######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 7- من رسالته في مناقب الترك وعامة جند الخلافة PageV03P161 ### || فصل من صدر رسالته إلى الفتح بن خاقان في مناقب الترك وعامة جند الخلافة # وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإياك ~~ممن يقول بالحق ويعمل به، ويؤثره، ويحتمل ما فيه مما قد يصد عنه، ولا يكون ~~حظه منه الوصف له، والمعرفة به، دون الحث عليه، والانقطاع إليه، وكشف ~~القناع فيه، وإيصاله إلى أهله، والصبر على المحافظة في أن لا يصل إلى ~~غيرهم، والتثبت في تحقيقه لديهم؛ فإن الله تعالى لم يعلم الناس ليكونوا ~~عالمين دون أن يكونوا عاملين، وإنما علمهم ليعملوا، وبين لهم ليتقوا التورط ~~في وسط الخوف، والوقوع في المضار، والتوسط في المهالك. فلذلك طلب الناس ~~التبين. PageV03P163 # ولحب السلامة من الهلكة، والرغبة في المنفعة احتملوا ثقل التعلم، وتعجلوا ~~مكروه ثقل المعاناة. # ولقلة العاملين وكثرة الواصفين قال الأولون: العارفون أكثر من الواصفين، ~~والواصفون أكثر من العاملين. # وإنما كثرت الصفات وقلت الموصوفات لأن ثواب العمل مؤجل، واحتمال ما فيه ~~معجل. # وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، واحتجاجك لتدبير خليفتك، ~~وإشفاقك من كل خلل يدخله وإن دق، ونال سلطانه وإن صغر، ومن كل أمر خالف ~~هواه وإن خفي مكانه، وجانب رضاه وإن قل ضرره. ومن تخوفك أن يجد المتأول ~~إليه متطرقا، والعدو عليه متعلقا؛ فإن السلطان لا ينفك من متأول ناقم، ومن ~~محكوم عليه ساخط، ومن معزول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح، ومن معجب ~~برأيه، ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، حتى ~~كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في مواضع ~~الرقباء، وفي مواضع التصفح على الخلفاء والوزراء. لا يعذر وإن كان مجاز ~~العذر ظاهرا، ولا يقف فيما يكون للشك محتملا، ولا يصدق بأن الشاهد PageV03P164 ~~يرى ما لا يرى الغائب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ~~ومستدبره من لم يعرف مستقبله. # ومن محروم قد أضعفه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان، ومن مستبطىء قد ~~أخذ أضعاف ms01 حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه، وقلة شكره، يظن أن الذي بقي ~~له أكثر، ولحقه أوجب. # ومن مستزيد لو ارتجع السلطان سالف أياديه البيض عنده، ونعمته السالفة ~~عليه، لكان لذلك أهلا، وله مستحقا. قد غره الأمل، وأبطره دوام الكفاية، ~~وأفسده طول الفراغ. # ومن صاحب فتنة خامل في الجماعة، رئيس في الفرقة نعاق في الهرج، قد أقصاه ~~عز السلطان، وأقام صغوه ثقاف الأدب، وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد ~~غير التشنيع، ولا يتشفى بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا ~~يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء ~~عنده، يريد أن يسوى بالكفاة، ويرفع فوق الحماة، لأمر ما سلف له، ولإحسان ~~كان من غيره، وليس ممن يرب قديم مجد، ولا يحفل PageV03P165 ~~بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، وبين الحفظ لأبناء المحسنين. # وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية من لا يعرف طبقات الحق في ~~مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله. # ثم اعلم بعد ذلك أنك بنفسك بدأت في تعظيم إمامك، والحفظ لمناقب أنصار ~~خليفتك، وإياها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه، ونعم العون أنت، ~~إن شاء الله، على ملازمة الطاعة، والموازرة على الخير، والكفاية لأهل الحق. # وقد استدللت بالذي أرى من شدة عنايتك وفرط اكتراثك، وتفقدك لأجناس ~~الأعداء، وبحثك عن مناقب الأولياء على أن ما ظهر من نصحك أمم في جنب ما بطن ~~من إخلاصك. فأمتع PageV03P166 ~~الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبته، وأعاذنا وإياك من قول الزور، ~~والتقرب بالباطل، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد. # وذكرت أنك جالست أخلاطا من جند الخلافة، وجماعات من أبناء الدعوة، وشيوخا ~~من جلة الشيعة، وكهولا من أبناء رجال الدولة، المنسوبين إلى الطاعة ~~والمناصحة، ومحبة الدينونة دون محبة الرغبة والرهبة، وأن رجلا من عرض تلك ~~الجماعة ارتجل الكلام ارتجال مستبد، وتفرد به تفرد معجب، وأنه تعسف المعاني ~~وتهجم على الألفاظ فزعم أن جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: خراساني، ~~وتركي، ومولى، وعربي، وبنوي، وأنه ms02 أكثر حمد الله وشكره على إحسانه ومنته، ~~وعلى جميع أياديه، وسبوغ نعمه، وعلى شمول عافيته، وجزيل مواهبه، حين ألف ~~على الطاعة هذه PageV03P167 ~~القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، والأهواء المتفرقة، وأنك اعترضت ~~على هذا المتكلم المستبد، وعلى هذا القائل المتكلف الذي قسم هذه الأقسام، ~~وخالف بين هذه الأركان، وفضل بين أنسابهم. وأنك أنكرت ذلك عليه أشد ~~الإنكار، وقذعته أشد القذع. # وزعمت أنهم لم يخرجوا من الاتفاق، أو من شيء يقرب من الاتفاق، وأنك نفيت ~~التباعد في النسب، والتباين في السبب. # وقلت: بل أزعم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن الحيز واحد، وأن حكم ذلك ~~الشرق، والقضية على ذلك الصقع متفق غير مختلف، ومتقارب غير متفاوت، وأن ~~الأعراق في الأصل إن لا تكن كانت راسخة، فقد كانت متشابهة، وحدود البلاد ~~المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنها متناسبة، وكلهم خراساني في الجملة، ~~وإن تميزوا ببعض الخصائص، وافترقوا ببعض الوجوه. # وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كاختلاف ما بين الرومي والصقلبي، ~~والزنجي والحبشي، فضلا على ما هو أبعد جوهرا، وأشد خلافا، بل كاختلاف ما ~~بين المدري والوبري، والبدوي والحضري، والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين من ~~نزل البطون وبين PageV03P168 ~~من نزل النجود، وبين من نزل الأغوار. # وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض ~~الصورة، فقد نجد أن عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن، وفصحاء الحجاز، خلاف ~~لغة حمير وسكان مخاليف اليمن، وكذلك الصورة والصورة، والشمائل والشمائل، ~~والأخلاق والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص غير مشوب، ولا معلهج ولا مذرع ~~ولا مزلج. ولم يختلفوا كاختلاف ما بين PageV03P169 ~~قحطان وعدنان، من قبل ما طبع الله عليه تلك التربة من خصائص الغرائز، وما ~~قسم لأهل كل جزيرة من الشكل والصورة، ومن الأخلاق واللغة. # فإن قلت: وكيف صار أولادهما جميعا عربا، مع اختلاف الأبوة؟ قلنا: إن ~~الجزيرة لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، وفي الشمائل والهمة، ~~وفي الأنف والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسبكوا سبكا واحدا، تشابهت ~~الأجزاء وتناسبت الأخلاط، حتى صار ذلك ms03 اشد تشابها في باب الأعم والأخص، وفي ~~باب الوفاق والمباينة من بعض الأرحام، وجرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، ~~وصارت هذه الأسباب ولادة أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها. ~~وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة بني اسحاق، وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في ~~جميع الدهر لبني قحطان. # ففي إجماع الفريقين على التناكح والتصاهر، ومنعهما ذلك جميع الأمم، ككسرى ~~فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعاني قد قامت عندهم ~~مقام الولادة والأرحام الماسة. PageV03P170 # وزعمت أنه أراد الفرقة والتحزيب، وأنك أردت الألفة والتقريب. # ثم زعمت أيضا أن البنوي خراساني، وأن نسب الأبناء نسب آبائهم، وأن حسن ~~صنيع الآباء، وقديم فعال الأجداد، هو حسب الأبناء، وأن الموالي بالعرب ~~أشبه، وإليهم أقرب، وبهم أمس؛ لأن السنة قد نقلت الموالي إلى العرب في كثير ~~من المعاني، لأنهم عرب في المدعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. وهذا تأويل ~~قوله: " مولى القوم منهم ". و " الولاء لحمة كلحمة النسب ". # ثم زعمت أن الأتراك قد شاركوا القوم في هذا النسب، وصاروا من العرب بهذا ~~السبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال. # على أن ولاء الأتراك للباب قريش، ولمصاص عبد مناف، وهم في سر هاشم، وهاشم ~~موضع العذار من خد الفرس، ومحل العقد PageV03P171 ~~من لبة الكعاب. وهو الجوهر المكنون، والذهب المصفى، وموضع المحة من ~~البيضة، والعين في الرأس، والروح من البدن. وهم الأنف المقدم، والسنام ~~الأكوم، والطينة البيضاء، والدرة الزهراء، والروضة الخضراء، والذهب الأحمر. # فقد شاركوا العرب في أنسابهم، وفضلوهم بهذا الفضل الخاص الذي لا يبلغه ~~فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف وإن عظم، ولا مجد وإن قدم. # فزعمت أن أنساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التقارب تكون ~~الموازنة والمكانفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء والأئمة. # وذكرت أنه ذكر جملا من مفاخر هذه الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، ~~وأنه جمع ذلك وفصله، وأجمله وفسره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، ~~وأضرب عنهم صفحا فلم يخبر عنهم، كما أخبر ms04 عن حجة كل جيل، وعن برهان كل صنف. ~~فذكر أن الخراساني يقول: نحن النقباء، وأبناء النقباء، ونحن النجباء وأبناء ~~النجباء، ومنا الدعاة قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف PageV03P172 ~~نجابة، وقبل المغالبة والمبادأة، وقبل كشف القناع وزوال التقية. # وبنا زال ملك أعدائنا عن مستقره، وثبت ملك أوليائنا في نصابه، وبين ذلك ~~ما قتلنا وشردنا، ونهكنا ضربا وطلبا، وبضعنا بالسيوف الحداد، وعذبنا بألوان ~~العذاب. # وبنا شفى الله تعالى الصدور، وأدرك الثأر، ومنا الاثني عشر النقباء، ~~والسبعون النجباء. ونحن الخندقية وأبناء الخندقية، ونحن الكفية وأبناء ~~الكفية، ومنا المستجيبة، ومن بهرج النيمية، ومنا نيم خزان، وأصحاب ~~الجوربين، ومنا الزغندية، والآزاذمردية. # ونحن فتحنا البلاد، وقتلنا العدو بكل واد، ونحن أصل هذه الدولة، ومنبت ~~هذه الشجرة، وأصحاب هذه الدعوة، ومن عندنا هبت هذه الريح # والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج، نصروا النبي صلى الله عليه وسلم في أول ~~الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزمان، غذانا بذلك آباؤنا، وغزونا ~~به أبناءنا، وصار لنا نسبا لا نعرف إلا به، ودينا لا نوالي إلا عليه. PageV03P173 # ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك، نعرف بالشيعة، ودين بالطاعة، ~~ونقتل فيها، ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف، ونحن أصحاب الرايات ~~السود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدمون مدن ~~الجبابرة، وينتزعون الملك من أيدي الظلمة. وفينا تقدم الخبر، وصح الأثر. ~~وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمورية، ويظهرون عليها، ويقتلون مقاتليها، ~~ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: " شعورهم شعور النساء، وثيابهم ثياب ~~الرهبان ". فصدق الفعل القول، وحقق الخبر العيان. # ونحن الذين ذكرنا، وذكر بلاءنا إمام الأئمة، وأبو الخلائف العشرة محمد بن ~~علي، حين أراد توجيه الدعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلدان: " PageV03P174 # أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان، وصنائع عثمان، فليس بها من ~~شيعتنا إلا القليل. # وأما الكوفة وسوادها فقد غلب عليها علي وشيعة علي، فليس بها من شيعتنا ~~إلا القليل. # وأما الشام فشيعة بني مروان، وآل بني سفيان. # وأما الجزيرة فخارجة، وحرورية ومارقة. # ولكن عليكم بهذا الشرق فإن هناك صدورا ms05 سليمة، وقلوبا باسلة، لم تفسدها ~~الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. ~~وهناك العدد والعدة، والعتاد والنجدة ". # ثم قال: " وأنا أتفاءل إلى حيث ما تطلع ". # فكنا خير جند لخير إمام، وصدقنا ظنه، وثبتنا رأيه، وصوبنا فراسته. # وقال مرة أخرى: " إن أمرنا هذا شرقي لا غربي، ومقبل غير مدبر، يطلع كطلوع ~~الشمس، ويمتد على الآفاق امتداد النهار، حتى يبلغ حيث ما تبلغه الأخفاف، ~~وتناله الحوافر ". # دقالوا: ونحن قتلنا الصحصحية، والدالقية، والذكوانية، PageV03P175 ~~والراشدية. ونحن أصحاب الخنادق، ونباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ~~ابن هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوله وآخره. # ومنا قاتل مروان. # ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر ~~غلاظ، وسواعد طوال. # ونحن أولد للذكورة، وأنسل بعولة، وأقل ضوى وضئولة، وأقل إتآما، وأنتق ~~أرحاما، وأشد عصبا، وأتم عظاما. وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا أملأ ~~للعيون. PageV03P176 # ونحن أكثر مادة، وأكثر عددا وعدة، ولو أن يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء ~~النهر منا لظهروا عليهم بالعدد. # فأما الأيد وشدة الأسر فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيين ~~مثل أيدنا وأسرنا. # ولو أن خيول الآفاق، وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة لكنا أكثر ~~في العيون، وأهول في الصدور. # ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا وبنودنا التي لا يحملها غيرنا علمت أنا لم ~~نخلق إلا لقلب الدول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. # ولو أن أهل تبت، ورجال الزابج، ورجال وفرسان الهند، وحلبة الروم، هجم ~~عليهم هاشم بن أشتاخنج لما امتنعوا من طرح السلاح، والهرب في البلاد. # ونحن أصحاب اللحى، وأرباب النهى، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثخانة في ~~الرأي، والبعد من الطيش. PageV03P177 # ولسنا كجند الشام المتعرضين للحرم، والمنتهكين لكل محرم. # ونحن ناس لنا أمانة، وفينا عفة. ونحن نجمع بين النزاهة والقناعة، والصبر ~~على الخدمة، وعلى التجمير وبعد الشقة. # ولنا الطبول المهولة والبنود العظام. # ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازفكند، واللبود الطوال، والأغماد ~~المعقفة والقلانس الشاشية، والخيول الشهرية، ولنا الكافركوبات، والطبرزينات ~~في الأكف، والخناجر في الأوساط. PageV03P178 # ولنا تعليق السيوف وحسن الجلسة على ms06 ظهور الخيل، ولنا الأصوات التي تسقط ~~الحبالى. # وليس في الأرض صناعة غريبة، من أدب وحكمة وحساب وهندسة، وارتفاع بناء ~~وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء، وبذت ~~فيها العلماء. # ولنا صنعة السلاح، عدة للحرب، وتثقيفا ودربة للمجاولة والمشاولة، وللكر ~~بعد الفر، مثل الدبوق، والنزو على الخيل صغارا، ومثل الطبطاب والصوالجة ~~كبارا. ثم رمى المجثمة والبرجاس والطائر الخاطف. فنحن أحق بالأثرة، وأولى ~~بشرف المنزلة. # قلت: وزعم أن العربي يقول: إن تكن القربة تستحق بالأنساب PageV03P179 ~~الثابتة، والأرحام الشابكة، وبالقدمة، وبطاعة الآباء والعشيرة، وبالشكر ~~النافع، والمديح الباقي، وبالشعر الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما ~~لاح نجم، وينشد ما أهل بالحج، وما هبت الصبا، وما كان للزيت عاصر. وبالكلام ~~المنثور، والقول المأثور، وبصفة مخرج الدولة، والاحتجاج للدعوة، وتقييد ~~المآثر، إذ لم يكن ذلك من عادة العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفا لسوى العرب، ~~ونحن نرتبطها بالشعر المقفي، ونقيدها بحفظ الأميين الذين لا يتكلون على ~~الكتب المدونة، والخطوط المطرسة. # ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل حكم ~~مقنع، وكاهن سجاع. # ونحن أصحاب التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب. # ونحن أحفظ لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا، وتقييدها أيضا بالمنثور المرسل، بعد ~~الموزون المعدل، بلسان أمضى من السنان، وأرهف PageV03P180 ~~من السيف الحسام، حتى نذكرهم ما قد درس رسمه، وعفا أثره. ~~وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق. وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا ~~فيه حادث. وهذا باب يتقدم التالد القديم الطارف الحديث. # وطلاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابي. وهل أكثر النقباء إلا من صميم ~~العرب، ومن صليبة هذا النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي ~~محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود ~~خالد بن ابراهيم الذهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئي، وأبي عتيبة موسى PageV03P181 ~~بن كعب المرئي، وأبي سهل القاسم بن مشاجع المرئي. ومن كان يجري مجرى ~~النقباء ولم يدخل فيهم، مثل مالك بن الطواف المرئي. # وبعد، فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن ms07 هبيرة، ومن قتل ابن ~~ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلا عرب الدعوة، والصميم من أهل الدولة؟ ~~ومن فتح السند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقية إلا محمد بن الأشعث؟ # وقات: ~~وقال: ويقول الموالي لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة. ونحن موضع ~~الثقة عند الشدة، وعلل المولى من تحت موجبة لمحبة المولى من فوق؛ لأن شرف ~~مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره، وبوده أن خصال ~~الكرم كلها اجتمعت فيه، لأن ذلك كلما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان هو ~~بها أشرف وأنبل، ومولاك أسلم لك صدرا، وأود ضميرا، وأقل حسدا. PageV03P182 # وبعد، فالولاء لحمة كلحمة النسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوبه العربي، ~~ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي. # قال: والصبر ضروب، فأكرمها كلها الصبر على إفشاء السر، وللمولى في هذه ~~المكرمة ما ليس لأحد، ونحن أخص مدخلا، وألطف في الخدمة مسلكا. ولنا مع ~~الطاعة والخدمة، والإخلاص وحسن النية، خدمة الأبناء للآباء، والآباء ~~للأجداد، وهم بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسر. # وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصون مواليهم ~~بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ~~ولا ذا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون ~~لكثير من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة، وبني الأعمام ~~والإخوة. # ويتذاكرون إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة مولاه، حين ~~عقد له يوم مؤتة على جنة بني هاشم، وجعله أمير كل بلدة يطؤها. # ويتذاكرون حبه لأسامة بن زيد، وهو الحب ابن الحب. وعقد له على عظماء ~~المهاجرين وأكابر الأنصار. PageV03P183 # ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه كأبي أنسة وشقران، وفلان وفلان. # قالوا: ولنا صاحب الدولة: أبو مسلم عبد الرحمن بن مسلم، وأبو سلمة حفص بن ~~سليمان. وأبو مسلم مولى الإمام، وعليهما دارت رحى الدولة، وتم الأمر واتسق ~~نظام الملك. # قالوا: ولنا من رءوس النقباء: أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن ~~أعين مولى خزاعة، وأبو حمزة عمرو بن أعين مولى ms08 خزاعة، وأبو النجم عمران بن ~~إسماعيل مولى آل أبي معيط. # فلنا مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة. ونحن منهم ~~وإليهم، ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم. ولا ينكره مؤمن. خدمناهم كبارا، ~~وحملناهم على عواتقنا صغارا. # هذا مع حق الرضاع والخؤولة، والنشوء في الكتاب، والتقلب في تلك العراص ~~التي لم يبلغها إلا كل سعيد الجد، وجيه في الملوك. # فقد شاركنا العربي في فخره، والخراساني في مجده، والبنوي في فضله، ثم ~~تفردنا بما لم يشاركونا فيه، ولا سابقونا إليه. PageV03P184 # قالوا: ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهماء، وهم بنا آنس، وإلينا ~~أسكن، وإلى لقائنا أحن. ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحق ~~بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه. # وقلت: وذكرت أن البنوي قال: نحن أصل خراساني، وهو مخرج الدولة، ومطلع ~~الدعوة، ومنها نجم هذا القرن، وصبأ هذا الناب، وتفجر هذا الينبوع، واستفاض ~~هذا البحر، حتى ضرب الحق بجرانه، وطبق الآفاق بضيائه، فأبرأ من السقم ~~القديم، وشفي من الداء العضال، وأغنى من العيلة، وبصر من العمى. # وهذه بغداد وهي مستقر الخلافة، والقرار بعد الجولة، وفيها بقية رجال ~~الدعوة، وأبناء أبناء الشيعة، وهي خراسان العراق، وبيت الخلافة وموضع ~~المادة. # وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادا فيه من جدي، وأحق بهذا ~~الفضل من المولى والعربي. # ولنا بعد في أنفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ظلال السيوف PageV03P185 ~~القصار، والرماح الطوال، ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا، وانقطاع ~~الصفائح، ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون. # ونحن حماة المستلحم، وأبناء المضايق، ونحن أهل الثبات عند الجولة، ~~والمعرفة عند الحيرة، وأصحاب المشهرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن ~~يمشي في الرمح، ويختال بين الصفين، ونحن أصحاب الفتك والإقدام. # ولنا بعد التسلق ونقب المدن، والتقحم على ظبات السيوف، وأطراف الرماح، ~~ورضخ الجندل، وهشم العمد، والصبر تحت الجراح، وعلى جر السلاح، إذا طار قلب ~~الأعرابي، وساء ظن الخراساني. # ثم الصبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المسألة، واجتماع العقل، وصحة ~~الطرف، ms09 وثبات القدمين، وقلة التكفي بجبل العقابين، PageV03P186 ~~والبعد من الإقرار، وقلة الخضوع للدهر، والخضوع عند جفوة الزوار، وجفاء ~~الأقارب والإخوان. ولنا القتال عند أبواب الخنادق ورءوس القناطر. # ونحن الموت الأحمر عند أبواب النقب، ولنا المواجأة في الأزقة، والصبر على ~~قتال السجون. فسل عن ذلك الخليدية والكتفية والبلالية، والحزبية، ونحن ~~أصحاب المكابرات، وأرباب البيات، وقتل الناس جهارا في الأسواق والطرقات. # ونحن نجمع بين السلة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطوال ما كنا رجالة، ~~والمطارد القصار ما كنا فرسانا. فإن صرنا كمنا فالحتف القاضي، والسم ~~الزعاف، وإن كنا طلائع فكلنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل ~~بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل في الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل ~~في المحلة. PageV03P187 # ونحن أفتك وأخشب. ونحن أقطع للطريق، وأذكر في الثغور، مع حسن القدود، ~~وجودة الخرط، ومقادير اللحى، وحسن العمة، والنفس المرة، وأصحاب الباطل ~~والفتوة، ثم الخط والكتابة، والفقه والرواية. # ولنا بغداد بأسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا. والدنيا كلها معلقة ~~بها، وصائرة إلى مغناها، فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدنيا تبع لها، ~~وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها لرؤسائها، ~~وصلحاؤها لصلحائها. # ونحن تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن أجنحة ~~خلفائنا، فأخذنا بآدابهم، واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا نتهم ~~بغيرهم، ولم يطمع فينا أحد قط من خطاب ملكهم، وممن يترشح للاعتراض عليهم. ~~فمن أحق بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممن هذه الخصال فيه، وهذه الخلال ~~له. # إن ذهبنا - حفظك الله - بعقب هذه الاحتجاجات، وعند منقطع PageV03P188 ~~هذه الاستدلالات نستعمل المفاوضة بمناقب الأتراك، والمقارنة بين خصالهم ~~وخصال كل صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في ~~كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم. # وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنؤلف بين قلوبهم إن كانت مختلفة، ولنزيد في ~~الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق أسبابهم، لتجتمع كلمتهم، ولتسلم ~~صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب كم مقدار الخلاف ~~في ms10 الحسب، لئلا يغير بعضهم مغير، ويفسده عدو بأباطيل مموهة، وشبهات مزورة، ~~فإن المنافق العليم، والعدو ذا الكيد العظيم قد يصور لمن دونه الباطل في ~~صورة الحق، ويلبس الإضاعة ثياب الحزم. # إلا أنا على كل حال، سنذكر جملا من أحاديث رويناها، وأمور رأيناها ~~وشاهدناها، وقصصا تلقفناها من أفواه الحكماء وسمعناها. # وسنذكر ما حفظ لجميع الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيهم لها أشد ~~استعمالا، وبها أشد استقلالا، ومن أثقب حسبا، PageV03P189 ~~وأيقظ عينا، وأزكى نفسا، وأشد غورا، وأعم خواطر، وأكثر نفعا في الحروب ~~وضرا، وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشد احتراسا، وألطف احتيالا، حتى يكون ~~الخيار في يد الناظر في هذا الكتاب، المتصفح لمعانيه، والمقلب لوجوهه، ~~والمفكر في أبوابه، والمقابل بين أوله وآخره. ولا نكون نحن انتحلنا شيئا ~~دون شيء، وتقلدنا تفضيل بعض على بعض، بل لعلنا أن لا نخبر عن خاصة ما عندنا ~~بحرف واحد. # فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، وكان موضوعا على هذه الصفة كان أبعد له ~~من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى. # وقد ظن ناس كثير أن أسماء أصناف الأجناد لما اختلف فيالصورة والخط ~~والهجاء، أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على ما يتوهمون. # ألا ترى أن اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والخط والهجاء اسم الجندي ~~فإن المعنى فيهما ليس ببعيد، لأنهم يرجعون إلى معنى واحد، وعلم واحد. والذي ~~يرجعون إليه طاعة الخلفاء وتأييد السلطان. # وإذا كان المولى منقولا إلى العرب في أكثر المعاني، ومجعولا PageV03P190 ~~منهم في عامة الأسباب لم يكن بأعجب من جعل الخال والدا، والحليف من ~~الصميم، وابن الأخت من القوم. # وقد جعل الله ابن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبا إلى أمه، وقد ~~جعل إسماعيل وهو ابن أعجميين عربيا، لأن الله تعالى لما فتق لهاته بالعربية ~~المبينة على غير التلقين والترتيب، وفطره على الفصاحة العجيبة على غير ~~النشوء والتمرين، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك الأجزاء، ~~وركبه اختراعا على ذلك التركيب، وسواه تلك التسوية، وصاغه تلك الصيغة، ثم ~~حماه من طبائعهم، ms11 ومنعه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم وأنفتهم ~~وهممهم على أكرمها وأسناها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانا على رسالته، ~~ودليلا على نبوته، وصار أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب. # وكما جعل إبراهيم أبا لمن لم يلد، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، ~~والمولى عربي من جهة المدعى والعاقلة. # ولو أحاط علمنا بأن زيدا لم يخلق من نجل عمرو إلا عهارا لنفيناه عنه، وإن ~~أيقنا أنه لم يخلق إلا من ماء صلبه. # وكما جعل النبي أزواجه أمهات المؤمنين، وهن لم يلدنهم ولا PageV03P191 ~~أرضعنهم. وفي بعض القراءات: " وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم " على ~~قوله: " ملة أبيكم إبراهيم "، وجعل المرأة من جهة الرضاع أما، وجعل امرأة ~~البعل أم ولد البعل من غيرها، وجعل الراب والدا. وجعل العم في كتاب الله ~~أبا. وهم عبيده لا يتقلبون إلا فيما قلبهم فيه. # وله أن يجعل من عباده من شاء عربيا، ومن شاء أعجميا، ومن شاء قرشيا، ومن ~~شاء زنجيا. كما أن له أن يجعل من شاء ذكرا ومن شاء أنثى، ومن شاء خنثى، ومن ~~شاء أخرجه من ذلك فجعله لا ذكرا ولا أنثى ولا خنثى. # وكذلك خلق الملائكة، وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. ولم يجعل لآدم ~~أبا ولا أما، وخلقه من طين ونسبه إليه، وخلق حواء من ضلع آدم، وجعلها له ~~زوجا وسكنا. # وخلق عيسى من غير ذكر، ونسبه إلى أمه التي خلقه منها. # وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير PageV03P192 ~~نطفة، وخلق السماء من دخان، والأرض من الماء. وخلق إسحاق من عاقر. # وأنطق عيسى في المهد، وأنطق يحيى بالحكمة وهو صبي، وعلم سليمان منطق ~~الطير، وكلام