######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 27- من كتابه في الشارب والمشروب PageV04P259 ### || فصل من صدر كتابه في الشارب والمشروب # سألت - أكرم الله وجهك، وأدام رشدك، ولطاعته توفيقك، حتى تبلغ من مصالح ~~دينك ودنياك منازل ذوي الألباب، ودرجات أهل الثواب - أن أكتب لك صفات ~~الشارب والمشروب وما فيهما من المدح والعيوب، وأن أميز لك بين الأنبذة ~~والخمر، وأن أقفك على حد السكر، وأن أعرفك السبب الذي يرغب في شرب الأنبذة ~~وما فيها من اجتلاب المنفعة، وما يكره من نبيذ الأوعية. # وقلت: وما فرق ما بين الجر والسقاء، والمزفت والحنتم والدباء، وما القول ~~في الممتل والمكسوب، وما فرق ما بين النقيع والداذي، وما المطبوخ والباذق، ~~وما الغربي والمروق، وما الذي يحل من الطبيخ، وما القول في شرب الفضيخ، وهل ~~يكره نبيذ العكر، PageV04P261 ~~وما القول في عتيق السكر، وأنبذة الجرار، وما يعمل من السكر، ولم كره ~~النقير والمقير. # وسألت عن نبيذ العسل والعرطبات وعن رزين سوق الأهواز، وعن نبيذ أبي يوسف ~~وجمهور، والمعلق والمسحوم. والحلو والترش شيرين ونبيذ الكشمش والتين، ولم ~~كره الجلوس على البواطي والرياحين. # وقلت: وما نصيب الشيطان، وما حاصل الإنسان؟ # وسألت عمن شرب الأنبذة أو ~~كرهها من الأوائل، وما جرى بينهم فيها من الأجوبة والمسائل، وما كانوا عليه ~~فيها من الآراء، وتشبثوا فيها من الأهواء، ولأي سبب تضادت فيها الآثار، ~~واختلفت فيها الأخبار. PageV04P262 # وسألت أن أقصد في ذلك إلى الإيجاز والاختصار، وحذف الإكثار # وقلت: وإذ جعل ~~الله تعالى للعباد عن الخمر المندوحة بالأشربة الهنية الممدوحة، فما تقول ~~فيما حسن من الأنبذة صفاه، وبعد مداه، واشتدت قواه، وعتق حتى جاد، وعاد بعد ~~قدم الكون صافي اللون، هل يحل إليه الاجتماع، وفيه الاكتراع، إذ كان يهضم ~~الطعام ويوطىء المنام. وهو في لطائف الجسم سار، وفي خفيات العروق جار، ولا ~~يضر معه برغوث ولا بعوض ولا جرجس عضوض. # وقلت: وكيف يحل لك ترك شربه إذا كان لك موافقا، ولجسمك ملائما. ولم لا ~~قلت إن تارك شربه كتارك العلاج من أدوأ الأدواء وإنه كالمعين على نفسه إذا ~~ترك شربه أفحش الداء. ms1 وأنت تعلم أنك إذا شربته عدلت به طبيعتك، وأصلحت به ~~صفار جسمك، وأظهرت به حمرة لونك، فاستبدلت به من السقم صحة، ومن حلول العجز ~~قوة، ومن الكسل نشاطا، وإلى اللذة انبساطا، ومن الغم فرجا، ومن الجمود ~~تحركا، ومن الوحشة أنسا. وهو في الخلوة خير مسامر، وعند الحاجة خير ناصر. ~~يترك الضعيف وهو مثل أسد العرين يلان له ولا يلين. PageV04P263 # وقلت: الجيد من الأنبذة يصفي الذهن ويقوي الركن، ويشد القلب والظهر، ~~ويمنع الضيم والقهر، ويشحذ المعدة، ويهيج للطعام الشهوة، ويقطع عن إكثار ~~الماء، الذي منه جل الأدواء، ويحدر رطوبة الرأس، ويهيج العطاس، ويشد ~~البضعة، ويزيد في النطفة، وينفي القرقرة والرياح، ويبعث الجود والسماح، ~~ويمنع الطحال من العظم، والمعدة من التخم، ويحدر المرة والبلغم، ويلطف دم ~~العروق ويجريه، ويرقه ويصفيه، ويبسط