######OpenITI# #META# book_id: 3372 #META# epub_url: https://www.masaha.org/pages/download.php?flink=../upload_book/dl_file/3476.epub&bid=3372 #META# multivol_id: 1256 #META# title: الإمامة و السياسة - الجزء1 #META# المؤلف: ابن قتيبة #META# المواضيع: التاريخ #META# الناشر: دار الاضواء #META# عدد الصفحات: 243 #META#Header#End# ### | المجلد الأول ### || مقدمة التحقيق ### ||| كلمة عن الكتاب: # كتاب الإمامة والسياسة، أو ما يسمى بكتاب «تاريخ الخلفاء» كتاب مشهور ~~يبحث في تاريخ الخلافة وشروطها بالنظر إلى طلابها من وفاة النبي صلى الله ~~عليه وسلم إلى عهد الأمين والمأمون. # وتظهر أهمية وقيمة هذا الكتاب «الإمامة والسياسة» كما يقول د. بيضون في ~~مقدمة كتابه الحجاز والدولة الإسلامية: «في الإشارات ذات المحتوى الخاص، ~~الذي ينفرد به عن الآخرين-تتجاوز أهميته من الناحية المنهجية، وذلك لخلوه ~~من الإسناد، حيث تتردد عبارة «وذكروا» في مطلع رواياته، دون تحديد مصدرها ~~الأساسي. # وتبرز أيضا أهميته في إبرازه ثورة المدينة ومعركة الحرة، من دون تطرف في ~~موقفه من الأمويين ومن غير تحمس لخصومهم الشيعة. وأهم من ذلك فإن رواياته ~~الحجازية-على ما يقرره د. بيضون-على جانب من الأهمية خاصة في عرضه للدوافع ~~التي كانت وراء تعاظم النقمة على البيت الأموي، في أعقاب الأزمة الاقتصادية ~~التي يبدو أنها استفحلت حينذاك في الحجاز والمدينة بشكل خاص» . # وقد طبع هذا الكتاب عدة طبعات في كل من مصر وبيروت، ومنه نسخ PageV01P007 # خطية في مكاتب لندن وباريس، وبدار الكتب المصرية منه نسخة مخطوطة كتبت ~~سنة 1297 ه. # وقد ظهر مؤخرا عدم اتفاق على اسم مؤلف هذا الكتاب، بعد أن شكك كثير من ~~العلماء في نسبته إلى ابن قتيبة، وحيث أن بعضهم استبعد انتسابه إليه. # وكان أول من تزعم التشكيك بنسبته إلى ابن قتيبة المستشرق غانيغوس ~~المجريطي ثم تبعه الدكتور دوزي في صدر كابه تاريخ الأندلس وآدابه. ويشير د. ~~بيضون في صدر كتابه المتقدم أيضا إلى استبعاد انتسابه إلى ابن قتيبة، وأيضا ~~السيد أحمد صقر في مقدمته لكتاب تأويل مشكل القرآن المطبوع بالقاهرة سنة ~~1973 حيث يقول: وقد نسب إلى ابن قتيبة كتاب مشهور شهرة بطلان نسبته إليه، ~~وهو كتاب الإمامة والسياسة. # وقد استند د. دوزي في تشكيكه في نسبة كتاب الإمامة والسياسة إلى ابن ~~قتيبة إلى أسباب عديدة أهمها: # -أن كثيرين ممن ترجموا لابن قتيبة لم ينسب إليه واحد منهم كتابا أو مؤلفا ~~له بهذا العنوان. ms001 إلا القاضي أبو عبد الله التوزي المعروف بابن الشباط في ~~كتابه «صلة السمط» . # -أن مؤلف الكتاب الإمامة والسياسة يذكر أنه استمد معارفه من أناس حضروا ~~فتح الأندلس في سنة 92 ه، وأن موسى بن نصير غزا مدينة مراكش في زمن الرشيد، ~~مع أن ابن قتيبة، ولد في سنة 213 ومات في سنة 276. ولم تبن مدينة مراكش إلا ~~في سنة 454 في عهد سلطان المرابطين يوسف بن تاشفين. # -أسلوب الكتاب يختلف كثيرا عن أسلوب ابن قتيبة المعروف في كتبه. # -لم يرد ذكر في الكتاب لأي من شيوخ ابن قتيبة. # ومهما يكن من أمر فقد بقي كتاب الإمامة والسياسة محافظا على قيمته كأحد ~~أبرز المصادر بما تضمن من نصوص يكاد يتفرد بها عن غيره من المصادر، مع ~~الإشارة إلى أن هذا التشكيك الذي أصاب نسبته إلى ابن قتيبة قد أبعده عن ~~لائحة المصادر الرصينة. PageV01P008 # وليس لنا إلا أن نسجل بتقدير آراء هؤلاء العلماء دون الجزم بصحة ما ذهبوا ~~إليه ونبقي مترددين باتخاذ موقف حاسم من هذه القضية المطروحة-والتي لم أقف ~~فيما لدي من مصادر ومراجع على رأي قاطع بشأنها، ويبقى كتاب الإمامة ~~والسياسة منسوبا لابن قتيبة إلى أن يثبت بشكل حاسم العكس. # فكتاب الإمامة والسياسة لابن قتيبة-رغم الشك بهذه النسبة-يبقى إذن مشهورا ~~بتسجيله لحقبة تاريخية هامة بدأت مع وفاة النبي صلى الله عليه وسلم مع ~~التركيز على العهد الأموي-دون التحامل عليهم-إلى قيام الدولة العباسية حتى ~~الأمين والمأمون. ### ||| عصر ابن قتيبة: ### ||||||||| 1-الحالة السياسية: # عاش أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة في عصر بني العباس، في النصف ~~الثاني من القرن الثالث الهجري، ولد في عهد المأمون، أيام كانت الدولة ~~العباسية وهي في أوج مجدها وازدهارها، قد امتدت سيطرتها شرقا وغربا. # وقد واجهت سلطة المأمون سلسلة من الفتن والاضطرابات والحروب الأهلية، وقد ~~تعرضت دولة المأمون لضربات محكمة من قبل الطالبيين. وقد عالجها المأمون- ~~جميعا-بالقوة حينا وبالحكمة والسياسة حينا آخر. حتى استتب له الأمر. فاتجه ~~إلى التنظيم الداخلي والبناء وأصبحت بغداد في عصره موئل العلماء ms002 والأدباء ~~ومجلى مظاهر الحضارة الزاهرة. # وبعده جاء المعتصم، كان رجل حرب ولم يكن له دهاء المأمون ولا حكمته، وأدت ~~سياسته إلى غلبة الأتراك على الجيش ثم على مراتب الدولة. # فاضطربت الأمور واختلت، ومهد ذلك للانحلال والضعف. وضعف مركز الخلافة ~~وقلت هيبتها وتقلص نفوذها... ولم يستطع خلفاء المعتصم، رغم ما بذله ~~المعتمد-حيث استعادت الخلافة في عهده بعض ما لها من نفوذ وسلطة-. # ولكن الأمور لم تستقر للدولة، بل أخذت الأطماع تتهددها من الداخل PageV01P009 # والخارج، فكل ينتهز فرصته للنيل من الدولة، حيث أصبح الانحلال السياسي ~~والاجتماعي العنوان البارز في مركز الدولة والأطراف. ### ||||||||| 2-الحياة الاجتماعية: # كان المجتمع البغدادي في عصر بني العباس يجمع خليطا من العناصر المختلفة ~~والأجناس المتباينة ولم يكن العنصر العربي سائدا، مع احتفاظه لنفسه بمراكز ~~القيادة والتوجيه بل كان يشاركه العنصر الفارسي ثم كانت المنافسة بين ~~العنصرين والتي تحولت إلى صراع دموي كانت حصيلته انتصارا للعرب. وقد اتجه ~~نشاط الأتراك إلى الجيش. # إلى جانب هؤلاء كانت جماعات الرقيق والموالي. وكانت كل جماعة من الأجناس ~~المختلفة تمتهن مهنة برعت فيها. وقد تزاوجت هذه الخبرات-خبرات هذه الأجناس- ~~والتقت وامتزجت عادات وتقاليد هذه الأجناس وكونت نسيجا مميزا تلونت عناصره ~~واتحدت في اتساق ونظام واحد جمع بينها الذوق الإسلامي. واشتهرت بغداد ~~بالترف الزائد والغنى وزخرف الحضارة، وتغلغل هذا في حياة الناس. # وعمرت بغداد بقصورها، ومجالس شرابها وحاناتها، وانتشر اللهو في الأعياد ~~والمناسبات، وشرب الناس الخمر وأسرفوا فيها. ### ||||||||| 3-الحياة الفكرة والأدبية: # أ-طلب العلم وحرية الرأي. # بدأ عصر ابن قتيبة بالمأمون، وكان محبا للعلم والأدباء، وأطلق حرية ~~القول، فقويت في هذا العصر حركة الشعوبية، وقد أدت هذه الحركة إلى نشاط ~~فكري تجلى بمجموعة كبيرة من الكتب. # ب-المعتزلة وأهل السنة اهتم المأمون كثيرا بالمناظرة بين العلماء في ~~مسائل الدين والفلسفة وكان يجمعهم إليه. والمسألة الهامة التي شغلته ~~وشغلتهم هي مسألة «خلق القرآن» وقد تركز حولها الخلاف بين المعتزلة وأهل ~~السنة. وقد اعتنق المأمون آراء المعتزلة وانتصر لهم وتتبع أعداءهم وضيق ~~عليهم ولجأ إلى أذيتهم. PageV01P010 # وبعد المأمون استمر الخلاف، ms003 وظهر بصور أجلى إلى عهد المتوكل الذي أبطل ~~قول المعتزلة ونصر أهل السنة وأمر الناس باتباعها وترك ما دونها. # ج-العلوم الدينية نشطت في هذا العصر الدراسات الدينية المختلفة، وخاصة ما ~~يتصل منها بأصول الدين والعقيدة، وقد أثرت حركة الترجمة-التي ازدهرت-وساعدت ~~في ازدهار البحوث الدينية. # ونشطت إلى جانب ذلك-الحركة اللغوية والبيانية التي تصدت لدراسة القرآن ~~أسلوبا وألفاظا ومعان وتراكيب. # وقد حظي الحديث ودراسة القرآن بالعناية، وازدهرت الدراسة الفقهية وبرز ~~العديد من الفقهاء الأئمة الكبار الذين تشددوا بوجه التيارات الغريبة ~~والدخيلة. # د-العلوم العقلية بلغت حركة النقل والترجمة أوجها، وقد انكب العرب على ~~دراسة وتمحيص ما نقلوه وترجموه فما أفاد كثيرا في الاطلاع على ما لدى ~~الشعوب الأخرى كاليونان وغيرهم من تراث. # ه-العلوم اللغوية والأدبية كان عصر ابن قتيبة تتويجا لحركة لغوية قد ~~سبقته قادها سيبويه والكسائي وغيرهما، ونشأت مدارس نبغ فيها علماء ونوابغ ~~كان لكل منهم أسلوبه واتجاهه وقوله وتفسيره ومذهبه. فكان هذا التنوع بداية ~~نهضة واسعة شملت جميع جوانب الأدب، فظهرت مجموعة كبيرة من الكتب التي تعرض ~~لجوانب هذه المذاهب والاتجاهات والأساليب الأدبية واللغوية والنحوية. # وظهر جماعة من الشعراء الفحول، حيث كان أيضا لكل شاعر من هؤلاء لونه ~~واتجاهه الموضوعي والفني في المعاني والأساليب والألفاظ والتشبيهات. ### ||| ابن قتيبة: ### ||||||||| مولده ونشأته: # هو أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أحد العلماء الأدباء، PageV01P011 # والحفاظ الأذكياء، كان إماما في اللغة والأدب والأخبار وأيام الناس. وقد ~~أخلص نفسه وفكره وعقله لدينه ولغته، وقضى حياته مجاهدا في سبيل إعزازهما ~~والتمكين لهما. # وابن قتيبة من أسرة فارسية كانت تقطن مدينة مرو، وقد ولد سنة 213 في ~~أواخر خلافة المأمون وقد اختلفوا في مكان ولادته فقيل: ولد ببغداد، وقيل: ~~ولد بالكوفة وقد نشأ ببغداد وتثقف على أهلها وأخذ العلم عن رجالها، وقد ~~كانت بغداد تموج حينئذ بأعلام العلماء في كل فن وتهوى إليها أفئدة المثقفين ~~والمتعلمين من أنحاء الدولة الإسلامية. # وقد أثرت بغداد في نشأته الفكرية. وتأثر في شبابه بما كان يدور في أوساط ~~العلماء من ms004 جدل وتناظر بين أهل السنة والمعتزلة. فأعجب بآراء المعتزلة-في ~~مطلع شبابه-وكانت آراء المعتزلة وأفكارهم قد غلبت على الحياة الفكرية ~~ببغداد. # ثم اختير لقضاء الدينور، فأقام بها ونسب إليها وهناك اتصل بعلمائها ~~وفقهائها ومحدثيها. ثم عاد إلى بغداد فاتصل برجال الدولة كعادة غيره من ~~العلماء والأدباء. # وفي بغداد انكب ابن قتيبة على الدرس والتحصيل على علماء الحديث وأئمة ~~اللغة والرواية وشيوخ الأدب، وتتلمذ لطائفة من أعلام عصره وروى عن جمع من ~~مشاهير دهره، وأخذ عن كثير من أعيانه وأماثله. ### ||||||||| أهم شيوخه: # نذكر منهم: والده مسلم بن قتيبة، وأحمد بن سعيد اللحياني صاحب أبي عبيد، ~~ومحمد بن سلام الجمحي، وإسحاق بن راهويه، وحرملة بن يحيى التجيبي، ويحيى بن ~~أكثم القاضي، وأبو حاتم السجستاني، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، ودعبل بن ~~علي الخزاعي، وإبراهيم بن سفيان الزيادي، وإسحاق بن إبراهيم بن محمد ~~الصواف، ومحمد بن يحيى بن أبي حزم القطيعي البصري، وأبو الخطاب زياد بن ~~يحيى الحساني، وشبابة بن سوار، والعباس بن الفرح الرياشي، وأبو سهل الصفار، ~~وأبو بكر محمد بن خالد بن خداش، وأبو PageV01P012 # سعيد أحمد بن خالد الضرير، وأبو عثمان الجاحظ، وأبو يعقوب إسحاق بن ~~إبراهيم بن حبيب بن الشهيد البصري. ### ||||||||| تلاميذه: # ابنه القاضي أحمد، وابن درستويه الفسوي، وأبو سعيد الهيثم الشاشي، وقاسم ~~بن أصبغ بن يوسف بن ناصح البياني، وأبو بكر المالكي، وإبراهيم بن محمد بن ~~أيوب الصائغ، وأحمد بن حسين بن إبراهيم الدينوري. ### ||||||||| مصنفاته: # صنف ابن قتيبة مجموعة كبيرة من التصانيف أجمعوا على أنها عظيمة القدر، ~~جليلة النفع. قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات «لابن قتيبة مصنفات ~~كثيرة جدا رأيت فهرسها ونسيت عددها، أظنها تزيد على ستين من أنواع العلوم» ~~وقال أبو العلاء المعري: خمسة وستين مصنفا. # أهمها: 1-كتاب الوزراء (ذكره في لسان العرب) . 2-كتاب آلة الكتاب (صاحب ~~الاقتضاب) . 3-كتاب صناعة الكتابة. 4-كتاب الوحش. 5-كتاب الصيام. 6-كتاب ~~غريب الحديث. 7-مشكل القرآن. 8-كتاب معاني القرآن. 9-كتاب القراءات. ~~10-كتاب إصلاح الغلط في غريب الحديث لأبي عبيد. 11-تفسير غريب القرآن. ~~12-كتاب الأنواء. ms005 13-كتاب فضل العرب. # 14-كتاب الميسر والقداح. 15-كتاب المعارف. 16-كتاب إعراب القراءات. ~~17-كتاب الرد على القائل بخلق القرآن. 18-كتاب القراءة. # 19-كتاب غريب القرآن. 20-كتاب تأويل مختلف الحديث. 21-كتاب عيون الأخبار. ~~22-كتاب أدب الكاتب. 23-كتاب الشعر والشعراء. # 24-كتاب المسائل والأجوبة. 25-كتاب دلائل النبوة. 26-كتاب جامع الفقه. ~~27-كتاب الفقيه. 28-كتاب الأشربة. 29-الرد على المشبهة. # 30-أدب الكاتب. 31-كتاب المعاني الكبير. 32-كتاب عيون الشعر. # 33-كتاب التقفية. 35-كتاب جامع النحو الكبير. 36-كتاب جامع النحو الصغير. ~~37-كتاب الحكاية والمحكي. 38-كتاب الخيل. 39-كتاب العلم. 40-كتاب ديوان ~~الكتاب. 41-كتاب فرائد الدر. 42-كتاب خلق PageV01P013 # الإنسان. 43-كتاب حكم الأمثال. 44-كتاب آداب العشرة. 45-كتاب التفسير. ~~46-كتاب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم (ذكره أبو الطيب الحلبي في مراتب ~~النحويين) . 47-كتاب تأويل الرؤيا. 48-كتاب استماع الغناء بالألحان. ~~49-كتاب الجوابات الحاضرة. 50-كتاب الجراثيم. # 51-كتاب تقويم اللسان. 52-كتاب التسوية بين العرب والعجم. 53-كتاب القلم. ~~54-تاريخ ابن قتيبة. 55-كتاب معاني القرآن. والإمامة والسياسة (رغم الشكوك ~~في انتسابه إليه) . ### ||| عملنا في كتاب الإمامة والسياسة: # -استعرضنا نسخ الكتاب المطبوعة. واعتمدنا الأكثر ملاءمة للأصل والأقرب ~~إلى الصحة. # -دققنا-ما استطعنا بما توفر لدينا من مصادر-الروايات والنصوص وقارناها ~~بغيرها فأضفنا ما سها عن المؤلف لسبب أو لآخر، كلمة أو جملة أو أكثر. # وثبتنا ما أضفناه في المتن بين معكوفتين[]مع الإشارة أحيانا إلى أن ~~الزيادة كانت في الأصول وأحيانا إن تعذر علينا ذلك لفقدان أصل ما أو مصدر ~~ما أو شككنا في صحة نص ما كنا نعود إلى أصول أخرى أثبتت الرواية، وقد يكون ~~الراوي نفسه. # -قارنا الروايات المختلفة وأعدنا القارئ إلى مصادرها الأساسية وعلقنا ~~عليها وشرحنا ما التبس منها وما رأيناه ضروريا وذلك كله في الهامش. # -قمنا بتخريج الآيات القرآنية الكريمة وعزوناها إلى سورها وأرقامها ~~وانتهينا إلى تخريج الأحاديث النبوية الشريفة-ما استطعنا إلى ذلك-وضبطنا ~~نصوصها ومصادرها. # -ضبطنا كثيرا من أسماء الأعلام، وترجمنا لكثير منهم. # -ضبطنا وعرفنا بأسماء الأماكن والقبائل وغيرها من معاجم البلدان: ياقوت- ~~البكري-أبي الفداء-اليعقوبي-ابن الفقيه. # -قمنا بوضع شروحات وتعليقات مسهبة على النصوص. # وبعد قمنا بتنظيم فهارس شاملة وافية شملت: PageV01P014 # -فهارس ms006 الأحاديث النبوية الشريفة. # -فهارس الأعلام الواردة في الكتاب وأبجدتها. # -فهارس القبائل والأمم والبطون والعشائر. # -فهارس الأماكن وأسماء البلاد والجبال والأودية. # -فهارس أيام العرب ووقائعهم. # -فهارس للشعر، نظمت حسب القافية. # -فهارس الأمثال، الواردة في الكتاب. # وبعد نرجو أن نكون بعملنا هذا قد وضعنا كتاب الإمامة والسياسة في مكانته ~~التي يجب أن يحتلها، وقد أهمل طويلا. # ونرجو أن نكون-بجهدنا المتواضع-قد قدمنا للقارئ الكريم وللباحث الجليل ~~خدمة بحيث أصبح كتاب الإمامة والسياسة أكثر فائدة من خلال الشروحات التي ~~حاولنا من تثبيتها أن تكون مادته في متناول الجميع قريبة من الدقة. # ونرجو أن نكون قد وفقنا في خدمة تراثنا من خلال هذا العمل. حيث أبادر إلى ~~التأكيد أنني ألتزم متابعة بذل الجهد والعطاء، لتكون المساهمة أكثر فاعلية ~~في تحقيق ما يصبو إليه القارئ من الوقوف على الكلمة الحقة والنشرة الصواب ~~البعيدة عن الغموض والتزوير والخطأ والتصحيف، وذلك بما يغني ثقافته ~~وطموحاته الفكرية والعلمية. ومع ذلك لا ندعي لأنفسنا أننا وصلنا، ولكننا ~~ندعي أننا بذلنا وقدمنا ما استطعنا. # وآخر دعونا أن الحمد لله رب العالمين. # بيروت 15/1/1990 علي شيري PageV01P015 # بسم الله الرحمن الرحيم ### || مقدمة المؤلف # قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة رحمه الله تعالى: # نفتتح كلامنا بحمد الله تعالى، ونقدس ربنا بذكره والثناء عليه، لا إله ~~إلا هو لا شريك له، الذي اتخذ الحمد لنفسه ذكرا، ورضي به من عباده شكرا ~~وصلى الله على سيدنا محمد الذي أرسله بالهدى، وختم به رسل الله السعدا، ~~صلاة زاكية، وسلم تسليما كثيرا أبدا. ### || فضل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما # @HAD071 حدثنا ابن أبي مريم، قال: حدثنا أسد بن موسى، قال: حدثنا وكيع، ~~عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال : ~~كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله ~~عنهما، فقال عليه الصلاة والسلام: «هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين ~~والآخرين إلا النبيين والمرسلين عليهم السلام ولا تخبرهما يا ms007 علي» [ (1) ]. # @HAD047 حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمامي رضي الله عنه، حدثنا أحمد بن ~~حواش الحنفي، قال: حدثنا ابن المبارك، عن عمر بن سعيد، عن أبي مليكة[ (2) ~~]، [ (1) ]الحديث أخرجه الترمذي في المناقب (16) وابن ماجة في المقدمة (11) ~~وأحمد في مسندة 1/80. # @HAD026 [ (2) ]هو زهير بن عبد الله بن جدعان، أبو مليكة التيمي، روى عنه ~~أبو داود، وعبد الله بن أبي مليكة حفيده (التقريب-الكاشف) . PageV01P017 # @HAD091 قال : سمعت ابن عباس رضي الله عنه يقول: وضع عمر رضي الله عنه ~~على سريره فتكنفه[ (1) ]الناس يدعون ويصلون قبل أن يرفع، فلم يرعني إلا ~~رجل قد أخذ بمنكبي من ورائي، فالتفت فإذا علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ~~يترحم على عمر رضي الله عنه، وقال: والله ما خلفت أحدا أحب إلي أن ألقى ~~الله تعالى بمثل عمله منك يا عمر، وأيم الله إن كنت لأرجو أن يجعلك الله مع ~~صاحبك، وذاك أني كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # @HAD024 «ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وكنت أنا وأبو بكر وعمر، وإن كنت لأظن ~~أن يجعلك الله تعالى معهما» @HAD@ . وأخبرنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد ~~بن الحباب، عن موسى بن عبيد، قال: أخبرني أبو معاذ وأبو الخطاب، عن علي رضي ~~الله عنه، قال : بينما أنا جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل ~~أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال: «يا علي: هذان سيدا كهول[ (2) ]أهل ~~الجنة، إلا ما كان من الأنبياء عليهم السلام، ولا تخبرهما» [ (3) ]. # @HAD093 حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن عبد العلي عن القاسم بن ~~أبي عبد الرحمن رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ~~«لقد هممت أن أبعث إلى الأمم رجالا يدعونهم إلى الإسلام ويرغبونهم في ~~الدين، فأبعث أبي بن كعب، وسالما مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، كما فعل ~~عيسى بن مريم عليهما السلام» ، فقالوا: يا رسول الله أفلا تبعث أبا بكر ~~وعمر رضي الله عنهما؟فقال صلى الله عليه وسلم: «هما لا بد لي منهما، ms008 هما ~~مني بمنزلة السمع والبصر [ (4) ]. ### || سؤال عمر بن عبد العزيز عن استخلاف الرسول لأبي بكر # @HAD015 وحدثنا[ (5) ]، قال: أخبرنا ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن ~~الزبير، قال : # @HAD021 أرسلني عمر بن عبد العزيز إلى الحسن البصري، رحمهما الله تعالى، ~~أسأله إن [ (1) ]تكنفه الناس: أي أحاطوا به. # @HAD022 [ (2) ]سيد الكهول: الكهل من خالطه الشيب، والمعنى هما سيدا من ~~مات كهلا، وإلا فليس في الجنة كهل. # @HAD023 [ (3) ]الحديث قد جاء بوجوه متعددة عن علي وغيره، ذكره الترمذي ~~وقد حسنه من بعض الوجوه (زيادات ابن ماجة) . # @HAD013 [ (4) ]القسم الأخير من الحديث أخرجه الترمذي في المناقب (باب: 16) . # @HAD07 [ (5) ]يعني الوليد بن مسلم. PageV01P018 # @HAD045 كان رسول الله صلى الله عليه وسلم استخلف أبا بكر رضي الله عنه، ~~فأتيته فاستوى جالسا، وقال: إي والذي لا إله إلا هو، استخلفه، وهو كان أعلم ~~بالله تعالى، وأتقى لله تعالى، من أن يتوثب عليهم لو لم يأمره. ### || استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه # @HAD0292 عن ابن أبي مريم، قال: حدثنا العرياني، عن أبي عون بن عمرو بن ~~تيم الأنصاري رضي الله عنه، وحدثنا سعيد بن كثير، عن عفير بن عبد الرحمن ~~قال: حدثنا بقصة استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وشأن ~~السقيفة، وما جرى فيها من القول، والتنازع بين المهاجرين والأنصار وبعضهم ~~يزيد على بعض في الكلام، فجمعت ذلك وألفته على معنى حديثهم، ومجاز لغتهم أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في مرضه الذي قبض فيه، متوكئا على الفضل ~~بن العباس رضي الله عنهما، وغلام يقال له ثوبان[ (1) ]رضي الله عنه، ثم ~~رجع صلى الله عليه وسلم فدخل منزله، وقال لغلامه: اجلس على الباب ولا تحجب ~~أحدا من الأنصار رضي الله عنهم، فأحدقوا بالباب، وقالوا للغلام: ائذن لنا ~~على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: عنده نساؤه رضي الله تعالى عنهن، ~~فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم بكاءهم، فقال: من هؤلاء؟فقيل له الأنصار ~~رضي الله عنهم يبكون، فخرج صلى الله عليه وسلم متوكئا على ms009 علي والعباس رضي ~~الله عنهما فدخل المسجد واجتمع الناس إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: «إنه ~~لم يمت نبي قط إلا خلف وراءه تركة وإن تركتي فيكم الأنصار رضي الله عنهم، ~~وهم كرشي[ (2) ]التي آوي إليها، أوصيكم بتقوى الله تعالى، والإحسان إليهم، ~~فقد علمتم أنهم شاطروكم[ (3) ]وواسوكم في العسر واليسر نصروكم في النشط ~~والكسل، فاعرفوا [ (1) ]ثوبان: مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بن بجدد ~~أبو عبد الله أصله من أهل السراة (بين مكة واليمن) اشتراه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ثم أعتقه. خدم النبي صلى الله عليه وسلم حتى وفاته، توفي في ~~حمص سنة 54. # @HAD037 [ (2) ]قال أبو عبيد في غريب الحديث عن أبي زيد الأنصاري: يقال ~~عليه كرش من الناس يعني جماعة. وقال غيره: فكأنه أراد جماعتي وصحابتي الذين ~~أثق بهم وأعتمد عليهم. وقال الأحمر: # @HAD08 يقال: هم كرش منثورة (يعني صبيان صغار) . # @HAD018 [ (3) ]شاطروكم: من الشطر. قال المبرد في الكامل: وأصل هذا من ~~التنصيف. وللشطر وجهان في PageV01P019 # @HAD011 لهم حقهم، وأقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم» . # @HAD0164 ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وهو معصوب ~~الرأس شديد الوجع، فلما كانت الصلاة أتى بلال المؤذن رضي الله عنه يدعو إلى ~~الصلاة، ففتح صلى الله عليه وسلم عينيه، وقال للنساء: ادعون لي حبيبي، ~~فعرفت عائشة رضي الله عنها أنه يريد أبا بكر، فقالت: أرسل إلى عمر، فإن أبا ~~بكر رجل رقيق، وإن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم افتضح من البكاء، ~~وعمر أقوى منه، فأرسلت إلى عمر رضي الله عنه، فأتى فسلم، ففتح رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عينيه، فرد السلام، ثم أطرق عنه، فعرف عمر أنه لم يرده، ~~فلما خرج أقبل صلى الله عليه وسلم عليهن وقال: «ادعون لي حبيبي فقالت عائشة ~~رضي الله عنها: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، أمرت عمر يصلي بالناس، ~~فقال صلى الله عليه وسلم: إنكن صواحبات يوسف[ (1) ]عليه السلام، ادعون لي ~~حبيبي إنما أفعل ما أومر» فدعي أبو ms010 بكر رضي الله تعالى عنه[ (2) ] . ### || استخلاف أبي بكر رضي الله عنه في الصلاة بالناس # فلما جاء قال له: اذهب مع المؤذن، فصل بالناس، فلم يزل أبو بكر رضي الله ~~عنه يصلي بالناس حتى كان اليوم الذي مات فيه رسول الله[ (3) ]وتوفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يوم الاثنين. # [ () ]كلام العرب فأحدهما النصف.. من ذلك قولهم: شاطرتك مالي، والوجه ~~الآخر: القصد، يقال: خذ شطر زيد، أي قصده، قال الله تعالى: @QUR@05 فول ~~وجهك شطر المسجد الحرام أي قصده. # [ (1) ]يريد كثرة التظاهر على ما يرون، وكثرة إلحاحهن في طلب ما يردنه ~~ويملن إليه. # [ (2) ]راجع ما ذكره البيهقي في دلائل النبوة-باب ما جاء في أمره، حين ~~اشتد به المرض-أبا بكر الصديق رضي الله عنه أن يصلي بالناس ج 7/186 وما بعدها. # [ (3) ]هذا يحتمل أن أبا بكر رضي الله عنه صلى بالناس طيلة فترة مرض رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلى اليوم الذي توفي فيه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم حيث قام بالصلاة بالناس، وانتهى ما أمره به النبي صلى الله عليه وسلم. ~~في ذلك وردت عدة أحاديث ذكرها البيهقي في دلائل النبوة، باب ما جاء في آخر ~~صلاة صلاها رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس ج 7/189. PageV01P020 ### || اختلاف الصحابة على موضع دفنه صلى الله عليه وسلم # فأتمروا فقال قائل: يدفن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يصلي في ~~مقامه، فقال أبو بكر رضي الله عنه: معاذ الله أن نجعله وثنا نعبده! وقال ~~قائل: ندفنه صلى الله عليه وسلم في البقيع[ (1) ]، حيث دفن إخوانه من ~~المهاجرين والأنصار. فقال أبو بكر: إنا نكره أن نخرج قبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من بين أظهرنا إلى البقيع، قالوا: فما ترى يا أبا بكر؟ ~~@HAD02 قال: # @HAD017 سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: «ما قبض نبي قط إلا دفن جسده حيث ~~قبض روحه» [ (2) ]. قالوا: فأنت والله رضا ومقنع. # وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قد لقي عليا كرم الله ~~وجهه، ms011 فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقبض، فاسأله إن كان الأمر لنا ~~بينه وإن كان لغيرنا أوصى بنا خيرا. ### || محاولة العباس مبايعة الإمام علي # فلما قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس لعلي بن أبي طالب كرم ~~الله وجهه: أبسط يدك أبايعك، فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ويبايعك أهل بيتك، فإن هذا الأمر إذا كان لم يقل، ~~@HAD013 فقال له علي كرم الله وجهه: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا؟ وقد كان ~~العباس رضي الله عنه لقي أبا بكر فقال: هل أوصاك رسول الله بشيء؟قال: # لا. ولقي العباس أيضا عمر، فقال له مثل ذلك. فقال عمر: لا. فقال العباس ~~لعلي رضي الله عنه: ابسط يدك أبايعك ويبايعك أهل بيتك. ### || ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول # وحدثنا، قال: حدثنا ابن عفير عن أبي عون، عن عبد الله بن عبد الرحمن ~~الأنصاري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام لما قبض، اجتمعت [ ~~(1) ]البقيع: مقبرة أهل المدينة، وهي داخل المدينة (معجم البلدان) . # [ (2) ]نقله السيوطي في الخصائص الكبرى 2/278 عن ابن سعد والبيهقي وقال: ~~له عدة طرق موصولة ومرسلة. وانظر طبقات ابن سعد 2/275. PageV01P021 # الأنصاري رضي الله عنهم إلى سعد بن عبادة، فقالوا له: إن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قد قبض. فقال سعد لابنه قيس[ (1) ]رضي الله عنهما: إني لا ~~أستطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضي، ولكن تلق مني قولي فأسمعهم، فكان سعد ~~يتكلم، ويحفظ ابنه رضي الله عنهما قوله، فيرفع صوته، لكي يسمع قومه، فكان ~~مما قال رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى وأثنى عليه: يا معشر الأنصار ~~إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة[ (2) ]من العرب، إن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة ~~الرحمن، وخلع الأوثان[ (3) ]، فما آمن به من قومه إلا قليل[ (4) ]، والله ~~ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ms012 ولا يعرفوا دينه، ~~ولا يدفعوا عن أنفسهم[ (5) ]، حتى أراد الله تعالى لكم الفضيلة، وساق ~~إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به وبرسوله صلى الله عليه ~~وسلم، والمنع له ولأصحابه والإعزاز[له و]لدينه، والجهاد لأعدائه، فكنتم أشد ~~الناس على من تخلف عنه منكم، وأثقله على عدوكم من غيركم، حتى استقاموا لأمر ~~الله تعالى طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة صاغرا داحرا حتى أثخن الله ~~تعالى لنبيه بكم الأرض، ودانت بأسيافكم له العرب، وتوفاه الله تعالى وهو ~~راض عنكم[وبكم]قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا الأمر، فإنكم أحق الناس ~~وأولاهم به. # فأجابوه جميعا: أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت ~~توليتك هذا الأمر، فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا[ (6) ]. قال فأتى الخبر ~~إلى أبي بكر رضي الله عنه، ففزع أشد الفزع، وقام معه عمر رضي الله عنهما، [ ~~(1) ]زيد في الطبري: «أو بعض بني عمه» . # [ (2) ]كذا بالأصل والطبري، وفي الكامل لابن الأثير: لأحد من العرب. # [ (3) ]في الطبري: وخلع الأنداد والأوثان. # [ (4) ]في الطبري: إلا رجال قليل. # [ (5) ]العبارة في الطبري: ولا يعزوا دينه، ولا أن يدفعوا عن أنفسهم ضيما ~~عموا به. # [ (6) ]وزيد في الطبري وابن الأثير: (النص من الطبري) : ثم انهم ترادوا ~~الكلام بينهم، فقالوا: فإن أبت مهاجرة قريش، فقالوا: نحن المهاجرون وصحابة ~~رسول الله الأولون، ونحن عشيرته وأولياؤه، فعلام تنازعونا هذا الأمر بعده، ~~فقالت طائفة منهم: فإنا نقول إذا: منا أمير ومنكم أمير، ولن نرضى بدون هذا ~~الأمر أبدا، فقال سعد بن عبادة حين سمعها: هذا أول الوهن. PageV01P022 # فخرجا مسرعين إلى سقيفة بني ساعدة، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله ~~عنه فانطلقوا رضي الله عنهم جميعا، حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة، وفيها رجال ~~من الأشراف، معهم سعد بن عبادة رضي الله عنه، فأراد عمر رضي الله عنه أن ~~يبدأ بالكلام، وقال: خشيت أن يقصر أبو بكر رضي الله عنه عن بعض الكلام. ~~فلما تيسر عمر للكلام، تجهز أبو بكر رضي الله عنه وقال له: على رسلك، ~~فستكفى الكلام، فتشهد أبو بكر رضي الله ms013 عنه، وانتصب له الناس، فقال[ (1) ~~]: إن الله جل ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا ~~إلى الإسلام، فأخذ الله تعالى بنواصينا وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر ~~المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا فيه تبع، ونحن عشرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب ~~إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضا والله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا ~~في الدين، ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم إخواننا في كتاب ~~الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء، ~~والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا، وأكرمهم ~~علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمر الله عز وجل ~~ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، وهم أحق الناس فلا ~~تحسدوهم، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين ~~إخوانكم من المهاجرين، وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر واختلافه على ~~أيديكم، وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم، وإنما ~~أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر، وكلاهما له ~~أهل. فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون ~~فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين، وأمرك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر. فقال الأنصار: والله ما نحسدكم ~~على خير ساقه الله إليكم، وإنا لكما وصفت يا أبا بكر والحمد لله، ولا أحد ~~من خلق الله تعالى أحب إلينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما ~~بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم ~~اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من ~~الأنصار فإذا [ (1) ]قارن مع الطبري-ابن الأثير-ابن كثير، باختلاف في ~~الألفاظ والتعابير. PageV01P023 # هلك ms014 اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، كان ذلك أجدر أن ~~يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأن يكون بعضنا يتبع بعضا، فيشفق ~~القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري، ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض عليه ~~القرشي. فقام أبو بكر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: إن الله تعالى بعث ~~محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى خلقه، وشهيدا على أمته ليعبدوا الله ~~ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى، يزعمون أنها لهم شافعة، وعليهم بالغة ~~نافعة، وإنما كانت حجارة منحوتة، وخشبا منجورة، فاقرءوا إن شئتم @QUR@07 ~~إنكم وما تعبدون من دون الله [أنبياء: 67]، @QUR@017 ويعبدون من دون الله ~~ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله ، وقالوا: # @QUR@07 ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى [الزمر: 3]فعظم على العرب ~~أن يتركوا دين آبائهم، فخص الله تعالى المهاجرين الأولين رضي الله عنهم ~~بتصديقه، والإيمان به، والمواساة له والصبر معه على الشدة من قومهم، ~~وإذلالهم وتكذيبهم إياهم وكل الناس مخالف عليهم[ (1) ]، زار لهم، فلم ~~يستوحشوا لقلة عددهم وإزراء[ (2) ]الناس بهم واجتماع قومهم عليهم، فهم أول ~~من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ~~وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم، ~~وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم ولا النعمة العظيمة لهم في ~~الإسلام، رضيكم الله تعالى أنصارا لدينه ولرسوله، وجعل إليكم مهاجرته فليس ~~بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء، وأنتم الوزراء، ~~لا نفتات دونكم بمشورة، ولا تنقضي[ (3) ]دونكم الأمور. # فقام الحباب بن المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه، فقال: يا معشر ~~الأنصار: املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم وظلالكم، ولن يجير ~~مجير[ (4) ]على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز ~~والثروة وأولو العدد والنجدة[ (5) ]، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا ~~تختلفوا، فيفسد [ (1) ]في الطبري: لهم مخالف. # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير: وشنف الناس لهم. وكلاهما بمعنى: البغض ~~والتنكر ms015 والاحتقار. # [ (3) ]في الطبري: ولا نقضي. وعند ابن الأثير: ولا تقضى. # [ (4) ]في الطبري: ولن يجترئ مجترئ. # [ (5) ]في الطبري: وأولو العدد والمنعة والتجربة، ذوو البأس والنجدة. PageV01P024 # عليكم رأيكم، وتقطع أموركم، أنتم أهل الإيواء والنصرة، وإليكم كانت ~~الهجرة، ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والإيمان ~~من قبلهم، والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا ~~في مساجدكم، ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيبا ~~في هذا الأمر، وإن أبى القوم، فمنا أمير ومنهم أمير. # فقام عمر رضي الله عنه، فقال: هيهات لا يجتمع[ (1) ]سيفان في غمد واحد، ~~إنه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي ~~أن تولي هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم، وأولو الأمر منهم، لنا بذلك ~~على من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان ~~محمد وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف لإثم، أو ~~متورط في هلكة. # فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه، فقال: يا معشر الأنصار: املكوا على ~~أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن ~~أبوا عليكم ما سألتم فأجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الأمر عليهم، فأنتم ~~والله أولى بهذا الأمر منهم، فإنه دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له ~~بأسيافنا، أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة[ (2) ]، والله لا يرد علي أحد ~~ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو الذي ~~يجيبني، لم يكن لي معه كلام، لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدا[ (3) ~~]. ثم قام أبو عبيدة، فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر وآوى، فلا ~~تكونوا أول من يبدل ويغير. ### || مخالفة بشير بن سعد، ونقضه لعهدهم # قال: وإن بشيرا لما رأى ما اتفق عليه قومه من تأمير سعد بن عبادة، قام ~~حسدا لسعد، وكان بشير ms016 من سادات الخزرج، فقال: يا معشر الأنصار، أما والله [ ~~(1) ]في الطبري: لا يجتمع اثنان في قرن. # [ (2) ]الجذعة: الفتية. والجذع من الإبل ما استكمل الأربع ودخل في السنة ~~الخامسة من العمر. # والأنثى جذعة. (عن غريب الهروي) . # [ (3) ]في الطبري وابن الأثير: فقال عمر: إذا ليقتلك الله!فقال: بل إياك يقتل. PageV01P025 # لئن كنا أولى الفضيلة في جهاد المشركين، والسابقة في الدين، ما أردنا إن ~~شاء الله غير رضا ربنا، وطاعة نبينا، والكرم لأنفسنا[ (1) ]، وما ينبغي أن ~~نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا[ (2) ]من الدنيا فإن الله تعالى ~~ولي النعمة والمنة علينا بذلك. ثم إن محمدا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه، وتولي سلطانه، وأيم الله لا يراني الله ~~أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تنازعوهم ولا تخالفوهم. ### || بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه # قال: ثم إن أبا بكر قام على الأنصار، فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم ~~دعاهم إلى الجماعة، ونهاهم عن الفرقة، وقال: إني ناصح لكم في أحد هذين ~~الرجلين: أبي عبيدة بن الجراح، أو عمر فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر: # معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، أنت أحقنا بهذا الأمر، وأقدمنا ~~صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل منا في المال، وأنت أفضل ~~المهاجرين وثاني اثنين، وخليفته على الصلاة، والصلاة أفضل أركان دين ~~الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك، ويتولى هذا الأمر عليك؟أبسط يدك أبايعك. ~~فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الأنصاري فبايعه، فناداه الحباب بن ~~المنذر: يا بشير بن سعد، عقك عقاق ما اضطرك إلى ما صنعت؟حسدت ابن عمك على ~~الإمارة؟قال: لا والله، ولكني كرهت أن أنازع قوما حقا لهم. # فلما رأت الأوس ما صنع قيس[ (3) ]بن سعد وهو من سادات الخزرج، وما دعوا ~~إليه المهاجرين من قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، قال بعضهم ~~لبعض وفيهم أسيد بن حضير[ (4) ]رضي الله عنه: لئن وليتموها سعدا عليكم مرة ~~واحدة، لا زالت لهم بذلك عليكم ms017 الفضيلة، ولا جعلوا لكم نصيبا فيها أبدا، ~~فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله عنه، فقاموا إليه فبايعوه؟فقام الحباب بن ~~المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه منه، فجعل [ (1) ]في ~~الطبري: والكدح لأنفسنا. # [ (2) ]في الطبري: عرضا. # [ (3) ]كذا بالأصل، تحريف. والصواب «بشير» كما في الطبري وابن الأثير، ~~وهذا ما يقتضيه السياق. # [ (4) ]وهو أحد النقباء الاثني العشر. وهو من سادات الأوس ورؤسائهم. PageV01P026 # يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال: فعلتموها يا معشر ~~الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم، قد وقفوا يسألونهم ~~بأكفهم ولا يسقون الماء. قال أبو بكر: أمنا تخاف يا حباب؟قال: ليس منك ~~أخاف، ولكن ممن يجيء بعدك[ (1) ]. قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك، ~~فالأمر إليك وإلى أصحابك، ليس لنا عليك طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا ~~بكر، إذا ذهبت أنا وأنت، جاءنا بعدك من يسومنا الضيم. ### || تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه عن البيعة # فقال سعد بن عبادة: أما والله لو أن لي ما أقدر به على النهوض، لسمعتم ~~مني في أقطارها زئيرا يخرجك[ (2) ]أنت وأصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم ~~تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه الناس جميعا حتى كادوا يطئون ~~سعدا. فقال سعد: قتلتموني. فقيل[ (3) ]: اقتلوه قتله الله، فقال سعد: ~~احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياما، ثم بعث إليه أبو ~~بكر رضي الله عنه: أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس، وبايع قومك، فقال: أما ~~والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب منكم سناني ورمحي[ (4) ~~]، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي وعشيرتي، ولا ~~والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الإنس ما بايعتكم حتى أعرض على ربي، وأعلم ~~حسابي. فلما أتي بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه حتى يبايعك، فقال ~~لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولج، وليس يبايعك حتى يقتل، وليس بمقتول حتى ~~يقتل ولده معه، وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تقتل الخزرج، ولن تقتل ~~الخزرج حتى تقتل ms018 الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد استقام لكم، فاتركوه ~~فليس تركه بضاركم، وإنما هو رجل واحد، فتركوه وقبلوا مشورة بشير بن سعد، ~~واستنصحوه لما بدا لهم منه. فكان سعد لا يصلي بصلاتهم، ولا يجمع[ (5) ] [ ~~(1) ]قال الجوهري في كتاب السقيفة: لقد صدقت فراسة الحباب، فإن الذي خافه ~~وقع يوم الحرة (سنة 63) وأخذ من الأنصار ثأر المشركين يوم بدر (شرح النهج ~~1/313) . # [ (2) ]في الطبري: «يجحرك وأصحابك» يعني يدخلكم المضايق. # [ (3) ]القائل هو عمر بن الخطاب. قاله في الطبري. # [ (4) ]في الطبري: سنان رمحي. # [ (5) ]أي لا يصلي الجمعة معهم. PageV01P027 # بجمعتهم، ولا يفيض بإفاضتهم، ولو يجد عليهم أعوانا لصال بهم، ولو بايعه ~~أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى توفي أبو بكر رحمه الله، وولي ~~عمر بن الخطاب، فخرج إلى الشام، فمات بها، ولم يبايع لأحد، رحمه الله[ (1) ]. # وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى علي بن أبي طالب، ومعهم الزبير ~~بن العوام رضي الله عنه، وكانت أمه صفية بنت عبد المطلب، وإنما كان يعد ~~نفسه من بني هاشم، @HAD017 وكان علي كرم الله وجهه يقول : ما زال الزبير ~~منا حتى نشأ بنوه، فصرفوه عنا، واجتمعت بنو أمية على عثمان، واجتمعت بنو ~~زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد الشريف مجتمعين، فلما ~~أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيدة وقد بايع الناس أبا بكر قال لهم عمر: ما لي ~~أراكم مجتمعين حلقا شتى[ (2) ]، قوموا فبايعوا أبا بكر، فقد بايعته وبايعه ~~الأنصار، فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية فبايعوه، وقام سعد وعبد ~~الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. وأما علي والعباس بن عبد ~~المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ومعهم الزبير بن العوام، ~~فذهب إليهم عمر في عصابة[ (3) ]فيهم أسيد بن حضير وسلمة بن أسلم، فقالوا: ~~انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام رضي الله عنه ~~بالسيف، فقال عمر رضي الله عنه: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه سلمة بن ~~أسلم[ (4) ]، فأخذ السيف ms019 من يده، فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع وذهب ~~بنو هاشم أيضا فبايعوا[ (5) ]. ### || إباية علي كرم الله وجهه بيعة أبي بكر رضي الله عنهما # @HAD021 ثم إن عليا كرم الله وجهه أتي به إلى أبي بكر وهو يقول : أنا عبد ~~الله وأخو رسوله، فقيل له بايع أبا بكر، @HAD051 فقال: أنا أحق بهذا الأمر ~~منكم، لا أبايعكم وأنتم [ (1) ]أقام بحوران ومات سنة 15 وقيل سنة 14 وقيل ~~سنة 11 ولم يختلفوا أنه وجد ميتا على مغتسله وقد اخضر جسده. وقيل إن قبره ~~بالمنيحة قرية من غوطة دمشق وهو مشهور. # @HAD011 [ (2) ]في شرح النهج 2/266: ما لي أراكم ملتاثين؟ # @HAD010 [ (3) ]زيد في شرح النهج: إلى بيت فاطمة. # @HAD029 [ (4) ]في رواية عمر بن شبة: اعتنقه زياد بن لبيد الأنصاري ورجل ~~آخر، فندر السيف من يده (أي سقط) ، فضرب به عمر الحجر فكسره (الطبري 2/202) . # @HAD036 [ (5) ]وفي مروج الذهب 2/329 «لم يبايعه أحد من بني هاشم حتى ~~ماتت فاطمة رضي الله عنها» وهو ما رواه ابن الأثير في الكامل نقلا عن ~~الزهري. والطبري في رواية 3/208. PageV01P028 # @HAD0202 أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم ~~بالقرابة من النبي صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا؟ألستم ~~زعمتم للأنصار أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم ~~المقادة، وسلموا إليكم الإمارة، وأنا أحتج عليكم بمثل ما احتججتم به على ~~الأنصار نحن أولى برسول الله حيا وميتا فأنصفونا[ (1) ]إن كنتم تؤمنون وإلا ~~فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال ~~له علي: احلب حلبا لك شطره، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا. ثم قال: ~~والله يا عمر لا أقبل قولك ولا أبايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا ~~أكرهك، فقال أبو عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه: يا بن عم إنك حديث ~~السن وهؤلاء مشيخة قومك، ليس لك مثل تجربتهم، ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى ~~أبا بكر إلا أقوى على هذا الأمر منك، وأشد احتمالا واضطلاعا به، فسلم لأبي ms020 ~~بكر هذا الأمر، فإنك إن تعش ويطل[ (2) ]بك بقاء، فأنت لهذا الأمر خليق وبه ~~حقيق، في فضلك[ (3) ] ودينك، وعلمك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي ~~كرم الله وجهه: # @HAD089 الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في العرب عن ~~داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن مقامه في ~~الناس وحقه، فو الله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به. لأنا أهل ~~البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، الفقيه في ~~دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع عنهم ~~الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا الهوى ~~فتضلوا عن سبيل الله، فتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد الأنصاري: ~~لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي بكر، ما اختلف ~~عليك اثنان. قال: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم النصرة، فكانوا ~~يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل، ولو أن زوجك وابن عمك ~~سبق إلينا قبل أبي بكر ما [ (1) ]العبارة في شرح النهج: @HAD025 فأنصفونا ~~إن كنتم تخافون الله من أنفسكم، واعرفوا لنا من الأمر مثل ما عرفت الأنصار ~~لكم، وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم تعلمون. # [ (2) ]في شرح النهج: ويطل عمرك. # [ (3) ]العبارة في شرح النهج: في فضلك وقرابتك وسابقتك وجهادك. PageV01P029 # عدلنا به، @HAD025 فيقول علي كرم الله وجهه : أفكنت أدع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم في بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع الناس سلطانه؟ @HAD@ فقالت ~~فاطمة : ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد صنعوا ما الله حسيبهم ~~وطالبهم. ### || كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه # قال: وإن أبا بكر رضي الله عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم ~~الله وجهه، فبعث إليهم عمر[ (1) ]، فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن ~~يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس ms021 عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من ~~فيها، فقيل له: يا أبا حفص، إن فيها فاطمة؟فقال: وإن، فخرجوا فبايعوا إلا ~~عليا فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع ~~القرآن، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على بابها، @HAD032 فقالت: لا عهد لي ~~بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله صلى الله عليه وسلم جنازة بين ~~أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم تردوا لنا حقا. فأتى عمر ~~أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك بالبيعة؟فقال أبو بكر لقنفذ ~~وهو مولى له: اذهب فادع لي عليا، قال: فذهب إلى علي فقال له: ما حاجتك؟ ~~فقال: يدعوك خليفة رسول الله، @HAD09 فقال علي : لسريع ما كذبتم على رسول الله. # فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلا. فقال عمر الثانية: لا تمهل ~~هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر رضي الله عنه لقنفذ: عد إليه، فقال له: # خليفة رسول الله[ (2) ]يدعوك لتبايع، فجاءه قنفد، فأدى ما أمر به، فرفع ~~علي صوته @HAD09 فقال: سبحان الله؟لقد ادعى ما لبس له، فرجع قنفد، فأبلغ ~~الرسالة، فبكى أبو بكر طويلا، ثم قام عمر، فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب ~~فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم @HAD020 نادت بأعلى صوتها: يا أبت ~~يا رسول الله، ما ذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي قحافة، فلما سمع ~~القوم صوتها وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، وأكبادهم تنفطر، ~~وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا عليا، فمضوا به إلى أبي بكر، فقالوا له: بايع، ~~@HAD07 فقال : إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذا والله الذي لا إله إلا هو ~~نضرب عنقك، @HAD024 فقال : إذا تقتلون عبد [ (1) ]في رواية أن عمر جاء إلى ~~بيت فاطمة في رجال من الأنصار ونفر قليل من المهاجرين. # @HAD07 [ (2) ]في نسخة: أمير المؤمنين. PageV01P030 # @HAD05 الله وأخا رسوله، قال عمر: أما عبد الله فنعم، وأما أخو رسوله ~~فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا تأمر فيه بأمرك؟فقال: لا ~~أكرهه على شيء ms022 ما كانت فاطمة إلى جنبه، @HAD025 فلحق علي بقبر رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يصيح ويبكي، وينادي: يا بن أم إن القوم استضعفوني ~~وكادوا يقتلونني. فقال عمر لأبي بكر، رضي الله عنهما: انطلق بنا إلى فاطمة، ~~فإنا قد أغضبناها، فانطلقا جميعا، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، ~~فأتيا عليا فكلماه، فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها، حولت وجهها إلى ~~الحائط، فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة ~~رسول الله!والله إن قرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإنك لأحب إلي من ~~عائشة ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت، ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك ~~وأعرف فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله، إلا أني @HAD017 سمعت ~~أباك رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «لا نورث، ما تركنا فهو صدقة» ، ~~@HAD@ فقالت : أرأيتكما إن حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تعرفانه وتفعلان به؟ # قالا: نعم. @HAD037 فقالت : نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا ~~فاطمة من رضاي، وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن ~~أرضى فاطمة فقد أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟» قالا: نعم سمعناه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، @HAD018 قالت : فإني أشهد الله وملائكته ~~أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي لأشكونكما إليه، # فقال أبو بكر: أنا عائذ بالله تعالى من سخطه وسخطك يا فاطمة، ثم انتحب ~~أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله لأدعون الله عليك في ~~كل صلاة أصليها، ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس، فقال لهم: يبيت كل رجل ~~منكم معانقا حليلته، مسرورا بأهله، وتركتموني وما أنا فيه، لا حاجة لي في ~~بيعتكم، أقيلوني بيعتي. قالوا: يا خليفة رسول الله، إن هذا الأمر لا ~~يستقيم، وأنت أعلمنا بذلك، إنه إن كان هذا لم يقم لله دين، فقال: والله لو ~~لا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق مسلم بيعة، ~~بعد ما سمعت ورأيت ms023 من فاطمة. قال: فلم يبايع علي كرم الله وجهه حتى ماتت ~~فاطمة رضي الله عنهما، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة[ (1) ]. ~~قال: فلما توفيت أرسل [ (1) ]اختلفوا في وفاتها عليها السلام وكم عاشت بعد ~~النبي صلى الله عليه وسلم، قال الواقدي: PageV01P031 # علي إلى أبي بكر: أن أقبل إلينا[ (1) ]، فأقبل أبو بكر حتى دخل على علي ~~وعنده بنو هاشم @HAD038 فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد يا أبا ~~بكر: فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكارا لفضيلتك، ولا نفاسة عليك[ (2) ]، ~~ولكنا كنا نرى أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددت علينا، ثم ذكر علي قرابته ~~من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر. فقال ~~أبو بكر رضي الله عنه: # لقرابة رسول الله أحب إلي[ (3) ]من قرابتي، وإني والله لا أدع أمرا رأيت ~~رسول الله يصنعه إلا صنعته إن شاء الله تعالى. @HAD013 فقال علي : موعدك ~~غدا[ (4) ]في المسجد الجامع للبيعة إن شاء الله. ثم خرج فأتى المغيرة بن ~~شعبة، فقال: الرأي يا أبا بكر أن تلقوا العباس، فتجعلوا له في هذه الإمرة ~~نصيبا، يكون له ولعقبه، وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم، إذا كان ~~العباس معكم. # قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى دخلوا على العباس رضي ~~الله عنه. فحمد الله أبو بكر، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا صلى ~~الله عليه وسلم نبيا وللمؤمنين وليا، فمن الله تعالى بمقامه بين أظهرنا، ~~حتى اختار له الله ما عنده، فخلى على الناس أمرهم، ليختاروا لأنفسهم في ~~مصلحتهم، متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا، ولأمورهم راعيا، وما ~~أخاف بعون الله وهنا ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي إلا بالله العلي ~~العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب. وما أزال يبلغني عن طاعن يطعن بخلاف ما ~~اجتمعت عليه عامة المسلمين، ويتخذكم لجأ، فتكونون حصنه المنيع، فإما دخلتم ~~فيما دخل فيه العامة، أو دفعتموهم عما مالوا إليه، وقد جئناك ونحن نريد أن ~~نجعل لك في ms024 هذا الأمر نصيبا، يكون لك ولعقبك من بعدك، إذ كنت عم رسول الله، ~~وإن كان [ () ]وهو الثبت عندنا: «توفيت بعد النبي صلى الله عليه وسلم بستة ~~أشهر، وتوفيت ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة إحدى عشرة وهي ~~ابنة تسع وعشرين سنة أو نحوها» وقيل توفيت بعده بثلاثة أشهر وقيل ثمانية ~~أشهر وقيل سبعين يوما (انظر ابن سعد 8/30 وطبقات خليفة ص 96 ومروج الذهب ~~2/321 والطبري) . # [ (1) ]زيد في الطبري-وهو @HAD020 يروي عن الزهري : ائتنا ولا يأتنا معك ~~أحد، وكره أن يأتيه عمر لما علم من شدة عمر، فقال عمر: لا تأتهم وحدك قال ~~أبو بكر: والله لآتينهم وحدي، وما عسى أن يصنعوا بي! # [ (2) ]زيد في رواية الطبري: بخير ساقه الله إليك. # [ (3) ]في نسخة: أحب إلي أن أصل من قرابتي. # [ (4) ]في الطبري: موعدك العشية للبيعة. PageV01P032 # الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك، فعدلوا الأمر عنكم وعلى رسلكم بني عبد ~~المطلب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم منا ومنكم، ثم قال عمر: إي ~~والله، وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم، ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم ~~فيما اجتمع عليه العامة، فيتفاقم الخطب بكم وبهم، فانظروا لأنفسكم ~~ولعامتكم. # فتكلم العباس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: إن الله بعث محمدا كما ~~زعمت نبيا، وللمؤمنين وليا، فمن الله بمقامه بين أظهرنا حتى اختار له ما ~~عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم، مصيبين للحق، لا مائلين عنه ~~بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت ~~فنحن منهم متقدمون فيهم، وإن كان هذا الأمر إثما يجب لك بالمؤمنين فما وجب ~~إذ كنا كارهين، فأما ما بذلت لنا فإن يكن حقا لك فلا حاجة لنا فيه وإن يكن ~~حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم، وإن كان حقنا لم نرض عنك فيه ببعض دون ~~بعض. وأما قولك إن رسول الله منا ومنكم، فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها، ~~وأنتم جيرانها. # قال: ثم خرج أبو بكر إلى المسجد الشريف، ms025 فأقبل على الناس، فعذر عليا بمثل ~~ما اعتذر عنه، ثم قال علي فعظم حق أبي بكر، وذكر فضيلته وسابقته، ثم مضى ~~فبايعه، فأقبل الناس على علي، فقالوا: أصبت يا أبا الحسن وأحسنت. قال: فلما ~~تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم، يقول قد أقلتكم ~~في بيعتي، هل من كاره؟هل من مبغض؟فيقوم علي في أول الناس @HAD027 فيقول: ~~والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا، قد قدمك رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لتوحيد ديننا، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا؟. ### || خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه # قال: ثم إن أبا بكر قام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها ~~الناس، إن الله الجليل الكريم العليم الحكيم الرحيم الحليم، بعث محمدا ~~بالحق، وأنتم معشر العرب كما قد علمتم، من الضلالة والفرقة، ألف بين قلوبكم ~~ونصركم به وأيدكم، ومكن لكم دينكم، وأورثكم سيرتهالراشدة PageV01P033 # المهدية، فعليكم بحسن الهدى ولزوم الطاعة، وقد استخلف الله عليكم خليفة ~~ليجمع به ألفتكم، ويقيم به كلمتكم، فأعينوني على ذلك بخير، ولم أكن لأبسط ~~يدا ولا لسانا على من لم يستحل ذلك إن شاء الله، وأيم الله ما حرصت عليها ~~ليلا ولا نهارا، ولا سألتها الله قط في سر ولا علانية، ولقد قلدت أمرا ~~عظيما، ما لي به طاقة ولا يد، ولوددت أني وجدت أقوى الناس عليه مكاني، ~~فأطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم، ثم بكى وقال: اعلموا ~~أيها الناس أني لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم، ولوددت أن بعضكم ~~كفانيه، ولئن أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من الوحي ما كان ذلك ~~عندي، وما أنا إلا كأحدكم، فإذا رأيتموني قد استقمت فاتبعوني، وإن زغت[ ~~(1) ]فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني أحيانا، فإذا رأيتموني غضبت ~~فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، ثم نزل. ثم دعا عمر والأوجاه[ ~~(2) ]من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما ترون لي من هذا ~~المال؟[ (3) ]فقال عمر: # أنا والله أخبرك مالك منه. أما ms026 ما كان لك من ولد قد بان عنك وملك أمره، ~~فسهمه كرجل من المسلمين، وأما ما كان من عيالك وضعفة أهلك، فتقوت منه ~~بالمعروف وقوت أهلك. فقال: يا عمر إني لأخشى ألا يحل لي أن أطعم عيالي من ~~فيء المسلمين. فقال عمر: يا خليفة رسول الله، إنك قد شغلت بهذا الأمر عن ~~أن تكسب لعيالك. # قال: ولما تمت البيعة لأبي بكر، واستقام له الأمر، اشرأب النفاق ~~بالمدينة، وارتدت العرب، فنصب لهم أبو بكر الحرب، وأراد قتالهم، فقالوا: # نصلي ولا نؤدي الزكاة. فقال الناس: اقبل منهم يا خليفة رسول الله، فإن ~~العهد حديث، والعرب كثير، ونحن شرذمة قليلون، لا طاقة لنا بالعرب، مع أنا ~~قد @HAD027 سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «أمرت أن أقاتل ~~الناس حتى [ (1) ]زغت من زاغ أي عدل عن الحق ومال عنه. # @HAD012 وقوموني أي سددوني يعني أرجعوني إلى الصواب وقول الحق. # @HAD07 [ (2) ]في نسخة «الاوجاه» تحريف. # @HAD074 [ (3) ]وكان أبو بكر رضي الله عنه قد أصبح-بعد ما استخلف-غاديا ~~إلى السوق وقد كان يشتغل بالتجارة وقد لقيه عمر وأبو عبيدة وآخرون فسألوه ~~أين يريد؟فقال: السوق، فقيل له: ما ذا وقد وليت أمر المسلمين، فأجاب: فمن ~~أين أطعم عيالي. حينئذ عملوا على أن يفرض له ما يغنيه عن عمله في التجارة، ~~وقد جعلوا له ألفين وقيل ألفين وخمسمائة. PageV01P034 # @HAD018 يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم ~~إلا بحقها، وحسابهم على الله» [ (1) ]فقال أبو بكر: هذا من حقها، لا بد من ~~القتال. فقال الناس لعمر: اخل به فكلمه لعله يرجع عن رأيه هذا، فيقبل منهم ~~الصلاة، ويعفيهم من الزكاة، فخلا به عمر نهاره أجمع، فقال: والله لو منعوني ~~عقالا[ (2) ] كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، ولو لم أجد أحدا ~~أقاتلهم به لقاتلتهم وحدي، حتى يحكم الله بيني وبينهم، @QUR@04 وهو خير ~~الحاكمين ، وقد @HAD027 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : «أمرت أن ~~أقاتل الناس على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء ~~الزكاة» [ (3) ]فو الله ms027 الذي لا إله إلا هو لا أقصر دونهن، فضرب منهم من ~~أدبر بمن أقبل، حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها. وحمدوا رأيه، وعرفوا فضله. # قال أبو رجاء العطاردي: رأيت الناس مجتمعين وعمر يقبل رأس أبي بكر ويقول: ~~أنا فداؤك، لو لا أنت لهلكنا. فخمد له رأيه في قتال أهل الردة. ### || مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما # قال: ثم إن أبا بكر عمل سنتين وشهورا[ (4) ]، ثم مرض مرضه الذي مات فيه، ~~فدخل عليه أناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فيهم عبد الرحمن بن ~~عوف، فقال له: كيف أصبحت يا خليفة رسول الله، فإني أرجو أن تكون بارئا؟قال: ~~أترى ذلك؟قال: نعم، قال أبو بكر: والله إني لشديد الوجع، ولما ألقى منكم يا ~~معشر المهاجرين أشد علي من وجعي، إني وليت [ (1) ]الحديث أخرجه البخاري في ~~الإيمان (17) ومسلم في الإيمان (34 و36) والترمذي في الإيمان (1) وتفسير ~~سورة (88) والنسائي في الجهاد (1) وابن ماجة في الفتن (1) وأحمد في مسندة ~~من عدة طرق في ج 1 و2 و3. # [ (2) ]قال أبو عبيد في غريبه: «ويروى عناقا» وفي الفائق للزمخشري: وفيه: ~~وروي: «لو منعوني جديا أذوط» . # قال الكسائي: العقال صدقة عام. يقال: قد أخذ منهم عقال هذا العام إذا ~~أخذت منهم صدقته. # وقال الأصمعي: يقال: بعث فلان على عقال بني فلان: إذا بعث على صدقاتهم. ~~(وانظر النهاية لابن الأثير 3/118. وغريب الهروي 2/3-4) . # [ (3) ]متفق عليه أخرجه البخاري وابن ماجة وأحمد في مسندة. # [ (4) ]كانت خلافته سنتين وأربعة أشهر إلا أربع ليال قاله في الطبري. PageV01P035 # أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه إرادة أن يكون هذا الأمر له. وذلك ~~لما رأيتم الدنيا قد أقبلت[ (1) ]. أما والله لتتخذن نضائد[ (2) ]الديباج، ~~وستور الحرير، ولتألمن النوم[ (3) ]على الصفوف الأذربي[ (4) ]، كما يألم ~~أحدكم النوم على حسك السعدان[ (5) ]، والله لأن يقدم أحدكم فضرب عنقه في ~~غير حدث خير له من أن يخوض غمرات الدنيا[ (6) ]. فقال له عبد الرحمن بن ~~عوف: خفض عليك من هذا يرحمك الله، فإن هذا يهيضك[ (7) ]على ما بك، ms028 وإنما ~~الناس رجلان: رجل رضي ما صنعت، فرأيه كرأيك، ورجل كره ما صنعت، فأشار عليك ~~برأيه، ما رأينا من صاحبك الذي وليت إلا خيرا، وما زلت صالحا مصلحا، ولا ~~أراك تأسى على شيء من الدنيا فاتك[ (8) ]. قال: أجل، والله ما آسى إلا ~~على ثلاث فعلتهن، ليتني كنت تركتهن، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن، وثلاث ~~ليتني سألت رسول الله عنهن، فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن، فليتني ~~تركت بيت علي وإن كان أعلن علي الحرب، وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت ~~على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير وكنت أنا الوزير، ~~وليتني حين أتيت بذي الفجاءة السلمي[ (9) ]أسيرا أني قتلته ذبيحا أو ~~أطلقته نجيحا، ولم أكن أحرقته بالنار. وأما اللاتي تركتهن وليتني كنت ~~فعلتهن، ليتني حين أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا أني قتلته ولم أستحيه، فإني ~~سمعت منه، وأراه لا يرى غيا ولا شرا إلا أعان عليه، وليتني حين بعثت خالد ~~بن الوليد إلى الشام، أني كنت بعثت [ (1) ]العبارة في الطبري: ورأيتم ~~الدنيا قد أقبلت ولما تقبل، وهي مقبلة حتى تتخذوا ستور الحرير.. # 3/429. # [ (2) ]قال المبرد في الكامل: نضائد الديباج، واحدتها نضيدة، وهي الوسادة ~~وما ينضد من المتاع. # [ (3) ]في الطبري: وتألموا الاضطجاع. # [ (4) ]كذا بالأصل والكامل للمبرد، وفي الطبري: الأذري نسبة إلى أذربيجان ~~من بلاد العجم. # [ (5) ]السعدان: نبت كثير الحسك تأكله الإبل فتسمن عليه. # [ (6) ]زيد عند المبرد والطبري: يا هادي الطريق جرت، إنما هو والله الفجر ~~أو البجر. # [ (7) ]قال المبرد: قوله يهيضك مأخوذ من قولهم: هيض العظم إذا جبر ثم ~~أصابه شيء يعنته فأذاه، كسره ثانية أو لم يكسره، وأكثر ما يستعمل في كسره ثانية. # [ (8) ]الخبر إلى هنا في الكامل للمبرد 1/11. وانظر العقد الفريد 4/268 ~~وإعجاز القرآن (ص 116) . # [ (9) ]وكان الفجاءة قد أتى أبا بكر وادعى أمامه الإسلام وطلب إليه جهاد ~~المرتدين، فحمله وأعطاه سلاحا فأخذ يشن غاراته على المسلمين أينما توجه. ~~ولما أمكنت أبا بكر الفرصة منه وأمسك به أحرقه بالنار مقموطا. PageV01P036 # عمر بن الخطاب إلى العراق، ms029 فأكون قد بسطت يدي جميعا في سبيل الله[ (1) ]. # وأما اللاتي كنت أود أني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عنهن، فليتني ~~سألته لمن هذا الأمر من بعده؟فلا ينازعه فيه أحد، وليتني كنت سألته: # هل للأنصار فيها من حق؟[ (2) ]وليتني كنت سألته عن ميراث بنت الأخ ~~والعمة، فإن في نفسي من ذلك شيئا. # ثم دخل عليه أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~خليفة رسول الله، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟فقال: قد نظر إلي. # قالوا: فما ذا قال؟قال: إني فعال لما أريد، ثم قال لهم: انظروا ما ذا ~~أنفقت من بيت المال، فنظروا فإذا هو ثمانية[ (3) ]آلاف درهم، فأوصى أهله أن ~~يؤدوها إلى الخليفة بعده. ثم دعا عثمان بن عفان فقال: اكتب عهدي، فكتب ~~عثمان وأملى عليه[ (4) ]: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في ~~الدنيا نازحا عنها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها: إني استخلفت عليكم عمر ~~بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن بدل وغير ~~فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، @QUR@07 وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون . # ثم ختم الكتاب ودفعه، فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين بلغهم أنه استخلف ~~عمر، فقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته، وعلمت بوائقه فينا وأنت ~~بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا وأنت لاق الله عز وجل فسائلك، فما أنت ~~قائل؟فقال أبو بكر: لئن سألني الله لأقولن: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي. ~~قال: ثم أمر أن تجتمع له الناس، فاجتمعوا، فقال: أيها الناس قد حضرني من ~~قضاء الله ما ترون، وإنه لا بد لكم من رجل يلي أمركم، ويصلي [ (1) ]كذا ~~بالأصل، ولم يذكر الثالثة، وهي في الطبري: وددت أني حين سيرت خالد بن ~~الوليد إلى أهل الردة، كنت أقمت بذي القصة، فإن ظفر المسلمون ظفروا، وإن ~~هزموا كنت بصدد لقاء أو مددا. (وانظر العقد الفريد) . # [ (2) ]في الطبري والعقد: نصيب. # [ (3) ]في طبقات ابن سعد 3/193: ستة آلاف. # [ (4) ]نص ms030 العهد في الطبري 3/429 والكامل لابن الأثير 2/425 وطبقات ابن ~~سعد 3/200 باختلاف في بعض الألفاظ، قارنها مع الأصل. PageV01P037 # بكم، ويقاتل عدوكم، فيأمركم، فإن شئتم اجتهدت لكم رأيي، ووالله الذي لا ~~إله إلا هو لا آلوكم في نفسي خيرا، قال: فبكى وبكى الناس، وقالوا: يا خليفة ~~رسول الله، أنت خيرنا وأعلمنا، فاختر لنا، قال: سأجتهد لكم رأيي، وأختار ~~لكم خيركم إن شاء الله. قال: فخرجوا من عنده، ثم أرسل إلى عمر فقال: يا ~~عمر، أحبك محب، وأبغضك مبغض، وقديما يحب الشر، ويبغض الخير. # فقال عمر: لا حاجة لي بها، فقال أبو بكر: لكن بها إليك حاجة، والله ما ~~حبوتك بها، ولكن حبوتها بك. ثم قال: خذ هذا الكتاب واخرج به إلى الناس، ~~وأخبرهم أنه عهدي، وسلهم عن سمعهم وطاعتهم. فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم، ~~فقالوا: سمعا وطاعة، فقال له رجل: ما في الكتاب يا أبا حفص؟ قال: لا أدري، ~~ولكني أول من سمع وأطاع. قال: لكني والله أدري ما فيه: # أمرته عام أول، وأمرك العام. ### || ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه # قال: ولما توفي أبو بكر[ (1) ]وولي عمر وقعد في المسجد مقعد الخلافة، ~~أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أدنو منك فإن لي حاجة؟قال عمر: لا. قال ~~الرجل: إذا أذهب فيغنيني الله عنك، فولى ذاهبا، فاتبعه عمر ببصره، ثم قام ~~فأخذه بثوبه، فقال له: ما حاجتك؟فقال الرجل: بغضك الناس، وكرهك الناس، قال ~~عمر: ولم ويحك؟قال الرجل: للسانك وعصاك، قال: فرفع عمر يديه، فقال: اللهم ~~حببهم إلي وحببني إليهم. قال الرجل: فما وضع يديه حتى ما على الأرض أحب إلي منه. # وكان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر، واستبطئوا الخبر، فقالوا: إنا ~~لنخاف أن يكون خليفة الله قد مات وولي بعده عمر، فإن كان عمر هو الوالي ~~فليس لنا بصاحب، وإنا نرى خلعه. قال بعضهم: فابعثوا رجلا ترضون عقله، قال: ~~فانتخبوا لذلك رجلا، فقدم على عمر، وقد كان عمر استبطأ خبر أهل الشام، فلما ~~أتاه قال له: كيف الناس؟قال: سالمون ms031 صالحون، وهم كارهون [ (1) ]كانت وفاة ~~أبي بكر مساء ليلة الثلاثاء لثماني ليال بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث ~~عشرة وهو ابن ثلاث وستين سنة على ما ذكروه. (ابن سعد 3/202) . PageV01P038 # لولايتك، ومن شرك مشفقون[ (1) ]، فأرسلوني انظر: أحلو أنت أم مر؟قال: ~~فرفع عمر يديه إلى السماء وقال: اللهم حببني إلى الناس، وحببهم إلي. # قال: فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر، فو الله ما فارق الدنيا حتى أحب ~~ولايته من كرهها. لقد كانت إمارته فتحا، وإسلامه عزا ونصرا، اتبع في عمله ~~سنة صاحبيه وآثارهما، كما يتبع الفصيل أثر أمه، ثم اختار الله له ما عنده. ### || قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه # قال عمرو بن ميمون: شهدت عمر بن الخطاب يوم طعن، فما منعني أن أكون في ~~الصف الأول إلا هيبته، فكنت في الصف الذي يليه، وكان عمر لا يكبر حتى ~~يستقبل الصف المتقدم بوجهه، فإن رأى رجلا متقدما من الصف أو متأخرا ضربه ~~بالدرة، فذلك الذي منعني من التقدم. قال: فأقبل لصلاة الصبح، وكان يغلس ~~بها[ (2) ]، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة، فطعنه ثلاث طعنات[ ~~(3) ]، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب، فإنه قد قتلني، وماج الناس، فجرح ~~ثلاثة عشر رجلا[ (4) ]، وصاح بعضهم ببعض: دونكم الكلب، فشد عليه رجل من ~~خلفه، فاحتضنه، وماج الناس، فقال قائل: الصلاة عباد الله، طلعت الشمس. ~~فدفعت عبد الرحمن بن عوف، فصلى بأقصر سورتين في القرآن، واحتمل عمر، ومات ~~من الذين جرحوا ستة أو سبعة[ (5) ]، وجرى الناس إلى عمر، فقال: يا بن عباس، ~~اخرج فناد في الناس أعن ملأ ورضى منهم كان هذا؟ فخرج فنادى، فقالوا: معاذ ~~الله، ما علمنا ولا أطلعنا، قال: فأتاه الطبيب فقال: # أي الشراب أحب إليك؟قال: النبيذ فسقوه نبيذا، فخرج من بعض طعناته. # فقال الناس[ (6) ]: صديد، اسقوه لبنا، فخرج اللبن، فقال الطبيب: لا أرى ~~أن [ (1) ]أي خائفون ومترقبون. # [ (2) ]الغلس هو آخر ظلمة الليل. كان عمر يصلي صلاة الصبح مبكرا. # [ (3) ]ابن سعد 3/345 وفي ابن الأثير 3/50 ست طعنات. وكانت إحدى ms032 الطعنات ~~تحت السرة وهي التي قتلته. # [ (4) ]في ابن سعد: طعن أحد عشر رجلا سوى عمر ثم انتحر بخنجره، فمات منهم ~~ستة وأفرق ستة، وفي رواية له كالأصل. فأفلت أربعة ومات تسعة أو أفلت تسعة ~~ومات أربعة، ولما أدرك أنه مأخوذ-بعد أن ألقى عليه اليربوعي-نحر نفسه ~~بخنجره (فتح الباري 7/51) . # [ (5) ]انظر الحاشية السابقة. # [ (6) ]في ابن سعد: الذي أشار بسقيه اللبن طبيب من الأنصار من بني معاوية ~~والمراد بالنبيذ المذكور: PageV01P039 # تمسي، فما كنت فاعلا فافعل، فقال لابنه عبد الله: ناولني الكتف، فلو أراد ~~الله أن يمضي ما فيه أمضاه، فمحاها بيده، وكان فيها فريضة الجد. ثم دخل ~~عليه كعب الأحبار، فقال: يا أمير المؤمنين، الحق من ربك فلا تكونن من ~~الممترين، قد كنت أنبأتك أنك شهيد[ (1) ]، قال: ومن أين لي بالشهادة وأنا ~~بجزيرة العرب؟ثم جعل الناس يثنون عليه، ويذكرون فضله. فقال: إن من غررتموه ~~لمغرور، إني والله وددت أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها[ (2) ]، والله لو ~~كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس لافتديت به من هول المطلع، فقالوا: يا ~~أمير المؤمنين لا بأس عليك، فقال: إن يكن القتل بأسا، فقد قتلني أبو لؤلؤة، ~~قالوا: فإن يكن ذلك فجزاك الله عنا خيرا. فقال: لا أراكم تغبطونني بها، فو ~~الذي نفس عمر بيده ما أدري علام أهجم، ولوددت أني نجوت منها كفافا لا لي ~~ولا علي، فيكون خيرها بشرها، ويسلم لي ما كان قبلها من الخير. ودخل علي بن ~~أبي طالب[ (3) ] فقال: يا علي، أعن ملأ منكم ورضى كان هذا؟ @HAD020 فقال ~~علي : ما كان عن ملأ منا ولا رضى، ولوددنا أن الله زاد من أعمارنا في عمرك. ~~قال: وكان رأسه في حجر ابنه عبد الله، فقال له: ضع خدي بالأرض، فلم يفعل، ~~فلحظه وقال: ضع خدي بالأرض لا أم لك، فوضع خده بالأرض، فقال: الويل لعمر ~~ولأم عمر إن لم يغفر الله لعمر[ (4) ]، ثم دعا عبد الله بن عباس وكان يحبه ~~ويدنيه ويسمع منه، فقال له: يا بن عباس، إني لأظن أن ms033 لي ذنبا، ولكن أحب أن ~~تعلم لي أعن ملأ منهم ورضى كان هذا؟فخرج ابن عباس، فجعل لا يرى ملأ من ~~الناس إلا وهم يبكون، كأنما فقدوا اليوم أنصارهم، فرجع إليه فأخبره بما ~~رأى. قال: فمن قتلني؟قال: أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن شعبة. قال عبد ~~الله: فرأيت البشر في وجهه، فقال: الحمد لله الذي لم يقتلني رجل يحاجني بلا ~~إله إلا الله يوم القيامة. ثم قال: يا عبد الله، ألا لو أن لي ما طلعت عليه ~~الشمس وما غربت لافتديت به من هول المطلع، وما ذاك والحمد لله أن أكون رأيت ~~إلا خيرا، فقال [ () ]تمرات نبذت في ماء أي نفقت فيه، كانوا يصنعون ذلك ~~لاستعذاب الماء. # [ (1) ]وكان كعب الأحبار قد أخبره أنه ميت في ثلاث ليال وأنه يجد ذلك في ~~التوراة (ابن الأثير 3/50) . # [ (2) ]زيد عند ابن سعد: لا أجر ولا وزر. # [ (3) ]في ابن سعد: ابن عباس. # [ (4) ]قالها ثلاثا (عن ابن سعد) وعنه أنها آخر كلام عمر بن الخطاب وبقي ~~يقولها حتى فاضت نفسه. PageV01P040 # له ابن عباس: فإن يك ذاك يا أمير المؤمنين، فجزاك الله عنا خيرا، أليس قد ~~دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعز الله بك الدين والمسلمون محبسون ~~بمكة؟[ (1) ]فلما أسلمت كان إسلامك عزا أعز الله به الإسلام، وظهر النبي ~~وأصحابه، ثم هاجرت إلى المدينة، فكانت هجرتك فتحا، ثم لم تغب عن مشهد شهده ~~رسول الله من قتال المشركين، وقال فيك رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~كذا وكذا، ثم قبض رسول الله وهو عنك راض، ثم ارتد الناس بعد رسول الله عن ~~الإسلام، فوازرت الخليفة على منهاج رسول الله، وضربتم من أدبر بمن أقبل، ~~حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها، ثم قبض الخليفة وهو عنك راض، ثم وليت ~~بخير على ما يلي أحد من الناس. مصر الله بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى ~~بك العدو، وأدخل الله على أهل كل بيت من المسلمين توسعة في دينهم، وتوسعة ~~في أرزاقهم، ثم ختم الله ms034 لك بالشهادة، فهنيئا لك، فصب الله الثناء عليك ~~صبا، فقال: أتشهد لي بهذا يا عبد الله عند الله يوم القيامة؟قال: نعم، فقال ~~عمر: اللهم لك الحمد. ### || تولية عمر بن الخطاب الستة الشورى وعهده إليهم # قال[ (2) ]: ثم إن المهاجرين دخلوا على عمر رضي الله عنه وهو في البيت ~~من جراحة تلك، فقالوا: يا أمير المؤمنين، استخلف علينا، قال: والله لا ~~أحملكم حيا وميتا، ثم قال: إن استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا ~~بكر، وإن أدع فقد ودع من هو خير مني يعني النبي عليه الصلاة والسلام، ~~فقالوا: # جزاك الله خيرا يا أمير المؤمنين، فقال: ما شاء الله راغبا، وددت أن أنجو ~~منها لا لي ولا علي. # فلما أحس بالموت قال لابنه: اذهب إلى عائشة، وأقرئها مني السلام، ~~واستأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر، فأتاها عبد الله بن ~~عمر، [ (1) ]إشارة إلى @HAD019 حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: اللهم ~~أعز الإسلام بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام. # [ (2) ]القائل هو عمرو بن ميمون الأودي، وهو من بني الأزد يكنى أبا يحيى ~~أو أبا عبد الله أدرك الجاهلية وأسلم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ~~قال أبو نعيم مات سنة 54 وقيل سنة 75 (الإصابة 3/118) . PageV01P041 # فأعلمها، فقالت: نعم وكرامة ثم قالت: يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: لا ~~تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى عليهم ~~الفتنة، فأتى عبد الله فأعلمه، فقال: ومن تأمرني أن أستخلف؟لو أدركت أبا ~~عبيدة بن الجراح باقيا استخلفته ووليته، فإذا قدمت على ربي فسألني وقال لي: ~~من وليت على أمة محمد؟قلت: إي ربي، @HAD017 سمعت عبدك ونبيك يقول: لكل أمة ~~أمين وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، ولو أدركت معاذ بن جبل ~~استخلفته، فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد؟قلت: إي ربي، ~~@HAD016 سمعت عبدك ونبيك يقول: إن معاذ بن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم ~~القيامة. ولو أدركت ms035 خالد بن الوليد لوليته، فإذا قدمت على ربي فسألني: من ~~وليت على أمة محمد؟قلت: إي ربي، @HAD015 سمعت عبدك ونبيك يقول: خالد بن ~~الوليد سيف من سيوف الله سله على المشركين [ (1) ]، ولكني سأستخلف النفر ~~الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض، فأرسل إليهم فجمعهم، وهم علي بن أبي ~~طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي ~~وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله عليهم وكان طلحة غائبا، فقال: يا معشر ~~المهاجرين الأولين، إني نظرت في أمر الناس، فلم أجد فيهم شقاقا ولا نفاقا، ~~فإن يكون بعدي شقاق ونفاق فهو فيكم، تشاوروا ثلاثة أيام. فإن جاءكم طلحة ~~إلى ذلك، وإلا فأعزم عليكم بالله أن لا تتفرقوا من اليوم الثالث حتى ~~تستخلفوا أحدكم، فإن أشرتم بها إلى طلحة، فهو لها أهل، وليصل بكم صهيب[ ~~(2) ]هذه الثلاثة أيام التي تشاورون فيها، فإنه رجل من الموالي لا ينازعكم ~~أمركم، وأحضروا معكم من شيوخ الأنصار، وليس لهم من أمركم شيء، وأحضروا ~~معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس، فإن لهما قرابة، وأرجو لكم البركة في ~~حضورهما، وليس لهما من أمركم شيء، ويحضر ابني عبد الله مستشارا، وليس له ~~من الأمر شيء، قالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه للخلافة موضعا فاستخلفه، ~~فإنا راضون به فقال: حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة، ليس له من الأمر ~~شيء. ثم قال: يا عبد الله إياك ثم إياك لا تتلبس بها، [ (1) ]قارن مع ~~رواية الطبري وابن الأثير والعقد الفريد. # [ (2) ]هو صهيب بن سنان (نسبه في أسد الغابة) أسرته الروم وهو صغير فنشأ ~~فيهم ثم اشتراه عبد الله بن جدعان وأعتقه وكان من السابقين إلى الإسلام. ~~توفي بالمدينة سنة 38 وقيل سنة 39. PageV01P042 # ثم قال: إن استقام أمر خمسة منكم وخالف واحد فاضربوا عنقه، وإن استقام ~~أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، وإن استقر ثلاثة واختلف ثلاثة ~~فاحتكموا إلى ابني عبد الله، فلأي الثلاثة قضى فالخليفة منهم وفيهم[ (1) ~~]، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم، فقالوا: ms036 قل فينا يا أمير ~~المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك ونقتدي به. فقال: والله ما يمنعني أن ~~أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك، مع أنك رجل حرب. وما يمنعني منك يا عبد ~~الرحمنإلا أنك فرعون هذه الأمة. وما يمنعني منك يا زبير إلا أنك مؤمن ~~الرضا، كافر الغضب. وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ولو وليها وضع ~~خاتمه في إصبع امرأته. وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك وحبك قومك ~~وأهلك، وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها، وإنك أحرى القوم إن وليتها ~~أن تقيم على الحق المبين. # والصراط المستقيم. أوصي الخليفة منكم بتقوى الله العظيم، وأحذره مثل ~~مضجعي هذا، وأخوفه يوما تبيض فيه وجوه وتسود وجوه، يوم تعرضون على الله لا ~~تخفى منكم خافية، ثم غشي عليه حتى ظنوا أنه قد قضى فجعلوا ينادونه ولا يفيق ~~من إغمائه، فقال قائل: إن كان شيء ينبه فالصلاة، فقالوا: يا أمير المؤمنين ~~الصلاة، ففتح عينيه فقال: الصلاة ها أنا ذا، ولا حظ في الإسلام لمن ترك ~~الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دما[ (2) ]، ثم التفت إليهم وقال: قد قومت لكم ~~الطريق فلا تعوجوه، ثم التفت إلى علي بن أبي طالب، فقال: لعل هؤلاء القوم ~~يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله، وما آتاك الله من العلم والفقه ~~والدين فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي فيه، ولا تحمل أحدا ~~من بني هاشم على رقاب الناس، ثم التفت إلى عثمان فقال: يا عثمان، لعل هؤلاء ~~القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك وشرفك وسابقتك فيستخلفوك، فإن وليت ~~هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس. ثم دعا صهيبا فقال: ~~يا صهيب، صل بالناس ثلاثة أيام، ويجتمع هؤلاء النفر ويتشاورون بينهم[ (3) ~~]: اخرجوا عني، اللهم ألفهم واجمعهم على الحق، ولا تردهم على [ (1) ]زيد في ~~رواية عند الطبري وابن الأثير: فإن لم يرغبوا بحكم عبد الله بن عمر فكونوا ~~مع الذين فيهم عبد الرحمن بن عوف. (وانظر ابن سعد 3/61) ms037 . # [ (2) ]يثعب دما: يتفجر دما. # [ (3) ]زيد عند الطبري، وابن الأثير وابن سعد: أنه قال لأبي طلحة ~~الأنصاري: يا أبا طلحة إن الله طالما أعز بكم الإسلام فاختر خمسين رجلا ~~فاستحث هؤلاء الرهط حتى يختاروا رجلا منهم. PageV01P043 # أعقابهم، وول أمر أمة محمد خيرهم. فخرجوا من عنده، وتوفي رحمه الله تعالى ~~من يومه ذلك، ودفن وصلى عليه صهيب. ### || ذكر الشورى وبيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه # ثم إنه بعد موت عمر اجتمع القوم فحلوا في بيت أحدهم[ (1) ]، وأحضروا عبد ~~الله بن عباس، والحسن بن علي، وعبد الله بن عمر، فتشاوروا ثلاثة أيام، فلم ~~يبرموا فتيلا، فلما كان في اليوم الثالث قال لهم عبد الرحمن بن عوف. # أتدرون أي يوم هذا؟هذا يوم عزم عليكم صاحبكم أن لا تتفرقوا فيه حتى ~~تستخلفوا أحدكم، قالوا: أجل. قال: فإني عارض عليكم أمرا، قالوا: وما ~~تعرض؟قال: أن تولوني أمركم، وأهب لكم نصيبي فيها، وأختار لكم من أنفسكم، ~~قالوا: قد أعطيناك الذي سألت، فلما سلم القوم قال لهم عبد الرحمن اجعلوا ~~أمركم إلى ثلاثة منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي، وجعل طلحة أمره إلى ~~عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف. # قال المسور بن مخرمة: فقال لهم عبد الرحمن: كونوا مكانكم حتى آتيكم. وخرج ~~يتلقى الناس في أنقاب المدينة متلثما لا يعرفه أحد، فما ترك أحدا من ~~المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاعهم إلا سألهم واستشارهم. ~~أما أهل الرأي فأتاهم مستشيرا، وتلقى غيرهم سائلا، يقول: من ترى الخليفة ~~بعد عمر؟فلم يلق أحدا يستشيره ولا يسأله إلا ويقول عثمان، فلما رأى اتفاق ~~الناس واجتماعهم على عثمان. قال المسور: جاءني رضي الله عنه عشاء، فوجدني ~~نائما فخرجت إليه فقال: ألا أراك نائما، فو الله ما اكتحلت عيني بنوم منذ ~~هذه الثلاثة، ادع لي فلانا وفلانا[ (2) ] (نفرا من المهاجرين) فدعوتهم له، ~~فناجاهم في المسجد طويلا، ثم قاموا من عنده، فخرجوا. ثم دعا عليا فناجاه ~~طويلا ثم قام من عنده على طمع[ (3) ]، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، ~~فناجاه ms038 طويلا حتى فرق بينهما أن آنت صلاة الصبح، فلما صلوا جمعهم، فأخذ على ~~[ (1) ]قيل إنهم اجتمعوا في بيت المسور بن مخرمة، وقيل: في بيت المال، ~~وقيل: في حجرة عائشة بإذنها. # [ (2) ]في الطبري: الزبير وسعد. # [ (3) ]في الطبري: وهو لا يشك أنه صاحب الأمر. PageV01P044 # كل واحد منهم العهد والميثاق: لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة ~~رسوله، وسنة صاحبيك من قبلك، فأعطاه كل واحد منهم العهد والميثاق على ذلك، ~~وأيضا لئن بايعت غيرك لترضين ولتسلمن، وليكونن سيفك معي على من أبى فأعطوه ~~ذلك من عهودهم ومواثيقهم، فلما تم ذلك أخذ بيد عثمان، فقال له: # عليك عهد الله وميثاقه لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله وسنة ~~صاحبيك، وشرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني أمية على رقاب الناس، فقال عثمان: ~~نعم. ثم أخذ بيد علي، فقال له: أبايعك على شرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني ~~هاشم على رقاب الناس، @HAD031 فقال علي عند ذلك: ما لك ولهذا إذا قطعتها في ~~عنقي؟فإن علي الاجتهاد لأمة محمد حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها، كان ~~في بني هاشم أو غيرهم، قال عبد الرحمن: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط، ~~@HAD08 قال علي : والله لا أعطيكه أبدا، فتركه، فقاموا من عنده، فخرج عبد ~~الرحمن إلى المسجد، فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إني نظرت في ~~أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك، فإنه ~~السيف لا غير. ثم أخذ بيد عثمان فبايعه وبايع الناس جميعا، قال: فكان عثمان ~~رضي الله عنه ست سنين في ولايته، وهو أحب إلى الناس من عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه. وكان عمر رجلا شديدا قد ضيق على قريش أنفاسها، لم ينل أحد معه من ~~الدنيا شيئا إعظاما له وإجلالا، وتأسيا به واقتداء، فلما وليهم عثمان ولى ~~رجل لين. # قال الحسن البصري: شهدت عثمان وهو يخطب وأنا يومئذ قد راهقت الحلم، فما ~~رأيت قط ذكرا ولا أنثى أصبح وجها ولا أحسن نضرة ms039 منه. فسمعته يقول: أيها ~~الناس، اغدوا على أعطياتكم فيأخذونها وافية، أيها الناس اغدوا على كسوتكم، ~~فيغدون فيجاء بالحلل فتقسم بينهم، حتى والله سمعت أذناي: يا معشر المسلمين ~~اغدوا على السمن والعسل فيغدون فيقسم بينهم السمن والعسل، ثم يقول: يا معشر ~~المسلمين اغدوا على الطيب، فيغدون فيقسم بينهم الطيب من المسك والعنبر ~~وغيره، والعدوان والله منفي، والأعطيات دارة والخير كثير، وما على الأرض ~~مؤمن يخاف مؤمنا، من لقي في أي البلدان فهو أخوه وأليفه، وناصره ومؤدبه فلم ~~يزل المال متوفرا، حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا، وبيع الفرس بعشرة ~~آلاف دينار وبيع البعير بألف، والنخلة الواحدة بألف. PageV01P045 # ثم أنكر الناس على عثمان أشياء أشرا وبطرا. قال ابن عمر: لقد عيبت عليه ~~أشياء لو فعلها عمر ما عيبت عليه. ### || ذكر الإنكار على عثمان رضي الله عنه # قال عبد الله بن مسلم: حدثنا ابن أبي مريم وابن عفير قالا: حدثنا ابن ~~عون، قال: أخبرنا المخول بن إبراهيم وأبو حمزة الثمالي وبعضهم يزيد على بعض ~~والمعنى واحد، فجمعته وألفته على قولهم، ومعنى ما أرادوا عن علي بن الحسين، ~~قال: لما أنكر الناس على عثمان بن عفان صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: أما بعد، فإن لكل شيء آفة، ولكل نعمة عاهة، وإن آفة[ (1) ] هذا ~~الدين وعاهة هذه الملة، قوم عيابون طعانون، يرونكم ما تحبون، ويسرون ما ~~تكرهون. أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار، لقد عبتم علي أشياء ونقمتم ~~أمورا قد أقررتم لابن الخطاب مثلها، ولكنه[ (2) ] وقمكم[ (3) ]وقمعكم، ~~ولم يجترئ أحد يملأ بصره منه ولا يشير بطرفه إليه، أما والله لأنا أكثر من ~~ابن الخطاب عددا، وأقرب ناصرا وأجدر. إلى أن قال لهم: أتفقدون من حقوقكم ~~شيئا؟فما لي لا أفعل في الفضل ما أريد، فلم كنت إماما إذا؟أما والله ما عاب ~~علي من عاب منكم أمرا أجهله، ولا أتيت الذي أتيت إلا وأنا أعرفه. # قال: وقدم معاوية بن أبي سفيان على أثر ذلك من الشام، فأتى مجلسا فيه علي ~~بن أبي طالب، وطلحة ms040 بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وعمار بن ياسر، فقال لهم: يا معشر الصحابة، أوصيكم ~~بشيخي هذا خيرا، فو الله لئن قتل بين أظهركم لأملأنها عليكم خيلا ورجالا، ~~ثم أقبل على عمار بن ياسر فقال: يا عمار، إن بالشام مائة ألف فارس، كل يأخذ ~~العطاء، مع مثلهم من أبنائهم وعبدانهم، لا يعرفون عليا ولا قرابته، ولا ~~عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ولا صحابته، ولا طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ~~ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون سعدا ولا دعوته، فإياك يا عمار أن تقعد غدا في ~~فتنة تنجلي، فيقال: هذا قاتل عثمان، وهذا قاتل علي. ثم أقبل على ابن عباس [ ~~(1) ]العبارة في الطبري 5/97: وإن آفة هذه الأمة وعاهة هذه النعمة. # [ (2) ]في الطبري: ولكنه وطئكم برجله وضربكم بيده وقمعكم بلسانه فدنتم له ~~على ما أحببتم أو كرهتم. # [ (3) ]وقمكم أي قهركم. وقمعكم أي أوقفكم عند حدودكم. PageV01P046 # فقال: يا بن عباس، إنا كنا وإياكم في زمان لا نرجو فيه ثوابا، ولا نخاف ~~عقابا، وكنا أكثر منكم، فو الله ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخرناكم عن ~~مقام تقدمناه، حتى بعث الله رسوله منكم، فسبق إليه صاحبكم، فو الله ما زال ~~يكره شركنا، ويتغافل به عنا حتى ولي الأمر علينا وعليكم، ثم صار الأمر ~~إلينا وإليكم فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنه، ثم غير فنطق ونطق على لسانه، ~~فقد أوقدتم نارا لا تطفأ بالماء، فقال ابن عباس. كنا كما ذكرت حتى بعث الله ~~رسوله منا ومنكم، ثم ولي الأمر علينا وعليكم، ثم صار الأمر إلينا وإليكم، ~~فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنه، ولما هو أفضل من سنه، فو الله ما قلنا إلا ما ~~قال غيرنا، ولا نطقنا إلا بما نطق به سوانا، فتركتم الناس جانبا، وصيرتمونا ~~بين أن أقمنا متهمين أو نزعنا معتبين[ (1) ]وصاحبنا من قد علمتم، والله لا ~~يهجهج مهجهج إلا ركبه[ (2) ]، ولا يرد حوضا إلا أفرطه وقد أصبحت أحب منك ~~ما أحببت، وأكره ما كرهت، ولعلي لا ms041 ألقاك إلا في خير. ### || ذكر القول والمجادلة لعثمان ومعاوية رضي الله عنهما # قال: وذكروا أن ابن عباس قال: خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين ~~صليت العصر، إذ جاء رسول عثمان يدعو عليا، @HAD04 فقال علي : نعم، # فلما أن ولى الرسول أقبل @HAD06 علي فقال : لم تراه دعاني؟ قلت له: دعاك ~~ليكلمك، @HAD04 فقال: انطلق معي، فأقبلت فإذا طلحة والزبير وسعد وأناس من ~~المهاجرين، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان، فسكت القوم، ونظر بعضهم ~~إلى بعض، فحمد الله عثمان، ثم قال: أما بعد، فإن ابن عمي معاوية هذا قد كان ~~غائبا عنكم وعما نلتم مني، وما عاتبتكم عليه وعاتبتموني، وقد سألني أن ~~يكلمكم وأن يكلمه من أراد، فقال سعد بن أبي وقاص: وما عسى أن يقال لمعاوية ~~أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك؟ @HAD07 فقال علي : ذلكم تكلم يا معاوية، ~~فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا معشر المهاجرين وبقية الشورى ~~فإياكم أعني وإياكم أريد، فمن أجابني بشيء فمنكم واحد، فإني لم أرد غيركم، ~~توفي رسول الله صلى الله عليه وسلمفبايع الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم ~~دفنوا نبيهم، فأصبحوا [ (1) ]معتبين أي ملومين. # [ (2) ]أي لا يصيح صائح مستنكرا إلا أخذ على يده. PageV01P047 # سالما أمرهم، كأن نبيهم بين أظهرهم، فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلا من ~~بعده أحد المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ~~ستة نفر بقية المهاجرين، فأخذوا رجلا منهم لا يألون عن الخير فيه، فبايعوه ~~وهم ينظرون إلى الذي هو كائن من بعده، لا يشكون ولا يمترون، مهلا مهلا معشر ~~المهاجرين، فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، ومن إن فعلتم الذي ~~أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعد من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، ~~ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع بعد دم الماضي، فسددوا وارفقوا، لا يغلبكم ~~على أمركم من حذرتكم، @HAD014 فقال علي بن أبي طالب : كأنك تريد نفسك يا بن ~~اللخناء لست هنالك، فقال معاوية: مهلا عن شتم ms042 بنت عمك، فإنها ليست بشر ~~نسائك. يا معشر المهاجرين، وولاة هذا الأمر، ولاكم الله إياه فأنتم أهله، ~~وهذان البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنتهاه، إنما ينظر التابعون إلى ~~السابقين، والبلدان إلى البلدين فإن استقاموا استقاموا، وأيم الله الذي لا ~~إله إلا هو لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين، ~~ولا البلدان للبلدين، وليسلبن أمركم ولينقلن الملك من بين أظهركم، وما أنتم ~~في الناس إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض فإني رأيتكم نشبتم في الطعن ~~على خليفتكم، وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم، وما كل نصيحة مقبولة، والصبر ~~على بعض المكروه خير من تحمله كله. # قال: ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس، فقال له عثمان: يا بن عمي ويا ~~بن خالتي، فإنه لم يبلغني عنك في أمري شيء أحبه ولا أكرهه علي ولا لي، وقد ~~علمت أنك رأيت بعض ما رأى الناس، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، ~~وقد أحببت أن تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر، قال ابن عباس: فقلت يا ~~أمير المؤمنين، إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة، ~~ووالله إن رأيي لك أن يجل سنك، ويعرف قدرك، وسابقتك، والله لوددت أنك لم ~~تفعل ما فعلت مما ترك الخليفتان قبلك، فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنه ليس ~~لهما علمت أنه ليس لك كما لم يكن لهما، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن ~~ينال منهما مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له، ولم يكونا أحق بإكرام ~~أنفسهما منك بإكرام نفسك، قال: فما منعك أن تشير على بهذا قبل أن أفعل ما ~~فعلت؟