######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | الرسالة الرابعة عشرة كتاب القيان PageV02P139 # بسم الله الرحمن الرحيم # من أبي موسى بن إسحاق بن موسى، ومحمد بن خالد خذار خذاه، وعبد الله بن ~~أيوب أبي سمير، ومحمد بن حماد كاتب راشد، والحسن بن إبراهيم بن رباح، وأبي ~~الخيار، وأبي الرنال، وخاقان بن حامد، وعبد الله بن الهيثم بن خالد اليزيدي ~~المعروف بمشرطة، وعلك بن الحسن، ومحمد بن هارون كبة، وإخوانهم المستمتعين ~~بالنعمة، والمؤثرين للذة، المتمتعين بالقيان وبالإخوان، المعدين لوظائف ~~الأطعمة وصنوف الأشربة، والراغبين بأنفسهم عن قبول شيء من الناس، أصحاب ~~الستر والستارات، والسرور والمراوءات. # إلى أهل الجهالة والجفاء، وغلظ الطبع، وفساد الحس. # سلام من وفق لرشده، وآثر حظ نفسه، وعرف قدر النعمة؛ فإنه لا يشكر النعمة ~~من لم يعرفها ويعرف قدرها، ولا يزاد فيها من لم يشكرها، ولا بقاء لها على ~~من أساء حملها. # وقد كان يقال: حمل الغني أشد من حمل الفقير، ومؤونة الشكر أضعف من مشقة ~~الصبر. جعلنا الله وإياكم من الشاكرين. PageV02P143 # أما بعد فإنه ليس كل صامت عن حجته مبطلا في اعتقاده، ولا كل ناطق بها لا ~~برهان له محقا في انتحاله. والحاكم العادل من لم يعجل بفصل القضاء دون ~~استقصاء حجج الخصماء، ودون أن يحول القول فيمن حضر من الخصماء والاستماع ~~منه، وأن تبلغ الحجة مداها من البيان، ويشرك القاضي الخصمين في فهم ما ~~اختصما فيه، حتى لا يكون بظاهر ما يقع عليه من حكمه أعلم منه بباطنه، ولا ~~بعلانية ما يفلج الخصام منه أطب منه بسره. ولذلك ما استعمل أهل الحزم ~~والروية من القضاة طول الصمت، وإنعام التفهم والتمهل، ليكون الاختيار بعد ~~الاختيار، والحكم بعد التبين. # وقد كنا ممسكين عن القول بحجتنا فيما تضمنه كتابنا هذا اقتصارا على أن ~~الحق مكتف بظهوره، مبين عن نفسه، مستغن عن أن يستدل عليه بغيره؛ إذ كان ~~إنما يستدل بظاهر على باطن، وعلى الجوهر بالعرض، ولا يحتاج أن يستدل بباطن ~~على ظاهر. # وعلمنا أن خصماءنا وإن موهوا وزخرفوا، غير بالغين للفلج والغلبة PageV02P144 ~~عند ذوي العدل دون الاستماع منا، ms01 وأن كل دعوى لا يفلج صاحبها بمنزلة ما ~~لم يكن، بل هي على المدعي كل وكرب حتى تؤديه إلى مسرة النجح أو راحة اليأس. # إلى أن تفاقم الأمر وعيل الصبر، وانتهى إلينا عيب عصابة لو أمسكنا عن ~~الإجابة عنها والاحتجاج فيها، علما بأن من شأن الحاسد تهجين ما يحسد عليه، ~~ومن خلق المحروم ذم ما حرم وتصغيره والطعن على أهله كان لنا في الإمساك ~~سعة. فإن الحسد عقوبة موجبة للحاسد بما يناله منه ويشينه، من عصيان ربه ~~واستصغار نعمته، والسخط لقدره، مع الكرب اللازم والحزن الدائم، والتنفس ~~صعدا، والتشاغل بما لا يدرك ولا يحصى. وأن الذي يشكر فعلى أمر محدود يكون ~~شكره، والذي يحسد فعلى ما لا حد له يكون حسده. فحسده متسع بقدر تغير اتساع ~~ما جسد عليه. لأنا خفنا أن يظن جاهل أن إمساكنا عن الإجابة إقرار بصدق ~~العضيهة، وأن إغضاءنا لذي الغيبة عجز عن دفعها. PageV02P145 ~~فوضعنا في كتابنا هذا حججا على من عابنا بملك القيان، وسبنا بمنادمة ~~الإخوان، ونقم علينا إظهار النعم والحديث بها. ورجونا النصر إذ قد بدينا ~~والبادي أظلم، وكاتب الحق فصيح - ويروي " ولسان الحق فصيح " - ونفس المحرج ~~لا يقام لها، وصولة الحليم المتأني لا بقاء بعدها. # فبينا الحجة في اطراح الغيرة في غير محرم ولا ريبة، ثم وصفنا فضل النعمة ~~علينا، ونقضنا أقوال خصمائنا بقول موجز جامع لما قصدنا. فمهما أطنبنا فيه ~~فللشرح والإفهام، ومهما أدمجنا وطوينا فليخف حمله. واعتمدنا على أن المطول ~~يقصر، والملخص يختصر، والمطوي ينشر، والأصول تتفرع، وبالله الكفاية والعون. # إن الفروع لا محالة راجعة إلى أصولها، والأعجاز لاحقة بصدورها، والموالي ~~تبع لأوليائها، وأمور العالم ممزوجة بالمشاكلة ومنفردة بالمضادة، وبعضها ~~علة لبعض، كالغيث علة السحاب والسحاب علة الماء والرطوبة، وكالحب علته ~~الزرع، والزرع علته الحب، والدجاجة علتها البيضة، والبيضة علتها الدجاجة، ~~والإنسان علته الإنسان. # والفلك وجميع ما تحويه أقطار الأرض، وكل ما تقله أكنافها للإنسان خول ~~ومتاع إلى حين. إلا أن أقرب ما سخر له من روحه وألطفه عند نفسه " الأنثى ms02 "؟ ~~فإنها خلقت له ليسكن إليها، وجعلت بينه وبينها مودة ورحمة. PageV02P146 # ووجب أن تكون كذلك وأن يكون أحق وأولى بها من سائر ما خول إذ كانت مخلوقة ~~منه. وكانت بعضا له وجزءا من أجزائه، وكان بعض الشيء أشكل ببعض وأقرب به ~~قربا من بعضه ببعض غيره. فالنساء حرث للرجال، كما النبات رزق لما جعل رزقا ~~له من الحيوان. # ولولا المحنة والبلوى في تحريم ما حرم وتحليل ما أحل، وتخليص المواليد من ~~شبهات الاشتراك فيها، وحصول المواريث في أيدي الأعقاب، لم يكن واحد أحق ~~بواحدة منهن من الآخر، كما ليس بعض السوام أحق برعي مواقع السحاب من بعض، ~~ولكان الأمر كما قالت المجوس: إن للرجل الأقرب فالأقرب إليه رحما وسببا ~~منهن. إلا أن الفرض وقع بالامتحان فخص المطلق، كما فعل بالزرع فإنه مرعى ~~لولد آدم ولسائر الحيوان إلا ما منع منه التحريم. # وكل شيء لم يوجد محرما في كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فمباح مطلق. وليس على استقباح الناس واستحسانهم قياس ما لم نخرج من التحريم ~~دليلا على حسنه، وداعيا إلى حلاله. PageV02P147 # ولم نعلم للغيرة في غير الحرام وجها، ولولا وقوع التحريم لزالت الغيرة ~~ولزمنا قياس من أحق بالنساء؛ فإنه كان يقال: ليس أحد أولى بهن من أحد، ~~وإنما هن بمنزلة المشام والتفاح الذي يتهاداه الناس بينهم. ولذلك اقتصر من ~~له العدة على الواحدة منهن، وفرق الباقي منهن على المقربين. غير أنه لما ~~عزم الفريضة بالفرق بين الحلال والحرام، اقتصر المؤمنون على الحد المضروب ~~لهم، ورخصوه فيما تجاوزه. فلم يكن بين رجال العرب ونسائها حجاب، ولا كانوا ~~يرضون مع سقوط الحجاب بنظرة الفلتة ولا لحظة الخلسة، دون أن يجتمعوا على ~~الحديث والمسامرة، ويزدوجوا في المناسمة والمثافنة، ويسمى المولع بذلك من ~~الرجال الزير، المشتق من الزيارة. وكل ذلك بأعين الأولياء وحضور الأزواج، ~~لا ينكرون ما ليس بمنكر إذا أمنوا المنكر، حتى لقد حسك في صدر أخي بثينة من ~~جميل ما حسك من استعظام المؤانسة، وخروج العذر عن المخالطة، وشكا ms03 ذلك إلى ~~زوجها وهزه ما حشمه، فكمنا لجميل عند إتيانه بثينة ليقتلاه، فلما دنا ~~لحديثه وحديثها سمعاه يقول ممتحنا لها: هل لك فيما يكون بين الرجال PageV02P148 ~~والنساء، فيما يشفي غليل العشق ويطفئ نائرة الشوق؟ قالت: لا. قال: ولم؟ ~~قالت: إن الحب إذا نكح فسد! فأخرج سيفا قد كان أخفاه تحت ثوبه، فقال: أما ~~والله لو أنعمت لي لملأته منك! فلما سمعا بذلك وثقا بغيبه وركنا إلى عفافه، ~~وانصرفا عن قتله، وأباحاه النظر والمحادثة. # فلم يزل الرجال يتحدثون مع النساء، في الجاهلية والإسلام، حتى ضرب الحجاب ~~على أزواج النبي صلى الله عليه وسلم خاصة. # وتلك المحادثة كانت سبب الوصلة بين جميل وبثينة، وعفراء وعروة، وكثير ~~وعزة، وقيس ولبنى، وأسماء ومقش، وعبد الله بن عجلان وهند. # ثم كانت الشرائف من النساء يقعدن للرجال للحديث، ولم يكن النظر من بعضهم ~~إلى بعض عارا في الجاهلية، ولا حراما في الإسلام. # وكانت ضباعة، من بني عامر بن قرط بن عامر بن صعصعة، تحت عبد الله بن ~~جدعان زمانا لا تلد، فأرسل إليها هشام بن المغيرة المخزومي: PageV02P149 ~~ما تصنعين بهذا الشيخ الكبير الذي لا يولد له، قولي له حتى يطلقك. فقالت ~~لعبد الله ذلك، فقال لها: إني أخاف عليك أن تتزوجي هشام بن المغيرة. قالت: ~~لا أتزوجه. قال: فإن فعلت فعليك مائة من الإبل تنحرينها في الحزورة وتنسجين ~~لي ثوبا يقطع ما بين الأخشبين، والطواف بالبيت عريانة. قالت: لا أطيقه. ~~وأرسلت إلى هشام فأخبرته الخبر فأرسل إليها: ما أيسر ما سألك، وما يكرثك ~~وأنا أيسر قريش في المال، ونسائي أكثر نساء رجل من قريش، وأنت أجمل النساء ~~فلا تأبي عليه. فقالت لابن جدعان: طلقني فإن تزوجت هشاما فعلي ما قلت. ~~فطلقها بعد استيثاقه منها، فتزوجها هشام فنحر عنها ماءة من الجزر، وجمع ~~نساءه فنسجن ثوبا يسع ما بين الأخشبين، ثم طافت بالبيت عريانة، فقال المطلب ~~بن أبي وداعة: لقد أبصرتها وهي عريانة تطوف بالبيت وإني لغلام أتبعها PageV02P150 ~~إذا أدبرت، وأستقبلها إذا أقبلت، فما رأيت شيئا مما ms04 خلق الله أحسن منها، ~~واضعة يدها على ركبها وهي تقول: # اليوم يبدو بعضه أو كله %~% فما بدا منه فلا أحله # كم ناظر فيه فما يمله %~% أخثم مثل القعب باد ظله # قال: ثم إن النساء إلى اليوم من بنات الخلفاء وأمهاتهن، فمن دونهن يطفن ~~بالبيت مكشفات الوجوه، ونحو ذلك لا يكمل حج إلا به. # وأعرس عمر بن الخطاب رضي الله عنه بعاتكة ابنة زيد بن عمرو بن نفيل، ~~وكانت قبله عند عبد الله بن أبي بكر، فمات عنها بعد أن اشترط عليها ألا ~~تتزوج بعده أبدا، على أن نحلها قطعة من ماله سوى الإرث، فخطبها عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه، وأفتاها بأن يعطيها مثل ذلك من المال فتصدق به عن عبد ~~الله بن أبي بكر، فقالت في مرثيته: # فأقسمت لا تنفك عيني سخينة %~% عليك ولا ينفك جلدي أغبرا PageV02P151 # فلما ابتنى بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه أولم، ودعا المهاجرين ~~والأنصار، فلما دخل علي بن أبي طالب عليه السلام قصد لبيت حجلتها، فرفع ~~السجف ونظر إليها فقال: # فأقسمت لا تنفك عيني سخينة %~% عليك ولا ينفك جلدي أصفرا # فخجلت فأطرقت، وساء عمر رضي الله عنه ما رأى من خجلها وتشورها عند تعيير ~~علي إياها بنقض ما فارقت عليه زوجها، فقال: يا أبا الحسن، رحمك الله، ما ~~أردت إلى هذا؟ فقال: حاجة في نفسي قضيتها. # هذا. وأنتم تروون أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان أغير الناس، وأن ~~النبي صلى الله عليه وسلم قال له: " إني رأيت قصرا في الجنة فسألت: لمن هذا ~~القصر؟ فقيل: لعمر بن الخطاب. فلم يمنعني من دخوله إلا لمعرفتي بغيرتك ". ~~فقال عمر رضي الله عنه: وعليك يغار يا نبي الله!. # فلو كان النظر والحديث والدعابة يغار منها، لكان عمر المقدم في إنكاره؛ ~~لتقدمه في شدة الغيرة. ولو كان حراما لمنع منه؛ إذ لا شك في زهده وورعه ~~وعلمه وتفقهه. # وكان الحسن بن علي عليهما السلام تزوج حفصة ابنة عبد الرحمن، وكان المنذر ~~بن الزبير يهواها، فبلغ ms05 الحسن عنها شيء فطلقها، فخطبها المنذر فأبت أن ~~تتزوجه وقالت: شهرني!. وخطبها عاصم بن عمر بن الخطاب PageV02P152 ~~رضي الله عنه فتزوجها، فرقى المنذر عنها شيئا فطلقها، وخطبها المنذر فقيل ~~لها: تزوجيه ليعلم الناس أنه كان يعضهك. فتزوجته فعلم الناس أنه كذب عليها، ~~فقال الحسن لعاصم: لنستأذن عليها المنذر فندخل إليها فنتحدث عندها، ~~فاستأذناه؛ فشاور أخاه عبد الله بن الزبير فقال: دعهما يدخلان. فدخلا فكانت ~~إلى عاصم أكثر نظرا منها إلى الحسن، وكان أبسط للحديث. فقال الحسن للمنذر: ~~خذ بيد امرأتك. فأخذ بيدها وقام الحسن وعاصم فخرجا. وكان الحسن يهواها ~~وإنما طلقها لما رقى إليه المنذر. # وقال الحسن يوما لابن أبي عتيق: هل لك في العقيق؟ فخرجا فعدل الحسن إلى ~~منزل حفصة فدخل إليها فتحدثا طويلا ثم خرج، ثم قال لابن أبي عتيق: هل لك في ~~العقيق؟ قال: نعم. فنزل بمنزلة حفصة ودخل، فقال له مرة أخرى: هل لك في ~~العقيق؟ فقال: يا ابن أم، ألا تقول: هل لك في حفصة!!. # وكان الحسن في ذلك العصر أفضل أهل دهره. فلو كان محادثة النساء PageV02P153 ~~والنظر إليهن حراما وعارا لم يفعله ولم يأذن فيه المنذر بن الزبير، ولم ~~يشر به عبد الله بن الزبير. # وهذا الحديث وما قبله يبطلان ما روت الحشوية من أن النظر الأول حرام ~~والثاني حرام؛ لأنه لا تكون محادثة إلا ومعها ما لا يحصى عدده من النظر. ~~إلا أن يكون عني بالنظرة المحرمة النظر إلى الشعر والمجاسد، وما تخفيه ~~الجلابيب مما يحل للزوج والولي ويحرم على غيرهما. # ودعا مصعب بن الزبير الشعبي، وهو في قبة له مجللة بوشى، معه فيها امرأته، ~~فقال: يا شعبي، من معي في هذه القبة؟ فقال: لا أعلم أصلح الله الأمير! فرفع ~~السجف، فإذا هو بعائشة ابنة طلحة. # والشعبي فقيه أهل العراق وعالمهم، ولم يكن يستحل أن ينظر إن كان النظر ~~حراما. # ورأى معاوية كاتبا له يكلم جارية لامرأته فاختة بنت قرظة، في بعض طرق ~~داره، ثم خطب ذلك الكاتب تلك الجارية فزوجها منه، فدخل ms06 معاوية إلى فاختة ~~وهي متحشدة في تعبئة عطر لعرس جاريتها، فقال: هوني عليك يا ابنة قرظة، فإني ~~أحسب الابتناء قد كان منذ حين!. PageV02P154 # ومعاوية أحد الأئمة، فلما لم يقع عنده ما رأى من الكلام موقع يقين، وإنما ~~حل محل ظن وحسبان، لم يقض به ولم يوجبه، ولو أوجبه لحد عليه. # وكان معاوية يؤتى بالجارية فيجردها من ثيابها بحضرة جلسائه، ويضع القضيب ~~على ركبها، ثم يقول: إنه لمتاع لو وجد متاعا! ثم يقول لصعصعة بن صوحان: ~~خذها لبعض ولدك، فإنها لا تحل ليزيد بعد أن فعلت بها ما فعلت. # ولم يكن يعدم من الخليفة ومن بمنزلته في القدرة والتأتي أن تقف على رأسه ~~جارية تذب عنه وتروحه، وتعاطيه أخرى في مجلس عام بحضرة الرجال. # فمن ذلك حديث الوصيفة التي اطلعت في كتاب عبد الملك بن مروان إلى الحجاج ~~وكان يسره، فلما فشا ما فيه رجع على الحجاج باللوم وتمثل: # ألم تر أن وشاة الرجا %~% ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تفش سرك إلا إليك %~% فإن لكل نصيح نصيحا # ثم نظر فوجد الجارية كانت تقرأ فنمت عليه. # ومن ذلك حديثه حين نعس فقال للفرزدق وجرير والأخطل: من PageV02P155 ~~وصف نعاسا بشعر وبمثل يصيب فيه ويحسن التمثيل، فهذه الوصيفة له. فقال ~~الفرزدق: # رماه الكرى في الرأس حتى كأنه %~% أميم جلاميد تركن به وقرا # فقال: شدختني ويلك يا فرزدق! فقال جرير: # رماه الكرى في الرأس حتى كأنه %~% يرى في سواد الليل قنبرة سقرا # فقال: ويلك تركتني مجنونا! ثم قال: يا أخطل فقل. قال: # رماه الكرى في الرأس حتى كأنه %~% نديم تروى بين ندمانه خمرا # قال: أحسنت، خذ إليك الجارية. # ثم لم يزل للملوك والأشراف إماء يختلفن في الحوائج، ويدخلن في الدواوين، ~~ونساء يجلسن للناس، مثل خالصة جارية الخيزران، وعتبة جارية ريطة ابنة أبي ~~العباس، وسكر وتركية جاريتي أم جعفر، ودقاق جارية العباسة، وظلوم وقسطنطينة ~~جاريتي أم حبيب، وامرأة PageV02P156 ~~هارون بن جعبويه، وحمدونة أمة نصر بن السندي بن شاهك ثم كن يبرزن للناس ~~أحسن ما كن ms07 وأشبه ما يتزين به، فما أنكر ذلك منكر ولا عابه عائب. # ولقد نظر المأمون إلى سكر فقال: أحرة أنت أم مملوكة؟ قالت: لا أدري، إذا ~~غضبت علي أم جعفر قالت: أنت مملوكة، وإذا رضيت قالت: أنت حرة. قال: فاكتبي ~~إليها الساعة فاسأليها عن ذلك. فكتبت كتابا وصلته بجناح طائر من الهدى كان ~~معها، أرسلته تعلم أم جعفر ذلك، فعلمت أم جعفر ما أراد فكتبت إليها: " أنت ~~حرة ". فتزوجها على عشرة آلاف درهم، ثم خلا بها من ساعتها فواقعها وخلى ~~سبيلها، وأمر بدفع المال إليها. # والدليل على أن النظر إلى النساء كلهن ليس بحرام، أن المرأة المعنسة تبرز ~~للرجال فلا تحتشم من ذلك. فلو كان حراما وهي شابة لم يحل إذا عنست، ولكنه ~~أمر أفرط فيه المتعدون حد الغيرة إلى سوء الخلق وضيق العطن، فصار عندهم ~~كالحق الواجب. PageV02P157 # وكذلك كانوا لا يرون بأسا أن تنتقل المرأة إلى عدة أزواج لا ينقلها عن ~~ذلك إلا الموت ما دام الرجال يريدونها. وهم اليوم يكرهون هذا ويستسمجونه في ~~بعض، ويعافون المرأة الحرة إذا كانت قد نكحت زوجا واحدا، ويلزمون من خطبها ~~العار ويلحقون به اللوم، ويعيرونها بذلك، ويتحظون الأمة وقد تداولها من لا ~~يحصى عدده من الموالي. فمن حسن هذا في الإماء وقبحه في الحرائر! ولم لم ~~يغاروا في الإماء وهن أمهات الأولاد وحظايا الملوك، وغاروا على الحرائر. ~~ألا ترى أن الغيرة إذا جاوزت ما حرم الله فهي باطل، وأنها بالنساء لضعفهن ~~أولع، حتى يغرن على الظن والحلم في النوم. وتغار المرأة على أبيها، وتعادي ~~امرأته وسريته. # ولم تزل القيان عند الملوك من العرب والعجم على وجه الدهر. وكانت فارس ~~تعد الغناء أدبا والروم فلسفة. # وكانت في الجاهلية الجرادتان لعبد الله بن جدعان. PageV02P158 # وكان لعبد الله بن جعفر الطيار جوار يتغنين، وغلاكم يقال له " بديع " ~~يتغنى، فعابه بذلك الحكم بن مروان، فقال: وما علي أن آخذ الجيد من أشعار ~~العرب وألقيه إلى الجواري فيترنمن به ويشذرنه بحلوقهن ونغمهن!. # وسمع يزيد بن معاوية الغناء. # واتخذ ms08 يزيد بن عبد الملك حبابة وسلامة، وأدخل الرجال عليهن للسماع، فقال ~~الشاعر في حبابة: # إذا ما حن مزهرها إليها %~% وحنت دونه أذن الكرام # وأصغوا نحوه الآذان حتى %~% كأنهم وما ناموا نيام # وقال في سلامة: # ألم ترها، والله يكفيك شرها، %~% إذا طربت في صوتها كيف تصنع # ترد نظام القول حتى ترده %~% إلى صلصل من حلقها يترجع # وكان يسمع فإذا طرب شق برده ثم يقول: أطير! فتقول حبابة: لا تطير؛ فإن ~~بنا إليك حاجة. PageV02P159 # ثم كان الوليد بن يزيد المتقدم في اللهو والغزل، والملوك بعد ذلك يسلكون ~~على هذا المنهاج وعلى هذا السبيل الأول. # وكان عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، قبل أن تناله الخلافة يتغنى. فمما ~~يعرف من غنائه: # أما صاحبي نزر سعادا %~% لقرب مزارها ودعا البعادا # وله: # عاود القلب سعادا %~% فقلا الطرف السهادا # ولا نرى بالغناء بأسا إذا كان أصله شعرا مكسوا نغما: فما كان منه صدقا ~~فحسن، وما كان منه كذبا فقبيح. # وقد قال النبي عليه السلام: " إن من الشعر لحكمة ". # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: " الشعر كلام، فحسنه حسن، وقبيحه قبيح ~~". # ولا نرى وزن الشعر أزال الكلام عن جهته، فقد يوجد ولا يضره ذلك، ولا يزيل ~~منزلته من الحكمة. # فإذا وجب أن الكلام غير محرم فإن وزنه وتقفيته لا يوجبان تحريما لعلة من ~~العلل. وإن الترجيع له أيضا لا يخرج إلى حرام. وإن وزن الشعر من جنس وزن ~~الغناء، وكتاب الموسيقي، وهو من PageV02P160 ~~كتاب حد النفوس، تحده الألسن بحد مقنع، وقد يعرف بالهاجس كما يعرف ~~بالإحصاء والوزن. فلا وجه لتحريمه، ولا أصل لذلك في كتاب الله تعالى ولا ~~سنة نبيه عليه السلام. # فإن كان إنما يحرمه لأنه يلهى عن ذكر الله فقد نجد كثيرا من الأحاديث ~~والمطاعم والمشارب والنظر إلى الجنان والرياحين، واقتناص الصيد، والتشاغل ~~بالجماع وسائر اللذات، تصد وتلهى عن ذكر الله. ونعلم أن قطع الدهر بذكر ~~الله لمن أمكنه أفضل، إلا أنه إذا أدى الرجل الفرض فهذه الأمور كلها له ~~مباحة، وإذا قصر ms09 عنه لزمه المأثم. # ولو سلم من اللهو عن ذكر الله أحد لسلم الأنبياء عليهم السلام. هذا ~~سليمان بن داود عليهما السلام، ألهاه عرض الخيل عن الصلاة حتى غابت الشمس، ~~فعرقبها وقطع رقابها. # وبعد فإن الرقيق تجارة من التجارات تقع عليه المساومات والمشاراة بالثمن، ~~ويحتاج البائع والمبتاع إلى أن يستشفا العلق ويتأملاه تأملا بينا يجب فيه ~~خيار الرؤية المشترط في جميع البياعات. وإن كان لا يعرف مبلغه بكيل ولا وزن ~~ولا عدد ولا مساحة؛ فقد يعرف بالحسن والقبح. PageV02P161 ~~ولا يقف على ذلك أيضا إلا الثاقب في نظره، الماهر في بصره، الطب بصناعته؛ ~~فإن أمر الحسن أدق وأرق من أن يدركه كل من أبصره. # وكذلك الأمور الوهمية، لا يقضى عليها بشهادة إبصار الأعين، ولو قضي عليها ~~بها كان كل من رآها يقضى، حتى النعم والحمير، يحكم فيها لكل بصير العين ~~يكون فيها شاهدا وبصيرا للقلب، ومؤديا