الآمال، وينعم البال، ويغشي الغلظ في ~~الرئة، ويصفي البشرة ويترك اللون كالعصفر، ويحدر أذى الرأس في المنخر، ~~ويموه الوجه ويسخن الكلية، ويلذ النوم ويحلل التخم، ويذهب بالإعياء، ويغذو ~~لطيف الغذاء، ويطيب الأنفاس، ويطرد الوسواس، ويطرب النفس، ويؤنس من الوحشة، ~~ويسكن الروعة، ويذهب الحشمة، ويقذف فضول الصلب بالإنشاط للجماع، وفضول ~~المعدة بالهراع، ويشجع المرتاع ويزهي الذليل، ويكثر القليل، ويزيد في جمال ~~الجميل، ويسلي الحزن ويجمع الذهن، وينفي الهم، ويطرد الغم، ويكشف عن قناع ~~الحزم، ويولد في الحليم الحلم، ويكفي أضغاث الحلم، ويحث على الصبر، ويصحح ~~من الفكر، ويرجي القانط، ويرضي الساخط، ويغني عن الجليس، ويقوم مقام الأنيس PageV04P264 ~~وحتى إن عز لم يقنط منه، وإن حضر لم يصبر عنه، يدفع النوازل العظيمة، ~~وينقي الصدر من الخصومة، ويزيد في المساغ، وسخونة الدماغ، وينشط الباه حتى ~~لا يزيف شيئا يراه، وتقبله جميع الطبائع، ويمتزج به صنوف البدائع، من اللذة ~~والسرور، والنضرة والحبور. وحتى سمي شربه قصفا، وسمي فقده خسفا. وإن شرب ~~منه الصرف بغير مزاج، تحلل بغير علاج. ويكفي الأحزان والهموم، ويدفع ~~الأهواء والسموم، ويفتح الذهن، ويمنع الغبن، ويلقن الجواب، ولا يكيد منه ~~العتاب، به تمام اللذات، وكمال المروءات. ليس لشيء كحلاوته في النفوس، ~~وكسطوته ms2 في الجباه والروس، وكإنشاطه للحديث والجلوس، يحمر الألوان، ويرطب ~~الأبدان، ويخلع عن الطرب الأرسان. # وقلت: ومع كل ذلك فهو يلجلج اللسان، ويكثر الهذيان، ويظهر الفضول ~~والأخلاط، ويناوب الكسل بعد النشاط. فأما إذا تبين في الرأس الميلان، ~~واختلف عند المشي الرجلان، وأكثر الإخفاق، والتنخع PageV04P265 ~~والبصاق، واشتملت عليه الغفلة، وجاءت الزلة بعد الزلة ولا سواء إن دسع ~~بطعامه، أو سال على الصدر لعابه، وصار في حد المخرفين، لا يفهم ولا يبين، ~~فتلك دلالات النكر، وظهور علامات السكر، ينسي الذكر، ويورث الفكر، ويهتك ~~الستر، ويسقط من الجدار، ويهور في الآبار، ويغرق في الأنهار، ويصرف عن ~~المعروف، ويعرض للحتوف، ويحمل على الهفوة، ويؤكد الغفلة، ويورث الصياح أو ~~الصمات، ويصرع الفهم للسبات فلغير معنى يضحك، ولغير سبب يمحك، ويحيد عن ~~الإنصاف، وينقلب على الساكت الكاف. ثم يظهر السرائر، ويطلع على ما في ~~الضمائر، من مكنون الأحقاد، وخفي الاعتقاد. # وقد يقل على السكر المتاع، ويطول منه الأرق والصداع، ثم يورث بالغدوات ~~الخمار، ويختل سائر، النهار ويمنع من إقامة الصلوات، وفهم الأوقات، ويعقب ~~السل، ويعقب في القلوب الغل، ويجفف النطفة، ويورث الرعشة، ويولد الصفار، ~~وضروب العلل في الإبصار، ويعقب PageV04P266 ~~الهزال، ويجحف بالمال ويجفف الطبيعة ويقوي الفاسد من المرة ويذيل النفس، ~~ويفسد مزاج الحس، ويحدث الفتور في القلب، ويبطىء عند الجماع الصب، حتى يحدث ~~من أجله الفتق، الذي ليس له رتق، ويحمل على المظالم، وركوب المآثم، وتضييع ~~الحقوق حتى يقتل من غير علم، ويكفر من غير فهم. ### || فصل منه # وقلت: ومن الحلو في المعد التخم، وفي الأبدان