قال: وما علمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل؟ PageV01P048 # قال: فهب لي صمتا حتى ترى رأيي. قال: فخرج ابن عباس، فقال عثمان لمعاوية: ~~ما ترى، فإن هؤلاء المهاجرين قد استعجلوا القدر، ولا بد لهم مما في أنفسهم، ~~فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي فأضرب أعناق هؤلاء القوم. قال: # من؟قال: علي وطلحة والزبير، قال عثمان: سبحان الله!أقتل أصحاب رسول الله ms043 ~~بلا حدث أحدثوه، ولا ذنب ركبوه؟قال معاوية: فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك. ~~قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول الله في أمته بإهراق الدماء. قال ~~معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال؟قال عثمان: وما هي؟قال معاوية: أرتب لك ~~ها هنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام، يكونون لك ردءا وبين يديك يدا، ~~قال عثمان: أرزقهم من أين؟قال: من بيت المال، قال عثمان: ارزق أربعة آلاف ~~من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي؟لا فعلت هذا[ (1) ]. قال: فثانية، ~~قال: وما هي؟قال: فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، واضرب عليهم ~~البعوث والندب، حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته، قال عثمان: ~~سبحان الله؟شيوخ المهاجرين وكبار أصحاب رسول الله، وبقية الشورى أخرجهم من ~~ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم؟لا أفعل هذا. قال معاوية فثالثة، ~~قال: وما هي؟قال: اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت، قال عثمان. نعم هذه لك إن ~~قتلت فلا يطل دمي. # قال: ثم خرج عثمان فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ~~أيها الناس، إن نصيحتي كذبتني، ونفسي منتني[ (2) ]، وقد @HAD015 سمعت رسول ~~الله يقول : لا تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من الله بعدا، من أساء ~~فليتب، ومن أخطأ فليتب، وأنا أول من اتعظ، والله لئن ردني الحق عبدا ~~لأنتسبن نسب العبيد، ولأكونن كالمرقوق الذي إن ملك صبر، وإن أعتق شكر، ثم ~~نزل[ (3) ]، فدخل على زوجته نائلة بنت الفرافصة، ودخل معه مروان بن الحكم، ~~فقال: يا [ (1) ]العبارة في الطبري 5/101 قال: فأبعث إليك جندا منهم (من ~~أهل الشام) يقيم بين ظهراني أهل المدينة لنائبة إن نابت المدينة أو إياك. ~~قال: أنا أقتر على جيران رسول الله صلى الله عليه وسلم الأرزاق بجند ~~مساكنهم وأضيق على أهل دار الهجرة والنصرة. # وذكر فيه خصلة ثانية وهي أن ينطلق عثمان معه إلى الشام فرفض عثمان أن ~~يترك جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم. # [ (2) ]في الطبري 5/111: مننتني نفسي وكذبتني وضل عني رشدي. # [ (3) ]قارن مع ms044 الطبري 5/111 وابن الأثير 3/164. PageV01P049 # أمير المؤمنين، أتكلم أو أسكت؟فقالت له نائلة: بل اسكت فو الله لئن تكلمت ~~لتغرنه ولتوبقنه. فالتفت إليها عثمان مغضبا، فقال: اسكتي، تكلم يا مروان، ~~فقال مروان: يا أمير المؤمنين والله لو قلت الذي قلت وأنت في عز ومنعة ~~لتابعتك، ولكنك قلت الذي قلت وقد بلغ السيل الزبى[ (1) ]، وجاوز الحزام ~~الطبيين، فانقض التوبة ولا تقر بالخطيئة. ### || ما أنكر الناس على عثمان رحمه الله # قال: وذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، فكتبوا ~~كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من سنة رسول الله وسنة صاحبيه، وما كان ~~من هبته خمس إفريقية لمروان وفيه حق الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى ~~واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في البنيان، حتى عدوا سبع دور بناها ~~بالمدينة: دارا لنائلة، ودارا لعائشة وغيرهما من أهله وبناته، وبنيان مروان ~~القصور بذي خشب[ (2) ]، وعمارة الأموال بها من الخمس الواجب لله ولرسوله، ~~وما كان من إفشائه العمل والولايات في أهله وبني عمه من بني أمية أحداث ~~وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة لهم بالأمور، وما كان من الوليد بن ~~عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو أمير عليها سكران أربع ركعات ثم قال ~~لهم: إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم، وتعطيله إقامة الحد عليه، وتأخيره ذلك ~~عنه، وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم على شيء ولا يستشيرهم، واستغنى ~~برأيه عن رأيهم، وما كان من الحمى الذي حمى حول المدينة، وما كان من إدراره ~~القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي ~~عليه الصلاة والسلام، ثم لا يغزون ولا يذبون، وما كان من مجاوزته الخيزران ~~إلى السوط، وأنه أول من ضرب بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين ~~قبله بالدرة والخيزران[ (3) ]. # [ (1) ]الزبى: الزبية مصيدة الأسد، ولا تتخذ إلا قلة أو رابية. والطبيين ~~واحدها طبي كما يقال في الظلف والخف خلف. فإذا بلغ الحزام الطبيين فقد ~~انتهى في المكروه. المثل في أمثال أبي عبيد 343 فصل المقال ص 472 جمهرة ms045 ~~الأمثال 1/220 مجمع الأمثال 1/91. # [ (2) ]ذو خشب: موضع بالمدينة. # [ (3) ]قارن مع ما ذكره الطبري 5/93 وابن سعد 3/64 والعقد الفريد 4/283 ~~ومروج الذهب 2/373-374. والبداية والنهاية 7/192. PageV01P050 # ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ~~ياسر والمقداد بن الأسود، وكانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى ~~عثمان والكتاب في يد عمار، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى ~~جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان ~~بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه، فقال له: # أنت كتبت هذا الكتاب؟قال: نعم، قال: ومن كان معك؟قال: كان معي نفر تفرقوا ~~فرقا[ (1) ]منك، قال: من هم؟قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت علي من ~~بينهم؟فقال مروان: يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود (يعني عمارا) قد ~~جرأ عليك الناس، وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه، قال عثمان: أضربوه، ~~فضربوه وضربه عثمان معهم حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجروه حتى طرحوه على ~~باب الدار، فأمرت به أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، فأدخل منزلها، ~~وغضب فيه بنو المغيرة وكان حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له ~~هشام بن الوليد بن المغيرة، فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا ~~لأقتلن به رجلا عظيما من بني أمية، فقال عثمان: لست هناك[ (2) ]. # قال: ثم خرج عثمان إلى المسجد، فإذا هو بعلي وهو شاك معصوب الرأس، فقال ~~له عثمان: والله يا أبا الحسن ما أدري: أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟فو الله ~~لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك، لأني لا أجد منك خلفا، ولئن بقيت لا ~~أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا، ويعدك كهفا وملجأ، لا يمنعني منه إلا مكانه ~~منك، ومكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه: إن مات فجعه، وإن عاش ~~عقه. فإما سلم فنسالم، وإما حرب فنحارب، فلا تجعلني بين السماء والأرض، ~~فإنك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفا، ولئن قتلتك ms046 لا أجد منك خلفا، ولن ~~يلي أمر هذه الأمة بادئ فتنة. @HAD020 فقال علي: إن فيما تكلمت به لجوابا، ~~ولكني عن جوابك مشغول بوجعي. فأنا أقول كما قال العبد الصالح: # @HAD08 فصبر جميل، والله المستعان على ما تصفون [يوسف: 18]، قال مروان: ~~إنا والله إذا لنكسرن رماحنا، ولنقطعن سيوفنا، ولا يكون في هذا الأمر خير ~~لمن [ (1) ]فرقا بفتح أوله وثانية: خوفا. # [ (2) ]فيما ذكره المسعودي وابن كثير من أسباب النقمة على عثمان هو ما ~~ناله عمار من الفتن والضرب. PageV01P051 # بعدنا. فقال له عثمان: اسكت، ما أنت وهذا؟فقال إليه رجل من المهاجرين، ~~فقال له: يا عثمان، أرأيت ما حميت من الحمى @QUR@07 آلله أذن لكم أم على ~~الله تفترون [يونس: 59]فقال عثمان: إنه قد حمى الحمى قبلي عمر لإبل الصدقة، ~~وإنما زادت فزدت، فقام عمرو بن العاص فقال: يا عثمان، إنك ركبت بالناس ~~نهابير[ (1) ]من الأمر، فتب إلى الله يتوبوا، فرفع عثمان يديه وقال: توبوا ~~إلى الله من كل ذنب، اللهم إني أول تائب إليك. ثم قام رجل من الأنصار فقال: # يا عثمان: ما بال هؤلاء النفر من أهل المدينة يأخذون العطايا ولا يغزون ~~في سبيل الله. وإنما هذا المال لمن غزا فيه وقاتل عليه، إلا من كان من هذه ~~الشيوخ من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فقال عثمان: فاستغفر الله وأتوب ~~إليه. ثم قال: يا أهل المدينة، من كان له منكم ضرع فليلحق بضرعه ومن كان له ~~زرع فليلحق بزرعه فإنا والله لا نعطي مال الله إلا لمن غزا في سبيله، إلا ~~من كان من هذه الشيوخ من الصحابة. قال: فما بال هذا القاعد الشارب لا تقيم ~~عليه الحد؟ (يعني الوليد بن عقبة) [ (2) ]، فقال عثمان لعلي: دونك ابن عمك ~~فأقم عليه الحد. @HAD029 فقال علي للحسن: قم فاجلده. فقال الحسن ما أنت ~~وذاك؟هذا لغيرك، قال علي: لا، ولكنك عجزت وفشلت، يا عبد الله بن جعفر، قم ~~فاجلده. فقام فضربه وعلي يعد، فلما بلغ أربعين أمسك و@HAD017 قال: جلد رسول ~~الله أربعين، وأبو بكر أربعين. وكملها عمر ثمانين. ms047 وكل سنة. ### || حصار عثمان رضي الله عنه # قال: وذكروا أنه لما اشتد الطعن على عثمان، استأذنه علي في بعض بواديه[ ~~(3) ]ينتحي إليها!فأذن له. واشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي. ورجا ~~الزبير وطلحة أن يميلا إليهما قلوب الناس، ويغلبا عليهم، واغتنما غيبة علي، ~~[ (1) ]النهابير: المهالك. # [ (2) ]كان الوليد بن عقبة بن أبي معيط قد صلى بالناس وهو سكران وصلى ~~صلاة الصبح أربع وقال: # أتريدون أن أزيدكم، وظهر في الكوفة فسقه ومداومته شرب الخمر، فأتوا عثمان ~~وشهدوا عليه فعزله وولى مكانه سعيد بن العاص. لكنه دفع شهادة الشهود وزجرهم ~~(عن مروج الذهب 2/370) . # [ (3) ]خرج إلى ينبع، ضيعة له (فتوح ابن الأعثم 2/227) . PageV01P052 # فكتب عثمان إلى علي إذ اشتد الطعن عليه[ (1) ]. أما بعد فقد بلغ السيل ~~الزبى! وجاوز الحزام الطبيين. وارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره!وزعموا ~~أنهم لا يرضون دون دمي. وطمع في من لا يدفع عن نفسه. # وإنك لم يفخر عليك كفاخر # ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب # [ (2) ] وقد كان يقال: أكل السبع خير من افتراس الثعلب فأقبل علي أولى. # فإن كنت مأكولا فكن خير آكل # وإلا فأدركني ولما أمزق # [ (3) ] قال حويطب بن عبد العزى: أرسل إلي عثمان حين اشتد حصاره، فقال: # قد بدا لي أن اتهم نفسي لهؤلاء، فأت عليا وطلحة والزبير، فقل لهم: هذا ~~أمركم تولوه، واصنعوا فيه ما شئتم فخرجت حتى جئت عليا، فوجدت على بابه مثل ~~الجبال من الناس، والباب مغلق، لا يدخل عليه أحد، ثم انصرفت، فأتيت الزبير، ~~فوجدته في منزله ليس ببابه أحد، فأخبرته بما أرسلني به عثمان، فقال: # قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين، هل جئت عليا؟قلت: نعم، فلم أخلص ~~إليه، فقمنا جميعا، فآتينا طلحة بن عبيد الله فوجدناه في داره وعنده ابنه ~~محمد، فقصصنا عليه ما قال عثمان، فقال: قد والله قضى ما عليه أمير ~~المؤمنين، هل جئتم عليا؟قلنا: نعم، فلم نخلص إليه. فأرسل طلحة إلى الأشتر، ~~فأتاه فقال لي: أخبره، فأخبرته بما قال عثمان، فقال طلحة وقد دمعت عيناه: ~~قد والله قضى ms048 ما عليه أمير المؤمنين، فقام الأشتر فقال: تبعثون إلينا ~~وجاءنا رسولكم بكتابكم، وها هو ذا، فأخرج كتابا فيه[ (4) ]: بسم الله ~~الرحمن الرحيم، من المهاجرين الأولين وبقية الشورى، إلى من بمصر من الصحابة ~~والتابعين، أما بعد، أن تعالوا إلينا وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن ~~يسلبها أهلها، فإن كتاب [ (1) ]قارن مع الكامل للمبرد 1/26. وقد مر شرح ~~المثل قريبا. # [ (2) ]البيت لامرئ القيس من قصيدة مطلعها: # خليلي مرا بي على أم جندب # لتقضى حاجات الفؤاد المغلب # (العقد الثمين ص 116-117) . # [ (3) ]البيت للممزق العبدي: الأصمعيات ص 166 والكامل للمبرد 1/26. # [ (4) ]هذه رواية الواقدي نقلها الطبري وابن الأثير أن الصحابة بعثوا ~~الكتاب. قال ابن كثير في البداية 7/173: تكاتب أهل مصر وأهل الكوفة وأهل ~~البصرة، وتراسلوا، وزورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة وعلى لسان ~~طلحة (بعد ما بلغهم خبر مروان وغضب علي على عثمان بسببه) وطلحة والزبير ~~يدعون الناس إلى قتال عثمان ونصر الدين وأنه أكبر الجهاد اليوم. PageV01P053 # الله قد بدل، وسنة رسوله قد غيرت، وأحكام الخليفتين قد بدلت، فننشد الله ~~من قرأ كتابنا من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان، إلا أقبل إلينا، ~~وأخذ الحق لنا، وأعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم ~~الآخر، وأقيموا الحق على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم، وفارقكم ~~عليه الخلفاء، غلبنا على حقنا واستولى على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، ~~وكانت الخلافة بعد نبينا خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض[ (1) ]. من ~~غلب على شيء أكله. # أليس هذا كتابكم إلينا؟فبكى طلحة، فقال الأشتر: لما حضرنا أقبلتم تعصرون ~~أعينكم، والله لا نفارقه حتى نقتله، وانصرف. قال: ثم كتب عثمان كتابا بعثه ~~مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم ~~عرفة بمكة، وابن عباس يخطب، وهو يومئذ على الناس كان قد استعمله عثمان على ~~الموسم، فقام نافع ففتح الكتاب، فقرأه، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم ~~من عبد الله عثمان أمير المؤمنين، إلى من حضر الحج من المسلمين، أما بعد: ms049 ~~فإني كتبت إليكم كتابي هذا وأنا محصور، أشرب من بئر القصر، ولا آكل من ~~الطعام ما يكفيني، خيفة أن تنفد ذخيرتي. فأموت جوعا أنا ومن معي، لا أدعى ~~إلى توبة أقبلها، ولا تسمع مني حجة أقولها، فأنشد الله رجلا من المسلمين ~~بلغه كتاب إلا قدم علي، فأخذ الحق في، ومنعني من الظلم والباطل. قال: ثم ~~قام ابن عباس، فأتم خطبته، ولم يعرض لشيء من شأنه. # وكتب إلى أهل الشام عامة، وإلى معاوية وأهل دمشق خاصة[ (2) ]: أما بعد ~~فإني في قوم طال فيهم مقامي، واستعجلوا القدر في، وقد خيروني بين أن ~~يحملوني على شارف من الإبل إلى دخل[ (3) ]. وبين أن أنزع لهم رداء الله ~~الذي كساني. وبين أن أقيدهم[ (4) ]ممن قتلت. ومن كان على سلطان يخطئ ~~ويصيب، [ (1) ]ملك عضوض أي يصيب الرعية فيه عسف وظلم كأنهم يعضون فيه عضا. ~~والعضوض من أبنية المبالغة. # وفي رواية: ملوك عضوض جمع عض بالكسر، وهو الخبيث الشرس (النهاية في غريب ~~الحديث 3/253) . # [ (2) ]قال ابن الأعثم في فتوحه 2/217 أنه كتب إلى معاوية وعامر بن كريز ~~أمير البصرة كتابا واحدا. # نسخته فيه باختلاف عما هنا. # [ (3) ]دخل: جزيرة بين اليمن وبلاد بجة. # [ (4) ]أي يسلمهم نفسه ليأخذوا القود منه قصاصا بمن قتل من المسلمين. PageV01P054 # فيا غوثاه يا غوثاه، ولا أمير عليكم دوني، فالعجل العجل يا معاوية، وأدرك ~~ثم أدرك، وما أراك تدرك[ (1) ]. ### || تولية محمد بن أبي بكر على مصر # قال: وذكروا أن أهل مصر جاءوا يشكون ابن أبي سرح عاملهم، فكتب إليه عثمان ~~كتابا يتهدده فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان، وضرب بعض ~~من أتاه به من قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبعمائة رجل ~~فنزلوا المسجد وشكوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقيت ~~الصلاة ما صنع بهم ابن أبي سرح، فقام طلحة فتكلم بكلام شديد وأرسلت عائشة ~~إلى عثمان فقالت له: قد تقدم إليك أصحاب رسول الله وسألوك عزل هذا الرجل، ~~فأبيت إلا ms050 واحدة، فهذا قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه علي ~~وكان متكلم القوم، @HAD025 فقال له: إنما يسألونك رجلا مكان رجل، وقد ادعوا ~~قبله دما، فاعزله عنهم واقض بينهم فإن وجب لهم عليه حق، فانصفهم منه، فقال: ~~اختاروا رجلا أوليه عليهم. # فقالوا: استعمل محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه[ (2) ]، وخرج معه عدد ~~من المهاجرين والأنصار، ينظرون فيما بين ابن أبي سرح وأهل مصر، فخرج محمد ~~ومن معه حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاث ليال من المدينة، إذا هم بغلام أسود ~~على بعير يخبط البعير، كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب محمد: ما قصتك ~~وما شأنك!كأنك طالب أو هارب؟فقال: أنا غلام أمير المؤمنين وجهني إلى عامل ~~مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر معنا، قال: ليس هذا أريد، فأخبر محمد بأمره ~~فبعث في طلبه رجلا، فجاء به إليه، فقال له، غلام من أنت؟فأقبل مرة يقول أنا ~~غلام مروان ومرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين، حتى عرفه رجل به لعثمان[ ~~(3) ]. فقال له محمد: إلى من أرسلك؟قال: إلى عامل [ (1) ]زاد ابن الأعثم: ~~وأما معاوية فإنه أتاه بالكتاب المسور بن مخرمة فقرأه لما أتاه. ثم قال: يا ~~معاوية!إن عثمان مقتول فانظر فيما كتبت به إليه. فقال معاوية: يا مسور إني ~~مصرح أن عثمان بدأ فعمل بما يحب الله ويرضاه ثم غير فغير الله عليه، ~~أفيتهيأ لي أن أرد ما غير الله عز وجل. # [ (2) ]انظر الكتاب في فتوح ابن الأعثم 2/209. # [ (3) ]هو أبو الأعور بن سفيان السلمي. (الطبري 5/115 والبداية والنهاية ~~7/196) . PageV01P055 # مصر، قال: بما ذا؟قال: برسالة. قال: أما معك كتاب؟قال: لا، ففتشوه فلم ~~يجدوا معه كتابا، قال وكانت معه إداوة[ (1) ]قد يبست، فيها شيء يتقلقل، ~~فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا إداوته[ (2) ]فإذا فيها كتاب من عثمان إلى ~~عبد الله بن أبي سرح، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين والأنصار، ثم فك ~~الكتاب بمحضر منهم، فقرأه، فإذا فيه[ (3) ]: إذا أتاك محمد بن أبي بكر ~~وفلان وفلان فاقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر ms051 على عملك حتى يأتيك رأيي. فلما ~~رأوا الكتاب فزعوا منه، ورجعوا إلى المدينة. ### || رجوع محمد بن أبي بكر إلى المدينة # وختم محمد الكتاب بخواتم النفر الذين كانوا معه، ودفعه إلى رجل منهم، ثم ~~قدموا المدينة، فجمعوا طلحة والزبير وعليا وسعدا، ومن كان من أصحاب رسول ~~الله، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم، وأخبرهم بقصة الغلام: # وأقرأهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق على عثمان. وقام ~~أصحاب النبي فلحقوا بمنازلهم، وحضر الناس عثمان، وأحاطوا به، ومنعوه الماء ~~والخروج، ومن كان معه، وأجلب عليه محمد بن أبي بكر. ### || حصار أهل مصر والكوفة عثمان رحمه الله # قال: وذكروا أن أهل مصر أقبلوا إلى علي، فقالوا: ألم تر عدوا الله ما ذا ~~كتب فينا؟قم معنا إليه، فقد أحل الله دمه، @HAD025 فقال علي : لا والله، لا ~~أقوم معكم[ (4) ]. قالوا: فلم كتبت إلينا؟قال علي: لا والله ما كتبت إليكم ~~كتابا قط. # فنظر بعضهم إلى بعض[ (5) ]. ثم أقبل الأشتر النخعي من الكوفة في ألف ~~رجل، [ (1) ]الإداوة سقاء من جلد يوضع فيه الماء ويسمى المطهرة. # [ (2) ]زيد في فتوح ابن الأعثم 2/211: فإذا فيها قارورة مختومة بشمع وفي ~~جوف القارورة كتاب. # [ (3) ]نص الكتاب في فتوح ابن الأعثم 2/211 والطبري 5/115. # [ (4) ]قيل إن علي دخل على عثمان وناقشه في الكتاب وما تضمن فنفى عثمان ~~أن يكون قد كتب كتابا وإنما زور عليه وعرف الناس الخط أنه خط مروان بن ~~الحكم وأنه كتبه عن غير علم عثمان، ومروان كان كاتب عثمان وخاتم عثمان في ~~إصبع مروان. (انظر فتوح ابن الأعثم 2/212-213 والطبري 5/117 والبداية ~~والنهاية 7/196، ومروج الذهب 2/380) . # [ (5) ]إشارة إلى ما ذكر-تزويرا-عن كتاب أرسله الصحابة إلى الأمصار يدعون ~~فيه إلى الجهاد ضد عثمان. وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك. PageV01P056 # وأقبل ابن أبي حذيفة من مصر في أربع مائة رجل، فأقام أهل الكوفة وأهل مصر ~~بباب عثمان ليلا ونهارا، وطلحة يحرض الفريقين جميعا على عثمان. ثم إن طلحة ~~قال لهم: إن عثمان لا يبالي ما حصرتموه؟وهو يدخل إليه الطعام والشراب ms052 ~~فامنعوه الماء أن يدخل عليه. ### || مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة وأهل الكوفة وغيرهم # قال: وذكروا أن عثمان لما منع الماء صعد على القصر، واستوى في أعلاه ثم ~~نادى: أين طلحة؟فأتاه، فقال: يا طلحة، أما تعلم أن بئر رومة[ (1) ]كانت ~~لفلان اليهودي، لا يسقي أحدا من الناس منها قطرة إلا بثمن، فاشتريتها ~~بأربعين ألفا، فجعلت رشائي[ (2) ]فيها كرشاء رجل من المسلمين، استأثر ~~عليهم؟قال: # نعم. قال: فهل تعلم أن أحدا يمنع أن يشرب منها اليوم غيري؟لم ذلك؟قال: # لأنك بدلت وغيرت. قال: فهل تعلم أن @HAD015 رسول الله قال : من اشترى ~~هذا البيت وزاده في المسجد فله به الجنة، فاشتريته بعشرين ألفا، وأدخلته في ~~المسجد؟ قال طلحة: نعم. قال: فهل تعلم اليوم أحدا يمنع فيه من الصلاة ~~غيري؟قال: # لا. قال: لم؟قال: لأنك غيرت وبدلت. ثم انصرف عثمان وبعث إلى علي يخبره ~~أنه منع من الماء، ويستغيث به، فبعث إليه علي ثلاث قرب مملوءة ماء، فما ~~كادت تصل إليه، فقال طلحة: ما أنت وهذا؟وكان بينهما في ذلك كلام شديد، ~~فبينما هم كذلك إذ أتاهم آت فقال لهم: إن معاوية قد بعث من الشام يزيد بن ~~أسيد مددا لعثمان، في أربعة آلاف من خيل الشام[ (3) ]، فاصنعوا ما أنتم ~~صانعون، وإلا فانصرفوا وكان معه في الدار مائة رجل ينصرونه منهم عبد الله ~~بن الزبير، ومروان بن الحكم، والحسن بن علي، وعبد الله بن سلام[ (4) ]، ~~وأبو هريرة، [ (1) ]بئر رومة: هي في عقيق المدينة. اشتراها ب 35 ألف درهم ~~(معجم البلدان) . # [ (2) ]الرشاء: الحبل الذي يربط به الدلو عند إخراج الماء من البئر، يريد ~~أنه اعتبر نفسه واحدا من المسلمين مع الإشارة إلى تملكه البئر. # [ (3) ]تقدم أن معاوية لما وصله كتاب عثمان تريث في الإجابة والرد معتبرا ~~أنه لن يستطيع رد ما قضاه الله، وأن عثمان مقتول لا محالة. فلما أبطأ ~~معاوية أرسل إلى يزيد بن أسد بن كرز وإلى أهل الشام يستنفرهم ويعظم حقه ~~عليهم. فقام وسار إليه وتابعه ناس كثير حتى إذا كانوا بوادي القرى بلغهم ~~قتل ms053 عثمان فرجعوا (الطبري 5/115-116) . # [ (4) ]وكان عبد الله بن سلام قد خرج إلى المحاصرين ودعاهم إلى فك الحصار ~~والرجوع وحذرهم من PageV01P057 # فلما سمع القوم إقبال أهل الشام، قاموا فألهبوا النار بباب عثمان، فلما ~~نظر أهل الدار إلى النار، نصبوا للقتال وتهيئوا، فكره ذلك عثمان وقال: لا ~~أريد أن تهراق في محجمة دم، وقال لجميع من في الدار: أنتم في حل من بيعتي، ~~لا أحب أن يقتل في أحد، وكان فيهم عبد الله بن عمر، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، مع من تأمرني أن أكون إن غلب هؤلاء القوم عليك؟قال: عليك بلزوم ~~الجماعة. قلت: # فإن كانت الجماعة هي التي تغلب عليك؟قال: عليك بلزوم الجماعة حيث كانت. ~~قال: ثم دخل عليه الحسن بن علي، @HAD08 فقال: مرني بما شئت، فإني طوع يديك. ~~فقال له عثمان: ارجع يا بن أخي، اجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره. # ثم دخل عليه أبو هريرة متقلدا سيفه، فقال: طاب الضراب يا أمير المؤمنين، ~~قد قتلوا منا رجلا، وقد ألهبوا النار، فقال عثمان: عزمت عليك يا أبا هريرة ~~إلا ألقيت سيفك، قال أبو هريرة: فألقيته فلا أدري من أخذه. قال: ودخل ~~المغيرة بن شعبة، فقال له: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء قد اجتمعوا عليك، فإن ~~أحببت فالحق بمكة، وإن أحببت أن نخرق لك بابا من الدار فتلحق بالشام ففيها ~~معاوية وأنصارك من أهل الشام، وإن أبيت فاخرج ونخرج، ونحاكم القوم إلى الله ~~تعالى. فقال عثمان: أما ما ذكرت من الخروج إلى مكة، فإني @HAD024 سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: يلحد بمكة رجل من قريش، عليه نصف عذاب ~~هذه الأمة من الإنس والجن، فلن أكون ذلك الرجل إن شاء الله، وأما ما ذكرت ~~من الخروج إلى الشام، فإن المدينة دار هجرتي، وجوار قبر النبي عليه الصلاة ~~والسلام، فلا حاجة لي في الخروج من دار هجرتي، وأما ما ذكرت من محاكمة ~~هؤلاء القوم إلى الله، فلن أكون أول من خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~في أمته بإهراق الدم. ms054 ### || رؤية عثمان أبا بكر وعمر في المنام # ثم قال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني الليلة فقالا لي: صم فإنك مفطر ~~عندنا الليلة[ (1) ]. وإني أصبحت صائما، وإني أعزم على من كان يؤمن بالله ~~واليوم [ () ]مغبة قتل الخليفة، فاتهموه وأهانوه فدخل على عثمان يخبره ما ~~جرى معه فاضطرب عثمان ولم يدر ما يصنع (الفتوح لابن الأعثم 2/223) . # [ (1) ]رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7/204 من طرق عديدة. PageV01P058 # الآخر إلا خرج من الدار سالما. فقالوا: إنا إن خرجنا لم نأمن على أنفسنا ~~منهم، فأذن لنا فنكون في موضع من الدار فلما رأى ذلك علي بعث إلى طلحة ~~والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب محمد، كلهم بدري، ثم دخلوا على عثمان ~~ومعهم الكتاب والغلام والبعير، @HAD035 فقال علي: الغلام غلامك، والبعير ~~بعيرك؟فقال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟قال: لا، وحلف بالله ما كتبت، ~~ولا أمرت، ولا علمت. فقال له: فالخاتم خاتمك؟قال: نعم. قال: # @HAD026 فكيف يخرج غلامك ببعيرك وكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟فحلف بالله ~~ما كتبت هذا الكتاب، ولا وجهت، ولا أمرت[ (1) ]. فشك القوم في أمر عثمان، ~~وعلموا أنه لا يحلف بباطل. فقال قوم منهم: لا يبرأ عثمان عن قلوبنا إلا أن ~~يدفع إلينا مروان، حتى نعرف كيف يأمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله، وقطع ~~أيديهم بغير حق، فإن كان عثمان كتبه عزلناه، وإن كان مروان كتبه نظرنا في ~~أمره، وما يكون في أمر مروان، فانصرف القوم عنه، ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان ~~أن يخرج إليهم مروان، وخشي عليه القتل. فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، ~~@HAD014 فقال: إنا أردنا مروان، فأما قتل عثمان فلا، ثم قال للحسن والحسين: # @HAD014 اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب عثمان، ولا تدعا أحدا يصل ~~إليه، وبعث الزبير ابنه على كره، وبعث طلحة ابنه كذلك[ (2) ]، وبعث عدة من ~~أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبناءهم، يمنعون الناس أن يدخلوا على عثمان. # ويسألوه أن يخرج مروان، فأشرف عليهم عثمان من أعلى القصر، فقال: يا معشر ~~المسلمين، أذكركم الله، ألستم تعلمون أن ms055 رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب ~~دار بني فلان، ليوسع بها للمسلمين في مسجدهم. فاشتريتها من خالص مالي. ~~وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيه. أذكركم الله يا معشر المسلمين. ألستم ~~تعلمون أن بئر رومة كانت تباع القربة منها بدرهم. فاشتريتها من خالص مالي، ~~فجعلت رشائي كرشاء واحد من المسلمين، وأنتم تمنعونني [ (1) ]في تاريخ خليفة ~~ص 169: «... فقال عثمان: إنهما اثنتان: أن تقيموا رجلين من المسلمين أو ~~يميني بالله الذي لا إله إلا هو ما كتبت ولا أمللت ولا علمت، وقد يكتب ~~الكتاب على لسان الرجل وينقش الخاتم على الخاتم» . # وعلق ابن كثير على رواية الطبري قال: وهكذا زور هذا الكتاب على عثمان، ~~فإنه لم يأمر به، ولم يعلم أيضا (وانظر فتوح ابن الأعثم 2/212-213) . # [ (2) ]محمد بن طلحة. PageV01P059 # أن أشرب من مائها، وأنا اشتريتها، حتى إني ما أفطر إلا على ماء ~~البحر؟ألستم تعلمون أنكم نقمتم علي أشياء، فاستغفرت الله وتبت إليه منها، ~~وتزعمون أني غيرت وبدلت، فابعثوا علي شاهدين مسلمين، وإلا فأحلف بالله الذي ~~لا إله إلا هو ما كتبت الكتاب، ولا أمرت به، ولا اطلعت عليه، يا قوم: ~~@QUR@016 لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو ~~قوم صالح [هود: 89]يا قوم لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك ~~بين أصابعه، يا قوم إن الله رضي لكم السمع والطاعة، وحذركم المعصية ~~والفرقة، فاقبلوا نصيحة الله، واحذروا عقابه، فإنكم إن فعلتم الذي أنتم ~~فاعلون، لا تقوم الصلاة جميعا، ويسلط عليكم عدوكم، وإني أخبركم أن قوما ~~أظهروا للناس أنهم إنما يدعونني إلى كتاب الله تعالى والحق، فلما عرض عليهم ~~الحق رغبوا عنه وتركوه، وطال عليهم عمري، واستعجلوا القدر بي، وقد كانوا ~~كتبوا إليكم، أنهم قد رضوا بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي ~~عاهدتهم عليه شيئا، وكانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود، وترك المظالم، وردها ~~إلى أهلها، فرضيت بذلك، وقال: يؤمر عمرو بن العاص، وعبد الله بن قيس، ~~ومثلهما من ذوي القوة والأمانة، وكل ذلك فعلت، ms056 فلم يرضوا، وحالوا بيني وبين ~~المسجد، فابتزوا ما قدروا عليه بالمدينة وهم يخيرونني بين إحدى ثلاث: إما ~~أن يقيدوني بكل رجل أصبت خطأ أو عمدا، وإما أن أعتزل عن الأمر، فيؤمروا ~~أحدا، وإما أن يرسلوا إلى من أطاعهم من الجنود وأهل الأمصار[ (1) ]، ~~فأرسلوا إليكم فأتيتم لتبتزوني من الذي جعل الله لي عليكم من السمع ~~والطاعة، فسمعتم منهم، وأطعتموهم والطاعة لي عليكم دونهم، فقلت لهم: أما ~~إقادة من نفسي فقد كان قبلي خلفاء، ومن يتول السلطان يخطئ ويصيب، فلم ~~يستقدمن أحد منهم، وقد علمت أنهم يريدون بذلك نفسي، وأما أن أتبرأ من ~~الأمر[ (2) ]، فإن يصلبوني[ (3) ] أحب إلي من أن أتبرأ من جنة الله تعالى ~~وخلافته بعد @HAD029 قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي [ (4) ]: يا ~~عثمان، إن الله تعالى سيقمصك قميصا بعدي، فإن [ (1) ]في الطبري 5/142 أهل ~~المدينة. # @HAD06 [ (2) ]في الطبري: الامارة. # @HAD06 [ (3) ]في الطبري: يكلبوني. # @HAD010 [ (4) ]الحديث أخرجه أحمد في مسندة ج 6/75. PageV01P060 # @HAD09 أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني، ولم أكن ~~استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة، ولكن أتوها طائعين، يبتغون بذلك مرضاة ~~الله، وصلاح الأمة، ومن يكن منهم يبتغي الدنيا فلن ينال منها إلا ما كتب ~~له، فاتقوا الله، فإني لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد الله، وإني أنشدكم الله ~~والإسلام ألا تأخذوا الحق ولا تعطوه مني: @QUR@012 وما أبرئ نفسي إن النفس ~~لأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي وإني عاقبت أقواما، وما أبتغي بذلك إلا ~~الخير، وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته، وأستغفره، أما والله لقد علمتم ~~أن @HAD025 رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لا يحل دم امرئ مسلم إلا في ~~إحدى ثلاث: الردة عن الإسلام، والزنا بعد الإحصان، ولا والله ما كان ذلك ~~مني في جاهلية ولا إسلام، أو رجل قتل رجلا فيقاد به[ (1) ]. فقال بعضهم: ~~إنه ليقول مقالا. وقال آخر: لئن سمعتم منه ليصرفنكم، فأبوا، ورموه بالسهام، ~~واستقبلوه بما لا يستقبل به مثله، ثم أشرف عليهم عبد الله بن سلام، وكان من ~~أهل الدار، فقال[ ms057 (2) ]: يا معشر من حاصر دار عثمان من المهاجرين ~~والأنصار، ممن أنعم الله عليهم بالإسلام، لا تقتلوا عثمان فو الله إن حقه ~~على كل مؤمن لحق الوالد على ولده، ووالله إن على حوائط المدينة اثني عشر ~~ألف ملك منذ أن أمد الله بهم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ووالله لئن قتلتموه ~~ليسخطن عليكم ربكم، ولتتفرقن ملائكته عنكم وليقتلن بقتله أقواما هم في ~~الأصلاب وما خلقوا في الأرحام وإني لأجده في التوراة التي أنزل الله على ~~موسى عليه السلام، وكتب بيده عز وجل إليكم بالعبراني وبالعربي: خليفتكم ~~المظلوم الشهيد والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لا تؤدى بعده طاعة إلا عن ~~مخافة، ولا توصل رحم إلا عن مكافأة، وليقتلن به الرجال ومن في الأصلاب. ~~فقالوا له: أيا يهودي، أشبع بطنك، وكسا ظهرك والله لا ينتطح فيه شاتان، ولا ~~يتنافر فيه ديكان، فقال: أما الشاتان والديكان فصدقتم، ولكن التيسان ~~الأكبران يتناطحان فيه فحصبوه ورموه حتى شجوه. # فالتفت إلى عثمان، فقال له: زعموا أنك أشبعت بطني وكسوت ظهري، فاصبر [ ~~(1) ]أخرجه أحمد في مسندة 1/61، 63، 70، 382، 444، 465 و6/58، 214 وابن سعد ~~في الطبقات 6773. # [ (2) ]كلمة عبد الله بن سلام في الطبري 5/130 وفتوح ابن الأعثم 2/223 ~~قارن مع الأصل فثمة اختلاف. PageV01P061 # يا أمير المؤمنين، فو الذي نفسي بيده إني أجدك في كتاب الله تعالى ~~المنزل: # الخليفة المظلوم الشهيد، فرميت بالسهام من كل جانب، وكان الحسن بن علي ~~حاضرا، فأصابه سهم، فخضبه بالدم، وأصاب مروان سهم، وهو في الدار، وخضب محمد ~~بن طلحة، وشج قنبر مولى علي فخشي محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم للحسن ~~فيثيروها فتنة. ### || قتل عثمان رضي الله عنه وكيف كان # قال: وذكروا أن محمد بن أبي بكر لما خرج الحسن بن علي أخذ بيد رجلين، ~~فقال لهما: إن جاءت بنو هاشم، فرأوا الدماء على وجه الحسن، كشفوا الناس عن ~~عثمان، وبطل ما تريدون ولكن قوموا حتى نتسور عليه، فنقتله من غير أن يعلم ~~أحد، فتسور هو وصاحباه من دار رجل من الأنصار[ (1) ]، حتى ms058 دخلوا على ~~عثمان[ (2) ]، وما يعلم أحد ممن كان معه، لأن كل من معه كان فوق البيت، ~~ولم يكن معه إلا امرأته، فدخل عليه محمد بن أبي بكر فصرعه، وقعد على صدره، ~~وأخذ بلحيته، وقال: يا نعثل[ (3) ]ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن ~~عامر وابن أبي سرح. فقال له عثمان: لو رآني أبوك رضي الله عنه لبكاني، ~~ولساءه مكانك مني، فتراخت يده عنه، وقام عنه وخرج فدعا عثمان بوضوء فتوضأ، ~~وأخذ مصحفا، فوضعه في حجره، ليتحرم به ودخل عليه رجل من أهل الكوفة بمشقص ~~في يده، فوجأ به منكبه مما يلي الترقوة، فأدماه ونضح الدم على ذلك المصحف، ~~وجاء آخر فضربه برجله، وجاء آخر فوجأه بقائم سيفه، فغشي عليه، ومحمد بن أبي ~~بكر لم يدخل مع هؤلاء، فتصايح نساؤه، ورش الماء على وجهه فأفاق، فدخل محمد ~~بن أبي بكر وقد أفاق فقال له: أي نعثل، غيرت وبدلت وفعلت. ثم دخل رجل من ~~أهل مصر، فأخذ بلحيته، فنتف منها خصلة، وسل سيفه، وقال: افرجوا لي، فعلاه ~~بالسيف، فتلقاه عثمان بيده، فقطعها، فقال عثمان: أما والله إنها أول يد خطت ~~المفصل، وكتبت القرآن، ثم دخل رجل [ (1) ]هي دار عمرو بن حزم من الأنصار. # [ (2) ]والذين تسوروا الحائط هم: كنانة بن بشر بن عتاب وسودان بن حمران ~~وعمرو بن الحمق (الطبري 5/131) . # [ (3) ]نعثل: قيل اسم رجل يهودي كان طويل اللحية، لقب به عثمان. PageV01P062 # أزرق قصير مجدر، ومعه جرز[ (1) ]من حديد، فمشى إليه فقال: على أي ملة أنت ~~يا نعثل؟فقال: لست بنعثل، ولكني عثمان بن عفان، وأنا على ملة إبراهيم حنيفا ~~وما أنا من المشركين. قال: كذبت. وضربه بالجرز على صدغه الأيسر فغسله الدم، ~~وخر على وجهه، وحالت نائلة بنت الفرافصة زوجته بينه وبينه، وكانت جسيمة، ~~وألقت بنت شيبة[ (2) ]نفسها عليه، ودخل عليه رجل من أهل مصر[ (3) ]، ومعه ~~سيف مصلت، فقال: والله لأقطعن أنفه، فعالج امرأته عنه، فكشف عنها درعها. ~~فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها، فضربت على السيف، فقطع ~~أناملها، ms059 فقالت: يا رباح، غلام لعثمان أسود ومعه سيف، أعن عني هذا، فضربه ~~الأسود فقتله، ثم دخل آخر معه سيف فقال: # افرجوا لي، فوضع ذباب السيف في بطن عثمان، فأمسكت نائلة زوجته السيف، فحز ~~أصابعها، ومضى السيف في بطن عثمان فقتله[ (4) ]، فخرجت امرأته وهي تصيح، ~~وخرج القوم هاربين من حيث دخلوا، فلم يسمع صوت نائلة، لما كان في الدار من ~~الجلبة، فصعدت امرأته إلى الناس، فقالت: إن أمير المؤمنين قد قتل. فدخل ~~الحسن والحسين ومن كان معهما، فوجدوا عثمان مقتولا قد مثل به فأكبوا عليه ~~يبكون وخرجوا فدخل الناس فوجدوه مقتولا فبلغ عليا الخبر وطلحة والزبير ~~وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت عقولهم، فدخلوا عليه واسترجعوا، ~~وأكبوا عليه يبكون ويعولون حتى غشي على علي ثم أفاق، @HAD031 فقال لا بنيه: ~~كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟فرفع يده فضرب الحسن والحسين[ (5) ~~]، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج علي وقد سلب عقله، لا ~~يدري ما يستقبل من أمره، فقال طلحة: مالك يا أبا الحسن ضربت الحسن والحسين؟ ~~@HAD022 فقال : يا طلحة، يقتل أمير المؤمنين ولم نقم عليه [ (1) ]الجرز بضم ~~الجيم وسكون الراء عمود من حديد. # @HAD021 [ (2) ]هي رملة بنت شيبة بن ربيعة، ولدت له عائشة وأم أبان وأم ~~عمرو (ابن الأثير 2/299) . # @HAD08 [ (3) ]هو كنانة بن بشر التجيبي. # @HAD041 [ (4) ]اختلف أهل السير فيمن قتله وكيفية قتله انظر في ذلك ~~الطبري 5/130 و132 مروج الذهب 2/382 البداية والنهاية 7/185 فتوح ابن ~~الأعثم 2/231 الكامل لابن الأثير 2/231 تاريخ اليعقوبي 2/176 طبقات ابن سعد ~~3/72-73. # @HAD021 وقد أجمعوا على مقتله في ذي الحجة لكنهم اختلفوا في وقت مقتله ~~ومدة ولايته وقدر مدة حياته. # @HAD012 [ (5) ]في مروج الذهب: لطم الحسن وضرب صدر الحسين. PageV01P063 # @HAD05 بينة ولا حجة، فقال طلحة: لو دفع مروان لم يقتل. @HAD012 فقال علي ~~: لو دفع مروان قتل قبل أن تقوم عليه حكومة. فخرج علي فأتى منزله وأغلق ~~الباب، وكتبت نائلة بنت الفرافصة إلى معاوية تصف دخول القوم على عثمان، ~~وأخذه المصحف ليتحرم به، وما صنع ms060 محمد بن أبي بكر وأرسلت بقميص عثمان مضرجا ~~بالدم ممزقا، وبالخصلة التي نتفها الرجل المصري من لحيته، فعقدت الشعر في ~~زر القميص، ثم دعت النعمان بن بشير الأنصاري، فبعثته إلى معاوية[ (1) ]، ~~ومضى بالقميص حتى أتى على يزيد بن أسيد ممدا لعثمان بعثه معاوية في أربعة ~~آلاف، فأخبرهم بقتل عثمان فانصرفوا إلى الشام. قال: ثم دخل أهل مصر الدار، ~~فلما رأوا عثمان مقتولا ندموا واستحيوا وكره أكثرهم ذلك، وثار أهل الدار في ~~وجوههم، فأخرجوهم منها. ثم اقتتلوا عند الباب، فضرب مروان بالسيف فصرع. ### || دفن عثمان بن عفان رضي الله عنه # قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر، قال: لم أكن دخلت في شيء من أمر ~~عثمان، لا عليه ولا له، فإني لجالس بفناء داري ليلا بعد ما قتل عثمان بليلة ~~إذ جاءني المنذر بن الزبير، فقال: ابن أخي يدعوك فقمت إليه، فقال لي: إنا ~~أردنا أن ندفن عثمان، فهل لك؟قلت: والله ما دخلت في شيء من شأنه، وما أريد ~~ذلك، فانصرفت عنه، ثم اتبعته، فإذا هو في نفر فيهم جبير بن مطعم، وأبو ~~الجهم بن حذيفة، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن ~~الزبير، فاحتملوه على باب وإن رأسه ليقول: طق طق، فوضعوه في موضع الجنائز، ~~فقام إليهم رجال من الأنصار، فقالوا لهم: لا والله لا تصلون عليه. # فقال أبو الجهم: ألا تدعونا نصلي عليه، فقد صلى الله تعالى عليه ~~وملائكته. # فقال له رجل منهم[ (2) ]: إن كنت[ (3) ]فأدخلك الله مدخله، فقال له: ~~حشرني الله معه. فقال له: إن الله حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به ~~لعجز منا. فقال القوم لأبي الجهم: اسكت عنه وكف، فسكت، فاحتملوه، ثم ~~انطلقوا مسرعين [ (1) ]نص كتابها إلى معاوية في العقد الفريد 4/300. # [ (2) ]هو الحجاج بن عمرو بن غزية الأنصاري (ابن الأعثم 2/240) . # [ (3) ]كذا بالأصل، وفي فتوح ابن الأعثم: إن كنت كاذبا. PageV01P064 # كأني أسمع وقع رأسه على اللوح، حتى وضعوه في أدنى البقيع فأتاهم جبلة بن ~~عمر الساعدي من الأنصار، فقال: لا ms061 والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله، ولا ~~نترككم تصلون عليه، فقال أبو الجهم: انطلقوا بنا، إن لم نصل عليه فقد صلى ~~الله عليه، فخرجوا ومعهم عائشة بنت عثمان، معها مصباح في حق، حتى إذا أتوا ~~به حش كوكب[ (1) ]حفروا له حفرة، ثم قاموا يصلون عليه، وأمهم جبير بن ~~مطعم[ (2) ]، ثم دلوه في حفرته، فلما رأته ابنته صاحت، فقال ابن الزبير: ~~والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه عينيك، فدفنوه، ولم يلحدوه بلبن، وحثوا ~~عليه التراب حثوا. ### || بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكيف كانت # قال: وذكروا أنه لما كان في الصباح اجتمع الناس في المسجد، وكثر الندم ~~والتأسف على عثمان رحمه الله، وسقط في أيديهم، وأكثر الناس على طلحة ~~والزبير واتهموهما بقتل عثمان، فقال الناس لهما: أيها الرجلان، قد وقعتما ~~في أمر عثمان، فخليا عن أنفسكما، فقام طلحة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أيها الناس، إنا والله ما نقول اليوم إلا ما قلناه أمس، إن عثمان خلط ~~الذنب بالتوبة. حتى كرهنا ولايته وكرهنا أن نقتله وسرنا أن نكفاه، وقد كثر ~~فيه اللجاج، وأمره إلى الله، ثم قام الزبير فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~أيها الناس إن الله قد رضي لكم الشورى، فأذهب بها الهوى، وقد تشاورنا ~~فرضينا عليا فبايعوه، وأما قتل عثمان فإنا نقول فيه إن أمره إلى الله، وقد ~~أحدث أحداثا والله وليه فيما كان، فقام الناس، فأتوا عليا في داره[ (3) ]، ~~فقالوا: نبايعك، فمد يدك، لا بد من أمير، فأنت أحق بها، @HAD031 فقال: ليس ~~ذلك إليكم، إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به أهل الشورى وأهل بدر ~~فهو الخليفة، فنجتمع وننظر في هذا الأمر فأبى أن يبايعهم، فانصرفوا عنه، ~~وكلم بعضهم بعضا فقالوا: يمضي قتل عثمان في الآفاق والبلاد فيسمعون بقتله، ~~ولا يسمعون أنه بويع لأحد بعده، فيثور كل رجل منهم في ناحية، فلا نأمن أن ~~يكون في ذلك الفساد فارجعوا إلى علي، فلا [ (1) ]حش كوكب: موضع بالمدينة، ~~مما يلي البقيع. # [ (2) ]وقيل: ms062 حكيم بن حزام، وقيل مروان. قال الواقدي: الثبت عندنا أنه ~~صلى عليه جبير بن مطعم. # [ (3) ]قيل كان يعرف الضبع (موضع راجع معجم البلدان) . PageV01P065 # تتركوه حتى يبايع، فيسير مع قتل عثمان بيعة علي، فيطمئن الناس ويسكنون ~~فرجعوا إلى علي، وترددوا إلى الأشتر النخعي، فقال لعلي: أبسط يدك نبايعك، ~~أو لتعصرن عينيك عليها ثالثة، ولم يزل به يكلمه، ويخوفه الفتنة، ويذكر له ~~أنه ليس أحد يشبهه، فمد يده، فبايعه الأشتر ومن معه، ثم أتوا طلحة، فقالوا ~~له: اخرج فبايع، قال: من؟قالوا: عليا. قال: تجتمع الشورى وتنظر، فقالوا: ~~أخرج فبايع، فامتنع عليهم. فجاءوا به يلببونه، فبايعه بلسانه ومنع يده، ~~فقال أبو ثور: كنت فيمن حاصر عثمان فكنت آخذ سلاحي وأضعه، وعلي ينظر إلي لا ~~يأمرني ولا ينهاني، فلما كانت البيعة له، خرجت في أثره، والناس حوله ~~يبايعونه، فدخل حائطا من حيطان بني مازن[ (1) ]، فألجأوه إلى نخلة، وحالوا ~~بيني وبينه، فنظرت إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه، تختلف أيديهم على يده ~~ثم أقبل إلى المسجد الشريف، وكان أول من صعد المنبر طلحة فبايعه بيده، ~~وكانت أصابعه شلاء، فتطير منها علي، @HAD06 فقال: ما أخلقها أن تنكث، ثم ~~بايعه الزبير وسعد[ (2) ]وأصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعا، ثم نزل ~~فدعا الناس، وأمر مروان، فهرب منه، وطلب نفرا من بني أمية وابن أبي معيط ~~فهربوا، وخرجت عائشة باكية تقول قتل عثمان رحمه الله، فقال لها عمار[ (2) ]: # بالأمس تحرضين عليه الناس، واليوم تبكينه، ثم جاء علي إلى امرأة عثمان ~~@HAD06 فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل عليه رجال لا أعرفهم ~~إلا أن أرى وجوههم، وكان معهم محمد بن أبي بكر، فدعا علي محمدا، فسأله عما ~~ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: صدقت، قد والله دخلت عليه، فذكر لي أبي، فقمت ~~عنه، وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته، ولا أمسكته، فقالت: # صدق، ولكن هو أدخلهم. قال: ثم خرج طلحة، فلقي عائشة، فقالت له: ما صنع ~~الناس؟قال: قتلوا عثمان. قالت: ثم ما صنعوا؟قال: بايعوا عليا، ثم ms063 أتوني ~~فأكرهوني ولببوني حتى بايعت. قالت: وما لعلي يستولي على رقابنا، لا أدخل ~~المدينة ولعلي فيها سلطان، فرجعت. وكان الزبير خارجا لم يشهد قتل عثمان، ~~وكان عمرو بن العاص بفلسطين يوم قتل عثمان، فطلع عليه راكب من [ (1) ]في ~~الطبري 5/153 حائط بني عمرو بن مبذول. # [ (2) ]في فتوح ابن الأعثم 2/248 الذي قال لها ذلك عبيد ابن أم كلاب وهو ~~عبيد بن أبي سلمة الليثي وقد لقيها قريبا من المدينة قادمة من مكة. (انظر ~~الطبري 5/165 وابن الأثير 3/102) . PageV01P066 # الحجاز، فقال له: ما وراءك؟قال تركت عثمان محصورا، قال عمرو: قد يضرط ~~العير والمكواة في النار، ثم لبث أياما، فطلع عليه راكب آخر، فقال له عمرو: # ما الخبر؟قال: قتل عثمان. قال: فما فعل الناس؟فقال: بايعوا عليا. قال: ~~فما فعل علي في قتلة عثمان؟قال: دخل عليه الوليد بن عقبة فسأله عن قتله، ~~@HAD013 فقال: ما أمرت ولا نهيت، ولا سرني ولا ساءني. قال: فما فعل بقتلة ~~عثمان!فقال: # آوى ولم يرض، وقد قال له مروان: إن لا تكن أمرت فقد توليت الأمر، وإلا ~~تكن قتلت فقد أويت القاتلين، فقال عمرو بن العاص: خلط والله أبو الحسن، ~~قال: ثم كتب عمرو بن العاص إلى سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان، ومن ~~قتله، ومن تولى كبره؟فكتب إليه سعد: إنك سألتني من قتل عثمان؟وإني أخبرك ~~أنه قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه ابن أبي طالب، وسكت الزبير ~~وأشار بيده، وأمسكنا نحن، ولو شئنا دفعنا عنه، ولكن عثمان غير وتغير، وأحسن ~~وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله، وأخبرك أن ~~الزبير مغلوب بغلبة أهله وبطلبه بذنبه، وطلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب ~~الإمارة لشقه. قال: وكان ابن عباس غائبا بمكة المشرفة، فأقبل إلى المدينة ~~وقد بايع الناس عليا. قال ابن عباس: فوجدت عنده المغيرة بن شعبة، فجلست حتى ~~خرج، ثم دخلت عليه، فسألني وساءلته. ثم قلت له: ما قال لك الخارج من عندك ~~آنفا؟قال: قال لي قبل هذه الدخلة، أرسل ms064 إلى عبد الله بن عامر بعهده على ~~البصرة، وإلى معاوية بعهده على الشام[ (1) ]، فإنك تهدأ عليك البلاد، ~~وتسكن عليك الناس. ثم أتاني الآن، فقال لي: إني كنت أشرت عليك برأي لم ~~أتعقبه، فلم أر ذلك رأيا، وإني أرى أن تنبذ[ (2) ]إليهما العداوة، فقد كفاك ~~الله عثمان، وهما أهون موتة منه. فقال له ابن عباس: أما المرة الأولى فقد ~~نصحك فيها[ (3) ]، وأما الثانية فقد غشك فيها، قال: فإني قد وليتك الشام ~~فسر إليها، قال: قلت: ليس هذا برأي، أترى معاوية وهو ابن عم عثمان مخليا ~~بيني وبين عمله، ولست آمن إن ظفر بي أن يقتلني بعثمان، وأدنى ما هو صانع أن ~~[ (1) ]زيد في الطبري 5/159 وأقرر العمال على أعمالهم. # [ (2) ]في الطبري: أن تعاجلهم بالنزوع. # [ (3) ]يريد أن معاوية وأصحابه أهل دنيا فمتى تثبتهم فلا يبالوا بمن ولي ~~هذا الأمر، وأن تعزلهم يقولوا: # تولى هذا الأمر بغير شورى وهو قتل صاحبنا ويؤلبون عليك (الطبري 5/160) . PageV01P067 # يحبسني ويحكم علي، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنه وعده[ (1) ]، فإن استقام ~~لك الأمر فابعثني، قال: ثم أرسل بالبيعة إلى الآفاق، وإلى جميع ~~الأمصار!فجاءته البيعة من كل مكان إلا الشام، فإنه لم يأته منها بيعة. ~~فأرسل إلى المغيرة بن شعبة، فقال له: سر إلى الشام فقد وليتكها. قال: ~~تبعثني إلى معاوية وقد قتل ابن عمه، ثم آتيه واليا، فيظن أني من قتلة ابن ~~عمه؟ولكن إن شئت أبعث إليه بعده، فإنه بالحري إذا بعثت له بعهده أن يسمع ~~ويطيع. @HAD029 فكتب علي إلى معاوية[ (2) ]: أما بعد فقد وليتك ما قبلك من ~~الأمر والمال، فبايع من قبلك، ثم أقدم إلي في ألف رجل من أهل الشام. فلما ~~أتى معاوية كتاب علي دعا بطومار فكتب فيه: # من معاوية إلى علي، أما بعد، فإنه: # ليس بيني وبين قيس عتاب # غير طعن الكلى وضرب الرقاب # فلما أتى عليا الكتاب، ورأى ما فيه، وما هو مشتمل عليه، وكره ذلك، وقام ~~فأتى منزله فدخل عليه الحسن ابنه، @HAD0152 فقال له: أما والله كنت أمرتك ~~فعصيتني، فقال له علي: ms065 وما أمرتني به فعصيتك فيه؟قال: أمرتك أن تركب ~~رواحلك، فتلحق بمكة المشرفة، فلا تتهم به، ولا تحل شيئا من أمره فعصيتني، ~~وأمرتك حين دعيت إلى البيعة أن لا تبسط يدك إلا على بيعة جماعة، فعصيتني، ~~وأمرتك حين خالف عليك طلحة والزبير أن لا تكرههما على البيعة، وتخلي بينهما ~~وبين وجههما، وتدع الناس يتشاورون عاما كاملا، فو الله لو تشاوروا عاما ما ~~زويت عنك، ولا وجدوا منك بدا، وأنا آمرك اليوم أن تقيلهما بيعتهما، وترد ~~إلى الناس أمرهم، فإن رفضوك رفضتهم، وإن قبلوك قبلتهم، فإني والله قد رأيت ~~الغدر في رءوسهم، وفي وجوههم النكث والكراهية. فقال له علي: أنا إذا مثلك، ~~لا والله يا بني، ولكن أقاتل بمن أطاعني من عصاني، وأيم الله يا بني ما زلت ~~مبغيا علي منذ هلك جدك، فقال له الحسن: وايم الله يا أبت ليظهرن عليك ~~معاوية، لأن الله تعالى قال: @QUR@08 ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا [الإسراء: 33]فقال علي: يا بني، وما علينا من ظلمه، والله ما ~~ظلمناه، ولا أمرنا [ (1) ]زيد في الطبري: فأبى علي و@HAD08 قال: والله لا ~~كان هذا أبدا. # [ (2) ]ابن كثير ذكر في البداية والنهاية أن عليا ولى الشام سهل بن حنيف. PageV01P068 # ولا نصرنا عليه، ولا كتبت فيه إلى أحد سوادا في بياض، وإنك لتعلم أن أباك ~~أبرأ الناس من دمه ومن أمره. فقال له الحسن: دع عنك هذا، والله إني لا أظن، ~~بل لا أشك أن ما بالمدينة عاتق[ (1) ]ولا عذراء ولا صبي إلا وعليه كفل من ~~دمه. فقال: يا بني إنك لتعلم أن أباك قد رد الناس عنه مرارا أهل الكوفة ~~وغيرهم، وقد أرسلتكما جميعا بسيفيكما لتنصراه وتموتا دونه، فنهاكما عن ~~القتال، ونهى أهل الدار أجمعين. وأيم الله لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه، ~~أو أموت بين يديه. قال الحسن: دع عنك هذا، حتى يحكم الله بين عباده يوم ~~القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. # قال: ثم دخل المغيرة بن شعبة، @HAD094 فقال له علي: هل لك يا مغيرة في ~~الله؟ قال: فأين ms066 هو يا أمير المؤمنين؟قال: تأخذ سيفك، فتدخل معنا في هذا ~~الأمر، فتدرك من سبقك، وتسبق من معك، فإني أرى أمورا لا بد للسيوف أن تشحذ ~~لها، وتقطف الرءوس بها، فقال المغيرة: إني والله يا أمير المؤمنين ما رأيت ~~عثمان مصيبا، ولا قتله صوابا، وإنها لظلمة تتلوها ظلمات، فأريد يا أمير ~~المؤمنين-إن أذنت لي-أن أضع سيفي وأنام في بيتي حتى تنجلي الظلمة ويطلع ~~قمرها، فنسري مبصرين، نقفو آثار المهتدين، ونتقي سبيل الجائرين. # @HAD013 قال علي: قد أذنت لك، فكن من أمرك على ما بدا لك. فقام عمار ~~فقال: معاذ الله يا مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا. يغلبك من غلبته، ~~ويسبقك من سبقته، انظر ما ترى وما تفعل، فأما أنا فلا أكون إلا في الرعيل ~~الأول. فقال له المغيرة: يا أبا اليقظان، إياك أن تكون كقاطع السلسلة، فر ~~من الضحل فوقع في الرمضاء. @HAD037 فقال علي لعمار: دعه، فإنه لن يأخذ من ~~الآخرة إلا ما خالطته الدنيا، أما والله يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية، ~~تؤدي من قام فيها إلى الجنة، ولما اختار بعدها، فإذا غشيناك فنم في بيتك. ~~فقال المغيرة: أنت والله يا أمير المؤمنين أعلم مني، ولئن لم أقاتل معك لا ~~أعين عليك، فإن يكن ما فعلت صوابا فإياه أردت، وإن يكن خطأ فمنه نجوت، ولي ~~ذنوب كثيرة، لا قبل لي بها إلا الاستغفار منها[ (2) ]. # [ (1) ]العاتق المرأة في منتصف العمر. # [ (2) ]ذكر الطبري أن المغيرة خرج من المدينة حتى لحق مكة. وقد قال ~~أبياتا منها: # نصحت عليا في ابن هند مقالة # فردت، فلا يسمع لها الدهر ثانيه # (مروج الذهب 2/414) . PageV01P069 ### || خطبة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه # قال: وذكروا أن البيعة لما تمت بالمدينة، خرج علي إلى المسجد الشريف، ~~فصعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ووعد الناس من نفسه خيرا، ~~وتألفهم جهده، ثم @HAD0119 قال: لا يستغني الرجل وإن كان ذا مال وولد عن ~~عشيرته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم. هم أعظم الناس حيطة من ورائه، ~~وإليهم سعيه وأعطفهم عليه إن أصابته ms067 مصيبة، أو نزل به بعض مكاره الأمور، ~~ومن يقبض يده عن عشيرته فإنه يقبض عنهم يدا واحدة، وتقبض عنه أيد كثيرة، ~~ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه الله تعالى، يخلف الله له ما أنفق في ~~دنياه، ويضاعف له في آخرته، واعلموا أن لسان صدق يجعله الله للمرء في ~~الناس، خير له من المال، فلا يزدادن أحدكم كبرياء، ولا عظمة في نفسه، ولا ~~يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها، بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه إن أهلكه. # @HAD0107 واعلموا أن الدنيا قد أدبرت، والآخرة قد أقبلت، ألا وإن ~~المضمار[ (1) ]اليوم، والسبق[ (2) ]غدا. ألا وإن السبقة[ (3) ]الجنة. ~~والغاية النار، ألا طن الأمل يشهي القلب، ويكذب الوعد، ويأتي بغفلة، ويورث ~~حسرة فهو غرور، وصاحبه في عناء، فافزعوا إلى قوام دينكم وإتمام صلاتكم ~~وأداء زكاتكم والنصيحة لإمامكم، وتعلموا كتاب الله، واصدقوا الحديث عن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأوفوا بالعهد إذا عاهدتم، وأدوا الأمانات إذا ~~ائتمنتم وارغبوا في ثواب الله، وارهبوا عذابه، واعلموا الخير تجزوا خيرا ~~يوم يفوز بالخير من قدم الخير. ### || اختلاف الزبير وطلحة على علي كرم الله وجهه # قال: وذكروا أن الزبير وطلحة أتيا عليا بعد فراغ البيعة، فقالا: هل تدري ~~على ما بايعناك يا أمير المؤمنين؟ @HAD043 قال علي: نعم، على السمع ~~والطاعة، وعلى [ (1) ]المضمار: الموضع والزمن الذي تضمر فيه الخيل، وتضمير ~~الخيل أن تربط ويكثر علفها وماؤها حتى تسمن ثم يقلل علفها وماؤها وتجري في ~~الميدان حتى تهزل. # @HAD07 [ (2) ]في نهج البلاغة: السباق. # @HAD021 [ (3) ]السبقة بالتحريك الغاية التي يحب السابق أن يصل إليها ~~وبالفتح المرة من السبق، والسبقة بالضم الجنة. PageV01P070 # @HAD036 ما بايعتم عليه أبا بكر وعمر وعثمان، فقالا: لا، ولكنا بايعناك ~~على أنا شريكاك في الأمر، قال علي: لا، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة ~~والعون على العجز والأولاد، قال: وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق، ~~وطلحة في اليمن، فلما استبان لهما أن عليا غير موليهما شيئا، أظهرا الشكاة، ~~فتكلم الزبير في ملأ من قريش، فقال: هذا جزاؤنا من علي، قمنا له ms068 في أمر ~~عثمان، حتى أثبتنا عليه الذنب، وسببنا له القتل، وهو جالس في بيته وكفي ~~الأمر. فلما نال بنا ما أراد، جعل دوننا غيرنا، فقال طلحة: ما اللوم إلا ~~أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه أحدنا وبايعناه، وأعطيناه ما في أيدينا، ~~ومنعنا ما في يده، فأصبحنا قد أخطأنا ما رجونا. قال: فانتهى قولهما إلى علي ~~فدعا عبد الله بن عباس وكان استوزره، @HAD041 فقال له: بلغك قول هذين ~~الرجلين؟قال: نعم، بلغني قولهما. قال: فما ترى؟ قال: أرى أنهما أحبا ~~الولاية. فول البصرة الزبير، وول طلحة الكوفة، فإنهما ليسا بأقرب إليك من ~~الوليد وابن عامر من عثمان، فضحك علي، ثم قال: # @HAD051 ويحك، إن العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس ~~يستميلا السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان، ~~ولو كنت مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولو لا ما ظهر ~~لي من حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما رأي. قال: ثم أتى طلحة والزبير ~~إلى علي، فقالا: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا في العمرة، فإن تقم إلى ~~انقضائها رجعنا إليك، وإن تسر نتبعك. فنظر إليهما علي، و@HAD015 قال: نعم، ~~والله ما العمرة تريدان، وإنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما، فمضيا [ (1) ][ (2) ]. ### || خلاف عائشة رضي الله عنها على علي # قال: وذكروا أن عائشة لما أتاها أنه بويع لعلي. وكانت خارجة عن المدينة، ~~فقيل لها: قتل عثمان. وبايع الناس عليا. فقالت: ما كنت أبالي أن تقع السماء ~~على الأرض، قتل والله مظلوما، وأنا طالبة بدمه، فقال لها عبيد[ (3) ]: # [ (1) ]في رواية للطبري أنهما غادرا إلى مكة بعد مقتل عثمان بأربعة أشهر. # [ (2) ]وفي مروج الذهب: أن @HAD015 علي قال لهما: لعلكما تريدان البصرة ~~أو الشام فأقسما أنهما لا يقصدان غير مكة. # [ (3) ]وهو عبيد بن أبي سلمة الليثي ويقال له: عبيد ابن أم كلاب وكان ~~لاقاها قرب المدينة. PageV01P071 # إن أول من طعن عليه وأطمع الناس فيه لأنت، ولقد قلت: اقتلوا نعثلا فقد ~~فجر[ (1) ]، فقالت عائشة: قد والله قلت وقال الناس، وآخر قولي خير من ms069 ~~أوله[ (2) ]، فقال عبيد: عذر والله ضعيف يا أم المؤمنين. ثم قال: # منك البداء ومنك الغير # ومنك الرياح ومنك المطر # وأنت أمرت بقتل الإمام # وقلت لنا إنه قد فجر # فهبنا أطعناك في قتله # وقاتله عندنا من أمر # [ (3) ] قال: فلما أتى عائشة خبر أهل الشام أنهم ردوا بيعة علي، وأبوا أن ~~يبايعوه، أمرت فعمل لها هودج من حديد، وجعل فيه موضع عينيها، ثم خرجت ومعها ~~الزبير وطلحة وعبد الله بن الزبير ومحمد بن طلحة. ### || اعتزال عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة عن مشاهدة علي وحروبه # قال: وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، ائذن ~~لي آتي عبد الله بن عمر فأكلمه، لعله يخف معنا في هذا الأمر، @HAD04 فقال ~~علي: نعم، فأتاه، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، إنه قد بايع عليا المهاجرون ~~والأنصار، ومن إن فضلناه عليك لم يسخطك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، وقد ~~أنكرت السيف في أهل الصلاة، وقد علمت أن على القاتل القتل، وعلى المحصن ~~الرجم، وهذا يقتل بالسيف، وهذا يقتل بالحجارة، وأن عليا لم يقتل أحدا من ~~أهل الصلاة، فيلزمه حكم القاتل. فقال ابن عمر: يا أبا اليقظان، إن أبي جمع ~~أهل الشورى، الذين قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فكان ~~أحقهم بها علي، غير أنه جاء أمر فيه السيف ولا أعرفه، ولكن والله ما أحب أن ~~لي الدنيا وما عليها وأني أظهرت أو أضمرت عداوة علي؟قال: # [ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 2/249 فقد كفر. # [ (2) ]العبارة في ابن الأعثم: ثم رجعت عما قلت لما عرفت خبره من أوله، ~~وذلك أنكم استتبتموه حتى إذا جعلتموه كالفضة البيضاء قتلتموه، فو الله ~~لأطلبن بدمه. (وانظر الطبري 5/172 وابن الأثير 3/102) . # [ (3) ]الأبيات في الطبري وابن الأثير وابن الأعثم باختلاف بعض الألفاظ ~~وزيادة أبيات أخرى. PageV01P072 # فانصرف عنه، فأخبر عليا بقوله[ (1) ]، @HAD09 فقال علي: لو أتيت محمد بن ~~مسلمة الأنصاري، فأتاه عمار، فقال له محمد: مرحبا بك يا أبا اليقظان على ~~فرقة ms070 ما بيني وبينك، والله لو لا ما في يدي من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لبايعت عليا، ولو أن الناس كلهم عليه لكنت معه، ولكنه يا عمار كان من ~~النبي أمر ذهب فيه الرأي، فقال عمار: كيف؟ @HAD018 قال رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم: إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا رأيت أهل الصلاة. فقال عمار: ~~فإن كان @HAD05 قال لك: إذا رأيت المسلمين فو الله لا ترى مسلمين يقتتلان ~~بسيفيهما أبدا، وإن كان @HAD05 قال لك: أهل الصلاة، فمن سمع هذا معك، إنما ~~أنت أحد الشاهدين، فتريد من رسول الله قولا بعد قوله يوم حجة الوداع: ~~@HAD08 دماؤكم وأموالكم عليكم حرام إلا بحدث، فتقول: يا محمد، لا نقاتل ~~المحدثين. قال: # حسبك يا أبا اليقظان. قال: ثم أتى سعد بن أبي وقاص فكلمه، فأظهر الكلام ~~القبيح، فانصرف عمار إلى علي، @HAD028 فقال له علي: دع هؤلاء الرهط، أما ~~ابن عمر فضعيف، وأما سعد فحسود، وذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت أخاه يوم ~~خيبر، مرحب اليهودي. ### || هروب مروان بن الحكم من المدينة المنورة # قال: وذكروا أن مروان بن الحكم لما بويع علي هرب من المدينة، فلحق بعائشة ~~بمكة. فقالت له عائشة: ما وراءك؟فقال مروان: غلبنا على أنفسنا. فقال له رجل ~~من أهل مكة[ (2) ]: إياك وعليا فقد طلبك، ففر من بين يديه. فقال مروان: # لم؟فو الله ما يجد إلي سبيلا. أما هو فقد علمت أنه لا يأخذني بظن، ولا ~~ينصب إلا على اليقين، وايم الله ما أبالي إذا قصر علي سيفه ما طال علي من ~~لسانه. فقال الرجل: إذا أطال الله عليك لسانه طال سيفه. قال مروان: كلا إن ~~اللسان أدب، والسيف حكم. # [ (1) ]وكان عبد الله بن عمر قد أخبر كلثوم بنت علي أنه سيخرج معتمرا على ~~طاعة علي ما خلا النهوض. (الطبري 5/164) . # [ (2) ]في فتوح ابن الأعثم أن مروان لم يبايع عليا، وقد خيره علي أن يلحق ~~بأي بلد شاء فاختار الإقامة بالمدينة. وقوله هذا كان بالمدينة وليس بمكة ~~(2/261) . PageV01P073 ### || خروج علي من المدينة ms071 # قال: وذكروا أن عليا تردد بالمدينة أربعة أشهر، ينتظر جواب معاوية، وقد ~~كان كتب إليه كتابا بعد كتاب يمنيه ويعده أولا، ثم كتابا يخوفه ويتواعده ~~فحبس معاوية جواب كتابه ثلاثة أشهر، ثم أتاه جوابه على غير ما يحب، فلما ~~أتاه ذلك شخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه المهاجرين والأنصار من ~~أهل السوابق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعهم بشر كثير من أخلاط ~~الناس، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، وكان له فضل وعقل، وأمره أن يشخص ~~إليه من أحب الشخوص، ولا يحمل أحدا على ما يكره، فخف الناس إلى علي بعده، ~~ومضى معه من ولده الحسن والحسين ومحمد، فلما كان في بعض الطريق، أتاه كتاب ~~أخيه عقيل بن أبي طالب، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد يا أخي، ~~كلأك الله، والله جائرك من كل سوء، وعاصمك من كل مكروه على كل حال، وإني ~~خرجت معتمرا، فلقيت عائشة معها طلحة والزبير وذووهما، وهم متوجهون إلى ~~البصرة، قد أظهروا الخلاف، ونكثوا البيعة، وركبوا عليك قتل عثمان، وتبعهم ~~على ذلك كثير من الناس، من طغاتهم وأوباشهم، ثم مر عبد الله بن أبي سرح، في ~~نحو من أربعين راكبا، من أبناء الطلقاء، من بني أمية، فقلت لهم وعرفت ~~المنكر في وجوههم: أبمعاوية تلحقون؟عداوة والله إنها منكم ظاهرة غير ~~مستنكرة، تريدون بها إطفاء نور الله، وتغيير أمر الله. فأسمعني القوم ~~وأسمعتهم ثم قدمت مكة، فسمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس أغار على ~~الحيرة واليمامة، فأصاب ما شاء من أموالهما، ثم انكفأ راجعا إلى الشام، فأف ~~لحياة في زهو جرأ عليك الضحاك، وما الضحاك إلا فقع بقرقره[ (1) ]فظننت حين ~~بلغني ذلك أن أنصارك خذلوك، فاكتب إلي يا بن أمي برأيك وأمرك، فإن كنت ~~الموت تريد، تحملت إليك ببني أخيك، وولد أبيك، فعشنا ما عشت ومتنا معك إذا ~~مت، فو الله ما أحب أن أبقى بعدك، فو الله الأعز الأجل إن عيشا أعيشه بعدك ~~في الدنيا لغير هنيء، ولا مريء، ولا ms072 نجيع، والسلام. # @HAD014 فكتب إليه علي كرم الله وجهه: أما بعد يا أخي، فكلأك الله كلاءة من # [ (1) ]الفقع: نبات طري أبيض. والقرقرة: الأرض الواطئة. PageV01P074 # يخشاه، إنه حميد مجيد. قدم علي عبد الرحمن الأزدي بكتابك، تذكر فيه أنك ~~لقيت ابن أبي سرح، في أربعين من أبناء الطلقاء من بني أمية، متوجهين إلى ~~المغرب، وابن أبي سرح يا أخي طال ما كاد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصد ~~عن كتابه وسنته وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح وقريشا وتركاضهم[ (1) ]في ~~الضلال، فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك، اجتماعها على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا لي الحرب، ~~وجدوا في إطفاء نور الله، اللهم فأجز قريشا عني بفعالها، فقد قطعت رحمي، ~~وظاهرت علي، وسلبتني سلطان ابن عمي[ (2) ]، وسلمت ذلك لمن ليس في قرابتي، ~~وحقي في الإسلام، وسابقتي التي لا يدعي مثلها مدع، إلا أن يدعي ما لا أعرف، ~~ولا أظن الله يعرفه، والحمد لله على ذلك كثيرا. وأما ما ذكرت من غارة ~~الضحاك على الحيرة واليمامة، فهو أذل وألأم من أن يكون مر بها، فضلا عن ~~الغارة، ولكن جاء في خيل جريدة[ (3) ]فسرحت إليه جندا من المسلمين، فلما ~~بلغه ذلك ولى[ (4) ]هاربا، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق، حين همت الشمس ~~للإياب، فاقتتلوا، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا، ونجا هاربا[ (5) ]، بعد ~~أن أخذ منه بالمخنق[ (6) ]، فلو لا الليل ما نجا. وأما ما سألت أن أكتب ~~إليك فيه برأيي، فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله، لا يزيدني كثرة ~~الناس حولي عزة، ولا تفرقهم عني وحشة لأني محق، والله مع المحق، وما أكره ~~الموت على الحق لأن الخير كله بعد الموت لمن عقل ودعا إلى الحق. وأما ما ~~عرضت به من مسيرك إلي ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فذرهم راشدا ~~مهديا، فو الله ما أحب أن تهلكوا معي إن هلكت، وأنا كما قال أخو بني سليم[ (7) ]: # [ (1) ]في شرح النهج كتاب 279 سقط «وتركاضهم في ms073 الضلال» والتركاض: ~~المبالغة في الركض: # استعارة لسرعة في خواطرهم في الشقاق والضلال. وزيد فيه: وتجوالهم في ~~الشقاق، وجماحهم في التيه. # [ (2) ]في شرح النهج: أمن أمي. يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فإن ~~فاطمة بنت أسد أم علي ربت رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجرها @HAD014 ~~فقال النبي صلى الله عليه وسلم في شأنها: فاطمة أمي بعد أمي: # [ (3) ]يريد الخيل التي لا رجالة فيها أي أنها غارة ليست خطرة. # [ (4) ]في شرح النهج: شمر. # [ (5) ]في شرح النهج: نجا جريضا. # [ (6) ]المخنق: قال في شرح النهج: هو موضع الخنق من الحيوان. # [ (7) ]ينسب الشعر إلى عباس بن مرداس السلمي. وليس في ديوانه. PageV01P075 # فإن تسأليني كيف صبري[ (1) ]فإنني # صبور على ريب الزمان صليب # عزيز علي أن أرى بكآبة # فيشمت واش[ (2) ]أو يساء حبيب ### || كتاب أم سلمة إلى عائشة # قال: وذكروا أنه لما تحدث الناس بالمدينة بمسير عائشة مع طلحة والزبير، ~~ونصبهم الحرب لعلي، وتألفهم الناس كتبت أم سلمة إلى عائشة أما بعد: فإنك ~~سدة بين رسول الله وبين أمته، وحجابك[ (3) ]مضروب على حرمته، قد جمع ~~القرآن الكريم ذيلك، فلا تندحيه[ (4) ]، وسكن عقيرتك، فلا تصحريها[ (5) ]، ~~الله من وراء هذه الأمة، قد علم رسول الله مكانك، لو أراد أن يعهد إليك، ~~وقد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، ~~حماديات[ (6) ]النساء غض الأبصار وضم الذيول، ما كنت قائلة لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لو عارضك بأطراف الجبال والفلوات، على قعود[ (7) ]من الإبل، ~~من منهل إلى منهل، إن بعين الله مهواك، وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~تردين، وقد هتكت حجابه الذي ضرب الله عليك، وتركت عهيداه. ولو أتيت الذي ~~تريدين، ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييت أن ألقى الله هاتكة حجابا قد ضربه ~~علي، فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك، فابغيه منزلا لك حتى تلقيه، فإن ~~أطوع ما تكونين إذا ما لزمته، وأنصح ما تكونين إذا ما قعدت فيه، ولو ذكرتك ~~كلاما @HAD012 قاله رسول الله صلى الله ms074 عليه وسلم لنهشتني نهش الحية، ~~والسلام. فكتبت إليها عائشة: ما أقبلني لوعظك، وأعلمني بنصحك[ (8) ]، وليس ~~مسيري على ما تظنين، ولنعم المطلع مطلع فزعت فيه إلي فئتان متناجزتان، فإن ~~أقدر ففي غير حرج، وإن أحرج مالي ما لا غنى بي عن الازدياد منه، والسلام. # [ (1) ]في شرح النهج: أنت. # [ (2) ]في شرح النهج: # يعز علي أن ترى بي # ... فيشمت عاد. # [ (3) ]كذا بالأصل وبلاغات النساء، وفي العقد الفريد: حجاب. # [ (4) ]لا تندحيه: أي لا توسيعه. # [ (5) ]في العقد الفريد: وسكر خفارتك فلا تبتذليها. 4/316. # [ (6) ]في العقد: جهاد النساء. # [ (7) ]القعود: بالفتح: من الإبل يقتعده الراعي في كل حاجة. # [ (8) ]في العقد: وأعرفني لحق نصيحتك. PageV01P076 ### || استنفار عدي بن حاتم قومه لنصرة علي رضي الله عنه # قال: وذكروا أن ابن حاتم قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، لو تقدمت ~~إلى قومي أخبرهم بمسيرك وأستنفرهم، فإن لك من طيئ مثل الذي معك. @HAD05 ~~فقال علي: نعم، فافعل، فتقدم عدي إلى قومه، فاجتمعت إليه رؤساء طيئ، فقال ~~لهم: يا معشر طيئ، إنكم أمسكتم عن حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~الشرك، ونصرتم الله ورسوله في الإسلام على الردة، وعلي قادم عليكم، وقد ~~ضمنت له مثل عدة من معه منكم، فخفوا معه، وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على ~~الدنيا، فقاتلوا في الإسلام على الآخرة، فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم ~~كثيرة، وأنا أدعوكم إلى الدنيا والآخرة، وقد ضمنت عنكم الوفاء، وباهيت بكم ~~الناس، فأجيبوا قولي، فإنكم أعز العرب دارا، لكم فضل معاشكم وخيلكم، ~~فاجعلوا أفضل المعاش للعيال وفضول الخيل للجهاد، وقد أظلكم علي والناس معه، ~~من المهاجرين والبدريين والأنصار، فكونوا أكثرهم عددا، فإن هذا سبيل للحي ~~فيه الغنى والسرور، وللقتيل فيه الحياة والرزق، فصاحت طيئ: نعم نعم، حتى ~~كاد أن يصم من صياحهم. فلما قدم على طيئ أقبل شيخ من طيئ قد هرم من الكبر، ~~فرفع له من حاجبيه، فنظر إلى علي، فقال له: أنت ابن أبي طالب؟ @HAD03 قال: ~~نعم. قال: مرحبا بك وأهلا، قد جعلناك بيننا وبين الله، وعديا بيننا ms075 وبينك، ~~ونحن بينه وبين الناس، لو أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك، لقرابتك من رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وأيامك الصالحة، ولئن كان ما يقال فيك من الخير ~~حقا إن في أمرك وأمر قريش لعجبا، إذ أخرجوك وقدموا غيرك. سر، فو الله لا ~~يتخلف عنك من طيئ إلا عبد أو دعي إلا بإذنك. فشخص معه من طيئ ثلاثة عشر ~~آلاف راكب[ (1) ]. ### || استنفار زفر بن زيد قومه لنصرة علي # قال: وذكروا أن زفر بن زيد بن حذيفة الأسدي، وكان من سادة بني أسد قام ~~إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إن طيئا إخواننا وجيراننا قد أجابوا عديا. # ولي في قومي طاعة، فأذن لي فآتهم. @HAD03 قال: نعم، فأتاهم فجمعهم وقال: ~~يا بني [ (1) ]في مروج الذهب: ستمائة راكب. PageV01P077 # أسد، إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه فأجابوه، وقضوا عنه ذمامه، فلم يعتل ~~الغني بالغنى، ولا الفقير بالفقر، وواسى بعضهم بعضا، حتى كأنهم المهاجرون ~~في الهجرة، والأنصار في الأثرة، وهم جيرانكم في الديار، وخلطاؤكم في ~~الأموال، فأنشدكم الله لا يقول الناس غدا: نصرت طيئ وخذلت بنو أسد، وإن ~~الجار يقاس بالجار، كالنعل بالنعل، فإن خفتم فتوسعوا في بلادهم، وانضموا ~~إلى جبلهم، وهذه دعوة لها ثواب من الله في الدنيا والآخرة. فقام إليه رجل ~~منهم، فقال له: يا زفر، إنك لست كعدي، ولا أسد كطيء، ارتدت العرب، فثبتت ~~طيئ على الإسلام، وجاد عدي بالصدقة، وقاتل بقومه قومك، فو الله لو نفرت طيئ ~~بأجمعها لمنعت رعاؤها دارها، ولو أن معنا أضعافنا لخفنا على دارنا، فإن كان ~~لا يرضيك منا إلا ما أرضى عديا من طيئ، فليس ذلك عندنا، وإن كان يرضيك قدر ~~ما يرد عنا عذر الخذلان، وإثم المعصية، فلك ذلك منا. # فسار معه من أسد جماعة ليست كجماعة طيئ، حتى قدم بها على علي. ### || توجه عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة # قال: وذكروا أنه لما اجتمع طلحة والزبير وذووهما مع عائشة، وأجمعوا على ~~المسير من مكة، وأتاهم عبد الله بن عامر[ (1) ]، فدعاهم إلى البصرة، ووعدهم ~~الرجال ms076 والأموال، فقال سعيد بن العاصي لطلحة والزبير: إن عبد الله بن عامر ~~كلمه إلى البصرة، وقد فر من أهلها فرار العبد الآبق، وهم في طاعة عثمان، ~~ويريد أن يقاتل بهم عليا، وهم في طاعة علي، وخرج من عندهم أميرا، ويعود ~~إليهم طريدا، وقد وعدكم الرجال والأموال، فأما الأموال فعنده، وأما الرجال ~~فلا رجل. فقال مروان بن الحكم: أيها الشيخان، ما يمنعكما أن تدعوا الناس ~~إلى بيعة مثل بيعة علي، فإن أجابوا كما عارضتماه ببيعة كبيعته، وإن لم ~~يجيبوكما عرفتما ما لكما في أنفس الناس. فقال طلحة: يمنعنا أن الناس بايعوا ~~عليا بيعة عامة، فبم ننقضها؟وقال الزبير: ويمنعنا أيضا من ذلك تثاقلنا عن ~~نصرة عثمان، وخفتنا إلى بيعة علي. فقال الوليد بن عقبة: إن كنتما أسأتما ~~فقد أحسنتما، وإن [ (1) ]وكان عبد الله بن عامر بن كريز واليا على البصرة ~~لعثمان، وهو ابن خاله، وقد هرب ليلا من الكوفة بعد ما بايع أهل البصرة ~~عليا. وقد جهزهم علي قاله المسعودي في مروج الذهب 2/394 بألف ألف درهم ~~ومائة من الإبل وغير ذلك. PageV01P078 # كنتما أخطأتما فقد أصبتما، وأنتما اليوم خير منكما أمس. فقال مروان: أما ~~أنا فهواي الشام، وهواكما البصرة، وأنا معكم وإن كانت الهلكة. فقال سعيد بن ~~العاصي: أما أنا فراجع إلى منزلي. فلما استقام أمرهم، واجتمعت كلمتهم على ~~المسير، قال طلحة للزبير: إنه ليس شيء أنفع ولا أبلغ في استمالة أهواء ~~الناس من أن نشخص لعبد الله بن عمر، فأتياه فقالا: يا أبا عبد الرحمن، إن ~~أمنا عائشة خفت لهذا الأمر، رجاء الإصلاح بين الناس، فاشخص معنا، فإن لك ~~بها[ (1) ] أسوة، فإن بايعنا الناس فأنت أحق بها. فقال ابن عمر: أيها ~~الشيخان، أتريدان أن تخرجاني من بيتي[ (2) ]، ثم تلقياني بين مخالب ابن ~~أبي طالب؟إن الناس إنما يخدعون بالدينار والدرهم. وإني قد تركت هذا الأمر ~~عيانا في عافية أنالها. # فانصرفا عنه. وقدم يعلى بن منبه عليهم من اليمن، وكان عاملا لعثمان، ~~فأخرج أربع مائة بعير[ (3) ]، ودعا إلى الحملان، فقال الزبير: دعنا من ms077 إبلك ~~هذه، وأقرضنا من هذا المال، فأقرض الزبير ستين ألفا، وأقرض طلحة أربعين ~~ألفا، ثم سار القوم، فقال الزبير: الشام بها الرجال والأموال، وعليها ~~معاوية، وهو ابن عم الرجل، ومتى نجتمع يولنا عليه، وقال عبد الله بن عامر: ~~البصرة، فإن غلبتم عليا فلكم الشام، وإن غلبكم علي كان معاوية لكن جنة، ~~وهذه كتب أهل البصرة إلي، فقال يعلى بن منبه، وكان داهيا: أيها الشيخان، ~~قدرا قبل أن ترحلا أن معاوية قد سبقكم إلى الشام وفيها الجماعة، وأنتم ~~تقدمون عليه غدا في فرقة وهو ابن عم عثمان دونكم، أرأيتم إن دفعكم عن ~~الشام، أو قال: اجعلها شورى، ما أنتم صانعون؟أتقاتلونه أم تجعلونها شورى ~~فتخرجا منها؟وأقبح من ذلك أن تأتيا رجلا في يديه أمر قد سبقكما إليه، ~~وتريدا أن تخرجاه منه، فقال القوم: فإلى أين؟قال: إلى البصرة، فقال الزبير ~~لعبد الله بن عامر: من رجال البصرة؟قال: ثلاثة، كلهم سيد مطاع، كعب بن سور ~~في اليمن، والمنذر بن ربيعة في ربيعة، والأحنف بن قيس في مضر. فكتب طلحة ~~والزبير إلى كعب بن سور: أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب، وشيخ أهل ~~البصرة، وسيد أهل [ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 2/278 بنا. # [ (2) ]زيد عند ابن الأعثم: كما يخرج الأرنب من جحره. # [ (3) ]في مروج الذهب 2/394 أعطى عائشة وطلحة والزبير أربعمائة ألف درهم ~~وكراعا وسلاحا، وبعث إلى عائشة بالجمل المسمى عسكرا وكان شراؤه باليمن ~~مائتي دينار. وعند ابن الأثير 2/313: ستمائة بعير وستمائة ألف درهم. PageV01P079 # اليمن، وقد كنت غضبت لعثمان من الأذى، فاغضب له من القتل، والسلام. # وكتب إلى الأحنف بن قيس: أما بعد، فإنك وافد عمر وسيد مضر، وحليم أهل ~~العراق، وقد بلغك مصاب عثمان، ونحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر، ~~والسلام. وكتب إلى المنذر: أما بعد، فإن أباك كان رئيسا في الجاهلية، وسيدا ~~في الإسلام، وإنك من أبيك بمنزلة المصلي[ (1) ]من السابق. يقال: كاد أو ~~لحق، وقد قتل عثمان من أنت خير منه، وغضب له من هو خير منك، والسلام. # فلما ms078 وصلت كتبهما إلى القوم، قام زياد بن مضر، والنعمان بن شوال، وغزوان، ~~فقالوا: ما لنا ولهذا الحي من قريش؟أيريدون أن يخرجونا من الإسلام بعد أن ~~دخلنا فيه؟ويدخلونا في الشرك بعد ما خرجنا منه؟قتلوا عثمان، وبايعوا عليا، ~~لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم. وكتب كعب بن سور إلى طلحة والزبير: أما بعد، ~~فإنا غضبنا لعثمان من الأذى والغير باللسان، فجاء أمر الغير فيه بالسيف، ~~فإن يك عثمان قتل ظالما، فما لكما وله؟وإن كان قتل مظلوما فغير كما أولى ~~به، وإن كان أمره أشكل على من شهده، فهو على من غاب عنه أشكل. وكتب الأحنف ~~إليهما: أما بعد، فإنه لم يأتنا من قبلكم أمر لا نشك فيه إلا قتل عثمان، ~~وأنتم قادمون علينا، فإن يكن في العيان فضل، نظرنا فيه ونظرتم، وإلا يكن ~~فيه فضل فليس في أيدينا ولا في أيديكم ثقة، والسلام. وكتب المنذر: أما بعد، ~~فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا أن أكون خيرا من أهل الشر، وإنما أوجب حق ~~عثمان اليوم حقه أمس، وقد كان بين أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا ~~العلم، وبدا لكم هذا الرأي؟فلما قرءا كتب القوم ساءهما ذلك وغضبا. ثم غدا ~~مروان إلى طلحة والزبير، فقال لهما: عاودا ابن عمر، فلعله ينيب، فعاوداه، ~~فتكلم طلحة، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنه والله لرب حق ضيعناه وتركناه، ~~فلما حضر العذر قضينا بالحق، وأخذنا بالحظ، إن عليا يرى إنفاذ بيعته، وإن ~~معاوية لا يرى أن يبايع له، وإنا نرى أن نردها شورى، فإن سرت معنا ومع أم ~~المؤمنين صلحت الأمور، وإلا فهي الهلكة. فقال ابن عمر: إن يكن قولكما حقا ~~ففضلا ضيعت، وإن يكن باطلا فشر منه نجوت، واعلما أن بيت عائشة خير لها من ~~هودجها، وأنتما المدينة خير لكما من البصرة، والذل خير لكما من السيف، ولن ~~يقاتل عليا إلا من كان خيرا منه، وأما الشورى فقد والله كانت، فقدم ~~وأخرتما، [ (1) ]المصلي من الخيل الذي يلي الأول في السباق، والسابق الفائز ~~الأول في السباق. PageV01P080 # ولن يردها إلا ms079 أولئك الذين حكموا فيها، فاكفياني أنفسكما، فانصرفا. فقال ~~مروان: استعينا عليه بحفصة، فأتيا حفصة، فقالت: لو أطاعني أطاع عائشة، ~~دعاه، فاتركاه وتوجها إلى البصرة. وأتاهما عبد الله بن خلف، فقال لهما: إنه ~~ليس أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شيء إلا وقد بلغ أهل العراق، وقد ~~كان منكما في عثمان من التحليب والتأليب ما لا يدفعه جحود، ولا ينفعكما فيه ~~عذر، وأحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل وألزمكما الخذل، وقد بايع ~~الناس عليا بيعة عامة، والناس لاقوكما غدا، فما تقولان؟فقال طلحة: ننكر ~~القتل، ونقر بالخذل، ولا ينفع الإقرار بالذنب إلا مع الندم عليه، ولقد ~~ندمنا على ما كان منا. وقال الزبير: بايعنا عليا والسيف على أعناقنا[ (1) ~~]، حيث تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا، ولم نصب لعثمان خطأ فتجب ~~علينا الدية، ولا عمدا فيجب علينا القصاص. فقال عبد الله بن خلف: عذركما ~~أشد من ذنبكما، قال: فتهيأ القوم للمسير، فقال طلحة والزبير: أسرعوا السير، ~~لعلنا نسبق عليا من خلاف طريقه إلى البصرة. قال: وكتب قثم بن عباس إلى علي ~~يخبره أن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من مكة، يريدون البصرة، وقد ~~استنفروا الناس، فلم يخف معهم إلا من لا يعتد بمسيره، ومن خلفت بعدك فعلى ~~ما تحب. فلما قدم على علي كتابه غمه ذلك، وأعظمه الناس، وسقط في أيديهم، ~~فقام قيس بن سعد بن عبادة، فقال: يا أمير المؤمنين، إنه والله ما غمنا ~~بهذين الرجلين كغمنا بعائشة، لأن هذين الرجلين حلالا الدم عندنا، لبيعتهما ~~ونكثهما، ولأن عائشة من علمت مقامها في الإسلام، ومكانها من رسول الله، مع ~~فضلها ودينها وأمومتها منا ومنك، ولكنهما يقدمان البصرة، وليس كل أهلها ~~لهما، وتقدم الكوفة، وكل أهلها لك، وتسير بحقك إلى باطلهم، ولقد كنا نخاف ~~أن يسيرا إلى الشام، فيقال: صاحبا رسول الله وأم المؤمنين، فيشتد البلاء، ~~وتعظم الفتنة، فأما إذا أتيا البصرة وقد سبقت إلى طاعتك، وسبقوا إلى بيعتك، ~~وحكم عليهم [ (1) ]تقدم أن عليا رفض البيعة خفية ولا تكون إلا ms080 عن رضى ~~المسلمين، وأنه بعد اجتماع المهاجرين والأنصار-وفيهم طلحة والزبير-رفض في ~~البداية و@HAD047 قال: لا حاجة لي في أمركم، أنا معكم فمن اخترتم فقد رضيت ~~به. ثم أن طلحة والزبير بايعاه على ملأ من الناس بعد أن قال لهما علي: إن ~~أحببتما أن تبايعا لي وإن أحببتما بايعتكما، فقالا: بل نبايعك (الطبري ~~5/152-153 من عدة طرق) . PageV01P081 # عاملك، ولا والله ما معهما مثل ما معك، ولا يقدمان على مثل ما تقدم عليه، ~~فسر فإن الله معك، وتتابعت الأنصار فقالوا وأحسنوا. # قال: ولما نزل طلحة والزبير وعائشة بأوطاس[ (1) ]، من أرض خيبر، أقبل ~~عليهم سعيد بن العاصي على نجيب له، فأشرف على الناس، ومعه المغيرة بن شعبة، ~~فنزل وتوكأ على قوس له سوداء، فأتى عائشة، فقال لها: أين تريدين يا أم ~~المؤمنين؟قالت: أريد البصرة، قال: وما تصنعين بالبصرة؟قالت: أطلب بدم ~~عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك. ثم أقبل على مروان فقال له: وأنت أين ~~تريد أيضا؟قال: البصرة. قال: وما تصنع بها؟قال: أطلب قتلة عثمان، قال: # فهؤلاء قتلة عثمان معك، إن هذين الرجلين قتلا عثمان «طلحة والزبير» ، ~~وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلما غلبا عليه قالا: نغسل الدم بالدم، ~~والحوبة[ (2) ] بالتوبة. ثم قال المغيرة بن شعبة: أيها الناس، إن كنتم إنما ~~خرجتم مع أمكم، فارجعوا بها خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم لعثمان، فرؤساؤكم ~~قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا، فبينوا ما نقمتم عليه، أنشدكم ~~الله فتنتين في عام واحد، فأبوا إلا أن يمضوا بالناس، فلحق سعيد بن العاصي ~~باليمن، ولحق المغيرة بالطائف، فلم يشهدا شيئا من حروب الجمل ولا صفين، ~~فلما انتهوا إلى ماء الحوأب في بعض الطريق ومعهم عائشة، نبحها كلاب الحوأب، ~~فقالت لمحمد بن طلحة: أي ماء هذا؟قال: هذا ماء الحوأب، فقالت: ما أراني إلا ~~راجعة، قال: ولم؟ @HAD024 قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ~~لنسائه: كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب، وإياك أن تكوني أنت يا حميراء ~~[ (3) ]. فقال لها محمد بن طلحة: تقدمي رحمك الله، ودعي هذا القول. # وأتى ms081 عبد الله بن الزبير، فحلف لها بالله لقد خلفته أول الليل، وأتاها ~~ببينة زور من الأعراب[ (4) ]، فشهدوا بذلك، فزعموا أنها أول شهادة زور شهد ~~بها في الإسلام، فلما انتهى إقبالهم على أهل البصرة، ودنوا منها، قام عثمان ~~بن حنيف [ (1) ]في الكامل في التاريخ 2/315 بذات عرق. # [ (2) ]الحوبة: الإثم والذنب. # [ (3) ]أخرجه الإمام أحمد في مسندة 6/52، 97 ونقله ابن كثير في البداية ~~والنهاية 7/211 وقال: # هذا إسناد على شرط الصحيحين ولم يخرجاه. # [ (4) ]خمسين رجلا ممن كان معهم (عن مروج الذهب 2/395) . PageV01P082 # عامل البصرة لعلي بن أبي طالب فقال: يا أيها الناس، إنما بايعتم الله ~~@QUR@020 يد الله فوق أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما ~~عاهد عليه الله فسيؤتيه أجرا عظيما [الفتح 10]والله لو علم علي أن أحدا أحق ~~بهذا الأمر منه ما قبله، ولو بايع الناس غيره لبايع من بايعوا، وأطاع من ~~ولوا، وما به إلى أحد من صحابة رسول الله حاجة، وما بأحد عنه غنى، ولقد ~~شاركهم في محاسنهم، وما شاركوه في محاسنه، ولقد بايعه هذان الرجلان وما ~~يريدان الله، فاستعجلا الفطام قبل الرضاع، والرضاع قبل الولادة، والولادة ~~قبل الحمل، وطلبا ثواب الله من العباد، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين. فإن ~~كانا استكرها قبل بيعتهما كانا رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا، ~~ألا وإن الهدي ما كانت عليه العامة، والعامة على بيعة علي، فما ترون أيها ~~الناس؟فقام حكم بن جبل العبدي، فقال: نرى إن دخلا علينا قاتلناهما، وإن ~~وقفا تلقيناهما والله ما أبالي أن أقاتلهما وحدي، وإن كنت أحب الحياة، وما ~~أخشى في طريق الحق وحشة، ولا غيرة ولا غشا ولا سوء منقلب إلى بعث، وإنها ~~لدعوة قتيلها شهيد، وحيها فائز، والتعجيل إلى الله قبل الأجر خير من ~~التأخير في الدنيا، وهذه ربيعة معك. ### || نزول طلحة والزبير وعائشة البصرة # قال: وذكروا أن طلحة والزبير لما نزلا البصرة[ (1) ]، قال عثمان بن حنيف: # نعذر إليهما برجلين، فدعا عمران بن الحصين صاحب رسول الله، وأبا الأسود ~~الدؤلي، ms082 فقال: يا أبا محمد، فذهبا إليهما فناديا: يا طلحة فأجابهما، فتكلم ~~أبو الأسود الدؤلي، فقال: يا أبا محمد، إنكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا ~~في قتله وبايعتم عليا غير مؤامرين في بيعته، فلم نغضب لعثمان إذ قتل، ولم ~~نغضب لعلي إذ بويع، ثم بدا لكم، فأردتم خلع علي، ونحن على الأمر الأول، ~~فعليكم المخرج مما دخلتم فيه. ثم تكلم عمران، فقال: يا طلحة، إنكم قتلتم ~~عثمان ولم نغضب له إذا لم تغضبوا، ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم، فإن ~~كان قتل عثمان صوابا فمسيركم لما ذا؟وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم ~~منه الأوفى. فقال طلحة: يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الأمر ~~غيره، وليس على هذا بايعناه، وايم الله ليسفكن دمه. فقال أبو الأسود: يا ~~عمران، أما [ (1) ]في الطبري 5/174 بالحفير، وهو أول منزل من البصرة لمن ~~يريد مكة وقيل الحفير: موضع بين مكة والبصرة. PageV01P083 # هذا فقد صرح أنه إنما غضب للملك. ثم أتيا الزبير فقالا: يا أبا عبد الله، ~~إنا أتينا طلحة، قال الزبير: إن طلحة وإياي كروح في جسدين، وإنه والله يا ~~هذان، قد كانت منا في عثمان فلتات، احتجنا فيها إلى المعاذير، ولو استقبلنا ~~من أمرنا ما استدبرنا نصرناه، ثم أتيا فدخلا على عائشة، فقالا: يا أم ~~المؤمنين، ما هذا المسير؟أمعك من رسول الله به عهد؟قالت: قتل عثمان مظلوما، ~~غضبنا لكم من السوط والعصا، ولا نغضب لعثمان من القتل؟فقال أبو الأسود: وما ~~أنت من عصانا وسيفنا وسوطنا؟فقالت: يا أبا الأسود، بلغني أن عثمان بن حنيف ~~يريد قتالي. فقال أبو الأسود: نعم والله قتالا أهونه تندر منه الرءوس[ (1) ~~]. وأقبل غلام من جهينة إلى محمد بن طلحة، فقال له: حدثني عن قتلة عثمان، ~~قال: نعم، دم عثمان على ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الهودج، وثلث على صاحب ~~الجمل الأحمر[ (2) ]، وثلث على علي بن أبي طالب. فضحك الجهني، ولحق بعلي بن ~~أبي طالب، وبلغ طلحة قول ابنه محمد، وكان محمد من عباد الناس، فقال له: ms083 يا ~~محمد، أتزعم عنا قولك إني قاتل عثمان، كذلك تشهد على أبيك؟ كن كعبد الله بن ~~الزبير، فو الله ما أنت بخير منه، ولا أبوك بدون أبيه، كف عن قولك، وإلا ~~فارجع فإن نصرتك نصرة رجل واحد، وفسادك فساد عامة. فقال محمد: ما قلت إلا ~~حقا، ولن أعود. ### || نزول علي بن أبي طالب الكوفة # قال: وذكروا أن عليا لما نزل قريبا من الكوفة[ (3) ]بعث عمار بن ياسر، ~~ومحمد بن أبي بكر[ (4) ]إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو موسى عاملا لعثمان ~~على الكوفة، فبعثهما علي إليه وإلى أهل الكوفة يستفزهم، فلما قدما عليه قام ~~عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، فدعوا الناس إلى النصرة لعلي، فلما أمسوا ~~[ (1) ]قارن مع ما ذكره الطبري 5/174 وابن الأثير 2/316 والبداية والنهاية ~~7/258 بشأن مقابلة الرجلين مع عائشة وطلحة والزبير. # [ (2) ]يريد طلحة بن عبيد الله. # [ (3) ]في مكان يدعى ذي قار (عن الطبري) . # [ (4) ]في ابن الأعثم 2/290 الحسن بن علي. وفي الطبري 5/187 أنه أرسل ~~الحسن بن علي وعمار بن ياسر للمرة الثانية إلى أبي موسى الأشعري. (وانظر ~~مروج الذهب 2/396) . وكان قد أرسل إليه في المرة الأولى، محمد بن أبي بكر ~~ومحمد بن جعفر. PageV01P084 # دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى، فقالوا: ما ترى؟أتخرج مع هذين ~~الرجلين إلى صاحبهما، أم لا؟فقال أبو موسى: أما سبيل الآخرة ففي أن تلزموا ~~بيوتكم، وأما سبيل الدنيا فالخروج مع من أتاكم، فأطاعوه، فتباطأ الناس على ~~علي، وبلغ عمارا ومحمدا ما أشار به أبو موسى على أولئك الرهط، فأتياه ~~فأغلظا له في القول، قال أبو موسى: إن بيعة عثمان في عنقي وعنق صاحبكم، ~~ولئن أردنا القتال ما لنا إلى قتال أحد من سبيل، حتى نفرغ من قتلة عثمان. ### || خطبة أبي موسى الأشعري # [ (1) ] ثم خرج أبو موسى فصعد المنبر، ثم قال: أيها الناس: إن أصحاب رسول ~~الله الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم حقا ~~علي أؤديه إليكم، إن هذه الفتنة النائم فيها خير ms084 من اليقظان، والقاعد خير ~~من القائم، والقائم خير من الساعي، والساعي خير من الراكب، فأغمدوا سيوفكم ~~حتى تنجلي هذه الفتنة. ### || خطبة عمار بن ياسر # فقام عمار بن ياسر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أبا ~~موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين، ولعمري ما صدق فيما قال، وما ~~رضي الله من عباده بما ذكر. قال عز وجل: @QUR@028 وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا [الحجرات ~~9] وقال: @QUR@011 وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله [الأنفال ~~39]فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من أن يجلسوا في بيوتهم ويخلوا بين ~~الناس، فيسفك بعضهم دماء بعض، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين واسمعوا من ~~حججهم، وانظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه، فإن أصلح الله أمرهم رجعتم ~~مأجورين وقد قضيتم حق الله، وإن بغى بعضهم على بعض نظرتم إلى الفئة ~~الباغية، فقاتلتموها حتى تفيء إلى أمر الله، كما أمركم الله، وافترض عليكم ~~ثم قعد. فلما انصرفا إلى علي من عند أبي موسى وأخبراه بما قال أبو موسى، ~~بعث [ (1) ]انظر الطبري 5/187 الكامل لابن الأثير 2/327. PageV01P085 # إليه الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد، وكتب ~~معهم إلى أهل الكوفة. ### || كتاب علي إلى أهل الكوفة # @HAD0138 أما بعد، فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون سامعه كمن عاينه[ ~~(1) ]، إن الناس طعنوا على عثمان، فكنت رجلا من المهاجرين أقل عيبه وأكثر ~~استعتابه[ (2) ]، وكان هذان الرجلان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه اللهجة ~~والوجيف[ (3) ]، وكان من عائشة فيه قول[ (4) ]على غضب، فانتحى له قوم ~~فقتلوه، وبايعني الناس غير مستكرهين، وهما أول من بايعني على ما بويع عليه ~~من كان قبلي، ثم استأذنا إلى العمرة، فأذنت لهما، فنقضا العهد، ونصبا ~~الحرب، وأخرجا أم المؤمنين من بيتها، ليتخذاها فتنة، وقد سارا إلى البصرة، ~~اختيارا لأهلها، ولعمري ما إياي تجيبون، ما تجيبون إلا الله. ms085 وقد بعثت ابني ~~الحسن، وابن عمي عبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد، فكونوا عند ~~ظننا بكم، والله المستعان. # فسار الحسن ومن معه، حتى قدموا الكوفة على أبي موسى، فدعاه إلى نصرة علي، ~~فبايعهم، ثم صعد أبو موسى المنبر، وقام الحسن أسفل منه، فدعاهم إلى نصرة ~~علي، وأخبرهم بقرابته من رسول الله، وسابقته، وبيعة طلحة والزبير إياه، ~~ونكثهما عهده، وأقرأهم كتاب علي، فقام شريح بن هانئ، فقال: ### || خطاب شريح بن هانئ # لقد أردنا أن نركب إلى المدينة، حتى نعلم قتل عثمان، فقد أتانا الله به ~~في بيوتنا، فلا تخالفوا عن دعوته، والله لو لم يستنصر بنا لنصرناه سمعا ~~وطاعة، ثم @HAD038 قام الحسن بن علي، فقال: أيها الناس، إنه قد كان من ~~مسير أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ما قد بلغكم، وقد أتيناكم مستنفرين، ~~لأنكم جبهة الأنصار[ (5) ]، [ (1) ]في نهج البلاغة: سمعه كعيانه. # @HAD05 [ (2) ]الاستعتاب: الاسترضاء. # @HAD017 [ (3) ]الوجيف: ضرب من سير الخيل والإبل سريع. يعني أنهما سارعا ~~لإثارة الفتنة عليه. # @HAD08 [ (4) ]في شرح النهج: فلتة غضب. # @HAD015 [ (5) ]شبههم بجبهة الأنصار من حيث الكرم. ورءوس العرب من حيث ~~الرفعة. PageV01P086 # @HAD061 ورءوس العرب، وقد كان من نقض طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما ~~بعائشة ما بلغكم، وتعلمون أن وهن النساء وضعف رأيهن إلى التلاشي، ومن أجل ~~ذلك جعل الله الرجال قوامين على النساء، وايم الله لو لم ينصره منكم أحد ~~لرجوت أن يكون فيمن أقبل معه من المهاجرين والأنصار كفاية، فانصروا الله ~~ينصركم. # ثم قام عمار بن ياسر فقال: يا أهل الكوفة، إن كان غاب عنكم أنبئونا فقد ~~انتهت إليكم أمورنا، إن قتلة عثمان لا يعتذرون من قتله إلى الناس، ولا ~~ينكرون ذلك، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم، فبه أحيا الله من ~~أحيا، وأمات من أمات. وإن طلحة والزبير كانا أول من طعن، وآخر من أمر، ~~وكانا أول من بايع عليا، فلما أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما، من غير حدث. ~~وهذا ابن بنت رسول الله الحسن قد عرفتموه. وقد جاء يستنفركم، وقد أظلكم علي ms086 ~~في المهاجرين والبدريين والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان. فانصروا ~~الله ينصركم. # ثم قام قيس بن سعد، فقال: أيها الناس، إن الأمر لو استقبل به أهل الشورى ~~كان علي أحق بها، وكان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف والحجة على طلحة ~~والزبير، وقد بايعاه رغبة، وخالفاه حسدا، وقد جاءكم المهاجرون والأنصار. ### || دخول طلحة والزبير وعائشة البصرة # قال: وذكروا أنه لما نزل طلحة والزبير وعائشة البصرة، اصطف لها الناس في ~~الطريق، يقولون: يا أم المؤمنين، ما الذي أخرجك من بيتك؟