######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الرسالة الخامسة رسالة في الجد والهزل PageV01P227 # بسم الله الرحمن الرحيم # جعلت فداك. ليس من أجل اختياري النخل على الزرع أقصيتني، ولا على ميل إلى ~~الصداقة دون إعطائي الخراج عاقبتني، ولا لبغضي دفع الإتاوة والرضا بالجزية ~~حرمتني. # ولست أدري لم كرهت قربي وهويت بعدي، واستثقلت روحي ونفسي واستطلت عمري ~~وايام مقامي. ولم سرتك سيئتي ومصيبتي وساءتك حسنتي وسلامتي، حتى ساءك تجملي ~~بقدر ما سرك جزعي وتضجري، وحتى تميت أن أخطئ عليك فتجعل خطئي حجة لك في ~~إبعادي، وكرهت صوابي فيك خوفا من أن تجعله ذريعة لك إلى تقربي. # فإن كان ذلك هو الذي أغضبك، وكان هو السبب لموجدتك فليس - جعلت فداك - ~~هذا الحقد في طبقة هذا الذنب، ولا هذه المطالبة من شكل هذه الجريمة. PageV01P231 # ولو كان إذ لم يكن في وزنه وقع قريبا، وإذ لم يكن عدله وقع مشبها كان ~~أهون في موضع الضرر، وأسهل في مخرج السماع. # فأي شيء بقيت للعدو المكاشف والمنافق الملاطف، وللمعتمد المصر وللقادر ~~المدل. # ومن عاقب على الصغير بعقوبة الكبير، وعلى الهفوة بعقوبة الإصرار، وعلى ~~الخطأ بعقوبة العمد، وعلى معصية المتستر بعقوبة معصية المعلن، ومن لم يفرق ~~بين الأعالي والأسافل، وبين الأقاصي والأداني، عاقب على الزنى بعقوبة ~~السرق، وعلى القتل بعقوبة القذف. ومن خرج إلى ذلك في باب العقاب خرج إلى ~~مثله في باب الثواب. ومن خرج من جميع الأوزان وخالف جميع التعديل، كان ~~بغاية العقاب أحق، وبه اولى. # والدليل على شدة غيظك وغليان صدرك قوة حركتك وإبطاء فترتك وبعد الغاية في ~~احتيالك. ومن البرهان على ثبات الغضب، وعلى كظم الذنب تمكن الحقد ورسوخ ~~الغيظ، وبعد الوثبة وشدة الصولة. # وهذا البرهان صحيح ما صح النظم، وقام التعديل، واستوت الأسباب # ولا أعلم ~~نارا أبلغ في إحراق أهلها من نار الغيظ، ولا حركة أنقض PageV01P232 ~~لقوة الأبدان من طلب الطوائل مع قلة الهدوء والجهل بمنافع الجمام، وإعطاء ~~الحالات أقسامها من التدبير. # ولا أعلم تجارة أكثر خسرانا ولا أخف ميزانا من عداوة العاقل العالم، ~~وإطلاق لسان الجليس المداخل، والشعار دون ms01 الدثار، والخاص دون العام. # والطالب - جعلت فداك - بعرض ظفر ما لم يخرج المطلوب، وإليه الخيار ما لم ~~تقع المنازلة. ومن الحزم ألا تخرج إلى العدو إلا ومعك من القوى ما يغمر ~~الفضلة التي ينتجها له الإخراج. ولا بد أيضا من حزم يحذرك مصارع البغي، ~~ويخوفك ناصر المطلوب. # وبعد - أبقاك الله - فأنت على يقين من موضع ألم الغيظ من نفسك، والغيظ ~~عذاب. ولربما زاد التشفي في الغيظ ولم ينقص منه. ولست على يقين من نفوذ ~~سهمك في صيدك كما أيقنت بموضع الغيظ من صدرك. PageV01P233 # والحازم لا يلتمس شفاء غيظه باجتلاب ضعفه، ولا يطفئ نار غضبه تأخر عقوبة ~~من أغضبه، ولا يسدد سهمه إلا والغرض ممكن، والغاية قريبة، ولا يهرب إلا ~~والمهرب معجزة. # إن سلطان الغيظ غشوم، وإن حكم الغضب جائر، وأضعف ما يكون العزم عن التصرف ~~أضعف ما يكون الحزم. والغضب في طباع الشيطان، والهوى يتصور في صورة امرأة، ~~فلا يبصر مساقط العيب ومواقع الشرف إلا كل معتدل الطباع، ومعتدل الأخلاط ~~مستوي الأسباب. # والله لقد كنت أكره لك سرف الرضا مخافة جواذبه إلى سرف الهوى. فما ظنك ~~بسرف الغضب، وبغلبة الغيظ، ولا سيما ممن قد تعود إهمال النفس ولم يعودها ~~الصبر، ولم يعرفها موضع الحظ في تجرع مرارة العفو، وأن المراد من الأمور ~~عواقبها لا عواجلها. # ولقد كنت أشفق عليك من إفراط السرور فما ظنك بإفراط الغيظ. وقد قال بعض ~~الناس: لا خير في طول الراحة إذا كان يورث الغفلة، ولا في الكفاية إذا كان ~~يؤدي إلى المعجزة، ولا في كثرة الغنى إذا كان يخرج إلى البلدة. # جعلت فداك. إن داء الحزن وإن كان قاتلا فإنه داء مماطل، وسقمه سقم مطاول، ~~ومعه من التمهل بقدر قسطه من أناة المرة السوداء. وداء PageV01P234 ~~الغيظ سفيه طياش، وعجول فحاش، يعجل عن التوبة، ويقطع دون الوصية، ومعه من ~~الخرق بقدر قسطه من التهاب المرة الحمراء. والعجول يخطئ وإن ظفر، فكيف به ~~إذا أخفق. على أن إخفاقه يزيد في حقيقة خطئه كما أن ظفره لا ينتقص ms02 من مقدار ~~زلله. وأنت روح كما أنت وحشي من قرنك إلى قدمك. وعمل الآفة في الدقاق ~~والعتاق أسرع، وحدها عن الغلاظ الجفاة أكل؛ فلذلك اشتد جزعي لك من سلطان ~~الغيظ وغلبته. # والله لو كنت ابتلعت مزار بابك، وأبطلت بمر الباطل، ووردت الفظائع كلها، ~~ونقضت الشروط بأسرها، وأفسدت نتاجك، وقتلت كل شطر نجي لك، ورفعت من الدنيا ~~فراهة الخيل، وجعلت المروج كلها حمى، وكنت صداق المرادين، وبرسام الأولاد، ~~ومسخت جميع الجواري في صورة أبي رملة ورددت شطاط خلقك إلى جعودة أبي حثة ~~وكنت أول من سن بيع الرجال في النخاسين، وفتح باب الظلم لأصحاب المظالم، ~~وحولت إليك عقل أبى دينار، وطبعت على بيان ما نويه، وأعنت على موت المعتصم، ~~وغضبت لمصرع الأفشين، واستجبت للديك الأبيض PageV01P235 ~~الأفرق وأحببت صالح بن حنين، وأحوجتك إلى حاتم الريش، وكان أبو الشماخ ~~صديقي، والفارسي من شيعتي لكان ما تركبني به سرقا، ولكنت في هذا العتاب ~~متعديا. # جعلت فداك، لا تتعرض لعداوة عقلاء الرواة، ولضغينة حفاظ المثالب، وللسان ~~من قد عرف بالصدق والتوخي، وبقله الخطل والتنكب، ما وجدت عن ذلك مندوحة، ~~ووجدت المذهب عنه واسعا. ولا تعاقب وادا وإن اضطرك الواد، ولا تجعل طول ~~الصحبة سببا للضجر، واصبر على خلقه خير من جديد غيره. وصداقة المتطرف غرور، PageV01P236 ~~وملالة الصديق أفن، والعلم بأقدار الذنوب غامض، وحدود الذنوب في العقاب ~~خفية. ولن يعرف العقاب من يجهل قدر الذنب. والأجرام كثيرة الأشكال، ~~ومتفاوتة في الأقدار. وإذا أردت أن تعرف مقدار الذنب إليك من مقدار عقابك ~~عليه فانظر في علته وسببه، وإلى معدنه الذي منه نجم، وعشه الذي منه درج، ~~ومغرسه الذي منه نبت، وإلى جهة صاحبه في التتايع والتترع، وفي النزوع ~~والثبات، وإلى قحته عند التقريع، وإلى حيائه عند التعريض، وإلى فطنته عند ~~الرشق والتورية؛ فإن فضل الفطنة ربما دل على فرط الاكتراث، وعلى قدر ~~الاكتراث يكون الإقدام والإحجام. فكل ذنب كان سببه الدالة وضيق صدر وغلظ ~~طباع وحدة مرار، من جهة تأويل أو من جهة غلط في المقادير، أو ms03 من طريق فرط ~~الأنفة