######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010670 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail.XXX #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسائل الأدبية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010670 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10670 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10670 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1423 ه #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [3- رسالة النبل والتنبل وذم الكبر] PageV01P129 ### || [1- مقدمة يحرض فيها مخاطبه على اناس تكبروا عليه] # فصل منه: قد قرأت كتابك وفهمته، وتتبعت كل ما فيه واستقصيته، فوجدت الذي ~~ترجع إليه بعد التطويل، وتقف عنده بعد التحصيل، قد سلف القول منا في عيبه، ~~وشاع الخبر عنا في ذمه، وفي النصب لأهله، والمباينة لأصحابه، وفي العجب ~~منهم، وإظهار النفي عنهم. # والجملة أن فرط العجب إذا قارن كثرة الجهل، والتعرض للعيب إذا وافق قلة ~~الاكتراث، بطلت المزاجر، وماتت الخواطر. ومتى تفاقم الداء وتفاوت العلاج، ~~صار الوعيد لغوا مطرحا، والعقاب حكما مستعملا. # وقد أصبح شيخك، وليس يملك من عقابهم إلا التوقيف، ولا من تأديبهم إلا ~~التعريف. # ولو ملكناهم ملك السلطان، وقهرناهم قهر الولاة، لنهكناهم عقوبة بالضرب، ~~ولقمعناهم بالحصر. # والكبر- أعزك الله تعالى- باب لا يعد احتماله حلما، ولا الصبر على أهله ~~حزما، ولا ترك عقابهم عفوا، ولا الفضل عليهم مجدا، ولا التغافل PageV01P131 ~~عنهم كرما، ولا الإمساك عن ذمهم صمتا. # واعلم أن حمل الغنى أشد من حمل الفقر، واحتمال الفقر أهون من احتمال الذل ~~على أن الرضا بالفقر قناعة وعز، واحتمال الذل نذالة وسخف. ~~ولئن كانوا قد أفرطوا في لوم العشيرة، والتكبر على ذوي الحرمة، لقد أفرطت ~~في سوء الاختيار، وفي طول مقامك على العار. # وأنت مع شدة عجبك بنفسك، ورضاك عن عقلك، خالطت من موته يضحك السن، وحياته ~~تورث الحزن، وتشاغلك به من أعظم الغبن. # وشكوت تنبلهم عليك، واستصغارهم لك، وأنك أكثر منهم في المحصول، وفي حقائق ~~المعقول. ولو كنت كما تقول لما أقمت على الذل ولما تجرعت الصبر وأنت ~~بمندوحة منهم، وبنجوة عنهم. ولعارضتهم من الكبر بما يهضهم، ومن الامتعاض ~~بما يبهرهم. # وقلت: ولو كانوا من أهل النبل عند الموازنة، أو كان معهم ما يغلط الناس ~~فيه عند المقايسة لعذرتهم واحتججت عنهم، ولسترت عيبهم، ولرقعت وهيهم. ولكن ~~أمرهم مكشوف، وظاهرهم معروف. # وإن كان أمرهم كما قلت، وشأنهم كما وصفت، فذاك ألوم لك، وأثبت للحجة ~~عليك. # وسأؤخر عذلك إلى الفراغ منهم، وتوقيفك بعد التنويه بهم. ### || [2- شروط النبل] # أقول: ms1 وإن كان النبل بالتنبل، واستحقاق العظم بالتعظم