######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 13- من كتابه في المسائل والجوابات في المعرفة PageV04P045 ### || فصل من صدر كتاب المسائل والجوابات في المعرفة # بالله نستعين، وعليه نتوكل، وما توفيقنا إلا بالله. # اختلف الناس في المعرفة اختلافا شديدا، وتباينوا فيها تباينا مفرطا. فزعم ~~قوم أن المعارف كلها فعل الفاعلين إلا معرفة لم يتقدمها سبب منهم، ولم ~~يوجبها علة من أفعالهم. ولم يرجعوا إلى معرفة الله ورسوله، والعلم بشرائعه، ~~ولا إلى كل ما فيه الاختلاف والمنازعة، وما لا يعرف حقائقه إلا بالتفكر ~~والمناظرة، دون درك الحواس الخمس. # فزعموا أن ذلك أجمع فعلهم، على الأسباب الموجبة، والعلل المتقدمة، وجعلوا ~~مع ذلك سبيل المعرفة بصدق الأخبار، كالعلم بالأمصار القائمة، والأيام ~~الماضية، كبدر وأحد والخندق، وغير ذلك من الوقائع والأيام، وكالعلم بفرغانة ~~والأندلس، والصين والحبشة، وغير ذلك من القرى والأمصار سبيل الاكتساب ~~والاختيار؛ إذ كانوا هم الذين نظروا حتى عرفوا فصل ما بين المجيء الذي لا ~~يكذب مثله، والمجيء الذي يمكن الكذب في مثله. PageV04P047 # فزعموا أن جميع المعارف سبيلها سبيل واحد، ووجوه دلائلها وعللها متساوية، ~~إلا ما وجد الحواس بغتة، وورد على النفوس في حال عجز أو غفلة، وكان هو ~~القاهر، للحاسة، والمستولي على القوة، من غير أن يكون من البصر فتح، ومن ~~السمع إصغاء ومن الأنف شم، ومن الفم ذوق ومن البشرة مس، فإن ذلك الوجود فعل ~~الله دون الإنسان، على ما طبع عليه البشر، وركب عليه الخلق. # قالوا: فإذا كان درك الحواس الخمس إذا تقدمته الأسباب، وأوجبته العلل فعل ~~المتقدم فيه والموجب له، ودرك الحواس أصل المعارف، وهو المستشهد على ~~الغائب، والدليل على الخفي، وبقدر صحته تصح المعارف، وبقدر فساده تفسد ~~فالذي تستخرجه الأذهان منه، وتستشهده عليه، كعلم التوحيد، والتعديل ~~والتجوير، وغامض التأويل، وكل ما أظهرته العقول بالبحث، وأدركته النفوس ~~بالفكر من كل علم، وصناعة الحساب والهندسة، والصياغة والفلاحة أجدر أن يكون ~~فعله والمنسوب إلى كسبه. # قالوا: فالدليل على درك الحواس فعل الإنسان على ما وصفنا واشترطنا، من ~~إيجاب الأسباب، وتقدم العلل: أن الفاتح بصره لو لم يفتح لم يدرك. فلما ms1 كان ~~البصر قد يوجد مع عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع وجود الفتح، كان ذلك ~~دليلا على أن الإدراك إنما كان لعلة الفتح، ولم يكن لعلة البصر؛ لأنه لو ~~كان لعلة صحة البصر كانت الصحة لا توجد أبدا إلا والإدراك موجود. فإذا كانت ~~الصحة قد توجد مع عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع PageV04P048 ~~وجود الفتح، كان ذلك دليلا على أن الإدراك إنما كان لعلة الفتح، ~~ولم يكن لعلة البصر؛ لأنه لو كان لعلة صحة البصر كانت الصحة ~~لا توجد أبدا إلا والإدراك موجود. فإذا كانت