######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الرسالة السادسة رسالة في نفي التشبيه PageV01P279 # إلى أبي الوليد محمد بن أحمد بن أبي داود # بسم الله الرحمن الرحيم # أطال الله بقاءك وحفظك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك. # قد عرفت - أكرمك الله - ما كان الناس فيه من القول بالتشبيه والتعاون ~~عليه والمعاداة فيه، وما كان في ذلك من الإثم الكبير والفرية الفاحشة، وما ~~كان لأهله من الجماعات الكثيرة والقوة الظاهرة، والسلطان المكين، مع تقليد ~~العوام وميل السفلة والطغام. # وليست للخاصة قوة بالعامة، ولا للعيلة قوة على الأراذل؛ فقد قالت الأوائل ~~فيهم، وفي الاستعاذة بالله منهم: # قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نعوذ ~~بالله من قوم إذا اجتمعوا لم يملكوا، وإذا تفرقوا لم يعرفوا. # وقال واصل بن عطاء: " ما اجتمعوا إلا ضروا، ولا تفرقوا إلا نفعوا " فقيل ~~له: قد عرفنا مضرة الاجتماع، فما منفعة الافتراق؟ قال: يرجع الطيان إلى ~~تطيينه، والحائك إلى حياكته، والملاح إلى ملاحته، والصائغ إلى صياغته، وكل ~~إنسان إلى صناعته. وكل ذلك مرفق للمسلمين، ومعونة للمحتاجين. # وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه إذا نظر إلى الطغام والحشو قال: " ~~قبح الله هذه الوجوه، لا تعرف إلا عند الشر ". PageV01P283 # وقال الخريمي عند ذكره إياهم، في شعره، بالتعاوي مع المخلوع: # من البواري تراسها ومن ال %~% خوص إذا استلأمت مغافرها # لا الرزق تبغي ولا العطاء ولا %~% يحشرها بالفناء حاشرها # وقال شبيب بن شبيبة: قاربوا هذه السفلة وباعدوها، وكونوا معها وفارقوها، ~~واعلموا أن الغلبة لمن كانت معه، وأن المقهور من صارت عليه. # وقد وصفهم بعض العلماء فقال: يجتمعون من حيث يفترقون، ويفترقون من حيث ~~يجتمعون، لا يفل غربهم إذا صالوا، ولا تنجع فيهم الحيلة إذا هاجموا. # والعوام - أبقاك الله - إذا كانت نشرا فأمرها أيسر، ومدة هيجها أقصر. ~~فإذا كان لها رئيس حاذق ومطاع مدبر، وإمام مقلد، فعند ذلك PageV01P284 ~~ينقطع الطمع، ويموت الحق ويقتل المحق. فلولا أن لهم متكلمين، وقصاصا ~~متفقهين، وقوما قد باينوهم في المعرفة بعض المباينة، لم يلحقوا بالخاصة، ~~ولا بأهل المعرفة التامة. ولكنا كما نخالفهم نرجوهم، وكما ms01 نشفق منهم نطمع ~~فيهم. # ثم قد علمت ما كنا فيه من إسقاط شهادات الموحدين وإخافة علماء المتكلمين. ~~ولولا الكلام لم يقم لله دين، ولم نبن من الملحدين، ولم يكن بين الباطل ~~والحق فرق، ولا بين النبي والمتنبي فصل، ولا بانت الحجة من الحيلة، والدليل ~~من الشبهة. # ثم لصناعة الكلام مع ذلك فضيلة على كل صناعة، ومزية على كل أدب. ولذلك ~~جعلوا الكلام عيارا على كل نظر، وزماما على كل قياس. وإنما جعلوا له الأمور ~~وخصوه بالفضيلة لحاجة كل عالم إليه، وعدم استغنائه عنه. # فلم يزل - أكرمك الله - كذلك حتى وضع الله من عزهم، ونقص من قوتهم. وليس ~~لأمر الله مرد، ولا لقضائه مدفع. وحتى تحول إلينا رجال من قادتهم ومن ~~أعلامهم، والمطاعين فيهم، وارتاب قوم ونافق آخرون. وحتى تحولت المحنة ~~عليهم، والتقية فيهم. وذلك كله على يد شيخك وشيخنا