######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 28- من كتابه في الجوابات واستحقاق في الإمامة PageV04P283 ### || فصل من صدر كتابه في الجوابات في الإمامة يحكي فيه قول من يجيز أكثر من إمام واحد # زعم قوم أن الإمامة لا تجب لرجل واحد بعينه، من رهط واحد بعينه، ولا ~~لواحد من عرض الناس، وإن كان أكثرهم فضلا، وأعظمهم عن المسلمين غناء، بعد ~~أن يكون فردا في الإمامة لا ثاني له. وأن الناس إن تركوا أن يقيموا إماما ~~واحدا جاز لهم ذلك، ولم يكونوا بتركه ضالين ولا عاصين ولا كافرين؛ فإن ~~أقاموه كان ذلك رأيا رأوه، وغير مضيق عليهم تركه. # ولهم أن يقيموا اثنين، وجائز لهم أن يقيموا أكثر من ذلك، ولا بأس أن ~~يكونوا عجما وموالي، ولكن لابد من حاكم، واحدا كان أو أكثر على حال. ولا ~~يجوز أن يكون الرجل حاكما على نفسه وقائما عليها بالحدود. # ولم يقل أحد ألبتة أن من الحكم والحاكم بدا، ولكنهم اختلفوا في جهاتهم ~~ومعانيهم. # وقالوا: وأي ذلك كان، إقامة الواحد والاثنين أو أكثر من ذلك، PageV04P285 ~~فعلى الناس الكف عن محارمهم، وترك التباغي فيما بينهم، والتخاذل عند ~~الحادثة تنوبهم، من عدو يدهمهم من غيرهم، أو خارب يخيف سبلهم من أهل ~~دعوتهم. # وعليهم فيما شجر بينهم إعطاء النصفة من أنفسهم بالغا ما بلغ، في عسر ~~الأمر ويسره. وعلى كل رجل في داره وبيته وقبيلته، وناحيته ومصره، إذا كان ~~مأمونا ذا صلاح وعلم، إذا ثبتت عنده على أخيه وصاحبه وجاره، وحاشيته من ~~خدمه، حد أو حكم جناه جان عليهم أو على نفسه أو ظلم ركبه من غيره، إقامة ~~ذلك الحكم والحد عليه، إذا أمكنه مستحقه؛ إلا أن يكون فوقه كاف قد أجزى ~~عنه. # وعلى المجترح للذنب الموجب على نفسه الحد، والمستحق له، إمضاء الحكم في ~~بدنه وماله، والإمكان من نفسه، وأن لا يعاز بقوة، ولا يروغ بحيلة، ولا يسخط ~~حكم التنزيل فيما نزل به، وفيما هو بسبيله من مال أو غيره. وإنما يجب ذلك ~~إذا كان على الفريقين من القيم، والجاني يمكنه ما كلفه الله من ذلك. ms01 فإن ~~أبى القيم إقامة الحق والحد على الجاني بعد استيجابه، والإمكان من نفسه ~~لإقامة الحد عليه، فقد عصى PageV04P286 ~~الله تعالى ولم يؤت في ذلك الأمر نفسه، لأن الله تعالى قد بينه له، ~~وأوجبه عليه، وقرره حين أوضح له الحجة وقرب الدلالة، وطوقه المعرفة، ومكنه ~~من الفعل. # وقد بسطنا العذر لذوي العجز في صدر الكلام. # وإن أبى الجاني المستحق للحكم والحد، الإمكان من نفسه وماله، وما هو ~~بسبيله، فقد عصى الله في ذلك، كما عصاه في ركوبه ما أوجب عليه الحد، ولم ~~يؤت من ربه لما ذكرنا من إيضاح الحجة وإثبات القدرة. ### || فصل منه # وقد علمنا أن من شأن الناس الهرب إذا خافوا نزول المكروه، والامتناع من ~~إمضاء الحدود بعد وجوبها عليهم، ما وجدوا السبيل إلى ذلك. وهذا سبب إسقاط ~~الأحكام والتفاسد. # وقد أمرنا أن نترك أسباب الفساد ما استطعنا، وبالنظر للرعية