######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010511 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Mahasin #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المحاسن والأضداد #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010511 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10511 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10511 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1423 هـ #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### | ### | مقدمة # كتاب المحاسن والأضداد # لم يرد ذكر لهذا المؤلف في كتب الجاحظ، لقد ذكر أبو عثمان أسماء نحو ستة ~~وثلاثين من مؤلفاته في مقدمة «كتاب الحيوان» وليس بينها اشارة إليه قريبة ~~أو بعيدة. كما ذكر في بعض رسائله اسماء عدد من كتبه الكثيرة واغفل هذا ~~الكتاب اغفالا تاما. # وكذلك خلت المصادر القديمة من ذكره، عدا كتاب الخزانة للبغدادي. أما ~~المصادر الحديثة فقد ذكرته، منها كتاب أدب الجاحظ للسندوبي وكتاب تاريخ ~~الأدب العربي لبرو كلمان. وترجم أو. ريشر بعض فصوله إلى الالمانية ونشرها. # وقام فان فلوتن بإصدار الطبعة الأولى منه في ليدن سنة 1897 م. # وتبعه الخانجي فطبعه في القاهرة سنة 1906 م، مع مقدمة موجزة عن حياة ~~الجاحظ، وبدون شرح. ثم توالت الطبعات التي لم تكن احسن من طبعة الخانجي، ~~ومعظمها صدر في بيروت. # وجميع هذه الطبعات نسبت الكتاب للجاحظ ولم تبد شكها فيه. # ولكن المستشرق الفرنسي شارل بيلا لا حظ في القائمة التي وضعها لكتب ~~الجاحظ أن الكتاب منحول ولم يذكر الأسباب التي استند إليها. # وربما كان الدافع الذي حفز هؤلاء الناشرين على نسبة الكتاب # PageV01P005 # للجاحظ مقدمته التي يعترف فيها أبو عثمان أنه كان ينحل غيره- أمثال ابن ~~المقفع، والخليل بن أحمد، وسلم صاحب بيت الحكمة، والعتابي، ويحيى بن خالد، ~~وأشباههم- بعض كتبه، لتروج. وأن بعض الكتاب في عصره كانوا يغيرون على كتبه ~~ويسرقون بعض فصولها ومعانيها ويؤلفون منها كتبا ينسبونها لأنفسهم. ثم يعلن ~~نسبة الكتاب إليه قائلا: «وهذا كتاب وسمته بالمحاسن والأضداد لم أسبق إلى ~~نحلته ولم يسألني أحد صنعه، ابتدأته بذكر محاسن الكتابة والكتب، وختمته ~~بذكر شيء من محاسن الموت. والله يكلأه من حاسد إذا حسد» . # والحق أن هذه المقدمة التي لا تتعدى صفحة واحدة إنما هي فقرة استلت من ~~رسالة للجاحظ طويلة عنوانها «فصل ما بين العداوة والحسد» ووضعت في صدر هذا ~~الكتاب لتخفي حقيقته. بيد أن ما جاء فيها بصدد النحل والسرقة يشكل برهانا ~~على نحل الكتاب، او عدم صحة نسبته للجاحظ: إن قلق الناحل من انكشاف ms001 فعلته ~~وخوفه من أن يرمى بالنحل دفعاه إلى الكلام على النحل وابعاد التهمة عن ~~نفسه. # وإمعانا في تضليل القارىء أورد المؤلف بابين في أول الكتاب: # باب في محاسن الكتابة والكتب، وباب في مساوىء اللحن في اللغة. # وكلاهما من كلام الجاحظ. استقى الأول من كتاب الحيوان واستقى الثاني من ~~كتاب البيان والتبيين مع بعض التصرف. أما سائر ابواب الكتاب التي تناهز ~~الستين فإن عناوينها أو موضوعاتها طرقها الجاحظ في مختلف كتبه ولكن ~~محتوياتها غير موجودة في تلك الكتب. # وقد فزع المؤلف إلى وسيلة أخرى للتمويه هي الجدل. والجدل يعني هنا قول ~~الشيء وضده. وقد أولع الجاحظ بالجدل حتى غدا سمة من سمات كتاباته، فنهج ~~المؤلف هذا النهج تقليدا للجاحظ. فهو يعدد محاسن الشيء ثم يردف ذلك بتعداد ~~مساوئه: محاسن المخاطبات # PageV01P006 # وضدها، ومحاسن المكاتبات وضدها، ومحاسن الجوابات وضدها، ومحاسن حفظ ~~اللسان وضدها، ومحاسن كتمان السر وضدها، ومحاسن الصدق وضدها، ومحاسن الصحة ~~وضدها، ومحاسن السخاء وضدها ومحاسن البخل وضدها، ومحاسن الشجاعة وضدها، ~~ومحاسن المفاخرة وضدها، ومحاسن الزهد وضدها، ومحاسن النساء وضدها الخ ... # بيد أن الفرق شاسع بين جدل الجاحظ وجدل مؤلف المحاسن والأضداد. أن جدل ~~المحاسن والأضداد يقتصر على تعداد محاسن الأمر ومساوئه دون إبداء الرأي ~~ودون المناقشة أما جدل الجاحظ فيتعدى هذه المهمة أي تعداد المحاسن ~~والمساوىء إلى إصدار الأحكام والبحث عن الحقيقة، والبت في الأمور المتنازع ~~في شأنها. لنأخذ مثلا على ذلك مسألة البخل. لقد أورد صاحب المحاسن والأضداد ~~اقوالا وأخبارا تبين حسنات البخل، وأخرى تظهر مساوئه واستغرق ذلك بعض ~~الصفحات. أما الجاحظ فقد ألف كتابا ضخما في هذا الموضوع اسماه «البخلاء» ~~وقسمه ثلاثة أقسام: قسم أول يورد فيه احتجاجات البخلاء، وقسم ثان يورد فيه ~~احتجاجات الأسخياء، وقسم ثالث يحكم فيه بالأمر، ويعلن رأيه الخاص، وهو أن ~~الفضيلة هي في منزلة بين البخل والأسراف، يدعوها الأقتصاد الذي يتوسط رذيلة ~~البخل ورذيلة الأسراف. وهو في ذلك ينطلق من مبدأ فلسفي انماز به مع سائر ~~المعتزلة والذي عرف بالمنزلة بين المنزلتين. # ولنأخذ مثلا ms002 آخر بين لنا الفرق بين جدل الجاحظ وجدل صاحب المحاسن ~~والأضداد، وهو مسألة الصمت والكلام. في الكتاب الذي بين أيدينا صفحتان ~~تثبتان أقوالا تزين الصمت وآخرى تزين المنطق. أما في البيان والتبين، ~~ورسالة التربيع والتدوير، ورسالة صناعة الكلام الخ. فنلفي عشرات الصفحات ~~التي تدور حول هذه المسألة، وتصورها # PageV01P007 # من مختلف نواحيها، وتقلبها على مختلف وجوهها، ثم ينتهي الجاحظ إلى رأي ~~جازم: ان الكلام خير من الصمت، وعلم الكلام علم شريف يهدف إلى معرفة ~~الحقيقة. # وإذا كان صاحب الكتاب لا يعلن رأيه ولا غايته، فإننا نستطيع أن نتبين من ~~خلال النص بعض ميوله واتجاهاته التي يختلف فيها مع الجاحظ. فهو ينادي ~~بالحجاب ويحشد أقوالا كثيرة تدعو إليه وتزينه وتحذر من السفور، وعلى عكس ~~سائر الأبواب لم يذكر مساوىء الحجاب كما ذكر محاسنه. ويستشهد بحديث نبوي ~~يقول: «باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء فإن كانت المعاينة واللقاء كان ~~الداء الذي لا دواء له» وبآخر يقول: «الناسء حبائل الشيطان» ؛ ليقرر أن ~~المرأة تغوي الرجل وأن لقاء الرجل للمرأة ورؤيته إياها يدفعه إلى الزنى ~~ولذا ينبغي الفصل بينهما. كما يستشهد بقول لعمر بن الخطاب يدعو إلى حرمان ~~المرأة من الظهور والتزين والتبرج: «استعينوا عليهن بالعري» ويقول لأمرأة ~~زنت هي هند بنت الخس تعترف فيه أن سبب اقترافها الفحش إنما هو «طول السهاد ~~وقرب الوساد» . ويخبر أن أكاسرة الفرس كانوا يمتحنون امناءهم برؤية النساء، ~~فمن صبر عليهن ولم يقع بحبائلهن ولم يغوه جمالهن، وثق به وإلا تخلص منه أو ~~أبعده. أما الجاحظ فقد عالج هذا الموضوع في رسالة مستقلة هي رسالة «القيان» ~~. وهو يحمل على حجاب المرأة ويدعو إلى السفور ويقدم البراهين المنطقية ~~والأجتماعية والدينية التي تسند موقفه. فهو يخبرنا أن العرب لم يعرفوا ~~الحجاب في الجاهلية، وكان الرجال والنساء يجتمعون على الحديث والمسامرة. ~~وفي الإسلام أجاز الدين للنساء الطواف بالكعبة مكشفات الوجوه. ولم يحرم عمر ~~بن الخطاب السفور رغم زهده وورعه وفقهه وعلمه. وكذلك الحسن بن علي لم يحرم ~~النظر إلى النساء، حتى الشعبي فقيه ms003 أهل العراق لم ير في النظر إلى عائشة ~~بنت طلحة امرأة مصعب بن الزبير حراما الخ.. ثم يقول إن كل ما في العالم ~~مسخر # PageV01P008 # للإنسان وكل ما تقله الأرض متاع له. واقرب واطيب ما سخر له الأنثى لأنها ~~خلقت ليسكن إليها. وكل ما لم يحرمه الشرع محلل. والشرع لم يحرم سفور ~~المرأة. # ونلمس في الكتاب عصبية علوية لا نعهدها عند الجاحظ. فهو في باب محاسن ~~المفاخرة يغمز من قناة أبي بكر الصديق ويقول عنه أنه ليس من أشراف قريش. ~~ويحصى مثالب معاوية ومروان بن الحكم وعمرو بن العاص وزياد ابن أبيه أركان ~~البيت الأموي ويشهر بهم بينما يذكر فضائل البيت العلوي ويرددها مرارا. وإذا ~~كان الجاحظ يشارك صاحب المحاسن والأضداد في التنديد بمعاوية والأمويين كما ~~يتضح من رسالة العثمانية، ورسالة الحكمين، فإنه لا يشاطره موقفه من أبي بكر ~~الصديق الذي محضه كل اكبار وتقدير في جميع كتاباته. # واسلوب الكتاب يختلف عن اسلوب الجاحظ اختلافا ظاهرا. # فنحن لا نقع فيه على عبارة الجاحظ المتنوعة القصيرة، التي تمتاز بالرشاقة ~~والطبيعة والترادف المعنوي واللفظي، مع المحافظة على القوة والجمال: إن ~~عبارة الكتاب تعوزها الجزالة وتشوبها الركاكة وتقترب من العامية والسوقية ~~أحيانا. ولكنه كالجاحظ يتنكب جادة الحشمة والعفة في كلامه على النساء ~~والجماع. # وثمة بينة أخرى تدل على عدم صحة نسبة الكتاب للجاحظ هي ورود ذكر عبد الله ~~بن المعتز في الكتاب عدة مرات، مرفقا بنماذج من شعره وأقواله. ونحن نعلم أن ~~عبد الله بن المعتز عاش بعد الجاحظ وقتل سنة 908 م بعد يوم واحد من ارتقائه ~~عرش الخلافة في بغداد على يد مؤنس الخادم. وكان شاعرا رقيقا انيق اللفظ، ~~وألف كتابا في البديع وآخر في تاريخ الشعر اسمه طبقات الشعراء، وثالثا في ~~آداب الشراب والخمر اسمه «الجامع في الغناء» . # وإذا لم يكن الكتاب للجاحظ فمن هو صاحبه إذن؟ ليس لدينا # PageV01P009 # معرفة قاطعة به. ولكن ينبغي أن لا يكون من معاصري الجاحظ، بل من ~~المتأخرين عنه، من كتاب القرن العاشر الميلادي وما بعده. ms004 # وفي المكتبة العربية كتاب يشبه عنوانه عنوان كتاب المحاسن والأضداد اسمه ~~«المحاسن والمساوىء» تأليف إبراهيم بن محمد اليهقي الذي إتصل بإبن المعتز ~~ثم بالمقتدر الذي خلف ابن المعتز وحكم بين سنتي (295- 320 ه) وكتب له. وقد ~~حققه أبو الفضل إبراهيم وطبعته مكتبة نهضة مصر في القاهرة سنة 1966 م ولفت ~~نظره إشتراك أو تشابه الكتابين في كثير من النصوص والأخبار «مما حمله على ~~الظن أن مؤلفهما واحد أو أنهما كتابان أخذا من أصل مشترك» . من أبوابه: 1) ~~محاسن الكتب، نقلا عن الجاحظ، كما في المحاسن والأضداد، 2) محاسن رسول ~~الله، نقلا عن البيان والتبيين للجاحظ، 3) محاسن المعراج، 4) مساوىء من ~~تنبأ، 5) محاسن أبي بكر الصديق، 6) محاسن عمر بن الخطاب، 7) محاسن عثمان بن ~~عفان، 8) محاسن علي بن أبي طالب، 9) مساوىء من تنقص علي بن أبي طالب، 10) ~~محاسن الحسن والحسين، 11) محاسن المفاخرة، 12) محاسن النتاج المركب، 13) ~~محاسن الوفاء ومساوئه، 14) مساوىء العي وضعف العقل، 15) محاسن الحجاب ~~ومساوئه، 16) محاسن الصحة ومساوئها، 17) محاسن السخاء ومساوئه، 18) محاسن ~~صلات الشعراء ومساوئها، 19) محاسن الفقر وسماوئه، 20) محاسن ومساوىء حب ~~الوطن. الخ ### | ..... # والواقع أن ظن أبي الفضل إبراهيم لا يجانب الحقيقة. فإن الكتابين- اعني ~~المحاسن والأضداد المنسوب للجاحظ والمحاسن والمساوىء المنسوب للبيهقي- ~~يتطابقان في كثير من الموضوعات والمادة والنصوص وإن انفرد الكتاب الثاني ~~بإضافة موضوعات أخرى أو أبواب جديدة. # PageV01P010 # واعتقد أن إبراهيم بن محمد البيهقي هو مؤلف الكتابين. ألف الأول ونسبه ~~للجاحظ ليروج. ولما تحقق من رواجه عدل فيه قليلا وسماه المحاسن والمساوىء ~~ونسبه لنفسه. # وكتاب المحاسن والأضداد يخلو من الأصالة والجدة ويقتصر عمل صاحبه على ~~تجميع الأقوال والأشعار والأخبار والأقوال التي تتعلق بكل باب من أبوابه ~~الستين، وروايتها، دون شرح أو تعليق أو ابداء رأي. # فهو إذن من نوع أدب الرواية. وإذا كانت كتب الجاحظ حافلة بمثل هذا الأدب ~~إلا أن شخصية الجاحظ تبقى حاضرة: تنقد هذا الخبر، وتعلق على ذاك، وتفيد من ~~الأقوال التي تسوقها والأشعار التي ترويها لتأييد أرائها الأصيلة ومواقفها ~~المتميزة. # ويفتقر الكتاب إلى وحدة الموضوع، ويعجز عنوانه عن لم شعث نحو ms005 ستين موضوعا ~~مختلفا فيكتفي بربطها ربطا اعتباطيا مصطنعا. # ويستغرق موضوع المرأة نصف الكتاب تقريبا. ويترجم لثلاث نساء حرائر شاعرات ~~هن الخنساء وليلى الأخيلية وهند بنت عتبة أم معاوية ابن أبي سفيان، ويروي ~~شيئا من أشعارهن. ثم يورد أخبار عدة قيان منهن عنان جارية الناطفي وصاحبة ~~أبي نواس، وعريب جارية المأمون، ويروي شعر بعض الأعرابيات. # ثم يذكر صفات المرأة الجميلة على لسان اعرابي يقول لمن سأله: اتحسن صفة ~~النساء؟ «نعم إذا عذب ثناياها، وسهل خداها، ونهد ثدياها، ونعم ساعدها، ~~والتف فخذاها، وعرض وركاها، وجدل ساقاها، فتلك هم النفس ومناها» . وعلى ~~لسان عبد الله بن المعتز الذي يقول: # وحياة من جرج الفؤاد بطرفه ... لأحبرن قصائدي في وصفه # قمر به قمر السماء متيم ... كالغصن يعجب نصفه من نصفه # PageV01P011 # إني عجبت لخصره من ضعفه ... ماذا تحمل من ثقالة ردفه # هذا وما أدري بأية فتنة ... جرح الفؤاد بلطفه أم ظرفه # أم بالدلال أم الجمال أم الضيا ... من وجهه أم بالقفا من خلفه # أما صفات المرأة الخلقية فقد جمعت في قول بعضهم «لا تتزوجن حنانة ولا ~~منانة ولا عشبة الدار، ولا كية القفا» الحنانة هي التي تزوجها رجل من قبل ~~وتحن إليه، والأنانة هي التي تئن من غير علة، والمنانة التي لها مال تمنن ~~به. وعشبة الدار الحسناء في أصل السوء، وكية القفا ذات السمعة السيئة. # ويقدم الكتاب عن المرأة صورة سيئة تروي أخبارا كثيرة عن مكرها وخيانتها ~~وفحشها واغوائها ويدعو إلى ضرب الحجاب عليها لكي لا تفتن الرجل وتورده ~~موارد الهلكة. # وثمة موضوع آخر يسترعي الأنتباه طرقه صاحب الكتاب هو الغناء وأخبار ~~الشعراء والمغنين، لا يختلف في اسلوبه عن أبي الفرج الأصفهاني (897- 967 م) ~~في كتابه «الأغاني» . فهو يروي لنا أخبار إبراهيم الموصلي والرشيد وعلية ~~أخته، وأخبار عمر بن أبي ربيعة مع الثريا وابنة عبد الملك بن مروان ~~والأشعار التي نظمها فيهما أو التي غنيت. ثم أخبار كثير عزة، وجميل بثينة، ~~وذي الرمة، وأبي نواس والغلمان الخ.. وهذا التشابه بين «الأغاني» والمحاسن ~~والأضداد يحملنا على ms006 الظن أن صاحب الكتاب تأثر بأبي الفرج الأصفهاني واستقى ~~من كتابه الشهير وعاصره أو عاش بعده. # ونلفي في الكتاب كمية من الأمثال. والمثل أنواع ثلاثة حكمي وسائر وخرافي. ~~ولا يوجد سوى مثلين اثنين من الأمثال الخرافية هما مثل الثعلب وملك الطيور، ~~ومثل الغراب والحمامة. والمثل الخرافي قصة قصيرة أبطالها من الحيوانات ~~وتنطوي على حكمة أو ترمز إلى رأي. وأهم # PageV01P012 # أثر عربي في هذا الفن كتاب كليلة ودمنة الذي نقله ابن المقفع في مطلع ~~الدولة العباسية من الفارسية إلى العربية. وتبدو لغة المثلين قريبة من لغة ~~كليلة ودمنة وكذلك اسلوبهما مما يحملنا على القول أن صاحب المحاسن والأضداد ~~تأثر بكليلة ودمنة. # أما الأمثال السائرة فعديدة وردت متفرقة في تضاعيف الكتاب. # والمثل السائر جملة قصيرة ترمز إلى حادثة نادرة جرت لبعض الناس أو قالها ~~أحدهم بمناسبتها، فشاعت وسارت على الألسن، ورددها الناس في الحوادث ~~المشابها. أهمها «أحمق من هبنقة» ، «وأحمق من دغة» ، «وأحمق من باقل» (باب ~~محاسن الدهاء والحيل) . ومنها المثل «لا هنك انقيت ولا ماءك أبقيت» ، ~~والمثل «في الصيف ضيعت اللبن» (باب أمثال في التزويج) . ومنها المثل «تجوع ~~الحرة ولا تأكل بثدييها» (باب المطلقات) . والمثل «ويل للشجي من الخلي» ~~«وعند جهينة الخبر اليقين» (باب مساوىء مكر النساء) . ثم المثل «العجب كل ~~العجب بين جمادى ورجب» . والمثل «سبق السيف العذل» (باب محاسن الغيرة) . # ونجد في كتب الجاحظ كثيرا من الأمثال السائرة الواردة في المحاسن ~~والأضداد وكذلك نجد الميداني (518 ه) يؤلف كتابا ضخما يجمع الأمثال هو ~~«مجمع الأمثال» . ولا بد أن الميداني أفاد منهما. # وهناك مصدر آخر استمد منه الكتاب الكثير من مادته هو الآداب الفارسية. ~~ويبدو أن صاحبه يعرف اللغة الفارسية فهو مثلا يورد توقيع عبد الله بن طاهر ~~«من سعى رعى، ومن لزم المنام رأى الأحلام» ثم يعلق عليه قائلا: هذا المعنى ~~سرقه من توقيعات أنو شروان فإنه يقول «هرك روذ حرد هرك خسبد خراب ببند» . ~~ويقول في مكان آخر: «وجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة مكتوب ms007 عليه: ~~كن لما لا # PageV01P013 # ترجو أرجى منك لما ترجو، فإن موسى عليه السلام خرج ليقبس نارا، فنودي ~~بالنبوة» (باب محاسن الرزق) . ويرجع إلى تاريخ الفرس فيروي بعض أخباره عن ~~الكسروي ويحدثنا عن النيروز والمهر جان وتاريخهما وشعائر هما، وعن الفهليد ~~المغني وأخباره مع كسرى ابرويز الخ، والهدايا التي تقدمها ملوك الأمم إلى ~~ملوك فارس والتي يقدمها ملوك الفرس إلى سائر الملوك (باب محاسن الهدايا وما ~~قبله) . ثم إن بعض الأبواب خصصت برمتها للحديث عن ملوك الفرس وعلاقاتهم ~~بالنساء مثل باب محاسن وفاء النساء، وباب غدر النساء. # ونلمح في الكتاب أثرا نصرانيا، يتمثل في رواية المؤلف قصة النعمان ملك ~~الحيرة مع شريك بن شراحبيل والطائي الذي أتاه في يوم نحسه فأمر بقتله، ~~فاستمهله الطائي ريثما يأتي أولاده وزوجته ليودعهم ويوصي بهم. وضمنه شريك ~~بن شراحبيل. ووفى الطائي بوعده وعاد في الوقت المحدد فأعجب النعمان بوفائه ~~وسأله عن دينه فأجابه: ديني النصرانية فتنصر النعمان لأن النصرانية دين ~~الوفاء (باب محاسن الوفاء) . وفي رواية خبر الصبي الذي مات ثم عاد إلى ~~الحياة بدعاء أمه. والخبر يرويه المؤلف عن إبراهيم بن عبد الله عن أنس بن ~~مالك. # وكان الصبي من الأنصار مرض فمات، «فمدت أمه يدها إلى السماء وقالت: اللهم ~~إنك تعلم أني أسلمت لك، وهاجرت إلى نبيك محمد صلوات الله عليه، رجاء أن ~~تغيثني عند كل شدة، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم، فكشف ابنها الذي سجيناه ~~وجهه، وما برحنا حتى طعم وشرب وطعمنا معه» وهذا الخبر يشبه خبر اليعازر ~~الوارد في الكتاب المقدس. ونقع في الكتاب على أقوال لعيسى بن مريم (باب ~~محاسن الثقة بالله) . # كذلك نلفي في الكتاب أثرا يهوديا يتمثل برواية قصة السمؤال بن عادياء ~~الشاعر الذي وفى بوعده وحفظ الأمانة التي أودعها عنده الشاعر # PageV01P014 # امرؤ القيس، وضحى من أجل وفائه بابنه (محاسن الوفاء) . كما يبدو في ~~الحديث المنسوب إلى النبي صلى الله عليه وسلم والذي يجعل اليهود أكرم الناس ~~نسبا. لقد سئل النبي عن أكرم الناس نسبا فأجاب «يوسف الصديق، ms008 صديق الله بن ~~يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن إبراهيم خليل الله، فأين مثل ~~هؤلاء الآباء في جميع الدنيا ما كان مثلهم ولا يكون مثلهم أحد أبدا» (باب ~~محاسن المفاخرة) . # إن هذه الأقوال والأخبار التي تبين فضائل الفرس والنصارى واليهود تخفي ~~خلفها شعوبية متنكرة. ونحن نعلم أن الجاحظ حمل على الشعوبية التي كانت تبغض ~~العرب وتكيد لهم وتحاول تشويه دينهم وتزوير تاريخهم بالدس والنحل والتوليد. ~~وموقف الجاحظ من النصارى واليهود يختلف عن موقف صاحب المحاسن والأضداد ومن ~~يقرأ رسالة النصارى يتضح له بجلاء أن أبا عثمان لم يكن راضيا عنهم ولا عن ~~الفرس حملة لواء الشعوبية. # وعلى الرغم من هذه الملامح الفارسية والنصرانية واليهودية يبقى الكتاب ~~أثرا من صميم الآداب العربية كالبيان والتبيين للجاحظ والكامل للمبرد ~~والعقد الفريد لابن عبد ربه. أنه يحشد كمية لا بأس بها من أجمل ما تفوه به ~~ابيناء العرب في الكتب والمكاتبات والجوابات وحفظ اللسان والمشورة والشكر ~~والصدق والعفو والصداقة والوفاء والكرم والبخل والشجاعة والموعظة والزهد ~~والمرأة والهدايا الخ.. ويترجم لبعض الشعراء ويروي الكثير من أشعارهم ~~ابتداء بامرىء القيس الجاهلي حتى عبد الله بن المعتز 908 م مرورا بالأخطل ~~وكثير وذي الرمة وأبي تمام وأبي نواس الخ.. ويروي الكثير من أخبار خلفاء ~~الدولة الأموية والدولة العباسية وقوادهم، هذا عدا الأحاديث النبوية ~~الشريفة وأقوال الخلفاء الراشدين الأربعة في مختلف الموضوعات التي عرض لها. # PageV01P015 # لقد حاول صاحب كتاب المحاسن والأضداد أن يقلد الجاحظ فلم يستطع، وظهر ~~زيفه لأن اسلوبه يختلف عن أسلوب الجاحظ، وتفكيره يتعارض مع تفكير الجاحظ. ~~أنه يفتقر إلى أصالة الجاحظ وعبقريته الأدبية والفلسفية. وحسبنا في هذه ~~المقدمة أننا أمطنا اللثام عن هذه المسألة. # بيروت في 1/8/1988 علي بوملحم # PageV01P016 # بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على رسوله، ~~سيدنا محمد، وآله أجمعين. ### | مقدمة # قال أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ، رحمه الله: «إني ربما ألفت الكتاب ~~المحكم المتقن في الدين، والفقه، والرسائل، والسيرة، والخطب، والخراج، ~~والأحكام، وسائر فنون الحكمة، وأنسبه ms009 إلى نفسي، فيتواطأ على الطعن فيه ~~جماعة من أهل العلم بالحسد والمركب فيهم، وهم يعرفون براعته وفصاحته؛ وأكثر ~~ما يكون هذا منهم إذا كان الكتاب مؤلفا لملك معه المقدرة على التقديم، ~~والتأخير، والحط، والرفع، والترهيب، والترغيب، فإنهم يهتاجون عنذ ذلك، ~~اهتياج الإبل المغتلمة. فإن أمكنتهم الحيلة في إسقاط ذلك الكتاب عند السيد ~~الذي ألف له، فهو الذي قصدوه وأرادوه، وإن كان السيد المؤلف فيه الكتاب ~~نحريرا نقابا، ونقريسا بليغا، وحاذقا فطنا، وأعجزتهم الحيلة، سرقوا معاني ~~ذلك الكتاب، وألفوا من أعراضه وحواشيه كتابا وأهدوه إلى ملك آخر، ومتوا ~~إليه به، وهم قد ذموه وثلبوه لما رأوه منسوبا إلي، وموسوما بي. # وربما ألفت الكتاب الذي هو دونه في معانيه وألفاظه، فأترجمه باسم غيري، ~~وأحيله على من تقدمني عصره مثل ابن المقفع والخليل وسلم صاحب بيت الحكمة، ~~ويحيى بن خالد، والعتابي، ومن أشبه هؤلاء من مؤلفي # PageV01P017 # الكتب، فيأتيني أولئك القوم بأعيانهم، الطاعنون على الكتاب الذي كان أحكم ~~من هذا الكتاب، لا ستنساخ هذا الكتاب وقراءته علي، ويكتبونه بخطوطهم، ~~ويصيرونه إماما يقتدون به ويتدار سونه بينهم، ويتأدبون به، ويستعملون ~~ألفاظه ومعانيه في كتبهم وخطاباتهم، ويروونه عني لغيرهم من طلاب ذلك الجنس، ~~فتثبت لهم به رياسة يأتم بهم قوم فيه، لأنه لم يترجم باسمي، ولم ينسب إلى ~~تأليفي» «1» . # وهذا كتاب وسمته (بالمحاسن والأضداد) لم أسبق إلى نحلته، ولم يسألني أحد ~~صنعه؛ ابتدأته بذكر محاسن الكتابة، والكتب، وختمته في ذكر شيء من محاسن ~~الموت، والله يكلؤه من حاسد إذا حسد «2» . # PageV01P018 ### | محاسن الكتابة والكتب # كانت العجم تقيد مآثرها بالبنيان والمدن والحصون، مثل بناء ازدشير وبناء ~~اصطخر، وبناء المدائن والسدير، والمدن والحصون، ثم أن العرب شاركت العجم في ~~البنيان، وتفردت بالكتب والأخبار، والشعر والآثار؛ فلها من البنيان غمدان، ~~وكعبة نجران، وقصر مأرب، وقصر مارد، وقصر شعوب، والأبلق الفرد وغير ذلك من ~~البنيان، وتصنيف الكتب أشد تقييدا للمآثر على ممر الأيام والدهور من ~~البنيان، لأن البناء لا محالة يدرس، وتعفى رسومه، والكتاب باق يقع من قرن ~~إلى قرن، ومن ms010 أمة إلى أمة، فهو أبدا جديد، والناظر فيه مستفيد، وهو أبلغ في ~~تحصيل المآثر من البنيان والتصاوير. وكانت العجم تجعل الكتاب في الصخور، ~~ونقشا في الحجارة، وخلقة مركبة في البنيان، فربما كان الكتاب هو الناتيء، ~~وربما كان هو المحفور، إذا كان ذلك تاريخا لأمر جسيم، أو عهدا لأمر عظيم، ~~أو عظيم، أو موعظة يرتجى نفعها، أو أحياء شرف يريدون تخليد ذكره، كما كتبوا ~~على قبة غمدان وعلى باب القيروان، وعلى باب سمرقند، وعلى عمود مأرب، وعلى ~~ركن المقشعر، وعلى الأبلق الفرد، وعلى باب الرها؛ يعمدون إلى المواضع ~~المشهورة والأماكن المذكورة، فيضعون الخط في أبعد المواضع من الدثور، ~~وأمنعها من الدروس. وأجدر أن يراه من مر به، ولا ينسى على وجه الدهور «1» . # ولولا الحكم المحفوظة والكتب المدونة، لبطل أكثر العلم، ولغلب # PageV01P019 # سلطان النسيان سلطان الذكر، ولما كان للناس مفزع إلى موضع استذكار، ولو ~~لم يتم ذلك لحرمنا أكثر النفع، ولولا ما رسمت لنا الأوائل في كتبها، وخلدت ~~من عجيب حكمتها، ودونت من أنواع سيرها، حتى شاهدنا بها ما غاب عنا، فتحنا ~~بها كل مستغلق، فجمعنا إلى قليلنا كثيرهم، وأدركنا ما لم نكن ندركه إلا ~~بهم، لقد بخس حظنا منه، وأهل العلم والنظر وأصحاب الفكر والعبر، والعلماء ~~بمخارج الملل وأرباب النحل، وورثة الأنبياء وأعوان الخلفاء، يكتبون كتب ~~الظرفاء والصلحاء، وكتب الملاهي، وكتب أعوان الصلحاء وكتب أصحاب المراء ~~والخصومات، وكتب السخفاء وحمية الجاهلية، ومنهم من يفرط في العلم أيام ~~خموله وترك ذكره وحداثة سنه، ولولا جياد الكتب وحسانها لما تحركت همم هؤلاء ~~لطلب العلم، ونازعت إلى حب الكتب، وألفت من حال الجهل وإن يكونوا في غمار ~~الوحش، ولدخل عليهم من الضرر والمشقة وسوء الحال ما عسى أن يكون لا يمكن ~~الإخبار عن مقداره إلا بالكلام الكثير «1» . # وسمعت محمد بن الجهم يقول: «إذا غشيني النعاس في غير وقت النوم تناولت ~~كتابا فأجد اهتزازي للفوائد الأريحية التي تعتريني من سرور الإستنباه وعز ~~التبين، أشد إيقاظا من نهيق الحمار، وهدة الهدم، فإني إذا استحسنت كتابا ~~واستجدته ms011 ورجوت فائدته، لم أوثر عليه عوضا، ولم أبغ به بدلا، فلا أزال أنظر ~~فيه ساعة بعد ساعة، كم بقي من ورقة مخافة استنفاده، وانقطاع المادة من ~~قبله» «2» . # وقال ابن داحة: «كان عبد الله بن عبد العزيز بن عبد الله بن عمر بن ~~الخطاب لا يجالس الناس فنزل مقبرة من المقابر وكان لا يزال في يده كتاب ~~يقرؤه، فسئل عن ذلك فقال: «لم أر أوعظ من قبر ولا آنس من كتاب، ولا أسلم من ~~الوحدة» «3» . # PageV01P020 # وأهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفترا وكتب معه: «هديتي هذه، أعزك الله، ~~تزكو على الإنفاق، وتربو على الكد، لا تفسدها العواري، ولا تخلقها كثرة ~~التقليب، وهي إنس في الليل والنهار والسفر والحضر تصلح للدنيا والآخرة تؤنس ~~في الخلوة وتمنع من الوحدة، مسامر مساعد، ومحدث مطواع، ونديم صدق. # وقال بعض الحكماء: «الكتب بساتين العلماء» وقال آخر: «ذهبت المكارم إلا ~~من الكتب» . # قال الجاحظ: وأنا أحفظ وأقول: «الكتاب نعم الذخر والعقدة، والجليس ~~والعمدة، ونعم النشرة ونعم النزهة، ونعم المشتغل والحرفة، ونعم الأنيس ساعة ~~الوحدة، ونعم المعرفة ببلاد الغربة، ونعم القرين والدخيل والزميل، ونعم ~~الوزير والنزيل. والكتاب وعاء مليء علما، وظرف حشي ظرفا، وإناء شحن مزاحا، ~~إن شئت كان أعيا من باقل، وإن شئت كان أبلغ من سحبان وائل، وإن شئت سرتك ~~نوادره، وشجتك مواعظه، ومن لك بواعظ مله، وبناسك فاتك، وناطق أخرس؛ ومن لك ~~بطبيب أعرابي، ورومي هندي، وفارسي يوناني، ونديم مولد، ونجيب ممتع؛ ومن لك ~~بشيء يجمع الأول والآخر، والناقص والوافر، والشاهد والغائب، والرفيع ~~والوضيع، والغص والسمين، والشكل وخلافه، والجنس وضده؛ وبعد فما رأيت بستانا ~~يحمل في ردن، وروضة تنقل في حجر، ينطق عن الموتى ويترجم عن الأحياء، ومن لك ~~بمؤنس لا ينام إلا بنومك ولا ينطق إلا بما تهوى، آمن من الأرض وأكتم للسر ~~من صاحب السر، وأحفظ للوديعة من أرباب الوديعة؛ ولا أعلم جارا آمن، ولا ~~خليطا أنصف، ولا رفيقا أطوع، ولا معلما أخضع، ولا صاحبا أظهر كفاية وعناية، ~~ولا أقل املالا ولا إبراما، ms012 ولا أبعد من مراء، ولا أترك لشغب، ولا أزهد في ~~جدال، ولا أكف في قتال من كتاب، ولا أعم بيانا، ولا أحسن مؤاتاة، ولا اعجل ~~مكافأة، ولا شجرة أطول عمرا، ولا أطيب ثمرا، ولا أقرب مجتنى، ولا أسرع ~~إدراكا، ولا أوجد في كل إبان من كتاب. ولا اأعلم نتاجا في حداثة سنه، وقرب ~~ميلاده، ورخص ثمنه وإمكان وجوده، يجمع من السير العجيبة، والعلوم # PageV01P021 # الغريبة، وآثار العقول الصحيحة ومحمود الأذهان اللطيفة، ومن الحكم ~~الرفيعة، والمذاهب القديمة، والتجارب الحكيمة والأخبار عن القرون الماضية، ~~والبلاد النازحة، والأمثال السائرة والأمم البائدة ما يجمعه كتاب. # ومن لك بزائر إن شئت كانت زيارته غبا وورده خمسا، وإن شئت لزمك لزوم ظلك، ~~وكان منك كبعضك. والكتاب هو الجليس الذي لا يطريك، والصديق الذي لا يقليك، ~~والرفيق الذي لا يملك، والمستمع الذي لا يستزيدك، والجار الذي لا يستبطئك، ~~والصاحب الذي لا يريد استخراج ما عندك بالملق، ولا يعاملك بالمكر، ولا ~~يخدعك بالنفاق. # والكتاب هو الذي إن نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحذ طباعك، وبسط لسانك، وجود ~~بيانك، وفخم ألفاظك وبجح نفسك، وعمر صدرك، ومنحك تعظيم العوام وصداقة ~~الملوك، يطيعك بالليل طاعته بالنهار، وفي السفر طاعته في الحضر، وهو المعلم ~~إن افتقرت إليه لا يحقرك، وإن قطعت عنه المادة لم يقطع عنك الفائدة، وإن ~~عزلت لم يدع طاعتتك، وإن هبت ريح أعدائك لم ينقلب عليك، ومتى كنت متعلقا ~~منه بأدنى حبل لم تضطرك معه وحشة الوحدة إلى جليس السوء، وإن أمثل ما يقطع ~~به الفراغ نهارهم وأصحاب الكفايات ساعات ليلهم، نظر في كتاب لا يزال لهم ~~فيه ازياد في تجربة، وعقل ومروءة وصون عرض وإصلاح دين، وتثمير مال، ورب ~~صنيعة، وابتداء إنعام. ولو لم يكن من فضله عليك، وإحسانه إليك، إلا منعه لك ~~من الجلوس على بابك، والنظر إلى المارة بك مع ما في ذلك من التعرض للحقوق ~~التي تلزم، ومن فضول النظر وملابسة صغار الناس، ومن حضور ألفاظهم الساقطة، ~~ومعانيهم الفاسدة، وأخلاقهم الردية، وجهالتهم المذمومة، لكان في ذلك ~~السلامة ms013 والغنيمة، واحراز الأصل مع استفادة الفرع؛ ولو لم يكن في ذلك إلا ~~أنه يشغلك عن سخف المنى، واعتياد الراحة، وعن اللعب، وكل ما تشتهيه، لقد ~~كان له في ذلك على صاحبه اسبغ النعم، وأعظم المنة «1» . # PageV01P022 # وجملة الكتاب وإن كثر ورقه، فليس مما يمل لأنه وإن كان كتابا واحدا، فإنه ~~كتب كثيرة في خطابه، والعلم بالشريعة والأحكام، والمعرفة بالسياسة ~~والتدبير، وقال مصعب بن الزبير: إن الناس يتحدثون بأحسن ما يحفظون، ويحفظون ~~أحسن ما يكتبون، ويكتبون أحسن ما يسمعون، فإذا أخذت الأدب فخذه من أفواه ~~الرجال، فإنك لا ترى ولا تسمع إلا مختارا ولؤلؤا منظوما» . # وقال لقمان لابنه: «يا بني نافس في طلب العلم، فإنه ميراث غير مسلوب، ~~وقرين غير مرغوب، ونفيس حظ من الناس وفي الناس مطلوب» . # وقال الزهري: «الأدب ذكر لا يحبه إلا الذكور من الرجال ولا يبغضه إلا ~~مؤنثهم» . وقال: «إذا سمعت أدبا فاكتبه ولو في حائط» ، وقال منصور بن ~~المهدي للمأمون: «أيحسن بنا طلب العلم والأدب» ؟ قال: «والله لأن أموت ~~طالبا للأدب خير لي أن أعيش قانعا بالجهل» . قال: «فإلى متى يحسن بي ذلك» ؟ ~~قال: «ما حسنت الحياة بك» . # PageV01P023 ### | مساويء اللحن في اللغة # «1» # وضده الحديث المرفوع: «رحم الله عبدا أصلح من لسانه» . وكان الوليد بن ~~عبد الملك لحنة فدخل عليه إعرابي يوما فقال: «أنصفني من ختني يا أمير ~~المؤمنين» ، فقال: «ومن ختنك» ؟ قال: «رجل من الحي لا أعرف اسمه» ، فقال ~~عمر بن عبد العزيز: # «إن أمير المؤمنين يقول لك من ختنك؟ فقال: «هو ذا بالباب» . # فقال الوليد لعمر: «ما هذا» ؟ قال: «النحو الذي كنت أخبرتك عنه» ، قال: ~~«لا جرم فإني لا أصلي بالناس حتى أتعلمه» . # قال: وسمع أعرابي مؤذنا يقول: «أشهد أن محمدا رسول الله» فقال: «يفعل ~~ماذا» ؟ # قال: وقال رجل لزياد: «أيها الأمير؟ إن أبينا ملك، وإن أخينا غصبنا على ~~ميراثنا من أبانا» فقال زياد: «ما ضيعت من نفسك أكثر مما ضاع من ميراث ~~أبيك، فلا رحم الله أباك حيث ترك ابنا مثلك» وقال مولى لزياد: أيها ms014 الأمير ~~احذوا لنا همار وهش، فقال: «ما تقول» ؟ فقال: «احذوا لنا إيرا» ، فقال ~~زياد: «الأول خير من الثاني» . # قال واختصم رجلان إلى عمر بن عبد العزيز فجعلا يلحنان: فقال الحجاب: # «قمنا فقد أوذيتما أمير المؤمنين» ، فقال عمر للحاجب: «أنت والله أشد ~~إذاء منهما» ؛ قال: وقال بشر المريسي، وكان كثير اللحن: «قضى لكم # PageV01P025 # الأمير على أحسن الوجوه وأهنؤها» ، فقال القاسم التمار: هذا على قوله: # إن سليمى والله يكلؤها ... ضنت بشيء ما كان يرزؤها # مكان احتجاج القاسم أطيب من لحن بشر. # قال: وكان زياد النبطي شديد اللكنة، وكان نحويا، فدعا غلامه ثلاثا، فلما ~~أجابه قال: «من لدن دأوتك إلى ديتني ما كنت تصنأ» ، يريد (دعوتك وجئتني ~~وتصنع) ، ومر ماسرجويه الطبيب بمعاذ بن مسلم فقال: يا مسارجويه: «إني لأجد ~~في حلقي بححا. قال: هو من عمل بلغم» . فلما جاوزه قال: تراني لا أحسن أن ~~أقول بلغم ولكنه قال بالعربية، فأجبته بضدها. # PageV01P026 ### | محاسن المخاطبات # حكوا عن ابن القرية «1» ، إنه دخل على عبد الملك بن مروان، فبينا عنده إذ ~~دخل بنو عبد الملك عليه فقال: «من هؤلاء الفتية يا أمير المؤمنين؟» قال: ~~«ولد أمير المؤمنين» ، قال: «بارك الله لك فيهم كما بارك لأبيك فيك، وبارك ~~لهم فيك كما بارك لك في أبيك» ، قال: فشحن فاه درا. # قال: وقال عمارة بن حمزة لأبي العباس، وقد أمر له بجوهر نفيس: # «وصلك الله يا أمير المؤمنين وبرك، فو الله لئن أردنا شكرك على أنعامك ~~ليقصرن شكرنا على نعمتك كما قصر الله بنا عن منزلتك» . قيل ودخل إسحاق بن ~~إبراهيم الموصلي على الرشيد فقال: ما لك؟ قال: # سوامي سوام المكثرين تجملا ... ومالي كما قد تعلمين قليل # وآمرة بالبخل قلت لها اقصري ... فذلك شيء ما إليه سبيل # وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى ... ورأي أمير المؤمنين جميل # أرى الناس خلان الجواد، ولا أرى ... بخيلا له في العالمين خليل # فقال الرشيد: «هذا والله الشعر الذي صحت معانيه، وقويت أركانه ومبانيه، ~~ولذ على أفواه القائلين وأسماع السامعين. يا غلام احمل إليه خمسين ms015 ألف ~~درهم» ، قال إسحاق: «يا أمير المؤمنين كيف أقبل صلتك، وقد مدحت شعري بأكثر ~~مما مدحتك به؟» قال الأصمعي: «فعلمت أنه أصيد # PageV01P027 # للدراهم مني» . # قال: ودخل المأمون، ذات يوم الديوان، فنظر إلى غلام جميل، على أذنه قلم، ~~فقال: «من أنت؟» قال: «أنا الناشيء في دولتك، المتقلب في نعمتك، المؤمل ~~لخدمتك، الحسن ابن رجاء» ، فقال المأمون: «بالإحسان في البديهة تتفاضل ~~العقول، يرفع عن مرتبة الديوان إلى مراتب الخاصة، ويعطي مائة ألف درهم ~~تقوية له» . # قال: ووصف يحيى بن خالد «1» الفضل بن سهل، وهو غلام على المجوسية للرشيد، ~~وذكر أدبه، وحسن معرفته، فعمل على ضمه إلى المأمون، فقال ليحيى يوما: «ادخل ~~إلى هذا الغلام المجوسي، حتى أنظر إليه فأوصله» فلما مثل بين يديه وو وقف، ~~تحير، فأراد الكلام فارتج عليه، فأدركته كبوة، فنظر الرشيد إلى يحيى نظرة ~~منكرة لما كان تقدم من تقريظه إياه، فانبعث الفضل بن سهل فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن من أبين الدلائل على فراهة «2» الملوك شدة إفراط هيبته لسيده» ~~، فقال له الرشيد: «أحسنت والله لئن كان سكوتك لتقول هذا إنه لحسن، ولئن ~~كان شيئا أدركك عند انقطاعك، إنه لأحسن وأحسن» ثم جعل لا يسأله عن شيء إلا ~~رآه فيه مقدما، فضمه إلى المأمون. # قال: وقال الفضل بن سهل للمأمون، وقد سأله حاجة لبعض أهل بيوتات دهاقين ~~«3» سمرقند كان وعده تعجيل إنفاذها فتأخر ذلك: «هب لوعدك مذكرا من نفسك ~~وهنيء سائلك حلاوة نعمتك، واجعل ميلك إلى ذلك في الكرم حثا على اصطفاء شكر ~~الطالبين، تشهد لك القلوب بحقائق الكرم، والألسن بنهاية الجود» ، فقال: «قد ~~جعلت إليك إجابة سؤالي عني بما ترى فيهم، وآخذك في القصير فيما يلزم لهم من ~~غير استثمار أو معاودة # PageV01P028 # في إخراج الصكاك من أحضر الأموال متناولا» ، قال: «إذن، لا تجدي معرفتي ~~بما يجب لأمير المؤمنين الهناء به بما يديم له منهم حسن الثناء، ويستمد ~~بدعائهم طول البقاء» . وقال الفضل بن سهل للمأمون: «يا أمير المؤمنين اجعل ~~نعمتك صائنة لوجوه خدمك عن إراقة مائها في غضاضة ms016 السؤال» ، فقال: «والله لا ~~كان ذلك إلا كذلك» . # قال ودخل العتابي على المأمون. فقال: «خبرت بوفاتك فغمتني، ثم جاءتني ~~وفادتك فسرتني» ، فقال: «يا أمير المؤمنين! كيف أمدحك، أم بماذا أصفك، ولا ~~دين إلا بك، ولا دنيا إلا معك؟» ، قال: «سلني ما بدا لك؟» قال: «يداك ~~بالعطية أطلق من لساني بالمسألة» . # قال: وقدم السعدي أبو وجزة «1» على المهلب بن أبي صفرة، فقال: # «أصلح الله الأمير. إني قد قطعت إليك الدهناء، وضربت إليك آباط الإبل من ~~يثرب» . قال: «فهل أتيتنا بوسيلة أو عشرة أو قرابة؟» ، قال: «لا، ولكني ~~رأيتك لحاجتي أهلا، فإن قمت بها، فأهل ذلك، وإن يحل دونها حائل، لم أذمم ~~يومك، ولم أيأس من غدك» . فقال المهلب: «يعطي ما في بيت المال» . فوجد مائة ~~ألف درهم، فدفعت إليه، فأخذها وقال: # «يا من على الجود صاغ الله راحته ... فليس يحسن غير البذل والجود # عمت عطاياك من بالشرق قاطبة ... فأنت والجود منحوتان من عود # وقد يجب على العاقل الراغب في الأدب أن يحفظ هذه المخاطبات، ويد من ~~قراءتها، وقد قال الأصمعي: # أما لو أعي كل ما أسمع ... وأحفظ من ذاك ما أجمع # ولم أستفد غير ما قد جمعت ... لقيل: أنا العالم المقنع # ولكن نفسي إلى كل شيء ... من العلم تسمعه، تنزع، # PageV01P029 # فلا أنا أحفظ ما قد جمعت ... ولا أنا من جمعه أشبع # وأقعد للجهل في مجلس ... وعلمي في الكتب مستودع # ومن يك في علمه هكذا ... يكن دهره القهقرى يرجع # يضيع من المال ما قد جمعت ... وعلمك في الكتب مستودع # إذا لم تكن حافظا واعيا ... فجمعك للكتب ما ينفع # وقال بعضعهم: «الحفظ مع الإقلال أمكن، وهو مع الإكثار أبعد. # وتغيير الطبائع زمن رطوبة الغصن أقبل» . وفيها قال الشاعر: # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبا خاليا فتمكنا # وقيل: «العلم في الصغر كالنقش في الحجر، والعلم في الكبر كالعلامة على ~~المدر..» فسمع ذلك، الأحنف، فقال: «الكبير أكثر عقلا ولكنه أكثر شغلا» ، ~~كما قال: # وإن من أدبته في الصبا ... كالعود يسقى الماء في غرسه ms017 # حتى تراه مورقا ناضرا ... بعد الذي أبصرت من يبسه # والصبي عن الصبي أفهم، وهو له آلف، وإليه أنزع؛ وكذلك العالم عن العالم، ~~والجاهل عن الجاهل. وقال الله تعالى: «ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا» ، لأن ~~الإنسان عن الإنسان أفهم، وطباعه بطباعه آنس. # وضده، قال: دخل أبو علقمة النحوي على أعين الطبيب، فقال: # «إني أكلت من لحوم الجوازيء «1» ، وطسئت طسأة «2» ، فأصابني وجع بين ~~الوابلة «3» إلى دأية «4» العنق؛ فلم يزل يربو وينمو حتى خالط الشراسيف «5» ~~؛ # PageV01P030 # فهل عندك دواء؟» قال: «نعم. خذ خوفقا وسربقا ورقرقا، فاغسله واشربه بماء» ~~. فقال: «لا أدري ما تقول» ، قال: «ولا أنا دريت ما قلت» . # قال: وقال يوما آخر: «إني أجد معمعة في قلبي، وقرقرة في صدري» ، فقال له: ~~«أما المعمعة فلا أعرفها، وأما القرقرة فهي ضراط غير نضيج» . # قال: وأتى رجل الهيثم بن العريان، بغريم له قد مطله حقه، فقال: # «أصلح الله الأمير! إن لي على هذا حقا قد غلبني عليه» . فقال له الآخر: # «أصلحك الله. إن هذا باعني عنجدا «1» ، واستنسأته «2» حولا، وشرطت عليه ~~أن أعطيه مياومة، فهو لا يلقاني في لقم «3» إلا اقتضاني ذهبا» . فقال له ~~الهيثم: «أمن بني أمية أنت» ؟ قال: لا. قال: «فمن بني هاشم أنت» ؟ # قال: لا. قال: «أفمن أكفائهم من العرب» ؟ قال: لا. قال: «ويلي عليك! ~~انزعوا ثيابه» . فلما أرادوا أن ينزعوا ثيابه قال: «أصلحك الله، إن إزاري ~~مرعبل» «4» . قال: «دعوه، فلو ترك الغريب في موضع لتركه في هذا الموضع» . # قال: ومر أبو علقمة ببعض الطرق، فهاجت به مرة، فوثب عليه قوم، فجعلوا ~~يعصرون إبهامه، ثم يؤذنون في أذنه. فأفلت من أيديهم، فقال: # «ما بالكم تتكأكأون «5» علي تكأكؤكم على ذي جنة؟ افرنقعوا «6» عني» . # فقال رجل منهم: «دعوه، فإن شيطانه يتكلم بالهندية» . # قال: وقا لحجام يحجمه: «اشدد قصب الملازم، وأرهف ظبة المشارط، وخفف ~~الوضع، وعجل النزع، وليكن شرطك وخزا، ومصك نهزا، ولا تكرهن أبيا، ولا تردن ~~أتيا» . فوضع الحجام محاجمه في جونته، وانصرف. # PageV01P031 ### | محاسن المكاتبات # قال كعب العبسي لعروة بن الزبير: قد أذنبت ذنبا إلى ms018 الوليد بن عبد الملك، ~~وليس يزيل غضبه شيء؛ فاكتب لي إليه، فكتب إليه: «لو لم يكن لكعب من قديم ~~حرمته ما يغفر له عظيم جريرته، لوجب أن لا تحرمه التفيؤ بظل عفوك الذي ~~تأمله القلوب، ولا تعلق به الذنوب. وقد استشفع بي إليك، فوثقت له منك بعفو ~~لا يخالطه سخط. فحقق أمله، وصدق ثقتي بك، تجد الشكر وافيا بالنعمة» . # فكتب إليه الوليد: «قد شكرت رغبته إليك، وعفوت عنه لمعوله عليك، وله عندي ~~ما يحب، فلا تقطع كتبك عني في أمثاله وفي سائر أمورك» . # وكتب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر إلى بعض إخوانه: «أما بعد، ~~فقد عاقني الشك عن عزيمة الرأي، ابتدأتني بلطف من غير خبرة، ثم أعقبتني ~~جفاء من غير ذنب. فأطمعني أولك في إحسانك، وأيأسني آخرك من وفاتك. فلا أنا ~~في غير الرجاء مجمع لك اطراحا، ولا في غد انتظره منك على ثقة. فسبحان من لو ~~شاء كشف إيضاح الرأي فيك، فأقمنا على ائتلاف أو افترقنا على اختلاف» «1» . # قال: وسخط مسلمة بن عبد الملك على العريان بن الهيثم، فعزله عن # PageV01P033 # شرطة الكوفة، فشكا ذلك إلى عمر بن عبد العزيز، فكتب إليه: «إن من حفظ ~~أنعم الله؛ رعاية ذوي الإحسان؛ ومن إظهار شكر الموهوب، صفح القادر عن ~~الذنب، ومن تمام السؤدد حفظ الودائع، واستتمام الصنائع. وقد كنت أودعت ~~العريان نعمة من أنعمك، فسلبتها عجلة سخطك، وأنصفته غضبته، على أن وليته ثم ~~عزلته وخليته، وأنا شفيعه؛ فأحب أن تجعل له من قلبك نصيبه، ولا تخرجه من ~~حسن رأيك، فتضيع ما أودعته وتتوى ما أفسدئه» . فعفا عنه، ورده إلى عمله. # قال: وغضب سليمان بن عبد الملك على ابن عبيد مولاه، فشكا إلى سعيد بن ~~المسيب ذلك، فكتب إليه: «أما بعد، فإن أمير المؤمنين في الموضع الذي يرتفع ~~قدره عما تقتضيه رعيته، وفي عفو أمير المؤمنين سعة للمسيئين» ، فرضي عنه. # قال: وطلب العتابي «2» من رجل حاجة، فقضى له بعضها، ومطله ببعض. فكتب ~~إليه: «أما بعد، فقد تركتني منتظرا لوعدك، ms019 منتجزا لرفدك. وصاحب الحاجة ~~محتاج إلى نعم هنيئة. أو لا، مريحة؛ والعذر الجميل أحسن من المطل الطويل. ~~وقد قلت بيتي شعر: # بسطت لساني ثم أو ثقت نصفه ... فنصف لساني بامتداحك مطلق # فإن أنت لم تنجز عداتي تركتني ... وباقي لسان الشكر بالناس موثق» # قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون في رجل من بين ضبة، يستشفع له ~~بالزيادة في منزلته، وجعل كتابه تعريضا: «أما بعد، فقد استشفع بي فلان، يا ~~أمير المؤمنين، لتطولك علي، في إلحاقه بنظرائه من الخاصة فيما يرتزقون به؛ ~~وأعلمته أن أمير المؤمنين لم يجعلني في مراتب المستشفعين، وفي ابتدائه بذلك ~~تعدي طاعته. والسلام» . فكتب إليه # PageV01P034 # المأمون: «قد عرفنا تصريحك له، وتعريضك لنفسك، وأجبناك إليهما، ووقفناك ~~عليهما» . # قال: وكتب عمرو بن مسعدة إلى المأمون كتابا يستعطفه على الجند: # «كتابي إلى أمير المؤمنين، ومن قبلي من أجناده وقواده في الطاعة ~~والانقياد على أحسن ما تكون عليه طاعة جند تأخرت أرزاقهم، واختلت أحوالهم» ~~فقال المأمون: «والله لأقضين حق هذا الكلام» ، وأمر بإعطائهم لثمانية أشهر. # قال: وقدم رجل من أبناء دهاقين قريش على المأمون لعدة سلفت منه، فطال على ~~الرجل انتظار خروج أمر المأمون، فقال لعمرو بن مسعدة: # «توسل في رقعة مني إلى أمير المؤمنين تكون أنت الذي تكتبها، تكن لك علي ~~نعمتان» . فكتب: «إن رأى أمير المؤمنين أن يفك أسر عبده من ربقة المطل ~~بقضاء حاجته، ويأذن له في الانصراف إلى بلده، فعل إن شاء الله» . فلما قرأ ~~المأمون الرقعة، دعا عمرا، فجعل يعجبه من حقن لفظها، وإيجاز المراد، فقال ~~عمرو: «فما نتيجتها يا أمير المؤمنين» ؟ قال: # «الكتاب له في هذا الوقت بما وعدناه، لئلا يتأخر فضل استحساننا كلامه، ~~وبجائزة مائة ألف درهم، صلة عن دناءة المطل وسماجة الأغفال» ، ففعل ذلك له. # وحدثنا إسماعيل بن أبي شاكر، قال: لما أصاب أهل مكة السيل الذي شارف ~~الحجر، ومات تحته خلق كثير، كتب عبيد الله بن الحسن العلوي، وهو والي ~~الحرمين إلى المأمون: «إن أهل حرم الله، وجيران بيته، وآلاف مسجده وعمرة ms020 ~~بلاده، قد استجاروا بعز معروفك من سيل تراكمت أخرياته في هدم البنيان، وقتل ~~الرجال والنسوان، واجتياح الأصول، وجرف الأبقال، حتى ما ترك طارفا ولا ~~تالدا للراجع إليهما في مطعم، ولا ملبس. فقد شغلهم طلب الغذاء عن الاستراحة ~~إلى البكاء على الأمهات والأولاد والآباء والأجداد، فأجرهم يا أمير ~~المؤمنين بعطفك عليهم، وإحسانك إليهم تجد الله مكافئك عنهم، ومثيبك عز ~~الشكر منهم» . # PageV01P035 # قال: فوجه إليهم المأمون بالأموال الكثيرة، وكتب إلى عبيد الله: أما بعد ~~فقد وصلت شكيتك لأهل حرم الله أمير المؤمنين فباكاهم بقلب رحمته وأنجدهم ~~بسبب نعمته وهو متبع ما أسلف إليهم بما يخلفه عليهم عاجلا وآجلا، إن أذن ~~الله في تثبيت عزمه على صحة نيته؛ قال: فصار كتابه هذا آنس لأهل مكة من ~~الأموال التي أنفذها إليهم. # قال: وكتب جعفر بن محمد بن الأشعث إلى يحيى بن خالد يستعفيه من العمل: ~~«شكري لك على ما أريد الخروج منه شكر من سأل الدخول فيه» ، قال وكتب علي بن ~~هشام إلى إسحاق بن إبراهيم الموصلي: «ما أدري كيف أصنع؟ أغيب فأشتاق، ~~وألتقي ولا أشتفي، ثم يحدث لي اللقاء الذي طلبت منه الشفاء، نوعا من الحرقة ~~للوعة الفرقة» . قال: وكتب معقل إلى أبي دلف: «فلان جميل الحال عند الكرام، ~~فإن أنت لم ترتبطه بفضلك عليه، فعل غيرك» . وكتب أبو هاشم الحربي إلى بعض ~~الأمراء: «غرضي من الأمير معوز، والصبر على الحرمان معجز» . وكتب آخر إلى ~~صديق له: # «أما بعد، فقد أصبح لنا من فضل الله ما لا نحصيه، مع كثرة ما نعصيه، وما ~~ندري ما نشكر: أجمل ما نشر، أم كثير ما ستر، أم عظيم ما أبلى، أم كثير ما ~~عفا؟ غير أنه يلزمنا في كل الأمور شكره، ويجب علينا حمده فاستزد الله في ~~حسن بلائه، كشكرك على حسن آلائه» . # وضده، قال الجاحظ: كتب ابن المراكبي إلى بعض ملوك بغداد: # «جعلت فداك، برحمته» . قال: وقرأت على عنوان كتاب لأبي الحسن الشمري: ~~«للموت لنا قبلة» ، وقرأت أيضا على عنوان كتاب: «إلى الذي كتب إلي» ms021 . # PageV01P036 ### | محاسن الجواب # قال: دخل رجل على كسرى أبرويز، فشكا إليه عاملا على ضيعة له، فقال له ~~كسرى: «منذ كم هي في يدك؟» قال: «منذ أربعين سنة» ، قال: «فأنت تأكلها ~~أربعين سنة ما عليك أن يأكل عاملي منها سنة واحدة؟» فقال: «وما كان على ~~الملك أن يأكل بهرام جور الملك سنة واحدة؟» فقال: «ادفعوا في قفاه فأخرجوه» ~~، فلما خرج أمكنته التفاتة، فقال: # «دخلت بمظلمة وخرجت بثنتين» . فقال كسرى: «ردوه» ، وأمر برد ضيعته، وصيره ~~في خاصته. # ويقال: إن سعيد بن مرة الكندي، حين أتى معاوية قال له: «أنت سعيد» ، قال: ~~«أمير المؤمنين سعيد، وأنا ابن مرة» . # قال: ودخل السيد بن أنس الأزدي على المأمون، فقال: «أنت السيد» ؟ فقال: ~~«أنت السيد يا أمير المؤمنين، وأنا ابن أنس» . قال: وقيل للعباس بن عبد ~~المطلب: «أنت أكبر أم رسول الله صلى الله عليه وسلم» ؟ قال: «هو عليه ~~الصلاة والسلام أكبر مني، وأنا ولدت قبله» . قال: وقال الحجاج للمهلب: # «أنا أطول أم أنت» ؟ قال: «الأمير أطول وأنا أبسط قامة منه» . قيل: # ووقف المهدي على امرأة من بني ثعل فقال لها: «ممن العجوز» ؟ قالت: # «من طيء» قال: «ما منع طيئا أن يكون فيها آخر مثل حاتم» . قالت: # «الذي منع العرب أن يكون فيها آخر مثلك» ، وأعجب بقولها ووصلها. # قيل: ولما استوثق أمر العراق لعبد الله بن الزبير، وجه مصعب إليه وفدا، ~~فلما قدموا عليه، قال لهم: «وددت أن لي بكل خمسة منكم رجلا # PageV01P037 # من أهل الشام» ، فقال رجل من أهل العراق: «يا أمير المؤمنين علقناك، ~~وعلقت بأهل الشام وعلق أهل الشام بآل مروان، فما أعرف لنا مثلا إلا قول ~~الأعشى # علقتها عرضا وعلقت رجلا ... غيري وعلق أخرى غيرها الرجل # فما وجدنا جوابا أحسن من هذا. قال: وقال مسلمة بن عبد الملك: # «ما شيء يؤتى العبد بعد الإيمان بالله تعالى، أحب إلي من جواب حاضر، فإن ~~الجواب إذا انعقب لم يكن شيئا» . # وضده، قال: اجتمع عند رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبرقان بن بدر «1» ~~وعمرو بن الأهثم ms022 «2» ، فذكر عمرو الزبرقان قال: «بأبي أنت وأمي يا رسول ~~الله، إنه إطعام جواد الكف، مطاع في أدانيه، شديد العارضة، مانع لما وراء ~~ظهره» . فقال الزبرقان: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله إنه ليعرف مني أكثر من ~~هذا، ولكنه يحسدني» . فقال عمرو: «والله يا نبي الله، إن هذا لزمر المروءة، ~~ضيق العطن، لئيم العم، أحمق الخال» ، فرأى الكراهية في وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لما اختلف قوله، فقال: «يا رسول الله ما كذبت في الأولى، ~~ولقد صدقت في الأخرى، ولكني رضيت فقلت أحسن ما علمت، وسخطت فقلت أسوأ ما ~~أعلم» . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من البيان لسحرا، وإن من ~~الشعر لحكما) . # وذكروا إن الوليد بن عقبة قال لعقيل بن أبي طالب: «غلبك على الثروة ~~والعدد» . قال: «وسبقني وإياك إلى الجنة» . قال الوليد: «أما والله إن ~~شدقيك لمتضمخان من دم عثمان» . قال عقيل: «ما لك ولقريش؟ وإنما أنت فيهم ~~كمنيح الميسر» . فقال الوليد: «والله إني لأرى لو أن أهل الأرض # PageV01P038 # اشتركوا في قتله لوردوا صعودا» ، فقال له عقيل: «كلا، أما ترغب عن صحبة ~~أبيك» ؟. # قال: وقال رجل من قريش لخالد بن صفوان: «ما اسمك» ؟ قال: # «خال بن صفوان ابن الأهتم» ، قال: «إن اسمك لكذب ما أنت بخالد، وإن أباك ~~لصفوان وهو حجر، وإن جدك لأهتم والصحيح خير من الأهتم» ، قال له خالد: «من ~~أي قريش أنت» ؟ قال: «من عبد الدار بن قضي بن كلاب» ، قال: «لقد هشمتك ~~هاشم، وأمتك أمية، وجمحت بك جمح، وخزمتك مخزوم، وأقصتك قصي، فجعلتك عبد ~~دارها، تفتح إذا دخلوا، وتغلق إذا خرجوا» . # قيل: ومر الفرزدق فرأى خليفة الشاعر فقال له: يا أبا فراس من القائل: # هو القين وابن القين لا قين مثله ... لفطح المساحي، أو لجدل الأداهم # قال الفرزدق: الذي يقول: # هو اللص وابن اللص لا لص مثله ... لنقب جدار أو لطر الدراهم # PageV01P039 ### | محاسن حفظ اللسان # قال أكثم بن صيفي «1» : «مقتل الرجل بين فكيه- يعني لسانه-» وقال: # «رب قول أشد من صول» ، وقال: ms023 «لكل ساقطة لا قطة» . وقال المهلب لبنيه: ~~«اتقوا زلة اللسان فإني وجدت الرجل تعثر قدمه فيقوم من عثرته، ويزل لسانه ~~فيكون فيه هلاكه» . قال يونس بن عبيد «2» : «ليست خلة من خلال الخير تكون ~~في الرجل هي أحرى أن تكون جامعة لأنواع الخير كلها من حفظ اللسان» . وقال ~~قسامة بن زهير: «يا معشر الناس، إن كلامكم أكثر من صمتكم، فاستعينوا على ~~الكلام بالصمت، وعلى الصواب بالفكر» . وكان يقال: «ينبغي للعاقل أن يحفظ ~~لسانه كما يحفظ موضع قدمه، ومن لم يحفظ لسانه فقد سلطه على هلاكه» . وقال ~~الشاعر: # عليك حفظ اللسان مجتهدا ... فإن جل الهلاك في زلله # وقال غيره: # وجرح السيف تأسوه فيبرا ... وجرح الدهر ما جرح اللسان # جراحات الطعان لها التئام ... ولا يلتام ما جرح اللسان # PageV01P041 # وقال غيره: # احفظ لسانك لا تقول فتبتلي ... إن البلاء موكل بالمنطق # وقال غيره: # لعمرك ما شيء علمت مكانه ... أحق بسجن من لسان مذلل # على فيك مما ليس يعنيك قوله ... بقفل شديد حيث ما كنت فاقفل # قيل: تكلم أربعة من الملوك بأربع كلمات كأنما رميت عن قوس واحد: قال ~~كسرى: «أنا على رد ما لم أقل أقدر مني على رد ما قلت» ، وقال ملك الهند: ~~«إذا تكلمت بكلمة ملكتني، وإن كنت أملكها» ؛ وقال قيصر: «لا أندم على ما لم ~~أقل، وقد ندمت على ما قلت» ، وقال ملك الصين: «عاقبة ما قد جرى به القول ~~أشد من الندم على ترك القول» . # وقال بعضهم: «من حصافة الإنسان أن يكون الاستماع أحب إليه من النطق، إذا ~~وجد من يكفيه، فإنه لن يعدم الصمت. والاستماع سلامة، وزيادة في العلم» ، ~~وقال بعض الحكماء: «من قدر على أن يقول فيحسن، فإنه قادر على أن يصمت ~~فيحسن» . وقال بعضهم: كان ابن عبيدة الريحاني المتكلم الفصيح صاحب التصانيف ~~يقول: «الصمت أمان من تحريف اللفظ، وعصمة من زيغ المنطق، وسلامة من فضول ~~القول» . وقال أبو عبيد الله كاتب المهدي: «كن على التماس الحظ بالسكوت ~~أحرص منك على التماسه بالكلام» . وكان يقال: «من سكت فسلم كان ms024 كمن قال ~~فغنم» . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يكره الانبعاق في ~~الكلام. ويرحم الله امرأ اوجز في كلامه، واقتصر على حاجته» . قيل: وكلم رجل ~~سقراط «1» عند قتله بكلام أطاله، فقال: «أنساني أول كلامك طول عهده، وفارق ~~آخره فهمي لتفاوته» . ولما قدم ليقتل بكت امرأته فقال لها: «ما يبكيك» ؟ # PageV01P042 # قالت: «تقتل ظلما» قال: «وكنت تحبين أن أقتل حقا أو أقتل ظلما» . # وشتم رجل المهلب، فلم يجبه فقيل له: «حلمت عنه» ، فقال: «ما أعرف مساويه، ~~وكرهت أن أبهته بما ليس فيه» . وقال سلمة بن القاسم عن الزبير قال: حملت ~~إلى المتوكل وأدخلت عليه فقال: «يا أبا عبد الله الزم أبا عبد الله- يعني ~~المعتز- حتى تعلمه من فقه المدنيين» ، فأدخلت حجرة، فإذا أنا بالمعتز قد ~~أتى، في رجله نعل من ذهب، وقد عثر به، فسال دمه، فجعل يغسل الدم، ويقول: # يصاب الفتى من عثرة بلسانه ... وليس يصاب المرء من عثرة الرجل # فعثرته من فيه ترمي برأسه ... وعثرته بالرجل تبرا على مهل # فقلت في نفسي: «ضممت إلى من أريد أن أتعلم منه» . # وضده، سئل بعض الحكماء عن المنطق فقال: «إنك تمدح الصمت بالمنطق ولا تمدح ~~المنطق بالصمت، وما عبر به عن شيء فهو أفضل منه» . # وسئل آخر عنهما فقال: «أخزى الله المساكتة ما أفسدها للسان، وأجلبها ~~للعي، وو الله للمهاراة في استخراج حق أهدم للعي من النار في يابس العرفج» ~~. فقيل له: «قد عرفت ما في المماراة من الذم» . فقال: «ما فيها أقل ضررا من ~~السكتة التي تورث عللا، وتولد داء أيسره العي» . وقال بعض الحكماء: «اللسان ~~عضو فإن مرنته مرن، وإن تركته حرن، وممن أفرط في قوله فاستقيل بالحلم، ما ~~حكي عن شهرام المروزي، فإنه جرى بينه وبين أبي مسلم «1» صاحب الدولة كلام، ~~فما زال أبو مسلم يحاوره إلى أن قال له شهرام: «يا لقطة» - فصمت أبو مسلم، ~~وندم شهرام على ما سبق به لسانه، وأقبل معتذرا خاضعا ومتنصلا؛ فلما رأى ذلك ~~أبو مسلم، قال: # PageV01P043 # «لسان سبق، ووهم أخطأ؛ ms025 وإنما الغضب شيطان، والذنب لي، لأني جرأتك على ~~نفسي بطول احتمالي منك، فإن كنت معتمدا للذنب فقد شركتك فيه، وإن كنت ~~مغلوبا فالعذر يسعك، وقد غفرنا لك على كل حال» . قال شهرام: «أيها الملك ~~عفو مثلك لا يكون غرورا» قال: # «أجل» ، قال: «وإن عظيم ذنبي لن يدع قلبي يسكن» ، ولج في الاعتذار، فقال ~~أبو مسلم: «يا عجبا كنت تسيء وأنا أحسن، فإذا أحسنت أسأت» . # PageV01P044 ### | محاسن كتمان السر # قال: كان المنصور يقول: «الملك يحتمل كل شيء من أصحابه إلا ثلاثا: إفشاء ~~السر، والتعرض للحرم، والقدح في الملك» . وكان يقول: # «سرك من دمك فانظر من تملكه» . وكان يقول: «سرك لا تطلع عليه غيرك، وإن ~~من أنفذ البصائر كتمان السر حتى يبرم المبروم» . وقيل لأبي مسلم: «بأي شيء ~~أدركت هذا الأمر» ؟ قال: «ارتديت بالكتمان، واتزرت بالحزم، وحالفت الصبر، ~~وساعدت المقادير، فأدركت طلبتي، وحزت بغيتي؛ وأنشد في ذلك: # أدركت بالحزم والكتمان ما عجزت ... عنه ملوك بني مروان إذ حشدوا # ما زلت أسعى عليهم في ديارهم ... والقوم في ملكهم بالشام قد رقدوا # حتى ضربتهم بالسيف فانتبهوا ... من نومة لم ينمها قبلهم أحد # ومن رعى غنما في أرض مسبعة ... ونام عنها تولى رعيها الأسد # قال: وقا عبد الملك بن مروان للشعبي، لما دخل عليه: «جنبني خصالا أربعا: ~~لا تطريني في وجهي، ولا تجرين علي كذبة، ولا تغتابن عندي أحدا، ولا تفشين ~~لي سرا» ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (استعينوا على إنجاح حوائجكم ~~بكتمان السر فإن كل ذي نعمة محسود) . وأنشد اليزيدي في ذلك: # النجم أقرب من سر إذا اشتملت ... مني على السر أضلاع وأحشاء # وقال غيره: # PageV01P045 # ونفسك فاحفظها ولا تفش للعدى ... من السر ما يطوي عليه ضميرها # فما يحفظ المكتوم من سر أهله ... إذا عقد الأسرار ضاع كثيرها # من القوم إلا ذو عفاف يعينه ... على ذاك منه صدق نفس وخيرها # قال معاوية بن أبي سفيان: «أعنت على علي بن أبي طالب بأربع خصال: كان ~~رجلا ظهره «1» علنة لا يكتم سرا، وكنت كتوما لسري، وكان لا ms026 يسعى حتى يفاجئه ~~الأمر مفاجأة، وكنت أبادر إلى ذلك، وكان في أخبث جند وأشدهم خلافا، وكنت في ~~أطوع جند وأقلهم خلافا، وكنت أحب إلى قريش منه، فنلت ما شئت فلله من جامع ~~إلي، ومفرق عنه» . وكان يقال: «لكاتم سره من كتمانه إحدى فضيلتين: الظفر ~~بحاجته والسلامة من شره، فمن أحسن فليحمد الله وله المنة عليه، ومن أساء ~~فليستغفر الله» . وقال بعضهم: «كتمانك سرك يعقبك السلامة، وإفشاؤك سرك ~~يعقبك الندامة، والصبر على كتمان السر أيسر من الندم على إفشائه» . وقال ~~بعضهم: «ما أقبح بالإنسان أن يخاف على ما في يده من اللصوص فيخفيه، ويمكن ~~عدوه من نفسه بإظهاره ما في قلبه من سر نفسه وسر أخيه؛ ومن عجز عن تقويم ~~أمره فلا يلومن إلا نفسه إن لم يستقم له» . # وقال معاوية: «ما أفيشيت سري إلى أحد إلا أعقبني طول الندم، وشدة الأسف، ~~ولا أودعته جوانح صدري فحكمته بين أضلاعي، إلا أكسبني مجدا وذكرا، وسناء ~~ورفعة» . فقيل: «ولا ابن العاص» . قال: «ولا ابن العاص» . وكان يقول: «ما ~~كنت كاتمه من عدوك فلا تظهر عليه صديقك» . # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من كتم سره كانت الخيرة في يده، ومن ~~عرض نفسه للتهمة فلا يلومن من أساء به الظن؛ وضع أمر أخيك على أحسنه، ولا ~~تظن بكلمة خرجت منه سواء ما كنت واجدا لها في الخير مذهبا، وما كفأت من عصى ~~الله فيك بأفضل من أن تطيع الله جل اسمه فيه، وعليك باخوان الصدق فإنهم ~~زينة عند الرخاء، وعصمة عند البلاء» . # PageV01P046 # وحدث إبراهيم بن عيسى قال: ذاكرت المنصور، ذات يوم، في أبي مسلم، وصونه ~~السر، وكتمه حتى فعل ما فعل، فأنشد: # تقسمني أمران لم أفتتحهما ... بحزم ولم تعركهما لي الكراكر # وما ساور الأحشاء مثل دفينة ... من الهم ردتها إليك المعاذر # وقد علمت أفناء عدنان أنني ... على مثلها مقدامة متجاسر # وقال آخر: # صن السر بالكتمان يرضك غبه ... فقد يظهر السر المضيع فيندم # ولا تفشين سرا إلى غير أهله ... فيظهر خرق الشر من حيث ms027 يكتم # وما زلت في الكتمان حتى كأنني ... برجع جواب السائلي عنه أعجم # لنسلم من قول الوشاة وتسلمي ... سلمت وهل حي على الدهر يسلم # وقال آخر: # أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر # ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر # وقال أبو نواس: # لا تفش أسرارك للناس ... وداو أحزانك بالكاس # فإن إبليس على ما به ... أرأف بالناس من الناس # وقال المبرد «1» : أحسن ما سمعت في حفظ اللسان والسر ما روي لأمير ~~المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: # لعمرك إن وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تبد سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا # PageV01P047 # وقال العتبي: # ولي صاحب سري المكتم عنده ... محاريق نيران بليل تحرق # غدوت على أسراره فكسوتها ... ثيابا من الكتمان ما تتخرق # فمن كانت الأسرار تطفو بصدره ... فأسرار صدري بالأحاديث تغرق # فلا تودعن الدهر سرك أحمقا ... فإنك إن أودعته منه أحمق # وحسبك في ستر الأحاديث واعظا ... من القول ما قال الأديب الموفق # إذا ضاق ضدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # وقال خر: # لا يكتم السر إلا كل ذي خطر ... فالسر عند كرام الناس مكتوم # والسر عندي في بيت له غلق ... قد ضاع مفتاحه والباب مردوم # قيل: دخل أبو العتاهية «1» على المهدي، وقد ذاع شعره في عتبة، فقال: «ما ~~أحسنت في حبك، ولا أجملت في إذاعة سرك» ، فقال: # من كان يزعم أن سيكتم حبه ... أو يستطيع الستر فهو كذوب # الحب أغلب للرجال بقهره ... من أن يرى للسر فيه نصيب # وإذا بدا سر اللبيب فإنه ... لم يبد إلا والفتى مغلوب # إني لأحسد ذا هوى مستحفظا ... لم تتهمه أعين وقلوب # فاستحسن المهدي شعره وقال: «قد عذرناك على إذاعة سرك، ووصلناك على حسن ~~عذرك، إن كتمان السر أحسن من إذاعته» . وقال زياد: «لكل مستشير ثقة، وإن ~~الناس قد ابتدعت بهم خصلتان: إذاعة السر، وترك النصيحة، وليس للسر موضع إلا ~~أحد رجلين: إما أخروي يرجو # PageV01P048 # ثواب الله، أو دنيوي له شرف في نفسه، وعقل ms028 بصون به حسبه، وهما معدومان في ~~هذا الدهر» . وقال المهلب: «ما ضاقت صدور الرجال عن شيء كما تضيق عن السر» ~~، كما قال الشاعر: # ولربما كتم الوقور فصرحت ... حركاته لناس عن كتمانه # ولربما رزق الفتى بسكوته ... ولربما حرم الفتى ببيانه # وقال آخر: # إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع # وقال آخر: # لساني كتوم لأسراركم ... ودمعي نموم لسري مذيع # فلولا الدموع كتمت الهوى ... ولولا الهوى لم تكن لي دموع # PageV01P049 ### | محاسن المشورة # يقال: «إذا استخار الرجل ربه، واستشار نصيحه واجتهد، فقد قضى ما عليه، ~~ويقضي الله في أمره ما يحب» . وقال آخر: «حسن المشورة من المشير قضاء حق ~~النعمة» . وقيل: «إذا استشرت فانصح، وإذا قدرت فاصفح» . وقيل: «من وعظ أخاه ~~سرا زانه ومن وعظه جهرا شانه» . وقال آخر: «الاعتصام بالمشورة نجاة» . وقال ~~آخر: «نصف عقلك مع أخيك، فاستشره» . وقال آخر: «إذا أراد الله لعبد هلاكا ~~أهلكه برأيه» . وقال آخر: # «المشورة تقوم اعوجاج الرأي» . وقال: «إياك ومشورة النساء، فإن رأيهن إلى ~~أفن، وعزمهن إلى وهن» . # وضده: قال بعض أهل العلم: «لو لم يكن في المشورة إلا استضعاف صاحبك لك ~~وظهور فقرك إليه، لوجب اطراح ما تفيده المشورة، والقاء ما يكسبه الامتنان؛ ~~وما استشرت أحدا إلا كنت عند نفسي ضعيفا، وكان عندي قويا، وتصاغرت له ~~ودخلته العزة، فإياك والمشورة وإن ضاقت بك المذاهب، واختلفت عليك المسالك، ~~وأداك الاستبهام إلى الخطأ الفادح، فإن صاحبها أبدا مستذل مستضعف، وعليك ~~بالاستبداد فإن صاحبه أبدا جليل في العيون، مهيب في الصدور، ولن تزال كذلك ~~ما استغنيت عن ذوي العقول، فإذا افتقرت إليها حقرتك العيون، ورجفت بك ~~أركانك، وتضعضع بنيانك، وفسد تدبيرك، واستحقرك الصغير، واستخف بك الكبير، ~~وعرفت بالحجة إليهم» . # وقيل: «نعم المستشار العلم، ونعم الوزير العقل» . وممن اقتصر # PageV01P051 # على رأيه دون المشورة، الشعبي، فإنه خرج مع ابن الأشعث، فقدم به على ~~الحجاج؛ فلقيه يزيد بن أبي مسلم، كاتب الحجاج، فقال له: «أشر علي» فقال: ~~«لا أدري بما أشير، ولكن أعتذر بما قدرت عليه» . وأشار بذلك ms029 عليه كافة ~~أصحابه، قال الشعبي: فلما دخلت خالفت مشورتهم، ورأيت والله غير الذي قالوا، ~~فسلمت عليه بالأمرة، ثم قلت: «أيد الله الأمير، إن الناس قد أمروني أن ~~أعتذر بغير ما يعلم الله أنه الحق، ولك الله أن لا أقول في مقامي هذا إلا ~~الحق، قد جهدنا وحرضنا، فما كنا بالأقوياء الفجرة، ولا الأتقياء البررة، ~~ولقد نصرك الله علينا، وأظفرك بنا فإن سطوت فبذنوبنا، وإن عفوت فبحلمك، ~~والحجة لك علينا» . فقال الحجاج: «أنت والله أحب إلينا قولا ممن يدخل علينا ~~وسيفه يقطر من دمائنا ويقول: والله ما فعلت ولا شهدت، أنت آمن يا شعبي» . ~~فقلت: «أيها الأمير اكتحلت والله بعدك، السهر، واستجلست الخوف، وقطعت صالح ~~الإخوان، ولم أجد من الأمير خلفا» . قال: «صدقت» ، وانصرفت. # PageV01P052 ### | محاسن الشكر # قال بعض الحكماء: «صن شكرك عمن لا يستحقه، واستر ماء وجهك بالقناعة» . ~~وقال الغضل بن سهل: «من أحب الازدياد من النعم فليشكر، ومن أحب المنزلة ~~فليكف، ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالته ومكره» . ومن ذلك قول رجل لرجل شكره ~~في معروف: # لقد ثبتت في القلب منك مودة ... كما ثبتت في الراحتين الأصابع # قال: واصطنع رجل رجلا فسأله يوما: «أتحبني يا فلان» قال: «نعم احبك حبا ~~لو كان فوقك لأظللك، أو كان تحتك لأقللك» . وقال كسرى أنوشروان: «المنعم ~~أفضل من الشاكر، لأنه جعل له السبيل إلى الشكر» . # واختصر حبيب بن أوس هذا في مصراع واحد فقال: # لهان علينا أن نقول وتفعلا # قال الباهلي عن أبي فروة: مكتوب في التوراة: «أشكر من أنعم عليك، وأنعم ~~على من شكرك فإنه لا زوال للنعم إذا شكرت، ولا إقامة لها إذا كفرت. والشكر ~~زيادة في النعم، وأمان من الغير» . