######OpenITI# #META# text_id: De_somno_et_visione_(Alkindi)_ar.xml #META# url: https://www.arabic-latin-corpus.philosophie.uni-wuerzburg.de/text/Kindi_Som_ar.index.xhtml #META# title_short: De somno et visione (Alkindi) #META# title_latin: De somno et visione #META# title_transcription: Risāla fī Māhiyyat al-nawm wa-l-ruʾyā #META# author_latin: Alkindi #META# author_transcription: al-Kindī #META# author_id: http://d-nb.info/gnd/118887947 #META# responsibility: transcribed by Samer Alsaj #META# version: 0.0.13 #META# ed_info: al-Kindī (Alkindi), Risāla fī Māhiyyat al-nawm wa-l-ruʾyā , in: Id., Rasāʾil falsafiyya , ed. Muḥammad ʿA. Abū Rīda (Cairo, 1950–53, repr. Frankfurt am Main, 1999), pp. 293–311. #META#Header#End# ### | بسم الله الرحمن الرحيم العزة لله رسالة الكندى فى ماهية النوم والرؤيا # أبان الله لك الخفيات، وأسعدك فى دار الحياة ودار الممات! سألت، ~~سددك الله لأغراض الحق، وأعانك على نيله، أن أرسم لك ما النوم ~~وما لرؤيا؛ # وهذا، كان الله لك معينا! من لطيف العلوم الطبيعية، وخاصة ما تخطى ~~فيه إلى القول على قوى النفس. وقد يحتاج الناظر فى هذا النوع من العلم ~~إلى التمهر بما وصفت؛ فإنه إن قصر عن ذلك قصر عن فهمه، وتبين ~~مارسمنا على سبيل البينات الطبيعية. ~~وقد رسمت من ذلك بقدر ما ظننته لمثلك كافيا، وبالله التوفيق، فنقول: PageV01P293 ~~إن معرفة ما يعرض للشىء إنما تكون بعد الإحاطة بعلم مائية الشىء؛ ~~والنوم والرؤيا أحد ما يعرض للنفس، فيجب أن يكون النظر فى ذلك لمن أتقن ~~القول على جوهر النفس، وفهم فنونه وكثرة تصرفه وما يلحق فى ذلك ~~بالاشتباه. # وإن من قوى النفس القوتين العظيمتين المتباعدتين: الحسية والعقلية، ~~وإن قواها المتوسطة بين الحس والعقل موجودة جميعا فى الإنسان، الذى هو الجرم ~~الحى النامى. # فإذا كانت هذه الأوائل معلومة، وكانت أفعال هذه القوى، أعنى الحادثة ~~عنها، معلومة، كانت مائية النوم معلومة ومائية الرؤيا، بالقول الوجيز القليل ~~فى العدد. # وذلك أنا نقول: «نائم» للذى، وإن كان حيا بالفعل، فإنه لا يحس ~~بواحد من الحواس الخمسة. # فإذن النوم هو ترك استعمال النفس للحواس جميعا؛ فإنا إذا لم نبصر، ولم ~~نسمع، ولم نذق، ولم نشم، ولم نلمس، من غير مرض عارض، ونحن على ~~طباعنا، فنحن نيام. PageV01P294 # فإذن النوم بتكميل الرسم هو ترك الحى الثابت على طباعه فى الصحة ~~استعمال الحواس بالطبع؛ # فإن كان هذا كما قد قيل، فقد يظهر ما الرؤيا، إذ كان معلوما قوى ~~النفس وكان منها قوة تسمى المصورة، أعنى القوة التى توجدنا صور ~~الأشياء الشخصية، بلا طين، أعنى مع غيبة حواملها عن حواسنا، وهى ~~التى يسميها القدماء من حكماء اليونانيين الفنطاسيا؛ فإن الفصل بين الحس ~~وبين القوة المصورة أن الحس يوجدنا صور محسوساته محمولة فى طينتها؛ فأما ~~هذه ms1 القوة فأنها