وغلبة طباع الحمية من بعض الجفوة أو لبعض الأثرة، أو من جهة ~~استحقاقه عند نفسه وفيما زين له من عمله، وأنه مقصر به مؤخر عن مرتبته، أو ~~كان مبلغا عنه أو مكذوبا عليه، وكان ذلك جائزا عليه غير ممتنع فيه PageV01P237 ~~فإذا كانت ذنوبه من هذا الشكل وعلى هذه الأسباب، وفي هذه المجاري، فليس ~~يقف عليها كريم، ولا يلتفت لها حليم. # ولست أسميه بكثرة معروفة كريما حتى يكون عقله غامرا لعلمه، وعلمه غالبا ~~لطبعه، وحتى يكون عالما بما ترك، وعارفا بما أخذ. واسم الحليم جامع للكظم، ~~والقدرة، والفهم. # فإذا وجدت الذنب بعد ذلك لا سبب له إلا البغضة فلو لم ترض لصاحبه بعقاب ~~دون قعر جهنم لعذرك كثير من العقلاء، ولصوب رأيك عالم من الأشراف. # ومتى كانت علته طبيعة البذاء، وخلقه الشرارة والتسرع، فاقتله قتل ~~العقارب، وادمغه دمغ رءوس الحيات. # وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلا لتعطيه على ~~الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقية فامنعه جميل رفدك، واحتل في منعه من قبل ~~غيرك؛ فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته ~~في سب نفسك، واستدعيت الألسنة البذية إلى عرضك، وكنت عونا لهم عليك. # وإذا كان ممن لا يسيء فيك القول، ولا يرصدك بالمكروه إلا لتعطيه على ~~الخوف، وتمنع عرضك من جهة التقية فامنعه جميل رفدك، واحتل في منعه من قبل ~~غيرك؛ فإنك إن أعطيته على هذه الشريطة، وأعظمته من هذه الحكومة فقد شاركته ~~في سب نفسك، واستدعيت الألسنة البذية إلى عرضك، وكنت عونا لهم عليك. # وكيف تعاقبه على ذنب لك شطره، وأنت فيه قسيمه، إلا أن عليك غرمه ولك ~~غنمه. PageV01P238 # ومن العدل المحض والإنصاف الصحيح أن تحط عن الحسود نصف عقابه، وأن تقتصر ~~على بعض مقداره، لأن ألم حسده لك قد كفاك مؤونة شطر غيظك عليه. # وأما المواد فلا تعرض له البتة، ولا تلتفت لفته، ولو أتى على الحرث ~~والنسل، وحتى على الروح والقلب. ولا تغتر بقوله إني ms04 واد، ولا تحكم له ~~بدعواه بأني جد وامق. وانظر أنت في حديثه وإلى مخارج لفظه، وإلى لحن قوله، ~~وإلى طريقته وطبيعته، وإلى خلقه وخليقته، وإلى تصرفه وتصميمه وإلى توقفه ~~وتهوره. وتأمل مقدار جزعه من قلة اكتراثه، وانظر إلى غضبه فيك ولك، وإلى ~~انصرافه عمن انصرف عنك وميله إلى من مال إليك، وإلى تسلمه من الشر وتعضه ~~له، وإلى مداهنته وكشف قناعه. بل لا تقض له بجماع ذلك ما كان ذلك في أيام ~~دولتك ومع إقبال من أمرك، وإن طالت الأيام وكثرت الشهور، حتى تنتظم احالات، ~~وتستوي فيه الأزمان. # نعم، ثم لا تحكم له بذلك حتى تكون حاله مقصورة على محبتك، ومحنوة على ~~نصيحتك، بالعلل التي توجب الأفعال. والأسباب التي تسخر القلوب للمودات، ~~كالعلل الثابتة في الصنيعة، والأسباب الموجودة مع مولى PageV01P239 ~~العتاقة؛ فإن عللهما خلاف علل مولى الكلالة، وخلاف علل الصديق الذي لم ~~يزل يرى أنه مثلك، وأنه يستوجب منك استيجابك، ولا سيما إذا كانت الصنيعة ~~أنت ابتدأتها، وأنت أبو عذرتها. # فإن أنت لم تحكم له بالغاية مع اجتماع هذه العلل فيه، ومع توافيها إليه، ~~ولم تقض له بأقصى الغاية مع ترادف هذه الأسباب وتكامل هذه الدلائل، وتعاون ~~هذه البرهانات، فكل خبر بينة زور، وكل دلالة فاسدة. وقد قال الأول: " دلائل ~~الأمور أشد تثبيتا من شهادات الرجال ". إلا أن يكون في الخبر دليل، ومع ~~الشهادة برهان؛ لأن الدليل لا يكذب ولا ينافق ولا يزيد ولا يبدل، وشهادة ~~الإنسان لا تمتنع من ذلك، وليس معها أمان من فساد ما كان الإمكان قائما. # وبعد متى صار اختيار النخل على الزرع يحقد الإخوان، ومتى صار تفضيل الحب ~~وتقريظ الثمر يورث الهجران، ومتى تميزوا هذا التميز وتهالكوا هذا التهالك؟ ~~ومتى صار تقديم النخلة ملة، وتفضيل السنبلة نخلة؟ ومتى صار الحكم للنعجة ~~نسبا وللكرمة صهرا، ومتى تكون فيها ديانة وتستحكم فيها بصيرة، ويحدث عنها ~~حمية. PageV01P240 # وقد كنا نعجب من حرب البسوس في ضرع ناب، ومن حرب بعاث في مخرف تمر، ومن ~~حرب غطفان في سبق دابة. ms05 فجئتنا أنت بنوع من العجب أبطل كل عجب، وآنسنا بكل ~~غريب، وحسن عندنا كل قبيح، وقرب عندنا كل بعيد. # فأن جهلت - أعزك الله - غضبك فمثلي جهل ما لا علة له، وإن عجزت عن احتمال ~~عقابك فمثلي ضج مما لا يطيق حمله. ولا عار على جازع إلا فيما يمكن في مثله ~~الصبر، ولا لوم على جاهل فيما لا ينجح في مثله الفكر. # وليس هذا أول شرك نصبته، ولا أول كيد أرغته، ولا هي بأول زبية غطيتها ~~وسترتها، وحيلة أكمنتها وربصتها. # وقد كانت التقية والاقتصاد أسلم، بل كان العفو أرحم، والتغافل أكرم. PageV01P241 # ولا خير في عقوبة تشمت العدو المتقادم، وينادي بها العدو الحادث. والأناة ~~أبلغ في الحزم، وأبعد من الذم، وأحمد مغبة وأبعد من خرق العجلة. وقد قال ~~الأول: " عليك بالأناة؛ فإنك على إيقاع ما أنت موقعه أقدر منك على رد ما قد ~~أوقعته ". فقد أخطأ من قال: # وقد يدرك المتاني بعض حاجته %~% وقد يكون مع المستعجل الزلل # بل لو قال: والمتأني بدرك حاجاته أحق، والمستعجل بفوت حاجاته أخلق، لكان ~~قد وفى المعنى حقه، وإن كان القول الأول موزونا والثاني منثورا. ولولا أنه ~~اشتق المستعجل من العجلة لما قرنه بالمتأني. وينبغي أن يكون الذي غلطه ~~قولهم: " رب عجلة تهب ريثا ". فجعل الكلام الذي خرج جوابا عند ما يعرض من ~~السبب، كالكلام الذي خرج ارتجالا، وجعله صاحبه مثلا عاما. فإذا سميت العمل ~~عجلة وريثا فاقض على الريث بكثرة الفوت، وبقدر ذلك من العجز، وعلى العجلة ~~بقلة النجح، وبقدر ذلك من الخرق. # والريث والأناة في بلوغ الأمل وإدراك النعمة كانتهاز الفرصة واهتبال PageV01P242 ~~الغرة. والأناة وإن طالت فليست من جنس الريث، وانتهاز الفرصة وإن كان في ~~غاية السرعة فليس من جنس العجلة. # وربت كلمة لا توضع إلا على معناها الذي جعلت حظه، وصارت هي حقه والدالة ~~عليه دون غيره، كالحزم والعلم، والحلم والرفق، والأناة والمداراة، والقصد ~~والعدل وكالانتهاز والاهتبال، وكاليأس والأمل، وكالخرق والعجلة، والمداهنة ~~والتسرع، والغلو والتقصير. # وربت كلمة تدور مع خلتها، وتتقلب مع جارتها، ms06 وعلى قدر ما تقابل من ~~الحالات، وتلاقي من الأسباب، كالحب والبغض، والغضب والرضا، والعزم ~~والإرادة، والإقبال والإدبار، والجد والفتور؛ لأن هذا الباب