النمل. وعلم الحفظة من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل ~~خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب أهبان بن أوس. # والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين منهم، ~~يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بكلام أهل الجنة، على غير الترتيب والتنزيل، ~~والتعليم على طول الأيام والتلقين. فكيف يتعجب الجاهلون من إنطاق إسماعيل ~~بالعربية ms12 على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟ ! # وهذه المسألة ربما سأل ~~عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي على حال القحطانية ~~أشد. # فأما جواب العدناني فسلس النظام، سهل المخرج، قريب المعنى؛ لأن بني قحطان ~~لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله تعالى مثل هذه الأعجوبة. # وما الذي قسم الله بين الناس من ذلك إلا كما صنع الله في طينة PageV03P193 ~~الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتا، وبعضه ذهبا، وبعضه نحاسا، ~~وبعضه رصاصا، وبعضه صفرا، وبعضه حديدا، وبعضه ترابا، وبعضه فخارا. وكذلك ~~الزاج، والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار، والتوتيا، ~~والنوشادر، والمرقشيشا، والمغناطيس. # ومن يحصي عدد جواهر الأرض وأصناف الفلز؟ ! # وإذا كان الأمر على ما وصفنا ~~فالبنوي خراساني. وإذا كان الخراساني مولى والمولى عربي، فقد صار الخراساني ~~والبنوي والمولى والعربي شيئا واحدا. وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال ~~الوفاق غامرا لما معهم من خصال الخلاف، بل هم في معظم الأمر، وفي كبر الشأن ~~وعمود النسب متفقون. فالأتراك خراسانية، PageV03P194 ~~وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار فضل الترك إلى الجميع راجعا، وصار شرفهم ~~زائدا في شرفهم. # وإذا عرف سائر الأجناد ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، ~~وانقطع سبب الاستثقال، فلم يبق إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين ~~المتقاربين في القرابة، وفي الصناعة، وفي المجاورة. # على أن التوازر والتسالم في القرابات وفي بني الأعمام والعشائر أفشى وأعم ~~من التخاذل والتعادي. # ولحب التناصر والحاجة إلى التعاون انضم بعض القبائل في البوادي إلى بعض، ~~ينزلون معا، ويظعنون معا. ومن فارق أصحابه أقل، ومن نصر ابن عمه أكثر، ومن ~~اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها أكثر ممن بغاها الغوائل وتمنى ~~انقطاعها وزوالها. # ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثير. # وليس يكون أن تصفو الدنيا، وتنقى من الفساد والمكروه، حتى يموت جميع ~~الخلاف، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من ~~صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل. PageV03P195 # بسم الله الرحمن الرحيم ms13 # هذا كتاب كتبته أيام المعتصم بالله ~~رضي الله عنه ونضر وجهه ~~فلم يصل إليه لأسباب يطول ذكرها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها، وأحببت أن ~~يكون كتابا قصدا، ومذهبا عدلا، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في ~~هجاء آخرين؛ فإن الكتاب إذا كان كذلك شابه الكذب وخالطه التزيد، وبني أساسه ~~على التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتغليق. # وأنفع المدائح للمادح، وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرا وأحسنها ذكرا، ~~أن يكون المديح صدقا، ولظاهر حال الممدوح موافقا، وبه لائقا، حتى لا يكون ~~من المعبر عنه والواصف له إلا الإشارة إليه، والتنبيه عليه. # وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذكر مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر ~~الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والإضراب عن هذا الكتاب أحزم. PageV03P196 # وذكر الكثير من هذه الأصناف بالجميل لا يقوم إلا بالقليل من ذكر بعضهم ~~بالقبيح، وهو معصية وباب من ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا، لأن ذكر ~~الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع؛ وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ~~ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى علينا من كثير التطوع. # ولكل الناس نصيب من النقص، ومقدار من الذنوب، وإنما يتفاضل بكثرة المحاسن ~~وقلة المساوىء. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع ~~المساوىء، دقيقها وجليلها، ظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف فيهم. # فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس وأهل المعايش من دهماء الجماعة يرون ذلك ~~واجبا في الأخلاق، ومصلحة في المعاش، وتدبيرا في التعامل، على ما فيهم من ~~مشاركة الخطأ للصواب، وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الإمام الأكبر، ~~والرئيس الأعظم مع الأعراق الكريمة، والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم ~~والعلم، والكمال في العزم والحزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرياسة ~~والسيادة، والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة لم ~~يكن الله ليجلله لباس الخلافة، ويحبوه ببهاء الأمة، وبأعظم نعمة PageV03P197 ~~وأسبغها، وأفضل كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، ~~إلا ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع ~~التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي ms14 فضل، ولا حلم ذي حلم. # ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، فيما انتهى إلينا ~~من القول في الأتراك. # زعم محمد بن الجهم وثمامة بن الأشرس والقاسم بن سيار في جماعة ممن يغشى ~~دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعا: # بينا حميد بن عبد الحميد جالسا ~~ومعه إخشيد الصغدي، وأبو شجاع شبيب بن بخار خداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ~~ورجال من المعدودين المتقدمين في العلم بالحرب، من أصحاب التجارب والمراس، ~~وطول المعالجة والمعاناة بصناعة الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: يقول ~~لكم مفترقين ومجتمعين: فليثبت كل PageV03P198 ~~رجل منكم دعواه وحجته، يقول لكم: أيما أحب إلى كل قائد منكم، إذا كان في ~~مائة من نخبته وثقاته: أن يلقى بهم مائة تركي أو مائة خارجي؟ # فقال القوم ~~جميعا: لأن نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت، ~~فلما فرغ القوم جميعا من حججهم قال الرسول لحميد: قد قال القوم فقل واكتب ~~قولك، وليكن حجة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأني وجدت ~~الخصال التي فضل بها التركي جميع المقاتلة غير تامة في الخارجي، ووجدتها ~~تامة في التركي. ففضل التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر ~~المقاتلة. وذلك بأن التركي بان من الخارجي بأمور ليس فيها للخارجي دعوى ولا ~~متعلق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركي من الخارجي أعظم خطرا وأقل ~~نفعا مما شاركه الخارجي في بعضه. # ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس: صدق الشدة ~~عند أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون بها ما ~~أملوا. # والثانية: الصبر على الخبب، وعلى طول السرى حتى يصبحوا القوم الذين مرقوا ~~بهم غارين، فيهجموا عليهم وهم بسوء PageV03P199 # ولحم على وضم، فيعجلوا بهم عن الروية؛ وعن رد النفس بعد الجولة والنزوة، ~~لا يظنون أن أحدا يقطع في ذلك المقدار من الزمان ذلك المقدار من البلاد. # والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طلب ms15 أدرك، وإن طلب فات. # والرابعة: خفة الأزواد، وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل، وتركب البغال، ~~وإن احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين خرجوا لم يخلفوا الأموال ~~الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعا ولا مستغلات، ولا ~~جواري مطهمات، وأنهم لا سلب لهم، ولا مال معهم، فيرغب الجند في لقائهم، ~~وإنما هم كالطير لا تدخر، ولا تهتم لغد، ولها في كل أرض من المياه والبزور ~~ما يقوتها. وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، وتسهل ~~لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والطعم، PageV03P200 ~~فإن يمتنع عليهم ففي بنات أعوج وبنات شحاج، وخفة الأثقال، والقوة على طول ~~الخبب ما يأتيها بأرزاقها، وأكثر من أرزاقها. # والخامسة: أن الملوك إذا أرسلوا إليهم أعدادهم ليكونوا في خفة أزوادهم ~~وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم، لأن مائة من الجند ~~لا يقومون لمائة من الخوارج. وإن كثفوا الجيش وضاعفوا العدد ثقلوا عن ~~طلبهم، وعن الغوث إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن يقرب منهم ليتطرفهم، ~~أو ليصيب الغرة أو ليثبتهم، فعل ذلك، ثقة بأنه يغنم عند الفرصة ورؤية ~~العورة، ويمكنه الهرب عند الخوف، وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع ~~القطعة منهم. PageV03P201 # قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي بها كره القواد لقاءهم. # قال القاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وحشتها، ونقضت ~~العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام من ضرب المثل ~~بالخوارج، كقول الشاعر: # إذا ما البخيل والمحاذر للقرى %~% رأى الضيف مثل الأزرقي المجفف # هذه زيادة القاسم بن سيار. # فأما حميد فإنه قال: # فأما الشدة فالتركي فيها أحمد أثرا، وأجمع أمرا، وأحكم شأنا؛ لأن التركي ~~من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك العزم، ومنقسم الخواطر، ~~قد عود برذونه أن لا ينثني وإن ثناه، أن يملأ فروجه، إلا أن يديره مرة أو ~~مرتين، وإلا فإنه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه، وإنما أراد التركي أن يوئس ~~نفسه من البدوات، PageV03P202 ~~ومن أن يعتريه ms16 التكذيب بعد الاعتزام، لهول اللقاء، وحب الحياة، لأنه إذا ~~علم أنه قد صير برذونه إلى هذه الغاية حتى لا ينثني، ولا يجيبه إلى التصرف ~~معه إلا بأن يصنع شيئا بين الصفين فيه عطبه، لم يقدم على الشدة إلا بعد ~~إحكام الأمر، والبصر بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمحرج الذي إذا ~~رأى أشد القتال لم يدع جهدا ولم يدخر حيلة، ولينفي عن قلبه خواطر الفرار، ~~ودواعي الرجوع. # وقال: الخارجي عند الشدة إنما يعتمد على الطعان. والأتراك تطعن طعن ~~الخوارج، وإن شد منهم ألف فارس فرموا رشقا واحدا صرعوا ألف فارس، فما بقاء ~~جيش على هذا النوع من الشد؟ ! والخوارج والأعراب، ليست لهم رماية مذكورة ~~على ظهور الخيل، والتركي يرمي الوحش، والطير، والبرجاس، والناس، والمجثمة، ~~والمثل الموضوعة، والطير الخاطف، ويرمي وقد ملأ فروج دابته PageV03P203 ~~مدبرا ومقبلا، ويمنة ويسرة، وصعدا وسفلا، ويرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوق ~~الخارجي سهما واحدا. ويركض دابته منحدرا من سهل، أو متسفلا إلى بطن واد ~~بأكثر مما يمكن الخارجي على بسيط الأرض. # والتركي له أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه. # وللخارجي عيب في مستدبر الحرب، وللخراساني عيب في مستقبل الحرب. # فعيب الخراسانية أن لها جولة عند أول الالتقاء، فإن ركبوا أكساءهم كانت ~~هزيمتهم، وكثيرا ما يثوبون، وذلك بعد الخطار بالعسكر، وإطماع العدو في ~~الشدة. # والخوارج إذا ولوا فقد ولوا، وليس لهم بعد الفر كر إلا ما لا يعد. # والتركي ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم الناقع، والحتف ~~القاضي، لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر، كما يصيب بسهمه وهو مقبل، ولا يؤمن ~~وهقه. PageV03P204 # قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاث قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك. # والتركي في حال شدته معه كل شيء يحتاج إليه، لنفسه، ولسلاحه، ولدابته، ~~وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب ومواصلة السير، وعلى طول السرى وقطع ~~البلاد فعجيب جدا. # فواحدة: أن فرس الخارجي لا يصبر صبر برذون التركي. # والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم، والتركي ~~أحذق من ms17 البيطار، وأجود تقويما لبرذونه على ما يريد من الراضة، وهو ~~استنتجه، وهو رباه فلوا، ويتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه، قد عوده ذلك ~~حتى عرفه، كما يعرف الفرس: اجدم، والناقة: حلى، والجمل: جاه، والبغل: عدس، ~~والحمار: سأسأ؛ وكما يعرف المجنون لقبه، والصبي اسمه. PageV03P205 # ولو حصلت مدة عمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر الأرض نادرا. ~~والتركي يركب فحلا أو رمكة، ويخرج غازيا أو مسافرا، أو متباعدا في طلب صيد، ~~أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرمكة وأفلاكها؛ إن أعياه اصطياد الناس اصطاد ~~الوحش، وإن أخفق منها واحتاج إلى طعام فصد دابة من دوابه، وإن عطش حلب رمكة ~~من رماكه، وإن أراح واحدة ركب أخرى، من غير أن ينزل إلى الأرض. # وليس في الأرض أحد إلا وبدنه ينتقض عن اقتيات اللحم وحده غيره، وكذلك ~~دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظلها من شمس، ولا يكنها من برد. # قال: وأما الصبر على الخبب فإن الثغريين، والفرانقيين، والخصيان، ~~والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركي واحد. والتركي لا ~~يبقى معه مع طول الغاية إلا الصميم من دوابه، والذي يقتله التركي بإتعابه ~~له. وينفيه عند غزاته هو الذي لا يصبر PageV03P206 ~~معه فرس الخارجي، ولايبقى معه كل برذون بخاري، ولو ساير خارجيا لاستفرغ ~~جهده قبل أن يبلغ الخارجي عفوه. # والتركي هو الراعي، وهو السائس، وهو الرائض، وهو النخاس، وهو البيطار، ~~وهو الفارس. فالتركي الواحد أمة على حدة. # قال: وإذا سار التركي في غير عساكر الترك فسار القوم عشرة أميال سار ~~التركي عشرين ميلا، لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرة، ويصعد في ذرى الجبال، ~~ويستبطن قعور الأودية، في طلب الصيد، وهو