فلما أكثروا عليها ~~تكلمت بلسان طلق، وكانت من أبلغ الناس، فحمدت الله، وأثنت عليه، ثم قالت: ### || خطبة عائشة رضي الله عنها # أيها الناس، والله ما بلغ من ذنب عثمان أن يستحل دمه، ولقد قتل مظلوما، ~~غضبنا لكم من السوط والعصا، ولا نغضب لعثمان من القتل، وإن من الرأي أن ~~تنظروا إلى قتلة عثمان، فيقتلوا به، ثم يرد هذا الأمر شورى، على ما جعله ~~عمر بن الخطاب. # فمن قائل يقول: صدقت، وآخر يقول: كذبت، فلم يبرح الناس يقولون PageV01P087 # ذلك حتى ضرب بعضهم وجوه بعض، فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة ~~بكتاب كان كتبه طلحة في التأليب على قتل عثمان، فقال لطلحة: هل تعرف هذا ~~الكتاب؟قال: نعم. قال: فما ردك على ما كنت عليه؟وكنت أمس تكتب إلينا تؤلبنا ~~على قتل عثمان، وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه، وقد زعمتما أن عليا ~~دعاكما إلى أن تكون البيعة لكما قبله، إذ كنتما أسن منه، فأبيتما إلا أن ~~تقدماه لقرابته وسابقته، فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض ~~عليكما؟قال طلحة: دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا ~~حين عرض علينا أنه غير فاعل، ولو فعلأبى ذلك المهاجرون والأنصار، وخفنا أن ~~نرد بيعته فنقتل، فبايعناه كارهين. قال: فما بدا لكما في عثمان؟قالا: # ذكرنا ما كان من طعننا عليه، وخذلاننا إياه، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا ~~الطلب بدمه. قال: ما تأمرانني به؟قالا: بايعنا على قتال علي، ونقض بيعته، قال: # أرأيتما إن أتانا بعدكما من يدعونا ms087 إلى ما تدعوان إليه، ما نصنع؟قالا: لا ~~تبايعه. # قال: ما أنصفتما، أتأمرانني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته وهي في أعناقكما، ~~وتنهياني عن بيعة من لا بيعة له عليكما؟أما إننا قد بايعنا عليا، فإن شئتما ~~بايعناكما بيسار أيدينا. قال: ثم تفرق الناس، فصارت فرقة مع عثمان بن حنيف، ~~وفرقة مع طلحة والزبير[ (1) ]. ثم جاء جارية بن قدامة، فقال: يا أم ~~المؤمنين، لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا الجمل ~~الملعون[ (2) ]، إنه كانت لك من الله تعالى حرمة وستر فهتكت سترك، وأبحت ~~حرمتك إنه من رأى قتالك فقد رأى قتلك، فإن كنت يا أم المؤمنين أتيتنا طائعة ~~فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعتبي الله. ### || قتل أصحاب عثمان بن حنيف عامل علي على البصرة # قال: وذكروا أنه لما اختلف القوم اصطلحوا[ (3) ]على أن لعثمان بن حنيف ~~دار الإمارة ومسجدها وبيت المال، وأن ينزل أصحابه حيث شاءوا من البصرة، [ ~~(1) ]في الطبري 5/175 بقي أصحاب عثمان يتدافعون حتى تحاجزوا، ومال بعضهم ~~إلى عائشة وبقي بعضهم مع عثمان على فم السكة. # [ (2) ]زيد في الطبري: عرضة للسلاح. # [ (3) ]نص كتاب الصلح في الطبري 5/177. PageV01P088 # وأن ينزل طلحة والزبير وأصحابهما حيث شاءوا حتى يقدم علي، فإن اجتمعوا ~~دخلوا فيما دخل فيه الناس، وإن يتفرقوا يلحق كل قوم بأهوائهم، عليهم بذلك ~~عهد الله وميثاقه، وذمة نبيه، وأشهدوا شهودا من الفريقين جميعا. فانصرف ~~عثمان، فدخل دار الإمارة، وأمر أصحابه أن يلحقوا بمنازلهم، ويضعوا سلاحهم ~~وافترق الناس، وكتموا ما في أنفسهم، غير بني عبد القيس، فإنهم أظهروا نصرة ~~علي، وكان حكيم بن جبل[ (1) ]رئيسهم، فاجتمعوا إليه، فقال لهم: يا معشر ~~عبد القيس: إن عثمان بن حنيف دمه مضمون، وأمانته مؤداة، وايم الله لو لم ~~يكن علي أميرا لمنعناه، لمكانته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف وله ~~الولاية والجوار، فاشخصوا بأنصاركم، وجاهدوا العدو، فإما أن تموتوا كراما ~~وإما أن تعيشوا أحرارا. فمكث عثمان بن حنيف في الدار أياما، ثم إن طلحة ~~والزبير ومروان بن الحكم ms088 أتوه نصف الليل في جماعة معهم، في ليلة مظلمة ~~سوداء مطيرة وعثمان نائم، فقتلوا أربعين رجلا من الحرس، فخرج عثمان بن ~~حنيف، فشد عليه مروان فأسره، وقتل أصحابه، فأخذه مروان، فنتف لحيته ورأسه ~~وحاجبيه، فنظر عثمان بن حنيف إلى مروان فقال: أما إنك إن تفتني بها في ~~الدنيا، لم تفتني بها في الآخرة[ (2) ]. ### || تعبئة الفئتين للقتال # وذكروا أنه لما تعبأ القوم للقتال، فكانت الحرب للزبير، وعلى الخيل طلحة، ~~وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير، وعلى القلب محمد بن طلحة، وعلى المقدمة ~~مروان[ (3) ]، وعلى رجال الميمنة عبد الرحمن بن عبادة[ (4) ]، وعلى ~~الميسرة هلال بن وكيع[ (5) ]، فلما فرغ الزبير من التعبئة قال: أيها ~~الناس، وطنوا أنفسكم [ (1) ]في الطبري: جبلة بالتحريك. # [ (2) ]بعد ما أسر عثمان أمرت عائشة بإخلاء سبيله، فقصد عليا وليس في ~~وجهه شعرة إلى ذي قار وقيل إلى الربذة، @HAD019 وقال له: يا أمير المؤمنين ~~بعثتني ذا لحية وقد جئتك أمرد، فقال: أصبت أجرا وخيرا. # [ (3) ]في ابن الأعثم 2/294 على خيل الميمنة مروان بن الحكم. # [ (4) ]في الطبري: عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد. # [ (5) ]أضاف ابن الأعثم: وعلى رجالة الميسرة حاتم بن بكير الباهلي، وعلى ~~الجناح عمر بن طلحة، وعلى رجالتها عبد الله بن حكيم بن حزام، وعلى خيل ~~الكمين جندب بن يزيد المجاشعي، وعلى رجالتها مجاشع بن مسعود السلمي. PageV01P089 # على الصبر، فإن يلقاكم غدا رجل لا مثل له في الحرب ولا شبيه، ومعه شجعان ~~الناس. فلما بلغ عليا تعبئة القوم عبأ الناس للقتال[ (1) ]، فاستعمل على ~~المقدمة عبد الله بن عباس، وعلى الساقة هندا المرادي، وعلى جميع الخيل عمار ~~بن ياسر، وعلى جميع الرجالة محمد بن أبي بكر. # @HAD0158 ثم كتب إلى طلحة والزبير: أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد الناس ~~حتى أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وإنكما لممن أراد وبايع، وإن العامة ~~لم تبايعني لسلطان خاص[ (2) ]، فإن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي ~~عليكما السبيل، بإظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية، وإن كنتما بايعتماني ~~طائعين، فارجعا إلى الله من قريب. إنك يا زبير لفارس ms089 رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وحواريه، وإنك يا طلحة لشيخ المهاجرين، وإن دفاعكما هذا الأمر[ ~~(3) ]قبل أن تدخلا فيه، كان أوسع عليكما من خروجكما منه إقراركما به، وقد ~~زعمتما أني قتلت عثمان فبيني وبينكما فيه بعض من تخلف عني وعنكما من أهل ~~المدينة، وزعمتما أني آويت قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان، فليدخلوا في ~~طاعتي، ثم يخاصموا إلي قتلة أبيهم، وما أنتما وعثمان إن كان قتل ظالما أو ~~مظلوما؟وقد بايعتماني وأنتما بين خصلتين قبيحتين نكث بيعتكما، وإخراجكما أمكما. ### || كتاب علي إلى عائشة # @HAD063 وكتب إلى عائشة: أما بعد، فإنك خرجت غاضبة لله ولرسوله، تطلبين ~~أمرا كان عنك موضوعا، ما بال النساء والحرب والإصلاح بين الناس؟تطالبين بدم ~~عثمان، ولعمري لمن عرضك للبلاء، وحملك على المعصية، أعظم إليك ذنبا من قتلة ~~عثمان وما غضبت حتى أغضبت، وما هجت حتى هيجت، فاتقي الله، وارجعي إلى ~~بيتك[ (4) ]. # فأجابه طلحة والزبير: إنك سرت مسيرا له ما بعده، ولست راجعا وفي [ (1) ~~]قارن مع العقد الفريد 4/314 وابن الأعثم 2/308. # [ (2) ]في نهج البلاغة: لسلطان غالب ولا لعرض حاضر. # [ (3) ]يعني خلافته. # [ (4) ]زيد في ابن الأعثم 2/301 واسبلي عليك بسترك، والسلام. PageV01P090 # نفسك منه حاجة، فامض لأمرك، أما أنت فلست راضيا دوندخولنا في طاعتك، ~~ولسنا بداخلين فيها أبدا، فاقض ما أنت قاض. # وكتبت عائشة: جل الأمر عن العتاب، والسلام. # قال: ورجعت رسل علي من البصرة. فمنهم من أجابه وأتاه، ومنهم من لحق ~~بعائشة وطلحة والزبير، وبعث الأحنف بن قيس إلى علي: إن شئت أتيتك في مائتي ~~رجل من أهل بيتي، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف[ (1) ]، @HAD014 فأرسل ~~إليه علي: بل كف عني أربعة آلاف سيف، وكفى بذلك ناصرا. فجمع الأحنف بني ~~تميم، فقال: يا معشر بني تميم، إن ظهر أهل البصرة فهم إخوانكم وإن ظهر علي ~~فلن يهيجكم، وكنتم قد سلمتم. فكف بنو تميم، ولم يخرجوا إلى أحد الفريقين. ~~قال: ولما كتب علي إلى طلحة والزبير أتى زمعة بن الأسود إلى طلحة والزبير. ~~فقال لهما: إن عليا قد أكثر إليكما ms090 الرسل، كأنه طمع فيكما، وأطمعتماه في ~~أنفسكما، فاتقيا الله إن كنتما بايعتماه طائعين، واتقيا الله علينا وعلى ~~أنفسكما، فإن اللبن في الضرع، ومتى يحلب لا يرجع، وإن كنتما بايعتماه ~~مكرهين فاخرقا هذا الوطب، وادفعا هذا اللبن، فما أغنانا عن هذه الكتب ~~والرسل. قال: فخرج طلحة والزبير وعائشة، وهي على جمل عليه هودج، قد ضرب ~~عليه صفائح الحديد، فبرزوا حتى خرجوا من الدور ومن أفنية البصرة، فلما ~~تواقفوا للقتال، أمر علي مناديا ينادي من أصحابه لا يرمين أحد سهما ولا ~~حجرا، ولا يطعن برمح حتى أعذر إلى القوم، فأتخذ عليهم الحجة. # قال: فكلم علي طلحة والزبير قبل القتال، @HAD062 فقال لهما: استحلفا ~~عائشة بحق الله وبحق رسوله على أربع خصال أن تصدق فيها: هل تعلم رجلا من ~~قريش أولى مني بالله ورسوله، وإسلامي قبل كافة الناس أجمعين وكفايتي رسول ~~الله كفار العرب بسيفي ورمحي، وعلى براءتي من دم عثمان، وعلى أني لم أستكره ~~أحدا على أني لم أكن أحسن قولا في عثمان منكما. فأجابه طلحة جوابا غليظا، ~~ورق له الزبير، ثم رجع علي إلى أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين، بم كلمت ~~الرجلين؟ @HAD043 فقال علي: إن شأنهما لمختلف أما الزبير فقاده اللجاج، ولن ~~يقاتلكم، وأما طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل، ولقيته باليقين، ~~ولقيني [ (1) ]في الطبري: عشرة آلاف. وفي رواية أخرى فكالأصل. (وانظر ~~البداية والنهاية 7/267) . PageV01P091 # @HAD018 بالشك، فو الله ما نفعه حقي، ولا ضرني باطله، وهو مقتول غدا في ~~الرعيل الأول. قال: ثم خرج علي على بغلة رسول الله الشهباء بين الصفين، وهو ~~حاصر، @HAD029 فقال: أين الزبير؟فخرج إليه، حتى إذا كانا بين الصفين اعتنق ~~كل واحد منهما صاحبه وبكيا، ثم قال علي: يا عبد الله ما جاء بك هاهنا؟قال: # @HAD0106 جئت أطلب دم عثمان. قال علي: تطلب دم عثمان، قتل الله من قتل ~~عثمان، أنشدك الله يا زبير، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وهو متكئ على يدك فسلم علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وضحك ms091 إلي، ثم التفت إليك، فقال لك: يا زبير، إنك تقاتل عليا وأنت له ~~ظالم؟قال: اللهم نعم[ (1) ]. قال علي: فعلام تقاتلني؟قال الزبير: نسيتها ~~والله، ولو ذكرتها ما خرجت إليك، ولا قاتلتك فانصرف علي إلى أصحابه، ~~فقالوا: يا أمير المؤمنين مررت إلى رجل في سلاحه وأنت حاسر، قال علي: # @HAD045 أتدرون من الرجل؟قالوا: لا. قال: ذلك الزبير ابن صفية عمة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم. أما إنه قد أعطى الله عهدا أنهلا يقاتلكم، إني ~~ذكرت له حديثا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: لو ذكرته ما أتيتك. # فقالوا: الحمد لله يا أمير المؤمنين، ما كنا نخشى في هذا الحرب غيره. ولا ~~نتقي سواه. إنه لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم وحواريه، ومن عرفت ~~شجاعته وبأسه ومعرفته بالحرب، فإذا قد كفاناه الله فلا نعد من سواه إلا ~~صرعى حول الهودج. ### || رجوع الزبير عن الحرب # قال: وذكروا أن الزبير دخل على عائشة[ (2) ]، فقال: يا أماه، ما شهدت ~~موطنا قط في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة غير هذا الموطن، ~~فإنه لا رأي لي فيه، ولا بصيرة، وإني لعلى باطل. قالت عائشة: يا أبا عبد ~~الله، خفت سيوف بني عبد المطلب؟فقال: أما والله إن سيوف بني عبد المطلب [ ~~(1) ]رواه ابن كثير في البداية 7/268 من عدة طرق. والبيهقي في الدلائل ~~6/414 وقال: هذا مرسل وقد روي من وجه آخر موصولا. والطبري 5/200 وابن ~~الأعثم 2/310 ومروج الذهب 2/400-401. # [ (2) ]كذا بالأصل وابن الأعثم والطبري، وفي رواية أخرى عند الطبري، أنه ~~عاد إلى ابنه عبد الله. PageV01P092 # طوال حداد، يحملها فتية أنجاد. ثم قال لابنه عبد الله: عليك بحزبك[ (1) ~~]، أما أنا فراجع إلى بيتي. فقال له ابنه عبد الله: الآن حين التقت حلقتا ~~البطان[ (2) ]، واجتمعت الفئتان؟والله لا نغسل رءوسنا منها، فقال الزبير ~~لابنه: لا تعد هذا مني جبنا، فو الله ما فارقت أحدا في جاهلية ولا إسلام، ~~قال: فما يردك؟قال: # يردني ما إن علمته كسرك. فقام بأمر الناس عبد الله بن الزبير[ ms092 (3) ]. ### || قتل الزبير بن العوام # قال: وذكروا أن الزبير لما انصرف راجعا إلى المدينة أتاه ابن جرموز، فنزل ~~به[ (4) ]، فقال: يا أبا عبد الله، أحييت حربا ظالما أو مظلوما ثم تنصرف؟ ~~أتائب أنت أم عاجز؟فسكت عنه، ثم عاود، فقال له: يا أبا عبد الله، حدثني عن ~~خصال خمس أسألك عنها. فقال: هات. قال: خذلك عثمان، وبيعتك عليا، وإخراجك أم ~~المؤمنين. وصلاتك خلف ابنك، ورجوعك عن الحرب. فقال الزبير: نعم أخبرك، أما ~~خذلي عثمان فأمر قدر الله فيه الخطيئة وأخر التوبة. وأما بيعتي عليا فو ~~الله ما وجدت من ذلك بدا، حيث بايعه المهاجرون والأنصار وخشيت القتل، وأما ~~إخراجنا أمنا عائشة فأردنا أمرا وأراد الله غيره، وأما صلاتي خلف ابني ~~فإنما قدمته عائشة أم المؤمنين ولم يكن لي دون صاحبي أمر، وأما رجوعي عن ~~هذه الحرب فظن بي ما شئت غير الجبن. فقال ابن جرموز: وا لهفاه على ابن ~~صفية، أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله، قتلني الله إن لم أقتله، ثم أتاه ~~فقال له: يا أبا عبد الله كالمستنصح له، إن دون أهلك فيافي، فخذ نجيبي هذا، ~~وخل فرسك ودرعك، فإنهما شاهدتان عليك بما تكره. فقال الزبير: انظر في ذلك ~~ليلتي، ثم ألح عليه في فرسه ودرعه فلم يزل حتى أخذهما منه، وإنما أراد ابن ~~جرموز أن يلقاه حاسرا، لما علم بأسه، ثم أتى ابن جرموز الأحنف بن [ (1) ]في ~~نسخة: بحربك. # [ (2) ]البطان: الحزام الذي يشد على البطن. # [ (3) ]الخبر رواه الطبري 5/200 و204 وابن الأعثم 2/310 وابن كثير 7/269 ~~ومروج الذهب 2/400-401. باختلاف. # [ (4) ]وهو بوادي السباع، وكان الزبير قد نزل على قوم من بني تميم. وفي ~~البداية والنهاية 7/277 اتبعه عمرو بن جرموز وفضالة بن حابس ونفيع في طائفة ~~من غواة بني تميم، ويقال أدركه ابن جرموز. # وهذا القول هو الأشهر. PageV01P093 # قيس، فساره بمكان الزبير عنده وبقوله، فقال له الأحنف: اقتله قتله الله ~~مخادعا، وأتى الزبير رجل من كلب، فقال له: يا أبا عبد الله، أنت لي صهر، ~~وابن جرموز لم ms093 يعتزل هذه الحرب مخافة الله، ولكنه كره أن يخالف الأحنف، وقد ~~ندم الأحنف على خذله عليا، ولعله أن يتقرب بك إليه، وقد أخذ منك درعك ~~وفرسك، وهذا تصديق ما قلت لك، فبت عندي الليلة ثم اخرج بعد نومه، فإنك أن ~~فتهم لم يطلبوك. فتهاون بقوله، ثم بدا له فقال له: فما ترى يا أخا كلب؟ ~~قال: أرى أن ترجع إلى فرسك ودرعك فتأخذهما، فإن أحدا من الناس لا يقدم عليك ~~وأنت فارس أبدا، فأصبح الزبير غاديا، وسار معه ابن جرموز وقد كفر[ (1) ] ~~على الدرع فلما انتهى إلى وادي السباع استغفله فطعنه، ثم رجع برأسه وسلبه ~~إلى قومه، فقال له رجل من قومه: يا بن جرموز، فضحت والله اليمن بأسرها، ~~قتلت الزبير رأس المهاجرين، ورأس رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحواريه، ~~وابن عمته، والله لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا، ولمسنا عارك، فكيف في ~~جوارك وذمتك؟والله ليزيدنك على أن يبشرك بالنار. فغضب ابن جرموز وقال: ~~والله ما قتلته إلا له، ووالله ما أخاف فيه قصاصا، ولا أرهب فيه قرشيا، وإن ~~قتله علي لهين[ (2) ]. ### || مخاطبة علي لطلحة بين الصفين # قال: وذكروا أن عليا نادى طلحة بعد انصراف الزبير، فقال له: يا أبا محمد ~~ما جاء بك؟قال: أطلب دم عثمان. قال علي: قتل الله من قتله، قال طلحة: فحل ~~بيننا وبين من قتل عثمان، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ~~إنما يحل دم المؤمن في أربع خصال، زان فيرجم، أو محارب لله، أو مرتد عن ~~الإسلام، أو مؤمن يقتل مؤمنا عمدا. فهل تعلم أن عثمان أتى شيئا من ذلك؟فقال ~~علي: لا. قال طلحة: فأنت أمرت بقتله. قال علي: # [ (1) ]يعني لبس على الدرع سترا (الكفر: الستر) أو ثوبا فستره به. # [ (2) ]المشهور أن ابن جرموز بعد ما قتل الزبير احتز رأسه وأخذ سلاحه ~~وفرسه وخاتمه ثم جاء به بين يدي علي.. @HAD024 فأخذ علي سيفه وقال لابن ~~جرموز: ويحك فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشر قاتل ms094 ابن ~~صفية بالنار. فانصرف ابن جرموز وهو يقول: # أتيت عليا برأس الزبير # وقد كنت أرجو به الزلفة # فبشر بالنار قبل العيان # وبئس بشارة ذي النحفة PageV01P094 # اللهم لا. قال طلحة: فاعتزل هذا الأمر، ونجعله شورى بين المسلمين، فإن ~~رضوا بك دخلت فيما دخل فيه الناس، وإن رضوا غيرك كنت رجلا من المسلمين. قال ~~علي: أو لم تبايعني يا أبا محمد طائعا غير مكره؟فما كنت لأترك بيعتي. قال ~~طلحة: بايعتك والسيف في عنقي. قال: ألم تعلم أني ما أكرهت أحدا على البيعة، ~~ولو كنت مكرها أحدا لأكرهت سعدا وابن عمر ومحمد بن مسلمة، أبو البيعة، ~~واعتزلوا، فتركتهم. قال طلحة: كنا في الشورى ستة، فمات اثنان وقد كرهناك، ~~ونحن ثلاثة، قال علي: إنما كان لكما ألا ترضيا قبل الرضى وقبل البيعة. وأما ~~الآن فليس لكما غير ما رضيتما به، إلاأن تخرجا مما بويعت عليه بحدث، فإن ~~كنت أحدثت حدثا فسموه لي. وأخرجتم أمكم عائشة، وتركتم نساءكم، فهذا أعظم ~~الحدث منكم أرضى هذا لرسول الله أن تهتكوا سترا ضربه عليها، وتخرجوها ~~منه؟فقال طلحة: إنما جاءت للإصلاح. # قال علي: هي لعمر الله إلى من يصلح لها أمرها أحوج، أيها الشيخ أقبل ~~النصح وارض بالتوبة مع العار. قبل أن يكون العار والنار. ### || التحام الحرب # قال: وذكروا أنه بينما الناس وقوف إذ رمي رجل من أصحاب علي، فجيء به إلى ~~علي، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذا أخونا قد قتل. @HAD0105 فقال علي: ~~أعذروا إلى القوم[ (1) ]. فقال عبد الرحمن بن أبي بكر: إلى متى؟قد والله ~~أعذرنا وأعذرت إن كنت تريد الإعذار، والله لتأذنن لنا في لقاء القوم أو ~~لننصرفن إلى متى تستهدف نحورنا للقتال والسلاح، يقتلوننا رجلا رجلا؟فقال ~~علي: قد والله أرانا أعذرنا. أين محمد ابني؟فقال: ها أنا ذا. فقال: أي بني، ~~خذ الراية، فابتدر الحسن والحسين ليأخذاها، فأخرهما عنها، وكان علي يؤخرهما ~~شفقة عليهما، فأخذ محمد الراية، ثم قام علي، فركب بغلة رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ثم دعا بدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلبسها، ms095 ثم قال: # @HAD046 احزموني، فحزم بعمامة أسفل من سرته، ثم خرج وكان عظيم البطن، ~~فقال لابنه: تقدم وتضعضع الناس حين سمعوا به قد تحرك، فبينما هم كذلك إذ [ ~~(1) ]وكان أهل البصرة قد جعلوا يرمون أصحاب علي بالنبل حتى عقروا منهم ~~جماعة، فقالت الناس: # @HAD014 يا أمير المؤمنين إنه قد عقرتنا نبالهم فما انتظارك؟ (انظر مروج ~~الذهب 2/400) . PageV01P095 # @HAD034 سمعوا صوتا، فقال علي: ما هذا؟فقيل: عائشة تلعن قتلة عثمان. فقال ~~علي ورفع بصره إلى السماء: لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل، وقد كان ~~علي عبأ الناس أثلاثا، فجعل مصر قلب العسكر، واليمن ميمنته، وربيعة ميسرته، ~~وعبأ أهل البصرة مثل ذلك، فاقتتل القوم قتالا شديدا، فهزمت يمن البصرة يمن ~~علي، وهزمت ربيعة البصرة ربيعة علي، @HAD040 قال حية بن جهين: نظرت إلى علي ~~وهو يخفق نعاسا فقلت له: تالله ما رأيت كاليوم قط، إن بإزائنا لمائة ألف ~~سيف، وقد هزمت ميمنتك وميسرتك، وأنت تخفق نعاسا، فانتبه ورفع يديه، وقال: # @HAD0187 اللهم إنك تعلم أني ما كتبت في عثمان سوادا في بياض، وأن الزبير ~~وطلحة ألبا وأجلبا علي الناس، اللهم أولانا بدم عثمان فخذه اليوم. ثم تقدم ~~علي فنظر إلى أصحابه يهزمون ويقتلون فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد ومعه ~~الراية، أن اقتحم، فأبطأ وثبت، فأتى علي من خلفه، فضربه بين كتفيه، وأخذ ~~الراية من يده، ثم حمل، فدخل عسكرهم وإن الميمنتين والميسرتين تضطربان، في ~~إحداهما عمار، وفي الأخرى عبد الله بن عباس، ومحمد بن أبي بكر، قال: فشق ~~علي في عسكر القوم يطعن ويقتل، ثم خرج وهو يقول: الماء الماء، فأتاه رجل ~~بإداوة فيها عسل فقال له: يا أمير المؤمنين، أما الماء فإنه لا يصلح لك في ~~هذا المقام، ولكن أذوقك هذا العسل فقال: هات، فحسا منه حسوة، ثم قال: إن ~~عسلك لطائفي، قال الرجل: لعجبا منك والله يا أمير المؤمنين، لمعرفتك ~~الطائفي من غيره في هذا اليوم، وقد بلغت القلوب الحناجر. فقال له علي: إنه ~~والله يا بن أخي ما ملأ صدر عمك شيء ms096 قط، ولا هابه شيء ثم أعطى الراية ~~لابنه، وقال: هكذا فاصنع، فتقدم محمد بالراية ومعه الأنصار حتى انتهى إلى ~~الجمل والهودجوهزم ما يليه، فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالا شديدا حتى كانت ~~الواقعة والضرب على الركب وحمل الأشتر النخعي وهو يريد عائشة، فلقيه عبد ~~الله بن الزبير[ (1) ]، فضربه، واعتنقه عبد الله فصرعه، وقعد على صدره، ثم ~~نادى عبد الله: اقتلوني ومالكا[ (2) ]. فلم يدر الناس من مالك فانفلت ~~الأشتر منه، [ (1) ]قيل للأشتر ما أخرجك بالبصرة وقد كنت كارها لقتل ~~عثمان؟قال: هؤلاء بايعوا ثم نكثوا وكان ابن الزبير هو الذي أكره عائشة على ~~الخروج فكنت أدعو الله أن يلقينيه فلقيني كفة لكفة. # [ (2) ]في رواية في الطبري عن علقمة عن الأشتر أن الذي قال ذلك هو عبد ~~الرحمن بن عتاب بن أسيد لما صرعا بعضهما. وفي رواية أخرى فكالأصل: وفيه: ~~«ولو قال والأشتر وكانت له ألف ألف نفس ما نجا منها شيء وما زال يضطرب في ~~يدي عبد الله حتى أفلت» . PageV01P096 # فلما رأى كعب بن سور الهزيمة، أخذ بخطام البعير، ونادى: أيها الناس، الله ~~الله، فقاتل وقاتل الناس معه، وعطفت الأزد على الهودج، وأقبل علي وعمار ~~والأشتر والأنصار معهم يريدون الجمل فاقتتل القوم حوله، حتى حال بينهم ~~الليل وكانوا كذلك يروحون ويغدون على القتال سبعة أيام، وإن عليا خرج إليهم ~~بعد سبعة أيام فهزمهم، فلما رأى طلحة ذلك رفع يديه إلى السماء. وقال: # اللهم إن كنا قد داهنا في أمر عثمان وظلمناه فخذ له اليوم منا حتى ترضى، قال: # فما مضى كلامه حتى ضربه مروان ضربة أتى منها على نفسه[ (1) ]، فخر وثبتت ~~عائشة، وحماها مروان في عصابة من قيس ومن كنانة وبني أسد، فأحدق بهم علي بن ~~أبي طالب، ومال الناس إلى علي، وكلما وثب رجل يريد الجمل ضربه مروان ~~بالسيف، وقطع يده، حتى قطع نحو عشرين يدا من أهل المدينة والحجاز والكوفة، ~~حتى أتي مروان من خلفه، فضرب ضربة فوقع، وعرقب الجمل الذي عليه عائشة[ (2) ~~]. وانهزم الناس، وأسرت عائشة، وأسر مروان بن الحكم ms097 وعمرو بن عثمان، وموسى ~~بن طلحة، وعمرو بن سعيد بن العاص، فقال عمار لعلي: يا أمير المؤمنين، اقتل ~~هؤلاء الأسرى. @HAD012 فقال علي: لا أقتل أسير أهل القبلة إذا رجع ونزع. ~~@HAD@ فدعا علي بموسى بن طلحة، فقال الناس: هذا أول قتيل يقتل، فلما أتى به ~~علي قال: تبايع وتدخل فيما دخل فيه الناس؟ قال: نعم. فبايع وبايع الجميع وخلى سبيلهم، وسأل الناس عليا ما كان عرض ~~عليهم قبل ذلك فأعطاه، @HAD092 ثم أمر المنادي فنادى: لا يقتلن مدبر، ولا ~~يجهز على جريح، ولكم ما في عسكرهم وعلى نسائهم العدة، وما كان لهم من مال ~~في أهليهم فهو ميراث على فرائض الله، فقام رجل فقال: يا أمير المؤمنين، كيف ~~تحل لنا أموالهم، ولا تحل لنا نساؤهم ولا أبناؤهم؟فقال: لا يحل ذلك لكم. ~~فلما أكثروا عليه في ذلك. قال: اقترعوا، هاتوا بسهامكم ثم قال: أيكم يأخذ ~~أمكم عائشة في سهمه؟ [ (1) ]قيل في قتله: أنه أتاه سهم غرب، وقيل رماه ~~مروان بسهم مسموم فأصابه به. # @HAD017 وفي موضع إصابته قيل: وقع في ركبته، وقيل في رقبته، وقيل في أكحله. # @HAD029 انظر في ذلك الطبري 5/204 ومروج الذهب 2/403 تاريخ خليفة ص 185 ~~سير أعلام النبلاء 1/26 فتوح ابن الأعثم 2/326 البداية والنهاية 7/275 ابن ~~الأثير 2/337. # @HAD044 [ (2) ]عقر الجمل رجل من بني ضبة يقال له ابن دلجة عمرو أو بجير ~~(رواية الطبري) وفي الأخبار الطوال: كشف عرقوبه رجل من مراد يقال له أعين ~~بن ضبيعة، وقال ابن الأعثم: عرقبه من رجليه عبد الرحمن بن صرد التنوخي. PageV01P097 # @HAD09 فقالوا: نستغفر الله. فقال: وأنا أستغفر الله. قال: ثم إن عليا مر ~~بالقتلى، فنظر إلى محمد بن طلحة وهو صريع في القتلى، وكان يسمى السجاد، لما ~~بين عينيه من أثر السجود. @HAD028 فقال: رحمك الله يا محمد، لقد كنت في ~~العبادة مجتهدا آناء الليل قواما، وفي الحرور صواما، ثم التفت إلى من حوله ~~فقال: هذا رجل قتله بر أبيه فاختلفوا في طلحة وابنه محمد أيهما قتل ~~قبل؟فشهدت عائشة لمحمد أنها رأته بعد قتل ms098 أبيه، فورثوا ولده في مال طلحة. ~~قال: وأتى محمد بن أبي بكر، فدخل على أخته عائشة رضي الله عنها، قال لها: ~~@HAD018 أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: علي مع الحق، والحق ~~مع علي؟ ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان، ثم دخل عليهما علي فسلم و@HAD019 قال: ~~يا صاحبة الهودج، قد أمرك الله أن تقعدي في بيتك، ثم خرجت تقاتلين. ~~أترتحلين؟قالت: أرتحل. # فبعث معها علي رضي الله عنه أربعين امرأة[ (1) ]، وأمرهن أن يلبسن ~~العمائم، ويتقلدن السيوف، وأن يكن من الذين يلينها، ولا تطلع على أنهن ~~نساء، فجعلت عائشةتقول في الطريق فعل الله في ابن أبي طالب وفعل، بعث معي ~~الرجال، فلما قدمن المدينة وضعن العمائم والسيوف، ودخلن عليها. فقالت: # جزى الله ابن أبي طالب الجنة. قال: ودفن طلحة في ساحة البصرة[ (2) ]، ~~فأتى عائشة[ (3) ]في المنام. فقال: حوليني من مكاني، فإن البرد قد آذاني ~~فحولته[ (4) ]. # وقال عبد الله بن الزبير: أمسيت يوم الجمل وفي بضع وثلاثون بين ضربة ~~وطعنة، وما رأيت مثل يوم الجمل قط، ما ينهزم منا أحد ولا يأخذ أحد منا ~~بخطام الجمل إلا قتل أو قطعت يده، حتى ضاع الخطام من يد بني ضبة، فعقر ~~الجمل. قال: # دخل موسى بن طلحة على علي، @HAD026 فقال له علي: إني لأرجو أن أكون أنا ~~وأبوك ممن قال الله فيهم: @QUR@ ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر ~~متقابلين [الحجر 47]وأمسى علي بالبصرة ذلك اليوم الذي أتاه فيه موسى بن طلحة، فقال ~~ابن الكواء: أمسيت بالبصرة يا أمير المؤمنين؟فقال: كان عندي ابن أخي. قال: ~~ومن هو؟قال: موسى بن طلحة. فقال ابن الكواء: لقد شقينا [ (1) ]في مروج ~~الذهب: عشرين امرأة 2/410. # [ (2) ]دفن في مكان يقال له السبخة. وفي البداية والنهاية: دفن إلى جانب ~~الكلإ. وفي العقد الفريد: # في عرصة بالبصرة. # [ (3) ]يريد عائشة بنت طلحة. # [ (4) ]الخبر في العقد الفريد: اشترت عرصة بالبصرة ودفنته بها. PageV01P098 # إن كان ابن أخيك. @HAD012 فقال علي: ويحكم، إن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: # @HAD07 اعملوا ما شئتم فقد ms099 غفرت لكم. ثم قال ابن الكواء: يا أمير ~~المؤمنين، من أخبرك بمسيرك هذا الذي سرت فيه، تضرب الناس بعضهم ببعض، ~~وتستولي بالأمر عليهم؟أرأي رأيته حين تفرقت الأمة، واختلفت الدعوة، فرأيت ~~أنك أحق بهذا الأمر منهم لقرابتك؟فإن كان رأيا رأيته أجبناك فيه، وإن كان ~~عهدا عهده إليك رسول الله فأنت الموثوق به، المأمون على رسول الله فيما ~~حدثت عنه. # @HAD0109 فقال علي: أنا أول من صدقه فلا أكون أول من كذب عليه. أما أن ~~يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلمفلا والله، ولكن لما قتل ~~الناس عثمان نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان أخذاها من رسول الله قد ~~هلكا ولا عهد لهما، وإذا الخليفة الذي أخذها بمشورة المسلمين قد قتل، وخرجت ~~ربقته من عنقي، لأنه قتل ولا عهد له، قال ابن الكواء: صدقت وبررت، ولكن ما ~~بال طلحة والزبير؟ولم استحللت قتالهما وقد شاركاك في الهجرة مع رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وفي الشورى مع عمر بن الخطاب؟قال علي: # @HAD021 بايعاني بالحجاز[ (1) ]، ثم خالفاني بالعراق، فقاتلتهما على ~~خلافهما، ولو فعلا ذلك مع أبي بكر وعمر لقاتلاهما. ### || مبايعة أهل الشام معاوية بالخلافة # قال: وذكروا أن النعمان بن بشير لما قدم على معاوية بكتاب زوجة عثمان، ~~تذكر فيه دخول القوم عليه، وما صنع محمد بن أبي بكر من نتف لحيته، في كتاب ~~قد رققت فيه وأبلغت، حتى إذا سمعه السامع بكى حتى يتصدع قلبه، وبقميص عثمان ~~مخضبا بالدم ممزقا، وعقدت شعر لحيته في زر القميص. قال: فصعد المنبر معاوية ~~بالشام، وجمع الناس، ونشر عليهم القميص، وذكر ما صنعوا بعثمان، فبكى الناس ~~وشهقوا، حتى كادت نفوسهم أن تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل ~~الشام، فقالوا: هو ابن عمك، وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه، فبايعوه ~~أميرا عليهم، وكتب وبعث الرسل إلى كور[ (2) ]الشام، وكتب إلى شرحبيل بن ~~السمط الكندي وهو[ (3) ] [ (1) ]في العقد الفريد: بالمدينة. # [ (2) ]ذكر الخبر في العقد الفريد أن ذلك كان يوم صفين 4/303 باختلاف ~~وزيادة. # [ (3) ]نص الكتاب في ms100 العقد الفريد 4/300. PageV01P099 # بحمص، يأمره أن يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام، فلما قرأ شرحبيل كتاب ~~معاوية دعا أناسا من أشراف أهل حمص، فقال لهم: ليس من قتل عثمان بأعظم جرما ~~ممن يبايع لمعاوية أميرا، وهذه سقطة، ولكنا نبايع له بالخلافة، ولا نطلب ~~بدم عثمان مع غير خليفة. فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص، ثم كتب إلى ~~معاوية: أما بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما، حين كتبت إلي أن أبايع لك بالإمرة، ~~وأنك تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم وأنت غير خليفة، وقد بايعت ومن قبلي ~~لك بالخلافة. فلما قرأ معاوية كتابه سره ذلك، ودعا الناس، وصعد المنبر، ~~وأخبرهم بما قال شرحبيل، ودعاهم إلى بيعته بالخلافة، فأجابوه، ولم يختلف ~~منهم أحد، فلما بايع القوم له بالخلافة، واستقام له الأمر، كتب إلى علي: ### || كتاب معاوية إلى علي # سلام الله على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنا كنا نحن وإياكم يدا جامعة، ~~وألفة أليفة، حتى طمعت يا بن أبي طالب فتغيرت، وأصبحت تعد نفسك قويا على من ~~عاداك. بطعام أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق وحمقى الفسطاط وغوغاء السواد ~~وايم الله لينجلين عنك حمقاها، ولينقشعن عنك غوغاؤها انقشاع السحاب عن ~~السماء. قتلت عثمان بن عفان، ورقيت سلما أطلعك الله عليه مطلع سوء عليك لا ~~لك. وقتلت الزبير وطلحة، وشردت بأمك عائشة، ونزلت بين المصريين فمنيت ~~وتمنيت، وخيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها ورجلها وإنما تعرف أمنيتك لو ~~قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام، فيحيطون بك من ورائك، ثم ~~يقضي الله علمه فيك، والسلام على أولياء الله. ### || رد الإمام علي على معاوية # @HAD085 فأجابه علي: أما بعد، فقدر الأمور تقدير من ينظر لنفسه دون جند، ~~ولا يشتغل بالهزل من قوله، فلعمري لئن كانت قوتي بأهل العراق، أوثق عندي من ~~قوتي بالله ومعرفتي به فليس عنده بالله تعالى يقين من كان على هذا، فناج ~~نفسك مناجاة من يستغني بالجد دون الهزل، فإن في القول سعة، ولن يعذر مثلك ~~فيما طمح إليه ms101 الرجال. وأما ما ذكرت من أنا كنا وإياكم يدا جامعة[ (1) ~~]فكنا [ (1) ]في النهج: ما ذكرت من الألفة والجماعة. PageV01P100 # @HAD075 كما ذكرت، ففرق بيننا وبينكم أن الله بعث رسوله منا، فآمنا به ~~وكفرتم، ثم زعمت أني قتلت طلحة والزبير، فذلك أمر غبت عنه ولم تحضره، ولو ~~حضرته لعلمته، فلا عليك، ولا العذر فيه إليك، وزعمت أنك زائري في ~~المهاجرين، وقد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك[ (1) ]، فإن يك فيك عجل ~~فاسترفه[ (2) ]وإن أزرك فجدير أن يكون الله بعثني عليك للنقمة منك، ~~والسلام. ### || قدوم عقيل بن أبي طالب على معاوية # قال: وذكروا أن @HAD0110 عقيل بن أبي طالب قدم على أخيه علي بالكوفة، ~~فقال له علي: مرحبا بك وأهلا. ما أقدمك يا أخي؟قال: تأخر العطاء عنا، وغلاء ~~السعر ببلدنا، وركبني دين عظيم، فجئت لتصلني. فقال علي: والله ما لي مما ~~ترى شيئا إلا عطائي، فإذا خرج فهو لك. فقال عقيل: وإنما شخوصي من الحجاز ~~إليك من أجل عطائك؟وما ذا يبلغ مني عطاؤك؟وما يدفع من حاجتي؟فقال علي: ~~فمه!هل تعلم لي مالا غيره؟أم تريد أن يحرقني الله في نار جهنم في صلتك ~~بأموال المسلمين؟فقال عقيل: والله لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك: «يريد ~~معاوية» ، فقال له علي: راشدا مهديا. فخرج عقيل!حتى أتى معاوية. فلما قدم ~~عليه، قال له معاوية: مرحبا وأهلا بك يا بن أبي طالب، ما أقدمك علي؟فقال: ~~قدمت عليك لدين عظيم ركبني، فخرجت إلى أخي ليصلني، فزعم أنه ليس له مما يلي ~~إلا عطاؤه، فلم يقع ذلك مني موقعا، ولم يسد مني مسدا، فأخبرته أني سأخرج ~~إلى رجل هو أوصل منه لي، فجئتك. # فازداد معاوية فيه رغبة، وقال: يا أهل الشام هذا سيد قريش، وابن سيدها، ~~عرف الذي فيه أخوه من الغواية والضلالة، فأثاب إلى أهل الدعاء إلى الحق، ~~ولكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي، فما أعطيت فقربة إلى الله، وما أمسكت ~~فلا جناح علي فيه فأغضب كلامه عقيلا لما سمعه ينتقص أخاه، فقال: # صدقت خرجت من عند أخي على هذا القول، ms102 وقد عرفت من في عسكره، لم أفقد ~~والله رجلا من المهاجرين والأنصار، ولا والله ما رأيت في عسكر معاوية رجلا ~~من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم. فقال معاوية عند ذلك: يا [ (1) ]إثارة ~~إلى أسر أخيه عمرو بن أبي سفيان يوم بدر. # [ (2) ]استرفه فعل أمر أي استرح ولا تستعجل. PageV01P101 # أهل الشام، أعظم الناس من قريش عليكم حقا ابن عم النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وسيد قريش، وها هو ذا تبرأ إلى الله مما عمل به أخوه. قال: وأمر له ~~معاوية بثلاث مائة ألف دينار، قال له: هذه مائة ألف تقضي بها ديونك، ومائة ~~ألف تصل بها رحمك، ومائة ألف توسع بها على نفسك[ (1) ]. ### || نعي عثمان بن عفان إلى معاوية # قال عبد الله بن مسلم: وذكر ابن عفير، عن عون بن عبد الله بن عبد الرحمن ~~الأنصاري، قال[ (2) ]: قدم الحجاج بن خزيمة الشام بكتاب معاوية: # بعد قتل عثمان بأيام، فقال له: أتعرفني؟قال: نعم. أنت الحجاج بن خزيمة، ~~فما وراءك؟فقال الحجاج: أنا النذير العريان. أنعي إليك أمير المؤمنين عثمان. # ثم قال: إني كنت ممن خرج معينا لعثمان مع يزيد بن أسد، فتقدمت إلى الربذة ~~فلقينا بها رجلا حدثنا عن قتل عثمان، وزعم أنه ممن قتله. فقتلناه. وإني ~~أخبرك يا معاوية أنك تقوى على علي بدون ما يقوى به عليك، لأن من معك لا ~~يقولون إذا قلت[ (3) ]. ولا يسألون إذا أمرت[ (4) ]، ولأن من مع علي ~~يقولون إذا قال، ويسألون إذا أمر، فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه. ~~واعلم أن عليا لا يرضيه إلا الرضى، وإن رضاه يسخطك، ولست وعلي بالسواء، لا ~~يرضى علي بالعراق دون الشام، ورضاؤك بالشام دون العراق. # قال: وذكروا أنه لما فرغ من وقعة الجمل بايع له القوم جميعا، وبايع له ~~أهل العراق، واستقام له الأمر بها @HAD066 فكتب إلى معاوية: أما بعد، فإن ~~القضاء السابق، والقدر النافذ، ينزل من السماء كقطر المطر، فتمضي أحكامه عز ~~وجل، وتنفذ مشيئته بغير تحاب المخلوقين، ولا رضا الآدميين، وقد بلغك ما كان ms103 ~~من قتل عثمان رحمه الله، وبيعة الناس عامة إياي، ومصارع الناكثين لي فادخل ~~فيما دخل الناس فيه، وإلا فأنا الذي عرفت، وحولي من تعلمه، والسلام [ (5) ]. # [ (1) ]الخبر رواه المسعودي في مروج الذهب 3/44 باختلاف عما هنا. # [ (2) ]الخبر في الأخبار الطوال ص 155 وابن الأعثم 2/265. # [ (3) ]في الأخبار الطوال: إذا سكت. # [ (4) ]في الأخبار الطوال: ويسكتون إذا نطقت. # [ (5) ]الكتاب في ابن الأعثم 2/352-353 باختلاف. PageV01P102 # فلما قدم على معاوية كتاب علي مع الحجاج بن عدي الأنصاري، ألفاه وهو يخطب ~~الناس بدمشق، فلما قرأه اغتم بذلك، وأسره عن أهل الشام، ثم قام الحجاج بن ~~عدي خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الشام، إن أمر عثمان أشكل ~~على من حضره، المخبر عنه كالأعمى، والسميع كالأصم، عابه قوم فقتلوه، وغدره ~~قوم فلم ينصروه[ (1) ]، فكذبوا الغائب واتهموا الشاهد وقد بايع الناس عليا ~~على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بيعة عامة، من رغب عنها رد إليها ~~صاغرا داحرا، فانظروا في ثلاث وثلاث، ثم اقضوا على أنفسكم: # أين الشام من الحجاز؟وأين معاوية من علي؟وأين أنتم من المهاجرين والأنصار ~~والتابعين لهم بالإحسان؟قال: فغضب معاوية لقوله وقال: يا حجاج، أنت صاحب ~~زيد بن ثابت يوم الدار؟قال: نعم، فإن كان بلغك وإلا أحدثك، قال: هات. قال: ~~أشرف علينا زيد بن ثابت، وكان مع عثمان في الدار، وقال: # يا معشر الأنصار، انصروا الله (مرتين) ، فقلت: يا زيد، إنا نكره أن نلقى ~~الله فنقول كما قال القوم: @QUR@08 ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا ، فقال معاوية: انصرف إلى علي، وأعلمه أن رسولي على إثرك. # ثم إن معاوية انتخب رجلا من عبس، وكان له لسان، فكتب معاوية إلى علي ~~كتابا عنوانه: «من معاوية إلى علي، وداخله: بسم الله الرحمن الرحيم لا غير» ~~. فلما قدم الرسول دفع الكتاب إلى علي، فعرف علي ما فيه، وأن معاوية محارب ~~له، وأنه لا يجيبه إلى شيء مما يريد، وقام رسول معاوية خطيبا، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: هل هاهنا أحد من ابنا قيس عيلان، ms104 وبني عبس ~~وذبيان؟قالوا: نعم، هو حولك، قال: فاسمعوا ما أقول لكم، يا معشر قيس، إني ~~أحلف بالله لقد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ، خاضبين لحاهم من دموع أعينهم ~~تحت قميص عثمان، رافعيه على الرماح مخضوبا بدمائه، قد أعطوا الله عهدا أن ~~لا يغمدوا سيوفهم، ولا يغمضوا جفونهم، حتى يقتلوا قتلة عثمان، يوصي به ~~الميت الحي، ويرثه الحي من الميت، حتى والله نشأ عليه الصبي، وهاجر عليه ~~الأعرابي، وترك القوم تعس الشيطان، وقالوا: تعسا لقتلة عثمان، [ (1) ]يشير ~~إلى موقف معاوية وتربصه بعثمان وعدم الاستعجال بنصرته، وقد تقدمت الإشارة ~~إلى هذا الموقف. PageV01P103 # وأحلف بالله ليأتينكم من خضر[ (1) ]الخيل اثنا عشر ألفا، فانظروا كم ~~الشهب[ (2) ] وغيرها؟ @HAD014 فقال له علي: ما يريدون بذلك؟قال: يريدون ~~بذلك والله خبط رقبتك. # @HAD016 فقال علي: تربت يداك، وكذب فوك، أما والله لو أن رسولا قتل ~~لقتلتك. فقام الصلت[ (3) ]بن زفر فقال: بئس وافد أهل الشام أنت ورائد أهل ~~العراق، ونعم العون لعلي، وبئس العون لمعاوية، يا أخا عبس أتخوف المهاجرين ~~والأنصار بخضر الخيل، وغضب الرجال؟أما والله ما نخاف غضب رجالك، ولا خضر ~~خيلك، فأما بكاء أهل الشام على قميص عثمان، فو الله ما هو بقميص يوسف ولا ~~بحزن يعقوب[ (4) ]، ولئن بكوا عليه بالشام، لقد خذلوه بالحجاز، وأما ~~قتالهم عليا، فإن الله يصنع في ذلك ما أحب. قال: وإن العبسي أقام بالعراق ~~عند علي، حتى اتهمه معاوية، ولقيه المهاجرون والأنصار فأشربوه حب علي، ~~وحدثوه عن فضائله، حتى شك في أمره. ### || قدوم ابن عم عدي بن حاتم الشام # قال: وذكروا أن عدي بن حاتم قدم إلى علي بالكوفة، قبل أن يسير إلى ~~البصرة، فقال: يا أمير المؤمنين، لسنا نخاف أحدا إلا معاوية، وعندي رجل من ~~قومي يريد أن يزور ابن عم له بالشام، يقال له حابس بن سعد، فلو أمرناه أن ~~يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسر أهل الشام؟ @HAD07 فقال له علي: افعل، ~~فأغروه بذلك، فلما قدم على ابن عمه، وكان سيد طيئ بالشام، سأله فأخبره أنه ~~شهد قتل عثمان بالمدينة ms105 المنورة، وسار مع علي إلى الكوفة، وكان له لسان ~~وهيبة، فغدا به حابس إلى معاوية، فقال: هذا ابن عمي، قدم من الكوفة، وكان ~~مع علي، وشهد قتل عثمان بالمدينة، وهو ثقة، فقال له معاوية: حدثنا عن أمر ~~عثمان، قال: نعم وليه محمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر، وتجرد في أمره ثلاثة ~~نفر، عدي بن حاتم، والأشتر النخعي، وعمرو بن الحصين. ودب في أمره [ (1) ~~]الخيل الخضر التي في لونها غبرة مع سواد. # [ (2) ]الخيل الشهب: ذات اللون الأبيض. # [ (3) ]في ابن الأعثم 2/357 صلة بن زفر العبسي صاحب حذيفة بن اليمان. # [ (4) ]إشارة إلى قوله تعالى: @QUR@020 وجاؤ على قميصه بدم كذب قال: بل ~~سولت لكم أنفسكم أمرا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون وذلك عند ما ~~ألقى إخوة يوسف أخاهم في الجب، وجاءوا يخبرون أباهم بأن الذئب أكله. فحزن ~~يعقوب على فقدان يوسف وابيضت عيناه من الحزن. PageV01P104 # رجلان: طلحة والزبير. وأبرأ الناس منه علي بن أبي طالب، ثم تهافت الناس ~~على علي بالبيعة تهافت الفراش، حتى ضلت النعل، وسقط الرداء، ووطئ الشيخ. ~~ولم يذكر عثمان، ولم يذكروه، ثم تهيأ للمسير، فخف معه المهاجرون والأنصار، ~~وكره القتال معه ثلاثة نفر: عبد الله بن عمر، وسعد بن أبي وقاص، ومحمد بن ~~مسلمة، فلم يستكره أحدا، واستغنى بمن خف عمن ثقل، ثم سار حتى انتهى إلى جبل ~~طيئ، فأتاه منهم جماعة عظيمة، حتى إذا كان في بعض الطريق أتاه مسير طلحة ~~والزبير وعائشة إلى البصرة، فسرح رسله إلى الكوفة، فأجابوا دعوته، ثم ~~قدمها، فحملوا إليه الصبيودبت[ (1) ]إليه العجوز، وخرجت إليه العروس، ~~فرحا به وسرورا وشوقا إليه[ (2) ]، ثم سار إلى البصرة، فبرز إليه القوم، ~~طلحة والزبير وأصحابهما، فلم يلبثوا إلا يسيرا، حتى صرعهم الله، وأبرزهم ~~إلى مضاجعهم، ثم صارت البصرة وما حولها في كفة، قال: وتركته وليس له هم إلا ~~أنت والشام. فانكسر معاوية لقوله، وقال: والله ما أظنه إلا عينا لعلي، ~~أخرجوه لا يفسد أهل الشام. ثم قال معاوية: وكيف لا يضيع عثمان ويقتل وقد ms106 ~~خذله أهل ثقاته، وأجمعوا عليه؟أما والله لئن بقينا لهم لندرسنهم[ (3) ] ~~درس الجمال هشيم اليبيس[ (4) ]. ### || استعمال علي عبد الله بن عباس على البصرة # قال: وذكروا أن عليا لما صار من البصرة بعد فراغه من أصحاب الجمل، استعمل ~~عليها عبد الله بن عباس[ (5) ]، و@HAD058 قال له: أوصيك بتقوى الله عز ~~وجل، والعدل على من ولاك الله أمره، اتسع للناس بوجهك وعلمك وحكمك، وإياك ~~والإحن، فإنها تميت القلب والحق، واعلم أن ما قربك من الله بعدك من النار، ~~وما قربك من النار بعدك من الله. اذكر الله كثيرا ولا تكن من الغافلين. # [ (1) ]في فتوح ابن الأعثم: ودنت. # [ (2) ]إشارة إلى إجماع البيعة واتفاق الكلمة على علي. # [ (3) ]لندرسنهم: لندوسهم بقسوة، والمعنى: لنقتلنهم. # [ (4) ]الخبر رواه ابن الأعثم باختلاف عما هنا. قارن به 2/360. # [ (5) ]قال ابن كثير في البداية والنهاية 7/274: إنه عرض البصرة على أبي ~~بكر فامتنع وأشار عليه بابن عباس فولاه البصرة، وجعل معه زياد بن أبيه على ~~الخراج وبيت المال. وأمر ابن عباس أن يسمع من زياد. (وانظر الطبري 5/224) . PageV01P105 # فلم يلبث علي حين قدم الكوفة، وأراد المسير إلى الشام، أن انضم إليه ابن ~~عباس، واستعمل على البصرة زياد بن أبي سفيان. ### || ما أشار به الأحنف بن قيس على علي # قال: وذكروا أن الأحنف بن قيس قام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إنه ~~إن يك بنو سعد[ (1) ]لم ينصروك يوم الجمل، فلن ينصروا عليك غيرك، وقد عجبوا ~~ممن نصرك يومئذ، وعجبوا اليوم ممن خذلك، لأنهم شكوا في طلحة والزبير، ولم ~~يشكوا في عمرو ومعاوية، وإن عشيرتنا بالبصرة فلو بعثنا إليهم فقدموا علينا، ~~فقاتلنا بهم العدو، وانتصفنا بهم من الناس، وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس، ~~وهذا جمع قد حشره الله عليك بالتقوى، لم نستكره شاخصا، ولم نشخص فيه مقيما، ~~ومن كان معك نافعك، ورب مقيم خير من شاخص. وإنما نشوب الرجاء بالمخافة، ~~وواللهلوددنا أن أمواتنا رجعوا إلينا، فاستعنا بهم على عدونا، وليس لك إلا ~~من كان معك، ولنا من قومنا عدد، ولا نلقى بهم عدوا ms107 أعدى من معاوية، ولا نسد ~~بهم ثغرا أشد من الشام. ### || كتاب الأحنف إلى قومه يدعوهم به إلى نصرة علي # قال: وذكروا @HAD010 أن عليا قال للأحنف بن قيس: اكتب إلى قومك. قال: # نعم. فكتب الأحنف إلى بني سعد: أما بعد، فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا ~~وقد شقوا[ (2) ]برأي سيدهم غيركم، وعصمكم الله برأيي، حتى نلتم ما رجوتم، ~~وأمنتم مما خفتم، وأصبحتم منقطعين من أهل البلاء، لاحقين بأهل العافية، ~~وإني أخبركم أنا قدمنا على تميم بالكوفة، فأخذوا علينا بفضلهم مرتين: ~~مسيرهم إلينا مع علي، وتهيئهم للمسير إلى الشام، ثم انحشرنا معهم، فصرنا ~~كأنا لا نعرف إلا بهم، فأقبلوا إلينا، ولا تتكلوا علينا، فإن لهم أعدادنا ~~من رؤسائهم فلا تبطئوا عنا، فإن من تأخير العطاء حرمانا، ومن تأخير النصر ~~خذلانا. فحرمان العطاء القلة، وخذلان النصر الإبطاء ولا تنقضي الحقوق إلا ~~بالرضا وقد يرضى المضطر بدون الأمل. # [ (1) ]وهم بنو سعد بن زيد مناة بن تميم. # [ (2) ]في ابن الأعثم 2/372 أخذوا. PageV01P106 # فلما انتهى كتاب الأحنف إلى بني سعد، ساروا بجماعتهم، حتى نزلوا الكوفة. ### || كتاب أهل العراق إلى مصقلة # [ (1) ] قال: وذكروا أنه قام إلى علي بعد انصرافه من البصرة إلى الكوفة، ~~وجوه بكر بن وائل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن نعيما أخا مصقلة يستحي ~~منك، لما صنع مصقلة، وقد أتانا اليقين أنه لا يمنع مصقلة من الرجوع إليك ~~إلا الحياء، ولم يبسط منذ فارقنا لسانه ولا يده، فلو كتبنا إليه كتابا، ~~وبعثنا من قبلنا رسولا، فإنا نستحيي أن يكون فارقنا مثل مصقلة من أهل ~~العراق إلى معاوية، @HAD03 فقال علي : # @HAD02 اكتبوا. فكتبوا[ (2) ]: أما بعد، فقد علمنا أنك لم تلحق بمعاوية ~~رضا بدينه، ولا رغبة في دنياه، ولم يعطفك عن علي طعن فيه، ولا رغبة عنه، ~~ولكن توسطت أمرا فقويت فيه الظن، وأضعفت فيه الرجاء، فكان أولاهما عندك أن ~~قلت: أفوز بالمال، وألحق بمعاوية. ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق، ولا ~~السكاسك[ (3) ] بربيعة، ولا معاوية بعلي، ولا أصبت[ (4) ]دنيا تهنأ بها، ~~ولا حظا تحسد عليه، وإن ms108 أقرب ما تكون مع الله، أبعد ما تكون مع معاوية، ~~فارجع إلى مصرك، فقد اغتفر أمير المؤمنين الذنب، واحتمل الثقل، واعلم أن ~~رجعتك اليوم خير منها غدا، وكانت أمس خيرا منها اليوم، وإن كان عليك حياء ~~من أبي الحسن، فما أنت فيه أعظم، فقبح الله أمرا ليس فيه دنيا ولا آخرة. ~~فلما انتهى كتابهم إلى مصقلة، وكان لرسولهم عقل ولسان، قال الرسول: يا ~~مصقلة، انظر فيما خرجت منه، وفيما صرت إليه، وانظر من أخذت، ومن تركت، ~~وانظر من جاورت، ومن [ (1) ]هو مصقلة بن هبيرة الشيباني. انظر قصة هربه في ~~شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 2/65- 66. # وملخصها أن مصقلة بن هبيرة الشيباني كان عاملا لعلي بن أبي طالب على بلد ~~من بلاد الأهواز، وقد أتى معقل بن قيس بأسارى فاشتراهم مصقلة ب 500 ألف ~~درهم وأعتقهم ثم هرب ليلا إلى البصرة دون دفع المال. فأرسل معقل إلى ابن ~~عباس فطالبه بالمال فهرب ليلا إلى علي بن أبي طالب بالكوفة. ولما طالبه ~~بالمال دفع له 100 ألف وبقي عليه 400 ألف درهم فهرب ليلا إلى معاوية. (انظر ~~فتوح ابن الأعثم 2/78) . # [ (2) ]في ابن الأعثم أنهم فوضوا الحضين بن المنذر السدوسي. # [ (3) ]السكاسك: حي من اليمن. # [ (4) ]في ابن الأعثم: أصبت ذنبا بهما. PageV01P107 # زايلت، ثم اقض بعقلك دون هواك. قال: وإن مصقلة مضى إلى معاوية بالكتاب، ~~فأقرأه إياه، فقال معاوية: يا مصقلة إنك عندي غير ظنين، فإذا أتاك شيء ~~فاستره عني، فانصرف مصقلة إلى منزله، فدعا الرسول فقال: يا أخا بكر، إنما ~~هربت بنفسي من علي، ولا والله ما يطول لساني بغيبته[ (1) ]، ولا قلت فيه ~~قط حرفا بسوء، اذهب بكتابي هذا إلى قومي. ### || جواب مصقلة إلى قومه # قال: وذكروا أن مصقلة كتب إلى قومه: أما بعد، فقد جاءني كتابكم[ (2) ]، ~~وإني أخبركم أنه من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير، وقد علمتم الأمر الذي ~~قطعني من علي، وأضافني إلى معاوية، وقد علمت أني لو رجعت إلى علي وإليكم ~~لكان ذنبي مغفورا، ولكني أذنبت إلى علي، وصحبت ms109 معاوية، فلو رجعت إلى علي ~~أحدثت عيبا، وأحييت عارا، وكنت بين لائمين[ (3) ]، أولهما خيانة، وآخرهما ~~غدر، ولكني أقيم بالشام، فإن غلب معاوية فداري العراق، وإن غلي علي فداري ~~أرض الروم. فأما الهوى فإليكم طائر، وكانت فرقتي عليا على بعض العذر أحب ~~إلي من فرقتي معاوية ولا عذر لي. ثم قال للرسول: # يا بن أخي، استعرض الناس[ (4) ]عن قولي في علي. فقال: قد سألت، فقالوا ~~خيرا. قال: فإني والله عليه حتى أموت. فرجع الرسول بالكتاب، فأقرأه عليا، ~~@HAD09 فقال: كفوا عن صاحبكم، فليس براجع حتى يموت. فقال حصين: أما والله ~~ما به إلا الحياء. ### || لحوق عبد الله بن عامر بالشام # قال: وذكروا أن عبد الله بن عامر لحق بالشام، ولم يأت معاوية، وخاف يوما ~~كيوم الجمل، فبعث إليه معاوية أن يأتيه، وألح عليه. فكتب ابن عامر، أما ~~بعد: فإني أخبرك أني أقحمت طلحة والزبير إلى البصرة، وأنا أقول إذا رأى [ ~~(1) ]في ابن الأعثم: بعيبه ولا ذمه. # [ (2) ]زيد في ابن الأعثم: فقرأته وفهمته. # [ (3) ]في ابن الأعثم: لومتين. # [ (4) ]في ابن الأعثم: تسأل أهل الشام. PageV01P108 # الناس أم المؤمنين مالوا إليها، وإن فر الناس لم يفر الزبير، وإن غدر ~~الناس لم يغدر مروان، فغضبت عائشة، ورجع الزبير، وقتل مروان طلحة، وذهب ~~مالي بما فيه، والناس أشباه، واليوم كأمس، فإن أتبعتني هواي، وإلا أرتحل ~~عنك والسلام. فكتب معاوية إليه: أما بعد، فإنك قلدت أمر دينك قتلة عثمان، ~~وأنفقت مالك لعبد الله بن الزبير، وآثرت العراق على الشام، فأخرجك الله من ~~الحرب صفر اليدين، ليس لك حظ الحق، ولا ثأر القتيل. فلما انتهى كتابه إلى ~~ابن عامر أتاه، فغمس يده معه، وبايعه، فلاطفه معاوية، وعرف له قرابته من عثمان. ### || ما أشار به عمار بن ياسر على علي # قال: وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ~~بايعناك ولا نرى أحدا يقاتلك، فقاتلك من بايعك، وأعطاك الله فيهم ما وعد في ~~قوله جل وعز: @QUR@05 ثم بغي عليه لينصرنه الله [الحج: 60]، وقوله: @QUR@07 ~~يا أيها الناس ms110 إنما بغيكم على أنفسكم [يونس: 23]، وقوله: @QUR@06 فمن نكث ~~فإنما ينكث على نفسه [الفتح: 10]، وقد كانت الكوفة لنا، والبصرة علينا، ~~فأصبحنا على ما تحب، بين ماض مأجور، وراجع معذور، وإن بالشام الداء العضال، ~~رجلا لا يسلمها أبدا إلا مقتولا أو مغلوبا، فعاجله قبل أن يعاجلك، وانبذ ~~إليه قبل الحرب[ (1) ]. ### || ما أشار به الأشتر على علي # قال: وذكروا أن الأشتر النخعي قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما ~~لنا أن نقول قبل أن تقول[ (2) ]، فإذا عزمت فلم نقل، فلو سرت بنا إلى ~~الشام بهذا الحد والجد، لم يلقوك بمثله، فإن القلوب اليوم سليمة، والأبصار ~~صحيحة، فبادر بالقلوب القسوة، وبالأبصار العمى. # [ (1) ]الخبر في ابن الأعثم 2/345 وقال أن ذلك حصل بعد ما فرغ علي بن أبي ~~طالب من أمر البصرة في يوم الجمل وخطب الناس. # [ (2) ]في فتوح ابن الأعثم 2/346 تعزم. PageV01P109 ### || كتاب علي إلى جرير بن عبد الله # قال: وذكروا أن عليا كتب إلى جرير بن عبد الله، وكان على ثغر همذان، كان ~~استعمله عليه عثمان، @HAD036 فكتب علي إليه مع زفر بن قيس: أما بعد، فإن ~~الله @QUR@ لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا أراد الله بقوم ~~سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال [الرعد: 11]. ثم إني أخبرك عنا ~~وعمن سرنا إليهم، من جمع طلحة والزبير، عند نكثهما ببيعتهما، وما صنعا ~~بعاملي عثمان بن حنيف: إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار، حتى إذا ~~كنت ببعض الطريق، بعثت إلى الكوفة الحسن ابني، وعبد الله بن العباس ابن ~~عمي، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد بن عبادة، فاستنفرتهم بحق الله ورسوله ~~فأجابوا، وسرت بهم، حتى نزلت بظهر البصرة، فأعذرت في الدعاء، وأقلت في ~~العثرة، وناشدتهم عقد بيعتهم، فأبوا إلا قتالي، فاستعنت الله عليهم، فقتل ~~من قتل، وولوا مدبرين إلى مصرهم، فسألوني ما كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء، ~~فقبلت العافية، ورفعت عنهم السيف، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس، وبعثت ~~إليك زفر[ (1) ]بن قيس فاسأله عنا وعنهم. ### || خطبة زفر[ (1) ]بن ms111 قيس # قال: وذكروا أنه لما قدم زفر[ (1) ]على جرير بكتاب علي، وقرأه جرير، قام ~~زفر[ (1) ]خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن عليا كتب ~~إليكم بكتاب لا يقول بعده إلا رجيعا من القول، إن الناس بايعوا عليا ~~بالمدينة غير محاباة ببيعتهم، لعلمه بكتاب الله، ويرى الحق فيه، وإن طلحة ~~والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب، وألبا ~~عليه الناس. وأخرجا أم المؤمنين عائشة من حجاب ضربه الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم عليها، فلقيهما فأعذر في الدعاء، وخشي البغي، وحمل الناس على ما ~~يعرفون، فهذا عيان ما غاب عنكم. وإن سألتم الزيادة زدناكم. # [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 156 والنجوم الزاهرة: «زحر» . PageV01P110 ### || خطبة جرير بن عبد الله البجلي # قال: وذكروا أن جرير بن عبد الله قام خطيبا. فحمد الله. فقال: أيها ~~الناس. هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وهو المأمون على الدين ~~والدنيا. وكان من أمره وأمر عدوه ما قد سمعتم، فالحمد لله على أقضيته. وقد ~~بايعه السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والتابعون بإحسان، ولو جعل ~~الله هذا الأمر شورى بين المسلمين لكان علي أحق بها[ (1) ]، ألا وإن البقاء ~~في الجماعة، والفناء في الفرقة، وعلي حاملكم على الحق ما استقمتم له، فإن ~~ملتم أقام ميلكم، قال الناس: سمعا وطاعة، ورضانا رضا من بعدنا. ### || كتاب علي إلى الأشعث بن قيس # قال: وذكروا أن عليا كتب إلى الأشعث بن قيس مع زياد بن كعب. # والأشعث يومئذ بأذربيجان عاملا لعثمان[ (2) ]، كان استعمله عليها: ~~@HAD0111 أما بعد[ (3) ]، فلو لا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل ~~الناس، فلعل أمرا يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله، وقد كان من بيعة الناس ~~إياي ما قد بلغك، وكان طلحة والزبير أول من بايعني، ثم نقضا بيعتي على غير ~~حدث، وأخرجا أم المؤمنين إلى البصرة، فسرت إليهما في المهاجرين والأنصار، ~~فالتقينا، فدعوتهما إلى أن يرجعا إلى ما خرجا منه، فأبيا. فأبلغت في ~~الدعاء، وأحسنت في البقاء، ms112 وإن عملك ليس لك بطعمة ولكنه أمانة في عنقك، ~~والمال مال الله، وأنت من خزاني عليه حتى تسلمه إلي إن شاء الله، وعلي أن ~~لا أكون شر ولاتك. ### || خطبة زياد بن كعب # [ (4) ] قال: وذكروا أن الأشعث بن قيس لما قرأ كتاب علي، قام زياد بن كعب ~~خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من لم يكفه القليل ~~لم [ (1) ]زيد في ابن الأعثم 2/365 لمصاهرته وقرابته وخدمته وشجاعته ~~وهجرته. # [ (2) ]وكان عثمان قد استعمل الأشعث بن قيس على أذربيجان بعد ما زوج ~~عثمان ابنة الأشعث من ابنه، وكانت ولايته له من الأشياء التي عتب الناس ~~فيها على عثمان (الأخبار الطوال ص 156) . # [ (3) ]الكتاب في العقد الفريد 4/330 الأخبار الطوال ص 156 ابن الأعثم 2/367. # [ (4) ]في الأخبار الطوال وابن الأعثم: زياد بن مرحب الهمداني. PageV01P111 # يكفه الكثير، وإن أمر عثمان لم ينفع فيه العيان، ولم يشف منه الخبر، غير ~~أن من سمعه كمن عاينه[ (1) ]، وإن المهاجرين والأنصار بايعوا عليا راضين ~~به، وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي، على غير حدث، وأخرجا أم المؤمنين على ~~غير رضى، فسار إليهم، ولم ينلهم، فتركهم وما في نفسه منهم حاجة، فأورثه ~~الله الأرض، وجعل له عاقبة المتقين. ### || خطبة الأشعث بن قيس # قال: فقام الأشعث بن قيس خطيبا، فقال[ (2) ]: أيها الناس، إن عثمان رحمه ~~الله ولاني أذربيجان، وهلك وهي في يدي، وقد بايع الناس عليا، وطاعتنا له ~~لازمة، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما قد بلغكم، وهو المأمون على ما غاب عنا ~~وعنكم من ذلك. ### || مشورة الأشعث ثقاته في اللحوق بمعاوية إلى الشام # قال: وذكروا أن الأشعث رجع إلى منزله، فدعا أهل ثقته من أصحابه، فقال ~~لهم: إن كتاب علي جاءني، وقد أوحشني، وهو آخذي بمال أذربيجان وأنا لاحق ~~بمعاوية، فقال القوم: الموت خير لك من ذلك، أتدع مصرك وجماعة قومك، وتكون ~~ذنبا لأهل الشام؟[ (3) ]. ### || كتاب جرير إلى الأشعث # [ (4) ] قال: وذكروا أن جريرا كتب إلى الأشعث: أما بعد. فإنه أتتني بيعة ~~علي فقبلتها. ولم أجد إلى ms113 دفعها سبيلا، وإني نظرت فيما غاب عني من أمر ~~عثمان، فلم أجده يلزمني، وقد شهده المهاجرون والأنصار، فكان أوثق أمرهم فيه ~~الوقوف، فاقبل بيعته، فإنك لا تلتفت إلى خير منه. واعلم أن بيعة علي خير من ~~[ (1) ]كذا بالأصل: وفي ابن الأعثم: ليس كمن عاينه. # [ (2) ]قارن مع العقد الفريد وفتوح ابن الأعثم. # [ (3) ]زيد في فتوح ابن الأعثم والأخبار الطوال أنه عدل عن مسيره إلى ~~معاوية وجمع الناس وسار بهم إلى الكوفة، وقدم على علي رضي الله عنه مبايعا. # [ (4) ]في فتوح ابن الأعثم: وكتب رجل من كندة من بني عم الأشعث. PageV01P112 # مصارع أهل البصرة. وقد تحلب الناقة الضجور. ويجلس العود على البعير ~~الدبر. فانظر لنفسك. والسلام. ### || إرسال علي جريرا إلى معاوية # قال: وذكروا أن جريرا لما قدم على علي @HAD050 قال له: يا جرير. انطلق ~~إلى معاوية بكتابي هذا، وكن عند ظني فيك، واعلم يا جرير أنك ترى من حولي من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والبدريين والعقبيين. ~~وإني اخترتك عليهم، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: # @HAD038 خير ذي يمن جرير[ (1) ]، فاذهب إلى معاوية بكتابي هذا ورسالتي، ~~فإن دخل فيما دخل فيه المسلمون، وإلا فانبذ إليه بالحرب، وأعلمه أني لا ~~أرضى به أميرا، والعامة لا ترضى به واليا، فقال جرير: إني لأكره أن أمنعك ~~معونتي، وما أطمع لك في معاوية، ويصنع الله ما يشاء[ (2) ]. ### || كتاب علي إلى معاوية مرة ثانية # [ (3) ] قال: وذكروا @HAD0144 أن عليا كتب إلى معاوية مع جرير: أما بعد، ~~فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر ~~وعمر وعثمان على ما بايعوا، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، ~~وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل فسموه إماما كان ~~ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج[ (4) ]ردوه إلى ما خرج منه، فإن أبى ~~قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وأولاه الله ما تولى، وأصلاه جهنم. ~~وساءت مصيرا. وإن طلحة والزبير بايعاني بالمدينة، ثم نقضا بيعتهما، فكان ~~نقضهما كردتهما، فجاهدتهما ms114 بعد ما أعذرت إليهما، حتى جاء الحق، وظهر أمر ~~الله وهم كارهون، فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب أمورك إلي العافية، ~~فإن تتعرض للبلاء قاتلتك، [ (1) ]أخرجه أحمد في مسندة 4/360-364 والطبراني ~~برجال ثقات، والبيهقي في الدلائل 5/346. # @HAD016 [ (2) ]وقد أرسله بعد مشاورة أصحابه، ورغم معارضة الأشتر النخعي ~~لهذا الاختيار. # @HAD028 [ (3) ]قارن نسخة الكتاب في الأخبار الطوال ص 157 وفتوح ابن ~~الأعثم 2/357 والعقد الفريد 4/332 وانظر مروج الذهب 2/412 ونهج البلاغة. # @HAD010 [ (4) ]زيد في النهج: خارج بطعن أو بدعة. PageV01P113 # @HAD095 واستعنت بالله عليك، وقد أكثرت الكلام في قتلة عثمان، فادخل في ~~الطاعة، ثم حاكم القوم إلي أحملك وإياهم على كتاب الله، فأما تلك التي ~~تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني ~~أبرأ الناس من دم عثمان، واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء، الذين لا تحل لهم ~~الخلافة، ولا تعقد معهم الإمامة، ولا تعرض فيهم الشورى، وقد بعثت إليك وإلى ~~من قبلك جرير بن عبد الله، وهو من أهل الإيمان والهجرة السابقة، فبايع، ولا ~~قوة إلا بالله. ### || قدوم جرير إلى معاوية # قال: وذكروا أن جريرا لما قدم على معاوية بكتاب علي، قام جرير بالشام ~~خطيبا، فقال: أيها الناس، إن أمر عثمان قد أعيا من شهده، فما ظنكم بمن غاب ~~عنه، وإن الناس بايعوا عليا، وإن طلحة والزبير كانا ممن بايع، ثم نقضا ~~بيعته، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل ~~السيف. وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمة، إن يشفع البلاء بمثلها فلا بقاء ~~للناس، وقد بايعت العامة عليا، ولو ملكنا أمرنا لم نختر لها غيره، فمن خالف ~~هذا فقد استعتب فادخل يا معاوية فيما دخل الناس فيه، فإن قلت: إن عثمان ~~ولاني ولم يعزلني، فإن هذا لو كان لم يقم لله دين، وكان لكل امرئ ما هو فيه. ### || إشارة الناس على علي بالمقام بالكوفة # قال: وذكروا أن عليا استشار الناس، فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة عامه ~~ذلك، غير الأشتر النخعي، وعدي بن حاتم، ms115 وشريح بن هانئ[ (1) ]، فإنهم قاموا ~~إلى علي، فتكلموا بلسان واحد، فقالوا: إن الذين أشاروا عليك بالمقام، إنما ~~خوفوك بحرب الشام، وليس في حربهم شيء أخوف من الموت ونحن نريده. # @HAD057 فقال لهم: إن استعدادي لحرب أهل الشام، وجرير عندهم إغلاق للشام، ~~وصرف لأهله عن خير إن أرادوه، ولكني قد وقت له وقتا لا يقيم بعده إلا أن [ ~~(1) ]زيد عند ابن الأعثم 2/381 وعمرو بن الحمق الخزاعي وسعيد بن قيس ~~الهمداني وهانئ بن عروة المذحجي-ولم يذكر شريحا. PageV01P114 # @HAD010 يكون مخدوعا أو عاصيا، ولا أكره لكم الإعداد، وأبطأ جرير على علي ~~بالشام حتى يئس منه، وإن جريرا لما أبطأ عليه معاوية برأيه، استحثه ~~بالبيعة، فقال معاوية لجرير: يا جرير، إن البيعة ليست بخلسة، وإنه أمر له ~~ما بعده. فأبلعني ريقي[ (1) ]و[ (2) ]. ### || مشورة معاوية أهل ثقته # قال: وذكروا أن معاوية دعا أهل ثقته فاستشارهم، فقال عتبة بن أبي سفيان: ~~استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص، فإنه من قد عرفت، وقد اعتزل عثمان في ~~حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن ترضيه. ### || كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص # قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى عمرو بن العاص وهو بفلسطين: أما بعد، فقد ~~كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، وقد سقط علينا مروان بن الحكم في ~~رافضة من أهل البصرة، وقدم علي جرير بن عبد الله في بيعة علي، وقد حبست ~~نفسي عليك، فاقدم على بركة الله[ (3) ]، والسلام. ### || ما سأل معاوية من علي من الإقرار بالشام ومصر # قال: وذكروا أن معاوية قال لجرير: إني قد رأيت رأيا. قال جرير: هات. # قال: أكتب إلى علي أن يجعل لي الشام ومصر جباية، فإن حضرته الوفاة لم ~~يجعل لأحد من بعده في عنقي بيعة، وأسلم إليه هذا الأمر، وأكتب إليه ~~بالخلافة. قال جرير: اكتب ما شئت. # وإنما أراد معاوية في طلبه الشام ومصر ألا يكون لعلي في عنقه بيعة، وأن ~~يخرج نفسه مما دخل فيه الناس، فكتب إلى علي يسأله ذلك، فلما أتى عليا كتاب ~~معاوية ms116 عرف أنها خدعة منه. # [ (1) ]أبلغني ريقي أي انتظر حتى أتروي في الأمر وأفكر فيه مليا لأرد عليك. # [ (2) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: حتى انظر في أمري وأستطلع رأي أهل الشام ~~ثم إني أجيب صاحبك عن كتابه وكرامته لك. # [ (3) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: لأشاورك وأستعين على أمري برأيك، ~~والعبارة في الأخبار الطوال: # فأقبل، أناظرك في ذلك. PageV01P115 ### || كتاب علي إلى جرير بن عبد الله # قال: وذكروا @HAD058 أن عليا كتب إلى جرير: أما بعد، فإن معاوية إنما ~~أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار من أمره ما أحب، وقد كان ~~المغيرة ابن شعبة أشار علي وأنا بالمدينة أن أستعمله على الشام، فأبيت ذلك ~~عليه، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين عضدا، فإن بايعك الرجل، وإلا ~~فأقبل [ (1) ]. ### || استشارة عمرو بن العاص ابنيه ومواليه # قال وذكروا أنه لما انتهى إلى عمرو بن العاص كتاب معاوية وهو بفلسطين، ~~استشار ابنيه عبد الله ومحمدا، وقال: يا ابني، إنه قد كان مني في أمر عثمان ~~فلتات لم أستقبلها بعد، وقد كان من هروبي بنفسي حين ظننت أنه مقتول ما قد ~~احتمله معاوية عني، وقد قدم على معاوية جرير ببيعة علي، وقد كتب إلي معاوية ~~بالقدوم عليه، فما تريان؟فقال عبد الله وهو الأكبر: أرى والله أن نبي الله ~~قبض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده كذلك. وقتل عثمان وأنت غائب، فأقم في ~~منزلك، فلست مجعولا خليفة، ولا تزيد على أن تكون حاشية لمعاوية على دنيا ~~قليلة، أوشكتما أن تهلكا فتستويا فيها جميعا. وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش، ~~وصاحب أمرها، فإن ينصرم هذا الأمر وأنت فيه غافل، يصغر أمرك، فالحق بجماعة ~~أهل الشام، واطلب بدم عثمان، فإنك به تستميل إلى بني أمية. فقال عمرو: أما ~~أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو خير لي في ديني[ (2) ]، وأما أنت يا محمد ~~فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي. ثم دعا غلاما له يقال له وردان، وكان ~~داهيا، فقال له عمرو: يا وردان احطط، يا ms117 وردان أرحل، يا وردان احطط، يا ~~وردان أرحل. فقال وردان: أما إنك إن شئت نبأتك بما في نفسك، فقال عمرو: هات ~~يا وردان، فقال: اعتركت الدنيا والآخرة على قلبك، فقلت: # مع علي الآخرة بلا دنيا، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة، فأنت واقف بينهما. ~~فقال [ (1) ]وقد استعجل علي بت الأمر وفصله فأرسل كتابا آخر إلى جرير ~~يستعجله أخذ البيعة من معاوية: # ونصه من النهج: @HAD035 أما بعد فإذا أتاك كتابي فاحمل معاوية على الفصل، ~~وخذه بالأمر الجزم، ثم خيره بين حرب مجلية أو سلم مخزية، فإن اختار الحرب ~~فانبذ إليه، وإن اختار السلم فخذ بيعته والسلام. # [ (2) ]في ابن الأعثم: في دنياي وديني. PageV01P116 # عمرو: ما أخطأت ما في نفسي، فما ترى يا وردان؟فقال: أرى أن تقيم في ~~منزلك، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم يستغنوا ~~عنك، فقال عمرو: الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية؟ ### || قدوم عمرو إلى معاوية # قال: وذكروا أن عمرو بن العاص لما قدم إلى معاوية، وعرف حاجته إليه باعده ~~من نفسه، وكايد كل واحد منهما صاحبه، فقال عمرو لمعاوية: أعطني مصر، فتلكأ ~~معاوية وقال: ألم تعلم أن مصر كالشام؟قال: بلى ولكنها إنما تكون لي إذا ~~كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق. وقد بعث أهلها بطاعتهم ~~إلى علي. فدخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية، فقال: أما ترضى أن تشتري عمرا ~~بمصر إن هي صفت لك؟ليتك لا تغلب على الشام. # فلما سمع معاوية قول عتبة بعث إلى عمرو، فأعطاه مصر، ولما كتب معاوية ~~لعمرو بمصر، كتب في أسفل الكتاب: ولا ينقض شرط طاعة. وكتب عمرو، ولا تنقض ~~طاعة شرطا، وكايد كل واحد منهما صاحبه، وكان مع عمرو بن العاص ابن أخ له، ~~جاءه من مصر، فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا به، عجب ابن أخيه من سروره، ~~فقال: يا عمرو ألا تخبرني بأي رأي تعيش في قريش وقد أعطيت دينك غيرك؟أترى ~~أهل مصر وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي ms118 حي؟أو تراها إن صارت إلى ~~معاوية لا يأخذك بالجدل الذي قدمه؟فقال عمرو: # يا بن أخي، إنه لأمر الله دون معاوية وعلي. يا بن أخي لو كنت مع علي ~~وسعني بيتي، ولكني مع معاوية. فقال الفتى: إنك لم ترد معاوية، ولكنك تريد ~~دنياه، ويريد دينك. فبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب، فلحق بعلي، وحدث ~~عليا بأمر معاوية وعمرو، وما قاله، فسر علي بذلك، وقربه. ### || مشورة معاوية عمرا رضي الله عنهما # قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: يا أبا عبد الله، طرقتني في ليلتي[ ~~(1) ]هذه ثلاثة أخبار، ليس فيها ورد ولا صدر، منها أن ابن أبي حذيفة كسر ~~سجن [ (1) ]في الأخبار الطوال: في هذه الأيام. PageV01P117 # مصر[ (1) ]، ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب على الشام، ومنها[ (2) ~~]أن عليا قد تهيأ للمجيء إلينا، فما عندك؟قال عمرو: كل هذا عظيم، أما ابن ~~أبي حذيفة فخرج في أشباهه من الناس، فإن تبعث إليه رجلا يقتله، وإن يقتل ~~فلا يضرك، وأما قيصر فأهد له من وصائف الروم ومن الذهب والفضة، واطلب إليه ~~الموادعة، تجده إليها سريعا، وأما علي فو الله إن له في الحرب لحظا ما هو ~~لأحد من الناس، وإنه لصاحب الأمر. قال معاوية: صدقت، ولكني أقاتله على ما ~~بأيدينا، ونلزمه دم عثمان. فقال عمرو: وا سوأتاه، إن أحق الناس ألا يذكر ~~عثمان لأنا ولأنت، قال معاوية: ولم؟فقال عمرو: أما أنت فخذلته ومعك أهل ~~الشام، واستغاثك فأبطأت عليه، وأما أنا فتركته عيانا، وهربت إلى فلسطين. ~~قال معاوية: دعني من هذا، هلم فبايعني. فقال عمرو: لا والله ولا أعطيك من ~~ديني حتى آخذ من دنياك، قال معاوية: صدقت، سل تعط، قال عمرو: مصر طعمة. # فغضب مروان بن الحكم، وقال: ما بالي لا أشترى، فقال معاوية: اسكت يا بن ~~عم، فإنما يشترى لك الرجال. فكتب معاوية لعمرو: مصر طعمة. ### || كتاب معاوية إلى أهل مكة والمدينة وجوابهما # قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: إني أريد أن أكتب إلى أهل مكة والمدينة ~~كتابا أذكر فيه قتل عثمان، فإما أن ms119 ندرك به حاجتنا، أو نكفهم عن المسير. ~~فقال له عمرو: إلى من تكتب؟قال: إلى ثلاثة نفر: رجل لعلي لا يريد غيره، ولا ~~يزيده كتابنا فيه إلا بصيرة، أو رجل يهوى عثمان، فلا يزيده على ما هو عليه، ~~أو رجل معتزل لا يريد القتال[ (3) ]. قال عمرو: على ذلك؟قال: نعم. قال: # اكتب، فكتب إلى أهل مكة والمدينة: أما بعد، فإنه مهما غاب عنا فإنه لم ~~يفت علينا أن عليا قتل عثمان، والدليل على ذلك أن قتلته عنده، وإنما نطلب ~~بدمه حتى يدفع إلينا قتلته، فنقتلهم بكتاب الله تعالى، فإن دفعهم ~~إليناكففنا عنه، [ (1) ]في الأخبار الطوال: كسر السجن وهرب نحو مصر فيمن ~~كان معه من أصحابه، وهو من أعدى الناس لنا. # [ (2) ]في الأخبار الطوال: والثالثة فإن جريرا قدم رسولا لعلي بن أبي ~~طالب يدعونا إلى البيعة له أو إيذان بحرب. # [ (3) ]زيد في ابن الأعثم 2/415: لا يلتفت إلى كتابك. PageV01P118 # وجعلناها شورى بين المسلمين، على ما جعلها عمر بن الخطاب، فأما الخلافة ~~فلسنا نطلبها، فأعينونا[ (1) ]يرحمكم الله، وانهضوا من ناحيتكم. # جوابهما قال: وذكروا أنه لما قرأ عليهم كتابه اجتمع رأيهم على أن يسندوا ~~أمرهم إلى المسور بن مخرمة، فجاوب عنهم، فكتب إليه: أما بعد، فإنك أخطأت ~~خطأ عظيما، وأخطأت مواضع النصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة ~~يا معاوية، وأنت طليق، وأبوك من الأحزاب. فكف عنا، فليس لك قبلنا ولي ولا ~~نصير[ (2) ]. ### || كتاب معاوية إلى ابن عمر # قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى ابن عمر كتابا خاصا، دون كتابه إلى أهل ~~المدينة[ (3) ]: أما بعد، فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلي أن يجتمع الناس ~~عليه منك بعد عثمان، فذكرت خذلك إياه، وطعنك على أنصاره، فتغيرت لك، وقد ~~هون ذلك علي خلافك على علي، وطعنك عليه، وردني إليك بعض ما كان منك، فأعنا ~~يرحمك الله على حق هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أريد الإمارة عليك، ولكني ~~أريدها لك، فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين. ### || جوابه # فكتب إليه عبد الله بن عمر: أما بعد، ms120 فإن الرأي الذي أطمعك في هذا هو ~~الذي صيرك إلى ما صيرك. تركت عليا من المهاجرين والأنصار، وتركت طلحة ~~والزبير وعائشة، وأتبعك فيمن اتبعك؟!وأما قولك إنيطعنت على علي فلعمري ما ~~أنا كعلي في الإسلام والهجرة، ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ولكن أحدث أمرا لم يكن إلينا فيه من رسول الله صلى الله عليه [ (1) ]في ابن ~~الأعثم 2/416 فأجيبوا. # [ (2) ]نسب ابن أبي الحديد في شرح النهج ص 258 هذا الرد إلى عبد الله بن عمر. # [ (3) ]قيل إن معاوية كتب إلى عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن ~~مسلمة بعد ما جاءه رد أهل المدينة. PageV01P119 # وسلم عهد، ففزعت إلى الوقوف، وقلت: إن كان هذا فضلا تركته، وإن كان ضلالة ~~فشر منه نجوت، فأغن عن نفسك. ### || كتاب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص # قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى سعد بن أبي وقاص: أما بعد، فإن أحق الناس ~~بنصرة عثمان أهل الشورى، والذين أثبتوا حقه، واختاروه على غيره، وقد نصره ~~طلحة والزبير، وهما شريكاك في الأمر والشورى، ونظيراك في الإسلام، وخفت ~~لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهن ما رضوا، ولا تردن ما قبلوا، فإنما نردها شورى ~~بين المسلمين. ### || جواب سعد بن أبي وقاص لمعاوية # قال: وذكروا أن سعدا كتب إليه: أما بعد، فإن أهل الشورى ليس منهم أحق بها ~~من صاحبه، غير أن عليا كان من السابقة، ولم يكن فينا ما فيه، فشاركنا في ~~محاسننا، ولم نشاركه في محاسنه، وكان أحقنا كلنا بالخلافة، ولكن مقادير ~~الله تعالى التي صرفتها عنه، حيث شاء لعلمه وقدره. وقد علمنا أنه أحق بها ~~منا، ولكن لم يكن بد من الكلام في ذلك والتشاجر، فدع ذا. وأما أمرك يا ~~معاوية، فإنه أمر كرهنا أوله وآخره[ (1) ]. وأما طلحة والزبير فلو لزما ~~بيوتهما لكان خيرا لهما. # والله تعالى يغفر لعائشة أم المؤمنين. ### || كتب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري # وكان فارس الأنصار رضي الله عنهم، وذا النجدة فيهم: أما بعد، فإني لم ~~أكتب إليك وأنا ms121 أرجو مبايعتك، ولكني أذكرك النعمة التي خرجت منها، إنك كنت ~~فارس الأنصار، وعدة المهاجرين، فادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أمرا لم تستطع فيه الإمضاء، فهذا أعني، وعن قتال أهل الصلاة[ (2) ]. # فهلا نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا؟أو ترى أن عثمان وأهل الدار ~~ليسوا بمسلمين؟وأما قومك الأنصار فقد عصوا الله تعالى، وخذلوا عثمان، ~~وسائلهم وسائلك الله تعالى عن الذي كان يوم القيامة. # [ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 2/421 وكذلك نكره آخره. # [ (2) ]في شرح النهج لابن أبي الحديد 1/580: وهو أنه نهاك عن قتال أهل ~~القبلة. PageV01P120 ### || جوابه # قال: وذكروا أن محمد بن مسلمة كتب إليه: أما بعد، فقد اعتزل هذا الأمر من ~~ليس في يده من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي في يدي، وقد أخبرت ~~بالذي هو كائن قبل أن يكون، فلما كان كسرت سيفي، ولزمت بيتي[ (1) ]، ~~واتهمت الرأي على الدين، إذ لم يصح لي معروف آمر به، ولا منكر أنهى عنه، ~~ولعمري يا معاوية ما طلبت إلا الدنيا، ولا اتبعت إلا الهوى، ولئن كنت نصرت ~~عثمان ميتا، لقد خذلته حيا، ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار أولى ~~بالصواب. # قال: فلما أجاب القوم معاوية بما أجابوه، من الخلاف إلى ما دعاهم إليه ~~قال له عمرو: كيف رأيت يا معاوية ورأيك، أخبرتك بالأمر قبل أن يقع، قال ~~معاوية: رجوت ما خفت. ### || كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنه # قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى علي. أما بعد، فلعمري لو بايعك القوم ~~الذين بايعوك وأنت بريء من دم عثمان، كنت كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله ~~عنهم، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، ~~وقوي بك الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك، حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، ~~فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين، وقد كان أهل الحجاز الحكام على الناس ~~وفي أيديهم الحق، فلما تركوه صار الحق في أيدي أهل الشام، ولعمري ما حجتك ~~على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، ولا حجتك على طلحة ms122 والزبير، لأن أهل ~~البصرة بايعوك[ (2) ]، ولم يبايعك أحد من أهل الشام، وإن طلحة والزبير ~~بايعاك ولم أبايعك. وأما فضلك في الإسلام، وقرابتك من النبي عليه الصلاة ~~والسلام، فلعمري ما أدفعه ولا أنكره[ (3) ]. # [ (1) ] @HAD045 يروى أن محمد بن مسلمة قال: «أعطاني رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم سيفا فقال: قاتل به المشركين ما قوتلوا، فإذا رأيت أمتي يضرب ~~بعضهم بعضا فائت به أحدا فاضرب به حتى ينكسر، ثم اجلس في بيتك حتى تأتيك يد ~~خاطئة أو منية خاطئة (الإصابة رقم 7800) . # [ (2) ]في الكامل للمبرد 1/424: أطاعوك، ولم يطعك. # [ (3) ]قارن مع: العقد الفريد 4/333 وقعة صفين ص 56 وابن الأعثم 2/430 ~~والكامل للمبرد 1/423-424. PageV01P121 ### || جواب علي إلى معاوية # قالوا: @HAD0217 فكتب إليه علي: أما بعد، فقد جاءني منك كتاب امرئ ليس له ~~بصر يهديه[ (1) ]، ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده فاستقاده. ~~زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، ولعمري ما كنت إلا رجلا من ~~المهاجرين، أوردت كما أوردوا وأصدرت كما أصدروا، وما كان الله ليجمعهم على ~~الضلال، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فيلزمني خطيئة عثمان، ولا قتلت ~~فيلزمني قصاص القاتل. أما قولك إن أهل الشام هم الحكام على الناس، فهات ~~رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى، أو تحل له الخلافة، فإن سميت كذبك ~~المهاجرون والأنصار، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز. وأما قولك ندفع إليك ~~قتلة عثمان فما أنت وعثمان؟[ (2) ]إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان ~~أولى بعثمان منك، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك، فادخل في الطاعة، ثم حاكم ~~القوم إلي. وأما تمييزك بين الشام والبصرة وذكرك طلحة والزبير، فلعمري ما ~~الأمر إلا واحد، إنها بيعة عامة، لا ينثي عنها البصير، ولا يستأنف فيها ~~الخيار، وأما ولوعك بي في أمر عثمان، فو الله ما قلت ذلك عن حق العيان ولا ~~عن يقين الخبر، وأما فضلي في الإسلام، وقرابتي من رسول الله عليه الصلاة ~~والسلام، وشرفي في قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته [ (3) ]. ### || قدوم عبيد الله بن عمر على ms123 معاوية # قال: وذكروا أن عبيد الله بن عمر قدم على معاوية الشام، فسر به سرورا ~~شديدا وسر به أهل الشام، وكان أشد قريش سرورا به عمرو بن العاص فقال معاوية ~~لعمرو: ما منع عبد الله أن يكون كعبيد الله؟فضحك عمرو، وقال: شبهت غير ~~شبيه، إنما أتاك عبيد الله مخافة أن يقتله علي بقتله الهرمزان[ (4) ]، ~~ورأى عبد الله [ (1) ]قال المبرد: قوله ليس له بصر يهديه فمعناه يقوده، ~~والهادي هو الذي يتقدم فيدل. # [ (2) ]معناه لست منه في شيء. # [ (3) ]الكتاب في: وقعة صفين ص 57-58 العقد الفريد 4/333-334 ابن الأعثم ~~2/431-432 الكامل للمبرد 1/428. باختلاف وزيادة. # [ (4) ]وكان عبيد الله بن عمر بن الخطاب وبعد طعن عمر ووفاته قتل ~~الهرمزان، وإذا بويع عثمان بن عفان قال لجماعة من المهاجرين والأنصار: ~~أشيروا علي في هذا الذي فتق في الإسلام ما فتق، @HAD05 فقال علي: أرى أن ~~تقتله (الطبري 5/41-42 وانظر تاريخ اليعقوبي 2/161) . PageV01P122 # ألا يكون عليك ولا لك، ولو كان معك لنفعك أو عليك لضرك. ### || تعبئة معاوية أهل الشام لقتال علي # قال: وذكروا أن معاوية بعث إلى رؤساء أهل الشام، فجمعهم ثم قال: # أنتم أهل الفضل، فليقم كل رجل منكم يتكلم، فقام رجل فقال: أما والله لو ~~شهدنا أمر عثمان، فعرفنا قتلته بأعيانهم لاستغنينا عن إخبار الناس، ولكنا ~~نصدقك على ما غاب عنا، وإن أبغض الناس إلينا من يقاتل علي بن أبي طالب ~~لقدمه في الإسلام، وعلمه بالحرب. # ثم قام حوشب فقال: والله ما إياك ننصر، ولا لك نغضب، ولا عنك نحامي، ما ~~ننصر إلا الله، ولا نغضب إلا للخليفة، ولا نحامي إلا عن الشام، فلف الخيل ~~بالخيل، والرجال بالرجال، وقد دعونا قومنا إلى ما دعوتنا إليه أمس، ~~وأمرناهم بما أمرتنا به، فجعلوك بيننا وبين الله، ونحن بينك وبينهم، فمرنا ~~بما تحب، وانهنا عما تكره. # قال: فلما عزم معاوية على المسير إلى صفين عبأ أهل الشام، فجعل على ~~مقدمته أبا الأعور السلمي، وعلى ساقته بسر بن أرطاة، وعلى الخيل عبيد الله ~~بن عمر، ودفع اللواء إلى ms124 عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى الميمنة يزيد ~~العبسي، وعلى الميسرة عبد الله بن عمرو بن العاص[ (1) ]، ثم قال: يا أهل ~~الشام، إنكم قد سرتم لتمنعوا الشام، وتأخذوا العراق، ولعمري ما للشام رجال ~~العراق وأموالها، ولا لأهل العراق بصر أهل الشام ولا بصائرهم، مع أن القوم ~~بعدهم غيرهم مثلهم، وليس بعدكم غيركم، فإن غلبتموهم فلم تغلبوا إلا من قد ~~أتاكم، وإن غلبوكم عاقبوا من بعدكم، والقوم لاقوكم ببصائر أهل الحجاز، ورقة ~~أهل اليمن، وقسوة أهل مصر، وكيد أهل العراق، وإنما يبصر غدا من أبصر اليوم، ~~ف @QUR@08 استعينوا بالصبر والصلاة، إن الله مع الصابرين . # ثم سار معاوية في ثلاثة آلاف وثمانين ألفا[ (2) ]، حتى نزل بصفين، وذلك [ ~~(1) ]انظر فيمن استعمله معاوية على الألوية وقعة صفين ص 206 وفتوح ابن ~~الأعثم 2/437. # والأخبار الطوال ص 167. باختلاف. # [ (2) ]في مروج الذهب 2/416: 85 ألفا. قال ابن الأعثم واجتمعت إليه ~~العساكر من أطراف البلاد فصار في 120 ألف. وفي العقد الفريد: في بضع ~~وثمانين ألفا. PageV01P123 # في نصف محرم، وسبق إلى سهولة الأرض، وسعة المناخ، وقرب الفرات، وكتب إلى ~~علي يخبره بمسيره. ### || تعبئة أهل العراق للقتال # قال: @HAD0111 وذكروا أن عليا لما بلغه تأهب معاوية قال: أيها الناس، ~~إنما بايع معاوية أهل الشام، وليس له غيرهم ولي ولا نصير، وإنكم أهل ~~الحجاز، وأهل العراق، وأهل اليمن، وأهل مصر، وقد جعل القوم معاوية بينهم ~~وبين الله، وليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وقد وادع القوم الروم، ~~فإن غلبتموهم استعانوا بهم، ولحقوا بأرضهم، وإن غلبوكم فالغاية الموت، ~~والمفر إلى الله العزيز الحكيم. وقد زعم معاوية أن أهل الشام أهل صبر ونصر، ~~ولعمري لأنتم أولى بذلك منهم، لأنكم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان، ~~وإنما الصبر اليوم، والنصر غدا. # قال: فجد الناس ونشطوا وتأهبوا، فسار علي بالناس من الكوفة في مائة ألف ~~وتسعين ألفا[ (1) ]، فجعل على المقدمة الأشتر النخعي، وعلى ساقته شريح بن ~~هانئ، وعلى المهاجرين والأنصار محمد بن أبي بكر، وعلى أهل البصرة عبد الله ~~بن عباس، وعلى الكوفة ms125 عبد الله بن جعفر، وعلى جماعة الخيل عمار بن ياسر، ~~وعلى القلب الحسن بن علي[ (2) ]، وسار علي حتى نزل صفين، وقد سبقه معاوية ~~إلى سهولة الأرض. وسعة المناخ، وقرب الفرات. ### || منع معاوية الماء من أصحاب علي # قال: وذكروا أنه لما نزل معاوية بصفين، بعث أبا الأعور بمن معه، ليحولوا ~~بينهم وبين الفرات[ (3) ]، وأن أهل العراق لما نزلوا بعثوا غلمانهم ~~ليستقوا لهم من الفرات، فحالت خيل معاوية بينهم وبين الماء، فانصرفوا، ~~فساروا إلى [ (1) ]في مروج الذهب: تسعين ألفا. وفي العقد الفريد: في خمسة ~~وتسعين ألفا. # [ (2) ]انظر فيمن استعمله علي على الألوية وقعة صفين ص 204-205. # [ (3) ]وكان معاوية قد انتهى إلى جانب شريعة على الفرات وليس في ذلك ~~الصقع شريعة غيرها وجعلها في حيزه وحماها ومنعها عن أصحاب علي، وما عداها ~~أخراق عالية، ومواضع إلى الماء وعرة. # (الطبري 5/240 ومروج الذهب 2/416 الأخبار الطوال ص 168) . PageV01P124 # علي، فأخبروه @HAD042 فقال علي للأشعث [ (1) ]: اذهب إلى معاوية، فقل ~~له: إن الذي جئنا له غير الماء، ولو سبقناك إليه لم نحل بينك وبينه، فإن ~~شئت خليت عن الماء، وإن شئت تناجزنا عليه وتركنا ما جئنا له. فانطلق الأشعث ~~إلى معاوية، فقال له: إنك تمنعنا الماء وأيم الله لنشربنه، فمرهم يكفوا عنه ~~قبل أن نغلب عليه، والله لا نموت عطشا وسيوفنا على رقابنا. فقال معاوية ~~لأصحابه: ما ترون؟ فقال رجل منهم[ (2) ]: نرى أن نقتلهم عطشا، كما قتلوا ~~عثمان ظلما. فقال عمرو بن العاص: لا تظن يا معاوية أن عليا يظمأ وأعنة ~~الخيل بيده، وهو ينظر إلى الفرات، حتى يشرب أو يموت دونه، خل عن القوم ~~يشربوا. فقال معاوية: # هذا والله أول الظفر، لا سقاني الله من حوض الرسول إن شربوا منه، حتى ~~يغلبوني عليه. فقال عمرو: وهذا أول الجور، أما تعلم أن فيهم العبد والأجير ~~والضعيف ومن لا ذنب له؟لقد شجعت الجبان، وحملت من لا يريد قتالك على قتالك. ### || غلبة أصحاب علي على الماء # قال: وذكروا أن معاوية لما غلب على الماء اغتم علي لما فيه الناس من ms126 ~~العطش، فخرج ليلا والناس يشكون بعضهم إلى بعض، مخافة أن يغلب أهل الشام على ~~الماء، فقال الأشعث: يا أمير المؤمنين، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ~~ومعنا السيوف؟خل عنا وعن القوم، فو الله لا أرجع إليك حتى أرده، أو أموت ~~دونه، وأمر الأشتر أن يعلو الفرات في الخيل، حتى آمره بأمري. @HAD05 فقال ~~علي: ذلك لك. فانصرف الأشعث، فنادى في الناس: من كان يريد الماء فميعاده ~~الصبح، فإني ناهض إلى الماء، فأجابه بشر كثير[ (3) ]، فتقدم الأشعث في ~~الرجالة، والأشتر في الخيل، حتى وقفا على الفرات، فلم يزل الأشعث في ~~الرجالة يمضي، حتى خالط القوم، ثم حسر عن رأسه، فنادى: أنا الأشعث بن قيس، ~~[ (1) ]في الأخبار الطوال وفتوح ابن الأعثم 3/1 أن عليا بعث شبث بن ربعي ~~وصعصعة بن صوحان العبدي لمناقشة معاوية بشأن الوصول إلى الماء. # [ (2) ]عند ابن الأثير 2/364 أن الوليد بن عقبة وعبد الله بن سعد بن أبي ~~سرح هما من أشارا على معاوية بمنع الماء. وفي آخر الخبر يقول: وقد قيل إن ~~الوليد وابن أبي سرح لم يشهدا صفين. # (الطبري 5/242 والأخبار الطوال ص 168 والإصابة) . # [ (3) ]أجابه نيف عن عشرة آلاف. PageV01P125 # خلوا عن الماء. فقال أبو الأعور: أما والله قبل أن تأخذنا وإياكم السيوف فلا. # فقال الأشعث: أظنها والله قد دنت منا ومنكم. قال: وبعث الأشعث إلى الأشتر ~~أن أقحم الخيل، فأقحمها الأشتر، حتى وضع سنابكها في الفرات، وحمل الأشتر في ~~الرجالة، فأخذت القوم السيوف فانكشف أبو الأعور وأصحابه، وبعث الأشتر إلى ~~علي: هلم يا أمير المؤمنين، قد غلب الله لك على الماء، فلما غلب أهل العراق ~~على الماء، شمت عمرو بن العاص بمعاوية، وقال: يا معاوية، ما ظنك إن منعك ~~علي الماء اليوم كما منعته أمس؟أتراك ضاربهم كما ضربوك؟فقال: # دع ما مضى عنك فإن عليا لا يستحل منك ما استحللت منه، وإن الذي جاء له ~~غير الماء[ (1) ]. ### || دعاء علي معاوية إلى البراز # قال: وذكروا أن الناس مكثوا بصفين أربعين ليلة: يغدون إلى القتال ~~ويروحون، فأما القتال الذي كان ms127 فيه الفناء فثلاثة أيام[ (2) ]. فلما رأى ~~علي كثرة القتال والقتل في الناس، برز يوما من الأيام ومعاوية فوق التل، ~~@HAD043 فنادى بأعلى صوته: يا معاوية فأجابه فقال: ما تشاء يا أبا ~~الحسن؟قال علي: علام يقتتل الناس ويذهبون؟على ملك إن نلته كان لك دونهم؟وإن ~~نلته أنا كان لي دونهم؟ أبرز إلي ودع الناس، فيكون الأمر لمن غلب. قال عمرو ~~بن العاص: أنصفك الرجل يا معاوية. فضحك معاوية وقال: طمعت فيها يا عمرو[ ~~(3) ]، فقال عمرو: # والله ما أراه يجمل بك إلا أن تبارزه. فقال معاوية: ما أراك إلا مازحا، ~~نلقاه بجمعنا. # [ (1) ]وفي ذلك يقول النجاشي: # كشف الأشعث عنا # كربة الموت عيانا # ويقول عمرو بن العاص شامتا بمعاوية: # أمرتك أمرا ففسخته # لرأي رأى ابن أبي سرحة... # وقد شرب القوم ماء الفرات # وقلدك الأشعث الفضحة # [ (2) ]وهي: الوقعة المعروفة بوقعة الخميس (وقعة صفين ص 362) وليلة ~~الهرير (وقعة صفين ص 475) . # ويوم الهرير وهو اليوم الأعظم في معركة صفين (وقعة صفين ص 479) . # [ (3) ]والله يا عمرو إن تريد إلا أن أقتل فتصيب الخلافة بعدي، اذهب ~~إليك، فليس مثلي يخدع. # (وقعة صفين ص 316 و388) . PageV01P126 ### || براز عمرو بن العاص لعلي # قال: وذكروا أن عمرا قال لمعاوية: أتجبن عن علي، وتتهمني في نصيحتي ~~إليك؟والله لأبارزن عليا ولو مت ألف موتة في أول لقائه. فبارزه عمرو[ (1) ~~]، فطعنه علي فصرعه، فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي، وولى بوجهه دونه. وكان ~~علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد، حياء وتكرما، وتنزها عما لا يحل ~~ولا يجمل بمثله، كرم الله وجهه. ### || قطع الميرة عن أهل الشام # قال: وذكروا @HAD033 أن عليا دعا زجر بن قيس، فقال له: سر في بعض هذه ~~الخيل إلى القطقطانة[ (2) ]، فاقطع الميرة عن معاوية، ولا تقتل إلا من يحل ~~لك قتله، وضع السيف موضعه، فبلغ ذلك معاوية، فدعا الضحاك بن قيس، فأمره أن ~~يلقى زحر بن قيس فيقاتله، فسار الضحاك فلقيه زحر فهزمه، وقتل من أصحابه، ~~وقطع الميرة عن أهل الشام، ورجع الضحاك إلى معاوية منهزما، فجمع معاوية ~~الناس، فقال: ms128 أتاني خبر من ناحية من نواحي، أمر شديد، فقالوا: # يا أمير المؤمنين، لسنا في شيء مما أتاك، إنما علينا السمع والطاعة، ~~وبلغ عليا قول معاوية وقول أهل الشام، فأراد أن يعلم ما رأي أهل العراق، ~~فجمعهم، @HAD029 فقال: أيها الناس إنه أتاني خبر من ناحية من نواحي. فقال ~~ابن الكواء وأصحابه: إن لنا في كل أمر رأيا، فما أتاك فأطلعنا عليه، حتى ~~نشير عليك. # @HAD051 فبكى علي، ثم قال: ظفر والله ابن هند باجتماع أهل الشام له، ~~واختلافكم علي، والله ليغلبن باطله حقكم، إنما أتاني أن زحر بن قيس ظفر ~~بالضحاك، وقطع الميرة، وأتى معاوية هزيمة صاحبه، فقال: يا أهل الشام، إنه ~~أتاني أمر شديد، فقلدوه أمرهم، واختلفتم علي. # فقام قيس بن سعد، فقال: أما والله لنحن كنا أولى بالتسليم من أهل الشام. # [ (1) ]في وقعة صفين أن عمرو بن العاص صارع عليا ولم يعرفه حيث قال ~~لمعاوية ص 407: أما والله أن لو عرفته ما أقحمت عليه. # [ (2) ]القطقطانة: موضع بالكوفة. PageV01P127 ### || قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء[ (1) ]على معاوية وعلي # قال: وذكروا أن أبا هريرة وأبا الدرداء قدما على معاوية من حمص، وهو ~~بصفين، فوعظاه وقالا له: يا معاوية، علام تقاتل عليا وهو أحق بهذا الأمر ~~منك في الفضل والسابقة؟لأنه رجل من المهاجرين الأولين، السابقين بإحسان، ~~وأنت طليق، وأبوك من الأحزاب. أما والله ما نقول لك أن تكون العراق أحب ~~إلينا من الشام، ولكن البقاء أحب إلينا من الفناء، والصلاح أحب إلينا من ~~الفساد. فقال معاوية: لست أزعم أني أولى بهذا الأمر من علي، ولكني أقاتله ~~حتى يدفع إلي قتلة عثمان. فقالا: إذا دفعهم إليك ما ذا يكون؟قال: أكون رجلا ~~من المسلمين، فأتيا عليا فإن دفع إليكما قتلة عثمان جعلتها شورى. فقدما على ~~عسكر علي، فأتاهما الأشتر، فقال: يا هذان إنه لم ينزلكما الشام حب معاوية، ~~وقد زعمتما أنه يطلب قتلة عثمان، فعمن أخذتما ذلك فقبلتماه؟أعمن قتله ~~فصدقتموهم على الذنب، كما صدقتموهم على القتل؟أم عمن نصره، فلا شهادة لمن ~~جر إلى نفسه، أم عمن اعتزلوا، ms129 إذ علموا ذنب عثمان وقد علموا ما الحكم في ~~قتله؟أم عن معاوية وقد زعم أن عليا قتله؟اتقيا الله، فإننا شهدنا وغبتما، ~~ونحن الحكام على من غاب. فانصرفا ذلك اليوم، فلما أصبحا أتيا عليا، فقالا ~~له: إن لك فضلا لا يدفع[ (2) ]، وقد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء، ~~ومعاوية يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان، فإن فعلت ثم قاتلك كنا معك. @HAD05 ~~قال علي: أتعرفانهم؟ # قالا: نعم. قالا: فخذاهم، فأتيا محمد بن أبي بكر، وعمار بن ياسر، ~~والأشتر[ (3) ]، فقالا: أنتم من قتلة عثمان وقد أمرنا بأخذكم، فخرج إليهما ~~أكثر من عشرة آلاف رجل، فقالوا: نحن قتلنا عثمان، فقالا: نرى أمرا شديدا ~~ألبس علينا الرجل. وإن أبا هريرة وأبا الدرداء انصرفا إلى منزلهما بحمص، ~~فلما قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن عثمان[ (4) ]، فسألهما عن مسيرهما، ~~فقصا عليه [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 170 أبو أمامة الباهلي وأبو الدرداء. ~~والمشهور أن أبا الدرداء مات في خلافة عثمان. (انظر الإصابة 5/46 وتهذيب ~~التهذيب 8/176) . والخبر في فتوح ابن الأعثم 3/94. # [ (2) ]زيد عند ابن الأعثم: وشرفا لا ينكر. # [ (3) ]زيد عند ابن الأعثم: وعدي بن حاتم وعمرو بن الحمق وفلان وفلان. # [ (4) ]عند ابن الأعثم: عبد الرحمن بن غنم الأشعري صاحب معاذ بن جبل. PageV01P128 # القصة، فقال: العجب منكما أنكما من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أما والله لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما، أتأتيان عليا وتطلبان ~~إليه قتلة عثمان وقد علمتما أن المهاجرين والأنصار لو حرموا دم عثمان ~~نصروه، وبايعوا عليا على قتلته، فهل فعلوا؟وأعجب من ذلك رغبتكما عما صنعوا، ~~وقولكما لعلي: اجعلها شورى، واخلعها من عنقك، وإنكما لتعلمان أن من رضي ~~بعلي خير ممن كرهه، وأن من بايعه خير ممن لم يبايعه، ثم صرتما رسولي رجل من ~~الطلقاء، لا تحل له الخلافة، ففشا قوله وقولهما، فهم معاوية بقتله، ثم راقب ~~فيه عشيرته. ### || وقوع عمرو بن العاص في علي # وذكروا أن رجلا من همذان يقال له برد قدم على معاوية، فسمع عمرا يقع في ~~علي، @HAD021 فقال ms130 له: يا عمرو، إن أشياخنا سمعوا رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فحق ذلك أم باطل؟