######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010587 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.TajFiAkhlaq #META# 010.AuthorAKA :: الجاحظ #META# 010.AuthorNAME :: أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ (المتوفى : 255هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: التاج في أخلاق الملوك #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب التراث السياسي #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: التاج في أخلاق الملوك #META# 030.LibURI :: JK_010587 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # باب في الدخول على الملوك # دخول الأشراف # إن كان الداخل من الأشراف والطبقة العالية، فمن حق الملك أن يقف منه ~~بالموضع الذي لا ينأى عنه، ولا يقرب منه، وأن يسلم عليه قائما. فإن ~~استدناه، قرب منه، فأكب على أطرافه يقبلها، ثم تنحى عنه قائما، حتى يقف في ~~مرتبة مثله. فإن أومأ إليه بالقعود، قعد. فإن كلمه، أجابه بانخفاض صوت، ~~وقلة حركة. وإن سكت، نهض من ساعته، قبل أن يتمكن به مجلسه بغير تسليم ثان، ~~ولا انتظار أمر. # دخول الأوساط # وإن كان الداخل من الطبقة الوسطى، فمن حق الملك، إذا رآه، أن يقف، وإن ~~كان نائيا عنه. فإن استدناه، دنا خطى ثلاثا أو نحوها، ثم وقف أيضا. فإن ~~استدناه، دنا نحوا من دنوه الأول، ولا ينظر إلى تعب الملك في إشارة أو ~~تحريك جارحة؛ فإن ذلك، وإن كان فيه على الملك معاناة، فهو من حقه وتعظيمه. # كيفية الدخول على الملك # وإن كان دخوله عليه من الباب الأول الذي يقابل وجه الملك ويحاذيه - وكان ~~له طريق عن يمينه أو شماله - عدل نحو الطريق الذي لا يقابله فيه بوجهه، ثم ~~انحرف نحو مجلس الملك، فسلم قائما ملاحظا للملك. فإن سكت عنه، انصرف راجعا ~~من غير سلام ولا كلام؛ وإن استداناه، دنا خطى وهو مطرق، ثم رفع رأسه. فإن ~~استدناه، دنا خطى أيضا ثم رفع رأسه حتى إذا أمسك الملك عن إشارة أو حركة، ~~وقف في ذلك الموضع الذي يقطع الملك فيه إشارته، قائما. # فإن أومأ إليه بالقعود، قعد مقعيا أو جاثيا. فإن كلمه، أجابه بانخفاض ~~صوت، وقلة حركة، وحسن استماع. فإذا قطع الملك كلامه، قام فرجع القهقرى. فإن ~~أمكنه أن يستتر عن وجهه بجدار أو مسلك لا يحاذيه إذا ولى، مشى كيف شاء. # استقبال الملك للملوك # وعلى الملك، إذا دخل عليه من يساويه في السلطان والتبع والعز والولادة ~~والبيت، أن يقوم فيخطو إليه خطى ويعانقه، ويأخذ بيده فيقعده في مجلسه، ~~ويجلس دونه؛ لأن هذه حال يحتاج الملك إلى مثلها، من الداخل عليه، إذا ms01 زاره؛ ~~فإن بخسه حظه ومنعه ما يجب له، لم يأمن الملك أن يفعل به مثل ذلك. ومتى فعل ~~كل واحد منهما بصاحبه ماهو خارج عن النواميس والشرائع، تولد من ذلك فساد، ~~وحدثت ضغائن بين الملوك يقع بسببها التباغض والتعادي والتحاسد. وإذا اجتمع ~~ذلك في المملكة، كان سببا للبوار، وداعية إلى التجارب. # وداع الملك للملوك # وعلى الملك، إذا أراد هذا الذي قدمنا صفته، الأنصراف، أن يقوم معه إذا ~~قام، ويدعو بدابته ليركب حيث يراه، ويشيعه ماشيا، قبل ركوبه، خطى يسيرة، ~~ويأمر حشمه بالسعي بين يديه. # وعلى هذا كانت أخلاق آل ساسان من الملوك وأبنائهم، وبهذه السياسة أخذهم ~~أردشير بن بابك، فلم تزل فيهم حتى ملك كسرى أبرويز، فغيرها؛ فكان مما اعتد ~~عليه شيرويه، ابنه، في ذكر مثالبه ومعايبه وقد قلنا إن من حق الملك أن لا ~~يطيل أحد عنده القعود؛ فإن اخطأ مخطيء في ذلك، فمن إذن الملك له بالانصراف ~~أن يلحظه. فإذا عرف ذلك فلم يقم، كان ممن يحتاج إلى أدب، وكان الذي وصله ~~بالملك ظالما له ولنفسه. # باب في مطاعمة الملوك # ومن حق الملك، إذا تبذل مع أحد، وأنس به حتى طاعمه، أن لا ينبسط بين يديه ~~في مطعمه؛ فإن في ذلك خلالا مذمومة: منها، أن انبساطه يدل على شرهه؛ ومنها، ~~أن في ذلك سوء أدب، وقلة تمييز؛ ومنها، أن فيه جرأة على الملك ببسط اليد، ~~ومدها، وكثرة الحركة. # وليس في كثرة الأكل مع الملك معنى يحمد، إلا أن يكون الآكل كميسرة التراس ~~أو حفص الكيال، الذين إنما يحضرون لكثرة الأكل فقط. فاما أهل الأدب، وذوو ~~المروءة، فإنما حظهم من مائدة الملك المرتبة التي رفعهم إليها، والأنس الذي ~~خصهم به. # المنصور والفتى الهاشمي # قال: وحدثني ابراهيم بن السندي بن شاهك، عن أبيه، قال: دخل شاب من بني ~~هاشم على المنصور، فاستجلسه ذات يوم، ودعا بغدائه، وقال للفتى: أدنه فقال ~~الفتى: قد تغديت. فكف عنه الربيع، حتى ظننت أنه لم يفطن لخطاه. فلما نهض ~~للخروج، أمهله. # فلما كان من وراء ms02 الستر، دفع في قفاه. فلما رأى الحجاب ذلك منه، دفعوا في ~~قفاه حتى أخرجوه من الدار. PageV01P001 فدخل رجال من عمومة الفتى، فشكوا ~~الربيع إلى المنصور. فقال المنصور: إن الربيع لا يقدم على مثل هذا، إلا وفي ~~يده حجة؛ فإن شئتم أغضيتم على ما فيها، وإن شئتم سألته، وأنتم تسمعون. ~~قالوا: فسله. # فدعا الربيع، وقصوا قصته. فقال الربيع: هذا الفتى كان يسلم من بعيد، ~~وينصرف. فاستدناه أمير المؤمنين، حتى سلم عليه من قريب، ثم أمره بالجلوس. ~~ثم تبذل بفضيلة المرتبة التي صيره فيها أن قال، حين دعاه إلى طعامه: قد ~~فعلت. وإذن ليس عنده لمن أكل مع أمير المؤمنين إلا سد خلة الجوع. ومثل هذا ~~لا يقومه القول دون الفعل. # على مائدة اسحق بن ابراهيم # حدثني أحمد بن عبد الرحمن الحراني، قال: كنت أحضر على مائدة اسحق بن ~~إبراهيم، أنا وهاشم ابن أخي الأبرد والناقدي؛ فكنت أعد على مائدته ثلاثين ~~طائرا. فأما الحلو والحامض والحار والقار، فاكثر من أن أحصيه. فلا نرزأ من ~~ذلك كله إلا مقدار ما يأكل الطائر. إنما نكسر الخبز بأظفارنا. # قلت: فما كان ينشطكم؟. قال: لا ولو فعل ما فعلناه قال: فما هو إلا أن ~~نتوارى عن عينه حتى ننتهب. # شرف مؤاكلة الملوك # وكذلك يجب للملوك أن لا يشره أحد إلى طعامهم، ولا يكون غرضه أن يملأ ~~بطنه، وينصرف إلى رحله، إلا أن يكون الآكل أخا الملك، أو ابنه، أو عمه، أو ~~ابن عمه، أو من أشبه هؤلاء؛ ويكون أيضا ممن يقصر بعد الأكل ويطيل المنادمة، ~~ويجعل ما يأكل غذاء يومه وليلته، إذ كان لا يمكنه الانصراف متى شاء. # وكانت ملوك فارس، إذا رأت أحدا في هذه الحال التي وصفنا من شره المطعم ~~والنهم، أخرجوه من طبقة الهزل، ومن باب التعظيم إلى باب الاحتقار والتصغير. # والملك، وإن بسط الرجل لطعامه، فمن حقه على نفسه، وحق الملك عليه أن لا ~~يترك استعمال الأدب، ولا يميل إلى ما تهوى طبيعته؛ فإنه من عرف بالشره، لم ~~يجب له اسم الأدب، ms03 ومن عرف بالنهم، زال عنه اسم التمييز. # وإذا وضع الملك بين يدي أحد طعاما، فليعلم ذلك الرجل أنه لم يضعه بين ~~يديه ليأتي عليه، بل لعله، إن كان لم يقصد بذاك إلى إكرامه أو مؤانسته، أن ~~يكون أراد أن يعرف ضبطه نفسه، إذا رأى ما يشتهي من بسطه لها. # وحسب الرجل، إذا أتحفه الملك بتحفة على مائدته، أن يضع يده عليها. فإن ~~ذلك يجزئه، ويزيد في آدابه. # بين معاوية والحسن بن علي # ألا ترى إلى معاوية بن أبي سفيان، حين وضع بين يدي الحسن عليه السلام، ~~دجاجة، ففكها، نظر إليه معاوية، فقال: هل كان بينك وبينها عداوة؟ فقال له ~~الحسن: هل كان بينك وبين أمها قرابة؟. # إن هذا الكلام الذي دار بينهما قد قرح في قلب كل واحد منهما. ومعاوية لم ~~يقل هذا القول، لأنه كان يعظم عليه قدر الدجاجة. # فكيف يكون ذلك، وهو يكتب إلى أطرافه وعماله، ولى زياد بالعراق بإطعام ~~السابلة، والفقراء، وذوي الحاجة؟ وله في كل يوم أربعون مائدة يتقسمها وجود ~~جند الشام؟ ولكن علم أن من حق الملك توقير مجلسه وتعظيمه، وليس من التوقير ~~والتعظيم مد اليد، وإظهار القرم، وشدة النهم، وطلب التشبع بين يدي الملوك ~~وبحضرتها. وعلى هذا كانت ملوك الأعاجم من لدن أردشير بن بابك إلى يزدجرد. # شره القضاة # ويقال إن سابورذا الأكتاف، لما مات موبذان موبذ، وصف له رجل من كورة ~~إصطخر، يصلح لقضاء القضاة في العلم والتأله والأمانة. فوجه إليه، فلما قدم، ~~دخل عليه، ودعا بالطعام إليه، فدنا، فأكل معه، فأخذ سابور دجاجة فنصفها، ~~ووضع نصفها بين يدي الرجل، ونصفها بين يديه، ثم أومأ إليه أن كل من هذه، ~~ولا تخلط بها طعاما، فإنه أمرأ لطعامك، وأخف على معدتك. وأقبل سابور على ~~النصف، فأكل كنحو ما كان يأكل. ففرغ الرجل من النصف، قبل فراغ سابور، ثم مد ~~يده إلى طعام آخر، وسابور يلحظه. # فلما رفعت المائدة، قال له: ودع وانصرف إلى بلدك. فإن آباءنا وسلفنا من ~~الملوك، كانوا يقولون: من شره بين ms04 يدي الملك إلى الطعام، كان إلى أموال ~~الرعية والسوقة والوضعاء أشد شرها. فلم يستكفه على ما كان أحضره له. # الملك وضيوفه على المائدة # ومن حق الملك أن لا يرفع أحد إليه طرفه، إذا أكل، ولا يحرك يده معه في ~~صحفة. PageV01P002 ومن قوانين الملك أن توضع بين يدي كل رجل صحفة، فيها ~~كالذي بين يدي الملك من طعام غليظ أو دقيق أو حار أو قار، ولا يخص الملك ~~نفسه بطعام دون أصحابه، لأن في ذلك ضعة على الملك، ودليلا على الاستئثار. # ومن حق الملك أن لا يغسل أحد بحضرته يديه من خاصته وبطانته، إلا أن يكون ~~معه من يساويه في الجاه، والعز، والبيت والولادة. فقد بينا ما يجب لأولئك ~~آنفا. # ومن العدل أن يعطي الملك كل أحد قسطه وكل طبقة حقها، وأن تكون شريعة ~~العدل في أخلاقه كشريعة ما يقتدي به من أداء الفرائض والنوافل التي تجب ~~عليه رعايتها والمثابرة على التمسك بها، وإيناس الناس في بسط أيديهم في ~~الطعام، حتى يسوي في ذلك بين الملوك والنمط الأوسط والعامة. # وليس أخلاق الملوك كأخلاق العامة. وكانوا لا يشبهون في شيء. وإنما تحسن ~~كثرة الأكل مع الصديق والعشير والمساوي في منازل الدنيا من الرفعة والضعة. ~~فأما الملوك، فيرتفعون عن هذه الصفة، ويجلون عن هذا المقدار. # ومن حق الملك، إذا رفع يديه عن الطعام، أن ينهض عن مائدته كل من الحاف ~~بها، حتى يواروا عنه بجدار أو حائل غيره. فإن أراد الدخول، كان ذلك بحيث لا ~~يرون قيامه، وإذا أراد القعود لهم، دخلوا إليه بإذن ثان. # ومن قوانين الملك أن يكون منديل غمره كمنديل وجهه، في النقاء والبياض، ~~وأن لا يعاد إليه إلا أن يغسل أو يجدد. # الحديث على المائدة # ومن حق الملك أن لا يحدث على طعامه بحديث جد ولا هزل. وإن ابتدأ بحديث، ~~فليس من حقه أن يعارض بمثله. وليس فيه أكثر من الاستماع لحديثه، والأبصار ~~خاشعة. # ولشيء ما، كانت ملوك آل ساسان، إذا قدمت موائدهم، زمزموا عليها، فلم ينطق ~~ناطق بحرف ms05 حتى ترفع. فإن اضطروا إلى كلام، كان مكانه إشارة وإيماء يدل على ~~الغرض الذي أرادوا، والمعنى الذي قصدوا. # وكانوا يقولون: إن هذه الأطعمة بها حياة هذا العالم، فينبغي للإنسان أن ~~يجعل ذهنه في مطعمه، ويشغل روحه وجوارحه فيه، لأن تأخذ كل جارحة بقسطها من ~~الطعام، فيغتذي بها البدن والروح الحيوانية التي في القلب، والطبيعة التي ~~في الكبد، اغتذاء تاما، وتقبله الطبيعة قبولا جامعا. # وفي ترك الكلام على الطعام فضائل كثيرة، وهي في آيينهم تركنا ذكرها، إذ ~~كانت ليست من جنس كتابنا هذا. # قال: وحدثني بعض المحدثين، قال: قال بعض الأمراء، وأظنه بلال بن أبي ~~بردة، لأبي نوفل الجارود بن أبي سبرة: ماذا تصنعون عند عبد الأعلى بن عبد ~~الله بن عامر بن كريز القرشي، إذ كنتم عنده؟ فيقول: ما عندك؟ فيقول: عندي ~~لون كذا، ودجاجة كذا، ومن الحلواء كذا. قال: ولم يسأل عن ذلك؟ قال: ليقصر ~~كل رجل عما لا يشتهيه، حتى يأتيه بما يشتهي قال: ثم يؤتى بالخوان، فيتضايق ~~ويتسع، ويقصر ويجتهد. فإذا استغنى، خوى تخوية الظليم، ثم أكل أكل الجائع ~~المقرور. # قال: والجارود هذا هو الذي قال: سوء الخلق يفسد العمل، كما يفسد الخل ~~العسل. # باب في المنادمة # طبقات الندماء # ومن أخلاق الملك أن يجعل ندماءه طبقات ومراتب، وأن يخص ويعم، ويقرب ~~ويباعد، ويرفع ويضع، إذ كانوا على أقسام وأدوات. # فإنا قد نرى الملك يحتاج إلى الوضيع للهوه، كما يحتاج إلى الشجاع لبأسه، ~~ويحتاج إلى المضحك لحكايته، كما يحتاج إلى الناسك لعظته، ويحتاج إلى أهل ~~الهزل، كما يحتاج إلى أهل الجد والعقل ويحتاج إلى الزامر المطرب، كما يحتاج ~~إلى العالم المتقن. # وهذه أخلاق الملوك، أن يحضرهم كل طبقة، إذ كانوا ينصرفون من حال جد إلى ~~حال هزل، ومن ضحك إلى تذكير، ومن لهو إلى عظة. فكل طبقة من هذه الطبقات ~~ترفع مرة وتحط أخرى، وتعطي مرة وتحرم أخرى، خلا الأشراف والعلماء، فإن الذي ~~يجب لهم رفعة المرتبة، وإعطاء القسط من الميزة، والنصفة من المعاشرة، ما ~~لزموا الطاعة ورعوا ms06 حقها. # في حضرة الملك # وليس من حق الملك أن يبرح أحد من مجلسه إلا لقضاء حاجة. فإذا أراد ذلك، ~~فمن الواجب أن لا يلاحظه، فإن سكت الملك قام بين يديه، ثم لاحظه، فإن نظر ~~إليه، مضى لحاجته. فإذا رجع، قام ماثلا بين يديه أبدا، وإن طال ذلك، حتى ~~يوميء إليه بالقعود، فإذا قعد، فمقعيا أو جاثيا. فإن نظر إليه، بعد قعوده، ~~فهو إذنه له بالتمكن في قعوده. PageV01P003 وليس له أن يختار كمية ما يشرب ~~ولا كيفيتها، إنما هذا إلى الملك، إلا أن من حقه على الملك أن يأمر بالعدل ~~عليه، والنصفة له، ولا يجاوز به حد طاقته، ولا وسع استطاعته، فيخرج به من ~~ميزان القسط، وحد القصد: لأنه لا يأمن أن يتلف نفسا، وهو يجد إلى إحيائها ~~سبيلا. # ومن أخلاق الملك السعيد أن يحرص على إحياء بطانته، حرصه على إحياء نفسه، ~~إذ كان بهم نظامه. # مراتب الندماء والمغنين # لدى الفرس وفي الإسلام # وإذ قد انتهينا إلى هذا القانون من القول، فبنا حاجة إلى الإخبار عن ~~مراتب الطبقات الثلاث من الندماء والمغنين، وإن كانت مراتبهم في كتاب ~~الأغاني محصورة، فقد يجب ذكرها في هذا الموضع أيضا، لأنها داخلة في أخلاق ~~الملوك. # ولنبدأ بملوك العجم، إذ كانوا هم الأول في ذلك، وعنهم أخذنا قوانين الملك ~~والمملكة، وترتيب الخاصة والعامة، وسياسة الرعية، وإلزام كل طبقة حظها، ~~والاقتصار على جديلتها: كان أردشير بن بابك أول من رتب الندماء، وأخذ بزمام ~~سياستهم، فجعلهم ثلاث طبقات: فكانت الأساورة وأبناء الملوك في الطبقة ~~الأولى، وكان مجلس هذه الطبقة من الملك على عشرة أذرع من الستارة؛ ثم ~~الطبقة الثانية، كان مجلسها من هذه الطبقة على عشرة أذرع وهم بطانة الملك ~~وندماؤه ومحدثوه من أهل الشرف والعلم؛ ثم الطبقة الثالثة، كان مجلسهم على ~~عشرة أذرع من الثانية، وهم المضحكون وأهل الهزل والبطالة. # غير أنه لم يكن، في هذه الطبقة الثالثة، خسيس الأصل ولا وضيعه ولا ناقص ~~الجوارح، ولا فاحش الطول والقصر، ولا مؤوف، ولا مرسي بأبنة، ولا مجهول ~~الأبوين، ms07 ولا ابن صناعة دنيئة، كابن حائك أو حجام، ولو كان يعلم الغيب ~~مثلا. # وكان أردشير يقول: ما شيء أضر على نفس ملك من معاشرة سخيف، أو مخاطبة ~~وضيع؛ لأنه كما أن النفس تصلح على مخاطبة الشريف الأديب الحسيب، كذلك تفسد ~~بمعاشرة الدنيء الخسيس حتى يقدح ذلك فيها، ويزيلها عن فضيلتها؛ وكما أن ~~الربح إذا مرت بطيب، حملت طيبا تحيا به النفس، وتقوى به جوارحها، كذلك إذا ~~مرت بالنتن، فحملته، ألمت له النفس، وأضر بأعلاقها أضرارا تاما. # أقسام الناس # وكذلك جعل الناس على أقسام أربعة، وحصر كل طبقة على قسمتها: فالأول، ~~الأساورة من أبناء الملوك؛ والقسم الثاني، النساك وسدنة بيوت النيران، ~~والقسم الثالث، الأطباء والكتاب والمنجمون، والقسم الرابع، الزراع والمهان ~~وأضرابهم. # وكان أردشير يقول: ما شيء أسرع في انتقال الدول، وخراب المملكة من انتقال ~~هذه الطبقات عن مراتبها، حتى يرفع الوضيع إلى مرتبة الشريف، ويحط الشريف ~~إلى مرتبة الوضيع. # وكان الذي يقابل الطبقة الأولى من الأساورة وأبناء الملوك، أهل الحذاقة ~~بالموسيقيات والأغاني، فكانوا بإزاء هؤلاء نصب خط الاستواء. # وكان الذي يقابل الطبقة الثانية من ندماء االملك وبطانته، الطبقة الثانية ~~من أصحاب الوسيقيات. # وكان الذي يقابل الطبقة الثالثة، من أصحاب الفكاهات والمضحكين أصحاب ~~الونج والمعارف والطنابير، وكان لا يزمر الحاذق من الزامرين إلا على الحاذق ~~من المغنين. وإن أمره الملك بذلك، راجعه واحتج عليه. # وقلما كانت ملوك الأعاجم خاصة تأمر أن يزمر على المغني إلا من كان معه في ~~أسلوب واحد، إذ لم يكن من شأنهم أن ينقلوا أحدا من طبقة وضيعة إلى طبقة ~~رفيعة. إلا أن الملك كان ربما غلب عليه السكر حتى يؤثر فيه، فيأمر الزامر ~~الطبقة الثانية أو الثالثة أن يزمر على المغني من الطبقة الأولى، فيأبى ~~ذلك، حتى إنه ربما ضربه الخدم بالمراوح والمذاب فيكون من اعتذاره أن يقول: ~~إن كان ضربي بأمر الملك وعن رأيه، فإنه سيرضى عني إذا صحا، بلزومي مرتبتي. # وكان أردشير قد وكل غلامين ذكيين، لا يفارقان مجلسه، بحفظ ألفاظه عند ~~الشرب والمنادمة. فأخذهما ms08 يمل والآخر يكتب حرفا حرفا، وهذا إنما يفعلانه، ~~إذا غلب عليه السكر، فإذا أصبح، ورفع عن وجهه الحجاب، قرأ عليه الكاتب كل ~~ما لفظ به في مجلسه إلى أن نام. فإذا قرأ به الزامر، ومخالفة الزامر أمره، ~~دعا بالزامر، فخلع عليه وجزاه الخير، وقال: أصبت فيما فعلت، وأخطأ الملك ~~فيما أمرك به. فهذا ثواب صوابك، وكذلك العقوبة لمن أخطأ، وعقوبتي أن لا ~~نزمزم اليوم غلا على خبز الشعير والجبن. فلم يطعم في يومه ذلك غيرهما. ~~PageV01P004 وما ذاك إلا حثا على لزوم سنتهم، وحفظ نواميسهم، وأخذ العامة ~~بالسياسة التامة، والأمر اللازم. # انقلاب الحال في عهد بهرام جور # فلم يزل على ذلك ملوك الأعاجم، حتى ملك بهرام جور بن يزدجرد، فأقر مرتبة ~~الأشراف وأبناء الملوك، وسدنة بيوت النيران على ما كانت، وسوى بين الطبقتين ~~من الندماء والمغنين، ورفع من أطربه، وإن كان في أوضع الدرجات، إلى الدرجة ~~الأولى، وحط من قصر عن إرادته إلى الطبقة الثانية، فأفسد سيرة أردشير في ~~المغنين وأصحاب الملاهي خاصة، فلم يزل الأمر على ذلك، حتى ملك كسرى ~~أنوشروان، فرد الطبقات إلى مراتبها الأولى. # الستار بين ملوك الأعاجم كلها من لدن أردشير بن بابك إلى يزدجرد تحتجب عن ~~الندماء بستارة، فكان يكون بينه وبين أول الطبقات عشرون ذراعا لأن الستارة ~~من الملك على عشرة أذرع، والستارة من الطبقة الأولى على عشرة أذرع. # وكان الموكل بحفظ الستارة رجلا من أبناء الأساورة، يقال له خرم باش، فإذا ~~مات هذا الرجل، وكل بها آخر من أبناء الأساورة، وسمي بهذا فكان خرم باش، ~~إذا جلس الملك لندمائه وشغله، أمر رجلا أن يرتفع على أعلى مكان في قرار دار ~~الملك، ويغرد بصوت رفيع يسمعه كل من حضر، فيقول: يا لسان، احفظ رأسك فإنك ~~تجالس في هذا اليوم ملك الملوك! ثم ينزل. # فكان هذا فعلهم في كل يوم يجلس فيه الملك للهوه، ولا يجتريء أحد من خلق ~~الله أن يدير لسانه في فيه بخير ولا غيره، حتى تحرك الستارة، فيطلع القائم ~~عليها، فيؤمر بأمر ms09 فينفذه، ويقول: افعل يا فلان كذا، وتغني، يا فلان، كذا ~~وكذا. # وكان الندماء من العظماء والأشراف وأبناء الملوك وإخوة الملك وعمومته ~~وبني عمه، وأوضع الطبقات في مجلس الملك في نقاب واحد إطراقا وإخباتا وسكون ~~طائر، وقلة حركة. # فلم يزل أمر الملوك من الأعاجم كذلك، حتى ملك الأردوان الأحمر، فكان ~~يقول: من كانت له منكم حاجة، فليكتبها في رقعة، وليرفعها قبل شغلي، فأفهم ~~ما فيها، ويخرج إليه أمري، وعقلي صحيح، وفكري جامع. # فمن سأل، في غير هذا الوقت، حاجة، ضربت عنقه، وهو أول من فتح هذا. وكان ~~لا يرد سائلا، ولا يعطي مبتدئا. # فلم يزل الأمر على ذلك، حتى ملك بهرام جور، فكان يقول للندماء: إذا ~~رأيتموني قد طربت، وخرجت من باب الجد إلى باب الهزل، فسلوا حوائجكم. # وكان يوكل بحوائجهم صاحب الستارة. فكان إذا سكر، مد الناس أيديهم ~~برقاعهم، فأخذها صاحب الستارة، فأنفذها إليه، فأخذها بيده، وضمها عليها، ثم ~~رمى بها من غير أن ينظر في شيء منها، ويقول: أنفذوا كل ما فيها. فكان ذلك ~~ربما بلغ في ليلة واحدة من سؤال في إقطاع أو قضاء دين أو طلب منحة ألف ألف ~~أو أكثر، إلا أن ذلك لم يكن تباعا. # وكان إذا رفع أحدهم في رقعته ما ليس يجوز لمثله، وهو خارج من حد القصد ~~وادخل في باب الإفراط، لم تقض له حاجة، وسمي جاهلا، ولم تؤخذ له رقعة بعدها ~~أبدا. # في عهد الأمويين # ثم لم يكن ذلك، بعد، في أخلاق الملوك من الأعاجم والعرب حتى ملك يزيد بن ~~عبد الملك، فسوى بين الطبقة العليا والسفلى، وأفسد أقسام المراتب، وغلب ~~عليه اللهو، واستخف بآيين المملكة، وأذن للندماء في الكلام والضحك والهزل ~~في مجلسه والرد عليه. وهو أول من شتم في وجهه من الخلفاء، على جهة الهزل ~~والسخف. # قلت لإسحق بن إبراهيم: هل كانت الخلفاء من بني أمية تظهر للندماء ~~والمغنين؟. # قال: أما معاوية ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان وهشام ومروان بن ~~محمد، فكان بينهم وبين الندماء ستارة. وكان لا يظهر ms10 أحد من الندماء على ما ~~يفعله الخليفة، إذا طرب للمغنى والتذه، حتى ينقلب ويمشي ويحرك كتفيه، ~~ويرقص، ويتجرد حيث لا يراه إلا خواص جواريه. إلا أنه كان، إذا ارتفع من خلف ~~الستارة، صوت أو نعير طرب أو رقص أو حركة بزفير تجاوز المقدار، قال صاحب ~~الستارة: حسبك يا جارية! كفي! انتهى! أقصري! يوهم الندماء أن الفاعل لذلك ~~بعض الجواري. فأما الباقون من خلفاء بني أمية، فلم يكونوا يتحاشون أن ~~يرقصوا أو يتجردوا، ويحضروا عراة بحضرة الندماء والمغنين. وعلى ذلك، لم يكن ~~أحد منهم في مثل حال يزيد بن عبد الملك، والوليد بن يزيد في المجون والرفث ~~بحضرة الندماء، والتجرد، ما يباليان ما صنعا. # قلت: فعمر بن عبد العزيز؟ PageV01P005 قال: ما طن في سمعه حرف غناء، منذ ~~أفضت الخلافة إليه إلى أن فارق الدنيا. فأما قبلها، وهو أمير المدينة، فكان ~~يسمع الغناء، ولا يظهر منه إلا الأمر الجميل. وكان ربما صفق بيديه، وربما ~~تمرغ على فراشه، وضرب برجليه وطرب. فأما أن يخرج عن مقدار السرور إلى ~~السخف، فلا. # في عهد العباسيين: قلت: فخلفاؤنا؟ قال: كان أبو العباس في أول أيامه يظهر ~~للندماء، ثم احتجب عنهم بعد سنة. أشار بذلك عليه أسيد بن عبد الله الخزاعي؛ ~~وكان يطرب ويبتهج ويصيح من وراء الستارة: أحسنت والله! أعد هذا الصوت! ~~فيعاد له مرارا. فيقول في كلها: أحسنت. وكانت فيه فضيلة لا تجدها في أحد؛ ~~كان لا يحضره نديم ولا مغن ولا مله، فينصرف، إلا بصلة أو كسوة، قلت أم ~~كثرت. # وكان لا يؤخر إحسان محسن لغد، ويقول: العجب ممن يفرح أنسانا، فيتعجل ~~السرور، ويجعل ثواب من سره تسويفا وعدة؛ فكان في كل يوم وليلة يقعد فيه ~~لشغله، لا ينصرف أحد ممن حضره إلا مسرورا. ولم يكن هذا لعربي ولا عجمي ~~قبله؛ غير أنه يحكى عن بهرام جور ما يقارب هذا. # فأما أبو جعفر المنصور، فلم يكن يظهر لنديم قط، ولا رآه أحد يشرب غير ~~الماء. وكان بينه وبين الستارة عشرون ذراعا، وبين الستارة والندماء ms11 مثلها؛ ~~فإذا غناه المغني فأطربه، حركت الستارة بعض الجواري، فاطلع إليه الخادم ~~صاحب الستارة فيقول: قل له: أحسنت، بارك الله فيك!؛ وربما أراد أن يصفق ~~بيديه، فيقوم عن مجلسه، ويدخل بعض حجر نسائه، فيكون ذاك هناك، وكان لا يثيب ~~أحدا من ندمائه وغيرهم درهما، فيكون له رسما في ديوان. ولم يقطع أحدا ممن ~~كان يضاف إلى ملهية أو ضحك أو هزل، موضع قدم من الأرض. وكان يحفظ كل ما ~~أعطى واحدا منهم عشر سنين، ويحسبه، ويذكره له. # وكان أبو جعفر المنصور يقول: من صنع مثل ما صنع إليه، فقد كافأ، ومن ~~أضعف، كان مشكورا، ومن شكر، كان كريما، ومن علم أن ما صنع، فإلى نفسه صنع، ~~لم يستبطيء الناس في شكرهم، ولم يستزدهم في مودتهم. ولا تلتمس في غيرك شكر ~~ما أتيته إلى نفسك ووقيت به عرضك. وأعلم أن الطالب إليك الحاجة، لم يكرم ~~وجهه عن مسألتك، فأكرم وجهك عن رده. # وكان المهدي في أول أمره يحتجب عن الندماء، متشبها بالمنصور نحوا من سنة، ~~ثم ظهر لهم. فأشار عليه أبو عون بأن يحتجب عنهم، فقال: إليك عني، يا جاهل! ~~إنما اللذة في مشاهدة السرور وفي لدنو من سرني. فأما من وراء وراء، فما ~~خيرها ولذتها؟ ولو لم يكن في الظهور للندماء والإخوان إلا أني أعطيهم من ~~السرور بمشاهدتي مثل الذي يعطونني من فوائدهم، لجعلت لهم في ذلك حظا موفرا. # وكان كثير العطايا، وافرها، قل من حضره إلا أغناه. وكان لين العريكة، سهل ~~الشريعة، لذيذ المنادمة، قصير المناومة، ما يمل نديما ولا يتركه إلا عن ~~ضرورة، قطيع الخنا، صبورا على الجلوس، ضاحك السن، قليل الأذى والبذاء. # وكان الهادي شكس الأخلاق، صعب المرام، قليل الإغضاء، سيء الظن. قل من ~~توقاه وعرف أخلاقه، إلا أغناه. وما كان شيء أبغض إليه من ابتدائه بسؤال. ~~وكان يأمر للمغني بالمال الخطير الجزيل، فيقول: لا يعطيني بعدها شيئا، ~~فيعطيه، بعد أيام، مثل تلك العطية. # ويقال: إنه قال يوما، وعنده ابن جامع وإبراهيم الموصلي ومعاذ ابن الطبيب، ~~وكان ms12 أول من دخل عليه معاذ، وكان حاذقا بالأغاني، عارفا بها: من أطربني ~~اليوم منكم، فله حكمه. # فغناه ابن جامع غناء لم يحركه، وكان إبراهيم قد فهم غرضه، فغناه: # سليمى أجمعت بينا ... فأين تظنها أينا # فطرب، حتى قام عن مجلسه، ورفع صوته، وقال: أعد بالله، وبحياتي!. # فأعاد، فقال: أنت صاحبي، فاحتكم. # فقال إبراهيم: يا أمير المؤمنين، حائط عبد الملك بن مروان وعينه الخرارة ~~بالمدينة قال: فدارت عيناه في رأسه، حتى صارتا كأنهما جمرتان، ثم قال: يا ~~ابن اللخناء! أردت أن تسمع العامة أنك أطربتني، وأني حكمتك فأقطعتك! أما ~~والله، لولا بادرة جهلك التي غلبت على صحيح عقلك وفكرك، لضربت الذي فيه ~~عيناك! ثم سكت هنيهة. # قال إبراهيم: فرأيت ملك الموت قائما بيني وبينه ينتظر أمره. ثم دعا ~~إبراهيم الحراني، فقال: خذ بيد هذا الجاهل، فأدخله بيت المال، فليأخذ منه ~~ما شاء!. # فأخذ الحراني بيدي، حتى دخل بي بيت المال. فقال: كم تأخذ؟ فقلت: مائة ~~بدرة. فقال: دعني أؤامره. PageV01P006 قلت: فآخذ تسعين. قال: حتى أؤامره. # قلت: فثمانين. قال: لا. # فأبى إلا أن يؤامره، فعرفت غرضه، فقلت له: آخذ سبعين لي، ولك ثلاثون. ~~قال: شأنك. # قال: فانصرف بسبعمائة ألف، وانصرف ملك الموت عن الدار. قال: وكان الرشيد ~~في أخلاق أبي جعفر المنصور، يمتثلها كلها إلا في العطايا والصلات والخلع. ~~فإنه كان يقفو فعل أبي العباس والمهدي. ومن خبرك أنه رآه قط وهو يشرب إلا ~~الماء، فكذبه. وكان لا يحضر شربه إلا خاص جواريه، وربما طرب للغناء، فتحرك ~~حركة بين الحركتين في القلة والكثرة. وهو، من بين خلفاء بني العباس، من جعل ~~للمغنين مراتب وطبقات، على نحو ما وضعهم أردشير بن بابك وأنوشروان. فكان ~~إبراهيم الموصلي، واسماعيل أبو القاسم بن جامع، وزلزل منصور الضارب في ~~الطبقة الأولى وكان زلزل يضرب، ويغني هذان عليه. # والطبقة الثانية: سليم بن سلام أبو عبيد الله الكوفي، وعمرو الغزال ومن ~~أشبههما. والطبقة الثالثة: أصحاب المعازف والونج والطنابير. وعلى قدر ذلك ~~كانت تخرج جوائزهم وصلاتهم. وكان إذا وصل واحدا من ms13 الطبقة الأولى بالمال ~~الكثير الخطير، جعل لصاحبه اللذين معه في الطبقة، نصيبا منه، وجعل للطبقتين ~~اللتين تليانه منه أيضا نصيبا. وإذا وصل أحدا من الطبقتين الأخريين بصلة، ~~لم يقبل واحد من الطبقة العالية منه درهما، ولا يجتريء أن يعرض ذلك عليه. ~~قال: فسأل الرشيد يوما برصوما الزامر، فقال له: يا إسحق! ما تقول في ابن ~~جامع؟ فحرك رأسه، وقال: خمر قطربل، يعقل الرجل، ويذهب العقل. # قال: فما تقول في إبراهيم الموصلي؟ قال: بستان فيه خوخ وكمثرى وتفاح وشوك ~~وخرنوب. # قال: فما تقول في سليم بن سلام؟ فقال: ما أحسن خضابه! قال: فما تقول في ~~عمرو الغزال؟ قال: ما أحسن بنانه! قال: وكان منصور زلزل من أحسن وأحذق من ~~برأ الله بالجس؛ فكان إذا جس العود، فلو سمعه الأحنف ومن تحالم في دهره ~~كله، لم يملك نفسه حتى يطرب. # قال إبراهيم: فغنيت، يوما، على ضربه، فخطأني. فقلت لصاحب الستارة: هو، ~~والله، اخطأ!. # قال: فرفع الستارة، ثم قال: يقول لك أمير المؤمنين: أنت، والله، أخطأت!. # فحمي زلزل، وقال: يا إبراهيم، تخطئني؟ فوالله ما فتح أحد من المغنين فاه ~~بغير لفظ إلا عرفت غرضه! فكيف أخطيء، وهذه حالي؟. # فأداها صاحب الستارة، فقال الرشيد: قل له: صدقت! أنت كما وصفت نفسك، وكذب ~~إبراهيم وأخطأ. # قال إبراهيم: فغمني ذلك، فقلت لصاحب الستارة: أبلغ أمير المؤمنين، سيدي ~~ومولاي، أن بفارس رجلا يقال له سنيد، لم يخلق لله أضرب منه بعود، ولا أحسن ~~مجسا، وغن بعث إليه أمير المؤمنين فحمله، عرف فضله، وتغنيت على ضربه. فغن ~~زلزلا يكايدني مكايدة القصاص والقرادين. # قال: فوجه الرشيد إلى الفارسي، فحمل على البريد، فأقلق ذلك زلزلا وغمه. ~~فلما قدم بالفارسي، أحضرنا، وأخذنا مجالسنا، وجاؤوا بالعيدان قد سويت. ~~وكذلك كان يفعل في مجلس الخلافة، ليس يدفع إلى أحد عوده، فيحتاج إلى أن ~~يحركه، لأنها قد سويت وعلقت مثالثها مشاكلة للزيرة على الدقة والغلظ. # قال: فلما وضع عود الفارسي في يديه، نظر إليه منصور زلزل فأسفر وجهه، ~~وأشرق لونه، فضرب وتغنى عليه إبراهيم. ms14 ثم قال صاحب الستارة لزلزل: يا ~~منصور، إضرب. # قال: فلما جس العود، ما تمالك الفارسي أن وثب من مجلسه بغير إذن، حتى قبل ~~رأس زلزل وأطرافه، وقال: مثلك، جعلت فداك لايمتهن ويستعمل. مثلك يعبد. # فعجب الرشيد من قوله، وعرف فضيلة زلزل على الفارسي، فأمر له بصلة، ورده ~~إلى بلده. # وكان منصور زلزل من أسخى الناس وأكرمهم؛ نزل بين ظهراني قوم، وقد كان يحل ~~لهم اخذ الزكاة. فما مات حتى وجبت عليهم الزكاة. # وكان إسحق برصوما في الطبقة الثانية. قال: فطرب الرشيد يوما لزمره، فقال ~~له صاحب الستارة: يا إسحق! أزمر على غناء ابن جامع. قال: لا أفعل. # قال: يقول لك أمير المؤمنين، ولا تفعل؟ قال: إن كنت أزمر على الطبقة ~~العالية، رفعت إليها. فأما أن أكون في الطبقة الثانية، وأزمر على الأولى، ~~فلا أفعل. # فقال الرشيد لصاحب الستارة: ارفعه إلى الطبقة الأولى؛ فإذا قمت، فادفع ~~البساط الذي في مجلسهم إليه. # فرفع إسحق إلى الطبقة العالية، وأخذ البساط، وكان يساوي ألفي دينار. فلما ~~حمله إلى منزله، استبشرت به أمه وأخواته، وكانت أمه نبطية لكناء. ~~PageV01P007 فخرج برصوما عن منزله لبعض حوائجه، وجاء نساء جيرانه يهنئن أمه ~~بما خص به، دون أصحابه، ويدعون لها. فأخذت سكينا، وجعلت تقطع لكل من دخل ~~عليها قطعة من البساط، حتى أتت على أكثره. # فجاء برصوما، فإذا البساط قد تقسم بالسكاكين. فقال: ويلك ما صنعت؟ قالت: ~~لم أدر، ظننت أنه كذا يقسم فحدث الرشيد بذلك، فضحك، ووهب له آخر. # وزعم سعيد بن وهب أن إبراهيم الموصلي غنى أمير المؤمنين هارون صوتا، فكاد ~~يطير طربا، فاستعاده عامة ليله، وقال: ما رأيت صوتا يجمع السخاء والطرب ~~وجودة الصنعة والسخف غير هذا الصوت! فأقبل إبراهيم، فقال: يا أمير ~~المؤمنين! لو وهب لك إنسان مائة ألف درهم، أو لو وجدت مائة ألف درهم ~~مطروحة، كنت أسر بها أو بهذا الصوت؟ قال: والله، لأنا أسر بهذا الصوت مني ~~بألف ألف، ألف ألف. قال: فلو فقدت من بيت مالك مائة ألف كان أشد عليك، ms15 أو ~~لو فقدت هذا الصوت وفاتك هذا السرور؟ قال: بل ألف ألف، وألف ألف أهون علي. # قال: فلم لا تهب مائة ألف أو مائتي ألف لمن أتاك بشيء فقد ألفي ألف أهون ~~عليك منه؟ فأمر له بمائتي ألف درهم. # الخليفة الأمين # قلت لإسحق: فالمخلوع، أين كان ممن ذكرت؟ قال: ما كان أعجب أمره كله! فأما ~~تبذله، فما كان يبالي أين قعد، ومع من قعد. وكان، لو كان بينه وبين ندمائه ~~مائة حجاب، خرقها كلها، وألقاها عن وجهه، حتى يقعد حيث قعدوا. وكان من أعطى ~~الخلق لذهب وفضة، وأنهبهم للأموال إذا طرب أو لها. # وقد رأيته، وقد أمر لبعض أهل بيته في ليلة بوقر زورق ذهبا، فانصرف به. # وأمر لي، ذات ليلة، بأربعين ألف دينار، فحملت أمامي. ولقد غناه إبراهيم ~~بن المهدي غناء لم أرتضه. فقام عن مجلسه، فأكب عليه، فقبل رأسه. فقام ~~إبراهيم، فقبل ما وطئت رجلاه من بساطه. فأمر له بمائتي ألف درهم. # ولقد رأيته يوما، وعلى رأسه بعض غلمانه، فنظر إليه، فقال: ويلك! ثيابك ~~هذه تحتاج إلى أن تغسل. انطلق، فخذ ثلاثين بدرة، فاغسل بها ثيابك. # ولقد حدثني علويه عنه، قال: لما أحيط به، وبلغت حجارة المنجنيق بساطه، ~~كنا عنده، فغنته جارية له بغناء تركت فيه شيئا لم تجد حكايته. فصاح: يا ~~زانية! تغنينني الخطأ! خذوها!. # فحملت، وكان آخر العهد بها. # الخليفة المأمون # قلت: فالمأمون؟. # قال: أقام بعد قدومه عشرين شهرا لم يسمع حرفا من الغناء. ثم سمعه من وراء ~~حجاب، متشبها بالرشيد. فكان كذلك سبع حجج ثم ظهر للندماء والمغنين. # قال: وكان حين أحب السماع ظاهرا بعينه، أكبر ذاك أهل بيته وبنو أبيه. # ويقال أنه سأل عن إسحق بن إبراهيم الموصلي، فغمزه بعض من حضر، وقالوا: ~~يغادر تيها وبأوا. فأمسك عن ذكره. قال: فجاءه زرزر يوما، فقال له: يا اسحق! ~~نحن اليوم عند أمير المؤمنين! فقال إسحق: فغنه بهذا الشعر: # يا سرحة الماء قد سدت موارده ... أما إليك طريق غير مسدود # لحائم حام حتى لا حراك به ms16 ... محلأ عن سبيل الماء مطرود # فلما غناه به زرزر أطربه وأبهجه وحرك له جوارحه، وقال: ويلك! من هذا؟! ~~قال: عبدك المجفو المطرح، ياسيدي إسحاق قال: يحضر الساعة. # فجاءه رسوله، وإسحق مستعد، قد علم انه إن سمع الغناء من مجيد مود أنه ~~سيبعث إليه فجاءه الرسول؛ فحدثت انه لما دخل عليه، ودنا منه، مد يده غليه، ~~ثم قال: ادن مني. فأكب عليه واحتضنه المأمون، وأدنا، واقبل عليه بوجهه ~~مصغيا إليه، ومسرورا به. # أخلاق الملك السعيد # ومن أخلاق الملك السعيد ترك القطوب في المنادمة، وقلة التحفظ على ندمائه، ~~ولا سيما إذا غلب أحدهم على عقله، وكان غيره أملك به منه بنفسه. # وللسكر حد، إذا بلغه نديم الملك، فأجمل الأمور وأحراها بأخلاقه أن لا ~~يؤاخذه بزلة إن سبقته، ولا بلفظة إن غلبت لسانه، ولا بهفوة كانت إحدى ~~خواطره. # والحد في ذلك أن لا يفعل ما يقول، ولا ما يقال له؛ وإن خلي ونفسه، رمى ~~بها في مهواة، وإن أراد أحد أخذ ثيابه لم يمانعه. PageV01P008 فأما إذا كان ~~ممن يعرف ما يأتي وما يذر، وكان إذا رام أحد اخذ ما معه، قاتله دونه؛ وكان ~~إذا شتم، غضب وانتصر، وإذا تكلم أفصح، وقل سقطه؛ فإذا كانت هذه صفته، ثم ~~جاءت منه زلة، فعلى عمد أتاها، وبقصد فعلها. فالملك جدير أن يعاقبه بقدر ~~ذنبه. فإن ترك عقوبة هذا ومن أشبهه، قدح في عزه وسلطانه. # ومن الحق على الملك أن لا يجاوز بأهل الجرائم عقوبة جرائمهم. فإن لكل ذنب ~~عقوبة. إما في الشريعة والنواميس، وإما في الإجماع والاصطلاح. فمن ترك ~~العقوبة في موضعها، فبالحرى أن يعاقب من لا ذنب له. وليس بين ترك العقوبة، ~~إذا وجبت، وعقوبة من لا ذنب له، فرق. وإنما وضع الله الملوك بهذه المواضع ~~الرفيعة، ليقوموا كل ميل، ويدعموا كل إقامة. # تطيب الملك وتجمله: ومن أخلاق الملك أن لا يشارك بطانته وندماءه في مس ~~طيب ولا مجمر؛ فإن هذا وما أشبهه يرتفع الملك فيه عن مساواة أحد. وكذا يجب ~~على بطانة الملك وقرابته ms17 أن لا يمسوا طيبا إذا تطيب، لنفرد الملك بذلك ~~دونهم. وليس الطيب كالطعام والشراب اللذين لا بد من مشاركة الندماء فيهما. # فأما كل ما أمكن الملك أن ينفرد به دون خاصته وحامته؛ فمن أخلاقه أن لا ~~يشارك أحدا فيه. وكذا حكي عن أنوشروان ومعاوية بن أبي سفيان. وبعض أهل ~~العلم يحكي عن الرشيد ما يقرب من هذا. # وأولى الأمور بأخلاق الملك، إن أمكنه التفرد بالماء والهواء، أن لا يشرك ~~فيهما أحدا؛ فإن البهاء والعز والأبهة في التفرد. # ألا ترى أن الأمم الماضية من الملوك، لم يكن شيء أحب إليهم من أن يفعلوا ~~شيئا تعجز عنه الرعية، أو يتزيوا بزي ينهون الرعية عن مثله؟! فمن ذلك ~~أردشير بن بابك، وكان أنبل ملوك بني ساسان. كان إذا وضع التاج على رأسه، لم ~~يضع أحد في المملكة على رأسه قضيب ريحان متشبها به؛ وكان إذا ركب في لبسة، ~~لم ير على أحد مثلها؛ وإذا تختم بخاتم، فحرام على أهل المملكة أن يتختموا ~~بمثل ذلك الفص، وإن بعد في التشابه. # وهذه من فصائل الملوك. وطاعة أهل المملكة أن تتحامى أكثر زي الملك، وأكثر ~~أحواله وشيمه، حتى لا يأتي مالا بد لها منه. # وهذا أبو أحيحة سعيد بن العاص: كان إذا اعتم بمكة، لم يعتم أحد بعمة ما ~~دامت على رأسه. # وهذا الحجاج بن يوسف؛ كان إذا وضع على رأسه طويلة، لم يجتريء أحد من خلق ~~الله أن يدخل، وعلى رأسه مثلها. # وهذا عبد الملك بن مروان؛ كان إذا لبس الخف الأصفر، لم يلبس أحد من الخلق ~~خفا أصفر حتى ينزعه. # وهذا إبراهيم بن المهدي، بالأمس: دخل على أحمد بن أبي دؤاد بن علي، وعليه ~~مبطنة ملونة من أحسن ثوب في الأرض، وقد اعتم على رأسه رصافية بعمامة خز ~~سوداء، لها طرفان خلفه وأمامه، وعليه خف أصفر، وفي يده عكازة آبنوس ملوح ~~بذهب، وفي إصبعه فص ياقوت تضيء يده منه. فنظر إلى هيئة ملت قلبه، وكان ~~جسيما، فقال: يا إبراهيم! لقد جئتني في لبسة وهيئة ms18 ما تصلح إلا لواحد من ~~الخلق. # وحدثني أبو حسان الزيادي وذكر الفضل بن سهل، فترحم عليه، وقال: وجه إلي ~~في ليلة، وقد أويت إلى فراشي، رسولا، فقال: يقول لك ذو الرياستين: لا تعتم ~~غدا على قلنسوة إذا حضرت الدار. # قال: فبت واجما، وأنا لا أعلم ما يريد بذلك. وغدوت، وغدا الناس على ~~طبقاتهم ومراتبهم؛ فجاء الحسين بن أبي سعيد إلى من في الدار، فقال: إن أمير ~~المؤمنين يقعد في هذا اليوم، ويعتم على قلنسوة، فانزعوا عمائمكم. # وحدثني بعض أصحابنا عن الحسن بن قريش، قال: لما مات القاسم بن الرشيد، ~~وجه إلي المأمون رسولا، فأتيته. فجعل يسألني عن عياله وعن أمواله، ويشكوه ~~إلي، ويقول: كان يفعل كذا، ويفعل كذا، فكان في تلك الشكاية أن قال: وكان ~~إذا ركب بمرو في رصافية. # الملك في مجلس الشراب: ومن أخلاق الملك، إذا علم أن بعض الندماء قد بلغ ~~غاية مجهوده في الشرب، وأن الزيادة بعد ذلك تضر ببدنه وجوارحه، أن يأمر ~~بالكف عنه، وأن لا يكلف فوق وسعه. فإنه من تجاوز حق العدل عن الخاصة، لم ~~تطمع العامة في إنصافه. PageV01P009 ومن حق الملك أن لا يكلمه أحد من ~~الندماء مبتدئا ولا سائلا لحاجة، حتى يكون هو المبتديء بذلك. فإن جهل أحد ~~ما يلزمه في ذلك، تقدم إليه فيما يجب عليه. فإن عاد، فعلى الموكل بأمر ~~الدار أن يحسن أدبه، وأن لا يأذن له في الدخول، حتى يكون الملك يبتديء ~~ذكره، ثم يوعز إليه أنه، إن عاد، أسقطت مرتبته، فلم يطأ بساط الملك. # وكان شيرويه بن أبرويز يقول: إنما تعذر البطانة برفع حوائجها إلى الملوك ~~عند ضيقة تكون، أو عند جفوة تنالهم من ملوكهم، أو عند موت يحدث لهم، أو عند ~~تتابع أزمة. فإذا كان ذلك، فعلى الملك تعهد ذلك من خاصته، حتى يصلح لهم ~~أمورهم، ويسد خلتهم. فإذا كانوا من الكفاية في أقصى حدودها، ومن خفض العيش ~~في أرفع خصائصه، ومن ذات اليد وإدرار العطايا في أتم صفاتها، ثم فتح أحد ~~فاه بطلب ما ms19 فوق هذه الدرجة، فالذي حداه على ذلك الشره والمنافسة. ومن ظهرت ~~هاتان منه، كان جديرا أن تنزع كفايته من يده، وتصير في يد غيره، وينقل إلى ~~الطبقة الخسيسة، فيلزم أذناب البقر، وحراثة الأرض. # أنعام الملوك ومنتهم # ومن أخلاق الملك أن لا يمن بإحسان سبق منه، ما استقامت له طاعة من أنعم ~~عليه، ودامت له ولايته، إلا أن يخرج من طاعة إلى معصية، فإذا فعل ذلك، فمن ~~أخلاقه أن يمن عليه أولا بإحسانه، ويذكره بلاءه عنده، وقلة شكره ووفائه، ثم ~~يكون من وراء ذلك عقوبته بقدر ما يستحق ذلك الذنب في غلظه ولينه. # وحدثني محمد بن الجهم، وداود بن أبي دواد قالا: جلس الحسن ابن سهل في ~~مصلى الجماعة لنعيم بن خازم، فأقبل نعيم حافيا حاسرا، وهو يقول: ذنبي أعظم ~~من السماء! ذنبي اعظم من الهواء! ذنبي أعظم من الماء! قالا: فقال له الحسن ~~بن سهل: على رسلك! تقدمت منك طاعة، وكان آخر أمرك إلى توبة. وليس للذنب ~~بينهما مكان. وليس ذنبك في الذنوب بأعظم من عفو أمير المؤمنين في العفو. # العفو عند المقدرة # ومن أخلاق الملك السعيد أن لا يعاقب، وهو غضبان، لأن هذه حال لا يسلم ~~معها من التعدي والتجاوز لحد العقوبة. فإذا سكن غضبه، ورجع إلى طبعه، أمر ~~بعقوبته على الحد الذي سنته الشريعة، ونقلته الملة فإن لم يكن في الشريعة ~~ذكر عقوبة ذنبه، فمن العدل أن يجعل عقوبة ذلك الذنب واسطة بين غليظ الذنوب ~~ولينها، وأن يجعل الحكم عليه فيه، ونفسه طيبة، وذكر القصاص منه على بال. ~~فأما العقوبة فلا تجوز إذا رفع أمرها إلى الملك. # وليس الذنب بحضرة الملك كالذنب بحضرة السوقة، ولا الذنب بحضرة الحكيم ~~كالذنب بحضرة الجاهل، لأن الملك هو بين الله وبين عباده، فإذا وجب بحضرته ~~الذنب، فمن حقه العقوبة عليه ليزدجر الرعايا عن العياثة والتتايع في ~~الفساد. # آداب البطانة مع الملوك # ومن حق الملك، إذا هم بالحركة للقيام، أن تسبقه بطانته وخاصته بذلك، فإن ~~أومأ إليهم أن لا يبرحوا، لايقعد واحد منهم، ms20 حتى يتوارى عن أعينهم. # فإذا خرج، فمن حقه أن تقع عينه عليهم وهم قيام، فإذا قعد، كانوا على ~~حالهم تلك. فإن نظر إليهم ليقعدوا، لم يقعدوا جملة، بل تقعد الطبقة الأولى، ~~أولا، فإذا قعدت عن آخرها، تبعتها الطبقة الثانية. فإذا قعدت عن آخرها، ~~تبعتها الطبقة الثالثة. وأيضا فإن لكل طبقة رأسا وذنبا. فمن الواجب أن يقعد ~~من كل طبقة رأسها، ثم هلم جرا على مراتب الطبقة أولا أولا. # ومن حق الملك أن لا يدنو منه أحد، صغر أو كبر، حتى يمس ثوبه ثوبه إلا وهو ~~معروف الأبوين، في مركب حسيب، غير حامل الذكر ولا مجهول. # فإن احتاج الملك إلى مشافهة خامل أو وضيع، واضطر إليها، إما لنصيحة يسرها ~~إليه، أو لأمر يسأله عنه، فمن حق الملك أن لا يخلي أحدا يدنو منه حتى يفتش ~~أولا، ثم يأخذ بضبعيه اثنان، أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله. فإذا أبدى ~~ما عنده، وقبل منه الملك ما جاء به، فمن حقه على الملك الإحسان إليه، ~~والعائدة عليه، والنظر في حاجته، إن كانت له، ليرغب ذوو النصائح في رفعها ~~إلى ملوكهم، والتقرب بها إليهم. # حديث الملك PageV01P010 ومن حق الملك، إذا حدث بحديث، أن يصرف من حضره ~~فكره وذهنه نحوه، فإن كان يعرف الحديث الذي يحدث به الملك، استمعه استماع ~~من لم يدر في حاسة سمعه قط ولم يعرفه، وأظهر السرور بفائدة الملك ~~والاستبشار بحديثه، فإن في ذلك أمرين: أحدهما ما يظهر من حسن أدبه، والآخر ~~أنه يعطي الملك حقه بحسن الاستماع. وإن كان لم يعرفه، فالنفس إلى فوائد ~~الملوك والحديث عنهم أقرم وأشهى منها إلى فوائد السوقة ومن أشبههم. # وإنما مدار الأمر والغاية التي إليها يجري، الفهم والإفهام، والطلب ثم ~~التثبت. # قال عمرو بن العاص: ثلاثة لا أملهن: جليسي ما فهم عني، وثوبي ما سترني، ~~ودابتي ما حملت رحلي وذكر الشعبي ناسا، فقال: ما رأيت مثلهم أشد تناقدا في ~~مجلس ولا أحسن فهما عن محدث. # وقال سعيد بن سلم الباهلي لأمير المؤمنين المأمون: لو لم ms21 أشكر الله إلا ~~على حسن ما أبلاني أمير المؤمنين من قصده إلي بالحديث، وإشارته إلي بطرفه، ~~لقد كان ذلك من أعظم ما تفرضه الشريعة، وتوجبه الحرية. # قال المأمون: لأن أمير المؤمنين، والله، يجد عندك من حسن الإفهام إذا ~~تحدثت، وحسن الفهم إذا حدثت، ما لم يجده عند أحد فيما مضى، ولا يظن أنه ~~يجده فيما بقي. # وفيما يحكى عن أنوشروان أنه بينا هو في مسير له، وكان لا يسايره أحد من ~~الخلق مبتدئا وأهل المراتب العالية خلف ظهره على مراتبهم، فإن التفت يمينا، ~~دنا منه صاحب الحرس، وإن التفت شمالا، دنا منه الموبذ، فأمره بإحضار من ~~أراد مسايرته، قال: فالتفت في مسيره هذا، يمينا، فدنا منه صاحب الحرس، ~~فقال: فلان. فأحضره، فقال: حدثني عن أردشير بن بابك حين واقع ملك الخزر، ~~وكان الرجل قد سمع من أنوشروان هذا الحديث مرة، فاستعجم عليه وأوهمه أنه لا ~~يعرفه. فحدثه أنوشروان بالحديث، فأصغى الرجل إليه بجوارحه كلها، وكان ~~مسيرهما على شاطيء نهر. # وترك الرجل، لإقباله على الحديث، النظر إلى مواطيء حافر دابته، فزلت إحدى ~~قوائم الدابة، فمالت بالرجل إلى النهر، فوقع في الماء ونفرت دابته، ~~فابتدرها حاشية الملك وغلمانه، فأزالوها عن الرجل، وجذبوه فحملوه على ~~أيديهم حتى أخرجوه، فاغتم لذلك أنوشروان، ونزل عن دابته، وبسط له هناك، ~~فأقام حتى تغدى في موضعه ذلك، ودعا بثياب من خاص كسوته، فألقيت على الرجل، ~~وأكل معه، وقال له: كيف أغفلت النظر إلى موطيء حافر دابتك؟ قال: أيها ~~الملك! إن الله إذا أنعم على عبد بنعمة، قابلها بمنحة، وعارضها ببلية، وعلى ~~قدر النعم تكون المحن. وإن الله أنعم علي بنعمتين عظيمتين هما: إقبال الملك ~~علي بوجهه من بين هذا السواد الأعظم، وهذه الفائدة وتدبير هذه الحرب التي ~~حدث فيها عن أردشير، حتى لو رحلت إلى حيث تطلع الشمس أو تغرب، كنت فيه ~~رابحا. فلما اجتمعت نعمتان جليلتان في وقت واحد، قابلتهما هذه المحنة، ~~ولولا أساورة الملك وخدمه وحسن جده، كنت بمعرض هلكة. وعلى ذلك، فلو غرقت ~~حتى ms22 أذهب عن جديد الأرض، كان قد أبقى لي الملك ذكرا متلدا، ما بقي الضياء ~~والظلام. فسر الملك، وقال: ما ظننتك بهذا المقدار الذي أنت فيه!. # بين معاوية والرهاوي # وهكذا يحكى عن أبي شجرة، يزيد بن شجرة الرهاوي، أنه بينا هو يساير معاوية ~~بن أبي سفيان، ومعاوية يحدثه عن يوم خزاعة وبني مخزوم وقريش، وكان هذا قبل ~~الهجرة، وكان يوما أشرف فيه الفريقان على الهلكة حتى جاءهم أبو سفيان ~~فارتفع ببعيره على رابية، ثم أومأ بكميه إلى الفريقين، فانصرفوا. # قال: فبينا معاوية يحدث يزيد بن شجرة بهذا الحديث، إذ صك وجه يزيد حجر ~~عائر فأدماه، وجعلت الدماء تسيل من وجهه على ثوبه، وهو ما يمسح وجهه. # فقال له معاوية: لله أنت! ما ترى ما نزل بك؟ قال: وما ذاك، يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: هذا دم وجهك يسيل على ثوبك! قال: أعتق ما أملك، إن لم يكن ~~حديث أمير المؤمنين ألهاني حتى غمر فكري، وغطى على قلبي، فما شعرت بشيء حتى ~~نبهني أمير المؤمنين. PageV01P011 فقال له معاوية: لقد ظلمك من جعلك في ألف ~~من العطاء، أخرجك من عطاء أبناء المهاجرين، وكماة أهل صفين، فأمر له ~~بخمسمائة ألف درهم، وزاده في عطائه ألف درهم، وجعله بين جلده وثوبه. فلئن ~~كان يزيد بن شجرة خدع معاوية في هذه، فمعاوية ممن لا يخادع ولا يجارى؛ ولئن ~~كان بلغ من بلادة يزيد بن شجرة وقلة حسه ما وصف به نفسه، ما كان بجدير ~~بخمسمائة ألف في عطائه. وما أظن ذلك خفي عن معاوية، ولكنه تغافل على معرفة، ~~لما وفاه حق رياسته. # ويروى عن معاوية انه كان يقول: السرو التغافل. # بين أبي العباس السفاح وأبي بكر الهذلي: وكذلك حكي عن أبي بكر الهذلي أنه ~~بينما هو يسامر أبا العباس، إذ تحدث أبو العباس بحديث من أحاديث الفرس، ~~فعصفت الريح، فأذرت طسا من سطح إلى مجلس أبي العباس، فارتاع ومن حضره، ولم ~~يتحرك أبو بكر لذلك، ولم تزل عينه متطلعة لعين أبي العباس. فقال له: ما ~~أعجب شأنك، ms23 يا هذلي! لم ترع مما راعنا. # قال: يا أمير المؤمنين، إن الله عز وجل يقول: ما جعل الله لرجل من قلبين ~~في جوفه، وإنما للمرء قلب واحد، فلما غمره السرور بمحادثة أمير المؤمنين، ~~لم يكن فيه لحادث مجال. وإن الله إذا انفرد بكرامة أحد، وأحب أن يبقى له ~~ذكرها، جعل تلك الكرامة على لسان نبيه أو خليفته. وهذه كرامة خصصت بها، مال ~~إليها ذهني، وشغل بها فكري. فلو انقلبت الخضراء على الغبراء ما أحسست بها ~~ولا وجمت لها إلا بما يلزمني في نفسي لأمير المؤمنين. # فقال أبو العباس: لئن بقيت لك، لأرفعن منك ضبعا لا تطيف به السباع، ولا ~~تنحط عليه العقبان. # أقوال في حسن الاستماع # وكان عبد الله بن عياش المنتوف يقول: لم يتقرب العامة إلى الملوك بمثل ~~الطاعة، ولا العبيد بمثل الخدمة، ولا البطانة بمثل حسن الاستماع. # وكان أبو زرعة، روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي يقول: إن أردت أن ~~يمكنك الملك من أذنه، فأمكن أذنك من الإصغاء إليه إذا حدث. # وكان أسماء بن خارجة الغزاري يقول: ما غلبني أحد قط غلبة رجل يصغي إلى ~~حديثي. # وكان معاوية يقول: يغلب الملك حتى يركب بشيئين: بالحلم عند سورته، ~~والإصغاء إلى حديثه. # عود إلى أخلاق الملوك # ومن أخلاق الملك، إذا قرب إنسانا أو أنس به حتى يهازله ويضاحكه، ثم دخل ~~عليه بعد، أن يدخل دخول من لم يجر بينهما أنس قط، وأن يظهر من الإجلال له ~~والتعظيم والاستخذاء أكثر مما كان عليه قبل، فإن أخلاق الملوك ليست على ~~نظام. # ومن أخلاقهم أن لا تكون أخلاقهم معروفة، فيتمثل عليها، ويعاملون بها. ألا ~~ترى أن الملك قد يغضب على الرجل من حماته، والرجل من حماته وبطانته، إما ~~لجناية في صلب مال، أو لخيانة حرمة الملك، فيؤخر عقوبته دهرا طويلا، ثم لا ~~يظهر له ما يوحشه حتى يتقي ذلك في اللحظة والكلمة والإشارة وما أشبه ذلك. ~~وليست هذه أخلاق سائر الناس، إذ كنا نعلم أن طبائع الناس الانتصار في أول ~~أوقات ms24 الجنايات، وعند أول بوادر الغضب. # فأما الملوك وأبناءهم، فليست تقاس أخلاقهم، ولا يعاير عليها. إذ كان ~~أحدهم يضع أعدى خلق الله له بين أذنه وعاتقه، وبين سحره ونحره، فتطول بذلك ~~المدة، وتمر به الأزمنة، وهو لو قتله في أول حادثة تكون، وعند أول عثرة ~~يعثر، لم يكن بين هذه القتلة وبين الأخرى بعدها بعشرين سنة فرق، غذ كان لا ~~يخاف ثارا، ولا في الملك وهنا. # معاقبة أنوشروان للخائن # وفيما يذكر عن سيرة أنوشروان أن رجلا من خاص خدمه جنى جناية اطلع عليها ~~أنوشروان، والرجل غافل عنه. وكانت عقوبة تلك الجناية توجب القتل في ~~الشريعة؛ فلم يدر كيف يقتله: لا هو وجد أمرا ظاهرا يقتل بمثله الحكام فيسفك ~~به دمه، ولا قدر على كشف ذنبه لما في ذلك من الوهن على الملك والمملكة، ولا ~~وجد لنفسه عذرا في قتله غيلة، إذ لم يكن ذلك في شرائع دينهم ووراثة سلفهم. ~~فدعا به بعد جنايته بسنة، فاستخلاه وقال: قد حزبني أمر من أسرار ملك الروم، ~~وبي حاجة إلى أن أعلمها، وما أجدني أسكن إلى أحد سكوني إليك إذ حللت من ~~قلبي المحل الذي أنت به. وقد رأيت أن أدفع إليك مالا لتحمل إلى هناك تجارة ~~وتدخل بلاد الروم فتقيم بها لتجارتك؛ فإذا بعت ما معك، حملت مما في بلادهم ~~من تجارتهم وأقبلت إلي. وفي خلال ذلك تصغي إلى أخبارهم، وتطلع طلع ما بنا ~~حاجة إليه من أمورهم وأسرارهم. PageV01P012 فقال الرجل: أفعل أيها الملك، ~~وأرجو أن أبلغ في ذلك محبة الملك ورضاه. # فأمر له بمال، وتجهز الرجل، وخرج بتجارة؛ فأقام ببلاد الروم، حتى باع ~~واشترى ولقن من كلامهم ولغتهم ما يعرف به مخاطبتهم وبعض أسرار ملكهم. ثم ~~انصرف إلى أنوشروان بذلك، فاستبشر بقدومه، وزاد في بره، ورده إلى بلادهم، ~~وأمره بطول المقام، والتربص بتجارته. ففعل، حتى عرف واستفاض ذكره. # فلم تزل تلك حاله ست سنين، حتى إذا كان في السنة السابعة، أمر الملك أن ~~تصور صورة الرجل في جام من جاماته التي يشرب فيها، ms25 وتجعل صورته بإزاء صورة ~~الملك، ويجعل مخاطبا للملك، ومشيرا إليه من بين أهل مملكته، ويدني رأسه من ~~رأس الملك في الصورة كأنه يسر إليه. ثم وهب ذلك الجام لبعض خدمه، وقال له: ~~إن الملوك ترغب في هذا الجام، فإن أردت بيعه، فادفعه إلى فلان إذا خرج نحو ~~بلاد الروم بتجارته، فإنه إن باعه من الملك نفسه نفعك، وإن لم يمكنه بيعه ~~من الملك، باعه من وزيره أو من بعض حامته. # فجاء غلام الملك بالجام ليلا، وقد وضع الرجل رجله في غرز ركابه، فسأله أن ~~يبيع جامه من الملك، وأن يتخذ بذلك عنده يدا. وكان الملك يقدم ذلك الغلام، ~~وكان من خاص غلمانه وصاحب شرابه. فأجابه إلى ذلك، وأمره بدفع الجام إلى ~~صاحب خزانته، وقال: احفظه! فإذا صرت إلى باب الملك، فليكن فيما أعرضه عليه. # فلما صار إلى ملك الروم، دفع صاحب الخزانة إليه الجام، فعزله فيما يعرض ~~على الملك. فلما دفع الجام في يدي الملك، نظر إليه، ونظر إلى صورة أنوشروان ~~فيه، وإلى صورة الرجل وتركيبه، عضوا عضوا، وجارحة جارحة، فقال: أخبرني، هل ~~يصور مع الملك صورة رجل خسيس الأصل؟ قال: لا قال: فهل يصور في آنية الملك ~~صورة لا أصل لها ولا علة؟ قال: لا قال: فهل في دار الملك اثنان يتشابهان في ~~صورة واحدة حتى يكون هذا كأنه هذا في الصورة، وكلاهما نديما الملك؟ قال: لا ~~أعرفه. فقال: قم! فقام، فتأمله قائما، فوجد صورته قائما في الجام. ثم قال: ~~أدبر، فأدبر، فتأمل صورته في الجام مدبرا. ثم قال: أقبل، فأقبل، فتأمل ~~صورته في الجام مقبلا، فوجدها بحكاية واحدة، وتخطيط واحد. # فضحك الملك، ولم يجتريء الرجل أن يسأله عن سبب ضحكه، إجلالا له وإعظاما. ~~فقال ملك الروم: الشاة أعقل من الإنسان، إذ كانت تأخذ بمديتها فتدفنها، ~~وأنت أهديت إلينا مديتك بيدك!. # ثم قال له: تغديت؟ قال: لا. قال: قربوا له طعاما. فقال الرجل: أيها ~~الملك! أنا عبد ذليل، والعبد لا يأكل بحضرة الملك. فقال: أنت عبد ما كنت ~~عند ms26 ملك الروم، متطلعا على أموره متتبعا لأسراره، بل أنت ملك ونديم ملك إذا ~~قدمت بلاد فارس. أطعموه!. فأطعم، وسقي الخمر حتى إذا ثمل، قال: إن من سنن ~~ملوكنا أن تقتل الجواسيس في أعلى موضع تقدر عليه، وأن لا تقتله جائعا ولا ~~عطشان. # فأمر أن يصعد به إلى صرح كان يشرف منه على كل من في المدينة، إذا صعد. ~~فضربت عنقه هناك، وألقيت جثته من ذلك الصرح، ونصب رأسه للناس. # فلما بلغ ذلك كسرى، أمر صاحب الحرس أن يأمر المغرد بصوت الحراسة، إذا ضرب ~~بأجراس الذهب، أن يقول إذا مر على دور النساء الملك وجواريه: كل نفس وجب ~~عليها القتل ففي الأرض تقتل، إلا من تعرض لحرم الملك، فإنه يقتل في السماء. # فلم يدر أحد من أهل مملكته ماذا أراد بذلك حتى مات فليس في الأرض نفس ~~تصبر على مضض الحقد، ومطاولة الأيام بها صبر الملوك. ولذلك بطل القياس على ~~أخلاقهم، ووجهت آراء ذوي الحجى والتمييز في العمل عليها والمقابلة بها حتى ~~تخرج على وزن واحد، وينظم مؤتلف. # عبد الملك والأشدق # وكذلك يحكى عن عبد الملك بن مروان وعمرو بن سعيد الأشدق، انه أقام بضع ~~سنين يزاول قتله. فمرة يرجئه، وأخرى يهم به، ومرة يحجم، وأخرى يقدم، حتى ~~قتله على أخبث حالاته. # الرشيد والبرامكة # وحدثني قثم بن جعفر بن سليمان، قال: حدثني مسرور الخادم، قال: أشهد ~~بالله، لكنت من الرشيد وهو متعلق بأستار الكعبة، بحيث يمس ثوبي ثوبه، وهو ~~يقول في مناجاته ربه: اللهم إني استخيرك في قتل جعفر بن يحيى، ثم قتله، بعد ~~ذلك، بخمس سنين أو ست. # مراعاة حرمة الملك PageV01P013 ومن حق الملك أن لا يرفع أحد من خاصته ~~وبطانته رأسه إلى حرمة له، صغرت أم كبرت. فكم من فيل قد وطيء هامة عظيم ~~وبطنه، حتى بدت أمعاؤه، وكم من شريف وعزيز قوم قد مزقته السباع وتمششته، ~~وكم من جارية كانت كريمة على قومها عزيزة في ناديها قد أكلتها حيتان البحر ~~وطير الماء، وكم من جمجمة كانت تصان وتعل ms27 بالمسك والبان قد ألقيت بالعراء، ~~وغيبت جثتها في الثرى بسبب الحرم والنساء، والخدم، والأولياء! ولم يأت ~~الشيطان أحدا من باب قط حتى يراه بحيث يهوي منقسم اللحم والأعضاء، هو أبلغ ~~في مكيدته وأحرى أن يرى فيه أمنيته من هذا الباب، إذا كان من ألطف مكايده، ~~وأدق وساوسه، وأحلى تزيينه! فعلى الحكيم المحب لبقاء هذا النسيم الدقيق، ~~وهذا الماء الرقيق، أن يطلب دوامها لنفسه حيلة يجد إليها سبيلا، ويدفع ~~مقارفتها لكل شيء يقع فيه التأويل بين أمرين من سلامة تنجي أو عطب يتلف. ~~ولا يتكل على خيانة خفيت، أو فجرة حظي بها أحد من أهل السفه والبطالة. فإن ~~تلك لا تسمى سلامة، بل إنما هي حسرة وندامة، يوم القيامة. وكم من فعلة قد ~~ظهر عليها بعد مرور الأيام، وطول الأزمنة بها، فردت من كان قد أحسن بها ~~الظن حتى تركته كأمس الذاهب، كأن لم يكن في العالم! # إغضاء البصر وخفض الصوت بحضرة الملك # ومن حق الملك، إذا أنس بإنسان حتى يضاحكه ويهازله ويفضي إليه بسره ويخصه ~~دون أهله، ثم دخل على الملك داخل أوزاره زائر، أن لا يرفع إليه طرفه، ~~إعظاما وإكراما، وتبجيلا وتوقيرا، ولا يعجب لعجبه. وليكن غرضه الإطراق ~~والصمت وقلة الحركة. # ومن حق الملك أن لايرفع أحد صوته بحضرته، لأن من تعظيم الملك وتبجيله، ~~خفض الأصوات بحضرته، إذ كان ذلك أكثر في بهائه وعزه وسلطانه. # وبهذا أدب الله أصحاب رسوله، صلى الله عليه وسلم، فقال عز من قائل: " يا ~~أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول ~~كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون " . فأخبر أن من رفع صوته ~~فوق صوت النبي فقد آذاه، ومن آذاه فقد آذى الله، ومن آذى الله فقد حبط ~~عمله. # وكان قوم من سفهاء بني تميم أتوا النبي، صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا ~~محمد! أخرج إلينا نكلمك. فغم ذلك رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وساءه ما ~~ظهر من سوء أدبهم، فأنزل الله عز وجل: " إن ms28 الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~أكثرهم لا يعقلون " . # ثم أثنى على من غض صوته بحضرة رسوله، فقال جل اسمه: " إن الذين يغضون ~~أصواتهم عند رسول الله أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى " . # فمن تعظيم الملك وتبجيله خفض الأصوات بحضرته، وإذا قام عن مجلسه، حتى لا ~~يدخل الملك وهن ولا خلل ولا تقصير، في صغير أمر ولا جليله. # في غياب الملك # وكانت ملوك الأعاجم تقول: إن حرمة مجلس الملك، إذا غاب، كحرمته إذا حضر. # وكان لها عيون على مجالسها، إذا غابت عنها. فمن حضرها، فكان في كلامه ~~وإشارته وقلة حركته وحسن ألفاظه وأدبه - حتى أنفاسه - على مثل ما يكون إذا ~~حضر الملك، سمي ذا وجه، ومن خالف أخلاقه وشيمه، وظهر منه خلاف ما يظهره ~~بحضرة الملك، سمي ذا وجهين، وكان عند الملك منقوصا متصنعا. # مكافآت الملوك # ومن أخلاق الملك أن يخلع على من أدخل عليه سرورا، إما في خاصة نفسه وإما ~~في توكيد ملكه. فإن كان السرور لنفسه في نفسه، فمن حقه على الملك أن يخلع ~~عليه خلعة في قرار داره، وبحضرة بطانته وخاصته. وإن كان في توكيد ملكه، فمن ~~حقه أن يخلع عليه بحضرة العامة، لينشر له بذلك الذكر ويحسن به الأحدوثة، ~~وتصلح عليه النيات، ويستدعي بذلك الرغبة إلى توكيد الملك وتسديد أركانه. ~~وليس من العدل أن يفرد المحسن بخلعة فقط، إلا أن تكون تلك الخلعة على شرب ~~أو لهو. فأما إذا كانت لأحد المعنيين اللذين قدمنا ذكرهما، فمن العدل أن ~~يكون معها جائزة وصلة وترتيب، أو ولاية أو إقطاع أو اجراء أرزاق أو فك أسير ~~أو حمل حمالات أو قضاء دين أو إحسان، كائنا ما كان، مضافا إليها، وموصولا ~~بها. # باب في صفة ندماء الملك PageV01P014 ينبغي أن يكون نديم الملك معتدل ~~الطبيعة، معتدل الأخلاط، سليم الجوارح والأخلاق، لا الصفراء تقلقه وتكثر ~~حركته، ولا الرطوبة والبلغم يقهره ويكثر بوله وبزقه وتثاؤبه ويطيل نومه، ~~ولا السوداء تضجره وتطيل فكره وتكثر أمانيه وتفسد مزاجه. فأما الدموي فليس ~~يدخل في هذه الأقسام المذمومة، ms29 إذ كان بالبدن إليه حاجة كحاجته إلى تركيبه ~~وسلامته. # ومن حق الملك، إذا زامله بعض بطانته، أن يكون عارفا بمنازل الطريق، وقطع ~~المسافة، دليلا بهدايته وأعلامه ومياهه، قليل التثاؤب والنعاس، قليل السعال ~~والعطاس، معتدل المزاج، صحيح البنية، طيب المفاكهة والمحادثة، قصير ~~المياومة والملايلة، عالما بأيام الناس ومكارم أخلاقهم، عالما بالنادر من ~~الشعر والسائر من المثل، متطرفا من كل فن، آخذا من الخير والشر بنصيب. إن ~~ذكر الآخرة ونعيم أهل الجنة، حدثه بما أعد الله تعالى لأهل طاعته من ~~الثواب، فرغبه فيما عنده؛ وإن ذكر النار، حذره ما قرب إليها. فزهده مرة، ~~ورغبه أخرى. فإن بالملك أعظم الحاجة إلى من كانت هذه صفاته، وبالحرى إذا ~~أصاب هذا، أن لا يفارقه إلا عن أمر تنقطع به النقمة. # عدة الملك في سفره أو نزهته # ومن حق الملك إذا خرج لسفر أو نزهة، أن لا يفارقه خلع للكساء، وأموال ~~للصلات، وسياط للأدب، وقيود للعصاة، وسلاح للأعداء، وحماة يكونون من ورائه ~~وبين يديه، ومؤنس يفضي إليه بسره، وعالم يسأله عن حوادث أمره، وسنة شريعته، ~~ومله يقصر ليله، ويكثر فوائده. # وعلى هذا كانت ملوك الأعاجم، أولها وآخرها. # وأيضا، فإن ملوك العرب لم تزل تمتثل هذا وتفعله. # خلال الندماء وملاعبة الملوك # ولندماء الملك وبطانته خلال يساوون فيها الملك ضرورة. ليس فيها نقص على ~~الملك، ولا ضعة في الملك. منها: اللعب بالكرة، وطلب الصيد، والرمي في ~~الأغراض، واللعب بالشطرنج، وما أشبه ذلك. # ومن الحق على الملك أن لا يمنع ملاعبه ما يجب له من طلب النصفة في هذه ~~الأقسام التي عددنا. ومن حق الملاعب له المشاحة والمطالبة والمساواة ~~والممانعة، وترك الإغضاء والأخذ من الحق بأقصى حدوده؛ غير أن ذلك لا يكون ~~معه بذاء ولا كلام رفث ولا معارضة بما يزيل حق الملك، ولا صياح يعلو كلامه، ~~ولا نخير ولا قذف ولا ماهو خارج عن ميزان العدل. # وفيما يحكى عن سابور أنه لاعب تربا كان له بالشطرنج إمرة مطاعة. فقمره ~~تربه، فقال له سابور: ما إمرتك؟ فقال: أركبك حتى ms30 أخرج بك إلى باب العامة. ~~فقال له سابور: بئس موضع الدالة وضعتك، فرد غير هذا. فقال: بهذا جرى لفظي. ~~فأسف لذلك سابور، وقام فدعا ببرقع، فتبرقع، ثم جثا لتربه، فامتنع أن يعلو ~~ظهر الملك إجلالا له وإعظاما. فنادى سابور بعد ذلك بسنة في الرعية: لا ~~يلعبن أحد لعبة على حكم غائب، فمن فعل، فدمه هدر. # فأما إذا كانت المشاحة على طلب الحق في هذه الأقسام التي ذكرنا بمعارضة ~~شعر، وتوبيخ في مثل ونادر من الكلام، وإخبار عن سوء لعب اللاعب، وتأنيب له، ~~فهذا مما يخاطب به الملك، ويعارض فيه. فأما إذا خرج عن هذا، فدخل في باب ~~الجرأة كما فعل ترب سابور، فإنه خطأ من فاعله، وجهل من قائله، وجرأة على ~~ملكه. وليس للرعية الجرأة على الراعي. # ومن حق الرجل على الملك، إذا ضرب معه بالكرة، أن يتقدم بدابته على دابة ~~الملك، وصولجانه على صولجان الملك، وأن يعمل جهده في أن لا يبخس حظه ولا ~~يفتر في مسابقة ولا مراكضة ولا التفاف كرة ولا سبق إلى حد ونهاية وما أشبه ~~ذلك. وكذلك القول في الرماية في الأغراض، وطلب الصيد، ولعب الشطرنج. # سمعت محمد بن الحسن مصعب يقول: كان لي صديق من بني مخزوم، وكان لاعبا ~~بالشطرنج. فذكرته لأبي العباس، عبد الله بن طاهر، فقال: أحضره. فقلت ~~للمخزومي: تهيأ للقاء أبي العباس وكان متصرفا، كثير الأدب، فغدوت به، فدخل. ~~فلما وقعت عين أبي العباس عليه، وقف؛ فرآه من بعيد، ثم انصرف من غير أن ~~يكلمه؛ فقال: هذا رجل من أهل الأدب، فاغد به ولاعبه الشطرنج بحضرتي حتى ~~أبوره؛ وعابثه حتى يخرج إلى باب الهزل والشتيمة. # فلما قعدنا، دارت عليه ضربة، فقلت: خذها، وأنا الغلام البوشنجي! وهو ~~ساكت. # ثم دارت عليه ضربة، فقلت: خذها، وأنا مولى مخزوم، فسكت. # ثم دارت عليه ضربة، فقلتك خذها يا ابن مخزوم، في خرم مخزوم!