######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0010428 #META# 000.BookURI :: #0255.Jahiz.Rasail #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: عمرو بن بحر بن محبوب الكناني بالولاء، الليثي، أبو عثمان، الشهير بالجاحظ (المتوفى: 255ه) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 255 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل الجاحظ #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: الأدب والبلاغة #META# 022.BookVOLS :: 4 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0010428 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-10428 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/10428 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد السلام محمد هارون #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: مكتبة الخانجي، القاهرة #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1384 ه - 1964 م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | 3- من كتابه التربيع والتدوير PageV03P053 ### || فصل من كتاب التربيع والتدوير # فانظر في مسالمة النفوس مع تقارب منازلها، ولم تجاذبت عند تقارب مراتبها، ~~ولم اختلف الكثير واتفق القليل؟ ولم كانت الكثرة علة للتخاذل، والقلة سببا ~~للتناصر؟ وما فرق ما بين المجاراة والتحاسد، وبين المنافسة والتغالب، فإنك ~~متى عرفت ذلك استرحت منا ورجونا أن نستريح منك. # وكيف يعرف السبب من يجهل المسبب، وكيف يعرف الوصل من يجهل الفصل، وكيف ~~يعرف الحدود من لم يسمع الفصول. بل يعرف كيف الحجة من الشبهة، والغدر من ~~الحيلة، والواجب PageV03P055 ~~من الممكن، والغفل من الموسوم، والمحال من الصحيح، والأسرار من المجهول ~~ومن كبار الدلائل الخفية وما يعلم مما لا يعلم، وما يعلم باللفظ دون ~~الإشارة مما لا يعلم إلا بالإشارة دون اللفظ، وما يعلم معتمدا ولا يعلم ~~مكيفا ولا يعلم معتقدا. وما المستغلق الذي يجوز أن يفارقه استغلاقه، ~~والمستبهم الذي لا يفارقه استبهامه، ومن هو طائر مع العوام حيث طارت، وساقط ~~معها حيث سقطت، مع الزراية والرغبة عنها. قد طلبها بفضل طلبه لنفسه، وجرى ~~معها بقدر مناسبتها لقدره. # فاعرف الجنس من الصنف، والقسم من النصنف، وفرق ما بين الذم واللوم، وفصل ~~ما بين الحمد والشكر، وحد الاختيار من الإمكان، والاضطرار من الإيجاب. ~~وسنعرفك من جملة ما ذكرنا بابا بابا أنت إليه أحوج، وهو علينا أرد. ### || فصل # وما في الأرض إقرار أثبت، ودليل أوضح، وشاهد أصدق، من شاهدي عليك على ما ~~ادعيت لنفسك من الرفعة مع ما ظهر من حسدك لأهل الصنعة. وهل يكون كذلك إلا ~~فاسد الحس ظاهر العنود، أو جاهل بالمحال. PageV03P056 # وبعد فأنت - أبقاك الله - في يدك قياس لا يكسر، وجواب لا ينقطع، ولك حد ~~لا يفل وغرب لا ينثني، وهو قياسك الذي إليه تنسب، ومذهبك الذي إليه تذهب: ~~أن تقول: وما علي أن يراني الناس عريضا وأكون في حكمهم غليظا وأنا عند الله ~~تعالى طويل جميل، وفي الحقيقة مقدود رشيق. وقد علموا - حفظك الله - أن لك ~~مع طول الباد راكبا، طول الظهر جالسا، ولكن بينهم فيك ms01 إذا قمت اختلاف، ~~وعليك لهم إذا اضطجعت مسائل. # ومن غريب ما أعطيت، ومن بديع ما أوتيت أنا لم نر مقدودا واسع الجفرة ~~غيرك، ولا رشيقا مستفيض الخاصرة سواك. فأنت المديد وأنت البسيط، وأنت ~~الطويل وأنت المتقارب. # فيا شعرا جمع الأعاريض، ويا شخصا جمع الاستدارة والطول. # بل ما يهمك من أقاويلهم، ويتعاظمك من اختلافهم، والراسخون في العلم، ~~والناطقون بالفهم، يعلمون أن استفاضة عرضك قد أدخلت PageV03P057 ~~الضيم على ارتفاع سمكك، وأن ما ذهب منك عرضا قد استغرق ما ذهب منك طولا. ~~ولئن اختلفوا في طولك لقد اتفقوا في عرضك. وإن كانوا قد سلموا لك بالرغم ~~شطرا، فقد حصلت ما سلموا وأنت على دعواك فيما لم يسلموا. # ولعمري إن العيون لتخطىء، وإن الحواس لتكذب، وما الحكم القاطع إلا للذهن، ~~وما الاستبانة الصحيحة إلا للعقل؛ إذ كان زماما على الأعضاء، وعيارا على ~~الحواس. # ومما يثبت أيضا أن ظاهر عرضك مانع من إدراك حقيقة طولك قول أبي داوود ~~الإيادي في إبله: # سمنت فاستحش أكرعها لا ال %~% ني ني ولا السنام سنام # ولو لم يكن فيك من العجب إلا أنك أول من عوده الله تعالى بالصبر على خطاء ~~الحس وبالشكر على صواب الذهن، لقد PageV03P058 ~~كنت في طولك غاية للعالمين، وفي عرضك منارا للمضلين. # وقد تظلم المربوع مثلي من الطويل مثل عمر، ومن القصير مثل عمرو إذ زعم ~~أنه أفرط في الرشاقة ونسب إلى القضاضة، لأن إفراط عرضه غمر الاعتدال من ~~طوله، وكلاهما يحتاج إلى الاعتذار، ويفتقر إلى الاعتدال. # والمربوع بحمد الله تعالى قد اعتدلت أجزاؤه في الحقيقة، كما اعتدلت في ~~المنظر، فقد استغنى بعز الحقيقة عن الاعتذار، وبحكم الظاهر عن الاعتلال. # وقد سمعنا من يذم الطوال كما سمعنا من يزري على القصار، ولم نسمع أحدا ذم ~~مربوعا ولا أزرى عليه، ولا وقف عنده ولا شك فيه. ومن يذمه إلا من ذم ~~الاعتدال، ومن يزري عليه إلا من أزرى على الاقتصاد، ومن ينصب للصواب الظاهر ~~إلا المعاند، ومن يماري في العيان إلا الجاهل؛ بل من يزري على ms02 أحد بتفاقم ~~التركيب، PageV03P059 ~~وبسوء التنضيد مع قول الله عز وجل: " ما ترى في خلق الرحمن من تفاوت ". # وبعد فأي قد أردأ، وأي نظام أفسد من عرض مجاوز للقدر، أو طول مجاوز ~~للقصد. ومتى يضرب العرض بسهمه على قدر حقه، ويأخذ الطول من نصيبه على مثل ~~وزنه، خرج الجسم من التقدير، وجاوز التعديل. فإذا خرج من التقدير تفاسد، ~~وإذا تفاسد وجاوز التعديل تباين. # ولو جاز هذا الوصف، وحسن هذا النعت، كان لإبراهيم بن السندي من الفضيلة ~~ما ليس لأحمد بن عبد الوهاب. # وهذا كله بعد أن يصدقوك على ما ادعيت لطولك في الحقيقة، واحتججت به