فقال عمرو: # حق، وأنا أزيدك أنه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل مناقب علي، ~~ففزع الفتى، فقال عمرو: إنه أفسدها بأمره في عثمان، فقال برد: هل أمر أو ~~قتل؟قال: لا، ولكنه آوى ومنع. قال: فهل بايعه الناس عليها؟قال: نعم. # قال: فما أخرجك من بيعته؟قال: اتهامي إياه في عثمان. قال له: وأنت أيضا ~~قد اتهمت؟قال: صدقت فيها خرجت إلى فلسطين، فرجع الفتى إلى قومه فقال: إنا ~~أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم. علي على الحق فاتبعوه. ### || كتاب معاوية إلى أبي أيوب الأنصاري # [ (1) ] قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى أبي أيوب الأنصاري، وكان أشد ~~الأنصار على معاوية: أما بعد، فإني ناسيتك ما لا تنسى الشيباء. فلما قرأ ~~كتابه أتى به عليا، فأقرأه إياه. @HAD050 قال علي: يعني بالشيباء المرأة ~~الشمطاء[ (2) ]لا تنسى ثكل ابنها، [ (1) ]هو خالد بن زيد بن كليب الأنصاري، ~~كان سيدا معظما من سادات الأنصار، نزل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما قدم المدينة فأقام عنده حتى بنى بيوته ومسجده مات بالقسطنطينية سنة 52. # @HAD019 [ (2) ]في وقعة صفين ص 366: الشيباء المرأة البكر ليلة افتضاضها ~~لا تنسى بعلها الذي افترعها أبدا. PageV01P129 # @HAD06 فأنا لا أنسى قتل عثمان. فكتب إليه أبو أيوب: إنه لا تنسى الشيباء ~~ثكل ولدها، وضربتها مثلا لقتل عثمان، فما نحن وقتلة عثمان؟إن الذي تربص ~~بعثمان، وثبط أهل الشام عن نصرته لأنت، وإن الذين قتلوه غير الأنصار، ~~والسلام. ### || ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد # قال: وذكروا أن النعمان بن بشير الأنصاري وقف بين الصفين[ (1) ]، فقال: ~~يا قيس بن سعد، أما أنصفكم من دعاكم إلى ما رضي لنفسه، إنكم يا معشر ~~الأنصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلكم أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم ~~على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان خذلتم عليا، كان هذا بهذا، ~~ولكنكم خذلتم حقا، ونصرتم باطلا، ثم لم ms131 ترضوا أن تكونوا كالناس، حتى أشعلتم ~~الحرب، ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم رجال الحرب من أهل الشام سراعا ~~إلى برازكم، غير أنكاس عن حربكم، ثم لم ينزل بعلي أمر قط إلا هونتم عليه ~~المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد والله أخلفتموه، وهان عليكم بأسكم، وما كنتم ~~لتخلوا به أنفسكم، من شدتكم في الحرب، وقدرتكم على عدوكم، وقد أصبحتم أذلاء ~~على أهل الشام، لا يرون حربكم شيئا، وأنتم أكثر منهم عددا ومددا، وقد والله ~~كاثروكم بالقلة، فكيف لو كانوا مثلكم في الكثرة؟والله لا تزالون أذلاء في ~~الحرب بعدها أبدا، إلا أن يكون معكم أهل الشام، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ~~ما قد رأيتم، ونحن أحسن بقية، وأقرب إلى الظفر، فاتقوا الله في البقية. # فضحك قيس وقال: والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام[ (2) ~~]، أما المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش لنفسه، ~~المبطل فيم انتصح غيره، أما ذكرك عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه، قتل ~~عثمان من لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، وأما أصحاب الجملفقاتلناهم ~~على النكث، وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته [ (1) ]لم يكن مع ~~معاوية من الأنصار غيره ومسلمة بن مخلد وكان معاوية قد أغضبهما وهما أن ~~ينصرفا إلى قومهما ثم استرضاهما، ورجا معاوية النعمان أن يكلم قيس بن عبادة ~~ويسأله السلم (انظر وقعة صفين ص 448 وقد ذكر الخبر فيها باختلاف وزيادة) . # [ (2) ]في وقعة صفين: على هذه المقالة. PageV01P130 # لقاتلهم الأنصار، وأما قولك: إنا لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا ~~مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، ~~@QUR@010 حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون . ولكن انظر يا نعمان: هل ~~ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا، أو يمانيا مستدرجا؟وانظر أين المهاجرون ~~والأنصار، والتابعون بإحسان، الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه؟ثم انظر هل ترى ~~مع معاوية غيرك وغير صويحبك[ (1) ]، ولستما والله بدريين، ولا عقبيين[ولا ~~أحديين]، ولا لكما سابقة في الإسلام، ولا آية في ms132 القرآن[ (2) ]. ### || كتاب عمرو إلى ابن عباس # قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو بن العاص: إن رأس أهل العراق[ (3) ]مع ~~علي عبد الله بن عباس، فلو ألقيت إليه كتابا ترفق فيه، فإن قال شيئا لم ~~يخرج منه علي، وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا أرانا نطيق العراق إلا بهلاك ~~الشام. فقال له عمرو: إن ابن عباس لا يخدع، ولو طمعت فيه طمعت في علي. قال ~~معاوية: على ذلك. فكتب عمرو إلى ابن عباس: أما بعد، فإن الذي نحن وأنت فيه ~~ليس أول أمر قاده البلاء، وساقته العافية، وإنك رأس هذا الجمع بعد علي، ~~فانظر فيما بقي بغير ما مضى، فو الله ما أبقت هذه الحرب لنا ولا لكم حياة ~~ولا صبرا. واعلم أن الشام لا تهلك إلا بهلاك العراق، وأن العراق لا تهلك[ ~~(4) ]إلا بهلاك الشام، فما خيرنا بعد أعدادنا منكم؟وما خيركم بعد أعدادكم ~~منا؟ولسنا نقول: ليت الحرب عادت[ (5) ]، ولكنا نقول: ليتها لم تكن. وإن ~~فينا لمن يكره البقاء كما فيكم، وإنما هما ثلاثة: أمير مطاع، أو مأمور ~~مطيع، أو مشاور مأمون. فأما العاصي السفيه[ (6) ]فليس بأهل أن يدعى في ~~ثقات أهل الشورى، ولا خواص أهل النجوى. # [ (1) ]يريد مسلمة بن مخلد. # [ (2) ]زيد في وقعة صفين: «ولعمري لئن شغبت علينا لقد شغب علينا أبوك» ~~إشارة إلى بشير بن سعد لما بايع أبا بكر يوم سقيفة بني ساعدة. # [ (3) ]في وقعة صفين ص 410: بعد. # [ (4) ]في وقعة صفين في الموضعين: لا تملك. # [ (5) ]في وقعة صفين: غارت. # [ (6) ]في وقعة صفين: وأما الأشتر الغليظ الطبع القاسي القلب. PageV01P131 ### || جواب عبد الله بن عباس إلى عمرو بن العاص # قال: وذكروا أنه لما انتهى كتاب عمرو إلى ابن عباس، أتى به إلى علي، ~~فأقرأه إياه، @HAD08 فقال علي: قاتل الله ابن العاص، أجبه. فكتب إليه: أما ~~بعد، فإني لا أعلم رجلا أقل حياء منك في العرب، إنك مال بك الهوى إلى ~~معاوية، وبعته دينك بالثمن الأوكس، ثم خبطت الناس في عشواء، طمعا في هذا ~~الملك، فلما ترامينا، أعظمت الحرب والرماء إعظام أهل ms133 الدين، وأظهرت فيها ~~كراهية أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت ~~تريد الله فدع مصر، وارجع إلى بيتك، فإن هذه حرب ليس فيها معاوية كعلي، ~~بدأها علي بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، وبدأها معاوية بالبغي، وانتهى ~~فيها إلى السرف، وليس أهل الشام فيها كأهل العراق، بايع أهل العراق عليا ~~وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم خير منه، ولست أنا وأنت فيها ~~سواء، أردت الله، وأنت أردت مصر، وقد عرفت الشيء الذي باعدك مني، ولا أعرف ~~الشيء الذي قربك من معاوية، فإن ترد شرا لا تفتنا به، وإن ترد خيرا لا ~~تسبقنا إليه. ### || أمر معاوية مروان بحرب الأشتر # قال: وذكروا أن معاوية دعا مروان بن الحكم، فقال: يا مروان، إن الأشتر قد ~~غمني، فاخرج بهذه الخيل، فقاتله بها غدا. فقال مروان: ادع لها عمرا، فإنه ~~شعارك دون دثارك. قال معاوية: وأنت نفسي دون وزيري. قال مروان: لو كنت كذلك ~~ألحقتني به في العطاء، وألحقته بي في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يدك، ~~ومنيتني ما في يدي غيرك، فإن غلبت طاب المقام، وإن غلبت خف عليك المهرب. ~~قال معاوية: يغني الله عنك، قال: أما اليوم فلا. فدعا معاوية عمرا، فأمره ~~بأمره، فقال: أما والله لئن فعلت لقد قدمتني كافيا، وأدخلتني ناصحا، وقد ~~غمك القوم في مصر، فإن كان لا يرضيهم إلا أخذها فخذها، عليها لعنة الله، ~~أما والله يا أمير المؤمنين إن مروان يباعدك منا ويباعدنا منك، ويأبى الله ~~إلا أن يقربنا إليك. PageV01P132 ### || كتاب معاوية إلى ابن عباس[ (1) ] # قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أما ~~بعد، فإنكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم بالمساءة إلى أنصار ~~عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أمية، فقد ورثها عدي وتيم، وقد وقع من الأمر ~~ما قد ترى، وأدالت هذه الحرب بعضنا من بعض، حتى استوينا فيها، فما أطمعكم ~~فينا، وما أيأسكم منا أيأسنا منكم، وقد رجونا غير الذي ms134 كان، وخشينا دون ما ~~وقع، ولستم ملاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس، وقد منعنا بما كان منا الشام، ~~وقد منعتم بما كان منكم العراق، فاتقوا الله في قريش، فما بقي من رجالها ~~إلا ستة: رجلان بالشام، ورجلان بالعراق، ورجلان بالحجاز، فأما اللذان ~~بالحجاز: فسعد، وعبد الله بن عمر، وأما اللذان بالشام: فأنا، وعمرو، وأما ~~اللذان بالعراق، فعلي وأنت. ومن الستة رجلان ناصبان لك، وآخران واقفان ~~عليك، وأنت رأس هذا الجمع اليوم وغدا، ولو بايع الناس لك بعد عثمان كنا ~~أسرع إليك منا إلى علي. ### || جوابه # قال: وذكروا أنه لما أتى كتاب معاوية إلى ابن عباس ضحك، ثم قال: # حتى متى يخطب إلي معاوية عقلي؟وحتى متى أجمجم له عما في نفسي؟ فكتب إليه: ~~أما بعد، فقد جاءني كتابك فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان ~~لسلطان بني أمية، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك، لقد استنصرك فلم تنصره، ~~حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك، وأخو عثمان الوليد ~~بن عقبة[ (2) ]، وأما قولك: إنه لم يبق من رجال قريش غير ستة، فما أكثر ~~رجالها، وأحسن بقيتها، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، ولم يخذلنا إلا من ~~خذلك، وأما إغراؤك إيانا بعدي وتيم، فأبو بكر وعمر كانا [ (1) ]وقد جاء ~~كتاب معاوية إلى ابن عباس بعد ما رد على كتاب عمرو بن العاص، وقد رمى ~~معاوية- كما قال-من كتابته إشغال علي وابن عباس بالكتابة، وكان معاوية قد ~~تخوف من هجوم كبير قد يشنه على أصحابه علي وأصحابه (انظر وقعة صفين ص 414 ~~وفتوح ابن الأعثم 3/254 والكتاب فيهما باختلاف وزيادة) . # [ (2) ]الوليد بن عقبة بن أبي معيط أخو عثمان من الرضاع. PageV01P133 # خيرا منك ومن عثمان، كما أن عليا خير منك، وأما قولك: إنا لن نلقاك إلا ~~بما لقيناك به، فقد بقي لك منا يوم ينسيك ما قبله، وتخاف له ما بعده، وأما قولك: # إنه لو بايعني الناس استقمت فقد بايعوا عليا وهو خير مني، فلم تستقم له، ~~وإن الخلافة ms135 لا تصلح إلا لمن كان في الشورى، فما أنت والخلافة؟وأنت طليق ~~الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر. ### || خطبة علي كرم الله وجهه # قال: وذكروا @HAD0160 أن عليا قام خطيبا فقال: أيها الناس، ألا إن هذا ~~القدر[ (1) ] ينزل من السماء كقطر المطر، على كل نفس بما كسبت من زيادة أو ~~نقصان، في أهل أو مال، فمن أصابه نقصان في أهل أو مال فلا يغش نفسه، ألا ~~وإنما المال حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله ~~لأقوام، وقد دخل في هذا العسكر طمع من معاوية، فضعوا عنكم هم الدنيا ~~بفراقها، وشدة ما اشتد منها، برجاء ما بعدها، فإن نازعتكم أنفسكم إلى غير ~~ذلك فردوها إلى الصبر، ووطنوها على العزاء، فو الله إن أرجى ما أرجوه الرزق ~~من الله، حيث لا نحتسب، وقد فارقكم مصقلة بن هبيرة، فآثر الدنيا على ~~الآخرة، وفارقكم بشر بن أرطاة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء، مفتضح البطن من ~~المال، وفارقكم زيد بن عدي بن حاتم، فأصبح يسأل الرجعة. وايم الله لوددت ~~رجال مع معاوية أنهم معي، فباعوا الدنيا بالآخرة، ولوددت رجال معي أنهم مع ~~معاوية، فباعوا الآخرة بالدنيا . ### || قدوم ابن أبي محجن على معاوية # قال: وذكروا أن عبد الله بن أبي محجن الثقفي قدم على معاوية. فقال: يا ~~أمير المؤمنين، إني أتيتك من عند الغبي الجبان البخيل ابن أبي طالب. فقال ~~معاوية: لله أنت!أتدري ما قلت؟أما قولك الغبي، فو الله لو أن ألسن الناس ~~جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها لسان علي، وأما قولك إنه جبان، فثكلتك أمك، ~~هل رأيت أحدا قط بارزه إلا قتله؟وأما قولك إنه بخيل، فو الله لو كان له ~~بيتان أحدهما من تبر والآخر من تبن، لأنفذ تبره قبل تبنه. فقال الثقفي: ~~فعلام [ (1) ]في النهج: الأمر. PageV01P134 # تقاتله إذا؟قال: على دم عثمان، وعلى هذا الخاتم، الذي من جعله في يده ~~جادت طينته، وأطعم عياله، وادخر لأهله. فضحك الثقفي ثم لحق بعلي، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، هب لي يدي بجرمي، لا دنيا ms136 أصبت ولا آخرة. # فضحك علي، ثم @HAD014 قال: أنت منها على رأس أمرك، وإنما يأخذ الله ~~العباد بأحد الأمرين. ### || رفع أهل الشام المصاحف # قال: وذكروا أن أهل العسكرين باتوا بشدة من الألم[ (1) ]، ونادى علي ~~أصحابه، فأصبحواعلى راياتهم ومصافهم، فلما رآهم معاوية وقد برزوا للقتال، ~~قال لعمرو بن العاص: يا عمرو، ألم تزعم أنك ما وقعت في أمر قط إلا خرجت ~~منه؟قال: بلى، قال: أفلا تخرج مما ترى؟قال: والله لأدعونهم إن شئت إلى أمر ~~أفرق به جمعهم، ويزداد جمعك إليك اجتماعا، إن أعطوكه اختلفوا، وإن منعوكه ~~اختلفوا. قال معاوية: وما ذلك؟قال عمرو: تأمر بالمصاحف فترفع ثم تدعوهم إلى ~~ما فيها، فو الله لئن قبله لتفترقن عنه جماعته، ولئن رده ليكفرنه أصحابه. # فدعا معاوية بالمصحف، ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له ابن هند[ (2) ]، ~~فنشره بين الصفين، ثم نادى: الله الله في دمائنا ودمائكم الباقية، بينا ~~وبينكم كتاب الله. فلما سمع الناس ذلك ثاروا إلى علي، فقالوا: قد أعطاك ~~معاوية الحق، ودعاك إلى كتاب الله، فأقبل منه. ورفع صاحب معاوية المصحف وهو يقول: # بيننا وبينكم هذا المصحف، ثم تلا: @QUR@022 ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا ~~من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم ~~معرضون [آل عمران: 23]، ثم نادى من لفارس من الروم؟فقال الأشعث: والله لا ~~نأتي هذه أبدا، ونرضى معك، أو نقاتل معك وتابعه أشراف أهل اليمن، وركنوا ~~إلى الصلح، وكرهوا القتال. # [ (1) ]كان ذلك بعد ما اشتدت الحرب، وبقي الناس يقتتلون ليلتهم حتى ~~أصبحوا وقد قتل من القوم تلك الليلة أكثر من ستة وثلاثين ألفا من حجاحجة ~~العرب، وبعد ما طلعت الشمس وتعالى النهار كانت السيوف تأخذ هام الرجال، ~~وكان مشايخ أهل الشام ينادون: الله الله في البقية، الله الله في الحرم ~~والذرية. # [ (2) ]في وقعة صفين ص 481: أبو الأعور السلمي. (وانظر الأخبار الطوال ص 189) . PageV01P135 ### || ما تكلم به عبد الله بن عمرو وأهل العراق # قال: وذكروا أن معاوية دعا عبد الله بن عمرو بن العاص، فأمره أن يكلم أهل ms137 ~~العراق، فأقبل عبد الله بن عمرو، حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل ~~العراق، أنا عبد الله بن عمرو بن العاص، إنه قد كانت بيننا وبينكم أمور ~~للدين والدنيا، فإن تك للدين، فقد والله أسرفنا وأسرفتم[ (1) ]، وإن تك ~~للدنيا فقد والله أعذرنا وأعذرتم[ (1) ]، وقد دعوناكم لأمر لو دعوتمونا ~~إليه أجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا، فذلك من الله، وإلا فاغتنموا هذه ~~الفرجة، لعل الله أن ينعش بها الحي[ (2) ]، وينسى بها القتيل، فإن بقاء ~~المقلد بعد الهالك قليل. @HAD09 فقال علي لسعد[ (3) ]بن قيس: أجب الرجل، ~~وقد كان عبد الله بن عمرو قاتل يوم صفين بسيفين، وكان من حجته أن قال: ~~أمرني رسول الله أن أطيع أبي. فتقدم سعد بن قيس، حتى إذا كان بين الصفين ~~نادى: يا أهل الشام إنه كانت بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على الدين ~~والدنيا، وقد دعوتمونا إلى ما قاتلناكم عليه أمس، ولم يكن ليرجع أهل العراق ~~إلى عراقهم، ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل منه، فإن يحكم فيه بما أنزل ~~الله فالأمر في أيدينا، وإلا فنحن نحن، وأنتم أنتم، وإن الناس ثاروا إلى ~~علي عند كلام عبد الله بن عمرو، فقالوا: أجب القوم إلى ما دعوك إليه، فإنا ~~دعونا عثمان إلى ما دعاك القوم إليه، فأبى فقاتلناه. فبعث علي الأشعث إلى ~~أهل الرايات، يأمرهم أن ينقضوها ويرجعوا إلى رحالهم، حتى يبرموا رأيهم» . ### || ما خاطب به عتبة بن أبي سفيان الأشعث بن قيس # قال: وذكروا أن معاوية دعا عتبة، فقال له: ألن إلى الأشعث كلاما، فإنه إن ~~رضي بالصلح رضيت به العامة، فخرج عتبة حتى إذا وقف بين الصفين نادى الأشعث، ~~فأتاه. فقال عتبة: أيها الرجل، إن معاوية لو كان لاقيا أحدا غيرك وغير علي ~~لقيك، إنك رأس أهل العراق، وسيد أهل اليمن، ومن قد سلف إليه من [ (1) ]في ~~وقعة صفين ص 483: أعذرنا وأعذرتم... أسرفنا وأسرفتم. # [ (2) ]في وقعة صفين: المحترف. # [ (3) ]في وقعة صفين: سعيد. PageV01P136 # عثمان ما قد سلف من الصهر والعمل، ولست كأصحابك. أما الأشتر فقتل ms138 عثمان، ~~وأما عدي فخصص، وأما سعد بن قيس فقلد عليا دينه، وأما شريح بن هانئ وزحر بن ~~قيس فلا يعرفان غير الهوى، وأما أنت فحاميت عن أهل العراق تكرما، وحاربت ~~أهل الشام حمية وقد والله بلغنا منك ما أردنا، وبلغت منا ما أردت، وإنا لا ~~ندعوك إلى ما لا يكون منك من تركك عليا، ولا نصرة معاوية ولكنا ندعوك إلى ~~البقية، التي فيها صلاحك وصلاحنا. # فتكلم الأشعث فقال: يا عتبة، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا، فلو ~~لقيني ما زاد ولا عظم في عيني، ولا صغرت عنه، ولئن أحب أن أجمع بينه وبين ~~علي لأفعلن، وأما قولك: إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن، فالرأس الأمير، ~~والسيد المطاع، وهاتان لعلي، وأما ما سلف إلي من عثمان فو الله ما زادني ~~صهره شرفا، ولا عمله غنى، وأما عيبك أصحابك، فإن هذا الأمر لا يقربك مني، ~~وأما محاماتي عن العراق، فمن نزل بيننا حميناه، وأما البقية فلسنا بأحوج ~~منها إليكم. ### || كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنهما # قال: وذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح معاوية للقتال، فبلغ ذلك معاوية ففزع ~~أهل الشام، فانكسروا لذلك، فقال معاوية لعمرو: إني قد رأيت رأيا، أن أعيد[ ~~(1) ]إلى علي كتابا أسأله فيه الشام. فضحك عمرو، ثم قال: أين أنت يا معاوية ~~من خدعة علي؟فقال معاوية: ألسنا بني عبد مناف؟فقال: بلى ولكن لهم النبوة ~~دونكم، فإن شئت أن تكتب فاكتب. فكتب معاوية إلى علي: أما بعد، فإني أظنك أن ~~لو علمت أن الحرب تبلغ بنا وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإن كنا قد ~~غلبنا على عقولنا، فلنا منها ما نذم به ما مضى، ونصلح ما بقي، وقد كنت ~~سألتك[ (2) ]ألا يلزمني لك طاعة ولا بيعة، فأبيت ذلك علي، فأعطاني الله ما ~~منعت، وإني أدعوك إلى ما دعوتك إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما ~~أرجو، ولا تخاف من الفناء إلا ما أخاف. وقد والله رقت [ (1) ]وكان معاوية ~~كان قد كتب ms139 سابقا إلى علي يطلب منه الشام فرده عنه. # [ (2) ]في وقعة صفين ص 470: سألتك الشام على ألا يلزمني. PageV01P137 # الأجناد، وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف، ليس لبعضنا على بعض فضل، إلا ~~فضل لا يستذل به عزيز، ولا يسترق به حر. ### || جوابه # فلما انتهى كتابه إلى علي، دعا كاتبه عبيد الله بن رافع[ (1) ]، @HAD03 ~~فقال: اكتب: # @HAD0119 «أما بعد، فقد جاءني كتابك، تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب ~~تبلغ ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وأنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد[ ~~(2) ]، وأما طلبك إلي الشام، فإني لم أكن أعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما ~~استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست أمضى على الشك مني على اليقين، وليس ~~أهل الشام بأحرص من أهل العراق على الآخرة، وأما قولك: إنا بنو عبد مناف ~~فكذلك، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب ~~ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل، وفي أيدينا فضل النبوة[ (3) ]التي ~~قتلنا بها العزيز، وبعنا بها الحر، والسلام. # فلما أتى معاوية الكتاب أقرأه عمرا، فشمت به عمرو، ولم يكن أحد أشد ~~تعظيما لعلي من عمرو بن العاص بعد يوم مبارزته، فقال معاوية لعمرو: قد علمت ~~أن إعظامك لعلي لما فضحك، قال عمرو: لم يفتضح امرؤ بارز عليا، وإنما افتضح ~~من دعاه إلى البراز فلم يجبه. ### || اختلاف أهل العراق في الموادعة # قال: وذكروا أنه لما عظم الأمر، واستحر القتال، قال له رأس من أهل ~~العراق: إن هذه الحرب قد أكلتنا، وأذهبت الرجال، والرأي الموادعة. وقال ~~بعضهم: لا بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم عليه أمس، وكانت الجماعة قد ~~رضيت الموادعة، وجنحت إلى الصلح والمسالمة. @HAD05 فقام علي خطيبا فقال: أيها # [ (1) ]في وقعة صفين: بن أبي رافع. # [ (2) ]زيد في وقعة صفين: وإني لو قتلت في ذات الله، وحييت، ثم قتلت ثم ~~حييت سبعين مرة، لم أرجع عن الشدة في ذات الله، والجهاد لأعداء الله، وأما ~~قولك إنه قد بقي من عقولنا ما عدم به على ما مضى، فإني ما ms140 نقصت عقلي، ولا ~~ندمت على فعلي. # [ (3) ]في وقعة صفين: التي أذللنا بها العزيز، وأعززنا بها الذليل. PageV01P138 # @HAD045 الناس، إني لم أزل من أمري على ما أحب حتى قدحتكم الحرب، وقد ~~والله أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك. وقد كنت بالأمس أميرا، فأصبحت ~~اليوم مأمورا، وكنت ناهيا فأصبحت اليوم منهيا، فليس لي أن أحملكم على ما ~~تكرهون [ (1) ]. ### || ما رد كردوس بن هانئ على علي # قال وذكروا أن كردوس بن هانئ قام فقال: أيها الناس، إنه والله ما تولينا ~~معاوية منذ تبرأنا منه، ولا تبرأنا من علي منذ توليناه، وإن قتيلنا[ (2) ~~]لشهيد، وإن حينا لفائز، وإن عليا على بينة من ربه، وما أجاب القوم إلا ~~إنصافا، وكل محق منصف، فمن سلم له نجا، ومن خالفه هوى. ### || ما قال سفيان[ (3) ]بن ثور # قال: وذكروا أن سفيان[ (3) ]بن ثور قال: أيها الناس إنا دعونا أهل الشام ~~إلى كتاب الله، فردوه علينا، فقاتلناهم، وإنهم دعونا إلى كتاب الله، فإن ~~رددناه عليهم، حل لهم منا ما حل لنا منهم، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ~~ورسوله، وإن عليا ليس بالراجع الناكص، وهو اليوم على ما كان عليه أمس، وقد ~~أكلتنا هذه الحرب، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة. ### || ما قال حريث بن جابر[البكري] # ثم قام حريث بن جابر، فقال: أيها الناس، إن عليا لو كان خلوا[ (4) ]من ~~هذا الأمر لكان المرجع[ (5) ]إليه، فكيف وهو قائده وسابقه؟وإنه والله ما ~~قبل من القوم اليوم إلا الأمر الذي دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم كنتم له ~~أعيب ولا [ (1) ]قارن مع وقعة صفين ص 484 وابن الأعثم 2/308. # [ (2) ]في وقعة صفين وابن الأعثم: وان قتلانا لشهداء، وأحياءنا لأبرار. # [ (3) ]كذا بالأصل، وفي الأخبار الطوال ص 189 ووقعة صفين ص 485 وابن ~~الأعثم 2/309 شقيق. # (وهو شقيق بن ثور البكري) . # [ (4) ]في وقعة صفين ص 485: خلفا. # [ (5) ]في وقعة صفين: المفزع إليه. PageV01P139 # يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه، أو مستدرج مغرور، وما بيننا وبين ~~من طعن علينا إلا السيف. ### || ما قال خالد بن ms141 معمر[السدوسي] # ثم قام خالد بن معمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا والله ما أخرنا[ (1) ~~]هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا، ولكن قلنا: أحب الأمور إلينا ما ~~كفينا مئونته، فأما إذا استغنينا فإنا لا نرى البقاء إلا فيما دعاك القوم ~~إليه اليوم، إن رأيت ذلك، وإن لم تره فرأيك أفضل. ### || ما قال الحصين بن المنذر[ (2) ] # ثم قام الحصين بن المنذر، وكان أحدث القوم سنا، فقال: أيها الناس، إنما ~~بني هذا الدين على التسليم، فلا تدفعوه بالقياس، ولا تهدموه بالشبهة[ (3) ~~]، وإنا والله لو أنا لا نقبل من الأمور إلا ما نعرف، لأصبح الحق في الدنيا ~~قليلا، ولو تركنا وما نهوى لأصبح الباطل في أيدينا كثيرا، وإن لنا راعيا[ ~~(4) ]قد حمدنا ورده وصدره، وهو المأمون على ما قال وفعل، فإن قال: لا، ~~قلنا: لا، وإن قال: # نعم، قلنا: نعم. ### || ما قال عثمان بن حنيف # ثم قام عثمان بن حنيف، وكان من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ~~عاملا لعلي على البصرة، وكان له فضل، فقال: أيها الناس، اتهموا رأيكم، فقد ~~والله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، بالحديبية يوم أبي جندل وإنا ~~لنريد القتال، إنكارا للصلح، حتى ردنا عنه رسول الله، وإن أهل الشامدعوا ~~إلى كتاب الله اضطرارا، فأجبناهم إليه إعذارا، فلسنا والقوم سواء إنا والله ~~ما عدلنا الحي بالحي، ولا القتيل بالقتيل، ولا الشامي بالعراقي، [ (1) ]في ~~وقعة صفين ص 485: اخترنا. # [ (2) ]في الأخبار الطوال ص 189: «الحضين» وفي وقعة صفين ص 485 الحضين ~~الربعي. # [ (3) ]في وقعة صفين: بالشفقة. # [ (4) ]في الأخبار الطوال ووقعة صفين: داعيا. PageV01P140 # ولا معاوية بعلي، وإنه لأمر منعه غير نافع، وإعطاؤه غير ضائر، وقد كلت ~~البصائر التي كنا نقاتل بها، وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نؤول إليه، وذهب ~~الحياء الذي كنا نماري به، فاستظلوا في هذا الفيء، واسكنوا في هذه ~~العافية، فإن قلتم: نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس، هيهات هيهات، ذهب ~~والله قياس أمس، وجاء غد. فأعجب عليا قوله، وافتخرت به الأنصار، ولم ms142 يقل ~~أحد بأحسن من مقالته. ### || ما قال عدي بن حاتم # ثم قام عدي بن حاتم، فقال: أيها الناس، إنه والله لو غير علي دعانا إلى ~~قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من الله برهان، وفي ~~يديه من الله سبب، وإنه وقف عن عثمان بشبهة، وقاتل أهل الجمل على النكث، ~~وأهل الشام على البغي، فانظروا في أموركم وأمره، فإن كان له عليكم فضل، ~~فليس لكم مثله، فسلموا له، وإلا فنازعوا عليه، والله لئن كان إلى العلم ~~بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما، ولئن كان إلى الإسلام إنه لأخو نبي ~~الله، والرأس في الإسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة، إنه لأظهر الناس ~~زهدا، وأنهكهم عبادة، ولئن كان إلى العقول والنحائز[ (1) ]، إنه لأشد الناس ~~عقلا، وأكرمهم نحيزة، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم الناس شرفا ~~ونجدة، ولئن كان إلى الرضا، لقد رضي به المهاجرون والأنصار في شورى عمر رضي ~~الله عنهم، وبايعوه بعد عثمان، ونصروه على أصحاب الجمل وأهل الشام، فما ~~الفضل الذي قربكم إلى الهدى، وما النقص الذي قربه إلى الضلال، والله لو ~~اجتمعتم جميعا على أمر واحد لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض، وكتاب سابق. # فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام، ورجع كل من تشعب على علي ~~رضي الله عنه. ### || ما قال عبد الله بن حجل # ثم قام عبد الله بن حجل فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أمرتنا يوم الجمل [ ~~(1) ]النحائز جمع نحيزة وهي الطبيعة. PageV01P141 # بأمور مختلفة، كانت عندنا أمرا واحدا، فقبلناها بالتسليم، وهذه مثل تلك ~~الأمور، ونحن أولئك أصحابك، وقد أكثر الناس في هذه القضية، وايم الله ما ~~المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف، وقد أخذت الحرب بأنفاسنا، فلم ~~يبق إلا رجاء ضعيف، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه، فأنت أولنا إيمانا، ~~وآخرنا بنبي الله عهدا، وهذه سيوفنا على أعناقنا، وقلوبنا بين جوانحنا، وقد ~~أعطيناك بقيتنا، وشرحت بالطاعة صدورنا، ونفذت في جهاد عدوك بصيرتنا، فأنت ~~الوالي المطاع، ونحن ms143 الرعية الأتباع، أنت أعلمنا بربنا وأقربنا بنبينا، ~~وخيرنا في ديننا، وأعظمنا حقا فينا، فسدد رأيك نتبعك، واستخر الله تعالى في ~~أمرك، وأعزم عليه برأيك، فأنت الوالي المطاع، قال: فسر علي كرم الله وجهه ~~بقوله، وأثنى خيرا. ### || [ما قال صعصعة بن صوحان] # ثم قام صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين، إنا سبقنا الناس إليك يوم ~~قدوم طلحة والزبير عليك، فدعانا حكيم إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف ~~فأجبناه، فقاتل عدوك، حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس، عبدوا الله حتى كانت ~~أكفهم مثل أكف الإبل، وجباههم مثل ركب المعز، فأسر الحي وسلب القتيل، فكنا ~~أول قتيل وأسير[ (1) ]، ثم رأيت بلاءنا بصفين، وقد كلت البصائر، وذهب ~~الصبر، وبقي الحق موفورا، وأنت بالغ بهذا حاجتك، والأمر إليك، ما أراك الله ~~فمرنا به. ### || ما قال المنذر بن الجارود # ثم قام المنذر بن الجارود، فقال: يا أمير المؤمنين، إني أرى أمرا لا يدين ~~له الشام إلا بهلاك العراق، ولا يدين له العراق إلا بهلاك الشام، ولقد كنا ~~نرى أن ما زادنا نقصهم، وما نقصنا أضرهم، فإذا في ذلك أمران، فإن رأيت غيره ~~ففينا والله ما يفل به الحد، ويرد به الكلب، وليس لنا معك إيراد ولا صدر. # [ (1) ]إشارة إلى مقتل أخيه زيد بن صوحان العبدي يوم الجمل. وقد جرح ~~صعصعة أيضا يوم الجمل. PageV01P142 ### || ما قال الأحنف بن قيس # ثم قام الأحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إن الناس بين ماض وواقف، ~~وقائل وساكت، وكل في موضعه حسن، وإنه لو نكل الآخر عن الأول لم يقل شيئا، ~~إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس، ولكنه حق يقضى، ولم نقاتل القوم لنا ولا ~~لك، إنما قاتلناهم لله، فإن حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله، فإنك أولى ~~بالحق، وأحقنا بالتوفيق، ولا أرى إلا القتال. ### || ما قال عمير بن عطارد # ثم قام عمير بن عطارد فقال: يا أمير المؤمنين، إن طلحة والزبير وعائشة ~~كانوا أحب الناس إلى معاوية، وكانت البصرة أقرب إلينا من الشام، وكان ms144 القوم ~~الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، خيرا من الذين ~~وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم، فو الله ما منعنا ذلك من قتل المحارب، ~~وعيب الواقف، فقاتل القوم إنا معك. ### || ما قال علي رضي الله عنه بعده # ثم قام علي خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم @HAD055 قال: أيها الناس، ~~إنه قد بلغ بكم[ (1) ]وبعدوكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا آخر نفس، وإن ~~الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على غير دين، حتى ~~بلغوا منكم ما بلغوا[ (2) ]، وأنا غاد عليهم بنفسي بالغداة فأحاكمهم بسيفي ~~هذا إلى الله. ### || نداء أهل الشام واستغاثتهم عليا رضي الله عنه # قال: فلما بلغ معاوية قول علي دعا عمرو بن العاص، فقال له: يا عمرو إنما ~~هي الليلة، حتى يغدو علينا علي بنفسه[ (3) ]، فما ترى؟قال عمرو: إن رجالك ~~لا يقومون لرجاله، ولست مثله، أنت تقاتله على أمر، ويقاتلك على غيره، وأنت ~~[ (1) ]في وقعة صفين ص 476: بلغ بكم الأمر. # [ (2) ]في وقعة صفين: حتى بلغنا منهم ما بلغنا. # [ (3) ]في وقعة صفين: بالفيصل. PageV01P143 # تريد البقاء، وعلي يريد الفناء، وليس يخاف أهل الشام من علي ما يخاف منك ~~أهل العراق وإن هلكوا، ولكن ادعهم إلى كتاب الله. فإنك تقضي منه حاجتك، قبل ~~أن ينشب مخلبه فيك، فأمر معاوية أهل الشام أن ينادوهم، فنادوا في سواد ~~الليل نداء معه صراخواستغاثة، يقولون: يا أبا الحسن من لذرارينا من الروح ~~إن قتلتنا؟الله الله، البقيا، كتاب الله بيننا وبينكم. فأصبحوا وقد رفعوا ~~المصاحف على الرماح، وقلدوها أعناق الخيل، والناس على راياتهم قد أصبحوا ~~للقتال. ### || ما أشار به عدي بن حاتم # فقام عدي بن حاتم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن أهل الباطل[ (1) ]لا تعوق ~~أهل الحق، وقد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك، وليس بعد الجزع إلا ما ~~تحب، ناجز القوم. ### || ما قال الأشتر وأشار به # ثم قام الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدينا. إن معاوية لا ~~خلف له من رجاله، ولكن بحمد ms145 الله الخلف لك، ولو كان له مثل رجالك لم يكن له ~~مثل صبرك ولا نصرتك[ (2) ]، فافرج الحديد بالحديد، واستعن بالله. ### || ما قال عمرو بن الحمق # ثم قام عمرو بن الحمق، فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجبناك لدنيا، ولا ~~نصرناك على باطل، ما أجبناك إلا لله تعالى، ولا نصرناك إلا للحق، ولو دعانا ~~غيرك إلى ما دعوتنا لكثر[ (3) ]فيه اللجاج، وطالت له النجوى، وقد بلغ الحق ~~مقطعه، وليس لنا معك رأي. ### || ما قال الأشعث بن قيس # ثم قام الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لك اليوم على ما [ ~~(1) ]العبارة في وقعة صفين ص 482: إن كان أهل الباطل لا يقومون بأهل الحق ~~فإنه لم يصب عصبة منا وقد أصيب مثلها منهم، وكل مقروح، ولكنا أمثل بقية منهم. # [ (2) ]في وقعة صفين ص 482: بصرك، فاقرع الحديد... # [ (3) ]في وقعة صفين ص 482: « لاستشرى» أي اشتد وقوي. PageV01P144 # كنا عليه أمس، ولست أدري كيف يكون غدا. وما القوم الذين كلموك بأحمد لأهل ~~العراق مني، ولا بأوتر لأهل الشام مني، فأجب القوم إلى كتاب الله، فإنك أحق ~~به منهم، وقد أحب الله البقيا[ (1) ]. ### || ما قال عبد الرحمن بن الحارث # ثم قام عبد الرحمن بن الحارث، فقال: يا أمير المؤمنين، امض لأمر الله، ~~ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. أحكم بعد حكم؟وأمر بعد أمر؟مضت دماؤنا ~~ودماؤهم، ومضى حكم الله علينا وعليهم. ### || ما رآه علي كرم الله وجهه # قال: فمال علي إلى قول الأشعث بن قيس وأهل اليمن، @HAD034 فأمر رجلا ~~ينادي: إنا قد أجبنا معاوية إلى ما دعانا إليه، فأرسل معاوية إلى علي: إن ~~كتاب الله لا ينطق، ولكن نبعث رجلا منا ورجلا منكم، فيحكمان بما فيه. فقال علي: # @HAD04 قد قبلت ذلك. ### || ما قال عمار بن ياسر # فلما أظهر علي أنه قبل ذلك قام عمار بن ياسر فقال: يا أمير المؤمنين، أما ~~والله لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء، من أقر بها هلك، ومن أنكرها ملك، مالك ~~يا أبا الحسن؟شككتنا في ديننا!ورددتنا على أعقابنا بعد مائة ألف قتلوا منا ~~ومنهم؟أفلا كان ms146 هذا قبل السيف؟وقبل طلحة والزبير وعائشة، قد دعوك إلى ذلك ~~فأبيت، وزعمت أنك أولى بالحق وأن من خالفنا منهم ضال حلال الدم، وقد حكم ~~الله تعالى في هذا الحال ما قد سمعت، فإن كان القوم كفارا مشركين، فليس لنا ~~أن نرفع السيف عنهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، وإن كانوا أهل فتنة فليس لنا ~~أن نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، والله ما ~~أسلموا، ولا أدوا الجزية، ولا فاءوا إلى أمر الله، ولا طفئت الفتنة، @HAD09 ~~فقال علي: والله إني لهذا الأمر كاره. # [ (1) ]الأخبار الطوال ص 190 وقعة صفين ص 482. PageV01P145 ### || قتل عمار بن ياسر # قال: فلما رد علي على عمار أنه كاره للقضية، وأنه ليس من رأيه، نادى ~~عمار: أيها الناس هل من رائح إلى الجنة، فخرج إليه خمس مائة رجل، منهم أبو ~~الهيثم وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، فاستسقى عمار الماء، فأتاه غلام له ~~بإداوة فيها لبن، فلما رآه كبر و@HAD015 قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يقول: «آخر زادك من الدنيا لبن» [ (1) ]، ثم قال عمار: اليوم ألقى ~~الأحبة: محمدا وحزبه. ثم حمل عمار وأصحابه، فالتقى عليه رجلان فقتلاه[ (2) ~~]، وأقبلا برأسه إلى معاوية يتنازعان فيه، كل يقول أنا قتلته، فقال لهما ~~عمرو بن العاص: والله إن تتنازعان إلا في النار، @HAD013 سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: «تقتل عمارا الفئة الباغية» [ (3) ]فقال معاوية: ~~قبحك الله من شيخ!فما تزال تتزلق في قولك، أو نحن قتلناه؟إنما قتله الذين ~~جاءوا به، ثم التفت إلى أهل الشام فقال: # إنما نحن الفئة الباغية؟التي تبغي دم عثمان. فلما قتل عمار اختلط الناس، ~~حتى ترك أهل الرايات مراكزهم، وأقحم أهل الشام، وذلك من آخر النهار، وتفرق ~~الناس عن علي، فقال عدي بن حاتم: والله يا أمير المؤمنين ما أبقت هذه ~~الوقعة لنا ولا لهم عميدا، فقاتل حتى يفتح الله تعالى لك، فإن فينا بقية، ~~@HAD034 فقال علي: يا عدي، قتل عمار بن ياسر؟قال: نعم، فبكى علي وقال: رحمك ~~الله يا عمار، ms147 استوجب الحياة والرزق الكريم، كم تريدون أن يعيش عمار، وقد ~~نيف على التسعين؟ [ (4) ]. ### || هزيمة أهل الشام # ثم أقبل الأشتر جريحا، فقال: يا أمير المؤمنين، خيل كخيل، ورجال كرجال، ~~ولنا الفضل إلى ساعتنا هذه، فعد مكانك الذي كنت فيه، فإن الناس [ (1) ]رواه ~~البيهقي في الدلائل 6/420 والإمام أحمد في مسندة 4/319 والحاكم في المستدرك 3/389. # [ (2) ]هما أبو العادية العاملي وابن جون السكسكي (مروج الذهب) وفي وقعة ~~صفين لابن مزاحم: ابن جون السكوني، وأبو العادية الفزاري طعنه أبو العادية ~~واحتز رأسه ابن جون. # [ (3) ]مسند الإمام أحمد 2/161، 3/5، 4/319، 6/315 و289. وبعضه أخرجه ~~مسلم في الفتن 4/233 والبخاري في الصلاة فتح الباري 1/541. # [ (4) ]في مروج الذهب: ثلاث وتسعون سنة. PageV01P146 # إنما يطلبوك حيث تركوك. وإن عليا دعا بفرسه التي كانت لرسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ثم دعا ببغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء، ثم ~~تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم السوداء، ثم نادى: من يبع نفسه ~~اليوميربح غدا، يوم له ما بعده، وإن عدوكم قد قدح كما قدحتم. فانتدب له ما ~~بين عشرة آلاف إلى اثنى عشر ألفا واضعي سيوفهم على عواتقهم وتقدموا، فحمل ~~علي والناس حملة واحدة، فلم يبق لأهل الشام صف إلا أهمد، حتى أفضى الأمر ~~إلى معاوية، وعلي يضرب بسيفه، ولا يستقبل أحدا إلا ولى عنه. # فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه، فلما وضع رجله في الركاب نظر إلى عمرو بن ~~العاص، فقال له: يا بن العاص، اليوم صبر، وغدا فخر، قال: صدقت، فترك ~~الركوب، وصبر وصبر القوم معه إلى الليل، فبات الناس يتحارسون، وكرهوا ~~القتال، وهو اليوم الذي فيه البلاء العظيم، يوم قتل عمار، وكل يظن أن ~~الدائرة عليه، وأسرف الفريقان في القتل، ولم يكن في الإسلام بلاء ولا قتل ~~أعظم منه في تلك الثلاثة الأيام، وإن عليا نادى بالرحيل في جوف الليل، فلما ~~سمع معاوية رضي الله عنه رغاء الإبل، دعا عمرو بن العاص، فقال: ما ترى ~~هاهنا؟قال عمرو: أظن الرجل هاربا، فلما أصبحوا ms148 إذا علي وأصحابه إلى جانبهم ~~قد خالطوهم، فقال معاوية: كلا، زعمت يا عمرو أنه هارب، فضحك وقال: من ~~فعلاته والله، فعندها أيقن معاوية بالهلكة، ونادى أهل الشام: كتاب الله ~~بيننا وبينكم، ويومئذ استبان ذل أهل الشام، ورفعوا المصاحف، ثم ارتحلوا ~~فاعتصموا بحبل منيف، وصاحوا: لا ترد كتاب الله يا أبا الحسن فإنك أولى به ~~منا، وأحق من أخذ به. ### || ما قال الأشعث بن قيس # قال: فأقبل الأشعث بن قيس في أناس كثير من أهل اليمن، فقالوا لعلي: # لا ترد ما دعاك القوم إليه، قد أنصفك القوم، والله لئنلم تقبل هذا منهم ~~لا وفاء معك، ولا نرمي معك بسهم ولا حجر، ولا نقف معك موقفا. ### || ما قال القراء # قال: فلما سمع علي قول الأشعث ورأى حال الناس قبل القضية، وأجاب PageV01P147 # إلى الصلح، وقام إلى علي أناس، وهم القراء[ (1) ]منهم عبد الله بن وهب ~~الراسبي في أناس كثير قد اخترطوا سيوفهم، ووضعوها على عواتقهم، فقالوا ~~لعلي: اتق الله، فإنك قد أعطيت العهد وأخذته منا، لنفنين أنفسنا أو لنفنين ~~عدونا، أو يفيء إلى أمر الله، وإنا نراك قد ركبت إلى أمر فيه الفرقة ~~والمعصية لله، والذل في الدنيا، فانهض بنا إلى عدونا، فلنحاكمه إلى الله ~~بسيوفنا. حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين، لا حكومة الناس. ### || ما قال عثمان بن حنيف # ثم قام عثمان بن حنيف، فقال: أيها الناس، اتهموا رأيكم، فإنا والله قد ~~كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ولو رأينا قتالا قاتلنا ~~وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أهل مكة، ~~فامض على القضية، واتهم هذا الصلح. ### || ما قال الأشتر وقيس بن سعد # قال: فأنكرها الأشتر وقيس بن سعد وكانا أشد الناس على علي فيها قولا، ~~فكان الذين عملوا في الصلح الأشعث بن قيس، وعدي بن حاتم وشريح بن هانئ، ~~وعمرو بن الحمق وزحر بن قيس، ومن أهل الشام زيد بن أسد، ومخارق بن الحارث، ~~وحمزة بن مالك. فلما رأى ms149 ذلك أبو الأعور قام إلى معاوية، فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن القوم لم يجيبوا إلى ما دعوناهم إليه حتى لم يجدوا من ذلك بدا ~~وإنهم إن ينصرفوا العام يعودوا في قابل في سنة يبرأ فيها الجريح، وينسى ~~القتيل، وقد أخذت الحرب منا ومنهم، غير أنهم اختلفوا على علي، ولم يختلف ~~عليك أحد والخلاف أشد من القتل، ناجز القوم، فقال بشر بن أرطاة: والله إن ~~الشام خير من العراق لعلي، وما في يدك لك، وما في يد علي لأصحابه دونه، ~~فإنه كنت إنما سألت المدة لإعداد العدة، وانتظار المدد، فنعم، وإن كنت ~~سألتها بغض الحرب، وبقيا على أهل الشام، فلا. # [ (1) ]ذكر الطبري وغيره أن عصابة من القراء منهم مسعر بن فدكي التميمي ~~وزيد بن حصين الطائي ثم السنبسي ودعوه إلى إجابة القوم إلى ما دعوه إليه من ~~كتاب الله وإلا دفعناك إليهم برغمك أو قتلناك كما قتلنا عثمان (الطبري 6/27 ~~وقعة صفين ص 489 فتوح ابن الأعثم 2/312) . PageV01P148 ### || ذكر الاتفاق على الصلح وإرسال الحكمين # قال: وذكروا أن معاوية قال لأصحابه حين استقامت المدة، ولم يسم الحكمان: ~~من ترون عليا يختار؟فأما نحن فصاحبنا عمرو بن العاص. قال عتبة بن أبي ~~سفيان: أنت أعلم بعلي منا. فقال معاوية: إن لعلي خمسة رجال من ثقاته، منهم ~~عدي بن حاتم، وعبد الله بن عباس، وقيس بن سعد، وشريح بن هانئ، والأحنف بن ~~قيس، وأنا أصفهم لك: أما ابن عباس فإنه لا يقوى عليه، وأما عدي بن حاتم ~~فيرد عمرا سائلا، ويسأله مجيبا، وأما شريح بن هانئ فلا يدع لعمرو حياضا، ~~وأما الأحنف بن قيس فبديهته كرويته، وأما قيس بن سعد فلو كان من قريش ~~بايعته العرب. ومع هذا إن الناس قد ملوا هذه الحرب، ولم يرضوا إلا رجلا له ~~تقية، وكل هؤلاء لا تقية لهم، ولكن انظروا أين أنتم من رجل من أصحاب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، تأمنه أهل الشام، وترضى به أهل العراق، فقال ~~عتبة: ذلك أبو موسى الأشعري. ### || اختلاف أهل العراق ms150 في الحكمين # قال: وذكروا أن عليا لما استقام رأيه على أن يرسل عبد الله بن عباس مع ~~عمرو بن العاص، قام إليه الأشعث بن قيس، وشريح بن هانئ، وعدي بن حاتم، وقيس ~~بن سعد، ومعهم أبو موسى الأشعري، فقالوا: يا أمير المؤمنين هذا أبو موسى ~~الأشعري وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصاحب مغانم أبي ~~بكر[ (1) ]، وعامل عمر بن الخطاب، وقد عرضنا على القوم ابن عباس فزعموا أنه ~~قريب القرابة منك، ضنين في أمرك[ (2) ]، وايم الله لو لقيت به عمرا لأخذ ~~بصره، وغم صدره. ولكن الناس قد رضوا برجل يثق أهل العراق وأهل الشام ~~بتقيته. فتكلم شبيب بن ربعي، فقال: إنا والله وإن خفنا على أبي موسى من ~~عمرو ما لا يخافه أهل الشام على عمرو من أبي موسى، فلعل ما خفناه لا يضرنا، ~~ولعل ما رجوا لا ينفعهم، فإن قلت في أبي موسى ضعف فضعفه وتقاه خير من قوة ~~عمرو وفجوره، فأغلق به البلاء، وافتح به العافية. ثم [ (1) ]أي الذي كان ~~يتولى أمر قسمة المغانم والمقاسم ونحوها. # [ (2) ]في وقعة صفين ص 502 ذكر هذا القول لابن الكواء. PageV01P149 # تكلم ابن الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أجبت الله وأجبناك، ولكنا نقول: # الله بيننا وبينك، إن كنت تخشى من أبي موسى عجزا فشر من أرسلت الخائن ~~العاجز، ولست تحتاج من عقله إلا إلى حرف واحد، أن لا يجعل حقك لغيرك، فيدرك ~~حاجته منك. ثم قال لأبي موسى: اعلم أن معاوية طليق الإسلام، وأن أباه رأس ~~الأحزاب، وأنه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدقك فقد حل خلعه، وإن كذبك ~~فقد حرم عليك كلامه، وإن ادعى أن عمر وعثمان استعملاه، فلقد صدق، استعمله ~~عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض، يحميه ما يشتهي، ويوجره ما ~~يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا ممن لم يدع الخلافة، ~~واعلم أن لعمرو مع كل شيء يسرك خبرا يسوؤك، ومهما نسيت فلا تنس أن عليا ~~بايعه الذين بايعوا ms151 أبا بكر وعمر وعثمان، وأنها بيعة هدي، وأنه لم يقاتل ~~إلا عاصيا أو ناكثا. فقال أبو موسى: رحمك الله، أما والله ما لي إمام غير ~~علي، وإني لواقف عند ما رأى، ولرضاء الله تعالى أحب إلي من رضاء الناس، وما ~~أنا وأنت إلا بالله تعالى[ (1) ]. ### || ما قال أهل الشام لأهل العراق # قال: وذكروا أن أهل الشام قالوا لأهل العراق: أعطونا رجالا نسميهم لكم، ~~يكونوا شهودا على ما يقوله صاحبنا وصاحبكم، بيننا وبينكم صحيفة، @HAD06 ~~فقال علي: سموا من أحببتم، فسموا ابن عباس، والأشعث بن قيس، وزياد بن كعب، ~~وشريح بن هانئ، وعدي بن حاتم، وحجر بن عدي، وعبد الله بن الطفيل، وسفيان بن ~~ثور، وعروة بن عامر، وعبد الله بن حجر، وخالد بن معمر، وطلب أهل العراق من ~~أهل الشام: عتبة بن أبي سفيان، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ويزيد بن ~~أسيد، وأبا الأعور، والحصين بن نمير، وحمزة بن مالك، وبسر بن أرطاة، ~~والنعمان بن بشير، ومخارق بن الحارث. # [ (1) ] @HAD033 ولما رأى علي أن القوم مصرون على أبي موسى الأشعري رغم ~~اتهامه له قال لهم: فاصنعوا ما أردتم، وافعلوا ما بدا لكم أن تفعلوه. اللهم ~~إني أبرأ إليك من صنيعهم. وفي ذلك يقول خريم بن فاتك الأسدي: # لو كان للقوم رأي يعصمون به # عند الخطوب رموكم بابن عباس # لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن # لم يدر ما ضرب أخماس بأسداس # ما الأشعري بمأمون أبا حسن # خذها إليك وليس الفخذ كالرأس PageV01P150 # فلما سمى أهل العراق رجال أهل الشام، وسمى أهل الشام رجال أهل العراق، ~~قال معاوية: أين يكون هذان الرجلان؟فرضي الناس أن يكونا بدومة الجندل. ### || ما قال الأحنف بن قيس لعلي # قال: فلما لم يبق إلا الكتاب، قال الأحنف بن قيس لعلي: يا أمير المؤمنين ~~إن أبا موسى رجل يماني، وقومه مع معاوية، فابعثني معه، فو الله لا يحل لك ~~عقدة إلا عقدت لك أشد منها، فإن قلت: إني لست من أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فابعث[ (1) ]ابن عباس وابعثني ms152 معه[ (2) ]. ### || ما قال علي كرم الله وجهه # @HAD023 فقال علي: إن الأنصار والقراء أتوني بأبي موسى، فقالوا: ابعث ~~هذا، فقد رضيناه، ولا نريد سواه، و@QUR@ الله بالغ أمره . ### || الاختلاف في كتابة صحيفة الصلح # قال: فوضع الناس السلاح، والتقوا بين العسكرين، فلما جيء بالكتاب ~~@HAD0127 قال علي: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه علي بن ~~أبي طالب أمير المؤمنين، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية: علام قاتلناك ~~إذا كنت أمير المؤمنين؟اكتب: علي بن أبي طالب. فقال الأشعث: اطرح هذا الاسم ~~فإنه لا يضرك، فضحك علي، ثم قال: دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الحديبية[ (3) ]، حين صده المشركون عن مكة، فقال: يا علي اكتب: هذا ما ~~تقاضى عليه محمد رسول الله ومشركو قريش، فقال سهيل بن عمرو: لقد ظلمناك إذا ~~يا محمد إن قاتلناك وأنت رسول الله، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: اكتب محمد بن عبد الله، وإني [ (1) ]في وقعة صفين ص 502 ~~«فابعث غير عبد الله بن قيس» . # @HAD020 [ (2) ]انظر وقعة صفين ص 501 وابن الأعثم 3/5 في كلام كثير. ~~والأخبار الطوال ص 193. # @HAD023 [ (3) ]راجع بشأن صلح الحديبية سيرة ابن هشام 2/180 الطبري 3/79 ~~الكامل للمبرد ص 540 وقعة صفين لابن مزاحم ص 275. PageV01P151 # @HAD055 رسول الله. وكنت إذا أمرني بشيء رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أسرعت، وإذا قال مشركو قريش أبطأت به، وإذا كتبت شيئا قال نبي الله، امحها، ~~فتعاظمني ذلك. فدعا بمقراض فقرضه، وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما ~~تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال أبو الأعور: أو ~~معاوية وعلي، فقال الأشعث: لا لعمر الله، ولكن نبدأ بأولهما إيمانا وهجرة، ~~وأدناهما من الغلبة. فقال معاوية: قدموا أو أخروا، تقاضوا على أن عليا ومن ~~معه من شيعته من أهل العراق[ (1) ]، ومعاوية ومن معه من أهل الشام، أنا ~~ننزل عند حكم الله وكتابه، من فاتحته إلى خاتمته، ما أحيا القرآن أحييناه، ~~وما أمات القرآن أمتناه، وما لم يجد عبد الله بن ms153 قيس وعمرو بن العاص في ~~القرآن حكما بما يجدان في السنة العادلة[ (2) ]، غير المفرقة، وعلى علي ~~ومعاوية، وتبيعتهما وضع السلاح إلى انقضاء هذه المدة، وهي من رمضان إلى ~~رمضان، وعلى أن عبد الله بن قيس وعمرا آمنان على دمائهما وأموالهما ~~وحريمهما والأمة على ذلك أنصار، وعليهما مثل الذي أخذا أن يقضيا بما في ~~كتاب الله تعالى، وما لم يجدا في كتاب الله قضيا بما يجدان في السنة، ~~وعليهما أن لا يؤخرا أمرهما عن هذه المدة، فإن أحبا أن[ (3) ]أن يقولا قبل ~~انقضائها، فلهما أن يقولا عن تراض منهما، على أن يرجع أهل العراق إلى ~~العراق، وأهل الشام إلى الشام، فيكون الاجتماع إلى دومة الجندل[ (4) ]، ~~فإن رضيا أن يجتمعا بغيرهما فلهما ذلك، ولهما ألا يحضرهما إلا من أحبا، ولا ~~يشهدا إلا من أرادا، وهؤلاء النفر [ (1) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: وأهل ~~الحجاز. # [ (2) ]في الطبري: السنة العادلة الجامعة. # [ (3) ]في الطبري: إن أحبا أن يؤخرا ذلك أخراه عن تراض بينهما. # [ (4) ]ذكر بعض الرواة إلى أن التحكيم جرى بأذرح، ومنهم من قال أنها كانت ~~بدومة الجندل، وقد أكثر الشعراء في ذكر أذرح وأن التحكيم كان بها وفي معجم ~~البلدان: «وبأذرح إلى الجرباء كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص وأبي موسى ~~الأشعري، وقيل بدومة الجندل والصحيح أذرح والجرباء ويشهد بذلك قول ذي الرمة ~~يمدح بلال بن أبي بردة بن أبي موسى: # فشد إصار الدين أيام أذرح # ورد حروبا قد لقحن إلى عقر # وكان الأصمعي يلعن كعب بن جعيل لقوله في عمرو بن العاص: # كأن أبا موسى عشية أذرح # يطيف بلقمان الحكيم يوار به # وقال الأسود بن الهيثم: # لما تداركت الوفود بأذرح # وفي أشعري لا يحل له غدر PageV01P152 # من أهل العراق وأهل الشام ضامنون بالوفاء إلى هذه المدة، فكتب أهل العراق ~~بهذا كتابا لأهل الشام[ (1) ]، وكتب أهل الشام كتابا بهذا لأهل العراق، ~~بخط عمرو ابن عبادة[ (2) ]كاتب معاوية، وشهد شهود أهل الشام على أهل ~~العراق، وشهد شهود أهل العراق على أهل الشام[ (3) ]. # فلما كتب الكتابان ms154 أقبل رجل من بني يشكر، على فرس له أبلق، حتى وقف بين ~~الصفين على علي، فقال: يا علي، أكفر بعد إسلام، ونقض بعد توكيد، وردة بعد ~~معرفة؟أنا من صحيفتيكما بريء، وممن أقر بها بريء، ثم حمل على أصحاب ~~معاوية، فطعن منهم، حتى إذا عطش أتى عسكر علي، فاستسقى فسقي، ثم حمل على ~~عسكر علي، فطعن فيهم، حتى إذا عطش أتى عسكر معاوية، فاستسقى فسقي. ### || ما وصى به شريح بن هانئ أبا موسى[ (4) ] # قال: وذكروا أن شريح بن هانئ أخذ بيد أبي موسى فقال: يا أبا موسى إنك قد ~~نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه، ولا تستقال فلتته[ (5) ]، ومهما تقل من شيء ~~لك أو عليك، يثبت حقه، ويزيل باطله، إنه لا بقاء لأهل العراق إن ملكها ~~معاوية، ولا بأس بأهل الشام إن ملكها علي، فانظر في ذلك من يعرف هذا الأمر حقا. # [ (1) ]بخط عبيد الله بن أبي رافع كاتب علي. # [ (2) ]في ابن الأعثم عمار بن عباد الكلبي. وفي كتاب صفين ص 507: وكتب ~~عمر.. وفي ص 511 وكتب عميرة. وقد ذكر الجهشياري في كتاب الوزراء والكتاب من ~~كتب لمعاوية ص 24-27: # عبيد الله بن أوس الغساني، وسرجون بن منصور الرومي، عبد الرحمن بن دراج، ~~سليمان بن سعيد، عبيد الله بن نصر بن الحجاج بن علاء السلمي، حبيب بن عبد ~~الملك بن مروان، ابن أثال النصراني. ولم يذكر الطبري في كتاب معاوية من ~~اسمه عمار أو عمر بن عباد أو عبادة. # [ (3) ]انظر في شهود أهل العراق وأهل الشام ذيل وثيقة التحكيم في وقعة ~~صفين ص 506-507 الطبري 6/29 الأخبار الطوال 194 معجم البلدان 4/109. # [ (4) ]كان أبو موسى قد أقبل إلى علي وقال له: يا أمير المؤمنين إني لست ~~آمن الغوائل فابعث معي قوما من أصحابك إلى دومة الجندل، فبعث معه علي رضي ~~الله عنه شريح بن هانئ في خمسمائة رجل. # [ (5) ]في ابن الأعثم: «ولا يستقال عثرته» وفي وقعة صفين لابن مزاحم: ~~«ولا يستقال فتقه» وفي نسخة: # ولا تستقال فتنته. PageV01P153 ### || ما وصى به الأحنف ms155 بن قيس أبا موسى # قال: ثم جاء الأحنف بن قيس، فأخذ بيده، ثم قال: يا أبا موسى، اعرف خطب ~~هذا الأمر، واعلم أن له ما بعده، وإنك إن ضيعت العراق، فلا عراق لك، فاتق ~~الله، فإنك تجمع بذلك دنيا وأخرى، وإذا لقيت عمرا غدا فلا تبادره بالسلام[ ~~(1) ]، فليس من أهله، ولا تعطه يدك، فإنها أمانة، وإياك أن يقعدك على صدر ~~الفراش، فإنها خدعة، ولا تلقه إلا وحده، وإياك أن يكلمك في بيت فيه مخدع ~~يخبأ لك فيه رجالا[ (2) ]، وإن لم يستقم لك عمرو على الرضا بعلي، فخيره أن ~~يختار أهل العراق من قريش أهل الشام من شاءوا، فإنهم إن يولوا الخيار ~~يختاروا من يريدون، فإن أبى فلتختر أهل الشام من قريش أهل العراق من شاءوا، ~~فإن فعلوا كان الأمر بيننا. ### || ما قال معاوية لعمرو # قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: إن أهل العراق أكرهوا عليا على أبي ~~موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وأرجو في دفع هذه الحرب خصالا: قوة لأهل ~~الشام، وفرقة لأهل العراق، وإمدادا لأهل اليمن، وقد ضم إليك رجل طويل ~~اللسان، قصير الرأي، وله على ذلك دين وفضل، فدعه يقل، فإذا هو قال فاصمت، ~~واعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل، إن خوفك العراق فخوفه بالشام، وإن خوفك ~~مصر فخوفه باليمن، وإن خوفك عليا فخوفه بمعاوية، وإن أتاك بالجميل، فأته ~~بالجميل. قال عمرو: يا أمير المؤمنين، أقلل الاهتمام بما قبلي، وارج الله ~~تعالى فيما وجهتني له، إنك من أمرك على مثل حد السيف، لم تنل في حربك ما ~~رجوت، ولم تأمن ما خفت، ونحن نرجو أن يصنع الله تعالى لك خيرا، وقد ذكرت ~~لأبي موسى دينا، وإن الدين منصور، أرأيت إن ذكر عليا وجاءنا بالإسلام ~~والهجرة واجتماع الناس عليه، ما أقول؟فقال معاوية: قل ما تريد وترى. قال: ~~فانصرف عمرو إلى منزله، فقال لأصحابه: هل ترون ما أراد معاوية من تصغير أبي ~~موسى؟قالوا: لا، قال: عرف أني خادعه غدا. # [ (1) ]في وقعة صفين ص 536: فإنها وإن كانت سنة إلا ms156 أنه ليس من أهلها. # [ (2) ]يريد رجالا شهود، يسمعون كلام أبي موسى ويشهدون عليه دون أن يعلم. PageV01P154 ### || ما قال شرحبيل لعمرو # قال: وأتى شرحبيل بن السمط إلى عمرو، فقال: يا عمرو، إنك رجل قريش، وإن ~~معاوية لم يبعثك إلا لثقته بك، واعلم أنك لا تؤتى من عجز[ (1) ]، وقد علمت ~~أن وطأة هذا الأمر لصاحبك ولك، فكن عند ظننا بك. ### || اجتماع أبي موسى وعمرو # قال: وذكروا أن أبا موسى وعمرا لما اجتمعا بدومة الجندل، وحضرهما من ~~يليهما من العرب، ليستمعوا قول الرجلين، فلما التقيا استقبل عمرو أبا موسى، ~~فأعطاه يده وضم عمرو أبا موسى إلى صدره، فقال: يا أخي قبح الله أمرا فرق ~~بيننا، ثم أقعد أبا موسى على صدر الفراش، وأقبل عليه بوجهه، والناس ~~مجتمعون، فلم يزالا حتى تفرقا، ومكثا أياما يلتقيان في أمرهما سرا وجهرا، ~~وأقبل الأشعث بن قيس، وكان من أحرص الناس على إتمام الصلح، والراحة من ~~الحرب، فقال: يا هذان، إنا قد كرهنا هذه الحرب، فلا ترداها إلينا، فإنها ~~مرة الرضاع والفطام، فكفاها بما شئتما. ### || ما قال سعيد بن قيس للحكمين # قال: فأقبل سعيد بن قيس، وكان من النصحاء لعلي كرم الله وجهه، فقال: # أيها الرجلان، إني أراكما قد أبطأتما بهذا الأمر حتى أيس القوم منكما، ~~فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه، نسمعه ونشهد عليه، وإن كنتما لم ~~تجتمعا رجعنا إلى الحرب. ### || ما قال عدي بن حاتم لعمرو # قال: وذكروا أن عديا قال لعمرو: أما والله يا عمرو إنك لغير مأمون ~~الغناء، وإنك يا أبا موسى لغير مأمون الضعف، وما ننتظر بالقول منكما إلا أن ~~تقولا[ (2) ]، [ (1) ]زيد في وقعة صفين ص 536: ومكيدة. # [ (2) ]كذا بالأصل، وفي فتوح ابن الأعثم 3/25 نسب هذا القول إلى عمرو بن ~~العاص. وزيد فيه: # فأمسك عنك يا هذا. PageV01P155 # والله ما لكما مع كتاب الله إيراد ولا صدر. فقال أبو موسى: كفوا عنا فإنا ~~إنما نقول فيما بقي، ولسنا نقول فيما مضى. ### || ما قال عمرو لأبي موسى # قال: وذكروا أن عمرا غدا على أبي موسى، ms157 فقال: يا أبا موسى، قد عرفت حال ~~معاوية في قريش، وشرفه في بني عبد مناف، وأنه ابن هند، وابن أبي سفيان، فما ~~ترى؟فقال أبو موسى: أما معاوية فليس بأشرف في قريش من علي، ولو كان هذا ~~الأمر على شرف الجاهلية، كان أخوال ذي أصبح[ (1) ]، ولكنني أرى وترى، ~~وباعده أبو موسى، ثم غدا عليه عمرو، فقال: يا أبا موسى إن قال قائل: إن ~~معاوية من الطلقاء، وأبوه رأس الأحزاب، لم يبايعه المهاجرون والأنصار فقد ~~صدق، وإذا قال إن عليا آوى قتلة عثمان، وقتل أنصاره يوم الجمل، وبرز على ~~أهل الشام بصفين فقد صدق، وفينا وفيكم بقية، وإن عادت الحرب ذهب ما بقي، ~~فهل لك أن تخلعهما جميعا، وتجعل الأمر لعبد الله بن عمر، فقد صحب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولم يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا، وقد علمت من هو ~~مع فضله وزهده وورعه وعلمه، فقال أبو موسى: جزاك الله بنصيحتك خيرا، وكان ~~أبو موسى لا يعدل بعبد الله بن عمر أحدا، لمكانه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومكانه من أبيه، لفضل عبد الله في نفسه، وافترقا على هذا الأمر، ~~واجتمع رأيهما على ذلك[ (2) ]. ثم إن عمرا غدا على أبي موسى بالغد، وجماعة ~~الشهود، فقال: يا أبا موسى، ناشدتك الله تعالى، من أحق بهذا الأمر؟من أوفى، ~~أو من غدر؟قال أبو موسى: من أوفى. قال عمرو: يا أبا موسى، نشدتك الله ~~تعالى، ما تقول في عثمان؟قال أبو موسى: قتل مظلوما. قال عمرو: فما الحكم ~~فيمن قتل؟قال أبو موسى: يقتل بكتاب الله تعالى. قال: فمن يقتله؟قال: أولياء ~~عثمان. قال: فإن الله يقول في [ (1) ]في وقعة صفين ص 541: ولو كان على ~~الشرف كان أحق الناس بهذا الأمر أبرهة بن الصباح. # [ (2) ]اختلفوا في ذلك، فقيل إن أبا موسى هو الذي أشار على ابن العاص ~~بخلع الرجلين (علي ومعاوية) وتولية عبد الله بن عمر وقد أشار ابن العاص إلى ~~تولية ابنه عبد الله فقال له أبو موسى: إن ابنك رجل صدق ms158 ولكنك غمسته في هذه ~~الفتنة. فرفض عمرو بن العاص رأي أبي موسى، واتفقا على خلع الرجلين وجعل ~~الأمر شورى بين المسلمين يختارون لأنفسهم من شاءوا ومن أحبوا (انظر وقعة ~~صفين ص 544 و545 الطبري 5/68-69 الأخبار الطوال ص 200) . PageV01P156 # كتابه العزيز: @QUR@08 ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا [الإسراء: ~~33]. قال: # فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان؟قال: نعم[ (1) ]. قال عمرو للقوم: ~~اشهدوا. # قال أبو موسى للقوم: اشهدوا على ما يقول عمرو. # ثم قال أبو موسى لعمرو: قم يا عمرو: فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيي ورأيك، ~~وما اتفقنا عليه، فقال عمرو: سبحان الله!أقوم قبلك[ (2) ]وقد قدمك الله ~~قبلي في الإيمان والهجرة، وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله، ووافد رسول ~~الله إليهم، وبك هداهم الله، وعرفهم شرائع دينه، وسنة نبيه، وصاحب مغانم ~~أبي بكر وعمر!ولكن قم أنت فقل، ثم أقوم فأقول. فقام أبو موسى[ (3) ]، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس. إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه، ~~وإني لا أهلك ديني بصلاح غيري، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب، وإني رأيت ~~وعمرا أن نخلع عليا ومعاوية، ونجعلها لعبد الله بن عمر[ (4) ]، فإنه لم ~~يبسط في هذه الحرب يدا ولا لسانا، ثم قام عمرو فقال: أيها الناس، هذا أبو ~~موسى شيخ المسلمين، وحكم أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا، وقد خلع ~~عليا وأنا أثبت معاوية. فقال أبو موسى: مالك؟عليك لعنة الله!ما أنت إلا ~~كمثل الكلب تلهث!فقال عمرو: لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا، واختلط الناس، ~~فقالوا: # والله لو اجتمعنا على هذا ما حولتمانا عما نحن عليه، وما صلحكما بلازمنا، ~~وإنا اليوم على ما كنا عليه أمس، ولقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع، وما ~~أمات قولكما حقا، ولا أحيا باطلا. ثم تشاتم أبو موسى وعمرو، ثم انصرف عمرو ~~إلى معاوية، ولحق أبو موسى بمكة، وانصرف القوم إلى علي، فقال عدي: أما ~~والله [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 199: أن أولى منه ابنه عمرو بن عثمان. # [ (2) ]كان عمرو بن العاص ومنذ اللقاء الأول ms159 بأبي موسى قد قدمه إن في ~~الكلام أو الجلوس وكرمه كثيرا، وقد عوده أن يقدمه في كل شيء وقد اغتره ~~بذلك ليقدمه فيبدأ بخلع علي، وكان عمرو قد حاك خدعته بدقة وأحاط بأبي موسى ~~من كل جانب، والرجل غافل لا يدري كيف تجري الأمور، وما يخطط عمرو وما يرسم ~~في ذهنه حتى أن معاوية نفسه شكك بنية عمرو واسترابه. # [ (3) ]عند ما قام أبو موسى ليتكلم، قال له ابن عباس يحذره، ويحك إني ~~لأظنه قد خدعك إن كنتما اتفقتما على أمر فقدمه قبلك فيتكلم بذلك الأمر قبلك ~~ثم تتكلم أنت بعده، فإن عمرا رجل غدار، ولا آمن أن يكون قد أعطاك الرضا ~~فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك. فقال له أبو موسى: إنا قد ~~اتفقنا (وقعة صفين لابن مزاحم ص 545-الطبري 5/70) . # [ (4) ]في بعض الروايات: شورى بين المسلمين (انظر الحاشية رقم 2 في ~~الصفحة السابقة) . PageV01P157 # يا أمير المؤمنين، لقد قدمت القرآن، وأخرت الرجال، وجعلت الحكم لله. ~~@HAD0191 فقال علي: أما إني قد أخبرتكم أن هذا يكون بالأمس، وجهدت أن ~~تبعثوا غير أبي موسى، فأبيتم علي، ولا سبيل إلى حرب القوم حتى تنقضي المدة، ~~فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: قم يا حسن فتكلم في أمر هذين ~~الرجلين: أبي موسى وعمرو. فقام الحسن، فتكلم، فقال: أيها الناس، قد أكثرتم ~~في أمر أبي موسى وعمرو، وإنما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى، فحكما بالهوى ~~دون القرآن، فمن كان هكذا لم يكن حكما، ولكنه محكوم عليه، وقد كان من خطأ ~~أبي موسى أن جعلها لعبد الله بن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: خالف (يعني أبا ~~موسى) أباه عمر، إذ لم يرضه لها[ (1) ]، ولم يره أهلا لها، وكان أبوه أعلم ~~به من غيره، ولا أدخله في الشورى إلا على أنه لا شيء له فيها، شرطا مشروطا ~~من عمر على أهل الشورى، فهذه واحدة، وثانية: لم تجمع عليه المهاجرون ~~والأنصار، الذين يعقدون الإمامة، ويحكمون على الناس، وثالثة: لم يستأمر ~~الرجل في نفسه، ولا ms160 علم ما عنده من رد أو قبول[ (2) ]. ثم جلس. ثم قال علي ~~لعبد الله بن عباس: قم فتكلم. فقام عبد الله بن عباس، وقال: أيها الناس، إن ~~للحق أناسا أصابوه بالتوفيق والرضا والناس بين راض به، وراغب عنه، وإنما ~~سار أبو موسى بهدى إلى ضلال[ (3) ]، وسار عمرو بضلالة إلى هدى، فلما ~~التقيا رجع أبو موسى عن هداه، ومضى عمرو على ضلاله، فو الله لو كانا حكما ~~عليه بالقرآن لقد حكما عليه، ولئن كان حكما بهواهما على القرآن، ولئن مسكا ~~بما سارا به لقد سار أبو موسى وعلي إمامه، وسار عمرو ومعاوية إمامه. ثم ~~جلس @HAD09 فقال علي لعبد الله بن جعفر: قم فتكلم. فقام وقال: أيها الناس ~~هذا أمر كان النظر فيه لعلي، والرضا فيه إلى غيره، جئتم بأبي موسى، فقلتم ~~قد رضينا هذا، فارض به[ (4) ]، وايم الله ما أصلحا بما فعلا الشام، ولا ~~أفسدا العراق [ (1) ]تقدم أن عمر بن الخطاب لما جعل الأمر شورى بين الستة ~~على أن يختاروا واحدا منهم جعل ابنه عبد الله مستشارا وليس له من الأمر شيئا. # [ (2) ]زيد في العقد الفريد 4/350: وأما الحكومة فقد حكم النبي عليه ~~الصلاة والسلام سعد بن معاذ في بني قريظة فحكم بما يرضي الله به ولا شك، ~~ولو خالف لم يرضه رسول الله صلى الله عليه وسلم. # [ (3) ]في العقد الفريد: ضلالة. # [ (4) ]زيد في العقد الفريد: وايم الله ما استفدنا به علما، ولا انتظرنا ~~منه غائبا، وما نعرفه صاحبا. PageV01P158 # ولا أماتا حق علي، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب الحق قلة رأي، ولا ~~نفخة شيطان، وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه. ثم جلس. ### || كتاب ابن عمر إلى أبي موسى # قال: وذكروا أن عبد الله بن عمر لما بلغه ما كان من رأي أبو موسى، كتب ~~إليه: أما بعديا أبا موسى، فإنك تقربت إلي بأمر لم تعلم هواي فيه، أكنت تظن ~~أني أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه عمر؟أو كنت تراني أتقدم على علي وهو خير ~~مني؟لقد خبت إذا وخسرت، وما ms161 أنا من المهتدين، فأغضبت بقولك وفعلك علي عليا ~~ومعاوية، ثم أعظم من ذلك خديعة عمرو إياك، وأنت حامل القرآن، ووافد أهل ~~اليمن إلى نبي الله، وصاحب مغانم أبي بكر وعمر، فقدمك عمرو للقول مخادعا، ~~حتى خلعت عليا قبل أن تخلع معاوية، ولعمري ما يجوز لك على علي ما جاز لعمرو ~~على معاوية، ولا ما جاز لنا عليه ولقد كرهنا ما رضيت وأردت، إن الحاكم هو ~~من يحكم بما حكم الله بين الناس، ولم تبلغ من خطيئتك عنده ما غير أمرك في ~~خلاف هواه. # فلما أتى أبا موسى كتاب ابن عمر كتب إليه: أما بعد، فإني والله ما أردت ~~بتوليتي إياك وبيعتي لك القربة إليك، ما أردت بذلك إلا الله عز وجل، وما ~~تقلدي أمر هذه الأمة غير مستكره، فإنهم كانوا على مثل حد السيف، فقلت: # إلى سنة محيا وممات، إن يصطلحوا فهو الذي أردت، وإلا لم يرجعوا إلى أعظم ~~مما كانوا عليه، وأما إغضابي عليك عليا ومعاوية، فقد غضبا عليك قبل ذلك، ~~وأما خديعة عمرو إياي، فو الله ما ضر بخديعته عليا، ولا نفع معاوية، وقد ~~كان الشرط ما اجتمعنا عليه، لا ما اختلفنا فيه، وأما نهي أبيك، فو الله لو ~~تم الأمر لأكرهت عليه. ### || كتاب معاوية إلى أبي موسى # قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى أبي موسى بعد الحكومة وهو بمكة: أما بعد، ~~فأكره من أهل العراق ما كرهوا منك، وأقبل إلى الشام، فإني خير لك من علي، ~~والسلام[ (1) ]. # [ (1) ]نص الكتاب في العقد الفريد 4/348 باختلاف وزيادة. PageV01P159 ### || جوابه # فكتب إليه أبو موسى: أما بعد، فإنه لم يكن مني في علي إلا ما كان من عمرو ~~فيك، غير أني أردت بما صنعت وجه الله، وأراد عمرو بما صنع ما عندك، وقد كان ~~بيني وبينه شروط[ (1) ]عن تراض، فلما رجع عمرورجعت، وأما قولك: # إن الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار، إنما ~~ذاك في الشاة والبعير[ (2) ]، وأما في أمر هذه الأمة فليست تساق إلى ما ~~تكره، ولن ms162 تذهب بين عجز عاجز، ولا كيد كائد، ولا خديعة فاجر، وأما دعاؤك ~~إياي إلى الشام، فليس لي بدل ولا إيثار عن قبر ابن إبراهيم أبي الأنبياء. ### || كتاب علي إلى أبي موسى # قال: وذكروا أنه @HAD053 لما بلغ عليا كتاب أبي موسى رق له، وأحب أن ~~يضمه إليه، فكتب إليه: أما بعد، فإنك امرؤ ضللك الهوى[ (3) ]، واستدرجك ~~الغرور، فاستقل الله يقلك عثرتك، فإنه من استقال الله أقاله، إن الله يغفر ~~ولا يغير[ (4) ]، وأحب عباده إليه المتقون[ (5) ]، والسلام. # فلما انتهى كتاب علي إلى أبي موسى هم أن يرجع، ثم @HAD016 قال لأصحابه: ~~إني امرؤ غلب علي الحياء، ولا يستطيع هذا الأمر رجل فيه حياء. ### || جوابه # فكتب أبو موسى إلى علي: أما بعد، فلو لا أني خشيت أن يؤول منع الجواب إلى ~~أعظم مما في نفسك لم أجبك، لأنه ليس عذر ينفعني، ولا عذر[ (6) ] يمنعني ~~منك، وأما التزامي مكة، فإني امتنسرت إلى أهل الشام، وانقطعت من [ (1) ]في ~~العقد الفريد: شروط وشورى. # [ (2) ]زيد في العقد: والدينار والدرهم. # [ (3) ]في العقد الفريد 4/349 ظلمك الهوى. # [ (4) ]في العقد: ولا يغفل. # [ (5) ]في العقد: التوابون. # [ (6) ]في العقد: ولا قوة. PageV01P160 # أهل العراق، وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم، وعظموا من حقي ما ~~صغرتم، فأقمت بين أظهرهم، إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير. ### || ذكر الخوارج على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه # قال: وذكروا أنه لما كان من الحكمين ما كان، لقيت الخوارج بعضها بعضا، ~~فاجتمعوا في منزل عبد الله بن وهب الراسبي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: ~~أيها الناس، ما ينبغي لقوم يؤمنون بالرحمن، وينيبون إلى حكم القرآنأن تكون ~~هذه الدنيا[ (1) ]آثر عندهم من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقول ~~بالحق، وإن[ (2) ]ضر ومر فإنه إن يضر ويمر[ (3) ]في هذه الدنيا، فإن ثوابه ~~يوم القيامة رضوان الله، وخلود الجنة، فاخرجوا بنا من هذه القرية الظالم ~~أهلها، إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه البدعة المضلة، والأحكام الجائرة. # فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق ms163 لها وشيك، ~~فلا تدعوكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلونكم عن طلب الحق، وإنكار ~~الظلم، ف @QUR@09 إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون [ (4) ]، يا قوم ~~إن الرأي ما قد رأيتم، والحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد ~~لكم من عماد وسناد، ومن راية تحفون حولها، وترجعون إليها. # ثم اجتمعوا في منزل زفر[ (5) ]بن حصين الطائي، فقالوا[ (6) ]: إن الله ~~أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقول بالحق، ~~والجهاد في تقويم السبيل، وقد قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ~~@QUR@028 يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا ~~تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب ~~شديد [ص: 26]. وقال: @QUR@010 ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الكافرون [ (1) ]في الطبري 5/74: «والتي الرضا بها والركون بها والإيثار ~~إياها عناء وتبار» . # [ (2) ]عند الطبري: وإن من وضر. # [ (3) ]عند الطبري: ويمن. # [ (4) ]في الطبري من هنا هذا القول نسب إلى حمزة بن سنان الأسدي. # [ (5) ]عند الطبري 5/75 وابن الأثير 2/399 «زيد» وفي الأخبار الطوال ص ~~204 «زيد» . # [ (6) ]في الأخبار الطوال ص 202 نسب هذا القول إلى عبد الله بن وهب ~~الراسبي بعد تأميره عليهم. PageV01P161 # [المائدة: 44]. فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم ~~القرآن[ (1) ]، وجاروا في الحكم والعمل، وأن جهادهم على المؤمنين فرض، ~~وأقسم بالذي تعنو له الوجوه، وتخشع دونه الأبصار، لو لم يكن أحد على تغيير ~~المنكر، وقتال القاسطين مساعدا، لقاتلتهم وحدي فردا، حتى ألقى الله ربي، ~~فيرى أني قد غيرت إرادة رضوانه بلساني[ (2) ]، يا إخواننا، اضربوا جباههم ~~ووجوههم بالسيف، حتى يطاع الرحمن عز وجل، فإن يطع الله كما أردتم أثابكم ~~ثواب المطيعين له، الآمرين بأمره، وإن قتلتم فأي شيء أعظم من المسير إلى ~~رضوان الله وجنته. واعلموا أن هؤلاء القوم خرجوا لإقصاء حكم الضلالة[ (3) ~~]، فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد فيه الاجتماع من مكاننا هذا، فإنكم قد أصبحتم ~~بنعمة ربكم، وأنتم أهل الحق بين الخلق، ms164 إذ قلتم بالحق، وصمتم لقول الصدق، [ ~~(4) ] فاخرجوا بنا إلى المدائن نسكنها فنأخذ بأبواها، ونخرج منها سكانها، ~~ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا. # فقال زيد بن حصين الطائي: إن المدائن بها قوم يمنعونكم منها، ويمنعونها ~~منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة، فأعلموهم بخروجكم، وسيروا ~~أنتم على المدائن، فانزلوا بجسر النهروان[ (5) ]قالوا: هذا هو الرأي ~~فاجتمعوا على ذلك، وكتبوا إلى إخوانهم من أهل البصرة: أما بعد، فإن أهل ~~دعوتنا حكموا الرجال في أمر الله، ورضوا بحكم القاسطين على عباده، ~~فخالفناهم ونابذناهم، نريد بذلك الوسيلة إلى الله، وقد قعدنا بجسر النهروان ~~وأحببنا إعلامكم لتأخذوا بنصيبكم من الأجر، والسلام. ### || الجواب # فكتبوا إليهم: أما بعد، فقد بلغنا كتابكم، وفهمنا ما ذكرتم. وقد وهبنا ~~لكم [ (1) ]في الأخبار الطوال: الكتاب. # [ (2) ]من هنا نسب الكلام في الأخبار الطوال ص 203 إلى عبد الله بن ~~السخبر وكان من المبرنسين. # [ (3) ]هذا الكلام نسب في الطبري وابن الأثير إلى عبد الله بن وهب. # [ (4) ]هذا الكلام نسب في الطبري وابن الأثير إلى شريح بن أوفى العبسي. # [ (5) ]النهروان: ثلاث قرى بين واسط وبغداد. وانظر كتابهم إلى أهل البصرة ~~في الأخبار الطوال ص 204. PageV01P162 # الرأي الذي جمعكم الله عليه من الطاعة، وإخلاص الحكم لله، وأعمالكم ~~أنفسكم فيما يجمع الله به كلمتكم، وقد أجمعنا على المسير إليكم عاجلا. # وكان بدء خروجهم أنهم اجتمعوا في منزل حرقوص بن زهير ليلة الخميس، ~~فقالوا: متى أنتم خارجون؟قالوا: الليلة القابلة من يوم الجمعة، فقال لهم ~~حرقوص: بل أقيموا ليلة الجمعة تتعبدوا لربكم، وأوصوا فيها بوصايكم، ثم ~~اخرجوا ليلة السبت مثنى ووحدانا لا يشعر بكم. ### || خطبة علي كرم الله وجهه # قالوا[ (1) ]: فلما خرج جميع الخوارج، وتوافروا إلى النهروان، @HAD0131 ~~قام علي بالكوفة على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن ~~معصية العالم الناصح تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم في هذين ~~الرجلين، وفي هذه الحكومة بأمري[ (2) ]، فأبيتم إلا ما أردتم[ (2) ]، ~~فأحييا ما أمات القرآن، وأماتا ما أحيا القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه، ~~يحكم ms165 بغير حجة، ولا سنة ظاهرة، واختلفا في أمرهما وحكمهما، فكلاهما لم يرشد ~~الله، فبرئ الله منهما ورسوله وصالحو المؤمنين، فاستعدوا للجهاد، وتأهبوا ~~للمسير، ثم أصبحوا في معسكركم يوم الاثنين بالنخيلة[ (3) ]، وإنما حكمنا من ~~حكمنا، ليحكما بالكتاب، فقد علمتم أنهما حكما بغير الكتاب، وبغير السنة، ~~ووالله لأغزونهم ولو لم يبق أحد غيري لجاهدتهم، وأعطى الناس العطاء وهم ~~بالجهاد [ (4) ]. ### || كتاب علي كرم الله وجهه للخوارج # قالوا: فأجمع رأي علي والناس على المسير إلى معاوية بصفين، فتجهز معاوية ~~وخرج حتى نزل بصفين، وأصبح علي قد تجهز وعسكر، فقيل له: يا [ (1) ]قال في ~~الأخبار الطوال ص 204: ثم إن القوم خرجوا من الكوفة عباديد الرجل والرجلين ~~والثلاثة... ووافاهم من كان على رأيهم من أهل البصرة وكانوا 500 رجل حتى ~~وافوا نهروان. # [ (2) ]زيد في النهج: ونخلت لكم مخزون رأيي لو كان يطاع لقصير أمر. # [ (3) ]النخيلة: موضع بالعراق. # [ (4) ]قارن مع الطبري 5/77 وابن الأثير 2/400-401. الأخبار الطوال ص ~~207-208 مروج الذهب 2/447. PageV01P163 # أمير المؤمنين إنه قد افترقت منا فرقة، فذهبت، قال: @HAD064 فكتب إليهم ~~علي[ (1) ]: أما بعد، فإن هذين الرجلين الخاطئين الحاكمين، اللذين ارتضيتم ~~حكمين، قد خالفا كتاب الله، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فلم يعملا ~~بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله وصالحو المؤمنين، ~~إذا بلغكم كتابنا هذا فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، ونحن ~~على الأمر الذي كنا عليه، والسلام. قال: فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب ~~لله، إنما غضبت لنفسك، والله لا يهدي كيد الخائنين. قال: فلما رأى علي ~~كتابهم أيس منهم، ورأى أن يدعهم، ويمضي بالناس إلى معاوية وأهل الشام ~~فيناجزهم @HAD0110 فقام علي خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، ~~فإن من ترك الجهاد وداهن في أمر الله كان على شفا هلكة، إلا أن يتداركه ~~الله برحمته، فاتقوا الله عباد الله، قاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفئ ~~نور الله، قاتلوا الخاطئين، القاتلين لأولياء الله، المحرفين لدين الله، ~~الذين ليسوا بقراء الكتاب ولا فقهاء في الدين، ولا ms166 علماء بالتأويل، ولا ~~لهذا الأمر بأهل في دين، ولا سابقة في الإسلام، ووالله لو ولوا عليكم ~~لعملوا فيكم بعمل كسرى وقيصر. فسيروا وتأهبوا للقتال، وقد بعثت لأخوانكم من ~~أهل البصرة، ليقدموا عليكم فإذا قدموا واجتمعتم شخصنا إن شاء الله [ (2) ]. ### || كتاب علي إلى ابن عباس # قالوا: @HAD038 وكان علي قد كتب إلى ابن عباس وإلى أهل البصرة: أما بعد، ~~فإنا أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام[ (3) ]، فأشخص إلي من قبلك ~~من الناس، وأقم حتى آتيك، والسلام. ### || ما قال ابن عباس إلى أهل البصرة # فلما قدم كتاب علي على ابن عباس، قرأه على الناس، ثم أمرهم [ (1) ]قارن ~~مع نسخة الكتاب في الطبري 5/77 والأخبار الطوال ص 208 والكامل لابن الأثير ~~ص 2/401 فتوح ابن الأعثم 4/106 باختلاف في الألفاظ وزيادة ونقصان في ~~التعابير. # [ (2) ]قارن خطبته مع الطبري 5/78 وابن الأثير 2/401 مروج الذهب 2/449. # [ (3) ]في الطبري وابن الأثير: من أهل المغرب. PageV01P164 # بالشخوص مع الأحنف بن قيس، فشخص معه منهم ألف وخمس مائة رجل، فاستقبلهم ~~ابن عباس، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل البصرة، قد ~~جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالمسير إليه مع الأحنف ~~بن قيس، فلم يشخص إليه منكم إلا ألف وخمس مائة، وأنتم في الديوان ستون ألفا ~~سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم. ألا فانفروا[ (1) ]، ولا يجعل امرؤ على ~~نفسه سبيلا، فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته، عاصيا لإمامه، حزنا ~~يعقب ندما، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم، فلا يلم امرؤ جعل السبيل على نفسه ~~إلا نفسه. ### || ما قال علي كرم الله وجهه لأهل الكوفة # قال: فحشد أبو الأسود الناس بالبصرة، فاجتمع عليه ألف وسبع مائة فأقبل هو ~~والأحنف بن قيس، حتى وافيا عليا بالنخيلة، فلما رأى علي أنه إنما قدم عليه ~~من أهل البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل[ (2) ]، جمع إليه رؤساء الناس وأمراء ~~الأجناد ووجوه القبائل، @HAD086 فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل ~~الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، ومجيبي إلى جهاد ms167 المحلين، ~~بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل، وقد بعثت إلى أهل البصرة، ~~فاستنفرتهم، فلم يأتني منهم غير ثلاثة آلاف ومائتين، فأعينوني بمناصحة ~~سمحة، خلية من الغش، وإني آمركم أن يكتب إلي رئيس كل قوم منكم ما في عشيرته ~~من المقاتلة، وأبنائهم الذين أدركوا القتال والعبدان والموالي، وارفعوا ذلك ~~إلي ننظر فيه إن شاء الله. # فقام سعد بن قيس الهمداني، فقال: يا أمير المؤمنين سمعا وطاعة، وودا ~~ونصيحة، أنا أول الناس، وأول من أجابك بما سألت وطلبت. # ثم قام عدي بن حاتم وحجر بن عدي وأشراف القبائل، فقالوا: نحن كذلك، ثم ~~كتبوا ورفعوا إلى علي، فكان جميع ما رفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، [ (1) ~~]زيد في الطبري: مع جارية بن قدامة السعدي. # [ (2) ]في الأخبار الطوال: زهاء سبعة آلاف رجل، وقد قدم بهم ابن عباس. ~~وفي مروج الذهب: عشرة آلاف. PageV01P165 # وسبعة عشر ألفا من الأبناء، وثمانية آلاف من عبيدهم ومواليهم، وكانت ~~العرب يومئذ سبعة وخمسين ألفا من أهل الكوفة، ومن مماليكهم ومواليهم ثمانية ~~آلاف، ومن أهل البصرة ثلاثة آلاف ومائتا رجل، فقام علي فيهم خطيبا، @HAD053 ~~فقال: أما بعد، فقد بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه ~~الخارجة التي خرجت علينا، فبدأنا بهم، إلا أن غير هذه الخارجة أهم على أمير ~~المؤمنين، سيروا إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكا، ~~ويتخذهم المؤمنون أربابا، ويتخذون عباد الله خولا، ودعوا ذكر الخوارج. ~~قال[ (1) ]: فنادى الناس من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، ~~فنحن حزبك وأنصارك، نعادي من عاداك[ (2) ]، ونشايع من أناب إليك وإلى ~~طاعتك، فسر بنا إلى عدوك، كائنا من كان، فإنك لن تؤتى من قلة ولا ضعف[ (3) ~~]، فإن[ (4) ]قلوب شيعتك كقلب رجل واحد في الاجتماع على نصرتك، والجد في ~~جهاد عدوك، فأبشر يا أمير المؤمنين بالنصر، واشخص إلى أي الفريقين أحببت، ~~فإنا شيعتك التي ترجو في طاعتك وجهاد من خالفك صالح الثواب من الله، تخاف ~~من الله في خذلانك، والتخلف عنك شديد الوبال. ### || ما قال علي ms168 كرم الله وجهه في الخثعمي # فبايعوه على التسليم والرضا، وشرط عليهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، فجاءه رجل من خثعم، @HAD0109 فقال له الإمام علي تبايع على كتاب ~~الله وسنة نبيه؟قال: لا، ولكن أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه وسنة أبي بكر ~~وعمر. فقال علي: وما يدخل سنة أبي بكر وعمر مع كتاب الله وسنة نبيه؟ إنما ~~كانا عاملين بالحق حيث عملا، فأبى الخثعمي إلا سنة أبي بكر وعمر، وأبى علي ~~أن يبايعه إلا على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فقال له حيث ~~ألح عليه: تبايع؟قال: لا، إلا على ما ذكرت لك، فقال له علي: أما والله ~~لكأني بك قد نفرت في هذه الفتنة، وكأني بحوافر خيلي قد شدخت وجهك، # [ (1) ]في الطبري 5/80 هذا قول صيفي بن فسيل، وفي ابن الأثير: قسيل. # [ (2) ]في الطبري: عاديت. # [ (3) ]في الطبري: من قلة عدد، ولا ضعف نية أتباع. # [ (4) ]من هنا ذكر هذا الكلام في الطبري إلى محرز بن شهاب التميمي من بني سعد. PageV01P166 # فلحق بالخوارج، فقتل يوم النهروان. قال قبيصة: فرأيته يوم النهروان ~~قتيلا، قد وطأت الخيل وجهه، وشدخت رأسه، ومثلث به، فذكرت قول علي: وقلت لله ~~در أبي الحسن!ما حرك شفتيه قط بشيء إلا كان كذلك. ### || إجماع على الذهاب إلى صفين # فأجمع علي والناس على المسير إلى صفين، وتجهز معاوية حتى نزل صفين، فلما ~~خرج علي بالناس عبر الجسر، ثم مضى حتى نزل دير أبي موسى، على شاطئ الفرات، ~~ثم أخذ على الأنبار. وإن الخارجة التي خرجت على علي بينما هم يسيرون، فإذا ~~هم برجل يسوق امرأته على حمار له، فعبروا إليه الفرات، فقالوا له: من ~~أنت؟قال: أنا رجل مؤمن، قالوا: فما تقول في علي بن أبي طالب؟قال: أقول: إنه ~~أمير المؤمنين، وأول المسلمين إيمانا بالله ورسوله. # قالوا: فما اسمك؟قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فقالوا له: أفزعناك؟قال: نعم، قالوا: لا روع عليك، حدثنا ~~عن أبيك بحديث سمعه من ms169 رسول الله، لعل الله أن ينفعنا به قال: نعم، @HAD027 ~~حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنه قال: ستكون فتنة بعدي، يموت ~~فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسي مؤمنا، ويصبح كافرا. فقالوا: لهذا ~~الحديث سألناك، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا، فأخذوه وكتفوه، ثم ~~أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم[ (1) ]، حتى نزلوا تحت نخل، فسقطت رطبة ~~منها، فأخذها بعضهم فقذفها في فيه، فقال له أحدهم بغير حل، أو بغير ثمن ~~أكلتها، فألقاها من فيه، ثم اخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لأهل الذمة، ~~فقتله، قال له بعض أصحابه: إن هذا من الفساد في الأرض، فلقي الرجل صاحب ~~الخنزير فأرضاه من خنزيرة، فلما رأى منهم عبد الله بن خباب ذلك، قال: لئن ~~كنتم صادقين فيما أرى، ما علي منكم بأس، ووالله ما أحدثت حدثا في الإسلام، ~~وإني لمؤمن، وقد أمنتموني، وقلتم لا روع عليك فجاءوا به وبامرأته، فأضجعوه ~~على شفير النهر، على ذلك الخنزير، فذبحوه فسال دمه في الماء[ (2) ]، ثم ~~أقبلوا إلى امرأته، فقالت: إنما أنا امرأة، أما تتقون الله؟قال: فبقروا [ ~~(1) ]المرأة المتم: التي أتمت أشهرها وقاربت الولادة. # [ (2) ]قيل ضربه مسعر بن فدكي على أم رأسه فقتله (ابن الأعثم 4/198) . PageV01P167 # بطنها، وقتلوا ثلاثة نسوة، فيهم أم سنان قد صحبت النبي عليه الصلاة ~~والسلام. # فبلغ عليا خبرهم، فبعث إليهم الحارث بن مرة، لينظر فيما بلغه من قتل عبد ~~الله بن خباب والنسوة، ويكتب إليه بالأمر، فلما انتهى إليهم ليسائلهم، ~~خرجوا إليه فقتلوه، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، تدع هؤلاء القوم وراءنا ~~يخلفوننا في عيالنا وأموالنا، سر بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى ~~عدونا من أهل الشام. ### || مسير علي إلى الخوارج وما قال لهم # قال: فسار علي ومن معه حتى نزلوا المدائن، ثم خرج حتى أتى النهروان فبعث ~~إليهم: أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا أفارقكم، ~~وأكف عنكم، حتى ألقى أهل الشام، فبعثوا إليه: إنا كلنا قتلناهم، وكلنا ~~مستحل لدمائكم ودمائهم. ثم أتاهم علي، فوقف عليهم، ms170 @HAD0131 فقال[ (1) ]: ~~أيتها العصابة، إني نذير لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا، وأنتم صرعى بإزاء ~~هذا النهر، بغير برهان، ولا سنة، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، ~~وأخبرتكم أن طلب القوم لها مكيدة، وأنبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا ~~قرآن، وإني أعرف بهم منكم، قد عرفتهم أطفالا، وعرفتهم رجالا، فهم شر رجال، ~~وشر أطفال، وهم أهل المكر والغدر، وإنكم إن فارقتموني ورأيي، جانبتم الخير ~~والحزم، فعصيتموني وأكرهتموني، حتى حكمت، فلما أن فعلت شرطت واستوثقت، ~~وأخذت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، ~~فاختلفا، وخالفا حكم الكتاب والسنة، وعملا بالهوى، فنبذا أمرهم، ونحن على ~~أمرنا الأول، فما نبؤكم ومن أين أتيتم؟ قالوا له: إنا حيث حكمنا الرجلين ~~أخطأنا بذلك، وكنا كافرين، وقد تبنا من ذلك، فإن شهدت على نفسك بالكفر، ~~وتبت كما تبنا وأشهدنا، فنحن معك ومنك، وإلا فاعتزلنا، وإن أبيت فنحن ~~منابذوك على سواء. @HAD027 فقال علي: أبعد إيماني بالله، وهجرتي وجهادي مع ~~رسول الله، أبوء وأشهد على نفسي بالكفر؟لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. # @HAD014 ويحكم!بم استحللتم قتالنا، والخروج من جماعتنا؟أأن اختار الناس رجلين، # فقالوا لهما: انظرا بالحق فيما يصلح العامة ليعزل رجل، ويوضع آخر مكانه. # [ (1) ]قارن مع الطبري 5/84 وابن الأثير 2/404 وقسم منها في نهج البلاغة ص 140. PageV01P168 # أحل لكم أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم، تضربون بها هامات الناس، وتسفكون ~~دماءهم؟!إن هذا لهو الخسران المبين. قال: فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، ~~تهيئوا للقاء الحرب[ (1) ]، الرواح الرواح إلى الجنة. ### || قتل الخوارج # قال: فرجع علي، فعبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عدي، وعلى الميسرة ~~شيث بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا قتادة، وعلى ~~أهل المدينة وهم ثمان مائة[ (2) ]رجل من الصحابة قيس بن سعد بن عبادة، ووقف ~~علي في القلب في مضر. قال: ثم رفع لهم راية أمان مع أبي أيوب الأنصاري، ~~فناداهم أبو أيوب: من جاء منكم إلى هذه الراية فهو آمن، ومن دخل المصر فهو ~~آمن، ومن انصرف إلى ms171 العراق، وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، فإنه لا حاجة لنا ~~في سفك دمائكم[ (3) ]، قال: وقدم الخيل دون الرجالة، وصف الناس صفين وراء ~~الخيل، وصف الرماة صفا أمام صف، وقال لأصحابه: # كفوا عنهم حتى يبدءوكم. قال: وأقبلت الخوارج حتى إذا دنوا من الناس نادوا: # لا حكم إلا لله، ثم نادوا: الرواح الرواح إلى الجنة. قال: وشدوا على ~~أصحاب علي شدة رجل واحدة، والخيل أمام الرجال، فاستقبلت الرماة وجوههم ~~بالنبل، فخمدوا. # قال الثعلبي: لقد رأيت الخوارج حين استقبلتهم الرماح والنبل كأنهم معز ~~اتقت المطر بقرونها، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة، ونهض علي في ~~القلب بالسيوف والرماح، فلا والله ما لبثوا فواقا[ (4) ]حتى صرعهم الله، ~~كأنما قيل لهم موتوا فماتوا[ (5) ]. قال: وأخذ علي ما كان في عسكرهم من كل ~~[ (1) ]في الطبري: للقاء الرب. # [ (2) ]في الطبري: سبعمائة أو ثمانمائة رجل. # [ (3) ]بعد نداء أبي أيوب انصرفت طائفة منهم إلى الدسكرة وطائفة إلى ~~الكوفة وجماعة إلى علي، وكانوا أربعة آلاف. وبقي مع عبد الله بن وهب منهم ~~ألفان وثمانمائة رجل. (الطبري 5/86 ابن الأثير 2/406 فتوح ابن الأعثم ~~4/125) . # [ (4) ]الفواق مقدار حلب الناقة أو البقرة أو نحوهما. # [ (5) ]لم يفلت منهم إلا تسعة نفر: هرب منهم رجلان إلى خراسان ورجلان إلى ~~اليمن ورجلان إلى بلاد الجزيرة وصار رجل إلى تل موزن. (شرح نهج البلاغة-ابن ~~الأعثم) . PageV01P169 # شيء، فأما السلاح والدواب فقسمه علي بيننا، وأما المتاع والعبيد والإماء ~~فإنه حين قدم الكوفة رده على أهلها. # قال: ولما أراد علي الانصراف من النهروان، قام خطيبا، @HAD035 فحمد الله ~~ثم قال: أما بعد، فإن الله قد أحسن بلاءكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم ~~هذا إلى معاوية وأشياعه القاسطين، الذين نبذوا كتاب الله @QUR@ وراء ~~ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا ، فبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون. فقالوا: يا أمير المؤمنين نفدت نبالنا، وكلت أذرعنا، وتقطعت سيوفنا، ونصلت ~~أسنة رماحنا، فارجع بنا نحسن عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة، ~~فإن ذلك أقوى[ (1) ]لنا على عدونا. فأقبل علي بالناس ms172 حتى نزل بالنخيلة، ~~فعسكر بها، وأمر الناس أن يلزموا معه عسكرهم، ويوطنوا أنفسهم على الجهاد، ~~وأن يقلوا من زيارة أبنائهم ونسائهم، حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشام، ~~فأقاموا معه أياما، ثم رجعوا وما معه إلا نفر من وجوه الناس يسير، وترك ~~العسكر خاليا. [فلما رأى ذلك دخل الكوفة، وانكسر عليه رأيه في المسير][ (2) ]. ### || خطبة علي كرم الله وجهه # قال: فقام علي على المنبر، @HAD033 فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها ~~الناس، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله، ودرك الوسيلة ~~عنده، فأعدوا له @QUR@ ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل ، وتوكلوا على ~~الله، وكفى به وكيلا، ثم تركهم أياما، ودعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن رأيهم، وما الذي ثبطهم؟[ ~~(3) ] فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، @HAD024 فقال لهم علي: ~~عباد الله، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله @QUR@ اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا[التوبة: 38]، ورضيتم بالذل ~~والهوان من العز خلفا، كلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنكم من ~~الموت في سكرة، وكانت [ (1) ]في الطبري: أوفى. # [ (2) ]ما بين معكوفتين زيادة عن الطبري. # [ (3) ]في الطبري: وما الذي ينظرهم. وفي ابن الأثير: يبطئ بهم. PageV01P170 # قلوبكم قاسية[ (1) ]، فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كمه، فأنتم لا ~~تبصرون، لله أنتم، ما أنتم إلا أسود رواعة[ (2) ]، وثعالب رواغة عند ~~الناس[ (3) ]، تكادون ولا تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تحاشون، وأنتم في ~~غفلة ساهون، إن أخا الحرب اليقظان. أما بعد: فإن لي عليكم حقا، ولكم علي ~~حق، أما حقكم علي: فالنصيحة في ذات الله، وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم ~~كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي عليكم: فالوفاء بالبيعة، ~~والنصح لي في الإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين آمركم، فإن يرد الله بكم ~~خيرا تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، تنالوا بذلك ما تحبون، وتدركوا ~~ما تأملون. أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم[ (4) ]، ما عزت ~~دعوة من دعاكم، ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم[ (5) ]، ~~وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، إذا أمرتكم بالمسير قلتم ms173 كيت وكيت، أعاليل ~~بأضاليل، هيهات، لا يدرك الحق إلا بالجد والصبر، أي دار بعد داركم ~~تمنعون؟ومع أي إمام بعدي تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ومن فاز بكم ~~فاز بالسهم الأخيب[ (6) ]، أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدق قولكم، فرق ~~الله بيني وبينكم، وأعقبني بكم من هو خير لي، وأعقبكم بعدي من هو شر لكم ~~مني، أما إنكم ستلقون بعدي ذلا شاملا. وسيفا قاتلا. وأثرة يتخذها الظالمون ~~بعدي عليكم سنة. تفرق جماعتكم. وتبكي عيونكم. وتدخل الفقر بيوتكم. تمنون ~~والله عندها أن لو رأيتموني ونصرتموني. وستعرفون ما أقول لكم عما قليل. ~~استنفرتكم فلم تنفروا. ونصحت لكم فلم تقبلوا، وأسمعتكم فلم تعوا، فأنتم ~~شهود كأغياب، وصم ذوو أسماع، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة النافعة، ~~وأحثكم على جهاد المحلين، الظلمة الباغين، فما آتي على آخر قولي حتى أراكم ~~متفرقين، إذا تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين، تضربون الأمثال، [ (1) ~~]في الطبري وابن الأثير: وكأن قلوبكم مألوسة. # [ (2) ]في الطبري: أسود الشري في الدعة. # [ (3) ]في الطبري وابن الأثير: ثعالب رواغة حين تدعون إلى البأس. # [ (4) ]أهواؤهم آراؤهم وما تميل إليه قلوبهم (النهج-شرح محمد عبده) . # [ (5) ]الصم الشديدة الصلبة. # [ (6) ]السهم الأخيب: أي من فاز وظفر بكم وكنتم نصيبه فقد ظفر بالسهم ~~الأخيب وهو من سهام البسر الذي لا حظ له. PageV01P171 # وتناشدون الأشعار، تربت أيديكم، وقد نسيتم الحرب واستعدادها، وأصبحت ~~قلوبكم فارغة عن ذكرها، وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل، ويحكم!