توجدنا الصور الشخصية مجردة، بلا حوامل بتخطيطها وجميع ~~كيفياتها وكمياتها. # وقد تعمل هذه القوة أعمالها فى حال النوم واليقظة، إلا أنها فى النوم أظهر ~~فعلا وأقوى منها فى اليقظة؛ # فقد نجد المستيقظ الذى نفسه مستعملة بعض حواسها تتمثل له صور الأشياء PageV01P295 ~~التى يفكر فيها؛ وعلى قدر استغراق الفكر له وتركه استعمال الحواس تكون ~~تلك الصور أظهر له، حتى كأنه يشاهدها بحسه، وذلك إذا انتابه [من] ~~الشغل بفكره عن الحس ما يعدمه استعمال البصر والسمع؛ فإنا كثيرا ما نرى ~~المفكر ينادى فلا يجيب؛ ويكون أمام بصره الشىء، فيخبر عند خروجه ~~من الفكر، إذا سئل: هل رآه أو لا؛ فيخبر أنه لم يره؛ وكذلك يعرض له فى ~~باقى الحواس عن أكثرها، # وهذا فى عامة الناس موجود. فأما الخواص فى البراعة فى الذهن والعقل ~~وقوة التمييز، فإن قوة أنفسهم البارعة توجدهم صور الأشياء مجردة، ولم ~~يتشاغلوا عن أكثر المحس. # فإذا استغرق الفكر مفكرا، حتى لا يستعمل شيئا من الحواس بتة، فقد ~~تناهى به الفكر إلى النوم. وصارت قوته المصورة هى أقوى ما يكون على إظهار ~~فعالها، إذ ليس يشتغل عن إعطاء نفسه صورة معانى أفكاره الحسية، ~~فيراها كالحس، مجردة، لا فصل بينهما بتة؛ بل مع فكره فى كل ما فكر فيه PageV01P296 ~~تظهر له صورة الفكر مجردة أنقى وأبين وأزكى من المحسوسة، لأن ~~الحساسة تنال محسوساتها بآلة ثانية تعرض لها القوة والضعف من خارج ~~وداخل معا؛ وهذه القوة المصورة تنال ما تنال بلا آلة ثانية، لتعرض لها قوة ~~أو ضعف؛ بل إنما تنالها بالنفس المجردة. فليس يعرض فيها عكر ولا فساد، ~~وإن كانت فى الحى مقبولة بالآلة الأولى المشتركة [بين] الحس والعقل. وهذه ~~القوة المصورة وغيرها من قوى النفس، أعنى [فى] الدماغ، فإن هذا ~~العضو موضوع لجميع هذه القوى النفسية؛ فأما الحس فموضوع له آلات ~~ثوان، كالعين والسماخ والأذن والخياشيم والأنف واللسان والحنك PageV01P297 ~~واللهوات وجميع العصب إلا يسير؛ فأما الدماغ، وإن كان إذا دخل عليه ~~فساد، فسد وجود القوى النفسانية المستعملة لذلك ms2 العضو من الدماغ، فإن ~~الحس يعرض له مثل ذلك وما يعرض من هذه الآلات الثوانى فى قوتها ~~وضعفها، فيكون إدراكه أضعف من إدراك التى لا آلات ثوانى ثوان لها، فإن ~~الأعراض له من جهتين تعرض كثيرا، أعنى [من جهة] الآلة الأولى و[من جهة ~~الآلات] الثوانى؛ وقد سلم أكثر ذلك فى الأولى، وتعرض له الأعراض ~~فى الثوانى؛ فأما القوة المصورة فإنها تسلم كثيرا فى الآلة الأولى، كما يسلم ~~الآخر وتعدم الثوانى بتة، فلا يعرض لها من جهتها عرض، فتكون أفعالها PageV01P298 ~~أبدا ووجوداتها مجردة متقنة؛ وأما الحس ففى كل الأحوال يعرض له ~~الاختلاف لحال اختلاف هذه الآلات الثوانى اختلافا دائما؛ فلذلك ما يكون ~~وجود القوة المصورة موجوداتها التى يجدها الحس مع طينة، أتقن وأبين. # وأيضا فلأن الصورة التى فى الطينة تتبع الطينة - فإنه ليس كل طينة تقبل ~~كل صورة؛ فإنا إن طبعنا بطابع