######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010670 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail.XXX #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الرسائل الأدبية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010670 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10670 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10670 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: الثانية، 1423 ه #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار ومكتبة الهلال، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | [12- رسالة الشارب والمشروب] PageV01P273 ### || [1- موضوع الكتاب] # فصل منه: سألت- أكرم الله وجهك، وأدام رشدك، ولطاعته توفيقك، حتى تبلغ من ~~مصالح دينك ودنياك منازل ذوي الألباب، ودرجات أهل الثواب- أن أكتب لك صفات ~~الشارب والمشروب وما فيهما من المدح والعيوب، وأن أميز لك بين الأنبذة ~~والخمر، وأن أقفك على حد السكر، وان أعرفك السبب الذي يرغب في شرب الأنبذة ~~وما فيها من اجتلاب المنفعة، وما يكره من نبيذ الأوعية. # وقلت: وما فرق ما بين الجر والسقاء، والمزفت والحنتم والدباء، وما القول ~~في الممتل والمكسوب، وما فرق ما بين النقيع والداذي، وما المطبوخ والباذق، ~~وما الغربي والمروق، وما الذي يحل من الطبيخ، وما القول في شرب الفضيخ، وهل ~~يكره نبيذ العكر، وما القول في عتيق السكر، وأنبذة الجرار، وما يعمل من ~~السكر، ولم كره النقير والمقير. # وسألت عن نبيذ العسل والعرطبات وعن رزين سوق الأهواز، وعن نبيذ أبي يوسف ~~وجمهور، والمعلق والمسحوم. والحلو والترش شيرين ونبيذ PageV01P275 ~~الكشمش والتين، ولم كره الجلوس على البواطي والرياحين. # وقلت: وما نصيب الشيطان، وما حاصل الإنسان؟ # وسألت عمن شرب الأنبذة أو كرهها من الأوائل، وما جرى بينهم فيها من ~~الأجوبة والمسائل، وما كانوا عليه فيها من الآراء، وتشبثوا فيها من ~~الأهواء، ولأي سبب تضادت فيها الآثار، واختلفت فيها الأخبار. ### || [2- منافع النبيذ] # وسألت أن أقصد فى ذلك إلى الإيجاز والاختصار، وحذف الإكثار. # وقلت: وإذ جعل الله تعالى للعباد عن الخمر المندوحة بالأشربة الهنية ~~الممدوحة، فما تقول فيما حسن من الأنبذة صفاه، وبعد مداه، واشتدت قواه، ~~وعتق حتى جاد، وعاد بعد قدم الكون صافي اللون، هل يحل إليه الاجتماع، وفيه ~~الاكتراع، إذ كان يهضم الطعام ويوطىء المنام. وهو في لطائف الجسم سار، وفي ~~خفيات العروق جار، ولا يضر معه برغوث ولا يعوض ولا جرجس عضوض. # وقلت: وكيف يحل لك ترك شربه إذا كان لك موافقا، ولجسمك ملائما. ولم لا ~~فلت: إن تارك شربه كتارك العلاج من أدوإ الأدواء وإنه كالمعين على نفسه إذا ~~ترك شربه أفحش الداء. وأنت تعلم أنك إذا شربته ms1 عدلت به طبيعتك، وأصلحت به ~~صفار جسمك، وأظهرت به حمرة لونك، فاستبدلت به من السقم صحة، ومن حلول العجز ~~قوة، ومن الكسل نشاطا، وإلى اللذة انبساطا، ومن الغم فرجا، ومن الجمود ~~تحركا، ومن الوحشة أنسا، وهو في الخلوة خير مسامر، وعند الحاجة خير ناصر. ~~يترك الضعيف وهو مثل أسد PageV01P276 ~~العرين يلان