######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الرسالة الثالثة كتاب كتمان السر وحفظ اللسان PageV01P135 # بسم الله الرحمن الرحيم # أما بعد فإني قد تصفحت أخلاقك، وتدبرت أعراقك، وتأملت شيمك، ووزنتك فعرفت ~~مقدارك، وقومتك فعلمت قيمتك، فوجدتك قد ناهزت الكمال، وأوفيت على التمام، ~~وتوقلت في درج الفضائل، وكدت تكون منقطع القرين، وقاربت أن تلفى عديم ~~النظير، لا يطمع فاضل أن يفوتك، ولا يأنف شريف أن يقصر دونك، ولا يخشع عالم ~~أن يأخذ عنك. # ووجدتك في خلال ذلك على سبيل تضييع وإهمال لأمرين هما القطب الذي عليه ~~مدار الفضائل، فكنت أحق بالعذل، وأقمن بالتأنيب ممن لم يسبق شأوك، ولم ~~يتسنم رتبتك؛ لأنه ليس ملوما على تضييع القليل من قد أضاع الكثير، ولا يسام ~~إصلاح يومه وتقويم ساعته من قد استحوذ الفساد على دهره، ولا يحاسب على ~~الزلة الواحدة من لا يعدم منه الزلل والعثار، ولا ينكر المنكر على من ليس ~~من أهل المعروف؛ لأن المنكر إذا كثر صار معروفا، وإذا صار معروفا صار ~~المنكر المعروف منكرا. # وكيف يعجب ممن أمره كله عجب، وإنما الإنكار والتعجب ممن خرج عن مجرى ~~العادة، وفارق السنة والسجية، كما قال الأول: " خالف تذكر ". PageV01P139 ~~وقيل: " الكامل من عدت سقطاته "، وقيل: " من استوى يوماه فهو مغبون، ومن ~~كان يومه خيرا من غده فهو مفتون، ومن كان غده خيرا من يومه فذلك السعيد ~~المغبوط ". وفي هذا المعنى قال الشاعر: # رأيتك أمس خير بني معد %~% وأنت اليوم خير منك أمس # وأنت غدا تزيد الضعف خيرا %~% كذاك تزيد سادة عبد شمس # وقال آخر في معن: # أنت امرؤ همك المعالي %~% ودلو معروفك الربيع # وأنت من وائل صميم %~% كالقلب تحنى له الضلوع # في كل عام تزيد خيرا %~% يشيعه عنك من يشيع # والأمران اللذان نقمتهما عليك: وضع القول في غير موضعه، وإضاعة السر ~~بإذاعته. # وليس الخطر فيما أسومك وأحاول حملك عليه بسهل ولا يسير. وكيف وأنا لا ~~أعرف في دهري - على كثير عدد أهله - رجلا واحدا ممن ينتحل الخاصة، وينسب ~~إلى العلية، ويطلب الرياسة ويخطب السيادة، ويتحلى PageV01P140 ~~بالأدب ويديم الثخانة والزماتة، والحلم والفخامة، ms01 أرضى ضبطه للسانه، ~~وأحمد حياطته لسره. وذلك أنه لا شيء أصعب من مكابدة الطبائع، ومغالبة ~~الأهواء؛ فإن الدولة لم تزل للهوى على الرأي طول الدهر. والهوى هو الداعية ~~إلى إذاعة السر، وإطلاق اللسان بفضل القول. # وإنما سمي العقل عقلا وحجرا، قال تعالى - " هل في ذلك قسم لذي حجر " - ~~لأنه يزم اللسان ويخطمه، ويشكله ويربثه، ويقيد الفضل ويعقله عن أن يمضي ~~فرطا في سبيل الجهل والخطأ والمضرة، كما يعقل البعير، ويحجر على اليتيم. # وإنما اللسان ترجمان القلب، والقلب خزانة مستحفظة للخواطر والأسرار، وكل ~~ما يعيه من ذلك عن الحواس من خير وشر، وما تولده الشهوات والأهواء، وتنتجه ~~الحكمة والعلم. # ومن شأن الصدر - على أنه ليس وعاء للأجرام، وإنما يعي بقدرة من الله لا ~~يعرف العباد كيف هي - أن يضيق بما فيه، ويستثقل ما حمل PageV01P141 ~~منه، فيستريح إلى نبذه، ويلذ إلقاءه على اللسان. ثم لا يكاد أن يشفيه أن ~~يخاطب به نفسه في خلواته حتى يفضي به إلى غيره ممن لا يرعاه ولا يحوطه. كل ~~ذلك ما دام الهوى مستوليا على اللسان، واستعمل فضول النظر فدعت إلى فضول ~~القول. # فإذا قهر الرأي الهوى فاستولى على اللسان، منعه من تلك العادة، ورده عن ~~تلك الدربة، وجشمه مؤونة الصبر على ستر الحلم والحكمة. # ولا شيء أعجب من أن المنطق أحد مواهب الله العظام، ونعمه الجسام، وأن ~~صاحبها مسؤول عنها، ومحاسب على ما خول منها، أوجب الله عليه استعمالها في ~~ذكره وطاعته، والقيام بقسطه وحجته، ووضعها مواضع النفع في الدين والدنيا، ~~والإنفاق منها بالمعروف لفظة ولفظة، وصرفها عن أضدادها. # فلم يرض الإنسان أن عطلها عما خلقت له مما ينفعه حتى استعملها في ضد ذلك ~~مما يضره، فاجتمع عليه الإثمان اللذان اجتمعا على صاحب المال الذي كنزه ~~ومنعه من حقه، فوجب عليه إثم المنع وإن كان لم يصرفه في معصية، ثم صرفه في ~~أبواب الباطل والفسق فوجب عليه إثم الإنفاق فيها. وهذه غاية الغبن ~~والخسران. نعوذ بالله منها. # فاللسان أداة مستعملة، لا حمد له ولا ذم ms02 عليه، وإنما الحمد للحلم واللوم ~~على الجهل. فالحلم هو الاسم الجامع لكل فضل، وهو سلطان العقل القامع للهوى. ~~فليس قمع الغضب وتسكين قوة الشرة، وإسقاط طائر الخرق بأحق بهذا الاسم، ولا ~~أولى