######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0037716 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.MukhtarFiRaddCalaNasara #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: المختار في الرد على النصارى #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الفرق والردود #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0037716 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-37716 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/37716 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د / محمد عبد الله الشرقاوي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى، 1411 هـ - 1991 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الجيل - بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### |EDITOR| # [المختار في الرد على النصارى] # المؤلف: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، ~~الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) # المحقق: د / محمد عبد الله الشرقاوي # الناشر: دار الجيل - بيروت # الطبعة: الأولى، 1411 ه - 1991 م # عدد الأجزاء: 1 # [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مذيل بالحواشي] PageV00P000 ### | # الحمد لله الذي من علينا بتوحيده، وجعلنا ممن ينفي شبهة خلقه وسياسة ~~عباده، وجعلنا لا نفرق بين أحد من رسله، ولا نجحد كتابا أوجب علينا الإقرار ~~به، ولا نضيف إليه ما ليس منه، إنه حميد مجيد، فعال لما يريد. # أما بعد. فقد قرأت كتابكم، وفهمت ما ذكرتم فيه من مسائل النصارى قبلكم، ~~وما دخل على قلوب أحداثكم وضعفائكم من اللبس، والذي خفتموه على جواباتهم من ~~العجز، وما سألتم من إقرارهم بالمسائل، ومن حسن معونتهم بالجواب. # وذكرتم أنهم قالوا: إن الدليل على أن كتابنا باطل، وأمرنا فاسد، أننا ~~ندعي عليهم ما لا يعرفونه فيما بينهم، ولا يعرفونه من أسلافهم، لأنا نزعم ~~أن الله جل وعز قال في كتابه على لسان نبيه محمد - صلى الله عليه وسلم -: # {وإذ قال الله يا عيسى بن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون ~~الله}، PageV01P053 # وأنهم زعموا أنهم لم يدينوا قط بأن مريم إله في سرهم، ولا ادعوا ذلك قط ~~في علانيتهم. # وأنهم زعموا أنا ادعينا عليهم ما لا يعرفون، كما ادعينا على ~~اليهود ما لا يعرفون، حين نطق كتابنا، وشهد نبينا: أن اليهود قالوا: إن ~~عزيرا ابن الله، وإن يد الله مغلولة، وإن الله فقير وهم أغنياء. # وهذا ما لا يتكلم به إنسان، ولا يعرف في شيء من الأديان. # ولو كانوا يقولون في عزير ما نحلتمون وادعيتموه، لما جحدوه من دينهم، ~~ولما أنكروا أن يكون من قولهم، ولما كانوا بإنكار بنوة عزير أحق منا بإنكار ~~بنوة المسيح، ولما كان علينا منكم بأس بعد عقد الذمة، وأخذ الجزية. # وذكرتم أنهم قالوا: ومما يدل على غلطكم في الأخبار، وأخذكم العلم عن غير ~~الثقات، أن كتابكم ينطق: أن فرعون ms01 قال لهامان: ابن لي صرحا. وهامان لم يكن ~~إلا في زمن الفرس، وبعد زمن فرعون بدهر طويل، وإن ذلك معروف عند أصحاب ~~الكتب، مشهور عند أهل العلم. وإنما اتخذ صرحا ليكون إذا علاه أشرف على ~~الله. ~~وفرعون لا يخلو من أن يكون جاحدا لله تعالى، أو مقرا به. فإن كان دينه PageV01P054 ~~عند نفسه وأهل مملكته نفي الله وجحده، فما وجه اتخاذ الصرح وطلب الإشراف، ~~وليس هناك شيء ولا إله؟ # وإن كان مقرا بالله عارفا به، فلا يخلو من أن يكون ~~مشبها أو نافيا للتشبيه. فإن كان ممن ينفي الطول والعرض والعمق والحدود ~~والجهات، فما وجه طلبه له في مكان بعينه، وهو عنده بكل مكان؟ # وإن كان مشبهافقد علم أنه ليس في طاقة بني آدم أن يبنوا بنيانا أو يرفعوا صرحا يخرق سبع ~~سموات بأعماقهن، والأجزاء التي بينهن، حتى يحاذي العرش ثم يعلوه. # وفرعون وإن كان كافرا فلم يكن مجنونا، ولا كان إلى نقص العقل من بين ~~الملوك منسوبا. # على أن الحكم قد يقوم بعقول الملوك بالفضيلة على عقول الرعية. # وذكرتم أنهم قالوا: تزعمون أن الله تعالى ذكر يحيى بن زكريا يخبر أنه لم ~~يجعل له من قبل سميا، وأنهم يجدون في كتبهم وفيما لا يختلف فيه خاصتهم ~~وعامتهم أنه كان من قبل يحيى بن زكريا غير واحد يقال له يحيى، منهم يوحنا ~~بن فرح. PageV01P055 # وزعمتم أنهم قالوا لكم: إنكم ذكرتم أن الله قال في كتابه لنبيكم: # {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم، فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا ~~تعلمون}، # وإنما عنى بقوله أهل الذكر أهل التوراة، وأصحاب الكتب يقولون: إن ~~الله قد بعث من النساء نبيات، منهم مريم بنت عمران، وبعث منهم حنة، وسارة، ~~ورفقى. # وذكرتم أنهم قالوا: زعمتم أن عيسى تكلم في المهد، ونحن على تقديمنا له، ~~وتقريبنا لأمره وإفراطنا بزعمكم فيه، على كثرة عددنا وتفاوت بلادنا ~~واختلافنا فيما بيننا، لا نعرف ذلك ولا ندعيه، # وكيف ندعيه ولم نسمعه عن سلف ولا ادعاه منا مدع. # ثم هذه ms02 اليهود لا تعرف ذلك، وتزعم أنها لم تسمع به إلا منكم، ولا تعرفه ~~المجوس، ولا الصابئون، ولا عباد البددة من الهند وغيرهم، ولا الترك والخزر، ~~ولا بلغنا ذلك عن أحد من الأمم السالفة، والقرون الماضية، ولا في PageV01P056 ~~الإنجيل، ولا في ذكر صفات المسيح في الكتب والبشارات به على ألسنة الرسل. ~~ومثل هذا لا يجوز أن يجهله الولي والعدو، وغير الولي وغير العدو، ولا ~~يضرب به مثل، ولا يروح به الناس، ثم يجمع النصارى على رده، مع حبهم لتقوية ~~أمره. ولم يكونوا ليضادوكم فيما يرجع عليهم نفعه. # وكيف لم يكذبوكم في إحيائه الموتى، ومشيه على الماء، وإبراء الأكمه والأبرص؟ بل لم يكونوا ~~ليتفقوا على إظهار خلاف دينهم وإنكار أعظم حجة كانت لصاحبهم، ومثل هذا لا ~~ينكتم ولا ينفك ممن يخالف وينم. # والكلام في المهد أعجب من كل عجب، وأغرب من كل غريب، وأبدع من كل بديع؛ ~~لأن إحياء الموتى والمشي على الماء، وإقامة المقعد، وإبراء الأعمى، وإبراء ~~الأكمه قد أتت به الأنبياء، وعرفه الرسل، ودار في أسماعهم. ولم يتكلم صبي ~~قط، ولا مولود في المهد. وكيف ضاعت هذه الآية، وسقطت حجة هذه العلامة من ~~بين كل علامة؟ # وبعد، فكل أعجوبة يأتي بها الرجال، والمعروفون بالبيان، والمنسوبون إلى ~~صواب الرأي، تكون الحيلة في الظن إليها أقرب، وخوف الخدعة عليها أغلب. # والصبي المولود عاجز في الفطرة، ممتنع من كل حيلة، لا يحتاج فيه إلى نظر، ~~ولا يشبهه من شاهده بدخل. PageV01P057 ### | فصل منه # وسنقول في جميع ما ورد علينا من مسائلكم، وفيما لا يقع إليكم من مسائلهم، ~~بالشواهد الظاهرة، والحجج القوية، والأدلة الاضطرارية. # ثم نسألهم بعد جوابنا إياهم عن وجوه يعرفون بها انتقاض قولهم، وانتشار مذهبهم، وتهافت دينهم. # ونحن نعوذ بالله من التكلف وانتحال ما لا نحسن، ونسأله القصد في القول ~~والعمل، وأن يكون ذلك لوجهه، ولنصرة دينه، إنه قريب مجيب. ~~فأنا مبتدىء في ذكر الأسباب التي لها صارت النصارى أحب إلى العوام من ~~المجوس، وأسلم صدورا عندهم من اليهود، وأقرب مودة، وأقل غائلة، ms03 وأصغر كفرا، ~~وأهون عذابا. ولذلك أسباب كثيرة، ووجوه واضحة، يعرفها من نظر، ويجهلها من ~~لم ينظر. # أول ذلك أن اليهود كانوا جيران المسلمين بيثرب وغيرها، وعداوة الجيران ~~شبيهة بعداوة الأقارب في شدة التمكن وثبات الحقد، وإنما يعادي الإنسان من ~~يعرف، ويميل على من يرى، ويناقض من يشاكل، ويبدو له عيوب من يخالط. وعلى ~~قدر الحب والقرب يكون البغض والبعد، ولذلك كانت حروب الجيران وبني الأعمام ~~من سائر الناس وسائر العرب أطول، وعداوتهم أشد. # فلما صار المهاجرون لليهود جيرانا، وقد كانت الأنصار متقدمة الجوار، ~~مشاركة PageV01P058 ~~في الدار، حسدتهم اليهود على النعمة في الدين، والاجتماع بعد الافتراق، ~~والتواصل بعد التقاطع، وشبهوا على العوام، واستمالوا الضعفة، ومالئوا ~~الأعداء والحسدة، ثم جاوزوا الطعن وإدخال الشبهة، إلى المناجزة والمنابذة ~~بالعداوة، فجمعوا كيدهم، وبذلوا أنفسهم وأموالهم في قتالهم، وإخراجهم من ~~ديارهم، وطال ذلك واستفاض فيهم وظهر، وترادف لذلك الغيظ، وتضاعف البغض، ~~وتمكن الحقد. ~~وكانت النصارى لبعد ديارهم، من مبعث النبي - صلى الله عليه وسلم - ~~ومهاجره، لا يتكلفون طعنا، ولا يثيرون كيدا، ولا يجمعون على حرب. # فكان هذا أول أسباب ما غلظ القلوب على اليهود، ولينها على النصارى. ~~ثم كان من أمر المهاجرين إلى الحبشة، واعتمادهم على تلك الجنبة ما حببهم ~~إلى عوام المسلمين. وكلما لانت القلوب لقوم غلظت على أعدائهم، وبقدر ما نقص ~~من بغض النصارى زاد في بغض اليهود. ~~ومن شأن الناس حب من اصطنع إليهم خيرا أو جرى على يديه، أراد الله بذلك ~~أو لم يرده، وبقصد كان أم باتفاق. # وأمر آخر، وهو من أمتن أسبابهم وأقوى أمورهم، وهو تأويل آية غلطت فيها ~~العامة حتى نازعت الخاصة، وحفظتها النصارى واحتجت بها، واستمالت قلوب ~~الرعاع والسفلة، وهو قول الله تعالى: # {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا ~~اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا ~~نصارى} إلى قوله: {وذلك جزاء المحسنين} # وفي نفس الآية أعظم الدليل على أن الله تعالى لم يعن هؤلاء النصارى ولا PageV01P059 ~~أشباههم: الملكانية واليعقوبية، وإنما عنى ضرب بحيرا وضرب ms04 الرهبان الذين ~~كان يخدمهم سلمان. ~~وبين حمل قوله {الذين قالوا إنا نصارى} على الغلط منهم في الأسماء وبين ~~أن نجزم عليهم لأنهم نصارى فرق. # كما ذكر اليهود أنه جاء الإسلام وملوك العرب رجلان غساني ولخمي، وهما ~~نصرانيان، وقد كانت العرب تدين لهما، وتؤدي الإتاوة لهما، فكان تعظيم ~~قلوبهم لهما راجعا إلى تعظيم دينهما. ~~وكانت تهامة، وإن كانت لقاحا لا تدين الدين، ولا تؤدي الإتاوة، ولا تدين ~~للملوك، فإنها كانت لا تمتنع من تعظيم ما عظم الناس، وتصغير ما صغروا. ~~ونصرانية النعمان وملوك غسان مشهورة في العرب، معروفة عند أهل النسب، ~~ولولا ذلك لدللت عليها بالأشعار المعروفة، والأخبار الصحيحة. # وقد كانت تتجر إلى الشام، وينفذ رجالها إلى ملوك الروم، ولها رحلة في ~~الشتاء والصيف، في تجارة مرة إلى اليمن، ومرة قبل الشام، ومصيفها بالطائف، ~~فكانوا أصحاب نعمة، وذلك مشهور مذكور في القرآن وعند أهل المعرفة. وقد كانت ~~تهاجر إلى الحبشة، وتأتي باب النجاشي وافدة، فيحبوهم بالجزيل، ويعرف لهم ~~الأقدار. ولم تكن تعرف كسرى، ولا تأنس بهم. PageV01P060 # وقيصر والنجاشي نصرانيان، فكان ذلك أيضا للنصارى دون اليهود. والآخر من ~~الناس تبع للأول في تعظيم من عظم، وتصغير من صغر. # وأخرى أن العرب كانت النصرانية فيهل فاشية، وعليها غالبة، إلا مضر، فلم ~~تغلب عليها يهودية ولا مجوسية، ولم تفش فيها النصرانية، إلا ما كان من قوم ~~منهم نزلوا الحيرة يسمون العباد، فإنهم كانوا نصارى، وهم مغمورون مع نبذ ~~يسير في بعض القبائل. ولم تعرف مضر إلا دين العرب، ثم الإسلام. # وغلبت النصرانية على ملوك العرب وقبائلها: على لخم، وغسان، والحارث بن ~~كعب بنجران، وقضاعة، وطي، في قبائل كثيرة، وأحياء معروفة. ثم ظهرت في ربيعة ~~فغلبت على تغلب وعبد القيس وأفناء بكر، ثم في آل ذي الجدين خاصة. ~~وجاء الإسلام وليست اليهودية بغالبة على قبيلة، إلا ما كان من ناس من ~~اليمانية، ونبذ يسير من جميع إياد وربيعة. ومعظم اليهودية إنما كانت بيثرب ~~وحمير وتيماء ووادي القرى، في ولد هارون، دون العرب. ~~فعطف قلوب دهماء ms05 العرب على النصارى الملك الذي كان فيهم، والقرابة التي كانت لهم. # ثم رأت عوامنا أن فيها ملكا قائما، وأن فيهم عربا كثيرة، وأن ~~بنات الروم ولدن لملوك الإسلام، وأن في النصارى متكلمين وأطباء ومنجمين، ~~فصاروا بذلك عندهم عقلاء وفلاسفة وحكماء، ولم يروا ذلك في اليهود. PageV01P061 # وإنما اختلفت أحوال اليهود والنصارى في ذلك لأن اليهود ترى أن النظر في ~~الفلسفة كفر، والكلام في الدين بدعة، وأنه مجلبة لكل شبهة، وأنه لا علم إلا ~~ما كان في التوراة وكتب الأنبياء، وأن الإيمان بالطب وتصديق المنجمين من ~~أسباب الزندقة والخروج إلى الدهرية، والخلاف على الأسلاف وأهل القدوة، حتى ~~إنهم ليبهرجون المشهور بذلك، ويحرمون كلام من سلك سبيل أولئك. # ولو علمت العوام أن النصارى والروم ليست لهم حكمة ولا بيان، ولا بعد ~~روية، إلا حكمة الكف، من الخرط والنجر والتصوير، وحياكة البزيون، لأخرجتهم ~~من حدود الأدباء، ولمحتهم من ديوان الفلاسفة والحكماء؛ لأن كتاب المنطق ~~والكون والفساد، وكتاب العلوي، وغير ذلك، لأرسطاطاليس، وليس برومي ولا ~~نصراني. وكتاب المجسطي لبطليموس، وليس برومي ولا نصراني. وكتاب إقليدس ~~لإقليدس، وليس برومي ولا نصراني. وكتاب الطب لجالينوس، ولم يكن روميا ولا ~~نصرانيا. وكذلك كتب ديمقراط وبقراط وأفلاطون، وفلان