له ولا يلين. # وقلت: الجيد من الأنبذة يصفي الذهن ويقوي الركن، ويشد القلب والظهر، ~~ويمنع الضيم والقهر، ويشحذ المعدة، ويهيج للطعام الشهوة، ويقطع عن إكثار ~~الماء الذي منه جل الأدواء، ويحدر رطوبة الرأس، ويهيج العطاس، ويشد البضعة، ~~ويزيد في النطفة، وينفي القرقرة والرياح، ويبعث الجود والسماح، ويمنع ~~الطحال من العظم، والمعدة من التخم، ويحدر المرة والبلغم، ويلطف دم العروق ~~ويجريه، ويرقه ويصفيه، ويبسط الآمال، وينعم البال، ويغشي الغلظ في الرثة، ~~ويصفي البشرة ويترك اللون كالعصفر، ويحدر أذى الرأس في المنخر، ويموه الوجه ~~ويسخن الكلية، ويلذ النوم ويحلل التخم، ويذهب بالإعياء، ويغذو لطيف الغداء، ~~ويطيب الأنفاس، ويطرد الوسواس، ويطرب النفس، ويؤنس من الوحشة، ويسكن ~~الروعة، ويذهب الحشمة، ويقذف فضول الصلب بالإنشاط للجماع، وفصول المعدة ~~بالهراع، ويشجع المرتاع ويزهي الذليل، ويكثر القليل، ويزيد في جمال الجميل، ~~ويسلي الحزن، ويجمع الذهن، وينفي الهم، ويطرد الغم، ويكشف عن قناع الحزم، ~~ويولد في الحليم الحلم، ويكفي أضغاث الحلم، ويحث على الصبر، ويصحح من ~~الفكر، ويرجي القانط، ويرضي الساخط، ويغني عن الجليس، ويقوم مقام الأنيس ~~وحتى إن عز لم يقنط منه، وإن حضر لم يصبر عنه، يدفع النوازل العظيمة، وينقي ~~الصدر من الخصومة، ويزيد في المساغ، وسخونة الدماغ، وينشط الباه حتى لا ~~يزيف شيئا يراه، وتقبله جميع الطبائع، ويمتزج به صنوف البدائع، من اللذة ~~والسرور، والنضرة والحبور. وحتى سمي شربه قصفا، وسمى فقده خسفا. وإن شرب ~~منه الصرف بغير مزاج، تحلل بغير علاج. ويكفي الأحزان والهموم، ويدفع ~~الأهواء والسموم، ويفتح الذهن، ويمنع الغبن، ويلقن الجواب، ولا يكيد منه ~~العتاب، به تمام اللذات، وكمال المروءات. ليس لشيء كحلاوته في PageV01P277 ~~النفوس، وكسطوته في الجباه والروس، وكإنشاطه للحديث ms2 والجلوس، يحمر ~~الألوان، ويرطب الأبدان، ويخلع عن الطرب الأرسان. ### || [3- مساوىء النبيذ] # وقلت: ومع كل ذلك فهو يلجلج اللسان، ويكثر الهذيان، ويظهر الفضول ~~والأخلاط، ويناوب الكسل بعد النشاط. فأما إذا تبين في الرأس الميلان، ~~واختلف عند المشي الرجلان، وأكثر الإخفاق، والتنخع والبصاق، واشتملت عليه ~~الغفلة، وجاءت الزلة بعد الزلة ولا سواء إن دسع بطعامه، أو سال على الصدر ~~لعابه، وصار في حد المخرفين، لا يفهم ولا يبين، فتلك دلالات النكر، وظهور ~~علامات السكر، ينسي الذكر، ويورث الفكر، ويهتك الستر، ويسقط من الجدار، ~~ويهور في الآبار، ويغرق في الأنهار، ويصرف عن المعروف، ويعرض للحتوف، ويحمل ~~على الهفوة، ويؤكد الغفلة، ويورث الصباح أو الصمات، ويصرع الفهم للسبات ~~فلغير معنى يضحك، ولغير سبب يمحك، ويحيد عن الإنصاف، وينقلب على الساكت ~~الكاف. ثم يظهر السرائر، ويطلع على ما في الضمائر، من مكنون الأحقاد، وخفي ~~الاعتقاد. # وقد يقل على السكر المتاع، ويطول منه الأرق والصداع، ثم يورث بالغدوات ~~الخمار، ويختل سائر النهار ويمنع من إقامة الصلوات، وفهم الأوقات، ويعقب ~~السل، ويعقب في القلوب الغل، ويجفف النطفة، ويورث الرعشة، ويولد الصفار، ~~وضروب العلل في الإبصار، ويعقب الهزال، ويجحف بالمال