ما أمكننا، ~~فوجب علينا عند الذي قلنا، أنا لو لم نقم إماما واحدا كان الناس على ما ~~وصفنا من التسرع إلى الشيء إذا طمعوا، والهرب إذا خافوا. وهذا أمر قد جرت ~~به عامة المعرفة، وفتحت عندنا فيه التجربة. # قلنا عند ذلك إن الإمامة لا تجب على الناس من طريق الظنون وإشفاق النفوس. PageV04P287 # وقد رأينا أعظم منه خطرا، وقدرا ونفعا، في كل جهة على خلاف ذلك، وهو رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، بعثه الله إلى أمة وقد علم أنهم يزدادون مع كفرهم ~~المتقدم من قبل ذلك الرسول كفرا، بجحدهم له، وإخراجهم إياه، وقصدهم قتله، ~~ثم لا يكون ذلك مانعا له من الإرسال إليهم والاحتجاج به عليهم، لمكان علمه ~~أنهم يزدادون فسادا وتباغيا؛ إذ كان قدم لهم ما به ينالون مصالح دينهم ~~ودنياهم. وإنما على الحكيم أن يأتي الأمر الحكيم، عرف ذلك عارف أم جهله ~~جاهل. # وعلى الجواد ذي الرحمة في جوده ورحمته، أن يفعل ما هو أفضل في الجود، ~~وأبلغ في الإحسان، وألطف في الإنعام من إيضاح الحجة وتسهيل الطرق، والإبلاغ ~~في الموعظة، مع ضمان الوعد بالغاية من الثواب ms02 والدوام واللذة، والتوعد ~~بغاية العقاب في الدوام والمكروه إلى عباده الذين كلفهم طاعته، وأهل الفاقة ~~إلى عائدته ونظره وإحسانه. # فإن قبل ذلك قابل فقد أصاب حظه، وإن أبى ذلك فنفسه ظلم، وقد صنع الله به ~~ما هو أصلح وإن لم يستطع العبد نفسه. PageV04P288 # قالوا: فإذا كان الله تبارك وتعالى عالما بأن القوم يزدادون فسادا عند ~~إرسال الرسل، وكان غير صارف لهم عن الإرسال إليهم، إذ كان قد عدل خلقهم، ~~ومكنهم من مصلحتهم، فما بال الظن والحسبان بأن الناس يتفاسدون ويتنازعون، ~~إذا لم يقيموا إماما واحدا يوجب فرضا لم ينطق به كتاب ولم يؤكده خبر. وقد ~~رأينا العلم بأن الناس يتفاسدون بما لا يرد به فرض. ### || فصل منه # وقالوا: قد رأينا أهل الصلاح والقدر، عند انتشار أمر السلطان، وغلبة ~~السفلة والدعار، وهيج العوام، يقوم منهم العدد اليسير في الناحية والقبيلة، ~~والدرب والمحلة فيفل لهم حد المستطيل، ويقمع شذاذ الدعار، حتى يسرح الضعيف ~~ويأمن الخائف، وينتشر التاجر، ويكبر جانبهم الداعر. # وإنما صلاح الناس بقدر تعاونهم وتخاذلهم. مع أن الناس لو تركهم المتسلطون ~~عليهم، وألجئوا إلى أنفسهم حتى يتحقق عندهم أن لا كافي إلا بطشهم وحيلهم، ~~وحتى تكون الحاجة إلى الذب PageV04P289 ~~والحراسة، والعلم بالمكيدة، هي التي تحملهم على منع أنفسهم؛ ولذهبت عادة ~~الكفاية، وضعف الاتكال، ولتعودوا اليقظة، ولدربوا بالحراسة، واستثاروا دفين ~~الرأي؛ لأن الحاجة تفتق الحيلة وتبعث على الروية، وكان بالحرى أن يصلح أمر ~~الجميع؛ لأن طمع الراعي إذا عاد بأسا صرفه في البغي. وكان في ذلك منبهة ~~للنائم ومشحذة لليقظان، وضراوة للمواكل، ومزجرة للبغاة، حتى ينبت عليه ~~الصغير، ويتفحل معه الكبير. ### || فصل منه # وزعم قوم أن الإمامة