واحد شمعا صافيا وطينا صافيا [وطينا كدرا] ~~وحصى كدرا، خرجت الآثار فيها مختلفة على قدر الطين، فإن ألطفها أجزاء # وأبعدها من التحلل أقبلها للصورة وأشدها تأدية لأسرار الصورة - ~~كذلك المحسوسات متبعة حوامل محسوساتها، فنجد فيها الكدر والعوج ~~وجميع أصناف الاختلاف العارض لها من جهة الطينة؛ فأما القوة المصورة ~~فليس تنال الصورة الحسية مع طينتها، فليس يعرض لها الفساد العارض من الطينة؛ ~~ولذلك ما توجد الصورة النومية أتقن وأحسن؛ وأيضا فإنها تجد ما لا تجد ~~الحواس بتة؛ فإنها تقدر أن تركب الصور، فأما الحس فلا يركب الصورة، لأنه ~~لا يقدر على أن يمزج الطين ولا أفعالها؛ فإن البصر لا يقدر على أن يوجدنا PageV01P299 ~~إنسانا له قرن أو ريش أو غير ذلك مما ليس للانسان فى الطبع، ولا حيوانا ~~من غير الناطق ناطقا؛ فإنه لا يقدر على ذلك، إذ ليس هو موجودا فى طينة ~~من المحسوسة بتة التى له أن يجد الصور بها؛ فأما فكرنا فليس بممتنع عليه ~~أن يوهم الإنسان طائرا أو ذا ريش، [وإن لم يكن ذا ريش]، والسبع ناطقا. ~~وهذه القوة المصورة إنما هى مصورة الفكر الحسية؛ فأى ms3 فكرة عرضت لنا. ~~عند تشاغلنا عن جميع الحواس، تمثلت صور تلك الفكرة لنا مجردة بغير ~~طينة، فوجدنا فى النوم من الصور الحسية ما ليس يجده الحس بتة. # فقد تبين [لنا] إذن ما الرؤيا بما قلناه: فالرؤيا إذن هى استعمال النفس ~~الفكر ورفع استعمال الحواس من جهتها؛ فأما من الأثر نفسه فهى انطباع ~~صور كل ما وقع عليه الفكر من ذى صورة، فى النفس، بالقوة المصورة، لترك ~~النفس استعمال الحواس ولزومها استعمال الفكر. PageV01P300 # فأما لماذا نرى الأشياء قبل كونها؟ [ ولماذا نرى الأشياء بتأويل أشياء دالة ~~على أشياء، قبل كونها] ؟ولماذا نرى أشياء ترينا أضدادها؟ ولماذا نرى أشياء ~~فلا نراها، ولا نرى لها تأويلا، ولا نرى أضدادها بتة، فإن العلة فى ذلك ~~ما للنفس من العلم [بها] بالطبع وأنها موضع لجميع [أنواع] الأشياء الحسية ~~والعقلية. # فقد قال ذلك أيضا قبلنا أفلاطون، حكيم اليونانيين، واقتناه وحكاه عنه ~~فيلسوفهم [المبرز] أرسطوطاليس فى الأقاويل النفسية؛ وإنما قال ذلك ~~أفلاطون، إذ كانت الأشياء المعلومة جميعا إما محسوسه وإما معقولة، وكان ~~للنفس وجدان المعقولات ووجدان المحسوسات. وكان يقول إن النفس حاسة ~~[أعنى] أنها تجد المحسوسات فى ذاتها، ويقول عاقلة، [أعنى] أنها ~~تجد المعقولات فى ذاتها. # وليس المحسوس فى النفس شيئا آخر غير الحاس؛ فإنه ليس ثم غير ~~وغير، إنما هى ذات واحدة بسيطة؛ فالحاس منها فى حال حسيته ليس هو غير ~~المحسوس، لأن المنطبع فيها هو المحسوس بعينه، أعنى صورة المحسوس؛ PageV01P301 ~~فليس الصورة فيها شيئا آخر غيرها، بل هى فى تلك الحال موجود لذاتها ~~تلك الصورة. # وكذلك معقولها، فإنه ليس غير القوة منها المسماة عقلا، إذ كان معنى قولنا: ~~«محسوس» إنما هو الأشخاص، وقولنا: «معقول»، إنما هو الأنواع وما فوق ~~الأنواع إلى جنس الأجناس، فإن