لعرضك ~~في الحكومة. كما أنك بإعمالك لما ينفيه PageV03P060 ~~العيان، واستشهادك لما تنكره الأذهان، معترض للصدق من المتكرم، ومتحكك ~~بالحلم من المتغافل. وأي صامت لا ينطقه هذا المذهب، وأي ناطق لا يغريه هذا ~~القول. # وإذا كان هذا ناقضا لعزم المتسلم فما ظنك بعادة المتكلف. # فأنشدك الله أن ~~تغري بك السفهاء، وتنقض عزائم الحكماء. # وما أدري - حفظك الله - بأي الأمرين أنت أعظم إثما، وفي أيهما أنت أفحش ~~ظلما: أبتعرضك للعوام، أم بإفسادك حكم الخواص. # وبعد فما يحوجك إلى هذا، وما يدعوك إليه وأشباهك من القصار كثير، ومن ~~ينصرك منهم غير قليل. ### || فصل # وقلت: ولولا فضيلة العرض على الطول لما وصف الله تعالى وعز وجل، الجنة ~~بالعرض دون الطول، حيث يقول: " وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ". فهذا ~~برهانك الواضح. PageV03P061 # ولو لم يكن فيك من الرضا والتسليم، ومن القناعة والإخلاص إلا أنك ترى ما ~~عند الله خيرا لك مما عند الناس، وأن الطول الخفي أحب إليك من الطول ~~الظاهر، لكان في ذلك ما يقضي لك بالإنصاف، ويحكم لك بالتوفيق. # وأنا - أبقاك الله - أعشق إنصافك كما تعشق المرأة الحسناء، وأتعلم خضوعك ~~للحق كما أتعلم التفقه في الدين. ولربما ظننت أن جورك إنصاف قوم آخرين، وأن ~~تعقدك سماح رجال منصفين. # وما أظنك صرت إلى معارضة الحجة بالشبهة، ومقابلة الاختيار بالاضطرار، ~~واليقين بالشك، واليقظة بالحلم إلا للذي خصصت به من إيثار الحق، وألهمته ms03 من ~~فضيلة الإنصاف، حتى صرت أحوج ما تكون إلى الإنكار أذعن ما تكون بالإقرار؛ ~~وأشد ما تكون إلى الحيلة فقرا أشد ما تكون للحجة طلبا. غير أن ذلك بطرف ~~ساكن، وصوت خاضع، وقلب جامع، وجأش رابط، ونية جسور، وإرادة تامة، مع غفلة ~~كريم، وفطنة عليم. إن انقطع خصمك تغافلت، وإن خرق PageV03P062 ~~ترفقت، غير منخوب ولا متشعب، ولا مدخول ولا مشترك، ولا ناقص النفس، ولا ~~واهن العزم، ولا حسود ولا منافس، ولا مغالب ولا معاقب. تفل الحز وتصيب ~~المفصل، وتقرب البعيد وتظهر الخفي، وتميز الملتبس وتلخص المشكل، وتعطي ~~المعنى حقه من اللفظ كما تعطي اللفظ حظه من المعنى. وتحب المعنى إذا كان ~~حيا يلوح، وظاهرا يصيح، وتبغضه مستهلكا بالتعقيد، ومستورا بالتغريب. # وتزعم أن شر الألفاظ ما غرق المعاني وأخفاها، وسترها وعماها، وإن راقت ~~سمع الغمر، واستمالت قلب الريض. # أعجب الألفاظ عندك ما رق وعذب، وخف وسهل، وكان موقوفا على معناه، ومقصورا ~~عليه دون ما سواه. لا فاضل ولا مقصر، ولا مشترك ولا مستغلق، قد جمع خصال ~~البلاغة، واستوفى خلال المعرفة. PageV03P063 # فإذا كان الكلام على هذه الصفة، وألف على هذه الشريطة، لم يكن اللفظ أسرع ~~إلى السمع من المعنى إلى القلب، وصار السامع كالقائل، والمتعلم كالمعلم، ~~وخفت المؤنة واستغنى عن الفكرة، وماتت الشبهة وظهرت الحجة، واستبدلوا ~~بالخلاف وفاقا، وبالمجاذبة موادعة، وتهنئوا بالعلم، وتقنعوا ببرد اليقين، ~~واطمأنوا بثلج الصدور، وبان المنصف من المعاند، وتميز الناقص من الوافر وذل ~~الخطل وعز المحصل، وبدت عورة المبطل، وظهرت براءة المحق. # وقلت: والناس وإن قالوا في الحسن: كأنه طاقة ريحان، أو خوط آس، وكأنه ~~قضيب خيزران، وكأنه غصن بان، وكأنه رمح رديني، وكأنه صفيحة يمان، وكأنه سيف ~~هندواني، وكأنه جان، وكأنه جدل عنان؛ فقد قالوا: كأنه المشتري، وكأن وجهه ~~دينار هرقلي. وما هو إلا البحر، وما هو إلا الغيث. وكأنه الشمس، وكأنها ~~دارة القمر، وكأنها الزهرة، وكأنها درة، وكأنها غمامة، وكأنها مهاة. PageV03P064 # وقد نراهم وصفوا المستدير والعريض بأكثر مما وصفوا القضيف الطويل. # وقلت: ووجدنا الأفلاك وما فيها، ms04 والأرض وما عليها، على التدوير دون ~~التطويل، كذلك الورق والحب، والثمر والشجر. # وقلت: والرمح وإن طال فإن التدوير عليه أغلب؛ لأن التدوير قائم فيه موصلا ~~ومفصلا، والطول لا يوجد فيه إلا موصلا ومفصلا. وكذلك الإنسان وجميع ~~الحيوان. # وقلت: ولا يوجد التربيع إلا في المصنوع دون المخلوق، وفما أكره على ~~تركيبه دون ما خلي وسوم طبيعته. # وعلى أن كل مربع ففي جوفه مدور، فقد بان المدور بفضله، وشارك المطول في ~~حصته. # ومن العجب أنك تزعم أنك طويل في الحقيقة ثم تحتج للعرض والاستدارة، وقد ~~أضربت عما عند الله صفحا، ولهجت بما عند الناس. PageV03P065 ~~0ف - أما حور العين فقد انفردت بحسنه، وذهبت ببهجته وملحه، إلا ما أبانك ~~الله تعالى به من الشكلة فإنها لا تكون في اللئام، ولا تفارق الكرام. # وأما سواد الناظر وحسن المحاجر، وهدب الأشفار، ورقة حواشي الأجفان، فعلى ~~أصل عنصرك ومجاري أعراقك. # وأما إدراكك الشخص البعيد، وقراءتك الكتاب الدقيق ونقش الخاتم قبل ~~الطابع، وفهم المشكل قبل التأمل، مع وهن الكبرة وتقادم الميلاد، ومع تخون ~~الأيام وتنقص الأزمان، فمن توتيا الهند، ولترك الجماع، ومن الحمية الشديدة ~~وطول استقبال الخضرة، فأنت يا عم عندما تصلح ما أفسده الدهر، وتسترجع ما ~~أخذته الأيام، لكما قال الشاعر: # عجوز ترجي أن تكون فتية %~% وقد لحب الجنبان واحدودب الظهر # تدس إلى العطار سلعةأهلها %~% ولن يصلح العطار ما أفسد الدهر PageV03P066 # وكيف أطمع في نزوعك عن اللجاج وقد منعتنيه قبله. وكيف أرجو إقرارك جهرا ~~وقد أبيته سرا، وكيف تجود به صحيحا مطمعا وقد بخلت به مريضا مؤيسا. # وكيف يرجو خيرك من رآك تطاول أبا جعفر وتحاسنه، وتنافره وتراهنه، ثم لا ~~تفعل ذلك إلا في المحافل العظام، وبحضرة كبار الحكام، ثم تستغرب ضحكا من ~~طمعه فيك، وتعجب الناس من مجاراته لك. # وأشهد لك بعد هذا أنك ستحاسن عمرا الجاحظ وتعاقله، ثم تظارفه وتطاوله، ~~وتتغنى مع مخارق، وتنكر فضل زبزب، وتستجهل النظام، وتستغبي قيس بن زهير، ~~وتستخف PageV03P067 ~~الأحنف بن قيس وتبارز علي بن أبي طالب، ثم تخرج من حد ms05 الغلبة إلى حد ~~المراء، ومن حد الأحياء إلى حدود الموتى. # هذا وليس لك مساعد، ولا معك شاهد واحد، ولا رأيت أحدا يقف في الحكم عليك، ~~أو ينتظر تحقيق دعواك؛ ولا رأيت منكرا يخليك من التأنيب، ولا مؤنبا يخليك ~~من الوعيد، ولا موعدا يخليك من الإيقاع، ولا موقعا يرثي لك، ولا شافعا يشفع ~~فيك. # يا عم، لم تحملنا على الصدق؟ ولم تجرعنا مرارة الحق؟ ولم تعرضنا لأداء ~~الواجب؟ ولم تستكثر من الشهود عليك؟ ولم تحمل الإخوان على خلاف محبتهم فيك؟ # اجعل بدل ما تجني على نفسك أن تجني على عدوك، وبدل ما يضطر الناس أن يصدقوا ~~فيك أن تضطرهم إلى أن يمسكوا عنك. # ولا بد - يرحمك الله - لمن فاته الطول من أن يلقي بيده، إنما يقول خلاف ~~ما يجده في نفسه. فوالله إنك لجيد الهامة، وفي ذلك خلف لحسن القامة. # وإنك لحسن الحظ، وفي ذلك عوض من حسن اللفظ. وإنك PageV03P068 ~~لتجد مقالا، وإنك لتعد خصالا. فقل معروفا فإنا من أعوانك، واقتصد فإنا من ~~أنصارك. وهات فإنك لو أسرفت لقلنا قد اقتصدت، ولو جرت لقلنا قد اهتديت، ~~ولكنك تجيء بشيء " تكاد السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا ". # لو غششناك لساعدناك، ولو نافقناك لأغريناك. ### || فصل # وقد كنت - أطال الله بقاءك - في الطول زاهدا، وعن القصر راغبا، وكنت أمدح ~~المربوع وأحمد الاعتدال. ولا والله لن يقوم خير الاعتدال بشر قصر العمر، ~~ولا جمال المربوع بما يفوت من منفعة العلم. # فأما اليوم فياليتني كنت أقصر منك وأضوى، وأقل منك وأقما. # وليس دعائي لك بطول البقاء طلبا للزيادة، لكن على جهة التعبد والاستكانة، ~~فإذا سمعتني أقول أطال الله بقاءك فهذا المعنى أريد، وإذا رأيتني أقول لا ~~أخلى الله مكانك فإلى هذا المعنى أذهب. PageV03P069 # وقد زعموا، جعلت فداءك، أن كل ما طال عمره من الحيوانات زائد في شدة ~~الأركان، وفي طول العمر وصحة الأبدان، كالورشان والضباب وحمر الوحش، وكلحم ~~النسر لمن أكله، ولحم الحية لمن استحله فإذا كان هذا حقا وكان نافعا، وكنت ~~له مستعملا ms06 وفيه متقدما، وتراه رأيا، أخذنا منه بنصيب، وتعلقنا منه بسبب. # وفيك أمران غريبان، وشاهدان بديعان: جواز الكون والفساد عليك، وتعاور ~~النقصان والزيادة إياك. وجوهرك فلكي وتركيبك أرضي. فمنك طول البقاء، ومعك ~~دليل الفناء. وأنت علة للمتضاد وسبب للمتنافي. وما ظنك بخلق لا تضره ~~الإحالة، ولا يفسده التناقض. ### || فصل # جعلت فداك، قد شاهدت الإنس منذ خلقوا، ورأيت الجن قبل أن يحجبوا، ووجدت ~~الأشياء بنفسك خالصة وممزوجة، وأغفالا وموسومة، وسالمة ومدخولة، فما يخفى ~~عليك الحجة من الشبهة، ولا السقم من الصحة، ولا الممكن من الممتنع، ولا ~~المستغلق من المبهم، ولا النادر من البديع، ولا شبه الدليل من الدليل. # وعرفت علامة الثقة من علامة الريبة، حتى صارت الأقسام عندك محصورة، ~~والحدود محفوظة، والطبقات معلومة، والدنيا بحذافيرها PageV03P070 ~~مصورة. ووجدت السبب كما وجدت المسبب، وعرفت الاعتلال كما عرفت الاحتجاج، ~~وشاهدت العلل وهي تولد، والأسباب وهي تصنع، فعرفت المصنوع من المخلوق، ~~والحقيقة من التمويه. ### || فصل # إنك - جعلت فداءك - كما أنك لم تكن فكنت، فكذا لا تكون بعد أن كنت. وكما ~~زدت في الدهر الطويل فكذا تنقص في الدهر الطويل. وكل طويل فهو قصير، وكل ~~متناه فهو قليل. فإياك أن تظن أنك قديم فتكفر، وإياك أن تنكر أنك محدث ~~فتشرك؛ فإن للشيطان في مثلك أطماعا لا يصيبها في سواك، ويجد فيك عللا لا ~~يجدها في غيرك. ### || فصل # وقد علمت أن الخبر إذا صح أصله وكان للناس علة في نشره، كان في الدلالة ~~على الحق كالعيان، وفي الشفاء كالسماع. # على أن الخبر لا يعرف به تكيف الأمور ولكن تعرف به جمل الأشياء، إلا خبرك ~~فإنك لا تحتاج إلى إشارة ولا إلى علة، ولا إلى PageV03P071 ~~تفسير حتى يقوم خبرك في الشفاء وفي كيفية الشيء مقام العيان. # وقد كنت أتعجب من محمد بن عبد الملك وأقول: ما يقولون في رجل لم يقل قط ~~بعد انقضاء خصومه وذهاب خصمه: لو كنت قلت كذا كان أفضل، أو كنت لم أقل كذا ~~كان أمثل! فما بال عفوه أكثر من جهدكم، وبديهته أبعد من ms07 أقصى فكرتكم؟ ! # فلما رأيتك علمت أنك عذاب صبه الله تعالى على كل رفيع، ورحمة أنشأها الله ~~لكل وضيع. # فخبرني عما جرى بينك وبين هرمس في طبيعة الفلك، وعن سماعك من أفلاطون، ~~وما دار بينك وبين أرسطاطاليس، وأي نوع اعتقدت وأي شيء اخترت؟ فقد أبت نفسي ~~غيرك، وأبت أن تتشفى إلا بخبرك. # ولولا أني كلف برواية الأقاويل، ومغرم بمعرفة الاختلاف وأني لا أستجيز ~~مسألتك عن كل شيء، وابتذالك في كل أمر، لما سمعت من أحد سواك، ولما انقطعت ~~إلى أحد غيرك. PageV03P072 # اعلم، جعلت فداءك، أني لم أرد بمزاحك إلا أن أضحك سنك، ولا كانت غايتي ~~فيك إلا لأنفق عندك. وقد كنت خفت أن لا أكون وقفت على حده، وأشفقت من ~~المجاوزة لقدره. # والمزاح باب ليس المخوف فيه التقصير، ولا يكون الخطأ فيه من جهة النقصان. ~~وهو باب متى فتحه فاتح، وطرق له مطرق، ولم يملك من سده مثل الذي يملك من ~~فتحه، ولم يخرج بقدر ما كان قدم من نفسه، لأنه باب أصل بنائه على الخطأ، ~~ولا يخالطه من الأخلاق إلا ما سخف. ومن شأنه التزيد، وأن يكون صاحبه قليل ~~التحفظ. # ولم نر شيئا أبعد من شيء ولا أطول له صحبة ولا أشد خلافا ولا أكثر له ~~خلطة، من الجد والمزاح، والمناظرة والمراء. # فإن كنت لم أقصر عن الغاية، ولم أتجاوز حد النهاية فبما أعرف من يمن ~~مكالمتك، وبركة مكاتبتك، ومن حسن تقويمك وجودة تثقيفك. وإن كنت أخطأت ~~الطريق، وجاوزت المقدار، فما كان ذلك عن جهل بفضلك، ولا إنكار لحقك، ولكن ~~حدود الأشياء إذا خفيت، ومقاديرها إذا أشكلت، ولم يكن مع الناظر فيها مثل PageV03P073 ~~تمامك، ولا مع التكلف لها مثل كمالك، دخل عليه من الخلل بقدر عجزه، وسلم ~~منه بقدر نفاذه. نعم ولو كان من العلماء الموصوفين، ومن الأدباء المذكورين. # ومن المزاح - جعلت فداءك - باب مكر وجنس خدع يتكل المرء في إساءته إلى ~~جليسه، واستماعه لصديقه على أن يقول: مزحت، وعلى أن يقول عند المحاكمة: ~~عبثت، وعلى أن يقول: من يغضب ms08 من المزاح إلا كز الخلق؟ ! ومن يرغب عن ~~المفاكهة إلا ضيق العطن؟ ! # وبعد فمتى أعدت النفس عذرا كانت إلى القبيح ~~أسرع، ومتى لم تعده كانت عنه أبطأ. # ومن أسباب الغلط فيه ومن دواعي الخطأ إليه أن كثيرا ممن تمازحه يضحكك وإن ~~كنت أغضبته، ولا يقطع مزاحك وإن كنت قد أوجعته. فإن حقد ففي الحقد الداء، ~~وإن عجل فذلك البلاء. # فإن قلت: فما أدخلك في شيء هذه سبيله، وهكذا جوهره وطريقه؟ قلت: لأني حين ~~أمنت عقاب الإساءة، ووثقت بثواب PageV03P074 ~~الإحسان، وعلمت أنك لا تقضي إلا على العمد، ولا تعذب إلا على القصد، صار ~~الأمن سائقا، والأمل قائدا. # وأي عمل أرد، وأي متجر أربح مما جمع السلامة والغنيمة، والأمن والمثوبة. # ولو كان هذا ذنبا كنت شريكي فيه، ولو كان تقصيرا لكنت سببي إليه، لأن ~~دوام التغافل شبيه بالإهمال، وترك التعريف يورث الإغفال، والعفو الشائع ~~والبشر الدائم يؤمنان من المكافأة، ويذهبان بالتحفظ؛ ولذلك قال عيينة بن ~~حصن لعثمان بن عفان: " عمر كان خيرا لي منك، أرهبني فاتقاني، وأعطاني ~~فأغناني ". # فإن كنت اجترأت عليك فلم أجترىء عليك إلا بك؛ وإن كنت أخطأت فلم أخطىء ~~عليك إلا لك؛ لأن حسن الظن بك والثقة بعفوك سبب إلى قلة التحفظ، وداعية إلى ~~ترك التحرز. PageV03P075 # وبعد فمن وهب الكبير كيف يقف عند الصغير، ومن لم يزل يعفو عن العمد كيف ~~يعاقب على السهو؟ ! # ولو كان عظم قدري هو الذي عظم ذنبي لكان عظم قدري هو ~~الذي شفع لي. ولو استحققت عقابك بإقدامي عليك مع خوفي لك لاستوجبت عفوك عن ~~إقدامي عليك بحسن ظني بك. # على أني متى أوجبت لك العفو فقد أوجبت لك الفضل، ومتى أضفت إليك العقاب ~~فقد وصفتك بالإنصاف. ولا أعلم حال الفضل إلا أشرف من حال العدل؛ والحال ~~التي توجب لك الشكر إلا أرفع من الحال التي توجب لك الصبر. # وإن كنت لا تهب عقابي لحرمتي فهبه لأياديك عندي؛ فإن النعمة تشفع في ~~النعمة. # فإن لم تفعل ذلك للحرمة فافعله لحسن الأحدوثة، وعد إلى حسن ms09 العادة. وإن ~~لم تفعل ذلك لحسن العادة فائت ما أنت أهله. # واعلم أني وإياك متى تحاكمنا إلى كرمك قضي لي عليك، ومتى ارتفعنا إلى ~~عدلك حسن العفو عني عندك. PageV03P076 # وفصل ما بيننا وبينك، وفرق ما بين أقدارنا وقدرك، أنا نسيء وتغفر، ونذنب ~~وتستر، ونعوج وتقوم، ونجهل وتعلم؛ وأن عليك الإنعام وعليك الشكر. ومن صفاتك ~~أن تفعل ومن صفاتنا أن نصف. # وإذا فعلت ما تقدر عليه من العقاب كنت كمن فعل ما يقدر عليه من التعرض، ~~وصرت ترغب عن الشكر كما رغبنا عن السلم، وصار التعرض لعفوك بالأمن باطلا، ~~والتعرض لعقابك بالخوف حقا، ورغبت عن النبل والبهاء، وعن السؤدد والسناء، ~~وصرت كمن يشفي غيظا أو يداوي حقدا، أو يظهر القدرة أو يحب أن يذكر بالصولة. # ولم نجدهم - أبقاك الله - يحمدون القدرة إلا عند استعمالها في الخير، ~~ويذمون العجز إلا لما يفوت به من إتيان الجميل. # وأنى لك بالعقاب وأنت خير كلك، ومن أين اعتراك المنع وأنت أنهجت الجود ~~لأهله. وهل عندك إلا ما في طبعك، وكيف لك بخلاف عادتك؟ فلم تستكره نفسك على ~~المكافأة وطباعها الصفح؟ ولم تكدها بالمناقشة ومذهبها المسامحة؟ PageV03P077 # سبحان من جعل أخلاقك وفق أعراقك، وفعلك وفق عملك، ومن جعل ظنك أكثر من ~~يقيننا، وفراستك أثقب من عياننا، وعفوك أرجح من جهدنا، وبداهتك أجود من ~~تفكرنا، وفعلك أرفع من وصفنا، وغيبتك أهيب من حضور السادة، وعتبك أشد من ~~عقاب الظلمة. # وسبحان من جعلك تعفو عن المتعمد، وتتجافى عن عقاب المصر، وتتغافل عن ~~المناوي وتصفح عن المتهاون حتى إذا صرت إلى من ذنبه نسيان وتوبته خلاص، ~~وهفوته بكر، وشفاعته الحرمة ومن لا يعرف الشكر إلا لك، والإنعام إلا منك، ~~ولا العلم إلا من تأديبك، ولا الأخلاق إلا من تقويمك، ولا يقصر في بعض ~~طاعتك إلا لما رأى من احتمالك، ولا نسي بعض ما يجب لك إلا لما داخله من ~~تعظيمك صرت تتوعده بالصرم وهو دليل كل بلية، وتستعمل الإعراض وهو قائد كل ~~هلكة. # وقد علمت أن عتابك أشد من الصريمة، ms10 وأن تأنيبك أغلظ من PageV03P078 ~~العقوبة، وأن منعك إذا منعت في وزن إعطائك إذا أعطيت، وأن عقابك على حسب ~~ثوابك، وأن جزعي من حرمانك في وزن سروري بفوائدك، وأن شين غضبك كزين رضاك، ~~وأن موت ذكري بانقطاع سببي منك كحياة ذكري مع اتصال سببي بك. # وما لي اليوم عمل أنا إليه أسكن، ولا شفيع أنا به أوثق، من شدة جزعي من ~~عتبك، وإفراط هلعي من خوفك. ولست ممن إذا جاد بالصفح ومن بالعفو لم يكن ~~لصاحبه منه إلا السلامة والنجاة من الهلكة. بل تشفع ذلك بالمراتب الرفيعة، ~~والعطايا الجزيلة، والعز في العشيرة، والهيبة في الخاصة والعامة، مع طيب ~~الذكر وشرف العقب، ومحبة الناس. # وأما ذكرى القد والخرط، والطول والعرض، وما بيننا وبينك في ذلك من ~~التنازع، والتشاجر والتنافر، فإن الكلام قد يكون في لفظ الجد وهو مزاح. # ولو استعمل الناس الدماثة في كل حال، والجد في كل مقال، وتركوا التسمح ~~والتسهيل وعقدوا في كل دقيق وجليل، لكان PageV03P079 ~~الشر صراحا خيرا لهم، والباطل محضا أرد عليهم. ولكن لكل شيء قدر، ولكل ~~حال شكل. فالضحك في موضعه كالبكاء في موضعه، والتبسم في موضعه كالقطوب في ~~موضعه. وكذلك المنع والبذل، والعقاب والعفو، وجميع القبض والبسط. # فإن ذممنا المزاح ففيه لعمري ما يذم، وإن حمدناه ففيه ما يحمد. وفصل ما ~~بينه وبين الجد أن الخطأ إلى المزاح أسرع، وحاله بحال السخف أشبه. فأما أن ~~يذم حتى يكون كالظلم، وينفى حتى يصير كالغدر فلا؛ لأن المزاح مما يكون مرة ~~حسنا ومرة قبيحا. فإذا صرنا إلى الجد، ورغبنا عن الهزل وتركنا المزاح، ~~وجلسنا للحكم، فقد أغناك الله تعالى عن الحجة، كما سلمك من الشبهة، ولم ~~نكلفك الاحتجاج كما نرغب بك من الاعتلال، فأصبحت لا محتجا ولا محجوجا، ولا ~~غفلا ولا موسوما، ولا ملوما ولا معذورا، ولا فيك اختلاف ولا بك حاجة إلى ~~الائتلاف. # وليس مع العيان وحشة، ولا مع الضرورة وجمة، ولا دون اليقين وقفة. PageV03P080 # وهل في تمامك ريب حتى يعالج بالحجة؟ وهل يرد فضلك جاحد حتى ms11 يثبت بالبينة. # وهل لك خصم في العلم أو ند في الفهم، أو مجار في الحلم، أو ضد في العزم؟ # وهل يبلغك الحسد أو تضرك العين، أو تسمو إليك المنى أو يطمع فيك طامع، أو ~~يتعاطى شأوك باغ؟ # وهل غاية الجميل إلا وصفك، وهل زين البليغ إلا مدحك، وهل ~~يأمل الشريف إلا اصطناعك؟ وهل يقدر الملهوف إلا غياثك؟ وهل للطلاب غاية ~~سواك؟ وهل للغواني مثل غيرك؟ وهل للماتح رجز إلا فيك، وهل يحدو الحادي إلا ~~بك؟ # ولولا أن يأخذ الواصف لك بنصيبه منك، وبحصته من الصدق، PageV03P081 ~~وبسهمه من الشكر لك، لكان الإطناب عندهم في وصفك لغوا، ولكان تكلفه فضلا. # ومن هذا الذي يضعه أن يكون دونك، أو يهجى بالتسليم، ولم نعد إقراره ~~إحسانا، وخضوعه إنصافا؟ # وهل تقع الأبصار إلا عليك، وهل تصرف الإشارة إلا ~~إليك؟ # وأي أمرك ليس بغاية، وأي شيء منك ليس في النهاية؟ وهل فيك شيء يفوق ~~شيئا أو يفوقه شيء؟ أو يقال: لو لم يكن كذا لكان أحسن، أو لو كان كذا لكان ~~أتم؟ # وأين الحسن الخالص والجمال الفائق، والملح المحض والحلاوة التي لا ~~تستحيل، والتمام الذي لا يحيل، إلا فيك، أو عندك، أو لك أو معك؟ # لا بل أين ~~الحسن المصمت والجمال المفرد، والقد العجيب، والملح المنثور والفضل ~~المشهور، إلا لك وفيك؟ # وهل على ظهرها جميل حسيب أو عالم أديب إلا وظلك أكبر PageV03P082 ~~من شخصه، وظنك أكثر من علمه، واسمك أفضل من معناه، وحلمك أثبت من نجواه؟ # ولربما رأيت الرجل حسنا جميلا، وحلوا مليحا، وعتيقا رشيقا، وفخما نبيلا، ثم ~~لا يكون موزون الأعضاء ولا معتدل الأجزاء. # وقد تكون أيضا الأقدار متساوية غير متقاربة ولا متفاوتة ويكون قصدا، ~~ومقدارا عدلا، وإن كانت هناك دقائق خفية لا يراها الغبي، ولطائف غامضة لا ~~يعرفها إلا الذكي. # فأما الوزن المتحقق، والتعديل الصحيح، والتركيب الذي لا يفضحه التفرس، ~~ولا يحصره التعنت، ولا يتعلل جادبه، ولا يطمع في التمويه ناعته، فهو الذي ~~خصصت به دون الأنام، ودام لك على الأيام. # وكذا الحسن إذا ms12 كان حرا مرسلا، وعتيقا مطلقا، لا يتحكم PageV03P083 ~~عليه الدهر، ولا يذبله الزمان، ولا يحتاج إلى تعليق التمائم، ولا إلى ~~الصون والكن، ولا إلى المنقاش والكحل. # ولو لم يكن لحسن وجهك إلا أنه قد سهل في العيون تسهيلا، وحبب إلى القلوب ~~تحبيبا، وقرب إلى النفوس تقريبا، حتى امتزج بالأرواح وخالط الدماء، وجرى في ~~العروق وتمشى في العظم بحيث لا يبلغه السمر ولا الوهم، ولا السرور الشديد، ~~ولا الشراب الرقيق، لكان في ذلك المزية الظاهرة، والفضيلة البينة. # ولو لم يكن لك إلا أننا لا نستطيع أن نقول في الجملة، وعند الوصف ~~والمدحة: لهو أحسن من القمر، وأضوأ من الشمس، وأبهى من الغيث، وأحسن من يوم ~~الحلية؛ وأنا لا نستطيع أن نقول في التفاريق: كأن عنقه إبريق فضة، وكأن ~~قدمه لسان حية، وكأن وجهه ماوية، وكأن بطنه قبطية، وكأن ساقه بردية، وكأن ~~لسانه ورقة، وكأن أنفه حد سيف، وكأن حاجبه خط بقلم، وكأن لونه الذهب، وكأن ~~عوارضه البرد، وكأن فاه خاتم، وكأن PageV03P084 ~~جبينه هلال. ولهو أطهر من الماء، وأرق طباعا من الهواء، ولهو أمضى من ~~السيل، وأهدى من النجم لكان في ذلك البرهان النير، والدليل البين. # وكيف لا تكون كذلك وأنت الغاية في كل فضل، والمثل في كل شكل. وأما قول ~~الشاعر: # يزيدك وجهه حسنا %~% إذا ما زدته نظرا # وقول الدمشقيين: ما تأملنا قط تأليف مسجدنا، وتركيب محرابنا وقبة مصلانا ~~إلا أثار لنا التأمل، واستخرج لنا التفرس، غرائب حسن لم نعرفها، وعجائب ~~صنعة لم نقف عليها. وما ندري أجواهر مقطعاته أكرم في الجواهر، أم تنضيد ~~أجزائه في تنضيد الأجزاء؟ فإن ذلك معنى مسروق مني في وصفك، ومأخوذ من كتبي ~~في مدحك. # والجملة التي تنفي الجدال، وتقطع القيل والقال، أني لم أرك قط إلا ذكرت ~~الجنة، ولا رأيت أجمل الناس في عقب رؤيتك! إلا ذكرت النار! # ولا تعجب أيها ~~السامع واعلم أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني مقصر. وإذا رأيته علمت أني ~~فيما يجب له مفرط. # هو رجل طينته حرة، وعرقه كريم، ومغرسه طيب، ms13 ومنشأه PageV03P085 ~~محمود، غذي في النعمة، وعاش في الغبطة، وأرهقه التأديب، ولطفه طول ~~التفكير، وخامره الأدب، وجرى فيه ماء الحياء. ~~فأفعاله كأخلاقه، وأخلاقه كأعراقه، وعادته كطبيعته، وآخره كأوله، تحكي ~~اختياراته التوفيق، ومذاهبه التسديد. لا يعرف التكلف، ويرغب عن التجوز، ~~وينبل عن ترك الإنصاف. لا تمتنع عليه معرفة المبهم، ولا يلحج باستبانة ~~المشكل، ولا يعرف الشك إلا في غيره، ولا العي إلا سماعا. # فمن يطمع في عيبك، بل من يطمع في قدرك. وكيف وقد أصبحت وما على ظهرها خود ~~إلا تعثر باسمك، ولا قينة إلا وهي تغنى بمدحك، ولا فتاة إلا تشكو تباريح ~~حبك، ولا محجوبة PageV03P086 ~~إلا وهي تنقب الخروق لممرك، ولا عجوز إلا وهي تدعو لك، ولا غيور إلا وقد ~~شقي بك. # فكم من كبد حرى منضجة، ومصدوعة مفرثة، وكم حشا خافق وقلب هائم، وكم عين ~~ساهرة وأخرى جامدة وأخرى باكية؟ وكم عبرى مولهة وفتاة معذبة، قد أقرح قلبها ~~الحزن، وأجمد عينها الكمد، واستبدلت بالحلي العطلة وبالأنس الوحشة، ~~وبالتكحيل المره، فأصبحت والهة مبهوتة، وهائمة مجهودة، بعد ظرف ناصع، وسن ~~ضاحك؛ وبعد أن كانت نارا تتوقد وشعلة تتوهج. # وليس حسنك - أبقاك الله - الحسن الذي تبقى معه توبة، أو تصح معه عقيدة، ~~أو يدوم معه عهد، أو يثبت معه عزم، PageV03P087 ~~أو يمهل صاحبه للتثبت، أو يتسع للتحير، أو ينهنهه زجر، أو يفيده خوف. هو ~~- أبقاك الله - شيء ينقض العادة، ويفسخ المنة، ويعجل عن الروية، ويطوح ~~بالعزاء، وينسى معه العواقب. # ولو أدركك عمر بن الخطاب لصنع بك أعظم مما صنع بنصر ابن الحجاج، ولركبك ~~بأعظم مما ركب جعدة السلمى. بل لدعاه الشغل بك إلى ترك التشاغل بهما، ~~والغيظ عليك إلى الرحمة لهما. PageV03P088 # فمن كان عيب حسنه الإفراط، والطعن عليه من جهة الزيادة، كيف يرومه عاقل ~~أو ينتقصه عالم. # وما ندري في أي الحالين أنت أجمل، وفي أي المنزلتين أنت أكمل، إذا فرقناك ~~أو إذا جمعناك، وإذا ذكرنا كلك أم إذا تأملنا بعضك؟ # فأما كفك فهي التي لم ~~تخلق إلا للتقبيل والتوقيع، وهي التي يحسن ms14 بحسنها كل ما اتصل بها، ويختال ~~بها كل ما صار فيها. # وكما أصبحنا وما ندري: آلكأس التي في يدك أجمل أم القلم، أم الرمح الذي ~~تحمله أم المخصرة، أم العنان الذي تمسكه، أم السوط الذي تعلقه؟ # وكما أصبحنا ~~وما ندري أي الأمور المتصلة برأسك أحسن، أم أيها أجمل وأشكل: آللمة أم مخط ~~اللحية، أم الإكليل أم العصابة، أم العمامة أم القناع أم القلنسوة؟ # وأما قدمك فهي التي يعلم الجاهل كما يعلم العالم، ويعلم البعيد PageV03P089 ~~الأقصى كما يعلم القريب الأدنى، أنها لم تخلق إلا لمنبر عظيم، أو ركاب ~~طرف كريم. # وأما فوك فهو الذي لا ندري: أي الذي تتفوه به أحسن، وأي الذي يبدو منه ~~أجمل: الحديث أم الشعر، أم الاحتجاج، أم الأمر والنهي، أم التعليم والوصف؟ # وعلى أننا لا ندري أي ألسنتك أبلغ، وأي بيانك أشفى. أقلمك أبلغ أم خطك، أم ~~لفظك؟ أم إشارتك أم عقدك؟ وأنت في ذلك فوقهم - والحمد لله - وواحدهم، ~~وأعيذك بالله تعالى. # وقد علمنا أن القمر، وهو الذي يضرب به الأمثال، ويشبه به أهل الجمال، ~~يبدو مع ذلك ضئيلا ونضوا، ويظهر معوجا شختا وأنت أبدا قمر بدر، وفخم غمر. # ثم مع ذلك يخرق في السرار، ويتشاءم به في المحاق، ويكون نحسا كما يكون ~~سعدا، ويكون ضرا كما يكون نفعا، ويقرض PageV03P090 ~~الكتان، ويشحب الألوان، ويخم فيه اللحم. وأنت دائم اليمن، ظاهر السعادة، ~~ثابت الكمال، شائع النفع، تكسو من أعراه، وتكن من أشحبه. # وعلى أنه محق حسنه المحاق، وشانه الكلف، وليس بذي توقد واشتعال، ولا خالص ~~ولا متلألىء، ويعلوه برد ويكسفه ظل، ثم لا يعتبر ذلك إلا عند كماله، وليلة ~~فخره واحتفاله. # وكثيرا ما يعتريه الصفار من بخار البحار. وأنت ظاهر التمام، دائم الكمال، ~~سليم الجوهر، كريم العنصر، ناري التوقد، هوائي الذهن بري اللون، روحاني ~~البدن. # وإن احتجوا عليك له بالجزر والمد، احتججت عليهم بالحلم والعلم، وبأن ~~طاعتك اختيار، وطاعته طباع واضطرار، وبأن له سيرة PageV03P091 ~~قد قصر عليها، ومنازل لا يجاوزها، ولا يمكنه البدوات، وليس في قواه فضل ms15 ~~للتصرف. # على أن ضياءه مستعار من الشمس، وضياؤك عارية عند جميع الخلق. وكم بين ~~المعير والمستعير، والمتبين والمتحير، وبين العالم وما لا خير فيه. # تعير نسيم الهواء طيبا، وتراب الأرض عبقا. # إن تفتيت فالرشاقة والملح، وإن تنسكت فالرهبانية والإخلاص، وإن ترزنت ~~فثهلان ذو الهضبات ما يتحلحل. # وطباعك - جعلت فداءك - طباع الخمر، إلا أنك حلال كلك. وجوهرك جوهر الذهب ~~إلا أنك روح كما أنت. وقد حويت خصال الياقوت إلا ما زادك الله، وأخذت خصال ~~المشتري إلا ما فضلك الله به، وجمعت خلال الدر إلا ما خصصت به دونه. فلك من ~~كل PageV03P092 ~~شيء صفوته وشرفه، ولبابه وبهاؤه. وهل يضير القمر نباح الكلب، وهل يزعزع ~~النخلة سقوط البعوضة؟ ! # فأما القول في المزاح فقد بقي أكثره ومضى أقله. # وقد ذهب الناس في المزاح في مذاهب متضادة، وسلكوا منه في طرق مختلفة، ~~فزعم بعضهم أن جميع المزاح خير من جميع الجد، وزعم آخرون أن الخير والشر ~~عليهما مقسومان، وأن الحمد والذم بينهما نصفان. # وسنأتي على جمل هذه الأقاويل، ثم نذكر جملة ما نقول إن شاء الله. # فأما المحامي عن الهزل والمفضل للمزح فإنه قال: # أول ما أذكر من خصال ~~الهزل، ومن فضائل المزح، أنه دليل على حسن الحال وفراغ البال، وأن الجد لا ~~يكون إلا من فضل الحاجة، والمزح لا يكون إلا من فضل الغنى، وأن الجد نصب، ~~والمزح جمام، والجد مبغضة والمزح محبة. وصاحب الجد في بلاء ما كان فيه، ~~وصاحب المزح في رخاء إلى أن يخرج منه. PageV03P093 # والجد مؤلم وربما عرضك لأشد منه، والمزح ملذ وربما عرضك لألذ منه. فقد ~~شاركه في التعريض للخير والشر، وباينه بتعجيل الخير دون الشر. # وإنما تشاغل الناس ليفرغوا، وجدوا ليهزلوا، كما تذللوا ليعزوا، وكدوا ~~ليستريحوا، وإن كان المزاح إنما صار معيبا، والهزل مذموما، لأن صاحبه لا ~~يكون إلا معرضا لمجاوزة الحد، ومخاطرا بمودة الصديق. # فالجد داعية إلى الإفراط، كما أن المزاح داعية إلى مجاوزة القدر والتجاوز ~~للجد قاطع بين الفريقين في جميع النوعين. # فقد ساواه المزح فيما ms16 هو له وباينه فيما ليس له. وإن كان المزح إنما صار ~~قبيحا لأن الذي يكون بعده جد، ولم يصر الجد قبيحا لأن الذي يكون بعده مزح، ~~وكان الجد في هذا الوزن أقبح، وكان المزح على هذا التقدير أحسن، لأن ما جعل ~~الشيء قبيحا أقبح من الشيء، كما أن ما جعل الشيء حسنا أحسن من الشيء. # فأما الذي عدل بينهما فإنه زعم أن المزاح في موضعه، كالجد في موضعه، كما ~~أن المنع في حقه كالبذل في حقه. PageV03P094 # دقال: ولكل شيء موضع، وليس شيء يصلح في كل موضع. ~~وقد قسم الله تعالى الخيرة على المعدلة، وأجرى جميع الأمور إلى غاية ~~المصلحة، وقسط أجزاء المثوبة على العزيمة والرخصة وعلى الإعلان والتقية، ~~وأمر بالمداراة كما أمر بالمباداة، وجوز المعاريض كما أمر بالإفصاح، وسوغ ~~المباح كما شدد أمر المفروض، وجعل المباح جماما للقلوب، وراحة للأبدان، ~~وعونا على معاودة الأعمال، فصار الإطلاق كالحظر، والصبر كالشكر. # فليس للإنسان من الخيرة في الذكر شيء إلا وله في النسيان مثله، ولا