إلى العقل، ثم يقع الحكم من العقل ~~عليها. # وأنا مبين لك الحسن. هو التمام والاعتدال. ولست أعني بالتمام تجاوز مقدار ~~الاعتدال كالزيادة في طول القامة، وكدقة الجسم، أو عظم الجارحة من الجوارح، ~~أو سعة العين أو الفم، مما يتجاوز مثله من الناس المعتدلين في الخلق؛ فإن ~~هذه الزيادة متى كانت فهي نقصان من الحسن، وإن عدت زيادة في الجسم. # والحدود حاصرة لأمور العالم، ومحيطة بمقاديرها الموقوتة لها، فكل شيء خرج ~~عن الحد في خلق، حتى في الدين والحكمة الذين هما أفضل الأمور، فهو قبيح ~~مذموم. # وأما الاعتدال فهو وزن الشيء لا الكمية، والكون كون الأرض لا استواؤها. # ووزن النفوس في أشباه أقسامها. فوزن خلقة الإنسان اعتدال محاسنه وألا ~~يفوت شيء منها شيئا، كالعين الواسعة لصاحب الأنف الصغير PageV02P162 ~~الأفطس، والأنف العظيم لصاحب العين الضيقة، والذقن الناقص والرأس الضخم ~~والوجه الفخم لصاحب البدن المدع النضو، والظهر الطويل لصاحب الفخذين ~~القصيرتين، والظهر القصير لصاحب الفخذين الطويلتين، وكسعة الجبين بأكثر من ~~مقدار أسفل الوجه. # ثم هذا أيضا وزن الآنية وأصناف الفرش والوشي واللباس، ووزن القنوات التي ~~تجري فيها المياه. # وإنما ms10 نعني بالوزن الاستواء في الخرط والتركيب. # فلا بد مما لا يمنع الناظر من النظر إلى الزرع والغرس والتفسح في خضرته ~~والاستنشاق من روائحه. ويسمى ذلك كله له حلا ما لم يمد له يدا. فإذا مد يدا ~~إلى مثقال حبة من خردل بغير حقها فعل ما لا يحل، وأكل ما يحرم عليه. # وكذلك مكالمة القيان ومفاكهتهن، ومغازلتهن ومصافحتهن للسلام، ووضع اليد ~~عليهن للتقليب والنظر، حلال ما لم يشب ذلك ما يحرم. PageV02P163 # وقد استثنى الله تبارك وتعالى اللمم فقال: " الذين يجتنبون كبائر الإثم ~~والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ". قال عبد الله بن مسعود، وسئل عن ~~تأويل هذه الآية فقال: إذا دنا الرجل من المرأة فإن تقدم ففاحشة، وإن تأخر ~~فلمم. وقال غيره من الصحابة: القبلة واللمس. وقال آخرون: الإتيان فيما دون ~~الفرج. # وكذلك قال الأعرابي حين سئل عما نال من عشيقته، فقال: ما أقرب ما أحل ~~الله مما حرم الله!. # فإن قال قائل: فيما روى من الحديث: " فرقوا بين أنفاس الرجال والنساء "، ~~وقال: " لا يخل رجل بامرأة في بيت وإن قيل حموها، إلا إن حموها الموت " وإن ~~في الجمع بين الرجال والقيان ما دعا إلى الفسق والارتباط والعشق، مع ما ~~ينزل بصاحبه من الغلمة التي تضطر إلى الفجور وتحميل على الفاحشة؛ وأن أكثر ~~من يحضر إنما يحضر لذلك لا لسماع ولا ابتياع. # قلنا: إن الأحكام إنما على ظاهر الأمور، ولم يكلف الله العباد الحكم على ~~الباطن، والعمل على النيات، فيقضى للرجل بالإسلام بما يظهر PageV02P164 ~~منه ولعله ملحد فيه، ويقضى أنه لأبيه ولعله لم يلده الأب الذي ادعى إليه ~~قط، إلا أنه مولود على فراشه، مشهور بالانتماء إليه. ولو كلف من يشهد لرجل ~~بواحد من هذين المعنيين على الحقيقة لم تقم عليه شهادة. ومن يحضر مجالسنا ~~لا يظهر نسبا مما ينسبونه إليه، ولو أظهر ثم أغضينا له عليه لم يلحقنا في ~~ذلك إثم. # والحسب والنسب الذي بلغ به القيان الأثمان الرغيبة إنما هو الهوى. ولو ~~اشترى على مثل شرى الرقيق لم ms11 تجاوز الواحدة منهن ثمن الرأس الساذج. فأكثر ~~من بالغ في ثمن جارية فبالعشق ولعله كان ينوي في أمرها الريبة، ويجد هذا ~~أسهل سبيلا إلى شفاء غليله ثم تعذر ذلك عليه فصار إلى الحلال وإن لم ينوه ~~ويعرف فضله، فباع المتاع وحل العقد وأثقل ظهره بالعبية حتى ابتاع الجارية. # ولا يعمل عملا ينتج خيرا غير إغرائه بالقيان وقيادته عليهن؛ فإنه لا ينجم ~~الأمر إلا وغايته فيهن العشق، فيعوق عن ذلك ضبط الموالي PageV02P165 ~~ومراعاة الرقباء وشدة الحجاب، فيضطر العاشق إلى الشراء، ويحل به الفرج، ~~ويكون الشيطان المدحور. # والعشق داء لا يملك دفعه، كما لا يستطاع دفع عوارض الأدواء إلا بالحمية، ~~ولا يكاد ينتفع بالحمية مع ما تولد الأغذية وتزيد في الطبائع بالازدياد في ~~الطعم. # ولو أمكن أحدا أن يحتمي من كل ضرر ويقف عن كل غذاء، للزم ذلك المتطبب في ~~آفات صحته، ونحل جسمه وضوي لحمه، حتى يؤمر بالتخليط، ويشار عليه بالعناية ~~في الطيبات. ولو ملك أيضا صرف الأغذية واحترس بالحمية، لم يملك ضرر تغير ~~الهواء ولا اختلاف الماء. # وأنا واصف لك حد العشق لتعرف حده: # هو داء يصيب الروح ويشتمل على الجسم ~~بالمجاورة، كما ينال الروح الضعف في البطش والوهن في المرء ينهكه. وداء ~~العشق وعمومه في جميع البدن بحسب منزلة القلب من أعضاء الجسم. وصعوبة دوائه ~~تأتي من قبل اختلاف علله، وأنه يتركب من وجوه شتى، كالحمى التي تعرض مركبة ~~من البرد والبلغم. فمن قصد لعلاج أحد الخلطين كان ناقصا من دائه زائدا في ~~داء الخلط الآخر، وعلى حسب قوة أركانه يكون ثبوته وإبطاؤه PageV02P166 ~~في