ويجفف الطبيعة ويقوي ~~الفاسد من المرة ويذيل النفس، ويفسد مزاج الحس، ويحدث الفتور في القلب، ~~ويبطىء عند الجماع الصب، حتى يحدث من أجله الفتق، الذي ليس له رتق، ويحمل ~~على PageV01P278 ~~المظالم، وركوب المآثم، وتضييع الحقوق حتى يقتل من غير علم، ويكفر من غير ~~فهم. ### || [4- انواع النبيذ] # فصل منه: وقلت: ومن الحلو في المعد التخم، وفي الأبدان الوخم، وللترش ~~شيرين رياح كمثل رياح العدس، وحموضة تولد في الأسنان الضرس. # والسكر فحسبك بفرط مرارته، وكسوف لونه، وبشاعة مذاقه، ونفار الطبيعة عنه. # وأنواع ما يعالج من التمور والحبوب فشربها الداء العضال. # وللمسجور، والبتى، وأشباهها كدورة ترسب في المعدة، وتولد بين الجلدتين ~~الحكة. وأشباه هذا كثيرة تركت ذكرها، لأني لم أقصدك بالمسألة أبتغي منك ~~تحليل ما يجلب المضرة. # ولكن ما تقول فيما يسرك ولا يسوءك، وما إذا شربته تلقته العروق فاتحة ~~أفواهها ms3 كأفواه الفراخ، محسنا للون ملذة للنفس، يجثم على المعدة، ويرود في ~~العروق، ويقصد إلى القلب فيولد فيه اللذة، وفي المعدة الهضم، وهو غسولها ~~ونضوحها، ويسرع إلى طاعة الكبد، ويفيض بالعجل إلى الطحال، وينتفخ منه ~~العروق، وتظهر حمرته بين الجلدتين، ويزيد في اللون، ويولد الشجاعة والسخاء، ~~ويريح من اكتنان الضغن، ويعفي على تغير النكهة، وينفي الذفر، ويسرع إلى ~~الجبهة، ويغني عن الصلاء، ويمنع القر؟! # وما تقول في نبيذ الزبيب الحمصي ~~والعسل الماذي إذا تورد لونه، وتقادم كونه، ورأيت حمرته في صفرته تلوح. ~~تراه في الكأس لكأنه بالشمس PageV01P279 ~~ملتحف، شعاعه يضحك في الأكف؟ # وما تقول في عصير الكرم إذا أجدت طبخه وأنعمت إنضاجه، وأحسن الدن نتاجه، ~~فإذا فض عن غضارة قد صار في لون البجادي في صفاء ياقوتة تلمع في الأكف لمع ~~الدنانير، ويضيء كالشهاب المتقد. # وما تقول في نبيذ عسل مصر، فإنه يؤدي إلى شاربه الصحيح من طعم الزعفران، ~~لا يلبس الخلقان ولا يجود إلا في جدد الدنان، ولا يستخدم الأنجاس ولا يألف ~~الأرجاس. وكذلك لا يزكو على علاج الجنب والحائض، ولا ينقض على شيء من ~~الأجسام لونه حتى لو غمس فيه قطن لخرج أبيض يققا. وحسبك به في رقة الهواء، ~~يكدره صافي الماء، وهو مع ذلك كالهزبر ذي الأشبال، المفترس للأقران، من ~~عاقره عقره، ومن صارعه صرعه؟! # وما تقول في رزين الأهواز من زبيب الداقياد ~~إذ يعود صلبا من غير أن يسل سلافه، أو يماط عنه ثفله، حتى يعود كلون ~~العقيق، في رائحة المسك العتيق. أصلب الأنبذة عريكة، وأصلبها صلابة، وأشدها ~~خشونة. ثم لا يستعين بعسل ولا سكر ولا دوشاب. وما ظنك به وهو زبيب نقيع، لا ~~يشتد ولا يجود إلا بالضرب الوجيع؟! # وما تقول في الدوشاب البستاني، سلالة ~~الرطب الجني بالحب الرتيلي، إذا أوجع ضربا، وأطيل حبسا، وأعطى صفوه ومنح ~~رفده، وبذل ما عنده، فإذا كشف عنه قناع الطين ظهر في لون الشقر والكمت وسطع ~~برائحة كالمسك. وإذا هجم على المعدة لانت له الطبائع، وسلست له الأمعاء، ~~وأيس الحصر، ms4 وانقطع طمع القولنج، وانقادت له اليبوسة، وأذعنت له بالطاعة، ~~وابتل به الجلد القحل، وارتحل عنه الباسور، وكفى شاربه الوخز. ~~فإذا شج بماء تلظى ورمى بشرره، هل يحل أن