في ذلك يرمي كل ما دب ودرج، وطار ~~ووقع. # قال: والتركي لم يسر في العسكر سير الناس قط، ولا سار مستقيما قط. # قال: وإذا طالت الدلجة، واشتد السير، وبعد المنزل، وانتصف النهار، واشتد ~~التعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، وقطعهم ما هم فيه ~~عن التشاغل بالحديث، وتفسخ كل شيء ms18 من شدة الحر، وجمد كل شيء من شدة البرد، ~~وتمنى كل جليد القوى على طول السرى أن تطوى له الأرض، وكلما رأى خيالا PageV03P207 ~~أو علما استبشر به، وظن أنه قد بلغ المنزل، وإذا بلغه الفارس نزل وهو ~~متفحج، كأنه صبي محقون، يئن أنين المريض، ويستريح إلى التثاؤب، ويتداوى مما ~~به بالتمطي والتضجع. وترى التركي في تلك الحال، وقد سار ضعف ما ساروا، وقد ~~أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى بقرب المنزل عيرا أو ظبيا، أو عرض له ثعلب أو ~~أرنب، كيف يركض ركض مبتدىء مستأنف، حتى كأن الذي سار ذلك السير، وتعب ذلك ~~التعب غيره. # وإن بلغ الناس واديا فازدحموا على مسلكه أو على قنطرته، بطن برذونه ~~فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك ~~السنن، وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز عنه الوعل، وأنت تحسبه ~~مخاطرا بنفسه، للذي ترى من مطلعه. ولو كان في كل ذلك مخاطرا لما دامت له ~~السلامة، مع تتابع ذلك منه. PageV03P208 # قال: ويفخر الخارجي بأنه إذا طلب أدرك، وإذا طلب فات. # والتركي ليس يحوج إلى أن يفوت، لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم ما لا ~~يطمع فيه؟ ! # فهذا دليل على أنا قد علمنا أن العلة التي عمت بالخوارج ~~بالنجدة استواء حالاتهم في أشد الديانة، واعتقادهم بأن القتال دين؛ لأننا ~~حين وجدنا السجستاني، والجزري، واليماني، والمغربي، والعماني، والأزرقي ~~منهم والنجدي، والإباضي، والصفري، والمولى والعربي، والعجمي والأعرابي، ~~والعبيد والنساء، والحائك والفلاح، كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب، وتباين ~~البلدان علمنا أن الديانة هي التي سوت بينهم في ذلك، كما أن كل حجام في ~~الأرض من أي جنس كان، ومن أهل أي بلد كان، فهو يحب النبيذ. وكما أن PageV03P209 ~~أصحاب الخلقان، والسماكين، والنخاسين والحاكة، في كل بلد ومن كل جنس، ~~شرار خلق الله في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أن ذلك خلقة في هذه ~~الصناعات، وبنية في هذه التجارات، حتى صاروا من بين جميع الناس كذلك. # قال: ورأيناه في بلاده ليس ms19 يقاتل على دين، ولا على تأويل، ولا على ملك ~~ولا على خراج، ولا على عصبية، ولا على غيرة دون الحرمة، ولا على حمية ولا ~~على عداوة، ولا على وطن ولا على منع دار ولا مال، وإنما يقاتل على السلب ~~والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا. ~~وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم. # وهو الطالب غير المطلوب، ومن كان كذلك فإنما يأخذ العفو من قوته، ولا ~~يحتاج إلى مجهوده، ثم مع ذلك لا يقوم له شيء، ولا يطمع فيه أحد، فما ظنك ~~بمن هذه صفته، أن لو اضطره إحراج أو غيرة، أو غضب أو تدين، أو عرض له بعض ~~ما يصحب المقاتل المحامي من العلل والأسباب. # قال: وقناة الخارجي طويلة صماء، وقناة التركي مطرد أجوف. ~~والقنا الجوف القصار أشد طعنة، وأخف محملا. والعجم تجعل القنا الطوال ~~للرجالة، وهي قنا الأبناء على أبواب الخنادق والمضايق. PageV03P210 # والأبناء في هذا الباب لا يجرون مع الأتراك والخراسانية، لأن الغالب على ~~الأبناء المطاعنة على أبواب الخنادق، وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل ~~والفرسان، وعلى أصحاب الخيل والفرسان يدور أمر الفروسية. لهم الفر والكر. ~~والفارس هو الذي يطوي الجيش طي السجل، ويفرقهم فرق الشعر. وليس يكون الكمين ~~ولا الطليعة ولا الساقة إلا الكبار منهم. وهم أصحاب الأيام المذكورة، ~~والحروب الكبار، والفتوح العظام. ### || فصل منها # والشح على الوطن، والحنين إليه، والصبابة به، مذكور في القرآن، مخطوط في ~~الصحف بين جميع الناس، غير أن التركي للعلل التي ذكرناها أشد حنينا، وأكثر ~~نزوعا. # وباب آخر مما كان يدعوهم إلى الرجوع قبل ثني العزم والعادة المنقوضة: ~~وذلك أن الترك قوم يشتد عليهم الحصر والجثوم، PageV03P211 ~~وطول البث والمكث، وقلة التصرف والتحرك. وأصل بنيتهم إنما وضع على ~~الحركة، وليس للسكون فيهم نصيب، وفي قوى أرواحهم فضل على قوى أبدانهم، ~~لأنهم أصحاب توقد وحرارة، واشتعال وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم. ~~وكانوا يرون الكفاية معجزة، وطول المقام بلدة، والراحة عقلة والقناعة من ~~قصر الهمة، وأن ترك الغزو يورث الذلة. ms20 # وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبي: " حب الهوينى ~~يكسب النصب ". # والعرب تقول: " من غلا دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء ". # وقال أكثم بن صيفي: " ما أحب أني مكفي كل أمر الدنيا "، قيل: ولم؟ قال: " ~~أخاف عادة العجز ". # فهذه كانت علل الترك في حب الرجوع، والحنين إلى الوطن. # ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشرود، ويبعثهم على الرجوع، ويكره عندهم ~~المقام، ما كانوا فيه من جهل قوادهم بأقدارهم، وقلة معرفتهم بأخطارهم، ~~وإغفالهم موضع الرد عليهم، والانتفاع PageV03P212 ~~بهم، ولأنهم حين جعلوهم أسوة أجنادهم لم يقنعوا أن يكونوا في الحاشية ~~والحشوة، وفي غمار العامة، ومن عرض العساكر، وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ~~ما يجب لهم، ورأوا أن الضيم لا يليق بهم، وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم ~~في المقام على من لم يعرف حقهم ألوم ممن منعهم حقهم. فلما صادفوا ملكا ~~حكيما، وبأقدار الناس عليما، لا يميل إلى سوء عادة، ولا يجنح إلى هوى، ولا ~~يتعصب لبلد على بلد، يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحزم حيثما أقام ~~أقاموا إقامة من منح الحظ، ودان بالحق، ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل ~~نفسه لقطيعة وطنه، وآثر الإمامة على ملك الجبرية، واختار الصواب على الإلف. # ثم اعلم بعد ذلك كله أن كل أمة وقرن وجيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في ~~الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب أو في تأسيس الملك، ~~أو في البصر في الحرب. فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن ~~يكون الله تعالى قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، وقصرهم عليه بالعلل التي ~~تقابل تلك PageV03P213 ~~الأمور، وتصلح لتلك المعاني، لأن من كان متقسم الهوى، مشترك الرأي، متشعب ~~النفس، غير موفر على ذلك الشيء، ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء شيئا ~~بأسره، ولم يبلغ فيه غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم ~~والآداب، والعرب فيما نحن ذاكروه في موضعه، والساسان في الملك، والأتراك في ~~الحروب. # ألا ترى أن ms21 اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا تجارا ولا صناعا ~~بأكفهم، ولا أصحاب