بهذا الرسم، من قمع فرط الرضا وغلبة الشهوات، PageV01P142 ~~والمنع من سوء الفرح والبطر، ومن سوء الجزع والهلع، وسرعة الحمد والذم، ~~وسوء الطبع والجشع، وسوء مناهزة الفرصة، وفرط الحرص على الطلبة، وشدة ~~الحنين والرقة، وكثرة الشكوى والأسف، وقرب وقت الرضا من وقت السخط، ووقت ~~السخط من وقت الرضا؛ ومن اتفاق حركات اللسان والبدن على غير وزن معلوم ولا ~~تقدير موصوف، وفي غير نفع ولا جدى. # واعلم يقينأ أن الصمت سرمدا أبدا، أسهل مرارا - على ما فيه من المشقة - ~~من إطلاق اللسان بالقول على جهة التحصيل والتمييز، والقصد للصواب، لما ~~قدمنا ذكره من علة مجاذبة الطباع؛ ولأن من طبع الإنسان محبة الإخبار ~~والاستخبار. وبهذه الجبلة التي جبل عليها الناس نقلت الأخبار عن الماضين ~~إلى الباقين، عن الغائب إلى الشاهد، وأحب الناس أن ينقل عنهم، ونقشوا ~~خواطرهم في الصخور، واحتالوا لنشر كلامهم بصنوف الحيل. وبذلك ثبتت حجة الله ~~على من لم يشاهد مخارج الأنبياء، ولم يحضر آيات الرسل، وقام مجيء الأخبار ~~عن غير تشاعر ولا تواطؤ مقام العيان؛ وعرفت البلدان والأقطار والأمم ~~والتجارات والتدبيرات والعلامات؛ PageV01P143 ~~وصار ما ينقله الناس بعضهم عن بعض ذريعة إلى قبول الإخبار عن الرسل، ~~وسلما إلى التصديق، وعونا على الرضا بالتقليد. # ولولا حلاوة الإخبار والاستخبار عند الناس لما انتقلت الأخبار وحلت هذا ~~المحل. ولكن الله عز وجل حببها إليهم لهذا السبب، كما جعل عشق النساء داعية ~~للجماع، ولذة الجماع سبيلا للنسل، والرقة على الولد عونا على التربية ~~والحضانة - وبهما كان النشو والنماء - وحب الطعام والشراب سببا للغذاء، ~~والغذاء سببا للبقاء وعمارة الدنيا. # فعسر على الإنسان الكتمان لإيثار هذه الشهوة، والانقياد لهذه الطبيعة؛ ~~وكانت مزاولة الجبال الراسيات عن قواعدها أسهل من مجاذبة الطباع. فاعتراه ~~الكرب لكتمان السر، وغشيه لذلك سقم وكمد يحس به في سويداء قلبه بمثل دبيب ms03 ~~النمل، وحكة الجرب، ومثل لسع الدبر ووخز الأشافي، على قدر اختلاف مقادير ~~الحلوم والرزانة والخفة. فإذا باح بسره فكأنه أنشط من عقال. ولذلك قيل: " ~~الصدر إذا نفث برأ " مثلا مضروبا لهذه الحال. وقيل: # " ولا بد من شكوى إذا لم يكن صبر ". PageV01P144 # وليس قولنا " طبع الإنسان على حب الإخبار والاستخبار " حجة له على الله، ~~لأنه طبع على حب النساء ومنع الزنى، وحبب إليه الطعام ومنع من الحرام. ~~وكذلك حبب إليه أن يخبر بالحق النافع ويستخبر عنه، وجعلت فيه استطاعة هذا ~~وذاك، فاختار الهوى على الرأي. # ومما يؤكد هذا المعنى في كرب الكتمان وصعوبته على العقلاء فضلا عن غيرهم، ~~ما رووه عن بعض فقهائهم أنه كان يحمل أخبارا مستورة لا يحتملها العوام، ~~فضاق صدره بها، فكان يبرز إلى العراء فيحتفر بها حفيرة يودعها دنا، ثم ينكب ~~على ذلك الدن فيحدثه بما سمع، فيروح عن قلبه، ويرى أن قد نقل سره من وعاء ~~إلى وعاء. # وكان الأعمش سيئ الخلق غلقا، وكان أصحاب الحديث يضجرونه ويسومونه نشر ما ~~يحب طيه عنهم، وتكرار ما يحدثهم به، ويتعنتونه، فيحلف لا يحدثهم الشهر ~~والأكثر والأقل، فإذا فعل ذلك ضاق صدره بما فيه، وتطلعت الأخبار إلى الخروج ~~منه، فيقبل على شاة كانت له فيحدثها بالأخبار والفقه، حتى كان بعض أصحاب ~~الحديث يقول: " ليت أني كنت شاة الأعمش ". PageV01P145 # وشكا هشام بن عبد الملك ما يجد من فقد الأنيس المأمون على سره فقال: أكلت ~~الحامض والحلو حتى ما أجد لهما طعما، وأتيت النساء حتى ما أبالي أمرأة لقيت ~~أم حائطا، فما بقيت لي لذة إلا وجود أخ أضع بيني وبينه مؤونة التحفظ. # وقال معاوية لعمرو بن العاص: ما اللذة؟ قال: تأمر شباب قريش أن يخرجوا ~~عنا. ففعل، فقال: اللذة طرح المروءة. # وقد صدق عمرو، ما تكون الزماتة والوقار إلا بحمل على النفس شديد، ورياضة ~~متعبة. # وقال بعض الشعراء: # ألم تر أن وشاة الرجا %~% ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تفش سرك إلا إليك %~% فإن لكل نصيح نصيحا # والسر - أبقاك الله ms04 - إذا تجاوز صدر صاحبه وأفلت من لسانه إلى أذن واحدة ~~فليس حينئذ بسر، بل ذاك أولى بالإذاعة، ومفتاح النشر والشهرة. وإنما بينه ~~وبين أن يشيع ويستطير أن يدفع إلى أذن ثانية. وهو مع قلة المأمونين عليه، ~~وكرب الكتمان، حري بالانتقال إليها في طرفة عين. PageV01P146 # وصدر صاحب الأذن الثانية أضيق، وهو إلى إفشائه أسرع، وبه أسخى وفي الحديث ~~به أعذر، والحجة