القوة الواجدة المحسوس التى هى مشتركة ~~للحيوان أجمع [هى الواجدة] صور أشخاص الأشياء، أعنى الصور الشخصية ~~التى هى اللونية والشكلية والطعمية والصوتية والرائحية واللمسية وكل ما كان ~~كذلك من الصور ذوات الطين؛ والقوة الواجدة المعقول، التى هى موجودة ~~للإنسان، هى الواجدة أنواع ms4 الأشياء وتمييزات أنواعها وما لحقها. # فإذا كان المحسوس موجودا فى النفس، فليس الحاس فى النفس غير المحسوس؛ ~~وكذلك العقل من النفس ليس هو غير المعقول فى حال وجود النفس المعقول؛ ~~فإذن العقل فى النفس هو المعقول، والحس هو المحسوس، إذا كانا موجودين ~~للنفس؛ فأما قبل أن يوجدا، فإن المحسوس هو صور الأشخاص، والمعقول هو صور ~~ما فوق الأشخاص، أعنى الأنواع والأجناس؛ والأجناس والأنواع والأشخاص ~~هى جميع المعقولات، فهى إذا كانت للحاس العاقل، أى موجودة لنفسه، فهى ~~جميعا فى نفسه؛ فلذلك قال أفلاطن إن النفس مكان لجميع الأشياء المحسوسة ~~والمعقولة؛ فإذن النفس علامة بالطبع، لأن العلم أجمع إنما هو للحس والعقل ~~وما جانسهما وعمهما. PageV01P302 # فإذن قد يقرب أن يتبين ما العلة فى اختلاف أحوال الرؤيا فى تقدمة ~~معارفها؛ فإن النفس، لأنها علامة يقظانة حية، قد ترمز بالأشياء قبل كونها، ~~أو تنبى بها بأعيانها؛ فإذا كان الحى متهيئا لكمال القبول بالنقاء من ~~الأعراض التى يفسد بها قبول قوى النفس، وكانت النفس قوية على إظهار ~~آثارها فى آلة ذلك الحى، أدت الأشياء أعيانها قبل كونها؛ وعلى قدر ~~حاله فى التهيؤ كذلك يكون كثرة ما يؤدى الأشياء أعيانها؛ فإن أحوال ~~الآلة الواحدة من أحوال النفس، أعنى [فى] أشخاص ذوى الأنفس التامة، ~~أعنى الإنسانية، قد تختلف فى الأزمان، فتكون مرة أقبل ومرة أضعف قبولا؛ ~~فهذه هى العلة فى الرؤيا التى تقدم الإنباء بالشىء عينه قبل كونه. # فأما الرامزة فإنها إذا كانت الآلة أقل تهيؤا لقبول إنباء النفس الحى PageV01P303 ~~بها، بالأشياء؛ فإنهاحينئذ [تحتال أو تتلطف] لاتخاذ الحى ما أرادت ~~اتخاذه إياه بالرمز: مثلا أقول كأنها أرادت أن تريه سفرا، فأرته ذاته طائرة ~~من مكان إلى مكان، فرمزت له بالنقلة، وذلك إذا لم تقو الآلة على أن ~~تقبل أسباب الفكر النقية؛ فإنه، كما أن الأحياء النامين يوجد منهم من ~~يفكر فى الشىء قبل كونه، فيستعمل الفكر الصحيحة بالمقدمات الصادقة ~~[المؤدية] لمثل ذلك الشىء المولدة حقيقة النتائج العظيمة [لكل] ما فكر ~~فيه فينبىء بالأشياء قبل كونها، وتضعف أحوال ms5 ناس آخرين عن تخريج مثل ~~تلك الفكر، فيصير اعتقادهم ظنونا - والظن ذو طرفين متناقضين، أعنى ~~هو كذا، وليس هو كذا، فإن اتفق وقوع الظن على حقيقة الشىء كان صادقا، ~~وإن اتفق وقوعه على نقيض الحقيقة كان ظنا كاذبا - وكذلك يعرض فى الرؤيا، PageV01P304 ~~إذا قصرت عن نظم الفكر من المقدمات الصادقة، فتصير فكرتها ظنة؛ ~~فما وقع على حقيقة الشىء كان تأويلا، أعنى ما يرمز به؛ وما وقع على نقيض ~~الحقيقة كان ما يدل على ضد ما يرى الحى من