زرع وفلاحة، وبناء وغرس، ولا أصحاب جمع ومنع وكد. وكانت ~~الملوك تفرغهم، وتجري عليهم كفايتهم، فنظروا حين نظروا بأنفس مجتمعة، وقوة ~~وافرة، وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات والأدوات، والملاهي التي تكون ~~جماما للنفس، وراحة بعد الكد، وسرورا يداوي قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، ~~وصاغوا من المنافع، كالقرسطونات، والقبانات، PageV03P214 ~~والأسطرلابات، وآلة الساعات، وكالكونيا، والكسيران، والبركار، وكأصناف ~~المزامير والمعازف، والطب والحساب، والهندسة، واللحون، وآلات الحرب، ~~وكالمجانيق، والعرادات، والرتيلات، والدبابات، وآلاة النفاطين، وغير ذلك ~~مما يطول ذكره. # وكانوا أصحاب حكمة، ولم يكونوا فعلة. يصورون الآلة، ويخرطون الأداة، ~~ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسونها، يرغبون في ~~التعليم، ويرغبون عن العمل. # فأما سكان الصين فإنهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة، ~~والأصباغ العجيبة، وأصحاب الخرط والنجر والتصاوير، PageV03P215 ~~والنسج والخط، ورفق الكف في كل شيء يتولونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، ~~وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه. # فاليونانيون يعرفون العلل ولا يباشرون العمل، وسكان الصين يباشرون العمل ~~ولا يعرفون العلل؛ لأن أولئك حكماء، وهؤلاء فعلة. # وكذلك العرب لم يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا ولا أصحاب ~~فلاحة، فيكونوا مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم صغار الجزية. ولم يكونوا أصحاب ~~جمع وكسب، ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم، وطلب لما عند غيرهم، ولا طلبوا ~~المعاش من ألسنة الموازين ورءوس المكاييل، ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ~~ولم يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة، ولم يستغنوا الغناء الذي ~~يورث البلدة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذلا قط فيميت قلوبهم، ~~ويصغر عندهم أنفسهم. وكانوا سكان فياف، وتربية العراء، لا يعرفون الغمق ولا ~~اللثق، ولا البخار ولا الغلظ، PageV03P216 ~~ولا العفن، ولا التخم. أذهان حديدة، ونفوس منكرة. فحين حملوا حدهم، ~~ووجهوا قواهم إلى قول الشعر، وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة، وتصاريف الكلام، ~~وقيافة البشر بعد قيافة الأثر، وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال ~~بالآثار، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل ~~مسموع، والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن ms22 المناقب والمثالب، بلغوا في ذلك ~~الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع، ~~وهم من جميع الأمم أفخر، ولأيامهم أذكر. # وكذلك الترك، أصحاب عمد، وسكان فياف، وأرباب مواش. وهم أعراب العجم، كما ~~أن هذيلا أكراد العرب، لم تشغلهم الصناعات ولا التجارات، ولا الطب والفلاحة ~~والهندسة، ولا غراس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم ~~غير الغارة والغزو والصيد، وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم، ~~وتدويخ البلاد. وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة، وكانت لهذه المعاني والأسباب ~~المسخرة، ومقصورة عليها وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على ~~آخره، وصار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، ولذتهم في الحرب وفخرهم، وحديثهم ~~وسمرهم. # فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، PageV03P217 ~~وأهل الصين في الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكالساسان في الملك ~~والسياسة. # ومما يستدل به على أنهم قد استقصوا هذا الباب واستفرغوه، وبلغوا أقصى ~~غايته وتعرفوه، أن السيف إلى أن يتقلده متقلد، أو يضرب به ضارب، قد مر على ~~أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصناع، كل واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه ولا ~~يحسنه، ولا يدعيه ولا يتكلفه؛ لأن الذي يذيب حديد السيف ويميعه ويصفيه ~~ويهذبه، غير الذي يمده ويمطله، والذي يمده ويمطله غير الذي يطبعه ويسوي ~~متنه، ويقيم خشيبته، والذي يطبعه ويسوي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي ~~يسقيه ويرهفه، غير الذي يركب قبيعته، ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير ~~السيلان، وشاربي القبيعة ونعل السيف غير الذي ينحت خشب غمده. والذي ينحت ~~خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحليه، والذي يحليه ~~ويركب نصله غير الذي يخرز حمائله. PageV03P218 ~~وكذلك السرج، وحالات السهم والجعبة والرمح، وجميع السلاح مما هو جارح أو ~~جنة. # والتركي يعمل هذا كله بنفسه، من ابتدائه إلى غايته، ولا يستعين برفيق، ~~ولا يفزع إلى رأي صديق، ولا يختلف إلى صائغ، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، ~~وأكاذيب مواعيده، وبغرم كرائه. # وليس في الأرض كل تركي كما وصفنا، كما أنه ms23 ليس كل يوناني حكيما، ولا كل ~~صيني حاذقا، ولا كل أعرابي شاعرا فائقا، ولكن هذه الأمور في هؤلاء أعم ~~وأتم، وفيهم أظهر وأكثر. # قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النجدة والفروسية في الترك دون جميع ~~الأمم، وفي العلل التي من أجلها نظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل ~~على مذاهب غريبة، وخصال عجيبة، فمنها ما يقضى لأهله بالكرم، وببعد الهمة، ~~وطلب الغاية. ومنها ما يدل على الأدب السديد، والرأي الأصيل، والفطنة ~~الثاقبة، والبصيرة النافذة. # ألا ترى أنه ليس بد لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر ~~والكتمان، ومن الثقافة وقلة الغفلة، وكثرة التجربة؟ ولا بد من الصبر بالخيل ~~والسلاح، والخبرة بالرجال والبلاد، PageV03P219 ~~والعلم بالمكان والزمان والمكايد، وبما فيه صلاح الأمور كلها. # والملك يحتاج إلى أواخ شداد، وأسباب متان، ومن أمتنها سببا، وأعمها نفعا، ~~ما ثبته في نصابه، وسكنه في قراره، وزاده في تمكينه وبهائه، وقطع أسباب ~~المطمعة فيه، ومنع أيدي البغاة من الإشارة إليه، فضلا عن البسط عليه. # قد قلنا في مناقب جميع الأصناف بجمل ما انتهى إلينا، وبلغه علمنا، فإن ~~وقع بالموافقة فبتوفيق من الله تعالى وصنعه، عز ذكره. وإن قصر دون ذلك ~~فالذي قصر بنا نقصان علمنا، وقلة حفظنا، وأسماعنا. فأما حسن النية، والذي ~~نضمر من المحبة والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا ~~بلائمة. وبين التقصير من جهة العجز وضعف القوة فرق. # ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل ~~صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار نفسه وإن ~~لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتابنا كبيرا، كثير الورق ~~عظيما. ولكن القليل الذي يجمع، خير من الكثير الذي يفرق. # ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، ~~فعال لما يريد. PageV03P220 ms24