######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010709 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail.XXX #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسائل السياسية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010709 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10709 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10709 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 7- مناقب الترك PageV01P471 ### || [1- مقدمة] # وفقك الله لرشدك، وأعان على شكرك، وأصلحك وأصلح على يديك، وجعلنا وإياك ~~ممن يقول بالحق ويعمل به، ويؤثره ويحتمل ما فيه [مما قد يصده عنه] ، ولا ~~يكون حظه منه الوصف له والمعرفة به، دون الحث عليه والانقطاع إليه، وكشف ~~القناع فيه، [وإيصاله إلى أهله، والصبر على المحافظة في ألا يصل إلى غيرهم، ~~والتثبت في تحقيقه لديهم] ؛ فإن الله تعالى لم يعلم الناس ليكونوا عالمين ~~دون أن يكونوا عاملين، بل علمهم ليعملوا، وبين لهم ليتقوا التورط في وسط ~~الخوف، والوقوع في المضار، والتوسط في المهالك. # [فلذلك] طلب الناس التبين، ولحب السلامة من الهلكة، والرغبة في المنفعة، ~~احتملوا ثقل العلم، وتعجلوا مكروه المعاناة. ولقلة العاملين وكثرة الواصفين ~~[قال الأولون: العارفون أكثر من الواصفين، والواصفون أكثر من العاملين. ~~وإنما] كثرت الصفات وقلت الموصوفات، لأن ثواب العمل مؤجل، واحتمال ما فيه ~~معجل. ### || [2- أعداء السلطان] # وقد أعجبني ما رأيت من شغفك بطاعة إمامك، والمحاماة لتدبير PageV01P473 ~~خليفتك، وإشفاقك من كل خلل وخلة دخل على ملكه وإن دق، ونال سلطانه وإن ~~صغر، ومن كل أمر خالفه وإن خفي مكانه، وجانب وإن قل ضرره؛ ومن تخوفك أن يجد ~~المتأول إليه طريقا والعدو عليه متعلقا؛ فإن السلطان لا يخلو من متأول ~~ناقم، ومن محكوم عليه ساخط، ومن معدول عن الحكم زار، ومن متعطل متصفح، ومن ~~معجب برأيه ذي خطل في بيانه، مولع بتهجين الصواب، وبالاعتراض على التدبير، ~~حتى كأنه رائد لجميع الأمة، ووكيل لسكان جميع المملكة؛ يضع نفسه في موضع ~~الرقباء، وفي موضع التصفح على الخلفاء والوزراء؛ لا يعذر وإن كان مجاز ~~العذر واضحا، ولا يقف فيما يكون للشك محتملا، ولا يصدق بأن الشاهد يرى ما ~~لا يرى الغائب، وأنه لا يعرف مصادر الرأي من لم يشهد موارده، ومستدبره من ~~لم يعرف مستقبله. ومن محروم قد أضغنه الحرمان، ومن لئيم قد أفسده الإحسان. ~~ومن مستبطىء قد أخذ أضعاف حقه، وهو لجهله بقدره، ولضيق ذرعه وقلة شكره، يظن ~~أن الذي بقي له أكثر، وأن حقه أوجب. ومن ms01 مستزيد لو ارتجع السلطان سالف ~~أياديه البيض عنده، ونعمه السالفة عليه، لكان لذلك أهلا، وله مستحقا قد غره ~~الإملاء، وأبطره دوام الكفاية، وأفسده طول الفراغ. ومن صاحب فتنة خامل في ~~الجماعة، رئيس في الفرقة، نعاق في الهرج، قد أقصاه السلطان، وأقام صغوه ~~ثقاف الأدب، وأذله الحكم بالحق، فهو مغيظ لا يجد غير التشنيع، ولا يتشفى ~~بغير الإرجاف، ولا يستريح إلا إلى الأماني، ولا يأنس إلا بكل مرجف كذاب، ~~ومفتون مرتاب، وخارص لا خير فيه، وخالف لا غناء عنده، يريد أن يسوى ~~بالكفاة، ويرفع فوق الحماة؛ لأمر [ما] سلف له، ولإحسان كان من غيره، وليس ~~ممن يرب قديما بحديث، ولا يحفل بدروس شرف، ولا يفصل بين ثواب المحتسبين، ~~وبين الحفظ لأبناء المحسنين. # وكيف يعرف فرق ما بين حق الذمام وثواب الكفاية، من لا يعرف طبقات الحق في ~~مراتبه، ولا يفصل بين طبقات الباطل في منازله. # ثم أعلمتني بذلك أنك بنفسك بدأت في تعظيم امامك، والحفظ لمناقب PageV01P474 ~~أنصار خليفتك، وإياها حطت بحياطتك لأشياعه، واحتجاجك لأوليائه. ونعم ~~العون أنت إن شاء الله على ملازمة الطاعة، والمؤازرة على الخير، والمكانفة ~~لأهل الحق. # وقد استدللت بالذي أرى من شدة عنايتك، وفرط اكتراثك، وتفقدك لأخابير ~~الأعداء وبحثك عن مناقب الأولياء، على أن ما ظهر من نصحك أمم، في جنب ما ~~بطن من إخلاصك. # فأمتع الله بك خليفته، ومنحنا وإياك محبته، وأعاذنا وإياك من قول الزور، ~~والتقرب بالباطل، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد. ### || [3- اقسام جند الخلافة الخمسة] # وذكرت أبقاك الله أنك جالست أخلاطا من جند الخلافة، وجماعة من أبناء ~~الدعوة، وشيوخا من جلة الشيعة، وكهولا من أبناء رجال الدولة، والمنسوبين ~~إلى الطاعة والمناصحة، [والمحبة] الدينية، دون محبة الرغبة والرهبة، وأن ~~رجلا من عرض تلك الجماعة، ومن حاشية تلك الجلة ارتجل الكلام ارتجال مستبد، ~~وتفرد به تفرد معجب، وأنه لم يستأمر زعماءهم، ولم يراقب خطباءهم، وأنه تعسف ~~المعانى وتهجم على الألفاظ، وزعم أن جند الخلافة اليوم على خمسة أقسام: ~~خراساني، وتركي، ومولى، وعربي، وبنوي. وأنه أكثر من ms02 حمد الله وشكره على ~~إحسانه ومننه، وعلى جميع أياديه وسابغ نعمه، وعلى شمول عافيته وجزيل ~~مواهبه، حين ألف على الطاعة هذه القلوب المختلفة، والأجناس المتباينة، ~~والأهواء المتفرقة. وأنك اعترضت على هذا المتكلم المستبد، وعلى هذا القائل ~~المتكلف، الذي قسم هذه الأقسام، وخالف [بين] هذه الأركان، وفصل بين ~~أنسابهم، وفرق بين أجناسهم، وباعد بين أسبابهم. PageV01P475 ### || [4- لا فرق بين الخراساني والتركي] # وأنك أنكرت ذلك عليه أشد الإنكار، وقذعته أشد القذع، وزعمت أنهم لم ~~يخرجوا من الاتفاق أو من شيء يقرب من الاتفاق. وأنك أنكرت التباعد في ~~النسب، والتباين في السبب. وقلت: بل أزعم أن الخراساني والتركي أخوان، وأن ~~الحيز واحد، وأن [حكم ذلك الشرق، والقضية على] ذلك الصقع متفق غير مختلف، ~~ومتقارب غير متفاوت. وأن الأعراق في الأصل إن لا تكن [كانت] راسخة فقد كانت ~~متشابهة، وحدود البلاد المشتملة عليهم إن لا تكن متساوية فإنها متناسبة؛ ~~وكلهم خراساني في الجملة وإن تميزوا ببعض الخصائص، فافترقوا ببعض الوجوه. # وزعمت أن اختلاف التركي والخراساني ليس كالاختلاف بين العجمي والعربي، ~~ولا كالاختلاف بين الرومي والصقلبي، والزنجي والحبشي، فضلا هما هو أبعد ~~جوهرا وأشد خلافا. بل كاختلاف ما بين المكي والمدني، والبدوي والحضري، ~~والسهلي والجبلي، وكاختلاف ما بين الطائي الجبلي والطائي السهلي، وكما ~~يقال: أن هذيلا أكراد العرب، وكاختلاف ما بين من نزل البطون وبين من نزل ~~الحزون، وبين من نزل النجود وبين من نزل الأغوار. ### || [5- العرب أمة واحدة] # وزعمت أن هؤلاء وإن اختلفوا في بعض اللغة، وفارق بعضهم بعضا في بعض ~~الصور، فقد تخالفت عليا تميم، وسفلى قيس، وعجز هوازن وفصحاء الحجاز، في ~~اللغة، وهي في أكثرها على خلاف لغة حمير، وسكان مخاليف اليمن، وكذلك في ~~الصورة والشمائل والأخلاق. وكلهم مع ذلك عربي خالص، غير مشوب ولا معلهج ولا ~~مذرع ولا مزلج. ولم يختلفوا اختلاف ما بين بني قحطان وبني عدنان، من قبل ما ~~طبع الله عليه تلك البرية من خصائص PageV01P476 ~~الغرائز، وما قسم الله تعالى لأهل كل جيزة من الشكل والصورة ومن الأخلاق ~~واللغة. ms03 # فإن قلت: فكيف كان أولادهما جميعا عربا مع اختلاف الأبوة. # قلنا: إن العرب لما كانت واحدة فاستووا في التربة وفي اللغة، والشمائل ~~والهمة، وفي الأنف والحمية، وفي الأخلاق والسجية، فسبكوا سبكا واحدا، ~~وأفرغوا إفراغا واحدا، وكان القالب واحدا، تشابهت الأجزاء وتناسب الأخلاط، ~~وحين صار ذلك أشد تشابها في باب الأعم والأخص وفي باب الوفاق والمباينة من ~~بعض ذوي الأرحام، جرى عليهم حكم الاتفاق في الحسب، وصارت هذه الأسباب ولادة ~~أخرى حتى تناكحوا عليها، وتصاهروا من أجلها، وامتنعت عدنان قاطبة من مناكحة ~~بني إسحاق وهو أخو إسماعيل، وجادوا بذلك في جميع الدهر لبني قحطان- وهو ابن ~~عابر- ففي إجماع الفريقين على التناكح والمصاهرة، ومنعهما من ذلك جميع ~~الأمم: كسرى فمن دونه، دليل على أن النسب عندهم متفق، وأن هذه المعانى قد ~~قامت عندهم مقام الولادة والأرحام الماسة. ### || [6- البنوي خراساني] # وزعمت أنه أراد الفرقة والتحزيب، وأنك أردت الألفة والتقريب. # وزعمت أيضا أن البنوي خراساني، وأن نسب الأبناء نسب آبائهم، وأن حسن صنيع ~~الآباء، وقديم فعال الأجداد، هو حسب الأبناء. وأن الموالى بالعرب أشبه، ~~وإليهم أقرب، وبهم أمس؛ لأن السنة جعلتهم منهم. فقلت: إن الموالي أقرب إلى ~~العرب في كثير من المعاني؛ لأنهم عرب في المدعى، وفي العاقلة، وفي الوراثة. ~~وهذا تأويل قوله «مولى القوم منهم» و «مولى القوم من أنفسهم» ، و «الولاء ~~لحمة كلحمة النسب» . وعلى شبيه ذلك صار حليف PageV01P477 ~~القوم منهم، وحكمه حكمهم، فصار الأخنس بن شريق وهو رجل من ثقيف، وكذلك ~~يعلى بن منية وهو رجل من بلعدوية، وكذلك خالد بن عرفطة وهو رجل من عذرة من ~~قريش. وبذلك النسب حرمت الصدقة على موالي بني هاشم؛ فإن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أجراهم في باب التنزيه والتطهير مجرى مواليهم. ~~وبذلك السبب قدم النبي صلى الله عليه وسلم بني عبد المطلب على بني عبد ~~شمس، وقرابتهم سواء ونسبهم واحد، للعقد المتقدم، وللأيدي المتفقة. # وقال صلى الله عليه وسلم: «منا خير فارس في العرب: عكاشة بن محصن» ، فقال ~~ضرار بن الأزور الأسدي: ذاك رجل ms04 منا يا رسول الله. قال: ~~«بل هو منا بالحلف» . فجعل حليف القوم منهم، كما جعل ابن أخت القوم منهم. # ثم زعمت أن الأتراك قد شاركوا هؤلاء القوم في هذا النسب، وصاروا من العرب ~~بهذا السبب، مع الذي بانوا به من الخلال، وحبوا به من شرف الخصال. # على أن ولاء الا تراك لباب قريش، ولمصاص عبد مناف، و [هم] في سر بني ~~هاشم، [وهاشم] موضع العذار من خد الفرس، والعقد من لبة الكاعب، والجوهر ~~المكنون، والذهب المصفى، وموضع المحة من البيضة، والعين في الرأس، والروح ~~من البدن؛ وهم الأنف المقدم، والسنام الأكبر، والدرة الزهراء، والروضة ~~الخضراء، والذهب الأحمر. فقد شاركوا العرب في أنسابهم، والموالي في ~~أسبابهم، وفصلوهم بهذا الفضل الذي لا يبلغه فضل وإن برع، بل لا يعشره شرف ~~وإن عظم، ولا مجد وإن قدم. # فزعمت أن انساب الجميع متقاربة غير متباعدة، وعلى حسب ذلك التقارب تكون ~~المؤازرة والمكاتفة، والطاعة والمناصحة، والمحبة للخلفاء والأئمة. PageV01P478 ### || [7- مفاخر الخراسانيين] # وذكرت أنه ذكر جملا من مفاخرة الأجناس، وجمهرة من مناقب هذه الأصناف، ~~وأنه جمع ذلك وفصله وفسره، وأنه ألغى ذكر الأتراك فلم يعرض لهم، وأضرب عنهم ~~صفحا، يخبر عنهم كما أخبر عن حجة كل جيل، وعن برهان كل صنف، وذكر أن ~~الخراساني يقول: نحن النقباء وأبناء النقباء؛ ونحن النجباء وأبناء النجباء، ~~ومنا الدعاة، قبل أن تظهر نقابة، أو تعرف نجابة، وقبل المغالبة والمباراة، ~~وقبل كشف القناع وزوال التقية وزوال ملك أعدائنا عن مستقره، وثبات ملك ~~أوليائنا في نصابه. وبين ذلك ما قتلنا وشردنا، ونهكنا ضربا وبضعنا بالسيوف ~~الحداد، وعذبنا بألوان العذاب. # وبنا شفى الله الصدور، وأدرك الثأر. ومنا الاثنا عشر النقباء، والسبعون ~~النجباء. ونحن الخندقية، ونحن الكفية وأبناء الكفية، ومنا المستجيبة ومن ~~يهرج التيمية ومنا نيم خزان وأصحاب الجوربين ومنا الزغندية والآزاذمردية. # ونحن فتحنا البلاد وقتلنا العباد، وأبدنا العدو بكل واد. ونحن أهل هذه ~~الدولة، وأصحاب هذه الدعوة، ومنبت هذه الشجرة. ومن عندنا هبت هذه الريح. # والأنصار أنصاران: الأوس والخزرج نصروا النبي صلى الله عليه ms05 وسلم في أول ~~الزمان، وأهل خراسان نصروا ورثته في آخر الزمان. غذانا بذلك آباؤنا وغذونا ~~به أبناءنا وصار لنا نسبا لا نعرف إلا به، ودينا لا نوالي إلا عليه. # ثم نحن على وتيرة واحدة، ومنهاج غير مشترك؛ نعرف بالشيعة، وندين بالطاعة، ~~ونقتل فيها ونموت عليها. سيمانا موصوف، ولباسنا معروف. ونحن أصحاب الرايات ~~السود، والروايات الصحيحة، والأحاديث المأثورة، والذين يهدمون مدن ~~الجبابرة، وينزعون الملك من أيدي الظلمة، وفينا تقدم الخبر، وصح الأثر. ~~وجاء في الحديث صفة الذين يفتحون عمورية ويظهرون عليها، PageV01P479 ~~ويقتلون مقاتليها ويسبون ذراريها، حيث قالوا في نعتهم: «شعورهم شعور ~~النساء، وثيابهم ثياب الرهبان» . فصدق الفعل القول، وحقق الخبر العيان. # ونحن الذين ذكرنا وذكر بلاءنا امام الأئمة، وأبو الخلائق العشرة: محمد ~~ابن علي، حين أراد توجيه الدعاة إلى الآفاق، وتفريق شيعته في البلاد، أن ~~قال: # أما البصرة وسوادها فقد غلب عليها عثمان وصنائع عثمان، فليس بها من ~~شيعتنا إلا القليل. وأما الشام فشيعة بني مروان وآل أبي سفيان. وأما ~~الجزيرة فحرورية شارية، وخارجة مارقة، ولكن عليكم بهذا الشرق؛ فإن هناك ~~صدورا سليمة وقلوبا باسلة، لم تفسدها الأهواء، ولم تخامرها الأدواء، ولم ~~تعتقبها البدع، وهم مغيظون موتورون. وهناك العدد [والعدة] ، والعتاد ~~والنجدة. # ثم قال: [وأنا أتفاءل] إلى حيث يطلع منه النهار. فكنا خير جند لخير إمام؛ ~~فصدقنا ظنه، وثبتنا رأيه، وصوبنا فراسته. # وقال مرة أخرى: # أمرنا هذا شرقي لا غربي، ومقبل لا مدبر، يطلع كطلوع الشمس، ويمتد على ~~الآفاق امتداد النهار، حتى يبلغ حيث تبلغه الأخفاف، وتناله الحوافر. # قالوا: ونحن قتلنا الصحصحية، والدالقية، والذكوانية، والراشدية. ~~ونحن أيضا أصحاب الخنادق أيام نصر بن سيار. وابن جديع الكرماني، وشيبان ~~بن سلمة الخارجي. ونحن أصحاب نباتة بن حنظلة، وعامر بن ضبارة، وأصحاب ابن ~~هبيرة. فلنا قديم هذا الأمر وحديثه، وأوله وآخره ومنا قاتل مروان. # ونحن قوم لنا أجسام وأجرام، وشعور وهام، ومناكب عظام، وجباه عراض، وقصر ~~غلاظ، وسواعد طوال. # ونحن أولد للذكورة، وأنسل بعولة. وأقل ضوى وضؤولة، وأقل إتاما PageV01P480 ~~وأنتق أرحاما، وأشد عصبا وأتم ms06 عظاما، وأبداننا أحمل للسلاح، وتجفافنا ~~أملأ للعيون. # ونحن أكثر مادة، وأكثر عددا وعدة. # ولو أن يأجوج ومأجوج كاثروا من وراء النهر منا لظهروا عليهم بالعدد. ~~فأما الأيد وشدة الأسر، فليس لأحد بعد عاد وثمود والعمالقة والكنعانيين ~~مثل أيدنا وأسرنا. # ولو أن خيول الأرض وفرسان جميع الأطراف جمعوا في حلبة واحدة، لكنا أكثر ~~في العيون، وأهول في الصدور. # ومتى رأيت مواكبنا وفرساننا، وبنودنا التي لا يحملها غيرنا، علمت أننا لم ~~نخلق إلا لقلب الدول، وطاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. # ولو أن أهل التبت ورجال الزابج، وفرسان الهند، وحلبة الروم، هجم عليهم ~~هاشم بن أشتا خنج لما امتنعوا من طرح السلاح والهرب في البلاد. # ونحن أصحاب اللحى وأرباب النهى، وأهل الحلم والحجا، وأهل الثخانة في ~~الرأي، والبعد من الطيش. ولسنا كجند الشام المتعرضين للحرم، والمنتهكين لكل ~~محرم. # ونحن ناس لنا أمانة وفينا عفة. ونحن نجمع بين النزاهة والقناعة والصبر ~~على الخدمة، والتجمير عند بعد الشقة. ولنا الطبول المهولة العظام والبنود، ~~ونحن أصحاب التجافيف والأجراس، والبازيكند واللبود الطوال، والأغماد ~~المعقفة والشوارب المعقربة، والقلانس الشاشية، والخيول الشهرية، والكافر ~~كوبات والطبرزينات [في الأكف] ، والخناجر في الأوساط. ولنا حسن الجلسة على ~~ظهور الخيل. ولنا الأصوات التي تسقط منها الحبالى. # وليس في الأرض صناعة غريبة من أدب وحكمة، وحساب وهندسة، PageV01P481 ~~وإيقاع وصنعة، وفقه ورواية، نظرت فيها الخراسانية إلا فرعت فيها الرؤساء، ~~وبزت فيها العلماء. # ولنا صنعة السلاح من لبد وركاب ودرع. ولنا مما جعلناه رياضة وتمرينا، ~~وإرهاصا للحرب، وتثقيفا ودربة للمجاولة والمشاولة، [و] للكر بعد الكر: ~~مثل الدبوق، والنزو على الخيل صغارا، ومثل الطبطاب والصوالجة الكبار، ثم ~~رمي المجثمة، والبرجاس والطائر الخطاف. # فنحن أحق بالأثرة، وأولى بشرف المنزلة. ### || [8- مفاخر العرب] # ثم قلت: وزعم أن القربة تستحق بالأسباب الثابتة، وبالأرحام الشابكة، ~~وبالقدمة، والطاعة للآباء والعشيرة، وبالشكر النافع، والمديح الكافي بالشعر ~~الموزون الذي يبقى بقاء الدهر، ويلوح ما لاح نجم، وينشد ما أهل بالحج، وما ~~هبت الصبا، وما كان للزيت عاصر؛ وبالكلام المنثور والقول المأثور. أو بصفة ~~مخرج الدولة والاحتجاج ms07 للدعوة، وتقييد المآثر، إذ لم يكن [ذلك من] عادة ~~العجم، ولا كان يحفظ ذلك معروفا لسوى العرب. ونحن نرتبطها بالشعر المقفى، ~~ونصلها بحفظ الأميين. [الذين لا يتكلون على الكتب المدونة، والخطوط ~~المطرسة. ونحن أصحاب التفاخر والتنافر، والتنازع في الشرف، والتحاكم إلى كل ~~حكم مقنع وكاهن سجاع. ولنا التعاير بالمثالب، والتفاخر بالمناقب. ونحن أحفظ ~~لأنسابنا، وأرعى لحقوقنا وتقييدها أيضا بالمنثور المرسل، بعد الموزون ~~المعدل، بلسان أمضى من السنان، وأرهف من السيف الحسام، حتى نذكرهم ما قد ~~درس رسمه، وعفا أثره. # وبين القتال من جهة الرغبة والرهبة فرق، وليس المعرق في الحفاظ كمن هذا ~~فيه حادث. وهذا باب يتقدم فيه التالد القديم الطارف الحديث. PageV01P482 # وطلاب الطوائل رجلان: سجستاني وأعرابي. وهل أكثر النقباء إلا من صميم ~~العرب، ومن صليبة هذا النسب، كأبي عبد الحميد قحطبة بن شبيب الطائي، وأبي ~~محمد سليمان بن كثير الخزاعي، وأبي نصر مالك بن الهيثم الخزاعي، وأبي داود ~~خالد بن إبراهيم الذهلي، وكأبي عمرو لاهز بن قريظ المرئي، وأبي عتيبة موسى ~~بن كعب المرئي، وأبي سهل القاسم بن مجاشع المزني؛ ومن كان يجري مجرى ~~النقباء ولم يدخل فيهما، مثل مالك بن الطواف المزنى. # وبعد فمن هذا الذي باشر قتل مروان، ومن هزم ابن هبيرة، ومن قتل ابن ~~ضبارة، ومن قتل نباتة بن حنظلة، إلا عرب الدعوة، والصميم من أهل الدولة؟! ~~ومن فتح السند إلا موسى بن كعب، ومن فتح إفريقية إلا محمد بن الأشعث؟! ### || [9- مفاخر الموالي] # وقلت: وقال: وتقول الموالي: لنا النصيحة الخالصة، والمحبة الراسخة، ونحن ~~موضع الثقة عند الشدة. وعلل المولى من تحت موجبة لمحبة المولى من فوق، لأن ~~شرف مولاه راجع إليه، وكرمه زائد في كرمه، وخموله مسقط لقدره. وبوده أن ~~خصال الكرام كلها اجتمعت فيه؛ لأنه كلما كان مولاه أكبر وأشرف وأظهر، كان ~~هو بها أشرف وأنبل. ومولاك أسلم لك صدرا، وأرد ضميرا، وأقل حسدا. # وبعد فالولاء لحمة كلحمة النسب، فقد صار لنا النسب الذي يصوبه العربي، ~~ولنا الأصل الذي يفتخر به العجمي. # قال: والصبر ضروب، ms08 فأكرمها كلها الصبر على إفشاء السر. وللمولى في هذه ~~المكرمة ما ليس لأحد. # ونحن أخص مدخلا، وألطف في الخدمة مسلكا. ولنا مع الطاعة والخدمة PageV01P483 ~~والاخلاص وحسن النية، خدمة الأبناء للآباء، والآباء للأجداد، وهم ~~بمواليهم آنس، وبناحيتهم أوثق، وبكفايتهم أسر. # وقد كان المنصور، ومحمد بن علي، وعلي بن عبد الله، يخصون مواليهم ~~بالمواكلة والبسط والإيناس، لا يبهرجون الأسود لسواده، ولا الدميم لدمامته، ~~ولا الصناعة الدنيئة لدناءتها. ويوصون بحفظهم أكابر أولادهم، ويجعلون لكثير ~~من موتاهم الصلاة على جنائزهم، وذلك بحضرة من العمومة وبني الأعمام ~~والأخوة. # ويتذاكرون إكرام رسول الله صلى الله عليه وسلم لزيد بن حارثة مولاه، حين ~~عقد له يوم مؤتة على جلة بني هاشم، وجعله أمير كل بلدة يطؤها. # ويتذاكرون حبه لأسامة بن زيد، وهو الحب ابن الحب. وعقد له على عظماء ~~المهاجرين وأكابر الأنصار. # ويتذاكرون صنيعه بسائر مواليه، كأبي أنسة، وشقران، وفلان وفلان. # قالوا: ولنا من رؤوس النقباء أبو منصور مولى خزاعة، وأبو الحكم عيسى بن ~~أعين مولى خزاعة، وأبو النجم عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط. فلنا ~~مناقب الخراسانية، ولنا مناقب الموالي في هذه الدعوة، ونحن منهم وإليهم، ~~ومن أنفسهم، لا يدفع ذلك مسلم ولا ينكره مؤمن، خدمناهم كبارا وحملناهم على ~~عواتقنا صغارا. هذا مع حق الرضاع والخؤولة، والنشوء