وبقلة الندم ~~والاعتذار، وبالتهاون بالإقرار، فكل من كان أقل حياء، وأتم قحة، وأشد ~~تصلفا، وأضعف عدة، أحق بالنبل وأولى بالعذر. PageV01P132 # وليس الذي يوجب لك الرفعة أن تكون عند نفسك- دون أن يراك الناس- رفيعا، ~~وتكون في الحقيقة وضيعا. # ومتى كنت من أهل النبل لم يضرك التبذل، ومتى لم تكن من أهله لم ينفعك ~~التنبل. # وليس النبل كالرزق، يكون مرزوقا الحرمان أليق به، ولا يكون نبيلا السخافة ~~أشبه به. # وكل شيء من أمر الدنيا قد يحظى به غير أهله، كما يحظى به أهله. # وما ظنك بشيء المروءة خصلة من خصاله، وبعد الهمة خلة من خلاله، وبهاء ~~المنظر سبب من أسبابه، وجزالة اللفظ شعبة من شعبه، والمقامات الكريمة طريق ~~من طرقه. # فصل منه: واعلم أنك متى لم تأخذ للنبل أهبته، ولم تقم له أداته، وتأته من ~~وجهه، وتفم بحقه، كنت مع العناء مبغضا، ومع التكلف مستصلفا. ومن تبغض فقد ~~استهدف للشتام، وتصدى للملام. # فإن كان لا يحفل بالشتم، ولا يجزع من الذم، فعده ميتا إن كان حيا، وكلبا ~~إن كان إنسانا. # وإن كان ممن يكترث ويجزع، ويحس ويألم، فقد خسر الراحة والمحبة، وربح ~~النصب والمذمة. # وبعد، فالنبل كلف بالمولى عنه، شنف للمقبل عليه، لازق بمن رفضه، شديد ~~النفار ممن طلبه. ### || [3- نبل السيد] # فصل منه: والسيد المطاع لم يسهل عليه الكظم، ولم يكن له كنف PageV01P133 ~~الحلم، إلا بعد طول تجرع للغيظ، ومقاساة للصبر. وقد كان معنى القلب دهره، ~~ومكدود النفس عمره، والحرب سجال بينه وبين الحلم، ودول بينه وبين الكظم. ~~فلما انقادت له العشيرة، وسمحت له بالطاعة، ووثق بظهور القدرة خلاف المعجزة ~~سهل عليه الصبر، وغمر بعلوه دواعي الجزع، بطلت المجاذبة، وذهبت المساجلة. # والذي كان دعاه إلى تكلف الحلم في بدء أمره وإلى احتمال المكروه في أول ~~شأنه، الأمل في الرياسة، والطمع في السيادة، ثم لم يتم له أمره، ولم يستحكم ~~له عقده إلا بعد ثلاثة أشياء: الاحتمال، ثم الاعتياد، ثم ظهور طاعة الرجال. # ولولا خوف جميع المظلومين ms2 من أن يظن بهم العجز، والا يوجه احتمالهم الى ~~الذل لزاحم السادة في الحلم رجال ليسوا في أنفسهم بدونهم، ولغمرهم بعض من ~~ليس معه من أسبابهم. ### || [4- صفات النبيل] # فصل منه: ولا يكون المرء نبيلا حتى يكون نبيل الرأي، نبيل اللفظ، نبيل ~~العقل، نبيل الخلق، نبيل المنظر، بعيد المذهب في التنزه، طاهر الثوب من ~~الفحش، إن وافق ذلك عرقا صالحا، ومجدا تالدا. # فالخارجي قد يتنبت بنفسه، والنابتي قد يخرج بطبعه. ولكل عز أول، وأول كل ~~قديم حادث. # ومن حقوق النبل أن تتواضع لمن هو دونك، وتنصف من هو مثلك، وتتنبل على من ~~هو فوقك. ### || [5- الكبر قبيح في الانسان] # فصل منه: وكان بعض الأشراف في زمان الأحنف، لا يحتقر أحدا، PageV01P134 ~~ولا يتحرج لزائر، وكان يقول: # ثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل # فكان الأحنف ما يزداد إلا علوا، وكان ذلك الرجل لا يزداد إلا تسفلا. # وقد ذم الله تعالى المتكبرين، ولعن المتجبرين، وأجمعت الأمة على عيبه، ~~والبراءة منه، وحتى سمي المتكبر تائها، كالذي يختبط في التية بلا أمارة، ~~ويتعسف الأرض بلا علامة. # ولعل قائلا أن يقول: لو كان اسم المتكبر قبيحا، ولو كان المتكبر مذموما، ~~لما وصف الله تعالى بهما نفسه، ولما نوه بهما في التنزيل حين قال: الجبار ~~المتكبر ~~، ثم قال: له الأسماء الحسنى. # قلنا لهم: إن الإنسان المخلوق المسخر، والضعيف الميسر، لا يليق به إلا ~~التذلل، ولا يجوز له إلا التواضع. # وكيف يليق الكبر بمن إن جاع صرع، وإن شبع طغى، وما يشبه الكبر بمن يأكل ~~ويشرب، ويبول وينجو. وكيف يستحق الكبر ويستوجب العظمة من ينقصه النصب، ~~وتفسده الراحة؟. # فإذا كان الكبر لا يليق بالمخلوق فإنما يليق بالخالق، وإنما عاند الله ~~تعالى بالكبر لتعديه طوره، ولجهله لقدره، وانتحاله ما لا يجوز إلا لربه. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «العظمة رداء الله، فمن نازعه رداءه ~~قصمه» . # فصل منه: والنبيل لا يتنبل، كما أن الفصيح لا يتفصح، لأن النبيل يكفيه ~~نبله عن التنبل، والفصيح تغنيه فصاحته عن التفصح. ولم يتزيد أحد قط إلا ms3 ~~لنقص يجده في نفسه، ولا تطاول متطاول إلا لوهن قد أحس به PageV01P135 ~~قوته. # والكبر من جميع الناس قبيح، ومن كل العباد مسخوط، إلا أنه عند الناس من ~~عظماء الأعراب، وأشباه الأعراب أوجد، وهو لهم أسرع، لجفائهم وبعدهم من ~~الجماعة، ولقلة مخالطتهم لأهل العفة والرعة، والأدب والصنعة. ### || [6- مواضع استحسان الكبر] # ولم نر الكبر يسوغ عندهم ويستحسن إلا في ثلاثة مواضع: # من ذلك أن يكون المتكبر صعبا بدويا، وذا عرضية وحشيا، ولا يكون حضريا ولا ~~مدريا، فيحمل ذلك منه على جهة الصعوبة ومذهب الجاهلية، وعلى العنجهية ~~والأعرابية. # أو يكون ذلك منه على جهة الانتقام والمعارضة، والمكافأة والمقابلة. # أو على أن لا يكون تكبره إلا على الملوك والجبابرة، والفراعنة وأشباه ~~الفراعنة. # وصاحبك خارج من هذه الخصال، مجانب لهذه الخلال. إن أصاب صديقا تعظم عليه، ~~وإن أتاه ضيف تغافل عنه، وإن أتاه ضعيف من عليه، وإن صادف حليما اعتمر به. # وينبغي أن يكون خضوعه لمن فوقه على حسب تكبره على من دونه. ### || [7- صفات اللئيم] # ومن صفة اللئيم أن يظلم الضعيف، ويظلم نفسه للقوى، ويقتل الصريع، ويجهز ~~على الجريح، ويطلب الهارب، ويهرب من الطالب، ولا PageV01P136 ~~يطلب من الطوائل إلا ما لا خطار فيه ولا يتكبر إلا حيث لا ترجع مضرته ~~عليه، ولا يقفو التقية ولا المروءة، ولا يعمل على حقيقته. # ومن اختار أن يبغي تبدى، ومن أراد أن يسمع قوله ساء خلقه، إذ كان لا يحفل ~~ببغض الناس