الصحة قد توجد مع ~~عدم الإدراك، ولا يعدم الإدراك مع وجود الفتح، كان ذلك شاهدا ~~على أنه إنما كان لعلة الفتح دون صحة البصر. # وقالوا: ولأن طبيعة البصر قد كانت غير عاملة حتى جعلها الفاتح بالفتح ~~عاملة، ولأن الفتح علة الإدراك ومقدمة بين يديه، وتوطئة له. وليس الإدراك ~~علة للفتح ولا مقدمة بين يديه، ولا توطئة له، فواجب أن يكون فعل الفاتح، ~~لأن السبب إذا كان موجبافالمسبب تبع له. ### || فصل منه # ثم قالوا بعد الفراغ من درك الحواس في معرفة الله ورسوله وكل ما فيه ~~الاختلاف والتنازع، أن ذلك أجمع لا يخلو من أحد أمرين: # إما أن يكون يحدث من ~~الإنسان لعلة النظر المتقدم، أو يكون يحدث على الابتداء، لا عن علة موجبة ~~وسبب متقدم. # فإن كانوا أحدثوه على الابتداء، فلا فعل أولى بالاختيار، ولا أبعد من ~~الاضطرار منه. # وإن كان إنما كان لعلة النظر المتقدم، كما قد دللنا في صدر الكلام على أن ~~درك الحواس فعل الإنسان إذا تقدم في سببه، فالعلم PageV04P049 ~~بالله وكتبه ورسله أجدر أن يكون فعله. إذ كان من أجل نظره علم، ومن جهة ~~بحثه أدرك. # فهذه جمل دلائل هؤلاء القوم. ورئيسهم بشر بن المعتمر. # ثم هم بعد ذلك مختلفون في درك الحواس إلا ما اعتمد إدراكه بعينه وقصد ~~إليه بالفتح والإرادة؛ لأن الفتح نفسه لو لم يكن معه قصد وإرادة ما كان فعل ~~الفاتح. فكيف يجوز أن يكون الإدراك فعله ms2 من غير قصد. # ولو جاز أن يكون الفتح فعل الإنسان من غير أن يكون أراده وقصد إليه، ما ~~كان بين فعل الإنسان وبين فعل غيره فرق؛ لأنه كان لا يجوز أن يكون ذهاب ~~الحجر إذا لم يدفعه، ولم يقصد إليه، ولم يخطر له على بال، فعله. فكذلك ~~الإدراك إذا لم يخطر على باله، ولم يقصد إليه، ولم يتعمده، لا يكون فعله. ### || فصل منه # وليس على المخبر بقصة خصمه والواصف لمذهب غيره، أن يجعل باطلهم حقا، ~~وفاسدهم صحيحا، ولكن عليه أن يقول بقدر ما تحتمله النحلة، وتتسع له ~~المقالة، وعليه أن لا يحكي عن خصمه ويخبر عن مخالفه إلا وأدنى منازله ألا ~~يعجز عما بلغوه، ولا يغبى عما أدركوه. PageV04P050 ### || فصل منه # وقد زعم آخرون أن المعارف ثمانية أجناس: واحد منها اختيار، وسبعة منها ~~اضطرار. فخمسة منها درك الحواس الخمس، ثم المعرفة بصدق الأخبار، كالعلم ~~بالقرى والأمصار، والسير والآثار، ثم معرفة الإنسان إذا خاطب صاحبه أنه ~~موجه بكلامه إليه، وقاصد به نحوه. # وأما الاختيار فكالعلم بالله ورسوله، وتأويل كتبه، والمستنبط من علم ~~الفتيا وأحكامه، وكل ما كان فيه الاختلاف والمنازعة. وكان سبيل علمه النظر ~~والفكرة. ورئيس هؤلاء أبو إسحاق. # وزعم معمر أن العلم عشرة أجناس: خمسة منها درك الحواس، والعلم السادس ~~كالسير الماضية والبلدان القائمة، والسابع: علمك بقصد المخاطب إليك وإرادته ~~إياك، عند المحاورة والمنازعة. وقبل ذلك: وجود الإنسان لنفسه، وكان يجعله ~~أول