يشعشع إذا سكن جأشه، وآب إليه ~~حلمه. PageV01P280 # وما تقول في المعتق من أنبذة التمر، فإنك تنظر إليه وكأن النيران تلمع من ~~جوفه. قد ركد ركود الزلال حتى لكأن شاربه يكرع في شهاب، ولكأنه فرند في وجه ~~سيف. وله صفيحة مرآة مجلوة تحكي الوجوه في الزجاجة، حتى يهم فيها الجلاس؟! # وما تقول في نبيذ الجزر، الذي منه تمتد النطفة وتشتد النقطة، يجلب الأحلام، ~~ويركد في مخ العظام؟! # وما تقول في نبيذ الكشمش الذي لونه لون زمردة خضراء ~~صافية، محكم الصلابة، مفرط الحرارة، حديد السورة، سريع الإفاقة عظيم ~~المؤونة، قصير العمر، كثير العلل، جم البدوات تطمع الآفات فيه، وتسرع ~~إليه؟! # وما تقول في نبيذ التين فإنك تعلم أنه مع حرارته لين العريكة، سلس ~~الطبيعة، عذب المذاق، سريع الإطلاق، مرهم للعروق، نضوح للكبد فتاح للسدد، ~~غسال للأمعاء، هياج للباه، أخاذ للثمن، جلاب للمؤن، مع كسوف لون وقبح ~~منظر؟! # وما تقول في نبيذ السكر الذي ليس مقدار المنفعة به على قدر المؤونة ~~فيه، هل يوجد في المحصول لشربه معنى معقول؟! # وما تقول في المروق والغربي ~~والفضيح؟ ألذ مشروبات في أزمانها وانفع مأخوذات في إبانها. أقل شيء مؤونة، ~~وأحسنه معونة، وأكثر شيء قنوعا، وأسرعه بلوغا، ضموزات عروفات للرجل ألوفات. ~~ولها أراييح على الشاهسفرم كأذكى رائحة تشم، أقل المشروبات صداعا، وأشدهن ~~خداعا. # فصل منه: وكرهت أيضا تقليد المختلف من الآثار فأكون كحاطب ليل، دون ~~التأمل والاعتبار بأن ظلام الشك لا يجلوه إلا مفتاح اليقين. PageV01P281 ### || [5- الرد على اسئلة السائل] # قد فهمت- أسعدك الله تعالى بطاعته- جميع ما ذكرت من أنواع الأنبذة، وبديع ~~صفاتها، والفصل بين جيدها ورديها، ونافعها وضارها، وما سألت من الوقوف على ~~حدودها. ولا زلت من عداد من يسأل ويبحث، ولا زلنا في عداد من يشرح ويفصح. ### || [6- هناك فرق بين الخمر والنبيذ] # اعلم- أكرمك الله- أنك لو بحثت عن أحوال من ms5 يؤثر شرب الخمور على الأنبذة، ~~لم تجد إلا جاهلا مخذولا، أو حدثا مغرورا، أو خليعا ماجنا، أو رعاعا همجا؛ ~~ومن إذا غدا بهيمة، وإذا راح نعامة، ليس عنده من المعرفة أكثر من انتحال ~~القول بالجماعة؛ قد مزج له الصحيح بالمحال، فهو مدين بتقليد الرجال، يشعشع ~~الراح، ويحرم المباح، فمتى عذله عاذل ووعظه واعظ قال: الأشربة كلها خمر، ~~فلا أشرب إلا أجودها. # وقد أحببت- أيدك الله- التوثق من إصغاء فهمك، وسؤت ظنا بالتغرير فقدمت لك ~~من التوطئة ما يسهل [لك] سبيل المعرفة. وذلك إلى مثلك من مثلي حزم سيما ~~فيما خفيت معالمه ودرست مناهجه، وكثرت شبهه، واشتد غموضه. # ولو لم يكن ذلك وكان قد اعتاص علي البرهان في إظهاره، واحتجت في الإبانة ~~عنه إلى ذكر ضده، ونظيره وشكله، لم أحتشم من الاستعانة بكل ذلك. فكيف ~~والقدرة- بحمد الله- وافرة، والحجة واضحة. # قد يكون الشيء من جنس الحرام فيعالج بضرب من العلاج حتى يتغير PageV01P282 ~~بلون يحدث له، ورائحة وطعم ونحو ذلك، فيتغير لذلك اسمه، ويصير حلالا بعد ~~أن كان حراما. # فصل منه: فإن قال لنا قائل: ما تدرون، لعل الأنبذة قد دخلت في ذكر تحريم ~~الخمر، ولكن لما كان الابتداء أجري في ذكر تحريم الخمر، خرج التحريم