وفلان. وهؤلاء ناس من ~~أمة قد بادوا وبقيت آثار عقولهم، وهم اليونانيون، ودينهم غير دينهم، وأدبهم ~~غير أدبهم. أولئك علماء، وهؤلاء صناع أخذوا كتبهم لقرب الجوار، وتداني ~~الدار، فمنها ما أضافوه إلى أنفسهم، ومنها ما حولوه إلى ملتهم. إلا ما كان ~~من مشهور كتبهم، ومعروف حكمهم، فإنهم حين لم يقدروا على تغيير أسمائها ~~زعموا أن اليونانيين قبيل من قبائل الروم، ففخروا بأديانهم على اليهود، PageV01P062 ~~واستطالوا بها على العرب، وبذخوا بها على الهند، حتى زعموا أن حكماءنا ~~أتباع حكمائهم، وأن فلاسفتنا اقتدوا على أمثالهم، فهذا هذا. # ودينهم -يرحمك الله- يضاهي الزندقة، ويناسب في بعض وجوهه قول الدهرية، ~~وهم من أسباب كل حيرة وشبهة. والدليل على ذلك أنا لم نر أهل ملة قط أكثر ~~زندقة من النصارى، ولا أكثر متحيرا أو مترنحا منهم. وكذلك ms06 شأن كل من نظر في ~~الأمور الغامضة بالعقول الضعيفة: ألا ترى أن أكثر من قتل في الزندقة ممن ~~كان ينتحل الإسلام ويظهره، هم الذين آباؤهم وأمهاتهم نصارى. على أنك لو ~~عددت اليوم أهل الظنة ومواضع التهمة لم تجد أكثرهم إلا كذلك. ~~ومما عظمهم في قلوب العوام، وحببهم إلى الطغام، أن منهم كتاب السلاطين، ~~وفراشي الملوك، وأطباء الأشراف، والعطارين والصيارفة. ولا تجد اليهودي إلا ~~صباغا، أو دباغا، أو حجاما، أو قصابا، أو شعابا. # فلما رأت العوام اليهود والنصارى توهمت أن دين اليهود في الأديان ~~كصناعتهم في الصناعات، وأن كفرهم أقذر الكفر، إذ كانوا هم أقذر الأمم. ~~وإنما صارت النصارى أقل مساخة من اليهود، على شدة مساخة النصارى، لأن ~~الإسرائيلي لا يزوج إلا الإسرائيلي، وكل مناكحهم مردودة فيهم، ومقصورة ~~عليهم، وكانت الغرائب لا تشوبهم، وفحولة الأجناس لا تضرب ولا تضرب فيهم، لم ~~ينجبوا في عقل ولا أسر ولا ملح. وإنك لتعرف ذلك في الخيل والإبل والحمير ~~والحمام. PageV01P063 # ونحن -رحمك الله- لم نخالف العوام في كثرة أموال النصارى، وأن فيهم ملكا ~~قائما، وأن ثيابهم أنظف، وأن صناعتهم أحسن. ~~وإنما خالفنا في فرق ما بين الكفرين والفرقتين، في شدة المعاندة ~~واللجاجة، والإرصاد لأهل الإسلام بكل مكيدة، مع لؤم الأصول، وخبث الأعراق. ~~فأما الملك والصناعة والهيئة، فقد علمنا أنهم اتخذوا البراذين الشهرية، ~~والخيل العتاق، واتخذوا الجوقات، وضربوا بالصوالجة، وتحذفوا المديني، ~~ولبسوا الملحم والمطبقة، واتخذوا الشاكرية، وتسموا بالحسن والحسين، والعباس ~~وفضل وعلي، واكتنوا بذلك أجمع، ولم يبق إلا أن يتسموا بمحمد، ويكتنوا بأبي ~~القاسم. فرغب إليهم المسلمون، وترك كثير منهم عقد الزنانير، وعقدها آخرون ~~دون ثيابهم، وامتنع كثير من كبرائهم من إعطاء الجزية، وأنفوا مع أقدارهم من ~~دفعها، وسبوا من سبهم، وضربوا من ضربهم. وما لهم لا يفعلون ذلك وأكثر منه، # وقضاتنا أو عامتهم يرون أن دم الجاثليق ~~والمطران والأسقف وفاء بدم جعفر وعلي والعباس وحمزة. ويرون أن النصراني إذا ~~قذف أم النبي - صلى الله عليه وسلم - بالغواية أنه ليس عليه إلا التعزير ~~والتأديب، ثم يحتجون أنهم ms07 إنما قالوا ذلك لأن أم النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - لم تكن مسلمة. # فسبحان الله العظيم ما أعجب هذا القول وأبين انتشاره. ~~ومن حكم النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن لا يساوونا في المجلس، ومن قوله: ~~وإن سبوكم فاضربوهم، وإن ضربوكم فاقتلوهم. وهم إذا قذفوا أم النبي عليه ~~السلام بالفاحشة لم يكن له عند أمته إلا التعزير والتأديب. PageV01P064 # وزعموا أن افتراءهم على النبي ليس بنكث للعهد، ولا بنقض للعقد. ~~وقد أمر النبي عليه السلام أن يعطونا الضريبة عن يد منا عالية في قبولنا ~~منهم، وعقدنا لذمتهم، دون إراقة دمهم. وقد حكم الله تعالى عليهم بالذلة ~~والمسكنة. ~~أوما ينبغي للجاهل أن يعلم أن الأئمة الراشدين والسلف المتقدمين لم ~~يشترطوا عند أخذ الجزية وعقد الذمة عدم الافتراء على النبي - صلى الله عليه ~~وسلم - وأمته، إلا لأن ذلك عندهم أعظم في العيون وأجل في الصدور من أن ~~يحتاجوا إلى تخليده في الكتب، وإلى إظهار ذكره بالشرط، وإلى تثبيته ~~بالبينات. بل لو فعلوا ذلك لكان فيه الوهن عليهم، والمطمعة فيهم، ولظنوا ~~أنهم في القدر الذي يحتاج فيه إلى هذا وشبهه. ~~وإنما يتواثق الناس في شروطهم، ويفسرون في عهودهم ما يمكن فيه الشبهة، أو ~~يقع فيه الغلط، أو يغبى عنه الحاكم، وينساه الشاهد، ويتعلق به الخصم، فأما ~~الواضح الجلي، والظاهر الذي لا يخيل فما وجه اشتراطه، والتشاغل بذكره. # وأما ما احتاجوا إلى ذكره في الشروط، وكان مما يجوز أن يظهر في العهد فقد فعلوه، ~~وهو كالذلة والصغارة، وإعطاء الجزية، ومقاسمة الكنائس، وأن لا يعينوا بعض ~~المسلمين على بعض، وأشباه ذلك. فأما أن يقولوا لمن هو أذل من الذليل، وأقل ~~من القليل، وهو الطالب الراغب في أخذ فديته، والإنعام عليه بقبض جزيته وحقن ~~دمه: نعاهدك على أن لا تفتري على أمة رسول رب العالمين، وخاتم النبيين، ~~وسيد الأولين والآخرين. فهذا ما لا يجوز في تدبير أوساط الناس. فكيف بالجلة ~~والعلية، وأئمة الخليقة، ومصابيح الدجى، ومنار الهدى، مع أنفة العرب، وبأو ~~السلطان، وغلبة الدولة، وعز الإسلام، وظهور ms08 الحجة، والوعد بالنصرة. # على أن هذه الأمة لم تبتل باليهود، ولا المجوس، ولا الصابئين كما ابتليت PageV01P065 ~~بالنصارى. وذلك أنهم يتبعون المتناقض من أحاديثنا، والضعيف بالأسناد من ~~روايتنا، والمتشابه من آي كتابنا، ثم يخلون بضعفائنا، ويسألون عنها عوامنا، ~~مع ما قد يعلمون من مسائل الملحدين، والزنادقة الملاعين، وحتى مع ذلك ربما ~~[تجرءوا] إلى علمائنا، وأهل الأقدار منا، ويشغبون على القوي، ويلبسون على ~~الضعيف. # ومن البلاء أن كل إنسان من المسلمين يرى أنه متكلم، وأنه ليس أحد أحق ~~بمحاجة الملحدين من أحد. # وبعد، فلولا متكلمو النصارى وأطباؤهم ومنجموهم ما صار إلى أغبيائنا ~~وظرفائنا ومجاننا وأحداثنا شيء من كتب المنانية، والديصانية، والمرقونية، ~~والفلانية، ولما عرفوا غير كتاب الله تعالى، وسنة نبيه - صلى الله عليه ~~وسلم -، ولكانت تلك الكتب مستورة عند أهلها، ومخلاة في أيدي ورثتها. فكل ~~سخنة عين رأيناها في أحداثنا وأغبيائنا فمن قبلهم كان أولها. ~~وأنت إذا سمعت كلامهم في العفو والصفح، وذكرهم للسياحة، وزرايتهم على كل ~~من أكل اللحمان، ورغبتهم في أكل الحبوب