له ووحشة قلوبهم منه، واحتيالهم في مباعدته، وقلة ملابسته. # وليس يأمن اللئيم على إتيان جميع ما اشتمل عليه اسم اللؤم إلا حاسد. # فإذا رأيته يعق أباه، ويحسد أخاه، ويظلم الضعيف، ويستخف بالأديب، فلا ~~تبعده من الخيانة، إذ كانت الخيانة لؤما ولا من الكذب، إذ كان الكذب لؤما، ~~ولا من النميمة، إذ كانت النميمة لؤما، ولا تأمنه على الكفر فإنه ألأم ~~اللؤم، وأقبح الغدر. # ومن رأيته منصرفا عن بعض اللؤم، وتاركا لبعض القبيح، فإياك أن توجه ذلك ~~منه على التجنب له، والرغبة عنه، والإيثار لخلافه، ولكن على أنه ms4 لا يشتهيه ~~أو لا يقدر عليه، أو يخاف من مرارة العاقبة أمرا يعفي على حلاوة العاجل، ~~لأن اللؤم كله أصل واحد وإن تفرقت فروعه، وجنس واحد وإن اختلفت صوره، ~~والفعل محمول على غلبته، تابع لسمته. والشكل ذاهب على شكله، منقطع إلى ~~أصله، صائر إليه وإن أبطأ عنه، ونازع إليه وإن حيل دونه. وكذلك تناسب الكرم ~~وحنين بعضه لبعض. ### || [8- عواقب الكبر] # ولم تر العيون، ولا سمعت الآذان، ولا توهمت العقول عملا اجتباه ذو عقل، ~~أو اختاره ذو علم، بأوبأ مغبة، ولا أنكد عاقبة، ولا أوخم مرعى، ولا أبعد ~~مهوى، ولا أضر على دين، ولا أفسد لعرض، ولا أوجب لسخط PageV01P137 ~~الله، ولا أدعى إلى مقت الناس، ولا أبعد من الفلاح، ولا أظهر نفورا عن ~~التوبة، ولا أقل دركا عند الحقيقة، ولا أنقض للطبيعة، ولا أمنع من العلم، ~~ولا أشد خلافا على الحلم، من التكبر في غير موضعه، والتنبل في غير كنهه. # وما ظنك بشيء العجب شقيقه، والبذخ صديقه، والنفج أليفه، والصلف عقيده. # والبذاخ متزيد، والنفاج كذاب، والمتكبر ظالم، والمعجب صغير النفس. وإذا ~~اجتمعت هذه الخصال، وانتظمت هذه الخصال في قلب طال خرابه، واستغلق بابه. # وشر العيوب ما كان مضمنا بعيوب، وشر الذنوب ما كان علة لذنوب. # والكبر أول ذنب كان في السماوات والأرض، وأعظم جرم كان من الجن والإنس، ~~وأشهر تعصب كان في الثقلين، وعنه لج إبليس في الطغيان، وعتا على رب ~~العالمين، وخطأ ربه في التدبير، وتلقى قوله بالرد. ومن أجله استوجب السخطة، ~~وأخرج من الجنة، وقيل له: فما يكون لك أن تتكبر فيها. # ولإفراطه في التعظيم خرج إلى غاية القسوة، ولشدة قسوته اعتزم على ~~الإصرار، وتتايع في غاية الإفساد، ودعا إلى كل قبيح، وزين كل شر، وعن ~~معصيته أخرج آدم من الجنة، وشهر في كل أفق وأمة، ومن أجله نصب العداوة ~~لذريته، وتفرغ من كل شيء إلا من إهلاك نسله، فعادى من لا يرجوه ولا يخافه، ~~ولا يضاهيه في نسب، ولا يشاكله في صناعة، وعن ذلك قتل الناس بعضهم بعضا، ms5 ~~وظلم القوي الضعيف، ومن أجله أهلك الله الأمم بالمسخ والرجف، وبالخسف ~~وبالطوفان، والريح العقيم، وأدخلهم النار، PageV01P138 ~~وأقنطهم من الخروج. # والكبر هو الذي زين لإبليس ترك السجود، ووهمه شرف