لا تجب إلا بأحد وجوه ثلاثة: # إما عقل يدل على سببها، ~~أو خبر لا يكذب مثله، أو أنه لا يحتمل شيئا من التأويل إلا وجها واحدا. # قالوا: فوجدنا الأخبار مختلفة، والمختلف منها متدافع، وليس في المتدافع ~~والمتكافىء بيان ولا فضل. # فمن ذلك قول الأنصار، وهم شطر الناس وأكثرهم، مع أمانتهم على دين الله ~~تعالى، وعلمهم ms03 بالكتاب والسنة، حيث قالت عند وفاة النبي صلى الله عليه ~~وسلم: " منا أمير ومنكم أمير ". PageV04P290 # فلو كان قد سبق من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك أمر ما كان أحد ~~أعلم به منهم، ولا أخلق للإقرار والعمل بما يلزم، والصبر عليه منهم، بعد ~~الذي ظهر من احتمالهم في جنب الله تعالى، والجهاد في سبيله، والنصرة لنبيه ~~صلى الله عليه وسلم مع الإيواء والإيثار، بعد المواساة، ومحاربة القريب ~~والبعيد، والعرب قاطبة وقريش خاصة. ثم الذي نطق القرآن به من تزكيتهم ~~وتفضيلهم، بحب رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم، وثقته بهم وثنائه عليهم، ~~وهو يقول: " أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع ~~"، في أمور كثيرة. # ثم لم يكن قولهم: " منا أمير ومنكم أمير " من سفيه من سفهائهم ضوى إليه ~~أمثاله منهم، فإن لكل قوم حسدة وجهالا، وأحداثا وسرعانا، من حدث تبعثه ~~الغرارة والأشر، ورجل يحب الجاه والفتنة، أو مغفل مخدوع، أو غر ذي حمية ~~يؤثر حسبه ونسبه على دين الله تعالى وطاعة نبيه صلى الله عليه وسلم. PageV04P291 # ولا كان ذلك القول، إن كان من عليتهم، في الواحد الشاذ القليل، بل كان في ~~ذوي أحلامهم والقدم منهم. # ثم كان المرشح والمأمول عندهم سعد بن عبادة، سيدا مطاعا، ذا سابقة وفضل، ~~وحلم ونجدة، وجاه عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستغاثة به في ~~الحوادث والمهم من أمره. # ثم كان في الدهم من الأنصار، والوجوه والجمهور من الأوس والخزرج. فكيف ~~يكون سبق من النبي صلى الله عليه وسلم في هذا أمر يقطع عذرا ويوجب رضا، ~~وهؤلاء الأمناء على الدين، والقوام عليه، قد قاموا هذا المقام، وقالوا هذا ~~المقال. # قالوا: فإن قال قائل: فإن القوم كانوا على طبقات، من ذاكر متعمد، وناس قد ~~كان سقط عن ذكره وحفظه، ومن رجل كان غائبا عن ذلك القول والتأكيد الذي كان ~~من النبي صلى الله عليه وسلم وآله، في إقامة إمام يقدم في أيام وفاته ~~وشكاته، ومن رجل قدم في الإسلام ms04 لم يكن من حمال العلم، فأذكرهم أبو بكر ~~وعمر فذكروا، ووعظاهم فاتعظوا. فقد كان فيهم الناشىء الفاضل الذي يزجره ~~الذكر، وينزع إذا بصر؛ والمعتمد الذي لم يبلغ من لجاجه وتتايعه، وركوب PageV04P292 ~~ردعه ما يؤثر معه التصميم على حسن الرجوع عند الموعظة الحسنة، والتخويف ~~بفساد العاجل، في كثير ممن لم يكن له في الإسلام القدر النبيه، إما للغفلة، ~~وإما للإبطاء عنه، وإما للخمول في قومه مع إسلامه وصحة عقده. فداواهم