في الكتاب، والتقلب في ~~تلك العراص التي لم يبلغها إلا كل سعيد الجد، وجيه في الملوك. فقد شاركنا ~~العربي في فخره، والخراساني في مجده، والنبوي في فضله، ثم تفردنا بما لم ~~يشاركونا فيه، ولا سبقونا إليه. # قالوا: ونحن أشكل بالرعية، وأقرب إلى طباع الدهماء؛ وهم بنا آنس وإلينا ~~أسكن، وإلى لقائنا أحن؛ ونحن بهم أرحم، وعليهم أعطف، وبهم أشبه. فمن أحق ~~بالأثرة، وأولى بحسن المنزلة ممن هذه الخصال له، وهذه الخلال فيه. PageV01P484 ### || [10- مفاخر البنوي] # وقلت وذكرت أن البنوي قال: # أنا أصلي خراسان، وهي مخرج الدولة ومطلع الدعوة؛ ومنها نجم هذا القرن، ~~وصبأ هذا الناب، وتفجر هذا الينبوع، واستفاض هذا البحر، حتى ضرب الحق ~~بجرانه، وطبق الآفاق بضيائه، فأبرأ ms09 من السقم القديم، وشفى من الداء العضال، ~~وأغنى من العيلة، وبصر من العمى # قال: وفرعى بغداد، وهي مستقر الخلافة، ~~والقرار بعد الحولة، وفيها بقية رجال الدعوة، وابناء الشيعة، وهي خراسان ~~العراق؛ وبيت الخلافة، وموضع المادة. # قال: وأنا أعرق في هذا الأمر من أبي، وأكثر تردادا فيه من جدي، وأحق في ~~هذا الفضل من المولى والعربي. ولنا بعد في انفسنا ما لا ينكر من الصبر تحت ~~ظلال السيوف القصار والرماح الطوال. [ولنا معانقة الأبطال عند تحطم القنا ~~وانقطاع الصفائح. ولنا المواجأة بالسكاكين، وتلقي الخناجر بالعيون، ونحن ~~حماة المستلحم؛ وأبناء المضايق. ونحن أهل الثبات عند الجولة، والمعرفة عند ~~الحيرة، وأصحاب المشهرات، وزينة العساكر وحلى الجيوش، ومن يمشي في الرمح، ~~ويختال بين الصفين. ونحن اصحاب الفتك والإقدام، ولنا بعد التسلق، ونقب ~~المدن، والتقحم على ظبات السيوف وأطراف الرماح، ورضخ الجندل، وهشم العمد، ~~والصبر على الجراح وعلى جر السلاح إذا طار قلب الأعرابي، وساء ظن ~~الخراساني. ثم الصبر تحت العقوبة، والاحتجاج عند المساءلة، واجتماع العقل، ~~وصحة الطرف، وثبات القدمين، وقلة التكفي بحبل العقابين، والبعد من الإقرار، ~~وقلة الخضوع للدهر والخضوع عند جفوة الزوار وجفاء الأقارب والإخوان. # ولنا القتال عند أبواب الخنادق، ورؤوس القناطر. ونحن الموت الأحمر PageV01P485 ~~عند أبواب النقب. ولنا المواجأة في الأزقة، والصبر على قتال السجون. ~~فسل عن ذلك الخليدية، والكتفية، والبلالية، والخريبية. ونحن أصحاب ~~المكابدات وأرباب البيات، وقتل الناس جهارا في الأسواق والطرقات. # ونحن نجمع بين السلة والمزاحفة. ونحن أصحاب القنا الطوال ما كنا رجالة، ~~والمطارد القصار ما كنا فرسانا. فإن صرنا كمنا فالحتف القاضي، والسم ~~الذعاف. وإن كنا طلائع فكلنا يقوم مقام أمير الجيش. نقاتل بالليل كما نقاتل ~~بالنهار، ونقاتل في الماء كما نقاتل على الأرض، ونقاتل في القرية كما نقاتل ~~في المحلة. # ونحن أفتك وأخشب، ونحن أقطع للطريق وأذكر في الثغور، مع حسن القدود وجودة ~~الخطر ومقادير اللحى، وحسن العمة، والنفس المرة. ~~وأصحاب الباطل والفتوة، ثم الخط والكتابة، والفقه والرواية. # ولنا بغداد باسرها، تسكن ما سكنا، وتتحرك ما تحركنا. والدنيا ms10 كلها معلقة ~~بها، وصائرة الى معناها. فإذا كان هذا أمرها وقدرها فجميع الدنيا تبع لها] ~~. وكذلك أهلها لأهلها، وفتاكها لفتاكها، وخلاعها لخلاعها، ورؤساؤها ~~لرؤسائها، وصلحاؤها لصلحائها. # ونحن بعد تربية الخلفاء، وجيران الوزراء، ولدنا في أفنية ملوكنا، ونحن ~~أجنحة خلفائنا؛ فأخذنا بآثارهم واحتذينا على مثالهم، فلسنا نعرف سواهم، ولا ~~نعرف بغيرهم، ولا يطمع فينا أحد قط من خطاب ملكهم، وممن يترشح للاعتراض ~~عليهم. فمن أحق بالأثرة، وأولى بالقرب في المنزلة ممن هذه الخصال فيه، وهذه ~~الخلال له. ### || [11- الغاية من وضع الكتاب] # إن ذهبنا حفظك الله بعقب هذه الاحتجاجات، وعند مقطع هذه PageV01P486 ~~الاستدلالات، نستعمل هذه المعارضة بمناقب الأتراك، والموازنة بين خصالهم ~~وخصال كل صنف من هذه الأصناف، سلكنا في هذا الكتاب سبيل أصحاب الخصومات في ~~كتبهم، وطريق أصحاب الأهواء في الاختلاف الذي بينهم. # وكتابنا هذا إنما تكلفناه لنؤلف بين قلوبهم التي كانت مختلفة، ولنزيد ~~الألفة إن كانت مؤتلفة، ولنخبر عن اتفاق أسبابهم لتجتمع كلمتهم، ولتسلم ~~صدورهم، وليعرف من كان لا يعرف منهم موضع التفاوت في النسب، وكم مقدار ~~الخلاف في الحسب، فلا يغير بعضهم مغير، ولا يفسده عدو بأباطيل مموهة وشبها ~~مزورة؛ فإن المنافق العليم، والعدو ذا الكيد العظيم، قد يصور لهم الباطل في ~~صورة الحق، ويلبس الاضاعة ثياب الحزم. إلا أنا على حال سنذكر جملا من ~~أحاديث رويناها ووعيناها، وأمور رأيناها وشاهدناها، وفضائل تلقفناها من ~~أفواه الرجال وسمعناها. # وسنذكر جميع ما في هذه الأصناف من الآلات والأدوات، ثم ننظر أيهم لها أشد ~~استعمالا، وبها أشد استقلالا، ومن أثقب كيسا وأفتح عينا وأذكى يقينا، وابعد ~~غورا وأجمع أمرا، وأعم خواطر وأكثر غرائب، وأبدع طريقا، وأدوم نفعا في ~~الحروب؛ وأضرى وأدرب دربة، وأغمض مكيدة، وأشد احتراسا وألطف احتيالا؛ حتى ~~يكون الخيار في يد الناظر المتصفح لمعانيه، والمقلب لوجوهه، والمفكر في ~~أبوابه، والمقابل بين أوله وآخره، فلا نكون نحن انتحلنا شيئا دون شيء، ~~وتقلدنا تفضيل بعض على بعض، بل [لعلنا أن لا] نخبر عن خاصة ما عندنا بحرف ~~واحد. # فإذا دبرنا كتابنا هذا التدبير، ms11 وكان موضوعه على هذه الصفة، كان أبعد له ~~من مذاهب الجدال والمراء، واستعمال الهوى. # وقد ظن ناس أن أسماء أصناف الأجناس كما اختلفت في الصورة والخط والهجاء، ~~أن حقائقها ومعانيها على حسب ذلك. وليس الأمر على حسب ما توهمه؛ ألا ترى أن ~~اسم الشاكرية وإن خالف في الصورة والهجاء اسم PageV01P487 ~~الجند، فإن المعنى فيهما ليس ببعيد؛ لأنهم يرجعون إلى معنى واحد وعمل ~~واحد. والذي يرجعون إليه طاعة الخلفاء، وتأييد السلطان. # وإذا كان المولى منقولا الى العرب في أكثر المعاني، ومجعولا منهم في عامة ~~الأسباب، لم يكن ذلك بأعجب ممن جعل الخال والدا، والحليف من الصميم، وابن ~~الأخت من القوم. # وقد جعل إبن الملاعنة المولود على فراش البعل منسوبا الى أمه. # وقد جعلوا اسماعيل وهو ابن عجميين عربيا؛ لأن الله تعالى فتق لهاته ~~بالعربية المبينة على غير التلقين والترتيب، ثم فطره على الفصاحة العجيبة ~~على غير النشو والتقدير، وسلخ طباعه من طبائع العجم، ونقل إلى بدنه تلك ~~الأجزاء، [وركبه اختراعا] على ذلك التركيب، وسواه تلك التسوية، وصاغه تلك ~~الصياغة، ثم حباه من طبائعهم ومنحه من أخلاقهم وشمائلهم، وطبعه من كرمهم ~~وأنفتهم وهممهم على أكرمها وأمكنها، وأشرفها وأعلاها، وجعل ذلك برهانا على ~~رسالته، ودليلا على نبوته؛ فكان أحق بذلك النسب، وأولى بشرف ذلك الحسب. # وكما جعل ابراهيم أبا لمن لم يلده، فالبنوي خراساني من جهة الولادة، ~~والمولى عربي من جهة المدعى والعاقلة. وإن أحاط علمنا بأن زيدا لم يخلق من ~~نجل عمرو إلا عهارا لنفيناه عنه، وإن وثقنا أنه لم يخلق من صلبه. # وكما جعل النبي صلى الله عليه وسلم أزواجه أمهات المؤمنين وهن لم يلدنهم ~~ولا أرضعنهم، وفي بعض القراءات: (وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم) ، على قوله: ~~ملة أبيكم إبراهيم ~~. وجعل المرأة من جهة الرضاع أما، وجعل [امرأة] البعل أم ولد البعل من ~~غيرها، [وجعل] الراب والدا، وجل العم أبا [في كتاب الله] . وهم عبيده لا ~~يتقلبون إلا فيما قلبهم فيه. وله أن يجعل من عباده من شاء عربيا ومن شاء ms12 ~~عجميا، ومن شاء قرشيا، ومن شاء زنجيا؛ كما له أن يجعل من شاء ذكرا ومن شاء ~~أنثى، PageV01P488 ~~[ومن شاء خنثى] ، ومن شاء أفرده من ذلك فجعله لا ذكرا ولا أنثى ولا خنثى. # وكذلك خلق الملائكة وهم أكرم على الله من جميع الخليقة. وخلق آدم فلم ~~يجعل له أبا ولا أما، وخلقه من طين ونسبه اليه، وخلق حواء من ضلع آدم ~~وجعلها له زوجا وسكنا. وخلق عيسى من غير ذكر ونسبه إلى أمه التي خلقه منها. ~~وخلق الجان من نار السموم، وآدم من طين، وعيسى من غير نطفة. وخلق السماء من ~~دخان، والأرض من الماء، وخلق اسحاق من عاقر. وأنطق عيسى في المهد، وأنطق ~~يحيى بالحكمة وهو صغير، وعلم سليمان منطق الطير، وكلام النمل، وعلم الحفظة ~~من الملائكة جميع الألسنة حتى كتبوا بكل خط، ونطقوا بكل لسان. وأنطق ذئب ~~أهبان بن أوس. # والمؤمنون من جميع الأمم إذا دخلوا الجنة، وكذلك أطفالهم والمجانين ~~[منهم] ، يتكلمون ساعة يدخلون الجنة بلسان أهل الجنة، على غير الترتيب ~~والتنزيل، والتعليم على طول الأيام والتا؟؟ ين. فكيف يتعجب الجاهلون من ~~[نطق] اسماعيل بالعربية على غير تعليم الآباء، وتأديب الحواضن؟! # وهذه ~~المسألة ربما سأل عنها بعض القحطانية، ممن لا علم له، بعض العدنانية، وهي ~~على القحطاني أشد. فأما جواب العدناني فسلس النظام سهل المخرج، قريب ~~المعنى؛ لأن بني قحطان لا يدعون لقحطان نبوة فيعطيه الله مثل هذه الأعجوبة. # وما الذي قسم الله- عز اسمه- بين الناس من ذلك، إلا كما صنع في طينة ~~الأرض، فجعل بعضها حجرا، وبعض الحجر ياقوتا، وبعضه ذهبا، وبعضه نحاسا، ~~وبعضه رصاصا، وبعضه حديدا، وبعضه ترابا، وبعضه فخارا. وكذلك الزاج، ~~والمغرة، والزرنيخ، والمرتك، والكبريت، والقار والتوتيا، والنوشادر، ~~والمرقشيثا، والمغناطيس. # ومن يحصى عددا أجزاء الأرض، وأصناف الفلز؟! PageV01P489 # وإذا كان الأمر على ما وصفنا فالبنوي خراساني. وإذا كان الخرساني مولي، ~~والمولى عربي- فقد صار الخرساني والبنوي والمولى والعربي واحدا. # وأدنى ذلك أن يكون الذي معهم من خصال الوفاق غامرا ما معهم من خصال ~~الخلاف، بل هم في معظم الأمر ms13 وفي كبر الشأن وعمود النسب متفقون. والأتراك ~~خراسانية وموالي الخلفاء قصرة، فقد صار التركي الى الجميع راجعا، وصار شرفه ~~إلى شرفهم زائدا. # وإذا عرف سائر ذلك سامحت النفوس، وذهب التعقيد، ومات الضغن، وانقطع سبب ~~الاستثقال؛ فلم يبق إلا التحاسد والتنافس الذي لا يزال يكون بين المتقاربين ~~في القرابة وفي المجاورة. # على أن التوازر والتسالم في الرابات وفي بني الأعمام والعشائر، أفشى وأعم ~~من البعداء. # ولخوف التخاذل ولحب التناصر، والحاجة إلى التعاون- انضم بعض القبائل في ~~البوادي الى بعض، ينزلون معا ويظعنون معا. ومن فارق أصحابه أقل، [و] من نصر ~~ابن عمه أثر. ومن اغتبط بنعمته وتمنى بقاءها والزيادة فيها اكثر ممن بغاها ~~الغوائل، وطلب انقطاعها وزوالها. ولا بد في أضعاف ذلك من بعض التنافس ~~والتخاذل، إلا أن ذلك قليل من كثير. # وليس يجوز أن تصفو الدنيا وتنقى من الفساد والمكروه حتى يموت جميع ~~الخلائق، وتستوي لأهلها، وتتمهد لسكانها على ما يشتهون ويهوون؛ لأن ذلك من ~~صفة دار الجزاء، وليس كذلك صفة دار العمل. PageV01P490 ### || [12- موضوع الكتاب] # هذا كتاب كنت كتبته أيام المعتصم بالله، رضي الله عنه، فلم يصل إليه، ~~لأسباب يطول شرحها، فلذلك لم أعرض للإخبار عنها. وأحببت أن يكون كتابا ~~قصدا، ومذهبا عدلا، ولا يكون كتاب إسراف في مديح قوم، وإغراق في هجاء ~~آخرين، وإن كان الكتاب كذلك شابه الكذب، وخالطه التزيد، وبنى أساسه على ~~التكلف، وخرج كلامه مخرج الاستكراه والتدليق. # وأنفع المدائح للمادح وأجداها على الممدوح، وأبقاها أثرا وأحسنها ذكرا: ~~أن يكون المديح صدقا، وللظاهر من حال الممدوح موافقا، وبه لاثقا، حتى لا ~~يكون من المعبر عنه والواصف [له] إلا الإشارة اليه، والتنبيه عليه. # وأنا أقول: إن كان لا يمكن ذلك في مناقب الأتراك إلا بذكر مثالب سائر ~~الأجناد، فترك ذكر الجميع أصوب، والاضراب عن [هذا الكتاب أحزم، وذكر الكثير ~~من] هذه الأصناف بالجميل، لا يقوم بالقليل من ذكر بعضهم بالقبيح، لأن ذكر ~~الأكثر بالجميل نافلة، وباب من التطوع، وذكر الأقل بالقبيح معصية، وباب من ~~ترك الواجب. وقليل الفريضة أجدى ms14 علينا من كثير التطوع. # ولكل نصيب من المساوىء ومقدار من الذنوب؛ وإنما يتفاضل الناس بكثرة ~~المحاسن وقلة المساوي. فأما الاشتمال على جميع المحاسن، والسلامة من جميع ~~المساويء دقيقها وجليلها، وظاهرها وخفيها، فهذا لا يعرف. # وقد قال النابغة: # ولست بمستبق أخا لا تلمه %~% على شعث، أي الرجال المهذب # وقال حريش السعدي: PageV01P491 # أخ لي كأيام الحياة إخاؤه %~% تلون ألوانا علي خطوبها # إذا عبت منه خلة فتركته %~% دعتني إليه خلة لا أعيبها # وقال بشار: # إذا كنت في كل الأمور معاتبا %~% خليلك لم تلق الذي لا تعاتبه # فعش واحدا أو صل أخاك فإنه %~% مقارف ذنب مرة ومجانبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى %~% ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه # وقال مطيع بن إياس الليثي: # ولئن كنت لا تصاحب الا %~% صاحبا لا تزل، ما عاش، نعله # لم تجده ولو جهدت وأنى %~% بالذي لا يكون يوجد مثله # وقال محمد بن سعيد، وهو رجل من الجند: # سأشكر عمرا إن تراخت منيتي %~% أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه %~% ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # رأى خلتي من حيث يخفى مكانها %~% فكانت قذى عينيه حتى تجلت # فإذا كان الخلطاء من جمهور الناس، وأصحاب المعايش من دهماء الجماعة، يرون ~~ذلك واجبا وتدبيرا في التعامل، على ما هم فيه من مشاركة الخطأ للصواب، ~~وامتزاج الضعف بالقوة، فلسنا نشك أن الامام الأكبر والرئيس الأعظم، مع ~~الأعراق الكريمة والأخلاق الرفيعة، والتمام في الحلم والعلم، والكمال في ~~الحزم والعزم، مع التمكين والقدرة، والفضيلة والرياسة [والسيادة] ، ~~والخصائص التي معه من التوفيق والعصمة، والتأييد وحسن المعونة، أن الله جل ~~اسمه لم يكن ليجلله باسم الخلافة، ويحبوه بتاج الإمامة، وبأعظم نعمة ~~وأسبغها، وأفضل كرامة وأسناها، ثم وصل طاعته بطاعته، ومعصيته بمعصيته، إلا ~~ومعه من الحلم في موضع الحلم، والعفو في موضع العفو، والتغافل في موضع ~~التغافل، ما لا يبلغه فضل ذي فضل، PageV01P492 ~~ولا حلم ذي حلم. ### || [13- مناسبة تأليف الكتاب] # ونحن قائلون، ولا حول ولا قوة إلا بالله، فيما انتهى الينا في ms15 أمر ~~الأتراك: # زعم محمد بن الجهم، وثمامة بن أشرس، والقاسم بن سيار، في جماعة ممن يغشى ~~دار الخلافة، وهي دار العامة، قالوا جميعا: # بينا حميد بن عبد الحميد جالسا ومعه بخشاد الصغدي، وأبو شجاع [شبيب] بن ~~بخار اخداي البلخي، ويحيى بن معاذ، ورجال من المعدودين المتقدمين في العلم ~~بالحرب [من أصحاب التجارب والمراس، وطول المعالجة والمعاناة] في صناعات ~~الحرب، إذ خرج رسول المأمون فقال لهم: نقول لكم متفرقين ومجتمعين: ليكتب كل ~~رجل منكم دعواه وحجته، وليقل أيما أحب إلى [كل] قائد منكم إذا كان في عدته ~~من صحبه وثقاته: أن يلقى مائة تركي أو مائة خارجي؟ فقال القوم جميعا: [لأن] ~~نلقى مائة تركي أحب إلينا من أن نلقى مائة خارجي! وحميد ساكت. # فلما فرغ القوم [جميعا] من حججهم، قال الرسول: قد قال القوم فقل واكتب ~~قولك، وليكن حجة لك أو عليك. قال: بل ألقى مائة خارجي أحب إلي؛ لأنني وجدت ~~الخصال التي يفضل بها الخارجي جمع المقاتلة غير تامة في الخارجي، ووجدتها ~~تامة في التركي. ففضل التركي على الخارجي بقدر فضل الخارجي على سائر ~~المقاتلة، ثم بان التركي عن الخارجي بأمور ليس فيها للخارجي دعوى ولا ~~متعلق. على أن هذه الأمور التي بان بها التركي عن الخارجي، أعظم خطرا وأكثر ~~نفعا، مما شاركه الخارجي في بعضها. ### || [14- خصال الخوارج] # ثم قال حميد: والخصال التي يصول بها الخارجي على سائر الناس صدق PageV01P493 ~~الشدة عند أول وهلة، وهي الدفعة التي يبلغون بها ما أرادوا، وينالون الذي ~~أملوا. # والثانية: الصبر على الخبب وعلى طول السرى، حتى يصبح القوم [الذين مرقوا ~~بهم] غارين فيهجموا عليهم وهم بسوء، ولحم على وضم، يتعجلونهم عن الروية، ~~وعن رد النفس عن النزوة والجولة؛ لا يظنون أن أحدا يقطع في ذلك المقدار من ~~الزمان ذلك المقدار من البلاد. # والثالثة: أن الخارجي موصوف عند الناس بأنه إن طلب أدرك، وإن طلب فات. # والرابعة: خفة الأزواد وقلة الأمتعة، وأنها تجنب الخيل وتركب البغال، وإن ~~احتاجت أمست بأرض وأصبحت بأخرى، وأنهم قوم حين ms16 خرجوا لم يخلفوا الأموال ~~الكثيرة، والجنان الملتفة، والدور المشيدة، ولا ضياعا ولا مستغلات، ولا ~~جواري مطهمات، و [أنهم] لا سلب لهم ولا مال معهم فيرغب الجند في لقائهم، ~~وإنما هم كالطير لا تدخر ولا تهتم لغد، ولها في كل أرض من المياه والأقوات ~~ما تتبلغ به، وإن لم تجد ذلك في بعض البلاد فأجنحتها تقرب لها البعيد، ~~وتسهل لها الحزون. وكذلك الخوارج لا يمتنع عليهم القرى والمطعم، وإن تمنع ~~عليهم ففي بنات شحاج وبنات صهال، وخفة الأثقال على طول الخبب، ما يسهل ~~أقواتها، ويكثر من أرزاقها. # والخامسة: أن الملوك إن أرسلوا إليهم اعدادهم ليكونوا في خفة أوزارهم ~~وأثقالهم، وليقووا على التنقل كقوتهم، لم يقووا عليهم؛ لأن مائة من الجند ~~لا يقومون لمائة من الخوارج؛ وإن كثفوا الجيش بالجيش، وضاعفوا العدد ~~[بالعدد] ثقلوا عن طلبهم، وعن الفوت إن طلبهم عدوهم. ومتى شاء الخارجي أن ~~يقرب منهم ليتطرفهم أو ليصيب الغرة منهم، أو ليسلبهم، فعل ذلك ثقة بأنه ~~يغنم عند الفرصة ورؤية العورة، ويمكنه الهرب عند PageV01P494 ~~الخوف. وإن شاء كبسهم ليقطع نظامهم، أو ليقتطع القطعة منهم. # قال حميد: فهذه هي مفاخرهم وخصالهم، التي لها كره القواد لقاءهم. # قال قاسم بن سيار: وخصلة أخرى، وهي التي رعبت القلوب وخلعتها، ونقضت ~~العزائم وفسختها، وهو ما تسمع الأجناد ومقاتلة العوام، من ضرب المثل ~~بالخوارج، كقول الشاعر: # إذا ما البخيل والمحاذر للقرى %~% رأى الضيف مثل الأزرقي المجفف # وكقول الآخر: # وقلب ود حال عن عهده %~% والسيف ينبو بيد الشاري # وكقول الآخر: # لقاء الأسد أهون من لقاه %~% إذا التحكيم يسهر بالأصيل # فهذه زيادة قاسم بن سيار. ### || [15- خصال الاتراك] # فأما حميد فإنه قال: # الشدة الأولى التركي فيها أحمد [أثرا، وأجمع] أمرا، وأحكم شأنا؛ لأن ~~التركي من أجل أن تصدق شدته ويتمكن عزمه، ولا يكون مشترك العزم ولا منقسم ~~لخواطر، قد عود برذونه ألا ينثني وإن ثناه، أن يملا فروجه للأمر يديره مرة ~~أو مرتين، وإلا فإنه لا يدع سننه، ولا يقطع ركضه. وإنما أراد التركي أن ~~يوئس نفسه من ms17 البدوات، ومن أن يعتريه التكذيب بعد الاعتزام، لهول [اللقا] ، ~~وحب الحياة؛ لأنه إذا علم أنه قد صير برذونه إلى هذه الغاية حتى لا ينثني ~~ولا يجيبه إلى التصرف معه إلا بأن يصنع شيئا بين الصفين فيه عطبه، لم يقدم ~~على الشدة إلا بعد إحكام الأمر، والبصرة PageV01P495 ~~بالعورة. وإنما يريد أن يشبه نفسه بالمحرج الذي إذا رأى أشد القتال لم ~~يدع جهدا ولم يدخر حيلة، ولينفى عن قلبه خواطر الفرار، ودواعي الرجوع. # وقال: الخارجي عند الشدة إنما يعتمد على الطعان، والأتراك تطعن طعن ~~الخوارج، وإن شد منهم ألف فارس فرموا رشقا واحدا صرعوا ألف فارس، فما بقاء ~~جيش على هذا النوع من الشدة! # والخوارج والأعراب ليست لهم رماية مذكورة على ~~ظهور الخيل، والتركي يرمي الوحش والطير، والبرجاس، والناس، والمجثمة، ~~والمثل الموضوعة، ويرمى وقد ملأ فروج دابته مدبرا ومقبلا، ويمنة ويسرة، ~~وصعدا وسفلا، ويرمي بعشرة أسهم قبل أن يفوق الخارجي سهما واحدا، ويركض ~~دابته منحدرا من جبل، أو مستفلا إلى بطن واد بأكثر مما يمكن الخارجي على ~~بسيط الأرض. # وللتركي أربعة أعين: عينان في وجهه، وعينان في قفاه. وللخارجي عين في ~~مستدبر الحرب، وللخراساني عين في مستقبل الحرب. فعيب الخراسانية أن لها ~~جولة عند أول الالتقاء، وإن ركبوا [كسأهم] كانت هزيمتهم، وكثيرا ما يثوبون، ~~وذاك [بعد] الخطار بالعسكر، وإطماع العدو في الشدة. # والخوارج إذا ولوا فقد ولوا وليس لهم بعد الفر