وترك الحيوان، وتزهيدهم في النكاح، ~~وتركهم لطلب الولد، ومديحهم للجاثليق والمطران والأسقف والرهبان بترك ~~النكاح وطلب النسل، PageV01P066 ~~وتعظيمهم الرؤساء علمت أن بين دينهم وبين الزندقة نسبا، وأنهم يحنون إلى ~~ذلك المذهب. # والعجب أن كل جاثليق لا ينكح، ولا يطلب الولد. وكذلك كل مطران، وكل أسقف. ~~وكذلك كل أصحاب الصوامع من اليعقوبية، والمقيمين في الديارات والبيوت من ~~النسطورية. وكل راهب في الأرض وراهبة، مع كثرة الرهبان والرواهب، ومع تشبه ~~أكثر القسيسين بهم في ذلك، ومع ما فيهم من كثرة الغزاة، وما يكون فيهم مما ~~يكون في الناس، من المرأة العاقر، والرجل العقيم. على أن من تزوج منهم ~~امرأة لم يقدر على الاستبدال بها، ولا على أن يتزوج أخرى معها، ولا على ~~التسري عليها. وهم مع هذا قد طبقوا الأرض، وملئوا الأفاق، وغلبوا الأمم ~~بالعدد، وبكثرة الولد. وذلك مما زاد في مصائبنا، وعظمت به محنتنا. ومما زاد ~~فيهم، وأنمى عددهم، أنهم يأخذون من سائر الأمم، ولا يعطونهم، لأن كل دين ms09 ~~جاء بعد دين، أخذ منه الكثير، وأعطاه القليل. ### | فصل منه # ومما يدل على قلة رحمتهم وفساد قلوبهم أنهم أصحاب الخصاء من بين جميع ~~الأمم، والخصاء أشد المثلة، وأعظم ما ركب به إنسان، ثم يفعلون ذلك بأطفال ~~لا ذنب لهم، ولا دفع عندهم. ولا نعرف قوما يعرفون بخصاء الناس حيث ما كانوا ~~إلا ببلاد الروم والحبشة، وهم في غيرهما قليل، وأقل قليل. على أنهم لم ~~يتعلموا إلا منهم، ولا كان السبب في ذلك غيرهم. ثم خصوا أبناءهم وأسلموهم ~~في بيعهم. وليس الخصاء إلا في دين الصابئين، فإن العابد ربما خصى نفسه، ولا ~~يستحل خصاء ابنه. فلو تمت إرادتهم في خصاء أولادهم في ترك النكاح وطلب ~~النسل كما حكيت لك قبل هذا لانقطع النسل، وذهب الدين، وفتن الخلق. PageV01P067 # والنصراني وإن كان أنظف ثوبا، وأحسن صناعة، وأقل مساخة، فإن باطنه ألأم ~~وأقذر وأسمج، لأنه أقلف، ولا يغتسل من الجنابة، ويأكل لحم الخنزير، وامرأته ~~جنب لا تطهر من الحيض، ولا من النفاس، ويغشاها في الطمث، وهي مع ذلك غير ~~مختونة. وهم مع شرارة طبائعهم، وغلبة شهواتهم ليس في دينهم مزاجر كنار الأبد في ~~الآخرة، وكالحدود والقود والقصاص في الدنيا. فكيف يجانب ما يفسده ويؤثر ما ~~يصلحه من كانت حاله كذلك. وهل يصلح الدنيا من هو كما قلنا؟ وهل يهيج على ~~الفساد إلا من وصفنا؟! # ولو جهدت بكل جهدك، وجمعت كل عقلك أن تفهم قولهم في المسيح، لما قدرت ~~عليه، حتى تعرف به حد النصرانية، وخاصة قولهم في الإلهية. # وكيف تقدر على ذلك وأنت لو خلوت ونصراني نسطوري فسألته عن قولهم في ~~المسيح لقال قولا، ثم إن خلوت بأخيه لأمه وأبيه وهو نسطوري مثله فسألته عن ~~قولهم في المسيح لأتاك بخلاف أخيه وصنوه. وكذلك جميع الملكانية واليعقوبية. ~~ولذلك صرنا لا نعقل حقيقة النصرانية، كما نعرف جميع الأديان. # على أنهم يزعمون أن الدين لا يخرج في القياس، ولا يقوم على المسائل، ولا ~~يثبت في الامتحان؛ وإنما هو بالتسليم لما في الكتب، والتقليد للأسلاف. # ولعمري، إن من ms10 كان دينه دينهم ليجب عليه أن يعتذر بمثل عذرهم. وزعموا أن PageV01P068 ~~كل من اعتقد خلاف النصرانية من المجوس والصابئين والزنادقة فهو معذور، ما ~~لم يتعمد الباطل ويعاند الحق. فإذا صاروا إلى اليهود قضوا عليهم بالمعاندة، ~~وأخرجوهم من طريق الغلط والشبهة. ### | فصل منه # فأما مسألتهم في كلام عيسى في المهد: أن النصارى مع حبهم لتقوية أمره لا ~~يثبتونه، وقولهم # إنا تقولناه ورويناه عن غير الثقات، وإن الدليل على أن ~~عيسى لم يتكلم في المهد أن اليهود لا يعرفونه، وكذلك المجوس، وكذلك الهند ~~والخزر والديلم. فنقول في جواب مسألتهم عند إنكارهم كلام المسيح في المهد ~~مولودا: يقال لهم: # إنكم حين سويتم المسألة وموهتموها، ونظمتم ألفاظها، ظننتم أنكم ~~قد أنجحتم، وبلغتم غايتكم. ولعمري لئن حسن ظاهرها، وراع الأسماع مخرجها، ~~إنها لقبيحة المفتش، سيئة المعرى. ~~ولعمري أن لو كانت اليهود تقر لكم بإحياء الأربعة الذين تزعمون، وإقامة ~~المقعد الذي تدعون، وإطعام الجمع الكثير من الأرغفة اليسيرة، وتصيير الماء ~~جمدا، والمشي على الماء، ثم أنكرت الكلام في المهد من بين جميع آياته ~~وبراهينه لكان لكم في ذلك مقال، وإلى الطعن سبيل. فأما وهم يجحدون ذلك ~~أجمع، فمرة يضحكون، ومرة يغتاظون ويقولون: إنه صاحب رقى ونيرجات، ومداوي ~~مجانين، ومتطبب، وصاحب حيل وتربص خدع، وقراءة كتب، وكان لسنا مسكينا، ~~ومقتولا مرجوما، ولقد كان قبل ذلك صياد سمك، وصاحب شبك، وكذلك أصحابه. وأنه ~~خرج على مواطأة منهم له، وأنه لم يكن لرشدة. PageV01P069 ~~وأحسنهم قولا، وألينهم مذهبا من زعم أنه ابن يوسف النجار. وأنه قد كان ~~واطأ ذلك المقعد قبل إقامته بسنين، حتى إذا شهره بالقعدة، وعرف موضعه في ~~الزمنى، مر به في جمع من الناس كأنه لا يريده، فشكا إليه الزمانة وقلة ~~الحيلة وشدة الحاجة، فقال: ناولني يدك. فناوله يده، فاجتذبه فأقامه، فكان ~~تجمع لطول القعود، حتى استمر بعد ذلك. وأنه لم يحي ميتا قط، وإنما كان داوى ~~رجلا يقال له لاعازر إذ أغمي عليه يوما وليلة، وكانت أمه ضعيفة العقل قليلة ~~المعرفة، فمر بها، فإذا هي تصرخ ms11 وتبكي، فدخل إليها ليسكتها ويعزيها، وجس ~~عرقه فرأى فيه علامة الحياة، فداواه حتى أقامه، فكانت لقلة معرفتها لا تشك ~~أنه قد مات، ولفرحها بحياته تثني عليه بذلك، وتتحدث به. ~~فكيف تستشهدون قوما هذا قولهم في صاحبكم حين قالوا: كيف يجوز أن يتكلم ~~صبي في المهد مولودا، فيجهله الأولياء والأعداء. # ولو كانت المجوس تقر لعيسى بعلامة واحدة وبأدنى أعجوبة، لكان لكم أن ~~تنكروا علينا بهم، وتستعينوا بإنكارهم. # فأما وحال عيسى في جميع أمره عند ~~المجوس كحال زرادشت في جميع أمره عند النصارى، فما اعتلالهم به، وتعلقهم في ~~إنكارهم؟ # وأما قولكم: وكيف لم تعرف الهند والخزر والترك ذلك؟ # فمتى أقرت الهند لموسى بأعجوبة واحدة، فضلا عن عيسى؟ # ومتى أقرت لنبي بآية، أو روت له سيرة، ~~حتى تستشهدوا الهند على كلام عيسى في المهد؟ PageV01P070 # ومتى كانت الترك والديلم والخزر والتتر والطيلسان مذكورة في شيء من هذا ~~الجنس، محتجا بها على هذا الضرب؟ # فإن سألونا عن أنفسهم فقالوا: ما لنا لا نعرف ذلك ولم يبلغنا عن أحد بتة؟ # أجبناهم بعد إسقاط نكيرهم وتشنيعهم، وتزوير شهودهم. # وجوابنا أنهم إنما قبلوا دينهم عن أربعة أنفس: اثنان منهم من الحواريين ~~بزعمهم: يوحنا ومتى. واثنان من المستجيبة وهما: مارقش ولوقش، وهؤلاء ~~الأربعة لا يؤمن عليهم الغلط ولا النسيان، ولا تعمد الكذب، ولا التواطؤ على ~~الأمور، والاصطلاح على اقتسام الرياسة، وتسليم كل واحد منهم لصاحبه حصته ~~التي شرطها له. # فإن قالوا: إنهم كانوا أفضل من أن يتعمدوا كذبا وأحفظ من أن ينسوا شيئا، ~~وأعلى من أن يغلطوا في دين الله تعالى أو يضيعوا عهدا. # قلنا: إن اختلاف رواياتهم في الإنجيل، وتضادها في كتبهم، واختلافهم في ~~نفس المسيح، مع اختلاف شرائعهم، دليل على صحة قولنا فيهم وغفلتكم عنهم. # وما ينكر من مثل لوقش أن يقول باطلا، وليس من الحواريين، وقد كان يهوديا ~~قبل ذلك بأيام يسيرة، ومن هو عندكم من الحواريين خير من لوقش عند المسيح في ~~ظاهر الحكم بالطهارة، والطباع الشريفة، وبراءة الساحة. PageV01P071 ### | فصل منه # سألتم عن قولهم: # إذا ms12 كان تعالى قد اتخذ عبدا من عباده خليلا، فهل يجوز أن ~~يتخذ عبدا من عباده ولدا، يريد بذلك إظهار رحمته له، ومحبته إياه، وحسن ~~تربيته وتأديبه له، ولطف منزلته منه، كما سمى عبدا من عباده خليلا، وهو ~~يريد تشريفه وتعظيمه، والدلالة على خاص حاله عنده. ~~وقد رأيت من المتكلمين من يجيز ذلك ولا ينكره، إذا كان ذلك على التبني ~~والتربية والإبانة له بلطف المنزلة، والاختصاص له بالمرحمة والمحبة، لا على ~~جهة الولادة، واتخاذ الصاحبة. ويقول: # ليس في القياس فرق بين اتخاذ الولد ~~على التبني والتربية وبين اتخاذ الخليل على الولاية والمحبة. وزعم أن الله ~~تعالى يحكم في الأسماء بما أحب، كما أن له أن يحكم في المعاني بما أحب. # وكان يجوز دعوى أهل الكتاب على التوراة والإنجيل والزبور، وكتب الأنبياء ~~صلوات الله عليهم في قولهم: # إن الله قال: "إسرائيل بكري" أي هو أول من ~~تبنيت من خلقي. وأنه قال: "إسرائيل بكري، وبنوه أولادي". وأنه قال لداود: # "سيولد لك غلام، ويسمى لي ابنا، وأسمى له أبا". وأن المسيح قال في الإنجيل: PageV01P072 # "أنا أذهب إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم"، وأن المسيح أمر الحواريين أن ~~يقولوا في صلواتهم: # "يا أبانا في السماء، تقدس اسمك". # في أمور عجيبة، ومذاهب شنيعة، يدل على سوء عبادة اليهود، وسوء تأويل أصحاب الكتب، وجهلهم ~~مجازات الكلام، وتصاريف اللغات، ونقل لغة إلى لغة، وما يجوز على الله، وما ~~لا يجوز. وسبب هذا التأويل كله الغي والتقليد، واعتقاد التشبيه. # وكان يقول: إنما وضعت الأسماء على أقدار المصلحة، وعلى قدر ما يقابل من ~~طبائع الأمم. فربما كان أصلح الأمور وأمتنها أن يتبناه الله أو يتخذه ~~خليلا، أو يخاطبه بلا ترجمان، أو يخلقه من غير ذكر، أو يخرجه من بين عاقر ~~وعقيم. وربما كانت المصلحة غير ذلك كله. وكما تعبدنا أن نسميه جوادا ونهانا ~~أن نسميه سخيا أو سريا وأمرنا أن نسميه مؤمنا ونهانا أن نسميه مسلما، ~~وأمرنا أن نسميه رحيما ونهانا أن نسميه رفيقا. وقياس هذا كله واحد، وإنما ~~يتسع ويسهل ms13 على قدر العادة وكثرتها. ولعل ذلك كله قد كان شائعا في دين هود ~~وصالح وشعيب وإسماعيل، إذ كان شائعا في كلام العرب في إثبات ذلك وإنكاره. # وأما نحن -رحمك الله- فإنا لا نجيز أن يكون لله ولد، لا من جهة الولادة، ~~ولا من جهة التبني. ونرى أن تجويز ذلك جهل عظيم، وإثم كبير؛ لأنه لو جاز أن ~~يكون PageV01P073 ~~أبا ليعقوب لجاز أن يكون جدا ليوسف، ولو جاز أن يكون جدا وأبا، وكان ذلك ~~لا يوجب نسبا، ولا يوهم مشاكلة في بعض الوجوه، ولا ينقص من عظم، ولا يحط من ~~بهاء، لجاز أيضا أن يكون عما وخالا؛ لأنه إن جاز أن يسميه من أجل المرحمة ~~والمحبة والتأديب أبا، جاز أن يسميه آخر من جهة التعظيم والتفضيل والتسويد ~~أخا، ولجاز أن يجد له صاحبا وصديقا؛ وهذا ما لا يجوزه إلا من لا يعرف عظمة ~~الله، وصغر قدر الإنسان. وليس بحكيم من ابتذل نفسه في توقير عبده، ووضع من ~~قدره في التوفر على غيره. وليس من الحكمة أن تحسن إلى عبدك بأن تسيء إلى ~~نفسك، وتأتي من الفضل ما لا يجب بتضييع ما يجب. وكثير الحمد لا يقوم بقليل ~~الذم. ولم يحمد الله ولم يعرف إلهيته من جوز عليه صفات البشر، ومناسبة ~~الخلق، ومقاربة العباد. # وبعد، فلا يخلو المولى في رفع عبده وإكرامه من أحد أمرين: إما أن يكون لا ~~يقدر على كرامته إلا بهوان نفسه، ويكون على ذلك قادرا، مع وفارة العظمة، ~~وتمام البهاء. وإن كان لا يقدر على رفع قدر غيره إلا بأن ينقص من قدر نفسه ~~فهذا هو العجز، وضيق الذرع. وإن كان على ذلك قادرا فآثر ابتذال نفسه والحط ~~من شرفه فهذا هو الجهل الذي لا يحتمل. والوجهان عن الله جل جلاله منفيان. # ووجه آخر تعرفون به صحة قولي، وصواب مذهبي. وذلك أن الله تبارك وتعالى لو ~~علم أنه قد كان فيما أنزل من كتبه على بني إسرائيل: إن أباكم كان بكري ~~وابني، وإنكم أبناء بكري، لما كان تغضب عليهم ms14 إذ قالوا: {نحن أبناء الله}، ~~فكيف لا يكون ابن ابن الله ابنه، وهذا من تمام الإكرام، وكمال المحبة، ولا ~~سيما إن كان قال في التوراة: بنو إسرائيل أبناء بكري. # وأنت تعلم أن العرب حين زعمت أن الملائكة بنات الله كيف استعظم الله PageV01P074 ~~تعالى ذلك وأكبره، وغضب على أهله، وإن كان يعلم أن العرب لم تجعل ~~الملائكة بناته على الولادة واتخاذ الصاحبة. فكيف يجوز مع ذلك أن يكون الله ~~قد كان يخبر عباده قبل ذلك بأن يعقوب ابنه، وأن سليمان ابنه، وأن عزيرا ~~ابنه، وأن عيسى ابنه؟ فالله تعالى أعظم من أن يكون له أبوة من صفاته، والإنسان أحقر من أن تكون بنوة الله تعالى من أنسابه. # والقول بأن الله يكون أبا وجدا وأخا وعما للنصارى ألزم، وإن كان للآخرين ~~لازما، لأن النصارى تزعم أن الله هو المسيح بن مريم، وأن المسيح قال ~~للحواريين: إخوتي. فلو كان للحواريين أولاد لجاز أن يكون الله عمهم، بل قد ~~يزعمون أن مرقش هو ابن شمعون الصفا، وأن زوزري ابنته، وأن النصارى تقر أن ~~في إنجيل مرقش: "مازاذ، أمك وإخوتك على الباب" وتفسير "مازاذ" معلم. فهم لا ~~يمتنعون من أن يكون الله تبارك وتعالى أبا وجدا وعما. # ولولا أن الله قد حكى عن اليهود أنهم قالوا: إن عزيرا ابن الله، ويد الله ~~مغلولة، وإن الله فقير ونحن أغنياء، وحكى عن النصارى أنهم قالوا: المسيح ~~ابن الله، وقال: قالت النصارى المسيح ابن الله. وقال: {لقد كفر الذين قالوا ~~إن الله ثالث ثلاثة} لكنت لأن أخر من السماء أحب إلي من أن ألفظ بحرف مما ~~يقولون. ولكني لا أصل إلى إظهار جميع مخازيهم، وما يسرون من فضائحهم، إلا ~~بالإخبار عنهم، والحكاية منهم. ~~فإن قالوا: خبرونا عن الله، وعن التوراة، أليست حقا؟ قلنا: نعم. قالوا: PageV01P075 ~~فإن فيها إسرائيل بكري وجميع ما ذكرتم عنا معروف في الكتب. ~~قلنا: إن القوم إنما أتوا من قلة المعرفة بوجوه الكلام، ومن سوء الترجمة، ~~مع الحكم بما يسبق إلى القلوب. ولعمري أن لو ms15 كانت لهم عقول المسلمين ~~ومعرفتهم بما يجوز في كلام العرب، وما يجوز على الله، مع فصاحتهم ~~بالعبرانية، لوجدوا لذلك الكلام تأويلا حسنا، ومخرجا سهلا، ووجها قريبا. ~~ولو كانوا أيضا لم يعطلوا في سائر ما ترجموا لكان لقائل مقال، ولطاعن مدخل، # ولكنهم يخبرون أن الله تبارك وتعالى قال في العشر الآيات التي كتبتها أصابع ~~الله: "إني أنا الله الشديد، وإني أنا الله الثقف، وأنا النار التي تأكل ~~النيران، آخذ الأبناء بحوب الآباء، القرن الأول والثاني والثالث إلى ~~السابع". وأن داود قال في الزبور: "وافتح عينك يا رب" و "قم يا رب"، و "أصغ ~~إلي سمعك يا رب". وأن داود خبر أيضا في مكان آخر عن الله تعالى: "وانتبه ~~الله كما ينتبه السكران الذي قد شرب الخمر". وأن موسى قال في التوراة: "خلق ~~الله الأشياء بكلمته، وبروح نفسه". وأن الله قال في التوراة لبني إسرائيل: ~~"بذراعي الشديدة أخرجتكم من أهل مصر". وأنه قال في كتاب إشعياء: "احمد الله ~~حمدا جديدا، احمده في أقاصي الأرض، يملأ الجزائر وسكانها، والبحور والقفار ~~وما فيها، ويكون PageV01P076 ~~بنو قيدار في القصور، وسكان الجبال -يعني قيدار بن إسماعيل- ليصيحوا ~~ويصيروا لله الفخر والكرامة، ويسبحوا بحمد الله في الجزائر". وأنه قال على ~~إثر ذلك: "ويخرج الرب كالجبار، وكالرجل الشجاع المجرب، ويزجر ويصرخ، ويهيج ~~الحرب والحمية، ويقتل أعداءه، يفرح السماء والأرض". وأن الله قال أيضا في ~~كتاب إشعياء: "سكت، قال: هو متى أسكت، مثل المرأة التي قد أخذها الطلق ~~للولادة أتلهف، وإن تراني أريد أحرث الجبال والشعب، وآخذ بالعور في طريق لا ~~يعرفونه". وكلهم على هذا اللفظ العربي مجمع. ومعنى هذا لا يجوزه أحد من أهل ~~العلم، ومثل هذا كثير تركته لمعرفتكم به. # وأنت تعلم أن اليهود لو أخذوا القرآن فترجموه بالعبرانية لأخرجوه من ~~معانيه، ولحولوه عن وجوهه، وما ظنك بهم إذا ترجموا: {فلما آسفونا انتقمنا ~~منهم}، و {لتصنع على عيني}، و {السموات مطوية بيمينه}، و {على العرش ~~استوى}، و {ناضرة إلى ربها ناظرة}، وقوله: {فلما تجلى ربه للجبل جعله دكا}، ms16 PageV01P077 ~~و {كلم الله موسى تكليما}، و {وجاء ربك والملك صفا صفا}. # وقد تعلم أن مفسري كتابنا وأصحاب التأويل منا أحسن معرفة وأعلم بوجوه ~~الكلام من اليهود ومتأولي الكتاب. ونحن قد نجد في تفسيرهم ما لا يجوز على ~~الله في صفته، ولا عند المتكلمين في مقاييسهم، ولا عند النحويين في ~~عربيتهم. # فما ظنك باليهود مع غباوتهم وغيهم وقلة نظرهم وتقليدهم؟ # وهذا باب قد غلطت فيه العرب أنفسها، وفصحاء أهل اللغة إذا غلطت قلوبها، وأخطأت ~~عقولها، فكيف بغيرهم ممن لا يعلم كعلمها؟ # سمع بعض العرب قول جميع العرب: ~~القلوب بيد الله، وقولهم في الدعاء: نواصينا بيد الله وقوله جل ذكره: {بل ~~يداه مبسوطتان}، وقولهم: هذا من أيادي الله ونعمه عندنا. وقد كان من لغتهم ~~أن الكف أيضا يد، كما أن النعمة يد، والقدرة يد، فغلط الشاعر فقال: # هون عليك فإن الأمور %~% بكف الإله مقاديرها PageV01P078 ~~وقد كان إبراهيم بن سيار النظام يجيب بجواب، وأنا ذاكره إن شاء الله، ~~وعليه كانت علماء المعتزلة. ولا أراه مقنعا ولا شافيا. وذلك أنه كان يجعل ~~الخليل مثل الحبيب ومثل الولي، وكان يقول: خليل الرحمن مثل حبيبه ووليه ~~وناصره. وكانت الخلة والولاية والمحبة سواء. قالوا: ولما كانت كلها عنده ~~سواء جاز أن يسمي عبدا له ولدا، لمكان التربية التي ليست بحضانة ولمكان ~~الرحمة التي لا تشتق من الرحم. لأن إنسانا لو رحم جرو كلب فرباه لم يجز أن ~~يسميه ولدا ويسمي نفسه أبا، ولو التقط صبيا فرباه جاز أن يسميه ولدا ويسمي ~~نفسه له أبا، لأنه شبيه ولده وقد يولد لمثله مثله، وليس بين الكلاب والبشر ~~أرحام. فإذا كان شبه الإنسان أبعد من الله تعالى من شبه الجرو بالإنسان كان ~~الله أحق بأن يجعله ولده وينسبه إلى نفسه. # قلنا لإبراهيم النظام عند جوابه هذا وقياسه الذي قاس عليه في المعارضة ~~والموازنة بين قياسنا وقياسه: أرأيت كلبا ألف كلابه وحامى وأحمى دونه، ~~فأحياه بكسبه ولزمه على خلائقه واستأثره بالصيد دونه، هل يجوز أن يتخذه ~~بذلك كله خليلا مع بعد ms17 التشابه والتناسب؟ فإذا قال: لا، قلنا: فالعبد ~~الصالح أبعد شبها من الله من ذلك الكلب المحسن إلى كلابه، فكيف جاز في ~~قياسك أن يكون الله خليل من لا يشاكله لمكان إحسانه ولا يجوز للكلاب أن PageV01P079 ~~يسمي كلبه خليلا أو ولدا لمكان حسن تربيته له وتأديبه إياه ولمكان حسن ~~الكلب وكسبه عليه وقيامه مقام الولد الكاسب والأخ والبار؟ والعبد الصالح لا ~~يشبه الله في وجه من الوجوه. والكلب قد يشبه كلابه لوجوه كثيرة، بل ما ~~أشبهه به مما خالفه فيه .. وإن كانت العلة التي منعت من تسمية الكلب خليلا ~~وولدا بعد شبهه من الإنسان. # فلو قلتم: فما الجواب الذي أجبت فيه والوجه الذي ارتضيته؟ # قلنا: إن إبراهيم صلوات الله عليه وإن كان خليلا فلم يكن خليله بخلة كانت ~~بينه وبين الله تعالى، لأن الخلة والإخاء والصداقة والتصافي والخلطة وأشباه ~~ذلك منفية عن الله تعالى عز ذكره فيما بينه وبين عباده. على أن الإخاء ~~والصداقة داخلتان في الخلة، والخلة أعم الاسمين وأخص الحالين. ويجوز أن ~~يكون إبراهيم خليلا بالخلة التي أدخلها الله على نفسه وماله. وبين أن يكون ~~خليلا بالخلة وأن يكون خليلا بخلة بينه وبين ربه فرق ظاهر وبون واضح. وذلك ~~أن إبراهيم عليه السلام اختل في الله تعالى اختلالا لم يختلله أحد قبله، ~~لقذفهم إياه في النار وذبحه ابنه وحمله على ماله في الضيافة والمواساة ~~والأثرة وبعداوة قومه والبراءة من أبويه في حياتهما وبعد موتهما وترك وطنه ~~والهجرة إلى غير داره ومسقط رأسه، فصار لهذه الشدائد مختلا في الله وخليلا ~~في الله. # والخليل والمختل سواء في كلام العرب. ~~والدليل على أن يكون الخليل من الخلة كما يكون من الخلة قول زهير بن أبي ~~سلمى وهو يمدح هرما: # وإن أتاه خليل يوم