الانحلال. فالعشق يتركب من الحب والهوى، والمشاكلة والإلف، وله ابتداء ~~في المصاعدة، ووقوف على غاية، وهبوط في التوليد إلى غاية الانحلال ووقف ~~الملال. # والحب اسم واقع على المعنى الذي رسم به، لا تفسير له غيره؛ لأنه قد يقال: ~~إن المرء يحب الله، وإن الله جل وعز يحب المؤمن، وإن الرجل يحب ولده، ~~والولد يحب والده ويحب صديقه وبلده وقومه، ويحب على أي جهة يريد ولا ms12 يسمي ~~ذلك عشقا. فيعلم حينئذ أن اسم الحب لا يكتفي به في معنى العشق حتى تضاف ~~إليه العلل الأخر إلا أنه ابتداء العشق، ثم يتبعه حب الهوى فربما وافق الحق ~~والاختيار، وربما عدل عنهما. وهذه سبيل الهوى في الأديان والبلدان وسائر ~~الأمور. ولا يميل صاحبه عن حجته واختياره فيما يهوى. ولذلك قيل: " عين ~~الهوى لا تصدق "، وقيل: " حبك الشيء يعمي ويصم ". يتخذون أديانهم أربابا ~~لأهوائهم. وذلك أن العاشق كثيرا ما يعشق غير النهاية في الجمال، ولا الغاية ~~في الكمال، ولا الموصوف بالبراعة والرشاقة، ثم إن سئل عن حجته في ذلك لم ~~تقم له حجة. PageV02P167 # ثم قد يجتمع الحب والهوى ولا يسميان عشقا، فيكون ذلك في الولد والصديق ~~والبلد، والصنف من اللباس والفرش والدواب. فلم نر أحدا منهم يسقم بدنه ولا ~~تتلف روحه من حب بلده ولا ولده، وإن كان قد يصيبه عند الفراق لوعة واحتراق. # وقد رأينا وبلغنا عن كثير ممن تلف وطال جهده وضناه بداء العشق. # فعلم أنه إذا أضيف إلى الحب والهوى المشاكلة، أعني مشاكلة الطبيعة، أي حب ~~الرجال النساء وحب النساء الرجال، المركب في جميع الفحول والإناث من ~~الحيوان، صار ذلك عشقا صحيحا. وإن كان ذلك عشقا من ذكر لذكر فليس إلا مشتقا ~~من هذه الشهوة، وإلا لم يسم عشقا إذا فارقت الشهوة. # ثم لم نره ليكون مستحكما عند أول لقياه حتى يعقد ذلك الإلف، وتغرسه ~~المواظبة في القلب، فينبت كما تنبت الحبة في الأرض حتى تستحكم وتشتد وتثمر، ~~وربما صار لها كالجذع السحوق والعمود الصلب الشديد. وربما انعقف فصار فيه ~~بوار الأصل. فإذا اشتمل على هذه العلل صار عشقا تاما. PageV02P168 # ثم صارت قلة العيان تزيد فيه وتوقد ناره، والانقطاع يسعره حتى يذهل وينهك ~~البدن، ويشتغل القلب عن كل نافعة، ويكون خيال المعشوق نصب عين العاشق ~~والغالب على فكرته، والخاطر في كل حالة على قلبه. # وإذا طال العهد واستمرت الأيام نقص على الفرقة، واضمحل على المطاولة، وإن ~~كانت كلومه وندوبه لا تكاد تعفو آثارها ولا ترس رسومها. ms13 # فكذلك الظفر بالمعشوق يسرع في حل عشقه. والعلة في ذلك أن بعض الناس أسرع ~~إلى العشق من بعض؛ لاختلاف طبائع القلوب في الرقة والقسوة، وسرعة الإلف ~~وإبطائه، وقلة الشهوة وضعفها. # وقل ما يظهر المعشوق عشقا إلا عداه بدائه، ونكت في صدره وشغف فؤاده. وذلك ~~من المشاكلة، وإجابة بعض الطبائع بعضا، وتوقان بعض الأنفس إلى بعض، وتقارب ~~الأرواح. كالنائم يرى آخر ينام ولا نوم به فينعس، وكالمتثائب يراه من لا ~~تثاؤب به فيفعل مثل فعله، قسرا من الطبيعة. # وقل ما يكون عشق بين اثنين يتساويان فيه إلا عن مناسبة بينهما PageV02P169 ~~في الشبه في الخلق والخلق وفي الظرف، أو في الهوى أو الطباع. ولذلك ما ~~نرى الحسن يعشق القبيح، والقبيح يحب الحسن ويختار المختار الأقبح على ~~الأحسن، وليس يرى الاختيار في غير ذلك فيتوهم الغلط عليه، لكنه لتعارف ~~الأرواح وازدواج القلوب. # ومن الآفة عشق القيان على كثرة فضائلهن، وسكون النفوس إليهن، وأنهن يجمعن ~~للإنسان من اللذات ما لا يجتمع في شيء على وجه الأرض. # واللذات كلها إنما تكون بالحواس، والمأكول والمشروب حظ لحاسة الذوق لا ~~يشركها فيه غيرها. فلو أكل الإنسان المسك الذي هو حظ الأنف وجده بشعا ~~واستقذره، إذ كان دما جامدا. ولو تنسم أرواح الأطعمة الطيبة كالفواكه وما ~~أشبهها عند انقطاع الشهوة، أو ألح بالنظر إلى شيء من ذلك، عاد ضررا. ولو ~~أدنى من سمعه كل طيب وطيب لم يجد له لذة. # فإذا جاء باب القيان اشترك فيه ثلاثة من الحواس، وصار القلب لها رابعا. ~~فللعين النظر إلى القينة الحسناء والمشهية إذ كان الحذق والجمال PageV02P170 ~~لا يكادان يجتمعان لمستمتع ومرتع، وللسمع منها حظ الذي لا مؤونة عليه، ~~ولا تطرب آلته إلا إليه. # وللمس فيها الشهوة والحنين إلى الباه. والحواس كلها رواد للقلب، وشهود ~~عنده. # وإذا رفعت القينة عقيرة حلقها تغني حدق إليها الطرف، وأصغى نحوها السمع، ~~وألقى القلب إليها الملك، فاستبق السمع والبصر أيهما يؤدي إلى القلب ما ~~أفاد منها قبل صاحبه، فيتوافيان عند حبة القلب فيفرغان ما وعياه، فيتولد ms14 ~~منه مع السرور حاسة اللمس، فيجتمع له في وقت واحد ثلاث لذات لا تجتمع له في ~~شيء قط، ولم تؤد إليه الحواس مثلها. فيكون في مجالسته للقينة أعظم الفتنة؛ ~~لأنه روى في الأثر: " إياكم والنظرة فإنها تزرع في القلب الشهوة ". وكفى ~~بها لصاحبها فتنة، فكيف بالنظر والشهوة إذا صاحبهما