، فسكت. ~~PageV01P015 واستؤذن لرجل من آل عبد الملك بن صالح، وكان خاصا بأبي العباس، ~~فأمر بالأذن له. فلما دخل الهاشمي وقعد، قال لي ms31 المخزومي: ليس فيك موضع شرف ~~ولا عز، فأفاخرك: أنت بوشنجي ثمن دانق! ولكن قل لهذا الهاشمي يفاخرني حتى ~~ينظر ما يكون حاله. فأما أنت، فمن أنت حتى أفاخرك؟ فضحك أبو العباس حتى فحص ~~برجليه، وأمر له بخمسمائة دينار، وقربه وآنسه. # آداب الندماء عند نعاس الملك # ومن أخلاق الملك إذا غلبته عيناه، أن من ينهض حضره من صغير أو كبير، ~~بحركة لينة خفيفة، حتى يتوارى عن قرار مجلسه، ويكون بحيث يقرب منه إذا ~~انتبه. ولا يقولن إنسان في نفسه: لعل الملك، إن هب من سنته لا يسأل عني، أو ~~لعله أن يمتد به النوم أو يعرض له شغل. فإن هذا من أكبر الخطأ. وقد قتل بعض ~~الملوك رجلا في هذه الصفة. # وليس من الحزم أن يجعل الحكيم للملك على نفسه طريقا، وهو إن سلم من عذل ~~الملك ولائمته لكرم الملك وشيمته، قدح ذلك في نفس الملك، واضطغن عليه. ~~وبالحرى أن لا يسلم من عذل وتأنيب. # إمامة الملك للصلاة # ومن حق الملك، إذا حضرت الصلاة، فالملك أولى بالإمامة، لخصال: منها أنه ~~الأمام، والرعية مأمونة؛ ومنها أنه المولى وهم العبيد؛ ومنها أنه أولى ~~بالصلاة في قرار داره وموطيء بساطة، ولو حضر مجلسه أزهد الخلق وأعلمهم. # فإذا قام للصلاة، فمن حقه أن يكون بينه وبين من يصلي خلفه عشرة أذرع، وأن ~~لا يتقدمه أحد بتكبير ولا بركوع ولا سجود ولا قيام. # وهذا، وإن كان يجب لكل من أم قوما من صغير أو كبير أو شريف أو وضيع، فهو ~~للملك أوجب. فإذا سلم الملك، فمن حقه أن يقوم كل من صلى خلفه قائما، فإنهم ~~لا يدرون أيريد تنفلا أو دخولا أو قعودا في مجلسه. # فإن قام لنافلة، فليس من حقه أن يتنفلوا، لأنهم لا يدرون لعله أن يسبقهم ~~أو يقطع صلاته لحدث، فيكون يحتاج إلى أن يسبقهم، وهو قيام يصلون بإزائه، ~~وهو قاعد. ولكن من حقه أن يكونوا بحالهم حتى يعلموا ما الذي يفعل. فإن قعد، ~~انحرفوا إلى حيث لا يراهم، فصلوا نوافلهم، وإن دخل ms32 في الصلاة، صلوا على ~~مكاناتهم. # آداب مسايرة الملك # وقد قلنا إن من حق الملك أن لا يبتدئه أحد بمسايرة. وإن طلب ذلك منه من ~~يستحق المسايرة، فالذي يجزئه من ذلك أن يقف بحيث يراه ويتصدى له. فإن أومأ ~~إليه، سايره، وغن أمسك عن الإيماء، علم أن إمساكه هو ترك الإذن له في ~~مسايرته. # ومن حقه، إذا سايره، أن لايمس ثوبه ثوب الملك، ولايدني دابته من دابته، ~~ويتوخى أن يكون رأس دابته بإزاء سرج الملك، غير أنه لا يكلفه أن يلتفت ~~إليه. ولا ينبغي له أن يبتدئه بكلام. # وإن كان لا يثق بلين عنان دابته حتى يصرفه كيف شاء ومتى شاء، فالرأي لا ~~أن لا يسايره. فإن في مسايرته وصمة عليه وعلى الملك. أما عليه، فإنه يحتاج ~~إلى حركة متواترة يتعب بها نفسه ودابته، ويخرج بها عن حد أهل الأدب ~~والمروءة والشرف، ولعله في خلال ذلك أيضا أن لا يبلغ ما يريد. # وأما على الملك، فإنه وهن في المملكة، لأن الملك، إن طلب الصبر عليه وعلى ~~سير دابته، كان إنما يسير عند ذلك بسيره، وليس في آيين المملكة أن يسير ~~الأعظم بسير من هو دونه. # ولذلك كانت رؤساء الأكاسرة والأساورة والدبيربذ وموبذان موبذ ومن أشبه ~~هؤلاء من خاصة الملك، إذا هم الملك بالمسير في نزهة أو لبعض أموره، وعرضوا ~~دوابهم على راضة الملك وصاحب دوابه. وكان كل واحد منهم لا يأمن أن يدعو به ~~الملك للمسايرة والمحادثة، فيحتاج إلى معاناة دابته لبلادة أو كثرة نفور أو ~~عثار أو جماح، فيكون على الملك من ذلك بعض ما يكره. وكان الرائض يمتحن دابة ~~دابة من دواب هؤلاء العظماء. فما اختار منها ركب، وما نفى أرجيء. # وأيضا إن من حق الملك، إذا سايره واحد، أن لا تروث دابته ولا تبول ولا ~~تتحصن ولا تتشغب، ولا يطلب المحاذاة لسير دابة الملك، وإن أراد ذلك منعه ~~راكبه. # مسايرة الموبذ لقباذ # وفيما يحكى عن ملوك الأعاجم أن قباذ، بينا هو يسير والموبذ يسايره، إذ ~~راثت دابة الموبذ، ms33 وفطن لذلك قباذ. فاغتم الموبذ بذلك، فقال له في كلام ~~بينهما: ما أول ما يستدل به على سخف الرجل، أيها الموبذ؟ فقال: أن يعلف ~~دابته في الليلة التي يركب في صبيحتها الملك. PageV01P016 فضحك قباذ حتى ~~افتر عن نواجذه، وقال: لله أنت! ما أحسن ما ضمنت كلامك بفعل دابتك! وبحق ما ~~قدمك الملوك، وجعلوا أزمة أحكامهم في يدك!. # ووقف، ثم دعا بدابة من خاص مراكبه، فقال له: تحول عن ظهر هذا الجاني عليك ~~إلى ظهر هذا الطائع لك. # مسايرة شرحبيل لمعاوية # وهكذا يحكى عن معاوية بن أبي سفيان، بينا هو يسير وشرحبيل ابن السمط ~~يسايره، إذ راثت دابة شرحبيل؛ فقال معاوية: يا أبا يزيد! إنه يقال إن ~~الهامة إذا عظمت، دلت على وفور الدماغ، وصحة العقل. قال: نعم، يا أمير ~~المؤمنين، إلا هامتي فإنها عظيمة، وعقلي ضعيف ناقص. # فتبسم معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي هذا النائل أمه ~~البارحة مكوكي شعير. فضحك معاوية، وقال: كيف ذلك، ولله أنت! قال: لإطعامي ~~هذا النائل أمه البارحة مكوكي شعير. فضحك معاوية، وقال: أفحشت، وما كنت ~~فاحشا! وحمله على دابة من مراكبه. # فليتنكب من يساير الملوك ما يقذي أعينهم بكل جهده. فإن لمسايرتهم شروطا ~~يجب على من طلبها أن يستعملها ويتحفظ فيها. وقلما حظي أحد بمسايرة ملك حتى ~~يكون قلبها مقدمات يجب بها الخطوة. # فأما نفس المسايرة للملك المتصلة، فإن الأعاجم كلها كانت تتطير منها ~~وتكرها. وأيضا فإن الملك لم يكن يثابر على مسايرة أحد من بطانته بعينه، لما ~~كان يعلم من طيرتهم من ذلك، وكراهتم له. # صاحب الشرطة والهادي # ويقال إن سعيد بن سلم بينا هو يساير موسى أمير المؤمنين، وعبد الله بن ~~مالك الخزاعي أمامه، والحربة في يده، فكانت الريح تسفي التراب الذي تثيره ~~دابة عبد الله في وجه موسى، وعبد الله لا يشعر بذلك، وموسى يحيد عن سنن ~~التراب، وعبد الله في خلال ذلك يلحظ موسى وموضعه، فيطلب أن يحاذيه؛ فإذا ~~حاذاه، ناله من ذلك التراب ما يؤذيه. حتى إذا ms34 كثر ذلك من عبدالله، ونال ~~موسى أذى ذلك التراب، قال لسعيد: أما ترى ما نلقى من هذا الخائن في مسيرنا ~~هذا؟ قال: يا أمير المؤمنين! والله ما قصر في الاجتهاد، ولكنه حرم حظ ~~التوفيق. # ما قاله عبد الله بن الحسن للسفاح: وفيما يذكر عن عبد الله بن حسن أنه ~~بينا هو يساير أبا العباس السفاح، بظاهر مدينة الأنبار، وهو ينظر إلى بناء ~~قد بناه، فقال أبو العباس له: هات ما عندك، يا أبا محمد!، وهو يستطعمه ~~الحديث بالأنس منه، فأنشده: # ألم تر مالكا لما تبنى ... بناء نفعه لبني بقيله؟ # يرجي أن يعمر عمر نوح ... وأمر الله يحدث كل ليله! # فتبسم أبو العباس كالمغضب، وقال: لو علمنا، لاشترطنا حق المسايرة! فقال ~~عبد الله: يا أمير المؤمنين، بوادر الخواطر وإغفال المشايخ! قال: صدقت، خذ ~~في غير هذا. # ما قاله الهاشمي للخراساني # وذكر المدايني أن عيسى بن موسى، بينا هو يساير أبا مسلم عند منصرفه إلى ~~أبي جعفر في اليوم الذي قتل فيه، إذ أنشد عيسى: # سيأتيك ما أفنى القرون الأولى ... وما حل في أكناف عاد وجرهم # ومن كان أنأى منك عزا ومفخرا ... وأنهد بالجيش اللهام العرمرم # فقال أبو مسلم: هذا مع الأمان الذي أعطيت؟ قال عيسى: أبداه لساني قال: ~~فبئس الخاطر، والله إذن! # عدم تسمية أو تكنية الملك # ومن حق الملك أن لا يسمى ولا يكنى في جد أو هزل، ولا أنس ولا غيره. ولولا ~~أن القدماء من الشعراء كنت الملوك وسمتهم في أشعارها، وأجازت ذلك واصطلحت ~~عليه، ما كان جزاء من كنى ملكا أو خليفة إلا العقوبة. على أن ملوك آل ساسان ~~لم يكنها أحد من رعاياها قط، ولا سماها في شعر ولا خطبة ولا تفريط ولا ~~غيره؛ وإنما حدث هذا في ملوك الحيرة. # والدليل على ذلك أنه لو سمى أحد من الخطباء والشعراء في كلامه المنثور ~~ملكا أو خليفة، وهو يخاطبه باسمه، كان جاهلا ضعيفا خارجا من باب الأدب. ~~ولولا أن الاصطلاح منعنا إيجاب المنع من ذلك، كان أول ما ms35 يجب. # ولا أدري لم فعل القدماء ذلك، كما أني لا أدري لم أجازته ملوكها، ورضيت ~~به، إذ كانت صفة الملوك ترتفع عن كل شيء، وترقى عنه. PageV01P017 وكانت ~~الجفاة من العرب بسوء أدبها وغلظ تركيبها، إذا أتوا النبي صلى الله عليه ~~وسلم، خاطبوه ودعوه باسمه وكنيته. فأما أصحابه، فكانت مخاطبتهم إياه: يا ~~رسول الله! ويا نبي الله! وهكذا يجب للملوك أن يقال في مخاطبتهم: يا خليفة ~~الله! ويا أمين الله! ويا أمير المؤمنين! # عند تشابه الأسماء # ومن حق الملك، إذا دخل عليه رجل، وكان اسم ذلك الرجل الداخل أحد صفات ~~الملك، فسأله الملك عن اسمه، أن يكني عنه، ويجيب باسم أبيه؛ كما فعل سعيد ~~بن مرة الكندي، حين أتى معاوية، فقال له: أنت سعيد؟ فقال: أمير المؤمنين ~~السعيد، وأنا ابن مرة! وكما قال السيد بن أنس الأزدي، وقد سأله المأمون عن ~~اسمه، فقال: أنت السيد؟ قال: أمير المؤمنين السيد، وأنا ابن أنس!. # وهكذا جاءنا الخبر عن العباس بن عبد المطلب، عم رسول الله، صلى الله عليه ~~وسلم، وصنو أبيه. قيل له: أنت أكبر أم رسول الله؟ فقال: هو أكبر مني، وولدت ~~أنا قبله. # ألا تراه، رحمه الله، كيف تخلص إلى أحسن الأحوال في الأدب، فاستعمله؟ ~~وعلى هذا المثال يجب أن تكون مخاطبة الملوك، إذ كانت صيغتهم غير صيغ ~~العامة، كما قال أردشير بن بابك في عهده إلى الملوك. # ما يتفرد به الملك في عاصمته # ومن حق الملك أن يتفرد في قرار داره بثلاثة أشياء، فلا يطمع طامع في أن ~~يشركه فيها: فمنها الحجامة، والفصد، وشرب الدواء، فليس لأحد من الخاصة ~~والعامة ممن في قصية دار المملكة أن يشركه في ذلك. # وكانت ملوك الأعاجم تمنع من هذا وتعاقب عليه، وتقول: إذا أراق الملك دمه، ~~فليس لأحد أن يريق دمه في ذلك اليوم حتى يساوي الملك في فعله، بل على ~~الخاصة والعامة الفحص عن أمر الملك، والتشاغل بطلب سلامته، وظهور عافيته، ~~وكيف وجد عاقبة ما يصالح به. # وليس الاقتضاء بفعل الملك في هذا ms36 وما أشبهه من فعل من تمت طاعته وصحت ~~نيته وحسنت معونته، لن في ذلك استهانة بأمر الملك والمملكة. # ومن قصد إلى أن يشرك الملك في شيء، يجد عنه مندوحة ومنه بدا، بالمهل ~~المبسوطة والأيام الممدودة، فهو عاص مفارق للشريعة. # ويقال إن كسرى أنوشروان كان أكثر ما يحتجم في يوم السبت، وكان المنادى، ~~إذا اصبح في كل يوم سبت، نادى: يا أهل الطاعة! ليكن منكم ترك الحجامة في ~~هذا اليوم على ذكر! ويا حجامون، اجعلوا هذا اليوم لنسائكم وغسل ثيابكم!. # وهكذا كان يفعل في يوم فصد العرق وأخذ الدواء. # دعاء الملك وتعزيته # ومن حق الملك، إذا عطس، أن لا يشمت، وإذا دعا، لم يؤمن على دعائه. وكانت ~~ملوك الأعاجم تقول: حقيق على الملك الصالح أن يدعو للرعية الصالحة، وليس ~~بحقيق للرعية الصالحة أن تدعو للملك الصالح، لأن أقرب الدعاء إلى الله دعاء ~~الملك الصلح. # ومن حق الملك أن لا يعزيه أحد من حاشيته وحامته وأهل بيته وقرابته. وإنما ~~جعلت التعزية لمن غاب عن المصيبة، أو لمن قارب الملك في العز والسلطان، ~~والبهاء والقدرة. فأما من دون هؤلاء، فينهون عن التعزية أشد النهي. # وفيما يذكر عن عبد الملك بن مروان أنه مات بعض بنيه وهو صغير، فجاءه ~~الوليد فعزاه، فقال: يا بني! مصيبتي فيك أقدح في بدني من مصيبتي بأخيك! ~~ومتى رأيت ابنا عزى أباه؟ قال: يا أمير المؤمنين! أمي أمرتني بذلك! قال: ~~ذاك يا بني أهون علي! وهذا لعمري من مشورة النساء. # غضب الملك ورضاه # ومن أخلاق الملك سرعة الغضب، وليس من أخلاقه سرعة الرضى. فأما سرعة ~~الغضب، فإنما تأتي الملك من جهة دوام الطاعة، وذلك لأنه لا يدور في سمعه ما ~~يكره في طول عمره. فإذا ألفت النفس هذا العز الدائم، صار أحد صفاتها. فمتى ~~قرع حس النفس مالا تعرفه في خلقها، نفرت منه نفورا سريعا، فظهر الغضب، أنفة ~~وحمية. # وأما رضى الملك فبطيء جدا، لأنه شيء تمانعه النفس أن يفعله، وتدفعه عن ~~نفسها، إذ كان في ذلك جنس من ms37 أجناس الاستخذاء، وخلق من أخلاق العامة. ~~PageV01P018 وهكذا عن أبي العباس أنه غضب على رجل ذهب عني اسمه، فذكره ليلة ~~من الليالي، فقال له بعض سماره: يا أمير المؤمنين! فلان لو رآه أعدى خلق ~~الله له، لرحمه وانعصر له قلبه. قال: ولم ذاك؟ قال: لغضب أمير المؤمنين ~~عليه. قال: ماله من الذنب ما يبلغ به من العقوبة هذا الموضع. قال: فمن ~~عليه، يا أمير المؤمنين، برضاك. قال: ما هذا وقت ذاك! قال: قلت إنك يا أمير ~~المؤمنين لما صغرت ذنبه، طمعت في رضاك عنه. قال: إنه من لم يكن بين غضبه ~~ورضاه مدة طويلة، لم يحسن أن يغضب ولا يرضى. # وعلى هذا أخلاق الملوك وصنيعهم # وكذا جرى لعبد الله بن مالك الخزاعي مع الرشيد، حين غضب عليه: أمر أهله ~~وحشمه وجميع قرابته أن يجتنبوا كلامه وخدمته ومعاطاته حتى أثر ذلك في نفسه ~~وبدنه، فتحاماه أقرب الناس منه من ولد وأهل، فلم يدن منه أحد، ولم يطف به. # فجاءه محمد بن إبراهيم الهاشمي، وهو كان أحد أدوائه، في جوف الليل، فقال ~~له: يا أبا العباس! إن لك عندي يدا لا أنساه، ومعروفا ما أكفره، وقد علمت ~~ما تقدم به أمير المؤمنين في أمرك، وهاأنذا بين يديك، ونصب عينيك! فمرني ~~بأمرك، فوالله لأجعلن نفسي وقاية نفسك، وأسوقها في كل ما نكأها أو جرحها. # فقال له عبد الله خيرا، وأثنى عليه، وأخبره بعذره في موجدة أمير المؤمنين ~~عليه. فوعده محمد أن يكلم أمير المؤمنين، ويخبره باعتذاره. فلما أصبح محمد، ~~وافاه رسول أمير المؤمنين، فركب. فلما دخل عليه، قال: من أتيت في هذه ~~الليلة؟ قال: عبدك، يا أمير المؤمنين، عبد الله بن مالك، وهو يحلف بطلاق ~~نسائه، وعتق مماليكه، وصدقة ماله مع عشرين نذرا يهديها إلى بيت الله الحرام ~~حافيا راجلا، والبراءة من ولاية أمير المؤمنين إن كان ما بلغ أمير المؤمنين ~~سمعه الله من عبد الله بن مالك، أو اطلع عليه أو هم به، أو أضمره أو أظهره. # قال: فأطرق الرشيد مليا مفكرا؛ وجعل ms38 محمد يلحظه، ووجهه يسفر ويشرق حتى ~~زال ما وجده. وكان قد حال لونه حين دخل عليه؛ ثم رفع رأسه فقال: أحسبه ~~صادقا، يا محمد؛ فمره بالرواح إلى الباب. قال: وأكون معه، يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: نعم. # فانصرف محمد إلى عبد الله، فبشره بجميل أمره، وأمره بالركوب رواحا، فدخلا ~~جميعا؛ فلما بصر عبد الله بالرشيد، انحرف نحو القبلة، فخر ساجدا، ثم رفع ~~رأسه، فاستدناه الرشيد، فدنا وعيناه تهملان. فأكب عليه، فقبل رجله وبساطه ~~وموطيء قدميه، ثم طلب أن يأذن له في الاعتذار. فقال: ما بك حاجة إلى أن ~~تعتذر، إذ عرفت عذرك. قال: فكان عبد الله، بعد، إذا دخل على الرشيد، رأى ~~فيه بعض الإعراض والانقباض. فشكا ذلك إلى محمد بن إبراهيم، فقال محمد: يا ~~أمير المؤمنين! إن عبد الله يشكو أثرا باقيا من تلك النبوة التي كانت من ~~أمير المؤمنين، ويسأل الزيادة في بسطه له. فقال الرشيد: يا محمد! إنامعشر ~~الملوك، إذا غضبنا على أحد من بطانتنا، ثم رضينا عنه بعد ذلك، بقى لتلك ~~الغضبة أثر لا يخرجه ليل ولا نهار. # أسرار الملك # ومن حق الملك أن يكتم أسراره عن الأب والأم والأخ والزوجة والصديق. فإن ~~الملك يحتمل كل منقوص ومأنوف، ولا يحتمل ثلاثة: صفة أحدهم أن يطعن في ملكه، ~~وصفة الآخر أن يذيع أسراره، وصفة الآخر أن يخونه في حرمه. # فأما من وراء ذلك، فمن أخلاق الملوك أن تلبس خاصتها، ومن قرب منها على ما ~~فيهم، وأن تستمع منهم إذا سلموا من هذه الصفات الثلاث. # وكان كسرى أبرويز يقول: يجب على الملك السعيد أن يجعل همه كله في امتحان ~~أهل هذه الصفات، إذ كانت أو كان الملك ودعائمه، فكانت محنته في إذاعة السر ~~عجيبة. # وللقائل أن يقول فيها: إنها خارجة من باب العدل، داخلة في باب الظلم ~~والجور، وللآخر أن يقول: إنها محن الحكماء من الملوك. # وكان إذ عرف من رجلين من بطانته وخاصته التحاب والألفة والاتفاق في كل ~~شيء، خلا بأحدهما فأفضى إليه بسر في الآخر، وأعلمه أنه ms39 عازم على قتله، ~~وأمره بكتمان ذلك عن نفسه، فضلا عن غيره، وتقدم إليه، في ذلك، بوعيده. ~~PageV01P019 ثم جعل محنته في إذاعة سره ملاحظة صديقه في دخوله عليه وخروجه ~~من عنده، وفي إسفار وجهه ولقائه للملك، فإن وجد آخر أمره كأوله في أحواله، ~~علم أن الآخر لم يفض إليه بسره ولم يظهره عليه، فقربه واجتياه، ورفع مرتبته ~~وحباه، ثم خلا به، فقال: إني كنت أردت قتل فلان لشيء بلغني عنه، فبحثت في ~~أمره، فوجدته باطلا. # وإن رأى من صاحبه نفور نفس، وازورار جانب، وإعراض وجه، علم أنه قد أذاع ~~سره، فأقصاه واطرحه وجفاه، وأخبر صاحبه أنه أراد محنته بما أودعه من سره. ~~فإن كان هذا من أهل المراتب، وضع مرتبته، وإن كان من الندماء، أمر أن يحجب ~~عنه، وإن كان من أصحاب الأعمال، أمر أن لا يستعان به، وإن كان من سدنة بيوت ~~النيران، أمر بعزله وإسقاط أرزاقه. ويقول: من لم يصلح لملكه، لا يصلح ~~لنفسه، ومن لم يصلح لنفسه، فلا خير عنده. ويقول: إن القلب اعدل على القلب ~~شهادة من اللسان، وقل شيء يكون في القلب إلا ظهر في العينين، إذ كانت ~~الأعضاء مشتركة يتعلق بعضها ببعض. # حفظ حرم الملك # فأما محنته في الحرم، فكان إذا خف الرجل على قلبه، وقرب من نفسه، وكان ~~عالما يظهر التأله، وكان عنده ممن يصلح للأمانة في الدماء والفروج والأموال ~~على ظاهره، أحب أن يمتحنه بمحنة باطنة فيأمر به أن يحول إلى قصره، ويفرغ له ~~بعض الحجر التي تقرب منه، ولا يحول إليها امرأة ولا جارية ولا حرمة، ويقول ~~له: إني أحب الأنس بك في ليلي ونهاري، ومتى كان معك بعض حرمك، قطعك عني، ~~وقطعني عنك. فاجعل منصرفك إلى منزل نسائك في كل خمس ليال ليلة. فإذا تحول ~~الرجل، وخلابه، وآنسه، وكان آخر من ينصرف من عنده، فيتركه على هذه الحال ~~أشهرا. # فامتحن رجلا من خاصته بهذه المحنة في الحرم، ثم دس إليه جارية من خواص ~~جواريه، ووجه معها إليه بألطاف وهدايا. وأمرها أن ms40 لا تقعد عنده في أول ما ~~تأتيه. فلما أتته بألطاف الملك، قامت. فلم تلبث أن انصرف. # حتى إذا كانت المرة الثانية، أمرها أن تقعد هنيهة، وأن تبدي بعض محاسنها، ~~حتى يتأملها، ففعلت، ولاحظها الرجل، وتأملها، ثم انصرف. # فلما كانت المرة الثالثة، أمرها أن تقعد عنده، وتطيل القعود وتحادثه، وإن ~~أرادها على الزيادة من المحادثة، أجابته، ففعلت، وجعل الرجل يحد النظر ~~إليها، ويسر بحديثها. ومن شأن النفس أن تطلب، بعد ذلك، الغرض من هذه ~~المطايبة، فلما أبدى ما عنده، قالت: إني أخاف أن يعثر علينا، ولكن دعني ~~أدبر في هذا ما يتم به امرنا. ثم انصرف. # فأخبرت الملك بكل ما دار بينهما، فوجه أخرى من خاص جواريه وثقاتهن ~~بألطافه وهداياه، فلما جاءته، قال لها: ما فعلت فلانة؟ قالت: اعتلت. فاربد ~~لون الرجل، ثم لم تطل القعود عنده، كما فعلت الأولى في المرة الأولى، ثم ~~عاودته بعد ذلك، فقعدت أكثر من المقدار الأول، وأبدت بعض محاسنها، حتى ~~تأملها. وعاودته في المرة الثالثة، فأطالت عنده القعود والمضاحكة ~~والمهازلة. فدعاها إلى ما في تركيب النفس من الشهوة. فقالت: إنا من الملك ~~على خطى يسيرة، ومعه في دار واحدة. ولكن الملك يمضي بعد ثلاث إلى بستانه ~~الذي بموضع كذا، فيقيم هناك، فإن أرادك على الذهاب معه، فأظهر أنك عليل، ~~وتمارض. فإن خيرك بين الانصراف إلى دور نسائك أو المقام ههنا إلى رجوعه، ~~فاختر المقام، وأخبره أن الحركة تصعب عليك. فإذا أجابك إلى ذلك، جئت في أول ~~الليل، ولبثت عندك إلى آخره. # فسكن الرقيع إلى هذه الأنسة، وانصرف الجارية إلى الملك، فأخبرته بكل ما ~~دار بينها وبينه. # فلما كان الوقت الذي وعدته أن يخرج الملك فيه، دعاه الملك، فقال للرسول: ~~أخبره أني عليل. فلما جاءه الرسول وأخبره، تبسم أبرويز، وقال: هذا أول ~~الشر. فوجه إليه بمحفة، فحمل فيها حتى أتاه، وهو معصب الرأس. فلما بصر به ~~من بعيد، قال: والعصابة الشر الثاني. وتبسم. # فلما دنا من الملك، سجد، فقال له أبرويز: متى حدثت بك هذه العلة؟ ms41 قال: في ~~هذه الليلة. قال: فأي الأمرين احب إليك: الانصراف إلى منزلك ونسائك ~~ليمرضنك، أو المقام ههنا إلى وقت رجوعي؟ قال: ههنا، أيها الملك، أرفق لي، ~~لقلة الحركة. # فتبسم أبرويز، وقال: ما صدقت! حركتك ههنا، إن خلفتك، أكثر من حركتك في ~~منزلك. PageV01P020 ثم أمر أن تخرج له عصا الزناة التي كان يوسم بها من ~~زنى. فأيقن الرجل بالشر. وأمر أن يكتب ما كان من أمره حرفا حرفا، فيقرأ على ~~الناس إذا حضروا، وأن ينفى إلى أقصى حد المملكة، ويجعل العصا في رأس رمح ~~تكون معه حيث كان، ليحذر منه من لا يعرفه. فلما أخرج بالرجل عن المداين، ~~متوجها به نحو فارس، أخذ مدية كانت مع بعض الأعوان الذين وكلوا به، فجب بها ~~ذكره، وقال: من أطاع عضوا من أعضائه صغيرا، أفسد عليه أعضاءه كلها، صغارها ~~وكبارها، فمات من ساعته. # امتحان من يطعن في المملكة # وكان قد نصب رجلا يمتحن به من فسدت نيته، وطعن في المملكة، فكان الرجل ~~يظهر التأله والدعاء إلى التخلي عن الدنيا، والرغبة في الآخرة، وترك أبواب ~~الملوك. # وكان يقص على الناس ويبكيهم ويشوب في خلال ذلك كلامه بالتعريض بذم الملك، ~~وتركه شرائع ملته وسنن دينه ونواميس آبائه. وكان هذا الرجل الذي نصبه لهذا، ~~أخاه من الرضاعة، وتربه في الصبا. فكان إذا تكلم هذا الرجل بهذا الذي قد ~~مثله له أبرويز، وأمره به ليمتحن بذلك خاصته، أخبر به. وأنا أعلم به. وإن ~~كان كذلك فإنه لا يقصدني بسوء، ولا المملكة بما يوهنها. # فيظهر الاستهانة بأمره، والثقة من الطمأنينة إليه. ثم يوجه إليه في خلال ~~ذلك من يدعوه غليه، فيأبى أن يجيبه، ويقول: لاينبغي لمن يخاف الله أن يخاف ~~أحدا سواه. فكان الطاعن على الملك والمملكة يكثر الخلوة بهذا الرجل في ~~الزيارة له والأنس به. فإذا خلوا تذاكروا أمر الملك، وابتدأ الناسك يطعن ~~على الملك، وفي صلب المملكة. فأعانه الخائن، وطابقه على ذلك، وشايعه عليه، ~~فيقول له الناسك: إياك أن تظهر هذا الجبار على كلامك! فإنه لا يحتمل ms42 لك ما ~~يحتمله لي. فحصن منه دمك. فيزداد الآخر إليه استنامة، وبه ثقة. فإذا علم ~~الناسك أنه قد بلغ من الطعن على الملك ما يستوجب به القتل في الشريعة، قال ~~له: إني عاقد غدا مجلسا للناس، أقص عليهم، فاحضره! فإنك رجل رقيق القلب عند ~~الذكر، حسن النية، ساكن الريح، بعيد الصوت، وإن الناس إذا رأوك قد حضرت ~~مجلسي، زادت نياتهم خيرا، وسارعوا إلى استجابتي. فيقول له الرجل: إني أخاف ~~هذا الجبار، فلا تذكره إن حضرت مجلسك. # وكانت العلامة فيما بينه وبين أبرويز أن ينصرف الرجل عن مجلس الناسك إذا ~~ابتدأ في قصة الملك، وكان أبرويز قد وضع عيونا تحضر مجلس الناسك، متى جلس. ~~فبكر الناسك، وقص على العامة، وزهد في الدنيا، ورغب في الآخرة. وحضره الرجل ~~الخائن، فلما فرغ من قصصه، وأخذ في ذكر الملك، نهض الرجل، وجاءت عيون ~~أبرويز فأخبرته بما كان. فإذ زال عنه الشك في أمره، وجهه إلى بعض البلدان، ~~وكتب إلى عامله: قد وجهت إليك رجلا وهو قادم عليك بعد كتابي هذا في كذا ~~وكذا. فأظهر بره، والأنس به، والثقة بناحيته. فإذا اطمأنت به الدار، فاقتله ~~قتلة تحيي بها بيت النار، وتصل بها حرمة النوبهار. فإنه من فسدت نيته لغير ~~علة في الخاصة والعامة، لم يصلح بعلة. # تقاضي الملك عن الصغائر # ومن أخلاق الملك التغافل عما لا يقدح في الملك، ولا يجرح المال، ولا يضع ~~من العز، ويزيد في الأبهة. وعلى ذلك كانت شيم ملوك آل ساسان. # وفيما يحكى عن بهرام جور أنه خرج يوما لطلب الصيد، فعار به فرسه حتى وقع ~~إلى راع تحت شجرة، وهو حاقن. فقال للراعي: احفظ علي عنان دابتي، حتى أبول. # فأخذ بركابه حتى نزل، وأمسك عنان الفرس. وكان لجامه ملبسا ذهبا، فوجد ~~الراعي غفلة من بهرام، فأخرج من خفه سكينا، فقطع بعض أطراف اللجام. فرفع ~~بهرام رأسه، فنظر غليه، فاستحيا، ورمى بطرفه إلى الأرض، وأطال الاستبراء ~~ليأخذ الراعي حاجته من اللجام. وجعل الراعي يفرح بإبطائه عنه، حتى إذا ظن ~~أنه ms43 قد أخذ حاجته من اللجام، قام، فقال: يا راعي، قد إلي فرسي، فإنه قد دخل ~~في عيني مما في هذه الريح، فما اقدر على فتحهما. # وغمض عينيه لئلا يوهمه أنه يتفقد حلية اللجام. فقرب الراعي فرسه، فركبه. ~~فلما ولى، قال له الراعي: أيها العظيم، كيف آخذ إلى موضع كذا وكذا؟ لموضع ~~بعيد. # قال بهرام: وما سؤالك عن هذا الموضع؟ قال: هناك منزلي، وما وطئت هذه ~~الناحية قط غير يومي هذا، ولا أراني أعود إليه ثانية. # فضحك بهرام، وفطن لما أراد، فقال: أنا رجل مسافر، وأنا أحق بأن لا أعود ~~إلى ههنا أبدا. PageV01P021 ثم مضى. فلما نزل عن فرسه، قال لصاحب دوابه ~~ومراكبه: إن معاليق اللجام قد وهبتها لسائل مربي، فلا تتهمن بها أحدا. # وهكذا يحكى عن أنوشروان انه قعد ذات يوم في نيروز أو مهرجان، ووضعت ~~الموائد، ودخل وجوه الناس الإيوان على طبقاتهم ومراتبهم. وقام الموكلون ~~بالموائد على رؤوس الناس، وكسرى بحيث يراهم. # فلما فرغ الناس من الطعام، جاؤوا بالشراب في آنية الفضة، وجامات الذهب. ~~فشرب الأساورة وأهل الطبقة العالية في آنية الذهب. فلما انصرف الناس، ورفعت ~~الموائد، أخذ بعض القوم جام ذهب، فأخفاه في قبائه، وأنوشروان يلحظه. فصرف ~~وجهه عنه. # وافتقد صاحب الشراب الجام، فصاح: لا يخرجن أحد من الدار حتى يفتش. # فقال كسرى: لاتتعرض لأحد! وأذن للناس فانصرفوا. فقال صاحب الشراب: أيها ~~الملك! إنا فقدنا بعض آنية الذهب! فقال الملك: صدقت! قد أخذها من لا يردها ~~عليك، وقد رآه من لا ينم عليه. فانصرف الرجل بالجام. # وهكذا فعل معاوية بن أبي سفيان في يوم عيد، وقد قعد للناس، ووضعت الموائد ~~وبدر الدراهم والدنانير للجوائز والصلات فجاء رجل من الجماعة، والناس ~~يأكلون، فقعد على كيس فيه دنانير. فصاح به الخدم: تنح! فليس هذا بموضع لك. # فسمع معاوية، فقال: دعوا الرجل يقعد حيث انتهى به المجلس فأخذ كيسا، ~~فوضعه بين بطنه وحجزة سراويله، وقام. فلم يجسر أحد أن يدنو منه. فقال ~~الخادم: أصلح الله أمير المؤمنين! إنه قد نقص من ms44 المال كيس دنانير. فقال: ~~أنا صاحبه، وهو محسوب لك. # وهذه أخلاق الملوك معروفة في سيرهم وكتبهم. وإنما يتفقد مثل هذا من هو ~~دون الملك. فأما الملك، فيجل عن كل شيء، ويصغر عنده كل شيء. # رد على العامة # والعامة تضع هذا وما أشبهه في غير موضعه؛ وإنما هو شيء ألقاه الشيطان في ~~قلوبهم، وأجراه على ألسنتهم، حتى قلوا في نحو من هذا في البائع والمشتري: ~~المغبون لا محمود ولا مأجور. فحملوا الجهلة على المنازعة للباعة، والمشاتمة ~~للسفلة والسوقة، والمقاذفة للرعاع والوضعاء، والنظر في قيمة حبة، والاطلاع ~~في لسان الميزان، وأخذ المعايير بالأيدي. # وبالحرى أن يكون المغبون محمودا ومأجورا، اللهم إلا أن يكون قال له: ~~اغبني. بل لو قالها، كانت أكرومة وفضيلة، وفعلة جميلة تدل على كرم عنصر ~~القائل، وطيب مركبه. # ولذلك قالت العرب: السرو التغافل. # وأنت لا تجد أبدا أحدا يتغافل عن ماله إذا خرج، وعن مبايعته إذا غبن، وعن ~~التقصي إذا بخس، إلا وجدت له في قلبك فضيلة وجلالة ما تقدر على دفعها. وكذا ~~أدبنا نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: يرحم الله سهل الشراء، سهل البيع، ~~سهل القضاء، سهل التقاضي. # وهذا الأدب خارج من قولهم: المغبون لامحمود ولا مأجور. # وقال معاوية في نحو من هذا: إني لأجر ذيلي على الخدائع. # وقال الحسن عليه السلام: المؤمن لا يكون مكاسا. # وفيما يحكى عن سليمان بن عبد الملك أنه خرج في حياة أبيه لمتنزهه، فبسط ~~له في صحراء، فتغدى مع أصحابه، فلما حان انصرافه، تشاغل غلمانه بالترحال، ~~وجاء أعرابي، فوجد منهم غفلة، فأخذ دواج سليمان، فرمى به على عاتقه، ~~وسليمان ينظر إليه. # فبصر به بعض حشمه، فصاح به: ألق ما عليك! فقال الأعرابي: لا لعمري! لا ~~ألقيه ولا كرامة! هذا كسوة أمير المؤمنين وخلعته. # فضحك سليمان، وقال: صدق، أنا كسوته. فمر كأنه إعصار الريح. # وأحسن من هذا ما فعله جعفر بن سليمان بن علي بالأمس، وقد عثر برجل سرق ~~درة رائعة، أخذها من بين يديه. فطلبت بعد أيام، فلم توجد. فباعها الرجل ms45 ~~ببغداد، وقد كانت وصفت لأصحاب الجوهر. فأخذ وحمل إلى جعفر، فلما بصر به، ~~استحيا منه، وقال: ألم تكن طلبت هذه الدرة مني، فوهبتها لك؟ قال: بلى. # قال: لاتعرضوا له. فباعها بمائتي ألف درهم. # إكرام الأوفياء # ومن أخلاق الملك إكرام أهل الوفاء وبرهم والاستنامة إليهم والثقة بهم ~~والتقدمة لهم على الخاص والعام، والحاضر والبادي. # وذلك انه لا يوجد في الإنسان فضيلة أكبر ولا أعظم قدرا، ولا أنبل فعلا من ~~الوفاء. وليس الوفاء شكر اللسان فقط، لأن شكر اللسان ليس على أحد منه ~~مؤونة. # واسم الوفاء مشتمل على خلال: PageV01P022 فمنها أن يذكر الرجل من أنعم ~~عليه، بحضرة الملك فمن دونه. فإن كان الملك فيه سيء الرأي، فليس من الوفاء ~~أن يعينه على سوء رأيه. فإن خاف سوط الملك وسيفه، فأحس صفاته أن يمسك عن ~~ذكره بخير أو شر. # ومنها المواساة للصاحب في المال، حتى يقاسمه الدرهم بالدرهم، والنعل ~~بالنعل، والثوب بالثوب. # ومنها الحفظ له في خلفه وعياله، ما كان في الدنيا، حتى يجعلهم أسوة ~~بعياله في الجدب والخصب. # ومنها الشكر له باللسان والجوارح. # وكانت ملوك الأعاجم كلها، أولها وآخرها، لا تمنع أحدا من خاصتها وعامتها ~~شكر من أنعم عليها أو على أحد منها، وتقريظه وذكر نعمه وإحسانه، وإن كانت ~~الشريعة قد قتلته، والملك قد سخط عليه. بل كانوا يعرفون فضيلة من ظهر ذلك ~~منه، ويأمرون بصلته وتعهده. # ويقال إن قباذ أمر بقتل رجل كان من الطاعنين على المملكة، فقتل. فوقف على ~~رأسه رجل كان من جيرانه، فقال: رحمك الله! إن كنت، ما علمت، لتكرم الجار، ~~وتصبر على أذاه، وتواسي أهل الحاجة، وتقوم بالنائبة! والعجب كيف وجد ~~الشيطان فيك مساغا حتى حملك على عصيان ملكك، فخرجت من طاعته المفروضة إلى ~~معصيته! وقديما ما تمكن ممن هو أشد منك قوة وأثبت عزما. # فأخذ الرجل صاحب الشرطة فحبسه. وانتهى كلامه إلى قباذ، فوقع قباذ: يحسن ~~إلى هذا الذي شكر حسانا فعل به، وترفع مرتبته، ويزاد في عطائه. # وهكذا فعل سعيد بن عمرو بن جعدة بن ms46 هبيرة المخزومي، حين حمل رأس مروان ~~الجعدي إلى أبي العباس السفاح بالكوفة، فقعد له مجلسا وجاؤوا بالرأس. # فقام سعيد بن عمرو بن جعدة، فأكب عليه قياما طويلا، ثم قال: هذا رأس أبي ~~عبد الملك، خليفتنا بالأمس، رحمه الله! فوثب أبو العباس، فطعن في حجره. # وانصرف ابن جعدة إلى منزله، وتحدث الناس بكلامه. فلامه بنوه وأهله، ~~وقالوا: عرضتنا ونفسك للبوار. # فقال: اسكتوا. قبحكم الله! ألستم الذين أشاروا علي بالأمس بحران بالتخلف ~~عن مروان، ففعلت في ذلك غير فعل أهل الوفاء والشكر؟ وما ليغسل عني عار تلك ~~الفعلة إلا هذه. فإنما أنا شيخ هامة، فإن نجوت يومي هذا من القتل، مت غدا. # قال: فجعل بنوه يتوقعون رسل أبي العباس أن تطرقه في جوف الليل؛ فأصبحوا، ~~ولم يأته أحد. وغدا الشيخ، فإذا هو بسليم بن مجالد. فلما بصر به، قال: يا ~~ابن جعده! ألا أبشرك بجميل رأي أمير المؤمنين؟ إنه ذكر في هذه الليلة، ما ~~كان منك، فقال: والله ما أخرج ذلك الكلام من الشيخ إلا الوفاء، ولهو أقرب ~~منا قرابة، وأمس بنا رحما منه بمروان، إن أحسنا إليه. قال: أجل، والله. # وهكذا فعل قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري بمعاوية بن أبى سفيان، حين دعاه ~~إلى مفارقة علي بن أبى طالب، والدخول في طاعته. فكتب إليه قيس بن سعد: يا ~~وثن بن وثن! تكتب إلي تدعوني إلى مفارقة علي بن أبي طالب، والدخول في ~~طاعتك، وتخوفني بتفرق أصحابه عنه، وإقبال الناس عليك وإجفالهم إليك! فوالله ~~الذي لا إله غيره! لو لم يبق له غيري، ولم يبق لي غيره، وما سالمتك أبدا، ~~وأنت حربه، ولا دخلت في طاعتك وأنت عدوه، ولا اخترت عدو الله على وليه، ولا ~~حزب الشيطان على حزب الله. والسلام! وفي سيرة الاسكندر ذي القرنين أنه لما ~~قصد نحو فارس، تلقاه جماعة من أساورتهم برأس ملكهم، ومن انضم عليهم، وقال: ~~من غدر بملكه، كان بغيره أغدر! وفيما يحكى عن شيرويه أن رجلا من الرعية وقف ~~له يوما، وقد رجع من ms47 الميدان، فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يدك، ~~وملكك ما كنت أحق به منه، وأراح آل ساسان من جبريته وعتوه وبخله ونكده. ~~فإنه كان ممن يأخذ بالحبة، ويقتل بالظن، ويخيف البريء، ويعمل بالهوى. # فقال شيرويه للحاجب: احمله إلي. # فحمل، فقال له: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز كنت في كفاية من العيش. # فكم زيد في أرزاقك اليوم؟ ما زيد في رزقي شيء. # فهل وترك أبرويز، فانتصرت منه بما سمعت من كلامك؟ لا. # قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه، ولم يقطع عنك مادة رزقك، ولا وترك في ~~نفسك؟ وما للعامة والوقوع في الملوك، وهم رعية؟ فأمر أن ينزع لسانه من ~~قفاه، وقال: بحق ما يقال: إن الخرس خير من البيان فيما لا يجب. PageV01P023 ~~وحدثني صباح بن خاقان، قال: حدثني أبي أن أبا جعفر المنصور لما أتي برأس ~~إبراهيم بن عبد الله، فوضع بين يديه، جاء بعض أولئك الرويدية، فضرب الرأس ~~بعمود كان في يده. فقال المنصور للمسيب: دق وجهه! فدق المسيب أنفه. ثم قال ~~المنصور له: يا ابن اللخناء! تجيء إلى رأس ابن عمي وقد صار إلى حال لا يدفع ~~ولا ينفع تضر به بعمودك، كأنك رايته وهو يريد نفسي، فدفعته عني. اخرج إلى ~~لعنة الله وأليم عذابه. # ويقال أن أبا جعفر وجه إلى شيخ من أهل الشام، وكان من بطانة هشام، فسأله ~~عن تدبير هشام في بعض حروبه الخوارج، فوصف له الشيخ ما دبر، فقال: فعل، ~~رحمه الله، كذا، وضع، رحمه الله، كذا. # فقال المنصور: قم، عليك لعنة الله! تطأ بساطي، وتترحم على عدوي؟ فقام ~~الرجل، فقال وهو مول: إن نعمة عدوك لقلادة في عنقي، لا ينزعها غلا غاسلي. ~~فقال له المنصور: ارجع، يا شيخ! فرجع. فقال له: أشهد أنك نهيض حرة وغراس ~~شريف! عد إلى حديثك! فعاد الشيخ إلى حديثه، حتى إذا فرغ، دعا له بمال ~~ليأخذه، فقال: والله يا أمير المؤمنين، ما بي من حاجة إليه؟ ولقد مات عني ~~من كنت في ذكره آنفا، فما أحوجني إلى ms48 وقوف على باب أحد بعده. ولولا جلالة ~~عز أمير المؤمنين، وإيثار طاعته، ما لبست لأحد بعده نعمة. # فقال المنصور: مت إذا شئت، فلله أنت! فلو لم يكن لقومك غيرك، لكنت قد ~~أبقيت لهم مجدا مخلدا. # ويقال إن الرجل كان من شيبان. # أدب سماع الملك ومحادثته # ومن حق الملك، إذا حضره سماره أو محدثوه، أن لا يحرك أحد منهم شفتيه ~~مبتدئا، ولا يقطع حديثه بالاعتراض فيه، وإن كان نادرا شهيا، وأن يكون غرضهم ~~حسن الاستماع، وإشغال الجوارح بحديثه؛ فإذا فرغ من الحديث فنظر إلى بعضهم، ~~فقد أذن له أن يحدثه بنظير ذلك الجنس من الحديث. وليس له أن يأخذ في غير ~~جنس حديثه. # وليس لمن حدث الملك أن يفسد ألفاظه وكلامه، بأن يقول في حديثه: فاسمع مني ~~أو افهم عني أو يا هذا أو ألا ترى. فإن هذا وما أشبهه عي من قائله، وحشو في ~~كلامه، وخروج من بسط اللسان، ودليل على الفدامة والغثاثة. # وليكن كلامه كلاما سهلا، وألفاظه عذبة متصلة، وسقط كلامه قليلا. # فإذا فرغ من الحديث، فليس له أن يصله بحديث آخر، وإن كان شبيها بالحديث ~~الأول، حتى يرى أن الملك قد أقبل عليه بوجهه، وأصغى إلى حديثه. # فإن أعرض لشغل يعرض له، فليس له أن يمر في حديثه، وأن يصل كلامه، فيحتاج ~~الملك إلى الإصغاء إليه، ويحتاج إلى التشاغل بما عرض له، فيجمع عليه أمرين. ~~فإن اتصل شغل الملك، ترك الحديث؛ وإن انقطع فنظر إليه، فقد أذن له في ~~إتمامه وإعادته. # ومن حق الملك أن لا يضحك من حديثه إذا حدث، لأن الضحك بحضرة الملك جرأة ~~عليه؛ ولا يظهر التعجب بفائدة حديثه. وإنما هذا إلى الملك. فإن ضحك الملك ~~من الحديث، وأظهر السرور به، فذاك غرض حديثه، وإليه قصد؛ وإن سكت، فلم يكن ~~في الحديث ما يلهيه ويطر به أو يستفيد منه فائدة، كان قد سلم من العيب، إذ ~~لم يضحك ولم يعجب. # إعادة الحديث: # ومن حق الملك أن لا يعاد عليه الحديث مرتين، وإن طال بينهما الدهر، ms49 وغبرت ~~بينهما الأيام؛ إلا أن يذكره الملك؛ فإن ذكره، فهو إذن منه في إعادته. # وكان روح بن زنباع يقول: أقمت مع عبد الملك سبع عشرة سنة من أيامه، ما ~~أعدت عليه حديثا. # وكان الشعبي يقول: ما حدثت بحديث مرتين لرجل بعينه قط. # وكان أبو العباس يقول: ما رأيت أحدا أغزر علما من أبي بكر الهذلي، لم يعد ~~علي حديثا قط. # وكان ابن عياش يقول: حدثت المنصور أكثر من عشرة آلاف حديث. فقال لي ليلة، ~~وقد حدثته عن يوم ذي قار: قد اضطررت إلى التكرار، يا ابن عياش! قلت: ما هذا ~~منها يا أمير المؤمنين قال: أما تذكر ليلة الرعد والأمطار، وأنت تحدث عن ذي ~~قار، فقلت لك: ما يوم ذي قار بأصعب من هذه الليلة؟ وكان الشرقي بن الفطامي ~~يعيد الحديث مرارا، وذلك أن أكثر أحاديثه مضاحيك، وكانت تعجب المهدي ~~فيستعيده. # وكان ابن وأب، إذا حدث موسى أمير المؤمنين بالحديث، أعاده عليه في ~~القابلة حتى يحفظه. # ويقال إنه لم يسامر الخلفاء أحد كان أنبل من عيسى بن دأب، ولا أتم صنعة، ~~ولا أحسن ألفاظا، ولا أفكه مجلسا، ولا أعظم أبهة وقدرا منه. وكان عيسى بن ~~دأب يتكيء في مجلس أمير المؤمنين. PageV01P024 ولم يكن هذا لأحد. غير أنه ~~يحكى أن روح بن زنباع مرض فكان يدعو له عبد الملك بن مروان بمتكأ. # وعلى المحدث للملك أن لا يجعل في كلامه، وأن يدمج ألفاظه، ولا يشير بيده، ~~ولا يحرك رأسه، ولا يزحف من مجلسه، ولا يراوح بين قعدته، ولا يرفع صوته، ~~ولا يلتفت يمينا ولا شمالا، ولا يقبل على غير الملك بملاحظته، ولا يكون ~~غرضه أن يسمع حديثه أو يفهم عنه سواه. # أمارات الذهاب من مجلس الملك # ومن حق الملك، إذا تثاءب أو ألقى المروحة أو مد رجليه أو تمطى أو اتكأ أو ~~كان في حال فصار إلى غيرها مما يدل على كسله أو وقت قيامه، أن يقوم كل من ~~حضره. # وكان يستاسف إذا دلك عينيه، قام من حضره. # وكان يزدجرد الأثيم ms50 إذا قال: شب بشد، قام سماره. # وكان بهرام جور إذا قال: خرم خفتار، قام سمارة. # وكان قباذ إذا رفع رأسه إلى السماء، قام سمارة. # وكان سابور إذا قال: حسبك يا إنسان، قام سمارة. # وكان أنوشروان إذا قال: قرت أعينكم قام سمارة. # وكان عمر بن الخطاب إذا قال: الصلاة، قام سمارة. وكان ينهى عن السمر بعد ~~صلاة العشاء. # وكان عثمان إذا قال: العزة لله!، قام سمارة. # وكان معاوية إذا قال: ذهب الليل! قام سماره ومن حضره. # وكان عبد الملك إذا ألقى المخصرة، قام من حضره. # وكان الوليد إذا قال: أستودعكم الله، قام من حضره. # وكان الهادي إذا قال: سلام عليكم!، قام من حضره. # وكان الرشيد إذا قال: سبحانك اللهم وبحمدك! قام سماره. # وكان المعتصم إذا نظر إلى صاحب النعل، قام من حضره. # وكان الواثق إذا مس عارضيه، وتثاءب، قام سماره. # وكان المأمون إذا استلقى على فراشه، قام من حضره. # غير أن بعض من ذكرنا كان ربما قام بجنس آخر من الإشارة والكلام، وإنما ~~أضفنا إلى كل واحد منهم أغلب أفعاله كانت عليه. # اغتياب الآخرين أمام الملك # ومن حق الملك أن لا يعاب عنده أحد، صغر أو كبر غير أن من أخلاقها التحريش ~~بين اثنين، والاغراء بينهما. # فمن الملوك من يدبر في هذا تدبيرا يجب في السياسة؛ وذاك أنه يقال: قل ~~إثنان استويا في منزلة عند الملك والجاه والتبع والعز والحظوة عند السلطان ~~فاتفقا، إلا كان ذلك الاتفاق وهنأ على المملكة والملك، كانا، متى شاءا أن ~~ينقصنا ما ابرم الملك ويحلا ما عقد، ويوهيا ما أكثر، قدرا على ذلك للاتفاق ~~والمجامعة. ومتى انفصلا حتى يتباينا أو يتحاربا، كان تباينهما أثبت في نظام ~~الملك، وأوكد في عز المملكة. وكان متى أراد هذا شيئا، أراد الآخر خلافه. ~~فإذا تباينا في ذات أنفسهما، اجتمعا على نصيحة الملك، شاءا أم أبيا، وآثرها ~~كل واحد منهما على هوى نفسه، وانتظم للملك تدبيره، وتم له أمره. # ومن الملوك من لا يقصد إلى هذا، ولا يكون غرضه الإغراء بين ms51 وزرائه ~~وبطانته لهذه العلة، بل ليعرف معايب كل واحد منهما. فإن معرفة ذلك تقطع ~~الوزير عن الانبساط في حوائجه، والتحسب على ملكه. # آداب رسول الملك # ومن الحق على الملك أن يكون رسوله صحيح الفطرة والمزاج، ذا بيان وعبارة، ~~بصيرا بمخارج الكلام وأجوبته، مؤديا لألفاظ الملك ومعانيها، صدوق اللهجة، ~~لا يميل إلى طمع ولا طبع، حافظا لما حمل. # وعلى الملك أن يمتحن رسوله محنة طويلة، قبل أن يجعله رسولا. وكانت ملوك ~~الأعاجم، إذا آثرت أن تختار من رعيتها من تجعله رسولا إلى بعض ملوك الأمم، ~~تمتحنه أولا، بأن توجهه رسولا إلى بعض خاصة الملك، ومن في قرار داره في ~~رسائلها. # ثم تقدم عينا عليه، يحضر رسالته ويكتب كلامه. فإذا رجع الرسول الرسالة، ~~جاء العين بما كتب من ألفاظه وأجوبته. فقابل بها الملك ألفاظ الرسول. فإن ~~اتفقت أو اتفقت معانيها، عرف الملك صحة عقله، وصدق لهجته، ثم جعله الملك ~~رسولا إلى عدوه، وجعل عليه عينا يحفظ ألفاظه ويكتبها، ثم يرفعها إلى الملك. ~~فإن اتفق كلام الرسول وكلام عين الملك، وعلم أن رسوله قد صدقه عن عدوه ولم ~~يتزيد عليه للعداوة بينهما، جعله رسوله إلى ملوك الأمم، ووثق به. ثم كان ~~بعد ذلك يقيم خبره مقام الحجة. # وكان أردشير بن بابك يقول: كم من دم قد سفكه الرسول بغير حله! وكم من ~~جيوش قد قتلت، وعساكر قد هزمت، وحرمة قد انتهكت، ومال قد انتهب، وعهد قد ~~نقض بخيانة الرسول وأكاذيبه! PageV01P025 وكان يقول: على الملك، إذا وجه ~~رسولا إلى ملك آخر، أن يردفه بآخر. وإن وجه رسولين، أتبعهما باثنين، وإن ~~أمكنه أن لا يجمع بين رسولين في طريق ولا ملاقاة ولا يتعارفان فيتواطآ، ~~فعل. ثم عليه، إن أتاه رسوله بكتاب أو رسالة من ملك في خير أو شر، أن لا ~~يحدث في ذلك خيرا أو شرا، حتى يكتب إليه مع رسول ربما حرم بعض ما أمل، ~~فافتعل الكتب، وحرض المرسل على المرسل إليه، فأغراه به، وكذب عليه. # ويقال إن الأسكندر وجه رسولا إلى بعض ms52 ملوك الشرق، فجاءه برسالة شك في حرف ~~منها فقال له الاسكندر: ويلك! إن الملوك لا تخلو من مقوم ومسدد، إذا مالت. ~~وقد جئتني برسالة صحيحة الألفاظ، بينة العبارة؛ غير أن فيها حرفا ينقضها؛ ~~أفعلى يقين أنت من هذا الحرف أم شاك فيه؟ فقال الرسول: بل على يقين أنه ~~قاله. # فأمر الاسكندر أن تكتب ألفاظه حرفا حرفا، ويعاد إلى الملك مع رسول آخر، ~~فيقرأ عليه ويترجم له. # فلما قريء الكتاب على الملك، فمر بذلك الحرف، أنكره فقال للمترجم: ضع يدي ~~على هذا الحرف فوضعها. فأمر أن يقطع ذلك الحرف بسكينة، فقطع من الكتاب. ~~وكتب إلى الإسكندر: إن رأس المملكة صحة فطرة الملك، ورأس الملك صدق لهجة ~~رسوله، إذ كان عن لسانه ينطق، وإلى أذنه يؤدي. وقد قطعت بسكينتي ما لم يكن ~~من كلامي، إذ لم أجد إلى قطع لسان رسولك سبيلا. # فلما جاء الرسول بهذا إلى الإسكندر، دعا الرسول الأول، فقال: ما حملك على ~~كلمة أردت بها فساد ملكين؟ فأقر الرسول أن ذلك كان لتقصير رآه من الموجه ~~إليه. فقال الاسكندر: فأراك لنفسك لسعيت، لا لنا! فلما فاتك بعض ما أملت، ~~جعلت ذلك ثأرا في الأنفس الخطيرة الرفيعة! فأمر بلسانه، فنزع من قفاه. # احتياط الملك # ومن أخلاق الملك أن يكون لمنامه في ليل ولا نهار موضع يعرف به، ولا حوى ~~يقصد إليه؛ إذ كانت أنفس الملوك هي المطلوب غرتها، والموكل برعاية سنتها، ~~وساعة غفلتها. # ويقال إن ملوك آل ساسان لم يعرف مبيت أحد منهم قط، ولا مقيله. # فأما أردشير بن بابك، وسابور، وبهرام، ويزدجرد، وكسرى أبرويز، وكسرى ~~أنوشروان، فكان يفرش للملك منهم أربعون فراشا، في أربعين موضعا، ليس منها ~~فراش إلا ومن رآه من بعيد على الانفراد، لا يشك أنه فراش الملك خاصة، وأنه ~~نائم فيه. ولعله أن لا يكون على واحد منها، بل لعله ينام على مجلس رقيق، ~~وربما توسد ذراعه، فنام. # ولو لم يجب على ملوكنا حفظ منامهم، وصيانته عن كل عين تطرف، وأذن تسمع، ~~غلا النبي صلى الله ms53 عليه وسلم، فعله، وهو من الله بمكانه المخصوص من كلاءته ~~إياه، وحراسة الروح الأمين له، لقد كان يحق عليهم أن يقتدوا به، ويمتثلوا ~~فعله. وقد كان المشركون هموا بقتله، فأخبره جبريل، صلى الله عليهما، عن ~~الله، جل ثناؤه، بذلك، فدعا علي بن أبي طالب عليه السلام، فأنامه على ~~فراشه، ونام هو، صلى الله عليه وسلم، بمكان آخر. فلما جاء المشركون إلى ~~فراشه، فنهض منه علي، انصرفوا عنه. # ففي هذا أكبر الأدلة، وأوضح الحجة على ما ذكرنا، إذ كانت أنفس الملوك هي ~~الأنفس الخطيرة الرفيعة التي توزن بنفوس كل من أظلت الخضراء، وأفلت ~~الغبراء. # وكانت الأعاجم تقول: " لا ينبغي للملك أن يطلع على موضع منامه إلا ~~الوالدان فقط؛ فأما من دونهما ، فالوحشة منه وترك الثقة به أبلغ في باب ~~الحزم وأوكد في سياسة الملك، وأوجب في الشريعة، وأوقع في الهوينا . # معاملة ابن الملك للملك # ومن حق الملك أن يعامله ابنه كما يعامله عبده ، وأن لا يدخل مداخله إلا ~~عن أذنه، وأن يكون الحجاب عليه أغلظ منه على من هو دونه من بطانة الملك ~~وخدمه ، لئلا تحمله الدالة على غير ميزان الحق. # فإنه يقال أن يزدجرد رأى بهرام ابنه بموضع لم يكن له، فقال: مررت ~~بالحاجب؟ قال: نعم. قال: وعلم بدخولك؟ قال: نعم. قال: فاخرج إليه واضربه ~~ثلاثين سوطا، ونحه عن الستر، ووكل بالحجابة أرادمرد. # ففعل ذلك بهرام، وهو إذ ذاك ابن ثلاث عشرة؛ ولم يعلم الحاجب فيم غضب ~~الملك عليه. # فلما جاء بهرام، بعد ذلك ليدخل، أرادمرد في صدره دفعة وقذه منها، وقال: ~~إن رأيتك بهذا الموضع ثانية، ضربتك ستين سوطا: ثلاثين منها لجنايتك على ~~الحاجب أمس، وثلاثين لئلا تطمع في الجناية علي. # فبلغ ذلك يزدجرد، فدعا أرادمرد، فخلع عليه وأحسن إليه. PageV01P026 ويقال ~~أن يزيد بن معاوية كان بينه وبين أبيه باب. فكان إذا أراد الدخول عليه قال: ~~يا جارية! انظري هل تحرك أمير المؤمنين. # فجاءت الجارية مرة حتى فتحت الباب، فإذا معاوية قاعد، وفي حجره مصحف، ~~وبين يديه جارية تصفح ms54 عليه. فأخبرت يزيد بذلك. # فجاء يزيد، فدخل على معاوية. فقال له: أي بني! إني إنما جعلت بيني وبينك ~~بابا، كما بيني وبين العامة. فهل ترى أحدا يدخل من الباب إلا بإذن؟ قال: لا ~~قال: فكذلك فليكن بابك! فإذا قرع عليك فهو إذنك. # وهكذا ذكر لنا أن موسى الهادي دخل على أمير المؤمنين المهدي، فزبره، ~~وقال: إياك أن تعود إلى مثلها إلا أن يفتح بابك! وذكر لنا أن المأمون لما ~~استعر به الوجع، سأل بعض بنيه الحاجب أن يدخله عليه ليراه، فقال: لا والله! ~~ما إلى ذلك سبيل. ولكن إن شئت أن تراه من حيث لا يراك، فاطلع عليه من ثقب ~~في ذلك الباب. # فجاء حتى اطلع عليه، وتأمله، ثم انصرف. # وذكر لنا أن إيتاخ بصر بالواثق في حياة المعتصم واقفا في موضع لم يكن له ~~أن يقف فيه، فزبره، وقال: تنح! فوالله لولا أنى لم أتقدم إليك في ذلك، ~~لضربتك مائة عصا. # وليس لابن الملك من الملك إلا ما لعبده من الاستكانة والخضوع والخشوع، ~~ولا له أن يظهر دالة الأبوة وموضع الوراثة. فإن هذا إنما يجوز في النمط ~~الأوسط من الناس، ثم الذين يلونهم. فأما الملوك، فترقى عن كل شيء يمت به. # وليس لابن الملك أن يسفك دما، وإن أوجبت الشريعة سفكه، وجاءت الملة به، ~~إلا عن إذن الملك ورأيه، لأنه متى تفرد بذلك، كان هو الحاكم دون الملك. وفي ~~هذا وهن على الملك، وضعف في المملكة. # وكذلك ليس له أن يحكم في الحلال والحرام والفروج والأحكام، وإن كان ولي ~~عهد الملك، والمقلد إرث أبيه، والمحكوم له بالطاعة، إلا عن أمره ورأيه. # وليس له، إذا جمعته والملك دار واحدة، أن يأكل إلا بأكل الملك. ولا أن ~~يشرب إلا بشربه، ولا أن ينام إلا بمنامه. # وكذا يجب عليه، في كل شيء من أموره السارة والضارة أن يكون له تابعا، ~~ولحركته تاليا. # وليس هذا على من دون ابن الملك من بطانته وسائر رعيته. لأن ابن الملك عضو ~~من أعضائه، وجزء من أجزائه، ms55 والملك اصل، والابن فرع، والفرع تابع للأصل، ~~والأصل مستغن عن الفرع. # وليس لابن الملك أن يرضى عمن سخط عليه الملك، وإن كان المسخوط عليه لا ~~ذنب له عنده، لأن من العدل والحق عليه أن يوالي من والى الملك، ويعادي من ~~عاداه. ولا ينظر في هذا إلى خط نفسه، وارادة طبعه، حتى يبلغ من حق الملك ما ~~أن وجد إلى غيلته سبيلا أن يقتله، وعلى هذا ينبغي أن يكون نظام العامة ~~لملكها. # شهوة الاستبدال لدى الملك: وقد تحدث في أخلاق الملك ملالة لشهوة ~~الاستبدال فقط. فليس لصاحب الملك، إذا أحدث الملك خلقا، أن يعارضه بمثله، ~~ولا إذا رأى نبوة وازورارة، أن يحدث مثله، فإنه متى فعل ذلك فسدت نيته، ومن ~~فسدت نيته عادت طاعته معصية، وولايته عداوة. ومن عادى الملك، فنفسه عادى، ~~وإياها أهان. # ولكن عليه، إذا أحدث الملك الخلق الذي عليه بنية أكثر الملوك، أن يحتال ~~في صرف قلبه إليه. والحيلة في ذلك يسيرة: إنما هو يطلب خلوته، فيلهيه ~~بنادرة مضحكة، أو ضرب مثل نادر، أو خير كان عنه مغطى، فيكشفه له. # كما فعل بعض سمار ملوك الأعاجم: أظهر الملك له جفوة الملالة فقط، فلما ~~رأى ذلك، تعلم نباح الكلاب، وعواء الذئاب، ونهيق الحمير، وصياح الديوك، ~~وشحيج البغال، وصهيل الخيل. # ثم احتال حتى دخل موضعا يقرب من مجلس الملك وفراشه يخفي أمره. فنبح نباح ~~الكلاب، فلم يشك الملك أنه كلب وابن كلب. فقال: انظروا ما هذا؟ فعوى عواء ~~الذئاب، فنزل الملك عن سريره. # فنهق نهيق الحمار، ومر الملك هاربا. # وجاء غلمانه يتبعون الصوت، فلما دنوا منه، أحدث معنى آخر، فأحجموا عنه. ~~ثم اجتمعوا فاقتحموا عليه، فأخرجوه وهو عريان مختبئ. # فلما نظروا إليه، قالوا للملك: هذا مازيار المضحك! فضحك الملك حتى تبسط، ~~وقال: ويلك! ما حملك على هذا؟ قال: إن الله مسخني كلبا وذئبا وحمارا، لما ~~غضب علي الملك. # فأمر أن يخلع عليه، ويرد إلى موضعه. # وهذا لا يفعله إلا أهل الطبقة السفلى. فأما الاشراف، فلهم حيل غير هذه، ~~مما يشبه ms56 أقدارهم. PageV01P027 كما فعل روح بن زنباع، وكان أحد دهاة العرب. ~~رأى من عبد الملك بن مروان نبوة وإعراضا. فقال للوليد: ألا ترى ما أنا فيه ~~من إعراض أمير المؤمنين عني بوجهه، حتى لقد فغرت السباع أفواهها نحوي، ~~وأهوت بمخالبها إلى وجهي؟ فقال له الوليد: احتل في حديث يضحكه! فقال روح: ~~إذا اطمأن بنا المجلس، فسلني عن عبدالله بن عمر، هل كان يمزح أو يسمع ~~مزاحا؟ فقال الوليد: أفعل. # وتقدم، فسبقه بالدخول، وتبعه روح. فلما اطمأن بهم المجلس، فقال الوليد ~~لروح: هل كان ابن عمر يسمع المزاح؟ قال: حدثني ابن أبي عتيق أن امرأته ~~عاتكة بنت عبد الرحمن هجته فقالت: # ذهب الإله بما تعيش به ... وقمرت ليلك أيما قمر # أنفقت مالك غير محتشم ... في كل زانية وفي الخمر! # قال: وكان ابن أبي عتيق صاحب غزل وفكاهة، فأخذ هذين البيتين، وهما في ~~رقعة، فخرج بهما، فإذا هو بعبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن! انظر ~~في هذه الرقعة، وأشر علي برأيك فيها. # فلما قرأها، استرجع عبد الله. فقال: ما ترى فيمن هجاني بهذا؟ قال عبد ~~الله: أرى أن تصفو وتصفح! قال: والله، يا أبا عبد الرحمن، لئن لقيت قائلها ~~لأنيلنه نيلا جيدا! فأخذ ابن عمر أفكل واربد لونه، وقال: ويلك، أما تستحي ~~أن تعصي الله؟ قال: هو والله ما قلت لك! وافترقا . فلما كان بعد ذلك بأيام، ~~لقيه فأعرض ابن عمر بوجهه . # فقال : بالقبر ومن فيه، إلا ما سمعت كلامي! فتحوب عبد الله، فوقف وأعرض ~~عنه بوجهه. فقال: علمت، يا أبا عبد الرحمن، أني لقيت قائل ذلك الشعر فنلته؟ ~~فصعق ابن عمر، ولبط به. فلما رأى ما حل به، دنا من أذنه فقال: إنها امرأتي. # فقام ابن عمر، فقبل ما بين عينيه. # فضحك عبد الملك حتى فحص برجله، وقال: قاتلك الله، يا روح! ما أطيب حديثك! ~~ومد إليه يديه، فقام روح فأكب عليه، وقبل أطرافه، وقال: يا أمير المؤمنين، ~~ألذ نب فأعتذر، أم لملالة فأرجو عاقبتها؟ قال: لا والله! ما ms57 ذاك من شيء ~~نكرهه. # ثم عاد له أحسن حالا. # ونحو هذا يحكى عن جرير بن الخطفي، حين دخل على عبد الملك، وقد أوفده إليه ~~الحجاج، وقال لجرير: كن في آخر من يدخل. # فلما دخل جرير، قال محمد: يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفي، مادحك ~~وشاعرك. # قال جرير: فقلت: إن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في إنشاد مديحه؟ قال: ~~هات بالحجاج! قال: فقلت: بل بك، يا أمير المؤمنين! قال: هات في الحجاج. # فأنشدته قولي في الحجاج: # صبرت النفس يا ابن أبي عقيل ... محافظة، فكيف ترى الثوابا؟ # ولو لم ترض ربك، لم ينزل ... مع النصر الملائكة الغضابا، # إذا سعر الخليفة نار حرب ... رأى الحجاج أثقبها شهابا. # فقال: صدقت، هو كذلك! ثم قال للأخطل، وهو خلفي، وأنا لا أراه: قم فهات ~~مديحنا! فقام، فأنشده، فأجاد، وأبلغ. فقال: أنت شاعرنا، وأنت مادحنا؛ قم ~~فاركبه! فألقى النصراني ثوبه، وقال: جب، يا ابن المراغة قال: وساء ذلك من ~~حضر من المضرية، وقالوا: يا أمير المؤمنين، لا يركب الحنيف المسلم، ولا ~~يظهر عليه. # فاستحيا عبد الملك، وقال: دعه! قال: فانصرف أخزى خلق الله حالا، لما رأيت ~~من إعراض أمير المؤمنين عني، وإقباله على عدوي، حتى إذا كان يوم الرواح ~~للوداع، دخلت لأودعه، فكنت آخر من دخل عليه. فقال له محمد بن الحجاج: يا ~~أمير المؤمنين، هذا جرير، وله مديح في أمير المؤمنين! فقال: لا، هذا شاعر ~~الحجاج. # قلت: وشاعرك، يا أمير المؤمنين! قال: لا. # فلما رأيت سوء رأيه، أنشأت أقول: # أتصحو أم فؤادك غير صاح... # فقال: ذاك فؤادك! ثم أنشدته، حتى بلغت البيت الذي سره، وهو قولي: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح؟ # فاستوى جالسا، وكان متكئا، فقال: بلى نحن كذلك، أعد. فأعدت، فأسفر لونه، ~~وذهب ما كان في قلبه، ثم التفت إلى محمد بن الحجاج، فقال: ترى أم حزرة ~~ترويها مائة من الإبل؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين! إن كانت من فرائض كلب، ~~فلم تروها فلا أرواها الله! قال: فأمر لي ms58 بمائة فريضة. ومددت يدي، وبين ~~يديه صحاف أربعة من فضة قد أهديت إليه، فقلت: المحلب، يا أمير المؤمنين! ~~فأخذت منها واحدة، فقال: خذها، لا بورك لك فيها. PageV01P028 قلت: كل ما ~~أخذت من أمير المؤمنين مبارك لي فيه. # وهكذا فعل بالأمس عبد الملك بن مهلهل الهمداني، وكان سليمان ابن أبي جعفر ~~قد جفاه. فأتاه يوما في قائم الظهيرة، والهجيرة تقد. فاستأذنن فقال له ~~الحاجب: ليس هذا بوقت إذن على الأمير. # فقال له: أعلمه بمكاني. # فدخل عليه، فأعلمه، فقال له: مره يسلم قائما ويخفف! فخرج الحاجب، فأذن ~~له، وأمره بالتخفيف. فدخل، فسلم قائما، ثم أمسيت فبينا أنا في الطريق، إذا ~~بمؤذن قد ثوب بصلاة المغرب على مسجد معلق. # فصعدت، ثم صعدت، ثم صعدت.. # قال سليمان: فبلغت السماء، فكان ماذا؟ قال: فتقدم إنسان، إما كريجي وإما ~~سنيدي وإما طمطماني. فأم القوم، فقرأ بكلام لم افهمه، ولغة ما أعرفها، ~~فقال: ويل لكل هره زمأ مالا وعدده يريد: " ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالا ~~وعدده " . # قال: وإذا خلفه رجل سكران ما يعقل سكرا، فلما سمع قراءته، ضرب بيديه ~~ورجليه وجعل يقول: إيرعكي دركلي! إيرعكي دركلي في حرم قاريك! فضحك سليمان، ~~ثم تمرغ على فراشه، وقال: ادن مني يا أبا محمد، فأنت أطيب أمة محمد! ثم دعا ~~بخلعة، وقال: إلزم الباب، واغد في كل يوم. وعاد إلى أحسن حالاته عنده. # وهذه أخلاق الملوك لمن فهمها. وليس بعجب أن تتلون أخلاقهم، إذ كنا نرى ~~أخلاق القرين المساوي، والشريك والإلف تتلون ولا تستوي، ولعله يجد عن إلفه ~~وقرينه وشكله، مندوحة. فكيف بمن ملك الشرق والغرب، والأسود والأبيض، والحر ~~والعبد، والشريف والوضيع، والعزيز والذليل. # صلاح الجفوة في التأديب # وعلى أنه ربما كانت جفوة الملك أصلح في تأديب الصاحب من اتصاله بالأنس، ~~وإن كان ذلك لا يقع بموافقة المجفو، لأن فيها فراغ المجفو لنفسه، وتخلصه ~~لأمره، ولما كان لا يمكنه الفراغ له من مهم أمره. وفيها أيضا أنه إن كان ~~المجفو من أهل السمر، وأصحاب الفكاهات، فبالحرى أن يستفيد ms59 بتلك الجفوة علما ~~طريفا محدثا له بالكتب ودراستها أو بالمشاهدة والملاقاة، وربما كان لا ~~يمكنه قبل ذلك، وهو في شغله. ومنها أن جفوة الملك ربما أدبت الصاحب الأدب ~~الكبير. # وذاك أنه كل من أنفس الملك مجلسه، وطال معه قعوده، وبه أنسه تمنى الفراغ، ~~وطلبت منه نفسه التخلص والراحة والخلوة لإرادة نفسه. كما أنه من كثر فراغه ~~وقل أناسه، جفي واطرح، وطلب الشغل والأنس وما أشبه ذلك. # فبهذه الأخلاق ركبت الفطر، وجبلت النفوس. # فإذا جاءه الفراغ الذي كان يطلبه ويتمناه من الجهة التي لم يقدرها، طلبت ~~نفسه الموضع الذي يمله، والشغل الذي كان يهرب منه. # ومنها أنه كان في عز ومنعة، وأمر ونهي، وكان مرغوبا إليه، مرهوبا منه، ثم ~~لما حدثت جفوة الملك، أنكرها ما كان يعرف، وعصاه من كان له مطيعا، وجفاه من ~~كان به برا. # ومنها أن جفوة الملك تحدث رقة على العامة، ورأفة بهم، وتحدث للمجفو حسن ~~نية. # ومنها أن الرضى، إذا كان يعقب الجفوة، وجب على المجفو شكر الله تعالى على ~~ما ألهم الملك فيه، فتصدق وأعطى، وصام وصلى. # فكل شيء من أمر الملك حسن في الرضا والسخط، والأخذ والمنع، والبذل ~~والإعطاء، والسراء والضراء. غير أنه يجب على الحكيم المميز أن يجهد بكل وسع ~~طاقته أن يكون من الملك بالمنزلة بين المنزلتين. فإنها أحرى المنازل بدوام ~~النعمة، واستقامة الحال، وقلة التنافس، ومصارعة أهل الحسد والوشاة. # صفات المقربين من الملك # وليس من أخلاق الملك أن يدني من عظم قدره، واتسع علمه، وطاب مركبه، أو ~~ظهرت أمانته، أو كملت آدابه. # وهذه الصفات هي جنس آخر يحتاج الملك إلى أصحابه ضرورة، لحاجته من القضاة ~~إلى الفقه والأمانة، وحاجته من الطبيب إلى الحذق بالصناعة والركانة، وحاجته ~~من الكاتب تحبير الألفاظ، ومعرفة مخارج الكلام، والإيجاز في الكتب، وما ~~أشبه ذلك. # فأما القرناء والمحدثون وأصحاب الملاهي ومن أشبههم، فكل من دنا منهم من ~~الملك، وعلق به، كائنا من كان، ومن حيث كان. # وكذا وجدنا في كتب الأعاجم وملوكها. # وفيما يذكر عن أنوشروان انه ms60 قال: صاحبك من علق بثوبك. # وكذا وجدنا في أمثال كليلة ودمنة أن الملك مثل الكرم الذي لا يتعلق بأكرم ~~الشجر، إنما يتعلق بمن دنا منه. # وقد نجد مصداق ذلك عيانا في كل دهر، وأخبار كل زمان. # سخاء الملك وحياؤه # ومن أخلاق الملك الكرم والسخاء. PageV01P029 فهما قرينا كل ملك كان على ~~وجه الأرض. ولو قال قائل إنهما ركبا في الملوك كتركيب الأعضاء والجوارح، ~~كان له أن يقول؛ إذ كنا لم نشاهد، ولم يبلغنا عمن مضى من الملوك، ملوك ~~العجم ومن كان قبلهم، وملوك الطوائف وغيرهم، القحة والبخل. # فأما السخاء، فلو لم يكن أحد طبائع الملوك، كان يجب أن يكون باكتساب إن ~~كان الملك من أهل التمييز؛ وذلك انه يفيد أكثر مما ينفق. فإذا كانت هذه صفة ~~كل ملك، فما عليه من اتخاذ الصنائع، وعم المنن، والإحسان إلى من نأى عنه أو ~~دنا منه من أو ليائه، والرحمة للفقير والمسكين، والعائدة إلى أهل الحاجة. # وأما الحياء، فهو من أجناس الرحمة. # وحقيق للملك، إذ كان الراعي، أن يرحم رعيته؛ وإذ كان الإمام، أن يرق على ~~المؤتم به، وإذ كان المولى، أن يرحم عبده. # فقد تخطي العامة، وكثير من الخاصة، في الملوك، حتى يسمونهم بغير أسمائهم، ~~ويصفونهم بغير صفاتهم، وينحلونهم البخل والإمساك، إذا رأوا الملك على سنن ~~من القصد، وعدل من حد الإنفاق، ويغفلون عما أدب الله تعالى به نبيه صلى ~~الله عليه وسلم، بقوله عز وجل: " ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها ~~كل البسط " . # وبمدحه الصالحين من عباده بالقصد في ذات أيديهم، بعلمهم أن أرضى الأحوال ~~عنده، ما دخل في باب الاقتصاد، بقوله: " والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم ~~يقتروا وكان بين ذلك قواما " . # وقد ذكر بعض من لا يعلم، في كتاب ألفه في البخلاء من الملوك، أن هشام بن ~~عبد الملك بن مروان، ومروان بن محمد، وأبا جعفر المنصور وغيره منهم. ولولا ~~أنا احتجنا إلى الأخبار عن جهل هذا، لم يكن لذكره معنى، ولا للتشاغل بالرد ~~عليه. وكيف يكون المنصور ms61 ممن دخل في جملة هذا القول، ولا يعلم أن أحدا من ~~خلفاء الإسلام، ولا ملوك الأمم، وصل بألف ألف لرجل واحد غيره! ولقد فرق على ~~جماعة من أهل بيته عشرة آلاف ألف درهم. ذكر ذلك الهيثم بن عدي والمدايني. # وحدثني بعض أصحابنا عن أبيه عن زيد مولى عيسى بن نهيك، قال: دعاني ~~المنصور، بعد موت مولاي، فقال: يا زيد! قلت: لبيك يا أمير المؤمنين! قال: ~~كم خلف أبو يزيد من المال؟ قلت: ألف دينار أو نحوها. # قال: فأين هي؟ قلت: أنفقتها الحرة في مأتمه. # قال: فاستعظم ذلك، وقال: أنفقت في مأتمه ألف دينار! ما أعجب هذا! ثم قال: ~~كم خلف من البنات؟ قلت: ستا! فأطرق مليا، ثم رفع رأسه وقال: أغد إلى باب ~~المهدي. # فغدوت، فقيل لي: معك بغال؟ فقلت: لم أؤمر بإحضار بغل ولا غيره، ولا أدري ~~لم دعيت. # قال: فأعطيت ثمانين ومائة ألف دينار، وأمرت أن أدفع لكل واحدة من بنات ~~عيسى ثلاثين ألف دينار. ففعلت. ثم دعاني المنصور فقال: قبضت ما أمرنا به ~~لبنات أبي يزيد؟ قلت: نعم، يا أمير المؤمنين! قال: أغد علي بأكفائهن، حتى ~~أزوجهن منهم. # قال: فغدوت عليه بثلاثة من ولد العكي وثلاثة من آل نهيك من بني عمهن. ~~فزوج كل واحدة منهن على ثلاثين ألف درهم، وأمر أن يجعل صداقهن من ماله. ~~وأمرني أن أشتري بما أمر لهن ضياعا يكون معاشهن منها. # فلما سمع هذا الجاهل المائن بمثل هذه المكارم لعربي أو أعجمي! ولو أردنا ~~أن نذكر محاسن المنصور على التفصيل والتقصي، لطال بها الكتاب، وكثرت فيه ~~الأخبار. # وقلما استعملت العامة وكثير من الخاصة التمييز، إيثارا للتقليد. إذ كان ~~أقل في الشغل، وأدل على الجهل، وأخف في المؤونة. وحسبك من جهل العامة أنها ~~تفضل السمين على النحيف، وإن كان السمين مأفونا، والنحيف ذا فضائل؛ وتفضل ~~الطويل على القصير، لا للطول ولكن لشيء آخر لا ندري ما هو، وتفضل راكب ~~الدابة على راكب البغل، وراكب البغل على راكب الحمار، اقتصارا على التقليد ~~إذ كان ms62 أسهل في المأتى، وأهون في الاختيار. # اعتلال الملك PageV01P030 ومن حق الملك إذا اعتل، أن لا تطلب خاصته ~~الدخول عليه في ليل ولا نهار، حتى يكون هو الذي يأمر بالإذن لمن حضر، وأن ~~لا يرفع إليه الحاجب أسماءهم مبتدئا، حتى يأذن له. فإذا أذن له بالدخول، ~~فمن حقه أن لا تدخل عليه الطبقة العالية مع التي دونها، ولا يدخل عليه من ~~هذه الطبقة جماعة، ومن غيرها جماعة. ولكن على الحاجب أن يحضر الطبقات ~~الثلاث كلها أو من حضر منها، ثم يأذن للعليا جملة. فإذا دخلت، قامت بحيث ~~مراتبها، فلم تسلم عليه، فتحوجه إلى رد السلام، فإذا علمت أنه قد لاحظها، ~~دعت له دعاء يسيرا موجزا، ثم خرجت. ودخلت التي تليها، فقامت على مراتبها ~~أقل من قيام الأولى، ودعت دعاء أقل من دعاء الأولى، ثم دخلت بعدهما ~~الثالثة، فكان حظها أن يراها فقط. وليس من عادة الملوك وقوف هذه الطبقة ~~الثالثة، تتأمل الملك، وتدعو له، وتنظر إليه. وإنما مراتبها أن يراها فقط. # ومن حق الملك أن لا ينصرف أحد من هذه الطبقات إلى رحله إلا في اليوم الذي ~~كان فيه ينصرف في صحة الملك. وبالحرى ينبغي أن يبرح فناء سيده ومالكه، ~~انتظارا لإفاقته من علته، وفحصا عن ساعات مرضه. # جوائز البطانة # ومن الحق على الملك تعهد بطانته وخاصته بجوائزهم وصلاتهم، إن كان ذلك ~~يكون مشاهرة أو مساناة. # ومن أخلاق الملك أن يوكل باد كاره صلاتهم، ولا يحوج أحدا منهم إلى رفع ~~رقعة أو إذكار أو تعريض. فإن هذا ليس من أخلاق المتيقظ من الملوك. # وكانت ملوك آل ساسان يفعلون في هذا فعلا بقي لهم ذكره إلى هذه الغاية، ~~وإلى انقضاء مدة العالم. # فكان الملك منهم يقدر الرجل من خاصته وبطانته تقديرا وسطا بين الإسراف ~~والاقتصاد في مؤنة كلها، وحوائجه خاصها وعامها، فإذا كان التقدير على الجهة ~~التي وصفنا، عشرة آلاف درهم في الشهر، وكانت للرجل ضيعة، أمر أن يدفع إليه ~~في كل ثلاثين ليلة عشرة آلاف درهم، لأنزاله ونفقاته وحوائجه. # ويقول له ms63 الملك: قد علمنا أن الضيعة التي أفدتها هي مما تقدم من صلاتنا ~~لك، وقد تسلفنا شكر تلك النعمة منك، وليس من العدل أن تكون في خدمتنا، ~~وتكون نفقتك من شيء أفدته بشكر قد تقدم، وحرمة قد تأكدت. فليكن ما أثمرت لك ~~ضيعتك ظهريا لنوائب الزمان، وتخرم الأيام، وانقلاب الدول، وحوادث الموت، ~~ولتكن مؤنك وكلفك على خاص أموالنا. # وكذلك الطبقات على هذا النظام والإحكام، فيمضي على أحدهم عشرون سنة لا ~~يفتح فاه بطلب درهم ولا غيره، منبسطا لزمانه، مبتهجا بنعم ملكه، مسرورا بما ~~يكفي عن التذكار وشكوى الحال. # هدايا المهرجان والنيروز # ومن حق الملك هدايا المهرجان والنيروز. # والعلة في ذلك أنهما فصلا السنة. # فالمهرجان دخول الشتاء وفصل البرد، والنيروز إذن بدخول فصل الحر. إلا أن ~~في النيروز أحوالا ليست في المهرجان؛ فمنها استقبال السنة، وافتتاح الخراج، ~~وتولية العمال، والاستبدال، وضرب الدراهم والدنانير، وتذكية بيوت النيران، ~~وصب الماء، وتقريب القربان، وإشادة البنيان، وما أشبه ذلك. # فهذه فضيلة النيروز على المهرجان. # ومن حق الملك أن يهدي إليه الخاصة والحامة. # والسنة في ذلك عندهم أن يهدي الرجل ما يحب من ملكه، إذا كان في الطبقة ~~العالية. فإن كان يحب المسك، أهدي مسكا لا غيره. وإن يحب العنبر، أهدى ~~عنبرا. وإن كان صاحب بزة ولبسة، أهدى كسوة وثيابا، وإن كان الرجل من ~~الشجعاء والفرسان، فالسنة أن يهدي فرسا أو رمحا أو سيفا. وإن كان راميا، ~~فالسنة أن يهدي نشابا. وإن كان من أصحاب الأموال، فالسنة أن يهدي ذهبا أو ~~فضة. وإن كان من عمال الملك، وكانت عليه موانيذ للسنة الماضية، جمعها ~~وجعلها في بدر حرير صيني، وشريحات فضة، وخيوط إبريسم، وخواتيم عنبر، ثم ~~وجهها. # وكذلك، إنما كان يفعل من العمال من أراد أن يتزين بفضل نفقاته أو بفضل ~~عمالته أو أداء أمانته. # وكان يهدى الشاعر الشعر، والخطيب الخطبة، والنديم التحفة والطرفة ~~والباكورة من الخضروات. PageV01P031 وعلى خاصة نساء الملك وجواريه أن يهدين ~~إلى الملك ما يؤثرنه ويفضلنه كما قدمنا في الرجال. غير أنه يجب على المرأة ms64 ~~من نساء الملك، إن كانت عندها جارية تعلم أن الملك يهواها ويسر بها، أن ~~تهديها إليه بأكمل حالاتها، وأفضل زينتها، وأحسن هيآتها. فإذا فعلت ذلك، ~~فمن حقها على الملك أن يقدمها على نسائه، ويخصها بالمنزلة، ويزيدها في ~~الكرامة، ويعلم أنها قد آثرته على نفسها، وبذلت له مالا تجود النفس به، ~~وخصته بما ليس في وسع النساء، إلا القليل منهن، الجود به. # ومن حق البطانة والخاصة على الملك، في هذه الهدايا، أن تعرض عليه، وتقوم ~~قيمة عدل. # فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلاف، أثبتت في ديوان الخاصة. فإن كان صاحبها ~~ممن يرغب في الفضل، ويذهب إلى الربح، ثم نابته نائبة من مصيبة يصاب بها أو ~~بناء يتخذه، أو مأدبة يأدبها، أو عرس يكون من تزويج ابن، أو إهداء ابنة إلى ~~بعلها، نظر إلى ماله في الديوان وقد وكل بذلك رجل يرعى هذا وما أشبهه ~~ويتعهده، فإذا كانت قيمة الهدية عشرة آلاف، أضعفت له ليستعين بها على ~~نائبته. # وإن كان الرجل ممن أهدى نشابة أو درهما أو تفاحة أو أترجة، فإن تلك ~~الهدية إنما قدمها لتثبت له في الديوان، ويخبر الملك إن نابته نائبة. فعلى ~~الملك إعانته عليها، إذا كان من أساورته وبطانته أو محدثيه. فإذا رفع للملك ~~أن له في الديوان نشابة أو درهما أو أترجة أو تفاحة، أمر الملك أن تؤخذ ~~أترجة، فتملأ دنانير منظومة ويوجه بها إليه. # وكان لا يعطي صاحب التفاحة إلا كما يعطي صاحب الأترجة، وأما صاحب ~~النشابة، فكانت تخرج نشابته من الخزانة، وعليها اسمه، فتنصب ويوضع بإزائها ~~من كسوة الملك ومن سائر الكساء. فإذا ارتفعت حتى توازي نصل النشابة، دعي ~~صاحبها، فدفعت إليه تلك الكسوة. # وكان من تقدمت له هدية في النيروز والمهرجان، صغرت أم كبرت، كثرت أم قلت، ~~ثم لم يخرج له من الملك صلة عند نائبه تنوبه أو حق يلزمه، فعليه أن يأتي ~~ديوان الملك ويذكر بنفسه، وأن ر يغفل عن إحياء السنة ولزوم الشريعة. وإن ~~غفل عن أمره بعارض يحدث، فإن ترك ذلك ms65 على عمد، فمن سنة الملك أن يحرمه ~~أرزاقه لستة أشهر، وأن يدفعها إلى عدو، إن كان له. إذ أتى شيئا فيه شين على ~~الملك، وضعة في المملكة. # وكان أردشير بن بابك، وبهرام جور، وأنوشروان يأمرون بإخراج ما في خزانتهم ~~في المهرجان والنيروز من الكسى فتفرق كلها على بطانة الملك وخاصته، ثم على ~~سائر الناس على مراتبهم. # وكانوا يقولون: إن الملك يستغني عن كسوة الصيف في الشتاء، وعن كسوة ~~الشتاء في الصيف، وليس من أخلاق الملوك أن تخبأ كسوتها في خزائنها، فتساوي ~~العامة في فعلها. # فكان يلبس في يوم المهرجان الجديد من الخز والوشي والملحم. ثم تفرق كسوة ~~الصيف على ذكرنا. # فإذا كان يوم النيروز، لبس خفيف الثياب ورقيقها، وأمر بكسوة الشتاء كلها ~~ففرقت. # ولا نعلم أن أحدا بعدهم اقتفى آثارهم إلا عبد الله بن طاهر، فإني سمعت من ~~محمد بن الحسن بن مصعب يذكر أنه كان يفعل ذلك في النيروز والمهرجان، حتى لا ~~يترك في خزائنه ثوبا واحدا إلا كساه. وهذا من أحسن ما حكي لنا من فضائله. # لهو الملوك وشربهم # ومن أخلاق الملوك اللهو. # غير أن أسعدهم من جعل للهوه وقتا واحدا، وأخذ نفسه بذلك. فإنه إذا فعل ~~ذلك، استطاب اللهو والهزل والمفاكهة. وإذا أدمن ذلك خرج به اللهو من بابه، ~~حتى يجعله جدا لا هزل فيه، وحقا لا باطل معه، وخلقا لا يمكنه الانصراف عنه. # وليس هذا صفة الملك السعيد. # ومن أدمن شيئا من ملاذ الدنيا، لم يجد له من اللذة وجود القرم النهم ~~المشتاق. # وهذا قد نراه عيانا. وذلك أن ألذ الطعام وأطيبه ما كان على جوع شديد، ~~وألذ الجماع وأطيبه إذا اشتد الشبق وطالت العزبة، وألذ النوم وأهنأه ما كان ~~بعقب التعب والسهر. # وعلى هذا جميع ملاذ الدنيا. # فالملوك الماضية إنما جعلت للملاذ وقتا واحدا من اليوم والليلة، لهذه ~~الفضيلة التي فيها. # فعلى الملك السعيد أن يقسم يومه أقساما: فأوله لذكر الله تعالى وتعظيمه ~~وتهليله؛ وصدره لرعايا وإصلاح أمرها؛ ووسطه لأكله ومنامه، وطرفه للهوه ~~وشغله. وأن ms66 لا يثابر على إدمان الشغل في كل يوم. وإن طالت هذه الأقسام ~~بمواضعها، فلا يجد للهو لذته، ولا للنعيم موضعه الذي هو به. PageV01P032 ~~وكانت الملوك الماضية من الأكاسرة تشرب في كل ثلاثة أيام يوما، إلا بهرام ~~جور والأردوان الأحمر وسابور؛ فإنهم كانوا يدمنون الشرب في كل يوم. # وكان ملوك العرب، كالنعمان، وملوك الحيرة، وملوك الطوائف، أكثرها يشرب في ~~كل يوم وليلة، مرة. # وكان ملوك الإسلام، من يدمن على شربه، يزيد بن معاوية. وكان لا يمسي إلا ~~سكران، ولا يصبح إلا مخمورا. # وكان عبد الملك بن مروان يسكر في كل شهر مرة، حتى لا يعقل في السماء هو ~~أو في الماء، ويقول: إنما أقصد في هذا إلى إشراق العقل، وتقوية منة الحفظ، ~~وتصفية موضع الفكر. # غير أنه كان إذا بلغ آخر هذا السكر، أفرغ ما كان في بدنه حتى لا يبقى في ~~أعضائه منه شيء؛ فيصبح خفيف البدن ذكي العقل والذهن، نشيط النفس، قوي ~~المنة. # وكان الوليد بن عبد الملك يشرب يوما، ويدع يوما. # وكان سليمان بن عبد الملك يشرب في كل ثلاث ليال، ليلة. # ولم يشرب عمر بن عبد العزيز منذ أفضت إليه الخلافة إلى أن فارق الدنيا، ~~ولا سمع غناء. # وكان هشام يسكر في كل جمعة. # وكان يزيد بن الوليد والوليد بن يزيد يدمنان اللهو والشرب. فأما يزيد بن ~~الوليد، فكان دهره بين حالين، بين سكر وخمار؛ ولا يوجد أبدا إلا ومعه إحدى ~~هاتين. # وكان مروان بن محمد يشرب ليلة الثلاثاء، وليلة السبت. # وكان أبو العباس السفاح يشرب عشية الثلاثاء وحدها، دون السبت. # وكان المهدي والهادي يشربان يوما، ويدعان يوما. # وكان الرشيد يشرب ظاهرا، إلا أنه كان يقعد هذين اليومين لندمائه. # وكان المأمون في أول أيامه يشرب الثلاثاء والجمعة؛ ثم أدمن الشرب عند ~~خروجه إلى الشام في سنة خمس عشرة ومائتين، إلى أن توفي. # وكان المعتصم لا يشرب يوم الخميس، ولا يوم الجمعة. # وكان الواثق ربما أدمن الشرب، وتابعه. غير أنه لم يكن يشرب في ليلة ~~الجمعة ولا يومها. ms67 # لبس الملوك وتطيبهم: وأخلاق الملوك تختلف في اللبسة والطيب. فمن الملوك ~~من كان لا يلبس القميص إلا يوما واحدا أو ساعة واحدة. فإذا نزعه، لم يعد ~~إلى لبسه. # ومنهم من كان يلبس القميص والجبة أياما، فإذا ذهب رونقه، رمى به فلم ~~يلبسه بعد. # فأما أردشير بن بابك، ويزدجرد، وبهرام، وكسرى أبرويز، وكسرى أنوشروان، ~~وقباذ، فإنهم كانوا يلبسون القميص، ويغسل لهم، ثم يلبسونه ويغسل لهم. فإذا ~~غسل ثلاث عركات لم يغسل بعدها، وجعل في الخلع التي تخلع على الولد ~~والقرابات والعم وابن العم والأخ وابن الأخ. ولم يكونوا يخلعون ما قد لبسوه ~~إلا على القرابات من أهل بيت المملكة خاصة، لا يجاوزونهم إلى غيرهم. فأما ~~الخلع التي تقطع وتتخذ للطبقات وسائر الناس، فتيك صنف آخر. # وكان ملوك العرب، منهم من يلبس القميص مرارا، ويغسل له غسلات: معاوية ~~وعبد الملك وسليمان وعمر بن عبد العزيز وهشام ومروان بن محمد وأبو العباس ~~وأبو جعفر والمأمون. # فأما يزيد بن معاوية، والوليد بن يزيد، ويزيد بن الوليد، والمهدي والهادي ~~والرشيد والمعتصم والواثق، فإنهم كانوا لا يلبسون القميص إلا لبسة واحدة، ~~إلا أن يكون الثوب نادرا معجبا غريبا. # فأما الجباب والأردية، فلم تزل الملوك تلبسها السنة أو أكثر أيام السنة، ~~ومنهم من كان يلبس الجبة والمطرف، السنين الكثيرة. # وليس الجباب والأردية، كالقميص والسراويل، لأن القميص والسراويل هما ~~الشعار، وسائر الثياب الدثار. ولذلك كره من كره إعادة لبسها. # وأخلاق الملوك في البطر ومس الطيب وتغلل الغالية تختلف. # فمن الملوك من إذا مس الطيب وتغلل بالغالية، لم يعد إلى مس طيب ما دام ~~عبقها في ثوبه. # ومن الملوك من كان إذا مس الطيب، وتغلل بالغالية، فتضوعت منه وعلقت ~~بثيابه، أمر بصب ماء الورد على رأسه حتى يسيل. فإذا كان من غد، فعل مثل ~~ذلك. # فأما من كان لا يمس طيبا ما دام يجد عبق الطيب في ثيابه: فأردشير بن ~~بابك، وقباذ بن فيروز بن يزدجرد، وكسرى ابرويز، وكسرى أنوشروان؛ ومن ملوك ~~العرب: معاوية وعبد الملك والوليد وسليمان وعمر ms68 بن عبد العزيز وهشام ومروان ~~بن محمد؛ ومن خلفاء بني العباس، وأبو جعفر، والمأمون. # وكان المعتصم قلما يمس الطيب. وكان يذهب في ذلك إلى تقوية بدنه وإعانته ~~على شدة البطش والأيد. وأما في أيام حروبه، فكان من دنا منه، وجد رائحة صدأ ~~السلاح والحديد من جسمه. PageV01P033 زيارة الملوك لأخصانهم # ومن أخلاق الملوك الزيارة لمن خص بالتكرمة منهم وآثروه المنزلة ورفع ~~المرتبة. # وزيارة الملك على أربعة أقسام: فمنها الزيارة للمطاعمة والمنادمة، ومنها ~~الزيارة للعيادة، ومنها الزيارة للتعزية في المصيبة، ومنها الزيارة للتعظيم ~~فقط. # وأكبر هذه الأقسام وأرفعها ذكرا الزيارة للتعظيم. لأن هذه الأقسام ~~الثلاثة أكثر ما تقع وتتفق بسؤال المزور الملك، وتلطفه في ذلك. # وربما رفع الملك مرتبة الوزير، وخصه، وقدمه على سائر بطانته، فيكون من ~~حيل الوزير أن يتعالل فيعوده الملك، فيظهر للعامة منزلته عنده وتكرمته إياه ~~وإيثاره له. # وأيضا، فقل ملك سأله وزيره أو صاحب جيشه أو أحد عظمائه زيارته إلا أجابه ~~إلى ذلك، ولا سيما إذا علم أن غرضه في ذلك الزيارة في المرتبة، والتنويه ~~بالذكر. # فإذا كانت الزيارة من الملك على أحد هذه الأقسام الثلاثة، فهي منزلة كان ~~صاحبها يحاولها فبلغها، وأمنية طلبها فأدركها. # فأما الزيارة للتعظيم، فإنها لا تقع بسؤال، ولا بإرادة المزور، إذ كان ~~ليس من أخلاق وزير ولا شريف أن يقول للملك: زرني لتعظمني، ولترفع في الناس ~~من ذكري وقدري. # فإذا كان ذلك من الملك ابتداء، فقد علمنا أن تلك أرفع مراتب الوزراء، ~~وأفضل درجات الأشراف. # وكان أردشير وأنوشروان إذا زار وزيرا من وزرائهما أو عظيما من عظمائها ~~للتعظيم لا لغيره، أرخت الفرس تلك الزيارة، وخرجت بذلك التاريخ كتبهم إلى ~~الآفاق والأطراف. # وكانت سنة من وزاره الملك للتعظيم أن توغر ضياعه، وتوسم خيله ودوابه، ~~لئلا تسخر، ولا تمتهن. ويأتيه خليفة صاحب الشرطة في كل يوم مع ثلاثمائة ~~راكب ومائة راجل، يكون بابه إلى غروب الشمس. فإن ركب كانت الرجالة مشاة ~~أمامه والركبان من خلفه. ولا يحبس أحد من حامته وخاصته لجناية جناها، ولا ~~يحكم ms69 على أحد من عبيده بحكم، وإن وجب على أحد من بطانته حد، وجه به إليه ~~ليرى فيه رأيه، ويؤخر عليه وظيفة ما عليه من خراج أرضه حتى يكون هو الحامل ~~له، وتقدم هداياه في النيروز والمهرجان على كل هدية، وتعرض على الملك، ~~ويكون أول من يأذن له الحاجب، ويكون من الملك، إذا ركب عن يمينه، منزويا، ~~وتكون مرتبته إذا قعد عن يمينه، وإذا خرج من دار المملكة، لم يقعد بعده ~~أحد. # وكانت ملوك آل ساسان لا تزور أحدا لعلة من هذه العلل التي قدمنا ذكرها، ~~فينصرف بخلعه أو طيب أو تحفة أو هدية من جارية أو غلام. غير أنه كان إذا ~~نزل الملك، وطأ لرجله فرسا رائعا بسرج مذهب، وأداة تامة، فقدم إليه إذا ~~أراد الانصراف. # فكان الأمر كذلك، حتى ملك بهرام بن يزدجرد. فكان ينادم الاساورة من أبناء ~~أهل الشرف، فيخلع عليه في كل ساعة خلعة مجددة، ويشتهي الزامرة والمغنية ~~والرقاصة، فيأخذها. وكان أول من أطلق يده في ذلك، لغلبة اللهو علي، وإيثاره ~~هواه. # فأما من كان من ملوكهم، فعلى الأمر الذي ذكرنا، والحكاية التي أدينا. # استقبال الملوك للناس في الأعياد # ومن أخلاق الملك القعود للعامة يوما في النيروز، ولا يحجب عنه أحد في ~~هذين اليومين من صغير ولا كبير، ولا جاهل ولا شريف. # وكان الملك يأمر بالنداء قبل قعوده بأيام، ليتأهب الناس لذلك، فيهيئ ~~الرجل القصة، ويهيئ الآخر الحجة في مظلمته، ويصالح الآخر صاحبه إذا علم أن ~~خصمه يتظلم منه إلى الملك. فيأمر الموبذ أن يوكل رجالا من ثقات أصحابه، ~~فيقفون بباب العامة، فلا يمنع أحد من الدخول على الملك. # وينادي مناديه: من حبس رجلا عن رفع مظلمته، فقد عصى الله، وخالف سنة ~~الملك، ومن عصى الله، فقد أذن بحرب منه، ومن الملك. # ثم يؤذن للناس، وتؤخذ رقاعهم فينظر فيها. فإن كان فيها شيء يتظلم فيه من ~~الملك، بدي به أولا، وقدم على مظلمة. ويحضر الملك الموبذ الكبير والدبيربذ ~~ورأس سدنة بيوت النار، ثم يقوم المنادي فينادي: ليعتزل ms70 كل من تظلم من ~~الملك. فيمتازون. PageV01P034 ويقوم الملك مع خصومه حتى يجثو بين يدي ~~الموبذ فيقول له: أيها الموبذ، إنه ما من ذنب أعظم عند الله من ذنب الملوك! ~~وإنما خولها الله تعالى رعاياها لتدفع عنها الظلم، وتذب عنه بيضة الملك جور ~~الجائرين، وظلم الظالمين. فإذا كانت هي الظالمة الجائرة، فحق لمن دونها هدم ~~بيوت النيران، وسلب ما في النواويس من الأكفان. ومجلسي هذا منك، وأنا عبد ~~ذليل، يشبه مجلسك من الله غدا، فإن آثرت الله آثرك، وإن آثرت الملك عذبك. # فيقول له الموبذ: إن الله إذا أراد سعادة عباده، اختار لهم خير أهل أرضه. ~~فإذا أراد أن يعرفهم قدره عنده، أجرى على لسانه ما أجرى على لسانك. # ثم ينظر في أمره، وأمر خصمه بالحق والعدل. فإن صح على الملك شيء، أخذه ~~به، وإلا حبس من ادعى عليه باطلا، ونكل به، ونودي عليه: هذا جزاء من أراد ~~شين الملك، وقدح في المملكة. # فإذا فرغ الملك من مظالمه في نفسه، قام فحمد الله ومجده طويلا، ثم وضع ~~التاج على رأسه، وجلس على سرير الملك، والتفت إلى قرابته وحامته وخاصته، ~~وقال: إني لم أبدأ بنفسي فأنصف منها إلا لئلا يطمع طامع في حيفي. فمن كان ~~قبله حق، فليخرج إلى خصمه منه، إما بصلح وإما بغيره. # فكان أقرب الناس إلى الملك في الحق كأبعدهم، وأقواهم كأضعفهم. # فلم يزل الناس على هذا في عهد أردشير بن بابك ثم هلم جرا، حتى ملكهم ~~يزدجرد الأثيم، وهو النحس البارتكر. فغير سنن آل ساسان، وعاث في الإرض، ~~وظلم الرعايا، وأظهر الجبرية والفساد، وقال: ليس للرعية أن تنتصب من ~~الراعي، ولا للسوقة أن تتظلم من الملوك، ولا للوضيع أن يساوي الرفيع في حق ~~ولا باطل. # عقوبة الملك الظالم # فذكرت الأعاجم في كتبها وسير ملوكها أنه بينا هو قاعد في الإيوان، والناس ~~على طبقاتهم ومراتبهم، إذ دخل من باب الإيوان فرس مسرج ملجم، لم ير قط شيء ~~أحسن منه منظرا، ولا أكمل أداة. فأهوى نحو يزدجرد الأثيم. فقامت إليه ms71 ~~الاساورة لتدفعه عنه، فجعل لا يدنو منه أحد إلا رمحه فأرداه، وهو في خلال ~~ذلك يقصد إلى الملك، فقام إليه يزدجرد، وقال للأساورة: دعوه، فإنه إلي ~~يقصد. # فدنا منه حتى أخذ بمعرفته، فذل له الفرس، وتطامن حتى ركبه. فلما جال في ~~متنه، خطا به خطى، ثم رده إلى قرار مجلسه، فنزل عنه، وجعل يمسحه بيده، ~~مقبلا ومدبرا. حتى إذا وجد الفرس منه ممكنا وغفلة، رمحه فأصاب حبة قلبه، ~~فقتله. فقالت الفرس: هذا ملك من الملائكة، جعله الله في صورة فرس، فبعثه ~~لقتل يزدجرد، لما ظلم الرعية، وعاث في الأرض. # وكان بهرام جور بن يزدجرد في حجر النعمان بن المنذر، ملك الحيرة، وضعه ~~أبوه عنده ليتأدب بآداب العرب، ويعرف أيامها وأخبارها ولغاتها فبلغه خبر ~~أبيه، وأن الفرس ملكت عليها رجلا ليس من أبناء ملوكها. فاستنهض النعمان بن ~~المنذر واستنجده، وقال: إن لي عليك حقا، إذ كنت أحد أولادك. وإن أبي قد ~~مات، وملكت الفرس رجلا من غير بيت الملك. فإن أنت خذلتني، ذهب ملك آل ~~ساسان. فقال له النعمان: ما أ وآل ساسان، وهم الملوك وأنا رعية؟ ولكني أخرج ~~معك في جيشي لتقوى نيتك، وتصح عزمتك. ثم أنت أولى بقومك، وهم أولى بك. قال: ~~فهذا أريد. # فخرج النعمان مع بهرام حتى صار بالمداين، وبلغ الفرس قدومهما، فخرجوا إلى ~~بهرام، فقالوا: ما تريد؟ فقال: ملك أبي وإرث آل ساسان. # قالوا: إن أباك سامنا العذاب أيام مدته، فانفرد الله بقتله. فلا حاجة لنا ~~في أحد من عقبه. # فقال بهرام: إن جور أبي وظلمه لا يلزمني لائمة، ولا يكسبني ذما. وأنتم لم ~~تخبروني، فيجب علي حمد أو ذم. # قالوا: فإنا قد أقمنا رجلا نرضاه. # فقال: إن هذا فساد في صلب الملكة أن تملكوا من ليس من أهلها. فإذا فعلتم، ~~فامتحنوني وهذا الرجل محنة توجب المملكة. # قالوا: وما هي؟ قال: تعمدون إلى أسدين ضاريين فتجمعونهما في موضع واحد، ~~وتضعون تاج المملكة بينهما، وتقولون لهذا الذي ملكتموه أمركم يأخذ من ~~بينهما، فإن فعل فهو أحق بالملك ms72 وأولى. وإن أبى أن يفعل، وفعلت أنا ذلك، ~~كنت أحق بالملك منه. # قالوا: نعرض عليه هذا. # فقالوا ذلك له، فقال: ما أقدر على هذا، ولكن قولوا له فليفعل. فإن أخذ ~~التاج من بين الأسدين، فهو أحق بالملك وأولى. # فأخذوا التاج، وعمدوا إلى أسدين فأجاعوهما، ثم وضعوا التاج بينهما، ~~وقالوا لبهرام: شأنك!. PageV01P035 فنزل بهرام عن فرسه، وأخذ الطبرزين ومضى ~~نحوهما. ثم بدا له، فجعل الطبرزين في منطقته؛ ودنا من الأسدين، فأهويا ~~نحوه، فأخذ برأس أحدهما فأدناه من رأس الآخر ثم نطحه به حتى قتلهما جميعا. ~~وشد على التاج، فأخذه من موضعه، فجعله على رأسه. # فملكته الفرس أمرهم، وانصرف النعمان إلى الحيرة، وسار بهرام سيرة حسنة، ~~وعدل فيهم، حتى كان أحب إليهم من جميع ملوك آل ساسان. # إلا أن اللهو واللعب كان أغلب أحواله عليه. # استقصاء أحوال الرعية # ومن أخلاق الملك السعيد البحث عن سرائر خاصته وحامته، وإذكاء العيون ~~عليهم خاصة، وعلى الرعية عامة. # وإنما سمي الملك راعيا، ليفحص عن دقائق أمور الرعية وخفي نياتهم. ومتى ~~غفل الملك عن فحص أسرار رعيته، والبحث عن أخبارها، فليس له من اسم الراعي ~~إلا رسمه، ومن الملك إلا ذكره. # فأما الملك السعيد، فمن أخلاقه البحث عن كل خفي ودفين حتى يعرفه معرفة ~~نفسه عند نفسه، وأن لا يكون شيء أهم ولا أكبر في سياسته ونظام ملكه من ~~الفحص عما قدمنا ذكره. # ولم ير ملك قط كان أعجب في هذا الأمر من أردشير بن بابك. ويقال إنه كان ~~يصبح فيعلم كل شيء بات عليه من كان في قصبه دار مملكته من خير أو شر، ويمسي ~~فيعلم كل شيء أصبحوا عليه. فكان متى شاء قال لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في ~~هذه الليلة كيت وكيت. # ثم يحدثه بكل ما كان فيه إلى أن أصبح. # فقال إن بعضهم كان يقول إنه كان يأتيه ملك من السماء، فيخبره. وما كان ~~ذلك إلا لتيقظه وكثرة تعهده لأمور رعيته. # ثم كان فيمن نأى من أهل مملكته على مثل هذه الحال. # فيقال إن ms73 الأمم كلها، أولها وآخرها، وقديمها وحديثها، لم تخف أحدا من ~~ملوكها، خوفها أردشير بن بابك من ملوك الأعاجم، ومن كان قبلهم، وعمر بن ~~الخطاب من خلفاء الإسلام. # فإن عمر كان علمه بمن نأى عنه من عماله ورعيته كعلمه بمن بات معه في مهاد ~~واحد، وعلى وساد واحد. فلم يكن له في قطر من الأقطار، ولا ناحية من النواحي ~~عامل ولا أمير جيش إلا وعليه له عين لا يفارقه ما وجده. فكانت ألفاظ من ~~بالمشرق والمغرب عنده في كل ممس ومصبح. # وأنت ترى ذلك في كتبه إلى عماله وعمالهم، حتى كان العامل منهم ليتهم أقرب ~~الخلق إليه، وأخصهم به. فساس الرعية سياسة أردشير بن بابك في الفحص عن ~~أسرارها خاصة. # ثم اقتفى معاوية فعله، وطلب أثره، فانتظم له أمره، وطالت له مدته. # وكذا كان زياد ابن أبيه يحتذي فعل معاوية، كاحتذاء معاوية فعل عمر. # وفيما يحكى عنه أن رجلا كلمه في حاجة له، فتعرف إليه، وهو يظن أنه، لا ~~يعرفه، فقال: أصلح الله الأمير! أنا فلان بن فلان. # فتبسم زياد وقال: تتعرف إلي، وأنا أعرف منك بأبيك؟ والله إني لأعرفك ~~وأعرف أباك وجدك وأمك وجدتك، وأعرف هذا البرد الذي عليك، وهو لفلان بن ~~فلان. # فبهت الرجل وأرعب حتى أرعد، وكاد يغشى عليه. # وعلى هذا كان عبد الملك بن مروان، والحجاج بن يوسف. # ثم لم يكن بعد هؤلاء أحد في مثل هذه السياسة حتى ملك المنصور. فكان أكثر ~~الأمور عنده معرفة أحوال الناس، حتى عرف الولي من العدو، والمداجي من ~~المسالم. فساس الرعية ولبسها، وهو من معرفتها على مثل وضح النهار. # ثم درست هذه السياسة حتى ملك الرشيد، فكان أشد الملوك بحثا عن أسرار ~~رعيته، وأكثرهم بها عناية، وأحزمهم فيها أمرا. # وعلى نحو هذا كان المأمون أيامه. والدليل على ما قلنا فيه ما شاهدنا من ~~رسالته إلى اسحق بن إبراهيم في الفقهاء وأصحاب الحديث، وهو بالشأم. خبر ~~فيها عن عيب واحد واحد، وعن حالته وأموره التي خفيت، أو أكثرها، عن القريب ~~والبعيد. ms74 # ثم ما علمت أن أحدا ممن كان دون السلطان الأعظم في دهرنا هذا كان أشد على ~~الأسرار بحثا وأكثر لها فحصا، حتى بلغ من هذا الجنس أقصى حده، وآخر نهايته، ~~وأبعد مداه، وجعله أكثر شغله في ليله ونهاره، إلا اسحق بن إبراهيم. # فحدثني موسى بن صالح بن شيخ، قال: كلمته في امرأة من بعض أهلنا، وسألته ~~النظر لها، فقال: يا أبا محمد! من قصة هذه المرأة ومن حالها ومن فعلها. # قال: فوالله! لم يزل يصفها ويصف أحوالها حتى بهت. # وحدث أبو البرق الشاعر، قال: كان يجري علي أرزاقا، فدخلت عليه، فقال بعد ~~أن أنشدته: كم عيالك؟ تحتاج في كل شهر من الدقيق إلى كذا ومن الحطب إلى ~~كذا. PageV01P036 فأخبرني بشيء من أمر منزلي مما جهلت بعضه، وعلمه كله. # وحدثني بعض من كان في ناحيتة، قال: رفعت إليه رقعة أسأله فيها إجراء ~~أرزاقي. # فقال: كم عيالك؟ فزدت في العدد. فقال: كذبت! فبهت، وقلت في نفسي: يا نفس، ~~من أين علم أني كذبت؟ فأقمت سنة، لا أجتري على كلامه. ثم رفعت إليه رقعة ~~أخرى في إجراء أرزاقي. فقال: كم عيالك؟ فقلت: أربعة. # فقال: صدقت فوقع في حاشية رقعتي: يجرى على عياله كذا وكذا. # ولولا أن يطول كتابنا في إسحاق وذكره، لحكينا عنه أخبارا كثيرة، وهي من ~~هذا الجنس، وفيما ذكرناه كفاية. # فعلى الملك أن يميز بين أوليائه وأعدائه بالفحص عن أسرارهم ودقيق ~~أخبارهم، حتى إن أمكنه أن يعرف مبيت أحدهم ومقيله، وما أحدث فيهما، فعل. # فإن الرعية لا تسكن قلوبها جلالة ملكها، ولو عبدته الجن والإنس ودانت له ~~ملوك الأمم كلها، حتى يكون أشد إشرافا عليها، وأكثر بحثا عن سرائرها من أم ~~الفريد عن حركته وسكونه. # خصال تطول بها مدة الملك: وأيضا فإنه يقال في بعض كتب الأوائل في مواعظ ~~الملوك وآدابها: إن الملك تطول مدته إذا كانت فيه أربع خصال: إحداهما: أنه ~~لا يرضى لرعيته إلا ما يرضاه لنفسه، والأخرى: أن لا يسوف عملا يخاف عاقبته، ~~والأخرى: أن يجعل ولي عهده ms75 من ترضاه وتختاره رعاياه، لا من تهواه نفسه، ~~والرابعة: أن يفحص عن أسرار الرعية، فحص المرضع عن منام رضيعها. # وقد تجد مصداق هذا القول ونشهد به. وذلك أنا لم نر مدة طالت لملك عربي ~~ولا عجمي قط إلا لمن فحص عن الأسرار، وبحث عن خفي الأخبار، حتى يكون في أمر ~~رعيته على مثل وضح النهار. # الملوك أمام الأمور الجليلة # ومن أخلاق الملك، إذا دهمه أمر جليل من فتق ثغر، أو قتل صاحب جيش، أو ~~ظهور عدو يدعو إلى خلاف الملة، أو قوة مناويء، أن يترك الساعات التي فيها ~~لهوه، ويجعلها وسائر الساعات في تدبير مكايدة عدوه، وتجهيز جنوده وجيوشه، ~~وأن يصرف في ذلك شغله وفكره وفراغه على مثل ما فعل من مضى من ملوك الأعاجم ~~وغيرها، للتسويف والتمني وحسن الظن بالأيام نصيبا. # فإن هذا عجز من الملك، ووهن يدخل على الملك. # وكانت ملوك الأعاجم، إذا حزبها مثل هذا، أمرت بالموائد التي كانت توضع في ~~كل يوم أن ترفع وظائفها، واقتصرت على مائدة لطيفة، ورأس الأساورة. # فلا يوضع عليها إلا الخبز والملح، والخل والبقل، فيأخذ منه شيئا هو ومن ~~معه، ثم يأتيه الخباز بالبرماورد في طبق، فيأكل منه لقمة؛ ثم يرفع المائدة، ~~ويتشاغل بتدبير حربه، وتجهيز عساكره. ولا تزال هذه حاله حتى يأتيه عن ذلك ~~الفتق ما يرتقه، وعن ذلك العدو ما يحب. فإذا أتاه، أمر أن يتخذ له طعام مثل ~~طعامه الأول، وأمر الخاصة والعامة بالحضور. وقامت الخطباء أولا بالتهنئة ~~له، والتحميد لله تعالى بالفتح عليه والنصر له. ثم قام الموبذ فتكلم، ثم ~~الوزراء بنحو من كلام الخطباء. ثم مد الناس أيديهم إلى الأطعمة على ~~مراتبهم؛ فإذا فرغوا، بسط للعامة في ظهر الإيوان، وللخاصة في صحنه بحضرة ~~الملك؛ وقعد صاحب الشرطة للعامة، كقعود الملك للخاصة. ثم دعا بالمغنين ~~وأصحاب الملاهي. # وكانوا يقولون: إن حق شكر النعمة أن يرى أثرها. # وكانت الخلفاء والأمراء، إذا دهمهم أمر، فزعوا إلى المنابر، وحرضوا الناس ~~على الطاعة، ولزوم الجماعة. # وفيما يذكر عن معاوية أنه قال: ms76 ما ذقت أيام صفين لحما ولا شحما ولا حلوا ~~ولا حامضا؛ ما كان إلا الخبز والجبن وخشن الملح، إلى أن تم لي ما أردته. # ويحكى عن عبد الملك بن مروان أن صاحب إفريقية أهدى إليه جارية تامة ~~المحاسن، شهية المتأمل. # قال: فلما أن دخلت على عبد الملك بن مروان، نظر إليها، وفي يده قضيب ~~خيزران. فصعد ببصره إليها وصوبه، ثم رمى بالقضيب، وقال: رديه علي. # فولت. فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فقال: أنت والله أمنية المتمني. # قالت: فما يمنعك يا أمير المؤمنين، إذ كانت هذه صفتي عندك؟ قال: بيت ~~الأخطل: # قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم ... دون النساء، ولو باتت بأطهار # وكان هذا في خروج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث. ثم أمر بها أن تصان ~~وتخدم. فلما فتح عليه، كانت أول جارية دعا بها. PageV01P037 ويحكى عن مروان ~~بن محمد الجعدي أنه أقام ثلاثين شهرا، لم يطأ جارية إلى أن قتل. وكان إذا ~~استهدفت إليه الجارية، قال: إليك عني! فوالله لا دنوت من أنثى، ولا حللت ~~لها عقد حبوتي، وخراسان ترجف بنصر، وأبو مجرم قد أخذ منه بالمخنق. # الحرب خدعة # ومن أخلاق الملوك المكايدة في حروبها. # ولذلك كان يقال: ينبغي للملك السعيد أن يجعل المحاربة آخر حيله، فإن ~~النفقة في كل شيء إنما هي من الأموال، والنفقة في الحروب إنما هي من ~~الأنفس. فإن كان للحيل محمود عاقبة، فذلك بسعادة الملك، إذا ربح ماله، وحقن ~~دماء جيوشه. وإن أعيت الحيل والمكايد، كانت المحاربة من وراء ذلك. # فاسعد الملوك من غلب عدوه بالحيلة والمكر والخديعة. # وقد روينا عن نبينا، صلى الله عليه وسلم، ما يحقق هذا، ويؤكده بقوله: ~~الحرب خدعة. # وليس لأحد من الخدع ما لملوك الأعاجم. والأخبار في ذلك عنهم كثيرة. ولكنا ~~نقتصر من ذلك على حديث أو حديثين. # فمن ذلك ما يذكر عن بهرام جور أنه لما ملك بعد أبيه يزدجرد، بلغه أن ~~ناحية من نواحي أطرافه قد أخذت، وغلب عليها العدو. فاستخف بها وأظهر ~~الاستهانة به، حتى قوي أمر ذلك ms77 العدو واشتدت شوكته. فكان إذا أخبر بحاله، ~~استخف بأمره، وصغر من شأنه. حتى قيل إنه قد زحف إليك، ووجه جيوشه إلى قرار ~~دارك. فقال: دعوه فليس أمره بشيء. # فلما رأى وزراؤه تهاونه وتراخيه عن أمر عدوه، واستهانته به، اجتمعوا ~~إليه، فقالوا: إن تراخي الملك عن عدوه ليس من سياسة الملك، ولا تدبير ~~المملكة، وقد قرب هذا العدو من قرار دار الملك، وأمره كل يوم في علو. # فقال بهرام: دعوه، فأنا أعلم بضعفه وصغر شأنه منكم. # وأقبل على اللهو واللعب، وترك ما يجب عليه من الصمد لعدوه والقصد له. # فلما دنا عدوه منه، وأشرف عليه، وخاف الوزراء ورؤساء أهل المملكة ~~اجتياحه، اجتمعوا فتآمروا بينهم على توبيخ الملك وتعنيفه وإعلامه ما قد ~~أشرفوا عليه من البوار والهلكة. # وبلغه الخبر، فأمر مائتي جارية من جواريه، فلبسن الثياب المصبغة المختلفة ~~الألوان، ووضعن على رؤوسهن أكاليل الريحان، وركبن القصب. # وفعل بهرام كما فعلن، فلبس من ثيابهن المصبوغة، وركب قصبة، وأذن للوزراء ~~فدخلوا عليه. فلما رآهم، صاح بالجواري، فمررن يخطرن، وبهرام خلفهن يغني، ~~وهن يغنين معه، ويصحن ويلعبن. # فلما رأى ذلك وزراؤه، يئسوا منه واجتمعوا على خلعه. # وبلغه الخبر، فدعا جارية من خاص جواريه، وقال: لك الويل إن علم أحد من ~~أهل المملكة ما أريد أن أفعل! ثم أمرها أن تحلق رأسه فحلقته. ودعا بمدرعة ~~صوف فتدرعها، وخرج في جوف الليل ومعه قوسه ونشابه. # وتقدم إلى الجارية أن تخفي أمره، وتظهر أنه عليل إلى رجوعه إليها. # ومضى وحده، حتى انتهى إلى طلائع العدو. فكمن في مغار على ظهر الطريق. ~~فجعل لا يمر به طائر في السماء، ولا وحش في البر، إلا وضع سهمه منه حيث ~~أحب. # وجعل يجمع كل ما صاد من ذلك، فجمعه بين يديه حتى صار كالشيء العظيم. # قال: فمر به صاحب طليعة العدو، فنظر إلى أمر بهت له. فأخذه وقال: ويلك! ~~ما أنت، ومن أنت، ومن أين أنت؟ قال: إن أعطيتني الأمان، أخبرتك! قال: فلك ~~الأمان! قال: أنا غلام سائس، وإن مولاي غضب ms78 علي - وكان لي محسنا - فأوجعني ~~ضربا، ونزع ثيابي، وحلق رأسي، وألبسني هذه المدرعة، وأجاعني. وإني طلبت ~~غفلته، فخرجت أطلب شيئا أصيده فآكله. فما أعجبني كثرة ما صدت، اردت أن أرمي ~~بكل ما معي من هذه السهام، ثم أنصرف. # فأخذه، فحمله إلى الملك، فأخبره بقصته. فقال له الملك: إرم بين يدي! فرمى ~~بين يديه، فكان لا يضع سهمه في طائر ولا غيره إلا أصابه حيث أراد. فبهت ~~الملك، وطال تعجبه. فقال: ويلك! في هذه المملكة من يرمي رمايتك؟ فضحك ~~بهرام، وقال: أيها الملك! أنا أخسهم رماية، وأحقرهم قدرا. وعندي جنس آخر من ~~الثقافة. # قال: وما هو؟ قال: ادع لي بإبر. # فدعا له بها. فأخذ إبرة، فرمى بها على عشرة أذرع، ثم أتبعها بأخرى ~~فشكلها، ثم اتبعها بأخرى فشكلها كذلك، حتى جعلها سلسلة قد تعلق بعضها ببعض. # فبهت الملك، وملي قلبه رعبا، فقال له: ويلك! ملككم هذا جاهل! أما يعلم ~~أني قد قربت من قرار داره! فضحك بهرام، وقال: إن أعطاني الملك الأمان ~~نصحته. قال: قد أعطيتك الأمان. PageV01P038 قال: إن ملكنا إنما تركك ~~استهانة بأمرك، وتصغيرا لشأنك، وعلما بأنك لا تخرج من قبضته. وذلك أني أخس ~~من في دار مملكته، وأخملهم ذكرا. فإذا كنت، وأنا بهذه الحال، أقتل بألف سهم ~~ألف رجل، فما ظنك بالملك، وله مائة ألف عبد في قرار داره، أصغرهم شأنا أكبر ~~مني؟ فقال له الملك: صدقني فيما قلت! ولقد خبرت عن بهرام من تصغيره لشأني، ~~واستخفافه بأمري ما طابق خبرك. وما تركني أبلغ هذا الموضع من ملكه إلا لما ~~ذكرت؟ فأمر عظيم جيشه أن يرتحل من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل. ثم خرج ~~لا يلوي على شيء، وأطلق بهرام. فانصرف بعد ثالثة، حتى دخل داره ليلا؛ فلما ~~أصبح، قعد للناس، ودخل عليه الوزراء والعظماء، فقال: ما عندكم من خبر عدونا ~~هذا؟ فأخبروه بانصرافه عنهم. فقال: قد كنت أقول لكم إنه صغير الشأن، ضعيف ~~المنة. # ولم يعلم أحد منهم ما كانت العلة في انصرافه. # مكايد كسرى أبرويز: وكان كسرى ms79 أبرويز، بعد بهرام جور، صاحب مكايد وخدع في ~~الحروب، ونكاية في العدو. # وكان قد وجه شهر براز لمحاربة ملك الروم، وكان مقدما عنده في الرأي ~~والنجدة والبسالة ويمن النقيبة. # فكان شهر براز قد ضيق على ملك الروم قرار داره، وأخذ بمخنقه، حتى هم ~~بمهادنته، ومل محاربته، وطلب الكف عنه. فأبى ذلك عليه شهر براز. # واستعد له ملك الروم بأفضل عدة، وأتم آلة، وأحد شوكة، وتأهب للقائه في ~~البحر. # فجاءه في جمع لا تحصى عدته. قد أعد في البحر كل ما يحتاج إليه من مال ~~وسلاح وكراع وآلة وطعام وغير ذلك، والسفن مشحونة موقرة. # فبينا هو كذلك إذ عصفت ريح في تلك الليالي، فقلعت أوتاد تلك السفن كلها ~~وحملتها إلى جانب شهر براز، فصارت في ملكه. # وأصبح ملك الروم، قد ذهب أكثر ما كان يملك من الأموال والخزائن والعدد ~~والسلاح. فوجه شهر براز بتلك الخزائن والأموال إلى أبرويز. فلما رأى أبرويز ~~ما وجه به شهر براز، كبر في عينه، وعظم في قلبه، وقال: ما نفس أحق بطيب ~~الثناء، ورفيع الدعاء، والشكر على الفعل الظاهر من شهر براز! جادلنا بما لا ~~تسخو به النفوس، ولا تطيب به القلوب! فجمع وزراءه، وأمر بتلك الأموال ~~والخزائن، فوضعت نصب عينيه، ثم قال لوزرائه: هل تعلمون أحدا أعظم خطرا ~~وأمانة، وأحرى بالشكر من شهر براز؟ فقامت الوزراء، فتكلم كل واحد منهم، بعد ~~أن حمد الله وشكره ومجده، وأثنى على الملك وهنأه، ثم ذكر ما خص الله به ~~الملك من يمن نقيبة شهر براز وعفافه وطهارته ونبله وعظيم عنايته. # حتى إذا فرغوا، أمر بإحصاء تلك الأموال والخزائن. ثم قام أبرويز فدخل إلى ~~نسائه. وكان للملك غلام يقال له رسته، وكان شيء الرأي في شهر براز؛ فقال: ~~أيها الملك! قد ملأ قلبك قليل من كثير، وصغير من كبير، وتافه من عظيم، خانك ~~فيه شهر براز، وآثر به نفسه. ولئن كان الملك مع رأيه الثاقب، وحزمه الكامل، ~~يظن أن شهر براز أدى الأمانة، لقد بعد ظنه من الحق، وخس ms80 نصيبه. # فوقع في نفس أبرويز ما قال رسته، فقال له: ما أظنك إلا صادقا. فما الرأي ~~عندك؟ قال: تكتب غليه بالقدوم، وتوهمه أن بك حاجة إلى مناظرته ومشاورته في ~~لم أمر لم تجز الكتابة به، فإنه إذا قدم لم يخلف ما يملك وراءه، إذ كان لا ~~يدري أيرجع إلى ما هناك أم لا؛ فيكون كل ما يقدم به نصب عينيك. # فكتب أبرويز إلى شهر براز يأمره بالقدوم عليه لمناظرته ومشاورته في أمر ~~يدق عن الكتاب والمراسلة. # فلما مضى الرسول، أردفه برسول آخر وكتب إليه: إني كنت كتبت إليك آمرك ~~بالقدوم لناظرك في مهم من أمري. ثم علمت أن مقامك هناك أقدح في عدوك، وأنكى ~~له، وأصلح للملك، وأوفر على المملكة. فأقم، وكن من عدوك، على حذر، ومن غرته ~~على تيقظ. فإنه من ذهب ماله، حمل نفسه على التلف أو الحتف. والسلام! وقال ~~للرسول الثاني: إن قدمت فرأيته قد تأهب للخروج إلي وظهر ذلك في عسكره، ~~فادفع إليه هذا الكتاب.. وكتب: أما بعد، فإني كتبت إليك، وقد استبطأت جواب ~~قدومك وحركتك. وعلمت أن ذلك لأمر تصلحه من أمر نفسك أو مكيدة عدوك. فإذا ~~أتاك كتابي هذا، فخلف أخاك على عملك، وأغذ السير، ولا تعرج على مهم ولا ~~غيره، إن شاء الله. PageV01P039 وإن لم تره استعد للخروج، ولا تأهب له، ~~فادفع إليه الكتاب الأول. فقدم الرسول الثاني، وليس لشهر براز في الخروج ~~وعزم ولا خاطر، ولا هم به. فدفع إليه الكتاب الأول. # فقال شهر براز: أول كل قتلة حيلة. # وكان خليفة شهر براز: بباب الملك قد كتب إليه ما كان من قول رسته للملك، ~~وما كان من جواب الملك له. # ثم نازعت أبرويز نفسه، ودعاه شرهه إلى إعادة الكتاب إلى شهر براز بالقدوم ~~عليه. # فلما قرأ شهر براز كتابه الثالث، قال: كان الأمر قبل اليوم باطنا، فأما ~~اليوم فقد ظهر. # فلما علم أبرويز أن نية شهر براز قد فسدت، وأنه لا يقدم عليه، كتب إلى ~~أخي شهر براز: إني قد وليتك أمر ms81 ذلك الجيش، ومحاربة ملك الروم. فإن سلم لك ~~شهر براز ما وليتك، وإلا فحاربه! فلما أتاه كتابه، أظهره، وبعث إلى شهر ~~براز يخبره أن الملك قد ولاه موضعه، وأمره بمحاربته إن أبى أن يسلم إليه ما ~~ولاه. # فقال له شهر براز: أنا أعلم بأبرويز منك. هو صاحب حيل ومكايد، وقد فسدت ~~بيته لي ولك. فإن قتلني اليوم قتلك غدا؛ وإن قتلك اليوم، كان قتلي غدا ~~أقوى. # ثم إن شهر براز صالح ملك الروم، لما خاف أبرويز. وتوثق كل واحد منهما من ~~صاحبه، واجتمعا على محاربة أبرويز. فقال له شهر براز: دعني أتولى محاربته، ~~فإني أبصر بمكايده وعوراته. # فأبى عليه ملك الروم، وقال: بل أقم في دار مملكتي حتى أتولى أنا محاربته ~~بنفسي. # فقال شهر براز: أما إذ أبيت علي، فإني مصور لك صورة، فاعمل بما فيها، ~~وامتثلها. # ثم صور له كل منزل ينزله بينه وبين أبرويز في طريقه كله، وأي المنازل ~~ينبغي له أن يقيم فيه، وأيها يجعلها طريقا وسيرا ماضيا، حتى إذا أقامه من ~~طريقه كله على مثل وضح النهار، قال له: فإذا صرت بالنهروان، فأقم دونه، ولا ~~تقطعه غليه، واجعله منزلك، وجهز جيوشك وعساكرك إليه. # فمضى ملك الروم نحوه. # وبلغ أبرويز الخبر، فضاق به ذرعه، وارتج عليه أمره، فكان أكثر جنوده قد ~~تفرقوا لطلب المعاش، لقطعه عنهم ما كان يجب لهم من إقطاعاتهم وأرزاقهم. ~~فبقي في جند كالميت، أكثرهم هزلى أضراء. # وكان ملك الروم يعمل على ما صوره له شهر براز في طريقه كله، حتى إذا أشرف ~~على النهروان، عسكر هناك، واستعد للقاء أبرويز. وقد بلغه قلة جموعه، وتفرق ~~جنوده، وسوء حال من بقي معه. وكان في أربعمائة ألف، قد ضاقت بهم الفجاج ~~والمسالك، فطمع في قتل أبرويز ولم يشك في الظفر به. # فدعا أبرويز رجلا من النصارى، كان جده قد أنعم على جد النصراني واستنقذه ~~من القتل أيام قتل ماني وكان من أصحابه الذين استجابوا له، فقال له أبرويز: ~~قد علمت ما تقدم من أيادينا عندكم، أهل ms82 البيت قديما وحديثا. # قال: أجل أيها الملك! وإني لشاكر ذلك لك ولآباءك. # قال: فخذ هذه العصا، وامض بها إلى شهربراز، فأته في قرار ملك الروم، ~~فادفعها إليه من يدك إلى يده. # وعمد إلى عصا مثقوبة، فأدخل فيها كتابا صغيرا منه إلى شهر براز: أما بعد، ~~فإني كتبت إليك كتابي هذا واستودعته العصا. فإذا جاءك فحرق دار مملكة ~~الروم، واقتل المقاتلة، واسب الذرية، وانهب الأموال، ولا تتركن عينا تطرف، ~~ولا أذنا تسمع، ولا قلبا يعي، إلا كان لك فيه حكم. واعلم أني واثب بملك ~~الروم يوم كذا وكذا. فليكن هذا وقتك الذي تعمل فيه ما أمرتك. # قال: وأمر للنصراني بمال، وجهزه، وقال: لا تعرجن على شيء، ولا تقيمن يوما ~~واحدا. وإياك ثم إياك أن تدفع العصا إلا إلى شهر براز، من يدك إلى يده! ثم ~~ودعه، ومضى النصراني. فلما عبر النهروان، اتفق أن كان عبوره مع وقت ضرب ~~النواقيس. فسمع قرع عشرة آلاف ناقوس أو أكثر. فانهملت عيناه، وقال: بئس ~~الرجل أنا إن أعنت على دين النصرانية، وأطعت أمر هذا الجبار الظالم! فأتى ~~باب ملك الروم، فاستأذن عليه، فأذن لله، فأخبره بقصة أبرويز حرفا حرفا، ثم ~~دفع إليه العصا، فأخذها ونظر فيها. ثم استخرج الكتاب منها، فقريء عليه، ~~فنخر وقال: خدعني شهر براز! ولئن وقعت عيني عليه، لأقتلنه! وأمر، فقوضت ~~أبنيته من ساعته؛ ونادى في الناس بالرحيل، وخرج ما يلوي على أحد. # ووجه أبرويز عينا له يجيئه بخبره؛ فانصرف إليه، فأخبره أن الملك قد مضى ~~ما يلتفت لفتة، فضحك أبرويز وقال: إن كلمة واحدة هزمت أربعمائة ألف لجليل ~~قدرها، ورفيع ذكرها! PageV01P040 وغذ قد انتهينا إلى هذا الموضع من كتابنا ~~هذا، وأخبرنا بأخلاق الملوك في أنفسها وما يجب على رعاياها لها، بقدر وسع ~~طاقتنا، فلنختم كتابنا هذا بذكر من بعثنا على نظمه، وكان مفتاحا لتأليفه ~~وجمعه. # ولنقل إنا لم نر في صدر هذه الدولة المباركة العباسية، ولا في تاريخها ~~وأيامها إلى هذه الغاية، فتى اجتمعت له فضائل الملوك وآدابها ومكارمها ~~ومناقبها، فحاز ms83 الولاء من هاشم والخصيص من خلفاء بني العباس الطيبين، ~~والتبني من المعتصم بالله، وإخوته الأبرار من أئمة المؤمنين، وورثة خاتم ~~النبيين، عدا الأمير الفتح بن خاقان، مولى أمير المؤمنين. # فلتهنئة هذه النعمة المهداة! وبارك له واهبها، وزاده إليها الدأب عليها ~~حتى يبلغ به ارفع يفاعها، وأسنى ذروتها، وأعلى درجاتها، في طول من العمر، ~~وسلامة من عوادي الزمان وغيره، ونكباته وعثراته، فإنه رحيم كريم! ~~PageV01P041 ms84