الرؤيا. # فبهذا المعنى تضطر النفس إلى الرمز، وهو من التمثيل فى المستيقظ، كما ~~ذكرنا؛ [ف]الحزر، أعنى الظن ذا الطرفين، [هو] الذى يصدق تارة ويكذب ~~تارة؛ فإن الآلة إن قويت على قبول الرمز الصادق خرج الشىء صدقا، كما يفعل ~~الظان ظنا قويا الواقع بحقيقة الشىء، وإن لم يعلم ذلك علما تاما مبرهنا، ~~فإنه لا يقع بحقيقة الشىء؛ فأما الضعيفة فى الظن فكالضعيفة الظن فى اليقظة، ~~فإن كل واحد منهما يوافق الحق تارة ويوافق الباطل تارة؛ فأما إذا ضعفت الآلة ~~عن قبول قوة الرمز الذى هو شبيه قوة الظن جاء الشىء بالضد، فإن الظان أبدا ظنا PageV01P305 ~~ضعيفا هو المخطىء، فالضد إذن أبدا حق؛ وهذه هى الرؤيا التى ترى رائيها ضد ~~ما يرى فى منامه، كالذى رأى إنسانا مات، فطالت مدته؛ ورأى إنسانا افتقر، ~~فكثر ماله، وما كان كذلك؛ فأما إذا ضعفت الآلة الضعف الذى لا تقبل معه ~~واحدا من هذه المراتب، فإنه ليس لها نظم يحكى ولا شرائط توافق وتخالف، ~~كالذى يعرض للمختلط المفكر فى اليقظة؛ لأنه ربما أراد أن يؤلف اللفظ ~~فضلا عما لطف من الكلام العام، فيلفظ بنكس القول وتخليطه، وهم الذين ~~تسميهم العامة كثيرى السقط فى اللفظ، كالمحكى عن حمزة بن نصر وذويه؛ ~~وهذه الرؤيا التى على هذا المثال هى المسماة أضغاثا؛ وإنما اشتق لها هذا الاسم ~~من الأضغاث أنفسها، فإن الضغث عضو من شجرة ميتة؛ فإنما هو مشارك ~~للشجرة بالاسم، بالشبه البعيد؛ فكذلك هذه الرؤيا مشاركة للرؤيا المنبئة، ~~بالاسم، لا ms6 بصدق المعنى. # وأما العلل القريبة المنيمة للحى فهى برد الدماغ وابتلاله؛ فإنه إذا برد ~~وابتل استرخى عن حال اعتداله وتهيئه للحركة الحسية، إذ آلات الحس ~~منبعثة وناشئة من الدماغ، كما قد بينا فى الأقاويل المشاكلة لذلك، أعنى فى القول PageV01P306 ~~على طبيعة الحيوان، فتركت النفس استعمال الحواس لعسرة ذلك، ومالت إلى ~~الفكرة، فحدث النوم وما يرى [فى] النوم. # وأما العلة المرطبة للدماغ والمبردة له، فإنه غؤور الحرارة فى باطن بدن ~~الحى وبرد أطرافه وارتفاع البخار الرطب اللطيف بغؤور الحرارة فى باطن ~~البدن، إلى الدماغ؛ ومن الدليل على ذلك أنا إذا أكثرنا من الطعام الرطب البارد ~~وسكنت حركاتنا، فبرد ظاهر أبداننا، وبطنت الحرارة، استرخت حواسنا، ~~وثقل علينا استعمالها، وانطبق ما كان منها استعماله بالفتح؛ وإن كان الحى ~~على حال لا يقدر على أن يطبقه، هيأت الطبيعة له ما يريحه من الحس، ~~كالذى يعرض للعيون، فإنها تقلب سوادها وتخفيه تحت الأجفان العليا؛ وإن كان ~~طبع الحيوان مما يمكن سواد ناظره أن يتسع ويضيق، كما هو موجود فى الهرر ~~والأرانب وسباع الطير وما كان كذلك، فإنها متهيئة لتضييق سواد ناظرها ~~وتوسيعه، والجفن متقلص ضيق السواد، حتى يصير فى حال لا يحس بثقل ~~استعمال الحس على الحيوان، مع برد الدماغ ورطوبته؛ حتى أنا إذا ~~أردنا استدعاء النوم سكنا أبداننا من الحركة، وأطبقنا أبصارنا، واحتلنا ~~لإظلام موضعنا، وباعدنا عنا الأصوات، لأن يبطل