السماع، وتكانفتهما ~~المغازلة. # إن القينة لا تكاد تخالص في عشقها، ولا تناصح في ودها؛ لأنها مكتسبة ~~ومجبولة على نصب الحبالة والشرك للمتربطين، ليقتحموا في أنشوطتها، فإذا ~~شاهدنا المشاهد رامته باللحظ، وداعبته بالتبسم، وغازلته في أشعار الغناء، ~~ولهجت باقتراحاته، ونشطت للشرب عند شربه، وأظهرت الشوق إلى طول مكثه، ~~والصبابة لسرعة عودته، والحزن لفراقه. فإذا أحست بأن سحرها PageV02P171 ~~قد نفذ فيه، وأنه قد تعقل في الشرك، تزيدت فيما كانت قد شرعت فيه، ~~وأوهمته أن الذي بها أكثر مما به منها، ثم كاتبته تشكو إليه هواه، وتقسم له ~~أنها مدت الدواة بدمعتها، وبلت السحاءة بريقها، وأنه شجبها وشجوها في ~~فكرتها وضميرها، في ليلها ونهارها، وأنها لا تريد سواه، ولا تؤثر أحدا على ~~هواه، ولا تنوي انحرافا عنه، ولا تريده لماله بل لنفسه؛ ثم جعلت الكتاب في ~~سدس طومار، وختمته بزعفران، وشدته بقطعة زير، وأظهرت ستره عن مواليها، ~~ليكون المغرور أوثق بها. وألحت في اقتضاء جوابه، فإن أجيبت عنه ادعت أنها ~~قد صيرت الجواب سلوتها، وأقامت الكتاب مقام رؤيته، وأنشدت: # وصحيفة تحكي الضمي %~% ر مليحة نغماتها # جاءت وقد قرح الفؤا %~% د لطول ما استبطاتها # فضحكت حين رأيتها %~% وبكيت حين قراتها # عيني رأت ما أنكرت %~% فتبادرت عبراتها # أظلوم، نفسي في يدي %~% ك: حياتها ووفاتها PageV02P172 # ثم تغنت حينئذ: # باب كتاب الحبيب ندماني %~% محدثي تارة وريحاني # أضحكني في الكتاب أوله %~% ثم تمادى به فأبكاني # ثم تجنت عليه الذنوب، وتغايرت على أهله، وحمته النظر إلى صواحباتها، ~~وسقته أنصاف أقداحها، وجمشته بعضوض تفاحها، وتحية من ريحانها، وزودته عند ~~انصرافه خصلة من شعرها، وقطعة من مرطها، وشظية من مضرابها، وأهدت إليه في ~~النيروز تكة وسكرا، وفي المهرجان خاتما وتفاحة، ونقشت على ms15 خاتمها اسمه، ~~وأبدت عند العثرة اسمه، وغنته إذا رأته: # نظر المحب إلى الحبيب نعيم %~% وصدوده خطر عليك عظيم PageV02P173 # ثم أخبرته أنها لا تنام شوقا إليه، ولا تتهنأ بالطعام وجدا به، ولا تمل - ~~إذا غاب - الدموع فيه، ولا ذكرته إلا تنغصت، ولا هتفت باسمه إلا ارتاعت، ~~وأنها قد جمعت قنينة من دموعها من البكاء عليه، وتنشد عند موافاة اسمه بيت ~~المجنون: # أهوى من الأسماء ما وافق اسمها %~% وأشبهه، أو كان منه مدانيا # وعند الدعاء به قوله: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى %~% فهيج أحزان الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما %~% أطار بليلى طائرا كان في صدري # وربما قادها التمويه إلى التصحيح، وربما شاركت صاحبها في البلوى حتى تأتي ~~إلى بيته فتمكنه من القبلة فما فوقها، وتفرشه نفسها إن استحل ذلك منها، ~~وربما جحدت الصناعة لترحض عليه، وأظهرت العلة والتاثت على الموالي، ~~واستباعت من السادة، وادعت الحرية احتيالا لأن يملكها، وإشفاقا أن يجتاحه ~~كثرة ثمنها، ولا سيما إذا صادفته حلو الشمائل، رشيق الإشارة، عذب اللفظ، ~~دقيق الفهم، لطيف الحس، خفيف الروح. فإن كان يقول الشعر ويتمثل به أو يترنم ~~كان أحظى له عندها. PageV02P174 # وأكثر أمرها قلة المناصحة، واستعمال الغدر والحيلة في استنطاف ما يحويه ~~المربوط والانتقال عنه. وربما اجتمع عندها من مربوطيها ثلاثة أو أربعة على ~~أنهم يتحامون من الاجتماع، ويتغايرون عند الالتقاء، فتبكي لواحد بعين، ~~وتضحك للآخر بالأخرى، وتغمز هذا بذاك، وتعطي وأحدا سرها والآخر علانيتها، ~~وتوهمه أنها له دون الآخر، وأن الذي تظهر خلاف ضميرها. وتكتب إليهم عند ~~الانصراف كتبا على نسخة واحدة، تذكر لكل واحد منهم تبرمها بالباقين وحرصها ~~على الخلوة به دونهم. # فلو لم يكن لإبليس شرك يقتل به، ولا علم يدعو إليه، ولا فتنة يستهوي بها ~~إلا القيان، لكفاه. # وليس هذا بذم لهن، ولكنه من فرط المدح. وقد جاء في الأثر: " خير نسائكم ~~السواحر الخلابات ". # وليس يحسن هاروت وماروت، وعصا موسى، وسحرة فرعون، إلا دون ما يحسنه ~~القيان. # ثم إذا منعهن الزنى غلبه عليهن ms16 مخارج بيوت الكشاخنة ترميهن في حجور ~~الزناة. ثم هن أمهات أولاد من قد بلغ بالحب أن غفروا PageV02P175 ~~لهن كل ذنب، وأغضوا منهن على كل عيب. # وإذا كن في منزل رجل من السوقة عذرتهن، وإذا انتقلن إلى منازل الملوك زال ~~العذر. والسبب فيه واحد، والعلة سواء. # وكيف تسلم القينة من الفتنة أو يمكنها أن تكون عفيفة، وإنما تكتسب ~~الأهواء، وتتعلم الألسن والأخلاق بالمنشأ، وهي تنشأ من لدن مولدها إلى أوان ~~وفاتها بما يصد عن ذكر الله من لهو الحديث، وصنوف اللعب والأخانيث، وبين ~~الخلعاء والمجان، ومن لا يسمع منه كلمة جد ولا يرجع منه إلى ثقة ولا دين ~~ولا صيانة مروة. # وتروي الحاذقة منهن أربعة آلاف صوت فصاعدا، يكون الصوت فيما بين البيتين ~~إلى أربعة أبيات، عدد ما يدخل في ذلك من الشعر إذا ضرب بعضه ببعض عشرة آلاف ~~بيت، ليس