كر، إلا ما لا يعد. ~~والتركي ليست له جولة الخراساني، وإذا أدبر فهو السم الناقع، والحتف ~~القاضي؛ لأنه يصيب بسهمه وهو مدبر كما يصيب به وهو مقبل، ولا يؤمن وهقه، ~~ولا انتساف الفرس، واختطاف الفارس بتلك الركضة. # ولم يفلت من الوهق في جميع الدهر إلا المهلب بن أبي صفرة، والحريش هلال، ~~وعباد بن الحصين. وربما رمى بالوهق وله فيه تدبير آخر وإن لم يجنب المرمي ~~معه، يوهم الجاهل أن ذلك إنما كان لخرق التركي، أو لحذق المرمي. PageV01P496 # قال: وهم علموا الفرسان حمل قوسين وثلاثة قسي، ومن الأوتار على حسب ذلك. # قال: ms18 والتركي في حال شدته، معه كل شيء يحتاج اليه لنفسه وسلاحه ودابته ~~وأداة دابته. فأما الصبر على الخبب وعلى مواصلة السفر، وعلى طول السرى وقطع ~~البلاغ، فعجيب جدا. # فواحدا: أن فرس الخارجي لا يصبر صبر برذون التركي. # والخارجي لا يحسن أن يعالج فرسه إلا معالجة الفرسان لخيولهم والتركي أحذق ~~من البيطار، وأجود تقويما لبرذونه على ما يريده من الراضة [وهو استنتجه] ، ~~وهو رباه فلوا، وتتبعه إن سماه، وإن ركض ركض خلفه. وقد عوده ذلك حتى عرفه، ~~كما يعرف الفرس أقدم، والناقة حل، والجمل جاه، والبغل عدس، والحمار ساسا، ~~وكما يعرف المجنون لقبه والصبي اسمه. # ولو حصلت عمر التركي وحسبت أيامه لوجدت جلوسه على ظهر دابته اكثر من ~~جلوسه على ظهر الأرض. والتركي يركب فحلا أو رمكة، ويخرج غازيا أو مسافرا، ~~أو متباعدا في طلب صيد، أو سبب من الأسباب، فتتبعه الرمكة وأفلاؤها، إن ~~أعياه اصطياد الناس اصطاد الوحش، وإن أخفق منها أو احتاج الى طعام فصد دابة ~~من دوابه، وإن عطش حلب رمكة من رماكه، وإن أراح واحدة تحته ركب أخرى من غير ~~أن ينزل الى الأرض. وليس في الأرض أحد إلا وبدنه ينتقض على إقتيات اللحم ~~وحده غيره؛ وكذلك دابته تكتفي بالعنقر والعشب والشجر، لا يظلها من شمس ولا ~~يكنها من برد. # قال: وأما الصبر على الخبب فإن الثغريين، والفرانقيين، والخصيان ~~والخوارج، لو اجتمعت قواهم في شخص واحد لما وفوا بتركي واحد. ~~والتركي لا يبقى معه على طول الغاية إلا الصميم من دوابه. [و] الذي يقتله ~~التركي بإتعابه له، وبنفيه عند غزاته، هو الذي لا يصبر معه فرس PageV01P497 ~~الخارجي، ولا يبقى معه كل برذون بخاري. ولو ساير خارجيا لاستفرغ وسعه قبل ~~أن يبلغ الخارجي عفوه. # والتركي هو الراعي، وهو السائس وهو الرائض، وهو النخاس، وهو البيطار، وهو ~~الفارس. والتركي الواحد أمة على حدة. # قال: وإذا سار التركي في غير عساكر الترك، فسار القوم عشرة أميال سار ~~عشرين ميلا؛ لأنه ينقطع عن العسكر يمنة ويسرع في ذرى الجبال، ويستبطن قعور ms19 ~~الأودية في طلب الصيد؛ وهو في ذلك يرمي [كل] ما دب ودرج، وطار ووقع. # قال: والتركي لم يسر في العساكر سير الناس قط، ولا سار مستقيما قط. # قالوا: وإذا طالت الدلجة واشتد السير، وبعد المنزل، وانتصف النهار، واشتد ~~التعب، وشغل الناس الكلال، وصمت المتسايرون فلم ينطقوا، وقطعهم ما هم فيه ~~عن التشاغل بالحديث، وتفسخ كل شيء من شدة الحر، وخمد كل شيء من شدة البرد، ~~وتمنى كل جليد القوى على طول السرى أن تطوى له الأرض، وكلما رأى خيالا أو ~~أبصر علما سر به واستبشر، وظن أنه قد بلغ المنزل؛ فإذا بلغه الفارس نزل وهو ~~متفحج كأنه صبي محقون، يئن أنين المريض، ويستريح الى التثاؤب، ويتداوى مما ~~به بالتمطي والتضجع. وترى التركي في تلك الحال وقد سار ضعف ما ساروا وقد ~~أتعب منكبيه كثرة النزع، يرى قرب المنزل عيرا أو ظبيا، أو عرض له ثعلب أو ~~أرنب، فيركض ركض مبتدىء مستأنف، كأن الذي سار ذلك السير وتعب ذلك التعب ~~غيره. # وإن بلغ الناس واديا فازدحموا على مسلكه أو [على] قنطرته، بطن برذونه ~~فأقحمه ثم طلع من الجانب الآخر كأنه كوكب. وإن انتهوا إلى عقبة صعبة ترك ~~السنن وذهب في الجبل صعدا، ثم تدلى من موضع يعجز عنه PageV01P498 ~~الوعل؛ وأنت تحسبه مخاطرا بنفسه، للذي ترى من مطلعه. ولو كان في كل ذلك ~~مخاطرا لما دامت له السلامة مع تتابع ذلك منه. # قال: ويفخر الخارجي بأنه إذا طلب أدرك، وإذا طلب لم يدرك. # والتركي ليس يحوج إلى أن يفوت؛ لأنه لا يطلب ولا يرام. ومن يروم [ما لا ~~يطمع فيه] ؟! # فهذا. على أنا قد علمنا أن العلة التي عمت الخوارج بالنجدة ~~استواء حالاتهم في الديانة، واعتقادهم أن القتال دين؛ لأننا حين وجدنا ~~السجستاني والخراساني والجزري واليمامي والمغربي والعماني، والأزرقي منهم ~~والنجدي والإباضي والصفري، والمولى والعربي، والعجمي والأعرابي، والعبيد ~~والنساء، والحائك والفلاح، كلهم يقاتل مع اختلاف الأنساب وتباين البلدان- ~~علمنا أن الديانة هي التي سوت بينهم، ووفقت بينهم في ذلك. كما أن كل حجام ms20 ~~في الأرض من أي جنس كان، ومن أي بلد كان، فهو يحب النبيذ، وكما أن أصحاب ~~الخلقان والسماكين والنخاسين والحاكة في كل بلد من كل جنس، شرار خلق الله ~~في المبايعة والمعاملة. فعلمنا بذلك أن ذلك خلقة في هذه الصناعات، وبنية في ~~هذه التجارات، حين صاروا من بين جميع الناس كذلك. # قال: ورأينا التركي في بلاده ليس يقاتل على دين ولا على تأويل، ولا على ~~ملك ولا على خراج، ولا على عصبية ولا على غيرة دون الحرمة والمحرم، ولا على ~~حمية ولا على عداوة، ولا على وطن ومنع دار ولا مال؛ وإنما يقاتل على السلب ~~والخيار في يده. وليس يخاف الوعيد إن هرب، ولا يرجو الوعد إن أبلى عذرا. ~~وكذلك هم في بلادهم وغاراتهم وحروبهم. وهو الطالب غير المطلوب؛ ومن كان ~~كذلك فإنما يأخذ العفو من قوته، ولا يحتاج إلى [مجهوده] . ثم هو مع ذلك لا ~~يقوم له شيء ولا يطمع فيه أحد، فما ظنك بمن هذه صفته أن لو اضطره إحراج أو ~~غيره أو غضب أو تدين، أو PageV01P499 ~~عرض له بعض ما يصحب المقاتل المحامى من العلل والأسباب. # قال: وقناة الخارجي طويلة صماء، وقناة التركي مطرد أجوف. والقني المجوفة ~~القصار أشد طعنة وأخف في المحمل. والعجم تجعل القني الطوال للرجالة، وهي ~~قني الأبناء، على أبواب الخنادق والمضايق. والأبناء في هذا الباب لا يجرون ~~مع الأتراك والخراسانية؛ لأن الغالب على الأبناء المطاعنة على أبواب ~~الخنادق وفي المضايق، وهؤلاء أصحاب الخيل والفرسان وعلى الخيل والفرسان ~~تدور الجيوش، لهم الكر والفر. والفارس هو الذي يطوي الجيش طي السجل، ~~ويفرقهم تفريق الشعر. وليس يكون الكمين إلا منهم ولا الطليعة ولا الساقة. ~~وهم أصحاب الأيام المذكورة والحروب الكبار والفتوح العظام، ولا تكون ~~المقانب والكتائب الا منهم. ومنهم من يحمل البنود والرايات، والطبول ~~والتجافيف والاجراس. وهم أصحاب الصهيل والقتام، وزجر الخيل، وقعقعة الريح ~~في الثياب والسلاح ووقع الحوافر، والإدراك إذا طلبوا، والغوث إذا طلبوا. ~~ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم للفارس سهمين وللراجل من ms21 المقاتلة سهما ~~واحدا إلا لتضاعيف الرد في القتل والفتوح، والنهبة والمغانم. # ثم قال: ولعمري إن للأبناء من القتال في السكك والسجون والمضايق ما ليس ~~لغيرهم. ولكن الرجالة أبدا أتباع ومأمورون ومنقادون، وقائد الرجالة لا يكون ~~[إلا] فارسا، وقائد الفرسان من الممتنع أن يكون راجلا. ~~ومن تعود الطعان والضرب والرمي راكبا إن اضطر الى الطعن والضرب والرمي ~~راجلا كان على ذاك أدفع عن نفسه، وأرد عن أصحابه، من الراجل إذا احتاج أن ~~يستعمل سلاحه فارسا. وعلى أنه ما أكثر ما ينزلون ويقاتلون. ~~وقد قال الشاعر: # لم يطيقوا أن ينزلوا ونزلنا %~% وأخو الحرب من أطاق النزولا # وقال الضبي: PageV01P500 # وعلام أركبه إذا لم أنزل # وقال آخر: # فمعانق ومنازل # وقال حميد: وليس في الأرض قوم إلا والتساند في الحروب، والاشتراك في ~~الرياسة ضار لهم، إلا الأتراك. على أن الأتراك لا يتساندون ولا يتشاركون؛ ~~وذلك أن الذي يكره من المساندة والمشاركة اختلاف الرأي، والتنافس في السر، ~~والتحاسد بين الأشكال، والتواكل فيما بين المشتركين. # والأتراك إذا صافوا جيشا إن كان في القوم موضع عورة فكلهم قد أبصرها ~~وعرفها؛ وإن لم تكن هناك عورة ولم يكن فيهم مطمع، وكان الرأي الانصراف، ~~فكلهم قد رأى ذلك الرأي وعرف الصواب فيه. وخواطرهم واحدة، ودواعيهم مستوية ~~بإقبالهم معا. وليس هم أصحاب تأويلات ولا أصحاب تفاخر وتناشد، وإنما شأنهم ~~إحكام أمرهم؛ فالاختلاف يقل بينهم. # وكانت الفرس تعيب العرب إذا خرجوا إلى الحرب متساندين، وكانت تقول: ~~الاشتراك في الحرب وفي الزوجة وفي الإمرة سواء. # وقال حميد: فما ظنك بقوم إذا تساندوا لم يضرهم التساند، فكيف يكونون إذا ~~تحاسدوا. # فلما انتهى الخبر إلى المأمون قال: ليست بالترك حاجة الى حكم حاكم بعد ~~حميد؛ فإن حميدا قد مارس الفريقين، وحميد خراساني وحميد عربي، فليس للتهمة ~~عليه طريق. # قالوا: وأتى الخبر ذا اليمينين طاهر بن الحسين فقال: ما أحسن ما قال ~~حميد. أما إنه لم يقصر ولم يفرط. # فهذا قول الخليفة المأمون، وحكم حميد، وتصويب طاهر. PageV01P501 # وخبرني رجل من أهل خراسان أو من بني سدوس ms22 قال: سمعت أبا البط يقول: ~~ويلكم، كيف أصنع بفارس يملأ فروج دابته منحدرا من جبل، أو مصعدا في مقطع ~~عقير، ويمكنه على ظهر الفرس ما لا يمكن الرقاص الأبلي على ظهر الأرض. # قال: وقال سعيد بن عقبة بن سلم الهنائي، وكان ذا رأي في الحرب وابن ذي ~~رأي فيها: فرق ما بيننا وبين الترك أن الترك لم تغز قوما قط، ولا صافت جيشا ~~ولا هجمت على عدو كانوا عربا أو عجما، فأخرجوا إليهم أعدادهم ولقوهم ~~بمثلهم. وليس غايتهم إلا أن ينقادوا ليكفوا عنهم بأسهم ومعرتهم، ويصرفوا ~~عنهم كيدهم. فإن هم امتنعوا من الصلح واعتزموا إلى الحرب فليس شأنهم والذي ~~يدور عليه أمرهم إلا منع أنفسهم وتحصين عسكرهم، والاحتراس منهم. فأما أن ~~ترقى هممهم وتسمو أنفسهم إلى الاحتيال عليهم، والتماس غرتهم، فإن هذا شيء ~~لا يخطر على بال من يحاربهم. # ثم قال: وقد عرفتم حيلهم في دخول المدن من جهة حيطانها المصمتة العريضة، ~~وحيلتهم في عبور نهر بلخ. # وسعيد هذا هو الذي قال: إذا حاربتم وكنتم ثلاثة فاجعلوا واحدا مددا، وآخر ~~كمينا. وله كلام في الحرب غير هذا كثير. # قال سعيد: وأخبرني أبي قال: شهدت أبا الخطاب يزيد بن قتادة بن دعامة ~~الفقيه، وذكر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الترك حيث قال: ~~«عدو شديد طلبه، قليل سلبه» ، فقال رجل من العالية: نهى عمر أبا زبيد ~~الطائي عن وصف الأسد، لأن ذلك مما يزيد في رعب الجبان، وفي هول الجنان، ~~ويقل من رغب الشجاع، وقد وصف الترك بأشد من وصف أبي زبيد الأسد. # وقال سعيد في حديثه يومئذ، وقد قطعت شرذمة منهم بلاد أبي خزيمة- يريد ~~حمزة بن أدرك الخارجي- وما والى خراسان [في] بعض الأمر، وحمزة في PageV01P502 ~~معظم الناس، فقال لأصحابه: أفرجوا لهم ما تركوكم، ولا تتعرضوا لهم؛ فإنه ~~قد قيل: «تاركوهم ما تاركوكم» . # فهذا قول سعيد بن عقبة ورأيه وحديثه؛ وهو عربي خراساني # وذكر يزيد بن مزيد ~~الوقعة التي قتل فيها يولبا التركي الوليد بن طريف الخارجي، فقال في ms23 بعض ما ~~يصف من شأن الترك: ليس لبدن التركي على ظهر الدابة ثقل، ولا لمشيه على ~~الأرض وقع، وإنه ليرى وهو مدبر ما لا يرى الفارس منا وهو مقبل. وهو يرى ~~الفارس منا صيدا ويعد نفسه فهدا، ويعده ظبيا ويعد نفسه كلبا. والله لو رمي ~~به في قعر بئر مكتوفا لما أعجزته الحيلة؟ ولولا أن أعمار عامتهم تقصر دون ~~الجبل- يعني جبل حلوان- ثم هموا بنا، لألقوا لنا شغلا طويلا. # وأنشد رجل من أصحابه: # هب الدنيا تساق إليك عفوا %~% أليس مصير ذاك إلى زوال # قال: أما التركي فلأن ينال الكفاف غصبا أحب إليه من أن ينال الملك عفوا. ~~ولم يتهن تركي بطعام إلا أن يكون صيدا أو مغنما، ولا يعز على ظهر دابته ~~طالبا كان أو مطلوبا. # وقال ثمامة بن أشرس، وكان مثل محمد بن الجهم في كثرة ذكره للترك. ~~قال ثمامة: التركي لا يخاف إلا مخوفا ولا يطمع في غير مطمع، ولا يكفه عن ~~الطلب إلا اليأس صرفا، ولا يدع القليل حتى يصيب أكثر منه، وان قدر أن ~~يجمعها لم يفرط في واحد منهما. والباب الذي لا يحسنه لا يحسن منه شيئا، ~~والباب الذي يحسنه قد أحكمه بأسره وأمره وخفيه عنده كظاهره، ولا يتشاغل ~~بشيء ليس فيه شيء، ولا على نفسه من شيء. فلولا أن يجم نفسه بالنوم لما نام، ~~على إن نومه مشوب باليقظة، ويقظته سليمة من الوسنة. ولو كان في شقهم ~~أنبياء، وفي أرضهم حكماء، وكانت هذه الخواطر قد مرت على قلوبهم، وقرعت ~~أسماعهم، لأنسوك أدب البصريين، وحكمة اليونانيين، وصنعة أهل PageV01P503 ~~الصين. # وقال ثمامة: عرض لنا في طريق خراسان تركي ومعنا قائد يصول بنفسه ورجاله، ~~وبيننا وبين التركي واد، فسأله أن يبارزه فارس من القوم، فأخرج له رجلا لم ~~أر قط أكمل منه، ولا أحسن تماما وقواما منه، فاحتال حتى عبر إليهم الفارس، ~~فتجاولا ساعة، ولا نظن إلا أن صاحبنا يفي بأضعافه، وهو في ذلك يتباعد عنا. ~~فبينا هما في ذلك إذ ولى عنه التركي كالهارب منه، وفعل ذلك ms24 في موضع ظننا أن ~~صاحبنا قد ظهر عليه، وأتبعه الفارس لا نشك إلا أنه سيأتينا برأسه، أو ~~يأتينا به مجنوبا إلى فرسه، [فلم نشعر] إلا وصاحبنا قد أفلت عن فرسه وغاب ~~عنه، فنزل التركي إليه فأخذ سلبه وقتله، ثم عارض فرسه فجنبه إليه معه. # قال ثمامة: ثم رأيت بعد ذلك التركي قد جيء به أسيرا إلى دار الفضل ابن ~~سهل، فقلت له: كيف صنعت يومئذ، وكيف طاولته ثم علاك ثم وليت عنه هاربا ثم ~~قتلته؟ قال: أما إني لو شئت أن أقتله حين عبر؛ وقد كان مقتله بارزا لي، ~~ولكني احتلت عليه حتى نحيته عن أصحابه لأجوزه، فلا يحال بيني وبين فرسه ~~وسلبه. # قال ثمامة: وإذا هو يدير الفارس من سائر الناس ويريغه كيف شاء وأحب. # قال ثمامة: وقد غبرت في أيديهم أسيرا فما رأيت كإكرامهم وتحفهم وألطافهم. # فهذا ثمامة بن أشرس، وهو عربي لا يتهم في الإخبار عنهم. # وأنا أخبرك أني قد رأيت منهم شيئا عجيبا وأمرا غريبا: رأيت في بعض غزوات ~~المأمون سماطي خيل على جنبتي الطريق بقرب المنزل، مائة فارس من الأتراك في ~~الجانب الأيمن، ومائة من سائر الناس في الجانب الأيسر، وإذا هم قد اصطفوا ~~ينتظرون مجيء المأمون، وقد انتصف النهار واشتد الحر. فورد عليهم PageV01P504 ~~وجمع الأتراك جلوس على ظهور خيولهم إلا ثلاثة أو أربعة، وجميع تلك ~~الأخلاط من الجند قد رموا بنفوسهم الى الأرض إلا ثلاثة أو أربعة. فقلت ~~لصاحب لي: انظر أي شيء اتفق لنا. أشهد أن المعتصم كان أعرف بهم حين جمعهم ~~واصطنعهم. # وأردت مرة القاطول- وهي المباركة- وأنا خارج من بغداد، وأرى فوارس من أهل ~~خراسان والأبناء وغيرهم من أصناف الجند، قد عار لهم فرس، وهم على خيل عتاق ~~يريغونه فلا يقدرون على أخذه، ومر تركي ولم يكن من ذوي هيئاتهم وذوي القدر ~~منهم، وهو على برذون له خسيس، وهم على الخيول المطهمة، فاعترض الفرس ~~اعتراضا، وقتله قتلا وحيا؛ وأتاه من زجره بشيء، فوقف أولئك الجند وصاروا ~~نظارة، فقال بعضهم ممن كان يزري على ms25 ذلك التركي: هذا وأبيك التكلف والتعرض: ~~أن فرسا قد أعجزهم وهم أسد البلاد، وجاء هذا مع قصر قامته وضعف دابته، فطمع ~~أن يأخذه. فما انقضى كلامه حتى أقبل به ثم سلمه إليهم ومضى لطلبته، لم ~~ينتظر ثناءهم ولا دعاءهم، ولا أراهم أنه قد صنع شيئا، أو أتى إليهم معروفا. # والأتراك قوم لا يعرفون الملق ولا الخلابة، ولا النفاق ولا السعاية، ولا ~~التصنع ولا النميمة ولا الرياء، ولا البذخ على الأولياء، ولا البغي على ~~الخلطاء، ولا يعرفون البدع، ولم تفسدهم الأهواء، ولا يستحلون الأموال على ~~التأول، وإنما كان عيبهم، والذي يوحش منهم، الحنين إلى الأوطان، وحب التقلب ~~في البلدان، والصبابة بالغارات، والشغف بالنهب، وشدة الإلف للعادة، مع ما ~~كانوا يتذاكرون من سرور الظفر وتتابعه، وحلاوة المغنم وكثرته، وملاعبهم في ~~تلك الصحاري، وترددهم في تلك المروج، وألا يذهب بطول الفراغ فضل نجدتهم ~~باطلا، ويصير حدهم على طول الأيام كليلا. # ومن حذق شيئا لم يصبر عنه، ومن كره أمرا فر منه. # .. وإنما خصوا بالحنين من بين جميع العجم لأن في تركيبهم وأخلاط طبائعهم PageV01P505 ~~من تركيب بلدهم وتربيتهم، ومشاكلة مياههم ومناسبة إخوانهم، ما ليس مع أحد ~~سواهم، ألا ترى أنك ترى البصري فلا تدري أبصري هو أم كوفي، وترى المكي فلا ~~تدري أمكي هو أم مدني. وترى الجبلي فلا تدري أجبلي هو أم خراساني، وترى ~~الجزري فلا تدري أجزري هو أم شامي. وأنت لا تغلط في التركي، ولا تحتاج فيه ~~إلى قيافة ولا إلى فراسة، ولا إلى مساءلة. ونساؤهم كرجالهم، ودوابهم تركية ~~مثلهم. # وهكذا طبع الله تلك البلدة، وقسم لتلك التربة. وجميع دور الدنيا ونشوها ~~إلى منتهى قواها ومدة أجلها، جارية على عللها، وعلى مقدار أسبابها، على قدر ~~ما خصها الله تعالى به وأبانها، وجعل فيها. فإذا صاروا إلى دار الجزاء، فهي ~~كما قال الله تعالى: إنا أنشأناهن إنشاء. # وكذلك ترى أبناء العرب والأعراب الذين نزلوا خراسان، لا تفصل بين من نزل ~~أبوه بفرغانة وبين أهل فرغانة، ولا ترى بينهم فرقا في السبال الصهب ms26 والجلود ~~القشرة، والأقفاء العظيمة، والاكسية الفرغانية. وكذلك جميع تلك الارباع، لا ~~تفصل بين أبناء النازلة وبين أبناء النابتة. # ومحبة الوطن شيء شامل لجميع الناس، وغالب على جميع الجيرة. ولكن ذاك في ~~الترك أغلب، وفيها أرسخ؛ لما معها من خاصة المشاكلة والمناسبة، واستواء ~~الشبه، وتكافي التركيب. ألا ترى أن العبدي يقول: «عمر الله البلدان بحب ~~الأوطان» ، وأن ابن الزبير قال: «ليس الناس بشيء من اقسامهم أقنع منهم ~~بأوطانهم» ، وأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: # «لولا تفرق أهواء العباد لما عمر الله البلاد» ، وأن جمعة الإيادية قالت: ~~«لولا ما أوصى الله به العباد من قفر البلاد، لما وسعهم واد ولا كفاهم زاد» ~~. # وذكر قتيبة بن مسلم الترك فقال: «هم والله أحن من الإبل المعقلة إلى ~~أوطانها» ؛ لأن البعير يحن إلى وطنه وعطنه، وهو بعمان، من ظهر البصرة، فهو ~~يخبط كل شيء ويستبطن كل واد، حتى يأتي مكانه؛ على أنه طريق لم يسلكه إلا PageV01P506 ~~مرة واحدة، فلا يزال بالشم والاسترواح وحسن الاستدلال، وبالطبيعة المخصوص ~~بها حتى يأتي مبركه، على بعد ما بين عمان والبصرة. # فلذلك ضرب به قتيبة المثل. # والشح على الوطن [والحنين إليه] ، والصبابة به، مذكورة في القرآن، مخطوطة ~~في [الصحف بين] جميع الناس. غير أن التركي للعلل التي ذكرناها أشد حنينا ~~وأكثر نزوعا. # وباب آخر، مما كان يدعوهم الى الرجوع قبل العزم الثابت، والعادة ~~المنقوضة: وذلك أن الترك قوم يشتد عليهم الحصر [والجثوم] ، وطول اللبث ~~والمكث، وقلة التصرف والتحرك، وأصل بنيتهم إنما وضع على الحركة، وليس ~~للسكون فيها نصيب، وفي قوى أنفسهم فضل على قوى أبدانهم، وهم أصحاب توقد ~~وحرارة واشتعال وفطنة، كثيرة خواطرهم، سريع لحظهم، وكانوا يرون الكفاية ~~معجزة، وطول المقام بلادة، والراحة عقلة، والقناعة من قصر الهمة؛ وأن ترك ~~الغزو يورث الذلة. # وقد قالت العرب في مثل ذلك: قال عبد الله بن وهب الراسبي: «حب الهوينا ~~يكسب النصب» . والعرب تقول: «من غلا دماغه في الصيف غلت قدره في الشتاء» . ~~وقال أكثم بن صيفي: «ما أحب أني مكفي ms27 كل أمر الدنيا» . قيل: ولم؟ قال: ~~«أخاف العجز» . # فهذه كانت علل الترك في حب الرجوع والحنين إلى الوطن. # ومن أعظم ما كان يدعوهم إلى الشرود ويبعثهم على الرجوع، ويكره عندهم ~~المقام، ما كانوا فيه من جهل قوادهم بأقدارهم، وقلة معرفتهم بأخطارهم، ~~وإغفالهم موضع الرد عليهم والانفتاع بهم، حتى جعلوهم أسوة أجنادهم، ولم ~~يقنعوا أن يكونوا في الحاشية والحشوة، وفي غمار العامة ومن عرض العساكر، ~~وأنفوا من ذلك لأنفسهم، وذكروا ما يجب لهم، ورأوا أن PageV01P507 ~~الضيم لا يليق بهم؛ وأن الخمول لا يجوز عليهم، وأنهم في المقام على من لا ~~يعرف حقهم ألوم ممن منعهم حقهم، فلما صادفوا ملكا حكيما، وبأقدار الناس ~~عليما، لا يميل إلى [سوء] عادة ولا يجنح إلى هوى، ولا يتعصب لبلد على بلد؛ ~~يدور مع التدبير حيثما دار، ويقيم مع الحق حيثما أقام، أقاموا إقامة من قد ~~فهم الحظ، ودان بالحق ونبذ العادة، وآثر الحقيقة، ورحل نفسه لقطيعة وطنه، ~~وآثر الإمامة على ملك الجبرية، واختار الصواب على الإلف. ### || [16- مقارنة الأمم] # ثم اعلم بعد هذا كله أن كل أمة وقرن، وكل جيل وبني أب وجدتهم قد برعوا في ~~الصناعات، وفضلوا الناس في البيان، أو فاقوهم في الآداب، وفي تأسيس الملك، ~~وفي البصر بالحرب؛ فإنك لا تجدهم في الغاية وفي أقصى النهاية، إلا أن يكون ~~الله قد سخرهم لذلك المعنى بالأسباب، [وقصرهم] عليه بالعلل التي تقابل تلك ~~الأمور، وتصلح لتلك المعاين؛ لأن من كان متقسم الهوى، مشترك الرأي، ومتشعب ~~النفس، غير مؤفر على ذلك الشيء ولا مهيأ له، لم يحذق من تلك الأشياء [شيئا] ~~بأسره، ولم يبلغ فيه غايته، كأهل الصين في الصناعات، واليونانيين في الحكم ~~والآداب، والعرب فيما نحن فيه ذاكروه في موضعه، وآل ساسان في الملك، ~~والأتراك في الحروب. ألا ترى أن اليونانيين الذين نظروا في العلل لم يكونوا ~~تجارا ولا صناعا بأكفهم، ولا أصحاب زرع ولا فلاحة وبناء وغرس، ولا أصحاب ~~جمع ومنع، وحرص وكد، وكانت الملوك تفرغهم، وتجرى عليهم كفايتهم، فنظروا حين ~~نظروا بأنفس مجتمعة، ms28 وقوة وافرة، وأذهان فارغة، حتى استخرجوا الآلات ~~والأدوات، والملاهي التي تكون جماما للنفس، وراحة بعد الكد، وسرورا يداوي ~~قرح الهموم، فصنعوا من المرافق، وصاغوا من المنافع كالقرصطونات، والقبانات، ~~والأسطرلابات، وآلة الساعات، والكالكونيا والكشيزان والبركار وكأصناف ~~المزامير والمعازف، وكالطب والحساب والهندسة واللحون، وآلات الحرب ~~كالمجانيق، والعرادات، PageV01P508 ~~والرتيلات، والدبابات، وآلة النفاط، وغير ذلك مما يطول ذكره. # وكانوا أصحاب حكمة ولم يكونوا فعلة؛ يصورون الآلة، ويخرطون الأداة، ~~ويصوغون المثل ولا يحسنون العمل بها، ويشيرون إليها ولا يمسونها، ويرغبون ~~في العلم ويرغبون عن العمل. # فأما سكان الصين فهم أصحاب السبك والصياغة، والإفراغ والإذابة والأصباغ ~~العجيبة، وأصحاب الخرط والنحت والتصاوير، والنسخ والخط، ورفق الكف في كل ~~شيء يتولونه ويعانونه، وإن اختلف جوهره، وتباينت صنعته، وتفاوت ثمنه. # واليونانيون يعرفون الفلك، لأن أولئك حكماء وهؤلاء فعلة. وكذلك العرب، لم ~~يكونوا تجارا ولا صناعا، ولا أطباء ولا حسابا، ولا أصحاب فلاحة فيكونون ~~مهنة، ولا أصحاب زرع، لخوفهم من صغار الجزية. ولم يكونوا أصحاب جمع وكسب، ~~ولا أصحاب احتكار لما في أيديهم وطلب ما عند غيرهم، ولا طلبوا المعاش من ~~ألسنة الموازين ورؤوس المكاييل، [ولا عرفوا الدوانيق والقراريط، ولم ~~يفتقروا الفقر المدقع الذي يشغل عن المعرفة] ، ولم يستغنوا الغنى الذي يورث ~~البلدة، والثروة التي تحدث الغرة، ولم يحتملوا ذلا قط فيميت قلوبهم ويصغر ~~عندهم أنفسم. وكانوا سكان فياف وتربية العراء، ولا يعرفون الغمق ولا اللنق، ~~ولا البخار ولا الغلظ ولا العفن، ولا التخم. أذهان جداد، ونفوس منكرة، فحين ~~حملوا حدهم ووجهوا قواهم لقول الشعر وبلاغة المنطق، وتشقيق اللغة وتصاريف ~~الكلام، بعد قيافة الأثر وحفظ النسب، والاهتداء بالنجوم، والاستدلال ~~بالآفاق، وتعرف الأنواء، والبصر بالخيل والسلاح وآلة الحرب، والحفظ لكل ~~مسموع والاعتبار بكل محسوس، وإحكام شأن المثالب والمناقب، بلغوا في ذلك ~~الغاية، وحازوا كل أمنية. وببعض هذه العلل صارت نفوسهم أكبر، وهممهم أرفع ~~من جميع الأمم وأفخر، ولأيامهم أحفظ وأذكر. PageV01P509 # وكذلك الترك أصحاب عمد وسكان فياف وأرباب مواش، وهم أعراب العجم كما أن ~~هذيلا أكراد العرب. فحين لم تشغلهم الصناعات والتجارات، ms29 والطب والفلاحة ~~والهندسة؛ ولا غرس ولا بنيان، ولا شق أنهار، ولا جباية غلات، ولم يكن همهم ~~غير الغزو والغارة والصيد وركوب الخيل، ومقارعة الأبطال، وطلب الغنائم ~~وتدويخ البلدان، وكانت هممهم إلى ذلك مصروفة وكانت لهذه المعاني والأسباب ~~مسخرة ومقصورة عليها، وموصولة بها، أحكموا ذلك الأمر بأسره، وأتوا على ~~آخره، و] صار ذلك هو صناعتهم وتجارتهم، [ولذتهم] وفخرهم، وحديثهم وسمرهم. # فلما كانوا كذلك صاروا في الحرب كاليونانيين في الحكمة، وأهل الصين في ~~الصناعات، والأعراب فيما عددنا ونزلنا، وكآل ساسان في الملك والرياسة. # ومما يستدل به على أنهم قد استقصوا هذا الباب واستغرقوه، وبلغوا أقصى ~~غايته وتعرفوه، أن السيف إلى أن يتقلده متقلد، أو يضرب به ضارب، قد مر على ~~أيد كثيرة، وعلى طبقات من الصناع، كل واحد منهم لا يعمل عمل صاحبه، ولا ~~يحسنه ولا يدعيه ولا يتكلفه، لأن الذي يذيب حديد السيف ويطبعه، ويصفيه ~~ويهذبه، غير الذي يمده ويمطله؛ والذي يمده ويمطله غير الذي يطبعه ويسوي ~~متنه، ويقيم خشيبته؛ والذي يطبعه ويسوي متنه غير الذي يسقيه ويرهفه، والذي ~~يرهفه غير الذي ي يركب قبيعته ويستوثق من سيلانه، والذي يعمل مسامير ~~السيلان و [شاربي] القبيعة ونصل السيف غير الذي ينحت خشب غمده، والذي ينحت ~~خشب غمده غير الذي يدبغ جلده، والذي يدبغ جلده غير الذي يحليه، والذي يحليه ~~ويركب نعله غير الذي يخرز حمائله. ~~وكذلك السرج، وحالات السهم والجعبة والرمح وجميع السلاح، مما هو جارح أو ~~جنة. # والتركي يعمل هذا كله لنفسه من ابتدائه الى غايته، فلا يستعين برفيق، ولا ~~يفزع فيه إلى صديق، ولا يختلف إلى صانع، ولا يشغل قلبه بمطاله وتسويفه، ~~وأكاذيب مواعيده، وبغرم كرائه. PageV01P510 # وحين بلغ أوس بن حجر صفة القانص، وبلغ له الغاية في جمعه لأبواب الكفاية ~~بنفسه، قال: # قصي مبيت الليل للصيد مطعم %~% لأسهمه غار وبار وراصف # وليس أنه ليس في الأرض تركي إلا وهو كما وصفنا، كما أنه ليس كل يوناني ~~حكيما ولا كل صيني غاية في الحذق، ولا كل أعرابي شاعرا قائفا، ولكن هذه ms30 ~~الأمور في هؤلاء أعم وأتم، وهي فيهم أظهر وأكثر. # قد قلنا في السبب الذي تكاملت به النجدة والفروسية في الترك دون جميع ~~الأمم، وفي العلل التي من أجلها انتظموا جميع معاني الحرب، وهي معان تشتمل ~~على مذاهب غريبة، وخصال عجيبة. # فمنها: ما يقضى لأهله بالكرم وببعد الهمة وطلب الغاية. ومنها: ما يدل على ~~الأدب السديد والرأي الأصيل، والفطنة الثاقبة والبصيرة النافذة. [ألا ترى ~~أنه ليس بد لصاحب الحرب من الحلم والعلم، والحزم والعزم، والصبر والكتمان، ~~ومن الثقافة] ، وقلة الغفلة وكثرة التجربة. ولا بد من البصر بالخيل ~~والسلاح، [والخبرة] بالرجال وبالبلاد، والعلم بالمكان والزمان والمكايد، ~~وبما فيه صلاح هذه الأمور كلها. # والملك يحتاج إلى أواخ شداد وأسباب متان، ومن أتمها سببا وأعمقها نفعا ما ~~ثبته في نصابه، وأقره وسكنه في قراره، وزاد في تمكنه وبهائه، وقطع أسباب ~~المطمعة فيه، ومنع أيدي البغاة من الأشارة اليه فضلا عن البسط عليه. # قال: ثم إن الترك عطفت على العرب بالمحاجة والمقايسة، وقالوا: قلتم إن ~~تكن القرابة مما يستحق بالكفاية فنحن أقدم في الطاعة والود والمناصحة، وإن ~~تكن تستحق بالقرابة فنحن أقرب قرابة. # قالوا: والعرب بعد هذا صنفان: عدنان وقحطان. فأما القحطاني فنسبتنا إلى ~~الخلفاء أقرب من نسبتهم، ونحن أمس بهم رحما؛ لأن الخليفة من ولد PageV01P511 ~~اسماعيل بن ابراهيم، دون قحطان وعابر. وولد إبراهيم عليه السلام إسماعيل، ~~وأمه هاجر، وهي قبطية. وإسحاق وأمه سارة وهي سريانية. ~~والستة الباقون أمهم قطورا بنت مفطون عربية، من العرب العاربة. # وفي قول القحطانية: إن أمنا أشرف في الحسب إذ كانت عربية. وأربعة من ~~الستة هم الذين وقعوا بخراسان، فأولدوا ترك خراسان. فهذا قولنا للقحطاني. # وأما قولنا للعدناني، فإبراهيم أبونا، وإسماعيل عمنا، وقرابتنا من ~~إسماعيل كقرابتهم. # قال الهيثم بن عدي: قيل لمبارك التركي، وعنده حماد التركي: إنكم من مذحج. ~~قال: ومذحج هذا من هو ذاك؟ وما نعرف إلا إبراهيم خليل الله وأمير المؤمنين. # قال الهيثم: وقد كان سقط إلى بلاد الترك رجل من مذحج فأنسل نسلا كثيرا، ~~ولذلك قال شاعر ms31 الشعوبية للعرب في قصيدة طويلة: # زعمتم بأن الترك أبناء مذحج %~% وبينكم قربى وبين البرابر # وذلكم نسل ابن ضبة باسل %~% وصوفان أنسال كثير الجرائر # وقال آخر: # متى كانت الأتراك أبناء مذحج %~% ألا إن في الدنيا عجيبا لمن عجب # وقد سمعتم ما جاء في سد بني قطورا وشأن خيولهم بنخل السواد، وإنما كان ~~الحديث على وجه التهويل والتخويف بهم لجميع الناس، فصاروا للإسلام مادة [و] ~~جندا كثيفا، وللخلفاء وقاية وموئلا وجنة حصينة، وشعارا دون الدثار. # وفي المأثور من الخبر: «تاركوا الترك ما تاركوكم» . وهذه وصية لجميع ~~العرب؛ فإن الرأي متاركتنا ومسالمتنا. وما ظنكم بقوم لم يعرض لهم ذو PageV01P512 ~~القرنين. وبقوله «اتركوهم» سموا الترك. هذا بعد أن غلب على جميع الأرض ~~غلبة وقسرا، وعنوة وقهرا. # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «هذا عدو شديد كلبه، قليل سلبه» . فنهى ~~كما ترى عن التعرض لهم؛ بأحسن كناية. # والعرب إذا ضربت المثل في العداوة الشديدة قالوا: ما هم إلا الترك ~~والديلم. # قال عملس بن عقيل بن علفة: # تبدلت منه بعد ما شاب مفرقي %~% عداوة تركي وبغض أبي حسل # وأبو حسل هو الضب. والعرب تقول: «هو أعق من ضب» : لأنه يأكل أولاده. # ولم يرعب قلوب أجناد العرب مثل الترك. وقال خلف الأحمر: # كأني حين أرهنهم بنيي %~% دفعتهم إلى صهب السبال # قال: وإياهم عنى أوس بن حجر: # نكبتها ماءهم لما رأيتهم %~% شهب السبال بأيديهم بيازير # وحدثني ابراهيم بن السندي مولى أمير المؤمنين، وكان عالما بالدولة، شديد ~~الحب لأبناء الدعوة، وكان يحوط مواليه ويحفظ أيامهم، ويدعو