استعمال الحواس، فيكون ~~النوم الذى حددنا فى أول كتابنا هذا. PageV01P307 # ومن الدليل أيضا على ذلك أنا إذا أبطنا الفكر إبطانا شديدا، ~~وأكببنا على النظر فى الكتب والفكر فيما فيها وسكنت أعضاؤنا لذلك، ~~فبرد ظاهر أبداننا، لعدم الحركة العارضة، استرخت حواسنا، وثقل علينا ~~الحس، وعرض لنا النوم، بما يرفع ما بطن من الحرارة من البخار الرطب ~~البارد إلى أدمغتنا. # ومن ذلك أيضا ما يعرض لنا فى عقب التعب الشديد، ما لم يكن فى ~~أبداننا حرارة غريبة خارجة عن الغريزة؛ فإنا نحتاج إلى تسكين أبداننا من ~~الحركة المتعبة، فإذا سكناها بطنت الحرارة وارتفعت إلى أدمغتنا تلك ms7 الأبخرة ~~الباردة الرطبة؛ وقد تعيننا الطبيعة على ذلك عونا شديدا، فإن ذلك جنس ~~من سياستها للأبدان، لأن النوم يفعل سكون الأعضاء من الحركة وتفريغ ~~الآلة الهاضمة للهضم وإفادة البدن من الغذاء خلفا من كل ما سال وتحلل منه PageV01P308 ~~بالتعب، مع تفريغها أيضا الحرارة لطبخ ما فى باطن البدن ببطونها فى باطنه؛ ~~وهذه هى العلة التمامية لكون النوم. # فإن بارىء الكل، جل ثناؤه، صير للحيوان زمانا للراحة وعمل الآلات ~~والقوى التى للغذاء النامى لجسم الحى، إذ هو متحلل سيال؛ فإنه ~~لا يكمل ما يملأ ويربى جسم الحى، مع ما يسيل منه دائما، إلا ~~ما يشبه الدعة والهدوء والنوم، بالقوة على الهضم؛ فإنه لو لم يكن له راحة ~~نومية تفرغ الطبيعة للهضم بكمال، وتمنعها الانقسام فى قوتها، للحس ~~والهضم، لم يكن قسم الهضم مع استعمال الحس يبلغ ما يملأ ما يفرغ من أعضاء ~~جسم الحى وينفد من قواه؛ ومن الدليل على ذلك أن الذين تبرد قواهم PageV01P309 ~~لشدة التعب أو لشدة الاستفراغ بالباه أو الأدوية، يؤمرون بالنوم لتقوى طبائعهم ~~على الزيادة فى الهضم؛ ونجدهم إذا تيقظوا بعد النوم الكائن فى ذلك، تنبهوا، ~~وقد زال عنهم الضعف الذى فعله الاستفراغ والنقص والتعب والأدوية ~~كله أو أكثره، وعادت قواهم؛ وكذلك يعرض لمن دام سهره شدة اليبس وغؤور ~~الأصداغ والعينين ويبس جلدة الوجه على العظم وتقلص الشفتين وجمود ~~الريق، كالذى يعرض لمن استفرغ بالدواء وبالباه، أو فناء الرطوبة الغريزية ~~التى فناها سبب الموت، لقلة ما تقوم به الطبيعة من الهضم مع السهر، إذ قوتها ~~مقسومة للحس ولجميع أفعال النفس، حتى إن من دام سهره، وإن كثر غذاؤه، ~~سريع فناء الرطوبة والموت؛ ومن كثر نومه من الأغذية الموافقة فى إعانة ~~النوم على الهضم، عظم بدنه ورطب لكثرة الغذاء. # فإذ قد تبين ما علل النوم القريبة والبعيدة، فقد ظهرت منفعة النوم فى ماذا ~~هى؛ فهو، كما قدمنا، نافع فى تكميل الغذاء وإعانة الطبيعة على بنية PageV01P310 ~~الأبدان وتقويتها، أعنى إخلاف ما نفد منها. # فهذا فيما سألت كاف بحسب موضعك ms8 من النظر؛ كفاك الله مهمات ~~الأمور! والحمد لله، ولى الحمد ومستحقه، حمدا كفاء نعمه على جميع خلقه. # تمت الرسالة والحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين. PageV01P311 ms9