فيها ذكر الله عن غفلة ولا ترهيب من عقاب، ولا ترغيب في ثواب؛ ~~وإنما بنيت كلها على ذكر الزنى والقيادة، والعشق والصبوة، والشوق والغلمة. # ثم لا تنفك من الدراسة لصناعتها منكبة عليها، تأخذ من المطارحين الذين ~~طرحهم كله تجميش وإنشادهم مراودة. وهي مضطرة إلى ذلك في صناعتها؛ لأنها إن ~~جفتها تفلتت، وإن أهملتها نقصت، وإن لم تستفد PageV02P176 ~~منها وقفت. وكل واقف فإلى نقصان أقرب. وإنما فرق بين أصحاب الصناعات وبين ~~من لا يحسنها التزيد فيها، والمواظبة عليها. فهي لو أرادت الهدى لم تعرفه، ~~ولو بغت الغفلة لم تقدر عليها، وإن ثبتت حجة أبي الهذيل فيما يجب على ~~المتفكر زالت عنها خاصته؛ لأن فكرها وقلبها ولسانها وبدنها، مشاغيل بما هي ~~فيه، وعلى حسب ما اجتمع عليها من ذلك في نفسها لمن يلي مجالستها عليه ~~وعليها. # ومن فضائل الرجال منا أن الناس يقصدونه في رحله بالرغبة كما يقصد بها ~~للخلفاء والعظماء، فيزار ولا يكلف الزيارة، ويوصل ولا يحمل على الصلة، ~~ويهدى له ولا تقتضى منه الهدية، وتبيت العيون ساهرة والعيون ساجمة، والقلوب ~~واجفة، والأكباد متصدعة، والأماني واقفة، على ما يحويه ملكه وتضمه ms17 يده، مما ~~ليس في جميع ما يباع ويشترى، ويستفاد ويقتنى، بعد العقد النفيسة. فمن يبلغ ~~شيئا من الثمن ما بلغت حبشية جارية عون، مائة ألف دينار وعشرون ألف دينار. # ويرسلون إلى بيت مالكها بصنوف الهدايا من الأطعمة والأشربة، فإذا جاءوا ~~حصلوا على النظر وانصرفوا بالحسرة، ويجتني مولاها ثمرة ما غرسوا ويتملى به ~~دونهم، ويكفي مؤونة جواريه. PageV02P177 # فالذي يقاسيه الناس من عيلة العيال، ويفكرون فيه من كثرة عددهم وعظيم ~~مؤونتهم، وصعوبة خدمتهم، هو عنه بمعزل: لا يهتم بغلاء الدقيق، ولا عوز ~~السويق، ولا عزة الزيت، ولا فساد النبيذ؛ قد كفي حسرته إذا نزر، والمصيبة ~~فيه إذا حمض، والفجيعة به إذا انكسر. # ثم يستقرض إذا أعسر ولا يرد، ويسأل الحوائج فلا يمنع، ويلقي أبدا ~~بالإعظام، ويكنى إذا نودي، ويفدى إذا دعي، ويحيا بطرائف الأخبار، ويطلع على ~~مكنون الأسرار، ويتغاير الربطاء عليه، ويتبادرون في بره، ويتشاحون في وده، ~~ويتفاخرون بإيثاره. # ولا نعلم هذه الصفة إلا للخلفاء: يعطون فوق ما يأخذون، وتحصل بهم ~~الرغائب، ويدرك منهم الغنى. # والمقين يأخذ الجوهر ويعطي العرض، ويفوز بالعين ويعطي الأثر، ويبيع الريح ~~الهابة بالذهب الجامد، وفلذ اللجين والعسجد. وبين المرابطين وبين ما يريدون ~~منه خرط القداد؛ لأن صاحب القيان لو لم يترك إعطاء المربوط سأله عفة ~~ونزاهة، لتركه حذقا واختيارا، وشحا على صناعته، ودفعا عن حريم ضيعته؛ لأن ~~العاشق متى ظفر بالمعشوق مرة واحدة نقص تسعة أعشار PageV02P178 ~~عشقه، ونقص من بره ورفده بقدر ما نقص من عشقه. فما الذي يحمل المقين على ~~أن يهبك جاريته، ويكسر وجهه ويصرف الرغبة عنه. # ولولا أنه مثل في هذه الصناعة الكريمة الشريفة لم يسقط الغيرة عن جواريه ~~ويعنى بأخبار الرقباء، ويأخذ أجرة المبيت ويتنادم قبل العشاء، ويعرض عن ~~الغمزة، ويغفر القبلة، ويتغافل عن الإشارة، ويتعامى عن المكاتبة، ويتناسى ~~الجارية يوم الزيارة، ولا يعاتبها على المبيت، ولا يفض ختام سرها، ولا ~~يسألها عن خبرها في ليلها، ولا يعبأ بأن تقفل الأبواب، ويشدد الحجاب، ويعد ~~لكل مربوط عدة على حدة، ويعرف ما يصلح لكل ms18 واحد منهم، كما يميز التاجر ~~أصناف تجارته فيسعرها على مقاديرها. ويعرف صاحب الضياع أراضيه لمزارع الخضر ~~والحنطة والشعير. فمن كان ذا جاه من الربطاء اعتمد على جاهه وسأله الحوائج. ~~ومن كان ذا مال ولا جاه له استقرض منه بلا عينة. ومن كان من السلطان بسبب ~~كفيت به عادية الشرط والأعون، وأعلنت في زيارته الطبول والسراني، مثل سلمة PageV02P179 ~~الفقاعي، وحمدون الصحنائي، وعلي الفامي، وحجر التور، وفقحة، وابن دجاجة، ~~وحفصويه، وأحمد شعرة، وابن المجوسي، وإبراهيم الغلام. # فأي صناعة في الأرض أشرف منها!. # ولو يعلم هؤلاء المسمون فرق ما بين الحلال والحرام لم ينسبوا إلى الكشخ ~~أهلها؛ لأنه قد يجوز أن تباع الجارية من الملئ فيصيب منها وهو في ذلك ثقة، ~~ثم يرتجعها بأقل مما باعها به فيحصل له الربح، أو تزوج ممن يثق به ويكون ~~قصده للمتعة. # فهل على مزوجة من حرج، وهل يفر أحد من سعة الحلال إلا الحائن الجاهل، وهل ~~قامت الشهادة بزناء قط في الإسلام على هذه الجهة. PageV02P180 # هذه الرسالة التي كتبناها من الرواة منسوبة إلى من سميناها في صدرها. فإن ~~كانت صحيحة فقد أدينا منها حق الرواية، والذين كتبوها أولى بما قد تقلدوا ~~من الحجة منها. وإن كانت منحولة فمن قبل الطفيليين؛ إذ كانوا قد أقاموا ~~الحجة في اطراح الحشمة، والمرتبطين ليسهلوا على المقينين ما صنعه ~~المقترفون. # فإن قال قائل: إن لها في كل صنف من هذه الثلاثة الأصناف حظا وسببا فقد ~~صدق. وبالله سبحانه التوفيق. PageV02P181 ms19