أبو ~~بكر وعمر يوم السقيفة حين قالا: " نحن الأئمة وأنتم الوزراء ". وحيث رووا ~~لهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " الأئمة من قريش ". فلما استرجعوا ~~رجعوا. # قلنا: الدليل على أن القوم لم يروا في كلام أبي بكر وعمر حجة عليهم، وأن ~~انصرافهم عما اجتمعوا له لم يكن لأنهم رأوا أن ذلك القول من أبي بكر وعمر ~~وأبي عبيدة بن الجراح حجة، غضب رئيسهم وخروجه من بين أظهرهم مراغما، في ~~رجال من رهطه، مع تركه بيعة أبي بكر رضوان الله عليه، وتشنيعه عليهم ~~بالشام. # وقد قال قيس بن سعد بن عبادة، وهو يذكر خذلان الأنصار لسعد بن عبادة: ~~واستبداد الرهط من قريش عليهم، بالأمر: # وخبرتمونا أنما الأمر فيكم %~% خلاف رسول الله يوم التشاجر # وأن وزارات الخلافة دونكم %~% كما جاءكم ذو العرش دون العشائر # فهلا وزيرا واحدا تجتبونه %~% بغير وداد منكم وأواصر PageV04P293 # سقى الله سعدا يوم ذاك ولا سقى %~% عراجلة هابت صدور المنابر # وقال رجل من الأنصار، ودعاه علي رضوان الله عليه إلى عونه ونصرته، إما ~~يوم الجمل، أو يوم صفين: # ما لي أقاتل عن قوم إذا قدروا %~% عدنا عدوا وكنا قبل أنصارا # ويل لها أمة لو أن قائدها %~% يتلو الكتاب ويخشى النار والعارا # أما قريش فلم نسمع بمثلهم %~% غدرا وأعجب في الإسلام آثارا # إلا تكن عصبة خالوا نبيهم %~% بالعرف عرفا وبالإنكار إنكارا # أبا عمارة والثاوي ببلقعة %~% في يوم مؤتة لا ينفك طيارا # أبا عمارة: حمزة بن عبد المطلب رضوان الله عليه، وقد كان يكنى أبا يعلى، ~~والثاوي في يوم مؤتة: جعفر ms05 بن أبي طالب. # وقال رجل من الأنصار من ولد أبي زيد القارىء، وذكر أمر الأنصار وأمر ~~قريش: PageV04P294 # دعاها إلى استبدادها وحقودها %~% تذكر قتلى في القليب تكبكبوا # هنالك قتلى لا تؤدى دياتهم %~% وليس لباكيها سوى الصبر مذهب # فإن تغضب الأبناء من قبل من مضى %~% فوالله ما جئنا قبيحا فتعتبوا ### || فصل منه # قد حكينا قول من خالفنا في وجوب الإمامة وتعظيم الخلافة، وفسرنا وجوه ~~اختلافهم، واستقصينا جميع حججهم، إذ كان على عذر لما غاب عنه خصمه، وقد ~~تكفل بالإخبار عنه في ترك الحيطة له، والقيام بحجته. كما أنه لا عذر له في ~~التقصير عن إفناد من يخالفه، وكشف خطاء من يضاده عند ما قرأ كتابه، وتفهم ~~حجته. لأن أقل ما يزيل عذره، ويزيح علته، أن يكون قول خصمه قد استهدف ~~لعقله، وأصحر للسانه، وقد مكنه من نفسه، وسلطه PageV04P295 ~~على إظهار عورته. فإذا استراح شغب المنازع، ومداراة المستمع لم يبق إلا ~~أن يقوى على خلافه أو يعجز عنه. # ومن شكر المعرفة بمغاوي الناس ومراشدهم، ومضارهم ومنافعهم: أن يحتمل ثقل ~~مؤنتهم وتعريفهم، وأن يتوخى إرشادهم، وإن جهلوا فضل من يسدي إليهم. # ولن يصان العلم بمثل بذله، ولن تستبقى النعمة فيه بمثل نشره. # وأعلم أن قراءة الكتب أبلغ في إرشادهم من تلاقيهم، إذ كان مع التلاقي ~~يقوى