بعدك - أعزه الله - بما ~~بذل من جهده، وعرض من نفسه، وتفرد بمكروهه، وغرغر مراره، صابرا على جسيمه؛ ~~يرى الكثير في ذلك قليلا، والإغراق PageV01P285 ~~تقصيرا، وبذل النفس يسيرا. على حين خار كل بطل، وحاد كل مقدم، وعرد كل ~~رئيس، وأضاف كل مستبصر، وطاح كل نفاج، واستخفى كل مراء. وحتى صاروا هم ~~الذين يشيرون عليه بالملاينة، ويحسنون عنده المقاربة، ويخوفونه العاقبة، ~~ويزعمون أن لكل زمان تدبيرا ومصلحة، وأن إبعادهم أتقر لطبائعهم، وإن ~~إطلاقها أنجع فيما يراد منهم. وحتى سموا المداهنة مداراة، وإعطاء الرضا ~~تقية، والشدة عند الفرصة خرقا، والانحياز مع صواب الإقدام رفقا، وموالاة ~~المخالف مخالفة، والمصافاة معاشرة، والمهانة حلما، والضعف في الدين ~~احتمالا. كما سمى قوم الفرار انحيازا، والبخل اقتصادا، والجائر مستقصيا، ~~والبلاء عارضا، والخطل بلاغة. فكذلك كانوا وكان. وعلى هذا افترق أمرهم؛ ~~وذلك مشهور عنهم. # ثم يصول أحدهم على من شتمه، ويسالم من شتم ربه، ويغضب على من شبه أباه ~~بعبده، ولا يغضب على من شبه الله بخلقه، ويزعم أن في أحاديث المشبهة تأويلا ~~ومجازا ومخارج، وأنها حق وصدق. فإذا قيس ...... ~~طلب لهذا المجاز ظلم، وقال ما يليق بلفظ الحديث، PageV01P286 ~~فيكون ms02 بشهادته لصحة أحاديثهم مقرا، فيصير فيما يدعي من خلاف تأويلهم ~~مدعيا. ولو كانت هذه الأحاديث كلها حقا كان قول النبي صلى الله عليه وسلم: ~~" سيفشو الكذب بعدي، فما جاءكم من الحديث فاعرضوه على كتاب الله " باطلا. # وهذا المذهب لمن ينتحل طريقتنا، زعمه سبيلنا، جور شديد، ومذاهب قبيحة، ~~وتقرب فاحش. # وليس ينبغي لديان أن يواد من حاد الله ورسوله، ولو كانوا آباءهم أو ~~أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم. # فمتى إذن تزول التقية، ويجب إظهار الحق والنصرة للدين، والمباينة ~~للمخالفين؟! أحين يموت الخصم ويبيد أثره ويهلك عقبه ويقل ناصره، ويزول جميع ~~الخوف ويكون على يقين من السلامة. وكيف يكون القائم حينئذ بالحق مطيعا، ~~ولله معظما؟! # فقد سقطت المحنة وزالت البلوى والمشقة. وهل المعصية إلا ما ~~مازجه الهوى والشهوة، وهل الطاعة إلا ما شابه المكروه والكلفة، وكيف يتكلف ~~مالا مؤونة فيه، وكيف يحمد مالا مرزئة عليه. وكيف يكون شجاعا من أقدم في ~~الأمن، وتكمن في الخوف. أو ليست النار محفوفة بالشهوات، أو ليست الجنة ~~محفوفة بالمكاره. وكيف صاروا في باطلهم أيام قدرتهم أقوى منا في حقنا أيام ~~قدرتنا. PageV01P287 # وقد علمت - أرشد الله أمرك - أن التشبيه وإن كان أهله مقموعين ومهانين ~~وممتحنين، فإن عدد الجماجم على حاله، وضمير أكثرهم على ما كان عليه، والذين ~~ماتوا قليل من كثير. ونحن لا ننتفع بالمنافق، ولا نستعين بالمرتاب، ولا نثق ~~بالجانح، وإن كانت المبادأة قد نقصت فإن القلوب أفسد ما كانت. # وقد كانوا يتكلمون على السلطان والقدرة، وعلى العدد والثروة، وعلى طاعة ~~الرعاع والسفلة؛ فقد صاروا اليوم إلى المنازعة أميل، وبها أكلف؛ لأنهم ~~حينما يئسوا من القهر بالحشوة والسفلة، وبالباعة، وبالولاة الفسقة، وقلوبهم ~~ممتلئة ونفوسهم هائجة. ولا بد لمن كانت هذه صفته، وهذا نعته، من أن يستعمل ~~الحيلة