اغزوا عدوكم ~~قبل أن يغزوكم، فو الله ما غزي[ (1) ] قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، وايم ~~الله ما أظنكم تفعلون حتى يفعل بكم!وايم الله لوددت أني قد رأيتهم فلقيت ~~الله على نيتي وبصيرتي، فاسترحت من مقاساتكم ومداراتكم، ويحكم!ما أنتم إلا ~~كإبل جامحة ضل عنها رعاؤها، فكلما ضمت[ (2) ]من جانب، انتشرت من جانب، ~~والله لكأني انظر إليكم وقد حمي الوطيس، لقد انفرجتم عن علي، انفراج الرأس، ~~وانفراج المرأة عن قبلها. # فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي، فقال: يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما ~~فعل عثمان؟ @HAD0207 قال له علي: ويلك وما فعل عثمان، رأيتني عائذا ms174 بالله ~~من شر ما تقول، والله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له، ولا حجة ~~معه، فكيف وأنا على بينة من ربي، والحق معي، والله إن امرأ أمكن عدوه من ~~نفسه، فنهش عظمه، وسفك دمه، لعظيم عجزه، ضعيف قلبه. أنت يا بن قيس فكن ذلك، ~~فأما أنا فو الله دون أن أعطي ذلك ضرب بالمشرفي[ (3) ]، يطير له فراش ~~الرأس[ (4) ]، وتطيح منه الأكف والمعاصم[ (5) ]، وتجد به الغلاصم ويفعل ~~الله بعد ذلك ما يشاء. والله يا أهل العراق، ما أظن هؤلاء القوم من أهل ~~الشام إلا ظاهرين عليكم، فقالوا: أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟فقال: ~~نعم، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إني أرى أمورهم قد علت، وأرى أموركم قد ~~خبت، وأراهم جادين في باطلهم، وأراكم وانين في حقكم، وأراهم مجتمعين، ~~وأراكم متفرقين، وأراهم لصاحبهم معاوية مطيعين، وأراكم لي عاصين. أما والله ~~لئن ظهروا عليكم بعدي لتجدنهم أرباب سوء، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم ~~في بلادكم، وحملوا إلى بلادهم منكم، وكأني انظر إليكم تكشون كشيش [ (1) ~~]عزين جمع عزة وهي الجماعة. # @HAD06 [ (2) ]في النهج: جمعت. # @HAD014 [ (3) ]المشرفي نسبة إلى مشارف بلد بالشام، وفيها تصنع السيوف ~~المشرفية. # @HAD013 [ (4) ]فراش الهام في النهج. يعني العظام الرقيقة التي تلي القحف. # @HAD010 [ (5) ]في النهج: وتطيح السواعد والأقدام. PageV01P172 # @HAD071 الضباب[ (1) ]، لا تأخذون لله حقا، ولا تمنعون له حرمة[ (2) ]، ~~وكأني انظر إليهم يقتلون صلحاءكم، ويخيفون علماءكم، وكأني انظر إليكم ~~يحرمونكم ويحجبونكم، ويدينون الناس دونكم، فلو قد رأيتم الحرمان، ولقيتم ~~الذل والهوان، ووقع السيف ونزل الخوف، لندمتم وتحسرتم على تفريطكم في جهاد ~~عدوكم، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية، حين لا ينفعكم التذكار. # فقال الناس: قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله وجميع لفظك يكون حقا، ~~أترى معاوية يكون علينا أميرا؟ @HAD037 فقال: لا تكرهون إمرة معاوية، فإن ~~إمرته سلم وعافية، فلو قد مات رأيتم الرءوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل، ~~وعدا كان مفعولا، فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرها، ما بعدها أدهى وأمر. ### || كلام أبي أيوب الأنصاري # ثم قام ms175 أبو أيوب الأنصاري، فقال: إن أمير المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من ~~كانت له أذن واعية، وقلب حفيظ، إن الله قد أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق ~~قبولها، حيث نزل بين أظهركم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخير ~~المسلمين وأفضلهم وسيدهم بعده، يفقهكم في الدين، ويدعوكم إلى جهاد المحلين، ~~فو الله لكأنكم صم لا تسمعون، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون. عباد ~~الله، أليس إنما عهدكم بالجور والعدوان أمس، وقد شمل العباد، وشاع في ~~الإسلام، فذو حق محروم، ومشتوم عرضه، ومضروب ظهره، وملطوم وجهه، وموطوء ~~بطنه، وملقى بالعراء، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق، ونشر بالعدل ~~وعمل بالكتاب، فاشكروا نعمة الله عليكم، ولا تتولوا مجرمين، ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون. اشحذوا السيوف، وجددوا آلة الحرب، ~~واستعدوا للجهاد، فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من ~~الصادقين. # قال: ثم قام رجال من أصحاب علي فقالوا: يا أمير المؤمنين، أعط هؤلاء هذه ~~الأموال، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش من الموالي، ممن [ (1) ]كشيش ~~الضباب صوت احتكاك جلودها عند ازدحامها، والمراد حكاية حالهم عند هزيمتهم. # [ (2) ]في النهج: ضيما. PageV01P173 # يتخوف خلافه على الناس وفراقه. وإنما قالوا له: هذا الذي كان معاوية ~~يصنعه بمن أثاه، وإنما عامة الناس همهم الدنيا، ولها يسعون، وفيها يكدحون. ~~فأعط هؤلاء الأشراف، فإذا استقام لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من ~~القسم، @HAD0198 فقال علي: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه ~~من الإسلام؟فو الله لا أفعل ذلك ما لاح في السماء نجم، والله لو كان لهم ~~مال لسويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالكم. فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن ~~الموت نازل لا بد منه، فإن حل فمن صاحبنا؟فقال علي: أحدثك عن خاصة نفسي، ~~أما الحسن فصاحب خوان[ (1) ]، وفتى من الفتيان، ولو قد التقت حلقتا البطان ~~لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور. وأما ابن أخي عبد الله بن جعفر فصاحب ~~لهو. وأما الحسين ومحمد ابناي فأنا منهما وهما مني، ms176 والله لقد أحببت أن ~~يدال هؤلاء القوم عليكم، بإصلاحهم في أرضهم، وفسادكم في أرضكم، وأدائهم ~~الأمانة لمعاوية، وخيانتكم، وبطاعتهم له، ومعصيتكم لي، واجتماعهم على ~~باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وايم الله لا يدعون بعدي محرما إلا استحلوه، ولا ~~يبقى بيت وبر ولا مدر إلا أدخلوه ظلمهم، حتى يقوم الباكيان منكم، باك ~~لدينه، وباك لدنياه، وحتى تكون نصرة أحدكم كنصرة العبد لسيده، إذا شهد ~~أطاعه، وإذا غاب سبه. فقال رجل: يا أمير المؤمنين، أتظن ذلك كائنا؟ قال: ما ~~هو بالظن ولكنه اليقين. ### || ما كتب علي لأهل العراق # قال: فقام حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وعبد الله بن وهب الراسبي، فدخلوا ~~على علي، فسألوه عن أبي بكر وعمر: ما تقول فيهما؟وقالوا: # بين لنا قولك فيهما وفي عثمان. @HAD077 قال علي كرم الله وجهه: وقد ~~تفرغتم لهذا؟ وهذه مصر قد افتتحت، وشيعتي فيها قد قتلت؟إني مخرج إليكم ~~كتابا أنبئكم فيه ما سألتموني عنه، فاقرءوه على شيعتي، فأخرج إليهم كتابا ~~فيه: أما بعد، فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم نذيرا للعالمين، ~~وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الأمة، وأنتم يا معشر العرب على غير ~~دين، وفي شر [ (1) ]صاحب خوان: رجل كرم وإطعام. PageV01P174 # @HAD0384 دار، تسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون أرحامكم وتأكلون ~~أموالكم بينكم بالباطل، فمن الله عليكم، فبعث محمدا إليكم بلسانكم، فكنتم ~~أنتم المؤمنين، وكان الرسول فيكم ومنكم، تعرفون وجهه ونسبه، فعلمكم الكتاب ~~والحكمة والسنة والفرائض، وأمركم بصلة الأرحام، وحقن الدماء، وإصلاح ذات ~~بينكم، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن توفوا بالعقود، وأن تعاطفوا ~~وتباروا وتراحموا، ونهاكم عن التظالم والتحاسد والتقاذف والتباغي، وعن شرب ~~الحرام، وعن بخس المكيال والميزان، وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم أن لا ~~تزنوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلما، فكل خير يبعدكم عن النار قد حضكم ~~عليه، وكل شر يبعدكم عن الجنة قد نهاكم عنه، فلما استكمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مدته من الدنيا توفاه الله وهو مشكور سعيه مرضي عمله، مغفور ~~له ذنبه، شريف عند الله نزله، فيا ms177 لموته مصيبة خصت الأقربين، وعمت ~~المؤمنين، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر بعده، فو الله ما كان يلقى في ~~روعي[ (1) ]، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر عني، فما راعني ~~إلا إقبال الناس على أبي بكر، وإجفالهم عليه، فأمسكت يدي، ورأيت أني أحق ~~بمقام محمد في الناس ممن تولى الأمور علي، فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى ~~رأيت راجعة من الناس رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محو دين محمد. وملة ~~إبراهيم عليهما السلام. فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله. أن أرى في الإسلام ~~ثلما[ (2) ] وهدما. تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم. التي ~~إنما هي متاع أيام قلائل. ثم يزول ما كان منها، كما يزول السراب، فمشيت عند ~~ذلك إلى أبي بكر فبايعته، ونهضت معه في تلك الأحداث، حتى زهق الباطل، وكانت ~~كلمة الله هي العليا، وأن يرغم الكافرون، فتولى أبو بكر رضي الله عنه تلك ~~الأمور فيسر، وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله ~~فيه جاهدا، فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاه، فسمعنا وأطعنا، وبايعنا ~~وناصحنا، فتولى تلك الأمور، فكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة أيام حياته، ~~فلما احتضر قلت في نفسي: ليس يصرف هذا الأمر عني. فجعلها عمر شورى وجعلني ~~سادس ستة، فما كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنهم كانوا [ ~~(1) ]روعي: بالضم القلب أو موضع الروع منه، وبفتح الراء: الفزع. # @HAD06 [ (2) ]ثلما أي خرقا. PageV01P175 # @HAD0398 يسمعونني وأنا أحاج أبا بكر فأقول: يا معشر قريش، أنا أحق بهذا ~~الأمر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن، ويعرف السنة، فخشوا إن وليت عليهم ~~أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب، فبايعوا إجماع رجل واحد، حتى صرفوا ~~الأمر عني لعثمان، فأخرجوني منها، رجاء أن يتداولوها. حين يئسوا أن ~~ينالوها، ثم قالوا لي: هلم فبايع عثمان. وإلا جاهدناك. فبايعت مستكرها. ~~وصبرت محتسبا، وقال قائلهم: إنك يا بن أبي طالب على الأمر لحريص، قلت لهم: ~~أنتم أحرص. أما أنا إذا طلبت ميراث ابن أبي وحقه، وأنتم إذ دخلتم ms178 بيني ~~وبينه، وتضربون وجهي دونه، اللهم إني أستعين بك على قريش، فإنهم قطعوا ~~رحمي، وصغروا عظيم منزلتي وفضلي، واجتمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به ~~منهم فسلبونيه، ثم قالوا: اصبر كمدا، وعش متأسفا، فنظرت فإذا ليس معي رفاق ~~ولا مساعد إلا أهل بيتي، فضننت بهم على الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، ~~وتجرعت رفيق على الشجا. وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم طعما، وآلم ~~للقلب من حز الحديد، حتى إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني ~~تبايعونني، فأبيت عليكم، وأبيتم علي، فنازعتموني ودافعتموني، ولم أمد يدي، ~~تمنعا عنكم، ثم ازدحمتم علي، حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، وأنكم قاتلي، ~~وقلتم: لا نجد غيرك، ولا نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق ولا نختلف، ~~فبايعتكم ودعوتم الناس إلى بيعتي، فمن بايع طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، ~~فأول من بايعني طلحة والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما، كما لم أكره غيرهما، ~~فما لبثا إلا يسيرا حتى قيل لي: قد خرجا متوجهين إلى البصرة في جيش، ما ~~منهم رجل إلا وقد أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة، فقاموا على عمالي ~~بالبصرة وخزائن بيوت أموالي، وعلى أهل مصري، وكلهم في طاعتي، وعلى شيعتي، ~~فشتتوا كلمتهم، وأفسدوا على جماعتهم، ثم وثبوا على شيعتي، فقتلوا طائفة ~~منهم غدرا، وطائفة صبرا، وطائفة عصرا بأسيافهم، فضاربوهم حتى لقوا الله ~~صابرين محتسبين، فو الله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا واحدا متعمدين لقتله، ~~لحل لي بذلك قتل الجيش كله، مع أنهم قد قتلوا من المسلمين أكثر من العدة ~~التي دخلوا عليهم بها، فقد أدال الله منهم، فبعدا للقوم الظالمين. ثم إني ~~نظرت بعد ذلك في أهل الشام، فإذا هم أعراب وأحزاب وأهل طمع، جفاة طغام، ~~تجمعوا من كل أوب، ممن ينبغي أن يؤدب، ويولى عليه، ويؤخذ على PageV01P176 # @HAD0372 يديه، ليسوا من المهاجرين والأنصار، ولا من التابعين بإحسان، ~~فسرت إليهم ودعوتهم إلى الجماعة والطاعة، فأبوا إلا شقاقا ونفاقا، ونهضوا ~~في وجوه المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ينضحونهم بالنبل، ويشجونهم ~~بالرماح، فهنالك نهضت ms179 إليهم فقاتلتهم، فلما عضهم السلاح، ووجدوا ألم ~~الجراح، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فنبأتكم أنهم ليسوا بأصحاب دين ~~ولا قرآن، وإنما رفعوها إليكم خديعة ومكيدة، فامضوا على قتالهم، ~~فاتهمتموني، وقلتم: اقبل منهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما في الكتاب والسنة ~~جامعونا على ما نحن عليه من الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم، فقبلت ~~منهم، وخففت عنهم، وكان صلحا بينكم وبينهم على رجلين حكمين، يحييان ما أحيا ~~القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرق حكمهما، ونبذا حكم ~~القرآن، وخالف ما في الكتاب، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فجنبهما الله ~~السداد وأهوى بهما في غمرة الضلال، وكانا أهل ذلك، فانخذلت عنا فرقة منهم، ~~فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين، وقتلوا المؤمنين، ~~أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا ~~استحللنا دماءهم ودماءكم، وشدت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم الله مصارع ~~القوم الظالمين. ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فإنه أفزع ~~لقلوبهم، وأنهك لمكرهم، وأهتك لكيدهم، فقلتم: كلت أذرعنا وسيوفنا، ونفدت ~~نبالنا، ونصلت أسنة رماحنا، فأذن لنا، فلنرجع حتى نستعد بأحسن عدتنا، وإذا ~~رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا، ومن قد فارقنا، فإن ذلك قوة منا على ~~عدونا، فأقبلتم حتى إذا أطللتم على الكوفة، أمرتكم أن تلزموا معسكركم ~~وتضموا قواصيكم، وتتوطنوا على الجهاد، ولا تكثروا زيارة أولادكم ونسائكم ~~فإن ذلك يرق قلوبكم ويلويكم، وإن أصحاب الحرب لا يتوجدون، ولا يتوجعون، ولا ~~يسأمون من سهر ليلهم، ولا من ظمأ نهارهم، ولا من خمص بطونهم، حتى يدركوا ~~بثأرهم، وينالوا بغيتهم ومطلبهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة، ودخلت طائفة ~~منكم المصر عاصية فلا من نزل معي صبر فثبت، ولا من دخل المصر عاد إلي، ولقد ~~نظرت إلى عسكري وما فيه معي منكم إلا خمسون رجلا، فلما رأيت ما أتيتم دخلت ~~إليكم، فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم PageV01P177 # @HAD0361 هذا، لله آباؤكم!فما تنتظرون؟أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت[ ~~(1) ]، وإلى مصركم قد افتتح؟فما بالكم ms180 تؤفكون!ألا إن القوم قد اجتمعوا ~~وجدوا وتناصحوا، وإنكم تفرقتم واختلفتم وتغاششتم، فأنتم إن اجتمعتم تسعدوا، ~~فأيقظوا رحمكم الله نائمكم، وتحرزوا لحرب عدوكم، إنما تقاتلون الطلقاء ~~وأبناء الطلقاء، ممن أسلم كرها، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حربا، ~~أعداء السنة والقرآن، وأهل الأحزاب والبدع والأحداث، ومن كانت بوائقه تتقى، ~~وكان عن الدين منحرفا، وأكلة الرشا، وعبيد الدنيا، لقد نمى إلي أن ابن ~~الباغية[ (2) ]لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه أتاوة هي أعظم ما في ~~يديه من سلطانه، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا!وتربت يد هذا المشتري ~~نصرة غادر فاسق بأموال الناس!وإن منهم لمن شرب فيكم الحرام، وجلد حدا في ~~الإسلام[ (3) ]، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساويه منهم شر وأضر، ~~وهؤلاء الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب والفخر. والتسلط بالجبروت، ~~والتطاول بالغضب، والفساد في الأرض، ولا تبعوا الهوى، وحكموا بالرشا، وأنتم ~~على ما فيكم من تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم الحكماء، والعلماء ~~والفقهاء، وحملة القرآن، والمتهجدون بالأسحار، والعباد، والزهاد في الدنيا، ~~وعمار المساجد، وأهل تلاوة القرآن، أفلا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية ~~عليكم سفهاؤكم، والأراذل والأشرار منكم!اسمعوا قولي إذا قلت، وأطيعوا أمري ~~إذا أمرت، واعرفوا نصيحتي إذا نصحت، واعتقدوا جزمي إذا جزمت، والتزموا عزمي ~~إذا عزمت، وانهضوا لنهوضي، وقارعوا من قارعت، ولئن عصيتموني لا ترشدوا ولا ~~تجتمعوا، خذوا للحرب أهبتها، وأعدوا لها التهيؤ، فإنها قد وقدت نارها، وعلا ~~سناها، وتجرد لكم فيها الظالمون، كيما يطفئوا نور الله ويقهروكم، عباد ~~الله، ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء، بأولى في الجد في ~~غيهم وضلالهم وباطلهم، من أهل النزاهة والحق والإخبات بالجد في حقهم، وطاعة ~~ربهم، ومناصحة إمامهم، إني والله لو لقيتهم [ (1) ]أطراف البلاد: جوانبها، ~~قد حصل فيها النقص باستيلاء العدو عليها. # @HAD012 [ (2) ]كذا بالأصل، يريد ابن النابغة يعني عمرو بن العاص. # @HAD029 [ (3) ]يريد الوليد بن عقبة بن أبي معيط. وقد تقدم خبره. وقيل ~~يريد عتبة بن أبي سفيان، وقد حده خالد بن عبد الله بالطائف. PageV01P178 # @HAD0125 وحيدا ms181 منفردا، وهم في أهل الأرض إن[ (1) ]باليت بهم أو استوحشت ~~منهم، إني في ضلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي أنا عليه، لعلى بصيرة ويقين ~~وبينة من ربي، وإني للقاء ربي لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر راج، ولكن أسفا ~~يعتريني، وجزعا يريبني من أن يلي هذه الأمة سفهاؤها وفجارها، فيتخذون مال ~~الله دولا[ (2) ]، وعباد الله خولا[ (3) ]، والصالحين حربا، والقاسطين[ ~~(4) ]حزبا، وايم الله لو لا ذلك ما أكثرت تأليبكم[ (5) ]وجمعكم، وتحريضكم، ~~ولتركتكم، فو الله إني لعلى الحق، وإني للشهادة لمحب، أنا نافر بكم إن شاء ~~الله، فانفروا خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله، @QUR@ ~~إن الله مع الصابرين . ### || مقتل علي عليه السلام # قال المدائني: حج ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين، وقد اختلف عامل علي ~~وعامل معاوية، فاصطلح الناس على شبيب بن عثمان[ (6) ]، فلما انقضى الموسم ~~أقام النفر من الخوارج مجاورين بمكة، فقالوا: كان هذا البيت معظما في ~~الجاهلية، جليل الشأن في الإسلام، وقد انتهك هؤلاء حرمته، فلو أن قوما شروا ~~أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدا في الأرض، واستحلا حرمة هذا ~~البيت، استراحت الأمة، واختار الناس لهم إماما. فقال عبد الرحمن بن ملجم ~~المرادي لعنه الله: أنا أكفيكم أمر علي. وقال الحجاج[ (7) ]بن عبد الله ~~الصريمي، وهو البرك: أنا أقتل معاوية. فقال أذويه[ (8) ]مولى بني العنبر، ~~واسمه [ (1) ]في النهج: وهم طلاع الأرض كلها، ما باليت... أي لو كنت وحيدا ~~وهم يملئون الأرض لقيتهم غير مبال بهم. # [ (2) ]الدول بضم ففتح جمع دولة بالضم أي الشيء يتداولونه بينهم يتصرفون ~~فيه بغير حق الله. # [ (3) ]خول: عبيد (بالتحريك) . # [ (4) ]في النهج: والفاسقين. # [ (5) ]تأليبكم تحريضكم وتحويل قلوبكم عنهم. # [ (6) ]في الطبري شيبة بن عثمان. قال وبعث علي عبيد الله بن عباس وقيل ~~عبد الله بن عباس وقيل قثم بن عباس. وبعث معاوية على الموسم يزيد بن شجرة ~~الرهاوي فاختلفوا فيمن يحج بالناس وأبى كل من الاثنين أن يسلم لصاحبه ~~فاصطلحا على شيبة بن عثمان بن أبي طلحة (الطبري 5/136 حوادث سنة 39) . # [ (7) ]في الأخبار الطوال: النزال بن عامر. ms182 # [ (8) ]في مروج الذهب والكامل للمبرد: زادويه، وفي الأخبار الطوال: اسمه ~~عبد الله بن مالك الصيداوي. PageV01P179 # عمرو بن بكر والله ما عمرو بن العاص بدونهما، فأنا به. فتعاقدوا على ذلك ~~ثم اعتمروا عمرة رجب. واتفقوا على يوم واحد يكون فيه وقوع القتل منهم في ~~علي ومعاوية وعمرو، ثم سار كل منهم في طريقه فقدم ابن ملجم الكوفة وكتم ~~أمره، وتزوج امرأة يقال لها: قطام[ (1) ]بنت علقمة، وكانت خارجية، وكان ~~علي قد قتل أخاها[ (2) ]في حرب الخوارج. وتزوجها على أن يقتل عليا[ (3) ]. ~~فأقام عندها مدة، فقالت له في بعض الأيام وهو مختف: لطالما أحببت المكث عند ~~أهلك، وأضربت عن الأمر الذي جئت بسببه، فقال: إن لي وقتا وأعدت فيه أصحابي، ~~ولن أجاوزه فلما كان اليوم الذي تواعدوا فيه، خرج عدو الله، فقعد لعلي حين ~~خرج علي لصلاة الصبح، صبيحة نهار الجمعة، ليلة عشر[ (4) ]بقيت من رمضان سنة ~~أربعين، فلما خرج للصلاة وثب عليه، وقال: الحكم لله لا لك يا علي، وضربه ~~على قرنه بالسيف، @HAD012 فقال علي: فزت ورب الكعبة، ثم قال: لا يفوتنكم الرجل، # فشد الناس عليه، فأخذوه. # وكان علي رضي الله عنه شديد الأدمة ثقيل العينين، ضخم البطن، أصلع، ذا ~~عضلات، في أذنيه شعر يخرج منهما، وكان إلى القصر أقرب[ (5) ]. # وكان ابن ملجم يعرض سيفه، فإذا أخبر أن فيه عيبا أصلحه، فلما قتل عليا قال: # لقد أحددت سيفي بكذا وكذا، وسممته بكذا وضربت به عليا ضربة لو كانت بأهل ~~المصر لأتت عليهم. # و@HAD091 روي عن الحسن أنه قال: أتيت أبي فقال لي: أرقت الليلة، ثم ~~ملكتني عيني. فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول ~~الله، [ (1) ]في الطبري 6/83 والطبقات الكبير ج 3/1/23 قطام ابنة الشجنة ~~وفي الكامل للمبرد 3/1116 فكالأصل. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ~~2/170 قطام بنت سخينة بن عوف بن تيم اللات وفي فتوح ابن الأعثم 4/134 قطام ~~بنت الأضبع التميمي. وفي مروج الذهب 2/457 قطام. أما في الأخبار الطوال ~~فقال: خطب إلى ms183 قطام ابنتها الرباب. # @HAD012 [ (2) ]في الطبري: قتل أباها وأخاها. (انظر مروج الذهب) . # @HAD026 [ (3) ]وكانت قطام لما عرض عليها الزواج فاشترطت عليه مهرها: ~~ثلاث آلاف وعبد وقينة وقتل علي بن أبي طالب فوافق. # @HAD020 [ (4) ]في شرح نهج البلاغة: ليلة تسع عشرة. وفي مروج الذهب: ~~لثلاث عشرة مضت من شهر رمضان. # @HAD011 [ (5) ]قارن مع الطبري 5/153 وابن سعد 3/27. PageV01P180 # @HAD028 ما ذا لقيت من أمتك من الأود واللدد؟[ (1) ]فقال: ادع عليهم، ~~فقلت: اللهم أبدلني بهم خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني، وخرج إلى ~~الصلاة فاعترضه ابن ملجم، @HAD039 وأدخل ابن ملجم على علي بعد ضربه إياه، ~~فقال: أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، فإن أعش فأنا ولي دمي، إما عفوت، وإما ~~اقتصصت، وإن أمت فالحقوه بي، @QUR@ ولا تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين . # قالوا: وبكت أم كلثوم، وقالت لابن ملجم: يا عدو الله، قتلت أمير ~~المؤمنين، قال: ما قتلت أمير المؤمنين، ولكني قتلت أباك. قالت: والله إني ~~لأرجو ألا يكون عليه بأس، قال[ (2) ]: ولم تبكين إذا؟والله لقد أرهفت ~~السيف، ونفيت الخوف، وجبت الأجل، وقطعت الأمل وضربت ضربة لو كانت بأهل ~~المشرق لأتت عليهم. # ومكث علي يوم الجمعة ويوم السبت، وتوفي ليلة الأحد، وغسله الحسن والحسين ~~ومحمد بن الحنفية وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص، ~~وصلى عليه الحسن ابنه، ودفن في قصر الإمارة بالكوفة، وغمي قبره مخافة أن ~~ينبشه الخوارج، وقيل إنه نقل بعد صلح معاوية والحسن إلى المدينة، وأخذ ابن ~~ملجم، فقطعت يداه ورجلاه وأذناه وأنفه، وأتوا يقطعون لسانه، فصرخ، فقيل له: ~~قد قطعت منك أعضاء ولم تنطق، فلما أتوا يقطعون لسانك صرخت؟قال: إني أذكر ~~الله به، فلم يسهل علي قطعه، ثم قتلوه بعد هذه المثلة[ (3) ]. # كانت خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وكان عمره ثلاثا وستين سنة[ (4) ]. # وأما البرك: فإنه انطلق ليلة ميعادهم، فقعد لمعاوية، فلما خرج لصلاة [ ~~(1) ]الأود: العوج. واللدد: شدة الخصومة وعدم الرجوع إلى الحق. # [ (2) ]قارن مع عبارة الكامل للمبرد 3/1119 والطبري 5/146 والأخبار ~~الطوال ص 214. # [ (3) ]وقيل في قتله غير ms184 ذلك انظر مروج الذهب 2/461 والكامل للمبرد ~~3/1120. # [ (4) ]في مدة خلافته ومقدار عمره اختلاف في مصادر ترجمته انظر في ذلك ~~الطبري 5/151-152 مروج الذهب 2/385 تاريخ ابن الأثير 2/439-440 طبقات ابن ~~سعد 3/37 المعارف ص 209 المحبر ص 17 نهاية الأرب 20/218. PageV01P181 # الصبح شد عليه سيفه، فأدبر معاوية، فضرب رانفة[ (1) ]أليته ففلقها، ووقع ~~السيف في لحم كثير[ (2) ]، وأخذ، فقال لمعاوية: إن لك عندي لخبرا سارا، قد ~~قتل الليلة علي، وحدثه الحديث، وعولج معاوية فبرئ، وأمر بقتل البرك[ (3) ~~]، وقيل: ضرب البرك معاوية وهو ساجد، فمذ ذاك جعل الحرس على رءوس الخلفاء، ~~واتخذ معاوية المقصورة. # وأما الثالث: فقصد عمرو بن العاص ليلة الميعاد، فلم يخرج تلك الليلة، ~~لعلة وجدها في بطنه، وصلى بالناس خارجة بن حذافة العدوي[ (4) ]، فشد عليه ~~الخارجي، وهو يظن أنه ابن العاص، فقتله، وأخذ، فأتي به عمرو بن العاص، فلما ~~رآه قال: ومن المقتول؟قالوا: خارجة. فقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، ثم ~~قال لعمرو بن العاص الحديث، وما كان من اتفاقه مع صاحبيه، فأمر بقتله. فلما ~~قتل علي تداعى أهل الشام إلى بيعة معاوية، وقال له عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد: نحن المؤمنون، وأنت أميرنا، فبايعوه وهو بإيلياء لخمس ليال خلون من ~~شوال سنة أربعين. ### || فصل # @HAD054 روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: «يا علي، أتدري من ~~أشقى الأولين والآخرين؟قال: الله ورسوله أعلم. قال: «أشقى الأولين: عاقر ~~الناقة[ (5) ]، وأشقى الآخرين: الذي يطعنك. وأشار إلى حيث طعن. [ (6) ]. ~~قال: وخرج علي في ليلة قتله وهو يقول: # @HAD023 [ (1) ]أي أسفلها. وفي الكامل للمبرد 3/1121: أصاب مأكمتيه. ~~والمأكمتان الواحدة مأكمة وهما اللحمتان اللتان على رءوس الوركين. # @HAD024 [ (2) ]قيل إن معاوية كان عظيم الأوراك. فقطع منه عرقا يقال انه ~~عرق النكاح فلم يولد لمعاوية بعد ذلك (الكامل للمبرد 3/1122) . # @HAD037 [ (3) ]وقيل إن معاوية لم يقتله بل قطع يده ورجله وأقام بعد ذلك ~~بالبصرة وقد ولد له، ثم قتله زياد لما بلغه خبره (الكامل للمبرد 3/1122 ~~وانظر مروج الذهب 2/464) . # @HAD048 [ (4) ]وهو من بني سهم بن عمرو ms185 بن هصيص، رهط عمرو بن العاص، وكان ~~صاحب شرطته، وقيل قاضي مصر (راجع الكامل للمبرد 3/1122 الطبري 5/149 مروج ~~الذهب 2/464) وفي البداية والنهاية 7/365: خارجة بن أبي حبيبة من بني عامر ~~بن لؤي. # @HAD028 [ (5) ]عاقر الناقة: الذي عقر ناقة صالح عليه السلام التي أخرجها ~~الله لثمود من الحجر، وكانت معجزة صالح عليه السلام لقومه حتى يؤمنوا بالله ~~العظيم. # @HAD011 [ (6) ]رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7/358. PageV01P182 # @HAD09 اشدد حيازيمك للموت # فإن الموت لاقيكا[ (1) ] # @HAD09 ولا تجزع من الموت # إذا حل بواديكا # وقال الشاعر في قتل ابن ملجم عليا[ (2) ]: # تضمن للآثام لا در دره # ولاقى عقابا غير ما متصرم # فلا مهر أغلى من علي وإن غلا # ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم # ثلاثة آلاف وعبد وقينة # وضرب علي بالحسام المسمم # @HAD038 قال هبيرة بن شريم: سمعت الحسن رضي الله عنه يخطب، فذكر أباه ~~وفضله وسابقته، ثم قال: والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبع مائة درهم ~~فضلت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادما [ (3) ]. وجاء رجل من مراد إلى ~~علي، فقال له: يا أمير المؤمنين احترس، فإن هنا قوما يريدون قتلك. @HAD011 ~~فقال: إن لكل إنسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خلياه. # قيل: و@HAD066 لما ضرب علي دعا أولاده، وقال لهم: عليكم بتقوى الله ~~وطاعته وألا تأسوا على ما صرف عنكم منها، وانهضوا إلى عبادة ربكم، وشمروا ~~عن ساق الجد، ولا تثاقلوا إلى الأرض، وتقروا بالخسف، وتبوءوا بالذل، اللهم ~~اجمعنا وإياهم على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا ~~ولهم من الأولى، والسلام. ### || بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية # قال: وذكروا أنه لما قتل علي بن أبي طالب، ثار الناس إلى الحسن بن علي ~~بالبيعة، فلما بايعوه @HAD034 قال لهم: تبايعون لي على السمع والطاعة، ~~وتحاربون [ (1) ]حيازيمك واحدها حيزوم قال المهلبي: هو ما اشتمل عليه الصدر ~~ويقال للرجل: اشدد حيازيمك لهذا الأمر أي وطن نفسك عليه. # @HAD065 [ (2) ]اختلفوا في نسبة هذه الأبيات، ففي الطبري 5/150 نسبها إلى ~~ابن أبي مياس المرادي. وفي سمط ms186 النجوم العوالي 2/468 للفرزدق وفي شرح النهج ~~2/171 والكامل للمبرد 3/1116 ومروج الذهب 2/458 هذه الأبيات منسوبة لابن ~~ملجم. وفي الأخبار الطوال ص 214 قال الشاعر. وفي فتوح ابن الأعثم 4/147 ~~يقول العبدي وزاد على الأبيات ثلاثة أبيات أخرى. # @HAD011 وفي هذه المصادر اختلاف في بعض الألفاظ والتعابير. # @HAD025 [ (3) ]وقيل: ترك لأهله مائتين وخمسين درهما ومصحفه وسيفه (مروج ~~الذهب 2/461) . وفي الطبري 5/157 ثمانمائة أو سبعمائة. PageV01P183 # @HAD07 من حاربت، وتسالمون من سالمت، فلما سمعوا ذلك ارتابوا وأمسكوا ~~أيديهم وقبض هو يده، فأتوا الحسين، فقالوا له: ابسط يدك نبايعك على ما ~~بايعنا عليه أباك، وعلى حرب المحلين الضالين أهل الشام، @HAD011 فقال ~~الحسين: معاذ الله أن أبايعكم ما كان الحسن حيا. قال: فانصرفوا إلى الحسن، ~~فلم يجدوا بدا من بيعته، على ما شرط عليهم، فلما تمت البيعة له، وأخذ ~~عهودهم ومواثيقهم على ذلك، كاتب معاوية، فأتاه فخلا به، فاصطلح معه على أن ~~لمعاوية الإمامة ما كان حيا، فإذا مات فالأمر للحسن[ (1) ]، فلما تم ~~صلحهما صعد الحسن إلى [ (1) ]أقام الحسن بالكوفة بعد مقتل أبيه شهرين ~~كاملين لا ينفذ إلى معاوية أحد، ولا ذكر المسير إلى الشام فورد عليه كتاب ~~من ابن عباس ومما جاء فيه: «يا بن رسول الله فإن المسلمين ولوك أمرهم بعد ~~أبيك (رضي الله عنه) وقد أنكروا قعودك عن معاوية وطلبك لحقك فشمر للحرب ~~وجاهد عدوك. # فبعث الحسن (رضي الله عنه) بكتاب إلى معاوية-بعد بيعته-يدعوه إلى طاعته ~~وبيعته، فكتب إليه معاوية برفض ما طلبه منه ثم جمع الناس وخرج في ستين ألفا ~~يريد العراق. عندئذ سار الحسن من الكوفة إلى مسكن وتجهز وعبأ الجيش، وجرت ~~في عسكره مشاحنات حتى أنهم نفروا بسرادقه ونهبوا متاعه، وتفرق الأمر عنه ~~كتب إلى معاوية في الصلح وفق شروط. وكان ذلك بعد أن رأى الحسن نفسه أمام ~~ظروف دقيقة-حتمت عليه-بعد موقف الحيرة الذي وجد نفسه فيه-اتخاذ الموقف ~~الجريء الواضح والذي لم يرض أن يهرق في أمره محجمة دم، فكانت خطة حقن ~~الدماء التي أقرها وقررها أما الظروف التي ms187 أملت عليه اتخاذ هذا الموقف فهي: # 1-خطة الحرب النفسية والدعائية التي شنها معاوية والتي قضى من ورائها ~~تدمير مقاومة الجيش في مسكن. # 2-نشر الشائعات في جيش الحسن، وكانوا من أغرار الناس المتأرجحين بين ~~الطاعة والعصيان والمتأهبين للفتنة والاضطرابات في كل حين. # 3-تهديم معنويات جيش الحسن. # هذا ما أدى إلى نهب سرادق الحسن ومتاعه وعامة أثقاله وتفرق أصحابه. ومما ~~أدى إلى تطاول سنان بن الجراح الأسدي إلى مهاجمة الحسن وجرحه جراحة كادت ~~تأتي عليه، وما هم به المختار بن أبي عبيدة في إقناع عمه باستيثاق الحسن ~~وأن يستأمن به من معاوية، وانخزال القبائل، قبيلة بعد قبيلة إلى معاوية. # أمام هذا كله وقف الحسن غير عابئ بما يدور حوله، ووضع خطته فيما يريده ~~الله وما يؤثره عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما يجب لصيانة المبدإ أما ~~ما يقوله الناس، فلم يكن ذلك مما يعنيه كثيرا (انظر الطبري-اليعقوبي-ابن ~~كثير) . # ومما اشترطه الحسن على معاوية: # 1-أن يعمل معاوية بالمؤمنين بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ~~وسيرة الخلفاء الصالحين من بعده. # 2-ليس لمعاوية أن يعهد لأحد من بعده عهدا بل يكون الأمر من بعده شورى بين ~~المسلمين. # 3-الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم. PageV01P184 # المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، @HAD048 ثم قال: أيها الناس، إن الله هدى ~~أولكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وكانت لي في رقابكم بيعة، تحاربون من ~~حاربت، وتسالمون من سالمت، وقد سالمت معاوية، وبايعته فبايعوه وإن أدري ~~لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، وأشار إلى معاوية. ### || إنكار سليمان بن صرد # قال: وذكروا أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق، وانصرف راجعا إلى ~~الشام، أتاه سليمان بن صرد، وكان غائبا عن الكوفة، وكان سيد أهل العراق ~~ورأسهم. فدخل على الحسن، فقال: السلام عليك يا مذل المؤمنين[ (1) ]، ~~@HAD09 فقال الحسن: وعليك السلام، اجلس. لله أبوك، قال: فجلس سليمان، فقال: ~~أما بعد، فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك مائة ألف مقاتل من أهل ~~[ (4-) ]أصحاب علي وشيعته آمنون على ms188 أنفسهم وأموالهم ونسائهم ودمائهم، وعلى ~~معاوية بذلك عهد الله وميثاقه. # وذكر أنه اتفق بينهما على معاهدة صلح وقعها الفريقان. وصورتها لما ~~أخذناها من مصادرها حرفيا: # -المادة الأولى: تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وسنة ~~رسوله[المدائني فيما رواه عنه ابن أبي الحديد في شرح النهج 4/8]وبسيرة ~~الخلفاء الصالحين[فتح الباري فيما رواه ابن عقيل في النصائح الكافية ص 156]. # -المادة الثانية: أن يكون الأمر للحسن من بعده[تاريخ الخلفاء للسيوطي ص ~~194 والإصابة 2/12 و13 دائرة معارف وجدي 3/443]وليس لمعاوية أن يعهد به إلى ~~أحد[المدائني فيما يرويه عنه ابن أبي الحديد 4/8 والفصول المهمة لابن ~~الصباغ وغيرهما]. # -المادة الثالثة: أن يترك سب أمير المؤمنين والقنوت عليه بالصلاة وأن لا ~~يذكر عليا إلا بخير [الأصفهاني: مقاتل الطالبيين ص 26 شرح النهج 4/15 وقال ~~آخرون أنه أجابه على أنه لا يشتم عليا وهو يسمع وقال ابن الأثير: ثم لم يف ~~به أيضا]. # -المادة الرابعة: يسلم ما في بيت مال الكوفة خمسة آلاف ألف للحسن وله ~~خراج داربجرد [الطبري 6/92 وفي الأخبار الطوال ص 218: أن يحمل لأخيه الحسين ~~في كل عام ألفي ألف، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات على بني عبد شمس]. # -المادة الخامسة: أن لا يأخذ أحدا من أهل العراق بإحنة، وأن يؤمن الأسود ~~والأحمر ويحتمل ما يكون من هفواتهم[الأخبار الطوال ص 218]وعلى أن الناس ~~آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وتهامهم وحجازهم[فتوح ابن ~~الأعثم 4/160]. # [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 220 أن الذي دخل على الحسن وقال له ذلك هو ~~سفيان بن ليلى. وفي فتوح ابن الأعثم 4/166 سفيان بن الليل البهمي. وفي ~~البداية والنهاية 8/20 أبو عامر سعيد بن النتل. PageV01P185 # العراق، وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ومواليهم، سوى شيعتك من ~~أهل البصرة وأهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في العهد، ولا حظا من ~~القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، وأعطاك ما أعطاك بينك وبينه من العهد ~~والميثاق، كنت كتبت عليك بذلك كتابا، وأشهدت عليه ms189 شهودا من أهل المشرق ~~والمغرب إن هذا الأمر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه أعطاك هذا ~~فرضيت به من قوله، ثم قال: وزعم على رءوس الناس ما قد سمعت، إني كنت شرطت ~~لقوم شروطا، ووعدتهم عدات، ومنيتهم أماني، إرادة إطفاء نار الحرب، ومداراة ~~لهذه الفتنة، إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا، فإن كل ما هنالك تحت قدمي ~~هاتين، ووالله ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه، فأعد للحرب خدعة، وأذن ~~لي أشخص إلى الكوفة، فأخرج عامله منها، وأظهر فيها خلعه، وأنبذ إليه على ~~سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين. ثم سكت. فتكلم كل من حضر مجلسه بمثل ~~مقالته، وكلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد، وابعثنا معه، ثم الحقنا إذا علمت ~~أنا قد أشخصنا عامله، وأظهرنا خلعه. @HAD0195 فتكلم الحسن، فحمد الله، ثم ~~قال: أما بعد، فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة ~~والاستقامة لنا، وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا ~~أعمل وأنصب، ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما ~~رأيتم، ولكني أشهد الله وإياكم أني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم، ~~وإصلاح ذات بينكم، فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله، وسلموا لأمر الله، ~~والزموا بيوتكم، وكفوا أيديكم، حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، مع أن ~~أبي كان يحدثني أن معاوية سيلي الأمر، فو الله لو سرنا إليه بالجبال ~~والشجر، ما شككت أنه سيظهر، إن الله لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وأما ~~قولك: يا مذل المؤمنين، فو الله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا ~~وتقتلوا، فإن رد الله علينا حقنا في عافية قبلنا، وسألنا الله العون على ~~أمره، وإن صرفه عنا رضينا، وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا، فليكن كل رجل ~~منكم حلسا من[ (1) ]أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فإن يهلك ونحن وأنتم ~~أحياء، سألنا الله العزيمة على # [ (1) ]الحلس: هو ما يلي ظهر الدابة تحت البرذعة، والمعنى: أن يلزم كل ~~منكم ms190 بيته ولا يبارحه. # والرجل الحلوس: هو الرجل الحريص الملازم. PageV01P186 # @HAD020 رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، فإن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون . ### || كراهية الحسين رضي الله عنه للبيعة # قال: ثم خرج سليمان بن صرد من عنده، فدخل على الحسين، فعرض عليه ما عرض ~~على الحسن، وأخبره بما رد عليه الحسن، @HAD032 فقال الحسين: ليكن كل رجل ~~منكم حلسا من أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فإنها بيعة كنت والله لها ~~كارها، فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم، ورأينا ورأيتم. ### || ما أشار به المغيرة بن شعبة على معاوية من البيعة ليزيد # قال: وذكروا أنه لما استقامت الأمور لمعاوية، استعمل على الكوفة المغيرة ~~بن شعبة، ثم هم أن يعزله ويولي سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة قدم ~~الشام على معاوية[ (1) ]، فقال: يا أمير المؤمنين، قد علمت ما لقيت هذه ~~الأمة من الفتنة والاختلاف، وفي عنقك الموت، وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن ~~يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علما ~~يفزعون إليه، واجعل ذلك يزيد ابنك[ (2) ]. قال: فدخل معاوية على امرأته ~~فاختة بنت قرطة بن حبيب بن عبد شمس وكان ابنها منه عبد الله بن معاوية، وقد ~~كان بلغها ما قال المغيرة، وما أشار به عليه من البيعة ليزيد وكان يزيد ابن ~~الكلبية ميسون ابنة عبد الرحمن بن بحدل الكلبي. فقالت فاختة، وكانت معادية ~~الكلبية، ما أشار به عليك المغيرة؟أراد أن يجعل لك عدوا من نفسك، يتمنى ~~هلاكك [ (1) ]قال ابن الأثير في الكامل 2/508 أنه لما بلغ المغيرة عزله ~~قال: الرأي أن أشخص إلى معاوية فأستعفيه ليظهر للناس كراهيتي للولاية. فسار ~~إلى معاوية وقال لأصحابه حين وصل إليه: إن لم أكسبكم الآن ولاية وإمارة لا ~~أفعل ذلك أبدا (وانظر الطبري 5/301-302) . # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير أن المغيرة بن شعبة دخل على يزيد وتساءل ~~معه لما ذا لا يعقد لك أمير المؤمنين البيعة وقد ذهب أعيان أصحاب النبي صلى ~~الله عليه وسلم وكبراء ms191 قريش وذوو أسنانهم.. فدخل يزيد على أبيه ونقل إليه ~~ما ذكره المغيرة فأدخله عليه يسأله ذلك... فذكروا قوله كما في الأصل، ~~فأعاده إلى عمله وكلفه العمل والتحدث مع من يثق إليه بهذا الشأن فغادر ~~المغيرة إلى الكوفة يعمل في بيعة يزيد وكانت باكورة ذلك أن أرسل وفدا إلى ~~معاوية يزينون له بيعة يزيد ودعوه إلى عقدها. PageV01P187 # كل يوم، فشق ذلك على معاوية، ثم بدا له أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة بن شعبة. ### || ما حاول معاوية في بيعة يزيد # قال: فلما اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار بدمشق، وفيهم الأحنف بن قيس، ~~دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، فقال له: إذا جلست على المنبر، وفرغت من ~~بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت لك، فاحمد الله تعالى، ~~واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له عليك، من حسن الثناء عليه، ثم ادعني إلى ~~توليته من بعدي فإني قد رأيت وأجمعت على توليته، فأسأل الله في ذلك، وفي ~~غيره الخيرة وحسن القضاء. ثم دعا عبد الرحمن بن عثمان الثقفي وعبد الله بن ~~مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمي، وعبد الله بن عصام[ (1) ] الأشعري، ~~فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله، ويدعوه إلى بيعة يزيد[ (2) ]. ### || ما تكلم به الضحاك بن قيس # قال: فلما جلس معاوية على المنبر، وفرغ من بعض موعظته، وهؤلاء النفر في ~~المجلس قد قعدوا للكلام، قام الضحاك بن قيس، فاستأذن في الكلام، فأذن له، ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به، إنا قد ~~بلونا الجماعة والألفة، والاختلاف والفرقة فوجدناها ألم لشعثنا، وأمنة ~~لسبلنا، وحاقنة لدمائنا، وعائدة علينا في عاجل ما نرجو وآجل ما نؤمل. مع ما ~~ترجو به الجماعة من الألفة، ولا خير لنا أن نترك سدى، والأيام عوج رواجع، ~~والله يقول: @QUR@05 كل يوم هو في شأن [الرحمن: 29]، ولسنا ندري ما يختلف ~~به العصران[ (3) ]، وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك من ~~أنبياء الله وخلفائه، نسأل الله تعالى بك المتاع، وقد ms192 رأينا من دعة يزيد بن ~~أمير المؤمنين، [ (1) ]في مروج الذهب 3/34 عبد الله بن عصاة الأشعري. # [ (2) ]كان ذلك سنة 59 على ما قاله في مروج الذهب وعند ابن الأثير 2/511 ~~سنة 56 وفي العقد الفريد 4/369 سنة 55. # [ (3) ]العصران: الغداة والعشي والليل والنهار. PageV01P188 # وحسن مذهبه، وقصد سيرته[ (1) ]، ويمن نقيبته، مع ما قسم الله له من ~~المحبة في المسلمين، والشبه بأمير المؤمنين، في عقله وسياسته وشيمته ~~المرضية، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا، والقنوع به في الولاية علينا، ~~فليوله أمير المؤمنين -أكرمه الله-عهده، وليجعله لنا ملجأ ومفزعا بعده، ~~نأوي إليه إن كان كون فإنه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك، عزم الله ~~لك في رشدك، ووفقك في أمورنا[ (2) ]. ### || ما قال عبد الرحمن بن عثمان # قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه، قد أحدودبت ~~علينا سيساؤه[ (3) ]، واقطوطبت[ (4) ]علينا أدواؤه، وأناخت علينا أبناؤه، ~~ونحن نشير عليك بالرشاد، وندعوك إلى السداد، وأنت-يا أمير المؤمنين- أحسننا ~~نظرا وأثبتنا بصرا، ويزيد ابن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته، وبلونا ~~علانيته، ورضينا ولايته، وزادنا بذلك انبساطا، وبه اغتباطا، ما منحه الله ~~من الشبه بأمير المؤمنين والمحبة في المسلمين، فاعزم على ذلك، ولا تضق به ~~ذرعا، فالله تعالى يقيم به الأود، ويردع به الألد، وتأمن به السبل، ويجمع ~~به الشمل، ويعظم به الأجر، ويحسن به الذخر. ثم جلس. ### || ما قال ثور بن معن # قال: ثم قام ثور بن معن السلمي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله ~~أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه شاغب، وظله ذاهب مكتوب علينا ~~فيه الشقاء والسعادة، وأنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل الله بك المتاع ويزيد ~~ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفا، وأبذلنا عرفا وقد دعانا إلى الرضا به، [ ~~(1) ]قصد سيرته أي استقامتها. # [ (2) ]قارن مع العقد الفريد 4/369 وابن الأثير 2/510 مروج الذهب 3/34 ~~فتوح ابن الأعثم 4/230. # [ (3) ]السيساء: الظهر. المراد أن الزمان ms193 غير مستقيم يحدودب كما يحدودب ~~ظهر الدابة فلا يمكن ركوبها. # [ (4) ]اقطوطب: اجتمع. الأدواء جمع داء. PageV01P189 # والقنوع بولايته، والحرص عليه، والاختيار له، ما قد عرفنا من صدق لسانه ~~ووفائه، وحسن بلائه، فاجعله لنا بعدك خلفا، فإنه أوسعنا كنفا، وأقدمنا ~~سلفا، وهو رتق لما فتق، وزمام لما شعب[ (1) ]، ونكال لمن فارق ونافق، وسلم ~~لمن واظب، وحافظ للحق، أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء والسعادة، ~~والخيرة فيما أراد، والتوطن في البلاد، وصلاح أمر جميع العباد. ثم جلس. ### || ما تكلم به عبد الله بن عصام # قال: ثم قام عبد الله بن عصام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله ~~أمير المؤمنين، وأمتع به، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية، وأهواء منجذمة[ ~~(2) ] نخاف هدها، وننتظر جدها، شديد منحدرها، كثير وعرها، شامخة مراقيها، ~~ثابتة مراتبها، صعبة مراكبها، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد، ~~لا يخلد في الدنيا أحد، ولا يبقى لنا أمد، وأنت يا أمير المؤمنين مسئول عن ~~رعيتك، ومأخوذ بولايتك، وأنت انظر للجماعة وأعلى عينا بحسن الرأي لأهل ~~الطاعة، وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأيا، وأجمعها رضا، فاقطع ~~بيزيد قالة الكلام، ونخوة المبطل، وشغب المنافق، واكبت به الباذخ[ (3) ~~]المعادي، فإن ذلك ألم للشمل وأسهل للوعث، فاعزم على ذلك، ولا تترامى بك ~~الظنون. ### || ما تكلم به عبد الله بن مسعدة # ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح ~~الله أمير المؤمنين، وأمتع به. إن الله قد آثرك بخلافته، واختصك بكرامته، ~~وجعلك عصمة لأوليائه، وذا نكاية لأعدائه، فأصبحت بأنعمه جذلا، ولما حملك ~~محتملا، يكشف الله تعالى بك العمى، ويهدي بك العدي، ويزيد ابن أمير ~~المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة، وأحقهم بالخلافة بعدك، قد ساس الأمور، ~~وأحكمته الدهور، ليس بالصغير الفهيه[ (4) ]، ولا بالكبير السفيه، قد ~~احتجن[ (5) ] [ (1) ]شعب: كسر وتفرق. # [ (2) ]منجذمة: متقطعة. # [ (3) ]الباذخ: المستعلي المتكبر. # [ (4) ]الفهيه: العيي الذي لا يحسن الكلام. # [ (5) ]احتجن المكارم: جمعها وحواها. PageV01P190 # المكارم، وارتجى لحمل العظائم، وأشد الناس في العدو نكاية، وأحسنهم صنعا ~~في الولاية، وأنت ms194 أغنى بأمرك، وأحفظ لوصيتك، وأحرز لنفسك. أسأل الله لأمير ~~المؤمنين العافية في غير جهد، والنعمة في غير تغيير. ### || ما قال الأحنف بن قيس # قال: فقال معاوية: أوكلكم قد أجمع رأيه على ما ذكرنا؟فقالوا: كلنا قد ~~أجمع رأيه على ما ذكرنا. قال: فأين الأحنف؟فأجابه، قال: ألا تتكلم؟فقام ~~الأحنف فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن الناس ~~قد أمسكوا في منكر زمان قد سلف، ومعروف زمان مؤتنف[ (1) ]، ويزيد ابن أمير ~~المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت الدهر أشطره[ (2) ]يا أمير المؤمنين، فاعرف ~~من تسند إليه الأمر من بعدك، ثم أعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، ~~ولا ينظر لك، وأنت انظر للجماعة، وأعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز ~~وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا[ (3) ]و[ (4) ]. ### || ما رد الضحاك بن قيس عليه # قال: فغضب الضحاك بن قيس، فقام الثانية، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~أصلح الله أمير المؤمنين. إن أهل النفاق من أهل العراق، مروءتهم في أنفسهم ~~الشقاق، وألفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على أهوائهم، كأنما ينظرون ~~بأقفائهم، اختالوا جهلا وبطرا، لا يرقبون من الله راقبة، ولا يخافون وبال ~~عاقبة، اتخذوا إبليس لهم ربا، واتخذهم إبليس حزبا، فمن يقاربوه لا يسروه، ~~ومن يفارقوه لا يضروه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين في نحورهم، وكلامهم في ~~صدورهم، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي استخلف [ (1) ]مؤتنف: ~~مستقبل. # [ (2) ]حلب الدهر أشطره. مثل يقال للرجل المجرب الأمور الذي قاسي الشدة ~~والرخاء وتصرف في الفقر والغنى (انظر جمهرة الأمثال 1/346 المستقصى 2/64 ~~مجمع الأمثال 1/195) . # [ (3) ]قارن كلام الأحنف مع ما ذكره العقد الفريد 4/370 ابن الأعثم 4/232 ~~ابن الأثير 2/511 مروج الذهب 3/34. # [ (4) ]يفهم من كلام الأحنف أن ذلك حصل قبل وفاة الحسن بن علي أي قبل سنة ~~50 والمشهور أن وفاة الحسن كانت سنة 49. (انظر ما لاحظناه ص 188 حاشية رقم 2) . PageV01P191 # به معاوية في أرضه؟هيهات لا تورث الخلافة من كلالة، ويحجب غير ms195 الذكر ~~العصبة، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، وكاتب نبيكم ~~وصهره، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل. ### || ما أجاب به الأحنف بن قيس # قال: ثم قام الأحنف بن قيس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا أمير ~~المؤمنين، إنا قد فررنا عنك قريشا، فوجدناك أكرمها زندا، وأشدها عقدا، ~~وأوفاها عهدا، وقد علمت أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قعصا[ (1) ~~]، ولكنك أعطيت الحسن بن علي من عهود الله ما قد علمت[ (2) ]، ليكون له ~~الأمر من بعدك، فإن تف فأنت أهل الوفاء، وإن تغدر تعلم والله إن وراء الحسن ~~خيولا جيادا، وأذرعا شدادا، وسيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد ~~وراءه باعا من نصر، وإنك تعلم أن أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا ~~أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما، وما نزل عليهم في ذلك غير من السماء، وإن ~~السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي ~~أبغضوك بها لبين جوانحهم، وأيم الله إن الحسن لأحب إلى أهل العراق من علي. ### || ما قال عبد الرحمن بن عثمان # قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~أصلح الله أمير المؤمنين، إن رأي الناس مختلف، وكثير منهم منحرف، لا يدعون ~~أحدا إلى رشاد، ولا يجيبون داعيا إلى سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون ~~لهم في السنة والقضاء، وقد وقفت ليزيد في أحسن القضية، وأرضاها لحمل ~~الرعية، فإذا خار الله لك، فاعزم، ثم اقطع قالة الكلام، فإن يزيد أعظمنا ~~حلما وعلما، وأوسعنا كنفا، وخيرنا سلفا، قد أحكمته التجارب، وقصدت به سبل ~~المذاهب، فلا يصرفنك عن بيعته صارف، ولا يقفن بك دونها واقف، ممن هو شاسع ~~عاص، ينوص[ (3) ]للفتنة كل مناص، لسانه ملتو، وفي صدره داء دوي، [ (1) ~~]القعص: القتل. يريد أنه لم يدخل العراق بالحرب وإنما جاء دخوله إليها بعد ~~صلحه مع الحسن ومبايعة الحسن له. # [ (2) ]راجع ما لاحظناه بشأن معاهدة الصلح بين الحسن بن علي ومعاوية. # [ (3) ]ينوص للفتنة: يتحرك لها. PageV01P192 # إن ms196 قال فشر قائل، وإن سكت فذود غائل، قد عرفت من هم أولئك وما هم عليه ~~لك، من المجانبة للتوفيق، والكلف للتفريق، فأجل ببيعته عنا الغمة، واجمع به ~~شمل الأمة، فلا تحد عنه إذ هديت له، ولا تنش[ (1) ]عنه إذ وقفت له، فإن ~~ذلك الرأي لنا ولك، والحق علينا وعليك، أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ~~ولك بمنه. ### || ما قال معاوية بن أبي سفيان # قال: فقام معاوية فقال: أيها الناس، إن لإبليس من الناس إخوانا وخلانا ~~بهم يستعد، وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعا أوجفوا[ (2) ]، ~~وإن استغنى عنهم أرجفوا[ (3) ]ثم يلحقون الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب ~~النفاق، عيابون مرتابون، إن ولوا عروة أمر حنقوا، وإن دعوا إلى غي أسرفوا، ~~وليسوا أولئك بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين، حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل، ~~وتحل بهم قوارع أمر جليل، تجتث أصولهم كاجتثات أصول الفقع[ (4) ]، فأولى ~~لأولئك ثم أولى، فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن أغنى التقديم شيئا أو نفع ~~النذير. # قال: فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة، ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة، ~~ثم قام أبو خنيف[ (5) ]فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لا نطيق ألسنة مضر ~~وخطبها، أنت يا أمير المؤمنين، فإن هلكت فيزيد بعدك، فمن أبى فهذا، وسل ~~سيفه، فقال معاوية: أنت أخطب القوم وأكرمهم. # ثم قام الأحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلمنا بليله ونهاره، ~~وبسره وعلانيته فإن كنت تعلم أنه خير لك فوله واستخلفه، وإن كنت تعلم أنه ~~شر لك، فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ~~ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن [ (1) ]لا ~~تنش عنه أي لا تبعد عنه ولا تتحرك من ناحيته. # [ (2) ]أوجف بالشيء: أسرع بإتمامه. # [ (3) ]أرجفوا: أثاروا الشائعات. # [ (4) ]الفقع: نبات الكمأة، وأصوله سهلة الاستئصال. # [ (5) ]في ابن الأثير 2/511 اسمه يزيد بن المقنع العذري. وفي مروج الذهب: ~~رجل من الأزد. PageV01P193 # والحسين، وأنت تعلم من هما، وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول: @QUR@08 ~~سمعنا وأطعنا ms197 غفرانك ربنا وإليك المصير [البقرة: 285]. ### || قدوم معاوية المدينة وما خاوض فيه العبادلة # قال: قالوا: فاستخار الله معاوية، وأعرض عن ذكر البيعة، حتى قدم المدينة ~~سنة خمسين[ (1) ]، فتلقاه الناس، فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله ~~بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد ~~الله بن الزبير، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء ~~النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية، فقال: الحمد لله الذي أمرنا بحمده، ووعدنا ~~عليه ثوابه، نحمده كثيرا، كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فإني قد كبر سني، ووهن ~~عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن أدعى فأجيب، وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي ~~يزيد، ورأيته لكم رضا، وأنتم عبادلة قريش وخيارها، وأبناء خيارها، ولم ~~يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما أولاد أبيهما علي على حسن رأيي ~~فيهما، وشديد محبتي لهما، فردوا على أمير المؤمنين خيرا رحمكم الله. ### || ما تكلم به عبد الله بن عباس # قال: فتكلم عبد الله بن عباس، فقال: الحمد لله الذي ألهمنا أن نحمده، ~~واستوجب علينا الشكر على آلائه، وحسن بلائه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده ~~لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصلى الله على محمد وآل محمد. أما بعد، ~~فإنك قد تكلمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وإن الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، ~~اختار محمدا صلى الله عليه وسلم لرسالته، واختاره لوحيه، وشرفه على خلقه، ~~فأشرف الناس من تشرف به، وأولاهم بالأمر أخصهم به، وإنما على الأمة التسليم ~~لنبيها، إذ اختاره الله لها، فإنه إنما اختار محمدا بعلمه، وهو العليم ~~الخبير، وأستغفر الله لي ولكم. # [ (1) ]كذا، وفي آخر الخبر ما يشير إلى أن ذهابه إلى المدينة كان قبل ~~وفاة الحسن. PageV01P194 ### || ما تكلم به عبد الله بن جعفر # قال: فقام عبد الله بن جعفر، فقال: الحمد لله أهل الحمد ومنتهاه، نحمده ~~على إلهامنا حمده، ونرغب إليه في تأدية ms198 حقه، وأشهد أن لا إله إلا الله ~~واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه ~~وسلم: أما بعد، فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها بالقرآن، فأولو الأرحام بعضهم ~~أولى ببعض في كتاب الله، وإن أخذ فيها بسنة رسول الله، فأولو رسول الله، ~~وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا ~~الأمر من آل الرسول؟وايم الله لو ولوه بعد نبيهم لوضعوا الأمر موضعه، لحقه ~~وصدقه، ولأطيع الرحمن، وعصي الشيطان، وما اختلف في الأمة سيفان، فاتق الله ~~يا معاوية، فإنك قد صرت راعيا، ونحن رعية، فانظر لرعيتك فإنك مسئول عنها ~~غدا، وأما ما ذكرت من ابني عمي، وتركك أن تحضرهما، فو الله ما أصبت الحق، ~~ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإنك لتعلم أنهما معدن العلم والكرم، فقال أو ~~دع. وأستغفر لي الله ولكم. ### || ما تكلم به عبد الله بن الزبير # قال: فتكلم عبد الله بن الزبير، فقال: الحمد لله الذي عرفنا دينه، ~~وأكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى وأولى، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن ~~محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإن هذه الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بمآثرها ~~السنية، وأفعالها المرضية، مع شرف الآباء، وكرم الأبناء، فاتق الله يا ~~معاوية وأنصف من نفسك، فإن هذا عبد الله بن عباس ابن عم رسول الله، وهذا ~~عبد الله بن جعفر ذو الجناحين ابن عم رسول الله، وأنا عبد الله بن الزبير ~~ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلي خلف حسنا وحسينا، وأنت تعلم من ~~هما، وما هما، فاتق الله يا معاوية، وأنت الحاكم بيننا وبين نفسك، ثم سكت. ### || ما تكلم به عبد الله بن عمر # فتكلم عبد الله بن عمر، فقال: الحمد لله الذي أكرمنا بدينه، وشرفنا بنبيه ~~صلى الله عليه وسلم أما بعد: فإن هذه الخلافة ليست بهرقلية[ (1) ]، ولا [ ~~(1) ]يريد أنها لا تورث كما يورث ملوك الروم أبناءهم الملك. والهرقلية نسبة ~~إلى هرقل. PageV01P195 # قيصرية ولا كسروية يتوارثها الأبناء ms199 عن الآباء ولو كان كذلك كنت القائم ~~بها بعد أبي، فو الله ما أدخلني مع الستة من أصحاب الشورى إلا على أن ~~الخلافة ليست شرطا مشروطا، وإنما هي في قريش خاصة، لمن كان لها أهلا ممن ~~ارتضاه المسلمون لأنفسهم، من كان أتقى وأرضى، فإن كنت تريد الفتيان من ~~قريش، فلعمري إن يزيد من فتيانها، واعلم أنه لا يغني عنك من الله شيئا. ### || ما تكلم به معاوية # فتكلم معاوية فقال: قد قلت وقلتم، وإنه ذهبت الآباء، وبقيت الأبناء، ~~فابني أحب إلي من أبنائهم، مع أن ابني إن قاولتموه وجد مقالا، وإنما كان ~~هذا الأمر لبني عبد مناف، لأنهم أهل رسول الله، فلما مضى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ولي الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ولا الخلافة، ~~غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، فلا يزال فيهم ~~إلى يوم القيامة، وقد أخرجك الله يا بن الزبير، وأنت يا بن عمر منها، فأما ~~ابنا عمي هذان[ (1) ]فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله. ثم أمر بالرحلة، ~~وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد، ولم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم وأعطياتهم. ثم ~~انصرف راجعا إلى الشام، وسكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى سنة إحدى وخمسين. ### || موت الحسن بن علي رضي الله عنهما # قال: فلما كانت سنة إحدى وخمسين[ (2) ]، مرض الحسن بن علي مرضه الذي مات ~~فيه[ (3) ]، فكتب عامل المدينة إلى معاوية يخبره بشكاية الحسن، فكتب إليه ~~معاوية: إن استطعت ألا يمضي يوم يمر بي إلا يأتيني فيه خبره فافعل، فلم يزل ~~يكتب إليه بحاله حتى توفي. فكتب إليه بذلك، فلما أتاه الخبر أظهر فرحا ~~وسرورا، حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله بن عباس، وكان [ (1) ~~]يريد عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب. # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير وابن كثير والعقد الفريد مات سنة 49 ~~بالمدينة. وقال آخرون: مات سنة 50 وقيل سنة 58. # [ (3) ]قال ابن الأثير في الكامل: سمته زوجته ms200 جعدة بنت الأشعث بن قيس ~~الكندي. (وانظر البداية والنهاية 8/46-47) . PageV01P196 # بالشام يومئذ، فدخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يا بن عباس هلك ~~الحسن بن علي، فقال ابن عباس: نعم هلك @QUR@06 إنا لله وإنا إليه راجعون ~~ترجيعا مكررا، وقد بلغني الذيأظهرت من الفرح والسرور لوفاته. أما والله ما ~~سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك، ولئن ~~أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عباس وبكى، ~~وبكى من حضر في المجلس، وبكى معاوية، فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك ~~اليوم، فقال معاوية: بلغني أنه ترك بنين صغارا. فقال ابن عباس: # كلنا كان صغيرا فكبر[ (1) ]. قال معاوية: كم أتى له من العمر؟فقال ابن ~~عباس: أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد مولده. قال: فسكت معاوية يسيرا، ثم قال: # يا بن العباس: أصبحت سيد قومك من بعده، فقال ابن عباس: أما ما أبقى الله ~~أبا عبد الله الحسين فلا. قال معاوية: لله أبوك يا بن عباس، ما استنبأتك ~~إلا وجدتك معدا. ### || بيعة معاوية ليزيد بالشام وأخذه أهل المدينة # قالوا: ثم لم يلبث معاوية بعد وفاة الحسن رحمه الله إلا يسيرا حتى بايع ~~ليزيد بالشام، وكتب بيعته إلى الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن ~~الحكم، فكتب إليه يذكر الذي قضى الله به على لسانه من بيعة يزيد، ويأمره أن ~~يجمع من قبله من قريش وغيرهم من أهل المدينة، ثم يبايعوا ليزيد[ (2) ]. ### || عزل مروان عن المدينة # قال: فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك. وأبته قريش. فكتب لمعاوية: ~~إن قومك قد أبوا إجابتك إلى بيعتك ابنك، فارأ رأيك. فلما بلغ [ (1) ]زيد في ~~العقد الفريد 4/362 وإن طفلنا لكهل، وإن صغيرنا لكبير. # [ (2) ]اختلفوا في موقف مروان بن الحكم من بيعة يزيد، فالمسعودي ذكر في ~~مروج الذهب غضب مروان وانزعاجه ورفضه للبيعة (3/35) أما الطبري فقد ذكر ms201 عزل ~~مروان عن المدينة دون ذكر السبب في ذلك. أما في العقد الفريد 4/371 وابن ~~الأعثم في الفتوح 4/231-232 فقد ذكرا أن مروان جمع وجوه أهل المدينة-لما ~~وصله كتاب معاوية-ودعاهم إلى بيعة يزيد وحذرهم الفتنة. PageV01P197 # معاوية كتاب مروان عرف أن ذلك من قبله. فكتب إليه يأمره أن يعتزل عمله، ~~ويخبره أنه قد ولى المدينة سعيد بن العاص[ (1) ]، فلما بلغ مروان كتاب ~~معاوية، أقبل مغاضبا في أهل بيته، وناس كثير من قومه، حتى نزل بأخواله بني ~~كنانة، فشكا إليهم، وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية، وفي عزله ~~واستخلافه يزيد ابنه عن غير مشورة مبادرة له، فقالوا: نحن نبلك في يدك، ~~وسيفك في قرابك فمن رميته بنا أصبناه، ومن ضربته بنا قطعناه، الرأي رأيك، ~~ونحن طوع يمينك. ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير، ممن كان معه من قومه وأهل ~~بيته حتى نزل دمشق، فخرج فيهم حتى أتى سدة معاوية، وقد أذن للناس. فلما نظر ~~الحاجب إلى كثرة من معه من قومه وأهل بيته، منعه من الدخول، فوثبوا إليه، ~~فضربوا وجهه، حتى خلى عن الباب، ثم دخل مروان، ودخلوا معه، حتى إذا كان من ~~معاوية بحيث تناله يده. ### || خطبة مروان بن الحكم بين يدي معاوية # قال بعد التسليم عليه بالخلافة: إن الله عظيم خطره، لا يقدر قادر قدره، ~~خلق من خلقه عبادا، جعلهم لدعائم دينه أوتادا، هم رقباؤه على البلاد، ~~وخلفاؤه على العباد، أسفر بهم الظلم، وألف بهم الدين، وشدد بهم اليقين ومنح ~~بهم الظفر، ووضع بهم من استكبر، فكان من قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في ~~سالف زمامنا، وكنا نكون لهم على الطاعة إخوانا، وعلى من خالف عنها أعوانا، ~~يشد بنا العضد، ويقام بنا الأود[ (2) ]، ونستشار في القضية، ونستأمر في أمر ~~الرعية، وقد أصبحنا اليوم في أمور مستحيرة ذات وجوه مستديرة، تفتح بأزمة ~~الضلال، وتجلس بأهواء الرجال، يؤكل جزورها، وتمق أحلابها[ (3) ]فما لنا لا ~~نستأمر في رضاعها، ونحن فطامها وأولات فطامها؟[ (4) ]وايم الله لو لا عهود ~~مؤكدة، ومواثيق معقدة ms202 لأقمت أود وليها، فأقم الأمر يا بن سفيان واهدئ[ (5) ~~]من [ (1) ]في الطبري وابن الأثير: تولى المدينة بعد عزل مروان الوليد بن ~~عتبة بن أبي سفيان. # [ (2) ]الأود: العوج. # [ (3) ]وتمق أحلابها: يشرب لبنها جميعا. # [ (4) ]يريد أن معاوية يستأثر بالخلافة وحده ولا يترك للآخرين مع أنهم ~~يؤثرون سلبا في اتجاه الأوضاع، ويستطيعون أن يلعبوا دورا في كل القضايا ~~المطروحة، والخطيرة منها. # [ (5) ]في مروج الذهب 3/35 «وأعدل» وكلاهما بمعنى امتنع أو ترو ولا تتسرع. PageV01P198 # تأميرك الصبيان، واعلم أن لك في قومك نظرا، وأن لهم على مناوأتك وزرا. # فغضب معاوية من كلامه غضبا شديدا، ثم كظم غيظه بحلمه، وأخذ بيد مروان، ثم ~~قال: إن الله قد جعل لكل شيء أصلا، وجعل لكل خير أهلا ثم جعلك في الكرم ~~مني محتدا، والعزيز مني والدا، اخترت من قروم قادة، ثم استللت سيد سادة، ~~فأنت ابن ينابيع الكرم، فمرحبا بك وأهلا من ابن عم ذكرت خلفا مفقودين، ~~شهداء صديقين، كانوا كما نعت، وكنت لهم كما ذكرت، وقد أصبحنا في أمور ~~مستحيرة، ذات وجوه مستديرة، وبك والله يا بن العم نرجو استقامة أودها، ~~وذلولة صعوبتها، وسفور ظلمتها، حتى يتطأطأ جسيمها، ويركب بك عظيمها، فأنت ~~نظير أمير المؤمنين بعده، وفي كل شدة عضده، وإليك عهد عهده، فقد وليتك ~~قومك، وأعظمنا في الخراج سهمك، وأنا مجيز وفدك، ومحسن رفدك، وعلى أمير ~~المؤمنين غناك، والنزول عند رضاك[ (1) ]. # فكان أول ما رزق ألف دينار في كل هلال، وفرض له في أهل بيته مائة مائة. ### || كراهية أهل المدينة البيعة وردهم لها # قال وذكروا أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاص وهو على المدينة، يأمره أن ~~يدعو أهل المدينة إلى البيعة، ويكتب إليه بمن سارع ممن لم يسارع. فلما أتى ~~سعيد بن العاص الكتاب، دعا الناس إلى البيعة ليزيد، وأظهر الغلظة وأخذهم ~~بالعزم والشدة، وسطا[ (2) ]بكل من أبطأ عن ذلك، فأبطأ الناس عنها، إلا ~~اليسير، لا سيما بني هاشم، فإنه لم يجبه منهم أحد، وكان ابن الزبير من أشد ~~الناس إنكارا لذلك، وردا له. # فكتب ms203 سعيد بن العاص إلى معاوية: أما بعد، فإنك أمرتني أن أدعو الناس ~~لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وأن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ، وإني ~~أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء، لا سيما أهل البيت من بني هاشم، فإنه لم يجبني ~~منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره وأما الذي جاهر بعداوته، وإبائه لهذا الأمر، ~~[ (1) ]انظر مروج الذهب وزيد عنده بعد أن جعله ولي عهد يزيد: رده إلى ~~المدينة ثم انه عزله عنها وولاها الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ولم يف ~~لمروان بما جعل له من ولاية عهد يزيد بن معاوية. # [ (2) ]سطا بهم: نكل بهم وعاقبهم. PageV01P199 # فعبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال أو تقدم بنفسك، ~~فترى رأيك في ذلك، والسلام. # فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس، وإلى عبد الله بن الزبير، وإلى عبد ~~الله بن جعفر، وإلى الحسين بن علي، رضي الله عنهم كتبا، وأمر سعيد بن العاص ~~أن يوصلها إليهم، ويبعث بجواباتها. ### || كتاب معاوية إلى سعيد بن العاص # كتب إلى سعيد بن العاص، أما بعد، فقد أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من ~~إبطاء الناس عن البيعة. ولا سيما بني هاشم، وما ذكر ابن الزبير وقد كتبت ~~إلى رؤسائهم كتبا، فسلمها إليهم، وتنجز جواباتها، وابعث بها إلي، حتى أرى ~~في ذلك رأيي، ولتشتد عزيمتك، ولتصلب شكيمتك، وتحسن نيتك. # وعليك بالرفق، وإياك والخرق، فإن الرفق رشد، والخرق نكد، وانظر حسينا ~~خاصة، فلا يناله منك مكروه، فإن له قرابة وحقا عظيما لا ينكره مسلم ولا ~~مسلمة، وهو ليث عرين، ولست آمنك إن شاورته أن لا نقوى عليه، فأما من يرد مع ~~السباع إذا وردت[ (1) ]، ويكنس إذا كنست[ (2) ]، فذلك عبد الله بن ~~الزبير، فاحذره أشد الحذر، ولا قوة إلا بالله، وأنا قادم عليك إن شاء الله، ~~والسلام. ### || ما كتب به إلى ابن عباس # وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فقد بلغني إبطاؤك عن البيعة ليزيد ابن أمير ~~المؤمنين، وإني لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إلي، لأنك ممن ms204 ألب عليه وأجلب، ~~وما معك من أمان فتطمئن به، ولا عهد فتسكن إليه، فإذا أتاك كتابي هذا، ~~فاخرج إلى المسجد، والعن قتلة عثمان، وبايع عاملي، فقد أعذر من أنذر وأنت ~~بنفسك أبصر، والسلام. # [ (1) ]وردت السباع الماء: إذا أشرفت عليه، دخلته أو لم تدخله وقيل: ~~الورود بالإجماع: عدم الدخول. والوارد هم الذين يردون الماء. (اللسان) . # [ (2) ]أي يأوي إلى كناسه، يعني مأواه. PageV01P200 ### || ما كتب به إلى عبد الله بن جعفر # وكتب إلى عبد الله بن جعفر: أما بعد، فقد عرفت أثرتي[ (1) ]إياك على من ~~سواك، وحسن رأيي فيك وفي أهل بيتك، وقد أتاني عنك ما أكره، فإن بايعت تشكر ~~وإن تأب تجبر، والسلام. ### || ما كتب به إلى الحسين # وكتب إلى الحسين: أما بعد، فقد انتهت إلي منك أمور، لم أكن أظنك بها رغبة ~~عنها، وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان مثلك، في خطرك وشرفك ~~ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، واتق الله ولا تردن ~~هذه الأمة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد، ولا يستخفنك الذين لا ~~يوقنون. ### || ما كتبه إلى ابن الزبير # وكتب إلى عبد الله بن الزبير: # رأيت كرام الناس إن كف عنهم # بحلم رأوا فضلا لمن قد تحلما # ولا سيما إن كان عفوا بقدرة # فذلك أحرى أن يجل ويعظما # ولست بذي لوم فتعذر بالذي # أتاه من الأخلاق من كان ألوما # ولكن غشا لست تعرف غيره # وقد غش قبل اليوم إبليس آدما # فما غش إلا نفسه في فعاله # فأصبح ملعونا وقد كان مكرما # وإني لأخشى أن أنالك بالذي # أردت فيجزي الله من كان أظلما ### || ما أجابه القوم به رضي الله عنهم # فكان أول ما أجابه عبد الله بن عباس، فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني ~~كتابك، وفهمت ما ذكرت، وأن ليس معي منك أمان، وإنه والله ما منك يطلب ~~الأمان يا معاوية، وإنما يطلب الأمان من الله رب العالمين. وأما قولك في ~~قتلي، [ (1) ]الأثرة: بفتح الثاء وضمها: المكرمة. وفي المحكم: المكرمة ~~المتوارثة. آثره: أكرمه. ms205 آثره عليه: # فضله (اللسان) . PageV01P201 # فو الله لو فعلت للقيت الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم خصمك، فما إخاله ~~أفلح ولا أنجح من كان رسول الله خصمه. وأما ما ذكرت من أني ممن ألب في ~~عثمان وأجلب، فذلك أمر غبت عنه، ولو حضرته ما نسبت إلي شيئا من التأليب ~~عليه، وايم الله ما أرى أحدا غضب لعثمان غضبي، ولا أعظم أحد قتله إعظامي، ~~ولو شهدته لنصرته[ (1) ]، أو أموت دونه، ولقد قلت وتمنيت يوم قتل عثمان: ~~«ليت الذي قتل عثمان لقيني فقتلني معه، ولا أبقى بعده» وأما قولك لي: العن ~~قتلة عثمان، فلعثمان ولد وخاصة وقرابة، هم أحق بلعنهم مني، فإن شاءوا أن ~~يلعنوا فليلعنوا، وإن شاءوا أن يمسكوا فليمسكوا، والسلام. # وكتب إليه عبد الله بن جعفر: أما بعد، فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت ~~فيه من أثرتك إياي على من سواي، فإن تفعل فبحظك أصبت، وإن تأب فبنفسك قصرت. ~~وأما ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد، فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد ~~أجبرناك وأباك على الإسلام، حتى أدخلناكما كارهين غير طائعين، والسلام. # وكتب إليه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: # ألا سمع الله الذي أنا عبده # فأخزى إله الناس من كان أظلما # وأجرا على الله العظيم بحلمه # وأسرعهم في الموبقات تقحما # أغرك أن قالوا حليم بغرة # وليس بذي حلم ولكن تحلما # ولو رمت ما إن قد زعمت وجدتني # هزبر عرين يترك القرن أكتما[ (2) ] # وأقسم لو لا بيعة لك لم أكن # لأنقضها لم تنج مني مسلما # و@HAD074 كتب إليه الحسين رضي الله عنه: أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر ~~فيه أنه انتهت إليك عني أمور، لم تكن تظنني بها، رغبة بي عنها، وإن الحسنات ~~لا يهدي لها، ولا يسدد إليها إلا الله تعالى، وأما ما ذكرت أنه رقي إليك ~~عني، فإنما رقاه الملاقون، المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الجمع، وكذب ~~الغاوون المارقون، ما أردت حربا ولا خلافا، وإني لأخشى لله في ترك ذلك، منك ومن # [ (1) ]كان عثمان بن عفان قد ولى ابن ms206 عباس على الموسم وهو محاصر، حيث ~~استمر الحصار من أواخر ذي القعدة إلى الثامن عشر من ذي الحجة ولما رجع الحج ~~وجدوا عثمان قد قتل. # [ (2) ]هزبر: الأسد. القرن: بالكسر: الكفء والنظير في الشجاعة والحرب ~~ويجمع على أقران. PageV01P202 # @HAD0332 حزبك، القاسطين المحلين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم. ~~ألست قاتل حجر[ (1) ]، وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون ~~البدع، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما وعدوانا، من بعد ~~ما أعطيتهم المواثيق الغليظة، والعهود المؤكدة، جراءة على الله واستخفافا ~~بعهده، أو لست بقاتل عمرو بن الحمق، الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته ~~من بعد ما أعطيته من العهود ما لو فهمته العصم[ (2) ]نزلت من شعف الجبال، ~~أولست المدعي زيادا في الإسلام[ (3) ]، فزعمت أنه ابن أبي سفيان، وقد قضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن الولد للفراش وللعاهر الحجر، ثم سلطته ~~على أهل الإسلام، يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف ويصلبهم على جذوع ~~النخل، سبحان الله يا معاوية!لكأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك. أو لست ~~قاتل الحضرمي الذي كتب إليك فيه زياد أنه على دين علي كرم الله وجهه، ودين ~~علي هو دين ابن عمه صلى الله عليه وسلم، الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ~~ولو لا ذلك كان أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف، ~~فوضعها الله عنكم بنا، منة عليكم، وقلت فيما قلت: لا ترد هذه الأمة في ~~فتنة، وإني لا أعلم لها فتنة أعظم من إمارتك عليها، وقلت فيما قلت: انظر ~~لنفسك ولدينك ولأمة محمد، وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنه ~~قربة إلى ربي، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني، وأسأله التوفيق لما يحب ~~ويرضى، وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، ~~فلعمري لقديما يكاد الصالحون، وإني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك، ولا تمحق إلا ~~عملك، فكدني ما بدا لك، واتق الله يا معاوية، واعلم أن لله كتابا لا يغادر ~~صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها. واعلم أن الله ms207 ليس [ (1) ]يريد حجر بن عدي ~~الكندي وقد قتله معاوية صبرا، ويقال إنه أول من قتل صبرا في الإسلام. # @HAD048 قتل مع ستة من أصحابه وهم شريك بن شداد الحضرمي، وصيفي بن فسيل ~~الشيباني، وقبيصة بن ضبيعة العبسي، ومحرز بن شهاب السعدي، وكدام بن حيان ~~العنزي، وعبد الرحمن بن حسان العنزي (انظر في مقتلهم مروج الذهب 3/3-4 ~~والطبري 5/277) . # @HAD09 [ (2) ]العصم جمع أعصم وهي الوعول. # @HAD043 [ (3) ]يريد زياد بن أبيه حيث استلحقه معاوية وجعله أخيه وسماه ~~زياد بن أبي سفيان، وكان أبو سفيان قد أنكر انه ابنه من سمية. (انظر ما ~~ذكره المسعودي في مروج الذهب 3/7) بشأن قضية إلحاق زياد بأبي سفيان. PageV01P203 # @HAD031 بناس لك قتلك بالظنة، وأخذك بالتهمة، وإمارتك صبيا يشرب الشراب، ~~ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا وقد أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية ~~والسلام. ### || قدوم معاوية المدينة على هؤلاء القوم وما كان بينهم من المنازعة # قال: وذكروا أنه لما جاوب القوم معاوية بما جاوبوه، من الخلاف لأمره، ~~والكراهية لبيعته ليزيد، كتب إلى سعيد بن العاص[ (1) ]، يأمره أن يأخذ أهل ~~المدينة بالبيعة ليزيد، أخذا بغلظة وشدة، ولا يدع أحدا من المهاجرين ~~والأنصار وأبنائهم حتى يبايعوا، وأمره أن لا يحرك هؤلاء النفر، ولا يهيجهم. ~~فلما قدم عليه كتاب معاوية أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الأخذ وأغلظه، ~~فلم يبايعه أحد منهم. # فكتب إلى معاوية: إنه لم يبايعني أحد، وإنما الناس تبع لهؤلاء النفر، فلو ~~بايعوك بايعك الناس جميعا، ولم يتخلف عنك أحد. فكتب إليه معاوية يأمره أن ~~لا يحركهم إلى أن يقدم، فقدم معاوية المدينة حاجا، فلما أن دنا من المدينة ~~خرج إليه الناس يتلقونه، ما بين راكب وماش، وخرج النساء والصبيان، فلقيه ~~الناس على حال طاقتهم وما تسارعوا به في الفوت والقرب، فلان لمن كافحه، ~~وفاوض العامة بمحادثته وتألفهم جهده، مقاربة ومصانعة، ليستميلهم إلى ما دخل ~~فيه الناس، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به: يا أهل المدينة ما زلت أطوي ~~الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم، حتى انطوى البعيد، ولان الخشن، وحق ms208 ~~لجار رسول الله أن يتاق إليه. # فرد عليه القوم: بنفسك ودارك ومهاجرك، أما إن لك منهم كإشفاق الحميم ~~البر، والحفي المتعاهد[ (2) ]. # قال: حتى إذا كان بالجرف[ (3) ]لقيه الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، ~~[ (1) ]في العقد الفريد 4/371 وفتوح ابن الأعثم 4/232: كتب إلى مروان بن الحكم. # [ (2) ]الحفي: القريب الذي يحترم صاحبه ويحتفل به. المتعاهد: أي الذي ~~يداوم الحفاوة. # [ (3) ]الجرف: بالضم فسكون، موضع على ثلاثة أميال من المدينة نحو الشام ~~(معجم البلدان) . PageV01P204 # فقال معاوية: مرحبا يا بن بنت رسول الله وابن صنو أبيه[ (1) ]، ثم انحرف ~~إلى الناس، فقال: هذان شيخا بني عبد مناف، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه، فرحب ~~وقرب، وجعل يواجه هذا مرة، ويضاحك هذا أخرى، حتى ورد المدينة، فلما خالطها ~~لقيته المشاة والنساء والصبيان، يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل، فانصرفا ~~عنه فمال الحسين إلى منزله، ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد فدخله. # وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام، حتى أتى عائشة أم المؤمنين ~~فاستأذن عليها فأذنت له وحده، ولم يدخل عليها معه أحد، وعندها مولاها ~~ذكوان. فقالت عائشة: يا معاوية، أكنت تأمن أن أقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت ~~أخي محمد بن أبي بكر؟[ (2) ]فقال معاوية: ما كنت لتفعلي ذلك، قالت: # لم؟قال: لأني في بيت آمن، بيت رسول الله. ثم إن عائشة حمدت الله وأثنت ~~عليه، وذكرت رسول الله صلى الله عليه وسلم وذكرت أبا بكر وعمر، وحضته على ~~الاقتداء بهما، والاتباع لأثرهما، ثم صمتت. قال: فلم يخطب معاوية، وخاف أن ~~لا يبلغ ما بلغت، فارتجل الحديث ارتجالا، ثم قال: أنت- والله يا أم ~~المؤمنين-العالمة بالله وبرسوله، دللتنا على الحق، وحضضتنا على حظ أنفسنا، ~~وأنت أهل لأن يطاع أمرك، ويسمع قولك، وإن أمر يزيد قضاء من القضاء، وليس ~~للعباد الخيرة من أمرهم، وقد أكد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا عهودهم ~~على ذلك ومواثيقهم، أفترين أن ينقضوا عهودهم ومواثيقهم؟ فلما سمعت ذلك ~~عائشة علمت أنه سيمضي على أمره، فقالت: أما ما ذكرت من عهود ومواثيق، فاتق ~~الله ms209 في هؤلاء الرهط، ولا تعجل فيهم، فلعلهم لا [ (1) ]في العقد الفريد: ~~مرحبا بسيد شباب المسلمين. وفي ابن الأثير 2/511: لقيه الحسين أول الناس، ~~فلما نظر إليه قال: لا مرحبا ولا أهلا، بدنة يترقرق دمها والله مهريقه. ~~فقال: مهلا فإني والله لست بأهل لهذه المقالة. # وقيل إن الحسين لاقاه لما دنا من المدينة فكان لقاء معاوية له شيئا ثم ~~أنه ندم على ما كان منه، فعند ما لقيه ببطن مر، بعد خروجه من المدينة، رحب ~~به وأمر له بدابة وساير فالتبس على بعض المؤرخين خبر اللقاءين. ولم يذكر ~~فيمن استقبله عبد الله بن عباس (وانظر فتوح ابن الأعثم 3/234) . # [ (2) ]وكان معاوية قد قتله سنة 38 وكان محمد عاملا على مصر لعلي بن أبي ~~طالب وقد قتله معاوية بن حديج (انظر تفاصيل مقتله في الطبري 5/94 وما ~~بعدها) . PageV01P205 # يصنعون إلا ما أحببت، ثم قام معاوية، فلما قام قالت عائشة: يا معاوية، ~~قتلت حجرا وأصحابه العابدين المجتهدين[ (1) ]. فقال معاوية، دعي هذا، كيف ~~أنا في الذي بيني وبينك في حوائجك؟قالت: صالح، قال: فدعينا وإياهم حتى نلقى ~~ربنا، ثم خرج ومعه ذكوان، فاتكأ على يد ذكوان، وهو يمشي ويقول: تالله إن ~~رأيت كاليوم قط خطيبا أبلغ من عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم ~~مضى حتى أتى منزله. فأرسل إلى الحسين بن علي، فخلا به، فقال له: # يا بن أخي، قد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش، أنت ~~تقودهم يا بن أخي، فما أربك إلى الخلاف؟ @HAD021 قال الحسين: أرسل إليهم، ~~فإن بايعوك كنت رجلا منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر. قال: وتفعل؟قال: # @HAD02 نعم، قال: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، فخرج، وقد أقعد له ~~ابن الزبير رجلا بالطريق، فقال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما كان؟فلم يزل ~~به حتى استخرج منه شيئا. قال: ثم أرسل معاوية بعده إلى ابن الزبير، فخلا به. # فقال له: قد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، ~~يا بن ms210 أخي، فما أربك إلى الخلاف؟[ (2) ]قال: فأرسل إليهم، فإن بايعوك كنت ~~رجلا منهم، وإلا لم تكن عجلت علي بأمر. قال: وتفعل؟قال: نعم. فأخذ عليه أن ~~لا يخبر بحديثهما[ (3) ]أحدا[ (4) ]. قال: فأرسل بعده إلى ابن عمر، فأتاه ~~وخلا به، فكلمه بكلام هو ألين من صاحبيه وقال: إني كرهت أن أدع أمة محمد ~~بعدي كالضأن لا راعي لها، وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت ~~تقودهم، فما أربك إلى الخلاف؟قال ابن عمر: هل لك في أمر تحقن به الدماء ~~وتدرك به حاجتك؟فقال معاوية: وددت ذلك، فقال ابن عمر: تبرز سريرك، ثم أجيء ~~فأبايعك، على أني بعدك أدخل فيما اجتمعت عليه الأمة، فو الله لو أن الأمة ~~اجتمعت بعدك على عبد حبشي لدخلت فيما تدخل فيه الأمة. قال: وتفعل؟ قال: ~~نعم. ثم خرج وأرسل إلى عبد الرحمن بن أبي بكر، فخلا به. قال: بأي يد أو رجل ~~تقدم على معصيتي؟فقال عبد الرحمن: أرجو أن يكون ذلك خيرا [ (1) ]تقدمت ~~الإشارة قريبا إلى ذلك. # [ (2) ]زيد في الطبري 5/304 قال: أنا أقودهم!قال: نعم، أنت تقودهم. # [ (3) ]في الطبري: بحديثهم. # [ (4) ]زيد في الطبري: قال: يا أمير المؤمنين، نحن في حرم الله عز وجل، ~~وعهد الله سبحانه ثقيل فأبى عليه وخرج. PageV01P206 # لي، فقال معاوية: والله لقد هممت أن أقتلك، فقال: لو فعلت لأتبعك الله في ~~الدنيا، ولأدخلك به في الآخرة النار، قال: ثم خرج عبد الرحمن بن أبي بكر، ~~وبقي معاوية يومه ذلك يعطي الخواص، ويعصى مذمة الناس[ (1) ]. # فلما كان صبيحة اليوم الثاني، أمر بفراش فوضع له، وسويت مقاعد الخاصة ~~حوله وتلقاءه من أهله، ثم خرج وعليه حلة يمانية، وعمامة دكناء، وقد أسبل ~~طرفها بين كتفيه، وقد تغلي[ (2) ]وتعطر، فقعد على سريره، وأجلس كتابه منه ~~بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب، ثم ~~أرسل إلى الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، فسبق ابن عباس، فلما دخل وسلم ~~أقعده في الفراش عن يساره، فحادثه مليا، ثم قال: يا بن ms211 عباس لقد وفر الله ~~حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف، ودار الرسول عليه الصلاة والسلام. فقال ~~ابن عباس: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، وحظنا من القناعة بالبعض، والتجافي ~~عن الكل أوفر، فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر ~~الأعمال على اختلاف الغرائز والطبائع، حتى أقبل الحسين بن علي، فلما رآه ~~معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه، فدخل الحسين وسلم، فأشار إليه، فأجلسه ~~عن يمينه مكان الوسادة فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم، ~~فأخبره، ثم سكت. قال: ثم ابتدأ معاوية فقال: أما بعد، فالحمد لله ولي ~~النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لا إله إلا الله المتعالي عما يقول الملحدون ~~علوا كبيرا، وأن محمدا عبده المختص المبعوث إلى الجن والإنس كافة، لينذرهم ~~بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فأدى ~~عن الله، وصدع[ (3) ]بأمره، وصبر على الأذى في جنبه، حتى وضح دين الله، ~~وعز أولياؤه، وقمع المشركون، وظهر أمر الله وهم كارهون، فمضى صلوات الله ~~عليه، وقد ترك من الدنيا ما بذل له، واختار منها الترك لما سخر له، زهادة ~~واختيارا لله، وأنفة واقتدارا على الصبر، بغيا لما يدوم ويبقى، فهذه صفة ~~الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم خلفه رجلان [ (1) ]لم يذكر عبد الله بن عباس ~~فكما لاحظنا فقد ذكر أنه استدعى عبد الرحمن بن أبي بكر حيث لم يرد أنه ~~كاتبه في جملة من كاتب من النفر المتقدمين. # [ (2) ]تغلي أي تضمخ بالغالية، من أنواع المسك. # [ (3) ]صدع بأمره: أظهره وبينه. PageV01P207 # محفوظان، وثالث مشكور، وبين ذلك خوض طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ~~ومعاينة وسماعا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم ~~إليه وإلى تجويزه، وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية، من سد الخلل، ~~ولم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين، وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد، ~~وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد ~~على ms212 المناظرة والمقابلة، ما أعياني مثله عندكما، وعند غيركما، مع علمه ~~بالسنة، وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب، وقد علمتما أن ~~الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة، قدم على الصديق والفاروق، ومن دونهما من ~~أكابر الصحابة، وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل[ (1) ]، من لم يقارب ~~القوم ولم يعاندهم برتبة في قرابة موصولة. ولا سنة مذكورة، فقادهم الرجل ~~بأمره، وجمع بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم، وقال فلم يقل معه، وفي رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فمهلا بني عبد المطلب، فأنا وأنتم شعبا ~~نفع وجد، وما زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلا بفضل ~~قولكما، فردا على ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما، وأستغفر ~~الله لي ولكما. # قال: فتيسر ابن عباس للكلام، ونصب يده للمخاطبة، فأشار إليه الحسين ~~و@HAD0168 قال: على رسلك، فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر، فأمسك ابن ~~عباس، فقام الحسين، فحمد الله، وصلى على الرسول ثم قال: أما بعد يا معاوية، ~~فلن يؤدي القائل، وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزءا، ~~وقد فهمت ما لبست به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة والتنكب عن ~~استبلاغ النعت، وهيهات هيهات يا معاوية: فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس ~~أنوار السرج، ولقد فضلت حتى أفرطت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى محلت، ~~وجزت حتى جاوزت ما بذلت لذي حق من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه ~~الأوفر، ونصيبه الأكمل، وفهمت ما ذكرته عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة ~~محمد، تريد أن توهم الناس في [ (1) ]إشارة إلى تولية عمرو بن العاص غزوة ~~ذات السلاسل من أرض بني عذرة حيث أرسله صلى الله عليه وسلم يستنفر العرب ~~إلى الشام. ثم أرسل إليه مددا أبا بكر وعمر وأبا عبيدة (سيرة ابن هشام ~~4/272) . PageV01P208 # @HAD0288 يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت غائبا، أو تخبر عما كان مما ~~احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ ~~فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة ms213 عند التهارش، والحمام السبق لأترابهن، ~~والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده باصرا، ودع عنك ما تحاول، فما ~~أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر مما أنت لاقيه، فو الله ما برحت ~~تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم حتى ملأت الأسقية[ (1) ]وما بينك وبين ~~الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ، في يوم مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك ~~عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا تراثا، ولقد-لعمر الله-أورثنا ~~الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت لنا بها، أما حججتم به القائم عند ~~موت الرسول، فأذعن للحجة بذلك، ورده الإيمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، ~~وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون، حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان ~~قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي الأبصار، وذكرت قيادة الرجل القوم ~~بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأميره له، وقد كان ذلك، ولعمرو بن ~~العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، وبيعته له، وما صار-لعمر الله- يومئذ ~~مبعثهم حتى أنف القوم إمرته، وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال صلى ~~الله عليه وسلم: لا جرم معشر المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري. ~~فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل الرسول، في أوكد الأحكام، وأولادها بالمجمع عليه ~~من الصواب؟أم كيف صاحبت بصاحب تابعا، وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد ~~في دينه وقرابته، وتتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد ~~بها الباقي في دنياه، وتشقى بها في آخرتك. # @HAD012 إن هذا لهو الخسران المبين. وأستغفر الله لي ولكم. # قال: فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يا بن عباس؟ولما عندك أدهى ~~وأمر. فقال ابن عباس: لعمر الله إنها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء[ (2) ~~]، وفي البيت المطهر، فاله عما تريد، فإن لك في الناس مقنعا، حتى [ (1) ~~]الأسقية جمع سقاء وهو القربة. # [ (2) ]إشارة إلى حديث رواه ابن كثير في البداية والنهاية 7/376 @HAD012 ~~قال لما نزلت آية @QUR@ فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم... دعا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم عليا وفاطمة وحسنا وحسينا ثم قال: اللهم ms214 هؤلاء أهلي. PageV01P209 # يحكم الله بأمره @QUR@04 وهو خير الحاكمين . فقال معاوية: أعود الحلم ~~التحلم، قال: # وخيره التحلم عن الأهل. انصرفا في حفظ الله، ثم أرسل معاوية إلى عبد ~~الرحمن بن أبي بكر[ (1) ]، وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، ~~فجلسوا، فحمد الله وأثنى عليه معاوية ثم قال: يا عبد الله بن عمر قد كنت ~~تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة وأن لك الدنيا وما ~~فيها، وإني أحذرك أن تشق عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملئهم، وأن تسفك ~~دماءهم، وإن أمر يزيد قد كان قضاء من القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم، ~~وقد وكد الناس بيعتهم في أعناقهم، وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم، ثم سكت. # فتكلم عبد الله بن عمر، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد يا ~~معاوية، لقد كانت قبلك خلفاء، وكان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم، ~~فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك. فلم يحابوا في هذا الأمر أحدا، ولكن ~~اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم، وإنك تحذرني أن أشق عصا المسلمين، وأفرق ~~ملأهم. وأسفك دماءهم، ولم أكن لأفعل ذلك إن شاء الله، ولكن إن استقام الناس ~~فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد. فقال معاوية: يرحمك الله ليس عندك ~~خلاف. ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر. ~~فقال له عبد الرحمن: إنك والله لوددت أنا نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من ~~أمر يزيد، والذي نفسي بيده لنجعلنها شورى، أو لأعيدنها جذعة، ثم قام ليخرج، ~~فتعلق معاوية بطرف ردائه. ثم قال: على رسلك، اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال ~~له: لا تظهرن لأهل الشام، فإني أخشى عليك منهم. # ثم قال لابن الزبير، نحو ما قاله لابن عمر. ثم قال له: أنت ثعلب رواغ، ~~كلما خرجت من جحر انجحرت في آخر، أنت ألبت هذين الرجلين[ (2) ]، وأخرجتهما ~~[ () ]ورواه أحمد في مسندة 1/173، 175، 182 و3/338 والترمذي في المناقب ~~5/638 ومسلم ms215 في فضائل الصحابة (باب 4) حديث 32. # [ (1) ]كذا بالأصل وبعض كتب التاريخ. قال ابن الأثير في تاريخه 2/513: ~~ذكر عبد الرحمن بن أبي بكر لا يستقيم على قول من يجعل وفاته سنة 53، وإنما ~~يصح على قول من يجعلها بعد ذلك الوقت. # [ (2) ]عند ابن الأعثم: هؤلاء الثلاثة يريد الحسين بن علي وعبد الرحمن بن ~~أبي بكر وعبد الله بن عمر. PageV01P210 # إلى ما خرجا إليه. فقال ابن الزبير. أتريد أن تبايع ليزيد؟أرأيت إن ~~بايعناه أيكما نطيع، أنطيعك أم نطيعه؟