مسألة%~% يقول لا عاجز مالي ولا حرم PageV01P080 # وقال آخر: # وإني إلى أن تسعفاني بحاجة%~% إلى آل ليلى مرة لخليل # وهو لا يمدحه بأن خليله وصديقه يكون فقيرا سائلا يأتي يوم المسألة ويبسط ~~يده للصدقة والعطية، وإنما الخليل في هذا ms18 الموضع من الخلة والاختلال لا من ~~الخلة والخلال. # وكأن إبراهيم عليه السلام حين صار في الله مختلا أضافه الله إلى نفسه ~~وأبانه بذلك عن سائر أوليائه، فسماه خليل الله من بين الأنبياء كما سمى ~~الكعبة بيت الله من بين جميع البيوت، وأهل مكة أهل الله من بين جميع ~~البلدان، وسمى ناقة صالح عليه السلام ناقة الله من بين جميع النوق. وهكذا ~~كل شيء عظمه الله تعالى من خير وشر وثواب وعقاب، كما قالوا: دعه في لعنة ~~الله وفي نار الله وفي حرقه. وكما قال للقرآن كتاب الله، وللمحرم شهر الله. ~~وعلى هذا المثال قيل لحمزة رحمة الله ورضوانه عز ذكره عليه أسد الله، ~~ولخالد رحمة الله عليه سيف الله تعالى. # وفي قياسنا هذا لا يجوز أن الله خليل إبراهيم كما يقال إن إبراهيم خليل ~~الله. # فإن قال قائل: فكيف لم يقدموه على جميع الأنبياء إذ كان الله قدمه بهذا ~~الاسم الذي ليس لأحد مثله؟ # قلنا: إن هذا الاسم اشتق له من عمله وحاله وصفته. وقد قيل لموسى عليه ~~السلام كليم الله، وقيل لعيسى روح الله، ولم يقل ذلك لإبراهيم ولا لمحمد ~~صلوات الله عليهما وإن كان محمد صلى الله عليه وسلم أرفع درجة منهم، لأن ~~الله تعالى كلم الأنبياء عليهم السلام على ألسنة الملائكة، وكلم موسى كما ~~كلم الملائكة فلهذه العلة قيل كليم الله. وخلق في نطف الرجال أن قذفها في PageV01P081 ~~أرحام النساء على ما أجرى عليه تركيب العالم وطباع الدنيا، وخلق في رحم ~~مريم روحا وجسدا على غير مجرى العادة وما عليه المناكحة، فلهذه الخاصة قيل ~~له روح الله. # وقد يجوز أن يكون في نبي من الأنبياء خصلة شريفة ولا تكون تلك الخصلة ~~بعينها في نبي أرفع درجة منه، ويكون في ذلك النبي خصال شريفة ليست في ~~الآخر. وكذلك جميع الناس كالرجل يكون له أبوان فيحسن برهما وتعاهدهما ~~والصبر عليهما، وهو أعرج لا يقدر على الجهاد وفقير لا يقدر على الإنفاق، ~~ويكون آخر لا أب له ولا أم له ms19 وهو ذو مال كثير وخلق سوي وجلد ظاهر، فأطاع ~~هذا بالجهاد والإنفاق وأطاع ذلك ببر والديه والصبر عليهما. والكلام إذا حرك ~~تشعب وإذا ثبت أصله كثرت فنونه واتسعت طرقه. ولولا ملالة القارىء ومداراة ~~المستمع لكان بسط القول في جميع ما يعرض أتم للدليل وأجمع للكتاب، ولكنا ~~إنما ابتدأنا الكتاب لنقتصر به على كسر النصرانية فقط. ### | فصل منه # قلنا في جواب آخر: # إن كان المسيح إنما صار ابن الله لأن الله خلقه من غير ~~ذكر، فآدم وحواء إذ كانا من غير ذكر وأنثى أحق بذلك، إن كانت العلة في ~~اتخاذه ولدا أنه خلقه من غير ذكر. PageV01P082 # وإن كان ذلك لمكان التربية فهل رباه إلا كما ربى موسى، وداود، وجميع ~~الأنبياء. وهل تأويل رباه إلا غذاه، ورزقه، وأطعمه، وسقاه، فقد فعل ذلك ~~بجميع الناس. ولم سميتم سقيه لهم وإطعامه إياهم تربية؟ ولم رباه وأنتم لا ~~تريدون إلا غذاه ورزقه، وهو لم يحضنه، ولم يباشر تقليبه، ولم يتول بنفسه ~~سقيه وإطعامه، فيكون ذلك سببا له دون غيره، وإنما سقاه لبن أمه في صغره، ~~وغذاه بالحبوب والماء في كبره. ### | فصل منه # والأعجوبة في آدم عليه السلام أبدع، وتربيته أكرم، ومنقلبه أعلى وأشرف، ~~إذ كانت السماء داره، والجنة منزله، والملائكة خدامه. بل هو المقدم ~~بالسجود، والسجود أشد الخضوع. وإن كان بحسن التعليم والتثقيف؛ فمن كان الله ~~تعالى يخاطبه، ويتولى مناجاته دون أن يرسل إليه ملائكته ويبعث إليه رسله، ~~أقرب منزلة، وأشرف مرتبة، وأحق بشرف التأديب وفضيلة التعليم. ~~وكان الله تعالى يكلم آدم كما كان يكلم ملائكته، ثم علمه الأسماء كلها؛ ~~ولم يكن ليعلمه الأسماء كلها إلا بالمعاني كلها، فإذا كان ذلك كذلك فقد ~~علمه جميع مصالحه ومصالح ولده، وتلك نهاية طباع الآدميين، ومبلغ قوى ~~المخلوقين. ### | فصل منه # فأما قولهم إنا نقول على الناس ما لا يعرفونه، ولا يجوز أن يدينوا به، ~~وهو قولنا إن اليهود قالت: إن الله تعالى فقير ونحن أغنياء. وأنها قالت: إن ~~يد الله مغلولة، PageV01P083 ~~وإنها قالت: إن عزيرا ابن الله. وهم ms20 مع اختلافهم وكثرة عددهم، ينكرون ذلك ~~ويأبونه أشد الإباء. قلنا لهم: إن اليهود لعنهم الله تعالى كانت تطعن على القرآن، وتلتمس ~~نقضه، وتطلب عيبه، وتخطىء فيه صاحبه، وتأتيه من كل وجه، وترصده بكل حيلة، ~~ليلتبس على الضعفاء، وتستميل قلوب الأغبياء. فلما سمعت قول الله تعالى ~~لعباده الذين أعطاهم قرضا، وسألهم قرضا على التضعيف، فقال عز من قائل: # {من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له}. # قالت اليهود على وجه الطعن ~~والعيب والتخطئة والتعنت: تزعم أن الله يستقرض منا، وما استقرض منا إلا ~~لفقره وغنانا، فكفرت بذلك القول إذ كان على وجه التكذيب والتخطئة، لا على ~~وجه أن دينها كان في الأصل أن الله فقير، وأن عباده أغنياء. # وكيف يعتقد إنسان أن الله عاجز عما يقدر عليه، مع إقراره بأنه الذي خلقه ورزقه، وإن ~~شاء حرمه، وإن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه. وقدرته على جميع ذلك كقدرته على ~~واحد. ومجاز الآية في اللغة واضح، وتأويلها بين. وذلك أن الرجل منهم كان يقرض ~~صاحبه لإرفاقه، ليعود إليه مع أصل ماله اليسير من ربحه، ثم هو مخاطر به إلى ~~أن يعود في ملكه. فقال لهم بحسن عادته ومنته: آسوا فقراءكم، وأعطوا في الحق ~~أقرباءكم، من المال الذي أعطيتكم، والنعمة التي خولتكم، بأمري إياكم وضماني ~~لكم، فأعتده منكم قرضا وإن كنت أولى PageV01P084 ~~به منكم، فأنا موفيكم حقوقكم إلى ما لا ترتقي إليه همة ولا تبلغه أمنية. ~~على أنكم قد أمنتم من الخطار، وسلمتم من التغرير. # والرجل يقول لعبده: أسلفني درهما، عند الحاجة تعرض له، وهو يعلم أن عبده ~~وماله له. وإنما هذا كلام وفعال يدل على حسن الملكة، والتفضل على العبد ~~والأمة، وإخبار منه لعبده أنه سيعيد عليه ما كانت سخت به نفسه. ~~وهذا ليس بغلط في الكلام ولا بضيق فيه، ولكن المتعنت يتعلق بكل سبب، ~~ويتشبث بكل ما وجد. # وأما إخباره عن اليهود أنها قالت: يد الله مغلولة، فلم يذهب إلى أن ~~اليهود ترى أن ساعده مشدودة إلى عنقه بغل. وكيف ms21 يذهب إلى هذا ذاهب ويدين به ~~دائن، لأنه لا بد أن يكون يذهب إلى أنه غل نفسه أو غله غيره. وأيهما كان، ~~فإنه منفي عن وهم كل بالغ يحتمل التكليف، وعاقل يحتمل التثقيف. # ولكن اليهود قوم جبرية، والجبرية تبخل الله مرة، وتظلمه مرة، وإن لم تقر بلسانها، وتشهد ~~على إقرارها، بقولهم: يد الله مغلولة، يعنون بره وإحسانه. وقولهم: مغلولة، ~~لا يعني أن غيره حبسه ومنعه، ولكن إذا كان عندهم أنه الذي منع أياديه وحبس ~~نعمه، فهي محبوسة بحبسه، وممنوعة بمنعه. والذي يدل على أنهم أرادوا باليدين ~~النعمة والإفضال، دون الساعد والذراع، جواب كلامهم حين قال: {بل يداه ~~مبسوطتان ينفق كيف يشاء} دليلا على ما قلنا، وشاهدا على ما وصفنا. PageV01P085 # فإن قالوا: فكيف لم يقل إن اليهود بخلت الله وجحدت إحسانه، دون أن يقال ~~إن يد الله مغلولة؟ # قلنا: إن أراد الله الإخبار عن كفر قوم وسخط عليهم، ~~فليس لهم عليه أن يعبر عن دينهم وعيوبهم بأحسن المخارج، ويجليها بأحسن ~~الألفاظ. وكيف وهو يريد التنفير عن قولهم، وأن يبغضهم إلى من سمع ذلك عنهم. ~~ولو أراد الله تعالى تليين الأمر وتصغيره وتسهيله، لقال قولا غير هذا. وكل ~~صدق جائز في الكلام. فهذا مجاز مسألتهم في اللغة، وهو معروف عند أهل البيان ~~والفصاحة. # وأما قولهم: إن اليهود لا تقول إن عزيرا ابن الله. فإن اليهود في ذلك على ~~قولين: # أحدهما خاص، والآخر عام في جماعتهم. # فأما الخاص، فإن ناسا منهم لما رأوا عزيرا أعاد عليهم التوراة من تلقاء ~~نفسه، بعد دروسها وشتات أمرها، غلوا فيه، وقالوا ذلك، وهو مشهور من أمرهم. ~~وإن فريقا من بقاياهم لباليمن والشام وداخل بلاد الروم. وهؤلاء بأعيانهم ~~يقولون: إن إسرائيل الله ابنه، وإذا كان ذلك على خلاف تناسب الناس، وصار ~~ذلك الاسم لعزير بالطاعة والعلامة والمرتبة لأنه من ولد إسرائيل. # والقول الذي هو عام فيهم إن كل يهودي ولده إسرائيل فهو ابن الله، إذ لم ~~يجدوا ابن ابن قط إلا وهو ابن. PageV01P086 ### | فصل منه # فإن قالوا: أليس ms22 المسيح روح الله وكلمته، كما قال عز ذكره: {وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه} أوليس قد أخبر عن نفسه حين ذكر أمه أنه نفخ فيها ~~من روحه؟ أوليس مع ذلك قد أخبر عن حصانة فرجها وطهارتها؟ أوليس مع ذلك قد ~~أخبر أنه لا أب له، وأنه كان خالقا، إذ كان يخلق من الطين كهيئة الطير، ~~فيكون حيا طائرا؟ فأي شيء بقي من الدلالات على مخالفته لمشاكلة جميع الخلق، ~~ومباينة جميع البشر؟ # قلنا لهم: إنكم إنما سألتمونا عن كتابنا، وما يجوز في لغتنا وكلامنا، ولم ~~تسألونا عما يجوز في لغتكم وكلامكم. ولو أننا جوزنا ما في لغتنا ما لا ~~يجوز، وقلنا على الله تعالى ما لا نعرف، كنا بذلك عند الله والسامعين في حد ~~المكاثرين، وأسوأ حالا من المنقطعين، وكنا قد أعطيناكم أكثر مما سألتم، ~~وجزنا بكم فوق أمنيتكم. # ولو كنا إذا قلنا: عيسى روح الله وكلمته، وجب علينا في لغتنا أن يجعله ~~الله ولدا، ونجعله مع الله تعالى إلها، ونقول: إن روحا كانت في الله ~~فانفصلت منه إلى بدن عيسى وبطن مريم. # فكنا إذا قلنا: إن الله سمى جبريل روح ~~الله وروح القدس، وجب علينا أن نقول فيه ما يقولون في عيسى. وقد علمتم أن ~~ذلك ليس من ديننا، ولا يجوز ذلك بوجه من الوجوه عندنا، فكيف نظهر للناس ~~قولا لا نقوله، ودينا لا نرتضيه. ~~ولو كان قوله جل ذكره: {فنفخنا فيه من روحنا} يوجب نفخا PageV01P087 ~~كنفخ الزق، أو كنفخ الصائغ في المنفاخ، وأن بعض الروح التي كانت فيه ~~انفصلت فاصلة إلى بطنه وبطن أمه، لكان قوله في آدم يوجب له ذلك، لأنه قال: # {وبدأ خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله} .. إلى قوله: {ونفخ فيه من روحه} ~~وكذلك قوله: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين}. # والنفخ يكون من وجوه، والروح يكون من وجوه. فمنها ما أضافه إلى نفسه، ~~ومنها ما لم يضفه إلى نفسه. وإنما يكون ذلك على قدر ما عظم من الأمور، فمما ~~سمى روحا ms23 وأضافه إلى نفسه، جبريل الروح الأمين، وعيسى بن مريم. والتوفيق ~~كقول موسى حين قال: إن بني فلان أجابوا فلانا النبي ولم يجيبوك. فقال له: ~~إن روح الله مع كل أحد. # وأما القرآن فإن الله سماه روحا، وجعله يقيم للناس مصالحهم في دنياهم ~~وأبدانهم، فلما اشتبها من هذا الوجه ألزمهما اسمهما فقال لنبيه - صلى الله ~~عليه وسلم -: # {وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا} وقال: {تنزل الملائكة ~~والروح} ### | فصل منه # قد قلنا في جواباتهم وقدمنا مسائلهم بما لم يكونوا ليبلغوه لأنفسهم، ~~ليكون الدليل تاما والجواب جامعا، وليعلم من قرأ هذا الكتاب، وتدبر هذا ~~الجواب، أنا PageV01P088 ~~لم نغتنم عجزهم، ولم ننتهز غرتهم. وأن الإدلال بالحجة، والثقة بالفلج ~~والنصرة، هو الذي دعانا إلى أن نخبر عنهم بما ليس عندهم، وألا نقول في ~~مسألتهم بمعنى لم ينتبه له منتبه، أو يشر إليه مشير، وألا يوردوا فيما ~~يستقبلون، على ضعفائنا ومن قصر نظره منا، شيئا إلا والجواب قد سلف فيهم، ~~وألسنتهم قد أدلت به. # فيقال لهم: هل يخلو المسيح أن يكون إنسانا بلا إله أو إلها بلا إنسان أو ~~أن يكون إلها وإنسانا؟ # فإن زعموا أنه كان إلها بلا إنسان قلنا لهم: # فهو الذي كان صغيرا فشب ~~والتحى، والذي كان يأكل ويشرب وينجو ويبول، وقتل بزعمكم وصلب، وولدته مريم ~~وأرضعته، أم غيره هو الذي كان يأكل ويشرب على ما وصفنا؟ # فأي شيء معنى الإنسان إلا ما وصفنا وعددنا، وكيف يكون إلها بلا إنسان وهو ~~الموصوف بجميع صفات الإنسان؟ وليس القول في غيره ممن صفته كصفته إلا كالقول ~~فيه كاشتمالها على غيره. # وإن زعموا أنه لم ينقلب عن الإنسانية ولم يتحول عن جوهر البشرية ولكن لما ~~كان اللاهوت فيه صار خالقا سمي إلها، قلنا لهم: خبرونا عن اللاهوت أكان فيه ~~وفي غيره أم كان فيه دون غيره؟ PageV01P089 # فإن زعموا أنه كان فيه وفي غيره فليس هو أولى بأن يكون خالقا ويتسمى إلها ~~من غيره. وإن كان فيه دون غيره فقد صار اللاهوت جسما. # وسنقول في الكسر عليهم ms24 إذا صرنا إلى القول في التشبيه، وهو قول منعلهم ~~والذي كان عليه جماعتهم إلا من خالفهم من متكلميهم ومتفلسفيهم، فإنهم ~~يقولون بالتشبيه والتجسيم فرارا من كثرة الشناعة وعجزا عن الجواب، وكفى ~~بالتشبيه قبحا. وهو قول يعم اليهود وإخوانهم من الرافضة وشياطينهم من ~~المشبهة الحشوية والنابتة. وهو بعد متفرق في الناس. والله تعالى المستعان. PageV01P090 ms25