والحجة، إذ أعجزه البطش والصولة. وكل من كان غيظه يفضل عن حلمه، ~~وحاجته تفضل عن قناعته، فواجب أن ينكشف قناعه، ويظهر سره، ويبدو مكنونه. # وقد أطمعني فيهم مناظرتهم لنا، ومقايستهم لأصحابنا. وقد صاروا بعد السب ~~يحفون، وبعد تحريم الكلام ms03 يجالسون، وبعد التصام يستمعون، وبعد التجليح ~~يدارون؛ والعامة لا تفطن لتأويل كفها، ولا تعرف مقاربتها. فقد مالت إلينا ~~على قدر ما ظهر من ميلها، وأصغت لما ترى من استماعها. PageV01P288 # وقد كتبت - مد الله في عمرك - في الرد على المشبهة كتابا لا يرتفع عنه ~~الحاذق المستغني، ولا يرتفع عن الريض المبتدئ. وأكثر ما يعتمد عليه العامة ~~ودهماء أهل التشبيه من هذه الأمور ويشتمل عليه الفضل من حشوة الناس، ويختدع ~~به المحدثون من الجمهور الأعظم، تحريف آي كثيرة إلى غير تأويلها، وروايات ~~كثيرة إلى غير معانيها. وقد بينت ذلك بالوجوه القريبة، والدلالات المختصرة، ~~وبالأشعار الصحيحة والأمثال السائرة، واستشهدت الكلام المعروف، والقياس على ~~الموجود. # وهو مع ذلك كله كتاب قصد، ومقدار عدل، لم يفضل عن الحاجة، ولم يقصر عن ~~مقدار البغية. على أن الكلام لا ينبغي أن يكثر وإن كان حسنا كله، إذا كان ~~السامع لا ينشط له، وجاز قدر احتماله؛ لأن غاية المتكلم انتفاع المستمع. ~~وقد قال الأولون: " قليل الموعظة مع نشاط الموعوظ، خير من كثير وافق من ~~الأسماع نبوة، ومن القلوب ملالة ". # وقال بكر بن عبد الله المزني: ليس الواعظ من جهل أقدار السامعين، وإنابة ~~المرتدين، وملالة المستطرفين. # وقال علي بن أبي طالب، رضوان الله عليه: " إن هذه القلوب تمل كما تمل ~~الأبدان، فابتغوا لها طرف الحكمة ". PageV01P289 # وقد كان يقال: إن للقلوب شهوة وإقبالا، وفترة وإدبارا؛ فأتوها من حيث ~~شهوتها وإقبالها. # وكان يقال: إذا أكره القلب عمي. # وقال واصل بن عطاء: طول التحديق يكل الناظر، وناظر القلب أضعف منه. # وزعم عمران بن حدير قال: قال قسامة بن زهير: روحوا هذه القلوب تع الذكر. # وقال عبد الملك بن قريب: قال أبو الدرداء: إني لأستجم نفسي ببعض الباطل ~~كراهة أن أحمل عليها من الحق فأكلها. # وكتب عمر بن الخطاب إلى سعد بن أبي وقاص، رضي الله عنهما، وهو بالقادسية: ~~أن جنبهم حديث الجاهلية؛ فإنه يذكر الأحقاد. وعظهم بأيام الله ما نشطوا ~~لاستماعها. # وقالوا: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتخولنا بالموعظة. # ولذلك ms04 أمروا بالجمام وزيارة الغب. PageV01P290 # ورووا أن شر السير الحقحقة. # ولأن ينقص الكتاب عن مقدار الحاجة أحب إلي من أن يفضل عن مقدار القوة؛ ~~لأن الملالة تبغض في الجميع، وتزهد في الكل. # فأنا أسألك - أكرمك الله - أن ترى هذا الكتاب وتقرأ ما خف عليك منه. فإن ~~يصلح الكلام وكان كما وصفت وكما ضمنت، حثثت على قراءته وعلى اتخاذه، وعلى ~~تخليده وعلى تدوينه، وأمرت من يحتاج إلى المادة، وإلى حسن المعونة من ~~الموافقين والإخوان الصالحين، أن ينظروا فيه، وأن يبثوه ويشيعوه. # وقد كنت أنا على ذلك قادرا، وبه مستوصيا؛ ولكن الرجل الرفيع إذا رفع ~~الشيء ارتفع، كما أنه إذا وضع الشيء اتضع. # وإن كنت فيه غلقا أو لعلته مستكثرا، كان لك بحسن نيتك