######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 8- من كتابه في حجج النبوة PageV03P221 ### || فصل من صدر كتابه في حجج النبوة # الحمد لله الذي عرفنا نفسه، وعلمنا دينه، وجعلنا من الدعاة إليه، ~~والمحتجين له. فنحن نسأله تمام النعمة، والعون على أداء شكره، وأن يوفقنا ~~للحق برحمته، إنه ولي ذلك، والقادر عليه، والمرغوب إليه فيه، وصلى الله على ~~محمد وآله وسلم. # ثم إنا قائلون في الأخبار، ومخبرون عن الآثار، ومفرقون بين أسباب الشبهة، ~~وأسباب الحجة، ثم مفرقون بين الحجة التي تلزم الخاصة دون العامة، ومخبرون ~~عن الضرب الذي يكون الخاصة فيه حجة على العامة، وعن الموضع الذي يكون ~~القليل فيه أحق بالحجة من الكثير، ولم شاع الخبر وأصله ضعيف؟ ولم خفي وأصله ~~قوي؟ وما الذي يؤمن من فساده وتبديله مع تقادم عصره، وكثرة الطاعنين فيه، ~~وعن الحاجة إلى رواية الآثار، وإلى سماع الأخبار، وعن أخلاق الناس وآبائهم، ~~ومذاهب أسلافهم، وعن سير الملوك قبلهم، وما صنعت الأيام بهم، وعن شرائع ~~أنبيائهم، وأعلام رسلهم، وعن أدب حكمائهم، وأقاويل أئمتهم وفقهائهم، وعن ~~حالات من غاب عن أبصارهم في دهرهم، ولم كان الإخبار على الناس أخف من ~~الكتمان؟ ولم PageV03P223 ~~كان الصمت أثقل عليهم من الكلام؟ وما الضرب الذي يقدرون على كتمانه وطيه، ~~والضرب الذي لا يقدرون إلا على إذاعته ونشره؟ ولم اجتمعت الأمم على الصدق ~~في أمور، واختلفت في غيرها؟ ولم حفظت أمورا ونسيت سواها؟ ولم كان الصدق ~~أكثر من الكذب؟ ولم كان الصمت أثقل والقول أفضل؟ # والعجب من ترك الفقهاء ~~تمييز الآثار، وترك المتكلمين القول في تصحيح الأخبار، وبالأخبار يعرف ~~الناس النبي من المتنبي، والصادق من الكاذب، وبها يعرفون الشريعة من السنة، ~~والفريضة من النافلة، والحظر من الإباحة، والاجتماع من الفرقة، والشذوذ من ~~الاستفاضة، والرد من المعارضة، والنار من الجنة، وعامة المفسدة من المصلحة. # فإذا نزلت الأخبار منازلها وقسمتها، ذكرت حجج رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ودلائله وشرائعه وسننه، ثم جنست الآثار على أقدارها، ورتبتها في ~~مراتبها، وقربت ذلك واختصرته، وأوضحت عنه وبينته، حتى يستوي في معرفتها من ~~قل سماعه وساء حفظه، ms01 ومن كثر سماعه وجاد حفظه، بالوجوه الجليلة، والأدلة ~~الاضطرارية. # ولم أرد في هذا الكتاب جمع حجج الرسول عليه السلام، وتفصيلها والقول ~~فيها، لنقض مسها، أولوهن كان في أصلها من ناقليها PageV03P224 ~~والمخبرين عنها، أو لأن طعن الملحدين نهكها وفرق جماعتها، ونقض قواها. ~~ولكن لأمور سأذكرها وأحتج. # وكيف تقصر الحجة عن بلوغ الغاية، وتنقص عن التمام، والله تعالى المتوكل ~~بها، ومسخر أصناف البرية ومهيج النفوس على إبلاغها، وقد أخبر بذلك عن نفسه ~~في محكم كتابه عز ذكره، حين قال: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ". وأدنى منازل الإظهار إظهار الحجة ~~على من ضاره وخالف عليه. # وقال عز ذكره: " يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو ~~كره الكافرون ". # وأخبر أنه أمر الأحمر والأسود، ولم يكن ليأمر الأقصى إلا كما يأمر الأدنى ~~ويأمر الغائب على الحاضر، قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: " وما أرسلناك ~~إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ". # فأقول: إن كل مطيق محجوج، والحجة حجتان: عيان ظاهر، PageV03P225 ~~وخبر قاهر. فإذا تكلمنا في العيان وما يفرع منه فلا بد من التعارف في ~~أصله وفرعه منه. ولا بد من التصادق في أصله، والتعارف في فرعه. فالعقل هو ~~المستدل، والعيان والخبر هما علة الاستدلال وأصله، ومحال كون الفرع مع عدم ~~الأصل، وكون الاستدلال مع عدم الدليل. والعقل مضمن بالدليل، والدليل مضمن ~~بالعقل، ولا بد لكل واحد منهما من صاحبه، وليس لإبطال أحدهما وجه مع إيجاب ~~الآخر. # والعقل نوع واحد، والدليل نوعان: أحدهما شاهد عيان يدل على غائب، والآخر ~~مجيء خبر يدل على صدق. # ثم رجع الكلام إلى الإخبار عن دلائل النبي صلى الله عليه وسلم وأعلامه، ~~والاحتجاج لشواهده وبرهانه، فأقول: # إن السلف الذين جمعوا القرآن في المصاحف ~~بعد أن كان متفرقا في الصدور، والذين جمعوا الناس على قراءة زيد، بعد أن ~~كان غيرها مطلقا غير محظور، والذين حصنوه ومنعوه الزيادة والنقصان لو كانوا ~~جمعوا علامات النبي صلى الله عليه وسلم، وبرهانه، ودلائله وآياته وصنوف ~~بدائعه، وأنواع ms02 عجائبه في مقامه وظعنه، وعند دعائه واحتجاجه في الجمع ~~العظيم، وبحضرة العدد الكثير الذي PageV03P226 ~~لا يستطيع الشك في خبرهم إلا الغبي الجاهل، والعدو المائل، لما ~~استطاع اليوم أن يدفع كونها وصحة مجيئها، لا زنديق جاحد، ولا دهري معاند، ~~ولا متطرف ماجن، ولا ضعيف مخدوع، ولا حدث مغرور؛ ولكان مشهورا في عوامنا ~~كشهرته في خواصنا، ولكان استبصار جميع أعياننا في حقهم كاستبصارهم في باطل ~~نصاراهم ومجوسهم، ولما وجد الملحد موضع طمع في غني يستميله، وفي حدث يموه ~~له. # ولولا كثرة ضعفائنا مع كثرة الدخلاء فينا، الذين نطقوا بألسنتنا، ~~واستعانوا بعقولنا على أغبيائنا وأغمارنا، لما تكلفنا كشف الظاهر، وإظهار ~~البارز، والاحتجاج الواضح. # إلا أن الذي دعا سلفنا إلى ذلك، الاتكال على ظهورها واستفاضة أمرها. # وإذ كان ذلك كذلك فلم يؤت من أتي من جهالنا وأحداثنا، وسفهائنا وخلعائنا ~~إلا من قبل ضعف العناية، وقلة المبالاة، ومن قبل الحداثة والغرارة، ومن قبل ~~أنهم حملوا على عقولهم من دقيق الكلام قبل العلم بجليله ما لم تبلغه قواهم، ~~وتتسع له صدورهم، وتحمله أقدارهم، فذهبوا عن الحق يمينا وشمالا، لأن من لم ~~يلزم الجادة تخبط، ومن تناول الفرع قبل إحكام الأصل سقط، ومن خرق بنفسه PageV03P227 ~~وكلفها فوق طاقتها، ولم ينل ما لا يقدر عليه تفلت منه ما كان يقدر عليه. # فإذا كانوا كذلك فإنما أتوا من قبل أنفسهم، ولم يؤتوا من سلفهم، أو لأن ~~الله تبارك وتعالى صرف أسلافنا بنسيان أو غيره ليمتحن بذلك غيرهم في آخر ~~الزمان، وليعرضهم لطاعته بالذب عن دينه، والاحتجاج لنبيه صلى الله عليه ~~وسلم، وليجري هذا الخير على أيديهم، كما أجرى أكثر منه على أيدي أسلافهم، ~~لئلا يبخس أحد خليقته من العلماء والفقهاء، ولأن يجعل فضله مقسما بين جميع ~~الأولياء، وإن كان الأول أحق بالتقديم، والآخر أحق بالتأخير، للذي قدموا من ~~الاحتمال، وأعطوا من المجهود، ولأنهم أصل هذا الأمر ونحن فرعه، والأصل أحق ~~بالقوة من الفرع. وهم السابقون ونحن التابعون، وهم الذين وطئوا لنا، ~~وكلفونا ما لم نكن لنكلفه أنفسنا، فتجرعوا دوننا ms03 المرار، ومنحونا روح ~~الكفاية. ولأن الله تعالى اختارهم لصحبة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولأن ~~القرآن نطق بفضيلتهم؛ والله تعالى أعلم بمن بعدهم، والذي جمع أسلافنا الذين ~~جمعوا الناس على قراءة زيد، دون أبي بن كعب وعبد الله بن مسعود، والذين ~~رأوا من قول عبد الله في المعوذتين، وقول أبي في سورتي الحفد والخلع. PageV03P228 ~~ومن تعلق الناس بالاختلاف، فكانوا لا يزالون قد رأوا الرجل يروي الحرف ~~الشاذ، ويقرأ بالحرف الذي لا يعرفونه، فرأوا أن تحصينه لا يتم إلا بحمل ~~الناس على المقروء عندهم، المشهور فيما بينهم، وأنهم إن لم يشددوا في ذلك ~~لم ينقطع الطمع، ولم ينزجر الطير، لأن رجلا من العرب لو قرأ على رجل من ~~خطبائهم وبلغائهم سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، لتبين له في نظامها ومخرجها، ~~وفي لفظها وطبعها، أنه عاجز عن مثلها. ولو تحدى بها أبلغ العرب لظهر عجزه ~~عنها. وليس ذلك في الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين. # ألا ترى أن الناس قد كان يتهيأ في طبائعهم، ويجري على ألسنتهم أن يقول ~~رجل منهم: الحمد لله، وإنا لله، وعلى الله توكلنا، وربنا الله، وحسبنا الله ~~ونعم الوكيل، وهذا كله في القرآن، غير أنه متفرق غير مجتمع؛ ولو أراد أنطق ~~الناس أن يؤلف من هذا الضرب سورة واحدة، طويلة أو قصيرة، على نظم القرآن ~~وطبعه، وتأليفه ومخرجه لما قدر عليه، ولو استعان بجميع قحطان ومعد بن ~~عدنان. # ورأوا بفهمهم وبتوفيق الله تعالى لهم أن يحصنوه مما يشكل، ويمكن أن يفتعل ~~مثله من الحرف والحرفين، والكلمة والكلمتين، PageV03P229 ~~وقد كانوا عرفوا الابتداع الكثير على البلغاء والشعراء، وخافوا إن هم لم ~~يتقدموا في ذلك أن يتطرفوا عليه، كما تطرفوا على الرواية، لأنهم حين رأوا ~~كثرة الرواية في غير ذوي السابقة، ورأوا كثرة اختلافها، والغرائب التي لا ~~يعرفونها، لم يكن لهم إلا تحصين الشيء الذي عليه مدار الأمر، وإن كانوا ~~يعلمون أن الله بالغ أمره. # فعلى الأئمة أن تحوط هذه الأمة، كما حاط السلف أولها، وأن يعملوا بظاهر ~~الحيطة، إذ كان على ms04 الناس الاجتهاد، وليس عليهم علم الغيوب. وإنما ذلك كنحو ~~رجل أبصر نبيا يحيي الموتى فعرف صدقه، فلما انصرف سأله عنه بعض من لم ير ~~ذلك ولا صح عنده، فعليه أن لا يكتمه، وإن كان يعلم أن الله تعالى سيعلمه ~~ذلك من قبل غيره، وأنه عز ذكره سيسمعه صحته على حبه وكرهه. # ورأوا أن قراءة زيد أحق بذلك، إذ كانت آخر العرض، ولأن الجمع الذين سمعوا ~~آخر العرض أكثر ممن سمع أوله، فحملوا الناس على قراءة زيد، دون أبي وعبد ~~الله، وإن كان الكل حقا، إذ كان رب حق في بعض الزمان أقطع للقيل والقال، ~~وأجدر أن يميت الخلاف، ويحسم الطمع. فتركوا حقا إلى حق العمل به أحق. # ولو أن فقيها رأى إطباق العلماء على صوم يوم عرفة، واستنكارهم الإفطار ~~فيه، فأفطر وأظهر ذلك ليعلمهم موضع الفريضة من النافلة، PageV03P230 ~~أو خاف أن يلحق الفرض على تطاول الأيام ما ليس فيه كان مصيبا، ولكان قد ~~ترك حقا إلى أحق منه. # وللحق درجات، وللخلاف درجات، وللحرام درجات. ألا ترى أن لولي المقتول أن ~~يقتل ويصفح، وأنه إن قتل قتل بحق، وإن صفح صفح بحق، والصفح أفضل من القتل. # ولو أن رجلا أخرج ساكنا بيتا له، أو اقتضى دينا له ساعة محله، أو طلق ~~زوجته وما دخل بها لكان ذلك له، ولحق فعل. وغير ذلك الحق أولى به. # وكيف لا يكون أولى به وهو أحسن، والثواب فيه أعظم، وإلى سلامة الصدور ~~أقرب. # وقد يكون الأمران حسنين، وأحدهما أحسن. وقد يكون الأمران قبيحين، وأحدهما ~~أقبح. # وبعد، فعلى الناس طاعة الأئمة في كل ما أمروا به، إلا فيما تبين أنه ~~معصية. فأما غير ذلك فإنه واجب مفروض، ولازم غير مرفوع. # وعلموا أيضا أنهم لا يبقون إلى آخر الزمان، وأن من يجيء بعدهم لا يقوم ~~مقامهم، ولا يفصل الأمور تفصيلهم. ولو عرفوا كمعرفتهم، وأرادوا ذلك ~~كإرادتهم، لما أطيعوا كطاعتهم. # وعلموا أن الأكاذيب والبدع ستكثر، وأن الفتن ستفتح، وأن PageV03P231 ~~الفساد سيفشو، فكرهوا أن يجعلوا للمتطرفين علة، ولأهل الزيغ ms05 حجة. # بل لا شك أنهم لو تركوا الناس عامة يقرءون على حرف فلان وكل ما أجاز فيه ~~فلان عن فلان، لألحق قوم في آخر الزمان بهم ما ليس منهم، ولا يجري مجراهم، ~~ولا يجوز مجازهم. ### || فصل منه في الاحتجاج للجمع على قراءة زيد # ولو كان زيد من آل أبي العاص، أو من عرض بني أمية، لوجد ابن مسعود ~~متعلقا. # ولو كان بدا زيد عبد الرحمن بن عوف لوجد إلى القول سبيلا. # ولو كان ابن مسعود رجلا من بني هاشم لوجد للطعن موضعا. # ولو كان عثمان رضي الله تعالى عنه استبد بذلك الرأي على علي بن أبي طالب ~~كرم الله وجهه، وسعد وطلحة والزبير رحمهم الله، وجميع المهاجرين والأنصار، ~~لوجد للتهمة مساغا. # فأما والأمر كما وصفنا ونزلنا، فما الطاعن على عثمان إلا رجل أخطأ خطة ~~الحق، وعجل على صاحبه. ولكل بني آدم من الخطأ نصيب، والله عز ذكره يغفر له ~~ويرحمه. PageV03P232 # والذي يخطىء عثمان في ذلك فقد خطأ عليا وعبد الرحمن وسعدا، والزبير ~~وطلحة، وعلية الصحابة. # ولو لم يكن ذلك رأي علي لغيره، ولو لم يمكنه التغيير لقال فيه، ولو لم ~~يمكنه في زمن عثمان لأمكنه في زمن نفسه، وكان لا أقل من إظهار الحجة إن لم ~~يملك تحويل الأمة، وكان لا أقل من التجربة إن لم يكن من النجح على ثقة، بل ~~لم يكن لعثمان في ذلك ما لم يكن لجميع الصحابة، وأهل القدم والقدوة. ومع أن ~~الوجه فيما صنعوا واضح، بل لا نجد لما صنعوا وجها غير الإصابة والاحتياط، ~~والإشفاق والنظر للعواقب، وحسم طعن الطاعن. # ولو لم يكن ما صنعوا لله تعالى فيه رضا لما اجتمع عليه أول هذه أول الأمة ~~وآخرها. وإن أمرا اجتمعت عليه المعتزلة والشيعة، والخوارج والمرجئة، لظاهر ~~الصواب، واضح البرهان، على اختلاف أهوائهم، وبغيتهم لكل ما ورد عليهم. # فإن قال قائل: هذه الروافض بأسرها تأبى ذلك وتنكره، وتطعن فيه، وترى ~~تغييره. # قلنا: إن الروافض ليست منا بسبيل، لأن من كان أذانه غير أذاننا، وصلاته ~~غير ms06 صلاتنا، وطلاقه غير طلاقنا، وعتقه غير عتقنا، وحجته غير حجتنا، وفقهاؤه ~~غير فقهائنا وإمامه غير إمامنا، PageV03P233 ~~وقراءته غير قراءتنا، وحلاله غير حلالنا، وحرامه غير حرامنا، فلا نحن منه ~~ولا هو منا. # ولأي شيء حامت عن قراءة ابن مسعود، فوالله ما كان أحد أفرط في العمرية ~~منه، ولا أشد على الشيعة منه، ولقد بلغ من حبه لعمر رضي الله عنه أن قال: ~~لقد خشيت الله تعالى في حبي لعمر. فلم يحامون عنه وهو كان شجاهم لو أدركهم. ### || فصل منه # فآمن الله رجلا فارقهم ولزم الجماعة، فإن فيها الأنسة والحجة، وترك ~~الفرقة فإن فيها الوحشة والشبهة. والحمد لله الذي جعلنا لا نفرق بين ~~أئمتنا، كما جعلنا لا نفرق بين أنبيائنا. ### || فصل منه # والذي دعانا إلى تأليف حجج الرسول ونظمها، وجمع وجوهها وتدوينها أنها متى ~~كانت مجموعة منظومة، نشط لحفظها وتفهمها من كان عسى أن لا ينشط لجمعها، ولا ~~يقدر على نظمها، وجمع متفرقها، وعلى اللفظ المؤثر عنها، ومن كان عسى أن لا ~~يعرف وجه مطلبها، والوقوع عليها. PageV03P234 # ولعل بعض الناس يعرف بعضها ويجهل بعضها. # ولعل بعضهم وإن كان قد عرفها بحقها وصدقها فلم يعرفها من أسهل طرقها، ~~وأقرب وجوهها. # ولعل بعضهم أن يكون قد عرف فنسي، أو تهاون بها فعمي، بل لا نشك أنها إذا ~~كانت مجموعة محبرة، مستقصاة مفصلة، أنها ستزيد في بصيرة العالم، وتجمع الكل ~~لمن كان لا يعرف إلا البعض، وتذكر الناسي، وتكون عدة على الطاعن. # ولعل بعض من ألحد في دينه، وعمي عن رشده، وأخطأ موضع حظه أن يدعوه العجب ~~بنفسه، والثقة بما عنده، إلى أن يلتمس قراءتها، ليتقدم في نقضها وإفسادها، ~~فإذا قرأها فهمها، وإذا فهمها انتبه من رقدته، وأفاق من سكرته، لعز الحق، ~~وذل الباطل، ولإشراف الحجة على الشبهة، ولأن من تفرد بكتاب فقرأه ليس كمن ~~نازع صاحبه وجاثاه، لأن الإنسان لا يباهي بنفسه، PageV03P235 ~~والحق بعد قاهر له. ومع التلاقي يحدث التباهي، وفي المحافل يقل الخضوع، ~~ويشتد النزوع. # ثم رجع الكلام إلى حاجة الناس إلى استماع ms07 الأخبار، والتفقه في تصحيح ~~الآثار، فأقول: إن الناس لو استغنوا عن التكرير، وكفوا مئونة البحث ~~والتنقير لقل اعتبارهم. ومن قل اعتباره قل علمه، ومن قل علمه قل فضله، ومن ~~قل فضله كثر نقصه، ومن قل علمه وفضله وكثر نقصه لم يحمد على خير أتاه، ولم ~~يذم على شر جناه، ولم يجد طعم العز، ولا سرور الظفر، ولا روح الرجاء، ولا ~~برد اليقين، ولا راحة الأمن. # وكيف يشكر من لا يقصد، وكيف يلام من لا يتعمد، وكيف يقصد من لا يعلم. وما ~~عسى أن يبلغ قدر سروره من لا يحسن من السرور إلا ما سر به حواسه ومسه جلده. # وكيف يأتي أربح الأفعال، وأبعد الشرين من ركب في شراسة السباع وغباوة ~~البهائم، ثم لم يعط الآلة التي بها يستطيع التفرقة بين ما عليه وله، والعلم ~~بمصالحه ومفاسده، فيقوى بها على عصيان طبائعه، ومخالفة شهواته، وبها يعرف ~~عواقب الأمور، وما تأتي به PageV03P236 ~~الدهور، وفضل لذة القلب على لذة البدن. # وإن سرور الجاهل لا يحسن في جنب سرور العالم، وإن لذة البهائم لا تعشر ~~لذة الحكيم العالم. # وأي سرور كسرور العز والرياسة، واتساع المعرفة، وكثرة صواب الرأي، والنجح ~~الذي لا سبب له إلا حسن النظر والتقدم في التدبير، ثم العلم بالله وحده، ~~وأنك بعرض ولايته والجاه عنده، وأنه الذي