التصنع، ويكثر التظالم، وتفرط النصرة، وتنبعث الحمية. وعند المزاحمة ~~تشتد الغلبة وشهوة المباهاة، والاستحياء من الرجوع، والأنفة من الخضوع. وعن ~~جميع ذلك تحدث الضغائن، ويظهر التباين، وإذا كانت القلوب على هذه الصفة، ~~وبهذه الحالة، امتنعت من المعرفة وعميت عن الدلالة. # وليست في الكتب علة تمنع من درك البغية، وإصابة الحجة؛ لأن المتوحد ~~بقراءتها، والمتفرد بفهم معانيها، لا يباهي نفسه ولا يغالب عقله ولا يعاز ~~خصمه. # والكتاب قد يفضل ويرجح على واضعه بأمور: PageV04P296 # منها: أن الكتاب يقرأ بكل مكان وفي كل زمان، على تفاوت الأعصار، وبعد ما ~~بين الأمصار. وذلك أمر يستحيل في الواضع ولا يطمع فيه من المنازع. وقد يذهب ~~العالم وتبقى كتبه، ويفنى ويبقى أثره. # ولولا ما ms06 رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلقت من عجيب حكمها ودونت من أنواع ~~سيرها حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، وفتحنا بها المستغلق علينا، فجمعنا إلى ~~قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا بهم، لقد خس حظنا في الحكمة، ~~وانقطع سبيلنا إلى المعرفة. # ولو ألجئنا إلى قدر قوتنا ومبلغ خواطرنا، ومنتهى تجاربنا، بما أدركته ~~حواسنا، وشاهدته نفوسنا، لقد قلت المعرفة وقصرت الهمة وضعفت المنة، فاعتقم ~~الرأي ومات الخاطر، وتبلد العقل، واستبد بنا سوء العادة. # وأكثر من كتبهم نفعا، وأحسن مما تكلفوا موقعا، كتب الله تعالى، التي فيها ~~الهدى والرحمة، والإخبار عن كل عبرة، وتعريف كل سيئة وحسنة. PageV04P297 # فينبغي أن يكون سبيلنا فيمن بعدنا سبيل من قبلنا فينا. مع أنا قد وجدنا ~~في العبرة أكثر مما وجدوا، كما أن من بعدنا يجد من العبرة أكثر مما وجدنا. # فما ينتظر الفقيه بفقهه والمحتج لدينه، والذاب عن مذهبه، ومواسي الناس في ~~معرفته، وقد أمكن القول وأطرق السامع، ونجا من التقية، وهبت ريح العلماء. ### || فصل منه # واعلم أن قصد العبد بنعم الله تعالى إلى مخالفته، غير مخرج إنعام الله ~~تعالى عليه، ولا يحول إحسانه إليه إلى غير معناه وحقيقته، ولم يكن إحسان ~~الله في إعطائه الأداة وتبيين الحجة لينقلبا إفسادا وإساءة؛ لأن المعان على ~~الطاعة عصى بالمعونة، وأفسد بالإنعام، وأساء بالإحسان. # وفرق بين المنعم والمنعم عليه؛ لأن المنعم عليه يجب أن يكون شكورا، ولحق ~~النعمة راعيا، والمنعم منفرد بحسن الإنعام، وشريك في جميل الشكر. ولأن ~~المنعم أيضا هو الذي حبب الشكر إلى فاعله، بالذي قدم إليه من إحسانه، وتولى ~~من يساره، ولذلك جعلوا النعمة لقاحا، والشكر ولادا. وإنما مثل إعطاء الآلة ~~والتكليف لفعل PageV04P298 ~~الخير مثل رجل تصدق على فقير ليستر عورته، ويقيم من أود صلبه، وليصرف في ~~منافعه، ولا يكون إنفاق الفقير ذلك الشيء في الفساد والخلاف والفواحش، ~~لينقلب إحسان المتصدق إساءة. وإنما هذا بصواب الرأي الذي لا ينقلب صوابا ~~وإن