وصلاح مذهبك، والذي ~~رجوت عنده من المنفعة وصلاح قلوب العامة، الأجر الكبير، والثواب العظيم، مع ~~ما تقضي بذلك من ذمام المتحرم بك، والمتحلي من بيتك؛ ومع اليد البيضاء ~~والصنيع المشكور. # وحرام على كل متكلم عالم، وفقيه مطاوع، وخطيب مفوه إن كان PageV01P291 ~~عنده من الأمر شيء، إلا أن يأتيكم به، ويذكركم بما عنده، قل ذلك أو كثر، ~~وصادفمنكم شغلا أو فراغا، لأن ذلك من عندكم أنفق، والناس إليه أسرع، ~~والقلوب إليه أسكن، وهو في العيون أعظم، لما جعل الله عندكم من حسن ~~الاختيار، والعلم بمنافع العباد، ومصالح البلاد؛ إذ كنتم المفزع والمقنع، ~~والأئمة والمنزع. ولولا ما قلدتم من أمر الجماعة، والقيام بشأن الخاصة ~~والعامة، وأن الشغل برعاية حقها والدفاع عنها، لم يبق في قواكم فضلا للدعاء ~~والمنازعة، ولوضع الكتب بالجواب والمسألة لبدأ بكم الفرض، ولكنتم أحق بهذا ~~الأمر. # على أننا لم ننطق إلا بألسنتكم، ولم نحتذ إلا على مثالكم، ولم نقو إلا ~~بما أعرتمونا من فضل قوتكم. وعلى الرواة من الأدباء، وعلى أهل اللسن من ~~الخطباء، معاونتكم ومكاتفتكم، والجلوس بين أيديكم والاستماع منكم، وعلى أن ~~يطيعوا أمركم، وأن ينفذوا لطاعتكم، وأن يخلصوا في الدعاء، وأن يمحضوا ~~النصيحة، وأن يضمروا غاية المحبة، وأن يعملوا في كف الغل والحسد، وأن لا ~~يرضوا ms05 من أنفسهم بالنفاق، وأن يعلموا أن الحسد لا يقع إلا بين الأشكال، وأن ~~التنافس لا يكون إلا مع تقارب الحال. # وقد كان يقال: لا يزال الناس بخير ما تفاوتوا، فإذا تقاربوا هلكوا. # وكان يقال: ثلاثة توجب الضغن وتكثر من الغل: المجاورة في المنزل، ~~والاستواء في النسب، والمشاكلة في الصناعة. # ولذلك قال شبيب بن شيبة لرجل ادعى محبته ونصيحته: " وكيف PageV01P292 ~~لا يكون كما وصفت وكما ذكرت، ولست بخطيب، ولا جار قريب، ولا ابن عم نسيب ~~". # وقال بعض الحكماء: لو لم تعرفوا من لؤم الحسد إلا أنه موكل بالأدنى ~~فالأدنى. وليس يقع ذلك بين المتباينين، ولا يجوز في المتقاربين. # ولا يكون الطلب إلا بالطمع، ولا يكون الطمع إلا بالسبب. فإذا انقطع السبب ~~انقطع الطمع، وفي عدم الطمع عدم الطلب. وكيف يتكلف الطيران من لا جناح له، ~~وكيف يرجو صلاح أمر العامة وترتيب الخاصة من عجز عن تدبير بيته، وقصر عن ~~تدبير عبده؟! # وإنصاف اللسان قليل، وإنصاف القلب أقل منه. # ونحن نرغب إلى الله في صلاحهم؛ فإن في صلاحهم صلاح قلوبنا لهم. # وقد جعل الله الشكر موصولا بالمزيد، ومن الشكر على نعمة الله علينا بكم ~~أن نعظم ما عظم الله من أمركم. ومن صغر ما عظم الله فقد عظم ما صغر الله. ~~ولا يفعل ذلك إلا الصغير القدر، والخامل الذكر، والجاهل بالأمر. # وكيف لا تكونون على ما خبرت وكما وصفت، وقد أغنيتم من العيلة، وآنستم من ~~الوحشة، وجمعتم الشمل، وأعدتم الألفة، ورددتم الظلامة، وأحييتم السنة، ~~وأبرزتم التوحيد بعد اكتتامه، وأظهرتموه بعد استخفائه، واحتملتم عداوة ~~الجميع، ووترتم المطاعنين في تقويتنا. # ونحن لا نطالب ما كنتم قياما، ولا نذكر ما كنتم شهودا. ونحن مع قلة علمنا ~~لا نجد أبدا عملنا إلا مقصرا عن علمنا. وأنتم مع اتساع قلوبكم، PageV01P293 ~~أعمالكم وفق علومكم؛ لأن كل من بذل كل مجهوده، وخاطر بجميع نعمته، وكانت ~~الواحدة من نعمه كالجميع من نعم غيره، مع خذلان الموافق ونكوص المؤازر، ثم ~~لم تزده الشدائد إلا شدة، والوحدة إلا أنسة حقيق بالتفضيل والتعظيم، ms06 ~~والإنابة له بالتقديم. # ولعل قائلا أن يقول: أدخله في جملة صفات أبيه، وجلة مشيخته وأقربيه، حيث ~~خصهم بالتقديم، وأبانهم بالتعظيم. بل كيف يقدم من صغرت سنه وقلت تجربته على ~~من تقاربت سنه وكثرت تجربته. وكيف تمكن الطاعة الكثيرة في الأيام القصيرة ~~والشهور اليسيرة؟ وهل يقول ذلك صاحب تحصيل ومقايسة، والبعيد من الملق ~~والمخادعة. # وما قلت ذلك - حفظك الله - ولا انتحلته، إلا وبرهاني حاضر، وشاهدي شاهد. ~~وذلك أن للشباب سكرة وطماحا، وقراعا وصولة. والهرم داخل على جميع الأعضاء، ~~وآخذ بقسطه من جميع الأجزاء. ألا ترى كيف يكل ناظره وسامعه، وذائقه وشامه، ~~وهاشمه وعامله؛ وكيف تنقص على مرور الأيام قوته، وكذلك قلبه وكل ما بطن من ~~أمره، على قدر ما نقص من قوى جسمه وتنقص من قوى شهوته. ويخف عليه مخالفة ~~هواه، ومحاربة نوازعه. ومن حمل على نفسه في كمال شبابه وأيام سكرته، وفي ~~سلطان حدته وكمال قوته، فظلفها مرة وكبحها PageV01P294 ~~أخرى، وعاين تلك التكاليف، وغلب تلك الريح كان أبرز طاعة؛ إذ كان أحمل ~~للمشقة. # وعلى قدر المشقة تكون المثوبة، وتعظم عند الله المنزلة، وتقع له في قلوب ~~الناس المحبة. ولذلك قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لسعد بن أبي وقاص، حين ~~وجهه إلى العراق: " يا سعد بني وهيب، إن الله إذا أحب عبدا حببه إلى خلقه. ~~فاعتبر منزلتك من الناس، واعلم أن مالك عند الله مثل ما لله عندك. ونحن ~~نعتبر حالك عند الله بالذي نجد لك في قلوب عباده. وقد ملك الله بعض الناس ~~أبدان بعض، ولم يملك القلوب أحدا غيره ". # وأما قولهم: إن الغرارة مقرونة بالحداثة، والحنكة موصولة بطول التجربة، ~~فإن الذهن الحديد والطبع الصحيح، والإرادة الوافرة، ينال في الأيام ~~اليسيرة، ويدرك في الدهور القصيرة، ما لا تدركه العقول المخدوجة، ولا ~~الطبائع المدخولة، والإرادة الناقصة، في الأيام الكثيرة، والدهور الطويلة. PageV01P295 # وربما صادف القائل مع ذكائه وكثرة قراءته وجودة اعتباره، زمانا أكثر ~~عجبا، وأكثر معتبرا، وإن كانت شهوره أقل، وأيامه أقصر، فينال مع قلة الأيام ~~ما لا ينال سواه ms07 مع كثرتها، ولا سيما إذا أعين بحفظ، وأحس من نفسه بفضل ~~بيان. # وليس من نظر في العلم على الرغبة والشهوة له كمن نظر فيه على المكسبة به ~~والهرب إليه؛ لأن النفس لا تسمح بكل قواها إلا مع النشاط والشهوة، وهي في ~~ذلك لنفسها مستكرهة ولها مكابدة. والسآمة إلى من كانت هذه صفته أقرب، وله ~~ألزم. ولولا ذلك لما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل اليمن، ~~وجعل إليه قبض الصدقات، ومحاسبة العمال، وقلده الأحكام وتعليم الناس ~~الإسلام، وهو ابن ثماني عشرة سنة. ولا يدفع ذلك صاحب خبر ولا حامل أثر. # وعلى مثل ذلك عقد لأسامة بن زيد الإمرة، وأبانه بالتقدمة على جلة الأنصار ~~وكبار المهاجرين، وخيار السلف المتقدمين. # وعلى مثل ذلك ولى عتاب بن أسيد مكة، وبها عظماء قريش