يرعاك ويكفيك، وأنك إذا علمت ~~اليسير أعطاك الكثير، ومتى تركت له الفاني أعطاك الباقي، ومتى أدبرت عنه ~~دعاك، ومتى رجعت إليه اجتباك، ويحمدك على حقك، ويعطيك على نظرك، لنفسك ولا ~~يفنيك إلا ليبقيك، ولا يميتك إلا ليحييك، ولا يمنعك إلا ليعطيك. وأنه ~~المبتدىء بالنعمة قبل السؤال، والناظر لك في كل حال. # وهذا كله لا ينال إلا بغريزة العقل. على أن الغريزة لا تنال ذلك بنفسها، ~~بما باشرته حواسها، دون النظر والتفكر، والبحث والتصفح. # ولن ينظر ناظر ولا يفكر مفكر دون الحاجة التي تبعث على PageV03P237 ~~الفكرة، وعلى طلب الحيلة. ولذلك وضع الله تعالى في الإنسان طبيعة الغضب، ~~وطبيعة الرضا، وطبيعة البخل والسخاء، والجزع والصبر، والرياء ms08 والإخلاص، ~~والكبر والتواضع، والسخط والقناعة، فجعلها عروقا. ولن تفي قوة غريزة العقل ~~بجميع قوى طبائعه وشهواته، حتى يقيم ما اعوج منها، ويسكن ما تحرك، دون ~~النظر الطويل الذي يشدها، والبحث الشديد الذي يشحذها، والتجارب التي ~~تحنكها، والفوائد التي تزيد فيها. ولن يكثر النظر حتى تكثر الخواطر، ولن ~~تكثر الخواطر حتى تكثر الحوائج، ولن تبعد الرؤية إلا لبعد الغاية وشدة ~~الحاجة. # ولو أن الناس تركوا وقدر قوى غرائزهم، ولم يهاجوا بالحاجة على طلب ~~مصلحتهم والتفكر في معاشهم، وعواقب أمورهم، وألجئوا إلى قدر خواطرهم التي ~~تولد مباشرة حواسهم، دون أن يسمعهم الله تعالى خواطر الأولين، وأدب السلف ~~المتقدمين، وكتب رب العالمين، لما أدركوا من العلم إلا اليسير، ولما ميزوا ~~من الأمور إلا القليل. PageV03P238 ~~ولولا أن الله تعالى أراد تشريف العالم وتربيته، وتسويد العاقل ورفع ~~قدره، وأن يجعله حكيما، وبالعواقب عليما، لما سخر له كل شيء، ولم يسخره ~~لشيء، ولما طبعه الطبع الذي يجيء منه أريب حكيم، وعالم حليم. # كما أنه عز ذكره لو أراد أن يكون الطفل عاقلا، والمجنون عالما، لطبعهم ~~طبع العاقل، ولسواهم تسوية العالم، كما أراد أن يكون السبع وثابا، والحديد ~~قاطعا، والسم قاتلا، والغذاء مقيما؛ فكذلك أراد أن يكون المطبوع على ~~المعرفة عالما، والمهيأ للحكمة حكيما، وذو الدليل مستدلا، وذو النعمة ~~مستنفعا بها. # فلما علم الله تبارك وتعالى أن الناس لا يدركون مصالحهم بأنفسهم، ولا ~~يشعرون بعواقب أمورهم بغرائزهم، دون أن يرد عليهم آداب المرسلين، وكتب ~~الأولين، والأخبار عن القرون، والجبابرة الماضين طبع كل قرن من الناس على ~~أخبار من يليه، ووضع القرن الثاني دليلا يعلم به صدق خبر الأول؛ لأن كثرة ~~السماع للأخبار العجيبة، والمعاني الغريبة، مشحذة للأذهان، ومادة للقلوب، ~~وسبب للتفكير، وعلة للتنقير عن الأمور. # وأكثر الناس سماعا أكثرهم خواطر، وأكثرهم خواطر أكثرهم تفكرا، وأكثرهم ~~تفكرا أكثرهم علما، وأكثرهم علما أرجحهم عملا. كما أن أكثر البصراء رؤية ~~للأعاجيب أكثرهم تجارب، ولذلك PageV03P239 ~~صار البصير أكثر خواطر من الأعمى، وصار السميع البصير أكثر خواطر من ~~البصير. # وعلى قدر شدة ms09 الحاجة تكون الحركة، وعلى قدر ضعف الحاجة يكون السكون، كما ~~أن الراجي والخائف دائبان، والآيس والآمن وادعان. # وإذا كان الله تعالى لم يخلق عباده في طبع عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، ~~وآدم أبي البشر، صلوات الله عليهم أجمعين، وخلقهم منقوصين، وعن درك مصالحهم ~~عاجزين، وأراد منهم العبادة، وكلفهم الطاقة، وترك العنان للأمل البعيد، ~~وأرسل إليهم رسله، وبعث فيهم أنبياءه، وقال: " لئلا يكون للناس على الله ~~حجة بعد الرسل "، ولم يشهد أكثر عباده حجج رسله عليهم السلام، ولا أحضرهم ~~عجائب أنبيائه، ولا أسمعهم احتجاجهم، ولا أراهم تدبيرهم لم يكن بد من أن ~~يطلع المعاينين على أخبار الغائبين، وأن يسخر أسماع الغائبين لأخبار ~~المعاندين، وأن يخالف بين طبائع PageV03P240 ~~المخبرين، وعلل الناقلين، ليدل السامعين، ومن يجيب من الناس. # على أن العدد الكثير المختلفي العلل، المتضادي الأسباب، المتفاوتي الهمم، ~~لا يتفقون على تخرص الخبر في المعنى الواحد، وكما لا يتفقون على الخبر ~~الواحد على غير التلاقي والتراسل إلا وهو حق. فكذلك لا يمكن مثلهم في مثل ~~عللهم التلاقي عليه، والتراسل فيه. # ولو كان تلاقيهم ممكنا، وتراسلهم جائزا لظهر ذلك وفشا، واستفاض وبدا. # ولو كان ذلك أيضا ممكنا، وكان قولا متوهما لبطلت الحجة، ولنقضت العادة، ~~ولفسدت العبرة، ولعادت النفس بعلة الأخبار جاهلة، ولكان للناس على الله ~~أكبر الحجة. وقد قال الله جل وعز: " لئلا يكون للناس على الله حجة بعد ~~الرسل "، إذ كلفهم طاعة رسله، وتصديق أنبيائه ورسله وكتبه، والإيمان بجنته ~~وناره، ولم يضع لهم دليلا على صدق الأخبار، وامتناع الغلط في الآثار، تعالى ~~الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV03P241 # واعلم أن الله تعالى إنما خالف بين طبائع الناس ليوفق بينهم، ولم يحب أن ~~يوفق بينهم فيما يخالف مصلحتهم؛ لأن الناس لو لم يكونوا مسخرين بالأسباب ~~المختلفة، وكانوا مجبرين في الأمور المتفقة والمختلفة، لجاز أن يختاروا ~~بأجمعهم التجارة والصناعة، ولجاز أن يطلبوا بأجمعهم الملك والسياسة. وفي ~~هذا ذهاب العيش، وبطلان المصلحة، والبوار والتواء. # ولو لم يكونوا مسخرين بالأسباب، مرتهنين بالعلل لرغبوا عن الحجامة ~~أجمعين، والبيطرة، ms10 والقصابة، والدباغة. ولكن لكل صنف من الناس مزين عندهم ~~ما هم فيه، ومسهل ذلك عليهم. فالحائك إذا رأى تقصيرا من صاحبه أو سوء حذق ~~أو خرقا قال له: يا حجام! والحجام إذا رأى تقصيرا من صاحبه قال له: يا ~~حائك! ولذلك لم يجمعوا على إسلام أبنائهم في غير الحياكة والحجامة، ~~والبيطرة والقصابة. # ولولا أن الله تعالى أراد أن يجعل الاختلاف سببا للاتفاق والائتلاف، لما ~~جعل واحدا قصيرا والآخر طويلا، وواحدا حسنا وآخر قبيحا، وواحدا غنيا وآخر ~~فقيرا، وواحدا عاقلا وآخر مجنونا، وواحدا ذكيا وآخر غبيا. ولكن خالف بينهم ~~ليختبرهم، وبالاختبار يطيعون، وبالطاعة يسعدون. ففرق بينهم ليجمعهم، وأحب ~~أن يجمعهم على PageV03P242 ~~الطاعة ليجمعهم على المثوبة. فسبحانه وتعالى، ما أحسن ما أبلى وأولى، ~~وأحكم ما صنع، وأتقن ما دبر! لأن الناس لو رغبوا كلهم عن عار الحياكة ~~لبقينا عراة. ولو رغبوا بأجمعهم عن كد البناء لبقينا بالعراء. ولو رغبوا عن ~~الفلاحة لذهبت الأقوات، ولبطل أصل المعاش. فسخرهم على غير إكراه، ورغبهم من ~~غير دعاء. # ولولا اختلاف طبائع الناس وعللهم لما اختاروا من الأشياء إلا أحسنها، ومن ~~البلاد إلا أعدلها، ومن الأمصار إلا أوسطها. ولو كانوا كذلك لتناجزوا على ~~طلب الأواسط، وتشاجروا على البلاد العليا، ولما وسعهم بلد، ولما تم بينهم ~~صلح. فقد صار بهم التسخير إلى غاية القناعة. # وكيف لا يكون كذلك وأنت لو حولت ساكني الآجام إلى الفيافي، وساكني السهل ~~إلى الجبال، وساكني الجبال إلى البحار، وساكني الوبر إلى المدر، لأذاب ~~قلوبهم الهم، ولأتى عليهم فرط النزاع. # وقد قيل: " عمر الله البلدان بحب الأوطان ". # وقال عبد الله بن الزبير رحمه الله تعالى: " ليس الناس بشيء من أقسامهم ~~أقنع منهم بأوطانهم ". # وقال معاوية في قوم من اليمن رجعوا إلى بلادهم بعد أن أنزلهم من PageV03P243 ~~الشام منزلا خصبا، وفرض لهم في شرف العطاء: " يصلون أوطانهم بقطيعة ~~أنفسهم ". # وقال الله جل وعز: " ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من ~~دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم ". فقرن الضن بالأوطان إلى الضن بمهج ms11 ~~النفوس. # وليس على ظهرها إنسان إلا وهو معجب بعقله، لا يسره أن له بجميع ما له ما ~~لغيره، ولولا ذلك لماتوا كمدا، ولذابوا حسدا، ولكن كل إنسان وإن كان يرى ~~أنه حاسد في شيء فهو يرى أنه محسود في شيء. # ولولا اختلاف الأسباب لتنازعوا بلدة واحدة، واسما واحدا، وكنية واحدة. ~~فقد صاروا كما ترى مع اختيار الأشياء المختلفة إلى الأسماء القبيحة، ~~والألقاب السمجة. والأسماء مبذولة، والصناعات مباحة، والمتاجر مطلقة، ووجوه ~~الطرق مخلاة، ولكنها