خراسان استظرف بها # بزماورد الزنابير، # فلما قدم العراق كان يتشهاها فتطلب له من كل مكان. فشمت الهلالي به ~~وبأصحابه، وخرج وهو يقول [5] : [من الطويل] # وعلج يعاف الضب لؤما وبطنة ... وبعض إدام العلج هام ذباب [6] # ولو أن ملكا في الملا ناك أمه ... لقالوا لقد أوتيت فصل خطاب [7] ### ||| 1726- [شعر أبي الطروق في مهر امرأة] # لما قال أبو الطروق الضبي [8] : [من الطويل] # يقولون أصدقها جرادا وضبة ... فقد جردت بيتي وبيت عياليا [9] PageV06P363 # وأبقت ضبابا في الصدور جواثما ... فيا لك من دعوى تصم المناديا # وعاديت أعمامي وهم شر جيرة ... يدبون شطر الليل نحوي الأفاعيا # وقد كان في قعب وقوس وإن أشأ ... من الأقط ما بلغن في المهر حاجيا [1] # فقال أبوها: [من الطويل] # فلو كان قعبا رض قعبك جندل ... ولو كان قوسا كان للنبل أذكرا # فقال عمها: دعوني والعبد. ### ||| 1727- [شعر في الضب] # وأنشد للدبيري: [من الطويل] ms0888 # أعامر عبد الله إني وجدتكم ... كعرفجة الضب الذي يتذلل # قال: هي لينة، وعودها لين، فهو يعلوها إذا حضروا بالقيظ. ويتشوف [2] ~~عليها. ولست ترى الضب إلا وهي سامية برأسها، تنظر وترقب. وأنشد: [من ~~الطويل] # بلاد يكون الخيم أطلال أهلها ... إذا حضروا بالقيظ والضب نونها # وقال عمرو بن خويلد: [من الطويل] # ركاب حسيل أشهر الصيف بدن ... وناقة عمرو ما يحل لها رحل [3] # إذا ما ابتنينا بيتنا لمعيشة ... يعود لما نبني فيهدمه حسل # ويزعم حسل أنه فرع قومه ... وما أنت فرع يا حسيل ولا أصل # ولدت بحادي النجم تسعى بسعيه ... كما ولدت بالنحس ديانها عكل ### ||| 1728- [استطراد لغوي] # وهم يسمون بحسل وحسيل: وضب وضبة. فمنهم ضبة بن أد، وضبة بن محض، وزيد بن ~~ضب. ويقال: حفرة ضب. وفي قريش بنو حسل. ومن ذلك ضبة الباب. ويسمى حلب ~~الناقة بخمس أصابع ضبا، يقال ضبها يضبها ضبا: إذا حلبها كذلك. وضب الجرح ~~وبض: إذا سال دما، مثل ما تقول: جذب وجبذ. و: «إنه لخب PageV06P364 # ضب» [1] ، و: «إنه لأخدع من ضب» [2] . والضب: الحقد إذا تمكن وسرت ~~عقاربه. # وأخفى مكانه. والضب: ورم في خف البعير. وقال الراجز [3] : [من الرجز] # ليس بذي عرك ولا ذي ضب [4] # ويقال ضب خدع، أي مراوغ. ولذلك سموا الخزانة المخدع. وقال راشد بن شهاب ~~[5] : [من الطويل] # أرقت فلم تخدع بعيني نعسة ... وو الله ما دهري بعشق ولا سقم # وقال ذو الرمة [6] : [من الطويل] # مناسمها خثم صلاب كأنها ... رؤوس الضباب استخرجتها الظهائر [7] ### ||| 1729- [شعر فيه ذكر الضب] # ويدل على كثرة تصريفهم لهذا الاسم ما أنشدناه أبو الرديني: [من الرجز] # لا يعقر التقبيل إلا زبي ... ولا يداوي من صميم الحب # والضب في صوانه مجب [8] # وأنشدنا أبو الرديني العكلي، لطارق وكنيته أبو السمال: [من الرجز] # يا أم سمال ألما تدري ... أني على مياسري وعسري # يكفيك رفدي رجلا ذا وفر ... ضخم المثاليث صغير الأير # إذا تغدى قال تمري تمري ... كأنه بين الذرى والكسر [9] # ضب تضحى بمكان قفر [10] PageV06P365 # وقال أعرابي: [من الطويل] # قد اصطدت يا يقظان ضبا ولم يكن ... ليصطاد ms0889 ضب مثله بالحبائل # يظل رعاء الشاء يرتمضونه ... حنيذا ويجنى بعضه للحلائل [1] # عظيم الكشى مثل الصبي إذا عدا ... يفوت الضباب حسله في السحابل [2] # وقال العماني [3] : [من الرجز] # إني لأرجو من عطايا ربي ... ومن ولي العهد بعد الغب # رومية أولج فيها ضبي ... لها حر مستهدف كالقب [4] # مستحصف نعم قراب الزب [5] # وقال الآخر: [من الوافر] # إذا اصطلحوا على أمر تولوا ... وفي أجوافهم منه ضباب [6] # وقال الزبرقان بن بدر [7] : [من الكامل] # ومن الموالي ضب جندلة ... زمر المروءة ناقص الشبر [8] # فالأول جعل أيره ضبا، والثاني جعل الحقد ضبا. # وقال الخليل بن أحمد، في ظهر البصرة مما يلي قصر أنس [9] : [من البسيط] # زر وادي القصر نعم القصر والوادي ... لا بد من زورة عن غير ميعاد # ترى به السفن كالظلمان واقفة ... والضب والنون والملاح والحادي ~~PageV06P366 # وقال في مثل ذلك ابن أبي عيينة [1] : [من المنسرح] # يا جنة فاتت الجنان فما ... يبلغها قيمة ولا ثمن # ألفتها فاتخذتها وطنا ... إن فؤادي لأهلها وطن # زوج حيتانها الضباب بها ... فهذه كنة وذا ختن [2] # فانظر وفكر فيما تطيف به ... إن الأريب المفكر الفطن [3] # من سفن كالنعام مقبلة ... ومن نعام كأنها سفن # وقال عقبة بن مكدم في صفة الفرس [4] : [من الخفيف] # ولها منخر إذا رفعته ... في المجاراة مثل وجر الضباب [5] # وأنشد [6] : [من الرجز] # وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يسعى بالواد [7] # وقال أبو حية النميري [8] : [من البسيط] # وقربوا كل قنعاس قراسية ... أبد ليس به ضب ولا سرر [9] # وقال كثير [10] : [من الطويل] PageV06P367 # ومحترش ضب العداوة منهم ... بحلو الرقى حرش الضباب الخوادع # وقال كثير [1] أيضا: [من الوافر] # وما زالت رقاك تسل ضغني ... وتخرج من مضائبها ضبابي ### ||| 1730- [شعر في الهجاء فيه ذكر الضب] # فأما الذين ذموا الضب وأكله، وضربوا المثل به وبأعضائه وأخلاقه وأعماله، ~~فكما قال التميمي [2] : [من الوافر] # لكسرى كان أعقل من تميم ... ليالي فر من أرض الضباب # فأنزل أهله ببلاد ريف ... وأشجار وأنهار عذاب # وصار بنو بنيه بها ملوكا ... وصرنا نحن أمثال الكلاب # فلا رحم الإله صدى تميم ... فقد أزرى بنا في كل ms0890 باب # وقال أبو نواس [3] : [من الطويل] # إذا ما تميمي آتاك مفاخرا ... فقل عد عن ذا كيف أكلك للضب # تفاخر أبناء الملوك سفاهة ... وبولك يجري فوق ساقك والكعب # وقال الآخر: [من البسيط] # فحبذا هم وروى الله أرضهم ... من كل منهمر الأحشاء ذي برد # ولا سقى الله أياما غنيت بها ... ببطن فلج على الينسوع فالعقد [4] # مواطن من تميم غير معجبة ... أهل الجفاء وعيش البؤس والصرد [5] # هم الكرام كريم الأمر تفعله ... وهم سعد بما تلقي إلى المعد [6] # أصحاب ضب ويربوع وحنظلة ... وعيشة سكنوا منها على ضمد [7] PageV06P368 # إن يأكلوا الضب باتوا مخصبين به ... وزادها الجوع إن باتت ولم تصد # لو أن سعدا لها ريف لقد دفعت ... عنه كما دفعت عن صالح البلد # من ذا يقارع سعدا عن مفازتها ... ومن ينافسها في عيشها النكد # وقال في مثل ذلك عمرو بن الأهتم [1] : [من الخفيف] # وتركنا عميرهم رهن ضبع ... مسلحبا ورهن طلس الذئاب [2] # نزلوا منزل الضيافة منا ... فقرى القوم غلمة الأعراب [3] # ورددناهم إلى حرتيهم ... حيث لا يأكلون غير الضباب [4] # وقالت المرية [5] : [من الكامل] # جاؤوا بحارشة الضباب كأنما ... جاؤوا ببنت الحارث بن عباد # وقائله هذا الشعر امرأة من بني مرة بن عباد. # وقال الحارث الكندي [6] : [من الوافر] # لعمرك ما إلى حسن أنخنا ... ولا جئنا حسينا يابن أنس # ولكن ضب جندلة أتينا ... مضبا في مضابئها يفسي [7] # فلما أن أتيناه وقلنا ... بحاجتنا تلون لون ورس [8] # وآض بكفه يحتك ضرسا ... يرينا أنه وجع بضرس # فقلت لصاحبي أبه كزاز ... وقلت أسره أتراه يمسي [9] # وقمنا هاربين معا جميعا ... نحاذر أن نزن بقتل نفس [10] # وقالت عائشة ابنة عثمان، في أبان بن سعيد بن العاص، حين خطبها، وكان ~~PageV06P369 # نزل أيلة وترك المدينة [1] : [من الطويل] # نزلت ببيت الضب لا أنت ضائر ... عدوا ولا مستنفعا أنت نافع # وقال جرير [2] : [من الوافر] # وجدنا بيت ضبة في تميم ... كبيت الضب ليس له سواري # وقال آخر- وهذا الشعر يقع أيضا في الضباع كما يقع في الضباب-: [من الرجز] # يا ضبع الأكهاف ذات الشعب ... والوثب للعنز وغير الوثب # عيثي ولا تخشين إلا ms0891 سبي ... فلست بالطب ولا ابن الطب [3] # إن لم أدع بيتك بيت الضب ... يضيق عند ذي القرد المكب [4] # وقال الفرزدق [5] : [من الطويل] # لحى الله ماء حنبل خير أهله ... قفا ضبة عند الصفاة مكون [6] # فلو علم الحجاج علمك لم تبع ... يمينك ماء مسلما بيمين [7] # وأنشد: [من الطويل] # زعمت بأن الضب أعمى ولم يفت ... بأعمى ولكن فات وهو بصير # بل الضب أعمى يوم يخنس باسته ... إليك بصحراء البياض غرير [8] # وقالت امرأة في ولدها وتهجو أباه: [من الرجز] # وهبته من ذي تفال خب ... يقلب يمينا مثل عين الضب [9] # ليس بمعشوق ولا محب PageV06P370 # وقال رجل من فزارة: [من الطويل] # وجدناكم رأبا بين أم قرفة ... كأسنان حسل لا وفاء ولا غدر [1] # وأنشد [2] : [من الطويل] # ثلاثون رأبا أو تزيد ثلاثة ... يقاتلنا بالقرن ألف مقنع [3] # والرأب: السواء، والمعنى الأول يشبه قوله [4] : [من الطويل] # سواس كأسنان الحمار فلا ترى ... لذي شيبة منهم على ناشئ فضلا # وأنشد ابن الأعرابي [5] : [من الرجز] # قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب في صقغ [6] # أراد صقع بالعين فقلب. وقال الآخر: [من الرجز] # أعق من ضب وأفسى من ظرب # وأنشد [7] : [من الطويل] # فجاءت تهاب الذم ليست بضبة ... ولا سلفع يلقى مراسا زميلها [8] # يقول: لا تخدع كما يخدع الضب في جحره. # وأنشد ابن الأعرابي لحيان بن عبيد الربعي جد أبي محضة: [من الرجز] ~~PageV06P371 # يا سهل لو رأيته يوم الجفر ... إذ هو يسعى يستجير للسور [1] # يرمي عن الصفو ويرضى بالكدر ... لازددت منه قذرا على قذر # يضحك عن ثغر ذميم المكتشر ... ولثة كأنها سير حور [2] # وعارض كعارض الضب الذكر # وأنشد السدري [3] : [من البسيط] # هو القرنبى ومشي الضب تعرفه ... وخصيتا صرصراني من الإبل [4] # والخال ذو قحم في الجري صادقة ... وعاتق يتعقى مأبض الرجل [5] # واعلم، حفظك الله تعالى، أنه قد أكتفي بالشاهد، وتبقى في الشعر فضلة، مما ~~يصلح لمذاكرة، ولبعض ما بك إلى معرفته حاجة، فأصله به، ولا أقطعه عنه. # وأنشد لابن لجأ [6] : [من الرجز] # وغنوي يرتمي بأسهم ... يلصق بالصخر لصوق الأرقم [7] # لو سئم الضب بها لم يسأم # وقال ms0892 أعرابي من بني تميم [8] : [من الرجز] # تسخر مني أن رأتني أحترش ... ولو حرشت لكشفت عن حرش [9] PageV06P372 # يريد عن حرك. # قال: وقال أبو سعنة: [من الرجز] # قلهزمان جعدة لحاهما ... عاداهما الله وقد عاداهما [1] # ضبا كدى قد غمرت كشاهما [2] # وأنشد الأصمعي [3] : [من البسيط] # إني وجدتك يا جرثوم من نفر ... جرثومة اللؤم لا جرثومة الكرم [4] # إنا وجدنا بني جلان كلهم ... كساعد الضب لا طول ولا عظم # وقال ابن ميادة [5] : [من الطويل] # فإن لقيس من بغيض لناصرا ... إذا أسد كشت لفخر ضبابها [6] # وفي هذه القصيدة يقول: [من الطويل] # ولو أن قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشمس لم يطلع عليك حجابها # وهذا من شكل قول بشار [7] : [من الطويل] # إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو مطرت دما # وأنشد لأبي الطمحان: [من الكامل] # مهلا نمير فإنكم أمسيتم ... منا بثغر ثنية لم تستر [8] PageV06P373 # سودا كأنكم ذئاب خطيطة ... مطر البلاد وحرمها لم يمطر [1] # يحبون بين أجا وبرقة عالج ... حبو الضباب إلى أصول السخبر [2] # وتركتم قصب الشريف طواميا ... تهوي ثنيته كعين الأعور [3] ### ||| 1731- [مفاخرة العث للضب] # وقال العث، واسمه زيد بن معروف، للضب غلام رتبيل بن غلاق: وقد رأيت من ~~سمى عنزا وثورا، وكلبا، ويربوعا، فلم نر منهم أحدا أشبه العنز ولا الثور، ~~ولا الكلب، ولا اليربوع. وأنت قد تقيلت [4] الضب حتى لم تغادر منه شيئا. ~~فاحتمل ذلك عنه، فلما قال: [من البسيط] # من كان يدعى باسم لا يناسبه ... فأنت والاسم شن فوقه طبق [5] # فقال ضب لعث: [من البسيط] # إن كنت ضبا فإن الضب محتبل ... والضب ذو ثمن في السوق معلوم [6] # وليس للعث حبال يراوغه ... ولست شيئا سوى قرض وتقليم [7] ### ||| 1732- [ما يخرج الضب من جحره] # وما أكثر ما يجيء الأعرابي بقربة من ماء، حتى يفرغها في جحره، ليخرج ~~فيصطاده. ولذلك قال الكميت في صفة المطر الشديد الذي يستخرج الضباب من ~~جحرتها، وإن كانت لا تتخذها إلا في الارتفاع- فقال [8] : [من الخفيف] # وعلته بتركها تحفش الأك ... م ويكفي المضبب التفجير [9] # والمضبب هو الذي يصيد الضباب. PageV06P374 ### || [القول في سن الضب وعمره] ms0893 # أنشد الأصمعي وغيره [1] : [من الرجز] # تعلقت واتصلت بعكل ... خطبي وهزت رأسها تستبلي [2] # تسألني من السنين كم لي ... فقلت لو عمرت عمر الحسل # أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصخر مبتل كطين الوحل [3] # صرت رهين هرم أو قتل # وهذا الشعر يدل على طول عمر الحسل؛ لأنه لم يكن ليقول: # أو عمر نوح زمن الفطحل ... والصخر مبتل كطين الوحل # إلا وعمر الحسل عنده من أطول الأعمار. # وروى ابن الأعرابي عن بعض الأعراب أن سن الضب واحدة أبدا، وعلى حال أبدا. ~~قال فكأنه قال: لا أفعله ما دام سنها كذلك، لا ينقص ولا يزيد. # وقال زيد بن كثوة: سن الحسل ثلاثة أعوام. وزعم أن قوله ثمة: «لا أفعله سن ~~الحسل» غلط. ولكن الضب طويل العمر إذا لم يعرض له أمر. # وسن الحسل مثل سن القلوص [4] ، ثلاث سنين، حتى يلقح؛ ولو كانت سن الحسل ~~على حال واحدة أبدا لم تعرف الأعراب الفتي من المذكي [5] . # وقد يكون الضب أعظم من الضب وليس بأكبر منه سنا. # قال: ولقد نظرت يوما إلى شيخ لنا يفر [6] ضبا جحلا سبحلا [7] قد اصطاده. # فقلت له: لم تفعل ذلك؟ فقال: أرجو أن يكون هرما. PageV06P375 ### ||| 1733- [بيض الضب] # قال [1] : وزعم عمرو بن مسافر أن الضبة تبيض ستين بيضة، فإذا كان ذلك سدت ~~عليهن باب الجحر، ثم تدعهن أربعين يوما فيتفقص البيض، ويظهر ما فيه، فتحفر ~~عنهن عند ذلك، فإذا كشفت عنهن أحضرن وأحضرت في أثرهن تأكلهن، فيحفر المنفلت ~~منها لنفسه جحرا ويرعى من البقل. # قال: وبيض الضب شبيه ببيض الحمام. قال: وفرخه حين يخرج يخرج كيسا كاسيا، ~~خبيثا، مطيقا للكسب، وكذلك ولد العقرب، وفراخ البط، وفراريج الدجاج، وولد ~~العناكب. ### ||| 1734- [سن الضب] # وقال زيد بن كثوة، مرة بعد ذلك: إن الضب ينبت سنه معه وتكبر مع كبر بدنه، ~~فلا يزال أبدا كذلك إلى أن ينتهي بدنه منتهاه قال: فلا يدعى حسلا إلا ثلاث ~~ليال فقط. # وهذا القول يخالف القول الأول [2] . وأنشد: [من الرجز] # مهرتها بعد المطال ضبين ... من الضباب سحبلين سبطين # نعم لعمر الله مهر ms0894 العرسين [3] # أنشدني ابن فضال: «أمهرتها» وزعم أنه كذلك سمعها من أعرابي وقد يمكن أن ~~يكون الحسل لا يثني ولا يربع، فتكون أسنانه أبدا على أمر واحد، ويكون قول ~~رؤبة بن العجاج في طول عمره حقا. # ويدل على أن أسنانه على ما ذكروا قول الفزاري: [من الطويل] # وجدناكم رأبا بني أم قرفة ... كأسنان حسل لا وفاء ولا غدر [4] # يقول: لا زيادة ولا نقصان. PageV06P376 ### ||| 1735- [قصة في عمر الضب] # وقال زيد بن كثوة المزني: قال العنبري، وهو أبو يحيى: مكثت في عنفوان ~~شبيبتي، وريعان من ذلك، أريغ ضبا، وكان ببعض بلادنا في وشاز [1] من الأرض، ~~وكان عظيما منها منكرا. ما رأيت مثله، فمكثت دهرا أريغه ما أقدر عليه. ثم ~~إني هبطت إلى البصرة، فأقمت بها ثلاثين سنة، ثم إني والله كررت راجعا إلى ~~بلادي، فمررت في طريقي بموضع الضب، معتمدا [2] لذلك، فقلت: والله لأعلمن ~~اليوم علمه، وما دهري [3] إلا أن أجعل من جلده عكة [4] ؛ للذي كان عليه من ~~إفراط العظم، فوجهت الرواحل نحوه، فإذا أنا به والله محرنبئا [5] على تلعة؛ ~~فلما سمع حس الرواحل، ورأى سوادا مقبلا نحوه، مر مسرعا نحو جحره، وفاتني ~~والله الذي لا إله إلا هو. ### ||| 1736- [مكن الضبة] # وقال ابن الأعرابي [6] : أخبرني ابن فارس بن ضبعان الكلبي، أن الضبة يكون ~~بيضها في بطنها، وهو مكنها، ويكون بيضها متسقا، فإذا أرادت أن تبيضه حفرت ~~في الأرض أدحيا مثل أدحي النعامة، ثم ترمي بمكنها [7] في ذلك الأدحي ثمانين ~~مكنة، وتدفنه بالتراب، وتدعه أربعين يوما، ثم تجيء بعد الأربعين فتبحث عن ~~مكنها، فإذا حسلة [8] يتعادين منها، فتأكل ما قدرت عليه، ولو قدرت على ~~جميعهن لأكلتهن. قال: ومكنها جلد لين، فإذا يبست فهي جلد. فإذا شويتها أو ~~طبختها وجدت لها محا كمح بيض الدجاج. ### ||| 1737- [عداوة الضبة للحية] # قال [9] : والضبة تقاتل الحية وتضربها بذنبها، وهو أخشن من السفن وهو ~~PageV06P377 # سلاحها، وقد أعطيت فيه من القوة مثل ما أعطيت العقاب في أصابعها، فربما ~~قطعتها بضربة، أو قتلتها، أو قدتها [1] . وذلك إذا كان الضب ذيالا [2] ~~مذنبا وإذا ms0895 كان مرائسا [3] قتلته الحية. # والتذنيب: أن الضب إذا أرادت الحية الدخول عليه في جحره أخرج الضب ذنبه ~~إلى فم جحره. ثم يضرب به كالمخراق [4] يمينا وشمالا، فإذا أصاب الحية ~~قطعها، والحية عند ذلك تهرب منه. # والمراءسة: أن يخرج الرأس ويدع الذنب ويكون غمرا [5] فتعضه الحية فتقتله. ### ||| 1738- [استطراد لغوي] # قال: وتقول: أمكنت الضبة والجرادة فهي تمكن إمكانا: إذا جمعت البيض في ~~جوفها. واسم البيض المكن. والضبة مكون، فإذا باضت الضبة والجرادة قيل قد ~~سرأت. والمكن والسرء: البيض، كان في بطنها أو بعد أن تبيضه. وضبة سروء. # وكذلك الجرادة تسرأ سرءا، حين تلقي بيضها. وهي حينئذ سلقة [6] . # وتقول: رزت الجرادة ذنبها في الأرض فهي ترز رزا، وضربت بذنبها الأرض ~~ضربا، وذلك إذا أرادت أن تلقي بيضها. ### ||| 1739- [المضافات من الحيوان] # ويقولون [7] : ذئب الخمر [8] ، وشيطان الحماطة [9] ، وأرنب الخلة [10] ، ~~وتيس الربل [11] ، وضب السحا. والسحا: بقلة تحسن حاله عنها. PageV06P378 # ويقال: هو قنفذ برقة [1] ، إذا أراد أن يصفه بالخبث. ### ||| 1740- [ذكر الشعراء للضب في وصف الصيف] # وما أكثر ما يذكرون الضب إذا ذكروا الصيف مثل قول الشاعر: [من البسيط] # سار أبو مسلم عنها بصرمته ... والضب في الجحر والعصفور مجتمع # وكما قال أبو زبيد [2] : [من الخفيف] # أي ساع سعى ليقطع شربي ... حين لاحت للصابح الجوزاء # واستكن العصفور كرها مع الض ... ب وأوفى في عوده الحرباء # وأنشد الأصمعي [3] : [من الطويل] # تجاوزت والعصفور في الجحر لاجئ ... مع الضب والشقذان تسمو صدورها # قال: والشقذان: الحرابي. قوله: «تسمو» : أي ترتفع في رؤوس العيدان. # الواحد من الشقذان، بكسر الشين وإسكان القاف. شقذ بتحريك القاف. ### ||| 1741- [أسطورة الضب والضفدع] # وتقول الأعراب: خاصم الضب الضفدع في الظمأ أيهما أصبر، وكان للضفدع ذنب، ~~وكان الضب ممسوح الذنب [4] ، فلما غلبها الضب أخذ ذنبها فخرجا في الكلإ، ~~فصبرت الضفدع يوما ويوما، فنادت: يا ضب، وردا وردا! فقال الضب [5] : # [من مجزوء الرجز] # أصبح قلبي صردا ... لا يشتهي أن يردا # إلا عرادا عردا ... وصليانا بردا [6] PageV06P379 # فلما كان في اليوم الثالث نادت: يا ضب، وردا وردا! قال: فلما لم يجبها ~~بادرت إلى الماء، ms0896 وأتبعها الضب، فأخذ ذنبها. فقال: في تصداق ذلك ابن هرمة ~~[1] : # [من الهزج] # ألم تأرق لضوء البر ... ق في أسحم لماح # كأعناق نساء الهن ... د قد شيبت بأوضاح [2] # تؤام الودق كالزاح ... ف يزجى خلف أطلاح [3] # كأن العازف الجن ... ي أو أصوات أنواح [4] # على أرجائها الغر ... تهديها بمصباح [5] # فقال الضب للضفد ... ع في بيداء قرواح [6] # تأمل كيف تنجو اليو ... م من كرب وتطواح [7] # فإني سابح ناج ... وما أنت بسباح # فلما دق أنف المز ... ن أبدى خير إرواح [8] # وسح الماء من مستح ... لب بالماء سحاح [9] # رأى الضب من الضفد ... ع عوما غير منجاح # وحط العصم يهويها ... ثجوج غير نشاح [10] # ثقال المشي كالسكرا ... ن يمشي خلفه الصاحي # ثم قال في شأن الضفدع والضب، الكميت بن ثعلبة [11] : [من المتقارب] ~~PageV06P380 # على أخذها يوم غب الورود ... وعند الحكومة أذنابها [1] # وقال عبيد بن أيوب [2] : [من الطويل] # ظللت وناقتي نضوي فلاة ... كفرخ الضب لا يبغي ورودا [3] # وقال أبو زياد: قال الضب لصاحبه [4] : [من الرجز] # أهدموا بيتك لا أبا لكا ... وزعموا أنك لا أخا لكا # وأنا أمشي الحيكى حوالكا [5] ### ||| 1742- [ قول العرب : أورى من الضب] # وتقول العرب: «أروى من ضب» [6] ؛ لأن الضب عندهم لا يحتاج إلى شرب الماء، ~~وإذا هرم اكتفى ببرد النسيم، وعند ذلك تفنى رطوبته فلا يبقى فيه شيء من ~~الدم، ولا مما يشبه الدم. وكذلك الحية. فإذا صارت كذلك لم تقتل بلعاب، ولا ~~بمجاج، ولا بمخالطة ريق؛ وليس إلا مخالطة عظم السن لدماء الحيوان. # وأنشدوا [7] : [من الرجز] # لميمة من حنش أعمى أصم ... قد عاش حتى هو لا يمشي بدم # فكلما أقصد منه الجوع شم # وأما صاحب المنطق فإنه قال: باضطرار إنه لا يعيش حيوان إلا وفيه دم أو ~~شيء يشاكل الدم. PageV06P381 ### ||| 1743- [اخراج الضب من جحره] # والضب تذلقه [1] من جحره أمور، منها السيل. وربما صبوا في جحره قربة من ~~ماء فأذلقوه به. وأنشد أبو عبيدة: [من الخفيف] # يذلق الضب ويخفيه كما ... يذلق السيل يرابيع النفق # يخفيه مفتوحة الياء. وتذلقه وقع حوافر الخيل. ولذلك قال امرؤ القيس بن ~~حجر [2] : [من ms0897 الطويل] # خفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن ودق من سحاب مركب # تقول: خفيته أخفيه خفيا: إذا أظهرته. وأخفيته إخفاء: إذا سترته. وقال ابن ~~أحمر [3] : [من المتقارب] # فإن تدفنوا الداء لا نخفه ... وإن تبعثوا الحرب لا نقعد # ولا بد من أن يكون وقع الحوافر هدم عليها. أو يكون أفزعها فخرجت. وأهل ~~الحجاز يسمون النباش المختفي؛ لأنه يستخرج الكفن من القبر ويظهره. # وحكوا عن بعض الأعراب أنه قال [4] : «إن بني عامر قد جعلوني على حنديرة ~~أعينها، تريد أن تختفي دمي» أي تظهره وتستخرجه. كأنها إذا سفحته وأراقته ~~فقد أظهرته. ### ||| 1744- [قول أبي عبيده في تفضيل أبيات لامرىء القيس] # وأنشد أبو عبيدة [5] : [من الرمل] # ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر [6] PageV06P382 # تخرج الضب إذا ما أشجذت ... وتواريه إذا ما تعتكر [1] # وترى الضب ذفيفا ماهرا ... ثانيا برثنه ما ينعفر [2] # وكان أبو عبيدة يقدم هذه القصيدة في الغيث، على قصيدة عبيد بن الأبرص، أو ~~أوس بن حجر، التي يقول فيها أحدهما [3] : [من البسيط] # دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح [4] # فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح [5] # وأنا أتعجب من هذا الحكم ### ||| 1745- [قولهم: هذا أجل من الحرش] # ومما يضيفون إلى هذه الضباب من الكلام، ما رواه الأصمعي في تفسير المثل، ~~وهو أن الضب قال لابنه: إذا سمعت صوت الحرش فلا تخرجن! قال: والحرش: تحريك ~~اليد عند جحر الضب؛ ليخرج ويرى أنه حية. قال: فسمع الحسل صوت الحفر، فقال ~~للضب: يا أبت! هذا الحرش؟ # قال: يا بني، هذا أجل من الحرش! فأرسلها مثلا. ### ||| 1746- [الضب والضفدع والسمكة] # وقال الكميت [7] : [من الوافر] # يؤلف بين ضفدعة وضب ... ويعجب أن نبر بني أبينا PageV06P383 # وقال في الضب والنون [1] : [من الطويل] # ولو أنهم جاؤوا بشيء مقارب ... لشيء وبالشكل المقارب للشكل # ولكنهم جاؤوا بحيتان لجة ... قوامس والمكني فينا أبا حسل # وقال الكميت [2] : [من الوافر] # وما خلت الضباب معطفات ... على الحيتان من شبه الحسول # وقال آخر: [والعرب تقول في الشيء الممتنع: لا يكون ذلك حتى يرد الضب، وفي ~~تبعيد ما بين ms0898 الجنسين [3] :] حتى يؤلف بين الضب والنون ### ||| 1747- [استطراد لغوي] # قال: ويقال أضبت أرض بني فلان: إذا كثرت ضبابها. وهذه أرض مضبة، وأرض بني ~~فلان مضبة، مثل فئرة من الفأر، وجرذة من الجرذان، ومحواة ومحياة من الحيات. ~~وجردة من الجراد، وسرفة من السرفة، ومأسدة من الأسود، ومثعلة من الثعالب؛ ~~لأن الثعلب يسمى ثعالة، والذئب ذؤالة. # ويقال أرض مذبة من الذباب. مذأبة من الذئاب. # ويقال في الضب: وقعنا في مضاب منكرة، وهي قطع من الأرض تكثر ضبابها. # قال: ويقال أرض مربعة، كما يقال مضبة. إذا كانت ذات يرابيع وضباب. واسم ~~بيضها المكن، والواحدة مكنة. ### ||| 1748- [ما يوصف بسوء الهداية من الحيوان] # ويقال لفرخه إذا خرج حسل، والجميع حسلة، وأحسال، وحسول. وهو حسل، ثم مطبخ ~~ثم غيداق، ثم جحل. والسحبل: ما عظم منها. وهو في ذلك كله ضب. # وبعضهم يقول: يكون غيداقا، ثم يكون مطبخا، ثم يكون جحلا، وهو PageV06P384 # العظيم. ثم هو خضرم، ثم يكون ضبا. وهذا خطأ، وهو ضب قبل ذلك. وقال ~~الراجز: [من الرجز] # ينفي الغياديق عن الطريق ... قلص عنه بيضه في نيق [1] ### ||| 1748- [قولهم: أضل من ضب] # ويقال: «أضل من ضب» [2] . # والضلال وسوء الهداية يكون في الضب، والورل، والديك. ### ||| 1749- [الضب وشدة الحر] # وإذا غير الحر لون جلد الضب فذلك أشد ما يكون من الحر. وقال الشاعر: # [من الطويل] # وهاجرة تنجي عن الضب جلده ... قطعت حشاها بالغريرية الصهب [3] ### ||| 1750- [أمثال في الضب] # وفي المثل: «خل درج الضب» [4] ، وفي المثل: «تعلمني بضب أنا حرشته!» [5] ~~؛ و: «هذا أجل من الحرش» [6] ، و: «أضل من ضب» [2] و: «أخب من ضب» [7] ، و: ~~«أروى من ضب» [8] ، و: «أعق من ضب» [9] ، و: «أحيا من ضب» [10] ، ~~PageV06P385 # و: «أطول ذماء من ضب» [1] ، و: «كل ضب عند مرداته» [2] . ويقال: «أقصر من ~~إبهام الضب» [3] كما يقال: «أقصر من إبهام القطاة» [3] . وقال ابن الطثرية ~~[4] : [من الطويل] # ويوم كإبهام القطاة # .... # ومن أمثالهم: «لا آتيك سن الحسل» [5] . وقال العجاج: [من الرجز] # ثمت لا آتيه سن الحسل # كأنه قال، حتى يكون ما لا يكون؛ لأن الحسل لا يستبدل بأسنانه أسنانا. ms0899 ### ||| 1751- [أسنان الذئب] # وزعم [بعضهم] [6] أن # أسنان الذئب # ممطولة [7] في فكيه. وأنشد: [من الرجز] # أنيابه ممطولة في فكين # وليس في هذا الشعر دليل على ما قال؛ لأن الشاعر يشبع الصفة إذا مدح أو ~~هجا، وقد يجوز أن يكون ما قال حقا. ### ||| 1752- [ما قيل في عبدالصمد بن علي] # فأما عبد الصمد بن علي فإنه لم يثغر، ودخل القبر بأسنان الصبا [8] . ### ||| 1753- [استطراد لغوي] # وقد يقال للضب والحية والورل، وما أشبه ذلك: فح يفح فحيحا. والفحيح: ~~PageV06P386 # صوت الحية من جوفها، والكشيش والقشيش: صوت جلدها إذا حكت بعضها ببعض. # وليس كما قال، ليس يسمع صوت احتكاك الجلد بالجلد إلا للأفعى فقط. # وقال رؤبة [1] : [من الرجز] # فحي فلا أفرق أن تفحي ... وأن ترحي كرحى المرحي # وقال ابن ميادة [2] : [من الطويل] # ترى الضب إن لم يرهب الضب غيره ... يكش له مستكبرا ويطاوله ### ||| 1754- [حديث أبي عمرة الأنصاري] # ويكتب في باب حب الضب للتمر حديث أبي عمرة الأنصاري رووه من كل وجه. أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قال لرجل من أهل ~~الطائف: الحبلة [3] أفضل أم النخلة؟ قال: بل الحبلة، أتزببها وأشمسها [4] ، ~~وأستظل في ظلها، وأصلح برمتي [5] منها. قال عمر: تأبى ذاك عليك الأنصار [6] ~~. # ودخل أبو عمرة عبد الرحمن بن محصن النجاري فقال له عمر: الحبلة أفضل أم ~~النخلة؟ قال: الزبيب إن آكله أضرس، وإن أتركه أغرث! ليس كالصقر [7] في رؤوس ~~الرقل [8] ، الراسخات في الوحل، المطعمات في المحل [9] ، خرفة [10] الصائم ~~وتحفة الكبير، وصمتة [11] الصغير وخرسة مريم [12] ، ويحترش به الضباب من ~~الصلعاء يعني الصحراء [13] . PageV06P387 ### ||| 1755- [دية الضب واليربوع] # قال: ويقال في الضب حلام [1] ، وفي اليربوع جفرة [2] . والجفرة: التي قد ~~انتفخ جنباها وشدنت [3] . والحلام فوق الجدي وقد صلح أن يذبح للنسك. ~~والحلان، بالنون: الجدي الصغير الذي لا يصلح للنسك. # وقال ابن أحمر [4] : [من البسيط] # تهدي إليه ذراع الجدي تكرمة ... إما ذبيحا وإما كان حلانا # والحلان والحلوان جميعا: رشوة الكاهن. وقد نهي عن زبد المشركين [5] ، ~~وحلوان الكاهن [6] . وقال مهلهل [7] : [من الرجز] # كل قتيل في كليب حلام ... حتى ينال القتل آل همام ### ||| 1756- [أقوال ms0900 لبعض الأعراب] # وقال الأصمعي [8] : قال أعرابي يهزأ بصاحبه: اشتر لي شاة قفعاء [9] ، ~~كأنها تضحك: مندلقة [10] خاصرتاها، كأنها في محمل، لها ضرع أرقط. كأنه ضب. # قال: فكيف العفل [11] ؟ قال: أو لهذه عفل؟! PageV06P388 # قال [1] : وسأل مدني أعرابيا قال: أتأكلون الضب؟ قال: نعم. قال: ~~فاليربوع؟ # قال: نعم. قال: فالورل؟ قال: نعم. قال: أفتأكلون أم حبين؟ قال: لا. قال: ~~فليهن أم حبين العافية!. ### ||| 1757- [شعر في الضب] # وقال فراس بن عبد الله الكلابي: [من الرجز] # لما خشيت الجوع والإرمالا ... ولم أجد بشولها بلالا [2] # أبصرت ضبا دحنا مختالا ... أوفد فوق جحره وذالا [3] # فدب لي يختلني اختيالا ... حتى رأيت دوني القذالا [4] # وميلة ما ملت حين مالا ... فدهشت كفاي فاستطالا ضمني فلا نزع ولا إرسالا # فحاجزا وبرأ الأوصالا [5] ... مني ولم أرفع بذاك بالا # لما رأت عيني كشى خدالا [6] ... منه وثنيت له الأكبالا # ورحت منه دحنا دألا [7] PageV06P389 ### || أسماء لعب الأعراب # البقير، وعظيم وضاح، والخطرة. والدارة، والشحمة والحلق، ولعبة الضب. # فالبقير: أن يجمع يديه على التراب في الأرض إلى أسفله، ثم يقول لصاحبه: # اشته في نفسك. فيصيب ويخطئ. # وعظيم وضاح: أن يأخذ بالليل عظما أبيض، ثم يرمي به واحد من الفريقين، فإن ~~وجده واحد من الفريقين ركب أصحابه الفريق الآخر من الموضع الذي يجدونه فيه ~~إلى الموضع الذي رموا به منه. # والخطرة: أن يعملوا مخراقا، ثم يرمي به واحد منهم من خلفه إلى الفريق ~~الآخر، فإن عجزوا عن أخذه رموا به إليهم، فإن أخذوه ركبوهم. # والدارة، هي التي يقال لها الخراج [1] . # والشحمة: أن يمضي واحد من أحد الفريقين بغلام فيتنحون ناحية ثم يقبلون، ~~ويستقبلهم الآخرون؛ فإن منعوا الغلام حتى يصيروا إلى الموضع الآخر فقد ~~غلبوهم عليه، ويدفع الغلام إليهم، وإن هم لم يمنعوه ركبوهم. وهذا كله يكون ~~في ليالي الصيف، عن غب ربيع مخصب. # ولعبة الضب: أن يصوروا الضب في الأرض، ثم يحول واحد من الفريقين وجهه، ثم ~~يضع بعضهم يده على شيء من الضب، فيقول الذي يحول وجهه: أنف الضب، أو عين ~~الضب، أو ذنب الضب، أو كذا وكذا ms0901 من الضب، على الولاء [2] ، حتى يفرغ؛ فإن ~~أخطأ ما وضع عليه يده ركب وركب أصحابه، وإن أصحاب حول وجهه الذي كان وضع ~~يده على الضب، ثم يصير هو السائل. ### ||| 1758- [التداوي بالحيوان] # ويقول: الأطباء [3] : إن خرء الضب صالح للبياض الذي يصير في العين. # والأعراب ربما تداووا به من وجع الظهر. PageV06P390 # وناس يزعمون أن أكل لحمان الحيوان المذكور بطول العمر، يزيد في العمر. # فصدق بذلك ابن الخاركي وقال: هذا كما يزعمون أن أكل الكلية جيد للكلية. # وكذلك الكبد، والطحال، والرئة، واللحم ينبت اللحم، والشحم ينبت الشحم. # فغبر [1] سنة وليس يأكل إلا قديد لحوم الحمر الوحشية، وإلا الورشان ~~والضباب، وكل شيء قدر عليه مما يقضي له بطول العمر، فانتقض بدنه، وكاد ~~يموت، فعاد بعد إلى غذائه الأول. ### || تفسير قصيدة البهراني [2] # نقول في تفسير قصيدة البهراني، فإذا فرغنا منها ذكرنا ما في الحشرات من ~~المنافع والأعاجيب والروايات، ثم ذكرنا قصيدتي أبي سهل بشر بن المعتمر في ~~ذلك، وفسرناهما وما فيهما من أعاجيب ما أودع الله تعالى هذا الخلق وركبه ~~فيهم. # إن شاء الله تعالى. وبالله تبارك وتعالى أستعين. ### ||| 1759- [ذكر من أهلك الله من الأمم] # أما قوله: [من الخفيف] # 2- # «مسخ الماكسين ضبعا وذئبا ... فلهذا تناجلا أم عمرو» # فإن ملوك العرب كانت تأخذ من التجار في البر والبحر، وفي أسواقهم، المكس، ~~وهو ضريبة كانت تؤخذ منهم، وكانوا يظلمونهم في ذلك. ولذلك قال التغلبي، وهو ~~يشكو ذاك في الجاهلية ويتوعد وهو قوله [3] : [من الطويل] # ألا تستحي منا ملوك وتتقي ... محارمنا لا يبوؤا الدم بالدم # وفي كل أسواق العراق إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤ مكس درهم # والإتاوة والأربان والخرج كله شيء واحد. وقال الآخر [4] : [من الطويل] # ألا ابن المعلى خلتنا أم حسبتنا ... صراري نعطي الماكسين مكوسا # وقال الأصمعي، في ذكر المكس والسفن التي كان تعشر، في قصيدته التي ~~PageV06P391 # ذكر فيها من أهلك الله عز ذكره، من الملوك، وقصم من الجبابرة، وأباد من ~~الأمم الخالية- فقال: [من الخفيف] # أعلقت تبعا حبال المنون ... وانتحت بعده على ذي جدون [1] # وأصابت من ms0902 بعدهم آل هرما ... س وعادت من بعد للساطرون [2] # ملك الحضر والفرات إلى دج ... لة شرقا فالطور من عبدين [3] # كل حمل يمر فوق بعير ... فله مكسه ومكس السفين # والأعراب يزعمون أن الله تعالى عز وجل لم يدع ماكسا ظالما إلا أنزل به ~~بلية، وأنه مسخ منهم ضبعا وذئبا. فلهذه القرابة تسافدا وتناجلا، وإن اختلفا ~~في سوى ذلك. فمن ولدهما السمع والعسبار. وإنما اختلفا لأن الأم ربما كانت ~~ضبعا والأب ذئبا، وربما كانت الأم ذئبة والأب ذيخا. والذيخ: ذكر الضباع. ### ||| 1760- [ذكر من أهلك الله من الأمم] # وأما قوله: [من الخفيف] # # «بعث الذر والجراد وقفى ... بنجيع الرعاف في حي بكر» # فإن الإعراب تزعم أن الله تعالى قد أهلك بالذر أمما. وقد قال أمية بن أبي ~~الصلت [4] : [من الخفيف] # أرسل الذر والجراد عليهم ... وسنينا فأهلكتهم ومورا # ذكر الذر إنه يفعل الش ... ر وإن الجراد كان ثبورا # وأما قوله: «وقفي بنجيع الرعاف في حي بكر» فإنه يريد بكر بن عبد مناة، ~~لأن كنانة بنزولها مكة كانوا لا يزالون يصيبهم من الرعاف ما يصير شبيها ~~بالموتان، ويجارف الطاعون. وكان آخر من مات بالرعاف من سادة قريش هشام بن ~~المغيرة. # وكان الرعاف من منايا جرهم أيام جرهم، ولذلك قال شاعر في الجاهلية، من ~~إياد [5] : [من المتقارب] PageV06P392 # ونحن إياد عباد الإله ... ورهط مناجيه في سلم # ونحن ولاة حجاب العتيق ... زمان الرعاف على جرهم # ولهذا المناجي [1] الذي كان يناجي الله، عز وجل، في الجاهلية على سلم- ~~حديث [1] . ### ||| 1761- [سيل العرم] # فأما قوله: [من الخفيف] # # «خرقت فأرة بأنف ضئيل ... عرما محكم الأساس بصخر» # فقد قال الله عز وجل: فأرسلنا عليهم سيل العرم # [2] والعرم [3] : المسناة التي كانوا أحكموا عملها لتكون حجازا بين ~~ضياعهم وبين السيل، ففجرته فارة، فكان ذلك أعجب وأظهر في الأعجوبة كما أفار ~~الله تعالى عز وجل ماء الطوفان من جوف تنور، ليكون ذلك أثبت في العبرة، ~~وأعجب في الآية. # ولذلك قال [4] خالد بن صفوان لليماني [5] الذي فخر عليه عند المهدي وهو ~~ساكت، فقال المهدي: وما لك لا تقول؟! قال: وما ms0903 أقول لقوم ليس فيهم إلا دابغ ~~جلد، وناسج برد، وسائس قرد، وراكب عرد، غرقتهم فارة، وملكتهم امرأة، ودل ~~عليهم هدهد [6] . # وأما قوله: [من الخفيف] # 5- # «فجرته وكان جيلان عنه ... عاجزا لو يرومه بعد دهر» PageV06P393 # فإن جيلان فعلة الملوك، وكانوا من أهل الجبل. وأنشد الأصمعي [1] : [من ~~المنسرح] # أرسل جيلان ينحتون له ... ساتيدما بالحديد فانصدعا # وأنشد: [من الطويل] # وتبني له جيلان من نحتها الصفا ... قصورا تعالى بالصفيح وتكلس [2] # وأنشد لامرئ القيس [3] : [من الطويل] # أتيح له جيلان عند جذاذه ... وردد فيه الطرف حتى تحيرا [4] # يقول: فجرته فارة، ولو أن جيلان أرادت ذلك لامتنع عليها، لأن الفارة إنما ~~خرقته لما سخر الله عز ذكره لها من ذلك العرم وأنشدوا [5] : [من المنسرح] # من سبأ الحاضرين مأرب إذ ... يبنون من دون سيله العرما # ومأرب: اسم لقصر ذلك الملك، ثم صار اسما لذلك البلد. ويدل على ذلك قول ~~أبي الطمحان القيني [6] : [من البسيط] # ألا ترى مأربا ما كان أحصنه ... وما حواليه من سور وبنيان # ظل العبادي يسقى فوق قلته ... ولم يهب ريب دهر حق خوان # حتى تناوله من بعد ما هجعوا ... يرقى إليه على أسباب كتان [7] # وقال الأعشى [8] : [من المتقارب] # ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب قفى عليه العرم PageV06P394 # رخام بنته له حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم # فأروى الحروث وأعنابها ... على ساعة ماؤهم إذ قسم # فطار الفيول وفيالها ... بيهماء فيها سراب يطم [1] # فكانوا بذلكم حقبة ... فمال بهم جارف منهدم # فطاروا سراعا وما يقدرو ... ن منه لشرب صبي فطم ### ||| 1762- [مسخ الضب وسهيل] # وأما قوله: [من الخفيف] # «مسخ الضب في الجدالة قدما ... وسهيل السماء عمدا بصغر [2] » # فإنهم يزعمون أن الضب وسهيلا كانا ماكسين عشارين، فمسخ الله عز وجل ~~أحدهما في الأرض، والآخر في السماء. والجدالة: الأرض، ولذلك يقال: ضربه ~~فجدله أي ألزقه بالأرض، أي بالجدالة. وكذلك قول عنترة [3] : [من الكامل] # وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم # وأنشد أبو زيد سعيد بن أوس الأنصاري [4] : [من الرجز] # قد أركب الحالة بعد الحاله ... وأترك العاجز بالجداله ### ||| 1763- [أبو رغال] # [5] وأما قوله: [من ms0904 الخفيف] # # «والذي كان يكتني برغال ... جعل الله قبره شر قبر # # وكذا كل ذي سفين وخرج ... ومكوس وكل صاحب عشر» # فإنما ذكر أبا رغال، وهو الذي يرجم الناس قبره إذا أتوا مكة. وكان وجهه ~~PageV06P395 # صالح النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يزعمون، على صدقات الأموال، فخالف ~~أمره، وأساء السيرة، فوثب عليه ثقيف، وهو قسي بن منبه، فقتله قتلا شنيعا. ~~وإنما ذلك لسوء سيرته في أهل الحرم فقال غيلان بن سلمة، وذكر قسوة أبيه على ~~أبي رغال [1] : [من الرجز] # نحن قسي وقسا أبونا # وقال أمية بن أبي الصلت [2] : [من الوافر] # نفوا عن أرضهم عدنان طرا ... وكانوا للقبائل قاهرينا # وهم قتلوا الرئيس أبا رغال ... بنخلة إذ يسوق بها الظعينا # وقال عمرو بن دراك العبدي، وذكر فجور أبي رغال وخبثه، فقال [3] : [من ~~الوافر] # وإني إن قطعت حبال قيس ... وحالفت المزون على تميم # لأعظم فجرة من أبي رغال ... وأجور في الحكومة من سدوم [4] # وقال مسكين الدارمي [5] : [من الوافر] # وأرجم قبره في كل عام ... كرجم الناس قبر أبي رغال # وقال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه، لغيلان بن سلمة، حين أعتق عبده، ~~وجعل ماله في رتاج الكعبة: لئن لم ترجع في مالك ثم مت لأرجمن قبرك، كما رجم ~~قبر أبي رغال، وكلاما غير هذا قد كلمه به [6] . ### ||| 1764- [المنكب والعريف] # وأما قوله: [من الخفيف] # 9- # «منكب كافر وأشراط سوء ... وعريف جزاؤه حر جمر» PageV06P396 # فإنما ذهب إلى أحكام الإسلام. كأنه قد كان لقى من المنكب والعريف جهدا. ~~وهم ثلاثة: منكب [1] ، ونقيب، وعريف. وقال جبيهاء الأشجعي: [من الوافر] # رعاع عاونت بكرا عليه ... كما جعل العريف على النقيب ### ||| 1765- [الغول والسعلاة] # وأما قوله: [الخفيف] # # «وتزوجت في الشبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زق خمر» # فالغول اسم لكل شيء من الجن يعرض للسفار، ويتلون في ضروب الصور والثياب، ~~ذكرا كان أو أنثى. إلا أن أكثر كلامهم على أنه أنثى [2] . # وقد قال أبو المطراب عبيد بن أيوب العنبري [3] : [من الوافر] # وحالفت الوحوش وحالفتني ... بقرب عهودهن وبالبعاد # وأمسى الذئب يرصدني مخشا ... لخفة ضربتي ولضعف آدي [4] # وغولا ms0905 قفرة ذكر وأنثى ... كأن عليهما قطع البجاد [5] # فجعل في الغيلان الذكر والأنثى. وقد قال الشاعر في تلونها [6] : [من ~~البسيط] # فما تدوم على حال تكون بها ... كما تلون في أثوابها الغول # فالغول ما كان كذلك، والسعلاة اسم الواحدة من نساء الجن إذا لم تتغول ~~لتفتن السفار. # قالوا: وإنما هذا منها على العبث، أو لعلها أن تفزع إنسانا جميلا فتغير ~~عقله، فتداخله عند ذلك، لأنهم لم يسلطوا على الصحيح العقل، ولو كان ذلك ~~إليهم PageV06P397 # لبدؤوا بعلي بن أبي طالب، وحمزة بن عبد المطلب وبأبي بكر وعمر في زمانهم ~~وبغيلان والحسن في دهرهما وبواصل وعمرو في أيامهما. # وقد فرق بين الغول والسعلاة عبيد بن أيوب، حيث يقول [1] : [من الطويل] # وساخرة مني ولو أن عينها ... رأت ما ألاقيه من الهول جنت # أزل وسعلاة وغول بقفرة ... إذا الليل وارى الجن فيه أرنت [2] # وهم إذا رأوا المرأة حديدة الطرف والذهن، سريعة الحركة، ممشوقة ممحصة [3] ~~قالوا: سعلاة وقال الأعشى [4] : [من الخفيف] # ورجال قتلى بجنبي أريك ... ونساء كأنهن السعالي [5] ### ||| 1766- [تزاوج الجن والإنس] # ويقولون: تزوج عمرو بن يربوع السعلاة. وقال الراجز [6] : [من الرجز] # يا قاتل الله بني السعلاة ... عمرو بن يربوع شرار النات # وفي تلون الغول يقول عباس بن مرداس السلمي [7] : [من البسيط] # أصابت العام رعلا غول قومهم ... وسط البيوت ولون الغول ألوان # وهم يتأولون قوله عز ذكره: وشاركهم في الأموال والأولاد # [8] . # وقوله عز وجل: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان* # [9] . قالوا: فلو كان الجان لم يصب منهن قط، ولم يأتهن، ولا كان ذلك مما ~~يجوز بين الجن وبين النساء الآدميات- لم يقل ذلك. PageV06P398 # وتأولوا قوله عز وجل: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن # [1] فجعل منهن النساء، إذ قد جعل منهم الرجال، وقوله تبارك وتعالى: ~~أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني # [2] . # وزعم ابن الأعرابي قال: دعا أعرابي ربه فقال: اللهم إني أعوذ بك من ~~عفاريت الجن! اللهم لا تشركهم في ولدي، ولا جسدي، ولا دمي، ولا مالي، ولا ~~تدخلهم في بيتي، ولا تجعلهم لي شركاء في شيء من ms0906 أمر الدنيا والآخرة. # وقالوا: ودعا زهير بن هنيدة فقال: اللهم لا تسلطهم على نطفتي ولا جسدي. # قال أبو عبيدة: فقيل له: لم تدعو بهذا الدعاء قال: وكيف لا أدعو به وأنا ~~أسمع أيوب النبي والله تعالى يخبر عنه ويقول: واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه ~~أني مسني الشيطان بنصب وعذاب # [3] حتى قيل له: اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب # [4] . وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله يقول: الذين يأكلون الربا ~~لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس # [5] ، وأسمعه يقول: # وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار ~~لكم # [6] ، فلما رأى الملائكة نكص على عقبيه، كما قال الله عز ذكره: فلما ~~تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال إني بريء منكم إني أرى ما لا ترون # [7] ، وقد جاءهم في صورة الشيخ النجدي [8] . وكيف لا أستعيذ بالله منه، ~~وأنا أسمع الله عز ذكره يقول: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها ~~للناظرين. وحفظناها من كل شيطان رجيم. إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين # [9] . وكيف لا أستعيذ بالله منه وأنا أسمع الله تعالى يقول: PageV06P399 # ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر وأسلنا له عين القطر ومن الجن من ~~يعمل بين يديه بإذن ربه # [1] ثم قال: يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور ~~راسيات # [2] . وكيف لا أدعو بذلك وأنا أسمع الله تعالى يقول: قال عفريت من الجن ~~أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك، وإني عليه لقوي أمين # [3] . وكيف لا أقول ذلك وأنا أسمع الله عز وجل يقول: ب اغفر لي وهب لي ~~ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب. # خرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب. والشياطين كل بناء وغواص. # آخرين مقرنين في الأصفاد # [4] . ### ||| [تزيد الأعراب و أصحاب التأويل في أخبار الجن] # والأعراب يتزيدون في هذا الباب. وأشباه الأعراب يغلطون فيه. وبعض أصحاب ~~التأويل يجوز في هذا الباب ما لا يجوز فيه. وقد قلنا في ذلك في كتاب ms0907 ~~النبوات بما هو كاف إن شاء الله تعالى. ### ||| 1767- [مذاهب الأعراب و شعرائهم في الجن] # وسيقع هذا الباب والجواب فيه تاما إذا صرنا إلى القول في الملائكة، وفي ~~فرق ما بين الجن والإنس. وأما هذا الموضع فإنما مغزانا فيه الإخبار عن ~~مذاهب الأعراب، وشعراء العرب. ولولا العلم بالكلام، وبما يجوز مما لا يجوز، ~~لكان في دون إطباقهم على هذه الأحاديث ما يغلط فيه العاقل. # قال عبيد بن أيوب، وقد كان جوالا في مجهول الأرض، لما اشتد خوفه وطال ~~تردده، وأبعد في الهرب [5] : [من الطويل] # لقد خفت حتى لو تمر حمامة ... لقلت عدو أو طليعة معشر # فإن قيل أمن قلت هذي خديعة ... وإن قيل خوف قلت حقا فشمر # وخفت خليلي ذا الصفاء ورابنى ... وقيل فلان أو فلانة فاحذر # فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتر [6] PageV06P400 # أرنت بلحن بعد لحن وأوقدت ... حوالي نيرانا تلوح وتزهر # وأصبحت كالوحشي يتبع ما خلا ... ويترك مأبوس البلاد المدعثر [1] # وقال في هذا الباب في كلمة له، وهذا أولها [2] : [من الطويل] # أذقني طعم الأمن أو سل حقيقة ... علي فإن قامت ففصل بنانيا # خلعت فؤادي فاستطير فأصبحت ... ترامى بي البيد القفار تراميا # كأني وآجال الظباء بقفرة ... لنا نسب نرعاه أصبح دانيا [3] # رأين ضئيل الشخص يظهر مرة ... ويخفى مرارا ضامر الجسم عاريا # فأجفلن نفرا ثم قلن ابن بلدة ... قليل الأذى أمسى لكن مصافيا # ألا يا ظباء الوحش لا تشهرنني ... وأخفينني إذ كنت فيكن خافيا # أكلت عروق الشرى معكن والتوى ... بحلقي نور القفر حتى ورانيا [4] # وقد لقيت مني السباع بلية ... وقد لاقت الغيلان مني الدواهيا # ومنهن قد لاقيت ذاك فلم أكن ... دجبانا إذا هول الجبان اعترانيا # أذقت المنايا بعضهن بأسهمي ... وقددن لحمي وامتشقن ردائيا [5] # أبيت ضجيع الأسود الجون في الهوى ... كثيرا وأثناء الحشاش وساديا [6] # إذا هجن بي في جحرهن اكتنفنني ... فليت سليمان بن وبر يرانيا [7] # فما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة ... أخا الحرب مجنيا علي وجانيا # ومما ذكر فيه الغيلان قوله [8] : [من الطويل] # نقول وقد ألممت بالإنس لمة ... مخضبة ms0908 الأطراف خرس الخلاخل [9] ~~PageV06P401 # أهذا خليل الغول والذئب والذي ... يهيم بربات الحجال الكواهل [1] # رأت خلق الأدراس أشعث شاحبا ... على الجدب بساما كريم الشمائل [2] # تعود من آبائه فتكاتهم ... وإطعامهم في كل غبراء شامل [3] # إذا صاد صيدا لفه بضرامه ... وشيكا ولم ينظر لنصب المراجل [4] # ونهسا كنهس الصقر ثم مراسه ... بكفيه رأس الشيخة المتمايل [5] # فلم يسحب المنديل بين جماعة ... ولا فاردا مذ صاح بين القوابل # ومما قال في هذا المعنى [6] : [من الطويل] # علام ترى ليلى تعذب بالمنى ... أخا قفرات كان بالذئب يأنس # وصار خليل الغول بعد عداوة ... صفيا وربته القفار البسابس # وقال في هذا المعنى [7] : [من الطويل] # فلولا رجال يا منيع رأيتهم ... لهم خلق عند الجوار حميد # لنالكم مني نكال وغارة ... لها ذنب لم تدركوه بعيد # أقل بنو الإنسان حتى أغرتم ... على من يثير الجن وهي هجود ### ||| 1768- [أخبار و طرف تتعلق بالجن] # وقال ابن الأعرابي: وعدت أعرابية أعرابيا أن يأتيها، فكمن في عشرة [8] ~~كانت بقربهم، فنظر الزوج فرأى شبحا في العشرة، فقال لامرأته: يا هنتاه [9] ~~إن إنسانا ليطالعنا من العشرة! قالت: مه يا شيخ، ذاك جان العشرة! إليك عني ~~وعن ولدي!! PageV06P402 # قال الشيخ: وعني يرحمك الله! قالت: وعن أبيهم إن هو غطى رأسه ورقد. قال: # ونام الشيخ، وجاء الأعرابي فسفع [1] برجليها ثم أعطاها حتى رضيت. # وروى عن محمد بن الحسن، عن مجالد أو عن غيره وقال [2] : كنا عند الشعبي ~~جلوسا، فمر حمال على ظهره دن خل، فلما رأى الشعبي وضع الدن وقال للشعبي: ما ~~كان اسم امرأة إبليس؟ قال: ذاك نكاح ما شهدناه! وأبو الحسن عن أبي إسحاق ~~المالكي قال [3] : قال الحجاج ليحيى بن سعيد بن العاص: أخبرني عبد الله بن ~~هلال صديق إبليس، أنك تشبه إبليس! قال: وما ينكر أن يكون سيد الإنس يشبه ~~سيد الجن! وروى الهيثم عن داود بن أبي هند، قال [4] : سئل الشعبي عن لحم ~~الفيل، فتلا قوله عز ذكره: قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما على طاعم يطعمه ~~إلا أن يكون ميتة أو دما مسفوحا أو لحم ms0909 خنزير # [5] إلى آخر الآية. وسئل عن لحم الشيطان فقال: نحن نرضى منه بالكفاف. ~~فقال له قائل [6] : ما تقول في الذبان؟ قال: إن اشتهيته فكله. # وأنشدوا قول أعرابي لامرأته: [من البسيط] # ألا تموتين إنا نبتغي بدلا ... إن اللواتي يموتن الميامين # أم أنت لازلت في الدنيا معمرة ... كما يعمر إبليس الشياطين # وقال أبو الحسن وغيره: كان سعيد بن خالد بن عبد الله بن أسيد تصيبه موتة ~~[7] نصف سنة، ونصف سنة يصح، فيحبو ويعطي، ويكسو ويحمل. فأراد أهله أن ~~يعالجوه. فتكلمت امرأة على لسانه فقالت. أنا رقية بنت ملحان سيد الجن، ~~والله أن لو علمت مكان رجل أشرف منه لعلقته! والله لئن عالجتموه لأقتلنه! ~~فتركوا علاجه. PageV06P403 # وتقول العرب: شيطان الحماطة، وغول القفرة، وجان العشرة. وأنشد: [من ~~الرجز] # فانصلتت لي مثل سعلاة العشر ... تروح بالويل وتغدو بالغير # وأنشد [1] : [من الرجز] # يا أيها الضاغب بالغملول ... إنك غول ولدتك غول # الغملول: الخمر من الأرض اختبأ فيه هذا الرجل، وضغب ضغبة [2] الأرنب، ~~ليفزعه ويوهمه أنه عامر لذلك الخمر. PageV06P404 ### | باب من ادعى من الأعراب والشعراء أنهم يرون الغيلان ويسمعون عزيف الجان وما يشبهون بالجن والشياطين، وبأعضائهم وبأخلاقهم وأعمالهم. # وأنشد: [من الرجز] # كأنه لما تدانى مقربه ... وانقطعت أوذامه وكربه [1] # وجاءت الخيل جميعا تذنبه ... شيطان جن في هواء يرقبه [2] # أذنب فانقض عليه كوكبه # وأنشد: [من البسيط] # إن العقيلي لا تلقى له شبها ... ولو صبرت لتلقاه على العيس # بينا تراه عليه الخز متكئا ... إذ مر يهدج في خيش الكرابيس [3] # وقد تكنفه غرامه زمنا ... أشباه جن عكوف حول إبليس [4] # إذا المفاليس يوما حاربوا ملكا ... ترى العقيلي منهم في كراديس [5] # وهو الذي يقول [6] : [من الكامل] # أصبحت ما لك غير جلدك تلبس ... قطر السماء وأنت عار مفلس # وقال الخطفي [7] : [من الرجز] PageV06P405 # يرفعن بالليل إذا ما أسدفا ... أعناق جنان وهاما رجفا # وعنقا بعد الرسيم خيطفا [1] # وأنشد ابن الأعرابي: [من الطويل] # غناء كليبيا ترى الجن تبتغي ... صداه إذا ما آب للجشن آيب # وقال الحارث بن حلزة [2] : [من الخفيف] # ربنا وابننا وأفضل من يم ... شي ومن دون ms0910 ما لديه الثناء [3] # إرمي بمثله جالت الج ... ن فآبت لخصمها الأجلاء [4] # وقال الأعشى [5] : [من الطويل] # فإني وما كلفتموني وربكم ... ليعلم من أمسى أعق وأحوبا # لكالثور والجني يضرب ظهره ... وما ذنبه أن عافت الماء مشربا # وقال الزفيان العوافي واسمه عطاء بن أسيد أحد بني عوافة بن سعد [6] : [من ~~الرجز] # بين اللها منه إذا ما مدا ... مثل عزيف الجن هدت هدا [7] # وقال ذو الرمة [8] : [من البسيط] # قد أعسف النازح المجهول معسفه ... في ظل أغضف يدعو هامه البوم [9] # للجن بالليل في حافاتها زجل ... كما تناوح يوم الريح عيشوم [10] ~~PageV06P406 # داوية ودجى ليل كأنهما ... يم تراطن في حافاته الروم # وقال [1] : [من الطويل] # وكم عرست بعد السرى من معرس ... به من كلام الجن أصوات سامر [2] # وقال [3] : [من البسيط] # كم جبت دونك من يهماء مظلمة ... تيه إذا ما مغني جنة سمرا [4] # وقال [5] : [من الطويل] # ورمل عزيف الجن في عقداته ... هزيز كتضراب المغنين بالطبل [6] # وقال [7] : [من الطويل] # وتيه خبطنا غولها وارتمى بنا ... أبو البعد من أرجائها المتطاوح # فلاة لصوت الجن في منكراتها ... هزيز، وللأبوام فيها نوائح # وطول اغتماسي في الدجى كلما دعت ... من الليل أصداء المتان الصوائح [8] # وقال ذو الرمة [9] : [من الطويل] # بلادا يبيت البوم يدعو بناته ... بها ومن الأصداء والجن سامر # وقال ذو الرمة [10] : [من الطويل] # وللوحش والجنان كل عشية ... بها خلفة من عازف وبغام [11] PageV06P407 # وقال الراعي [1] : [من الطويل] # وداوية غبراء أكثر أهلها ... عزيف وبوم آخر الليل صائح # أقر بها جأشي تأول آية ... وماضي الحسام غمده متصايح ### || 1769- [لطيم الشيطان] # ويقال لمن به لقوة أو شتر، إذا سب: يا لطيم الشيطان [2] . # وكذلك قال عبيد الله بن زياد، لعمرو بن سعيد، حين أهوى بسيفه ليطعن في ~~خاصرة عبد الله بن معاوية، وكان مستضعفا، وكان مع الضحاك فأسر، فلما أهوى ~~له السيف وقد استردفه عبيد الله، واستغاث بعبيد الله، قال عبيد الله لعمرو: ~~يدك يا لطيم الشيطان [3] ! ### || 1770- [قولهم: ظل النعامة، وظل الشيطان] # ويقال للرجل المفرط الطول: يا ظل النعامة! وللمتكبر الضخم: يا ظل الشيطان ~~[4] ! كما قال الحجاج لمحمد بن سعد ms0911 بن أبي وقاص: بينا أنت، يا ظل الشيطان، ~~أشد الناس كبرا إذ صرت مؤذنا لفلان [5] ! وقال جرير في هجائه شبة بن عقال، ~~وكان مفرط الطول [6] : [من الكامل] # فضح المنابر يوم يسلح قائما ... ظل النعامة شبة بن عقال ### || 1771- [قولهم: ظل الرمح] # فأما قولهم [7] : «منينا بيوم كظل الرمح» فإنهم ليس يريدون به الطول فقط، ~~ولكنهم يريدون أنه مع الطول ضيق غير واسع. PageV06P408 # وقال ابن الطثرية [1] : [من الطويل] # ويوم كظل الرمح قصر طوله ... دم الزق عنا واصطفاق المزاهر [2] # قال: وليس يوجد لظل الشخص نهاية مع طلوع الشمس. ### || 1772- [التشبيه بالجن] # قال: وكان عمر بن عبد العزيز أول من نهى الناس عن حمل الصبيان على ظهور ~~الخيل يوم الحلبة [3] ، وقال: «تحملون الصبيان على الجنان؟» . # وأنشد في تشبيه الإنس بالجن لأبي الجويرية العبدي: [من البسيط] # إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا ... مرزؤون بها ليل إذا حشدوا [4] # وأنشدوا: [من الرجز] # وقلت والله لنرحلنا ... قلائصا تحسبهن جنا [5] # وقال ابن ذي الزوائد: [من المنسرح] # وحولي الشول رزحا شسبا ... بكية الدر حين تمتصر [6] # ولاذ بي الكلب لا نباح له ... يهر محرنجما وينجحر [7] # بحور خفض لمن ألم بهم ... جن بأرماحهم إذا خطروا [8] PageV06P409 # وأنشدوا: [من الرجز] # إني امرؤ تابعني شيطانيه ... آخيته عمري وقد آخانيه # يشرب في قعبي وقد سقانيه ... فالحمد لله الذي أعطانيه [1] # قرما وخرقا في خدود واضيه ... تربعت في عقد فالماوية [2] # بقلا نضيدا في تلاع حاليه ... حتى إذا ما الشمس مرت ماضيه [3] # قام إليها فتية ثمانيه ... فثوروا كل مري ساجيه [4] # أخلافها لذي الأكف ماليه [5] ### || 1773- [جبل الجن] # وقال ابن الأعرابي: قال لي أعرابي مرة من غني وقد نزلت به، قال: وهو أخف ~~ما نزلت به وأطيبه، فقلت: ما أطيب ماءكم هذا، وأعذى [6] منزلكم! قال: نعم ~~وهو بعيد من الخير كله، بعيد من العراق واليمامة والحجاز، كثير الحيات، ~~كثير الجنان! فقلت: أترون الجن؟ قال: نعم! مكانهم في هذا الجبل- وأشار بيده ~~إلى جبل يقال له سواج [7] قال: ثم حدثني بأشياء. ### || 1774- [شعر فيه ذكر الجن] # وقال عبيد بن أوس الطائي [8] في أخت عدي بن أوس: ms0912 [من الكامل] # هل جاء أوسا ليلتي ونعيمها ... ومقام أوس في الخباء المشرج [9] ~~PageV06P410 # ما زلت أطوي الجن أسمع حسهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودج # فوضعت كفي عند مقطع خصرها ... فتنفست بهرا ولما تنهج [1] # فتناولت رأسي لتعرف مسه ... بمخضب الأطراف غير مشنج [2] # قالت بعيش أخي وحرمة والدي ... لأنبهن الحي إن لم تخرج # فخرجت خيفة قومها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تلجج [3] # فلثمت فاها قابضا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج [4] # وأنشدني آخر [5] : [من الطويل] # ذهبتم فعذتم بالأمير وقلتم ... تركنا أحاديثا ولحما موضعا [6] # فما زادني إلا سناء ورفعة ... ولا زادكم في القوم إلا تخشعا # فما نفرت جني ولا فل مبردي ... وما أصبحت طيري من الخوف وقعا [7] # وقال حسان بن ثابت، في معنى قوله [8] : «ولله لأضربنه حتى أنزع من رأسه ~~شيطانه» ، فقال [9] : [من المتقارب] # وداوية سبسب سملق ... من البيد تعزف جنانها [10] # قطعت بعيرانة كالفني ... ق يمرح في الآل شيطانها [11] # فجمع في هذا البيت تثبيت عزيف الجن، وأن المراح والنشاط والخيلاء والغرب ~~[12] هو شيطانها. PageV06P411 # وأبين من ذلك قول منظور بن رواحة [1] : [من الطويل] # أتاني وأهلي بالدماخ فغمرة ... مسب عويف اللؤم حي بني بدر # فلما أتاني ما يقول ترقصت ... شياطين رأسي وانتشين من الخمر ### || 1775- [من المثل والتشبيه بالجن] # ومن المثل والتشبيه قول أبي النجم [2] : [من الرجز] # وقام جني السنام الأميل ... وامتهد الغارب فعل الدمل [3] # وقال ابن أحمر [4] : [من الوافر] # بهجل من قسا ذفر الخزامى ... تداعى الجربياء به الحنينا # تكسر فوقه القلع السواري ... وجن الخازباز به جنونا # وقال الأعشى [5] : [من الخفيف] # وإذا الغيث صوبه وضع القد ... ح وجن التلاع والآفاق # لم يزدهم سفاهة شرب الخم ... ر ولا اللهو بينهم والسباق # وقال النابغة [6] : [من البسيط] # وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد [7] ### || 1776- [ما يزعمون انه من عمل الجن] # وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء [بني] [8] قبل زمن سليمان، عليه السلام، ~~PageV06P412 # بأكثر مما بيننا اليوم وبين سليمان بن داود عليهما السلام قالوا: ولكنكم ~~إذا رأيتم بنيانا عجيبا، وجهلتم موضع الحيلة فيه، أضفتموه إلى الجن، ولم ~~تعانوه ms0913 بالفكر. # وقال العرجي [1] : [من البسيط] # سدت مسامعها بفرج مراجل ... من نسج جن مثله لا ينسج [2] # وقال الأصمعي [3] : السيوف المأثورة هي التي يقال إنها من عمل الجن ~~والشياطين لسليمان بن داود عليهما السلام. فأما القوارير والحمامات، فذلك ~~ما لا شك فيه. وقال البعيث [4] : [من البسيط] # بنى زياد لذكر الله مصنعة ... من الحجارة لم تعمل من الطين [5] # كأنها، غير أن الإنس ترفعها ... مما بنت لسليمان الشياطين # وقال المقنع الكندي [6] : [من البسيط] # وفي الظعائن والأحداج أملح من ... حل العراق وحل الشام واليمنا [7] # جنية من نساء الإنس أحسن من ... شمس النهار وبدر الليل لو قرنا # مكتومة الذكر عندي ما حييت لها ... قد لعمري مللت الصرم والحزنا # وقال أبو النجم [8] : [من الرجز] # أدرك عقلا والرهان عمله ... كأن ترب القاع حين تسحله [9] # صيق شياطين زفته شمأله [10] # وقال الأعشى [11] في المعنى الأول، من بناء الشياطين لسليمان بن داود ~~عليهما السلام: [من الطويل] PageV06P413 # أرى عاديا الم يمنع الموت ربه ... وورد بتيماء اليهودي أبلق # بناه سليمان بن داود حقبة ... له جندل صم وطي موثق ### || 1777- [مواضع الجن] # وكما يقولون [1] : قنفذ برقة، وضب سحا، وأرنب الخلة، وذئب خمر فيفرقون ~~بينها وبين ما ليست كذلك إما في السمن، وإما في الخبث، وإما في القوة- ~~فكذلك أيضا يفرقون بين # مواضع الجن. # فإذا نسبوا الشكل منها إلى موضع معروف، فقد خصوه من الخبث والقوة ~~والعرامة بما ليس لجملتهم وجمهورهم. قال لبيد [2] : # [من الكامل] # غلب تشذر بالذحول كأنها ... جن البدي رواسيا أقدامها [3] # وقال النابغة [4] : [من الكامل] # سهكين من صدإ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار [5] # وقال زهير [6] : [من الطويل] # عليهن فتيان كجنة عبقر ... جديرون يوما أن ينيفوا فيستعلوا # وقال حاتم [7] : [من الطويل] # عليهن فتيان كجنة عبقر ... يهزون بالأيدي الوشيج المقوما [8] PageV06P414 # ولذلك قيل لكل شيء فائق، أو شديد: عبقري. # وفي الحديث، في صفة عمر رضي الله عنه «فلم أر عبقريا يفري فريه» [1] . # قال أعرابي: ظلمني والله ظلما عبقريا [2] . ### || 1778- [مراتب الجن و الملائكه] # ثم ينزلون الجن في مراتب. فإذا ذكروا الجني سالما قالوا: جني. فإذا ~~أرادوا أنه ممن ms0914 سكن مع الناس قالوا: عامر، والجميع عمار. وإن كان ممن يعرض ~~للصبيان فهم أرواح. فإن خبث أحدهم وتعرم فهو شيطان، فإذا زاد على ذلك فهو ~~مارد. قال الله عز ذكره: وحفظا من كل شيطان مارد # [3] فإن زاد على ذلك في القوة فهو عفريت، والجميع عفاريت. قال الله ~~تعالى: قال عفريت من الجن أنا آتيك به قبل أن تقوم من مقامك # [4] . # وهم في الجملة جن وخوافي. قال الشاعر [5] : [من البسيط] # ولا يحس سوى الخافي بها أثر # فإن طهر الجني ونظف ونقي وصار خيرا كله فهو ملك، في قول من تأول قوله عز ~~ذكره: كان من الجن ففسق عن أمر ربه # [6] على أن الجن في هذا الموضع الملائكة. # وقال آخرون: كان منهم على الإضافة إلى الدار والديانة، لا على أنه كان من ~~جنسهم. وإنما ذلك على قولهم سليمان بن يزيد العدوي، وسليمان بن طرخان ~~التيمي، وأبو علي الحرمازي، وعمرو بن فائد الأسواري، أضافوهم إلى المحال، ~~وتركوا أنسابهم في الحقيقة. PageV06P415 ### || 1779- [استطراد لغوي] # وقال آخرون: كل مستجن فهو جني، وجان، وجنين. وكذلك الولد قيل له جنين ~~لكونه في البطن واستجنانه. وقالوا للميت الذي في القبر جنين. وقال عمرو بن ~~كلثوم [1] : [من الوافر] # ولا شمطاء لم تدع المنايا ... لها من تسعة إلا جنينا # يخبر أنها قد دفنتهم كلهم. ### || 1780- [طبقات الملائكة] # قالوا: وكذلك الملائكة، من الحفظة، والحملة، والكروبيين [2] . فلا بد من ~~طبقات. وربما فرق بينهم بالأعمال، واشتق لهم الاسم من السبب كما قالوا ~~لواحد من الأنبياء: خليل الله، وقالوا لآخر: كليم الله، وقالوا لآخر: روح ~~الله. ### || 1781- [مراتب الشجعان] # والعرب تنزل الشجعاء في المراتب. والاسم العام شجاع، ثم بطل، ثم بهمة، ثم ~~أليس. هذا قول أبي عبيدة. # فأما قولهم: شيطان الحماطة، فإنهم يعنون الحية. وأنشد الأصمعي [3] : [من ~~الطويل] # تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... تعمج شيطان بذي خروع قفر # وقد يسمون الكبر والطغيان، والخنزوانة، والغضب الشديد شيطانا، على ~~التشبيه. قال عمر بن الخطاب، رضي الله تعالى عنه [4] : «والله لأنزعن ~~نعرته، ولأضربنه حتى أنزع شيطانه من نخرته» . PageV06P416 ### || 1782- [مراتب الجن] # والأعراب ms0915 تجعل الخوافي والمستجنات، من قبل أن ترتب المراتب، جنسين، ~~يقولون جن وحن، بالجيم والحاء. وأنشدوا [1] : [من الرجز] # أبيت أهوي في شياطين ترن ... مختلف نجواهم حن وجن [2] # ويجعلون الجن فوق الحن. وقال أعشى سليم: [من الطويل] # فما أنا من جن إذا كنت خافيا ... ولست من النسناس في عنصر البشر # ذهب إلى قول من قال: البشر ناس ونسناس، والخوافي حن وجن. يقول: أنا من ~~أكرم الجنسين حيثما كنت. ### || 1783- [شيطان ضعفة النساك و العباد] # وضعفة النساك وأغبياء العباد، يزعمون أن لهم خاصة شيطانا قد وكل بهم، ~~ويقال له «المذهب» يسرج لهم النيران، ويضيء لهم الظلمة ليفتنهم وليريهم ~~العجب إذا ظنوا أن ذلك من قبل الله تعالى. ### || 1784- [شيطان حفظة القرآن] # وفي الحديث أن الشيطان الذي قد تفرد بحفظة القرآن ينسيهم القرآن، يسمى ~~خنزب [3] ، وهو صاحب عثمان بن أبي العاص. ### || 1785- [الخابل والخبل] # قال: وأما الخابل والخبل، فإنما ذلك اسم للجن الذين يخبلون الناس ~~بأعيانهم، دون غيرهم. وقال الشاعر [4] : [من الطويل] # تناوح جنان بهن وخبل # كأنه أخرج الذين يخبلون ويتعرضون، ممن ليس عنده إلا العزيف والنوح. # وفصل أيضا لبيد بينهم فقال [5] : [من الطويل] PageV06P417 # أعاذل لو كان النداد لقوتلوا ... ولكن أتانا كل جن وخابل # وقد زعم ناس أن الخبل والخابل ناس. قالوا: فإذا كان ذلك كذلك، فكيف يقول ~~أوس بن حجر [1] : [من الطويل] # ناوح جنان بهن وخبل ### || 1786- [استطراد لغوي] # قالوا: وإذا تعرضت الجنية وتلونت وعبثت فهي شيطانة، ثم غول. والغول في ~~كلام العرب الداهية. ويقال: لقد غالته غول. وقال الشاعر: [من البسيط] # تقول بيتي في عز وفي سعة ... فقد صدقت ولكن أنت مدخول # لا بأس بالبيت إلا ما صنعت به ... تبني وتهدمه هدا له غول # وقال الراجز: [من الرجز] # والحرب غول أو كشبه الغول ... تزف بالرايات والطبول # تقلب للأوتار والذحول ... حملاق عين ليس بالمكحول [2] ### || 1787- [زواج بالأعراب للجن] # ومن قول الأعراب أنهم يظهرون لهم، ويكلمونهم، ويناكحونهم. ولذلك قال شمر ~~بن الحارث الضبي [3] : [من الوافر] # ونار قد حضأت بعيد هدء ... بدار لا أريد بها مقاما # سوى تحليل راحلة وعين ms0916 ... أكالئها مخافة أن تناما # أتوا ناري فقلت منون قالوا ... سراة الجن قلت عموا ظلاما # فقلت إلى الطعام فقال منهم ... زعيم نحسد الإنس الطعاما # وذكر أبو زيد عنهم أن رجلا منهم تزوج السعلاة، وأنها كانت عنده زمانا، ~~وولدت منه، حتى رأت ذات ليلة برقا على بلاد السعالي، فطارت إليهن، فقال [4] ~~: # [من الوافر] PageV06P418 # رأى برقا فأوضع فوق بكر ... فلا بك ما أسال وما أغاما # فمن هذا النتاج المشترك، وهذا الخلق المركب عندهم، بنو السعلاة، من بين ~~عمرو بن يربوع، وبلقيس ملكة سبأ. وتأولوا قول الشاعر [1] : [من الرجز] # لا هم إن جرهما عبادكا ... الناس طرف وهم تلادكا # فزعموا أن أبا جرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السماء أنزلوا ~~إلى الأرض [2] ، كما قيل في هاروت وماروت. فجعلوا سهيلا عشارا مسخ نجما، ~~وجعلوا الزهرة امرأة بغيا مسخت نجما، وكان اسمها «أناهيد» . # وتقول الهند في الكوكب الذي يسمى «عطارد» شبيها بهذا. ### || 1788- [المخدومون] # ويقول الناس: «فلان مخدوم» يذهبون إلى أنه إذا عزم على الشياطين والأرواح ~~والعمار أجابوه وأطاعوه. منهم عبد الله بن هلال الحميري، الذي كان يقال له ~~صديق إبليس [3] . ومنهم كرباش الهندي، وصالح المديبري. ### || 1789- [شروط إجابة العامر للعزيمة] # وقد كان عبيد مج يقول: إن العامر حريص على إجابة العزيمة، ولكن البدن إذا ~~لم يصلح أن يكون له هيكلا لم يستطع دخوله. والحيلة في ذلك أن يتبخر باللبان ~~الذكر، ويراعي سير المشتري، ويغتسل بالماء القراح، ويدع الجماع وأكل ~~الزهومات [4] ، ويتوحش في الفيافي، ويكثر دخول الخرابات، حتى يرق ويلطف ~~ويصفو ويصير فيه مشابه من الجن، فإن عزم عند ذلك فلم يجب فلا يعودن لمثلها ~~فإنه ممن لا يصلح أن يكون بدنه هيكلا لها، ومتى عاد خبط فربما جن، وربما ~~مات. # قال: فلو كنت ممن يصلح أن يكون لهم هيكلا لكنت فوق عبد الله بن هلال. ~~PageV06P419 ### || 1790- [رؤية الجن] # قال الأعراب: وربما نزلنا بجمع كثير، ورأينا خياما وقبابا، وناسا، ثم ~~فقدناهم من ساعتنا. # والعوام ترى أن ابن مسعود، رضي الله عنه، رأى رجالا من الزط فقال: «هؤلاء ~~أشبه ms0917 من رأيت بالجن ليلة الجن» . # قال: وقد روي عنه خلاف ذلك. # وتأولوا قوله تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن ~~فزادوهم رهقا # [1] . ولم يهلك الناس كالتأويل. # ومما يدل على ما قلنا قول أبي النجم، حيث يقول [2] : [من الرجز] # بحيث تستن مع الجن الغول # فأخرج الغول من الجن، للذي بانت به من الجن. # وهكذا عادتهم: أن يخرجوا الشيء من الجملة بعد أن دخل ذلك الشيء في ~~الجملة، فيظهر لأمر خاص. # وفي بعض الرواية أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة، ~~وأن خالد بن الوليد حين هدم العزى رمته بالشرر حتى احترق عامة فخذه، حتى ~~عاده النبي صلى الله عليه وسلم. # وهذه فتنة لم يكن الله تعالى ليمتحن بها الأعراب وأشباه الأعراب من ~~العوام. # وما أشك أنه قد كانت للسدنة حيل وألطاف لمكان التكسب. # ولو سمعت أو رأيت بعض ما قد أعد الهند من هذه المخاريق [3] في بيوت ~~عباداتهم، لعلمت أن الله تعالى قد من على جملة الناس بالمتكلمين، الذين قد ~~نشؤوا فيهم. ### || 1791- [افتتان بعض النصارى بمصابيح كنيسة قمامة] # وقد تعرف ما في عجايز النصارى وأغمارهم [4] ، من الافتنان بمصابيح كنيسة ~~PageV06P420 # قمامة. فأما علماؤهم وعقلاؤهم فليسوا بمتحاشين من الكذب الصرف، والجراءة ~~على البهتان البحت. وقد تعودوا المكابرة حتى دربوا بها الدرب الذي لا يفطن ~~له إلا ذو الفراسة الثابتة، والمعرفة الثاقبة. ### || 1792- [إيمان الأعراب بالهواتف] # والأعراب وأشباه الأعراب لا يتحاشون من الإيمان بالهاتف، بل يتعجبون ممن ~~رد ذلك [1] . فمن ذلك حديث الأعشى بن نباش بن زرارة الأسدي، أنه سمع هاتفا ~~يقول [2] : [من الطويل] # لقد هلك الفياض غيث بني فهر ... وذو الباع والمجد الرفيع وذو الفخر # قال: فقلت مجيبا له: [من الطويل] # ألا أيها الناعي أخا الجود والندى ... من المرء تنعاه لنا من بين فهر # فقال: [من الطويل] # نعيت ابن جدعان بن عمرو أخا الندى ... وذا الحسب القدموس والحسب القهر ~~[3] # وهذا الباب كثير. # قالوا: ولنقل الجن الأخبار علم الناس بوفاة الملوك، والأمور المهمة، كما ~~تسامعوا بموت المنصور بالبصرة في اليوم ms0918 الذي توفي فيه بقرب مكة. وهذا الباب ~~أيضا كثير. ### || 1793- [من له رئي من الجن] # وكانوا يقولون: إذا ألف الجني إنسانا وتعطف عليه، وخبره ببعض الأخبار، ~~وجد حسه ورأى خياله، فإذا كان عندهم كذلك قالوا: مع فلان رئي من الجن. وممن ~~يقولون ذلك فيه عمرو بن لحي بن قمعة، والمأمور الحارثي، وعتيبة بن الحارث ~~بن شهاب، في ناس معروفين من ذوي الأقدار، من بين فارس رئيس، وسيد مطاع. ~~PageV06P421 # فأما الكهان [1] : فمثل حارثة جهينة [2] ، وكاهنة باهلة، وعزى سلمة، ومثل ~~شق، وسطيح، وأشباههم. # وأما العراف، وهو دون الكاهن، فمثل الأبلق الأسدي، والأجلح الزهري، وعروة ~~ابن زيد الأسدي، وعراف اليمامة رباح بن كحلة [3] ، وهو صاحب بنت المستنير ~~البلتعي، وقد قال الشاعر [4] : [من الطويل] # فقلت لعراف اليمامة داوني ... فإنك إن أبرأتني لطبيب # وقال جبيهاء الأشجعي: [من الوافر] # أقام هوى صفية في فؤادي ... وقد سيرت كل هوى حبيب # لك الخيرات كيف منحت ودي ... وما أنا من هواك بذي نصيب # أقول وعروة الأسدي يرقي ... أتاك برقية الملق الكذوب # لعمرك ما التثاؤب يا ابن زيد ... بشاف من رقاك ولا مجيب # لسير الناعجات أظن أشفى ... لما بي من طبيب بني الذهوب [5] # وليس الباب الذي يدعيه هؤلاء من جنس العيافة والزجر، والخطوط، والنظر في ~~أسرار الكف، وفي مواضع قرض الفار، وفي الخيلان في الجسد، وفي النظر في ~~الأكتاف، والقضاء بالنجوم، والعلاج بالفكر. # وقد كان مسيلمة يدعي أن معه رئيا في أول زمانه، ولذلك قال الشاعر، حين ~~وصف مخاريقه وخدعه: [من الطويل] # ببيضة قارور وراية شادن ... وخلة جني وتوصيل طائر [6] PageV06P422 # ألا تراه ذكر خلة الجني. ### || 1794- [ظهورالشق للمسافرين] # ويقولون [1] : ومن الجن جنس صورة الواحد منهم على نصف صورة الإنسان، ~~واسمه شق، وإنه كثيرا ما يعرض للرجل المسافر إذا كان وحده، فربما أهلكه ~~فزعا، وربما أهلكه ضربا وقتلا. # قالوا [2] : فمن ذلك حديث علقمة بن صفوان بن أمية بن محرث الكناني، جد ~~مروان بن الحكم، خرج في الجاهلية، وهو يريد مالا له بمكة، وهو على حمار، ~~وعليه إزار ورداء، ومعه مقرعة، في ليلة إضحيانة، ms0919 حتى انتهى إلى موضع يقال ~~له حائط حزمان، فإذا هو بشق له يد ورجل، وعين، ومعه سيف، وهو يقول: [من ~~الرجز] # علقم إني مقتول ... وإن لحمي مأكول # أضربهم بالهذلول ... ضرب غلام شملول [3] # رحب الذراع بهلول # فقال علقمة: # يا شقها مالي ولك ... اغمد عني منصلك [4] # تقتل من لا يقتلك # فقال شق: # عبيت لك عبيت لك ... كيما أتيح مقتلك # فاصبر لما قد حم لك # قال: فضرب كل واحد منهما صاحبه، فخرا ميتين، فممن قتلت الجن علقمة ابن ~~صفوان هذا، وحرب بن أمية. # قالوا: وقالت الجن [5] : [من الرجز] # وقبر حرب بمكان قفر ... وليس قرب قبر حرب قبر [6] PageV06P423 # قالوا [1] : ومن الدليل على ذلك، وعلى أن هذين البيتين من أشعار الجن أن ~~أحدا لا يستطيع أن ينشدهما ثلاث مرات متصلة، لا يتتعتع فيها، وهو يستطيع أن ~~ينشد أثقل شعر في الأرض وأشقه عشر مرات ولا يتعتع. ### || 1795- [ذكر من قتلته الجن أو استهوته] # قال [2] : وقتلت مرداس بن أبي عامر، أبا عباس بن مرداس [3] ، وقتلت ~~الغريض خنقا بعد أن غنى بالغناء الذي كانوا نهوه عنه، وقتلت الجن سعد بن ~~عبادة بن دليم، وسمعوا الهاتف يقول [4] : [من الهزج] # نحن قتلنا سيد الخزر ... ج سعد بن عباده # رميناه بسهمين ... فلم نخط فؤاده # واستهووا سنان بن أبي حارثة ليستفحلوه، فمات فيهم. واستهووا طالب بن أبي ~~طالب، فلم يوجد له أثر إلى يومنا هذا [5] . # واستهووا عمرو بن عدي اللخمي الملك، الذي يقال فيه [6] : «شب عمرو عن ~~الطوق» ، ثم ردوه على خاله جذيمة الأبرش، بعد سنين وسنين. # واستهووا عمارة بن الوليد بن المغيرة، ونفخوا في إحليله فصار مع الوحش ~~[7] . # ويروون عن عبد الله بن فائد بإسناد له يرفعه، أن النبي صلى الله عليه ~~وسلم قال: «خرافة رجل من عذرة استهوته الشياطين» ، وأنه تحدث يوما بحديث ~~فقالت امرأة من نسائه: هذا من حديث خرافة! قال: «لا، وخرافة حق» [8] . ~~PageV06P424 ### || 1796- [طعام الجن] # ورووا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أنه سأل المفقود الذي استهوته ~~الجن: ما كان طعامهم؟ قال: الفول. قال: فما كان شرابهم؟ ms0920 قال: الجدف [1] . # ورووا أن طعامهم الرمة وما لم يذكر اسم الله عليه. # ورووا عن النبي صلى الله عليه وسلم- والحديث صحيح- أنه قال [2] : «خمروا ~~آنيتكم، وأوكئوا أسقيتكم وأجيفوا الأبواب، وأطفئوا المصابيح، واكففوا ~~صبيانكم، فإن للشياطين انتشارا وخطفة» . ### || 1797- [رئوس الشياطين] # وقد قال الناس في قوله تعالى: إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم. طلعها كأنه ~~رؤس الشياطين # [3] ، فزعم ناس أن رؤوس الشياطين ثمر شجرة تكون ببلاد اليمن، لها منظر ~~كريه. # والمتكلمون لا يعرفون هذا التفسير، وقالوا: ما عنى إلا رؤوس الشياطين ~~المعروفين بهذا الاسم، من فسقة الجن ومردتهم. فقال أهل الطعن والخلاف: كيف ~~يجوز أن يضرب المثل بشيء لم نره فنتوهمه، ولا وصفت لنا صورته في كتاب ناطق، ~~أو خبر صادق. ومخرج الكلام يدل على التخويف بتلك الصورة، والتفزيع منها. # وعلى أنه لو كان شيء أبلغ في الزجر من ذلك لذكره. فكيف يكون الشأن كذلك، ~~والناس لا يفزعون إلا من شيء هائل شنيع، قد عاينوه، أو صوره لهم واصف صدوق ~~اللسان، بليغ في الوصف. ونحن لم نعاينها، ولا صورها لنا صادق. وعلى أن أكثر ~~الناس من هذه الأمم التي لم تعايش أهل الكتابين وحملة القرآن من المسلمين، ~~ولم تسمع الاختلاف لا يتوهمون ذلك، ولا يقفون عليه، ولا يفزعون منه. فكيف ~~يكون ذلك وعيدا عاما؟! قلنا [4] : وإن كنا نحن لم نر شيطانا قط ولا صور ~~رؤوسها لنا صادق بيده، ففي PageV06P425 # إجماعهم على ضرب المثل بقبح الشيطان، حتى صاروا يضعون ذلك في مكانين: # أحدهما أن يقولوا: «لهو أقبح من الشيطان» ، والوجه الآخر أن يسمى الجميل ~~شيطانا، على جهة التطير له، كما تسمى الفرس الكريمة شوهاء، والمرأة الجميلة ~~صماء، وقرناء، وخنساء، وجرباء وأشباه ذلك، على جهة التطير له. ففي إجماع ~~المسلمين والعرب وكل من لقيناه على ضرب المثل بقبح الشيطان، دليل على أنه ~~في الحقيقة أقبح من كل قبيح. # والكتاب إنما نزل على هؤلاء الذين قد ثبت في طبائعهم بغاية التثبيت. # وكما يقولون: «لهو أقبح من السحر» ، فكذلك يقولون، كما قال عمر بن عبد ~~العزيز لبعض من ms0921 أحسن الكلام في طلب حاجته- « «هذا والله السحر الحلال» . # وكذلك أيضا ربما قالوا: «ما فلان إلا شيطان» على معنى الشهامة والنفاذ ~~وأشباه ذلك [1] . ### || 1798- [صفة الغول والشيطان] # والعامة تزعم أن الغول تتصور في أحسن صورة إلا أنه لا بد أن تكون رجلها ~~رجل حمار [2] . # وخبروا عن الخليل بن أحمد، أن أعرابيا أنشده [3] : [من البسيط] # وحافر العير في ساق خدلجة ... وجفن عين خلاف الإنس في الطول [4] # وذكروا أن العامة تزعم أن شق عين الشيطان بالطول. وما أظنهم أخذوا هذين ~~المعنين إلا عن الأعراب. ### || 1799- [رد على أهل الطعن في الكتاب] # وأما إخبارهم عن هذه الأمم، وعن جهلها بهذا الإجماع والاتفاق والإطباق، ~~فما القول في ذلك إلا كالقول في الزبانية وخزنة جهنم، وصور الملائكة الذين ~~PageV06P426 # يتصورون في أقبح الصور إذا حضروا لقبض أرواح الكفار، وكذلك في صور منكر ~~ونكير، تكون للمؤمن على مثال، وللكافر على مثال. # ونحن نعلم أن الكفار يزعمون أنهم لا يتوهمون الكلام والمحاجة من إنسان ~~ألقي في جاحم أتون فكيف بأن يلقى في نار جهنم؟! فالحجة على جميع هؤلاء، في ~~جميع هذه الأبواب، من جهة واحدة. وهذا الجواب قريب. والحمد لله. # وشق فم العنكبوت بالطول. وله ثماني أرجل. ### || 1800- [سكنى الجن أرض وبار] # وتزعم الأعراب أن الله عز ذكره حين أهلك الأمة التي كانت تسمى وبار، كما ~~أهلك طسما، وجديسا، وأميما، وجاسما، وعملاقا، وثمودا وعادا- أن الجن سكنت ~~في منازلها وحمتها من كل من أرادها، وأنها أخصب بلاد الله، وأكثرها شجرا، ~~وأطيبها ثمرا، وأكثرها حبا وعنبا، وأكثرها نخلا وموزا. فإن دنا اليوم إنسان ~~من تلك البلاد، متعمدا، أو غالطا، حثوا في وجهه التراب، فإن أبى الرجوع ~~خبلوه، وربما قتلوه. # والموضع نفسه باطل. فإذا قيل لهم: دلونا على جهته، ووقفونا على حده ~~وخلاكم ذم- زعموا أن من أراد ألقي على قلبه الصرفة، حتى كأنهم أصحاب موسى ~~في التيه. وقال الشاعر [1] : [من الطويل] # وداع دعا والليل مرخ سدوله ... رجاء القرى يا مسلم بن حمار # دعا جعلا لا يهتدي لمقيله ... من اللؤم حتى يهتدي لوبار # فهذا الشاعر الأعرابي ms0922 جعل أرض وبار مثلا في الضلال. والأعراب يتحدثون ~~عنها كما يتحدثون عما يجدونه بالدو والصمان، والدهناء، ورمل يبرين. وما ~~أكثر ما يذكرون أرض وبار في الشعر، على معنى هذا الشاعر [2] . # قالوا: فليس اليوم في تلك البلاد إلا الجن، والإبل الحوشية. PageV06P427 ### || 1801- [الحوشية من الإبل] # والحوش من الإبل عندهم هي التي ضربت فيها فحول إبل الجن. فالحوشية من نسل ~~إبل الجن. والعيدية، والمهرية، والعسجدية، والعمانية، قد ضربت فيها الحوش. # وقال رؤبة [1] : [من الرجز] # جرت رحانا من بلاد الحوش # وقال ابن هريم: [من الطويل] # كأني على حوشية أو نعامة ... لها نسب في الطير وهو ظليم # وإنما سموا صاحبة يزيد بن الطثرية «حوشية» على هذا المعنى. ### || 1802- [التحصن من الجن] # وقال بعض أصحاب التفسير في قوله تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون ~~برجال من الجن فزادوهم رهقا # [2] : إن جماعة من العرب كانوا إذا صاروا في تيه من الأرض، وتوسطوا بلاد ~~الحوش، خافوا عبث الجنان والسعالي والغيلان والشياطين، فيقوم أحدهم فيرفع ~~صوته: إنا عائذون بسيد هذا الوادي! فلا يؤذيهم أحد، وتصير لهم بذلك خفارة ~~[3] . ### || 1803- [أثر عشق الجن في الصرع] # [4] وهم يزعمون أن المجنون إذا صرعته الجنية، وأن المجنونة إذا صرعها ~~الجني- أن ذلك إنما هو على طريق العشق والهوى، وشهوة النكاح، وأن الشيطان ~~يعشق المرأة منا، وأن نظرته إليها من طريق العجب بها أشد عليها من حمى ~~أيام، وأن عين الجان أشد من عين الإنسان. # قال: وسمع عمرو بن عبيد، رضي الله عنه، ناسا من المتكلمين ينكرون صرع ~~الإنسان للإنسان، واستهواء الجن للإنس، فقال وما ينكرون من ذلك وقد سمعوا ~~قول PageV06P428 # الله عز ذكره في أكلة الربا، وما يصيبهم يوم القيامة، حيث قال: الذين ~~يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس # [1] . ولو كان الشيطان لم يخبط أحدا لما ذكر الله تعالى به أكلة الربا. # فقيل له: ولعل ذلك كان مرة فذهب. قال: ولعله قد كثر فازداد أضعافا. قال: # وما ينكرون من الاستهواء بعد قوله تعالى: كالذي استهوته الشياطين في ~~الأرض حيران ms0923 # [2] . ### || 1804- [زعم العرب أن الطاعون من الشيطان] # قال [3] : والعرب تزعم أن الطاعون طعن من الشيطان، ويسمون الطاعون رماح ~~الجن. قال الأسدي للحارث الملك الغساني [4] : [من الوافر] # لعمرك ما خشيت على أبي ... رماح بني مقيدة الحمار # ولكني خشيت على أبي ... رماح الجن أو إياك حار # يقول: لم أكن أخاف على أبي مع منعته وصرامته، أن يقتله الأنذال، ومن ~~يرتبط العير دون الفرس، ولكني إنما كنت أخافك عليه، فتكون أنت الذي تطعنه ~~أو يطعنه طاعون الشام. # وقال العماني يذكر دولة بني العباس [5] : [من الرجز] # قد دفع الله رماح الجن ... وأذهب العذاب والتجني [6] # وقال زيد بن جندب الإيادي [7] : [من الطويل] # ولولا رماح الجن ما كان هزهم ... رماح الأعادي من فصيح وأعجم PageV06P429 # ذهب إلى قول أبي دؤاد [1] : [من الخفيف] # سلط الموت والمنون عليهم ... فلهم في صدى المقابر هام # يعني الطاعون الذي كان أصاب إيادا. # وجاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ذكر الطاعون فقال [2] : ~~«هو وخز من عدوكم» : وأن عمرو بن العاص قام في الناس في طاعون عمواس فقال ~~[3] : «إن هذا الطاعون قد ظهر، وإنما هو وخز من الشيطان، ففروا منه في هذه ~~الشعاب» . # وبلغ معاذ بن جبل، فأنكر ذلك القول عليه. ### || 1805- [تصور الجن والغيلان والملائكة والناس] # وتزعم العامة أن الله تعالى قد ملك الجن والشياطين والعمار والغيلان أن ~~يتحولوا في أي صورة شاؤوا، إلا الغول، فإنها تتحول في جميع صورة المرأة ~~ولباسها، إلا رجليها، فلا بد من أن تكون رجلي حمار [4] . # وإنما قاسوا تصور الجن على تصور جبريل عليه السلام في صورة دحية بن خليفة ~~الكلبي [5] ، وعلى تصور الملائكة الذين أتوا مريم [6] ، وإبراهيم، ولوطا، ~~وداود عليهم السلام في صورة الآدميين، وعلى ما جاء في الأثر من تصور إبليس ~~في صورة سراقة بن مالك بن جعشم [7] ، وعلى تصوره في صورة الشيخ النجدي [8] ~~. وقاسوه على تصور ملك الموت إذا حضر لقبض أرواح بني آدم، فإنه عند ذلك ~~يتصور على قدر الأعمال الصالحة والطالحة. # قالوا [9] : وقد جاء في الخبر أن من الملائكة من هو ms0924 في صورة الرجال، ~~ومنهم PageV06P430 # من هو في صورة الثيران، ومنهم من هو في صورة النسور. ويدل على ذلك تصديق ~~النبى صلى الله عليه وسلم لأمية بن أبي الصلت، حين أنشد [1] : [من الكامل] # رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد # قالوا: فإذ قد استقام أن تختلف صورهم وأخلاط أبدانهم، وتتفق عقولهم ~~وبيانهم واستطاعتهم، جاز أيضا أن يكون إبليس والشيطان والغول أن يتبدلوا في ~~الصور من غير أن يتبدلوا في العقل والبيان والاستطاعة. # قالوا: وقد حول الله تعالى جعفر بن أبي طالب طائرا، حتى سماه المسلمون ~~الطيار [2] ، ولم يخرجه ذلك من أن نراه غدا في الجنة، وله مثل عقل أخيه علي ~~رضي الله عنهما، ومثل عقل عمه حمزة رضي الله تعالى عنه، مع المساواة ~~بالبيان والخلق. ### || 1806- [أحاديث في إثبات الشيطان] # قالوا: وقد جاء في الأثر النهي عن الصلاة في أعطان الإبل، لأنها خلقت من ~~أعنان الشياطين [3] . # وجاء أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة عند طلوع الشمس حتى ~~طلوعها، فإنها بين قرني شيطان [4] . # وجاء أن الشياطين تغل في رمضان. # فكيف تنكر ذلك مع قوله تعالى في القرآن. والشياطين كل بناء وغواص. # وآخرين مقرنين في الأصفاد # [5] . # ولشهرة ذلك في العرب، في بقايا ما ثبتوا عليه من دين إبراهيم عليه ~~السلام، قال النابغة الذبياني [6] : [من البسيط] PageV06P431 # إلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند [1] # وخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد [2] # فمن عصاك فعاقبه معاقبة ... تنهى الظلوم ولا تقعد على ضمد [3] # وجاء في قتل الأسود البهيم من الكلاب، وفي ذي النكتتين، وفي الحية ذات ~~الطفيتين [4] ، وفي الجان [5] . # وجاء: «لا تشربوا من ثلمة الإناء، فإنه كفل الشيطان» [6] . وفي العاقد ~~شعره في الصلاة: «إنه كفل الشيطان» . وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ~~«تراصوا بينكم في الصلاة، لا تتخللكم الشياطين كأنها بنات حذف» [7] . وأنه ~~نهى عن ذبائح الجن [8] . # ورووا: «أن امرأة أتت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن ابني هذا، ~~به جنون يصيبه ms0925 عند الغداء والعشاء قال: فمسح النبي صلى الله عليه وسلم ~~صدره، فثع ثعة فخرج من جوفه جرو أسود يسعى» . PageV06P432 # قالوا: وقد قضى ابن علاثة القاضي بين الجن، في دم كان بينهم بحكم أقنعهم. ### || 1807- [عود إلى تفسير قصيدة البهراني] # ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهراني [1] : # أما قوله: # | 10- # «وتزوجت في الشبيبة غولا ... بغزال وصدقتي زق خمر» # فزعم أنه جعل صداقها غزالا وزق خمر، فالخمر لطيب الرائحة، والغزال لتجعله ~~مركبا، فإن الظباء من مراكب الجن. # وأما قوله: # | 11- # «ثيب إن هويت ذلك منها ... ومتى شئت لم أجد غير بكر» # كأنه قال: هي تتصور في أي صورة شاءت. ### || 1808- [شياطين الشعراء] # وأما قوله: # | 12- # «بنت عمرو وخالها مسحل الخي ... ر وخالي هميم صاحب عمرو» # فإنهم يزعمون [2] أن مع كل فحل من الشعراء شيطانا يقول ذلك الفحل على ~~لسانه الشعر، فزعم البهراني أن هذه الجنية بنت عمرو صاحب المخبل، وأن خالها ~~مسحل شيطان الأعشى. وذكر أن خاله هميم، وهو همام. وهمام هو الفرزدق. وكان ~~غالب بن صعصعة إذا دعا الفرزدق قال: يا هميم. # وأما قوله: «صاحب عمرو» فكذلك أيضا يقال إن اسم شيطان الفرزدق عمرو. # وقد ذكر الأعشى مسحلا حين هجاه جهنام فقال [3] : [من الطويل] # دعوت خليلي مسحلا ودعوا له ... جهنام جدعا للهجين المذمم PageV06P433 # وذكره الأعشى فقال [1] : [من الطويل] # حباني أخي الجني نفسي فداؤه ... بأفيح جياش العشيات مرجم [2] # وقال أعشى سليم [3] : [من الطويل] # وما كان جني الفرزدق قدوة ... وما كان فيهم مثل فحل المخبل # وما في الخوافي مثل عمرو وشيخه ... ولا بعد عمرو شاعر مثل مسحل # وقال الفرزدق [4] ، في مديح أسد بن عبد الله: [من البسيط] # ليبلغن أبا الأشبال مدحتنا ... من كان بالغور أو مروي خراسانا [5] # كأنها الذهب العقيان حبرها ... لسان أشعر خلق الله شيطانا [6] # وقال: [من الطويل] # فلو كنت عندي يوم قو عذرتني ... بيوم دهتني جنه وأخابله # فمن أجل هذا البيت، ومن أجل قول الآخر: [من الوافر] # إذا ما راع جارته فلاقى ... خبال الله من إنس وجن # زعموا أن الخابل الناس. # ولما قال بشار الأعمى ms0926 [7] : [من الطويل] # دعاني شنقناق إلى خلف بكرة ... فقلت: اتركني فالتفرد أحمد [8] # يقول: أحمد في الشعر أن لا يكون لي عليه معين- فقال أعشى سليم [9] يرد ~~عليه: [من الطويل] PageV06P434 # إذا ألف الجني قردا مشنفا ... فقل لخنازير الجزيرة أبشري # فجزع بشار من ذلك جزعا شديدا، لأنه كان يعلم مع تغزله أن وجهه وجه قرد. # وكان أول ما عرف من جزعه من ذكر القرد، الذي رأوا منه حين أنشدوه بيت ~~حماد [1] : [من الهزج] # ويا أقبح من قرد ... إذا ما عمي القرد # وأما قوله: # | 13- # «ولها خطة بأرض وبار ... مسحوها فكان لي نصف شطر» [2] # فإنما ادعى الربع من ميراثها، لأنه قال: # | 21- # «تركت عبدلا ثمال اليتامى ... وأخوه مزاحم كان بكري» # | 22- # «وضعت تسعة وكانت نزورا ... من نساء في أهلها غير نزر» [3] # وفي أن مع كل شاعر شيطانا يقول معه، قول أبي النجم [4] : [من الرجز] # إني وكل شاعر من البشر ... شيطانه أنثى وشيطاني ذكر # وقال آخر [5] : [من الرجز] # إني وإن كنت صغير السن ... وكان في العين نبو عني # فإن شيطاني كبير الجن ### || 1809- [كلاب الجن] # وأما قول عمرو بن كلثوم [6] : [من الوافر] PageV06P435 # وقد هرت كلاب الجن منا ... وشذبنا قتادة من يلينا # فإنهم يزعمون أن كلاب الجن هم الشعراء. ### || 1810- [أرض الجن] # وأما قوله: # 14- # «أرض حوش وجامل عكنان ... وعروج من المؤبل دثر» # فأرض الحوش هي أرض وبار، وقد فسرنا تأويل الحوش [1] ، والعكنان: الكثير ~~الذي لا يكون فوقه عدد. قوله: «عروج» جمع عرج. والعرج: ألف من الإبل نقص ~~شيئا أو زاد شيئا. و «المؤبل» من الإبل، يقال إبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة، ~~وبدر مبدرة، مثل قوله تعالى: والقناطير المقنطرة # [2] وأما قوله: «دثر» فإنهم يقولون: # مال دثر، ومال دبر، ومال حوم: إذا كان كثيرا. ### || 1811- [استراق السمع] # وأما قوله: # 16- # «ونفوا عن حريمها كل عفر ... يسرق السمع كل ليلة بدر» # فالعفر هو العفريت، وجعله لا يسرق السمع إلا جهارا في أضوإ ما يكون ~~البدر، من شدة معاندته، وفرط قوته. ### || 1812- [الشنقناق والشيصبان] # وأما قوله: # 17- # في فتو من الشنقناق غر ... ونساء من الزوابع زهر» # الزوابع: بنو زوبعة الجني، وهم ms0927 أصحاب الرهج والقتام والتثوير وقال ~~راجزهم: [من الرجز] # إن الشياطين أتوني أربعه ... في غبش الليل وفيهم زوبعه # فأما شنقناق وشيصبان، فقد ذكرهما أبو النجم [3] : [من الرجز] # لابن شنقناق وشيصبان PageV06P436 # فهذان رئيسان ومن آباء القبائل. وقد قال شاعرهم [1] : [من المتقارب] # إذا ما ترعرع فينا الغلام ... فليس يقال له من هوه # إذا لم يسد قبل شد الإزار ... فذلك فينا الذي لا هوه # ولي صاحب من بني الشيصبا ... ن فطورا أقول وطورا هوه # وهذا البيت أيضا يصلح أن يلحق في الدليل على أنهم يقولون: إن مع كل شاعر ~~شيطانا. ومن ذلك قول بشار الأعمى [2] : [من الطويل] # دعاني شنقناق إلى خلف بكرة ... فقلت: اتركني فالتفرد أحمد ### || 1813- [شياطين الشام والهند] # قال: وأصحاب الرقى والأخذ والعزائم، والسحر، والشعبذة، يزعمون أن العدد ~~والقوة في الجن والشياطين لنازلة الشام والهند، وأن عظيم شياطين الهند يقال ~~له: # تنكوير [3] ، وعظيم شياطين الشام يقال له: دركاذاب [3] . # وقد ذكرهما أبو إسحاق في هجائه محمد بن يسير، حين ادعى هذه الصناعة فقال: ~~[من الخفيف] # قد لعمري جمعت مل آصفيا ... ت ومن سفر آدم والجراب [4] # وتفردت بالطوالق والهي ... كل والرهنبات من كل باب # وعلمت الأسماء كيما تلاقي ... زحلا والمريخ فوق السحاب # واستثرت الأرواح بالبحر يأتي ... ن لصرع الصحيح بعد المصاب # جامعا من لطائف الدنهشيا ... ت كبوسا نمقتها في كتاب [5] # ثم أحكمت متقن الكرويا ... ت وفعل الناريس والنجاب # ثم لم تعيك الشعابيذ والخد ... مة والإحتفاء بالطلاب [6] # بالخواتيم والمناديل والسع ... ي بتنكوير ودركاذاب PageV06P437 ### || 1814- [قتل الغول بضربة واحدة] # وأما قوله: # 20- # «ضربت فردة فصارت هباء ... في محاق القمير آخر شهر» # فإن الأعراب والعامة تزعم أن الغول إذا ضربت ضربة ماتت، إلا أن يعيد ~~عليها الضارب قبل أن تقضي ضربة أخرى، فإنه إن فعل ذلك لم تمت. وقال شاعرهم: ~~[من الكامل] # فثنيت والمقدار يحرس أهله ... فليت يميني قبل ذلك شلت # وأنشد لأبي البلاد الطهوي [1] : [من الوافر] # لهان على جهينة ما ألاقي ... من الروعات يوم رحى بطان [2] # لقيت الغول تسري في ظلام ... بسهب كالعباية صحصحان [3] # فقلت لها كلانا نقض أرض ms0928 ... أخو سفر فصدي عن مكاني [4] # فصدت وانتحيت لها بعضب ... حسام غير مؤتشب يماني [5] # فقد سراتها والبرك منها ... فخرت لليدين وللجران [6] # فقالت زد فقلت رويد إني ... على أمثالها ثبت الجنان [7] # شددت عقالها وحططت عنها ... لأنظر غدوة ماذا دهاني # إذا عينان في وجه قبيح ... كوجه الهر مشقوق اللسان # ورجلا مخدج ولسان كلب ... وجلد من فراء أو شنان [8] # وأبو البلاد هذا الطهوي كان من شياطين الأعراب، وهو كما ترى يكذب وهو ~~يعلم، ويطيل الكذب ويحبره. وقد قال كما ترى: [من الوافر] PageV06P438 # فقالت زد فقلت رويد إني ... على أمثالها ثبت الجنان # لأنهم هكذا يقولون، يزعمون أن الغول تستزيد بعد الضربة الأولى لأنها تموت ~~من ضربة، وتعيش من ألف ضربة [1] . ### || 1815- [مناكحة الجن ومحالفتهم] # وأما قوله: # 23- # «غلبتني على النجابة عرسي ... بعد أن طال في النجابة ذكري # | 24- # وأرى فيهم شمائل إنس ... غير أن النجار صورة عفر» # فإنه يقول: لما تركب الولد مني ومنها كان شبهها فيه أكثر. # وقال عبيد بن أيوب [2] : [من الطويل] # أخو قفرات حالف الجن وانتفى ... من الإنس حتى قد تقضت وسائله # له نسب الإنسي يعرف نجله ... وللجن منه خلقه وشمائله # وقال [3] : [من الطويل] # وصار خليل الغول بعد عداوة ... صفيا وربته القفار البسابس # فليس بجني فيعرف نجله ... ولا أنسي تحتويه المجالس # يظل ولا يبدو لشيء نهاره ... ولكنه ينباع والليل دامس [4] # قال: وقال القعقاع بن معبد بن زرارة، في ابنه عوف بن القعقاع: والله لما ~~أرى من شمائل الجن في عوف أكثر مما أرى فيه من شمائل الإنس!. # وقال مسلمة بن محارب: حدثني رجل من أصحابنا قال: خرجنا في سفر ومعنا رجل، ~~فانتهينا إلى واد، فدعونا بالغداء، فمد رجل يده إلى الطعام، فلم يقدر عليه- ~~وهو قبل ذلك يأكل معنا في كل منزل- فاشتد اغتمامنا لذلك، فخرجنا نسأل عن ~~حاله، فتلقانا أعرابي فقال: ما لكم؟ فأخبرناه خبر الرجل، فقال: ما اسم ~~PageV06P439 # صاحبكم؟ قلنا: أسد قال: هذا واد قد أخذت سباعه فارحلوا، فلو قد جاوزتم ~~الوادي استمرى الرجل وأكل. ### || 1816- [مراكب الجن] # وأما قوله [1] : # | 25- # «وبها كنت راكبا حشرات ... ملجما قنفذا ms0929 ومسرج وبر # | 31- # وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنه كثير التمري # | 32- # مولج دبره خواية مكو ... وهو بالليل في العفاريت يسري» # فقد أخبرنا في صدر هذا الكتاب [2] بقول الأعراب في مطايا الجن من الحشرات ~~والوحش. # وأنشد ابن الأعرابي لبعض الأعراب [3] : [من الطويل] # كل المطايا قد ركبنا فلم نجد ... ألذ وأشهى من مذاكي الثعالب [4] # ومن عنظوان صعبة شمرية ... تخب برجليها أمام الركائب # ومن جرذ سرح اليدين مفرج ... يعوم برحلى بين أيدي المراكب PageV06P440 # ومن عضرفوط حط بي فأقمته ... يبادر وردا من عظاء قوارب [1] # وشر مطايا الجن أرنب خلة ... وذئب الغضا أوق على كل صاحب [2] # ولم أر فيها مثل قنفذ برقة ... يقود قطارا من عظام العناكب # وقد فسرنا قولهم في الأرانب، لم لا تركب، وفي أرنب الخلة، وقنفذ البرقة. # وحدثني أبو نواس قال: بكرت إلى المربد، ومعي ألواحي أطلب أعرابيا فصيحا، ~~فإذا في ظل دار جعفر أعرابي لم أسمع بشيطان أقبح منه وجها، ولا بإنسان أحسن ~~منه عقلا. وذلك في يوم لم أر كبرده بردا، فقلت له: هلا قعدت في الشمس! ~~فقال: الخلوة أحب إلي! فقلت له مازحا: أرأيت القنفذ إذا امتطاه الجني وعلا ~~به في الهواء، هل القنفذ يحمل الجني أم الجني يحمل القنفذ؟ قال: هذا من ~~أكاذيب الأعراب، وقد قلت في ذلك شعرا. قلت فأنشدنيه. فأنشدني بعد أن كان ~~قال لي: # قلت هذا الشعر وقد رأيت ليلة قنفذا ويربوعا يلتمسان بعض الرزق: [من ~~الطويل] # فما يعجب الجنان منك عدمتهم ... وفي الأسد أفراس لهم ونجائب # أتسرج يربوع وتلجم قنفذا ... لقد أعوزتهم ما علمت المراكب # فإن كانت الجنان جنت فبالحرى ... ولا ذنب للأقدار والله غالب # وما الناس إلا خادع ومخدع ... وصاحب إسهاب وآخر كاذب # قال: فقلت له: قد كان ينبغي أن يكون البيت الثالث والرابع بيت آخر. قال: # كانت والله أربعين بيتا، ولكن الحطمة [3] والله حطمتها. قال: فقلت: فهل ~~قلت في هذا الباب غير هذا؟ قال: نعم، شيء قلته لزوجتي، وهو والله عندها ~~أصدق شيء قلته لها: [من الطويل] # أراه سميعا للسرار كقنفذ ... لقد ضاع ms0930 سر الله يا أم معبد [4] # قال: فلم أصبر أن ضحكت. فغضب وذهب. PageV06P441 ### || 1817- [شعر فيه ذكر الغول] # ويكتب مع شعر أبي البلاد الطهوي: [من الطويل] # فمن لا مني فيها فواجه مثلها ... على غرة ألقت عطافا ومئزرا [1] # لها ساعدا غول، ورجلا نعامة ... ورأس كمسحاة اليهودي أزعرا [2] # وبطن كأثناء المزادة رفعت ... جوانبه أعكانه وتكسرا [3] # وثديان كالخرجين نيطت عراهما ... إلى جؤجؤ جاني الترائب أزورا [4] # قال: كان أبو شيطان، واسمه إسحاق بن رزين، أحد بني السمط سمط جعدة ابن ~~كعب، فأتاهم أمير فجعل ينكب [5] عليهم جورا، وجعل آخر من أهل بلده ينقب [6] ~~عليهم: أي يكون عليهم نقيبا، فجعل يقول: [من الرجز] # يا ذا الذي نكبنا ونقبا ... زوجه الرحمن غولا عقربا # جمع فيها ماله ولبلبا ... لبالب التيس إذا تهبهبا [7] # حتى إذا ما استطربت واستطربا ... عاين أشنا خلق ربي زرنبا [8] # ذات نواتين وسلع أسقبا [9] # يعني فرجها ونواتها. يقول. لم تختن. ### || 1818- [جنون الجن وصرعهم] # وأما قوله [10] : # فإن كانت الجنان جنت فبالحرى PageV06P442 # فإنهم قد يقولون في مثل هذا، وقد قال دعلج بن الحكم [1] : [من الطويل] # وكيف يفيق الدهر كعب بن ناشب ... وشيطانه عند الأهلة يصرع ### || 1819- [شعر فيه ذكر الجنون] # وأنشدني عبد الرحمن بن منصور الأسيدي قبل أن يجن: [من الطويل] # جنونك مجنون ولست بواجد ... طبيبا يداوي من جنون جنون [2] # وأنشدني يومئذ [3] : [من الطويل] # أتوني بمجنون يسيل لعابه ... وما صاحبي إلا الصحيح المسلم # وفيما يشبه الأول يقول ابن ميادة [4] : [من الطويل] # فلما أتاني ما تقول محارب ... تغنت شياطيني وجن جنونها # وحاكت لها مما أقول قصائدا ... ترامت بها صهب المهاري وجونها # وقال في التمثيل [5] : [من الخفيف] # إن شرخ الشباب والشعر الأس ... ود ما لم يعاص كان جنونا # وقال الآخر [6] : [من البسيط] # قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر # وما أحسن ما قال الشاعر حيث يقول [7] : [من الطويل] # فدقت وجلت واسبكرت وأكملت ... فلو جن إنسان من الحسن جنت # وما أحسن ما قال الآخر [8] : [من الكامل] PageV06P443 # حمراء تامكة السنام كأنها ... جمل بهودج أهله مظعون # جادت بها عند الغداة يمينه ... كلتا ms0931 يدي عمرو الغداة يمين # ما إن يجود بمثلها في مثلها ... إلا كريم الخيم أو مجنون # وقال الجميح [1] : [من البسيط] # لو أنني لم أنل منكم معاقبة ... إلا السنان لذاق الموت مظعون # أو لا ختطبت فإني قد هممت به ... بالسيف إن خطيب السيف مجنون # وأنشد [2] : [من الوافر] # هم أحموا حمى الوقبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون # فنكب عنهم درء الأعادي ... وداووا بالجنون من الجنون # وأنشدني جعفر بن سعيد: [من البسيط] # إن الجنون سهام بين أربعة ... الريح والبحر والإنسان والجمل # وأنشدني أيضا: [من البسيط] # احذر مغايظ أقوام ذوي حسب ... إن المغيظ جهول السيف مجنون # وأنشدني أبو تمام الطائي [3] : [من البسيط] # من كل أصلع قد مالت عمامته ... كأنه من حذار الضيم مجنون # وقال القطامي [4] : [من البسيط] # يتبعن سامية العينين تحسبها ... مجنونة أو ترى ما لا ترى الإبل # وقال في المعني الأول الزفيان العوافي [5] : [من الرجز] # أنا العوافي فمن عاداني ... أذقته بوادر الهوان # حتى تراه مطرق الشيطان PageV06P444 # وقال مروان بن محمد: [من الكامل] # وإذا تجنن شاعر أو مفحم ... أسعطته بمرارة الشيطان # وقال ابن مقبل [1] : [من الطويل] # وعندي الدهيم لو أحل عقالها ... فتصعد لم تعدم من الجن حاديا # وقد صغر «الدهيم» ليس على التحقير، ولكن هذا مثل قولهم: «دبت إليهم ~~دويهية الدهر» . ### || 1820- [أحاديث الفلاة] # وقال أبو إسحاق: وأما قول ذي الرمة [2] : [من الطويل] # إذا حثهن الركب في مدلهمة ... أحاديثها مثل اصطخاب الضرائر # قال أبو إسحاق: يكون في النهار ساعات ترى الشخص الصغير في تلك المهامه ~~عظيما، ويوجد الصوت الخافض رفيعا، ويسمع الصوت الذي ليس بالرفيع مع انبساط ~~الشمس غدوة من المكان البعيد؛ ويوجد لأوساط الفيافي والقفار والرمال ~~والحرار، في أنصاف النهار، مثل الدوي من طبع ذلك الوقت وذلك المكان. عند ما ~~يعرض له. ولذلك قال ذو الرمة [3] : [من الطويل] # إذا قال حادينا لتشبيه نبأة ... صه لم يكن إلا دوي المسامع [4] # قالوا: وبالدوي سميت دوية وداوية، وبه سمي الدو دوا ### || 1821- [عزيف الجنان وتغول الغيلان] # وكان أبو إسحاق يقول في الذي تذكر الأعراب من # | عزيف الجنان، وتغول الغيلان: ms0932 # أصل هذا الأمر وابتداؤه، أن القوم لما نزلوا بلاد الوحش، عملت فيهم ~~PageV06P445 # الوحشة [1] . ومن انفرد وطال مقامه في البلاد [2] والخلاء، والبعد من ~~الإنس- استوحش. ولا سيما مع قلة الأشغال والمذاكرين. # والوحدة لا تقطع أيامهم إلا بالمنى أو بالتفكير. والفكر ربما كان من ~~أسباب الوسوسة. وقد ابتلى بذلك غير حاسب، كأبي يس ومثنى ولد القنافر [3] . # وخبرني الأعمش أنه فكر في مسألة، فأنكر أهله عقله، حتى حموه وداووه. # وقد عرض ذلك لكثير من الهند. # وإذا استوحش الإنسان تمثل له الشيء الصغير في صورة الكبير، وارتاب، وتفرق ~~ذهنه، وانتفضت أخلاطه، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، وتوهم على الشيء ~~اليسير الحقير، أنه عظيم جليل. # ثم جعلوا ما تصور لهم من ذلك شعرا تناشدوه، وأحاديث توارثوها فازدادوا ~~بذلك إيمانا. ونشأ عليه الناشئ، وربي به الطفل، فصار أحدهم حين يتوسط ~~الفيافي، وتشتمل عليه الغيظان في الليالي الحنادس- فعند أول وحشة وفزعة، ~~وعند صياح بوم ومجاوبة صدى، وقد رأى كل باطل، وتوهم كل زور، وربما كان في ~~أصل الخلق والطبيعة كذابا نفاجا [4] ، وصاحب تشنيع وتهويل، فيقول في ذلك من ~~الشعر على حسب هذه الصفة، فعند ذلك يقول: رأيت الغيلان! وكلمت السعلاة! ثم ~~يتجاوز ذلك إلى أن يقول قتلتها، ثم يتجاوز ذلك إلى أن يقول: رافقتها ثم ~~يتجاوز ذلك إلى أن يقول: تزوجتها!! قال عبيد بن أيوب [5] : [من الطويل] # فلله در الغول أي رفيقة ... لصاحب قفر خائف متقتر # وقال [6] : [من الطويل] # أهذا خليل الغول والذئب والذي ... يهيم بربات الحجال الهراكل PageV06P446 # وقال [1] : [من الطويل] # أخو قفرات حالف الجن وانتفى ... من الإنس حتى قد تقضت وسائله # له نسب الإنسي يعرف نجله ... وللجن منه خلقه وشمائله # ومما زادهم في هذا الباب، وأغراهم به، ومد لهم فيه، أنهم ليس يلقون بهذه ~~الأشعار وبهذه الأخبار إلا أعرابيا مثلهم، وإلا عاميا لم يأخذ نفسه قط ~~بتمييز ما يستوجب التكذيب والتصديق، أو الشك، ولم يسلك سبيل التوقف والتثبت ~~في هذه الأجناس قط. وإما أن يلقوا راوية شعر، أو صاحب خبر، فالراوية كلما ~~كان الأعرابي ms0933 أكذب في شعره كان أطرف عنده، وصارت روايته أغلب، ومضاحيك ~~حديثه أكثر فلذلك صار بعضهم يدعي رؤية الغول، أو قتلها، أو مرافقتها، أو ~~تزويجها؛ وآخر يزعم أنه رافق في مفازة نمرا. فكان يطاعمه ويؤاكله، فمن ~~هؤلاء خاصة القتال الكلابي؛ فإنه الذي يقول [2] : [من الطويل] # أيرسل مروان الأمير رسالة ... لآتيه إني إذا لمصلل [3] # وما بي عصيان ولا بعد منزل ... ولكنني من خوف مروان أوجل # وفي باحة العنقاء أو في عماية ... أو الأدمى من رهبة الموت موئل [4] # ولي صاحب في الغار هدك صاحبا ... هو الجون إلا أنه لا يعلل # إذا ما التقينا كان جل حديثنا ... صمات وطرف كالمعابل أطحل [5] # تضمنت الأروى لنا بطعامنا ... كلانا له منها نصيب ومأكل [6] # فأغلبه في صنعة الزاد إنني ... أميط الأذى عنه ولا يتأمل # وكانت لنا قلت بأرض مضلة ... شريعتنا لأينا جاء أول [7] # كلانا عدو لو يرى في عدوه ... محزا وكل في العداوة مجمل [8] PageV06P447 # وأنشد الأصمعي [1] : [من الطويل] # ظللنا معا جارين نحترس الثأى ... يسائرني من نطفة وأسائره # ذكر سبعا ورجلا، قد ترافقا، فصار كل واحد منهما يدع فضلا من سؤره ليشرب ~~صاحبه. الثأى: الفساد. وخبر أن كل واحد منهما يحترس من صاحبه. # وقد يستقيم أن يكون شعر النابغة في الحية، وفي القتيل صاحب القبر، وفي ~~أخيه المصالح للحية أن يكون إنما جعل ذلك مثلا، وقد أثبتناه في باب الحيات ~~[2] ، فلذلك كرهنا إعادته في هذا الموضع. # فأما جميع ما ذكرناه عنهم فإنما يخبرون عنه من جهة المعاينة والتحقيق، ~~وإنما المثل في هذا مثل قوله: [من الرجز] # قد كان شيطانك من خطابها ... وكان شيطاني من طلابها # حينا فلما اعتركا ألوى بها ### || 1822- [الاشتباه في الأصوات] # والإنسان يجوع فيسمع في أذنه مثل الدوي. وقال الشاعر: [من الطويل] # دوي الفيافي رابه فكأنه ... أميم وساري الليل للضر معور [3] # معور: أي مصحر [4] . # وربما قال الغلام لمولاه: أدعوتني؟ فيقول له: لا. وإنما اعترى مسامعه ذلك ~~لعرض، لا أنه سمع صوتا. # ومن هذا الباب قول تأبط شرا، أو قول قائل فيه في كلمة له [5] : [من ~~الطويل] # يظل ms0934 بموماة ويمسي بقفرة ... جحيشا ويعروري ظهور المهالك [6] PageV06P448 # ويسبق وقد الريح من حيث ينتحي ... بمنخرق من شده المتدارك [1] # إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك [2] # ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخضر باتك [3] # إذا هزه في عظم قرن تهللت ... نواجذ أفواه المنايا الضواحك [4] # يرى الإنس وحشي الفلاة ويهتدي ... بحيث اهتدت أم النجوم الشوابك [5] ### || 1823- [نزول العرب بلاد الوحش والحشرات والسباع] # ويدل على ما قال أبو إسحاق، من نزولهم في بلاد الوحش وبين الحشرات ~~والسباع، ما رواه لنا أبو مسهر، عن أعرابي من بني تميم نزل ناحية الشام، ~~فكان لا يعدمه في كل ليلة أن يعضه أو يعض ولده أو بعض حاشيته سبع من ~~السباع، أو دابة من دواب الأرض فقال: [من الطويل] # تعاورني دين وذل وغربة ... ومزق جلدي ناب سبع ومخلب # وفي الأرض أحناش وسبع وحارب ... ونحن أسارى وسطها نتقلب [6] # رتيلا وطبوع وشبثان ظلمة ... وأرقط حرقوص وضمج وعقرب [7] # ونمل كأشخاص الخنافس قطب ... وأرسال جعلان وهزلى تسرب # وعث وحفاث وضب وعربد ... وذر ودحاس وفار وعقرب [7] # وهر وظربان وسمع ودوبل ... وثرملة تجري وسيد وثعلب # ونمر وفهد ثم ضبع وجيأل ... وليث يجوس الألف لا يتهيب # ولم أر آوى حيث أسمع ذكره ... ولا الدب إن الدب لا يتنسب # فأما الرتيلا والطبوع، والشبث، والحرقوص، والضمج والعنكبوت، والخنفساء، ~~والجعل، والعث، والحفاث، والدحاس والظربان، والذئب، والثعلب، والنمر، ~~والفهد، والضبع، والأسد- فسنقول في ذلك إذا صرنا إلى ذكر هذه الأبواب، ~~PageV06P449 # وقبل ذلك عند ذكر الحشرات. فأما الضب والورل، والعقرب، والجعل، ~~والخنفساء، والسمع فقد ذكرنا ذلك في أول الكتاب. وأما قوله: «وهزلى تسرب ~~فالهزلى هي الحيات، كما قال جرير [1] : [من الطويل] # مزاحف هزلى بينها متباعد # وكما قال الآخر [2] : [من الوافر] # كأن مزاحف الهزلى عليها ... خدود رصائع جدلت تؤاما # وأما قوله: [من الطويل] # ولم أر آوى حيث أسمع ذكره # فإن ابن آوى لا ينزل القفار، وإنما يكون حيث يكون الريف. # وينبغي أن يكون حيث قال هذا الشعر توهم أنه ببياض نجد. # وأما قوله: [من الطويل] ms0935 # ولا الدب إن الدب لا يتنسب # فإن الدب عندهم عجمي، والعجمي لا يقيم نسبه. ### || 1824- [ملح ونوادر] # ورووا في الملح أن فتى قال لجارية له، أو لصديقة له: ليس في الأرض أحسن ~~مني: ولا أملح مني. فصار عندها كذلك. فبينا هو عندها على هذه الصفة إذ قرع ~~عليها الباب إنسان يريده، فاطلعت عليه من خرق الباب، فرأت فتى أحسن الناس ~~وأملحهم، وأنبلهم وأتمهم، فلما عاد صاحبها إلى المنزل قالت له: أو ما ~~أخبرتني أنك أملح الخلق وأحسنهم؟ قال: بلى! وكذلك أنا! فقالت: فقد أرادك ~~اليوم فلان، ورأيته من خرق الباب، فرأيته أحسن منك وأملح! قال: لعمري إنه ~~لحسن مليح، ولكن له جنية تصرعه في كل شهر مرتين- وهو يريد بذلك أن يسقطه من ~~عينها- قالت: أو ما تصرعه في الشهر إلا مرتين؟ أما والله لو أني جنية ~~لصرعته في اليوم ألفين! PageV06P450 # وهذا يدل على أن صرع الشيطان للإنسان ليس هو عند العوام إلا على جهة ما ~~يعرفون من الجماع. # ومن هذا الضرب من الحديث ما حدثنا به المازني، قال: ابتاع فتى صلف بذاخ ~~[1] جارية حسناء بديعة ظريفة، فلما وقع عليها قال لها مرارا ويلك. ما أوسع ~~حرك! فلما أكثر عليها قالت: أنت الفداء لمن كان يملؤه. # فقد سمع هذا كما ترى من المكروه مثل ما سمع الأول. # وزعموا أن رجلا نظر إلى امرأة حسناء ظريفة، فالح عليها، فقالت: ما تنظر؟ # قرة عينك، وشيء غيرك! وزعم أبو الحسن المدائني أن رجلا تبع جارية لقوم. ~~فراوغته فلم ينقطع عنها، فحثت في المشي فلم ينقطع عنها، فلما جازت بمجلس ~~قوم قالت: يا هؤلاء، لي طريق ولهذا طريق، ومولاي ينيكني؛ فسلوا هذا ما يريد ~~مني؟ # وزعم أيضا أن سيارا البرقي قال: مرت بنا جارية، فرأينا فيها الكبر ~~والتجبر، فقال بعضنا: ينبغي أن يكون مولى هذه الجارية ينيكها! قالت: كما ~~يكون! فلم أسمع بكلمة عامية أشنع ولا أدل على ما أرادت، ولا أقصر من كلمتها ~~هذه. # وقد قال جحشويه في شعر شبيها بهذا القول، حيث يقول: [من الوافر] ms0936 # تواعدني لتنكحني ثلاثا ... ولكن يا مشوم بأي أير # فلو خطبت في صفة أير خطبة أطول من خطبة قيس بن خارجة بن سنان في شأن ~~الحمالة- لما بلغ مبلغ قول جحشويه: «ولكن يا مشوم بأي أير» ، وقول الخادم: # «كما يكون» . # وزعموا [2] أن فتى جلس إلى أعرابية، وعلمت أنه إنما جلس لينظر إلى محاسن ~~ابنتها، فضربت بيدها على جنبها، ثم قالت: [من الوافر] # علنداة يئط الأير فيها ... أطيط الغرز في الرحل الجديد [3] # ثم أقبلت على الفتى فقالت: [من الطويل] # وما لك من غير أنك ناكح ... بعينيك عينيها فهل ذاك نافع PageV06P451 # ودخل قاسم منزل الخوارزمي النخاس، فرأى عنده جارية كأنها جان، وكأنها خوط ~~بان، وكأنها جدل عنان، وكأنه الياسمين؛ نعمة وبياضا؛ فقال لها: أشتريك يا ~~جارية؟ فقالت: «افتح كيسك تسر نفسك» ودخلت الجارية منزل النخاس، فاشتراها ~~وهي لا تعلم ومضى إلى المنزل ودفعها الخوارزمي إلى غلامه، فلم تشعر الجارية ~~إلا وهي معه في جوف بيت، فلما نظرت إليه وعرفت ما وقعت فيه قالت له: ويلك! ~~إنك والله لن تصل إلي إلا بعد أن أموت! فإن كنت تجسر على نيك من قد أدرجوه ~~في الأكفان فدونك! والله إن زلت منذ رأيتك، ودخلت إلى الجواري، أصف لهن ~~قبحك وبلية امرأتك بك! فأقبل عليها يكلمها بكلام المتكلمين، فلم تقبل منه، ~~فقال: فلم قلت لي: «افتح كيسك تسر نفسك» ؟ وقد فتحت كيسي فدعيني أسر نفسي! ~~وهو يكلمها وعين الجارية إلى الباب، ونفسها في توهم الطريق إلى منزل ~~النخاس. فلم يشعر قاسم حتى وثبت وثبة إلى الباب كأنها غزال، ولم يشعر ~~الخوارزمي إلا والجارية بين يديه مغشي عليها. فكر قاسم إليه راجعا وقال: ~~ادفعها إلي أشفي نفسي منها. # فطلبوا إليه فصفح عنها، واشتراها في ذلك المجلس غلام أملح منها، فقامت ~~إليه فقبلت فاه، وقاسم ينظر، والقوم يتعجبون مما تهيأ له وتهيأ لها. # وأما عيسى بن مروان كاتب أبي مروان عبد الملك بن أبي حمزة فإنه كان شديد ~~التغزل والتصندل [1] ، حتى شرب لذلك النبيذ وتظرف [2] بتقطيع ثيابه [3] ~~وتغنى أصواتا، وحفظ ms0937 أحاديث من أحاديث العشاق ومن الأحاديث التي تشتهيها ~~النساء وتفهم معانيها. وكان أقبح خلق الله تعالى أنفا، حتى كان أقبح من ~~الأخنس، ومن الأفطس، والأجدع، فإما أن يكون صادق ظريفة، وإما أن يكون ~~تزوجها فلما خلا معها في بيت وأرادها على ما يريد الرجل من المرأة، امتنعت، ~~فوهب لها، ومناها، وأظهر تعشقها، وأراغها بكل حيلة. فلما لم تجب قال لها: ~~خبريني، ما الذي يمنعك؟ قالت: قبح أنفك وهو يستقبل عيني وقت الحاجة، فلو ~~كان أنفك في قفاك لكان أهون علي! قال لها: جعلت فداك؟ الذي بأنفي ليس هو ~~خلقة وإنما هو ضربة ضربتها في سبيل الله تعالى. فقالت واستغربت ضحكا: أنا ~~ما أبالي. في سبيل الله كانت أو في سبيل الشيطان. إنما بي قبحه. فخذ ثوابك ~~على هذه الضربة من الله أما أنا فلا. PageV06P452 ### | باب الجد من أمر الجن # ليس هذا، حفظك الله تعالى، من الباب الذي كنا فيه، ولكنه كان مستراحا ~~وجماما. وسنقول في باب من ذكر الجن، لتنتفع في دينك أشد الانتفاع. وهو جد ~~كله. # والكلام الأول وما يتلوه من ذكر الحشرات، ليس فيه جد إلا وفيه خلط من ~~هزل، وليس فيه كلام صحيح إلا وإلى جنبه خرافة، لأن هذا الباب هكذا يقع. # وقد طعن قوم في استراق الشياطين السمع بوجوه من الطعن. فإذ قد جرى لها من ~~الذكر في باب الهزل ما قد جرى، فالواجب علينا أن نقول في باب الجد، وفيما ~~يرد على أهل الدين بجملة، وإن كان هذا الكتاب لم يقصد به إلى هذا الباب حيث ~~ابتدئ. وإن نحن استقصيناه كنا قد خرجنا من حد القول في الحيوان. ولكنا نقول ~~بجملة كافية. والله تعالى المعين على ذلك. ### || 1825- [رد على المحتجين لإنكار استراق السمع بالقرآن] # قال قوم: قد علمنا أن الشياطين ألطف لطافة، وأقل آفة، وأحد أذهانا، وأقل ~~فضولا، وأخف أبدانا، وأكثر معرفة وأدق فطنة منا. والدليل على ذلك إجماعهم ~~على أنه ليس في الأرض بدعة بديعة، دقيقة ولا جليلة، ولا في الأرض معصية من ~~طريق ms0938 الهوى والشهوة، خفية كانت أو ظاهرة، إلا والشيطان هو الداعي لها، ~~والمزين لها، والذي يفتح باب كل بلاء، وينصب كل حبالة وخدعة. ولم تكن لتعرف ~~أصناف جميع الشرور والمعاصي حتى تعرف جميع أصناف الخير والطاعات. # ونحن قد نجد الرجل إذا كان معه عقل، ثم علم أنه إذا نقب حائطا قطعت يده، ~~أو أسمع إنسانا كلاما قطع لسانه، أو يكون متى رام ذلك حيل دونه ودون ما رام ~~منه- أنه لا يتكلف ذلك ولا يرومه، ولا يحاول أمرا قد أيقن أنه لا يبلغه. # وأنتم تزعمون أن الشياطين الذين هم على هذه الصفة كلما صعد منهم شيطان ~~ليسترق السمع قذف بشهاب نار، وليس له خواطئ، فإما أن يكون يصيبه، # PageV06P453 # وإما أن يكون نذيرا صادقا أو وعيدا إن يقدم عليه رمى به. وهذه الرجوم لا ~~تكون إلا لهذه الأمور. ومتى كانت فقد ظهر للشيطان إحراق المستمع والمسترق، ~~والموانع دون الوصول ثم لا نرى الأول ينهي الثاني، ولا الثاني ينهي الثالث، ~~ولا الثالث ينهي الرابع عجب. وإن كان الذي يعود غيره فكيف خفي عليه شأنهم، ~~وهو ظاهر مكشوف؟! وعلى أنهم لم يكونوا أعلم منا حتى ميزوا جميع المعاصي من ~~جميع الطاعات. ولولا ذلك لدعوا إلى الطاعة بحساب المعصية، وزينوا لها ~~الصلاح وهم يريدون الفساد. فإذا كانوا ليسوا كذلك فأدنى حالاتهم أن يكونوا ~~قد عرفوا أخبار القرآن وصدقوها، وأن الله تعالى محقق ما أوعد كما ينجز ما ~~وعد. وقد قال الله عز وجل: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما ~~للشياطين # [1] ، وقال تعالى: ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين. ~~وحفظناها من كل شيطان رجيم # [2] وقال تعالى: إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب وحفظا من كل شيطان ~~مارد # [3] وقال تعالى: هل أنبئكم على من تنزل الشياطين تنزل على كل أفاك أثيم. ~~يلقون السمع وأكثرهم كاذبون # [4] مع قول الجن: أنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم ~~رشدا # [5] وقولهم: أنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا ~~نقعد منها مقاعد للسمع ms0939 فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [6] . # فكيف يسترق السمع الذين شاهدوا الحالتين جميعا، وأظهروا اليقين بصحة ~~الخير بأن للمستمع بعد ذلك القذف بالشهب، والإحراق بالنار، وقوله تعالى: ~~إنهم عن السمع لمعزولون # [7] وقوله تعالى: وحفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ~~ويقذفون من كل جانب دحورا ولهم عذاب واصب # [8] في آي غير PageV06P454 # هذا كثير. فكيف يعودون إلى استراق السمع، مع تيقنهم بأنه قد حصن بالشهب. # ولو لم يكونوا موقنين من جهة حقائق الكتاب، ولا من جهة أنهم بعد قعودهم ~~مقاعد السمع لمسوا السماء فوجدوا الأمر قد تغير- لكان في طول التجربة ~~والعيان الظاهر، وفي إخبار بعضهم لبعض، ما يكون حائلا دون الطمع وقاطعا دون ~~التماس الصعود. # وبعد فأي عاقل يسر بأن يسمع خبرا وتقطع يده فضلا عن أن تحرقه النار؟! ~~وبعد فأي خبر في ذلك اليوم؟! وهل يصلون إلى الناس حتى يجعلوا ذلك الخبر ~~سببا إلى صرف الدعوى؟ قيل لهم: فإنا نقول بالصرفة في عامة هذه الأصول. وفي ~~هذه الأبواب، كنحو ما ألقي على قلوب بني إسرائيل وهم يجولون في التيه، وهم ~~في العدد وفي كثرة الأدلاء والتجار وأصحاب الأسفار، والحمارين والمكارين، ~~من الكثرة على ما قد سمعتم به وعرفتموه؛ وهم مع هذا يمشون حتى يصبحوا، مع ~~شدة الاجتهاد في الدهر الطويل، ومع قرب ما بين طرفي التيه. وقد كان طريقا ~~مسلوكا. وإنما سموه التيه حين تاهوا فيه، لأن الله تعالى حين أراد أن ~~يمتحنهم ويبتليهم صرف أوهامهم. # ومثل ذلك صنيعه في أوهام الأمة التي كان سليمان ملكها ونبيها، مع تسخير ~~الريح والأعاجيب التي أعطيها. وليس بينهم وبين ملكهم ومملكتهم وبين ملك سبأ ~~ومملكة بلقيس ملكتهم بحار لا تركب، وجبال لا ترام. ولم يتسامع أهل ~~المملكتين ولا كان في ذكرهم مكان هذه الملكة. # وقد قلنا في باب القول في الهدهد ما قلنا [1] ، حين ذكرنا الصرفة، وذكرنا ~~حال يعقوب ويوسف وحال سليمان وهو معتمد على عصاه، وهو ميت والجن مطيفة به ~~وهم لا يشعرون بموته، وذكرنا من صرف أوهام ms0940 العرب عن محاولة معارضة القرآن، ~~ولم يأتوا به مضطربا ولا ملفقا ولا مستكرها؛ إذا كان في ذلك لأهل الشغب ~~متعلق، مع غير ذلك، مما يخالف فيه طريق الدهرية، لأن الدهري لا يقر إلا ~~بالمحسوسات والعادات على خلاف هذا المذهب. # ولعمري ما يستطيع الدهري أن يقول بهذا القول ويحتج بهذه الحجة، ما دام لا ~~يقول بالتوحيد، وما دام لا يعرف إلا الفلك وعمله، ومادام يرى أن إرسال ~~الرسل يستحيل، وأن الأمر والنهي، والثواب والعقاب على غير ما نقول، وأن ~~الله تعالى لا يجوز أن يأمر من جهة الاختبار إلا من جهة الحزم. PageV06P455 # وكذلك نقول ونزعم أن أوهام هذه العفاريت تصرف عن الذكر لتقع المحنة، ~~وكذلك نقول في النبي صلى الله عليه وسلم أن لو كان في جميع تلك الهزاهز [1] ~~من يذكر قوله تعالى: والله يعصمك من الناس # [2] لسقط عنه من المحنة أغلظها. # وإذا سقطت المحنة لم تكن الطاعة والمعصية. وكذلك عظيم الطاعة مقرون بعظيم ~~الثواب. # وما يصنع الدهري وغير الدهري بهذه المسألة وبهذا التسطير [3] ؟! ونحن ~~نقول: لو كان إبليس يذكر في كل حال قوله تعالى: وإن عليك اللعنة إلى يوم ~~الدين # [4] وعلم في كل حال أنه لا يسلم لوجب أن المحنة كانت تسقط عنه، لأن من ~~علم يقينا أنه لا يمضي غدا إلى السوق ولا يقبض دراهمه من فلان، لم يطمع ~~فيه. ومن لم يطمع في الشيء انقطعت عنه أسباب الدواعي إليه. ومن كان كذلك ~~فمحال أن يأتي السوق. # فنقول في إبليس: إنه ينسى ليكون مختبرا ممتحنا فليعلموا أن قولنا في ~~مسترقي السمع كقولنا في إبليس، وفي جميع هذه الأمور التي أوجب علينا الدين ~~أن نقول فيها بهذا القول. # وليس له أن يدفع هذا القول على أصل ديننا، فإن أحب أن يسأل عن الدين الذي ~~أوجب هذا القول علينا فيلفعل، والله تعالى المعين والموفق. # وأما قولهم: «من يخاطر بذهاب نفسه لخبر يستفيده» فقد علمنا أن أصحاب ~~الرياسات وإن كان متبينا كيف كان اعتراضهم على أن أيسر ما يحتملون في جنب ~~تلك ms0941 الرياسات القتل. # ولعل بعض الشياطين أن يكون معه من النفخ [5] وحب الرياسة ما يهون عليه أن ~~يبلغ دوين المواضع التي إن دنا منها أصابه الرجم، والرجم إنما ضمن أنه مانع ~~من الوصول، ويعلم أنه إذا كان شهابا أنه يحرقه ولم يضمن أنه يتلف عنه، فما ~~أكثر من تخترقه الرماح في الحرب ثم يعاود ذلك المكان ورزقه ثمانون دينارا ~~ولا يأخذ إلا PageV06P456 # نصفه، ولا يأخذه إلا قمحا. فلولا أن مع قدم هذا الجندي ضروبا مما يهزه ~~وينجده [1] ويدعو إليه ويغريه- ما كان يعود إلى موضع قد قطعت فيه إحدى ~~يديه، أو فقئت إحدى عينيه. # ولم وقع عليه إذا اسم شيطان، ومارد، وعفريت، وأشباه ذلك؟! ولم صار ~~الإنسان يسمى بهذه الأسماء، ويوصف بهذه الصفات إذا كان فيه الجزء الواحد من ~~كل ما هم عليه؟!. # وقالوا في باب آخر من الطعن غير هذا، قالوا في قوله تعالى: وأنا كنا نقعد ~~منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا # [2] فقالوا: قد دل هذا الكلام على أن الأخبار هناك كانت مضيعة حتى حصنت ~~بعد. فقد وصفتم الله تعالى بالتضييع والاستدراك!. # قلنا: ليس في هذا الكلام دليل على أنهم سمعوا سرا قط أو هجموا على خبر إن ~~أشاعوه فسد به شيء من الدين. وللملائكة في السماء تسبيح وتهليل، وتكبير ~~وتلاوة، فكان لا يبلغ الموضع الذي يسمع ذلك منه إلا عفاريتهم. # وقد يستقيم أن يكون العفريت يكذب ويقول: سمعت ما لم يسمع ومتى لم يكن على ~~قوله برهان يدل على صدقه فإنما هو في كذبه من جنس كل متنبئ وكاهن. # فإن صدقه مصدق بلا حجة فليس ذلك بحجة على الله وعلى رسوله صلى الله عليه ~~وسلم. ### || 1826- [المحتجون بالشعر لرجم الشياطين قبل الإسلام] # وذهب بعضهم في الطعن إلى غير هذه الحجة، قالوا: زعمتم أن الله تعالى جعل ~~هذه الرجوم للخوافي حجة للنبي صلى الله عليه وسلم، فكيف يكون ذلك رجما، وقد ~~كان قبل الإسلام ظاهرا مرئيا، وذلك موجود في الأشعار. وقد قال بشر بن أبي ~~خازم في ms0942 ذلك [3] : [من الطويل] # فجأجأها من أول الري غدوة ... ولما يسكنه من الأرض مرتع [4] # بأكلبة زرق ضوار كأنها ... خطاطيف من طول الطريدة تلمع [5] PageV06P457 # فجال على نفر تعرض كوكب ... وقد حال دون النقع والنقع يسطع [1] # فوصف شوط الثور هاربا من الكلاب بانقضاض الكوكب في سرعته، وحسنه، وبريق ~~جلده. ولذلك قال الطرماح [2] : [من الكامل] # يبدو وتضمره البلاد كأنه ... سيف على شرف يسل ويغمد # وأنشد أيضا قول بشر بن أبي خازم [3] : [من الكامل] # وتشج بالعير الفلاة كأنها ... فتخاء كاسرة هوت من مرقب [4] # والعير يرهقها الخبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب [5] # قالوا: وقال الضبي: [من السريع] # ينالها مهتك أشجارها ... بذي غروب فيه تحريب [6] # كأنه حين نحا كوكب ... أو قبس بالكف مشبوب [7] # وقال أوس بن حجر [8] : [من الكامل] # فانقض كالدريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا [9] # يخفى وأحيانا يلوح كما ... رفع المشير بكفه لهبا PageV06P458 # ورووا قوله [1] : [من الكامل] # فانقض كالدري من متحدر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم [2] # وقال عوف بن الخرع: [من الطويل] # يرد علينا العير من دون أنفه ... أو الثور كالدري يتبعه الدم # وقال الأفوه الأودي [3] : [من الرمل] # كشهاب القذف يرميكم به ... فارس في كفه للحرب نار # وقال أمية بن أبي الصلت [4] : [من الكامل] # وترى شياطينا تروغ مضافة ... ورواغها شتى إذا ما تطرد [5] # يلقى عليها في السماء مذلة ... وكواكب ترمى بها فتعرد [6] # قلنا لهؤلاء القوم: إن قدرتم على شعر جاهلي لم يدرك مبعث النبي صلى الله ~~عليه وسلم ولا مولده فهو بعض ما يتعلق به مثلكم، وإن كان الجواب في ذلك ~~سيأتيكم إن شاء الله تعالى. فأما أشعار المخضرمين والإسلاميين فليس لكم في ~~ذلك حجة. والجاهلي ما لم يكن أدرك المولد، فإن ذلك مما ليس ينبغي لكم أن ~~تتعلقوا به. وبشر بن أبي خازم فقد أدرك الفجار، والنبي صلى الله عليه وسلم ~~شهد الفجار، وقال: «شهدت الفجار فكنت أنبل على عمومتي وأنا غلام» [7] . # والأعلام ضروب، فمنها ما يكون كالبشارات في الكتب، لكون الصفة إذا واقفت ~~الصفة التي لا يقع مثلها اتفاقا وعرضا لزمت فيه الحجة، وضروب ms0943 أخر كالإرهاص ~~للأمر، والتأسيس له، وكالتعبيد والترشيح [8] ، فإنه قل نبي إلا وقد حدثت ~~عند مولده، أو قبيل مولده، أو بعد مولده أشياء لم يكن يحدث مثلها. وعند ذلك ~~PageV06P459 # يقول الناس: إن هذا لأمر، وإن هذا ليراد به أمر وقع، أو سيكون لهذا نبأ. ~~كما تراهم يقولون عند الذوائب التي تحدث لبعض الكواكب في بعض الزمان. فمن ~~الترشيح والتأسيس والتفخيم شأن عبد المطلب عند القرعة، وحين خروج الماء من ~~تحت ركبة جملة، وما كان من شأن الفيل والطير الأبابيل وغير ذلك، مما إذا ~~تقدم للرجل زاد في نبله وفي فخامة أمره. والمتوقع أبدا معظم فإن كانت هذه ~~الشهب في هذه الأيام أبدا مرئية فإنما كانت من التأسيس والإرهاص، إلا أن ~~ينشدونا مثل شعر الشعراء الذين لم يدركوا المولد ولا بعد ذلك، فإن عددهم ~~كثير، وشعرهم معروف. # وقد قيل الشعر قبل الإسلام في مقدار من الدهر أطول مما بيننا اليوم وبين ~~أول الإسلام، وأولئكم عندكم أشعر ممن كان بعدهم. # وكان أحدهم لا يدع عظما منبوذا باليا، ولا حجرا مطروحا، ولا خنفساء، ولا ~~جعلا، ولا دودة، ولا حية، إلا قال فيها، فكيف لم يتهيأ من واحد منهم أن ~~يذكر الكواكب المنقضة مع حسنها وسرعتها والأعجوبة فيها. وكيف أمسكوا ~~بأجمعهم عن ذكرها إلى الزمان الذي يحتج فيه خصومكم. # وقد علمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر له يوم ذي قار قال: «هذا ~~أول يوم انتصفت فيه العرب من العجم، وبي نصروا» . # ولم يكن قال لهم قبل ذلك إن وقعة ستكون، من صفتها كذا، ومن شأنها كذا، ~~وتنصرون على العجم، وبي تنصرون فإن كان بشر بن أبي خازم وهؤلاء الذين ذكرتم ~~قد عاينوا انقضاض الكواكب فليس بمستنكر أن تكون كانت إرهاصا لمن لم يخبر ~~عنها ويحتج بها لنفسه. فكيف وبشر بن أبي خازم حي في أيام الفجار، التي ~~شهدها النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، وأن كنانة وقريشا به نصروا. # وسنقول في هذه الأشعار التي أنشدتموها، ونخبر عن مقاديرها وطبقاتها. فأما ~~قوله [1] : [من ms0944 الكامل] # فانقض كالدري من متحدر ... لمع العقيقة جنح ليل مظلم PageV06P460 # فخبرني أبو إسحاق أن هذا البيت في أبيات أخر كان أسامة صاحب روح بن أبي ~~همام، هو الذي كان ولدها. فإن اتهمت خبر أبي إسحاق فسم الشاعر، وهات ~~القصيدة، فإنه لا يقبل في مثل هذا إلا بيت صحيح صحيح الجوهر، من قصيدة، ~~صحيحة لشاعر معروف. وإلا فإن كل من يقول الشعر يستطيع أن يقول خمسين بيتا ~~كل بيت منها أجود من هذا البيت. # وأسامة هذا هو الذي قال له روح: [من مجزوء الخفيف] # اسقني يا أسامه ... من رحيق مدامه # اسقنيها فإني ... كافر بالقيامه # وهذا الشعر هو الذي قتله. وأما ما أنشدتم من قول أوس بن حجر [1] : [من ~~الكامل] # فانقض كالدريء يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا # وهذا الشعر ليس يرويه لأوس إلا من لا يفصل بين شعر أوس بن حجر، وشريح ابن ~~أوس. وقد طعنت الرواة في هذا الشعر الذي أضفتموه إلى بشر بن أبي خازم، من ~~قوله [2] : [من الكامل] # والعير يرهقها الخبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب # فزعموا أنه ليس من عادتهم أن يصفوا عدو الحمار بانقضاض الكوكب، ولا بدن ~~الحمار ببدن الكوكب. وقالوا: في شعر بشر مصنوع كثير، مما قد احتملته كثير ~~من الرواة على أنه من صحيح شعره. فمن ذلك قصيدته التي يقول فيها [3] : [من ~~الوافر] # فرجي الخير وانتظري إيابي ... إذا ما القارظ العنزي آبا [4] PageV06P461 # وأما ما ذكرتم من شعر هذا الضبي، فإن الضبي مخضرم. # وزعمتم أنكم وجدتم ذكر الشهب في كتب القدماء من الفلاسفة، وأنه في الآثار ~~العلوية لأرسطاطاليس، حين ذكر القول في الشهب، مع القول في الكواكب ذوات ~~الذوائب، ومع القول في القوس، والطوق الذي يكون حول القمر بالليل. فإن كنتم ~~بمثل هذا تستعينون، وإليه تفزعون، فإنا نوجدكم من كذب التراجمة وزيادتهم، ~~ومن فساد الكتاب، من جهة تأويل الكلام، ومن جهة جهل المترجم بنقل لغة إلى ~~لغة، ومن جهة فساد النسخ، ومن أنه قد تقادم فاعترضت دونه الدهور والأحقاب، ~~فصار لا يؤمن عليه ضروب التبديل والفساد. ms0945 وهذا الكلام معروف صحيح. # وأما ما رويتم من شعر الأفوه الأودي فلعمري إنه لجاهلي، وما وجدنا أحدا ~~من الرواة يشك في أن القصيدة مصنوعة. وبعد فمن أين علم الأفوه أن الشهب ~~التي يراها إنما هي قذف ورجم، وهو جاهلي، ولم يدع هذا أحد قط إلا المسلمون؟ ~~فهذا دليل آخر على أن القصيدة مصنوعة. ### || 1827- [رجع القول إلى تفسير قصيدة البهراني] # ثم رجع بنا القول إلى تفسير قصيدة البهراني [1] : # وأما قوله: [من الخفيف] # | 28- # «جائبا للبحار أهدي لعرسي ... فلفلا مجتنى وهضمة عطر # | 29- # وأحلي هرير من صدف البح ... ر وأسقي العيال من نيل مصر» # فإن الناس يقولون: إن الساحر لا يكون ماهرا حتى يأتى بالفلفل الرطب من ~~سرنديب. وهريرة: اسم امرأته الجنية. # وذكر الظبي الذي جعله مركبه إلى بلاد الهند، فقال: # | 30- # «وأجوب البلاد تحتي ظبي ... ضاحك سنه كثير التمري # | 32- # مولج دبره خواية مكو ... وهو بالليل في العفاريت يسري» # يقول: هذا الظبي الذي من جبنه وحذره، من بين جميع الوحش، لا يدخل حراه ~~[2] إلا مستدبرا، لتكون عيناه تلقاء ما يخاف أن يغشاه هو الذي يسري مع ~~العفاريت بالليل ضاحكا بي هازئا إذا كان تحتي. PageV06P462 # وأما قوله: # | 33- # «يحسب الناظرون أني ابن ماء ... ذاكر عشه بضفة نهر» # فإن الجني إذا طار به في جو السماء ظن كل من رآه أنه طائر ماء. ### || 1828- [قولهم: أروى من ضب] # وأما قولهم في المثل: «أروى من ضب» فإني لا أعرفه، لأن كل شيء بالدو ~~والدهناء والصمان، وأوساط هذه المهامه والصحاصح فإن جميع ما يسكنها من ~~الحشرات والسباع لا يرد الماء ولا يريده، لأنه ليس في أوساط هذه الفيافي في ~~الصيف كله وفي القيظ جميعا منقع ماء، ولا غدير، ولا شريعة، ولا وشل [1] . ~~فإذا استقام أن يمر بظبائها وأرانبها وثعالبها وغير ذلك منها الصيفة كلها، ~~والقيظ كله، ولم تذق فيها قطرة ماء، فهي له في الشتاء أترك، لأن من اقتات ~~اليبس إذا لم يشرب الماء فهو إذا اقتات الرطب أترك. # وليس العجب في هذا، ولكن العجب في إبل لا ترد الماء. # وزعم ms0946 الأصمعي أن لبني عقيل ماعزا لم يرد الماء قط [2] . فينبغي على ذاك ~~أن يكون واديهم لا يزال يكون فيه من البقل والورق ما يعيشها بتلك الرطوبة ~~التي فيها. # ولو كانت ثعالب الدهناء وظباؤها وأرانبها ووحشها تحتاج إلى الماء لطلبته ~~أشد الطلب، فإن الحيوان كله يهتدي إلى ما يعيشه، وذلك في طبعه وإنما سلب ~~هذه المعارف الذين أعطوا العقل والاستطاعة فوكلوا إليهما. # فأما من سلب الآلة التي بها تكون الروية والأداة التي يكون بها التصرف، ~~وتخرج أفعاله من حد الإيجاب إلى حد الإمكان، وعوض التمكين، فإن سبيله غير ~~سبيل من منح ذلك، فقسم الله تعالى لتلك الكفاية، وقسم لهؤلاء الابتلاء ~~والاختيار. ### || 1829- [قصيدتا بشر بن المعتمر] # أول ما نبدأ قبل ذكر الحشرات وأصناف الحيوان والوحش بشعري بشر بن ~~المعتمر، فإن له في هذا الباب قصيدتين، قد جمع فيهما كثيرا من هذه الغرائب ~~PageV06P463 # والفرائد، ونبه بهذا على وجوه كثيرة من الحكمة العجيبة، والموعظة ~~البليغة. وقد كان يمكننا أن نذكر من شأن هذه السباع والحشرات بقدر ما تتسع ~~له الرواية، من غير أن نكتبهما في هذا الكتاب، ولكنهما يجمعان أمورا كثيرة. # أما أول ذلك فإن حفظ الشعر أهون على النفس، وإذا حفظ كان أعلق وأثبت، ~~وكان شاهدا. وإن احتيج إلى ضرب المثل كان مثلا. # وإذا قسمنا ما عندنا في هذه الأصناف، على بيوت هذين الشعرين، وقع ذكرهما ~~مصنفا فيصير حينئذ آنق في الأسماع، وأشد في الحفظ. ### || 1830- [القصيدة الأولى] # قال بشر بن المعتمر [1] : [من السريع] # | 1- # الناس دأبا في طلاب الغنى ... وكلهم من شأنه الختر [2] # | 2- # كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر # | 3- # تراهم فوضى وأيدي سبا ... كل له في نفثه سحر [3] # | 4- # تبارك الله وسبحانه ... بين يديه النفع والضر # | 5- # من خلقه في رزقه كلهم ... الذيخ والثيتل والغفر [4] # | 6- # وساكن الجو إذا ما علا ... فيه، ومن مسكنه القفر # | 7- # والصدع الأعصم في شاهق ... وجأبة مسكنها الوعر # | 8- # والحية الصماء في جحرها ... والتتفل الرائغ والذر [5] # | 9- # وإلقة ترغث رباحها ... والسهل والنوفل والنضر [6] # | 10- # وهقلة ترتاع من ظلها ... لها عرار ولها زمر [7] PageV06P464 # | 11- # تلتهم المرو على ms0947 شهوة ... أحب شيء عندها الجمر [1] # | 12- # وضبة تأكل أولادها ... وعترفان بطنه صفر [2] # | 13- # يؤثر بالطعم، وتأذينه، ... منجم ليس له فكر # | 14- # وكيف لا أعجب من عالم ... حشوته التأبيس والدغر [3] # | 15- # وحكمة يبصرها عاقل ... ليس له من دونها ستر # | 16- # جرادة تخرق متن الصفا ... وأبغث يصطاده صقر # | 17- # سلاحه رمح فما عذره ... وقد عراه دونه الذعر # | 18- # والدب والقرد إذا علما ... والفيل والكلبة واليعر [4] # | 19- # يحجم عن فرط أعاجيبها ... وعن مدى غاياتها السحر # | 20- # وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التمر # | 21- # وخنفس يسعى بجعلانه ... يقوتها الأرواث والبعر # | 22- # يقتلها الورد وتحيا إذا ... ضم إليها الروث والجعر # | 23- # وفأرة البيش إمام لها ... والخلد فيه عجب هتر [5] # | 24- # وقنفذ يسري إلى حية ... وحية يخلى له الجحر # | 25- # وعضرفوط ماله قبلة ... وهدهد يكفره بكر # | 26- # وفرة العقرب من لسعها ... تخبر أن ليس لها عذر # | 27- # والببر فيه عجب عاجب ... إذا تلاقى الليث والببر # | 28- # وطائر أشرف ذو جردة ... وطائر ليس له وكر [6] # | 29- # وثرمل تأوي إلى دوبل ... وعسكر يتبعه النسر [7] # | 30- # يسالم الضبع بذي مرة ... أبرمها في الرحم العمر # | 31- # وتمسح خلله طائر ... وسابح ليس له سحر [8] PageV06P465 # | 32- # والعث والحفاث ذو فحفح ... وخرنق يسفده وبر [1] # | 33- # وغائص في الرمل ذو حدة ... ليس له ناب ولا ظفر [2] # | 34- # حرباؤها في قيظها شامس ... حتى يوافي وقته العصر [3] # | 35- # يميل بالشق إليها كما ... يميل في روضته الزهر [3] # | 36- # والظربان الورد قد شفه ... حب الكشى، والوحر الحمر [4] # 37- # يلوذ منه الضب مذلوليا ... ولو نجا أهلكه الذعر [4] # 38- # وليس ينجيه إذا ما فسا ... شيء ولو أحرزه قصر [4] # 39- # وهيشة تأكلها سرفة ... وسمع ذئب همه الحضر [5] # 40- # لا ترد الماء أفاعي النقا ... لكنما يعجبها الخمر [6] # 41- # وفي ذرى الحرمل ظل لها ... إذا غلا واحتدم الهجر [6] # 42- # فبعضها طعم لبعض كما ... أعطى سهام الميسر القمر [6] # 43- # وتمسح النيل عقاب الهوا ... والليث رأس وله الأسر [7] # 44- # ثلاثة ليس لها غالب ... إلا بما ينتقض الدهر [7] # 45- # إني وإن كنت ضعيف القوى ... فالله يقضي وله الأمر # 46- # لست إباضيا غبيا ولا ... كرافضي غره الجفر # 47- # كما يغر الآل في سبسب ... سفرا فأودى عنده السفر [8] # 48- # كلاهما وسع في جهل ما ... فعاله عندهما كفر # 49- # لسنا من الحشو الجفاة الأولى ... عابوا الذي ms0948 عابوا ولم يدروا # 50- # أن غبت لم يسلمك من تهمة ... وإن رنا فلحظه شزر [9] # 51- # يعرض إن سالمته مدبرا ... كأنما يلسبه الدبر [10] # 52- # أبله خب ضغن قلبه ... له احتيال وله مكر PageV06P466 # 53- # وانتحلوا جماعة باسمها ... وفارقوها فهم اليعر [1] # 54- # وأهوج أعوج ذو لوثة ... ليس له رأي ولا قدر [2] # 55- # قد غره في نفسه مثله ... وغرهم أيضا كما غروا # 56- # لا تنجع الحكمة فيهم كما ... ينبو عن الجرولة القطر [3] # 57- # قلوبهم شتى فما منهم ... ثلاثة يجمعهم أمر # 58- # إلا الأذي أو بهت أهل التقى ... وأنهم أعينهم خزر [4] # 59- # أولئك الداء العضال الذي ... أعيا لديه الصاب والمقر [5] # 60- # حيلة من ليست له حيلة ... حسن عزاء النفس والصبر ### || 1831- [القصيدة الثانية] # قال: وأنشدني أيضا [6] : [من السريع] # 1- # ما ترى العالم ذا حشوة ... يقصر عنها عدد القطر # 2- # أوابد الوحش وأحناشها ... وكل سبع وافر الظفر # 3- # وبعضه ذو همج هامج ... فيه اعتبار لذوي الفكر # 4- # والوزغ الرقط على ذلها ... تطاعم الحيات في الجحر # 5- # والخنفس الأسود في طبعه ... مودة العقرب في السر # 6- # والحشرات الغبر منبثة ... بين الورى والبلد القفر # 7- # وكلها شر وفي شرها ... خير كثير عند من يدري # 8- # لو فكر العاقل في نفسه ... مدة هذا الخلق في العمر # 9- # لم ير إلا عجبا شاملا ... أو حجة تنقش في الصخر # 10- # فكم ترى في الخلق من آية ... خفية الجسمان في قعر # 11- # أبرزها الفكر على فكرة ... يحار فيها وضح الفجر # 12- # لله در العقل من رائد ... وصاحب في العسر واليسر # 13- # وحاكم يقضي على غائب ... قضية الشاهد للأمر PageV06P467 # 14- # وإن شيئا بعض أفعاله ... أن يفصل الخير من الشر # 15- # بذي قوى، قد خصه ربه ... بخالص التقديس والطهر # 16- # بل أنت كالعين وإنسانها ... ومخرج الخيشوم والنحر # 17- # فشرهم أكثرهم حيلة ... كالذئب والثعلب والذر # 18- # والليث قد جلده علمه ... بما حوى من شدة الأسر [1] # 19- # فتارة يحطمه خابطا ... وتارة يثنيه بالهصر # 20- # والضعف قد عرف أربابه ... مواضع الفر من الكر # 21- # تعرف بالإحساس أقدارها ... في الأسر والإلحاج والصبر [2] # 22- # والبخت مقرون فلا تجهلن ... بصاحب الحاجة والفقر # 23- # وذو الكفايات إلى سكرة ... أهون منها سكرة الخمر # 24- # والضبع الغثراء مع ذيخها ... شر من اللبوة والنمر [3] # 25- # لو خلي الليث ببطن الورى ... والنمر ms0949 أو قد جيء بالببر # 26- # كان لها أرجى ولو قضقضت ... ما بين قرنيه إلى الصدر [4] # 27- # والذئب إن أفلت من شره ... فبعد أن أبلغ في العذر # 28- # وكل جنس فله قالب ... وعنصر أعراقه تسري # 29- # وتصنع السرفة فيهم على ... مثل صنيع الأرض والبذر # 30- # والأضعف الأصغر أحرى بأن ... يحتال للأكبر بالفكر # 31- # متى يرى عدوه قاهرا ... أحوجه ذاك إلى المكر # 32- # كما ترى الذئب إذا لم يطق ... صاح فجاءت رسلا تجري [5] # 33- # وكل شيء فعلى قدره ... يحجم أو يقدم أو يجري # 34- # والكيس في المكسب شمل لهم ... والعندليب الفرخ كالنسر # 35- # والخلد كالذئب على خبثه ... والفيل والأعلم كالوبر [6] # 36- # والعبد كالحر وإن ساءه ... والأبغث الأغثر كالصقر [7] PageV06P468 # 37- # لكنهم في الدين أيدي سبا ... تفاوتوا في الرأي والقدر # 38- # قد غمر التقليد أحلامهم ... فناصبوا القياس ذا السبر [1] # 39- # فافهم كلامي واصطبر ساعة ... فإنما النجح مع الصبر # 40- # وانظر إلى الدنيا بعين امرئ ... يكره أن يجري ولا يدري # 41- # أما ترى الهقل وأمعاءه ... يجمع بين الصخر والجمر # 42- # وفارة البيش على بيشها ... طيبة فائقة العطر # 43- # وطائر يسبح في جاحم ... كماهر يسبح في غمر # 44- # ولطعة الذئب على حسوه ... وصنعة السرفة والدبر # 45- # ومسمع القردان في منهل ... أعجب مما قيل في الحجر [2] # 46- # وظبية تدخل في تولج ... مؤخرها من شدة الذعر [3] # 47- # تأخذ بالحزم على قانص ... يريغها من قبل الدبر [4] # 48- # والمقرم المعلم ما إن له ... مرارة تسمع في الذكر [5] # 49- # وخصية تنصل من جوفه ... عند حدوث الموت والنحر [6] # 50- # ولا يرى من بعدها جازر ... شقشقة مائلة الهدر # 51- # وليس للطرف طحال وقد ... أشاعه العالم بالأمر # 52- # وفي فؤاد الثور عظم وقد ... يعرفه الجازر ذو الخبر # 53- # وأكثر الحيتان أعجوبة ... ما كان منها عاش في البحر # 54- # إذ لا لسان سقي ملحه ... ولا دماغ السمك النهري # 55- # يدخل في العذب إلى جمه ... كفعل ذي النقلة في البر [7] # 56- # تدير أوقاتا بأعيانها ... على مثال الفلك المجري # 57- # وكل جنس فله مدة ... تعاقب الأنواء في الشهر # 58- # وأكبد تظهر في ليلها ... ثم توارى آخر الدهر [8] PageV06P469 # 59- # ولا يسيغ الطعم ما لم يكن ... مزاجه ماء على قدر # 60- # ليس له شيء لإزلاقه ... سوى جراب واسع الشجر [1] # 61- # والتتفل الرائغ إما نضا ... فشطر ms0950 أنبوب على شطر [2] # 62- # متى رأى الليث أخا حافر ... تجده ذا فش وذا جزر [3] # 63- # وإن رأى النمر طعاما له ... أطعمه ذلك في النمر # 64- # وإن رأى مخلبه وافيا ... ونابه يجرح في الصخر # 65- # منهرت الشدق إلى غلصم ... فالنمر مأكول إلى الحشر [4] # 66- # وما يعادي النمر في ضيغم ... زئيره أصبر من نمر # 67- # لولا الذي في أصل تركيبه ... من شدة الأضلاع والظهر # 68- # يبلغ بالجسر على طبعه ... ما يسحر المختال ذا الكبر [5] # 69- # سبحان رب الخلق والأمر ... ومنشر الميت من القبر # 70- # فاصبر على التفكير فيما ترى ... ما أقرب الأجر من الوزر ### || 1832- [تفسير القصيدة الأولى] # نقول بعون الله تعالى وقوته في تفسير قصيدة أبي سهل بشر بن المعتمر، ~~ونبدأ بالأولى المرفوعة، التي ذكر في آخرها الإباضية، والرافضة، والنابتة. ~~فإذا قلنا في ذلك بما حضرنا قلنا في قصيدته الثانية إن شاء الله تعالى. ### || 1833- [ما قيل في الذئب] # أما قوله: # 2- # «كأذؤب تنهشها أذؤب ... لها عواء ولها زفر» # فإنها قد تتهارش على الفريسة، ولا تبلغ القتل، فإذا أدمى بعضها بعضا وثبت ~~عليه فمزقته وأكلته. وقال الراجز [7] : [من الرجز] PageV06P470 # فلا تكوني يا ابنة الأشم ... ورقاء دمى ذئبها المدمي # وقال الفرزدق [1] : [من الطويل] # وكنت كذئب السوء لما رأى دما ... بصاحبه يوما أحال على الدم # نعم حتى ربما أقبلا على الإنسان إقبالا واحدا، وهما سواء على عداوته ~~والجزم على أكله، فإذا أدمي أحدهما وثب على صاحبه المدمى فمزقه وأكله، وترك ~~الإنسان وإن كان أحدهما قد أدماه [2] . # ولا أعلم في الأرض خلقا ألأم من هذا الخلق، ولا شرا منه، ويحدث عند رؤيته ~~الدم له في صاحبه الطمع، ويحدث له في ذلك الطمع فضل قوة، ويحدث للمدمى جبن ~~وخوف، ويحدث عنهما ضعف واستخذاء [3] ، فإذا تهيأ ذلك منهما لم يكن دون أكله ~~شيء. والله أعلم حيث لم يعط الذئب قوة الأسد، ولم يعط الأسد جبن الذئب ~~الهارب بما يرى في أثر الدم من الضعف. مثل ما يعتري الهر والهرة بعد الفراغ ~~من السفاد، فإن الهر قبل أن يفرغ من سفاد الهرة أقوى منها كثيرا، فإذا ~~سفدها ولى عنها ms0951 هاربا واتبعته طالبة له، فإنها في تلك الحال إن لحقته كانت ~~أقوى منه كثيرا. # فلذلك يقطع الأرض في الهرب، وربما رمى بنفسه من حالق. وهذا شيء لا ~~يعدمانه في تلك الحال. # ولم أرهم يقفون على حد العلة في ذلك. وهذا باب سيقع في موضعه من القول في ~~الذئب تاما، بما فيه من الرواية وغير ذلك. ### || 1834- [الذيخ والثيتل والغفر] # وأما قوله: # 5- # «من خلقه في رزقه كلهم ... الذيخ والثيتل والغفر # الذيخ: ذكر الضبع. والثيتل شبيه بالوعل، وهو مما يسكن في رؤوس الجبال، ~~ولا يكون في القرى. وكذلك الأوعال. وليس لها حضر [4] ولا عمل محمود على ~~البسيط، وكذلك ليس للظباء حضر ولا عمل محمود في رؤوس الجبال. PageV06P471 # وقال الشاعر [1] : [من المتقارب] # وخيل تكردس بالدارعين ... كمشي الوعول على الظاهره # وقال أيضا: # [من الكامل] # والظبي في رأس اليفاع تخاله ... عند الهضاب مقيدا مشكولا [2] # والغفر: ولد الأروية: واحد الأروى، والأروى: جماعة من إناث الأوعال. ### || 1835- [الصدع والجأب] # وأما قوله: # | 7- # «والصدع الأعصم في شاهق ... وجأبة مسكنها الوعر» # فالصدع: الشاب من الأوعال. والأعصم: الذي في عصمته بياض، وفي المعصم منه ~~سواد ولون يخالف لون جسده، والأنثى عصماء. والجأب: الحمار الغليظ الشديد. ~~والجأبة: الأتان الغليظة. والجأب أيضا، مهموز: المغرة [3] . وقال عنترة [4] ~~: [من الكامل] # فنجا أمام رماحهن كأنه ... فوت الأسنة حافر الجأب # شبهه بما عليه من لطوخ الدماء برجل يحفر في معدن المغرة. والمغرة أيضا ~~المكر. ولذلك قال أبو زبيد [5] في صفة الأسد المخمر بالدماء: [من الطويل] # يعاجيهم للشر ثاني عطفه ... عنايته كأنما بات يمكر ### || 1836- [الحية والثعلب والذر] # وأما قوله: # | 8- # «والحية الصماء في جحرها ... والتتفل الرائغ والذر» PageV06P472 # فالتتفل هو الثعلب، وهو موصوف بالروغان والخبث، ويضرب به المثل في ~~النذالة والدناءة، كما يضرب به المثل في الخبث والروغان. # وقال طرفة [1] : [من السريع] # وصاحب قد كنت صاحبته ... لا ترك الله له واضحه [2] # كلهم أروغ من ثعلب ... ما أشبه الليلة بالبارحه # وقال دريد بن الصمة [3] : [من الطويل] # ومرة قد أدركتهم فتركتهم ... يروغون بالغراء روغ الثعالب # وقال أيضا [4] : [من الوافر] # ولست بثعلب، إن كان كون ms0952 ... يدس برأسه في كل جحر [4] # ولما قال أبو محجن الثقفي لأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، من حائط ~~الطائف ما قال: قال له عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «إنما أنت ثعلب في جحر، ~~فابرز من الحصن إن كنت رجلا» !. # ومما قيل في ذلة الثعلب، قال بعض السلف [5] ، حين وجد الثعلبان بال على ~~رأس صنمه: [من الطويل] # إله يبول الثعلبان برأسه ... لقد ذل من بالت عليه الثعالب # فأرسلها مثلا. وقال دريد في مثل ذلك [6] : [من الطويل] PageV06P473 # تمنيتني قيس بن سعد سفاهة ... وأنت امرؤ لا تحتويك المقانب [1] # وأنت امرؤ جعد القفا متعكس ... من الأقط الحولي شبعان كانب [2] # إذا انتسبوا لم يعرفوا غير ثعلب ... إليهم، ومن شر السباع الثعالب # وأنشدوا في مثل ذلك [3] : [من المنسرح] # ما أعجب الدهر في تصرفه ... والدهر لا تنقضي عجائبه # يبسط آمالنا فنبسطها ... ودون آمالنا نوائبه # وكم رأينا في الدهر من أسد ... بالت على رأسه ثعالبه # ففي الثعلب جلده، وهو كريم الوبر، وليس في الوبر أغلى من الثعلب الأسود. # وهو ضروب، ومنه الأبيض الذي لا يفصل بينه وبين الفنك، [4] ومنه الخلنجي ~~[5] ، وهو الأعم. # ومن أعاجيبه أن نضيه، وهو قضيبه في خلقة الأنبوبة، أحد شطريه عظم في صورة ~~المثقب، والآخر عصب ولحم، ولذلك قال بشر بن المعتمر [6] : [من السريع] # والتتفل الرائغ إما نضا ... فشطر أنبوب على شطر # وهو سبع جبان جدا، ولكنه لفرط الخبث والحيلة يجري مع كبار السباع. # وزعم أعرابي ممن يسمع منه، أنه طارده مرة بكلاب له، فراوغه حتى صار في ~~خمر [7] ، ومر بمكانه فرأى ثعلبا ميتا، وإذا هو قد زكر [8] بطنه ونفخه، ~~فوهمه أنه قد مات من يوم أو يومين. قال: فتعديته وشم رائحة الكلاب فوثب ~~وثبة فصار في صحراء. # وفي حديث العامة أنه لما كثرت البراغيث في فروته، تناول بفيه إما صوفة ~~وإما ليقة، ثم أدخل رجليه في الماء، فترفعت عن ذلك الموضع، فما زال يغمس ~~بدنه أولا PageV06P474 # فأولا حتى اجتمعن في خطمه، فلما غمس خطمه أولا فأولا اجتمعن في الصوفة، ~~فإذا علم أن الصوفة ms0953 قد اشتملت عليهن تركها في الماء ووثب، فإذا هو خارج عن ~~جميعها. # فإن كان هذا الحديث حقا فما أعجبه. وإن كان باطلا فإنهم لم يجعلوه له إلا ~~للفضيلة التي فيه، من الخبث والكيس. # وإذا مشى الفرس مشيا شبيها بمشي الثعلب قالوا: مشى الثعلبية قال الراعي ~~[1] : # [من الطويل] # وغملى نصي بالمتان كأنها ... ثعالب موتى جلدها قد تسلعا [2] # وقال الأصمعي: سرق هذا المعنى من طفيل الغنوي ولم يجد السرق [3] . # وفي تشبيه بعض مشيته قال المرار بن منقذ [4] : [من الرمل] # صفة الثعلب أدنى جريه ... وإذا يركض يعفور أشر [5] # وقال امرؤ القيس [6] : [من الطويل] # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # والبيت الذي ذكره الأصمعي لطفيل الغنوي، أن الراعي سرق معناه هو قوله [7] ~~: # [من الطويل] # وغملى نصي بالمتان كأنها ... ثعالب موتى جلدها لم ينزع # وأنشدوا في جبنه قول زهير بن أبي سلمى [8] : [من المنسرح] PageV06P475 # وبلدة لا ترام خائفة ... زوراء مغبرة جوانبها [1] # تسمع للجن عازفين بها ... تصيح من رهبة ثعالبها [2] # كلفتها عرمسا عذافرة ... ذات هباب فعما مناكبها [3] # تراقب المحصد الممر إذا ... هاجرة لم تقل جنادبها [4] # والذي عندي أن زهيرا قد وصف الثعلب بشدة القلب، لأنهم إذا هولوا بذكر ~~الظلمة الوحشية والغيلان، لم يذكروا إلا فزع من لا يكاد يفزع، لأن الشاعر ~~قد وصف نفسه بالجراءة على قطع هذه الأرض في هذه الحال. # وفي استنذاله وجبنه قالت أم سالم لابنها معمر: [من الطويل] # أرى معمرا لا زين الله معمرا ... ولا زانه من زائر يتقرب # أعاديتنا عاداك عز وذلة ... كأنك في السربال إذ جئت ثعلب # فلم تر عيني زائرا مثل معمر ... أحق بأن يجنى عليه ويضرب # وقال عقيل بن علفة: [من الطويل] # تأمل لما قد نال أمك هجرس ... فإنك عبد يا زميل ذليل # وإني متى أضربك بالسيف ضربة ... أصبح بني عمرو وأنت قتيل # الهجرس: ولد الثعلب. قال: وكيف يصطاد وهو على هذه الصفة؟ # فأنشد شعر ابن ميادة [5] : [من الطويل] # ألم تر أن الوحش يخدع مرة ... ويخدع أحيانا فيصطاد نورها # بلى، وضواري الصيد تخفق مرة ... وإن ms0954 فرهت عقبانها ونسورها [6] ~~PageV06P476 # قال: وسألت عنه بعض الفقهاء فقال [1] : قيل لابن عباس: كيف تزعمون أن ~~سليمان بن داود عليهما السلام كان إذا صار في البراري، حيث لا ماء ولا شجر، ~~فاحتاج إلى الماء، دله على مكانه الهدهد، ونحن نغطي له الفخ بالتراب ~~الرقيق، ونبرز له الطعم، فيقع فيه جهلا بما تحت ذلك التراب، وهو يدل على ~~الماء في قعر الأرض الذي لا يوصل إليه إلا بأن يحفر عليه القيم الكيس؟ # قال: فقال ابن عباس رضي الله عنهما: «إذا جاء القدر لم ينفع الحذر» [2] . # وأنشدوا: [من الكامل] # خير الصديق هو الصدوق مقالة ... وكذاك شرهم الميون الأكذب [3] # فإذا غدوت له تريد نجازه ... بالوعد راغ كما يروغ الثعلب # وقال حسان بن ثابت رضي الله عنه [4] : [من الطويل] # بني عابد شاهت وجوه الأعابد ... بطاء عن المعروف يوم التزايد # فما كان صيفي يفي بأمانة ... قفا ثعلب أعيا ببعض المراصد # وأنشد [5] : [من الطويل] # ويشربه مذقا ويسقي عياله ... سجاجا كأقراب الثعالب أورقا [6] # وقال مالك بن مرداس: [من الرجز] # يا أيها ذا الموعدي بالضر ... لا تلعبن لعبة المغتر # أخاف أن تكون مثل هر ... أو ثعلب أضيع بعد حر # هاجت به مخيلة الأظفر ... عسراء في يوم شمال قر [1] PageV06P477 # يجول منها لثق الذعر ... بصرد ليس بذي محجر [1] # تنفض أعلى فروه المغبر ... تنفض منها نابها بشزر # نفضا كلون الشره المخمر # المخيلة: العقاب الذكر الأشبث. صرد: مكان مطمئن. # وقال اليقطري: كان اسم أبي الضريس دينارا فقال له مولاه: يا دنينير! ~~فقال: # أتصغرني وأنت من بني مخيلة، والعقاب الذكر بدرهم، والأنثى بنصف درهم، ~~وأنا ثمني عشرة دراهم ### || 1837- [سلاح الثعلب] # ومن أشد سلاح الثعلب # عندكم الروغان والتماوت، وسلاحه أنتن وألزج وأكثر من سلاح الحبارى. # وقالت العرب: «أدهى [من ثعلب] [2] ، وأنتن من سلاح الثعلب» . # وله عجيبة في طلب مقتل القنقذ، وذلك إذا لقيه فأمكنه من ظهره بال عليه. # فإذا فعل ذلك به ينبسط فعند ذلك يقبض على مراق بطنه. ### || 1838- [أرزاق الحيوان] # ومن العجب في قسمة الأرزاق أن الذئب يصيد الثعلب فيأكله، ويصيد الثعلب ~~القنقذ فيأكله، ms0955 ويريغ القنفذ الأفعى فيأكلها. وكذلك صنيعه في الحيات ما لم ~~تعظم الحية. والحية تصيد العصفور فتأكله، والعصفور يصيد الجراد فيأكله، ~~والجراد يلتمس فراخ الزنابير وكل شيء يكون أفحوصه على المستوي، والزنبور ~~يصيد النحلة فيأكلها، والنحلة تصيد الذبابة فتأكلها، والذبابة تصيد البعوضة ~~فتأكلها. ### || 1839- [الإلقة والسهل والنوفل والنضر] # وأما قوله [3] : # | 9- # «وإلقة ترغث رباحها ... والسهل والنوفل والنضر» PageV06P478 # فالإلقة ها هنا القردة. ترغث: ترضع. والرباح: ولد القردة. والسهل: ~~الغراب. # والنوفل: [البحر] [1] . والنضر: [الذهب] [1] . وكل جرية [2] من النساء ~~وغير ذلك فهي إلقة. وأنشدني بشر بن المعتمر لرؤبة [3] : [من الرجز] # جد وجدت إلقة من الإلق # وقد ذكرنا الهقل وشأنه في الجمر والصخر [4] ، وأكل الضب أولاده [5] ، في ~~موضعه من هذا الكتاب وكذلك قوله في العترفان [6] ، وهو الديك الذي يؤثر ~~الدجاج بالحب، وكأنه منجم أو صاحب أسطرلاب [7] . وذكرنا أيضا ما في الجراد ~~في موضعه [8] . ولسنا نعيد ذكر ذلك، وإن كان مذكورا في شعر بشر [9] . ### || 1840- [الأبغث] # وأما قوله: # | 16- # « [جرادة تخرق متن الصفا] [10] ... وأبغث يصطاده صقر» # ثم قال: # | 17- # «سلاحه رمح فما عذره ... وقد عراه دونه الذعر» # يقول: بدن الأبغث # أعظم من بدن الصقر، وهو أشد منه شدة، ومنقاره كسنان الرمح في الطول ~~والذرب. وربما تجلى له الصقر والشاهين فعلق الشجر والعرار [11] ، وهتك كل ~~شيء. يقول: فقد اجتمعت فيه خصال في الظاهر معينة له عليه. ولولا أنه على ~~حال يعلم أن الصقر إنما يأتيه [قبلا] [12] ودبرا، واعتراضا، ومن عل، وأنه ~~قد PageV06P479 # أعطى في سلاحه وكفه فضل [1] قوة لما استخذى [2] له، ولما أطمعه بهربه، ~~حتى صارت جرأته عليه بأضعاف ما كانت. # قال بعض بني مروان [3] في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد: [من الطويل] # كأن بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر ### || 1841- [ما يقبل التعليم من الحيوان] # وأما قوله: # | 18- # «والدب والقرد إذا علما ... والفيل والكلبة واليعر» # فإن الحيوان الذي يلقن ويحكي ويكيس ويعلم فيزداد بالتعليم في هذه التي ~~ذكرنا، وهي الدب والقرد، والفيل، والكلب. # وقوله: اليعر، يعني صغار الغنم. ولعمري أن في المكية والحبشية لعبا. ### || 1842- [حب الظبي للحنظل، والعقرب ms0956 للتمر] # وأما قوله: # | 20- # «وظبية تخضم في حنظل ... وعقرب يعجبها التمر» # ففي الظبي أعاجيب من هذا الضرب، وذلك أنه ربما رعى الحنظل، فتراه يقبض ~~ويعض على نصف حنظلة فيقدها قد الخسفة [4] فيمضغ ذلك النصف وماؤه يسيل من ~~شدقيه، وأنت ترى فيه الاستلذاذ له، والاستحلاء لطعمه. # وخبرني أبو محجن العنزي، خال أبي العميثل الراجز، قال: كنت أرى بأنطاكية ~~الظبي يرد البحر، ويشرب المالح الأجاج [5] . # والعقرب ترمي بنفسها في التمر. وإنما تطلب النوى المنقع في قعر الإناء. # فأي شيء أعجب من حيوان يستعذب ملوحة البحر، ويستحلي مرارة الحنظل. ~~PageV06P480 # وسنذكر خصال الظبي في الباب الذي يقع فيه ذكره إن شاء الله تعالى. ولسنا ~~نذكر شأن الضب والنمل، والجعل والروث والورد لأنا قد ذكرناه مرة. ### || 1843- [فأرة البيش] # وأما قوله: # | 23- # «وفأرة البيش إمام لها ... والخلد فيه عجب هتر» # فإن # | فأرة البيش # دويبة تشبة الفأرة، وليست بفأرة، ولكن هكذا تسمى. وهي تكون في العياض ~~والرياض ومنابت الأهضام [1] . وفيها سموم كثيرة، كقرون السنبل، وما في ~~القسط [2] . فهي تتخلل تلك الأهضام، وتطلب السموم وتغتذيها. والبيش: # اسم لبعض السموم. وهذا مما يعجب منه. # وقد ذكرنا شأن القنقذ والحية في باب القول في الحيات [3] . ### || 1844- [العضرفوط والهدهد] # وأما قوله: # | 25- # «وعضرفوط ما له قبلة» # فهو أيضا عندهم من مطايا الجن. وقد ذكره أيمن بن خريم فقال [4] : [من ~~المتقارب] # وخيل غزالة تنتابهم ... تجوب العراق وتجبي النبيطا [5] # تكر وتجحر فرسانهم ... كما أجحر الحية العضرفوطا [6] # لأن العضرفوط دويبة صفيرة ضعيفة، والحيات تأكلها وتغصبها أنفسها. # وأنشدوا على ألسنة الجن [7] : [من الطويل] PageV06P481 # ومن عضرفوط حط بي فأقمته ... يبادر وردا من عظاء قوارب # وأما قوله: # | 25- # «وهدهد يكفره بكر» # فإنما ذلك لأنه كان حاج بكر ابن أخت عبد الواحد [صاحب] [1] البكرية، فقال ~~له [2] : أتخبر عن حال الهدهد بخبر؟ إنه كان يعرف طاعة الله عز وجل من ~~معصيته، وقد ترك موضعه وسار إلى بلاد سبأ، وهو وإن أطرف سليمان بذلك الخبر ~~وقبله منه فإن ذنبه في ترك موضعه الذي وكل به، وجولانه في البلدان على ~~حاله. ولا يكون ذلك مما يجعل ms0957 ذنبه السابق إحسانا. والمعصية لا تنقلب طاعة، ~~فلم لا تشهد عليه بالنفاق؟ قال: فإني أفعل! قال: فحكى ذلك عنه فقال: أما هو ~~فقد كان سلم على سليمان وقد كان قال: لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو ~~ليأتيني بسلطان مبين # [3] ، فلما أتاه بذلك الخبر، رأى أنه قد أدلى بحجة، فلم يعذبه، ولم ~~يذبحه. # فإن كان ذنبه على حاله، فكيف يكون ما هجم عليه مما لم يرسل فيه ولم يقصد ~~له حجة؟ وكيف يبقي هذا عليه. # وبكر يزعم أن الأطفال والبهائم لا تأثم، ولا يجوز أن يؤثم الله تعالى إلا ~~المسيئين. فقال بشر لبكر: بأي شيء تستدل على أن المسيء يعلم أنه مسيء؟ # قال: بخجله، واعتذاره بتوبته. قال: فإن العقرب متى لسعت فرت من خوف ~~القتل، وهذا يدل على أنها جانية، وأنت تزعم أن كل شيء عاص كافر، فينبغي ~~للعقرب أن تكون كافرة، إذا لم يكن لها عذر في الإساءة. ### || 1845- [الببر والنمر] # وأما قوله: # | 27- # «والببر فيه عجب عاجب ... إذا تلاقى الليث والنمر» # لأن الببر مسالم للأسد، والنمر يطالبه، فإذا التقيا أعان الببر الأسد. ~~PageV06P482 ### || 1846- [الخفاش والطائر الذي ليس له وكر] # وأما قوله: # | 28- # «وطائر أشرف ذو جردة ... وطائر ليس له وكر» [1] # فإن الأشرف من الطير الخفاش، لأن لآذانها حجما ظاهرا. وهو متجرد من الزغب ~~والريش، وهو يلد. # والطائر الذي ليس له وكر، هو طائر يخبر عنه البحريون أنه لا يسقط إلا ~~ريثما يجعل لبيضه أدحيا من تراب، ويغطي عليه، ويطير في الهواء أبدا حتى ~~يموت. وإن لقى ذكر أنثى تسافدا في الهواء. وبيضه يتفقص من نفسه عند انتهاء ~~مدته، فإذا أطاق فرخه الطيران كان كأبويه في عاداتهما. ### || 1847- [الثعالب والنسور والضباع] # وأما قوله: # | 29- # «وثرمل تأوي إلى دوبل ... وعسكر يتبعه النسر # | 30- # يسالم الضبع بذي مرة ... أبرمها في الرحم العمر» # فالثرملة: أنثى الثعالب، وهي مسالمة للدوبل [2] . وأما قوله: # وعسكر يتبعه النسر # فإن النسور تتبع العساكر، وتتبع الرفاق ذوات الإبل، وقد تفعل ذلك ~~العقبان، وتفعله الرخم. وقد قال النابغة [3] : [من الطويل] # وثقت له بالنصر إذ قيل له قد ms0958 غدت ... كتائب من غسان غير أشائب [4] ~~PageV06P483 # بنو عمه دنيا، وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب [1] # إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب [2] # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب [3] # تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس الشيوخ في مسوك الأرانب [4] # والأصمعي يروي: «جلوس الشيوخ في ثياب المرانب» . # وسباع الطير كذلك في اتباع العساكر. وأنا أرى ذلك من الطمع في القتلى، ~~وفي الرذايا والحسرى، أو في الجهيض وما يجرح. # وقد قال النابغة [5] : [من الطويل] # سماما تباري الريح خصوما عيونها ... لهن رذايا بالطريق ودائع [6] # وقال الشاعر [7] : [من الطويل] # يشق سماحيق السلا عن جنينها ... أخو قفرة بادي السغابة أطحل [8] # وقال حميد بن ثور في صفة ذئب [9] : [من الطويل] # إذا ما بدا يوما رأيت غياية ... من الطير ينظرن الذي هو صانع [10] # لأنه لا محالة حين يسعى وهو جائع، سوف يقع على سبع أضعف منه أو على بهيمة ~~ليس دونها مانع. PageV06P484 # وقد أكثر الشعراء في هذا الباب حتى أطنب بعض المحدثين وهو مسلم بن الوليد ~~بن يزيد فقال [1] : [من البسيط] # يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الهام تيجان القنا الذبل # قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل # ولا نعلم أحدا منهم أسرف في هذا القول وقال قولا يرغب عنه إلا النابغة، ~~فإنه قال [2] : [من الطويل] # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # وهذا لا نثبته. # وليس عند الطير والسباع في اتباع الجموع إلا ما يسقط من ركابهم ودوابهم ~~وتوقع القتل، إذ كانوا قد رأوا من تلك الجموع مرة أو مرارا. فأما أن تقصد ~~بالأمل واليقين إلى أحد الجمعين، فهذا ما لم يقله أحد. ### || 1848- [نسر لقمان] # وقد أكثر الشعراء في ذكر النسور، وأكثر ذلك قالوا في لبد [3] . # قال النابغة [3] : [من البسيط] # أضحت خلاء وأمسى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخني على لبد [4] # فضربه مثلا في طول السلامة. وقال لبيد [5] : [من الكامل] # لما رأى صبح سواد خليله ... من بين قائم سيفه ms0959 والمحمل [6] PageV06P485 # صبحن صبحا يوم حق حذاره ... فأصاب صبحا قائما لم يعقل # فالتف منقصفا وأضحى نجمه ... بين التراب وبين حنو الكلكل [1] # ولقد جرى لبد فأدرك جريه ... ريب الزمان وكان غير مثقل # لما رأى لبد النسور تطايرت ... رفع القوادم كالفقير الأعزل [2] # من تحته لقمان يرجو نفعه ... ولقد رأى لقمان أن لم يأتل [3] # وإن أحسنت الأوائل في ذلك فقد أحسن بعض المحدثين وهو الخزرجي في ذكر ~~النسر وضرب المثل به وبلبد وصحة بدن الغراب، حيث ذكر طول عمر معاذ بن مسلم ~~بن رجاء، مولى القعقاع بن شور [وكان من المعمرين، طعن في السن مائة وعشرين ~~سنة] [4] . وهو قوله [5] : [من المنسرح] # إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضج من طول عمره الأبد # قد شاب رأس الزمان واختضب ال ... دهر وأثواب عمره جدد # يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تلبس ثوب الحياة يا لبد # قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد # تسأل عربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصداع والرمد ### || 1849- [شعر وخبر فيما يشبه بالنسور] # وما تعلق بالسحاب من الغيم يشبه بالنعام، وما تراكب عليه يشبه بالنسور. ~~قال الشاعر [6] : [من الطويل] # خليلي لا تستسلما وادعوا الذي ... له كل أمر أن يصوب ربيع # حيا لبلاد أنفذ المحل عودها ... وجبر لعظم في شظاه صدوع # بمستنضر غر النشاص كأنها ... جبال عليهن النسور وقوع [7] # عسى أن يحل الحي جزعا وإنها ... وعل النوى بالظاعنين تريع PageV06P486 # وشبه العجير السلولي شيوخا على باب بعض الملوك بالنسور، فقال [1] : [من ~~الطويل] # فمنهن إسآدي على ضوء كوكب ... له من عماني النجوم نظير [2] # ومنهن قرعي كل باب كأنما ... به القوم يرجون الأذين نسور [3] # إلى فطن يستخرج القلب طرفه ... له فوق أعواد السرير زئير [4] # وذكرت امرأة من هذيل قتيلا فقالت [5] : [من البسيط] # تمشى النسور إليه وهي لاهية ... مشي العذارى عليهن الجلابيب # تقول: هي آمنة أن تذعر ومدح بعض الشعراء عبد العزيز بن زرارة الكلابي ~~فقال [6] : [من الطويل] # وعند الكلابي الذي حل بيته ... بجو شخاب ماضر وصبوح [7] # ومكسورة حمر كأن متونها ... نسور إلى جنب الخوان جنوح [8] # مكسورة: ms0960 يعني وسائد مثنية. وقال ابن ميادة [9] : [من الكامل] # ورجعت من بعد الشباب وعصره ... شيخا أزب كأنه نسر [10] # وقال طرفة: [من مجزوء الكامل] # فلأمنعن منابت الض ... مران إذ منع النسور [11] PageV06P487 # وفي كتاب كليلة ودمنة [1] : «وكن كالنسر حوله الجيف، ولا تكن كالجيف ~~حولها النسور» . فاعترض على ترجمة ابن المقفع بعض المتكلفين من فتيان ~~الكتاب فقال: إنما كان ينبغي أن يقول: «كن كالضرس حف بالتحف، ولا تكن ~~كالهبرة تطيف بها الأكلة» : وأطنه أراد الضروس فقال الضرس. وهذا من ~~الاعتراض عجب. # ويوصف النسر بشدة الارتفاع، حتى ألحقوه بالأنوق، وهي الرخمة. # وقال عدي بن زيد [2] : [من الخفيف] # فوق علياء لا ينال ذراها ... يلغب النسر دونها والأنوق [3] # وأنشدوا في ذلك: [من الكامل] # أهل الدناءة في مجالسهم ... الطيش والعوراء والهذر # يدنون ما سألوا وإن سئلوا ... فهم مع العيوق والنسر # وقال زيد بن بشر التغلبي، في قتل عمير بن الحباب: [من الخفيف] # لا يجوزن أرضنا مضري ... بخفير ولا بغير خفير # طحنت تغلب هوازن طحنا ... وألحت على بني منصور [4] # يوم تردى الكماة حول عمير ... حجلان النسور حول جزور # وقال جميل [5] : [من الطويل] # وما صائب من نابل قذفت به ... يد وممر العقدتين وثيق [6] # له من خوافي النسر حم نظائر ... ونصل كنصل الزاعبي رقيق [7] # على نبعة زوراء أما خطامها ... فمتن وأما عودها فعتيق [8] PageV06P488 # بأوشك قتلا منك يوم رميتني ... نوافذ لم تظهر لهن خروق [1] # فلم أر حربا يا بثين كحربنا ... تكشف غماها وأنت صديق [2] ### || 1850- [مسالمة النسر للضبع] # وأما قوله: # | 30- # «يسالم الضبع بذي مرة ... أبرمها في الرحم العمر» # لأن النسر طير ثقيل، عظيم شره رغيب نهم. فإذا سقط على الجيفة وتملأ لم ~~يستطع الطيران حتى يثب وثبات، ثم يدور حول مسقطه مرارا، ويسقط في ذلك، فلا ~~يزال يرفع نفسه طبقة طبقة في الهواء حتى يدخل تحته الريح. فكل من صادفه وقد ~~بطن وتملأ، ضربه إن شاء بعصا، وإن شاء بحجر، حتى ربما اصطاده الضعيف من ~~الناس. # وهو مع ذلك يشارك الضبع في فريسة الضبع، ولا يثب عليه، مع معرفته بعجزه ~~عن الطيران. # وزعم ms0961 أن ثقته بطول العمر هو الذي جرأه على ذلك. ### || 1851- [استطراد لغوي] # ويقال: هوت العقاب تهوي هويا: إذا انقضت على صيد أو غيره ما لم ترغه، ~~فإذا أراغته قيل أهوت له إهواء. والإهواء أيضا التناول باليد. والإراغة أن ~~يذهب بالصيد هكذا وهكذا. # ويقال دوم الطائر في جو السماء، وهو يدوم تدويما: إذا دار في السماء ولا ~~يحرك جناحيه. # ويقال نسره بالمنسر [3] . وقال العجاج [4] : [من الرجز] # شاكي الكلاليب إذا أهوى ظفر ... كعابر الرؤوس منها أو نسر [5] ~~PageV06P489 # والنسر ذو منسر، وليس بذي مخلب، وإنما له أظفار كأظفار الدجاج. # وليس له سلاح، إنما يقوى بقوة بدنه وعظمه. وهو سبع لئيم عديم السلاح، ~~وليس من أحرار الطير وعتاقها. ### || (ولوع عتاق الطير بالحمرة) # ويقال إن عتاق الطير تنقض على عمود الرحل وعلى الطنفسة والنمرق [1] ~~فتحسبه لحمرته لحما. وهم مع ذلك يصفونها بحدة البصر ولا أدري كيف ذلك. # وقال غيلان بن سلمة [2] : [من الكامل] # في الآل يخفضها ويرفعها ... ريع كأن متونه السحل [3] # عقلا ورقما ثم أردفه ... كلل على ألوانها الخمل [4] # كدم الرعاف على مآزرها ... وكأنهن ضوامرا إجل [5] # وهذا الشعر عندنا للمسيب بن علس. # وقال علقمة بن عبدة [6] : [من البسيط] # رد الإماء جمال الحي فاحتملوا ... وكلها بالتزيديات معكوم [7] # عقلا ورقما يظل الطير يتبعه ... كأنه من دم الأجواف مدموم [8] ~~PageV06P490 ### || 1852- [شعر في العقاب] # وقال الهذلي [1] : [من الكامل] # ولقد غدوت وصاحبي وحشية ... تحت الرداء بصيرة بالمشرف # حتى أتيت إلى فراش عزيزة ... سوداء، روثة أنفها كالمخصف [2] # يعني عقابا. وقوله: «بصيرة بالمشرف» يريد الريح من أشرف لها أصابته. # وقال الآخر في شبيه بهذا: [من الكامل] # فإذا أتتكم هذه فتلبسوا ... إن الرماح بصيرة بالحاسر [3] # وقال آخر [4] : [من الكامل] # كأني إذ عدوا ضمنت بزي ... من العقبان خائتة طلوبا [5] # جريمة ناهض في رأس نيق ... ترى لعظام ما جمعت صليبا [6] # وقال طفيل الغنوي [7] : [من الطويل] # تبيت كعقبان الشريف رجاله ... إذا ما نووا إحداث أمر معطب [8] ~~PageV06P491 # أي أمهلوا. وقال دريد [1] : [من الطويل] # تعللت بالشطاء إذ بان صاحبي ... وكل امرئ قد بان إذ بان صاحبه [2] # كأني وبزي فوق فتخاء ms0962 لقوة ... لها ناهض في وكرها لا تجانبه [3] # فباتت عليه ينفض الطل ريشها ... تراقب ليلا ما تغور كواكبه # فلما تجلى الليل عنها وأسفرت ... تنفض حسرى عن أحص مناكبه [4] # رأت ثعلبا من حرة فهوت له ... إلى حرة والموت عجلان كاربه [5] # فخر قتيلا واستمر بسحره ... وبالقلب يدمى أنفه وترائبه [6] ### || 1853- [جفاء العقاب] # زعم صاحب المنطق أنه ليس شيء في الطير أجفى لفراخه من العقاب وأنه لا بد ~~من أن يخرج واحدا، وربما طردهن جميعا حتى يجيء طائر يسمى «كاسر العظام» ~~فيتكفل به. # ودريد بن الصمة يقول: [من الطويل] # كأني وبزي فوق فتخاء لقوة ... لها ناهض في وكرها لا تجانبه ### || 1854- [ما يعتري العقاب عند الشبع] # وقد يعتري العقاب، عند شبعها من لحم الصيد، شبيه بالذي ذكرنا في النسر. # وأنشد أبو صالح مسعود بن قند، لبعض القيسيين: [من الطويل] # قرى الطير بعد اليأس زيد فأصبحت ... بوحفاء قفر ما يدب عقابها [7] # وما يتخطى الفحل زيد بسيفه ... ولا العرمس الوجناء قد شق نابها [8] ~~PageV06P492 # وإن قيل مهلا إنه شدنية ... يقطع أقران الجبال جذابها [1] # خبر أنه يعتري العقاب من الثقل عند الطيران. من البطنة، ما يعتري النسر. ### || 1855- [شعر في العقاب] # وقال امرؤ القيس- إن كان قاله [2]-: [من البسيط] # 1- # كأنها حين فاض الماء واحتملت ... فتخاء لاح لها بالقفرة الذيب [3] # 2- # فأبصرت شخصه من فوق مرقبة ... ودون موقعها منه شناخيب [4] # 3- # فأقبلت نحوه في الجو كاسرة ... يحثها من هوي اللوح تصويب [5] # 4- # صبت عليه ولم تنصب من أمم ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب [6] # 5- # كالدلو بتت عراها وهي مثقلة ... إذ خانها وذم منها وتكريب [7] # 6- # لا كالتي في هواء الجو طالبة ... ولا كهذا الذي في الأرض مطلوب [8] # 7- # كالبرق والريح مرآتاهما عجب ... ما في اجتهاد على الإصرار تغبيب [9] # 8- # فأدركته فنالته مخالبها ... فانسل من تحتها والدف مثقوب [10] PageV06P493 # 9- # يلوذ بالصخر منها بعد ما فترت ... منها ومنه الصخر الشآبيب [1] # 10- # ثم استغاثت بمتن الأرض تعفره ... وباللسان وبالشدقين تتريب [2] # 11- # ما أخطأته المنايا قيس أنملة ... ولا تحرز إلا وهو مكثوب [3] # 12- # يظل منجحرا منها يراقبها ... ويرقب الليل إن الليل محبوب [4] # وقال زهير [5] : [من البسيط] # تنبذ ms0963 أفلاذها في كل منزلة ... تنتخ أعينها العقبان والرخم [6] # تنتخ: أي تنزع وتستخرج. والعرب تسمي المنقاش المنتاخ. # ويقال: نقت الرخم تنق نقيقا. وأنشد أبو الجراح: [من الوافر] # حديثا من سماع الدل وعر ... كأن نقيقهن نقيق رخم # والنقيق مشترك. يقال: نق الضفدع ينق نقيقا. # ويقال: «أعز من الأبلق العقوق» [7] ، و: «أبعد من بيض الأنوق» [8] . # فأما بيض الأنوق فربما رئي. وذلك أن الرخم تختار أعالي الجبال، وصدوع ~~الصخر، والمواضع الوحشية. وأما الأبلق فلا يكون عقوقا. وأما العقوق البلقاء ~~فهو مثل. وقال: [من الطويل] # ذكرناك أن مرت أمام ركابنا ... من الأدم مخماص العشي سلوب [9] # تدلت عليها تنفض الريش تحتها ... براثنها وراحهن خضيب [10] PageV06P494 # خدارية صقعاء دون فراخها ... من الطود فأوبينها ولهوب [1] # إذا القانص المحروم آب ولم يصب ... فمطعمه جنح الظلام نصيب # فأصبحت بعد الطير ما دون فارة ... كما قام فوق المنصتين خطيب # وقال بشر بن أبي خازم [2] : [من الوافر] # فما صدع بخية أو بشرق ... على زلق زمالق ذي كهاف [3] # تزل اللقوة الشغواء عنها ... مخالبها كأطراف الأشافي [4] # وقال بشر أيضا [5] : [من الطويل] # تدارك لحمي بعد ما حلقت به ... مع النسر فتخاء الجناح قبوض [6] # فإن تجعل النعماء منك تمامة ... ونعماك نعمى لا تزال تفيض # تكن لك في قومي يد يشكرونها ... وأيدي الندى في الصالحين قروض [7] # وعلى شبيه بهذا البيت الآخر. قال الحطيئة [8] : [من البسيط] # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # وقال عقيل بن العرندس: [من الطويل] # حبيب لقرطاس يؤدي رسالة ... فيالك نفسا كيف حان ذهولها # وكنت كفرخ النسر مهد وكره ... بملتفة الأفنان حيل مقيلها [9] PageV06P495 ### || 1856- [التمساح والسمك] # وأما قوله: # 31- # «وتمسح خلله طائر ... وسابح ليس له سحر» # فالتمساح مختلف الأسنان، فينشب فيه اللحم، فيغمه فينتن عليه، وقد جعل في ~~طبعه أن يخرج عند ذلك إلى الشط، ويشحا [1] فاه لطائر يعرفه بعينه، يقال إنه ~~طائر صغير أرقط مليح. فيجيء من بين الطير حتى يسقط بين لحييه ثم ينقره ~~بمنقاره حتى يستخرج جميع ذلك اللحم، فيكون غذاء له ومعاشا، ويكون تخفيفا عن ~~التمساح وترفيها [2] . فالطائر ms0964 الصغير يأتي ما هنالك يلتمس ذلك الطعم، ~~والتمساح يتعرض له، لمعرفته بذلك منه. # وأما قوله: # «وسابح ليس له سحر» . # فإن السمك كله لا رئة له. قالوا: وإنما تكون الرئة لمن يتنفس. هذا، وهم ~~يرون منخري السمك، والخرق النافذ في مكان الأنف منه، ويجعلون ما يرون من ~~نفسه إذا أخرجوه من الماء أن ذلك ليس بنفس يخرج من المنخرين، ولكنه تنفس ~~جميع البدن. ### || 1857- [العث والحفاث] # وأما قوله: # 32- # «والعث والحفاث ذو نفخة ... وخرنق يسفده وبر» # فإن الحفاث دابة تشبه الحية وليست بحية، وله وعيد شديد، ونفخ وتوثب، ومن ~~لم يعرفه كان له أشد هيبة منه للأفاعي والثعابين. وهو لا يضر بقليل ولا ~~كثير، والحيات تقتله. وأنشد [3] : [من الكامل] # أيفايشون وقد رأوا حفاثهم ... قد عضه فقضى عليه الأسود [4] PageV06P496 # والعث: دويبة تقرض كل شيء، وليس له خطر ولا قوة ولا بدن. # قال الراجز [1] : [من الرجز] # يحثني وردان أي حث ... وما يحث من كبير عث # إهابه مثل إهاب العث # وأنشد: [من الوافر] # وعث قد وكلت إليه أهلي ... فطاح الأهل واجتيح الحريم # وما لاهى به طرف فيوحي ... ولا صك إذا ذكر القضيم [2] # وأنشد آخر [3] : [من المتقارب] # فإن تشتمونا على لؤمكم ... فقد يقرض العث ملس الأديم # وقالوا في الحفاث، هجا الكروبي أخاه فقال: [من الوافر] # حبارى في اللقاء إذا التقينا ... وحفاث إذا اجتمع الفريق # وقال أعرابي: [من الطويل] # ولست بحفاث يطاول شخصه ... وينفخ نفخ الكير وهو لئيم # وقع بين رجل من العرب ورجل من الموالي كلام، فأربى عليه المولى، وكان ~~المولى فيه مشابه من العرب والأعراب، فلم يشك ذلك العربي أن ذلك المولى ~~عربي، وأنه وسط عشيرته، فانخزل [4] عنه فلم يكلمه، فلما فارقه وصار إلى ~~منزله علم أنه مولى، فبكر عليه غدوة، فلما رأى خذلان جلسائه له ذل واعتذر، ~~فعند ذلك قال العربي في كلمة له: [من الطويل] # ولم أدر ما الحفاث حتى بلوته ... ولا نفض للأشخاص حتى تكشفا [5] # وقد أدركت هذه القضية وكانت في البحرين، عند مسحر بن السكن عندنا ~~بالبصرة. فهو قوله: «والعث والحفاث ذو ms0965 نفخة» لأن الحفاث له نفخ وتوثب، وهو ~~ضخم شنيع المنظر، فهو يهول من لا يعرفه. PageV06P497 # وكان أبو ديجونة مولى سليمان، يدعي غاية الإقدام والشجاعة والصرامة، فرأى ~~حفاثا وهو في طريق مكة، فوجده وقد قتله أعرابي، ورآه أبو ديجونة كيف ينفخ ~~ويتوعد، فلم يشك إلا أنه أخبت من الأفعى ومن الثعبان، وأنه إذا أتى به أباه ~~وادعى أنه قتله سيقضي له بقتل الأسد والببر والنمر في نقاب، فحمله وجاء به ~~إلى أبيه وهو مع أصحابه، وقال: ما أنا اليوم إلا ذيخ [1] وما ينبغي لمن أحس ~~بنفسه مثل الذي أحس أن يرمى في المهالك والمعاطب، وينبغي أن يستبقيها لجهاد ~~أو دفع عن حرمة وحريم يذب عنه! وذلك أني هجمت على هذه الحية، وقد منعت ~~الرفاق من السلوك، وهربت منها الإبل، وأمعن في الهرب عنه كل جمال ضخم ~~الجزارة [2] ، فهزتني إليه طبيعة الأبطال، فراوغتها حتى وهب الله الظفر. ~~وكان من البلاء أنها كانت بأرض ملساء ما فيها حصاة، وبصرت بفهر على قاب ~~غلوة، فسعيت إليه- وأنا أسوار كما تعلمون- فو الله ما أخطات حاق لهزمته [3] ~~حتى رزق الله عليه الظفر. وأبوه والقوم ينظرون في وجهه، وهم أعلم الناس ~~بضعف الحفاث، وأنه لم يؤذ أحدا قط، فقال له أبوه: ارم بهذا من يدك، لعنك ~~الله ولعنه معك، ولعن تصديقي لك ما كنت تدعيه من الشجاعة والجراءة! فكبروا ~~عليه وسموه قاتل الأسد. ### || [هجاء فيه تشبيه بالعث] # ومما هجوا به حين يشبهون الرجل بالعث، في لؤمه وصغر قدره قول مخارق ~~الطائي، حيث يقول [4] : [من الوافر] # وإني قد علمت مكان عث ... له إبل معبسة تسوم [5] # عن الأضياف والجيران عزت ... فأودت والفتى دنس لئيم [6] # وإني قد علمت مكان طرف ... أغر كأنه فرس كريم [7] # له نعم لعام المحل فيها ... ويروى الضيف، والزق العظيم [8] PageV06P498 ### || 1858- [الوبر والخرنق] # وأما قوله: # 32- # «وخرنق يسفده وبر» # فإن الأعراب يزعمون أن الوبر يشتهي سفاد العكرشة- وهي أنثى الأرانب- ~~ولكنه يعجز عنها، فإذا قدر على ولدها وثب عليه. والأنثى تسمى العكرشة، ~~والذكر هو الخزر، والخرنق ولدهما. قال الشاعر: [من الكامل] # قبح ms0966 الإله عصابة نادمتهم ... في جحجحان إلى أسافل نقنق # أخذوا العتاق وعرضوا أحسابهم ... لمحرب ذكر الحديد معرق # ولقد قرعت صفاتكم فوجدتكم ... متشبثين بزاحف متعلق # ولقد غمزت قناتكم فوجدتها ... خرعاء مكسرها كعود محرق # ولقد قبضت بقلب سلمة قبضة ... قبض العقاب على فؤاد الخرنق # ثم اقتحمت للحمه فأكلته ... في وكر مرتفع الجناب معلق # قالوا: إنه قالها أبو حبيب بعد أن قال جشم ما قال، وقد قدم إليه طعامه. ### || 1859- [ما يشبه الخزز] # ووصف أعرابي خلق أعرابي فقال: كأن في عضلته خززا، وكأن في عضده جرذا. # وأنشدوا لماتح ووصف ماتحا، ورآه يستقي على بئره، فقال [1] : [من الرجز] # أعددت للورد إذ الورد حفز ... دلوا جرورا وجلالا خزخز # وماتحا لا ينثني إذا احتجز ... كأن تحت جلده إذا احتفز # في كل عضو جرذين أو خزز # وسنقول في الأرنب بما يحضرنا إن شاء الله تعالى. PageV06P499 ### | [القول في الأرانب] ### || 1860- # قال الشاعر [1] : [من الكامل] # زعمت غدانة أن فيها سيدا ... ضخما يوازنه جناح الجندب # يرويه ما يروي الذباب فينتشي ... سكرا ويشبعه كراع الأرنب # وإنما ذكر كراع الأرنب من بين جميع الكراعات لأن الأرنب هي الموصوفة بقصر ~~الذراع وقصر اليد. ولم يرد الكراع فقط، وإنما أراد اليد بأسرها. وإنما جعل ~~ذلك لها بسبب نحن ذاكروه إن شاء الله تعالى. # والفرس يوصف بقصر الذراع فقط. ### || 1861- [التوبير] # والتوبير لكل محتال من صغار السباع، إذا طمع في الصيد أو خاف أن يصاد، ~~كالثعلب، وعناق الأرض هي التي يقال لها التفة، وهي دابة نحو الكلب الصغير، ~~تصيد صيدا حسنا، وربما واثب الإنسان فعقره، وهو أحسن صيدا من الكلب. # وفي أمثالهم: «لأنت أغنى من التفة عن الرفة» [2] ، وهو التبن الذي تأكله ~~الدواب والماشية من جميع البهائم. والتفة سبع خالص لا يأكل إلا اللحم. # والتوبير: أن تضم براثنها فلا تطأ على الأرض إلا ببطن الكف، حتى لا يرى ~~لها أثر براثن وأصابع. وبعضها يطأ على زمعاته، [3] وبعضها لا يفعل ذلك. ~~وذلك كله في السهل. فإذا أخذت في الحزونة والصلابة، وارتفعت عن السهل حيث ~~لا ترى لها آثار- قالوا: ظلفت الأثر ms0967 تظلفه ظلفا. وقال النميري: أظلفت الأثر ~~إظلافا. ### || 1862- [بعض ما قيل في الأرنب] # وعن عبد الملك بن عمير، عن قبيصة بن جابر: «ما الدنيا في الآخرة إلا ~~كنفجة أرنب» [4] . PageV06P500 # ويقال حذفته بالعصا كما تحذف الأرنب. # وقال أبو الوجيه العكلي [1] : «لو كانت والله الضبة دجاجة لكانت الأرنب ~~دراجة» . ذهب إلى أن الأرانب والدراج لا تستحيل لحومها ولا تنقلب شحوما، ~~وإنما سمنها بكثرة اللحم. وذهب إلى ما يقول المعجبون منهم بلحم الضب؛ فإنهم ~~يزعمون أن الطعمين متشابهان. وأنشد [2] : [من الرجز] # وأنت لو ذقت الكشى بالأكباد ... لما تركت الضب يسعى بالواد # قال: والضب يعرض لبيض الظليم؛ ولذلك قال الحجاج لأهل الشام [3] : «إنما ~~أنا لكم كالظليم الرامح عن فراخه، ينفي عنها المدر [4] ، ويباعد عنها ~~الحجر، ويكنها من المطر، ويحميها من الضباب، ويحرسها من الذئاب. يا أهل ~~الشام أنتم الجنة والرداء، وأنتم العدة والحذاء» . ### || 1863- [ما يشبه بالأرنب] # ثم رجع بنا القول إلى الأرانب. فمما في الخيل مما يشبه الأرنب قول الأعشى ~~[5] : [من الكامل] # أما إذا استقبلته فكأنه ... جذع سما فوق النخيل مشذب # وإذا تصفحه الفوارس معرضا ... فتقول سرحان الغضا المتنصب # أما إذا استدبرته فتسوقه ... ساق يقمصها وظيف أحدب # منه، وجاعرة كأن حماتها ... كشطت مكان الجل عنها أرنب # وقال عبد الرحمن بن حسان: [من المتقارب] # كأن حماتيهما أرنبا ... ن غيضتا خيفة الأجدل [6] ### || 1864- [طول عمر الأغضف والأرنب] # وأنشد الأثرم: [من الرجز] PageV06P501 # بأغضف الأذن الطويل العمر ... وأرنب الخلة تلو الدهر [1] # قد سمعت من يذكر أن كبر أذن الإنسان دليل على طول عمره، حتى زعموا أن ~~شيخا من الزنادقة، لعنهم الله تعالى، قدموه لتضرب عنقه فعدا إليه غلام سعدي ~~كان له، فقال: أليس قد زعمت يا مولاي أن من طالت أذنه طال عمره؟ قال: بلى! ~~قال: # فهاهم يقتلونك! قال: إنما قلت: إن تركوه! وأنا لا أعرف ما قال الأثرم، ~~ولا سمعت شعرا حديثا ولا قديما يخبر عن طول عمر الأرنب. قال الشاعر: [من ~~الرجز] # معبلة في قدح نبع حادر ... تسقى دم الجوف لظفر قاصر [2] # إذ لا تزال أرنب أو فادر ms0968 ... أو كروان أو حبارى حاسر [3] # إلى حمار أو أتان عاقر ### || 1865- [لبن الأرنب] # قال: ويزعمون أنه ليس شيء من الوحش، في مثل جسم الأرنب أقل لبنا ودرورا ~~على ولد منها. ولذلك يضرب بدرها المثل، فممن قال في ذلك عمرو بن قميئة، حيث ~~يقول [4] : [من الخفيف] # ليس بالمطعم الأرانب إذ قل ... ص در اللقاح في الصنبر # ورأيت الإماء كالجعثن البا ... لي عكوفا على قرارة قدر # ورأيت الدخان كالودع الأه ... جن ينباع من وراء الستر # حاضر شركم وخيركم د ... ر خريس من الأرانب بكر ### || 1866- [قصر يدي الأرنب] # والأرنب قصير اليدين، فلذلك يخف عليه الصعداء [5] والتوقل في الجبال. # وعرف أن ذلك سهل عليه. فصرف بعض حيله إلى ذلك، عند إرهاق الكلاب إياه. # ولذلك يعجبون بكل كلب قصير اليدين، لأنه إذا كان كذلك كان أجدر أن ~~يلحقها. PageV06P502 ### || 1867- [من أعاجيب الأرنب] # وفي الأرانب من العجب أنها تحيض، وأنها لا تسمن، وأن قضيب الخزز ربما كان ~~من عظم، على صورة قضيب الثعلب [1] . # ومن أعاجيبها أنها تنام مفتوحة العين، فربما جاء الأعرابي حتى يأخذها من ~~تلقاء وجهها، ثقة منه بأنها لا تبصر. # وتقول العرب: هذه أرنب، كما يقولون: هذه عقاب ولا يذكرون. وفيها التوبير ~~الذي ليس لشيء من الدواب التي تحتال بذلك، صائدة كانت أو مصيدة، وهو الوطء ~~على مؤخر القوائم، كي لا تعرف الكلاب آثارها، وليس يعرف ذلك من الكلاب إلا ~~الماهر، وإنما تفعل ذلك في الأرض اللينة. وإذا فعلت ذلك لم تسرع في الهرب. ~~وإن خافت أن تدرك انحرفت إلى الحزونة والصلابة. وإنما تستعمل التوبير قبل ~~دنو الكلاب. # وليس لشيء من الوحش، مما يوصف بقصر اليدين ما للأرنب من السرعة. # والفرس يوصف بقصر الكراع فقط ### || 1868- [ تعليق كعب الأرنب] # وكانت العرب في الجاهلية تقول [2] : من علق عليه كعب أرنب لم تصبه عين ~~ولا نفس ولا سحر، وكانت عليه واقية؛ لأن الجن تهرب منها، وليست من مطاياها ~~لمكان الحيض. # وقد قال في ذلك امرؤ القيس [3] : [من المتقارب] # يا هند لا تنكحي بوهة ... عليه عقيقته أحسبا [4] PageV06P503 # مرسعة بين أرساغه ms0969 ... به عسم يبتغي أرنبا [1] # ليجعل في يده كعبها ... حذار المنية أن يعطبا [2] # وفي الحديث [3] : «بكى حتى رسعت عينه» مشددة وغير مشددة، أي قد تغيرت. ~~ورجل مرسع وامرأة مرسعة. ### || 1869- [تعشير الخائف] # وكانوا إذا دخل أحدهم قرية من جن أهلها، ومن وباء الحاضرة، أشد الخوف، ~~إلا أن يقف على باب القرية فيعشر كما يعشر الحمار [4] في نهيقه، ويعلق عليه ~~كعب أرنب. ولذلك قال قائلهم [5] : [من الطويل] # ولا ينفع التعشير في جنب جرمة ... ولا دعدع يغني ولا كعب أرنب # الجرمة: القطعة من النخل. وقوله: «دعدع» كلمة كانوا يقولونها عند العثار. # وقد قال الحادرة [6] : [من الكامل] # ومطية كلفت رحل مطية ... حرج تنم من العثار بدعدع [7] # وقالت امرأة من اليهود [8] : [من المتقارب] # وليس لوالدة نفثها ... ولا قولها لابنها دعدع # تداري غراء أحواله ... وربك أعلم بالمصرع PageV06P504 # وقد قال عورة بن الورد، في التعشير، حين دخل المدينة فقيل له: إن لم تعشر ~~هلكت! فقال [1] : [من الطويل] # لعمري لئن عشرت من خيفة الردى ... نهاق الحمير إنني لجزوع ### || 1870- [نفع الأرنب] # وللأرنب جلد ووبر ينتفع به، ولحمه طيب؛ ولا سيما إن جعل محشيا [2] ؛ لأنه ~~يجمع حسن المنظر، واستفادة العلم مما يرون من تدبيرها وتدبير الكلاب، ~~والانتفاع بالجلد وبأكل اللحم. وما أقل ما تجتمع هذه الأمور في شيء من ~~الطير. # وأما قوله [3] : [من الطويل] # إذا ابتدر الناس المعالي رأيتهم ... قياما بأيديهم مسوك الأرانب # فإنه هجاهم بأنهم لا كسب لهم إلا صيد الأرانب وبيع جلودها. ### || 1871- [الحلكاء] # وأما قوله: # 33- «وغائص في الرمل ذو حدة ... ليس له ناب ولا ظفر» # فهذا الغائص هو # | الحلكاء. # والحلكاء: دويبة تغوص في الرمل. كما يصنع الطائر الذي يسمى الغماس في ~~الماء. وقال ابن سحيم في قصيدته التي قصد فيها للغرائب: [من البسيط] # والحلكاء التي تبعج في الرمل [4] ### || 1872- [شحمة الأرض] # ومما يغوص في الرمل، ويسبح فيه سباحة السمكة في الماء، شحمة الرمل، وهي # شحمة الأرض، # بيضاء حسنة يشبه بها كف المرأة [5] ، وقال ذو الرمة في تشبيه البنان بها ~~[6] : [من الطويل] PageV06P505 # خراعيب أمثال كأن بنانها ... بنات النقا تخفى مرارا وتظهر ms0970 [1] # وقال أبو سليمان الغنوي: هي أعرض من العظاءة بيضاء حسنة منقطة بحمرة ~~وصفرة، [وهي] [2] أحسن دواب الأرض. ### || 1873- تشبيه أطراف البنان بالعنم # وتشبه أيضا أطراف البنان بالأساريع وبالعنم، إذا كانت مطرفة، وقال مرقش ~~[3] : # [من السريع] # النشر مسك والوجوه دنا ... نير وأطراف الأكف عنم # وصاحب البلاغة من العامة يقول: «كأن بنانها البياح [4] والدواج [5] ، ~~ولها ذراع كأنها شبوطة [6] » . # ويشبه أيضا بالدمقس. ### || 1874- [شعر فيه خرافة] # ومن خرافات أشعار الأعراب، يقول شاعرهم: [من الرجز] # أشكو إلى الله العلي الأمجد ... عشائرا مثل فراخ السرهد # عشائرا قد نبفوا بفدفد ... قد ساقهم خبث الزمان الأنكد # وكل حرباء وكل جدجد ... وكل رام في الرمال يهتدي # وكل نفاض القفا ملهد ... ينصب رجليه حذار المعتدي [7] # وشحمة الأرض وفرخ الهدهد ... والفار واليربوع ما لم يسفد # فنارهم ثاقبة لم تخمد ... شواء أحناش ولم تفرد # من الحبين والعظاء الأجرد ... يبيت يسري ما دنا بفدفد # وكل مقطوع العرا معلكد ... حتى ينالوه بعود أو يد [8] PageV06P506 # منها وأبصار سعال جهد ... يغدون بالجهد وبالتشرد # زحفا وحبوا مثل حبو المقعد ### || 1875- [الحرباء] # وأما قوله: # 34- # «حرباؤها في قيظها شامس ... حتى يوافي وقته العصر # 35- # يميل بالشق إليها كما ... يميل في روضته الزهر» # قال: والحرباء دويبة أعظم من العظاءة أغبر ما كان فرخا، ثم يصفر، وإنما ~~حياته الحر. فتراه أبدا إذا بدت جونة يعني الشمس، قد لجأ بظهره إلى جذيل ~~[1] ، فإن رمضت الأرض ارتفع. ثم هو يقلب بوجهه أبدا مع الشمس حيث دارت، حتى ~~تغرب، إلا أن يخاف شيئا. ثم تراه شابحا بيديه [2] ، كما رأيت من المصلوب. ~~وكلما حميت عليه الشمس رأيت جلده قد يخضر، وقد ذكره ذو الرمة بذلك فقال [3] ~~: [من الطويل] # يظل بها # الحرباء # للشمس ماثلا ... على الجذل إلا أنه لا يكبر # إذا حول الظل العشي رأيته ... حنيفا وفي قرن الضحى يتنصر # غدا أصفر الأعلى وراح كأنه ... من الضح واستقباله الشمس أخضر [4] ### || 1876- [خضوع بعض الأحياء للشمس] # وكذا الجمل أيضا يستقبل بهامته الشمس، إلا أنه لا يدور معها كيف دارت كما ~~يفعل الحرباء. # وشقائق النعمان والخيري يصنع ذلك، ويتفتح بالنهار. وينضم بالليل، ms0971 ~~والنيلوفر الذي ينبت في الماء يغيب الليل كله ويظهر بالنهار، والسمك الذي ~~يقال له PageV06P507 # الكوسج. في جوفه شحمة طيبة، وهم يسمونها الكبد، فإن اصطادوا هذه السمكة ~~ليلا وجدوا هذه الشحمة فيها وافرة، وإن اصطادوها نهارا لم توجد. وقد ذكر ~~الحطيئة دوران النبات مع الشمس حيث يقول [1] : [من الطويل] # بمستأسد القريان حو تلاعه ... فنواره ميل إلى الشمس زاهره # وقال ذو الرمة [2] : [من الطويل] # إذا جعل الحرباء يغبر لونه ... ويخضر من لفح الهجير غباغبه # ويشبح بالكفين شبحا كأنه ... أخو فجرة عالى به الجذع صالبه # وقال ذو الرمة أيضا [3] : [من الطويل] # وهاجرة من دون مية لم يقل ... قلوصي بها والجندب الجون يرمح # إذا جعل الحرباء مما أصابه ... من الحر يلوي رأسه ويرنح # وقال آخر [4] : [من الطويل] # كأن يدي حربائها متشمسا ... يدا مجرم يستغفر الله تائب # وقال آخر: [من الطويل] # لظى يلفح الحرباء حتى كأنه ... أخو حربات بز ثوبيه، شابح [5] # وأنشدوا: [من الرجز] # قد لاحها يوم شموس ملهاب ... أبلج ما لشمسه من جلباب [6] # يرمي الإكام من حصاة طبطاب ... شال الحرابي له بالأذناب [7] PageV06P508 # وقال العباس بن مرداس [1] : [من الطويل] # على قلص يعلو بها كل سبسب ... تخال به الحرباء أنشط جالسا # وقال الشاعر [2] : [من الطويل] # تجاوزت والعصفور في الحجر لاجئ ... مع الصب والشقذان تسمو صدورها # وقال أبو زبيد [3] : [من الخفيف] # واستكن العصفور كرها مع الض ... ب وأوفى في عوده الحرباء # والشقذان [4] : الحرابي. وقوله: «تسمو» أي ترتفع في الشجرة وعلى رأس ~~العود. والواحد من الشقذان بإسكان القاف وكسر الشين شقذ بتحريك القاف. # وأنشد: [من الطويل] # ففيها إذا الحرباء مد بكفه ... قام مثيل الراهب المتعبد # وذلك أن الحرباء إذا انتصف النهار فعلا في رأس شجرة صار كأنه راهب في ~~صومعته. # وقال آخر [5] : [من البسيط] # أنى أتيح لكم حرباء تنضبة ... لا يترك الساق إلا ممسكا ساقا [6] ### || 1877- [التشبه بالعرب] # قال: وكان مولى لأبي بكر الشيباني، فادعى إلى العرب من ليلته فأصبح إلى ~~PageV06P509 # الجلوس في الشمس، قال: قال لي محمد بن منصور: مررت به فإذا هو في ضاحية ~~[1] ، وإذا هو يحك ms0972 جلده بأظفاره خمشا وهو يقول: إنما نحن إبل! وقد كان قيل ~~له مرة: إنك تتشبه بالعرب، فقال: ألي يقال هذا؟ أنا والله حرباء تنضبة، ~~يشهد لي سواد لوني، وشعاثتي، وغور عيني وحبي للشمس. ### || 1878- [نفخ الحرباء والورل] # قال [2] : والحرباء ربما رأى الإنسان فتوعده، ونفخ وتطاول له حتى ربما ~~فزع منه من لم يعرفه. وليس عنده شر ولا خير. # وأما الذي سمعناه من أصحابنا فإن الورل السامد [3] هو الذي يفعل ذلك. ولم ~~أسمع بهذا في الحرباء إلا من هذا الرجل. # قال: والحرباء أيضا: المسمار الذي يكون في حلقة الدرع؛ وجمعه حرابي. ### || 1879- [استدراك لما فات من ذكر الوبر] # وقد كنا غفلنا أن نذكر الوبر في البيت الأول [4] . قال رجل من بني تغلب: # [من الرجز] # إذا رجونا ولدا من ظهر ... جاءت به أسود مثل الوبر [5] # من بارد الأدنى بعيد القعر # وقال مخارق بن شهاب: [من الطويل] # فيا راكبا إما عرضت فبلغن ... بني فالج حيث استقر قرارها # هلموا إلينا لا تكونوا كأنكم ... بلاقع أرض طار عنه وبارها # وأرض التي أنتم لقيتم بجوها ... كثير بها أوعالها ومدارها # فهجا هؤلاء بكثرة الوبار في أرضهم، ومدح هؤلاء بكثرة الوعول في جبلهم. # وقال آخر [6] : [من الكامل] PageV06P510 # هل يشتمني لا أبا لكم ... دنس الثياب كطابخ القدر # جعل تمطى في غيابته ... زمر المروءة ناقص الشبر [1] # لزبابة سوداء حنظلة ... والعاجز التدبير كالوبر # ويضرب المثل بنتن الوبر؛ ولذلك يقول الشاعر [2] : [من الوافر] # تطلى وهي سيئة المعرى ... بوضر الوبر تحسبه ملابا [3] # ونتن الوبر هو بوله. ### || 1880- [مما يتمازح به الأعراب] # ومما تتمازح به الأعراب، فمن ذلك قول الشاعر: [من الرجز] # قد هدم الضفدع بيت الفاره ... فجاء الربية والوباره [4] # وحلم يشد بالحجاره [5] # وهذا مثل قولهم: [من الرجز] # اختلط النقد على الجعلان ... وقد بقي دريهم وثلثان ### || 1881- [الظربان] # وأما قوله: # 36- # «والظربان الورد قد شفه ... حب الكشي والوحر الحمر [6] # 37- # [يلوذ منه الضب مذلوليا ... ولو نجا أهلكه الذعر] [7] # 38- # وليس ينجيه إذا ما فسا ... شيء ولو أحرزه قصر» PageV06P511 # قال أبو سليمان الغنوي: الظربان أخبث دابة في الأرض وأهلكه لفراخ الضبة. # قال: ms0973 فسألت زيد بن كثوة عن ذلك فقال: إي والله وللضب الكبير! والظربان ~~دابة فساءه لا يقوم لشر فسوها شيء، قلت: فكيف يأخذها؟ قال: # يأتي جحر الضب، وهو ببابه يستروح، فإذا وجد الضب ريح فسوه دخل هاربا في ~~جحره، ومر هو معه من فوق الجحر مستمعا حرشه، وقد أصغى بإحدى أذنيه من فوق ~~الأرض نحو صوته- وهو أسمع دابة في الأرض- فإذا بلغ الضب منتهاه، وصار إلى ~~أقصى جحره وكف حرشه استدبر جحره، ثم يفسو عليه من ذلك الموضع- وهو متى شمه ~~غشي عليه- فيأخذه. # قال: والظربان واحد، والظربان: الجميع، مثل الكروان للواحد والكروان ~~للجميع. وأنشد قول ذي الرمة [1] : [من الطويل] # من آل أبي موسى ترى القوم حوله ... كأنهم الكروان أبصرن بازيا # والعامة لا تشك [في] [2] أن الكروان ابن الحبارى؛ لقول الشاعر [3] : [من ~~الطويل] # ألم تر أن الزبد بالتمر طيب ... وأن الحباري خالة الكروان # وقال غيره: الظربان يكون على خلقة هذا الكلب الصيني، وهو منتن جدا، يدخل ~~في جحر الضب فيفسو عليه، فينتن عليه بيته، حتى يذلق الضب من بيته، فيصيده. # والضباب الدلالي أيضا، التي يدخل عليها السيل فيخرجها. وأنشد [4] : [من ~~الرجز] # 1- # يا ظربانا يتعشى ضبا ... رأى العقاب فوقه فخبا PageV06P512 # 3- # كأن خصييه إذا أكبا ... فروجتان تطلبان حبا # 5- # أو ثعلبان يحفزان ضبا [1] # وأنشد الفرزدق [2] : [من الطويل] # أبوك سليم قد عرفنا مكانه ... وأنت بجيري قصير قوائمه # ومن يجعل الظربى القصار ظهورها ... كمن رفعته في السماء دعائمه ### || 1882- [سلاح بعض الحيوان] # قال: والظربان يعلم أن سلاحه في فسائه، ليس شيء عنده سواه، والحبارى تعلم ~~أن سلاحها في سلحها ليس لها شيء سواه، قال: ولها في جوفها خزانة لها فيها ~~أبدا رجع [3] معد فإذا احتاجت إليه وأمكنها الاستعمال استعملته، وهي تعلم ~~أن ذلك وقاية لها، وتعرف مع ذلك شدة لزجه، وخبث نتنه، وتعلم أنها تساور ~~بذلك الزرق [4] ، وأنها تثقله فلا يصيد. # ويعلم الديك أن سلاحه في صيصيته [5] ، ويعلم أن له سلاحا، ويعلم أنه تلك ~~الشوكة، ويدري لأي مكان يعتلج، وأي موضع يطعن به. # والقنافذ تعلم أن فروتها جنة [6] وأن شوك ms0974 جلدها وقاية. فما كان منها مثل ~~الدلدل ذوات المداري [7] فإنها ترمي فلا تخطئ، حتى يمر مرور السهم المسدد. ~~وإن كانت من صغارها قبضت على الأفعى وهي واثقة بأنه ليس في طاقة الأفعى لها ~~من المكروه شيء. ومتى قبضت على رأس الأفعى فالخطب فيها يسير. وإن قبضت على ~~الذنب أدخلت رأسها فقرضتها وأكلتها أكلا، وأمكنتها من جسمها، تصنع ما شاءت؛ ~~ثقة منها بأنه لا يصل إليها بوجه من الوجوه. # والأجناس التي تأكل الحيات: القنافذ، والخنازير، والعقبان، والسنانير، ~~PageV06P513 # والشاهمرك [1] . على أن النسور والشاهمرك لا يتعرضان للكبار. # ويعلم الزنبور أن سلاحه في شعرته فقط، كما تعلم العقرب أن سلاحها في ~~إبرتها فقط. وتعلم الذبان والبعوض والقملة، أن سلاحها في خراطيمها. وتعلم ~~جوارح الطير أن سلاحها في مخالبها. ويعلم الذئب والكلب أن سلاحهما في ~~أشداقهما فقط. ويعلم الخنزير والأفعى أن سلاحهما في أنيابهما فقط. # ويعلم الثور أن سلاحه قرنه، لا سلاح له غيره. فإن لم يجد الثور والكبش ~~والتيس قرونا، وكانت جما [2] ، استعملت باضطرار مواضع القرون. # والبرذون يستعمل فمه وحافر رجله. # ويعلم التمساح أن أحد أسلحته وأعونها ذنبه، ولذلك لا يعرض إلا لمن وجده ~~على الشريعة؛ فإنه يضربه ويجمعه إليه حتى يلقيه في الماء. # وذنب الضب أنفع من براثنه [3] . ### || 1883- [لجوء بعض الحيوان إلى الخبث ] # وإنما تفزع هذه الأجناس إلى الخبث، وإلى ما في طبعها من شدة الحضر [4] ~~إذا عدمت السلاح؛ فعند ذلك تستعمل الحيلة: مثل القنفذ في إمكان عدوه من ~~فروته، ومثل الظبي واستعمال الحضر في المستوي، ومثل الأرنب واستعماله الحضر ~~في الصعداء [5] . # وإذا كان ممن لا يرجع إلى سلاحه ولا إلى خبثه كان إما أن يكون أشد حضرا ~~ساعة الهرب من غيره، وإما أن يكون ممن لا يمكنه الحضر ويقطعه الجبن، فلا ~~يبرح حتى يؤخذ. ### || 1884- [ما يقطعه الجبن من الحيوان] # وإنما تتقرب الشاة بالمتابعة والانقياد للسبع، تظن أن ذلك مما ينفعها؛ ~~فإن PageV06P514 # الأسد إذا أخذ الشاة ولم تتابعه، ولم تعنه على نفسها، فربما اضطر الأسد ~~إلى أن يجرها إلى عرينه. وإذا أخذها الذئب ms0975 عدت معه حتى لا يكون عليه فيها ~~مؤونة، وهو إنما يريد أن ينحيها [1] عن الراعي والكلب، وإن لم يكن في ذلك ~~الوقت هناك كلب ولا راع، فيرى أن يجري على عادته. # وكذلك الدجاج إذا كن وقعا على أغصان الشجر، أو على الرفوف، فلو مر تحتها ~~كل كلب. وكل سنور، وكل ثعلب، وكل شيء يطالبها، فإذا مر ابن آوى بقربها لم ~~يبق منها واحدة إلا رمت بنفسها إليه [2] . لأن الذئب هو المقصود به إلى ~~طباع الشاة، وكذلك شأن ابن آوى والدجاج، يخيل إليها أن ذلك مما ينفع عنده. # وللجبن تفعل كل هذا. # ولمثل هذه العلة نزل المنهزم عن فرسه الجواد؛ ليحضر ببدنه، يظن اجتهاده ~~أنجى له، وأنه إذا كان على ظهر الفرس أقل كدا، وأن ذلك أقرب له إلى الهلاك. # ولمثل هذه العلة يتشبت الغريق بمن أراد إنقاذه حتى يغرقه نفسه، وهما قبل ~~ذلك قد سمعا بحال الغريق والمنهزم، وأنهما إنما هما في ذلك كالرجل المعافى ~~الذي يتعجب ممن يشرب الدواء من يد أعلم الناس به، فإن أصابته شقيقة، أو ~~لسعة عقرب، أو اشتكى خاصرته، أو أصابه حصر أو أسر [3] شرب الدواء من يد ~~أجهل الخليقة، أو جمع بين دواءين متضادين. # فالأشياء التي تعلم أن سلاحها في أذنابها ومآخرها الزنبور والثعلب ~~والعقرب والحبارى، والظربان، وسيقع هذا الباب في موضعه إن شاء الله تعالى. # وليس شيء من صنف الحيوان أردأ حيلة عند معاينة العدو من الغنم؛ لأنها في ~~الأصل موصولة بكفايات الناس، فأسندت إليهم في كل أمر يصيبها، ولولا ذلك ~~لخرجت لها الحاجة ضروبا من الأبواب التي تعينها. فإذا لم يكن لها سلاح ولا ~~حيلة، ولم تكن ممن يستطيع الانسياب إلى جحره أو صدع صخرة، أو في ذروة جبل. # كانت مثل الدجاجة، فإن أكثر ما عندها من الحيلة إذا كانت على الأرض أن ~~ترتفع إلى رف. وربما كانت في الأرض، فإذا دنا المغرب فزعت إلى ذلك. ~~PageV06P515 ### || 1885- [ما ضروب من السلاح] # وربما كان عند الجنس من الآلات ضروب، كنحو زبرة [1] الأسد ولبدته، فإنه ms0976 ~~حمول للسلاح إلا في مراق بطنه فإنه [2] من هناك ضعيف جدا، وقال التغلبي [3] ~~: # [من الطويل] # ترى الناس منا جلد أسود سالخ ... وزبرة ضرغام من الأسد ضيغم [4] # وله مع ذلك بعد الوثبة واللزوق بالأرض. وله الحبس باليد. وله الطعن ~~بالمخلب، حتى ربما حبس العير بيمينه وطعن بمخلب يساره لبته [5] وقد ألقاه ~~على مؤخره، فيتلقى دمه شاحيا [6] فاه وكأنه ينصب من فوارة، حتى إذا شربه ~~واستفرغه صار إلى شق بطنه. وله العض بأنياب صلاب حداد، وفك شديد، ومنخر ~~واسع. وله مع البرثن والشك بأظفاره دق الأعناق، وحطم الأصلاب. وله أنه أسرع ~~حضرا من كل شيء أعمل الحضر في الهرب منه. وله من الصبر على الجوع ومن قلة ~~الحاجة إلى الماء مع غيره، وربما سار في طلب الملح [7] ثمانين فرسخا في يوم ~~وليلة. ولو لم يكن له سلاح إلا زئيره وتوقد عينيه، وما في صدور الناس له ~~لكفاه. # وربما كان كالبعير الذي يعلم أن سلاحه في نابيه وفي كركرته [8] . # والإنسان يستعمل في القتال كفيه في ضروب، ومرفقيه ورجليه ومنكبيه وفمه ~~ورأسه وصدره، كل ذلك له سلاح ويعلم مكانه، يستوي في ذلك العاقل والمجنون، ~~كما يستويان في الهداية في الطعام والشراب إلى الفم. ### || 1886- [سلاح المرأة] # والمرأة إذا ضعفت عن كل شيء فزعت إلى الصراخ والولولة؛ التماسا للرحمة، ~~واستجلابا للغياث من حماتها وكفاتها، أو من أهل الحسبة في أمرها. ~~PageV06P516 ### | باب أسماء أولاد الحيوان # ] # (باب) ### || 1887- أسماء أولاد الحيوان # قال: ويقال لولد السبع الهجرس والجمع هجارس، ولولد الضبع الفرعل والجمع ~~فراعل. قال ابن حبناء: [من الطويل] # سلاحين منها بالركوب وغيرها ... إذا ما رآها فرعل الضبع كفرا # قال: والديسم ولد الذئب من الكلبة. # وسألت عن ذلك أبا الفتح صاحب قطرب فأنكر ذلك وزعم أن الديسمة الذرة، واسم ~~أبي الفتح هذا ديسم. # ويقال إنه دويبة غير ما قالوا. # ويقال لولد اليربوع والفأر درص، والجمع أدراص. ويقال لولد الأرنب خرنق، ~~والجمع خرانق، قال طرفة [1] : [من الطويل] # إذا جلسوا خيلت تحت ثيابهم ... خرانق توفي بالضغيب لها نذرا ### || أشعار فيها أخلاط ms0977 من السباع والوحش والحشرات # قال مسعود بن كبير الجرمي، من طيئ، يقولها في حمار اشتراه فوجده على خلاف ~~ما وصفه به النخاس: [من الرجز] # إن أبا الخرشن شيء هنب ... معجب ما يحتويه العجب [2] # قد قلت لما أن أجد الركب ... واعتر القوم صحار رحب # يا أجنح الأذن ألا تخب ... أهانك الله فبئس النجب [3] # ما كان لي إذ أشتريك قلب ... بلى ولكن ضاع ثم اللب # إن الذي باعك خب ضب ... أخبرني أنك عير ندب [4] PageV06P517 # وشر ما قال الرجال الكذب ... صب عليه ضبع وذئب # سرحانة وجيأل قرشب ... ذيخ عدته رملة وهضب [1] # كأنه تحت الظلام سقب ... يأخذ منه من رآه الرعب [2] # أبو جراء مسهن السغب ... حتى يقال حيث أفضى السحب [3] # وأنت نفاق هناك ضب ... وصبح الراعي مجرا وغب [4] # ورخات بينهن كعب ... وأكرع العير وفرث رطب [5] # تقول: أدنوني إلى شرائه، ويقال ثرية لقيك لغة طائية. # وقال قرواش بن حوط [6] : [من الكامل] # نبئت أن عقالا بن خويلد ... بنعاف ذي عدم وأن الأعلما [7] # ضبعا مجاهرة وليثا هدنة ... وثعيلبا خمر إذا ماء أظلما [8] # لا تسأماني من رسيس عداوة ... أبدا فلست بسائم إن تسأما [9] # غضا الوعيد فما أكون لموعدي ... فيئا ولا أكلا له متخضما [10] # فمتى ألاقكما البراز تلاقيا ... عركا يفل الحد شاكا معلما [11] ~~PageV06P518 ### || 1888- [الوحر] # قال: وقال العدبس الكناني: والوحرة دويبة كالعظاءة حمراء إذا اجتمعت تلصق ~~بالأرض، وجمع وحرة وحر، مفتوحة الحاء، ومنه قيل وحر الصدر، كما قيل للحقد ~~ضب؛ ذهبوا إلى لزوقه بالصدر كالتزاق الوحرة بالأرض، وأنشد [1] : [من الرمل] # بئس عمر الله، قوم طرقوا ... فقروا أضيافهم لحما وحر [2] # وسقوهم في إناء مقرف ... لبنا من در مخراط فئر [3] # يقال لحم وحر: إذا دبت عليه الوحرة، مقرف: موبئ [4] . ويقال فئر: إذا ~~وقعت فيه فارة. وقال الحكمي [5] : [من مجزوء الوافر] # بأرض باعد الرحم ... ن عنها الطلح والعشرا [6] # ولم يجعل مصايدها ... يرابيعا ولا وحرا ### || 1889-[الهيشة] # وأما قوله: # 29- # «وهيشة تأكلها سرفة ... وسمع ذئب همه الحضر» # فالهيشة أم حبين، وأنشد [7] : [من البسيط] # أشكو إليك زمانا قد تعرقنا ... كما تعرق رأس # الهيشة # الذيب # وأم جبين وأم ms0978 حبينة سواء، وقد ذكرنا شأنها في صدر هذا الكتاب. ويقال إنها ~~لا تقيم بمكان تكون فيه هذه الدودة التي يقال لها السرفة، وإليها ينتهي ~~المثل في الصنعة، ويقال: «أصنع من سرفة» [8] . ويقال إنها تقوم من أم حبين ~~مقام القراد من PageV06P519 # البعير، إذا كانت أم حبين في الأرض التي تكون فيها هذه الدودة. ### || 1890- [ذكر من يأكل بعض أصناف الحيوان] # قال [1] : وقال مدني لأعرابي: أتأكلون الضب؟ قال: نعم. قال: فاليربوع؟ ~~قال: # نعم. قال: فالوحرة؟ قال: نعم. حتى عد أجناسا كثيرة من هذه الحشرات. قال ~~أفتأكلون أم حبين؟ قال: لا. قال: «فلتهن أم حبين العافية» . # قال ابن أبي كريمة [2] : سأل عمرو بن كريمة أعرابيا- وأنا عنده- فقال: # أتأكلون القرنبى؟ قال: طال والله ما سال ماؤه على شدقي!. # وزعم أبو زيد النحوي سعيد بن أوس الأنصاري، قال [3] : دخلت على رؤبة وإذا ~~قدامه كانون، وهو يمل على جمره جرذا من جرذان البيت، يخرج الواحد بعد ~~الواحد فيأكله، ويقول: هذا أطيب من ### || 1891- [اليربوع] # يأكل التمر والجبن، ويحسو الزيت والسمن. # وأنشد [4] : [من الوافر] # ترى التيمي يزحف كالقرنبى ... إلى تيمية كقفا القدوم # وقال آخر [5] : [من الكامل] # يدب على أحشائها كل ليلة ... دبيب القرنبى بات يعلو نقا سهلا # #اليربوع # قال: واليربوع دابة كالجرذ، منكب على صدره؛ لقصر يديه طويل الرجلين، له ~~ذنب كذنب الجرذ يرفعه في الصعداء [6] إذا هرول. وإذا رأيته كذلك رأيت فيه ~~اضطرابا وعجبا. والأعراب تأكله في الجهد وفي الخصب. PageV06P520 ### || 1892- [أخبث الحيوان] # قال: وكل دابة حشاها الله تعالى خبثا فهو قصير اليدين، فإذا خافت شيئا ~~لاذت بالصعداء فلا يكاد يلحقها شيء [1] . ### || 1893- [أكل المسيب بن شريك لليربوع] # قال: وأخبرني ابن أبي نجيح وكان حج مع المسيب بن شريك عام حج المهدي [مع] ~~[2] سلسبيل، قال: زاملت المسيب في حجته تلك، فبينا نحن نسير إذ نظرنا إلى ~~يربوع يتخلل فراسن [3] الإبل، فصاح بغلمانه: دونكم اليربوع! فأحضروا في ~~إثره فأخذوه. فلما حططنا قال: اذبحوه. ثم قال: اسلخوه واشووه وائتوني به في ~~غدائي. قال: فأتي به في آخر الغداء، على رغيف قد رعبوه فهو ms0979 أشد حمرة من ~~الزهوة [4] ،- يريد البسرة- فعطف عليه فثنى الرغيف ثم غمزه بين راحتيه ثم ~~فرج [5] الرغيف، فإذا هو قد أخذ من دسمه، فوضعه بين يديه، ثم تناول اليربوع ~~فنزع فخذا منه، فتناولها ثم قال: كل يا أبا محمد! فقلت: ما لي به حاجة! ~~فضحك ثم جعل يأتي عليه عضوا عضوا. ### || 1894- [أم حبين] # قال: وأما # أم حبين # فهي الهيشة، وهي أم الحبين، وهي دويبة تأكلها الأعراب مثل الحرباء، إلا ~~أنها أصغر منها، وهي كدراء لسواد بيضاء البطن. وهو خلاف قول الأعرابي ~~للمدني. ### || 1895- [وصاة أعرابي لسهل بن هارون] # وقال أعرابي لسهل بن هارون، في تواري سهل من غرمائه وطلبهم له طلبا ~~شديدا؛ فأوصاه الأعرابي بالحزم وتدبير اليربوع، فقال [6] : [من الطويل] # انزل أبا عمرو على حد قرية ... تزيغ إلى سهل كثير السلائق [7] ~~PageV06P521 # وخذ نفق اليربوع واسلك سبيله ... ودع عنك إني ناطق وابن ناطق # وكن كأبي قطن على كل زائغ ... له منزل في ضيق العرض شاهق # وإنما قال ذلك لاحتيال اليربوع بأبوابه التي يخرج من بعضها، إذا ارتاب ~~بالبعض الآخر. وكذا كانت دار أبي قطنة الخناق بالكوفة في كندة، ويزعمون أنه ~~كان مولى لهم. وأنشد أبو عبيدة قال: أنشدني سفيان بن عيينة [1] : [من ~~الهزج] # إذ ما سرك العيش ... فلا تمرر على كنده # وقد قتل أبو قطنة وصلب. ### || 1896- [الخناقون] # وممن كان يخنق الناس بالمدينة عدية المدنية الصفراء، وبالبصرة، رادويه. # والمرميون بالخنق من القبائل وأصحاب النحل والتأويلات هم الذين ذكرهم ~~أعشى همدان في قوله [2] : [من الطويل] # إذا سرت في عجل فسر في صحابة ... وكندة فاحذرها حذارك للخسف # وفي شيعة الأعمى خناق وغيلة ... وقشب وإعمال لجندلة القذف # وكلهم شر، على أن رأسهم ... حميدة والميلاء حاضنة الكسف # متى كنت في حيي بجيلة فاستمع ... فإن لها قصفا يدل على حتف # إذا اعتزموا يوما على قتل زائر ... تداعوا عليه بالنباح وبالعزف # وذلك أن الخناقين لا يسيرون إلا معا، ولا يقيمون في الأمصار إلا كذلك. ~~فإذا عزم أهل دار على خنق إنسان كانت العلامة بينهم الضرب على دف أو طبل، ~~على ms0980 ما يكون في دور الناس، وعندهم كلاب مرتبطة فإذا تجاوبوا بالعزف ليختفي ~~الصوت ضربوا تلك الكلاب فنبحت. وربما كان منهم معلم يؤدب في الدرب، فإذا ~~سمع تلك الأصوات أمر الصبيان برفع الهجاء والقراءة والحساب. ### || 1897- المغيرية والغالية والمنصورية # وأما الأعمى فهو المغيرة بن سعيد صاحب المغيرية، مولى بجيلة والخارج على ~~PageV06P522 # خالد بن عبد الله القسري. ومن أجل خروجه عليه قال: «أطعموني ماء» حتى نعى ~~عليه ذلك يحيى بن نوفل، فقال [1] : [من الوافر] # تقول من النواكة أطعموني ... شرابا ثم بلت على السرير # لأعلاج ثمانية وشيخ ... كليل الحد ذي بصر ضرير # وأما حميدة، فكانت من أصحاب ليلى الناعظية، ولها رياسة في الغالية. # والميلاء حاضنة أبي منصور صاحب المنصورية، وهو الكسف، قالت الغالية: إياه ~~عنى الله: وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم # وإياه عنى معدان الأعمى حيث يقول [2] : [من الخفيف] # إن ذا الكسف صد آل كميل ... وكميل رذل من الأرذال # تركا بالعراق داء دويا ... ضل فيه تلطف المحتال ### || 1898- [تفسير بيت] # وأما قوله [3] : [من الطويل] # انزل أبا عمرو على حد قرية ... تزيغ إلى سهل كثير السلائق # فأراد الهرب؛ لأنه متى كان في ظهر فظ [4] كثير الجواد والطرائق [5] . كان ~~أمكر وأخفى. وما أحسن ما قال النابغة في صفة الطريق إذا كان يتشعب، حيث ~~يقول [6] : # [من الطويل] # وناجية عديت في ظهر لاحب ... كسحل اليماني، قاصدا للمناهل [7] # له خلج تهوي فرادى وترعوي ... إلى كل ذي نيرين بادي الشواكل [8] ~~PageV06P523 # وهذا موضع اليربوع في تدبيره ومكره. ### || 1899- [أرجوزة في اليربوع وأكل الحشرات والحيات] # وقال الآخر في صفة اليربوع، وفي حيلته، وفي خلقه، وفي أكل الحشرات ~~والحيات: [من الرجز] # يا رب يربوع قصير الظهر ... وشاخص العجب ذليل الصدر # ومحكم البيت جميع الأمر ... يرعى أصول سلم وسدر ضحتى تراه كمداد العكر # باكرته قبل طلوع الفجر ... بكل فياض اليدين غمر # وكل قناص قليل الوفر ... مرتفع النجم كريم النجر # فعاذ مني ببعيد القعر [1] ... مختلف البطن عجيب الظهر # وتدمري قاصع في جحر [2] ... في العسر إن كان وبعد العسر # أطيب عندي من جني التمر ms0981 ... وشحمة الأرض طعام المثري # وكل جبار بعيد الذكر ... وهيشة أرفعها لفطري # ليوم حفل وليوم فخر [3] ... وكل شيء في الظلام يسري # من عقرب، أو قنفذ، أو وبر ... أو حية أملها في الجمر # فتلك همي وإليها أجري [4] ... في كل حال من غنى وفقر # وكل شيء لقضاء يجري ... وكل طير جاثم في وكر # وكل يعسوب وكل دبر ... والذيخ والسمع وذئب القفر # والكلب والتتفل بعد الهر [5] ... والضب والحوت وطير البحر # والأعور الناطق يوم الزجر [6] ... آكله غير الحرابي الخضر # أو جعل صلى، صلاة العصر [7] ... يشكر إن نال قرى من جعر # يا ويله من شاكر ذي كفر ... أفسد والله علي شكري PageV06P524 # فزعم أنه يستطيب كل شيء إلا الحرباء الذي قد اخضر من حر الشمس وإلا الجعل ~~الذي يصلي العصر. وزعم أنه إنما جعل ذلك شكرا على ما أطعم من العذرة، وأن ~~ذلك الشكر هو اللؤم والكفر. # ولا أعرف معنى صلاة الجعل. وقد روى ابن الأعرابي عن زاهر قال: «يا بني لا ~~تصل فإنما يصلي الجعل، ولا تصم فإنما يصوم الحمار [1] » . وما فهمته بعد. # وأراه قد قدم الهيشة، وهي أم حبين، وهذا خلاف مارووا عن الأعرابي والمدني ~~[2] . ### || 1900- [اليرابيع] # وأما قوله: # وتدمري قاصع في جحر # فقد قال الشاعر [3] : [من الطويل] # وإني لأصطاد # اليرابيع # كلها ... شفاريها والتدمري المقصعا [4] # واليرابيع ضربان: الشفاري والتدمري، مثل الفتي والمذكي [5] . # وقال جرير حين شبه أشياء من المرأة بأشياء من الحشرات وغيرها وذكر فيها ~~الجعل فقال [6] : [من الوافر] # ترى التيمي يزحف كالقرنبى ... إلى تيمية كعصا المليل # تشين الزعفران عروس تيم ... وتمشي مشية الجعل الدحول [7] # يقول المجتلون عروس تيم ... شوى أم الحبين ورأس فيل [8] PageV06P525 ### || 1901- [شعر فيه ذكر اليربوع] # وقال عبيد بن أيوب العنبري [1] ، في ذكر اليربوع: [من الطويل] # حملت عليها ما لو ان حمامة ... تحمله طارت به في الخفاخف [2] # نطوعا وأنساعا وأشلاء مدنف ... برى جسمه طول السرى في المخاوف [3] # فرحنا كما راحت قطاة تنورت ... لأزغب ملقى بين غبر صفاصف [4] # ترى الطير واليربوع يبحثن وطأها ... وينقرن وطء المنسم المتقاذف [5] # وقال ابن الأعرابي، وهو الذي أنشدنيه: «ترى الطير ms0982 واليربوع» يعني أنهما ~~يبحثان في أثر خفها ملجأ يلجآن إليه، إما لشدة الحر، وإما لغير ذلك. وأنشد ~~أصحابنا عن بعض الأعراب وشعرائهم أنه قال في أمه [6] : [من الوافر] # فما أم الردين وإن أدلت ... بعالمة بأخلاق الكرام # إذا الشيطان قصع في قفاها ... تنفقناه بالحبل التؤام # يقول: إذا دخل الشيطان في قاصعاء قفاها تنفقناه، أي أخرجناه من النافقاء، ~~بالحبل المثنى، وقد مثل وقد أحسن في نعت الشعر وإن لم يكن أحسن في العقوق. # وأنشد في قوس [7] : [من الرجز] # لا كزة السهم ولا قلوع ... يدرج تحت عجسها اليربوع [8] # القلوع من القسي: التي إذا نزع فيها انقلبت على كف النازع. وأما قوله: # وأما قوله [9] : [من الطويل] PageV06P526 # تخال به السمع الأزل كأنه ... إذا ما عدا # | ..... # (البيت) ### || 1902- [قيام الذئب بشأن جراء الضبع] # ويقولون: إن الضبع إذا هلكت قام بشأن جرائها الذئب وقال الكميت [1] : [من ~~الطويل] # كما خامرت في حضنها أم عامر ... لذي الحبل حتى عال أوس عيالها [2] # وأنشد أبو عبيدة في ذلك شعرا فسر به المعنى، وهو قوله [3] : [من البسيط] # والذئب يغذو بنات الذيخ نافلة ... بل يحسب الذئب أن النجل للذيب # يقول: لكثرة ما بين الذئاب والضباع من التسافد يظن الذئب أن أولاد الضبع ~~أولاده. ### || 1903- [أكل الأعراب للسباع والحشرات] # والأمر في الأعراب عجب في أكل السباع والحشرات، فمنهم من يظهر استطابتها، ~~ومنهم من يفخر بأكلها، كالذي يقول [4] : [من الطويل] # أيا أم عمرو ومن يكن عقر داره ... جوار عدي يأكل الحشرات ### || 1904- [ما تحبه الأفاعي وما تبغضه] # وأما قوله: # 40- # «لا ترد الماء أفاعي النقا ... لكنها يعجبها الخمر # 41- # وفي ذرى الحرمل ظل ... إذا علا واحتدم الهجر» # فإن من العجب أن الأفعى لا ترد الماء ولا تريده، وهي مع هذا إذا وجدت ~~الخمر شربت حتى تسكر حتى ربما كان ذلك سبب حتفها [5] PageV06P527 # والأفاعي تكره ريح السذاب والشيح، وتستريح إلى نبات الحرمل. وأما أنا ~~فإني ألقيت على رأسها وأنفها من السذاب ما غمرها فلم أر على ما قالوا ~~دليلا. ### || 1905- [أكل بعض الحيوان لبعض] # وأما قوله: # 42- # «وبعضها طعم لبعض كما ... أعطى سهام ms0983 الميسر القمر» # فإن الجرذ يخرج يلتمس الطعم، فهو يحتال لطعمه، وهو يأكل ما دونه في ~~القوة، كنحو صغار الدواب والطير، وبيضها وفراخها، ومما لا يسكن في جحر، أو ~~تكون أفاحيصه على وجه الأرض، فهو يحتال لذلك، ويحتال لمنع نفسه من الحيات ~~ومن سباع الطير. # والحية تريغ الجرذ لتأكله، وتحتال أيضا للامتناع من الورل والقنفذ، وهما ~~عليه أقوى منه عليهما. والورل إنما يحتال للحية، ويحتال للثعلب، والثعلب ~~يحتال لما دونه. # قال: وتخرج البعوضة لطلب الطعم، والبعوضة تعرف بطبعها أن الذي يعيشها ~~الدم، ومتى أبصرت الفيل والجاموس وما دونهما، علمت أنما خلقت جلودهما لها ~~غذاء، فتسقط عليهما وتطعن بخرطومها، ثقة منها بنفوذ سلاحها، وبهجومها على ~~الدم. # وتخرج الذبابة ولها ضروب من المطعم، والبعوض من أكبرها صيدها وأحب غذائها ~~إليها. ولولا الذبان لكان ضرر البعوض نهارا أكثر. # وتخرج الوزغة والعنكبوت الذي يقال له الليث فيصيدان الذباب بألطف حيلة، ~~وأجود تدبير، ثم تذهب تلك أيضا كشأن غيرهما. # كأنه يقول: هذا مذهب في أكل الطيبات بعضها لبعض. وليس لجميعها بد من ~~الطعم، ولا بد للصائد أن يصطاد، وكل ضعيف فهو يأكل أضعف منه، وكل قوي فلا ~~بد أن يأكله من هو أقوى منه، والناس بعضهم على بعض شبيه بذلك، وإن قصروا عن ~~درك المقدار، فجعل الله عز وجل بعضها حياة لبعض، وبعضها موتا لبعض. ### || 1906- [شعر للمنهال في أكل بعض الحيوان لبعض] # وقال المنهال: [من السريع] # ووثبة من خزز أعفر ... وخرنق يلعب فوق التراب # PageV06P528 # وعضرفوط قد تقوى على ... محلولك البقة مثل الحباب # وظالم يعدو على ظالم ... قد ضج منه حشرات الشعاب # وهذان الظالمان اللذان عنى: الأسود، والأفعى، فإن الأسود إذا جاع ابتلع ~~الأفعى. ### || 1907- [أكل الأسود للأفاعي] # وشكا إلي حواء مرة فقال: أفقرني هذا الأسود، ومنعني الكسب، وذلك أن ~~امرأتي جهلت فرمت به في جونة فيها أفاعي ثلاث أو أربع، فابتلعهن كلهن، ~~وأراني حية منكرة. ولا يبعد ما قال. # والعرب تقول للمسيء: «أظلم من حية» . وقد ذكرنا ذلك في موضعه من هذا ~~الكتاب [1] . # ولا يستطيع أن يروم ms0984 ذلك من الأفعى إلا بأن يغتالها، فيقبض على رأسها ~~وقفاها، فإن الأفعى تنفذ في الأسود، لكثرة دمه. ### || 1908- [وصف سم الحية] # وإذا وصفوا سم الحية بالشدة والإجهاز خبروا عنها أنه لم يبق في بدنها دم ~~ولا بلة [2] ، ولذلك قال الشاعر: [من البسيط] # لو حز ما أخرجت منه يد بللا ... ولو تكنفه الراقون ما سمعا # وقال آخر [3] : [من الرجز] # لميمة من حنش أعمى أصم ... قد عاش حتى هو ما يمشي بدم ### || 1909- [سلاح الحيوان] # والشأن في السلاح [أنه] [4] كلما كان أقل كان أبلغ، وكلما كان أكثر عددا ~~وأشد ضررا كان أشجع وآخذ لكل من عرف أنه دونه. وأنشد أبو عبيدة [5] : [من ~~البسيط] # مشي السبنتى إلى هيجاء مفظعة ... له سلاحان أنياب وأظفار [6] PageV06P529 # كالأسد له فم الذئب- وحسبك بفم الذئب- وله فضل قوة المخالب. # وللنسر منسر وقوة بدن بهما فوق العقاب. ولذلك قال ابن مناذر: [من الطويل] # أتجعل ليثا ذا عرين ترى له ... نيوبا وأظفارا وعرسا وأشبلا # كآخر ذا ناب حديد ومخلب ... ولم يتخذ عرسا ولم يحم معقلا # وذلك أن فتيين تواجأا بالخناجر، أحدهما صبيري والآخر كلبي، فحملا إلى ~~الأمير، فضرب الصبيري مائة سوط، فلم يحمدوا صبره، وشغل عن الكلبي فضربه يوم ~~العرض خمسمائة سوط، فصبر صبرا حمدوه، ففخر الكلبي بذلك على الصبيري. # وابن مناذر مولى سليمان بن عبيد بن علان بن شماس الصبيري. فقال هذا ~~الشعر. ومعناه أن شجاعا لو لقي الأسد وهو مسلح، بأرض هو بها غريب وليس هو ~~بقرب غيضته وأشباله، لما كان معه، مما يتخذه، مثل الذي يكون معه في الحال ~~الأخرى. يقول: وإنما صبر صاحبكم لأنه إنما ضرب بحضرة الأكفاء والأصدقاء ~~والأعداء، فكان هذا مما أعانه على الصبر. وضرب صاحبنا في الخلاء، وقد وكل ~~إلى مقدار جودة نفسه، وقطعت المادة بحضور البطالة. ### || 1910- [حمدان وغلامه] # وسمعت حمدان أبا العقب، وهو يقول لغلام له، وكيف لا تستطيل علي وقد ضربوك ~~بين الناس خمسين سوطا فلم تنطق؟! فقلت: إذا ضربه السجان مائة قناة في مكان ~~ليس فيه أحد فصبر فهو أصبر الناس. ### || 1911- [تفسير بيت الخنساء] ms0985 # وأما قوله [1] : «مشي السبنتى» ، فإن السبنتى هو النمر، ثم صار اسما لكل ~~سبع جريء، ثم صاروا يسمون الناقة القوية سبنتاة. قال الشاعر [2] : [من ~~الرجز] # مشي السبتى وجد السبنتى ### || 1912- [رؤساء الحيوان] # وأما قوله: PageV06P530 # 43- # «وتمسح النيل عقاب الهوا ... والليث رأس وله الأسر # 44- # ثلاثة ليس لهم غالب ... إلا بما ينتقض الدهر» # فإنهم يزعمون أن الهواء للعقاب، والأرض للأسد، والماء للتمساح. وليس ~~للنار حظ في شيء من أجناس الحيوان: فكأنه سلم الرياسة على جميع الدنيا ~~للعقاب والأسد والتمساح؛ ولم يمد الهواء، وقصر الممدود أحسن من مد المقصور. ### || 1913- [رواية المعتزلة للشعر] # وروت المعتزلة المذكورون كلهم رواية عامة الأشعار، وكان بشر أرواهم للشعر ~~خاصة. ### || 1914- [الهوائي والمائي والأرضي ] # وقولهم: الطائر هوائي، والسمك مائي، مجاز كلام، وكل حيوان في الأرض فهو ~~أرضي قبل أن يكون مائيا أو هوائيا؛ لأن الطائر وإن طار في الهواء فإن ~~طيرانه فيه كسباحة الإنسان في الماء، وإنما ذلك على التكلف والحيلة. ومتى ~~صار في الأرض ودلى نفسه لم يجد بدا من الأرض. ### || 1915- [بقية قصيدة بشر الأولى] # وأما بقية القصيدة التي فيها ذكر الرافضة والإباضية والنابتة فليس هذا ~~موضع تفسيره. ### || 1916- [تفسير القصيدة الثانية] # [1] وسنقول في قصيدته الأخرى، بما أمكننا من القول إن شاء الله تعالى. # انقضت قصيدة بشر بن المعتمر الأولى. ### || 1917- [الأوابد والأحناش] # وأما قوله: # 2- # «أوابد الوحش وأحناشها» # فإن الأوابد المقيمة [2] ، والأحناش الحيات، ثم صار بعد الضب والورل ~~والحرباء والوحرة وأشباه ذلك- من الأحناش. PageV06P531 ### || 1918- [شر الحيوانات] # وأما قوله: # 7- # «وكلها شر وفي شرها ... خير كثير عند من يدري» # يقول: هي وإن كانت مؤذية وفيها قواتل فإن فيها دواء، وفيها عبرة لمن فكر، ~~وأذاها محنة واختبار. فبالاختبار يطيع الناس، وبالطاعة يدخلون الجنة. # وسئل علي بن أبي طالب، كرم الله وجهه، غير مرة في علل نالته فقيل له: # كيف أصبحت؟ فقال: بشر. ذهب إلى قوله عز وجل: قل أعوذ برب الفلق. من شر ما ~~خلق # [1] . # وأما قوله: # 17- # «فشرهم أكثرهم حيلة ... كالذئب والثعلب والذر» # فقد فسره لك في قوله: # 18- # «والليث قد بلده علمه ... بما حوى من شدة الأسر» # وهكذا ms0986 كل من وثق بنفسه، وقلت حاجته. ### || 1919- [زعم في العقاب] # ويزعم أصحاب القنص أن العقاب لا تكاد تراوغ الصيد ولا تعاني ذلك، وأنها ~~لا تزال تكون على المرقب العالي، فإذا اصطاد بعض سباع الطير شيئا انقضت ~~عليه فإذا أبصرها ذلك الطائر لم يكن همه إلا الهرب وترك صيده في يدها، ~~ولكنها إذا جاعت فلم تجد كافيا لم يمتنع عليها الذئب فما دونه. وقد قال ~~الشاعر: [من البسيط] # مهبل ذئبها يوما إذا قلبت ... إليه من مستكف الجو حملاقا [2] # وقال آخر [3] : [من البسيط] # كأنها حين فاض الماء واحتملت ... صقعاء لاح لها بالقفرة الذيب # صبت عليه ولم تنصب من أمم ... إن الشقاء على الأشقين مصبوب PageV06P532 ### || 1920- [معرفة الحيوان مدى قوته] # وأما قوله: # 21- # «تعرف بالإحساس أقدارها ... في الأسر والإلحاح والصبر» # يقول: لا يخفى على كل سبع ضعفه وتجلده وقوته، وكذلك البهيمة الوحشية لا ~~يخفى عليها مقدار قوة بدنها وسلاحها، ولا مقدار عدوها في الكر والفر. وعلى ~~أقدار هذه الطبقات تظهر أعمالها. ### || 1921- [تعرض الحيوان للإنسان] # وأما قوله: # 24- # «والضبع الغثراء مع ذيخها ... شر من اللبوة والنمر # 32- # كما ترى الذئب إذا لم يطق ... صاح فجاءت رسلا تجري # 33- # وكل شيء فعلى قدره ... يحجم أو يقدم، أو يجري» # فإن هذه السباع القوية الشريفة ذوات الرياسة: الأسد والنمور والببور- لا ~~تعرض للناس إلا بعد أن تهرم فتعجز عن صيد الوحش. وإن لم يكن بها جوع شديد ~~فمر بها إنسان لم تعرض له، وليس الذئب كذلك، لأن الذئب أشد مطالبة، فإن خاف ~~العجز عوى عواء استغاثة فتسامعت الذئاب وأقبلت، فليس دون أكل ذلك الإنسان ~~شيء. # وقسم الأشياء فقال: إنما هو نكوص وتأخر، وفرار، وإحجام وليس بفرار ولا ~~إقدام. وكذلك هو. ### || 1922- [العندليل والنسر] # وأما قوله: # 34- # «والكيس في المكسب شمل لهم ... والعندليل الفرخ كالنسر» # فالعندليل طائر أصغر من ابن تمرة، وابن تمرة هو الذي يضرب به المثل في ~~صغر الجسم. والنسر أعظم سباع الطير وأقواها بدنا. # وقال يونس النحوي وذكر خلفا الأحمر فقال [1] : «يضرب ما بين العندليل إلى ~~الكركي» . وقد قال فيه الشاعر: [من السريع] PageV06P533 # ويضرب ms0987 الكركي إلى القنبر ... لا عانسا يبقى ولا محتلم # وقال: [من الكامل] # وبما أقول لصاحبي خلف ... إيها إليك تحذرن خلف # فلو أن بيتك في ذرى علم ... من دون قلة رأسه شعف # لخشيت قدرك أن يبيتها ... إن لم يكن لي عنه منصرف # وفي المثل: «كل طائر يصيد على قدره» [1] . ### || 1923- [كسب الذئب وخبثه] # وأما قوله: # [الخلد ] # كالذئب على كسبه ... والفيل والأعلم كالوبر» # فإنه يقال: «أغدر من ذئب» [2] ، و: «أخبث من ذئب» [3] ، و: «أكسب من ذئب» ~~[4] ، على قول الآخر: [من الرجز] # أكسب للخير من الذئب الأزل # والخير عنده في هذا الموضع ما يعيش ويقوت، والخير في مكان آخر: المال ~~بعينه على قوله عز وجل: إن ترك خيرا الوصية # [5] ، وعلى قوله: وإنه لحب الخير لشديد # [6] ، أي إنه من أجل حب المال لبخيل عليه، ضنين به، متشدد فيه. # والخير في موضع آخر: الخصب وكثرة المأكول والمشروب، تقول: ما أكثر خير ~~بيت فلان. والخير المحض: الطاعة وسلامة الصدر. PageV06P534 # وأما قولهم [1] : «أخبث من ذئب خمر» فعلى قول الراجز [2] : [من الرجز] # أما أتاك عني الحديث ... إذ أنا بالغائط أستغيث # والذئب وسط أعنزي يعيث ... وصحت بالغائط يا خبيث # وقالوا في المثل: «مستودع الذئب أظلم» [3] . ### || 1924- [الخلد] # والخلد دويبة عمياء صماء، لا تعرف ما يدنو منها إلا بالشم، تخرج من ~~جحرها، وهي تعلم أن لا سمع ولا بصر لها، وإنما تشحا فاها [4] ، وتقف على ~~باب جحرها فيجيء الذباب فيسقط على شدقها ويمر بين لحييها فتسد فمها عليها ~~وتستدخلها بجذبة النفس، وتعلم أن ذلك هو رزقها وقسمها. فهي تعرض لها نهارا ~~دون الليل، وفي الساعات من النهار التي يكون فيها الذباب أكثر، لا تفرط في ~~الطلب، ولا تقصر في الطلب، ولا تخطئ الوقت، ولا تغلط في المقدار. # وللخلد أيضا تراب حوالي جحره، هو الذي أخرجه من الجحر، يزعمون أنه يصلح ~~لصاحب النقرس [5] إذا بل بالماء وطلي به ذلك المكان. ### || 1925- [الأعلم] # وأما قوله: # 35- # «والفيل والأعلم كالوبر» # فالفيل معروف، والأعلم: البعير، وبذلك يسمى، لأنه أبدا مشقوق الشفة ~~العليا، ويسمى الإنسان إذا كان كذلك به. # ويدل ms0988 على أن [الأعلم] # والبعير سواء قول الراجز [6] : [من الرجز] # إني لمن أنكر أو توسما ... أخو خناثير أقود الأعلما PageV06P535 # وقال عنترة [1] : [من الكامل] # وحليل غانية تركت مجدلا ... تمكو فريصته كشدق الأعلم # يريد شدق البعير في السعة. وقال الآخر [2] : [من الكامل] # كم ضربة لك تحكي فاقراسية ... من المصاعب في أشداقه علم ### || 1926- [بعض ما قيل من الشعر في الضرب والطعن] # وقال الكميت [3] : [من المتقارب] # مشافر قرحى أكلن البريرا # وقال آخر: [من الوافر] # بضرب يلقح الضبعان منه ... طروقته ويأتنف السفادا # وقال الشاعر الباهلي [4] : [من الطويل] # بضرب كآذان الفراء فضوله ... وطعن كإيزاغ المخاض تبورها # كأنه ضربه بالسيف، فعلق عليه من اللحم كأمثال آذان الحمير. # وقال بعض المحدثين، وهو ذو اليمينين [5] : [من السريع] # ومقعص تشخب أوداجه ... قد بان عن منكبه الكاهل # فصار ما بينهما هوة ... يمشي بها الرامح والنابل # وفي صفات الطعنة والضربة أنشدني ابن الأعرابي: [من الطويل] # تمنى أبو اليقظان عندي هجمة ... فسهل مأوى ليلها بالكلاكل # ولا عقل عندي غير طعن نوافذ ... وضرب كأشداق الفصال الهوازل [6] ~~PageV06P536 # وسب يود المرء لو مات دونه ... كوقع الهضاب صدعت بالمعاول # وقل الآخر [1] : [من الطويل] # جمعت بها كفي فأنهرت فتقها ... ترى قائما من خلفها ما وراءها [2] # وقال البعيث [3] : [من الطويل] # أئن أمرعت معزى عطية وارتعت ... تلاعا من المروت أحوى جميمها [4] # تعرضت لي حتى ضربتك ضربة ... على الرأس، يكبو لليدين أميمها [5] # إذا قاسها الآسي النطاسي أرعشت ... أنامل آسيها وجاشت هزومها [6] # وقال الآخر: [من المتقارب] # ونائحة رافع صوتها ... تنوح وقد وقع المهذم [7] # تنوح وتسبر قلاسة ... وقد غابت الكف والمعصم [8] # وقال آخر [9] : [من المتقارب] # ومستنة كاستنان الخرو ... ف قد قطع الحبل بالمرود [10] # دفوع الأصابع ضرح الشمو ... س نجلاء مؤيسة العود [11] PageV06P537 # وقال محمد بن يسير [1] : [من المتقارب] # وطعن خليس كفرغ النضيح ... أفرغ من ثعب الحاجر [2] # تهال العوائد من فتقها ... ترد السبار على السابر [3] # وأنشدوا لرجل من أزد شنوءة [4] : [من الطويل] # وطعن خليس قد طعنت مرشة ... يقطع أحشاء الجبان شهيقها # إذا باشروها بالسبار تقطعت ... تقطع أم السكر شيب عقوقها # وروي للفند الزماني [5] ولا أظنه له: ms0989 [من الهزج] # كففنا عن بني هند ... وقلنا: القوم إخوان # عسى الأيام ترجعهم ... جميعا كالذي كانوا # فلما صرح الشر ... وأضحى وهو عريان # شددنا شدة الليث ... عدا والليث غضبان # بضرب فيه تفجيع ... وتوهين وإرنان [6] # وطعن كفم الزق ... وهي والزق ملآن [7] # وأنشد السدي لرجل من بلحارث: [من المتقارب] # أتيت المحرم في رحله ... فشمر رحلي بعنس خبوب [8] PageV06P538 # تذكر مني خطوبا مضت ... ويوم الأباء ويوم الكثيب # ويوم خزاز وقد ألجموا ... وأشرطت نفسي بأن لا أثوب [1] # ففرجت عنهم بنفاحة ... لها عاند مثل ماء الشعيب [2] # إذا سبروها عوى كلبها ... وجاشت إليهم بآن صبيب [3] # وقال آخر: [من الخفيف] # طعنة ما طعنت في جمح الذ ... م هلال وأين مني هلال # طعنة الثائر المصمم حتى ... نجم الرمح خلفه كالخلال [4] # وقال الحارث بن حلزة [5] : [من الخفيف] # لا يقيم العزيز بالبلد السهل ... ولا ينفع الذليل النجاء # حول قيس مستلئمين بكبش ... قرظي كأنه عبلاء [6] # فرددناهم بضرب كما يخ ... رج من خربة المزاد الماء [7] # وفعلنا بهم كما علم الله ... وما إن للحائنين دماء [8] # وقال ابن هرمة [9] : [من الكامل] # بالمشرفية والمظاهر نسجها ... يوم اللقاء وكل ورد صاهل [10] # وبكل أروع كالحريق مطاعن ... فمسايف فمعانق فمنازل [11] # ويروى: «فمعاذل» . PageV06P539 ### || 1927- [الإفراط في صفة الضرب والطعن] # وإذ قد ذكرنا شيئا من الشعر في صفة الضرب والطعن فقد ينبغي أن نذكر بعض ~~ما يشاكل هذا الباب من إسراف من أسرف، واقتصاد من اقتصد. فأما من أفرط فقول ~~مهلهل [1] : [من الوافر] # فلولا الريح أسمع من بحجر ... صليل البيض تقرع بالذكور # وقال الهذلي [2] : [من البسيط] # والطعن شغشغة والضرب هيقعة ... ضرب المعول تحت الديمة العضدا # وللقسي أزاميل وغمغمة ... حس الجنوب سوق الماء والقردا [3] # ومن ذلك قول عنترة: [من الكامل] # برحيبة الفرغين يهدي جرسها ... بالليل معتس السباع الضرم [4] # وقال أبو قيس بن الأسلت [5] : [من السريع] # قد حصت البيضة رأسي فما ... أطعم نوما غير تهجاع # وقال دريد بن الصمة [6] : [من الوافر] # أعاذل إنما أفنى شبابي ... ركوبي في الصريخ إلى المنادي # مع الفتيان حتى خل جسمي ... وأقرح عاتقي حمل النجاد [7] PageV06P540 # ومما يدخل في هذا الباب قول عنترة ms0990 [1] : [من الكامل] # رعناهم والخيل تردي بالقنا ... وبكل أبيض صارم قصال [2] # وأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال # وأما قوله [3] : [من الكامل] # إن المنية لو تمثل مثلت ... مثلي، إذا نزلوا بضنك المنزل # وقال نهشل بن حري [4] : [من الطويل] # وما زال ركني يرتقي من ورائه ... وفارس هيجا ينفض الصدر واقف [5] # فوصف [نفسه] [6] بأنه مجتمع القلب، مرير [7] لا يبرح. # وقد كان حميد بن عبد الحميد يوصف بذلك، لأنه كان لا يرمي بسهم، ولا يطعن ~~برمح، ولا يضرب بسيف، ولكن التصبير والتحريض والثبات، إذا انهزم، كل شجاع. ~~PageV06P541 ### | [باب من نذر في حمية المقتول نذرا فبلغ في طلب ثأره الشفاء] # قال العبسي: [من الوافر] # دعوت الله إذ قدنا إليهم ... لنلقى منقرا أو عبد عمرو # وكانت حلفة حلفت لوتر ... وشاء الله أن أدركت وتري # وإني قد سقمت فكان برئي ... بقرواش بن حارثة بن صخر # والأعراب تعد القتل سقما وداء لا يبرئه أخذ ثأره دون أخ أو ابن عم، فذلك ~~الثأر المنيم. # وممن قال في ذلك صبار بن التوءم اليشكري، في طلب الطائلة وأن ذلك داء ليس ~~له برء، وكانوا قتلوا أخاه إساف بن عباد، فلما أدرك ثأره قال: [من الطويل] # ألم يأتها أني صحوت وأنني ... شفاني من الداء المخامر شاف # فأصبحت ظبيا مطلقا من حبالة ... صحيح الأديم بعد داء إساف # وكنت مغطى في قناعي حقبة ... كشفت قناعي واعتطفت عطافي [1] # وفي شبيه بهذا المذهب من ذكر الداء والبرء قال الآخر [2] : [من البسيط] # قالت عهدتك مجنونا فقلت لها ... إن الشباب جنون برؤه الكبر # وفي شبيه بالأول قول الشيخ الباهلي، حين خرج إلى المبارزة على فرس أعجف، ~~فقالوا: «بال على بال!» . فقال الشيخ: [من الوافر] # رآني الأشعري فقال بال ... على بال ولم يعرف بلائي # ومثلك قد كسرت الرمح فيه ... فآب بدائه وشفيت دائي # وقالت بنت المنذر بن ماء السماء [3] : [من الوافر] # بعين أباغ قاسمنا المنايا ... فكان قسيمها خير القسيم PageV06P542 # وقالوا فارس الهيجاء قلنا ... كذاك الرمح يكلف بالكريم # وقال الأسدي [1] : [من المتقارب] # رفعنا طريفا بأرماحنا ... وبالراح منا فلم ms0991 يدفعونا # فطاح الوشيظ ومال الجموح ... ولا تأكل الحرب إلا السمينا [2] # وقال الخريمي [3] : [من الطويل] # وأعددته ذخرا لكل ملمة ... وسهم المنايا بالذخائر مولع # وقال السموءل بن عاديا [4] : [من الطويل] # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # لأنا أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # وقال أبو العيزار [5] : [من الكامل] # يدنو وترفعه الرماح كأنه ... شلو تنشب في مخالب ضاري # فتوى صريعا والرماح تنوشه ... إن الشراة قصيرة الأعمار # وقال آخر وهو يوصي بلبس السلاح [6] : [من الكامل] # فإذا أتتكم هذه فتلبسوا ... إن الرماح بصيرة بالحاسر # وقال الآخر: [من البسيط] # يا فارس الناس في الهيجا إذا شغلت ... كلتا اليدين كرورا غير وقاف # قوله «شعلت» يريد بالسيف والترس. وأنشد أبو اليقظان [7] : [من الطويل] # وكان ضروبا باليدين وباليد PageV06P543 # أما قوله: «ضروبا باليدين» ، فإنه يريد القداح، وأما قوله: «باليد» فإنه ~~يريد السيف. # وأما قول حسان لقائده حين قربوا الطعام لبعض الملوك: «أطعام يدين أم يد؟» ~~[1] فإنه قال هذا الكلام يومئذ وهو مكفوف. # وإن كان الطعام حيسا أو ثريدا أو حريرة فهو طعام يد، وإن كان شواء فهو ~~طعام يدين. ### || 1928- [من أشعار المقتصدين في الشعر] # ومن أشعار المقتصدين في الشعر أنشدني قطرب [2] : [من المتقارب] # تركت الركاب لأربابها فأجه ... دت نفسي على ابن الصعق # جعلت يدي وشاحا له ... وبعض الفوارس لا يعتنق # وممن صدق على نفسه عمرو بن الإطنابة، حيث يقول [3] : [من الوافر] # وإقدامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح [4] # وقولي كلما جشأت وجاشت ... مكانك تجمدي أو تستريحي # وقل آخر: [من الطويل] # وقلت لنفسي إنما هو عامر ... فلا ترهبيه وانظري كيف يركب # وقال عمرو بن معد يكرب [5] : [من الطويل] PageV06P544 # ولما رأيت الخيل زورا كأنها ... جداول زرع أرسلت فاسبطرت [1] # فجاشت إلي النفس أول مرة ... فردت على مكروهها فاستقرت [2] # وقال الطائي: [من الرمل] # ودنونا ودنوا حتى إذا ... أمكن الضرب فمن شاء ضرب # ركضت فينا وفيهم ساعة ... لهذميات وبيض كالشهب [3] # تروا القاع لنا إذ كرهوا ... غمرات الموت واختاروا الهرب # وقال النمر بن تولب [4] : [من المتقارب] # سمونا ليشكر يوم ms0992 النهاب ... نهز قنا سمهريا طوالا [5] # فلما التقينا وكان الجلاد ... أحبوا الحياة فولوا شلالا [6] # وكما قال الآخر: [من الطويل] # هم المقدمون الخيل تدمى نحورها ... إذا ابيض من هول الطعان المسالح [7] # وقال عنترة [8] : [من الكامل] # إذ يتقون بي الأسنة لم أخم ... عنها ولكني تضايق مقدمي [9] # وقال قطري بن الفجاءة [10] : [من الوافر] # وقولي كلما جشأت، لنفسي ... من الأبطال ويحك لا تراعي # فإنك لو سألت حياة يوم ... سوى الأجل الذي لك لم تطاعي # وقالت الخنساء [11] : [من المتقارب] PageV06P545 # يهين النفوس وهون النفوس ... غداة الكريهة أبقى لها # وقال عامر بن الطفيل [1] : [من الطويل] # أقول لنفس لا يجاد بمثلها ... أقلي المراح إنني غير مقصر [2] # وقال جرير [3] : [من البسيط] # إن طاردوا الخيل لم يشووا فوارسها ... أو نازلوا عانقوا الأبطال فاهتصروا ~~[4] # وقال ابن مقروم الضبي [5] : [من الكامل] # وإذا تعلل بالسياط جيادها ... أعطاك ثائبة ولم يتعلل [6] # فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # وقال كعب الأشقري [7] : [من الطويل] # إليهم وفيهم منتهى الحزم والندى ... وللكرب فيهم والخصاصة فاسح # ترى علقا تغشى النفوس رشاشه ... إذا انفرجت من بعدهن الجوانح # كأن القنا الخطي فينا وفيهم ... شواطن بئر هيجتها المواتح [8] # هناك قذفنا بالرماح فيما يرى ... هنالك في جمع الفريقين رامح # ودرنا كما دارت على قطبها ... ودارت على هام الرجال الصفائح # ودرنا كما دارت على قطبها ... ودارت على هام الرجال الصفائح # وقال مهلهل [9] : [من الخفيف] # ودلفنا بجمعنا لبني شي ... بان إن الخليل يبغي الخليلا PageV06P546 # لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا ... وأخو الحرب من أطاق النزولا # وقال عبدة، وهو رجل من عبد شمس: [من الطويل] # ولما زجرنا الخيل خاضت بنا القنا ... كما خاضت البزل النهاء الطواميا [1] # رمونا برشق ثم إن سيوفنا ... وردن فأنكرن القبيل المراميا # ولم يك يثني النبل وقع سيوفنا ... إذا ما عقدنا للجلاد النواصيا ~~PageV06P547 ### | [باب في ذكر الجبن ووهل الجبان] # قال الله عز وجل: يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى ~~يؤفكون # [1] . ويقال إن جريرا من هذا أخذ قوله [2] : [من الكامل] # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر ms0993 عليكم ورجالا # وإلى هذا ذهب الأول [3] : [من الطويل] # ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما # وقال جران العود [4] : [من البسيط] # يوم ارتحلت برحلي قبل برذعتي ... والقلب مستوهل للبين مشغول [5] # ثم اغترزت على نضوى ليحملني ... إثر الحمول الغوادي وهو معقول [6] # وهذا صفة وهل الجبان. وليس هذا من قوله [7] : [من المتقارب] # كملقي الأعنة من كفه ... وقاد الجياد بأذنابها # وقال الذكواني أو زمرة الأهوازي، ففسر ذلك حيث يقول: [من الخفيف] # يجعل الخيل كالسفين ويرقى ... عاديا فوق طرفه المشكول [8] PageV06P548 # لأنهم ربما تنادوا في العسكر: قد جاؤوا، ولا بأس! فيسرج الفارس فرسه وهو ~~مشكول ثم يركبه ويحثه بالسوط، ويضربه بالرجل، فإذا رآه لا يعطيه ما يريد ~~نزل فأحضر على رجليه، ومن وهل الجبان أن يذهل عن موضع الشكال في قوائم ~~فرسه. # وربما مضى باللجام إلى عجب ذنبه [1] . وهو قوله: «يجعل الخيل كالسفين» ~~لأن لجام السفينة الذي يغمزها به والشكال [2] هو في الذنب. # وقال سهل بن هارون الكاتب في المنهزمة من أصحاب ابن نهيك بالنهروان من ~~خيل هرثمة بن أعين: [من الطويل] # يخيل للمهزوم إفراط روعه ... بأن ظهور الخيل أدنى من العطب # لأن الجبن يريه أن عدوه على رجليه أنجى له، كأنه يرى أن النجاة إنما تكون ~~على قدر الحمل للبدن. # وقال آخر [3] حين اعتل عليه قومه في القتال بالورع: [من البسيط] # كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا # وقال آخر [4] : [من الطويل] # كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل # وقال الشاعر [5] : [من الوافر] # يروعه السرار بكل أرض ... مخافة أن يكون به السرار # وأنشدني ابن رحيم القراطيسي الشاعر ورمى شاطرا بالجبن، فقال [6] : [من م. # الوافر] # رأى في النوم إنسانا ... فوارى نفسه أشهر PageV06P549 # ويقولون في صفة الحديد إذا أرادوا أنه خالص. فمن ذلك قول هميان: [من ~~الكامل] # يمشون في ماء الحديد تنكبا [1] # وقال ابن لجإ [2] : [من الرجز] # أخضر من ماء الحديد جمجم # وقال الأعشى في غير هذا [3] : [من الخفيف] # وإذا ما الأكس شبه بالأر ... وق عند الهيجا وقل البصاق [4] # وقال ms0994 الأعشى [5] : [من م. الكامل] # إذ لا نقاتل بالعصي ... ولا نرامي بالحجاره # وقال الأخطل [6] : [من الطويل] # وما تركت أسيافنا حين جردت ... لأعدائنا قيس بن عيلان من عذر # وأنشد الأصمعي للجعدي [7] : [من م. الكامل] # وبنو فزارة إنها ... لا تلبث الحلب الحلائب # يقول: لا تلبث الحلائب حلبا حتى تهزمهم ### || 1929- [السندل] # وأما قوله: # 43- # «وطائر يسبح في جاحم ... كماهر يسبح في غمر» # فهذا طائر يسمى سندل، وهو هندي، يدخل في أتون النار ويخرج ولا يحترق له ~~ريشة [8] . PageV06P550 ### || 1930- [ذكر ما لا يحترق] # وزعم ثمامة أن المأمون قال [1] : لو أخذ إنسان هذا الطحلب الذي يكون على ~~وجه الماء، في مناقع المياه، فجففه في الظل وألقاه في النار لما كان يحترق ~~وزعموا [2] أن الفلفل لا يضره الحرق، ولا الغرق، والطلق لا يصير جمرا أبدا. # قال: وكذلك المغرة. # فكأن هذا الطائر في طباعه وفي طباع ريشه مزاج من طلاء النفاطين [3] . ~~وأظن هذا من طلق وخطمي ومغرة [4] . # وقد رأيت عودا يؤتى به من ناحية كرمان لا يحترق. وكان عندنا نصراني في ~~عنقه صليب منه، وكان يقول لضعفاء الناس: هذا العود من الخشبة التي صلب ~~عليها المسيح، والنار لا تعمل فيها. فكان يكتسب بذلك، حتى فطن له وعورض ~~بهذا العود [5] . ### || 1931- [الماهر] # وأما قوله: # | 43- # «كماهر يسبح في غمر» # فالماهر هو السابح # | الماهر # وقال الأعشى [6] : [من السريع] # مثل الفراتي إذا ما طما ... يقذف بالبوصي والماهر [7] # وقال الربيع بن قعنب: [من الرمل] # وترى الماهر في غمرته ... مثل كلب الماء في يوم مطر PageV06P551 ### || 1932- [لطعة الذئب] # وأما قوله: # 44- [ولطعة الذئب و صنعة السرفة و الدبر ] # # قال [1] : فإن الذئب يأتي الجمل الميت فيفضي بغمغمته، فيعتمد على حجاج ~~عينه [2] فيلحس عينه بلسانه حسيا، فكأنما قورت عينه تقويرا، لما أعطي من ~~قوة الردة [3] . ورده لسانه أشد مرا في اللحم والعصب من لسان البقر في ~~الخلى [4] . # فأما عضته ومصته فليس يقع على شيء عظما كان أو غيره إلا كان له بالغا بلا ~~معاناة، من شدة فكيه. # ويقال [5] : إنه ليس في الأرض سبع يعض على عظم إلا ولكسرته صوت بين ~~لحييه، ms0995 إلا الذئب، فإن أسنانه توصف بأنها تبري العظم بري السيف المنعوت بأن ~~ضربته من شدة مرورها في العظم، ومن قلة ثبات العظم له، لا يكون له صوت. قال ~~الزبير بن عبد المطلب [6] : [من الوافر] # وينبي نخوة المحتال عني ... غموض الصوت ضربته صموت # ولذلك قالوا في المثل [7] : «ضربه ضربة فكأنما أخطأه» ، لسرعة المر، لأنه ~~لم يكن له صوت. # وقال الراجز في صفة الذئب [8] : [من الرجز] # أطلس يخفي شخصه غباره ... في شدقه شفرته وناره # وسنأتي على صفة الذئب، في غير هذا الباب من أمره في موضعه إن شاء الله ~~تعالى. PageV06P552 ### || 1933- [صنعة السرفة والدبر] # وأما ذكر # | صنعة السرفة والدبر، # فإنه يعني حكمتها في صنعة بيوتها، فإن فيها صنعة عجيبة. ### || 1934- [سمع القراد والحجر] # وأما قوله: # 44- # «ومسمع القردان في منهل ... أعجب مما قيل في الحجر» # فإنهم يقولون: «أسمع من فرس» [1] ، ويجعلون الحجر فرسا بلا هاء، وإنما ~~يعنون بذلك الحجر، لأنها أسمع. # قال: والحجر وإن ضرب بها المثل، فالقراد أعجب منها، لأنها تكون في المنهل ~~فتموج ليلة الورد، في وقت يكون بينها وبين الإبل التي تريد الورود أميال. # فتزعم الأعراب أنها تسمع رغاءها وأصوات أخفافها، قبل أن يسمعها شيء ~~والعرب تقول: «أسمع من قراد» [2] . وقال الراجز [3] : [من الرجز] # أسمع من فرخ العقاب الأسحم ### || 1935- [ما في الجمل من الأعاجيب] # وأما قوله: # 48- # «والمقرم المعلم ما إن له ... مرارة تسمع في الذكر # 49- # وحصية تنصل من جوفه ... عند حدوث الموت والنحر # 50- # ولا يرى بعدهما جازر ... شقشقة مائلة الهدر» # فهذا باب قد غلط فيه من هو أعنى بتعرف أعاجيب ما في العالم من بشر. # ولقد تنازع بالبصرة ناس، وفيهم رجل ليس عندنا بالبصرة أطيب منه، فأطبقوا ~~جميعا على أن الجمل إذا نحر ومات فالتمست خصيته وشقشقته أنهما لا توجدان. # فقال ذلك الطيب: فلعل مرارة الجمل أيضا كذلك، ولعله أن تكون له مرارة ما ~~دام PageV06P553 # حيا، ثم تبطل عند الموت والنحر. وإنما صرنا نقول: لا مرارة له، لأنا لا ~~نصل إلى رؤية المرارة إلا بعد أن تفارقه الحياة. فلم أجد ذلك عمل ms0996 في قلبي، ~~مع إجماعهم على ذلك، فبعثت إلى شيخ من جزاري باب المغيرة فسألته عن ذلك، ~~فقال: بلى لعمري إنهما لتوجدان إن أرادهما مريد. وإنما سمعت العامة كلمة، ~~وربما مزحنا بها، فيقول أحدنا: خصية الجمل لا توجد عند منحره! أجل والله ما ~~توجد عند منحره، وإنما توجد في موضعها. وربما كان الجمل خيارا جيدا فتلحق ~~خصيتاه بكليتيه، فلا توجدان لهذه العلة. فبعثت إليه رسولا: إنه ليس يشفيني ~~إلا المعاينة. فبعث إلي بعد ذلك بيوم أو يومين مع خادمي نفيس، بشقشقة ~~وخصية. # ومثل هذا كثير قد يغلط فيه من يشتد حرصه على حكاية الغرائب. ### || 1936- [ما في الفرس والثور من الأعاجيب] # وأما قوله: # 51- # «وليس للطرف طحال وقد ... أشاعه العالم بالأمر # 52- # وفي فؤاد الثور عظم وقد ... يعرفه الجازر ذو الخبر» # وليس عندي في الفرس أنه لا طحال له، إلا ما أرى في كتاب الخيل لأبي عبيدة ~~والنوادر لأبي الحسن، وفي الشعر لبشر. فإن كان جوف الفرس كجوف البرذون، ~~فأهل خراسان من أهل هذا العسكر، يذبحون في كل أسبوع عدة براذين. # وأما العظم الذي يوجد في قلب الثور فقد سمعنا بعضهم يقول ذلك، ورأيته في ~~كتاب الحيوان لصاحب المنطق. ### || 1937- [أعجوبة السمك] # وأما قوله: # 53- # «وأكثر الحيتان أعجوبة ... ما كان منها عاش في البحر # 54- # [إذ لا لسان سقي ملحه ... ولا دماغ السمك النهري] [1] » # فهو كما قال: لأن سمك البحر كله ليس له لسان ولا دماغ [2] . PageV06P554 ### || 1938- [الواطع من السمك] # [1] وأصناف من حيتان البحر تجيء في كل عام، في أوقات معلومة حتى تدخل ~~دجلة، ثم تجوز إلى البطاح. فمنها الأسبور، ومنها البرستوك ووقته ومنها ~~الجواف ووقته. وإنما عرفت هذه الأصناف بأعيانها وأزمانها لأنها أطيب ذلك ~~السمك. وما أشك أن معها أصنافا أخر يعلم منها أهل الأبلة مثل الذي أعلم أنا ~~من هذه الأصناف الثلاثة. ### || 1939- [كبد الكوسج] # وأما قوله: # 58- # «وأكبد تظهر في ليلها ... ثم توارى آخر الدهر # 59- # ولا يسيغ الطعم ما لم يكن ... مزاجه ماء على قدر # 60- # ليس له شيء لإزلاقه ... سوى جراب واسع الشجر» [2] # فإن سمكا يقال له ms0997 الكوسج غليظ الجلد، أجرد، يشبه الجري، وليس بالجري، في ~~جوفها شحمة طيبة، فإن اصطادوها ليلا وجدوها وإن اصطادوها نهارا لم يجدوها ~~[3] . # وهذا الخبر شائع في الأبلة، وعند جميع البحريين، وهم يسمون تلك الشحمة ~~الكبد. # وأما قولهم: السمكة لا تسيغ طعمها إلا مع الماء، فما عند بشر ولا عندي ~~إلا ما ذكر صاحب المنطق. وقد عجب بشر من امتناعها من بلع الطعم، وهي ~~مستنقعة في الماء، مع سعة جراب فيها. # والعرب تسمي جوف البئر من أعلاه إلى قعره جراب البئر. # وأما ما سوى هذه القصيدة فليس فيها إلا ما يعرف، وقد ذكرناه في موضع غير ~~هذا من هذا الجزء خاصة. # وسنقول في باب الضبع والقنفذ والحرقوص والورل وأشباه ذلك ما أمكن إن شاء ~~الله تعالى. PageV06P555 ### || 1940- [الضبع] # قال أبو زياد الكلابي: أكلت الضبع شاة رجل من الأعراب، فجعل يخاطبها ~~ويقول: [من الرجز] # ما أنا يا جعار من خطابك ... علي دق العصل من أنيابك [1] # على حذا جحرك لا أهابك # جعار: اسم الضبع، ولذلك قال الراجز [2] : [من الكامل] # يا أيها الجفر السمين وقومه ... هزلى تجرهم ضباع جعار [3] # ثم قال الأعرابي: [من الرجز] # ما صنعت شاتي التي أكلت ... ملأت منها البطن ثم جلت # وخنتني وبئس ما فعلت ... قالت له: لا زلت تلقى الهما # وأرسل الله عليك الحمى ... لقد رأيت رجلا معتما # قال لها: كذبت يا خباث ... قد طال ما أمسيت في اكتراث # أكلت شاة صبية غراث ... قالت له والقول ذو شجون: # أسهبت في قولك كالمجنون ... أما ورب المرسل الأمين # لأفجعن بعيرك السمين ... وأمه وجحشه القرين # حتى تكون عقلة العيون ... قال لها ويحك حذريني # واجتهدي الجهد وواعديني ... وبالأماني فعلليني # لأقطعن ملتقى الوتين ... منك وأشفى الهم من دفيني # فصدقيني أو فكذبيني ... أو اتركي حقي وما يليني # إذا فشلت عندها يميني ... تعرفي ذلك باليقين # قالت: أبالقتل لنا تهدد ... وأنت شيخ مهتر مفند [4] PageV06P556 # قولك بالجبن عليك يشهد ... منك وأنت كالذي قد أعهد # قال لها: فأبشري وأبشري ... إذا تجردت لشأني فاصبري # أنت زعمت قد أمنت منكري ... أحلف بالله العلي الأكبر ms0998 # يمين ذي ثرية لم يكفر ... لأخضبن منك جنب المنحر # برمية من نازع مذكر ... أو تتركين أحمري وبقري # فأقبلت للقدر المقدر ... فأصبحت في الشرك المزعفر # مكبوبة لوجهها والمنخر ... والشيخ قد مال بغرب مجزر [1] # ثم اشتوى من أحمر وأصفر ... منها ومقدور وما لم يقدر ### || 1941- [جلد الضبع] # وقال الآخر [2] : [من الرجز] # يا ليت لي نعلين من # جلد الضبع ... وشركا من استها لا ينقطع # كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع # وهذا يدل على أن جلدها جلد سوء. # وإذا كانت السنة جدبة تأكل المال، سمتها العرب الضبع. قال الشاعر [3] : ~~[من البسيط] # أبا خراشة أما كنت ذا نفر ... فإن قومي لم تأكلهم الضبع ### || 1942- [تسمية السنة الجدبة بالضبع] # وقال عمير بن الحباب [4] : [من الرجز] PageV06P557 # فبشري القين بطعن شرج ... يشبع أولاد الضباع العرج [1] # ما زال إسدائي لهم ونسجي ... حتى اتقوني بظهور ثبج [2] # أريننا يوما كيوم المرج ### || 1943- [مما قيل من الشعر في الضباع] # وقال رجل من بني ضبة [3] : [من البسيط] # يا ضبعا أكلت آيار أحمرة ... ففي البطون وقد راحت قراقير # ما منكم غير جعلان بممدرة ... دسم المرافق أنذال عواوير [4] # وغير همز ولمز للصديق ولا ... تنكي عدوكم منكم أظافير # وإنكم ما بطنتم لم يزل أبدا ... منكم على الأقرب الأدنى زنابير [5] # وأنشد [6] : [من الرجز] # القوم أمثال السباع فانشمر ... فمنهم الذئب ومنهم النمر # والضبع العرجاء والليث الهصر # وقال العلاجم: [من الرجز] # معاور حلباته الشخص أعم ... كالديخ أفنى سنه طول الهرم [7] # وأنشد: [من الرجز] # فجاوز الحرض ولا تشممه ... لسابغ المشفر رحب بلعمه [8] # سالت ذفاريه وشاب غلصمه ... كالذيخ في يوم مرش رهمه [9] PageV06P558 # يقول: وبر لحييها كثير كأنه شعر [ذيخ] [1] قد بله المطر. وأنشد: [من ~~الرجز] # لما رأين ماتحا بالغرب ... تخلجت أشداقها للشرب [2] # تخليج أشداق الضباع الغلب [3] # يعني من الحرص والشره. وتمثل ابن الزبير [4] : [من الطويل] # خذيني فجريني جعار وأبشري ... بلحم امرئ لم يشهد اليوم ناصره [5] # وإنما خص الضباع، لأنها تنبش القبور، وذلك من فرط طلبها للحوم الناس إذا ~~لم تجدها ظاهرة. وقال تأبط شرا [6] : [من الطويل] # فلا تقبروني إن قبري محرم ... عليكم ولكن خامري أم ms0999 عامر # إذا ضربوا رأسي وفي الرأس أكثري ... وغودر عند الملتقى ثم سائري # هنالك لا أبغي حياة تسرني ... سمير الليالي مبسلا بالجرائر ### || 1944- [إعجاب الضباع بالقتلى] # قال اليقطري [7] : وإذا بقي القتيل بالعراء انتفخ أيره، لأنه إذا ضربت ~~عنقه يكون منبطحا على وجهه، فإذا انتفخ انقلب، فعند ذلك تجيء الضبع فتركبه ~~فتقضي حاجتها ثم تأكله. # وكانت مع عبد الملك جارية شهدت معه حرب مصعب، فنظرت إلى مصعب وقد انقلب ~~وانتفخ أيره وورم وغلظ، فقالت: يا أمير المؤمنين، ما أغلظ أيور المنافقين! ~~PageV06P559 # فلطمها عبد الملك ### || 1945- [حديث امرأة وزوجها] # ابن الأعرابي: قالت امرأة لزوجها، وكانت صغيرة الركب، وكان زوجها صغير ~~الأير: ما للرجل في عظم الركب منفعة، وإنما الشأن في ضيق المدخل، وفي المص ~~والحرارة، ولا ينبغي أن يلتفت إلى ما ليس من هذا في شيء. وكذلك الأير، إنما ~~ينبغي أن تنظر المرأة إلى حر جلدته، وطيب عسيلته، ولا تلتفت إلى كبره ~~وصغره. # وأنعظ الرجل على حديثها إنعاظا شديدا، فطمع أن ترى أيره في تلك الحال ~~عظيما، فأراها إياه، وفي البيت سراج، فجعل الرجل يشير إلى أيره، وعينها ~~طامحة إلى ظل أيره في أصل الحائط، فقال: يا كذابة، لشدة شهوتك في عظم ظل ~~الأير لم تفهمي عني شيئا، قالت: أما إنك لو كنت جاهلا كان أنعم لبالك يا ~~مائق، لو كان منفعة عظم الأير كمنفعة عظم الركب لما طمحت عيني إليه. قال ~~الرجل: فإن للركب العظيم حظا في العين، وعلى ذلك تتحرك له الشهوة. قالت: ~~وما تصنع بالحركة، وشك يؤدي إلى شك؟ الأير إن عظم فقد ناك جميع الحر، ودخل ~~في تلك الزوايا التي لم تزل تنتظم من بعيد. وغيرها المنتظم دونها، وإذا صغر ~~ينيك ثلث الحر ونصفه وثلثيه. # فمن يسره أن يأكل بثلث بطنه، أو يشرب بثلث بطنه؟ # قال اليقطري: أمكنها والله من القول ما لم يمكنه. ### || 1946- [حديث معاوية و جاريته الخراسانية] # وقال [1] : وخلا معاوية بجارية له خراسانية، فما هم بها نظر إلى وصيفة في ~~الدار، فترك الخراسانية وخلا بالوصيفة ثم خرج فقال للخراسانية: ms1000 ما اسم ~~الأسد بالفارسية؟ قال: كفتار. فخرج وهو يقول: ما الكفتار؟ فقيل له: الكفتار ~~الضبع. # فقال: ما لها قاتلها الله، أدركت بثأرها! والفرس إذا استقبحت وجه الإنسان ~~قالت: # روي كفتار، أي وجه الضبع. ### || 1947- [كتاب عمر بن يزيد إلى قتيبة بن مسلم] # قال: وكتب عمر بن يزيد بن عمير الأسدي إلى قتيبة بن مسلم، حين عزل وكيع ~~بن سود عن رياسة بني تميم، وولاها ضرار بن حسين الضبي: «عزلت السباع ووليت ~~الضباع» . PageV06P560 ### || 1948- [شعر فيه ذكر الضبع] # وأنشد لعباس بن مرداس السلمي [1] : [من الطويل] # فلو مات منهم من جرحنا لأصبحت ... ضباع بأكناف الأراك عرائسا [2] # وقال جريبة بن أشيم [3] : [من الطويل] # فمن مبلغ عني يسارا ورافعا ... وأسلم أن الأوهنين الأقارب # فلا تدفنني في ضرا وادفننني ... بديمومة تنزو علي الجنادب [4] # وإن أنت لم تعقر علي مطيتي ... فلا قام في مال لك الدهر حالب [5] # فلا يأكلني الذئب فيما دفنتني ... ولا فرعل مثل الصريمة حارب [6] # أزل هليب لا يزال مآبطا ... إذا ذربت أنيابه والمخالب [7] # وأنشد: [من الرمل] # تركوا جارهم تأكله ... ضبع الوادي وترميه الشجر # يقول: خذلوه حتى أكله ألأم السباع، وأضعفها. وقوله: «وترميه الشجر» ، ~~يقول: حتى صار يرميه من لا يرمي أحدا. ### || 1949- [بقية الكلام في الضبع] # وقد بقي من القول في الضبع ما سنكتبه في باب القول في الذئب [8] . ~~PageV06P561 ### || 1950- [الحرقوص] # وأما # الحرقوص # فزعموا أنه دويبة أكبر من البرغوث، وأكثر ما ينبت له جناحان بعد حين، ~~وذلك له خير. # وهذا المعنى يعتري النمل- وعند ذلك يكون هلاكه- ويعتري الدعاميص إذا صارت ~~فراشا، ويعتري الجعلان. # والحرقوص دويبة عضها أشد من عض البراغيث. وما أكثر ما يعض أحراح النساء ~~والخصى [1] . وقد سمي بحرقوص من مازن أبو كابية بن حرقوص، قال الشاعر: # [من الرجز] # أنتم بني كابية بن حرقوص ... كلهم هامته كالأفحوص [2] # وقال بشر بن المعتمر، في شعره المزاوج، حين ذكر فضل علي على الخوارج، وهو ~~قوله: [من الرجز] # ما كان في أسلافهم أبو الحسن ... ولا ابن عباس ولا أهل السنن # غر مصابيح الدجى مناجب ... أولئك الأعلام لا الأعارب # كمثل حرقوص ومن ms1001 حرقوص ... فقعة قاع حولها قصيص # ليس من الحنظل يشتار العسل ... ولا من البحور يصطاد [الورل] # هيهات ما سافلة كعاليه ... ما معدن الحكمة أهل البادية # قال [3] : والحرقوص يسمى بالنهيك. وعض النهيك ذلك الموضع من امرأة أعرابي ~~فقال [4] : [من الطويل] # وما أنا للحرقوص إن عض عضة ... لها بين رجليها بجد عقور # تطيب بنفسي بعد ما تستفزني ... مقالتها إن النهيك صغير # والذين ذهبوا إلى أنه البرغوث نفسه قالوا: الدليل على ذلك قول الطرماح ~~[5] : # [من الطويل] PageV06P562 # ولو أن حرقوصا على ظهر قملة ... يكر على صفي تميم لولت # قالوا: ولو كان له جناحان لما أركبه ظهر القملة. وليس في قول الطرماح ~~دليل على ما قال. # وقال بعض الأعراب، وعض الحرقوص خصيته [1] : [من الوافر] # لقد منع الحراقيص القرارا ... فلا ليلا نقر ولا نهارا # يغالبن الرجال على خصاهم ... وفي الأحراح دسا وانجحارا # وقالت امرأة تعني زوجها [2] : [من الطويل] # [يغار من الحرقوص أن عض عضة ... بفخذي منها ما يجذ، غيور] [3] # لقد وقع الحرقوص مني موقعا ... أرى لذة الدنيا إليه تصير # وأنشدوا لآخر: [من الرجز] # برح بي ذو النقطتين الأملس ... يقرض أحيانا وحينا ينهس # فقد وصفه هذا كما ترى. وهذا يصدق قول الآخر، ويرد على من جعل الحراقيص من ~~البراغيث. قال الآخر: [من البسيط] # يبيت بالليل جوابا على دمث ... ماذا هنالك من عض الحراقيص ### || 1951- [الورل] # وسنقول في # الورل # بما أمكن من القول إن شاء الله تعالى. وعلى أنا قد فرقنا القول فيه على ~~أبواب قد كتبناها قبل هذا. # قالوا [4] : الورل يقتل الضب، وهو أشد منه، وأجود سلاحا وألطف بدنا. ~~قالوا: # والسافد منها يكون مهزولا، وهو الذي يزيف إلى الإنسان وينفخ ويتوعد. # قال [5] : واصطدت منها واحدا فكسرت حجرا، وأخذت مروة فذبحته بها، حتى قلت ~~قد نخعته [6] . فاسبطر [7] لحينه فأردت أن أصغي إليه وأشرت بإبهامي في ~~PageV06P563 # فيه، فعض عليها عضة اختلعت أنيابه، فلم يخلها حتى عضضت على رأسه. # قال: فأتيت أهلي فشققت بطنه، فإذا فيها حيتان عظيمتان إلا الرأس. # قال: وهو يشدخ رأس الحية ثم يبتلعها فلا يضره سمها. وهذا عنده ms1002 أعجب ما ~~فيه. فكيف لو رأى الحوائين عندنا، وأحدهم يعطى الشيء اليسير، فإن شاء أكل ~~الأفعى نيا، وإن شاء شواء، وإن شاء قديدا فلا يضره ذلك بقليل ولا كثير. # وفي الورل أنه ليس شيء من الحيوان أقوى على أكل الحيات وقتلها منه، ولا ~~أكثر سفادا، حتى لقد طم في ذلك على التيس، وعلى الجمل، وعلى العصفور، وعلى ~~الخنزير، وعلى الذبان في العدد، وفي طول المكث. وفيه أنه لا يحتفر لنفسه ~~بيتا، ويغتصب كل شيء بيته؛ لأنها أي جحر دخلته هرب منه صاحبه. فالورل يغتصب ~~الحية بيتها كما تغتصب الحية بيوت سائر الأحناش والطير والضب. # وهو أيضا من المراكب. وهو أيضا مما يستطاب، وله شحمة، ويستطيبون لحم ~~ذنبه. والورل دابة خفيف الحركة ذاهبا وجائيا، ويمينا وشمالا. وليس شيء بعد ~~العظاءة أكثر تلفتا منه وتوقفا. ### || 1952- [زعم المجوس في العظاءة] # وتزعم المجوس أن أهرمن، وهو إبليس، لما جلس في مجلسه في أول الدهر ليقسم ~~الشر والسموم- فيكون ذلك عدة على مناهضة صاحب الخير إذا انقضى الأجل ~~بينهما، ولأن من طباعه أيضا فعل الشر على كل حال- كانت العظاءة آخر من حضر، ~~فحضرت وقد قسم السم كله، فتداخلها الحسرة والأسف. فتراها إذا اشتدت وقفت ~~وقفة تذكر لما فاتها من نصيبها من السم، ولتفريطها في الإبطاء حتى صارت لا ~~تسكن إلا في الخرابات والحشوش [1] ؛ لأنها حين لم يكن فيها من السم شيء لم ~~تطلب مواضع الناس كالوزغة التي تسكن معهم البيوت، وتكرع في آنيتهم الماء ~~وتمجه، وتزاق الحيات وتهيجها عليهم. ولذلك نفرت طباع الناس من الوزغة، ~~فقتلوها تحت كل حجر، وسلمت منهم العظاءة تسليما منهم. # ولم أر قولا أشد تناقضا، ولا أموق من قولهم هذا؛ لأن العظاءة لم يكن ~~ليعتريها من الأسف على فوت السم على ما ذكروا أولا إلا وفي طبعها من ~~الشرارة الغريزية أكثر مما في طبع الأفعى. PageV06P564 ### || 1953- [شعر فيه ذكر الورل] # قال الراجز في معنى الأول: [من الرجز] # يا ورلا رقرق في سراب ... أكان هذا أول الثواب # قال: ورقرقته: سرعته ذاهبا وجائيا ويمينا وشمالا. ms1003 # قال أبو دؤاد الإيادي [1] ، في صفة لسان فرسه: [من الخفيف] # عن لسان كجثة الورل الأح ... مر مج الثرى عليه العرار # وقال خالد بن عجرة [2] : [من الوافر] # [كأن لسانه ورل عليه، ... بدار مضنة، مج العرار] # ووصف الأصمعي حمرته في بعض أراجيزه، فقال: [من الرجز] # في مغر ذي أضرس وصك ... يعرج منه بعد ضيق ضنك [3] ### || 1954- [فروة القنفذ] # قد قلنا في القنفذ، وصنيعه في الحيات وفي الأفاعي خاصة، وفي أنه من ~~المراكب، وفي غير ذلك من أمره، فيما تقدم هذا المكان من هذا الكتاب [4] . # ويقول من نزع فروته بأنها مملوءة شحيمة. والأعراب تستطيب أكله، وهو طيب ~~للأرواح [5] . ### || 1955- [شعر في القنفذ] # والقنفذ لا يظهر إلا بالليل، كالمستخفي، فلذلك شبه به، قال أيمن بن خريم ~~[6] : [من البسيط] # كقنفذ الرمل لا تخفى مدارجه ... خب إذا نام عنه الناس لم ينم PageV06P565 # وقال عبدة بن الطبيب [1] : [من الكامل] # قوم إذا دمس الظلام عليهم ... حدجوا قنافذ بالنميمة تمزع # وقال [2] : [من المتقارب] # شريت الأمور وغاليتها ... فأولى لكم يا بني الأعرج # تدبون حول ركياتكم ... دبيب القنافذ في العرفج # وقال الآخر [3] في غير هذا الباب: [من الرجز] # كأن قيرا أو كحيلا ينعصر ... ينحط من قنفذ ذفراه الذفر # وقال عباس بن مرداس السلمي [4] ، يضرب المثل به وبأذنيه في القلة والصغر: # [من المتقارب] # فإنك لم تك كابن الشريد ... ولكن أبوك أبو سالم # حملت المئين وأثقالها ... على أذني قنفذ رازم # وأشبهت جدك شر الجدود ... والعرق يسري إلى النائم # وأنشدني الدلهم بن شهاب، أحد بني عوف بن كنانة، من عكل، قال: # أنشدنيه نفيع بن طارق في تشبيه ركب المرأة إذا جمم بجلد القنفذ [5] : [من ~~الرجز] # 1- # علق من عنائه وشقوته ... وقد رأيت هدجا في مشيته [6] # 3- # وقد جلا الشيب عذار لحيته ... بنت ثماني عشرة من حجته [7] # 5- # يظنها ظنا بغير رؤيته ... تمشي بجهم ضيقه من همته [8] PageV06P566 # 7- # لم يخزه الله برحب سعته ... جمم بعد حلقه ونورته [1] # 9- # كقنفذ القف اختفى في فروته ... لا يبلغ الأير بنزع رهوته [2] # 11- # ولا يكر راجعا بكرته ... كأن فيه وهجا من ملته [3] ### || 1956- [من تسمى بقنفذ] # ويتسمون بالقنافذ. ms1004 وذو البرة الذي ذكره عمرو بن كلثوم هو الذي يقال له: ~~برة القنفذ، وهو كعب بن زهير، وهو قوله [4] : [من الوافر] # وذو البرة الذي حدثت عنه ... به نحمى ونشفي الملجئينا ### || 1957- [كبار القنافذ] # [5] ومن القنافذ جنس وهو أعظم من هذه القنافذ؛ وذلك أن لها شوكا كصياصي ~~[6] الحاكة، وإنما هي مدارى قد سخرت لها وذللت تلك المغارز والمنابت، ويكون ~~متى شاء أن ينصل منها رمى به الشخص الذي يخافه، فعلا حتى كأنه السهم الذي ~~يخرجه الوتر. # ولم أر أشبه به في الحذف من شجر الخروع؛ فإن الحب إذا جف في أكمامه، ~~وتصدع عنه بعض الصدع، حذف به بعض الغصون، فربما وقع على قاب الرمح الطويل ~~وأكثر من ذلك. ### || 1958- [تحريك الحيوان بعض أعضائه دون بعض] # والبرذون يسقط على جلده ذبابة فيحرك ذلك الموضع. فهذا عام في الخيل. # فأما الناس فإن المخنث ربما حرك شيئا من جسده، وأي موضع شاء من بدنه [7] ~~. PageV06P567 # والكاعاني، وهو اسم الذي يتجنن أو يتفالج فالج الرعدة والارتعاش، فإنه ~~يحكي من صرع الشيطان، ومن الإزباد، ومن النفضة، ما ليس [يصدر] [1] عنهما. # وربما جمعهما في نقاب واحد، فأراك الله تعالى [منه] [1] مجنونا مفلوجا ~~يجمع الحركتين جميعا بما لا يجيء من طباع المجنون. ### || 1959- [حكاية الإنسان للأصوات وغيرها] # والإنسان العاقل وإن كان لا يحسن يبني كهيئة وكر الزنبور، ونسج العنكبوت، ~~فإنه إذا صار إلى حكاية أصوات البهائم وجميع الدواب وحكاية العميان ~~والعرجان؛ والفأفأء، وإلى أن يصور أصناف الحيوان بيده، بلغ من حكايته ~~الصورة والصوت والحركة ما لا يبلغه المحكي. ### || 1960- [الحركات العجيبة] # [2] وفي الناس من يحرك أذنيه من بين سائر جسده، وربما حرك إحداهما قبل ~~الأخرى. # ومنهم من يحرك شعر رأسه، كما أن منهم من يبكي إذا شاء، ويضحك إذا شاء. # وخبرني بعضهم أنه رأى من يبكي بإحدى عينيه، وبالتي يقترحها عليه الغير. # وحكى المكي عن جوار باليمن. لهن قرون مضفورة من شعر رؤوسهن، وأن إحداهن ~~تلعب وترقص على إيقاع موزون، ثم تشخص قرنا من تلك القرون، ثم تلعب وترقص، ~~ثم تشخص من تلك ms1005 الضفائر المرصعة واحدة بعد أخرى، حتى تنتصب كأنها قرون ~~أوابد في رأسها. فقلت له: فلعل التضفير والترصيع أن يكون شديد الفتل ببعض ~~الغسل [3] والتلبيد، فإذا أخرجته بالحركة التي تثبتها في أصل تلك الضفيرة ~~شخصت. فلم أره ذهب إلى ذلك، ورأيته يحققه ويستشهد بأخيه. ### || 1961- [نوم الذئب ] # وتزعم الأعراب أن الذئب ينام بإحدى عينيه، ويزعمون أن ذلك من حاق الحذر ~~[4] . وينشد شعر حميد بن ثور الهلالي، وهو قوله [5] : [من الطويل] ~~PageV06P568 # ينام بإحدى مقلتيه ويتقي ال ... منايا بأخرى فهو يقظان هاجع # وأنا أظن هذا الحديث في معنى ما مدح به تأبط شرا [1] : [من الطويل] # إذا خاط عينيه كرى النوم لم يزل ... له كالئ من قلب شيحان فاتك # ويجعل عينيه ربيئة قلبه ... إلى سلة من حد أخضر باتك ### || 1962- [قولهم: أسمع من قنفذ ومن دلدل] # ويقال: «أسمع من قنفذ» [2] ، وقد ينبغي أن يكون قولهم: «أسمع من الدلدل» ~~من الأمثال المولدة. ### || 1963- [المتقاربات من الحيوان] # وفرق ما بين القنفذ والدلدل، كفرق ما بين الفأر والجرذان، والبقر ~~والجواميس، والبخاتي والعراب، والضأن والمعز، والذر والنمل، والجواف ~~والأسبور [3] ، وأجناس من الحيات، وغير ذلك؛ فإن هذه الأجناس منها ما ~~يتسافد ويتلاقح، ومنها ما لا يكون ذلك فيها. ### || 1964- [قولهم:أفحش من فاسية] # ويقال [4] : «إنه لأفحش من فاسية» وهي الخنفساء؛ لأنها تفسو في يد من ~~مسها. وقال بعضهم: إنه عنى الظربان؛ لأن الظربان يفسو في وسط الهجمة [5] ، ~~فتتفرق الإبل فلا تجتمع إلا بالجهد الشديد. ### || [ألج من الخنفساء] # ويقال: «ألج من الخنفساء» [6] . وقال خلف الأحمر وهو يهجو رجلا [7] : [من ~~المتقارب] # ألج لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب PageV06P569 ### || 1965- [رجز في الضبع] # وأنشد أبو الرديني، عن عبد الله بن كراع، أخي سويد بن كراع، في الضبع: # [من الرجز] # من يجن أولاد طريف رهطا ... مردا أوله شمطا [1] # رأى عضاريط طوالا ثطا ... كأضبع مرط هبطن هبطا [2] # ثم يفسين هزيلا مرطا ... إن لكم عندي هناء لعطا [3] # خطما على آنفكم وعلطا [4] ### || 1966- [ قصة أبي مجيب] # وحكى أبو مجيب، ما أصابه من أهله، ثم قال: وقد رأيت رؤيا عبرتها: رأيت ms1006 ~~كأني طردت أرنبا فانجحرت، فحفرت عنها حتى استخرجتها، فرجوت أن يكون ذلك ~~ولدا أرزقه، وإنه كانت لي ابنة عم هاهنا، فأردت أن أتزوجها؛ فما ترى؟ قلت: # تزوجها على بركة الله تعالى. ففعل؛ ثم استأذنني أن يقيم عندنا أياما؛ ~~فأقام ثم أتاني فقلت: لا تخبرني بشيء حتى أنشدك. ثم أنشدته هذه الأبيات [5] ~~: [من الرجز] # يا ليت شعري عن أبي مجيب ... إذ بات في مجاسد وطيب [6] # معانقا للرشأ الربيب ... أأقحم الحفار في القليب # أم كان رخوا يابس القضيب # قال: بلى كان والله رخوا يابس القضيب، والله لكأنك كنت معنا ومشاهدنا! ### || 1967- [خصال الفهد] # فأما الفهد؛ فالذي يحضرنا من خصاله أنه يقال إن عظام السباع تشتهي ريحه ~~[7] ، وتستدل برائحته على مكانه وتعجب بلحمه أشد العجب. # وقد يصاد بضروب، منها الصوت الحسن؛ فإنه يصغي إليه إصغاء حسنا. وإذا ~~PageV06P570 # اصطادوا المسن كان أنفع لأهله في الصيد من الجرو الذي يربونه؛ لأن الجرو ~~يخرج خبا، ويخرج المسن على التأديب صيودا غير خب ولا مواكل [1] في صيده. ~~وهو أنفع من صيد كل صائد، وأحسن في العين. وله فيه تدبير عجيب. # وليس شيء في مثل جسم الفهد إلا والفهد أثقل منه، وأحطم لظهر الدابة التي ~~يرقى على مؤخرها [2] . # والفهد أنوم الخلق، [وليس نومه كنوم الكلب؛ لأن الكلب نومه نعاس واختلاس] ~~[3] ، والفهد نومه مصمت [4] : قال أبو حية النميري [5] : [من البسيط] # بعذاريها أناسا نام حلمهم ... عنا وعنك وعنها نومة الفهد # وقال حميد بن ثور الهلالي [6] : [من الطويل] # ونمت كنوم الفهد عن ذي حفيظة ... أكلت طعاما دونه وهو جائع ### || 1968- [أرجوزة في صفة الفهد] # وقال الرقاشي في صفة الفهد [7] : [من الرجز] # قد أغتدي والليل أحوى السد ... والصبح في الظلماء ذو تهدي [8] # مثل اهتزاز العضب ذي الفرند ... بأهرت الشدقين ملتئد [9] # أزبر مضبور القرا علكد ... طاوي الحشا في طي جسم معد [10] # كز البراجيم هصور الجد ... برامز ذي نكت مسودا [11] PageV06P571 # وشجر لحيين ونحر ورد ... شرنبث أغلب مصمعد [1] # كالليث إلا نمرة في الجلد ... للشبح الحائل مستعد [2] # حتى إذا عاين بعد الجهد ... على قطاة الردف ردف العبد [3] # سربين ms1007 عنا بجبين صلد ... وانقض يأدو غير مجرهد [4] # في ملهب منه وختل إد ... مثل انسياب الحية العربد [5] # وقوله: «مثل انسياب الحية العربد» ، هذه الحية عين الدابة التي يقال لها ~~العربد. وقد ذكرها مالك بن حريم في [قوله] [6] لعمرو بن معد يكرب: [من م. # الكامل] # يا عمرو لو أبصرتني ... لرفوتني في الخيل رفوا [7] # والييض تلمع بينهم ... تعصو بها الفرسان عصوا [8] # فلقيت مني عربدا ... يقطو أمام الخيل قطوا [9] # لا رأيت نساءهم ... يدخلن تحت البيت حبوا # وسمعت زجر الخيل في ... جوف الظلام هبي وهبوا [10] # في فيلق ملمومة ... تسطو على الخبرات سطوا [11] # وقال الرقاشي أيضا في الفهد: [من الرجز] # لما غدا للصيد آل جعفر ... رهط رسول الله أهل المفخر PageV06P572 # بفهدة ذات قرا مضبر ... وكاهل باد وعنق أزهر [1] # ومقلة سال سواد المحجر ... منها إلى شدق رحاب المفغر [2] # وذنب طال وجلد أنمر ... وأيطل مستأسد غضنفر [3] # وأذن مكسورة لم تجبر ... فطساء فيها رحب في المنخر [4] # مثل وجار التتفل المقور ... أرثها إسحاق في التعذر [5] # منها على الخدين والمعذر [6] ### || 1969- [نعت ابن أبي كريمة للفهد] # وقال ابن أبي كريمة في صفة الفهد [7] : [من الطويل] # كأن بنات القفر حين تشعبت ... غدوت عليها بالمنايا الشواعب # بذلك نبغي الصيد طورا وتارة ... بمخطفة الأحشاء رحب الترائب # موقفة الأذناب، نمر ظهورها ... مخططة الآماق غلب الغوارب # مولعة فطح الجباه عوابس ... تخال على أشداقها خط كاتب # فوارس ما لم تلق حربا ورجلة ... إذا آنست بالبيد شهب الكتائب # تضاءل حتى ما تكاد تبينها ... عيون لدى الصرات غير كواذب # توسد أجياد الفرائس أذرعا ... مرملة تحكي عناق الحبائب ### || 1970- [ما يضاف إلى اليهود من الحيوان] # قال [8] : والصبيان يصيحون بالفهد إذا رأوه: يا يهودي! وقد عرفنا مقالهم ~~في الجري [9] . PageV06P573 # والعامة تزعم أن الفأرة كانت يهودية سحارة [1] ، والأرضة يهودية أيضا ~~عندهم؛ ولذلك يلطخون الأجذاع بشحم الجزور [2] . # والضب يهودي؛ ولذلك قال بعض القصاص لرجل أكل ضبا: اعلم أنك أكلت شيخا من ~~بني إسرائيل [3] . # ولا أراهم يضيفون إلى النصرانية شيئا من السباع والحشرات. ### || 1971- [ذئب يوسف] # [4] ولذلك قال أبو علقمة: كان اسم الذئب الذي أكل يوسف رجحون ms1008 [5] . فقيل ~~له: فإن يوسف لم يأكله الذئب، وإنما كذبوا على الذئب؛ ولذلك قال الله عز ~~وجل: # وجاؤ على قميصه بدم كذب # [6] . قال: فهذا اسم للذئب الذي لم يأكل يوسف. # فينبغي أن يكون ذلك الاسم لجميع الذئاب، لأن الذئاب كلها لم تأكله. ### || 1972- [زعم المجوس في لبس أعوان بشوتن] # وتزعم المجوس أن بشوتن الذي ينتظرون خروجه، ويزعمون أن الملك يصير إليه، ~~يخرج على بقرة ذات قرون. ومعه سبعون رجلا عليهم جلود الفهود، لا يعرف هرا ~~ولا برا [7] حتى يأخذ جميع الدنيا. ### || 1973- [الهر والبر] # وكذلك إلغازهم في # الهر والبر. # وابن الكلبي يزعم عن الشرقي بن القطامي، أن الهر السنور، والبر الفارة ~~[8] . PageV06P574 ### || 1974- [جوارح الملوك] # والباز والفهد من # | جوارح الملوك. # والشاهين، والصقر، والزرق، واليؤيؤ [1] . # وليس ترى شريفا يستحسن حمل البازي- لأن ذلك من عمل البازيار [2]- ~~ويستهجن حمل الصقور والشواهين وغيرها من الجوارح، وما أدري علة ذلك إلا أن ~~الباز عندهم أعجمي، والصقر عربي. ### || 1975- [العقعق] # ومن الحيوان الذي يدرب فيستجيب ويكيس وينصح العقعق، فإنه يستجيب من حيث ~~تستجيب الصقور. ويزجر فيعرف ما يراد منه ويخبأ الحلي فيسأل عنه ويصاح به ~~فيمضي حتى يقف بصاحبه على المكان الذي خبأه فيه، ولكن لا يلزم البحث عنه ~~[3] . # وهو مع ذلك كثيرا ما يضيع بيضه وفراخه. ### || 1976- [ مخبئات الدراهم والحلي] # وثلاثة أشياء تخبي الدراهم والحلي، وتفرح بذلك من غير انتفاع به، منها ~~[4] : # | العقعق؛ # ومنها ابن مقرض: دويبة آلق من ابن عرس؛ وهو صعب وحشي، يحب الدراهم، ويفرح ~~بأخذها، ويخبيها، وهو مع ذلك يصيد العصافير صيدا كثيرا، وذلك أنه يؤخذ ~~فيربط بخيط شديد الفتل، ويقابل به بيت العصفور، فيدخل عليه فيأخذه وفراخه، ~~ولا يقتلها حتى يقتلها الرجل، فلا يزال كذلك ولو طاف به على ألف جحر. فإذا ~~حل خيطه ذهب ولم يقم. # وضرب من الفار يسرق الدراهم والدنانير والحلي ويفرح به ويظهره ويغيبه في ~~الجحر وينظر إليه ويتقلب عليه. ### || 1977- [ذنب الوزغة] # قال [5] : وخطب الأشعث فقال: «أيها الناس إنه ما بقي من عدوكم إلا كما ~~بقي PageV06P575 # من ذنب الوزغة تضرب به يمينا وشمالا ms1009 ثم لا تلبث أن تموت» فمر به رجل من ~~قشير فسمع كلامه فقال: قبح الله تعالى هذا ورأيه، يأمر أصحابه بقلة ~~الاحتراس، وترك الاستعداد! وقد يقطع ذنب الوزغة من ثلثها الأسفل، فتعيش إن ~~أفلتت من الذر. ### || 1978- [أشد الحيوان احتمالا للطعن والبتر] # وقد تحتمل الخنافس والكلاب من الطعن الجائف، والسهم النافذ؛ ما لا يحتمل ~~مثله شيء. والخنفساء أعجب من ذلك وكفاك بالضب! والجمل يكون سنامه كالهدف، ~~فيكشف عنه جلده في المجهدة [1] ؛ ثم يجتث من أصله بالشفار، ثم تعاد عليه ~~الجلدة ويداوى فيبرأ، ويحتمل ذلك، وهو أعجب في ذلك من الكبش في قطع أليته ~~من أصل عجب ذنبه، وهي كالترس، وربما فعل ذلك به وهو لا يستطيع أن يقل أليته ~~[2] إلا بأداة تتخذ. ولكن الألية على كل حال طرف زائد، والسنام قد طبق على ~~جميع ما في الجوف. ### || 1979- [ ذكاء إياس] # [3] ونظر إياس بن معاوية في الرحبة بواسط إلى آجرة، فقال: تحت هذه الآجرة ~~دابة: فنزعوا الآجرة فإذا تحتها حية متطوقة. فسئل عن ذلك، فقال لأني رأيت ~~ما بين الآجرتين نديا من جميع تلك الرحبة، فعلمت أن تحتها شيئا يتنفس. ### || 1980- [هداية الكلاب في الثلوج] # وإذا سقط الثلج في الصحارى صار كله طبقا واحدا، إلا ما كان مقابلا لأفواه ~~جحرة الوحش والحشرات؛ فإن الثلج في ذلك المكان ينحسر ويرق لأنفسها من ~~أفواهها ومناخرها ووهج أبدانها [4] ، فالكلاب في تلك الحال يعتادها ~~الاسترواح حتى تقف بالكلابين على رؤوس المواضع التي تنبت الإجرد والقصيص ~~[5] ، وهي التربة التي تنبت الكمأة وتربيها. PageV06P576 ### || 1981 -[تعرف مواضع الكمأة] # وربما كانت الواحدة كالرمانة الفخمة، ثم تتخلق من [غير] [1] بزر، وليس ~~لها عرق تمص به من قوى تلك الأرض، ولكنها قوى اجتمعت من طريق الاستحالات، ~~كما ينطبخ في أعماق الأرض، من جميع الجواهر وليس لها بد من تربة ذلك من ~~جوهرها، ولا بد لها من وسمي [2] . فإذا صار جانيها إلى تلك المواضع- ولا ~~سيما إن كان اليوم يوما لشمسه وقع [3]- فإنه إذا أبصر الإجرد ~~والقصيص استدل على مواضعها بانتفاخ الأرض وانصداعها. # وإذا نظر ms1010 الأعرابي إلى موضع الانتفاخ يتصدع في مكانه فكان تفتحه في ~~الحالات مستويا، علم أنه كمأة؛ وإن خلط في الحركة والتصدع علم أنه دابة، ~~فاتقى مكانها. PageV06P577 ### | [باب نوادر وأشعار وأحاديث] # قال الشاعر [1] : [من م. الكامل] # وعصيت أمر ذوي النهى ... وأطعت رأي ذوي الجهاله # فاحتلت حين صرمتني ... والمرء يعجز لا المحاله # [والعبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه المقاله] [2] # وقال بشار [3] : [من الرجز] # وصاحب كالدمل الممد ... حملته في رقعة من جلدي # الحر يلحى والعصا للعبد ... وليس للملحف مثل الرد # وقال خليفة الأقطع [4] : [من م. الكامل] # العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامه PageV06P578 ### | [باب من القول في العرجان] # قال رجل من بني عجل [1] : [من الطويل] # وشى بي واش عند ليلى سفاهة ... فقالت له ليلى مقالة ذي عقل # وخبرها أني عرجت فم تكن ... كورهاء تجتر الملامة للبعل [2] # وما بي من عيب الفتى غير أنني ... جعلت العصا رجلا أقيم بها رجلي # وقال أبو حية في مثل ذلك [3] : [من البسيط] # وقد جعلت إذ ما قمت، يوجعني ... ظهري فقمت قيام الشارب السكر # وكنت أمشي على رجلين معتدلا ... فصرت أمشي على أخرى من الشجر # وقال أعرابي من بني تميم [4] : [من الطويل] # وما بي من عيب الفتى غير أنني ... ألفت قناتي حين أوجعني ظهري # وكان بنو الحداء عرجانا كلهم، فهجاهم بعض الشعراء فقال [5] : [من البسيط] # لله در بني الحداء من نفر ... وكل جار على جيرانه كلب # إذا غدوا وعصي الطلح أرجلهم ... كما تنصب وسط البيعة الصلب # وإنما شبه أرجلهم بعصي الطلح؛ لأن أغصان الطلح تنبت معوجة. لذلك قال ~~معدان الأعمى [6] : [من الخفيف] # والذي طفف الجدار من الذع ... ر وقد بات قاسم الأنفال [7] # فغدا خامعا بأيدي هشيم ... وبساق كعود طلح بال [8] PageV06P579 # وله حديث. ### || 1982- [عصا الحكم بن عبدل] # وكان الحكم بن عبدل أعرج، وكان بعد هجائه لمحمد بن حسان بن سعد لا يبعث ~~إلى أحد بعصاه التي يتوكأ عليها وكتب عليها حاجته إلا قضاها كيف كانت، فدخل ~~على عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب، وهو أمير الكوفة، وكان ~~أعرج، وكان صاحب ms1011 شرطته أعرج- فقال ابن عبدل [1] : [من الكامل] # ألق العصا ودع التعارج والتمس ... عملا فهذي دولة العرجان # فأميرنا وأمير شرطتنا معا ... يا قومنا لكليهما رجلان # فإذا يكون أميرنا ووزيره ... وأنا فإن الرابع الشيطان # وقال آخر ووصف ضعفه وكبر سنه [2] : [من الكامل] # آتي الندي فلا يقرب مجلسي ... وأقود للشرف الرفيع حماريا ### || 1983- [عرجان الشعراء] # وكان من العرجان والشعراء أبو ثعلب، وهو كليب بن أبي الغول. ومنهم أبو ~~مالك الأعرج. وفي أحدهما يقول اليزيدي [3] : [من الطويل] # أبو ثعلب للناطفي مؤازر ... على خبثه والناطفي غيور # وبالبغلة الشهباء رقة حافر ... وصاحبنا ماضي الجنان جسور # ولا غرو أن كان الأعيرج آرها ... وما الناس إلا آير ومئير ### || 1984- [البدء والثنيان] # وقال الشاعر [4] : [من البسيط] PageV06P580 # تلقى ثنانا إذا ما جاء بدأهم ... وبدؤهم إن أتانا كان ثنيانا # فالبدء أضخم السادات؛ يقال ثنى وثنيان، وهو اسم واحد. وهو تأويل قول ~~الشاعر [1] : [من الوافر] # يصد الشاعر الثنيان عني ... صدود البكر عن قرم هجان [2] # لم يمدح نفسه بأن لا يغلب الفحل وإنما يغلب الثنيان. وإنما أراد أن يصغر ~~بالذي هجاه، بأنه ثنيان، وإن كان عند نفسه فحلا وأما قول الشاعر [3] : [من ~~الوافر] # ومن يفخر بمثل أبي وجدي ... يجئ قبل السوابق وهو ثان # فالمعنى ثان عنانه. ### || أحاديث من أعاجيب المماليك # - أتيت باب السعداني، فإذا غلام له مليح بالباب كان يتبع دابته، فقلت له: # قل لمولاك، إن شئت بكرت إلي، وإن شئت بكرت إليك. قال: أنا ليس أكلم ~~مولاي- ومعي أبو القنافذ- فقال أبو القنافذ: ما نحتاج مع هذا الخبر إلى ~~معاينة. # - وقال أبو البصير المنجم، وهو عند قثم بن جعفر، لغلام له مليح صغير ~~السن: ما حبسك يا حلقي؟ والحلقي: المخنث- ثم قال: أما والله لئن قمت إليك ~~يا حلقي لتعلمن! فلما أكثر عليه من هذا الكلام بكى وقال: أدعو الله على من ~~جعلني حلقيا. # - حدثني الحسن بن المرزبان قال: كنت مع أصحاب لنا، إذ أتينا بغلام سندي ~~يباع، فقلت له: أشتريك يا غلام؟ فقال: حتى أسأل عنك! - قال المكي: وأتي ~~المثنى بن بشر بسندي ليشتريه على أنه طباخ، ms1012 فقال له المثنى: كم تحسن يا ~~غلام من لون؟ فلم يجبه؛ فأعاد عليه، وقال: يا غلام كم تحسن من لون؟ فكلم ~~غيره وتركه؛ فقال المثنى في الثالثة: ما له لا يتكلم؟ يا غلام، كم تحسن من ~~لون؟ فقال السندي: كم تحسن من لون! كم تحسن من لون! وأنت PageV06P581 # لا تحسن ما يكفيك أنت؟ قال: حسبك الآن: ثم قال المثنى للدلال: امض بهذا، ~~عليه لعنة الله!. # - وحدثني ثمامة قال: جاءنا رجل بغلام سندي يزعم أنه طباخ حاذق، فاشتريته ~~منه، فلما أمرت له بالمال قال الرجل: إنه قد غاب عنا غيبة، فإن اشتريته على ~~هذا الشرط، وإلا فاتركه. فقلت للسندي: أكنت أبقت قط! قال: والله ما أبقت ~~قط! فقلت: أنت الآن قد جمعت مع الإباق [1] الكذب! قال: كيف ذلك؟ قلت: لأن ~~هذا الموضع لا يجوز أن يكذب فيه البائع. قال: جعلني الله تعالى فداءك! أنا ~~والله أخبرك عن قصتي: كنت أذنبت ذنبا كما يذنب هذا وهذا، جميع غلمان الناس ~~فحلف بكل يمين ليضربني أربعمائة سوط، فكنت ترى لي أن أقيم؟ قلت: لا والله! ~~قال: فهذا الآن إباق؟ قلت لا. قال: فاشتريته فإذا هو أحسن الناس خبزا ~~وأطيبهم طبخا. # وخبرني رجل قال: قال رجل لغلام له ذات يوم: يا فاجر! قال: جعلني الله ~~فداك، مولى القوم منهم! وزعم روح بن الطائفية- وكان روح عبدا لأخت أنس بن ~~أبي شيخ، وكانت قد فوضت إليه كل شيء من أمرها- قال: دخلت السوق أريد شراء ~~غلام طباخ، فبينا أنا واقف إذ جيء بغلام يعرض بعشرة دنانير، ويساوي على حسن ~~وجهه وجودة قده، وحداثة سنه، دون صناعته- مائة دينار. فلما رأيته لم أتمالك ~~أن دنوت منه فقلت: # ويحك أقل ثمنك على وجهك مائة دينار، والله ما يبيعك مولاك بعشرة دنانير ~~إلا وأنت شر الناس! فقال: أما لهم فأنا شر الناس، وأما لغيرهم فأنا أساوي ~~مائة ومائة. # قال: فقلت: التزين بجمال هذا وطيب طبخه يوما واحدا عند أصحابي خير من ~~عشرة دنانير. فابتعته ومضيت به إلى المنزل، فرأيت من حذقه وخدمته، ms1013 وقلة ~~تزيده ما إن بعثته إلى الصيرفي ليأتيني من قبله بعشرين دينارا، فأخذها ومضى ~~على وجهه فو الله ما شعرت إلا والناشد [2] قد جاءني وهو يطلب جعله، فقلت: ~~لهذا وشبهه باعك القوم بعشرة دنانير! قال: لولا أني أعلم أنك لا تصدق يميني ~~وكيف طرت الدنانير من ثوبي. ولكني أقول لك واحدة: احتبسني واحترس مني، ~~واستمتع بخدمتي، واحتسب أنك كنت اشتريتني بثلاثين دينارا، قال: فاحتبسته ~~لهواي فيه، وقلت لعله PageV06P582 # أن يكون صادقا. ثم رأيت والله من صلاحه وإنابته وحسن خدمته ما دعاني إلى ~~نسيان جميع قصته، حتى دفعت إليه يوما ثلاثين دينارا ليوصلها إلى أهلي، فلما ~~صارت إلى يده ذهب على وجهه، فلم ألبث إلا أياما حتى رده الناشد، فقلت له: # زعمت أن الدنانير الأولى طرت منك، فما قولك في هذه الثانية؟ قال: أنا، ~~والله أعلم أنك لا تقبل لي عذرا، فدعني خارج الدار، ولا تجاوز بي خدمة ~~المطبخ؛ ولو كان الضرب يرد عليك شيئا من مالك لأشرت عليك به، ولكن قد ذهب ~~مالك، والضرب ينقص من أجرك؛ ولعلي أيضا أموت تحت الضرب فتندم وتأثم وتفتضح ~~ويطلبك السلطان. ولكن اقتصر بي على المطبخ فإني سأسرك فيه، وأوفره عليك. ~~وأستجيد ما أشتريه وأستصلحه لك. وعد أنك اشتريتني بستين دينارا! فقلت له: ~~أنت لا تفلح بعد هذا! اذهب فأنت حر لوجه الله تعالى! فقال لي: أنت عبد فكيف ~~يجوز عتقك. # قلت فأبيعك بما عز أو هان! فقال: لا تبعني حتى تعد طباخا، فإنك إن بعتني ~~لم تتغذ غذاء إلا بخبز وباقلاء. قال: فتركته ومرت بعد ذلك أيام فبينا أنا ~~جالس يوما إذ مرت علي شاة لبون كريمة، غزيرة الدر كنا فرقنا بينها وبين ~~عناقها فأكثرت في الثغاء، فقلت كما يقول الناس، وكما يقول الضجر: اللهم ~~العن هذه الشاة! ليت أن الله بعث إنسانا ذبحها أو سرقها، حتى نستريح من ~~صياحها! قال: فلم ألبث إلا بقدر ما غاب عن عيني، ثم عاد فإذا في يده سكين ~~وساطور وعليه قميص العمل، ثم أقبل علي فقال: ms1014 هذا اللحم ما نصنع به وأي شيء ~~تأمرني به؟ فقلت: وأي لحم؟ قال: لحم هذه الشاة. قلت: وأيما شاة؟ قال: التي ~~أمرت بذبحها. قلت: وأي شاة أمرت بذبحها؟ # قال: سبحان الله! أليس قد قلت الساعة: ليت أن الله تعالى قد بعث إليها من ~~يذبحها أو يسرقها، فلما أعطاك الله تعالى سؤلك صرت تتجاهل! قال روح: فبقيت ~~والله لا أقدر على حبسه ولا على بيعه ولا على عتقه. ### ||| 1985- [أشعار حسان] # وقال مسكين الدارمي [1] : [من الطويل] # إن أبانا بكر آدم، فاعلموا ... وحواء قرم ذو عثانين شارف [2] # كأن على خرطومه متهافتا ... من القطن هاجته الأكف النوادف [3] ~~PageV06P583 # وللصدأ المسود أطيب عندنا ... من المسك دافته الأكف الدوائف [1] # ويصبح عرفان الدروع جلودنا ... إذا جاء يوم مظلم اللون كاسف # تعلق في مثل السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب منا تنائف [2] # وكل رديني كأن كعوبه ... قطا سابق مستورد الماء صائف [3] # كأن هلالا لاح فوق قناته ... جلا الغيم عنه والقتام الحراجف [4] # له مثل حلقوم النعامة حلة ... ومثل القدامى ساقها متناصف [5] # وقال أيضا مسكين الدارمي [6] : [من الرمل] # وإذا الفاحش لاقى فاحشا ... فهناكم وافق الشن الطبق [7] # إنما الفحش ومن يعتاده ... كغراب البين ما شاء نعق # أو حمار السوء إن أشبعته ... رمح الناس وإن جاع نهق # أو غلام السوء إن جوعته ... سرق الجار وإن يشبع فسق # وقال ابن قيس الرقيات [8] : [من الخفيف] # معقل القوم من قريش إذا ما ... فاز بالجهل معشر آخرونا # لا يؤمون في العشيرة بالسو ... ء ولا يفسدون ما يصنعونا [9] # وقال ابن قيس أيضا، واسمه عبد الله [10] : [من المنسرح] # لو كان حولي بنو أمية لم ... ينطق رجال إذا هم نطقوا # إن جلسوا لم تضق مجالسهم ... أو ركبوا ضاق عنهم الأفق # كم فيهم من فتى أخي ثقة ... عن منكبيه القميص منخرق # تحبهم عوذ النساء إذا ... ما احمر تحت القوانس الحدق [11] PageV06P584 # وأنكر الكلب أهله ورأى الشر ... وطاح المروع الفرق [1] # وقال النابغة [2] : [من الكامل] # سهكين من صدإ الحديد كأنهم ... تحت السنور جنة البقار # وقال بشار بن برد: [من الطويل] # يطيب ريح الخيزرانة بينهم ... على ms1015 أنها ريح الدماء تضوع ### | [في الشهب وفي استراق السمع] # (سنقول في الشهب وفي استراق السمع [3] ) وإنما تركنا جمعه في مكان واحد، ~~لأن ذلك كان يطول على القارئ. ولو قد قرأ فضل الإنسان على الجان، والحجة ~~على من أنكر الجان- لم يستثقله، لأنه حينئذ يقصد إليه على أنه مقصور على ~~هذا الباب، فإذا أدخلناه في باب القول في صغار الوحش، والسباع، والهمج، ~~والحشرات، فإذا ابتدأ القراءة على ذلك استطال كل قصير إذا كان من غير هذا ~~المعنى. # قالوا: زعمتم أن الله تعالى قال: ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح ~~وجعلناها رجوما للشياطين # [4] ، وقال تعالى: وحفظناها من كل شيطان رجيم # ، [5] وقال تعالى: وجعلناها رجوما للشياطين # [4] ونحن لم نجد قط كوكبا خلا مكانه، فما ينبغي أن يكون واحد من جميع هذا ~~الخلق، من سكان الصحارى، والبحار. ومن يراعي النجوم للاهتداء، أو يفكر في ~~خلق السموات أن يكون يرى كوكبا واحدا زائلا، مع قوله: وجعلناها رجوما ~~للشياطين # [4] . # قيل لهم: قد يحرك الإنسان يده أو حاجبه أو إصبعه، فتضاف تلك الحركة إلى ~~كله، فلا يشكون أن الكل هو العامل لتلك الحركة، ومتى فصل شهاب من كوكب، ~~فأحرق وأضاء في جميع البلاد. فقد حكم كل إنسان بإضافة ذلك الإحراق إلى ~~الكوكب. وهذا جواب قريب سهل. والحمد لله. # ولم يقل أحد: إنه يجب في قوله: وجعلناها رجوما للشياطين # [4] أنه يعني PageV06P585 # الجميع. فإذا كان قد صح أنه إنما عنى البعض فقد عنى نجوم المجرة، والنجوم ~~التي تظهر في ليالي الحنادس؛ لأنه محال أن تقع عين على ذلك الكوكب بعينه في ~~وقت زواله حتى يكون الله عز وجل لو أفنى ذلك الكوكب من بين جميع الكواكب ~~الملتفة، لعرف هذا المتأمل مكانه، ولوجد مس فقده. ومن ظن بجهله أنه يستطيع ~~الإحاطة بعدد النجوم فإنه متى تأملها في الحنادس، وتأمل المجرة وما حولها، ~~لم يضرب المثل في كثرة العدد إلا بها، دون الرمل والتراب وقطر السحاب. # وقال بعضهم: يدنو الشهاب قريبا، ونراه يجيء عرضا لا منقضا ولو كان الكوكب ~~هو الذي ينقض لم ms1016 ير كالخيط الدقيق، ولأضاء جميع الدنيا، ولأحرق كل شيء مما ~~على وجه الأرض. قيل له: قد تكون الكواكب أفقية ولا تكون علوية؛ فإذا كانت ~~كذلك فصل الشهاب منها عرضا. وكذلك قال الله تعالى: إلا من خطف الخطفة ~~فأتبعه شهاب ثاقب # [1] وقال الله عز وجل: أو آتيكم بشهاب قبس # [2] فليس لكم أن تقضوا بأن المباشر لبدن الشيطان هو الكوكب حتى لا يكون ~~غير ذلك، وأنتم تسمعون الله تعالى يقول: فأتبعه شهاب ثاقب # [1] والشهاب معروف في اللغة، وإذا لم يوجب عليها ظاهر لفظ القرآن لم ينكر ~~أن يكون الشهاب كالخط أو كالسهم لا يضيء إلا بمقدار، ولا يقوى على إحراق ~~هذا العالم. وهذا قريب والحمد لله. # وطعن بعضهم من جهة أخرى فقال: زعمتم أن الله تبارك وتعالى قال: # وحفظا من كل شيطان مارد. لا يسمعون إلى الملإ الأعلى ويقذفون من كل جانب. ~~دحورا ولهم عذاب واصب # [3] وقال على سنن الكلام: إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب # [4] قال: فكيف تكون الخطفة من المكان الممنوع؟ # قيل له: ليس بممنوع من الخطفة، إذ كان لا محالة مرميا بالشهاب، ومقتولا، ~~على أنه لو كان سلم بالخطفة لما كان استفاد شيئا للتكاذيب والرياسة. وليس ~~كل من كذب على الله وادعى النبوة كان على الله تعالى أن يظهر تكذيبه، بأن ~~يخسف به الأرض، أو ينطق بتكذيبه في تلك الساعة. وإذا وجبت في العقول ~~السليمة ألا يصدق في الأخبار لم يكن معه برهان. فكفى بذلك. PageV06P586 # ولو كان ذلك لكان جائزا، ولكنه ليس بالواجب. وعلى أن ناسا من النحويين لم ~~يدخلوا قوله تعالى: إلا من خطف الخطفة # ، [1] في الاستثناء، وقال: إنما هو كقوله [2] : [من الكامل] # إلا كخارجة المكلف نفسه ... وابني قبيصة أن أغيب ويشهدا [3] # وقوله أيضا [4] : [من الكامل] # إلا كناشرة الذي كلفتم ... كالغصن في غلوائه المتنبت # وقال الشاعر في باب آخر مما يكون موعظة له من الفكر والاعتبار. فمن ذلك ~~قوله [5] : [من الطويل] # مهما يكن ريب المنون فإنني ... أرى قمر الليل المعذر كالفتى # يكون صغيرا ثم يعظم دائبا ... ويرجع ms1017 حتى قيل قد مات وانقضى # كذلك زيد المرء ثم انتقاصه ... وتكراره في إثره بعد ما مضى # وقال آخر [6] : [من الطويل] # ومستنبت لا بالليالي نباته ... وما إن تلاقي ما به الشفتان # وآخر في خمس وتسع تمامه ... ويجهد في سبع معا وثمان # الأول الطريق والثاني القمر. ### || 1986- [ما قيل من الشعر في إنقاص الصحة والحياة] # وقال أبو العتاهية [7] : [من الرجز] PageV06P587 # أسرع في نقض امرئ تمامه # وقال عبد هند: [1] [من الطويل] # فإن السنان يركب المرء حده ... من العار أو يعدو على الأسد الورد # وإن الذي ينهاكم عن طلابها ... يناغي نساء الحي في طرة البرد # يعلل والأيام تنقص عمره ... كما تنقص النيران من طرف الزند # وفي أمثال العرب [2] : «كل ما أقام شخص، وكل ما ازداد نقص؛ ولو كان يميت ~~الناس الداء، لأعاشهم الدواء» . # وقال حميد بن ثور [3] : [من الطويل] # أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما # وقال النمر بن تولب [4] : [من الطويل] # يحب الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة يفعل ### || 1987- [أخبار في المرض والموت] # وقيل للموبذ: متى أبنك يعني أبنك قال: يوم ولد. # وقال الشاعر: [من الطويل] # تصرفت أطوارا أرى كل عبرة ... وكان الصبا مني جديدا فأخلقا # وما زاد شيء قط إلا لنقصه ... وما اجتمع الإلفان إلا تفرقا # وقيل لأعرابي في مرضه الذي مات فيه: أي شيء تشتكي؟ قال: تمام العدة ~~وانقضاء المدة [5] !. PageV06P588 # وقيل لأعرابي، في شكاته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أجد ما لا ~~أشتهي، وأشتهي ما لا أجد [1] !. # وقيل لعمرو بن العاص في مرضته التي مات فيها: كيف تجدك؟ قال: أجدني أذوب ~~ولا أثوب [2] . # وقال معمر: قلت لرجل كان معي في الحبس، وكان مات بالبطن: كيف تجدك؟ قال: ~~أجد روحي قد خرجت من نصفي الأسفل، وأجد السماء، مطبقة علي، ولو شئت أن ~~ألمسها بيدي لفعلت، ومهما شككت فيه فلا أشك أن الموت برد ويبس، وأن الحياة ~~حرارة ورطوبة. ### || 1988- [شعر في الرثاء] # وقال يعقوب بن الربيع في مرثية جارية كانت له [3] : [من الكامل] # حتى إذا فتر ms1018 اللسان وأصبحت ... للموت قد ذبلت ذبول النرجس # رجع اليقين مطامعي يأسا كما ... رجع اليقين مطامع المتلمس # وقال يعقوب بن الربيع [4] : [من المتقارب] # لئن كان قربك لي نافعا ... لبعدك قد كان لي أنفعا # لأني أمنت رزايا الدهور ... وإن جل خطب فلن أجزعا # وقال أبو العتاهية [5] : [من الوافر] # وكانت في حياتك لي عظات ... فأنت اليوم أوعظ منك حيا # وقال التيمي: [من الوافر] # لقد عزى ربيعة أن يوما ... عليها مثل يومك لا يعود # ومن عجب قصدن له المنايا ... على عمد وهن له جنود # وقال صالح بن عبد القدوس [6] : [من الخفيف] PageV06P589 # إن يكن ما أصبت فيه جليلا ... فذهاب العزاء فيه أجل # ونظر بعض الحكماء إلى جنازة الإسكندر، فقال [1] : «إن الإسكندر كان أمس ~~أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس» . # وقال غسان [2] : [من الكامل] # ابيض مني الرأس بعد سواده ... ودعا المشيب حليلتي لبعاد # واستنفد القرن الذي أنا منهم ... وكفى بذلك علامة لحصادي # وقال أعرابي [3] : [من الرجز] # إذا الرجال ولدت أولادها ... واضطربت من كبر أعضادها # وجعلت أسقامها تعتادها ... فهي زروع قد دنا حصادها # وقال ضرار بن عمرو [4] : «من سره بنوه ساءته نفسه» . # وقال عبد الرحمن بن أبي بكرة [5] . «من أحب طول العمر فليوطن نفسه على ~~المصائب» . # وقال أخو ذي الرمة [6] : [من الطويل] # ولم ينسني أوفى الملمات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع ### || 1989- [بعض المجون] # وقال بعض المجان [7] : [من الطويل] # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع PageV06P590 # وسئل بعض المجان: كيف أنت في دينك؟ قال: أخرقه بالمعاصي، وأرقعه ~~بالاستغفار. ### || 1990- [شعر في معنى الموت] # وأنشدوا لعروة بن أذينة [1] : [من الوافر] # نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ويحزننا بكاء الباكيات # كروعة ثلة لمغاز سبع ... فلما غاب عادت راتعات [2] # وقال أبو العتاهية [3] : [من الطويل] # إذا ما رأيتم ميتين جزعتم ... وإن لم تروا ملتم إلى صبواتها # وقالت الخنساء [4] : [من البسيط] # ترتع ما غفلت حتى إذا ادكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار # وكان الحسن لا يتمثل إلا بهذين البيتين، وهما: [من الطويل] # يسر الفتى ما كان قدم من تقى ... إذا عرف ms1019 الداء الذي هو قاتله # والبيت الآخر [5] : [من الخفيف] # ليس من مات فاستراح بميت ... إنما الميت ميت الأحياء # وكان صالح المري يتمثل في قصصه بقوله [6] : [من المتقارب] # فبات يروي أصول الفسيل ... فعاش الفسيل ومات الرجل PageV06P591 # وكان أبو عبد الحميد المكفوف، يتمثل في قصصه بقوله [1] : [من البسيط] # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا # ونظر بكر بن عبد الله المزني إلى مورق العجلي، فقال [2] : [من الرجز] # عند الصباح يحمد القوم السرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى # وقال أبو النجم [3] : [من الرجز] # كلنا يأمل مدا في الأجل ... والمنايا هي آفات الأمل # فأما أبو النجم فإنه ذهب في الموت مذهب زهير حيث يقول [4] : [من الرجز] # إن الفتى يصبح للأسقام ... كالغرض المنصوب للسهام # أخطاه رام وأصاب رام # وقال زهير [5] : [من الطويل] # رأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم ### || 1991- [مقطعات شتى] # وقال الآخر [6] : [من الكامل] # وإذا صنعت صنيعة أتممتها ... بيدين ليس نداهما بمكدر # وإذا تباع كريمة أو تشترى ... فسواك بائعها وأنت المشتري # وقال الشاعر: [من الطويل] PageV06P592 # قصير يد السربال يمشي معردا ... وشر قريش في قريش مركبا [1] # وقال الآخر [2] : [من الوافر] # بعثت إلى العراق ورافديه ... فزاريا أحذ يد القميص # تفيهق بالعراق أبو المثنى ... وعلم قومه أكل الخبيص # وقال الآخر: [من الخفيف] # حبذا رجعها إلى يديها ... بيدي درعها تحل الإزارا # وأنشد: [من الطويل] # طوته المنايا، وهو عنهن غافل ... بمنخرق السربال عاري المناكب # جريء على الأهوال يعدل درءها ... بأبيض سقاط وراء الضرائب [3] # وقال جرير [4] : [من الطويل] # تركت لكم بالشام حبل جماعة ... متين القوى مستحصد الفتل باقيا [5] # وجدت رقى الشيطان لا تستفزه ... وقد كان شيطاني من الجن راقيا [6] # وقال الأسدي: [من المتقارب] # كثير المناقب والمكرمات ... يجود مجدا وأصلا أثيلا # ترى بيديه وراء الكمي ... تباله بعد نصال نصولا # تمنى السفاه ورأى الخنا ... وضل وقد كان قدما ضلولا # فإن أنت تنزع عن ودنا ... فما إن وجدت لقلبي محيلا ### |PARATEXT| # «تم الجزء السادس من كتاب الحيوان ويليه الجزء السابع، وأوله القول في ~~أحساس أجناس الحيوان» . PageV06P593 # بسم الله ms1020 الرحمن الرحيم ### | القول في أحساس أجناس الحيوان # اللهم إنا نعوذ بك من الشيطان الرجيم، ونسألك الهداية إلى صراطك ~~المستقيم، وصلى الله على سيدنا محمد خاصة وعلى أنبيائه عامة. ونعوذ بالله ~~أن تدعونا المحبة لإتمام هذا الكتاب إلى أن نصل الصدق بالكذب وندخل الباطل ~~في تضاعيف الحق، وأن نتكثر بقول الزور ونلتمس تقوية ضعفه باللفظ الحسن، ~~وستر قبحه بالتأليف المونق، أو نستعين على إيضاح الحق إلا بالحق، وعلى ~~الإفصاح بالحجة إلا بالحجة، ونستميل إلى دراسته واجتبائه «1» ، ونستدعي إلى ~~تفضيله والإشادة بذكره، بالأشعار المولدة، والأحاديث المصنوعة، والأسانيد ~~المدخولة، بما لا شاهد عليه إلا دعوى قائله، ولا مصدق له إلا من لا يوثق ~~بمعرفته. ونعوذ بالله من فتنة القول وخطله، ومن الإسهاب وتقحم أهله. ~~والاعتماد فيما بيننا وبين كثير من أهل هذا الزمان على حسن الظن، والاتكال ~~فيهم على العذر؛ فإن كثيرا ممن يتكلف قراءة الكتب، ومدارسة العلم، يقفون من ~~جميع الكتب على الكلمة الضعيفة، واللفظة السخيفة، وعلى موضع من التأليف قد ~~عرض له شيء من استكراه، أو ناله بعض اضطراب، أو كما يعرض في الكتب من سقطات ~~الوهم، وفلتات الضجر، ومن خطأ الناسخ، وسوء تحفظ المعارض على معنى لعله لو ~~تدبره بعقل غير مفسد، ونظر غير مدخول، وتصفحه وهو محترس من عوارض الحسد، ~~ومن عادة التسرع، ومن أخلاق من عسى أن يتسع في القول بمقدار ضيق صدره، ~~ويرسل لسانه إرسال الجاهل بكنه ما يكون منه. ولو جعل بدل شغله بقليل ما يرى ~~من المذموم شغله بكثير ما يرى من المحمود- كان ذلك أشبه بالأدب المرضي ~~والخيم الصالح، وأشد مشاكلة للحكمة، وأبعد من سلطان الطيش، وأقرب إلى عادة ~~السلف وسيرة الأولين، وأجدر أن يهب الله له السلامة في كتبه، والدفاع عن ~~حجته يوم مناضلة خصومه ومقارعة أعدائه. # وليس هذا الكتاب- يرحمك الله- في إيجاب الوعد والوعيد فيعترض عليه # PageV07P003 # المرجئ، ولا في تفضيل علي فينصب له العثماني، ولا هو في تصويب الحكمين، ~~فيتسخطه الخارجي، ولا هو في تقديم الاستطاعة فيعارضه من يخالف التقديم، ولا ~~هو في تثبيت ms1021 الأعراض فيخالفه صاحب الأجسام، ولا هو في تفضيل البصرة على ~~الكوفة، ومكة على المدينة، والشام على الجزيرة. ولا في تفضيل العجم على ~~العرب، وعدنان على قحطان، وعمرو على واصل فيرد بذلك الهذيلي على النظامي، ~~ولا هو في تفضيل مالك على أبي حنيفة؛ ولا هو في تفضيل امرئ القيس على ~~النابغة، وعامر ابن الطفيل على عمرو بن معد يكرب، وعباد بن الحصين على عبيد ~~الله بن الحر، ولا في تفضيل ابن سريج على الغريض، ولا في تفضيل سيبويه على ~~الكسائي، ولا في تفضيل الجعفري على العقيلي، ولا في تفضيل حلم الأحنف على ~~حلم معاوية، وتفضيل قتادة على الزهري، فإن لكل صنف من هذه الأصناف شيعة، ~~ولكل رجل من هؤلاء الرجال جند، وعددا يخاصمون عنهم. وسفهاؤهم المتسرعون ~~منهم كثير، وعلماؤهم قليل، وأنصاف علمائهم أقل. # ولا تنكر هذا- حفظك الله- أنا رأيت رجلين بالبصرة على باب مويس بن عمران، ~~تنازعا في العنب النيروزي والرازقي، فجرى بينهما اللعين حتى تواثبا، فقطع ~~الكوفي إصبع البصري، وفقأ البصري عين الكوفي، ثم لم ألبث إلا يسيرا حتى ~~رأيتهما متصافيين متنادمين لم يقعا قط على مقدار ما يغضب من مقدار ما يرضي، ~~فكيف يقعان على مقادير طبقات الغضب والرضا؟! والله المستعان. # وقد ترك هذا الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم، التوقف عند الشبهة، والتثبت ~~عند الحكومة جانبا، وأضربوا عنه صفحا، فليس إلا لا أو نعم. إلا أن قولهم ~~«لا» موصول منهم بالغضب، وقولهم «نعم» موصول منهم بالرضا. وقد عزلت الحرية ~~جانبا، ومات ذكر الحلال والحرام، ورفض ذكر القبيح والحسن. # قال عمرو بن الحارث: «كنا نبغض من الرجال ذا الرياء والنفخ، ونحن اليوم ~~نتمناهما» . # قد كتبنا من كتاب الحيوان ستة أجزاء، وهذا الكتاب السابع هو الذي ذكرنا ~~فيه الفيل بما حضرنا من جملة القول في شأنه، وفي جملة أسبابه، والله ~~الموفق. # وإنما اعتمدنا في هذه الكتب على الإخبار عما في أجناس الحيوان من الحجج ~~المتظاهرة، وعلى الأدلة المترادفة، وعلى التنبيه على ما جللها «1» الله ~~تعالى من البرهانات # PageV07P004 # التي لا تعرف حقائقها إلا بالفكرة، ms1022 وغشاها من العلامات التي لا تنال ~~منافعها إلا بالعبرة، وكيف فرق فيها من الحكم العجيبة، والأحساس الدقيقة، ~~والصنعة اللطيفة، وما ألهمها من المعرفة وحشاها «1» من الجبن والجرأة، ~~وبصرها بما يقيتها ويعيشها، وأشعرها من الفطنة لما يحاول منها عدوها، ليكون ~~ذلك سببا للحذر، ويكون حذرها سببا للحراسة، وحراستها سببا للسلامة، حتى ~~تجاوزت في ذلك مقدار حراسة المجرب من الناس، والخائف المطلوب من أهل ~~الاستطاعة والروية، كالذي يروى من تحارس الغرانيق والكراكي، وأشكال من ذلك ~~كثيرة، حتى صار الناس لا يضربون المثل إلا بها، ولا يذمون ولا يمدحون إلا ~~بما يجدون في أصناف الوحش من الطير وغير ذلك، فقالوا: أحذر من عقعق، وأحذر ~~من غراب، وأحذر من عصفور، وأسمع من فرخ العقاب، وأسمع من قراد، وأسمع من ~~فرس، وأجبن من صفرد، وأسخى من لافظة، وأصنع من تنوط، وأصنع من سرفة، وأصنع ~~من دبر، وأهدى من قطاة، وأهدى من حمام، وأهدى من جمل، وأزهى من غراب، وأزهى ~~من ذباب، وأجرأ من الليث، وأكسب من الذئب، وأخدع من ضب، وأروغ من ثعلب، ~~وأعق من ضب، وأبر من هرة، وأسرع من سمع، وأظلم من حية، وأظلم من ورل، وأكذب ~~من فاختة، وأصدق من قطاة، وأموق من رخمة، وأحزم من فرخ العقاب. # ونبهنا تعالى وعز على هذه المناسبة، وعلى هذه المشاركة، وامتحن ما عندنا ~~بتقديمها علينا في بعض الأمور، وتقديمنا عليها في أكثر الأمور وأراد بذلك ~~ألا يخلينا من حجة، ومن النظر إلى عبرة، وإلى ما يعود عند الفكرة موعظة. ~~وكما كره لنا من السهو والإغفال، ومن البطالة والإهمال، في كل أحوالنا لا ~~تفتح أبصارنا إلا وهي واقعة على ضرب من الدلالة، وعلى شكل من أشكال ~~البرهانات، وجعل ظاهر ما فيها من الآيات داعيا إلى التفكير فيها، وجعل ما ~~استخزنها من أصناف الأعاجيب يعرف بالتكشيف عنها، فمنها ظاهر يدعوك إلى ~~نفسه، ويشير إلى ما فيه، ومنها باطن يزيدك بالأمور ثقة إذا أفضيت إلى ~~حقيقته، لتعلم أنك مع فضيلة عقلك، وتصرف استطاعتك إذا ظهر عجزك عن عمل ms1023 ما ~~هو أعجز منك- أن الذي فضلك عليه بالاستطاعة والمنطق، هو الذي فضله عليك ~~بضروب أخر، وأنكما ميسران لما خلقتما له، ومصرفان لما سخرتما له، وأن الذي ~~يعجز عن صنعة السرفة، وعن تدبير العنكبوت في قلتهما ومهانتهما وضعفهما وصغر ~~جرمهما، لا ينبغي أن يتكبر في الأرض ولا يمشي الخيلاء، ولا يتهكم في القول، ~~ولا يتألى ولا يستأمر. وليعلم أن # PageV07P005 # عقله منيحة من ربه، وأن استطاعته عارية عنده، وأنه إنما يستبقي النعمة ~~بإدامة الشكر، والتعرض لسلبها بإضاعة الشكر. # ثم حبب إليها طلب الذرء والسفاد الذي يكون مجلبة للذرء «1» ، وحبب إليها ~~أولادها ونجلها وذرءها ونسلها، حتى قالوا: أكرم الإبل أشدها حنينا، وأكرم ~~الصفايا أشدها حبا لأولادها. وزاوج بين أكثرها وجعل تألفها مع بعضها من ~~الطروقة «2» إذا لم يكن الزواج لها خلقا، وجعل إلف العرس لها عادة، وقواها ~~على المسافدة، لتتم النعمة، وتعظم المنة، وألهمها المبالغة في التربية، ~~وحسن التعبد، وشدة التفقد، وسوى في ذلك بين الجنس الذي يلقم أولاده تلقيما، ~~وبين الذي يرضعها إرضاعا، وبين الذي يزقها زقا، وبين ما يحضن وما لا يحضن. ~~ومنها ما أخرجها من أرحام البيض وأرحام البطون كاسية، ومها ما أخرجها كاسية ~~كاسبة، وأمتعها وألذها، وجعلها نعمة على عباده، وامتحانا لشكرهم، وزيادة في ~~معرفتهم، وجلاء لما يتراكم من الجهل على قلوبهم. فليس لهذا الكتاب ضد من ~~جميع من يشهد الشهادة، ويصلي إلى القبلة، ويأكل الذبيحة ولا ضد من جميع ~~الملحدين ممن لا يقر بالبعث، وينتحل الشرائع وإن ألحد في ذلك وزاد ونقص، ~~إلا الدهري، فإن الذي ينفي الربوبية، ويحيل الأمر والنهي، وينكر جواز ~~الرسالة، ويجعل الطينة قديمة، ويجحد الثواب والعقاب، ولا يعرف الحلال ~~والحرام، ولا يقر بأن في جميع العالم برهانا يدل على صانع ومصنوع، وخالق ~~ومخلوق، ويجعل الفلك الذي لا يعرف نفسه من غيره، ولا يفصل بين الحديث ~~والقديم، وبين المحسن والمسيء، ولا يستطيع الزيادة في حركته، ولا النقصان ~~من دورانه، ولا معاقبة للسكون بالحركة، ولا الوقوف طرفة عين، ولا الانحراف ~~عن الجهة- هو الذي يكون به جميع ms1024 الإبرام والنقض، ودقيق الأمور وجليلها، ~~وهذه الحكم العجيبة، والتدابير المتقنة، والتأليف البديع، والتركيب الحكيم، ~~على حساب معلوم، ونسق معروف، على غاية من دقائق الحكمة وإحكام الصنعة. # ولا ينبغي لهذا الدهري أيضا أن يعرض لكتابنا هذا وإن دل على خلاف مذهبه، ~~ودعا إلى خلاف اعتقاده، لأن الدهري ليس يرى أن في الأرض دينا أو نحلة أو ~~شريعة أو ملة، ولا يرى للحلال حرمة ولا يعرفه ولا للحرام نهاية ولا يعرفه، ~~ولا يتوقع العقاب على الإساءة، ولا يترجى الثواب على الإحسان. وإنما الصواب ~~عنده والحق في حكمه، # PageV07P006 # أنه والبهيمة سيان، وأنه والسبع سيان، ليس القبيح عنده إلا ما خالف هواه ~~وليس الحسن عنده إلا ما وافق هواه، وأن مدار الأمر على الإخفاق والدرك، ~~وعلى اللذة والألم، وإنما الصواب فيما نال من المنفعة، وإن قتل ألف إنسان ~~صالح لمنالة درهم رديء. فهذا الدهري لا يخاف إن ترك الطعن على جميع الكتب ~~عقابا ولا لائمة، ولا عذابا دائما ولا منقطعا ولا يرجو إن ذمها ونصب لها ~~ثوابا في عاجل ولا آجل. # فالواجب أن يسلم هذا الكتاب على جميع البرية، إذا كان موضعه على هذه ~~الصفة، ومجراه إلى هذه الغاية. والله تعالى الكافي الموفق بلطفه وتأييده، ~~إنه سميع قريب، فعال لما يريد. ### || 1992- [رجع القول إلى الإخبار عن الحيوان] # ثم رجع بنا القول إلى الإخبار عن الحيوان، بأي شيء تفاضلت وبأي شيء خصت، ~~وبماذا أبينت. وقد عرفنا ما أعطيت في الشم والاسترواح. قال الراجز «1» وذكر ~~الذئب: [من الرجز] # يستخبر الريح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصفا الموقع «2» ### || 1993- [الشم عند الحيوان] # وقد عرفنا كيف شم السنانير والسباع والذئاب. وأعجب من ذلك وجدان الذرة ~~لرائحة شيء لو وضعته على أنفك لما وجدت له رائحة، كرجل جرادة يابسة منبوذة، ~~كيف تجد رائحتها من جوف جحرها حتى تخرج إليها، فإذا تكلفت حملها فأعجزتها ~~كيف تستدعي إليها سائر الذر، وتستعين بكل ما كان منها في الجحر «3» . # ونحو شم الفرس رائحة الحجر من مسيرة ميل. والفرس يسير قدما والحجر خلفه ~~بذلك المقدار، ms1025 من غير تلفت ولا معاينة من جهة من الجهات. وهذا كثير، وقد ~~ذكرناه في غير هذا الموضع «4» . ### || 1994- [السمع عند الحيوان] # فأما السمع فدعنا من قولهم: «أسمع من فرس» «5» ،: «أسمع من فرخ # PageV07P007 # العقاب» «1» وأسمع من كذا، وأسمع من كذا. ولكنا نقصد إلى الصغير الحقير ~~في اسمه وخطره؛ والقليل في جسمه وفي قدره. # وتقول العرب: «أسمع من قراد» «2» ، ويستدلون بالقردان التي تكون حول ~~الماء والبئر. فإذا كان ليلة ورود القرب «3» ، وقد بعث القوم من يصلح ~~لإبلهم الأرشية وأداة السقي، وباتت الرجال عند الماء تنتظر مجيء الإبل، ~~فإنها تعرف قربها منهم في جوف الليل بانتفاش القردان وسرعة حركتها ~~وخشخشتها، ومرورها نحو الرعاء، وزجر الرعاء، ووقع الأخفاف على الأرض، من ~~غير أن يحس أولئك الرجال حسا أو يشعروا بشيء من أمرها. فإذا استدلوا بذلك ~~من القردان نهضوا فتلببوا واتزروا «4» وتهيؤوا للعمل. ### || 1995- [البصر عند الحيوان] # فأما إدراك البصر فقد قالوا: «أبصر من غراب» «5» و: «أبصر من فرس» «6» ؛ ~~و: # «أبصر من هدهد» «7» و: «أبصر من عقاب» «8» . # والسنانير والفأر والجرذان والسباع تبصر بالليل كما تبصر بالنهار؛ فأما ~~الطعم فيظن أنها بفرط الشره والشهوة وبفرط الاستمراء وبفرط الحرص والنهم، ~~أن لذتها تكون على قدر شرهها وشهوتها، تكون على قدر ما ترى من حركتها، ~~وظاهر حرصها. ### || 1996- [لذة الحيوان وشهوته] # ونحن قد نرى الحمار إذا عاين الأتان، والفرس إذا عاين الحجر والرمكة، ~~والبغل والبغلة، والتيس والعنز فنظن أن اللذة على قدر الشهوة، والشهوة على ~~قدر الحركة، وأن الصياح على قدر غلبة الإرادة. # PageV07P008 # ونجد الرجال إذا اعتراهم ذلك لا يكونون كذلك إلا في الوقت الذي هم فيه ~~أشد غلمة وأفرط شهوة. # فإن قال قائل: إن الإنسان يغشى النساء في كل حال من الفصلين والصميمين ~~«1» ، وإنما هيج السباع والبهائم في أيام من السنة ثم يسكن هيج التيس ~~والجمل. فالإنسان المداوم أحسن حالا. # قلنا: إنا لم نكن في ذكر المخايرة بين نصيب الإنسان في ذلك مجموعا ~~ومفرقا، وبين نصيب كل جنس من هذه الأجناس مجموعا ومفرقا، وإنما ذكرنا نفس ~~المخالطة فقط. وما يدريكم ms1026 أيضا لعلها أن تستوفي في هذه الأيام اليسيرة ~~أضعاف ما يأتي الإنسان في تلك الأيام الكثيرة. # وعلى أنا قد نرى مما يعتري الحمار والفرس والبغل وضروبا كثيرة إذا عاينوا ~~الإناث في غير أيام الهيج. وها هنا أصناف تديم ذلك كما يديمه الإنسان، مثل ~~الحمام والديكة وغير ذلك. # وقد علمنا أن السنانير وأشباه السنانير لها وقت هيج، ولكن ذلك يكون مرارا ~~في السنة على أشد من هيج الإنسان، فليس الأمر على ما يظنون. # فإن كان الإنسان موضع ذهنه من قلبه أو دماغه يكون أدق وأرق وأنفذ، وأبصر، ~~فإن حواس هذه الأشكال أدق وأرق وأبصر وأنفذ. وإن كان الإنسان يبلغ بالروية ~~والتصفح، والتحصيل والتمثيل ما لا يبلغه شيء من السباع والبهائم، فإن لها ~~أمورا تدركها، وصنعة تحذقها تبلغ منها بالطبائع سهوا وهويا ما لا يبلغ ~~الإنسان في ما هو بسبيله إلا أن يكره نفسه على التفكير، وعلى إدامة التنقير ~~والتكشيف والمقاييس فهو يستثقله. # ولكل شيء ضرب من الفضيلة وشكل من الأمور المحمودة، لينفي تعالى وعز عن ~~الإنسان العجب، ويقبح عنده البطر، ويعرفه أقدار القسم. # وسنذكر من فطن البهائم وأحساس الوحش وضروب الطير أمورا تعرفون بها كثرة ~~ما أودعها الله تعالى من المعارف، وسخر لها من الصنعة، ثم لا نذكر من ذلك ~~في هذا الموضع إلا كل طائر منسوب إلى الموق، وإلا كل بهيمة معروفة ~~بالغثاثة، بعدة ما فيه أشكالها من المعرفة والفطنة. ولو أردنا الأجناس ~~المعروفة بالمعارف # PageV07P009 # الكثيرة، والأحساس اللطيفة، لذكرنا الفيل والبعير، والذرة والنملة، ~~والذئب، والثعلب، والغرنوق، والنحلة، والعنكبوت، والحمام، والكلب. # وسنذكر على اسم الله تعالى بعض ما في البهائم والسباع والطير من المعرفة، ~~ثم نخص في هذا الكتاب المنسوبات إلى الموق، والمعروفات بالغباوة وقلة ~~المعرفة، كالرخمة والزنبور، والربع من أولاد الإبل، والنسر من عظام الطير. ### || 1997- [معنى الرحمة في بيت للكميت] # وقال المفضل الضبي: قلت لمحمد بن سهل راوية الكميت: ما معنى قول الكميت ~~«1» في الرخمة: [من الوافر] # ذات اسمين والألوان شتى ... تحمق وهي كيسة الحويل» # لها خب تلوذ به وليست ms1027 ... بضائعة الجنين ولا مذول «3» # قال «4» : كأن معناه عندي حفظ فراخها، أو موضع بيضها، وطلب طعمها، ~~واختيارها من المساكن ما لا يطوره «5» سبع طائر ولا ذو أربع. قال: فقلت: ~~فأي كيس عند الرخمة إلا ما ذكرت، ونحن لا نعرف طائرا ألأم لؤما ولا أقذر ~~طعمة، ولا أظهر موقا منها، حتى صارت في ذلك مثلا؟! فقال محمد بن سهل: «وما ~~حمقها وهي تحضن بيضها، وتحمي فراخها، وتحب ولدها، ولا تمكن إلا زوجها، ~~وتقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع، [ولا تطير في التحسير، ولا ~~تغتر بالشكير، ولا ترب «6» بالوكور ولا تسقط على الجفير» . # أما قوله: «تقطع في أول القواطع وترجع في أول الرواجع» ] «7» فإن الرماة ~~وأصحاب الحبائل والقناص إنما يطلبون الطير بعد أن يعلموا أن القواطع قد ~~قطعت، فبقطع الرخمة يستدلون. فلا بد للرخمة من أن تنجو سالمة إذا كانت أول ~~طالع عليهم. # PageV07P010 # وأما قوله: «ولا ترب بالوكور» فإنه يقول: الوكر لا يكون إلا في عرض ~~الجبل، وهي لا ترضى إلا بأعالي الهضاب، ثم مواضع الصدوع وخلال الصخور، وحيث ~~يمتنع على جميع الخلق المصير إلى فراخها. ولذلك قال الكميت «1» : [من ~~الطويل] # ولا تجعلوني في رجائي ودكم ... كراج على بيض الأنوق احتبالها «2» # والأنوق هي الرخمة. وقال ابن نوفل «3» : [من الوافر] # وأنت كساقط بين الحشايا ... يصير إلى الخبيث من المصير # ومثل نعامة تدعى بعيرا ... تعاظمها إذا ما قيل طيري # وإن قيل احملي قالت فإني ... من الطير المربة في الوكور # وأما قوله: « [ولا تطير في التحسير] «4» ، ولا تغتر بالشكير» فإنها تدع ~~الطيران أيام التحسير، فإذا نبت الشكير- وهو أول ما ينبت من الريش- فإنها ~~لا تنهض حتى يصير الشكير قصبا. وأما قوله: «ولا تسقط على الجفير» ، فإنما ~~يعني جعبة السهام، يقول: إذا رأته علمت أن هناك سهما، فهي لا تسقط في موضع ~~تخاف فيه وقع السهام. ### || 1998- [اتباع الرخم والنسور والعقبان للجيوش] # والرخم والنسور والعقبان تتبع الجيوش لتوقع القتال وما يكون لها من ~~الجيف، وتتبع أيضا الجيوش والحجاج لما يسقط من كسير «5» الدواب، وتتبعها ~~أيضا في الأزمنة ms1028 التي تكون فيها الأنعام والحجور حوامل، لما تؤمل من ~~الإجهاض والإخداج. # قال النابغة «6» : [من الطويل] # وثقت له بالنصر إذ قيل قد غدت ... كتائب من غسان غير أشائب # بنو عمه دنيا وعمرو بن عامر ... أولئك قوم بأسهم غير كاذب # PageV07P011 # إذا ما غزوا بالجيش حلق فوقهم ... عصائب طير تهتدي بعصائب # جوانح قد أيقن أن قبيله ... إذا ما التقى الجمعان أول غالب # تراهن خلف القوم خزرا عيونها ... جلوس شيوخ في مسوك الأرانب # فأخذ هذا المعنى حميد بن ثور الهلالي فقال «1» : [من الطويل] # إذا ما غزا يوما رأيت عصابة ... من الطير ينظرن الذي هو صانع # وقال آخر «2» : [من البسيط] # يكسو السيوف نفوس الناكثين به ... ويجعل الروس تيجان القنا الذبل # قد عود الطير عادات وثقن بها ... فهن يتبعنه في كل مرتحل # فقال الكميت كما ترى «3» : [من الوافر] # تحمق وهي كيسة الحويل # فزعم أن الناس يحمقونها وهي كيسة. ### || 1999- [قول بعض الأعراب ] # وقال بعض أصحابنا «4» : قيل لأعرابي: أتحسن أن تأكل الرأس؟ قال: نعم. # قيل: وكيف تصنع به؟ قال: «أبخص «5» عينيه، وأسحى «6» خديه، وأعفص «7» ~~أذنيه، وأفك لحييه، وأرمي بالمخ إلى من هو أحوج مني إليه» . قيل له: إنك ~~لأحمق من ربع. قال: «وما حمق الربع؟! والله إنه ليجتنب العداوء «8» ويتبع ~~أمه في المرعى، ويراوح بين الأطباء، ويعلم أن حنينها رغاء، فأين حمقه» . ### || 2000- [قتل المكاء للثعبان] # وحدث ابن الأعرابي عن هشام بن سالم، وكان هشام من رهط ذي الرمة، # PageV07P012 # قال «1» : أكلت حية بيض مكاء «2» فجعل المكاء يشرشر على رأسها ويدنو ~~منها، حتى إذا فتحت فاها تريده وهمت به ألقى فيه حسكة، فلم يزل يلقي فيه ~~حسكة بعد حسكة، فأخذت بحلقها حتى ماتت. # وأنشد ابن الأعرابي عند هذا الحديث قول الشاعر: [من الطويل] # كأن لكل عند كل سخيمة ... يريد بتخريق الأديم استلالها # وأنشد أبو عمرو الشيباني بيت شعر، وهو هذا المعنى بعينه، وهو قول الأسدي ~~الدبيري: [من البسيط] # إن كنت أبصرتني فذا ومصطلما ... فربما قتل المكاء ثعبانا # يقول: قد يظفر القليل بالكثير. والقليل الأعوان بالكثير الأعوان؛ والمكاء ~~من أصغر الطير ms1029 وأضعفه، وقد احتال للثعبان حتى قتله. ### || 2001- [قول جالينوس في معرفة أنثى الطير] # وقال جالينوس في الإخبار عن معارف البهائم والطير، وفي التعجب من ذلك ~~وتعجب الناس منه: قولوا لي: من علم النسر الأنثى إذا خافت على بيضها ~~وفراخها الخفافيش أن تفرش ذلك الوكر بورق الدلب «3» حتى لا تقربه الخفافيش. ~~وهذا أعجب، والأطباء والعلماء لا يتدافعونه، والنسور هي المنسوبة إلى قلة ~~المعرفة والكيس والفطنة. ### || 2002- [حزم فرخ العقاب] «4» # وقال ابن الأعرابي وأبو الحسن المدائني: قال رجل من الأعراب: «كان سنان ~~بن أبي حارثة أحزم من فرخ العقاب» . وذلك أن جوارح الطير تتخذ أو كارها في ~~عرض الجبال، فربما كان الجبل عمودا، فلو تحرك الفرخ إذا طلب الطعم وقد أقبل ~~إليه أبواه أو أحدهما وزاد في حركته شيئا من موضع مجثمه لهوى من رأس الجبل ~~إلى الحضيض، وهو يعرف مع صغره وضعفه وقلة تجربته، أن الصواب في ترك الحركة. # PageV07P013 ### || 2003- [اختلاف عادات صغار الحيوان] # ولو وضع في أوكار الوحشيات فرخ من فراخ الأهليات لتهافتن تهافتا كفراخ ~~القطا والحجل والقبج والدراج والدجاج؛ لأن هذه تدرج على البسيط «1» ، وذلك ~~لها عادة، وفراخ الوحشية لا تجاوز الأوكار؛ لأنها تعرف وتعلم أن الهلكة في ~~المجاوزة. # وأولاد الملاحين الذين ولدوا في السفن الكبار، والمنشآت «2» العظام لا ~~يخاف الآباء والأمهات عليهم إذا درجوا ومشوا أن يقعوا في الماء. ولو أن ~~أولاد سكان القصور والدور صاروا مكان أولاد أرباب السفن لتهافتوا. ولكل شيء ~~قدر، وله موضع وزمان وجهة وعادة. # فإذا استوى قصب ريش فرخ العقاب، وأحس بالقوة طار. # وأبوا فرخ الخطاف يعلمانه الطيران تعليما. ### || 2004- [الختان عند اليهود والمسلمين والنصارى] # وزعم ناس من أطباء النصارى وهم أعداء اليهود، أن اليهود يختنون أولادهم ~~في اليوم الثامن، وأن ذلك يقع، ويوافق أن يكون في الصميمين «3» ، كما يوافق ~~الفصلين، وأنهم لم يروا قط يهوديا أصابه مكروه من قبل الختان، وأنهم قد ~~رأوا من أولاد المسلمين والنصارى ما لا يحصى ممن لقي المكروه في ختانه إذا ~~كان ذلك في الصميمين من ريح الحمرة «4» ، ومن قطع طرف ms1030 الكمرة، ومن أن تكون ~~الموسى حديثة العهد بالإحداد وسقي الماء، فتشيط «5» عند ذلك الكمرة ~~ويعتريها برص. # والصبي ابن ثمانية أيام أعسر ختانا من الغلام الذي قد شب وشدن وقوي؛ إلا ~~أن ذلك البرص لا يتفشى ولا يعدو مكانه، وهو في ذلك كنحو البرص الذي يكون من ~~الكي وإحراق النار، فإنهما يفحشان ولا يتسعان. ### || 2005- [ختان أولاد السفلة وأولاد الملوك وأشباههم] # ويختن من أولاد السفلة والفقراء الجماعة الكثيرة فيؤمن عليهم خطأ الخاتن، ~~وذلك غير مأمون على أولاد الملوك وأشباه الملوك، لفرط الاجتهاد، وشدة ~~الاحتياط، # PageV07P014 # ومع ذلك يزمع، ومع الزمع «1» والرعدة يقع الخطأ، وعلى قدر رعدة اليد ينال ~~القلب من الاضطراب على حسب ذلك. ### || [حسن التدبير في الختان] # وليس من التدبير أن يحضر الصبي والخاتن إلا سفلة الخدم، ولا يحضره من ~~يهاب. ### || 2006- [قدم ختان العرب] # وهذا الختان في العرب في النساء والرجال من لدن إبراهيم وهاجر إلى يومنا ~~هذا «2» . ثم لم يولد صبي مختون قط؛ أو في صورة مختون. ### || 2007- [ختان الأنبياء] # وناس يزعمون أن النبي صلى الله عليه وسلم وعيسى بن مريم ولدا مختونين. ~~والسبيل في مثل هذا الرجوع إلى الرواية الصحيحة، والأثر القائم «3» . ### || 2008- [أثر الختان في اللذة] # قال» # : والبظراء تجد من اللذة ما لا تجده المختونة، فإن كانت مستأصلة مستوعبة ~~كان على قدر ذلك. وأصل ختان النساء لم يحاول به الحسن دون التماس نقصان ~~الشهوة، فيكون العفاف عليهن مقصورا. # قال: ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للخاتنة «5» : «يا أم عطية ~~أشميه ولا تنهكيه، فإنه أسرى للوجه، وأحظى عند البعل» «6» . كأنه أراد صلى ~~الله عليه وسلم أن ينقص من شهوتها بقدر ما يردها إلى الاعتدال؛ فإن شهوتها ~~إذا قلت ذهب التمتع، ونقص حب الأزواج، وحب الزوج قيد دون الفجور. والمرأة ~~لا تكون في حال من حالات الجماع أشد شهوة منها للكوم الذي لقحت منه. # PageV07P015 # وقد كان رجل من كبار الأشراف عندنا يقول للخاتنة: لا تقرضي إلا ما يظهر ~~فقط. ### || 2009- [أثر الختان في العفاف والفجور] # وزعم جناب بن الخشخاش القاضي، أنه أحصى في ms1031 قرية واحدة النساء المختونات ~~والمعبرات «1» ، فوجد أكثر العفائف مستوعبات وأكثر الفواجر معبرات. # وأن نساء الهند والروم وفارس إنما صار الزنا وطلب الرجال فيهن أعم، لأن ~~شهوتهن للرجال أكثر، ولذلك اتخذ الهند دورا للزواني، قالوا: وليس لذلك علة ~~إلا وفارة البظر والقلفة «2» . # والهند توافق العرب في كل شيء إلا في ختان النساء والرجال. ودعاهم إلى ~~ذلك تعمقهم في توفير حظ الباه. قالوا: ولذلك اتخذوا الأدوية، وكتبوا في ~~صناعة الباه كتبا ودرسوها الأولاد. ### || 2010- [السحق] # قالوا: ومن أكبر ما يدعو النساء إلى السحق أنهن إذا ألصقن موضع محز ~~الختان وجدن هناك لذة عجيبة، وكلما كان ذلك منها أوفر كان السحق ألذ. قال: ~~ولذلك صار حذاق الرجال يضعون أطراف الكمر ويعتمدون بها على محز الختان، لأن ~~هناك مجتمع الشهوة. ### || 2011- [ظمأ الأيل إذا أكل الحيات] # ومن هذا الباب الذي ذكرنا فيه صدق أحساس الحيوان؛ ثم اللاتي يضاف منها ~~إلى الموق وينسب إلى الغثارة «3» . قال داود النبي عليه السلام في الزبور ~~«4» : «شوقي إلى المسيح مثل الأيل إذا أكل الحيات» . # والأيل إذا أكل الحيات فاعتراه العطش الشديد تراه كيف يدور حول الماء ~~ويحجزه من الشرب منه علمه بأن ذلك عطبه، لأن السموم حينئذ تجري مع هذا # PageV07P016 # الماء، وتدخل مداخل لم يكن ليبلغها الطعام بنفسه. وليس علم الأيل بهذا ~~كان عن تجربة متقدمة، بل هذا يوجد في أول ما يأكل الحيات وفي آخره. ### || 2012- [تعلق رؤوس الحيات في بدن الأيل] # وربما اصطيد الأيل فيجد القناص رؤوس الأفاعي وسائر الحيات ناشبة الأسنان ~~في عنقه وجلد وجهه، لأنه يريد أكلها فربما بدرته الأفعى والأسود وغيرهما من ~~الحيات فتعضه، وهو يأكلها ويأكل ما ينال منها ويفوته ما تعلق به منها ~~بالعض، فتبقى الرؤوس مع الأعناق معلقة عليه إلى أن تنقطع. ### || 2013- [نصول قرن الوعل] # قالوا «1» : وليس شيء من ذوات القرون ينصل «2» قرنه في كل عام إلا الوعل، ~~فإذا علم أنه غير ذي قرن، وأنه عديم السلاح، لم يظهر من مخافة السباع. فإذا ~~طال مكثه في موضعه سمن، فإذا سمن علم أن حركته تفقد ms1032 وتبطئ، فزاد ذلك في ~~استخفائه وقلة تعرضه، واحتال بألا يكون أبدا على علاوة الريح، فإذا نجم ~~قرنه «3» لم يجد بدا من أن يمظعه «4» ويعرضه للشمس والريح، حتى إذا أيقن ~~أنه قد اشتد أكثر المجيء والذهاب التماسا أن يذهب شحمه، ويشتد لحمه، وعند ~~ذلك يحتال في البعد من السباع، حتى إذا أمكنه استعمال قرنيه في النزال ~~والاعتماد عليهما، والوثوب من جهتهما، رجع إلى حاله من مراعيه وعاداته. ~~ولذلك قال عصام بن زفر «5» : [من الرجز] # ترجو الثواب من صبيح يا حمل ... قد مصه الدهر فما فيه بلل # إن صبيحا ظاعن فمحتمل ... فلائذ منك بشعب من جبل # كما يلوذ من أعاديه الوعل # فضرب به المثل كما ترى في الاحتيال والهرب من أعدائه: وقال الراجز «6» : # لما رأيت البرق قد تبسما ... وأخرج القطر القروع الأعصما # PageV07P017 # قال ابن الأعرابي: إنما سموا الوعل القروع لأنه يقرع عجب ذنبه من ~~الناحيتين جميعا. ### || 2014- [بيوت الزنابير] # وقال ابن الكلبي: قال الشرقي بن القطامي ذات يوم: أرأيتم لو فكر رجل منكم ~~عمره الأطول في أن يتعرف الشيء الذي تتخذ الزنابير بيوتها المخرقة بمثل ~~المجاوب «1» ، المستوية في الأقدار، المتحاجزة بالحيطان، السخيفة في ~~المنظر، الخفيفة في المحمل، المستديرة المضمر بعضها ببعض، المتقاربة ~~الأجزاء. وهي البيوت التي تعلم أنها بنيت من جوهر واحد وكأنها من ورق أطباق ~~صغار الكاغذ المزررة. قولوا لي: كيف جمعته؟ ومن أي شيء أخذته، وهو لا يشبه ~~البناء ولا النسج ولا الخياطة. # ولم يفسر ابن الكلبي والشرقي في ذلك شيئا، فلم يصر في أيدينا منهما إلا ~~التعجب والتعجيب. فسألت بعد ذلك مشايخ الأكرة فزعموا «2» أنها تلتقطه من ~~زبد المدود «3» . فلا يدرى أمن نفس الزبد تأخذ، أم من شيء يكون في الزبد. # والذي عرف الزنابير مواضع تلك الأجزاء، ودلها على ذلك الجوهر هو الذي علم ~~العنكبوت ذلك النسج. وقد قال الشاعر: [من الطويل] # كأن قفا هارون إذ يعتلونه ... قفا عنكبوت سل من دبرها غزل # وقد قال بلا علم. # وأما دودة القز فلا نشك أنها تخرجه من جوفها. ### || 2015- [معرفة الحقنة من الطير] ms1033 # وتزعم «4» الأطباء أنهم استفادوا معرفة الحقنة من قبل الطائر الذي إذا ~~أصابه الحصر أتى البحر فأخذ بمنقاره من الماء المالح، ثم استدخله فمجه في ~~جوفه، وأمكنه ذلك بطول العنق والمنقار، فإذا فعل ذلك، ذرق فاستراح. # PageV07P018 ### || 2016- [ما يتعالج به الحيوان] # والقنفذ وابن عرس إذا ناهشا الأفاعي والحيات الكبار تعالجا بأكل الصعتر ~~البري «1» . # والعقاب إذا اشتكت كبدها من رفعها الأرنب والثعلب في الهواء وحطها لهما ~~مرارا فإنها لا تأكل إلا من الأكباد حتى تبرأ من وجع كبدها. ### || 2017- [رغبة الثعلب في القنفذ] # قال: وسألت القناص: ما رغبة الثعلب في أكل القنفذ وإن كان حشو إهابه شحما ~~سمينا، وفي ظاهر جلده شوك صلاب حداد متقارب كتقارب الشعر في الجسد؟ فزعموا ~~أن الثعلب إذا أصابه قلبه لظهره ثم بال على بطنه فيما بين مغرز عجبه إلى ~~فكيه، فإذا أصابه ذلك البول اعتراه الأسن «2» فأسبط «3» وتمدد، فينقر عن ~~بطنه، فمن تلك الجهة يأكل جميع بدنه ومسلوخه الذي يشتمل عليه جلده. ### || 2018- [صيد الظربان للضب] # وقالوا: وبشبيه بهذه العلة يصيد الظربان الضب في جوف جحره حتى يغتصبه ~~نفسه؛ وذلك أنه يعلم أنه أنتن خلق الله قسوة، فإذا دخل عليه جحره سد خصاصه ~~وفروجه ببدنه، وهو في ذلك مستدبر له، فلا يفسو عليه ثلاث فسوات حتى يعطي ~~بيده فيأكله كيف شاء. # قالوا: وربما فسا وهو بقرب الهجمة وهي باركة فتتفرق في الصحراء فلا ~~يجمعها راعيها إلا بجهد شديد، ولذلك قال الشاعر: [من الكامل] # لا تمنحوا صقرا، فما لمنيحة ... أتت آل صقر من ثواب ولا شكر # فما ظربان يؤبس الضب فسوه ... بألأم لؤما قد علمناه من صقر «4» # ولذلك قال الراجز، وهو يذكر تكسب الظربان بفسوه لطعمه وقوته، كما يتكسب ~~الناس بالصناعات والتجارات، فقال: [من الرجز] # PageV07P019 # باتا يحكان عراصيف القتب ... مستمسكين بالبطان والحقب «1» # كما يحك القين أطراف الخشب ... وابن يزيد حرب من الحرب «2» # لا ينفع الصاحب إلا أن يسب ... كالظربان بالفساء يكتسب ### || 2019- [ما قيل في بلاهة الحمام] # قال ابن الأعرابي: قلت لشيخ من قريش: من علمك هذا، وإنما يحسن من هذا ms1034 ~~أصحاب التجارات والتكسب، وأنت رجل مكفي مودع «3» ؟ قال: علمني الذي علم ~~الحمامة على بلهها تقليب بيضها كي تعطي الوجهين جميعا نصيبهما من الحضن، ~~ولخوف طباع الأرض إذا دام على الشق الواحد. # والحمام أبله؛ ولذلك كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقولون: ~~«كونوا بلها كالحمام» «4» . ألا ترى أن الحمام في الوجه الذي ألهمه الله ~~مصالح ما يعيشه، ويصلح به شأن ذرئه ونسله- ليس بدون الإنسان في ذرئه ونسله، ~~مع ما خول من المنطق، وألهم من العقل، وأعطي من التصريف في الوجوه؟!. ### || 2020- [حيلة الفأرة للعقرب] # وإذا جمع بعض أهل العبث وبعض أهل التجربة بين العقرب وبين الفأرة في إناء ~~زجاج، فليس عند الفأرة حيلة أبلغ من قرض إبرة العقرب فإما أن تموت من ~~ساعتها، وإما أن تتعجل السلامة منها، ثم تقتلها كيف شاءت، وتأكلها كيف أحبت ~~«5» . ### || 2021- [علم الذرة] # قال «6» : ومن أن تفلق الحبة فتأكل موضع القطمير لئلا تنبت فتفسد. فإذا كانت الحبة من ~~حب الكزبرة ففلقتها أنصافا لم ترض حتى تفلقها أرباعا؛ لأن الكزبرة من بين ~~جميع الحب تنبت وإن كانت أنصافا. وهذا علم غامض # PageV07P020 # إذا عرفه الشيخ الفلاح المجرب، والفاشكار «1» الرئيس والأكار الحاذق، فقد ~~بلغوا النهاية في الرياسة. ### || 2022- [معرفة الدب] # وقال جالينوس «2» : ومن علم الدب الأنثى إذا وضعت ولدها أن ترفعه في ~~الهواء أياما تهرب به من الذر والنمل، لأنها تضعه كفدرة «3» من لحم، غير ~~متميز الجوارح، فهي تخاف عليه الذر، وذلك له حتف. فلا تزال رافعة له ~~وراصدة، ومتفقدة ومحولة له من موضع إلى موضع، حتى يشتد وتنفرج أعضاؤه. ### || 2023- [شعر لبشار] # وقال بشار الأعمى: [من البسيط] # أما الحياة فكل الناس يحفظها ... وفي المعيشة أبلاء مناكير «4» # وكل قسم فللعقبان أكثره ... والحظ شيء عليه الدهر مقصور ### || 2024- [أمنية بشر أخي بشار] # وقال بشر أخو بشار- وكانوا ثلاثة [لأم] «5» ، واحد حنفي، وواحد سدوسي، ~~وبشار عقيلي، وإنما نزل في بني سدوس لسبب أخيه- وقد كان قيل لأخيه: لو خيرك ~~الله أن تكون شيئا من الحيوان أي شيء كنت تتمنى أن تكون؟ قال: عقاب. # قيل: ولم تمنيت ms1035 ذلك؟ قال: لأنها تبيت حيث لا ينالها سبع ذو أربع، وتحيد ~~عنها سباع الطير. ### || [معرفة في العقاب] # وهي لا تعاني الصيد إلا في الفرط، ولكنها تسلب كل صيود صيده. وإذا جامع ~~صاحب الصقر وصاحب الشاهين وصاحب البازي صاحب العقاب، لم يرسلوا أطيارهم ~~خوفا من العقاب. وهي طويلة العمر، عاقة بولدها. وهي لا تحمل على نفسها في ~~الكسب، وهي إن شاءت كانت فوق كل شيء، وإن شاءت كانت بقرب كل شيء، وتتغدى ~~بالعراق وتتعشى باليمن. وريشها الذي عليها هو فروها في الشتاء، وخيشها في ~~الصيف. وهي أبصر خلق الله. # PageV07P021 # هذا قول صاحب المنطق في عقوق العقاب وجفائها بأولادها، فأما أشعار العرب ~~فهي تدل على خلاف ذلك، قال دريد بن الصمة» # : [من الطويل] # وكل لجوج في العنان كأنها ... إذا اغتمست في الماء فتخاء كاسر «2» # لها ناهض في الوكر قد مهدت له ... كما مهدت للبعل حسناء عاقر «3» ### || 2025- [المحمق من الحيوان] # والحيوان المحمق الرخمة والحبارى. قال عثمان بن عفان رضي الله عنه «4» : # «كل شيء يحب ولده حتى الحبارى» . # وأنثى الذئاب، وهي التي تسمى جهيزة، والضبع، والنعجة، والعنز، هذه من ~~الموصوفات بالموق جدا. # قال: ومن الحيوان ما ليس عنده إلا الجمال والحسن كالطاوس؛ وهو من الطير ~~المحمق، وكذلك التدرج «5» مع جماله وحسنه وعجيب وشيه، والزرافة، وهي أيضا ~~موصوفة بالموق، وليس عندها إلا طرافة الصورة وغرابة النتاج. وهي من الخلق ~~العجيب مواضع الأعضاء، ويتنازعها أشباه كثيرة. ### || 2026- [القبيح من الحيوان] # والفيل عجيب ظريف، ولكنه قبيح مسيخ «6» ، وهو في ذلك بهي نبيل، والعين لا ~~تكرهه. والخنزير قبيح مسيخ، والعين تكرهه. والقرد قبيح مليح. # PageV07P022 ### || 2027- [فطنة بعض الطيور] # وعند الببغاء والمكاء والعندليب وابن تمرة «1» مع صغر أجرامها ولطافة ~~شخوصها، وضعف أسرها «2» ، من المعرفة والكيس والفطنة والخبث ما ليس عند ~~الزرافة والطاووس والببغاء عجيب الأمر. ويقولون: عندليب وعندبيل، وهو من ~~أصغر الطير. ### || 2028- [ما قيل في حمق الأجناس المائية وفطنتها] # فأما الأجناس المائية من أصناف السمك، والأجناس التي تعايش السمك، فإن ~~جماعتها موصوفة بالجهل والموق وقلة المعرفة، وليس فيها خلق مذكور، ولا ms1036 خصلة ~~من خصال الفطن، إلا كنحو ما يروى من صيد الجري للجرذان، وحمل تلك الدابة ~~«3» للغرقى حتى تؤديهم إلى الساحل. ### || 2029- [شدة بدن السمكة والحية] # والسمكة شديدة البدن، وكذلك الحية. وكل شيء لا يستعين بيد ولا رجل ولا ~~جناح، وإنما يستعمل أجزاء بدنه معا فإنه يكون شديد البدن. ### || 2030- [حيلة الشبوط في التخلص من الشبكة] # وخبرني «4» بعض الصيادين أن الشبوطة تنتهي في النهر إلى الشبكة فلا ~~تستطيع النفوذ منها، فتعلم أنها لا ينجيها إلا الوثوب فتتأخر قدر قاب رمح، ~~ثم تتأخر جامعة لجراميزها «5» حتى تثب، فربما كان ارتفاع وثبتها في الهواء ~~أكثر من عشر أذرع. وإنما اعتمدت على ما وصفنا. وهذا العمل أكثر ما رووه من ~~معرفتها، وليس لها في المعرفة نصيب مذكور. ### || 2031- [ما يغوص من السمك في الطين] # وأنواع من السمك يغوص في الطين، وذلك أنها تنخر وتتنفس في جوفه، وتلزم ~~أصول النبات إذا لم يرتفع، وتلتمس الطعم والسفاد. # PageV07P023 # ونحن لم نر قط في بطن دجلة والفرات وجميع الأودية والأنهار، عند نضوب ~~الماء، وانكشاف الأرض، وظهور وجه الطين، وعند الجزر والنقصان في الماء في ~~مواخر «1» الصيف وأيام مجاورة الأهلة والأنصاف «2» جحرا قط، فضلا على ما ~~يقولون، أن لها في بطون الأنهار بيوتا. ### || 2032- [جحرة الوحش] # ورأيت عجبا آخر، وهو أني في طول ما دخلت البراري، ودخلت البلدان، في ~~صحارى جزيرة العرب والروم والشام والجزيرة وغير ذلك، ما أعلم أني رأيت على ~~لقم طريق «3» أو جادة، أو شرك مصاقب ذلك «4» أو إذا جانبت الطرق، وأمعنت في ~~البراري، وضربت إلى الموضع الوحشي- جحرا واحدا يجوز أن يدخله ضبع أو تيس ~~ظباء، أو بعض هذه الأجناس الوحشية. وما أكثر ما أرى الجحرة، ولكني لم أر ~~شيئا يتسع للثعلب وابن آوى، فضلا على هذه الوحوش الكبار مما هو مذكور ~~بالتولج والوجار، وبالكناس والعرين. # وجحر الضب يسمى عرينا، وهو غير العرين الذي يضاف إلى الشجر. ### || 2033- [حيلة الضب واليربوع] # وأما حفظ الحياة والبصر بالكسب، والاحتراس من العدو والاستعداء بالحيل، ~~فكما أعد الضب واليربوع «5» . ### || 2034- [اوقات اختفاء الفهد والأيل] # والفهد إذا ms1037 سمن عرف أنه مطلوب، وأن حركته قد ثقلت، فهو يخفي نفسه بجهده ~~حتى ينقضي ذلك الزمان الذي تسمن فيه الفهود، ويعلم أن رائحة بدنه شهية إلى ~~الأسد والنمر. وهو ألطف شما لأراييح السباع القوية من شم السباع للرائحة ~~الشهية، فهي لا تكاد تكون إلا على علاوة الريح. # والأيل ينصل قرنه في كل عام، فيصير كالأجم، فإذا كان ذلك الزمان استخفى # PageV07P024 # وهرب وكمن، فإذا نبت قرنه عرضه للريح والشمس في الموضع الممتنع، ولا يظهر ~~حتى يصلب قرنه ويصير سلاحا يمتنع به. وقرنه مصمت، وليس في جوفه تجويف، ولا ~~هو مصمت الأعلى أجوف الأسفل. ### || 2035- [معرفة الإبل بما يضرها وما ينفعها] # والبعير يدخل الروضة والغيضة، وفي النبات ما هو غذاء، ومنه ما هو سم عليه ~~خاصة، ومنه ما يخرج من الحالين جميعا، ومن الغذاء ما يريده في حال ولا ~~يريده في حال أخرى، كالحمض والخلة، ومنه ما يغتذيه غير جنسه فهو لا يقربه ~~وإن كان ليس بقاتل ولا معطب. فمن تلك الأجناس ما يعرفه برؤية العين دون ~~الشم، ومنها ما لا يعرفه حتى يشمه، وقد تغلط في البيش فتأكله، كصنع الحافر ~~في الدفلى «1» . ### || 2036- [معرفة الإبل بالزجر] # والناقة تعرف قولهم: حل، والجمل يعرف قولهم: جاه. قال الراجز وهو يحمق ~~رجلا هجاه «2» : [من الرجز] # يقول للناقة قولا للجمل ... يقول جاه يثنيه بحل ### || 2037- [قدرة الحيوان على رفع اللبن وإرساله] # ومما فضلت به السباع على بني آدم أن الله جعل في طباع إناث السباع ~~والبهائم، من الوحشية والأهلية، رفع اللبن وإرساله عند حضور الولد، والمرأة ~~لا تقدر أن تدر على ولدها وترفع لبنها في صدرها إذا كان ذلك المقرب منها ~~غير ولدها. # والذي أعطى الله البهائم من ذلك مثل ما تعرف به المعنى وتتوهمه. # اعلم أن الله تعالى قد أقدر الإنسان على أن يحبس بوله وغائطه إلى مقدار، ~~وأن يخرجهما، ما لم تكن هناك علة من حصر وأسر، وإنما يخرج منه بوله ورجيعه ~~بالإرادة والتوجيه والتهيؤ لذلك. وقد جعل الله حبسه وإخراجه وتأخيره ~~وتقديمه على ما فسرنا. ms1038 فعلى هذا الطريق طوق «3» إناث السباع والبهائم، في ~~رفع اللبن. ### || 2038- [حشر الحيوان في اليوم الآخر] # وقد قال الله جل ثناؤه: وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا ~~أمم # PageV07P025 # أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء ثم إلى ربهم يحشرون # «1» . فالكلمة في الحشر مطلقة عامة، ومرسلة غير مستثنى منها. فأوجب في ~~عموم الخبر على الطير الحشر، والطير أكثر الخلق. والحديث: «إن أكثر الخلق ~~الجراد» . ### || 2039- [ما يطرأ عليه الطيران] # ومن العقارب طيارة قاتلة. وزعم صاحب المنطق أن بالحبشة حيات لها أجنحة. # وأشياء كثيرة تطير بعد أن لم تكن طيارة، مثل الدعاميص، والنمل، والأرضة، ~~والجعلان. # والجراد تنتقل في حالات قبل نبات الأجنحة. ### || [جعفر الطيار] # قالوا: وحين عظم الله شأن جعفر بن أبي طالب، خلق له جناحين يطير بهما في ~~الجنة، كأنه تعالى ألحقه بشبه الملائكة في بعض الوجوه «2» . ### || 2040- [ما يطير ولا يسمى طيرا] # وذكر الله الملائكة فقال: أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # «3» . # ولا يقال للملائكة طير، ولا يقال إنها من الطير، رفعا لأقدارها. # ولا يقال للنمل والدعاميص والجعلان والأرضة إذا طارت: من الطير، كذلك لا ~~يقال للجرجس والبعوض وأجناس الهمج إنها من الطير، وضعا لأقدارها عن أقدار ~~ما يسمى طيرا. فالملائكة تطير ولا يسمونها طيرا لرفع أقدارها عن الطير. ~~والهمج يطير ولا يسمى طيرا لوضع أقدارها عن الطير. ### || 2041- [ملائكة العرش] # وفي الرواية أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشد قول أمية بن أبي الصلت «4» ~~: [من الكامل] # رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد # فقال: «صدق» . وقوله «نسر» يعني في صورة نسر، لأن الملك لا يقال له نسر ~~ولا صقر ولا عقاب ولا باز. # PageV07P026 ### || 2042- [ما جاء فيه الأثر من الطير] # وذكروا غراب نوح «1» . وحمامة نوح «2» ، وهدهد سليمان «3» ، والنحل ~~والدراج، وما جاء من الأثر في ذلك الديك الذي يكون في السماء «4» . # وقال الناس: غراب نوح، وهدهد سليمان، وحمامة نوح. ورووا في الخطاف ~~والصرد. ### || 2043- [أشرف الخيل والطير] # ولا نعرف شيئا من الحيوان أشرف اسما من الخيل والطير، لأنهم يقولون: فرس ~~جواد، ms1039 وفرس كريم، وفرس وسيم، وفرس عتيق، وفرس رائع. # وقالوا في الطير لذوات المخالب المعقفة، والمناسر المحدبة: أحرار، ~~ومضرحيات «5» ، وعتاق؛ وكواسب، وجوارح. وقال لبيد بن ربيعة «6» : [من ~~الرمل] # فانتضلنا وابن سلمى قاعد ... كعتيق الطير يغضي ويجل «7» # وقال الشاعر: [من الكامل] # حر صنعناه لتحسن كفه ... عمل الرفيقة واستلاب الأخرق «8» # ولولا أنا قد ذكرنا شأن الهدهد والغراب والنمل وما ذكرها به القرآن، ~~والخصال التي فيها من المعارف ومن القول والعمل، لذكرناه في هذا الموضع. # PageV07P027 ### | ما جاء في ذكر الطير # قال الله جل ثناؤه: ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم ~~أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله # «1» . وقال الله: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير بإذني فتنفخ فيها فتكون ~~طيرا بإذني وتبرئ الأكمه والأبرص بإذني وإذ تخرج الموتى بإذني # . وقال: وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ~~ولكن أكثرهم لا يعلمون # «3» . # وقال الله: أما أحدكما فيسقي ربه خمرا وأما الآخر فيصلب فتأكل الطير من ~~رأسه # «4» . وقال: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل. ألم يجعل كيدهم في تضليل، ~~وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل # «5» . وقال الله: # وورث سليمان داود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير # «6» . # ولم يذكر منطق البهائم والسباع والهمج والحشرات. # وقال الله: فسئلوهم إن كانوا ينطقون # «7» ؛ لأنك حيثما تجد المنطق تجد الروح والعقل والاستطاعة. # وقالوا: الإنسان هو الحي الناطق. وقال الله: فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار ~~فقالوا هذا إلهكم وإله موسى # «8» . وقال: أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا # «9» ، ثم قال: وحشر لسليمان جنوده من الجن والإنس والطير # «10» ولم يذكر شيئا من جميع الخلق. وقد كان الله سخر له جميع ذلك. ثم ~~قال: وتفقد الطير فقال ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين # «11» . # ولم يتفقد شيئا مما سخر له، ولا دل سليمان على ملكة سبأ إلا طائر. # وقال الله: ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير # «12» . # PageV07P028 # وقال الله: وإن من ms1040 شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم # «1» . فلما ذكر داود قال: وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير # «2» . وقال الله: يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا ~~يعملون # «3» . وقال: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء # «4» . # وقالوا: «منطق الطير» ، على التشبيه بمنطق الناس، ثم قالوا بعد: الصامت ~~والناطق، ثم قالوا بعد للدار: تنطق. # وقال الله: يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله ~~لعلكم ترحمون. قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم ~~تفتنون # «5» . # وقال الله: وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن ~~الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون # «6» . # وكان عبد الله بن عباس يقول: ليس يعني بقوله: تكلمهم # من الكلام، وإنما هو من الكلم والجراح. وجمع الكلم كلوم، ولم يكن يجعله ~~من المنطق، بل يجعله من الخطوط والوسم، كالكتاب والعلامة اللذين يقومان ~~مقام الكلام والمنطق. # وقال الآخرون: لا ندع ظاهر اللفظ والعادة الدالة في ظاهر الكلام، إلى ~~المجازات، قالوا: فقد ذكر الله الدابة بالمنطق، كما ذكروا في الحديث كلام ~~الذئب لأهبان بن أوس «7» . وقول الهدهد مسطور في الكتاب بأطول الأقاصيص، ~~وكذلك شأن الغراب «8» . # وقال الله: وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء # «9» ، وجعل الله مقالة النملة قرآنا، وقال: وما من دابة في الأرض، ولا ~~طائر # PageV07P029 # يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم ما فرطنا في الكتاب من شيء # «1» . وقال في مكان آخر: ولحم طير مما يشتهون # «2» . وقال: والطير محشورة كل له أواب # «3» . # وذكر الملائكة فقال: أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع # «4» . # وأنشدوا النبي صلى الله عليه وسلم قول أمية بن أبي الصلت «5» : [من ~~الكامل] # رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد # فقال: «صدق» . # وخلق الله لجعفر جناحين في الجنة، عوضا من يديه المقطوعتين في سبيل الله ~~«6» . قالوا: ولو كانت في الأرض يد تفضل الجناح لجعلها الله بدل الجناح. # وسماه المسلمون «الطيار» . # ويقال: «ما هو إلا طائر» ، إذا أرادوا مديح الإنسان ms1041 في السرعة. وقال ~~الفرزدق «7» : [من البسيط] # جاؤوا مع الريح أو طاروا بأجنحة ... وخلفوا في جؤاثا سيدي مضرا «8» # والأمم كلها تضرب المثل بعنقاء مغرب. وقد جاء في نسر لقمان ما قد جاء من ~~الآثار والأخبار. وقال الخزرجي «9» : [من المنسرح] # إن معاذ بن مسلم رجل ... قد ضج من طول عمره الأبد # قد شاب رأس الزمان واختضب ال ... دهر وأثواب عمره جدد # يا نسر لقمان كم تعيش وكم ... تسحب ذيل الحياة يا لبد # قد أصبحت دار آدم خربت ... وأنت فيها كأنك الوتد # تسأل غربانها إذا حجلت ... كيف يكون الصداع والرمد # PageV07P030 # وقال النابغة «1» : [من البسيط] # أضحت خلاء وأضحى أهلها احتملوا ... أخنى عليها الذي أخنى على لبد # وقال الله: ولا يغوث ويعوق ونسرا # «2» لأن ذلك الصنم كان على صورة النسر. # وقالوا: أحرار فارس، وأحرار الرياحين، وأحرار البقول، وأحرار الطير، وهي ~~الأحرار، والعتاق، والكواسب، والجوارح، والمضرحيات. # وقال الله: وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى قال أولم تؤمن قال ~~بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل ~~جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا # «3» . ### || أسماء ما في النجوم والبروج والفرس والناس وغير ذلك، من أسماء الطير # مما يعد في الفرس من أسماء الطير» # : الفراش: وهو المنخر «5» . والذباب: # وهو ذباب العين «6» . والصلصل: وهو الدائرة في الجبهة «7» . والعصفور: ~~وهو الجلدة تحت الناصية «8» والحدأة: وهو أصل الأذن. والهامة: وهو الجلدة ~~التي فيها الدماغ «9» والفرخ: موضع الفهقة «10» . والناهضان: في المنكبين ~~«11» . والصرد: عرق تحت اللسان. # PageV07P031 # والسمامة «1» : الدائرة في عرض العنق. والقطاة: موضع الردف. والغرابان: ~~العظمان الناتئان بين الوركين؛ ويقال الغراب طرف الورك. والساق: ساق الفرس، ~~وهو ذكر الحمام. والخطاف: موضع الركاب من جنبه. والرخمة: البضعة الناتئة في ~~ظهر الفخذ. والأصقع «2» : الأبيض الناصية. # وقال الله: ولقد آتينا داود منا فضلا يا جبال أوبي معه والطير وألنا له ~~الحديد # «3» . # وفي السماء النسر الطائر، والنسر الواقع. # وفي الأوثان القديمة وثن كان يسمى نسرا، ويزعمون أنه كان على صورة نسر. # وقال الله: ولا تذرن ودا ولا سواعا ms1042 ولا يغوث ويعوق ونسرا وقد أضلوا كثيرا # «4» . # وقال: واذكر عبدنا داود ذا الأيد إنه أواب. إنا سخرنا الجبال معه يسبحن ~~بالعشي والإشراق. والطير محشورة كل له أواب # «5» . # وفي أسماء الناس «6» : غراب، وصرد. وفي أسماء النساء: فاختة وحمامة. وفي ~~أسماء الناس: يمام ويمامة، وسمامة، وشاهين. وفي أسماء النساء: عقاب، وقطاة، ~~وقطية، ودجاجة يكون للرجال والنساء. ويسمون بعصفور، ونقاز، وحجل، ويسمون ~~الرجال بقطامي، مثل أبي الشرقي بن القطامي الشاعر «7» . وإذا كانت امرأة ~~قالوا قطام مثل حذام. وقال امرؤ القيس بن حجر «8» : [من الكامل] # وأنا الذي عرفت معد فضله ... ونشدت حجرا ابن أم قطام # ويسمون بمضرحي. وكبار الطير هي المضرحية؛ وأكثر ما يستعمل ذلك في عتاق ~~الطير وأحرارها، ويسمون بحر، وليس الحر من الطير إلا العقيق. وقال الشاعر ~~«9» : [من الكامل] # حر صنعناه لتحسن كفه ... عمل الرفيقة واستلاب الأخرق # PageV07P032 # ويسمون صعوة وسمنانى، وسمامة، ويسمون بجناح، ويلقبون بمنقار، ويسمون بفرخ ~~وفريخ، وصقر وصقير وأبي الصقر، وطاوس وطويس. وفي الألقاب يؤيؤ وزرق. # وفي الأسماء حيقطان وهو الدراج الذكر، ويسمون بحذف «1» وحذيفة، وأبي ~~حذيفة، وفي الألقاب أبو الكراكي، وفي الصفات الغرانيق والغرنوق «2» . ### || 2044- [نطق الطير] # وقال أمية أبي الصلت «3» : [من الكامل] # فاسمع لسان الله كيف شكوله ... عجب وينبيك الذي تستشهد # والوحش والأنعام كيف لغاتها ... والعلم يقسم بينهم ويبدد # وقال الله عز وجل مخبرا عن سليمان أنه قال: يا أيها الناس علمنا # «4» . وقال الشاعر «5» : [من البسيط] # يا ليلة لي بحوارين ساهرة ... حتى تكلم في الصبح العصافير # وقال الشاعر: [من المنسرح] # وغنت الطير بعد عجمتها ... واستوفت الخمر حولها كملا # وقال الكميت «6» : [من مجزوء الكامل] # كالناطقات الصادقا ... ت الواسقات من الذخائر ### || 2045- [تدبير الحيوان] # قال: ولكل جنس من أجناس الحيوان احتراف وتكسب، وروغان من الباغي عليه، ~~واحتيال لما أراد صيده؛ فهو يحتال لما هو دونه، ويحتال في الامتناع مما ~~فوقه، ويختار الأماكن الحصينة ما احتملته، والاستبدال بها إذا أنكرها. # PageV07P033 ### || 2046- [منطق الطير] # ولها منطق تتفاهم بها حاجات بعضها إلى بعض. ولا حاجة بها إلى أن يكون لها ~~في منطقها فضل لا تحتاج إلى ms1043 استعماله. وكذلك معانيها في مقادير حاجاتها. ### || 2047- [بعض ما قيل في العقل] # وقيل لرجل من الحكماء: متى عقلت؟ قال: ساعة ولدت. فلما رأى إنكارهم ~~لكلامه قال: أما أنا فقد بكيت حين خفت، وطلبت الأكل حين جعت، وطلبت الثدى ~~حين احتجت، وسكت حين أعطيت. يقول هذه مقادير حاجاتي، ومن عرف مقادير حاجاته ~~إذا منعها، وإذا أعطيها، فلا حاجة به في ذلك الوقت إلى أكثر من ذلك العقل. ~~ولذلك قال الأعرابي «1» : [من الطويل] # سقى الله أرضا يعلم الضب أنها ... بعيد من الآفات طيبة البقل # بني بيته منها على رأس كدية ... وكل امرئ في حرفة العيش ذو عقل ### || 2048- [منطق الطير وعقله] # فإن قال قائل: ليس هذا بمنطق، قيل له: أما القرآن فقد نطق بأنه منطق، ~~والأشعار قد جعلته منطقا، وكذلك كلام العرب، فإن كنت إنما أخرجته من حد ~~البيان، وزعمت أنه ليس بمنطق لأنك لم تفهم عنه، فأنت أيضا لا تفهم كلام ~~عامة الأمم؛ وأنت إن سميت كلامهم رطانة وطمطمة فإنك لا تمتنع من أن تزعم أن ~~ذلك كلامهم ومنطقهم، وعامة الأمم أيضا لا يفهمون كلامك ومنطقك، فجائز لهم ~~أن يخرجوا كلامك من البيان والمنطق. وهل صار ذلك الكلام منهم بيانا ومنطقا ~~إلا لتفاهمهم حاجة بعضهم إلى بعض، ولأن ذلك كان صوتا مؤلفا خرج من لسان ~~وفم، فهلا كانت أصوات أجناس الطير والوحش والبهائم بيانا ومنطقا إذ قد علمت ~~أنها مقطعة مصورة، ومؤلفة منظمة، وبها تفاهموا الحاجات، وخرجت من فم ولسان، ~~فإن كنت لا تفهم من ذلك إلا البعض، فكذلك تلك الأجناس لا تفهم من كلامك إلا ~~البعض. # وتلك الأقدار من الأصوات المؤلفة هي نهاية حاجاتها والبيان عنها، وكذلك ~~أصواتك المؤلفة هي نهاية حاجاتك وبيانك عنها. وعلى أنك قد تعلم الطير ~~الأصوات فتتعلم، وكذلك يعلم الإنسان الكلام فيتكلم، كتعليم الصبي والأعجمي. ~~والفرق # PageV07P034 # بين الإنسان والطير أن ذلك المعنى معنى يسمى منطقا وكلاما على التشبيه ~~بالناس، وعلى السبب الذي يجري، والناس ذلك لهم على كل حال. # وكذلك قال الشاعر الذي وصفها بالعقل، وإنما قال ذلك ms1044 على التشبيه، فليس ~~للشاعر إطلاق هذا الكلام لها، وليس لك أن تمنعها ذلك من كل جهة وفي كل حال. # فافهم فهمك الله، فإن الله قد أمرك بالتفكر والاعتبار، وبالتعرف ~~والاتعاظ. # وقد قال الله عز وجل مخبرا عن سليمان: يا أيها الناس علمنا منطق الطير # «1» نجعل ذلك منطقا، وخص الله سليمان بأن فهمه معاني ذلك المنطق، وأقامه ~~فيه مقام الطير؛ وكذلك لو قال علمنا منطق البهائم والسباع، لكان ذلك آية ~~وعلامة. # وقد علم الله إسماعيل منطق العرب بعد أن كان ابن أربع عشرة سنة، فلما كان ~~ذلك على غير التلقين والتأديب والاعتياد والترتيب والمنشأ، صار ذلك برهانا ~~ودلالة وأعجوبة وآية. # وقال ابن عباس- وذكر عمر بن الخطاب فقال-: «كان كالطائر الحذر» ؛ فشبه ~~عزم عمر وتخوفه من الخطأ، وحذره من الخدع بالطائر. ### || 2049- [ما قيل في تجاوب الأصداء والديكة] # وقال ابن مقبل «2» : [من البسيط] # فلا أقوم على المولى فأشتمه ... ولا يخرقه نابي ولا ظفري # ولا تهيبني الموماة أركبها ... إذا تجاوبت الأصداء بالسحر # فجعلها تتجاوب. وقال الطرماح بن حكيم- وذكر تجاوب الديكة كما ذكر ابن ~~مقبل تجاوب الأصداء- فقال «3» : [من الطويل] # فيا صبح كمش غبر الليل مصعدا ... ببم ونبه ذا العفاء الموشح # إذا صاح لم يخذل وجاوب صوته ... حماش الشوى يصدحن من كل مصدح # PageV07P035 ### || 2050- [ما قيل في ضبحة الثعلب وقبعة القنفذ والقرنبى] # وحدث أبو عبيدة عن أبي عمرو بن العلاء قال: خطب ابن الزبير خطبة فاعترض ~~له رجل فآذاه بكلمة، ثم طأطأ الرجل رأسه، فقال ابن الزبير: أين المتكلم؟ ~~فلم يجبه فقال: «قاتله الله، ضبح ضبحة الثعلب وقبع قبعة القنفذ» «1» . وقال ~~ابن مقبل «2» : # [من الطويل] # ولا أتبع الجارات بالليل قابعا ... قبوع القرنبى أخلفته مجاعره «3» ### | باب ما جاء في الشعر من إحساس الطير وغير ذلك من الحيوان ### || 2051- [الحبارى] # قال أبو عبيدة «4» : تسلح # | الحبارى # على الصقر، وذلك من أحد سلاحها، وهي تعلم أنها تدبق جناحيه وتكتفه، حتى ~~تجتمع عليه الحباريات فينتفن ريشه طاقة طاقة، فيموت الصقر. # والحبارى إذا تحسرت فأبطأ نبت ريشها، وهي لا تنهض بالشكير «5» ، فربما ~~طار صويحباتها ms1045 إذا تقدم نبت ريشها قيل نبت ريش تلك الحبارى، فعند ذلك تكمد ~~حزنا حتى تموت كمدا؛ ولذلك قال أبو الأسود الدؤلي» # : [من الوافر] # وزيد ميت كمد الحبارى ... إذا ظعنت مليحة أو تلم # PageV07P036 # وليس في الطير أسرع طيرانا منها، لأنها تصاد عندنا بظهر البصرة، فيوجد في ~~حواصلها حبة الخضراء غضة طرية، وبينها وبين مواضع ذلك الحب بلاد وبلاد. # ولذلك قال بشر بن مروان «1» ، في قتل عبد الملك عمرو بن سعيد: [من ~~الطويل] # كأن بني مروان إذ يقتلونه ... بغاث من الطير اجتمعن على صقر ### || 2052- [بغاث الطير] # وبغاث الطير ضعاف الطير وسفلتها من العظام الأبدان، والخشاش مثل ذلك إلا ~~أنها من صغار الطير، وأنشد أبو عبيدة قول الشاعر «2» : [من الوافر] # سألت الناس عن أنس فقالوا ... بأندلس وأندلس بعيد # كأني بعد سكن مضرحي ... أصاب جناحه عنت شديد # فقد طمعت عتاق الطير فيه ... وكانت عن عقيرته تحيد «3» # وقال الذكواني: [من الوافر] # | بغاث الطير # تعرف قانصيها ... وكل مكبد منها لهيد «4» # يقول: لكل جنس من الجوارح ضرب من الصيد، وضرب من الطلب، فالمصيد منها ~~يعرف ذلك، فيجعل المهرب من الآخر، ثم ذلك أنها تعرف الصائد المعتل من ~~الصحيح. وهو معنى الخريمي حيث يقول «5» : [من الطويل] # ويعلم ما يأتي وإن كان طائرا ... ويعلم أقدار الجوارح والبغث # وقوله البغث يريد به جمع أبغث، وقال الأول «6» : [من الوافر] # PageV07P037 # بغاث الطير أكثرها فروخا ... وأم الباز مقلات نزور «1» # وأنشدني ابن يسير: [من الطويل] # وبالجد طورا ثم بالجد تارة ... كذاك جميع الناس في الجد والطلب # والجد مفتوح الجيم. يقول: الطير كالناس، فمرة تصيد بالحظ وبما يتفق لها، ~~ومرة بالحيلة والطلب. وقال بشار بن برد: [من الكامل] # وبجده يتقلب # | العصفور ### || 2053- [العصفور] # قال: وقال زاهر لصبيانه: «يرزقكم الذي يرزق عصافير الدو» . وقال صالح ~~المري: «تغدو الطير خماصا وتروح شباعا، واثقة بأن لها في كل غدوة رزقا لا ~~يفوتها. والذي نفسي بيده أن لو غدوتم على أسواقكم على مثل إخلاصها، لرحتم ~~وبطونكم أبطن من بطون الحوامل» . # وقال أعشى همدان: [من البسيط] # قالت تعاتبني عرسي وتسألني ... أين ms1046 الدراهم عنا والدنانير # فقلت أنفقتها والله يخلفها ... والدهر ذو مرة عسر وميسور # إن يرزق الله أعدائي فقد رزقت ... من قبلهم في مراعيها الخنازير # قالت: فرزقك رزق غير متسع ... وما لديك من الخبرات قطمير # وقد رضيت بأن تحيا على رمق ... يوما فيوما، كما تحيا العصافير # وإنما خص العصافير بقلة الرزق، لأنها لا تتباعد في طلب الطعم؛ وإلا فإن ~~السباع ووحش الطير كلها تغدو خماصا وتروح بطانا. # وقال لبيد «2» : [من الطويل] # فإن تسألينا فيم نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المسحر # وقال «3» : [من الوافر] # PageV07P038 # عصافير وذبان ودود ... وأجرأ من مجلحة الذئاب # ولولا أن تفسير هذا قد مر في باب القول في العصافير في كتاب الحيوان ~~لقلنا في ذلك. ### | باب ذكر اختلاف طبائع الحيوان وما يعتريها من الأخلاق # الذئب لا يطمع فيه صاحبه، فإذا دمي وثب عليه صاحبه فأكله «1» ، وإذا عض ~~الذئب شاة فأفلتت منه بضرب من الضروب، فإن عادة الغنم إذا وجدت ريح الدم أن ~~تشم موضع أنياب الذئب، وليس عندها عند ذلك إلا أن ينضم بعضها إلى بعض؛ ~~ولذلك قال جرير «2» لعمر بن لجأ التيمي: [من الطويل] # فلا يضغمن الليث تيما بغرة ... وتيم يشمون الفريس المنيبا # فذكر أنهم كالغنم في العجز والجبن. وإذا دمي الحمار ألقى نفسه إلى الأرض ~~وامتنع ممن يريده بالعض وبكل ما قدر عليه، غير أنه لا ينهض ولا يبرح مكانه. ~~وإذا أصاب الأسد خدش أو شحطة «3» بعد أن يدمى مكانه فإن ذبان الأسد تلح ~~عليه، ولا تقلع عنه أبدا حتى تقتله. # وللأسود ذبان على حدة، وكذلك الكلاب، وكذلك الحمير، وكذلك الإبل، وكذلك ~~الناس. # وإذا دمي الإنسان وشم الذئب منه ريح الدم فما أقل من ينجو منه «4» ؛ وإن ~~كان أشد الناس بدنا وقلبا، وأتمهم سلاحا، وأثقفهم ثقافة. # وإذا دمي الببر استكلب فخافه كل شيء كان يسالمه من كبار السباع كالأسود ~~والنمور، والببر على خلاف جميع ما حكينا. # PageV07P039 # وإذا أصاب الحية خدش فإن الذر يطالبه أشد الطلب، فلا يكاد ينجو، ولا يعرف ~~ذلك إلا في الفرط. # وإذا عض الإنسان ms1047 الكلب الكلب فإن الفأر يطالبه ليبول عليه، وفيه هلكته، ~~فهو يحتال له بكل حيلة. # وربما أغد البعير فلا يعرف ذلك الجمال حتى يرى الذبان يطالبه. # وإذا وضعت الذئبة جروها فإنه يكون حينئذ ملتزق الأعضاء أمعط كأنه قطعة ~~لحم، وتعلم الذئبة أن الذر يطالبه، فلا تزال رافعة له بيديها، ومحولة له من ~~مكان إلى مكان، حتى تفرج الأعضاء، ويشتد اللحم. # وإذا وضعت الهرة جروها فإن طرحوا لها لحما من ساعتها أو روبة «1» أو بعض ~~ما يشبه ذلك فأكلته، لم تكد تأكل أجراءها، لأن الهرة يعتريها عند ذلك جوع ~~وجنون وخفة. # والأجناس التي تحدث لها قوة على غير سبب يعرف في تقدير الرأي منها الذئب ~~الضعيف الواثب على الذئب القوي إذا رأى عليه دما، والهرة إذا سفدها الهر، ~~فإنها عند ذلك تشد عليه وهي واثقة باستخذائه لها، وفضل قوتها عليه، والجرذ ~~إذا خصي فإنه يأكل الجرذان أكلا ذريعا ولا يقوم له شيء منها «2» . # فأما الفيل والكركدن والجمل، عند الاغتلام وطلب الضراب، فإنها وإن تركت ~~الشرب والأكل الأيام الكثيرة فإنه لا يقوم لشيء منها شيء من ذلك الجنس وإن ~~كان قويا شابا آكلا شاربا. # وأما الغيران والغضبان والسكران والمعاين للحرب، فهم يختلفون في ذلك على ~~علل قد ذكرناها في القول في فضيلة الملك على الإنسان. والإنسان على الجان. ~~فإن أردته فالتمسه هناك. فإن إعادة الأحاديث الطوال والكلام الكثير مما ~~يهجر في السماع، ويهجن الكتب. # PageV07P040 ### | باب ما يستدل به في شأن الحيوان على حسن صنع الله # وإحكام تدبيره، وأن الأمور موزونة مقدرة. قالوا: الأشياء البياضة طائر، ~~ومشترك، وذو أربع، ومنساح. فمنها ما يبيض في صدوع الصخر وأعالي الهضاب. # ومنها ما يعيش في الجحرة كسائر الحيات. # وأما الدساس منها فإنها تلد ولا تبيض، وهي لا ترضع ولا تلقم، والخفاش تلد ~~ولا تبيض وترضع، وهذا مختلف. # والدجاج والحجل والقطا وأشباه ذلك من الدراريج وغيرها أفاحيصها في الأرض. # والحمام منها طوراني جبلي، ومنها ألوف أهلي. فالجبلي تبيض في أو كار لها ~~في عرض مقاطع الجبال، والأهلي منها ms1048 يبيض في البيوت. والعصافير بيوتها في ~~أصول أجذاع السقف. والخطاطيف تتخذ بيوتها، في باطن السقف في أوثق ذلك ~~وأمنعه. # والرخم لا ترضى من الجبال إلا بالوحشي منها، ومن البعيد في أسحقها ~~وأبعدها عن مواضع أعدائها، ثم من الجبال إلا في رؤوس هضابها، ثم من الهضاب ~~إلا في صدوع صخورها. ولذلك يضرب بامتناع بيضها المثل. # وأما الرق والضفدع والسلحفاة والتمساح، وهذه الدواب المائية، فإنها تبيض ~~في الأرض وتحضن. وأما السراطين فإن لها بيوتا في عرض شطوط الأنهار ~~والسواقي، تمتلئ مرة ماء وتخلو مرة. # ومن الحيوان ما لا يجثم، كالضبة فإنها لا تجثم على بيضها، ولكن تغطيها ~~بالتراب وتنتظر أيام انصداعها. ### || 2054- [أسماء مواضع الفراخ والبيض] # فإذا كان مواضع الفراخ والبيض من القطا وأشباه القطا فهو أفحوصة، وإذا ~~كان من الطير الذي يهيئ ذلك المجثم من العيدان والريش والحشيش فهو عش، وإذا ~~كان من الظليم فهو أدحي. ذكر ذلك أبو عبيدة والأصمعي. وكلها وكور ووكون، ~~ووكنات ووكرات. # PageV07P041 ### || 2055- [أكثر الحيوان بيضا وأقله] # فالذي يبيض الكثير من البيض الذي لا يجوزه شيء في الكثرة السمك، ثم ~~الجراد، ثم العقارب، ثم الضبة، لأن السمك لا تزق ولا تلقم ولا تلحم ولا ~~تحضن ولا ترضع، فحين كانت كذلك كثر الله تعالى ذرءها وعدد نسلها، فكان ذلك ~~على خلاف شأن الحمام الذي يزاوج أصناف الحمام ومثل العصافير والنعام، فإنها ~~لا تزاوج. # فأما الحمام فلما جعله الله يزق ويحضن، ويحتاج إلى ما يغتذيه ويغذو به ~~ولده، ويحتاج إلى الزق، وهو ضرب من القيء، وفيه عليها وهن وشدة، ولذلك لا ~~يزجل إذا كان زاقا. فلما أن كان كذلك لم يحمل عليها أكثر من فرخين وبيضتين. # ولما كانت الدجاجة تحضن ولا تزق، وهي تأكل الحب وكل ما دب ودرج، زاد الله ~~في بيضها، وعدد فراريجها، ولم يجعل ذلك في عدد أولاد السمك والعقارب ~~والضباب التي لا تحضن البتة ولا تزق ولا تلقم. # ولما جعل الله أولاد الضب لها معاشا، زاد في عدد بيضها وفراخها، وصار ما ~~يسلم كثيرا غير متجاوز للقدر. ms1049 # وكذلك الظليم، لما كان لا يزق ولا يحضن اتسع عليه مطلب الرزق من الحبوب ~~وأصول الشجر. # وجعلها تبيض ثلاثين بيضة وأكثر. وقال ذو الرمة «1» : [من البسيط] # أذاك أم خاضب بالسي مرتعه ... أبو ثلاثين أمسى فهو منقلب # وبيضها كبار، وليس في طاقتها أن تشتمل وتجثم إلا على القليل منها. # وكذلك الحية تضع ثلاثين بيضة، ولها ثلاثون ضلعا، وبيضها وأضلاعها عدد ~~أيام الشهر، ولذلك قويت أصلابها لكثرة عدد الأضلاع، وحمل عليها في الحضن ~~بعض الحمل إذ كانت لا ترضع. ### || 2056- [أثر الإلقام والزق في الحيوان] # والطائر الذي يلقم فرخه يكون أقوى من الطائر الزاق، وكذلك من البهائم ~~المرضعة. # PageV07P042 # ولما كانت العصافير تصيد الجراد والنمل والأرضة إذا طارت، وتأكل الحب ~~واللحم، وكانت مع هذا تلقم، لم تكثر من البيض كتكثير الدجاج ولم تقللل ~~كتقليل الحمام. ### || 2057- [ما يزاوج من الحيوان] # وللعصافير فيها زواج، وكذلك النعام، وليس في شيء من ذوات الأربع زواج، ~~وإنما الزواج في اللاتي تمشي على رجلين، كالإنسان والطير والنعام، وليس هو ~~في الطير بالعام، وهو في الحمام وأصناف الحمام من هذه المغنيات والنوائح ~~عام. وسبيل الحجل والقبج سبيل الديكة والدجاج. # والدجاجة تمكن كل ديك، والديك يثب على كل دجاجة. وربما غبر الحمام الذكر ~~حياته كلها لا يقمط غير أنثاه، وكذلك الأنثى لا تدعو إلا زوجها، وربما ~~أمكنت غيره، وفي الحمام في هذا الباب من الاختلاف ما في النساء والرجال. # فأما الشفنين «1» فإنه لا يقمط غير أنثاه، وإن هلكت الأنثى لم يزاوج ~~أبدا، وكذلك الأنثى للذكر. ### || 2058- [عجائب البيض] # فأما العلة في وضع القطا بيضها أفرادا، وخروج البضة من جهة أوسع الرأسين، ~~واستدارة بيض الرق، واستطالة بيض الحيات، وما يكون منها أرقط وأخضر وأصفر ~~وأبيض وأكدر وأسود، فإني لم أرض لهم في ذلك جوابا فأحكيه لك. ### || 2059- [معارف في البيض] # قالوا: وإنما يعظم البيض على قدر جثة البياضة. وبيض الأبكار أصغر. فأما ~~كثرة العدد فقالوا إنه كلما كان أكثر سفادا كان أكثر عددا. وليس الأمر ~~كذلك، لأن العصفور أكثر سفادا من أجناس كثيرة هي أقل ms1050 بيضا منه. # والجراد والسمك لا حضن ولا زق ولا رضاع ولا تلقيم عليهن، فحين جعل الفراخ ~~كثيرة العدد، وكانت الأمهات والآباء عاجزة عنها، لم يجعلها محتاجة إلى ~~الأمهات والآباء. # فتفهم هذا التدبير اللطيف، والحكمة البالغة. # PageV07P043 ### || 2060- [أقل الحيوان نسلا وأكثره] # قالوا: والأقل في ذلك البازي، والأكثر في ذلك الذر والسمك. # قال الشاعر «1» : [من الوافر] # بغاث الطير أكثرها فروخا ... وأم الباز مقلات نزور # وقال صاحب المنطق: نسل الأسد أقل لأنه يجرح الرحم فيعقم، قالوا: والفيلة ~~تضع في سبع سنين، وأقل الخلق عددا وذرءا الكركدن، لأن الأنثى تكون نزورا، ~~وأيام حملها كثيرة جدا «2» ، وهي من الحيوان الذي لا يلد إلا واحدا، وكذلك ~~عظام الحيوان. وهي مع ذلك تأكل أولادها، ولا يكاد يسلم منها إلا القليل، ~~لأن الولد يخرج سويا نابت الأسنان والقرن، شديد الحافر. # بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله، وصلى الله ~~على سيدنا محمد خاصة وعلى أنبيائه عامة، ونسأله التأييد والعصمة، ونعوذ به ~~من كل سبب جانب الطاعة، ودعا إلى المعصية، إنه قريب مجيب، فعال لما يريد. # قد قلنا في أول هذا الجزء، وهو الجزء السابع، من القول في الحيوان في ~~أحساس أجناسها المجعولة فيها، وفي معارفها المطبوعة عليها، وفي أعاجيب ما ~~ركبت عليه من الدفع عن أنفسها، والتقدم فيما يحييها وفي تحسسها عواقب ~~أمورها وكل ما خوفت من حوادث المكروه عليها بقدر ما ينوبها من الآفات، ~~ويعتريها من الحادثات وأنها تدرك ذلك بالطبع من غير روية، وبحس النفس من ~~غير فكرة، ليعتبر معتبر، ويفكر مفكر، ولينفي عن نفسه العجب، ويعرف مقداره ~~من العجز، ونهاية قوته، ومبلغ نفاذ بصره، وأنه مخلوق مدبر ومصرف وميسر، وأن ~~الأعجم من أجناس الحيوان، والأخرس من تلك الأشكال، يبلغ في تدبير معيشته، ~~ومصلحة شأنه، وفي # PageV07P044 # كل ما هو بسبيله، ما لا يبلغه ذو الروية التامة، والمنطق البليغ، وأن ~~منها ما يكون ألطف مدخلا، وأدق مسلكا، وأصنع كفا، وأجود حنجرة، وأطبع على ~~الأصوات الموزونة، وأقوم في حفظ ما يعيشه طريقة، إلا أن ms1051 ذلك منها مفرق غير ~~مجموع، ومنقطع غير منظوم. # والإنسان ذو العقل والاستطاعة، والتصرف والروية، إذا علم علما غامضا، ~~وأدرك معنى خفيا، لم يكد يمتنع عليه ما دونه إذا قاس بعض أمره على بعض. # وأجناس الحيوان قد يعلم بعضها علما، ويصنع بكفه صنعة يفوق بها الناس، ولا ~~يهتدي إلى ما هو دون ذلك بطبع ولا روية، وعلى أن الذي عجز عنه في تقدير ~~العقول دون الذي قدر عليه. ### | [ما جاء في الفيلة] # وأنا ذاكر إن شاء الله، ما جاء في الفيلة من عجيب التركيب، وغريب ~~التأليف، والمعارف الصحيحة، والأحساس اللطيفة، وفي قبولها التثقيف ~~والتأديب، وسرعتها إلى التلقين والتقويم، وما في أبدانها من الأعضاء ~~الكريمة، والأجزاء الشريفة، وكم مقدار منافعها، ومبلغ مضارها، وبكم فضلت ~~أجناس الحيوان، وفاقت تلك الأجناس. # وما جعل الله تعالى فيها من الآيات والبرهانات، والعلامات النيرات، التي ~~جلاها لعيون خلقه وعرف بينها وبين عقول عباده، وقيدها عليهم، وحفظها لهم ~~ليكثر لهم من الأدلة، ويزيدهم في وضوح الحجة، ويسخرهم لتمام النعمة، والذي ~~ذكرها الله به في الكتاب الناطق، والخبر الصادق، وما في الآثار المعروفة، ~~والأمثال المضروبة، والتجارب الصحيحة. # وما قالت فيها الشعراء، ونطقت به الخطباء، وميزته العلماء، وعجبت منه ~~الحكماء، وحالها عند الملوك وموضع نفعها في الحروب، ومهابتها في العيون، ~~وجلالتها في الصدور، وفي طول أعمارها، وقوة أبدانها، وفي اعتزامها ~~وتصميمها، وأحقادها، وشدة اكتراثها، وطلبها بطوائلها، وارتفاعها عن ملك ~~السقاط والحشوة، وعن اقتناء الأنذال والسفلة، وعن ارتخاصها في الثمن ~~وارتباطها على الخسف، وابتذالها وإذالتها، وعن امتناع طبائعها، وتمنع ~~غرائزها أن تصلح أبدانها، وتنبت أنيابها، وتعظم جوارحها، وتتسافد وتتلاقح ~~إلا في معادنها وبلادها، وفي منابتها ومغارس أعراقها، مع التماس الملوك ذلك ~~منها، حتى أعجزت الحيل، وخرجت من حد الطمع. # PageV07P045 # وعن الإخبار عن حملها ووضعها، ومواضع أعضائها، والذي خالفت فيه الأشكال ~~الأربعة التي تحيط بالجميع مما ينساح أو يعوم، أو يمشي أو يطير، وجميع ما ~~ينتقل عن أولية خلقه، وما يبقى على الطبائع الأول من صورته وعما يتنازعه من ~~شبه الحيوان، أو ms1052 ما يخالف فيه جميع الحيوان، وعن القول في شدة قلبه وأسره، ~~وفي جرأته، على ما هو أعظم بدنا وأشد كلبا، وأحد أظفارا، وأذرب أنيابا، ~~وهربه مما هو أصغر منه جرما وأكل حدا، وأضعف أسرا، وأخمل ذكرا. # وعن الإخبار عن خصاله المذمومة، وأموره المحمودة وعن القول في لونه وجلده ~~وشعره، ولحمه وشحمه وعظمه، وبوله ونجوه، وعن لسانه وفمه، وعن أذنه وعينه، ~~وعن خرطومه وغرموله، وعن مقاتله وموضع سلاحه، وعن أدوائه ودوائه، وعن القول ~~في أنيابه وسائر أسنانه، وسائر عظامه، وفرق ما بين عظامه وعظام غيره، وعن ~~مواضع عجزه وقوته، والقول في ألبانها وضروعها، وعدد أخلافها وأماكن ذلك ~~منها، وعن سياحتها ومشيها وحضرها وسرعتها، وخفة وطئها ولين ظهورها، وإلذاذ ~~راكبها، وعن ثبات خفها في الوحل والرمل، وفي الحدر والصعداء، وعن أمن ~~راكبها من العثار. # وكيف حالها عند اهتياجها واغتلامها، وعن سكونها وانقضاء هيجانها عند ~~حملها، وعن طربها وطاعتها لسواسها، وفهمها لما يراد منها، وكيف حدة نظرها ~~والفهم الذي يرى في طرفها، مع الوقار والنبل، والإطراق والسكون، ولم اجتمعت ~~الملوك عربها وعجمها وأحمرها وأسودها على اقتنائها والتزين بها، والفخر ~~بكثرة ما تهيأ لهم منها، حتى صارت عندهم من أكرم الهدايا، وأشرف الألطاف، ~~وحتى صار اتخاذها مروءة وعتادا وعدة، ودليلا على أن مقتنيها صاحب حرب. # وفي تفضيل خصال الفيل على خصال البعير، وفي أي مكان يكون أنفع في الحرب ~~من الفرس، وأصبر عند القتال من النمر، وأقتل للأسد من الجاموس، وأكلب من ~~الببر إذا تعرم «1» ، وأشد من الكر كدن إذا اغتلم، حتى لا يبلغه مقدار ما ~~يكون من تماسيح الخلجان، وخيل النيل، وعقبان الهواء، وأسد الغياض. ### || 2061- [قصيدة هاورن مولى الأزد في الفيل] # وقد جمع هاورن مولى الأزد الذي كان يرد على الكميت ويفخر بقحطان، # PageV07P046 # وكان شاعر أهل المولتان «1» ، ولا أعرف من شأنه أكثر من اسمه وصناعته. ~~وقد قال في صفات الفيل أشعارا كثيرة، ذكر فيها كثيرا مما قدمنا ذكره، فمن ~~ذلك قوله «2» : # [من المتقارب] # أليس عجيبا بأن خلقة ... له فطن الإنس في جرم فيل ms1053 # وأنشدني هذا البيت صفوان بن صفوان الأنصاري، وكان من رواة داود بن مزيد: ~~[من المتقارب] # «أليس عجيبا بأن خلقة ... له فطن الإنس في جرم فيل» # وأظرف من قشة زولة ... بحلم يجل عن الخنشليل «3» # وأوقص مختلف خلقه ... طويل النيوب قصير النصيل «4» # ويلقى العدو بناب عظيم ... وجوف رحيب وصوت ضئيل # وأشبه شيء إذا قسته ... بخنزير بر وجاموس غيل # تنازعه كل ذي أربع ... فما في الأنام له من عديل # ويخضع لليث ليث العرين ... بأن ناسب الهر، من رأس ميل «5» # ويعصف بالببر بعد النمور ... كما تعصف الريح بالعندبيل # وشخص ترى يده أنفه ... فإن وصلوه بسيف صقيل # وأقبل كالطود هادي الخميس ... بهول شديد أمام الرعيل «6» # ومر يسيل كسيل الأتي ... بخطو خفيف وجرم ثقيل «7» # فإن شمته زاد في هوله ... شناعة أذنين في رأس غول «8» # وقد كنت أعددت هرا له ... قليل التهيب للزندبيل # PageV07P047 # فلما أحس به في العجاح ... أتانا الإله بفتح جميل # فطار وراغم فياله ... بقلب نجيب وجسم نبيل # فسبحان خالقه وحده ... إله الأنام ورب الفيول ### || 2062- [احتيال هارون بالهر لهزيمة الفيل] # وذكر صفوان بن صفوان أن هارون هذا خبأ معه هرا تحت حضنه، ومشى بسيفه إلى ~~الفيل، وفي خرطومه السيف، والفيالون يذمرونه، فلما دنا منه رمى بالهر في ~~وجهه، فأدبر هاربا، وتساقط كل من كان فوقه، وكبر المسلمون، وكان ذلك سبب ~~الهزيمة «1» . # وسنذكر الهر في هذا الشعر كما كتبته لك. ### || 2063- [استطراد لغوي] # وأما قوله: [من المتقارب] # بحلم يجل عن الخنشليل # فقد قال الأنصاري «2» في صفة النخل: [من المتقارب] # تليص العشاء بأذنابها ... وفي مدر الأرض عنها فضول «3» # ويشبعها المص مص الثرى ... إذا جاعت الشاة والخنشليل» # وهذا غير قوله «5» : [من الرجز] # قد علمت جارية عطبول ... أني بنصل السيف خنشليل ### || 2064- [العندبيل] # وأما # العندبيل # فهو طائر صغير جدا، ولذلك قال الشاعر: [من الطويل] # وما كان يوم الريح أول طائر ... يروح كروح العندبيل إلى الوكر # PageV07P048 # لأن الريح تعصف به من صغره، فهو يعرف ذلك من نفسه، فإذا قويت الريح دخل ~~جحره، ويقولون عندليب وعندبيل وكل صواب، ولذلك قال هارون: [من المتقارب] # ويعصف ms1054 بالببر بعد النمور ... كما تعصف الريح بالعندبيل # وسنخبر عن تقرير ما في هذه القصيدة مفرقا، إذ لم نقدر عليه مجموعا متصلا، ~~ولو أمكن ذلك لكان أحسن للكتاب، وأصح لمعناه، وأفهم لمن قرأه. ### | باب ما يدخل في ذكر الفيل وفيه أخلاط من شعر وحديث وغير ذلك # قال رؤبة «1» في صفة الفيل: [من الرجز] # أجرد كالحصن طويل النابين ... مشرف اللحي صغير الفقمين # عليه أذنان كفضل الثوبين # وأنشد ابن الأعرابي «2» : [من البسيط] # هو البعوضة إن كلفته كرما ... والفيل في كل أمر أصله لوم # وقال أعرابي ووصف امرأة له «3» : [من الرجز] # لو أكلت فيلين لم تخش البشم # وقال أعرابي يصف الأكرياء «4» : [من الرجز] # لو تركب البختي ميلا لأنحطم ... أو تركب الفيل بها الفيل رزم «5» # PageV07P049 # وحمل ناس أبا الحلال الهدادي على الفيل أيام الحجاج، فتمنع وأنشأ يقول: # [من الطويل] # أأركب شيطانا ومسخا وهضبة ... إلا إن رأيي قبل ذاك مضلل # فقالوا له: لو علوته ما كان عندك إلا كالبغل! فلما علاه صاح: الأرض ~~الأرض! فلما خافوا أن يرمي بنفسه وهو شيخ كبير، أنزلوه، فقال بعد ذلك في ~~كلمة له «1» : # [من الطويل] # وما كان تحتي يوم ذلك بغلة ... ولكن جلبا من رفيع السحائب # وقال بعض المتحدثين والمملحين في بعض النساء «2» : [من الهزج] # أرادت مرة بيتا ... لها فيه تماثيل # فلما أبصرت سترا ... لوجهيه تهاويل # وفيه الفيل منقوشا ... وفي مشفره طول # قالت: انزعوا الستر ... فلا يأكلني الفيل # وقال خلف بن خليفة الأقطع، حين ذكر الأشراف الذين يدخلون على ابن هبيرة: ~~[من المتقارب] # وقامت قريش قريش البطاح ... مع العصب الأول الداخله # يقودهم الفيل والزندبيل ... وذو الضرس والشفة المائله # الفيل والزنذبيل: أبان والحكم، ابنا عبد الملك بن بشر بن مروان، وذو ~~الضرس: خالد بن سلمة المخزومي الخطيب، وهو ذو الشفة، قتل مع يزيد بن عمر ~~ابن هبيرة فيمن قتل. # وقد فصل خلف بن خليفة الفيل من الزندبيل، ولم يفسر. وقد اختلفوا في ذلك، ~~وسنذكره إذا جر سببه إن شاء الله تعالى. ### || [طرائف من اللغات و الاخبار في الفيل] # الفيل، المعروف بهذا ms1055 الاسم. ويقال رجل فيل إذا كان في رأيه فيالة، ~~والفيالة: # PageV07P050 # الخطأ والفساد. ويسمون أيضا الرجل بفيل، منهم فيل مولى زياد وحاجبه، وفي ~~أنهار الفرات بالبصرة نهر يقال له فيل بانان وموضع آخر يقال له فيلان. # وقد يعرض بقدم الإنسان ورم جاس حتى تعظم له قدمه وساقه، وصاحبه لا يبرأ ~~منه، ويسمى ذلك الورم داء الفيل. # ويسمى الرجل بدغفل، وهو ولد الفيل، ولا يسمون بزندبيل. وبعض العرب يقول ~~للذكر من الفيلة فيل وللأنثى فيلة. كما يقولون أسد وأسدة، وذئب وذئبة، ولا ~~يقولون مثل ذلك في ثعلب وضبع، وأمور غير ذلك، إلا أن يكون اسما لإنسان. # وبعث رجل من العرب بديلا مكانه في بعض البعوث، وأنشأ يقول: [من الوافر] # إذا ما اختبت الشقراء ميلا ... فهان علي ما لقي البديل «1» # يشنفها ويحسبها بعيرا ... قليل علمه بالخيل فيل «2» # وأنشدنا الأصمعي «3» : [من الطويل] # يفرون والفيل الجبان كأنه ... أزب خصي نفرته القعاقع # قال سلمة بن عياش: قال لي رؤبة «4» : «ما كنت أحب أن أرى في رأيك فيالة» ~~. # وبالكوفة باب الفيل، وبواسط باب الفيل. # ومنهم فيلويه، وهو أبو حاتم بن فيلويه، وكان أبو مسلم ربى أبا حاتم حتى ~~اكتهل، وهما سقيا أبا مسلم السم حتى عولج بالترياق فأفاق، فقتلهما أبو مسلم ~~بعد ذلك، وكانا على شبيه بدين الخرمية. # ويقولون عنبسة الفيل، وهو النحوي، وهو أحد قدماء النحويين الحذاق. وهو ~~عنبسة بن معدان، وكان معدان يروض فيلا لزياد، فلما أنشد عنبسة بن معدان ~~هجاء جرير للفرزدق قال الفرزدق «5» : [من الطويل] # لقد كان في معدان والفيل زاجر ... لغنبسة الراوي علي القصائدا # PageV07P051 # فلما تناشد الناس بعد ذلك هذا الشعر قال عنبسة: إنما قال الفرزدق: # لقد كان في معدان واللؤم زاجر # فقالوا: إن شيئا فررت منه إلى اللؤم لناهيك به قبحا! فعند ذلك سمي «عنبسة ~~الفيل» «1» . # وغيلان الراجز كان يقال له «غيلان راكب الفيل» كان الحجاج بن يوسف ربما ~~حمله على الفيل «2» . # وسعدويه الطنبوري، وكان يقال له: «سعدويه عين الفيل» «3» . # قال أبو عبيدة: حدثني يونس قال: لما بنى فيل مولى زياد ms1056 داره وحمامه ~~بالسبابجة، عمل طعاما لأصحاب زياد، ودعاهم إلى داره، وأدخلهم حمامه، فلما ~~خرجوا منه غداهم، ثم ركب وغبر في وجوههم، فقال أبو الأسود الدؤلي «4» : [من ~~الوافر] # لعمر أبيك ما حمام كسرى ... على الثلثين من حمام فيل # وقال الجارود بن أبي سبرة: [من الوافر] # وما إرقاصنا خلف الموالي ... كسنتنا على عهد الرسول # وأنشد الأصمعي وغيره «5» : [من الطويل] # خلافا علينا من فيالة رأيه ... كما قيل قبل اليوم خالف فتذكرا # ويقال للرجل إذا عنف عند الرأي يراه: لم تفيل رأيك؟ وقد فال رأي فلان. # وحدثنا عبد الله بن بكر، عن حميد، عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: «لما انتهيت إلى السدرة إذا ورقها أمثال آذان الفيلة، وإذا ~~ثمرها أمثال القلال، فلما غشيها من أمر الله ما غشيها تحولت ياقوتا» «6» . # وقال صاحب الكيمياء في جرير بن يزيد: [من السريع] # مهلا أبا العباس رفقا ولا ... تكن خصيم المعشر الخون # PageV07P052 # هيهات هيهات لما رمته ... أو يولد الفيل من النون # أنت إذا ما عد أهل الحجا ... والحلم كالأحنف في سين «1» ### || 2065- [الفرخ والفروج] # وكل طائر يخرج من البيض وكل ولد يخرج من البيض وإن لم يكن طائرا، فإنما ~~يسمى فرخا، كفرخ الحمام والوزغة والعظاءة والرق والسلحفاء والحكاء، وبنات ~~النقا، وشحمة الأرض، والضب، والحرذون، والورل، والحرباء، إلا ما يخرج من ~~بيض الدجاج فإنه يقال له «فروج» ولا يقال له فرخ، إلا أن الشعراء يتوسعون ~~في ذلك. قال شماخ بن أبي شداد «2» : [من الوافر] # ألا من مبلغ خاقان عنا ... تأمل حين يضربك الشتاء # أتجعل في عيالك من صغير ... ومن شيخ أضر به الفناء # فراخ دجاجة يتبعن ديكا ... يلذن به إذا حمس الوغاء # وقال الآخر «3» : [من الطويل] # أحب إلينا من فراخ دجاجة ... ومن ديك أنباط تنوس غباغبه ### || 2066- [بعض من سمي بالفيل] # وإذا سمى أهل البصرة إنسانا بغيل فأرادوا تصغيره قالوا فيلويه، كما ~~يجعلون عمرا عمرويه، ومحمدا حمدويه. # وكان محمد بن إبراهيم الرافقي الفارس النجيد قتيل نصر بن شبث، مولى بني ~~نصر بن معاوية، له كنيتان: أبو ms1057 الفيل وأبو جعفر، ولم يكن بالجزيرة أفرس من ~~داود بن عيسى، وأبي الفيل وعيسى بن منصور من ساكني الرافقة «4» . ### || 2067- [حمل الفيل وعمره] # وذكر بعض الفيالين أن الفيلة تضع لسبع سنين ولدا مستوي الأسنان، وأنهم # PageV07P053 # يرصدون ذلك الوقت من الوحشية منها، ويحتالون في أخذ الولد، وأن ذلك الولد ~~يعيش في أيديهم ما بين الثمانين سنة إلى المائة، وأن عمر الوحشية أطول «1» ~~. # وأن كل شيء منها اليوم بالعسكر إناث، وأن الموت بالعراق إلى الذكورة ~~أسرع، وأن نابه لا يطول عندنا، وأنهم يعملون من جلودها الترسة «2» أجود من ~~جلود الجواميس، ومن الخيزران، ومن الدرق والحجف «3» التي تتخذ من جلود ~~الإبل، ومن هذه المعقبة المطلية، ومن جميع ما يؤلف من أنواع الخشب والجلود ~~التي قد أطيل إنقاعها في اللبن، ومن كل تبتي وصيني. ### || 2068- [مروج الفيلة] # وذكر أن لها مروجا، وأن المروج أصلح لها من القرى، ومواضعها من الوحش ~~أصلح لها من المروج. ### || 2069- [فهم الفيلة وغيرها من الحيوان] # وذكر رسول لي إلى سائسها أنه قد اتبعها إلى دجلة، وأن بعض الغوغاء صاح ~~بها: يا حجام بابك! وهذا الكلام اليوم ظاهر على ألسنة الجهال، وأن فيلا ~~منها ركله برجله ركلة صك بها الحائط حتى خيف عليه منها، وأنه رأى منها ~~الإنكار لذلك القول، وأن الفيال كان يحثها على الانتقام لما صاح بها. # وإذا عرف الكلب اسمه، وكذلك السنور، وكذلك الشاة والفرس، والطفل والمجنون ~~المصمت الجنون، وعرفت الناقة فصل ما بين حل وجاه، وعرف الحمار الصوت الذي ~~يلتمس به وقوفه، والذي يلتمس به سيره، وعرف الكلب مخاطبة الكلاب، والببغاء ~~مناغاة المكلم له، فجائز أن يكون الفيل بفضل فطنته أن يفهم أضعاف ذلك. فإذا ~~أمروه بضرب إنسان عند ضرب من الكلام استعاد ذلك وأدامه، لم ينكر أن يعرفه ~~على طول الترداد. ### || 2070- [فائدة نجو الفيل ] # قالوا «4» : وإذا احتملت المرأة شيئا من نجو الفيل بعد أن يخلط به شيء من ~~عسل فإنها لا تحبل أبدا. # PageV07P054 # قالوا: ومما يؤكد ذلك أنك لو علقت على شجرة من نجوه شيئا، إن تلك الشجرة ms1058 ~~لا تحمل في تلك السنة. # قالوا: وزواني الهند يفعلن ذلك استبقاء للطراء وللشباب، ولأنها إذا كانت ~~موقوفة على جميع الأجناس من الرجال كانت أسرع إلى الحبل لأنها لا تعدم ~~موافقا لطبعها، وإذا حملت ووضعت مرارا بطلت. # وليس هذا بعجيب، لأنهم يزعمون أن صاحب الحصاة إذا أخذ روث الحمار حين ~~يروثه حارا فعصره وشرب ماءه أنه كثيرا ما يبول تلك الحصاة. وفي ماء روث ~~الحمار أيضا دواء للضرس المأكول «1» . # وقال الأصمعي: سألت بعض «2» الأكلة ممن كان يقدم على ميسرة التراس: # كيف تصنع إذا جهدتك الكظة؟ والعرب تقول: إذا كنت بطينا فعدل نفسك زمنا، ~~فقال: آخذ روث حمار حارا فأعصره وأشرب ماءه فأختلف عنه مرارا، فلا أثبت أن ~~يلحق بطني بصلبي، فأشتهي الطعام. # والمرأة من نسائنا اليوم إذا استحيضت استفت مثقالا من الإثمد، لأنها ~~عندهن إذا فعلت ذلك لم تلد. # وأنا رأيت امرأة قد فعلت ذلك ثم ولدت. # وخرء الكلب إذا كان الجعر أبيض اللون، وكان غذاء الكلب العظام دون اللحم، ~~فهو عجيب لصاحب الذبحة، وكذلك رجيع الإنسان. # وخرء الفار يكون شيافا «3» للصبيان، يحملونه إذا استوكى بطن أحدهم وإن ~~كان من خرء الجرذان وكان عظيما كان الواحد منه هو الشياف. # ويصلح أيضا خرء الفار لداء الثعلب، وهو القرع الذي يعرض لشعر الرأس. # وخرء الحمام الأحمر يصلح، من المبولات للرمل والحصى، يقمح منه وزن درهم ~~مع مثله من الدارصيني. ### || 2071- [شعر في الفيل] # وقال بعض المحدثين «4» : [من السريع] # PageV07P055 # يا لحية طالت على نوكها ... كأنها لحية جبريل # لو كان ما ينصب من مائها ... نهرا إذا طم على النيل # أو كان ما يقطر من دهنها ... كيلا لوفى ألف قنديل # فلو تراها وهي قد سرحت ... حسبتها بندا على فيل «1» # وأنشد أبو عمرو الشيباني لبعض المولدين «2» : [من المنسرح] # إذا تلاقى الفيول وازدحمت ... فكيف حال البعوض في الوسط # وأنشد علي بن محمد: [من المتقارب] # وما الفيل أحمله موقرا ... رصاصا بأثقل من معبد # ولا قرملي عليه الغبيط ... ينوء بعدلين من إثمد «3» # وجاموسة أوقرت زئبقا ... بأثقل منه ولا أنكد # وقال آخر: ms1059 [من السريع] # باب يرى ليس له داخل ... إلا خرا جمع في الزاويه # إن جئت فالفيل على هامتي ... ومثله نيط بأوصاليه # ووصف مرة بن محكان قدرا فقال «4» : [من البسيط] # ترمي الصلاة بنبل غير طائشة ... وفقا إذا آنست من تحتها لهبا «5» # زيافة مثل جوف الفيل مجفرة ... لو يقذف الرأل في حيزومها ذهبا «6» # وقال بعض الأكرياء في امرأة كان حملها: [من الرجز] # بيضاء من رفقة عمران الأصم ... لا ثعل في سنها ولا قصم «7» # PageV07P056 # بهكنة لو تركب الفيل رزم ... كأنها يوم توافي بالحرم «1» # غمامة غراء عن غب رهم «2» # وقال رؤبة بن العجاج «3» : [من الرجز] # إن الردافى والكري الأرقبا ... يكفيك درء الفيل حتى تركبا «4» # ثم قال «5» : [من الرجز] # يشقى بي الغيران حتى أحسبا ... سيدا مغيرا أو لياحا مغربا «6» ### || 2072- [ما ورد كليله و دمنه من الأمثال في شان فيل] # ومما قرأه الناس من الأمثال في شأن الفيل التي وجدوها في كتاب كليلة ~~ودمنة. فمن ذلك قوله «7» : «أفلا ترى أن الكلب يبصبص بذنبه مرارا حتى تلقى ~~له الكسرة، وإن الفيل المغتلم ليعرف قوته وفضله «8» ، فإذا قدم إليه علفه ~~مكرما لم يأكل حتى يمسح ويتملق» «9» . # قال «10» : «وقيل في أعماله ثلاثة «11» لا يستطيعها أحد إلا بمعونة من ~~ارتفاع همة، وعظيم خطر، منها عمل السلطان «12» ، وتجارة البحر، ومناجزة ~~العدو. وقالت العلماء في الرجل الفاضل [الرشيد] «13» : إنه لا ينبغي أن يرى ~~إلا في مكانين، ولا # PageV07P057 # يليق به غيرهما إما مع الملوك مكرما، وإما مع النساك متبتلا، كالفيل إنما ~~بهاؤه وجماله في مكانين: إما في برية وحشيا «1» ، وإما مركبا للملوك» . # قال «2» : «وقد قيل في أشياء ثلاثة فضل ما بينها متفاوت: فضل المقاتل على ~~المقاتل، وفضل الفيل على الفيل، وفضل العالم على العالم» . # وقال في كلام آخر «3» : «فإن لم تنجع الحيلة فهو إذا القدر الذي لا يدفع، ~~فإن القدر هو الذي يسلب الأسد قوته حتى يدخله التابوت، وهو الذي يحمل الرجل ~~الضعيف على ظهر الفيل المغتلم، وهو الذي يسلط الحواء على الحية ذات الحمة ~~فينزع حمتها ويلعب بها. # قال «4» : «ومن لم يرض من ms1060 الدنيا بالكفاف الذي يغنيه، وطمحت عيناه إلى ما ~~فوق ذلك، ولم ينظر إلى ما يتخوف أمامه، كان مثله مثل الذباب الذي ليس يرضى ~~بالشجر والرياحين حتى يطلب الماء الذي يسيل من أذن الفيل المغتلم، فيضربه ~~بأذنه فيهلك» . # وقال «5» : «فأقام الجمل مع الأسد حتى إذا كان ذات يوم توجه الأسد نحو ~~الصيد، فلقيه فيل فقاتله قتالا شديدا، وأفلت الأسد مثقلا يسيل دما، قد جرحه ~~الفيل بأنيابه، فكان لا يستطيع أن يطلب صيدا، فلبث الذئب والغراب وابن آوى ~~أياما لا يجدون ما يعيشون به من فضول الأسد» . # وقال «6» : «وكيف يرجو إخوانك عندك وفاء وكرما وأنت قد صنعت بملكك الذي ~~كرمك وشرفك ما صنعت، بل مثلك في ذلك كما قال التاجر: إن أرضا يأكل جرذانها ~~مائة من من حديد، غير مستنكر أن تخطف بزاتها الفيلة» . # قال «7» : «وقال الجرذ للغراب: أشد العداوة عداوة الجوهر. وعداوة الجوهر # PageV07P058 # عداوتان، منها عداوة متجازية كعداوة الفيل والأسد، فإنه ربما قتل الفيل ~~الأسد، وربما قتل الأسد الفيل، ومنها عداوة إنما ضررها من أحد الجانبين على ~~الآخر كعداوة ما بيني وبين السنور، فإن العداوة بيننا ليست لضر مني عليه، ~~ولكن لضر منه علي» . # وقال «1» : «إن الكريم إذا عثر لم يستعن إلا بالكريم، كالفيل إذا وحل لم ~~يستخرجه إلا الفيلة» . ### || 2073- [ضروب العداوات] # وسنذكر عداوة الشيطان للإنسان، والإنسان للشيطان. وهما عداوتان مختلفتان- ~~وعداوة الله للكافر، وعداوة الكافر لله، وهاتان العداوتان غير تينك، وهما ~~في أنفسهما مختلفتان، وهما والتي قبلها مخالفة لعداوة العقرب للإنسان، ~~وعداوة العقرب مخالفة لعداوة الحية، وعداوة الإنسان لهما مخالفة لعداوة كل ~~منهما للإنسان. وعداوة الذئب والأسد، والأسد والإنسان خلاف عداوة العقرب ~~والحية، وعداوة النمر للأسد والأسد للنمر مخالفة لجميع ما وصفنا. ومسالمة ~~الببر للأسد غير مسالمة الخنفساء والعقرب. وشأن الحيات والوزغ خلاف شأن ~~الخنافس والعقارب. # وعداوة الإنسان خلاف عداوة ذلك كله. وابن عرس أشد عداوة للجرذان من ~~السنور، وعداوة البعير للبعير، والبرذون للبرذون، والحمار للحمار شكل واحد. ~~وعداوة الذئب خلاف ذلك. والشاة أشد فرقا منه منها من الأسد والنمر والببر، ms1061 ~~وهي أقوى عليها من الذئب. وفرق الدجاج من ابن آوى أشد من فرقها من الثعلب، ~~والحمام أشد فرقا من الشاهين منه من الصقر والبازي. ### || 2074- [عداوات الناس] # وأسباب عداوات الناس ضروب: منها المشاكلة في الصناعة، ومنها التقارب في ~~الجوار، ومنها التقارب في النسب، والكثرة من أسباب التقاطع في العشيرة ~~والقبيلة، والساكن عدو للمسكن، والفقير عدو للغني وكذلك الماشي والراكب، ~~وكذلك الفحل والخصي، و «بغضاء السوق موصولة بالملوك» ، وكذلك [المعتق عن ~~دبر] «2» ، والموصى له بالمال الرغيب، وكذلك الوارث والموروث، ولجميع هذا ~~تفسير ولكنه يطول. # PageV07P059 ### || 2075- [عداوات الحيوان] # وذكر صاحب المنطق عداوة الغراب للحمار، والنحويون ينشدون في ذلك قول ~~الشاعر «1» : [من الرجز] # عاديتنا لا زلت في تباب ... عداوة الحمار للغراب # ولا أدري من أين وقع هذا إليهم. # وذكر أيضا عداوة البوم للغراب. وكذلك عصفور الشوك للحمار «2» ، وفي هذا ~~كلام كثير قد ذكرنا بعضه في أول كتابنا هذا من الحيوان. ### || 2076- [نصوص من كليلة ودمنة] # ثم رجعنا إلى الإخبار عن الأمثال. # قال» # : وأكيس الأقوام من لا يلتمس الأمر بالقتال ما وجد عن القتال مذهبا؛ فإن ~~القتال إنما النفقة فيه من الأنفس، وسائر الأشياء إنما النفقة فيها من ~~الأموال. فلا يكونن قتال البوم من رأيك، فإن من يراكل «4» الفيل يراكل ~~الحين. # قال «5» : فأجابه الجرذ فقال: إنه رب عداوة باطنة ظاهرها صداقة، وهي أشد ~~ضررا من العداوة الظاهرة، ومن لم يحترس منها وقع موقع الرجل الذي يركب ناب ~~الفيل المغتلم ثم يغلبه النعاس «6» . # قال «7» : واعلم أن كثيرا من العدو لا يستطاع بالشدة والمكابرة حتى يصاد ~~بالرفق والملاينة، كما يصاد الفيل الوحشي بالفيل الأهلي. # وقال «8» : إن العشب كما رأيت في اللين والضعف، وقد يجمع منه الكثير ~~فيصنع منه الحبل القوي الذي يوثق به الفيل المغتلم. # PageV07P060 # قال «1» : وقالوا: نريد أحب بنيك إليك، وأكرمهم عليك، ونريد كال الكاتب ~~صاحب سرك، والسيف الذي لا يوجد مثله، والفيل الأبيض الذي لا تلحقه الخيل ~~الذي هو مركبك في القتال. ونريد الفيلين العظيمين اللذين يكونان مع الفيل ~~الذكر. ### || 2077- [الفيلة في الحروب] # وقد سمعنا في هذا ms1062 الحديث والإخبار عن أيام القادسية ويوم جسر مهران، وقس ~~الناطف، وجلولاء، ويوم نهاوند، بالفيل الأبقع، والفيل الأسود، والفيل ~~الأبيض، والناس لم يروا بالعراق فيلا أوبر، ولا فيلا أشعر. ### || 2078- [الفيلة المستأنسة] # والفيلة التي كانت مع الفرس، حكمها حكم الفيلة التي كانت عند أمير ~~المؤمنين المنصور، وعند سائر الخلفاء من بعده، وكلها جرد مغضبة، ولم نلق ~~أحدا رآها وحشية قبل أن تصير في القرى والمواضع التي يذكرها. ### || 2079- [تبدل حال الحيوان إذا أخرج من موطنه] # وقد علمنا أن الطائر الصيود من الجوارح، لو أقام في بلاده مائة عام لم ~~يحدث لمنسره زوائد، وعير العانة إذا أقام في غير بلاده احتاج إلى الأخذ من ~~حافره، وإلى أن يختلف به إلى البيطار، والطائر الوحشي من هذه المغنيات ~~والنوائح، لو أقام عندنا دهرا طويلا لم يصوت إذا أخذناه وقد كرز «2» . ~~وكذلك المزاوجة والتعشيش والتفريخ. ### || 2080- [التكاثر بالفيلة] # قال: وكل ملك كان يصل إلى أن تكون عنده فيلة فإنه كان لا يدع الاستكثار ~~منها والتجمل بها، والتهويل بمكانها عنده، ولا يدع ركوبها في الحروب، وفي ~~الأعياد، وفي يوم الزينة. ### || 2081- [الفيل في الشعر] # وقد كانت عند حمير والتبابعة والمقاول والعباهلة من ملوكهم، وأبي اليكسوم ~~من ملوك الحبشة، وعند ملوك سبأ، مقربة مكرمة. يدل على ذلك الأشعار ~~المعروفة، # PageV07P061 # والأخبار الصحيحة. ألا ترى أن الأعشى ذكر مأرب وملوك سبأ وسيل العرم، ~~فقال «1» : # [من المتقارب] # ففي ذاك للمؤتسي أسوة ... ومأرب عفى عليها العرم # رخام بنته له حمير ... إذا جاء ماؤهم لم يرم «2» # فأروى الحروث وأعنابها ... على ساعة ماؤهم قد قسم # وطار الفيول وفيالها ... بتيهاء فيها سراب يطم «3» # وكان الأقيبل القيني مع الحجاج يقاتل ابن الزبير، فلما رأى البيت يرمى ~~بالمنجنيق أنشأ يقول «4» : [من الطويل] # ولم أر جيشا غر بالحج قبلنا ... ولم أر جيشا مثلنا كلهم خرس # دلفنا لبيت الله نرمي ستوره ... بأحجارنا نهب الولائد للعرس # دلفنا لهم يوم الثلاثاء من منى ... بجيش كصدر الفيل ليس له رأس # فلما فزع وعاذ بقبر مروان، وكتب له عبد الملك كتابا إلى الحجاج يخبره ~~فيه، وفوض ms1063 الأمر إليه، قال «5» : [من البسيط] # وقد علمت لو ان العلم ينفعني ... أن انطلاقي إلى الحجاج تغرير # مستحقبا صحفا تدمى طوابعها ... وفي الصحائف حيات مناكير # لئن رحلت إلى الحجاج معتذرا ... إني لأحمق من تخدي به العير ### || 2082- [لسان الفيل] # وكل حيوان في الأرض ذو لسان فأصل لسانه إلى داخل، وطرفه إلى خارج؛ إلا ~~الفيل، فإن طرف لسانه إلى داخل، وأصله إلى خارج «6» . # وتقول الهند: إن # لسان الفيل # مقلوب، ولولا أنه مقلوب ثم لقن الكلام لتكلم. # PageV07P062 ### || 2083- [بعض خصائص الحيوان] # وكل سمك يكون في الماء العذب فإن له لسانا ودماغا، إلا ما كان منها في ~~الماء الملح، فإنه ليس لسمك البحر لسان ولا دماغ «1» . # وكل شيء يأكل بالمضغ دون الابتلاع فإنه إنما يحرك فكه الأسفل، إلا ~~التمساح فإنه إنما يحرك فكه الأعلى «2» . # وكل ذي عين من ذوات الأربع من السباع والبهائم الوحشية والأهلية، فإنما ~~الأشفار لجفونها الأعالي إلا الإنسان، فإن الأشفار للأعالي والأسافل. # وكل حيوان ذي صدر فإنه ضيق الصدر، إلا الإنسان فإنه واسع الصدر وليس لشيء ~~من ذكورة جميع الحيوان وإناثها ثدي في صدره إلا الإنسان والفيل «3» . وقال ~~ابن مقبل «4» : [من البسيط] # وليلة مثل ظهر الفيل غيرها ... طلس النجوم إذا اغبر الدياميم «5» ### || 2084- [ضخم الفيل وظرفه] # والفيل أضخم الحيوان وهو مع ضخمه أملح وأظرف وأحكى وهو يفوق في ذلك كل ~~خفيف الجسم، رشيق الطبيعة. # وإنما الحكاية من جميع الحيوان في الكلب والقرد والدب والشاة المكية. # وليس عند الببغاء إلا حكاية صور الأصوات، فصار مع غلظه وضخمه وفخامته ~~أرشق مذهبا، وأدق ظرفا، وأظهر طربا. وهذا من أعجب العجب. وما ظنكم بعظم خلق ~~ربما كان في نابيه أكثر من ثلاثمائة من «6» . ### || 2085- [أعظم الحيوان في قول المتعصبين على الفيل] # فقال من يعارضهم: قد أجمعوا على أن أعظم الحيوان خلقا السمكة والسرطان. # PageV07P063 # وحكوا عن عظم بعض الحيات، حتى ألحقوه بهما، وأكثروا في تعظيم شأن التنين؛ ~~فليس لكم أن تدعوا للفيل ما ادعيتم. ### || 2086- [رد صاحب الفيل على خصمه] # قال صاحب الهند والمعبر عن خصال الفيل «1» : أما الفيل وعلو سمكه، ms1064 وعظم ~~جفرته، واتساع صهوته، وطول خرطومه، وسعة أذنه، وكبر غرموله، مع خفة وطئه، ~~وطول عمره، وثقل حمله، وقلة اكتراثه لما وضع على ظهره، فقد عاين ذلك من ~~الجماعات من لا يستطيع الرد عليها إلا جاهل أو معاند. وأما ما ادعيتم من ~~عظم الحية وأنا متى مسحنا طولها وثخنها، وأخذنا وزنها كانت أكثر من الفيل، ~~فإنا لم نسمع هذا إلا في أحاديث الرقائين، وأكاذيب الحوائين، وتزيد ~~البحريين. # وأما التنين فإنما سبيل الإيمان به سبيل الإيمان بعنقاء مغرب. وما رأيت ~~مجلسا قط جرى فيه ذكر التنين إلا وهم ينكرونه ويكذبون المخبر عنه، إلا أنا ~~في الفرط ربما رأينا بعض الشاميين يزعم أن التنين إعصار فيه نار يخرج من ~~قبل البحر في بعض الزمان، فلا يمر بشيء إلا أحرقه، فسمى ذلك ناس «التنين» ، ~~ثم جعلوه في صورة حية. # وأما السرطان فلم نر أحدا قط ذكر أنه عاينه، فإن كنا إلى قول بعض ~~البحريين نرجع، فقد زعم هؤلاء أنهم ربما قربوا إلى بعض جزائر البحر، وفيها ~~الغياض والأودية واللخاقيق «2» ، وأنهم في بعض ذلك أوقدوا نارا عظيمة، فلما ~~وصلت إلى ظهر السرطان هاج بهم وبكل ما عليه من النبات، حتى لم ينج منهم إلا ~~الشريد. # وهذا الحديث قد طم على الخرافات والترهات «3» وحديث الخلوة. # وأما السمك فلعمري إن السمكة التي يقال لها «البال» لفاحشة العظم. وقد ~~عاينوا ذلك عيانا، وقتلوه يقينا. ولكن أحسبوا أن الشأن في البال على ما ~~ذكرتم، فهل علمتم أن فيه من الحس والمعرفة، واللقن والحكاية، والطرب وحسن ~~المواتاة وشدة القتال، والتمهد تحت الملوك، وغير ذلك من الخصال، كما وجدنا ~~ذلك وأكثر منه في الفيل. # PageV07P064 # وهل رغبت في صيده الملوك واحتالت له التجار، أو تمنى الظفر بأجزائه بعض ~~الأطباء. وهل يصلح لدواء أو غذاء أو لبس، إنما غاية البحريين أن يسلموا من ~~عبثه إن هجموا عليه نائما أو غافلا، حتى ينفر ويفزع وينبه بقرع العصا، ~~واصطكاك الخشب. # وإنما قدمنا خصال الفيل على خصال الحيوان الذي في كفه ومنقاره الصنعة ~~العجيبة، أو يكون ms1065 فيه من طريف المعرفة، وغريب الحس، وثقوب البصر، أو بعض ما ~~فيه من الجمال والحسن، ومن التفاريج ومن التحاسين، والوشي والتلاوين، ~~بالتأليف العجيب، والتنضيد الغريب، أو بعض ما في حنجرته من الأصوات ~~الملحنة، والمخارج الموزونة، والأغاني الداخلة في الإيقاع، الخارجة من سبيل ~~الخطأ، مما يجمع الطرب والشجا، ومما يفوق النوائح ويروق كل مغن، حتى يضرب ~~بحسن تخريجه وصفاء صوته وشجا مخرجه المثل، حتى يشبه به صوت المزمار والوتر. # وأما بعض ما يعرف بالمكر والحيل، والكيس والروغان، وبالفطنة وبالخديعة، ~~والرفق والتكسب، والعلم بما يعيشه والحذر مما يعطبه، وتأتيه لذلك وحذقه به؛ ~~وأما بعض ما يكون في طريق الثقافة يوم الثقافة والبصر بالمشاولة «1» ، ~~والصبر على المطاولة، والعزم والروغان، والكر والجولان، ووضع تلك التدابير ~~في مواضعها حتى لا ترد له طعنة ولا تخطئ له وثبة، وأما بعض ما يعرف بالنظر ~~في العاقبة وبإحكام شأن المعيشة والأخذ لنفسه بالثقة، وبالتقدم في حال ~~المهلة والادخار ليوم الحاجة، والأجناس التي تدخر لأنفسها ليوم العجز عن ~~الطلب والتكسب- فمثل الذرة، والنملة، والجرذ والفأرة، وكنحو العنكبوت ~~والنحل. # فإذا كان ليس للفيل إلا عظمه وإن كان العظم قد يدخل في باب من أبواب ~~المفاخرة، فلا ينبغي لأحد أن يناهد «2» به الأبدان التي لها الخصال ~~الشريفة، ويناضل به ذوات المفاخر العظيمة. فما ظنك ببدن قد جمع مع العظم من ~~الخصال الشريفة ما يفني الطوامير الكثيرة، ويستغرق الأجلاد الواسعة. وقد ~~علمت أن من جهل هذه السمكة بما يعيشها ويصلحها أنها شديدة الطلب والشهوة ~~لأكل العنبر. والعنبر أقتل للبال من الدفلى للدواب، فإذا أصابوه ميتا ~~استخرجوا من جوفه عنبرا كثيرا فاسدا. # وما فيه من النفع إلا أن دهنه يصلح لتمرين سفن البحريين. # PageV07P065 ### || 2087- [تعصب غانم الهندي على الفيل] # فسمعني غانم العبد يوما وأنا أحكي هذا الكلام، وكان من أموق «1» الناس ~~وأرقعهم رقاعة، مع تيه شديد وعجب ورضا عن نفسه، وسخط على الناس. فمن حمقه ~~أنه هندي وهو يتعصب على الفيل، فقال لي: ما تقول الهند في الحوت الذي يحمل ~~الأرض، أليس أعم نفعا وأعلى ms1066 أمرا؟ قلت له: يا هالك، إن مدار هذا الكلام ~~إنما يقع على الأقسام الأربعة من بين جميع الحيوان المذكورة في الماء وفي ~~الأرض وفي الهواء، كالذي ينساح من أجناس الحيات والديدان، وكالذي يمشي من ~~الدواب والناس، وكالذي يطير من أحرار الطير وبغاثها وخشاشها وهمجها، وكالذي ~~يعوم كالسمك وكل ما يعايش السمك. # فأما الحوت الذي تكون الأرض على ظهره فقد علمنا أن في الملائكة من هو ~~أعظم من هذا الحوت مرارا. ولولا مكان من قد حضرنا لكان ممن لا يستأهل ~~الجواب، وهذا مقدار معرفته. ### || 2088- [قوة الفيل] # قالوا «2» : والفيل أقوى من جميع الحيوان إن حمل الأثقال. ومن قوة عظمه ~~وعصبه أنه يمر خلف القاعد مع عظم بدنه، فلا يشعر بوطئه، ولا يحس بممره ~~لاحتمال بعض بدنه لبعض. وهذه أعجوبة أخرى. ### || 2089- [طول مدة حمل الفيلة] # وليس في حوامل إناث الحيوان أطول مدة حبل من الفيل. والكر كدن، فإنه ~~مذكور في هذا الباب، والفيل يزيد عليه في قول بعضهم «3» . # فأما الهند ففتنتهم بالكر كدن أشد من فتنتهم بالفيل. # فأما ما كان دون ذلك من أجناس الحيوان فأطولها حملا الحافر والخف، ولا ~~يزيدان على السنة إلا أن تسحب الأنثى وتجر أياما. فأما الظلف فعلى ضربين، ~~فما كان منها من البقر فإن مدة حملها وحمل النساء تسعة أشهر، وما كان من ~~الغنم فإن حملها خمسة أشهر. # وقد ذكرنا حال أجناس الحيوان في ذلك فيما سلف من كتابنا هذا. # PageV07P066 ### || 2090- [صولة الفيل] # قالوا: والفيلة هولها في العين، فاحذر أن تتخذ ظهورها كالمناظر والمسالح ~~والأرصاد. # وللفيل قتال وضرب بخرطومه، وخبط بقوائمه. وكانت الأكاسرة ربما قتلت الرجل ~~بوطء الفيلة، وكانت قد دربت على ذلك وعلمته، فإذا ألقوا إليها الرجل تركت ~~العلف وقصدت نحوه فداسته. ولذلك أنشد العباس بن يعقوب العامري، لناهض بن ~~ثومة العامري قوله: [من الطويل] # أنا الشاعر الخطار من دون عامر ... وذو الضغم إذ بعض المحامين ناهش # بخبط كخبط الفيل حتى تركته ... أميما به مستدميات مقارش «1» # وأنشد الأصمعي وأبو عمرو لتميم بن مقبل «2» : [من الطويل] # بني عامر ما ms1067 تأمرون بشاعر ... تخير آيات الكتاب هجائيا # أأعفو كما يعفو الكريم فإنني ... أرى الشعب فيما بيننا متدانيا # أم اخبط خبط الفيل هامة رأسه ... بجرد فلا أبقي من الرأس باقيا «3» ### || 2091- [بعض من رمي تحت أرجل الفيلة] # وكانت الأكاسرة- وهي الكسور «4» - تؤدبها وتعودها وطء الناس وخبطهم إذا ~~ألقي تحت قوائمها بعض أهل الجنايات، فكان ممن رمي به تحت أرجل الفيلة ~~النعمان بن المنذر. وقال في ذلك الشاعر: [من الخفيف] # إن ذا التاج لا أبا لك أضحى ... وذرى بيته بجوز الفيول # إن كسرى عدا على الملك النعمان حتى سقاه أم البليل» ### || 2092- [كتاب ملك الصين] # وذكر الهيثم بن عدي، عن أبي يعقوب الثقفي، عن عبد الملك بن عمير قال: # PageV07P067 # رأيت في ديوان معاوية بعد موته كتابا من ملك الصين فيه: «من ملك الصين ~~الذي على مربطه ألف فيل، وبنيت داره بلبن الذهب والفضة، والذي تخدمه بنات ~~ألف ملك، والذي له نهران يسقيان الألوة «1» . إلى معاوية» . # قالوا: ولما أراد كسرى قتل زيوشت المغني، لقتله فهلبذ المغني، وأمر أن ~~يرمى به تحت الفيلة وقال: قتلت أحسن الناس غناء، وأجودهم إمتاعا للملك؛ ~~حسدا له. فلما سحبوه نحو الفيلة التفت إلى كسرى وقال: إذا قتلت زيوشت ~~المغني، وقد قتل زيوشت فهلبذ فمن يطربك؟ فقال كسرى: المدة التي بقيت لك هي ~~التي أنطقتك، خلوا سبيله. ### || 2093- [تأديب الهند الفيلة] # وقال صفوان بن صفوان الأنصاري، وكان عند داود بن يزيد بالمولتان: الهند ~~تؤدب الفيلة بأنواع من التأديب، وبضروب من التقويم، فمنها آداب الحروب، حتى ~~ربما ربطوا السيف الهذام «2» الرغيب، الشديد المتن، الحديد الغرب، التام ~~الطول، الطويل السيلان «3» ، في طرف خرطوم الفيل، وعلموه كيف يضرب به قدما، ~~يمينا وشمالا، وكيف يرفعه بخرطومه حتى يكون فوق رؤوس الفيالين القعود على ~~ظهره. ### || 2094- [شعر هارون في الفيل] # قال «4» : وأنشدني هارون بن فلان «5» المولى، مولى الأزد «6» ، قصيدته ~~التي ذكر فيها خروجه في الحرب إلى فيل في هذه الصفة، فمشى إليه، فلما كان ~~حيث يناله السيف وثب وثبة أعجله بها عن الضربة، ولصق بصدر الفيل، وتعلق ~~بأصول نابيه- وهما عندهم ms1068 قرناه- فجال به الفيل جولة كاد يحطمه من شدة ما ~~جال به، وكان رجلا شديد الخلق، رابط الجأش. قال: فاعتمدت وأنا في تلك ~~الحال- وأصول الأنياب جوف- فانقلعا من أصلهما، وأدبر الفيل، وصار القرنان ~~في يدي، وكانت الهزيمة وغنم المسلمون غنائم كثيرة. وقلت في ذلك: [من ~~الطويل] # PageV07P068 # مشيت إليه وادعا متمهلا ... وقد وصلوا خرطومه بحسام # فقلت لنفسي: إنه الفيل ضارب ... بأبيض من ماء الحديد هذام «1» # فإن تنكلي عنه فعذرك واضح ... لدى كل منخوب الفؤاد عبام «2» # وعند شجاع القوم أكلف فاحم ... كظلمة ليل جللت بقتام # [ولما رأيت السيف في رأس هضبة ... كما لاح برق من خلال غمام] «3» # فناهشته حتى لصقت بصدره ... فلما هوى لازمت أي لزام # وعذت بقرنيه أريد لبانه ... وذلك من عادات كل محامي # فجال وهجيراه صوت مخضرم ... وأبت بقرني يذبل وشمام «4» # وقال هارون: [من الطويل] # ولما أتاني أنهم يعقدونه ... بقائم سيف فاضل الطول والعرض # مررت ولم أحفل بذلك منهم ... إذا كان أنف الفيل في عفر الأرض # وحين رأيت السيف يهتز قائما ... ويلمع لمع الصبح بالبلد المفضي «5» # وصار كمخراق بكف حزور ... يصرفه في الرفع طورا وفي الخفض «6» # فأقبل يفري كل شيء سما له ... وصرت كأني فوق مزلقة دحض «7» # وأهوي لجاري فاغتنمت ذهوله ... فلاذ بقرنيه أخو ثقة محض # فجال وجال القرن في كف ماجد ... كثير مراس الحرب مجتنب الخفض # فطاح وولى هاربا لا يهيده ... رطانة هندي برفع ولا خفض «8» # PageV07P069 ### || 2095- [نابا الفيل] # والهند تزعم أن نابي الفيل يخرجان مستبطنين حتى يخرقا الحنك ويخرجا ~~أعقفين «1» ، وإنما يجعلهما نابين من لا يفهم الأمور. قالوا: والدليل على ~~ذلك أن لهما أصلين في موضع مخارج القرون، يوجد ذلك عند سلخ جلده، ولأن ~~القرن لا يكون إلا مصمت الأعلى مجوف الأسفل وكذلك صفة هذا الذي يسميه من لا ~~علم له نابا. ومع ذلك إنا لا نجد الفيل يعض كعض الأسد للأكل، ولا كعض الجمل ~~الصؤول للقتل، ولا كعض الأفعى لإخراج السم، ولا تراه يصنع به ويستعمله إلا ~~على شبيه بما تستعمله ذوات القرن عند القتال والغضب. # فقال لهم بعض من ms1069 يرد عليهم: أما قولكم إن القرن لا يكون إلا مجوف الأصل، ~~فهذا قرن الأيل مصمت من أوله إلى آخره، وهو ينصل في كل سنة، فإذا نبت حديثا ~~لم يظهر حتى يستحكم في يبسه وصلابته. وإذا علم أنه قد بلغ ذلك ظهر. وأكثر ~~القرون الجوف يكون في أجوافها قرون، وليس ذلك لقرن الفيل. # قالوا: ولم نجد هذا القرن في لون القرون، ووجدناه بسائر أسنانه وأضراسه ~~أشبه، للبياض واليبس. وليس كذلك صفة القرون. # وتقول الهند: فم الأيل صغير، وهو أفقم، ولا يجوز أن يكون مثل ذلك اللحي ~~والفك ينبت فيه ومنه نابان يكون فيهما ثلاثمائة من «2» . وقد رأيت قرونا ~~كثيرة الأجناس، بيضا، وبرشا، وصهبا. وهذه أيضا من أعاجيب الفيل. # وقرن الكركدن أغلظ من مقدار ذراع، وليس طوله على قدر غلظه، وهو أصلب ~~وأكرم من قرني الفيل. ### || 2096- [حجم أعضاء التناسل لدى الحيوان] # ويقال: إن أكبر أيور الحيوان أير الفيل، وأصغرها قضيب الظبي «3» . وقضيب ~~البط لا يذكر مع هذه الأشكال، وليس شيء على قدره ومقدار جسمه أعظم أيرا من ~~البغل. # وقد علمنا أن للضب أيرين، وكذلك الحرذون والسقنقور، وعرفنا مقدار ذلك، ~~ولكنه لا يدخل في هذا الباب لضعف لا يخفى. # PageV07P070 ### || 2097- [خرطوم الفيل] # ولو لم يكن من أعاجيب الفيل إلا خرطومه الذي هو أنفه وهو يده، وبه يوصل ~~الطعام والشراب إلى جوفه، وهو شيء بين الغضروف واللحم والعصب، وبه يقاتل ~~ويضرب، ومنه يصيح، وليس صياحه في مقدار جرم بدنه. ويضرب به الأرض ويرفعه في ~~السماء ويصرفه كيف شاء، وهو مقتل من مقاتله. والهند تربط في طرفه سيفا شديد ~~المتن فيقاتل به، مع ما في ذلك من التهويل على من عاينه «1» . ### || 2098- [سباحة الفيل والجاموس والبعير] # وهو مع عظم بدنه جيد السباحة إلا أنه يخرج خرطومه ويرفعه في الهواء صعدا ~~لأنه أنفه. ألا ترى أن الجاموس يغيب جميع بدنه في الماء إلا منخريه. # والبعير قبيح السباحة: لأنه لا يسبح إلا على جنبه فهو في ذلك بطيء ثقيل. # والبعير مما يخاير «2» بينه وبين الفيل، فلذلك ذكرناه. ### || 2099- [ما يغرق ms1070 من الحيوان] # وقد علمنا أن الإنسان يغرق في الماء ما لم يتعلم السباحة. فأما الفرس ~~الأعسر والقرد فإنهما يغرقان البتة، والعقرب تقوم وسط الماء لا طافية ولا ~~لازقة بالأرض. ### || 2100- [أشراف السباع وساداتها] # وأشراف السباع وساداتها وكبارها ورؤساؤها ثلاثة: الكركدن والفيل ~~والجاموس. قال: ولعل بعض من اعتاد الاعتراض على الكتب يقول: وأين الخيل ~~والإبل، وفيها من خصال الشرف والمنافع والغناء في السفر والحضر، وفي الحرب ~~والسلم، وفي الزينة والبهاء، وفي العدة والعتاد، ما ليس عند الكركدن ولا ~~عند الفيل ولا عند الجاموس. # قال القوم: ليس إلى هذا الباب ذهبنا، ولا إليه قصدنا، ولا ذلك الباب مما ~~يجوز أن ندخله في هذا الباب. ولكنا ذهبنا إلى المحاماة والدفع عن الأنفس ~~والقتال دون الأولاد، وإلى الامتناع من الأضداد بالحيلة اللطيفة، وبالبطش ~~الشديد، وليس عند الخيل والإبل إذا صافت الأسد والنمور والببور، ما عند ~~الجاموس والفيل. فأما الكركدن فإن كل شيء من الحيوان يقصر عن غايته التقصير ~~الفاحش. # PageV07P071 ### || 2101- [إنكار الكركدن و العنقاء] # والعنقاء] # وما أكثر من ينكر أن يكون في الدنيا حيوان يسمى الكركدن، ويزعمون أن هذا ~~وعنقاء مغرب سواء، وإن كانوا يرون صورة العنقاء مصورة في بسط الملوك، ~~واسمها عندهم بالفارسية «سيمرك» كأنه قال: هو وحده ثلاثون طائرا، لأن قولهم ~~بالفارسية «سي» هو ثلاثون بالعربية، ومرغ بالفارسية هو الطائر بالعربية. ~~والعرب إذا أخبرت عن هلاك شيء وبطلانه قالت: «حلقت به في الجو عنقاء مغرب» ~~«1» . وفي بعض الحديث: «أن بعض الأمم سألوا نبيهم وقالوا: لن نؤمن لك حتى ~~تفعل كذا وتفعل كذا، أو تلقي في فم العنقاء اللجام، وترد اليوم أمس» . ### || 2102- [شعر في العنقاء] # قال أبو السري الشميطي، وهو معدان المكفوف المديبري «2» : [من الخفيف] # يا سمي النبي والصادق الوع ... د وجد الصبي ذي الخلخال # صاحب التومة التي لم يشنها ... بعد حرس مثاقب اللآل «3» # مهدته العنقاء وهي عقيم ... رب مهد يكون فوق الهلال # يوم تصغي له النعامة والأحنا ... ش طرا لشدة الزلزال «4» # فأهل هذه النحلة يثبتون العنقاء، ويزعمون أنها عقيم. # وقال زرارة بن أعين، مولى ms1071 بني أسعد بن همام، وهو رئيس الشميطية وذكر هذا ~~الصبي الذي تكفله العنقاء، فقال: [من الطويل] # وأول ما يحيا نعاج وأكبش ... ولو شاء أحيا ربها وهو مذنب # ولكنه ساعى بأم وجدة ... وقال سيكفيني الشقيق المقرب # وآخر برهاناته قلب يومكم ... وإلجامه العنقاء في العين أعجب # يصيف بساباط ويشتو بآمد ... وذلك سر لو علمناه معجب # أماع له الكبريت والبحر جامد ... وملكه الأبراج والشمس تجنب «5» # PageV07P072 # فيومئذ قامت شماط بقدرها ... وقام عسيب القفر يثني ويخطب # وقام صبي دردق في قماطه ... عليهم بأصناف اللسانين معرب «1» # فثبت زرارة بن أعين قول أبي السري في العنقاء، وزادنا تثبيت الكبريت ~~الأحمر ولا أعلم في الأرض قوما يثبتون العنقاء على الحقيقة غيرهم. ### || 2103- [الكركدن] # قال: والذي يثبت أن داود النبي صلى الله عليه وسلم ذكره في الزبور حتى سماه. # وقد ذكره صاحب المنطق (في كتاب الحيوان) إلا أنه سماه بالحمار الهندي، ~~وجعل له قرنا واحدا في وسط جبهته. وكذلك أجمع عليه أهل الهند كبيرهم ~~وصغيرهم. # وإنما صار الشك يعرض في أمره من قبل أن الأنثى منها تكون نزورا «2» ، ~~وأيام حملها ليست بأقل من أيام حمل الفيلة «3» فلذلك قل عدد هذا الجنس. # وتزعم الهند أن الكركدن إذا كانت ببلاد، لم يرع شيء من الحيوان شيئا من ~~أكناف تلك البلاد، حتى يكون بينه وبينها مائة فرسخ من جميع جهات الأرض؛ ~~هيبة له، وخضوعا له، وهربا منه. # وقد قالوا في ولدها وهو في بطنها قولا لولا أنه ظاهر على ألسنة الهند ~~لكان أكثر الناس، بل كثير من العلماء، يدخلونه في باب الخرافة وذلك أنهم ~~يزعمون أن أيام حملها إذا كادت أن تتم، وإذا نضجت وسحبت وجرت وجرى وقت ~~الولادة، فربما أخرج الولد رأسه من ظبيتها «4» فأكل من أطراف الشجر، فإذا ~~شبع أدخل رأسه، حتى إذا تمت أيامه وضاق به مكانه وأنكرته الرحم، وضعته ~~مطيقا قويا على الكسب والحضر والدفع عن نفسه، بل لا يعرض له شيء من الحيوان ~~والسباع. ### || 2104- [ولد الفيل] # وقد زعم صاحب المنطق أن # ولد الفيل # يخرج من بطن أمه نابت ms1072 الأسنان، لطول لبثه في بطنها. # PageV07P073 # وهذا جائز في ولد الفيل غير منكر، لأن جماعة نساء معروفات الآباء ~~والأبناء، قد ولدن أولادهن ولهم أسنان نابتة. كالذي رووا في شأن مالك بن ~~أنس، ومحمد بن عجلان وغيرهما. ### || 2105- [أعاجيب الولادة] # وقد زعم ناس من أهل البصرة أن خاقان بن عبد الله بن الأهتم استوفى في بطن ~~أمه ثلاثة عشر شهرا، وقد مدح بذلك وهجي، وليس هذا بالمستنكر، وإن كنت لم أر ~~قط قابلة تقر بشيء من هذا الباب وكذلك الأطباء. وقد رووه كما علمت، ولكن ~~العجب كل العجب ما ذكروا من إخراج ولد الكركدن رأسه واعتلافه، ثم إدخاله ~~رأسه بعد الشبع والبطنة. ولا بد- أكرمك الله- لما أكل من نجو فإن كان بقي ~~ذلك الولد يأكل ولا يروث فهذا عجب، وإن كان يروث في جوفها فهذا أعجب. # وإنما جعلناه يروث حيث سموه حمارا، وهذا مما ينبغي لنا أن نذكره في خصال ~~الحمير إذا بلغنا ذلك الباب. # ولا أقر أن الولد يخرج رأسه من فرج أمه حتى يأكل شبعه، ثم يدخل رأسه من ~~فرج أمه، ولست أراه محالا ولا ممتنعا في القدرة، ولا ممتنعا في الطبيعة، ~~وأرى جوازه موهوما غير مستحيل، إلا أن قلبي ليس يقبله، وليس في كونه ظلم ~~ولا عبث ولا خطأ ولا تقصير في شيء من الصفات المحمودة، ولم نجد القرآن ~~ينكره، ولا الإجماع يدفعه، والله هو القادر دون خلقه، ولست أبت بإنكاره وإن ~~كان قلبي شديد الميل إلى رده، وهذا مما لا يعلمه الناس بالقياس، ولا ~~يعرفونه إلا بالعيان الظاهر، والخبر المتظاهر. ### || 2106- [عجيبة الدساس] # وليس الخبر عنه مثل الخبر عن الدساس التي تلد ولا تبيض. وإنما أنكر ذلك ~~ناس لأن الدساس ليس بأشرف كالخفاش، بل هو من الممسوح «1» كسائر الطير. # وكاللواتي يبضن من ذوات الأربع من المائيات والأرضيات. ### || 2107- [عجائب الدلفين واللخم والكوسج] # وليس الخبر عن الكركدن أيضا كالخبر عن الدلفين أنها تلد وعن اللخم مثل ~~ذلك، وأن الكوسج يتولد من بين اللخم وسمكة أخرى، وهذا كله غير مستحيل، إلا # PageV07P074 # أني لا أجعل ms1073 الشيء الجائز كونه كالشيء الذي تثبته الأدلة ويخرجه البرهان ~~من باب الإنكار. والواجب في مثل هذا الوقف، وإن كان القلب إلى نقض ذلك ~~أميل. # والميل أيضا يكون في طبقات، وكذلك الظن قد يكون داخلا في باب الإيجاب، ~~وربما قصر عن ذلك شيئا. ### || 2108- [زعم ولادة السمك] # وقد زعم ناس من أهل العلم أن السمك كله يلد، وأنهم إنما سموا ذلك الحب ~~بيضا على التشبيه والتمثيل، لأنه لا قشر له هناك ولا مح ولا بياض، ولا غرقئ ~~«1» ؛ وأن السمكة لا تخرج أبدا إلا فارغة البطن أو محشوة، ولم نر الحب الذي ~~بقرب مبالها أعظم، ولم نرها ألقت إحدى تلك الطوامير «2» وبقت الأخرى. وإنما ~~غلط في ذلك ناس من قبل ضيق السبيل والمسلك، فظنوا أن خرق المبال يضيق عن ~~عظم ذلك الجسم العظيم المجتمع من الحب الصغار. قالوا: فإنما تخرج تلك ~~الطوامير واحدا فواحدا، وأولا فأولا. ### || 2109- [عجائب الولادة] # وما ذلك بأعجب ولا أضيق من حياء الناقة والسقب والحائل يخرجان منه خروجا ~~سلسا إذا أذن الله بذلك. وكذلك المرأة وولدها، والفيلة، والجاموسة، ~~والرمكة، والحجر والأتان، والشاة في ذلك كله مثل السمكة. # وقالوا: لا بد للبيض من حضن، ومتى حضنت السمكة بيضها لا تلتفت إلى بيضها ~~وفراخها. ### || 2110- [زعم العوام في الكركدن] # والعوام تضرب المثل في الشدة والقوة بالكركدن، وتزعم أنه ربما شطح الفيل ~~فرفعه بقرنه الواتد في وسط جبهته، فلا يشعر بمكانه ولا يحس به حتى ينقطع ~~على الأيام» . # وهذا القول بالخرافة أشبه. ### || 2111- [مزاعم في ضروب من الحيوان] # وأعجب من القول في ولد الكركدن ما يخبرنا به ناس من أهل النظر والطب # PageV07P075 # وقراءة الكتب، وذلك أنهم يزعمون أن النمرة لا تضع ولدها أبدا إلا وهو ~~متطوق بأفعى، وأنها تعيش وتنهش، إلا أنها لا تقتل. ولو كنت أجسر في كتبي ~~على تكذيب العلماء ودراسي الكتب، لبدأت بصاحب هذا الخبر. # وليس هذا عندي كزعمهم أن الأفعى تلد وتبيض، لأن تأويل ذلك أن الأفعى ~~تتعضل «1» بيضها، فإذا طرقت بالبيض تلوت فحطمته في جوفها، ثم ترمي بتلك ~~القشور والخراشي ms1074 «2» أولا فأولا، كما لا بد لكل ذات حمل أن تلقي مشيمتها. # ويزعم كثير من الأعراب أن الكمأة تتعفن، ويتخلق منها أفاعي. فهذا الخبر ~~وإن كنت لا أتسرع إلى رده فإني على أصحابه ألين كنفا «3» . ### || 2112- [قرن الكركدن] # وأما # قرن الكركدن # فخبرني من رآه ممن أثق بعقله، وأسكن إلى خبره، أن غلظ أصله وسعة جسمه ~~يكون نحوا من شبرين، وليس طوله على قدر ثخنه. وهو محدد الرأس، شديد ~~الملاسة، ملموم الأجزاء مدمج، ذو لدونة وعلوكة في صلابة، لا يمتنع عليه ~~شيء. ويجهز من عندنا بالبصرة إلى الصين؛ لأنه يقع إلينا قبلهم، فإذا قطعوه ~~ظهرت في مقاطعه صور عجيبة. وفيه خصال غير ذلك، لها يطلب «4» . ### || 2113- [خيل النهر] # وقد كنا نزعم أن الهواء للعقاب، والماء للتمساح، والغياض للأسد حتى زعم ~~أصحابنا أن في نيل مصر خيولا تأكل التماسيح أكلا ذريعا وتقوى عليها قوة ~~ظاهرة، وتغتصبها أنفسها فلا تمتنع عليها، وعارضوا من أنكر خيل الماء، ~~بخنازير الماء وبكلاب الماء، وبدخس الماء. ### || 2114- [إنقاذ بعض حيوان البحر للغريق] # ولم أجدهم يشكون أن بعض الحيوان الذي يكون في البحر مما ليس بسمك وهو ~~يعايش السمك- وقد ذهب عني اسمه- أنه متى أبصر غريقا عرض له وصار تحت بطنه ~~وصدره، فلا يزال كالحامل له والمزجي والمعين، حتى يقذف به إلى حزيرة، أو ~~ساحل، أو جبل. # PageV07P076 # وأصناف سمك البحر، وأجناس ما يعايش سمك البحر لا تكون في أوساط اللجج وفي ~~تلك الأهواز العظام، مثل لجة سقوطرا، وهركند، وصنجى. وكذلك أهل البحر إذا ~~عاينوا نباتا أو طيرا، أيقنوا بقرب الأرض إلا أن ذلك القريب قد سمي بعيدا، ~~فلذلك سلم ذلك الغريق بمعونة ذلك الحيوان «1» . ### || 2115- [مسالمة الأسد للببر ومعاداته للنمر] # فأما الأسد والببر فمتسالمان، وأما الأسد والنمر فمتعاديان والظفر بينهما ~~سجال. والنمر وإن كان ينتصف من الأسد فإن قوته على سائر الحيوان دون قوته ~~على الأسد، وبدنه في ذلك أحمل لوقع السلاح، ولا يعرض له الببر، وقد أيقنا ~~أنهما ليسا من بابته، فلا يعرض لهما، لسلامة ناحيته وقلة شره، وهما لا ~~يعرضان له لما ms1075 يعرفان من أنفسهما من العجز عنه. وأما البهائم الثلاث ~~اللواتي ذكرناها فإنها فوق الأسد والنمر. # والببر هندي أيضا مثل الفيل، وأما الكركدن فلا يقوم له سبع ولا بهيمة، ~~ولا يطمع فيه، ولا يروم ذلك منه. ### || 2116- [مبارزة الجاموس للأسد] # وأما الجاموس والأسد فخبرني محمد بن عبد الملك أن أمير المؤمنين المعتصم ~~بالله، أبرز للأسد جاموسين فغلباه، ثم أبرز له جاموسة ومعها ولدها فغلبته ~~وحمت ولدها منه، وحصنته، ثم أبرز له جاموسا وحده فواثبه ثم أدبر عنه «2» . # هذا وفي طبع الأسد الجرأة عليه، لأنه يعد الجاموس من طعامه، والجاموس ~~يعرف نفسه بذلك، فمع الأسد من الجرأة عليه على حسب ذلك ومع الجاموس من ~~الخوف على قدر ذلك. وفي معرفة الأسد أن له في فمه من السلاح ما ليس لشيء ~~سواه، وفي معرفة الجاموس بعدم ذلك السلاح منه، فمعه من الجرأة عليه بمقدار ~~ما مع الجاموس من التهيب له، فيعلم أنه قد أعطي في كفه ومخالبه من السلاح ~~ما ليس لشيء سواه. ويعلم الأسد والجاموس جميعا أنه ليس في فم الجاموس ويده ~~وظلفه من السلاح قليل ولا كثير، فمع الأسد من الجراءة عليه، ومع الجاموس من ~~الخوف منه، على حسب ذلك. ويعلم الأسد أن بدنه يموج في إهابه، وأن له من ~~القوة على # PageV07P077 # الوثوب والضبر «1» والحضر، والطلب والهرب، ما ليس في الجاموس، بل ليس ذلك ~~عند الفهد في وثوبه، ولا عند السمع في سرعة مره، ولا عند الأرنب في صعداء ~~ولا هبوط، ولا يبلغه نقزان الظبي إذا جمع جراميزه، ولا ركض الخيل العتاق ~~إذا أجيد إضمارها. والجاموس يعرف كل ذلك منه. # ومع الجاموس من النكوص عنه بقدر ما مع الأسد من الإقدام عليه، ويعلم أنه ~~ليس له إلا قرنه وأن قرنه ليس في حدة قرون بقر الوحش، فضلا عن حدة أطراف ~~مخالب الأسد وأنيابه وأن قرنه مبتذل، لا يصان عن شيء. ومخالب الأسد في ~~أكمام وصوان «2» . # وإذا قوي الجاموس مع هذه الأسباب المجبنة على الأسد مع تلك الأسباب ~~المشجعة حتى يقتله أو يعرد ms1076 «3» عنه، كان قد تقدمه تقدما فاحشا، وقد علاه ~~علوا ظاهرا. فلذلك قدمنا الجاموس وهو بهيمة، وقدمنا رؤساء البهائم على ~~رؤساء السباع. # هذا سوى ما فيها من المرافق والمنافع والمعاون. # والجاموس أجزع خلق الله من عض جرجسة «4» وبعوضة، وأشده هربا منهما إلى ~~الماء. وهو يمشي إلى الأسد رخي البال، رابط الجأش، ثابت الجنان. فأما الفيل ~~فلم يولد الناس عليه وعلى الكركدن ما ولدوا من إفراط القوة والنجدة ~~والشهامة، إلا والأمر بينهما متقارب عندهم. ### || 2117- [مغالبة الفيل للأسد] # والهند أصحاب الببور والفيول، كما أن النوبة أصحاب الزرافات دون غيرهم من ~~الأمم. وأهل غانة إنما صار لباسهم جلود النمور لكثرة النمور بها. إلا أنها ~~على حال موجودة في كثير من البلدان. # وقد ذكروا بأجمعهم قوة الفيل الوحشي على الأسد، وقالوا في الفيلة الأهلية ~~إذا لقيت عندنا بالعراق الأسد وجمعنا بينهما. قالوا: أما واحدة فإن ذكور ~~الفيلة لا تكاد تعيش عندكم، وأنيابها التي هي أكبر سلاحها لا تنبت في ~~بلادكم، ولا تعظم ولا تزيد على ما كانت عليه ما أقامت في أرضكم، وهي أيضا ~~لا تتناتج عندكم، وذلك # PageV07P078 # من شدة مخالفة البلدة لطبائعها ونقضها لقواها. وإنما أسرع إليها الموت ~~عندكم للذي يعتريها من الآفات والأعراض في دوركم، فاجتمعت عليها خصال، أول ~~ذلك أنها مع الوحش وفي صميم بلادها أجرأ وأقوى، وأشهم نفسا وأمضى، فلما ~~اصطدناها بالحيل، وصيرناها مقصورة أهلية بعد أن كانت وحشية وفي غير غذائها، ~~لأنها كانت تشرب إذا احتاجت، وتأكل إذا احتاجت وتأخذ من ذلك على مقادير ما ~~تعرف من موقع الحاجة، فلما صارت إلى قيام العبيد عليها، والأجراء بشأنها، ~~والوكلاء بما يصلحها دخل ذلك من النقض والخور، والخطأ والتقصير، على حسب ما ~~تجد في سائر الأشياء، ثم لم نرض بذلك حتى نقلناها من تلك البلدة على ~~إنكارها لتلك اللدة، فصيرناها إلى الضد بعد أن كانت في الخلاف. # وقد علمنا أن سبيلها سبيل سائر الحيوان، فإن الإبل تموت ببلاد الروم ~~وتهلك وتسوء حالها، والعقارب تموت في مدينة حمص «1» ، والتماسيح تموت إن ~~نقلت إلى ms1077 دجلة والفرات، والناس يصيبهم الجلاء فيموتون ويتهافتون. وقد علمنا ~~أن الزنج إذا أخرجوا من بلادهم فما يحصل بالبصرة عندنا منهم إلا اليسير. ~~وكذلك لو نقلوا إليكم بزر الفلفل والساج والصندل والعود، وجميع تلك الأهضام ~~«2» ، فما امتناع نبات العاج ببلادكم إلا كامتناع نبات الآبنوس، وإن كان ~~ينبت في حيوان والآخر في أرض. # فلا يفتخرن مفتخر في الأسد في هذه البلدة إذا قاوم الفيل. والأسد هاهنا ~~في بلاده وفي الموضع الذي تتوفر أموره عليه، لأن أسد العراق هي الغاية، ~~وأقواها أسد السواد ثم أسد الكوفة. ولأن الفيلة عندكم أيضا ترى عندكم ~~السنانير، وقد جعل الله في طبع الفيل الهرب من السنور والوحشة منه، كما أن ~~بعض شجعانكم يمشي إلى الأسد، ويقبض على الثعبان، ولا يستطيع النظر إلى ~~الفأر والجرذان، حتى يهرب منها كل الهرب، ويعتريه من النفضة واصفرار اللون ~~ما لا يعتري المصبور على السيف وهو يلاحظ بريقه عند قفاه «3» . ### || 2118- [خوف عبد الله بن خازم من الجرذ] # وذكر علي بن محمد السميري قال «4» : بينما عبد الله بن خازم السلمي عند ~~عبيد # PageV07P079 # الله بن زياد، إذ أدخل على عبد الله جرذ أبيض ليعجب منه، فأقبل عبيد الله ~~على عبد الله فقال: هل رأيت يا أبا صالح أعجب من هذا الجرذ قط؟ وإذا عبد ~~الله قد تضاءل حتى صار كأنه فرخ، واصفر حتى صار كأنه جرادة ذكر، فقال عبيد ~~الله: أبو صالح يعصي الرحمن، ويتهاون بالشيطان، ويقبض على الثعبان، ويمشي ~~إلى الأسد، ويلقى الرماح بوجهه، وقد اعتراه من جرذ ما ترون؟! أشهد أن الله ~~على كل شيء قدير. ### || 2119- [خوف الفيل من السنور] # وإذا عاين الفيل الأسد رأى فيه شبه السنور، فيظن أنه سنور عظيم فلا يبلغ ~~منه مقدار تلك المناسبة، وذلك الشبه، ومقدار ذلك الظن ما يبلغ رؤية السنور ~~نفسه. # وليس هربه منه من جهة أنه طعام له، وأنه إن ساوره خافه على نفسه، وإن كان ~~في المعنى يرجع إلى أنه طعام لصغار السباع وكبارها. وهل قتل أسد قط فيلا، ~~ومتى أكله؟! وإنه مع ms1078 ذلك لربما ركله الركلة، فإما أن يقتله، وإما أن يذهب ~~عنه هاربا في الأرض، وإما أن يجليه. # وأية حجة على الفيل في أن يرى سنورا فينفر منه؟! فالأسد يشار إليه بشعلة ~~من نار، أو يضرب له بالطست فيهرب منه، فإنما هذا كنحو تفزع الفرس من كل شيء ~~يراه في الماء وهو عطشان فيأباه. ### || 2120- # ويزعم «1» ناس من أصحاب الخيل أن الفرس ليس يضرب بيديه في الماء الصافي ~~ليثوره، لأن الماء الكدر أحب إليه، وما هو إلا كالثور الذي يحب الصافي ~~ويختاره، ولكنه إذا وقف على الماء الصافي رأى فيه ظله وظل غيره من الأشخاص، ~~فيفزعه ذلك، فلمعرفته بأن الماء الكدر لا تتصور فيه الصور يضرب بيديه. هذا ~~قول هؤلاء. وأما صاحب المنطق وغيره ممن يدعي معرفة شأن الحيوان فإنه يزعم ~~أن الفرس بالماء الكدر أشد عجبا منه بالماء الصافي، كما أن الإبل لا يعجبها ~~الماء إلا أن يكون غليظا، وذلك هو الماء النمير عندهم. وإنما تصلح الإبل ~~عندهم على الماء الذي تصلح عليه الخيل. ### || 2121- [تداوى الحبشه و النوبه بأضراس خيل الماء و أعجافها] # ويزعم من أقام ببلاد السودان أن الذين يسكنون شاطئ النيل من الحبشة # PageV07P080 # والنوبة، أنهم يشربون الماء الكدر، ويأكلون السمك النيء فيعتريهم طحال ~~شديد «1» ، فإذا شدوا على بطونهم ضرسا من أضراس خيل الماء وجدوه صالحا لبعض ~~ما يعرض من ذلك. ويزعمون أن أعفاج هذا الفرس تبرئ من الصرع الذي يكون في ~~الأهلة. ### || 2122- [دفاع صاحب الأسد] # وقال بعض من ينصر الأسد: إن الأسد في الهند أضعف، بل هي ضعيفة جدا، ~~والفيل في بلادهم أقوى، والوحشي منها أجرأ، والمغتلم لا يقوم له إلا ~~الكركدن؛ وإنه ليهجم عليه فيحجم عنه حتى تذهب عنه سكرة الغلمة، فيرجع إلى ~~معرفة حال الكركدن فلا يطور طواره «2» ، ولا يحل بأداني أرضه. # وأما الفيل فإذا كان غير هائج والأسد في غير أيام هياجه ثم يكون الأسد ~~عراقيا ويكون سواديا ويكون من أجمة أبزيقيا فإن الفيل لا يقوم له. ### || 2123- [قول صاحب الفيل] # وقال صاحب الفيل: الفيل لا يعاين ms1079 أسدا أبزيقيا حتى تفسخه البلدة، وتهدمه ~~الوحشة، ويمرضه الغذاء، ويفسده الماء. وهو لا يصل إلى ذلك المكان حتى يجمع ~~بينه وبين ذلك الأسد، وحتى يسمع تجاوب السنانير وتضاغيها «3» - وهو أسمع من ~~قراد- فيغب «4» ذلك في صدره، وتتزايد تلك الوحشة في نفسه، فمتى رأى أسدا ~~قائما فربما دعته الوحشة منه، والبغض المجعول فيه، إلى الصدود والذهاب عنه. # فيظن كثير من الناس أن ذهابه هرب، وأن صدوده جبن، وإنما هو من الوحشة ~~منه، والكراهة لمنظرته. وربما اضطره الأسد بخرقه حتى ينقض حلمه، ويغلب ~~وقاره، فيخبطه خبطة لا يفلح بعدها أبدا. ### || 2124- [فخر صاحب فرس الماء] # قال صاحب الفرس: زعمتم أن الأسد في الأرض كالعقاب في الهواء، وكالتمساح ~~في الماء، وأن تمساحا وأسدا اعتلجا على شريعة فقتل كل واحد منهما # PageV07P081 # صاحبه، وكأن التمساح ضرب الأسد بذنبه في الشريعة، وضغم الأسد رأسه فماتا ~~جميعا. # قال: والفرس المائي بالنيل يقتل التماسيح ويقهرها ويأكلها ولا يساجلها ~~الحرب، ولا تقع بينهما مغالبة ومجاذبة، وتكون الأيام بينهما دولا. فهذه ~~فضيلة ظاهرة على الأسد، وشرف فرس الماء راجع إلى فرس الأرض، فإن كان فرس ~~الأرض لا يقوى على الأسد ولا على النمر ولا على الببر، فإن ابن عمه وشكله ~~في الجنس قد قوي على التمساح وهو رئيس سكان الماء. # قالوا: أما واحدة فإن التمساح ليس برئيس سكان الماء إلا أن تريد بعض سكان ~~الأودية والأنهار والخلجان والبحيرات في بعض المياه العذبة. والكوسج واللخم ~~والسرطان والدلفين وضروب من السباع مما يعايش السمك ليس التمساح من بابه. # وعلى أن التمساح إنما يأكله ذلك الفرس وهو في الماء، وليس للتمساح في جوف ~~الماء كبير عمل إلا أن يحتمل شيئا بذنبه ويحتجنه «1» إليه، ويدخله الماء، ~~وربما خرج إلى الأرض للسفاد ولحضن البيض، فلا يكون على ظهر الأرض شيء أذل ~~منه. # وذله على ظهر الأرض شبيه بذل الأسد في وسط الماء الغمر «2» . ولعمري أن ~~لو عرض له هذا الفرس في الشرائع فغلبه لقد كان ذلك من مفاخره، فلذلك لم ~~تذكر الخيل في باب الغلبة، والقتال والمساجلة، ms1080 والانتصاف من الأعداء. # والفرس قد يقاتل الفرس في المروج إذا أراد أن يحمي الحجور، كما يحمي ~~العير العانة ويقاتل دونها كل عير يريد مشاركته فيها، وهذا شيء يعرض لجميع ~~الفحولة في زمن الهيج. # وقد يصاول الجمل الجمل فربما قتل أحدهما صاحبه، ولكن هذه الفحولة لا تعرض ~~لشيء من الحيوان في غير هذا الباب. # وإن أراد الفرس أسد، فليس عنده من إحراز نفسه وقتل عدوه ما عند الجاموس، ~~فإن فضله الجاموس بقرنيه، فإن السلاح الذي في فم الفرس لو استعمله لكان ~~سلاحا، ولو استدبر الأسد فركله ورمحه وعضه بفيه، لكان ذلك مما يدفع عنه ~~ويحمي لحمه. # وليس للجاموس في أظلافه وفي يديه ورجليه وفي فمه سلاح، فقد دلت الحال على ~~أن مدار الأمر إنما هو في شجاعة القلب. # PageV07P082 # وفي هذا القياس أن الصقر إنما يواثب الكركي لمكان سلاحه دون شجاعة القلب ~~التي يقوى بها الضعيف، وبخلافها يضعف القوي. # وسأقرب ذلك عندك ببعض ما تعرفه، لا نشك أن الهر أقوى من الهرة في كل ~~الحالات، حتى إذا سفدها فحدثت بينهما بغضاء ومطالبة حدثت للهرة شجاعة وللهر ~~ضعف، فصارت الهرة في هذه الحال أقوى منه، وصار الهر أضعف. ولولا أنه يمعن ~~في الهرب غاية الإمعان ثم لحقته، لقطعته وهو مستخذ. # ومثل ذلك أن الجرذ يخصى ويرمى به في أنابير التجار «1» وفي الأقرحة «2» ~~والبيادر، فلا يدع جرذا ضخما قد أعيا الهر وابن عرس إلا قتله، وإن كان أعظم ~~منه وأشد. # والخصي من كل شيء أضعف قوة من الفحل إلا الجرذ، فإنه إذا خصي أحدث له ~~الخصاء شجاعة وجراءة، وأحدثت له الشجاعة قوة وأحدث علم الجرذان بحال الخصاء ~~لها جبنا، وأحدث الجبن لها ضعفا «3» . # والرجل الشديد الأسر قد يفزع فتنحل قواه، ويسترخي عصبه حتى يضربه الصبي. ~~والذئب القوي من ذئاب الخمر «4» يكون معه الذئب الضعيف من ذئاب البراري، ~~فيصيب القوي خدش يسير، فحين يشم ذلك الذئب الضعيف رائحة الدم وثب عليه، ~~فيعتري ذلك القوي عند ذلك من الضعف بمقدار ما يعتري الضعيف من القوة حتى ms1081 ~~يأكله كيف شاء. # والأسد الذي يعتريه الضعف في الماء الغمر حتى يركب ظهره الصبي ثم يقبض ~~على أذنيه فيغطه كيف شاء. # وقد يفعل به ذلك غلمان السواد وشاطئ الفرات، إذا احتملت المدود الأسد لا ~~تملك من أنفسها شيئا، وهو مع ذلك يشد على العسكر حتى يفرقه فرق الشعر، ~~ويطويه طي السجل؛ ويهارش النمر عامة يومه لا يقتل أحد هما صاحبه، وإن كان ~~الجمل الهائج باركا أتاه فضرب جنبه ليثني إليه عنقه، كأنه يريد عضه فيضرب ~~بيساره إلى مشفره فيجذبه جذبة يفصل بها بين دأيات عنقه، وإن ألفاه قائما ~~وثب # PageV07P083 # وثبة فإذا هو في ذروة سنامه، فعند ذلك يصرفه كيف شاء، ويتلعب به كيف أحب. # ونحن لا نشك أن للفرس تحت الفارس غناء في الحرب لا يشبهه غناء، ولذلك فضل ~~في القسم. وإنما ذلك بتصريف راكبه له، وقتاله عليه. فأما هو نفسه فإنه إذ ~~كان أوفر سلاحا من الجاموس وخام عن قرنه «1» ، واستسلم لعدوه؛ فإنه من ها ~~هنا لا يقدم على غيره. ولم يكن الله ليجعل انحصار جميع أقسام الخير في شخص ~~واحد، ولكن لما أن كان الفرس عليه تقاتل الأنبياء وأتباع الأنبياء، ملوك ~~الكفار وأتباع ملوك الكفار حتى يقمع الله الباطل ويظهر الحق؛ فلذلك قدمناه ~~على جميع البهائم والسباع، وإنما نقدمه على الوجه الذي قدمه الله فيه. ### || 2125- [الرد على صاحب فرس الماء] # واعترض على أصحاب فرس الماء معترضون فقالوا: الفرس لا يكون إلا بهيمة، ~~والبهائم لا تصيد وتأكل صيدها، وإنما طعام الفرس النبات وليس اللحم لها ~~بطعام. # وقال النمر بن تولب «2» : [من الرجز] # والخيل في إطعامها اللحم ضرر ... نطعمها اللحم إذا عز الشجر # في كلمته التي يقول فيها «3» : [من الرجز] # الله من آياته هذا القمر # وقد تعلف في تلك الحالات اللحم اليابس وهسيس السمك «4» . فأما الهسيس ~~فلخيول أهل الأسياف خاصة. ### || 2126- [الانتصار لصاحب فرس الماء] # قيل لهؤلاء المعترضين على فرس الماء: وقد يكون في الخلق المشترك وغير ~~المشترك ما يأكل اللحم والحب. فالمشترك مثل الإنسان الذي يأكل الحيوان ~~والنبات. وهذا العصفور ms1082 من الخلق المشترك لأنه يأكل الحب، ويصطاد النمل ~~الطيار # PageV07P084 # والأرضة فيأكلها، ويأكل اللحم، والدجاج تأكل اللحم والديدان، وتحسو الدم ~~وتلقط الحب. والغراب لا يدع شيئا إلا أكله. # وما خرج من حد المشترك وهو كنحو الذئب والضبع، وكنحو الشاهين والصقر، فإن ~~هذه وأشباهها لا تعرف إلا اللحم. والحمام وضروب من الطير لا تعرف إلا الحب ~~والنبات. والمشترك أجمع مما هو غير مشترك. # والسمكة تأكل الطين والنبات، وتأكل الجيف التي تصيب في الماء، وتصاد ~~بضروب من الحيوان تجعل لها في الشصوص «1» ، ثم ينصبون لكل ضرب من السمك ~~بضرب من الطعم. # والجري يأكل الجرذان ويصيدها، وهو آكل لها من السنانير والحيات والكلاب ~~السلوقية، ويأكل الجري جميع جيف الموتى. والسمك يأكل السمك ويأكل من كل حب ~~ونبات يسقط في الماء. # وإن استفهم مستفهم، أو اعترض معترض فقال: وكيف يأكل الجري الجرذان، ~~والجرذان أرضية بيوتية، والجري مائي؟ قيل له: يخبرنا جميع من يبيت في السفن ~~وفي المشارع، في فيض البصرة عندنا، أن جرذان الأنابير «2» تخرج أرسالا ~~بالليل كأنها بنات عرس، والجري قد كمن لهن وهو فاتح فاه، فإذا دنا الجرذ من ~~الماء فعب فيه التهمه ليس دون ذلك شيء، بشجر فم واسع» # يدخل في مثله الضب الهرم. وإنما يضع بخطمه على الشريعة. # وسنذكر شيئا من الطرف والحكم والأشعار، إذ كنا قد ذكرنا من الكلام في ~~الحيوان صدرا صالحا، وأبوابا جامعة، ثم نعود في ذكر الفيل إن شاء الله، ~~والله الموفق. ### | 2127- [شيء من الطرف والحكم والأشعار] # قال الشاعر «4» : [من الطويل] # ونحن أناس لا حجاز بأرضنا ... مع الغيث ما نلقى ومن هو غالب # PageV07P085 # وإن قصرت أسيافنا كان وصلها ... خطانا إلى أعدائنا فنضارب # ترى كل قوم ينظرون إليهم ... وتقصر عما يبلغون الذوائب # مثل قول الآخر «1» : [من الطويل] # لكل أناس سلم يرتقى به ... وليس إلينا في السلاليم مطلع # ومنزلنا الأعلى حجاز لمن به ... وكل حجاز إن هبطناه بلقع # وينفر منا كل وحش وينتمي ... إلى وحشنا وحش البلاد فيربع # وقال حسان بن ثابت «2» : [من الطويل] # وندمان صدق تقطر الخير كفه ms1083 ... إذا راح فضفاض العشيات خضرما # وصلت به كفي وخالط شيمتي ... ولم أك عضا في الندامى ملوما «3» # لنا حاضر فعم وباد كأنه ... شماريخ رضوى عزة وتكرما # ولدنا بني العنقاء وابني محرق ... فأكرم بنا خالا وأكرم بنا ابنما # لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى ... وأسيافنا يقطرن من نجدة دما # وقال أعرابي غزلي «4» : [من الطويل] # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب # ولم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب # وقال أعرابي من هذيل «5» : [من الطويل] # PageV07P086 # رعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله أن يسقيك أولى وأوسع # يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع ### || قطعة من أشعار الاتعاظ # قال الشاعر: [من المتقارب] # عليك من امرك ما تستطيع ... وما ليس يغنيك عنه فذر # وللصمت أجمل في حينه ... من القول في خطل أو هذر # وكم غائب كان يخشى الردى ... فعاد وأودى الذي في الحضر # وبينا الفتى يعجب الناظري ... ن مال إلى عطفه فانقعر # وبعض الحوادث إن يبقه ... فإن الفنا شأنه والكبر # وكم من أخي نجدة ماهر ... تعلقه الدهر حتى عثر # وكم من أخي عثرة مقتر ... تأتى له الدهر حتى انجبر # وقال علقمة بن عبدة «1» : [من البسيط] # وكل قوم وإن عزوا وإن كثروا ... عريفهم بأثافي الشر مرجوم # والحمد لا يشترى إلا له ثمن ... مما يضن به الأقوام معلوم # والجهل منقصة شين لصاحبه ... والحلم آونة في الناس معدوم # وكل حصن وإن طالت سلامته ... على دعائمه لا بد مهدوم # ومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشؤوم # ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ... أنى توجه والمحروم محروم # وقال عدي بن زيد العبادي «2» ، وهو أحد من قد حمل على شعره الحمل الكثير، ~~ولأهل الحيرة بشعره عناية، وقال أبو زيد النحوي: «لو تمنيت أن أقول الشعر ~~ما قلت إلا شعر عدي بن زيد» : [من الطويل] # PageV07P087 # كفى زاجرا للمرء أيام عمره ... تروح له بالواعظات وتغتدي # فنفسك فاحفظها من الغي والردى ... متى تغوها تغو الذي بك يقتدي # فإن كانت النعماء عندك لامرئ ... فمثلا ms1084 بها فاجز المطالب أو زد # عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن مقتدي # ستدرك من ذي الجهل حقك كله ... بحلمك في رفق ولما تشدد # وظلم ذوي القربى أشد عداوة ... على المرء من وقع الحسام المهند # وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر ... إذا خطرت أيدي الرجال بمشهد # قال المهلب بن أبي صفرة: «عجبت لمن يشتري المماليك بماله كيف لا يشتري ~~الأحرار بمعروفه» «1» . # وقال عبد الله بن جعفر لرجل يوصيه: «عليك بصحبة من إن صحبته زانك، وإن ~~تركته شانك؛ إن سألته أعطاك، وإن تركته ابتداك؛ إن رأى منك سيئة سدها، وإن ~~رأى حسنة عدها؛ وإن وعدك لم يجرضك وإن ألجئت إليه لم يرفضك» . # وسأل يزيد بن المهلب رجل من أصحابه حاجة وذكر له خلة، فقال: أوجه بها ~~إليك. ثم حمل إليه خمسين ألف درهم، ثم كتب إليه: «قد وجهت إليك بخمسين ألف ~~درهم، لم أذكرها تمننا، ولم أدع ذكرها تجبرا، ولم أقطع بها لك رجاء، ولم ~~أرد بها منك جزاء» . # وقيل ليزيد: ما أحسن ما مدحت به؟ قال: قول زياد الأعجم «2» : [من الطويل] # فتى زاده السلطان في الحمد رغبة ... إذا غير السلطان كل خليل # شبيه بقول الآخر «3» : [من الطويل] # فتى زاده عز المهابة ذلة ... وكل عزيز عنده متواضع # وقال الآخر، وهو يدخل في باب الشكر: [من الرجز] # PageV07P088 # شوقي إليك يا أبا العباس ... طير ما أبليتني نعاسي # إني لمعروفك غير ناس ... والشكر قدما في خيار الناس ### || أبيات لبعض الشعراء العميان # أنشدني ابن الأعرابي لرجل من بني قريع «1» يرثي عينه ويذكر طبيبا: [من ~~الطويل] # لقد طفت شرقي البلاد وغربها ... فأعيا علي الطب والمتطبب # يفولون إسماعيل نقاب أعين ... وما خير عين بعد ثقب بمثقب # يقولون ماء طيب خان عينه ... وما ماء عين خان عينا بطيب # ولكنه أيام أنظر طيب ... بعيني قطامي علا فوق مرقب «2» # كأن ابن حجل مد فضل جناحه ... على ماء إنسانيهما ماء طحلب # وقال الخريمي «3» : [من الطويل] # كفى حزنا أن لا أزور أحبتي ... من القرب إلا بالتكلف والجهد # وأني إذا حييت ms1085 ناجيت قائدي ... ليعدلني قبل الإجابة في الرد # إذا ما أفاضوا في الحديث تقاصرت ... بي النفس حتى ما أحير وما أبدي # كأني غريب بينهم لست منهم ... فإن لم يحولوا عن وفاء ولا عهد # أقاسي خطوبا لا يقوم بثقلها ... من الناس إلا كل ذي مرة جلد # PageV07P089 ### | باب في الحاجة # قال ابن الأعرابي «1» : قيل للأحنف: أتيناك في حاجة، لا ترزؤك ولا تنكؤك. # فقال: «ليس مثلي يؤتى في حاجة لا ترزأ ولا تنكأ» . # وقال أعرابي لرجل: «إني لم أصن وجهي عن الطلب إليك، فصن وجهك عن ردي، ~~وأنزلني من كرمك بحيث وجهي من رجائك» . # وقال أبو عقيل بن درست: «لم يقض ذمام التأميل، ولم يقم بحرمة الرجاء إلا ~~من أعطاها حقها، ووفاها حظها، وعرف قدرها، وكيف يستبقي النعمة فيها، وكيف ~~الشكر على أداء حقها، بالبشر عند المسألة، وقلة التضجر عند المعاودة، ~~وتوكيد الضمان عند العدة، وانتهاز الفرصة عند القدرة. ويكون النجح المعجل ~~أحب إليه من عذر المصدق، وحتى يرى أن حقك عليه في بذل وجهك إليه أكثر من ~~حقه عليك في تحقيق أملك فيه. ثم إيجاب سترها، فإن سترها هو المخبر عنها، ~~والدال عليها، والزائد في قدرها، والمتولي لنشرها» . # وقال الشاعر «2» : [من المنسرح] # فإن إحياءها إماتتها ... وإن منا بها يكدرها # PageV07P090 ### | باب في الوعد والوفاء به والخلف له # قال عمرو بن الحارث «1» : «كنت متى شئت أن أجد صفة من يعد وينجز وجدته، ~~فقد أعياني من يعد ولا ينجز» . # وقال أبو إسحاق النظام: «كنا نلهو بالأماني، ونطيب أنفسا بالمواعيد، فذهب ~~من يعد، وقطعتنا الهموم عن فضول الأماني» . # وقال الشاعر «2» : [من مجزوء الرمل] # قد بلوناك بحمد الله إن أغنى البلاء ... فإذا جل مواعيدك والجحد سواء # وقال أعرابي «3» : «وعد الكريم نقد وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتعطيل» . # وذم أعرابي رجلا فقال: «إذا أوعد صدق، وإذا وعد كذب، ويغضب قبل أن يشتم، ~~ويجزم قبل أن يعلم» . # وقال عبد الله بن قيس الرقيات «4» : [من المنسرح] # اخترت عبد العزيز مرتغبا ... والله للمرء خير من قسما # من البهاليل من أمية يز ... داد إذا ms1086 ما مدحته كرما # جاءت به حرة مهذبة ... كلبية كان بيتها دعما # هن العرانين من قضاعة أمثال بنيهن تمنع الذمما تكنه خرقة الدرفس من الشمس ~~كليث يفرج الأجما # PageV07P091 # يقوت شبلين في مغارهما ... قد ناهزا للفطام أو فطما # لم يأت يوم إلا وعندهما ... لحم رجال أو يولغان دما # فذاك أشبهته ابن ليلى ول ... كن ابن ليلى يفوقه شيما # من يهب البخت والولائد كال ... غزلان والخيل تعلك اللجما # ينكر «لا» إن «لا» لمنكرة ... من فيه إلا محالفا نعما # وقال زيادة بن زيد «1» : [من الطويل] # إذا فرجة سدت عليك فروجها ... فأنت ملاق لا محالة مذهبا # فلم يجعل الله الأمور إذا اغتدت ... عليك رتاجا لا يرام مضببا # كفاك الغنى يوما إذا ما تقلبت ... به صيرفيات الأمور تقلبا # وإني لمزور قليل تقلبي ... لوجه امرئ يوما إذا ما تجنبا # قليل ليوم الشر ويك تعرضي ... فإن حل يوما قلت للشر مرحبا # ملكنا ولم نملك وقدنا ولم نقد ... وكان لنا حقا على الناس ترتبا # وقال هدبة العذري «2» : [من الطويل] # فأب بي إلى خير فقد فاتني الصبا ... وصيح بريعان الشباب فنفرا # أمور وألوان وحال تقلبت ... بنا وزمان عرفه قد تنكرا # أصبنا بما لو أن سلمى أصابه ... لسهل من أركانه ما توعرا «3» # فإن ننج من أهوال ما خاف قومنا ... علينا فإن الله ما شاء يسرا # وإن غالنا دهر فقد غال قبلنا ... ملوك بني نصر وكسرى وقيصرا # وذي نيرب قد عابني لينالني ... فأعيا مداه عن مداي فقصرا # فإن يك دهر نالني فأصابني ... بريب فإن تشوي الحوادث معشرا # فلست إذا الضراء نابت بجبإ ... ولا جزع إن كان دهر تغيرا # PageV07P092 # وكان هدبة هذا من شياطين عذرة، وهذا شعره كما ترى، وقد أمر بضرب عنقه وشد ~~خناقه. وقليلا ما ترى مثل هذا الشعر عند مثل هذه الحال؛ وإن امرأ مجتمع ~~القلب، صحيح الفكر، كثير الرين، عضب اللسان في مثل هذه الحال، لناهيك به ~~مطلقا غير موثق، وادعا غير خائف. ونعوذ بالله من امتحان الأخيار. # وهو القائل في تلك الحال «1» : [من الطويل] # فلا تعذليني لا أرى ms1087 الدهر معتبا ... إذا ما مضى يوم ولا اللوم مرجعا # ولكن أرى أن الفتى عرضة الردى ... ولاقي المنايا مصعدا ومفرعا «2» # وإن التقى خير المتاع وإنما ... نصيب الفتى من ماله ما تمتعا # فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا ... أغم القفا والوجه ليس بأنزعا # ضروبا للحييه على عظم زوره ... إذا القوم هشوا للفعال تقنعا # وأخرى إذا ما زار بيتك زائر ... زيالك يوما كان كالدهر أجمعا «3» # سأذكر من نفسي خلائق جمة ... ومجدا قديما طالما قد ترفعا # فلم أر مثلي كاويا لدوائه ... ولا قاطعا عرقا سنونا وأخدعا # وما كنت ممن أرث الشر بينهم ... ولا حين جد الشر ممن تخشعا # وكنت أرى ذا الضغن ممن يكيدني ... إذا ما رآني فاتر الطرف أخشعا # وما قرأت في الشعر كشعر عبد يغوث بن صلاءة الحارثي، وطرفة بن العبد، ~~وهدبة هذا، فإن شعرهم في الخوف لا يقصر عن شعرهم في الأمن «4» . وهذا قليل ~~جدا. # PageV07P093 ### | من أشعار الأعراب # أنشدني ابن الأعرابي في معنى قوله «1» : [من الوافر] # كمخض الماء ليس له إتاء # [من الطويل] # وما كان مثلي يعتريك رجاؤه ... ولكن أساءت همة من فتى محض # وإني وإشرافي إليك بهمتي ... الكالمرتجي زبدا من الماء بالمخض # وقال الآخر في مثل قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة «2» : [من الطويل] # فلولا اتقاء الله قلت مقالة ... تسير مع الركبان أبردها يغلي # أبن لي فكن مثلي أو ابتغ صاحبا ... كمثلك، إني مبتغ صاحبا مثلي # ولا يلبث الأصحاب أن يتفرقوا ... إذا لم يؤلف روح شكل إلى شكل # فقال «3» : [من الطويل] # لكل امرئ شكل يقر بعينه ... وقرة عين الفسل أن يتبع الفسلا «4» # وتعرف في جود امرئ جود خاله ... وينذل أن تلقى أخا أمه نذلا # وفي غير هذا الباب يقول الجرنفس اللص» # : [من البسيط] # أبلغ بني ثعل عني مغلغلة ... فقد أنى لك من نيء بإنضاج # أما النهار ففي قيد وسلسلة ... والليل في جوف منحوت من الساج # PageV07P094 # وقال بعض اللصوص «1» : [من الطويل] # أقيد وحبس واغتراب وفرقة ... وهجر حبيب، إن ذا لعظيم # وإن امرأ دامت مواثيق وده ... على عشر ما بي ms1088 إنه لكريم # ومن المراثي المستحسنة قول حارثة بن بدر الغداني «2» ، يرثي زيادا ابن ~~أبيه: # [من البسيط] # أبا المغيرة والدنيا مغيرة ... وإن من غرت الدنيا لمغرور # قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير # وكنت تؤتى فتؤتي الخير من سعة ... إن كان قبرك أمسى وهو مهجور # صلى الإله على قبر بمحنية ... دون الثوية يسفي فوقه المور «3» # وأنشد ابن الأعرابي: [من الطويل] # وما حسب الأقوام إلا فعالهم ... ورب حسيب الأصل غير حسيب # وقال الآخر في مثله: [من الكامل] # ليس الكريم بمن يدنس عرضه ... ويرى مروءته تكون بمن مضى # حتى يشيد بناءهم ببنائه ... ويزين صالح ما أتوه بما أتى # وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر «4» : [من الكامل] # لسنا وإن كرمت أوائلنا ... يوما على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # PageV07P095 # وقال عمر بن الخطاب: «كفى بالمرء عيبا أن تكون فيه خلة من ثلاث: أن يبدو ~~له من أخيه ما يخفى عليه من نفسه، أو يعيب شيئا ثم يأتي مثله، أو يؤذي ~~جليسه فيما لا يعنيه» . # ووصف أعرابي رجلا فقال: «آخذ الناس بما به أمر، وأتركهم لما عنه زجر» . ### | من هجا امرأته # قدم أعرابي فحلف بطلاق امرأتيه على شيء فحنث ثم هرب فقال: [من الكامل] # لو يعلم الغرماء منزلتيهما ... ما خوفوني بالطلاق العاجل # قد ملتا ومللت من وجهيهما ... عجفاء مرضعة وأخرى حامل # وقال الأقرع بن معاذ القشيري: [من الطويل] # لعمرك إن المس من أم خالد ... إلي وإن ضاجعتها لبغيض # إذا بز عنها ثوبها فكأنما ... على الثوب نمل عاذم وبعوض # وقال أعرابي يتأله، لامرأته، وما الأعراب وهذا المذهب، ولكن كذا وقع، ~~والله أعلم بكثير من الرواية: [من البسيط] # لولا مخافة ربي أن يعاقبني ... وأنها عدة تقضى وأوتار # لقد جعلت مكان الطوق ذا شطب ... وتبت بعد فإن الله غفار # وقال بعض المولدين «1» : [من المنسرح] # تجهزي للطلاق وانصرفي ... ذاك جزاء الجوامح الشمس # لليلتي حين بت طالقة ... ألذ عندي من ليلة العرس # وأنشدني ابن الأعرابي لأعرابي «2» : [من الرجز] # PageV07P096 # 1- # قد ms1089 قرنوني بعجوز جحمرش ... ناتية الناب كزوم قنفرش # 2- # كأنما دلالها على الفرش ... من آخر الليل كلاب تهترش # 3- # وجلدها من حكها القمل برش ... كأن طي بطنها طي كرش # 4- # فقماء في حضن الضجيع تهتمش ... تخشخش الضب دنا للمحترش # وقال رجل من بني نمير «1» لامرأته، وكانت حضرية: [من الطويل] # لعمري لأعرابية بدوية ... تظل بروقي بيتها الريح تخفق # أحب إلينا من ضناك ضفنة ... إذا رفعت عنها المراويح تعرق # كبطيخة البستان ظاهر جلدها ... صحيح ويبدو داؤها حين تفتق # وأنشدني محمد بن يسير في امرأته أو في غيرها «2» : [من البسيط] # أنبئت أن فتاة كنت أخطبها ... عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول # أسنانها مائة أو زدن واحدة ... كأنها حين يبدو وجهها غول # وإنما أكتب لك من كل باب طرفا، لأن إخراجك من باب إلى باب أبقى لنشاطك، ~~ولو كتبته بكماله لكان أكمل وأنبل، ولكن أخاف التطويل، وأنت جدير أن تعرف ~~بالجملة التفصيل، والآخر بالأول. ### | من هجته زوجته # قالت عصيمة الحنظلية: [من الوافر] # كأن الدار حين تكون فيها ... علينا حفرة ملئت دخانا # فليتك في سفين بني عباد ... فتصبح لا نراك ولا ترانا # فلو أن البدور قبلن يوما ... لقد أعطيتها مائة هجانا # وقالت امرأة من بني ضبة لزوجها: [من البسيط] # تراه أهوج ملعونا خليقته ... يمشي على مثل معوج العراجين # PageV07P097 # وما دعوت عليه قط ألعنه ... إلا وآخر يتلوه بآمين # فليته كان أرض الروم منزله ... وأنني قبله صيرت بالصين # وقالت جمرة الأزدية لزوجها أبي وائل: [من المتقارب] # لعمرك ما إن أبو وائل ... إذا ذكر القوم بالطائل # فياليتني لم أكن عرسه ... وعوجلت بالحدث العاجل # وقالت امرأة من بني زياد الحارثي: [من الطويل] # فلا تأمروني بالتزوج إنني ... أريد كرام الناس أو أتبتل # أريد فتى لا يملأ الهول صدره ... يريح عليه حلمه حين يجهل # كمثل الفتى الجعد الطويل إذا غدا ... كعالية الرمح الطويل أو اطول # وقالت امرأة من باهلة «1» : [من الطويل] # أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه ... كأن به كل فاحشة وقرا # سليم دواعي الصدر لا باسط أذى ... ولا مانع خيرا ولا قائل هجرا # كمثل الفتى ms1090 الذهلي تحسب وجهه ... إذا ما بدا في ظلمة طالعا بدرا # وقال لبيد بن ربيعة «2» : [من الخفيف] # إنما يحفط التقى الأبرار ... وإلى الله يستقر القرار # وإلى الله ترجعون وعند ... الله ورد الأمور والإصدار # إن يكن في الحياة خير فقد أن ... ظرت لو كان ينفع الإنظار # عشت دهرا فلن يدوم على الأيام إلا يرمرم وتعار «3» وأنشدني الأصمعي قال: ~~أنشدني رجل، ولم يسمه: [من الطويل] # إذا ما بدا عمرو بدت منه صورة ... تدل على مكنونه يقبل # بياض خراسان ولكنه فارس ... وجثة رومي وشعر مفلفل # PageV07P098 # لقد ألفت أعضاء عمرو عصابة ... يدل عليها آخر القوم أول # وقالت أخت ذي الرمة ترثيه «1» : [من الطويل] # تعزيت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين ملآن مترع # ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ... ولكن نكء القرح بالقرح أوجع # وذو الرمة القائل: إذا قلت كأن فلم أجد مخرجا فقطع الله لساني. # وأنشد «2» : [من الكامل] # لا أتقي حسك الضغائن بالرقى ... فعل الذليل ولو بقيت وحيدا «3» # لكن أعد لها ضغائن مثلها ... حتى أدواي بالحقود حقودا # كالخمر خير دوائها منها بها ... تشفي السقيم وتبرئ المنجودا «4» # فأخذ الحكمي هذا فقال «5» : [من المتقارب] # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # وقال ابن هرمة «6» : [من البسيط] # إن أياديك عندي غير واحدة ... جلت عن الوصف والإحصاء والعدد # وليس منها يد إلا وأنت بها ... مستوجب الشكر مني آخر الأبد # وقال الآخر: [من الطويل] # PageV07P099 # سأشكر ما أبقاني الله خالدا ... كشكري، ولا يدري، علي بن ثابت # حملت عليه مثقلا فأطلقه ... وحملني من شكره فوق طاقتي # ورأى رجل من النبيط الحجاج بعد موته في منامه فقال: يا حجاج، إلام صيرك ~~ربك؟ فقال: وماذا عليك يا ابن الزانية، فقال: ما سلمنا من قولك ميتا، ولا ~~من فعلك حيا. # وقال الأشهب- رجل من أهل الكوفة- يهجو نوح بن دراج: [من البسيط] # إن القيامة فيما أحسب اقتربت ... إذ صار حاكمنا نوح بن دراج # لو كان حيا له الحجاج ما سلمت ... صحيحة يده من نقش حجاج # وكان الحجاج يشم أيدي النبط علامة يعرفون بها. # وقال رجل من ms1091 طيئ لرجل من فزارة، وكان الرجل يتوعده: [من الطويل] # فإن كان هذا يا فزار تجلبا ... لنخشى فما نرتاع للجلبات # أألآن لما أن علا الشيب مفرقي ... وصارت نيوب العود مختلفات # فلو أن سافي الريح يحملكم قذى ... لأعيننا ما كنتم بقذاة # ألست فزاريا تبين لؤمه ... إذا قام بين الأنف والسبلات # ترى الخيل تستحيي إذا ما ركبتم ... عليها حياء البدن الخفرات # وقال أبو عبيدة: «ما ينبغي أن يكون في الدنيا مثل النظام: سألته وهو صبي ~~عن عيب الزجاج، فقال: سريع الكسر، بطيء الجبر» . # ومدحوا النخلة عنده، فقال: «صعبة المرتقى، بعيدة المهوى، خشنة المس، ~~قليلة الظل» . # وذكر النظام الخليل بن أحمد فقال: «توحد به العجب فأهلكه، وصور له ~~الاستبداد صواب رأيه فتعاطى ما لا يحسنه، ورام ما لا يناله، وفتنته دوائره ~~«1» التي لا يحتاجه إليها غيره» . # وكان أبو إسحاق إذا ذكر الوهم لم يشك في جنونه، وفي اختلاط عقله. # وهكذا كان الخليل، وإن كان قد أحسن في شيء. # PageV07P100 # وكان النطام كثيرا ما ينشد: [من الطويل] # فلو كنت أرضى لا أبالك بالذي ... به الخامل الجثام في الخفض قانع # قصرت على أدنى الهموم وأصبحت ... علي وعندي للرجال صنائع # وقال المريسي لأبي الهذيل بحضرة المأمون، بعد كلام جرى: كيف ترى هذه ~~السهام؟ قال: لينة كالزبد، حلوة كالشهد، فكيف ترى سهامنا؟ قال: ما أحسست ~~بها، قال: لأنها صادفت جمادا. # وأنشد أبو الهذيل: [من الكامل] # فإذا توهم أن يراها ناظر ... ترك التوهم وجهها مكلوما # فقال «1» : «هذه تناك بأير من خاطر» وأنشدني أبو الهذيل بعد أن أنشد هذا ~~البيت «2» : [من الرجز] # اسجد لقرد السوء في زمانه ... ولا تسائل عن خبيء شأنه # وقال آخر: [من الطويل] # كم من كريم ضعضع الدهر حاله ... وكم من لئيم أصبح اليوم صاعدا # وقد قال في الأمثال في الناس واعظ ... بتجربة أهدى النصيحة جاهدا # إذا دولة للقرد جاءت فكن له ... وذلك من حسن المداراة، ساجدا # بذاك تداريه ويوشك بعدها ... تراه إلى تبانه الرث عائدا # وأنشدني الأصمعي في معنى قول الفرزدق «3» : [من الطويل] # به لا بظبي بالصريمة ms1092 أعفرا # لرجل من بني القين: [من الوافر] # PageV07P101 # أقول لصالح لما دهته ... بنات الدهر ويحك ما دهاكا # شجاك العزل، لا بأخي نوال ... من الفتيان كربة ما شجاكا # أتيتك زائرا فرجعت صفرا ... كذاك تكون أوبة من أتاكا # أحب لك السلامة يا ابن أمي ... وإن كنت امرأ بخلت يداكا # حفاظا للعشيرة لا بعرف ... فإن العرف من به سواكا # وقال الفرزدق: [من الطويل] # ألا خبروني أيها الناس إنني ... سألت ومن يسأل عن العلم يعلم # سؤال امرئ لم يغفل العلم صدره ... وما العالم الواعي الأحاديث كالعمي # وقال أيضا: [من الطويل] # ألم تعلموا يا آل طوعة أنما ... تهيج جليلات الأمور دقيقها # سأثني على سعد بما قد علمته ... وخير أحاديث الرجال صدوقها ### | 2128- [بعض الأخبار العجيبة] # قال أبو عثمان: ومما أكتب لك من الأخبار العجيبة التي لا يجسر عليها إلا ~~كل وقاح أخبار بعض العلماء وبعض من يؤلف الكتب ويقرؤها ويدارس أهل العبر ~~ويتحفظها. # زعموا «1» أن الضبع تكون عاما ذكرا وعاما أنثى. وسمعت هذا من جماعة منهم ~~ممن لا أستجيز تسميته. # قال الفضل بن إسحاق: أنا رأيت العفص والبلوط في غصن واحد. # قال: ومن العفص ما يكون مثل الأكر. وقد خبرني بذلك غيره، وهو يشبه تحول ~~الأنثى ذكرا والذكر أنثى. # وقد ذكرت العرب في أشعارها الضباع والذئاب والسمع والعسبار، وجميع الوحوش ~~والحشرات، وهم أخبر الخلق بشأن الضبع، فكيف تركت ما هو أعجب وأطرف. # وقد ذكرت العلماء الضباع في مواضع من الفتيا لم نر أحدا ذكر ذلك. وأولئك # PageV07P102 # بأعيانهم هم الذين زعموا أن النمر الأنثى تضع في مشيمة واحدة جروا وفي ~~عنقه أفعى قد تطوقت به، وإذا لم يأتنا في تحقيق هذه الأخبار شعر شائع، أو ~~خبر مستفيض، لم نلتفت لفته، وقد أقررنا أن للسقنقور أيرين، وكذلك الحرذون ~~والضب، حين وجدناه ظاهرا على ألسنة الشعراء وحكاية الأطباء. ### || 2129- [خرطوم الفيل] # والخرطوم للفيل هو أنفه، ويقوم مقام يده ومقام عنقه «1» ، والخرق الذي هو ~~فيه لا ينفذ، وإنما هو وعاء إذا ملأه الفيل من طعام أو ماء أولجه في فيه، ~~لأنه قصير ms1093 العنق لا ينال ماء ولا مرعى. وإنما صار ولد البختي من البختية ~~جزور لحم لقصر عنقه، ولعجزه عن تناول الماء والمرعى. ### || 2130- [خرطوم البعوضة] # وللبعوضة خرطوم، وهي تشبه بالفيل إلا أن خرطومها أجوف فإذا طعن به في جوف ~~الإنسان والبهيمة فاستقى به الدم من جوفه قذفت به إلى جوفها، فهو لها ~~كالبلعوم والحلقوم. # وللذبابة خرطوم تخرجه إذا أرادت الدم، وتدخله إذا رويت. فأما من سمى خطم ~~الخنزير والكلب والذئب خرطوما فإنما ذلك على التشبيه. وكذلك يقولون لكل ~~طويل [الخطم] «2» قصير اللحيين. # وقد يقال للخطم خرطوم على قوله: سنسمه على الخرطوم # «3» . # وأنشدنا ابن الأعرابي لفتى من بني عامر: [من البسيط] # ولا أقوم على شيخي فأشتمه ... ولا أمر على تلك الخراطيم # جعل سادة عشيرته في النادي والمجالس كالخراطيم والمقاديم والهوادي، وعلى ~~ذلك قالوا: بنو فلان أنف بني فلان ورؤوسهم وخراطيمهم، ومعنى العامري الذي ~~ذهب إليه في شعره كأنه عظم المشيخة أن يمر بهم، وقد قال الشاعر «4» : [من ~~الوافر] # هم الأنف المقدم والسنام # PageV07P103 # والفيل والببر، والطاوس والببغا، والدجاج السندي، والكركدن، مما خص الله ~~به الهند. وقد عدد ذلك مطيع بن إياس، حين خاطب جارية له كانت تسمى «روقة» ، ~~فقال «1» : [من الخفيف] # روق أي روق كيف فيك أقول ... سادسنا دوني وأرمائيل «2» # وبعيد من بينه حيثما كا ... ن وبين الحبيب قندابيل «3» # روق يا روق لو ترين محلي ... ببلاد معروفها مجهول # ببلاد بها تبيض الطواوى ... س وفيها يزاوج الزندبيل # وبها الببغاء والصفر والعو ... د له في ذرى الأراك مقيل «4» # والخموع العرجاء والأيل الأق ... رن والليث في الغياض النسول «5» # وقال أبو الأصلع الهندي، يفخر بالهند وما أخرجت بلاد الهند: [من الهزج] # لقد يعذلني صحبي ... وما ذلك بالأمثل # وفي مدحتي الهند ... وسهم الهند في المقتل # وفيه الساج والعاج ... وفيه الفيل والدغفل # وإن التوتيا فيه ... كمثل الجبل الأطول # وفيه الدارصيني ... وفيه ينبت الفلفل # والمتشابه عندهم من الحيوان الفيل، والخنزير، والبعوضة، والجاموس. وقال ~~رؤبة «6» : [من الرجز] # ليث يدق الأسد الهموسا ... والأقهبين الفيل والجاموسا «7» # PageV07P104 ### || 2131- [هجاء أبي الطروق لامرأته] # ولما هجا أبو الطروق ms1094 الضبي امرأته، وكان اسمها شغفر بالقبح والشناعة فقال ~~«1» : [من الرجز] # جاموسة وفيلة وخنزر ... وكلهن في الجمال شغفر # جعل الخنزير خنزرا، فجمعها كما ترى للتشابه. وقال الآخر: [من الطويل] # كأن الذي يبدو لنا من لثامها ... جحافل عير أو مشافر فيل ### || 2132- [شعر في الفيل] # والفيل يوصف بالفقم، ولذلك قال الأعرابي: [من الرجز] # قد قادني أصحبي المعمم ... ولم أكن أخدع فيما أعلم «2» # إذ صفق الباب العريض الأعظم ... وأدني الفيل لنا وترجموا # وقيل إن الفيل فيل مرجم ... خبعثن قد تم منه المحزم «3» # أجرد أعلى الجسم منه أصحم ... يجر أرحاء ثقالا تحطم «4» # ما تحتها من قرضها وتهشم ... وحنك حين يمد أفقم «5» # ومشفر حين يمد سرطم ... يرده في الجوف حين يطعم «6» # لو كان عندي سبب أو سلم ... نجيت نفسي جاهدا لا أظلم # وقال آخر: [من الرجز] # من يركب الفيل فهذا الفيل ... إن الذي يركبه محمول # على تهاويل لها تهويل ... كالطود إلا أنه يجول # وأذن كأنها منديل # PageV07P105 # وقال عمارة بن عقيل يضرب المثل بقوة الفيل: [من البسيط] # إذا أتانا أمير لم يقل لهم ... هيدا وجالت بنا منه الأحابيل # وعض مجهودنا الأقصى وحمله ... من المظالم ما لا يحمل الفيل # وقال أبو دهبل «1» يمدح أبا الفيل الأشعري: [من البسيط] # إن أبا الفيل لا تحصى فضائله ... قد عم بالعرف كل العجم والعرب # ونظر ابن شهلة المديني إلى خرطوم الفيل وإلى غرموله فقال: [من الطويل] # ولم أر خرطومين في جسم واحد ... قد اعتدلا في مشرب ومبال # فقد غلط لأن الفيل لا يشرب بخرطومه ولكن به يوصل الماء إلى فمه. فشبه ~~غرموله بالخرطوم، وغرموله يشبه بالجعبة والقنديل والبربخ. # وقال المخبل «2» في تعظيم شأن الفيل: [من الطويل] # أتهزأ مني أم عمرة أن رأت ... نهارا وليلا بلياني فأسرعا # فإن أك لاقيت الدهاريس منهما ... فقد أفنيا النعمان قبلي وتبعا # ولا يلبث الدهر المفرق بينه ... على الفيل حتى يستدير فيصرعا # وقال مروان بن محمد وهو أبو الشمقمق- وحدثني صديق لي قال سألت أبا ~~الشمقمق عن اسمه ونسبه. فقال: أنا مروان بن محمد، مولى مروان بن محمد «3» : # [من ms1095 البسيط] # يا قوم إني رأيت الفيل بعدكم ... فبارك الله لي في رؤية الفيل # رأيت بيتا له شيء يحركه ... فكدت أصنع شيئا في السراويل # وقالت دودة لأمها: [من البسيط] # يا أم إني رأيت الفيل من كثب ... لا بارك الله لي في رؤية الفيل # لما بصرت بأير الفيل أذهلني ... عن الحمير وعن تلك الأباطيل # PageV07P106 ### || 2133- [خطبة بدوي فيها ذكر الفيل] # وقال الأصمعي: جنى قوم من أهل اليمامة جناية فأرسل إليهم السلطان جندا من ~~بخارية ابن زياد، فقام رجل من أهل البادية يذمر أصحابه فقال: «يا معشر ~~العرب، ويا بني المحصنات، قاتلوا عن أحسابكم ونسائكم. والله لئن ظهر هؤلاء ~~القوم عليكم لا يدعون بها لينة حمراء «1» ، ولا نخلة خضراء، إلا وضعوها ~~بالأرض. ولا أغركم من نشاب «2» معهم، في جعاب كأنها أيور الفيلة، ينزعون في ~~قسي كأنها العتل «3» تئط إحداهن أطيط الزرنوق «4» ، يمغط «5» أحدهم فيها ~~حتى يتفرق شعر إبطيه، ثم يرسل نشابة كأنها رشاء «6» منقطع، فما بين أحدكم ~~وبين أن تفضخ عينه «7» ، أو يصدع قلبه منزلة» . # قال: فخلع قلوبهم فطاروا رعبا. ### || 2134- [الزندبيل] # قالوا «8» : الفيلة ضربان: فيل وزندبيل. وقد اختلفوا في أشعارهم ~~وأخبارهم. # فبعضهم يقول كالبخت والعراب، والجواميس والبقر، والبراذين والخيل، والفأر ~~والجرذان، والذر والنمل. وبعضهم يقول: إنما ذهبوا إلى الذكر والأنثى. # قال خالد القناص، وفي قصيدته تلك المزاوجة والمخمسة، التي ذكر فيها الصيد ~~فأطنب فيها، فقال حين صار إلى ذكر الفيل «9» : [من الرجز] # ذاك الذي مشفره طويل ... وهو من الأفيال زندبيل # فذهب إلى العظم. وقال الذكواني «10» : [من الرجز] # وفيلة كالطود زندبيل # PageV07P107 # وقال الآخر: [من الرجز] # من بين فيلات وزندبيل # فجعل الزندبيل هو الذكر. وقال أبو اليقظان سحيم بن حفص: # إن الزندبيل هو الأنثى. فلم يقفوا من ذا على شيء. ### || 2135- [الجن والحن] # وبعض الناس يقسم الجن على قسمين فيقول: هم جن وحن، ويجعل التي بالحاء ~~أضعفها، وأما الراجز فقال «1» : [من الرجز] # أبيت أهوي في شياطين ترن ... مختلف نجراهم جن وحن # ففرق هذا بين الجنسين. ### || 2136- [الناس والنسناس] # وسمع بعض الجهال قول الحسن: «ذهب الناس وبقيت في النسناس» ms1096 فجعل النسناس ~~جنسا على حدة. وسمع آخرون هم أجهل من هؤلاء قول فجعل النسناس جنسا على حدة. ~~وسمع آخرون هم أجهل من هؤلاء قول الكميت «2» : [من الطويل] # نسناسهم والنسانسا # فزعموا أنهم ثلاثة أجناس: ناس، ونسناس، ونسانس. هذا سوى القول في الشق، ~~وواق واق، وذوال باي، وفي العدار، وفي أولاد السعالي من الناس، وفي غير ذلك ~~مما ذكرناه في موضعه من ذكر الجن والإنس «3» . # وقد علم أهل العقل أن النسناس إنما وقع على السفلة والأوغاد والغوغاء، ~~كما سموا الغوغاء الجراد إذا ألقى البيض وسخف وخف وطار. # PageV07P108 ### || 2137- [هياج الفيل] # قال: وإذا اغتلم الفيل قتل الفيلة والفيالين وكل من لقيه من سائر الناس، ~~ولم يقم له شيء، حتى لا يكون لسواسه هم إلا الهرب، وإلا الاحتيال لأنفسهم. # وتزعم «1» الفرس أن فيلا من فيلة كسرى اغتلم، فأقبل نحو الناس فلم يقم له ~~شيء، حتى دنا من مجلس كسرى فأقشع «2» عنه جنده، وأسلمته صنائعه، وقصد إلى ~~كسرى ولم يبق معه إلا رجل واحد من فرسانه كان أخصهم به حالا، وأرفعهم ~~مكانا، فلما رأى قربه من الملك شد عليه بطبرزين «3» كان في يده فضرب به ~~جبهته ضربة غاب لها جميع الحديدة في جبهته، فصدف عنها وارتدع، وأبى كسرى أن ~~يزول من مكانه، فلما أيقن بالسلامة قال لذلك الرجل: ما أنا بما وهب الله لي ~~من الحياة على يدك بأشد سرورا مني بالذي رأيت من هذا الجلد والوفاء والصبر ~~في رجل من صنائعي، وحين لم تخطئ فراستي، ولم يفل رأيي «4» فهل رأيت أحدا قط ~~أشد منك؟ قال: نعم. # قال: فحدثني عنه. قال: على أن تؤمنني. فأمنه فحدث عن بهرام جوبين بحديث ~~شق على الملك وكرهه، إذ كان عدوه على تلك الصفة. # قال: إذا اغتلم الفيل وصال وغضب وخمط «5» خلاه الفيالون والرواض، فربما ~~عاد وحشيا. ### || 2138- [أهلي الفيلة ووحشيها] # والفيلة من الأجناس التي يكون فيها الأهلي والوحشي، كالسنانير والظباء ~~والحمير وما أشبه ذلك. وأنشد الكرماني لشاعر المولتان قوله: [من البسيط] # فكنت في طلبي من عنده فرجا ... كراكب الفيل وحشيا ms1097 ومغتلما # وهذه القصيدة هي التي يقول فيها: # قد كنت صعدت عن بغبور مغتربا ... حتى لقيت بها حلف الندى حكما «6» # قرم كأن ضياء الشمس سنته ... لو ناطق الشمس ألقت نحوه الكلما # PageV07P109 ### || 2139- [خصال كسرى] # وتقول الفرس: أعطي كسرى أبرويز ثمان عشرة خصلة لم يعطها ملك قط ولا ~~يعطاها أحد أبدا، من ذلك أنه اجتمع له تسعمائة وخمسون فيلا، وهذا شيء لم ~~يجتمع عند ملك قط. ومن ذلك أنه أنزى الذكورة على الإناث. وأن فيلة منها ~~وضعت عنده، وهي لا تتلاقح بالعراق، فكانت أول فيلة بالعراق وآخر فيلة تضع. # قالو: ولقي رستم الآزري المسلمين يوم القادسية ومعه من الفيلة عشرون ~~ومائة فيل، وكن من بقايا فيلة كسرى أبرويز. # قالوا «1» : ومن خصاله أن الناس لم يروا قط أمد قامة، ولا أتم ألواحا، ~~ولا أبرع جمالا منه، فلما مات فرسه الشبديز كان لا يحمله إلا فيل من فيلته، ~~وكان يجمع وطاءة ظهر الفيل وثبات قوائمه، ولين مشيته، وبعد خطوه، وكان ~~ألطفها بدنا، وأعدلها جسما. ### || 2140- [أكثر خلفاء المسلمين فيلة] # قالوا: ولم يجتمع لأحد من ملوك المسلمين من الفيلة ما اجتمع عند أمير ~~المؤمنين المنصور، اجتمع عنده أربعون فيلا، فيها عشرون فحلا. ### || 2141- [شرف الفيل] # قالوا «2» : والفيل أشرف مراكب الملوك. وأكثرها تصرفا، ولذلك سأل وهرز ~~الأسوار عن صاحب الحبشة، حين صافهم في الحرب، فقيل له: ها هو ذاك على ~~الفيل. فقال: لا أرميه وهو على مركب الملوك. ثم سأل عنه فقيل له: قد نزل ~~عنه وركب الفرس. قال: لا أرميه وهو على مركب الحماة. قيل: قد نزل عنه وركب ~~الحمار. قال: قد نزل عن مركبه لحمار! فدعا بعصابة رفع بها حاجبيه- وكان قد ~~أسن حتى سقط جاجباه على عينيه- ثم رماه فقتله. ### || 2142- [ذكاء الفيل] # وكان سهل بن هارون يتعجب من نظر الفيل إلى الإنسان، وإلى كل شيء يمر به. ~~وهو الذي يقول «3» : [من الطويل] # PageV07P110 # ولما رأيت الفيل ينظر قاصدا ... ظننت بأن الفيل يلزمه الفرض # قال أبو عثمان: وقد رأيت أنا في عين الفيل من صحة الفهم والتأمل إذا نظر ~~بها، ms1098 وما شبهت نظره إلى الإنسان إلا بنظر ملك عظيم الكبر راجح الحلم. وإذا ~~أردت أن ترى من الفيل ما يضحك، وتراه في أسخف حالاته وأجهله فألق إليه ~~جوزة، فإنه يريد أن يأخذ بطرف خرطومه، فإذا دنا منها تنفس، فإذا تنفس طارت ~~الجوزة من بين يديه، ثم يدنو ثانية ليأخذها فيتنفس أخرى، فتبعد عنه، فلا ~~يزال ذلك دأبه. ### || 2143- [فضله في الحرب] # قالوا: ويفضل الفيل الفرس في الحرب أن الفيل يحمي الجماعة كلهم، ويقاتل ~~ويرمي ويزج بالمزاريق «1» ، وله من الهول ما ليس للفرس، وهو أحسن مطاوعة، ~~ولا يعرف بجماح ولا طماح ولا حران. # والخيول العتاق ربما قتلت الفرسان بالحران مرة وبالإقدام مرة، وبسوء ~~الطاعة وشدة الجزع، وربما شب الفرس بفارسه حتى يلقيه بين الحوافر والسيوف، ~~للسهم يصيبه والحجر يقع به. # وما يشبه ظهر الفرس من ظهره، وظهر الفيل منظرة من المناظر ومسلحة من ~~المسالح. ### || 2144- [عمر الفيل] # وفي الفيلة عجب آخر، وذلك أن قصر الأعمار مقرون بالإبل والبراذين وبكل ~~خلق عظيم. وكل شيء يعايش الناس في دورهم وقراهم ومنازلهم فالناس أطول ~~أعمارا منها، كالجمل، والفرس والبرذون، والبغل والحمار، والثور والشاة، ~~والكلب والدجاج، وكل صغير وكبير، إلا الفيل فإنه أطول عمرا. # والفيل أعظم من جميع الحيوان جسما وأكثر أكلا، وهو يعيش مائة السنة ~~ومائتي السنة. # وزعم صاحب المنطق في كتاب الحيوان أنه قد ظهر فيل عاش أربعمائة سنة. # فالفيل في هذا الوجه يشارك الضباب والحيات والنسور، وإذا كان كذلك فهو ~~فوق الورشان وعير العانة- وهو من المعمرين وفوق المعمرين- وهو مع ذلك أعظم ~~الحيوان بدنا، وأطولها عمرا. # PageV07P111 ### || 2145- [الأسد والفيل] # وقال بعض من يستفهم ويحب التعلم: ما بال الأسد إذا رأى الفيل علم أنه ~~طعام له، وإذا رأى النمر والببر لم يكونا عنده كذلك؟ وكيف وهو أعظم وأضخم ~~وأشنع وأهول؟ فإن كان الأسد إنما اجترأ عليه لأنه من لحم ودم، واللحم طعامه ~~والدم شرابه. فالببر والنمر من لحم ودم، وهما أقل من هؤلاء وأقمأ جسما. # قال القوم: ومتى قدر الأسد في الفيل أنه إذا قاتله غلبه، وإذا ms1099 غلبه قتله، ~~وإذا قتله أكله؟ وقد نجد الببر فوق الأسد وهو لا يعرض له. والأسد فوق الكلب ~~وهو يشتهي لحمه، ويشتهي لحم الفهد بأكثر مما يشتهي لحم الضبع والذئب، وليست ~~علته المواثبة التي ذهبتم إليها. ### || 2146- [معرفة الحيوان] # فأما علم جميع الحيوان بمواضع ما يعيشها، فمن علم البعوضة أن من وراء ~~ظاهر جلد الجاموس دما، وإن ذلك الدم غذاء لها، وأنها متى طعنت في ذلك الجلد ~~الغليظ الشثن «1» ، الشديد الصلب، أن خرطومها ينفذ فيه على غير معاناة «2» ~~. # ولو أن رجلا منا طعن جلده بشوكة لانكسرت الشوكة قبل أن تصل إلى موضع ~~الدم. وهذا باب يدرك بالحس وبالطبع وبالشبه وبالخلقة. والذي سخر لخرطوم ~~البعوضة جلد الجاموس، هو الذي سخر الصخرة لذنب الجرادة، وهو الذي سخر قمقم ~~النحاس لإبرة العقرب. ### || 2147- [علة عدم تلاقح الفيلة بالعراق] # وقال بعض خصماء الهند: لو كانت الفيلة لا تتلاقح عندنا بالعراق لأنها ~~هندية لتغير الهواء والأرض، فعقر ذلك أرحامها، وأعقم أصلابها لكان ينبغي ~~للطواويس أن لا تتزاوج عندنا ولا تبيض ولا تفرخ. ونحن قد نصيد البلابل ~~والدباسي، والوارشين، والفواخت والقمارى والقبج والدراج، فلا تتسافد عندنا ~~في البيوت، وهي من أطيار بساتيننا وضياعنا، ولا تتلاقح إذا اصطدناها كرارزة ~~«3» ، بل لا تصوت ولا تغني ولا تنوح، وتبقى عندنا وحشية كمدة ما عاشت، فإن ~~أخذناها فراخا زاوجت وعششت # PageV07P112 # وباضت وفرخت، فلعلكم أن تكونوا لو أهديتم إلينا أولادها صغارا فنشأت ~~عندنا وذهب عنها وحشة الخلاء، وجدت أنس الأهلي، فإن الوحشة هي التي ~~أكمدتها، ونقضت قوتها، وأفنت شهوتها. ### || 2148- [وفاء الشفنين] # وقد نجد الشفنين الذكر تهلك أنثاه فلا يزاوج غيرها أبدا، في بلادها كان ~~ذلك أو في غير بلادها «1» ، ونحن لو جئنا بالأسد والذئاب والنمور والببور ~~فأقامت عندنا الدهر الطويل لم تتلاقح. ### || 2149- [قصة الذئب والأعرابي] # وقد أصاب أعرابي جرو ذئب فرباه ورجا حراسته وأن يألفه، فيكون خيرا له من ~~الكلب، فلما قوي وثب على شاة له فأكلها، فقال الأعرابي «2» : [من الوافر] # أكلت شويهتي وربيت فينا ... فما أدراك أن أباك ذيب ### || 2150- [تسافد حمير الوحش] # وقد ms1100 تتسافد عندنا حمير الوحش، وقد تلاقحت عند بعض الملوك. ### || 2151- [تلاقح الظباء في البيوت] # وكان جعفر بن سليمان أحضر على مائدته بالبصرة يوم زاره الرشيد ألبان ~~الظباء وزبدها وسلاها «4» ولبأها، فاستطاب الرشيد جميع طعومها. فسأل عن ذلك ~~وغمز جعفر بعض الغلمان فأطلق عن الظباء ومعها خشفانها «5» ، وعليها شملها ~~«6» ، حتى مرت في عرصة تجاه عين الرشيد، فلما رآها على تلك الحال وهي مقرطة ~~مخضبة استخفه الفرح والتعجب حتى قال: ما هذه الألبان؟ وما هذه السمنان ~~واللبأ والرائب والزبد الذي بين أيدينا؟! قال: من حلب هذه الظباء ألفت وهي ~~خشفان فتلاقحت وتلاحقت. # PageV07P113 ### || 2152- [استنتاج الذئاب والأسد بالعراق] # ولو أطلقوا الذئاب والأسد في مروج العراق، وأقاموا لها حاجاتها لتسافدت ~~وتلاقحت. فلعلهم لو تقدموا في اصطناع أولاد الفيلة واقتنائها صغارا أن تأنس ~~حتى تتسافد وتتلاقح. وقد زعمتم أن كسرى أبرويز استنتج دغفلا واحدا «1» . ### || 2153- [احتجاج الهندي] # قال الهندي: تكفينا هذه الحجة، وهي بيننا وبينكم. أو ليس قد جهد في ذلك ~~جميع الملوك من جميع الأمم في قديم الدهر، فلم يستنتجوا إلا واحدا. وعلى أن ~~هذه الأحاديث من أحاديث الفرس، وهم أصحاب نفج «2» وتزيد ولا سيما في كل شيء ~~مما يدخل في باب العصبية، ويزيد في أقدار الأكاسرة، وإن كانوا كذلك فهم ~~أظناء، والمتهم لا شهادة له. ولكن هل رأيتم قط هنديا أقر بذلك، أو هل أقرت ~~بقايا سائر الأمم للفرس بهذا الأمر للفيل المعروف بهذا الاسم. ### || 2154- [استطراد لغوي] # ويقال رجل فيل إذا كان في رأيه فيالة، والفيالة. الخطأ والفساد. وهم ~~يسمون الرجل بفيل. منهم فيل مولى زياد. ويكنون بأبي الفيل، منهم أبو الفيل ~~الأشعري الذي امتدحه أبو دهبل. # وقال: الراجز غيلان يقال له راكب الفيل: ومنهم عنبسة الفيل، وكذلك يقال ~~لابنه معدان وله حديث. وقال الفرزدق: [من الطويل] # لقد كان في معدان والفيل راجر ... لعنبسة الراوي علي القصائدا # وقال الأصمعي: إذا كان الرجل نبيلا جبانا قيل هذا فيل، وأنشد: [من ~~الطويل] # يقولون للفيل الجبان كأنه ... أزب خصي نفرته القعاقع # وقال سلمة بن عياش: قال لي رؤبة: «ما ms1101 كنت [أحب أن] «4» أرى في رأيك ~~فيالة» . # ويقول الرجل لصاحبه: لم يفل رأيك. وهو رأي فائل، ورجل فيل. وبالكوفة # PageV07P114 # باب الفيل، ودار الفيل في السبابجة، وكذلك حمام فيل، وفي حمام فيل يقول ~~بعض السلف: [من الوافر] # لعمر أبيك ما حمام كسرى ... على الثلثين من حمام فيل # وقال الجارود بن أبي سبرة: [من الوافر] # وما إرقاصنا خلف الموالي ... كسنتنا على عهد الرسول # وأبو الفيل محمد بن إبراهيم الرافقي كان فارس أهل العراق. # وفيلويه السقطي هو الذي كان يجري لأمه كل أضحى درهما. فحدثتني امرأة قالت ~~قلت لأم فيلويه: أو ما كان يجري فيلويه في كل أضحى إلا درهما؟ قالت: إي ~~والله، وربما أدخل أضحى في أضحى «1» ! ### || 2155- [مثالب الفيل] # وقال بعض من يخالف الهند: الفيل لا ينتفع بلحمه ولا بلبنه، ولا بسمنه ولا ~~يزبده، ولا بشعره ولا بوبره ولا بصوفه، عظيم المؤونة في النفقة، شديد ~~التشزن «2» على الرواض، وإن اغتلم لم تف جميع منافعه في جميع دهره بمضرة ~~ساعة واحدة. # وهو مرتفع في الثمن، وإن أخطؤوا في تدبير مطمه ومشربه، وتعلمه وتلقنه هلك ~~سريعا، ولا يتصرف كتصرف الدواب، ولا يركب في الحوائج والأسواق وفي الجنائز ~~والزيارات. # ولو أن إنسانا عاد مريضا أو اتبع جنازة على فيل لصار شهرة، وترك الميت ~~آية. ### || 2156- [رؤيا الفيل] # وسئل ابن سيرين عن رجل رأى فيما يرى النائم كأنه راكب على فيل، فقال: # أمر جسيم لا منفعة له. # قالوا: وقال رجل للحجاج بن يوسف: رأيت في المنام رجلا من عمالك قدم فيلا ~~فضرب عنقه، فقال: إن صدقت رؤياك هلك داهر بن بصبهرى. ### || 2157- [حكم أكل لحمه] # وسئل الشعبي عن أكل لحم الفيل، فقال: ليس هو من بهيمة الأنعام. # PageV07P115 ### || 2158- [خرطوم الفيل] # وخرطومه، الذي هو سلاحه والذي به يبطش وبه يعيش، من مقاتله. # وقال زهرة بن جؤية يوم القادسية: أما لهذه الدابة مقتل؟ قالوا: بلى، ~~خرطومه، فشد عليهم حتى خالطهم، ودنا من الفيل، فحمل كل واحد منهما على ~~صاحبه فضرب خرطومه فبرك وأدبر القوم. ### || 2159- [بعض صفة الفيل] # قال: والفيل أفقم قصير ms1102 العنق، مقلوب اللسان، مشوه الخلق، فاحش القبح. # ولم يفلح ذو أربع قط قصير العنق في طلب ولا هرب. ولولا أن مسلوخ النور ~~يجول في إهابه، ولولا سعته وغببه، لما خطا مع قصر عنقه، ولذلك قال الأعرابي ~~«1» : «ومن جعل الأوقص كالأعنق والمطبق كالضابع» . # وقال الشاعر في غبب الثور «2» ، وهو إسحاق بن حسان الخريمي «3» : [من ~~المتقارب] # وأغلب فضفاض جلد اللبان ... يدافع غبغبه بالوظيف # وليس يؤتى البعير في حضره مع طول عنقه إلا من ضيق جلده. والفيل ضئيل ~~الصوت، وذلك من أشد عيوبه. والفيل إذا بلغ في الغلمة أشد المبالغ أشبه ~~الجمل في ترك الماء والعلف حتى تنضم أيطلاه ويتورم رأسه. وقد وصف الراجز ~~الجمل الهائج فقال: [من الرجز] # سام كأن رأسه فيه ورم ... إذ ضم إطليه هياج وقطم «4» # وآض بعد البدن ذا لحم زيم «5» # ولو لم يكن في الفيلة من العيب إلا أن عدة أيام حملها كعمر بعض البهائم، ~~لكان ذلك عيبا. # وقد ترك أهل المدينة غراس العجوة، لما كانت لا تطعم إلا بعد أربعين سنة. # PageV07P116 ### || 2160- [قدرته على حمل الأثقال] # قال: وليس شيء يحمل من عدد الأرطال ما يحمل الفيل، لأن الذي يفضل فيما ~~بين حمل الفيل وحمل البختي أكثر من قدر ما يفضل بين جسم الفيل على جسم ~~البختي. # وقد قال الأعرابي الذي أدخل على كسرى ليعجب من جفائه وجهله، حين قال له: ~~أي شيء أبعد صوتا؟ قال: الجمل. قال: فأي شيء أطيب لحما؟ قال: الجمل. # قال: فأي شيء أنهض بالحمل؟ قال: الجمل. قال كسرى: كيف يكون الجمل أبعد ~~صوتا ونحن نسمع صوت الكركي من كذا وكذا ميلا؟ قال الأعرابي: ضع الكركي في ~~مكان الجمل، وضع الجمل في مكان الكركي حتى يعرف أيهما أبعد صوتا. قال: # وكيف يكون لحم الجمل أطيب من لحم البط والدجاج والفراخ والدراج والنواهض ~~والجداء؟ قال الأعرابي: يطبخ لحم الدجاج بماء وملح، ويطبخ لحم الجمل بماء ~~وملح، حتى يعرف فضل ما بين اللحمين. قال كسرى: فكيف تزعم أن الجمل أحمل ~~للثقل من الفيل والفيل يحمل كذا وكذا ms1103 رطلا؟ قال الأعرابي: ليبرك الفيل ~~ويبرك الجمل، وليحمل على الفيل حمل الجمل، فإن نهض به فهو أحمل للأثقال. # قال القوم: ليس في استطاعة الجمال النهوض بالأحمال ما يوجب لها فضيلة على ~~حمل ما هو أثقل. ولعمري، إن للجمل بلين أرساغه وطول عنقه لفضيلة في النهوض ~~بعد البروك، فأما نفس الثقل فالذي بينهما أكثر من أن يقع بينهما الخيار. # قالوا: وبفارس ثيران تحمل حمل الجمل باركة ثم تنهض به. فهذا باب الذم. ### || 2161- [مناقب الفيل] # فأما باب الحمد فقد حدثنا عن شريك، عن جابر الجعفي، قال: رأيت الشعبي ~~خارجا فقلت له: إلى أين؟ قال: أنظر إلى الفيل. # قال: وسألت أبا عبيدة فقلت: ما لون الفيل؟ قال: جون. ### || 2162- [ما يحث به الفيل] # ومن أعاجيب الفيل أن سوطه الذي به يحث ويصرف، محجن حديد طرفه في جبهته، ~~والطرف الآخر في يد راكبه، فإذا راد منه شيئا غمز تلك الحديدة في لحمه، على ~~قدر إرادته لوجوه التصرف «1» . # PageV07P117 ### || 2163- [قصة الفيل] # وقد ذكر ذلك أبو قيس بن الأسلت في الجاهلية. وهذا الشعر حجة في صرف الله ~~الفيل والطير الأبابيل، وصد أبي يكسوم عن البيت. وسنذكر من ذلك طرفا إن شاء ~~الله تعالى. قال أبو قيس «1» : [من المتقارب] # ومن صنعه يوم فيل الحبو ... ش إذ كلما بعثوه رزم «2» # محاجنهم تحت أقرابه ... وقد كلموا أنفه فانخرم # وقد جعلوا سوطه معولا ... إذا يمموه قفاه كلم # فأرسل من فوقهم حاصبا ... يلفهم مثل لف القزم # وقال أيضا صيفي بن عامر، وهو أبو قيس بن الأسلت «3» ، وهو رجل يمان من ~~أهل يثرب، وليس بمكي ولا تهام «4» ولا قرشي ولا حليف قرشي، وهو جاهلي: [من ~~الكامل] # قوموا فصلوا ربكم وتعوذوا ... بأركان هذا البيت بين الأخاشب «5» # فعندكم منه بلاء مصدق ... غداة أبي يكسوم هادي الكتائب # فلما أجازوا بطن نعمان ردهم ... جنود الإله بين ساف وحاصب # فولوا سراعا نادمين ولم يؤب ... إلى أهله ملحبش غير عصائب # ويدل على صحة هذا الخبر قول طفيل الغنوي، وهو جاهلي، وهذه الأشعار صحيحة ~~معروفة لا يرتاب بها أحد من الرواة، ms1104 وإنما قال ذلك طفيل لأن غنيا كانت تنزل ~~تهامة، فأخرجتها كنانة فيمن أخرجت، فهو قوله «6» : [من البسيط] # ترعى مذانب وسمي أطاع له ... بالجزع حيث عصى أصحابه الفيل «7» # PageV07P118 # قال أبو الصلت «1» ، واسمه ربيعة، وهو أبو أمية بن أبي الصلت، وهو ثقفي ~~طائفي، وهو جاهلي، وثقيف يومئذ أضداد بالبلدة وبالمال وبالحدائق والجنان، ~~ولهم اللات والغبغب، وبيت له سدنة يضاهئون بذلك قريشا. فقال مع اجتماع هذه ~~الأسباب التي توجب الحسد والمنافسة: [من الخفيف] # إن آيات ربنا بينات ... ما يماري فيهن إلا الكفور # حبس الفيل بالمغمس حتى ... ظل يحبو كأنه معقور # واضعا حلقة الجران كما قط ... ر صخر من كبكب محدور # وقال بعضهم «2» لأبرهة الأشرم: [من الرجز] # أين المفر والإله الطالب ... والأشرم المغلوب غير الغالب # وقال عبد المطلب «3» يوم الفيل وهو على حراء: [من مجزوء الكامل] # لاهم إن المرء يم ... نع رحله فامنع حلالك # لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم أبدا محالك # إن كنت تاركهم وقب ... لتنا فأمر ما بدا لك # وقال نفيل بن حبيب الخثعمي «4» ، وهو جاهلي شهد الفيل وصنع الله في ذلك ~~اليوم: [من الوافر] # ألا ردي جمالك يا ردينا ... نعمناكم مع الإصباح عينا # فإنك لو رأيت ولن تريه ... لدى جنب المحصب ما رأينا # أكل الناس يسأل عن نفيل ... كأن علي للحبشان دينا # حمدت الله أن عاينت طيرا ... وحصب حجارة تلقى علينا # PageV07P119 # وقال المغيرة بن عبد الله المخرومي «1» : [من الرجز] # أنت حبست الفيل بالمغمس ... حبسته كأنه مكردس # محتبس تزهق فيه الأنفس # قال الله تبارك وتعالى: ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل ألم يجعل كيدهم ~~في تضليل. وأرسل عليهم طيرا أبابيل. ترميهم بحجارة من سجيل. فجعلهم كعصف ~~مأكول # «2» . وأنزل هذه السورة وقريش يومئذ مجلبون في الرد على النبي صلى الله ~~عليه وسلم، وما شيء أحب إليهم من أن يروا له سقطة أو عثرة أو كذبة، أو بعض ~~ما يتعلق به مثلهم، فلولا أنه كان أذكرهم أمرا لا يتدافعونه ولا يستطيع ~~العدو إنكاره، للذي يرى من إطباق الجميع عليه، لوجدوا أكبر المقال. فهذا ~~باب يكثر ms1105 الكلام فيه، وقد أتينا عليه في (كتاب الحجة) . # وقال: ألم تر كيف فعل ربك بعاد # «3» ، مثل قوله: ألم تر إلى ربك كيف مد الظل # «4» ، وقال: ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم ~~تنظرون # «5» . وهذا كله ليس من رؤية العين لنا. ### || 2164- [استطراد لغوي] # وباب آخر من هذا، وهو قوله: وتراهم ينظرون إليك وهم لا يبصرون # «6» . # ويقول الرجل: رأيت الرجل قال كذا وكذا، وسمعت الله قال كذا، وفلان يرى ~~السيف، وفلان يرى رأي أبي حنيفة، وقد رأيت عقله حسنا. وقال ابن مقبل «7» : ~~[من الطويل] # سل الدار من جنبي حبر فواهب ... بحيث يرى هضب القليب المضيح # وإذا قابل الجبل الجبل فهو يراه، إذ قام منه مقام الناظر الذي ينظر إليه. # وتقول العرب: دار فلان تنظر إلى دار فلان، ودور بني فلان تتناظر. # PageV07P120 # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا بريء من كل مسلم مع مشرك» قيل: ولم ~~يا رسول الله؟ # قال: «لا تتراءى ناراهما» «1» . # ويقولون: إذا استقمت تلقاء وجهك فنظر إليك الجبل فخذ عن يمينك. وقال ~~الكميت «2» : [من المتقارب] # وفي ضبن حقف يرى حقفه ... خطاف وسرحة والأحدل ### || 2165- [جسامة الفيل] # قال أبو عثمان: خرجت يوم عيد، فلما صرت بعيسا باذ «3» إذا أنا بتل مجلل ~~بقطوع ومقطعات «4» ، وإذا رجال جلوس، عليهم أسلحتهم فسألت بعض من يشهد ~~العيد فقلت: ما بال هذه المسلحة في هذا المكان وقد أحاط الناس بذلك التل؟ ~~فقال لي: هذا الفيل! فقصدت نحوه وما لي هم إلا النظر إلى أذنيه فرجعت عنه ~~بعد طول تأمل وأنا أتوهم عامة أعضائه بل جميع أعضائه إلا أذنيه، وما كانت ~~لي في ذلك علة إلا شغل قلبي بكل شيء هجمت عليه منه، وكله كان شاغلا لي عن ~~أذنه التي إليها كان قصدي، فذاكرت في ذلك سهل بن هارون، فذكر لي أنه ابتلي ~~بمثلها، وأنشدني في ذلك بيتين من شعره، وهما قوله: [من الوافر] # أتيت الفيل محتسبا بقصدي ... لأبصر أذنه ويطول فكري # فلم أر أذنه ورأيت خلقا ... يقرب بين نسياني وذكري ### || 2166- [أعجب الأشياء] ms1106 # قال: وقال رجل مرة: أخزى الله الفيل فما أقبحه. فقال بكر بن عبد الله ~~المزني: لا تشتم شيئا جعله الله آية في الجاهلية، وإرهاصا للنبوة. # وقال سعدان الأعمى النحوي: قلت للأصمعي: أي شيء رأيت أعجب؟ قال: # الفيل. # وقيل لابن الجهم: أي أمور الدنيا أعجب؟ قال: الشم. # وقيل لإبراهيم النظام: أي أمور الدنيا أعجب؟ قال: الروح. # PageV07P121 # وقيل لأبي عقيل بن درست: أي أمور الدنيا أعجب؟ قال: النوم واليقظة. # وقيل لأبي شمر: أي أمور الدنيا أعجب؟ قال: النسيان والذكر. # وقيل لسلم الخلال: أي أمور الدنيا أعجب؟ قال: النار. # وقيل لبطليموس: أي أمور الدنيا أعجب؟ قال: بدن الفلك. وقال مرة أخرى: ~~الضياء. # وقيل لأبي علي عمر بن فائد الأسواري: أي شيء مما رأيت أعجب؟ قال: # الآجال والأرزاق. # وكان إبراهيم بن سيار النظام شديد التعجب من الفيل. # وكان معبد بن عمر يقول: إن السرطان والنعامة أكثر عجائب من الفيل «1» . # وهذا كله تفسير. ### || 2167- [قول الخضر في بعض الدواب] # أبو عقيل السواق، عن مقاتل بن سليمان، قال «2» : قال موسى للخضر: أي ~~الدواب أحب إليك، وأيها أبغض؟ قال: أحب الفرس والحمار والبعير؛ لأنها من ~~مراكب الأنبياء، وأبغض الفيل والجاموس والثور. # فأما البعير فمركب هود وصالح وشعيب والنبيين عليهم السلام. وأما الفرس ~~فمركب أولي العزم من الرسل وكل من أمره الله بحمل السلاح وقتال الكفار. ~~وأما الحمار فمركب عيسى بن مريم وعزيز وبلعم. وكيف لا أحب شيئا أحياه الله ~~بعد موته قبل الحشر. # قال «3» : ولما نظر الفضل بن عيسى الرقاشي إلى سلم بن قتيبة على حمار ~~يريد المسجد قال: قعدة نبي وبذلة جبار. # وأبغض الفيل لأنه أبو الخنزير، وأبغض الثور لأنه يشبه الجاموس، وأبغض ~~الجاموس لأنه يشبه الفيل. # وأنشدني في هذا المعنى جعفر ابن أخت واصل، في منزل الفضل بن عاصم ~~الباخرزي: [من البسيط] # PageV07P122 # ما أبغض الخضر فيلا منذ كان ولا ... أحب عيرا وذاكم غاية الكذب # وكيف يبغض شيئا فيه معتبر ... وكان في الفلك فراجا من الكرب # والفيل أقبل شيء لو تلقنه ... حاجات نفسك من جد ومن لعب ms1107 # ولو تتوج فينا واحد فرأى ... زي الملوك لقد أوفى على الركب # يغضي ويركع تعظيما لهيبته ... وليس يعدله النشوان في الطرب # وليس يجذل إلا كل ذي فخر ... حر ومنبته من خالص الذهب # مثل الزنوج فإن الله فضلهم ... بالجود ... والتطويل في الخطب # قال: أنشدنيها يونس لابن رباح الشارزنجي. فمدح الفيل كما ترى بالطرب ~~والحكاية، وأنه قد أدب وعلم السجود للملوك. ### || 2168- [سجود الفيل للملك] # وزعموا أن أول شيء يؤدبونه به السجود للملك؛ قالوا «1» : خرج كسرى أبرويز ~~ذات يوم لبعض الأعياد، وقد صفوا له ألف فيل، وقد أحدق به وبها ثلاثون ألف ~~فارس، فلما بصرت به الفيلة سجدت له، فما رفعت رأسها حتى جذبت بالمحاجن ~~وراطنها الفيالون. # وقد شهد ذلك المشهد جميع أصناف الدواب: الخيل فما دونها، وليس فيها شيء ~~يفصل بين الملوك والرعية، فلما رأى ذلك كسرى قال: ليت أن الفيل كان فارسيا ~~ولم يكن هنديا، انظروا إليها وإلى سائر الدواب، وفضلوها بقدر ما ترون من ~~فهمها وأدبها. # وأما ما ذكر به الزنج من طول الخطب فكذلك هم في بلادهم وعند نوائبهم، ~~ولكن معانيهم لا ترتفع عن أقدار الدواب إلا بما لا يذكر. ### || 2169- [ما قيل في تعظيم شأن الفيل] # وأنشدوا في تعظيم شأن الفيل وصحة نظره وجودة تحديقه وتأمله، وسكون طرفه، ~~والشعر لبعض المتكلمين «2» : [من الطويل] # إذا ما رأيت الفيل ينظر قاصدا ... ظننت بأن الفيل يلزمه الفرض # وقد قيل إن الشعر لسهل بن هارون. # PageV07P123 ### || 2170- [مثل النون والضب] # وقال عبد الأعلى القاص: يقال في المثل: إن النون قال للضب حين رأى إنسانا ~~في الأرض: إني قد رأيت عجبا. قال: وما هو؟ قال: رأيت خلقا يمشي على رجليه، ~~ويتناول الطعام بيديه فيهوي به إلى فيه. قال: إن كان ما تقول حقا فإنه ~~سيخرجني من قعر البحر وينزلك من وكرك من رأس الجبل. ### || 2171- [تناول الفيل والقرد طعامه] # والفيل أعجب منه، لأن يده أنفه، وأيدي البهائم والسباع على حال عاملة ~~شيئا، والقرد يأكل بيديه وينقي الجوزة ويتفلى ويفلي أنثاه. وليس شيء يكرع ~~بأنفه ويوصل الطعام إلى فيه ms1108 بأنفه غير الفيل. ### || 2172- [إطعام الدب ولدها] # والدب الأنثى تقيم أولادها تحت شجرة الجوز، ثم تصعد الشجرة فتجمع الجوز ~~في كفها، ثم تضرب باليمنى على اليسرى فتحطم ذلك الجوز فترمي به إلى ~~أولادها، فلا تزال كذلك حتى إذا شبعن نزلت. ### || 2173- [قوة الدب] # وربما قطع الدب من الشجرة الغصن العبل الضخم الذي لا يقطعه صاحب الفأس ~~إلا بالجهد الشديد، ثم يشد به على الفارس قابضا عليه في موضع مقبض العصا ~~فلا يصيب شيئا إلا هتكه. ### || 2174- [قلة تصرف يدي الفيل] # قال صاحب المنطق: ليس شيء من ذوات الأربع إلا وتصرف يديه في الجهات أقل ~~من تصرف يدي الفيل. ### || 2175- [شعر في وصف جلد الفيل والجاموس] # وقال أبو عثمان: ويوصف جلد الفيل، وجلد الجاموس بالقوة، قال جميل «3» : # [من الطويل] # PageV07P124 # إذا ما علت نشزا تمد زمامها ... كما امتد نهي الأصلف المترقرق «1» # وما يبتغي مني العداة تفاقدوا ... ومن جلد جاموس سمين مطرق «2» # وأبيض من ماء الحديد اصطفيته ... له بعد إخلاص الضريبة رونق ### || 2176- [شعر فيه ذكر الفيل] # وقال كعب بن زهير «3» في اعتذاره إلى النبي صلى الله عليه وسلم: [من ~~البسيط] # لقد أقوم مقاما لو يقوم به ... أرى وأسمع ما لو يسمع الفيل # لظل يرعد إلا أن يكون له ... من الرسول بأمر الله تنويل # وذكر أمية بن أبي الصلت سفينة نوح فقال «4» : [من الخفيف] # تصرخ الطير والبرية فيها ... مع قوي السباع والأفيال # حين فيها من كل ما عاش زوج ... بين ظهري غوارب كالجبال # وقال أمية «5» أيضا: [من الخفيف] # خلق النحل معصرات تراها ... تعصف اليابسات والمخضورا # والتماسيح والثياتل والأي ... ل شتى والريم واليعفورا # وصوارا من النواشط عينا ... ونعاما خواضبا وحميرا # وأسودا عواديا وفيولا ... وسباعا والنمر والخنزيرا ### || 2177- [طيب عرق الفيل] # وتزعم الهند أن جبهة الفيل في بعض الزمان تعرق عرقا غليظا غير سائل، يكون ~~أطيب رائحة من المسك. وهذا شيء يعتريه كل عام. وموضع ذلك الينبوع في جبهته ~~«6» . # PageV07P125 ### || 2178- [فأرة المسك والإبل] # والناس يجدون ريح المسك في بيوتهم في بعض الأحايين، وهي ريح فارة يقال ~~لها فارة المسك. والذي يكون في ms1109 ناحية خراسان الذي له فأر المسك ليس بالفأر ~~«1» ، وهو بالخشف «2» حين تضعه الظبية أشبه «3» . # وتقول العرب في فارة الإبل صادرة «4» : إن أرج ذلك العرق أطيب من المسك ~~الأذفر في ذلك الزمان، وفي ذلك الوقت من الليل والنهار. # قال الراعي «5» : [من الطويل] # لها فارة ذفراء كل عشية ... كما فتق الكافور بالمسك فاتقه # قال الأصمعي «6» قلت لأبي مهدية، أو قيل لأبي مهدية: كيف تقول لا طيب إلا ~~المسك؟ قال: فأين أنت من البان. قال: فقيل له: فقل: لا طيب إلا المسك ~~والبان. قال: فأين أنت عن أدهان بحجر. قالوا له: فقل: لا طيب إلا المسك ~~والبان وأدهان بحجر. قال: فأين أنتم عن فارة الإبل صادرة؟. # قالوا «7» : وربما وجد الناس في بيوتهم الجرذ يضرب إلى السواد، يجدون من ~~بدنه إذا عدا إلى جحره رائحة تشبه رائحة المسك، وبعض الناس يزعم أن هذا ~~الجنس هو الذي يخبأ الدنانير والدراهم والحلي، كما يصنع العقعق والغراب. # وهذا الجرذ غير فارة المسك التي تكون بخراسان، وتلك بالخشف الصغير أشبه، ~~وإنما يأخذون سرته وهي ملأى من دم عبيط. ### || 2179- [الآية في الفيل] # قالوا: وقد جعل الله الفيل من أكبر الآيات وأعظم البرهانات للبيت الحرام # PageV07P126 # ولقبلة الإسلام، وتأسيسا لنبوة النبي صلى الله عليه وسلم، وتعظيما لشأنه ~~ولما أجرى من ذلك على يدي جده عبد المطلب، حين غدت الحبشة لتهدم البيت ~~الحرام وتذل العرب، فلم يذكر الله منهم ملكا ولا سوقة باسم ولا نسب ولا لقب ~~وذكر الفيل باسمه المعروف، وأضاف السورة التي ذكر فيها الفيل إلى الفيل، ~~وجعل فيه من الآية أنهم كانوا إذا قصدوا به نحو البيت تعاصى وبرك، وإذا ~~خلوه وسومه «1» صد عنه وصدف. وفي أضعاف ذلك التقم أذنه نفيل بن حبيب، وقال: ~~«ابرك محمود» ، وكان ذلك اسمه. ### || 2180- [الطعن في قصة الفيل] # وقد طعن في ذلك ناس فقالوا: قد يستقيم أن ينصرف عنه ويحرد دونه، كل ذلك ~~بتصريف الله له. وكيف يجوز أن يفهم كلام العرب ويعرف معنى قول نفيل؟ # فإن قلتم: قد يفهم الفيل عن الفيال جميع ms1110 الأدب والتقويم، وجميع ما يريد ~~منه عند الحط والرحيل والمقام والمسير. قلنا: قد يفهم بالهندية كما يعرف ~~الكلب اسمه، ويعرف قولهم اخسأ. وقد يعرف السنور اسمه ويعرف الدعاء والزجر، ~~وكذلك الطفل والمجنون، وكذلك الحمار والفرس إذا كن قد عودن تلك الإشارة، ~~وسماع تلك الألفاظ. فأما الفيل وهو هندي جلبه إلى تلك البلدة حبشي، فخرج من ~~عجمة إلى عجمة، كيف يفهم مع ذلك لسان العرب وسرار نفيل بن حبيب بالعربية؟ # قلنا: قد يستقيم أن يكون قال له كلاما بالهندية كان قد تعود سماعه من ~~الفيالين، فيكون ترجمته بالعربية هذا الكلام الذي حكوه، وقد يكون الذي أنطق ~~الذئب لأهبان بن أوس؛ وجعل عود المنبر يحن إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~أن يصور لوهم الفيل إرادة نفيل بن حبيب. وقد يستقيم مع لقن الفيل وذكائه ~~وحكايته ومؤاتاته، أن يعرف ذلك كله وأكثر منه، لطول مقامه في أرض الحبشة ~~واليمن، وليس يبعد أن يكون بأرض الحبشة جماعة كثيرة من العرب من وافد وباغ ~~وتاجر، وغير ذلك من الأصناف، فيسمع ذلك منهم الفيل فيعرفه، وليس هذا ~~المقدار بمستنكر من الفيل، مع الذي قد أجمعوا عليه من فهم الفيل ومعرفته. # وكان منكه المتطبب الهندي صحيح الإسلام، وكان إسلامه بعد المناظرة ~~والاستقصاء والتثبت، قالوا: فسمع مرة من رجل وهو يقرأ: أفلا ينظرون إلى ~~الإبل # PageV07P127 # كيف خلقت # «1» ، وسمع بعض الجهال يقول: فكيف لو رأى الفيل؟ فعذله قوم، فقال منكه: ~~لا تعذلوه فإنه لا شك أن خلق الفيل أعجب، فقيل له: فكيف لم يضرب به الله ~~تعالى المثل دون البعير؟ فقال أبو إسحاق إبراهيم بن سيار النظام، فقلت له: # ليس الفيل بأعجب من البعير. واجعله يعجب من البعير. وهو إنما خاطب العرب، ~~وهم الحجة على جميع أهل اللغات، ثم تصير تلك المخاطبة لجميع الأمم بعد ~~الترجمة على ألسنة هؤلاء العرب، الذين بهم بدأت المخاطبة لجميع الأمم. وكيف ~~يجوز أن يعجب جماعة الأمم من شيء لم يروه قط، ولا كان على ظهرها يوم نزلت ~~هذه السورة رجل واحد كان ms1111 قد شهد الفيل والحبشة. وعلى أن الفيل وافى مكة وما ~~بها أحد إلا عبد المطلب في نفير من بقية الناس، ولا كانوا حيث يتأملون ~~الفيل. # وقد قال ناس: كان الناس رجلين، رجل قد سمع بهذا الخبر من رجالات قريش ~~الذين يجترون إلى أنفسهم بذلك التعظيم، كما كانت السدنة تكذب للأوثان ~~والأصنام والأنصاب، لتجتر بذلك المنافع، ورجل لم يكن عنده علم بأن هذا ~~الخبر باطل فلم يتقدم على إنكار ذلك الخبر، وجميع قريش تثبته. # قيل لهم: إن مكة لم تزل دار خزاعة وبقايا جرهم وبقايا الأمم البائدة، ~~وكانت كنانة منها النسأة، وكانت مر بن أد من رهط صوفة والربيط منها أصحاب ~~المزدلفة، وإليهم كانت السدانة، وكانت عدوان وأبو سيارة عميلة بن أعزل، ~~تدفع بالناس، وقد كان بين خزاعة وبقايا جرهم ما كان حتى انتزعوا البيت ~~منهم، وقد كان بين ثقيف وقريش لقرب الدار والمصاهرة، والتشابه في الثروة ~~والمشاكلة في المجاورة تحاسد وتنافر، وقد كان هنالك فيهم المولى والحلفاء ~~والقطان والنازلة، ومن يحج في كل عام، وكان البيت مزورا على وجه الدهر، ~~يأتونه رجالا وركبانا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق، وبشق الأنفس، كما ~~قال الله تعالى: فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم # «2» ، وكانوا بقرب سوق عكاظ وذي المجاز، وهما سوقان معروفان، وما زالتا ~~قائمين حتى جاء الإسلام، فلا يجوز أن يكون السالب والمسلوب، والمفتخر به ~~والمفتخر عليه، والحاسد والمحسود، والمتدين به والمنكر له، مع اختلاف ~~الطبائع # PageV07P128 # وكثرة العلل، يجمعون كلهم على قبول هذه الآية وتصديق هذه السورة، وكلهم ~~مطبق على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم، والكفر به. # والمحلون من العرب ممن كان لا يرى للحرم ولا للشهر الحرام حرمة: طيئ ~~كلها، وخثعم كلها، وكثير من أحياء قضاعة ويشكر والحارث بن كعب، وهؤلاء كلهم ~~أعداء في الدين والنسب. هذا مع ما كان في العرب من النصارى الدين يخالفون ~~دين مشركي العرب كل الخلاف، كتغلب، وشيبان، وعبد القيس، وقضاعة، وغسان، ~~وسليح، والعباد، وتنوخ، وعاملة، ولخم، وجذام، وكثير من بلحارث بن ms1112 كعب، وهم ~~خلطاء وأعداء، يغاورون ويسبون، ويسبى منهم، وفيهم الثؤور «1» والأوتار ~~والطوائل، وهي العرب وألسنتها الحداد، وأشعارها التي إنما هي مياسم، وهممها ~~البعيدة، وطلبها للطوائل، وذمها لكل دقيق وجليل من الحسن والقبيح، في ~~الأشعار والأرجاز والأسجاع، والمزدوج والمنثور، فهل سمعنا بأحد من جميع ~~هؤلاء الذين ذكرنا أنكر شأن الفيل، أو عرض فيه بحرف واحد. ### || 2181- [كلام الفيل والذئب] # ورزين العروضي- وهو أبو زهير- لم أر قط أطيب منه احتجاجا، ولا أطيب عبارة ~~قال في شعر له يهجو ولد عقبة بن جعفر، فكان في احتجاجه عليهم وتقريعه لهم ~~أن قال «2» : [من البسيط] # تهتم علينا بأن الذئب كلمكم ... فقد لعمري أبوكم كلم الذيبا # فكيف لو كلم الليث الهصور إذا ... تركتم الناس مأكولا ومشروبا # هذا السنيدي لا أصل ولا طرف ... يكلم الفيل تصعيدا وتصويبا # ولو كان ولد أهبان بن أوس ادعوا أن أباهم كلم الذئب، كانوا مجانين وإنما ~~ادعوا أن الذئب كلم أباهم، وأنه ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم وأنه ~~صدقه. # والفيل ليس يكلم السندي، ولم يدع ذلك السندي قط، وربما كان السندي هو ~~المكلم له، والفيل هو الفهم عنه. فذهب رزين العروضي من الغلط في كل مذهب. # PageV07P129 ### || 2182- [ما يكلم من ضروب الحيوان] # والناس قد يكلمون الطير والبهائم والكلاب والسنانير والمراكب «1» ، وكل ~~ما كان تحتهم من أصناف الحيوان التي قد خولوها وسخرت لهم، وربما رأيت ~~القراد يكلم القرد بكل ضرب من الكلام، ويطيعه القرد في جميع ذلك، وكذلك ~~ربما رأيته يلقن الببغاء ضروبا من الكلام، والببغاء تحكيه، وإن في غراب ~~البين لعجبا، وكذلك كلامهم للدب والكلب والشاة المكية، وهذه الأصناف التي ~~تلقن وتحكي. ### || 2183- [تكليم الأنبياء للحيوان] # وقد روى الناس عن النبي صلى الله عليه وسلم في كلام السباع والإبل ضروبا، ~~ولم يذهبوا إلى أنها نطقت بحروف مقطعة، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم إما ~~أن يكون الله أوحى إليه بحاجاتها، وإما أن تكون فراسته وحسه وتثبته في ~~الأمور، مع ما يحضره الله من التوفيق، بين له معانيها وجلاها له، واستدل ~~بظاهر على باطن، وبهيئة ms1113 وحركة على موضع الحاجة، وإما أن يكون الله ألهمه ~~ذلك إلهاما. # وأما جهة سليمان بن داود، صلى الله على نبينا وعليه، في المعرفة بمنطق ~~الطير ومنطق كل شيء، فلا ينبغي أن يكون ذلك إلا أن يقوم منها في الفهم عنها ~~مقام بعضها من بعض، إذا كان الله قد خصه بهذا الاسم، وأبانه بهذه الدلالة. ~~وأعلام الرسل لا يكثر عددها، ولا تعظم أقدارها على أقدار فضائل الأنبياء؛ ~~لأن أكثر الأنبياء فوق سليمان بن داود، وأدنى ذلك أن داود فوقه، لأن الحكم ~~في الوارث والمورث، والخليفة والذي استخلفه، أن يكون الموروث أعلى، ~~والمستخلف أرفع. كذلك ظاهر هذا الحكم حتى يخص ذلك برهان حادث. # وإنما تكثر العلامات وتعظم على قدر طبائع أهل الزمان، وعلى قدر الأسباب ~~التي تتفق وتتهيأ لقوم دون قوم، وهو أن يكونوا جبابرة عتاة، أو أغبياء ~~منقوصين، أو علماء معاندين، أو فلاسفة محتالين، أو قوما قد شملهم من ~~العادات السيئة وتراكم على قلوبهم من الإلف للأمور المردية «2» ، مع طول ~~لبث ذلك في قلوبهم، أو تكون نحلتهم وملتهم ودعوتهم تحتمل من الأسباب ~~والاحتيالات أكثر مما يحتمل غيرها # PageV07P130 # من ذلك، فإن من الكفر ما يكون عند المسألة، والجواب أسرع انتشارا وأظهر ~~انتقاضا، ومنه ما يكون أمتن شيئا، وإن كان مصير الجميع إلى الانتقاض وإلى ~~الفساد. # ومنه شيء يحتاج من المعالجة إلى أكثر وأطول، وإنما يتفاضل العلماء عند ~~هذه الحال، وقد يكون أن ينقدح في قلوب الناس عداوات وأضغان سببها التحاسد ~~الذي يقع بين الجيران والمتفقين في الصناعة، وربما كانت العداوة من جهة ~~العصبية، فإن عامة من ارتاب بالإسلام إنما كان أول ذلك رأي الشعوبية ~~والتمادي فيه، وطول الجدال المؤدي إلى القتال، فإذا أبغض شيئا أبغض أهله، ~~وإن أبغض تلك اللغة أبغض تلك الجزيرة، وإذا أبغض تلك الجزيرة أحب من أبغض ~~تلك الجزيرة. فلا تزال الحالات تنتقل به حتى ينسلخ من الإسلام، إذ كانت ~~العرب هي التي جاءت به، وكانوا السلف والقدوة. ### || 2184- [أثر الغلمة في الجسم والعمر] # وتزعم الهند أن شدة غلمة الفيل ms1114 وطول أيامه فيها وهجرانه الطعام والشراب، ~~وبقية تلك الطبيعة، وعمل ذلك العرق الساري، هو الذي يمنع الفيل أن يصير في ~~جسمه مرتين، لأن ذلك من أمتن أسباب الهزال. وإذا تقادم ذلك في بدن وغب فيه، ~~عمل في العظم والعصب، بعد الشحم واللحم. وإذا كان رفع الصوت والصياح وكثرة ~~الكلام والغضب والحدة، إنما صار يورث الهزال لأن البدن يسخن عن ذلك، وإذا ~~شاعت فيه الحرارة أحرقت وأكلت وشربت، ولذلك صار الخصي من الديوك والأنعام ~~أسمن. # وزعموا أنه ليس فيما يعايش الناس من أصناف الحيوان أقصر عمرا من العصفور، ~~ولا أطول عمرا من البغل. وللأمور أسباب، فليس يقع الظن إلا على قلة سفاد ~~البغل وكثرة سفاد العصفور. # قالوا: ونجد العمر الطويل أمرا خاصا في الرهبان، فنظن أيضا أن تركها ~~الجماع من أسباب ذلك «1» . # قالوا: وإذا اغتلم الذكر من الحيوان فهو أخبث ما يكون لحما، وإذا كثر ~~سفاده تضاعف فيه ذلك، وصار لحمه أيبس ودمه أقل. # قال الشاعر «2» : [من الرجز] # PageV07P131 # أحب أن أصطاد ضبا سحبلا ... أو جرذا يرعى ربيعا أرملا # فجعله أرمل لا زوجة له ليكون أسمن له؛ لأن كثرة السفاد مما يورث الهزال، ~~ولا يكثر سفاده إلا من شدة غلمته. # وهجا أعرابي صاحبه حين أكل لحم سوء غث فقال: [من الرجز] # أكلته من غرث ومن قرم ... كالورل السافد يغنى بالنسم «1» # لأن لحم الورل لا يشبه لحم الضب، وهم لا يرغبون في أكله لأنه عضل مسيخ، ~~ولأنهم كثيرا ما يجدون في جوفه الحيات والأفاعي. وله ذنب سمين، وذلك عام في ~~الأذناب، وإن رأيتها في العين كأنها عضل. فإذا كان لحمها كذلك، ثم كان في ~~زمن هيجه وسفاده كان شرا له. # وللورل في السفاد ما يجوز به حد الجمل والخنزير. # قال: والنسم هو النسيم في هذا المكان. # وقالت أم فروة القرنية «2» : [من الطويل] # نفى نسم الريح القذى عن متونه ... فما إن به عيب تراه لشارب # وأنا أعلم أني لو فسرت لك معاني هذه الأشعار وغريبها، لكان أتم للكتاب ~~وأنفع لمن قرأ هذه الأبواب، ولكني ms1115 أعرف ملالة الناس للكتاب إذا طال. قال ~~الشاعر «3» يهجو من قراه لحم كلب: [من الطويل] # فجاء بخرشاوي شعير عليهما ... كراديس من أوصال أعقد سافد «4» # فلم يرض أن جعله كلبا حتى جعله سافدا. فأما ابن الأعرابي فزعم أنه إنما ~~عنى تيسا. وقد أبطل، وعلى أن المعنى فيهما سواء. # PageV07P132 ### || 2185- [أثر الخصاء في اللحم] # قالوا: وإنما صار الخصي من كل جنس أسمن لأنه لا يسفد ولا يهيج. ### || 2186- [السقنقور] # قالوا «1» : والسقنقور إنما ينفع أكله إذا اصطادوه في أيام هيجه وسفاده؛ ~~لأن العاجز عن النساء يتعالج بأكل لحمه، فصار لحم الهائج أهيج له. ### || 2187- [أبو نواس والحرامي الكاتب] # أقبل أبو نواس ومعه الحرامي الكاتب، وكان أطيب الخلق، وقد كانا قبل ذلك ~~قد نظرا إلى الفيلة فأبصرا غرمول فيل منها، وعلم الحرامي أن غرمول الفيل ~~يوصف بالجعبة، فوصف لنا غرموله، وأنشدنا فيه شعرا لنفسه: [من الرجز] # كأنه لما بدا للسفد ... جعبة تركي عليها لبد # قلنا له: أقويت واجتلبت ذكر اللبد عن غير حاجة، قال: فإني قد قلت غير ~~هذا. قلنا: فأنشدنا. فقال: [من الرجز] # كأنه لما دنا للشد ... شمعة قيل لففت في لبد # قلنا: فلا نرى لك بدا من اللبد على حال؟ قال: قال أبو نواس: فإني أقول ~~عنك بيتين. قال: فهاتهما. فقال: [من الرجز] # كأنه لما دنا للوثبه ... أيور أعيار جمعن ضربه # قال الحرامي لأبي نواس: هبهما لي على أن لا تدعيهما، فعسى أن أنتحلهما. # قلت له: وما ترجو من هذا الضرب من الأشعار؟ قال: قد رأيت غرموله، فما ~~عذري عند الفيل إن لم أقل فيه شيئا. ### || 2188- [فهم الفيل الهندية] # وحدثني صديق لي قال: رأيت الفيالين على ظهر فيل من هذه الفيلة، وأقبل صبي ~~يريد السندي الراكب، فكلم الفيل بالهندية فوقف، ثم كلمه فمد يده رافعها في ~~الهواء حتى ركبها الغلام، ثم رفع يده حتى مد السندي يده، فأخذ بيد الصبي. ### || 2189- [أخلاف الحيوان وأطباؤه] # وللبقر والجواميس أربعة أخلاف في مؤخر بطونها، وللشاة خلفان، وللناقة # PageV07P133 # أربعة في مؤخر البطن. وللمرأة والرجل والفيل ثديان في الصدر، وثدي الفيل ms1116 ~~يصغر جدا إذا قرنته إلى بدنه. وللسنور ثمانية أطباء، وكذلك الكلبة في جميع ~~بطونهما. # والخنزيرة كثيرة الأطباء. وللفهدة في بطنها أربعة أطباء. وللبؤة طبيان لا ~~يصغران عن مقدار بدنها. والبقرة والأتان والرمكة والحجر في ذلك سواء، إلا ~~أنها من الحافر أطباء، ومن الظلف أخلاف. والسباع في ذلك والحافر سواء. ### || 2190- [عضو الفيل] # وقال صاحب المنطق: غرمول الفيل يصغر عن مقدار بدنه، وخصيته لاحقة بكليته ~~لا ترى، ولذلك يكون سريع السفاد. # وزعم الهندي صاحب «كتاب الباه» أن أعظم الأيور أير الفيل، وأصغرها أير ~~الظبي. ### || 2191- [الفيل في كتاب الحيوان] # وما أعجب ما قرأت في كتاب الحيوان لصاحب المنطق، وجدته قد ذكر رأس الفيل ~~وقصر عنقه، ولم يذكر انقلاب لسانه. وذلك أعجب ما فيه، ولم يذكر في كم يضع، ~~ولا مقدار وزن أعظم الأنياب وكيف يخرج من بطن أمه نابت الأسنان. ### || 2192- [خصائص الفيلة] # والفيلة لا تلد التؤام. قال: وهي تفذ وتفرد. قال: وقال بعض العلماء: لا ~~يقال أفذت ولا أفردت إلا لما يجوز أن يتئم. # قال: وأمراضها أقل من أمراض غيرها، إلا أن النفخ والرياح يعرض لها كثيرا ~~ويؤذيها أذى شديدا، وعامة أمراضها من ذلك، حتى ربما منعها البول وغير ذلك. # قال: وإذا أكلت التراب ضرها ذلك، ولا سيما إذا أكثرت منه فعاودته. ### || 2193- [علاج الفيلة] # قال: وربما ابتلعت منه الحجارة. قال: وإذا أصابها استطلاق سقيت الماء ~~الحار وعلفت الحشيش المعسول. وإذا أتعبوها اعتراها السهر، فتعالج عند ذلك ~~بأن تدلك أكتافها بزيت وماء حار. قال: وبعضها يشرب الزيت شربا ذريعا. ### || 2194- [تذليل الفيل] # قال: وإذا تصعب الفيل وكان في حدثان ما اقتطعوه من الوحش فإنهم ينزون ~~عليه فيلا مثله، ويحتالون له في ذلك؛ فما أكثر ما يجدونه بعد ذلك قد لأن. # PageV07P134 # قال: وهو مادام راكبه عليه فهو ألين من كل ذي أربع، وأحسن طاعة، ولكن ~~لبعضها صعوبة عند نزوله عنه، فإذا شدوا مقاديم قوائمها بالحبال شدا قويا ~~لانت. # قال: وهي على صعوبتها تأنس سريعا وتلقن سريعا، فأول ما يعلم السجود ~~للملك، فإذا عرفه فكلما رآه سجد ms1117 له. ### || 2195- [صدق حس الفيل] # فأما صدق الحس فهو يفوق في ذلك جميع الحيوان، وهو والجمل سواء إذا علما، ~~لأن الأنثى إذا لقحت لم يعاوداها للضراب. فهذه فضيلة مذكورة في حس الجمل، ~~وقد شاركه الفيل فيها وباينه في خصال أخر. ### || 2196- [بعض خصائص الفيل] # وإناث الفيلة وذكورها متقاربة في السن، وكذلك النساء والرجال، وهو بحري ~~الطباع، ونشأ في الدفاء، وهو أجرد الجلد، فلذلك يشتد جزعه من البرد. فإن ~~كان أجرد الجلد، فما قولهم في أحاديثهم: طلبوا من الملك الفيل الأبيض ~~والفيل الأبقع، وجاء فلان على الفيل الأسود. ### || 2197- [حقد الفيل] # قال: وأخبرني رجل من البحريين لم أر فيهم أقصد ولا أسد ولا أقل تكلفا ~~منه، قال: لم أجدهم يشكون أن فيالا ضرب فيلا فأوجعه فألح عليه، وأنهم عند ~~ذلك نهوه وخوفوه وقالوا: لا تنم حيث ينالك؛ فإنه من الحيوان الذي يحقد ~~ويطالب. ولما أراد ذلك السائس القائلة شده إلى أصل شجرة وأحكم وثاقه، ثم ~~تنحى عنه بمقدار ذراع ونام، ولذلك السائس جمة. قال: فتناول الفيل بخرطومه ~~غصنا كان مطروحا، فوطئ على طرفه حتى تشعث، ثم أخذه بخرطومه، فوضع ذلك الطرف ~~على جمة الهندي، ثم لواها بخرطومه، فلما ظن أنها قد تشبكت به وانعقدت، جذب ~~العود جذبة فإذا الهندي تحت قوائمه، فخبطه خبطة كانت نفسه فيها. # فإن كان الحديث حقا في أصل مخرجه فكفاك بالفيل معرفة ومكيدة. وإن كان ~~باطلا فإنهم لم ينحلوا الفيل هذه النحلة دون غيره من الدواب إلا وفيه عندهم ~~ما يحتمل ذلك ويليق به. ### || 2198- [طيب عرق الفيل] # قال: والعرق الذي يسيل من جبهته في زمن من الزمان يضارع المسك في طيبه، ~~ولا يعرض له وهو في غير بلاده. # PageV07P135 ### || 2199- [أثر المدن في روائح الأشياء] # وقد علمنا أن لرائحة الطيب فضيلة إذا كان بالمدينة، وأن الناس إذا وجدوا ~~ريح النوى المنقع بالعراق هربوا منه. وأشراف أهل المدينة ينتابون المواضع ~~التي يكون فيها ذلك، التماسا لطيب تلك الرائحة. # ويزعم تجار التبت ممن قد دخل الصين والزابج «1» ، وقلب تلك الجزائر، ونقب ~~في البلاد، أن ms1118 كل من أقام بقصبة تبت اعتراه سرور لا يدري ما سببه، ولا يزال ~~مبتسما ضاحكا من غير عجب حتى يخرج منها. # ويزعمون أن شيراز من بين قرى فارس، لها فغمة طيبة. ومن مشى واختلف في ~~طرقات مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم، وجد منها عرفا طيبا وبنة عجيبة لا ~~تخفى على أحد، ولا يستطيع أن يسميها «2» . # ولو أدخلت كل غالية وكل عطر، من المعجونات وغير المعجونات، قصبة الأهواز ~~أو قصبة أنطاكية لوجدته قد تغير وفسد، إذا أقام فيها الشهرين والثلاثة. ### || 2200- [أثر بعض التمر في العرق] # وأجمع أهل البحرين أن لهم تمرا يسمى النابجي، وأن من فضخه وجعله نبيذا ثم ~~شربه وعليه ثوب أبيض، صبغه عرقه، حتى كأنه ثوب أتحمي «3» . ### || 2201- [استعمال الفيلة] # وزعم لي بعض البحريين أنها بالهند تكون نقالة وعوامل كعوامل البقر ~~والإبل. # والنقالة التي تكون في الكلاء «4» والسوق. وأنها تذل لذلك وتسامح وتطاوع، ~~وأن لها غلات من هذا الوجه. # وزعم لي أن أحد هذه الفيلة التي رأيناها بسر من رأى، أنه كان لقصار بأرض ~~سندان «5» ، يحمل عليه الثياب إلى الموضع الذي يغسلها فيه. ولا أعلمه إلا ~~الفيل الذي بعث به ماهان أو زكريا بن عطية. # PageV07P136 ### || 2202- [العاج] # قالوا: وعظام الفيل كلها عاج، إلا أن جوهر الناب أثمن وأكرم. وأكثر ما ~~ترى من # العاج # الذي في القباب والحجال والفلك والمداهن إنما هو من عظام الفيل، يعرف ذلك ~~بالرزانة والملاسة. # والعاج متجر كبير، ويتصرف في وجوه كثيرة، ولولا قدره لما فخر الأحنف بن ~~قيس فيما فخر به على أهل الكوفة، حيث قال: «نحن أكثر منكم عاجا وساجا، ~~وديباجا، وخراجا» . ويقال إنه من كلام خالد بن صفوان، ويقال إنه من كلام ~~أبي بكر الهذلي. ### || 2203- [موت الذباب] # وإذا خفق بأذنه الفيل فأصاب ذبابا أو يعسوبا أو زنبورا لم يفلح. والفرس ~~الكريم تقع الذبابة على موقي عينيه، فيصفق «1» بأحد جفنيه، فتخر الذبابة ~~ميتة. وقال ابن مقبل «2» : [من الطويل] # كأن اصطفاق مأقييه بطرفه ... صفاق أديم بالأديم يقابله # ويصيح الحمار فتصعق منه الذبابة فتموت. قال العبشمي: [من ms1119 الرجز] # من الحمير صعقا ذبانه ... بكل ميثاء كتغريد المغن # وقال عقبة بن مكدم التغلبي: [من الخفيف] # وترى طرفها حديدا بعيدا ... أعوجيا يطن رأس الذباب # وقال ابن مقبل «3» : [من الطويل] # ترى النعرات الخضر تحت لبانه ... فرادى وشتى أصعقتها صواهله «4» # وأنشد في غير هذا الباب «5» : [من الطويل] # PageV07P137 # وإني لقاض بين شيبان وائل ... ويشكر، إني بالقضاء بصير # وجدنا بني شيبان خرطوم وائل ... ويشكر خنزير أدن قصير «1» # وليس هذا موضع هذين البيتين. وأنشد «2» : [من الكامل] # أمسى المضاء ورهطه في غبطة ... ليسوا كما كان المضاء يقول # لا تخرأ الذبان فوق رؤوسهم ... فاليوم تخرأ فوقها وتبول ### || 2204- [قول زياد في بناء داره] # أبو الحسن قال: قال زياد ودخل داره، وكان بناها له فيل مولاه، فلم يرض ~~بناءها، فقال: ادعوا لي فيلا. فلم يجدوه. فقال: ليتها في بطن فيل، وفيل في ~~البحر. ### || 2204- [قصة فيل مولى زياد] # وكان فيل مولى زياد شديد اللكنة، وأهدى بعضهم إلى زياد حمار وحش، فقال ~~فيل «3» : أصلح الله الأمير، قد أهدوا لنا همار وهش! فقال: أي شيء تقول ~~ويلك؟ قال: أهدوا لنا أيرا. يريد عيرا فقال زياد: الأول أمثل. ### || 2206- [العيثوم] # وكان أبو مالك يقول # : العيثوم # الفيل الأنثى. وذهب إلى قول الشاعر «4» : [من الكامل] # وطئت عليك بخفها العيثوم # ويدل قول علقمة بن عبدة على أن العيثوم من صفات الفيل العظيم الضخم. # وقال «5» : [من البسيط] # PageV07P138 # تتبع جونا إذا ما هيجت زجلت ... كأن دفا على العلياء مهزوم # إذا تزغم من حافاتها ربع ... حنت شعاميم من أوساطها كوم» # يهدي بها أسجح الخدين مختبر ... من الجمال شديد الخلق عيثوم «2» ### || 2207- [ضرب المثل ببعد ما بين الجنسين] # وقد أكثروا في # | ضرب المثل ببعد ما بين الجنسين. # وقال عبد الرحمن بن الحكم «3» : [من الوافر] # أتغضب أن يقال أبوك عف ... وترضى أن يقال أبوك زاني # وأشهد أن رحمك من زياد ... كرحم الفيل من ولد الأتان # فجعل معاوية من نسل الفيل لشرفه، وجعل زيادا من نسل الحمار لضعته ولعمري ~~لقد باعد؛ لأن الغنم وإن كانت من النعم من ذوات الجرة والكروش فإن ما بين ms1120 ~~الغنم والإبل بعيد. # وكذلك قول الكميت «4» : [من الوافر] # وما خلت الضباب معطفات ... على الحيتان من شبه الحسول # قال: فهذا أبعد وأبعد، لأنه وإن ذهب إلى أن ولد نزار عرب فهم في معنى ~~الضباب وساكني الصحارى، وأولئك عجم، فجعلهم كالسمك الذي يعيش في الماء. ألا ~~ترى أن معاوية بن أبي سفيان بن يزيد بن معاوية، لما قتلته ضبة دست في استه ~~سمكة. # قال جرير «5» : [من البسيط] # ما بين تيم وإسماعيل من نسب ... إلا قرابة بين الزنج والروم # فقال قطرب: الصقالبة أبعد. قيل له: إن جريرا لا يفصل بين الصقالبة ~~والروم. # PageV07P139 # وعلى معنى الكميت قال الآخر «1» : «حتى يؤلف بين الضب والنون» وتقول ~~العرب «2» : «لا يكون ذاك حتى يجمع بين الأروى والنعام» لأن الأروى جبلية ~~والنعام سهلية. وقد قال الكميت «3» : [من الوافر] # يؤلف بين ضفدعة وضب ... ويعجب أن نبر بني أبينا # وهذا هو معناه الأول. وأبعد من هذا قول الشاعر «4» : # حتى يؤلف بين الثلج والنار ### || 2208- [قصة الجارية وأمها] # وقال أبو الحسن المدائني: قال أبو دهمان الغلابي عن الوقاصي. قال وحدثني ~~بذلك الغيداقي عن الوقاصي قال: قالت جارية لأمها ليلة زفافها: يا أمه، إن ~~كان أير زوجي مثل أير الفيل كيف أحتال حتى أنتفع به؟ قال: فقالت الأم: أي ~~بنية قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها سألت عنها أمها فقالت: لا يجوز ~~إلا أن يجعلك الله مثل امرأة الفيل. قال: فسكتت حولا ثم قالت لأمها يا أمه، ~~فإني إن سألت ربي أن يجعلني مثل امرأة الفيل أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: يا ~~بنية، قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها سألت عنها أمها فقالت: لا ~~يجوز ذلك إلا أن يجعل الله جميع نساء الرجال مثل نساء الفيلة. قال: فسكتت ~~عنها حولا ثم قالت: فإن سألت ربي أن يجعل نساء جميع الرجال مثل نساء الفيلة ~~أتطمعين أن يفعل ذلك؟ # قالت: يا بنية، قد سألت عن مثل هذه أمي فذكرت أنها سألت أمها عنها فقالت: ~~لا يجوز ذلك إلا أن يجعل الله جميع ms1121 رجال النساء مثل رجال نساء الفيلة. قال: # فسكتت عنها حولا ثم قالت فإن سألت ربي أن يجعل جميع رجال النساء مثل جميع ~~رجال نساء الفيلة أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قال: يا بنية، قد سألت عن هذه ~~المسألة أمي فذكرت أنها قد سألت أمها عنها، وأنها قالت: يا بنية، إن الله ~~إن جعل جميع # PageV07P140 # الناس فيلة لم تجد امرأة الفيل مع عظم بدنها من اللذة إلا مثل ما تجدين ~~أنت اليوم مع زوجك من اللذة، ثم تذهب عنك لذة الشم والتقبيل والضم ~~والتقليب، والعطر والصبغ، والحلي والمشطة والعتاب والتفدية وجميع ما لك ~~اليوم. قال: فسكتت حولا ثم قالت: يا أمه، إن سألت ربي أن يجعل أير الفيل ~~أعظم أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت الأم: أي بنية، قد سألت عن هذه المسألة أمي ~~فذكرت أنها سألت عنها أمها، وأنها قالت: أي بنية، إن الله إن جعل أير الفيل ~~أعظم، جعل حر امرأة الفيل أوسع وأعظم، فيعود الأمر كله إلى الأمر الأول. ~~قال: فسكتت عنها حولا ثم قالت: يا أمه، فإن سألت ربي أن يجعل أير الفيل أشد ~~غلمة فيصير عدد أكوامه أكثر أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: أي بنية، قد سألت ~~عن هذه المسألة أمي فذكرت أنها سألت أمها عنها، وأنها قالت: أي بنية سلي ~~الله أن يجعل زوجك أشد غلمة مما هو عليه، ولكن لا تسأليه ذلك حتى تسأليه أن ~~يزيدك في غلمتك. قالت: يا أمه، فإن سألت ربي أن يجعله في غلمة التيس ~~أتطمعين أن يفعل ذلك؟ قالت: أي بنية، قد سألت عن مثل هذه المسألة أمي فذكرت ~~أنها سألت عنها أمها، وأنها قالت: لا يجوز أن يجعله في غلمة التيس حتى ~~يجعله تيسا، قالت: يا أمه فإن سألت ربي أن يجعله تيسا أتطمعين في ذلك. ~~قالت: أي بنية، إنه لا يجعله تيسا حتى يجعلك عنزا. قال: # أي أمه، فإن سألته أن يجعله تيسا ويجعلني عنزا أتطمعين أن يفعل ذلك؟ ~~قالت: أي بنية قد سألت عن هذه المسألة أمي فذكرت ms1122 أنها زارت أمها لتسألها عن ~~هذه المسألة فوجدتها في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة، وما أشك أن ~~يومي قد دنا. # فلم تلبث الأم إلا أياما حتى ماتت. # معناها في تسويف اللذة ودفعها بالحيلة. # PageV07P141 ### | باب الظلف # وهي الظباء وهي معز، والمعز أجناس. والبقر الوحشي ذات أظلاف وهي بالمعز ~~أشبه منها بالبقر الأهلي، وهي في ذلك تسمى نعاجا. وليس بينها وبين الظباء، ~~وإن كانت ذوات جرة وكروش وقرون وأظلاف تسافد ولا تلاقح. وهي تشبهها في ~~الشعر، وفي عدم السنام. # ومن الظلف الوعل، والثيتل، والتامور «1» ، والأيل. جبليات كلها، لا أدري ~~كيف التسافد والتلاقح منها. # ومن الظلف الخنازير وهي بلا كرش ولا جرة ولا قرن. وليس بينهما موافقة إلا ~~في الظلف. # وفي الخنازير ما ليس ظلفه بمنشق، فذاك هو المخالف بالناب وبعدم هذه ~~الأشياء كلها. وتشاكل المعز والبقرة والظباء بالشعر وقصر الذنب، وتخالف ~~البقر والجواميس في طول الذنب، وفي عدد أيام الحمل. # ومن الظلف الضأن والمعز، وقد يكون بينهما تسافد وتلاقح إلا أنها تلقيه ~~مليطا «2» قبل أن يشعر «3» ، وذلك أقل من القليل. # ومن الظلف البقر الأهلي، والجواميس، وهي أهلية أبدا، وهي موافقة للضأن في ~~القرن وفي عدم الناب، وفي الجرة والكرش. وتخالف الضأن في الصوف والسنام ~~وتوافق المعز في الشعر وتخالف في السنام، وتخالف جميع الغنم في الحمل؛ لأن ~~الغنم تضع لخمسة أشهر. والبقر تضع كما تضع المرأة في تسعة أشهر. وليس تشبه ~~المرأة في غير ذلك، إلا ما يذكرون من الغبب «4» ونتو الكاهل، فإنهما ربما ~~كانا في بعض النساء، وأكثر ذلك في نساء الدهاقين. # PageV07P142 ### || 2209- [القول في الزرافة] # قالوا: والزرافة تكون في أرض النوبة فقط. قالوا: وهي تسمى بالفارسية ~~أشتركاو بلنك كأنه قال: بعير، بقرة، نمر. لأن كاو هو البقرة، وأشتر هو ~~الجمل، وبلنك هو النمر. # فزعموا أن الزرافة ولد النمرة من الجمل. فلو زعمتم أن الجمل يكوم الضبع ~~ويكوم بعض ما له ظلف ما كان إلا كذلك. والمسافدة في أجناس المخلب والخف ~~والحافر أعم، فلو جعلوا الفحل هو النمر، والأنثى ms1123 هي الناقة، كان ذلك أقرب ~~في الوهم. # وليس كل ذكر يكوم أنثى يلحقها. وقد يكوم الإنسان الدابة بشهوة منهما ~~جميعا ولا يكون تلاقح كما اتفقا في المسافدة. وإن الراعي يكوم الغنم وغير ~~الغنم. # وانظر، كم من ضرب ادعوا مما لا يعرف: فواحدة أن بهيمة ذكرا اشتهى سبعا ~~أنثى، وهو من أصعب السباع. ثم الثانية أنه ألقح، والثالثة أن أرحام النمور ~~لا تتسع لأولاد الإبل. # قالوا: نمورهم عظام وإبلهم لطاف. وقد تتسع أرحام القلاص العربية لفوالج ~~«1» كرمان، فتجيء بهذه الجمازات «2» . ولولا أنه فسر لجاز أن يكون النمر ~~يكوم الناقة فتتسع أرحامها لذلك. # قالوا: وفي أعالي بلاد النوبة تجتمع سباع ووحوش ودواب كثيرة، في حمارة ~~القيظ إلى شرائع المياه، فتتسافد هناك فيلقح منها ما يلقح، ويمتنع ما ~~يمتنع، فيجيء من ذلك خلق كثير مختلف الصورة والشكل والقدر، منها الزرافة. # وللزرافة خطم الجمل، والجلد للنمر، والأظلاف والقرن للأيل، والذنب للظبي، ~~والأسنان للبقر، فإن كانت أمها ناقة فقد كامها نمر وظبي وأيل في تلك ~~الشرائع. # وهذا القول يدل على جهل شديد. # والزرافة طويلة الرجلين، منحنية إلى مآخيرها، وليس لرجليها ركبتان، وإنما ~~الركبتان ليديها؛ وكذلك البهائم كلها. وعساه إنما أراد الثفنات. والإنسان ~~ركبتاه في رجليه. # PageV07P143 # ويقولون: «أشتر مرك» للنعامة، على التشبيه بالبعير والطائر، يريدون تشابه ~~الخلق، لا على الولادة. # ويقولون للجاموس «كاوماش» على أن الجاموس يشبه الكبش والثور، لا على ~~الولادة، لأن كاو بقرة، وماش اسم للضأن. # وقال آخر: تضع أم الزرافة ولدها من بعض السباع، ولا يشعر الناس بذلك ~~الذكر. قالوا: كاوماش على شبه الجواميس بالضأن، لأن البقر والضأن لا يقع ~~بينهما تلاقح. والتفليس «1» الذي في الزرافة لا يشبه الذي في النمر، وهو ~~بالببر أشبه، وما النمر بأحق به من هذا الوجه من الفهد. ### || 2210- [تسافد الأجناس المختلفة] # وقد يمكن أن تسمح الضبع للذئب، والذئبة للذبخ، والكلبة للذئب وكذلك ~~الثعلب والهرة، وكذلك الطير وأجناس الحمام كالورداني والورشان والحمام، ~~وكالشهري من بين الحجر والبرذون، والرمكة والفرس، والبغل من بين الرمكة ~~والحمار. # فأما بروك الجمل على النمرة، ms1124 والجمل لا بد أن تكون طروقته باركة، فكيف ~~تبرك النمرة للجمل، والسباع إنما تتسافد وتتلاقح قائمة، وكذلك الظلف ~~والحافر، والمخلب، والخف. والإنسان والتمساح يتبطنان الأنثى. والطير كله ~~إنما يتسافد ويتلاقح بالأستاه من خلف وهي قائمة. ### || 2211- [شواذ السفاد] # وزعموا أن الغراب يزاق. والحمر والقبج ربما ألقحا الإناث إذا كانا على ~~علاوة الريح «2» . ولا تكون الولادة إلا في موضع إلقاء النطفة والشيء الذي ~~يلقح منه. # وأما السمكة فقد عاين قوم معارضة الذكر للأنثى، فإذا سبح الذكر إلى جنب ~~الأنثى عقف ذنبه وعقفت ذنبها، فيلتقي المبالان فتكون الولادة من حيث يكون ~~التلقيح، لا يجوز غير ذلك. # والذين يزعمون «3» أن الحجلة تلقح من الحجل إذا كانت في سفالة الريح، من # PageV07P144 # شيء ينفصل من الذكر. فإنما شبهوا الحجل بالنخل، فإن النخلة ربما لقحت من ~~ريح كافور الفحال «1» إذا كانت تحت الريح. ### || 2212- [المخايرة بين ذوات القرون والجم] # قال: وسئل الشرقي عن مخايرة ما بين ذوات القرون والجم فقال: الإبل والخيل ~~من الخف والحافر. والبرثن والمخلب والقدم التي هي للإنسان. قال: فمن خصال ~~ذي القرن أن منه وإليه ينسب ذو القرنين الملك المذكور في القرآن، ويزعم ~~بعضهم أنه الإسكندر. وقال أمية بن أبي الصلت «2» : [من الكامل] # رجل وثور تحت رجل يمينه ... والنسر للأخرى وليث مرصد ### || 2213- [استطراد لغوي] # ويقال ضربه على قرنه. وقرن من دم، كما يقال قرن من عرق «3» . والقرن: أمة ~~بعد أمة. والقرن: شيء يصيب فروج النساء يشبه العفلة «4» . ### || 2214- [ذوات القرون] # والفيل من ذوات القرون، وفي الحيات والأفاعي ما لها قرون، وإنما ذلك الذي ~~تسمع أنه قرن إنما هو شيء يقولونه على التشبيه، لأنه من جنس الجلد ~~والغضروف. # ولو كان من جنس القرون لكانت الحية صلبة الرأس، والحية أضعف خلق الله ~~رأسا، ورأسه هو مقتله؛ لأن كل شيء له قرن فرأسه أصلب وسلاحه أتم. والقرن ~~سلاح عتيد غير مجتلب ولا مصنوع، وهو لذوات القرون في الرؤوس. وللكركدن قرن ~~في جبهته، والجاموس أوثق بقرنه من الأسد بمخلبه ونابه. # وتقول المجوس: يجيء بشوتن على بقرة ذات قرون «5» . # وظهرت ms1125 الآية في شأن داود وطالوت في القرن. وشبور اليهود من قرن. # والبوق في الحروب مذ كانت الحرب إنما كان قرنا. # PageV07P145 # وبوق الرحى قرن. والأيل ينصل قرنه في كل عام. وكان سنان رمح الفارس في ~~الجاهلية روق ثور. ### || 2215- [ما يسمى بروق] # ويسمى الرجل بروق، والروق كالشيء يعاقب الشيء وقال بشار في التعاقب: # [من الخفيف] # أعقبته الجنوب روقا من الأزيب # وفي العرب روق وأبو روق. وقال ابن ميادة «1» : [من السريع] # دان له الروقان من وائل ... وقبله دانت له حمير # الروقان: بكر وتغلب. ### || 2216- [استطراد لغوي] # ويقال قرن الضحى، وقرن الشمس، وقرون الشعر، وقرن الكلأ «2» ، وقرون ~~السنبل، وأطراف عذوق النخل وأطاف عروق الحلفاء وإبرة العقرب كلها قرون. ### || 2217- [علاقة القرون واللحى بالذكور] # والأجناس التي تكون لها القرون تكون قرونها في الذكور منها. وقد يكون ~~الفحل أجم، كما أن اللحى عام في الرجال، وقد يكون فيهم السناط «3» . ### || 2218- [أنواع القرون] # وقد تتشعب قرون الظباء إذا أسنت. # وقرون الظباء وبقر الوحش شداد جدا، وإنما تعتمد الأوعال في الوثوب وفي ~~القذف بأنفسها من أعالي الجبال على القرون. والأغلب على القرون أن تكون ~~اثنين اثنين. وقد يكون لبعض الغنم قرون عدة. ### || 2219- [استخدام القرون] # والجواميس تمنع أنفسها وأولادها من الأسد بالقرون، وبقر الوحش تمنع # PageV07P146 # أنفسها وأولادها من كلاب القناص ومن السباع التي تطيف بها، بالقرون. قال ~~الطرماح «1» : [من الرمل] # أكل السبع طلاها فما ... تسأل الأشباح غير انهزام ### || 2220- [قصة في سفاد الخنزير] # وقال ابن النوشجاني «2» : أقبلت من خراسان في بعض طرق الجبال فرأيت أكثر ~~من ميلين متصلين في مواضع كثيرة من الأرض، أثر ست أرجل، فقلت في نفسي: ما ~~أعرف دابة لها ست أرجل! فاضطرني الأمر إلى أن سألت المكاري، فزعم أن ~~الخنزير الذكر في زمان الهيج يركب الخنزيرة وهي ترتع أو تذهب نحو مبيتها، ~~فلا يقطع سفاده أميالا، ويداه على ظهرها ورجلاه خلف رجليها، فمن رأى تلك ~~الآثار، رأى ست أرجل، لا يدري كيف ذلك. ### || 2221- [ما يعرف بطول السفاد] # قال: فالخنزير في ذلك على شبيه بحال الذباب الذكر إذا سقط على ms1126 ظهر ~~الأنثى، في طول السفاد. # وإن الجمل في ذلك لعجيب الشأن، فأما العدد فالعصفور، ويحكى أن للورل في ~~ذلك ما ليس لشيء، يعني في القوة، وأنشد أبو عبيدة: [من الرجز] # في عظم أير الفيل في رهز الفرس ... وطول عيس جمل إذا دحس «3» ### || 2222- [فرس الماء] # قال عمرو بن سعيد فرس الماء # يأكل التمساح. قال «4» : ويكون في النيل خيول، وفي تلك البحور- يعني تلك ~~الخلجان- مثل خيول البر، وهي تأكل التماسيح أكلا شديدا، وليس للتماسيح في ~~وسط الماء سلطان شديد إلا على ما احتمله بذنبه من الشريعة. # قال: وفرس الماء يؤذن بطلوع النيل، بأثر وطء حافره، فحيث وجد أهل مصر أثر ~~تلك الأرجل عرفوا أن ماء النيل سينتهي في طلوعه إلى ذلك المكان. # PageV07P147 # وهذا الفرس ربما رعى الزروع، وليس يبدأ إذا رعى في أدنى الزرع إليه، ~~ولكنه يحزر منه قدر ما يأكل، فيبدأ بأكله من أقصاه، فيرعى مقبلا إلى النيل، ~~وربما شرب هذا الفرس من الماء، بعد المرعى ثم قاءه في المكان الذي رعى فيه، ~~فينبت أيضا. # والطير عندنا يأكل التوت ويذرقه، فينبت من ذرقه شجر التوت. # قالوا: وإذا أصابوا من هذه الخيل فلوا صغيرا ربوه مع نسائهم وصبيانهم في ~~البيوت، ولم يزد على هذا الكلام شيئا. # قال «1» : وفي سن من أسنانه شفاء من وجع المعدة. ### || 2223- [التداوي بفرس الماء وبنات عرس] # قال: والنوبة وناس من الحبشة يأكلون الحيتان نية بغير نار، ويشربون الماء ~~العكر فيمرضون، فإذا علقوا سن هذا الفرس أفاقوا، قال: وأعفاج هذا الفرس ~~تبرئ من الجنون والصرع الذي يعتري مع الأهلة. # قال «2» : وكذلك لحوم بنات عرس صالحة لمن به هذه العلة. ### || 2224- [صيد الذئب للإنسان] # قال: وإنما يكون الإنسان من مصايد الذئب إذا لقيه والأرض ثلجاء، فإنه عند ~~ذلك يحفش وجه الأرض ويجمعه، ويضرب وجه الرجل فارسا كان أو راجلا. قال: # ودقاق الثلج وغباره إذا صك وجه الفارس سدر واسترخى وتحير بصره، فإذا رأى ~~ما قد حل به فربما بعج بطن الدابة، وربما عضها، فيقبض على الفارس فيصرعه ~~ولا حراك به، فيأكله كيف ms1127 شاء، وإلا أن يكون الفارس مجربا ماهرا، فيشد عليه ~~عند ذلك بالسلاح، وهو في ذلك يسير ويقطع المفازة، ولا يدعه حينئذ يتمكن من ~~النفر عليه. ### || 2225- [تعليم الذئب وتأليفه] # وزعم» # عبويه أن الخصي العبدي الفقيه من أهل همدان، السوداني الجبلي، وهو رجل من ~~العرب قد ولدته حليمة ظئر النبي صلى الله عليه وسلم، وهو من بني سعد بن ~~بكر، فزعم أن السوداني أشبه خلق الله بجارحة وأحكمهم بتدبير ذئب وكلب وأسد ~~ونمر، # PageV07P148 # وتعليم وتثقيف، وأنه بلغ من حذقه ورفقه أنه ضرى ذئبا وعلمه، حتى اصطاد له ~~الظباء والثعالب وغير ذلك من الوحوش، وأن هذا الذئب بعينه سرحه فرجع إليه ~~من ثلاثين فرسخا، وذكر أن هذا الذئب اليوم بالعسكر، وحدثني بهذا الحديث في ~~الأيام التي قام بها أمير المؤمنين المتوكل على الله، وذكر أنه ضرى أسدا ~~حتى ألف وصار أهليا صيودا، حتى اصطاد الحمير والبقر وعظام الوحش صيدا ~~ذريعا، إلا أن الأسد بعد هذا كله وثب على ولد له فأكله، فقتله السوداني. # والذي عندنا في الذئب أنه يألف. ولو أخذ إنسان جروا صغيرا من جرائه ثم ~~رباه، لما نزع إلا وحشيا غدورا مفسدا. ولذلك قال الأعرابي «1» : [من ~~الوافر] # أكلت شويهتي ونشأت فينا ... فمن أنباك أن أباك ذيب # فالذي حكى عبويه من شأن هذا الذئب والأسد من غريب الغريب. ### || 2226- [مصارعة كلبة لثعلب] # وأخبرني عبويه صاحب ياسر الخادم قال: أرسلت كلبة لي فحاصرت ثعلبا، فو ~~الله إن زالا كذلك حتى خرا ميتين، قال: فقلت: أكرم بهما صيدا ومصيدا، ~~وطالبا ومطلوبا. ### || 2227- [من خصائص الكبار والفلاسفة] # قال: وإذا أسن القرشي رحل إلى الحجاز. # وقال: ما احتنك رجل قط إلا أحب الخلوة، وقالوا: ما فكر فيلسوف قط إلا رأى ~~الغربة أجمع لهمه وأجود لخواطره. ### || 2228- [قول بكر المزني في الأرضة] # قال «2» : وشتم رجل الأرضة فقال بكر بن عبد الله المزني: «مه، فهي التي ~~أكلت جميع الصحيفة التي تعاقد المشركون فيها على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، إلا ذكر رسول الله، وبها تبينت الجن أن لو كانوا يعلمون ms1128 الغيب ما ~~لبثوا في العذاب المهين، وبها تكشف أمرها عند العوام بعد الفتنة العظيمة ~~عندهم، وكان على الخاصة من ذلك أعظم المحن» . # PageV07P149 ### || 2229- [طول ذماء الضب] # وخبرني رجل من بني هاشم كان منهوما بالصيد لهجا به، أنه ضرب وسط ضب ~~بالسيف فقطعه نصفين، فتحرك كل واحد منهما على حياله ساعة من نهار ثم سكنا. ### || 2230- [الورل والضب] # وأخبرني أنهم كانوا يهارشون بين الضب والورل، فيلغبه «1» الورل حتى ~~يقتله. # وحكى أن الورل يقتل الضب على معنى الصائد والطالب، وأن الضب يقاتل على ~~معنى المحرج، وأنه هارش بين الورل والحية فوجد الورل يقتل الحية ويأكلها، ~~ويقتل الضب ولا يأكله ولكن حسوله «2» . ### || 2231- [علة عدم قتل الأعراب للورل والقنفذ] # وزعم أنه وجد مشايخ الأعراب لا يقتلون ورلا ولا قنفذا ولا يدعون أحدا ~~يصطادهما، لأنهما يقتلان الأفاعي، ويريحان الناس منها. ### || 2232- [نوادر من الشعر والخبر] # وأنشد أبو عبيدة لأبي ذؤيب «3» : [من الطويل] # وسود ماء المرد فاها فلونه ... كلون النؤور وهي بيضاء سارها # وأنشد شبيها به للنابغة «4» : [من الكامل] # يتحلب اليعضيد من أشداقها ... صفرا مناخرها من الجرجار # وأنشد شبيها بذلك لإبراهيم بن هرمة «5» : [من الرجز] # كأنها إذ خضبت حنا ودم ... والحرض والعسن والهرم العصم # وأنشد أيضا: [من البسيط] # تعلم الأكل أولاد الظباء بها ... فما يحس بها سيد ولا أسد # PageV07P150 # وأنشد: [من الوافر] # ذكرتك ذكرة فاصطدت ظبيا ... وكنت إذا ذكرتك لا أخيب # منحتكم المودة من فؤادي ... وما لي في مودتكم نصيب # وقال ابن مقبل «1» : [من الطويل] # وكم من عدو قد شققنا قميصه ... بأسمر عسال إذا هز عامله «2» # وقال أيضا «3» : [من الطويل] # ولم أصطبح صهباء صافية القذى ... بأكدر من ماء اللهابة والعجب # ولم أسر في قوم كرام أعزة ... غطارفة شم العرانين من كلب «4» # اللهابة والعجب: ماءان من مياه كلب موصفان بالعذوبة، وهي في ذلك كدرة. # وأنشد ابن مزروع لعدي بن غطيف الكلبي، وكان جاهليا: [من المنسرح] # أهلكنا الليل والنهار معا ... والدهر يعدو على الفتى جذعا «5» # والشمس في رأس فلكة نصبت ... رفعها في السماء من رفعا # أمر بليط السماء مكتتم ... والناس في ms1129 الأرض فرقوا شيعا «6» # كما سطا بالآرام عاد وبالحج ... ر وأركى لتبع تبعا # فليس مما أصابني عجب ... إن كنت شيبا أنكرت أو صلعا # قال: هو عاد بن عوص بن إرم. وسطا بالحجر، أي بأهل الحجر. وأركى أي أخر. ~~والإركاء: التأخير. # وقال كعب بن زهير «7» : [من البسيط] # فعم مقلدها عبل مقيدها ... في خلقها عن بنات الفحل تفضيل # PageV07P151 # حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل # وكما قال ذو الرمة «1» : [من الطويل] # أخوها أبوها والضوى لا يضيرها # وقال سالم بن دارة: [من الطويل] # حدوت بهم حتى كأن رقابهم ... من السير في الظلماء خيطان خروع # وقال بعض المحدثين «2» : [من الطويل] # وقد شربوا حتى كأن رقابهم ... من اللين لم تخلق لهن عظام # وقال آخر «3» : [من البسيط] # كأن هامهم والنوم واضعها ... على المناكب لم تعمد بأعناق # وقال الكميت «4» : [من المتقارب] # وفي اللزبات إذا ما السنو ... ن ألقي من بركها كلكل «5» # لعام يقول له المؤلفو ... ن هذا المقيم لنا المرحل # وقال أيضا «6» : [من مجزوء الكامل] # الطيبو ترب المغار ... س والمنابت والمكاسر «7» # والساحبون اللاحفو ... ن الأرض هداب المآزر «8» # أنتم معادن للخلاف ... ة كابرا من بعد كابر # بالتسعة المتتابعي ... ن خلائفا وبخي عاشر # PageV07P152 # وقال أيضا: [من البسيط] # ولا يكن قوله إلا لرائدها ... أعشبت فانزل إلى معشوشب العشب # ذهب إلى قوله «1» : [من الرجز] # مستأسد ذبانه في غيطل ... يقلن للرائد أعشبت انزل # ولكن انظر كم بين الديباجتين. وفي الأول ذهب إلى قول الأعشى «2» : [من ~~المتقارب] # إذا الحبرات تلوت بهم ... وجروا أسافل هدابها «3» # قال: كان أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقولون: «كونوا بلها كالحمام» ~~ولقد كان الرجل منهم يدعو لصاحبه يقول: أقل الله فطنتك. # قال «4» : وهذا يخالف قول عمر رضي الله عنه، حين قيل له: إن فلانا لا ~~يعرف الشر. قال: ذلك أجدر أن يقع فيه. # وقال النابغة الذبياني «5» : [من الطويل] # ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب # وقال الآخر «6» : [من الطويل] # ولا تعذراني في الإساءة إنه ... شرار الرجال من يسيء فيعذر # وقالت امرأة «7» ترثي عمير ms1130 بن معبد بن زرارة: [من الطويل] # أعين ألا فابكي عمير بن معبد ... وكان ضروبا باليدين وباليد # PageV07P153 # تقول: بالسيف وبالقداح، لأن القداح تضرب باليدين جميعا. وقال ابن مقبل ~~«1» : [من البسيط] # وللفؤاد وجيب عند أبهره ... لدم الوليد وراء الغيب بالحجر # وقال ابن أحمر «2» : [من الطويل] # وفؤاده زجل كعزف الهدهد # وكان حسان يقول لقائده إذا شهد طعاما: «أطعام يد أم طعام يدين؟» «3» . ~~طعام يدين: الشواء وما أشبه ذلك، وطعام اليد: الثرائد وما أشبهها. # وقال بعض السلاطين لغلام من غلمانه وبين يديه أسير: اضرب. قال: بيد أو ~~يدين؟ قال: بيد، فضربه بالسياط. قال: اذهب فأنت حر. وزوجه وأعطاه مالا. # وسار رجلا من الملوك بعض السعادة بابن له ذكر أنه بموضع كذا وكذا يشرب ~~الخمر مع أصحاب له، فبعث غلاما له يتعرف حاله في الشراب، فلما رجع وجد عنده ~~ناسا فكره التفسير، فقال له: مهيم. قال: كان نقله جبنا. قال: أنت حر. لأن ~~معاقري الخمر يتنقلون بالجبن لأسباب كثيرة. ### || 2233- [حكاية فرخ الحجام] # وكان «4» فرج الحجام مملوك جعفر بن سليمان، إذا حجمه أو أخذ من شعره لم ~~يتكلم ولم يتحرك، ولم يأخذ في شيء من الفضول، فقال جعفر ذات يوم: والله ~~لأمتحننه، فإن كان الذي هو فيه من عقل لا ينته، وإن كان كالطبيعة والخلقة ~~لأحمدن الله على ذلك. فقال له يوما: ما اسمك يا غلام؟ قال: فرج. قال: وما ~~كنيتك؟ قال: لا أكتني بحضرة الأمير. قال: فهل تحتجم؟ قال نعم. قال: متى؟ ~~قال: عند هيجه. # قال: وهل تعرف وقت الهيج؟ قال: في أكثر ذلك. قال: فأي شيء تأكل على ~~الحجامة؟ قال: أما في الصيف فسكباجة محمضة عذبة، وأما في الشتاء فد يجيراجة ~~خاثرة حلوة. فأعتقه وزوجه، ووهب له مالا. # PageV07P154 # وكان قاطع الشهادة، ولم يكن أحد من مواليه يطمع أن يشهده إلا على شيء لا ~~يختلف فيه الفقهاء. وهو الذي ذكره أبو فرعون فقال «1» : [من الرجز] # خلوا الطريق زوجتي أمامي ... أنا حميم فرج الحجام # وكان أهل المربد يقولون: لا نرى الإنصاف إلا في حانوت فرج الحجام، ms1131 لأنه ~~كان لا يلتفت إلى من أعطاه الكثير دون من أعطاه القليل، ويقدم الأول ثم ~~الثاني ثم الثالث أبدا حتى يأتي على آخرهم، على ذلك يأتيه من يأتيه، فكان ~~المؤخر لا يغضب ولا يشكو. # وقال ابن مقروم الضبي «2» : [من الكامل] # وإذا تعلل بالسياط جيادنا ... أعطاك نائله ولم يتعلل «3» # فدعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # ولقد أفدت المال من جمع امرئ ... وظلفت نفسي عن لئيم المأكل «4» # ودخلت أبنية الملوك عليهم ... ولشر قول المرء ما لم يفعل # وشهدت معركة الفيول وحولها ... أبناء فارس بيضها كالأعبل «5» # متسربلي حلق الحديد كأنهم ... جرب مقارفة عنية مهمل «6» ### |PARATEXT| # تم المصحف السابع من كتاب الحيوان، وبتمامه تم الكتاب، والحمد لله على ~~حسن الختام. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه الكرام. # PageV07P155 ms1132