الأنفة، وصور له عز ~~الانتقاض، وحبب إليه المخالفة، وآنسه بالوحدة والوحشة، وهون عليه سخط الرب، ~~وسهل عليه عقاب الأبد، ووعده الظفر، ومناه السلامة، ولقنه الاحتجاج ~~بالباطل، وزين له قول الزور، وزهده في جوار الملائكة، وجمع له خلال السوء، ~~ونظم له خلال الشر، لأنه حسد والحسد ظلم، وكذب والكذب ذل، وخدع والخديعة ~~لؤم. وحلف على الزور، وذلك فجور. وخطأ ربه، وتخطئة الله جهل، وأخطأ في جلي ~~القياس وذلك غي، ولج واللجاج ضعف. وفرق بين التكبر والتبدي. وجمع بين ~~الرغبة عن صنيع الملائكة وبين الدخول في أعمال السفلة. # واحتج بأن النار خير من الطين. ومنافع العالم نتائج أربعة أركان: نار ~~يابسة حارة، وماء بارد سيال، وأرض باردة يابسة، وهواء حار رطب. ليس منها ~~شيء مع مزاوجته لخلافه إلا وهو محي مبق. على أن النار نقمة الله من بين ~~جميع الأصناف، وهي أسرعهن إتلافا لما صار فيها. وأمحقهن لما دنا منها. # هذا كله ثمرة الكبر، ونتاج النية، والتكبر شر من القسوة، كما أن القسوة ~~شر المعاصي. والتواضع خير الرحمة، كما أن الرحمة خير الطاعات. ### || [9- الكبر رذيلة تعتري مختلف طبقات الناس] # والكبر معنى ينتظم به جماع الشر، والتواضع معنى ينتظم به جماع الخير، ~~والتواضع عقيب الكبر، والرحمة عقيب القسوة. فإذا كان للطاعة قدر من الثواب ~~فلتركها وعقيبها، ولما يوازنها ويكايلها، مثل ذلك القدر من PageV01P139 ~~العقاب. وموضع الطاعة من طبقات الرضا، كموضع تركها من طبقات السخط إذ ~~كانت الطاعة واجبة، والترك معصية. # والكبر من أسباب القسوة. ولو كان الكبر لا يعترى إلا الشريف والجميل، أو ~~الجواد، أو الوفي أو الصدوق، كان أهون لأمره، وأقل لشينه، وكان يعرض لأهل ~~الخير، وكان لا يغلط فيه إلا أهل الفضل، ولكنا نجده في السفلة، كما نجده في ~~العلية ونجده في القبيح كما نجده في الحسن، وفي الدميم كما نجده في الجميل، ms6 ~~وفي الدني الناقص، كما نجده في الوفي الكامل، وفي الجبان كما نجده في ~~الشجاع، وفي الكذوب كما نجده في الصدوق، وفي العبد كما نجده في الحر، وفي ~~الذمي ذي الجزية والصغار والذلة، كما نجده في قابض جزيته والمسلط على ~~إذلاله. # ولو كان في الكبر خير لما كان في دهر الجاهلية أظهر منه في دهر الإسلام، ~~ولما كان في العبد أفشى منه في الحر، ولما كان في السند أعم منه في الروم ~~والفرس. ### || [10- الكبر ليس من سياسة الملوك] # وليس الذي كان فيه آل ساسان وأنوشروان وجميع ولد أزدشير بن بابك كان من ~~الكبر في شيء. تلك سياسة للعوام، وتفخيم لأمر السلطان، وتسديد للملك. # ولم يكن في الخلفاء أشد نخوة من الوليد بن عبد الملك، وكان أجهلهم ~~وألحنهم. وما كان في ولاة العراق أعظم كبرا من يوسف ابن عمر، وما كان ~~أشجعهم ولا أبصرهم، ولا أتمهم قواما، ولا أحسنهم كلاما. # ولم يدع الربوبية ملك قط إلا