مطلقة في الظاهر، مقسمة في الباطن، وإن كانوا لا ~~يشعرون بالذي دبر الحكيم من ذلك، ولا بالمصلحة فيه. # فسبحان من حبب إلى واحد أن يسمي ابنه محمدا، وحبب إلى آخر أن يسميه ~~شيطانا، وحبب إلى آخر أن يسميه عبد الله، وحبب PageV03P244 ~~إلى آخر أن يسميه حمارا، لأن الناس لو لم يخالف بين عللهم في اختيار ~~الأسماء والكنى، جاز أن يجتمعوا على شيء واحد، وكان في ذلك بطلان العلامات، ~~وفساد المعاملات. # وأنت إذا رأيت ألوانهم وشمائلهم واختلاف صورهم، وسمعت لغاتهم ونغمهم علمت ~~أن طبائعهم وعللهم المحجوبة الباطنة، على حسب أمورهم الظاهرة. # وبعض الناس وإن كان مسخرا للحياكة فليس بمسخر للفسق والخيانة، وللإحكام ~~والصدق والأمانة. # وقد يسخر الله الملك لقوم بأسباب قديمة وأسباب حديثة، فلا يزال ذلك الملك ~~مقصورا عليهم، ما دامت تلك الأسباب قائمة، إذا كانوا للملك مسخرين، وكان ~~الناس لهم مسخرين، بالجبرية والنخوة، والفظاظة والقسوة، ولطول الاحتجاب ~~والاستتار، وسوء اللقاء والتضييع. PageV03P245 # وقد يكون الإنسان مسخرا لأمر، ومخيرا في آخر. # ولولا الأمر والنهي لجاز التسخير في دقيق الأمور وجليلها، وخفيها ~~وظاهرها؛ لأن بني الإنسان إنما سخروا له إرادة العائدة إليهم، ولم يسخروا ~~للمعصية، كما لم يسخروا للمفسدة. # وقد تستوي الأسباب في مواضع، وتتفاوت في مواضع. كل ذلك ليجمع الله تعالى ~~لهم مصالح الدنيا، ومراشد الدين. # ألا ترى أن أمة قد اجتمعت على أن عيسى عليه السلام هو الله، وأمة قد ~~اجتمعت على أنه ابن الله، وأمة اجتمعت على أن الآلهة ثلاثة، عيسى أحدها. ~~ومنهم يتبدد، ومنهم من يتدهر، ms12 ومنهم من يتحول نسطوريا بعد أن كان يعقوبيا، ~~ومنهم من أسلم بعد أن كان نصرانيا. ولست واجدا هذه الأمة مع اختلاف ~~مذاهبها، وكثرة تنقلها، انتقلت مرة واختلفت مرة، متعمدة أو ناسية، في يوم ~~واحد، فجعلته - وهو الجمعة - يوم السبت، ولم تخطب في يوم جمعة بخطبة يوم ~~خميس، ولا غلطت في كانون الأول فجعلته كانون الآخر، ولا بين الصوم ~~والإفطار؛ لأن الباب الأول في باب الإمكان PageV03P246 ~~وتعديل الأسباب والامتحان، والباب الثاني داخل في باب الامتناع وتسخير ~~النفوس وطرح الامتحان. # وقد زعم ناس من الجهال، ونفر من الشكاك، ممن يزعم أن الشك واجب في كل ~~شيء، إلا في العيان، أن أهل المنصورة وافوا مصلاهم يوم خميس على أنه يوم ~~الجمعة، في زمن منصور بن جمهور وأن أهل البحرين جلسوا عن مصلاهم يوم الجمعة ~~على أنه يوم خميس، في زمن أبي جعفر، فبعث إليهم وقومهم. # وهذا لا يجوز ولا يمكن في أهل الأمصار، ولا في العدد الكثير من أهل ~~القرى، لأن الناس من بين صانع لا يأخذ أجرته ولا راحة له دون الجمعة، وبين ~~تجار قد اعتادوا الدعة في الجمع، والجلوس عن الأسواق. ومن معلم كتاب لا ~~يصرف غلمانه إلا في الجمع. وبين معني بالجمع يتلاقى هناك مع المعارف ~~والإخوان والجلساء. وبين معني بالجمع حرصا على الصلاة، ورغبة في الثواب. ~~ومن رجل عليه موعد ينتظره. ومن صيرفي يصرف ذلك اليوم سفاتجه وكتب PageV03P247 ~~أصحابه. ومن جندي فهو يعرف بذلك نوبته. وبعض كالسؤال والمساكين والقصاص، ~~الذين يمدون أعناقهم للجمعة انتظارا للصدقة والفائدة، في أمور كثيرة، ~~وأسباب مشهورة. # ولو جاز ذلك في أهل البحرين والمنصورة لجاز ذلك على أهل البصرة والكوفة، ~~ولو جاز ذلك في الأيام لكان في الشهور أجوز، ولو جاز ذلك في الشهور لكان في ~~السنين أجوز. وفي ذلك فساد الحج، والصوم، والصلاة، والزكاة، والأعياد. # ولو كان ذلك جائزا لجاز أن يتفق الشعراء على قصيدة واحدة، والخطباء على ~~خطبة واحدة، والكتاب على رسالة واحدة، بل جميع الناس على لفظة واحدة. # وإنما نزلت لك حالات ms13 الناس، وخبرتك عن طبائعهم، وفسرت لك عللهم لتعلم أن ~~العدد الكثير لا يتفقون على تخرص الخبر الواحد في المعنى الواحد في الزمن ~~الواحد، على غير التشاعر، فيكون باطلا. وسأوجدك موضع اختلافهم واتفاقهم، ~~وأنه لم يخالف بينهم في بعض الوجوه إلا إرهاصا لمصلحتهم، ولتصح أخبارهم. PageV03P248 # ألا ترى أن أحدا لم يبع قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن ذلك الدرهم خير له ~~من سلعته. ولم يشتر أحد قط سلعة بدرهم إلا وهو يرى أن تلك خير له من درهمه. ~~ولو كان صاحب السلعة يرى في سلعته ما يرى فيها صاحب الدرهم، وكان صاحب ~~الدرهم يرى في الدرهم ما يرى فيه صاحب السلعة ما اتفق بينهم شراء أبدا. وفي ~~هذا جميع المفسدة، وغاية الهلكة. # فسبحان الذي حبب إلينا ما في أيدي غيرنا، وحبب إلى غيرنا ما في أيدينا، ~~ليقع التبايع. وإذا وقع التبايع وقع الترابح، وإذا وقع الترابح وقع ~~التعايش. # ويدلك أيضا على اختلاف طبائعهم وأسبابهم: أنك تجد الجماعة وبين أيديهم ~~الفاكهة والرطب، فلا تجد يدين تلتقيان على رطبة بعينها، وكل واحد من الجميع ~~يرى ما حواه الطبق، غير أن شهوته وقعت على واحدة غير التي آثرها صاحبه. ~~ولربما سبق الرجل إلى الواحدة، وقد كان صاحبه يريدها في نفسه، غير أن ذلك ~~لا يكون إلا في الفرط، ولو كانت شهواتهم ودواعيهم تتفق على واحدة بعينها ~~لكان في ذلك التمانع والتجاذب، والمبادرة وسوء المخالطة والمؤاكلة. وكذلك ~~هو في شهوة النساء والإماء، والمراكب والكسى. وهذا كثير، والعلم به قليل. ~~وبأقل مما قلنا يعرف العاقل صواب مذهبنا. والله تعالى نسأل التوفيق. PageV03P249 # وهو الذي خالف بين طبائعهم وأسبابهم، حتى لا يتفق على تخرص خبر واحد، لأن ~~في اتفاق طبائعهم وأسبابهم في جهة الإخبار فساد أمورهم، وقلة فوائدهم ~~واعتبارهم، وفي فساد أخبارهم فساد متاجرهم والعلم بما غاب عن أبصارهم، ~~وبطلان المعرفة بأنبيائهم ورسلهم عليهم السلام، ووعدهم ووعيدهم، وأمرهم ~~ونهيهم وزجرهم، ورغبتهم، وحدودهم، وقصاصهم الذي هو حياتهم، والذي يعدل ~~طبائعهم، ويسوي أخلاقهم، ويقوي أسبابهم، والذي به يتمانعون من ms14 تواثب ~~السباع، وقلة احتراس البهائم، وإضاعة الأعمار. وبه تكثر خواطرهم وتفكيرهم، ~~وتحسن معرفتهم. # ولم نقل أن العدد الكثير لا يجتمعون على الخبر الباطل، كالتكذيب ~~والتصديق، ونحن قد نجد اليهود والنصارى، والمجوس والزنادقة، والدهرية وعباد ~~البددة يكذبون النبي صلى الله عليه وسلم، وينكرون آياته وأعلامه، ويقولون: ~~لم يأت بشيء، ولا بان بشيء. وإنما قلنا: إن العدد الكثير لا يتفقون على مثل ~~إخبارهم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، التهامي الأبطحي عليه السلام ~~خرج بمكة، ودعا إلى كذا، وأمر بكذا، ونهى عن كذا، وأباح كذا، PageV03P250 ~~وجاء بهذا الكتاب الذي نقرؤه، فوجب العمل بما فيه، وأنه تحدى البلغاء ~~والخطباء والشعراء، بنظمه وتأليفه، في المواضع الكثيرة، والمحافل العظيمة. ~~فلم يرم ذلك أحد ولا تكلفه، ولا أتى ببعضه ولا شبيه منه، ولا ادعى أنه قد ~~فعل، فيكون ذلك الخبر باطلا. # وليس قول جمعهم إنه كان كاذبا معارضة لهذا الخبر، إلا أن يسموا الإنكار ~~معارضة. وإنما المعارضة مثل الموازنة والمكايلة، فمتى قابلونا بأخبار في ~~وزن أخبارنا ومخرجها ومجيئها، فقد عارضونا ووازنونا وقابلونا، وقد تكافينا ~~وتدافعنا. فأما الإنكار فليس بحجة، كما أن الإقرار ليس بحجة، ولا تصديقنا ~~النبي صلى الله عليه وسلم حجة على غيرنا، ولا تكذيب غيرنا له حجة علينا، ~~وإنما الحجة في المجيء الذي لا يمكن في الباطل مثله. # فإن قلت: وأي مجيء أثبت خبر الأنصاري عن عيسى بن مريم عليه السلام؟ وذلك ~~أنك لو سألت النصارى مجتمعين ومتفرقين لخبروك عن أسلافهم أن عيسى قد قال: ~~إني إله. # قلنا: قد علمنا أن نصارى عصرنا لم يكذبوا على القرن الذي كان قبلهم، ~~والذين كانوا يلونهم. ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه، أن عيسى ~~عليه السلام لو قال: إني إله لما أعطاه الله تعالى إحياء الموتى، والمشي ~~على الماء. على أن في عيسى عليه السلام دلالة في نفسه، أنه ليس بإله، وأنه ~~عبد مدبر، ومقهور ميسر، وليس PageV03P251 ~~خبرهم هذا إلا كإخبار النصارى عن آبائهم والقرن الذي يليهم أن بولس قد ~~كان جاء بالآيات ms15 والعلامات. وكإخبار المنانية عن القرن الذي كان يليهم منه ~~أن ماني قد كان جاءهم بالآيات والعلامات. وكإخبار المجوس عن آبائهم الذين ~~كانوا يلونهم أن زرادشت قد جاءهم بالآيات والعلامات. وقد علمنا أن هؤلاء ~~النصارى لم يكذبوا على القرن الذي كان يليهم، ولا الزنادقة ولا المجوس. ~~ولكن الدليل على أن أصل خبرهم ليس كفرعه أن الله جل وعز لا يعطي العلامات ~~من لا يعرفه، لأن بولس إن كان عنده أن عيسى عليه السلام إله فهو لا يعرف ~~الله تعالى، بل لا يعرف الربوبية من العبودية، والبشرية من الإلهية. ### || فصل منه # وللنصارى خاصة رياء عجيب، وظاهر زهد، والناس أبطأ شيء عن التصفح، وأسرع ~~شيء إلى تقليد صاحب السن والسمت، وظاهر العمل أدعى لهم من العلم. PageV03P252 ### || فصل منه على ذكرهم # وكل قوم بنوا دينهم على حب الأشكال، وشبه الرجال، يشتد وجدهم به وحبهم ~~له، حتى ينقلب الحب عشقا، والوجد صبابة، للمشاكلة التي بين الطبائع، ~~والمناسبة التي بين النفوس. # وعلى قدر ذلك يكون البغض والحقد، لأن النصارى حين جعلوا ربهم إنسانا ~~مثلهم بخعت نفوسهم بالهيبة له لتوهمهم الربوبية، وأسمحت بالمودة لتوهمهم ~~البشرية، فلذلك قدروا من العبادة على ما لم يقدر عليه من سواهم. وبمثل هذا ~~السبب صارت المشبهة منا أعبد ممن ينفي التشبيه، حتى ربما رأيته يتنفس من ~~الشوق إليه، ويشهق عند ذكر الزيارة، ويبكي عند ذكر الرؤية، ويغشى عليه عند ~~ذكر رفع الحجب. وما ظنك بشوق من طمع في مجالسة ربه عز وجل، ومحادثة خالقه ~~عز ذكره. # ولقد غالت القوم غول، ودعاهم أمر، فانظر ما هو؟ وإن سألتني عنه خبرتك: ~~إنما هو نتيجة أحد أمرين: إما تقليد الرجال، وإما طلب تعظيمهم. ولذلك السبب ~~لم ترض اليهود من إنكار حقه بتكذيبه، حتى طلبت قتله وصلبه، والمثلة به، ثم ~~لم ترض بذلك حتى زعمت PageV03P253 ~~أنه لغير رشدة، فلو كانت دون هذه المنزلة منزلة لما انتهت اليهود دون ~~بلوغها، ولو كانت فوق ما قالت النصارى منزلة لما انتهت دون غايتها. # وبذلك السبب صارت الرافضة أشد صبابة ms16 وتحرقا، وأفرط غضبا، وأدوم حقدا. ~~وأحسن تواصلا من غيرهم أيضا. # ورب خبر قد كان فاشيا فدخل عليه من العلل ما منعه من الشهرة، ورب خبر ~~ضعيف الأصل، واهن المخرج، قد تهيأ له من الأسباب ما يوجب الشهرة. ### || فصل منه # واعلم أن لأكثر الشعر ظعنا وحظوظا، كالبيت يحظى ويسير، حتى يحظى صاحبه ~~بحظه، وغيره من الشعر أجود منه. وكالمثل يحظى ويسير، وغيره من الأمثال ~~أجود. وما ضاع من كلام الناس وضل أكثر مما حفظ وحكي. واعتبر ذلك من نفسك، ~~وصديقك وجليسك. # وأمر الأسباب عجيب. ومن ذلك قتل علي بن أبي طالب من السادة والقادة ~~والحماة، ما عسى لو ذكرته لاستكبرته واستعظمته، فأضرب الناس عن ذكرهم، ~~وجهلت العوام مواضعهم، وأخذوا في ذكر عمرو بن عبد ود فرفعوه فوق كل فارس ~~مشهور، وقائد مذكور. PageV03P254 # وقد قرأت على العلماء كتاب الفجار الأول، والثاني، والثالث. وأمر ~~المطيبين والأحلاف، ومقتل أبي أزيهر، ومجيء الفيل، وكل يوم جمع كان لقريش، ~~فما سمعت لعمرو هذا في شيء من ذلك ذكرا. # فإن قلت: إن نبل القاتل زيادة في نبل المقتول، فكل من قتله على ابن أبي ~~طالب رضوان الله عليه أنبل منه وأحق بالشهرة، ولكن أشعار ابن دأب، ومناقلة ~~الصبيان في الكتاب هما اللتان أورثتاه ما ترى وتسمع. PageV03P255 ### || فصل منه في أمر الأخبار # وإنما ذكرت هذا لتعلم أن الخبر قد يكون أصله ضعيفا ثم يعود قويا، ويكون ~~أصله قويا فيعود ضعيفا، للذي يعتريه من الأسباب، ويحل به من الأعراض، من ~~لدن مخرجه وفصوله، إلى أن يبلغ مدته، ومنتهى أجله، وغاية التدبير فيه، ~~والمصلحة عليه. # فلما كان هذا مخوفا، وكان غير مأمون على المتقادم منه وضع الله تعالى لنا ~~على رأس كل فترة علامة، وعلى غاية كل مدة أمارة، ليعيد قوة الخبر، ويجدد ما ~~قد هم بالدروس، بالأنبياء والمرسلين عليهم السلام أجمعين. لأن نوحا عليه ~~السلام هو الذي جدد الأخبار التي كانت في الدهر الذي بينه وبين آدم عليهما ~~السلام، حتى منعها الخلل، وحماها النقصان بالشواهد الصادقة، والأمارات ~~القائمة. وليس ms17 أن أخبارهم وحججهم قد كانت درست واختلت، بل حين همت بذلك ~~وكادت. بعثه الله عز وجل بآياته لئلا تخلو الأرض من حججه، ولذلك سموا آخر ~~الدهر الفترة. وبين الفترة والقطعة فرق. فاعرف ذلك. # ثم بعث الله جل وعز إبراهيم عليه السلام على رأس الفترة الثانية التي ~~كانت بينه وبين دهر نوح، وإنما جعلها الله تعالى أطول فترة كانت في الأرض، ~~لأن نوحا كان لبث في قومه يحتج ويخبر، ويؤكد ويبين، ألف سنة إلا خمسين ~~عاما، ولأن آخر آياته كانت أعظم الآيات، وهي الطوفان، الذي أغرق الله تعالى ~~به جميع أهل الأرض PageV03P256 ~~غيره وغير شيعته، وإنما أفار الماء من جوف تنور، ليكون أعجب للآية، وأشهر ~~للقصة، وأثبت للحجة. # ثم ما زالت الأنبياء صلوات الله عليهم أجمعين، بعضهم على إثر بعض في ~~الدهر الذي بين إبراهيم، وبين عيسى عليهما السلام. فلترادف حججهم، وتظاهر ~~أعلامهم، وكثرة أخبارهم، واستفاضة أمورهم، ولشدة ما تأكد ذلك في القلوب، ~~ورسخ في النفوس، وظهر على الألسنة، لم يدخلها الخطل والنقص والفساد، في ~~الدهر الذي كان بين النبي عليه السلام وبين عيسى عليه السلام. # فحين همت بالضعف، وكادت تنقص عن التمام، وانتهت قوتها، بعث الله تعالى ~~محمدا صلى الله عليه وسلم، فجدد أقاصيص آدم ونوح، وموسى وهارون، وعيسى ~~ويحيى، عليهم السلام، وأمورا بين ذلك، وهو الصادق، بالشواهد الصادقة، وأن ~~الساعة آتية، وأنه ختم الرسل عليهم السلام به، فعلمنا عند ذلك أن حجته ستتم ~~إلى مدتها، وبلوغ أمر الله عز وجل فيها. ### || فصل # ثم رجع الكلام إلى القول في الأخبار، فأقول: # إن الناس موكلون بحكاية كل ~~عجيب، وميسرون للإخبار عن PageV03P257 ~~فى جنب ثانى ~~كل عظيم، وليسوا للحسن أحكى منهم للقبيح، ولا لما ينفع أحكى منهم لما ~~يضر، وعلى قدر كبر الشيء تكون حكايتهم له واستماعهم. # ألا ترى أن رجلا من الخلفاء لو ضرب عنق رجل من العظماء لما أمسى وفي ~~عسكره وبلدته جاهل ولا عالم إلا وقد استقر ذلك عنده وثبت في قلبه، لأن ~~الناس بين حاسد فهو يحكي ذلك ms18 الذي دخل عليه من الثكل وقلة العدد، وبين واجد ~~يعجب الناس، وبين واعظ معتبر، وبين قوم شأنهم الأراجيف بالفاسد والصالح. ~~ولو كان ضرب عنقه في يوم عيد، أو حلبة، أو استمطار، أو موسم، لكان أشد ~~لاستفاضته، وأسرع لظهوره. # ولو جاز أن يكتم الناس هذا وشبهه على الإيثار للكتمان، وعلى جهة النسيان، ~~لكنا لا ندري: لعله قد كان في زمن صفين والجمل والنهروان حرب مثلها أو أشد ~~منها، ولكن الناس آثروا الكتمان، واتفقوا على النسيان. # فإذا كان قتل الملك الرجل من العظماء بهذه المنزلة من قلوب الأعداء، ومن ~~قلوب الحكماء والغوغاء، فما ظنك بمن لو أبصروا رجلا قد أحياه بعد أن ضرب ~~عنقه، وأبان رأسه من جسده، أليس كان يكون تعجبهم من إحيائه أشد من تعجبهم ~~من قتله، وكان يكون إخبارهم من خلفوا في منازلهم ومن ورد عليهم عن القتل ~~ليكون سببا للإخبار عن الإحياء، إذ كان الأول صغيرا في جنب الثاني. PageV03P258 # فهذا يدل على أن أعلام الرسل عليهم السلام وآياتهم أحق بالظهور والشهرة، ~~والقهر للقلوب والأسماع، من مخارجهم وشرائعهم. بل قد نعلم أن موسى عليه ~~السلام لم يذكر ولم يشهر إلا لأعاجيبه وآياته. وكذلك عيسى عليه السلام، ~~ولولا ذلك لما كانا إلا كغيرهما ممن لا يشعر بموته ولا مولده. # وكيف تتقدم المعرفة بهما المعرفة بأعلامهما وأعاجيبهما، وأنت لم تسمع ~~بذكرهما قط، دون ما ذكر من أعلامهما. # فإذا كان شأن الناس الإخبار عن كل عجيب، وحكاية كل عظيم، والإطراف بكل ~~طريف، وإيراد كل غريب من أمور دنياهم، فما لا يمتنع في طبائعهم، ولا يخرج ~~من قوى الخليقة في البطش والحيلة، أحق بالإخبار والإذاعة، وبالإظهار ~~والإفاضة، هذا على أن يترك الطباع وما يولد عليه، والنفوس وما تنتج، والعلل ~~وما يسخر. ~~فكيف إن كان الله عز وجل قد خص أعلام أنبيائه