الأخير يكون في ~~الخير والشر، ويكون محمودا ويكون مذموما. # وصاحب العجلة - أعزك الله - صاحب تغرير ومخاطرة، إن ظفر لم يحمده عالم، ~~وإن لم يظفر قطعته الملاوم. والريث أخو المعجزة، ومقرون بالحسرة، وعلى ~~مدرجة اللائمة. وصاحب الأناة إن ظفر نغع غيره بالغنم، ونفع نفسه بثمرة ~~العلم، وأطاب ذكره دوام شكره، وحفظ فيه ولده. وإن حرم PageV01P243 ~~فمبسوط عذره، ومصوب رأيه مع انتفاعه بعلمه وما يجد من عز حزمه ونبل ~~صوابه، ومع علمه بالذي له عند العقلاء، وبعذره عند الأولياء والأعداء. # وما عندي لك إلا ما قال الدهقان لأسد بن عبد الله وهو على خراسان، حين مر ~~به وهو يدهق في حبسه: # إن كنت تعطى من ترحم فارحم من تظلم. إن السموات تنفرج ~~لدعوة المظلوم، فاحذر من ليس له ناصر إلا الله، ولا جنة إلا الثقة بنزول ~~الغير، ولا سلاح إلا الابتهال إلى المولى لا يعجزه شيء. # يا أسد، إن البغي يصرع أهله، وإن الظلم مرتعه وخيم، فلا تغتر بإبطاء ~~العقاب من ناصر متى شاء أن يغيث أغاث. وقد أملى لقوم كي يزدادوا PageV01P244 ~~إثما. وجميع أهل السعادة إما سالم من ذنب، وإما تارك إصرار. ومن رغب عن ~~التمادي فقد نال أحد المغنمين، ومن خرج من السعادة فلا غاية له إلا دار ~~الندوة. وسواء - جعلت فداك - ظلمت بالبطش والغشم، أو ظلمت بالدحس والدس. ~~فشاور لبك، وناظر حزمك، وقف قبل الوثبة، واحذر زلة العالم. # وقد قال صاحبكم: من استشار الملالة وقلد طبيعته الاستطراف، وجعل الخطوة ~~ذنبا، والذنب ذنوبا، ومقدار الطرفة إصرارا، والصغير كبيرا، والقليل كثيرا، ~~عاقب على المتروك الذي لا يعبأ به، وبلغ بالبطش إلى حيث لا بقية معه، ورأى ~~أن القطيعة التي لا صلة معها، والتخليج الذي لا تجمل معه، الحزم المحمود؛ ~~وأن الاعتزام في كل موضع هو الرأي الأصيل. # وقال أيضا: من كانت طبيعته مأمونة عليه عند نفسه، وكان هواه رائده ms07 الذي ~~لا يكذبه، والمتأمر عليه دون عقله، ولم يتوكل لما لا يهواه على PageV01P245 ~~ما يهواه، ولم ينصر تالد الإخوان على الطارف، ولم ينصف المملول المبعد من ~~المستطرف المقرب، ولم يخف أن تجتذبه العادة، وتتحكم عليه الطبيعة، فليرسم ~~حججهما، ويصور صورهما، في كتاب مفرد أو لفظ مسموع، ثم يعرضهما على جهابذة ~~المعاني وأطباء أدواء العقول، على ألا يختار إلا من لا يدري أي النوعين ~~يبغي، وعلى أيهما يحامي، وأيهما دواؤه وأيهما داؤه. فإن لم يستعمل ذلك بما ~~فضل له من سكر سوء العادة، لم يزل متورطا في الخطاء مغمورا بالذم. # سمعتك وأنت تريدني وكأنك تريد غيري، وكأنك تشير على من غير أن تنصني. ~~وتقول: إني لأعجب ممن ترك دفاتر علمه متفرقة مبثوثة، وكراريس درسه غير ~~مجموعة ولا منظومة، كيف يعرضها للتجرم، وكيف لا يمنعها من التفرق. وعلى أن ~~الدفاتر إذا انقطعت حزامته، وانحل شداده، وتخرمت ربطه، ولم يكن دونه وقاية ~~ولا جنة، تفرق ورقه؛ وإذا تفرق ورقه اشتد جمعه، وعسر نظمه، وامتنع تأليفه، ~~وربما ضاع أكثره. والدفتان أجمع وضم الجلود إليها أصون، والحزم لها أصلح. ~~وينبغي للأشكال أن تنظم وللأشباه أن تؤلف؛ فإن التأليف يزيد الأجزاء الحسنة ~~حسنا، والاجتماع PageV01P246 ~~يحدث للمتساوي في الضعف قوة. فإذا فعلت ذلك صرت متى وجدت بعضها فقد وجدت ~~كلها، ومتى رأيت أدناها فقد رأيت أقصاها؛ فإن نشطت لقراءة جميعها مضيت ~~فيها. # وإذا كانت منظومة، ومعروفة المواضع معلومة، لم تحتج إلى تقليب القماطر ~~على كثرتها، ولا تفتيش الصناديق مع تفاوت مواضعها، وخفت عليك مؤونتها وقلت ~~فكرتك فيها، وصرفت تلك العناية إلى بعض أمرك، وادخرت تلك القوة لنوائب غدك. # وعلى أن ذلك أدل على حبك للعلم، واصطناعك للكتب، وعلى حسن السياسة، ~~والتقدم في إحكام الصناعة. # وقلت: لأمر ما جمعوا أسباع القرآن وسوره في مصحف، ولم يدعوا ما فيه مفرقا ~~في الصدور، ولا مبددا في الدفاتر، ومفرقا في القماطر. على ذلك أجمع ~~المسلمون، والسابقون الأولون، والأئمة الرشيدة، والجماعة المحمودة، فتوارثه ~~خلف عن سلف، وتابع عن سابق، وصغير عن كبير، ms08 وحديث عن قديم. # ولم أشك في أنها نصيحة حازم، ومشورة وامق، أو رأي حضر أو حكمة PageV01P247 ~~نبغت، أو صدر جاش فلم يملك، أو علم فاض فلم يرد، استعمله من استعمله، ~~وتركه من تركه. # فلما أخذت بقولك، وصرت إلى مشورتك وأكثرت حمد الله على إفادتك من العلم ~~وحظ عنايتك من النقل، وجمعت البعض إلى البعض، والشكل إلى الشكل، وتقدمت في ~~استجادة الجلود، وفي تمييز الصناع، وفي تخير البياعات، وغرمت المال، وشغلت ~~البال، وجعلتها مصحفا مصحفا، وأجملتها صنفا صنفا؛ ورأيت أني قد أحكمت شأني، ~~وجمعت إلى أقطاري، ورأيت أن أنظر فيها وأنا متسلق ولا أنظر فيها وأنا ~~منتصب، استظهارا على تعب البدن؛ إذ كانت الأسافل مثقلة بالأعالي، وإذ كان ~~الانتصاب يسرع في إدخال الوهن على الأصلاب؛ ولأن ذلك أبقى على نور البصر، ~~وأصلح لقوة الناظر؛ إذ كل واحد من هذه المصاحف قد أعجز يدي بثقل جرمه، وضيق ~~صدري بجفاء حجمه. وإذا ثقل أنكأ الصدر، وأوهن العظم. PageV01P248 # وإذا أنا نظرت فيها وانا جالس سدرت عيني، وتقوس ظهري، واجتمع الدم في ~~وجهي، وأكرهت بصري على غير جهته، وأجريت شعاع ناظري في غير مجراه. # وقد علمت - أبقاك الله - مع خبرتك بمقابح الأمور، ومواقع المنافع ~~والمضار، ثم بمصالح العباد والبلاد، أن من كان على مقطع جبل، أو على شرفات ~~قصر، فأراد رؤية السماء على بعدها، وجد ذلك على العين سهلا خفيفا، وإن أراد ~~أن يرى الأرض على قربها، وجد ذلك على العين عبئا ثقيلا. فإن بدا لي أن ~~يقابل عيني به العبد، أو تواجهني به الأمة، كلفت أخرق الناس كفا، وأقلهم ~~وفقا، وأكثرهم التفاتا، واحضرهم نعاسا، وأقلهم على حال واحدة ثباتا، ~~وأجهلهم بمقدار الموافقة، ولمقادير المقابلة، وبحط اليد ورفعها، وإمالتها ~~ونصبها. ثم رأيت في تضجرهم وتكرههم وفرارهم منه، ما صير تجشمي لثقل وزنه، ~~ومقاساتي لجفاء حجمه، أهون على يدي، وأخف على قلبي. فإن تعاطيته عند ذلك ~~بنفسي فشقاء حاضر، وإن ألزمته غيري فغيظ قاتل. وحتى صارت الحال فيها داعية ~~إلى ترك درسها والمعاودة لقراءتها، مع ما ms09 كان فيها من الفائدة الحسنة، ~~والمنافع الجامعة، ومن شحذ الطبيعة، وتمكين حسن العادة. # ولو لم يكن في ذلك إلا الشغل عن خوض الخائضين، والبعد عن لهو اللاهين، ~~ومن الغيبة للناس والتمني