إن كنت مللت الخلافة فاخرج منها وبايع ~~ليزيد، فنحن نبايعه، فكثر كلامه وكلام ابن الزبير، حتى قال له معاوية في ~~بعض كلامه: والله ما أراك إلا قاتلا نفسك، ولكأني بك قد تخبطت في الحبالة. ~~ثم أمرهم بالانصراف، واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج. # ثم خرج، فأمر المنادي أن ينادي في الناس، أن يجتمعوا لأمر جامع فاجتمع ~~الناس في المسجد، وقعد هؤلاء حول المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه. # ثم ذكر يزيد وفضله، وقراءته القرآن، ثم قال: يا أهل المدينة، لقد هممت ~~ببيعة يزيد، وما تركت قرية ولا مدرة[ (1) ]إلا بعثت إليها في بيعته، فبايع ~~الناس جميعا، وسلموا، وأخرت المدينة بيعته، وقلت بيضته وأصله[ (2) ]، ومن ~~لا أخافهم عليه، وكان الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر أن يصله، ~~ووالله لو علمت مكان أحد هو خير للمسلمين من يزيد لبايعت له، @HAD024 فقام ~~الحسين فقال: والله لقد تركت من هو خير منه أبا وأما ونفسا، فقال معاوية: ~~كأنك تريد نفسك؟فقال الحسين: # @HAD04 نعم، أصلحك الله. فقال معاوية: إذا أخبرك، أما قولك: خير منه أما، ~~فلعمري: أمك خير من أمه، ولو لم تكن إلا أنها امرأة من قريش لكان لنساء ~~قريش فضلهن، فكيف وهي ابنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ثم فاطمة في دينها ~~وسابقتها، فأمك لعمر الله خير من أمه، وأما أبوك فقد حاكم أباه إلى الله، ~~فقضى لأبيه على أبيك. @HAD09 فقال الحسين: حسبك جهلك، آثرت العاجل على ~~الآجل. فقال معاوية: أما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسا ms216 فيزيد والله خير ~~لأمة محمد منك @HAD015 فقال الحسين: هذا هو الإفك والزور، يزيد شارب الخمر ~~مشتري اللهو خير مني؟ فقال معاوية: مهلا عن شتم ابن عمك، فإنك لو ذكرت عنده ~~بسوء لم يشتمك[ (3) ]. ثم التفت معاوية إلى الناس وقال: أيها الناس، قد ~~علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض، ولم يستخلف أحدا، فرأى ~~المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، وكانت بيعته بيعة هدى، فعمل بكتاب الله وسنة ~~نبيه، فلما حضرته الوفاة، رأى أن يستخلف عمر، فعمل عمر [ (1) ]مدرة: القرية ~~المبنية بالطين واللبن. # [ (2) ]في ابن الأعثم: قلت هم أصله وقومه وعشيرته. # [ (3) ]زيد في فتوح ابن الأعثم: إن علم مني ما أعلمه منه فليقل فيما أقول فيه. PageV01P211 # بكتاب الله، وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن يجعلها شورى بين ستة ~~نفر، اختارهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه رسول الله، وصنع عمر ~~ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظرا للمسلمين، فلذلك رأيت أن أبايع ~~ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف، ونظرا لهم بعين الإنصاف. ### || ما قال عبد الله بن الزبير لمعاوية # قال: وذكروا أن عبد الله بن الزبير قام إلى معاوية فقال[ (1) ]: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم قبض، فترك الناس إلى كتاب الله، فرأى المسلمون أن ~~يستخلفوا أبا بكر، ثم رأى أبو بكر أن يستخلف عمر، وهو أقصى قريش منه نسبا، ~~ورأى عمر أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم من المسلمين، وفي المسلمين ~~ابنه عبد الله، وهو خير من ابنك، فإن شئت أن تدع الناس على ما تركهم رسول ~~الله، فيختارون لأنفسهم، وإن شئت أن تستخلف من قريش كما استخلف أبو بكر خير ~~من يعلم، وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر، تختار رهطا من المسلمين، وتزويها ~~عن ابنك، فافعل[ (2) ]. # فنزل معاوية عن المنبر، وانصرف ذاهبا إلى منزله، وأمر من حرسه وشرطته ~~قوما أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة، وهم الحسين بن علي، وعبد ~~الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ms217 وعبد الله بن عباس، وعبد الرحمن بن أبي ~~بكر، وأوصاهم معاوية فقال: إني خارج العشية إلى أهل الشام، فأخبرهم أن ~~هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني ~~فيه، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه، فحذر القوم ذلك، فلما كان العشي، خرج ~~معاوية، وخرج معه هؤلاء النفر، وهو يضاحكهم، ويحدثهم، وقد ألبسهم الحلل، ~~فألبس ابن عمر حلة حمراء، وألبس الحسين حلة صفراء، وألبس عبد الله بن عباس ~~حلة خضراء، وألبس ابن الزبير حلة يمانية. ثم خرج بينهم، [ (1) ]في العقد ~~الفريد وفتوح ابن الأعثم: نخيرك بين خصال ثلاث فاختر منها أيتهن شئت. ~~(وانظر تاريخ خليفة ص 216 وابن الأثير 2/512) . # [ (2) ]زيد في العقد الفريد وابن الأثير: قال معاوية: هل عندك غير ~~هذا؟قال: لا. ثم قال: فأنتم؟ قالوا: قولنا قوله. قال: فأني قد أحببت أن ~~أتقدم إليكم، فإنه أعذر من أنذر. PageV01P212 # وأظهر لأهل الشام الرضا عنهم: أي القوم، وأنهم بايعوا، فقال: يا أهل ~~الشام[ (1) ] إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين، فوجدهم واصلين مطيعين، ~~وقد بايعوا وسلموا، قال ذلك والقوم سكوت ولم يتكلموا شيئا حذر القتل، فوثب ~~أناس من أهل الشام فقالوا: يا أمير المؤمنين إن كان رابك منهم ريب، فخل ~~بيننا وبينهم، حتى نضرب أعناقهم. فقال معاوية: سبحان الله!ما أحل دماء قريش ~~عندكم يا أهل الشام. لا أسمع لهم ذاكرا بسوء، فإنهم قد بايعوا وسلموا، ~~وارتضوني فرضيت عنهم، رضي الله عنهم[ (2) ]. # ثم ارتحل معاوية راجعا إلى مكة، وقد أعطى الناس أعطياتهم، وأجزل العطاء، ~~وأخرج إلى كل قبيلة جوائزها وأعطياتها، ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء. ~~فخرج عبد الله بن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء[ (3) ]، فجلس ببابه، فجعل ~~معاوية يقول: من بالباب؟فيقال: عبد الله بن عباس؟فلم يأذن لأحد. # فلما استيقظ قال: من بالباب؟فقيل: عبد الله بن عباس، فدعا بدابته، فأدخلت ~~إليه، ثم خرج راكبا، فوثب إليه عبد الله بن عباس، فأخذ بلجام البغلة، ثم قال: # أين تذهب؟قال: إلى مكة، قال: فأين جوائزنا كما أجزت غيرنا، فأومأ ms218 إليه ~~معاوية، فقال: والله ما لكم عندي جائزة ولا عطاء حتى يبايع صاحبكم[ (4) ]. ~~قال ابن عباس: فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة بني أسد، وأبى عبد الله بن ~~عمر، فأخرجت جائزة بني عدي، فما لمنا إن أبى صاحبنا، وقد أبى صاحب غيرنا؟ ~~فقال معاوية: لستم كغيركم، لا والله لا أعطيكم درهما حتى يبايع صاحبكم. # فقال ابن عباس: أما والله لئن لم تفعل لألحقن بساحل من سواحل الشام، ثم ~~لأقولن ما تعلم، والله لأتركنهم عليك خوارج. فقال معاوية: لا، بل أعطيكم ~~جوائزكم، فبعث بها من الروحاء ومضى راجعا إلى الشام، فلم يلبث إلا قليلا، ~~حتى توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومة نامها رحمه الله. ### || ما قال سعيد بن عثمان بن عفان لمعاوية # قال: فلما قدم معاوية الشام، أتاه سعيد بن عثمان بن عفان، وكان شيطان [ ~~(1) ]انظر مقالته في ابن الأثير 2/513 العقد الفريد 4/372 ابن الأعثم 4/248 ~~باختلاف عما هنا. # [ (2) ]فبايع الناس، وكانوا يتربصون بيعة هؤلاء النفر، وتفرقوا وهم يظنون أنهم. # [ (3) ]الروحاء: على طريق مكة من المدينة. # [ (4) ]يريد الحسين بن علي. PageV01P213 # قريش ولسانها. قال: يا أمير المؤمنين علام تبايع ليزيد وتتركني؟فو الله ~~لتعلم أن أبي خير من أبيه، وأمي خير من أمه، وأنا خير منه، وأنك إنما نلت ~~ما أنت فيه بأبي، فضحك معاوية وقال: يا بن أخي أما قولك: إن أباك خير من ~~أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية، وأما قولك: إن أمك خير من أمه، ففضل ~~قرشية على كلبية فضل بين، وأما أن أكون نلت ما أنا فيه بأبيك، فإنما هو ~~الملك يؤتيه الله من يشاء، قتل أبوك رحمه الله، فتواكلته بنو العاصي، وقامت ~~فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منة عليك، وأما أن تكون خيرا من يزيد، فو ~~الله[ (1) ]ما أحب أن داري مملوءة رجالا مثلك بيزيد، ولكن دعني من هذا ~~القول، وسلني أعطك. فقال سعيد بن عثمان: يا أمير المؤمنين، لا يعدم يزيد ~~مركبا ما دمت له، وما كنت لأرضى ببعض حقي دون بعض، ms219 فإذا أبيت فأعطني مما ~~أعطاك الله. فقال معاوية: لك خراسان. قال سعيد: وما خراسان؟قال: إنها لك ~~طعمة وصلة رحم، فخرج راضيا، وهو يقول: # ذكرت أمير المؤمنين وفضله # فقلت جزاه الله خيرا بما وصل # وقد سبقت مني إليه بوادر # من القول فيه آفة العقل والزلل # فعاد أمير المؤمنين بفضله # وقد كان فيه قبل عودته ميل # وقال خراسان لك اليوم طعمة # فجوزي أمير المؤمنين بما فعل # فلو كان عثمان الغداة مكانه # لما نالني من ملكه فوق ما بذل # فلما انتهى قوله إلى معاوية، أمر يزيد أن يزوده، وأمر إليه بخلعة، وشيعه فرسخا. ### || قدوم أبي الطفيل على معاوية # قال: وذكروا أنه لم يكن أحد أحب إلى معاوية أن يلقاه من أبي الطفيل ~~الكناني، وهو عامر بن واثلة، وكان فارس أهل صفين، وشاعرهم، وكان من أخص ~~الناس بعلي كرم الله وجهه، فقدم أبو الطفيل الشام يزور ابن أخ له من رجال ~~معاوية، فأخبر معاوية بقدومه، فأرسل إليه، فأتاه وهو شيخ كبير، فلما دخل ~~عليه، قال له معاوية: أنت أبو الطفيل عامر بن واثلة؟قال: نعم. قال [ (1) ~~]العبارة في الطبري (حوادث سنة 56) فو الله ما أحب أن الغوطة دحست (أي ~~ملئت) ليزيد رجالا مثلك. PageV01P214 # معاوية: أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين، قال: لا، ولكن ممن شهده فلم ~~ينصره، قال: ولم؟قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار، فقال معاوية: أما والله ~~إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا، وفرضا لازما، فإذ ضيعتموه فقد فعل ~~الله بكم ما أنتم أهله، وأصاركم إلى ما رأيتم، فقال أبو الطفيل: فما منعك ~~يا أمير المؤمنين، إذ تربصت به ريب المنون أن تنصره ومعك أهل الشام؟قال ~~معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه، فضحك أبو الطفيل وقال: بلى، ولكني وإياك كما ~~قال عبيد بن الأبرص[ (1) ]: # لا أعرفنك[ (2) ]بعد الموت تندبني # وفي حياتي ما زودتني زادي # فدخل مروان بن الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، فلما جلسوا ~~نظر إليهم معاوية، ثم قال: أتعرفون هذا الشيخ؟قالوا: لا، فقال معاوية: هذا ~~خليل علي بن أبي طالب ms220 وفارس صفين، وشاعر أهل العراق، هذا أبو الطفيل. قال ~~سعيد بن العاص: قد عرفناه يا أمير المؤمنين، فما يمنعك منه؟ وشتمه القوم، ~~فزجرهم معاوية وقال: مهلا، فرب يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعا، ثم ~~قال: أتعرف هؤلاء يا أبا الطفيل؟قال: ما أنكرهم من سوء، ولا أعرفهم بخير، وأنشد: # فإن تكن العداوة قد أكنت # فشر عداوة المرء السباب # فقال معاوية: يا أبا الطفيل، ما أبقى لك الدهر من حب علي؟قال: حب أم ~~موسى، وأشكو إلى الله التقصير، فضحك معاوية، قال: ولكن والله هؤلاء الذين ~~حولك لو سئلوا عني ما قالوا هذا. فقال مروان: أجل، والله لا نقول الباطل. ~~قال: ثم جهزه معاوية، وألحقه بالكوفة[ (3) ]. ### || ما حاول معاوية من تزويج يزيد # قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية سهر ليلة من الليالي، وعنده وصيف لمعاوية ~~يقال له رفيق، فقال يزيد: أستديم الله بقاء أمير المؤمنين وعافيته إياه، [ ~~(1) ]في مروج الذهب 3/20 كما قال الجعدي (يريد النابغة) . # [ (2) ]في مروج الذهب: ألفينك. # [ (3) ]الخبر في مروج الذهب باختلاف واختصار 3/19-20. PageV01P215 # وأرغب إليه في تولية أمره وكفاية همه، فقد كنت أعرف من جميل رأي أمير ~~المؤمنين في، وحسن نظره في جميع الأشياء ما يؤكد الثقة في ذلك والتوكل ~~عليه؟منعني من البوح بما جمجمت في صدري له، وتطلابه إليه، فأضاع من أمري ~~وترك من النظر في شأني، وقد كان في حلمه، وعلمه، ورضائه، ومعرفته، بما يحق ~~لمثله النظر فيه، غير غافل عنه، ولا تارك له، مع ما يعلم من هيبتي له ~~وخشيتي منه، فالله يجزيه عني بإحسانه، ويغفر له ما اجترح من عهده ونسيانه، ~~فقال الوصيف: وما ذلك جعلت فداك؟لا تلم على تضييعه إياك، فإنك تعرف تفضيله ~~لك، وحرصه عليك، وما يخامره من حبك، وأن ليس شيء أحب إليه، ولا آثر عنده ~~منك لديه، فاذكر بلاءه، واشكر حباءه فإنك لا تبلغ من شكره إلا بعون من الله. # قال: فأطرق يزيد إطراقا عرف الوصيف منه ندامته على ما بدا منه، وباح به، ~~فلما آب من عنده توجه ms221 نحو سدة معاوية ليلا وكان غير محجوب عنه، ولا محبوس ~~دونه، فعلم معاوية أنه ما جاء به إلا خبر أراد إعلامه به. فقال له معاوية: ~~ما وراءك؟وما جاء بك؟فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، كنت عند يزيد ابنك، ~~فقال فيما استجر من الكلام كذا وكذا، فوثب معاوية وقال: ويحك ما أضعنا ~~منه؟رحمة له، وكراهية لما شجاه وخالف هواه؟وكان معاوية لا يعدل بما يرضيه ~~شيئا. فقال: علي به، وكان معاوية إذا أتت الأمور المشكلة المعضلة، بعث إلى ~~يزيد يستعين به على استيضاح شباتها واستسهال معضلاتها، فلما جاءه الرسول ~~قال: أجب أمير المؤمنين، فحسب يزيد إنما دعاه إلى تلك الأمور التي يفزع ~~إليه منها، ويستعين برأيه عليها، فأقبل حتى دخل عليه، فسلم ثم جلس، فقال ~~معاوية: يا يزيد ما الذي أضعنا من أمرك، وتركنا من الحيطة عليك، وحسن النظر ~~لك، حيث قلت ما قلت؟، وقد تعرف رحمتي بك، ونظري في الأشياء التي تصلحك، قبل ~~أن تخطر على وهمك، فكنت أظنك على تلك النعماء شاكرا، فأصبحت بها كافرا، إذ ~~فرط من قولك ما ألزمتني فيه إضاعتي إياك، وأوجبت علي منه التقصير، لم يزجرك ~~عن ذلك تخوف سخطي، ولم يحجزك دون ذكره سالف نعمتي، ولم يردعك عنه حق أبوتي، ~~فأي ولد أعق منك وأكيد، وقد علمت أني تخطأت الناس كلهم في تقديمك، ونزلتهم ~~لتوليتي إياك، ونصبتك إماما على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم من PageV01P216 # عرفت، وحاولت منهم ما علمت؟قال: فتكلم يزيد، وقد خنقه من شدة الحياء ~~الشرق وأخضله من أليم الوجد العرق. قال: لا تلزمني كفر نعمتك، ولا تنزل بي ~~عقابك، وقد عرفت نعمة مواصلتك ببرك، وخطوي إلى كل ما يسرك، في سري وجهري ~~فليسكن سخطك، فإن الذي أرثي له من أعباء حمله وثقله، أكثر مما أرثي لنفسي، ~~من أليم ما بها وشدته، وسوف أنبئك وأعلمك أمري. # كنت قد عرفت من أمير المؤمنين استكمل الله بقاءه، نظرا في خيار الأمور ~~لي، وحرصا على سياقها إلي، وأفضل ما عسيت أستعد له بعد إسلامي ms222 المرأة ~~الصالحة، وقد كان ما تحدث به من فضل جمال أرينب بنت إسحاق وكمال أدبها ما ~~قد سطع وشاع في الناس، فوقع مني بموقع الهوى فيها، والرغبة في نكاحها، ~~فرجوت ألا تدع حسن النظر لي في أمرها، فتركت ذلك حتى استنكحها بعلها، فلم ~~يزل ما وقع في خلدي ينمو ويعظم في صدري، حتى عيل صبري، فبحت بسري، فكان مما ~~ذكرت تقصيرك في أمري، فالله يجزيك أفضل من سؤالي وذكري. فقال له معاوية: ~~مهلا يا يزيد، فقال: علام تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل؟فقال له ~~معاوية: فأين حجاك ومروءتك وتقاك؟فقال يزيد: قد يغلب الهوى على الصبر ~~والحجا، ولو كان أحد ينتفع فيما يبتلي به من الهوى يتقاه، أو يدفع ما أقصده ~~بحجاه، لكان أولى الناس بالصبر داود عليه السلام، وقد خبرك القرآن بأمره. ~~فقال معاوية: فما منعك قبل الفوت من ذكره؟قال: ما كنت أعرفه، وأثق به من ~~جميل نظرك، قال: صدقت، ولكن اكتم يا بني أمرك بحلمك، واستعن بالله على غلبة ~~هواك بصبرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره، ولا بد مما هو كائن. # وكانت أرينب بنت إسحاق مثلا في أهل زمانها في جمالها، وتمام كمالها ~~وشرفها، وكثرة مالها، فتزوجها رجل من بني عمها يقال له عبد الله بن سلام من ~~قريش، وكان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل. ووقع أمر يزيد من معاوية ~~موقعا ملأه هما، وأوسعه غما، فأخذ في الحيلة والنظر أن يصل إليها، وكيف ~~يجمع بينه وبينها حتى يبلغ رضا يزيد فيها. فكتب معاوية إلى عبد الله بن سلام: # وكان قد استعمله على العراق، أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا الأمر حظك ~~فيه كامل، ولا تتأخر عنه، فأعد المصير والإقبال. وكان عند معاوية بالشام ~~أبو هريرة وأبو الدرداء، صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عبد ~~الله بن PageV01P217 # سلام الشام، أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيئ له، وأعد له فيه نزله، ثم ~~قال لأبي هريرة وصاحبه: إن الله قسم بين عباده قسما، ms223 ووهبهم نعما أوجب ~~عليهم شكرها، وحتم عليهم حفظها، وأمرهم برعاية حقها، وسلطان طريقها، بجميل ~~النظر، وحسن التفقد لمن طوقهم الله أمره، كما فوضه إليهم، حتى يؤدوا إلى ~~الله الحق فيهم كما أوجبه عليهم، فحياني منها عز وجل بأعز الشرف، وسمو ~~السلف، وأفضل الذكر، وأغدق اليسر، وأوسع علي في رزقه، وجعلني راعي خلقه، ~~وأمينه في بلاده، والحاكم في أمر عباده، ليبلوني أأشكر آلاءه أم أكفرها، ~~فإياه أسأله أداء شكره، وبلوغ ما أرجو بلوغه، من عظيم أجره، وأول ما ينبغي ~~للمرء أن يتفقده وينظر فيه، فيمن استرعاه الله أمره من أهله ومن لا غنى به عنه. # وقد بلغت لي ابنة أردت إنكاحها، والنظر فيمن يريد أن يباعلها. لعل من ~~يكون بعدي يهتدي منه بهديي، ويتبع فيه أثري، فإني قد تخوفت أن يدعو من يلي ~~هذا الأمر من بعدي زهوة السلطان وسرفه إلى عضل نسائهم، ولا يرون لهن فيمن ~~ملكوا أمره كفؤا ولا نظيرا، وقد رضيت لها عبد الله بن سلام لدينه وفضله ~~ومروءته وأدبه. فقال أبو هريرة وأبو الدرداء: إن أولى الناس برعاية أنعم ~~الله وشكرها، وطلب مرضاته فيها فيما خصه به منها، أنت صاحب رسول الله ~~وكاتبه. فقال معاوية: اذكروا له ذلك عني، وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى، ~~غير أني أرجو أنها لا تخرج من رأيي إن شاء الله، فلما خرجا من عنده متوجهين ~~إلى منزل عبد الله بن سلام بالذي قال لهما، قال: ودخل معاوية إلى ابنته، ~~فقال لها: إذا دخل عليك أبو هريرة وأبو الدرداء، فعرضا عليك أمر عبد الله ~~بن سلام، وإنكاحي إياك منه، ودعواك إلى مباعلته، وحضاك على ملاءمة رأيي، ~~والمسارعة إلى هواي. فقولي لهما: عبد الله بن سلام كفؤ كريم، وقريب حميم، ~~غير أنه تحته أرينب بنت إسحاق، وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض ~~للنساء، فأتولى منه ما أسخط الله فيه، فيعذبني عليه، فأفارق الرجاء، ~~وأستشعر الأذى، ولست بفاعلة حتى يفارقها، فذكر ذلك أبو هريرة وأبو الدرداء ~~لعبد الله بن سلام، ms224 وأعلماه بالذي أمرهما معاوية، فلما أخبراه سر به وفرح، ~~وحمد الله عليه، ثم قال: نستمتع الله بأمير المؤمنين، لقد والى علي من ~~نعمه، وأسدى إلي من مننه، فأطول ما أقوله فيه قصير، وأعظم الوصف لها يسير. ~~ثم أراد إخلاطي بنفسه، وإلحاقي بأهله، إتماما لنعمته، وإكمالا لإحسانه، فالله PageV01P218 # أستعين على شكره، وبه أعوذ من كيده ومكره. ثم بعثهما إليه خاطبين عليه، ~~فلما قدما، قال لهما معاوية: قد تعلمان رضائي به وتنخلي إياه، وحرصي عليه، ~~وقد كنت أعلنتكما بالذي جعلت لها في نفسها من الشورى، فادخلا إليها، واعرضا ~~عليها الذي رأيت لها، فدخلا عليها وأعلماها بالذي ارتضاه لها أبوها، لما ~~رجا من ثواب الله عليه. فقالت لهما كالذي قال لها أبوها، فأعلماه بذلك، ~~فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا أمرها، فارق زوجته، وأشهدهما على طلاقها، ~~وبعثهما خاطبين إليه أيضا، فخطبا، وأعلما معاوية بالذي كان من فراق عبد ~~الله بن سلام امرأته، طلابا لما يرضيها، وخروجا عما يشجيها، فأظهر معاوية ~~كراهية لفعله، وقال: ما أستحسن له طلاق امرأته، ولا أحببته، ولو صبر ولم ~~يعجل لكان أمره إلى مصيره، فإن كون ما هو كائن لا بد منه، ولا محيص عنه، ~~ولا خيرة فيه للعباد، والأقدار غالبة، وما سبق في علم الله لا بد جار فيه، ~~فانصرفا في عافية، ثم تعودان إلينا فيه، وتأخذان إن شاء الله رضانا. ثم كتب ~~إلى يزيد ابنه يعلمه بما كان من طلاق أرينب بنت إسحاق عبد الله بن سلام، ~~فلما عاد أبو هريرة وأبو الدرداء إلى معاوية أمرهما بالدخول عليها، وسؤالها ~~عن رضاها تبريا من الأمر، ونظرا في القول والعذر، فيقول: لم يكن لي أن ~~أكرهها، وقد جعلت لها الشورى في نفسها، فدخلا عليها، وأعلماها بالذي رضيه ~~إن رضيت هي، وبطلاق عبد الله بن سلام امرأته أرينب، طلابا لمسرتها، وذكرا ~~من فضله، وكمال مروءته، وكريم محتده، ما القول يقصر عن ذكره. فقالت لهما: # جف القلم بما هو كائن، وإنه في قريش لرفيع، غير أن الله عز وجل يتولى ms225 ~~تدبير الأمور في خلقه، وتقسيمها بين عباده، حتى ينزلها منازلها فيهم، ~~ويضعها على ما سبق في أقدارها. وليست تجري لأحد على ما يهوى، ولو كان لبلغ ~~منها غاية ما شاء. وقد تعرفان أن التزويج هزله جد، وجده ندم، الندم عليه ~~يدوم، والمعثور فيه لا يكاد يقوم، والأناة في الأمور أوفق لما يخاف فيها من ~~المحذور، فإن الأمور إذا جاءت خلاف الهوى بعد التأني فيها، كان المرء بحسن ~~العزاء خليقا، وبالصبر عليها حقيقا، وعلمت أن الله ولي التدابير. فلم تلم ~~النفس على التقصير، وإني بالله أستعين، سائلة عنه، حتى أعرف دخيلة خبره، ~~ويصح لي الذي أريد علمه من أمره ومستخيرة، وإن كنت أعلم أنه لا خيرة لأحد ~~فيما هو كائن، ومعلمتكما بالذي يرينيه الله في أمره، ولا قوة إلا بالله. PageV01P219 # فقالا: وفقك الله وخار لك. ثم انصرفا عنها، فلما أعلماه بقولها تمثل وقال: # فإن يك صدر هذا اليوم ولى # فإن غدا لناظره قريب # وتحدث الناس بالذي كان من طلاق عبد الله امرأته قبل أن يفرغ من طلبته، ~~وقبل أن يوجب له الذي كان من بغيته، ولم يشكوا في غدر معاوية إياه. # فاستحث عبد الله بن سلام أبا هريرة وأبا الدرداء، وسألهما الفراغ من ~~أمره، فأتياها. فقالا لها: قد أتيناك لما أنت صانعة في أمرك، وإن تستخيري ~~الله يخر لك فيما تختارين، فإنه يهدي من استهداه، ويعطي من اجتداه، وهو ~~أقدر القادرين. قالت: الحمد لله أرجو أن يكون الله قد خار لي، فإنه لا يكل ~~إلى غيره من توكل عليه، وقد استبرأت أمره، وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا ~~موافق لما أريد لنفسي، مع اختلاف من استشرته فيه، فمنهم الناهي عنه، ومنهم ~~الآمر به، واختلافهم أول ما كرهت من الله. فعلم عبد الله أنه خدع، فهلع ~~ساعة واشتد عليه الهم. ثم انتبه فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال متعزيا: ~~ليس لأمر الله راد، ولا لما لا بد أن يكون منه صاد، أمور في علم الله سبقت، ~~فجرت بها أسبابها، حتى امتلأت منها ms226 أقرابها، وإن امرؤ انثال له حلمه واجتمع ~~له عقله، واستذله رأيه، ليس بدافع عن نفسه قدرا ولا كيدا، ولا انحرافا عنه ~~ولا حيدا، ولآل ما سروا به واستجذلوا له لا يدوم لهم سروره، ولا يصرف عنهم ~~محذوره. # قال: وذاع أمره في الناس وشاع، ونقلوه إلى الأمصار، وتحدثوا به في ~~الأسمار، وفي الليل والنهار، وشاع في ذلك قولهم، وعظم لمعاوية عليه لومهم، ~~وقالوا: # خدعه معاوية حتى طلق امرأته، وإنما أرادها لابنه، فبئس من استرعاه الله ~~أمر عباده، ومكنه في بلاده، وأشركه في سلطانه، يطلب أمرا بخدعة من جعل الله ~~إليه أمره، ويحيره ويصرعه جرأة على الله. فلما بلغ معاوية ذلك من قول الناس. # قال: لعمري ما خدعته. قال: فلما انقضت أقراؤها، وجه معاوية أبا الدرداء ~~إلى العراق خاطبا لها على ابنه يزيد، فخرج حتى قدمها، وبها يومئذ الحسين بن ~~عليه وهو سيد أهل العراق فقها ومالا وجودا وبذلا. فقال أبو الدرداء إذ قدم ~~العراق: مما ينبغي لذي الحجا والمعرفة والتقى أن يبدأ به ويؤثره على مهم ~~أمره، لما يلزمه حقه، ويجب عليه حفظه، وهذا ابن بنت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، فلست بناظر في شيء قبل PageV01P220 # الإلمام به والدخول عليه، والنظر إلى وجهه الكريم وأداء حقه، والتسليم ~~عليه، ثم أستقبل بعد إن شاء الله ما جئت له، وبعثت إليه، فقصد حتى أتى ~~الحسين، فلما رآه الحسين قام إليه فصافحه إجلالا له، ومعرفته لمكانه من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وموضعه من الإسلام. @HAD058 ثم قال الحسين: ~~مرحبا بصاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجليسه، يا أبا الدرداء، أحدثت ~~لي رؤيتك شوقا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأوقدت مطلقات أحزاني ~~عليه، فإني لم أر منذ فارقته أحدا كان له جليسا، وإليه حبيبا، إلا هملت ~~عيناي، وأحرقت كبدي أسى عليه، وصبابة إليه. ففاضت عينا أبي الدرداء لذكر ~~رسول الله، وقال: جزى الله لبانة أقدمتنا عليك، وجمعتنا بك خيرا. @HAD099 ~~فقال الحسين: والله إني لذو ms227 حرص عليك، ولقد كنت بالاشتياق إليك. فقال أبو ~~الدرداء: وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت إسحاق، فرأيت أن لا ~~أبدأ بشيء قبل إحداث العهد بك، والتسليم عليك. فشكر له الحسين ذلك، وأثنى ~~عليه وقال: لقد كنت ذكرت نكاحها، وأردت الإرسال إليها بعد انقضاء أقرائها، ~~فلم يمنعني من ذلك إلا تخيير مثلك، فقد أتى الله بك، فاخطب رحمك الله علي ~~وعليه، فلتختر من اختاره الله لها وإنها أمانة في عنقك حتى تؤديها إليها، ~~وأعطها من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه. فقال أبو الدرداء: أفعل إن ~~شاء الله، فلما دخل عليها قال لها: أيتها المرأة إن الله خلق الأمور ~~بقدرته، وكونها بعزته، فجعل لكل أمر قدرا، ولكل قدر سببا، فليس لأحد عن قدر ~~الله مستحاص، ولا عن الخروج عن علمه مستناص، فكان مما سبق لك وقدر عليك، ~~الذي كان من فراق عبد الله بن سلام إياك، ولعل ذلك لا يضرك، وأن يجعل الله ~~لك فيه خيرا كثيرا. وقد خطبك أمير هذه الأمة، وابن الملك، وولي عهده، ~~والخليفة من بعده، يزيد بن معاوية. وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وابن أول من آمن به من أمته، وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، وقد بلغك ~~سناهما وفضلهما، وجئتك خاطبا عليهما، فاختاري أيهما شئت؟فسكتت طويلا. ثم ~~قالت: يا أبا الدرداء لو أن هذا الأمر جاءني وأنت غائب عني أشخصت فيه الرسل ~~إليك، واتبعت فيه رأيك، ولم أقطعه دونك على بعد مكانك، ونأي دارك، فأما إذ ~~كنت المرسل فيه فقد فوضت أمري بعد الله إليك، وبرئت منه إليك، وجعلته في ~~يديك، فاختر لي أرضاهما لديك، PageV01P221 # والله شهيد عليك، واقض فيه قضاء ذي التحري المتقي، ولا يصدنك عن ذلك ~~اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيا وما أنت عما طوقتك عميا. فقال أبو ~~الدرداء: أيتها المرأة إنما علي إعلامك وعليك الاختيار لنفسك. قالت: عفا ~~الله عنك، إنما أنا بنت أخيك، ومن لا غنى بها عنك فلا يمنعك رهبة أحد من ~~قول ms228 الحق فيما طوقتك، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك، والله خير من ~~روعي وخيف، إنه بنا خبير لطيف. فلما لم يجد بدا من القول والإشارة عليها. # قال: بنية، ابن بنت رسول الله أحب إلي وأرضاهما عندي، والله أعلم بخيرهما ~~لك، وقد كنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا شفتيه على شفتي ~~الحسين فضعي شفتيك حيث وضعهما رسول الله، قالت: قد اخترته ورضيته، ~~فاستنكحها الحسين بن علي، وساق إليها مهرا عظيما، وقال الناس وبلغ معاوية ~~الذي كان من فعل أبي الدرداء في ذكره حاجة أحد مع حاجته، وما بعثه هو له، ~~ونكاح الحسين إياها، فتعاظمه ذلك جدا، ولامه لوما شديدا، وقال: # من يرسل ذا بلاهة وعمى، يركب في أمره خلاف ما يهوى، ورأيي كان من رأيه ~~أسوأ، ولقد كنا بالملامة منه أولى حين بعثناه، ولحاجتنا انتخلناه، وكان عبد ~~الله بن سلام قد استودعها قبل فراقه إياها بدرات مملوءة درا، كان ذلك الدر ~~أعظم ماله وأحبه إليه، وكان معاوية قد أطرحه، وقطع جميع روافده عنه، لسوء ~~قوله فيه، وتهمته إياه على الخديعة، فلم يزل يجفوه ويغضبه، ويكدي عنه، ما ~~كان يجديه، حتى عيل صبره، وطال أمره، وقل ما في يديه، ولام نفسه على المقام ~~لديه، فخرج من عنده راجعا إلى العراق، وهو يذكر ماله الذي كان استودعها، ~~ولا يدري كيف يصنع فيه، وأنى يصل إليه، ويتوقع جحودها عليه، لسوء فعله بها، ~~وطلاقه إياها على غير شيء أنكره منها، ولا نقمة عليها. فلما قدم العراق ~~لقي الحسين، فسلم عليه. ثم قال: قد علمت جعلت فداك الذي كان من قضاء الله ~~في طلاق أرينب بنت إسحاق، وكنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالا عظيما ~~درا وكان الذي كان ولم أقبضه، ووالله ما أنكرت منها في طول ما صحبتها ~~فتيلا، ولا أظن بها إلا جميلا، فذكرها أمري، واحضضها على الرد علي، فإن ~~الله يحسن عليك ذكرك، ويجزل به أجرك. فسكت عنه. فلما انصرف الحسين إلى ~~أهله، قال لها: قدم عبد الله بن ms229 سلام وهو يحسن الثناء عليك، ويحمل النشر ~~عنك، في حسن صحبتك، وما أنسه قديما من أمانتك PageV01P222 # فسرني ذلك وأعجبني، وذكر أنه كان استودعك مالا قبل فراقه إياك، فأدي إليه ~~أمانته، وردي عليه ماله، فإنه لم يقل إلا صدقا، ولم يطلب إلا حقا. قالت: # صدق، قد والله استودعني مالا لا أدري ما هو، وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما ~~أخذ منه شيء إلى يومه هذا، فأثنى عليها الحسين خيرا، و@HAD062 قال: بل ~~أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه إليك. ثم لقي عبد الله بن سلام، ~~فقال له: ما أنكرت مالك، وزعمت أنه لكما دفعته إليها بطابعك، فادخل يا هذا ~~عليها، وتوف مالك منها. فقال عبد الله بن سلام: أو تأمر بدفعه إلي جعلت ~~فداك. قال: لا، حتى تقبضه منها كما دفعته إليها، وتبرئها منه إذا أدته. ~~فلما دخلا عليها @HAD018 قال لها الحسين: هذا عبد الله بن سلام، قد جاء ~~يطلب وديعته، فأديها إليه كما قبضتها منه، فأخرجت البدرات فوضعتها بين ~~يديه، وقالت له: هذا مالك، فشكر لها، وأثنى عليها، وخرج الحسين، ففض عبد ~~الله خاتم بدره، فحثا لها من ذلك الدر حثوات، وقال: خذي، فهذا قليل مني لك، ~~واستعبرا جميعا، حتى تعالت أصواتهما بالبكاء، أسفا على ما ابتليا به، فدخل ~~الحسين عليهما وقد رق لهما، للذي سمع منهما. @HAD046 فقال: أشهد الله أنها ~~طالق ثلاثا، اللهم إنك تعلم أني لم أستنكحها[ (1) ]رغبة في مالها ولا ~~جمالها، ولكني أردت إحلالها لبعلها، وثوابك على ما عالجته في أمرها، فأوجب ~~لي بذلك الأجر، وأجزل لي عليه الذخر إنك على كل شيء قدير، ولم يأخذ مما ~~ساق إليها في مهرها قليلا ولا كثيرا. وقد كان عبد الله بن سلام سأل ذلك ~~أرينب، أي التعويض على الحسين، فأجابته إلى رد ماله عليه شكرا لما صنعه ~~بهما، فلم يقبله، و@HAD09 قال: الذي أرجو عليه من الثواب خير لي منه ~~فتزوجها عبد الله بن سلام، وعاشا متحابين متصافيين حتى قبضهما الله، وحرمها ~~الله على يزيد. والحمد لله رب العالمين. ### || وفاة ms230 معاوية رحمه الله # قال: وذكروا أن عتبة بن مسعود قال: مر بنا نعي معاوية بن أبي سفيان[ (2) ~~] [ (1) ]استنكحها: أي أني لم أتزوجها إلا... # [ (2) ]أجمعوا على وفاته سنة 60. واختلفوا في وقت وفاته، وفي مدة خلافته ~~ومقدار عمره: انظر في ذلك الطبري 5/323-324 مروج الذهب 3/3 تاريخ خليفة ص ~~226 فتوح ابن الأعثم 4/265 الأخبار الطوال وتاريخ اليعقوبي والاستيعاب تر ~~4977 وأسد الغابة تر 4977 والإصابة تر 8074 ومآثر الإنافة 1/109 ابن الأثير ~~التاريخ 2/524. PageV01P223 # ونحن بالمسجد الحرام. قال: فقمنا فأتينا ابن عباس، فوجدناه جالسا قد وضع ~~له الخوان، وعنده نفر. فقلنا: أما علمت بهذا الخبر يا بن عباس؟قال: وما هو؟ ~~قلنا: هلك معاوية. فقال: ارفع الخوان يا غلام، وسكت ساعة، ثم قال: جبل ~~تزعزع ثم مال بكلكلة، أما والله ما كان كمن كان قبله، ولما يكن بعده مثله. # اللهم أنت أوسع لمعاوية فينا وفي بني عمنا هؤلاء لذي لب معتبر، اشتجرنا ~~بيننا، فقتل صاحبهم غيرنا، وقتل صاحبنا غيرهم، وما أغراهم بنا إلا أنهم لا ~~يجدون مثلنا، وما أغرانا بهم إلا أنا لا نجد مثلهم، كما قال القائل: مالك ~~تظلمني؟قال: لا أجد من أظلم غيرك. ووالله إن ابنه لخير أهله، أعد طعامك يا ~~غلام. قال: فما رفع الخوان حتى جاء رسول خالد بن الحكم إلى ابن عباس، أن ~~انطلق فبايع. فقال للرسول: أقرئ الأمير السلام، وقل له: والله ما بقي في ما ~~تخافون، فاقض من أمرك ما أنت قاض، فإذا سهل الممشى وذهبت حطمة الناس[ (1) ~~]، جئتك ففعلت ما أحببت. قال: ثم أقبل علينا فقال: مهلا معشر قريش، أن ~~تقولوا عند موت معاوية: ذهب جد بني معاوية، وانقطع ملكهم، ذهب لعمر الله ~~جدهم، وبقي ملكهم وشرها بقية هي أطول مما مضى، الزموا مجالسكم وأعطوا ~~بيعتكم. قال: فما برحنا حتى جاء رسول خالد فقال: يقول لك الأمير: لا بد لك ~~أن تأتينا. قال: فإن كان لا بد، فلا بد مما لا بد منه، يا نوار هلمي ثيابي، ~~ثم قال: وما ينفعكم إتيان رجل إن ms231 جلس لم يضركم؟قال: # فقلت له: أتبايع ليزيد، وهو يشرب الخمر، ويلهو بالقيان، ويستهتر ~~بالفواحش؟ قال: مه، فأين ما قلت لكم؟وكم بعده من آت ممن يشرب الخمر، أو هو ~~شر من شاربها، أنتم إلى بيعته سراع؟أما والله إني لأنهاكم، وأنا أعلم أنكم ~~فاعلون ما أنتم فاعلون، حتى يصلب مصلوب قريش بمكة، يعني عبد الله بن ~~الزبير. ### || كتاب يزيد بالبيعة إلى أهل المدينة # قال: وذكروا أن نافع بن جبير قال: إني بالشام يوم موت معاوية، وكان [ () ~~]وفي العلة التي أصابته قال الطبري النفاثات وفي ابن الأثير: التفاتات وفي ~~ابن الأعثم: أصابته اللقوة في وجهه. قلت لعل ذلك نتج عن ارتجاج قوي في ~~الدماغ أودى بحياته (قيل مات من يومه) . # [ (1) ]يريد ازدحام الناس. PageV01P224 # يزيد غائبا، واستخلف معاوية الضحاك بن قيس بعده، حتى يقدم يزيد، فلما مات ~~معاوية خرج الضحاك على الناس، فقال: لا يحملن اليوم نعش أمير المؤمنين إلا ~~قرشي. قال: فحملته قريش ساعة. ثم قال أهل الشام: أصلح الله الأمير. اجعل ~~لنا من أمير المؤمنين نصيبا في موته، كما كان لنا في حياته. قال: # فاحملوه، فحملوه، وازدحموا عليه، حتى شقوا البرد الذي كان عليه صدعين. # قال: فلما قدم يزيد دمشق بعد موت أبيه إلى عشرة أيام[ (1) ]، كتب إلى ~~خالد بن الحكم[ (2) ]، وهو عامل المدينة[ (3) ]: أما بعد، فإن معاوية بن ~~أبي سفيان، كان عبدا استخلفه الله على العباد، ومكن له في البلاد وكان من ~~حادث قضاء الله جل ثناؤه، وتقدست أسماؤه فيه، ما سبق في الأولين والآخرين ~~لم يدفع عنه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، فعاش حميدا، ومات سعيدا، وقد قلدنا ~~الله عز وجل ما كان إليه، فيا لها مصيبة ما أجلها، ونعمة ما أعظمها، نقل ~~الخلافة، وفقد الخليفة، فنستوزعه الشكر، ونستلهمه الحمد، ونسأله الخيرة في ~~الدارين معا، ومحمود العقبي في الآخرة والأولى، إنه ولي ذلك، وكل شيء بيده ~~لا شريك له، وإن أهل المدينة قومنا ورجالنا، ومن لم نزل على حسن الرأي ~~فيهم، والاستعداد بهم، واتباع أثر الخليفة فيهم، والاحتذاء على مثاله ms232 ~~لديهم، من الإقبال عليهم، والتقبل من محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم، فبايع ~~لنا قومنا، ومن قبلك من رجالنا، بيعة منشرحة بها صدوركم، طيبة عليها ~~أنفسكم، وليكن أول من يبايعك من قومنا وأهلنا[ (4) ]: الحسين، وعبد الله بن ~~عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن جعفر، ويحلفون ~~على ذلك بجميع الأيمان اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، وجزية ~~رقيقهم، وطلاق [ (1) ]في فتوح ابن الأعثم 5/2 «بعد ثلاثة أيام» ، ولعله ~~يريد هنا أي بعد انقضاء عشرة أيام على قدومه إلى دمشق، وهو مناسب. # [ (2) ]تقدمت الإشارة إلى أنه الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. # [ (3) ]قارن مع الطبري 5/338 فتوح ابن الأعثم 5/10. # [ (4) ]ذكر أن يزيد أرسل إلى الوليد بن عتبة كتابا آخر غير كتاب التعزية ~~بمعاوية في صحيفة كأنها أذن فارة قال فيها: أما بعد فخذ حسينا وعبد الله بن ~~عمر وعبد الله بن الزبير بالبيعة أخذا شديدا ليست فيه رخصة حتى يبايعوا، ~~والسلام (نص الطبري 5/338 وانظر ابن الأثير 2/529 والأخبار الطوال ص 227 ~~وفتوح ابن الأعثم 5/10) وفيه زيادة: فمن أبى عليك منهم فاضرب عنقه وابعث ~~إلي برأسه. وزيد فيه أيضا اسم عبد الرحمن بن أبي بكر وهو خطأ فقد مات عبد ~~الرحمن قبل وفاة معاوية. PageV01P225 # نسائهم، بالثبات على الوفاء، بما يعطون من بيعتهم، ولا قوة إلا بالله، ~~والسلام. ### || إباية القوم الممتنعين عن البيعة # قال: وذكروا أن خالد بن الحكم[ (1) ]، لما أتاه الكتاب من يزيد فظع به، ~~فدعا مروان بن الحكم، وكان على المدينة قبله، فلما دخل عليه مروان، وذلك في ~~أول الليل. قال له خالد[ (1) ]: احتسب صاحبك يا مروان، فقال له مروان: # اكتم ما بلغك، @QUR@06 إنا لله وإنا إليه راجعون . ثم أقرأه الكتاب، وقال ~~له: ما الرأي؟ فقال: أرسل الساعة إلى هؤلاء النفر، فخذ بيعتهم، فإنهم إن ~~بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الإسلام، فعجل عليهم قبل أن يفشي ~~الخبر فيمتنعوا، فأرسل إلى الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله ~~بن عمر[ (2) ]، فلما ms233 أتاهم الرسول قال عبد الله بن الزبير للحسين: ظن يا ~~أبا عبد الله فيما أرسل إلينا؟[ (3) ] @HAD042 فقال الحسين: لم يرسل إلينا ~~إلا للبيعة، فما ترى؟قال: آتيه، فإن أراد تلك امتنعت عليه، فدعا الحسين ~~مواليه وأهل بيته، وأقعدهم على الباب، وقال لهم: إن ارتفع صوتي فاقتحموا ~~الدار علي، وإلا فمكانكم حتى أخرج إليكم. ثم دخل على خالد[ (1) ]، فأقرأه ~~الكتاب، @HAD027 فقال الحسين: رحم الله معاوية. فقالا له: بايع، فقال ~~الحسين[ (4) ]: لا خير في بيعة سر، والظاهرة خير، فإذا حضر الناس كان أمرا ~~واحدا، ثم وثب أهله، فقال مروان لخالد[ (1) ]: أشدد يدك بالرجل، فلا يخرج ~~حتى يبايعك، فإن أبى فاضرب عنقه. فقال له ابن الزبير[ (5) ]: قد علمت أنا ~~كنا أبينا البيعة إذ دعانا إليها معاوية، وفي نفسه علينا من ذلك ما لا ~~تجهله، ومتى ما نبايعك ليلا على هذه الحال، تر أنك أغضبتنا على أنفسنا، ~~دعنا حتى نصبح، وتدعو الناس [ (1) ]كذا، وقد مرت الملاحظة أنه الوليد بن ~~عتبة وليس خالد بن الحكم. # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير لم يرسل إليه بل أرسل فقط إلى الحسين بن ~~علي وعبد الله بن الزبير يدعوهما، وقد أقنعه مروان بعدم الإتيان به لأنه ~~كما قال مروان: فإني لا أراه يرى القتال، ولا يحب أن يولى على الناس إلا أن ~~يدفع إليه هذا الأمر عفوا. # [ (3) ]وكان الوليد قد أرسل إليهما في وقت لم يكن يجلس فيه إلى الناس ولا ~~يأتيه في مثله أحد إلا الأمر هام مستعجل (الطبري) . # [ (4) ]في الطبري: فإن مثلي لا يعطي بيعته سرا، ولا أراك تجتزئ بها مني ~~سرا دون أن نظرها على رءوس الناس علانية. # [ (5) ]يشير ابن الأثير والطبري إلى أن ابن الزبير لم يأته بل أرسل إليه ~~أخاه جعفر ووعده أن يأتيه مع الناس غدا، وقد خرج ابن الزبير من ليلته إلى مكة. PageV01P226 # إلى البيعة، فنأتيك فنبايعك بيعة سليمة صحيحة، فلم يزالا به حتى خلى ~~عنهما وخرجا. فقال مروان لخالد[ (1) ]: تركتهما، والله لا تظفر بمثلها ~~منهما أبدا، فقال خالد[ (1) ]: ويحك أتشير علي أن أقتل ms234 الحسين، فو الله[ ~~(2) ]ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها، وما أحسب أن قاتله يلقى الله بدمه ~~إلا خفيف الميزان يوم القيامة. فقال له مروان مستهزئا: إن كنت إنما تركت ~~ذلك لذلك فقد أصبت. ### || خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية # قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية عزل خالد بن الحكم[ (1) ]عن المدينة، ~~وولاها عثمان[ (3) ]بن محمد بن أبي سفيان الثقفي، وخرج الحسين بن علي، ~~وعبد الله بن الزبير إلى مكة وأقبل عثمان بن محمد[ (3) ]من الشام واليا على ~~المدينة ومكة وعلى الموسم في رمضان، فلما استوى على المنبر بمكة رعف، فقال ~~رجل مستقبله: # جئت والله بالدم، فتلقاه رجل آخر بعمامته. فقال: مه، والله عم الناس. ثم ~~قام يخطب، فتناول عصا لها شعبتان، فقال: مه، شعب[ (4) ]والله أمر الناس، ~~ثم نزل. # فقال الناس للحسين: يا أبا عبد الله، لو تقدمت فصليت بالناس؟فإنه ليهم ~~بذلك إذ جاء المؤذن، فأقام الصلاة، فتقدم عثمان فكبر، فقال للحسين: يا أبا ~~عبد الله، إذا أبيت أن تتقدم فاخرج. @HAD010 فقال: الصلاة في الجماعة أفضل. ~~قال: فصلى، ثم خرج، فلما انصرف عثمان بن محمد من الصلاة، بلغه أن الحسين ~~خرج. قال: # اركبوا كل بعير بين السماء والأرض فاطلبوه، فطلب، فلم يدرك. قال: ثم قدم ~~المدينة، فأقبل ابن ميثاء بسراح له من الحرة، يريد الأموال التي كانت ~~لمعاوية، فمنع منها، وأزاحه أهل المدينة عنها، وكانت أموالا اكتسبها ~~معاوية، ونخيلا يجد منها مائة ألف وسق[ (5) ]وستين ألفا، ودخل نفر من قريش ~~والأنصار على [ (1) ]الوليد بن عتبة بن أبي سفيان. # [ (2) ]العبارة في الطبري: والله ما أحب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت ~~عنه من مال الدنيا وملكها وأني قتلت حسينا، سبحان الله!أقتل حسينا أن قال: ~~لا أبايع! (وانظر ابن الأثير-ابن الأعثم- الأخبار الطوال) . # [ (3) ]في الطبري وابن الأثير: عمرو بن سعيد الأشدق. وبقي إلى سنة 61 حيث ~~عزله وولى مكانه الوليد بن عتبة ثم عزله سنة 62 وولى مكانه عثمان بن محمد ~~بن أبي سفيان وكان فتى غر حدث غمر لم يجرب ms235 الأمور ولم يحنكه السن ولم تضرسه ~~التجارب. # [ (4) ]شعب: تفرق. # [ (5) ]الوسق: من المكاييل، وهو ستون صاعا أو حمل بعير (القاموس) . PageV01P227 # عثمان، فكلموه فيها فقالوا: قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا، وأن معاوية ~~آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا قط درهما فما فوقه، حتى مضنا الزمان، ~~ونالتنا المجاعة، فاشتراها منا بجزء من مائة من ثمنها، فأغلظ لهم عثمان في ~~القول، واغلظوا له. فقال لهم: لأكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم، وما ~~أنتم عليه من كمون الأضغان القديمة، والأحقاد التي لم تزل في صدوركم، ~~فافترقوا على موجدة، ثم اجتمع رأيهم على منع ابن ميثاء القيم عليها، فكف ~~عثمان بن محمد عنهم، وكتب بأمرهم إلى يزيد بن معاوية. # قال عبد الله بن جعفر: جاء كتاب عثمان بن محمد بعد هدأة من الليل، وقد ~~كنت انصرفت من عند يزيد، فلم ألبث أن جاءني رسوله، فدخلت عليه، والشمعة بين ~~يديه، وهو مغضب قد حسر عن ذراعيه، والكتاب بين يديه، فقال: # دونك يا أبا جعفر هذا الكتاب، فاقرأه، فرأيت كتابا قبيحا، فيه تعريض بأهل ~~المدينة وتحريش. ثم قال: والله لأطأنهم وطأة آتي منها على أنفسهم. قال ابن ~~جعفر: فقلت له: إن الله لم يزل يعرف أباك في الرفق خيرا، فإن رأيت أن ترفق ~~بهم وتتجاوز عنهم فعلت، فإنما هم أهلك وعشيرتك، وإنما تقتل بهم نفسك إذا ~~قتلتهم. قال: أقتل وأشفي نفسي، فلم أزل ألح عليه فيهم، وأرفقه عليهم، وكان ~~لي سامعا ومطيعا، فقال لي: إن ابن الزبير حيث علمت من مكة، وهو زعم أنه قد ~~نصب الحرب، فأنا أبعث إليه الجيوش، وآمر صاحب أول جيش أبعثه أن يتخذ ~~المدينة طريقا، وأن لا يقاتل، فإن أقروا بالطاعة، ونزعوا عن غيهم وضلالهم، ~~فلهم علي عهد الله وميثاقه، أن لهم عطاءين في كل عام، ما لا أفعله بأحد من ~~الناس طول حياتي، عطاء في الشتاء، وعطاء في الصيف، ولهم علي عهد أن أجعل ~~الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا، والحنطة عندهم سبعة آصع[ (1) ]بدرهم، ~~والعطاء الذي يذكرون أنه احتبس عنهم ms236 في زمان معاوية فهو علي أن أخرجه لهم ~~وافرا كاملا، فإن أنابوا وقبلوا ذلك، جاوز إلى ابن الزبير، وإن أبوا ~~قاتلهم، ثم إن ظفر بها أنهبها ثلاثا، هذا عهدي إلى صاحب جيشي لمكانك ~~ولطلبتك فيهم، ولما زعمت أنهم قومي وعشيرتي. قال عبد الله بن جعفر: فرأيت ~~هذا لهم فرجا، فرجعت إلى منزلي فكتبت إليهم من ليلتي كتابا [ (1) ]آصع جمع ~~صاع، وصاع أهل المدينة يأخذ أربعة أمداد. والمد: هو رطل وثلث بالعراقي. ~~وقيل هو رطلان (اللسان) . PageV01P228 # إلى أهل المدينة، أعلمهم فيه قول يزيد، وأحضهم على الطاعة والتسليم، ~~والرضا والقبول لما بذل لهم، وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه، وقلت لرسولي: # اجهد السير، فدخلها في عشر، فو الله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه، وقالوا: ~~والله لا يدخلها عنوة أبدا. ### || كتاب يزيد إلى أهل المدينة # قال: وكتب يزيد إلى أهل المدينة كتابا، وأمر عثمان بن محمد يقرأه عليهم، ~~فقدم الكتاب المدينة، وعثمان خائف، فقرأه عليهم، فإذا فيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم: أما بعد، فإني قد نفستكم حتى أخلفتكم، ورفعتكم حتى أخرقتكم[ (1) ~~]، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم، وايم الله لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي ~~لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث تتناسخ كأحاديث عاد وثمود، ~~وايم الله لا يأتيكم مني أولى من عقوبتي، فلا أفلح من ندم[ (2) ]. ### || ما أجمع عليه أهل المدينة ورأوه من إخراج بني أمية # قال: وذكروا أنه لما قرئ الكتاب، تكلم عبد الله بن مطيع ورجال معه كلاما ~~قبيحا، فلما استبان لهم أن يزيد باعث الجيوش إليهم، أجمعوا على خلافهم[ ~~(3) ]، واختلفوا في الرئاسة أيهم يقوم بهذا الأمر. فقال قائل: ابن مطيع، [ ~~(1) ]أخرقتكم: جعلتكم خرقى أي حمقى. # [ (2) ]قارن مع العقد الفريد 4/388. # [ (3) ]لم يكن كتاب يزيد إلى أهل المدينة السبب في خلافهم عليه، وقد يكون ~~هو العامل الذي حرك الأسباب الحقيقية لتحرك أهل المدينة خاصة ودفعها إلى ~~الواجهة حيث أخذت المواجهة بين المدنيين والحكم الأموي المتمثل بيزيد ~~الطابع الصدامي والأكثر دموية. # ولحركة المدينة أسباب كثيرة منها سياسية ومنها اقتصادية واجتماعية وأهم ~~هذه الأسباب: ms237 # -السياسة الأموية التي وضع معاوية بن أبي سفيان خطوطها الأولى كانت وراء ~~الأزمة الاقتصادية التي عصفت بالمدينة والتي دفعت بها إلى حدود الضيق ~~والفقر (انظر تفاصيل حول هذه السياسة أوردها د. إبراهيم بيضون في كتابه ~~الحجاز والدولة الإسلامية ص 250 وما بعدها) . # -القهر السياسي الذي عانى منه الحجاز عامة، والمدينة ومكة خاصة حيث حظر ~~على زعمائها تجاوز الاهتمامات الاجتماعية والثقافية بعد انتقال الخلافة إلى الشام. # -رفض الحكم الأموي، وقد جاء غياب معاوية فرصة لإظهار هذا الرفض من الخفاء ~~إلى العلن. # وقد كان غيابه مؤشرا للانفجار المرتقب، وقد كان وجوده عاملا في منعه أو ~~تجميده. PageV01P229 # وقال قائل: إبراهيم بن نعيم، ثم اجتمع رأيهم أن يقوم بأمرهم ابن حنظلة، ~~وهرب عثمان بن محمد منهم ليلا فلحق بالشام، ثم أخذوا مروان بن الحكم وكبراء ~~بني أمية، فأخرجوهم عن المدينة، فقالوا: الشقة بعيدة، ولا بد لنا مما ~~يصلحنا، ولنا عيال وصبية[ (1) ]، ونحن نريد الشام. قال: فاستنظروا عشرة ~~أيام، فأنظروا. ثم اجتمع رأي أهل المدينة أن يحلفوا كبراء بني أمية عند ~~منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لقوا جيش يزيد ليردونهم عنهم إن ~~استطاعوا، فإن لم يستطيعوا مضوا إلى الشام ولم يرجعوا معهم، فحلفوا لهم على ~~ذلك، وشرطوا عليهم أن يقيموا بذي خشب[ (2) ]عشرة أيام، فخرجوا من المدينة، ~~وتبعهم الصبيان، وسفهاء الناس يرمونهم بالحجارة، حتى انتهوا إلى ذي خشب، ~~ولم يتحرك أحد من آل عثمان بن محمد، ولم يخرج من المدينة، فلما رأت بنو ~~أمية ما صنع بهم أهل المدينة من إخراجهم منها، اجتمعوا إلى مروان، فقالوا: ~~يا أبا عبد الملك ما الرأي؟قال: من قدر منكم أن يغيب حريمه فليفعل، فإنما ~~الخوف على الحرمة، فغيبوا حرمهم، فأتى مروان عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا ~~عبد الرحمن، بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة، وتغيب عن هذا الأمر، فأحب [ ~~(-) ]فشل الخليفة يزيد أمام الأزمات الخطيرة التي واجهت حكمه وانغماسة (حسب ~~الروايات) بالترف والمجون واستغراقه حتى العبث في حياته الخاصة ساهم في ~~إذكاء روح المعارضة ms238 وتجرؤها على الإعلان عن نفسها. # -ضربه الرموز الإسلامية بمنتهى العنف، حيث رأى في اتباعه هذه السياسة ~~مدخلا إلى إثبات حضوره السلطوي لكن هذا شجع المعارضة على المبادرة إلى ~~اتخاذ موقف علني ضده. # -ثورة الحسين التي كانت السباقة إلى رفض الأمر الواقع والتي انتهت بمأساة ~~دموية في العراق وأوقعت النظام الأموي في ارتباك شديد. # -حركة ابن الزبير التي استطاعت أن تستثمر النقمة المتزايدة على الحكم ~~الأموي. # -وجود الوالي عثمان بن محمد بن أبي سفيان والذي وصفه بأنه غر قليل ~~التجربة حديث السن وإخفاقه في التعاطي مع المستجدات الخطيرة في مكة ~~والمدينة. # -محاولة أهل المدينة (الأنصار) إعادة التوازن الذي اختل منذ السقيفة، ~~وهنا لا بد من الإشارة إلى أن دعوة ابن الزبير للمدينة لبيعته بعد مقتل ~~الحسين لم يرافقها في المدينة كثير من الحماسة فقد انقسمت بين مؤيد له ~~ومتحفظ ومتردد، لكن اللقاء مع ابن الزبير تمحور حول هدف كبير مشترك هو ~~الإطاحة بالخليفة الأموي. وما تولي عبد الله بن حنظلة (من الأوس) ، (وهو ما ~~سيرد بعد أسطر) إلا إشارة على التوجه الأنصاري لأهل المدينة. وهذا ما سيؤدي ~~إلى استفراد المدينة في الحملة العسكرية التي استهدفتها. # [ (1) ]كانوا نحوا من ألف رجل (رواية الطبري) . # [ (2) ]ذو خشب: واد بالمدينة. PageV01P230 # أن أوجه عيالي معك. فقال ابن عمر: إني لا أقدر على مصاحبة النساء. قال: # فتجعلهم في منزلك مع حرمك. قال: لا آمن أن يدخل على حريمي من أجل مكانكم. ~~فكلم مروان علي بن الحسين، فقال: نعم، فضمهم علي إليه، وبعث بهم مع عياله، ~~قال: ثم ارتحل القوم من ذي خشب على أقبح إخراج يكون، وإسراع خوفا منهم أن ~~يبدو للقوم في حبسهم، وجعل مروان يقول لابنه عبد الملك: يا بني إن هؤلاء ~~القوم لم يدروا ولم يستشيروا، فقال ابنه: وكيف ذلك؟قال: إذ لم يقتلونا أو ~~يحبسونا، فإن بعثوا إلينا بعثا كنا في أيديهم، وما أخوفني أن يفطنوا لهذا ~~الأمر فيبعثوا في طلبنا فالوحى الوحي والنجاء النجاء[ (1) ]. ### || إرسال يزيد الجيوش إليهم # قال: فلما أجمع رأي يزيد ms239 على إرسال الجيوش، صعد المنبر، فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: أما بعد يا أهل الشام، فإن أهل المدينة أخرجوا قومنا منها، ~~والله لأن تقع الخضراء على الغبراء[ (2) ]أحب إلي من ذلك. وكان معاوية قد ~~أوصى يزيد فقال له: إن رابك منهم ريب، أو انتقض عليك منهم أحد، فعليك بأعور ~~بني مرة مسلم بن عقبة، فدعا به فقال: سر إلى هذه المدينة بهذه الجيوش[ (3) ~~]، وإن شئت أعفيتك، فإني أراك مدنفا منهوكا. فقال: نشدتك الله، أن لا ~~تحرمني أجرا ساقه الله إلي، أو تبعث غيري، فإني رأيت في النوم شجرة غرقد ~~تصيح أغصانها: يا ثارات عثمان، فأقبلت إليها، وجعلت الشجرة تقول: # إلي يا مسلم بن عقبة، فأتيت فأخذتها، فعبرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر ~~عثمان، ووالله ما صنعوا الذي صنعوا إلا أن الله أراد بهم الهلاك. فقال يزيد: # فسر على بركة الله، فأنت صاحبهم، فخرج مسلم فعسكر وعرض الأجناد، فلم يخرج ~~معه أصغر من ابن عشرين، ولا أكبر من ابن خمسين على خيل عراب، وسلاح شاك، ~~وأداة كاملة، ووجه معه عشرة آلاف بعير تحمل الزاد حتى خرج، [ (1) ]قال ~~الطبري: أن مروان بن الحكم كتب كتابا وأرسله إلى يزيد مع ابنه عبد الملك بن ~~مروان وكان في الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإنه قد حصرنا في ~~دار مروان بن الحكم، ومنعنا العذب، ورمينا بالجبوب، فيا غوثاه يا غوثاه. # [ (2) ]الغبراء: الأرض، والخضراء: السماء. # [ (3) ]في الطبري وابن الأثير: اثنا عشر ألف. وفي فتوح ابن الأعثم: عشرون ~~ألف فارس وسبعة آلاف راجل. PageV01P231 # فخرج معه يزيد فودعه. قال له: إن حدث بك حدث فأمر الجيوش إلى حصين بن ~~نمير، فانهض بسم الله إلى ابن الزبير، واتخذ المدينة طريقا إليه، فإن صدوك ~~أو قاتلوك فاقتل من ظفرت به منهم، وانهبها[ (1) ]ثلاثا، فقال مسلم بن عقبة: ~~أصلح الله الأمير، لست بآخذ من كل ما عهدت به إلا بحرفين. قال يزيد: وما ~~هما؟ويحك. قال: أقبل من المقبل الطائع، وأقتل المدبر العاصي. # فقال يزيد: حسبك، ولكن البيان ms240 لا يضرك، والتأكيد ينفعك، فإذا قدمت ~~المدينة فمن عاقك عن دخولها، أو نصب لك الحرب، فالسيف السيف، أجهز على ~~جريحهم، وأقبل على مدبرهم، وإياك أن تبقي عليهم، وإن لم يتعرضوا لك، فامض ~~إلى ابن الزبير. # فمضت الجيوش، فلما نزلوا بوادي القرى، لقيتهم بنو أمية خارجين من ~~المدينة، فرجعوا معهم، واستخبرهم مسلم بن عقبة عما خلفهم، وعما لقوا، وعن ~~عددهم. فقال مروان: عددهم كثير، أكثر مما جئت به من الجيوش، ولكن عامتهم ~~ليس لهم نيات ولا بصائر، وفيهم قوم قليل لهم نية وبصيرة، ولكن لا بقاء لهم ~~مع السيف، وليس لهم كراع ولا سلاح، وقد خندقوا عليهم وحصنوا. # قال مسلم: هذه أشدها علينا، ولكنا نقطع عنهم مشربهم، ونردم عليهم خندقهم. ~~فقال مروان: عليه رجال لا يسلمونه، ولكن عندي فيه وجه سأخبرك به. قال: ~~هاته. فقال: اطوه ودعه حتى يحضر ذلك، قال: فدعه إذا. ثم قال لهم مسلم: ~~تريدون أن تسيروا إلى أمير المؤمنين، أو تقيموا موضعكم هذا، أو تسيروا ~~معنا؟فقال بعضهم: نسير إلى أمير المؤمنين، ونحدث به عهدا، فقال مروان: أما ~~أنا فراجع. فقال بعضهم لبعض: قد حلفنا لهم عند المنبر لئن استطعنا أن نرد ~~الجيش عنهم لنردنه فكيف بالرجوع إليهم. فقال مروان: أما أنا فراجع إليهم. ~~فقال له قوم: ما نرى أن تفعل، فإنما تقتلون بهؤلاء أنفسكم، والله لا أكثرنا ~~عليهم لمسلم جمعا أبدا. فقال مروان: أنا والله ماض مع مسلم إلى المدينة، ~~فمدرك ثأري من عدوي، وممن أخرجني من بيتي، وفرق بيني وبين أهلي، وإن قتلت ~~بهم نفسي، فلم يرجع مع مسلم من بني أمية غير مروان وابنه عبد الملك، وكان ~~مجدورا فجعله بذي خشب. # [ (1) ]في الطبري: «فأبحها ثلاثا» . PageV01P232 # فلما أيقن أهل المدينة بقدوم الجيوش إليهم تشاوروا في الخندق وقالوا: قد ~~خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخندقوا المدينة من كل نواحيها. # ثم جمع عبد الله بن حنظلة أهل المدينة عند المنبر، فقال: تبايعوني على ~~الموت وإلا فلا حاجة في بيعتكم. فبايعوه على الموت[ (1) ]، ثم صعد المنبر، ~~فحمد ms241 الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما خرجتم غضبا لدينكم، فأبلوا ~~إلى الله بلاء حسنا ليوجب لكم به الجنة ومغفرته، ويحل بكم رضوانه، واستعدوا ~~بأحسن عدتكم، وتأهبوا بأكمل أهبتكم، فقد أخبرت أن القوم قد نزلوا بذي خشب، ~~ومعهم مروان بن الحكم، والله إن شاء مهلكه بنقضه العهد والميثاق عند منبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتصايح الناس، وجعلوا ينالون منه ويسبونه. ~~فقال لهم: إن الشتم ليس بشيء، ولكن نصدقهم اللقاء، والله ما صدق قوم قط ~~إلا نصروا، ثم رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنا بك واثقون، وعليك ~~متوكلون، وإليك ألجأنا ظهورنا ثم نزل. وكان عبد الله بن حنظلة لا يبيت إلا ~~في المسجد الشريف، وكان لا يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد. ### || قدوم الجيوش إلى المدينة # قال: وذكروا أن أهل الشام لما انتهوا إلى المدينة عسكروا بالجرف[ (2) ]، ~~ومشوا رجالا من رجالهم، فأحدقوا بالمدينة من كل ناحية لا يجدون مدخلا، ~~لأنهم قد خندقوها عليهم، والناس متلبسون السلاح، قد قاموا على أفواه ~~الخنادق، وقد حرصوا أن لا يتكلم منهم متكلم، وجعل أهل الشام يطوفون بها ~~والناس يرمونهم بالحجارة والنبل من فوق الآكام والبيوت، حتى خرجوا فيهم وفي ~~خيلهم، فقال مسلم لمروان: أين ما قلت لي بوادي القرى؟فخرج مروان حتى جاء ~~بني حارثة، فكلم رجلا منهم، ورغبه في الضيعة، وقال: افتح لنا طريقا، فأنا ~~أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، ومتضمن لك عنه شطر ما كان بذل لأهل [ (1) ~~]وقيل إن المدينة قسمت أرباعا وعلى كل ربع منها قائد. وقيل إن عبد الله بن ~~مطيع كان على قريش من أهل المدينة، وعبد الله بن حنظلة الغسيل على الأنصار، ~~ومعقل بن سنان على المهاجرين (انظر الطبري 5/487 ابن الأثير 2/596 الأخبار ~~الطوال ص 265، وابن الأعثم 5/294) . # [ (2) ]الجرف: موضع قرب المدينة. PageV01P233 # المدينة من العطاء وتضعيفه، ففتح له طريقا، ورغب فيما بذل له، وتقبل ما ~~تضمن له عن يزيد، فاقتحمت الخيل، فجاء الخبر إلى عبد الله بن حنظلة، فأقبل، ~~وكان ms242 من ناحية الطورين، وأقبل عبد الله بن مقطع، وكان من ناحية ذناب، وأقبل ~~ابن أبي ربيعة، فاجتمعوا جميعا بمن معهم، بحيث اقتحم عليهم أهل الشام، ~~فاقتتلوا حتى عاينوا الموت، ثم تفرقوا. ### || غلبة أهل الشام على أهل المدينة # قال: وذكروا أن عبد الله بن أبي سفيان قال: وقعت مع قوم عند مسجد بني عبد ~~الأشهل، منهم عبد الله بن زيد صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وقاتل ~~مسيلمة الكذاب، ومعه عبد الله بن حنظلة، ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، ~~وإبراهيم بن فارط، وإبراهيم بن نعيم بن النجار، فهم يقاتلون ويقولون للناس: ~~أين الفرار؟والله لأن يقتل الرجل مقبلا خير له من أن يقتل مدبرا. قال: # فاقتتلوا ساعة، والنساء والصبيان يصيحون ويبكون على قتلاهم، حتى جاءهم ما ~~لا طاقة لهم به، وجعل مسلم يقول: من جاء برأس رجل فله كذا وكذا، وجعل يغري ~~قوما لا دين لهم، فقتلوا وظهروا على أكثر المدينة. قال: وكان على بشر بن ~~حنظلة يومئذ درعان، فلما هزم القوم طرحهما. ثم جعل يقاتلهم وهو حاسر حتى ~~قتلوه، ضربه رجل من أهل الشام ضربة بالسيف قطع منكبه، فوقع ميتا. فلما مات ~~ابن حنظلة صار أهل المدينة كالنعم بلا راع، شرود يقتلهم أهل الشام من كل ~~وجه، فأقبل محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وإن جراحة لتنفث دما، وهو يقاتل ~~ويحمل على الكردوس منهم فيفض جماعتهم، وكان فارسا، فحمل عليه أهل الشام ~~حملة واحدة حتى نظموه بالرماح، فمال ميتا. # فلما قتل انهزم من بقي من الناس في كل وجه، ودخل القوم المدينة، فجالت ~~خيولهم فيها يقتلون وينهبون. # قال: وخرج يومئذ عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والخيل تسرع في كل وجه قتلا ونهبا. فقيل له: لو علم القوم باسمك ~~وصحبتك لم يهيجوك، فلو أعلمتهم بمكانك؟فقال: والله لا أقبل لهم أمانا، ولا ~~أبرح حتى أقتل، لا أفلح من ندم، وكان رجلا أبيض طويلا أصلع، فأقبل عليه رجل ~~من أهل الشام، وهو يقول: والله ms243 لا أبرح حتى أضرب صلعته وهو PageV01P234 # حاسر. فقال عبد الله: شر لك خير لي، فضربه بفأس في يده، فرأيت نورا ساطعا ~~في السماء، فسقط ميتا. وكان يومه ذلك صائما، رحمه الله. # قال: فجعل مسلم يطوف على فرس له ومعه مروان بن الحكم على القتلى. فمر على ~~عبد الله بن حنظلة، وهو ماد إصبعه السبابة. فقال مروان: أما والله لئن ~~نصبتها ميتا فطالما نصبتها حيا، داعيا إلى الله. ومر على إبراهيم بن نعيم، ~~ويده على فرجه، فقال: أما والله لئن حفظته في الممات لقد حفظته في الحياة. ~~ومر علي محمد بن عمرو بن حزم وهو على وجهه واضعا جبهته بالأرض، فقال[ (1) ~~]: أما والله لئن كنت على وجهك في الممات لطالما افترشته حيا ساجدا لله. ~~فقال مسلم: والله ما أرى هؤلاء إلا من أهل الجنة. ومر على عبد الله بن زيد ~~وبين عينيه أثر السجود، فلما نظر إليه مروان عرفه، وكره أن يعرفه لمسلم ~~فيحز رأسه. فقال له مسلم: من هذا؟فقال بعض هذه الموالي وجاوزه، فقال له ~~مسلم: كلا، وبيت الله لقد نكبت عنه لشيء. فقال له مروان: هذا صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن زيد. فقال: ذاك أخزى ناكث بيعته حزوا رأسه. # وكان قصر بني حارثة أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، وكان بنو حارثة ~~آمنين ما قتل منهم أحد، وكان كل من نادى باسم الأمان إلى أحد من قبيلة بني ~~حارثة أمنوه رجلا كان أو امرأة ثم ذبوا عنه حتى يبلغوه قصر بني حارثة، ~~فأجير يومئذ رجال كثير ونساء كثيرة، فلم يزالوا في قصر بني حارثة حتى انقضت ~~الثلاث. # قال: وأول دور انتهبت والحرب قائمة دور بني عبد الأشهل، فما تركوا في ~~المنازل من أثاث ولا حلي ولا فراش إلا نقض صوفه، حتى الحمام والدجاج كانوا ~~يذبحونها، فدخلوا دار محمد بن مسلمة، فصاح النساء، فأقبل زيد بن محمد بن ~~مسلمة إلى الصوت، فوجد عشرة ينهبون، فقاتلهم ومعه رجلان من أهله حتى قتل ~~الشاميون جميعا، وخلصوا ms244 منهم ما أخذوه، فألقوا متاعهم في بئر لا ماء فيها، ~~وأبقى عليها التراب، ثم أقبل نفر من أهل الشام، فقاتلوهم أيضا، [ (1) ]مر ~~عليه مروان بن الحكم وكأنه برطيل من فضة فقال: رحمك الله!فرب سارية قد ~~رأيتك تطيل القيام في الصلاة إلى جنبها (الطبري) . PageV01P235 # حتى قتل زيد بن محمد أربعة عشر رجلا، فضربه بالسيف منهم أربعة في وجهه. ~~ولزم أبو سعيد الخدري بيته[ (1) ]، فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقالوا: # أيها الشيخ، من أنت؟فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، فقالوا ما زلنا نسمع عنك، فبحظك أخذت في تركك قتالنا، وكفك عنا، ~~ولزوم بيتك، ولكن أخرج إلينا ما عندك. قال: والله ما عندي مال، فنتفوا ~~لحيته، وضربوه ضربات، ثم أخذوا كل ما وجدوه في بيته حتى الصواع[ (2) ] ~~وحتى زوج حمام كان له. # وكان جابر بن عبد الله يومئذ قد ذهب بصره، فجعل يمشي في بعض أزقة ~~المدينة، وهو يقول: تعس من أخاف الله ورسوله. فقال له رجل: ومن أخاف الله ~~ورسوله؟ @HAD018 فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخاف ~~المدينة فقد أخاف ما بين جنبي [ (3) ]، فحمل عليه رجل بالسيف ليقتله، ~~فترامى عليه مروان فأجاره، وأمر أن يدخله منزله، ويغلق عليه بابه، وكان ~~سعيد بن المسيب رحمه الله لم يبرح من المسجد، ولم يكن يخرج إلا من الليل ~~إلى الليل، وكان يسمع إذا جاء وقت الأذان أذانا يخرج من قبل القبر الشريف، ~~حتى آمن الناس، فكان سعيد يقول: ما رأيت خيرا من الجماعة[ (4) ]، ثم أمر ~~مسلم بالأسارى، فغلوا بالحديد، ثم دعا إلى بيعة يزيد، فكان أول من بايع ~~مروان بن الحكم، ثم أكابر بني أمية، حتى أتى على آخرهم. ثم دعا بني أسد، ~~وكان عليهم حنقا، فقال: أتبايعون لعبد الله يزيد ابن أمير المؤمنين ولمن ~~استخلف عليكم بعده، على أن أموالكم ودماءكم وأنفسكم خول له، يقضي فيها ما ~~شاء؟ قال يزيد بن عبد الله بن زمعة: إنما نحن نفر من المسلمين لنا ما لهم ms245 ~~وعلينا ما [ (1) ]وفي رواية الطبري وابن الأثير أنه خرج من منزله ودخل كهفا ~~في الجبل. فلحقه رجل من أهل الشام، ولما عرفه انصرف عنه. # [ (2) ]الصواع: الكوز الذي يشرب به. # [ (3) ]في رواية ابن كثير 8/244 «فقد أخاف ما بين هذين-ووضع يده على ~~جبينه» قال الدار الدارقطني: # تفرد به سعد بن عبد العزيز لفظا وإسنادا. # قال ابن كثير: وقد استدل بهذا الحديث وأمثاله من ذهب إلى الترخيص في لعنة ~~يزيد بن معاوية... وقد انتصر لذلك أبو الفرج ابن الجوزي في مصنف مفرد وجوز لعنته. # [ (4) ]قال ابن كثير عن المدائني: وجيء إلى مسلم بسعيد بن المسيب فقال ~~له: بايع!فقال: أبايع على سيرة أبي بكر وعمر، فأمر بضرب عنقه، فشهد رجل أنه ~~مجنون فخلى سبيله. PageV01P236 # عليهم. فقال مسلم: والله لا أقيلك، ولا تشرب البارد بعدها أبدا، فأمر به، ~~فضربت عنقه. ثم أتي بمعقل بن سنان، وكان معقل حاملا لواء قومه يوم الفتح مع ~~رسول الله، فلما دخل عليه قال له: أعطشت يا معقل؟قال: نعم أصلح الله ~~الأمير، قال: حيسوا له شربة[ (1) ]من سويق اللوز الذي زودنا به أمير ~~المؤمنين، فلما شربها قال له: رويت؟قال: نعم. فقال مسلم: أما والله لا ~~تبولها من مثانتك أبدا، فقدم، فضربت عنقه، ثم قال: ما كنت لأدعك بعد كلام ~~سمعته منك تطعن به على إمامك، وكان معقل قد طعن بعض الطعن على يزيد قبل ~~ذلك، فيما بينه وبين مسلم، على الاستراحة بذلك[ (2) ]، ثم أمر بمحمد بن ~~أبي الجهم وجماعة من وجوه قريش والأنصار، وخيار الناس والصحابة والتابعين، ~~ثم أتي بعبد الله بن الحارث مغلولا. فقال مسلم: أنت القائل: اقتلوا سبعة ~~عشر رجلا من بني أمية، لا تروا شرا أبدا؟قال: قد قلتها، ولكن لا يسمع من ~~أسير أمر، أرسل يدي، وقد برئت مني الذمة، إنما نزلت بعهد الله وميثاقه، ~~وايم الله لو أطاعوني وقبلوا مني ما أشرت به عليهم ما تحكمت فيهم أنت أبدا. ~~فقال له مسلم: والله لأقدمنك إلى نار تلظى، ثم أمر به فضربت عنقه. فقال ~~مروان: قد ms246 والله سقيتني من دماء هؤلاء القوم، إلا ما كان من قريش، فإنك ~~أثخنتها وأفنيتها. # فقال مسلم: والله لا أعلم عند أحد غشا لأمير المؤمنين إلا سألت الله أن ~~يسقيني دمه. فقال: إن عند أمير المؤمنين عفوا لهم، وحلما عنهم ليس عندك. ~~وجعل مروان يعتذر إلى قريش، ويقول: والله لقد ساءني قتل من قتل منكم. فقالت ~~له قريش: أنت والله الذي قتلتنا، ما عذرك الله ولا الناس، لقد خرجت من ~~عندنا، وحلفت لنا عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتردنهم عنا، فإن ~~لم تستطع لتمضين ولا ترجع معهم، فرجعت، ودللت على العورة، وأعنت على ~~الهلكة، فالله لك بالجزاء. قال: فبلغ عدة قتلى الحرة يومئذ من قريش ~~والأنصار والمهاجرين ووجوه الناس، ألفا وسبع مائة[ (3) ]، وسائرهم من الناس ~~عشرة آلاف، [ (1) ]في الطبري وابن الأثير: العسل. # [ (2) ]وكان ذلك بطبرية، وقد ذكر الخبر في الأخبار الطوال ص 266 وابن ~~الأعثم 5/297 والطبري 5/492 وابن الأثير 2/599 وفي قتل معقل قال بعضهم: # يقتل سكان المدينة عنوة # وقد أصبحوا صرعى بكل مكان # أصبحت الأنصار تبكي سراتها # وأشجع تبكي معقل بن سنان # [ (3) ]في عدد من قتل في المدينة أقوال: قال خليفة في تاريخه ص 250: ~~فجميع من أصيب من PageV01P237 # سوى النساء والصبيان. # قال أبو معشر: دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ~~ومعها صبي لها، فقال لها: هل من مال؟قالت: لا والله ما تركوا لي شيئا. ~~فقال: والله لتخرجن إلي شيئا أو لأقتلنك وصبيك هذا. فقالت له: ويحك إنه ولد ~~ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد بايعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معه يوم بيعة الشجرة، على أن لا أزني، ولا أسرق، ~~ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببهتان أفتريه، فما أتيت شيئا فاتق الله. ثم قالت ~~لابنها: يا بني، والله لو كان عندي شيء لافتديتك به. قال: فأخذ برجل ~~الصبي، والثدي في فمه، فجذبه من حجرها، فضرب به الحائط فانتثر دماغه في ~~الأرض، قال: فلم يخرج ms247 من البيت حتى اسود نصف وجهه، وصار مثلا. # قال أبو معشر: قال لي رجل[ (1) ]: بينا أنا في بعض أسواق الشام، إذا ~~برجل ضخم، فقال لي: ممن أنت؟قلت: رجل من أهل المدينة، قال: من أهل ~~الخبيثة؟قال: فقلت له: سبحان الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها ~~طيبة وسميتها خبيثة!قال: فبكى، فقلت له: ما يبكيك، قال: العجب والله، كنت ~~أغزو الصائفة كل عام زمن معاوية، فأتيت في المنام فقيل لي: إنك تغزو ~~المدينة، وتقتل فيها رجلا يقال له: محمد بن عمرو بن حزم، وتكون بقتله من ~~أهل النار. قال: فقلت: ما هذا من شأن المدينة، ولا يقع في نفس مدينة ~~الرسول. قال: فقلت: لعلها بعض مدائن الروم، فكنت أغزو ولا أسل فيها سيفا، ~~حتى مات معاوية، وولي يزيد، فضرب قرعة بعث المدينة، فأصابتني القرعة. قال: ~~فقلت: هي هذه والله، فأردت أن يأخذوا مني بديلا، فأبوا، فقلت في نفسي: أما ~~إذا أبوا، فإني لا أسل فيها سيفا، قال: فحضرت الحرة، فخرج [ () ]الأنصار ~~مائة رجل وثلاثة وسبعون رجلا، وجميع من أصيب من قريش والأنصار ثلاثمائة رجل ~~وستة رجال. # وقد ذكر خليفة ص 240 وما بعدها أسماء من قتل يوم الحرة. وانظر ما ذكر في ~~عدد من قتل: ابن الأثير 2/600 سير أعلام النبلاء للذهبي 3/220 العقد الفريد ~~4/390 مروج الذهب 3/85 النجوم الزاهرة 1/161 وابن الأعثم 5/295. # [ (1) ]اسمه محمد بن عمارة (ابن الأثير 2/600) . PageV01P238 # أصحابي يقاتلون، وجلست في فسطاطي، فلما فرغوا من القتال، جاءنا أصحابنا، ~~فقالوا: دخلنا وفرغنا من الناس، فقال بعض أصحابي لبعض: تعالوا حتى ننظر إلى ~~القتلى، فتقلدت سيفي وخرجت، فجعلنا ننظر إلى القتلى ونقول: هذا فلان، وذا ~~فلان، فإذا رجل في بعض تلك الدارات في يده سيف، وقد أزبد شدقاه، وحوله صرعى ~~من أهل الشام، فلما أبصرني قال: يا كلب احقن عني دمك. قال: فنسيت والله كل ~~شيء، فحملت عليه، فقاتلته فقتلته، فسطع نور بين عينيه وسقط في يدي، قلت: ~~من هذا؟فقيل لي: هذا محمد بن عمرو بن حزم، فجعلت ms248 أدور مع أصحابي، فيقولون: ~~هذا فلان، وهذا فلان. # فمر إنسان لا يعرف، فقال: من قتل هذا، ويحكم، يريد محمد بن عمرو بن ~~حزم!قتله الله، والله لا يرى الجنة بعينه أبدا[ (1) ]. ### || عدة من قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم # قال: وذكروا أنه قتل يوم الحرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون ~~رجلا، ولم يبق بدري بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبع مائة، ومن سائر الناس ~~من الموالي والعرب والتابعين عشرة آلاف[ (2) ]، وكانت الوقعة في ذي الحجة ~~لثلاث[ (3) ]بقين منها سنة ثلاث وستين. قالوا: وكان الناس يعجبون من ذلك ~~أن ابن الزبير لم يصلوا إليه إلا بعد ستة أشهر، ولم يكن مع ابن الزبير، إلا ~~نفر قليل، وكان بالمدينة أكثر من عشرة آلاف رجل، والله ما استطاعوا أن ~~يناهضوهم يوما إلى الليل. ### || كتاب مسلم بن عقبة إلى يزيد # قال: وذكروا أن مسلما لما فرغ من قتال أهل المدينة ونهبها، كتاب إلى يزيد ~~بن معاوية بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله يزيد بن معاوية أمير المؤمنين ~~من مسلم بن عقبة، سلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، فإني أحمد الله [ ~~(1) ]زيد عند ابن الأثير: فأتيت أهله فعرضت عليهم أن يقتلوني فلم يفعلوا ~~وعرضت عليهم الدية فلم يأخذوا. # [ (2) ]تقدمت الإشارة إلى ذلك (انظر صفحة 237 حاشية رقم 3) . # [ (3) ]عند ابن الأثير والطبري: لليلتين بقيتا. PageV01P239 # إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: تولى الله حفظ أمير المؤمنين والكفاية ~~له، فإني أخبر أمير المؤمنين أبقاه الله، أني خرجت من دمشق ونحن على ~~التعبئة التي رأى أمير المؤمنين يوم فارقنا بالعافية، فلقينا أهل بيت أمير ~~المؤمنين بوادي القرى، فرجع معنا مروان بن الحكم، وكان لنا عونا على عدونا، ~~وإنا انتهينا إلى المدينة فإذا أهلها قد خندقوا عليها الخنادق، وأقاموا على ~~أنقابها الرجال بالسلاح وأدخلوا ماشيتهم، وما يحتاجون لحصارهم سنة فيما ~~كانوا يقولون، وإنا أعذرنا إليهم، وأخبرناهم بعهد أمير المؤمنين، وما بذل ~~لهم، فأبوا، ففرقت أصحابي على أفواه الخنادق، فوليت الحصين بن نمير، ms249 ناحية ~~ذناب وما والاها، وعلى الموالي وجهت حبيش بن دلجة[ (1) ]إلى ناحية بني ~~سلمة، ووجهت عبد الله بن مسعدة إلى ناحية بقيع الغرقد[ (2) ]، وكنت ومن معي ~~من قواد أمير المؤمنين ورجاله في وجوه بني حارثة، فأدخلنا الخيل عليهم حين ~~ارتفع النهار، من ناحية عبد الأشهل بطريق فتحه لنا رجل منهم بما دعاه إليه ~~مروان بن الحكم إلى صنيع أمير المؤمنين، وما تضمن له عنه من قرب المكان، ~~وجزيل العطاء، وإيجاب الحق، وقضاء الذمام، وقد بعثت به إلى أمير المؤمنين، ~~وأرجو من الله عز وجل، أن يلهم خليفته وعبده عرفان ما أولى من الصنع وأسدى ~~من الفضل، وكان أكرم الله أمير المؤمنين من محمود مقام مروان بن الحكم، ~~وجميل مشهده، وسديد بأسه، وعظيم نكايته لعدو أمير المؤمنين، ما لا إخال ذلك ~~ضائعا عند إمام المسلمين وخليفة رب العالمين إن شاء الله، وسلم الله رجال ~~أمير المؤمنين، فلم يصب منهم أحد بمكروه، ولم يقم لهم عدوهم من ساعات ~~نهارهم أربع ساعات، فما صليت الظهر-أصلح الله أمير المؤمنين-إلا في مسجدهم، ~~بعد القتل الذريع، والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوف وقتلنا من أشرف ~~لنا منهم، وأتبعنا مدبرهم وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناهم ثلاثا كما قال ~~أمير المؤمنين، أعز الله نصره، وجعلت دور بني الشهيد المظلوم عثمان بن ~~عفان، في حرز وأمان، فالحمد لله الذي شفى صدري من قتل أهل الخلاف القديم، ~~والنفاق العظيم، فطالما عتوا، وقديما ما طغوا. # وكتبت إلى أمير المؤمنين، وأنا في منزل سعيد بن العاص مدنفا مريضا، [ (1) ~~]بالأصول: «دجلة» تحريف. # [ (2) ]بقيع الغرقد: مقبرة المدينة. PageV01P240 # ما أراني إلا لما بي، فما كنت أبالي، متى مت بعد يومي هذا، وكتب لهلال ~~المحرم سنة ثلاث وستين. فلما جاءه الكتاب، أرسل إلى عبد الله بن جعفر وإلى ~~ابنه معاوية بن يزيد، فأقرأهما الكتاب، فاسترجع عبد الله بن جعفر وأكثر، ~~وبكى معاوية بن يزيد، حتى كادت نفسه تخرج، وطال بكاؤه، فقال يزيد لعبد الله ~~بن جعفر: ألم أجبك إلى ما طلبت، وأسعفتك فيما سألت، فبذلت لهم العطاء ~~وأجزلت ms250 لهم الإحسان، وأعطيت العهود والمواثيق على ذلك؟فقال عبد الله بن ~~جعفر: فمن هنالك استرجعت، وتأسفت عليهم، إذ اختاروا البلاء على العافية، ~~والفاقة على النعمة، ورضوا بالحرمان دون العطاء، ثم قال يزيد لابنه معاوية: # فما بكاؤك أنت يا بني؟قال: أبكي على قتل من قتل من قريش، وإنما قتلنا بهم ~~أنفسنا. فقال يزيد: هو ذاك، قتلت بهم نفسي وشفيتها قال: وسأل مسلم بن عقبة ~~قبل أن يرتحل عن المدينة عن علي بن الحسين، أحاضر هو؟فقيل له: # نعم. فأتاه علي بن الحسين، ومعه ابناه، فرحب بهما، وسهل وقربهم، وقال: # إن أمير المؤمنين أوصاني بك. @HAD011 فقال علي بن الحسين: وصل الله أمير ~~المؤمنين وأحسن جزاؤه ثم انصرف عنه. ولم يكن أحد نصب للحرب من بني هاشم، ~~ولزموا بيوتهم، فسلموا، إلا ثلاثة منهم تعرضوا للقتال، فأصيبوا[ (1) ]. ### || موت مسلم بن عقبة ونبشه # قال: وذكروا أن مسلم بن عقبة ارتحل عن المدينة، وهو يجود بنفسه[ (2) ]، ~~يريد ابن الزبير بمكة، فنزل في بعض الطريق، فدعا الحصين بن نمير فقال له: ~~يا برذعة الحمار، إنه كان من عهد أمير المؤمنين إن حدث بي حدث الموت أن ~~أعهد إليك، فاسمع، فإني بك عالم، لا تمكن قريشا من أذنك إذا قدمت مكة فتبول ~~(أي قريش فيها) ، فإنما هو الوفاق[ (3) ]، ثم النفاق ثم الانصراف ثم مات [ ~~(1) ]ذكر المسعودي في مروج الذهب 3/85 أن اثنين من آل أبي طالب قتلا: عبد ~~الله بن جعفر بن أبي طالب، وجعفر بن محمد بن علي بن أبي طالب، ومن بني هاشم ~~غيرهما: الفضل بن عباس بن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب وحمزة بن عبد الله ~~بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، والعباس بن عتبة بن أبي لهب بن عبد ~~المطلب. # [ (2) ]وكانت علته الذبحة (الأخبار الطوال ص 267) . # [ (3) ]في العقد الفريد 4/391: الوقاف ثم الثقاف ثم الانصراف. الوقاف ~~يعني الوقوف في حرب أو خصومة. والثقاف: الجلاد. PageV01P241 # فدفن في ثنية المشلل[ (1) ]، فلما تفرق القوم عنه، أتته أم ولد ليزيد بن ~~عبد الله بن زمعة، وكانت من وراء ms251 العسكر تترقب موته، فنبشت عنه، فلما انتهت ~~إلى لحده، وجدت أسود من الأساود منطويا في رقبته، فاتحا فاه، فتهيبته. ثم ~~لم تزل به حتى تنحى لها عنه فصلبته على المشلل. قال الضحاك: فحدثني من رآه ~~مصلوبا يرمى كما يرمى قبر أبي رغال[ (2) ]. ### || فضائل قتلى أهل الحرة رحمهم الله تعالى # قال: وذكروا @HAD035 أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في سفر من ~~أسفاره فلما مر بحرة بني زهرة، وقف فاسترجع.. فقالوا: ما هو يا رسول الله؟ ~~قال: يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي [ (3) ]. قال: وذكروا أن عبد ~~الله بن سلام وقف بالحرة زمان معاوية بن أبي سفيان، فقال: أجد في كتاب يهود ~~الذي لم يبدل ولم يغير، أنه يكون هاهنا مقتلة قوم يحشرون يوم القيامة واضعي ~~سيوفهم على رقابهم، حتى يأتوا الرحمن تبارك وتعالى، فيقفون بين يديه، ~~فيقولون: قتلنا فيك. قال: وذكروا عن داود بن الحصين قال: عندنا قبور قوم من ~~قتلى الحرة، فقل ما حركت إلا فاح منها ريح المسك. وقال بعضهم: عن عبد الله ~~بن أبي سفيان عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن حنظلة في منامي بأحسن صورة، ~~معه لؤلؤة، فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت؟قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني ~~الجنة، فأنا أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم؟قال: هم معي، ~~وحول لوائي هذا الذي ترى لم تحل عقدته بعد. وقال ابن سيرين رحمه الله ~~تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في النوم، فقلت له: ألست قد ~~استشهدت؟قال: ليس في الإسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال [ (1) ]ثنية ~~المشلل: جبل بالمدينة. وقيل مات بالأبواء.. (مما يلي المدينة ثلاثة وعشرون ~~ميلا) وقيل بالقديد (قاله المسعودي) وقيل بثنية هرشى. # [ (2) ]أبو رغال: بكسر الراء قيل هو رجل من ثمود كان يقيم بالحرم يدافع ~~عنه فلما خرج أصابته النقمة، وقيل كان دليلا للأحابيش لما توجهوا إلى مكة، ~~وقيل كان عشارا جائرا. رجم قبره لكراهة الناس له. # [ (3) ]رواه البيهقي في الدلائل 6/473 من طريق أيوب بن بشير ms252 المعافري ~~رفعه قال البيهقي: «هذا مرسل. وقد روي عن ابن عباس في تأويل آية من كتاب ~~الله عز وجل ما يؤكده» ونقله ابن كثير في البداية والنهاية عن الفسوي 6/233 ~~وهو في تاريخ الفسوي 3/327. PageV01P242 # الأعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ[ (1) ]من الثياب قبل الحرة، فلما ~~قتل الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على ~~أهل الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز ~~الناس وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فاجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: ~~بلغ القتلى يوم الحرة من قريش والأنصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع ~~مائة، وسائر الناس عشرة آلاف[ (2) ]. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، ~~قال وأصيب نساء وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذي ~~الحجة، سنة ثلاث وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا ~~بعد أن لم يبقوا أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ~~ثمانون رجلا، ولم يبق بعد ذلك بدري. # وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبد الله بن مطيع: كيف نجوت يوم ~~الحرة؟قال: رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من ~~إدخالهم علينا وولى الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر[ (3) ]. # وعلمت أنه لا يضر عدوي مشهدي ولا ينفع وليي، فتواريت، ثم لحقت بابن ~~الزبير، وكنت أعجب كل العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن ~~معه إلا نفر يسير، قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، ~~كلهم ذوو حفاظ، فما استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. # تم الجزء الأول من كتاب الإمامة والسياسة ويليه الجزء الثاني [ (1) ]يريد ~~الثياب المصبوغة بالسواد. وذلك يرمز إلى الحداد على قتلى أهل الحرة. # [ (2) ]تقدمت الإشارة إلى عدد من قتل، راجع ما لاحظناه قريبا. # [ (3) ]وكان الحارث بن هشام قد فر يوم بدر من القتال، وقد هجاه حسان بن ~~ثابت على فراره ومما قاله: # ترك الأحبة ms253 أن يقاتل دونهم # ونجا برأس طمرة ولجام # ملأت به الفرجين فارمدت به # وثوى أحبته بشر مقام # وبنو أبيه ورهطه في معرك # نصر الإله به ذوي الإسلام # فقال الحارث بن هشام يجيب حسان ويعتذر من فراره يوم بدر: # الله أعلم ما تركت قتالهم # حتى حبوا مهري بأشقر مزبد # وعرفت أني إن أقاتل واحدا # أقتل ولا ينكي عدوي مشهدي # فصددت عنهم والأحبة فيهم # طمعا لهم بعقاب يوم مفسد # الإمامة والسياسة # الجزء الأول # تأليف # ابن قتيبة عبد الله بن مسلم # جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة # [![](../Images/logo4.png)](http://www.masaha.org) # # ![](../Images/3476-logo.jpg) # PageV01P243 # ### | المجلد الثاني # الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء PageV02P001 # الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء PageV02P003 # بسم الله الرحمن الرحيم PageV02P004 ### || ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة وخبر يزيد # قال: وذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة[ (1) ]، ~~فأقام هو وابن الزبير[ (2) ]. قال: وقدم عمرو بن سعيد بن العاص[ (3) ]في ~~رمضان أميرا [ (1) ]مر في الجزء الأول (راجع ص 226-227) أن يزيد بن معاوية ~~بعد بيعته بالشام بالخلافة أرسل إلى واليه بالمدينة أن يأخذ بيعة الحسين بن ~~علي وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن عمر وغيرهم. وأن والي المدينة الوليد ~~بن عتبة (كما في الطبري) دعاهم لإتمام البيعة فاستمهلوه ثم إن ابن الزبير ~~لحق بمكة من ليلته. وأن الحسين بن علي خرج بعده بليلة ببنيه وإخوته وبني ~~أخيه وجل أهل بيته إلا محمد بن الحنفية (انظر الأخبار الطوال ص 228) . وبعض ~~المؤرخين (ابن الأعثم 5/33) يقول إن الحسين بن علي تأخر في رحيله عن ~~المدينة. وأنه جاهر مروان بن الحكم برفض البيعة ليزيد. عند ذلك كتب الوليد ~~بن عتبة إلى يزيد بن معاوية (رواية المقتل 2/ألف) : بسم الله الرحمن الرحيم ~~إلى عبد الله يزيد أمير المؤمنين.. أما بعد فإن الحسين بن علي ليس يرى لك ~~خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره والسلام. # فعند ما ورد كتابه على يزيد غضب غضبا شديدا وكتب إلى الوليد بن عتبة: من ~~عبد الله يزيد أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة، أما ms254 بعد، فإذا ورد عليك ~~كتابي هذا فخذ البيعة ثانية على أهل المدينة بتوكيد منك عليهم، وذر عبد ~~الله بن الزبير فإنه لن يفوتنا ولن ينجو منا أبدا ما دام حيا، وليكن مع ~~جوابك إلي رأس الحسين بن علي، فإن فعلت ذلك فقد جعلت لك أعنة الخيل، ولك ~~عندي الجائزة والحظ الأوفر والنعمة واحدة والسلام (ابن الأعثم 5/36) . # ثم أن الحسين عزم على الخروج إلى مكة، حتى إذا صار فيها استخار الله في ~~أمره بعد ذلك. # [ (2) ]بقدوم الحسين بن علي إلى مكة اشتد الأمر على عبد الله بن الزبير ~~لأنه كان قد طمع أن يبايعه أهل مكة، وجعل أهل مكة يختلفون إلى الحسين بكرة ~~وعشية، فشق ذلك على ابن الزبير وسقط بيده وعلم أن أحدا من أهل مكة لن ~~يبايعه ما دام الحسين بها. # [ (3) ]كان عمرو بن سعيد أميرا على مكة، وقد مر سبب عزل الوليد بن عتبة ~~عن المدينة، وهو فشله PageV02P005 # على المدينة وعلى الموسم، وعزل الوليد بن عقبة، فلما استوى على المنبر ~~رعف فقال أعرابي مستقبله: مه مه!جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته، ~~فقال مه!عم والله الناس، ثم قام يخطب، فناوله آخر عصا لها شعبتان. فقال: ~~مه! شعب والله الناس. ثم خرج إلى مكة، فقدمها يوم التروية، فصلى الحسين ثم خرج. # فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج، فقال: اركبوا كل بعير بين السماء ~~والأرض فاطلبوه. قال: فكان الناس يعجبون من قوله هذا. قال: فطلبوه فلم ~~يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين. فأبى أن ~~يرجع، وخرج الحسين بابني عبد الله بن جعفر معه[ (1) ]، ورجع عمرو بن سعيد ~~بن العاص إلى المدينة، فأرسل إلى ابن الزبير، فأبى أن يأتيه، وامتنع برجال ~~معه من قريش وغيرهم. قال: فبعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن ~~الزبير. قال: فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة، وهم كارهون للخروج. # فقال لهم: إما أن تأتوا ببدل، وإما أن تخرجوا. قال: فجاء الحارث بن مالك ~~بن البرصاء برجل استأجره ms255 بخمس مائة درهم إلى عمرو بن سعيد. فقال: قد جئت ~~برجل بدلي. فقال الحارث للرجل الذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مائة أخرى، ~~وتنكح أمك؟فقال له: أما تستحي؟فقال: إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد، ~~وحرمت عليك الكعبة في كذا وكذا مكان من القرآن. قال فجاء به إلى عمرو بن ~~سعيد، قال: قد جئتك برجل لو أمرته أن ينكح أمه لنكحها. فقال له عمرو: لعنك ~~الله من شيخ قال: فبعثهم إلى مكة يقاتلون ابن الزبير، فهزم عمرو ابن ~~الزبير[ (2) ]، وبعث يزيد بن معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري، يخطب الناس ~~[ () ]في أخذ البيعة من كبار القوم، وسلم الأمر في مكة والمدينة إلى عمرو ~~بن سعيد وذلك في رمضان عام 60 وكلف معالجة أمر البيعة ليزيد. # [ (1) ]خرج الحسين من مكة يوم الثلاثاء يوم التروية لثمان مضين من ذي ~~الحجة ومعه اثنان وثمانون رجلا من شيعته وأهل بيته. (انظر الطبري 5/349) ~~ابن الأثير 2/547 وابن الأعثم 5/120) . # [ (2) ]كان عمرو بن الزبير-أخو عبد الله-على شرطة المدينة لعمرو بن سعيد، ~~وقد جاء استعماله على الجيش المتوجه لقتال عبد الله بن الزبير بأمر مباشر ~~من الخليفة يزيد (انظر الطبري 5/345) وكان اختيار عمرو لأن بني أمية كانوا ~~يكرمونه لأن أمه بنت خالد بن سعيد بن العاص، فكان ابن أختهم وعلى علاقات ~~وطيدة معهم وكان من أشد الناس عداوة لأخيه PageV02P006 # بالمدينة. فقال في خطبته: أهل الشام جند الله الأعظم، وأهل الشام خير ~~الخلق. فقال الحارث بن مالك: ائذن لي أن أتكلم. فقال: اجلس لا أجلسك الله ~~من شيخ. قال: فتشهد الحارث وقال: لعمر الله لنحن خير من أهل الشام، ما نقمت ~~من أهل المدينة إلا أنهم قتلوا أباك وهو يسرق لقاح النبي صلى الله عليه ~~وسلم[ (1) ]. أنسيت طعنة أبي قتادة است أبيك بالرمح، فخرج منه جمعوص مثل ~~هذا، وأشار إلى ساعده، ثم جلس. ### || ولاية الوليد المدينة وخروج الحسين بن علي # قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية، عزل عمرو بن سعيد، وأمر الوليد بن عتبة[ ~~(2) ]، وخرج ms256 الحسين بن علي إلى مكة، فمال الناس إليه، وكثروا عنده واختلفوا ~~إليه، وكان عبد الله بن الزبير فيمن يأتيه[ (3) ]. قال: فأتاه كتاب أهل ~~الكوفة فيه[ (4) ]: # بسم الله الرحمن الرحيم، للحسين بن علي، من سليمان بن صرد، والمسيب[بن ~~نجبة]، ورفاعة بن شداد، وشيعته من المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. أما ~~بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، الذي اعتدى على هذه الأمة، ~~فانتزعها حقوقها، واغتصبها أمورها، وغلبها على فيئها، وتأمر عليها على غير ~~رضا منها، ثم قتل خيارها، واستبقى شرارها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس ~~علينا إمام، فاقدم علينا، لعل الله أن يجمعنا بك على [ () ]عبد الله. وبعد ~~ما هزم عمرو وأسر قال له عبد الله: قبحك الله من أخ وذي رحم فإنك لم تذكر ~~ما كان من البلاء عندك وقيامي بحقك وأخذي بيدك. انظر تفاصيل حرب ابن الزبير ~~مع أخيه عمرو الطبري 5/344. # [ (1) ]في جمهرة النسب للكلبي ص 433 أن الذي أغار على سرح المدينة هو عبد ~~الله بن عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري. # [ (2) ]بالأصل «عقبة» تحريف. قال خليفة في تاريخه ص 229: «ثم نزع في ~~مستهل ذي الحجة وأمر الوليد بن عتبة» وكان عمرو بن سعيد قدم المدينة في شهر ~~رمضان وأقام الحاج بالناس سنة 60 ه. # [ (3) ]تقدمت الإشارة إلى تخوف ابن الزبير من قدوم الحسين بن علي إلى ~~مكة، حيث كان ابن الزبير يطمع في بيعة أهل مكة له. # [ (4) ]قارن مع نسخة الكتاب في الطبري 5/352 الكامل لابن الأثير 2/533 ~~الفتوح لابن الأعثم 5/47-48 تاريخ اليعقوبي 2/242 الأخبار الطوال ص 229. PageV02P007 # الهدى، فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ولسنا نجتمع معه في جمعة، ~~ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا مخرجك أخرجناه من الكوفة، وألحقناه ~~بالشام والسلام. # قال[ (1) ]: فبعث الحسين بن علي مسلم بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له، ~~وكان على الكوفة النعمان بن بشير. فقال النعمان: لابن بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن بحدل. قال: فبلغ ms257 ذلك يزيد، فأراد أن ~~يعزله. فقال لأهل الشام: أشيروا علي، من أستعمل على الكوفة؟فقالوا: # أترضى برأي معاوية؟قال: نعم، قالوا: فإن الصك بإمرة عبيد الله بن زياد ~~على العراقين قد كتبه في الديوان[ (2) ]. قال: فاستعمله على الكوفة، فقدم ~~الكوفة قبل أن يقدم الحسين، وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر من ثلاثين ألفا من ~~أهل الكوفة، فنهضوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، فجعلوا كلما أشرفوا على ~~زقاق، انسل عنه منهم ناس، حتى بقي مسلم في شرذمة قليلة. قال: فجعل أناس ~~يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار هانئ بن عروة المرادي، ~~وكان له فيهم رأي. فقال لها هانئ بن عروة: إن لي من ابن زياد مكانا، وسوف ~~أتمارض له، فإذا جاء يعودني، فاضرب عنقه، قال: فقيل لابن [ (1) ]ثمة إجماع ~~في المصادر على أن الرسائل والرسل تتابعت على الحسين من رؤساء أهل الكوفة ~~حتى وصله من الكتب منهم ما ملأ منه خرجين. وكان آخر من وصل إليه منهم هانئ ~~بن هانئ وسعيد بن عبد الله الحنفي. فأرسل الحسين معهما إليهم جميعا كتابا ~~واحدا نسخته: # @HAD0134 (عن الطبري) : بسم الله الرحمن الرحيم. من حسين بن علي إلى ~~الملأ من المؤمنين والمسلمين، أما بعد، فإن هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، ~~وكانا آخر من قدم علي من رسلكم وقد فهمت كل الذي اقتصصتم وذكرتم، ومقالة ~~جلكم: إنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى والحق. ~~وقد بعثت إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي. وأمرته أن يكتب إلي بحالكم ~~وأمركم ورأيكم، فإن كتب إلي أنه قد أجمع رأي ملئكم وذوي الفضل والحجى منكم ~~على مثل ما قدمت علي به رسلكم، وقرأت في كتبكم، أقدم عليكم وشيكا إن شاء ~~الله، فلعمري ما الإمام إلا العامل بالكتاب، والآخذ بالقسط، والدائن بالحق، ~~والحابس نفسه على ذات الله. والسلام. # [ (2) ]في الطبري 5/356 أن يزيد لما بلغه خبر وصول مسلم بن عقيل إلى ~~الكوفة ومبايعة أهلها للحسين، واستضعاف أهلها للنعمان بن بشير استشار ms258 سرجون ~~مولى معاوية فأشار عليه بعبيد الله بن زياد، وكان معاوية قد عهد له ~~بالعراقين (البصرة والكوفة) لكنه مات قبل إنفاذ العهد إليه. PageV02P008 # زياد: إن هانئ بن عروة شاك يقيء الدم. قال: وشرب المغرة[ (1) ]، فجعل ~~يقيئها. قال: فجاء ابن زياد يعوده، وقال لهم هانئ: إذا قلت لكم اسقوني، ~~فاخرج إليه فاضرب عنقه، فقال: اسقوني، فأبطئوا عليه، فقال[ (2) ]: ويحكم ~~اسقوني ولو كان فيه ذهاب نفسي قال: فخرج عبيد الله بن زياد ولم يصنع الآخر ~~شيئا، وكان من أشجع الناس، ولكنه أخذته كبوة[ (3) ]، فقيل لابن زياد: والله ~~إن في البيت رجلا متسلحا. قال: فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه. فقال: إني ~~شاك لا أستطيع النهوض. فقال: ائتوني به وإن كان شاكيا[ (4) ]، قال: فأخرج ~~له دابة، فركب ومعه عصاه وكان أعرج، فجعل يسير قليلا ويقف، ويقول: ما لي ~~أذهب إلى ابن زياد؟فما زال ذلك دأبه حتى دخل عليه. فقال له عبيد الله بن ~~زياد: يا هانئ، أما كانت يد زياد عندك بيضاء؟قال: بلى، قال: ويدي؟قال: # بلى، فقال يا هانئ، قد كانت لكم عندي يد بيضاء، وقد أمنتك على نفسك ~~ومالك، فتناول العصا التي كانت بيد هانئ، فضرب بها وجهه حتى كسرها، ثم قدمه ~~فضرب عنقه[ (5) ]. قال: وأرسل جماعة إلى مسلم بن عقيل[ (6) ]، فخرج عليهم ~~[ (1) ]المغرة: الطين الأحمر يصبغ به. والمغرة: مسحوق أكسيد الحديد، ويوجد ~~في الطبيعة مختلطا بالطفال، وقد يكون أصفر أو أحمر بنيا. # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير: # ما تنظرون بسلمى لا تحيوها # اسقونيها وإن كانت بها نفسي # وفي الأخبار الطوال: # ما تنظرون بسلمى عند فرصتها # فقد وفى ودها واستوسق الصرم # [ (3) ]في المصادر: الطبري وابن الأثير والأخبار الطوال وابن الأعثم على ~~أن القائل هو شريك بن الأعور وقد مرض في بيت هانئ بن عروة وقد اتفق مع ~~مسلم، إن أتاه عبيد الله بن زياد يعوده، أن يخرج مسلم ويقتله لكن هانئ بن ~~عروة قال: لا أحب أن يقتل في داري، وبينما شريك وهانئ يناقشان الأمر إذ دخل ~~عبيد الله... وبعد ما خرج عبيد ms259 الله من المنزل سأل شريك مسلما ما الذي منعك ~~منه إلا الجبن والفشل؟فقال مسلم: منعني منه خصلتان: أما إحداهما فكراهة ~~هانئ أن يقتل في داره، وأما الأخرى فحديث حدثه الناس عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم: إن الإيمان قيد الفتك، ولا يفتك مؤمن. # [ (4) ]في الطبري: أن ابن زياد سأل عن هانئ بن عروة فقيل له إنه شاك ~~فقال: بلغني أنه قد برأ، وهو يجلس على باب داره، فالقوه، فمروه ألا يدع ما ~~عليه في ذلك من الحق، فإني لا أحب أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب. # [ (5) ]انظر في مقابلة عبيد الله لهانئ بن عروة وكيفية مقتله في الطبري ~~5/365-367. # [ (6) ]الخبر في الطبري وابن الأثير وابن الأعثم والأخبار الطوال باختلاف ~~عما هنا وفيه أنه لما بلغ خبر هانئ بن عروة إلى مسلم بن عقيل خرج بأصحابه ~~ومن بايعه-وقد بلغوا حسب رواية PageV02P009 # بسيفه، فما زال يقاتلهم حتى أخرج وأسر، فلما أسر بعث الرجال، فقال: # اسقوني ماء. قال: ومعه رجل من بني أبي معيط[ (1) ]، ورجل من بني سليم ~~يقال له: شهر بن حوشب. فقال له شهر بن حوشب: لا أسقيك إلا من البئر. فقال ~~المعيطي: والله لا نسقيه إلا من الفرات، قال: فأمر غلاما له، فأتاه بإبريق ~~من ماء، وقدح قوارير ومنديل. قال: فسقاه فتمضمض مسلم، فخرج الدم، فما زال ~~يمسح الدم، ولا يسيغ شيئا منه حتى قال: أخروه عني. قال: فلما أصبح دعا به ~~عبيد الله بن زياد وهو قصير، فقدمه لتضرب عنقه، فقال: دعني حتى أوصي، فقال: ~~أوص. فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد[ (2) ]: ما أرى هاهنا من ~~قريش غيرك، فادن مني حتى أكلمك، فدنا منه، فقال له: هل لك أن تكون سيد قريش ~~ما كانت قريش؟إن الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق ~~فارددهم، واكتب إليهم بما أصابني[ (3) ]. قال: فضرب عنقه وألقاه عمرو ~~لعبيد الله وقال: أتدري ما قال؟فقال عبيد الله: اكتم على ابن عمك. فقال ~~عمرو: هو أعظم من ذلك، فقال ابن ms260 زياد: فأي شيء هو؟