أنجح صاحبه. # وقد يؤتى الرجل من حزمه ولا يكون مذموما، ويحظى بالإضاعة ولا ms07 يكون ~~محمودا. ### || فصل منه # ولم يكن الله تعالى ليضع العدل ميزانا بين خلقه، وعيارا على عباده، في ~~نظر عقولهم في ظاهر ما فرض عليهم، وييسر خلافه، ويستخفي بضده، ويعلم أن ~~قضاءه فيهم غير الذي فطرهم على استحسانه، وتحبب إليهم به، في ظاهر دينه، ~~والذي استجوب به على الشكر على جميع خلقه. ### || فصل منه # وإن لم يكن العبد على ما وصفنا من الاستطاعة والقدرة، والحال التي هي ~~أدعى إلى المصلحة، ما كان متروكا على طباعه ودواعي شهواته، دون تعديل طبعه ~~وتسوية تركيبه. # ولذلك أسباب نحن ذاكروها، وجاعلوها حجة في إقامة الإمامة، PageV04P299 ~~وأن عليها مدار المصلحة، وأن طبع البشر يمتنع من الإخبار إلا على ما نحن ~~ذاكروه، فنقول: إنا لما رأينا طبائع الناس وشهواتهم، من شأنها التقلب إلى ~~هلكتهم وفساد دينهم، وذهاب دنياهم، وإن كانت العامة أسرع إلى ذلك من ~~الخاصة، فكل لا تنفك طبائعهم من حملهم على ما يرديهم، ما لم يردوا بالقمع ~~الشديد في العاجل، من القصاص العادل، ثم التنكيل في العقوبة على شر ~~الجناية، وإسقاط القدر، وإزالة العدالة، مع الأسماء القبيحة، والألقاب ~~الهجينة، ثم بالإخافة الشديدة والحبس الطويل، والتغريب عن الوطن، ثم الوعيد ~~بنار الأبد، مع فوت الجنة. # وإنما وضع الله تعالى هذه الخصال لتكون لقوة العقل مادة، ولتعديل الطبائع ~~معونة؛ لأن العبد إذا فضلت قوى طبائعه وشهواته على قوى عقله ورأيه، ألفي ~~بصيرا بالرشد غير قادر عليه، فإذا احتوشته المخاوف كانت مواد لزواجر عقله، ~~وأوامر رأيه. فإذا لم يكن في حوادث الطبائع ودواعي الشهوات وحب العاجل فضل ~~على زواجر العقل وأوامره ألفي العبد ممتنعا من الغي قادرا عليه؛ لأن الغضب ~~والحسد والبخل والجبن، والغيرة، وحب الشهوات والنساء، والمكاثرة، PageV04P300 ~~والعجب والخيلاء وأنواع هذه إذا قويت دواعيها لأهلها، واشتدت جواذبها ~~لصاحبها، ثم لم يعلم أن فوقه ناقما عليه، وأن له منتقما لنفسه من نفسه، أو ~~مقتضيا منه لغيره، كان ميله وذهابه مع جواذب الطبيعة ودواعي الشهوة طباعا ~~لا يمتنع منه، وواجبا لا يستطيع غيره. # أو ما رأيته كيف يخرق في ms08 ماله، ويسرع فيما أثلت له رجاله، وشيدت له ~~أوائله، من غير أن يرى للعوض وجها، وللخلف سببا في عاجل دينه، ولا آجل ~~دنياه، حتى يكون والي المسلمين هو الذي يحجر عليه؛ ليكون مضض الحجر وذل ~~الخطر، وغلظة الجفوة. واللقب القبيح، وتسليط الأشكال، مادة للذي معه من ~~معرفته وبقية عقله. ### || فصل منه # وقد يكون الرجل معروفا بالنزق مذكورا بالطيش مستهاما بإظهار الصولة حتى ~~يتحامى كلامه الصديق، ويداريه الجليس، ويترك مجاراته الكريم، للذي يعرفون ~~من شذاته، وبوادر حدته وشدة تسعره والتهابه، وكثرة فلتاته. ثم لا يلبث أن ~~يحضر الوالي الصليب والرجل المنيع، فيلفى ذليلا خاضعا، أو حليما