العلوم، ويقدمه على درك الحواس. وكان يقول: ينبغي أن يقدم وجود الإنسان ~~لنفسه على وجوده لغيره. وكان يجعله علما خارجا من درك الحواس؛ لأن الإنسان ~~لو كان أصم لأحس نفسه ولم يحس صوته، ولو كان أخشم لأحس نفسه ولم يحس ~~رائحته. وكذلك سبيل المذاقات والملامس. فلما كان المعنى PageV04P051 ~~كذلك وجب أن يفرد من درك الحواس، ويجعل علما ثامنا على حياله وقائما ~~بنفسه. # ثم جعل العلم التاسع: علم الإنسان بأنه لا يخلو من أن يكون قديما أو ~~حديثا. # وجعل العلم العاشر: علمه بأنه محدث وليس بقديم. ### || فصل منه # ولست آلو ms3 جهدا في الكلام والإيجاز في الإدخال على بشر بن المعتمر في درك ~~الحواس، ثم على أبي إسحاق في ذلك، وفي غيره مما ذكرت من مذاهبه، وتركه قياس ~~ما بنى عليه إن شاء الله، لنصير إلى الكلام في المعرفة، فإني إليه أجريت، ~~وإياه اعتقدت، ولكني أحببت أن أبدي فساد أصولهم قبل فروعهم، فإن ذلك أقتل ~~للداء وأبلغ في الشفاء، وأحسم للعرق، وأقطع للمادة، وأخف في المؤونة على من ~~قرأ الكتاب، وتدبر المسألة والجواب. وبالله ذي المن والطول نستعين. PageV04P052 ### || فصل من رده على أبي إسحاق النظام وأصحابه # يقال لهم: حدثونا عن العلم بالله ورسوله وتأويل كتبه، وعن علم القدر وعلم ~~المشيئة، والأسماء والأحكام. أباكتساب هو أم باضطرار؟ # فإن زعموا أنه ~~باكتساب قيل لهم: فخبرونا عن علمكم بأن ذلك أجمع اكتساب، أباكتساب هو أم ~~باضطرار؟ فإن قالوا: باكتساب. قيل لهم: أو ليس اعتقاد خلاف ذلك أجمع ~~باكتساب؟ # فإن قالوا: نعم. قيل لهم: فإذا كان اعتقاد الحق واعتقاد الباطل ~~باكتساب أفليس كل واحد من المكتسبين عند نفسه على الصواب؟ # فإذا قالوا: نعم. ~~قيل لهم: أو ليس كل واحد منهما ساكن القلب إلى مذهبه واختياره؟ # فإذا قالوا ~~نعم قيل لهم: فما يؤمن المحق من الخطأ؟ وليس سكون القلب وثقته علامة للحق، ~~لأن ذلك لو كان علامة لكان المبطل محقا، إذ كان قد يجد من السكون والثقة ما ~~لا يجد المحق. # وقلنا: وما معنى خلافه إلا أن يكون المبطل شاكا، أو يكون عارفا بتقصيره، ~~أو يكون مكترثا لوهن يجده. فإذا لم يكن كذلك فلا فرق بين المعقودين. PageV04P053 # فإن قالوا: إن فرق ما بينهما أن سكون قلب المحق حق في عينه، وسكون قلب ~~المبطل باطل في عينه. # قلنا: أو ليس ذلك غير محول لسكون المبطل عن الثقة إلى الاضطراب ولا مغيره ~~إلى الاكتراث؟ # فإذا قالوا ذلك، قيل لهم: فما يؤمن المحق أن يكون سكونه أيضا ~~باطلا في عينه إذا كان سكونه لا ينقص عن سكون المبطل. ولئن كان فرق السكون ~~بينهما ظاهر الاجتهاد والعبادة، فمن أظهر اجتهادا ms4 من الرهبان في الصوامع، ~~والخوارج في بذل النفوس؟ # فإن قالوا: الفرق بينهما أن المحق قد استشهد ~~الضرورات، والمبطل لم يستشهدها. # قلنا: فهل يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات. حتى لو سأله سائل ~~فقال: ما يؤمنك من الخطأ؟ لقال: استشهادي للضرورات. # فإن زعموا أن المبطل لا يجوز أن يكون عند نفسه قد استشهد الضرورات، لأن ~~ذلك هو علامة الحق، والفصل بينه وبين الباطل. # قلنا: وهل رأيتم أحدا اكتسب علما قط، أو نظر في شيء إلا وأول نظره إنما ~~هو على أصل الاضطرار؛ لأن المفكر لا يبلغ من جهله PageV04P054 ~~أن يستشهد الخفي، بل من شأن الناس أن يستدلوا بالظاهر على الباطن إذا ~~أرادوا النظر والقياس؛ ثم هم بعد ذلك يخطئون أو يصيبون. # وقلنا: فينبغي أن يكون كل مبطل في الأرض قد علم حين يقال له: ما يؤمنك أن ~~تكون مبطلا؟ أنه لم يستشهد الضرورات، وأنكر أصله الذي قاس عليه واستنبط منه ~~ضرورة، وأنه إنما قال بالعسف أو بالتقليد. وإذا كانوا كذلك فهل يخلو أمرهم ~~من أن يكونوا قد علموا أنهم على خطاء أو يكونوا شكاكا، أو يكونوا عند ~~أنفسهم مستشهدين للضرورات، وإن كانوا قد تركوا ذلك عند بعض المقدمات. فإن ~~كانوا قد علموا أنهم لم يستشهدوا الضروريات، وإن كانوا شكاكا فيها؛ فليس ~~على ظهر الأرض مخطىء إلا وهو عالم بموضع خطائه، أو شاك فيه. أو كانوا عند ~~أنفسهم مستشهدين للضرورات، فما يؤمنكم أن تكونوا كذلك؟ # فإن قالوا: ليس أحد ~~يعرف أن علامة الحق استشهاد الضرورات غيرنا. # قلنا: أو لستم معشر أبي إسحاق النظام تختلفون في أمور كثيرة، وقد كنتم ~~تخالفون صاحبكم خلافا كثيرا، وكلكم إذا سأله سائل: ما يؤمنك أن تكون على ~~باطل؟ قال: لأني مستشهد للضرورات. فهل PageV04P055 ~~يخلو أمركم من أحد وجهين: إما أن تكونوا صادقين على أنفسكم، أو كاذبين ~~عليها؟ # فإن كنتم صادقين فقد صار قلب المحق كقلب المبطل؛ إذ كان كل واحد عند ~~نفسه مستشهدا للضرورات. # وإن كنتم كاذبين فهل منكم محق إلا وهو يلقى الخصم بمثل ms5 دعواه في استشهاد ~~الضرورات؟ وهل منكم واحد على حياله محقا أو مبطلا إلا وجوابه لنا مثل جواب ~~صاحبه. فإذا كانت القلوب قد تكون عند أنفسها مستشهدة للضرورات، وهي غير ~~مستشهدة لها، وكون القلب كذلك هو علامة الحق، فما الفرق بين قلب المحق ~~والمبطل؟ ومع ذلك إنا وجدنا صاحبكم قبلكم ووجدناكم بعده قد رجعتم عن أقاويل ~~كثيرة، بعد أن كان جوابكم لمن سألكم ما يؤمنكم أن تكونوا على باطل، أن ~~تقولوا: استشهادنا للضرورات. ونحن لو سألناكم عما رجعتم عنه، فقلنا لكم: ~~لعلكم على خطأ، ولعلكم من هذه الأقاويل على غرر، لم يعد جوابكم استشهاد ~~الضرورات. PageV04P056 ### || فصل من هذا الكتاب في الجوابات # ثم إني واصل قولي في المعرفة ومجيب خصمي في معنى الاستطاعة وفي أي أوجهها ~~يحسن التكليف وتثبت الحجة؛ ومع أيها يسمج التكليف وتسقط الحجة. # فأول ما أقول في ذلك: أن الله - جل ذكره - لا يكلف أحدا فعل شيء ولا تركه ~~إلا وهو مقطوع العذر، زائل الحجة. # ولن يكون العبد كذلك إلا وهو صحيح البنية، معتدل المزاج، وافر الأسباب، ~~مخلى السرب، عالم بكيفية الفعل، حاضر