قال: أخبرني أن الحسين ~~ومن معه قد أقبل. وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة. فقال: أما والله إذ ~~دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك. ### || قتال عمرو بن سعيد[ (2) ]الحسين وقتله # قال: وذكروا أن عبيد الله بن زياد بعث جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد[ (2) ~~]، [ () ]الطبري 18 ألفا-وأقبلوا نحو القصر. تتمة الخبر في المصادر ~~المذكورة إلى أن أخرج مسلم وأسر. # [ (1) ]هو عمارة بن عقبة بن أبي معيط. # [ (2) ]كذا بالأصل، وهو عمر بن سعد بن أبي وقاص. # [ (3) ]في الطبري 5/376 أن مسلم بن عقيل أوصى عمر بن سعد قال له: إن علي ~~بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت الكوفة 700 درهم (في الأخبار الطوال: 1000 ~~درهم) فاقضها عني. # وانظر جثتي فاستوهبها من ابن زياد، فوارها، وابعث إلى حسين من يرده، فإني ~~قد كتبت إليه أعلمه أن الناس معه. # وفي رواية أخرى عند الطبري 5/374 أن مسلم لما أسره محمد بن الأشعث أخبر ~~مقدم الحسين وأن ابن الأشعث بعث إياس بن العثل الطائي من بني مالك بن عمرو ~~بن ثمامة بخبر أسر مسلم وما آل إليه أمره ويدعوه إلى العودة من حيث أتى. ~~(وانظر الأخبار الطوال ص 247) . PageV02P010 # وقد جاء الحسين الخبر[ (1) ]، فهم أن يرجع ومعه خمسة من بني عقيل فقالوا له: # أترجع وقد قتل أخونا، وقد جاءك من الكتب ما نثق به؟ @HAD012 فقال لبعض ~~أصحابه: والله ما لي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. قال: فلقيه الجيش على ~~خيولهم بوادي السباع، فلقوهم وليس معهم ماء. فقالوا: يا بن بنت رسول الله ~~اسقنا. قال: فأخرج لكل فارس صحفة من ماء، فسقاهم بقدر ما يمسك برمقهم. ثم ~~قالوا: سر يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زالوا يرجونه، ~~وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء، @HAD013 فقال الحسين: أي أرض ~~هذه؟قالوا: كربلاء، قال: هذا كرب وبلاء. قال: فنزلوا وبينهم وبين الماء ~~ربوة، فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم وبينه. فقال له شهر بن حوشب: # لا تشربوا منه حتى تشربوا من ms261 الحميم، @HAD015 فقال عباس بن علي: يا أبا ~~عبد الله، نحن على الحق فنقاتل؟قال: نعم. فركب فرسه، وحمل بعض أصحابه على ~~الخيول، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا. ثم بعث عبيد الله ~~بن زياد عمرو[ (2) ]بن سعيد يقاتلهم. @HAD038 قال الحسين: يا عمرو[ (2) ]، ~~اختر مني ثلاث خصال، إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فأخرى، ~~سيرني إلى الترك أقاتلهم حتى أموت، أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، ~~فيحكم في بما يريد [ (3) ]. فأرسل عمرو[ (2) ]إلى ابن زياد بذلك فهم أن ~~يسيره إلى يزيد. فقال له شهر[ (4) ]بن حوشب: قد أمكنك الله من عدوك وتسيره ~~إلى يزيد، والله لئن سار إلى يزيد لا رأى مكروها، وليكونن من يزيد بالمكان ~~الذي لا تناله أنت منه، ولا غيرك من أهل الأرض، لا تسيره ولا تبلعه ريقه ~~حتى ينزل على حكمك. قال: # فأرسل إليه يقول: لا، إلا أن تنزل على حكمي. @HAD018 فقال الحسين: أنزل ~~على حكم ابن زانية؟لا والله لا أفعل، الموت دون ذلك وأحلى. قال: وأبطأ عمرو ~~بن سعيد[ (2) ]عن قتاله. فأرسل عبيد الله بن زياد إلى شهر بن حوشب[ (4) ~~]إن تقدم [ (1) ]تلقاه رجل من بني أسد، بعد رحيله من زرود (الأخبار الطوال 247) . # [ (2) ]كذا بالأصل عمرو بن سعيد خطأ، وهو عمر بن سعد وقد تقدم. # وكان من أمر عمر بن سعد أن عبيد الله بن زياد ولاه الري وثغر دستبى ~~والديلم وكتب له عهدا عليها ثم حدث أمر الحسين، فأمره ابن زياد أن يسير ~~لمقاتلته، فتلكأ عمر وكره محاربة الحسين، فهدده ابن زياد برد عهد ولايته ~~وتغريمه ونهب أمواله وأملاكه فرضخ لأمره، وسار بعسكره أربعة آلاف فارس ~~لمحاربة الحسين (الطبري-الأخبار الطوال) . # [ (3) ]في الطبري: فيرى فيما بيني وبينه رأيه. # [ (4) ]في الطبري: شمر بن ذي الجوشن. PageV02P011 # عمرو يقاتل، وإلا فأقتله، وكن أنت مكانه. قال: وكان مع عمرو بن سعيد[ (1) ~~]من قريش ثلاثون رجلا من أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ثلاث خصال لا تقبلون ms262 واحدة منها؟فتحولوا مع الحسين، ~~فقاتلوا. قال: فرأى رجل من أهل الكوفة عبد الله بن الحسين بن علي على فرس، ~~وكان من أجمل الناس. قال: لأقتلن هذا الفتى، فقيل له: ويحك، ما تصنع بقتله، ~~دعه، قال: فحمل عليه فضربه، فقطع يده، ثم ضربه ضربة أخرى فقتله، ثم قتلوا ~~جميعا. فقتل يومئذ الحسين بن علي، وعباس بن علي، وعثمان بن علي، وأبو بكر ~~بن علي[ (2) ]، وجعفر بن علي، وأمهم أم البنين بنت حرام الكلابية، ~~وإبراهيم بن علي، وأمه أم ولد، وعبد الله بن علي، وخمسة من بني عقيل[ (3) ~~]، وابنان لعبد الله بن جعفر: عون، ومحمد، وثلاثة من بني هاشم، ونساء من ~~نسائهم، وفيهمفاطمة بنت الحسين بن علي، وفيهم محمد بن علي، وابنا جعفر، ~~ومحمد بن الحسين بن علي[ (4) ]. ### || قدوم من أسر من آل علي على يزيد # قال وذكروا @HAD093 أن أبا معشر قال: حدثني محمد بن الحسين بن علي، قال: ~~دخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر غلاما مغللين في الحديد وعلينا قمص. فقال ~~يزيد[ (5) ]: أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق؟وما علمت بخروج أبي عبد الله ~~حين خرج، ولا بقتله حين قتل. قال: فقال علي بن الحسين: @QUR@ ما أصاب من ~~مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على ~~الله يسير. `لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ولا تفرحوا بما آتاكم، والله لا ~~يحب كل مختال فخور [الحديد: 22-23]. قال: فغضب يزيد، وجعل يعبث بلحيته، [ (1) ]هو عمر بن سعد ~~وقد تقدم. # [ (2) ]أبو بكر بن علي أمه ليلى بنت مسعود الدارمية (ابن الأثير-) قال ~~ابن الأثير وقد شك في قتله. # ولم يذكره المسعودي في مروج الذهب. # [ (3) ]وهم: عبد الرحمن بن مسلم بن عقيل، وعبد الله بن مسلم بن عقيل- ~~ومحمد بن أبي سعيد بن عقيل (تاريخ خليفة) وجعفر بن عقيل بن أبي طالب. # [ (4) ]قال خليفة في تاريخه ص 235: أصيب مع الحسين ستة عشر رجلا من أهل ~~بيته. وفي رواية: 17 رجلا. وقال المسعودي في مروج الذهب 3/77: جميع من قتل ~~مع ms263 الحسين سبعة وثمانين. # [ (5) ]انظر ما قاله يزيد لعلي بن الحسين في الطبري 5/461 وابن الأثير 2/578. PageV02P012 # وقال: @QUR@012 وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفوا عن كثير ~~[الشورى: 30]يا أهل الشام ما ترون في هؤلاء؟فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن ~~من كلب سوء جروا. فقال النعمان بن بشير: يا أمير المؤمنين!اصنع بهم ما كان ~~يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه الحال. # فقالت فاطمة بنت الحسين[ (1) ]: يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال: فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض، وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم. ~~ثم قال: خلوا عنهم، واذهبوا بهم إلى الحمام، واغسلوهم، واضربوا عليهم ~~القباب، ففعلوا، وأمال عليهم المطبخ وكساهم، وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من ~~الأموال والكسوة ثم قال: لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه[ (2) ]نسب ما ~~قتلهم، ارجعوا إلى المدينة. قال: فبعث بهم من صار بهم إلى المدينة. ### || إخراج بني أمية عن المدينة، وذكر قتال أهل الحرة # قال: وذكروا في قصة إخراج بني أمية عن المدينة، قالوا: بعث عثمان بن محمد ~~أمير المدينة إلى يزيد بقميصه مشقوقا وكتب إليه: وا غوثاه!إن أهل المدينة ~~أخرجوا قومنا من المدينة[ (3) ]. # قال أبو معشر: فخرج يزيد بعد العتمة، ومعه شمعتان شمعة عن يمينه، وشمعة ~~عن يساره، وعليه معصفرتان، وقد نقش جبهته كأنها ترس، فصعد المنبر، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، يا أهل الشام، فإنه كتب إلي عثمان بن ~~محمد أن أهل المدينة أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لأن تقع الخضراء على ~~الغبراء أحب إلي من هذا الخبر. قال: وكان معاوية أوصى يزيد فقال له: إن ~~رابك من قومك ريب، أو تنقص عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرة، فاستشره، ~~يعني مسلم بن عقبة، فلما كانت تلك الليلة قال يزيد: أين مسلم ابن عقبة؟فقام ~~فقال: ها أنا ذا. قال: عبئ ثلاثين ألفا من الخيل. قال: # وكان معقل بن سنان الأشجعي نازلا على مسلم بن عقبة. فقال له مسلم بن ~~عقبة: ms264 إن [ (1) ]في الطبري وابن الأثير: فاطمة بنت علي. # [ (2) ]يريد عبيد الله بن زياد. وفي الطبري: قبح الله ابن مرجانة، لو ~~كانت بينه وبينكم رحم أو قرابة ما فعل هذا بكم، ولا بعث بكم هكذا. # [ (3) ]مر في الجزء الأول (ص 231 حاشية رقم 1) أن مروان بن الحكم هو الذي ~~أرسل الكتاب إلى يزيد، راجع نص الكتاب هناك. PageV02P013 # أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا. فقال له: ~~استعفه. # قال: لا. قال: فاركب فيلا أو فيلة، وتكون أبا يكسوم[ (1) ]، فمرض مسلم ~~قبل خروجه من الشام، فأدنف فدخل عليه يزيد بن معاوية يعوده، قال له: قد كنت ~~وجهتك لهذا البعث، وكان أمير المؤمنين معاوية قد أوصاني بك، وأراك مدنفا ~~ليس فيك سفر. فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك الله، أن لا تحرمني أجرا ساقه ~~الله إلي، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس. قال: فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ~~ولا دابة، فوضع على سرير، وحمله الرجال على أعناقهم، حتى جاءوا مكانا يقال ~~له البتراء، فأرادوا النزول به. فقال لهم: ما اسم هذا المكان؟فقيل له ~~البتراء. فقال: لا تنزلوا به، ثم سار حتى حاجزة، فنزل به، فأرسل إلى أهل ~~المدينة: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام، ويقول لكم: أنتم الأصل ~~والعشيرة والأهل، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا، فإن لكم عندي في عهد الله ~~وميثاقه عطاءين في كل سنة، عطاء في الصيف، وعطاء في الشتاء، ولكم عندي عهد ~~الله وميثاقه، أن أجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا، والحنطة يومئذ ~~سبعة آصع بدرهم، وأما العطاء الذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد، فعلي أن أخرجه ~~لكم، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم، فاشترى بهم عبيدا لنفسه. فقالوا ~~لمسلم: نخلعه كما نخلع عمائمنا، يعنون يزيد، وكما نخلع نعالنا. قال: ~~فقاتلهم، فهزم الناس أهل المدينة. # قال أبو معشر: حدثنا محمد بن عمرو بن حزم، قال: قتل بضعة وسبعون رجلا من ~~قريش، وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار، وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف[ ~~(2) ]، وقتل ابنان ms265 لعبد الله بن جعفر، وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ~~ثابت لصلبه[ (3) ]. فقال مسلم بن عقبة لأهل الشام: كفوا أيديكم، فخرج محمد ~~بن سعد بن أبي وقاص، يريد القتال، فقاتلهم بعد الكف. فقال مسلم بن [ (1) ~~]أبو يكسوم، كنية أبرهة الحبشي الذي قدم مكة على الفيل لهدم البيت فأرسل ~~الله عليه وعلى جيشه طيرا من البحر أمثال الخطاطيف يحمل كل منها ثلاثة ~~أحجار، فكانت لا تصيب أحدا منهم إلا أهلكته فانهزموا أي هزيمة (انظر سيرة ~~ابن هشام 1/54-55) . # [ (2) ]تقدمت الإشارة إلى عدة من قتل يوم الحرة في الجزء الأول. # [ (3) ]وهم: سعيد وسليمان وزيد ويحيى وعبيد الله بنو زيد بن ثابت (تاريخ ~~خليفة بن خياط ص 247) . PageV02P014 # عقبة: انهبها ثلاثا. قال: فقتل الناس، وفضحت النساء[ (1) ]، ونهبت ~~الأموال. فلما فرغ مسلم بن عقبة من القتال، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني ~~عامر بدومة، فدعا أهل المدينة من بقي منهم للبيعة. قال: فجاء عمرو بن عثمان ~~بن عفان بيزيد بن عبد الله بن زمعة، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وكان عمرو قال لأم سلمة: أرسلي معي ابن بنتك، فجاء به إلى مسلم، فلما ~~تقدم يزيد قال له مسلم: تبايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول ~~له، مما أفاء الله عليه بأسياف المسلمين، إن شاء وهب، وإن شاء أعتق، وإن ~~شاء استرق، فقال يزيد: لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك. قال: والله لا ~~تستقبلها أبدا. فقال عمرو بن عثمان: أنشدك الله، فإني أخذته من أم سلمة، ~~بعهده وميثاقه، أن أرده إليها. قال: فركضه برجله، فرماه من فوق السرير، ~~فقتل يزيد بن عبد الله، ثم أتي محمد بن أبي جهم[بن حذيفة العدوي][ (2) ~~]مغلولا. فقال له مسلم: أنت القائل، اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية لا ~~تروا شرا أبدا. # قال: قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير أمر، فأرسل يدي، وقد برئت مني الذمة، ~~إنما نزلت بعهد الله وميثاقه. قال: لا، والله حتى أقدمك إلى النار. قال: ~~فضرب عنقه. ms266 ثم جاء معقل بن سنان الأشجعي، وكان جالسا في بيته، فأتاه مائة ~~رجل من قومه، فقالوا له: اذهب بنا إلى الأمير حتى نبايعه. فقال لهم: إني قد ~~قلت له قولا، وأنا أتخوف، فقالوا: لا، والله لا يصل إليك أبدا، فلما بلغوا ~~الباب أدخلوا معقلا، وحبسوا الآخرين، وأغلقوا الباب، فلما نظر إليه مسلم بن ~~عقبة قال: إني أرى شيخا قد تعب وعطش، اسقوه من البلح[ (3) ]الذي زودني به ~~أمير المؤمنين، قال: فخاضوا له بلحا بعسل فشربه. قال له: أشربت؟قال: نعم، ~~قال: والله لا تبولها من مثانتك أبدا، أنت القائل: اركب فيلا أو فيلة وتكون ~~أبا يكسوم[ (4) ]. # فقال معقل: أما والله لقد تخوفت ذلك منك، وإنما غلبتني عشيرتي. قال: # فجعل يفري جبة كانت عليه، وقال: أكره أن يلبسوها، فضرب عنقه. # [ (1) ]قال ياقوت في معجم البلدان (حرة) : واستباحوا الفروج، وحملت منهم ~~ثمانمائة حرة وولدن، وكان يقال لأولئك الأولاد أولاد الحرة. # [ (2) ]زيادة عن الطبري. # [ (3) ]في الطبري: العسل. وفي فتوح ابن الأعثم: سويق الكوز. # [ (4) ]خبر مقتل معقل بن سنان في الطبري 5/492 والأخبار الطوال ص 266 ~~وابن الأعثم 5/297 وابن الأثير 2/598 باختلاف. PageV02P015 # ثم سار إلى مكة، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف[ (1) ]، فدعا الحصين بن ~~نمير. فقال له: يا بن برذعة الحمار، والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك، ~~ولو لا أن أمير المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أتسمع؟قال: نعم، ~~قال: لا تكونن إلا على الوقاف، ثم الثقاف، ثم الانصراف[ (2) ]، ولا تمكن ~~قريشا من أذنك. ثم مات مسلم بن عقبة، فدفن بقفا المشلل، وكانت أم ولد ليزيد ~~بن عبد الله بن زمعة بأستار، فخرجت إليه فنبشته من قبره، ثم أحرقت عليه ~~بالنار، وأخذت أكفانه فشقتها، وعلقتها بالشجرة، فكل من مر عليه يرميه ~~بالحجارة، وسار الحصين حتى جاء مكة، فدعاهم إلى الطاعة، وعبد الله بن ~~الزبير يومئذ بمكة، فلم يجبه، فقاتله، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان ~~من إخوته، ومصعب بن عبد الرحمن، والمسور بن مخرمة[ (3) ]. ### || حرب ابن الزبير رضي الله عنهما # قال: ms267 وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من قتال أهل المدينة يوم الحرة، مضى ~~إلى مكة المشرفة، يريد ابن الزبير، حتى إذا كان بقديد، حضرته الوفاة، فدعا ~~الحصين بن نمير. فقال له: إن أمير المؤمنين عصاني فيك، فأبى إلا استخلافك ~~بعدي، فلا ترسلن بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك، إنما هو الوقاف، ثم ~~الثقاف، ثم الانصراف. وهلك مسلم بن عقبة، فدفن بالثنية. # قال: وسمع بهم عبد الله بن الزبير، فأحكم مراصد مكة، فجعل عليها ~~المقاتلة، وجاءه جند أهل المدينة، وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة، وأرسل ~~خيلا فأخذت أسفلها، ونصب عليها العرادات والمجانيق، وفرض على أصحابه عشرة ~~آلاف صخرة، في كل يوم يرمونها بها. فقال الناس: انظروه لئلا يصيبه ما أصاب ~~أصحاب الفيل. قال عبد الله بن عمرو بن العاص، وكان بمكة معتمرا، قدم من ~~الطائف: لا تظن ذلك، لو كان كافرا بها لعوقب دونها، فأما إذا كان مؤمنا بها ~~فسيبتلى فيها، فكان كما قال، وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم، سنة أربع ~~وستين، فحاصروهم بقية المحرم، وصفر، وشهري ربيع، يغدون على [ (1) ]أدنف: أي ~~اشتد مرضه وأشفى على الموت (معجم وسيط) . # [ (2) ]مر الشرح سابقا. وفي الكامل لابن الأثير 2/601: خذ عني أربعا: ~~أسرع السير، وعجل المناجزة، وعم الأخبار، ولا تمكن قرشيا من أذنك، وانظر ~~الطبري 7/14 طبعة بولاق. # [ (3) ]: هذا هو الحصر الأول من عسكر الشام لابن الزبير. PageV02P016 # القتال ويروحون، حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية[ (1) ]، فأرسل الحصين بن ~~نمير إلى ابن الزبير، أن ائذن لنا نطوف بالبيت، وننصرف عنكم، فقد مات ~~صاحبنا. # فقال ابن الزبير: وهل تركتم من البيت إلا مدرة؟وكانت المجانيق قد أصابت ~~ناحية من البيت الشريف فهدمته، مع الحريق الذي أصابه[ (2) ]، قال: فمنعهم ~~أن يطوفوا بالبيت. فارتحل الحصين، حتى إذا كان بعسفان تفرقوا، وتبعهم الناس ~~يأخذونهم، حتى إن كانت الراعية في غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا، فيبعث ~~بهم إلى المدينة، وأصاب منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا، فحبسوا ~~بالمدينة، حتى قدم مصعب بن الزبير ms268 عليهم من عند عبد الله بن الزبير، ~~فأخرجهم إلى الحرة، فضرب أعناقهم، وكانوا أربع مائة وأكثر، قال: وانصرف ذلك ~~الجيش إلى الشام مفلولا، وبايع أهل المدينة لابن الزبير بالخلافة، وكان ابن ~~عباس بمكة يومئذ، فخرج إلى الطائف، فهلك بها سنة سبعين[ (3) ]، وهو يومئذ ~~ابن أربعة وسبعين سنة رضي الله عنه. ### || خلافة معاوية بن يزيد # قال: فلما مات يزيد بن معاوية، استخلف ابنه معاوية بن يزيد، وهو يومئذ ~~ابن ثماني عشرة سنة، فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا يرى، ثم خرج بعد ~~ذلك، قال: فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إني نظرت ~~بعدكم فيما صار إلي من أمركم، وقلدته من ولايتكم، فوجدت ذلك لا يسعني فيما ~~بيني وبين ربي، أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني، وأحقهم بذلك، وأقوى ~~على ما قلدته، فاختاروا مني إحدى خصلتين: إما أن أخرج منها، وأستخلف عليكم ~~من أراه لكم رضا ومقنعا، ولكم الله علي ألا آلوكم نصحا في الدين والدنيا، ~~وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها[ (4) ]. قال: فأنف الناس [ (1) ]قال ~~الواقدي: قدم مكة لأربع بقين من المحرم، فحاصر ابن الزبير أربعا وستين يوما ~~حتى جاءهم نعي يزيد بن معاوية لهلال ربيع الآخر (الطبري 5/498) . # [ (2) ]انظر في خبر حرق الكعبة ما رواه الطبري 5/498 ومروج الذهب 3/86 ~~وابن الأثير 2/602. # [ (3) ]في البداية والنهاية ذكر وفاته سنة 68 ه. قال الواقدي: سنة 68 عن ~~65 سنة. وذكر خليفة وفاته سنة 68 بالطائف. # [ (4) ]وردت خطبته باختلاف في الطبري 5/530-531 ابن الأثير 2/605 الفخري ~~ص 118 تاريخ ابن العبري ص 111 مروج الذهب 3/88. تاريخ اليعقوبي 2/254. PageV02P017 # من قوله، وأبوا من ذلك[ (1) ]، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم، ~~فقالوا: ننظر في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا. قال: لكم ذلك، ~~وعجلوا علي. # قال: فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى طعن[ (2) ]، فدخلوا عليه، فقالوا ~~له: استخلف على الناس من تراه لهم رضا. فقال لهم[ (3) ]: عند الموت تريدون ~~ذلك؟لا والله لا أتزودها، ما ms269 سعدت بحلاوتها، فكيف أشقى بمرارتها، ثم هلك ~~رحمه الله ولم يستخلف أحدا. فقالوا لعثمان بن عنبسة: تقدم فصل بالناس، ~~فأبى. وقال: # لا. أما أنا فلاحق بخالي عبد الله بن الزبير، فقال له ابن زياد: إن هذا ~~ليس بزمان خالك ولا عمك. فلما دفن معاوية بن يزيد، وسوي عليه التراب، وبنو ~~أمية حول قبره، قال مروان: أما والله يا بني أمية إنه لأبو ليلى، ثم قال: # الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا[ (4) ]. # وماج أمر بني أمية واختلفوا. # [ (1) ]موقف الخليفة معاوية بن يزيد المفاجئ وبعد قليل من توليه مقاليد ~~الخلافة، حيث بقي محجوبا لا يرى حاول بعض المؤرخين تعقبه فقال ابن العبري ~~إنه كان قدريا، حيث قال: لا أحب أن ألقى الله بتبعاتكم فشأنكم وأمركم ولوه ~~من شئتم وتخلى للعبادة حتى مات. ورأى الفخري: أنه كان صبيا ضعيفا وقد عرف ~~بأبي ليلى لضعفه كما قال المسعودي في مروجه: # هذه الكنية للمستضعف من العرب. # ونرى أن اعتكافه وعزلته في منزلته، واحتجابه عن الناس يعود لأسباب كثيرة ~~أقلها ثلاثة: # 1-عدم اقتناعه-من حيث المبدإ-بأحقيته بالولاية (العبري) . # 2-اشتداد الصراع بين أطراف القيادة الأموية، بين القيسية (الضحاك) ~~واليمنية. # 3-ظهور عبد الله بن الزبير الرجل القوي، بعد موت يزيد، ودعوته الناس ~~لمبايعته وادعائه الخلافة وظفره بالحجاز والعراق وخراسان ومصر واليمن ~~والشام إلا الأردن. # [ (2) ]لم يرد في الطبري ولا في ابن الأثير ولا عند المسعودي أنه كان ~~مريضا قال المسعودي في مروج الذهب: وقد تنوزع في سبب وفاته فمنهم من رأى ~~أنه سقي شربة ومنهم من رأى أنه مات حتف أنفه ومنهم من رأى أنه طعن 3/89. # وفيه أن أيامه كانت أربعين يوما وقيل شهرين (وانظر البداية والنهاية ~~8/260. وابن الأثير 2/605) . # [ (3) ]قارن مع ما ذكره المسعودي في المروج 3/88. # [ (4) ]البيت لأرثم الفزاري وتمامه: # إني أرى فتنة تغلي مراجلها # والملك بعد أبي ليلى لمن غلبا # (البداية والنهاية 8/261 مروج الذهب 3/88، المعارف ص 154) . PageV02P018 ### || غلبة ابن الزبير رضي الله عنهما وظهوره # قال: وذكروا أن أبا معشر قال: حدثنا بعض المشيخة ms270 الذين حضروا قتال ابن ~~الزبير، قال: لما نزل الحصين بمكة، وغلب عليها كلها إلا المسجد الحرام، ~~قال: فإني لجالس مع ابن الزبير، ومعه من القرشيين عبد الله بن مطيع، ~~والمختار بن أبي عبيد، والمسور بن مخرمة، والمنذر بن الزبير، ومصعب بن عبد ~~الرحمن بن عوف في نفر من قريش. قال: فقال المختار بن عبيد: وهبت رويحة: ~~والله إني لأجد النصر في هذه الرويحة، فاحملوا عليهم، قال: فحملوا عليهم ~~حتى أخرجوهم من مكة، وقتل المختار رجلا، وقتل ابن مطيع رجلا. # قال: فجاءه رجل من أهل الشام، في طرف سنان رمحه نار. قال: وكان بين موت ~~يزيد بن معاوية وبين حريق الكعبة إحدى عشرة ليلة[ (1) ]ثم التحمت الحرب عند ~~باب بني شيبة، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان من إخوته، ومصعب بن عبد ~~الرحمن بن عوف والمسور بن مخرمة، وكان الحصين قد نصب المجانيق على جبل أبي ~~قبيس، وعلى قعيقعان، فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت، وأسند ابن الزبير ~~ألواحا من الساج إلى البيت، وألقى عليها القطائف والفرش، فكان إذا وقع ~~عليها الحجر، نبا عن البيت، فكانوا يطوفون تحت تلك الألواح، فإذا سمعوا صوت ~~الحجر حين يقع على الفرش والقطائف كبروا، وكان طول الكعبة في السماء ثمانية ~~عشر ذراعا، وكان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا في ناحية من المسجد، فكلما جرح ~~أحد من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط. ### || حريق الكعبة # قال: فجاء رجل في طرف سنان رمحه نار، فأشعلها في الفسطاط، فوقعت النار ~~على الكعبة، فاحترق الخشب، وانصدع الركن، واحترقت الأستار، وتساقطت إلى ~~الأرض[ (2) ]. قال: ثم قاتل أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة، واحترقت في ~~ربيع الأول سنة أربع وستين. قال: فلما احترقت جلس أهل مكة [ (1) ]مات يزيد ~~بن معاوية لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول وكان حريق الكعبة يوم السبت ~~لثلاث ليال خلون من شهر ربيع الأول. (انظر الطبري 5/498 ومروج الذهب 3/87) . # [ (2) ]وقيل في احتراقها غير ذلك. قارن مع الطبري 5/498 مروج الذهب 3/86 ~~تاريخ خليفة ص 255 البداية ms271 والنهاية 8/247. PageV02P019 # في ناحية الحجر، ومعهم ابن الزبير، وأهل الشام يرمونهم بالنبل. قال: ~~فوقعت بين يديه نبلة. قال: في هذه خبر، فأخذوهافوجدوا بها مكتوبا: مات يزيد ~~بن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. فلما قرأ ذلك ابن ~~الزبير قال: يا أهل الشام، يا محرقي بيت الله، يا مستحلي حرم الله، علام ~~تقاتلون؟وقد مات طاغيتكم يزيد بن معاوية، فأتاه الحصين بن نمير فقال له: # موعدك البطحاء الليلة يا أبا بكر. فلما كان الليل خرج ابن الزبير ~~بأصحابه، وخرج الحصين بأصحابه إلى البطحاء، فتنحى كل واحد منهما من أصحابه ~~وانفردا، فقال الحصين: يا أبا بكر، قد علمت أني سيد أهل الشام، لا أدافع عن ~~ذلك، وأن أعنة خيلهم بيدي، وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك، فأبايعك الساعة، ~~على أن تهدر كل شيء أصبناه يوم الحرة، وتخرج معي إلى الشام، فإني لا أحب ~~أن يكون الملك في الحجاز. قال: لا والله لا أفعل لا أؤمن من أخاف الناس، ~~وأحرق بيت الله، وانتهك حرمته. فقال الحصين: بلى، فافعل، فعلي ألا يختلف ~~عليك اثنان. فأبى ابن الزبير. فقال له الحصين: لعنك الله، ولعن من زعم أنك ~~سيد، والله لا تفلح أبدا، اركبوا يا أهل الشام. فركبوا وانصرفوا قال: # فحدثني من شهد انصرافهم، قال: والله إن كانت الوليدة لتخرج فتأخذ الفارس ~~ما يمتنع. قال أبو معشر: وذلك أن المنهزم لا فؤاد له. قال: فبايع أهل الشام ~~كلهم ابن الزبير، إلا أهل الأردن[ (1) ]، وبايع أهل مصر ابن الزبير، وغلب ~~على أهل العراق والحجاز واليمن، وغلظ أمره، وعظم شأنه، واستخلف ابن الزبير ~~الضحاك بن قيس على أهل الشام. ### || اختلاف أهل الشام على ابن الزبير # قال: وذكروا أن ابن الزبير لما استخلف الضحاك على أهل الشام، قام أناس من ~~أهل الشام من رءوس قريش بني أمية وأشرافهم وفيهم روح بن زنباع الجذامي، ~~فقال بعضهم: إن الملك كان فينا أهل الشام، أفينتقل ذلك إلى أهل الحجاز؟لا ~~نرضى بذلك[ (2) ]، هل لكم أن تأخذوا رجلا منا فينظر في ms272 هذا الأمر؟ [ (1) ~~]وكان على الأردن حسان بن مالك بن بحدل، وقد أبى أن يبايع لابن الزبير ~~وأرادها لخالد بن يزيد بن معاوية. # [ (2) ]كان موت يزيد بن معاوية وارتباك الأسرة الأموية في معالجة النتائج ~~السلبية التي انعكست PageV02P020 # قالوا: نعم. فجاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام حدث السن، فقيل ~~له: ارفع رأسك لهذا الأمر، فقال: أستخير الله وانظر، فرأى القوم أنه ذو ورع ~~عن القيام في ذلك، فخرجوا فأتوا عمرو بن سعيد، فقالوا له: يا أبا أمية، ~~ارفع رأسك لهذا الأمر، فجعل يشير ويقول: والله لأفعلن لأفعلن، فلما خرجوا ~~من عنده قالوا: هذا حديث علج. فأتوا مروان بن الحكم، فإذا عنده مصباح، وإذا ~~هم يسمعون صوته بالقرآن، فاستأذنوا ودخلوا عليه، فقالوا له: يا أبا عبد ~~الملك، ارفع رأسك لهذا الأمر، فقال: استخيروا الله واسألوه أن يختار لأمة ~~محمد خيرها وأعدلها ما شاء الله. ### || بيعة أهل الشام مروان بن الحكم # قال: وذكروا أن روح بن زنباع قال لمروان بن الحكم: إن معي أربع مائة [ () ~~]عليها، عاملا دعم موقف وسياسة ابن الزبير الذي خرج منتصرا من هزيمة عسكرية ~~محققة وامتد نفوذه وانتشر. # وجاء الاختفاء الغامض لمعاوية بن يزيد ليزيد أزمة الأسرة الأموية خطورة ~~ويفتح الصراعات بين الأجنحة الممثلة للسلطة الأموية على مختلف الاتجاهات ~~ويضع الجميع على مفترق مصيري، حيث الفراغ في السلطة المركزية يقابله تمدد ~~لنفوذ وسلطة ابن الزبير. # فبرز اتجاهان تجاذبا الصراع على النفوذ بعد ما تمزقت الجبهة الأموية ~~نتيجة الصراعات القديمة الجديدة بين الأجنحة القبلية التي كانت تقوم عليها ~~السلطة المركزية الأموية السفيانية، وتجلى هذا الصراع بين أجنحة ثلاثة كل ~~منها يعمل لإيصال مرشحه للخلافة: # -جناح خالد بن يزيد بن معاوية ممثل الشرعية السفيانية. # -جناح مروان بن الحكم، شيخ بني العاص، والذي طرح مرشحه كمرشح تسوية أو إجماع. # -جناح عمرو بن سعيد الأشدق وكان الأضعف في مواجهة التيارين الآخرين. # كان هذا الصراع بين أجنحة الاتجاه اليمني-الكلبي. # وأما الاتجاه القيسي وبعد أن رأى تماسك الاتجاه الأول وحرصه على المحافظة ~~على ms273 المعادلة التقليدية في الشام، تطلع إلى ابن الزبير وتحالف معه. # وفي الاجتماع اليمني الذي عقد في الجابية جرت التسوية بين أجنحة هذا ~~الاتجاه الثلاثة فطرح مروان كمرشح تسوية على أن يكون خالد بن يزيد وليا ~~للعهد فضلا عن تعيينه أميرا على حمص، وأعطيت للقطب الثالث عمرو بن سعيد ~~ولاية عهد خالد وإمارة دمشق (انظر تفاصيل وافية أوردها د. إبراهيم بيضون في ~~كتابه تكون الاتجاهات السياسية في الإسلام الأول ص 211 وما بعدها، ومروج ~~الذهب 3/103) . واشترط حسان بن بحدل-وكان رئيس قحطان وسيدها بالشام-ما كان ~~لهم من الشروط على معاوية وابنه يزيد وابنه معاوية منها: أن يفرض لهم لألفي ~~رجل ألفين ألفين، وإن مات قام ابنه أو ابن عمه مكانه وعلى أن يكون لهم ~~الأمر والنهي، وصدر المجلس، وكل ما كان من حل وعقد فعن رأي منهم ومشورة. ~~فأجابه مروان إلى ما سأل. (مروج الذهب 3/104) . PageV02P021 # رجل من جذام، وسآمرهم أن يبتدروا في المسجد غدا، فمر ابنك عبد العزيز أن ~~يخطب، ويدعوهم إليك، وأنا آمرهم أن يقولوا صدقت، فيظن الناس أن أمرهم واحد، ~~قال: فلما أصبح عبد العزيز خرج على الناس وهم مجتمعون، فقام: # فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما أحد أولى بهذا الأمر من مروان بن ~~الحكم، إنه لكبير قريش وشيخها، وأفرطها عقلا وكمالا، ودينا وفضلا، والذي ~~نفسي بيده، لقد شاب شعر ذراعيه من الكبر. فقال الجذاميون: صدقت. فقال خالد ~~بن يزيد: أمر قضي بليل. فبايعوا مروان بن الحكم. فقال عمرو بن سعيد للضحاك ~~بن قيس: أرضيت أن تكون بريدا لابن الزبير، وأنت أكبر قريش وسيدها، تعالى ~~نبايعك، فخرج به إلى مرج راهط، فلما دعاه إلى البيعة اقتتلوا، فقتل الضحاك ~~بن قيس، فقال عمرو بن سعيد لأهل الشام، ما صارت أيديكم إلا مناديل، من ~~جاءكم مسح يده بها، إن مروان سيد قريش، وأكبرهم سنا، فبايعوا مروان بن ~~الحكم، وقتل الضحاك بن قيس، وهزم أصحابه، وكانت قيس مع الضحاك، وكان اليمن ~~مع عمرو بن سعيد[ (1) ]، فمكث مروان ما شاء الله ms274 أن يمكث، ثم قال له ~~أصحابه: والله ما نتخوف إلا خالد بن يزيد بن معاوية، وإنك إن تزوجت أمه ~~كسرته، وأمه ابنة[ (2) ]هاشم بن عتبة بن ربيعة، فخطبها مروان بن الحكم، ~~فتزوجها، وأقام بالشام، ثم أراد أن يخرج إلى مصر. فقال لخالد: # أعرني سلاحا إن كان عندك. قال: فأعاره سلاحا، وخرج إلى مصر، فقاتل أهل ~~مصر، وسبى ناسا كثيرا، فافتدوا منه، ثم قدم الشام. # [ (1) ]أشرنا إلى أن الصراع قد فتح على مصراعيه بين الأجنحة القبلية ~~الداعمة للأمويين وحدث من ذلك تحرك العصبية فكانت مرج راهط بين العصبيتين ~~القيسية الممثلة بالتحالف بين الضحاك والزبير والقبائل المنضوية تحت لواء ~~الضحاك، واليمنية التي تمثلت في الأجنحة المتحالفة بزعامة مروان بن الحكم. ~~وكان أبرز نتائج هذه المعركة: # -انهزام الخط الزبيري الذي أخفق في الاستقطاب القبلي. # -استمرارية النظام الأموي، عبر مرحلة انتقالية تمثلها خلافة مروان على أن ~~تعود الخلافة للبيت السفياني ممثلا بخالد بن يزيد (حسب الاتفاق الذي جرى ~~بين أجنحة النظام الأموي- انظر ما لاحظناه قريبا) . # لكن مروان عمد إلى خرق هذا الاتفاق، من خلال تزوجه بأم خالد بن يزيد ليحط ~~من قدره ويضعفه ثم مبادرته بعد ذلك إلى تعيين ولديه لولاية العهد مطوقا أية ~~محاولة في المستقبل لانتزاع السلطة من بيت بني العاص أو بني مروان. # [ (2) ]هي فاختة بنت أبي هاشم بن عتبة (ابن الأثير-مروج الذهب) . PageV02P022 ### || موت مروان بن الحكم # قال: وذكروا أن مروان بن الحكم لما قدم الشام من مصر، قال له خالد بن ~~يزيد بن معاوية: اردد إلي سلاحي، فأبى عليه مروان، فألح عليه، وكان مروان ~~فاحشا سبابا، وقال له يا بن الربوخ[ (1) ]، يا أهل الشام، إن أم هذا ربوخ، ~~يا ابن الرطبة، قال: فجاء ابنها إليها قال: هذا ما صنعت بي، سبني مروان على ~~رءوس أهل الشام وقال: هذا ابن الربوخ. قال: وكان مروان استخلف حين خرج إلى ~~مصر ابنه عبد الملك وعبد العزيز أنهما يكونان بعده، وبايع لهما أهل الشام، ~~فلبث مروان بعد ذلك ليالي، بعد ما قال لخالد بن ms275 يزيد ما قال، ثم جاء إلى أم ~~خالد فرقد عندها، فأمرت جواريها فطوين عليه الشوادك[ (2) ]، ثم غطته حتى ~~قتلته[ (3) ]، ثم خرجن يصحن ويشققن جيوبهن، يا أمير المؤمنين. قال: فقام ~~عبد الملك، فبايع لنفسه، ووعد عمرو بن سعيد أن يستخلفه، فبايعه وأقاموا ~~بالشام. ### || بيعة عبد الملك بن مروان وولايته # قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان بايع لنفسه بالشام، ووعد الناس خيرا، ~~ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة، وإقامة العدل والحق، وكان معروفا بالصدق، ~~مشهورا بالفضل والعلم، لا يختلف في دينه، ولا ينازع في ورعه، فقبلوا ذلك ~~منه، ولم يختلف عليه من قريش أحد، ولا من أهل الشام. فلما تمت بيعته خالفه ~~عمرو بن سعيد الأشدق[ (4) ]، فوعده عبد الملك أن يستخلفه بعده، فبايعه على ~~ذلك، وشرط عليه أن لا يقطع شيئا دونه، ولا ينفذ أمرا إلا [ (1) ]الربوخ: ~~المرأة يغشى عليها عند الجماع. # [ (2) ]الشوادك جمع شودكان وهو الشبكة وأداة السلاح. # [ (3) ]وقيل في قتله غير ذلك: في الأخبار الطوال ص 285: سقته السم، فلما ~~أحس بالموت جمع بني أمية وأشراف أهل الشام فبايع لابنه عبد الملك. وفي ابن ~~الأثير 2/647 غطته بوسادة حتى قتلته. # وفي مروج الذهب 3/107 وضعت على نفسه وسادة وقعدت فوقها مع جواريها حتى ~~مات، وقيل: أعدت له لبنا مسموما، وانظر تاريخ اليعقوبي 2/257 والبداية ~~والنهاية 8/282. # [ (4) ]قال الطبري إن خلاف عمرو بن سعيد على عبد الملك كان سنة 68 وقيل ~~في رواية أخرى عنده في سنة 70. وانظر خبر خلافه على عبد الملك في الأخبار ~~الطوال ص 286 وشروط الصلح بينهما، وانظر تاريخ اليعقوبي 2/270. PageV02P023 # بمحضره، فأعطاه ذلك. ثم إن عبد الملك بعث حبيش بن دلجة القيسي إلى ~~المدينة، في سبعة آلاف رجل، فدخل المدينة، وجلس على المنبر الشريف، فدعا ~~بخبز ولحم، فأكل على المنبر، ثم أتي بماء فتوضأ على المنبر. # قال أبو معشر: فحدثني رجل من أهل المدينة يقال له أبو سلمة، قال: # شهدت حبيش بن دلجة يومئذ، وقد أرسل إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، فدعاه ~~فقال: تبايع لعبد الملك ms276 أمير المؤمنين بالخلافة، عليك بذلك عهد الله ~~وميثاقه وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، فإن خالفت فأهرق الله ~~دمك على الضلالة. فقال له جابر بن عبد الله: إنك أطوق لذلك مني، ولكني ~~أبايعه على ما بايعت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، على ~~السمع والطاعة. قال: ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر، فقال له: تبايع لعبد ~~الله عبد الملك أمير المؤمنين على السمع والطاعة؟فقال ابن عمر: إذا اجتمع ~~الناس عليه بايعت له إن شاء الله. ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك نحو الربذة[ ~~(1) ]، وقام في أثره رجلان: أحدهما على أثر الآخر، مع كل واحد منهما جيش، ~~وكل واحد منهما يصعد المنبر ويخطب، ثم خرجوا جميعا إلى الربذة، وذلك في ~~رمضان، سنة خمس وستين، فاجتمعوا بها، وأميرهم ابن دلجة. # وكتب ابن الزبير إلى عباس بن سهل الساعدي بالمدينة: أن سر إلى حبيش ابن ~~دلجة وأصحابه في ناس، فسار حتى لقيهم بالربذة في شهر رمضان، وبعث الحارث بن ~~عبد الله بن أبي ربيعة من البصرة[ (2) ]، مددا إلى عباس بن سهل حنيف بن ~~السجف في تسع مائة رجل، فساروا حتى انتهوا إلى الربذة، فبات أهل البصرة ~~وأهل المدينة يقرءون القرآن، ويصلون ليلتهم حتى أصبحوا، وبات الآخرون في ~~المعازف والخمور، فلما أصبحوا قال لهم حبيش بن دلجة: أهريقوا ماءكم، حتى ~~تشربوا من سويقكم المعتد[ (3) ]فأهرقوا الماء، وغدوا إلى القتال، فقتل ~~حبيش، ومن معه من أهل الشام، وتحصن من أهل الشام، خمس مائة رجل على عمود ~~الربذة، وهو الجبل الذي عليها. قال: وكان يوسف أبو الحجاج مع [ (1) ~~]الربذة: بفتح الراء والباء والذال، موضع قرب المدينة. # [ (2) ]وكان واليا على البصرة لابن الزبير. # [ (3) ]في الطبري: من مقندهم يعني السويق الذي فيه القند. PageV02P024 # ابن دلجة، قال: وأحاط بهم عباس بن سهل، فقال: انزلوا على حكمي، فنزلوا ~~على حكمه، فضرب أعناقهم أجمعين[ (1) ]. ### || غلبة ابن الزبير على العراقيين وبيعتهم # قال: وذكروا أن عباس بن سهل، لما فرغ من قتال أهل الشام، رجع ms277 المدينة ~~فجدد البيعة لابن الزبير، فسارعوا إليها، ولم يتثبطوا، وقدم أهل البصرة على ~~ابن الزبير بمكة فكانوا معه، وكان عبد الله بن الزبير استعمل الحارث بن عبد ~~الله بن أبي ربيعة على البصرة، فلما قدمها قيل له: إن الناس يقطعون الدراهم ~~يجعلونها حتى كأنها أصفار. فقال لهم: هلم بسبعة ثقالا، فأتوه بسبعة ثقال. ~~فقال: هذه بعشرة، فزنوا كيف شئتم. قال: وأتوا بالمكيال الذي يكيلون به، ~~فقال: هذا قريب صالح. ثم قيل له: إن أهل البصرة لا يصلحهم إلا القتل. # فقال: لأن تفسد البصرة أحب إلي من أن يفسد الحرث والنسل. قال: فبعث ابن ~~الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير إلى البصرة عاملا، فاستحقره أهل البصرة[ ~~(2) ]، فبعث مصعب بن الزبير، فقدم عليهم، فقال أهل البصرة: لا يقدم عليكم ~~أحد إلا لقبتموه، وأنا ألقب لكم نفسي، أنا القصاب[ (3) ]. ثم سار إلى ~~المختار فقتله. ### || بيعة أهل الكوفة لابن الزبير وخروج ابن زياد عنها # قال: وذكروا عن بعض المشيخة من أهل العلم بذلك، قالوا: كان ابن زياد أول ~~من ضم إليه الكوفة والبصرة، وكان أبوه زياد كذلك قبله، فلم يزل عبيد الله ~~يتبع الخوارج ويقتلهم، ويأخذ على ذلك الناس بالظن، ويقتلهم بالشبهة، ~~واستعمد إلى عامتهم، وكان بعضهم له على ما يحب. قال: فلما اختلف أمر الناس، ~~ومات يزيد، وامتد سلطان ابن الزبير، وغلظ شأنه وعظم أمره، وخلع أهل البصرة ~~طاعة بني أمية، وبايعوا ابن الزبير، خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد، ~~فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، إن [ (1) ]زيد في ~~الطبري: ورجع فل حبيش إلى الشام. # [ (2) ]لقبه أهل البصرة بقعيقعان (انظر سبب هذه التسمية في معجم البلدان) ~~واستضعفوه ولم يرتضوا به أميرا عليهم، فكتب إلى أبيه يستعفيه من الولاية ~~فعزله وأرسل مكانه مصعب. # [ (3) ]في الطبري: الجزار. PageV02P025 # الذي كنا نقاتل على طاعته قد مات، واختلف أمر الناس، وتشتتت كلمتهم، ~~وانشقت عصاهم، فإن أمرتموني عليكم حببت فيكم، وقاتلت بكم عدوكم، وحكمت ~~بينكم، وأنصفت مظلومكم، وأخذت على يد ظالمكم حتى يجتمع الناس ms278 على خليفة[ ~~(1) ]. فقام[ (2) ]يزيد بن الحارث بن رويم اليشكري وقال: الحمد لله الذي ~~أراحنا من بني أمية وأخزى ابن سمية، لا والله ولا كرامة، فأمر به عبيد ~~الله[ (3) ]فلبب، ثم انطلق به إلى السجن، فقامت بكر بن وائل، فحالت بينه ~~وبين ذلك. ثم خرج الثانية عبيد الله بن زياد إلى المنبر، فخطب الناس، فحصبه ~~الناس ورموه بالحجارة وسبوه، وقام قوم فدنوا منه، فنزل فاجتمع الناس في ~~المسجد. فقالوا: نؤمر رجلا حتى تجتمع الناس على خليفة، فاجتمع رأيهم على أن ~~يؤمروا عمرو[ (4) ]بن سعد بن أبي وقاص وكان الذين قاموا بأمره هذا الحي ~~الذي من كندة، فبينما هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين وينعين الحسين، ~~وأقبلت همدان حتى ملئوا المسجد، فأطافوا بالمنبر متقلدين السيوف، وأجمع رأي ~~أهل البصرة والكوفة على عامر بن مسعود بن أمية بن خلف، فأمروه عليهم حتى ~~يجتمع الناس، وكتبوا إلى عبد الله بن الزبير يبايعونه بالخلافة، فأقره عبد ~~الله بن الزبير عاملا عليهم نحوا من سنة[ (5) ]، واستعمل العمال في ~~الأمصار، [ (1) ]في الطبري وابن الأثير والمسعودي: ذكروا أنه بعد موت يزيد ~~وخطبة ابن زياد في الناس أجمع أهل البصرة على مبايعته وقالوا (رواية ~~المسعودي) : ما نعلم ذلك الرجل غيرك أيها الأمير وأنت أحق من قام على أمرنا ~~حتى يجتمع الناس على خليفة. # [ (2) ]بعد انقياد أهل البصرة لابن زياد أرسل إلى الكوفة إلى عمرو بن ~~حريث يعلمه خبر موت يزيد ويدعوهم إلى البيعة كما صنع أهل البصرة فقام عمرو ~~ورسولا ابن زياد يعلمون الناس بالأمر ويدعوهم إلى ما دخل فيه أهل البصرة ~~فقام (في الكوفة) عندئذ يزيد بن الحارث بن يزيد الشيباني وهو ابن رويم وقال ~~قوله (الطبري 5/524 ابن الأثير 2/607 مروج الذهب 3/101-102) . # [ (3) ]كذا بالأصل ومروج الذهب، وهو «عمر» على الصواب. وهو الذي قاد عسكر ~~ابن زياد وقاتل الحسين بن علي. # [ (4) ]في الطبري: «عمرو» وهو عمرو بن حريث خليفة عبيد الله على الكوفة. # [ (5) ]قال الطبري 5/527 اجتمعوا على عبد الملك بن عبد الله بن عامر ~~شهرا، ms279 ثم جعلوا ببة- عبد الله بن الحارث بن عبد المطلب-شهرين، ثم قدم عليهم ~~عمر بن عبيد الله بن معمر من قبل ابن الزبير فمكث شهرا، ثم قدم الحارث بن ~~عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي وهو القباع. # وذلك على مدينة البصرة. # أما على الكوفة فقد مكث فيهم عامر بن مسعود ثلاثة أشهر ثم قدم عليهم عبد ~~الله بن يزيد الأنصاري الخطمي على الصلاة، وإبراهيم بن محمد بن طلحة بن ~~عبيد الله على الخراج. PageV02P026 # فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة، فاجتمعوا وأخرجوا الريات، فلم يبق ~~أحد إلا خرج، وذلك لسوء آثار عبيد الله بن زياد فيهم، يطلبون قتله. ثم قام ~~ابن أبي ذؤيب فقال: يا هؤلاء من ينصر الله ينصر الكعبة، من يغار على ابن ~~سمية، سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض، ~~واجتنبوا هذه الدعوة، وأقيموا أود هذه البيعة، فإنها بيعة هدى، فإنه من قد ~~علمتهم عبد الله بن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته ~~وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق، أما والله لو أن أبا بكر علم أنه بقي على ~~الأرض من هو خير منه وأولى بهذه البيعة، ما مد يده، ولا نازعته إليها نفسه، ~~أما والله لقد علمتم ما أحد على وجه الأرض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ ~~عبد الله بن عمر، المتبرئ من الدنيا، المعتزل عن الناس الكاره لهذا الأمر، ~~ثم خرجت الخوارج من سجون عبيد الله بن زياد، واجتمعوا على حدة، والقبائل كل ~~قبيلة في المسجد معتزلة على حدة، وعبيد الله بن زياد في القصر، وقد أخذ ~~بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد، وقد أخذت العرب بأفواه السكك والدروب، ~~وكان عبيد الله أول من جفا العرب، وأخذ منهم المحاربة اثني عشر ألفا ليعتز ~~بهم، فو الله ما زادوه إلا ذلا، فلما رأى ذلك عبيد الله بن زياد لم يدر كيف ~~يصنع، وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن غدرهم، فأرسل إلى ~~الحارث ms280 بن قيس الجهمي[ (1) ]من الأزد، فدخل عليه الحارث، فقال: # يا حارث، قد أكرمتم زيادا، وحفظتم منه ما كنتم أهله، وقد استجرت بكم، ~~فأنشدكم الله في. قال الحارث: أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا لما أرى من ~~سوء رأي العامة فيك مع سوء آثارك في الأزد. قال: فتهيأ عبيد الله، فلبس لبس ~~امرأة في خمرتها وعقيصتها، فأردفه الحارث خلفه، فخرج به على الناس فقالوا: ~~يا حارث ما هذه؟قال: تنحوا رحمكم الله، هذه امرأة من أهلي، كانت زائرة لأهل ~~ابن زياد، أتيت أذهب بها. فقال عبيد الله للحارث: أين نحن؟قال: # في بني سليم، فقال: سلمنا الله. قال: ثم سار قليلا، ثم قال: أين نحن؟قال: # في بني ناجية من الأزد، قال: نجونا إن شاء الله[ (2) ]. قال: فأتى به ~~مسعود بن [ (1) ]هو الحارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود ~~بن جهضم بن جذيمة بن مالك بن فهم. # [ (2) ]زيد في الأخبار الطوال ص 282 ثم سارا حتى انتهيا إلى الأزد وانظر ~~الطبري 5/510 وابن الأثير 2/608. PageV02P027 # عمرو وهو يومئذ سيد الأزد، فقال: يا أبا قيس؟قد جئتك بعبيد الله مستجيرا. # قال: ولم جئتني بالعبد؟قال: نشدتك الله، فقد اختارك على غيرك، فلما رآهم ~~عبيد الله يتراضون ويتناشدون، قال: قد بلغني الجهد والجوع، فقال مسعود: يا ~~غلام: ائت البقال، فأتنا من خبزه وتمره. قال: فجاء به الغلام فوضع. قال: # فأكل، وإنما أراد ابن زياد أن يتحرم بطعامه. ثم قال: أدخل فدخل، ومنارات ~~الناس يومئذ من القصب، وكان منزل مسعود يومئذ قاصيا. قال: فكأن عبيد الله ~~خاف. فقال: يا غلام، اصعد إلى السطح بحزمة من قصب، فأشعل أعلاه نارا، ففعل ~~ذلك في جوف الليل، فأقبلت الأزد على الخيل وعلى أرجلها حتى شحنوا السكك ~~وملئوها. فقالوا: ما لسيدنا؟قال: شيء حدث في الدار. قال: فعرف عبيد الله ~~عزته ورفعته، وما هو عليه. قال: هذا والله العز والشرف، فأقام عنده أياما، ~~وعنده امرأتان امرأة من الأزد، وامرأة من عبد قيس، فكانت العبدية تقول: # أخرجوا العبد ms281 وكانت الأزدية تقول: استجار بك على بغضه إياك، وجفوته لك، ~~وتحدث الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو، فاجتمعت القبائل في المسجد ~~والخوارج، وهم في أربعة آلاف، فقال مسعود: ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة ~~معتذرا إليهم من أمر عبيد الله. ثم قال: وكيف آمن عليه وهو في منزلي، ولكني ~~أبلغه مأمنه، ثم أعتذر إليهم. قال: وكان مسعود قد أجار عنده ابن زياد ~~أربعين ليلة. قال: فأقبل مسعود يوما على برذون له، وحوله عدة من الأزد ~~عليهم السيوف، وقد عصب رأسه بسير أحمر، قال الهيثم: فقلت لابن عباس: لم عصب ~~رأسه بسير أحمر؟قال: قد سألت عن ذلك قبلك. فقال شيخ من الأزد، كان ضخم ~~الهامة، وكانت له ضفيرتان، فعصب لذلك بالسير. قال ابن عباس: # فذكرت ذلك لعمرو بن هرم، وكان معنا بواسط. فقال: حدثك من لا يعرف هذا ~~شيء كانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الاعتذار من الذنب، عصب السير ~~ليعلموا أنه معتذر. قال: فأقبل مسعود حتى انتهى إلى باب المسجد، ومعه ~~أصحابه رجالة، بين يديه وخلفه وكان كبيرا فلم يستطع النزول والقبائل في ~~المسجد بأجمعها، فدخل المسجد بدابته، فبصرت به الخوارج، فظنوا أنه عبيد ~~الله، فأقبلوا نحوه متقلدين السيوف، وجال الناس جولة، فضربوه بأسيافهم حتى ~~مات. قتله نفر من بني حنيفة من الخوارج، وجال الناس ونهضوا من مجالسهم، ~~وبلغ ذلك الأزد، فأقبلوا على كل صعب وذلول، وأقبل عباد بن الحصين لينظر إلى ~~عبيد الله فإذا هو بمسعود. فقال: مسعود ورب الكعبة، @QUR@02 إنا لله PageV02P028 # @QUR@04 وإنا إليه راجعون ، أبا قيس قد وفيت، ما كان أغنى أهل مصرك بما ~~صنعت من ذلك، فجعتهم بنفسك. ثم ألقي عليه كساءه، ثم أقبلت الأزد، فكان ~~بينهما وبين مضر ما وقع ذكره في غير هذا الكتاب حتى اصطلحوا، وتراضوا على ~~بيعة ابن الزبير. قال الهيثم: قال ابن عباس: حدثني عوكل اليشكري[ (1) ~~]قال: إنا مع عبيد الله بن زياد في ليلة مظلمة، فإذا نحن بنار من بعد. فقال ~~عبيد الله: يا عوكل كيف الطريق؟قال: اجعل النار على ms282 حاجبك، فقال: بل على ~~حاجبك. قال عوكل: فو الله إنا لنسير بالسمارة[ (2) ]، إذ قال عبيد الله: قد ~~كرهت البعير، فابغوا لي ذا حافر. قال[ (3) ]: فإذا نحن بأعرابي من كلب معه ~~حمار أقمر ضخم. فقلت: # تبيعه بكم؟فقال: بأربع مائة درهم، لا أنقصكم درهما، فأشار إلينا عبيد ~~الله أن خذوه. قال: فجعلنا ننقده الدراهم. قال: لست أدري ما هذه؟ولكن بيني ~~وبينكم هذا المولى، يعني عبيد الله بن زياد، وكان عبيد الله أحمر أقمر، ~~شبيها بالموالي. قال: فأخذناه منه فقال عبد الله: ارحلوا لي عليه، فرحلنا ~~له عليه، فلما قدم ليركب، قال الأعرابي: أنا أقسم بالله إن لكم لشأنا، وما ~~أظن صاحبكم إلا والي العراق، فاستقفاه عبيد الله بالعصا، فضربه بها، فوقع، ~~ثم شدوه وثاقا. # قال: وجعلوا يتجنبون المياه. قال عوكل: ثم إن عبيد الله بينا هو على ~~راحلته، إذ هجعت عينه. فقلت له: أراك نائما. فقال: ما كنت بنائم. فقلت له: ~~ما أعلمني بما كنت تحدث به نفسك قال: وبأي شيء كنت أحدث نفسي؟قال: قلت: # ليتني لم أبن البيضاء[ (4) ]، ولم أستعمل الدهاقين[ (5) ]، وليتني لم ~~أتخذ المحاربة، قال: ما خطر لي هذا على بال، أما قولك: ليتني لم أبن ~~البيضاء، فما كان علي منها إثم، بناها اليزيد من ماله[ (6) ]، وأما ~~استعمال الدهاقين، فقد استعملهم أبي [ (1) ]في الطبري: يساف بن شريح ~~اليشكري، وفي ابن الأثير: مسافر بن شريح اليشكري. # [ (2) ]السمارة: كذا بالأصل تحريف. والصواب: السماوة بادية بين الكوفة ~~والشام (معجم البلدان) . # [ (3) ]في الطبري وابن الأثير: فجعلوا له قطيفة على حمار، فركبه. زيد في ~~الطبري: وإن رجليه لتكادان تخدان في الأرض. # [ (4) ]البيضاء (القصر الأبيض) دار كانت لعبيد الله بن زياد بالبصرة. # [ (5) ]الدهاقين جمع دهقان وهو رئيس التجار. # [ (6) ]في الطبري وابن الأثير: اشتريتها من عبد الله بن عثمان الثقفي ~~وأرسل إلى يزيد بألف ألف فأنفقتها عليها. فإن بقيت فلأهلي، وإن هلكت لم آس ~~عليها مما لم أعنف فيه. PageV02P029 # ومن كان قبله[ (1) ]، وأما المحاربة: فو الله ما اتخذتهم إلا وقاية، ~~لأني كنت أقتل بهم أهل المعصية، فلو ms283 أمرت عشائرهم بهم لم يقتلوهم ولشق ذلك ~~عليهم، فجعلت ذلك بيني وبينهم، من لا آل بينه وبينهم، ولكني كنت أحدث نفسي ~~أني ندمت على تركي أربعة آلاف في السجن من الخوارج، فوددت أني كنت أضرمت ~~البيضاء عليهم، حتى أتي على آخرهم ووددت أني جمعت آل بيتي وموالي، ونابذت ~~أهل المصر على سواء، حتى يموت الأعجل[ (2) ]، ووددت أني قدمت الشام ولم ~~يبايع أهلها بعد[ (3) ]. ### || قتل المختار عمرو[ (4) ]بن سعد # قال: وذكروا أن المختار بن أبي عبيد كتب إلى عبد الله بن الزبير من ~~الكوفة[ (5) ]، وقال لرسوله: إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى عبد الله بن ~~الزبير، فأت المهدي محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، فاقرأ عليه مني السلام، ~~وقل له: # يقول لك أخوك أبو إسحاق: إني أحبك، وأحب أهل بيتك، قال: فأتاه الرسول ~~فقال له ذلك. قال: كذبت، وكذب أبو إسحاق معك، كيف يحبني ويحب أهل بيتي، وهو ~~يجلس عمرو[ (4) ]بن سعد بن أبي وقاص على وسائده[ (6) ]، وقد قتل الحسين بن ~~علي أخي. قال: فلما قدم عليه رسوله أخبره بما قال محمد بن [ (1) ]في الطبري ~~وابن الأثير: وأما استعمال الدهاقين: فإن عبد الرحمن بن أبي بكرة وزاذان ~~فروخ وقعا في عند معاوية فبلغا بخراج العراق مائة ألف ألف فخيرني معاوية ~~بين الضمان والعزل، فكرهت العزل، فكنت إذا استعملت الرجل من العرب فكسر ~~الخراج، فتقدمت إليه أو أغرمت صدور قومه، أو أغرمت عشيرته أضررت بهم، وإن ~~تركته تركت مال الله وأنا أعرف مكانه فوجدت الدهاقين أبصر بالجباية وأوفى ~~بالأمانة وأهون في المطالبة. # [ (2) ]زيد في الطبري: ولقد حرصت على ذلك ولكن بني زياد أتوني فقالوا: ~~إنك إذا قاتلتهم فظهروا عليك لم يبقوا منا أحد. # [ (3) ]الخبر في الطبري 5/522-523 ابن الأثير 2/612 الأخبار الطوال ص 284 ~~ابن الأعثم 5/308 وزيد في المصادر: (رواية الطبري) : فقدم الشام ولم يبرموا ~~أمرا، وقال بعضهم: # قدم الشام وقد أبرموا، فنقض ما أبرموا إلى رأيه. # [ (4) ]كذا بالأصل «عمرو» خطأ، والصواب «عمر» . # [ (5) ]كان المختار قد أقام مع ابن الزبير حتى ms284 هلك يزيد بن معاوية، ~~وانقضى الحصار، وكانت إقامته معه خمسة أشهر وأياما بعد مهلك يزيد. ولما رآه ~~لا يستعمله وثب قاصدا الكوفة، وبعد ما قدمها أخرج منها عامل ابن الزبير عبد ~~الله بن مطيع. # [ (6) ]وكان المختار قد كتب لعمر بن سعد كتابا أمنه فيه. انظر نسخة ~~الكتاب في الطبري 6/60 والفتوح لابن الأعثم 6/122. PageV02P030 # علي. فقال المختار لأبي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين ~~على باب عمرو[ (1) ]بن سعد بن أبي وقاص. قال: ففعل، فلما جئن يبكين الحسين، ~~قال عمرو[ (1) ]لابنه حفص: يا بني ائت الأمير، فقل له: ما شأن النوائح ~~يبكين الحسين على بابي؟قال: فأتاه فقال له ذلك، فقال له: إنه أهل أن يبكى ~~عليه، فقال: أصلحك الله، انههن عن ذلك. قال: نعم. ثم دعا أبا عمرو[ (2) ]، ~~فقال: اذهب إلى عمرو[ (1) ]بن سعد فأتني برأسه، قال: فأتاه، فقال: قم إلي ~~أبا حفص، فقام إليه وهو ملتحف، فجلله بالسيف، ثم جاء برأسه إلى المختار، ~~وحفص جالس عنده على الكرسي، فقال: هل تعرف هذا الرأس؟قال: نعم، رحمة الله ~~عليه، قال: أتحب أن ألحقك به؟قال: وما خير الحياة بعده[ (3) ]. قال: # فضرب رأسه فقتله. # قال: ثم أرسل عبد الله بن الزبير يزيد بن زياد على العراق، فكان بالكوفة ~~حتى مات يزيد، وأحرقت الكعبة، ورجع الحسين هاربا إلى الشام. قال: ثم أرسل ~~عبد الله بن مطيع إلى الكوفة، ثم بعث المختار بن أبي عبيد على الكوفة، وعزل ~~عبد الله بن مطيع، وسيره إلى المدينة، وسار عبيد الله بن زياد بعد ذلك إلى ~~المختار، وجهه عبد الملك بن مروان أميرا على العراق، وندب معه جيشا عظيما ~~من أهل الشام، فأقبل إلى الكوفة يريد المختار، فالتقوا بجازر[ (4) ]، ~~فاقتتلوا، فقتل المختار عبيد الله بن زياد ومن معه، وكان معه الحصين بن ~~نمير، وذو الكلاع[ (5) ]، وغلبة من كان معه ممن شهد وقعة الحرة من رءوسهم. ### || قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد الله # قال: وذكروا أن أبا معشر، قال: لما قتل عبيد الله بن زياد ms285 ومن معه، [ (1) ~~]الصواب (عمر) وقد تقدم. # [ (2) ]في الطبري: أبا عمرة، وكان صاحب شرطته. واسمه كيسان (الأخبار ~~الطوال) . # [ (3) ]في الطبري: ولا خير في العيش بعده. # [ (4) ]في الطبري وابن الأثير: الخازر. وجازر: قرية من نواحي النهروان. ~~من أعمال بغداد قرب المدائن. والخازر: نهر بين اربل والموصل. # قال ياقوت في معجم البلدان: وهو موضع كانت عنده موقعة بين عبيد الله بن ~~زياد وإبراهيم بن مالك الأشتر النخعي في أيام المختار، ويومئذ قتل ابن زياد ~~الفاسق وذلك في سنة 66 للهجرة. # [ (5) ]هو شرحبيل بن ذي الكلاع. PageV02P031 # ارتضى أهل البصرة عبد الله بن الحارث بن نوفل، فأمروه على أنفسهم، ثم أتى ~~عبد الله بن الزبير، وأم عبد الله بن الحارثهند بنت أبي سفيان، وكانت أمه ~~تنبزه وهو صغير بببه، فلقب بببه، ثم بعث عبد الله بن الزبير الحارث بن عبيد ~~الله بن أبي ربيعة عاملا على البصرة، ثم بعث حمزة بن الزبير بعده، ثم بعث ~~مصعب بن الزبير أخاه، وضم إليه العراقين جميعا الكوفة والبصرة، فلما ضم ~~إليه الكوفة، وعزل المختار عنها خلع المختار عبد الله بن الزبير بالكوفة[ ~~(1) ]، ودعا إلى آل الرسول، وأراد أن يعقد البيعة لمحمد بن الحنفية، ويخلع ~~عبد الله بن الزبير. # فكتب عبد الله إلى أخيه مصعب، أن سر إلى المختار بمن معك، ثم لا تبلعه ~~ريقه، ولا تمهله حتى يموت الأعجل منكما، فأتاه مصعب بمن معه فقاتله ثلاثة ~~أيام حتى هزمه وقتله، وبعث مصعب برأس المختار إلى أخيه. وقتل مصعب أصحاب ~~المختار، قتل منهم ثمانية آلاف صبرا[ (2) ]، ثم قدم حاجا في سنة إحدى ~~وسبعين، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير، ومعه رؤساء العراق ووجوههم ~~وأشرافهم. فقال: يا أمير المؤمنين قد جئتك برؤساء أهل العراق وأشرافهم، كل ~~مطاع في قومه، وهم الذين سارعوا إلى بيعتك، وقاموا بإحياء دعوتك، ونابذوا ~~أهل معصيتك، وسعوا في قطع عدوك، فأعطهم من هذا المال، فقال له عبد الله بن ~~الزبير: جئتني بعبيد أهل العراق وتأمرني أن أعطيهم مال الله!لا أفعل، وايم ~~الله لوددت أني أصرفهم ms286 كما تصرف الدنانير بالدراهم: عشرة من هؤلاء برجل من ~~أهل الشام. قال: فقال رجل منهم[ (3) ]: علقناك[ (4) ]وعلقت أهل [ (1) ]لم ~~يرد في رواية الطبري أو ابن الأثير أن ابن الزبير عزل المختار عن الكوفة مع ~~الإشارة إلى أنه قد اشتد عليه ما آل إليه أمر المختار وضاقت عليه الأرض بما ~~رحبت وهو يرى غلبة المختار على البلاد. # ويستفاد من رواية الطبري وابن الأثير أنه هرب ألوف من الكوفيين بعد معركة ~~جبانة السبيع إلى مصعب بن الزبير وسألوه المسير إلى المختار. وثمة رواية ~~أخرى عندهما أن المختار إنما أظهر الخلاف لابن الزبير عند قدوم مصعب البصرة ~~وتخوفه منه. # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير: ستة آلاف رجل. وفي الأخبار الطوال: ستة ~~آلاف: ألفان من العرب، وأربعة آلاف من العجم، وفي مروج الذهب: سبعة آلاف. ~~وفي العقد الفريد: # ثلاثة آلاف. # وكان قتل المختار لأربع عشرة خلت من رمضان سنة 67. # [ (3) ]هو عبيد الله بن ظبيان. وزيد في العقد الفريد: قال: فإن مثلنا ~~ومثلك ومثل أهل الشام كما قال أعشى بكر بن وائل: # علقتها عرضا وعلقت رجلا # غيري وعلق أخرى غيرها الرجل # أي أحببناك نحن وأحببت أنت أهل الشام، وأحب أهل الشام عبد الملك. # [ (4) ]علقناك: أي أحببناك وبايعناك، وعلقت أهل الشام: أي أحببتهم ~~وفضلتهم علينا. PageV02P032 # الشام، ثم انصرفوا عنه وقد يئسوا مما عنده، لا يرجون رفده، ولا يطمعون ~~فيما عنده، فاجتمعوا وأجمعوا رأيهم على خلعه، فكتبوا إلى عبد الملك بن ~~مروان أن أقبل إلينا[ (1) ]. ### || خلع ابن الزبير # قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما أجمع القوم على خلع ابن الزبير، وكتبوا ~~إلى عبد الملك بن مروان، أن سر إلينا، فلما أراد عبد الملك أن يسير إليهم، ~~وخرج من دمشق[ (2) ]، فأغلق عمرو بن سعيد باب دمشق[وخالف عليه]، فقيل ~~لعبد الملك ما تصنع؟أتذهب إلى أهل العراق، وتدع دمشق؟أهل الشام أشد عليك من ~~أهل العراق. فأقام مكانه، فحاصر أهل دمشق أشهرا، حتى صالح عمرو بن سعيد، ~~على أنه الخليفة بعده، ففتح دمشق[ (3) ]، ثم أرسل عبد الملك إلى عمرو، ~~وكان بيت ms287 المال في يد عمرو، أن أخرج للحرس أرزاقهم. فقال عمرو: إن كان لك ~~حرس فإن لنا حرسا، فقال عبد الملك: # أخرج لحرسك أرزاقهم أيضا. ### || قتل عبد الملك عمرو بن سعيد # قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما اصطلح عبد الملك وعمرو بن سعيد على أنه ~~الخليفة بعده أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد نصف النهار[ (4) ]أن ائتني ~~أبا أمية. قال: فخرج ليأتيه، فقالت له امرأته: لا تذهب إليه فإني أتخوفه ~~عليك، وإني لأجد ريح دم مسفوح. قال: فما زالت به حتى ضربها بقائم سيفه، ~~فشجها، فتركته، فأخرج معه أربعة آلاف[ (5) ]رجل من أهل دولته، لا يقدر على ~~[ (1) ]الخبر في روايتين في العقد الفريد 2/98 و4/406 باختلاف. # [ (2) ]في العقد الفريد 4/408 فلما كان من دمشق على ثلاث مراحل. # [ (3) ]تقدمت الإشارة إلى الاتفاق بين عبد الملك وعمرو بن سعيد. وانظر ~~الطبري 6/140 وابن الأثير 3/32 والعقد الفريد 4/408. # [ (4) ]في الطبري وابن الأثير: بعد دخول عبد الملك دمشق بأربعة أيام. وفي ~~العقد الفريد: فلما كان يوم من الأيام. # [ (5) ]في الطبري وابن الأثير: في مائة من مواليه. PageV02P033 # مثلهم، متسلحين، فأحدقوا بخضراء دمشق، وفيها عبد الملك بن مروان. فقالوا ~~لعمرو: إن دخلت على عبد الملك يا أبا أمية ورابك منه شيء فأسمعنا صوتك، ~~فقال لهم: إن خفي عليكم صوتي ولم تسمعوه، فالزوال بيني وبينكم ميعاد، إن ~~زالت الشمس ولم أخرج إليكم، فاعلموا أني مقتول أو مغلوب، فضعوا أسيافكم ~~ورماحكم حيث شئتم ولا تغمدوا سيفا حتى تأخذوا بثأري من عدوي. قال: # فدخل، وجعلوا يصيحون: يا أبا أمية، أسمعنا صوتك. وكان معه غلام أسحم ~~شجاع. فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم: ليس عليه بأس، ليسمع عبد الملك أن ~~وراءه ناسا، فقال له عبد الملك: أتمكر يا أبا أمية عند الموت! خذوه، ~~فأخذوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أقسم ليجعلن في عنقك جامعة منه، ثم ~~نتر إلى الأرض نترة، فكسرت ثنيته. قال: فجعل عبد الملك ينظر إليه. # فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين عظم ms288 انكسر[ (1) ]. فقال عبد الملك ~~لأخيه عبد العزيز: اقتله حتى أرجع إليك. قال: فلما أراد عبد العزيز أن يضرب ~~عنقه، قال له عمرو: تمسك بالرحم يا عبد العزيز أنت تقتلني من بينهم فتركه، ~~فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال له: لم لا تقتله؟لعنه الله ولعن أما ~~ولدته!قال: فإنه قال: تمسك بالرحم فتركته. قال: فأمر رجلا عنده يقال له ابن ~~الزويرع[ (2) ]، فضرب عنقه، ثم أدرجه في بساط، ثم أدخله تحت السرير. قال: ~~فدخل عليه قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان أحد الفقهاء، وكان رضيع عبد الملك ~~بن مروان، وصاحب خاتمه ومشورته، فقال له عبد الملك: كيف رأيك في عمرو بن ~~سعيد؟فأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب عنقه يا أمير المؤمنين. ~~فقال له عبد الملك: جزاك الله خيرا، فما علمتك إلا ناصحا أمينا موافقا، قال ~~له: فما ترى في هؤلاء الذين أحدقوا بنا، وأحاطوا بقصرنا؟قال قبيصة: اطرح ~~رأسه إليهم يا أمير المؤمنين، ثم اطرح عليهم الدنانير والدراهم [ (1) ]زيد ~~في الطبري وابن الأثير: فلا تركب ما هو أعظم من ذلك. فقال له عبد الملك: ~~والله لو أعلم أنك تبقي علي إن أنا أبقيت عليك وتصلح قريش لأطلقتك، ولكن ما ~~اجتمع رجلان في بلدة قط على ما نحن عليه إلا أخرج أحدهما الآخر. # [ (2) ]في مروج الذهب 3/123 أبو الزعيزعة. وفي ابن الأثير: أبو الزعيرية. ~~وفي رواية في الطبري وابن الأثير والعقد الفريد أن عبد الملك هو الذي ضربه ~~فقتله ثم جلس على صدره فذبحه وهو يقول: # يا عمرو ان لا تدع شتمي ومنقصتي # أضربك حيث تقول الهامة اسقوني # PageV02P034 # يتشاغلون بها. قال: فأمر عبد الملك برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى ~~القصر، فطرح إليهم، وطرحت الدنانير، ونثرت الدراهم، ثم هتف عليهم الهاتف ~~ينادي: إن أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، والأمر ~~النافذ، ولكم على أمير المؤمنين عهد الله وميثاقه، أن يحمل راجلكم، ويكسو ~~عاريكم، ويغني فقيركم، ويبلغكم إلى أكمل ما يكون من العطاء والرزق، ويبلغكم ~~إلى المائتين في الديوان، فاعترضوا ms289 على ديوانكم، وأقبلوا أمره، واسكنوا إلى ~~عهده، يسلم لكم دينكم ودنياكم. قال: فصاحوا نعم نعم نعم، سمعا وطاعة لأمير ~~المؤمنين. # قال: فلما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان بالشام، أراد أن يخرج إلى ~~مصعب، فجعل يستفز أهل الشام، فيبطئون عليه. فقال له الحجاج بن يوسف، وكان ~~يومئذ في حرس أبان بن مروان: يا أمير المؤمنين، سلطني عليهم، فأعطاه ذلك ~~فقال له عبد الملك: اذهب قد سلطتك عليهم. قال: فكان لا يمر على بيت رجل من ~~أهل الشام تخلف إلا أحرق عليه بيته، فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا، قال: ~~فأصابهم من ذلك غلاء في الأسعار، وشدة من الحال، وصعوبة من الزمان، قال: ~~وكانوا يصنعون لعبد الملك بن مروان الأرز. فسار بأهل الشام إلى العراق ومعه ~~الحجاج بن يوسف. ### || مسير عبد الملك إلى العراق # قال: وذكروا أن عبد الملك لما سار بأهل الشام ومعه الحجاج بن يوسف إلى ~~العراق، خرج مصعب بن الزبير بأهل البصرة والكوفة، فالتقيا بين الشام ~~والعراق، وكان عبد الملك ومصعب قبل ذلك متصافيين، وصديقين متحابين، لا يعلم ~~بين اثنين من الناس ما بينهما من الإخاء والصداقة، فبعث إليه عبد الملك أن ~~ادن مني أكلمك. قال: فدنا كل واحد من صاحبه، وتنحى الناس عنهما، فسلم عبد ~~الملك عليه، وقال له: يا مصعب، قد علمت ما أجرى الله بيني وبينك منذ ثلاثين ~~سنة، وما اعتقدته من إخائي وصحبتي، والله أنا خير لك من عبد الله، وأنفع ~~منه لدينك ودنياك، فثق بذلك مني، وانصرف إلى وجوه هؤلاء القوم، وخذ لي بيعة ~~هذين المصرين، والأمر أمرك، لا تعصى ولا تخالف، وإن شئت اتخذتك صاحبا لا ~~تخفى، ووزيرا لا تعصى. فقال له مصعب: أما ما ذكرت في PageV02P035 # من ثقتي بك، ومودتي وإخائي، فذلك كما ذكرته ولكنه بعد قتلك عمرو بن سعيد ~~لا يطمأن إليك، وهو أقرب رحما مني إليك، وأولى بما عندك، فقتلته غدرا، ~~ووالله لو قتلته في ضرب ومحاربة لمسك عاره، ولما سلمت من إثمه. # وأما ما ذكرت من أنك خير ms290 لي من أخي، فدع عنك أبا بكر، وإياك وإياه، لا ~~تتعرض له واتركه ما تركك، واربح عاجل عافيته وارج الله في السلامة من ~~عاقبته فقال له عبد الملك: لا تخوفني به، فو الله إني لأعلم منه مثل ما ~~تعلم، إن فيه لثلاث خصال لا يسود بها أبدا: عجب قد ملأه، واستغناء برأيه، ~~وبخل التزمه، فلا يسود بها أبدا. ### || قتل مصعب بن الزبير # قال: وذكروا أن عبد الملك لما أيس من مصعب، كتب إلى أناس من رؤساء أهل ~~العراق يدعوهم إلى نفسه، ويجعل لهم أموالا عامة، وشروطا وعهودا، وموثيق ~~وعقودا، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر يجعل له وحده مثل جميع ما جعل لأصحابه، ~~على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير إذا التقوا. فقال إبراهيم بن الأشتر ~~لمصعب: إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب[ (1) ]، وكتب لأصحابي كلهم ~~فلان وفلان بذلك، فادع بهم في هذه الساعة، فاضرب أعناقهم واضرب عنقي معهم. ~~فقال مصعب ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم. # قال إبراهيم: فأخرى، قال: وما هي؟قال: أحبسهم في السجن حتى يتبين ذلك، ~~فأبى، فقال له إبراهيم بن الأشتر: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، ولا ~~تراني والله بعد في مجلسك هذا أبدا. وقد كان قال له قبل ذلك: دعني أدعو أهل ~~الكوفة بدعوة لا يخلعونها أبدا، وهي ما شرطه الله. فقال له مصعب: لا والله ~~لا أفعل، لا أكون قتلتهم بالأمس، وأستنصر بهم اليوم[ (2) ]، قال: فما هو ~~إلا أن التقوا فحولوا رءوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن مروان. قال: فبقي ~~مصعب في شرذمة[ (3) ]قليلة. قال: فجاءه عبيد الله[بن زياد]بن ظبيان، فقال: ~~أين الناس أيها [ (1) ]نسخة الكتاب: بسم الله الرحمن الرحيم. من عبد الله ~~عبد الملك أمير المؤمنين إلى إبراهيم بن الأشتر، أما بعد، فإني أعلم أن ~~تركك الدخول في طاعتي ليس إلا عن معتبة، فلك الفرات وما سقى، فأنجز إلي ~~فيمن أطاعك من قومك، والسلام. (الأخبار الطوال ص 312) . # [ (2) ]إشارة إلى حروبه مع المختار بن أبي عبيد بالكوفة وتتبع مصعب ms291 ~~أصحابه بالقتل حتى قتل ما يزيد على الستة آلاف. # [ (3) ]في مروج الذهب: في سبعة نفر. بعد ما تخلى عنه مضر وربيعة وقتل ~~إبراهيم بن الأشتر. PageV02P036 # الأمير؟فقال: غدرتم يا أهل العراق. قال: فرفع عبيد الله سيفه ليضربه[ ~~(1) ]، فبدره مصعب بالسيف على البيضة، فنشب فيها، فجعل يقلب السيف ولا ~~ينتزع من البيضة. قال: فجاء غلام لعبيد الله[بن زياد]بن ظبيان، فضرب مصعبا ~~بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك، يدعي أنه قتله، فطرح ~~رأسه وقال: # نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا[ (2) ] # وليس علينا قتلهم بمحرم # قال: فوقع عبد الملك ساجدا، فتحامل عبيد الله على ركابه ليضرب عبد الملك ~~بالسيف[ (3) ]. فرفع عبد الملك رأسه وقال: والله يا عبيد الله لو لا منتك ~~لألحقتك سريعا به. قال: فبايعه الناس، ودخل الكوفة فبايعه أهلها. ### || ذكر حرب ابن الزبير وقتله # قال: وذكروا أنه لما تمت البيعة لعبد الملك بن مروان من أهل العراق، ~~وأتاه الحجاج بن يوسف فقال: يا أمير المؤمنين، إني رأيت في المنام كأني ~~أسلخ عبد الله بن الزبير، فقال له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه[ (4) ]، ~~فخرج إليه الحجاج في ألف وخمس مائة رجل[ (5) ]من رجال أهل الشام حتى نزل ~~الطائف، [ (1) ]وكان عبيد الله بن زياد بن ظبيان سيد ربيعة وبكر بن وائل، ~~وكان له أخ اسمه النابئ بن زياد قتله مصعب. وكان عبيد الله مع مصعب، وكان ~~يتحين الفرص للانحياز إلى عبد الملك، ولما رأى الفرصة المناسبة انحاز بقومه ~~إلى عبد الملك وقاتلوا معه. # [ (2) ]في مروج الذهب 3/129: نعاطي الملوك الحق ما قسطوا لنا. # [ (3) ]وكان عبيد الله يقول بعد ذلك: ما ندمت على شيء قط ندمي على عبد ~~الملك بن مروان إذ أتيته برأس مصعب فخر ساجدا أن لا أكون ضربت عنقه فأكون ~~قد قتلت ملكي العرب في يوم واحد. # [ (4) ]في تولية الحجاج حرب عبد الله بن الزبير قرار اتخذه عبد الملك لم ~~يكن كما ذكر بسبب منام رآه الحجاج فإننا نرى أن الأمر يتجاوز ذلك وأن هناك ~~أسبابا جوهرية ms292 حتمت على عبد الملك اتخاذ هذا القرار منها: # -أن عبد الملك انتدب الناس لقتال ابن الزبير-بعد مقتل مصعب-فأقصر الناس ~~عن ذلك ولم يجبه أحد. ولعل فيما أورده الدينوري ما يجيب على ذلك: فإنه ~~انتدب قدامة بن مظعون ثم عزله فورا، وانتدب الحجاج وهذا يدل على عدم ثقته ~~بالعساكر المنتدبة وبابن مظعون نفسه. # -المهارة التي أظهرها الحجاج في قيادة مؤخرة الجيش في معارك العراق. # -تلهف الحجاج لقتال ابن الزبير ربما للثأر لمقتل والده، وقد قيل إنه قتل ~~في الربذة في معركة بين جنود ابن الزبير والحملة التي أرسلها عبد الملك سنة ~~65. حتى أنه أقسم ألا يقرب الطيب ولا النساء إلا إذا قتل ابن الزبير. # [ (5) ]في اليعقوبي: 20 ألفا، وقيل في ستة آلاف، وفي ابن الأثير: ألفين، ~~وقيل ثلاثة آلاف. PageV02P037 # وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا[ (1) ]، حتى توافي الناس عنده قدر ~~ما يظن أنه يقدر على قتال عبد الله بن الزبير، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ~~اثنتين وسبعين فسار الحجاج من الطائف، حتى نزل منى، فحج بالناس وعبد الله ~~بن الزبير محصور بمكة، ثم نصب الحجاج المنجنيق على أبي قبيس[ (2) ]، ~~ونواحي مكة كلها، فرمى أهل مكة بالحجارة، فلما كانت الليلة التي قتل في ~~صبيحتها، جمع عبد الله بن الزبير القرشيين، فقال لهم: ما ترون؟فقال رجل ~~منهم من بني مخزوم: والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا، لئن صبرنا معك ~~ما نزيد على أن نموت معك، وإنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا فنأخذ ~~الأمان لأنفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج. فقال عبد الله قد كنت عاهدت ~~الله أن لا يبايعني أحد، فأقيله بيعته إلا ابن صفوان. قال ابن صفوان: والله ~~إنا لنقاتل معك، وما وفيت لنا بما قلت، ولكن خذني لحفيظة أن لا أدعك عند ~~مثل هذه حتى يموت معك. فقال رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك. فقال له عبد ~~الله: وكيف؟أأكتب إليه: من عبد الله أبي بكر أمير المؤمنين، فو الله لا ~~يقبل هذا مني أبدا، ms293 أم أكتب إليه: لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله بن ~~الزبير، فو الله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك. قال عروة ~~أخوه وهو جالس معه على السرير: يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك أسوة. ~~فقال عبد الله: من هو أسوتي؟قال: # الحسن بن علي بن أبي طالب، خلع نفسه وبايع معاوية. فرفع عبد الله رجله ~~وضرب عروة حتى ألقاه ثم قال: يا عروة، قلبي إذن مثل قلبك، والله لو قبلت ما ~~تقولون ما عشت إلا قليلا، وقد أخذت الدنية، وما ضربة بسيف إلا مثل ضربة ~~بسوط[ (3) ]، لا أقبل شيئا مما تقولون. قال: فلما أصبح دخل على بعض نسائه ~~فقال: اصنعي لي طعاما، فصنعت له كبدا وسناما. قال: فأخذ منها لقمة فلاكها ~~ساعة، فلم يسغها فرماها، وقال: اسقوني لبنا، فأتي بلبن فشرب، ثم قال هيئوا ~~لي غسلا، قال: فاغتسل، ثم تحنط وتطيب، ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول: # ولا ألين لغير الحق أسأله # حتى يلين لضرب الماضغ الحجر # [ (1) ]أي قطعة بعد قطعة، أو جماعة بعد جماعة. يريد أنه تتالى إرسال ~~الجيوش إليه، ربما حتى بلغت 20 ألفا كما ورد عند اليعقوبي. # [ (2) ]أبو قبيس: جبل بمكة، سمي باسم رجل من مذحج حداد، لأنه أول من بنى فيه. # [ (3) ]في العقد الفريد: وإن ضربة بسيف في عز خير من لطمة في ذل. PageV02P038 # ثم دخل على أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي عمياء من الكبر، قد بلغت ~~من السن مائة سنة. فقال لها: يا أماه، ما ترين؟قد خذلني الناس وخذلني أهل ~~بيتي[ (1) ]. فقالت: يا بني لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عش كريما، ومت ~~كريما. فخرج وأسند ظهره إلى الكعبة، ومعه نفر يسير فجعل يقاتل بهم أهل ~~الشام، فيهزمهم، وهو يقول: ويل امه فتحا لو كان له رجال!قال: فجعل الحجاج ~~يناديه: قد كان لك رجال، ولكنك ضيعتهم. قال: فجاءه حجر من حجارة المنجنيق ~~وهو يمشي، فأصاب قفاه فسقط، فما دري أهل الشام أنه هو حتى سمعوا جارية تبكي ~~وتقول: وا ms294 أمير المؤمنين، فاحتزوا رأسه، فجاءوا به إلى الحجاج، وقتل معه ~~عبد الله بن صفوان بن أمية، وعمارة بن عمرو بن حزم[ (2) ]، ثم بعث برءوسهم ~~إلى عبد الملك، وقتل لسبع عشرة ليلة مضين من جمادى الأولى[ (3) ]، سنة ~~ثلاث وسبعين[ (4) ]. # قال أبو معشر: ثم أقام الحجاج بالمدينة عاملا عليها وعلى مكة والطائف ~~ثلاث سنين، يسير بسيرته فيما يقولون، قال: فلما مات بشر بن مروان، وكان على ~~الكوفة والبصرة، كتب إليه عبد الملك: أن سر إلى العراقيين، واحتل لقتلهم، ~~فإنه قد بلغني عنهم ما أكره. واستعمل عبد الملك على المدينة يحيى بن حكيم ~~بن أبي العاص. ### || ولاية الحجاج على العراقيين # قال: وذكروا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج يأمره بالمسير إلى ~~العراقيين ويحتال لقتلهم، توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة أهل الشام وحماتهم، ~~وأربعة آلاف من أخلاط الناس وتقدم بألفي رجل، وتحرى دخول البصرة يوم الجمعة ~~في حين أوان الصلاة، فلما دنا من البصرة، أمرهم أن يتفرقوا على أبواب ~~المسجد، [ (1) ]وكان ابناه حمزة وخبيب فارقاه وأخذا لأنفسهما أمانا. # [ (2) ]زيد في العقد الفريد: وعبد الله بن مطيع. # [ (3) ]في ابن الأثير 3/73 يوم الثلاثاء من جمادى الآخرة وفي مروج الذهب: ~~يوم الثلاثاء ل 14 ليلة خلت من ربيع الأول. وفي الأخبار الطوال ص 315 ~~وتاريخ خليفة ص 269 وتاريخ الإسلام للذهبي 3/175 لثلاث عشرة خلت من جمادى ~~الأولى. # [ (4) ]في تاريخ الإسلام للذهبي: وله نيف وسبعون سنة، وعند خليفة: ولد ~~عام الهجرة. وفي تاريخ اليعقوبي ومروج الذهب: له إحدى وسبعون سنة. PageV02P039 # على كل باب مائة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم، وعهد إليهم أن إذا سمعتم ~~الجلبة في داخل المسجد، والواقعة فيهم، فلا يخرجن خارج من باب المسجد حتى ~~يسبقه رأسه إلى الأرض، وكان المسجد له ثمانية عشر بابا، يدخل منها إليه. # فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون ~~الصلاة، ودخل الحجاج وبين يديه مائة رجل، وخلفه مائة كل رجل منهم مرتد ~~بردائه، وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره. فقال لهم: إني ms295 إذا دخلت فسأكلم ~~القوم في خطبتي، وسيحصبونني، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي، ~~فضعوا أسيافكم، واستعينوا بالله، @QUR@06 واصبروا إن الله مع الصابرين ، ~~فلما دخل المسجد، وقد حانت الصلاة، صعد المنبر فحمد الله ثم قال: أيها ~~الناس إن أمير المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده، ~~وارتضاه إماما على عباده، وقد ولاني مصركم، وقسمة فيئكم، وأمرني بإنصاف ~~مظلومكم، وإمضاء الحكم على ظالمكم، وصرف الثواب إلى المحسن البريء، ~~والعقاب إلى العاصي المسيء، وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ عليكم عهده، وأرجو ~~بذلك من الله عز وجل المجازاة، ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني ~~بسيفين حين توليته إياي عليكم: سيف رحمة، وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة ~~فسقط مني في الطريق، وأما سيف النقمة فهو هذا. فحصبه الناس. فلما أكثروا ~~عليه خلع عمامته، فوضعها على ركبته، فجعلت السيوف تبري الرقاب، فلما سمع ~~الخارجون الكائنون على الأبواب وقيعة الداخلين، ورأوا تسارع الناس إلى ~~الخروج، تلقوهم بالسيوف، فردعوا الناس إلى جوف المسجد، ولم يتركوا خارجا ~~يخرج، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا، حتى سالت الدماء إلى باب المسجد، وإلى ~~السكك[ (1) ]. # قال أبو معشر: لما قدم الحجاج البصرة، صعد المنبر، وهو معتجر بعمامته ~~متقلد سيفه وقوسه. قال: فنعس على المنبر، وكان قد أحيا الليل، ثم تكلم ~~بكلام فحصبوه، فرفع رأسه ثم قال: إني أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها[ (2) ~~]. فهابوه وكفوا، ثم كلمهم فحصبوه وأكثروا، فأمر بهم جندا من أهل [ (1) ~~]كذا بالأصل، ولم أقف على خطبته هذه فيما لدي من مراجع. والواضح أن في ~~الخبر مبالغة ظاهرة إذ أن حدثا بهذا القدر-يقتل بضعة وسبعين ألفا-لا يمكن ~~إغفاله. # [ (2) ]من خطبة طويلة. انظر ابن الأثير 3/85 الكامل للمبرد 1/224 البيان ~~والتبيين 2/224 العقد PageV02P040 # الشام، وكانوا قد أحاطوا به من حوله ومن حول أبواب المسجد. قال: فلما فرغ ~~منهم وأحكم شأنه فيهم، بعث عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث إلى سجستان، عاملا ~~ومعه جيش. فكتب إليه الحجاج أن يقاتل حصن كذا وكذا، فكتب إلى الحجاج: إني ~~لا ms296 أرى ذلك صوابا، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فكتب إليه الحجاج: أنا ~~الشاهد، وأنت الغائب، فانظر ما كتبت به إليك، فامض له، والسلام. ### || خروج ابن الأشعث على الحجاج # قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث لما خرج على الحجاج جمع ~~أصحابه، وفيهمعبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن نوفل، وبنو عون بن عبد ~~الله، وعمرو بن موسى بن معمر بن عثمان بن عمرة، وفيهم محمد بن سعد بن أبي ~~وقاص. فقال لهم: ما ترون؟فقالوا: نحن معك، فاخلع عدو الله وعدو رسوله، فإن ~~خلعه من أفضل أعمال البر، فخلعه وأظهر خلعه[ (1) ]. فلما أظهر ذلك قدم ~~عليهم سعيد بن جبير، فقالوا له: إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، فما الرأي؟ قال: ~~الرأي أن تكفوا عما تريدون، فإن الخلع فيه الفتنة، والفتنة فيها سفك ~~الدماء، واستباحة الحرم، وذهاب الدين والدنيا. فقالوا: إنه الحجاج وقد فعل ~~ما فعل، فذكروا أشياء، ولم يزالوا به حتى سار معهم وهو كاره. قال: وانتهى ~~الخبر إلى الحجاج، فقيل له: إن عبد الرحمن قد خلعك ومن معه فقال: إن معه ~~سعيد بن جبير، وأنا أعلم أن سعيدا لا يخرج، وإن أرادوا ذلك فسيكفهم عنه. # فقيل له: إنه رام ذلك، ثم لم يزالوا به حتى فتنوه، وسار معهم. فبعث ~~الحجاج الغضبان الشيباني[ (2) ]ليأتيه بخبر عبد الرحمن بن الأشعث من ~~كرمان، وتقدم إليه أن لا يكتمه من أمره شيئا، فتوجه الغضبان إلى عبد ~~الرحمن. فقال له عبد الرحمن: # [ () ]الفريد 4/120 مروج الذهب 3/155، فتوح ابن الأعثم 7/5-9 البداية ~~والنهاية 9/11 الطبري 7/210. # [ (1) ]أهم الأسباب التي دفعت بالأشعث وأصحابه للثورة على الحجاج هي: # -قوانين الحجاج الصارمة وممارساته القمعية ضدهم. # -الحقد على الحجاج لظلمه أهل العراق بني جلدته وإهانتهم، وسوء معاملته ~~قواده وجنده حتى أنهم سموه فرعون. # -عصبية الحجاج المتطرفة ضد الموالي وشدة تمسكه بانتمائه القيسي. # [ (2) ]في مروج الذهب 3/179 الغضبان بن القبعثري. PageV02P041 # ما وراءك يا غضبان؟قال: شر طويل، تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك. ثم انصرف ~~من عنده[ (1) ]، فنزل ms297 رملة كرمان، وهي أرض شديدة الحر، فضرب بها قبة وجلس ~~فيها، فبينا هو كذلك إذ ورد أعرابي من بكر بن وائل على قعود، فوقف عليه ~~وقال: السلام عليك. فقال له الغضبان: السلام كثير، وهي كلمة مقولة. # قال الأعرابي: من أين أقبلت؟قال: من الأرض الذلول. قال: وأين تريد؟قال: # أمشي في مناكبها، وآكل من رزق الله الذي أخرج لعباده منها. قال الأعرابي: # فمن غلب اليوم؟قال الغضبان: المتقون. قال: فمن سبق؟قال: حزب الله ~~الفائزون. قال الأعرابي: ومن حزب الله؟قال: هم الغالبون. فعجب الأعرابي من ~~منطقه، وحضور جوابه. ثم قال: أتقرض؟قال الغضبان: إنما تقرض الفأرة. # قال: أفتنشد؟قال: إنما تنشد الضالة. قال: أفتسجع؟قال: إنما تسجع الحمامة. ~~قال: أفتنطق؟قال: إنما ينطق كتاب الله. قال: أفتقول؟قال: إنما يقول الأمير. ~~قال الأعرابي: تالله ما رأيت مثلك قط. قال الغضبان: بل رأيت ولكنك نسيت، ~~قال الأعرابي: فكيف أقول؟قال: أخذتك الغول، في العاقول[ (2) ]، وأنت قائم ~~تبول. قال الأعرابي: أتأذن لي أن أدخل[ (3) ]عليك؟قال الغضبان: وراؤك أوسع ~~لك، قال الأعرابي: قد أحرقتني الشمس. قال الغضبان: الآن يفيء عليك الفيء ~~إذا غربت. قال الأعرابي: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي. قال الغضبان: بل عليها ~~تبرد. قال الأعرابي: إن الوهج شديد. قال الغضبان: ما لي عليه سلطان. قال ~~الأعرابي: إني والله ما أريد طعامك ولا شرابك. قال الغضبان: لا تعرض بهما، ~~فو الله لا تذوقهما. قال الأعرابي: وما عليك لو ذقتهما؟قال الغضبان: نأكل ~~ونشبع. فإن فضل شيء من الأكرياء والغلمان، فالكلب أحق به منك. قال ~~الأعرابي: سبحان الله!قال الغضبان: نعم، من قبل أن يطلع رأسك وأضراسك إلى ~~الدنيا، قال الأعرابي: ما عندك إلا ما أرى؟قال الغضبان: بل عندي هراوتان ~~أضرب بهما رأسك حتى ينتثر دماغك. قال الأعرابي: إنا لله و@QUR@03 إنا إليه ~~راجعون . قال الغضبان: أظلمك أحد؟قال الأعرابي: # ما أرى. ثم قال الأعرابي: يا آل حارث بن كعب، فقال الغضبان: بئس الشيخ ~~ذكرت. قال الأعرابي: ولم ذلك؟قال الغضبان: لأن إبليس يسمى حارثا. قال [ (1) ~~]في مروج الذهب 3/180 دخل مع ابن الأشعث في أمره. # [ (2) ]العاقول: نبات ms298 تأكله الإبل. # [ (3) ]في مروج الذهب: أدنو إليك. PageV02P042 # الأعرابي: إني لأحسبك مجنونا. قال الغضبان: اللهم اجعلني من خيار الجن. # قال الأعرابي: إني لأظنك حروريا. قال الغضبان: اللهم اجعلني ممن يتحرى ~~الخير. قال الأعرابي: إني لأراك منكرا. قال الغضبان. إني لمعروف فيما أوتي. # فولى عنه وهو يقول: إنك لبذخ أحمق، وما أنطق الله لسانك إلا بما أنت لاق ~~وعما قليل تلتف ساقك بالساق. فلما قدم[ (1) ]الغضبان على الحجاج قال له: ~~أنت شاعر؟قال: لست بشاعر، ولكني خابر. قال أفعراف أنت؟قال: بل وصاف. # قال: كيف وجدت أرض كرمان؟قال الغضبان: أرض ماؤها وشل[ (2) ]، وسهلها ~~جبل، وثمرها دقل[ (3) ]، ولصها بطل[والخيل بها ضعاف][ (4) ]، إن كثر ~~الجيش بها جاعوا، وإن قل بها ضاعوا. قال: صدقت، أعلمت من كان الأعرابي؟قال: # لا، قال: كان ملكا خاصمك، فلم تفقه عنه لبذخك، اذهبوا به إلى السجن فإنه ~~صاحب المقالة: تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك. وأنت يا غضبان قد أنذرك خصمك ~~على نطق لسانك، فما الذي به دهاك؟قال الغضبان: جعلني الله فداك أيها ~~الأمير، أما إنها لا تنفع[ (5) ]من قيلت له، ولا تضر من قيلت فيه. فقال ~~الحجاج: أجل ولكن أتراك تنجو مني بهذا؟والله لأقطعن يديك ورجليك، ولأضربن ~~بلسانك عينيك. قال الغضبان: أصلح الله الأمير، قد آذاني الحديد وأهون ساقي ~~القيود، فما يخاف من عدلك البريء، ولا يقطع من رجائك المسيء. قال الحجاج: ~~إنك لسمين. قال الغضبان: القيد والرتعة[ (6) ]، ومن يك ضيف الأمير يسمن. ~~قال: إنا حاملوك على الأدهم[ (7) ]قال الغضبان: مثل الأمير أصلحه الله ~~يحمل على الأدهم[ (8) ]والأشقر. قال الحجاج: إنه لحديد. قال الغضبان: لأن ~~يكون حديدا[ (9) ]خير من أن يكون بليدا. قال الحجاج: اذهبوا به إلى السجن، ~~قال الغضبان: @QUR@08 فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم يرجعون [ (1) ]في ~~مروج الذهب: أخذ الغضبان فيمن أسر، ثم أدخل على الحجاج. # [ (2) ]وشل: قليل. # [ (3) ]دقل: من التمر أردؤه. # [ (4) ]زيادة عن مروج الذهب. # [ (5) ]في مروج الذهب: ما نفعت. # [ (6) ]الرتعة: الدعة والراحة. # [ (7) ]يريد بالأدهم هنا الحديد، شبه بالأدهم لسواده. # [ (8) ]يريد بالأدهم هنا الفرس الأدهم، والأشقر: الفرس الأبيض. ms299 # [ (9) ]حديدا: سريعا. PageV02P043 # [يس: 50]. فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط، فقال لجلسائه: ~~كيف ترون هذه القبة؟قالوا: ما رأينا مثلها قط. قال الحجاج: أما إن لها عيبا ~~فما هو؟قالوا: ما نرى بها عيبا. قال: سأبعث إلى من يخبرني به، فبعث، فأقبل ~~بالغضبان وهو يرسف في قيوده، فلما مثل بين يديه. قال له يا غضبان كيف قبتي ~~هذه؟قال: أصلح الله الأمير نعمت القبة!حسنة مستوية! قال: أخبرني ~~بعيبها؟قال[ (1) ]: بنيتها في غير بلدك، لا يسكنها ولدك، ومع ذلك فإنه لا ~~يبقى بناؤها، ولا يدوم عمرانها، وما لا يبقى ولا يدوم، فكأنه لم يكن. # قال الحجاج: صدق، ردوه إلى السجن. فقال الغضبان: أصلح الله الأمير، قد ~~أكلني الحديد، وأوهن ساقي القيود، وما أطيق المشي. قال: احملوه. فلما حمل ~~على الأيدي قال: @QUR@010 سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين ~~[الزخرف: 13]قال: أنزلوه، فلما أنزلوه. قال: @QUR@08 رب أنزلني منزلا ~~مباركا وأنت خير المنزلين [المؤمنون: 29]قال الحجاج: جروه. قال الغضبان وهو يجر: # @QUR@09 بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم [هود: 41]. قال ~~الحجاج: # اضربوا به الأرض، فقال: @QUR@010 منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم ~~تارة أخرى [طه: 55]فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال: ويحكم، قد ~~غلبني والله هذا الخبيث، اطلقوه إلى صفحي عنه. قال الغضبان: @QUR@05 فاصفح ~~عنهم وقل سلام [الزخرف: 89]. فنجا من شره بإذن الله، وكانت براءته فيما ~~انطلق على لسانه[ (2) ]. ### || حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله # قال: وذكروا أن الحجاج لما قدم العراق أميرا، زوج ابنه محمدا ميمونة بنت ~~محمد بن الأشعث بن قيس الكندي، رغبة في شرفها، مع ما كانت عليه من جمالها، ~~وفضلها في جميع حالاتها، وأراد من ذلك، استمالة جميع أهلها وقومها إلى ~~مصافاته، ليكونوا له يدا على من ناوأه، وكان لها أخ يقال له عبد الرحمن بن ~~محمد بن الأشعث الكندي، له أبهة في نفسه. وكان جميلا بهيا منطقيا، مع ما [ ~~(1) ]العبارة في مروج الذهب: بنيت في غير بلدك، لغير ولدك، لا تتمتع به ولا ~~تنعم، فما لما ms300 لا يتمتع فيه من طيب ولا لذة. # [ (2) ]الخبر باختلاف: زيادة ونقصان في العبارات في مروج الذهب ~~(3/179-182) . PageV02P044 # كان له من التقدم والشرف، فازدهاه ذلك وملأه كبرا وفخرا وتطاولا، فألزمه ~~بنفسه، وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره، وأجرى عليه العطايا الواسعة، ~~صلة لصهره، وحبا لإتمام الصنيعة إليه، وإلى جميع أهله. فأقام عبد الرحمن ~~كذلك حينا مع الحجاج، لا يزيده الحجاج إلا إكراما، ولا يظهر له إلا قبولا، ~~وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها، لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا ~~رآه مقبلا: أما والله يا عبد الرحمن، إنك لتقبل علي بوجه فاجر، وتدبر عني ~~بقفاء غادر، وايم الله لتبتلين حقيقة أمرك على ذلك. فمكث بهذا القول منه ~~دهرا، حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد الرحمن، أراد أن يبتلي ~~حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور، وأن يبدي منه ما يكتم من غائلته، ~~فكتب إليه عهده على سجستان. فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد الرحمن، فزعوا من ذلك ~~فزعا شديدا، فأتوا الحجاج، فقالوا له: أصلح الله الأمير، إنا أعلم به منك، ~~فإنك به غير عالم، ولقد أدبته بكل أدب، فأبى أن ينتهي عن عجبه بنفسه، ونحن ~~نتخوف أن يفتق فتقا، أو يحدث حدثا، يصيبنا فيه منك ما يسؤونا[ (1) ]. فقال ~~الحجاج: القول كما قلتم، والرأي كالذي رأيتم، ولقد استعملته على بصيرة، فإن ~~يستقم فلنفسه نظر، وإن يتفرج سبيله عن بصائر الحق يهد إليها إن شاء الله. ~~فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله، توجه وهو مصر لخلعان طاعة الحجاج، وصار ~~بذلك مسيره أجمع حتى نزل مدينة سجستان، ثم مر على خلعانه عام كامل، فلما ~~أجمع عبد الرحمن على إظهار خلعان الحجاج، كتب إلى أيوب بن القرية التميمي، ~~وهو مع الحجاج في عسكره، خاص المنزلة منه[ (2) ]، وكان مفوها كليما يسأله ~~أن يصدر إليه رسالة الحجاج، يخلع فيها طاعة [ (1) ]انظر الخبر في الطبري ~~وابن الأثير حوادث سنة 80، والبداية والنهاية 9/40 وابن الأعثم في الفتوح ~~7/115 والعبارة فيه: وجاءت إخوة عبد ms301 الرحمن بن محمد بن الأشعث منهم قيس ~~وإسحاق والمنذر والصباح حتى دخلوا على الحجاج فقالوا: أيها الأمير!لا توجه ~~عبد الرحمن في هذا الجيش، فإننا نتخوف أن يخرج عليك!قال: فتبسم الحجاج ثم ~~قال: ليس هذا أول حسد الإخوة، وإنما أنتم حسدتموه لأنه ليس من أمكم. ~~فقالوا: أيها الأمير!أما نحن فقضينا ما علينا ونحن خارجون معه. # [ (2) ]في الأخبار الطوال ص 318 أن الحجاج بعث ابن القرية إلى عبد الرحمن ~~يدفعه إلى الطاعة وله الأمان على ما سلف من ذنبه. ولم يزل عبد الرحمن بابن ~~القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه وأقام مع عبد الرحمن. PageV02P045 # الحجاج، فكتب له ابن القرية رسالة فيها[ (1) ]: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، إلى الحجاج بن يوسف: سلام على أهل طاعة ~~الله، أوليائه الذين يحكمون بعدله، ويوفون بعهده، ويجاهدون في سبيله، ~~ويتورعون لذكره، ولا يسفكون دما حراما، ولا يعطلون للرب أحكاما، ولا يدرسون ~~له أعلاما، ولا يتنكبون النهج، ولا يبرمون السي، ولا يسارعون في الغي، ولا ~~يدللون الفجرة، ولا يترضون الجورة، بل يتمكنون عند الاشتباه، ويتراجعون عند ~~الإساءة. أما بعد: فإني أحمد إليك الله حمدا بالغا في رضاه، منتهيا إلى ~~الحق في الأمور الحقيقية لله علينا. وبعد: فإن الله أنهضني لمصاولتك، ~~وبعثني لمناضلتك، حين تحيرت أمورك، وتهتكت ستورك، فأصبحت عريان حيران، ~~مبهتا لا توافق وفقا، ولا ترافق رفقا. ولا تلازم صدقا، أؤمل من الله الذي ~~ألهمني ذلك، أن يصيرك في حبالك، أو أن يجيء بك في القرن[ (2) ]، ويسحبك ~~للذقن وينصف منك من لم تنصفه من نفسك، ويكون هلاكك بيدي من اتهمته وعاديته. ~~فلعمري لقد طال ما تطاولت، وتمكنت وأخطيت، وخلت أن لن تبور، وأنت في فلك ~~الملك تدور، وأظن مصداق ما أقول ستخبره عن قريب فسر لأمرك، ولاق عصابة ~~خلعتك من حبالها خلعها نعالها. وتدرعت جلالها، تجرعها مطالها، لا يحذرون ~~منك جهدا، ولا يرهبون منك وعيدا، يتأملون خزايتك، ويتجرعون إمارتك، عطاشا ~~إلى دمك، يستطعمون الله لحمك، وايم الله لينافقنك منهم الأبطال، الذين ms302 ~~بيتهم فيما يحاولونك به على طاعة الله، شروا أنفسهم تقربا إلى الله، فأغض ~~عن ذلك بابن أم الحجاج. # فسنحمل عليك إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام على أهل ~~طاعة الله[ (3) ]. # فلما قدم الكتاب على الحجاج، خرج موائلا قد أخذ بطرف ردائه، وألقى الطرف ~~الآخر يجره من خلفه حتى صعد المنبر ونودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم قال: # [ (1) ]في الأخبار الطوال: فأملى عليه (أي ابن القرية) فكتب. # [ (2) ]القرن: بفتح القاف والراء: الحبل. # [ (3) ]نسخة الكتاب في الأخبار الطوال ص 318-319 باختلاف. PageV02P046 # نقاتلهم ولم نشتم عدوا # وشر عداوة المرء السباب # امرؤ وعظ نفسه بنفسه، امرؤ تعاهد غفلة نفسه وتفقدها جهده، امرؤ وعظ بغيره ~~فاتعظ، قد تبين لكم ما تأتون وما تبغون، العجب العجب، وما هو أعجب من العير ~~الأبتر، إني وجهته ومن معه من المنافقين لسبع مائة وزن سبعة سواء، فانطلقوا ~~في نحور العدو، ثم أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الإسلام، من أجل عير أبتر، ~~ومن كيده ما هو أعجب العجب، على حين أننا قد أمنا الخوارج، وأطفأنا الفتن، ~~فكان من شكركم يا أهل العراق ليد الله فيكم، ونعمته عليكم، وإحسانه إليكم، ~~جرأتكم على الله، وانتهاككم حرمته، واغتراركم بنعمة الله، ألم يأتكم شبيب ~~مهزوما ذليلا، فهلا توجهت إليه منكم خمسة وعشرون أمير جيش، ليس منهم من ~~أمير جيش إلا وهو في جنده بمنزلة العروس التي يزف بها إلى خدرها، فيقتل ~~أميرهم وهم وقوف ينظرون إليه، لا يرون له حرمة في صحبة، ولا ذماما في طاعة، ~~فقبحت تلك الوجوه!فما هذا الذي يتخوف منكم يا أهل العراق، أما هذا الذي ~~نتقي؟والله لقد أكرمنا الله بهوانكم وأهانكم بكرامتنا، في مواطن شتى ~~تعرفونها، وتعرفون أشياء حرمكم الله اتخاذها، وما الله بظلام للعبيد. ثم ~~خذلانكم لهذه المعلوجاء[ (1) ]المقصصة انحرافا، أولى لهذه المعلوجاء ~~وأخلاطها من أهل العراق!لقد هممت أن أترك بكل سكك منها جيفا منتفخين، شائلة ~~أرجلهم، تنهشهم الطير من كل جانب. يا أهل الشام: أحدوا قلوبكم، وأحدوا ~~سيوفكم، ثم قال: # قد جد أشياعكم فجدوا ms303 # والقوس فيها ووتر عرد[ (2) ] # مثل ذراع البكر أو أشد # [ (3) ] هيهات: ترك الخداع من أجرى من المائة، ومن لم يذد عن حوضه يهدم، ~~وأرى الحزام قد بلغ الطبيين[ (4) ]، والتقت حلقتا البطان، ليس سلامان ~~كعهدين، أنا ابن العرقية. وابن الشيخ الأعز، كذبتم ورب الكعبة، ما الرأي ~~كما رأيتم، [ (1) ]المعلوجاء جمع علج. المقصصة: التي تركت حتى كادت تموت. # [ (2) ]قوله والقوس فيها وتر عرد: قال المبرد: فهو الشديد، ويقال عرند في ~~هذا المعنى. # [ (3) ]الأرجاز لحنظلة بن ثعلبة بن سيار العجلي: الكامل للمبرد 2/494 ~~والنقائص ص 642 والطبري 2/209. # [ (4) ]مثل. تقدم شرحه. PageV02P047 # ولا الحديث كما حدثتم، فافطنوا لعيوبكم وإياكم أن أكون أنا وأنتم كما قال ~~القائل[ (1) ]: # إنك إن كلفتني ما لم أطق # ساءك ما سرك مني من خلق # والمخبر بالعمل ليس كالراجم بالظنون، فالتقدم قبل التندم، وأخو المرء ~~نصيحته ثم قال: # لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا # وما علم الإنسان إلا ليعلما # [ (2) ] ثم قال: احمدوا ربكم، وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم ~~نزل وقال: # اكتب يا نافع، وكان نافع مولاه وكاتبا يكتب بين يديه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، سلام على أهل ~~النزوع[ (3) ]من التزييغ وأسباب الرداء، لا إلى معادن السي، والتقحم في ~~الغي، فإني أحمد الله الذي خلاك في حيرتك، إذ بهتك في السيرة، ووهلك ~~للضرورة حق أقحمك أمورا أخرجت بها عن طاعته، وجانبت ولايته، وعسكرت بها في ~~الكفر، وذهلت بها عن الشكر، فلا تشكر في السراء، ولا تصبر في الضراء أقبلت ~~مستنا بحريم الحرة، وتستوقد الفتنة لتصلي بحرها، وجلبت لغيرك ضرها، وقلت ~~وثاق الاحتجاج، ومبارزة الحجاج، ألا بل لأمك الهبل، وعزة ربك لتكبن لنحرك. # ولتقلبن لظهرك، ولتتخبطن فريصتك[ (4) ]، ولتدحضن حجتك ولتذمن مقامك، ~~ولتشتغلن سهامك، كأني بك تصير إلى غير مقبول منك. إلا السيف هوجا هوجا، عند ~~كشوف الحرب عن ساقها، ومبارزة أبطالها، والسلام على من أناب إلى الله وسمع ~~وأجاب[ (5) ]. # ثم قال: من هاهنا من فتية بني الأشعث بن قيس؟