وآيات رسله عليهم السلام من ~~تهييج الناس على الإخبار عنها، ومن تسخير الأسماع لحفظها، بخاصة لم يجعلها ~~لغيرها. ### || فصل منه # فإن قال القائل: إن الحجة لا تكون حجة حتى تعجز الخليقة PageV03P259 ~~وتخرج ms19 من حد الطاقة، كإحياء الموتى، والمشي على الماء، وكفلق البحر، ~~وكإطعام الثمار في غير أوان الثمار، وكإنطاق السباع، وإشباع الكثير من ~~القليل، وكل ما كان جسما مخترعا، وجرما مبتدعا. وكالذي لا يجوز أن يتولاه ~~إلا الخالق، ولا يقدر عليه إلا الله عز ذكره. # فأما الأخبار التي هي أفعال العباد، وهم تولوها، وبهم كانت وبقولهم حدثت، ~~فلا يجوز أن يكون حجة، إذ كان لا حجة إلا ما لا يقدر عليه الخليقة، وما لا ~~يتوهم من جميع البرية. # قلنا: إنا لم نزعم أن الأخبار حجة فيحتجون علينا بها، وإنما زعمنا أن ~~مجيئها حجة، والمجيء ليس هو أمر يتكلفه الناس ويختارونه على غيره، ولو كان ~~كذلك لكانوا متى أرادوه فعلوه وتهيئوا له، ولفعلوه في الباطل كما يجيء لهم ~~في الحق. والمجيء أيضا ليس هو فعلا قائما فيستطيعوه أو يعجزوا عنه، وإنما ~~هو الإنسان، يعلم أنه إذا لقي البصريين فأخبروه أنهم قد عاينوا بمكة شيئا، ~~ثم لقي الكوفيين فأخبروه بمثل ذلك، أنهم قد صدقوا. إذ كان مثلهم لا يتواطأ ~~على مثل خبرهم على جهلهم بالغيب، وعلى اختلاف طبائعهم وهممهم وأسبابهم. # فليس بين هذا وبين إحياء الموتى والمشي على الماء فرق، إذ كان الناس لا ~~يقدرون عليه، ولا يطمعون فيه، والمجيء إنما هو معنى PageV03P260 ~~معقول، وشيء موهوم. إذ كان كيف يكون ومعلوم أن الناس لا يمكنهم أن ~~يقدروا، ولا يستطيعون فعله. وإنما مدار أمر الحجة على عجز الخليقة. فمتى ~~وجدت أمرا ووجدت الخليقة عاجزة عنه فهي حجة. ثم لا عليك جوهرا كان أو عرضا، ~~أو موجودا أو متوهما معقولا. ألا ترى أن فلق البحر ليس هو من جنس اختراع ~~الثمار، لأن الفلق هو انفراج أجزاء، والثمار أجرام حادثة. # وكذلك لو ادعى رجل أن الله عز وجل أرسله وجعل حجته علينا الإخبار بما ~~أكلنا وادخرنا وأضمرنا، لكان قد احتج علينا. # فإن قلتم: إن المنجمين ربما أخبروا بالضمير، وبالأمر المستور، وببعض ما ~~يكون. # قلنا: أما واحدة فإن خطأ المنجمين كثير، وصوابهم قليل، بل هو أقل من ~~القليل. ms20 وأنتم لا تقدرون أن تقفونا من أخبار المرسلين عليهم السلام في كثير ~~أخبارهم على خطاء واحد، والذي سهل قليل المنجمين طرافة ذلك منهم، لأنهم لو ~~قالوا فأخطئوا أبدا لما كان PageV03P261 ~~عجبا، لأنه ليس بعجب أن يكون الناس لا يعلمون ما يكون قبل أن يكون، ومن ~~أعجب العجب أن يوافق قولهم بعض ما يكون. # وقد نجد المنجمين يختلفون في القضية الواحدة، ويخطئون في أكثرها. وقد نجد ~~الرسول يخبرهم عما يأكلون ويشربون ويدخرون ويضمرون، في الأمور الكثيرة ~~المعاني، والمختلفة في الوجوه، حتى لا يخطىء في شيء من ذلك. وليس في الأرض ~~منجم ذكر شيئا أو وافق ضميرا إلا وأنت واجد بعض من يزجر قد يجيء بمثله ~~وأكثر منه. # فإن قلت: إن الناس يكذبون في الإخبار عن الأعراب والكهان من كل جيل؟ # قلنا: فهم في إخبارهم عن المنجمين أكذب. # وبعد، فالناس غير مستعظمين لكثرة كذب المنجمين وخطاياهم وخدعهم، والناس ~~يستعظمون اليسير من المرسلين عليهم السلام. وكلما كان الرجل في عينك أعظم، ~~وكان عن الكذب أزجر، كان كذبه عندك أعظم. وإنما المنجم عند العوام كالطبيب ~~الذي إن قتل المريض علاجه كان عندهم أن القضاء هو الذي قتله، وإن برأ كان ~~هو أبرأه. على أن صوابهم أكثر، ودليلهم أظهر. # وقد صار الناس لا يقتصرون للمنجمين على قدر ما يسمعون منهم، دون أن ~~يولدوا لهم، ويضعوا الأعاجيب عن ألسنتهم. PageV03P262 # وكل ملحد في الأرض للرسول طاعن عليه، عائب له، يرى أن يصدق عليه كل كذاب ~~يريد ذمه، وأن يكذب كل صادق يريد مدحه. # وبعد، فلو كان خبر المنجمين في الصواب كخبر الأنبياء والمرسلين عليهم ~~السلام، الذي هو حجة، لما كان خبر المنجمين حجة. # فإن قلت: ولم ذاك؟ # قلت: لأن من كثر صوابه على غير استدلال ومقايسة، وعلى ~~غير حساب وتجربة، أو على نظر ومعاينة لم يكن الأمر من قبل الوحي؛ لأنك لو ~~قلت قصيدة في نفسك فحدثك بها رجل، وأنت تعلم أنه ليس بمنجم، وأنشدكها كلها، ~~لعلمت أن ذلك لا يكون إلا بوحي. # ومثل ذلك رجل اشتد ms21 وجع عينه فعالجه طبيب فبرأ، فلو جعل الطبيب ذلك حجة ~~على نبوته لوجب علينا تكذيبه، ولو قال رجل من غير أن يمسه أو يدنو إليه: ~~اللهم إن كنت صادقا عليك فاشفه الساعة، فبرأ من ساعته لعلمنا أنه صادق. # فإن قالوا: وما علمنا أن محمدا عليه السلام لم يكن منجما؟ # قلنا: إن علمنا ~~بذلك كعلمنا بأن العباس وحمزة وعليا وأبا بكر وعمر، رضوان الله عليهم ~~أجمعين، لم يكونوا منجمين، ولا أطباء متكهنين. وكيف يجوز أن يصير إنسان ~~عالما بالنجوم من غير أن يختلف PageV03P263 ~~إلى المنجمين، أو يختلفوا إليه، أو يكون علم النجوم فاشيا في أهل بلاده، ~~أو يكون في أهله واحد معروف به. ولو بلغ إنسان في علم النجوم، وليست معه ~~علة من هذه العلل، وكان ذلك يخفى، لكان ذلك كبعض الآيات والعلامات. # ومتى رأينا حاذقا بالكلام، أو بالطب، أو بالحساب، أو بالغناء، أو ~~بالنجوم، أو بالعروض، خفي على الناس موضعه وسببه؟ ! # وجميع ما ذكرنا، فعناية ~~الناس به وعداوتهم، وشهرته في نفسه، دون محمد صلى الله عليه وسلم. # وهل نصب أحد قط لأحد إلا بدون ما نصب له رهطه، وأدانى أهله، ومن معه في ~~بيته وربعه. # وما أعرف - يرحمك الله - المعاند والمسترشد والمصدق والمكذب، ينكر أن ~~محمدا صلى الله عليه وسلم لم يكن منجما ولا طبيبا. وإذا قال الجاهل: إنه قد ~~كان يعلم الخط فخفي له ذلك، وتعلم الأسباب والقضاء في النجوم فخفي له ذلك، ~~وتعلم البيان وقدر منه على ما يعجز أمثاله عنه وخفي ذلك، أليس مع قوله ما ~~يعلم خلافه، يعلم أنه قد سلم له أعجوبة كأعجوبة إبراء الأكمه والأبرص، ~~والمشي على الماء، إذ كان ذلك لا يجوز، ولا يمكن في الطبائع والعقل ~~والتجربة. # وافهم يرحمك الله ما أنا واصفه لك: هل يجد التارك لتصديقه PageV03P264 ~~أنه لا يدري بزعمه، لعله كان أعلم الخلق بالنجوم، ناظرا لنفسه، غير معاند ~~لحجة عقله. وهو لم يجد أحدا قط برع في صناعة واحدة فخفي على الناس موضعه ~~بكل ما حكينا وفسرنا. # وأنت كيف ms22 تعلم أنه ليس في إخوانك من ليس بمنجم، وأن فيهم من ليس بطبيب، ~~إلا بمثل ما يعرف به رهط النبي صلى الله عليه وآله منه. # وكيف لم يشتهر ذلك، ولم لم يحتج به عليه؟ ولقد بلغ من إسرافهم في شتمه، ~~وإفراطهم عليه، أن نافقوا وأحالوا، لأنهم كانوا يقولون له: أنت ساحر، وأنت ~~مجنون! وإنما يقال للرجل: ساحر، لخلابته وحسن بيانه، ولطف مكايده، وجودة ~~مداراته وتحببه. ويقال: مجنون، لضد ذلك كله. ### || فصل منه # وليس ينتفع الناس بالكلام في الأخبار إلا مع التصادق، ولا تصادق إلا مع ~~كثرة السماع، والعلم بالأصول؛ لأن رجلا لو نازع في الأخبار، وفي الوعد ~~والعيد، والخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والفريضة والنافلة، والسنة ~~والشريعة، والاجتماع والفرقة، ثم حسنت نيته، وناضح عن نفسه، لما عرف حقائق ~~باطل دون أن يكون قد عرف الوجوه، وسمع الجمل، وعرف الموازنة، وما كان في ~~الطبائع، وما يمتنع فيها. وكيف أيضا يقول في التأويل من لم يسمع بالتنزيل؟ ~~وكيف يعرف صدق الخبر من لم يعرف سبب الصدق؟ PageV03P265 # واعلم أن من عود قلبه التشكك اعتراه الضعف، والنفس عروف، فما عودتها من ~~شيء جرت عليه. # والمتحير إلى تقوية قلبه ورد قوته عليه وإفهامه موضع رأيه، وتوقيفه على ~~الأمر الذي أثقل صدره، أحوج منه إلى المنازعة في فرق ما بين المجيء الذي ~~يكذب مثله، والمجيء الذي لا يكذب مثله. # وسنتكلف من علاج دائه، وترتيب إفهامه إن أعان على نفسه، بما لا يبقي سببا ~~للشك، ولا علة للضعف. والله تعالى المعين على ذلك، والمحمود عليه. ### || فصل منه # ومتى سمعنا نبي الله عليه السلام اتكل على عدالته، وعلى معرفة قومه بقديم ~~طهارته، وقلة كذبه، دون أن جاءهم بالعلامات والبرهانات؟ # ولعمري لو لم نجد ~~الحافظ ينسى، والصادق يكذب، والمؤمن يبدل، لقد كان ما ذهبوا إليه وجها. ### || فصل منه في ذكر دلائل النبي عليه الصلاة والسلام # وباب آخر يعرف به صدقه، وهو إخباره عما يكون، وإخباره عن PageV03P266 ~~ضمائر الناس، وما يأكلون وما يدخرون، ولدعائه المستجاب الذي لا تأخير ~~فيه، ولا خلف ms23 له. وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حين لقي من قريش والعرب ~~ما لقي من شدة أذاهم له، وتكذيبهم إياه، واستعانتهم عليه بالأموال والرجال، ~~دعا الله جل وعز أن يجدب بلادهم، وأن يدخل الفقر بيوتهم، فقال صلى الله ~~عليه وآله: " اللهم سنين كسني يوسف. اللهم اشدد وطأتك على مضر ". # فأمسك الله عز وجل عنهم المطر حتى مات الشجر، وذهب الثمر، وقلت المزارع، ~~وماتت المواشي، وحتى اشتووا القد والعلهز. # فعند ذلك وفد حاجب بن زرارة على كسرى، يشكو إليه الجهد والأزل ويستأذنه ~~في رعي السواد، وهو حين ضمنه عن قومه، وأرهنه قوسه. فلما أصاب مضر خاصة ~~الجهد، ونهكهم الأزل، وبلغت الحجة مبلغها، وانتهت الموعظة منتهاها، عاد ~~بفضله صلى الله عليه وسلم، على الذي بدأهم به، فسأل ربه الخصب وإدرار ~~الغيث، فأتاهم منه ما هدم بيوتهم، ومنعهم حوائجهم، فكلموه في ذلك فقال: " ~~الله حوالينا ولا علينا ". فأمطر الله عز وجل ما حولهم، وأمسك عنهم. # وكتب إلى كسرى يدعوه إلى نجاته وتخليصه من كفره، فبدأ باسمه على اسمه، ~~فأنف من ذلك كسرى لشقوته، وأمر بتمزيق الكتاب، PageV03P267 ~~فلما بلغه صلى الله عليه وسلم قال: " اللهم مزق ملكه كل ممزق ". فمزق ~~الله جل وعز ملكه، وجد أصله، وقطع دابره، لأن كل ملك في الأرض، وإن كان قد ~~أخرج من معظم ملكه، فهو مقيم على بقية منه، وذلك أن الإسلام لم يترك ملكا ~~بحيث تناله الحوافر والأخفاف والأقدام، إلا أزاله عنه، وأخرجه منه إلى عقاب ~~يعتصم بها، ومعاقل يأوي إليها، أو طرده إلى خليج منيع، لا يقطعه إلا السفن، ~~فهم من بين هارب قد دخل في وجار، أو اختفى في غيضة، أو مقيم على فم شعب، ~~ورأس مضيق، قد سخت نفسه عن كل سهل، وأسلم كل مرج أو ملك لا قرار له، وليس ~~بذي مدر فيؤتى، وإنما أصحابه أكراد يطلبون النجعة، أو كخوارج يطلبون الغرة. ~~فأما أن يكون ملك يصحر لهم، ويقيم بإزائهم، ويغاديهم الحرب ويمسيهم، ~~ويساجلهم الظفر ويناهضهم، كما كانت ملوك الطوائف، وكالذي كان ms24 بين فارس ~~والروم فلا، وذلك لقوله تعالى: " هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ~~ليظهره على الدين كله " إلى قوله عز ذكره: " المشركون ". فلم يرض أن أظهر ~~دينه حتى جعل أهله الغالبين بالقدرة، والظاهرين بالمنعة، والآخذين الإتاوة. PageV03P268 # وكتب كسرى إلى فيروز الديلمي، وهو من بقية أصحاب سيف بن ذي يزن: أن احمل ~~إلى هذا العبد الذي بدأ باسمه قبل اسمي، واجترأ علي، ودعاني إلى غير ديني! ~~فأتاه فيروز فقال: إن ربي أمرني أن أحملك إليه. فقال صلى الله عليه وسلم: " ~~إن ربي خبرني أنه قد قتل ربك البارحة، فأمسك علي ريثما يأتيك الخبر، فإن ~~تبين لك صدقي، وإلا فأنت على أمرك ". فراع ذلك فيروز وهاله، وكره الإقدام ~~عليه، والاستخفاف به، فإذا الخبر قد أتاه: أن شيرويه قد وثب عليه في تلك ~~الليلة فقتله. فأسلم وأخلص، ودعا من معه من بقية الفرس إلى الله عز ذكره ~~فأسلموا. ### || فصل منه في ذكر النبي صلى الله عليه وآله # ثم إن الذي تقدمه صلى الله عليه وآله من البشارات في الكتب المتقادمة، في ~~الأزمان المتباعدة، والبلدان الموجودة بكل مكان، على شدة عداوة أهلها، ~~وتعصب حامليها، ومع قوة حسدهم، وشدة بغيهم. ~~وما ذلك ببديع منهم ومن آبائهم، على أنهم أشبه بآبائهم منهم بأزمانهم. ~~وكل الناس أشبه بأزمانهم منهم بآبائهم. وآباؤهم الذين قتلوا أنبياءهم عليهم ~~السلام، وتعنتوا رسلهم صلى الله عليهم، حتى خلاهم الله عز وجل من يده، ~~وأفقدهم عصمته وتوفيقه. PageV03P269 ~~ولم استدل على ذكره في التوراة والإنجيل والزبور، وعلى صفته والبشارة به ~~في الكتب إلا لأنك متى وجدت النصراني واليهودي يسلم بأرض الشام وجدته يعتل ~~بأمور، ويحتج بأشياء مثل الأمور التي يحتج بها من أسلم بالعراق. وكذلك من ~~أسلم بالحجاز، ومن أسلم من اليمن، من غير تلاق ولا تعارف، ولا تشاعر. وكيف ~~يتلاقون ويتراسلون، وهم غير متعارفين ولا متشاعرين؟ ولو كانوا كذلك لظهر ~~ذلك ولم ينكتم، كما حكينا قبل هذا. ولو قابلت بين أخبارهم واحتجاجهم مع ~~كثرة الألفاظ واختلاف المعاني، لوجدتها متساوية. ### || فصل منه # فإن ms25 قال قائل: لم كانت أعلام موسى عليه السلام في كثرتها مع غي بني ~~إسرائيل، ونقصان أحلام القبط، في وزن أعلام محمد صلى الله عليه وسلم وفي ~~قدرها، مع أحلام قريش، وعقول العرب. # ومتى أحببت أن تعرف غي بني إسرائيل ونقصان أحلام القبط، ورجحان عقول ~~العرب، وأحلام كنانة، فأت بواديهم ورباعهم. وانظر إلى بنيهم وبقاياهم، كما ~~نظرت إلى بني إسرائيل من اليهود وغي بني من مضى من القبط تعتبر ذلك وتعرف PageV03P270 ~~ما أقول. ثم انظر في أشعار العرب الصحيحة، والخطب المعروفة، والأمثال ~~المضروبة، والألفاظ المشهورة، والمعاني المذكورة، مما نقلته الجماعات عن ~~الجماعات، وكلام العرب ومعانيهم في الجاهلية. ~~ثم تفقد، وسل أهل العلم والخبرة عن بني إسرائيل، فإن وجدت لهم مثلا سائرا ~~كما تسمع للقبط والفرس، فضلا عن العرب فقد أبطلنا فيما قلنا. # وقد كان الرجل من العرب يقف المواقف، ويسير عدة أمثال، كل واحد منها ركن ~~يبنى عليه، وأصل يتفرع منه. # أو هل تسمع لهم بكلام شريف، أو معنى يستحسنه أهل التجربة، وأصحاب التدبير ~~والسياسة، أو حكم أو حكمة، أو حذق في صناعة، مع ترادف الملك فيهم، وتظاهر ~~الرسالة في رجالهم. # وكيف لا تقضي عليهم بالغي والجهل، ولم تسمع لهم بكلمة فاخرة، أو معنى ~~نبيه، لا ممن كان في المبدى، ولا ممن كان في المحضر، ولا من قاطني السواد، ~~ولا من نازلي الشام؟ # ثم انظر إلى أولادهم مع طول لبثهم فينا، وكونهم معنا، ~~هل غير PageV03P271 ~~ذلك من أخلاقهم وشمائلهم، وعقولهم، وأحلامهم، وآدابهم، وفطنهم؟ فقد صلح ~~بنا كثير من أمور النصارى وغيرهم. # وليس النصارى كاليهود، لأن اليهود كلهم من بني إسرائيل إلا القليل. # وبعد، فلم يضرب فيهم غيرهم، لأن مناكحهم مقصورة فيهم، ومحبوسة عليهم، ~~فصور أولهم مؤداة إلى آخرهم، وعقول أسلافهم مردودة على أخلافهم، ثم اعتبر ~~بقولهم لنبيهم عليه السلام: " اجعل لنا إلها كما لهم آلهة " حين مروا على ~~قوم يعكفون على أصنام لهم يعبدونها. وكقولهم: " أرنا الله جهرة "، وكعكوفهم ~~على عجل صنع من حليهم، يعبدونه من دون الله، بعد أن أراهم ms26 من الآيات ما ~~أراهم. ~~وكقولهم: " اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون "، فكان الذي جاء به ~~موسى عليه السلام، مع نقص بني إسرائيل والقبط، مثل الذي جاء به محمد صلى ~~الله عليه وسلم، مع رجحان قريش والعرب. # وكذلك وعد محمد عليه السلام بنار الأبد، كوعيد موسى بني إسرائيل بإلقاء ~~الهلاس على زروعهم، والهم على أفئدتهم، وتسليط الموتان على ماشيتهم، ~~وبإخراجهم من ديارهم، وأن يظفر بهم PageV03P272 ~~عدوهم. فكان تعجيل العذاب الأدنى في استدعائهم واستمالتهم، وردعهم عما ~~يريد بهم، وتعديل طبائعهم، كتأخير العذاب الشديد على غيرهم، لأن الشديد ~~المؤخر لا يزجر إلا أصحاب النظر في العواقب، وأصحاب العقول التي تذهب في ~~المذاهب. # فسبحان من خالف بين طبائعهم وشرائعهم ليتفقوا على مصالحهم في دنياهم، ~~ومراشدهم في دينهم، مع أن محمدا صلى الله عليه وسلم مخصوص بعلامة لها في ~~العقل موقع، كموقع فلق البحر من العين، وذلك قوله لقريش خاصة، وللعرب عامة، ~~مع ما فيهما من الشعراء والخطباء والبلغاء، والدهاة والحلماء، وأصحاب الرأي ~~والمكيدة، والتجارب والنظر في العاقبة: إن عارضتموني بسورة واحدة فقد كذبت ~~في دعواي، وصدقتم في تكذيبي. # ولا يجوز أن يكون مثل العرب في كثرة عددهم واختلاف عللهم، والكلام ~~كلامهم، وهو سيد علمهم، فقد فاض بيانهم، وجاشت به صدورهم، وغلبتهم