وقورا، أو ~~أديبا رفيقا، أو صبورا محتسبا. PageV04P301 # وقد نجده يجهل على خصمه، ويستطيل على منازعه، ويهم بتناوله والغدر به، ~~فإذا عرف له حماة تكفيه، وجهالا تحميه، وجاها يمنعه، ومالا يصول به، طامن ~~له من شخصه، وألان له من جانبه، وسكن من حركته، وأطفأ نار غضبه. # أو ما علمت أن الخوف يطرد السكر، ويميت الشهوة، ويطفىء الغضب، ويحط ~~الكبر، ويذكر بالعاقبة، ويساعد العقل، ويعاون الرأي، وينبت الحيلة ويبعث ~~على الروية؛ حتى يعتدل به تركيب من كان مغلوبا على عقله، ممنوعا من رأيه، ~~بسكر الشباب وسكر الغناء وإهمال الأمر، وثقة العز، وبأو القدرة. ### || فصل منه # وإنما أطنبت لك في تفسير هذه الأحوال التي عليها الوجود والعبرة، لتعلم ~~أن الناس لو تركوا وشهواتهم، وخلوا وأهواءهم وليس معهم من عقولهم إلا حصة ~~الغريزة ونصيب التركيب، ثم أخلوا من المرشدين والمؤدبين، والمعترضين بين ~~النفوس وأهوائها، وبين الطبائع وغلبتها، من الأنبياء وخلفائها، لم يكن في ~~قوى عقولهم ما يداوون به أدواءهم، ويجبرون به من أهوائهم، ويقوون به ~~لمحاربة طبائعهم، ويعرفون به جميع مصالحهم. PageV04P302 # وأي داء هو أردى من طبيعة تردي، وشهوة تطغي؟ ! ومن كان لا يعد الداء إلا ~~ما كان مؤلما في وقته، ضاربا على صاحبه في سواد ليله وبياض نهاره، فقد جهل ~~معنى الداء. وجاهل الداء جاهل بالدواء. ### || فصل منه # ولكنا نقول: لا يجوز أن يلي أمر المسلمين على ظاهر ms09 الرأي والحزم والحيطة ~~أكثر من واحد، لأن الحكام والسادة إذا تقاربت أقدارهم وتساوت عنايتهم قويت ~~دواعيهم إلى طلب الاستعلاء، واشتدت منافستهم في الغلبة. # وهكذا جرب الناس من أنفسهم في جيرانهم الأدنين في الأصهار وبني الأعمام، ~~والمتقاربين في الصناعات، كالكلام، والنجوم، والطب والفتيا، والشعر، والنحو ~~والعروض، والتجارة، والصباغة، والفلاحة أنهم إذا تدانوا في الأقدار، ~~وتقاربوا في الطبقات، قويت دواعيهم إلى طلب الغلبة، واشتدت جوانبهم في حب ~~المباينة، والاستيلاء على الرياسة. # ومتى كانت الدواعي أقوى كانت النفس إلى الفساد أميل، والعزم أضعف، وموضع ~~الروية أشغل، والشيطان فيهم أطمع؛ وكان الخوف عليهم أشد، وكانوا بموافقة ~~المفسد أحرى، وإليه أقرب. # وإذا كان ذلك كذلك فأصلح الأمور للحكام والقادة، إذا كانت النفوس ~~ودواعيها ومجرى أفعالها على ما وصفنا، أن ترفع عنهم أسباب التحاسد ~~والتغالب، والمباهاة والمنافسة. PageV04P303 # وإن ذلك أدعى إلى صلاح ذات البين، وأمن البيضة، وحفظ الأطراف. # وإذا كان الله تبارك وتعالى، قد كلف الناس النظر لأنفسهم، واستيفاء ~~النعمة عليهم، وترك الخطار بالهلكة والتغرير بالأمة، وليس عليهم مما يمكنهم ~~أكثر من الحيطة والتباعد من التغرير. ولا حال أدعى إلى ذلك أكثر مما وصفنا، ~~لأنه أشبه الوجوه بتمام المصلحة، والتمتع بالأمن والنعمة. ### || فصل منه # فلما كان ذلك كذلك علمنا أنه إذا كان