وكبراء العرب وذوو ~~الأخطار من كل قبيلة، وذوو الأسنان من كل جيل. PageV01P296 ~~ومكة فتح الفتوح، وأم القرى، وخاتمة الهجرة وقبلة العرب، وموضع الحرم ~~والموسم الأعظم والحج الأكبر، والأصل والمفخر. # وقد رأيتم ما بلغ بخالد بن يزيد في السودد والمحبة، وقود الجيوش والهيبة، ~~وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد ذكر ذلك الكميت بن زيد فقال: # قاد الجيوش لخمس عشرة حجة %~% ولداته عن ذلك في أشغال # قعدت بهم هماتهم وسما به %~% همم الملوك وسورة الأبطال # فأما ابن بيض فقال: # بلغت لعشر مضت من سني %~% ك ما يبلغ السيد الأشيب # فهمك فيها جسام الأمور %~% وهم لداتك أن يلعبوا PageV01P297 # وعلى مثل ذلك قال الفرزدق في يزيد بن المهلب: # ما زال مذ عقدت يداه إزاره %~% ودنا وكان لخمسة الأشبار # وإذا الرجال رأوا يزيد رأيتهم %~% خضع الرقاب نواكس الأبصار # وعلى خذا المجرى مدح الشاعر فقال: # ما زلت في عقل الكبي %~% ر وأنت في سن الصغير # وقد رأيتم ما بلغ محمد بن القاسم من الفتوح العظام والأيام الجسام، ~~والقهر للأعداء، وبلوغ المحبة في الأولياء، وهو ابن خمس عشرة سنة. وقد ذكر ~~ذلك زياد الأعجم فقال: # ما إن سمعت ولا رأيت عجيبة %~% كمحمد بن القاسم بن ms08 محمد # قاد الجيوش لخمس عشرة حجة %~% يا قرب ذلك سوددا من مولد PageV01P298 # وقال الآخر: # إذا المرء أعيته المروءة ناشئا %~% فمطلبها كهلا عليه عسير # وقال آخر: # إذا ما ترعرع فينا الغلام %~% فليس يقال له من هوه # إذا لم يسد قبل شد الإزار %~% فذلك فينا الذي لا هوه # ولي صاحب من بني الشيصبان %~% فطورا أقول وطورا هوه # وزعموا أن عمرو بن سعيد قال له معاوية - وذلك قبل أن يبلغ ويحتلم - إلى ~~من أوصى بك أبوك؟ قال: إن أبي أوصى إلي ولم يوص بي. وقال: فيم أوصاك؟ قال: ~~أوصاني ألا يفقد إخوانه منه إلا وجهه. PageV01P299 # ولو لم يعرف ذلك إلا بعبد الله بن العباس وحده كان ذلك كافيا، وبرهانا ~~شافيا، فإن الأعجوبة فيه أربت على كل عجب، وقطعت كل سبب. وقد رأيتم حاجة ~~عمر إليه، واستشارته إياه، وتقويمه لعثمان رضي الله عنهما وتغييره عليه. ~~ولو لم يكن للفضيلة من بين أقرانه مستحقا، وبها مخصوصا، ما خصه الرسول صلى ~~الله عليه وسلم بالدعوة المستجابة، ولما خصه بعلم الكتاب والسنة وهما أرفع ~~العلم، وأشرف الفكر. ويدلك على تقديمه للغاية، وإيثاره للتعليم والاستبانة، ~~قوله حين قيل له في حداثته وقبل البلوغ في سنه: ما الذي آتاك هذا العلم ~~وهذا البيان والفهم؟ قال: " قلب عقول، ولسان سؤول ". # وقد عرفتم تحاكم العرب في الجاهلية في النفورة، وفي غير ذلك من المخايرة ~~والمشاورة، إلى أبي جهل بن هشام في أيام حداثته وفتائه؛ ولذلك أدخلوه دار ~~الندوة، ودفع مع ذوي الأسنان والحنكة من بين جميع الشبان، ومن بين جميع ~~الفتيان. # ولذلك قال قطبة بن سيار حكيم فزارة حين تنافر إليه عامر بن الطفيل وعلقمة ~~بن علاثة: عليكم بالحديد الذهن، الحديث السن. يعني أبا جهل. PageV01P300 ~~فهذا كله دليل واضح، وبرهان بين. # ولعل قائلا أن يقول: إنما الفضل في خشونة الملبس؛ وليس ذلك لمن مدحت، ولا ~~هذه صفة من وصفت. # وهذا باب - أبقاك الله - قد يغلظ فيه