عليها ~~وحدها في ظاهر المخاطبة، ودخل سائر الأشربة في التحريم بالقصد والإرادة. # قلنا: قد علمنا أن ذلك على خلاف ما ذكر السائل، لأسباب موجودة، وعلل ~~معروفة. ### || [7- الصحابة ميزوا بين الفرائض والمسكرات] # منها: أن الصحابة الذين شهدوا نزول الفرائض، والتابعين من بعدهم، لم ~~يختلفوا في قاذف المحصنين أن عليه الحد، واختلفوا في الأشربة التي تسكر، ~~ليس لجهلهم أسماء الخمور ومعانيها، ولكن للأخبار المروية في تحريم المسكر، ~~والواردة في تحليلها. # ولو كانت الأشربة كلها عند أهل اللغة في القديم خمرا لما احتاجوا إلى أهل ~~الروايات في الخمر، أي الأجناس من الأشربة هي؟ كما لم يخرجوا إلى طلب معرفة ~~العبيد من الإماء. # وهذا باب يطول شرحه إن استقصيت جميع ما فيه من المسألة والجواب. # وما ينكر من خالفنا في تحليل الأنبذة مع ms6 إقراره أن الأشربة المسكرة ~~الكثيرة لم تزل معروفة بأسمائها واعيانها، وأجناسها وبلدانها، وأن الله ~~تعالى قصد للخمر من بين جميعها فحرمها، وترك سائر الأشربة طلقا مع أجناس PageV01P283 ~~سائر المباح. ### || [8- حرم الله اشياء وحلل سائر اجناسها] # والدليل على تجويز ذلك أن الله تعالى ما حرم على الناس شيئا من الأشياء ~~في القديم والحديث إلا (أطلق لهم من جنسه، وأباح من سنخه ونظيره وشبهه، ما ~~يعمل مثل عمله أو قريبا منه، ليغنيهم بالحلال عن الحرام. أعني ما حرم ~~بالسمع دون المحرم بالعقل. قد حرم من الدم المسفوح، وأباح غير المسفوح، ~~كجامد دم الطحال والكبد وما أشبههما، وحرم الميتة وأباح الذكية. وأباح أيضا ~~ميتة البحر وغير البحر، كالجراد وشبهه، وحرم الربا وأباح البيع، وحرم بيع ~~ما ليس عندك وأباح السلم، وحرم الضيم وأباح الصلح، وحرم السفاح وأباح ~~النكاح. وحرم الخنزير وأباح الجدي الرضيع، والخروف والحوار. # والحلال في كل ذلك أعظم موقعا من الحرام. ### || [9- اهل المدينة حرموا النبيذ ولكنهم ليسوا حجة] # فصل منه: ولعل قائلا يقول: وأهل مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم وسكان ~~حرمه ودار هجرته، أبصر بالحلال والحرام، والمسكر والخمر، وما أباح الرسول ~~وما حظره، وكيف لا يكون كذلك والدين ومعالمه من عندهم خرج إلى الناس؛ ~~والوحي عليهم نزل، والنبي صلى الله عليه وسلم فيهم دفن. وهم المهاجرون ~~السابقون، والأنصار المؤثرون على أنفسهم. وكلهم مجمع على تحريم الأنبذة ~~المسكرة، وأنها كالخمر. # وخلفهم على منهاج سلفهم إلى هذه الغاية، حتى إنهم جلدوا على PageV01P284 ~~الريح الخفي. # وكيف لا يفعلون ذلك ويدينون به وقد شهدوا من شهد النبي صلى الله عليه ~~وسلم قد حرمها وذمها، وأمر بجلد شاربها. # ثم كذلك فعل أئمة الهدى من بعده. فهم إلى يوم الناس على رأي واحد، وأمر ~~متفق، ينهون عن شربها، ويجلدون عليها. # وإنا نقول في ذلك: إن عظم حق البلدة لا يحل شيئا ولا يحرمه، وإنما يعرف ~~الحلال والحرام بالكتاب الناطق، والسنة المجمع عليها، والعقول الصحيحة، ~~والمقاييس المصيبة. # وبعد، فمن هذا المهاجري أو الأنصاري، الذي رووا عنه تحريم ms7 الأنبذة ثم لم ~~يرووا عنه التحليل؟ بل لو أنصف القائل لعلم أن الذين من أهل المدينة حرموا ~~الأنبذة ليسوا بأفضل من الذين أحلوا النكاح في أدبار النساء، كما استحل قوم ~~من أهل مكة عارية الفروج، وحرم بعضهم ذبائح الزنوج، لأنهم فيما زعموا مشوهو ~~الخلق. ثم حكموا بالشاهد واليمين خلافا لظاهر التنزيل. وأهل المدينة وإن ~~كانوا جلدوا على الريح الخفي فقد جلدوا على حمل الزق الفارغ؛ لأنهم زعموا ~~أنه آلة الخمر، حتى قال بعض من ينكر عليهم: فهلا جلدوا أنفسهم؟ لأنه ليس ~~منهم إلا ومعه آلة الزنى! وكان يجب على هذا المثال أن يحكم بمثل ذلك على ~~حامل السيف والسكين والسم القاتل، في نظائر ذلك؛ لأن هذه كلها آلات القتل. ### || [10- مغنو المدينة شربوا الخمر ولم يحدهم أهلها] # وبعد، فأهل المدينة لم يخرجوا من طبائع الإنس إلى طبع الملائكة. ~~ولو كان كل ما يقولونه حقا وصوابا لجلدوا من كان في دار معبد، والغريض، ~~وابن سريج، ودحمان وابن محرز وعلويه وابن جامع، ومخارق، وشريك، PageV01P285 ~~ووكيع، وحماد، وإبراهيم وجماعة التابعين، والسلف والمتقدمين؛ لأن هؤلاء ~~فيما زعموا كانوا يشربون الأنبذة التي هي عندهم خمر؛ وأولئك كانوا يعالجون ~~الأغاني التي هي حل طلق، على نقر العيدان والطنابير، والنايات والصنج ~~والزنج، والمعازف التي ليست محرمة ولا منهيا عن شيء منها. # ولو كان ما خالفونا فيه من تحليل الأنبذة وتحريمها، كالاختلاف في الأغاني ~~وصفاتها وأوزانها، واختلاف مخارجها، ووجوه مصارفها ومجاريها، وما يدمج ~~ويوصل منها، وما للحنجرة والحنك والنفس واللهوات وتحت اللسان من نغمها. وأي ~~الدساتين أطرب، وأي أصوب، وما يحفز بالهمز أو يحرك بالضم؛ وكالقول بأن ~~الهزج بالبنصر أطيب، أو بالوسطى؟ والسريع على الزير ألذ، أو على المثنى؟ ~~والمصعد في لين أطرب أم المحدر في الشدة؟ لسهل ذلك ولسلمنا علمه لمن يدعيه، ~~ولم نجاذب من يدعي دوننا معرفته. # فصل منه: ولهج أصحاب الحديث بحكم لم أسمع بمثله في تزييف الرجال، وتصحيح ~~الأخبار. وإنما أكثروا في ذلك، لتعلم حيدهم عن التفتيش، وميلهم عن التنقير، ~~وانحرافهم عن الإنصاف. ### || [11- غرض الكتاب ms8 الاساسي] # فصل منه: والذي دعاني إلى وضع جميع هذه الأشربة والوقوف على أجناسها ~~وبلدانها، مخافة أن يقع هذا الكتاب عند بعض من عساه لا يعرف جميعها، ولم ~~يسمع بذكرها، فيتوهم أني في ذكر أجناسها المستشنعة وأنواعها المبتدعة، ~~كالهاذي برقية العقرب، وإن كان قصدي لذكرها في صدر الكتاب لأقف على حلالها ~~وحرامها، وكيف اختلفت الأمة فيها، وما سبب اعتراض الشك واستكمان الشبهة؛ ~~ولأن أحتج للمباح وأعطيه حقه، وأكشف أيضا عن PageV01P286 ~~المحظور فأقسم له قسطه، فأكون قد سلكت بالحرام سبيله، وبالحلال منهجه، ~~اقتداء مني بقول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل ~~الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين. # وقد كتبت لك- أكرمك الله- في هذا الكتاب ما فيه الجزاية والكفاية، ولو ~~بسطت القول لوجدته متسعا، ولأتاك منه الدهم. وربما [كان] الإقلال في إيجاز ~~أجدى من إكثار يخاف عليه الملل. فخلطت لك جدا بهزل، وقرنت لك حجة بملحة، ~~لتخف مؤونة الكتاب على القارىء، وليزيد ذلك في نشاط المستمع، فجعلت الهزل ~~بعد الجد جماما، والملحة بعد الحجة مستراحا. PageV01P287 ms9