الوخم، وللترش شيرين رياح ~~كمثل رياح العدس، وحموضة تولد في الأسنان الضرس. # والسكر فحسبك بفرط مرارته، وكسوف لونه، وبشاعة مذاقه، ولفار الطبيعة عنه. # وأنواع ما يعالج من التمور والحبوب فشربها الداء العضال. # وللمسجور، والبتي، وأشباهها كدورة ترسب في المعدة، وتولد بين الجلدتين ~~الحكة. وأشباه هذا كثيرة تركت ذكرها، لأني لم أقصدك بالمسألة أبتغي منك ~~تحليل ما يجلب المضرة. PageV04P267 # ولكن ما تقول فيما يسرك ولا يسوءك، وما إذا شربته تلقته العروق فاتحة ms3 ~~أفواهها كأفواه الفراخ، محسنة للون ملذة للنفس، يجثم على المعدة، ويرود في ~~العروق، ويقصد إلى القلب فيولد فيه اللذة، وفي المعدة الهضم، وهو غسولها ~~ونضوحها، ويسرع إلى طاعة الكبد، ويفيض بالعجل إلى الطحال، وينتفخ منه ~~العروق، وتظهر حمرته بين الجلدتين، ويزيد في اللون، ويولد الشجاعة والسخاء، ~~ويريح من اكتنان الضغن، ويعفي على تغير النكهة، وينفي الذفر، ويسرع إلى ~~الجبهة، ويغني عن الصلاء، ويمنع القر؟ ! # وما تقول في نبيذ الزبيب الحمصي. ~~والعسل الماذي إذا تورد لونه، وتقادم كونه، ورأيت حمرته في صفرته تلوح. ~~تراه في الكأس لكأنه بالشمس ملتحف، شعاعه يضحك بالأكف؟ # وما تقول في عصير ~~الكرم إذا أجدت طبخه وأنعمت إنضاجه، وأحسن الدن نتاجه، فإذا فض فض عن غضارة ~~قد صار في لون PageV04P268 ~~البجادي في صفاء ياقوتة تلمع في الأكف لمع الدنانير، ويضيء كالشهاب ~~المتقد. # وما تقول في نبيذ عسل مصر، فإنه يؤدي إلى شاربه الصحيح من طعم الزعفران، ~~لا يلبس الخلقان ولا يجود إلا في جدد الدنان، ولا يستخدم الأنجاس ولا يألف ~~الأرجاس. وكذلك لا يزكو على علاج الجنب والحائض، ولا ينفض على شيء من ~~الأجسام لونه حتى لو غمس فيه قطن لخرج أبيض يققا. وحسبك به في رقة الهواء، ~~يكدره صافي الماء، وهو مع ذلك كالهزبر ذي الأشبال، المفترس للأقران، من ~~عاقره عقره، ومن صارعه صرعه؟ ! # وما تقول في رزين الأهواز من زبيب الداقياد ~~إذ يعود صلبا من غير أن يسل سلافه، أو يماط عنه ثفله، حتى يعود كلون PageV04P269 ~~العقيق، في رائحة المسك العتيق. أصلب الأنبذة عريكة، وأصلبها صلابة، ~~وأشدها خشونة. ثم لا يستعين بعسل ولا سكر ولا دوشاب. وما ظنك به وهو زبيب ~~نقيع، لا يشتد ولا يجود إلا بالضرب الوجيع؟ ! # وما تقول في الدوشاب ~~البستاني، سلالة الرطب الجني بالحب الرتيلي، إذا أوجع ضربا، وأطيل حبسا، ~~وأعطى صفوه ومنح رفده، وبذل ما عنده، فإذا كشف عنه قناع الطين ظهر في لون ~~الشقر والكمت وسطع برائحة كالمسك. وإذا هجم على المعدة لانت له الطبائع، ~~وسلست له الأمعاء، وأيس ms4 الحصر، وانقطع طمع القولنج، وانقادت له PageV04P270 ~~اليبوسة، وأذعنت له بالطاعة، وابتل به الجلد القحل، وارتحل عنه الباسور، ~~وكفى شاربه الوخز. فإذا شج بماء تلظى ورمى بشرره، هل يحل أن يشعشع إذا سكن ~~جأشه، وآب إليه حلمه. # وما تقول في المعتق من أنبذة التمر، فإنك تنظر إليه وكأن النيران تلمع من ~~جوفه. قد ركد ركود الزلال حتى لكأن شاربه يكرع في شهاب، ولكأنه فرند في وجه ~~سيف. وله صفيحة مرآة مجلوة تحكي الوجوه في الزجاجة، حتى يهم فيها الجلاس؟ ! # وما تقول في نبيذ الجزر، الذي منه تمتد النطفة وتشتد النقطة، يجلب الأحلام، ~~ويركد في مخ العظام؟ ! # وما تقول في نبيذ الكشمش الذي لونه لون زمردة خضراء، ~~صافية، محكم الصلابة، مفرط الحرارة، حديد السورة، سريع الإفاقة PageV04P271 ~~عظيم المؤنة، قصير العمر، كثير العلل، جم البدوات تطمع الآفات فيه، وتسرع ~~إليه؟ ! # وما تقول في نبيذ التين فإنك تعلم أنه مع حرارته لين العريكة، سلس ~~الطبيعة، عذب المذاق، سريع الإطلاق، مرهم للعروق، نضوح للكبد فتاح للسدد، ~~غسال للأمعاء، هياج للباه، أخاذ للثمن، جلاب للمؤن، مع كسوف لون وقبح منظر؟ ~~! # وما تقول في نبيذ السكر الذي ليس مقدار المنفعة به على قدر المؤونة فيه، ~~هل يوجد في المحصول لشربه معنى معقول؟ ! # وما تقول في المروق والغربي ~~والفضيخ؟ ألذ مشروبات في أزمانها وأنفع مأخوذات في إبانها. أقل شيء مؤونة، ~~وأحسنه معونة، وأكثر شيء قنوعا، وأسرعه بلوغا، ضموزات عروفات للرجل ألوفات. ~~ولها أراييح على الشاهسفرم كأذكى رائحة تشم، أقل المشروبات صداعا، وأشدهن ~~خداعا. PageV04P272 ### || فصل منه # وكرهت أيضا تقليد المختلف من الآثار فأكون كحاطب ليل، دون التأمل ~~والاعتبار بأن ظلام الشك لا يجلوه إلا مفتاح اليقين. ### || فصل منه # قد فهمت - أسعدك الله تعالى بطاعته - جميع ما ذكرت من أنواع الأنبذة، ~~وبديع صفاتها، والفصل بين جيدها ورديها، ونافعها وضارها، وما سألت من ~~الوقوف على حدودها. ولا زلت من عداد من يسأل ويبحث، ولا زلنا في عداد من ~~يشرح ويفصح. # اعلم - أكرمك الله - أنك لو بحثت عن أحوال من يؤثر شرب ms5 الخمور على ~~الأنبذة، لم تجد إلا جاهلا مخذولا، أو حدثا مغرورا، أو خليعا ماجنا، أو ~~رعاعا همجا؛ ومن إذا غدا بهيمة، وإذا راح نعامة؛ ليس عنده من المعرفة أكثر ~~من انتحال القول بالجماعة؛ قد مزج له الصحيح بالمحال، فهو مدين بتقليد ~~الرجال، يشعشع الراح، ويحرم المباح، فمتى عذله عاذل ووعظه واعظ قال: ~~الأشربة كلها خمر، فلا أشرب إلا أجودها. PageV04P273 # وقد أحببت - أيدك الله - التوثق من إصغاء فهمك، وسؤت ظنا بالتغرير فقدمت ~~لك من التوطئة ما يسهل لك سبيل المعرفة. وذلك إلى مثلك من مثلي حزم سيما ~~فيما خفيت معالمه ودرست مناهجه، وكثرت شبهه، واشتد غموضه. # ولو لم يكن ذلك وكان قد اعتاص على البرهان في إظهاره، واحتجت في الإبانة ~~عنه إلى ذكر ضده، ونظيره وشكله، لم أحتشم من الاستعانة بكل ذلك. فكيف ~~والقدرة - بحمد الله - وافرة، والحجة واضحة. # قد يكون الشيء من جنس الحرام فيعالج بضرب من العلاج حتى يتغير بلون يحدث ~~له، ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغير لذلك اسمه، ويصير حلالا بعد أن كان ~~حراما. ### || فصل منه في تحليل النبيذ دون الخمر # فإن قال لنا قائل: ما تدرون، لعل الأنبذة قد دخلت في ذكر تحريم الخمر، ~~ولكن لما كان الابتداء أجري في ذكر تحريم الخمر، خرج التحريم عليها وحدها ~~في ظاهر المخاطبة، ودخل سائر الأشربة في التحريم بالقصد والإرادة. # قلنا: قد علمنا أن ذلك على خلاف ما ذكر السائل، لأسباب موجودة، وعلل ~~معروفة. PageV04P274 # منها: أن الصحابة الذين شهدوا نزول الفرائض، والتابعين من بعدهم، لم ~~يختلفوا في قاذف المحصنين أن عليه الحد، واختلفوا في الأشربة التي تسكر، ~~ليس لجهلهم أسماء الخمور ومعانيها، ولكن للأخبار المروية في تحريم المسكر، ~~والواردة في تحليلها. # ولو كانت الأشربة كلها عند أهل اللغة في القديم خمرا لما احتاجوا إلى أهل ~~الروايات في الخمر، أي الأجناس من الأشربة هي؟ كما لم يخرجوا إلى طلب معرفة ~~العبيد من الإماء. # وهذا باب يطول شرحه إن استقصيت جميع ما فيه من المسألة والجواب. # وما ينكر من خالفنا في تحليل ms6 الأنبذة مع إقراره أن الأشربة المسكرة ~~الكثيرة لم تزل معروفة بأسمائها وأعيانها، وأجناسها وبلدانها، وأن الله ~~تعالى قصد للخمر من بين جميعها فحرمها، وترك سائر الأشربة طلقا مع أجناس ~~سائر المباح. # والدليل على تجويز ذلك أن الله تعالى ما حرم على الناس شيئا من الأشياء ~~في القديم والحديث إلا أطلق لهم من جنسه، وأباح من سنخه ونظيره وشبهه، ما ~~يعمل مثل عمله أو قريبا منه، ليغنيهم بالحلال عن الحرام. أعني ما حرم ~~بالسمع دون المحرم بالعقل. قد حرم من الدم المسفوح، وأباح غير المسفوح، ~~كجامد دم الطحال والكبد وما أشبههما PageV04P275 ~~وحرم الميتة وأباح الذكية. وأباح أيضا ميتة البحر وغير البحر، كالجراد ~~وشبهه، وحرم الربا وأباح البيع، وحرم بيع ما ليس عندك وأباح السلم، وحرم ~~الضيم وأباح الصلح، وحرم السفاح وأباح النكاح. وحرم الخنزير وأباح الجدي ~~الرضيع، والخروف والحوار. # والحلال في كل ذلك أعظم موقعا من الحرام. ### || فصل منه # ولعل قائلا يقول: وأهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وسكان حرمه ودار ~~هجرته، أبصر بالحلال والحرام، والمسكر والخمر، وما أباح الرسول وما حظره، ~~وكيف لا يكون كذلك والدين ومعالمه من عندهم خرج إلى الناس؛ والوحي عليهم ~~نزل، والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم دفن. وهم المهاجرون السابقون، ~~والأنصار المؤثرون على أنفسهم. وكلهم مجمع على تحريم الأنبذة المسكرة، ~~وأنها كالخمر. # وخلفهم على منهاج سلفهم إلى هذه الغاية، حتى إنهم جلدوا على الريح الخفي. # وكيف لا يفعلون ذلك ويدينون به وقد شهدوا من شهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد حرمها وذمها، وأمر بجلد شاربها. # ثم كذلك فعل أئمة الهدى من بعده. فهم إلى يوم الناس على رأي واحد، وأمر ~~متفق، ينهون عن شربها، ويجلدون عليها. PageV04P276 # وإنا نقول في ذلك: إن عظم حق البلدة لا يحل شيئا ولا يحرمه، وإنما يعرف ~~الحلال والحرام بالكتاب الناطق، والسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة، ~~والمقاييس المصيبة. # وبعد، فمن هذا المهاجري أو الأنصاري، الذي رووا عنه تحريم الأنبذة ثم لم ~~يرووا عنه التحليل؟ بل لو أنصف القائل لعلم ms7 أن الذين من أهل المدينة حرموا ~~الأنبذة ليسوا بأفضل من الذين أحلوا النكاح في أدبار النساء، كما استحل قوم ~~من أهل مكة عارية الفروج، وحرم بعضهم ذبائح الزنوج، لأنهم فيما زعموا مشوهو ~~الخلق. ثم حكموا بالشاهد واليمين خلافا لظاهر التنزيل. وأهل المدينة وإن ~~كانوا جلدوا على الريح الخفي فقد جلدوا على حمل الزق الفارغ؛ لأنهم زعموا ~~أنه آلة الخمر، حتى قال بعض من ينكر عليهم: فهلا جلدوا أنفسهم؟ لأنه ليس ~~منهم إلا ومعه آلة الزنى! وكان يجب على هذا المثال أن يحكم بمثل ذلك على ~~حامل السيف والسكين والسم القاتل، في نظائر ذلك؛ لأن هذه كلها آلات القتل. # وبعد، فأهل المدينة لم يخرجوا من طبائع الإنس إلى طبع الملائكة. ولو كان ~~كل ما يقولونه حقا وصوابا لجلدوا من كان في دار معبد، PageV04P277 ~~والغريض، وابن سريج، ودحمان وابن محرز وعلويه وابن جامع، ومخارق، وشريك، ~~ووكيع، وحماد، PageV04P278 ~~وإبراهيم وجماعة التابعين، والسلف والمتقدمين؛ لأن هؤلاء فيما زعموا ~~كانوا يشربون الأنبذة التي هي عندهم خمر؛ وأولئك كانوا يعالجون الأغاني ~~التي هي حل طلق، على نقر العيدان والطنابير، والنايات والصنج والزنج، ~~والمعازف التي ليست محرمة ولا منهيا عن شيء منها. # ولو كان ما خالفونا فيه من تحليل الأنبذة وتحريمها، كالاختلاف في الأغاني ~~وصفاتها وأوزانها، واختلاف مخارجها، ووجوه مصارفها ومجاريها، وما يدمج ~~ويوصل منها، وما للحنجرة والحنك والنفس واللهوات وتحت اللسان من نغمها. وأي ~~الدساتين أطرب، وأي أصوب، وما يحفز بالهمز أو يحرك بالضم؛ وكالقول بأن ~~الهزج بالبنصر أطيب، أو بالوسطى؟ والسريع على الزير ألذ، أو على المثنى؟ ~~والمصعد في لين أطرب أم المحدر في الشدة؟ لسهل ذلك ولسلمنا علمه لمن يدعيه، ~~ولم نجاذب من يدعي دوننا معرفته. PageV04P279 ### || فصل منه # ولهج أصحاب الحديث بحكم لم أسمع بمثله في تزييف الرجال، وتصحيح الأخبار. ~~وإنما أكثروا في ذلك، لتعلم حيدهم عن التفتيش، وميلهم عن التنقير، ~~وانحرافهم عن الإنصاف. ### || فصل منه # والذي دعاني إلى وضع جميع هذه الأشربة والوقوف على أجناسها وبلدانها، ~~مخافة أن يقع هذا الكتاب عند بعض ms8 من عساه لا يعرف جميعها، ولم يسمع بذكرها، ~~فيتوهم أني في ذكر أجناسها المستشنعة وأنواعها المبتدعة، كالهاذي برقية ~~العقرب، وإن كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لأقف على حلالها وحرامها، وكيف ~~اختلفت الأمة فيها، وما سبب اعتراض الشك واستكمان الشبهة؛ ولأن أحتج للمباح ~~وأعطيه حقه، وأكشف أيضا عن المحظور فأقسم له قسطه، فأكون قد سلكت بالحرام ~~سبيله، وبالحلال منهجه، اقتداء مني بقول الله عز وجل: " يأيها الذين آمنوا ~~لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ". # وقد كتبت لك - أكرمك الله - في هذا الكتاب ما فيه الجزاية PageV04P280 ~~والكفاية، ولو بسطت القول لوجدته متسعا، ولأتاك منه الدهم. وربما كان ~~الإقلال في إيجاز أجدى من إكثار يخاف عليه الملل. فخلطت لك جدا بهزل، وقرنت ~~لك حجة بملحة، ليخف مؤونة الكتاب على القارىء، وليزيد ذلك في نشاط المستمع، ~~فجعلت الهزل بعد الجد جماما، والملحة بعد الحجة مستراحا. PageV04P281 ms9