العاقل ما لم يكن بارعا، والفطن ما ~~لم يكن ثاقبا، والأريب ما لم يكن كاملا. ms09 ولو كان الفضل والرياسة والقدر ~~والنباهة على قدر قشف الجلدة وبذاذة الهيئة، وكثرة الصوم، وإيثار الوحشة ~~والسياحة لكان عثمان بن مظعون متقدما لأبي بكر الصديق رضوان الله عليه، ~~ولكان بلال بن رباح غامرا لعثمان بن عفان رضي الله عنهما. # وقد قال ابن شهاب الزهري: ليس الناسك إلا من غلب الحرام صبره، والحلال ~~شكره. # فهذا ما حضرنا من القول، وأمكننا من الاحتجاج. وما أشك أن من خبر أمرك ~~أكثر من اختباري كان عنده أكثر من علمي. وعلى أن منظرك - أسعدك الله - يغني ~~عن المخبر، والفراسة فيك تكفي مؤونة التجربة لك. وقد تقيلت بحمد الله أخلاق ~~شيخك، واحتذيت على مثالهكما احتذى على مثال من كان قبله. ولو لم يتعقبوا ~~أمرك، ويتصفحوا سيرتك في نفسك ثم في خاصتك وعامتك، لكان في صدق الفراسة ~~وظهور المحبة ما تقضي به النفوس، ويستدل به المجرب. # وظن العاقل كيقين غيره. PageV01P301 # قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إنك لن تنتفع بعقله حتى تنتفع بظنه. # وقال أوس بن حجر: # الألمعي الذي يظن لك الظ %~% ن كأن قد رأى وقد سمعا # وقال وهو يمدح ابن كلدة بصدق الحس، وصواب الحدس، وجودة الظن: # أريب أديب أخو مأزق %~% نقابا يخبر بالغائب # وقال آخر يمدح بمثل ذلك عبد الملك بن مروان: # رأيت أبا الوليد غداة جمع %~% به شيب وما فقد الشبابا # ولكن تحت ذاك الشيب حزم %~% إذا ما ظن أمرض أو أصابا # وقال الله تبارك وتعالى: " ولقد صدق عليهم إبليس ظنه ". وقال: " إن بعض ~~الظن إثم ". وفي ذكره البعض دليل على أن سائر ذلك صواب وطاعة. PageV01P302 # وكان من أسباب دفعي إليك هذا الكتاب - أبقاك الله - دون أبي عبد الله ~~أكرمه الله، أنكما قد تجريان في بعض الأمور مجرى واحدا، ولأنك وإن كنت كثير ~~الشغل فهو أقل فراغا منك على كثرة شغلك، وفرط عنايتك بما استكفاك واسرعاك. ~~وإن جعلت لي قسما من وقت فراغك، ونصيبا من ساعة نشاطك. رجوت أن يصير إلى ما ~~أملناه عندك من الإنعام علي، والاسترهان لشكري؛ فإن العرب لم ms10 تعظم شيئا قط ~~كتعظيمها موقع الإنعام والشكر والأحدوثة الحسنة، والذكر والتمييز، ~~والاستمداد للنعم، والكفر حائل بين العود والبدء. # قال عنترة: # نبيت بشرا غير شاكر نعمتي %~% والكفر مخبثة لنفس المنعم # وقال السندي: # فلم أجز بالحسنى وعادت مشاربي %~% بلاقع يقروها الحمام المقرقر # تبدلت بالإحسان سوءا وربما %~% تنكر للمعروف من كان يكفر PageV01P303 # ويدل على حبهم للثناء وجميل الذكر قول الأسدي: # فإني أحب الخلد لو أستطيعه %~% وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم # وقال: # فأثنوا علينا لا أبا لأبيكم %~% بمسعاتنا إن الثناء هو الخلد # وقال الغنوي: # فإذابلغتم أهلكم فتحدثوا %~% إن الحديث مهالك وخلود # فجعلوا الذكر بالجميل مثل الخلود في النعيم. # وعلى هذا المعنى قال في درك الثأر: # فقتلا بتقتيل وعقرا كعقركم %~% جزاء العطاس لا يموت من اثأر # وقال حكيم الفرس حين بلغه موت الإسكندر، وهو قاتل دارا بن دارا: ما ظننت ~~أن قاتل دارا يموت! # وهذا القول هو أمدح منه لقاتله. ولم أسمع