الناس إلى ~~طاعتهم، ويدرسهم منقابهم، وكان فخم المعاني فخم الألفاظ، لو قلت لسانه كان ~~أرد على هذا الملك من عشرة آلاف سيف شهير، وسنان طرير، لكان ذلك قولا ~~ومذهبا. # قال: حدثني عبد الملك بن صالح، عن أبيه صالح بن علي، أن خاقان ملك الترك ~~واقف مرة الجنيد بن عبد الرحمن أمير خراسان، وقد كان الجنيد هاله أمره، ~~وأفزعه شأنه، وتعاظمه جموعه وجمعه، وبعل به، وفطن به خاقان وعرف ما قد وقع ~~فيه، ms32 فأرسل اليه: PageV01P513 # «إني لم أقف هذا الموقف وأمسك هذا الإمساك وأنا أريد مكروها، فلا ترع. ~~ولو كنت أريد غلبة أو مكروها لقد كنت انتسفت عسكرك انتسافا أعجلك فيه عن ~~الروية وقد أبصرت موضع العورة. ولولا أن تعرف هذه المكيدة فتعود بها على ~~غيري من الأتراك، لعرفتك موضع الانتشار والخلل والخطأ في عسكرك وتعبيتك. ~~وقد بلغني أنك رجل عاقل، وأن لك شرفا في بيتك وفضلا في نفسك، وعلما بدينك، ~~وقد أحببت أن أسأل عن شيء من أحكامكم لأعرف به مذهبكم، فاخرج إلي في خاصتك ~~لأخرج إليك وحدي، وأسائلك عما أحتاج إليه بنفسي. ولا تحتفل ولا تحترس؛ فليس ~~مثلي من غدر، وليس مثلي يؤمن من نفسه، ومن مكره وكيده، ثم ينكث بوعده. ونحن ~~قوم لا نخدع بالعمل، ولا نستحسن الخديعة إلا في الحرب، ولو استقام أمر ~~الحرب بغير خديعة لما جوزنا ذلك لأنفسنا» . # فأبى الجنيد أن يخرج اليه إلا وحده، ففصلا من الصوف. وقال: سل عما أحببت، ~~فإن كان عندي جواب أرضاه أجبتك، وإلا أشرت عليك بمن هو أبصر بذلك مني. # قال: ما حكمكم في الزاني؟ # قال الجنيد: الزاني عندنا رجلان: رجل دفعنا إليه امرأة تغنيه عن حرم ~~الناس، وتكفه عن حرم الجيران؛ ورجل لم نعطه ذلك، ولم نحل بينه وبين أن يفعل ~~ذلك لنفسه. فأما الذي لا زوجة له فإنا نجلده مائة جلدة ونحضر ذلك الجماعة ~~من الناس لنشهره ونحذره به، ونغربه في البلدان لنزيد في شهرته وفي التحذير ~~منه، ولينزجر بذلك كل من كان يهم بمثل عمله. فأما الذي قد [أغنيناه] فإنا ~~نرجمه بالجندل حتى نقتله. # قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما قولكم في الذي يقذف عفيفا بالزنى؟ # قال: يجلد ثمانين جلدة، ولا نقبل له شهادة، ولا نصدق له حديثا. PageV01P514 # قال: حسن جميل، وتدبير كبير، فما حكمكم في السارق؟ # قال: السارق عندنا رجلان: رجل يحتال لما قد أحرزه الناس من أموالهم حتى ~~يأخذها بنقب حيطانهم وبالتسلق من أعالي دورهم؛ فهذا نقطع يده التي سرق بها، ~~ونقب بها، واعتمد عليها. ورجل ms33 آخر يخيف السبيل، وبقطع الطريق، ويكايد على ~~الأموال، ويشهر السلاح فإن منعه صاحب المتاع قتله، فهذا نقتله ونصلبه على ~~المناهج والطرق. # قال: حسن جميل، وتدبير كبير. قال: فما حكمكم في الغاصب والمستلب؟ # قال: كل ما فيه الشبهة ويجوز فيه الغلط والوجوه، كالغصب والاستلاب، ~~والجناية، والسرقة لما يؤكل أو يشرب فإنا لا نقطع فيما فيه شبهة ونتمحل ~~لذلك وجها غير السرقة. # قال: حسن جميل وتدبير كبير. قال: فما حكمحم في القاتل وقاطع الأذن ~~والأنف؟ # قال: النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف. وإن قتل رجلا عشرة ~~قتلناهم. ونقتل القوي البدن بالضعيف البدن، وكذلك اليد والرجل. # قال: حسن جميل وتدبير كبير. قال: فما تقولون في الكذاب والنمام والضراط. # قال: عندنا فيهم الإقصاء لهم وإبعادهم وإهانتهم، ولا نقبل شهادتهم، ولا ~~نصدق أحكامهم. # قال: وليس إلا هذا؟ # قال: هذا جوابنا على ديننا. # قال له: أما النمام عندي، هو الذي يضرب بين الناس، فإني أحبسه في مكان لا ~~يرى فيه أحدا. وأما الضراط فإني أكوي استه، وأعاقب ذلك المكان PageV01P515 ~~فيه. وأما الكذاب فإني أقطع الجارحة التي بها يكذب، كما قطعتم اليد التي ~~بها يسرق، وأما الذي يضحك الناس ويعودهم السخف فإني أخرجه من سلطاني، وأصلح ~~بإخراجه عقول رعيتي. # قال: فقال الجنيد بن عبد الرحمن: أنتم قوم تردون أحكامكم إلى جواز ~~العقول، وإلى ما يحسن في ظاهر الرأي؛ ونحن قوم نتبع الأنبياء، ونرى أن لم ~~نصلح على تدبير العباد. وذلك أن الله تعالى أعلم بغيب المصالح وسر الأمر ~~وحقائقه، ومحصوله وعواقبه، والناس لا يعلمون ولا يرون الحزم إلا على ظاهر ~~الأمور. وكم من مضيع يسلم، وحازم يعطب. # قال: ما قلت كلاما أشرف من هذا، ولقد ألقيت لي فكرا طويلا. # قال إبراهيم: قال عبد الملك: قال صالح: قال الجنيد: فلم أر أوفى ولا أنصف ~~ولا أفهم ولا أذكى منه. ولقد واقفته ثلاث ساعات من النهار وما تحرك منه شيء ~~إلا لسانه، وما مني شيء لم أحركه. # وهكذا يصفون ملوك الترك، يزعمون أن ساسان وخاقان الأكبر، تواقفا ببعض ~~الكسور، ms34 وفصلا من الصفين، وطالت المناجاة، فلما انفتلا قالوا: كان خاقان ~~أركن وآدب، وكان مركب كسرى أركن وآدب، ولم يتحرك من خاقان إلا لسانه، وكان ~~برذونه يرفع قائمة ويضع أخرى، وكان مركب كسرى كأنما صب صبا، وكان كسرى يحرك ~~رأسه ويشير بيده. # قالوا: ومن الأعاجيب أن الحارث بن كعب لا يقوم لحزم، وحزم لا تقوم لكندة، ~~وكندة لا تقوم للحارث بن كعب. # قالوا: ومثل ذلك من الأعاجيب في الحارث: أن العرب لا تقوم للترك، والترك ~~لا تقوم للروم، والروم لا تقوم للعرب. # قال جهم بن صفوان الترمذي: قد عرفنا ما كان بين فارس والترك من الحرب، ~~حتى تزوج كسرى أبرويز، خاتون بنت خاقان، يستميله بذلك PageV01P516 ~~الصهر، ويدفع بأسه عنه. وقد عرفنا الحروب التي كانت بين فارس والروم، ~~وكيف تساجلوا الظفر، وبأي سبب غرس الزيتون بالمدائن وسوسا، وبأي سبب بنيت ~~الرومية ولم سميت بذلك، ولم بنى كسرى على الخليج قبالة قسطنطينية النواويس ~~وبيوت النار. ولكن متى ظهرت الروم على ترك خراسان ظهورا مواليا، ضربوا بها ~~المثل إلى آخر دار مسه، ومن هناك من الأشباه، ومن يتخلل هذا النسب. # وكانت خاتون بنت خاقان عند أبرويز فولدت له شيرويه. وقد ملك شيرويه بعد ~~أبرويز، فتزوج شيرويه مريم بنت قيصر، فولدت له فيروزا شاهي أم يزيد الناقص ~~والوليد. وكان يقول: ولدني أربعة أملاك: كسرى، وخاقان، وقيصر، ومروان. وكان ~~يرتجز في حروبه التي قتل فيها الوليد بن يزيد بن عاتكة: # أنا ابن كسرى وأبي خاقان %~% وقيصر جدي وجدي مروان # فلما صار إلى الافتخار في شعره بالنجدة والثفافة بالحرب، لم يفخر إلا ~~بخاقان فقط فقال: # فإن كنت أرمي مقبلا ثم مدبرا %~% وأطلع من طود زليق على مهر # فخاقان جدي فاعرفي ذاك واذكري %~% أخابيره في السهل والجبل الوعر # قوله «وأطلع» يريد: وأنزل، وهي لغة أهل الشام وأخذوها من نازلة العرب في ~~أول الدهر. وجعل دابته مهرا، لأن ذلك أشد وأشق. # وقال الفضل بن العباس بن رزين: أتانا ذات يوم فرسان من الترك، فلم يبق ~~أحد ممن كان خارجا ms35 إلا دخل حصنه وأغلق بابه، وأحاطوا بحصن من تلك الحصون، ~~وأبصر فارس منهم شيخا يطلع إليهم من فوق، فقال له التركي: ~~لئن لم تنزل إلي لأقتلنك قتلة ما قتلتها أحدا! قال: فنزل إليه وفتح له ~~الباب، ودخلوا الحصن، واكتسحوا كل شيء فيه، فضحك من نزوله إليه وفتحه له ~~وهو PageV01P517 ~~في أحصن موضع وأمنع مكان، ثم أقبل به إلى حصن أنا فيه فقال: اشتروه مني. ~~قلنا: لا حاجة لنا في ذلك. قال: فإني أبيعه بدرهم واحد. فرمينا إليه بدرهم ~~فخلى سبيله، ثم أدبر عنا ومضى مع أصحابه، فما لبث إلا قليلا حتى عاد إلينا ~~فوقف حيث نسمع كلامه، فراعنا ذلك، فأخرج الدرهم من فمه وكسره بنصفين. وقال: ~~لا يسوى درهما، وهذا غبن فاحش، فخذوا هذا النصف، وهو على كل حال غال جدا ~~بالنصف الآخر. # قال: فإذا هو أظرف الخلق. # قال: وكنا نعرف ذلك الرجل بالجبن، وقد كان سمع باحتيال الترك في دخول ~~المدن وعبور الأنهار في الحروب، فتوهم أنه لم يتوعد بفتح الباب. # وقال ثمامة: ما شبهت الذر إلا بالترك؛ لأن كل ذرة على حدتها معها من ~~المعرفة بادخار الطعم، ومن الشم والاسترواح، ونجب المدخر حتى لا ينبت في ~~جحره، ثم الاحتيال للناس في الاحتيال لها بالصمامة والعفاص والمزدجر، ~~وتعليق الطعام على الأوتاد والبرادات، مثل الذر مع صاحبتها. # وقال أبو موسى الأشعري: كل جنس يحتاج الى أمير ورئيس ومدبر، حتى الذر. # وروى أبو عمر الضرير، أن رئيس الذر الرائد الذي يخرج أولا لشيء قد شمه ~~دون أصحابه، لخصوصية خصه الله تعالى بها، ولطافة الحس، فإذا حاول حمله ~~وتعاطى نقله، وأعجزه ذلك بعد أن يبلي عذرا، أتاهن فأخبرهن فرجع، وخرجت بعده ~~كأنها خيط أسود ممدود. وليست ذرة أبدا تستقبل ذرة أخرى إلا واقفتها وسارتها ~~بشيء ثم انصرفت عنها. # وكذلك الأتراك كل واحد منهم غير عاجز عن معرفة مصلحة أمره، إلا أن ~~التفاضل واجب في جميع أصناف الأشياء والنبات والموات. وقد تختلف الجواهر ~~وكلها كريم، وتتفاضل العتاق وكلها جواد. PageV01P518 # وقد قلنا في مناقب ms36 جميع الأصناف بجمل ما انتهى الينا وبلغه علمنا؛ فإن ~~وقع ذلك بالموفقة فبتوفيق الله وصنعه، وإن قصر دون ذلك فالذي قصر بنا نقصان ~~علمنا، وقلة حفظنا وسماعنا. فأما حسن النية، والذي نضمر من المحبة ~~والاجتهاد في القربة، فإنا لا نرجع في ذلك إلى أنفسنا بلائمة. وبين التقصير ~~من جهة التفريط والتضييع، وبين التقصير من جهة العجز وضعف العزم، فرق. # ولو كان هذا الكتاب من كتب المناقضات، وكتب المسائل والجوابات، وكان كل ~~صنف من هذه الأصناف يريد الاستقصاء على صاحبه، ويكون غايته إظهار فضل نفسه ~~وإن لم يصل إلى ذلك إلا بإظهار نقص أخيه ووليه، لكان كتابا كبيرا، كثير ~~الورق عظيما، ولكان العدد الذين يقضون لمؤلفه بالعلم والاتساع في المعرفة ~~أكثر وأظهر، ولكنا رأينا أن القليل الذي يجمع خير من الكثير الذي يفرق. # ونحن نعوذ بالله من هذا المذهب، ونسأله العون والتسديد، إنه سميع قريب، ~~فعال لما يريد. # تم الكتاب والله المنة، وبيده الحول والقوة والله الموفق للصواب # الحمد لله وحده وصلواته على سيدنا محمد نبيه وآله الطيبين الطاهرين وسلامه وهو ~~حسبنا ونعم الوكيل. PageV01P519 ms37