لما في أيديهم، لقد كان نفع ذلك كثيرا، وموقعه من ~~الدين والفرض عظيما. PageV01P249 # ومتى ثقل الدرس تثاقلت النفس، وتقاعست الطبيعة. ومتى دام الاستثقال أحدث ~~الهجران. وإذا تطاول الكد رسخ الزهد. وفي ترك النظر عمي البصر، وفي إهمال ~~الطبيعة كلال حد الطبيعة. وعلى قدر الحاجات تكون الخواطر، كما أنه على قدر ~~غريزة العقل تصح الحوائج وتسقم، وعلى قدر كثرة الحاجة تتحرك الجارحة ويتصرف ~~اللسان، ومع قلة الحركة وبعد العهد بالتصرف يحدث العي ويظهر العجز ويبطئ ~~الخاطر. ومع ذهاب البيان يفسد البرهان، وفي فساد البرهان هلاك الدنيا وفساد ~~الدين. # فقد بلغت ما أردت، ونلت ما حاولت. فحسبك الآن من شج من يأسوك، ومن قتل من ~~يقتل فيك. # جعلت فداك. إنه ليس يومي منك بواحد، وأنا على عقابك أوجد. وليس ينجيني ~~منك معقل وعل، ولا مفازة سبع، ولا قعر بحر، ولا رأس طود، ولا دغل ولادحل، ~~ولانفق ولا مغارة ولا مطمورة. وليس ينجيني منك إلا مفازة المهلب. فإن ~~أعرتني قلبه وعلمتني حيلته، وأمكنتني من سكينه. وإلا فأنا أول من ابتلعته ~~تلك الحية. ولا والله إن بي PageV01P250 ~~قوة على الثعبان، فكيف التنين. أعفني من حية المهلب ثم اقتلني أي قتلة ~~شئت. # إن احترست منك ألفيت لنفسي كدا شديدا، وغما طويلا، وطال اغترابي وافتراق ~~ألافي، وتعرضت للعدو، وتحرشت بالسباع. فإن استرسلت إليك لم تر أن تقتلني ~~إلا شر قتلة وآلمها، ولم تعذبني إلا بأشد النقم وأطولها. ولو أردت ذبحي ~~لاخترت الكليل على المرهف، والتطويل على التذفيف، حتى كأني علمت عليك: " ~~شاه مات "، أو أكلت سبعة وأطعمتك واحدة. # ولقد تقدمت في المكر واستظهرت علي في الكيد، حتى توليت ذلك في صغار كتبي ~~وفيما لا تحفل به من دوام أمري، وعلمت أن الدرس لليل وأن الا ~~...... للنهار، وأن الكتاب لايقرأ إلا ليلا والنيران زاهرة، والمصابيح مقربة. ms10 ~~وعلمت أن كل من ضعف بصره وكل نظره، فإنه أبدا أقرب مصباحا واعظم نارا. وأن ~~المحرور المحترق، والممرور الملتهب، والبائس المتهافت، إذا كان صاحب كتب ~~ودرس، أنه لا يجد PageV01P251 ~~بدا من الصبر على ما يحرقه ويعميه، أو الترك للقراءة فيها والتعرض لها. ~~فخيرتني بين العمي والجهل. وما فيهما حظ لمختار. # وقلت: إذا سخن بدنه سجن بوله، وإذا سجن بوله جرح مثانته وأحرق كليته، ~~وطبخ فضول غذائه، وجفف ما فضل عن استمرائه فأحاله حصى قاتلا وصخرا جامدا، ~~وهو دقيق القضيب ضيق الإحليل، فإذا حصاه يورثه الأسر، وفي ذلك الأسر تلف ~~النفس أو غاية التعذيب. # وقلت: فإن ابتليت بطول عمره أقام فينا مشغولا بنفسه، وإن ذهب عنا فقد ~~كفانا مؤونة الحيلة في أمره. # جعلت فداك، ما هذا الاستقصاء وما هذا البلاء؟! وما هذا التتبع لغوامض ~~المسألة، والتعرض لدقائق المكروه؟! وما هذا التغلغل في كل شيء يخمل ذكرى؟! ~~وما هذا الترقي إلى كل ما يحط من قدري؟! # وما عليك أن تكون كتبي كلها من ~~الورق الصيني، ومن الكاغد الخرساني؟! # قل لي: لم زينت النسخ في الجلود، ولم حثثتني على الأدم، وأنت تعلم أن ~~الجلود جافية الحجم، ثقيلة الوزن، إن أصابها الماء بطلت، وإن كان يوم لثق ~~استرخت. ولو لم يكن فيها إلا أنها تبغض إلى أربابها نزول الغيث، وتكره إلى ~~مالكيها الحيا، لكان في ذلك ما كفى ومنع منها. PageV01P252 # قد علمت أن الوراق لا يخط في تلك الأيام سطرا، ولا يقطع فيها جلدا. وإن ~~نديت - فضلا على أن تمطر، وفضلا على أن تغرق - استرسلت فامتدت. ومتى جفت لم ~~تعد إلى حالها إلا مع تقبض شديد، وتشنج قبيح. وهي أنتن ريحا وأكثر ثمنا، ~~وأحمل للغش: يغش الكوفي بالواسطي، والواسطي بالبصري، وتعتق لكي يذهب ريحها ~~وينجاب شعرها. وهي أكثر عقدا وعجرا، وأكثر خباطا وأسقاطا، والصفرة إليها ~~أسرع، وسرعة انسحاق الخط فيها أعم. ولو أراد صاحب علم أن يحمل منها قدر ما ~~يكفيه في سفره لما كفاه حمل بعير. ولو أراد مثل ذلك من القطنى لكفاه ms11 ما ~~يحمل مع زاده. # وقلت لي: عليك بها فإنها أحمل للحك والتغيير، وأبقى على تعامر العارية ~~وعلى تقليب الأيدي، ولريدها ثمن، ولطرسها مرجوع، والمعاد منها ينوب عن ~~الجدد. وليس لدفاتر القطني أثمان في السوق وإن كان فيها كل حديث طريف، ولطف ~~مليح، وعلم نفيس. ولو عرضت عليهم عدلها في عدد الورق جلودا ثم كان فيها كل ~~شعر بارد وكل حديث غث، لكانت أثمن، ولكانوا عليها أسرع. # وقات: وعلى الجلود يعتمد في حساب الدواوين، وفي الصكاك والعهود، وفي ~~الشروط وصور العقارات. وفيها تكون نموذجات النقوش، PageV01P253 ~~ومنها تكون خرائط البرد. وهن أصلح للجرب ولعفاص الجرة وسداد القارورة. ~~وزعمت أن الأرضة إلى الكاغد أسرع، وأنكرت أن تكون الفأرة إلى الجلود أسرع، ~~بل زعمت أنها إلى الكاغد أسرع وله أفسد، فكنت سبب المضرة في اتخاذ الجلود ~~والاستبدال بالكاغد، وكنت سبب البلية في تحويل الدفاتر الخفاف في المحمل، ~~إلى المصاحف التي تثقل الأيدي وتحطم الصدور، زتقوس الظهور، وتعمي الأبصار. # وقد كان في الواجب أن يدع الناس اسم المصحف للشيء الذي جمع القرآن دون كل ~~مجلد، وألا يرموا جمع شيء من أبواب التعلم بين الدفتين، فيلحقوا بما جعله ~~السلف للقرآن غير ذلك من العلوم. # دع عنك كل شيء. ما كان عليك أن يكون لي ولد يحيي ذكرى ويحوى ميراثي، ولا ~~أخرج من الدنيا بحسرتي، ولا يأكله مراء يرصدني، وابن عم يحسدني، ولا يرتع ~~فيه المعدلون في زمان السوء، ولا تصطنع فيه الرجال، ويقضي به الذمام. فقد ~~رأيت صنيعهم في مال المفقود والمناسخة والوارث الضعيف، ومن مات بغير وصية. PageV01P254 # جعلت فداك، إن النفوس لا تجود لمولى الكلالة بما تجود به لأولاد الأصلاب ~~وما مس تلك الأصلاب؛ لأن الرحم الماسة والقرابة الملتصقة، واللحمة ~~الملتحمة، وإن أملت التركة ونازعت إلى المورث، فمعها ما يأطرها ويثنيها، ~~ويحزنها ويبكيها، ويحرك دمها ويستغرز دمعها. وقد يشفع للولد إلى أبيه حال ~~أبية كانت من أبيه. # وابن العم الذي ليس بالبعيد فيحتك من جسده، وليس بالقريب المحنو على ~~رحمه، وسببه الجاذب له إلى تمي ms12 مماتي أمتن من سببه إلى تمني بقائي، وهو إلى ~~الحال الموجبة للقسوة والغلظة أقرب منه إلى الحال الموجبة للرقة والعطف. ~~وليس ينصرك إذا نصرك ولا يحامي عليك لقرابته منك، ولكن لعلمه بأنه متى خذلك ~~حل به ضعفك، واجترأ بعد ضعفك عليه عدوه. فهو يريد بنصره من لا يجب عليه ~~شكره، ويقوي ضعف غيره بدفع الضعف عن نفسه. # جعلت فداك. ما كان عليك من بني صغير يكون لي، ولا سيما ولست عندك ممن ~~يدرك كسبه أو تبلغ نصرته، أو يعاين بره أو يؤمل إمتناعه. # وما كان عليك مع كبر سني وضعف ركني، أن يكون لي ريحانة أشمها وثمرة ~~أضمها، وأن أجد إلى الأماني به سببا، وإلى التلهي سلما، وأن تكثر لي من جنس ~~سرور الحالم، وبقدر مايمتع به راجيالسراب اللامع، حتى حببت قصر عمري إلى ~~وليي، وشوقته إلى ابن عمي؛ وحتى ذدت فيما عنده PageV01P255 ~~مع كثرة ما عنده، وحتى صيرني حبه لموتي إلى حب موته، وتأميل مالي إلى ~~تأميل فقره؛ وحتى شغلتني عمن كان يشغل عدوي عني. # وسواء أعبت على ألا يكون لي ولد قبل أن يكون، أو عبت على ألا يكون بعد أن ~~كان. وإنما يعذب الله على النية والقصد، وعلى التوخي والعمد. # وكما أنه سواء أن تحتال في ألا يكون لي مال قبل أن أملكه. أو احتلت في ~~ألا يكون بعد أن ملكته. # وكنت لا أدري ما كان وجه حبك لإعناتي، والتشييد بذكر تراثي، والتنويه ~~باسمي، ولا لم زهدتني في طلب الولد، ورغبتني في سيرة الرهبان. # فإذا أنت لم ترفع ذكري في الأغنياء إلا لتعرض ذنبي للفقراء، ولم تكثر ~~مالي إلا لتقوي العلة في قتلي، فيالها مكيدة ما أبعد غورها، ويالها حفرة ما ~~أبعد قعرها. لقد جمع هذا التدبير لطافة الشخص ودقة المسلك، وبعد الغاية. # والله لو دبرها الإسكندر على دارا بن دارا، أو استخرجها المهلب على سفيان ~~بن الأبرد، وفتحت على هرثمة في مكيدة خازم بن خزيمة، ولو دبرها لقيم بن ~~لقمان على لقمان بن عاد، ولو أراغها ms13 قيس بن زهير على حصن بن حذيقة، ولو ~~توجهت لكهان بني أسد على دهاة قريش لقد كان ذلك PageV01P256 ~~من تدبيرهم نادرا بديعا، ولكان في مكايدهم شاذا غريبا. وإنها لترتفع عن ~~قصير في كيد الزباء، وعن جذيمة في مشاورة قصير. وما إخالها إلا ستدق على ~~ابن العاص، وتغمض على ابن هند، ويكل عنها أخو ثقيف، ويستسلم لها ابن سمية. # هذا والله التدبير لا مخاريق العراف، وتزاويق الكاهن، وتهاويل الحاوي، ~~ولا ما ينتحلها صاحب الرئي؛ بل تضل فيها رقي الهند، وتقر بها سحرة بابل. # فلو كنت إذ أردت ما أردت، وحاولت ما حاولت، رفعت قبل كل شيء المؤانسة، ثم ~~أبيت المؤاكلة، ثم قطعت البر، ثم أذنت مع العامة، ثم أعملت الحرمان، ثم ~~صرحت بالجفوة، ثم أمرت بالحجاب، ثم صرمت الحبل، ثم عاديت واقتصدت، ثم من ~~بعد ذلك كله أسرفت واعتديت، لكنت PageV01P257 ~~واحدا ممن يصبر أو يجزع، فلعلي كنت أعيش بالرفق، وأتبلغ بحشاشة النفس، ~~وأعلل نفسي بالطمع الكاذب. ولكن فجاءات الحوادث وبغتات البلاء لا يقوم لها ~~الحجر القاسي، ولا الجبل الراسي. فلم تدع غاية في صرف ما بين طبقات التعذيب ~~إلا أتيت عليها، ولا فضول ما بين قواصم الظهر إلا بلغتها. فقد مت الآن فمع ~~من تعيش؟ بل قد قتلتني فمن الآن تعاشر!، كما قال ديوست المغني لكسرى حين ~~أمر بقتله لقتله تلميذه بلهبذ: قتلت أنا بلهبذ، وتقتلني، فمن يطربك؟ قال: ~~خلوا سبيله؛ فإن الذي بقي من عمره هو الذي أنطقه بهذه الحجة. # ولكني أقول: قد قتلتني فمع من تعيش؟ أمع الشطر نجيين؟! فقد قال جالينوس: ~~إياك والاستمتاع بشيء لا يعم نفعه. # إن الكلام إنما صار أفضل من الصمت؛ لأن نفع الصمت لا يكاد يعدو الصامت، ~~ونفع الكلام يعم القائل والسامع، والغائب والشاهد، والراهن والغابر. # وقالوا: ومما يدل من فضل الكلام على الصمت، أنك بالكلام تخبر عن الصمت ~~وفضله، ولا تخبر بالصمت عن فضل الكلام. ولو كان PageV01P258 ~~الصمت أفضل لكانت الرسالة صمتا، ولكان عدم القرآن أفضل من القرآن. # وقد فرق بينهما رسول الله ms14 صلى الله عليه وسلم، وفضل وميز وحصل، حيث قال: ~~" رحم الله امرأ قال خيرا فغنم، أو سكت فسلم ". فجعل حظ السكوت السلامة ~~وحدها، وجعل حظ القول الجمع بين الغنيمة والسلامة. وقد يسلم من لا يغنم، ~~ولا يغنم إلا من سلم. # فأما الدواب فمن يضع المركب الكريم إلى الصاحب الكريم؟ ومن يعدل إمتناع ~~بهيمة بإمتناع أديب. # قالت ابنة النعمان: لم نر فيما جربنا من جميع الأصناف أبلغ في خير وشر من ~~صاحب. # ولما عزم ابن زياد على الحقنة بعد أن كان تفحشها قال له حارثة بن بدر: ما ~~أجد أولى بتولي ذلك من الطبيب. قال عبيد الله: كلا، فأين الصاحب. # والله أن لو نتجت في كل عام ألف شبديز، وأحبلت في كل ليلة أربعة آلاف ~~ربرب، وصار لك كل نهر المبارك بدلا من بعض بابك. PageV01P259 ~~وأكلت رأس الجنيد بن حاق الأشيم، وأحبلت ابن ألغز من إفراط الشبق، لما ~~كان ينبغي لك أن تعاملنا بهذه المعاملة، ولا كان ينبغي أن تقتلنا هذه ~~القتلة، ولو اقتصرت من العقوبة على شيء دون شيء لكان أعدل، ولو عفوت البتة ~~لكان أمثل. # إن الاعتزام على قليل العقاب يدعو إلى كثيره، ومبتدئ العقاب بعرض لجاج. ~~وليس يعاقب إلا غضبان. # والغضب يغلب العزم على قدر ما مكن، ويحير اللب بقدر ما سلط. # والغضب يصور لصاحبه مثل ما يصور السكر لأهله. # والغضبان يشعله الغضب، ويغلي به الغيظ، وتستفرغه الحركة، ويمتلئ بدنه ~~رعدة، وتتزايل أخلاطه، وتنحل عقده، ولا يعتريه من الخواطر إلا ما يزيده في ~~دائه، ولا يسمع من جليسه إلا ما يكون مادة لفساده. وعلى أنه ربما استفرغ ~~حتى لا يسمع، واحترق حتى لا يفهم. # ولولا أن الشيطان يريد ألا يخلو من عمله، ولا يقصر في عادته، لما وسوس ~~إلى غضبان ولا زين له، ولما فتح عليه؛ إذ كان قد كفاه، وبلغ أقصى مناه. # وليس يصارع الغضب أيام شبابه وغرب نابه شيء إلا صرعه، ولا ينازعه قبل ~~انتهائه وإدباره شيء إلا قهره. وإنما يحتال له قبل هيجه، PageV01P260 ~~ويتوثق منه ms15 قبل حركته، ويتقدم في حسم أسبابه وفي قطع علله. فإما إذا تمكن ~~واستفحل، وأذكى ناره واشعل، ثم لاقى ذلك من صاحبه قدرة، ومن أعوانه سمعا ~~وطاعة، فلو سعطته بالتوراة، ووجرته بالإنجيل، ولددته بالزبور، وأفرغت على ~~رأسه القرآن إفراغا، وأتيته بآدم عليه السلام شفيعا لما قصر دون أقصى قوته، ~~ولتمنى أن يعار أضعاف قدرته. # وقد جاء في الأثر: أن أقرب ما يكون العبد من غضب الله إذا غضب. # قال قتادة: ليس يسكن الغضب إلا ذكر غضب الرحمن عز وجل. # وقال عمرو بن عبيد: ذكر غضب الرب يمنع من الغضب. إلا أن يريد الذكر ~~باللسان. # ويسمىالمتوجد غضبان، والذكور حقودا. # فلا تقف - حفظك الله - بعد مضيك في عقابي التماسا للعفو عني، ولا تقصر عن ~~إفراطك من طريق الرحمة لي؛ ولكن قف وقفة من يتهم الغضب على عقله، والشيطان ~~على دينه، ويعلم أن للعقل خصوما، وللكرم أعداء. # وإن من النصف أن تنتصف لعقللك من خصومه، وتنتصف لكرنك من عدوه، وتمسك ~~إمساك من لا يبرئ نفسه من الهوى، ولا يبرئ الهوى من الخطأ. PageV01P261 # ولا تنكر لنفسك أن تزل، ولعقلك أن يهفو؛ فقد زل آدم عليه اللام وهفا، ~~وعصى ربه وغوى، وغره عدوه وخدعه خصمه، وعيب باختلال عزمه وسكون قلبه إلى ~~خلاف ثقته. هذا وقد خلقه الله بيده، وأسكنه في دار أمنه، وأسجد له ملائكته، ~~ورفع فوق العالمين درجته، وعلمه جميع الأسماء بجميع المعاني. ولا يجوز أن ~~يعلمه الاسم ويدع المعنى، ويعلمه الدلالة ولا يضع له المدلول عليه. والاسم ~~بلا معنى لغو، كالظرف الخالي. والأسماء في معنى الأبدان والمعاني في معنى ~~الأرواح. اللفظ للمعنى بدن، والمعنى للفظ روح. ولو أعطاه الأسماء بلا معان ~~كمن وهب شيئا جامدا لا حركة له، وشيئا لا حس فيه، وشيئا لا منفعة عنده. # ولا يكون اللفظ اسما إلا وهو مضمن بمعنى، وقد يكون المعنى ولا اسم له، ~~ولا يكون اسم إلا وله معنى. # في قوله جل ذكره: " وعلم آدم الأسماء كلها " إخبار أنه قد علمه المعاني ~~كلها. ولسنا نعني معاني تراكيب ms16 الألوان والطعوم والأراييح، وتضاعيف الأعداء ~~التي لا تنتهي ولا تتناهى. وليس لما فضل عن مقدار المصلحة ونهاية الرسم اسم ~~إلا أن تدخله في باب العلم فتقول: شيء، ومعنى. # الأسماء التي تدور بين الناس إنما وضعت علامات لخصائص الحالات، PageV01P262 ~~لا لنتائج التركيبات. وكذلك خاص الخاص لا اسم له إلا أن تجعل الإشارة ~~المقرونة باللفظ اسما. # وإنما تقع الأسماء على العلوم المقصورة، ولعمري إنها لتحيط بها وتشتمل. ~~فأما العلوم المبسوطة فإنها تبلغ مبالغ الحاجات ثم تنتهي. # فإذا زعمت أن الله تبارك وتعالى علم آدم الأسماء كلها بمعانيها، فإنما ~~تعني نهاية المصلحة لا غير ذلك. هذا وآدم هو الشجرة وأنت ثمرة، وهو سماوي ~~وأنت أرضي، وهو الأصل وأنت الفرع، والأصل أحق بالقوة والفرع أولى بالضعف. # فلست أسألك أن تمسك إلا ريثما تسكن إليك نفسك، ويرتد إليك ذهنك، وحتى ~~توازن بين شفاء الغيظ والانتفاع بثواب العفو، وترى الحلم وما يجلب من ~~السلامة وطيب الأحدوثة، وترى تضرم الغضب وما يفضي لأهله من فضل القوة. # على أن العقل إذا تخلص من سكر الغضب أصابه ما يصيب المخمور إذا خرج من ~~سكر شرابه، والنهزم إذا عاد إلى أهله، والمبرسم إذا أفاق من برسامه. # وما أشك أن العقل حين يطلق من إساره كالمقيد حين يفك من قيوده؛ يمشي ~~كالنزيف، ويحجل كالغراب. فإذا وجب عليك أن تحذر على عقلك مخامرة داء الغضب ~~بعد تخلصه، وأن تتعمده بالعلاج بعد مباينته له وتخلصه PageV01P263 ~~من يده، فما ظنك به وهو أسير في ملكه، وصريع تحت كلكله، وقد غطه في بحره، ~~وغمره بفضل قوته. # وقد زعموا أن الحسن حضر أميرا قد أفرط في عقوبة بعض المذنبين، فكلمه فلم ~~يحفل بكلامه، وخوفه فلم يتعظ بزجره، فقال: إنك إنما تضرب نفسك، فإن شءت ~~الآن فأقل، وإن شئت فأكثر. # ومعاذ الله أن أقول لك كما قال الحسن لذلك الظالم المعتدي، والمصمم ~~القاسي، ولكني أقول: اعلم أنك تضرب من قد جعلك من قتله في حل. وإن كان ~~القتل يحل بإحلال المقتول، ويسقط عنه عقابه بهبة المظلوم؛ ولو ms17 أمكن في ~~الدين تواهب قصاص الآخرة في الدنيا؛ وإن كان ذلك مما تجود به النفس يوم ~~الحاجة إلى الثواب وإلى رفع العقاب، وكان الوفاء مضمونا لكنت أول من أسمحت ~~بذلك نفسه، وانشرح به صدره. # جعلت فداك، إني قد أحصيت جميع أسباب التعادي، وحصلت جميع علل التضاغن، ~~إلا علة عداوة الشيطان للإنسان؛ فإني لا أعرف إلا مجازها في الجملة ولا أحق ~~خاصتها على التحصيل. وعلى حال فقد عرفتها من طريق الجملة وإن جهلتها من ~~طريق التفصيل. فأما هذا التجني فلم أعرفه في خاص ولا عام. # فمن أسباب العداوات تنافس الجيران والقرابات، وتحاسد الأشكال في ~~الصناعات. ومن أمتن أسبابهم إلى الشر وأسرعها إلى المروءة والعقل، PageV01P264 # وأقدحها في العرض وأحبطها على الدين، التشاح على المواريث، والتنازع في ~~تخوم الأرضين. فإن اتفق أن يكون بين المتشاكلين في القرابة كان السبب أقوى، ~~والداء أدوى. وعلى حساب ذلك إن جمعت هذه الخصومة مع الجوار والقرابة ~~واستواء الحظ في الصناعة. ولذلك كتب عمر رضي الله عنه إلى قضاته: أن ردوا ~~القرابات عن حرا القضاء فإن ذلك يورث التضاغن. # ولم أعجب من دوام ظلمك، ~~وثباتك على غضبك، وغلظ قلبك، ودورنا بالعسكر متجاورة، ومنازلنا بمدينة ~~السلام متقابلة، ونحن ننظر في علم واحد، ونرجع في النحلة إلى مذهب واحد؛ ~~ولكن اشتد عجبي منك اليوم وأنا بفرغانة وأنت بالأندلس، وأنا صاحب كلام وأنت ~~صاحب نتاج، وصناعتك جودة الخط وصناعتي جودة المحو، وأنت كاتب وأنا أمي، ~~وأنت خراجي وأنا عشري، وأنت زرعي وأنا نخلي. فلو كنت إذ كنت من بكر كنت من ~~تميم، كان ذلك إلى العداوة سببا، وإلى المنافسة سلما. # أنت أبقاك الله شاعر وأنا راوية، وأنت طويل وأنا قصير، وأنت أصلع وأنا ~~أنزع، وأنت صاحب براذين وأنا صاحب حمير، وأنت ركبن وأنا عجول، وأنت تدبر ~~لنفسك وتقيم أود غيرك، وتتسع لجميع الرعية، وتبلغ PageV01P265 ~~بتدبيرك أقصى الأمة، وأنا أعجز عن نفسي وعن تدبير أمتي وعبدي. وأنت منعم ~~وأنا شاكر، وأنت ملك وأنا سوقة، وأنت مصطنع وأنا صنيعة، وأنت تفعل وأنا ~~أصف، ms18 وأنت مقدم وأنا تابع، وأنت إذا نازعت الرجال وناهضت الأكفاء لم تقل ~~بعد فراغك وانقطاع كلامك: لو كنت قلت كذا كان أجود، ولو تركت قول كذا لكان ~~أحسن؛ وأمضيت الأمور على حقائقها، وسلمت إليها أقساطها على مقادير حقوقها؛ ~~فلم تندم بعد قول، ولم تأسف بعد سكوت. وأنا إن تكلمت ندمت، وإن جاريت أبدعت ~~ورأيي كله دبري. وأنت تعد في الشطرنج زبرب، وأنا في الشطرنج لا أحد. # وما أعرف هاهنا اجتماعا على مشاكلة إلا في الإيثار بخبر الخشكار على ~~الحواري، والباقلي على الجوزينج، وأنا جميعا ندعي الهندسة. PageV01P266 # فقد بلغ الآن من جرمي في مساواتك في خبز الخشكار، وإيثاري الباقلي، ~~والمعرفة بتقدير المدن وإجراء القنى، أن أنفى من جميع الأرض، وأن تجعل في ~~دمي الجعائل؛ فإني قد هجرت الخبز البتة إلى مواصلة التمر، ونزلت الوبر بدلا ~~من المدر. # دعنا الآن فإنك فارغ. إن الله يعلم - وكفى به عليما، وكفى