عنه أدحض. # ثم هكذا منزلة الثالث من الثاني، والرابع من الثالث أبدا إلى حيث انتهى. # هذا أيضا إذا استعهد المحدث واستكتم، وكان عاقلا حليما، وناصحا وإذا، ~~فكيف إذا أخبر ولم يؤمر بالكتمان، وكان ممن يمشي بالنمائم ويحب إفشاء ~~المعايب، وكان ممن ينطوي على غش أو شحناء، أو كان له في إظهاره اجتلاب نفع ~~أو دفع ضرر. # فاللوم إذ ذاك على صاحب السر أوجب، وعمن أفضى به إليه أنزل؛ لأنه كان ~~مالكا لسره فأطلق عقاله، وفتح أقفاله، وسرحه فأفلت من قيده ووثاقه، وصار هو ~~العبد القن المملوك لمن ائتمنه على سره، وملكه رق رقبته؛ فإن شاء أحسن ~~ملكته لحفظ ذلك السر فجز ناصيته، وجعله رهينة ليوم عتبه عليه. وقل من يحسن ~~الملكة، ويحرس الحرية أو يضبط نفسه؛ فإنه ربما لم يخرجه غشا فأخرجه سخفا ~~وضعفا. وإن أساء الملكة وختر الأمانة فأطلق السر واسترعاه من هو أشد له ~~إضاعة، فسفك الدم وأنال النعم وكشف العورة وفرق بين الجميع، وإن كان المضيع ~~لسره ألوم. قال الشاعر: PageV01P147 # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه %~% فصدر الذي يستودع السر أضيق # فمن أسوء حال، وأخسر مكانا، وأبعد من الحزم، ممن كان حرا مالكا لنفسه ~~فصير نفسه عبدا مملوكا لغيره، مختارا للرق، من غير أسر ولا قسر! والعبيد لم ~~يصبروا على الرق إلا بذل الأسر والسباء. # ومن كان سره مصونأ في قلبه يطلب إليه في الحديث به فأخرجه عن يده، صار هو ~~الطالب الراغب إلى من لا يوجب له طاعة، ولا يفكر له في عاقبة، ولا يتحرز له ~~من مصيبة. وكلما كانت إذاعته لأسراره أكثر كان عدد ms05 مواليه أكثر، وشقاؤه ~~بخدمتهم أدوم. فإذا كان أصل السر معلوما عند عدة أو أقل من العدة، فما أعسر ~~استتاره. غير أنه لا لوم على صاحب الخيانة فيه إذا كان ليس هو الذي أفشاه، ~~ولا من قبله علم. # ولو أن أوزن الناس حلما ملك لسانه وحصن سره وقلل لفظه، ما قدر على أن ~~يملك لحظ عينيه، وسحنة وجهه، وتغير لونه، وتبسمه أو قطوبه، عند ما يجري ~~بلبه من ذكر ذلك السر، أو يخطر بباله منه، فيبدو في وجهه PageV01P148 ~~ومخالبه إذا عرض بذكره، أو سنح له نظير أو مثيل، أو حضر من له فيه سبب ~~إلا بعد التصنع الشديد، والتحفظ المفرط. # فإذا كان يعرف من هذه الجهات وماأشبهها، ويطلع عليها بتظنن المرجمين، ~~والمتعقبين للأفعال والأقوال، والنظر في مصادر التدبير ومخايل الأمور، ~~فيفشو من هذه الجهات أكثر مما تفشيه ألسن المذاييع البذر. فكيف إذا أطلق به ~~اللسان، وعود إذاعته القلب، والعادة أملك بالأدب. # وربما أدركه الحدس، وقيضه الظن، فنالت صاحبه فيه خدعة، بأن يذكر له طرف ~~منه، ويوهم أنه قد فشا وشاع، فيصدق الظن فيجعله يقينا، ويفسر الجملة ~~فيصيرها تفصيلا، فيهلك نفسه ويوبقها. # ورب كلام قد ملأ بطون الطوامير قد عرف جملته وما فيه الضرر PageV01P149 ~~منه، بسحاءة أو طابع، أو لحظة مطلع في الكتاب، أو حرف تبين من ظهره. # فاستيقظ عند هذه الأحوال، واستعمل سوء الظن بجميع الأنام؛ فإنه روي عن ~~النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " الحزم سوء الظن ". وقيل لثقيف: بم ~~بلغتم من الشرف والسؤدد؟ قالوا: بسوء الظن. # فلا تعتمد على رجل في سرك تحمد عقله دون أن تحمد وده ونصحه؛ فإن الأمر في ~~ذلك كما قال الشاعر: # وما كل ذي لب بمؤتيك نصحه %~% ولا كل مؤت نصحه بلبيب # ولقد استحسن الناس من بعض رجال العراق أنه دخل على عبد الملك بن مروان ~~فأوقع بالحجاج عنده وسبه، فلما خرج من عنده خبر بما كان منه لبعض أصحابه، ~~فلامه وأنبه وقال: ما يؤمنك أن يخبر أمير المؤمنين عبد الملك الحجاج بما ms06 ~~قلت فيه - ومرجعك إلى العراق - فيضغنه عليك؟ قال: كلا، والله إني ما رطلت ~~يدي قط أحدا أرزن منه. # هذا والله - أبقاك الله - الغلط البين، والعذر الملفق، وتحسين فارط PageV01P150 ~~الخطأ؛ لأنه ليس كل راجح وعاقل بناصح لصاحب السر، ولو كان أخوه كذلك كان ~~أمره إليه أهم، وشأنه أولى. والأعلى من الناس لا يكلف الأدنى هذه المؤونة، ~~وإنما يفعلها الأدنون بالأعلين رغبة ورهبا، وتحسنا عندهم بحاجتهم إليهم. # وأكثر ما يذيع أسرار الناس أهلوهم وعبيدهم، وحاشيتهم وصبيانهم، ومن لهم ~~عليهم اليد والسلطان. فالسر الذي يودعه خليفة في عامل له يلحقه زينه وشينه، ~~أخرى ألا يكتمه. وهذا سبيل كل سر يستودعه الجلة والعظماء، ومن لا تبلغه ~~العقوبة ولا تلحقه اللائمة. # وقال سليمان بن داود في حكمته: ليكن أصدقاؤك كثيرا، وصاحب سرك واحدا من ~~ألف. # وليس معنى الحديث أن تعد ممن تعرف ألفا وتقضي إلى واحد بسرك إن لم يكن ~~ذلك الواحد موضعا للأمانة في السر. لكنه قيل: رجل يساوي ألف رجل، ورجل لا ~~يساوي رجلا. وكقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: " الناس كإبل مائة لا ~~يوجد فيها راحلة ". # فكل ذلك يراد به أن الفضل قليل والنقص قليل لا على نسب ما يتلقاه ~~الاجتماع من هذه الأعداد؛ لأنا قد نجد الرجل يوزن بالأمة، ونجد الأمة لا ~~تساوي قلامة ظفر الرجل. PageV01P151 # فإذا كان من تقع عليه الشريطة معدوما - سيما من يوثق بحلمه وعقله، ~~وأمانته ونصحه، ومن لا ضرر عليه ولا نفع له في السر الذي يضمر ولا يحرم ~~عليه كتمانه، ومن قد وأى على نفسه بالسر والحفظ؛ فإنه ليس كل من ضمن فلم ~~يضمن ضامنا، ولا من استودع فلم يقبل مستحفظا، ولا من استخلف فلم يخلف ~~خائنا، وإنما يلحقه الحمد والذم؛ والأجر والإثم إذا ضمن الأمانة ثم خترها - ~~فكأن القوم قالوا: لا تودعن سرك أحدا. وإلا فمتى تجد رجلا فيه الصفة التي ~~وصف بها مسكين الدارمى نفسه حيث يقول: # إني امرؤ مني الحياء الذي ترى %~% أنوء بأخلاق قليل خداعها # أواخى رجالا لست أطلع بعضهم %~% على ms07 سر بعض غير أني جماعها # يظلون شتى في البلاد وسرهم %~% إلى صخرة أعيا الرجال انصداعها # وقيل لرجل: كيف كتمانك للسر؟ قال: أجعل قلبي له قبرا أدفنه فيه إلى يوم ~~النشور. PageV01P152 ~~وقال الآخر: # وأكتم السر فيه ضربة العنق. # وهذه صفات موجودة بالأقوال، معدومة بالأفعال. والمغرور من اغتر بما يعده ~~الواعد منها دون أن يبلو الخبر. # والذي جربناه ووجدناه: أن من يفضى إليه بالشيء، يبلغ من إذاعته ونشره ما ~~لا يبلغه الرسول المستحفظ المعني بتبليغ الرسالة، المحمود المجازى على ~~أدائها؛ حتى ربما كان يبلغ في الإذاعة لمن أرادها أن يقصد للبلاغة من ~~الرجال، المعروف بالنميمة والتقتيت، فيوهمه أنه قد استحفظه السر، فيشيع على ~~لسانه كما يشيع الضوء في الظلمة. # وهذا فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه حين أحب أن يشيع إسلامه فقال: من ~~أنم أهل مكة؟ قيل له: جميل بن النحيت. فأتاه فأخبره بإسلامه وسأله أن يكتمه ~~عليه، فلم يمس وبمكة أحد لم يعلم بإسلام عمر، رضي الله عنه. PageV01P153 # ثم يكون من أكثر الأعوان على إظهار السر الاستعهاد له، والتحذير من نشره؛ ~~فإن النهي أغرى؛ لأنه تكليف مشقة، والصبر على التكليف شديد، وهو حظر، ~~والنفس طيارة متقلبة، تعشق الإباحة وتغرم بالإطلاق. # ولعل رجلا لو قيل له: لا تمسح يدك بهذا الجدار - وهو لم يمسحها به قط - ~~غرى بأن يفعل. # وكذلك ما حدث به من السر فلم يؤمر بستره، لعله ألا يخطر بباله؛ لأنه ~~موجود في طبائع الناس الولوع بكل ممنوع، والضجر بكل محصول. # فنريد أن نعلم: لم صار الإنسان على ما منع - وإن كان لا ينفعه - أحرص منه ~~على ما أبيح من غير علة ولا سبب إلا امتهان ما كثر عليه، واستطراف ما قل ~~عنده؟ ولم أقبل على من ولى عنه وولى عمن أقبل عليه؟ ولم. قالوا: إذا جدت ~~المسألة جد المنع؟ وقال الشاعر: # الحر يلحى والعصا للعبد %~% وليس للملحف مثل الرد # ولم صار يتمنى الشيء وينذر فيه النذور، ويتقطع إليه شوقا، فإذا ظفر به صد ~~عنه وأخلق عنه؟ ولم زهد ms08 الملوك فيما في أيديهم ورغبوا فيما في أيدي الناس؟ # فنقول: إن الله تبارك وتعالى جعل لكل نفس مبلغا من الوسع لا يمكنها ~~تجاوزه، ولا تتسع لأكثر منه. فكان معها فيما دون الوسع الفقر PageV01P154 ~~وخوف الإخوان، وفيما تجاوزه عز الغنى وأمن العدم. وبهذا وبمثله من ومن ~~البخل والحرص استخفت من احتاج إليها، وأعظمت من استغنى عنها. وجعلها تواقة ~~مشتاقة، متطرفة ملالة، كثيرة النزاع والتقلب، تستحكم عليها الفتنة، ويبلى ~~خيرها من شرها وصبرها من جزعها. ولولا هذه الخلال سقطت المحن، فهي تعظم ~~القليل بالضرورة إليه إن كان من أقواتها، أو لشدة النزاع والشوق إن كان من ~~طرف شهواتها؛ فإن صنوف الشهوات كثيرة، ولكل صنف منها أهل لا يحلفون بما ~~سواه. وتتعجب من الغريب النادر، ويضحكها البديع الطارئ. إلا أنه إذا كثر ~~الغريب صار قريبا، وإذا تجاوز المطلوب مقدار وسعها وحاجاتها فصار ظهريا ~~وفضلا استخفت به وقل في أعينها كثيره. وأعظم الأشياء عندها قدرا ما اشتد ~~إليه الفقر والحاجة وإن قل قدره، وأهونها عليها ما استغنى عنه وإن عظم ~~خطره. وجعل لما تتوق إليه وتشتاقه مكانا من قواها، له. فإذا امتلأ ذلك ~~المكان سرورا، وقضى ذلك الأرب