قوتهم ~~عليه عند أنفسهم، حتى قالوا في الحيات والعقارب، والذباب والكلاب، والخنافس ~~والجعلان، والحمير والحمام، وكل ما دب ودرج، ولاح لعين، وخطر على قلب. ولهم ~~بعد أصناف النظم، وضروب التأليف، كالقصيد، والرجز، والمزدوج، والمجانس، ~~والأسجاع والمنثور. PageV03P273 # وبعد، فقد هجوه من كل جانب، وهاجى أصحابه شعراءهم، ونازعوا خطباءهم، ~~وحاجوه في المواقف، وخاصموه في المواسم، وبادوه العداوة، وناصبوه الحرب، ~~فقتل منهم، وقتلوا منه، وهم أثبت الناس حقدا، وأبعدهم مطلبا، وأذكرهم لخير ~~أو لشر، وأنفاهم له، وأهجاهم بالعجز، وأمدحهم بالقوة، ثم لا يعارضه معارض، ~~ولم يتكلف ذلك خطيب ولا شاعر. # ومحال في التعارف، ومستنكر في التصادق، أن يكون الكلام أخصر عندهم، وأيسر ~~مئونة عليهم، وهو أبلغ في تكذيبهم وأنقض لقوله، وأجدر أن يعرف ذلك ms27 أصحابه ~~فيجتمعوا على ترك استعماله، والاستغناء به، وهم يبذلون مهجهم وأموالهم، ~~ويخرجون من ديارهم في إطفاء أمره، وفي توهين ما جاء به، ولا يقولون، بل لا ~~يقول واحد من جماعتهم: لم تقتلون أنفسكم، وتستهلكون أموالكم، وتخرجون من ~~دياركم، والحيلة في أمره يسيرة، والمأخذ في أمره قريب؟ ! ليؤلف واحد من ~~شعرائكم وخطبائكم كلاما في نظم كلامه، كأقصر سورة يخذلكم بها، وكأصغر آية ~~دعاكم إلى معارضتها. بل لو نسوا، ما تركهم حتى يذكرهم، ولو تغافلوا ما ترك ~~أن ينبههم، بل لم يرض بالتنبيه دون التوقيف. PageV03P274 # فدل ذلك العاقل على أن أمرهم في ذلك لا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكونوا ~~عرفوا عجزهم، وأن مثل ذلك لا يتهيأ لهم، فرأوا أن الإضراب عن ذكره، ~~والتغافل عنه في هذا الباب وإن قرعهم به، أمثل لهم في التدبير، وأجدر أن لا ~~يتكشف أمرهم للجاهل والضعيف، وأجدر أن يجدوا إلى الدعوى سبيلا، وإلى اختداع ~~الأنبياء سببا، فقد ادعوا القدرة بعد المعرفة بعجزهم عنه، وهو قوله عز ~~ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا ". # وهل يذعن الأعراب وأصحاب الجاهلية للتقريع بالعجز، والتوقيف على النقص، ~~ثم لا يبذلون مجهودهم، ولا يخرجون مكنونهم وهم أشد خلق الله عز وجل أنفة، ~~وأفرط حمية، وأطلبه بطائلة، وقد سمعوه في كل منهل وموقف. والناس موكلون ~~بالخطابات، مولعون بالبلاغات. فمن كان شاهدا فقد سمعه، ومن كان غائبا فقد ~~أتاه به من لم يزوده. # وإما أن يكون غير ذلك. # ولا يجوز أن يطبقوا على ترك المعارضة وهم يقدرون عليها، PageV03P275 ~~لأنه لا يجوز على العدد الكثير من العقلاء والدهاة والحلماء، مع اختلاف ~~عللهم، وبعد هممهم، وشدة عداوتهم الإطباق على بذل الكثير، وصون اليسير. # وهذا من ظاهر التدبير، ومن جليل الأمور التي لا تخفى على الجهال فكيف على ~~العقلاء، وأهل المعارف فكيف على الأعداء، لأن تحبير الكلام أهون من القتال، ~~ومن إخراج المال. # ولم يقل: إن القوم قد تركوا مساءلته في القرآن والطعن فيه، بعد أن كثرت ~~خصومتهم في ms28 غيره. # ويدلك على ذلك قوله عز وجل: " وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن ~~جملة واحدة " وقوله عز ذكره: " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين لا ~~يرجون لقاءنا ائت بقرآن غير هذا أو بدله "، وقوله تعالى جل ذكره: " وقال ~~الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون ". # ويدلك كثرة هذه المراجعة، وطول هذه المناقلة، على أن التقريع لهم بالعجز ~~كان فاشيا، وأن عجزهم كان ظاهرا. PageV03P276 # ولو لم يكن النبي صلى الله عليه وسلم تحداهم بالنظر والتأليف، ولم يكن ~~أيضا أزاح علتهم، حتى قال تعالى: " قل فأتوا بعشر سور مثله مفتريات " ~~وعارضوني بالكذب، لقد كان في تفصيله له وتركيبه، وتقديمه له واحتجاجه، ما ~~يدعو إلى معارضته ومغالبته وطلب مساويه. # ولو لم يكن تحداهم من كل ما قلنا، وقرعهم بالعجز عما وصفنا وهل هذا إلا ~~بمديحه له، وإكثاره فيه لكان ذلك سببا موجبا لمعارضته ومغالبته وطلب ~~تكذيبه، إذ كان كلامهم هو سيد عملهم، والمئونة فيه أخف عليهم، وقد بذلوا ~~النفوس والأموال. وكيف ضاع منهم، وسقط على جماعتهم نيفا وعشرين سنة، مع ~~كثرة عددهم، وشدة عقولهم، واجتماع كلمتهم؟ ! وهذا أمر جليل الرأي، ظاهر ~~التدبير. ### || فصل منه في ذكر امتناعهم من معارضة القرآن لعلمهم بعجزهم عنها # والذي منعهم من ذلك هو الذي منع ابن أبي العوجاء، وإسحاق بن PageV03P277 ~~طالوت، والنعمان بن المنذر، وأشباههم من الأرجاس، الذين استبدلوا بالعز ~~ذلا، وبالإيمان كفرا، والسعادة شقوة، وبالحجة شبهة. # بل لا شبهة في الزندقة خاصة. فقد كانوا يصنعون الآثار، ويولدون الأخبار، ~~ويبثونها في الأمصار، ويطعنون في القرآن، ويسألون عن متشابهه، وعن خاصه ~~وعامه، ويضعون الكتب على أهله. وليس شيء مما ذكرنا يستطيع دفعه جاهل غبي، ~~ولا معاند ذكي. ### || فصل منه # ولما كان أعجب الأمور عند قوم فرعون السحر، ولم يكن أصحابه قط في زمان ~~أشد استحكاما فيه منهم في زمانه، بعث الله موسى عليه السلام على إبطاله ~~وتوهينه، وكشف ضعفه وإظهاره، ونقض أصله لردع الأغبياء من القوم، ولمن نشأ ~~على ذلك من السفلة والطغام. ms29 ~~لأنه لو كان أتاهم بكل شيء، ولم يأتهم بمعارضة السحر حتى يفصل بين الحجة ~~والحيلة، لكانت نفوسهم إلى ذلك متطلعة، ولاعتل به أصحاب الأشغاب، ولشغلوا ~~به بال الضعيف، ولكن الله تعالى جده، أراد حسم الداء، وقطع المادة، وأن لا ~~يجد المبطلون متعلقا، PageV03P278 ~~ولا إلى اختداع الضعفاء سبيلا، مع ما أعطى الله موسى عليه السلام من سائر ~~البرهانات، وضروب العلامات. # وكذلك زمن عيسى عليه السلام كان الأغلب على أهله، وعلى خاصة علمائه الطب، ~~وكانت عوامهم تعظم على ذلك خواصهم، فأرسله الله عز وجل بإحياء الموتى، إذ ~~كانت غايتهم علاج المرضى. ~~وأبرأ لهم الأكمه إذ كانت غايتهم علاج الرمد، مع ما أعطاه الله عز وجل من ~~سائر العلامات، وضروب الآيات؛ لأن الخاصة إذا بخعت بالطاعة، وقهرتها الحجة، ~~وعرفت موضع العجز والقوة، وفصل ما بين الآية والحيلة، كان أنجع للعامة، ~~وأجدر أن لا يبقى في أنفسهم بقية. # وكذلك دهر محمد صلى الله عليه وسلم، كان أغلب الأمور عليهم، وأحسنها ~~عندهم، وأجلها في صدورهم، حسن البيان، ونظم ضروب الكلام، مع علمهم له، ~~وانفرادهم به. فحين استحكمت لفهمهم وشاعت البلاغة فيهم، وكثر شعراؤهم، وفاق ~~الناس خطباؤهم، بعثه الله عز وجل، فتحداهم بما كانوا لا يشكون أنهم يقدرون ~~على أكثر منه. PageV03P279 ~~فلم يزل يقرعهم بعجزهم، وينتقصهم على نقصهم، حتى تبين ذلك لضعفائهم ~~وعوامهم، كما تبين لأقويائهم وخواصهم. وكان ذلك من أعجب ما آتاه الله نبيا ~~قط، مع سائر ما جاء به من الآيات، ومن ضروب البرهانات. # ولكل شيء باب ومأتى، واختصار وتقريب. فمن أحكم الحكمة إرسال كل نبي بما ~~يفحم أعجب الأمور عندهم، ويبطل أقوى الأشياء في ظنهم. ### || فصل في ذكر أخلاق النبي صلى الله عليه وسلم # وآية أخرى لا يعرفها إلا الخاصة، ومتى ذكرت الخاصة فالعامة في ذلك مثل ~~الخاصة. وهي الأخلاق والأفعال التي لم تجتمع لبشر قط قبله، ولا تجتمع لبشر ~~بعده. # وذلك أنا لم نر ولم نسمع لأحد قط كصبره، ولا كحلمه، ولا كوفائه، ولا ~~كزهده، ولا كجوده، ولا كنجدته، ولا كصدق لهجته، ms30 وكرم عشرته، ولا كتواضعه، ~~ولا كعلمه، ولا كحفظه، ولا كصمته إذا صمت، ولا كقوله إذا قال، ولا كعجيب ~~منشئه، ولا كقلة PageV03P280 ~~تلونه، ولا كعفوه، ولا كدوام طريقته، وقلة امتنانه. # ولم نجد شجاعا قط إلا وقد جال جولة، وفر فرة، وانحاز مرة، من معدودي ~~شجعان الإسلام، ومشهوري فرسان الجاهلية، كفلان وفلان. # وبعد، فقد نصر النبي صلى الله عليه وسلم وهاجر معه قوم، ولم نر كنجدتهم ~~نجدة، ولا كصبرهم صبرا. وقد كانت لهم الجولة والفرة، كما قد بلغك عن يوم ~~أحد، وعن يوم حنين، وغير ذلك من الوقائع والأيام. # فلا يستطيع منافق ولا زنديق ولا دهري، أن يحدث أن محمدا عليه السلام جال ~~جولة قط، ولا فر فرة قط، ولا خام عن غزوة، ولا هاب حرب من كاثره. PageV03P281 ms31