به شهيدا، وكفى ~~به حفيظا ووكيلا، وكفى بجرأة من يعلمه ما لا يعلم جرأة وترضا، وكفى بحاله ~~عند الله بعدا ومقتا - لقد أردت أن أفديك بنفسي في بعض كتبي، وكنت عند نفسي ~~في عداد الموتى وفي حيز الهلكى، فرأيت أن من الخيانة لك ومن اللؤم في ~~معاملتك، أن أفديك بنفسي ميتة، وأن أريك أني قد جدت لك بأنفس علق والعلق ~~معدوم. ليس أن من فداك فقد جعل فداك، ولكنها نهاية من نهايات التعظيم، ~~ودليل من دلائل الاجتهاد. ومن أعلن الاجتهاد لك واستسر خلاف ذلك فقد نافق ~~وخان، وغش وألام. وأخلق بمن أخل بهذه ألا يرعى حقا، ولا يرجع إلى صحة ولا ~~إلى حقيقة. # ثم أنت لا يشفيك مني السم المجهز، ولا السم الساري؛ فإنه أبعد غاية في ~~التطويل وأبلغ في التعذيب. لا ولا لعاب الأفاعي وداهية الدواهي، فإنه يعجز ~~الرقى ويفوت ذرع الأطباء. لا ولا نار الدنيا، بل لا يشفيك من نار الآخرة ~~إلا الجحيم، ولا يشفيك من الجحيم إلا أن أرى في سوائه وفي PageV01P267 ~~أصطمة ناره، وفي معظم حريقه، وفي موضع الصميم ms19 من لهيبه. بل لا تكتفي بذلك ~~دون الدرك الأسفل، بل لا يرضيك شيء سوى الهاوية، بل لا ترضى إلا بعذاب آل ~~فرعون، أشد العذاب، بل لا يرضيك إلا عذاب إبليس الذي زين الختر للعباد، ~~وبثه في البلاد، والذي خطأ الرب وعائده ورد قوله، وغير عليه تدبيره، ولم ~~يزده إلا شكا ولجاجة، وتماديا وإصرارا. ثم لم يرض من الجد في مخالفة أمره، ~~وخلع العذار في شدة الخلاف عليه إلا بأن يحلف على شدة اجتهاده في ذلك ~~بعزته، فجعل العزة المانعة من إسخاطه سبيلا إلى إسخاطه، والقسم الحاجز دون ~~إغضابه وسيلة إلى إغضابه، حيث قال: " فبعزتك لأغوينهم أجمعين ". # فعليك عافاك الله بإبليس إن كنت للع تغضب، أو عليك بالأكفاء إن كنت لنفسك ~~تتشفى. # لا ولكنك استغمرتني واستضعفتني، وجعلتني فروج الرفاء، وتريد أن تتعلم في ~~معاقبة الأعداء. فإن كنت إلى هذا تذهب فجعفر بن معروف أضعف مني، وعبد الله ~~بن عيسى أسوأ خبرا مني. # سبحان الله، يسلم عليك حيدر الأفشين، ويهلك عليك عمرو الجاحظ، PageV01P268 ~~ويسعد بك أبعد البعداء ويشقى بك أقرب القرباء. وتتغافل عن مثل الجبال ~~التماسا وحبا للسلامة، وتغلغل إلى المحرات طلبا للتعرض وحبا للشر. # ومتى قدرت على عدوك فلم تجعل العفو عنه شكرا للقدرة عليه، ومتى لم تتغافل ~~عنه تكرما أو تدعه احتقارا، ومتى اكترثت لكبير وضاق صدرك عن شيء عظيم ~~فهأنذا بين يديك، فكلني بخل وخردل؛ فوالله إنك لتأكله غثا غير مريء، وخبيثا ~~غير شهي. # لا والله، لكأنك وقعت على مطمورة، وظفرت برأس خاقان. كنت أظن أن الرشاقة ~~والحلم لا يجتمعان، وأن ظرف الإنسان وأصالة الرأي لا يفترقان، وأن النزق ~~والخفة مقرونان بخفة البدن، وأن الركانة والأناة مجموعان لصاحب السمن، حتى ~~رأيتك فاعتقدت بك خلاف ذلك الرأي، واستبدلت فيك ضد ذلك الظن. فتركتني حتى ~~إذا نازعت الرجال، وتعرضت للشجي، وشغلت نفسي بثلب الخصام، وانقطعت إلى ~~أصحاب القدود، وجعلت عدوائي في تقديم القضاف، وطال لساني، وأظهرت الاستبصار ~~في فضلك، وجعلت مزاج أخلاطك هو الحجة، واعتدالك هو النهاية، وطبيعتك PageV01P269 ~~هي المشكلة؛ وزعمت ms20 ان منظرك يغني عن مخبرك، وأن أولك يجلي عن آخرك شددت ~~على شدة المهر الأرن، وتسرعت إلي تسرع الغر النزق، وألححت علي إلحاح اللجوج ~~الحنق. كأنك لم تحفل بما يشيع لك من اسم المتسرع، وبما تضاف إليه من سخف ~~المتترع، بعد أن تكذب قولي وتفند خبري. # وقد تقدمت التجربة أن الحديد لا يكون حقودا، وأن المصطنع لا يكون للصنيعة ~~حاسدا، فقصدت على رأس إلى القياس الممتحن فأفسدته، وإلى الطبائع المعتدلة ~~فنقضتها، وإلى القضايا الصحيحة فرددتها. # وقالوا بأجمعهم: حالان لا تقبلان الحسد، ولا يخلوان من الرشد: حال ~~الصنيعة لمصطنعه، وحال المولى لمعتقه. فكيف إذا كان الصنيعة صديقا، وكان ~~للخاصة محتملا. # وإنما صارت - أبقاك الله - أجزاء النفس وأعضاء الجسد مع كثرة عددها، ~~واختلاف أخلاطها، وتباعد أماكنها، نفسا واحدة وجسدا واحدا، PageV01P270 ~~لاستواء الخواطر، ولاتفاقها على الإرادة. فأنت وصديقك الموافق، وخليلك ذو ~~الشكل المطابق، مستويان في المحاب، متفقان في الهوى، متشاكلان في الشهوة؛ ~~وتعاونكما كتعاون جوارح أحدكما، وتسالمكما كتسالم المتفق من طبائعكما. فإذا ~~بان منك صديقك فقد بان منك شطرك، وإذا اعتل خليلك فقد اعتل نصفك، بل النفوس ~~المضمنة كالمعاني المضمنة، فذهاب بعضها هو ذهاب جميعها. فموتي هو موت ~~صديقي، وحياتي هي حياة صديقي. فلا تبعدنه من قلبك بعد بدنه من بدنك؛ فقد ~~يقرب البغيض وينأى الحبيب. ولعل بعض طبائعك المخالط لروحك، أن يكون أعدى من ~~كل عدو، وأقطع من كل سيف، وأخوف عليك من الأسد الضاري، ومن الم الساري. # ثم اعلم أن الموثق بمودته قليل، وقد صار اليوم المعتمد عليه في صحة ~~العقدة، وفي كرم الغيب والعشرة، عنقاء مغرب. ولا أعلم الكبريت الأحمر إلا ~~أوجد منه. وإني لأظن القناعة أكثر منه. وما أكثر من جعل انقطاع سببه وضعف ~~طمعه لانقطاع سببه قناعة. # وقيل ليحيى بن خالد: أي شيء أقل؟ قال: قناعة ذي الهمة البعيدة بالعيش ~~الدون، وصديق قليل الآفات كثير الإمتناع، شكور النفس، يصيب مواضع المدح. PageV01P271 # لا والله إن تعرف على ظهرها موضعا للسر، ولا مكانا للشكوى، ولا روحا تأنس ~~بها، ولا نفسا ms21 تسكن إليها. ولو أردت أن تعرفني من جميع العالمين رجلا لما ~~قدرت على أحد يحتمل الغنى. ومحتمل الفقر قليل، ومحتمل الغنى عديم. # إن الخير - أبقاك الله - في ايام كثرته كان قليلا فما ظنك به في ايام ~~قلته، وإن الشر في أيام قلته كان كثيرا فما ظنك به في أيام كثرته، وأنت ~~غريب في المصطنعين. وأنا غريب في الصنائع، والغريب للغريب نسيب، ونسب ~~المشاكلة وقرابة الطبيعة الموافقة، أقرب من نسب الرحم؛ لأن الأرحام مولعة ~~بالتحاسد، لهجة بالتقاطع، وأن التحاب على طبع المشاكلة. والتلاقي على وفاق ~~من الطبيعة، أبعد من التفاسد، وأبعد من التعادي. وسبب التعادي عرض في طبائع ~~الغرباء، وجوهر في طبائع الأقرباء. # واعلم أنك لا تزال في وحشة إلى وحشة، وفي غربة إلى غربة، وفي تنكر العيش ~~وتسخط الحال، حتى تجد من تشكو إليه بثك، وتفضي إليه بذات نفسك. ومتى رأيت ~~عجبا لم تضحك رؤيتك له بقدر ما يضحك إخبارك إياه. فمن أغلب عليك ممن كانت ~~هذه حاله منك، وموقعه من