القائم بأمور المسلمين بائن الأمر، ~~متفردا بالغاية من الفضل، كانت دواعي الناس إلى مسابقته ومجاراته أقل. # ولم يكن الله ليطبع الدنيا وأهلها على هذه الطبيعة، ويركبها وأهلها هذا ~~التركيب، حتى تكون إقامة الواحد من الناس أصلح لهم، إلا وذلك الواحد موجود ~~عند إرادتهم له، وقصدهم إليه؛ لأن الله لا يلزم الناس في ظاهر الرأي ~~والحيطة إقامة المعدوم، وتشييد المجهول؛ لأن على الناس التسليم، وعلى الله ~~تعالى قصد السبيل. PageV04P304 # وهل رأيتم ملكين أو سيدين في جاهلية أو إسلام، من العرب جميعا أو من ~~العجم، لا يتحيف أحدهما من سلطان صاحبه ولا ينهك أطرافه، ولا يساجله ~~الحروب؛ إذ كل واحد منهما يطمع في حد صاحبه وطرفه، لتقارب الحال، واستواء ~~القري. كما جاءت الأخبار عن ملوك الطوائف ms10 كيف كانت الحروب راكدة وأمرهم ~~مريج، والناس نهب، ليس ثغر إلا معطل، ولا طرف إلا منكشف، والناس فيما بينهم ~~مشغولون بأنفسهم، ملوكهم من عز بز، مع إنفاق المال، وشغل البال، وشدة ~~الخطار بالجميع، والتغرير بالكل. ### || فصل منه # وإن قالوا: فما صفة أفضلهم؟ # قلنا: أن يكون أقوى طبائعه عقله، ثم يصل قوة ~~عقله بشدة الفحص وكثرة السماع، ثم يصل شدة فحصه وكثرة سماعه بحسن العادة. ~~فإذا جمع إلى قوة عقله علما، وإلى علمه حزما، وإلى حزمه عزما، فذلك الذي لا ~~بعده. # وقد يكون الرجل دونه في أمور وهو يستحق مرتبة الإمامة، ومنزلة الخلافة، ~~غير أنه على حال لا بد من أن يكون أفضل أهل دهره. لأن من التعظيم لمقام ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا يقام فيه إلا أشبه PageV04P305 ~~الناس به في كل عصر. ومن الاستهانة به أن يقام فيه من لا يشبهه وليس في ~~طريقته. # وإنما يشبه الإمام الرسول بأن يكون لا أحد آخذ بسيرته منه. فأما أن ~~يقاربه أو يدانيه فهذا ما لا يجوز، ولا يسع تمنيه، والدعاء به. ### || فصل منه # وإذا كان قول المهاجرين والأنصار والذين جرى بينهم التنافس والمشاحة على ~~ما وصفنا في يوم السقيفة، ثم صنيع أبي بكر وقوله لطلحة في عمر؛ وصنيع عمر ~~في وضع الشورى وتوعدهم له بالقتل إن هم لم يقيموا رجلا قبل انقضاء المدة، ~~ونجوم الفتنة؛ ثم صنيع عثمان وقوله وصبره حتى قتل دونهما ولم يخلعها؛ ~~وأقوال طلحة والزبير وعائشة وعلي رحمة الله عليهم وعليها، ليست بحجة على ما ~~قلنا فليست في الأرض دلالة ولا حجة قاطعة. # وفي هذا الباب الذي وصفنا، ونزلنا من حالاتهم وبينا، دليل على أنهم كانوا ~~يرون أن إقامة الإمام فريضة واجبة، وأن الشركة عنها منفية، وأن الإمامة ~~تجمع صلاح الدين وإيثار خير الآخرة والأولى. PageV04P306 ### || فصل منه # وأي مذهب هو أشنع، وأي قول هو أفحش، من قول من قال: لا بد للشاهد من أن ~~يكون طاهرا عدلا مأمونا، ولا بأس أن يكون القاضي جائرا، نطفا فاجرا، ms11 وهذا ~~لا يشبه حكم الحكيم، وصفة الحليم، ونظر المرشد، وترتيب العالم. PageV04P307 ms12