للعجم كلمة قط ~~أمدح منها. فأما العرب فقد أصبت لهم من هذا الضرب كلاما كثيرا. PageV01P304 ~~ومما يدل على قدر عظم الشكر عند الشاكر والمشكور له من العرب، قول أوس بن ~~حجر في حليمة: # سنجزيك أو يجزيك عنا مثوب %~% وحسبك أن يثنى عليك وتحمدي # وقال بعض الشعراء: # فلم أجزه إلا التشكر جاهدا %~% وحسبك مني أن أقول فأحمد # وكانوا يرون للذنب مالا يراه غيرهم. وقال امرؤ القيس بن حجر: ~~" وجرح اللسان كجرح اليد ". PageV01P305 # وقال جرير: # " وللسيف أشوى وقعة من لسانيا " # في أشعار كثيرة. # ولست أمت إليك - أكرمك الله - بعد التوحيد ونفى التشبيه، ونصرتي للدين، ~~بأمر أنا به أوثق من رغبتك في شكر الكرام والأحدوثة الحسنة. قال الله عز ~~وجل: " ورفعنا لك ذكرك " وقال: " وإنه لذكر لك ولقومك ". فلو كان حب الذكر ~~خطيئة لما رغبهم فيه، ولا عد في نعمه. # ولعل قائلا أن يقول: وكيف لم تذكر أمير المؤمنين، والمعتصم برب العالمين، ~~الذي حقق الله به الدين وسدد به الثغور، ورد به المظالم، وحسمبه عرق البغي ~~ونواجم الفتنة؛ الذي لم يزل الله يزيده في كل ms11 طرفة محبة، ومع كل محبة هيبة، ~~ومع كل نعمة شكرا، ومع كل شكر فضلا. وهو المبتدئ بهذا الأمر والقائم به، ~~والقطب الذي عليه تدور الرحى، وعلى مثاله احتذى من احتذى، وبلسانه نطق، وعن ~~رأيه صدر. وبيمن نقيبته ظهر، وبفضل قوته نهض. وهو أول هذا الأمر ووسطه، به ~~يتم إن شاء الله تعالى. PageV01P306 # قلنا: إن عقل الرسول يدل على مرسله، واعتدال القناة يدل على حذق المثقف، ~~ومديحك الوزير راجع إلى وزيره والمحتذي على مثاله، بل قد علم الناس أن الحظ ~~الأكبر للآمر دون المطيع، وللمعلم دون القائل، ولأن المسبب في عداله وعند ~~النظر والتحصيل، أفضل من المسبب، والمتبوع خير من التابع. ألا ترى أن من ~~مدح الأنصار فهو للنبي صلى الله عليه وسلم والمهاجرين أمدح، وإن لم يظهر ~~ذكرهم في الوصف. # قال جرير: # " تلكم قريش والأنصار أنصاري " # وقال رؤبة: # " ومن على المنبر لي والمنبر " # وربما كانت الكناية أبلغ في التعظيم، وأدعى إلى التقديم، من ~~الإفصاح والشرح. وربما أتى من السكوت بما يعجز القول عنه وقد بلغ أقصى ~~حاجته وغاية أمنيته بالإيماء ة الإشارة، حتى يكون تكلف القول فضلا، والكلام ~~خطلا. # وما عيى أن أقول فيمن قد قوى عقله بطبيعته، وانتصف عزمه من شهوته، وكان ~~عمله وفق علمه، وعمله غامرا لخصمه. PageV01P307 # وقد يجري الملك على عرق صالح ومنشأ سوء، فيقدح ذلك في عرقه وإن لم ~~يستأصله، وقد يكون له عرق صالح ومنشأ صدق، وتكون أداته تامة ويكون مؤثرا ~~لهواه، فيكون في الاسم وفي ظاهر الحكم كمن فسد عرقه وخبث منشؤه. # وقد جمع الله لأمير المؤمنين مع كرم العروق وصلاح المنشأ، البعد من إيثار ~~الهوى. وهل رأيت أفعالا أشبه بأخلاق، ولا أخلاقا أشبه بأعراق، من أفعاله ~~بأخلاقه، وأخلاقه بأعراقه. # فنسأل الله الذي أسندنا بخلافته، أن يمن علينا بطول بقائه، وأن يخصنا ~~بحسن نظره كما خصنا بمعرفة حقه، والاحتجاج لملكه، والذب عن سلطانه. # ولربما كان اللسان أنفذ من السنان، وأقطع من السيف اليمان. # أطال الله بقائك وحفظك، وأتم نعمته عليك، وكرامته لك. PageV01P308 ms12