نفسك. # ولو أن شيبتي التي بها استعطفتك، وكبرة سني التي بها استرحمتك، اللتان لم ~~يحدثا علي وأنا في ذراك، ولم يحلا بي إلا وأنا في ظلك، لكان في شفاعة ~~الكبرة، واسترحام الضعف والوهنة، ما يردعك عني أشد الردع، PageV01P272 ~~ويؤثر في طباعك أبين الأثر. فكيف وقد أكرمتني جديدا، ثم تريد أن تهينني ~~خلقا، وقويت عظمي أغلظ ما كان، ثم تريد أن توهنه أرق ما كان. وهل هرمت إلا ~~في طاعتك، وهل أخلقني إلا معاناة خدمتك!. # قال علي بن أبي طالب: رأي الشيخ الضعيف أحب إلينا من جلد الشاب القوي. # وانا أقول كما قال أخو ثقيف: مودة الأخ التالد وإن أخلق خير من مودة ~~الطارف وإن ظهرت بشاشته، وراعتك جدته. # وقال عبد الملك بن مروان: رأي الشيخ أحب إلينا من مشهد الغلام. # وقال بعضهم: ليس بغائب من شهد رأيه، وليس بفان من بقي أثره. # وما كمل العقل ولا وفر التجربة شيء كنقصان البدن، وكأخذ الأيام من قوي ~~الأعضاء. # وقال آخر: ما ms22 قبح الرجال شيء كالوكال، ولا أفسد الكريم شيء كحب ~~الاستطراف. وخير الناس من أتبع الغضب مواقع الذنوب، وأتبع العقاب مواقع ~~الغضب، ولم يتبع الغضب مواقع الهوى. PageV01P273 # ولقد منحتك جلد شبابي كملا، وغرب نشاطي مقتبلا، وكان لك مهناه، وثمرة ~~قواه، واحتملت دونك عرامه وغربه، وكان لك غنمه وعلي غرمه، وأعطيتك عند ~~إدبار بدني قوة رأيي، وعند تكامل معرفتي نتيجة تجربتي، واحتملت دونك وهن ~~الكبر وإسقام الهرم. # وخير شركائك من أعطاك ما صفا، وأخذ لنفسه ما كدر. وأفضل خلطائك من كفاك ~~مؤونته، وأحضرك معونته، وكان كلاله عليه، ونشاطه لك. وأكرم دخلائك وأشكر ~~مؤمليك من لا يظن انك تسمي جزيل مل تحتمل في بذلك ومواساتك مؤونة، ولا ~~تتابع إحسانك إليه نعمة، بل يرى أن نعمة الشاكر فوق نعمة الواهب، ونعمة ~~الواد المخلص فوق نعمةالجواد المغني؛ وأنه لا يبلغ في إعطاء المجهود من ~~نفسه في خلع جميع ماله إلى مؤمليه والمتحرمين به، حسن نية الشاكر الوامق، ~~وحق تمني الواد العارف. # ولو اقتضيت جميع حقوقك علي، وأنكرت جميع حقوقي عليك، أو جعلت حقي عليك ~~حقا لك، ثم زعمت أن حقك لا يؤدى إلى شكره، وأن حقي لا يلزم حكمه، وأن ~~إحساني إساءة، وأن الصغير من ذنوبي كبير، وأن اللمم مني إصرار، وأن خطائي ~~عمد، وأن عمدي كله كفر، وأن PageV01P274 ~~كفري يوجب القمع ويمنع من النزوع لما كان عندك. وما اتسع قولي لأكثر من ~~هذا العقاب، ولا أشد من هذا الغضب. وما ينبغي أن يكون هذا المقدار من النقم ~~إلالباري النسم في دار البقاء، لا في دار الفناء. والذي يجوز بين العباد ~~إنما هو تعزير أو حد، أو قود أو قصاص، أو حبس أو تغريب، أو إغرام أو إسقاط ~~عدالة، أو إلزام اسم العداوة، أو عقاب يجمع الألم والتقويم والتنكيك، فيكون ~~مضض الألم جزاء له ومعدلا أسبابه. # وربما قصر الإيقاع على السخط وجاوز حد الغضب. وربما كان مقصورا على ~~مقدارها، ومحبوسا على نهاية حالهما. # وليس كل عقاب نتيجة سخط، وقد لا يسمى ذلك الموقع والمعاقب واجدا ms23 كما يسمى ~~ساخطا، ولا يسمى عاتبا كما يسمى غضبان، فيخرج كما ترى من أن يسمى سخطا أو ~~موجودة وغضبا، كما خرج عقاب آدم عليه السلام من هاتين الصفتين، ومن جميع ~~القسمين. وعلى أنه كان إخراجا من دار الخلد والكرامة إلى دار الابتلاء ~~والمحنة؛ ومع كا في ذلك من إعراء الجلد، والتسمية بالظلم، مع الوصف له بضعف ~~العزم، والاغترار بيمين الخصم. # والعجب أنك تضجر من طول مسألتنا لعفوك مع حاجتنا إلى عاجل عفوك، ولا تضجر ~~بطول تشاغلك بظلم صديقك مع استغنائك عن ظلم صديقك. فلو كنت إنما تفعل ذلك ~~لأنك تلذ ضرب السياط ورض العظام، PageV01P275 ~~فجنب " دندن " أحمل، والسوط في ظهر قاسم أحسن، وأبدانهما تحت السياط ~~أثبت، وإن أرواحهما أبقى، وهي بأرواح الكلاب أشبه، وإلى طبائع الضباب أقرب، ~~وأرحامهم بالحمير أمس، ومن يشير فيهم بذلك أكثر، والأجر في ضربهم أعظم. ~~فاستدم اللذة بطريق اللذة، وضع الأمور في مواضعها يطل سرورك بها. # إن عتاق الخيل وأحرار الطير أدق حسا، وأشد اكتراثا. والكوادن الغلاظ ~~والمحامر الثقال، أكل حسا وأقل اكتراثا. وليس الصبر بالصمت والسكوت، ولا ~~بقلة الصياح والضموز. وقد يصيح تحت السوط من لا يقر على صاحبه، ولا يدل على ~~عورة نفسه. والكلب المضروب يجمع الصياح والهرب، والفرس العتيق يعدو ولا ~~يصيح، والحافر كله كظوم ضامز، والمخلب كله ضجور صياح، والضجر في الخف عام، ~~والبخاتي أضجر. فسمن الظلف عام، وهو في الضأن أخفى، وكل مضروب هارب صياح، ~~ومنها ما يجمع الخصال كالكلب والبعير. والهرب من المكروه محمود، والمقام ~~عليه مذموم؛ كالذي يعتري العير السقيم وتجده في الفرس الكريم، من قلة ~~الاكتراث وشدته. PageV01P276 # وصبر البدن غير صبر النفس. وليس بقاء الأرواح المنعقدة تحت الضرب الشديد ~~من اعتزام النفس، ولا يدل على الكرم. # وفي المثل: " ما روح فلان إلآ روح كلب ". وتقول العرب: " الضب أطول شيء ~~ذماء ". والكلب لئيم، والضب غير كريم. # والبازي أكرم من الصقر وأشد وأكثر ثمنا، وأجمل جمالا، وأعفى صيدا، وأنبل ~~نبلا؛ إن قبض عليه قتله، وإن لم ينح كندرته عن قربه ms24 أوهن نفسه. ثم بلغ من ~~رقة طبع البازي وعتقه أنه ينقطع برد البازيار له إلى مسقطه من يده. والصقر ~~يتعلق بسباقيه من رجل حمل بدرع فيضطرب منكسا إلى الصبح، ثم تجده وكأنه لم ~~يزل على كندرته وعلى مسقطه الذي يؤتى له. PageV01P277 # فليس بدني من أبدان الاحتمال فأمتعك بطول ثباته لك، ولا أثبت لك ثبات ~~العير الكليل الحس، ولا أجعل الصياح دليلا على الإقرار، فيكون ذلك أحد ما ~~تتمتع به، وتدرك به حاجات نفسك. # وقد دللتك على ناس يجمعون لك الخصال التي فيها دوام لذتك، وتمام شهوتك؛ ~~فإن زعمت أن الذي يثبت روح دندن في بدنه، وروح القاسم في جسمه، سرورهما بما ~~قد احتجنا من كنوز الخلافة وأموال الرعية، وليس ذلك من رسوخ أرواحهما في ~~أبدانهما، ومن شدة الاحتجان وقوة الاكتناز، ففرق بينهما وبين تلك الأموال ~~التي تمسك أرواحهما بالحيل اللطيفة، والتدبير النافذ، وبأن تمضي فيهما حكم ~~الكتاب والسنة؛ فإنه سيحل عقدة أرواحهما عقدا عقدا، فيعظم أجرك، ويطيب ~~ذكرك، وتطيع الخليفة وتتحبب به إلى الأمة؛ فتكون قد أحسنت في صرف الضرب إلى ~~أهله، وأرحت منه غير أهله. # والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. PageV01P278 ms25