في ~~الفطنة شيء إلا وله في الغفلة مثله، ولا في السراء إلا وله في الضراء مثله. # ولو لم يرزق الله تعالى العباد إلا بالصواب محضا، وبالصدق بحتا، وبمر ~~الحق صفحا، لهلكت العوام، ولانتقض أمر الخاص. PageV03P095 # ولو ذكر الإنسان كل ما أنسيه لشقي، ولو جد في كل شيء لانتكث. # وقد يكون الذكر إلى الهلكة سلما كما يكون النسيان للسلامة سببا. وسبيل ~~المزاح والجد كسبيل المنع والبذل. وعلى ذلك يجري جميع القبض والبسط. # فهذا وما قبله جمل أقاويل القوم. # ونحن نعوذ بالله أن نجعل المزاح في الجملة كالجد في الجملة، بل نزعم أن ~~بعض المزح خير من بعض الجد، وعامة الجد خير من عامة الهزل. والحق أن ينضح ~~عن بعض المزح، ويحتج لجمهور الجد. وكيف لنا بذم جميع المزح مع ما نحن ~~ذاكرون. # وقد مزح رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولا يقال: كان فيه مزاح، ولا يقال ~~مزاح. وكذا الأئمة ومن تبذل في بعض الحالات من أهل الحلم والوقار. ms17 # وقال عمر رضوان الله تعالى عليه: " إنا إذا خلونا كنا كأحدكم ". # وقد كان عمر عبوسا قطوبا. PageV03P096 # وكان زياد مع كلوحه وقطوبه، يمازح أهله في الخلا كما يجد في الملا. # وكان الحجاج مع عتوه وطغيانه، وتمرده وشدة سلطانه، يمازح أزواجه ويرقص ~~صبيانه. وقال له قائل: أيمازح الأمير أهله؟ قال: " والله إن تروني إلا ~~شيطانا؟ والله لربما رأيتني وإني لأقبل رجل إحداهن! ". # فقد ذكرنا خير العالمين، وجلة من خيار المسلمين، وجبارا عنيدا، وكافرا ~~لعينا. # وبعد فمن حرم المزاح وهو شعبة من شعب السهولة، وفرع من فروع الطلاقة. وقد ~~أتانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحنيفية السمحة، ولم يأتنا بالانقباض ~~والقسوة، وأمرنا بإفشاء السلام، والبشر عند الملاقاة، وأمرنا بالتوادد ~~والتصافح والتهادي. ### || فصل # قد اعتذرنا في معصيتك والخلاف على محبتك مرة بالمزاح، ومرة بالنسيان، ~~ومرة بالاتكال على عفوك وعلى ما هو أولى بك. PageV03P097 ~~والجملة أنا لو تعمدنا ثم أصررنا ثم أنكرنا، لكان في فضلك ما يتغمدنا، ~~وفي كرمك ما يوجب التغافل عنا. فكيف وإنما سهونا ثم تذكرنا، واعتذرنا ثم ~~أطنبنا. # فإن تقبل، فحظك أصبت، ولنفسك نظرت. وإن لم تقبل فاجهد جهدك، ولا أبقى ~~الله عليك إن أبقيت، ولا عفا عنك إن عفوت. وأقول كما قال أخو بني منقر: # فما بقيا علي تركتماني %~% ولكن خفتما صرد النبال # والله لئن رميتني ببجيلة لأرمينك بكنانة، ولئن نهضت بصالح بن علي لأنهضن ~~بإسماعيل بن علي، ولئن صلت علي بسليمان بن وهب لأدمغنك بالحسن بن وهب، ولئن ~~تهت علي بمنادمة جعفر الخياط PageV03P098 ~~لأتيهن عليك بحسبة وهب الدلال. # وأنا أرى لك أن تقبل العافية، وترغب إلى الله تعالى في السلامة. واحذر ~~البغي فإن مصرعه وخيم، واتق الظلم فإن مرعاه وبيل. # وإياك أن تتعرض لجرير إذا هجا، وللفرزدق إذا فخر، ولهرثمة إذا دبر، ولقيس ~~بن زهير إذا مكر، وللأغلب إذا كر، ولطاهر إذا صال. ومن عرف قدره عرف قدر ~~خصمه، ومن جهل نفسه لم يعرف قدر غيره. # وعليك بالجادة ودع البنيات فإن ذلك أمثل لك. PageV03P099 # وأنت - والله يا أخي - تعلم ms18 علم الاضطرار وعلم الاختيار وعلم الأخبار، ~~أني أظهر منك حربا، وألطف كيدا، وأكثر علما، وأوزن حلما، وأخف روحا، وأكرم ~~عينا، وأقل غثا وأحسن قدا وأبعد غورا، وأجمل وجها، وأنصع ظرفا. وأكثر ملحا، ~~وأنطق لسانا وأحسن بيانا، وأجهر جهارة، وأحسن شارة. # وأنت رجل تشدو من العلم، وتنتف من الأخبار، وتموه نفسك، وتعز من قدرك، ~~وتتهيأ بالثياب، وتتنبل بالمراكب، وتتحبب بحسن اللقاء، ليس عندك إلا ذاك. ~~فلم تزاحم البحر بالجداول، والأجسام بالأعراض، وما لا يتناهى بالجزء الذي ~~لا يتجزأ. # فأما الباد والقامة، فمن يعدل بين القناة والكرة، ومن يميل بين النخلة ~~والدقل، وبين رحى الطحان وبين سيف يمان. وإنما يكون التمييل بين أتم ~~الخيرين وأنقص الشرين، وبين المتقاربين PageV03P100 ~~دون المتفاوتين. فأما الخل والعسل، والحصاة والجبل، والسم والغذاء، ~~والفقر والغنى، فهذا مما لا يخطأ فيه الذهن ولا يكذب فيه الحس. # والخطأ ثلاث: خطأ الحس، وخطأ الوهم، وخطأ الرأي. كل ذلك سبيله التنبيه ~~والتذكير، والتقويم والتأنيب. # والعمد نوع واحد، وسبيله القمع والحظر، والضرب والقتل. وأول ذلك أن يهجره ~~صاحب الحكمة، ولا يطمعه في وعظ ولا مجالسة. # وقد رأيت من يعاند الحق إذا كانت المعرفة عيانا. وأنت لا ترضى بجحد ~~العيان حتى تدعو إليه، ولا ترضى بالدعاء إليه حتى تعادي فيه، ولا ترضى ~~بالعداوة حتى يكون لك في ذلك الرياسة، ولا ترضى بالرياسة دون السابقة، ولا ~~بالطارف دون التالد، ولا بالتالد دون الأعراق التي تسري، والمواليد التي ~~تنمي. ولا ترضى بأن يكون أولا حتى تكون آخرا، ولا بالمداراة دون المباداة، PageV03P101 ~~ولا بالجدال دون القتال. وحتى ترى أن التقية حرام وأن التقصير كفر. # وحتى لو كنت إمام الرافضة لقتلت في طرفة ولو قتلت في طرفة لهلكت الأمة، ~~لأنك رجل لا عقب لك. والإمامة اليوم لا تصلح في الإخوة، واو صلحت في الإخوة ~~كانت تصلح في ابن العم، ثم دنت من الأرحام شيئا فصارت لا تصلح إلا في ~~الولد. وفي هذا القياس أنها بعد أعوام لا تصلح إلا ببقاء الإمام نفسه إلى ~~آخر الأبد. وهذا هو علة ms19 أصحاب التناسخ. وأنت رافضي ولم يكن هذا عندك. # فأهد إلي الآن من خالص التوتيا كما أهديت إليك باب التناسخ. # وأنت ترى القتل في حق المعاندة شهادة، وترى أن مباينة PageV03P102 ~~المنصفين في تعظيم العنود سعادة، وأن الرياسة في دفع الحقائق مرتبة، وأن ~~الإقرار بما يظهر للعيون ضعة، وأن الشهرة بالمغالبة رفعة. # أظهر القوم عندك حجة أرفعهم صوتا، وأخلقهم للتوبة أصلبهم وجها، وأحسنهم ~~تقية أقلهم تحرجا، وأحسنهم إنصافا أشدهم شغبا. # تعشق المتهور، وتكلف بالجموح، وتصافي الوقاح. والأديب عندك من يعيب ~~أحاديث الجلساء، واعترض على نوادر الإخوان، وغمز في قفا النديم، ونصب ~~للعالم، وأبغض العاقل، واستثقل الظريف، وحسد على كل نعمة، وأنكر كل حقيقة. # جعلت فداك. إنما أخرجك من شيء إلى شيء، وأورد عليك الباب بعد الباب، لأن ~~من شأن الناس ملالة الكثير، واستثقال الطويل وإن كثرت محاسنه وجمت فوائده. ~~وإنما أردت أن يكون استطرافك للآتي قبل أن ينقضي استطرافك للماضي؛ ولأنك ~~متى PageV03P103 ~~كنت للشيء متوقعا، وله منتظرا، كان أحظى لما يرد عليك، وأشهى لما يهدى ~~إليك. وكل منتظر معظم، وكل مأمول مكرم. # كل ذلك رغبة في الفائدة، وصبابة بالعلم، وكلفا بالاقتباس، وشحا على نصيبي ~~منك، وضنا بما أؤمله عندك، ومداراة لطباعك، واستزادة من نشاطك. ولأنك على ~~كل حال بشر، ولأنك متناهي القوة مدبر. ### || فصل # والعقل - حفظك الله - أطول رقدة من العين، وأحوج إلى الشحذ من السيف، ~~وأفقر إلى التعاهد، وأسرع إلى التغير، وأدواؤه أقتل، وأطباؤه أقل. فمن ~~تداركه قبل التفاقم أدرك أكثر حاجته، ومن رامه بعد التفاقم لم يدرك شيئا من ~~حاجته. # ومن أكبر أسباب العلم كثرة الخواطر، ثم معرفة وجوه المطالب. ثم في ~~الخواطر الغث والسمين، والفاسد والصحيح، والمسرع إليك والبطيء عنك، والدقيق ~~الذي لا يكاد يفهم، والجليل الذي لا يلقى الفهم. ثم هي على طبقاتها في ~~التقديم والتأخير، وعلى منازلها في التباين والتمييز. PageV03P104 # وللمطالب طرق، ولدرك الحقائق أبواب؛ فمن أخطأها وانتظر كان أسوأ حالا ممن ~~لم يخطئها ولم ينتظر. وعلى قدر صحة العقل يصح الخاطر، وعلى قدر التفرغ يكون ~~التنبه. ms20 # هذا جماع هذا الكتاب وجمهرته، وأقسامه وجملته. # ثم من نفع أسبابه الحفظ لما قد حصل، والتقييد لما ورد، والانتظار لما لم ~~يرد، وأن لا تخلي نفسك من الفكرة إلا بقدر جمام الطبيعة، وأن تعلم أن مكان ~~الدرس من الحفظ كمكان الحفظ من العلم، وأن تعرف فصل ما بين طلب العلم ~~للمنافسة والشهرة، وبين طلبه للرغبة والرهبة، وتعلم أن العلم لا يجود ~~بمكنونه، ولا يسمح بسره ومخزونه، إلا لمن رغب فيه لكرم عنصره، وفضله لحقيقة ~~جوهره، ورفعه عن التكسب، وصانه عن التبذل. وأنه لا يعطيك خالص الحكمة حتى ~~تعطيه خالص المحبة. كان يقال: " من شاب شيب له ". # وخصلة ينبغي أن تعرفها وتقف عندها، وهو أن تبدأ من العلم PageV03P105 ~~بالمهم، وتختار من صنوفه ما أنت أنشط له، والطبيعة به أعنى؛ فإن القبول ~~على قدر النشاط، والبلوغ فيه على قدر العناية. # ثم من أفضل أسبابه تخليص أخلاقه، وتمييز أجناسه، والمعرفة بأقداره، حتى ~~تعطي كل معنى حقه من التقريب والرفعة، وقسطه من الإبعاد والضعة، حتى لا ~~تتشاغل إلا بالسمين الثمين، وبالخطير النفيس، ولا تلقي إلا الغث الخسيس، ~~والحقير السخيف. فإنك متى كنت كذلك لم تعتبر فضل ما بين النظرين، ولا صرف ~~ما بين النعتين. # الكيس كل الكيس، والحذق كل الحذق: أن لا تعجل ولا تبطىء، وأن تعلم أن ~~السرعة غير العجلة، وأن الأناة خلاف الإبطاء. وأن تكون على يقين من درك ~~الحق إذا وفيته شرطه، وعلى ثقة من ثواب النظر إذا أعطيته حقه. # هذا جملة ما للعذر في هذه المسألة، وجملة الحجة فيما قدمنا من الافتنان ~~والإطالة. فإن كنا أصبنا فالصواب أردنا، وإن كنا أخطأنا فما ذاك عن فساد من ~~الضمير، ولا قلة احتفال بالتقصير. ولعل طبيعة PageV03P106 ~~خانت، أو لعل عادة جذبت، أو لعل سهوا اعترض، أو لعل شغلا منع. # خفض عليك أيها السامع، فإن الخطأ كثير عام، وغالب مستول، والصواب قليل ~~خاص، ومقموع مستخف. # فوجه اللائمة إلى أهلها، وألزمها من هو أحق بها، فإنهم كثير ومكانهم ~~مشهور. # اعجب من الصواب لا تعجب من ms21 الخطأ. اعجب من أن العجب قد ذهب. اعجب ممن ~~تعجب وفيه العجب أعجب. وكيف التعجب والأمور كلها عجب؟ ! # كنت أتعجب من كل ~~فعل خرج من العادة، فلما خرجت الأفعال بأسرها من العادة صارت بأسرها عجبا، ~~فبدخول كلها في باب العجب خرجت بأجملها من باب العجب. # وقد ذكر الله تعالى ذكره التعجب في كتابه جل جلاله. وقد تعجب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وعلى آله في زمانه، وفي الناس PageV03P107 ~~يومئذ الناقص والوافر، والمشوب والخالص، والمستقيم والمعوج. وقال الله ~~تبارك وتعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: " وإن تعجب فعجب قولهم "، وقال له: ~~" بل عجبت ويسخرون ". # واعلم أنه لم يبق من المتعجب الفاتك إلا نصيب اللسان، ولا من المستمع ~~الفاتك إلا حصة السمع. فأما القلوب فخاوية قاسية، وراكدة خامدة، لا تسمع ~~داعيا ولا تجيب سائلا، قد أغفلها سوء العادة، واستولى عليها سلطان السكرة. # فدع عنك ما لست مثله، فإن فيما أورده عليك شغلا شاغلا، وهما داخلا. # اعلم أن الله تعالى قد مسخ الدنيا بحذافيرها، وسلخها من جميع معانيها. ~~ولو مسخها كما مسخ بعض المشركين قردة، أو كما مسخ بعض الأمم خنازير، لكان ~~قد بقى بعض أمورها، وحبس عليها بعض أعراضها، كبقية ما مع القرد في ظاهره من ~~شبه الآدمي، وبقية ما مع الخنزير PageV03P108 ~~في باطنه من شبه البشري. لكنه جل ذكره مسخ الدنيا مسخا متتبعا، ومستقصى ~~مستفرغا، فبين حاليها جميع التضاد، وبين معنييها غاية الخلاف. # فالصواب اليوم غريب، وصاحبه مجهول. والعجب ممن يصيب وهو مغمور، ويقول وهو ~~ممنوع، فإن صرت عليه عونا مع الزمان قتلته، وإن أمسكت عنه فقد وفرته. # ولسنا نريد منك النصرة ولا المعونة، ولا التأنيس ولا التعزية. وكيف أطلب ~~منك ما قد انقطع سببه، واجتث أصله. وقد كان يقال: " من طلب عيبا وجده ". # هذا في الدهر الصالح دون الفاسد. فإن أنصفت فقد أغربت، وإن جرت فلم تعد ~~ما عليه الزمان. # وهب الله لنا ولك الإنصاف، وأعاذنا وإياك من الظلم. والحمد لله كما هو ~~أهله، ولا حول ولا قوة إلا ms22 بالله العلي العظيم. # وصلى الله على سيدنا محمد خاصة، وعلى أنبيائه عامة، وسلم. PageV03P109 ms23