النوازع، معدل الخواطر، عارف بما عليه ~~وله. # ولن يكون العبد مستطيعا في الحقيقة دون هذه الخصال المعدودة، والحالات ~~المعروفة، التي عليها مجاري الأفعال، ومن أجلها يكون الاختيار ولها يحسن ~~التكليف، ويجب الفرض، ويجوز العقاب، ويحسن الثواب. # ولو كان الإنسان متى كان صحيحا كان مستطيعا، لكان من لا سلم له للصعود ~~مستطيعا. PageV04P057 # ولن يكون أيضا مع ذلك كله للفعل مختارا، وله في الحقيقة دون المجاز ~~مستطيعا، إلا وجميع أوامره في وزن جميع زواجره، حتى إذا ما قابلت بين ~~مرجوهما ومخوفهما، وبين تقديم اللذة وخوف الآخرة، وبين تعجيل المكروه ~~وتأميل العاقبة، وجدتهما في الحدر والرفع، وفي القبض والبسط سواء. # ولا يكون أيضا كذلك إلا وبقاؤه في الحال الثانية معلوم، لأن الفعل حارس ~~والطباع محروسة، والنفس عليها موقفة. فإن كان الحارس أقوى من طباعها كان ~~ميل النفس معه طباعا؛ لأن من شأن النفس الميل إلى أقوى الحارسين، وأمتن ~~السببين. ms6 # ومتى كانت القوتان متكافئتين كان الفعل اختياريا، ومن حد الغلبة خارجا، ~~وإن كانت الغلبة تختلف في اللين والشدة، وبعضها أخفى وبعضها أظهر، كفرار ~~الإنسان من وهج السموم إذا لم يحضره دواعي الصبر، وأسباب المكث. وهو من لهب ~~الحريق أشد نفرة، وأبعد وثبة، وأسرع حركة. # ومتى قويت الطبيعة على العقل أوهنته وغيرته، ومتى توهن وتغير تغيرت ~~المعاني في وهمه، وتمثلت له على غير حقيقتها. ومتى كان PageV04P058 ~~كذلك كل عن إدراك ما عليه في العاقبة، وزينت له الشهوات ركوب ما في ~~العاجلة. # ومتى - أيضا - فضلت قوى عقله على قوى طبائعه أوهنت طبائعه، ومتى كانت ~~كذلك آثر الحزم والآجلة على اللذة العاجلة، طبعا لا يمتنع منه، وواجبا لا ~~يستطيع غيره. # وإنما تكون النفس مختارة في الحقيقة، ومجانبة لفعل الطبيعة إذا كانت ~~أخلاطها معتدلة، وأسبابها متساوية، وعللها متكافئة، فإذا عدل الله تركيبه ~~وسوى أسبابه، وعرفه ما عليه وله، كان الإنسان للعقل مستطيعا في الحقيقة، ~~وكان التكليف لازما له بالحجة. # ولولا أنك تحتاج إلى التعريف بأن المأمور المنهي لا بد له من التسوية ~~والتعديل لما قال الله تعالى: " والأرض وما طحاها. ونفس وما سواها. فألهمها ~~فجورها وتقواها ". # ولو جاز أن يعلم موضع غيها ورشدها من غير أن يسويها ويهيئها لكان ذكر ~~التسوية فضلا من القول. والله يتعالى عن هذا وشبهه علوا كبيرا. PageV04P059 ### || فصل في جواب من يسأل عن المعرفة باضطرار هي أم باكتساب # قلنا: إن الناس لم يعرفوا الله إلا من قبل الرسل، ولم يعرفون من قبل ~~الحركة والسكون، والاجتماع والافتراق، والزيادة والنقصان. # على أنا لا نشك أن رجالا من الموحدين قد عرفوا وجوها من الدلالة على الله ~~بعد أن عرفوه من قبل الرسل، فتكلفوا من ذلك ما لا يجب عليهم، وأصابوا من ~~غامض العلم ما لا يقدر عليه عوامهم، من غير أن يكونوا تكلفوا ذلك لشك ~~وجدوه، أو حيرة خافوها؛ لأن أعلام الرسل مقنعة، ودلائلها واضحة، وشواهدها ~~متجلية، وسلطانها قاهر، وبرهانها ظاهر. # فإن قال: أباكتساب علموا صدق الرسل أم باضطرار؟ # قلنا: باضطرار. # فإن قالوا: ms7 فخبرونا عن من عاين النبي صلى الله عليه وسلم وحجته، والمتنبي ~~وحيلته، كيف يعلم صدق النبي من كذب المتنبي، وهو لم ينظر ولم يفكر؟ فإن ~~قلتم: إنه نظر، وفكر، فقد رجعتم إلى الاكتساب. # وإن قلتم: إنه لم ينظر ولم يفكر فلم عرف الفصل بينهم دون أن يجهله؟ وكيف ~~علم ذلك وهو لا يعرف الحجة من الحيلة؟ وما يؤمنه PageV04P060 ~~أن يكون مبطلا إذا كان لم ينظر في أمور الدنيا، ولم يختبر معانيها حتى ~~يعرف الممتنع من الممكن، وما لا يزال يكون بالاتفاق مما لا يمكن ذلك فيه؟ # وكيف ولم يعرف العادة وجرى الطبيعة وإلى أين تبلغ الحيلة وأين تعجز الحيلة، ~~وعند أي ضرب يسقطان، وعلى أي ضرب يقومان؟ ولم عرف صدق النبي صلى الله عليه ~~وسلم حين عاين شاهده وأبصر أعاجيبه، من غير امتحان لها وتعقب لمعانيها، دون ~~أن يعتقد صدق المتنبي إذا أورد عليه أعاجيبه وخدعه وحيله؟ # بل كيف لم يعرف ~~الله حين وقع بصره على الدنيا من غير فكرة فيها وتقليب لأمرها. # والدنيا بأسرها دلالة عما عرف صدق النبي حين أبصر دلالته من غير تفكير ~~فيها أو تقليب لأمرها. # وقد علمنا أن الدنيا دالة على أن شواهد النبي دالة، ومتى كان ظاهر أحدهما ~~يغني عن التفكير كان الآخر مثله، إذ لم يكن في القياس بينهما فرق، ولا في ~~المعقول فضل. # قلنا: إن تجارب البالغ قبل أن يهجم على دلالات الرسل تأتي على جميع ذلك. ~~ولعمري أن لو كان هجومه عليها قبل المعرفة بمجاري وتصريف الدهور وعلاقات ~~الدنيا، والتجربة لتصريف أمورها، لما PageV04P061 ~~وصل إلى معرفة صدق النبي إلا بعد مقدمات كثيرة، وترتيبات منزلة؛ لأن ~~مشاهد الشواهد إنما تضطره المشاهدة لها إذا كان قد جرب الدنيا، وعرف تصرفها ~~وعادتها قبل ذلك. # ولو لم يكن جربها قبل ذلك حين عرف منتهى قوة بطش الإنسان وحيلته، وعرف ~~الممكن من الممتنع، وما يمكن قوله بالاتفاق مما لا يمكن، لما عرف ذلك. # فإن قالوا: وكيف جرب ذلك وعقله، وأتقنه وحفظه، وهو طفل غرير وحدث صغير؛ ms8 ~~لأن غير البالغ طفل إلى أن يبلغ، وحين يبلغ فقد هجم على النبي صلى الله ~~عليه وسلم وشواهده، أو هجم عليه النبي بشواهده، إما بخبر مقنع أو بعيان ~~شاف. ففي أية الحالين جرب وعرف، وميز وحفظ، في حال الطفولة والغرارة؟ وهذا ~~غير معروف في التجربة والعادة، والذي عليه ركبت الطبيعة. # أما في حال البلوغ والتمام فحال البلوغ هي الحال التي أبلغه الله ~~الرسالة، وقاده إلى رؤية الحجة، واستماع البرهان ومخرج الرسالة. # فإذا كان الأمر، كما تقولون فقد كان ينبغي أن لا يصل إلى العلم بصدق ~~النبي وقد أراه برهانه، وأسمعه حججه، حتى يمكث بعد ذلك دهرا يمتحن الدنيا ~~ويتعقب أمورها، ويعمل التجربة فيها. فإن كان ذلك كذلك فلم سميتموه بالغا، ~~وليس في طاقته بعد العلم يفصل ما بين النبي والمتنبي؟ PageV04P062 # قلنا: إن التجربة على ضربين: أحدهما: أن يقصد الرجل إلى امتحان شيء ليعرف ~~مخبره عما عرف منظره. # والآخر: أن يهجم على علم ذلك من غير قصد. # وقد يسمى الإنسان مجربا، قاصدا أو هاجما، فيزعم أن البالغ قد سقط من بطن ~~أمه إلى أن يبلغ، مقلبا في الأمور المختلفة، ومصرفا في خلال الحالات، ~~بالمعرفة التي تلقحه الدنيا، بما تورد عليه من عجائبها، ويزداد في كل ساعة ~~معرفة، وتفيده الأيام في كل يوم تجربة، كما يزداد لسانه قوة، وعظمه صلابة، ~~ولحمه شدة، من أم تناغيه، وظئر تلهيه، وطفل يلاعبه، وطبيب يعالجه، ونفس ~~تدعوه، وطبيعة تعينه، وشهوة تبعثه، ووجع يقلقه، كما يزيده الزمان في قوته، ~~ويشد من عظمه ولحمه، ويزيده الغذاء عظما، وكثرة الغضب والتقليب جلدا. فإذا ~~درج وحبا، وضحك وبكى، وأمكنه أن يكسر إناء أو يكفئه، أو يسود ثوبا، أو يضرب ~~دابرة الخادم، وانتهره القيم. فلا يزال ذلك دأبه ودأبهم حتى يفهم الإغراء ~~والزجر، والتغذية والانتهار، كما يعرف الكلب اسمه إذا ألح الكلاب عليه به. ~~وكما يعرف المجنون لقبه، وكما يحضر الفرس من وقع السوط من كثرة وقعه بعد ~~رفعه عليه. PageV04P063 ### || فصل منه في هذا المعنى # فإذا استحكمت هذه الأمور في قلبه، ms9 وثبتت في خلده وصحت في معرفته، فهو ~~حينئذ بالغ محتمل. وعند ذلك يسخر الله سمعه للخبر المثلج، أو بصره لمعاينة ~~الشاهد المقنع، على يدي الرسول الصادق، ولا يتركه هملا، ولا يدعه غفلا، وقد ~~عدل طبعه وأحكم صنعه، ووفر أسبابه، فلا يحتاج عند معاينته رسولا يحيي ~~الموتى، ويبرىء الأكمه والأبرص، ويفلق البحر، إلى تفكير، ولا تمييل ولا ~~امتحان ولا تجربة، لأنه قد فرغ من ذلك أجمع، واستحكم عنده العلم الذي أدب ~~به، وهيئ له وأورد عليه. # فإن كان لم يكن لذلك عامدا، ولا إليه قاصدا ولا به معنيا، وإنما هو عبد ~~عبأه سيده، ورشحه مولاه، وهيأه خالقه لأمر لا يشعر به من مصلحته، ولا يخطر ~~على باله من الصنع له حين غذاه به، وقاده إليه، وهيأه له. # فإذا أورد عليه دعوى رسول، وأمته تشهد له بإحياء الموتى وفلق البحر، وبكل ~~شيء قد عرف عجز البشر عن فعله والقوة عليه، علم بتجاربه المتقدمة بعادة ~~الدنيا، أن ذلك ليس من صنع البشر، وأن مثله PageV04P064 ~~لا يقع اتفاقا، وأن الحيل لا تبلغه، فلا يمتنع مع رؤية البرهان وفهم ~~الدعوى، أن يعلم أن الرسول صادق، وأن الراد عليه كاذب. ### || فصل منه # ولولا أن هذا كلام لم يكن من ذكره بد، لأنه تأسيس لما بعده، ومقدمة لما ~~بين يديه، وتوطئة له، لاقتضبت الكلام في المعرفة اقتضابا، ولكن يمنعني عجز ~~أكثر الناس عن فهم غايتي فيه إلا بنزيله وترتيبه. # وكل كلام أتيت على فرعه، ولم تخبر عن أصله فهو خداع لا غناء عنده، وواهن ~~لا ثبات له. PageV04P065 ms10