وطرا مما كان طمح إليه، وروى مما كان ظامئا ~~إليه، انصرف عنه وقلاه، وحال عشقه بغضا، وشوقه ملالا. # والعلة في ذلك أن الدنيا دار زوال وملال، ليس في كيانها أن تثبت PageV01P155 ~~هي ولا شيء مما فيها على حال واحدة، وإنما الثبوت الدائم لدار القرار. ~~فالسآمة تلحقها في محبوبها، كما يصيب المنتهي من الطعام والشراب والباه، ~~فإنه ليس شيء أبغض إلى من يتناهى فيه إلى غايته، من النظر إلى ناحيته، فضلا ~~عن ملابسته، إلى وقت عودة السبب الأول. # فإذا كانت الطبائع تتشابه، ولكل حاسة قوة، فإذا امتلأت تلك القوة من ~~محسوسها لم تجد لها وراءه طعما ولا ريحا، وعاد عليها الضرر. فبعض النظر ~~يعمى، والصوت الشديد يصم، والرائحة المنتنة تبطل المشم، والأطعمة الحارة ~~المحرقة تبطل حاسة اللسان. # وتتطرف كل واحدة منها؛ فبين الطيب عند من بعد عهده ms09 به، والجماع والسماع، ~~وبين من هو مغموس فيه بون بعيد جدا، في الحلاوة وحسن الموقع. كل ذلك ما لم ~~يأت المال والعلم؛ فإنه كلما كثر كان أشهى وأعجب؛ لأن قصد الناس له ليس ~~لطلب مقدار الحاجة وسد الخلية كما يريده أهل القناعة والزهادة، وإنما يراد ~~لقمع الحرص، والحرص لا حد له ولا نهاية؛ لأنه سعى لا لحاجة، وإيضاع لا ~~لبغية. # وهكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " لو أن لابن آدم واديين من ذهب ~~لابتغى إليهما ثالثا. ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ". # وقال بعض الحكماء: # من كان لا يغنى بما يغنيه %~% فكل ما في الأرض لا يغنيه ~~ PageV01P156 # قال الله عز وجل: " وتحبون المال حبا جما ". وقال: " وإنه لحب الخير ~~لشديد ". وقال الشاعر: # والناس إن شبعت بطونهم %~% فعيونهم في ذاك لا تشبع # فأما الحديث الذي جاء: " لا يشبع أربع من أربعة: أرض من مطر، وعين من ~~نظر، وأنثى من ذكر، وعالم من علم ". فإن العين لا تشبع في الجملة كما لا ~~يشبع الخيشوم من الاستنشاق. فأما من صنف مما يراه دون صنف، فإنه يشبع ~~ويروى، ويصدف إلى غيره. # وأما العلم فإنه أوسع من أن يحاط به، فمن طلبه لشرفه وفخره فإنه لا حد له ~~ولا نهاية، ولم يزدد له طلنا إلا ازداد فيه رغبة. ومن طلب منه مقدار كفايته ~~وحاجته كفاه منه اليسير. على أنه لا يملك من كثر علمه أن يرى فيه الغنى ~~والكبرياء أيضا. وقد يمل كما يمل كل شيء. وتمل العين أيضا منه ومن المال. # وقيل: اثنان منهومان: طالب علم وطالب دنيا. وهذه القضية تدل على الخروج ~~عن العقل؛ لأن النهم تجاوز القدر. PageV01P157 # وأما الحرص على الممنوع الذي لا ينتفع به، والعجب مما يتعجب من مثله، ~~فليس من أخلاق العقلاء. وما لم يكن في أخلاقهم فلا نظر فيه ولا قياس عليه، ~~وإنما ذلك فعل من استوحش من الحجة، وشرد عن علم العلل والأسباب. # وإفشاء السر إنما يوكل بالخبر الرائع، والخطب الجليل، والدفين المغمور، ~~والأشنع الأبلق، ms10 مثل سر الأديان لغلبة الهوى عليها، وتضاغن أهلها بالاختلاف ~~والتضاد، والولاية والعداوة. ومثل سر الملوك في كيد أعدائهم ومكنون شهواتهم ~~ومستور تدبيراتهم، ثم من يليهم من العظماء والجلة؛ لنفاسة العوام على ~~الملوك، وأنهم سماء مظلة عليهم، أعينهم إليها سامية، وقلوبهم بها معلقة، ~~ورغباتهم ورهباتهم إليها مصروفة. ثم عداوات الإخوان؛ فإنما صارت العداوة ~~بعد المودة أشد لاطلاع الصديق على سر صديقه، وإحصائه معايبه، وربما كان في ~~حال الصداقة يجمع عليه السقطات ويحصي العيوب، ويحتفظ بالرقاع؛ إرصادا ليوم ~~النبوة، وإعادا لحال الصريمة. # وقد شكا بعض الملوك تنقيب العوام عن أسرار الملوك فقال: # ما يريد الناس منا %~% ما ينام الناس عنا PageV01P158 # لو سكنا باطن الأر %~% ض لكانوا حيث كنا # إنما همهم أن %~% ينشروا ما قد دفنا # ولم نرى حب الطعن على الملوك، والتجسس على أخبارهم، وعشق نشر المعايب، ~~واستحلال الغيبة، ظاهرا في طباع الناس لا يكاد ينجو منه أحد منهم إلا من ~~رجح حلمه وعظمت مروءته، وظهر سودده، واشتد ورعه، حتى قال بعضهم: " الغيبة ~~فاكهة النساك ". # ورووا عن بعضهم أنه قال: " الفاسق لا غيبة له ". # وقال آخر: " أترعون من ذكر الفاسق؟ اذكروه يعرفه الناس ". # ولم نر الله جل ثناؤه رخص في اغتياب مؤمن، بل ضرب المثل فيالغيبةبأكره ما ~~تكرهه النفوس، وما تختار منه الموت على الحياة، فقال: " ولا تجسسوا ولا ~~يغتب بعضكم بعضا أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتا فكرهتموه ". # واغتياب الناس جميعا خطة جور في الحكم، وسقوط في الهمة، وسخافة في الرأي، ~~ودناءة في القيمة، وكلفة عريضة، وحسد ونفاسة، قد PageV01P159 ~~استحوذت على هذا العالم وغلبت على طبائعهم، وتوكدت لسوء العادة عندهم، ~~ولعلو الشر على الخير، وكثرة الدغل والنغل والحسد في القلوب. فلست ترى منها ~~ناجيا. إما ناظر بعين عدل وإنصاف، فهو يرى ما ينكر فيبدو في وجهه ولسانه. ~~وإما ناظر بعين البغضاء والعداوة فهو كثيرا ما يجد من العيوب في عدوه ما ~~يعينه على التخرص عليه فيقويها ويزيد فيها. وإن عدم الحق تقول وقبح الحسن، ~~وزاد في قبح القبيح. # والحديث كله ms11 - إلا ما بال به - ذكر الناس، ولغو وخطل، وهجر وهذاع، وغيبة ~~وهمز ولمز. # وقال بعض الحكماء لابنه: يا بنى، إنما الإنسان حديث، فإن استطعت أن تكون ~~حديثا حسنا فافعل. # وكل سر في الأرض إنما هو خبر عن إنسان، أو طى عن إنسان، فله في الغيبة ~~أكثر الحظ، وجلها كلفة لا ضرورة، يرى صاحبها أنه قد أهمل محاسبة نفسه، وغفر ~~ذنوبها وألغى عيوبها، وقصد قصد غيره، فتشاغل عما يعنيه بما لا يعنيه، فأنكر ~~أقواله وأفعاله، وهجر تدبيره، وتعجب من مقابحه، وجهد نفسه في تفقد أموره. ~~ليس ذلك عن عناية بصلاحه، ولا محبة لتقويمه وتهذيبه، ولا أنه مسيطر عليه ~~ولا محمود عنده على ما عنى به من شأنه، بل هو عنده عين المذموم. # وهذا جل حديث البشر وشغلهم في الليل والنهار. PageV01P160 # قال بعض الحكماء: فضول النظر تدعو إلى فضل القول، وفضول الخواطر تبعث على ~~اللهو والخطل. # ولو كان الرجل لا يتكلم إلا بما يعنيه، ولا يتكلف ما قد كفيه، قل كلامه. ~~ولو حكم العدل في أموره، وفيما بينه وبين خالقه، وبينه وبين إخوانه ~~ومعامليه، لطاب عيشه وخفت مؤونته والمؤونة عليه؛ فإن الله تبارك وتعالى لم ~~يخلق مذاقا أحلى من العدل، ولا أروح على القلوب من الإنصاف، ولا أمر من ~~الظلم، ولا أبشع من الجور. # وقال بعض المتقدمين: " إنما يعرف الظلم من حكم به عليه ". ومن استعمل ~~العدل دله على أن الناس يجدون من طعمه وطعم الظلم إذا فعله بهم مثل الذي ~~يجد إذا ظلم، فكره لهم ما لنفسه، فأنصف ولم يظلم. # ويتظالم الناس فيما بينهم بالشره والحرص المركب في أخلاقهم، فذلك احتاجوا ~~إلى الحكام - وقد أطلق لهم تصريف أخلاقهم وأماناتهم - التي ردت إليهم ~~بالأحكام فيها، ما جنايته عليهم أكثر مما يطالبهم به الخصوم. PageV01P161 # وقال بعض الحكماء: إن من أصعب الأعمال إنصافك في نفسك، ومواساتك أخاك في ~~مالك، وذكر الله. أما إني لا أعنى قول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا ~~الله - وإن ذلك لم ذكر الله - ولكن ذكره عند ما يعرض ms12 من الأمور، فإن كان ~~طاعة لله فعلته، وإن كان معصية لله اجتنبته. # وروي عن بعضهم أنه قال: " ثلاثة في ظل عرش الله يوم لا ظل إلا ظله: رجل ~~لم يعب أخاه بعيب فيه مثله حتى يصلح ذلك العيب من نفسه؛ فإنه لا يصلحه حتى ~~يهجم عاى آخر، فتشغله عيوبه عن عيوب الناس. ورجل لم يقدم يدا ولا رجلا حتى ~~يعلم: أفي طاعة الله هو أم في معصيته؟ ورجل لم يلتمس من الناس إلا مثل ما ~~يعطيهم من نفسه. أما تحبون أن تنصفوا ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " رحم الله عبدا أنفق الفضل من ماله ~~وأمسك الفضل من قوله، وشغله عيبه عن عيوب الناس ". # وقال عيسى بن مريم: " يا بني إسرائيل أيرى أحدكم القذاة في عين أخيه ~~ويغبى عن الجذع المعترض في عينه ". # وقيل لعيسى بن مريم: ما أفضل أعمالك؟ قال: تركي ما لا يعنينى. # وقال عمرو بن عبيد: أعيتنى ثلاث خلال: تركي ما لا يعنينى، ودرهم من حله، ~~وأخ إذا احتجت إلى ما في يديه بذله لي. PageV01P162 # وما أحق من أحصيت ألفاظه وليس من قول يبدر منه إلا لديه رقيب عتيد، ومن ~~أحصيت عليه مثاقيل الذر واستشهد عليه جلده وجوارحه أن يضبط لسانه. # وقد جاء في بعض الآثار: من عد كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما لا يعنيه. # وكل امرئ فحسيب نفسه، غير مأخوذ بغيره، وهو الوحيد دون الأهل والولد ~~والقرابة. وقال الله جل ثناؤه - وقوله الحق - " كل امرئ بما كسب رهين ". ~~وقال: " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم ". # وليس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا مع السيف والسوط. # وقال بعض الحكماء: شيئان لا صلاح لأحدهما إلا بالآخر: اللسان والسيف. # وأنت إذا تأملت أكثر ما يتناجى به المتحدثون وجدت أكثر السائلين يسأل عما ~~لا يعنيه، ويكترث لما لا يكرثه، ويعنى بما لا ينفعه ولا يضره؛ وأكثر ~~المجيبين يجيب ولم يسأل، ويتكلف ما لا يعلم، ولو قال له قائل: من سألك ~~لافتضح، ms13 ولو حاجه فيما ادعى ووقفه لانقطع. قال الله عز وجل: " قل ما أسألكم ~~عليه من أجر وما أنا من المتكلفين ". PageV01P163 # ومر هشام بن عبد الملك ببعض أهل الكلفة والفضول، وعليه حلة ذيالة يسحبها ~~في التراب، فقال له المتكلف: يا هذا، إنك قد أفسدت ثوبك. قال: وما يضرك من ~~ذلك؟ قال: ليتك ألقيته في النار. قال: وما ينفعك من ذلك؟ فأفحمه غاية ~~الإفحام. # ولو تهيأ للمتكلفين في كل وقت مثل صرامة هشام لازدجر من به حياء منهم، ~~ولقلت الفضول والكلف والغيبة. # قالوا: وليس من أحد أذل من مغتاب؛ لأنه يخفي شخصه، ويطامن حسه، ويغض من ~~صوته؛ ولا يزيد بما يناله من ذلك إلا بأن يرفع من قدر خصمه ويعظم من شأنه. # قال معاوية: أتدرى من النبيل؟ هو الذي إذا رأيته هبته، وإذا غاب عنك ~~اغتبته. # وهي لعمري سبيل العظماء عند العوام، والملوك عند الرعية، والسادة عند ~~العبيد. # فلم يأخذ المغتاب ممن اغتابه شيئا بعضيهته إياه إلا والذي أعطى من الهيبة ~~عند حضوره أكثر منه. # ولو كان المغتاب لا يستتر من الغيبة إلا ممن يخاف سطوته، كان أعذر. ولكن ~~اللؤم المتمكن منه يحمله على اغتياب عبده وأمته، فضلا عن كفئه ونظيره. PageV01P164 # ويغتاب الرجل عند عدوه والمشاحن له، مساعدة له بالسخف، وتقربا إليه ~~بالمهانة والضعف، من غير أن يكون له عليه طول، أو يلتمس منه ما تقرب به ~~إليه جزاء أو شكورا. # ثم لعله ينكفي إلى الذي اغتابه وقصبه من ساعته ويومه، فيعطيه في عدوه ~~الذي اغتابه عنده أيضا مثل ذلك وأكثر منه، لا لعلة أيضا ولا مرفق ولا ربح ~~أكثر من الذلة التي يجدها في نفسه، والضعف في منته، كما يعظم الغني بغير ~~ثمن، ويحتقر الفقير بغير سبب، فمتى كوشف أو عوتب لبسته ذلة أخرى من الكظة ~~بالمعاذر الكاذبة، والاعتصام بالأيمان الفاجرة. ومن كانت هذه دربته فهو حرى ~~أن يطلع على دخلة أمره، فلا يقبل منه عذر، ولا يصق في قول ولا حلف، وقد ~~تسربل الذلة، وتدرع الخضوع. # وليس من سوس النفس ms14 الكريمة الشهمة، أن تلقى الناس بخلاف ما يتخلقون به مل ~~لم تأت ضرورة يحتاج فيها إلى كيد وغيلة، أو مكر وحيلة، ويثار بالغيبة فيها ~~الرأي الأصيل من مكانه، فيفعل ذلك العاقل فيما يحل له ويحسن به، بعد أن ~~تعييه الحيلة في استصلاح ذلك العدو بالرفق والملاينة. # وإنما قيل: " قل من اعتذر إلا كذب "، لكثرة النطف في الناس، PageV01P165 ~~وضعف أنفسهم على الإقرار بالذنب، فلا ذلة الضعف الثاني في الاعتذار نهت ~~عن كلفة الضعف الأول في الاغتياب، ولا كلفة الضعف الأول صانت عن ذلة الضعف ~~الثاني. # وعلى أن أكثر من يعتذر إليه ليس بقابل للعذر على حقيقة وإن أظهر القبول، ~~لما جرب من سخاء الناس بالأيمان، وبعدهم من الإقرار بالذنب ما لم تأت حجة ~~واضحة، ودليل شاهد عدل. # وإذا كانت هذه سبيل المعتذر إليه فيحق على المعتذر - إن كانت في نفسه ~~قيمة - أن لا يعتذر إلا إلى من يحب أن يجد له عذرا، ولا يعجل إلى المين وهو ~~لا يجد للحجة مكانا. # وأكثر من يعتذر إليه إنما يفعل ذلك به خوفا من سقطته، وإبقاء لسلطانه. # والمتفقهون يتأولون في الأيمان السلطانية ما يلحق بها عند السلطان ~~التهمة، ويلزمهم الظنة، سيما في الأمور التي في الإقرار بها إباحة الدم ~~والمال، وهتك الستر. # ولا حسم لهذا الداء إلا باطراح الفضول، وسلامة اللسان من أن يلغ في ~~الأعراض، ويستسر بالعضيهة والبهت. PageV01P166 # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " المسلم من سلم المسلمون من لسانه ~~ويده ". ومن لم يسلم الناس منه فليس سالما من نفسه. # وقال القائل: احرس أخاك إلا من نفسه. # وقالوا: مقتل المرء بين فكيه. # وكتب على بعض أبواب المدن بالسند: احفظ رأسك. # وقال الأول: قد تصل النصال إلى الإخوان فتستخرج، وأمثال النصال من القول ~~إذا وصلت إلى القلب لم تستخرج أبدا. # وقال بهرام، وسمع في الليل صوت طائر فتحداه بسهم وهو لا يراه، إلا أنه ~~تتبع الصوت فصرعه، فلما صار بين يديه قال: والطير أيضا لو سكت كان خيرا له! # وقيل: ما شيء أحق ms15 بطول سجن من لسان. # وقيل: يسأل اللسان الأعضاء في كل يوم فيقول: كيف أنتن؟ فيقلن: بخير إن ~~تركتنا! PageV01P167 # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل: " وهل يكب الناس على ~~مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم ". # وقال عيسى عليه السلام: " أعمال البر ثلاثة: المنطق، والنظر، والصمت. فمن ~~كان منطقه في غير ذكر الله فقد لغا، ومن كان نظره في غير اعتبار فقدسها، ~~ومن كان صمته في غير تفكر فقد لها ". # فانظر بأي الأمرين قطعت عمرك؟ أبالحكمة أم باللغو؟ وانظر كيف وصف الله ~~تعالى من أثنى عليه بخير من عباده فقال: " والذين هم عن اللغو معرضون "، ~~وقال: " وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه "، وقال: " وإذا مروا باللغو مروا ~~كراما ". وصان عنه أسماع أهل الجنة وألسنتهم فقال: " لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما. إلا قيلا سلاما سلاما ". # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " العبادة عشرة أجزاء، تسعة منها في ~~الصمت ". # وقال علي بن أبي طالب: " أفضل العبادة الصبر وانتظار الفرج ". PageV01P168 # وقال بعض الحكماء: لو لم يكن للصامت في صمته إلا الكفاية لأن يتكلم بكلام ~~ويحكى عنه محرفا فيضطر إلى أن يقول: ليس هكذا قلت، إنما قلت كذا وكذا. ~~فيكون إنكاره إقرارا، واعترافه بما حكى عنه شاهدا لمن وشى به، وادعاء ~~لتحريف غير مقبول منه إلا أن يأتي ببينة له لكان ذلك من أكثر فضائل الصمت. # وربما ذكر رجل الله تبارك وتعالى، فكان ذلك الذكر إثما له، لأنه قد يدخله ~~في باب تفخيم الذنب الحقير والإغراء والتحريض، فيسفك الدم الحرام، أو يعظم ~~الجرح الصغير. بل ربما ضحك وتبسم، فأغرى وحرض، وأثم وأوبق. قال بعض ~~الشعراء: # فإن شئت أدلى فيكما غير واحد %~% مجاهرة أو قال عندي في سر # فإن أنا لم آمر ولم أنه عنكما %~% ضحكت له حتى يلج ويستشرى # وقالت العرب: " من كفي شر لقلقه وذبذبه وقبقبه فقد كفي الشر ". # وهذا باب لولا أن نشغل القارئ لهذا الكتاب بغير ما قصدنا إليه وعزمنا ~~عليه لأتينا عليه. وهو كثير موجود لمن طلبه، ms16 وجملة واحدة فيها PageV01P169 ~~كفاية؛ فإنما تختلف الألفاظ التي تجعل كسوة لتلك المعاني. وإلا فإنك إذا ~~نظرت إلى جميع شرور الدنيا وجدت أولها كلمة عارت فجنت حربا عونا. كحرب بكر ~~وتغلب ابنى وائل، وعبس وذبيان ابنى بغيض، والأوس والخزرج ابنى قيلة، ~~والفجار الأول والثاني، وعامة حروب العرب والعجم. # وإذا تأملت أخبار الماضين لم تحص عدد من قتله لسانه وكان هلاكه في كلمة ~~بدرت منه. # وليس العجب ممن أفضى بسره إلى من ليس له بموضع، ممن تقدمت معرفته وزالت ~~الشكوك عنه في أمره؛ ولكن العجب عين العجب ممن استنام بسره إلى من لم تقدم ~~معرفته ومن أنس إليه عن اللقاءة واللقاءتين، دون معرفة العين والاسم، ~~والسبب والنسب، فانخدع في أول وهلة وغبن عقله قبل أن يغبن دينه وماله، ~~وتضاعفت عليه البلية بطول الحسرة؛ فإن البلاء عارض ومكتسب، فكان العارض ~~السماوى وما خولته الأقدار سرا بعد اجتهاد صاحبه رأيه، وحيلته في طلب ~~الخير. وصواب تدبيره فيه أسهل وأيسر على العاقل المعتاد للصواب، وإن كان كل ~~مكروه مرا بشعا. وإنما الكرب اللازم والداء العياء ما اجتمع على صاحبه مع ~~الفجيعة والحاجة، والنقص والذلة، غم الندامة والأسف على ما فرط منه؛ إذ كان ~~الجانى على نفسه بيده. PageV01P170 # ولهذا الكلام نظر نكره التطويل به، والمعنى واحد، وإنما نحتاج من هذا ~~ومثله - مما قدمنا ذكره في الكتاب - إلى حفظ السر ووزن القول. وإلى هذا ~~أجرينا، وله قصدنا. # ولو اقتصرنا في هذا الكتاب على حرف مما فيه، لكان بإذن الله كافيا لمن له ~~لب وعقل، لكن الاحتجاج أوكد، والإيضاح أبلغ، والحظ في هذا القول كله لمن ~~عقله والآخذ به، أوفر منه لمن قاله ولم يعمل بقوله؛ لأنه إنما يجتنى ثمرة ~~الصواب، ويختلف برفقه من صدق قوله بفعله؛ فإن الحكمة قول وعمل، وإنما حظ ~~القائل ما لم يستعمل علمه وقوله حظ الواصفين؛ وحسن الصفة يزول بزوالها، ~~وينقطع بانقطاعها؛ ومدتها - إلى أن يملها القائل والسامع - يسيرة. # والأفعال المحمودة متصلة النفع والشرف والفضيلة في الحياة وبعد الوفاة، ~~ومذخور للأعقاب، وحديث جميل، ms17 ونشر باق على مر الجديدين. وأكثر من ذلك كله ~~توفيق الله وتسديده؛ فإن القلوب في يده، والخيرات مقسومات من عنده. وحسبنا ~~الله ونعم الوكيل. PageV01P171 # تم كتاب كتمان السر من كلام أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، بعون الله ~~وتأييده، ومشيئته وتوفيقه. والله الموفق للصواب برحمته. # والحمد لله أولا وآخرا، وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين ~~الطاهرين وسلامه. PageV01P172 ms18