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«خمس تعاجل صاحبهن بالعقوبة: (البغي، والغدر، وعقوق الوالدين، وقطيعة ~~الرحم، ومعروف لا يشكر) ، وأنشد الحطيئة عمر، وكعب الأحبار «1» عنده: # PageV01P053 # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # فقال كعب: «يا أمير المؤمنين من هذا الذي قال هذا؟ هو مكتوب في ms030 التوراة» ~~؟ فقال عمر: «كيف ذلك» ؟ قال في التوراة مكتوب: «من يصنع الخير لا يضيع ~~عندي لا يذهب العرف بيني وبين عبدي» . # وقيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: «أليس قد غفر الله لك ما تقدم من ~~ذنبك وما تأخر، فما هذا الاجتهاد» ؟ فقال: «أفلا أكون عبدا شكورا» . وفي ~~الحديث «أن رجلا قال في الصلاة خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم ~~ربنا لك الحمد حمدا مباركا طيبا زكيا» ، فلما انصرف صلى الله عليه وسلم، ~~قال: «أيكم صاحب الكلمة» ؟ قال أحدهم: «أنا يا رسول الله» . فقال: «لقد ~~رأيت سبعة وثلاثين ملكا يتبدرون أيهم يكتبها أولا» وقيل: «نسيان النعمة أول ~~درجات الكفر» . وقال أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: «المعروف يكفر من ~~كفره لأنه يشكرك عليه أشكر الشاكرين» ، وقد قيل في ذلك: # يد المعروف غنم حيث كانت ... تحملها كفور أم شكور # فعند الشاكرين لها جزاء ... وعند الله ما كفر الكفور # وقال بعض الحكماء: «ما أنعم الله على عبد نعمة فشكر عليها إلا ترك حسابه ~~عليها» . وقال بعض الحكماء: «عند التراخي عن شكر النعم تحل عظائم النقم» . ~~وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرا ما يقول لعائشة ما فعل بيتك ~~فتنشده: # يجزيك أو يثنى عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت كمن جزى # فيقول صلى الله عليه وسلم: «صدق القائل، يا عائشة، إن الله إذا أجرى على ~~يد رجل خيرا فلم يشركه، فليس لله بشاكر» . وقيل لذي الرمة: «لم خصصت بلال ~~بن أبي بردة بمدحك» ؟ قال: «لأنه وطأ مضجعي، وأكرم مجلسي، وأحسن صلتي، فحق ~~لكثير معروفه عندي أن يستولي على شكري» . ومنهم من يقدم ترك مطالبة الشكر ~~وينسبه إلى مكارم الأخلاق، من ذلك ما قال بزرجمهر: «من انتظر بمعروفه شكرك ~~عاجل المكافأة» ، وقال بعض # PageV01P054 # لحكماء: «إن الكفر يقطع مادة الإنعام، فكذلك الاستطالة بالصنيعة تمحق ~~الأجر» . وقال علي بن عبيدة: «من المكارم الظاهرة، وسنن النفس الشريفة، ترك ~~طلب الشكر على الإحسان، ورفع الهمة عن طلب المكافأة، واستكثار القليل من ~~الشكر، واستقلال الكثير ms031 مما يبذل من نفسه ... وفصل من كتاب ولست أقابل ~~أياديك، ولا أستديم إحسانك إلا بالشكر الذي جعله الله للنعم حارسا، وللحق ~~مؤديا، وللمزيد سببا» . # وضده، قال بعض الحكماء: «المعروف إلى الكرام يعقب خيرا، وإلى اللئام يعقب ~~شرا، ومثل ذلك مثل المطر، يشرب منه الصدف فيعقب لؤلؤا، وتشرب منه الأفاعي ~~فيعقب سما» . وقال سفيان «1» : «وجدنا أصل كل عداوة اصطناع المعروف إلى ~~اللئام» . وقال: «أثار جماعة من الأعراب ضبعا، فدخلت خباء شيخ منهم، ~~فقالوا: «أخرجها» ، فقال: «ما كنت لأفعل، وقد استجارت بي» فانصرفوا وقد ~~كانت هزيلا، فأحضر لها لقاحا، وجعل يسقيها حتى عاشت، فنام الشيخ ذات يوم ~~فوثبت عليه فقتلته. فقال شاعرهم في ذلك: # ومن يصنع المعروف في غير أهله ... يلاقي الذي لاقى مجير أم عامر # أقام لها لما أناخت ببابه ... لتسمن ألبان اللقاح الدرائر # فأسمنها حتى إذا ما تمكنت ... فرته بأنياب لها وأظافر # فقل لذوي المعروف هذا جزاء من ... يجود بإحسان إلى غير شاكر # قيل: وأصاب إعرابي جرو ذئب فاحتمله إلى خبائه وقرب له شاة فلم يزل يمتص ~~من لبنها حتى سمن وكبر ثم شد على الشاة فقتلها. فقال الأعرابي يذكر ذلك: # غذتك شويهتي ونشأت عندي ... فمن أدراك أن أباك ذيب # PageV01P055 # فجعت نسية وصغار قوم ... بشاتهم وأنت لها ربيب # إذا كان الطباع طباع سوء ... فليس بنافع أدب الأديب # وفي المثل: سمن كلبك يأكلك. وأنشد: # هم سمنوا كلبا ليأكل بعضهم ... ولو عملوا بالحزم ما سمنوا كلبا # وقال آخر: # وإني وقيسا كالمسمن كلبه ... فخدشه أنيابه وأظافره # ويضرب المثل بسنمار، وكان بني للنعمان بن المنذر الخورنق فأعجبه وكره أن ~~يبني لغيره مثله فرمى يه من أعلاه فمات، فقيل فيه: # جزينا بني سعد بحسن بلائهم ... جزاء سنمار وما كان ذا ذنب # وقال بشار: # أثني عليك ولي حال تكذبني ... فيما أقول فأستحيي من الناس # قد قلت إن أبا حفص لأكرم من ... يمشي فخاصمني في ذاك إفلاسي # حتى إذا قيل ما أعطاك من صفد ... طأطأت من سوء حالي عندها راسي # ولأبي الهول: # كأني إذ مدحتك يا ابن ms032 معن ... رآني الناس في رمضان أزني # فإن أك رحت عنك بغير شيء ... فلا تفرح كذلك كان ظني # وقال آخر: # لحى الله قوما أعجبتهم مدائحي ... فقالوا مقالا في ملام وفي عتب # أبا حازم تمدح. فقلت معذرا ... هبوني امرأ جربت سيفي على كلب # وقال آخر: # عثمان يعلم أن الحمد ذو ثمن ... لكنه يشتهي حمدا بمجان # والناس أكيس من أن يمدحوا رجلا ... حتى يروا عنده آثار إحسان # PageV01P056 # وقال آخر: # يحب المديح أبو خالد ... ويغضب من صلة المادح # كبكر تحب لذيذ النكاح ... وتجزع من صولة الناكح # وقال آخر: # ولو كان يستغني عن الشكر سيد ... لعزة ملك أو علو مكان # لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان # PageV01P057 ### | محاسن الصدق # قال بعض الحكماء: «عليك بالصدق فما السيف القاطع في كف الرجل الشجاع بأعز ~~من الصدق؛ والصدق عز وإن كان فيه ما تكره، والكذب ذل وإن كان فيه ما تحب؛ ~~ومن عرف بالكذب اتهم في الصدق» . وقيل: # «الصدق ميزان الله الذي يدور عليه العدل، والكذب مكيال الشيطان الذي يدور ~~عليه الجور» . وقال ابن السماك: «ما أحسبني أوجر على ترك الكذب لأني أتركه ~~أنفة» . وقال آخر: «لو لم يترك العاقل الكذب إلا مروءة لكان بذلك حقيقا، ~~فكيف وفيه المأثم والعار» ؟ وقال الشعبي: «عليك بالصدق حيث ترى أنه يضرك ~~فإنه ينفعك، واجتنب الكذب حيث ترى أنه ينفعك فإنه يضرك» . وقال بعضهم: ~~«الصدق عز والكذب خضوع» . ومدح قوم بالصدق، منهم أبو ذر رضي الله عنه، فإن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء، ~~ولا طلعت الشمس على ذي لهجة أصدق من أبي ذر» . ومنهم العباس بن عبد المطلب ~~رضي الله عنه فإنه روى أنه أطلع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده ~~جبريل، فقال له جبريل: «هذا عمك العباس» قال: «نعم» ، قال: «إن الله تعالى ~~يأمرك أن تقرأ عليه السلام، وتعلمه أن اسمه عند الله «الصادق» ، وإن له ~~شفاعة يوم القيامة» . فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك، فتبسم ~~فقال: ms033 «إن شئت أخبرتك مما به تبسمت، وإن شئت أن تقول فقل» ، فقال: «بل ~~تعلمني يا رسول الله» ، فقال: «لأنك لم تحلف يمينا في جاهلية ولا إسلام برة ~~ولا فاجرة، ولم تقل لسائل: لا» ، قال: # «والذي بعثك بالحق نبيا، ما تبسمت إلا لذلك» . # ويروى أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني أستسر بخلال: ~~الزنا # PageV01P059 # والسرقة وشرب الخمر والكذب فأيهن أحببت تركته» . قال: «دع الكذب» ، فمضى ~~الرجل فهم بالزنا، فقال: «يسألني رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإن جحدت، ~~نقضت ما جعلته له، وإن أقررت حددت» ، فلم يزن. فهم بالسرقة وشرب الخمر، ~~ففكر في ذلك فرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: # «قد تركتهن أجمع» . فأما من رخص له في الكذب، فيروى عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم إنه قال: «لا يصلح الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل لأهله ~~ليرضيها وكذب في إصلاح ما بين الناس وكذب في حرب» . وروي عن المغيرة بن ~~إبراهيم أنه قال: «لم يرخص لأحد في الكذب إلا الحجاج بن علاط، فإنه لما ~~فتحت خيبر قال: يا رسول الله: إن لي عند امرأة من قريش وديعة، فأذن لي يا ~~رسول الله أن أكذب عليك كذبة لعلي أستل وديعتي، فرخص له في ذلك. فقدم مكة ~~فأخبرهم أنه ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم أسيرا في أيديهم يأتمرون ~~فيه، فقائل يقول: يقتل، وقائل يقول: لا بل يبعث به إلى قومه فتكون منة، ~~فجعل المشركون يتباشرون بذلك ويوئسون العباس عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والعباس يريهم التجمل، وأخذ الرجل وديعته فاستقبله العباس وقال: # «ويحك ما الذي أخبرت به» ؟ فأعلمه السبب، ثم أخبره أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قد فتح خيبر، ونكح صفية بنت حيي بن أخطب، وقتل زوجها وأباها، ثم ~~قال: «أكتم علي اليوم وغدا حتى أمضي» ، ففعل ذلك، فلما مضى يومان أخبرهم ~~العباس بالذي أخبره، فقالوا: «من أخبرك بهذا» ؟ قال: «من اخبركم بضده» . # وضده، قيل: وجد في ms034 بعض كتب الهند: «ليس لكذوب مروءة، ولا لضجور رياسة، ~~ولا لملول وفاء، ولا لبخيل صديق» . وقال قتيبة بن مسلم «1» : «لا تطلبن ~~الحوائج من كذوب، فإنه يقربها وإن كانت بعيدة، ويبعدها إن كانت قريبة؛ ولا ~~إلى رجل قد جعل المسألة مأكلة، فإنه يقدم حاجته قبلها، ويجعل حاجتك وقاية ~~لها؛ ولا إلى أحمق فإنه يريد نفعك # PageV01P060 # فيضرك» . وقيل: «أمران لا ينفكان من كذب: كثرة المواعيد، وشدة الاعتذار» ~~. وقيل: «كفاك موبخا على الكذب، علمك بأنك كاذب» . # وقال رجل لأبي حنيفة: «ما كذبت قط» ، قال: «أما هذه فواحدة» . # وفي المثل: «هو أكذب من أخيذ السند» ، وذلك أنه يؤخذ الخسيس منهم، فيزعهم ~~أنه ابن الملك. وكذلك يقال: «أكذب من سياح خراسان» ، لأنهم يجتازون في كل ~~بلد، ويكذبون للسؤال والمنسألة. # ويقال: «هو أكذب من الشيخ الغريب» ، وذلك أنه يتزوج في الغربة، وهو ابن ~~سبعين سنة، فيزعم أنه ابن أربعين، ويقال: «هو أكذب من مسيلمة» وبه يضرب ~~المثل. ومما قيل في ذلك من الشعر: # حس الكذوب من البلية ... بعض ما يحكى عليه # ما إن سمعت بكذبة ... من غيره نسبت إليه # وقال آخر: # لقد أخلفتني وحلفت حتى ... إخالك قد كذبت وإن صدقتا # ألا لا تحلفن على كلام ... فأكذب ما تكون إذا حلفتا # وقال آخر: # قد كنت أنجر دهرا ما وعدت إلى ... أن أتلف الوعد ما جمعت من نشب # فإن أك صرت في وعدي أخا كذب ... فنصرة الصدق أفضت بي إلى الكذب # قال الأصمعي: قال الخليل بن سهل: «يا أبا سعيد أعلمت أن طول رمح رستم كان ~~سبعين ذراعا من حديد مصمت، في غلظ الراقود» «1» ، فقلت: «ههنا إعرابي له ~~معرفة، فاذهب بنا إليه فحدثه بهذا» . فذهبت به إلى الأعرابي فحدثه، فقال ~~الأعرابي: «قد سمعت بذلك، وبلغنا أن رستم هذا كان هو واسفنديار أتيا لقمان ~~بن عاد بالبادية، فوجداه نائما، ورأسه في حجر أمه، فقالت لهما: ما شأنكما، ~~فقال: «بلغنا شدة هذا الرجل فأتيناه» # PageV01P061 # فانتبه فزعا من كلامهما، فنفخهما، فألقاهما إلى أصبهان، فقبرهما اليوم ~~بها، فقال الخليل: قبحك الله ما ms035 أكذبك! قال: «يابن أخي ما بينا شيئا إلا ~~وهو دون الراقود» . # قيل: وقدم بعض العمال من عمل، فدعا قوما إلى طعامه، وجعل يحدثهم بالكذب، ~~فقال بعضهم: نحن كما قال عز وجل: «سماعون للكذب أكالون للسحت» . # قيل: وكان رجال من أهل المدينة من بين فقيه ورواية وشاعر، يأتون بغداد، ~~فيرجعون بحظوة وحال حسنة؛ فاجتمع عدة منهم، فقالوا لصديق لهم لم يكن عنده ~~شيء من الأدب: «لو أتيت العراق فلعلك أن تصيب شيئا» . قال: «أنتم أصحاب ~~آداب تلتمسون بها» . فقالوا: «نحن نحتال لك» ، فأخرجوه، فلما قدم بغداد طلب ~~الاتصال بعلي بن يقطين، وشكا إليه الحاجة، فقال: «ما عندك من الأدب» ؟ ~~فقال: «ليس عندي من الأدب شيء غير أني أكذب الكذبة وأخيل إلى من يسمعها أني ~~صادق» . وكان ظريفا مليحا، فأعجب به، وعرض عليه مالا، فأبى أن يقبله وقال: ~~«ما أريد منك إلا أن تسهل أذني، وتدني مجلسي» . قال: «ذاك لك» . وكان من ~~أقرب الناس إليه مجلسا حتى عرف بذلك. وكان المهدي قد غضب على رجل من ~~القواد، واستصفى ماله، وكان يختلف إلى علي بن يقطين، رجاء أن يكلم له ~~المهدي، وكان يرى قرب المديني، ومكانه من عليه، فأتى المديني القائد عشيا ~~فقال: «ما البشرى» ؟ قال: «لك البشرى وحكمك» ، قال: # «أرسلني علي بن يقطين إليك وهو يقرئك السلام ويقول: قد كلمت أمير ~~المؤمنين في أمرك، ورضي عنك، وأمر برد مالك وضياعك ويأمرك بالغدو إليه ~~لتغدو معه إلى أمير المؤمنين متشكرا» . فدعا له الرجل بألف دينار وكسوة ~~وحملان، وغدا على علي مع جماعة من وجوه العسكر متشكرا، فقال له علي: «وما ~~ذاك» ؟ قال: «أخبرني أبو فلان- وهو إلى جنبه- كلامك أمير المؤمنين في أمري ~~ورضاه عني» ، فالتفت إلى المديني وقال: «ما هذا» ؟ # فقال: «أصلحك الله، هذا بعض ذلك المناع نشرناه» ، فضحك علي # PageV01P062 # وقال: «علي بدابتي» ، وركب إلى المهدي، وحدثه الحديث، فضحك المهدي وقال: ~~«إنا قد رضينا عن الرجل ورددنا عليه ماله» ، وأجرى على المديني رزقا واسعا، ~~واستوصى به خيرا، ثم وصله، وكان يعرف «بكذاب أمير المؤمنين» ms036 . # PageV01P063 ### | محاسن العفو # قيل: أسر مصعب بن الزبير رجلا من أصحاب المختار «1» ، فأمر بضرب عنقه ~~فقال: «أيها الأمير! ما أقبح أن أقوم يوم القيامة إلى صورتك هذه الحسنة ~~فأتعلق بأطرافك وأقول: «رب سل مصعبا فيم قتلني» ؟ فقال: # «أطلقوه» ، فقال: «أيها الأمير أعل ما وهبت لي من عمري في خفض عيش» ، ~~فقال: «أعطوه مائة ألف درهم» ، قال: «بأبي أنت وأمي أشهدك أن لابن قيس ~~الرقيات منها خمسين ألفا قال: «لم» ؟ قال: لقوله فيك: # إنما مصعب شهاب من الله ... تجلت عن وجهه الظلماء # ملكه ملك رأفة ليس فيه ... جبروت ولا له كبرياء # فضحك مصعب وقال: «لقد تلطفت وإن فيك لموضعا للصنيعة» ، وأمر له بالمائة ~~ألف، ولابن قيس الرقيات «2» بخمسين ألف درهم. قيل: # وأمر الرشيد يحيى بن خالد بحبس رجل جنى جناية فحبسه، ثم سأل عنه الرشيد ~~فقيل: «هو كثير الصلاة والدعاء» ، فقال للموكل به: «عرض له بأن تكلمني ~~وتسألني إطلاقه» ، فقال له الموكل ذلك، فقال: «قل لأمير # PageV01P065 # المؤمنين أن كل يوم يمضي من نعمتك ينقص من محنتي، والأمر قريب، والموعد ~~الصراط، والحاكم الله» ، فخر الرشيد مغشيا عليه ثم أفاق وأمر بإطلاقه. ~~وقيل: ظفر المأمون برجل كان يطلبه فلما دخل عليه قال: يا عدو لله أنت الذي ~~تفسد في الأرض بغير الحق. يا غلام خذه إليك فاسقه كأس المنية» . فقال: «يا ~~أمير المؤمنين إن رأيت أن تستبقيني حتى أؤيدك بمال» ؟ قال: «لا سبيل إلى ~~ذلك» فقال: «يا أمير المؤمنين فدعني أنشدك أبياتا» . قال: هات. فأنشده: # زعموا بأن الباز علق مرة ... عصفور بر ساقه المقدور # فتكلم العصفور تحت جناحه ... والباز منقض عليه يطير # ما بي لما يغني لمثلك شبعة ... ولئن أكلت فأنني لحقير # فتبسم الباز المدل بنفسه ... كرما وأطلق ذلك العصفور # فقال له المأمون: «أحسنت. ما جرى ذلك على لسانك إلا لبقية بقيت من عمرك» ~~، فأطلقه وخلع عليه ووصله. وعن بعضهم أن واليا أتى برجل جنى جناية، فأمر ~~بضربه، فلما مد قال: «بحق رأس أمك ألا ما عفوت عني» . قال: أوجع. فقال: ~~«بحق خديها ونحرها» ms037 ، قال: # اضرب. قال: «بحق ثدييها» ، قال: اصرب. قال: بحق سرتها» . # قال: ويلكم دعوه لا ينحدر قليلا» . # وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرجل إذا ظلم فلم ينتصر، ~~ولم يجد من ينصره فرفع طرفه إلى السماء ودعا، قال الله له: لبيك عبدي أنصرك ~~عاجلا وآجلا» . وقال صلى الله عليه وسلم في قولهم: أنصر أخاك ظالما أو ~~مظلوما، وقد سئل عن ذلك فقيل: أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ فقال: «تمنعه ~~من الظلم فذلك نصرك إياه» . وقال فضيل بن عياض «1» : «بكى أبي فقلت: ما # PageV01P066 # يبكيك؟ فقال: أبكي على ظالمي. ومن أخذ مالي، أرحمه غدا إذا وقف بين يدي ~~الله عز وجل، وسأله فلا تكون له حجة» . وقال الحسن البصري: # «أيها المتصدق على السائل يرحمه، ارحم أولا من ظلمت» . وروي عن عبد الله ~~بن سلام قال: «قرأت في بعض الكتب: قال الله عز وجل: «إذا عصاني من يعرفني ~~سلطت عليه من لا يعرفني» . قال خالد بن صفوان: # «إياكم ومجانيق الضعفاء (يعني الدعاء) . # وضده، قيل: لما قالت التغلبية للجحاف بن حكيم السلمي، وفيه وقعته بالبشر: ~~«قوض الله عمادك، وأطال سهادك، وأقل رقادك، فو الله إن قتلت إلا نساء ~~أسافلهن دمي، وأعاليهن ندي» ، قال لمن حوله: «لولا أن تلد مثلها لخليت ~~سبيلها» . فبلع ذلك الحسن البصري فقال: «أما الجحاف فجذوة من نار جهنم» . ~~قال: ولما بنى زياد بناء البصرة، أمر أصحابه أن يسمعوا من أفواه الناس، ~~فأتى برجل تلا آية: «أتبنون بكل ريع آية تعبثون وتتخذون مصانع لعلكم ~~تخلدون» . قال: «وما دعاك إلى هذا» ؟ قال: آية من كتاب الله عز وجل خطرت ~~على بالي فتلوتها، والله لأعلمن فيك بالآية الثانية: «وإذا بطشتم جبارين» ~~ثم أمر به فبني عليه ركن من أركان القصر. # قال وبعث زياد إلى رجل من بني تميم فقال: «أخبروني بصلحاء كل ناحية» ، ~~فأخبروه، فاختار منهم رجالا فضمنهم الطريق، وقال: «لو ضاع بيني وبين خراسان ~~حبل لعلمت من لقطه» . وكان يدفن الناس أحياء، وينزع أضلاع اللصوص. # قال: وقال عبد الملك ms038 للحجاج: «كيف تسير في الناس» ؟ قال: # «انظر إلى عجوز أدركت زيادا، فاسألها عن سيرته، فاعمل بها» ، فأخذ والله ~~بسنته حتى ما ترك منها شيئا. وذكروا أن الحجاج لما أتى المدينة أرسل إلى ~~الحسن بن الحسن رضي الله عنه فقال: «هات سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ودرعه» ، قال: «لا أفعل» ، قال: فجاء الحجاج بالسيف والسوط فقال: # «والله لأضربنك بهذا السوط حتى أقطعه، ثم لأضربنك بهذا السيف حتى تبرد أو ~~تأتيني بهما» ، فقال الناس: «يا أبا محمد لا تعرض لهذا الجبار» ، # PageV01P067 # قال: فجاء الحسن بسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم ودرعه فوضعهما بين ~~يدي الحجاج، فأرسل الحجاج إلى رجل من بني أبي رافع مولى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فقال له: «هل تعرف سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم» ؟ قال: ~~«نعم» ، فخلطه بين أسيافه ثم قال: «أخرجه» . ثم جاء بالدرع فنظر إليها، ثم ~~قال: «هناك علامة كانت على الفضل بن العباس يوم اليرموك، فطعن بحربة فخرقت ~~الدرع فعرفناها» ، فوجد الدرع على ما قال. فقال الحجاج: «أما والله لو لم ~~تجئني به، وجئت بغيره لضربت به رأسك» . وذكروا أن الحجاج قال ذات ليلة ~~لحاجبه: «أعسس «1» بنفسك، فمن وجدته فجئني به فلما أصبح أتاه بثلاثة، فقال: ~~«أصلح الله الأمير ما وجدت إلا هؤلاء الثلاثة» ، فقال الحجاج لواحد منهم: ~~«ما كان سبب خروجك بالليل وقد نادى المنادي أن لا يخرج أحد بالليل» ، قال: ~~«أصلح الله الأمير كنت سكران فغلبني السكر فخرجت ولا أعقل» ، ففكر ساعة ثم ~~قال: «سكران غلبه سكره خلوا عنه لا تعودن» . ثم قال للآخر: «فأنت ما كان ~~سبب خروجك» ؟ قال: «أصلح الله الأمير كنت مع قوم في مجلس يشربون فوقعت ~~بينهم عربدة فخفت على نفسي فخرجت» ، ففكر الحجاج ساعة فقال: «رجل أحب ~~المسالمة خلوا عنه» ، ثم قال للآخر: «ما كان سبب خروجك» ؟ فقال: «لي والدة ~~عجوز، وأنا رجل حمال فرجعت إلى بيتي فقالت والدتي: ما ذقت إلى هذا الوقت ~~طعاما ولا ذواقا، فخرجت التمس لها ذلك فأخذني ms039 العسس» ففكر ساعة ثم قال: # «يا غلام اضرب عنقه، فإذا رأسه بين رجليه» . # PageV01P068 ### | محاسن الصبر على الحبس # قال الكسروي: وقع كسرى بن هرمز إلى بعض المحبسين: «من صبر على النازلة، ~~كان كمن لم تنزل به، ومن طول في الحبل كان فيه عطبه، ومن أكل بلا مقدار ~~تلفت نفسه» . قيل ودخل ابن الزيات على الأفشين وهو محبوس فقال يخاطبه: # اصبر لها صبر أقوام نفوسهم ... لا تستريح إلى عقل ولا قود # فقال الأفشين «1» : «من صحب الزمان لم ينج من خيره أو شره ووجد الكرامة ~~والهوان، ثم قال: # لم ينج من خيرها أو شرها أحد ... فاذكر شوائبها إن كنت من أحد # خاضت بك المنية الحمقاء غمرتها ... فتلك أمواجها ترميك بالزبد # ولعلي بن الجهم «2» لما حبسه المتوكل: # قالت حبست فقلت ليس بضائري ... حبسي وأي مهند لا يغمد # أو ما رأيت الليث يألف غيله ... كبرا وأوباش السباع تردد # PageV01P069 # والنار في أحجارها مخبوءة ... لا تصطلى إن لم تثرها الأزند # والبدر يدركه الظلام فتنجلي ... أيامه وكأنه متجدد # والزاعبية لا يقيم كعوبها ... إلا الثقاف وجذوة تتوقد # غير الليالي بادئات عود ... والمال عارية يفاد وينفد # لا يؤيسنك من تفرج كربة ... خطب أتاك به الزمان الأنكد # فلكل حال معقب ولربما ... أجلى لك المكروه عما تحمد # كم من عليل تخطاه الردى ... فنجا ومات طبيبه والعود # صبرا فإن اليوم يعقبه غد ... ويد الخلافة لا تطاولها يد # والحبس ما لم تغشه لدنية ... شنعاء نعم المنزل المتورد # لو لم يكن في الحبس إلا أنه ... لا يتسذلك بالحجاب الأعبد # بيت يجدد للكريم كرامة ... ويزار فيه ولا يزور ويحمد # أبلغ أمير المؤمنين ودونه ... خوف العدا ومخاوف لا تنفد # أنتم بنو عم النبي محمد ... أولى بما شرع النبي محمد # ما كان من حسن فأنتم أهله ... كرمت مغارسكم وطاب المحتد # أمن السوية يا ابن عم محمد ... خصم تقربه وآخر يبعد # يا أحمد ابن أبي دؤاد إنما ... تدعى لكل كريهة يا أحمد # إن الذين سعوا إليك بباطل ... أعداء نعمتك التي لا تجعد # شهدوا وغبنا عنهم فتحكموا ... فينا وليس كعائب ms040 من يشهد # لو يجمع الخصماء عندك منزل ... يوما لبان لك الطريق الأرشد # والشمس لولا أنها محجوبة ... عن ناظريك لما أضاء الفرقد # وضده، أنشدنا عاصم بن محمد الكاتب لنفسه، لما حبسه أحمد بن عبد العزيز بن ~~أبي دلف قوله: # قالت: حبست. فقلت: خطب أنكد ... أنحى علي به الزمان المرصد # لو كنت حرا كان سربي مطلقا ... ما كنت أحبس عنوة وأقيد # PageV01P070 # لو كنت كالسيف المهند لم يكن ... وقت الكريهة والشدائد يغمد # لو كنت كالليث الهصور لما رعت ... في الذئاب وجذوتي تتوقد # من قال إن الحبس بيت كرامة ... فمكاثر في قوله متجلد # ما الحبس إلا بيت كل مهانة ... ومذلة ومكاره لا تنفد # إن زارني فيه العدو فشامت ... يبدي التوجع تارة ويفند # أو زارني فيه المحب فموجع ... يذري الدموع بزفرة تتردد # يكفيك أن الحبس بيت لا يرى ... أحد عليه من الخلائق يحسد # تمضي الليالي لا أذوق لرقدة ... طعما وكيف يذوق من لا يرقد # في مطبق فيه النهار مشاكل ... لليل والظلمات فيه سرمد # فإلى متى هذا الشقاء مؤكد ... وإلى متى هذا البلاء مجدد # ما لي مجير غير سيدي الذي ... ما زال يكفلني فنعم السيد # غذيت حشاشة مهجتي بنوافل ... من سيبه وصنائع لا تجحد # عشرين حولا عشت تحت جناحه ... عيش الملوك وحالتي تتزيد # فخلا العدو بموضعي من قلبه ... فحشاه جمرا ناره تتوقد # فاغفر لعبدك ذنبه متطولا ... فالحقد منك سجية لا تعهد # واذكر خصائص خدمتي ومقاومي ... أيام كنت جميع أمري تحمد # وقال عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، رضي الله ~~عنهم: # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا # إذا دخل السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا # ونفرح بالرؤيا فجل حديثنا ... إذا نحن أصبحنا الحديث عن الرؤيا # فإن حسنت كانت بطيئا مجيئها ... وإن قبحت لم تنتظر وأتت سعيا # وقال آخر: # ألا أحد يدعو لأهل محلة ... مقيمين في الدنيا وقد فارقوا الدنيا # PageV01P071 # كأنهم لم يعرفوا غير دارهم ... ولم يعرفوا غير الشدائد والبلوى # وقال ابن المعتز ms041 «1» : # تعلمت في السجن نسج التكك ... وكنت امرأ قبل حبسي ملك # وقيدت بعد ركوب الجياد ... وما ذاك إلا بدور الفلك # ألم تبصر الطير في جوها ... تكاد تلاصق ذات الحيك # إذا أبصرته خطوب الزمان ... أوقعنه في حبال الشرك # فهذاك من حالك قد يصاد ... ومن قعر بحر يصاد السمك # ووجد في البيت الذي قتل فيه، مكتوب بخطه على الأرض: # يا نفس صبرا لعل الخير عقباك ... خانتك بعد طوال الأمن دنياك # مرت بنا سحرا ظير فقلت لها ... طوباك يا ليتني إياك طوباك # وقال إعرابي: # ولما دخلت السجن كبر أهله ... وقالوا أبو ليلى الغداة حزين # وفي الباب مكتوب على صفحاته ... بانك تنزو ثم سوف تلين # وفي الحديث المرفوع (إن يوسف عليه السلام شكا إلى الله تعالى طول الحبس ~~فأوحى إليه أنت حبست نفسك حين قلت: رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه) ، ~~ولو قلت العافية أحب إلي لعوفيت. قال: وكتب يوسف عليه السلام على باب ~~السجن: هذه منازل البلوى وقبور الأحياء وشماتة الأعداء وتجربة الأصدقاء. # PageV01P072 ### | محاسن المودة # قال بعض الحكماء: ليس للإنسان تنعم إلا بمودات الاخوان وقال آخر: ~~الازدياد من الاخوان زيادة في الآجال وتوفير لحسن الحال، وقيل: # عاشر الناس معاشرة إن عشتم حنوا إليكم وإن متم بكوا عليكم، وقال: # قد يمكث الناس حينا ليس بينهم ... ود فيزرعه التسليم واللطف # يسلى الشقيقين طول النأي بينهما ... وتلتقي شعب شتى فتأتلف # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لابنه الحسين: ابذل لصديقك كل مودة ~~ولا تطمئن إليه كل الطمأنينة وأعطه كل المواساة ولا تفش إليه كل الأسرار. ~~وقال العباس بن جرير: المودة تعاطف القلوب وائتلاف الأرواح وانس النفوس ~~ووحشة الأشخاص عند تنائي اللقاء وظهور السرور بكثرة التزاور وعلى حسب ~~مشاكلة الجواهر يكون الإنفاق في الخصال. وقال بعضهم: من لم يواخ من الأخوان ~~إلا من لا عيب فيه قل صديقه، ومن لم يرض من صديقه إلا بإيثاره إياه على ~~نفسه دام سخطه، ومن عاتب على غير ذنب كثر عدوه. وكان يقال: أعجز الناس من ~~فرط في طلب ms042 الأخوان. وقال الشاعر في مثله: # لعمرك ما مال الفتى بذخيرة ... ولكن إخوان الثقاب الذخائر # وضده، قال المأمون: الأخوان ثلاث طبقات: طبقة كالغذاء لا يستغني عنه، ~~وطبقة كالدواء يحتاج إليه أحيانا، وطبقة كالداء لا يحتاج إليه. # وكتب بعض الكتاب أن فلانا أولاني جميلا من البشر مقرونا بلطيف من الخطاب ~~في بسط وجه ولين كنف، فلما كشفه الامتحان بيسير الحاجة كان # PageV01P073 # كالتابوت المطلي عليه بالذهب المملوء بالعذرة أعجبك حسنه ما دام مطيفا ~~فلما فتح آنذاك نتنه فلا أبعد الله غيره، ومما قيل في ذلك: # والله لو كرهت كفي منادمتي ... لقلت للكف بيني إذ كرهتني # وقال آخر: # ولو أني تخالفني شمالي ... لما اتبعتها أبدا يميني # إذا لقطعتها ولقلت بيني ... كذلك اجتوي من يجتويني # وقال آخر: # من لم يزدك فلا ترده ... ليكن كمن لم تستفده # باعد أخاك ببعده ... فإذا نأى شبرا فزده # وقال آخر: # تود عدوي ثم تزعم أنني ... أودك إن الرأي منك لعازب # وليس أخي من ودني رأي عينه ... ولكن أخي من ودني وهو غائب # وقال آخر: # إن اختيارك لا عن خبرة سلفت ... إلا الرجاء وما يخطيء النظر # كالمستغيث ببطن السيل يحسبه ... حرزا يبادره إذ بله المطر # وقال آخر: # وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد ومن ولد # وكان لي مؤنسا وكنت له ... ليست بنا وحشة إلى أحد # كنا كساق مشت بها قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد # حتى إذا أمكن الحوادث من ... حظي وحل الزمان من عقدي # أزور عني وكان ينظر من ... عيني ويرمي بساعدي ويدي # حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد # PageV01P074 # وقال آخر: # فيا عجبا لمن ربيت طفلا ... القمه بأطراف البنان # أعلمه الرماية كل يوم ... فلما اشتد ساعده رماني # أعلمه الفتوه كل حين ... فلما طر شاربه جفاني # أعلمه الرواية كل وقت ... فلما صار شاعرها هجاني # PageV01P075 ### | محاسن الولايات # سئل عمار بن ياسر «1» رضي الله عنه عن الولاية فقال: هي حلوة الرضاع مرة ~~الفطام. وذكروه أنه كان سبب عزل الحجاج بن يوسف عن المدينة، وقد وفد من أهل ~~المدينة ms043 منهم عيسى بن طلحة بن عبيد الله على عبد الملك بن مروان، فأثنوا ~~على الحجاج وعيسى ساكت، فلما قاموا ثبت عيسى حتى خلا له وجه عبد الملك فقام ~~فجلس بين يديه فقال: يا أمير المؤمنين من أنا؟ قال: عيسى بن طلحة بن عبيد ~~الله، قال: فمن أنت؟ قال: عبد الملك بن مروان. قال: أفجهلتنا أو تغيرت ~~بعدنا؟ قال: وما ذاك؟ قال: # وليت علينا الحجاج بن يوسف يسير بالباطل ويحملنا على أن نثني عليه بغير ~~الحق والله لئن أعدته علينا لنعصيك ملكك، فقال له عبد الملك: انصرف والزم ~~بيتك ولا تذكرن من هذا شيئا، قال: فقام إلى منزله وأصبح الحجاج غاديا إلى ~~عيسى بن طلحة فقال: جزاك الله عن خلوتك بأمير المؤمنين خيرا فقد أبدلني بكم ~~خيرا وأبدلكم بي غيري وولاني العراق. # وعن معمر بن وهيب قال: كان عبد الملك عند ما استعفى أهل العراق من الحجاج ~~قال لهم: اختاروا أي هذين شئتم، يعني أخاه محمد بن مروان وابنه عبد الله بن ~~عبد الملك- مكان الحجاج؟ فكتب إليه الحجاج: يا أمير المؤمنين، إن أهل ~~العراق استعفوا عثمان بن عفان من سعيد بن العاص فلما عفاهم منه ساروا إليه ~~من قابل وقتلوه، فقال: صدق ورب الكعبة، وكتب # PageV01P076 # إلى محمد وعبد الله بالسمع والطاعة له. # وضده، كتب عبد الصمد بن المعذل إلى صديق له ولي النفاطات فأظهر تيها: # لعمري لقد أظهرت تيها كأنما ... توليت للفضل بن مروان عكبرا # دع الكبر واستبق التواضع إنه ... قبيح بوالي النفط أن يتغيرا # لحفظ عيون النفط أحدثت نخوة ... فكيف به لو كان مسكا وعنبرا # وقال ابن المعتز: # كم ثائه بولاية ... وبعزله يعدو البريد # سكر الولاية طيب ... وخماره صعب شديد # وقال آخر: # لا تفرحن فكل وال يعزل ... وكما عزلت فمن قريب تقتل # وكذا الزمان بما يسرك تارة ... وبما يسوءك تارة يتنقل # PageV01P077 ### | محاسن الصحبة # قيل: قال علقمة بن ليث لابنه: يا بني، إن نازعتك نفسك إلى الرجال يوما ~~لحاجتك إليهم فاصحب من أن صحبته زانك، وإن تخففت له صانك، وإن نزلت ms044 بك ~~مؤونة مانك، وإن قلت صدق قولك، وإن صلت شدد صولك، اصحب من إذا مددت إليه ~~يدك لفضل مدها، وإن رأى منك حسنة عدها، وإن بدت منك ثلة سدها، واصحب من لا ~~تأتيك منه البوائق، ولا تختلف عليك منه الطرائف ولا يخذلك عند الحقائق، ~~وقال آخر: أصحب من خولكم نفسه وملكك خدمته وتخيرك لزمانه، فقد وجب عليك حق ~~وذمامه. وكان يقال: من قبل صلتك فقد باعك مروءته وأذل لقدرك عزه. وقال ~~بعضهم لصاحبه: أنا أطوع لك من اليد وأذل من النعل. # وقال بعضهم: إذا رأيت كلبا ترك صاحبه وتبعك فارجمه فإنه تاركك كما ترك ~~صاحبه. وقال ابن أبي دؤاد «1» لرجل انقطع إلى محمد بن عبد الملك الزيات «2» ~~: ما خبرك مع صاحبك؟ فقال: لا يقصر في الإحسان إلي، فقال: يا هذا إن لسان ~~حالك يكذب لسان مقالك. # وضده، قال: كان يوسف بن عمر الثقفي يتولى العراقين لهشام بن عبد الملك، ~~وكان مدموما في عمله، فخبرني المدائني قال: وزن يوسف بن عمر درهما فنقص حبة ~~فكتب إلى دور الضرب بالعراق يضرب أهلها مائة. # PageV01P079 # قيل: وخطب في مسجد الكوفة فتكلم إنسان مجنون فقال: يا أهل الكوفة ألم ~~أنهكم أن تدخلوا مساجدكم المجانين اضربوا عنقه فضربت عنقه. قال: # وقال لهمام بن يحيى وكان عاملا له: يا فاسق، خربت مهرجا نقذق قال: # إني لم أكن عليها إنما كنت على ما دينار وعمرت البلاد فأعاد ذلك عليه ~~مرارا، فقال همام: قد أخبرتك إني كنت على ماه دينار وتقول: ضربت مهرجا نقذق ~~فلم يزل يعذبه حتى مات. قال: وقال لكاتبه وقد احتبس عن ديوانه يوما: ما ~~حبسك؟ قال: اشتكيت ضرسي قال: تشكي ضرسك وتقعد عن الديوان ودعا الحجام وأمره ~~أن يقلع ضرسين من أضراسه. وعن المدائني قال: حدثني رضيع كان ليوسف بن عمر ~~من بني عبس قال: كنت لا أحجب عنه وعن خدمته فدعا ذات يوم بجوار له ثلاث ~~ودعا بخصي له يقال له حديج فقرب إليه واحدة فقال لها: إني أريد الشخوص ~~أفأخلفك أو أشخصك معي؟ ms045 # فقالت: صحبة الأمير أحب إلي، ولكني أحسب أن مقامي وتخلفي أعفى وأخف على ~~قلبه. فقال: أحببت التخلف للفجور يا حديج اضرب فضربها حتى أوجعها ثم أمره ~~أن يأتيه بالثانية، وقد رأت ما لقيت صاحبتها فقال لها: # إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أخرجك؟ فقالت: ما أعدل بصحبة الأمير شيئا بل ~~تخرجني قال: أحببت الجماع، ما تريدين أن يفوتك ليلة يا حديج، اضرب فضربها ~~حتى أوجعها، ثم أرمه أن يأتيه بالثالثة، وقد رأت ما لقيت، المتقدمتان، فقال ~~لها: إني أريد الشخوص أفأخلفك أم أخرجك؟ قالت: # الأمير أعلم لينظر أخف الأمرين عليه فليفعله. قال: اختياري لنفسك قالت: # ما عندي اختيار فليختر الأمير. قال: قد فرغت من كل عمل فلم يبق لي إلا أن ~~أختار لك أوجعها يا حديج، فضربها حتى أوجعها. قال الرجل: فكأنما أوجعني من ~~شدة غيظه عليه، فولت الجارية فتبعها الخادم فلما بعدت قالت: # الخيرة والله في فراقك ما تقرعني أحد بصحبتك فلم يفهم يوسف كلامها. # فقال: ما تقول يا حديج؟ قال: قالت كذا وكذا. فقال: يا بن الخبيثة من أمرك ~~أن تعلمني يا غلام، خذ السوط من يده فأوجع رأسه. فما زال يضربه حتى اشتفى، ~~فتعرف من الغلام الآخر كم ضربت؟ قال: لا أدري. قال: # عدو الله، أتخرج حاصلي من بيت مالي من غير حساب، اقتلوه، فقتلوه. # PageV01P080 ### | محاسن التطير # عن عكرمة قال: كنا جلوسا عند ابن عباس وابن عمر فطار غراب يصيح، فقال رجل ~~من القوم: خير خير، فقال ابن العباس: لا خير ولا شر، والذي حضرنا من العشر ~~في مثله لأبي الشيص «1» : # ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل # والناس يلحون غراب ... البين لما جهلوا # وما على ظهر غرا ... ب البين تطوى الرحل # ولا إذا صاح غرا ... ب في الديار ارتحلوا # وما غراب البيين إ ... لا ناقة أو جمل # وقال آخر: # أترحل عمن أنت صب بمثله ... وتلحي غراب البين أنك تظلم # أقم فغراب البين غير مفرق ... ولا بأتي إلا على الفصل يحكم # وقال آخر: # غلط الذين رأيتهم بجهالة ms046 ... يلحون كلهم غرابا ينعق # ما الذنب إلا للجمال فإنها ... مما يشتت شملهم ويفرق # إن الغراب بيمنه يدنى النوى ... وتشتت الشمل الجميع الأنيق # PageV01P081 # وقال آخر: # لا يعلم المرء ليلا ما يصبحه ... إلا كواذب مما يخبر الفال # والفال والزجر والكهان كلهم ... مضللون ودون الغيب أقفال # وضده، حكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج متصيدا ومعه عدي بن زيد العبادي ~~«1» فمر بآرام- وهي القبور- فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه ~~الآرام؟ فقال: لا قال: إنها تقول: # أيها الركب المخفون ... على الأرض تمرون # لكما كنتم فكنا ... وكما كنا تكونون # فقال: أعد فأعادها فترك صيده ورجع كئيبا، وخرج معه مرة أخرى فوقف على ~~آرام بظهر الحيرة، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام قال: ~~لا، قال: إنها تقول: # رب ركب قد أناخوا عندنا ... يشربون الخمر بالماء الزلال # ثم أضحوا عصف الدهر بهم ... وكذاك الدهر حالا بعد حال # فانصرف وترك صيده. قال: ولما خرج خالد بن الوليد إلى أهل الردة انتهى إلى ~~حي من تغلب فأغار عليهم وقتلهم، وكان رجل منهم جالسا على شراب له وهو يغني ~~بهذا البيت: # ألا عللاني قبل جيش أبي بكر ... لعل منايانا قريب وما ندري # فوقف عليه رجل من أصحاب خالد فضرب عنقه، فإذا رأسه في الجفنة التي كان ~~يشرب منها. وهذا كقولهم: # إن البلاء موكل بالمنطق # PageV01P082 ### | محاسن الوفاء # قيل في المثل: أوفى من مكيهة وهي امرأة من بني قيس بن ثعلبة، كان من ~~وفائها أن السليك بن سلكة عزا بكر بن وائل، فلم يجد غفلة يلتمسها، فخرج ~~جماعة من بكر فوجدوا أثر قدم على الماء فقالوا: إن هذا الأثر قدم ورد ~~الماء، فقصدوا له، فلما وافى حملوا عليه فعدا حتى ولج قبة فكيهة فاستجار ~~بها، فأدخلته تحت درعها فانتزعوا ضمارها فنادت إخوتها فجاءوا عشرة، فمنعوهم ~~منها. قال: وكان سليك يقول: كأني أجد خشونة شعر استها على ظهري حين أدخلتني ~~تحت درعها: وقال: # لعمر أبيك وابناء تنمي ... لينقم الجار أخت بني عوارا # من الخفرات لم تفضح أخاها ... ولم ترفع ms047 لوالدها شنارا # عنيت به فكيهة حين قامت ... لدخل السيف فانتزعوا الخمارا # ويقال أيضا: هو أوفى من أم جميل، وهي من رهط ابن أبي بردة من دوس، وكان ~~من وفائها أن هشام بن الوليد بن المغيرة المخزومي قتل رجلا من الأزد فبلغ ~~ذلك قومه بالسراة فوثبوا على ضرار بن الخطاب الفهري ليقتلوه فعدا حتى دخل ~~بيت أم جميل وعاذ بها، فقامت في وجوههم ودعت قومها فمنعوه لها فلما ولي عمر ~~بن الخطاب ظنت أنه أخوه فأتته بالمدينة، فلما انتسبت له عرف القصة فقال: ~~إني لست بأخيه إلا في الإسلام وهو غاز وقد عرفنا منتك عليه وأعطاها على ~~أنها ابنة سبيل. ويقال: أوفى من السموأل بن عاديا» # ، وكان من وفائه أن امرأ القيس بن حجر لما أراد الخروج إلى قيصر # PageV01P083 # استودع السموأل دروعا له فلما مات امرؤ القيس غزاه ملك من ملوك الشام ~~فتحرز منه السموأل فأخذ الملك ابنا له خارج الحصن وصاح، يا سموأل هذا ابنك ~~في يدي وقد علمت أن امرأ القيس ابن عمي وأنا أحق بميراثه، فإن دفعت إلي ~~الدروع وإلا ذبحت ابنك. فقال: أجلني فأجله، فجمع أهل بيته فشاورهم فكلهم ~~أشاروا بدفع الدروع وأن يستنقذ ابنه، فلما أصبح أشرف عليه وقال: ليس لي إلى ~~دفع الدروع سبيل فاصنع ما أنت صانع فذبح الملك ابنه وهو ينظر إليه وكان ~~يهوديا، وانصرف الملك ووافى السموأل بالدروع في الموسم فدفعها إلى ورثة ~~أمرىء القيس: وقال في ذلك: # وفيت بأدرع الكندي إني ... إذا ما خان أقوام وفيت # وقالوا عنده كنز رهيب ... فلا وأبيك أغدر ما مشيت # بنى لي عاديا حصنا حصينا ... وبئرا كلما شئت استقيت # وفي ذلك يقول الأعشى: # كن كالسموأل إذ طاف الهمام به ... في جحفل كسواد الليل جرار # بالأبلق الفرد من تيماء منزله ... حصن حصين وجار غير غدار # خبره خطتي خسف فقال له ... مهما تقول فإني سامع حار # فقال ثكل وغدر أنت بينهما ... فاختر فما فيهما حظ لمختار # فشك غير طويل ثم قال له ... اقتل أسيرك إني مانع جاري # ويقال: ms048 أوفى من الحارث بن عباد، وكان من وفائه أنه أسر عدي بن ربيعة ولم ~~يعرفه، فقال له: دلني على عدي بن ربيعة ولك الأمان، فقال: # أنا آمن أن دللتك عليه، قال: نعم. قال: فأنا عدي بن ربيعة فخلاه وفي ذلك ~~يقول الشاعر: # لهف نفسي على عدي وقد شا ... رفه الموت واجتوته المنون # ويقال: هو أوفى من عوف بن محلم، وكان من وفائه أن مروان القرظ عزا بكر بن ~~وائل ففضوا جيشه وأسره رجل منهم وهو لا يعرفه فأتى به # PageV01P084 # أمه فقالت: إنك تختال بأسيرك كأنك جئت بمروان القرظ فقال لها مروان: # وما ترجين من مروان؟ قالت: عظم فدائه. قال: وكم ترجين من فدائه؟ # قالت: مائة بعير. قال مروان: لك ذلك على أن ترديني إلى خماعة بنت عوف بن ~~محلم، قالت: ومن لي بالمائة فأخذ عودا من الأرض وقال: هذا لك، فمضت به إلى ~~عوف فاستجار بخماعة ابنته فبعثت به إلى عوف، ثم إن عمرو بن هند بعث إلى عوف ~~أن يأتيه بمروان، وكان واجدا عليه في شيء، فقال عوف لرسوله: إن خماعة ابنتي ~~قد أجارته، فقال: إن الملك قد آلى أن يعفو عنه أو يضع كفه في كفه، فقال ~~عوف: يفضل ذلك على أن تكون كفي بين أيديهما، فأجابه عمرو إلى ذلك، فجاء عوف ~~بمروان فأدخله عليه فوضع يده في يده ووضع يده بين أيديهما فعفا عنه. ومنهم ~~الطائي صاحب النعمان بن المنذر، وكان من وفائه أن النعمان ركب في يوم بؤسه، ~~وكان له يومان يوم بؤس ويوم نعيم لم يلقه أحد في يوم بؤسه إلا قتله ولا في ~~يوم نعيمه إلا أحياه وحباه وأعطاه، فاستقبله في يوم بؤسه أعرابي من طيء، ~~فقال: حيا الله الملك، لي صبية وصغار لم أوص بهم أحدا فإن رأى الملك أن ~~يأذن لي في إتيانهم وأعطيه عهد الله أن أرجع إليه إذا أوصيت بهم حتى أضع ~~يدي بين يديه، فرق له النعمان وقال له: لا إلا أن يضمنك رجل ممن معنا فإن ~~لم تأت ms049 قتلناه، وكان مع النعمان شريك بن عمرو بن شراحبيل فنظر إليه الطائي ~~وقال: # يا شريك ابن عمرو ... هل من الموت محاله # يا أخا كل مضاف ... يا أخا من لا أخاله # يا أخا النعمان فك ... اليوم عن شيخ غلاله # ابن شيبان قتيل ... أصلح الله فعاله # فقال شريك: هو علي أصلح الله الملك، فمضى الطائي وأجل له أجلا يأتي فيه، ~~فلما كان ذلك اليوم أحضر النعمان شريكا وجعل يقول له: # إن صدر هذا اليوم قد ولي وشريك يقول: ليس لك علي سبيل حتى نمسي فلما ~~أمسوا أقبل شخص والنعمان ينظر إلى شريك فقال شريك: ليس لك # PageV01P085 # علي سبيل حتى يدنو الشخص فلعله صاحبي، فبينما هما كذلك أقبل الطائي فقال ~~النعمان: والله ما رأيت أكرم منكما وما أدري أيكما أكرم أهذا الذي ضمنك وهو ~~الموت أم أنت وقد رجعت إلى القتل؟ والله لا أكون الأم الثلاثة، فأطلقه وأمر ~~برفع يوم بؤسه. وأنشد الطائي: # ولقد دعتني للخلاف عشيرتي ... فأبيت عند تجهم الأقوال # إني امرؤ مني الوفاء سجية ... وفعال كل مهذب بذال # فقال النعمان: ما حملك على الوفاء؟ قال: ديني. قال: وما دينك؟ # قال: النصرانية. قال: أعرضها علي، فعرضها عليه، فتنصر النعمان «1» . # وضده، قيل: كتب صاحب بريد همذان إلى المأمون وهو بخراسان يعلمه إن كاتب ~~صاحب البريد المعزول أخبره أن صاحبه وصاحب الخراج كانا تواطأ اعلى إخراج ~~مائتي ألف درهم من بيت المال واقتسماها بينهما، فوضع المأمون، إنا ترى قبول ~~السعاية شرا من السعاية لأن السعاية دلالة والقبول إجارة وليس من دل على ~~شيء كمن قبله وأجازه، فأنف الساعي عند ذلك وقال: يا أمير المؤمنين رضي الله ~~عنك. المعذرة فإن الساعي وإن كان في سعايته صادقا لقد كان في صدقه لئيما إذ ~~لم يحفظ الحرمة ولم يف لصاحبه. # قال: ودخل رجل على سليمان بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، عندي ~~نصيحة. قال: وما نصيحتك هذه؟ قال: فلان كان عاملا ليزيد بن معاوية وعبد ~~الملك والوليد، فخانهم فيما تولاه ثم اقتطع اموالا كثيرة جليلة فمر ms050 ~~باستخراجها منه. قال: أنت شر منه وأخون حيث أطلقت على أمره وأظهرته ولولا ~~أني أنفر النصاح لعاقبتك، ولكن اختر مني خصلة من ثلاث. # قال: أعرضهن يا أمير المؤمنين. قال: إن شئت فتشنا عما ذكرت، فإن كنت ~~صادقا مقتناك، وإن كنت كاذبا عاقبناك وإن استقلت أقلناك، فاستقاله الرجل. # PageV01P086 ### | محاسن السخاء # روي عن نافع قال: لقي يحيى بن زكريا عليه السلام إبليس لعنه الله فقال: ~~أخبرني بأحب الناس إليك وأبغضهم إليك. قال: أحبهم إلي كل مؤمن بخيل وأبغضهم ~~إلي كل منافق سخي. قال: ولم ذاك؟ قال: لأن السخاء خلق الله الأعظم فأخشى أن ~~يطلع عليه في بعض سخائه فيغفر له. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «السخي قريب من الله قريب من الناس بعيد ~~من النار والبخيل بعيد من الله من الجنة قريب من النار، والجاهل السخي أحب ~~إلى الله عز وجل من عابد بخيل، وأدوأ الداء البخل» . وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «ما أشرقت شمس إلا ومعها ملكان يناديان يسمعان الخلائق غير الجن ~~والأنس وهما الثقلان: اللهم عجل المنفق خلفا والممسك تلفاز والملكان ~~يناديان: أيها الناس هلموا إلى ربكم فإن ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» . ~~وعن الشعبي قال: قالت أم البنين ابنة عبد العزيز أخت عمر بن عبد العزيز ~~وكانت تحب الوليد بن عبد الملك: لو كان البخل قميصا ما لبسته أو طريقا ما ~~سلكتها، وكانت تعتق كل يوم رقبة، وتحمل على قريش في سبيل الله وكانت تقول: ~~البخل كل البخل من بخل على نفسه بالجنة. # وقيل اعتقت هند بنت عبد المطلب في يوم واحد أربعين رقبة. # وقال بعض الحكماء: ثواب الجود خلف ومحبة ومكافأة، وثواب البخل حرمان ~~وإتلاف ومذمة. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب رضي الله ~~عنه: «يا علي، كن شجاعا فإن الله يحب الشجاع، وكن سخيا فإن الله يحب السخي ~~وكن غيورا فإن الله يحب الغيور. يا علي: وإن إنسان سألك الحاجة ليس لها ~~بأهل فكن أنت أهلا لها» . وقال الني صلى ms051 الله عليه وسلم: «السخاء شجرة في ~~الجنة من # PageV01P087 # أخذ منها بغصن مد به إلى الجنة» . وقال عبد العزيز بن مروان: لو لم يدخل ~~على البخلاء في لؤمهم إلا سوء ظنهم بالله عز وجل لكان عظيما. وقال صلى الله ~~عليه وسلم: # «تجافوا عن ذنب السخي فإن الله آخذ بيده كلما عثر» . وقال بهرام جور: # من أحب أن يعرف فضل الجود على سائر الأشياء فلينظر إلى ما جاد الله به ~~على الخلق من المواهب الجليلة والرغائب النفيسة والنسيم والريح كما وعدهم ~~الله بالجنان فإنه لولا رضاه الجود لم يصطفه لنفسه. وقال الموبذان لأبرويز: # أكنتم تمنون أنتم وآباؤكم بالمعروف وتترصدون عليه بالمكافأة؟ قال: # لا، ولا نستحسن ذلك لخولنا وعبيدنا فكيف نرى ذلك وفي كتاب ديننا من فعل ~~معروفا خفيا وأظهره ليتطول به على المنعم عليه فقد نبذ الدين وراء ظهره ~~واستوجب أن لا نعده من الأبرار ولا نذكره في الأتقياء والصالحين؟ قيل: # وسئل الإسكندر: ما أكبر ما شيدت به ملكك؟ قال: ابتداري إلى اصطناع الرجال ~~والإحسان إليهم. قال: وكتب ارسطاطاليس في رسالته إلى الإسكندر: # وأعلم أن الأيام تأتي على كل شيء فتخلقه وتخلق آثاره وتميت الأفعال إلا ~~ما رسخ في قلوب الناس. فأودع قلوبهم محبة آبدة «1» تبقي بها حسن ذكرك وكريم ~~فعالك وشرف آثارك. قال: ولما قدم بزرجمهر إلى القتل قيل له: إنك في آخر وقت ~~من أوقات الدنيا وأول وقت من أوقات الآخر فتكلم بكلام تذكر به. # فقال: أي شيء أقول؟ الكلام كثير ولكن إن أمكنك أن يكون حديثا حسنا فافعل. ~~قيل: وتنازع رجلان أحدهما من أبناء العجم والآخر إعرابي من الضيافة. فقال ~~الإعرابي: نحن أقرى للضيف. قال: وكيف ذلك؟ قال: # لأن أحدنا ربما لا يملك إلا بعيرا فإذا حل به ضيف نحره له، فقال له ~~الأعجمي: فنحن أحسن مذهبا في القرى منكم، قال: وما ذاك؟ قال: # نحن نسمي الضيف مهمان ومعناه أنه أكبر من في المنزل وأملكنا به، وقال بعض ~~الحكماء: بلغ الجود من قام بالمجهود. وقيل الجواد من لم يضن ms052 # PageV01P088 # بالموجود. وقال المأمون: الجود بذل الموجود والبخل سوء الظن بالمعبود. ~~قيل وشكا رجل إلى إياس بن معاوية كثرة ما يهب ويصل الناس وينفق. قال: إن ~~النفقة داعية الرزق وكان جالسا على باب فقال للرجل: أغلق هذا الباب فأغلقه. ~~فقال: هل تدخل فيه الريح؟ قال: لا. قال: فافتحه، ففتحه فجعلت الريح تخترق ~~في البيت، فقال: هكذا الرزق أغلقت فلم تدخل الريح فكذلك إذا أمسكت لم يأتك ~~الرزق. # قيل: ووصل المأمون محمد بن عباد المهلبي بمائة ألف دينار ففرقها على ~~إخوانه فبلغ ذلك المأمون. فقال: يا أبا عبد الله إن بيوت الأموال لا تقوم ~~بهذا. فقال: يا أمير المؤمنين البخل بالموجود سوء الظن بالمعبود. وعن أمية ~~بن يزيد الأموي قال: كنا عند عبد الرحمن بن يزيد بن معاوية فجاءه رجل من ~~أهل بيته فسأله المعونة على تزويج، فقال له قولا ضعيفا فيه رعد وقلة أطماع. # فلما قام من عنده ومضى دعا صاحب خزانته فقال: أعطه أربعمائة دينار ~~فاستكثرناها وقلنا: كنت رددت عليه ردا ظننا إنك تعطيه شيئا قليلا فإذا أنت ~~أعطيته أكثر مما آمل، فقال: إني أحب أن يكون فعلي أحسن من قولي. # وبحاتم يضرب المثل والسخاء، فحدثنا عن بعض حالات حاتم. قيل: كان حاتم ~~جوادا شاعرا وكان حيثما نزل عرف منزله وكان ظفرا إذا قاتل غلب وإذا غنم نهب ~~وإذا سئل وهب وإذا شرب بالقداح سبق وإذا أسر أطلق، وكان أقسم أن لا يقتل ~~واحدا، قيل: ولما بلغ حاتما قول المتلمس الضبعي: # قليل المال تصلحه فيبقى ... ولا يبقى الكثير مع الفساد # وحفظ المال أيسر من بقاء ... وضرب في البلاد بغير زاد # فقال: ما له قطع الله لسانه، يحرض الناس على البخل أفلا قال: # فلا الجود يفني المال قبل فنائه ... ولا البخل في مال الشحيح يزيد # فلا تلتمس رزقا بعيش مقتر ... لكل غد رزق يعود جديد # ألم تر أن الرزق غاد ورائح ... وأن الذي أعطاك سوف يعيد # PageV01P089 # قال: ونزل على حاتم ضيف ولم يحضره القرى فنحر ناقة الضيف وعشاه وغداه ~~وقال: إنك ms053 قد أقرضتني ناقتك فاحتكم علي. قال: راحلتين. # قال: لك عشرون أرضيت؟ قال: نعم وفوق الرضى. قال: إلى أربعون. # ثم قال لمن بحضرته من قومه: من أتانا بناقة فله ناقتان بعد المائة، فأتوا ~~بأربعين فدفعها إلى الضيف. وحكوا عن حاتم أنه خرج في الشهر الحرام يطلب ~~حاجة فلما كان بأرض عنزة ناداه أسير فيهم. يا أبا سفانة قد أكلني الأسار ~~والقمل. قال: والله ما أنا في بلادي ولا معي شيء وقد أسأت إلى أن نوهت ~~باسمي فذهب إلى العنزيين فساومهم فيه واشتراه منهم وقال: خلوا عنه وأنا ~~أقيم مكانه في قيده حتى أؤدي قراه، ففعلوا فأتاهم بغداء. قيل: # ولما مات حاتم خرج رجل من بني أسد يعرف بأبي الخيبري في نفر من قومه وذلك ~~قبل أن يعلم كثير من العرب بموته فأناخوا بقبره فقال: والله لأحلفن للعرب ~~أنني نزلت بحاتم وسألته القرى فلم يفعل وجعل يضرب القبر برجله ويقول: # عجل أبا سفانة قراكا ... فسوف أنبي سائلي ثناكا # فقال بعضهم: ما لك تنادي رمة باتوا مكانهم فقام صاحب القول من نومه ~~مذعورا فقال: يا قوم عليكم مطاياكم فإن حاتما أتاني فأنشدني: # أبا الخيبري وأنت امرؤ ... ظلوم العشرة شتامها # فماذا أردت إلى رمة ... بدؤية صخبت هامها # تبغي أذاها وإعسارها ... وحولك طي وإنعامها # وإنا لننعم أضيافنا ... من الكوم بالسيف نعتامها # وقيل في المثل: هو أجود من كعب بن إمامة وكان من إياد وبلغ من جوده أنه ~~خرج في ركب فيهم رجل من بني النمر بن قاسط في شهر ناجر # PageV01P090 # وألجأهم العطش فظلوا فتصافتوا ماءهم فجعل النميري يشرب نصيبه فإذا أراد ~~كعب أن يشرب نصيبه قال: آثر أخاك النمري فيؤثره حتى أضر به العطش فلما رأى ~~ذلك استحث ناقته وبادر حتى رفعت أعلام الماء وقيل له: رد كعب فإنك وارد ~~فمات قبل أن يرد ونجا رفيقه. ومن قول أبي تمام: # هو البحر من أي النواحي أتيته ... فلجته المعروف والجود ساحله # كريم إذا ما جئت للعرف طالبا ... حباك بما تحوي عليه أنامله # فلو لم يكن في ms054 كفه غير نفسه ... لجاد بها فلتق الله سائله # وللبحتري: # لو أن كفك لم تجد لمؤمل ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل # ولو أن مجدك لم يكن متقادما ... أغناك آخر سؤدد عن أول # ولبكر بن النطاح في أبي دلف: # بطل بصدر حسامه وسنانه ... أجلان من صدر ومن أبراد # ورث المكارم وابتناها قاسم ... بصفائح واسنة وجياد # يا عصمة العرب التي لو لم تكن ... حيا إذا كانت بغير عماد # إن العيون إذا رأتك بعزمه ... فتحت منه مواضع الأسداد # وكأن رمحك منقع في عصفر ... وكان سيفك سل من فرصاد «1» # لو صال من غضب أبو دلف على ... بيض السيوف لذبن في الأغماد # أورى ونور للعداوة والهوى ... نارين: نار دم ونار زناد # قال أبو هفان «2» : انتشرت هذه الأبيات [حتى انتهت إلى] عبد العزيز بن ~~أبي دلف بسر من رأى فقال: هل سمعت بمثل هذه الأبيات؟ قلت: لا، # PageV01P091 # قال: ولغيره في أبي دلف: # ولو يجوز لقال الناس كلهم ... لولا أبو دلف ما أورق الشجر # قال ابن يحيى النديم: دعاني المتوكل ذات يوم وهو مخمور فقال: # أنشدني قول عمارة في أهل بغداد فأنشدته: # ومن يشتري مني ملوك مخرم ... أبع حسنا وابني هشام بدرهم # وأعطي رجاء بعد ذاك زيادة ... وأمنح دينارا بغير قتوم # فإن طلبوا مني الزيادة زدتهم ... أبا دلف والمستطيل بن أكثم # فقال المتوكل: ويلي على ابن البوال على عقبيه يهجو شقيقه دولة العباس ~~قال: فهل عندك من أعدم في أبي دلف القاسم بن عيسى «1» شيء؟ # قلت: يا أمير المؤمنين قول الإعرابي الذي يقول فيه: # أبا دلف إن السماحة لم تزل ... مغللة تشكو إلى الله غلها # فبشرها ربي بميلاد قاسم ... فأرسل جبريلا إليها فحلها # وقال غيره: # حر إذا جئته يوما لتسأله ... أعطاك ما ملكت كفاه واعتذرا # يخفي صنائعه والله يظهرها ... إن الجميل إذا أخفيته ظهرا # وقال آخر: # فتى عاهد الرحمن فابذل ماله ... فليس تراه الدهر إلا على العهد # فتى قصرت آماله عن فعاله ... وليس على الحر الكريم سوى الجهل # وقال آخر: # إذا ما أتاه السائلون توقدت ... عليه مصابيح الطلاقة والبشر ms055 # PageV01P092 # له من ذرى المعروف نعمى كأنها ... مواقع ماء المزن في البلد القفر # وقال آخر: # عاد السرور إليك في الأعياد ... وسعدت من دنياك بالإسعاد # رفقا بعبد جل ما أوليته ... رفقا فقد أثقلته بأيادي # ملأ النفوس مهابة ومحبة ... بدر بدا متعمرا بسواد # ما أن أرى لك مشبها فيمن أرى ... إن الكرام قليلة الأنداد # وقال في ابن أبي دؤاد: # بدا حين أثرى بإخوانه ... فقلل عنهم شبات «1» العدم # وحذره الحزم صرف الزمان ... فبادر قبل انتقال النعم # فليس وإن نجل البا ... خلون يقرع سنا له من ندم # ولا ينكث الأرض عند السؤال ... ليمنع سؤاله عن نعم # ويروي في الحديث: إنه لا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد صالح أبدا. ~~ويقولون: الشحيح أغدر من الظالم أقسم الله بعزته لا يساكنه بخيل في جنته. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من فتح له باب من الخير فلينتهزه فإنه لا ~~يدري متى يغلق عنه» . وقال الشاعر في ذلك: # ليس في كل ساعة وأوان ... نتيها صنائع الإحسان # فإذا أمكنت تقدمت فيها ... حذرا من تعذر الإمكان # وذكر عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه، إن أمير المؤمنين عليا ~~صلوات الله عليه بعثه إلى حكيم بن حزام بن خويلد يسأله مالا، فانطلق به إلى ~~منزله، فوجد في الطريق صوفا، فأخذه ومر بقطعة كساء فأخذها، فلما صار إلى ~~المنزل أعطاه طرف الصوف فجعل يفتله حتى صيره خيطا، ثم دعا بغرارة مخرقة ~~فرقعها بالكساء وخيطها بالخيط وصر فيها ثلاثين ألف درهم # PageV01P093 # فحملت معه. قال: وأتى قوم قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري رحمه الله ~~يسألونه في حمالة فصادفوه في حائط له يتتبع ما يسقط من الثمر فيعزل جيده ~~ورديئه على حدة فهموا بأن يرجعوا عنه وقالوا ما نظن خيرا. ثم كلموه ~~فأعطاهم، فقال رجل من القوم: لقد رأيناك تصنع شيئا لا يشبه فعالك. # فقال: وما ذاك؟ فأخبروه. فقال: إن الذي رأيتم يؤول إلى اجتماع ما ينفع ~~وينمو، ومنها قيل: الذود إلى الذود إبل. وأنشدوا: # أب كبير هامه صغير ... وفي البحور ms056 تغرق البحور # وقال آخر: # قد يلحق الصغير الجليل ... وإنما القرم من الأفيل «1» # وسحق النخل من الغسل # قال: وأتى رجل ابن طلحة بن عبيد الله فسأله حمالة فرآه يهنأ بعيرا له ~~فقال: يا غلام أخرج إليه بدرة. فقبضها وقال: أردت أن أتصرف حين رأيتك تهنأ ~~بالبعير فقال: إنا لا نضيع الصغير ولا يتعاظمنا الكبير. # PageV01P094 ### | مساوىء البخل # المثل السائر في البخل: هو أبخل من مادر، وهو رجل من بني هلال بن عامر ~~بلغ من بخله أنه يسقي إبله فبقي في أسفل الحوض ماء قليل فسلح فيه ومدر ~~الحوض به فسمي مادرا. وذكروا أن بني هلال وبني فزارة تنافروا إلى أنس بن ~~مدرك وتراضوا به، فقالت بنو فزارة: لم نعرفه، وكان سبب ذلك أن ثلاثة ~~اصطحبوا: فزاري، وثعلبي، وكلابي، فصادفوا حمار وحش، ومضى الفزاري في بعض ~~حوائجه فطبخا وأكلا وخبأ اللفزاري أير الحمار فلما رجع قالا: قد خبأنا لك ~~حقك فكل، فأقبل يأكل ولا يسيغه فجعلا يضحكان: ففطن وأخذ السيف وقام إليهما ~~وقال: لتأكلا منه أو لأقتلكما، فامتنعا فضرب أحدهما فقتله وتناوله الآخر ~~فأكل منه، فقال الشاعر: # نشدتك يا فزار وأنت شيخ ... إذا خيرت تخطيء في الخيار # أصيحانية أدمت بسمن ... أحب إليك أم أير الحمار # بلى أير الحمار وخصيتاه ... أحب إلى فزارة من فزاري # فقالت بنو فزارة: منكم يا بني هلال من سقى إبله فلما رويت سلح في الحوض ~~ومدره بخلا فنفرهم أنس بن مدرك على الهلاليين فأخذ الفزاريون منهم مائة ~~بعير وكانوا تراهنوا عليها، وفي بني هلال يقول الشاعر: # ولكن يرى مشرقا وجهه ... ليرغم في حاله من رغم # لقد جللت خزيا هلال بن عامر ... بني عامر طرا بسلحة مادر # فأف لكم لا تذكروا الفخر بعدها ... بني عامر أنتم شرار العشائر # PageV01P095 # وفي المثل: هو أبخل من أبي حباحب، وهو رجل في الجاهلية من بخله أنه كان ~~يسرج السراج، فإذا أراد أحد أن يأخذه منه أطفأه، فضرب به المثل. ومنهم صاحب ~~نجيح بن سلكة اليربوعي، فإنه ذكر أن نجيحا اليربوعي خرج يوما يتصيد، فعرض ms057 ~~له حمار وحش فاتبعه حتى دفع إلى أكمة، فإذا هو برجل أعمى أسود قاعد في ~~أطمار، بين يديه ذهب وفضة ودر وياقوت، فدنا منه فتناول بعضها ولم يستطع أن ~~يحرك يده حتى ألقاه، فقال: # يا هذا، ما هذا الذي بين يديك؟ وكيف يستطاع أخذه؟ وهل هو لك أم لغيرك؟ ~~فإني أعجب مما أرى أجواد أنت فتجود لنا أم بخيل فأعذرك؟ فقال الأعمى: أطلب ~~رجلا فقد منذ سنين وهو سعد ابن خشرم بن شماس فأتني به نعطك ما تشاء، فانطلق ~~نجيع مسرعا قد استطير فؤاده حتى وصل إلى قومه ودخل خباءه ووضع رأسه فنام ~~لما به من الغم لا يدري من سعد بن خشرم، فأتاه آت في منامه فقال له: يا ~~نجيح إن سعد بن خشرم في حي بني محلم من ولد ذهل بن شيبان، فسأله عن بني ~~محلم ثم سأل عن خشرم بن شماس فإذا هو بشيخ قاعد على باب خبائه فحياه نجيح، ~~فرد عليه السلام، فقال له نجيح: من أنت؟ # قال: أنا خشرم بن شماس. قال له: فأين ولدك سعد؟ قال خرج في طلب نجيح ~~اليربوعي وذلك أن آتيا أتاه في منامه فحدثه أن مالا له في نواحي بني يربوع ~~لا يعلم به إلا نجيح اليربوعي، فضرب نجيح فرسه ومضى وهو يقول: # أيطلبني من قد عناني طلابه ... فياليتني ألقاك سعد بن خشرم # أتيت بني يربوع تبغي لقاءنا ... وجئت لكي ألقاك، حي محلم # فلما دنا من محلته استقبله سعد فقال له نجيح: أيها الراكب هل لقيت سعدا ~~في بني يربوع؟ قال: أنا سعد فهل تدل على نجيح؟ قال: أنا نجيح. وحدثه ~~بالحديث فقال: الدال على الخير كفاعله- وهو أول من قالها- فانطلقا حتى أتيا ~~ذلك المكان فتوارى الرجل الأعمى عنهما وترك المال فأخذه سعد كله، فقال ~~نجيح: يا سعد قاسمني، فقال له اطوعني وعن مالي # PageV01P096 # كشحا. وأبى أن يعطيه شيئا فانتضى نجيح سيفا، فجعل يضربه حتى برد فلما وقع ~~قتيلا تحول الرجل الحافظ للمال سعلاة، فأسرع في أكل سعد وعاد المال إلى ms058 ~~مكانه فلما رأى نجيح ذلك ولى هاربا إلى قومه. # قيل: وكان أبو عبس بخيلا وكان إذا وضع الدرهم في يده نقره بإصبعه ثم ~~يقول: كم من مدينة قد دخلتها، ويد قد وقعت فيها الآن، الآن استقر بك القرار ~~واطمأنت بك الدار، ثم يرمي به في صندوقه فيكون آخر العهد به. قيل: ونظر ~~سليمان بن مزاحم إلى درهم فقال في شق: لا إله إلا الله، وفي شق: محمد رسول ~~الله، ما ينبغي أن تكون إلا معاذة، وقذفه في صندوقه. وذكروا أنه كان بالري ~~عامل على الخراج يقال له المسيب فأتاه شاعر يمتدحه فلم يعطه شيئا ثم سعل ~~سعلة فضرط، فقال الشاعر: # أتيت المسيب في حاجة ... فما زال يسعل حتى ضرط # فقال: غلطنا حساب الخراج ... فقلت من الضرط جاء الغلط # فما زالوا يقولون ذلك حتى هرب منها من غير عزل. # قال: وكتب ارسطاطاليس «1» إلى رجل بشيء فلم يفعل فكتب إليه: إن كنت أردت ~~فلم تقدر فمعذور، وإن كنت قدرت ولم ترد، فسيأتيك يوم تريد فيه فلا تقدر. # قال: وسمع أبو الأسود الدؤلي رجلا يقول: # من يعشي الجائع؟ فعشاه ثم قام الرجل ليخرج فقال: هيهات تخرج فتؤذي الناس ~~كما آذيتني، ووضع رجله في الأدهم حتى أصبح. قال: وكان رجل يأتي ابن المقفع ~~فيلح عليه ويسأله أن يتغدى عنده ويقول: لعلك تظن أني أتكلف لك شيئا والله ~~لا أقدم لك إلا ما عندي، فلما أتاه لم يجد في بيته إلا سكرا يابسة وملح ~~جريش. وجاء سائل إلى الباب فقال له: وسع الله # PageV01P097 # عليك، فلم يذهب فقال: والله لئن خرجت إليك لادقن رأسك، فقال ابن المقفع ~~للسائل: ويحك لو عرفت من صدق وعيده ما أعرف من صدق وعده لم تزد كلمة ولم ~~تقم طرفة عين! قال: وكتب إبراهيم بن سيابة إلى صديق له كثير المال يستسلفه، ~~فكتب إليه: العيال كثير والدخل قليل والمال مكذوب عليه. فكتب إليه: إن كنت ~~كاذبا فجعلك الله صادقا، وإن كنت صادقا فجعلك الله معذورا. وكتب آخر إلى ~~آخر يصف رجلا: ms059 أما بعد فإنك كتبت تسأل عن فلان كأنك هممت به أو حدثتك نفسك ~~بالقدوم إليه فلا تفعل. فإن حسن الظن به لا يقع في الوهم إلا بخذلان الله، ~~والطمع فيما عنده لا يخطر على القلب إلا بسوء التوكل على الله، والرجاء ~~فيما في يده لا ينبغي إلا بعد اليأس من رحمة الله. إنه يرى الإيثار الذي ~~يرضى به التبذير الذي يعاقب عليه والاقتصاد الذي أمر به الإسراف الذي يعاقب ~~عليه، وإن بني إسرائيل لم يستبدلوا العدس والبصل بالمن والسلوى إلا لفضل ~~أخلاقهم وقديم علمهم، وأن الصنيعة مرفوعة والصلة موضوعة، والهبة مكروهة، ~~والصدقة منحوسة، والتوسع ضلالة، والجود فسوق، والسخاء من همزات الشياطين. ~~وإن مواساة الرجال من الذنوب الموبقة والأفضال عليهم من إحدى الكبائر. وأيم ~~الله إن المرء في خصاصة نفسه ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، ومن آثر على نفسه ~~فقد ضل ضلالا بعيدا كأنه لم يسمع بالمعروف إلا في الجاهلية، الذي قطع الله ~~أدبارهم ونهى المسلمين عن إتباع آثارهم وإن الرجفة لم تأخير أهل مدين إلا ~~لسخاء كان فيهم ولا أهلكت الريح عادا إلا لتوسع كان منهم فهو يخشى العقاب ~~على الإنفاق ويرجو الثواب على الإقتار ويعد نفسه خاسرا أو يعدها الفقر ~~ويأمرها بالبخل خيفة أن تمر به قوارع الدهر وأن يصيبه ما أصاب القرون ~~الأولى، فأقم رحمك الله مكانك واصطبر على عسرك عسى الله أن يبدلنا وإياك ~~خيرا منه زكاة وأقرب رحما. # ولبعض الكتاب: أما بعد فإن كثير المواعيد من غير نجح عار على المطلوب ~~إليه وقلتها مع نجح الحاجة مكرمة من صاحبها، وقد رددتنا في حاجتنا هذه في ~~كثرة مواعيدك من غير نجح لها حتى كأنا قد رضينا بالتعلل لها دون النجاح ~~كقول القائل: # PageV01P098 # لا تجعلنا ككمون بمزرعة ... إن فاته الماء أروته المواعيد # وكتب آخر: ما رأيت طيب قولك أسره سوء فعلك ولا مثل بسط وجهك خالفه طول ~~تنكيدك ولا مثل قرب عدتك باعدها إفراط مطلك ولا مثل أنس مذاهبك أوحش منه ~~اختيار عواقبك حتى كأن الدهر أودعك ms060 لطيف الحيلة بالمكر بأهل الحلة، وكأن ~~زينك فيه بالخديعة لتدرك منهم فرصة الهلكة. وقد قيل: وعد الكريم نقد ~~وتعجيل، ووعد اللئيم مطل وتأجيل. وقال بعضهم: # وعدتنا مواعيد عرقوب ومطلتنا مطل نعاس الكلب، وغررتنا غرور السراب، ~~ومنيتنا أماني الكمون. ولبعضهم: أما بعد فلا تدعني مقلقا بوعدك بالعذر ~~الجميل أحسن من الطل الطويل، فإن كنت تريد الأنعام وإن تعذرت الحاجة فأوضح، ~~وأعلمني ذلك لأصرف وجه الطلب إلى غيرك. وذكروا أن فتى من مراد كان يختلف ~~إلى عمرو بن العاص فقال له ذات يوم: إنك امرأة؟ قال: # لا. قال: فتزوج وعلي المهر، فرجع إلى أمه فأخبرها الخبر فقالت: # إذا حدثتك النفس إنك قادر ... على ما حوت أيدي الرجال فكذب # فتزوج وأتى عمرو بن العاص فاعتل عليه «1» ولم ينجز وعده فشكا ذلك إلى أمه ~~فقالت # لا تغضبن على امرىء في ماله ... وعلى كرائم حر مالك فاغضب # ووصف إعرابي رجلا فقال له: بشر مطمع ومطل مؤيس، وكنت منه أبدا بين الطمع ~~واليأس لا بذل سريح ولا مطل مريح، وقال إعرابي: أنا من فلان في أماني تهبط ~~العصم وخلف يذكر العدم ولست بالحريض الذي إذا وعده الكذوب علق نفسه لديه ~~واتعب راحته إليه، وذكر إعرابي رجلا فقال له: # مواعيد عواقبها المطل وثمارها الخلف ومحصولها اليأس، ويقال: سرعة اليأس ~~أحد النجحين، وقال بعضهم: مواعيد فلان مواعيد عرقوب، ولمع الآل، وبرق ~~الخلب، وأماني الكمون، ونار الحباحب، وصلف تحت الراعدة، ومما قيل في ذلك: # PageV01P099 # أروح وأغدو نحوكم في حوائجي ... فأصبح فيها غدوة كالذي أمسي # وقد كنت أرجو للصديق شفاعتي ... فقد صرت أرضى أن أشفع في نفسي # ولأبي النواس: # وعدتني وعدك حتى إذا ... أطمعتني في كنز قارون # جئت من الليل بغاسلة ... تغسل ما قلت بصابون # ولأبي تمام: # يحتاج من يرتجي نوالكم ... إلى ثلاث من غير تكذيب # كنوز قارون أن تكون له ... وعمر نوح وصبر أيوب # وقال آخر: # إني رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا # وقال حسان بن ثابت: # إني لأعجب من قول غررت به ... حلو يمد إليه ms061 السمع والبصر # لو تسمع العصم من صم الجبال به ... ظلت من الراسيات العصم تنحدر # كالخمر والشهد يجري فوق ظاهره ... وما لباطنه طعم ولا خبر # وكالسراب شبيها بالغدير وإن ... تبغ السراب فلا عين ولا قطر # لا ينبت العشب عن برق وراعدة ... غراء ليس لها سيل ولا مطر # وقال آخر: # رأيت أبا عثمان يبذل عرضه ... وخبز أبي عثمان في أحرز الحرز # يحن إلى جاراته بعد شبعه ... وجاراته غرثى تحن إلى الخبز # وقال آخر: # ما كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى نزلت على أرض بن منصور # الحابس الروث في اعفاج بغلته ... خوفا على الحب من لقط العصافير # PageV01P100 # وقال آخر: # نوالك دونه خرط القياد ... وخبزك كالثريا في البعاد # ترى الإصلاح صوفك لا لنسك ... وكسر الخبز من عمل الفساد # أرى عمر الرغيف يطول جدا ... لديك كأنه من قوم عاد # وقال آخر: # اللؤم منك على الطعام طباع ... فعيال بيتك ما حييت جياع # وإذا يمر بباب دارك سائل ... حملت عليه نوابح وسباع # وعلى رغيفك حية مسمومة ... وعلى خوانك عقرب وشجاع # وقال آخر: # يا تارك البيت على الضيف ... وهاربا عنه من الخوف # طيفك قد جاء بخبز له ... فارجع وكن ضيفا على الضيف # إذا اشتهى الضيف طبيخ الشتا ... أتاه بالشهوة في الصيف # وإن دنا المسكين من بابه ... شد على المسكين بالسيف # وقال آخر: # رأى ضيفك بالدار ... وكرب الجوع يغشاه # على خبزك مكتوبا ... سيكفيكهم الله # وقال آخر: # لأبي نوح رغيف ... أبدا في حجر دايه # ابدا يمسحه الدهر ... بكم ووقايه # وله كاتب سر ... خط فيه بعنايه # فسيكفيكهم الله ... إلى آخر الآيه # وقال آخر: # PageV01P101 # الخبز يبطي حين يدعو به ... كأنه يقدم من قاف # ويمدح الملح لأصحابه ... يقول هذا ملح سيراف # سيان أكل الخبز في داره ... وقلع عينيه بخطاف # وقال آخر: # فتى لا يغار على عرسه ... ولكن يغار علي خبزه # فمنه يد الجود مقبوضة ... وكف السماحة في عجزه # وقال آخر: # يصونون أثوابهم في التخوت ... وأزواجهم بذلة في السكك # ينحون من رام رغفانهم ... ويدنون من رام حل التكك # وقال آخر: # أما الرغيف على الخوا ms062 ... ن فمن حمامات الحرم # ما أن يحبس ولا يم ... س ولا يذاق ولا يشم # فتراه اخضر يابسا ... بالي النقوش من الهرم # وقال آخر: # أتينا أبا طاهر مفطرين ... إلى داره فرجعنا صياما # وجاء بخبز له حامض ... فقلت دعوه وموتوا كراما # وقال آخر: # يبخل بالماء ولو أنه ... منغمس في وسط النيل # شحا فلا تطمع في خبزه ... ولو تشفعت بجبريل # وعن حذيفة بن محمد الطائي قال: قال الرشيد: ما لأحد من المولودين ما لأبي ~~النواس في الهجاء: # وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب # شرابك كالسراب إذا التقينا ... وخبزك عند منقطع التراب # PageV01P102 # وقال آخر: # خان عهدي عمرو وما خنت عهده ... وجفاني وما تغيرت بعده # ليس لي ما حييت ذنب إليه ... غير أني يوما تغذيت عنده # وقال الخليل بن أحمد العروضي الأزدي «1» : # فكفاه لم تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه # فكف على الخبز مقبوضة ... كما نقضت مائة تسعه # وكف ثلاثة آلافها ... وتسع مئيها لها شرعه # وقال ابن أبي البغل: # وكل من أجتديه في بلد ... أروم مما لديه في صفد # يعقد لي باليسار أربعة ... منوصة تسعة إلى العدد # وقال آخر: # أتيت أبا عمرو أرجي نواله ... فزاد أبو عمرو على حزني حزنا # فكنت كباغي القرن أسلم أذنه ... فآب بلا أذن ولم يستفذ قرنا # PageV01P103 ### | محاسن الشجاعة # قيل: كان باليمانة رجل من بني حنيفة يقال له جحدر بن مالك، وكان لسنا ~~فاتكا شجاعا شاعرا، وكان قد أبر على أهل هجر وناحيتها، فبلغ ذلك الحجاج بن ~~يوسف فكتب إلى عامل اليمامة يوبخه بتلاعب جحدر به، ويأمره بالتجرد في طلبه ~~حتى يظفر به، فبعث العامل إلى فتية من بني يربوع بن حنظلة، فجعل لهم جعلا ~~عظيما إن هم قتلوا جحدرا أو أتوه به أسيرا، ووعدهم أن يوفدهم إلى الحجاج ~~ويسني فرائضهم، فخرج الفتية في طلبه حتى إذا كانوا قريبا منه بعثوا إليه ~~رجلا منهم يريه أنهم يريدون الانقطاع إليه والتحرم به، فوثق بهم واطمأن ~~إليهم، فبينما هم على ذلك إذ شدوه وثاقا وقدموا به إلى العامل، فبعث به ~~معهم ms063 إلى الحجاج وكتب يثني على الفتية. فلما قدموا على الحجاج قال له: أنت ~~جحدر؟ قال: نعم. قال: ما حملك على ما بلغني عنك؟ قال: جرأة الجنان، وجفوة ~~السلطان، وكلب الزمان، قال: وما الذي بلغ من أمرك فيجترىء جنانك ويصلك ~~سلطانك ولا يكلب زمانك؟ # قال: لو بلاني الأمير لوجدني من صالحي الأعوان، وبهم الفرسان وممن أوفى ~~على أهل الزمان. قال الحجاج: إنا قاذفوك في قبة فيها أسد فإن قتلك كفانا ~~مؤونتك، وإن قتلته خليناك ووصلناك، قال: قد أعطيت أصلحك الله الأمنية ~~وأعظمت المنة وقربت المحنة. فأمر به فاستوثق منه بالحديد وألقي في السجن، ~~وكتب إلى عامله بكسكر يأمره أن يصيد له أسدا ضاريا، فلم يلبث العام أن بعث ~~إليه بأسد ضاريات قد أبرت على أهل تلك الناحية، ومنعت عامة مراعيهم ومسارح ~~دوابهم، فجعل منه ومنها واحدا في تابوت يجر على عجلة، # PageV01P105 # فلما قدموا به على الحجاج أمر فألقى في حيز وأجيع ثلاثا، ثم بعث إلى جحدر ~~فأخرج وأعطي سيفا ودلي عليه فمشى إلى الأسد وأنشأ يقول: # ليث وليث في مكان ضنك ... كلاهما ذو أنف ومحك # وصولة في بطشة وفتك ... إن يكشف الله قناع الشك # وظفرا بجؤجؤ وبرك ... فهو أحق منزل بترك # الذئب يعوي والغراب يبكي # حتى إذا كان منه على قدر رمح تمطى الأسد وزأر وحمل عليه فتلقاه جحدر ~~بالسيف فضرب هامته ففلقها وسقط الأسد كأنه خيمة قوضتها الريح، فانثنى جحدر ~~وقد تلطخ بدمه لشدة حملة الأسد عليه، فكبر الناس فقال الحجاج: يا جحدر إن ~~أحببت أن ألحقك ببلادك وأحسن صحبتك وجائزتك فعلت بك، وإن أحببت أن تقيم ~~عندنا أقمت فأسنينا فريضتك، قال: اختار صحبة الأمير، ففرض له ولجماعة أهل ~~بيته وأنشأ جحدر يقول: # يا جمل إنك لو رأيت بسالتي ... في يوم هيج مردف وعجاج # وتقدمي لليث أرسف نحوه ... حتى أكابده على الإحراج # جهم كأن جبينه لما بدا ... طبق الرحى متفجر الأثباج # يرنو بناظرتين تحسب فيهما ... من ظن خالهما شعاع سراج # ششن براثنه كأن نيوبه ... زرق المعاول أو شذاة زجاج # وكأنما ms064 خيطن عليه عباءة ... برقاء أو خلق من الديباج # قرنان محتضران قد ربتهما ... أم المنية غير ذات نتاج # وعلمت إني أن أبيت نزاله ... إني من الحجاج لست بناج # فمشيت أرسف في الحديد مكبلا ... بالموت نفسي عند ذاك اناجي # PageV01P106 # والناس منهم شامت وعصابة ... عبراتهم لي بالحلوق شواجي # ففلقت هامته فخر مكانه ... أطم تقوض مائل الأبراج # ثم انثنيت وفي قميصي شاهد ... مما جرى من شاخب الأوداج # أيقنت إني ذو حفاظ ماجد ... من نسل أملاك ذوي أتواج # فلئن قذفت إلى المنية عامدا ... إني لخيرك بعد ذلك راجي # علم النساء بأنني لا أنثني ... إذ لا يثقن بغيره الأزواج # وحكى عن الطفيل بن عامر العمري «1» قال: خرجت ذات يوم أريد الغار، وكنت ~~رجلا أحب الوحدة، فبينا أنا أسير إذ ضللت الطريق الذي أردته، فسرت أياما لا ~~أدري أين أتوجه حتى نفذ زادي، فجعلت آكل الحشيش وورق الشجر حتى أشرفت على ~~الهلاك ويئست من الحياة، فبينا أنا أسير إذ أبصرت قطيع غنم في ناحية من ~~الطريق فملت إليها، وإذا شاب حسن الوجه فصيح اللسان، فقال لي: يا بن العم ~~أين تريد؟ فقلت: أردت حاجة لي من بعض المدن وما ظني إلا قد ضللت الطريق، ~~فقال: أجل! إن بينكم وبين الطريق مسيرة أيام فانزل حتى تستريح وتطمئن وتريح ~~فرسك، فنزلت فرمى لفرسي حشيشا وجاء إلي بثريد كثير ولبن، ثم قام إلى كبش ~~فذبحه وأجج نارا وجعل يكبب لي ويطعمني حتى أكتفيت، فلما جننا الليل قام ~~وفرش لي وقال: قم فارم بنفسك فإن النوم اذهب لتعبك وارجع لنفسك، فقمت ووضعت ~~رأسي، فبينا أنا نائم إذ أقبلت جارية لم تر عيناي مثلها قط حسنا وجمالا، ~~فقصدت إلى الفتى وجعل كل واحد منهما يشكو إلى صاحبه ما يلقى من الوجد به، ~~فامتنع علي النوم لحسن حديثهما فلما كان في وقت السحر قامت إلى منزلها، ~~فلما أصبحنا دنوت منه فقلت له: ممن الرجل؟ # قال: أنا فلان بن فلان، فانتسب لي فعرفته فقلت له: ويحك! إن أباك # PageV01P107 # لسيد قومه، فما حملك وضعك نفسك ms065 في هذا المكان؟ فقال: أنا والله أخبرك، ~~كنت عاشقا لابنة عمي هذه التي رأيتها وكانت هي أيضا لي واهقة، فشاع خبرنا ~~في الناس، فأتيت عمي فسألته أن يزوجنيها. فقال: يا بني، والله ما سألت ~~شططا، وما هي بآثر عندي منك، ولكن الناس قد تحدثوا بشيء وعمك يكره المقالة ~~القبيحة، ولكن انظر غيرها في قومك حتى يقوم عمك بالواجب لك، فقلت: لا حاجة ~~لي فيما ذكرت وتحملت عليه بجماعة من قومي فردهم وزوجها رجلا من ثقيف له ~~رياسة وقدر فحملها إلى ههنا- وأشار إلى خيم كثيرة بالقرب منا- فضاقت علي ~~الدنيا برحبها وخرجت في أثرها فلما رأتني فرحت فرحا شديدا وقلت لها: لا ~~تخبري أحدا إني منك بسبيل ثم أتيت زوجها وقلت: # أنا رجل من الأزد أصبت دما وأنا خائف، وقد قصدتك لما أعرف من رغبتك في ~~اصطناع المعروف ولي بصر بالغنم إن رأيت أن تعطيني من غنمك شيئا فأكون من ~~جوارك وكنفك فأفعل. قال: نعم وكرامة، فأعطاني مائة شاة وقال لي: لا تبعد ~~بها من الي، وكانت ابنة عمي تخرج إلي كل ليلة في الوقت الذي رأيت وتنصرف، ~~فلما رأى حسن حال الغنم أعطاني هذه فرضيت من الدنيا بما ترى. قال: فأقمت ~~عنده أياما، فبينا أنا نائم إذ نبهني وقال: يا أخا بني عامر، قلت له: ما ~~شأنك؟ قال: إن ابنة عمي قد أبطأت ولم تكن هذه عادتها وو الله ما أظن ذلك ~~إلا لأمر فحدثني فجعلت أحدثه، فأنشأ يقول: # ما بال مية لا تأتي كعادتها ... هل هاجها طرب أو صدها شغل # لكن قلبي لا يعنيه غيركم ... حتى الممات ولا لي غيركم أمل # لو تعلمين الذي بي من فراقكم ... لما اعتذرت ولا طابت لك العلل # نفسي فداؤك قد أحللت بي حرقا ... تكاد من حرها الأحشاء تنفصل # لو كان عادية منه على جبل ... لزل وأنهد من أركانه الجبل # فو الله ما اكتحل بغمض حتى انفجر عمود الصبح وقام ومر نحو الحي فأبطأ عني ~~ساعة ثم أقبل ومعه شيء وجعل يبكي عليه، فقلت له: ms066 ما هذا؟ # قال: هذه ابنة عمي افترسها السبع فأكل بعضها ووضعها بالقرب مني فأوجع # PageV01P108 # والله قلبي، ثم تناول سيفه ومر نحو الحي فأبطأ هنيهة ثم أقبل إلي وعلى ~~عاتقه ليث كأنه حمار فقلت له: ما هذا؟ قال: صاحبي، قلت: وكيف علمته؟ قال: ~~إني قصدت الموضع الذي أصابها فيه وعلمت أنه سيعود إلى ما فضل منها، فجاء ~~قاصدا إلى ذلك الموضع فعلمت أنه هو فحملت عليه فقلته، ثم قام فحفر في الأرض ~~فأمعن وأخرج ثوبا جديدا، وقال: يا أخا بني عامر إذا أنا مت فأدرجني معها في ~~هذا الثوب، ثم ضعنا في هذه الحفرة وهل التراب واكتب هذين البيتين على قبرنا ~~وعليك السلام: # كنا على ظهرها والعيش في مهل ... والدهر يجمعنا والدار والوطن # فخاننا الدهر في تفريق الفتنا ... واليوم يجمعنا في بطنها الكفن # ثم التفت إلى الأسد وقال: # ألا أيها الليث المدل بنفسه ... هبلت لقد جرت يداك لنا حزنا # وغادرتني فردا وقد كنت آلفا ... وصيرت آفاق البلاد لنا سجنا # أأصحب دهرا خانني بفراقها ... معاذ إلهي أن أكون له خذنا # ثم قال: يا أخا بني عامر إذا فرغت من شأننا فصح في إدبار هذه الغنم، ~~فردها إلى صاحبها ثم قام إلى شجرة فاختنق حتى مات، فقمت فأدرجتهما في ذلك ~~الثوب ووضعتهما في تلك الحفرة وكتبت البيتين على قبر هما، ورددت الغنم إلى ~~صاحبها، وسألني القوم فأخبرتهم الخبر، فخرج جماعة منهم فقالوا: والله ~~لننحرن عليه تعظيما له، فخرجوا وأخرجوا مائة ناقة وتسامع الناس فاجتمعوا ~~إلينا فنحرت ثلاثمائة ناقة ثم انصرفنا. # وقيل لما كان من أمر عبد الرحمن بن الأعث الكندي ما كان، قال الحجاج ~~اطلبوا لي شهاب بن حرقة السعدي في الأسرى أو القتلى فوجدوه في الأسرى فلما ~~أدخل على الحجاج قال له: من أنت؟ قال: أنا شهاب بن حرقة، قال: والله ~~لأقتلنك، قال: ما كان الأمير بالذي يقتلني. قال: # ولم؟ قال: لأن في خصالا يرغب فيهن الأمير. قال: وما هن؟ قال: # ضروب بالصفيحة، هزوم للكثيرة من الكتيبة، أحمي الجار وأذب عن الذمار ms067 # PageV01P109 # وأجود على العسر من اليسر غير بطيء عن النصر. قال الحجاج: ما أحسن هذه ~~الخصال فاخبرني بأشد شيء مر عليك، قال: نعم أصلح الله الأمير: # بينا أنا أسير ... ومركبي وثير # في عصبة من قومي ... في ليلتي ويومي # يمضون كالآجادل ... في الحرب كالبواسل # أنا المطاع فيهم ... في كل ما يليهم # فسرت خمسا عوما ... وبعد خمس يوما # حنى وردت أرضا ... ما أن ترام عرضا # من بلد البحرين ... عند طلوع العين # فهجتهم نهارا ... التمس المغارا # حتى إذا كان السحر ... من بعد ما غاب القمر # إذا أنا بعير ... يقودها خفير # موقرة متاعا ... مقيلة سراعا # فصلت بالسنان ... مع سادة فتيان # فسقتها جميعا ... أحثها سريعا # أريد رجع عالج ... أمعج بالعناجج # أسير في الليالي ... خرقا بعيدا خالي # وقد لقينا تعبا ... وبعد ذاك نصبا # حتى إذا هبطنا ... من بعد ما صعدنا # عنت لنا بيدانه ... قد كان فيها عانه # رميتها بقوسي ... في مهمه كالترس # حتى إذا ما أمعنت ... بالقفز ثم درمت # وردت قصرا منهلا ... في جوفه طام حالا # وعنده خييمة، ... في جوفها نعيمة # PageV01P110 # عزيزة كالشمس ... فاقت جميع الأنس # فعجت مهري عندها ... حتى وقفت معها # حييت ثم ردت ... في لطف وحيت # فقلت يا لعوب ... والطفلة العروب # هل عندكم قراء ... إذ نحن بالعراء # قالت نعم برحب ... في لطف وقرب # أربع هنا عتيدا ... ولا تكن بعيدا # حتى يجئك عامر ... مثل الهلال زاهر # فعجت عن قريب ... في باطن الكثيب # حتى رأيت عامرا ... يحمل ليثا خادرا # على عتيق سابح ... كمثل طود اللامح # قال: وكان الحجاج متكئا فاستوى جالسا ثم قال: ويحك دعنا من السجع والرجز ~~وخذ في الحديث، قال: نعم أيها الأمير ثم نزل فربط فرسه وجمع حجارة وأوقد ~~عليه نارا وشق عن بطن الأسد وألقى مرافه في النار فجعلت، أصلح الله الأمير، ~~اسمع للحم الأسد نشيشا فقالت له نعيمة: قد جاءنا ضيف وأنت في الصيد، قال: ~~فما فعل؟ قالت: ها هو ذاك بظهر الكثيب والخيمة، فأومأت إلي، فأتيتها، فإذا ~~أنا بغلام أمرد كأن وجهه دارة القمر فربط فرسي إلى جنب فرسه ودعاني إلى ms068 ~~طعامه فلم أمتنع عن أكل لحم الأسد لشدة الجوع، فأكلت أنا ونعيمة منه بعضه ~~وأتى الغلام على آخره، ثم قام إلى زق فيه خمر فشرب، ثم سقاني فشربت ثم شرب ~~الغلام حتى أتى على آخره، فبينما نحن كذلك إذ سمعت وقع حوافر خيل أصحابي ~~فقمت وركبت فرسي وتناولت رمحي وصرت معهم ثم قلت: يا غلام خل عن الجارية ولك ~~ما سواها فقال: ويلك أحفظ الممالحة، قلت: لا بد من الجارية وفارس، فالتفت ~~إليها وقال لها: قفي، ثم قال: يا فتيان هل لكم في العافية؟ وإلا فارس وفارس ~~فبرز إليه رجل من أصحابي فقال له الغلام: # من أنت؟ فلست أقاتل من لا أعرفه ولا أقاتل إلا كفوءا أعرفه، فقال: أنا # PageV01P111 # عاصم بن كلبة السعدي، فشد عليه وأنشد يقول: # إنك يا عاصم بي لجاهل ... إذ رمت أمرا أنت عنه ناكل # إني كمي في الحروب باسل ... ليث إذا اصطك الليوث بازل # ضراب هامات العدى منازل ... قتال أقران الوغى مقاتل # ثم طعنه فقتله. وقال: يا فتيان، هل لكم في العافية؟ وإلا فارس وفارس، ~~فتقدم إليه آخر من أصحابي فقال له الغلام: من أنت؟ فقال: أنا صابر بن حرقة. ~~فشد عليه وأنشأ يقول: # إنك والإله لست صابرا ... على سنان يجلب المقادرا # ومنصل مثل الشهاب باترا ... في كف قزم يمنع الحرائرا # إني إذا رمت امرأ فآسرا ... يكون قرني في الحروب بائرا # ثم طعنه فقتله. ثم قال: يا فتيان هل لكم في العافية؟ وإلا فارس لفارس ~~فلما رأيت ذلك هالني أمره وأشفقت على أصحابي فقلت: احملوا عليه حملة رجل ~~واحد فلما رأى ذلك أنشأ يقول: # الآن طاب الموت ثم طابا ... إذ تطلبون رخصة كعابا # ولا نريد بعدها عتابا # فركبت نعيمة فرسها وأخذت رمحها فما زال يجالدنا ونعيمة حتى قتل منا عشرين ~~رجلا فاشفقت على أصحابي فقلت: يا غلام قد قبلنا العافية والسلامة. فقال: ما ~~كان أحسن هذا لو كان أولا ونزلنا وسالمنا. ثم قلت: يا عامر بحق الممالحة من ~~أنت؟ قال: أنا عامر بن حرقة الطائي وهذه ms069 ابنة عمي ونحن في هذه البرية منذ ~~زمان ودهر ما مر بنا إنسي غيركم، فقلت: من أين طعامكم؟ قال: حشرات الطير ~~والوحش والسباع. قلت: إن معي مائة من الإبل موقرة متاعا فخذ منها حاجتك. ~~فقال: لا أرب لي فيها ولو أردت ذلك لكنت أقدر عليه فارتحلنا عنه منصرفين. ~~فقال الحجاج: الآن يا عدو الله طاب قتلك لغدرك بالفتى. قال: كان خروجي على ~~الأمير أصلحه الله أعظم # PageV01P112 # من ذلك فإن عفا عني الأمير رجوت أن لا يؤاخذني بغيره فأطلقه ووصله ورده ~~إلى بلده. # وضده، قال: دخل أبو زبيد الطائي على عثمان بن عفان في خلافته، وكان ~~نصرانيا فقال له: بلغني أنك تجيد وصف الأسد. فقال له: لقد رأيت منه منظرا ~~وشهدت منه مخبرا لا يزال ذكره يتجدد على قلبي. قال: هات ما مر على رأسك ~~منه. قال: خرجت يا أمير المؤمنين في صيابة، من إفناء قبائل العرب ذوي شارة ~~حسنة ترتمي بنا المهاري بأكسائها القزوانيات ومعنا البغال عليها العبيد ~~يقودون عتاق الخيل نريد الحارث بن أبي شمر الغساني ملك الشام، فاخروط «1» ~~بنا المسير في حمارة القيظ حتى إذا عصبت الأفواه وذبلت الشفاه وشالت المياه ~~وأذكت الجوزاء المعزاء وذاب الصيخد «2» وصر الجندب وضايق العصفور الضب في ~~وجاره قال قائلنا: أيها الركب غوروا بنا في دوح هذا الوادي فإذا واد كثير ~~الدغل دائم الغلل شجراؤه مغنة وأطياره مرنة، فحططنا رحالنا بأصول دوحات ~~كنهبلات فأصبنا من فصلات المزاود وأتبعناها بالماء البارد، فأنا لنصف حر ~~يومنا ومما طلته إذ صر أقصى الخيل أذنيه وفحص الأرض بيده، ثم ما لبث إن جال ~~فحمحم وبال فهمهم ثم فعل الذي يليه واحد بعد واحد فتضعضعت الخيل وتكعكعت ~~«3» الإبل وتقهقرت البغال، فمن نافر بشكاله وناهض بعقاله فعلمنا أن قد ~~أتينا وأنه السبع لا شك فيه ففزع كل امرىء منا إلى سيفه واستله من جربانه، ~~ثم وقفنا له رزدقا «4» فأقبل يتطالع في مشيته كأنه مجنوب أو في هجار لصدره ~~نحيط وليلا غيمه غطيط ولطرفه وميض ولا رساغه نقيض كأنما يخبط ms070 هشيما أو يطأ ~~صريما «5» ، وإذا هامة كالمجن وخد كالمسن وعينان سجراوان «6» كأنهما سراجان ~~يقدان وقصرة «7» ربلة «8» ولهزمة «9» رهلة وكتد مغبط وزور مفرط وساعد مجدول ~~وعضد مفتول # PageV01P113 # وكف شثنه البراثن «1» إلى مخالب كالمحاجن ثم ضرب بذنبه فأرهج «2» وكشر ~~فأفرج عن أنياب كالمعاول مصقولة غير مفلولة وفم أشدق كالغار الأخرق ثم تمطى ~~فأسرع بيديه وحفر وركيه برجليه حتى صار ظله مثليه، ثم أقعى «3» فاقشعر «4» ~~، ثم مثل «5» فاكفهر «6» ، ثم تجهم فازبأر «7» ، فلا والذي بيته في السماء ~~ما أتقيناه بأول من أخ لنا من بني فزارة كان ضخم الجزارة فوهصه «8» ثم ~~أقعصه فقضقض متنه وبقر بطنه، فجعل يلغ في دمه فذمرت أصحابي فبعد لأي ما ~~استقدموا فكر مقشعر الزبرة كأن به شيهما «9» حوليا فاختلج من دوني رجلا ~~اعجر ذا حوايا فنفضه نفضة فتزايلت أوصاله واتقطعت أوداجه، ثم نهم فقرقر، ثم ~~زفر فبربر، ثم زأر فجرجر ثم لحظ، فو الله لخلت البرق يتطاير من تحت جفونه ~~عن شماله ويمينه، فارتعشت الأيدي واصطكت الأرجل وأطت الأضلاع وارتجت ~~الأسماع وحملجت العيون وانخزلت المتون ولحقت الظهور البطون ثم ساءت الظنون ~~وأنشأ (يقول) : # عبوس شموس، مصلخد خنايس ... جريء على الأرواح للقرن قاهر «10» # منيع ويحمي كل واد يرومه ... شديد أصول الماضغين مكابر # براثنه شثن وعيناه في الدجى ... كجمر الغضا في وجهه الشر ظاهر # يدل بانياب حداد كأنها ... إذا قلص الأشداق عنها خناجر # فقال عثمان: أكفف لا أم لك، فلقد أرعبت قلوب المسلمين ولقد وصفته حتى ~~كأني أنظر إليه يريد يواثبني. وقيل في المثل: وهو أجبن من هجرس- وهو القرد- ~~وذلك لأنه لا ينام إلا وفي يده حجر مخافة أن يأكله الذئب. وحدثنا رجل بمكة ~~قال: إذا كان الليلة رأيت القرود تجتمع في موضع واحد ثم تبيت مستطيلة واحدا ~~في أثر واحد في يد كل واحد منهم حجر لئلا ترقد فيأتيها الذئب فيأكلها وإن ~~نام واحد وسقط الحجر من يده خرج # PageV01P114 # فتحرك الآخر فصار قدامه فلا نزال كذلك طول الليل فتصبح وقد صارت من ~~الموضع الذي باتت فيه على ثلاثة أميال أو أكثر ms071 جبنا. وقيل: هو أجبن من صافر ~~وهو طائر يتعلق برجليه وينكس رأسه ثم يثفر ليلته كلها خوفا من أن ينام ~~فيؤخذ. وقيل أيضا: هو أجبن من المنزوف ضرطا. وكان من حديثه أن نسوة من ~~العرب لم يكن لهن رجل فتزوجت واحدة منهن برجل كان ينام إلى الضحى فإذا ~~انتبه ضربنه وقلن له قم فاصطبح ويقول: لو لعادية نبتهتني- أي خيل عادية ~~عليكن مغيرة فأدخلها عنكن- فلما رأين ذلك فرحن وقلن: إن صاحبنا لشجاع ثم ~~اقبلن عليه وقلن: تعالين نجربه فأتينه كما كن يأتينه فأيقظنه فقال: لو ~~لعادية نبتهتنني فقلن له: نواصي الخيل معك، فجعل يقول: الخيل الخيل ويضرط ~~حتى مات فضرب به المثل. # وقيل لجبان: انهزمت فغضب الأمير عليك، قال: ليغضب الأمير وأنا حي أحب إلي ~~من أن يرضى وأنا ميت. وقيل لبعض المجان: ما لك لا تغزو؟ قال: والله إني ~~لأبغض الموت على فراشي فكيف أمر إليه ركضا؟ # قال: وقال الحجاج لحميد الأرقط وقد أنشده قصيدة يصف فيها الحرب: يا حميد ~~هل قاتلت قط؟ قال: لا أيها الأمير إلا في النوم. قال: وكيف كانت وقعتك؟ ~~قال: انتبهت وأنا منهزم. ومما قيل في ذلك من الشعر: # ظلت تشجعني هند بتضليل ... وللشجاعة خطب غير مجهول # هاتي شجاعا لغير القتل مصرعه ... أوجدك ألف جبان غير مقتول # الحرب توسع من يصلى بها حربا ... يتم العيال وإثكال المثاكيل # اسم الوغى اشتق من غوغاء يحربها ... يغدون للموت كالطير الأبابيل # والله لو أن جبريلا تكفل لي ... بالنصر ما خاطرت نفسي لجبريل # هل غير أن يعذروني أنني فشل ... فكل هذا نعم فأغروا بتعزيلي # إن أعتذر من فراري في الوغى أبدا ... كان اعتذاري رديدا غير مقبول # اسمع أخبرك عن بأسي بذي سلب ... خلاف بأس المساعير البهاليل # لما بدت منهم نحوي عشوزنة ... شماء تشرع في عرضي وفي طولي # PageV01P115 # فقلت ويحكم لا ترهبوا جلدي ... رمحي كسير وسيفي غير مصقول # لما اتقيتهم طوعا بذات يد ... وانصعت أطوي الفلا ميلا إلى ميل # الله خلصني منهم وفلسفتي ... حتى تخلصت مخضوب السراويل # وقال آخر: # أضحت تشجعني ms072 هند فقلت لها ... إن الشجاعة مقرون بها العطب # لا والذي قبلة الأنظار كعبته ... ما يشتهي الموت عندي من له إرب # للحرب قوم أضل الله سعيهم ... إذا دعتهم إلى حوماتها وثبوا # ولست منهم ولا أهوى فعالهم ... لا القتل يعجبني منهم ولا السلب # وقال آخر: # يقول لي الأمير بغير جرم ... تقدم حين حل بنا المراس # فما لي أن أطعتك في حياة ... ولا لي غير هذا الراس راس # PageV01P116 ### | محاسن حب الوطن # قال عمر بن الخطاب: لولا حب الوطن لخرب بلد السوء. وكان يقال: بحب ~~الأوطان عمرت البلدان «1» ، وقال جالينوس: يتروح العليل بنسيم أرضه كما ~~تتروح الأرض الجدبة ببل المطر. وقال بقراط: يداوي كل عليل بعقاقير أرضه كأن ~~الطبيعة تنزع إلى غذائها، ومما يؤكذ ذلك قول إعرابي وقد مرض بالحضر فقيل ~~له: ما تشتهي؟ فقال: مخيضا روبا وضبا مشويا، وقد قيل: أحق البلدان بنزاعك ~~إليها بلد أمصك حلب رضاعه، وقيل: احفظ أرضا أرسخك رضاعها، وأصلحك غذاؤها، ~~وارع حمى اكتنفك فناؤه. # وقيل: لا تشك بلدا فيه قبائلك. وقيل: من علامة الرشد أن تكون النفس إلى ~~أوطانها مشتاقة وإلى مولدها تواقة. وحدثنا بعض بني هاشم قال: قلت لإعرابي: ~~من أين أقبلت؟ قال: من هذه البادية، قلت: وأين تسكن منها؟ # قال: مساقط الحمى حمى ضرية ما إن لعمر الله أريد بها بدلا ولا أبتغي عنها ~~حولا حفتها الفلوات فلا يملولح ماؤها وتحمى تربتها ليس فيها أذى ولا قذى ~~ولا وعك ولا لوم ونحن بارفه عيش وأوسع معيشة وأسبغ نعمة. قلت: ما طعامكم؟ ~~قال: بخ بخ الهبيد والضباب واليرابيع مع القنافذ والحيات وريثما الله أكلنا ~~القد واشتوينا الجلد فلا نعلم أحدا أخصب منا عيشا، فالحمد لله على ما رزق ~~من السعة وبسط من حسن الدعة. # PageV01P117 # وقيل لإعرابي: كيف تصنع بالبادية إذا انتصف النهار وانتعل كل شيء ظله؟ ~~فقال: وهل العيش إلا ذاك؟ يمشي أحدنا ميلا فيرفض عرقا كأنه الجمان ثم ينصب ~~عصاه ويلقي عليها كساه وتقبل الرياح من كل جانب فكأنه في إيوان كسرى. # وقال بعض الحكما: عسرك ms073 في بلدك خير من يسرك في غربتك. وقيل لإعرابي: ما ~~الغبطة؟ قال: الكفاية ولزوم الأوطان والجلوس مع الإخوان، وقيل: فما الذل؟ ~~قال: التنقل في البلدان والتنحي عن الأوطان. وقال بعض الأدباء: الغربة ذلة ~~والذلة قلة، وقال الآخر: لا تنهض عن وطنك ووكرك فتنقصك الغربة وتصمتك ~~الوحدة. وشبهت الحكماء الغريب باليتيم اللطيم الذي ثكل أبويه فلا أم ترأمه ~~ولا أب يحدب عليه. وكان يقال: # الغريب عن وطنه ومحل رضاعه الذي زايل أرضه وفقد شربه فهو ذاو لا يثمر ~~وذابل لا ينضر. وكان يقال: الجالي عن مسقط رأسه كالعير الناشر عن موضعه ~~الذي هو لكل رام رمية، وأحسن من ذلك وأصدق قول الله عز وجل: # «ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء» . وقال تعالى: «ولو أنما كتبنا عليهم ~~أن اقتلوا أنفسكم أو أخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليل منهم» فقرن جل ~~ذكره للجلاء عن الوطن بالقتل، وقال تقدست أسماؤه: «وما لنا ألا نقاتل في ~~سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا» ، فجعل القتال بازاء الجلاء، قال ~~صلى الله عليه وسلم: # «الخروج عن الوطن عقوبة» ومما قيل في ذلك من الشعر: # إذا ما ذكرت الثغر فاضت مدامعي ... وأضحى فؤادي نهبة للهماهم # حنينا إلى أرض بها اخضر شاربي ... وحلت بها عني عقود التمائم # والطف قوم بالفتى أهل أرضه ... وأرعاهم للمرء حق التقادم # وقال آخر: # أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر # وما نظري من نحو نجد بنافعي ... أجل لا ولكني على ذاك أنظر # ففي كل يوم قطرة ثم عبرة ... لعيشك يجري ماؤها يتحدر # PageV01P118 # متى يسترح قلب فإما محاذر ... حزين وإما نازح يتذكر # وقال آخر: # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل «1» # وقال ابن أبي السرح: قرأت على حائط بيتي شعر، وهما: # إن الغريب ولو يكون ببلدة ... يجبى إليه خراجها لغريب # وأقل ما يلقى الغريب من الأذى ... إن يستذل وإن يقال كذوب # وقال: وقرأت على حائط بعسكر مكرم: ms074 # إن الغريب إذا ينادي موجعا ... عند الشدائد كان غير مجاب # فإذا نظرت إلى الغريب فكن له ... مترحما لتباعد الأحباب # وقال: وقرأت على حائط ببغداد: # غريب الدار ليس له صديق ... جميع سؤاله أين الطريق # تعلق بالسؤال لكل شيء ... كما يتعلق الرجل الغريق # فلا تجزع فكل فتى سيأتي ... على حالاته سعة وضيق # وقال: ووجدت على حائط باب مكتوبا: # عليك سلام الله يا خير منزل ... رحلنا وخلفناك غير ذميم # فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فما أحد من ريبها بسليم # PageV01P119 # وقال آخر: # وإن اغتراب المرء من غير حاجة ... ولا فاقة يسمو لها لعجيب # فحسب امريء ذلا ولو أدرك الغنى ... ونال ثراء، أن يقال غريب # وقال آخر: # إن الغريب وإن يكن في غبطة ... لمعذب وفؤاده محزون # ومتى يكون مع التغرب عاشقا ... ومفارقا يا رب كيف يكون # وقال آخر: # إن الغريب ذليل أينما سلكا ... لو أنه ملك كل الورى ملكا # إذا تغنى حمام الأيك في غصن ... حن الغريب إلى أوطانه فبكى # وقال آخر: # سل الله الإياب من المغيب ... فكم قد رد مثلك من غريب # وسل الحزن منك بحسن ظن ... ولا تيأس من الفرج القريب # وقال آخر: # تصبر ولا تعجل وقيت من الردى ... لعل إياب الظاعنين قريب # فقلت وفي قلبي جوى لفراقها: ... ألا لا تصبرني فلست أجيب # وقال آخر: # أعاذل حبي للغريب سجية ... وكل غريب للغريب حبيب # لئن قلت لم أجزع من البين إن مضوا ... لطيتهم إني إذا لكذوب # بلى غبرات الشوق اضرمت الحشا ... ففاضت لها من مقلتي غروب # وقال آخر: # إذا اغترت الكريم رأى أمورا ... مجللة يشيب لها الوليد # PageV01P120 # وقال آخر: # ما كنت أحسب أن يكو ... ن كذا تفرقنا سريعا # بخل الزمان علي أن ... نبقى كما كنا جميعا # فأحلني في بلدة ... وأحلك البلد الشسيعا # قد كنت أنتظر الوصال ... فصرت أنتظر الرجوعا # وقال آخر: # نسيم الخزامى والرياح التي جرت ... بنجد على نجد تذكرني نجدا # أتاني نسيم السدر طيبا إلى الحمى ... فذكرني نجدا فقطعني وجدا # وفي معناه (الدعاء للمسافر) بأيمن طالع وأسر طائر، ولا كبابك مركب ولا ~~أشت ms075 بك مذهب ولا تعذر عليك مطلب، سهل الله لك السير، وأنا لك القصد، وطوى ~~لك البعد بمسرة الظفر وكرامة المدخر. على الطائر الميمون والكوكب السعد إلى ~~حيث تتقاصر أيدي الحوادث عنك وتتقاعس نوائب الأيام دونك بسهولة المطلب ~~ونجاح المنقلب. كان الله لك في سفرك خفيرا وفي حضرك ظهيرا بسعي نجيح وأوب ~~سريح. بصرك الله محلك وهدك رحلك وسر بأوبتك أهلك، ولا زلت آمنا مقيما ~~وظاعنا بأسعد جد وانجح مطلب واسر منقلب وأكرم بدأة وأحمد عاقبة. أشخص ~~مصحوبا بالسلامة والكلاءة، آئبا بالنجح والغبطة، محوطا فيما تطالعه ~~بالعناية والشفقة، في ودائع الله وكنفه وجواره وستره وأمانه وحفظه وذمامه. ~~وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم: إني أريد سفرا، فقال: «في كنف الله ~~وستره زودك الله التقوى ووجهك إلى الخير حيثما كنت استخلف الله فيك ~~واستخلفه منك» . وقا الشاعر: # في كنف الله وفي ستره ... من ليس يخلو القلب من ذكره # وقال آخر: # ارحل أبا بشر بأيمن طائر ... وعلى السعادة والسلامة فانزل # PageV01P121 # وضده، قال بعض حكماء الفلاسفة: اطلبوا الرزق في البعد فإنكم إن لم تكسبوا ~~مالا غنمتم عقلا كثيرا، وقال آخر: لا يألف الوطن إلا ضيق العطن. وقيل: لا ~~توحشنك الغربة إذا آنستك النعمة. وقيل: الفقير في الأهل مصروم والغني في ~~الغربة موصول. وقال: لا تستوحش من الغربة إذا أنست مصورما. وقيل: أوحش قومك ~~ما كان في إيحاشهم أنسك واهجر وطنك ما نبت عنه نفسك. وأنشد: # لا يمنعنك خفض العيش في دعة ... نزوع نفس إلى أهل وأوطان # تلقى بكل بلاد إن حللت بها ... أهلا بأهل وجيرانا بجيران # وقال آخر: # نبت بك الدار فسر آمنا ... فللفتى حيث انتهى دار # وفي معناه (الدعاء إلى المسافر) بالبارح الأشأم والسائح الأعضب والصرد ~~الأنكد والسفر الأبعد. لا استمرت به مطيته ولا استتبت به أنيته ولا تراخت ~~منيته. بنحس مستمر وعيش مر. لا قرى إذا استضاف ولا أمن إذا خاف. ويقال إن ~~عليا عليه السلام لما اتصل به مسير معاوية قال: لا أرشد الله قائده ولا ~~أسعد رائده ولا أصاب ms076 غيثا ولا سار إلا ريثا ولا رافق إلا ليثا أبعده الله ~~وأسحقه وأوقد على أثره وأحرقه لا حط الله رحله ولا كشف محله ولا بشر به ~~أهله، لا زكى له مطلب ولا رحب له مذهب ولا يسر له مراما، فلا فرج الله غمه ~~ولا سرى همه، لا سقاه الله ماء ولا حل عقده ولا أروى زنده، جعله الله سفر ~~الفراق وعصى الشقاق وأنشد: # بأنكد طائر وبشر فال ... لأبعد غاية وأخس حال # بحد السد حيث يكون مني ... كما بين الجنوب إلى الشمال # غريبا تمتطي قدميك دهرا ... على خوف تحن إلى العيال # وقال آخر: # إذا استقلت بك الركاب ... فحيث لا درت السحاب # PageV01P122 # وحيث لا تبتغي فلاحا ... وحيث لا يرتجى إياب # وحيث ما درت فيه يوما ... قابلك الذئب والغراب # وقال آخر: # أدنى خطاك الهند والصين ... وكل نحس بك مقرون # بحيث لا يأنس مستوحش ... وحيث لا يفرج محزون # تهوي بك الأرض إلى بلدة ... ليس بها حاء ولا طين «1» # PageV01P123 ### | محاسن الدهاء والحيل # قال الهيثم بن الحسن بن عمار: قدم سنيح من خزاعة أيام المختار فنزل على ~~عبد الرحمن بن إبان الخزاعي، فلما رأى ما تصنع سوقة المختار من الأعظام جعل ~~يقول: يا عباد الله إن المختار يصنع هذا والله لقد رأيته يتتبع الإماء ~~بالحجاز فبلغ ذلك المختار فدعا به وقال: ما هذا الذي بلغني عنك. # قال: الباطل، فأمر بضرب عنقه. فقال: لا والله لا تقدر على ذلك، قال: # ولم؟ قال: أما دون أن أنظر إليك وقد هدمت مدينة دمشق حجرا حجرا وقتلت ~~المقاتلة وسببت الذرية ثم تصلبني على شجرة على نهر. والله إني لأعرف الشجرة ~~الساعة وأعرف شاطىء ذلك النهر. فالتفت المختار إلى أصحابه فقال لهم: إن ~~الرجل قد عرف الشجرة فحبس حتى إذا كان الليل بعث إليه فقال: يا أخا خزاعة ~~أو مزاح عند القتل؟ قال: أنشدك الله أن أقتل ضياعا، قال: وما تطلب ههنا؟ ~~قال: أربعة آلاف درهم أقتضي بها ديني. # قال: ادفعوها إليه وإياك أن تصبح بالكوفة. فقبضها وخرج عنه. # وعنه قال ms077 سراقة البارقي من ظرفاء أهل الكوفة فأسره رجل من أصحاب المختار ~~فأتى به المختار فقال له: أسرك هذا؟ قال سراقة: كذب والله ما أسرني إلا رجل ~~عليه ثياب بيض على فرس أبلق. فقال المختار: إلا أن الرجل قد عاين الملائكة ~~خلوا سبيله. فلما أفلت منه أنشأ يقول: # ألا أبلغ أبا إسحاق إني ... رأيت البلق دهما مصمتات # أري عيني ما لم ترأياه ... كلانا عالم بالترهات # كفرت بوحيكم وجعلت نذرا ... علي قتالكم حتى الممات # PageV01P125 # وعنه قال: كان الأحوص بن جعفر المخزومي يتغذى في دير اللج في يوم شديد ~~البرد ومعه حمزة بن بيض وسراقة البارقي، فلما كان على ظهر الكوفة وعليه ~~الوبر والخز وعليهما الأطمار قال حمزة لسراقة: أين يذهب بنا في البرد ونحن ~~في أطمار؟ قال: سأكفيكه. فبينما هو يسير إذ دنا منهم راكب مقبل فحرك سراقة ~~دابته نحوه وواقفه ساعة ولحق بالأحوص، فقال له: # ما خبرك الراكب؟ قال: زعم أن خوارج خرجت بالقطقطانة. قال: بعيد. # قال: إن الخوارج تسير في ليلة ثلاثين فرسخا وأكثر. وكان الأحوص أحد ~~الجبناء فثنى رأس دابته وقال: ردوا طعامنا نتغذى في المنزل. فلما حاذى ~~منزله قال لأصحابه: ادخلوا. ومضى إلى خالد بن عبد الله القسري فقال: # خرجت خارجة بالقطقطانة. فنادى خالد في العسكر فجمعهم ووجه خيلا تركض نحو ~~اللج لتعرف الخبر فأعلموه أنه لا أصل للخبر. فقال للأحوص: # من أعلمك بهذا؟ قال: سراقة. قال: وأين هو؟ قال: في منزلي، فأرسل إليه من ~~أتاه به. قال: أنت أخبرته عن الخارجة؟ قال: ما فعلت أصلح الله الأمير، قال ~~له الأحوص: أتكذبني بين يدي الأمير، قال خالد: ويحك أصدقني. قال: نعم ~~أخرجنا في هذا البرد وقد ظاهر الخز والوبر ونحن في أطمارنا هذه فأحببت أن ~~أرده، فقال له خالد: ويحك وهذا مما يتلاعب به، وسراقة هذا هو القائل: # قالوا سراقة عنين فقلت لهم ... الله أعلم أني غير عنين # فإن ظننتم بي الشيء الذي زعموا ... فقربوني من بنت ابن ياسين # وذكروا: إن شبيب بن يزيد الخارجي مر بغلام مستنقع ms078 في الفرات فقال له: يا ~~غلام أخرج إني أسألك، فعرفه الغلام فقال له: إني أخاف. أفآمن أنا إذا خرجت ~~حتى ألبس ثيابي: قال: نعم، فخرج وقال: والله لا ألبسها اليوم. فضحك شبيب ~~وقال: خدعتني ورب الكعبة ووكل به رجلا من أصحابه يحفظه إلا يصيبه أحد ~~بمكروه. قال: وكان رجل من الخوارج يقول: # فمنا يزيد والبطين وقعنب ... ومنا أمير المؤمنين شبيب # PageV01P126 # فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله فأتي به، فلما ~~وقف بين يديه قال: أنت القائل: «ومنا أمير المؤمنين شبيب ... » # قال: لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين إنما قلت: ومنا أمير المؤمنين شبيب. # فضحك عبد الملك وأمر بتخليه سبيله، فتخلص بدهائه وفطنته لإزالة الأعراب ~~من الرفع إلى النصب. وزعموا أن عمرو بن معدي كرب هجم في بعض غاراته على ~~شابة جميلة منفردة وأخذها فلما أمعن بها بكت. فقال: ما يبكيك؟ قالت: # أبكي لفراقي بنات عمي هن مثلي في الجمال وأفضل مني خرجت معهن فانقطعنا عن ~~الحي، قال: وأين هن؟ قالت: خلف ذلك الجبل ووددت إذ أخذتني أنك أخذتهن معي ~~فامض إلى الموضع الذي وصفته فمضى إلى هنالك، فما شعر بشيء حتى هجم على فارس ~~شاك في السلاح فعرض عليه المصارعة فصارعه الفارس، ثم عرض عليه ضروبا من ~~المناوشة فغلبه الفارس في كلها. فسأله عمرو عن اسمه فإذا هو ربيعة بن مكرم ~~الكناني فاستنقذ الجارية. وعن عطاء أن مخارق بن عفان ومعن بن زائدة تلقيا ~~رجلا ببلاد الشرك ومعه جارية لم يريا أحسن منها شبابا وجمالا، فصاحا به خل ~~عنها، ومعه قوس فرمى بها وهابا الإقدام عليه، ثم عاد ليرمي فانقطعت وتره ~~وسلم الجارية وأسند في جبل كان قريبا منه فابتدراه وأخذا الجارية، وكان في ~~أذنها قرط فيه درة فانتزعاه من أذنها، فقالت: وما قدر هذه لو رأيتما درتين ~~معه في قلنسوته وفي القلنسوة وتر قد أعده ونسيه من الدهش. فلما سمع قول ~~المرأة ذكر الوتر فأخذه وعقده في قوسه، فوليا ليست لهما همة إلا الالتجاء ~~وخليا ms079 عن الجارية. وعن الهيثم قال: كان الحجاج حسودا لا يتم له صنيعة حتى ~~يفسدها فوجه عمارة بن تميم اللخمي إلى عبد الرحمن محمد بن الأشعث فظفر به ~~وصنع ما صنع، ورجع إلى الحجاج بالفتح ولم ير منه ما أحب وكره منافرته، وكان ~~عاقلا رفيقا فجعل يرفق به ويقول: أيها الأمير أشرف العرب، أنت من شرفته ~~شرف، ومن وضعته أتضع، وما ينكر ذلك مع رفقك ويمنك ومشورتك ورأيك، وما كان ~~هذا كله إلا بصنع الله وتدبيرك وليس أحد أشكر لبلائك مني ومن ابن الأشعث، ~~وما خطره حتى عزم الحجاج على # PageV01P127 # المسير إلى عبد الملك، فأخرج عمارة معه وعمارة يومئذ على أهل فلسطين ~~أمير، فلم يزل يلطف بالحجاج في مسيره ويعظه حتى قدموا على عبد الملك، فلما ~~قامت الخطباء بين يديه وأثنت على الحجاج قام عمارة فقال: # يا أمير المؤمنين سل الحجاج عن طاعتي ومناصحتي وبلائي، قال الحجاج: # يا أمير المؤمنين صنع وصنع ومن بأسه ونجدته وعفافه كذا وكذا وهو أيمن ~~الناس نقيبة وأعلمهم بتدبير السياسة ولم يبق في الثناء عليه غاية. فقال ~~عمارة: قد رضيت يا أمير المؤمنين، قال: نعم فرضي الله عنك حتى خالها ثلاثا ~~في كلها يقول قد رضيت، قال عمارة: فلا رضي الله عن الحجاج يا أمير المؤمنين ~~ولا حفظه ولا عافاه فهو والله السيء التدبير الذي قد أفسد عليك أهل العراق ~~وألب الناس عليك وما أتيت إلا من قبله ومن قلة عقله وضعف رأيه وقلة بصره ~~بالسياسة، فلك والله أمثالها إن لم تعزله، فقال الحجاج: مه يا عمارة، فقال: ~~لا مه ولا كرامة كل امرأة له طالق وكل مملوك له حر إن سار تحت راية الحجاج ~~ابدا، قال: إني أعلم أنه ما خرج هذا منك إلا عن معتبة ولك عندي العتبى ~~وأرسل إليه، فقال: ما كنت أظن أن عقلك على هذا أرجع إليه بعد الذي كان من ~~طعني عليه وقولي عند أمير المؤمنين ما قلت فيه: لا ولا كرامة. # وضده، قيل: هو أحمق من عجل، وهو عجل ms080 بن لجيم، وذلك إنه قيل له: ما سميت ~~فرسك؟ ففقأ عينه وقال: سميته الأعور، فقام الشاعر فيه: # رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأي امرىء في الناس أحمق من عجل # أليس أبوهم عار عين جواده ... فصارت به الأمثال تضرب في الجهل # وقيل: هو أحمق من هبنقة «1» ، وبلغ من حمقه أنه ضل له بعير فجعل # PageV01P128 # ينادي: من وجد بعيري فهول له، فقيل له ولم تنشره؟ قال: وأين حلاوة الظفر ~~والوجدان؟ واختصمت إليه الطفاوة وبنو راسب في رجل ادعى هؤلاء، وهؤلاء فيه ~~فقالوا: انظروا بالله من طلع علينا؟ فلما دنا قصوا عليه القصة فقال هبنقة: ~~الحكم في هذا بين، اذهبوا به إلى نهر البصرة فألقوه فيه، فإن كان راسبيا ~~رسب، وإن كان طفاويا طفا. فقال الرجل: أريد أن أكون من أحد هذين الحيين ولا ~~حاجة لي في الديوان. وقيل: هو أحمق من دغة وهي مارية بنت مغنج تزوجت في بني ~~العنبر وهي صغيرة فلما ضربها المخاض ظنت أنها تريد الخلاء فخرجت تتبرز فصاح ~~الولد فجاءت منصرفة، فصاحت: يا أماه هل يفتح الجعر فاه؟ قالت: نعم، ويدعو ~~أباه، فسبت بنو العنبر بذلك، فقيل: بنو الجعراء. وقيل: بنو الجعراء. وقيل: ~~هو أحمق من باقل «1» ، وكان اشترى عنزا بأحد عشر درهما فسئل بكم اشرتيت ~~العنز؟ ففتح كفيه وفرق أصابعه وأخرج لسانه، يريد أحد عشر درهما فعيروه ~~بذلك، قال الشاعر: # يلومون في حمقه باقلا ... كأن الحماقة لم تخلق # فلا تكثروا العذل في عيه ... فللصمت أجمل بالأموق # خروج اللسان وفتح البنان ... أحب إلينا من المنطق # ومما قيل أيضا من اشعر فيه: # يا ثابت العقل كم عاينت ذا حمق ... الرزق أغرى به من لازم الجرب # فأنني واجد في الناس واحدة ... الرزق أروغ شيء عن ذوي الأدب # وخصلة ليس فيها من يخالفني ... الرزق والنوك مقرونان في سبب # وقال آخر: # أرى زمنا نوكاه أسعد خلقه ... على أنه شقى به كل عاقل # PageV01P129 # علا فوقه رجلاه والرأس تحته ... فكب الأعالي بارتفاع الأسافل # وقال آخر: # كم من قوي قوي في تقلبه ... مهذب اللب عند ms081 الرزق منحرف # ومن ضعيف ضعيف العقل مختلط ... كأنه من خليج البحر يغترف # PageV01P130 ### | محاسن المفاخرة # قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . وسمع ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلا ينشد بيتا من الشعر: # إني امرؤ حميرى حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر # فقال له: ذلك ألأم لك وأبعد عن الله ورسوله، وقال بعضهم: # إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم # عطست بأنف شامخ وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم # شعيب بن إبراهيم عن علي بن يزيد عن عبد الله بن الحارث عن عبد المطلب ابن ~~ربيعة قال: مر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بنفر من قريش وهم يقولون ~~إنما محمد من أهله مثل نخلة نبتت في كناسة، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فوجد منه فخرج حتى قام فيهم خطيبا ثم قال: «أيها الناس، من أنا؟ ~~قالوا: أنت رسول الله. قال: أفأنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم، ~~إن الله عز وجل خلق خلقه فجعلني من خير خلقه ثم جعل الخلق الذي أنا منهم ~~شعوبا فجعلني في خيرهم شعبا، ثم جعلهم بيوتا فجعلني من خيرهم بيتا، فأنا ~~خيركم بيتا وخيركم والدا وإني مباه لكم. قم يا عباس فقام عن يمينه، ثم قال: ~~قم يا سعد فقام عن يساره فقال: يقرب امرؤ منكم عما مثل هذا وخالا مثل هذا» ~~. وحدثنا سنان بن الحسن التستري عن إسماعيل بن مهران العسكري عن إبان بن ~~عثمان عن عكرمة عن ابن عباس رحمهما الله تعالى عن علي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه قال: لما أمر رسول # PageV01P131 # الله صلى الله عليه وسلم إن يعرض نفسه على القبائل خرج وأنا معه وأبو بكر ~~وكان عالما بأنساب العرب فوقفنا على مجلس من مجالس العرب عليهم الوقار ~~والسكينة، فتقدم أبو بكر فسلم عليهم فردوا عليه السلام فقال: ممن القوم؟ ~~فقالوا: من ربيعة. قال: من هامتها أم لهازمها؟ قالوا: بل من ms082 هامتها العظمى. ~~قال: # وأي هامتها؟ فقالوا: ذهل. قال: ذهل الأكبر أم ذهل الأصغر؟ قالوا: بل ~~الأكبر. قال فمنكم عوف الذي كان يقال لأحر بوادي عوف؟ قالوا: لا. # قال: أفمنكم بسطام بن قيس صاحب اللواء ومنتهى الأحياء؟ قالوا: لا قال: ~~أفمنكم جساس بن مرة حامي الذمار ومانع الجار؟ قالوا: لا. قال: # أفمنكم المزدلف صاحب العمامة؟ قالوا: لا. قال أفأنتم أخوال الملوك من ~~كندة؟ قالوا: لا. قال: أفأنتم أصهار الملوك من لخم؟ قالوا: لا. قال: # فلستم من ذهل الأكبر إذا أنتم من ذهل الأصغر فقام إليه أعرابي غلام حسن ~~بقل وجهه فأخذ بزمام ناقته ورسول الله صلى الله عليه وسلم واقف على ناقته ~~يسمع مخاطبته فقال: # لنا على سائلنا أن نسأله ... والعبء لا تعرفه أو تحمله # يا هذا إنك قد سألتنا أي مسألة شئت فلم نكتمك شيئا فأخبرنا ممن أنت؟ فقال ~~أبو بكر: من قريش: فقال: بخ بخ! أهل الشرف والرياسة فأخبرني من أي قريش ~~أنت؟ قال: من بني تميم بن مرة. قال: أفمنكم قصي بن كلاب الذي جمع القبائل ~~من فهر فكان له مجمع؟ قال أبو بكر: # لا. قال: أفمنكم هاشم الذي يقول فيه الشاعر: # عمرو العلى هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف # قال أبو بكر: لا. قال: أفمنكم شيبة الحمد الذي كان وجهه يضيء في الليلة ~~الداجية مطعم الطير؟ قال: لا. قال: أفمن المضيفين بالناس أنت. # قال: لا. قال: أفمن أهل الرفادة أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل السقاية ~~أنت؟ قال: لا. قال: أفمن أهل الحجابة أنت؟ قال: لا. قال: # أما والله لو شئت لأخبرتك لست من أشراف قريش، فاجتذب أبو بكر زمام # PageV01P132 # ناقته منه كهيئة المغضب فقال الأعرابي: # صادف در السيل در يدفعه ... في هضبة ترفعه وتضعه # فتبسم رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال علي كرم الله وجهه: فقلت: يا ~~أبا بكر وقعت من هذا الأعرابي على باقعة «1» . قال: أجل يا أبا الحسن، ما ~~من طامة إلا وفوقها طامة وإن البلاء موكل بالمنطق. قال: وأتى الحسن بن ms083 علي ~~رضي الله عنهما معاوية بن أبي سفيان وقد سبقه ابن العباس رحمه الله فأمر ~~معاوية بإنزاله فبينا معاوية مع عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وزياد ~~المدعى إلى أبي سفيان يتحاورون في قديمهم ومجدهم إذ قال معاوية: قد أكثرتم ~~الفخر ولو حضركم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس لقصروا من أعنتكم، فقال ~~زياد: وكيف ذاك يا أمير المؤمنين وما يقومان لمروان ابن الحكم في غرب منطقه ~~ولا لنا في بواذخنا فابعث إليهما حتى نسمع كلامهما. فقال معاوية لعمرو: ما ~~تقول في هذا الليل فابعث إليهما في غد، فبعث معاوية بابنه يزيد إليهما ~~فأتيا فدخلا عليه وبدأ معاوية فقال: إني أجلكما وأرفع قدركما على المسامر ~~بالليل ولا سيما أنت يا أبا محمد فأنك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسيد شباب أهل الجنة. فشكر له، فلما استويا في مجلسهما علم عمرو أن الحدة ~~ستقع به فقال: والله لا بد أن أتكلم فإن قهرت فسبيل ذلك وإن قهرت أكون قد ~~ابتدأت. فقال: يا حسن أنا قد تفاوضنا فقلنا إن رجال بني أمية أصبر على ~~اللقاء وأمضى في الوغاء وأوفى عهدا وأكرم ضيما وأمنع لما وراء ظهورهم من ~~بني عبد المطلب، ثم تكلم مروان بن الحكم: فقال كيف لا يكون ذلك وقد ~~قارعناهم فغلبناهم وحاربناهم فملكناهم فإن شئنا عفونا وإن شئنا بطشنا. ثم ~~تكلم زياد فقال: ما ينبغي لهم أن ينكروا الفضل لأهله ويجحدوا الخير في ~~مظانه نحن الحملة في الحروب ولنا الفضل على سائر الناس قديما وحديثا، فتكلم ~~الحسن بن علي رضي الله عنه فقال: ليس من الحزم أن يصمت الرجل عن إيراد ~~الحجة ولكن من الأفك أن ينطق الرجل بالخنا ويصور الكذب في صورة الحق يا ~~عمرو افتخارا بالكذب وجراءة على الأفك ما زلت أعرف # PageV01P133 # مثالبك الخبيثة أبديها مرة بعد مرة أتذكر مصابيح الدجى وأعلام الهدى ~~وفرسان الطراد وحتوف الأقران وأبناء الطعان وربيع الضيفان ومعدن العلم ~~ومهبط النبوة؟ وزعمتم أنكم أحمى لما وراء ظهوركم وقد تبين ذلك يوم ms084 بدر حين ~~نكصت الأبطال وتساورت الأقران واقتحمت الليوث، واعتركت المنية وقامت رحاها ~~على قطبها، وفرت عن نابها، وطار شرار الحرب، فقتلنا رجالكم ومن النبي صلى ~~الله عليه وسلم على ذراريكم، وكنتم لعمري في هذا اليوم غير مانعين لما وراء ~~ظهوركم من بني عبد المطلب ثم قال: وأما أنت يا مروان فما أنت والإكثار في ~~قريش وأنت ابن طليق وأبوك طريد تتقلب في خزاية إلى سوءة، وقد أتى بك إلى ~~أمير المؤمنين يوم الجمل، فلما رأيت الضرغام قد دميت براثنه، واشتبكت ~~أنيابه كنت كما قال الأول: # بصبصن ثم رمين بالأبعار # فلما من عليك بالعفو وأرخى خناقك بعد ما ضاق عليك وغصصت بريقك لا تقعد ~~منا مقعد أهل الشكر ولكن تساوينا وتجارينا، ونحن من لا يدركنا عار ولا ~~يلحقنا خزاية، ثم التفت إلى زياد وقال: وما أنت يا زياد وقريش ما أعرف لك ~~فيها أديما صحيحا. ولا فرعا نابتا ولا قديما ثابتا ولا منبتا كريما، كانت ~~أمك بغيا يتداولها رجالات قريش وفجار العرب، فلما ولدت لم تعرف لك العرب ~~والدا فادعاك هذا- يعني معاوية- فما لك والافتخار!!؟ # تكفيك سمية ويكفينا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي سيد المؤمنين الذي ~~لم يرتد على عقبيه وعماي حمزة سيد الشهداء وجعفر الطيار في الجنة، وأنا ~~وأخي سيدا شباب أهل الجنة، ثم التفت إلى ابن العباس فقال إنما هي بغاث ~~الطير انقض عليها البازي، فأراد ابن العباس أن يتكلم فأقسم عليه معاوية أن ~~يكف فكف، ثم خرجا، فقال معاوية أجاد عمرو الكلام أولا لولا أن حجته دحضت، ~~وقد تكلم مروان لولا أنه نكص ثم التفت إلى زياد فقال: ما دعاك إلى محاورته ~~ما كنت إلا كالحجل في كف العقاب. فقال عمرو: أفلا رميت من ورائنا؟ قال ~~معاوية: إذا كنت شريككم في الجهل أفأفاخر رجلا، رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم جده # PageV01P134 # وهو سيد من مضى ومن بقي وأمه فاطمة سيدة نساء العالمين ثم قال لهم: # والله لئن سمع أهل الشام ذلك أنه للسوءة السواء. فقال عمرو: لقد ms085 أبقى ~~عليك ولكنه طحن مروان وزيادا طحن الرحى بثفالها ووطئهما وطىء البازل القراد ~~بمنسمه، فقال زياد: والله لقد فعل ولكنك يا معاوية تريد الإغراء بيننا ~~وبينهم لا جرم والله لا شهدت مجلسا يكونان فيه إلا كنت معهما على من ~~فاخرهما، فخلا ابن عباس بالحسن رضي الله عنه فقبل بين عينيه وقال: # أفديك بابن عمي والله مازال بحرك يزخر وأنت تصول حتى شفيتني من أولاد ~~البغايا. ثم إن الحسن رضي الله عنه غاب أياما ثم رجع حتى دخل علي معاوية ~~وعنده عبد الله بن الزبير. فقال معاوية: يا أبا محمد إني أظنك تعبا نصبا ~~فأت المنزل فأرح نفسك، فقام الحسن رضي الله عنه، فخرج، فقال معاوية لعبد ~~الله بن الزبير: لو افتخرت على الحسن فأنت ابن حواري رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وابن عمته ولأبيك في الإسلام نصيب وافر، فقال ابن الزبير: أنا ~~له. # ثم جعل ليلته يطلب الحجج فلما أصبح دخل على معاوية وجاء الحسن رضي الله ~~عنه فحياه معاوية وسأله عن مبيته فقال: خير مبيت وأكرم مستفاض، فلما استوى ~~في مجلسه قال له ابن الزبير: لولا أنك خوار في الحروب غير مقادم ما سلمت ~~لمعاوية الأمر وكنت لا تحتاج إلى اختراق السهول وقطع المراحل والمفاوز تطلب ~~معروفه وتقوم ببابه وكنت حريا أن لا تفعل ذلك وأنت ابن علي في بأسه ونجدته، ~~فما أدري ما الذي حملك على ذلك؟ أضعف حال أم وحي نحيزه «1» ؟ ما أظن لك ~~مخرجا من هذين الحالين أما والله لو استجمع لي ما استجمع لك لعلمت أنني ابن ~~الزبير وأنني لا أنكص عن الأبطال، وكيف لا أكون وجدتي صفية بنت عبد المطلب ~~وأبي الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وأشد الناس بأسا وأكرمهم ~~حسبا في الجاهلية، وأطوعهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ # فالتفت الحسن إليه وقال: أما والله لولا أن بني أمية تنسبني إلى العجز عن ~~المقال لكففت عنك تهاونا بك، ولكن سأبين ذلك لتعلم أني لست بالكليل. # أإياي تعير وعلي تفتخر، ms086 ولم تك لجدك في الجاهلية مكرمة أن لا تزوجه # PageV01P135 # عمتي صفية بنت عبد المطلب فبذخ بها على جميع العرف وشرف بمكانها، فكيف ~~تفاخر من في القلادة وساطتها وفي الأشراف سادتها؟ نحن أكرم أهل الأرض زندا، ~~لنا المشرق الثاقب والكرم الغالب، ثم تزعم أني سلمت الأمر لمعاوية فكيف ~~يكون؟ ويحك كذلك! وأنا ابن أشجع العرب ولدتني فاطمة سيدة النساء وخيرة ~~الأمهات لم أفعل ويحك ذلك جبنا ولا فرقا، ولكنه بايعني مثلك وهو يطلب يثرة ~~ويداجيني المودة فلم أثق بنصرته لأنكم بيت غدر وأهل إحن ووتر، فكيف لا تكون ~~كما أقول؟ وقد بايع أمير المؤمنين أبوك ثم نكث بيعته ونكص على عقبيه واختدع ~~حشية من حشايا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضل بها الناس، فلما دلف نحو ~~الأعنة ورأى بريق الأسنة قتل بمضيعة لا ناصر له وأتى بك أسيرا، وقد وطئتك ~~الكماة بأظلافها والخيل بسنابكها واعتلاك الأشتر فغصصت بريقك واقعيت على ~~عقبيك كالكلب إذا احتوشته الليوث، فنحن ويحك نور البلاد وأملاكها وبنا ~~تفتخر الأمة وإلينا تلقى مقاليد الأزمة، نصول وأنت تختدع النساء ثم تفتخر ~~على بني الأنبياء لم تزل الأقاويل منا مقبولة وعليك وعلى أبيك مردودة. دخل ~~الناس في دين جدي طائعين وكارهين، ثم بايعوا أمير المؤمنين صلوات الله عليه ~~فسار إلى أبيك وطلحة حيث نكثا البيعة وخدعا عرس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم فقتلا عند نكثهما بيعته وأتي بك أسيرا تبصبص بذنبك فناشدته الرحم أن ~~لا يقتلك فعفا عنك، فأنت عتاقة أبي وأنا سيدك وأبي سيد أبيك، فذق وبال ~~أمرك، فقال ابن الزبير: أعذرنا يا أبا محمد فإنما حملني على محاورتك هذا ~~واشتهى الإغراء بيننا فهلا إذ جهلت أمسكت عني فإنكم أهل بيت سجيتكم الحلم، ~~قال الحسن: يا معاوية أنظر، أأكعو «1» عن محاورة أحد ويحك؟ أتدري من أي ~~شجرة أنا وإلى من أنتمي؟ انته عني قبل أن اسمك بسمة يتحدث بها الركبان في ~~آفاق البلدان، قال ابن الزبير: # هو لذلك أهل، فقال: معاوية أما إنه قد شفا بلابل صدري ms087 منك ورمى فقتلك ~~فبقيت في يده كالحجل في كف البازي يتلاعب بك كيف شاء، فلا أراك تفتخر على ~~أحد بعد هذا. وذكروا أن الحسن بن علي صلوات الله # PageV01P136 # عليهما دخل على معاوية فقال في كلام جرى من معاوية في ذلك: # فيم الكلام وقد سبقت مبرزا ... سبق الجواد من المدى والمقوس # فقال معاوية، إياي تعني؟ والله لآتينك بما يعرفه قلبك ولا ينكره جلساؤك، ~~أنا ابن بطحاء مكة، أنا ابن أجودها جودا وأكرمها أبوة وجدودا وأوفاها ~~عهودا، أنا ابن من ساد قريشا ناشئا. فقال الحسن: أجل! إياك أعني، افعلي ~~تفتخر يا معاوية وأنا ابن ماء السماء وعروق الثرى وابن من ساد أهل الدنيا ~~بالحسب الثاقب والشرف الفائق والقديم السابق وابن من رضاه رضى الرحمن وسخطه ~~سخط الرحمن فهل لك أب كأبي أو قديم كقديمي، فإن تقل: «لا» تغلب، وإن تقل: ~~«نعم» تكذب، فقال: أقول، «لا» تصديقا لقولك، فقال الحسن رضي الله عنه: # ألحق أبلج لا تزيغ سبيله ... والحق يعرفه ذوو الألباب # قال: وقال معاوية ذات يوم، وعنده أشراف الناس من قريش وغيرهم: # «أخبروني بأكرم الناس أبا وأما وعما وخالا وخالة وجدا وجدة» فقام مالك بن ~~عجلان، وأومأ إلى الحسن بن علي صلوات الله عليه، فقال: «هو ذا أبوه علي بن ~~أبي طالب، وأمه فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمه جعفر الطيار، ~~وعمته أم هانىء بنت أبي طالب، وخاله القاسم ابن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وخالته زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجده رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وجدته خديجة بنت خويلد» . فسكت القوم، ونهض الحسن، فأقبل ~~عمرو بن العاص على مالك فقال: «أحب بني هاشم حملك على أن تكلمت بالباطل» ؟ ~~فقال ابن عجلان: «ما قلت إلا حقا، وما أحد من الناس يطلب مرضاة مخلوق ~~بمعصية الخالق إلا لم يعط أمنيته في دنياه، وختم له بالشقاء في آخرته، أليس ~~بنو هاشم أنضركم عودا وأوراكم زندا، أكذلك هو معاوية» ؟ قال: «اللهم نعم» . # قال: واستأذن الحسن بن ms088 علي رضي الله عنه على معاوية، وعنده عبد الله بن ~~جعفر وعمرو ابن العاص، فأذن له، فلما أقبل قال عمرو: «قد # PageV01P137 # جاءكم الفهه العيي الذي كان بين لحييه عقله، فقال عبد الله بن جعفر: # «مه، والله لقد رمت صخرة ململمة تنحط عنها السيول، وتقصر دونها الوعول، ~~لا تبلغها السهام، فإياك والحسن إياك، فإنك لا تزال راتعا في لحم رجل من ~~قريش، ولقد رميت فما برح سهمك، وقدحت، فما أورى زندك» . فسمع الحسن الكلام، ~~فلما أخذ مجلسه قال: «يا معاوية لا يزال عندك عبد يرتع في لحوم الناس، أما ~~ولله لئن شئت ليكونن بيننا ما تتفاقم فيه الأمور، وتحرج منه الصدور» ثم ~~أنشأ يقول: # أتأمر يا معاوي عبد سهم ... بشتمي والملا منا شهود # إذا أخذت مجالسها قريش ... فقد علمت قريش ما تريد # أأنت تظل تشتمني سفاها ... لضغن ما يزول ولا يبيد # فهل لك من أب كأبي تسامي ... به من قد تسامي أو تكيد # ولا جد كجدي يابن حرب ... رسول الله إن ذكر الجدود # ولا أم كأمي من قريش ... إذا ما حصل الحسب التليد # فما مثلي تهكم بابن حرب ... ولا مثلي ينهنهه الوعيد # فمهلا لا تهج منا أمورا ... يشيب لهولها الطفل الوليد # وذكروا أن عمرو بن العاص قال لمعاوية: «ابعث إلى الحسن بن علي فأمره أن ~~يخطب على المنبر، فلعله يحصر، فيكون في ذلك ما نعيره به» . # فبعث إليه معاوية، فأمره أن يخطب، فصعد المنبر وقد اجتمع الناس، فحمد ~~الله وأثنى عليه ثم قال: «أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني ~~فأنا الحسن بن علي بن أبي طالب ابن عم النبي، أنا ابن البشير النذير، ~~السراج المينر، أنا ابن من بعثه الله رحمة للعالمين. أنا ابن من بعث إلى ~~الجن والأنس، أنا ابن مستجاب الدعوة، أنا ابن الشفيع المطاع، أنا ابن أول ~~من ينفض رأسه من التراب، أنا ابن أول من يقرع باب الجنة، أنا ابن من قاتلت ~~معه الملائكة ونصر بالرعب من مسيرة شهر» ، وأمعن في هذا الباب ولم ms089 يزل، حتى ~~أظلمت الأرض على معاوية، فقال: «يا حسن قد # PageV01P138 # كنت ترجو أن تكون خليفة ولست هناك» ، قال الحسن: «إنما الخليفة من سار ~~بسيرة رسول الله وعمل بطاعته، وليس الخليفة من دان بالجور، وعطل السنن، ~~واتخذ الدنيا أبا وأما، ولكن ذلك ملك أصاب ملكا يمتع به قليلا ويعذب بعده ~~طويلا، وكان قد انقطع عنه واستعجل لدته وبقيت عليه التبعة؟ # فكان كما قال الله تعالى: «وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين» . ثم ~~انصرف، فقال معاوية لعمرو: «ما أردت إلا هتكي. ما كان أهل الشام يرون أحدا ~~مثلي، حتى سمعوا من الحسن ما سمعوا» . # قال: وقدم الحسن بن علي رضي الله عنه على معاوية، فلما دخل عليه، وجد ~~عنده عمرو ابن العاص، ومروان بن الحكم، والمغيرة بن شعبة، وصناديد قومه ~~ووجوه أهل بيته، ووجوه أهل اليمن وأهل الشام، فلما نظر إليه معاوية، أقعده ~~على سريره، وأقبل عليه بوجهه يريه السرور به وبقدومه، فحسده مروان وقد كان ~~معاوية قال لهم: «لا تحاوروا هذين الرجلين، فقد قلداكم العار عند أهل ~~الشام» - يعني الحسن بن علي رضي الله عنه، وعبد الله بن عباس- فقال مروان: ~~«يا حسن، لولا حلم أمير المؤمنين وما قد بناه له آباؤه الكرام من المجد ~~والعلى، ما أقعدك هذا المقعد، ولقتلك، وأنت لهذا مستحق بقودك الجماهير ~~إلينا، فلما قاومتنا وعلمت ألا طاقة لك بفرسان أهل الشام، وصناديد بني ~~أمية، أذعنت بالطاعة، واحتجزت بالبيعة، وبعثت تطلب الأمان. أما والله لولا ~~ذلك لأراق دمك، ولعلمت أنا نعطي السيوف حقها عند الوغى، فاحمد الله إذ ~~ابتلاك بمعاوية، وعفا عنك بحلمه، ثم صنع بك ما ترى» . فنظر إليه الحسن ~~وقال: «ويلك يا مروان، لقد تقلدت مقاليد العار في الحروب عند مشاهدتها. ~~والمخاذلة عند مخالطتها. هبلتك أمك. لنا الحجج البوالغ، ولنا عليكم، إن ~~شكرتم، النعم السوابغ، ندعوكم إلى النجاة، وتدعوننا إلى النار، فشتان ما ~~بين المنزلتين. تفتخر ببني أمية وتزعم أنهم صبر في الحرب، أسد عند اللقاء، ~~ثكلتك الثواكل أولئك البهاليل السادة، والحماة الذادة، والكرام ms090 القادة، بنو ~~عبد المطلب. أما والله لقد رأيتهم أنت، وجميع # PageV01P139 # من في المجلس، ما هامتهم الأهوال، ولا حادوا عن الأبطال، كالليوث الضارية ~~الباسلة الحنقة، فعندها وليت هاربا وأخذت أسيرا، فقلدت قومك العار، لأنك في ~~الحروب خوار، أتهرق دمي؟ فهلا أهرقت دم من وثب على عثمان في الدار، فذبحه ~~كما يذبح الحمل وأنت تثغو ثغاء النعجة، وتنادي بالويل والثبور كالمرأة ~~الوكعاء، ما دافعت عنه بسهم، ولا منعت دونه بحرب، قد ارتعدت فرائصك، وغشي ~~بصرك، واستغثت كما يستغيث العبد بربه، فأنجيتك من القتل، ثم جعلت تبحث عن ~~دمي، وتحض على قتلي، ولو رام ذلك معاوية معكم، لذبح كما ذبح ابن عفان، وأنت ~~معه أقصر يدا، وأضيق باعا، وأجبن قلبا من أن تجسر على ذلك، ثم تزعم أني ~~ابتليت بحلم معاوية؟ أما والله لهو أعرف بشأنه، وأشكر لنا إذ وليناه هذا ~~الأمر، فمتى بدا له، فلا يغضين جفنه على القذى معك، فو الله لأعنفن أهل ~~الشام بجيش يضيق فضاؤه، ويستأصل فرسانه، ثم لا ينفعك عند ذلك الروغان ~~والهرب، ولا تنتفع بتدريجك الكلام، فنحن من لا يجهل آباؤنا الكرام القدماء ~~الأكابر، وفروعنا السادة الأخيار الأفاضل، انطق إن كنت صادقا» . فقال عمرو: # «ينطق بالخنا وتنطق بالصدق» ، ثم أنشأ يقول: # قد يضرط العير والمكواة تأخذه ... لا يضرط العير والمكواة في النار # «ذق وبال أمرك يا مروان» فأقبل عليه معاوية فقال: «قد نهيتك عن هذا ~~الرجل، وأنت تأبى إلا انهماكا فيما لا يعنيك، أربع على نفسك فليس أبوه ~~كأبيك، ولا هو مثلك. أنت ابن الطريد الشرير وهو ابن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم الكريم، ولكن رب باحث عن حتفه بظلفه» . فقال مروان: «ارم دون ~~بيضتك، وقم بحجة عشيرتك» ، ثم قال لعمرو: «لقد طعنك أبوه فوقيت نفسك ~~بخصيتيك، ومنها ثنيت أعنتك، وقام مغضبا» . فقال معاوية: «لا تجار البحار ~~فتغمرك، ولا الجبال فتقهرك، واسترح من الاعتذار» . # قال: ولقي عمرو بن العاص، الحسن بن علي عليهما السلام في الطواف، فقال: ~~«يا حسن. أزعمت أن الدين لا يقوم إلا بك ms091 وبأبيك؟ فقد رأيت الله أقامه ~~بمعاوية، فجعله ثابتا بعد ميله، وبينا بعد خفائه، أفيرضى الله # PageV01P140 # قتل عثمان، أم من الحق أن تدور بالبيت كما يدور الجمل بالطحين؟ عليك ثياب ~~كغرقيء البيض، وأنت قاتل عثمان، والله إنه لألم للشعث، وأسهل للوعث، إن ~~يوردك معاوية حياض أبيك» . فقال الحسن صلوات الله عليه: # «إن لأهل النار علامات يعرفون بها: وهي الإلحاد في دين الله، والموالاة ~~لأعداء الله، والانحراف عن دين الله، والله إنك لتعلم أن عليا لم يتريث في ~~الأمر، ولم يشك في الله طرفة عين، وأيم الله لتنتهين يا بن العاص، أو ~~لأقرعن قصتك- يعني جبينه- بقراع وكلام، وإياك والجراءة علي فإني من عرفت ~~لست بضعيف المغمز، ولا بهش المشاشة- يعني العظام- ولا بمرىء المأكلة، وإني ~~لمن قريش كأوسط القلادة، معرق حسبي لا أدعى لغير أبي، وقد تحاكمت فيك رجال ~~من قريش، فغضب عليك ألأمها حسبا، وأعظمها لعنة، فإياك عني! فإنما أنت نجس، ~~ونحن أهل بيت الطهارة، أذهب الله عنا الرجس وطهرنا تطهيرا» . # قال: واجتمع الحسن بن علي صلوات الله عليهما، وعمرو بن العاص، فقال ~~الحسن: «قد علمت قريش بأسرها أني منها في عز أرومها لم أطبع على ضعف، ولم ~~أعكس على خسف، أعرف نسبي، وأدعى لأبي» . فقال عمرو: «وقد علمت قريش أنك ابن ~~أقلها عقلا، وأكثرها جهلا، وإن فيك خصالا لو لم يكن فيك إلا واحدة منها، ~~لشملك خزيها، كما شمل البياض الحائك، وايم الله لئن لم تنته عما أراك تصنع، ~~لأكبسن لك حافة كجلد العائط، إذا اعتاطت رحمها، فما تحمل، أرميك من خللها ~~بأحر من وقع الأثافي، أعرك منها أديمك عرك السلعة، فإنك طالما ركبت ~~المنحدر، ونزلت في أعراض الوعر، التماسا للفرقة وإرصادا للفتنة، ولن يزيدك ~~الله فيها إلا فظاعة» . فقال الحسن: «أما والله لو كنت تسمو بحسبك، وتعمل ~~برأيك، ما سلكت فج قصد، ولا حللت راية مجد، أما والله لو أطاعنا معاوية، ~~لجلعك بمنزلة العدو الكاشح، وإنه طال ما تأخر شأوك، واستسر داؤك، وطمح بك ~~الرجاء إلى الغاية القصوى التي لا يروق بها ms092 غصنك، ولا يخضر منها رعيك، أما ~~والله لتوشكن بابن العاص أن تقع # PageV01P141 # بين لحيي ضرغام، ولا ينجيك منه الروغان إذا التقت حلقتا البطان. # ابن المنذر عن أبيه الشعبي عن ابن عباس أنه دخل المسجد وقد سار الحسين بن ~~علي رضي الله عنه إلى العراق، فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش، قد ~~استعلاهم بالكلام، فجاء ابن عباس فضرب بيده على عضد ابن الزبير، وقال: ~~أصبحت والله كما قال الشاعر: # يا لك من قنبرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي وأصفري # ونقري ما شئت أن تنقري ... قد ذهب الصياد عنك فابشري # لا بد من أخذك يوما فاصبري «1» # خلت الحجاز من الحسين بن علي، وأقبلت تهدر في جوانبها، فغضب ابن الزبير ~~وقال: «والله إنك لترى أنك أحق بهذا من غيرك» ، فقال ابن عباس: «إنما يرى ~~ذلك من كان في حال شك، وأنا من ذلك على يقين» ، قال: «وبأي شيء أستحق عندك ~~أنك بهذا الأمر أحق مني» ؟ # فقال ابن عباس: «لأنا أحق بمن يدل بحقه، وبأي شيء أستحق عندك أنك أحق بها ~~من سائر العرب إلا بنا؟ فقال ابن الزبير: «أستحق عندي أني أحق بها منكم ~~لشرفي عليكم قديما وحديثا» ، فقال: «أنت أشرف أم من شرفت به» ؟ فقال: «إن ~~من شرفت به زادني شرفا إلى شرفي» ، قال: «فمني الزيادة أم منك» ؟ فتبسم ابن ~~عباس، فقال ابن الزبير: «يابن عباس، دعني من لسانك هذا الذي تقلبه كيف شئت، ~~والله يا بني هاشم لا تحبوننا أبدا» . قال ابن عباس: «صدقت، نحن أهل بيت مع ~~الله، لا نحب من أبغضه الله» ، قال: «يابن عباس، أما ينبغي لك أن تصفح عن ~~كلمة واحدة «إنما يصفح عمن أقر، وأما من هر فلا، والفضل لأهل الفضل» ، فقال ~~ابن الزبير: «فأين الفضل» ؟ قال: «عند أهل البيت لا تصرفه عن أهله فتظلم، ~~ولا تضعه في غير أهله فتندم» . قال ابن الزبير: # «أفلست من أهله» ؟ قال: «بلى إن نبذت الحسد، ولزمت الجدد» . # PageV01P142 # وانقضى حديثهما. # وروي عن ابن عباس أنه قال: قدمت على ms093 معاوية وقد قعد على سريره وجمع من ~~بني أمية ووفود العرب عنده، فدخلت، وسلمت، وقعدت فقال: # «يابن عباس من الناس» ؟ فقلت: «نحن» ، قال: «فإذا غبتم» ، قلت: # «فلا أحد» ، قال: «فإنك ترى إني قعدت هذا المقعد بكم» ، قلت: «نعم فيمن ~~قعدت» ؟ قال: «بمن كان مثل حرب بن أمية» ، قلت: «من كفأ عليه إناءه وأجاره ~~بردائه» . # قال: فغضب وقال: «أرحني من شخصك شهرا، فقد أمرت لك بصلتك، وأضعفتها لك» ، ~~فلما خرج ابن عباس، قال لخاصته: «ألا تسألونني ما الذي أغضب معاوية» ؟ ~~قالوا: «بلى، فقل بفضلك» ، قال: # «إن أباه حربا لم يلق أحدا من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق إلا تقدمه حتى ~~يجوزه، فلقيه يوما رجل من تميم في عقبة فتقدمه التميمي» ، فقال حرب: «أنا ~~حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: موعدك مكة، فخافه التميمي، ثم ~~أراد دخول مكة، فقال: «من يجيرني من حرب بن أمية» ؟ فقيل له: «عبد المطلب» ~~، فقال: «عبد المطلب أجل قدرا من أن يجير على حرب» . فأتى ليلا إلى دار ~~الزبير بن عبد المطلب، فدق بابه فقال الزبير لعبده: قد جاءنا رجل إما طالب ~~قرى، وإما مستجير، وقد أجبناه إلى ما يريد، ثم خرج الزبير إليه، فقال ~~التميمي: # لا قيت حربا في الثنية مقبلا ... والصبح أبلج ضوءه للساري # فدعا بصوت واكتنى ليروعني ... وسما علي سمو ليث ضاري # فتركته كالكلب ينبح ظله ... وأتيت قرم معالم وفخار # ليثا هزبرا يستجار بعزه ... رحب المباءة مكرما للجار «1» # ولقد حلفت يمكة وبزمزم ... والبيت ذي الأحجار والأستار # إن الزبير لما نعي من خوفه ... ما كبر الحجاج في الأمصار # PageV01P143 # فقدمه الزبير وأجاره، ودخل به المسجد، فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل ~~عليه الزبير بالسيف فولى هاربا يعدو حتى دخل دار عبد المطلب فقال: «أجرني ~~من الزبير» ، فأكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم فيها الناس، فبقي تحتها ساعة ~~ثم قال له: أخرج، قال: «وكيف أخرج وعلى الباب تسعة من بنيك قد احتبوا ~~بسيوفهم» ؟ فألقى عليه رداء كان كساه إياه سيف بن ذي يزن، له ms094 طرتان خضروان، ~~فخرج عليهم فعلموا أنه قد أجاره عبد المطلب، فتفرقوا عنه» . # قال: وحضر مجلس معاوية عبد الله بن جعفر، فقال عمرو بن العاص: «قد جاءكم ~~رجل كثير الخلوات بالتمني، والطربات بالتغني، محب للقيان، كثير مزاحه، شديد ~~طماحه، سدود عن الشبان، ظاهر الطيش، رخي العيش، أخاذ بالسلف، منفاق بالسرف» ~~، فقال ابن عباس: # «كذبت، والله، أنت، وليس كما ذكرت، ولكنه لله ذكور، ولنعمائه شكور، وعن ~~الخنا زجور، جواد كريم، سيد حليم، إذا رمى أصاب، وإذا سئل أجاب، غير حصر ~~ولا هياب؛ ولا عيابة مغتاب؛ حل من قريش في كريم النصاب كالهزبر الضرغام، ~~الجريء المقدام، في الحسب القمقام، ليس بدعي ولا دنيء، لا كمن اختصم فيه من ~~قريش شرارها، فغلب عليه جزارها، فأصبح ألأمها حسبا، وأدناها منصبا ينوء ~~منها بالذليل، ويأوي منها إلى القليل، مذبذب بين الحيين كالساقط بين ~~المهدين، لا المضطر فيهم عفروه، ولا الظاعن عن عنهم فقدوه، فليت شعري بأي ~~قدر تتعرض للرجال، وبأي حسب تعتد به عند النضال؟ أبنفسك، وأنت الوغد ~~اللئيم، والنكد الذميم، والوضيع الزنيم؟ أم بمن تنمى إليهم، وهم أهل السفه ~~والطيش، والدناءة في قريش؟ لا بشرف في الجاهلية شهروا، ولا بقديم في ~~الإسلام ذكروا، جعلت تتكلم بغير لسانك، وتنطق بالزور في غير أقرانك، والله ~~لكان أبين للفضل، وأبعد للعدوان، أن ينزلك معاوية منزلة البعيد السحيق، ~~فإنه طالما سلس داؤك، وطمح بك رجاؤك إلى الغاية القصوى التي لم يخضر فيها ~~رعيك، ولم يورق فيها غصنك» . فقال عبد الله # PageV01P144 # بن جعفر: «أقسمت عليك لما أمسكت، فإنك عني ناضلت، ولي فاوضت» ، فقال ابن ~~عباس: «دعني والعبد فإنه قد كان يهدر خاليا، ولا يجد ملاحيا، وقد أتيح له ~~ضيغم شرس، للأقران مفترس، وللأرواح مختلس» ، فقال ابن العاص: «دعني يا أمير ~~المؤمنين أنتصف منه، فو الله ما ترك شيئا» . قال ابن عباس: «دعه فلا يبقى ~~المبقي إلا على نفسه» . فو الله إن قلبي لشديد، وإن جوابي لعتيد، وإني لكما ~~قال نابغة بني ذبيان: # وقدما قد قرعت وقارعوني ... فما نزر الكلام ولا ms095 شجاني # يصد الشاعر العراف عني ... صدود البكر عن قرم هجان # قال وبلغ عاثمة بنت عاثم ثلب معاوية وعمرو بن العاص لبني هاشم، فقالت ~~لأهل مكة أيها الناس، إن بني هاشم سادت فجادت، وملكت وملكت، وفضلت وفضلت، ~~واصطفت واصطفيت، ليس فيها كدر عيب ولا أفك ريب، ولا خسروا طاغين ولا خازين، ~~ولا نادمين، ولا هم من المغضوب عليهم ولا الضالين، إن بني هاشم أطول الناس ~~باعا، وأمجد الناس أصلا، وأعظم الناس حلما، وأكثر الناس علما وعطاء، منا ~~عبد مناف المؤثر، وفيه يقول الشاعر: # كانت قريش بيضة فتفلقت ... فالمح خالصها لعبد مناف # وولده هاشم الذي هشم الثريد لقومه، وفيه يقول الشاعر: # عمر العلا هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون عجاف # ومنا عبد المطلب الذي سقينا به الغيث، وفيه يقول أبو طالب: # ونحن سني المحل قام شفيعنا ... بمكة يدعو والمياه تغور # وابنه أبو طالب عظيم قريش، وفيه يقول الشاعر: # آتيته ملكا فقام بحاجتي ... وترى العليج خائبا مذموما # ومنا العباس بن عبد المطلب، أردفه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه ~~ماله، وفيه # PageV01P145 # يقول الشاعر: # رديف رسول الله لم نر مثله ... ولا مثله الماجد البر الوصول # ومنا جعفر ذو الجناحين، أحسن الناس حالا، وأكملهم كمالا، ليس بغدار ولا ~~جبان، أبدله الله بكلتا يديه جناحين يطير بهما في الجنة، وفيه يقول الشاعر: # هاتوا كجعفرنا ومثل علينا ... كانا أعز الناس عند الخالق # ومنا أبو الحسن علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، أفرس بني هاشم، وأكرم ~~من احتبى وانتعل، وفيه يقول الشاعر: # علي ألف الفرقان صحفا ... ووالى المصطفي طفلا صبيا # ومنا الحسن بن علي عليه السلام، سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسيد ~~شباب أهل الجنة، وفيه يقول الشاعر: # يا أجل الأنام يابن الوصي ... أنت سبط النبي وابن علي # ومنا الحسين بن علي حمله جبريل عليه السلام على عاتقه، وكفاه بذلك فخرا، ~~وفيه يقول الشاعر: # حب الحسين ذخيرة لمحبه ... يا رب فاحشرني غدا في حزبه # يا معشر قريش والله ما معاوية كأمير المؤمنين علي، ولا ms096 هو كما يزعم هو ~~والله شانىء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإني آتية معاوية وقائلة له ما ~~يعرق منه جبينه، ويكثر منه عويله وأنينه» ، فكتب عامل معاوية إليه بذلك، ~~فلما بلغه أنها قربت منه، أمر بدار ضيافة فنظفت، وألقى فيها فرش، فلما قربت ~~من المدينة، استقبلها يزيد في حشمه ومماليكه، فلما دخلت المدينة، أتت دار ~~أخيها عمرو بن عائم، فقال لها يزيد: «إن أبا عبد الرحمن يأمرك أن تنتقلي ~~إلى دار ضيافته» ، وكانت لا تعرفه، فقالت: «من أنت كلأك الله» ؟ قال: # «إني يزيد بن معاوية» ، قالت: «فلا رعاك الله يا ناقص لست بزائد» ، فتغير ~~لون يزيد، وأتى أباه فأخبره فقال: «هي أسن قريش وأعظمهم # PageV01P146 # حلما» ، قال يزيد: «كم تعد لها» ؟ قال: «كانت تعد على عهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أربعمائة عام، وهي من بقية الكرام» ، فلما كان من الغد ~~أتاها معاوية فسلم عليها فقالت: «على المؤمنين السلام، وعلى الكافرين ~~الهوان والملام» ، ثم قالت: «أفيكم عمرو بن العاص» ! قال عمرو: «ها أناذا» ~~، قالت: «أنت تسب قريشا وبني هاشم، وأنت أهل السب، وفيك السب، وإليك يعود ~~السب؛ يا عمرو إني والله عارفه بك وبعيوبك، وعيوب أمك، وإني اذكر ذلك: ولدت ~~من أمة سوداء، مجنونة حمقاء، تبول من قيامها، وتعلوها اللئام، وإذا لامسها ~~الفحل فكان نطفتها أنفذ من نطفته، ركبها في يوم واحد أربعون رجلا، وأما أنت ~~فقد رأيتك غاويا غير مرشد، ومفسدا غير مصلح، والله لقد رأيت فحل زوجتك على ~~فراشك، فما غرت ولا أنكرت، وأما أنت يا معاوية فما كنت في خير، ولا ربيت في ~~نعمة، فما لك ولبني هاشم؟ نساؤك كنسائهم؟ أم أعطى أمية في الجاهلية ~~والإسلام ما أعطى هاشم؟ وكفى فخرا برسول الله» ، فقال معاوية: «أيتها ~~الكبيرة أنا كاف عن بني هاشم» ، قالت: «فإني أكتب عليك كتابا فقد كان رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم دعا ربه أن يستجيب لي خمس دعوات، أفأجعل تلك ~~الدعوات كلها فيك» ؟ فخاف معاوية فحلف لا يسب بني هاشم أبدا، فهذا ms097 ما كان ~~بين معاوية وبين هاشم من المفاخرة. # قال: وكان علي بن عبد الله بن عباس عند عبد الملك بن مروان، فاخذ عبد ~~الملك يذكر أيام بني أمية، فبينا هو على ذلك، نادى المنادي بالآذان، فقال: ~~«أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله» ، فقال علي: # هذي المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء، فعادا بعد أبوالا # فقال عبد الملك: الحق في هذا أبين من أن يكابر. # قال علي بن محمد النديم: دخلت على المتوكل وعنده الرضي فقال: # «يا علي من أشعر الناس في زماننا» ؟ قلت: «البحتري» ، قال: # PageV01P147 # «وبعده» ، قلت: «مروان بن أبي حفصة عبدك» ، فالتفت إلى الرضي فقال: «يابن ~~عم، من أشعر الناس» ؟ قال: «علي بن محمد العلوي» ، قال: «وما تحفظ من شعره» ~~؟ قال قوله: # لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمط خدود وامتداد أصابع # فلما تنازعنا القضاء قضى لنا ... عليهم بما نهوى نداء الصوامع # فقال المتوكل: «ما معنى قوله: نداء الصوامع» ؟ قال: «الشهادة» ، قال: ~~«وأبيك أنه أشعر الناس» . ومما قيل في هذا المعنى من الشعر قوله أيضا: # بلغنا السماء بأنسابنا ... ولولا السماء لجزنا السماء # فحسبك من سؤدد أننا ... بحسن البلاء كشفنا البلاء # إذا ذكر الناس كنا ملوكا ... وكانوا عبيدا وكانوا إماء # يطيب الثناء لآبائنا ... وذكر علي يطيب الثناء # هجاني رجال ولم أهجهم ... أبى الله لي أن أقول الهجاء # وقال آخر: # وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيد قام صاحبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # نجوم السماء كلما انقض كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه كواكبه # وقال آخر: # خطباء حين يقول قائلهم ... بيض الوجوه مقاول لسن # لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم لحفظ جوارهم فطن # وضده: عن ابن عباس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ~~«لا تفتخروا بآبائكم في الجاهلية فو الذي نفسي بيده لما يد حرج الجعل برجله ~~خير من آبائكم الذين ماتوا في الجاهلية» . قال: وكان الحسن البصري يقول: # PageV01P148 # «يا ابن آدم، لم تفتخر، وإنما ms098 خرجت من سبيل بولين نطفة مشجت بأقذار» . ~~وقال بعضهم لرجل: «أتفتخر؟ ويحك وأولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت ~~فيما بينهما وعاء عذرة، فما هذا الافتخار» ؟ وروي عن ابن عباس، أنه قال: ~~«الناس يتفاضلون في الدنيا بالشرف والبيوتات والإمارات والغنى والجمال ~~والهيئة والمنطق، ويتفاضلون في الآخرة بالتقوى واليقين، وأتقاهم أحسنهم ~~يقينا، وأزكاهم عملا، وأرفعهم درجة» . وقيل في ذلك: # يزين الفتى في الناس صحة عقله ... وإن كان محظورا عليه مكاسبه # وشين الفتى في الناس قيلة عقله ... وإن كرمت آباؤه ومناسبه # وقيل لعامر بن قيس: «ما تقول في الإنسان» ؟ قال: وما أقول فيمن إن جاع ~~ضرع وإن شبع بغى وطغى» . وقال بعض الحكماء: «لا يكون الشرف بالنسب. ألا ترى ~~أن أخوين لأب وأم يكون أحدهما أشرف من الآخر، ولو كان ذلك من قبل النسب لما ~~كان لأحد منهم على الآخر فضل، لأن نسبهما واحد، ولكن ذلك من قبل الأفعال، ~~لأن الشرف إنما هو بالفضل لا بالنسب» . قال الشاعر: # أبوك أبي والجد لا شك واحد ... ولكننا عودان آس وخروع # وبلغنا عن المدائني قال: ليس السؤدد بالشرف، وقد ساد الأحنف بن قيس ~~بحلمه، وحصين بن المنذر برأيه، ومالك بن مسمع بمحبته في العامة، وسويد بن ~~منجوف بعطفه على أرامل قومه، وساد المهلب بن أبي صفرة بجميع هذه الخصال. ~~وأما الشرف بالدين فالحديث المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم انه أتاه ~~أعرابي، فقال: «بأبي أنت وأمي، يا رسول الله، من أكرم الناس حسنا» ؟ قال: ~~«أحسنهم خلقا وأفضلهم تقوى» ، فانصرف الأعرابي، فقال: «ردوه» ، ثم قال: «يا ~~أعرابي، لعلك أردت أكرم الناس نسبا» ، قال: «نعم يا رسول الله» ، قال: ~~«يوسف الصديق، صديق الله بن يعقوب إسرائيل الله بن إسحاق ذبيح الله بن ~~إبراهيم خليل الله فأين مثل # PageV01P149 # هؤلاء الآباء في جميع الدنيا ما كان مثلهم ولا يكون مثلهم أحد أبدا» ، ~~وقال الشاعر في ذلك: # ولم أر كالأسباط أبناء والد ... ولا كأبيهم والدا حين ينسب # قال: ودخل عيينة بن حصن الفزاري على رسول الله صلى الله عليه ms099 وسلم فانتسب ~~له، فقال: «أنا ابن الأشياخ الأكارم» ، فقال صلى الله عليه وسلم: «أنت إذا ~~يوسف صديق الرحمن عليه السلام ابن يعقوب إسرائيل الله ابن إسحق ذبيح الله ~~ابن إبراهيم خليل الله» . وقال صلى الله عليه وسلم: «خير البشر آدم، وخير ~~العرب محمد، وخير الفرس سلمان الفارسي، وخير الروم صهيب، وخير الحبشة بلال» ~~. # قال: وسمع عمر بن الخطاب، وهو خليفة، صوتا ولفظا بالباب فقال بعض من ~~عنده: «اخرج فانظر من كان من المهاجرين الأولين فأدخله» ، فخرج الرسول فوجد ~~بلالا وصهيبا وسلمان فأدخلهما، وكان أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو في ~~عصابة من قريش جلوسا على الباب فقال: «يا معشر قريش، أنتم صناديد العرب ~~وأشرافها وفرسانها بالباب، ويدخل حبشي وفارسي ورومي» ، فقال سهيل: «يا أبا ~~سفيان أنفسكم فلوموا، ولا تذموا أمير المؤمنين، دعي القوم فأجابوا، ودعيتم ~~فأبيتم، وهم يوم القيامة أعظم درجات واكثر تفضيلا» ، فقال أبو سفيان: «لا ~~خير في مكان يكون فيه بلال شريفا» . # فأما صناعات الأشراف، فإنه روى أن أبا طالب كان يعالج العطر والبز، وأما ~~أبو بكر وعمر وطلحة وعبد الرحمن بن عوف فكانوا بزازين، وكان سعد بن أبي ~~وقاص يعذق النخل، وكان أخوه عتبة نجارا، وكان العاص بن هشام أخو أبي جهل بن ~~هشام جزارا، وكان الوليد ابن المغيرة حدادا، وكان عقبة بن أبي معيط خمارا، ~~وكان عثمان بن طلحة صاحب مفتاح البيت خياطا، وكان أبو سفيان بن حرب يبيع ~~الزيت والأدم، وكان أمية بن خلف يبيع البرم، وكان عبد الله بن جدعان نخاسا، ~~وكان العاص بن وائل يعالج الخيل والإبل، وكان جرير بن عمرو وقيس أبو الضحاك ~~بن قيس، ومعمر بن # PageV01P150 # عثمان، وسيرين بن محمد بن سيرين، كانوا كلهم حدادين، وكان المسيب أبو ~~سعيد زياتا، وكان ميمون بن مهران بزازا، وكان مالك بن دينار وراقا، وكان ~~أبو حنيفة صاحب الرأي خزازا، وكان مجمع الزاهد حائكا. # قيل: اتخذ يزيد بن المهلب بستانا في داره بخراسان، فلما ولى قتيبة ابن ~~مسلم، جعله لإبله، فقال مرزبان مرو: «هذا ms100 كان بستانا وقد اتخذته لإبلك» ، ~~فقال قتيبة: «أبي كان اشتربان وكان أبو يزيد بستانبان فمنها صار ذلك كذلك» ~~. # قال: وذكروا أن المأمون ذكر أصحاب الصناعات فقال: السوقة سفل، والصناع ~~أنذال، والتجار بخلاء، والكتاب ملوك على الناس، والناس أربعة: أصحاب الحرف ~~وهي: أمارة، وتجارة، وصناعة، وزراعة، فمن لم يكن منهم صار عيالا عليهم. # PageV01P151 ### | محاسن الثقة بالله # قيل: خطب سليمان بن عبد الملك فقال: «الحمد لله الذي أنقذني من ناره ~~بخلافته» . وقال الوليد بن عبد الملك: «لأشفعن للحجاج بن يوسف، وقرة بن ~~شريك عند ربي» . وقال الحجاج: «يقولون مات الحجاج، ما أرجو الخير كله إلا ~~بعد الموت، والله ما رضي الله البقاء إلا لأهون خلقه عليه، أليس إبليس إذ ~~قال: «رب انظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت ~~المعلوم» . وقا أبو جعفر المنصور: «الحمد لله الذي أجارني بخلافته، وأنقذني ~~من النار بها» . وحدثني إبراهيم بن عبد الله «1» عن أنس بن مالك قال: ~~«دخلنا على قوم من الأنصار، وفيهم فتى عليل، فلم نخرج من عنده حتى قضى ~~نحبه، فإذا عجوز عند رأسه، فالتفت إليها بعض القوم فقال: استسلمي لأمر الله ~~واحتسبي، قالت: أمات ابني؟ # قال: نعم، قالت: أحق ما تقولون؟ قلنا: نعم، فمدت يدها إلى السماء وقالت ~~اللهم إنك تعلم أني أسلمت لك، وهاجرت إلى نبيك محمد صلوات الله عليه، رجاء ~~أن تغيثني عند كل شدة، فلا تحملني هذه المصيبة اليوم، فكشف ابنها الذي ~~سجيناه وجهه، وما برحنا حتى طعم، وشرب، وطعمنا معه» . # وضده، قال عيسى بن مريم صلوات الله تعالى عليه: «يا معشر # PageV01P153 # الحواريين أن ابن آدم مخلوق في الدنيا في أربع منازل: هو في ثلاث منها ~~واثق، وهو في الرابعة سيىء الظن يخاف خذلان الله إياه، فإما المنزلة الأولى ~~فإنه خلق في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، فوفاه ~~الله رزقه في جوف ظلمة البطن، فإذا أخرج من ظلمة البطن، وقع في اللبن لا ~~يخطو إليه بقدم ولا ساق، ولا يتناوله بيد، ولا ينهض إليه ms101 بقوة، بل يكره ~~إليه إكراها، ويؤجر إيجارا حتى ينبت عليه لحمه ودمه، فإذا ارتفع عن اللبن، ~~وقع في المنزلة الثالثة من الطعام من أبويه يكسبان عليه من حلال وحرام، فإن ~~ماتا، عطف عليه الناس، هذا يطعمه، وهذا يسقيه، وهذا يؤويه، وهذا يكسوه. ~~فإذا وقع في المنزلة الرابعة، واشتد واستوى، وكان رجلا، خشي أن يرزق، فيثب ~~على الناس، فيخون أماناتهم، ويسرق أمتعتهم، ويغصبهم أموالهم مخافة خذلان ~~الله تعالى إياه. # PageV01P154 ### | محاسن طلب الرزق # قال عمرو بن عتبة: «من لم يقدمه الحزم أخره العجز» ، وقال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: يقول الله تبارك وتعالى: «يابن آدم أحدث لي سفرا أحدث لك ~~رزقا» ، وفي بعض الحديث «سافروا تغنموا» . وقال الكميت بن زيد الأسدي: # ولن يزيح هموم النفس إن حضرت ... حاجات مثلك إلا الرحل والجمل # وقال أبو تمام الطائي: # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه، فاغترب تتجدد # فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد # وقال بعض الحكماء: «لا تدع الحيلة في التماس الرزق بكل مكان، فإن الكريم ~~محتال والدنيء عيال وأنشد يقول: # فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا # ولا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان معسرا # وتقول العامة: «كلب جوال خير من أسد رابض» ، وتقول: «من غلى دماغه صائفا، ~~غلت قدره شاتيا» . ووقع عبد الله بن طاهر: «من سعى رعى، ومن لزم المنام رأى ~~الأحلام» . هذا المعنى سرقه من توقيعات أنوشروان فإنه يقول: «هرك روذ جرد ~~هرك خسبد خراب ببند» . وأنشد: # كفى حزنا أن النوى قذفت بنا ... بعيدا وأن الرزق أعيت مذاهبه # ولو أننا إذ فرق الدهر بيننا ... غنى واحد منا تمول صاحبه # PageV01P155 # ولكننا من دهرنا في مؤونة ... يكالبنا طورا وطورا نكالبه # وقال آخر: # ومن يك مثلي ذا عيال ومقترا ... من المال يطرح نفسه كل مطرح # ليبلغ عذرا أو ينال غنيمة ... ومبلغ نفس عذرها مثل منجح # وقال آخر: # وليس الرزق عن طلب حثيث ... ولكن أدل دلوك في الدلاء ms102 # تجئك بملئها حينا وطورا ... تجي بحمأة وقليل ماء # وضده، قيل: وجد في بعض خزائن ملوك العجم لوح من حجارة، مكتوب عليه: «كن ~~لما لا ترجو، أرجى منك لما ترجو؛ فإن موسى عليه السلام خرج ليقبس نارا، ~~فنودي بالنبوة» . وبلغنا عن ابن السماك أنه قال: # «لا تشتغل بالرزق المضمون عن العمل المفروض، وكن اليوم مشغولا بما أنت ~~مسؤول عنه غدا، وإياك والفضول، فإن حسابها يطول» . قال الشاعر: # إني علمت، وعلم المرء ينفعه ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت، أتاني لا يعنيني # وقال آخر: # لعمرك ما كل التعطل ضائر ... ولا كل شغل فيه للمرء منفعة # إذا كانت الأرزاق في القرب والنوى ... عليك سواء، فاغتنم لذة الدعة # وقال آخر: # سهل عليك، فإن الرزق مقدور ... وكل مستأنف في اللوح، مسطور # أتى القضاء بما فيه لمدته ... وكل ما لم يكن فيه، فمخطور # لا تكذبن فخير القول أصدقه ... إن الحريص على الدنيا لمغرور # ؟ وقال آخر: # لا تعتبن على العباد، فإنما ... يأتيك رزقك حين يؤذن فيه # PageV01P156 # وقال آخر: # هي المقادير تجري في أعنتها ... فاصبر فليس لها صبر على حال # يوما تريش خسيس القوم ترفعه ... دون السماء ويوما تخفض العالي # وقال آخر: # اصبر على زمن جم نوائبه ... فليس من شدة إلا لها فرج # تلقاه بالأمس في عمياء مظلمة ... ويصبح اليوم قد لاحت له السرج # وقال آخر: # ألا رب راج حاجة لا ينالها ... وآخر قد تقضى له وهو آيس # يجول لها هذا وتقضى لغيره ... فتأتي الذي تقضى له وهو جالس # وقال آخر: # فلما أن عنيت بما ألاقي ... وأعيتني المسائل بالقروض # دعوت الله لا أرجو سواه ... ورب العرش ذو فرج عريض # وقال آخر: # يا صاحب الهم إن الهم منفرج ... أبشر بخير كأن قد فرج الله # اليأس يقطع أحيانا بصاحبه ... لا تيأسن فإن الصانع الله # إذا ابتليت فثق بالله وارض به ... إن الذي يكشف البلوى هو الله # وقال آخر: # وإذا تصبك من الحوادث نكبة ... فاصبر، فكل بلية تتكشف # PageV01P157 ### | محاسن المواعظ # قال الأصمعي «1» : حججت، فنزلت ضرية، ms103 فإذا أعرابي قد كور عمامته على ~~رأسه، وقد تنكب قوسا؛ فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «أيها ~~الناس! إنما الدنيا دار ممر، والآخرة دار مقر. فخذوا من ممركم لمقركم، ولا ~~تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم. أما بعد، فإنه لن يستقبل أحد يوما من ~~عمره إلا بفراق آخر من أجله؛ فاستعجلوا لأنفسكم لما تقدمون عليه، لا لما ~~تطعنون عنه؛ وراقبوا من ترجعون إليه، فإنه لا قوي أقوى من خالق ولا ضعيف ~~أضعف من مخلوق، ولا مهرب من الله إلا إليه؛ وكيف يهرب من يتقلب بيني يدي ~~طالبه «وإنما توفون أجوركم يوم القيامة، فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة، ~~فقد فاز، وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور» . # وقال بعض الأعراب: «إن الموت ليقتحم على بني آدم كاقتحام الشيب على ~~الشباب؛ ومن عرف الدنيا لم يفرح بها فهو خائف، ولم يحزن فيها على بلوى؛ ولا ~~طالب أغشم من الموت، ومن عطف عليه الليل والنهار أردياه، ومن وكل به الموت ~~أفناه» . وقال أعرابي: «كيف يفرح بممر تنقصه الساعات، وبسلامة بدن معرض ~~للآفات؟ لقد عجبت من المرء يفر من الموت، وهو سبيله، ولا أرى أحد إلا ~~استدركه الموت» . وقيل: وجد في كتاب من كتب بزرجمهر صحيفة مكتوب فيها: «إن ~~حاجة الله إلى عباده أن يعرفوه؛ فمن عرفه لم يعصه طرفة عين. كيف البقاء مع ~~الفناء، وكيف يأسى # PageV01P159 # المرء على ما فاته، والموت يطلبه» ؟ وقال كسرى: «لم يكن من حق علمه أن ~~يقتل وإني لنادم على ذلك ... قال: وحضرت الوفاة رجلا من حكماء فارس فقيل ~~له: «كيف حالك» ؟ قال: «كيف يكون حال من يريد سفرا بعيدا بغير زاد، ويقدم ~~على ملك عادل بغير حجة، ويسكن قبرا موحشا بغير أنيس» ؟ # وضده، قيل: لما مات عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز، جزع أبوه عليه جزعا ~~شديدا، فقال ذات يوم لمن حضره: «هل من منشد شعرا يعزيني به أو واعظ يخفف ~~عني فأتسلى به» ؟ فقال رجل من أهل الشام: «يا أمير المؤمنين كل خليل مفارق ms104 ~~خليلة بأن يموت أو يذهب إلى مكان» ، فتبسم عمر بن عبد العزيز وقال: «مصيبتي ~~فيك زادتني إلى مصيبتي مصيبة» . # وأصيب الحجاج بن يوسف بمصيبة، وعنده رسول لعبد الملك بن مروان، فقال: ~~«ليت إني وجدت إنسانا يخفف عني مصيبتي» ، فقال له الرسول: «أقول» ، قال: ~~«قل» قال: «كل إنسان مفارق صاحبه بموت أو بصلب أو بنار تقع عليه من فوق ~~البيت، أو يقع عليه البيت، أو يسقط في بئر، أو يغشى عليه أو يكون شيء لا ~~يعرفه» . فضحك الحجاج وقال: # «مصيبتي في أمير المؤمنين أعظم حين وجه مثلك رسولا» . # PageV01P160 ### | محاسن الدنيا [ومساوئها] # قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه: «الدنيا دار صدق لمن صدقها، ودار ~~عافية لمن لها عنها، ودار غنى لمن تزود منها، مسجد أنبياء الله، ومهبط ~~وحيه، ومصلى ملائكته، ومتجر أوليائه يكسبون فيها الرحمة، ويربحون فيها ~~الجنة، فمن ذا يذمها؟ وقد آذنت ببنيها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها، وشوقت ~~بسرورها إلى السرور، وببلائها إلى البلاء تخويفا وتحذيرا، وترغيبا وترهيبا. ~~فيا أيها الذام للدنيا والمفتتن بغرورها متى غرتك: أبمصارع آبائك من البلى، ~~أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم عللت بكفيك، وكم مرضت بيديك؟ تبتغي لهم ~~الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء، وتلتمس لهم الدواء؟ لم تنفعهم بطلبتك، ولم ~~تشفعهم بشفاعتك، ولم تستشفهم باستشفائك بطبك. مثلت بهم الدنيا مصرعك ~~ومضجعك، حيث لا ينفعك بطاؤك، ولا يغني عنك أحباؤك» . # ثم التفت إلى قبور هناك، فقال: «يا أهل الثراء والعز، الأزواج قد نكحت، ~~والأموال قد قسمت، والدور قد سكنت. هذا خير ما عندنا، فما خير ما عندكم» ؟ ~~ثم قال لمن حضر: «والله، لو أذن لهم لأجابوا بأن خير الزاد التقوى» . ~~وأنشد: # ما أحسن الدنيا وإقبالها ... إذا أطاع الله من نالها # من لم يواس من فضلها ... عرض للإدبار إقبالها # قال أبو حازم «1» : «الدنيا طالبة ومطلوبة. طالب الدنيا يطلبه الموت # PageV01P161 # حتى يخرجه منها، وطالب الآخرة تطلبه الدنيا حتى توفيه رزقه» . وقال الحسن ~~البصري: «بينا أنا أطوف بالبيت، إذا أنا بعجوز متعبدة، فقلت: # «من أنت» ؟ فقالت: «من بنات ملوك ms105 غسان» ، قلت: «فمن أين طعامك» ؟ قالت: ~~«إذا كان آخر النهار، جاءتني امرأة متزينة، فتضع بين يدي كوزا من ماء، ~~ورغيفين، قلت لها: «أتعرفينها» ؟ قالت: «اللهم لا» . قلت: «هي الدنيا خدمت ~~ربك، جل ذكره، فبعث إليك الدنيا فخدمتك» . # وضده، زعموا أن زياد أبن أبيه مر بالجدة، فنظر إلى دير هناك، فقال ~~لخادمه: «لمن هذا» ؟ قيل له: «هذا دير حرقة بنت النعمان بن المنذر» ، فقال: ~~«ميلوا بنا إليه نسمع كلامها» ، فجاءت إلى وراء الباب فكلمها الخادم فقال ~~لها: «كلمي الأمير» ، فقالت: «أأوجز أم أطيل» ؟ قال: «بل أوجزي» ، قالت: ~~«كنا أهل بيت طلعت الشمس علينا وما على الأرض أحد أعز منا، وما غابت تلك ~~الشمس حتى رحمنا عدونا» ، قال: فأمر لها بأوساق من شعير، فقالت: «أطعمتك يد ~~شبعاء جاعت، ولا أطعمتك يد جوعاء شبعت» ، فسر زياد بكلامها، فقال لشاعر ~~معه: قيد هذا الكلام ليدرس، فقال: # سل الخير أهل الخير قدما ولا تسل ... فتى ذاق طعم الخير منذ قريب # ويقال: إن فروة بن إياس بن قبيصة انتهى إلى دير حرقة بنت النعمان، ~~فألفاها وهي تبكي، فقال لها: «ما يبكيك» ؟ قالت: «ما من دار امتلأت سرورا ~~إلا امتلأت بعد ذلك تبورا» ، ثم قالت: # فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا ... إذا نحن فيهم سوقة نتنصف # فأف لدنيا لا يدوم نعيمها ... تقلب تارات بنا وتصرف # قال: وقالت حرقة بنت النعمان «2» لسعد بن أبي وقاص: «لا جعل الله # PageV01P162 # لك إلى لئيم حاجة، ولا زالت لكريم إليك حاجة، وعقد لك المنن في أعناق ~~الكرام، ولا أزال بك عن كريم نعمة، ولا أزالها بغيرك إلا جعلك سببا لردها ~~عليه» . # قال: وقال عبد الله بن مروان لسلم بن يزيد الفهمي: «أي الزمان أدركت أفضل ~~وأي ملوكه أكمل» ؟ قال: «أما الملوك فلم أر إلا ذاما وحامدا، وأما الزمان ~~فرفع أقواما ووضع آخرين، وكلهم يذم زمانه لأنه يبلي جديدهم ويهرم صغيرهم، ~~وكل ما فيه منقطع إلا الأمل» ، قال: «فأخبرني عن فهم» ، قال: هم كما قال ~~الشاعر: # درج الليل والنهار على فه م بن عمرو ms106 فأصبحوا كالرميم # وخلت دارهم فأضحت قفارا ... بعد عز وثروة ونعيم # وكذاك الزمان يذهب بالنا ... س وتبقى ديارهم كالرسوم # قال: فمن يقول منكم: # رأيت الناس مذ خلقوا وكانوا ... يحبون الغني من الرجال # وإن كان الغني أقل خيرا ... بخيلا بالقليل من النوال # فلا أدري علام وفيم هذا ... وماذا يرتجون من المحال # أللدنيا فليس هناك دنيا ... ولا يرجى لحادثة الليالي # قال: أنا، وقد كتمتها. قال: ولما دخل علي صلوات الله عليه المدائن فنظر ~~إلى إيوان كسرى أنشد بعض من حضره قول الأسود بن يعفر «1» : # ماذا يؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد «2» # أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد # نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد # PageV01P163 # أرض تخيرها لطيب نسيمها ... كعب بن مامة وابن أم دواد # جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنما كانوا على ميعاد # فإذا النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # وقال علي صلوات الله عليه: «أبلغ من ذلك قول الله تعالى: «كم تركوا من ~~جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك، وأورثناها قوما ~~آخرين، فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين» . # وقال عبد الله بن المعتز: «أهل الدنيا كركب، يسار بهم، وهم نيام» . وقال ~~غيره: «طلاق الدنيا مهر الجنة» ، وذكروا أن إعرابيا ذكر الدنيا، فقال: «هي ~~جمة المصائب، رنقة المشارب» . وقال آخر: «الدنيا لا تمتعك بصاحب» . قال أبو ~~الدرداء: «من هوان الدنيا على الله تعالى إنه لا يعصى إلا فيها، ولا ينال ~~ما عنده إلا بتركها» . وقال: «إذا أقبلت الدنيا على امرىء أعارته محاسن ~~غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه» . # وقال الشاعر: # أيا دنيا حسرت لنا قناعا ... وكان جمال وجهك في النقاب # ديار طالما حجبت وعزت ... فأصبح إذنها سهل الحجاب # وقد كانت لنا الأيام ذلت ... فقد قرنت بأيام صعاب # كأن العيش فيها كان ظلا ... يقلبه الزمان إلى ذهاب # قال الأصمعي: وجد في دار سليمان بن داود، عليه السلام، على قبته مكتوبا: # ومن يحمد الدنيا لشيء يسره ... فسوف ms107 لعمري عن قريب يلومها # إذا أدبرت كانت على المرء حسرة ... وإن أقبلت كانت كثيرا همومها # وكان إبراهيم بن أدهم «1» ينشد: # PageV01P164 # نرقع دنيانا بتمزيق ديننا ... فلا ديننا يبقى ولا ما نرقع # وقال أبو العتاهية: # يا من ترفع بالدنيا وزينتها ... ليس الترفع رفع الطين بالطين # إذا أردت شريف القوم كلهم ... فأنظر إلى ملك في زي مسكين # ذاك الذي عظمت في الناس همته ... وذاك يصلح للدنيا وللدين # وقال آخر: # هب الدنيا تساق إليك عفوا ... أليس مصير ذاك إلى زوال # وقال محمود الوراق «1» : # هي الدنيا فلا يغررك منها ... مخائل تستفز ذوي العقول # أقل قليلها يكفيك منها ... ولكن لست تقنع بالقليل # تشيد وتبتني في كل يوم ... وأنت على التجهز للرحيل # ومن هذا على الأيام تبقى ... مضاربه بمدرجة السيول # وقال آخر: # دنيا تداولها العباد ذميمة ... شيبت بأكره من نقيع الحنظل # وثبات دنيا ما تزال ملمة ... منها فجائع مثل وقع الجندل # وقال آخر: # حتى متى أنت في دنياك مشتغل ... وعامل الله بالرحمن مشغول # وقال أبو نواس الحسن بن هانيء: # دع الحرص على الدنيا ... وفي العيش فلا تطمع # PageV01P165 # ولا تجمع لك المال ... فما تدري لمن تجمع # ولا تدري أفي أرض ... ك أم في غيرها تصرع؟ # قال الأصمعي: سمعت أبا عمرو بن العلاء وهو يقول: بينا أنا أدور في بعض ~~البراري، إذا أنا بصوت: # وإن امرأ دنياه أكثر همه ... لمستمسك منها بحبل غرور # فقلت: «أإنسي أم جني؟» ، فلم يجبني، فنقشته على خاتمي. # قال: وسمع يحيى بن خالد بيت العدوي في وصفه الدنيا: # حتوفها رصد، وعيشها نكد ... وشربها رنق، وملكها دول # فقال: «لقد نظن في هذا البيت صفة الدنيا» قال: وسمع المأمون بيت أبي ~~نواس: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # فقال: «لو سئلت الدنيا عن نفسها ما وصفت نفسها كصفة أبي نواس» . وقيل ~~للحسن البصري: «ما تقول في الدنيا» ؟ قال: «ما أقول في دار، حلالها حساب، ~~وحرامها عقاب» ، فقيل: «ما سمعنا كلاما أوجز من هذا» . قال: «بلى، كلام عمر ~~بن عبد العزيز، كتب إليه ms108 عدي بن أرطأة: «ولهي على حمص، قد تهدمت واحتاجت ~~إلى صلاح حيطانها» ، فكتب إليه: «حصنها بالعدل ونق طرقها من الظلم، ~~والسلام» . # PageV01P166 ### | محاسن الزهد # قال محمد بن الحسن عن أبي همام، وكان قد عرف ضيغما: كنت معه في طريق مكة، ~~فلما بعدنا في الرمل، نظر إلى ما تلقى الإبل من شدة الحر، فبكى ضيغم، فقلت: ~~«لو دعوت الله أن يمطر علينا، كان أخف على هذه الإبل» ، قال: فنظر إلى ~~السماء وقال: «إن شاء الله فعل» ، قال: «فو الله ما كان إلا أن تكلم، حتى ~~نشأت سحابة، فهطلت» . # وعن عطاء بن يسار أن أبا مسلم الخولاني خرج إلى السوق بدرهم يشتري لأهله ~~دقيقا، فعرض له سائل فأعطاه بعضه، ثم عرض له سائل آخر فأعطاه الباقي، فأتى ~~النجارين، فملأ مزوده من نشارة الخشب، وأتى منزله فألقاه، وخرج هاربا من ~~أهله، فاتخذت المرأة المزود فإذا دقيق حواري، لم تر مثله فعجنته وخبزته، ~~فلما جاء قال: «أين لك هذا» ؟ قالت: «الدقيق الذي جئت به» . # وعن أبي عبد الله القرشي، عن صديق له قال: دخلت بئر زمزم فإذا بشخص ينزع ~~الدلو مما يلي الركن، فلما شرب أرسل الدلو، فأخذته، فشربت فضلته، فإذا هو ~~سويق لم أر أطيب منه؛ فلما كانت القابلة في ذلك الوقت جاء الرجل، وقد أسبل ~~ثوبه على وجهه، ونزع الدلو فشرب ثم أرسله فأخذته فشربت فضلته فإذا هو ماء ~~مضروب بالعسل، لم أر شيئا قط أطيب منه، فأردت أن آخذ طرف ثوبه فانظر من هو ~~ففاتني، فلما كان في الليلة الثالثة قعدت قبالة زمزم في ذلك الوقت، فجاء ~~الرجل، وقد أسبل ثوبه على وجهه، فنزع الدلو، فشرب، وأرسله، وأخذته، وشربت ~~فضلته، فإذا هو # PageV01P167 # أطيب من الأول، فقلت: «يا هذا أسالك برب هذه البنية من أنت» ؟ قال: # «تكتم علي حتى الموت» ؟ قلت: «نعم» . قال لي: «أنا سفيان الثوري، وكانت ~~تلك الشربة تكفيني إذا شربتها إلى مثلها لا أجد جوعا ولا عطشا» . وقال ~~الأصمعي: «أرأيت إعرابيا يكدح جبهته في الأرض يريد أن تجعل سجادة» . فقلت: ms109 ~~«ما تصنع» ؟ قال: «إني وجدت الأثر في وجه الرجل الصالح» . # وقال الشاعر: # كيف يبكي لمحبس في طلول ... من سيقضي ليوم حبس طويل # إن في البعث والحساب شغلا ... عن وقوف برسم ربع محيل # وقال آخر: # إن الشقي الذي في النار منزله ... والفوز فوز الذي ينجو من النار # يا رب أسرفت في ذنبي ومعصيتي ... وقد علمت يقينا سوء آثاري # فاغفر ذنوبا إلهي قد أحطت بها ... رب العباد وزحزحني عن النار # وقال ذو الرمة: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب يطيع # وقال أبو نواس: # أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد # ولله في كل تحريكة ... وتسكينة فاعلمن شاهد # وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه واحد # وقال أيضا: # سبحان من خلق الخل ... ق من ضعيف مهين # يسوقهم من قرار ... إلى قرار مكين # PageV01P168 # يجوز خلقا فخلقا ... في الحجب دون العيون # حتى بدت حركات ... مخلوقة من سكون # وقال آخر: # أخي ما بال قلبك ليس ينقى ... كأنك ما تظن الموت حقا # ألا يابن الذين مضوا وبادوا ... أما والله ما ذهبوا لتبقى # وما لك غير تقوى الله زاد ... إذا جعلت إلى اللهوات ترقى # وقال آخر: # يا قلب مهلا وكن على حذر ... فقد لعمري أمرت الحذر # ما لك بالترهات مشتغلا ... أفي يديك الأمان من سقر # وقال آخر: # إن كنت تؤمن بالقيامة ... واجترأت على الخطيه # فلقد هلكت وإن جحد ... ت فذاك أعظم للبليه # وقال آخر: # وأفنية الملوك محجبات ... وباب الله مبذول الفناء # فما أرجو سواه لكشف ضري ... ولا أفزع إلى غير الدعاء # ولا أدعو إلى اللإواء كهفا ... سوى من لا يصم عن الدعاء # وضده، قيل: كان جندي بقزوين يصلي في بعض المساجد، فافتقده المؤذن أياما، ~~فصار إليه، وقرع بابه عليه، فخرج إليه، فقال له المؤذن: # «أبو من» ؟ قال: «أبو الجحيم» ، قال: «بئس، يا هذا رد الباب» . # قال: وقيل للقيني: «ما أيسر ذنبك» ؟ قال: «ليلة الدير» . قيل له: «وما ~~ليلة الدير» ؟ قال: «نزلت بدير ms110 نصرانية فأكلت عندها طفشيلا بلحم خنزير، ~~وشربت خمرها، وفجرت بها، وسرقت كساءها، وخرجت» . # قيل أتى خمسة من الفتيان إلى قرية، فنزلوا على باب خان، فقام # PageV01P169 # أحدهم يصلي، والباقون جلوس، فمرت بهم نبطية، فقالوا: «دلينا على قحبة» ~~قالت: «نعم، كم انتم» ؟ قالوا: «نحن أربعة» ، فأومى ألى الذي يصلي، بيده: ~~سبحان الله! أنا الخامس» . وقال الشاعر: # وإنني في الصلاة أحضرها ... ضحكة أهل الصلاة إن شهدوا # أقعد في سجدة إذا ركعوا ... وأرفع الرأس إن هم سجدوا # أسجد والقوم راكعون معا ... وأسرع الوثب إن هم قعدوا # فلست أدري إذا هم فرغوا ... كم كان تلك الصلاة والعدد # وقال آخر: # وأصلي فأغلط الدهر فيما ... بين سبع وأربع وثمان # ومواقيت حينها لست أدري ... ما أذان موقت من أذان # وقال آخر: # نعم الفتى لو كان يعرف ربه ... ويقيم وقت صلاته حماد # عدلت مشافره الدنان فأنفه ... مثل القدوم يسنه الحداد # فأبيض من شرب المدامة وجهه ... فبياضه يوم الحساب سواد # وقال آخر: # إن قرأ العاديات في رجب ... لم يعد منها إلا إلى رجب # بل نحن لا نستطيع في سنة ... نختم تبت يدا أبي لهب # PageV01P170 ### | محاسن النساء [الشاعرات] # قيل: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستحسن قول الخنساء في صخر أخيها: # لا بد من ميتة في صرفها غير ... والدهر من شأنه حول وإضرار # وإن صخرا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار # وقيل للخنساء: «صفي لنا صخرا» ؟ فقالت: «كان مطر السنة الغبراء، وذعاف ~~«1» الكتيبة الحمراء» . قيل: «فمعاوية» ؟ قالت: «حياء الجدبة إذا نزل، وقرى ~~الضيف إذا حل» . قيل: «فأيهما كان عليك أحنى» ؟ قالت: أما صخر فسقام الجسد، ~~وأما معاوية فجمرة الكبد، وأنشدت: # أسدان محمرا المخالب نجدة ... غيثان في الزمن الغصوب الأعسر # قمران في النادي رفيعا محتد ... في المجد فرعا سؤدد متخير # وروي إنها دخلت على عائشة أم المؤمنين، عليها صدار من شعر، فقالت لها ~~عائشة: أتتخذين الصدار، وقد نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وآله» ؟ # فقالت: «يا أم المؤمنين! زوجي كان رجلا متلافا منفقا، فقال لي: لو أتيت ~~معاوية ms111 فاستعنته، فخرجت وقد لقيني صخر، فأخبرته فشاطرني ماله ثلاث مرات، ~~فقالت له امرأته: لو أعطيتها من شرارها- تعني الإبل- فقال: # تا لله لا أمنحها شرارها ... وهي حصان قد كفتني عارها # PageV01P171 # وإن هلكت مزقت خمارها ... واتخذت من شعر صدارها # فلما هلك صخر اتخذت هذا الصدار، ونذرت أن لا أنزعه حتى أموت» . قال ثور ~~بن معن السلمي: حدثني أبي قال: دخلت على الخنساء في الجاهلية وعليها صدار ~~من شعر، وهي تجهز ابنتها، فكلمتها في طرح الصدار، فقالت: «يا حمقاء والله ~~لأنا أحسن منك عرسا، وأطيب منك درسا، وأرق منك نعلا، وأكرم منك بعلا» . قال ~~عبد الرحمن بن مرة عن بعض أشياخه أن عمر بن الخطاب قال للخنساء: «ما أقرح ~~مآقي عينيك» ؟ # قالت: «بكائي على السادات من مضر» ، قال: «يا خسناء إنهم في النار» ، ~~قالت: «ذلك أطول لعويلي» . ومما اخترنا من أشعارها قولها: # تفرقني الدهر قرعا وغمزا ... وأوجعني الدهر نهشا ووخزا # وأفنى رجالي فبادوا معا ... فأصبح قلبي لهم مستفزا # كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا # وكانوا سراة بني مالك ... وزين العشيرة مجدا وعزا # وهم في القديم صحاح الأدي ... م والكائنون من الناس حرزا # بسمر الرماح وبيض الصفاح ... فبالبيض ضربا وبالسمر وخزا # حززنا نواصي فرسانكم ... وكانوا يظنون أن لا تحزا # ومن ظن ممن يلاقي الحروب ... بأن لا يصاب فقد ظن عجزا # نعف ونعرف حق القرى ... ونتخذ الحمد ذخرا وكنزا # ونلبس في الحرب نسج الحديد ... وفي السلم نلبس خزا وقزا # وروي خبر الخنساء من جهة أخرى: ذكروا أنها أقبلت حاجة، فمرت بالمدينة ~~ومعها أناس من قومها، فأتوا عمر بن الخطاب، فقالوا: «هذه خنساء، فلو وعظتها ~~فقد طال بكاؤها في الجاهلية والإسلام» ، فقام عمر وأتاها وقال: «يا خنساء» ~~، قال: فرفعت رأسها، فقالت: «ما تشاء وما الذي تريد» ؟ فقال: «ما الذي أقرح ~~مآقي عينيك» ؟ قالت: «البكاء على سادات مضر» . قال: «إنهم هلكوا في ~~الجاهلية، وهم أعضاد اللهب، وحشو # PageV01P172 # جهنم» ، قالت: «فداك أبي وأمي، فذلك الذي زادني وجعا» ، قال: # «فأنشديني ما قلت» ، قالت: «أما ms112 أني لا أنشدك ما قلت قبل اليوم، ولكني ~~أنشدك ما قلته الساعة» ، فقالت: # سقى جدثا أعراق غمرة دونه ... وبيشه ديمات الربيع ووابله # وكنت أعير الدمع قبلك من بكى ... فأنت على من مات قبلك شاغله # وأرعيهم سمعي إذا ذكروا الأسى ... وفي الصدر مني زفرة لا تزايله # فقال عمر: دعوها فإنها لا تزال حزينة أبدا. # ليلى الأخيليلة هاجها رجل من قومها فقال: # ألا حييا ليلى وقولا لها هلا ... فقد ركبت أيرا أغر محجلا # فأجابته: # تعيرني داء بأمك مثله ... وأي جواد لا يقال له هلا # ذكروا أنها دخلت على عبد الملك بن مروان، فقال لها: «يا ليلى هل بقي في ~~قلبك من حب توبة، فتى الفتيان، شيء» ؟ قالت: «وكيف أنساه» ؟ وهو الذي يقول ~~يا أمير المؤمنين: # ولو أن ليلى في ذرى متمنع ... بنجران لا لتفت علي قصورها # حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر الغوادي مطيرها # أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ... وبيضك في خضراء غصن نصيرها # تقول رجال لا يصيرك نأيها ... بلى كل ما شف الفنوس يصيرها # أيذهب ريعان الشباب ولم أزر ... كواعب في همدان بيضا نحورها # قال: «عمرك الله أن تذكيه» . ولتوبة في ليلى الأخيلية: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي ودوني جندل وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح # ولو أن ليلى في السماء لأصعدت ... بطرفي إلى ليلى العيون اللوامح # PageV01P173 # فلما مات توبة، مز زوج ليلى بليلى على قبره، فقال لها: «سلمي على توبة ~~فإنه زعم في شعره أنه يسلم عليك تسليم البشاشة» ، فقالت: «ما تريد إلى من ~~بليت عظامه» ، فقال: «والله لتفعلن» ، فقالت وهي على البعير: «سلام عليك يا ~~توبة، فتى الفتيان» . وكانت قطاة مستظلة في ثقب من ثقب القبر، فلما سمعت ~~الصوت، طارت وصاحت، فنفر البعير ورمى بليلى فماتت، فدفنت إلى جنب قبر توبة. ~~قال: وسأل الحجاج ليلى: # «هل كان بينك وين توبة ريبة قط» ؟ قالت: «لا والذي أسأله صلاحك أنه مرة ~~قال لي قولا ظننت أنه خنع لبعض الأمر» فقلت له: # وذي ms113 حاجة قلنا له لا تبح بها ... فليس إليها ما حييت سبيل # لنا صاحب لا ينبغي أن نخونه ... وأنت لأخرى فارغ وخليل # فما كلمني بعد ذلك بشيء، حتى فرق بيني وبينه الموت. # قال الحجاج: «فما كان بعد ذلك» ؟ قالت: لم يلبث أن قال لصاحب له: إذا ~~أتيت الحاضر من بني عباد فقل بأعلى صوتك: # عفا الله عنها هل أبيتن ليلة ... من الدهر لا يسري إلي خيالها # فلما سمعت الصوت، خرجت، فقلت: # وعنه عفا ربي وأحسن حاله ... تعز علينا حاجة لا ينالها # قال: ودخلت ليلى على الحجاج فأنشدته قولها فيه: # إذا نزل الحجاج أرضا سقيمة ... تتبع أقصى دائها فشفاها # شفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة ثناها # أحجاج لا تعطي العصاة مناهم ... ولا الله يعطي للعصاة مناها # فوصلها الحجاج بألف دينار، وقال: لو قلت: «بدل غلام همام لكان أحسن» . # هند بنت عتبة أم معاوية بن أبي سفيان قيل: لما قتل شيبة وعتبة، ابنا ~~ربيعة، والوليد بن عتبة، رثتهم هند فقالت: # PageV01P174 # إني رأيت فسادا بعد إصلاح ... في عبد شمس فقلبي غير مرتاح # هاجت لهم ادمع تترى ومنبعها ... من رأس محروبة إن لها لاحي # لما تنادت بنو فهر على حنق ... والموت بينهم ساع لأرواح # كأنما النسج في قتلى مصرعة ... سرج أضاءت على جدر وألواح # يا آل هاشم إنا لا نصالحكم ... حتى نرى الخيل تردي كل كفاح # إن يمكن الله يوما من هزيمتكم ... يورث نساءكم داء بتقراح # فأجابتها عمرة بنت عبد الله بن رواحة الأنصاري: # يا هند مهلا لقد لا قيت مهبلة ... يوم الأعنة والأرواح في الراح # أسد غطارفة غر جحاجحة ... أبناء محصنة بيض لجحجاح # هنالك الفوز والرضوان إن صبروا ... مع الرسول فما آبوا بتقباح # الله أهلكهم والأوس شاهدة ... والخزرج الغر فيهم كل مجتاح # لا تبعدن فإني غير صارخة ... وكيف تصرخ ذات البعل: يا صاح # PageV01P175 ### | النساء الماجنات # قال سليمان بن عبد الملك: «أنشدوني أحسن ما سمعتم من شعر النساء» ، فقال ~~بعضهم: يا أمير المؤمنين سار رجل من الظرفاء في بعض طرقاته، إذا ms114 أخذته ~~السماء، فوقف تحت مظلة ليستكن من المطر، وجارية مشرفة عليه، فلما رأته ~~حذفته بحجر فرفع رأسه وقال: # لو بتفاحة رميت رجونا ... ومن الرمي بالحصاة جفاء # فأجابته: # ما جهلنا الذي ذكرت من الشك ... ل ولا بالذي نراه خفاء # وداية معها، فقالت: # قد بدأتيه ما ذكرت وجدي ... ليت شعري فهل لهذا وفاء # وسائلة في الباب، فقالت: # قد لعمري دعوتها فاجابت ... هي داء، وأنت منه شفاء # قال سليمان: «قاتلها الله هي والله أشعرهم» . # عنان جارية الناطفي، قال السلولي: دخلت يوما على عنان وعندها رجل أعرابي، ~~فقالت: «أيا عم لقد أتى الله بك» ، قلت: «وما ذاك» ؟ قالت: # «هذا الأعرابي دخل علي فقال: بلغني أنك تقولين الشعر فقولي بيتا» ، فقلت ~~لها: «قولي» ، فقالت: «قد رتج علي، فقل أنت» ، فقلت: # لقد جد الفراق وعيل صبري ... عشية عيرهم للبين زمت # PageV01P177 # فقال الأعرابي: # نظرت إلى أواخرها ضحيا ... وقد بانت وأرض الشام أمت # فقالت عنان: # كتمت هواكم في الصدر مني ... على أن الدموع علي نمت # فقال الأعرابي: «أنت والله أشعرنا، ولولا أنك بحرمة رجل لقبلتك، ولكني ~~أقبل البساط» . وقال بعضهم: دخلت علي عنان فإذا عليها قميص يكاد يقطر صبغة ~~وقد تناولها مولاها بضرب شديد وهي تبكي فقلت: # إن عنانا أرسلت دمعها ... كالدر إذ ينسل من سمطه # فقالت وأشارت إلى مولاها: # فليت من يضربها ظالما ... تجف يمناه على سوطه # فقال مولاها: «هي حرة لوجه الله إن ضربتها ظالما أو غير ظالم» . # قال: واجتمع أبو نواس، والفضل الرقاشي، والحسين الخليع، وعمرو الوراق، ~~ومحكم بن رزين، والحسين الخياط «1» في منزل عنان فتناشدوا إلى وقت العصر، ~~فلما أرادوا الانصراف قالوا: «أين نحن الليلة» ؟ # فكل قال: «عندي» ؟ فقالت عنان: «بالله قولوا شعرا وارضوا بحكمي» ، فقال ~~الرقاشي: # عذراء ذات احمرار ... إني بها لا أحاشي # قوموا نداماي رووا ... مشاشكم من مشاشي # وناطحوني كئوسا ... نطاح صلب الكباش # وإن نكلت فحل ... لكم دمي ورياشي # PageV01P178 # فقال أبو نواس: # لا بل إلي ثقاتي ... قوموا بنا بحياتي # قوموا نلذ جميعا ... بقول هاك وهات # فإن أردتم فتاة ... أتيتكم بفتاتي # وإن أردتم ms115 غلاما ... صادفتموني مؤاتي # فبادروه مجونا ... في وقت كل صلاة # وقال الحسين الخليع: # أنا الخليع فقوموا ... إلى شراب الخليع # إلى شراب لذيذ ... وأكل جدي رضيع # ونيك أحوى رخيم ... بالخندريس صريع # قوموا تنالوا وشيكا ... مثال ملك رفيع # وقال الوراق: # قوموا إلى بيت عمرو ... إلى سماع وخمر # وساقيات علينا ... تطاع في كل أمر # وبيسري رخيم ... يزهو بجيد ونحر # فذاك بر وإن ... شئتم أتينا ببحر # هذا وليس عليكم ... أولى ولا وقت عصر # وقال محكم بن رزين: # قوموا إلى دار لهو ... وظل بيت دفين # فيه من الورد والمر ... زنجوش والياسمين # وريح مسك ذكي ... وجيد المرزجون # قوموا فصيروا جميعا ... إلى الفتى ابن رزين # PageV01P179 # فقال الحسين الخياط: # قضت عنان علينا ... بأن نزور حسينا # وأن تقروا لديه ... بالقصف واللهو عينا # فما رأينا كظرف ... الحسين فيما رأينا # قد قرب الله منه ... زينا وباعد شينا # قوموا وقولوا أجزنا ... ما قد قضيت علينا # وقالت عنان: # مهلا فديتك مهلا ... عنان أحرى وأولى # بأن تنالوا لديها ... أسنى النعيم وأحلى # قإن عندي حراما ... من الشراب وحلا # لا تطمعوا في سوائي ... من البرية كلا # يا سادتي خبروني ... أجاز حكمي أم لا # فقالوا جميعا: «قد أجزنا حكمك وأقاموا عندها» . # قال: وكتبت عنان إلى الفضل بن الربيع: # كن لي هديت إلى الخليفة سلما ... بوركت يابن وزيره من سلم # حث الإمام على شراي وقل له ... ريحانة ذخرت لأنفك فاشمم # وكانت عنان تتوقى أبا نواس، وتخاف بمجونه وسفهه، وفيها يقول: # عنان يا من تشبه العينا ... أنتم على الحب تلومونا # حسنك حسن لا يرى مثله ... قد ترك الناس مجانينا # فتهيأت لأبي نواس، وتصنعت له، إلى أن صار إليها، فرأى عندها بعض وجوه أهل ~~بغداد، فأحب أن يخجلها، فقال لها: # ما تأمرين لصب ... يكفيه منك قطيره # PageV01P180 # فقالت: # إياي تعني بهذا ... عليك فاجلد عميره # فقال: # إني أخاف وربي ... على يدي من عبيرة # فقالت: # علبك أمك نكها ... فإنها كندبيره # فأخجلته، وشاع الخبر حتى بلغ الرشيد فاستظرفها، وطلبها من الناطفي، فحملت ~~إليه فقال لها: «يا عنان» ، قالت: «لبيك يا سيدي» ، فقال: «ما تأمرين لصب» ms116 ~~؟ قالت: «قد مضى الجواب في هذا يا أمير المؤمنين» ، قال: «بحياتي كيف قلت» ~~؟ قالت: قلت: # إياي تعني بهذا ... عليك فاجلد عميره # فضحك الرشيد وطلبها من مولاها، فاستام فيها مالا جزيلا، فردها. # عريب جارية المأمون: # وأنتم أناس فيكم الغدر شيمة ... لكم أوجه شتى وألسنة عشر # عجبت لقلبي كيف يصبوا إليكم ... على عظم ما يلقى وليس له صبر # فضل الشاعر حدثنا القاسم بن عبد الله الحراني قال: كنت عند سعيد بن حميد ~~الكاتب ذات يوم وقد افتصد، فأتته هدايا «فضل الشاعرة» ألف جدي، وألف دجاجة، ~~وألف طبق رياحين، وطيب وعنبر، وغير ذلك، فلما وصل ذلك كتب إليها: «إن هذا ~~اليوم لا يتم سروره إلا بك وبحضورك» . وكانت من أحسن الناس ضربا بالعود، ~~وأملحهم صوتا، وأجودهم شعرا، فأتته، فضرب بينه وبينها حجاب، وأحضر قوما ~~ندماءه، ووضعت المائدة، وجيء بالشراب، فلما شربنا أقداحنا أخذت عودها فغنت ~~بهذا الشعر، والصوت لها والشعر والأبيات هذه: # PageV01P181 # يا من أطلت تفرسي ... في وجهه وتنفسي # أفديك من متدلل ... يزهو بقتل الأنفس # هبني أسأت وما أسأ ... ت بلى أقول أنا المسي # أحلفتني أن لا أسا ... رق نظرة في مجلسي # فنظرت نظرة عاشق ... أتبعتها بتنفسي # ونسيت أني قد حلفت ... فما يقال لمن نسي # وضربت أيضا وغنت: # عاد الحبيب إلى الرضا ... فصفحت عما قد مضى # من بعد ما لصدوده ... شمت الحسود فعرضا # تعس البغيض فلم يزل ... لصدودنا متعرضا # هبني أسأت وما أسأ ... ت فإن أسأت لك الرضا # قال: فما أتى علي يوم أسر من ذلك اليوم. # صاحبة الفرزدق: ذكروا أن الفرزدق كان مع أصحاب له فإذا هو بجارية مع ~~مولاها، فقال لأصحابه: «هل أخجل لكم هذه» ؟ قالوا: «نعم» ، فقال: # إن لي إيرا خبيثا ... لونه يحكي الكميتا # لو يرى في السقف صدعا ... [لأستحال] عنكبوتا # أو يرى في الأرض شقا ... لنزا حتى يموتا # فقالت الجارية: # زوجوا هذا بألف ... وأرى ذلك قوتا # قبل أن ينقلب الدا ... ء فلا يأتي ويوتى # فخجل الفرزدق وانصرف. # صاحبة جعفر بن يحيى بن خالد البرمكي، قالت: # PageV01P182 # عزمت على قلبي بأن ms117 أكتم الهوى ... فضج ونادى إنني غير عاقل # فإن حان موتي لم أدعك بغصتي ... وأقررت قبل الموت أنك قاتلي # جارية البارقي: ذكروا أنها أنشدت في مجلس عمرو بن مسعدة: # يا أحسن العالم حتى متى ... يرتفع الحب وانحط # وكيف منجاي وبحر الهوى ... مذ حف بي ليس له شط # فأجيبت: # يدركك الوصل فتنجو به ... أو يقع البحر فتنحط # قال علي بن الجهم: كنت في مجلس محمد بن عمرو بن مسعدة، فأقبلت جارية ~~كأنها البدر ليلة التمام، بلون كأنه الدر في البياض، مع احمرار خدين كشقائق ~~النعمان فسلمت، فقال لي محمد: «يا أبا الحسن! هذه الجنة التي كنتم توعدون» ~~، فقالت: # وما الوعد يا سؤلي وغاية منيتي ... فإن فؤادي من مقالك طائر # فقال لها محمد: # أما وإله العرش ما قلت سيئا ... وما كان إلا أنني لك شاكر # فقال ابن الجهم: # أمسك فديتك عن عتاب محمد ... فهو المصون لوده، المتحاذر # فأقبلت تحدثنا، فإذا عقل كامل، وجمال فاضل، وحسن قاتل، وردف مائل فقلت: ~~«لقد أقر الله عينا تراك» ، فقالت: «أقر الله أعينكم، وزادكم سرورا وغبطة» ~~. ثم اندفعت تغني بنغمة لم أسمع أحسن منها: # أروح بهم من هواك مبرح ... أناجي به قلبا كثير التفكر # عليك سلام لا زيارة بيننا ... ولا وصل إلا أن يشاء ابن معمر # PageV01P183 # فما زلنا بومنا ذلك معها في الفردوس الأعلى، وما ذكرتها، بعد ذلك، إلا ~~اشتقت لها، وأسفت عليها. # محمد بن حماد قال: كنا يوما عند إسحاق بن نجيح، وعنده جارية يقال لها ~~«شادن» ، موصوفة بجودة ضرب العود، وشجو صوت، وحسن خلق، وظرف مجلس، وحلاوة ~~وجه، وأخذت العود وغنت: # ظبي تكامل في نهاية حسنه ... فزها ببهجته وتاه بصده # فالشمس تطلع من فرند جبينه ... واليدر يغرق في شقائق خده # ملك الجمال بأسره فكأنما ... حسن البرية كلها من عنده # يا رب هب لي وصله وبقاءه ... أبدا فلست بعائش من بعده # فطارت عقولنا، وذهلت ألبابنا من حسن غنائها وظرفها، فقلت: «يا سيدتي، من ~~هذا الذي تكامل في الحسن والبهاء سواك» ؟ فقالت: # فإن بحت نالتني عيون كثيرة ... وأضعف ms118 عن كتمانه حين أكتم # PageV01P184 ### | الأعرابيات # حدثنا ثعلب «1» عن الفتح بن خاقان «2» قال: لما خرج المتوكل إلى دمشق، ~~كنت عديله، فلما صرنا بقنسرين، قطعت بنو سليم على التجار، فأنهى ذلك إليه، ~~فوجه قائدا من وجوه قواده إليهم فحاصرهم، فلما قربنا من القوم، إذا نحن ~~بجارية ذات جمال وهيئة، وهي تقول: # أمير المؤمنين سما إلينا ... سمو البدر مال به الغريف # فإن نسلم فعفو الله نرجو ... وإن نقتل فقاتلنا شريف # فقال لها المتوكل: «أحسنت، ما جزاؤها يا فتح» ، قلت: «العفو والصلة» ، ~~فأمر لها بعشرة آلاف درهم وقال لها: «مري إلى قومك وقولي لهم: «لا تردوا ~~المال على التجار فإني أعوضهم عنه» . # قال الأصمعي: خرجت إلى بادية فإذا أنا بخباء فيه امرأة، فدنوت فسلمت، ~~فإذا هي أحسن الناس وجها، وأعدلهم قامة، وأفصحهم لسانا، فحار فيها بصري، ~~واعترتني خجلة، فقالت: «ما وقوفك» ؟ فقلت: # هل عندكم من مخيض اليوم نشربه ... أم هل سبيل إلى تقبيل عينيك # فلست أبغي سوى عينيك منزلة ... أم هل تجودي لنا عضا بخديك # أو تأذنين بريق منك أرشفه ... أو لمس بطنك أو تغميز ثدييك # PageV01P185 # ردي الجواب على من زاده كلفا ... تكريره الطرف في أجدال ساقيك # فرفعت رأسها إلي وقالت: «يا شيخ ألا تستحي؟ ارجع إلى أهلك وارغب في مثلك» ~~. وقال بعضهم: رأيت أعرابية بالنباح فقلت لها: # «أتنشدين» ؟ قالت: «نعم في مثلك، ورب الكعبة» ، قلت: # «فأنشديني» ، فأنشأت تقول: # لا بارك الله فيمن كان يخبرني ... أن المحب إذا ما شاء ينصرف # وجد المحب إذا ما بان صاحبه ... وجد الصبي بثديي أمه الكلف # قال: قلت لها: «أنشديني من قولك» ، فقالت: # بنفسي من هواه على التنائي ... وطول الدهر مؤتنق جديد # ومن هو في الصلاة حديث نفسي ... وعدل الروح عندي بل يزيد # فقلت لها: «إن هذا كلام من قد عشق» . فقالت: «وهل يعرى من ذلك من له سمع ~~وقلب» ؟ ثم أنشدتني: # ألا بأبي والله من ليس نافعي ... بشيء ولا قلبي على الوجد شاكره # ومن كبدي تهفو إذا ذكر اسمه ... بشيء ومن قلبي على النأي ذاكره # له خفقان ms119 يرفع الجيب بالشجى ... ويقطع أزرار الجربان ثائره # قال: وكتب عمر بن أبي ربيعة إلى امرأة بالمدينة: # برز البدر في جوار تهادى ... مخطفات الخصور معتجرات «1» # فتنفست ثم قلت لبكر ... عجلت في الحياة لي الحيبات # هل سبيل إلى التي لا أبالي ... بعدها أن أموت قبل وفاتي # فأجابته: # قد أتانا الرسول بالأبيات ... في كتاب قد خط بالترهات # حائر الطرف إن نظرت وماطر ... فك عندي بصادق النظرات # غر غيري فقد عرفت لغيري ... عهدك الخائن القليل الثبات # PageV01P186 ### | محاسن المتكلمات # حدث عمر بن يزيد الأسدي، قال: مررت بخرقاء، صاحبة ذي الرمة فقلت لها: «هل ~~حججت قط» ؟ قالت: أما علمت أني منسك من مناسك الحج، ما منعك أن تسلم علي؟ ~~أما سمعت قول عمك ذي الرمة: # تمام الحج أن تقف المطايا ... على خرقاء واضعة اللثام # فقلت لها: «لقد أثر فيك الدهر» ، قالت أما سمعت قول العجيف العقيلي حيث ~~يقول: # وخرقاء لا تزداد إلا ملاحة ... ولو عمرت تعمير نوح وجلت # قال: «ورأيتها وإن فيها لمباشرة، وإن ديباجة وجهها لطرية كأنها فتاة، ~~وإنها لتزيد يومئذ على المائة، ولقد حدثت أنه شبب بها ذو الرمة، وهي ابنة ~~ثمانين سنة» . وحدث رجل من بني أسد قال: «أدركت ميا صاحبة ذي الرمة، وكان ~~الرجل أعور قال: ورأيتها في نسوة من قومها فقلت: «أهذه مي؟ وأومأت إليها» ، ~~فقلنا: فقلت: «ما أدري ما كان يعجب ذا الرمة منك، وما أراك على ما كان يصف» ~~؟ فتنفست الصعداء وقالت: «إنه كان ينظر بعينين وأنت ننظر إلي بعين واحدة» . # وروي الأصمعي عن رجل من أهل الشام قال: قدمت المدينة، فقصدت منزل ابن ~~هرمة، فإذا بنية له تلعب، فقلت لها: «ما فعل أبوك» ؟ # قالت: «وفد إلى بعض الأخوان» ، قلت: «فانحري لنا ناقة فإنا أضيافك» ، ~~قالت: «يا عماه والذي خلقك ما عندنا شيء» ، قلت: # PageV01P187 # «فباطل ما قال أبوك» ! قالت: «فما قال» ؟ قلت، قال: # كم ناقة قد وجأت منحرها ... لمستهل الشؤبوب أو جمل # قالت: «يا عماه فذلك القول من أبي أصارنا إلى أن ليس عندنا شيء» ، قال ~~وأتى زياد الأقطع ms120 باب الفرزدق، وكان له صديقا، فخرجت إليه ابنة الفرزذق، ~~وكانت تسمى «مكية» ، وأمها حبشية، فقال لها: «ما اسمك» ؟ قالت: «مكية» قال: ~~«ابنة من» ؟ قالت: «ابنة الفرزدق» ، قال: «فأمك» ؟ قالت: «حبشية» ، فأمسك ~~عنها فقالت: «ما بال يدك مقطوعة» ؟ قال: «قطعها الحرورية» ، قالت: «بل قطعت ~~في اللصوصية» ، قالت: «عليك وعلى أبيك لعنة الله» ، وجاء الفرزدق فأخبر ~~بالخبر، فقال: # «أشهد أنها بنتي» ، وأنشأ يقول: # حام إذا ما كنت ذا حميه ... بدارمي بنته صبيه # صمحمح مثل أبي مكيه # وحدث سليمان بن عباس السعدي قال: كان كثير يلقى حاج أهل المدينة بقديد ~~على ست مراحل، ففعل عاما من الأعوام غير يومهم الذي نزلوا فيه، فوقف حتى ~~ارتفع النهار، فركب جملا في يوم صائف، ووافى قديدا وقد كل بعيره وتعب، ~~فوجدهم قد ارتحلوا، وقد بقي فتى من قريش، فقال الفتى لكثير: «اجلس» . قال: ~~فجلس كثير إلى جنبي، ولم يسلم علي، فجاءت امرأة وسيمة جميلة، فجلست إلى ~~خيمة من خيام قديد، واستقبلت كثيرا فقالت: «أنت كثير» ؟ قال: «نعم» ، قالت: ~~«أنت ابن أبي جمعة» ؟ # قال: «نعم» ، قالت: أنت الذي تقول: # وكنت إذا ما جئت أجللن مجلسي ... وأضمرن مني هيبة لا تجهما # قال: «نعم» ، قالت: «فعلى هذا الوجه هيبة، إن كنت كاذبا فعليك # PageV01P188 # لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» . قال: فضجر كثير وقال: «ومن أنت» ؟ # فسكتت، ولم تجبه بشيء، فسأل الموالي التي في الخيام عنها، فلم يخبرنه، ~~فضجر واختلط عقله، فلما سكن قالت: أنت الذي تقول: # متى تنشرا عني العمامة تبصرا ... جميل المحيا أغفلته الدواهن # أهذا الوجه جليل؟ إن كان كاذبا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين» ~~، فاختلط وقال: «لو عرفتك لفعلت وفعلت» . فلما سكن قالت له: أنت الذي تقول: # يروق العيون الناظرات كأنه ... هر قلي وزن أحمر التبر راجح # أهذا الوجه الذي يروق الناظرات؟ إن كنت كاذبا فعليك لعنة الله والملائكة ~~والناس أجمعين» . قال: فازداد ضجرا واختلط، وقال: «لو عرفتك والله لقطعتك ~~وقومك هجاء» . ثم قام فاتبعته طرفي حتى توارى عني، ثم نظرت إلى المرأة، ~~فإذا هي قد غابت ms121 عني، فقلت لمولاة من بنات قديد: «لك الله على أن أخبرتني ~~من هذه المرأة أن أطوي لك ثوبي هذين، إذا قضيت حجي، ثم أعطيكهما» . فقالت: ~~«والله لو أعطيتني زنتهما ذهبا، ما أخبرتك من هي؟ هذا كثير مولاي لم أخبره» ~~. قال القرشي: فرحت وبي أشد مما بكثير. # قيل: وقدم كثير الكوفة، وكان شيعيا من أصحاب محمد بن الحنفية، فقال: ~~«دلوني على منزل قطام» ، قيل له: «وما تريد منها» ؟ قال: «أريد أن أوبخها ~~في قتل علي بن أبي طالب صلوات الله عليه» ، فقيل له: «عد عن رأيك فإن عقلها ~~ليس كعقول النساء» ، قال: «لا والله لا أنتهي حتى أنظر إليها وأكلمها» . ~~فخرج يسأل عن منزلها حتى دفع إليها، فاستأذن فأذنت له، فرأى امرأة برزة قد ~~تخددت، وقد حنا الدهر من قناتها، فقالت: «من الرجل» ؟ قال: «كثير بن عبد ~~الرحمن» ، قالت: «التيمي الخزاعي» ؟ قال: «التيمي الخزاعي» ، ثم قال لها: # «أنت قطام» ؟ قالت: «نعم» ، قال: «أنت صاحبة علي بن أبي طالب # PageV01P189 # صلوات الله عليه» ؟ قالت: «بل صاحبة عبد الرحمن بن ملجم» . قال: # «أليس هو قتل عليا» ؟ قالت: «بل مات بأجله» . قال: «والله إني كنت أحب أن ~~أراك فلما رأيتك نبت عيني عنك، وما ومقك قلبي، ولا احلوليت في صدري» ، ~~قالت: «أنت والله قصير القامة، صغير الهامة، ضعيف الدعامة» ، كما قيل: «لأن ~~تسمع بالمعيدي خير من أن تراه» . فأنشأ كثير يقول: # رأت رجلا أودى السفار بجسمه ... فلم يبق إلا منطق وجناجن # قالت: «لله درك ما عرفت إلا بعزة تقصيرا بك» ، قال: والله لقد سار لها ~~شعري، وطار بها ذكري، وقرب من الخلفاء مجلسي، وإنها لكما قلت فيها: # وإن خفيت كانت لعينيك قرة ... وإن تبد يوما لم يعمك عارها # من الخفرات البيض لم تر شقوة ... وفي الحسب المحض الرفيع نجارها # فما روضة بالحزن طيبة الثرى ... يمج الندى جثجاثها وعرارها «1» # بأطيب من فيها إذا جئت طارقا ... وقد أوقدت بالمندل الرطب نارها «2» # قالت: «والله ما سمعت شعرا أضعف من شعرك هذا، والله لو فعل هذا بزنجية ~~طاب ريحها. ms122 ألا قلت كما قال امرؤ القيس: # ألم تر أني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # قال: «فلله در بلادك» ، وخرج وهو يقول: # ألحق أبلج لا تزيغ سبيله ... والحق يعرفه ذوو الألباب # قال: وقال المسيب راوية كثير: انطلق كثير مرة فقال لي: «هل لك في عكرمة ~~بن عبد الرحمن بن هشام» ؟ وهو يومئذ على حنظلة بن عمرو بن تميم، فقلت: ~~«نعم» ، قال: فخرجنا نريده حتى إذا صدرنا عن المدينة، # PageV01P190 # إذا نحن بامرأة على راحلة تسير، فسرت حذاءها، فقالت: «أتروي لكثير شيئا» ~~، قلت: «نعم» . قالت: «أنشدني» ، فأنشدتها من شعره، فقالت: «أين هو» ؟ قلت: ~~«هو ذاك الذي ترين على غير الطريق» ، فقالت بعد أن دنت منه: «قاتل الله زوج ~~عزة حيث يقول: # لعمرك ما رب الرباب كثير ... بفحل ولا آباؤه بفحول # فغضب كثير وسار وتركها، ثم نزل منزلا، فجاءت جارية لها تدعوه، فأبى كثير ~~أن يأتيها فقلت: «ما رأيت مثلك قط! امرأة مثل هذه ترسل إليك، فتأبى عليها» ~~؟ فلم أزل به حتى أتاها، قال: فسفرت عن وجهها، فإذا هي أجمل الناس وأكملهم ~~ظرفا وعقلا، وإذا هي غاضرة أم ولد بشر بن مروان، فصحبناها حتى كنا بزبالة ~~فمالت بنا الطريق، فقالت له: «هل لك أن تأتي الكوفة فأضمن لك على بشر الصلة ~~والجائزة» ؟ فأبى وأمرت له بخسمة آلاف درهم، ولي بألفين، فلما أخذنا الخمسة ~~الآلاف قال: «ما أصنع بعكرمة، وقد أصبت ما ترى» ؟ فذلك قوله حيث يقول: # شجا أظعان غاضرة الغوادي ... بغير مشورة عوضا فؤادي # أغاضر لو رأيت غداة بنتم ... حنو العائدات على وسادي # رثيت لعاشق لم تشكميه ... جوانحه تلذع بالزناد # (الشكيمة: العطية، والزناد: جمع زند وهو عود يقدح منه النار) . # قالالحكم بن صخر الثقفي: حججت فرأيت بأقرة امرأتين لم أر كجمالهما ~~وظرفهما وثيابهما، فلما حججت وصرنا بأقرة، إذا أنا بإحدى الجاريتين قد ~~جاءت، فسألت سؤال منكر، فقلت: «فلانة» ؟ قالت: # «فداك أبي وأمي رأيتك عاما أول شابا سوقة، والعام شيخا ملكا، وفي وقت دون ~~ذلك ما تنكر المرأة صاحبها» . فقلت: «ما ms123 فعلت أختك» ؟ فتنفست الصعداء ~~وقالت: قدم علينا ابن عم لنا فتزوجها، فخرج بها إلى نجد فذاك حيث أقول: # PageV01P191 # إذا ما قفلنا نحو نجد وأهله ... فحسبي من الدنيا القفول إلى نجد # فقلت: «أما أني لو أدركتها لتزوجتها» ، قالت: «فداك أبي وأمي، فما يمنعك ~~من شريكتها في حسنها، وشقيقتها في حسبها، قلت، قول كثير: # إذا وصلتنا خلة كي تزيلنا ... أبينا وقلنا الحاجيية أول # قالت: وكثير بيني وبينك أليس هو الذي يقول: # هل وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف # قال: فتركت جوابها، ولم يمنعني منه إلا العي. # PageV01P192 ### | صفة النساء الحسان # قيل: «أحسن النساء الرقيقة البشرة، النقية اللون، يضرب لونها بالغداة إلى ~~الحمرة، وبالعشي إلى الصفرة» . وقالت العرب: «المرأة الحسناء أرق ما تكون ~~محاسن، صبيحة عرسها، وأيام نفاسها، وفي البطن الثاني من حملها» . وقيل ~~لأعرابي: «أتحسن صفة النساء» ؟ قال: «نعم، إذا عذب ثناياها وسهل خداها، ~~ونهد ثدياها، ونعم ساعداها، والتف فخذاها، وعرض وركاها، وجدل ساقاها، فتلك ~~هم النفس ومناها» . # ووصف أعرابي امرأة فقال: «كان وجهها السقم لمن رآها، والبرء لمن ناجاها» ~~. وذكر أعرابي امرأة فقال: «أرسل الحسن إلى خديها صفائح نور، ورشق السحر عن ~~لحظها بأسهم حداد، ولقد تأملت فوجدت للبدر نورا من بعض نورها» . وذكر ~~أعرابي امرأة قال: «هي شمس تباهي بها شمس سمائها، وليس لي شفيع إليها غيرها ~~في اقتضائها، ولكني كتوم لفيض النفس عند امتلائها» . وذكر أعرابي امرأة ~~فقال: «ما أحسن من حبها نعاسا، ولا أنظر إليها إلا اختلاسا، وكل امريء منها ~~يرى ما أحب» . وذكر أعرابي امرأة فقال: «لها جلد من لؤلؤ رطب مع رائحة ~~المسك الأذفر، في كل عضو منها شمس طالعة» . # ومما جاء في الحسن من الشعر: قال عبد الله بن المعتز: أنشدني أبو سهل ~~إسماعيل بن علي، لأبي الصواعق: # ومريض طرف ليس يصرف طرفه ... نحو المدى إلا رماه بحتفه # ظبي له نظر ضعيف كلما ... قصد القوي أتى عليه بضعفه # PageV01P193 # قد قلت لما مر يخطر مائسا ... والردف يجذب خصره من خلفه # يا من ms124 يسلم خصره من ردفه ... سلم فؤاد محبه من طرفه # فقلت في هذا المعنى وعلى هذا الوزن: # وحياة من جرح الفؤاد بطرفه ... لأحبرن قصائدي في وصفه # قمر به قمر السماء متيم ... كالغصن يعجب نصفه من نصفه # إني عجبت لخصره من ضعفه ... ماذا تحمل من ثقالة ردفه # هذا وما أدري بأية فتنة ... جرح الفؤاد بلطفه أم ظرفه # أم بالدلال أم الجمال أم الضيا ... من وجهه أم بالقفا من خلفه # وأنشد أبو الحسين بن فهم لأبي نواس: # كفاك ما مر على راسي ... من شادن قطع أنفاسي # أكثر ما أبلغ في وصفه ... تحيري من قلبه القاسي # أغار أن أنعت منه الذي ... ينعته الناس من الناس # ولم أر العشاق قبلي رأوا ... بوصف من يهوون من باس # كل أحاديثي نعت له ... منكشف مني لجلاسي # فقلت في المعنى، وهذا الروي، والوزن: # لو عشر ما مر على راسي ... مر بصلد حجر قاسي # لا نصدعت فيه صدوع كما ... صدع قلبي طول وسواسي # يا غصن آس ومحال إذا ... قصرت تشبيهك بالآس # ماذا على طرفك لو أنه ... أعار لحظا منه قرطاسي # ليتك عللت بمطل ولم ... تقطع رجائي منك بالياس # وقال آخر: # وزائرة يحتثها الشوق طارقه ... أتتنا من الفردوس لا شك آبقه # إذا ما تثنت قال للريح قدها ... كذا حركي الأغصان إن كنت صادقه # PageV01P194 # وقال آخر: # قد أقبل البدر في قراطقه ... يسلب بالدل قلب عاشقه «1» # يسطو عليه بسيف مقلته ... لا بالذي شد في مناطقه # وقال آخر: # قل للملاح الحدق ... وللحسان الخلق # هل في فؤادي للقوى ... أو جسدي شيء بقي # إن لم ترووا عطشي ... بخلا فبلوا رمقي # يا مقلة أجفانها ... محشوة بالأرق # بقيت في رق الهوى ... شقية فيمن شقي # وقال آخر: # يا ملاح الدلال والإغتناج ... ما أرى القلب من هواكن ناجي # أنت ذرفت فوق خديك صدغا ... من عبير على صفائح عاج # أشرقت وجنتاك بالنور حتى ... أغنتا الخلق عن ضياء السراج # فعلت مقلتاك بالقلب مني ... فعلة القرمطي بالحجاج # يا هلالا أنست منه بضوء ... جنح ليل من الظلام الداجي # وقال آخر: # نشرت غدائر فرعها لتظلني ms125 ... حذر العيون من العيون الرمق # فكأنها وكأنه وكأنني ... صبحان باتا تحت ليل مطبق # وقال آخر: # يا غزالا وهلالا ... وقضيبا وكثيبا # كم وكم أضمر وجدا ... بك مكتوما عجيبا # PageV01P195 # كيف يرجى برء من قد ... كتم الداء الطبيبا # وقال آخر: # شمس ممثلة في خلق جارية ... كأنما بطنها طي الطوامير # فالجسم من جوهر والشعر من سبج ... والغر من لؤلؤ والوجه من عاج # وقال آخر: # نتيج دلال حار في حسنه الطرف ... ففكرته قبر ومنطقه لطف # بديع جمال زانه العقل والظرف ... سماوي لون لا يحيط به وصف # له ريقة علت بماء قرنفل ... يمازجها التفاح والخمرة الصرف # تجسم في جسم من النور ساطع ... تمكن في دعص ينوء به ردف «1» # على صحن خديه بهار منور ... وورد جني لا يليق به القطف # تكامل فيه الحسن والنور والبها ... كبدر الدجى إذ تم من شهره النصف # براه إلهي لي عذابا وفتنة ... فما عنده عدل ولا عنده عطف # وقال آخر: # لك من قلبي المكان المصون ... كل لوم علي فيك يهون # قدر الله أن أكون شقيا ... بك والصبر عنك ما لا يكون # يا غزالا بلحظه يفتن النا ... س وفي طرفه الردى والمنون # لك صبر وليس لي عنك صبر ... فأنا اليوم هائم محزون # قد خلعت العذار فيك حبيبي ... ما أبالي بما رمتني الظنون # وقال آخر: # يا نظرة جاءت على ياس ... من ساحر المقلة مياس # أطرافه تعقد من لينها ... وقلبه كالحجر القاسي # PageV01P196 # يلومني الناس على حبه ... أعانني الله على الناس # وقال آخر: # يا ويح جسم يذوب من قلقه ... من حب من لم أقف على خلقه # من حب ظبي مهفهف لبق ... يهتز مثل القضيب في ورقه # لم تر عيني ولن ترى أبدا ... أحسن من نحره ومن عنقه # كأنما المسك حين تسحهه ... بماء ورد يفوح من عرقه # أو خمرة في الزجاج صافية ... شيبت بماء السحاب في نسقه # وقال آخر: # أربعة قرحت فؤادي ... فطال وجدي وعيل صبري # مقلة خشف وقد غصن ... وطيب ورد وحسن بدر # نفسي ومالي فداء ظبي ... أذاب جسمي وليس يدري # فمن لصب أسير شوق ... قتيل ms126 صب بسيف هجر # وقال آخر: # وماريح ريحان بمسك وعنبر ... يعل بكافور ودهنة بان # بأطيب من ريا حبيبي لو أنني ... وجدت حبيبي خاليا بمكان # PageV01P197 ### | صفة الزوجة الصالحة # روي أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال: يا رسول الله، إني ~~أريد أن أتزوج، فادع الله أن يرزقني زوجة صالحة، فقال: «لو دعا جبريل ~~وميكائيل وأنا معهما ما تزوجت إلا المرأة التي كتب الله لك فإنه ينادي في ~~السماء ألا إن امرأة فلان بن فلان، فلانة بنت فلانة» . وقال صلى الله عليه ~~وسلم: «عليكم بالإبكار فإنهم أطيب أفواها، وأنتق أرحاما» . وقال عمر رضي ~~الله عنه: «عليكم بالإبكار، واستعيذوا بالله من شرار النساء، وكونوا من ~~خيارهن على حذر» ، قال الشاعر: # لا تنكحن عجوزا إن دعيت لها ... وإن حبيت على تزويجها الذهبا # فإن أتوك وقالوا إنها نصف ... فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا # وقال آخر: # عليك إذا ما كنت لا بد ناكحا ... ذوات الثنايا الغر والأعين النجل # وكل هضيم الكشح خفاقة الحشا ... قطوف الخطا، بلهاء، وافرة العقل # وقال الحارث بن كلدة «1» : «لا تنكحوا من النساء إلا الشابة، ولا تأكلوا ~~من الحيوان إلا الفتى، ولا من الفاكهة إلا النضيج» ، وقال مغيرة بن # PageV01P199 # شعبة: «حصنت تسعا وتسعين امرأة، ما أمسكت واحدة منهن على حب، ولكني ~~أحفظها لمنصبها وولدها، فكنت أسترضيهن بالباه شابا، فلما إن شبت وضعفت عن ~~الحركة استرضيتهن بالعطية» . وقال بعضهم: «لذة المرأة على قدر شهوتها، ~~وغيرتها على قدر لذتها» . # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنه قال: «إنما النساء لعب فإذا ~~تزوج أحدكم فليستحسن» . وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: ~~«تزوجها سمراء ذلفاء عيناء، فإن تركتها فعلى صداقها» ، وقال الحجاج بن ~~يوسف: # «من تزوج قصيرة فلم يجدها على ما يريد فعلى صداقها» . وروي عن علي، صلوات ~~الله عليه، أن رجلا أتاه فقال: «إني تزوجت امرأة مجنونة» ، فقالت المرأة: ~~«يا أمير المؤمنين إنه يأخذني عند الجماع غشية» ، فقال للرجل: «ما أنت لها ~~بأهل» . وفي حديث رسول الله صلى ms127 الله عليه وسلم: # (إياكم وخضراء الدمن) ، وهي المرأة الحسناء في المنبت السوء، وقال بعضهم: ~~«لا تتزوجن حنانة ولا أنانة ولا منانة ولا عشبة الدار، ولا كية القفا. فأما ~~الحنانة، فالتي قد تزوجها رجل من قبل، فهي تحن إليه. # والأنانة، التي تئن من غير علة. والمنانة، التي لها مال تمتن به. وعشبة ~~الدار، الحسناء في أصل السوء. ولا كية القفا، التي إذا قام زوجها من ~~المجلس، قال الناس: فعلت امرأة هذا كذا. # وقال محمد بن علي رضي الله عنهما: «اللهم ارزقني امرأة تسرني إذا نظرت، ~~وتطيعني إذا أمرت، وتحفظني إذا غبت» ، وروي عن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم إنه قال: «إذا خطب أحدكم امرأة، فلا جناح عليه أن ينظر إليها، وإن ~~كانت لا تعلم» . وقال بعض الشعراء في تزويج الشبه: # إذا أردت حرة تبغيها ... كريمة فانظر إلى أخيها # ينبيك عنها وإلى أبيها ... فإن أشباه أبيها فيها # وقال آخر: # إذا كنت مرتادا لنفسك أيما ... لنجلك فانظر من أبوها وخالها # PageV01P200 # فإنهما منها كما هي منهما ... كما النعل إن قيست بنعل مثالها # وقال آخر: # إذا كنت عن عين الصبية باحثا ... فأبصر تر عين الصبي فذلكا # قال خالد بن صفوان «1» لدلال: «أطلب لي امرأة بكرا، أو كبكر، حصانا عند ~~جارها، ما جنة عند زوجها، قد أدبها الغنى، وذللها الفقر، لا ضرعة صغيرة، ~~ولا عجوزا كبيرة، قد عاشت في نعمة، وأدركتها حاجة، لها عاقل وافر، وخلق ~~طاهر، وجمال ظاهر، صلة الجبين، سهلة العرنين، سوداء المقلتين، خدلجة ~~الساقين «2» ، لفاء الفخذين، نبيلة المقعد، كريمة المحتد، رخيمة المنطق، لم ~~يداخلها صلف، ولم يشن وجهها كلف، ريحها أرج، ووجهها بهج، لينة الأطراف، ~~ثقيلة الأرداف، لونها كالرق، وثديها كالحق، أعلاها عسيب، وأسفلها كثيب، لها ~~بطن مخطف، وخصر مرهف، وجيد أتلع، ولب مشبع، تتثنى تثني الخيزران، وتميل ميل ~~السكران، حسنة المآق، في حسن البراق، لا الطول ازرى بها ولا القصر» . # قال الدلال: «استفتح أبواب الجنان، فإنك سوف تراها» . وقال أيضا: «لا ~~تتزوج واحدة فتحيض إذا حاضت، وتنفس إذا نفست، وتعود إذا ms128 عادت، وتمرض إذا ~~مرضت، ولا تتزوج اثنتين فتقع فيما بين الجمرتين، ولا تتزوج ثلاثا فتقع بين ~~أثافي، ولا تتزوج أربعا، فيحقرنك ويهرمنك ويفلسنك» . فقال له رجل: «حرمت ما ~~أحل الله» . فقال: «طمران وكوزان ورغيفان وعبادة الرحمن» . # وعن صالح بن حسان قال: «رأيت امرأة بالمدينة يقال لها «حواء» ، # PageV01P201 # وهي التي علمت نساء المدينة النقع، وهو النخر والحركة والغربلة والرهر، ~~وكانت لها سقيفة تتحدث إليها رجالات قريش، ولم يكن في الدنيا أهل بيت إلا ~~وتأخذ صبيانهم، وتمصهم ثديها، أو ثدي إحدى بناتها، فكان أهل المدينة ~~يسمونها «حواء» . ولم يكن بالمدينة شريف ممن يجلس في سقيفتها إلا واصل ~~إليها في السنة ثلاثين وسقا وأكثر من طعام وتمر، مع الدنانير والدراهم، ~~والخدم والكساء. # فجاءها ذات يوم مصعب بن الزبير، وعمرو بن سعيد بن العاص، وابن لعبد ~~الرحمن ابن أبي بكر، فقالوا لها: «يا خالة قد خطبنا نساء من قريش، ولسنا ~~ننتفع إلا بنظرك إليهن، فأرشدينا بفضل علمك فيهن» ، فقالت لمصعب: «يابن أبي ~~عبد الله ومن خطبت» ؟ قال: «عائشة بنت طلحة» ؛ قالت: «فأنت يابن الصديق» ، ~~قال: «أم القاسم بنت زكرياء بن طلحة» ، قالت: «فأنت يابن أبي أحيحة» ، قال: ~~«زينب بنت عمرو بن عثمان» ، فقالت: «يا جارية علي بمنقلي» - تعني خفيها- ~~فأتتها بهما، فخرجت ومعها خادم لها، فأتت عائشة بنت طلحة، فقالت: «مرحبا بك ~~يا خالة» ، فقالت: «يا بني أنا كنا في مأدبة لقريش، فلم تبق امرأة لها جمال ~~إلا ذكرت وذكر جمالك، فلم أدر كيف أصفك، فتجردي لأنظرك» ، فألقت درعها، ثم ~~مشت، فارتج كل شي منها، ثم أقبلت على مثل ذلك، فقالت: «فداك أبي وأمي، خذي ~~ثوبيك» . وأتتهن جميعا على مثل ذلك، ثم رجعت إلى السقيفة فقالت: «يابن أبي ~~عبد الله، ما رأيت مثل بنت طلحة عائشة قط ممتلئة الترائب، زجاء العينين، ~~هدبة الأشفار، مخطوطة المتنين، ضخمة العجيزة، لفاء الفخذين، مسرولة ~~الساقين، واضحة الثغر، نقية الوجه، فرعاء الشعر، إلا أنني رأيت خلتين هما ~~أعيب ما رأيت فيها: أما احداهما فيروايها الخف وهي عظم القدم، والأخرى ~~يواريها ms129 الخمار وهي عظم الأذن، وأما أنت يابن أحيحة فما تستأنس إليه، وهي ~~ملاحة تعتز بها، وأما أنت يابن الصديق، فو الله ما رأيت مثل أم القاسم، ما ~~شبهتها إلا بخوط بانة بتتثنى، أو خشف يتقلب على رمل، ولم أرها إلا فوق ~~الرجل، وإذا زادت على الرجل المرأة لم تحسن، لا والله، إلا من يملأ ~~المنكبين، فتزوجوهن» . # PageV01P202 # ولو ركبت ما حرم الله لم يكن ... بأقبح عند الله مما استحلت # قال: وكان بالمدينة رجل قد أعطي جودة الرأي، ولم يكن فيها من يريد إبرام ~~أمر إلا شاوره، فأراد رجل من قريش أن يتزوج، فأتاه فقال: «أنا أريد أن أضم ~~إلي أهلا فأشر علي» ، قال: «افعل تحصن دينك، وتصن مؤونتك، وإياك والجمال ~~البارع» ، قال: «ولم نهيتني، وإنما هو نهاية ما يطلب الناس» ؟ قال: «لأنه ~~ما فاق الجمال إلا لحقه قول» ، أما سمعت قول الشاعر: # ولن تصادف مرعى مونقا أبدا ... إلا وجدت به آثار مأكول # قيل: وكانت جارية من بنات الملوك تكره التزويج، فاجتمع عندها نسوة ~~فتذاكرن التزويج، وقلن لها: «ما يمنعك منه» ؟ قالت: «وما فيه من الخير» ؟ ~~قلن: «وهل لذة العيش إلا في التزويج» ؟ قالت: «فلتصف كل واحدة منكن ما ~~عندها فيه من الخير حتى أسمع» ؟ فقالت إحداهن: «زوجي عوني في الشدائد، وهو ~~عائدي دون كل عائد، إن غضبت عطف، وإن مرضت لطف» ، قالت: «نعم الشيء هذا» ، ~~قالت الأخرى: «زوجي لما عناني كاف، ولما أسقمني شاف، عرقه المسك المعراق، ~~وعناق كالخلد، ولا يمل طول العهد» . قالت: «هذا خير منه» ، قالت الأخرى: ~~«زوجي الشعار حين أبرد، وأنيسي حين أفرد» . فتزوجت، فقلن لها: «يا فلانة، ~~كيف رأيت» ؟ قالت: «أنعم النعيم، وسرورا لا يوصف، ولذة ليس منها خلف» . # PageV01P203 ### | أمثال في التزويج # قيل: إن أول من قال: «لا هنك أنقيت، ولا ماءك أبقيت» ، الضب بن أروى ~~الكلاعي، وذاك أنه خرج من أرضه، فلما سار أياما، حار في تلك المفاوز التي ~~تعسفها، وتخلف عن أصحابه، وبقي فردا يعسف فيها ثلاثة أيام، حتى دفع إلى قوم ~~لا يدري من ms130 هم. فنزل عليهم، وحدثهم؛ وكان جميلا، وإن امرأة من أفاضل أولئك، ~~هويته، فأرسلت إليه أن أخطبني، فخطبها، وكانوا لا يزوجون إلا شاعرا أو رجلا ~~يزجر الطير أو يعرف عيون الماء، فسألوه، فلم يحسن شيئا من ذلك، فلم يزوجوه؛ ~~فلما رأت المرأة ذلك، زوجته نفسها على كره من قومها؛ فلبث فيهم ما لبث؛ ثم ~~أن رجلا من العرب أغار عليهم في خيل، فاستأصلهم، فتطيروا بضب، وأخرجوه ~~وامرأته، وهي طامث؛ فانطلقا، واحتمل ضب شيئا من ماء، ومشيا يوم اوليلة إلى ~~الغد، حتى اشتد الحر، وأصابهما عطش شديد، فقالت له: # «ادفع إلي السقاء حتى اغتسل به، فإنا ننتهي إلى الماء، ونستقي. # فاغتسلت بما في السقاء، ولم يقع منها موقعا، وأتيا العين، فوجداها ناضبة، ~~وأدركهما العطش، فقال ضب: «لا هنك أنقيت ولا ماءك أبقيت» ، فذهبت مثلا. ثم ~~استظلا تحت شجرة كبيرة، فأنشأ ضب يقول: # تا لله ما ظلة أصاب بها ... سواد قلبي قارع العطب # ظل كئيب الفؤاد مضطربا ... وتكتسي من غدائر قلب # أن يعرف الماء تحت صم صفا ... أو يخبر الناس منطق الخطب # أخرجني قومها بأن رحى ... دارت بشؤم لهم على قطب # PageV01P205 # فلما سمعت ذلك فرحت وقالت: «قم فارجع إلى قومي فإنك شاعر» فانطلقا راجعين ~~حتى انتهيا إليهم، فاستقبلو هما بالسيف والعصا، فقال لهم ضب: «اسمعوا شعري، ~~ثم إن بدا لكم أن تقتلوني بعد، فافعلوا» ، فتركوه فصار فيهم عزيزا. # وقيل إن أول من قال: «في الصيف ضيعت اللبن» ، قتول بنت عبد، وكانت تحت ~~رجل من قومها، فطلقها وأنها رغبت في أن يراجعها، فأبى عليها، فلما يئست ~~خطبها رجل، يقال له عامر بن شوذب، فتزوجها فلما بنى بها، بدا للزوج الأول ~~مراجعتها، وهوى بها هوى شديدا، فجاء يطلبها ويرنو بنظره إليها، ففطنت به ~~فقالت: # أتركتني حتى إذا ... علقت أبيض كالشطن # أنشأت تطلب وصلنا ... في الصيف ضيعت اللبن # فذهبت مثلا، فقال لها زوجها الأول واسمه الأشق: «فهل بقي شيء» ؟ قالت: ~~«نعم فاصله عن جميع مالك وطلاقي، فإن فصلته، تزوجتك» ، فرضي بذلك؛ ثم راجع ~~نفسه فقال لها ms131 ذلك، فقالت: «أما إذا ضننت بما لك فانطلق إلى مكان إذا أنت ~~تكلمت سمع زوجي كلامي وكلامك، ثم اقعد كأنك لا تشعر به وقل: # لحا الله بنت العبد إن وصالها ... وصال ملول لا تدوم على بعل # تحدثني أن سوف تقتل عامرا ... لأن لم يكن في ما له عامر مثلي # فهيهات تزويج التي تقتل عامرا ... إذا ما أبت يوما وإن كان من أجلي # فتقتلني يوما إذا هويت فتى ... سواي وأني اليوم من وصلها مجلي # فانطلق الأشق ففعل ما أمرته به، فسمعه عامر، فوقع في قلبه قوله، وقد كان ~~عرف حبها له، فصدق ذلك ودخل عليها، فطلقها، وتزوجها الأشق. # وذكروا أن بطنا من قريش اشتدت عليهم السنة، وكان فيهم جارية يقال لها ~~«زينب» ، من أكمل نسائهم جمالا، وأتمهن تماما. وأشرفت فرآها # PageV01P206 # شاب يقال له «عروة» ، فوقعت في قلبه، فجعل يطالعها، ولا يقدر على أكثر من ~~ذلك، فاشتد وجده بها، فلما انقضت السنة، وأرادوا الرجوع إلى منازلهم، دعا ~~بعض جواري الحي، فقال: «يا ابنة الكرام هل لك في يد تتخذين بها عندي شكرا» ~~؟ قالت: «ما أحوجني إلى ذلك» ، قال: # تنطلقين إلى خيمة فلانة كأنك تقتبسين نارا، فإذا أنت جلست فقولي حيث تسمع ~~زينب: # ألا هل لنا قبل التفرق ليلة ... ويوم فتقضي كل نفس مناها # فانطلقت الجارية ففعلت ذلك، فلما سمعت زينب قولها وكانت تفلي رأس زوجها، ~~وكان عنده أخ له، فقالت مجيبة لها: # لعمري لقد طال ال مقامة هاهنا ... لو أن لحب حاجة لقضاها # فسمع أخو الزوج قول الجارية، وجواب زينب، فقال: # ألا يعلم الزوج المفلى بأنها ... رسالة مشغوف الفؤاد رجاها # فانتبه الزوج لأمرهم، وعرف ما أرادت، فقال: # لحى الله من لا يستقيم بوده ... ومن يمنح النفس الطروب هواها # انطلقي يا زينب فأنت طالق. فخرجت من عنده وبعثت إلى عروة فأعلمته، وأقامت ~~حتى انقضت عدتها، ثم تزوجته. # PageV01P207 ### | رأي المرأة بالرجل # ذكروا أن الأخطل «1» كانت عنده امرأة، وكان بها معجبا، قطلقها وتزوج ~~بمطلقة رجل من بني تغلب، وكانت بالتغلبي معجبة، فبينا هي ذات يوم ms132 جالسة مع ~~الأخطل، إذ ذكرت زوجها الأول، فتنفست الصعداء، ثم ذرفت دموعها، فعرف الأخطل ~~ما بها، فذكر امرأته الأولى، وأنشأ يقول: # كلانا على وجد يبيت كأنما ... بجنبيه من مس الفراش قروح # على زوجها الماضي تنوح وزوجها ... على الطلة الأولى كذاك ينوح # قيل: وخاصمت امرأة زوجها إلى زياد فجعلت تعيبه، وتقع فيه، فقال الزوج: ~~«أصلح الله الأمير، إن شر المرأة كبرها، إن المرأة إذا كبرت عقم رحمها، ~~وبذأ لسانها، وساء خلقها، والرجل إذا كبر استحكم رأيه، وقل جهله» . قال: ~~«صدقت» ، وحكم له بها. # وذكروا أن امرأة أتت عبيد الله بن زياد، وكانت ذات شحم وجسم وجمال، ~~مستعدية على زوجها، وكان أسود دميم الخلقة، فقال: «ما بال هذه المرأة ~~تشكوك» ؟ قال: «أصبح الله الأمير سلها عما ترى من جسمها وشحمها أمن طعامي ~~أم من طعام غيري» ؟ قالت: «من طعامك، أفتمن علي بطعام أطعبيه، والكلاب ~~تأكل» ؟ قال: «سلها عن كسوتها من مالي هي أم من مال غيري» ؟ قالت: «من ~~مالك، أفتمن علي بثوب كسوتنيه» ، # PageV01P209 # قال: «وسلها عما في بطنها مني هو أم من غيري» ؟ قالت: «منك ووددت أنه في ~~بطني من كلب» ، قال الرجل: «أصلح الله الأمير فما تريد المرأة إلا أن تطعم ~~وتكسي وتنكح» ، قال: «صدقت فخذ بيدها» . # قال: خرج رجل مع قتيبة بن مسلم إلى خراسان، وخلف امرأة يقال لها هند من ~~أجمل نساء زمانها، فلبث هناك سنين، فاشترى جارية اسمها جمانة، وكان له فرس ~~يسميه الورد فوقعت الجارية منه موقعا، فأنشأ يقول: # ألا لا أبالي اليوم ما فعلت هند ... إذا بقيت عندي الجمانة والورد # شديد مناط القصريين إذا جرى ... وبيضاء مثل الرئم زينها العقد # فهذا لأيام الهياج وهذه ... لحاجة نفسي حين ينصرف الجند # فبلغ ذلك هندا فكتبت إليه: # ألا أقره مني السلام وقل له ... عنينا بفتيان غطارفة مرد # فهذا أمير المؤمنين أميرهم ... سبانا وأغناكم أراذلة الجند # إذا شاء منهم ناشيء مد كفه ... إلى كبد ملساء أو كفل نهد # فلما قرأ كتابها، أتى به إلى قتبية، فأعطاه إياه، فقال له: «أبعدك ms133 الله، ~~هكذا يفعل بالحرة» وأذن له في الانصراف. # قال وسمع عمر بن الخطاب امرأة تنشد وتقول: # فمنهن من تسقى بعذب مبرد ... نقاخ فتلكم عند ذلك قرت # ومنهن من تسقى بأخضر آجن ... أجاج فلولا خشية الله فرت # فأمر بإحضار زوجها، فوجده متغير الفم، فخيره جارية من المغنم أو خمسمائة ~~درهم على طلاقها، فاختار الخمسمائة، فدفعت إليه، وخلى سبيلها. # وحكي عن الفضل بن الربيع أنه كان بمكة، ومعه الفرج الرخجي، وكان الفضل ~~صبيحا ظريفا، والفرج دميما قبيحا، فخرجا إلى الطواف، ثم # PageV01P210 # انصرفا إلى بعض طرقات مكة، وقعدا يتغديان؛ فبينما هما كذلك على طعامهما، ~~إذ وقفت عليهما امرأة جميلة بهية، حسنة شكلة، وعليها برقع، فرفعته عن ~~وجهها، فإذا وجه كالدينار، وذراع كالجمار، فسلمت وقعدت، وجعلت تأكل معهما. ~~قال الفضل: فأعجبني ما رأيت من جمالها وهيئتها، فقلت: «هل لك من بعل» ؟ ~~قالت: «لا» ، قلت: «فهل لك في بعل من أصحاب أمير المؤمنين، حسن الخلق ~~والخلق» ؟ قالت: «وأين هو» ؟ فأشار إلى فرج، فقالت: «جوابك عند فراغنا» ، ~~فلما أكلت قالت للفضل: «تقرأ شيئا من كتاب الله» ؟ قال: «نعم» ، قالت: ~~«أفتؤمن به» ؟ قال: # «نعم» ، قالت: فإن الله يقول: «ومن يكن الشيطان له قرينا فساء قرينا» ، ~~فضحك الفضل، ودخل على الرشيد فأخبره فأمر بإحضارها، فلما نظر إليها، أعجب ~~بها، فتزوجها وحملها إلى مدينة السلام. # قال: وحج إسماعيل بن طريح، فوقفت عليه أعرابية جميلة. قال: # فقال لها: «هل لك أن تزوجيني نفسك» ؟ فقالت من غير توقف: # بكى الحسب الزكي بعين غزيرة ... من الحسب المنقوص أن يجمعا معا # وانصرفت. قال العتبي: كنت كثير التزوج، فمررت بامرأة فأعجبتني فأرسلت ~~إليها: «ألك زوج» ؟ قالت: «لا» ، فصرت إليها، فوصفت لها نفسي، وعرفتها ~~موضعي فقالت: «حسبك قد عرفناك» ، فقلت لها: # «زوجيني نفسك» ، فقالت: «نعم ولكن ههنا شيء تحتمله» ، قلت: # «وما هو» ؟ قالت: «بياض في مفرق رأسي» ، قال: فانصرفت، فصاحت بي: «ارجع» ~~، فرجعت إليها فأسفرت عن رأسها فنظرت إلى وجه حسن، وشعر أسود، فقالت: «إنا ~~كرهنا منك، عافاك الله، ما كرهت منا» وأنشدت: # أرى شيب ms134 الرجال من الغواني ... بموضع شيبهن من الرجال «1» # PageV01P211 # وعن عطاء بن مصعب قال: جاءت امرأة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقالت: ~~«يا أمير المؤمنين لا أنا ولا زوجي» ، فقال لها: «وما لك من زوجك» ؟ قالت: ~~«مر بإحضاره» ، فأحضر، فإذا رجل قذر الثياب قد طال شعر جسده وأنفه ورأسه، ~~فأمر عمر أن يؤخذ من شعره، ويدخل الحمام، ويكسى ثوبين أبيضين، ثم يؤتى به، ~~ففعل ذلك، ودعا المرأة فلما رأت الزوج قالت: «الآن» ، فقال لها عمر: «اتقي ~~الله، وأطيعي زوجك» ، قالت: «افعل يا أمير المؤمنين» . فلما ولت قال عمر: ~~«تصنعوا للنساء فأنهن يحببن منكم ما تحبون منهن» . ويقال: «إن المرأة تحب ~~أربعين سنة، وتقوى على كتمان ذلك، وتبغض يوما واحدا، فيظهر ذلك بوجهها ~~ولسانها، والرجل يبغض أربعين سنة فيقوى على كتمان ذلك، وإن أحب يوما واحدا ~~شهدت جوارحه» . # PageV01P212 ### | نساء الخلفاء # قال علي بن محمد بن سليمان: أبي يقول: كان المنصور شرط لأم موسى الحميرية ~~أن لا يتزوج عليها، ولا يتسرى، وكتبت عليه بذلك كتابا أكدته، وأشهدت عليه ~~بذلك، فبقي مدة عشر سنين في سلطانه يكتب إلى الفقيه بعد الفقيه من أهل ~~الحجاز وأهل العراق، وجهد أن يفتيه واحد منهم في التزويج، وابتياع السراري، ~~فكانت أم موسى إذا علمت مكانه بادرته، وأرسلت إليه بمال، فإذا عرض عليه أبو ~~جعفر الكتب، لم يفته، حتى ماتت بعد عشر سنين من سلطانه ببغداد، فأتته ~~وفاتها وهو بحلوان، فأهديت إليه مائة بكر، وكان المنصور أقطع أم موسى ~~الضيعة المسماة بالرحبة، فوقفتها قبل موتها على المولدات الإناث دون ~~الذكور، فهي وقف عليها إلى هذا الوقت. # حدثنا يحيى بن الحسن عن محمد بن هشام قاضي مكة، قال: كانت الخيزران لرجل ~~من ثقيف، فقالت لمولاها الثقفي: «إني رأيت رؤيا» ، قال: «وما هي» ؟ قالت: ~~«رأيت كأن القمر خرج من قبلي، وكأن الشمس خرجت من دبري» ، قال لها: «لست من ~~جواري مثلي، أنت تلدين خليفتين» . فقدم بها مكة، فباعها في الرقيق فاشتريت، ~~وعرضت على المنصور فقال: «من أين أنت» ؟ قالت: «المولد ms135 مكة والمنشأ بجرش» . # قال: «فلك أحد» ؟ قالت: «ما لي أحد إلا الله، وما ولدت أمي غيري» ، قال: ~~«يا غلام اذهب بها إلى المهدي وقل له: «تصلح للولد» ، فأتى بها المهدي، ~~فوقعت منه كل موقع، فلما ولدت موسى وهرون، قالت: «إن لي أهل بيت بجرش» ، ~~قال: «ومن لك» ؟ قالت: «لي أختان اسمهما # PageV01P213 # أسماء وسلسل، ولي أم وأخوان» ، فكتب فأتى بهم، فتزوج جعفر بن المنصور ~~سلسل، فولدت منه زبيدة، واسمها سكينة، تزوجها الرشيد، وبقيت اسماء بكرا، ~~فقال المهدي للخيزران: «قد ولدت رجلين، وقد بايعت لهما، وما أحب أن تبقى ~~أمة، وأحب أن أعتقك، وتخرجين إلى مكة، وتقدمين فأتزوجك» . قالت: «الصواب ~~رأيت» ، فأعتقها وخرجت إلى مكة، فتزوج المهدي أختها أسماء، ومهرها ألف ألف ~~درهم، فلما أحس بقدوم الخيزران، استقبلها فقالت: «ما خبر أسماء وكم وهبت ~~لها» ؟ قال: «من أسماء» ؟ قالت: «امرأتك» ، قال: «إن كانت اسماء امرأتي فهي ~~طالق» ، فقالت له: «طلقتها حين علمت بقدومي» ، قال: # «أما إذا علمت، فقد مهرتها ألف ألف درهم، ووهبت لها ألف ألف درهم» ، ثم ~~تزوج الخيزران. # قال: كانت نخلة، جارية الحسين الخلال، قبل أن يتولى المتوكل الخلافة، ~~تقعد بين يديه وتغنيه، فولدت للحسين ابنا، فلما ولي المتوكل الخلافة، طرقه ~~ليلا، فقال له الحسين: «زرتنا، جعلت فداك» ، قال: # «اشتهيت أن أسمع غناء نخلة» . فأخرجها إليه مطمومة الشعر، فقال: «يا خلال ~~أليس قد ولدت منك ابنا» ؟ قال: «بلى» ، قال: «فأنا أحب أن تعتقها» . قال: ~~«فإنها حرة» ، قال: «فأشهد إني قد تزوجتها، قومي يا نخلة» . فاشتد ذلك على ~~الحسين، فعوضه منها خمسة عشر ألف دينار، وحول إليه نخلة. قيل: ووصف للمتوكل ~~ابنة لسليمان بن القاسم بن عيسى بن موسى الهادي، وعدة من الهاشميات، فحملن ~~إليه، وعرضن عليه، فاختارها من بينهن، وصرف البواقي، ونزلت منه منزلة حتى ~~ساوى بينها وبين قبيحة في المنزلة؛ وكانت جارية لها لباقة وملاحة، ووصفت له ~~ريطة بنت العباس بن علي، فحملت إليه، فتزوجها ثم سألها أن تطم شعرها، ~~وتتشبه بالمماليك، فأبت عليه، فأعلمها إن لم تفعل فارقها. ms136 فاختارت الفرقة، ~~فطلقها؛ ووصفت له عائشة بنت عمرو بن الفرج الرخجي، فوجه في جوف الليل، ~~والسماء تهطل، إلى عمر أن أحمل إلي عائشة، فسأله أن يصفح عنها، فإنها ~~القيمة بأمره، فأبى، فانصرف عمر وهو يقول: «اللهم قني شر # PageV01P214 # عبدك جعفر» ، ثم حملها بالليل فوطئها، ثم ردها إلى منزل أبيها قال: # «وكان الهادي يشاور من أصحابه عبد العزيز بن موسى، وعيسى بن دأب، ~~والعزيزي، وعبد الله بن مالك، فخرج ذات يوم إليهم وهو مغضب، كأنه جمل هائج، ~~منتفخ الأوداج، منتقع اللون، فأقبل حتى جلس في مجلسه، وكان العزيزي أجرأهم ~~عليه، فقال: «يا أمير المؤمنين، إنا نرى بوجهك ما كدر علينا عيشنا، وبغض ~~الدنيا إلينا، فإن رأى أمير المؤمنين أن يخبرنا بالسبب، فإن كان عندنا حيلة ~~أعلمناه بها، وإن تكن مشورة أشرنا بها، وإن أمكن احتمال الغم عنه وقيناه ~~بأنفسنا، وحملنا الغم عنه» . # قال: فأطرق طويلا، والعزيزي قائم، فقال له: «اجلس يا عزيزي، فإني لم أر ~~كصاحب الدنيا قط أكثر آفات، وأعظم نائبة، ولا أنغص عيشا» ، قال العزيزي: ~~«وما ذاك يا أمير المؤمنين» ؟ قال: «لبابة بنت جعفر بن أبي جعفر قد علمتم ~~موقعها مني، وأثرتها عندي، كلمتني بإدلال فأغلظت، فلم يكن لها عندي احتمال، ~~ولا عندها إقصار، حتى وثبت عليها وضربتها ضربا موجعا» . # قال: وسكت، فقال ابن دأب: يا أمير المؤمنين، إنك والله لم تأت منكرا، ولا ~~بديعا، قد كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤدبون نساءهم، ~~ويضربونهن. هذا الزبير بن العوام، حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن ~~عمته، وثب على امرأته أسماء بنت أبي بكر، وهي أفضل نساء أهل زمانها، فضربها ~~في شيء عتب عليها فيه ضربا مبرحا، حتى كسر يدها، وكان ذلك سبب فراقها، وذلك ~~أنها استغاثت بولدها عبد الله، فجاء يخلصها من أبيه فقال: # «هي طالق إن حلت بيني وبينها» ، ففعل وبانت منه، وهذا كعب بن مالك ~~الأنصاري، عتب على امرأته، وكانت من المهاجرات، فضربها حتى حال بنوها بينه ~~وبينها، فقال: # فلولا بنوها حولها لخبطتها ms137 ... كخبطة فروج ولم أتلعثم # PageV01P215 ### | المطلقات # قيل: كانت أم الحجاج بن يوسف، الفارغة بنت همام بن عروة بن مسعود، وكانت ~~عند المغيرة بن شعبة، فرآها يوم تتخلل بكرة، فقال: # «أنت طالق، والله لئن كان هذا من غذاء يومك لقد شرهت، وإن كان من عشاء ~~أمسك لقد انتنت» . فقالت: «لا يبعد الله غيرك، والله ما هو إلا من السواك، ~~فخلف عليها بعده يوسف أبو الحجاج، فأولدها الحجاج، وفيها أشعار، منها: # أهاجتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الزي الجميل من الأثاث # ظعائن أسلكت نقب المنقى ... تحث إذا ونت أي احتثاث # كأن على الحدائج يوم بانوا ... نعاجا ترتعي بقل البراث» # تؤمل أن تلاقي أهل بصرى ... فيالك من لقاء مستراث # تهيجنا الحمام إذا تداعى ... كما سجع النوائح بالمراثي # وفي زينب أخت الحجاج، يقول النميري: # ولم تر عيني مثل سرب رأيته ... خرجن من التنعيم معتمرات # ولما رأت ركب النميري أعرضت ... وكن من أن يلقينه حذرات # تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات # مرون بفخ ثم رحن عشية ... يلبين للرحمن مؤتجرات # PageV01P217 # دعت نسوة شم العرانين بدنا ... نواعم لا شعثا ولا غبرات # فأدنين لما قمن يحجبن دونها ... حجابا من القسي والحبرات # أجل الذي فوق السموات عرشه ... أوانس بالبطحاء معتجرات # يخبين أطراف البنان من التقى ... ويخرجن بالأسحار معتمرات # قال عوانة عن محمد بن زياد عن شيخ من كندة: خرج الحارث بن سليل الأسدي ~~زائرا لمعلقة بن حفصة الطائي، فلما قدم عليه، بصر بابنة له يقال لها: ~~«الزباء» ، وكانت من أجمل نساء أهل عصرها، فأعجب بها فقال لأبيها: «أتيتك ~~زائرا، وقد ينكح الخاطب، ويكرم الطالب، ويفلح الراغب» فقال: «أنت امرؤ كريم ~~يقبل منك الصفو، ويؤخذ منك العفو، فأقم ننظر في أمرك» ثم انكفأ إلى أهله ~~فقال: «إن الحارث بن سليل سيد قومه منصبا وحسبا وبيتا فلا ينصرفن من عندنا ~~إلا بحاجته، فأريدي ابنتك عن نفسها» فخلت بالزباء فقالت: «يا بنية أي ~~الرجال أحب إليك، الكهل الجحجاح، الفاضل المناح، أم الفتى الوضاح» قالت: ~~«الزمور الطماح» قالت: «يا بنية ms138 إن الشيخ يميرك، ولا يغيرك، وليس الكهل ~~الفاضل الكثير النائل، كالحديث السن، الكثير الظن» قالت: «يا أماه أخشى ~~الشيخ أن يدنس ثيابي، ويشمت بي أترابي، ويبلي شبابي» . # قال: فلم تزل بها أمها حتى غلبتها على رأيها، فتزوجها الحارث بن سليل على ~~خمسين ومائة من الإبل وألف درهم وابتنى بها ثم رحل إلى قومه، فبينما هو ~~جالس ذات يوم، وهي إلى جانبه، إذ أقبل فتية من بني أسد نشاوى يتبخترون، ~~فلما نظرت إليهم تنفست الصعداء، وبكت فقال: «ما شأنك» ؟ قالت: «ما لي ~~وللشيوخ الناهضين كالفروخ» ؟ قال: ثكلتك أمك؛ تجوع الحرة، ولا تأكل ~~بتدييها» فذهبت مثلا. # أما وأبيك، لرب غارة شهدتها، وخيل وزعتها، وسبية أردفتها، وخمرة شربتها. ~~الحقي بأهلك، فأنت طالق. وقال: # تهزأت أن رأتني لابسا كبرا ... وغاية الناس بين الموت والكبر # PageV01P218 # فإن يكن قد علا رأسي وغيره ... صرف الزمان، وتغيير من الشعر # فقد أروح للذات الفتى جذلا ... وقد أصيد بها أعينا من البقر # عني إليك فإني لا توافقني ... غور الكلام، ولا شرب على الكدر # قال: وقال الحجاج لابن القرية: «ما تقول في التزويج» ؟ قال: # «وجدت أسعد الناس في الدنيا، وأقرهم عينا، وأطيبهم عيشا، وأبقاهم سرورا، ~~وأرخاهم بالا، وأشبهم شبابا، من رزقه الله زوجة مسلمة أمينة عفيفة حسنة ~~لطيفة نظيفة مطيعة، إن ائتمنها زوجها وجدها أمينة، وإن قتر عليها وجدها ~~قانعة، وإن غاب عنها كانت له حافظة، تجد زوجها أبدا ناعما، وجارها سالما، ~~ومملوكها آمنا، وصبيها طاهرا، قد ستر حلمها جهلها، وزين دينها عقلها، فتلك ~~كالريحانة والنخلة لمن يجتنيها، وكاللؤلؤة التي لم تثقب، والمسكة التي لم ~~تفتق قوامه صوامة ضاحكة بسامة، إن أيسرت شكرت، وإن أعسرت صبرت، فأفلح وأنجح ~~من رزقه الله مثل هذه، وإنما مثل المرأة السوء كالحمل الثقيل على الشيخ ~~الضعيف، يجره في الأرض جرا، فبعلها مشغول، وجارها مقبول، وصبيها مرذول، ~~وقطها مهزول» . قال: «يا ابن القرية، قم الآن فاخطب لي هند بنت أسماء، ولا ~~تزد على ثلاث كلمات» . # فأتاهم، فقال: «جئت من عند من تعلمون، والأمير يعطيكم ما تسألون، ms139 ~~أفتنكحون أم تدعون» ؟ قالوا: «أنكحنا وغنمنا» . # فرجع إلى الحجاج، فقال: «أصلح الله الأمير، صلاح من رضي عمله، ومد في ~~الخيرات أجله، وبلغ به أمله، جمع الله شملك، وأدام طولك، وأقر عينك، ووقاك ~~حينك، وأعلى كعبك، وذلل صعبك، وحسن حالك على الرفاء والبنين والبنات، ~~والتيسير والبركة، وأسعد السعود وأيمن الجدود، وجعلها الله ودودا ولودا، ~~وجمع بينكما على الخير والبركة، فتزوجها الحجاج، ثم إنه دخل ذات يوم عليها ~~وهي تقول: # وما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تجللها بغل # PageV01P219 # فإن نتجت مهرا كريما فبالحرى ... وإن يك أقراف فما أنجب الفحل # فخرج من عندها مغضبا، ودعا ابن القرية، فدفع إليه مائة ألف درهم وقال: ~~«أدخل إلى هند وطلقها عني، ولا تزد على كلمتين، وادفع إليها المال» ، فحمل ~~ابن القرية المال، ودخل عليها فقال: «إن الأمير يقول: # (كنت فبنت) ، وهذه المائة ألف صداقك» . فقالت: «يابن القرية ما سررت به ~~إذ كان، ولا جزعت عليه إذ بان، وهذا المال بشارة لك لما جئتنا به» ، فكان ~~القول أشد على الحجاج من فراقها» . # وذكروا أن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه كانت عنده عاتكة ~~بنت زيد بن نفيل فأحبها حبا شديدا فأمره أبوها بفراقها وأن يطلقها تطليقة ~~واحدة، ففعل ثم ندم على فعله فقال: # فلم أر مثلي طلق اليوم مثلها ... ولا مثلها في غير جرم تطلق # لها خلق سهل وحسن ومنصب ... وخلق سوي ما يعاب ومنطق # أعاتك قلبي كل يوم وليلة ... إليك بما تخفي القلوب معلق # أعاتك ما أنساك ماذر شارق ... وما لاح نجم في السماء محلق # فسمع أبو بكر ذلك فرق له، وأمره بمراجعتها. # وعن علي بن دعبل قال: «حدثني أبي قال: خرجت ومعي إعرابي ونبطي إلى موضع ~~يقال له بطياثا من أمصار دجلة، متنزهين، فأكلنا وشربنا، فقال الأعرابي: قل ~~بيت شعر فقلت: # نلنا لذيذ العيش في بطياثا # فقال الأعرابي: # لما حثثنا أقدحا ثلاثا # فقال النبطي: # وامرأتي طالق ثلاثا # PageV01P220 # وما زال يبكي حتى الصباح فقلت له: «ما يبكيك» ؟ فقال ذهبت امرأتي بقافية. # قال ms140 إسحاق بن إبراهيم الموصلي: كنت أنا والحسين بن الضحاك يوما عند ~~المعتصم، وحضرت قينة تعرض عليه، فأعجب بها فقال للمدنيين: # «كيف ترونها» ؟ فقال أحدهم: «امرأته طالق أن كان رأى مثلها» ، وقال آخر: ~~«امرأته طالق إن لم..» ، وسكت، فقال المعتصم: «إن لم ... » ، قال «لا شيء» ~~، فضحك وقال له: «ويحك ما دعاك إلى طلاق أهلك بلا سبب» ، فقال: «يا أمير ~~المؤمنين كلنا قد طلق امرأته بلا سبب» . ومما قيل في ذلك من الشعر: # رحلت أمية بالطلاق ... ونجوت من رق الوثاق # بانت فلم يجزع لها ... قلبي ولم تدمع مآقي # لو لم أرح بفراقها ... لأرحت نفسي بالإباق # وخصيت نفسي لا أري ... د حليلة حتى التلاقي # وقال آخر: # رأيت أثاثها فطمعت فيها ... وقد نصبت لعيرك بالأثاث # فطلقها وعد النفس عنها ... سريعا، إن نفسك في التواث «1» # وإلا فالسلام عليك إني ... سآخذ من غد لك في المراثي # PageV01P221 ### | محاسن وفاء النساء # قال الكسروي: كتب بلاش بن فيروز إلى ملك الهند يخطب ابنته، فلم ينعم له، ~~ورد رسوله خائبا، فتجشم، وسار إليه في خيله ورجله، فلما اصطفت الخيلان، ~~دعاه بلاش إلى المبارزة، وقال: «إنه عار على الملوك أن يوردوا جنودهم ~~الهلاك، ويفوزوا بأنفسهم» . فبرز إليه ملك الهند، فاختلفت بينهما ضربتان، ~~فمنعت «بلاشا» حصانه درعه، وضرب بلاش الهندي على عاتقه، فقطع حبله، حتى ~~انتهى السيف إلى ثندؤته، فخر ميتا، وانهزمت خيله، فافتتح بلاش مدينته، وأمر ~~ثقاته، فأحدقوا بقصر ابنة الملك، فلما احتوى على أمواله، بعث إلى ابنة ~~الملك أن تأتيه، فقالت للرسول، وهي تبكي «قل للملك المزين بالحلم، المحبب ~~في رعيته، السعيد بالظفر، إنك قد ملكتني، وصرت ممن يستحق عطفك ورأفتك، فإن ~~رأيت أن تطيب نفسا عن النظر إلي، حتى ترجع إلى دار مملكتك فافعل» . # فانصرف الرسول إلى بلاش، فأخبره فأجابها إلى ما سألت، وسار وحملها حتى ~~قدم دار المملكة، فهيأ لها مقصورة مفردة عن سائر حرمه، فأنزلها فيها، وأمر ~~لها بعتيق الديباج، وفاخر الجوهر، وإسفاط من الذهب، والصلات والجوائز ~~والأثاث، ما لم يأمر لغيرها من نسائه؛ واستأذنها في الدخول ms141 عليها، فأذنت ~~له، فدخل عليها، وأقام عندها سبعة أيام ولياليها عجبا منه بها، لا يحير ~~إليها جوابا، ولا يخف عن صدر مجلسها؛ فخرج من عندها، اليوم الثامن، وقد وقع ~~في قلبه ما أظهرت من خفة مجلسه عليها، ولبثت أشهرا لا يدخل عليها، فقالت ~~يوما لحاضنتها: «ما أعجب أمر الملك! بذل دمه في طلبي، حتى إذا ظفر سلا؟؟؟؟ ~~انطلقى حتى تسألي # PageV01P223 # عن عدة نسائه، وأيهن أكرم عليه، وأتيني بعلم ذلك» . # فانطلقت حتى عرفت ذلك، وانصرفت فقالت: «إني وجدت له أربعمائة امرأة ما ~~بين أمة وحرة، وليس فيهن أكرم عليه من ابنه سائس من سواسه، أعجبته، فتزوج ~~بها» . فقالت: «انطلقي إليها، وأقرئيها مني السلام، وأعلميها أني أريد ~~مؤاخاتها، والانقطاع إليها» . # فانطلقت الحاضنة إلى ابنة السائس، فأبلغتها رسالة مولاتها، فقالت لها: ~~«أقرئيها مني السلام، وأعلميها أني قد أحببتها وأجبتها إلى ما سألت، فتصير ~~إلي» . فانصرفت، فأخبرتها بما قالت؛ فتهيأت بأحسن هيئة، وأقبلت إليها، ~~ودخلت عليها، فرفعت مجلسها وأقبلت عليها، فذكرت حبها لها، ورغبتها في ~~مواصلتها، فردت عليها ابنة السائس أحسن الرد، وأعلمتها سرورها بذلك، ثم ~~تحدثتا ساعة؛ وانصرفت، وجعلت الهندية تأتيها غبا، وتظهر الأنس؛ فلما أنست ~~بها، قالت لها: «إنك قد استلبت قلب الملك، وقهرت جميعنا بفضلك، وليس لواحدة ~~منا نصيب، فأعلمينا الأمر الذي فضلتنا به لنزداد سرورا بما أوتيت، ومحبة ~~لك، والانقطاع إليك» . # قالت: «إني لما عرفت ضعف نسبي، وقلة جمالي، علمت أنه لا يرجع الملك مني ~~إلى شيء أحظى به عنده مثل المؤاتاة في الخلوة، وأن أبسطه إذا هم بالحركة، ~~وأستميل قلبه باللطف وفضل الخدمة. فلما رآني على ذلك مستمرة، ورأى من سائر ~~نسائه أنفة الأكفاء، وزهو الجمال، وخيلاء الملك، وعلمت أني إن أخذت ما ~~أخذته، مع خمول نسبي، وقلة جمالي، ودقة خطري، لا يليق بي مثل الذي يليق ~~بهن، ففضلني على جميع نسائه بذلك» . # فلما سمعت ابنة الملك ذلك، علمت أن قلوب الرجال لا تستمال إلا بالمؤاتاة، ~~وسرعة الإجابة في الباه عند المشغلة؛ فعزمت أن تجعل ذلك عدة لاستعطاف قلب ms142 ~~الملك. فانصرفت إلى قصرها، وقالت لبعض جواريها: # «اذهبي إلى فلانة (تعني ابنة السائس) ، فإن رأيت الملك عندها فأعلميها ~~أني عليلة من وجع عرض لي» . فانطلقت الجارية، فإذا الملك عندها، # PageV01P224 # فأخبرتها بذلك، فرق الملك لها، وذكر غربتها، وقتله أباها، فقال لابنة ~~السائس: «ما ترين في إتيانها» ؟ فقالت: «أيها الملك؟ إنه ليس في نسائك من ~~لها عندي مثل منزلتها فصر إليها، فإنها غريبة قد فارقت أهلها، وهي في موضع ~~رحمة» . # فقام الملك، حتى دخل عليها، وانتهى إلى باب مجلسها، فقامت إليه تمشي ~~بأحسن هيئتها، متكسرة في حليها، وزينتها عبقة بطيبها وعطرها، فقبلت بين ~~عينيه، وأخذت بيده حتى أجلسته في صدر فراشها، وجعلت تقبل يديه ورجليه، ~~ضاحكة إليه، مظهرة السرورو به. فجذبها إلى نفسه ودعاها إلى المضاجعة، ~~فأتته؛ ولم يرد في الخلوة شيئا إلا أجابته إليه؛ فلما قضى حاجته نازعها إلى ~~المحادثة، فقال: «أين ما ذكر رسولك من وجعك» ؟ # قالت: «يا سيدي، كنت متوجعة لفراقك حتى شفاني لقاؤك، وقلت ذلك لما نالني ~~من تباريح الشوق إليك وطول صدودك وسلوتك» . # ثم أخذ معها في المداعبة، وأقام عندها سبعة أيام، فبينما هما يتلاعبان ~~ويتذاكران ويتعانقان، إذ دخلت جارية لابنة السائس، فحيت الملك بتحية ~~الملوك، ثم قالت للهندية: «إن سيدتي (تعني ابنة السائس) تقول: # قد اجتمع فيك ثلاث خصال: الأولى الغدر بمعلمتك، والثانية فضل تطاولك، ~~والثالثة كفران النعمة للمنعم، وإني عن قريب رادتك من الملك إلى غصص الغيظ» ~~. # فأفحمتها، وهملت «1» عيناها، ونظرت إلى الملك كالمستغيثة به فقال لها ~~الملك: «يا حبيبتي؟ ما تنكرين من أمتك؟ قد وهبتها لك وجميع ما تملك» . ~~فتجلي عنها غمها، فقالت لرسولتها: «انطلقي فأعلميها إن الملك قد وهبها وما ~~تملك لي، وقولي لها: أرجعك فحش نفسك إلى لؤم حسبك، وإهمال أدبك. ائتيني، ~~الساعة، بصغار المذلة، ورقة العبودية» . # فلما أبلغتها الرسول ذلك، أقبلت فدخلت عليها فحيت الملك وقامت # PageV01P225 # بين يديه؛ فقالت لها الهندية: «ما كان أعظم زهوك في رسالتك» ؟ قالت: # «يا سيدتي، أتأذنين لي في الكلام» ؟ قالت: «تكلمي» ، قالت: «أيتها ~~السيدة، لست متوجهة ms143 إليك بشيء هو أملك بك من حلمك، ولا أعطف علي من فضلك؛ ~~ولم يظلم من رفع فوقي من هو أفضل مني، وكل فرع يرجع إلى أصله، وكل زهر ينسب ~~إلى سنخه» فقالت: «صدقت، فدعي عنك كلام الأدب، فقد ملكتك على رغم أنفك، ~~وأنا مزوجتك من فلان خادمي، فليس لك فضل عليه» . قالت ابنة السائس: «من ~~اعتاد معالي الأمور، لم تطب نفسه بأسافلها، ومن صاحب العظماء، أبت غريزته ~~الأدنياء؛ وإنما ترقبت عطفك، ورجوت حسن نظرك؛ فأما إذا عزمت على هذا، فقد ~~طاب الموت، وما الذي استبقي منك» ؟ # ثم قالت: «أيها الملك، إن جذل المسرة منك لا يستقر ويقع موقعه إلا بعد ~~المخالفة عندك. فاحترس من هذه الهندية، فإنها لا تؤمن عليك، لأنها ليست من ~~جنسك فيعطفها عليك الرحم، ولا من أهل مملكتك، فتعرف تطولك عليها. وإنما هي ~~شبيهة بموتورة قد قتلت أباها، وهدمت عزها، فاحترس منها، ولا يلهينك موقعها ~~من قلبك، فإنها متى احتالت في قتلك، لم يكن في أيدينا من الظفر إلا قتلها، ~~كما كان من أمر الثعلب وعظيم الطير، فقال الملك: وما كان من حديثهما؟ قالت: ~~يقال إن ثعلبا جاع في ليلة، فرقي شجرة ليأكل منها، فسال الوادي الذي فيه ~~تلك الشجرة بسيل شديد، فاقتلعها والثعلب عليها، ثم رفعها ووضعها، حتى ألقى ~~الثعلب إلى أرض بعيدة من أرضه؛ فأصبح، وقد ألقاه السيل، إلى سفح جبل كثير ~~الأشجار، مثمر الأغصان، وعلى تلك الأشجار جنس من الطير لا يحصى عددا؛ فأقعى ~~إلى شجرة قصيا، مقشعرا، لا يعرف أرضه، ولا يقدر على مؤالفة الدواب. فمر به ~~عظيم الطير، فقال له: «ما أنت» ؟ فقال: «أنا دابة سال بي السيل، فألقاني في ~~جبلكم، وقد أصبحت غريبا» . فقال له عظيم الطير: «فهل لك حرفة» ؟ قال: «نعم. ~~أعرف الثمار إذا بلغت حد بلوغها، وأصنع للطير أكنافا في الأرض، تكن فيها ~~فراخها من الحر والبرد» ، # PageV01P226 # فقال له عظيم الطير: «قد أدركت عندنا بغيتك، فأقم عندنا نواسك، ونعرف حق ~~مجاورتك» . # فأقام الثعلب عند ملك الطير؛ فكان يعرفهم الثمار ms144 المدركة، ويحفر لهن ~~بمخاليبه قبورا في الأرض يفرخن فيها؛ وكان الثعلب، إذا جن عليه الليل، وقرم ~~إلى اللحم، أدخل يده في جحر من تلك الأجحرة، فأخرج طيرا أو فراخا، فأكله ~~ودفن ريشه، وجعلت الطير تتفقد ما كان يأكل واحدا بعد واحد، فقال بعهضا ~~لبعض: «ما فقدنا أفاضلنا إلا منذ صارت هذه الدابة بين أظهرنا، وكانت هذه ~~الطير تطيل الغيبة، وما تدري ما دهاها» . فقال عظيمها: إن هذا حسد منكن ~~لهذه الدابة، فلا تغفلن ما أصبحتن فيه من فضل المطعم، وما فيه فراخكن من ~~هذه الأكفان التي لا يخاف عليها برد فيها ولا حر» ، فقالت الطير: «أنت ~~سيدنا؛ وأبصر بالأمور منا» . قال: «وعلي أن اقطع هذا القول، وأبين حق ذلك ~~من باطله بنفسي» . # فلما أظلم الليل نزل من الشجرة، فدخل بعض تلك الأكفان وأقبل الثعلب على ~~العادة التي أعتادها إلى الكن، فأدخل يده، فقبض على رأس الملك، فقال الملك ~~للثعلب: «لقد نصحتني الطير لو قبلت نصحها» . قال الثعلب: «أنت هو» ؟ قال: ~~«نعم» ، قال: «ما ظننت أن يبلغ حمقك كل هذا» ؟ قال ملك الطير: «دعني أردك ~~في منزلتك بحسب ما رأيت من فضل علمك، ولطيف حيلتك» . قال له الثعلب: «إن ~~أبوي أدباني أن لا أعلق أنيابي بشيء، وأتركه، إذ ليس من جهلك أن لا تتجزأ ~~من الثمار، ومن الأكفان، بما كان آباؤك يكتفون به؛ ولم ترض حتى اختبرت أمري ~~بنفسك، ولم تجعل التغرير في ذلك بغيرك» . ثم أكله، ودفن ريشه، وفقدت الطير ~~عظيمها، فاستوحشت، وضربت وضربت الثعلب ضربا بمخاليبها ومناقيرها حتى قتلته، ~~ولم يصلن في عظيم خطر ملكهن إلى أكثر من قتل الثعلب» . # فاحترس من هذه الهندية. # قالت الهندية: «إنما تقرعين المرأة بأربعة رجال: بأبيها وأخيها وولدها ~~وبعلها، وأفضل النساء المختارة بعلها على جميع أهلها، والمؤثرة له على # PageV01P227 # نفسها، فكيف بمن ذهب أبوها وأخوها، فبقي بعلها؟ أفتحب أن تهلكه؟ # على أن مثلك، في رداءة همتك، وخبث نيتك، مثل الغراب والحمامة. # قال الملك: وما كان من حديثهما؟ قالت: «زعموا أن غرابا ألف مطبخا ms145 لبعض ~~الملوك، فأخذ من أطيب اللحمان التي قد صارت فيه شيئا، فظنوا أن الغراب أخذه ~~لقلة وفائه، ولؤم جوهره، فطردوه عن مطبخهم، وقالوا: ما نرجو من هذا الغراب، ~~وهو من الطيور التي تعاف، ويتطير منها؟؟ فأفشى ذلك الغراب أمره إلى حمامة ~~قد كان بينهما معرفة، وفزع إلى رأيها، وأخبرها ما كان فيه من نعيم المأكل ~~والمشرب. فقالت له الحمامة: # انطلق بي حتى تريني هذا المطبخ. فانطلق حتى أتى سطح المطبخ، فقالت ~~الحمامة: إني أرى هذا البيت ليس فيه موضع مدخل، فاحفر لي بمنقارك قدر ما ~~أدخل، فإن منقاري يضعف عن ذلك. فحفر الغراب في سقف البيت بمنقاره، فجعل لها ~~خازن المطبخ موضعا تأوي إليه، فلبثت في ذلك البيت قريرة عين، فنادها ~~الغراب: «ما هكذا قدرت فيك» . فقالت الحمامة: «لو وفيت لك، حل بي غدرك، وإن ~~القوم عرفوا وفائي، وحسن جواري، وعرفوا غدرك، وقلة وفائك، ونكث عهدك» . # فهذا مثلي ومثلك، يا ابنة السائس! إني لو وفيت لك، أرداني غدرك، وقتلني ~~مكرك» ! قالت ابنة السائس: «أيتها السيدة! إن الذي سمعت مني، كان لشدة ~~الأنفة، فأردت أن أنفي عن نفسي الذي أردت من إنكاحي خادمك فلانا» . # قالت الهندية: «لا بد من ذلك» . فقالت ابنة السائس: «من اعتاد معالي ~~الأمور، لم تطب نفسه بأسافلها، الآن استعذبت الموت» ، فعمدت إلى سم كان ~~معها، فقذفته في فيها، فخرت ميتة، ووفت الهندية لزوجها، فأفلحا. # ومنهن «شيرين» ، امرأة أبرويز، فإن شيرويه بن أبرويز، لما قتل أباه، ~~وتوطد له الملك، بعث إلى شيرين يدعوها إلى نفسه، فامتنعت عليه، # PageV01P228 # وأبت أن تجيبه إلى ذلك، فغصبها ضياعها، وعقارها، وذخائرها، وأموالها، مع ~~ما رماها به، فبعثت إليه، وقالت: «آيها الرجل! إن لم يكن مما سألت بد، فاقض ~~لي ثلاث حوائج حتى أتابعك على ما تريد» . فقال: # «وما هذه الحوائج» ؟ قالت: «إحداها أن ترد علي ضياعي وأموالي، والثانية ~~أن تصعد منبرك بمحضر من مرازبتك، وأساورتك، وعظماء أهل مملكتك، وتتبرأ مما ~~قذفتني به، والثالثة أن أباك أودعني وديعة، فتأمر أن يفتح لي باب الناووس ms146 ### | ............... ### | ............. # لها ومعها خاتم، وفيه سم ساعة، فنثرته في فيها، وعانقت قبر زوجها، فماتت. # PageV01P229 ### | غدر النساء # وضده، قيل: كان لكسرى أبرويز خال يقال له «بسطام» ، فخاف من كسرى، وجمع ~~جمعا كثيرا، وواقع أبرويز. فلما أعيت أبرويز الحيلة فيه، دعا بكردي، أخي ~~بهرام جور، (ويقال أن كرديا كان غلاما له، رباه، وبلغ منه مبلغ الرجال، ~~وكان من خاصته، والناصحين له) ، فقال له: «قد ترى ما نزل بنا من هذا العدو ~~بسطام، وقد رأيت رأيا، إن طابقتني عليه، رجوت الظفر» . قال كردي: «وما ذاك، ~~أيها الملك؟ أخبرني، فما شيء يزيدك الله به عز، ويزيد أعداءك به ذلا، إلا ~~بادرت إليه بنصح وصدق، لعظيم حقك، ووجوب طاعتك» . # قال له كسرى: «قد عرفت حال كردية، أختك، امرأة بسطام، وجراءة قلبها، ~~وبسطام يأوي إليها كل ليلة، إذا انصرف عن الحرب، وأنا جاعل لها عهد الله، ~~وميثاقه، وذمة أنبيائه، إن هي أراحتني من بسطام، واحتالت لي في قتله، أن ~~أتزوجها، وأجعلها سيدة نسائي، وأبلغ في إكرامها والسمو بها، أفضل ما بلغ ~~ملك بإمرأته» . # قال كردي: «يأيها الملك! ما أشك في قدرتها عليه، فاكتب إليها بخطك بما ~~رأيت لأوجهه في الكتاب إليها، مع امرأتي «أرجية» ، فإن لها عقلا ورفقا ~~وبصيرة» . # فكتب كسرى بخطه: «بسم الله الرحمن الرحيم «1» . هذا كتاب لكردية # PageV01P231 # بنت بهرام جستاسب، كتبه لها كسرى أبرويز بن هرمز، إن لك عندي عهد الله، ~~وذمته، وذمة أنبيائه ورسله، إن أنت قتلت بسطام، وأرحتني منه، أن أتزوج بك، ~~وأجعلك سيدة نسائي، وأبلغ من كرامتك ما لا يبلغ ملك من الملوك لأحد، وأشهد ~~الله على ذلك، وكفى بالله شهيدا» . # وكتب كسرى بخطه، وختمه بخاتمه يوم كذا من شهر كذا. فسارت «أرجية» ، حتى ~~دخلت عسكر بسطام كهيئة الزائرة لكردية بالنظر إليها، وكان بينهما قرابة، ~~فلما جلست وسكنت، دفعت إليها كتاب كسرى، وقالت لها: # «يا ابنة العم، أجيبي الملك إلى ما سألك، واغنمي بذلك الرجوع إلى وطنك» . ~~فرغبت لشدة شوقها إلى أهلها، فأجابتها إلى ذلك. # وانصرفت أرجية إلى عسكر كسرى، وعرفت زوجها ms147 ما كان بينها وبين كردية، فمضى ~~كردي إلى كسرى فأعلمه. # ثم أن بسطام دخل على كردية، فأتته بعشاء، فتناول منه، ثم أتته بشراب ~~فسقته، وجعلت تحدثه، وتظهر له المحبة، حيت مضى ثلث الليل؛ فنام بسطام، فلما ~~استثقل نوما، قامت إليه كردية بسيفها، فوضعته على ثندوءته، ثم اتكأت ~~فأخرجته من ظهره فمات؛ وعمدت من ساعتها إلى دوابها، فحملت حشمها وأثقالها ~~على البغال، وخرجت نحو عسكر كسرى؛ وقد كانت وجهت مع «أرجية» إلى أخيها أن ~~يجلس لها على الطريق، فلما وافته، سار معها حتى أدخلها على كسرى، ففرح بذلك ~~فرحا شديدا. # فلما أصبح أصحاب بسطام، ورأوه قتيلا، ولوا هاربين على وجوههم؛ فانصرف ~~كسرى إلى المدائن، فاتخذ لكردية تاجا مكللا بالدرر وصنوف الجوهر، وأعد لها ~~وليمة عظيمة دعا فيها جنوده، فطعموا وشربوا، ثم دعا كرديا أخاها، فزوجه ~~إياها، ومهرها، وأعطاها خاتما، فصه من الكبريت الأحمر، يضيء في الليلة ~~الظلماء كما يضيء السراج. # فلما دخل بها كسرى، ونظر إلى جمالها وعقلها، سر بها، وأعطاها الأموال، ~~وأقطعها الضياع، وأكرم أخاها كرديا، وولاه أرض فارس، وبلغ # PageV01P232 # بها من رفعه إياها، وتشريفه لها، ما لم تبلغه امرأة قبلها ولا بعدها. # ثم إن كردية قالت لكسرى: «يا سيدي، أخرج بنا إلى الميدان لألعب، بين ~~يديك، بالكرة والصولجان» . فخرج معها إلى الميدان، وخرجت امرأته شيرين، ~~وخواص نسائه، ودعا بخيل، فأسرجت، وركبت وركب هو، وجعلت تلاعبه بالصوالج، ~~وتناولت السيف، وركضت في الميدان، ولعبت بالسيف لعبا معجبا، ثم أخذت الرمح ~~فلعبت به. فقالت شيرين: «أيها الملك! ما يؤمنك من هذه الشيطانة» ؟ قال: ~~«هيهات! إنها أعرف بحقنا، وأشد حبا لنا من أن نخافها على أنفسنا» . # فلما نزلت، قال كسرى: «لنا في كل ربع من أرباع مملكتنا قائد في اثني ألف ~~رجل؛ وفي قصري أثنا عشرة آلاف امرأة، وقد جعلتك قائدا عليهن» . قالت: «يا ~~سيدي، ما للنساء والفروسية؛ وإنما علينا أن نتزين لك، ونتطيب ونسرك ~~بأنفسنا؛ وأردت، بما كان مني، سرورك وتسليه همومك» . فأمر كسرى بحمل طعامه ~~وشرابه إلى منزلها، وبقي عندها أسبوعا، ms148 لم يخرج إلى الناس، ولم يأذن لأحد ~~بالدخول عليه، ثم خرج من عندها إلى منزل شيرين، فأتاه صياد بسمكة عظيمة، ~~فأعجب بها، وأمر له بأربعة آلاف درهم. فقالت له شرين: «أمرت لصياد بأربعة ~~آلاف درهم، فإن أمرت بها لرجل من الوجوه» ، قال: «إنما أمر لي بمثل ما أمر ~~للصياد» . # فقال: «كيف أصنع، وقد أمرت له» ؟ قالت: «إذا أتاك، فقل له: # أخبرني عن السمكة، أذكر هي أم أنثى؟ فإن قال: «أنثى» ، فقل: لا تقع عيني ~~عليك حتى تأتيني بالذكر. وإن قال: «ذكر» ، فقل مثل ذلك. # فلما غدا الصياد على الملك، قال له: «أخبرني عن السمكة، أذكر هي أم أنثى» ~~؟ قال: «بل أنثى» . قال: فاتني بذكرها» فقال: عمر الله الملك؟ إنها كانت ~~بكرا لم تتزوج بعد» . قال الملك: «زه، زه» وأمر بأربعة آلاف درهم؛ وأمر أن ~~يكتب في يكتب في ديوان الحكمة: «إن الغدر ومطاوعة النساء يورثان الغرم» . # وقال: وكان الموبذان إذا دخل على كسرى، قال: «عشت، أيها # PageV01P233 # الملك، بسعادة الجد، ورزقت على أعدائك الظفر، وأعطيت الخير، وجنبت طاعة ~~النساء» . فغاظ ذلك شيرين، وكانت أجمل نساء عصرها، وأتمهن عقلا، فقالت ~~لكسرى: «أيها الملك! إن هذا الموبذان قد طعن في السن، ولست مستغنيا عن رأيه ~~ومشورته. وقد رأيت لحاجتك إليه أن أهب له «مسكدانة» ، جاريتي؛ وقد عرفت ~~عقلها وجمالها، فإن رأيت أن تسأله قبولها، فافعل» . # فكلم كسرى الموبذان في ذلك، فهش للجارية لمعرفته بجمالها وفضلها، فقال: ~~«قد قبلتها أيها الملك، لا يثارها إياي بأفضل جواريها» . # فقالت شيرين لمسكدانة: «إني أريد أن تأتي هذا الشيخ، فتبدي له محاسنك، ~~وتجيدي خدمته، فإذا هش لمضاجعتك، فامتنعي عليه حتى توكفيه وتركبيه، ~~وتعلميني الوقت الذي يتهيأ لك ذلك حتى لا يعود أن يزيد في تحية الملك: ~~«ووقيت طاعة النساء» فقالت مسكدانة: «أفعل يا سيدتي» . # ثم انطلقت إلى الشيخ، فصارت عنده في داره التي يحتلها من قصر الملك؛ ~~فجعلت تخدمه، وتبره، وتظهر له الكرامة، وهي مع ذلك تبرز له محاسنها، وتشف ~~له عن صدرها ونحرها، وتبدي له ساقيها وفخذيها، ms149 فارتاح الموبذان إليها، وشرح ~~صدره لمضاجعتها، فجععلت تمتنع عليه، فيزداد في ذلك حرصا. فلما ألح عليها، ~~قالت له: «أيها القاضي! ما أنا بمجيبتك إلى ما سألت، حتى أو كفك وأركبك؛ ~~فإن أجبتني إلى ذلك، صرت طوع يدك فيما تريد وتدعو إليه من مسرتك» . # فامتنع عليها أياما، وبقيت تتزين له بزينتها، وتكشف له عن محاسنها، حتى ~~عيل صبره، فقال لها: «أفعلي ما أجببت» . فهيأت له برذعة صغيرة، وإكافا ~~صغيرا، وحزاما وثفرا، وأقامته عريانا على أربع، ووضعت على ظهره البرذعة، ~~والأكاف، وجعلت الثفر تحت خصيتيه، وهي قائمة، وركبته وهي تقول: «خر خر» . # وأرسلت إلى سيدتها شيرين تعلمها بذلك، فقالت شيرين للملك: # PageV01P234 # «أصعد بنا إلى ظهر بيت الموبذان، للننظر من الروزنة ما يكون بينه وبين ~~الجارية» . فصعدا. ونظرا، فإذا هي قد ركبته فوق الأكاف، فناداه كسرى: # «ويحك! أي شيء هذا» ؟ فرفع الموبذان رأسه، ونظر إلى الروزنة، ورأى الملك ~~فقال: «هو ما كنت أقول لك في اجتناب طاعة النساء» . فضحك كسرى وقال: «قبحك ~~الله من شيخ، وقبح مستشيرك بعد هذا» . # PageV01P235 ### | حديث الزباء # ومنهن الزباء «1» ، واسمها هند، وملكت الشام بعد عمها المنصور، وكان ~~جذيمة الأبرش قتل عمها، فبعث إليها جذيمة يخطبها، فأظهرت البشر والسرور ~~لرسوله، وكتبت إليه بالقدوم عليها لتزوجه نفسها، فاستشار نصحاءه، فقالوا: ~~«أيها الملك، إن تزوجت بها، جمعت ملك الشام، وملك الجزيرة إلى ملكك» . ~~فاستخلف ابن أخيه عمرو بن عدي، وسار في ألف فارس من خاصته؛ فلما انتهى إلى ~~مكان يسمى «بقة» ، وهو حد مملكتها ومملكته، نزل في ذلك المكان، واستشار ~~أصحابه أيضا في المصير إليها بالانصراف، فزينوا له الإلمام بها وقالوا: ~~«إنك، إن انصرفت من ههنا، أنزله الناس منك على جبن ووهن» . # فدنا منه مولى يقال له قصير بن سعد، فقال له: «أيها الملك، لا تقبل مشورة ~~هؤلاء؛ وانصرف إلى مملكتك حتى يتبين لك أمرها، فإنها امرأة موتورة، ومن شأن ~~النساء الغدر» . # فلم يحفل بقوله، ومضى حتى اقتحم مملكتها، فقال قصير: «ببقة صرم الأمر» ، ~~ثم أرسلها مثلا. فلما بلغ المرأة قدومه عليها، ms150 أمرت جنودها، فاستقبلوا ~~الملك؛ فقال قصير: «أيها الملك! إني رأيت جنودها لم يترجلوا لك، كما يترجل ~~للملوك، ولست آمن عليك، فاركب # PageV01P237 # «العصا» ، وانج بنفسك» (والعصا كانت فرسا لجذيمة، لا يشق غبارها) ؛ فلم ~~يعبأ جذيمة بقوله؛ وسار حتى دخل المدينة، وأمرت هند الزباء بأصحابه أن ~~ينزلوا فأنزلوا، وأخذت منهم أسلحتهم ودوابهم؛ وأذنت لجذيمة، فدخل عليها، ~~وهي في قصر لها، ولم يكن معها في قصرها إلا الجواري، فأومأت إليهن أن ~~يأخذنه؛ واجتمعن عليه ليكتفنه، فامتنع عليهن، فلم يزلن يضربنه بالأعمدة حتى ~~أثخنه وكتفنه. ثم دعت بنطع، فأجلسته فيه، وكشفت عن عورتها؛ فنظر جذيمة، ~~فإذا لها شعرة وافية. فقالت: «كيف ترى عروسك؟ # أشوار عروس أم ما ترى؟ «أرى بظرا ناتئا، ونبتا فاشيا، ولا أعلم ما وراء ~~ذلك» ؟ قالت: «أما إنه ليس من عدم المواسي أو لقلة الأواسي، ولكنه شمة من ~~أناسي» . # ثم أمرت به، فقطعت عروقه، فجعلت دماؤه تشخب في النطع، فقالت: «لا يحزنك ~~ما ترى. فإنه دم هراقه أهله» ، فأرسلتها مثلا. # واحتال «قصير» للعصا حتى وصل إليها وركبها، ثم دفعها، فجعلت تهوي به ~~كأنها الريح. وكان المكان الذي قصد فيه جذيمة مشرفا على الطريق، فنظر جذيمة ~~إليه وقد دفع الفرس، فقال: «لله حزم على رأس العصا» ، فلم تزل دماؤه تشخب ~~حت مات. ثم أمرت بأصحابه، فقتلوا بأجمعهم. # وكان عمرو بن عدي يركب كل يوم من الحيرة، فياتي طريق الشام، يتجسس عن ~~خبره وحاله، فلم يبلغه أحد خبره. فبينا هو ذات يوم في ذلك، إذ نظر إلى فرس ~~مقبل على الطريق، فلما دنا منه، عرف الفرس، وقال: # «يا خير ما جاءت به العصا» ، فذهبت مثلا. فلما دنا منه قصير، قال له: «ما ~~وراءك» ؟ قال: «قتل خالك وجنوده جميعا، فاطلب بثأرك» . قال: # «وكيف لي بها، وهي أمنع من عقاب الجو» ؟ فذهبت مثلا. ثم إن قصيرا أمر ~~بأنف نفسه فجدع، ثم ركب وسار نحو الزباء، فاستأذن علهيا، فقيل لها: «إن ~~مولى لجذيمة وقرهمانه وأكرم الناس عليه قد أتاك مجدوعا» . # فأذنت له، فدخل عليها. # PageV01P238 # قالت: «من ms151 صنع بك هذا» ؟ قال: «أيتها الملكة! هذا فعل عمرو بن عدي، ~~اتهمني وتجنى علي الذنوب، وزعم إني أشرت على خاله بالمصير إليك، حتى فعل بي ~~ما ترين، ولم آمنه أن يقتلني، فخرجت هاربا إليك، وقد أتيتك لأكون معك، وفي ~~خدمتك؛ ولي جداء وعندي غناء» . # قالت: «نعم أقم، فعندي لك ما تحب» ، وولته نفقتها، فخف لها، ورأت منه ~~الرشاقة، فيما أسندته إليه، فأقام عندها حولا، ثم قال لها: # «أيتها الملكة! إنه لي بالعراق مالا كثيرا، فإذا أذنت لي في الخروج ~~لحمله، فافعلي» . فدفعت إليه مالا كثيرا، وأمرته أن يشتري له ثيابا من الخز ~~والوشي ولآليء وياقوتا ومسكا وعنبرا وألنجوجا. فانطلق حتى أتى عمرا فأخبره، ~~فأخذ منه ضعفي مالها، وانصرف نحوها، فاسترخصت ما جاء به، وردته الثانية ~~والثالثة، فكان يأخذ في كل مرة مثل أضعاف مالها، فيشتري لها جميع ما تريد، ~~فتسترخصه. # ووقع قصير بقلبها، فاستخلفته، ثم بعثته في الدفعة الرابعة بمال عظيم، ~~وأمرته أن يشتري أثاثا ومتاعا وفرشا وآنية، فانطلق إلى عمرو، فقال: «قد ~~قضيت ما علي، وبقي ما عليك» ، فقال: «وما الذي تريد» ؟ قال «أخرج معي في ~~ألفي فارس من خدمك، وكونوا في أجواف الجواليق، على كل بعير رجلان» . فانتخب ~~عمرو ألفي فارس من أصحابه، فخرج، وخرجوا معه في الجواليق، كل رجل بسيف، ~~وكان يسير النهار، فإذا أمسى الليل، فتح الجواليق ليخرجوا ويطعموا ويشربوا ~~ويقضوا حوائجهم، حتى إذا كان بينه وبين مدينتها مقدار ميل، تقدم «قصير» حتى ~~دخل عليها، وقال: «أيتها الملكة! اصعدي على القصر لتنظري ما أتيتك به» ، ~~فصعدت فنظرت إلى ثقل الأحمال على الجمال، فقالت: # ما للجمال مشيها وئيدا ... أجندلا يحملن أم حديدا # أم صرفانا باردا شديدا «1» # PageV01P239 # فأجابها قصير سرا: # «بل الرجال جثما قعودا» # فقال: «لما عليها من المتاع الثقيل النفيس» . فأمرت بالأحمال، فأدخلت ~~قصرها، وكان وقت المساء، فقالت: «إذا كان غدا نظرنا إلى ما أتيتنا به» . # فلما جن عليهم الليل، فتحوا الجواليق، وخرجوا، فقتلوا جميع من في القصر. ~~وكان لها سرب قد أعدته للفزع والهرب، إن حل ms152 بها روع، تخرج إلى الصحراء؛ وقد ~~كان قصير عرف ذلك المكان، ووصفه لعمرو، فبادر عمرو إلى السرب، فاستقبلته ~~الزباء، فولت هاربة نحو السرب، فاستقبلها بالسيف، فمصت فصها، وكان مسموما، ~~وقالت: «بيدي لا بيدك يا عمرو، ولا بيدي العبد» ، فقال عمرو: «يده ويدي ~~سواء، وفي كليهما شفاء» ، وضربها بسيفه حتى قتلها؛ وأقبل قصير حتى وقف ~~عليها، فجعل يدخل سيفه في فرجها ويقول: # ولو رأوني وسيفي يوم أدخله ... في جوف زباء ماتوا كلهم فرحا # وغنم عمرو وأصحابه من مدينتها أموالا جليلة، وانصرفوا إلى الحيرة، فكان ~~الملك، بعد خاله جذيمة، وعمرو هذا هو جد النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي. # ومنهن صاحبة الجعد بن الحسين أبي صخر بن الجعد، وكان جعد قد طعن في السن، ~~وكان يكنى أبا الصموت، وكانت له وليدة سوداء، فقالت: «يا أبا الصموت! زعم ~~بنوك أن يقتلوني إذا أنت مت» ، قال: «ولم ذاك» ؟ قالت: «ما لي إليهم ذنب ~~غير حبك، فأعتقني» ، فأعتقها، فبقيت يسيرا، ثم قالت: «يا أبا الصموت! هذا ~~عرابة من أهل عدن يخطبني» ! قال: «ما كان هذا ظني بك» ، قالت: «إنما أريد ~~ما له لك» ، فقال: «ائتيني به» ، فجاءت به، فزوجها منه، فولدت منه، وقربته ~~من مال جعد، وكانت تأتي الجعد، فتخضب رأسه، ثم قطعته، فقال الجعد: # PageV01P240 # أبلغ لديك بني عمر مغلغلة ... عوفا وعمرا، فما قولي بمردود # بأن بيتي أمسى فوق داهية ... سوداء قد وعدتني شر موعود # تعطى عرابة بالكفين مختضبا ... من الخلوق، وتعطيني على العود # أمسى عرابة ذا مال وذا ولد ... من مال جعد، وجعد غير محمود # ومنهن امرأة مروان بن الحكم، وكانت أم خالد بن يزيد بن معاوية، وهي ابنة ~~هشام بن عتبة، فأراد مروان الخروج إلى مصر، فقال لخالد: # «أعرني سلاحك» ، فأعاره، فلما رجع، قال له خالد: «رد علي سلاحي» ، فأبى ~~عليه. وكان مروان فحاشا، فقال له: «يابن الربوخ الرطبة» ، فجاء خالد إلى ~~أمه، فقال: «هذا ما صنعت بي. سبني على رؤوس الملأ، وقال لي كيت وكيت، قالت: ~~«اسكت، فإني أكفيك أمره» . فجاء ms153 مروان، فرقد عندها، فأمرت جواريها، فطرحن ~~عليه الشوادكين (يعني الملاحف) ، ثم غططنه حتى قتلنه، وخرجن يصحن: # «وا أمير المؤمنيناه» !! فدعا عبد الله بامرأة أبيه ليقتلها، فقالت: «إن ~~الذي يبقى عليك من العار أعظم من قتل أبيك» ؛ قال: «وما ذاك» ؟ قالت: # «يقول الناس: إن أباك قتلته امرأة» فأمسك عنها. # PageV01P241 ### | محاسن مكر النساء # ذكروا أن الحجاج بن يوسف أرق، ذات ليلة، فبعث إلى ابن القرية، فقال: ~~(أرقت، فحدثني حديثا يقصر على طول ليلي، ولكن من مكر النساء وفعالهن) . ~~فقال: أصلح الله الأمير! ذكروا أن رجلا يقال له عمرو بن عامر من أهل ~~البصرة، كان معروفا بالنسك والسخاء. وكانت له زوجة يقال لها جميلة، وله ~~صديق من النساك. فاستودعه عمرو ألف دينار، وقال: إن حدثت بي حادثة، ورأيت ~~أهلي محتاجين، فأعطهم هذا المال. فعاش ما عاش، ثم دعي فأجاب، فمكثت جميلة ~~بعده حينا، ثم ساءت حالها، وأمرت خادمتها يوما ببيع خاتمها لغداء يوم أو ~~عشاء ليلة. فبينا الخادمة تعرض الخاتم على البيع، إذ لقيها الناسك صديق ~~عمرو، فقال: فلانة؟ قالت: # نعم. قال حاجتك؟ فأخبرته بسوء الحال، وما اضطرت إليه مولاتها من بيع ~~خاتمها، فهملت عيناه دموعا، ثم قال إن لعمرو قبلي ألف دينار، فأعلمي بذلك ~~صاحبتك. فأقبلت الجارية ضاحكة مستبشرة، وهي تقول: رزق حلال عاجل من كد ~~مولاي الكريم الفاضل. فلما سمعت مولاتها ذلك، سألتها عن القصة، فأخبرتها، ~~فخرت ساجدة، وحمدت ربها، وبعثت بالجارية إلى الناسك، فأقبل الناسك ومعه ~~المال، فلما دخل الدار، كره أن يدفع المال إلى أحد سواها؛ فخرجت، فلما نظر ~~إلى جمالها وكمالها، أخذت مجامع قلبه، وفارقه النهى، وذهب عنه الحياء، ~~وأنشأ يقول: # قد سلبت الجسم والقلب معا ... وبريت العظم مما تلحظين # PageV01P243 # فارددي قلب عميد واقبلي ... صلة الضعفين مما ترتجين «1» # فأطرقت جميلة لقوله طويلا، ثم قالت: ويحك، ألست المعروف بالنسك المنسوب ~~إلى الورع؟ قال: بلى. ولكن نور وجهك سل جسمي، فتداركيني بكلمة تقيمين بها ~~أودي. فهذا مقام اللائذ بك! قالت: أيها المرائي المخادع! أخرج عني مذموما ~~مدحورا. فخرج عنها، وقد ms154 هام قلبه، وأضحت جميلة تعمل الحيلة في استخراج ~~حقها، فأتت الملك ترفع إليه ظلامتها، فلم تصل إليه، فأتت الحاجب، فشكت ~~إليه، فأعجب بها إعجابا شديدا، وقالت: إن لوجهك صورة أدفعها عن هذا، ولا ~~يجمل بمثلك الخصومة فهل لك في ضعفي مالك في ستر ورفق؟ # فقالت: سوءة لامرأة حرة تميل إلى ريبة. فانصرفت إلى صاحب الشرطة، فأنهت ~~ظلامتها إليه، فأعجب بها وقال: إن حجتك على الناسك لا تقبل إلا بشاهدين ~~عدلين، وأنا مشتر خصومتك، إن أنت نزلت عند مسرتي. فانصرفت عنه إلى القاضي، ~~فشكت إليه، فأخذت بقلبه، وكاد القاضي يجن إعجابا بها، وقال: يا قرة العين! ~~إنه لا يزهد في أمثالك، فهل لك في مواصلتي وغناء الدهر؟ فانصرفت، وباتت ~~تحتال في استخراج حقها، فبعثت الجارية إلى نجار، فعمل لها تابوتا بثلاثة ~~أبواب، كل منها مفرد؛ ثم بعثت الجارية إلى الحاجب أن يأتيها إذا أصبح، وإلى ~~صاحب الشرطة أن يأتيها ضحوة، وإلى القاضي أن يأتيها إذا تعالى النهار، وإلى ~~الناسك أن يأتيها إذا انتصف النهار. # فأتاها الحاجب، فأقبلت عليه تحدثه، فما فرغت من حديثها حتى قالت لها ~~الجارية: صاحب الشرطة بالباب، فقالت للحاجب: ليس في البيت ملجأ إلا هذا ~~التابوت، فأدخل أي بيت شئت منه. فدخل الحاجب بيتا من التابوت فأقفلت عليه. ~~ودخل صاحب الشرطة، فأقبلت جميلة عليه تضاحكه وتلاطفه، فما كان بأسرع من أن ~~قالت الجارية: القاضي بالباب؛ فقال # PageV01P244 # صاحب الشرطة: أين اختبيء؟ فقالت: لا ملجأ إلا هذا التابوت، وفيه بيتان، ~~فادخل أيهما شئت، فدخل، فأقفلت عليه، فلما دخل القاضي، قالت: مرحبا وأهلا، ~~وأقبلت عليه بالترحيب والتلطيف. فبينا هي كذلك، إذ قالت الجارية: الناسك ~~بالباب، فقال القاضي: ماذا ترين في رده؟ فقالت ما لي إلى رده سبيل. قال: ~~فكيف الحيلة؟ قالت: # إني مدخلتك هذا التابوت، ومخاصمته، فاشهد لي بما تسمع، واحكم بيني وبينه ~~بالحق. قال نعم، فدخل البيت الثالث، فأقفلت عليه. # ودخل الناسك، فقالت له: «مرحبا بالزائر الجاني، كيف بدا لك في زيارتنا» ؟ ~~قال: «شوقا إلى رؤيتك، وحنينا إلى قربك» . قالت: ms155 # «فالمال، ما تقول فيه: أشهد الله على نفسك برده، اتبع رأيك.. قال: # «اللهم إنني أشهدك الله لجميلة عندي ألف دينار وديعة زوجها» . فلما سمعت ~~ذلك هتفت بجاريتها، وخرجت مبادرة نحو باب الملك، فأنهت ظلامتها إليه، فأرسل ~~الملك إلى الحاجب، وصاحب الشرطة، والقاضي، فلم يقدر على واحد منهم؛ فقعد ~~لها، وسألها البينة، فقالت: «يشهد تابوت عندي فضحك الملك وقال: «يحتمل ذلك ~~لجمالك» . فبعث بالعجلة فوضع التابوت فيها، وحمل إلى بين يدي الملك، فقامت ~~وضربت بيدها التابوت وقالت: «أعطي الله عهدا لتنطقن بالحق، وتشهدن بما ~~سمعت، أو لأضر منك نارا، فإذا ثلاثة أصوات من جوف التابوت تشهد على إقرار ~~الناسك لجميلة بألف دينار. فكبر ذلك على الملك، فقالت جميلة: «لم أجد في ~~المملكة قوما أوفى ولا أقوم بالحق من هؤلاء الثلاثة فأشهدتهم على غريمي» ، ~~ثم فتحت التابوت وأخرجت ثلاثة النفر، وسألها الملك عن قصتها فأخبرته، وأخذت ~~حقها من الناسك، فقال الحجاج: «لله درها ما أحسن ما احتالت لاستخراج حقها» ~~. # قال: وكان يعقوب بن يحيى المدائني، ويحيى الكاتب، كاتب سهل بن رستم، ~~يتحدثان إلى مهدية، جارية سليمان بن الساحر، فقال يعقوب يوما ليحيى: «أنا ~~أشتهي أن أرى بطن مهدية» ، فقال يحيى: «ما تجعل لي إن # PageV01P245 # أنا احتلت لك بحيلة حتى تراه» ؟ قال: «ما شئت» قال: «برذونك هذا» قال: ~~«نعم» . قال: فتوثق منه، وأتى مهدية فقال لها: «كان لي برذون موافق فاره ~~فنفق، وأنت لو شئت لحملتني على برذون فاره» ، قالت: «أنا أفعل وأشتريه لك ~~بما بلغ الثمن» ، قال: «أنت قادرة عليه بغير الثمن» ، قالت: «كيف ذلك» ؟ ~~فأخبرها بالقصة فقالت: «قد حملك الله على البرذون، وأربحك النظر إلى بطن ~~حسن، فإذا كان غدا فتعال أنت ويعقوب فاجلسا، فإن سليمان يعبث بوصيفته فلانة ~~كثيرا، فإذا فعل ذلك وجئت أنا، فقل: «أنت يا مهدية لو علمت ما صنع فلان ~~لقتلته» ، قال: «نعم» ، فلما جاءت مهدية، قال لها: «إن أمر سليمان مع ~~وصيفته أشنع مما تقدرينه» ، فوثبت مستشيطة غضبا وقالت: «مثلك يابن الساحر ~~يفعل هذا مرة بعد ms156 أخرى» ، وشقت جيبها إلى أن جاوزت أسفل البطن وهي قائمة، ~~فنظر إلى بطنها فتأملناها ساعة وهي تشتم ابن الساحر، فقام إليها يترضاها ~~ويسكنها، ويعقوب يقول «وابرذوناه» فأخذه منه يحيى. # وعن المساور قال: كان عندنا بالأهواز رجل متأهل، وكانت له أرض بالبصرة، ~~وكان في السنة يأتيها مرة أو مرتين، فتزوج بها امرأة ليس لها إلا عم في ~~الدار؛ وكان يكثر الانحدار بعد ذلك إلى البصرة، فأنكرت الأهوازية حاله فدست ~~من يعرف خبره، ثم احتالت وبعثت من أورد خطا لعم المرأة البصرية، وسألت من ~~كتب كتابا من عم البصرية إلى زوجها على خطه بأن ابنة أخيه توفيت، ويسأله ~~القدوم لأخذ ما خلفت، ودست الكتاب مع إنسان شبيه بالملاح. فلما أتى بالكتاب ~~خرج إليه فدفع الكتاب، ولم يشك أن امرأته البصرية ماتت، فقال لامرأته: ~~«اجعلي لي سفرة» ، قالت: # «ولم» ؟ قال: «أريد الخروج إلى البصرة» ، قالت: «وكم هذه البصرة؟ # قد رابني أمرك، وما أشك أن هنالك لك امرأة» ، فأنكر ذلك، فقالت: «إن كنت ~~صادقا فاحلف بطلاق كل امرأة لك غيري» ، فقال في نفسه: «تلك قد ماتت، وليس ~~علي أن أحلف بطلاقها فأرضي هذه» ، فحلف لها بطلاق كل امرأة له سوى ~~الأهوازية، فقالت الأهوازية: «يا جارية هات السفرة، فقد أغناه الله عن ~~الخروج» ، قال: «وما ذلك» ؟ قالت: «قد طلقت الفاسقة» ، وقصت عليه القصة، ~~فعرف مكرها، وأقام. # PageV01P246 # مساويء مكر النساء # وذكروا أن لقمان بن عاد «1» صاحب لبد، خرج يجول في قبائل العرب، فنزل بحي ~~من العماليق، فبينا هو كذلك إذ ظعن القوم، فظعن معهم، فسمع بامرأة تقول ~~لزوجها: «فلان لو حملت سفطي هذا حتى تجاوز به الثنية، فإن فيه من متاع ~~النساء ما لابد لهن منه، ولعل البعير يقع فيتكسر» وذلك من لقمان بمنظر ~~ومسمع، فقال: «أفعل» . فاحتمله على عاتقه، فلما انحدر، وجد بللا في صدره ~~فشمه، فإذا هو ريح بول قد جاء من السفط الذي على رأسه ففتح السفط فإذا هو ~~بغلام قد خرج منه يعدو، فلما نظر لقمان قال: يا إحدى بنات طبق» ، - وبنات ms157 ~~الطبق أن أن تأتي الحية السلحفاة، فتلتوي عليها، فتبيض بيضة واحدة، فتخرج ~~منها حية شبرا أو نحوه، لا تضرب شيئا إلا أهلكته- فتبعه لقمان حتى لحقه، ~~فجاء به يحمله، واجتمع الناس إليه، وقالوا: «يا لقمان أحكم فيما ترى» فقال: # «ردوا الغلام في السفط يكون له مثوى حتى يرى ويعلم أن العقاب فيما أتى ~~وتحمله المرأة بفعلها، حملوها ما حملت زوجها، ثم شدوا عليها، فإن ذلك جزاء ~~مثلها» . فعمدوا إلى الغلام، فشدوه في السفط، ثم شدوه في عنق المرأة، ثم ~~تركوهما حتى ماتا. # ثم فارقهم لقمان، فأتى قبيلة أخرى فنزل بهم، فبينا هو كذلك، إذ # PageV01P247 # بصر بامرأة قد قامت عن بنات لها، فسألت إحداهن: (أين تذهبين) ؟ # قالت: إلى الخلاء، ثم خرجت إلى بيوت الحي فعارضها رجل فمضيا جميعا، ~~ولقمان ينظر، فوقع الرجل عليها، وقضى حاجته منها، فقالت المرأة: هل لك أن ~~أتماوت على أهلي، فإنما هو ثلاثة أيام أكون في رجمي، ثم تجيء: فتستخرجني ~~فنتمتع، فقال الرجل افعلي؛ وكان اسمه الخلي، وزوج المرأة اسمه الشجي فقال ~~لقمان: ويل للشجي من الخلي فذهبت مثلا، فلم تلبث المرأة إلا أياما حتى ~~تماوتت على أهلها، وكان الميت منهم إذا مات تجعل فوقه الحجارة ولم تكن إذ ~~ذاك قبور، فلما كان اليوم الثالث، جاءها خليلها فأخرجها، وانطلق بها إلى ~~منزله، وتحول الحي من ذلك المكان، وخافت المرأة أن تعرف فجزت شعرها، وتركت ~~لنفسها جمة، فبينا هم كذلك، إذ خرج بنات المرأة فإذا هن بامرأة جالسة ذات ~~جمة، فقالت الصغرى: (أمي والله) ، قالت الوسطى: (صدقت والله) ، قالت ~~المرأة: كذبتما ما أنا لكما بأم، قالت الكبرى: # صدقت! والله لقد دفنا أمنا غير ذات جمة، ما كان لأمنا إلا لمة قالت ~~الصغرى: هبك أنكرت أعلاها، أما تعرفين أخراها فتعلقت به، فقالت: # صغراهن مراهن، فذهبت مثلا. واجتمع الناس، وجاء زوج المرأة، فارتفعوا إلى ~~لقمان فقالوا: أحكم بيننا، فقال لقمان: عند جهينة الخبر اليقين فذهبت مثلا. # وكان يلقب بجهينة، فقال لقمان للمرأة: أخبرك أم تخبريني؟ # قالت: بل قل، قال: إنك قلت ms158 لهذا إني متماوتة على أهلي، فإذا دفنوني في ~~رجمي، جئت فاستخرجتني، وأتنكر لهم فلا يعرفونني، فنتنعم ما بقينا، فاعترفت ~~المرأة فقيل للقمان: أحكم بيننا، قال: ارجموها كما رجمت نفسها، فحفر لها ~~حفرة وألقوها، فيها ورجموها، وكانت أول مرجومة في العرب، ثم إن زوجها تعلق ~~بالخلي فقال: يا لقمان هذا فراق بيني وبين أهلي، فقال لقمان: لكل ذكر أنثى، ~~ولكل أول آخر، فرق بينك وبين أنثاك، ونفرق بين ذكره وبين أنثييه، فقطع ~~ذكره، فمات. # PageV01P248 ### | محاسن الغيرة والحجاب # روي أنه إذا أغير الرجل في أهله، أو في بعض مناكحه، أو مملوكته فلم يغر، ~~بعث الله، جل اسمه، إليه طيرا يقال له: (القرقفنة) حتى يسقط على عارضة ~~بابه، ثم يمهله أربعين صباحا يهتف به: (إن الله غيور يحب كل غيور) ، فإن هو ~~تغير وأنكر ذلك، وإلا طار حتى يسقط على رأسه، فيخفق بجناحيه على عينيه، ثم ~~يطير عنه، فينزع الله منه روح الإيمان، وتسميه الملائكة: الديوث. # وقال النبي صلى الله عليه وسلم: باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء فإن ~~كانت المعاينة واللقاء كان الداء الذي لا دواء له. وروي أن امرأة ذات عقل ~~ورأي حملت من فاجر، فقيل لها في ذلك، فقالت: قرب الوساد وطول السهاد، تريد ~~قرب مضجعه منها وطول مسارته إياها. وقال صلى الله عليه وسلم: النساء حبائل ~~الشيطان، وقال سعيد بن مسلم: «لأن يرى حرمتي آلف رجل على حال تكشف وهي لا ~~تراهم، أحب إلي من أن ترى حرمتي رجلا مواجهة» وقيل لعقيل بن علفة: ألا تزوج ~~بناتك؟ فقال: أجيعهن فلا يأشرن، وأعريهن فلا يظهرن، فوافق إحدى كلمتيه قول ~~النبي صلى الله عليه وسلم: الصوم وجاء السيئة، والأخرى قول عمر بن الخطاب، ~~رضي الله عنه: استعينوا عليهن بالعري. وغاية أموال الرجال وكسبهم وهمهم وما ~~يملكون، إنما هو مصروف إلى النساء، فلو لم يكن إلا ما يعد لهن من الطيب ~~والحلى، والكساء والفرش والآنية، كان في ذلك ما كفى، ولو لم يكن إلا ~~الاهتمام بالحفظ والحراسة وخوف العار من خيانتهن، والجناية عليهن، ms159 لكان في ~~ذلك المئونة العظيمة، والمشقة الشديدة، غير أن أولى الأشياء بالرجال حفظهن # PageV01P249 # وحراستهن، فليس شيء لهن أصلح من مباعدتهن عن الرجال، وقمعهن بالعري ~~والجوع، ومن حق الملوك أن لا يرفع أحد من خاصتها وبطانتها، رأسه إلى حرمة ~~لها، صغرت أم كبرت، فكم من قيل وطيء هامة عظيم، وبطنه حتى بدت أمعاؤه؟ وكم ~~من شريف وعزيز قوم، قد مزقته السباع ونهشته؟ وكم من جارية كريمة على قومها ~~عزيزة في أهلها، وقد أكلها حيتان البحر وطير الماء؟ وكم من جمجمة كانت ~~تصان، وتعل بالمسك والبان قد ألقيت بالعراء، وغيبت جثتها في الثرى، بسبب ~~الرم والخدم والغلمان، ولم يأت الشيطان أحدا قط من باب حتى يراه بحيث أن من ~~يهوى مستقيم اللحم والأعضاء، هو أبلغ من مكيدته، وأخرى أن يرى فيه أمنية من ~~هذا الباب إذ كان من ألطف مكايده، وأدق وساوسه، وأجل تزايينه. # وقيل لابنة الخس «1» : لم زنيت بعبدك ولم تزن بحر؟ قالت: طول السهاد وقرب ~~الوساد. وقيل: لو أن أقبح الناس وجها، وأنتنهم رائحة، وأظهرهم فقرا، ~~وأسقطهم نفسا، وأوضعهم حسبا قال لامرأة تمكن من كلامها، ومكنته من سمعها: ~~والله يا مولاتي قد اسهرت ليلي، وأرقت عيني، وشغلتني عن مهم أمري، فما أعقل ~~أهلا ولا ولدا، ولو كانت أبرع الناس جمالا، وأكملهم كمالا، وأملحهم ملاحة، ~~وإن كانت عينه تدمع بذلك، ثم كانت تكون مثل أم الدرداء، أو معاذة العدوية، ~~أو رابعة القيسية لمالت إليه وأحبته. ومنها قال عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه: اضربوهن بالعري، فإن النساء يخرجن إلى الأعراس، ويقمن في المناحات، ~~ويظهرن في الأعياد، ومتى كثر خروجهن لم يعد بد أن يرين من هو شكلهن، ولو ~~كان بعلهن أتم حسنا، وأحسن وجها، والذي رأت أنقص حسنا، ولكان ما لا تملكه ~~أظرف عندها مما تملكه، ولكان ما لم تملكه أو تستكثر منه أشد لها اشتغالا ~~واجتذابا. قال الشاعر: # PageV01P250 # وللعين ملهى بالنساء ولم يقد ... هوى النفس شيء كإقتياد الطرائف # وكانت الأكاسرة إذا امتحنت الخاصة من أصحابها، وخف الواحد عنهم على قلب ms160 ~~الملك، وكان الرجل عالما بالحكمة، موضعا للأمانة في الدماء والفروج ~~والأموال على ظاهره، فيأمره أن يتحول إلى منزله، وأن تفرغ إليه حجرة، وأن ~~لا يتحول إليه بامرأة ولا جارية، ولا حرمة، ويقول له: أريد بك الأنس في ~~ليلي ونهاري، وإن كان معك بعض حرمك قطعك عني فاجعل منصرفك إلى منزلك في كل ~~خمس ليال، فإذا تحول الرجل أنس به، وخلا معه، وكان آخر من ينصرف من عنده، ~~فيتركه على هذه الحالة أشهرا. # امتحن أبرويز رجلا من خاصته بهذه المحنة، ثم دس إليه جارية من بعض ~~جواريه، ووجه معها إليه بألطاف وهدايا، وأمرها أن لا تقعد عنده في أول مرة، ~~فأتته بألطاف الملك، وقامت بين يديه، ولم تلبث أن انصرفت حتى إذا كانت ~~المرة الثانية، أمرها أن تقعد هنيهة، وأن تبدي عن محانسها حتى يتأملها ~~ففعلت، ولا حظها الرجل وتأملها، وجعل الرجل يحد النظر إليها، ويسر ~~بمحادثتها، ومن شأن النفس أن تطلب بعد ذلك الغرض من هذه المطايبة، فلما ~~أبدى ما عنده، قالت: أخاف أن يعثر علينا ولكن دعني حتى أدبر في هذا ما يتم ~~به الأمر بيننا، ثم انصرفت فأخبرت الملك بذلك، وبكل شيء جرى بينهما، فلما ~~كانت المرة الثالثة أمرها أن تطيل القعود عنده، وأن تحدثه، وإن أرادها على ~~الزيادة في المحادثة أجابته إليه ففعلت، ووجه إليه أخرى من خواص جواريه، ~~وثقافتهن بألطافه وهداياه، فلما جاءت قال لها: ما فعلت فلانة؟ قالت: اعتلت ~~فار بد لون الرجل، ثم لم تطل القعود عنده كما فعلت الأولى، ثم عاودته فقعدت ~~أكثر من المقدار الأول، وأبدت بعض محاسنها، حتى تأملها، وعاودته في المرة ~~الثالثة، وأطالت القعود والمضاحكة والمهازلة، فدعاها إلى ما في تركيب النفس ~~من الشهوة، فقالت: أنا من الملك على خطى يسيرة، ومعه في دار واحدة، ولكن ~~الملك يمضي بعد ثلاث إلى بستانه الذي بموضع كذا، فيقيم هناك، فإن أرادك على ~~الذهاب معه، فأظهر أنك عليل وتمارض، فإن خيرك بين # PageV01P251 # الانصراف إلى نسائك أو المقام هنا، فاختر المقام، وأخبره أنك لا ms161 تقدر على ~~الحركة، فإن أجابك إلى ذلك، جئت من أول الليل، فأكون معك إلى آخره. # فسكن الرقيع إلى قولها، وانصرفت الجارية، فأخبرت الملك بكل ما دار ~~بينهما؛ فلما كان الوقت الذي وعدته أن يخرج الملك فيه، دعاه الملك فقال ~~للرسول: «أخبره أني عليل» ، فلما جاءه الرسول وأخبره، تبسم وقال: # «هذا أول الشر» . فوجه إليه محفة يحمل فيها، فأتاه وهو معصب، فلما بصر ~~به، قال: «والمحفة الشر الثاني» ، فتبين العصابة فقال: «والعصابة الشر ~~الثالث» . فلما دنا من الملك، سجد، فقال له: «متى حدثت بك هذه العلة» ؟ ~~قال: «هذه الليلة» . قال: «فأي الأمرين أحب إليك: # الانصراف إلى نسائك لتمريضك، أم المقام هنا لوقت رجوعي» ؟ قال: # «المقام ههنا، أيها الملك، أوفق لقلة الحركة» . فتبسم أبرويز وقال: # «حركتك ههنا، إن تركت، أكثر من حركتك في منزلك» . ثم أمر له بعصا الزناة ~~التي كان يوسم بها من زنى، فأيقن الرجل بالشر، وأمر أن يكتب ما كان من أمره ~~حرفا حرفا، فيقرأ على الناس إذا حضروا، وأن ينفى إلى أقصى مملكته، وتجعل ~~العصا في رأس رمح يكون معه حيث كان، ليحذر من يعرفه منه. # فلما خرج الرجل من المدائن، متوجها به نحو فارس، أخذ مدية كانت مع بعض ~~الموكلين به، فجب بها ذكره، وقال: «من أطاع عضوا صغيرا من أعضائه أفسد عليه ~~جميع أعضائه» ، فمات من ساعته. # وفيما يذكر عن أنوشروان أنه اتهم رجلا من خاصته في بعض حرمه، فلم يدر كيف ~~يقتله؟ لا هو وجد أمرا ظاهرا يحكم بمثله الحاكم فيسفك به دمه، ولا قدر على ~~كشف ذنبه لما في ذلك من الهوان على الملك والمملكة، ولا وجد عذرا لنفسه في ~~قتله غيلة، إذ لم يكن في شرائع دينهم، ووارثة سلفهم، فدعا الرجل بعد جنايته ~~بسنة في خلوة، فقال: # «قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، وبي حاجة إلى علمها. وما أجدني # PageV01P252 # أسكن إلى سكوني إليك، إذ حللت من قلبي المحل الذي أنت به، وقد رأيت أن ~~تحمل لي مالا إلى هناك للتجارة، وتدخل بلاد ms162 الروم فتقيم بها، فإذا بعت ما ~~معك، حملت مما في بلادهم من تجاراتهم، وأقبلت إلي، وفي خلال ذلك تصغي إلى ~~أخبارهم، وتطلع إلي ما بنا الحاجة إلى معرفته من أمورهم وأسرارهم» . فقال: ~~«أفعل أيها الملك، وأرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك ورضاه» . # فأمر له بمال، وتجهز الرجل وخرج بتجارته، فأقام في بلاد الروم حتى باع ~~واشترى، وفهم من كلامهم ولغاتهم ما عرف به مخاطباتهم، وبعض أسرار ملكهم. # وانصرف إلى أنوشروان بذلك، فأراه الإيثار به، وزاد في بره، ورده إلى ~~بلادهم، وأمره بالمقام والتربص بتجارته، ففعل حت عرف، واستفاض ذكره، فلم ~~تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كانت السنة السابعة أمر الملك أن تصور صورة ~~الرجل في جام من جاماته التي يشرب فيها، وتجعل صورته بإزاء صورة أنوشروان، ~~ويجعل مخاطبا لأنوشروان، ومشيرا عليه وإليه، ويدني رأسه من رأس الملك في ~~تلك الصورة، كأنه يساره، ثم وهب ذلك الجام لبعض خدمه، وقال: «إن الملوك ~~يرغبون في مثل هذا الجام، فإذا أردت بيعه فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو بلاد ~~الروم بتجارته وقل له، يبيعه من الملك نفسه فإنه ينفعك، فإن لم يمكنه بيعه ~~من الملك، باعه من وزيره أو بعض خاصته» . # فجاء غلام الملك بالجام، وقد وضع الرجل رجله في الركاب، فسأله أن يبيع ~~جامه من الملك، وأن يتخذ عنده بذلك يدا. وكان الملك يعز ذلك الغلام، وكان ~~من خاصة غلمانه، وصاحب شرابه، فأجابه إلى ذلك، وأمر بدفع الجام إلى صاحب ~~خزانته، وقال: «احفظه، فإذا صرت إلى باب الملك فليكن مما أعرضه عليه» . # فلما صار إلى باب الملك، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعرضه على الملك ~~فيما عرض عليه، فلما وقع الجام في يد الملك، نظر إليه، # PageV01P253 # ونظر إلى صورة أنوشروان فيه، وإلى صورة الرجل وتركيبه عضوا عضوا، وجارحة ~~وجارحة، فقال للرجل: «أخبرني هل يصور مع صورة الملك رجل خسيس» ؟ قال: «لا» ~~، قال: «فهل في دار الملك اثنان يتشابهان في صورة واحدة حتى يكون هذا كأنه ~~ذاك في الصورة وكلاهما ms163 نديما الملك» ؟ قال: «لا أعرفه» ، قال له: «قم ~~قائما» ، فقام، فوجد صورته في الجام، فقال له: «أدبر» ، فأدبر، فتأمل صورته ~~في الجام فوجدهما بحكاية واحدة، فضحك، ولم يجسر الرجل أن يسأله عن سبب ~~ضحكه، إجلالا له وإعظاما، فقال ملك الروم: «الشاة أعقل من الإنسان إذ كانت ~~تخفي مديتها وتدفنها، وإنما أهديت إلينا مديتك بيدك» . فقال للرجل: # «تعديت» ؟ قال: «لا» ، قال: «قربوا له طعاما» ، قال: «أيها الملك أنا ~~عبد، والعبد لا يأكل بحضرة الملك» ، قال الملك: «أنت عبد ما دمت عند ملك ~~الروم، مطلعا على أموره، متتبعا لأسراره، وملك إذا قدمت بلاد فارس، ونديم ~~ملكها. أطعموه» ، فأطعم وسقى الخمر حتى إذا ثمل، قال: «من سير ملوكنا أن لا ~~نقتل الجاسوس إلا في أعلى موضع نقدر عليه، ولا نقتله جائعا، ولا عطشانا. # فأمر به، فأصعد إلى سطح كان يشرف منه على كل من كان في المدينة إذا صعد، ~~فضربت عنقه هناك، وألقيت جثته من ذلك السطح، ونصب رأسه للناس؛ فلما بلغ ذلك ~~كسرى، أمر صاحب الجرس أن يضرب بأجراس الذهب، ويمر على دور نساء الملك ~~وجواريه، ويقول: «كل نفس ذائقة الموت، كل أحد إذا وجب عليه القتل ففي الأرض ~~يقتل، إلا من تعرض لحرمة الملك، فإنه يقتل في السماء» ، فلم يدر أحد من أهل ~~المملكة ما أراد به حتى مات. # ومثله من أخبار العرب: ذكروا أنه كان لطسم وجديس ملك يقال له «عمليق» «1» ~~ظلوم غشوم، وكانت لا تزف جارية إلى زوجها إلا بدأوه بها، # PageV01P254 # فافترعها، وردها إلى بعلها، ثم إن رجلا من جديس تزوج غفيرة بنت غفار، ~~عظيم جديس ورئيسها، فلما أرادوا أن يهدوها إليه، بدأوا بها عمليق فأدخلوها ~~عليه والقيان معها يتغنين ويضربن بالدفوف ويقلن: # ابدي بعمليق ومعه فاركبي ... وبادري الصبح بأمر معجب # فسوف تلقين الذي لم تطلبي ... ولم يكن من دونه من مذهب # فجعلت تقول وهي تزف: # ما أحد أذل من جديس ... أهكذا يفعل بالعروس # يرضى بهذا يا لقومي حر ... من بعد ما أهدى وسيق المهر # لأن يلاقي المرء موت ms164 نفسه ... خير له من فعل ذا بعرسه # فلما دخلت عليه افترعها، ثم خلى سبيلها، فخرجت ووقفت على أخيها الأسود بن ~~غفار، وهو قاعد في نادي قومه، وقد رفعت ثوبها عن عورتها وأنشأت تقول: # أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم ... وأنتم رجال كثرة عدد الرمل # وترضون هذا يا لقومي لأختكم ... عشية زفت في النساء إلى البعل # فإن أنتم لم تغضبوا بعد هذه ... فكونوا نساء في المنازل والحجل # ودونكم طيب النساء وإنما ... خلقتم جميعا للتزين والكحل # فلو أننا كنا رجالا وكنتم ... نساء لكنا لا نقيم على ذحل «1» # فقبحا لبعل ليس فيه حمية ... ويختال يمشي بيننا مشية الفحل # فموتوا كراما أو أصيبوا عدوكم ... بداهية توري ضراما من الجزل # وإلا فخلوا داركم وترحلوا ... إلى بلد قفر خلاء من الأهل # ولا تخرجوا للحرب يا قوم إنها ... تقوم بأقوام شداد على رجل # فيهلك فيها كل وغد مواكل ... ويسلم فيها ذو الطعان وذو القتل # PageV01P255 # فلما سمعت جديس شعرها، أنفت أنفا شديدا، وأخذتهم الحمية، فتآمروا بينهم ~~وعزموا على اغتيال الملك، وجنوده فقالوا: «إن نحن بادهناهم بالحرب لم نقو ~~عليهم لكثرة جندهم وأنصارهم» ، فاتفقوا على ذلك، ثم إن الأسود أتى الملك ~~فقال: «إني أحب أن تجعل غداءك عندي أنت وجنودك» ، فقال عمليق: «إن عدد ~~القوم كثير، وأحسب أن البيوت لا تسعهم» ، فقال الأسود: «فنخرج لهم الطعام ~~إلى بطن الوادي» ، فقال لقومه: «إذا اشتغل القوم بالأكل فسلوا سيوفكم، ~~واعملوا على أن تحملو حملة رجل واحد واقتلوهم عن آخرهم» ، وهيأ الأسود ما ~~احتاج إليه من الطعام، وجاء الملك، فلما أكب القوم على الأكل، بادرت جديس ~~إلى سيوفهم، ثم حملت على الملك وعلى جنوده والأسود يرتجز ويقول: # يا صبحة يا صبحة العروس ... حتى تمشت بدم جميس # يا طسم ما لقيت من جديس ... هلكت يا طسم فهيسي هيسي # فقتلوه وجنوده جميعا. # ومثله الفطيون «1» ملك تهامة والحجاز، فإنه سلك مسلك عمليق في ملك طسم ~~وجديس في أمر الناس، فأمر أن لا تزف من اليهود في مملكته امرأة إلا بدأوه ~~بها، فلبث على ذلك عدة أحوال ms165 حتى زوجت امرأة من اليهود من ابن عم لها، ~~وكانت ذات جمال رائع، وكانت أخت مالك بن عجلان من الرضاعة، فلما أراد أن ~~يهدوها إلى زوجها، خرجت إلى نادي الأوس والخزرج، رافعة ثوبها إلى سرتها، ~~فقام إليها مالك بن العجلان فقال: # «ويحك وما دهاك» ؟ فقالت: «وما يكون من الداهية أعظم من أن ينطلق بي إلى ~~غير بعلي بعد ساعة» ؟ فأنف من ذلك أنفا شديدا، فدعا ببزة امرأة فلبسها، ~~فلما انطلقوا بالمرأة إلى الفطيون صار كواحدة من نسائها اللواتي ينطلقن بها ~~متشبها بامرأة، وقد أعد سكينا في خفه، فلما دخلت المرأة على # PageV01P256 # الفطيون، مال مالك إلى خزانة في ذلك البيت، فدخلها، فلما خرج النساء ~~ودخلت المرأة قام إليها ليفترعها، فخرج إليه مالك بالسكين فوجأه فقتله، ثم ~~قال لليهود: «دونكم جنوده فاقتلوهم» . فاجتمعت عليهم فقتلوهم عن آخرهم. # ومنه أخبار وأمثال: ذكروا أن أول من قال العجب كل العجب بين جمادى ورجب ~~عاصم بن المقشعر الضبي، وذلك أن الخنيفس بن خشرم كان أغير أهل زمانه ~~وأشجعهم، وكان لعاصم أخ يقال له عبيدة، عزيز في قومه، فهوي امرأة كانت تأتي ~~الخنيفس، فبلغ الخنيفس ذلك، فتواعده عبيدة وركب الخنيفس فرسه وأخذ رمحه ~~وانطلق يتربص عبيدة، حتى وقف على ممره فأقبل عبيدة وقد قضى من المرأة وطرا، ~~وهو يقول: # ألا إن الخنيفس فاعلموه ... كما سماه والده لعين # بهيم اللون محتقر ضئيل ... لئيمات خلائقه ضنين # أيوعدني الخنيفس من بعيد ... ولما يلق مأبضه الوتين # لهوت بجارتيه وحاد عني ... ويزعم أنه أنف شفون # فعارضه الخنيفس وهو يقول: # أيا أبن المقشعر لقيت ليثا ... له في جوف أيكته عرين # تقول له صددت حذار حين ... وأنك نشو أبطال مبين # وأنك قد لهوت بجارتينا ... فهاك عبيد لاقاك القرين # ستعلم أينا أحمى ذمارا ... إذا قصرت شمالك واليمين # لهوت بها لقد أبدلت قبرا ... وباكية عليك لها رنين # فقال عبيدة: «أذكرك الله وحرمة خشرم» ، فقال: «والله لأقتلنك» ، فقتله، ~~فلما بلغ أخاه عاصما، خرج إليه، ولبس أطمارا، وركب فرسه، وكان في آخر يوم ~~من جمادى، فأقبل يبادر ms166 دخول رجب، لأنهم كانوا لا يقتلون في رجب أحدا، ~~فانطلق حتى وقف بباب خنيفس ليلا، وقال: # PageV01P257 # «أجب المرهوق» ، قال: «وما ذاك» ؟ قال: «العجب كل العجب بين جمادى ورجب، ~~وإني رجل من ضبة غصب أخ لي امرأة فخرج يستنقذها، فقتل، وقد عجزت عن قاتله» ~~، فخرج الخنيفس مغضبا، وأخذ رمحه، وركب معه، فلما نحا به عن قومه، دنا منه، ~~فقنعه بالسيف، فأبان رأسه. # ويقال أن أول من قال: «سبق السيف العذل» ضمضم ابن عمرو اللخمي، كان يهوى ~~امرأة فطلبها بكل حيلة، فأبت عليه، وطلبها عزيز بن عبيد بن ضمضمة، فأتته ~~وتأبت على ضمضم، وكان ضمضم من أشد قومه بأسا، فاغتاظ لذلك ليلة، وهو متقلد ~~سيفه حتى صار بمكان يراهما إذا اجتمعا ولا يريانه، فلما نام الناس، وطال ~~هدو ضمضم إذ العزيز قد أقبل على فرسه، وهو يقول: # أمام توليني وتأبى بنفسها ... على ضمضم تعسا ورغما لضمضم # وضمضم يسمع، فنزل وربط فرسه، ومشى إلى ناحية خبائها، فصدح صدوح الهام، ~~وكان آية ما بينهما، فخرجت إليه، فعانقها وضمضم ينظر ثم واقعها، فلما رآها ~~مشى إليهما بالسيف وهو يقول: # ستعلم أني لست أعشق مبغضا ... فكان بنا عنها وعنك عزاء # وقتله، فعلم القوم بضمضم فأخذوه. فلما أصبح، أبرز إلى النادي ليقتل، ~~فجعلوا يلومونه على قتله ابن عمه فقال: «سبق السيف العذل» . # ويقال أن أول من قال: «خير قليل وفضحت نفسي» فائرة امرأة مرة الأسدي، ~~وكانت من أكمل النساء في زمانها، وكان زوجها غاب عنها أعواما، فهويت عبدا ~~له حبشيا يرعى إبلها، فأمرته أن يحضر مضجعها، وكان زوجها منصرفا قد نزل تلك ~~الليلة منها على مسيرة يوم، فبينا هو يطعم ومعه أصحابه، إذ نعق غراب، ~~فأخبره أن امرأته لم تعهر قط، ولا تعهر إلا تلك الليلة، فركب فرسه ومر ~~مسرعا، وهو يرجو إن هو منعها تلك الليلة أمنها فيما بقي، فانتهى إليها حين ~~قام العبد عنها، وندمت وهي تقول: «خير قليل وفضحت نفسي» ، فسمعها زوجها وهو ~~يرعد لما به من الغيظ، فقالت له: # PageV01P258 # «ما يرعدك» ، فقال يعلمها ms167 أنه قد علم: «خير قليل وفضحت نفسي» ، فشهقت ~~شهقة خرت ميتة، فقتل زوجها العبد، وجعل يقول: # لعمرك ما تعتادني منك لوعة ... ولا أنا من وجد بذكراك أسهد # قيل: وكانت هند بنت عتبة تحت الفاكه بن المغيرة المخزومي، وكان الفاكه من ~~فتيان قريش، وكان له بيت ضيافة يغشاه الناس من غير إذن، فخلا ذلك البيت ~~يوما، فضجع الفاكه، وهند فيه، فخرج الفاكه لبعض حوائجه، وأقبل رجل ممن كان ~~يغشى ذلك البيت فولجه، فلما رأى المرأة ولى هاربا، فرآه الفاكه وهو خارج من ~~البيت، فأقبل إلى هند فضربها برجله، وقال: # «من هذا الرجل الذي خرج من عندك» ؟ قالت: «ما رأيت أحدا ولا انتبهت حتى ~~نبهتني» فقال لها: «الحقي بأهلك» ، فتكلم الناس فيها، فقال لها أبوها: «يا ~~بنية إن الناس قد أكثروا فيك فاصدقيني، فإن كان الرجل في قوله صادقا، سببت ~~له من يقتله فتنقطع عنك القالة، وإن كان كاذبا حاكمته إلى بعض كهان اليمن» ~~، فحلفت له بما يحلفون به في الجاهلية إنه لكاذب، فقال عتبة للفاكه: «يا ~~هذا إنك قد رميت ابنتي بأمر عظيم فحاكمني إلى بعض كهان اليمن» ، فخرج عتبة ~~في جماعة من بني عبد مناف، وخرج فاكه في جماعة من بني مخزوم. وأخرجوا معهم ~~هندا ونسوة معها، فلما شارفوا البلاد قالوا: «غدا نرد على الكاهن» فتغير ~~لون هند، فقال لها أبوها: «إني أرى ما بك، فهلا كان هذا قبل خروجنا» ، ~~قالت: لا والله يا أبتاه ما ذلك لمكروه، ولكن سنأتي بشرا يخطىء ويصيب فلا ~~نأمن أن يسومني مما يكون فيه سبة على باقي عمري» ، قال: «إني سوف أختبره ~~قبل أن ينظر في أمرك، فأخذ حبة من حنطة، فأدخلها في إحليل فرسه، وأوكى ~~عليها بسير، فلما دخلوا على الكاهن قال له عتبة: «ما كان مني في طريقي» ؟ ~~قال: # «ثمرة في كمرة» ، قال: «احتاج إلى أبين من هذا» ، قال: «حبة في إحليل ~~مهر» ، قال: «صدقت، فما بال هؤلاء النسوة» ؟ فجعل يدنو من إحداهن فيضرب ~~بمنكبها، حتى أتى إلى هند فضرب بمنكبها، وقال: ms168 # «انهضي غير رسحاء، ولا فاحشة، ولتلدين ملكا يقال له معاوية» ، فوثب # PageV01P259 # إليها الفاكه، فأخذ بيدها، فنزعت يدها من يده، وقالت: «إليك عني! والله ~~لأجهدن أن يكون ذلك من غيرك» . فتزوجها أبو سفيان بن حرب فجاءت بمعاوية. # قيل: وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يعس بنفسه، فسمع امرأة تقول: # ألا سبيل خمر فأشربها ... أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج # إلى فتى ماجد الأخلاق ذي كرم ... سهل المحيا كريم غير ملجاج # فقال عمر: «أما ما دام عمر إماما فلا» ، فلما أصبح قال: «علي بنصر بن ~~الحجاج» ، فأتي به، فإذا هو رجل جميل، فقال: «اخرج من المدينة» قال: «ولم ~~وما ذنبي» ؟ قال: «اخرج فو الله ما تساكنني» ، فخرج حتى أتى البصرة وكتب ~~إلى عمر رضي الله عنه: # لعمري لئن سيرتني وحرمتني ... ولم آت اثما إن ذا لحرام # وما لي ذنب غير ظن ظننته ... وبعض تصاديق الظنون إثام # وإن غنت الذلفاء يوما بمنية ... فبعض أماني النساء غرام «1» # فظن بي الظن الذي لو أتيته ... لما كان لي في الصالحين مقام # ويمنعها مما تمنت حفيظتي ... وآباء صدق سالفون كرام # ويمنعها مما تمنت صلاتها ... وبيت لها في قومها وصيام # فهذان حالانا فهل أنت مرجعي ... فقد جب مني غارب وسنام # قال: فرده عمر بعد ذلك لما وصف من عفته. ويروى أيضا أن عمر بن الخطاب، ~~رضي الله عنه، كان يعس بالمدينة ذات ليلة، إذا سمع امرأة تهتف وتقول: # تطاول هذا الليل واسود جانبه ... وأرقني إذ لا خليل ألاعبه # PageV01P260 # فو الله لولا الله لا رب غيره ... لزعزع من هذا السرير جوانبه # ولكن ربي والحياء يكفني ... وأكرم بعلي إن توطأ مراكبه # قال: فرجع عمر إلى منزله، فسأل عن المرأة، فإذا زوجها غائب، فسأل ابنته ~~حفصة: «كم تصبر المرأة عن الرجل» ؟ فسكتت، واستحيت، وأطرقت فقال: «أربعة ~~أشهر، خمسة أشهر، ستة أشهر» ؟ فرفعت طرفها تعلم أنها لا تصبر أكثر من ستة ~~أشهر، فكتب إلى صاحب الجيش أن يقفل من الغزو الرجل إذا أتت ستة أشهر إلى ~~أهاليهم. # وغزا من الأنصار ms169 وله جار يهودي، فأتى امرأته، واستلقى ذات ليلة على ظهره، ~~وأنشأ يقول: # وأشعث غره الإسلام مني ... خلوت بعرسه ليل التمام # أبيت على ترائبها ويضحي ... على جرداء لاحقة الحزام # فسمع ذلك جار له، فضربه بالسيف حتى قطعه، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه فقال: «أنشد الله رجلا كان عنده من هذا علم إلا قام» . فقام الرجل ~~فحدثه، فقال: «أحسنت أحسنت» ، وتمام الأبيات: # كأن مجامع الزبلات منها ... فئام قد جمعن إلى فئام # ومنه أخبار العرب، قيل: لما خرج امرؤ القيس بن حجر إلى قيصر ملك الروم ~~ليسأله النصرة على بني أسد لقتلهم أباه حجر بن الحارث راسل بنت قيصر، وأراد ~~أن يختدعها عن نفسها، وبلغ ذلك قيصر، وأراد أن يقتله، فتذمم من ذلك، وأمر ~~بقميص فغمس في السم، وقال لامريء القيس: «البس هذا القميص فإني أحببت أن ~~أوثرك به على نفسي لحسنه وبهائه» ، فعمل السم، في جسمه، وكثرت فيه القروح، ~~فمات منها، فسمي ذا القروح، وقد كان قيل لقيصر قبل ذلك أنه هجاه فعندها ~~يقول: # ظلمت له نفسي بأن جئت راغبا ... إليه وقد سيرت فيه القوافيا # فإن أك مظلوما فقدما ظلمته ... وبالصاع يجزي مثل ما قد جزاينا # PageV01P261 # قيل: «وكان النابغة يشبب بالمتجردة امرأة النعمان بن المنذر» ، وكانت ~~أكمل أهل عصرها جمالا، فبلغ ذلك النعمان، فهم بقتل النابغة فهرب منه، وسار ~~حتى أتى الشام، والملك بها جبلة بن الأيهم الغساني، فنزل عليه وأقام عنده، ~~وكتب إلى النعمان: # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب # لئن كنت قد بلغت عني خيانة ... لمبلغك الواشي أغش وأكذب # قيل: وكانت امرأة شداد أبي عنترة ذكرت له أن عنترة أرادها عن نفسها، ~~فأخذه أبوه فضربه ضرب التلف، فقامت المرأة فألقت نفسها عليه لما رأت ما به ~~من الجراحات، وبكته، وكان اسمها سمية، فقال عنترة: # أمن سمية دمع العين مذروف ... لو كان ذا منك قبل اليوم معروف # كأنها يوم صدت ما تكلمنا ... ظبي بعسفان ساجي العين مطروف # قامت تجللني لما هوى قبلي ... كأنها صنم ms170 يعتاد معكوف # المال مالكم والعبد عبدكم ... فهل عذابك عني اليوم مصروف # قيل: ولما أنشد عبد الحسحاس عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، قصيدته التي ~~يقول فيها: # توسدني كفا وتمضي بمعصم ... علي وتنحو رجلها من ورائيا # فما زال بردي طيبا من ثيابها ... إلى الحول حتى أنهج البرد باليا # وهبت لنا ريح الشمال بقوة ... ولا برد إلا درعها وردائيا # أميل بها ميل الرديف وأتقي ... بها الريح والشفان من عن شماليا # رأت قتبا رثا وأخلاق شملة ... وأسود مما يلبس الناس عاريا # تجمعن شتى من ثلاث وأربع ... وواحدة حتى كملن ثمانيا # سليمى وسلمى والرباب وتربها ... وأروى وريا والمنى وقطاميا # وأقبلن من أقصى البلاد يعدنني ... ألا إنما بعض العوائد دائيا # PageV01P262 # قال عمر رضي الله عنه: «أنت مقتول» ، فلما قال: # ولقد تحدر من كريمة معشر ... عرق على متن الفراش وطيب # وجدوه شاربا ثملا، فعرضوا عليه نسوة حتى مرت به التي يطلبونها، فأهوى ~~إليها، فقتلوه. # حكى عن سليمان بن عبد الملك أنه كان في بعض أسفاره، فسمر معه قوم، فلما ~~تفرقوا عنه، دعا بوضوء، فجاءت به جارية، فبينا هي تصب الماء على يده، إذ ~~استمدها، وأشار إليها مرتين أو ثلاثا فلم تصب عليه، فأنكر ذلك، ورفع رأسه، ~~فإذا هي مصغية بسمعها، مائلة بجسدها إلى صوت غناء من ناحية العسكر، فأمرها ~~فتنحت، فسمع الصوت فإذا رجل يغني، فأنصت له حتى فهم ما غنى، فدعا بجارية ~~غيرها فتوضأ، فلما أصبح، أذن الناس، فأجرى ذكر الغناء، فلم يزل يخوض فيه ~~حتى ظن القوم أنه يشتهيه؛ فأفاضوا فيه وذكروا ما جاء في الغناء، والتسهيل ~~لمن سمعه، وذكروا من كان يسمعه من سروات الناس، فقال: «هل بقي أحد يسمع ~~منه» ؟ فقال رجل من القوم: «عندي رجلان من أهل الأبلة محكمان» ، قال: «فأين ~~منزلك من العسكر» ؟ فأومأ إلى ناحية الغناء، فقال سليمان: «ابعث إليهما» ، ~~ففعل، فوجد الرسول أحدهما وأقبل به، وكان اسمه سمير، فسأله عن الغناء، وكيف ~~هو فيه، قال: «محكم» ، قال: «متى عهدك به» ؟ # قال: «البارحة» ، قال: «وفي أي النواحي كنت» ؟ فذكر ms171 الناحية التي سمع ~~منها الصوت قال: «وما اسم صاحبك» ؟ قال: «سنان» . # قال: فأقبل سليمان على القوم فقال: «هدر الفحل فضبعت الناقة، ونب التيس ~~فشكرت الشاة، وهدل الحمام فزافت الحمامة، وغنى الرجل فطربت المرأة» ، ثم ~~أمر به فخصي، وسأل عن الغناء أين أصله؟ قالوا: # «بالمدينة وهم المخنثون» ، فكتب إلى عامله أن أخص من قبلك من المخنثين. # وحدث الأصمعي أن الشعر الذي سمعه سليمان يتغنى به هو: # PageV01P263 # محجوبة سمعت صوتي فأرقها ... من آخر اليل لما بلها السحر # تدني على الخد منها من معصفرة ... والحلي باد على لباتها خصر # في ليلة البدر ما يدري مضاجعها ... أوجهها عنده أبهى أم القمر # لم يمنع الصوت أبواب ولا حرس ... فدمعها لطروق اللحن ينحدر # لو تستطيع مشت نحوي على قدم ... تكاد من رقة للمشي تنفطر # ثم دخل سليمان مضرب الخدم، فوجد جارية على هذه الصفة، قاعدة تبكي، فوجه ~~إلى سنان فأحضره، ووجهت الجارية رسولا إلى سنان يحذره، وجعلت للرسول عشرة ~~آلاف درهم إن سبق رسول سليمان، فلما حضر أنشأ يقول: # استبقني إلى الصباح أعتذر ... إن لساني بالشراب منكسر # فأرسل المعروف في قوم نكر # فأمر به فخصي، وكان بعد ذلك يمسى الخصي. # وعن علي بن يقطين، قال: كنت عند موسى الهادي، ذات ليلة، مع جماعة من ~~أصحابه، إذ أتاه خادم فساره بشيء، فنهض سريعا فقال: «لا تبرحوا» ؛ فمضى ~~فأبطأ، ثم جاء وهو يتنفس ساعة، حتى استراح ومعه خادم يحمل طبقا مغطى ~~بمنديل، فقام بين يده، فأقبل يرعد، وعجبنا من ذلك، ثم جلس، وقال للخادم: ~~«ضع ما معك» فوضع الطبق، وقال: «ارفع المنديل» فرفعه فإذا على الطبق رأسا ~~جاريتين لم أر، والله، أحسن من وجهيهما قط، ولا من شعورهما، فإذا على ~~رأسيهما الجوهر منظوم على الشعر، وإذا رائحة طيبة تفوح فأعظمنا ذلك، فقال: ~~«أتدرون ما شأنهما» ؟ # قلنا: «لا» قال: «بلغني إنهما تحابا، فوكلت هذا الخادم بهما لينهي إلي ~~أخبارهما، فجاءني وأخبرني إنهما قد اجتمعا، فجئت فوجدتهما كذلك في لحاف، ~~فقتلتهما» ثم قال: «يا غلام! ارفع» ورجع في حديثه، كأنه ms172 لم يصنع شيئا. # وحدثنا إبراهيم بن إسماعيل عن ابن القداح، قال: كانت للربيع جارية # PageV01P264 # يقال لها «أمة العزيز» ، فأهداها للمهدي، فلما رأى حسنها وجمالها وهيئتها ~~قال: «هذه لموسى أصلح» ، فوهبها له، فكانت أحب الخلق إليه، وولدت له بنيه ~~الأكابر. ثم إن بعض أعداء الربيع قال لموسى إنه سمع الربيع يقول: # «ما وضعت بيني وبين الأرض مثل أمة العزيز» فغار موسى، فدعا الربيع، فتغدى ~~معه، وناوله كأسا فيه شراب؛ فقال الربيع: «فعلمت أن نفسي فيها وإني أن ~~رددته من يدي ضرب عنقي، فشربتها وانصرفت» ، فجمع ولده وقال: «إني ميت» ، ~~فقال الفضل ابنه: «ولم تقول ذلك، جعلت فداك» ؟ # قال: «إن موسى سقاني شربة فأنا أجد عملها في بدني» ، ثم أوصى بماله ومات ~~في يومه. # قيل: وطرب الرشيد إلى الغناء متنكرا، ومعه خادمه مسرور، حتى انتهى إلى ~~باب إسحق بن إبراهيم الموصلي «1» ، فقال: «يا مسرور! اقرع الباب» ، فخرج ~~إسحق، فلما رأى الرشيد انكب على رجله، فقبلها، ثم قال: «إن رأى أمير ~~المؤمنين أن يدخل منزل عبده» ، فنزل الرشيد. فدخل فرأى أثر الدعوة، فقال: ~~«يا إسحق إني أرى موضع الشرب من كان عندك» ؟ قال: «ما كان عندي يا أمير ~~المؤمنين سوى جاريتي كنت أطارحهما» ، قال: «فهما حاضرتان» ؟ قال: «نعم» ، ~~قال: # «فأحضرهما» ، فدعا الجاريتين، فخرجتا، مع إحداهما عود، حتى جلستا، فأمر ~~الرشيد صاحبة العود أن تغني فغنت: # بني الحب على الجور فلو ... أنصف المعشوق فيه لسمج # ليس يستحسن في وصف الهوى ... عاشق يكثر تأليف الحجج # فقليل الحب صرفا خالصا ... هو خير من كثير قد مزج # فقال الرشيد: «يا إسحق لمن الشعر والغناء فيه» ؟ قال: «لا علم لي # PageV01P265 # به يا أمير المؤمنين» ، فنكس رأسه ساعة، ينكث في الأرض، ثم رفع رأسه، ~~وأخذ العود من حجر هذه فوضعه في حجر الأخرى، ثم قال لها: # «غني» ، فغنت: # إن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقا، وأصبح بيتكم مهجورا # فلقد أراني والجديد إلى بلى ... زمنا بوصلك راضيا مسرورا # كنت الهوى وأعز من وطيء الحصى ... عندي وكنت بذاك منك جديرا # فقال: ms173 «يا إسحق لمن الشعر والغناء فيه» ؟ قال: «لا علم لي يا سيدي» ، فرد ~~المسألة على الجارية، فقالت: «لستي» ، قال: «ومن ستك» ؟ قالت: «علية، أخت ~~أمير المؤمنين» ، فنكس رأسه ساعة، ثم وثب وقال لمسرور خادمه: «امض بنا إلى ~~منزل علية» ، فلما وقف بالباب، قال: «استأذن يا مسرور» ، فخرجت جارية، فلما ~~رأت الخليفة، رجعت تبادر تعلم ستها، فخرجت تستقبله وتفديه فقال: «يا علية ~~هل عندك ما نأكل» ؟ قالت: «نعم يا سيدي» ، قال: «وما نشرب» ؟ قالت: # «نعم» ، فدخل وجلس، فقدمت إليه الطعام، فأكل حارا، وباردا، ورطبا، ~~ويابسا، ثم رفع الطعام، ووضع الشراب والطيب وأنواع الرياحين، ودعت جواريها ~~وكان عندها ثلاثون جارية يغنين، فألبستهن أنواع الثياب، وصفتهن في الإيوان، ~~وتناول الرشيد الشراب، فأمر الجواري أن يغنين، ثم سقى أخته حتى أخذ الشراب ~~منها، واحمرت وجنتاها، وفترت أجفانها، وكانت من أجمل النساء. فضرب الرشيد ~~إلى حجر بعض الجواري في أخذ العود وقال: يا علية بحياتي غني: # بني الحب على الجور فلو # فعلمت إنها داهية، فبكت، فصاح الرشيد، فخرج الجواري وبقي هو وهي، فدفعها ~~وأخذ وسادة فجعلها على وجهها، وجلس عليها فاضطربت اضطرابا شديدا، ثم بردت ~~فنحى الوسادة عنها، وقد قضت نحبها، فخرج وقال للخادم: «إذا كان غدا فادخل ~~وعزني» ، وركب متوجها إلى قصره، فلما كان الغد، عزاه مسرور فبكى، فقال: # PageV01P266 # قبر عزيز علينا ... لو أن من فيه يفدى # أسكنت قرة عيني ... ومهجة النفس لحدا # ما إن أرى لي عليها ... من التوجع بدا # ومنه ما حكي عن البهائم: قال شيخ من بني قشير: كنا في نتاج، فامتنع فرس ~~من حجرة، فشددنا عينه، فنزا عليها، فلما فرغ فتحنا العصلة فرأى الحجرة ~~وكانت أمه، فعمد إلى ذكره بأسنانه فقطعه. # ومنه في خفة الغيرة، قال سليمان بن داود الهاشمي لابنه: «لا تكثر الغيرة ~~على أهلك فترمى بالشر من أجلك، وإن كانت برئية، ولا تكثر الضحك، فيستخفك ~~فؤاد الرجل الحليم، وعليك بخشية الله، فإنها غلبت كل شيء» . # وقال عبد الله بن جعفر لابنته: «إياك والغيرة، فإنها مفتاح الطلاق، وإياك ~~وكثرة ms174 العتب، فإنه يورث البغضاء، وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة، وأطيب ~~الطيب الماء» . # قيل: وكان كسرى أبرويز يتعشق امرأة رجل كان من مرازبته، يقال له ~~البارجان، وكانت تأتيه سرا، فبلغ زوجها ذلك فأمسك عن امرأته، واجتنبها، ~~ودخل إلى كسرى ذات يوم، فقال كسرى: «بلغني أن لك عين ماء عذبة، وأنك قد ~~اجتنبتها فلا تقربها» ، ففطن، فقال له: «أيها الملك بلغني أن الأسد ينتاب ~~تلك العين، فاجتنبها خوفا منه» ، فأعجب كسرى بمقالته وأمر أن يتخذ له تاج ~~لا قيمة له، ثم دخل كسرى دار نسائه فقاسمهن نصف حليهن، فاجتمع من الجوهر ما ~~لا يحصى فبعث به إلى امرأة البارجان بالقادسية، ووقع ذلك الجوهر إلى السائب ~~بن الأقرع، وكان على المقسم، فباعه وجعل للمسلمين بكتاب عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه. # وقال بعضهم: «كنت أغار على امرأتي فأشرفت علي يوما وأنا مع جارية لي، ~~فلقيت منها أذى حتى حلفت أن أبيع الجارية، فخرجت أريد شراء حوائج لي ومعي ~~الجارية، فأتيت دكان خلال أشري الخل، فوجدته خاليا # PageV01P267 # فقلت له: «يا هذا تأذن لي في ملامسة جاريتي هذه في دكانك فإني أريد ~~بيعها» . # قال: «نعم! جعلت فداك ادخل حيث شئت» ، فأصبت منه الجارية، فلما خرجت إذا ~~الخلال قد كمن ناحية وهو في قميص قد أنعظ «1» فقال: # «فرغت» ، قلت: «نعم» ، قال: «بسم الله، أتأذن لي جعلت فداك» ، قلت: «ويلك ~~ما تريد» ! قال: «أقضي وطري منها» ، قلت: «يابن الفاعلة حرمتي» ، قال: «لا ~~يضرك شيئا، فإني أسرع» ، ثم وثب كأنه السبع، فضاربته حتى تخلصت الجارية بعد ~~كل جهد. # قال: ودخل رجل من بني زهرة من أهل المدينة على قينة، فسمع غناءها عند ~~مولاها، فخرج مولاها في حاجة ثم رجع، فإذا جاريته على بطن الزهري، فقامت ~~مذعورة، فقعدت تبكي، فقال: «ما يبكيك» ؟ قالت: # «لأنك لا تقبل لأجله عذرا» ، قال: «يا زانية لو رأيتك على قفاك لقلت: # صريع مغلوب، ولو رأيتك على وجهك لقلت: وعاء مكبوب، إنما رأيتك فارسا ~~مصلوبا» . # وحكي عن ثمامة إنه قال للمهدي: إن النساء شققن شقا، ms175 وإن هشيمة نقبت نقبا» ~~، وكانت هشيمة امرأة ثمامة، فسأله المهدي أن ينزل عنها ففعل، وأقام المهدي ~~حتى انقضت عدتها ثم تزوجها، وبنى بها ثم طلقها، وخرج إلى بيت المقدس، فلما ~~انقضت عدتها راجعها زوجها. # وقال أبو طاهر أنشدني بعض الشعراء يهجو بني القعقاع: # بني القعقاع أكرمكم لئيم ... وأعظم مجدكم ركب حليق # وأنتم في نسائكم اتساع ... وفي أخلاقكم نكد وضيق # وعن عبد الله بن ياسين قال: كان في المهدي غزل، وشدة حب للخلوة بالنساء، ~~فبلغه عن ابنة لأبي عبيد الله كاتبه، جمال، فقال # PageV01P268 # للخيزران «1» : «استزيريها» ، فزارتها، وجاءت إليها، فقالت لها: «هل لك ~~في الحمام» ؟ قالت: «نعم» ، فلما دخلت الحمام، وافاها المهدي، فبرزت له، ~~ولم تستتر عنه، فقال لها المهدي: «إنا وليك فزوجيني نفسك» ، فقالت «أنا ~~أمتك» ، فتزوجها ونال منها، فلما انصرفت أخبرت أخوتها بما كان، فقالوا: ~~«أمسكي عنه» ، فلما كان بعد مدة، قالوا لها: # «استزيري الخيزران» ، فاستزارتها، فلما صارت إليها قالت: «هل لك في ~~الحمام» ؟ قالت: «نعم» ، فلما دخلتا معا ما شعرت الخيزران إلا ببني أبي ~~عبيد الله قد عمدوا عليها فاستترت عنهم، فقالوا: «لو أردنا أن نفعل كما ~~فعلتم بحرمتنا لفعلنا، ولكنا لا نستحل» ، فقالت لهم: «والله لو رمتم ذلك ~~لأمرت الخدم بقتلكم» ، فانصرفوا، فلما رجعت الخيزران، أخبرت المهدي بذلك، ~~فكان السبب في قتل المهدي محمد بن أبي عبيد على الزندقة. # وبلغه أيضا عن عونة بنت أبي عون، جمال وهيئة، فقال للخيزران: # «استزيريها» فاستزارتها، فقالت لها الخيزران: «هل لك في الحمام» ؟ # قالت: «نعم» ، فلما دخلتا ما شعرت إلا بالمهدي قد وافاها، فاستترت ~~بالخيزران وقالت: والله لئن دنوت مني لأضربن بالكرنيب وجهك» ، فقال: # «ويلك إنما أردت أن أتزوجك» ، قالت: «لا سبيل إلى ذلك» ، فانصرف عنها، ~~فأخبرت أباها، فقال: «لا حسنت في فعلك» . # PageV01P269 ### | محاسن القيادة # قال الحسن الجرجاني: حدثني سهم بن عبد الحميد الحنفي قال: # خرجت من الكوفة أريد بغداد، فلما نزلت، بسط غلماننا وهيأوا غداءنا، فإذا ~~نحن برجل حسن الوجه والهيئة، على برذون فاره، فصحت بالغلمان فأخذوا دابته، ~~فدعوت بالغداء، فبسط ms176 يده غير محتشم، وما أكرمته بشيء إلا قبله، وكنا كذلك ~~إذ جاء غلمانه بثقل كثير، وهيئة جميلة، فتناسبنا فإذا هو طريح بن إسماعيل ~~الثقفي، فارتحلنا في قافلة منا لا يدرك طرفاها، فقال طريح: # «ما حاجتنا إلى هذا الزحام، وليست بنا إليهم وحشة، ولا علينا خوف، فإذا ~~خلونا بالخانات والطرق كان أروح لأبداننا» ، قلت: «ذلك إليك» ، فنزلنا من ~~الغد الخان، وتغدينا وإلى جانبنا نهر ظليل بالشجر، فقال: «هل لك أن تستنقع ~~فيه» ؟ فمررنا إليه، فلما نزع ثيابه إذا بين جنبيه آثار ضرب كثير، فوقع في ~~نفسي منه شر، فنظر إلي ففطن وتبسم، وقال: «قد رأينا ذعرك بما ترى، وحديث ~~ذلك يجري إذا سرنا بالعشية» فلما سرنا قلت له: # «الحديث» قال: «نعم، قدمت من عند الوليد بن يزيد بالغناء واليسار، وكتب ~~إلى يوسف بن عمر، فلما أتيته ملأ يدي خيرا، فخرجت مبادرا إلى الطائف، فلما ~~امتد بي الطريق وليس يصحبني فيه أحد، عن لي إعرابي على قعود له، فحدث أحسن ~~الحديث، وروى الشعر، فإذا هو راوية، فأنشد فإذا هو شاعر، فقلت: «من أين ~~أقبلت» ؟ قال: «لا أدري» ، قلت: «وما القصة» ؟ قال: «أنا عاشق لامرأة قد ~~أفسدت علي عيشي، وقد حذرني أهلها، وجفاني لها أهلي، وإنما أستريح بأن أنحدر ~~إلى الطريق مع منحدر، وأصعد مع مصعد» ، قلت: «فأين هي» ؟ قال: «تنزل غدا ~~بازائها» ، # PageV01P271 # فلما نزلنا أراني طريقا عن يسار الطريق، فقال: «ترى ذلك الطريق» ؟ # فقلت: «أراه» ، قال: «فترى الخيم التي هناك» ؟ قلت: «نعم» ! قال: # «فإنها في الخيمة الحمراء» ، فأدركتني أريحية الحدث، فقلت: «والله إني ~~آتيها برسالتك» ، فمضيت حتى انتهيت إلى الخيم، فإذا امرأة ظريفة جميلة ~~كأنها مهرة عربية، فذكرته لها، فزفرت زفرة كادت تنتقض أضلاعها، وقالت: «أو ~~حي هو» ! قلت: «نعم، تركته في رحلي وراء هذا الطريق» ! قالت: «بأبي أنت ~~وأمي، أرى لك وجها حسنا يدل على الخير، فهل لك في أمر» ؟ قلت: «فقير إليه» ~~! قالت: «البس ثيابي، فأقم مكاني، ودعني حتى آتيه وذلك عند مغيربان الشمس، ~~فإنك إذا أظلم الليل أتاك زوجي» ms177 ، فقال لك: «يا فاجرة، ويا هنة ابنة الهنة» ~~، فيوسعك شتما فأوسعه صمتا. ثم يقول في آخر كلامه: «اقمعي سقاءك، يا عدوة ~~الله، فضع القمع في هذا السقاء، وإياك وهذا السقاء الآخر فإنه واه» ! قلت: # «نعم» ، فأجبتها إلى ما سألت، فجاء الزوج على ما وصفت، وقال: # «اقمعي سقاءك» فحيرني الله إن تركت الصحيح، وقمعت الواهي، فما شعر إلا ~~باللبن يتسبب بين رجليه، فعدا إلى كسر الخيمة، وحل متاعه، وتناول رشاء من ~~قد مدبوغ ثم ثناه باثنتين، فجعل لا يتقي رأسا ولا وجها ولا رجلا، حتى خشيت ~~أن يبدو له وجهي، فتكون الأخرى، فألزمت وجهي الأرض، فعمل بظهري ما ترى، ~~فلما تغيب عني، جاءت المرأة باكية، فرأت ما بي من الشر، واعتذرت وأخذت ~~ثيابي وانصرفت» . # قال وحدث بهذا الحديث محمد بن صالح بن عبد الله ابن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب صلوات الله عليه «بسر من رأى» ، سنة أربعين ومائتين، وكان حمل من ~~البادية إلى المتوكل فأطلقه، وكان إعرابيا فصيحا، فعجب منه، وكان حسن الوجه ~~نجيبا، قلما رأيت في الفتيان مثله، قال: كان منا فتى يقال له الأشتر بن عبد ~~الله، وكان سيد بني هلال، وأحسنهم وجها، وأسخاهم كفا، وكان معجبا بجارية ~~يقال لها «جيداء» ، بارعة الجمال، فلما اشتهر أمرهما، وظهر خبرهما، وقع ~~الشر بين أهل بيتيهما، حتى قتل بينهما # PageV01P272 # القتلى، فافترقوا فريقين، فلما طال على الأشتر البلاء، جاءني يوما وقال: # «هل فيك خير» ؟ قلت: «عندي ما أحببت» ، قال: «تساعدني على زيارة جيداء» ~~قلت: «بالحب والكرامة» ، فانهض إذا شئت» . # قال: فركبنا وسرنا يوما وليلة والغداة حتى المساء، فنظرنا إلى أدني سرب ~~لهم، فأنخنا رواحلنا في شعب وقعدنا هنا، وقال: «يا نمير، اذهب وأنشد واذكر ~~لمن يلقاك إنك طالب ضالة، ولا تعرض بذكرى بشفة ولا لسان، إلى أن تلقى ~~جاريتها فلانة، راعية الضأن، فتقرئها مني السلام، وتسألها عن الخبر، ~~وتعلمها بمكاني» . # قال: فخرجت لا أتعدى ما أمرني به، حتى لقيت الجارية، فأبلغتها الرسالة، ~~وأعلمتها بمكانة وسألتها عن الخبر، فقالت: «هي مشدد عليها، ms178 محتفظ بها، وعلى ~~ذلك فموعد كما عند الشجرات اللواتي عند أعقاب البيوت، مع صلاة العشاء» ، ~~فانصرفت فأخبرته، ثم قدنا رواحلنا حتى أتينا الموعد في الوقت الذي وعدتنا ~~فيه، فلم نلبث إلا قليلا حتى إذا جيداء تمشي، فدنت منا، فوثب إليها الأشتر، ~~فتصافحا وسلم عليها، ووثبت موليا عنهما فقالا: «أقسمنا عليك إلا رجعت، فو ~~الله ما بيننا من ريبة ولا قبيح نخلو به دونك» ، فانصرفت إليهما، وجلست ~~معهما، فقال الأشتر: «ما فيك حيلة يا جيداء فنتزود منك الليلة» ؟ قالت: ~~«لا، والله، ما إلى ذلك سبيل إلا أن أرجع إلى الذي تعلم من البلاء والشر» ! ~~فقال: «لا بد من ذلك ولو وقعت السماء على الأرض» ، قالت: «فهل بصاحبك خير» ~~؟ قلت: # «بلى، وهل الخير إلا عندي؟ فاسألي ما بدا لك، فإني منته إليه، ولو كان في ~~ذلك كله ذهاب نفسي» ، فألبستني ثيابها، وأخذت ثيابي ثم قالت: # «اذهب إلى خبائي فادخل في ستري، فإن زوجي يأتيك مع العتمة، فيطلب منك ~~القدح ليحلب فيه، فلا تأخذه منه حتى يطيل عليك نكدك، ثم خذه أو ذره حتى ~~يضعه ثم يستبد بردائه، ولست تراه حتى يصبح» ، فذهبت ففعلت ما أمرتني به حتى ~~جاء بالقدح فيه اللبن فأطلت نكدي عليه، ثم أهويت لآخذه فاختلفت يدي ويده، ~~وانكفأ القدح، فانفق منه اللبن، فقال: «إن هذا # PageV01P273 # الطماح مفرط» ، وضرب يده إل جانب الخباء فاستخرج سوطا، فضربني مقدار ~~ثلاثين سوطا حتى جاءت أمه وأخواته فانتزعوني منه، ولا والله ما فعلوا ذلك ~~حتى زايلتني روحي، وهممت أن أوجره بالسكين، فلما خرجوا عني وهو معهم، قعدت ~~كما كتب الله، فما لبثت إن جاءت أم جيداء، فحدثتني وهي تحسبني ابنتها ~~فألقيتها بالسكوت، وتغطيت بثوبي دونها، فقالت: «يا بنية اتقي الله، ولا ~~تتعرضي للمكروه من زوجك، فذلك أولى بك» ، ثم خرجت من عندي فقالت: «سأرسل ~~إليك أختك تؤنسك وتبيت الليلة عندك، فلم ألبث أن جاءت الجارية تبكي، وتدعو ~~على من ضربني، وأنا لا أكلمها ثم اضطجعت إلى جانبي فلما استمكنت منها، شددت ~~يدي على فمها، ms179 وقلت: «يا هذه تلك أختك مع الأشتر، وقد قطع ظهري بسببها، ~~وأنت أولى من ستر عليها فاختاري لنفسك ولها فو الله لئن تكلمت لتكونن فضيحة ~~شاملة» ثم رفعت يدي عن فيها، فاهتزت مثل القصبة من الروع، وباتت معي ونلت ~~منها الشهوة التامة، ورافقتني أصلح رفيق رافقته، ولم أذق شيئا إلذ مما ذقت ~~منها قط، فلم نزل نتحدث وتضحك مني ومما بليت به، حتى برق النور، وجاءت ~~جيداء فلما رأتنا ارتاعت وقالت: «من هذا عندك» ؟ # قلت: «أختك» ، قالت: «وما، السبب» ؟ قلت: «هي تخبرك فإنها عالمة به» ~~وأخذت ثيابي، وأتيت صاحبي فأخبرته بما أصابني، وكشفت له عن ظهري، فإذا فيه ~~ما الله به عليم» ، فقال: «لقد عظمت منتك عندي، ووجب شكرك، وخاطرت بنفسك، ~~فلا حرمني الله مكافأتك» . # وعن رجل من بني عامر أنه خرج وهو غلام ما بقل «1» وجهه، وكان ذا جمال ~~وهيئة، صاحب غزل، فهجم على قوم يتحملون، وقد شدوا أثقالهم وبرزوا، وإذا ~~امرأة جميلة قد تخلفت على جمل لها لإصلاح شأنها، قال: # فوقفت عليها، فإذا هي أحسن خلق الله وجها، وأغزله وأملحه، فتلاقينا كلاما ~~غير كثير، فقالت: «أسألك شيئا فهل لك به علم» ؟ قلت: # «سلي» ، قالت «أيهما أحسن جردة الرجل أم المرأة» ، قلت: «الرجل» ، # PageV01P274 # قالت: «بل المرأة، فإن أحببت أن تعلم ذلك علمته» ، قلت: «وكيف أعلمه» ؟ ~~قالت: «أتجرد لك من ثيابي وأرميها عني ثم أمشي حتى أبلغ الأكمة، ثم أقبل ~~حتى آتيك فتعطيني عهد الله وميثاقه لتفعلن كما فعلت» ، فقلت: «لك عهد الله ~~إن فعلت لأفعلنه» ، قال: «فألقت ثيابها عن أحسن ما نظرت إليه قط، بياضا ~~ونظافة وحسنا، فلما انتهت إلي قالت: «الوفاء» ، قلت: «الوفاء، ونعمة عيني» ~~، فخلعت ثيابي وأنا كأبهى الفتيان وأهيأهم حتى مضيت بعد الغاية، فلما انتصف ~~بي المدى سمعت خرخرة جملي، فإذا هي قد جالت على ظهره لابسة ثيابي، متنكبة ~~قوسي، قد لزمت المحجة، فناديتها فلم تعرج علي، ولبست ثيابها وتخمرت ~~بخمارها، وركبت بعييرها وزجرته، فانبعث بي أثر الحي وأخذت شق الوحشي، حتى ~~ما أراها وجعلت أكف ms180 عن الجمل، إذ خشيت أن الحق الظعن حتى رأوني من بعيد، ~~وجعلوا ينادون: «ويحك أقبلي» ! وأنا صامت لا أتكلم ولا أتقدم، فلما طال ~~عليهم أمري، بعثوا بجارية لهم مولدة، فأقبلت تعدو حتى أتتني ونشطت خطام «1» ~~الجمل من يدي، وأنا متبرقع أحسن الناس وجها وعينا. فنظرت الجارية في وجهي ~~ساعة، ثم قالت: «لقد أمسيت حديدة الطرف» ، وقادت الجمل حتى أتت الحي، فقالت ~~أم الجارية: «يا بنية لقد استحيت من الناس مما دعوتك العشية» ، ثم تأملت ~~ونظرت وسائر النساء. وقالت إحداهن: «والله إنه لرجل فطن» ، وأنزلتني العجوز ~~وأدخلتني الستر؛ وقالت: «من أنت لا أفلحت» ؟ قلت: «بل ابنتك لا أفلحت، ولا ~~أنجحت» ، وقصصت عليها قصتها، فقالت: نشدتك الله ألا أعرتني نفسك هزيعا من ~~الليل فإنا كنا على أن نبني بابنتي صاحبة الجمل الليلة وما في الحي رجل غير ~~زوجها، وهو إنسان فيه لوثة ولا بد من أن أدخلك عليه فإنك غلام أمرد، فلا ~~ينكرك ولا أراه أقوى منك إن اعتركتما فلك عندي يد بيضاء» . # وأقبلت وأخت لابنتها وخالتها فألبسنني ثوب العروس وطينني، ثم دلفن # PageV01P275 # بي نحو الرجل، بعيد العتمة، وقالت أمها: «أنا لك الفداء، تجلد ساعة ~~بالامتناع، فإنه منصرف عنك. وستأتيك الكافرة» . فأدخلتني على مثل الأسد إلا ~~أن به لوثة كما قالت فاعتركنا حتى أعيا، وكف عني، وطال بي الليل حت سمعت ~~خرخرة جملي، فلم ألبث إلا هنيهة حتى جاءت أمها وخالتها وهي معهما، فجعلتها ~~مكاني، وفتشت عن سرها فإذا هي قد ظلت مع إنسان كانت تهواه. وأتيت ثيابي، ~~فنهضت مبادرا لا ألوي على شيء حذرا مما لقيت. # قال: وملك النعمان بن المنذر أربعين سنة، فلم تر منه سقطة غير هذه، وهو ~~أنه ركب يوما فبصر بجارية قد خرجت من الكنيسة، فأعجبته لجمالها، فدعا بعدي ~~بن زيد، وكان نديمه ووزيره، فقال له: «يا عدي! لقد رأيت جارية لئن لم أظفر ~~بها أنه الموت، ولا بد من أن أتلطف أو تتلطف لي حتى تجمع بيني وبينها» ، ~~قال: «ومن هي» ؟ قال: «سألت عنها فقيل: هي ms181 امرأة حكم بن عمرو رجل من أشراف ~~الحيرة» . قال: «فهل أعلمت أحدا» ! قال: «لا» ، قال: «فاكتمه فإذا أصبحت، ~~فجدد الحكم كرامة وبرا» . # فلما أذن للناس بدأ به فأجلسه معه على سريره وكساه، فاستعظم الناس ذلك، ~~فلما أصبح بدأ أيضأ بالأذن له وجمله فأنكر الناس ذلك. فقالوا: «ما هذا إلا ~~لأمر» . فصنع به ذلك أياما؛ ثم قال له عدي: «أيها الملك، عندك عشر نسوة، ~~فطلق إحداهن، ثم قل له فليتزوجها» ففعل، فلما دخل عليه، قال: «يا حكم ما ~~كانت نفسي تسمح بهذا لولد فتزوج فلانة، فقد طلقتها» ، فخرج حكم إلى عدي ~~فقال: «يا أبا عويمر، ما صنع الملك بأحد ما صنع بي، وما أدري بما أكافيه» . ~~قال له عدي: «طلق امرأتك كما طلق لك امرأته» ، ففعل وحظي بها عدي عنده، ~~وعلم حكم أنه قد مكر به في امرأته. وفيه يقول الشاعر: # ما في البرية من أنثى تعادلها ... إلا الذي أخذ النعمان من حكم # وحدث الفضل بن العباس عن الزبير بن بكار، عن محمد بن بشير # PageV01P276 # الخارجي قال: «قدم علينا رجلان من أهل المدينة يصيدان ومعهما نسوة، ~~والفساطيط مضروبة. وكان سليمان بن عبد الله الأسلمي وابن أخ له مقيمين ~~بناحية الروحاء. فأرسل النسوة إلى سليمان وابن أخيه: «أما لكما حاجة في ~~الحديث» ؟ فرد الرسول: «إن يكن لنا فيه حاجة، فكيف لنا بذلك مع أزواجكن» ؟ ~~فقلن: «إنما خرج أزواجنا للصيد وقد بلغنا إن لكما صاحبا يعرف من طلب الصيد ~~ما لا يعرفه غيره فلو طرح لهم شيئا من ذكره لا سرعوا إليه، وتخلفتم وتحدثتم ~~ما شئتم» ، يعنين به محمدا بن بشير، فمضى إليه سليمان وابن أخيه فقال: «يا ~~أبا محمد! أرسل إلينا النسوة بكذا وكذا، وسألنني أن أخرجك إلى الصيد، فقلت: ~~«لا والله لا أفعل ولا أتعب ولا أنصب وأنتم تتلهون وتتحدثون أنا لذا أشد ~~حبا، وأكثر صبابة وشوقا فأرسلا إلى النسوة بمقالتي، فأرسلن إلي رسولا ~~وعاهدنني لئن أخرجتهم ليحتلن لي حتى أخلو معهن ليلة حتى الصبح» ، فصرت ~~إليهم، وذكرت لهم الصيد فخرجوا ms182 معي، فما زلت أحدثهم بالصدق حتى أخذت في ~~الكذب مما يضارع الصدق حتى أفنيته، فأقمت معهم ثلاثة أيام ولياليها، ثم ~~انصرفوا من غير أن اصطدنا شيئا، فقلت في ذلك: # إني انطلقت معي قوم ذوو حسب ... ما في خلائقهم زهو ولا حمق # إني لأعجب منهم كيف أخدعهم ... أم كيف آفك قوما ما بهم رهق «1» # أظل في الأرض ألهيهم وأخبرهم ... أخبار قوم وما كانوا ولا خلقوا # ولو صدقت لقلت القوم قد دخلوا ... حين انطلقنا وإني ساعة انطلقوا # فلو أجاهد ما جاهدت دونكم ... في المشركين لأدركت الأولى سبقوا # إن كنت أبدا جاري من حلائلكم ... والدهر ذو عنف أيامه طرق # فإن كل جديد عائد خلقا ... فلن يعود جديدا ذلك الخلق # قال: فظفر أصحابي بالحديث والمغازلة، وأنا بالجهد والخيبة مع أتم القيادة ~~«2» والتعب وكذب المحادثة. وحدثنا وهب بن سليمان عن عمه الحسن # PageV01P277 # بن وهب قال: خرج محمد بن عبد الملك الزيات من عند الواثق ومزيد بن محمد ~~بن أبي الفرج الهاروني وكيل عبد الله بن طاهر، فإذا بجارية حسناء في منظرة ~~لها، فلما بصرت به ورأت موكبه، وكان جميلا طريفا، أو مأت إليه السلام وأو ~~مأت بيدها إلى صدرها، فأعجب بها فلما صار إلى منزله، دخلت إليه، فرأيته ~~بخلاف ما عهدت، وكان لا يكتمني شيئا فقلت: «ما لي أراك مدلها يا أبا الحسن» ~~؟ قال: «رأيت شيئا أنا فيه مفكر» ، ثم أنشأ يقول: # وابأبي مخضب ... أومى إلينا بيده # أومى بها يخبرني ... راحته في كبده # أن الضنى في جسدي ... يخبرني عن جسده # فليس للحاسد إلا ... خصلة من حسده # ثم شرح لي القصة، ثم انصرفت من عنده، ووافيت مولى الجارية، فسألته أن ~~يبيعها، فقال: «اشتريتها للأمير عبد الله بن طاهر، وليس إلى بيعها من سبيل» ~~، فلم أزل به حتى اشتريتها بخمسين ألف درهم، ووجهت بها إليه، وكتبت إليه: # هذا محبك مطوي على كمده ... عبرى مدامعه تجري على جسده # له يد تسأل الرحمن راحتها ... مما به، ويد أخرى على كبده # فقبلها، وحسن موقعها عنده، فولاني خراج ديار ربيعة، فأصبت ms183 فيها [ألف] آلف ~~درهم. # قال السجستاني «1» : أرق الرشيد ذات ليلة، فوجه إلى عبد الملك الأصمعي، ~~وإلى الحسين الخليع، فأحضر هما، وشكا إليهما مدافعة نومه، وشدة أرقه، وقال ~~لهما: «عللاني بأحاديثكما، وابدأ أنت يا حسين» . # قال: «نعم يا أمير المؤمنين! خرجت في بعض السنين منحدرا إلى البصرة، # PageV01P278 # وممتدحا لآل سليمان، فقصدت محمد بن سليمان بقصيدتي، فقبلها وأمرني ~~بالمقام، فخرجت ذات يوم إلى المربد، وجعلت المهالبة طريقي، فأصابني حر ~~وعطش، فدنوت من باب دار كبير لأستسقي، فإذا أنا بجارية أحسن ما يكون كأنها ~~قضيب يتثنى، وسناء العينين، زجاء الحاجبين، مهفهفة الخصر، حاسرة الرأس، ~~مفتوحة الجرب؟؟؟؟، عليها قميص لاذجلناري، ورداء عدني، قد علت شدة بياض ~~بدنها حمرة قميصها، تتلألأ من تحت القميص بثديين كرمانتين، وبطن كطي ~~القباطي، وعكن مثل القراطيس، لهما جمة جعدة، بالمسك محشوة، وهي، يا أمير ~~المؤمنين متقلدة خرزا من ذهب، والجوهر يزهو بين ترائبها، وعلى صحن جبينها ~~طرة كالسبج، وحاجبان مقرونان، وعينان كحلاوان، وخدان أسيلان، وأنف أقنى، ~~تحته ثغر كاللؤلؤ وأسنان كالدر، وقد غلب جربانها سواد السمك والغالية ودابر ~~العود الهندي، على لبتها عبق الخلوق وهي والهة حيرى، واقفة في الدهليز، ~~وجائية تخطر في مشيتها، قد خالط صرير نعلها أصوات خلخالها كأنها تخطر على ~~أكباد محبيها، فهي كما قال الأفوه الأودي: # ليس منه ما يقال لها ... كملت لو أن ذا كملا # كل جزء من محاسنها ... كائن من حسنها مثلا # لو تمنت في براعتها ... لم نجد في حسنها بدلا # فهبتها، والله، يا أمير المؤمنين، ثم دنوت منها لأسلم عليها، فإذا الدار ~~والدهليز والشارع قد عبقت بالمسك. فسلمت عليها، فردت السلام بلسان منكسر، ~~وقلب حزين محرق، فقلت لها: «يا سيدتي! إني شيخ غريب أصابني عطش، فأمري لي ~~بشربة من ماء، تؤجري» . قالت: «إليك عني، يا شيخ، فإني مشغولة عن سقي الماء ~~وادخار الأجر» ! فقلت لها: «يا سيدتي، لأية علة» ؟ قالت: «لأني عاشقة من لا ~~ينصفني، وأريد من لا يريدني، ومع ذلك فإني ممتحنة برقباء فوق رقباء» . قلت ~~لها: «يا سيدتي، هل على ms184 بسيط الأرض من تريدينه ولا يريدك» ؟ قالت: «إنه ~~لعمري على ذلك الفضل الذي ركب الله فيه من الجمال والدلال» . قلت لها: «يا # PageV01P279 # سيدتي، فما وقوفك في الدهليز» ؟ قالت: «هو طريقه، وهذا أوان اجتيازه» . ~~قلت لها: «يا سيدتي، هل اجتمعتما في خلوة في وقت من الأوقات، أم حب مستحدث» ~~! فتنفست الصعداء، وأرخت دموعها على خديها كطل على ورد، وأنشأت تقول: # وكنا كغصني بانة وسط وردة ... نشم جنى اللذات في عيشة رغد # فأفرد هذا الغصن من ذاك قاطع ... فيا من رأى فردا يحن إلى فرد # قلت لها: «يا هذه، ما بلغ من عشقك هذا الفتى» ؟ قالت: «أرى الشمس على ~~حائطهم أحسن منها على حائط غيرهم؛ وربما أراه بغتة، فأبهت وتهرب الروح عن ~~جسدي، وأبقى الأسبوع والأسبوعين بغير عقل» ؛ قلت لها: «عزيز علي، وأنت على ~~ما بك من الضنى وشغل القلب بالهوى، وانحلال الجسم وضعف القوى، ما أرى من ~~صفاء اللون، ورقة البشر، فكيف لو لم يكن بك من الهوى شيء، أراك كنت مفتنة ~~في أرض البصرة» . # قالت: «كنت، والله، يا شيخ، قبل محبتي لهذا الغلام، تحفه الدلال والجمال ~~والكمال، ولقد فتنت جميع ملوك البصرة، وفتنني هذا الغلام» . # فقلت: «يا هذه، ما الذي فرق بينكما» قالت: «نوائب الدهر، وأوابد الحدثان، ~~ولحديثي وحديثه شأن من الشان، وأنبيك أمري: # إني كنت أفصدت، في بعض أيام النيروز، فأمرت، فزين لي وله مجلس بأنواع ~~الفرش، وأواني الذهب؛ ونضدنا الرياحين والشقائق والمنثور وأنواع البهار، ~~وكنت دعوت لحبيبي عدة من متظرفات البصرة، فيهن من الجواري، جارية «شهران» ، ~~وكان شراؤها عليه من مدينة عمان ثمانمائة ألف درهم؛ وكانت الجارية ولعت بي، ~~وكانت أول من أجابت الدعوة، وجاءتني منهن؛ فلما حصلت عندي، رمت بنفسها علي، ~~تقطعني عضا وقرصا. ثم خلونا نتمزز القهوة إلى أن يدرك طعامنا، ويجتمع من ~~دعونا، فتارة هي فوقي، وتارة أنا فوقها، فحلمها السكر على أن ضربت يدها على ~~تكتي فحلتها، ونزعت هي سراويلها، وصارت بين فخذي كمصير الرجال من النساء. ~~فبينا نحن كذلك، إذ دخل علي حبيبي، ms185 وقد التزق قرطي # PageV01P280 # بخلخالي؛ فلما نظر إلينا، اشمأز لذلك، وصدف عني وعنها صدوف المهرة ~~العربية إذا سمعت صلاصل اللجم، وعض على أنامله، وولى خارجا. # فأنا، يا شيخ، منذ ثلاث سنين، اسل سخيمته، وأستعطفه فلا ينظر إلي بعين، ~~ولا يكتب إلى بحرف، ولا يكلم لي رسولا. # قلت لها: «يا هذه، أفمن العرب هو أم من العجم» ؟ قالت: «هو من جلة ملوك ~~البصرة» . قلت: «من أولاد نيابها أو من أولاد تجارها» . # قالت: «من عظيم ملوكها» . قلت لها: «أشيخ هو أم شاب» ؟ فنظرت إلي شزرا ~~وقالت: «إنك لأحمق. أقول: هو مثل القمر ليلة البدر، أمرد أجرد، وطرة رقعاء ~~كحنك الغراب، تعلوه شقرة في بياض، عطر لباس، ضارب بالسيف، طاعن بالرمح، ~~لاعب بالنرد والشطرنج، ضارب بالعود والطنبور، يغني وينقر على أعدل وزن، لا ~~يعيبه شيء إلا انحرافه عني، لا نقصا لي منه بل حقدا لما رآني عليه» . قلت: ~~«يا هذه، وكيف صبرك عنه» ؟ فأنشأت تقول: # أما النهار، فمستهام واله ... وجفون عيني ساجفات تدمع # والليل، قد أرعى النجوم مفكرا ... حتى الصباح، ومقلتي لا تهجع # كيف اصطباري عن غزال شادن ... في لحظ عينيه سهام تصدع # وجه يضيء، وحاجبان تقوسا ... وكأن جبهته سراج يلمع # وبياض وجه قد أشيب بحمرة ... في وجنتيه كأنه مستجمع # والقد منه كالقضيب إذا زها ... والغصن في قنوائه يترعرع # تمت خلائقه، وأكمل حسنه ... كمثال بدر، بعد عشر، أربع # قلت لها: «يا سيدتي، ما اسمه، وأين يكون» ؟ قالت: «تصنع به ماذا» ؟ قلت: ~~«أجهد في لقائه، وأتعرف الفضل بينكما في الحال» ، قالت: «على شريطة» قلت: ~~«وما هي» ؟ قالت: «تلقانا إذا لقيته، وتحمل لنا إليه رقعة» . قلت: «لا أكره ~~ذاك» . قالت: «هو ضمرة بن المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، يكنى بأبي شجاع، ~~وقصره في المربد # PageV01P281 # الأعلى، وهو أشهر من أن يخفى» . ثم صاحت في الدار: «يا جواري، دواة ~~وقرطاسا» ! وشمرت عن ساعدين كأنهما طومارا فضة، ثم حملت القلم وكتبت: # «بسم الله الرحمن الرحيم، سيدي: تركي الدعاء في صدر رقعتي، ينبيء عن ~~تقصيري، ودعائي، إن دعوت، يكون ms186 هجنة. فلولا أن بلوغ المجهود يخرج عن حد ~~التقصير، لما كان لما تكلفته خادمتك من كتب هذه الرقعة معنى، مع إياسها ~~منك، وعلمها بتركك الجواب. # سيدي، فجد بنظرة، وقت اجتيازك في الشارع إلى الدهليز، تحي بها أنفسا ميتة ~~أسرى؛ واخطط بخط يدك، بسطها الله بكل فضيلة، رقعة فأجعلها عوضا من تلك ~~الخلوات التي كانت بيننا في الليالي الخاليات التي أنا ذاكرتها. # سيدي، ألست لك محبة، وبك مدنفة؟ فإن رجعت، مولاي، إلى الأشبه بك، ~~وأنقذتني من عوارض التلف، كنت لك خادمة، ولك شاكرة» . # فلما فرغت من الكتاب، يا أمير المؤمنين، ناولتني إياه، فقلت لها: # «يا سيدتي، قد وجب حقك علي، ولزمتك حرمتي لطول وقوفي عليك. # وكنت قد سألت شربة ماء» . قالت: «استغفر الله، ما فهمنا عنك» . ثم صاحت ~~في الدار: «أخرجن إلينا شرابا من ماء وغير ماء» . فما كان إلا أن أقبل ~~ثلاثون وصيفة، بأيديهن الطاسات والجامات والأقداح، مملؤة ماء وثلجا وفقاعا ~~وشرابا، فشربت الماء ثم قلت: «يا سيدتي، مع قدرتك على هذا من استواء الحال، ~~وكثرة الخدم والعبيد والجواري، فلم لا تأمرين إحدى الجواري أن تقف مراعية ~~للغلام، حتى إذا مر أعلمتك، فتخرجين إليه» ؟ قالت: «لا تغلط يا شيخ» ، ~~فتمثلت: # عبالة عنق الليث من أجل أنه ... إذا رام أمرا قام فيه بنفسه # ثم انصرفت عنها، يا أمير المؤمنين؛ فلما أصبحت غدوت على محمد بن سليمان ~~فوجدت مجلسه محتفلا بالملوك وأبناء الملوك، ورأيت غلاما قد # PageV01P282 # زان المجلس، وفاق من فيه حسنا وجمالا، قد رفعه الأمير فوقه، فسألت عنه، ~~فقيل: «ضمرة بن المغيرة» ، فقلت في نفسي: «بالحقيقة حل بالمسكينة ما حل، ~~هو، والله، قاتلها فيما أرى» . ثم قمت فقصدت المربد، ووقفت على باب داره، ~~فإذا هو قد ورد في موكب جليل، فوثبت إليه، وبالغت في الدعاء والثناء؛ ثم ~~دنوت منه، وفاوضته في الذي بيني وبينها، وناولته الرقعة، فلما قرأها ضحك، ~~ثم قال: «يا شيخ قد استبدلنا بها، فهل لك في أن تنظر إلى البديل» ؟ قلت: ~~«نعم» . فصاح في الدار: # «يا جواري، أخرجن ms187 إلينا لذيذا» . فما كان إلا أن طلعت جارية وضيئة ~~الكمين، ناهدة الثديين، تمشي مشية مستوحل، ترتج من دقة خصرها على كبر عجزها ~~ذات فخذين وعجيزتين تختطفان الأنفس اختطافا، على رأسها بطيخة من الكافور، ~~مكتوب علي جبينها: # آه «1» من الحب آه ... ما أقتل الحب وأضناه # ودون ذلك مكتوب: # عيارة قياسة في الخطى ... رخيمة الدل، صيود للرجال # وقد كتبت بالغالية على عصابتها ثلاث أسطر، وهي: # إذا غضبت رأيت الناس قتلى ... وإن رضيت فأرواح تعود # لها في عينها لحظات سحر، ... تميت بها، وتحيي من تريد # وتسبي العالمين بمقلتيها ... فكل العالمين لها عبيد!! # فناولها الرقعة، وقال: «اقرئي وأجيبي صاحبتك» . فلما قرأت الرقعة، اصفرت، ~~وعرقت، ومزقتها، وضربت بها في وجه الغلام، وغابت في الستر. فقال لي: «أما ~~أنت، يا شيخ، فاستغفر الله مما مشيت فيه» . # قلت: «بل أنت استغفر الله من هجرانك إياها، وتركك إتيانها. والله ما أرى ~~لها في البشر نظيرا» . قال: «لا أفعل، ولو أنها في حسن يوسف وكمال حواء» . # PageV01P283 # فخرجت، يا أمير المؤمنين، وأنا أجر ذيلي حتى وردت عليها؛ فاستأذنت ودخلت، ~~فبدأت بي، فقالت: «ما وراء الشيخ» ؟ قلت: # «البؤس واليأس» . قالت: «لا عليك. فأين الله والقدر» ؟ ثم أمرت لي ~~بخمسمائة دينار، وعشرة أثواب، وخرجت من عندها وأنا ممتدح لآل سليمان. فلم ~~يكن لي، والله، إلا معرفة خبرها في العام الذي عدت فيه إلى البصرة، فوردت ~~عليها، فوجدت على بابها أمرا، ونهيا، وأسبابا لا تكون إلا على باب الخلفاء. # فاستأذنت، فدخلت، فإذا فوق رأسها ثلاثون رجلا من شيوخ وشبان وخدم، وقوف ~~بسيوفهم، فلما نظرت إلي، عرفتني، ووثبت إلي، وقبلت رأسي، وقالت: «يا شيخ! ~~الحمد لله الذي جعل العبيد بالصبر ملوكا، وجعل الملوك بالتيه عبيدا، إن ~~الذين تراهم وقوفا، أصحاب «ضمرة» ، يسلون سخيمتي، ويسألونني الرجوع له، ~~والله، لا نظرت إليه في وجه، ولو أنه في حسن يوسف وكمال حواء» . فسجدت، يا ~~أمير المؤمينين شماتة بضمرة، وتقربا إلى الجارية. فقال بعض حجاب ضمرة: مهلا ~~يا شيخ، فمن طاب محضره، طاب مولده» . ثم انصرفوا. # فناولتني خريطة ms188 «1» فيها أوراق، فقالت: «هذا أول ما ورد علينا منه، فإذا ~~ثوب خز أبيض يقق، مكتوب فيه بماء الذهب: «بسم الله الرحمن الرحيم. لولا ~~تغاضي عليك، أدام الله حياتك، لو صفت شطرا من غدرك، ولبسطت سوط عتبي عليك، ~~وحكمت سيف ظلامتي فيك، إذ كنت الجانية على نفسك، والمظهرة لسوء العهد وقلة ~~الوفاء، المؤثرة علينا غيرنا، فخالفت هواي، وفرشت نفسك لها، على حالتي جد ~~وهزل، وصحو وسكر، والمستعان الله على ما كان من سوء اختيارك. وقد ضمنت ~~رقعتي هذه، أبيات شعر، أنت المتفضلة بالنظر إليها، وهي: # قطع قلبي فراقكم قطعا ... وكدت أقضي بينكم جزعا # PageV01P284 # ما تكحل العين بالرقاد ولا ... ينام جنبي في الليل مضطجعا # لا عيش لي مذ نأت ولا وجدت ... عيناي في الأرض قط متسعا # قلت لها: «أفلا تحدثينني كيف سليت عنه، وابتلى» ؟ قالت: # «كيف لا أحدثك» ؟ افتصدت «تفاحة» ، جارية محمد بن سليمان، فدعينا إلى ~~خورنق لمحمد بن سليمان، فلما طعمنا، دعت لنا بالشراب، فبينا نحن كذلك، إذا ~~بحراقة سلطانية قد وردت، وفيها عدة من أبناء الملوك، وفيهم هذا العيار، ولا ~~علم لي بمكانه، وكنت حملت العود وغنيت: # أبلى فؤادي وشفني الأرق ... والدمع من مقلتي يستبق # من حب ظبي أغن ذي دعج ... وقلبه للشفاء منطبق # فلما وجبت العتمة انصرفنا، وأبطأت الجارية، وأتاني هؤلاء القوم من عنده ~~يسلون سخيمتي، ويستعطفونني عليه. # ثم انصرفت عنها، يا أمير المؤمنين، ودخلت الحمام من ساعتي، فما كان إلا ~~أن دخلت، حتى أتاني غلامي، فقال: «جماعة من جلة الناس قد طرقوا دارك ~~يطلبونك» . فلبست ثيابي، وخرجت مسرعا، فإذا بضمرة قد كبس داري في عدة من ~~الرؤساء، فقال: «والله لا برحنا، حتى تنفق علينا الخمسمائة دينار التي ~~أخذتها من الجارية، سيدتي» . قلت: «أي والله، بالسمع والطاعة» . # ثم جذبني إلى نفسه، فلم يزل يناظرني في أمرها حتى أقبل المساء، ثم انصرف ~~إلى رحله. فلما كان من الغد، وردت له رقعة مع خادم، وكيس فيه الف دينار، ~~واستزارني، فقبلت ذلك، وصرت معه إليه. فلما نظر إلي، تنحى عن مقعده، ~~وأقعدني، ms189 ثم قال: «هذا قد أعددته، للنيروز، لسيدتي هدية، وأنت أولى من تجشم ~~مع الخادم إليها» . قلت: «السمع والطاعة» . ثم صاح في الدار: «هاتوا ~~الهدية» . فإذا مائة تخت من ثياب، وصندوق من ذهب مقفل عليه، فقال لي: «في ~~التخت والصندوق مبلغ ثلاثين ألف دينار، وأنت أولى من تفضل بالإيصال» . # PageV01P285 # فصرنا إليها، واستأذنا، فلما مثلنا بين يديها، أنكرتني وقالت: «من الشيخ» ~~؟ قلت: «الخليع، شاعر العراق؛ ومعي هدية عبدك ضمرة» . # فصاحت في الدار: «تملك» ! فإذا جارية كأنها الظبية المنفلتة من الشبكة، ~~قالت لها: «خذي هذه الهدايا، وفرقيها على جواري الدار» ، ثم قالت: # «أيطمع الخنوص أن يجتمع معي، بعد قبولي الهدية، في ثلاثين سنة» ؟ # قلت لها: «العفو عند المقدرة يعدل عتق رقبة» ، قالت: «ففي خمس عشرة سنة» ~~؟ قلت لها: «أنقصيها، أولى بك» . قالت: «ففي ثلاث سنين» ، قلت لها: «حطة ~~أخرى، وقد اجتمعنا» ، قالت: «لا، والله، لا آكل ولا أشرب حتى آتيه» . # وأمرت أن يسرج؛ وبادرت إلى باب ضمرة مبشرا، فما وصلت أو سمعت صلاصل ~~اللجم، فإذا هي قد سبقتني في جواريها وخدمها. # فدخلت، فإذا هما يتعانقان ويتعاتبان، فقلت: يا سيدتي، ما أنتما إلى شيء ~~أحوج منكما إلى خلوة. قالا: هو ذاك! فانصرفت عنهما، ثم بكرت عليهما، فإذا ~~هي في المرقد الأول جالسة، عليها جبة وشيء مطير، وهي تعصر الماء عن ~~ذوائبها، وتصلح قرونها، فاستحيتني وقالت: لا تفكرن في ريبة، فو الله ما ~~صلينا البارحة، حتى بعثت إلى عبد الرحمن بن أبي ليلى القاضي، فزوجت نفسي ~~سيدي، ولكن صر إليه في المرقد الثاني. # فصعدت إليه، فلما نظر إلي، وثب إلي، وقبل بين عيني وقال: يا شيخ، قد جمع ~~الله بيني وبين سيدتي بك. ثم دعا بدواة وقرطاس، وكتب إلى ابن نوح الصير في ~~ثلاثة آلاف دينار؛ فرجعت إليها، فقالت: بماذا برك سيدي؟ فأقرأتها الرقعة، ~~فقالت: نعجل إليك مثلها، فدعت بمال وطيار ووزنت ثلاثة آلاف دينار، ودعت ~~بعشرة أثواب من ثياب مصر، وقالت: هذه وظيفتك علينا كل عام، فخرجت من عندي، ~~وأخذت مرفوعي من آل سليمان، ms190 وانصرفت إلى العراق. # وكان الرشيد متكئا، فاستوى جالسا وقال: أوه يا حسين، لولا أن ضمرة سبقني ~~إليها، لكان لي ولها شأن من الشأن. # PageV01P286 ### | أخبار الشعراء # ومنه مع الشعراء، قال: (استأذنت بنت لعبد الملك بن مروان في الحج فأذن ~~لها، وكتب إلى الحجاج يأمره بالتقدم إلى عمر بن أبي ربيعة أن لا يذكرها في ~~شعره، فلما بلغ عمر مقدمها، لم يكن له همة إلا أن يتهيأ بأجمل ما يقدر عليه ~~من الحلل والثياب. وضربت لها قبة في المسجد الحرام، فكانت تكون فيها نهارا، ~~فإذا أمست، تحولت إلى منزلها لتنظر إليه وتجلس بازاء القبة، وقد خبر عمر ~~بشأنها، فإذا أرادت الطواف، أمرت جواريها فيسترنها بالمطاريف، فكانت تتطلع ~~إلى عمر كثيرا، وكانت تسأل من دخل عليها عنه، رجاء أن يكون قد قال شيئا، ~~فلم يفعل، حتى قضت الحج، ورحلت، ونزلت من مكة على أميال، فأقبل راكب من ~~مكة، فسألته: من أين أقبلت؟ قال: من مكة، قالت: عليك وعلي قرية أنت منها، ~~لعنة الله. قال: ولم يا ابنة عبد الملك؟ قالت: قدمنا مكة فأقمنا أشهرا، فما ~~استطاع الفاسق عمر بن أبي ربيعة أن يزودنا من شعره أبياتا، كنا نلهو بها في ~~سفرنا هذا. قال: فلعله قد فعل، قالت: # فاذهب إليه واسأله، ولك في كل بيت يأتني به منه عشرة دنانير. # فأقبل الرجل، وأتى عمر بن أبي ربيعة، فأخبره الخبر، فقال له: قد فعلت، ~~ولكن أحب أن تكتم علي. قال: أفعل، ثم أنشده # راع الفؤاد تفرق الأحباب ... يوم الرحيل فهاج لي أطرابي # فظللت مكتئبا أكفكف عبرة ... سحا يفيض كوابل الأسراب # لما تنادوا للرحيل وقربوا ... بزل الجمال لطية وذهاب # كاد الأسى يقضي عليك صبابة ... والوجه منك لبين إلفك كابي # PageV01P287 # قالت سعيدة، والدموع ذوارف ... منها على الخدين والجلباب # ليت المغيري الذي لم نجزه ... فيما أطال تصيدي وطلابي # كانت ترد لنا المنى أيامنا ... إذا لا نلام على هوى وتصابي # أيام نكتم ودنا ونوده ... سرا، مخافة منطق المغتاب # أخبرت ما قالت، فبت كأنما ... يرمى الحشا ينوافذ النشاب # فبعثت جاريتي ms191 وقلت لها: اذهبي ... قولي لها في خفية وقراب # أسعيد، ما ماء الفرات وطيبه ... مني على ظمأ وطيب شراب # بألذ منك، وإن نأيت وقلما ... ترعى النساء أمانة الغياب # إن تبذلي لي نائلا أشفي به ... سقم الفؤاد، فقد أطلت عذابي # وعصيت فيك أقاربي، فتقطعت ... بيني وبينهم عرى الأسباب # فبقيت كالمهريق فضله مائه ... في حر هاجرة للمع سراب # ثم أتى إليها بالأبيات، فأعجبت بها، وأمرت جواريها بحفظها؛ ثم وفت له بما ~~وعدت، وسلمت إليه في كل بيت عشرة دنانير» . # وقال: أخبرنا محمد بن خلف، قال: أخبرني أبوبكر العامري، قال: حدثني موسى ~~بن أفلح، مولى فاطمة بنت الوليد بن عبد شمس بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ~~بن مخزوم، قال: حدثني بلال، مولى ابن أبي عتيق، قال: «قام الحارث بن عبد ~~الله بن عباس بن أبي ربيعة من الحج، فأتاه ابن أبي عتيق، فقال: «كيف تركت ~~أبا الخطاب» ؟ فقال: هجرت الثريا عمر، فقال: # من رسولي إلى الثريا، فإني ... ضقت ذرعا بهجرها، والكتاب # سلبتني مجاجة المسك عقلي ... فسلوها بما يحل اغتصابي # أبرزوها مثل المهاة، تهادى ... بين خمس كواعب أتراب # وهي ممكورة، تحير منها ... في أديم الخدين ماء الشباب # وتكنفنها كواعب بيض ... واضحات الخدود والأقراب # PageV01P288 # في سخاب من القرنفل والدر ... نفيس، واها له من سخاب # قلت لما ضربن بالسجف دوني ... ليس هذا لودنا بثواب # فتبدت، حتى إذا جن قلبي ... حال دوني ولائد بالثياب # حين شب القتول والعنق منها ... حسن لون يرف كالزرياب # ذكرتني ببهجة الشمس لما ... طلعت في دجنة وسحاب # دمية عند راهب وقسيس ... صوروها في مذبح المحراب # فارجحنت في حسن خلق عميم ... تتهادى في مشيها كالحباب # ثم قالوا: تحبها؟ قلت، بهرا ... عدد الرمل، والحصى، والتراب # وقال لغلامه: «انطلق بكتابي هذا إلى ابن أبي عتيق بالمدينة، فادفعه إليه، ~~فأقبل الغلام بالكتاب، حتى دفعه إليه» . فلما قرأه، قال: «والله أنا رسوله ~~إليها» . فسار، حيث قدم مكة لا يعلم به أهله؛ فأتى منزله، فوجده غائبا، ~~فانطلق غلام إلى عمر، فقال: «إن رجلا قدم وهو يطلبك، من شأنه ms192 وهيئته كذا» ، ~~قال: «ويحك، ذاك ابن أبي عتيق، اذهب إليه فقل له: إن مولاي يأتيك الآن» . # وكان عمر على فرسخين، بل على رأس ثلاثة أميال من مكة، فأتاه الغلام ~~فأخبره، فقال: «اسرج لي أنت برذون عمر، فإن دابتي قد تعبت وكلت» . فاسرجه ~~له، فركب وأتى الحمى، فصهل البرذون، وسمعت الثريا صهيله، فقالت لجواريها: ~~«هذا هو بذرون الخبيث عمر» . ثم دعت ببغلة لها، فوضعت عليها رحلها، فخرجت، ~~فإذا هي بابن عتيق، فقالت: # «مرحبا بعمي. ما جاء بك يا عم» قال: «أنت والفاسق جئتما بي» قالت: # «أما والله لو بغيرك تحمل علينا، ما أجبناه؛ ولكن ليس لك مدفع أمر ربنا ~~نحوه» ؛ فأقبل حتى انتهى إلى عمر، فخرج عمر إليه، وقبل يده، ثم قال: «انزل، ~~جعلني الله فداك» . فقال: «ماء مكة حرام علي حتى أخرج منها» . ثم دعا ~~ببغلته فركبها، وانصرف إلى المدينة، وخلا عمر بالثريا» . # وحدث الزبير بن بكار عن أبي محرم عن إبراهيم بن قدامة، قال: قال عمر بن ~~أبي ربيعة: «ألا أحدثك حديثا حلوا» ؟ قال: قلت: «نعم» قال: # PageV01P289 # «بينا أنا جالس، إذ جاءني خالد الخريت «1» ، فقال: يا أبا الخطاب! هل لك ~~في هند وصواحبها، فقد خرجن إلى نزهة» ؟ قلت: «وكيف لي بذلك» ؟ قال: «تلبس ~~لبسة أعرابي، وتعتم عمامة، وتركب مركبة كأنك ناشد ضالة» . # قال: ففعلت وجئت، حتى وقفت عليهن أنشد ضالتي، فقلن: # «انزل» ، فنزلت، وقعدت أحادثهن وأغازلهن؛ فلما رمت النهوض، قالت لي هند: ~~«اجلس، لا جلست أنت. ألا ترى أنك وقفت علينا غريبا؛ ونحن، والله، وقفنا على ~~غربتك. نحن بعثنا خالدا وخدعناه وأطعمناه في أنفسنا، حتى جاء بك» . فقال ~~خالد: «صدقن والله خدعنني وخدعنك» . # فجلست وتحدثنا، فأنشدتهن فقالت هند: يا سيدي، لقد رأيتني منذ أيام، وقد ~~أصبحت عند أهلي، فأدخلت رأسي في حبيبي، ونظرت إلى هني، فإذا هو ملء الكف ~~ومنية المتمني فناديت: (يا عمراه، يا عمراه) ! قال عمر: فقلت: يا لبيك، يا ~~لبيك، يا لبيك، ثلاثا، ومددت في الثالثة صوتي، فضحكت؛ وحادثتهن ساعة، ثم ~~ودعتهن وانصرفت، فذلك قولي: # عرفت ms193 مصيف الحي والمتربعا ... ببطن حليات دوارس بلقعا # إلى السفح من وادي المغمس بدلت ... معالمه وبلا، ونكباء زعزعا # لهند وأتراب لهند إذ الهوى ... جميع، وإذا لم نخش أن يتصدعا # وإذ نحن مثل الماء كان مزاجه ... إذا صفق الساقي الرحيق المتشعشعا # وإذ لا نطيع الكاشحين ولا نرى ... لواش لدينا يطلب الصرم مطمعا # وقال عمر: ما رأيت يوما غابت عواذله، وحضرت عواذره، بأحسن من يومنا، ولا ~~صبوة كصبوتنا، ولا قيادة كقيادة خالد، ولا أملح؛ ولقد وصفت ذلك في شعر، ~~فقلت في تمام ما تقدم: # أتاني رسول من ثلاث حرائر ... ورابعة يزكو لها الحسن أجمعا # فقلت لمطريهن في الحسن إنما ... ضررت، فهل تسطيع نفعا فتنفعا # PageV01P290 # لئن كان ما حدثت حقا لما أرى ... كمثل الألى أطريت في الناس أربعا # وهيجت قلبا كان قد ودع الصبا ... وأشياعه، فاشفع عسى أن تشفعا # فقال: تعال انظر فقلت: فكيف لي ... أخاف مقاما أن يشيع ويشنعا # فقال: اكتفل، ثم التثم وأت باغيا ... فسلم ولا تكثر بأن تتورعا # فإني سأخفي العين عنك ولا ترى ... مخافة أن يفشو الحديث فيسمعا # فأقبلت أهوي مثل ما قال صاحبي ... لموعده أزجي قعودا موقعا # فلما توافقنا، وسلمت، أشرقت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... فقلن امرؤ باغ أضل وأوضعا # فلما تنازعن الأحاديث قلن لي: ... أخفت علينا أن نغر ونخدعا # فما جئتنا إلا على وفق موعد ... على ملاء منا خرجنا له معا # رأينا خلاء من عيون ومجلسا ... دميث الثرى سهل المحلة ممرعا # وقلن: كريم نال وصل كرائم ... وحق له في اليوم أن يتمتعا # وفيهن هند تكمل الهم والمنى ... وإخداع عيني كلما رمت مهجعا # قال: ولما أنشد عمر بن أبي ربيعة، ابن أبي عتيق، قصيدته التي فيها يقول: # فأتتها طبة عالمة ... تخلط الجد مرارا باللعب # ترفع الصوت إذا لانت لها ... وتراخي عند سورات الغضب # قال ابن أبي عتيق: امرأتي طالق إن لم يكن الناس في طلب مثل هذه، منذ قتل ~~عثمان، يجعلونها خليفة، فلم يقدروا عليها، وأنت تريدها قواده. قال: ولما ~~هجا كثير بني ضمرة، ms194 فقال: # ويحشر نور المسلمين أمامهم ... ويحشر في أستاه ضمرة نورها # اشتدت بنو ضمرة عليه وعلى عزة، وأرادوا قتله، ووضعوا له العيون، فمكث ~~شهرا لا يصل إليها، فالتقى جميل وكثير، فشكى أحدهما إلى صاحبه ما يلقى، ~~فقال جميل: أنا رسولك إلى عزة، فأخبرني بما كان بينكما. # PageV01P291 # قال: آخر ما لقيتها بالطلحة، مع أتراب لها. # قال: فأتاهم جميل، وهو ينشد ذودا له، ففطنت عزة، فقالت: تحت الطلحة التمس ~~ذودا هناك. فانصرف جميل، فأخبر كثيرا؛ فلما كان في بعض الليل، أتيا الطلحة، ~~وأقبلت عزة وصاحبة لها، فتحدثا مليا، وجعل كثير يرى عزة تنظر إلى جميل، ~~وكان جميلا، وكثير دميما، فغضب كثير، وغار عليها، وقال لجميل: انطلق بنا ~~قبل أن يصبح علينا الصبح فانطلق، فعند ذلك يقول: # رأيت ابنة الشبلي عزة أصبحت كمحتطب ما يلق بالليل يحطب «1» # وكانت تمنينا، وتزعم أننا ... كبيض الأنوق في الصفا المتغيب # ثم قال كثير لجميل: متى عهدك ببثينة؟ قال: في أول الصف بوادي الدم، ومعها ~~جواريها يغسلن ثيابا. فخرج كثير حتى أناخ بهم، وهو يقول: # وقلت لها يا عز أرسل صاحبي ... على بعد دار، والرسول موكل # بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني بالذي فيه أفعل # أما تذكرين العهد يوم لقيتكم ... بأسفل وادي الدم، والثوب يغسل # فعلمت بثينة ما أراد، فصاحت: اخسأ، اخسأ، فقال عمها: ما دهاك، يا بثينة؟ ~~قالت: إن كلبا يأتينا من وراء هذا التل، فيأكل ما يجد، ثم يرجع. # فرجع كثير، وقال لجميل: قد وعدتك التل، فدونك. فخرج جميل وكثير حتى ~~انتهيا إلى الدومات، وقد جاءت بثينة، فلم تزل معه حتى برق الصبح، وكان كثير ~~يقول: «ما رأيت مجلسا قط أحسن منه» . # قال عمر بن شبة عن إسحق بن إبراهيم الموصلي: حدثني شيخ من خزاعة، قال: ~~ذكرنا ذا الرمة، وعندنا عصمة بن مالك الفزاري، وهو يومئذ # PageV01P292 # ابن عشرين ومائة سنة، فقال: إياي فاسألوا عنه. كان من أظرف الناس، خفيف ~~العارضين، آدم حلو المضحك، إذا أنشد اختصر، وأتاني يوما فقال: «إن مية ~~منقرية، وإن بني منقر أخبث ms195 حي، وأعلمه بأثر، فهل عندك من ناقة نزورها ~~عليها» ؟ فقلت: «إي والله، عندي اثنتان» ، قال: فسرنا، فخرجنا حتى أشرفنا ~~على الحي وهم خلوف، فعرف النساء ذا الرمة، فعدلن بنا إلى بيت مي، وأنخنا ~~عندها، فقلن لذي الرمة: «أنشدنا يا أبا الحارث» ، فقال: «أنشدهن» ، ~~فأنشدتهن قوله: # نظرت إلى أظعان مي كأنها ... ذرى النخل أو أثل تميد ذوائبه # فأشعلت النيران والصدر كاتم ... بمغرورق تمت عليه سواكبه # بكى وامق جاء الفراق ولم تجل ... جوائلها أسراره؟ ومعاتبه # فقالت ظريفة منهن: «ابكي اليوم» ، فمررت فيها حتى انتهيت إلى قوله: # إذا سرحت من حب مي سوارح ... على القلب، آبته جميعا عوازبه # فقالت الظريفة: «قتلته، قتلك الله» ! فقالت: «ما أصحه، وهنيئا له» . ~~فتنفس ذو الرمة تنفسا كادت حرارته تساقط لحمي، ثم مررت فيها حتى انتهيت إلى ~~قوله: # وقد حلفت بالله مية، ما الذي ... أقول لها إلا الذي أنا كاذبه # إذا، فرماني الله من حيث لا أرى ... ولا زال في أرضي عدو أحاربه # فالتفتت مي إلى ذي الرمة، فقالت: «ويحك! خف عواقب الله» ، ثم أنشدت إلى ~~أن انتهيت إلى قوله: # إذا نازعتك القول مية، أو بدا ... لك الوجه منها، أونضا الدرع سالبه # فيا لك من خد أسيل ومنطق ... رخيم، ومن خلق يعلل جاذبه # فقالت تلك الظريفة: «أما القول، فقد نازعتك، والوجه فقد بدا لك. فمن لنا ~~بأن ينضو الدرع سالبه؟ فقالت لها مي: «قاتلك الله! ما أنكر # PageV01P293 # ما تجيئين به اليوم» . فتحادثنا ساعة، ثم قالت تلك الظريفة: «ما أحوج ~~هذين إلى الخلوة، فنهضت وسائر النساء، فصرت إلى بيت قريب منهما حيث أراهما، ~~فما ارتبت بشيء، ولا رأيت أمرا كرهته، فلبث ساعة، ثم أتاني، ومعه قارورة ~~وثلاث قلائد، فقال: «هذا طيب زودتناه مي، وقلائد أتحفتك بها ابنة الجودي» . # فكنا نختلف إليها حتى انقضى المربع، ودعانا الصيف، فرحلوا قبلنا، وأتاني ~~ذو الرمة فقال: «قد ظعنت مي، فلم يبق إلا الديار، والنظر إلى الآثار، فاخرج ~~بنا إلى دارها، فخرجت معه، حتى إذا وقفنا عليها، أنشأ يقول: # ألا فاسلمي يا دار مي ms196 على البلى ... ولا زال منهلا بجرعائك القطر # حتى أتى على آخرها، ثم انهملت عيناه بصبره. فقلت له: «ما هذا» ؟ فقال: ~~«إني لجليد، وإن كان مني ما ترى» . فما رأيت أحدا أحسن شوقا وصبابة وعزاء ~~منه. # وعن سليمان، رواية أبي نواس، قال: كنت مع أبي نواس أسير حتى انتهينا إلى ~~درب القراطيس، فخرج من الدرب شيخ نصراني، وخلفه غلام كأنه غصن بان يتثنى ~~كأحسن ما رأيت، فقال: «يا سليمان، أما ترى الدرة خلف البصرة» ؟ ثم قال: «هل ~~لك أن تأخذ مني رقعة فتوصلها إليه» ؟ # قلت: «بلى» . فكتبها، ودفعها إلي، فأوصلتها إليه، فإذا أملح غلام وأخفه ~~روحا، فقال: «من صاحب الرقعة» ؟ قلت: «أبو نواس» ، قال: # «أين هو» ؟ قلت: «على باب درب القراطيس» . قال: «فليقف مكانه حتى أروح» ، ~~وكان في الرقعة: # تمر فأستحييك أن أتكلما ... ويثنيك زهو الحسن عن أن تسلما # ويهتز في ثوبيك كل عشية ... قضيب من الريحان أضحى منعما! # فحسبك أن الجسم قد شفه الهوى ... وأن جفوني فيك قد ذرفت دما # أليس عجيبا عند كل موحد ... غزال مسيحي يعذب مسلما # PageV01P294 # فلولا دخول النار بعد تنصر ... عبدت مكان الله عيسى بن مريما # وحدثنا الجماز، قال: كنت يوما على باب عدي الدراع، فمر بي أبو نواس شبيها ~~بالمجنون، فإذا خلفه غلام كأنه مهر عربي، فقلت له: # «مالك» ؟ فقال: # إن الرزية لا رزية مثلها ... عوز المكان وقد تهيا المركب # فعدلت به وبالغلام، فأقاما سائر يومهما. قال: «وكان عبيد الله بن يحيى ~~يتعشق غلاما من دار المتوكل، يقال له (رشيق) ، فلا يصل إليه حتى طال ذلك ~~عليه، وكان أبو الأخطل يخلفه في المركب، وينبسط إليه، فقال له أبو عبيد ~~الله يوما: «يا أبا الأخطل من لي برشيق» ؟ فقال: «الصفر الصفار، والبيض ~~الصحاح» . وجعل عبيد الله يلقى رشيقا في الدار، فيخلو به ويساره، ويعطيه ~~مائة دينار في كل لقية، إلى أن علم رشيق بما في نفس عبيد الله، وكان يتعذر ~~عليهما الإجتماع لقضاء الوطر واللذة، فركب أمير المؤمنين يوما، ومعه أبو ~~الأخطل، فطلب عبيد الله، وتعمد ms197 أبو الأخطل رشيقا، فرده إليه؛ فلما ظفر به ~~في منزله خاليا، قضى حاجته منه، وركب يريد أمير المؤمنين مسرعا، فوصل إلى ~~الموكب، وقد تصبب عرقا، فقال أبو الأخطل: # لا خير عندي في الخلي ... ل، ينام عن سهر الخليل # قولوا لأكفر من رأي ... ت لكل معروف جليل # هل تشكرن لي الغدا ... ة تلطفي لك في الرسول # إذ نحن في صيد الجبا ... ل، وأنت في صيد السهول # ما قيل فيه من الشعر: # وتمشيت في الجميل فأسرعت ... وإن كنت لست تأتي جميلا # إن من مد للقيادة رجلا ... لحري بأن يكون نبيلا # وقال آخر: # PageV01P295 # لهواه لإتلاف ... وملاه لاختلاف # ليس يقرا من كتاب ... الله إلا لإيلاف # وقال آخر: # إن الرقاشي من تكرمه ... بلغه الله منتهى هممه # يبلغ من بره ورأفته ... حملان أضيافه على حرمه # ومن محاسن ذلك، حدثنا علي بن الحسين بن علي بن عثمان بن علي بن الحسن، ~~قال: كانت «ضمير» جارية مولدة لميمونة بنت الحسن بن علي بن زيد؛ فأدبتها، ~~وعلمتها الغناء فبرعت فيه؛ وكانت من أحسن الناس وجها وبدنا، وأبرعهم غناء ~~وضربا، فأعطيت بها مولاتها عشرة آلاف دينار؛ فلما أرادت أن تبيعها، وأحضر ~~المال، بكت وقالت: «يا سيدتي، ربيتني واتخذتني ولدا، ثم تريدين بيعي، ~~فأتغرب عنك ولا أرى وجهك» ، قالت: # «أشهد الله ومن حضر أنك حرة لوجه الله» ! فلما ماتت ميمونة، خطبها آل أبي ~~طالب وغيرهم، فغلب عليها جعفر بن حسن بن حسين، فتزوجها وأحبها حبا شديدا، ~~فقدم بها البصرة، فقال علي بن الحسين، وكان يجالسها ويسمع غناءها؛ فأردت ~~الخروج إلى الرضي بخراسان، فودعت جعفرا وخرجت، فأقمت بالأهواز أياما أتهيأ ~~للخروج على طريق فارس، فورد علي كتاب جعفر أنه قد وقع بينه وبين «ضمير» شر، ~~وإنها قد أغلظت له حتى تناولها ضربا، وأنها على مفارقته، وسألني القدوم ~~لأصلح بينهما، فقال علي بن الحسين: وكانت لي حاجة بالرضي، وكنت أرجو لذلك ~~في وجهي منه ومن المأمون الغنى؛ فلما قرأت كتابه، لم أعط صبرا حتى انصرفت ~~راجعا إلى البصرة، فجئت إلى جعفر، فأوقعت به ms198 شتما وعذلا، ثم أرسلت إليها: ~~أقسمت عليك بحقي ألا رجعت؛ فخرجت مرهاء، شعثة، وسخة الثياب، حتى جلست ~~بينهما، فأقبل جعفر يعطيني من نفسها لها كل ما أريد وهي ساكتة، ثم قلت: «يا ~~جارية، هاتي العود» ؛ فأخذته، فأصلحت منه حتى تغنت وهي تبكي، ودموعها تكف: # PageV01P296 # أرتجي خالقي وأعلم حقا ... أنه ما يشاء ربي كفاني # لا تلمني، وارفق خليلي بشأني ... إنه ما عناك يوما عناني # قال علي بن الحسين: فو الله ما رأيت أحسن منها، ولا أرق من غنائها بهذا ~~الصوت، فما برحت حتى اصطلحا، وألهتني، والله، عن الغنى؛ فأقمت بالبصرة. # وعن الكلبي «1» ، قال: بينا عمر بن أبي ربيعة يطوف بالبيت في حال نسكه، ~~فإذا هو بشاب قد دنا من شابة ظاهرة الجمال؛ فألقى إليها كلاما، فقال له ~~عمر: «يا عدو الله، في بلد الله الحرام، وعند بيته تصنع هذا» ؟ # فقال: «يا عماه، إنها ابنة عمي، وأحب الناس إلي، وإني عندها لكذلك، وما ~~كان بيني وبينها من سوء قط أكثر مما رأيت» . قال: «ومن أنت» ؟ # قال: «أنا فلان بن فلان» ، قال: «أفلا تتزوجها» ؟ قال: «أبى علي أبوها» ، ~~قال: «ولم» ؟ قال: «يقول ليس لك مال» ، فقال: «انصرف، والقني» ، فلقيه بعد ~~ذلك، فدعا ببغلته فركبها، ثم أتى عم الفتى في منزله، فخرج إليه فرحا ~~بمجيئه، ورحب وقرب، فقال: «ما حاجتك، يا أبا الخطاب» ؟ قال: لم أرك منذ ~~أيام فاشتقت إليك، قال: «فانزل» ، فأنزله وألطفه، فقال له عمر في بعض ~~حديثه: «إني رأيت ابن أخيك، فأعجبني تحركه، وما رأيت من جماله وشبابه» ، ~~قال له: «أجل! ما يغيب عنك أفضل مما رأيت» ، قال: «فهل لك من ولد» ؟ قال: ~~«لا، إلا فلانة» . قال: «فما يمنعك أن تزوجه إياها» ؟ قال: «إنه لا مال له» ~~قال: # «فإن لم يكن له مال، فلك مال» ، قال: فإني أضن به عنه، قال: # لكني لا أضن به عنه، فزوجه واحتكم، قال: مائة دينار، قال: # نعم. فدفعها عنه، وتزوجها الفتى، وانصرف عمر إلى منزله، فقامت إليه جارية ~~من جواريه، فأخذت رداءه، وألقى نفسه على ms199 فراشها وجعل يتقلب؛ فأتته بطعام، ~~فلم يتعرض له، فقالت: أظنك، والله، قد وجدت # PageV01P297 # بعض ما كان يعرض لك من حكم النساء، فلا تكتمها) ، فقال: هاتي الدواة، ~~فكتب: # تقول وليدتي لما رأتني ... طربت، وكنت قد أقصرت حينا # أراك اليوم قد أحدثت شوقا ... وهاج لك الهوى داء دفينا # وكنت زعمت أنك ذو عزاء ... إذا ما شئت فارقت القرينا # بعيشك هل أتاك لها رسول ... يسرك أم لقيت لها خدينا # فقلت شكا إلي أخ محب ... كبعض زماننا إذ تعلمينا # وذو القلب المصاب ولو تعزى ... مشوق حين يلقى العاشقينا # فقص علي ما يلقى بهند ... وأشبه ذاك ما كنا لقينا # فكم من خلة أعرضت عنها ... وكنت بودها دهرا ضنينا # أردت فراقها، فصبرت عنها ... ولو جن الفؤاد بها جنونا # قال: وقال عمر بن أبي ربيعة: بينا أنا خارج محرما، إذ أتتني جارية كأنها ~~دمية في صفاء اللجين، في ثوب قصب كقضيب على كثيب، فسلمت علي، وقالت: أنت ~~عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟ قلت: أنا، والله، ذاك. قالت: فهل لك ~~أن أريك أحسن الناس وجها؟ قلت: ومن لي بذلك؟ قالت: أنا والله بذلك، على ~~شريطة، قلت: وما هي؟ قالت: # أعصبك وأربط عينيك وأقودك ليلا، قلت: لك ذاك. # قال: فاستخرجت معجرا من قصب عجرتني به، وقادتني حتى أتت مضربا، فلما ~~توسطته، فتحت العجارة عن عيني، فإذا أنا بمضرب ديباج أبيض مزرر بحمرة مفروش ~~بوشي كوفي، وفي المضرب ستارة مضروبة من الديباج الأحمر، عليها تماثيل ذهب، ~~ومن ورائها وجه لم أحسب أن الشمس وقعت على مثله حسنا وجمالا، فقامت ~~كالخجلة، وقعدت قبالتي، وسلمت علي، فخيل بي أن الشمس تطلع من جبينها، وتغرب ~~في شقائق خدها، قالت: أنت عمر ابن أبي ربيعة، فتى قريش وشاعرها؟ قلت: أنا ~~ذلك، يا منتهى الجمال، قالت: أنت القائل: # PageV01P298 # بينما ينعتنني، أبصرنني ... دون قيد الميل، يعدو بي الأغر # قالت الكبرى: أتعرفن الفتى؟ ... قالت الوسطى: نعم، هذا عمر # قالت الصغرى، وقد تيمتها: ... قد عرفناه، وهل يخفى القمر؟ # قلت: أنا، والله، قائلها يا سيدتي، قالت: ومن ms200 هؤلاء؟ قلت: # يا سيدتي، ما هو عن قصد مني، ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر أحب ~~الغزل وأقول في النساء قالت: يا عدو الله، يا فاضح الحرائر. أنت قد فشا ~~شعرك بالحجاز، وأنشده الخليفة والأمراء، ولم يكن في جارية بعينها؟ # يا جواري، أخرجنه. فخرجت الوصائف، فأخرجنني، ودفعنني إلى الجارية، ~~فعجرتني، وقادتني إلى مضربي، فبت بليلة كانت أطول من سنة، فلما أصبحت بقيت ~~هائما لا أعقل ما أصنع، فما زلت أرقب الوقت؛ فلما كان وقت المساء، جاءتني ~~الجارية، وسلمت علي، وقالت: يا عمر هل رأيت ذلك الوجه! قلت: أي والله. ~~قالت: فتحب أن أريكه ثانية؟ قلت: # إذا تكرمت، فتكونين أعظم الناس علي منه، فقالت: على الشريطة؛ فاستخرجت ~~المعجر، وعجرتني وقادتني، فلما توسطت المضرب، فتحت العصابة، عن وجهي، فإذا ~~أنا بمضرب ديباج أحمر مدثر ببياض مفروش بفرش ارمني، فقعدت على نمرقة «1» من ~~تلك النمارق، فإذا أنا بالشمس الضاحية قد أقبلت من وراء الستر تتمايل من ~~غير سكر، فقعدت كالخجلة، فسلمت علي، وقالت: أنت عمر بن أبي ربيعة، فتى قريش ~~وشاعرها؟ # قلت: أنا ذاك، قالت: أنت القائل: # وناهدة الثديين قلت لها: اتكي ... على الرمل في ديمومة لم توسد # فقالت: على اسم الله أمرك طاعة ... وإن كنت قد كلفت ما لم أعود # فما زلت في ليل طويل ملثما ... لذيذ رضاب المسك كالمتشهد # فلما دنا الإصباح قالت فضحتني، ... فقم غير مطرود، وإن شئت فازدد # فما ازددت منها، واتشحت بمرطها ... وقلت لعيني: اسفحا الدمع من غد # فقامت تعفى بالرداء مكانها ... وتطلب شذرا من جمان مبدد # PageV01P299 # قلت: أنا قائلها. قالت: فمن الناهدة الثديين؟ قلت: يا سيدتي، قد سبق في ~~الليلة الأولى؛ والله، ما هو مني قصد، ولا في جارية بعينها، ولكني رجل شاعر ~~أحب الغزل وأقول في النساء. قالت: يا عدو الله، أنت قد فشا شعرك بالحجاز، ~~ورواه الخليفة، وتزعم أنه لم يكن في جارية بعينها؟ يا جواري، ادفعنه» . ~~فوثبت الجواري، فأخرجنني ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني، وقادتني إلى مضربي، ~~فبت في ليلة كانت أطول من الليلة ms201 الأولى. فلما أصبحت، أمرت بخلوق، فضرب لي، ~~وبقيت ارقب الوقت هائما؛ فلما كان وقت المساء، جاءتني الجارية، فسلمت علي ~~وقالت: «يا عمر! هل رأيت ذلك الوجه» ؟ قلت: «أي والله» ، قالت: # «أفتحب أن أريكه الثالثة» ؟ قلت: «إذن تكونين أعظم الناس علي منة» . # قالت: «على الشريطة» ؟ قلت: «نعم» . فاستخرجت المعجر، وعجرتني به، ~~وقادتني حتى أتت بي المضرب، فلما توسطته، فتحت العصابة عن عيني، فإذا أنا ~~في مضرب ديباج أخضر مدثر بحمرة، مفروش بخز أحمر، وإذا أنا بالشمس الضاحية ~~قد أقبلت من وراء الستر كحور الجنان، فسلمت علي وقالت: «أنت عمر بن أبي ~~ربيعة، فتى قريش، وشاعرها» ؟ قلت: # «أنا ذاك» ! قالت: أنت القائل: # نعب الغراب ببين ذات الدملج ... ليت الغراب ببينها لم يشحج «1» # ما زلت أتبعهم وأتبع عيسهم ... حتى دفعت إلى ربيبة هودج # قالت: وعيش أخي، وحرمة والدي ... لأنبهن الحي إن لم تخرج # فلثمت فاها آخذا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج # فتناولت كفي لتعرف مسها ... بمخضب الأطراف غير مشنج # قلت: «أنا قائلها» ، قالت: «يا عدو الله، أنت الذي فضحتها ونفسك، وجهي من ~~وجهك حرام، إن عدت إلي. يا جواري أخرجنه» ! فوثب إلي الوصائف، وأخرجنني، ~~ودفعنني إلى الجارية، فعجرتني # PageV01P300 # وقادتني، وقد كنت عند خروجي من مضربي ضربت يدي بالخلوق، وأسدلت عليها ~~ردائي؛ فلما صرت إلى باب مضربها، أخرجت يدي، ووضعتها على جانب المضرب وضعا ~~بينا، فلما أصبحت، صحت بغلماني وعبيدي، ولي ألف عبد: «من أتاني بخبر المضرب ~~الذي ضرب فيه بكذا وكذا، فهو حر لوجه الله» . فلما كان في وقت المساء، ~~أتتني وليدة سوداء، فقالت: «قد عرفت المضرب، وهو لرملة أخت عبد الملك بن ~~مروان» . # فأعتقتها، وأمرت لها بمائتي دينار، وأمرت بمضربي، فقلع، وضرب بحذاء ~~مضربها، وكتب بالخبر إلى عبد الملك بن مروان، فكتب إليها بالرحيل؛ فركبت ~~هودجها، وركبت فرسي، فزاحمتها في بعض الطريق، فأشرفت علي من هودجها، فقالت: ~~«إليك عني، أيها الرجل» ! قلت: «خاتم أو قميص أذكرك به» . فقالت لبعض ~~جواريها: «ألقي إليه قميصا من قمصي» . # فأخذته وأنا أقول: # فلا وأبيك ما ms202 صوت الغواني ... ولا شرب التي هي كالفصوص # أردت برحلتي وأريد خطا ... ولا أكل الدجاج، ولا الخبيص # قميص ما يفارقني حياتي ... أنيس في المقام وفي الشخوص # وجعلت أنزل بنزولها، وأركب بركوبها، حتى كنا من الشام على ثلاث مراحل؛ ~~فاستقبلها عبد الملك في خاصته، فدخل إليها ثم قال: «يا رملة، ألم أنهك أن ~~تطوفي بالبيت إلا ليلا، يحفك الجواري، ويحف الجواري الخدم، ويحف الخدم ~~الوكلاء لئلا يراك عمر بن أبي ربيعة» ؟ # قالت: «والله، وحياة أمير المؤمنين ما رآني ساعة قط» ، فخرج من عندها، ~~فبصر بمضربي، فقال: «لمن المضرب» ؟ قيل: «لعمر بن أبي ربيعة» . # قال: «علي به» . فأتيته بلا رداء، ولا حذاء، فدخلت عليه وسلمت عليه؛ قال: ~~«يا عمر، ما حملك على الخروج من الحجاز من غير إذني» ؟ قلت: # «شوقا إليك، يا أمير المؤمنين، وصبابة إلى رؤيتك» . فأطرق مليا، ينكت في ~~الأرض بيده، ثم رفع رأسه فقال: «يا عمر، هل لك في واحدة» ؟ # قلت: «وما هي، يا أمير المؤمنين» ؟ قال: «رملة أزوجكها» ، قلت: «يا # PageV01P301 # أمير المؤمنين، وإن هذا لكائن» ، قال: «أي، ورب السماء» ، ثم قال: # «قد زوجتك، فادخل عليها من غير أن تعلم» ، فدخلت عليها، فقالت: # «من أنت؟ هبلتك أمك» . فقلت: «يا سيدتي، أنا المعذب في الثلاث» ، فارتحلت ~~وأنا عديلها، فأنشأت أقول: # لعمري، لقد نلت الذي كنت أرتجي ... وأصبحت لا أخشى الذي كنت أحذر # فليس كمثلي اليوم كسرى وهرمز ... ولا الملك النعمان مثلي، وقيصر # فلم أزل معها بأحسن عيشة وغبطة. # PageV01P302 ### | أحاديث الجنس # الدبيب «1» : قال الأصمعي: «أخبرني رجل من بني أسد أنه خرج في طلب إبل قد ~~ضلت؛ فبينا هو يسير في بلاء وتعب، وقد أمسى في عشية باردة، إذ رفعت له ~~أعلام، قال: فقصدت بيتا منها، فإذا أنا بامرأة جميلة ذات جزالة، فسلمت فردت ~~علي السلام، ثم قالت: أدخل، فدخلت، فبسطت لي، ومهدت، وإذا في حرجها صبي ~~أطيب ما يكون من الولدان. # فبينا هي تقبله، إذا أقبل رجل أمام الإبل، دميم المنظر، ضئيل الجسم، كأنه ~~بعرة دمامة واحتقارا، فلما بصر به الصبي، هش ms203 إليه وعدا في تلقائه، فاحتمله ~~وجعل يقبله ويفديه، فقلت في نفسي: أظنه عبدا لها. فجاءني ووقف بباب الخيمة ~~وسلم، فرددت عليه السلام؛ فقال: «من ضيفكم هذا» ؟ فأخبرته، فجلس إلى ~~جانبها، وجعل يداعبها، فطفقت أنظر إليها تارة، وإليه أخرى، أتعجب من ~~اختلافهما، كأنها الشمس حسنا، وكأنه القرد قبحا، ففطن لنظري، وقال: «يا أخا ~~بن أسد، أترى عجبا» ؟ قال: # «تقول أحسن الناس وجها، وأقبح الناس وجها، فليت شعري كيف جمع بينهما؟ ~~أخبرك كيف كان ذلك» ؟! قلت: «ما أحوجني إلى ذلك» ! قال: «كنت سابع أخوتي ~~كلهم، لو رأيتني معهم ظننتني عبدا لهم وكان أبي وأخوتي كلهم أصحاب إبل ~~وخيل، وكنت من # PageV01P303 # بينهم مطروحا لكل عمل دنيء، للعبودية تارة، ولرعي الإبل أخرى؛ فبينا أنا ~~ذات يوم تعب مكتئب، إذا ضل لنا بعير، فتوجه أخوتي كلهم في بغائه، فلم ~~يقدروا عليه، فأتوا أبي وقالوا: «ابعث فلانا ينشد لنا هذا البعير» ، فدعاني ~~أبي وقال: «أخرج فانشد هذا البعير» . فقلت: «والله ما أنصفتني ولا بنوك. ~~أما إذا الإبل درت ألبانها، وطارت ركوبها، فأنتم جماعة أهل البيت أربابها، ~~وإذا ندت ضلالها فأنا باغيها» . فقال: «قم، يا لكع، فإني أراه آخر يومك» . # فغدوت مقهورا، خلق «1» الثياب، حتى أتيت بلادا لا أنيس بها، فطفقت يومي ~~ذلك أجول في القفر، فلما أمسيت، رفعت لي أبيات، فقصدت أعظم بيت منها، فإذا ~~امرأة جميلة مخيلة للسؤدد والجزالة، فبدأتني بالتحية وقالت: «انزل عن ~~الفرس، وأرح نفسك» . فأتتني بعشاء، فتعشيت، وأقبلت هذه تسخر مني وتقول: «ما ~~رأيت كالعشية أطيب ريحا منك، ولا أنظف ثوبا، ولا أجمل وجها» . # فقلت: «يا هذه دعيني وما أنا فيه، فإني عنك في شغل شاغل» ، فأبت علي ~~وقالت: «هل لك أن تلج على السجف إذا نام الناس» ؟ # فأغراني- والله- الشيطان؛ فلما شبعت من القرى، وجاء أبوها وأخوتها، ~~فضجعوا أمام الخيمة، قمت ووكزته برجلي. قالت: «ومن أنت» ؟ قلت: # «الضيف» . قالت: «لا حياك الله، أخرج، عليك لعنة الله» ؛ فعلمت أني لست ~~في شيء من أمرها؛ فوليت راجعا، فواثبني كلب كأنه السبع لا يطاق، فأراد ~~أكلي، ms204 فأنشب أنيابه في مدرعة صوف كانت علي، وجعل يمزقني، فردني القهقرى، ~~وتعذر علي الخلاص، فأهويت أنا والكلب من قبل عقبي في بئر أحسن الله إلي أنه ~~لا ماء فيه؛ فلما سمعت المرأة الواغية، أتت بحبل فأدلته، وقالت: «إرتق، ~~لعنك الله؛ فو الله لولا أنه يقتص أثري غدا، لوددت أنها قبرك» . # PageV01P304 # فاعتنقت الحبل، فلما كدت أن أتناول يدها، قضي أن تهور ما تحت قدميها، ~~فإذا أنا، وهي، والكلب في قرارة البئر؛ بئر أيما بئر؟ إنما هي حفرة لا طي ~~لها، ولا مرقاة، كأشد بلية بنا عضا: الكلب ينبح من ناحية، وهي تدعي بالويل ~~والثبور من ناحية، وأنا منقبع قد برد جلدي على القتل من ناحية. # فلما أصبحت أمها، فقدتها، فلما لم ترها، أتت أباها، فقالت: «يا شيخ، ~~أتعلم أن ابنتك ليس لها أثر يحس» ؟ وكأن ابوها عالما بالآثار، فلما وقف على ~~شفير البئر، ولى راجعا، فقال لولده: «يا بني! أتعلمون أن أختكم وضيفكم ~~وكلبكم في البئر» ؟ فبادروا كالسباع، فمن بين آخذ حجرا، وآخذ سيفا أو عصا، ~~وهم يومئذ يريدون أن يجعلوا البئر قبري وقبرها؛ فلما وقفوا على شفير البئر، ~~قال أبوهم: «إن قتلتم هذا الرجل، طولبتم بدمه، وإن تركتموه افتضحتم. وقد ~~رأيت أن أزوجها إياه، فو الله ما يقدح لها في نسب ولا في حسب» . ثم قال لي: ~~«أفيك خير» ؟ فلما شممت روح الحياة، وثاب إلي عقلي، قلت: «وهل الخير كله ~~إلا في؟ فهات أحتكم» . فقال: «مائة بكرة وبكرة، وجارية وعبد» ، فقلت: «لك ~~ذلك، وإن شئت فازدد» . # فأخرجت أولا، والكلب ثانيا، وأخرجت ثالثا، فأتيت أبي، فقال: # «لا أفلحت، فأين البعير» ؟ قلت: «أربع عليك، أيها الشيخ، فإنه كان من ~~القصة كيت وكيت» قال: «أفعل، والله، ولا أخذلك» . فدعا بالإبل، فعد منها ~~مائة بكرة وبكرة، وسقناها مع جارية وعبد وأخذت منه هذه غرة نفسها. # قال: «والله كذلك، وجعلت تصدف عن حديث زوجها صدوف المهرة العربية سمعت ~~لجامها، وربما قالت: «لا أطاب الله خبرك» . # وضده، قال: وقيل لخراش الأعرابي: حدثنا ببعض هناتك. قال خرجت ms205 في بغاء ذود ~~لي، فدفعت في عشية شاتية إلى أخبية كثيرة، فضافوا وحيوا ورحبوا، فلما أدرت ~~النوم، أقاموا فتاة لهم من موضع مبيتها، # PageV01P305 # وجعلوني مكانها لئلا أتأذى بالغنم. # وإني لمضطجع، إذا أنا بيد إنسان يجامشني، ويريد في الظلمة مؤاتاتي؛ ~~فقعدت، فإذا أنا برجل يمد يده، ومعه علبة فيها أرنب مشوية، فأخذتها وجعلتها ~~في شيء كان معي. ثم مد يده ثانيا، فناولته يدي، فأقتبضني على غرمول كمثل ~~الوتد، فلم أنفر منه، ولم أره وحشة؛ وجررت ما عندي، وتناولت يده، فأقبضته ~~على مثل ما أقبضني عليه، ففطن، ورمى بملحفة خز كانت عليه، ووثب مذعورا، ~~فنفرت الإبل، وهاجت الغنم، وكدت أغشى لما بي من الضحك، وأخفيت ما بي ~~وكتمته. # فلما أصبحت، ركبت راحلتي، ومعي الملحفة والأرنب. امتد الضحى، إذا أنا ~~بإبل فأخذت نحوها، فإذا شاب حسن الهيئة؛ فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: ~~«إن كان معك ما نأكل مصب من هذا الوطب» . # فأخرجت العلبة، فلما رآها عرفها، وقال: # «إنك هو» ؟ قلت: «وما هو» ؟ قال: «صاحب البارحة» ؟ قلت: # «نعم، إن كنت إياه» قال: «الحمد لله الذي أتى بك، لو لم تأت لظننت أني ~~أوسوس وذلك أني لصاحبة الستر عاشق؛ وتعلم ما فعلت وما فعلت البارحة، ولا ~~تطيق حتى ابتلاني الله بك البارحة، وجعلت أقول حين أقبضتني عليه: أتراها ~~تحولت رجلا؟ وإني لفي شك من أمري حتى أتاني الله بك» . فأكلت أنا وهو، ~~الأرنب، وشربنا من اللبن، وصرنا أصدقاء. # قال الأصمعي: أتى خالد بن عبد الله أعرابي، فأضافه وأحسن إليه وبذل له ~~صحن الدار؛ فلما كان في بعض الليل، اشرف عليه يتعاهد منه ما كان يتعاهد من ~~ضيفه، فإذا هو قد دب على جارية، وهو على بطنها، فأعرض عنه؛ فما لبث ~~الإعرابي أن فرغ وقام يمسح فيشلته، فضربته عقرب، فصاح واستغاث، وأشرف خالد ~~عليه وهو يقول: # وداري إذا نام سكانها ... تقيم الحدود بها العقرب # إذا غفل الناس عن دينهم ... فإن عقاربنا تغضب!! # PageV01P306 # قال: وكان أعرابي ضيفا لقوم، فنظر إلى جارية جميلة، فدب إليها، فإذا عجوز ms206 ~~في صحن الدار تصلي، فعاد إلى فراشه، ثم عاودها فنبح الكلب، ثم عاد إليها، ~~فإذا القمر قد طلع، فأنشأ يقول: # لم يخلق الله خلقا كنت أكرهه ... إلا العجوز وعين الكلب والقمر # هذا يصيح وهذا يستضاء به ... وهذه شيخة قوامة السحر # وقال: وشرب سعيد بن حميد البصري عند راشد، فدب على غلامه، فكتب إليه ~~سعيد: # ما سمعنا من قبلها بأديب ... بارع الظرف، ماجد، قمقام «1» # ضل عنه، وهو المهذب علما ... فتكات الكؤوس بالأحلام # أين ما جاء من حديث رسول ال ... له مولاي سيد الأحكام # ما على مثقل من النوم، والسك ... ران عيب فيما أتى من أثام # ثم أين الذي به حكم المأ ... مون في الظرف منه، والإسلام # أيما ماجد أراد سرورا ... باجتماع من معشر الندام، # فعليه طي البساط بما قد ... سنة السكر من قبيح وذام # حلت بيني وبين عقلي بأرطا ... لك، والمترعات من كل جام # ثم وكلت في العسوف رشيقا ... فسقاني بظرفه والمدام، # ثم باكرتني بعتبك واللو ... م، لقد حدت عن سبيل الكرام # وتغضبت أنني قدت عمرا ... ثم ثنيت، بعده، بغرام # هل رأيت الإله يأخذ مجنو ... نا بسكر، أو حالما في منام # لن تراني معاشرا لك ما عش ... ت، ولو دمت عائشا ألف عام # أو ترى تائا، وتستغفر الل ... ه، لما كان من شنيع الكلام # PageV01P307 # فأجابه راشد، فقال: # يا أبا جعفر، سليل المعالي ... ونجيب الأخوال والأعمام # إن يكن قد أتاك عني مزح ... لم يكن عن حقيقة في الكلام # أو أكن فيه كالذي كان يغدو ... بملام عليك في اللوام # إنني عالم بأنك لم تأ ... ت قبيحا ولا ارتكاب الأثام # هو ذنب المدام لا ذنب خل ... لم يزل حافظا لعهد الذمام # ثم ذنب العيون يابن حميد ... فله الذنب بعد إست غرام # قعدا في طريق أيرك حتى ... عرضاه للظن والإتهام # فتغمد أخاك بالصفح فالصف ... ح دليل على سجايا الكرام # إنني تائب واستغفر ال ... ه لما كان من شنيع الكلام # ما قيل في ذلك من الشعر: # فما أعين عشر على ساق نرجس ... تضاحك عين الشمس بالمقل ms207 الصفر # بأحسن ممن زارني بعد هجعة ... يميس هوينا في الظلام على ذعر # قال: ودب رجل على قينة في مجلس، فغنت: # ماذا يشوش طرتي ... يا قوم في وقت السحر # ماذا يعالج تكتي ... ويلاه عذبني السهر # وقال علي بن حمزة: # متورد الخدين من خجل ... متخاذل الأعضاء من كسل # خاض الدجى، والشوق يحمله ... وأتاك يمشي غير منتعل # ما راعني إلا تدافعه ... كالغصن بين الصدر والكفل # وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # قالت، وأبثثتها سري وبحت به: ... «قد كنت عندي تحب الستر، فاستتر # PageV01P308 # ألست تبصر من حولي؟» فقلت لها: ... «غطى هواك، وما ألقى، على بصري # الباه: حكي عن عالج، جارية مكشوح، أنها حدثت مولاتها أنها كانت تغتسل كل ~~يوم. فسألتها عن ذلك، فقالت: «يا هذه! إنه يجب على المرأة ما يجب على الرجل ~~بعد احتلامه» . قالت: «أو تحتلمين» ؟ قالت: # «إنه لا تأتي علي ليلة لا أجامع فيها إلا وأحتلم» . قالت: «فكيف يكون ~~ذلك» ؟ قالت: «أرى كأن رجلا يجامعني. ولقد رأيت ليلة كأني مررت بد كان أبي ~~مالك الطحان وبغل له واقف قد أدلى، ورماني تحته، وأولجه، فاحتلمت؛ ثم ~~انتبهت، وأنا أجد معكة في مراق بطني، ولذة في سويداء قلبي. وكان هذا البغل ~~إذا أدلى، حك الأرض برأس أيره، وضرب به في بطنه، فترى الغبار يتطاير عن ~~يمينه وشماله» . # قال: وكانت مهدية بنت جبير التغلبية تقول: «ما في بطن الرجل بضعة أحب إلى ~~المرأة من بضعة تناط بعقد الحالبين، ومنفرج الرجلين» . # حدثني جهم قال. قلت لامرأة من كلب: «ما أحب الأشياء من الرجال إلى ~~النساء» ؟ قالت: «ما يكثر الأعداد، ويزيد في الأولاد، حربة في غلاف تناط ~~بحقوي رجل جاف، إذا غامس أوهى، وإذا جامع أنجى» . # قال: وقال أبو ثمامة لامرأة من زبيد، وهي تبكي عند قبر من الميت: # لم تبكين؟ قالت: كان يجمع بين حاجبي والساق، ويهزني هز الصارم الأعناق، ~~والله لولا ما ذكرته لك، ما استهلت بالدموع عيناي، وقد كذبتك امرأة تبكي ~~على زوجها لغير ما أعلمتك» . قال: وركب الرشيد حمارا مصريا، وطاف على ms208 ~~جواريه، فقالت له واحدة: «يا مولاي، ما أكثر ما تركب هذا الحمار» ! قال: ~~«لأنه يسب طيغور» ، قالت: «فمن يسب طيغور يركب» ؟ قال: نعم. قالت: «ففي حر ~~أم طيغور» . قال: فنزل ووقعها. وأنشد في مثله: # نظرت إليها حين مرت كأنها ... على ظهر عادي فتاة من الجن # ولي نظر لو كان يحبل، ناظر ... بنظرته أنثى، لقد حبلت مني # PageV01P309 # العنين «1» : قال بعضهم: تزوج العجاج امرأة يقال لها الدهناء بنت مسحل، ~~فلم يقدر عليها، فشكت ذلك إلى أهلها، فسألوه فراقها، فأبى، وقال لأبيها، ~~«تطلب لابنتك الباه» ؟ قال: «نعم، عسى أن ترزق ولدا، فإن مات كان فرطا، وإن ~~عاش كان قرة عين» . فقدموه إلى السلطان، فأجله شهرا ثم قال: # قد ظنت الدهنا وظن مسحل ... الأمير بالقضاء يعجل # عن كسلاتي والحصان يكسل ... عن السفاد وهو طرف هيكل # ثم أقبل على امرأته، فضمها إلى صدره، فقالت: # تنح لن تملكني بضم ... ولا بتقبيل ولا بشم # إلا بزعزاع يسلي همي ... يقط منه فتحي في كمي # يطير منه حزني وغمي # (وروى) ابن أبي الدنيا أن إعرابيا أخبره أن امرأة منهم زفت إلى رجل، فعجز ~~عنها، فتذاكر الحي أمر الضعفاء من الأزواج عن الباه، وامرأة الأعرابي تسمع. ~~فتكلمت بكلام ليس في الأرض أعف منه، ولا أدل على عجز الرجل عن النساء، ~~فقالت متمثلة: # تبيت المطايا حائدات عن الهدى ... إذا ما المطايا لم تجد من يقيمها # قال الرقاشي: حدثني أبو عبيدة، قال: سمعت ناسا من الحجاز يقولون: تزوج ~~رجل منا امرأة، فعجز عنها، إلا أنه إذا لامسها، ابتأر فيها، فقضي أن حملت، ~~وما مكثت إلا أن رأس ولدها، فجلس في المجلس، فقال له قائل: «لقد جئت من بلل ~~قليل» ، قال: «جئت من بلل لو أصاب مغيض أمك لكان كما قال الشاعر: # PageV01P310 # رطب الطباع إذا حركت جوهره ... وجدت أعضاءه غرقى من البلل # ولم أهجنه إلا أنه رجل ... قلت سلامته من جانب الكفل # قال الهلالي» # : رأيت وافر بن عصام يساير المهدي، فحدثه بحديث فضحك، فقلت له: «ما لهن ~~عندي إلا حديث ابن حرم» ، قال: ms209 «وما حديثه» ؟ قلت: «عمر حتى بلغ الثمانين، ~~فتزوج ابنة عم له، فلما أهديت إليه، قعد بين شقيها، فأكسل، وأراق على ~~بطنها، فأقبل عليها كالمعتذر، فقال: «هذا خير من الزناء» ، قالت: «كل ذلك ~~لا خير فيه» . # قال: وشكت امرأة زوجها، وأخبرت عن عجزه إنه إذا سقط عليها انطبق، والنساء ~~يكرهن وقوع الرجل على صدورهن، فقالت: «زوجي عياياء، طباقاء، وكل داء له ~~دواء» . وقيل في ذلك: # جزاك الله شرا من رفيق ... إذ بلغت من ركب النساء # رماك الله من عرق بأفعى ... ولا عافاك من جهد البلاء # أجبنا في الكريهة حين تلقى ... ونفطا حين تغبر في الخلاء؟! # PageV01P311 ### | النيروز والمهرجان # قال الكسروي «1» : «كان أول من أبدع النيروز، وأسس منازل الملوك، وشيد ~~معالم السلطان، واستخرج الفضة والذهب والمعدن، واتخذ من الحديد آلات، وذلل ~~الخيل وسائر الدواب، واستخرج الدر وجلب المسك والعنبر وسائر الطيب، وبنى ~~القصور واتخذ المصانع، وأجرى الأنهار «كيا خسرو بن أبرويز جهان» وتفسيره: ~~حافظ الدنيا بن أرفخشذ بن سام بن نوح عليه السلام. وكان الأصل فيه أنه، في ~~النيروز، ملك الدنيا، وعمر أقاليم إيران شهر، وهي أرض بابل، فيكون النيروز ~~في أول ما اجتمع ملكه، واستوت أسبابه، فصارت سنة، وكان في ملكه ألف سنة ~~وخمسين سنة، ثم قتله البيوراسف، وملك بعده ألف سنة إلى أفريدون بن أثفيان، ~~وفيه يقول حبيب: # وكأنه الضحاك في فتكاته ... بالعالمين، وأنت أفريدون # فطلب البيوراسف، وملك بعده ألف سنة وخمسين سنة، وأسره بأرض المغرب، وكبله ~~وسجنه بحبل دنياوند، واستوفى عدة ما كتب الله له من عمره، واتفق لأفريدون ~~سجن البيوراسف يوم النصف من مهر ماه ومهر روز، فسمى ذلك اليوم «المهرجان» ؛ ~~فالنيروز لحم، والمهرجان لا فريدون. # والنيروز أقدم من المهرجان بألفي وخمسين سنة. وقسم «جمه» أيام الشهر، # PageV01P313 # وجعل الخمسة الأيام الأولى للأشراف، وبعد خمسة أيام نيروز الملك، يهب ~~فيها ويصل، ثم بعدها خمسة أيام لخدم الملك، وخمسة أيام لخواص الملك، وخمسة ~~أيام لجنده، وبعدها خمسة أيام للرعاع، فذلك ثلاثون يوما. وابتدع المهرجان ~~أفريدون لما أسر البيوراسف روز مهر، وكان ms210 الملك إذا لبس زينته، ولزم مجلسه ~~في هذين اليومين، أتاه رجل رضي الإسم، مختبر باليمن، طلق الوجه، ذلق ~~اللسان، فيقوم قبالة الملك، ويقول: # «أئذن لي بالدخول» فسأله: «من أنت؟ ومن أين جئت؟ وأين تريد؟ ومن سار بك؟ ~~ومع من قدمت؟ وما الذي معك» ؟ فيقول: «جئت من عند الأيمنين، وأريد ~~الأسعدين، وسار بي كل منصور، واسمي خجسته، أقبلت معي السنة الجديدة، وأوردت ~~إلى الملك بشارة، وسلاما، ورسالة» . # فيقول الملك: «ائذنوا له» ، فيقول له الملك: «ادخل» ، ويضع بين يديه كوبا ~~من فضة، قد جمع في نواحيه أرغفة قد خبزت من أنواع الحبوب من البر والشعير ~~والدخن والذرة والحمص والعدس والأرز والسمسم والباقلي واللوبيا، وجمع من كل ~~صنف من هذا الحبوب سبع حبات، فجعل في جوانب الخوان، ووضع في وسطه سبعة من ~~قضبان الشجر التي يتفاءل بها وباسمها، ويتبرك بالنظر إليها كالخلاف ~~والزيتون والسفرجل والرمان، منها ما يقطع على عقدة، ومنها على عقدتين، ~~ومنها على ثلاثة، ويجعل كل قضيب باسم كورة من الكور، ويكتب في مواضع «ابزود ~~وابزائد وابزون وبروار وفراخى وفراهيه» تأويله «زاد ويزيد وزيادة ورزق وفرح ~~وسعة» ، ويوضع سبع سكرجات بيض، ودراهم بيض من ضرب سنته، وديناره جديد، وضغث ~~من أسبند، ويتناول ذلك كله، ويدعو له بالخلود وداوم الملك والسعادة والعز، ~~ولا يؤامر يومه في شيء، إشفاقا من أن يبدو منه ما يكره، فجرى على سنته، ~~وكان أول ما يقدم إليه صينية ذهب أو فضة، عليها سكر أبيض، وجوز هندي مقشر ~~رطب، وجامات فضة أو ذهب، ويبتديء باللبن الحليب الطري منه، قد أنقع فيه تمر ~~طري، فيتناول بالنارجيل تميرات، ويتحف من أحب منه، ويذوق ما أحب من الحلوى، ~~وكان يرفع في كل يوم من أيام النيروز بازا أبيض، وكان ممن يتيمن بابتدائه ~~في هذا اليوم، لقمة من اللبن الصرف # PageV01P314 # الطري والجبن الطري، وكان جميع ملوك فارس يتبركون بذلك، وكان يسرق له في ~~كل يوم نيروز ماء في جرة من حديد أو فضة، ويقول: «استرق هذا الأسعدين، ~~ويتحمل الأيمنين» ، وجعل في عنق ms211 الجرة قلادة من يواقيت خضر منظمة في سلك ~~الذهب ممدود، فيها خرز من زبرجد أخضر، ولم يكن يسرق ذلك الماء إلا الأبكار ~~من أسافل دارات الأرحاء، وصنائع الغنى، فكان متى اجتمع النيروز في يوم ~~السبت، أمر الملك لرأس الجالوت بأربعة آلاف درهم، ولم يعرف له سبب أكثر من ~~أن السنة جرت منهم بذلك، فصارت كالجزية، فكان يبنى قبل النيروز بخمسة ~~وعشرين يوما، في صحن دار الملك، اثنتا عشرة اسطوانة من لبن، تزرع اسطوانة ~~منها برا، واسطوانة شعيرا، وأخرى أرزا، وأخرى عدسا، وأخرى باقلى، وأخرى ~~دخنا، وأخرى، ذرة وأخرى لوبياء، وأخرى حمصا، وأخرى سمسما، وأخرى ماشا؛ ولم ~~يكن يحصد ذلك إلا بغناء وترنم ولهو. # وكان يوم السادس من يوم النيروز، وإذا حصد بثر في المجلس، ولم يكسر إلى ~~روز مهر من ماه فروردين، وإنما كانوا يزرعون هذه الحبوب للتفاؤل بها، ~~ويقال: أجودها نباتا، وأشدها استواء، دليل على جودة نبات ما زرع منها في ~~تلك السنة. فكان الملك يتبرك بالنظر إلى نبات الشعير خاصة، وكان مؤدب ~~الرماة يناول الملك يوم النيروز قوسا وخمس نشابات، ويناول الملك قيمه على ~~دار المملكة أترجه، فكان فيما يغني بين يدي الملك، غناء المخاطبة، وأغاني ~~الربيع، وأغاني يذكر فيها أبناء الجبابرة، وتوصف الأنواء، وأغاني أفرين، ~~والخسرواني، والماذراستاني، والفهليد. # وكان أكثر ما يغني العجم، الفهليد مع أيام كسرى أبرويز، وكان من أهل مرو، ~~وكان من أغانيه مديح الملك، وذكر أيامه ومجالسه وفتوحه، وذلك بمنزلة الشعر ~~في كلام العرب، يصوغ له الألحان، ولا يمضي يوم إلا وله فيه شعر جديد، وضرب ~~بديع. # وكان يذكر الأغاني التي يستعطف بها الملك، ويستميحه لمرازبته وقواده، ~~ويستشفع لمذنب، وإن حدثت حادثة، أو ورد خبره كرهوا إنهاءه # PageV01P315 # إليه، قال فيه شعرا، وصاغ له لحنا، كما كان فعل حين نفق مركوبه شبديز، ~~ولم يجسروا على إنهاء ذلك، فغنى بها وذكر أنه ممدود في آرية، ماد قوائمه لا ~~يعتلف ولا يتحرك، فقال الملك: «هذا قد نفق إذن» . قال: # «أنت قلت ذلك أيها الملك» ، وكان يضطره بأشعاره ms212 أن يتكلم بالذي يكره عما ~~له أن يستقبلوه به. # ذكروا أن العلة في صب الماء، أنه كان أول من تكلم في المهد، قبل المسيح، ~~زو بن طهماسب «1» ، وكان مات أبوه على قحط شديد قد شمل الأقاليم، فتكلم، ~~ودعا الله تبارك وتعالى، فسقي الناس الغيث، وأخصبت أرضهم، وعاشت مواشيهم، ~~فجعلوا صب الماء فيه سنة. # وقد حكي أيضا عن أبي جعفر بن محمد بن علي بن الحسن، عليهم السلام، أنه ~~قال في ذلك: إن أناسا من بني إسرائيل أصابهم الطاعون، فخرجوا من مدينتهم ~~هاربين إلى أرض العراق، فبلغ كسرى خبرهم، فأمر أن تبنى لهم حظيرة يجعلون ~~فيها، لترجع أنفسهم إليهم؛ فلما صاروا في الحظيرة ماتوا، وكانوا أربعة آلاف ~~نفس. # ثم أن الله تعالى أوحى إلى بني ذلك الزمان: «إن رأيت محاربة بلاد كذا، ~~فحاربهم ببني فلان» . فقال: «يا رب، كيف أحاربهم، وقد ماتوا» ؟ فأوحى الله ~~إليه: إني أحييهم لتحارب بهم، وتظفر بعدوك، فأمطر الله عز وجل ليلة صب ~~الماء، فأصبحوا أحياء، فهم الذين قال الله تعالى فيهم: # ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله ~~موتوا ثم أحياهم. # قال: «هؤلاء قوم أصابتهم محنة من الأزل، قحطوا زمانا فهزلوا، وأجدب ~~بلدهم، فغيثوا في هذا اليوم برشة من مطر، فعاشوا وأخصبت بلادهم، فجعله ~~الفرس سنة. # PageV01P316 # وقال كسرى: «يوم الريح للنوم، ويوم الغيم للصيد، ويوم المطر للهو ~~والشراب» . وقال غيره: «يوم السبت يوم مكر وخديعة، والأحد يوم غرس وبناء، ~~ويم الإثنين يوم سفر وطلب رزق، والثلاثاء يوم حجامة، والاربعاء يوم ضنك ~~ونحس، والخمسين يوم الحج، والجمعة يوم مسجد ونساء وكساء» . # سئل بعض الحكماء عن البرد، أيه أشد؟ فقال: «إذا أصبحت السماء نقية، ~~والأرض ندية، والريح شامية» . # PageV01P317 ### | محاسن الهدايا # قال: وكتب الناس في الهدايا، فأكثروا من الكلام المنثور، والشعر الموزون، ~~وكل يكتب ويقول يمقدار عقله وعلمه، حتى قالوا: إنها قرابة وصلة كالرحم ~~الماسة، والقرابة القريبة، وكلحمة النسب؛ وأكثروا من الشفيع، لقول رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: «تهادوا وتحابوا» ، وقيل: ms213 «الهدية تفتح الباب ~~المصمت، وتسل سخيمة القلب» . وروي عن عائشة أنها قالت: # «اللطفة عطفة، وتزرع في القلوب المحبة» . قال: كان رسول الله، صلى الله ~~عليه وسلم، يقبل الهدية، ويثيب عليها ما هو خير منها» . وقال عليه الصلاة ~~والسلام: # «لو أهدي إلي ذراع لقبلت، ولو دعيت إلى كراع لأجبت» . وقال عليه الصلاة ~~والسلام: «الهدية رزق من الله عز وجل، فمن أهدي إليه شيء فليقبله» . وقال ~~صلى الله عليه وسلم: «نعم الشيء الهدية أمام الحاجة، ما أرضي الغضبان، ولا ~~استعطف ولا أستميل الهاجر، ولا توقي المحذور بمثل الهدية والبر» . # وقال الله عز وجل: # وإني مرسلة إليهم بهدية فناظرة بم يرجع المرسلون، فلما جاء سليمان قال: ~~أتمدونن بمال فما آتاني الله خير مما آتاكم بل أنتم بهديتكم تفرحون. # وروي أن عاملا لعلي، رضي الله عنه، قدم من بعض الأطراف، فأهدى إلى الحسن ~~والحسين، سلام الله عليهما، ولم يهد إلى ابن الحنفية، فقال متمثلا: # PageV01P318 # وما شر الثلاثة، أم عمرو ... بصاحبك الذي لا تصحبينا # فأهدى العامل إليه كما أهدى إلى أخويه. # وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام، أن قوما من الدهاقين أهدوا إليه ~~جامات فضة، فيها الأخبصة، فقال: «ما هذا» ؟ فقالوا: «يوم نيروز» ! فقال: ~~«نيروزنا كل يوم» ، فأكل الخبيص، وأطعم جلساءه، وقسم الجامات بين المسلمين، ~~وحسبها لهم في خراجهم. وقيل: «إن جلساء المهدي إليه شركاؤه في الهدية، ~~والهدية، تجلب المودة، وتزرع المحبة، وتنفي الضغينة؛ وتركها يورث الوحشة، ~~ويدعوا إلى القطيعة. # والهدية تصير البعيد قريبا، والعدو صديقا، والبغيض وليا، والثقيل خفيفا، ~~والعبد حرا، والحر عبدا. وفيها قول الشاعر: # ما من صديق، وإن أبدى مودته ... يوما يأنجح في الحاجات من طبق # إذا تقنع بالمنديل منطلقا، ... لم يخش نبوة بواب ولا غلق # لا تكثرن، فإن الناس مذ خلقوا ... لرغبة كل ما يعطون أو فرق! # وقال آخر: # إذا أردت قضاء الحاج من أحد ... قدم لنجواك ما أحببت من سبب # إن الهدايا لها حظ إذا وردت ... أحظى من الابن عند الوالد الحدب # وقد قيل: «كل يهدي على قدره» . وذكروا ms214 أن سليمان بن داود، عليه السلام، ~~بينا هو يسير بالريح، إذ أتى على عش قنبرة، فيها فراخ لها، فأمر الريح، ~~فعدلت عن العش، فلما نزل، وافق يومه ذلك النيروز، فجاءت تلك القنبرة، حتى ~~رفرفت على رأس سليمان، وألقت في جحره جرادة، فقيل له في ذلك، فقال: «كل ~~يهدي على قدره» . # وكان مما تهديه ملوك الأمم إلى ملوك فارس، طرائف ما في بلدهم، فمن الهند ~~الفيلة والسيوف والمسك والجلود، ومن تبت والصين المسك والحرير والسك ~~والأواني، ومن السند الطواويس والببغاء، ومن الروم الديباج والبسط. وكان ~~القواد والمرازبة والأساورة يهدون النشاب والأعمدة # PageV01P319 # المصمتة من الذهب والفضة، والوزراء والكتاب والخاصة من قرابانهم جامات ~~الذهب والفضة المرصعة بالجوهر، وجامات الفضة الملونة بالذهب، والعظماء ~~والشراف، البزاة والعقبان والصقور والشواهين والفهود والسروج وآلاتها؛ ~~وربما أهدي الرجل الشريف سوطا فقبله. وكان الحكماء يهدون الحكمة، والشعراء ~~الشعر، وأصحاب الجوهر الجوهر، وأصحاب الديباج نتاج الدواب، الفرس الفاره، ~~والشهري النادر، والحمار المصري، والبغال الهماليج؛ والظرفاء، قرب الحرير ~~الصيني مملوءة ما ورد؛ والمقلقلة القسي والرماح والنشاب؛ والصياقلة ~~والزرادون، نصول السيوف والدروع والجواشن والبيض والأنسة؛ وكانت نسوة الملك ~~تهدي إحداهن الجارية الناهدة، والوصيفة الرائعة، والأخرى الدرة النفيسة، ~~والجوهرة المثمنة، وفص خاتم، وما لطف وخف؛ وأصحاب البز، الثوب المرتفع من ~~الخز والوشي والديباج وغير ذلك، والصيارفة نقر الذهب والفضة، وجامات الفضة ~~مملوءة دنانير، وأوساط الناس دنانير ودراهم من ضرب سنتهم، مودعة أترجة أو ~~سفرجلة أو تفاحة، والكاتب واقف يكتب كل مهد، وجائزة كل من يجيز الملك على ~~هديته ليودع ذلك ديوان النيروز. # ومن الهدايا التي لم يسمع السامعون بمثلها، هدية أبرويز إلى ملك الروم، ~~بعقب محاربة بهرام جوبين، وقد شارف الروم، فأنفذ رسولا يستنجده، وبعث إليه ~~مائة غلام من أبناء الأتراك مختارين في صورهم ونفوسهم، في آذانهم أقرطة ~~الذهب، معلق فيها حب الدر على مراكب بسروج الذهب، منظمة باليواقيت والزمرد، ~~وبعث معه بمائدة من عنبر، فتحها ثلاثة أذرع، مكللة المستدار بالدر، لها ~~ثلاث قوائم من ذهب: إحداها ساعد أسد مع كفه، والأخرى ساق ms215 وعل مع ظلفه، ~~والثالثة كف عقاب. في كف الأسد ياقوتة خضراء، وبين ظلفي الوعل ياقوتة ~~حمراء، وفي كف العقاب قبجة من اللازورد، عيناها ياقوتتان حمراوان تتوقدان ~~حمرة، وفي وسط المائدة جام من جزع يماني فاخر، فتحة شبر في شبر، مملوء ~~يواقيت حمرا، وسفط ذهب فيه مائة درة، كل درة مثقال، ومائة لؤلؤة، كل لؤلؤة # PageV01P320 # مثقال:، ومائة خاتم من ذهب مرصع بالجوهر، مشبك الأعلى، حشوه مسك وعنبر، ~~ووصل رسل أبرويز إلى ملك الروم بهذه الهدية، فأنجده، وأرسل إليه عشرين ألف ~~فارس بالسلاح الشاك، وبعث إليه بألفي ألف دينار لأرزاق جنده، وألف ثوب ~~منسوج، وعشرين جارية من بنات ملوك الصقالبة بأقبية الديباج المطير. في ~~آذانهن أقرطة الذهب المزينة بالدر والياقوت وعلى رؤوسهن، أكلة الجوهر. # وأنفذ إليه عشرين مركبا، على كل مركب صليب، تحت كل صليب ألف فارس وألف ~~برذون وألف شهري وألف بغلة وألف نجيب، بسروج مذهبة، وأكف مذهبة، ولجم من ~~ذهب مصبوب، وبرادع مذهبة، وجلال وبراقع ديباج منسوج بالذهب واللؤلؤ، وأوقر ~~البغال، من السندس والأستبرق والذهب واللؤلؤ. # وبعث إليه مساحة جريب أرض من ذهب، فيه نخل من ذهب، سعفه الزمرد، وطلعه ~~اللؤلؤ، وشماريخه الياقوت الأحمر، وكربه الجزع. إليه بعث ألف ألف «لؤلؤة، ~~كل لؤلؤة ألف دينار، وبعث إليه ألف ألف درهم، مثاقيله ألف ألف دينار ~~خسرواني، وأتى به، واعتذر إليه من التقصير، فقابله ملك الروم عامه المقبل ~~يوم النيروز، بفارس من ذهب على شهري من فضة، عينا الشهري جزع أبيض، محدق ~~بسواد، وناصيته وعرفه وذنبه شعر أسود، بيد الفارس صولجان من ذهب، وإلى ~~جانبه ميدان من فضة، في وسط الميدان كرة عقيق أحمر، يحمل الميدان ثوران من ~~فضة، والشهري يبول الماء، فإذا بال، انحط الصولجان على الكرة، فمر بها إلى ~~أقصى الميدان، فتحرك بحركاتها الثوران والميدان، ويركض الفارس على عجل تحت ~~حوافر الشهري. # فأما أهل الإسلام، فلم يسمع بمثل هدية حسان النبطي إلى هشام بن عبد ~~الملك، فإنه أهدى إليه وإلى أمهات أولاده هدايا كثيرة من الكساء والعطر ~~والجوهر وغيرها، فاستكثرها ms216 هشام، وقال: «بيت المال أحق بهذا» ثم أمر # PageV01P321 # فنودي عليها، فبلغت مائة ألف دينار، فبعث حسان أثمانها، وقال: «يا أمير ~~المؤمنين، قد طابت الآن، هذه مائة ألف دينار تحمل إلى بيت المال، فأقبل ~~هديتي» ؛ فقبلها، ونادى على مناديه حسان، سيد موالي أمير المؤمنين: # «قد طابت الآن هذه» . # واستملح المأمون من أبي سلمة ذكر هدية لطيفة، قال: أهدي إلى أمير ~~المؤمنين خوانا من جزع، ميلا في ميل، فقال المأمون: «أو قبضت الهدية» ؟ ~~قال: «نعم» . قال: «أفهي في داري أم داري فيها» ؟ قال: # «بل هي في منديل» . فدعا بهديته، فإذا خوان من جزع عليه ميل من ذهب، وقد ~~صنع من مائة مثقال بطول الخوان وعرضه، فاستملحه وقبله. # وأهدت أسماء بنت داود إلى أسماء بنت المنصور مائة مركن من فضة، فيها ~~أنواع اللخالخ والريحان المطيب، ومائة جفنة مطيبة، وأنواع من الأطعمة ~~والأشربة، وعشرا من الوصائف في قد واحد، فقومت هديتها، فبلغت خمسين ألف ~~دينار. # وبعث الحسن بن وهب إلى المتوكل بجام من ذهب، فيه ألف مثقال من العنبر، ~~وكتب إليه: # يا إمام الهدى، سعدت من ال ... دهر بركن من الإله، عزيز # وبظل من النعيم مديد، ... ويحرز من الليالي، حريز # لا تزل ألف حجة مهرجان ... أنت تفضي به إلى النيروز # ونعيم ألذ من نظر المعشو ... ق، من بعد نبوة ونشوز # قال خالد المهلبي: «أهديت إلى المتوكل في يوم نيروز ثوب وشي منسوج ~~بالذهب، ومشمة عنبر، عليها فصوص جوهر مشبك بالذهب، ودرعا مضاعفة، وخشبة ~~بخور نحو القامة، وثوبا بغداديا يقطع ثوبا. فأعجبه حسنه، ثم دعا به، فلبسه، ~~وقال: «يا مهلبي، إنما لبسته لأسرك به» ، فقلت: «يا أمير المؤمنين، لو كنت ~~سوقة لوجب على الفتيان تعلم الفتوة منك، فكيف وأنت سيد الناس، وأحسن من ~~جميع ما تقدم ذكره، قول عبد # PageV01P322 # الله العباسي، والي الحرمين، فإنه قال: «هذا يوم يهدى فيه إلى السادة ~~والعظماء، والواجب أن أهدي سيدي الأكبر» . ثم دعا بعشرة آلاف دينار، فقسمها ~~على أهل الحرمين، فكانت فكرته في هذا، أحسن من فعله. # كتب سعيد ms217 بن حميد إلى بعضهم: «النفس لك، والمال منك. غير أني كرهت أن ~~أخلي هذا اليوم من سنة، فأكون من المقصرين، أو أدعي أن في ملكي ما يفي ~~بحقك، فأكون من الكاذبين. وقد وجهت إليك بالسفرجل لجلالته، والسكر لحلاوته، ~~والدرهم لنفاقه، والدينار لعزه؛ فلا زلت جليلا في العيون، مهيبا في القلوب، ~~حلوا لأخوانك كحلاوة السكر، عزيزا بعد الملوك، لا تحسن أمنيتهم إلا بك، ولا ~~زلت نافقا كنفاق الدرهم» . # وأهدى أحمد بن يوسف إلى إبراهيم بن المهدي، وكتب إليه: # «الأمراء، أعزك الله، تسهل سبيل الملاطفة في البر، فأهديت هدية من لا ~~يحتشم إلى من لا يغتنم مالا، فلا أكثره تبجحا، ولا أقله ترفعا» . # وقال: كتب الحسن بن وهب إلى المتوكل في يوم نيروز بهذه الرقعة: # «أسعدك الله، يا أمير المؤمنين، بكر الدهور، وتكامل السرور، وبارك لك في ~~إقبال الزمان، وبسط بين خلافتك الآمال، وخصك بالمزيد، وأبهجك بكل عيد، وشد ~~بك أزر التوحيد، ووصل لك بشاشة أزهار الربيع المونق، بطيب أيام الخريف ~~المغدق، وقرب لك التمتع بالمهرجان والنيروز، بدوام بهجة أيلول وتموز، ~~وبمواقع تمكين لا يجاوزه الأمل، وغبطة إليها نهاية ضارب المثل؛ وعمر ببلائك ~~الإسلام، وفسح لك في القدرة والمدة، وأمتع برأفتك وعدلك الأمة، وسر بلك ~~العافية، ورداك السلامة، ودرعك العز والكرامة، وجعل الشهور لك بالإقبال ~~متصدية، والأزمنة إليك راغبة متشوقة، والقلوب نحوك سامية، تلاحظك عشقا، ~~وترفرف نحوك طربا وشوقا» . # وكتب في آخره: # فداك الزمان، وأهل الزمان ... إمام الهدى بك مستبشرينا # وقد ألقوا إليك مقاليدهم ... جميعا مطيعين، مستوثقينا # PageV01P323 # ولا زلت زينا لأعيادنا ... وللدين كهفا وحصنا حصينا # يعز بدولتك الصالحون ... ويشقى بك الشرك والمشركونا # فيا رب مشكلة أبرقت ... فجللتها السيف حقا يقينا # وسمت النصارى بشيطانها ... وذللت منها الأغر البطينا «1» # وكم فعلة لك في المشركين ... أقرت عيونا، وأبكت عيونا! # وكتب آخر: # المهرجان لنا يوم نسر به ... يوم تعظمه الأشراف والعجم # وأنت فيه لنا بدر يضيء كما ... أن السماء ببدر الليل تبتسم # وكتب آخر: # عيد جديد، وأنت جدته ... يا من به للزمان تجديد # لا زال طول ms218 الزمان يرجعه ... وظل ملك عليك ممدود # وقيل للمازني: أي هؤلاء أظرف في شعره الذي يقول: # جعلت فداك، للنيروز حق ... فأنت علي أعظم منه حقا # ولو أهديت فيه جميع ملكي ... لكان جليله لك مستدقا # فأهديت الثناء بنظم شعر ... وكنت لذاك مني مستحقا! # أم الذي يقول: # دخلت السوق أبتاع ... وأستطرف ما أهدي # فما استطرفت للإهدا ... ء إلا طرف الحمد # إذا نحن مدحناك ... رعينا حرمة المجد! # أم الذي يقول: # PageV01P324 # وكم من مرسل لك قد أتاني ... بما يهدي الخليل إلى الخليل # فأظهرت السرور وقلت: أهلا ... وسهلا بالهدية والرسول # فقال: أشعرهم جميعهم، وأظرفهم الذي يقول: # فو الله لا أنفك أهدي شواردا ... إليك يحملن الثناء المبجلا # ألذ من السلوى، وأطيب نفحة ... من المسك مفتوتا، وأيسر محملا # وبعث سعيد بن حميد إلى أحمد بن أبي طاهر قارورة ماورد، وكتب إليه: # وزائرة حورية فارسية ... كنشر حبيب حاد يوما عن الصد # ترد ربيعا في مصيف بنفحة ... إذا فقدت وردا تنوب عن الورد # حكى نشرها منه خلائق نشره ... كنشر نسيم الروض في جنة الخلد # وشبهتها في صفوها بصفائه ... لإخوانه في القرب منه وفي البعد # وأهدت لنا منه النسيم نسيمة ... وإن كان إن حالت، يدوم على عهد # وعن إسحق بن إبراهيم الموصلي، قال: دار كلام بين الأمين، وبين إبراهيم بن ~~المهدي؛ قال: فوجد عليه الأمين، فهجره، فوجه إليه إبراهيم بوصيفة مغنية مع ~~عبد هندي، فأبى الأمين أن يقبلهما، فكتب إليه: # هتكت الضمير برد اللطف ... وكشفت هجرك لي فانكشف # فإن كنت تحقد شيئا مضى ... فهب للخلافة ما قد سلف # وجد لي بعفوك عن زلتي ... فبالفضل تأخذ أهل الشرف # فرضي عنه، ودعاه للمنادمة!! قال ابن حمدون النديم: افتصد المأمون، فأهدى ~~إليه إبراهيم بن المهدي جارية، معها عود ورقعة فيها: # عفوت وكان العفو منك سجية ... كما كان معقودا بمفرقك الملك # فإن أنت أتممت الرضى فهو المنى ... وإن أنت جازيت المسيء فذا الهلك # PageV01P325 # فقال المأمون: خرف الشيخ. يوم مثل هذا، يذكر الثواب والآخرة، فلا يقبل ~~الوصيفة؛ واغتم إبراهيم، وكتب إليه مع الوصيفة: # لا والذي تسجد ms219 الجباه له ... ما لي بما دون ثوبها خبر # ولا بفيها، ولا هممت بها، ... ما كان إلا الحديث والنظر «1» # فقال المأمون: «نعم الآن أقبلها» ، فقبلها. # قال أبو القاسم بن أبي داود: كنت عند أحمد بن محمد العلوي، وقد افتصد، ~~فخرج بعض الخدم، ومعه طبق من فضة، عليه تفاح طيب مكتوب حواليه بالذهب: # سر، الغداة، بوجهك اللغب، ... وجرى بيمن فصادك الطرب # وتداعت العيدان في زجل ... وتناولت راحاتها النخب # فأشرب بهذا الجام يا ملكي ... شربا حثيثا، إنه عجب # واجعل لمن قد خف في لطف ... من زوره يخشى ويرتقب! # فقال للخادم: «أخرجها إلى الستارة» ، فخرجت، وخلا ليلته بها. # وقيل: افتصد المعتصم، وأهديت إليه «شمائل» صينية عقيق، عليها قدح أسبل ~~عليها منديل مطيب مكتوب عليه بالعنبر، في كل ربع منه بيت شعر: # خضب الخليفة كفه من فصده ... بدم يحاكي عبرة المشتاق # تاه الفصاد فما يقام لتيهه ... إذ صار مفتصدا أبو إسحاق # وتوافت العيدان عند حضوره ... قب البطون، ذوابل الأعناق # ملك إذا خطر الشراب بباله ... لبس السرور غلائل الإشراق # فلما قرأه أمر بإحضار إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأمره أن يجعل له # PageV01P326 # لحنا، وأمر مسرورا بإخراجها من وراء الستارة؛ ثم لم يزل إسحاق يردد هذه ~~الأبيات حتى احكمتها شمائل، وغنت، فكأن سقط الدر يتناثر من فيها؛ وأمر ~~لإسحق بمال، وللجارية بخمس وصائف، وخمسة آلاف دينار. # قال المبرد: أهدى اليزيدي «1» إلى الرشيد، يوم فصد، جام بلور، وشمامات ~~غالية، وكتب إليه: يا أمير المؤمنين؛ تفاءلت في الشرب في الحمام بجمام ~~النفس، ودوام الأنس، والغالية للغلو في السرور، ولا زدياد من الخير ~~والحبور، وقلت: # دم الفصد من يدك العاليه ... يداعي لجسمك بالعافية # كسا الدهر ثوبا من الأرجوان ... بديع الطرازين والحاشية # وعصفر صفحة وجه الربيع، ... بصبع من أسراره الجارية # فكم روضة نشرت وشيها، ... وزهرة روض غدت زاهيه # إمام أسال دم المكرمات ... فشجج أقتالها الحاميه # فلا زال في عيشة راضيه ... ودامت له النعمة الكافيه # قال اليزيدي: افتصد المأمون، فأهدت إليه: «رباح» أترجة عنبر عليه مكتوب ~~بماء الذهب: # تعالج من هويت بفصد عرق ms220 ... فأضحى السقم في خلع الخضوع # وجاءت تحفة الأحباب تسعى ... بورد فائض فيض الدموع! # فقال المأمون لليزيدي: «ويحك، ما تقول فيمن كتب هذين البيتين» ؟ قال: ~~«يكافأ بالدنيا وما استدق منها» ، فأمر لها بمال كثير، ووصلني ببعضه. # PageV01P327 # قال: وافتصد عبد الله بن طاهر، فأهدى له «أبو دلف» جميع ما أصاب في السوق ~~من الورد، وكتب إليه: # تضاحك الورد في وجهي، فقلت له: ... لم ذا؟ فقال: أبو العباس مفتصد؟ # فقمت أطلب ما أهديه من طرف ... للفصد في السوق، حيت خانني الجلد # يوم الفصاد له أزر مطيبة ... محجوبة لا يراها الجرد والزرد # فاشرب على الورد مسرورا بطلعته ... يابن الكرام، فأنت السيد النجد # قال عمرو بن بانة: اعتل المعتصم، فأشار عليه بختيشوع بالفصد، وأنا عنده، ~~فأخرجت إليه هدايا الفصد، وكان فيما أخرج، طبق صندل مكتوب عليه بجزع، كما ~~يدور عليه شمامات مسك وعنبر، فأمر بقراءة ما عليه، فإذا هو: # فصد الإمام لعلة في جسمه ... فشفى الإله السقم بالفصد # وجرى إلى الطشت السقام مبادرا ... وجرى الشفاء إليه بالسعد # يا مالكا ملك العباد بجوده ... إسلم، سلمت، بعيشة رغد! # فقال: يا عمرو! من يلومني على حب هذه الجارية، والله ما أراها إلا تزايدت ~~في عيني، وخليق أن تنجب، فإن لها همة» . فولدت غلاما، وكانت آثر جواريه ~~عنده، وأحظاهن لديه. # وأخبرنا إبراهيم القارىء قال: كنت عند المأمون، فأحتاج إلى الفصد، فقال ~~الأطباء: «البلد بارد» ، فقال: «لا بد لي منه» ؛ ففصدوه، فلما كان وقت ~~الظهر، حضروا، فراموا فجر العرق؛ فإذا هو قد التحم، فشدوا الرباط، وفيهم ~~(متحا) يدق، فما ظهر الدم، فقال لهم المأمون: # «عقرتموني» ، فحلوا الرباط، وعلى رأسه بختيشوع وابن ماساويه، فقال: # ما تقولون» ؟ قالوا: «ما ندري ما نقول» ؟ # قال: فأشاروا هناك إن جلالة الخليفة، ربما أدهشت الحاذق بالصناعة، ~~والمتقدم في الرياسة؛ فاعتزلوا ناحية، وأبطأوا عليه، فقال لأسود كان على ~~رأسه: «أدن، فمص الجرح» ففعل، فثار الدم فقال: «أدع # PageV01P328 # هؤلاء الحاكة» ، فجاؤوا، وشهدوا خروج الدم؛ قال: «أين كنتم» ؟ قال ابن ~~ماسويه: «لو فعل جالينوس، ما زاد عليه» . # قال: وافتصد ms221 أحمد بن عيسى بالري، وهو أميرها، فكتب إليه جعفر الشيباني: # فصدت بأرض الري، طاب لك الفصد ... وفارق نجم النحس طالعك السعد # فأعقبك الحسنى التي لا مدى لها، ... ولا زال برديك الجلالة والحمد # توردت الدنيا بفصدك مثل ما ... بفصدك يابن المصطفى صحك الورد # فلا أبصرت عيناك ما عشت شانيا ... ومن كل ما تهواه، لا خانك العهد # وفي مثله: # يا فاصدا من يد جلت أياديها ... ونال منه الذي يرجوه راجيها # يد الندى هي، فارفق لا ترق دمها ... فإن آمال طلاب الندى فيها # قال: وكتب الحمدوني إلى الفضل بن جعفر، وقد افتصد: # ألا يا طبيب الفصد، هل أنت عالم ... بما صنعت كفاك في كف ذي المجد # أسلت دما من ساعد ينثني بها ... حياء ندى فاقصد بذرعك في الفصد # فداويت كفا تعلم الناس أنها ... دواء من اللأمحال في الزمن النكد # ولما أتانا المخبرون بفصده ... أردت بأن أهدي على قدر ما عندي # وشاورت فاستصحبت آلي وجيرتي ... فلم أر أمرى من ثناء ومن حمد! # وقال آخر: # تؤنق من ثنائك في الهدايا ... غداة أردت فضل الباسليق # فلم أر كالدعاء أتم نفعا ... وأجمل في مكافأة الصديق # وأكثرت الدعاء، وقلت: ربي ... يقيك شرور آفات العروق # وقال آخر: # على طيب أيام التمتع بالورد ... فصدت، فأصبحت السلامة في الفصد # PageV01P329 # ولا زلت، لا زالت من الله أنعم ... عليك قرير العين، مغتبط الحسد # لقد رمت جهدي طرفة وهدية ... إليك، فكان الشكر أكثر ما عندي # وقال آخر: # أيها الفاصد العليل الصحيح ... بأبي ذلك الجراح الجريح، # إن من علق الدراع من الفص ... د إلى الجيد ذاك شيء مليح # أيها الفاصد المهنا له الورد ... وفي وجنتيه ورد يلوح # وقال آخر: # أيها السيد الذي فصد العرق ... وأرخى دوني ذيول السرور # كم تمنيت أن أكون طبيبا ... ومنى الصب ترهات الغرور # وقال آخر: # أجمل، جعلت فداك، بالجلد ... وامنن علي بأجمل الرد # لو عاينت عيناك مضطربي ... وتفردي بالمد والشد # وتخشعي عند الطبيب كأنه ... مولى يريد عقوبة العبد # كالنار مبضعه يقلبه ... ويدير مقلة حازم جلد # حتى اعتزمت على محاجزة ... وصددت عنه ms222 أيما صد # ما كان من ألم شعرت به ... إلا كموقع شرطة الجلد # إذ سال منبعثا سوابقه ... كالنار خارجة من الزند # فسلمت والرحمن سلمني ... ذو المن والآلاء والحمد # ما بعد طباخي لمفتخر ... فخر لمن قبلي ومن بعدي # فأجاد صنعتها وعجلها ... من غير ما تعب ولا جهد # ونبيذنا صاف ومجلسنا ... في الطيب يحكي جنة الخلد # فهلم واحضر غير محتشم ... واجعل غذاءك، سيدي، عندي # لا تجمعن علي محتسبا ... ضعف العليل، ووحشة الفرد # PageV01P330 ### | القيان # قال الأصمعي بعث إلي هارون الرشيد، وهو بالرقة فحملت إليه، فأنزلني الفضل ~~بن الربيع، ثم أدخلني عليه وقت الغروب، فاستدناني، وقال: يا عبد الملك، ~~وجهت إليك بسبب جاريتين أهديتا إلي، وقد أخذنا طرفا من الأدب أحببت إن تبرز ~~ما عندهما، وتسير على الصواب فيهما، ثم أمر بإحضار هما فحضرت جاريتان ما ~~رأيت مثلهما قط، قلت لإحداهما، «ما عندك من العلم» ؟ قالت: «ما أمر الله في ~~كتابه، ثم ما ينظر فيه الناس من الأشعار والأخبار» . فسألتها عن حروف ~~القرآن، فأجابتني كأنها تقرأ في كتاب الله. ثم سألتها عن الأشعار والأخبار ~~والنحو والعروض، فما قصرت عن جوابي في كل من أخذت فيه. فقلت لها: فأنشدينا ~~شيئا فأنشدت: # يا غياث البلاد في كل محل ... ما يريد العباد إلا رضاكا # لا ومن شرف الإمام، وأغلى ... ما أطاع الإله عبد عصاكا # فقلت: يا أمير المؤمنين! ما رأيت امرأة في نسك رجل مثلها، وخبرت الأخرى، ~~فوجدتها دونها، فأمر أن تصنع تلك الجارية لتحمل إليه في تلك الليلة، ثم قال ~~لي: «يا عبد الملك، أنا ضجر، وأحب أن تسمعني حديثا مما سمعت من أعاجيب ~~الزمان نفرح به» . فقلت: يا أمير المؤمنين! كان لي صاحب في بدو بني فلان، ~~وكنت أغشاه، وأتحدث معه، وقد أتت عليه ست وتسعون سنة، وهو اصح الناس ذهنا، ~~وأقواهم بدنا، فغبت عنه، ثم أتيته، فوجدته ناحل البدن، كاسف البال، فسألته ~~عن سبب تغيره، فقال: قصدت بعض القرابة، فألفيت عندهم جارية قد طلت بالورس ~~بدنها، وفي عنقها طبل تنشد عليه: # محاسنها سهام للمنايا ... مريشة ms223 بأنواع الطيوب # ترى ريب المنون بهن سهما ... تصيب بنصله مخ القلوب # فقلت: # قفي شفتي من موضع الطبل ترتعي ... كما قد أبحت الطبل في جيدك الحسن # PageV01P331 # فهبني عودا جوفه تحت متنه ... يمتعني ما بين نحرك والذقن!! # فلما سمعت شعري رمت بالطبل في وجهي، ودخلت الخيمة، فوقفت حتى حميت الشمس ~~على مفرقي ولم تخرج، فانصرفت قريح القلب، فهذا التغير من عشقي لها» . # فضحك الرشيد حتى استلقى، وقال: «ويلك، يا عبد الملك! ابن ست وتسعين ~~وتعشق» ؟! فقلت: «قد كان هذا» ! فقال: «يا عباس، أعط عبد الملك مائة ألف ~~درهم، ورده إلى مدينة السلام» . فانصرفت، ثم أتاني خادم، فقال: «أنا رسول ~~ابنتك يعني الجارية، تقول لك: إن أمير المؤمنين قد أمر لها بمال، وهذا ~~نصيبك» ، فدفع إلي ألف دينار، ولم تزل تواصلني بالبر الواصل حتى كانت فتنة ~~محمد، وانقطع خبرها، وأمر الفضل لي بعشرة آلاف درهم. # وعن علي بن الجهم لما أفضت الخلافة إلى المتوكل، أهدى إليه الناس على ~~أقدارهم، فأهدى إليه ابن طاهر جارية أديبة تسمى «قبيحة» ، تقول الشعر ~~وتلحنه، وتحسن من كل علم أحسنه، فحلت من قلب المتوكل محلا جليلا، فدخلت ~~يوما للمنادمة، وخرج المتوكل وهو يضحك، وقال: # يا علي، دخلت فرأيت «قبيحة» كتبت على خدها بالمسك «جعفر» ، فما رأيت أحسن ~~منه، فقل فيه شيئا، فسبقتني محبوبة، وأخذت عودها فغنت: # وكاتبة بالمسك في الخد جعفرا ... بنفسي خط المسك من حيث أثرا # لئن أودعت سطرا من المسك خدها ... لقد أودعت قلبي من الوجد أسطرا # فيا من لمملوك يظل مليكه ... مطيعا له فيما أسر وأجهرا # ويا من لعيني من رأى مثل جعفر ... سقى الله صوب المسكرات لجعفرا # قال: فنقلت خواطري، حتى كأني ما أحسن حرفا من الشعر، وقلت للمتوكل: «أقل، ~~فقد، والله، غرب عني ذهني» ، فلم يزل يعيرني به، ثم دخلت عليه للمنادمة، ~~بعد ذلك، فقال: «يا علي، أعلمت أني قد غاضبت «محبوبة» ، وأمرتها بلزوم ~~مقصورتها، ومنعت أهل القصر من # PageV01P332 # كلامها» ؟ فقلت: «يا سيدي، إن غاضبتها اليوم، فصالحها غدا» ، فدخلت عليه ~~من الغد، فقال: ms224 ويحك، يا علي، رأيت البارحة في النوم كأني صالحت محبوبة، ~~فقالت جاريته: شاطر يا سيدي، لقد سمعت الآن في مقصورتها هينمة، فقال: ننظر ~~ما هي، فقام حافيا حتى وصلنا مقصورتها، فإذا هي تغني: # أدور في القصر كي أرى أحدا ... أشكو إليه فلا يكلمني # فمن شفيع لنا إلى ملك ... قد زارني في الكرى يعاتبني # حتى إذا ما الصباح عاد لنا، ... عاد إلى هجره ففارقني # فصفق المتوكل طربا، فلما سمعته، خرجت تقبل رجليه، وتمرغ خدها في التراب، ~~حتى أخذ بيدها، راضيا عنها. # حدث أبو علي بن الأسكري المصري، «وأسكر هي القرية التي ولد فيها موسى ~~عليه السلام» ، قال: كنت من جلاس تميم بن تميم، وممن يخف عليه، فأتى من ~~بغداد بجارية رائعة فائقة الغناء، فدعا بجلسائه، وقدمت الستارة، فغنت: # وبدا له، من بعد ما اندمل الهوى ... برق تألق موهنا لمعانه # يبدو كحاشية الرداء، ودونه ... صعب الزرى، متمنع أركانه # وبدا لينظر كيف لاح، ولم يطق ... نظرا إليه، وهده هيجانه # فالنار ما اشتملت عليه ضلوعه ... والماء ما سحت به أجفانه # قال: فأحسنت ما شاءت، فطرب تميم ومن حضر، ثم غنت: # سيسليك مما دون دولة مفضل ... أوائله محمودة وأواخره # ثنى الله عطفيه، وألف شخصه ... على البر مذ شدت عليه مآزره # فطرب تميم ومن حضر، ثم غنت: # استودع الله في بغداد لي قمرا ... بالكرخ من فلك الأزرار مطلعه # PageV01P333 # فأفرط تميم في الطرب جدا، وقال لها: «تمني ما شئت، فلك مناك» ، قالت: ~~«أتمنى أيها الأمير، عافيته وسلامته» ، فقال: «والله لا بد أن تتمني» ! ~~فقالت: على الوفاء، أتمنى أن أغني هذه النوبة ببغداد» . # فتغير وجه تميم، وتكدر المجلس، وقمنا، فلحقني بعض خدمه، فردني، فلما وقفت ~~بين يديه، قال: «ويحكم، أرأيت ما امتحنا به، ولا بد لنا من الوفاء، ولم أثق ~~في هذا بغيرك، فتأهب لحملها إلى بغداد، فإذا غنت هناك، فاصرفها» ، فقلت: ~~«سمعا وطاعة» . ثم أصحبها جارية سوداء تخدمها وتعدلها، وأمر بناقة لي، فحمل ~~عليها هودج، وأدخلت فيه، وسرنا مع القافلة إلى مكة، فقضينا حجنا، ثم لما ~~وردنا ms225 «القادسية» ، أتتني السوداء فقالت: «تقول لك سيدتي أين نحن» ؟ فقلت: ~~«نحن الآن بالقادسية» . فأخبرتها، فسمعت صوتا قد ارتفع منشدا: # لما رأينا القادسية ... حيث مجتمع الرفاق # وشممت من أرض الحجاز ... نسيم أنفاس العراق # أيقنت لي ولمن أحب ... بجمع شمل واتفاق # وضحكت من فرح اللقا ... ء، كما بكيت من الفراق # فصاح الناس من أقطار القافلة: أعيدي بالله، فلم يمسع لها كلمة. # فلما نزلنا «الناصرية» ، على خمسة أميال من بغداد، في بساتين متصلة، تبيت ~~الناس فيها، ثم يبكرون ببغداد، فلما قرب الصباح، إذ السوداء قد أتتني ~~مذعورة، فقالت: «إن سيدتي ليست بحاضرة» ، فلم أجدها، ولا وجدت لها ببغداد ~~خبرا، فقضيت حوائجي، وانصرفت إلى تميم، وأخبرته خبرها، فلم يزل واجما ~~عليها. # وأخبار القينات كثيرة، فنقتصر منها على هذا القدر. # قيل: كان يقال: من أراد قلة المؤونة، وخفة النفقة، وحسن الخدمة، وارتفاع ~~الحشمة، فعليه بالإماء دون الحرائر» . وكان مسلمة بن مسلمة يقول: «عجبت لمن ~~استمتع بالسراري، كيف يتزوج المهائر» ؟ # PageV01P334 # وقال: «السرور باتخاذ السراري» ، أهل المدينة يكرهون اتخاذ الإماء أمهات ~~أولادهم، حتى نشأ فيهم علي بن الحسين بن علي رضي الله عنهم، وفاق أهل ~~المدينة فقها وعلما وورعا، فرغب الناس في اتخاذ السراري، قال: # وليس من خلفاء بني العباس من أبناء الحرائر إلا ثلاثة: السفاح، والمنصور، ~~والأمين، والباقون كلهم أبناء الجواري، وقد علقت الجواري لأنهن يجمعن عز ~~العرب، ودهاء العجم. # وضده: # إذا لم يكن في منزل المرء حرة ... رأى خللا فيما تولى الولائد # فلا يتخذ منهن حر قعيدة ... فهن لعمر الله، شر القعائد # وكان يقال: «الجواري كخبز السوق، والحرائر كخبز الدور» . ومن أمثال ~~العرب: «لا تمازح أمة، ولا تبك على أكمة» «1» ، وقال بعضهم: «لا تفترس من ~~تداولتها أيدي النخاسين ووقع ثمنها في الموازين» ، وقال: «لا خير في بنات ~~الكفر، وقد نودي عليهن في الأسواق، ومرت عليهن أيدي الفساق» . # PageV01P335 ### | محاسن الموت # في الحديث المرفوع: «الموت راحة» . وقال بعض السلف: ما من مؤمن إلا ~~والموت خير له من الحياة، لأنه إن كان محسنا فالله يقول: # وما عند الله ms226 خير للأبرار. # وإن كان مسيئا، فالله تعالى جده يقول أيضا: ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما» # . وقال ميمون بن مهران: «أتيت عمر بن العزيز، فكثر بكاؤه، ومسألته الله ~~الموت. # فقلت: «يا أمير المؤمنين! تسأل ربك الموت، وقد صنع الله على يدك خيرا ~~كثيرا، أحييت سننا، وأمت بدعا، وفعلت وصنعت، ولبقاؤك رحمة للمؤمنين» ، ~~فقال: «ألا أكون كالعبد الصالح حين أقر الله عينه، وجمع له أمره، قال: «رب ~~قد آتيتني من الملك، وعلمتني من تأويل الأحاديث» إلى قوله: «وألحقني ~~بالصالحين» . فما دار عليه أسبوع حتى مات، رحمه الله» . قالت الفلاسفة: «لا ~~يستكمل الإنسان حد الإنسانية إلا بالموت، لأن حد الإنسانية إنه حي ناطق ~~ميت» . وقال بعض السلف: «الصالح إذا مات استراح، والطالح، إذا مات، استريح ~~منه» . قال الشاعر: # وما الموت إلا راحة غير أنه ... أبر بنا من كل بر وأرأف # وقال آخر: # جزى الله عنا الموت خيرا، فإنه ... أبر بنا من كل بر وأرأف # يعجل تخليص النفوس من الأذى ... ويدني من الدار التي هي أشرف # PageV01P337 # وقال منصور الفقيه: # قد قلت، إن مدحوا الحياة، فأسرفوا ... في الموت ألف فضيلة لا تعرف # منها أمان بقائه بلقائه ... وفراق كل معاشر لا ينصف # وقال أحمد بن أبي بكر الكاتب: # من كان يرجو أن يعيش فإنني ... أصبحت أرجو أن أموت فأعتقا # في الموت ألف فضيلة لو أنها ... عرفت لكان سبيله أن يعشقا # وقال لنكك البصري «1» : # نحن، والله، في زمان غشوم ... لو رأيناه في المنام فزعنا # أصبح الناس فيه من سوء حال ... حق من مات منهم أن يهنأ # وضده، في الحديث المرفوع: «أكثر (؟) وأذكرها ذم اللذات (يعني الموت) » . ~~قال الشاعر: # يا موت ما أجفاك من نازل ... تنزل بالمرء على رغمه # تستلب العذراء من خدرها ... وتأخذ الواحد من أمه # وقال: # وكل ذي غيبة له إياب ... وغائب الموت لا يؤوب # وقال بعضهم: «الناس في الدنيا أغراض تنتضل «2» فيها سهام المنايا» . # وقال ابن المعتز: «الموت كسهم مرسل إليك، وعمرك بقدر سفره نحوك» . # PageV01P338 # وقال ms227 بعضهم: «الموت أشد مما قبله، وأهون مما بعده» . # ونظر الحسن رضي الله عنه إلى ميت يدفن، فقال: «إن شيئا أوله هذا لحقيق أن ~~يخاف آخره، وإن شيئا هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله» . # وسئل بعض الفلاسفة عن الموت، فقال: «مفازة، من ركبها ضل خبره، وعفى أثره» ~~«1» . # والله أعلم بالصواب، وإليه المرجع والمآب. # انتهى كتاب «المحاسن والأضداد» لأبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ # PageV01P339 ### | فهرس الكتاب # الموضوع الضفحة # مقدمة الكتاب 5 # مقدمة 17 # محاسن الكتابة والكتب 19 # مساويء اللحن في اللغة 25 # محاسن المخاطبات 27 # محاسن المكاتبات 33 # محاسن الجواب 37 # محاسن حفظ اللسان 41 # محاسن كتمان السر 45 # محاسن المشورة 51 # محاسن الشكر 53 # محاسن الصدق 59 # محاسن العفو 65 # محاسن الصبر على الحبس 69 # محاسن المودة 73 # محاسن الولايات 76 # PageV01P341 # الموضوع الصفحة # محاسن الصحبة 79 # محاسن التطير 81 # محاسن الوفاء 83 # محاسن السخاء 87 # مساوىء البخل 95 # محاسن الشجاعة 105 # محاسن حب الوطن 117 # محاسن الدهاء والحيل 125 # محاسن المفاخرة 131 # محاسن الثقة بالله 153 # محاسن طلب الرزق 155 # محاسن المواعظ 159 # محاسن الدنيا ومساوئها 161 # محاسن الزهد 167 # محاسن النساء الشاعرات 171 # النساء الماجنات 177 # الأعرابيات 185 # محاسن المتكلمات 187 # صفة النساء الحسان 193 # صفة الزوجة الصالحة 199 # أمثال في التزويج 205 # رأى المرأة بالرجل 209 # نساء الخلفاء 213 # المطلقات 217 # محاسن وفاء النساء 223 # غدر النساء 231 # PageV01P342 # الموضوع الصفحة # حديث الزباء 237 # محاسن مكر النساء 243 # مساويء مكر النساء 247 # محاسن الغيرة والحجاب 249 # محاسن القيادة 271 # أخبار الشعراء 287 # أحاديث الجنس 303 # النيروز والمهرجان 313 # محاسن الهدايا 318 # محاسن الموت 337 # PageV01P343 ### | فهرس الأعلام # - أ- # آدم 150. # ابان، عبد الرحمن بن 125. # إبراهيم، المغيرة بن 60. # إبراهيم 149، 150. # الأنلبق ألفرد 19. # إبليس 87. # الأحنف 30. # أحمد، الخليل بن 17، 103. # أخطب، صفية بنت 60. # الأخطل، 209. # الأخيلية، ليلى 173، 174. # أدهم، إبراهيم بن 164. # ارسطو 88، 97. # أروى، الطيب بن 205، 206. # ازدشير 19. # إسحق 149، 150. # الإسكندر 88. # الأشعث، جعفر بن محمد بن 35. # الأشعث، عبد الرحمن 127. # اصطخر 19. # الأصمعي 29، 60، 187، 206، 332. # الأعشى 38، 84. # افريدون 313، 314. # الأفشين 99. # امامة، كعب بن 90. # امرؤ القيس 83، 84. # الأمين 325، 335. # أنوشروان 155، 252، 253. # الأهشم، ms228 عمرو بن 38. # - ب- # البارقي، 183. # باقل، 129. # البحتري 91، 147. # بختيشوع، 328. # PageV01P344 # بدر، الزبرقان بن 38. # بزر جمهر 54، 88. # بسطام 231. # بشار 56. # بشر المريسي 25. # بشير، محمد بن 277. # البصرة 37، 88، 278، 281، 284، 296. # بغداد 36، 213، 271. # البغل، ابن أبي 103. # بقراط، 117. # بكر، أبو 132، 133، 250. # بكر، أحمد بن أبي 338. # بكر، عبد الرحمن بن أبي 220. # بلال، 150. # بهرام جور 231. # بنيوراسيف 231. # - ت- # تمام، أبو 91، 100، 155. # تميم، تميم بن 333، 334. # تميم، عماره بن 127، 128. # توبة، 173. # التوراة، 53. # - ث- # ثابت، حسان بن 100. # ثعلب، 185. # ثمامة، 268. # الثوري، سفيان 55، 168. # - ج- # الجاحظ 17، 21، 36. # جالينوس، 117. # جبريل، 59. # جحدر، 105، 106. # جدعان، عبد الله بن 150. # جديث 254- 256. # جذيمة (الأبرش) 237. # الجرجاني، الحسن 271. # جرير، العباس بن 73. # جعفر، الأحوص بن 126. # جعفر (ذو الجناحين) 145. # جعفر، عبد الله بن 33، 71، 144، 267. # جميل (ثينة) 291، 292. # الجهم، علي بن 69، 183، 332. # الجهم، محمد بن 20. # PageV01P345 # - ح- # حازم، أبو 161. # حباحب، أبو 96. # الحبشة، 150. # الحجاج 37، 52، 67، 68، 76، 105، 106، 109، 209، 115، 127، 128، 153، ~~160، 217، 219، 243. # الحجاز، 125. # حرقة، شهاب بن 109. # الحسن، الحسن بن 67، 68. # الحسن، عبد الله بن 35. # الحسن (البصري) 67، 148، 166، 339. # الحسين، علي بن 335. # الحسين (الخليع) 178، 179، 166، 339. # الجطيئة، 53. # حفصة، مروان بن أبي 148. # الحكم، مروان بن 133، 134، 241، # حكيم، الجحاف بن 67. # الحنفية، محمد بن 189. # - خ- # خاقان، الفتح بن 185. # خالد، يحيى بن 17، 28، 36، 65. # خراسان 61، 86. # الخراساني، أبو مسلم 43، 45، 47. # خرقاء، 187. # الخريث، خالد 291، 292. # الخس، الخنيفس بن 257. # الخلال، الحسين 214. # خلف، أمية بن 150. # خليفة (الشاعر) 38. # الخنساء 171، 172. # الجنولاني، أبو مسلم 167. # الخياط، أبو مسلم 167. # الخياط، الحسين 171، 180. # خيبر، 60. # الخيزران 213، 214، 319. # - د- # داود، ابن 20. # الدرداء، أبو 164. # داود، سليمان بن 164، 319. # داحة، ابن 20. # دعبل، علي بن 220. # PageV01P346 # دغة، 129. # دلف، أبو 36، 70، 91، 92. # الدنيا، ابن أبي 310. # دؤاد، ابن أبي 79، 93. # الدؤلي، أبو الأسود 97. # دينار، مالك بن 151. # - ذ- # الذبياني، النابغة 262. # ذر، أبو 59. # ذو الرمة 54، 292، 293. # - ر- # الربيع، الفضل بن 210. # ربيعة، عمر بن أبي 283، 288، 289، 297- 302، 308. # رزين، محكم بن 178، 179. # رستم، 61. # رسول الله 42، 45، 46، 68، 87 # رسول الله 42، 45، 46، 54، 59، 60، 66، 67، 68، 87، 93، 118، 121، 131، ~~134، 148، 145، 150، 155، 199، 200، 249، 250، 318، 337. # الرشيد 27، 28، 65، 214، 265، 278، 327. # الرضي 147، 148. # الرقاشي، الفضل 178. # الرمة، الفضل 168. # الرضا، 19. # الروم 150، 319، 310. # الريحاني، ابن عبيدة 42. # - ز- # زائدة، معن بن 127. # الزباء، 237. # زبيد، أبو 113. # الزبير 215. # الزبير، عبد الله بن 37، 135، 140، 142. # الزبير، عروة بن 33. # الزبير، مصعب بن 23، 37، 65، 202. # زكريا، يحيى بن 87. # الزهري 23. # زهير، قسامة بن 41. # الزيات، ابن 19، 79، 278. # زياد (ابن أبيه) 25، 67، 133، 134. # زياد، عبيد الله بن 209. # PageV01P347 # زياد (النبطي) 26. # - س- # السدير 19. # سراقة 125، 126. # السرح، ابن أبي 119. # السجستاني 278. # السفاح 335. # سفيان، أبو 15. # سفيان # سلام، عبد الله بن 67. # سلكة، نجيح بن 96. # السلكة، السليك بن 83. # سليمان 150. # السماك، ابن 59، 156. # سمرقند 19، 28. # السموأل 83، 84. # سنمار 56. # سنيح 125. # سهل، الخليل بن 61. # سيابة، إبراهيم بن 98. # - ش- # شاكر، إسماعيل بن أبي 35. # الشام 38. # شداد، عنترة بن 262. # شراحبيل، شريك ms229 بن 85. # شعبة، المغيرة بن 200، 217. # الشعبي 45، 52، 59، 87. # شعوب 19. # شماس، خزام بن 96. # شهرام المروزي 43، 44. # الشيباني، جعفر 329. # شيرين 228، 233، 234. # - ص- # صفرة، ضمرة بن أبي 286، 286. # صفوان، خالد بن 39. # صهيب 150. # الصواعق، أبو 193. # صيفي، اكثم بن 41. # الصين 42، 123. # - ط- # طالب، أبو 145، 150. # طاهر، عبد الله بن 155. # طسم 254- 256. # طلحة، عثمان بن 150. # - ع- # عائشة 54، 171، 318. # عائم، عائمة بنت 145، 147. # PageV01P348 # العاص، عمرو بن 99، 133، 134، 202. # عباد، الحارث بن 84. # العباس (بن عبد المطلب) 37، 59، 121. # عباس، ابن 81، 142، 149، 149. # عبد الحسحاس 262. # عبد الله، عيسى بن طلحة بن 76، 94. # عبد العزيز، عمر بن 25، 34، 166، 337. # عبد المطلب 145. # عبد المطلب، العباس بن 145. # عبد المطلب، هند بنت 87. # عبد الملك 27، 45، 76. # عبد الملك، سليمان بن 34، 76، 153، 263. # عبد الملك، مسلمة بن 37، 38. # عبد الملك، اهشام بن 37. # عبد الملك، الوليد بن 25، 33، 153. # عبيدة، أبو 310. # العتابي 17، 29، 34. # العتاهية، أبو 48، 165. # عتبة، عمرو بن 155. # عتبة، هند بنت 134، 259. # العتبي 48 58، 211. # عثمان 113. # العجاج 310. # عجل 128. # عجلان، مالك بن 137. # العدوي 166. # عدي، عمرو بن 237، 298، 239، 240. # العراق 38، 76. # العريان، العيثم بن 31. # عريب، 281. # عقبة، الوليد بن 38. # عقيل (بن أبي طالب) 38. # عكرمة 81. # علاط، الحجاج بن 60. # العلاء عمرو بن 66. # عمار، الهيثم بن الحسن بن 125. # عمر (بن الخطاب) 53، 117. # 174، 200، 210، 260، 261، 262. # علي (بن أبي طالب) 45، 47، 54، 73، 87، 93، 122، 131، 133، 163، 164، # PageV01P349 # 189، 200، 318، 319. # علي، الحسن بن 133- 149. # علية (أخت الرشيد) 265. # عمرو، ضمضم بن 258. # عمكليق 254. # عنان 177، 178، 170، 181. # عوف، عبد الرحمن بن 150. # - غ- # غاضرة 191. # غمدان 19 # - ف- # الفاكه 259. # الفرزدق 199، 182، 188. # الفرس 150، 310، 319. # فروة، أبو 53. # فزارة 95. # فضل 181. # الفطيون 256. # الفهليد 315. # فيروز، بلاش بن 223. # - ق- # قاسم التمار 26. # القرشي، أبو عبد الله 167. # القرشي، ابن 219، 220، 243، 270. # قريش 35، 78، 131، 132، 146، 147، 150. # القسري، خالد بن عبد الله 26. # قيصر 237، 238. # قطام 189. # قيس، ابن قيس الرقيات 65. # قيس، عامر بن 149. # قيس، الضحاك بن 150. # قيصر 261. # - ك- # كثير (غرة) 188، 189، 190، 191، 291، 292. # كسرى (أبرويز) 37، 42، 53، 88، 160، 163، 228، 231، 232، 239، 251، 267، ~~315، 316، 320. # الكسروي 69، 223، 313. # كعب الأحبار 53. # كلوة، الحارث بن 199. # الكوفة 125. 271. # كيا خسرو بن البرويز 313. # PageV01P350 # - ل- # لقمان 23. # لقمان بن عاد، 247، 248. # لنكك 338. # ليث، علقمة بن 79. # - م- # مأرب 19. # مارد 19. # مأسر جويه 26. # مالك، انس بن 153. # المأمون 23، 28، 29، 34، 35، 37، 66، 73، 86، 89، 151، 322، 325، 326، ~~327. # المبرد 47. # محكم، عوف بن 84. # المختار (الثقفي) 65، 125. # المدائن 19. # المدائني 149. # المدنية 76، 277، 335. # المتوكل 43، 69، 92، 147، 185، 213، 295، 322، 323، 332. # المراكبي، ابن 36. # المربد 281، 283. # مرة، سعيد بن 37. # مرو 151. # مريم، عيسى بن 153، 316. # مسعدة، عمر بن 34، 35. # مسلم، قتيبة 60، 210. # مسلمة، مسلمة بن 37. # مسيلمة 61. # مصر 286. # معاوية، إياس بن 89. # معاوية (بن أبي سفيان) 46، 122، 133، 143، 137، 259. # معاوية، عبد الرحمن بن يزيد بن 89. # المعتز 43. # المعتز، ابن 72، 76. # المعتز، عبد الله بن 164، 193، 338. # المعتصم 22، 326، 328. # معيط، عقبة بن أبي 150. # مكرم، ربيع بن 127. # المغيرة، الوليد بن 150. # المقشعر 19. # المقفع، ابن ms230 17، 97، 98 # مكة 35، 213، 289. # PageV01P351 # المنصور 47، 153، 213، 335. # المهرجان 313، 317، 320- 324. # المهدي 37، 48، 62، 63، 213، 265، 268، 269. # المهدي، إبراهيم بم 324، 325،. # المهلب 29، 37، 46، 43، 49. # موسى 156، 333. # الموصلي، إسحق 27، 36، 221، 265. # - ن- # نافع 87. # نجران 19. # النديم، ابن يحيى 92. # النطاح، بكر بن 91. # النعمان، حرقة بن 162. # نواس، أبو 47، 100، 101، 168، 178، 179. # النيروز 280، 313- 317، 320، 321، 322، 323، 324. # - ه- # الهادي 214، 215، 264. # هاشم 145. # هبنقة 128، 129. # هجر 105. # هزمة، ابن 187. # هشام، العاص بن 150. # هفان، أبو 91. # هلال، بنو 95. # الهلالي 311. # الهند 42. # هند، أسماء بنت 219. # الهول، أبو 56. # ووائل، العاص بن 150. # الوراق، عمرو بن 178، 179. # وجزة، أبو وجزة السعدي 150. # وقاص، سعد بن أبي 150. # وهب، الحسن بن 322، 323. # - ي- # ياسر، عمار بن 79. # يثرب 29. # يزيد، خالد بن 241. # يزيد، مسلم بن 163. # يزيد، شبيب بن 126. # اليزيدي 45، 327. # يعقوب 149، 150. # يقطين، علي بن 62، 264. PageV01P352 ms231