فرعون، ولم يك مقدما في مركبه، ولا في شرف ~~حسبه، ولا في نبل منظره، وكمال خلقه، ولا في سعة سلطانه PageV01P140 ~~وشرف رعيته وكرم ناحيته. ولا كان فوق الملوك الأعاظم والجلة الأكابر، بل ~~دون كثير منهم في الحسب وشرف الملك وكرم الرعية، ومنعة السلطان، والسطوة ~~على الملوك. # ولو كان الكبر فضيلة وفي التيه مروءة، لما رغب عنه بنو هاشم ولكان عبد ~~المطلب أولى الناس منه بالغاية، وأحقهم بأقصى النهاية. # ولو كان محمود العاجل ومرجو الآجل، وكان من أسباب السيادة أو من حقوق ~~الرياسة، لبادر إليه سيد بني تميم، وهو الأحنف بن قيس، ولشح عليه سيد بكر ~~بن وائل وهو ملك، ولاستولى عليه سيد الأزد وهو المهلب. # ولقد ذكر أبو عمرو بن العلاء جميع عيوب السادة، وما كان فيهم من الخلال ~~المذمومة، حيث قال: «ما رأينا شيئا يمنع من السودد إلا وقد وجدناه في سيد: ~~وجدنا البخل يمنع من السودد، وكان أبو سفيان بن حرب بخيلا. ~~والعهار يمنع من السودد، وكان عامر بن الطفيل سيدا، وكان عاهرا. والظلم ms7 ~~يمنع من السودد، وكان حذيفة بن بدر ظلوما، وكان سيد غطفان. والحمق يمنع من ~~السودد، وكان عتيبة بن حصن محمقا، وكان سيدا. والإملاق يمنع من السودد، ~~وكان عتبة بن ربيعة مملقا. وقلة العدد تمنع من السودد وكان شبل بن معبد ~~سيدا، ولم يكن من عشيرته بالبصرة رجلان. والحداثة تمنع من السودد، وساد أبو ~~جهل وما طر شاربه، ودخل الندوة وما استوت لحيته. # فذكر الظلم، والحمق، والبخل، والفقر، والعهار، وذكر العيوب ولم يذكر ~~الكبر، لأن هذه الأخلاق وإن كانت داء فإن في فضول أحلامهم وفي سائر أمورهم ~~ما يداوى به ذلك الداء، ويعالج به ذلك السقم، وليس الداء الممكن كالداء ~~المعضل، وليس الباب المغلق كالمستبهم، والأخلاق التي لا يمكن معها السؤدد، ~~مثل الكبر والكذب والسخف، ومثل الجهل بالسياسة. PageV01P141 # وخرجت خارجة بخراسان فقيل لقتيبة بن مسلم: لو وجهت إليهم وكيع إبن أبي ~~سود لكفاهم فقال: وكيع رجل عظيم الكبر، في أنفه خنزوانة، وفي رأسه نعرة، ~~وإنما أنفه في أسلوب؛ ومن عظم كبره اشتد عجبه، ومن أعجب برأيه لم يشاور ~~كفيا، ولم يؤامر نصيحا، ومن تبجح بالانفراد وفخر بالاستبداد كان من الظفر ~~بعيدا، ومن الخذلان قريبا، والخطاء مع الجماعة خير من الصواب مع الفرقة. ~~وإن كانت الجماعة لا تخطىء والفرقة لا تصيب. # ومن تكبر على عدوه حقره، وإذا حقره تهاون بأمره. ومن تهاون بخصمه ووثق ~~بفضل قوته قل احتراسه، ومن قل احتراسه كثر عثاره. # وما رأيت عظيم الكبر صاحب حرب إلا كان منكوبا ومهزوما ومخدوعا. ~~ولا يشعر حتى يكون عدوه عنده، وخصمه فيما يغلب عليه أسمع من فرس، وأبصر ~~من عقاب، وأهدى من قطاة، وأحذر من عقعق، وأشد إقداما من الأسد، وأوثب من ~~فهد، وأحقد من جمل، وأروغ من ثعلب، وأغدر من ذئب، وأسخى من لافظة، وأشح من ~~صبي، وأجمع من ذرة، وأحرص من كلب، وأصبر من ضب. فإن النفس إنما تسمح ~~بالعناية على قدر الحاجة، وتتحفظ على قدر الخوف، وتطلب على قدر الطمع، ~~وتطمع على قدر السبب. # فصل منه: وأقول بعد هذا ms8 كله: إن الناس قد ظلموا أهل الحلم والعزم، حين ~~زعموا أن الذي يسهل عليهم الاحتمال معرفة الناس بقدرتهم على الانتقام، فكيف ~~والمذكور بالحلم والمشهور بالاحتمال يقيض له من السفهاء، ويؤتى له من أهل ~~البذاء ما لا يقوم له صبر، ولا ينهض به عزم. ~~بل على قدر حلمه يتعرض له، وعلى قدر عزمه يمتحن صبره ولأن الذي سهل عليه ~~الحلم، ومكنه من العزم، معرفة الناس بقدرته على الانتقام، واقتداره PageV01P142 ~~على شفاء الغيظ؛ فإن منعه لنفسه، ومجاذبته لطبعه مع الغيظ الشديد، ~~والقدرة الظاهرة، أشد عليه في المزاولة وأبلغ في المشقة والمكابدة، من صبر ~~الشكل على أذى شكله، واحتمال المظلوم عن مثله، وإن خاف الطمس، وتوقع العيب. # فصل منه: ومن بعد هذا، فمن شأن الأيام أن يظلم المرء أكثر محاسنه ما كان ~~تابعا، فإذا عاد متبوعا عادت عليه من محاسن غيره بأضعاف ما منعته من محاسن ~~نفسه، حتى يضاف إليه من شوارد الأفعال، ومن شواذ المكارم إن كان سيدا، ومن ~~غريب الأمثال إن كان منطيقا، ومن خيار القصائد إن كان شاعرا، مما لا أمارات ~~لها، ولا سمات عليها. # فكم من يد بيضاء وصنيعة غراء، ضلت فلم يقم بها ناشد، وخفيت فلم يظهرها ~~شاكر. والذي ضاع للتابع قبل أن يكون متبوعا، أكثر مما حفظ، والذي نسي أكثر ~~مما ذكر، وما ظنك بشيء بقيته تهب السيادة، ومشكوره يهب الرياسة، على قلة ~~الشكر، وكثرة الكفر. # وقد يكون الرجل تام النفس ناقص الأداة، فلا يستبان فضله، ولا يعظم قدره، ~~كالمفرج الذي لا عشيرة له، والإتاوي الذي لا قوم له. وقد يعظم المفرج الذي ~~لا ولاء له ولا عقد جوار، ولا عهد حلف، إذا برع في الفقه وبلغ في الزهد، ~~بأكثر من تعظيم السيد، كجهة تعظيم الديان. كما أن طاعة السلطان غير طاعة ~~السادة، والسلطان إنما يملك أبدان الناس، ولهم الخيار في عقولهم، وكذلك ~~الموالي والعبيد. # وطاعة الناس للسيد، وطاعة الديان طاعة محبة ودينونة، والقلوب أطوع لهما ~~من الأبدان، إلا أن يكون السلطان مرضيا، فإن كان كذلك فهو ms9 أعظم خطرا من ~~السيد، وأوجه عند الله من ذلك الديان. # وربما ساد الأتاوي لأنه عربي على حال. والمفرج لا يسود أبدا لأنه PageV01P143 ~~عجمي لا حلف له، ولا عقد جوار، ولا ولاء معروف، ولا نسب ثابت. وليس ~~التسويد إلا في العرب، والعجم لا تطيع إلا للملوك. # والذي أحوج العرب في الجاهلية إلى تسويد الرجال وطاعة الأكابر، بعد دورهم ~~من الملوك والحكام والقضاة، وأصحاب الأرباع، والمسالح والعمال. ~~فكان السيد، في منعهم من غيرهم ومنع غيرهم منهم، ووثوب بعضهم على بعض، في ~~كثير من معاني السلطان. PageV01P144 ms10