قيل: سعيد بن ms304 جبير. # [ (1) ]الرجز لعامر بن خالد بن جعفر قاله ليزيد بن الصعق. عيون الأخبار 3/121. # [ (2) ]قيل هذا البيت لعمرو بن مالك بن ضبيعة. وله قصة رواها في عيون ~~الأخبار 2/205 والأغاني (21/205 ليدن) ومجمع الأمثال للميداني (1/32 بولاق) . # [ (3) ]في الأخبار الطوال ص 319: أهل التورع لا التبدع. # [ (4) ]الفريصة: داخل الفخذ، أي جزءه غير الظاهر، ويريد لتضطربن فريصتك ~~وترتجفن وذلك يحدث عند الخوف والرعب. # [ (5) ]الكتاب في الأخبار الطوال ص 319 وفيه اختلاف. PageV02P048 # قال: فأتي به. قال له: انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية، الذي قد فتن ~~وفتن، فاردعه عن قبيح ما دخل فيه، وعظيم ما أصر عليه من حق الله، وحرمة ما ~~انتهك عدو الله، إلى ما في ذلك من سفك الدماء، وإباحة الحريم، وإنفاق ~~الأموال، فإني لو لا معرفتي بأنك قد حويت علما، وأصبت فقها، أخاف أن يكون ~~عليك لا لك، لعهدت لك به عهدا تقفل به، ولكن انطلق مرتك هذه قبل الكتاب ~~إليه، واحمله على البريد. فخرج سعيد به متوجها، حتى انتهى إليه. # فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب، تبينت رعشته جزعا منه، وهيبة له، وسمع بذلك ~~من كان يتابعه، وهوى كل ذي هوى، وضم سعيد بن جبير فلم يظهره للناس، وكتم ~~الكتاب وجعل يستخلي بابن جبير في الليل فيسمر معه، ويسأله عبد الرحمن ~~الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج، فأبى سعيد ذلك عليه، فمكث بذلك شهرا ~~كريتا[ (1) ]. فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته، وسارع معه في رغبته، وخلعان ~~طاعة الحجاج، ثم إن عبد الرحمن، تجهز من سجستان مقبلا، يقود من يقوده من ~~أهل هواه وأهل رأيه، وخرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام، ~~وبمن معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل العراق، حتى لقيه بدير من أديار ~~الأهواز، يسمى بنيسابور، فناصبه للقتال ستة أشهر كريتة[ (2) ]، لا له ولا ~~عليه، حتى إذا كان في جوف ليلة من الليالي، خلا الحجاج بعنبسة بن سعيد بن ~~العاص، ويزيد بن أبي مسلم، وعلي بن منقذ مولاه، وبعبد الرحمن بن زياد ~~مولاه، ms305 وكان يزيد بن أبي مسلم حاجبه على ما وراء بابه وأما يحيى فوكله ~~بالقيام خلف ظهره، إذا هو نسي أو غفل نخسة بمنخسه، ثم قال: اذكر الله يا ~~حجاج، فيذكر ما بدا له أن يذكر. وأما عبد الرحمن بن زياد، فكان ذا رأي ~~ومشورة وأدب وفقه ونصيحة. أما عنبسة، فكان بعيد الهمة، طويل اللسان، بدية ~~الجواب، فأصل الخطاب، موفق الرأي، فاستشارهم لما طال به وبعبد الرحمن ~~القتال، لا يظفر واحد منهما بصاحبه-ومع عبد الرحمن سعيد بن جبير والشعبي[ ~~(3) ]، فكان هذا فقيه أهل الكوفة، وهذا فقيه أهل البصرة-في أن يبيته، فكره ~~ذلك مواليه، [ (1) ]أي كاملا. # [ (2) ]أي كاملة. # [ (3) ]هو عامر بن شراحيل الشعبي، سمع من 48 من أصحاب النبي صلى الله ~~عليه وسلم. متفق على توثيقه حديثه في الكتب الستة. ترجمته في التهذيب 5/65. PageV02P049 # وأشار عنبسة أن يبيته، فقال الحجاج: أصبت، أصاب الله بك الخير، وما الأمر ~~إلا النصيحة، والرأي شعوب، فمخطئ منها أو مصيب، غدا الاثنان، فصوموا ونصوم، ~~واستعينوا الله بالخيرة، ونبيتهم الليلة المقبلة، ليلة الثلاثاء، فسوف ~~أترجل، ويترجل أهل مودتي ونصيحتي، من ولدي وغيرهم. ففعل: وأصبح صائما، ~~وبيتهم ليلة الثلاثاءو هو يقول: اللهم إن كان الحق لهم فلا تمتنا على ~~الضلالة، وإن كان الحق لنا فانصرنا عليهم، فحمل عليهم والنيران توقد، فأصاب ~~منهم، وأصيب منه، وانهزم ابن الأشعث في سواد الليل، وأصاب الحجاج عسكره، ~~وأسر سعيد بن جبير، وأفلت عامر بن سعيد الشعبي مع ابن الأشعث، فلما أتي ~~الحجاج بسعيد بن جبير، قال له: ويحك يا سعيد!أما تستحيي مني؟ومدك الشيطان ~~في طغيانك، ألا استحيت من المراقب لي ولك، والحافظ علي وعليك؟فقال: أصلح ~~الله الأمير، وأمتع به!هي بلية وقعت، وعذاب نزل، والقول كما قال الأمير، ~~وكما نسبه به وأضافه إليه، إلا أني أتيت رجلا قد أزهى وطغى، ولبسته الفتنة، ~~وركب الشيطان كتفيه، ونفث في صدره، وأملى علي لسانه فخفته واتقيته بالذي ~~فعلت؟فإن تعاقب فبذنب، وإن تعف فسجية منك. فقال له الحجاج: فإنا قد عفونا ~~عنك، وسنردك إليه تارة أخرى. # ثم كتب ms306 كتابا، ووجهه مع سعيد بن جبير إلى عبد الرحمن، فلما كان سعيد ببعض ~~الطريق، خرق الكتاب. وقدم عبد الرحمن فأخبره، فنفر عبد الرحمن، وخرج موائلا ~~إلى أهل البصرة، وقد قدمت عليه كتبهم، يستبطئونه ويستعجلونه حتى قدم عليهم، ~~وبلغ ذلك الحجاج فسبقه إلى البصرة فدخل الحجاج المسجد متنكبا قوسا، فصعد ~~المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وحرض الناس على قتال ابن الأشعث، وحضهم على ~~طاعة عبد الملك، وتكلم رجل من أهل البصرة، يقال له سلمة المنقري من بني ~~تميم، وكان رجلا منطقيا، وله هوى في الخوارج، وكان الحجاج به خابرا. فلما ~~رآه عرف أنه يريد الكلام. فقال له: ادن يا سلمة، فدنا. فقال له: قل: رضينا ~~بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالإسلام دينا، وبالقرآن إماما، وبأمير المؤمنين ~~خليفة، وبالحجاج بن يوسف واليا. قال: والله لو كنا زمعا[ (1) ]وبني زمع ما ~~رضينا أن نكون تبعا لهذا الحائك، أمير المؤمنين أعزه الله، [ (1) ]زمع: ~~رذال الناس وأتباعهم، الجمع أزماع، يقال هو من زمعهم أي من مآخيرهم ~~(اللسان) . PageV02P050 # وأعز أمره، أقرب قرابة وأوجب حقا، ونحن ألزم لطاعة الأمير أكرمه الله، من ~~أن نسارع له في معصية أو نبطئ عنه في طاعة، فأجابه الحجاج فقال: يا سلمة، ~~هذا قول حسن، لا أدخله صدري، ولأردنه في نحرك، حتى نبتلي حقيقته إن شاء ~~الله، وكان قوله هذا على المنبر، وقد عسكر بأجناده بالزاوية[ (1) ]، ~~والزاوية في طرف من ناحية البصرة في طرف بني تميم. ثم إنه خرج من المسجد، ~~وحشد الناس من كان في الطاعة يومئذ من أهل العراق، وقد كان انهزم لابن ~~الأشعث غير ما مرة، وقتل له ابن الأشعث خلقا لا تحصى كثرة، قبل هذه المرة، ~~حتى يئس من نفسه، وقال: أترون العجوز، ابنة الرجل الصالح كذبتني؟يعني أسماء ~~بنت أبي بكر الصديق، لئن صدقت أسماء لا أقتل اليوم. وكان الحجاج لما فرغ من ~~قتال عبد الله بن الزبير، بعث إلى أمه أسماء بنت أبي بكر الصديق أن تأتيه، ~~فأبت أن تأتيه. فقال: والله لئن لم تأتني لأبعثن إليها من ms307 يجر بقرون رأسها، ~~ويسحبها حتى تصل إلي، فقيل ذلك لها. فقالت: والله لا أسير إليه حتى يبعث ~~إلي من يجر بقرون رأسي. فأقبل الحجاج حتى وقف عليها، فقال لها: كيف رأيت ما ~~فعل الله تعالى بابنك، عدو الله؟الشاق لعصا المسلمين، المفني لعباده ~~والمشتت لكلمة أمة نبيه؟فقالت: رأيته اختار قتالك، فاختار الله ما عنده، إذ ~~كان إكرامه خيرا من إكرامك. ولكن يا حجاج بلغني أنك تنتقصني بنطاقي هذين، ~~أو تدري ما نطاقاي؟أما النطاق هذا فشددت به سفرة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم يوم غزوة بدر، وأما النطاق الآخر، فأوثقت به خطام بعيره. # @HAD023 فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما إن لك به نطاقين في ~~الجنة، فانتقص علي بعد هذا أو دع، ولكن لا إخالك يا حجاج، أبشر فإني ~~@HAD029 سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: منافق ثقيف يملأ الله به ~~زاوية من زوايا جهنم، يبيد الخلق، ويقذف الكعبة بأحجارها، ألا لعنة الله ~~عليه! فأفحم الحجاج ولم يحر جوابا. قال: وسار ابن الأشعث بعد ما هزم الحجاج ~~مرارا إلى الكوفة حتى نزل دير الجماجم[ (2) ]، فقتل للحجاج فيه خلق كثير، ~~وكتب إلى [ (1) ]الزاوية: موضع قرب البصرة كانت به الوقعة المشهورة بين ~~الحجاج وابن الأشعث قتل فيها خلق كثير من الفريقين (معجم البلدان) . # [ (2) ]دير الجماجم: موضع بظاهر الكوفة على سبعة فراسخ منها على طرف البر ~~السالك إلى البصرة (معجم البلدان) . PageV02P051 # عبد الملك بن مروان أن أمدني بالرجال، قال: فأمده بمحمد بن مروان في أناس ~~من بني أمية كثير[ (1) ]، وجعل الحجاج أميرا عليهم، فسار الحجاج إلى ابن ~~الأشعث، فاقتتلوا أياما بدير الجماجم، حتى كثر القتل في الفريقين جميعا، ثم ~~إن ابن الأشعث لما حشد العسكر والحجاج بالبصرة. عسكر على مسير ثلاثة أميال ~~من البصرة على نهر يقال له نهر ابن عمر، فكتب ابن الأشعث يسأله أن يتنحى ~~عنهم لما كرهوا ولايته، حتى يستعمل عليهم أمير المؤمنين غيره، من هو أحب ~~إليهم منه. فلما انتهى إليه رسوله قال الحجاج: أدخلوه، فلما دخل ms308 سلم عليه ~~بالإمارة، قال: من أنت؟قال: رجل من خزاعة. قال: من أهل البصرة أنت، أم من ~~أهل الكوفة؟قال: لا، بل من أهل سجستان. قال: هل تأخذ لأمير المؤمنين ~~ديوانا؟قال: لا، قال: أفمن وزراء ابن الأشعث أنت علينا في هذه الفتنة يا ~~أخا خزاعة؟قال: والله ما هويتها، ولقد جلبني إليك مكرها، قال: فكيف تسليمك ~~على صاحبك إذا انصرفت إليه؟قال: بالإمرة، قال: فهل ترى في ذلك أنك ~~صادق؟قال: الله أعلم بأي الأمرين هو في نفسك أعلى الصواب أم على الخطأ؟قال: ~~الله أعلم أي الأمرين في نفسي. قال: أما إنك يا أخا خزاعة قد رددت الأمر ~~إليه وهو تعالى أعلم، انطلق إلى صاحبك بكتابك كما جئت به، وأعلمه بالذي كان ~~من ردنا عليك، فإنه جوابه عندنا، ونحن مناجزوه القتال، ومحاكموه إلى الله ~~من يوم الأربعاء إن شاء الله، فليعد وليستعد لذلك، ف @QUR@09 إن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون ، وذلك يوم الأحد. قال: فلما انصرف رسوله ~~إليه ناوله الكتاب، فلما رآه بخاتمه، أي مثل ما بعثه كف، فلم يسأله أمام من ~~حضر، حتى ارتفع الناس، ثم دعاه فأخبره الخبر. قال: وما وراء ظهرك إلا ~~هذا؟قال له: في دون ما جئتك به ما يكفيك، فقد رأيت أمرا صعبا ليس وراءه إلا ~~المناجزة. ثم إن الحجاج هتف هتفة أن اجتمعوا للعطية، ففرق العطية في ثلاثة ~~مواضع، وكان قواده يومئذ ثلاثة: سفيان بن الأبرد الكلبي على ميمنته، [ (1) ~~]قال الطبري وابن الأثير: أن عبد الملك بعث عرضا مع ابنه لأهل العراق يتضمن: # -نزع الحجاج عن العراق. # -أن يجري عليهم أعطياتهم كما تجرى على أهل الشام. # -أن ينزل ابن الأشعث أي بلد شاء على أن يكون واليا عليه ما دام حيا لكنهم ~~رفضوه وقالوا: والله لا نقبل. فأعادوا خلعه ثانية. PageV02P052 # وسعيد بن عمرو الجرشي على القلب، وعبد الرحمن بن عبد الله العكي[ (1) ~~]على ميسرته، فأعطى الناس على هذا وأقام في معسكره متربصا ومنتظرا ليوم ~~الأربعاء. فلما رأى ابن الأشعث أنه لا يتقدم لقتاله، وأنه متربص ليوم ~~الأربعاء، ms309 بعث رجلا من معسكره، حتى دنا من معسكر الحجاج، فنزل قريبا منه، ~~على مقدار حضر[ (2) ]الفرس، رجاء أن يتحرش له أحد من معسكر الحجاج فينشب ~~القتال قبل يوم الأربعاء، فرارا منه، وتطيرا به. فلما رأى الحجاج ذلك علم ~~ما أراده والذي توقع، فتقدم إلى أمراء أجناده وقواده، وإلى أهل عسكره عامة، ~~ألا يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الأشعث، ولا يعرضه على نفسه، وإن ~~أمكنته الفرصة منه إلا يوم الأربعاء، فلما كانت صبيحة يوم الأربعاء، وهو ~~يوم يتطير به أهل العراق، فلا يتناكحون، ولا يسافرون فيه، ولا يدخلون من ~~سفر، ولا يبايعون فيه بشيء، ولا بالبغل الأغر الأشقر. قال: فدعا الحجاج ~~ببغلة شقراء محجلة، فركبها خلافا لرأيهم، واستشعارا بطيرتهم، وتوكلا على ~~الله، ونادى مناديه في عسكره: أن انهضوا إلى قتال ابن الأشعث، وأمر خاصته ~~فركبوا معه، وقدم رجالته، وأخر خلفه مقاتلته، حتى إذا كانوا من عسكر ابن ~~الأشعث على مثال الأسهم وقف فصف أصحابه وعبأهم للقتال، وفعل مثل ذلك ابن ~~الأشعث، وترجل الحجاج وخاصته، ووضع له منبرا من حديد، فجلس عليه وترامى ~~الناس، حتى إذا كاد القتال ينشب، خرج رجل من أصحاب ابن الأشعث وهو ينادي: ~~ألا هل من مبارز؟فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشي وهو يمشي مشية قد لامه ~~الحجاج عليها، وكرهها له. فلما رآه الحجاج وهو يمشي تلك المشية، قال ~~الحجاج: ظلمتك يا عنبسة، لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا. # فلما دنا من الرجل، قال له عنبسة: فمن أنت يا منتخي؟فقال: رجل من بني ~~تميم، ثم من بني دارم، فحمل عليه عنبسة، فبدره بالضربة فقتله، ثم انصرف إلى ~~مجلسه فجلس، وقد تبين للناس حسن صنعه، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، ~~واشتد قتالهم، وانتحى سفيان على مركزه لم يرم، والجرشي على مركزه لم يرم، ~~وكانت ميلتهم على الميسرة، فنحوا عبد الرحمن العكي. فلما رآه [ (1) ]انظر ~~في تعبئة الحجاج لجيشه وتوزيع قواده وأسمائهم الطبري 6/83 وابن الأثير ~~3/150 البداية والنهاية 9/51. # [ (2) ]حضر الفرس: جريه السريع، ms310 أي على مسافة يقطعها الفرس سريعا بحيث ~~يراه من خلفه. PageV02P053 # الحجاج قد انكسرت ناحيته، وزال عنها، بعث إليه ابن عمه الحكم بن أيوب في ~~خيل. فقال: انطلق إلى عدو الله فاضرب وجهه بالسيف حتى ترده إلى مقامه، ~~ففعل، وبعث إلى سفيان بن الأبرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم، فحمل عليهم ~~سفيان وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها، وكان بإذن الله الفتح والغلبة ~~من ناحية سفيان، وقد بعث إليه الجرشي يستأذنه للقتال، فمنعه الحجاج وقال له: # لا، إلا أن ترى أمرا مقبلا، وتمكنا من فرصة، فاجتمع الأمر، وثاب العكي، ~~وانهزم ابن الأشعث، واستحقت هزيمته[ (1) ]، فدعا الحجاج بدابته فركبها، ~~وركب من كان مترجلا معه، بعد سجود ودعاء، وشكر كان منه، على ما صنع الله به ~~ومن كان معه، وحمدوا الله تعالى كثيرا، وكبروا تكبيرا عاليا، ثم انتهى إلى ~~ربوة فأومأ إليها، ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم، وحسر بيضته[ (2) ]عن ~~رأسه، فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده، وهو يتمثل بهذه الأبيات، وهي من قول ~~عبيد بن الأبرص، أو من قول اليشكري: # كيف يرجون سقاطي بعد ما # جلل الرأس بياض وصلع # ساء ما ظنوا وقد أوريتهم # عند غايات الوغى كيف أقع # رب من أنضجت غيظا قلبه # قد تمنى لي موتا لم يطع # ويراني كالشجى في حلقه # عسرا مخرجه ما ينتزع # مربد يهدر ما لم يرني # فإذا أسمعته صوتي انقمع # ويحييني إذا لاقيته # وإذا يخلو له الحمى رتع # ورث البغضاء عن والده # حافظا منه الذي كان استمع # ولساني صيرفي صارم # كذباب السيف ما مس قطع # قال: فلما فرغ الحجاج من هذه الأبيات كبر، ثم حمد الله بما هو أهله، للذي ~~كان من صنعه به وبجماعته، فبينا هو كذلك، إذ أتاه من يخبره أن ابن الأشعث ~~قد انخزل من أصحابه في نفر يسير، متوجها إلى ناحية خراسان[ (3) ]، [ (1) ~~]قال خليفة في تاريخه ص 282: كانت بينهم بالجماجم إحدى وثمانين وقيعة كلها ~~على الحجاج إلا آخر وقعة كانت على ابن الأشعث فانهزم. # [ (2) ]البيضة: الخوذة من الحديد يغطي بها الفارس رأسه. ms311 # [ (3) ]في الطبري 6/366 ومضى عبد الرحمن والفل من المنهزمين معه نحو ~~سجستان... وفي ابن الأثير 4/481 فنزل هو ومن معه لا يلوون على شيء. PageV02P054 # فدعا الحجاج ابن عم له[ (1) ]، كان يعرفه بالنصيحة والهوى، فقطع معه ~~ليلا، وأرسله في طلب ابن الأشعث إلى مواضع شتى، وعهد إليهم أن لا يدركوا ~~أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت، فوقف الحجاج طويلا في مكانه ذلك ~~المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الأشعث، وأصحابه ينتهبونه، ثم رجع إلى معسكره ~~فنزل، ودخل فسطاطه فجلس، وأذن لأصحابه فدخلوا عليه، فقام كل واحد منهم ~~يهنئه بالفتح، وجعل ابن جبلة يأتيه بالأسرى، فكلما أتي بأسير أمر به فضربت ~~عنقه، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل، فلما أصبح وتراجع إليه أكثر خيله، ~~أمر مناديه ينادي بالقفل، فقفل وقفلت معه أجناده، وجميع أصحابه إلى مدينة ~~واسط، فكان فيها وهو الذي كان بناها، قال: وضرب ابن الأشعث ظهرا لبطن، ليلا ~~ونهارا حتى لحق بخراسان، ورجا في لحوقه بها النجاة من الحجاج، والحذر ~~لنفسه، ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من ~~موضع إلى موضع، حتى استغاث بقصر منيف، فحصره ابن عم الحجاج فيه، وأحاطت به ~~الخيل من كل جانب، حتى ضيق عليه، ودعا بالنار ليحرقه في القصر، فلما رأى ~~ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ، وخاف النار، رمى بنفسه من بعض علالي ~~القصر[ (2) ]، وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في غمار النار، فيخفى أمره، ~~ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه، وانخذل ظهره ووقع مغشيا عليه، قال: فشعر به ~~أصحاب الحجاج فأخذوه، وقد أفاق [ () ]وفي مروج الذهب 3/160 فمضى حتى انتهى ~~إلى ملوك الهند. وفي البداية والنهاية 9/59 دخل هو ومن معه من الفل إلى ~~بلاد رتبيل ملك الترك. # [ (1) ]في الطبري: أتبعهم الحجاج عمارة بن تميم اللخمي ومعه ابنه محمد بن ~~الحجاج. # [ (2) ]في مقتل ابن الأشعث عدة روايات ذكرها الطبري 6/390-394 وابن ~~الأثير 4/501 ومنها ما ذكر بالأصل. وفي رواية أخرى: أنه كان عند ms312 رتبيل رجل ~~من بني تميم يقال له عبيد بن أبي سبيع-وهو من خواص ابن الأشعث ورسوله إلى ~~رتبيل فخص به رتبيل وخف عليه فحاول عبد الرحمن قتله فعمل عبيد على تخويف ~~رتبيل من الحجاج ودعاه إلى الغدر به- (وكان ابن الأشعث قد التجأ إلى رتبيل) ~~وقال له: أنا آخذ لك من الحجاج عهدا ليكفن الخراج عن أرضك سبع سنين على أن ~~تدفع إليه ابن الأشعث فأجابه إلى ذلك. وانظر ابن الأعثم 7/156. # وعلى كل الأحوال لم يصل ابن الأشعث حيا إلى الحجاج، وإنما أرسل إليه رأسه ~~بعد ما قتل (في راوية سقط عن علالي القصر-وفي رواية أن رتبيل قتله-وفي ~~رواية ثالثة أنه مرض بالسل ومات فحز رأسه رتبيل قبل أن يدفن. الطبري 6/390 ~~ابن الأثير 4/502) . وذكروا مقتله سنة 85. بينما ذكره ابن كثير في البداية ~~والنهاية 83 (ج 9/65-66) . PageV02P055 # بعض الإفاقة، ولا يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه ~~بتلك الحال أيقن أنه لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت ~~رقبته، وانطلق برأسه إلى الحجاج، فلما قدم عليه أحدث لله شكرا وحمدا فيما ~~كان من تمام الصنع، وما هيأ له من التأييد والظفر، وأقام كذلك لا يمر عليه ~~يوم إلا وهو يؤتى فيه بأسرى، فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا وغيظا لمسارعتهم ~~في اتباع ابن الأشعث، ومخالفتهم عن الحجاج، فيأمر بقتلهم حردا على الخوارج، ~~ورجاء أن يستأصلهم، فلا يخرج عليه خارجي بعدها، فلما رأى كثرة من يؤتى به ~~من الأسرى تحرى، فجعل إذا أتي بأسير يقول له: أمؤمن أنت أم كافر؟ليعرف بذلك ~~الخوارج من غيرهم، فمن بدأ على نفسه بالكفر والنفاق عفا عنه ومن قال أنا ~~مؤمن ضرب عنقه. ### || [الحجاج والشعبي] # [ (1) ] وأسر عامر بن سعيد[ (2) ]الشعبي فيمن أسر، وكان مع ابن الأشعث في ~~جميع حروبه، وكان خاص المنزلة منه، ليس لأحد منه مثلها للذي كان عليه من ~~حاله، إلا سعيد بن جبير، وأفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة، وأتى الشعبي إلى ~~الحجاج في سورة ms313 غضبه[ (3) ]، وهو يقتل الأسرى الأول فالأول، إلا من باء ~~على نفسه بالكفر والنفاق، فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه ~~لقيه رجل من صحابة الحجاج يقال له يزيد بن أبي مسلم وكان مولاه وحاجبه، فقال: # يا شعبي، لهفي بالعلم الذي بين دفتيك، وليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على ~~الأمير، فبؤ له بالكفر[ (4) ]والنفاق عسى أن تنجو[ (5) ]، فلما دخل الشعبي ~~على الحجاج صادفه واضعا رأسه لم يشعر، فلما رفع رأسه رآه قال له: وأنت أيضا ~~يا شعبي فيمن أعان علينا وألب!قال: أصلح الله الأمير إني أمرت بأشياء ~~أقولها لك، أرضيك بها وأسخط الرب، ولست أفعل، ولكني أقول: أصلح الله الأمير ~~[ (1) ]عنوان استدركناه للإيضاح. # [ (2) ]هو عامر بن شراحيل الشعبي، تقدمت الإشارة إليه. # [ (3) ]سورة غضبه: في شدة غضبه. # [ (4) ]في مروج الذهب 3/176 والعقد الفريد 5/32: بالشرك. # [ (5) ]زيد في مروج الذهب: فلما دخلت عليه (في العقد: ثم لقيني) استقبلني ~~محمد بن الحجاج فقال لي مثل مقالة يزيد. PageV02P056 # وأصدقك القول، فإن كان شيء ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء الله أحزن بنا ~~المنزل[ (1) ]، وأجدب الجناب، واكتحلنا السهر، واستحلسنا[ (2) ]الخوف، ~~وضاق بنا البلد العريض، فوقعنا في خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة ~~أقوياء، فقال له الحجاج: كذلك. قال: نعم، أصلح الله الأمير، وأمتع به، قال: ~~فنظر الحجاج إلى أهل الشام فقال: صدق والله يا أهل الشام ما كانوا بررة ~~أتقياء فيتورعوا عن قتالنا، ولا فجرة أقوياء فيقووا علينا، ثم قال: انطلق ~~يا شعبي فقد عفونا عنك، فأنت أحق بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم ~~يقول: كان وكان، قال: وكان قد أحضر بالباب رجلان، وأحدهما من بكر بن وائل، ~~والآخر من تميم، وكانا قد سمعا ما قيل للشعبي بالباب أن يقوله، فلما أدخلا. ~~قال الحجاج للبكري: أمنافق أنت؟قال: نعم، أصلح الله الأمير، لكن أخو بني ~~تميم لا يبوء[ (3) ]على نفسه بالنفاق. قال التميمي: أنا على دمي أخدع؟، بل ~~أنا-أصلح الله الأمير-منافق مشرك فتبسم الحجاج وأمر بتخلية سبيلهما. # قال الشعبي: فو ms314 الله ما أتى لذلك الأمر إلا نحو من شهرين، حتى رفعت إليه ~~فريضة أشكلت عليه، وهي أم، وجد، وأخت. فقال: من هاهنا نسأله عنها؟ قال: فدل ~~علي، فأرسل إلي، وقال يا شعبي ما عندك في هذه الفريضة، أم، وأخت وجد؟فقلت: ~~أصلح الله الأمير. قال فيها خمسة من أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قال: ~~من قال فيها؟قلت: قال فيها علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عثمان بن عفان، ~~وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت. قال: هات ما قال ~~فيها علي. فأخبرته. قال: فما قال فيها ابن مسعود؟فأخبرته، قال: فما قال ~~فيها ابن عباس؟فو الله لقد كان متفقها[ (4) ] فأخبرته. قال: فما قال فيها ~~أمير المؤمنين عثمان؟فأخبرته. قال: فما قال زيد بن ثابت؟قلت: أخذها من تسعة ~~أسهم، فأعطى الأم ثلاثة أسهم، وأعطى الجد أربعة أسهم، وأعطى الأخت سهمين. ~~فلما سمع ما كان من قول كل واحد [ (1) ]في العقد: نبا بنا المنزل وفي ~~المروج: أحزن بنا المبرك. # [ (2) ]استحلسنا الخوف: أي لم يفارقنا. # [ (3) ]لا يبؤ: لا يعترف. # [ (4) ]في مروج الذهب: «متقيا» وفي العقد: «منقبا» . PageV02P057 # منهم، وعرف رأيهم فيها[ (1) ]. قال يا غلام: قل للقاضي يمضيها على ما قال ~~أمير المؤمنين عثمان[ (2) ]. # قال الشعبي: ودخلت عليه الترك، قد شدوا أوساطهم بعمائهم، وانتزعت السيوف ~~من أعناقهم وأخذوا الطوامير[ (3) ]بأيمانهم، فدخل عليه رجل[ (4) ]من قبل ~~أمير المؤمنين عبد الملك. فقال له الحجاج: كيف تركت أمير المؤمنين وأهله ~~وولده وحشمه؟فأنباه عنه وعنهم بصلاح. فقال: ما كان وراءك من غيث؟قال: # نعم، أصلح الله الأمير، أصابتني سحابة في موضع كذا، فواد سائل، وواد ~~تارع[ (5) ]، فأرض مدبرة، وأرض مقبلة، حتى صدعت عن الكمأة أماكنها، فما ~~أتيتك إلا في مثل مجرى الضب[ (6) ]. فقال للحاجب: ائذن للناس فدخل عليه ~~رجل أتاه من قبل نجد[ (7) ]. فقال له: ما كان وراءك من غيث؟فقال: كثير ~~الإعصار، واغبر البلاد، وأكل ما أشرف من الحشيشة، فاستيقنا أنه عام سنة. # فقال: بئس المخبر أنت. قال: أخبرتك بالذي كان. فقال للحاجب: ائذن للناس، ~~فدخل عليه رجل ms315 أتاه من قبل اليمامة. فقال: هل كان وراءك من غيث؟ قال: نعم. ~~وسمعت الرواد يدعون إلى ريادها، وسمعت رائدا يقول: هلموا[ (8) ] أطعمكم ~~محلة تطفو فيها النيران، وتشتكي فيها النساء، وتنافس فيها المعز. فقال له: ~~ويحك، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم. فقال: أصلح الله الأمير، أما تطفوا ~~النيران، فيستكثر فيها الزبد واللبن والتمر، فلا توقد نار[يختبز بها]، وأما ~~أن يشتكي النساء: فإنه من جذبها على إبريق لبنها فتظل تمخض لبنها فتبيت ~~ولها أنين من عضديها، وأما تنافس المعز: فإنها ترأم من نوار النبات وألوان ~~الثمر ما يشبع بطونها، ولا يشبع عيونها، فتبيت، وقد امتلأت أكراشها، لها من ~~الكظة [ (1) ]انظر ما جاء في أقوالهم مروج الذهب 3/176 العقد الفريد 5/33. # [ (2) ]وكان رأي عثمان بن عفان: أن جعلها أثلاثا. # [ (3) ]في العقد: «وكتبهم» والطوامير جمع طومار وهو الصحيفة. # [ (4) ]في العقد: من بني سليم واسمه شبابة بن عاصم. # [ (5) ]في العقد 5/34: نازح. # [ (6) ]في العقد: وجئتك في مثل وجار الضبع (انظر اللسان: وجر) . # [ (7) ]في العقد: من بني أسد. # [ (8) ]في العقد: هلموا ظعنكم إلى محلة تطفأ فيها النيران. PageV02P058 # شرة تنزل به الدرة[ (1) ]. ثم قال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل من ~~الموالي، كان أشجع الناس في زمانه، يقال له عمرو بن الصلت. فقال له الحجاج: ~~هل كان وراءك من غيث؟قال: نعم. أصلح الله الأمير، أصابتني سحابة بموضع[ ~~(2) ]كذا وكذا، فلم أزل أطأ في أثرها، حتى دخلت على الأمير. # فقال له الحجاج: أما والله لئن كنت في المطر أقصرهم خطبة، إنك بالسيف ~~لأطولهم باعا وخطوة. # ولما انهزم ابن الأشعث، قام بعده عبد الرحمن بن عياش[ (3) ]بن ربيعة، ~~فقاتل الحجاج ثلاثة أيام، ثم انهزم، فوقع بأرض فارس، ثم صار إلى السند، ~~فمات هناك. وتحصن ناس من أصحاب ابن الأشعث في قلعة بأرض فارس، منهم عبد ~~الرحمن بن الحارث بن نوفل، والفضل بن عياش، وعمرو بن موسى التميمي، ومحمد ~~بن سعد بن أبي وقاص، وعبيد الله، ومحمد، وإسحاق، وعون، بنو عبد الله بن ~~الحارث في ناس من قريش، ولحق سعيد ms316 بن جبير بمكة، فأشعر به الحجاج، فغفل عنه ~~ولم يهيجه، فبعث الحجاج يزيد بن المهلب، فحاصرهم بفارس. # قال أبو معشر: حدثني عون قال: كتب إلينا يزيد بن المهلب، أن أخبروني بآية ~~بيني وبينكم حتى أخرجكم. قال: فكتب إليه عبد الله بن الحارث: كنت يوم كذا ~~وكذا في دارنا. قال: فأخرجه وبنيه، فسكنا عمان. وأسر من بقي، وأسروا اثني ~~عشر رجلا من وجوه الناس عامتهم من قريش، منهم عمرو بن موسى التميمي[ (4) ~~]ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده، وكتب إلى عبد ~~الملك يخبره بأمرهم، وجعل يذكر في كتابه أن سعيدا قد أنكر الخروج مع هؤلاء ~~القوم، فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم ويقول في كتابه: لم أبعثك ~~مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لأهل الخلاف والمعصية. # فأبرزهم الحجاج، فقال لعمرو بن موسى: يا عاتق قريش وكان شابا جميلا، [ ~~(1) ]في العقد: ولها في الكظة جرة، فتبقى الجرة حتى تستنزل الدرة. # [ (2) ]في العقد: بحلوان. # [ (3) ]كذا بالأصل، والصواب «عباس» كما في الطبري. # [ (4) ]هو عمرو بن موسى بن عبيد الله بن معمر. وانظر في الطبري 6/374 ~~بقية أسماء الأسرى. # وفيه أن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال ليزيد: «أسألك بدعوة أبي لأبيك» ~~فخلى سبيله. PageV02P059 # مالك أنت وللخروج، إنما أنت عاتق صاحب ثياب ولعب؟فقال له عمرو: أيها ~~الرجل، امض لما تريد، فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه، فإن شئت فأرسل يدي، ~~وبرئت مني الذمة. فقال له الحجاج: كلا، حتى أقدمك إلى النار، فضربت رقبته، ~~ثم جيء بمحمد بن سعد، فقال له: يا ظل الشيطان، وكان رجلا طويلا، ألست ~~بصاحب كل موطن؟أنت صاحب الحرة، وصاحب يوم الزاوية، وصاحب الجماجم. فقال له: ~~إنما نزلت بعهد الله وميثاقه، أرسل يدي وبرئت مني الذمة، قال: لا، حتى ~~أقدمك إلى النار، ثم قال لرجل من أهل الشام: اضرب لي مفرق رأسه، فضرب، فمال ~~نصفه هاهنا، ونصفه هاهنا، ثم قتل الباقين. ### || ذكر قتل سعيد بن جبير # قال: وذكروا أن مسلمة بن عبد الملك، كان واليا على ms317 أهل مكة، فبينما هو ~~يخطب على المنبر، إذ أقبل خالد بن عبد الله القسري من الشام واليا عليها، ~~فدخل المسجد، فلماقضى مسلمة خطبته، صعد خالد المنبر، فلما ارتقى في الدرجة ~~الثالثة، تحت مسلمة، أخرج طومارا مختوما، ففضه، ثم قرأه على الناس، فيه: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك[ (1) ]بن مروان أمير المؤمنين إلى ~~أهل مكة، أما بعد: فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري، فاسمعوا له ~~وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا، فإنما هو القتل لا غير، وقد برئت ~~الذمة من رجل آوى سعيد بن جبير[ (2) ]، والسلام. ثم التفت إليهم خالد وقال: # والذي نحلف به، ونحج إليه، لا أجده في دار أحد إلا قتلته، وهدمت داره، ~~ودار كل من جاوره، واستبحت حرمته. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام، ثم نزل، ~~ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام، فأتى رجل إلى خالد فقال له: إن سعيد بن ~~جبير بواد من أودية مكة، مختفيا بمكان كذا، فأرسل خالد في طلبه، فأتاه [ ~~(1) ]كذا بالأصل. وهو خطأ فعبد الملك كان قد مات، والخليفة الوليد بن عبد ~~الملك وهو صاحب الكتاب وهذا ما أشار إليه الطبري في حوادث سنة 94. # [ (2) ]وكان سعيد بن جبير بعد هزيمة ابن الأشعث قد هرب إلى أصبهان ثم هرب ~~منها وكان يعتمر في كل سنة ويحج ثم انه لجأ إلى مكة فأقام بها، وكان الحجاج ~~قد بعث نفرا وأمرهم بطلب سعيد بن جبير فخرج القوم في طلبه يسألون عنه وعن موضعه. # (انظر الطبري 8/95 ابن الأثير 4/580 حلية الأولياء 4/291 وفيات الأعيان ~~2/372 تاريخ أصبهان 1/324) . PageV02P060 # الرسول، فلما نظر إليه الرسول قال: إنما أمرت بأخذك، وأتيت لأذهب بك ~~إليه، وأعوذ بالله من ذلك، فالحق بأي بلد شئت، وأنا معك. قال له سعيد بن جبير: # ألك هاهنا أهل وولد؟قال: نعم. قال: إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل ~~الذي كان ينالني. قال الرسول: فإني أكلهم إلى الله. فقال سعيد: لا يكون ~~هذا. فأتى به إلى خالد فشده وثاقا، وبعث به إلى الحجاج. ms318 فقال له رجل من أهل ~~الشام: إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك، فما عرض له، فلو جعلته فيما بينك ~~وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله. فقال خالد، وقد كان ظهره ~~إلى الكعبة قد استند إليها: والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا ~~ينقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته. فلما قدم سعيد على الحجاج، قال ~~له: ما اسمك؟قال: سعيد. قال: ابن من؟قال: ابن جبير. قال: # بل أنت شقي بن كسير؟قال سعيد: أمي[ (1) ]أعلم باسمي واسم أبي. قال ~~الحجاج: شقيت وشقيت أمك. قال سعيد: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: # لأوردنك حياض الموت، قال سعيد: أصابت إذا أمي اسمي. فقال الحجاج: # لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد: لو أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك ~~إلها. قال الحجاج: فما قولك في محمد؟قال سعيد: نبي الرحمة، ورسول رب ~~العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة. فقال الحجاج: فما قولك في ~~الخلفاء؟قال سعيد: لست عليهم بوكيل، كل امرئ بما كسب رهين. قال الحجاج: ~~أشتمهم أم أمدحهم؟قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، إنما استحفظت أمر نفسي. ~~وقال الحجاج: أيهم أعجب إليك؟قال: حالاتهم يفضل بعضهم على بعض. قال الحجاج: ~~صف لي قولك في علي. أفي الجنة هو، أم في النار؟قال سعيد: لو دخلت الجنة ~~فرأيت أهلها علمت، ولو رأيت من في النار علمت، فما سؤالك عن غيب قد حفظ ~~بالحجاب؟قال الحجاج: فأي رجل أنا يوم القيامة؟فقال سعيد: أنا أهون على الله ~~من أن يطلعني على الغيب. قال الحجاج: أبيت أن تصدقني؟قال سعيد[ (2) ]: بل ~~لم أرد أن أكذبك. فقال الحجاج فدع عنك هذا كله، أخبرني ما لك لم تضحك ~~قط؟قال: لم أر شيئا يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من طين، والطين تأكله النار، ~~ومنقلبه إلى الجزاء، واليوم [ (1) ]في مروج الذهب: أبي كان أعلم باسمي منك. ~~قال: شقيت وشقي أبوك. # [ (2) ]في حلية الأولياء 4/291: لا أحب أن أكذب (انظر فتوح ابن الأعثم ~~7/162) . PageV02P061 # يصبح ويمسي في الابتلاء. قال الحجاج: فأنا ms319 أضحك. فقال سعيد: كذلك خلقنا ~~الله أطوارا. قال الحجاج: هل رأيت شيئا من اللهو؟قال: لا أعلمه. فدعا ~~الحجاج بالعود والناي. قال: فلما ضرب العود، ونفخ في الناي بكى سعيد. قال ~~الحجاج: ما يبكيك؟قال: يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما، والله لا شبعت ولا رويت ~~ولا اكتسيت، ولا زلت حزينا لما رأيت. قال الحجاج: وما كنت رأيت هذا ~~اللهو؟فقال سعيد: بل هذا والله الحزن يا حجاج، أما هذه النفخة، فذكرتني يوم ~~النفخ في الصور[ (1) ]، وأما هذا المصران[ (2) ]فمن نفس ستحشر معك إلى ~~الحساب، وأما هذا العود فنبت بحق، وقطع لغير حق. فقال الحجاج: أنا قاتلك. ~~قال سعيد: قد فرغ من تسبب في موتي. قال الحجاج: أنا أحب إلى الله منك؟قال ~~سعيد: لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه، والله بالغيب أعلم. قال ~~الحجاج: كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا، وأنا مع إمام الجماعة، وأنت مع ~~إمام الفرقة والفتنة؟قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة، ولا أنا براض عن ~~الفتنة، ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له. قال الحجاج: كيف ترى ما نجمع لأمير ~~المؤمنين؟قال سعيد: لم أر، فدعا الحجاج بالذهب والفضة، والكسوة والجوهر، ~~فوضع بين يديه. قال سعيد: هذا حسن إن قمت بشرطه. قال الحجاج: وما شرطه؟قال: ~~أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم القيامة، وإلا فإن كل ~~مرضعة تذهل عما أرضعت[ (3) ]، ويضع كل ذي حمل حمله، ولا ينفعه إلا ما طاب ~~منه. قال الحجاج: فترى طيبا؟قال: برأيك جمعته، وأنت أعلم بطيبة. قال ~~الحجاج: أتحب أن لك شيئا منه؟قال: لا أحب ما لا يحب الله. قال الحجاج: ~~ويلك. قال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار. قال الحجاج: اذهبوا ~~به فاقتلوه. قال: إني أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، ~~وأن محمدا عبده ورسوله، أستحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك. فلما أدبر ضحك. قال ~~الحجاج[ (4) ]: ما يضحكك يا سعيد؟ [ (1) ]إشارة إلى الآية الكريمة: ~~@QUR@05 (ويوم ينفخ في الصور ... @QUR@04 وكل أتوه داخرين) ms320 من سورة النمل ~~آية 87. # [ (2) ]يريد: أوتار العود. وهي تتخذ من مصارين الحيوان. # [ (3) ]إشارة إلى قوله تعالى: @QUR@07 (يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما ~~أرضعت) الحج: 2. # [ (4) ]في ابن الأعثم 8/163: ردوه!وهو يضحك (مروج الذهب 3/201) . PageV02P062 # قال: عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك[ (1) ]قال الحجاج: إنما ~~أقتل من شق عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها، اضربوا عنقه. ~~قال سعيد: حتى أصلي ركعتين، فاستقبل القبلة وهو يقول: @QUR@08 وجهت وجهي ~~للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما @QUR@05 وما أنا من المشركين [ (2) ~~]. قال الحجاج: اصرفوه عن القبلة إلى قبلة النصارى، الذين تفرقوا واختلفوا ~~بغيا بينهم، فإنه من حزبهم، فصرف عن القبلة. فقال سعيد: @QUR@05 (فأينما ~~تولوا فثم وجه الله) [ (3) ]الكافي بالسرائر... قال الحجاج: لم نوكل ~~بالسرائر، وإنما وكلنا بالظواهر. قال سعيد: # اللهم لا تترك له ظلمي، واطلبه بدمي، واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد. # فضربت عنقه، ثم قال الحجاج: هاتوا من بقي من الخوارج، فقرب إليه جماعة ~~فأمر بضرب أعناقهم، وقال: ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من ~~المظلومين، فأما أمثال هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين، ~~وقائد سبيل المتوسمين. # وقال قائل: إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله، وجعل يصيح ~~قيودنا، يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير[ (4) ]، ويقول: متى كان ~~الحجاج يسأل عن القيود أو يعبأ بها؟وهذا يمكن القول فيه لأهل الأهواء في ~~الفتح والإغلاق. ### || ذكر بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك # قال: وذكروا أنه لما فرغ الحجاج من قتل الخوارج، وتم له أمر العراق، ~~فاستقر ملك عبد الملك، كتب إليه الحجاج أن يبايع للوليد ابنه[ (5) ]، ~~ويكتب له عهده للناس؟فأبى ذلك عبد الملك، لأن أخاه عبد العزيز كان حيا، ~~وكان قد استعمله عبد الملك على مصر، وكتب إلى الحجاج يوبخه، ويقول له ما لك ~~أنت [ (1) ]في مروج الذهب: عنك. # [ (2) ]الآية 79 من سورة الأنعام، وليس فيها «مسلما» . # [ (3) ]سورة البقرة آية 115. # [ (4) ]في البداية والنهاية 9/115 فظنوا ذلك، فقطعوا رجليه من أنصاف ms321 ~~ساقيه وأخذوا القيود. # [ (5) ]زيد في الطبري 6/85 وأوفد وفدا في ذلك سألوا عبد الملك إتمام ~~الأمر وقام عمران بن عصام العنزي وأنشد: ومما قاله: # فلو أن الوليد أطاع فيه # جعلت له الخلافة والذماما # شبيهك حول قبته قريش # به يستمطر الناس الغماما PageV02P063 # والتكلم بهذه؟وكانت البيعة بالشام لهما جميعا، إذ مات مروان، وكان عبد ~~العزيز نظير عبد الملك في الحزم والرأي والعقل والذكاء، وكان عبد الملك لا ~~يفضل عبد العزيز في شيء إلا باسم الخلافة، حتى لربما كان عبد الملك يأمر ~~بالشيء، فيريد عبد العزيز غيره، ويرى خلافه، فيرده إلى رأيه ولا يمضيه، ~~وكان لا ينكر ذلك عبد الملك. # فلما كانت سنة إحدى وثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية وما ~~حولها، ووجهه إلى من بها من البربر يقاتلهم، وضم إليه برقة، فلما قدم موسى ~~بن نصير متوجها، انتهى ذلك إلى عبد العزيز، فرده من مصر إلى الشام، وبعث ~~قرة بن حسان الثعلبي، فانصرف موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك، وذكر ~~امتهانا ناله من عبد العزيز وما استقبله به[ (1) ]إلى كلام كثير، فقال له ~~عبد الملك: إن عبد العزيز صنو أمير المؤمنين، وقد أمضينا فعله، فتوجه قرة ~~بن حسان إلى إفريقية، فهزم بها، وقتل غالب أصحابه. فلما كانت سنة أربع ~~وثمانين[ (2) ]، توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، ثم ولي[ (3) ]محمد بن ~~مروان إلى سنة ست وثمانين، فلما توفي عبد العزيز، أجمع عبد الملك على بيعة ~~الوليد، ثم من [ (1) ]كذا ورد هذا الخبر بالأصل... نرى في هذا الخبر ثغرات أهمها: # -لم يرد اسم قرة بن حسان الثعلبي، فيمن ولي المغرب أو إفريقيا. # -العلاقة الوطيدة بين عبد العزيز وموسى بن نصير، وقد وردت روايات في ~~تولية موسى بن نصير إفريقيا من قبل عبد العزيز بن مروان. قال الكندي في ~~ولاة مصر ص 74 «وقدم حسان بن النعماني الغساني من الشام إلى مصر، بعهد إلى ~~المغرب في سنة 78 فسأله عبد العزيز أن لا يعرض لأطرابلس فأبى حسان ذلك ~~فعزله عبد العزيز ms322 وولى موسى بن نصير مولى لخم أمر المغرب كله» (انظر الحلة ~~السيراء 2/332 والبيان المغرب 1/39) . # -يفهم من المصادر أن الذي رده عبد العزيز بن مروان هو حسان بن النعمان ~~وليس العكس، وهو الذي ولى موسى بن نصير دون رأي عبد الملك ودونه مشورته، ~~وقد أقر عبد الملك عمل عبد العزيز. # -الذي قدم على عبد الملك هو حسان بن النعمان وقد شكى له أخاه عبد العزيز ~~وما أساء إليه به (الحلة السيراء 2/332) . # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير والبداية والنهاية ذكرت وفاته سنة 85. وعند ~~الكندي في ولاة مصر: # سنة 86. # قال الطبري: أن عبد الملك أراد خلع أخيه عبد العزيز (وذلك سنة 84) فنهاه ~~قبيصة بن ذؤيب وقال: لا تفعل هذا، فإنك باعث على نفسك صوت نعار، ولعل الموت ~~يأتيه، فتستريح منه. # قال الطبري وكان موته بمصر في جمادى الأولى. (انظر ابن سعد) . # [ (3) ]في الطبري ضم عبد الملك عمله إلى ابنه عبد الله بن عبد الملك، ~~وولاه مصر. PageV02P064 # بعد الوليد سليمان، فكتب إلى الحجاج ببيعة الوليد وسليمان، فبايع الحجاج ~~لهما بالعراق، فلم يختلف عليه أحد، وبويع لهما بالشام ومصر واليمن، وكتب ~~عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل، وهو عامله على المدينة، أن يأخذ بيعة أهل ~~المدينة، فلما أتت البيعة لهما، كره ذلك سعيد بن المسيب، وقال: لم أكن ~~لأبايع بيعتين في الإسلام بعد حديث @HAD019 سمعته عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: «إذا كانت بيعتان في الإسلام فاقتلوا الأحداث منهما» ~~فأتاه عبد الرحمن بن عبد القاري، فقال: إني مشير عليك بثلاث خصال، اختر ~~أيها شئت. قال: وما هي؟قال له: إنك تقوم حيث يراك هشام بن إسماعيل، فلو ~~غيرت مقامك؟قال: ما كنت لأغير مقاما قمته منذ أربعين سنة لهشام بن إسماعيل. ~~قال: فثانية. قال: وما هي؟قال: أخرج معتمرا، قال سعيد: ما كنت لأجهد نفسي، ~~وأنفق مالي في شيء ليس لي فيه نية. قال له: فثالثة، قال: وما هي؟قال: ~~تبايع للوليد، ثم لسليمان، قال سعيد: أرأيت إن كان الله قد أعمى قلبك كما ms323 ~~أعمى بصرك فما علي؟قال: وكان عبد الرحمن هذا أعمى. قال: # فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة، وكان ابن عم سعيد بن المسيب، فلما علم ~~بذلك القرشيون، أتوا هشاما فقالوا له: لا تعجل على ابن عمك حتى نكلمه ~~ونخوفه القتل، فعسى به أن يبايع ويجيب. قال: فاجتمع القرشيون، فأرسلوا إلى ~~سعيد مولى له كان في الحرس. فقالوا له: اذهب إليه، فخوفه القتل، وأخبره أنه ~~مقتول، فلعله يدخل فيما دخل فيه الناس. فجاءه مولاه، فوجده قائما يصلي في ~~مسجده، فبكى مولاه بكاء شديدا، قال له سعيد: ما يبكيك ويحك!قال: أبكي مما ~~يراد بك. قال له سعيد: وما يراد بي، ويحك. قال: جاء كتاب من عبد الملك بن ~~مروان، إلى هشام بن إسماعيل، إن لم تبايع وإلا قتلت، فجئتك لتطهر وتلبس ~~ثيابا طاهرة وتفرغ من عهدك إن كنت لا تريد أن تبايع. فقال له سعيد: لا أم ~~لك قد وجدتني أصلي في مسجدي، أفتراني كنت أصلي ولست بطاهر، وثيابي غير ~~طاهرة!وأما ما ذكرت من أن أفرغ من عهدي، فما كنت لأوخر عهدي بعد ما @HAD030 ~~حدثني به عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ما حق ~~امرئ مسلم يبيت ليلتين له شيء يوصي به إلا ووصيته مكتوبة» [ (1) ]، فإذا ~~شاءوا فليفعلوا، فإني لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام. قال: # [ (1) ]الحديث رواه البخاري في الوصايا (1) ومسلم في الوصية (1) وأبو ~~داود في الوصايا (1) PageV02P065 # فرجع إليهم المولى فأخبرهم بما ذكر، فكتب صاحب المدينة هشام بن إسماعيل ~~إلى عبد الملك يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما (للوليد وسليمان) ~~فكتب عبد الملك إليه: ما لك ولسعيد، وما كان علينا منه أمر نكرهه، وما كان ~~حاجتك أن تكشف عن سعيد، أو تأخذه ببيعة، ما كنا نخاف من سعيد؟فأما إذ قد ~~ظهر ذلك وانتشر أمره في الناس، فادعه إلى البيعة، فإن أبى فاجلده مائة سوط، ~~أو أحلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا من شعر وأوقفه في السوق على الناس لكيما ~~لا يجترئ علينا أحد ms324 غيره. قال: فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام، فانطلق ~~سعيد إليه، فلما أتاه دعاه إلى البيعة، فأبى أن يجيبه، فألبسه ثيابا من ~~شعر[ (1) ]، وجرده وجلده مائة سوط[ (2) ]، وحلق رأسه ولحيته، وأوقفه في ~~السوق، وقال: # لو أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ثيابي طائعا ولا أجبت إلى ذلك قال بعض ~~الأيليين[ (3) ]الذين كانوا في الشرطة بالمدينة: لما علمنا أنه لا يلبس ~~الثياب طائعا قلنا له: يا أبا محمد إنه القتل فاستر بها عورتك، قال: فلبس ~~فلما تبين له أنا خدعناه قال: يا معلجة أهل أيلة، لو لا أني ظننت أنه القتل ~~ما لبسته. قال: فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم الجمعة ~~تحول إليه سعيد بن المسيب، أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر الله، حتى إذا ~~وقع في مدح عبد الملك وغيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك، أمر ~~حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحول عنه ففعل ذلك به، فقال سعيد: إنما هي ثلاث، ~~وأشار بيده. # قال: فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام. ### || موت عبد الملك وبيعة الوليد # قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته الوفاة، جمع بنيه وقال لهم: ~~اتقوا الله ربكم، وأصلحوا ذات بينكم، وليجل صغيركم كبيركم، وكبيركم صغيركم، ~~انظروا أخاكم مسلمة، فاستوصوا به خيرا، فإنه شيخكم ومجنكم [ () ]والترمذي ~~في الجنائز (5) والوصايا (3) والنسائي في الوصايا (1) وابن ماجة في الوصايا ~~(2) وأحمد في المسند 2/4، 10، 50، 57، 80. # [ (1) ]في الطبري: طاف به في تبان (سراويل صغير يستر العورة) وفي العقد ~~الفريد 4/421 ألبسه المسوح. وانظر حلية الأولياء 2/171-172. # [ (2) ]في الطبري وابن الأثير: ستين سوطا. # [ (3) ]نسبة إلى أيلة بلد بين ينبع ومصر. PageV02P066 # الذي به تستجنون، وسيفكم[ (1) ]الذي به تضربون، أوصيكم به خيرا، وانظروا ~~ابن عمكم عمر بن عبد العزيز، فاصدروا عن رأيه، ولا تخلوا عن مشورته اتخذوه ~~صاحبا لا تجفوه، ووزيرا لا تعصوه، فإنه من علمتم فضله ودينه، وذكاء عقله، ~~فاستعينوا به على كل مهم، وشاوروه في كل حادث[ (2) ]. قال: ثم دخل عليه ms325 ~~خالد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال لهما: أتحبان أن ~~أسألكما بيعة الوليد وسليمان؟فقالا: يا أمير المؤمنين، معاذ الله من ذلك. ~~قال: فأومأ بيده إلى مصلى كان مضطجعا عليه، فأخرج من تحته سيفا مصلتا. فقال لهما: # والله لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما بهذا السيف، ثم خرجا من عنده، ~~ودخل عليه عمر بن عبد العزيز. فقال عبد الملك: يا أبا حفص استوص خيرا ~~بأخويك الوليد وسليمان، إن زلا فشلهما وإن مالا فأقمهما، وإن غفلا فذكرهما، ~~وإن ناما فأيقظهما، وقد أوصيتهما بك، وعهدت إليهما أن لا يقطعا شيئا دونك. ~~فقال عمر بن عبد العزيز: يا أمير المؤمنين أوصيتهما بكتاب الله فليقيماه في ~~عباده وبلاده، وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فليحيياها، ويحملا الناس ~~عليها؟فقال عبد الملك: قد فعلت ووليي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ~~الصالحين. ثم قال: وقد علمت يا عمر مكان فاطمة مني، ومحلها من قلبي، وإني ~~آثرتك بها على جميع آل مروان، لفضلك وورعك، فكن عند ظني بك، ورجائي فيك، ~~وقد علمت أنك غير مقصر، ولا مضيع حقها[ (3) ]، ولكن الله قد قضى أن الذكرى ~~تنفع المؤمنين، قوموا عصمكم الله وكفاكم. ثم خرجوا من عنده. قال: ثم دعا ~~عبد الملك بالوليد وسليمان، فدخلا عليه. فقال للوليد: اسمع يا وليد، قد حضر ~~الوداع، وذهب الخداع، وحل القضاء. قال: فبكى الوليد. فقال له عبد الملك: لا ~~تعصر عينيك علي كما [ (1) ]في ابن الأثير: ونابكم الذي عنه تفترون. # [ (2) ]انظر وصيته إلى أولاده: ابن الأثير 3/181، مروج الذهب 3/197، ابن ~~الأعثم 7/201- 202 الأخبار الطوال ص 325. البداية والنهاية 9/81. # قال ابن الأعثم إن الوليد بن عبد الملك أجاب أباه بعد ما أوصاه: # إني لما أوصيتنيه لحافظ # أرعاه غير مقصر في المحتد # وأكون للأعداء سما ناقعا # ولذي القرابة كالحميد الآبد # ولكل إخواني وجل عشيرتي # أرعى المغيب في حفظهم في المشهد # وأقوم بعدك في الرعية بالذي # أوصيتني بهم بحسن تودد # [ (3) ]تزوجها عمر بن عبد العزيز، وهو ابن عمها. PageV02P067 # تعصر الأمة ms326 الوكساء[ (1) ]، إذا أنا مت فاغسلني، وكفني، وصل علي وأسلمني ~~إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي، وأخرج أنت إلى الناس، والبس لهم ~~جلد نمر، واقعد على المنبر، وادع الناس إلى بيعتك، فمن مال بوجهه عنك كذا، ~~فقل له بالسيف كذا[ (2) ]، وتنكر للصديق والقريب، واسمع للبعيد، وأوصيك ~~بالحجاج خيرا، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وكفاكم تقحم تلك الجرائم. # قال: فلما توفي عبد الملك، ومات من يومه ذلك، خرج الوليد إلى الناس، وقعد ~~على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: نعمة ما أجلها، ومصيبة ما ~~أعظمها، و@QUR@06 إنا لله وإنا إليه راجعون . نقل الخلافة، وفقد الخليفة[ ~~(3) ]، ثم دعا الناس إلى البيعة، فلم يختلف عليه أحد، ثم كان أول ما ظهر من ~~أمره، وتبين من حكمه، أن أمر بهدم كل دار ومنزل، من دار عبد الملك إلى ~~قبره، فهدمت من ساعتها، وسويت بالأرض، لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا ~~وشمالا، وليكون النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق ~~والأمصار، وإلى الحجاج بالعراق فبايع له الناس ولم يختلف عليه أحد. فدخل ~~عليه سليمان بن عبد الملك. فقال له: يا أمير المؤمنين، اعزل الحجاج بن يوسف ~~عن العراقين فإن الذي أفسد الله به أكثر مما أصلح. فقال له الوليد: إن عبد ~~الملك قد أوصاني به خيرا. فقال سليمان: عزل الحجاج والانتقام منه من طاعة ~~الله، وتركه من معصية الله. فقال الوليد: سنرى في هذا الأمر، وترون إن شاء ~~الله، ثم كتب الحجاج إلى الوليد: أما بعد، فإن الله تعالى استقبلك يا أمير ~~المؤمنين في حداثة سنك بما لا أعلمه استقبل به خليفة قبلك من التمكين في ~~البلاد، والملك للعباد، والنصر على الأعداء، فعليك بالإسلام، فقوم أوده، ~~وشرائعه وحدوده، ودع عنك محبة الناس وبغضهم وسخطهم، فإنه قل ما يؤتى الناس ~~من خير أو شر، إلا أفشوه في ثلاثة أيام، والسلام. # [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 325: الأمة الورهاء (يعني الجارية الحمقاء) ~~وفي البداية والنهاية 9/81: أتحن حنين الجارية والأمة. والوكساء: الخسيسة. # [ (2) ]في ms327 مروج الذهب: وضع سيفك على عاتقك، فمن أبدى ذات نفسك لك فاضرب ~~عنقه، ومن سكت مات بدائه. # [ (3) ]قارن مع الطبري 6/423 وابن الأثير 3/183 البداية والنهاية 9/84. ~~مروج الذهب 3/197. وفي هذه المصادر ذكرت له على المنبر خطبة أخرى وذلك بعد ~~عودته من دفن والده عبد الملك. PageV02P068 ### || تولية موسى بن نصير[ (1) ]البصرة # قال: وحدثنا يزيد بن سعيد مولى مسلم، أن عبد الملك بن مروان لما أراد أن ~~يولي أخاه بشر بن مروان على العراق، كتب إلى أخيه عبد العزيز بن مروان وهو ~~بمصر، وبشر معه يقود الجنود، وكان يومئذ حديث السن: إني قد وليت أخاك بشرا ~~البصرة، فاشخص معه موسى بن نصير، وزيرا ومشيرا، وقد بعثت إليك بديوان ~~العراق، فادفعه إلى موسى، وأعلمه أنه المأخوذ بكل خلل وتقصير، فشخص بشر من ~~مصر إلى العراق، ومعه موسى بن نصير، حتى نزل البصرة، فلما نزلها دفع إلى ~~موسى بن نصير خاتمه، وتخلى عن جميع العمل، فلبث موسى مع بشر ما لبث، ثم إن ~~رجلا من أهل العراق دخل على بشر بن مروان فقال له: هل لك أن أسقيك شرابا لا ~~تشيب معه أبدا، بعد أن أشترط عليك شروطا؟قال بشر: وما هي؟قال: لا تغضب ولا ~~تركب، ولا تجامع امرأة في أربعين ليلة، ولا تدخل حماما، فقبل ذلك بشر ~~وأجابه، وشرب ما أسقاه، واحتجب عن قريب الناس وبعيدهم، وخلا مع جواريه ~~وخدامه، فكان كذلك حتى أتته ولاية الكوفة وقد ضمت إليه مع البصرة، فأتاه من ~~ذلك ما لم يحمل فرحه، ولا السرور به، فدعا بركاب ليركبها، فأتاه الرجل، ~~فناشده لا يخرج ولا يركب، وأن لا يتحرك بحركة من مكانه، فلم يلتفت بشر إلى ~~كلامه، ولم يقبل ما أمره به، فلما رأى الرجل عزمه قال له: فاشهد لي على ~~نفسك بأنك قد عصيتني ففعل بشر ذلك، وأشهد أنه قد أبرأه، فركب وهو يريد ~~الكوفة، فلم يسر إلا أميالا، حتى وضع يده على لحيته، فإذا هي في كفه قد ~~سقطت من وجهه، فلما رأى ذلك انصرف ms328 إلى البصرة، فلم يلبث إلا قليلا حتى ~~هلك[ (2) ]، فلما بلغ عبد الملك موته، وجه الحجاج بن يوسف واليا عليها. ~~فقال موسى بن نصير: ما فاتك فلا يفوتك، وكان عبد الملك قد أراده لأمر عتب ~~عليه منه[ (3) ]. فكتب [ (1) ]هو أبو عبد الرحمن موسى بن نصير، اللخمي ~~بالولاء، كان من التابعين كان والده نصير على حرس معاوية. وقال ابن بشكوال ~~في الصلة: أنه موسى بن نصير بن عبد الرحمن بن زيد. # [ (2) ]ذكر ابن كثير وفاته سنة 74 بالبصرة. وقال ابن الأعثم في الفتوح ~~6/319 أنه اعتل علة شديدة واستسقى بطنه فمات. # [ (3) ]ذكر ابن عذاري في البيان المغرب 1/39 أن موسى كان على خراج البصرة ~~فاحتجن الأموال لنفسه، فأوصى (عبد الملك) الحجاج به ألا يفوته. فلعل هذا ~~الأمر هو ما عتب به عليه فيه خاصة بعد أن قدمه وولاه. PageV02P069 # خالد بن أبان، من الشام إلى موسى بن نصير: إنك معزول، وقد وجه إليك ~~الحجاج بن يوسف، وقد أمر فيك بأغلظ أمر، فالنجاة، والوحي الوحي[ (1) ]، ~~فإما أن تلحق بالفرس فتأمن وإما أن تلحق بعبد العزيز بن مروان مستجيرا به، ~~ولا تمكن ملعون ثقيف من نفسك فيحكم فيك. فلما أتاه الكتاب: ركب النجائب ~~ولحق بالشام، وبها يومئذ عبد العزيز بن مروان قد وفد بأموال مصر. فكتب ~~الحجاج من العراق: يا أمير المؤمنين، إنه لا قدر لما اقتطعه موسى بن نصير ~~من أموال العراق، وليس بالعراق، فابعث به إلي. ### || دخول موسى بن نصير على عبد الملك بن مروان # قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سالم حدثهم عن أبيه، أنه حضر يومئذ شأن ~~موسى، ودخوله على عبد الملك. قال: وكانت لموسى يد عظيمة عند عبد العزيز بن ~~مروان يطول ذكرها قال سالم، قال لي موسى: لما قدمت الشام لقيت بها عبد ~~العزيز، وكان ذلك من صنع الله، فأدخلني على عبد الملك[ (2) ]، فلما رآني ~~عبد الملك قلت: موسى. قال: ما تزال تعرض لحيتك علينا؟قال: قلت: لم يا أمير ~~المؤمنين؟قال: لجرأتك علي واقتطاعك الفيء. قال: فقلت: ما فعلت يا ms329 أمير ~~المؤمنين، وما ألوتك نصحا واجتهادا وإصلاحا، قال: أقسم لتؤدين دينك خمسين ~~مرة. قال: قلت لم يا أمير المؤمنين؟قال: فما تركني أتمها حتى قال: # قم لتؤدينها مائة مرة، فذهبت لأتكلم، فأشار علي عبد العزيز أن قل نعم. فقلت: # نعم يا أمير المؤمنين، ثم خرجت فأعانني عبد العزيز بخمسين ألفا، وأديت ~~خمسين ألفا في ثلاثة أشهر نجمها علي. ### || تولية موسى بن نصير على إفريقية # قال: وذكروا أن عبد العزيز لما رجع إلى مصر، سار موسى معه. فكان من أشرف ~~الناس عنده، فأقام بها ما أقام حتى قدم حسان بن النعمان[ (3) ]من إفريقية ~~[ (1) ]الوحي الوحي: يعني النجاة النجاة. # [ (2) ]في البيان المغرب 1/40 أنه ذهب إلى عبد العزيز في مصر ثم وفد معه ~~إلى الشام. # [ (3) ]وهو حسان بن النعمان بن عدي بن بكر بن مغيث بن عمرو بن مزيقياء بن ~~عامر بن الأزد وكان عبد الملك قد ولاه إفريقيا سنة 74 بعد زهير بن قيس، ~~وكان قد قتل سنة 69 وقد شغل PageV02P070 # يريد الشام إلى عبد الملك وقد فتح له بها فتحا، وقتل الكاهنة[ (1) ]، ~~فأجازه عبد الملك[ (2) ]وزاده برقة، ورده إليها، أي إلى إفريقية واليا، ~~فأقبل حتى نزل مصر، وبعث معه بعثا من هناك، فأخذوا أعطياتهم منه، ثم ساروا ~~حتى نزلوا ذات الجماجم. قال: فبلغ ذلك عبد العزيز وأن حسان بن النعمان يطلب ~~برقة من عند عبد الملك، وأنه قد ولاه أياما، فبعث إليه فقال له: أولاك أمير ~~المؤمنين برقة؟قال: نعم. فقال له عبد العزيز: لا تعرض، وكان عليها مولى ~~لعبد العزيز. # فقال حسان: ما أنا فاعل. فغضب عبد العزيز وقال له: ائت بعهدك عليها إن ~~كنت صادقا. قال: فأتى به حسان، فلما أقرأه عبد العزيز وجدها فيه، فالتفت ~~إلى حسان فقال: ما أنت بتاركها؟قال: والله لا أنعزل عما ولانيه أمير ~~المؤمنين. # قال: فاقعد في بيتك، فسيولى هذا الأمر من هو خير منك وأولى به منك، في ~~تجربته وسياسته، ويغني الله أمير المؤمنين عنك. ثم أخذ عبد العزيز عهده ~~ومزقه، ودعا بموسى بن ms330 نصير فعقد له على إفريقية يوم الخميس في صفر سنة تسع ~~وسبعين[ (3) ]، فتجهز موسى بن نصير، وحمل الأموال إلى ذات الجماجم، وبها ~~الجيوش ينتظرون واليهم فقدم عليهم موسى بن نصير، فلما صار على الجيش الأول ~~أتى عصفور حتى وقع على صدره، فأخذه موسى، فدعا بسكين، فذبحه موسى، ولطخ ~~بدمه صدره من فوق الثياب، ونتف ريشه وطرحه على صدره وعلى نفسه، ثم قال: ~~الفتح ورب الكعبة، والظفر إن شاء الله. # [ () ]عبد الملك عن إفريقيا ما كان بينه وبين عمرو بن سعيد وابن الزبير. ~~(ابن الأثير 3/81- 82) . # [ (1) ]الكاهنة كانت بجبل أوراس وقد اجتمع إليها البربر فخافها الروم ~~وجميع إفريقيا. فالتقى معها بوادي مسكيانه فهزم ثم عبأ جنده وتتالت الأمداد ~~له فهزمها وقتلها (تفاصيل انظرها في ابن الأثير 3/82-83 والبيان المغرب ~~1/37-38) . # [ (2) ]في البيان المغرب وابن الأثير: الوليد بن عبد الملك وفيهما ثمة ~~ذكر لعبد العزيز، والمعروف أن عبد العزيز مات قبل عبد الملك وقبل ولاية ~~الوليد وقد مر ذلك. # [ (3) ]في ولاة مصر للكندي ص 74: سنة 78. وقال ابن الأثير 3/83 أن الوليد ~~ولى إفريقيا عمه عبد الله بن مروان فعزل عنها حسانا واستعمل موسى بن نصير ~~سنة 89. وأن حسان أقام في القيروان لا ينازعه أحد إلى أن توفي عبد الملك. ~~في حين يؤكد ابن عذاري أن الذي عزل حسان هو عبد العزيز بن مروان. وقال ابن ~~القطان: أن عزل حسان وولاية موسى بن نصير كان من قبل عبد العزيز بن مروان ~~دون أمر أخيه عبد الملك ومشورته وذلك لأن أمر والي إفريقيا كان منوطا ~~بالوالي على مصر ويعني ذلك من تدبير عبد العزيز... ولما حاول الوليد بعد ~~ذلك إعادته إلى عمله رفض حسان وحلف: لا أولي لبني أمية أبدا. وانظر الحلة ~~السيراء 2/332. PageV02P071 ### || خطبة موسى بن نصير رحمه الله # قال: وذكروا أن موسى لما قدم ذات الجماجم، وقد توافت الجيوش بها، جمع ~~الناس فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن أمير ~~المؤمنين أصلحه الله رأى رأيا في حسان بن النعمان، ms331 فولاه ثغركم، ووجهه ~~أميرا عليكم، وإنما الرجل في الناس بما أظهر، والرأي فيما أقبل، وليس فيما ~~أدبر، فلما قدم حسان بن النعمان على عبد العزيز أكرمه الله كفر النعمة، ~~وضيع الشكر، ونازع الأمر أهله، فغير الله ما به، وإنما الأمير[ (1) ]أصلحه ~~الله صنو أمير المؤمنين وشريكه، ومن لا يتهم في عزمه ورأيه، وقد عزل حسان ~~عنكم، وولاني مكانه عليكم، ولم يأل أن أجهد نفسه في الاختبار لكم، وإنما ~~أنا رجل كأحدكم، فمن رأى مني حسنة، فليحمد الله، وليحض على مثلها، ومن رأى ~~مني سيئة فلينكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، وأصيب كما تصيبون، وقد أمر ~~الأمير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها أثلاثا، فخذوها هنيئا مريئا، ومن ~~كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها على ما عز وهان، مع ~~المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. ### || دخول موسى بن نصير إفريقية # قال: وذكروا أن موسى لما سار متوجها إلى المغرب، بقية صفر، ثم ربيع ~~وربيع، ودخل في جمادى الأولى، يوم الاثنين، لخمس خلون منه، سنة تسع وسبعين، ~~فأخذ سفيان بن مالك الفهري وأبا صالح الفهري، فغرم كل واحد منهما عشرة آلاف ~~دينار، ووجههما إلى عبد الملك في الحديد. قال: وكان قدوم موسى إفريقية وما ~~حولها مخوفا، بحيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين، لقرب العدو ~~منهم، وإن عامة بيوتها الخصوص[ (2) ]وأفضلها القباب، وبناء المسجد يومئذ ~~شبيه بالحظير، غير أنه قد سقف ببعض الخشب، وقد كان ابن النعمان بنى القبلة ~~وما يليها بالمدر، بنيانا ضعيفا، وكانت جبالها كلها محاربة لا ترام، وعامة السهل. # [ (1) ]يشير إلى عبد العزيز بن مروان. # [ (2) ]الخصوص جمع خص، وهو البيت من البوص ونحوه. PageV02P072 ### || خطبة موسى بإفريقية # قال: وذكروا أن موسى لما قدم إفريقية، ونظر إلى جبالها، وإلى ما حولها، ~~جمع الناس ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما ~~كان قبلي على إفريقية أحد رجلين: مسالم يحب العافية، ويرضى بالدون من ~~العطية، ويكره أن يكلم[ (1) ]، ويحب أن يسلم، أو رجل ms332 ضعيف العقيدة، قليل ~~المعرفة، راض بالهوينى، وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر، وأحسن النظر، ~~وخاض الغمر، وسمت به همته، ولم يرض بالدون من المغنم لينجو، ويسلم دون أن ~~يكلم أو يكلم، ويبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده، ولا عنف يقاسيه، متوكلا ~~في حزمه، جازما في عزمه، مستزيدا في علمه، مستشيرا لأهل الرأي في إحكام ~~رأيه، متحنكا بتجاربه، ليس بالمتجابن إقحاما، ولا بالمتخاذل إحجاما، إن ظفر ~~لم يزده الظفر إلا حذرا، وإن نكب أظهر جلادة وصبرا، راجيا من الله حسن ~~العاقبة، فذكر بها المؤمنين، ورجاهم إياها لقول الله تعالى: @QUR@03 (إن ~~العاقبة للمتقين) [هود: 49]أي الحذرين. وبعد: # فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدو الأقصى، ويترك عدوا منه أدنى، ~~ينتهز منه الفرصة، ويدل منه على العورة، ويكون عونا عليه عند النكبة، وايم ~~الله لا أريم[ (2) ]هذه القلاع والجبال الممتنعة حتى يضع الله أرفعها، ~~ويذل أمنعها، ويفتحها على المسلمين بعضها أو جمعها، أو يحكم الله لي وهو ~~خير الحاكمين. ### || فتح زعوان[ (3) ] # قال: وذكروا أنه كان بزعوان[ (3) ]قوم من البربر، يقال لهم عبدوه، عليهم ~~عظيم من عظمائهم يقال له: ورقطان، فكانوا يغيرون على سرح المسلمين، ويرصدون ~~غرتهم، والذي بين زعوان[ (3) ]وبين القيروان يوم إلى الليل، فوجه إليهم ~~موسى خمس مائة فارس، عليهم رجل من خشين يقال له: عبد الملك فقاتلهم فهزمهم ~~الله، وقتل صاحبهم ورقطان، وفتحها الله على يد موسى، فبلغ سبيهم [ (1) ~~]يكلم: يجرح. # [ (2) ]أي لن أتركها وأغادرها. # [ (3) ]في البيان المغرب 1/40 زغوان. PageV02P073 # يومئذ عشرة آلاف رأس، وأنه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى، ثم ~~وجه ابنا له يقال له عبد الرحمن[ (1) ]بن موسى، إلى بعض نواحيها، فأتاه ~~بمائة ألف رأس ثم وجه ابنا له يقال له مروان[ (2) ]، فأتاه بمثلها فكان ~~الخمس يومئذ ستين ألف رأس. ### || قدوم كتاب الفتح على عبد العزيز بن مروان # قال: وذكروا أن موسى بن نصير كتب إلى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره ~~بالذي فتح الله عليه، وأمكن له، ويعلمه أن الخمس بلغ ms333 ثلاثين ألفا، وكان ذلك ~~وهما من الكاتب. فلما قرأ عبد العزيز الكتاب، دعا الكاتب وقال له: # ويحك!اقرأ هذا الكتاب. فلما قرأه قال: هذا وهم من الكاتب فراجعه. فكتب ~~إليه عبد العزيز: إنه بلغني كتابك، وتذكر فيه أنه قد بلغ خمس ما أفاء الله ~~عليك ثلاثين ألف رأس، فاستكثرت ذلك، وظننت أن ذلك وهم من الكاتب[ (3) ]، ~~فاكتب إلي بعد ذلك على حقيقة، واحذر الوهم. فلما قدم الكتاب على موسى كتب ~~إليه: بلغني أن الأمير أبقاه الله، يذكر أنه استكثر ما جاءه من العدة، التي ~~أفاء الله علي، وأنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب، فقد كان ذلك وهما على ما ظنه ~~الأمير، والخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا وهم. قال: فلما أتى ~~الكتاب إلى عبد العزيز وقرأه ملأه سرورا. ### || إنكار عبد الملك تولية موسى بن نصير # قال: وذكروا أن عبد العزيز لما ولى موسى وعزل حسان كما تقدم، وفتح الله ~~لموسى بلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فكره ذلك وأنكره، ثم كره رد رأي عبد ~~العزيز، ثم هم بعزل موسى لسوء رأيه فيه، ثم رأى أن لا يرد ما صنع عبد ~~العزيز. فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين ما ~~كان من رأيك في عزل حسان، وتوليتك موسى مكانه، وعلم الأمر الذي له عزلته، ~~وقد كنت أنتظر منك مثلها في موسى، وقد أمضى لك أمير المؤمنين من [ (1) ]في ~~البيان المغرب: عبد الله. (انظر ابن الأثير 3/194 وجذوة المقتبس للحميدي ص 317) . # [ (2) ]في ابن الأثير 3/194: هارون. # [ (3) ]قارن مع البيان المغرب 1/40 كتاب عبد العزيز إلى موسى بن نصير، ~~وجواب موسى عليه. PageV02P074 # رأيك ما أمضيت، وولايتك من وليت، فاستوص بحسان خيرا فإنه ميمون الطائر، ~~والسلام. ### || جوابه # فلما قدم الكتاب على عبد العزيز كتب إلى أخيه عبد الملك: أما بعد، فقد ~~بلغني كتاب أمير المؤمنين في عزل حسان، وتوليتي موسى بن نصير، وقد كان ~~لمثلها مني منتظرا في موسى، ويعلمني أنه قد أمضى لي من رأيي فيما ms334 أمضيت، ~~وولايتي من وليت، وقد علمت أن أمير المؤمنين يتفاءل بحسان للذي فتح الله ~~على يديه، ولم أعد مع نظري لأمير المؤمنين، بأن عزلت حسان، ووليت موسى في ~~يمن طائره، وحسن أثره. فأما قول أمير المؤمنين: قد كنت أنتظرها منك في ~~موسى، فلعمري لقد كنت لها فيه مرصدا، ولأمير المؤمنين أن يسبق بها إليه ~~منتظرا، حتى حضر أمر جهدت فيه نفسي لأمير المؤمنين. ولنفسي الرأي والنصيحة، ~~والسلام. ### || كتاب عبد العزيز بالفتح إلى عبد الملك # قال: وذكروا أن عبد العزيز كتب إلى عبد الملك، أما بعد: فإني كنت وأنت يا ~~أمير المؤمنين في موسى وحسان كالمتراهنين، أرسلا فرسيهما إلى غايتهما فأتيا ~~معا، وقد مدت الغاية[ (1) ]لأحدهما، ولك عنده مزيد إن شاء الله[ (2) ]، ~~وقد جاءني يا أمير المؤمنين كتاب من موسى، وقد وجهته إليك لتقرأه، وتحمد ~~الله عليه، والسلام[ (3) ]. ### || جوابه # فكتب إليه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم المثل ~~الذي مثلته في حسان وموسى، ويقول لك عند أحدهما مزيد، وكل قد [ (1) ~~]الغاية: هي النهاية أي المكان الذي ينتهي عنده السباق. # [ (2) ]يشير إلى نشاط موسى بن نصير في الغزو والفتوحات وما يأمل عبد ~~العزيز منه من نجاح. # [ (3) ]وكان عبد العزيز قد أرفق كتابه إلى عبد الملك يعلمه فيه بالفتح ~~بكتاب موسى (البيان المغرب 1/40) . PageV02P075 # عرف الله على يده خيرا ونصرا[ (1) ]، وقد أجريت وحدك، وكل مجر بالخلاء ~~مسرور[ (2) ]، والسلام. # ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى، وعلى ما ~~كتب به. فلما قدم الرسول على موسى: دفع إليه ما ذكر، وزاده ألفا للوفاء. ### || فتح هوارة[ (3) ]، وزناتة، وكتامة[ (4) ] # قال: وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى هوارة وزناتة في ألف فارس، ~~فأغار عليهم وقتلهم وسباهم، فبلغ سبيهم خمسة آلاف رأس، وكان عليهم رجل منهم ~~يقال له كمامون[ (5) ]، فبعث به موسى إلى عبد العزيز في وجوه الأسرى، ~~فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة، فسميت بركة كمامون[ (5) ]، فلما ~~أوجع عياش فيهم دعوا إلى الصلح، فقدم ms335 على موسى بوجوههم، فصالحوهم وأخرجوهم، ~~وكانت كتامة قد قدمت على موسى فصالحته، وولى عليهم رجلا منهم، وأخذ منهم ~~رهونهم[ (6) ]، وكتب أحدهم إلى موسى، إنما نحن عبد انك، قتل أحدنا صاحبه، ~~وأنا خير لك منه، فلم يشك موسى أن ذلك إنما كان عن ممالأة من كتامة، وقد ~~كانت رهون كتامة استأذنوا موسى قبل ذلك بيوم ليتصيدوا، فأذن لهم، فلما أتاه ~~ما أتاه تحقق ظنه فيهم، وأنهم إنما هربوا، فوجه الخيول في طلبهم، فأتي بهم، ~~فأراد صلبهم. فقالوا: لا تعجل أيها الأمير بقتلنا حتى يتبين أمرنا، فإن ~~آباءنا وقومنا لم يكونوا ليدخلوا في خلاف أبدا، ونحن في يدك وأنت [ (1) ~~]يشير إلى ما كان من حسان بن النعمان وفتوحاته وانتصاراته في إفريقيا ~~والمغرب. # [ (2) ]أي أنه من يجري فرسه لوحده دون منافس ينافسه السباق، يسر من جريه ~~وسرعته لأن وحده لا يستطيع المفاضلة بينه وبين غيره وهذا ما ينطبق على موسى ~~إذ أنك أرسلته وحده وأنت تترقب ما يأتي به، ولا تستطيع مفاضلته لأنه وحده. # [ (3) ]هوارة هؤلاء من بطون البرانس باتفاق من نسابة العرب والبربر ولد ~~هوارة بن أوريغ بن برنس إلا ما يزعم بعضهم أنهم من عرب اليمن وبعضهم يقولون ~~من عاملة وبعضهم يقول من حمير. (العبر 6/139) . # [ (4) ]كتامة يقال انهم من حمير، ونسابة البربر يقولون أنهم من ولد كتام ~~بن برنس وهم أشد قبائل البربر بأسا وقوة وأطولهم باعا في الملك (العبر ~~6/148) . # [ (5) ]في البيان المغرب 1/41 طامون. # [ (6) ]في البيان المغرب: أخذ منهم رهائن من خيارهم. PageV02P076 # على البيان أقدر منك على استحيائنا بعد القتل، فأوقرهم حديدا، وأخرجهم ~~معه إلى كتامة، وخرج هو بنفسه. فلما بلغهم خروج موسى، تلقاه وجوه كتامة ~~معتذرين، فقبل منهم، وتبينت له براءتهم، واستحيا رهونهم. ### || فتح صنهاجة[ (1) ] # قال: وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة بغرة منهم ~~وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى بأربعة آلاف ~~من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف عياشا على ~~أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي ms336 فارس، وعلى مقدمة موسى عياض بن عقبة، ~~وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي مدرك، فسار موسى ~~حتى غشي صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا يشعرون، فقتلهم قتل ~~الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مائة ألف رأس، ومن الإبل والبقر والغنم والخيل ~~والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى القيروان، وهذا كله في سنة ~~ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى وما أصاب معه المسلمون من ~~الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما كان معه، فالتقى المغيرة ~~وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه أكتافهم وهزمهم، فبلغ ~~سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا. ### || فتح سجوما # قال: وذكروا أنه لما كان سنة ثلاث وثمانين، قدم على موسى نجدة عبد الله ~~بن موسى في طالعة أهل مصر. فلما قدم عليه، أمر الناس بالجهاد والتأهب، ثم ~~غزا يريد سجوما وما حولها، واستخلف عبد الله بن موسى على القيروان، ثم خرج ~~وهو في عشرة آلاف من المسلمين، وعلى مقدمته عياض بن عقبة، وعلى ميمنته زرعة ~~بن أبي مدرك، وعلى ميسرته المغيرة بن أبي بردة القرشي، وعلى ساقته نجدة بن ~~مقسم، فأعطى اللواء ابنه مروان، فسار حتى إذا [ (1) ]صنهاجة هذا القبيل من ~~أوفر قبائل البربر، يرجعون إلى صنهاج وهو عند نسابة البربر من بطون البرانس ~~من ولد برانس بن بر، وذكر ابن الكلبي والطبري أنهم وكتامة جميعا من حمير ~~(العبر 6/152) . PageV02P077 # كان بمكان يقال له سجن الملوك، خلف به الأثقال، وتجرد في الخيول، وخلف ~~على الأثقال عمرو بن أوس في ألف، وسار بمن معه حتى انتهى إلى نهر يقال له ~~ملوية، فوجده خاملا، فكره طول المقام عليه، خوفا من نفاد الزاد، وأن يبلغ ~~العدو مخرجه ومكانه، فأحدث مخاضة غير مخاضة عقبة بن نافع، وكره أن يجوز ~~عليها. فلما أجاز وانتهى إليهم، وجدهم قد أنذروا به وتأهبوا، وأعدوا للحرب، ~~فاقتتلوا قتالا شديدا في جبل منيع، لا يوصل إليهم إلا من أبواب معلومة، ~~فاقتتلوا ms337 يوم الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى العصر، فخرج إليهم رجل من ~~ملوكهم، فوقف والناس مصطفون، فنادى بالمبارزة، فلم يجبه أحد، فالتفت موسى ~~إلى مروان ابنه، فقال له: اخرج إليه أي بني، فخرج إليه مروان، ودفع اللواء ~~إلى أخيه عبد العزيز بن موسى. فلما رآه البربري ضحك، ثم قال له: # ارجع، فإني أكره أن أعدم منك أباك. وكان حديث السن. قال: فحمل عليه مروان ~~فرده، حتى ألجأه إلى جبله، ثم إنه زرق مروان بالمزراق، فتلقاه مروان بيده ~~وأخذه، ثم حمل مروان عليه وزرقه به زرقة وقعت في جنبه، ثم لحقت حتى وصلت ~~إلى جوف برذونه، فمال فوقع به البرذون ثم التقى الناس عليه فاقتتلوا قتالا ~~شديدا أنساهم ما كان قبله، ثم إن الله هزمهم، وفتح للمسلمين عليهم، وقتل ~~ملكهم كسيلة بن لمزم[ (1) ]وبلغ سبيهم مائتي ألف رأس، فيهم بنات كسيلة، ~~وبنات ملوكهم، وما لا يحصى من النساء السلسات، اللاتي ليس لهن ثمن ولا ~~قيمة. قال: فلما وقفت بنات الملوك بين يدي موسى، قال: علي بمروان ابني. ~~قال: فأتي به قال له: أي بني اختر. قال: فاختار ابنة كسيلة فاستسرها[ (2) ~~]، فهي أم عبد الملك بن مروان هذا. قال: قاتل يومئذ زرعة بن أبي مدرك قتالا ~~شديدا أبلى فيه حتى اندقت ساقه قال: فآلى موسى أن لا يحمل إلا على رقاب ~~الرجال، حتى يدخل القيروان، وأن يحمله خمسون رجلا، كل يوم يتعاقبون بينهم، ~~ثم انصرف موسىوقد دانت له البلاد كلها، وجعل يكتب إلى عبد العزيز بفتح بعد ~~فتح، وملأت سباياه الأجناد، وتمايل الناس إليه، ورغبوا فيما هنالك [ (1) ~~]في البيان المغرب 1/32 أن كسيلة بن لمزم قتله زهير بن قيس البلوي سنة 69 ~~في نواحي نهر ملوية بعد معركة التحم فيها الفريقان. وقيل سنة 64 (الحلة ~~السيراء 2/330 وفيه: # كسيل) . # [ (2) ]استسرها أي اتخذها سرية، أي مملوكة تزوج بها فولدت له. PageV02P078 # لديه، فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول إذا جاءه فتوح موسى: لتهنئك ~~الغلبة أبا الأصبع. ثم يقول: @QUR@010 فعسى أن تكرهوا شيئا ms338 ويجعل الله فيه ~~خيرا كثيرا . # قال: وبعث موسى إلى عياض وعثمان وإلى عبيدة[ (1) ]بني عقبة، فقال: ~~اشتفوا، وضعوا أسيافكم في قتلة أبيكم عقبة. قال: فقتل منهم عياض ست مائة ~~رجل صبرا من خيارهم وكبارهم، فأرسل إليه موسى أن أمسك. فقال: أما والله لو ~~تركني ما أمسكت عنهم، ومنهم عين تطرف. ### || قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان # قال: وذكروا أن موسى لما قدم، وجه بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن مروان، ~~مع علي بن رباح، فسار حتى قدم على عبد العزيز بمصر، فأجازه ووصله، ووجهه ~~إلى عبد الملك بن مروان أخيه، فلما قدم عليه أجازه أيضا، وزاد في عطائه ~~عشرين. فلما انصرف، قال له عبد العزيز: كم زادك أمير المؤمنين؟ قال: عشرين. ~~قال: لو لا كره أن أفعل مثل ما فعل لزدتك مثلها، ولكن تعدلها زيادة عشرة. ~~وكتب عبد الملك إلى موسى يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده فيء مائة[ (2) ]. ~~وبلغ به هو إلى المائتين، وفرض في مواليه، وأهل الجزاء والبلاء ممن معه خمس ~~مائة رجل ثلاثين ثلاثين، وكتب إليه إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمائة ألف ~~التي أغرمها لك[ (3) ]، فخذها من قبلك من الأخماس. قال: فلما قدم على موسى ~~كتاب عبد الملك بن مروان، يأمره بأخذ المائة الألف مما قبله. قال: فإني ~~أشهدكم أنه رد على المسلمين، ومعونة لهم، وفي الرقاب[ (4) ]. وكان موسى ~~إذا أفاء الله عليه شيئا، اشترى من ظن منهم أنه يقبل الإسلام وينجب فيعرض ~~عليه الإسلام، فإن رضي قبله من بعد أن يمحص عقله، ويجرب فطنة فهمه، فإن ~~وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه، وإن لم يجد فيه مهارة رده في الخمس [ (1) ]في ~~البيان المغرب 1/41 «أبا عبدة» . # [ (2) ]الفيء: قال المبرد: يقال فاء يفيء إذا رجع. وأفاء الله: إذا ~~رده. قال الأزهري: الفيء ما رده الله على أهل دينه من أموال من خالف أهل ~~دينه بلا قتال. والغنيمة هي ما يحصل بعد تعب النفس في تحصيلها بخلاف الفيء ~~الذي لا يتحمل في تحصيله تعبا. (التفسير الكبير ms339 للرازي تفسير سورة الحشر) . # [ (3) ]تقدم أن عبد الملك كان قد أغرم موسى بن نصير، بعد فراره بخراج ~~العراق، بمائة ألف. # [ (4) ]أي في عتق الرقاب، يريد إعطاء العبيد المملوكين لكي يعطوا أصحابهم ~~لكي يعتقوهم. PageV02P079 # والسهام. قال: وكتب موسى إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك وما ~~أوصله، وأنه لو لا ذلك أوفده إلى أمير المؤمنين، ففرض له عبد العزيز في ~~مائة، وفرض لثلاثين رجلا من قومه، وانصرف موسى قافلا، وذلك في سنة أربع ~~وثمانين. ### || غزوة موسى في البحر # قال: وذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر رمضان وشوال، فأمر بدار ~~صناعة بتونس[ (1) ]وجر البحر إليها، فعظم عليه الناس ذلك، وقالوا له: هذا ~~أمر لا نطيقه، فقام إلى موسى رجل من مسالمة البربر، ممن حسن إسلامه، فقال ~~له: أيها الأمير، قد مر علي مائة وعشرون سنة، وإن أبي حدثني أن صاحب ~~قرطاجنةلما أراد بناء قناتها، أتاه الناس يعظمون عليه ذلك فقام إليه رجل ~~فقال له: أيها الملك، إنك إن وضعت يدك بلغت منها حاجتك، فإن الملوك لا ~~يعجزها شيء بقوتها وقدرتها، فضع يدك أيها الأمير، فإن الله تعالى سيعينك ~~على ما نويت، ويأجرك فيما توليت. فسر بذلك موسى، وأعجبه قول هذا الشيخ. # فوضع يده، فبنى دار صناعة بتونس، وجر البحر إليها مسيرة اثني عشر ميلا، ~~حتى أقحمه دار الصناعة، فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الأنواء والأرياح. ثم ~~أمر بصناعة مائة مركب، فأقام بذلك بقية سنة أربع وثمانين، وقدم عطاء بن أبي ~~نافع الهذلي في مراكب أهل مصر، وكان قد بعثه عبد العزيز يريد سردانية، ~~فأرسى بسوسة، فأخرج إليه موسى الأسواق، وكتب إليه أن ركوب البحر قد فات في ~~هذا الوقت وفي هذا العام. فأقم لا تغرر بنفسك. فإنك في تشرين الآخر، فأقم ~~بمكانك حتى يطيب ركوب البحر قال: فلم يرفع عطاء لكتاب موسى [ (1) ]دار ~~الصناعة: يعني ترسانة بناء السفن وميناء تأوي إليه. # قال العريني: أدرك عبد الملك أهمية القوة البحرية في فتح إفريقيا، فطلب ~~إلى والى إفريقيا موسى بن نصير ms340 بأن يقيم بها قاعدة بحرية وبعث إليه من مصر ~~ألفا من صناع السفن، بأسراتهم ليسهموا في عمارة البحرية... على أن موسى لم ~~يشيد دار الصناعة والقاعدة البحرية في قرطاجنة بل اتخذ لذلك موضعا يقع إلى ~~الداخل، على بحيرة وأمر بحفر قناة تتصل بين البحيرة والخليج، وبذلك أهمل ~~قرطاجنة ونهضت مدينة تونس، وأصبحت تونس مرفأ مأمونا للسفن الإسلامية، بفضل ~~موقعها في الداخل، وبعدها عن خطر الغارة البحرية المفاجئة. # وبادر موسى إلى تشييد سفنه في دار الصناعة التي أنشأها حديثا (الدولة ~~البيزنطية ص 169) . PageV02P080 # رأسا[ (1) ]، وشحن مراكبه، ثم رفع فسار حتى أتى جزيرة يقال لها سلسلة، ~~وافتتحها، وأصاب فيها مغانم كثيرة، وأشياء عظيمة من الذهب والفضة والجواهر، ~~ثم انصرف قافلا، فأصابته ريح عاصف، فغرق عطاء وأصحابه، وأصيب الناس، ووقعوا ~~بسواحل إفريقية. فلما بلغ ذلك موسى، وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل ~~البحر، يفتش على ما يلقي البحر من سفن عطاء وأصحابه فأصاب تابوتا منحوتا ~~قال: فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق. قال: # ولقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة، فذهبت لأفتشه فنازعني، فأخذت القصبة من ~~يده فضربت بها عنقه فانكسرت، فتناثر منها اللؤلؤ والجوهر والدنانير، ثم إن ~~موسى أمر بتلك المراكب ومن نجا من النواتية، فأدخلهم دار الصناعة بتونس، ثم ~~لما كانت سنة خمس وثمانين أمر الناس بالتأهب لركوب البحر، وأعلمهم أنه راكب ~~فيه بنفسه، فرغب الناس وتسارعوا، ثم شحن فلم يبق شريف ممن كان معه إلا وقد ~~ركب حتى إذا ركبوا في الفلك، ولم يبق إلا أن يرفع هو، دعا برمح فعقده لعبد ~~الله بن موسى بن نصير، وولاه عليهم وأمره، ثم أمره أن يرفع من ساعته، وإنما ~~أراد موسى بما أشار من مسيره، أن يركب أهل الجلد والنكاية والشرف، فسميت ~~غزوة الأشراف، ثم سار عبد الله بن موسى في مراكبه، وكانت تلك أول غزوة غزيت ~~في بحر إفريقية[ (2) ]. قال: فأصاب في غزوته تلك صقلية، فافتتح مدينة فيها، ~~فأصاب ما لا يدري، فبلغ سهم الرجل مائة دينار ذهبا، وكان المسلمون ms341 ما بين ~~الألف إلى التسع مائة، ثم انصرف قافلا سالما. فأتت موسى وفاة عبد العزيز بن ~~مروان[ (3) ]، واستخلاف الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين، فبعث إليه ~~بالبيعة، وبفتح عبد الله بن موسى، وما أفاء الله على يده، ثم إن موسى بعث ~~زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البرير، فلم يلق حربا منهم ورغبوا في [ (1) ~~]يريد أنه لم يعره اهتماما، ولم يصغ لنصيحة موسى. # [ (2) ]بعد بناء القاعدة البحرية في تونس، يقول العريني معبرا عن ~~أهميتها: وأصبحت القوى البحرية الإسلامية موزعة بين ثلاثة مراكز: شمال ~~إفريقيا، ومصر والشام (الدولة البيزنطية ص 169) . # [ (3) ]كانت وفاة عبد العزيز بن مروان سنة 85 وقد مرت الإشارة إلى ذلك. ~~وولى عبد الملك فيما قيل ابنه عبد الله، وقيل عبد الله بن مروان أخي عبد ~~الملك (الطبري-ابن الأثير-ولاة مصر للكندي) . # أما وفاة عبد الملك فكانت سنة 86، فخلفه أخوه الوليد. PageV02P081 # الصلح، فوجه رءوسهم إلى موسى، فأعطاهم الأمان، وقبض رهونهم، وعقد لعياش ~~بن أخيل على مراكب أهل إفريقية، فشتا في البحر[ (1) ]، وأصاب مدينة يقال ~~لها سرقوسة[ (2) ]، ثم قفل في سنة ست وثمانين، ثم إن عبد الله بن مرة قام ~~بطالعة أهل مصر على موسى في سنة تسع وثمانين فعقد له موسى على بحر إفريقية، ~~فأصاب سردانية، وافتتح مدائنها، فبلغ سبيها ثلاثة آلاف رأس، سوى الذهب ~~والفضة والحرث وغيره[ (3) ]. ### || غزوة السوس الأقصى # قال: وذكروا أن موسى وجه مروان ابنه إلى السوس الأقصى، وملك السوس يومئذ ~~مزدانة الأسواري، فسار في خمسة آلاف من أهل الديوان[ (4) ]فلما اجتمعوا، ~~ورأى مروان أن الناس قد تعجلوا إلى قتال العدو، وأن في يده اليمنى القناة، ~~وفي يده اليسرى الترس، وإنه ليشير بيده إلى الناس أن كما أنتم. فلما التقى ~~مروان ومزدانة، اقتتل الناس إذ ذاك قتالا شديدا، ثم انهزم مزدانة ومنح الله ~~مروان أكتافهم، فقتلوا قتلة الفناء، فكانت تلك الغزوة استئصال أهل السوس[ ~~(5) ] على أيدي مروان، فبلغ السبي أربعين ألفا، وعقد موسى على بحر إفريقية ~~حتى نزل بميورقة فافتتحها. # [ (1) ]في البيان المغرب 1/42 فمشى ms342 في البحر إلى صقلية. # [ (2) ]زيد في البيان المغرب: فغنمها وجميع ما بها، وقفل سالما غانما. # [ (3) ]هذه الغارات التي شنها موسى بن نصير لم يكن هدفها استعراض قوة بل ~~جرت-كما يقول العريني: - «وفقا لخطة موضوعة، وذلك أن موسى بن نصير كان ~~منصرفا إلى فتح شمال إفريقيا إلى المحيط الأطلنطي» واستخدام القوة البحرية ~~يعود لثلاثة أسباب: # -حماية مؤخرة الجيش الإسلامي من أي تهديد بيزنطي ينطلق من قواعد البحرية ~~البيزنطية في صقلية وسردينية وجزائر البليار. # -إخضاع الشاطئ الإفريقي من تونس إلى سبتة. # -حماية مواصلات الجيش، وملاحظة ومراقبة تحركات الجيوش البيزنطية. # [ (4) ]يريد: الجنود النظاميون المقيدون في ديوان الدولة، أصحاب ~~الأعطيات. # [ (5) ]السوس: بلد بالمغرب كانت الروم تسميها قمونية. والسوس الأقصى: ~~كورة أخرى مدينتها طرقلة. وبين السوس الأدنى إلى السوس الأقصى مسيرة شهرين ~~وبعده بحر الرمل وليس وراء ذلك شيء يعرف. ومن السوس الأقصى إلى القيروان ~~ثلاثة الاف فرسخ (معجم البلدان) . # وكان موسى على ما ذكره ابن الأثير 4/195 قد خرج غازيا إلى طنجة يريد من ~~بقي من البربر، وقد هربوا منه، فتبعهم وقتلهم قتلا ذريعا حتى بلغ السوس ~~الأدنى لا يدافعه أحد. # (وانظر البيان المغرب 1/42 والحلة السيراء 2/333) . PageV02P082 ### || قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك # قال: وذكروا أن خادما للوليد بن عبد الملك بن مروان أخبرهم قال: إني ~~لقريب من الوليد بن عبد الملك، وبين يديه طشت من ذهب، وهو يتوضأ منه، إذ ~~أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من خراسان بفتح من فتوحاتها، فأعلمته قال: ~~خذ الكتاب منه، فأخذه فقرأه، فما أتى على آخره، حتى أتى رسول آخر من قبل ~~موسى بن نصير[ (1) ]، بفتح السوس من قبل مروان بن موسى، فأعلمته. # قال: هاته، فقرأه، فحمد الله، وخر ساجدا لله حامدا، ثم التفت إلي قال: # أمسك الباب لا يدخل أحد. قال: وكان عنده ابن له يحبو بين يديه. فلما خر ~~الوليد ساجدا لله شاكرا، جاء الصبي إلى الطشت فاضطرب فيه وصاح، فما التفت ~~إليه. قال: وصرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني به ms343 من إمساك الباب، [ (1) ~~]كان الوليد، بعد وفاة عبد الملك قد كتب بولاية موسى بن نصير إفريقيا ~~والمغرب، وقطعها عن عمه عبد الله بن مروان (على قول من قال بولاية عبد الله ~~بن مروان على مصر: البيان المغرب 1/41 وقد ذكرنا أنه بعد وفاة عبد العزيز ~~بن مروان ولى عبد الملك ابنه عبد الله بن عبد الملك) . # وكان موسى بن نصير وبعد وفاة عبد العزيز بن مروان، قد بدأ بمراسلة عبد ~~الملك مباشرة دون الرجوع إلى والي مصر-عبد الله ابنه مما أسخطه عليه فكتب له: # أما بعد: فإنك كنت من عبد العزيز وبشر بين مهادين، تعلو عن الحضيض ~~مهودهما، ويدفئك دثارهما حتى عفا مخبرك وسمت بك نفسي فلا تحسبني كمن كنت ~~تخلبه وأعداء بيته، ونقول: أكفياني أكفكما، ولا كأصبغ كنت تمنيه بكهانتك، ~~وأيم الله لأضعن منك ما رفعا، ولأقلن منك ما كثرا. فضح رويدا، فكأن قد ~~أصبحت سادما، تعض أناملك نادما. والسلام. # فكتب إليه موسى بن نصير: # أما بعد. لقد قرأت كتابك، وفهمت ما وصفت فيه من إركاني إلى أبويك وعمك ~~ولعمري إن كنت لذلك أهلا، ولو خبرت مني ما خبرا، لما صغرت مني ما عظما، ولا ~~جهلت من أمرنا ما علما، فكيف أتاه الله لك؟وأما انتقاصك لهما، فهما لك وأنت ~~منهما، ولهما منك ناصر لو قال وجد عليك مقالا، وكفاك جزاء العاق. فأما ما ~~نلت من عرضي، فذلك موهوب لحق أمير المؤمنين لا لك. وأما تهددك إياي بأنك ~~واضع مني ما رفعا، فليس ذلك بيدي ولا إليك، فارعد وابرق لغيري وأما ما ذكرت ~~مما كنت آتي به عمك عبد العزيز، فلعمري إني مما نسبتني إليه من الكهانة ~~لبعيد، وإني من غيرها من العلم لقريب. فعلى رسلك، فكأنك قد أظلك البدر ~~الطالع، والسيف القاطع والشهاب الساطع، فقد تم لها، وتمت له، ثم بعث إليك ~~الأعرابي الجلف الجافي، فلم تشعر به حتى يحل بعقوتك فيسلبك سلطانك، فلا ~~يعود إليك ولا تعود إليه، فيومئذ تعلم أكاهن أم عالم وتوقن أينا النادم، ~~والسلام. # قرأ ms344 عبد الله الكتاب ثم أرسله إلى عبد الملك، فوصل وعبد الملك قد قبض ~~(ولاة مصر للكندي ص 81-82) . PageV02P083 # وأطال السجود حتى خفي صوت الصبي، ثم رفع رأسه فصاح بي، فدخلت وأخذت ~~الصبي، وإنه لما به روح. ### || فتح قلعة أرساف # قال: ثم إن صاحب قلعة أرساف، أغار على بعض سواحل إفريقية، فنال منهم، ~~وبلغ موسى خبره، فخرج إليه بنفسه فلم يدركه، فاشتد ذلك على موسى. قال: ~~قتلني الله إن لم أقتله وأنا مقيم هنا. قال: فأقام موسى ما أقام، ثم إنه ~~دعا رجلا من أصحابه، فقال له: إني موجهك في أمر وليس عليك فيه بأس ولك عندي ~~فيه حسن الثواب، خذ هذين الأذنين فسر فيهما بمن معك، حتى تأتي موضع كذا ~~وكذا، في مكان كذا، فإنك تجد كنيسة، وتجد الروم قد جعلوها لعيدهم، فإذا كان ~~الليل فادن من ساحلها، ودع إحدى هذين الأذنين[ (1) ] بما فيها ثم انصرف ~~إلي بالأذن الأخرى، وبعث معه موسى قبة من الخز والوشي، ومن طرائف أرض العرب ~~شيئا مليحا، وكتب كتابا بالرومية جوابا لكتاب، كأنه كان كتب به إلى موسى ~~يسأله الأمان، على أن يدله على عورة الروم، وكتاب فيه أمان من موسى مطبوع، ~~فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي وصف له موسى، فترك الأذن بما فيها، وانصرف ~~راجعا في الأذن الأخرى حتى قدم على موسى، وأن الروم لما عثروا على أذن موسى ~~استنكروها، فارتفع أمرها إلى بطريق تلك الناحية، فأخذ ما فيها. فلما رأى ما ~~فيها من الكتب والهدية هاب ذلك، فبعث بها كما هي إلى الملك الأعظم. فلما ~~أفضت إليه، وقرأ الكتب تحقق ذلك عنده، فبعث إلى أرساف رجلا وملكه عليها، ~~وأمر أن يضرب عنق صاحبها الذي أغار على سواحل إفريقية، ففعل، فقتله الله ~~بحيلة موسى. # [ (1) ]الأذنان: تثنية أذن، وهي العروة التي يمسك منها الخرج ونحوه. ~~ويريد بالأذنين هنا: الخرج نفسه، وفي كل من الخرجين هدايا وغيرها. PageV02P084 ### || فتح الأندلس[ (1) ] # قال: وذكروا أن موسى[ (2) ]وجه طارقا[ (3) ]مولاه إلى طنجة وما لك، ~~فافتتح مدائن البربر وقلاعها، ثم ms345 كتب إلى موسى: إني قد أصبت ست سفن، فكتب ~~إليه موسى. أتممها سبعا، ثم سر بها إلى شاطئ البحر، واستعد لشحنها، واطلب ~~قبلك رجلا يعرف شهور السريانيين، فإذا كان يوم أحد وعشرين من شهر آذار ~~بالسرياني، فاشحن على بركة الله ونصره في ذلك اليوم، فإن لم يكن عندك من ~~يعرف شهور السريان، فشهور العجم، فإنها موافقة لشهور السريان، وهو شهر يقال ~~له بالأعجمية مارس، فإذا كان يوم أحد وعشرين منه، فاشحن على بركة الله كما ~~أمرتك إن شاء الله، فإذا أجريت فسر حتى يلقاك جبل أحمر، وتخرج منه عين ~~شرقية، إلى جانبها صنم فيه تمثال ثور، فاكسر ذلك التمثال، وانظر فيمن معك ~~إلى رجل طويل أشعر، بعينيه قبل[ (4) ]، وبيده شلل، فاعقد له على مقدمتك، ~~ثم أقم مكانك حتى يغشاك إن شاء الله. فلما انتهى الكتاب إلى طارق كتب إلى ~~موسى: إني منته إلى ما أمر الأمير ووصف، غير أني لم أجد صفة الرجل الذي ~~أمرتني به إلا في نفسي، فسار طارق في ألف رجل وسبع مائة، وذلك في شهر رجب ~~سنة ثلاث وتسعين[ (5) ]، وقد كان [ (1) ]الأندلس: كانت قديما تعرف باسم ~~إبارية ولعله على اسم شعب قوقازي كان يسكنها وعرفها النصارى باسم اشبانيا ~~باسم رجل يقال له اشبانس، ويقول ابن الأثير باسم أحد ملوكها اشبان (3/205) ~~. وقيل باسم قوم سكنها يعرفون بالأندلش، وهم الوندال الذين غزوها في أوائل ~~القرن الخامس الميلادي، ومنذ ذلك الوقت أطلق عليها اسم فاندلوسيا (معجم ~~البلدان-ابن الأثير) . # [ (2) ]كذا بالأصل وابن الأثير والبيان المغرب وفيهما أنه استعمل طارق ~~على طنجة وما والاها (إشارة إلى أن موسى قد وصل إليها) ومعه جيشا 17 ألف من ~~العرب واثني عشر ألفا من البربر، وأن موسى قفل إلى إفريقيا. وفي الحلة ~~السيراء 2/333 أن مروان بن موسى قد توجه إلى طنجة، ثم انصرف وخلف على جيشه ~~طارق بن زياد. (وانظر تاريخ خليفة ص 304 وفتوح البلدان للبلاذري ص 232) . # [ (3) ]هو طارق بن زياد، اختلفوا في نسبه. قال ابن بشكوال: هو طارق بن ~~عمرو. ms346 وقال ابن عذاري: هو طارق بن زياد بن عبد الله بن ولغو بن ورفجوم بن ~~نبرغاسن بن ولهاص بن يطوفت بن نفزاو. فهو نفزي. ذكر أنه من سبي البربر. # [ (4) ]القبل: له معان كثيرة، المعنى الأقرب هنا لعله: شبه الحول في العين. # [ (5) ]في البيان المغرب وابن الأثير: رجب سنة 92. # لم يكن حدث عبور طارق بن زياد إلى الأندلس حدثا عاديا أو وليد صدفة أو ~~قرارا مفاجئا PageV02P085 # لذريق[ (1) ]ملك الأندلس، قد غزا عدوا يقال له البشكنس، واستخلف ملكا من ~~ملوكهم [ () ]ارتجاليا من موسى بن نصير بل يعتبر تصميما من العرب المسلمين ~~على فتح بلاد الأندلس وفق خطة أعدها الوليد بن عبد الملك ونفذها موسى بن ~~نصير وقد جاء فتح الأندلس بعد سلسلة من الإجراءات الناجحة والاختبارات التي ~~قام بها موسى بن نصير منها: # -تعزيز القوة البحرية الإسلامية في غرب البحر المتوسط ثم إنشاء دار ~~الصناعة في تونس. # -احتلال شواطئ المغرب الطويلة المقابلة للأندلس. # -احتلال جزيرتي منيورقة وميورقة قبالة الساحل الأندلسي الشرقي. # -قيام الأسطول العربي بعمليات رصد ومراقبة شبه دائمة. # -سنة 90 يبعث موسى طريف بن مالك أحد مواليه في 400 رجل وغزا مدينة في ~~جنوب الأندلس فسميت باسمه جزيرة طريف. # -سنة 91 أغار على الجزيرة الخضراء وأصاب غنائم كثيرة. # -سنة 92 استولى موسى على جزيرة سردانية. # وفي أسباب غزو العرب للأندلس: ذكر ابن الأثير أن يوليان صاحب الجزيرة ~~الخضراء وسبتة كان عنده ابنة استحسنها روذريق فافتضها فكتبت إلى أبيها ~~فأغضبه ذلك فكتب إلى موسى بن نصير بالطاعة ودعاه إليه وحسن له غزو الأندلس. ~~(الكامل 3/208-أخبار مجموعة ص 5- 6) . # هذا ما تقدمه النصوص وتجعله السبب المباشر لغزو الأندلس. ولا يمكن القبول ~~به ونعده سببا مباشرا للغزو لتناقض الروايات بشأن يوليان وابنته. فابن ~~القوطية يروي أن يوليان تاجر من الروم كان يدخل قصر الملك ليتاجر (تاريخ ~~افتتاح الأندلس ص 7-8) وفولتير مثلا يشك في أن الملك انتهك عرض ابنة ~~يوليان. # ونرى أن الأسباب الحقيقية لغزو العرب بلاد الأندلس ربما عادت إلى وضع ~~الأندلس من جهة: ms347 # وتردي الحالة السياسية والفوضى الداخلية-ومنها طبعا الخلاف الناشب بين ~~يوليان وروذريق بغض النظر عن مسبباته-وتردي الأوضاع الاجتماعية-المجاعة ~~والطاعون والأمراض-تلك الأوضاع التي أفقدت البلاد أكثر من نصف سكانها من ~~جهة، وأفقدتهم المناعة على القتال. # ومن جهة أخرى-وهي ظروف مساعدة للعرب-شعور العرب بضعفها، وتوثبهم لمزيد من ~~الفتح والاندفاع خاصة بعد وصولهم إلى أقاصي غرب إفريقيا، فالبحر يمنع ~~اندفاعهم غربا والصحراء تمنع اندفاعهم جنوبا فكان الشمال-طبعا-المتنفس ~~الطبيعي لهم. # يضاف إلى ذلك أمران هامان: العلاقة المتوترة التي كانت تسود بين العرب ~~والقوط. والأمر الثاني: محاولة العرب إشغال البربر-المسلمون الجدد-بتوجيههم ~~لحرب القوط ونحو الفتوح. # [ (1) ]اختلفت الروايات بشأن اسمه: قيل لذريق (الحلة السيراء-نفح الطيب) ~~وقيل الأدريق (تاريخ اليعقوبي) ، وقيل: ادرينوق (الطبري) . # وروذريق هذا لم يكن من أسرة الملك، بل كان من النبلاء وقد جاء تعيينه ~~ملكا بعد موت الملك غيطشة الذي حاول قبل موته أن يجعل الحكم وراثيا وقد ~~حاول جاهدا إقناع الكنيسة بتأييده على إقامة دولة وراثية، لأن مبدأ الحكم ~~كان عن طريق الانتخاب من قبل النبلاء والأشراف الذين عارضوا غيطشة وأصروا ~~على إبقاء مبدإ الانتخاب. (انظر صفة الأندلس PageV02P086 # يقال له تدمير. فلما بلغ تدمير مكان طارق، ومن معه من المسلمين. كتب إلى ~~لذريق: إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء نزلوا أم من الأرض نبعوا. ~~فلما بلغ لذريق ذلك أقبل راجعا إلى طارق في سبعين ألف عنان[ (1) ]، ومعه ~~العجل تحمل الأموال والزخرف، وهو على سرير بين دابتين، وعليه قبة مكللة ~~باللؤلؤ وبالياقوت والزبرجد، ومعه الحبال، ولا يشك في أسرهم. فلما بلغ ~~طارقا دنوه منهم. قام في أصحابه، فحمد الله، ثم حض الناس على الجهاد، ~~ورغبهم في الشهادة، وبسط لهم في آمالهم. ثم قال: أيها الناس، أين المفر، ~~البحر من ورائكم، والعدو أمامكم، فليس ثم والله إلا الصدق والصبر، فإنهما ~~لا يغلبان، وهما جندان منصوران، ولا تضر معهما قلة، ولا تنفع مع الخور ~~والكسل والفشل والاختلاف والعجب كثرة. أيها الناس، ما فعلت من شيء فافعلوا ~~مثله، إن حملت فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم ms348 كونوا كهيئة رجل واحد في ~~القتال، ألا وإني عامد إلى طاغيتهم، بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه أو أقتل ~~دونه، فإن قتلت فلا تهنوا ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم، ~~وتولوا الدبر لعدوكم، فتبددوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا ~~بالدنية، ولا تعطوا بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، والراحة من ~~المهانة والذلة، وما قد أجل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، والله ~~معكم ومعيذكم، تبوءوا بالخسران المبين، وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من ~~المسلمين[ (2) ]. وها أنا ذا حامل حتى أغشاه، فاحملوه بحملتي، فحمل ~~وحملوا. فلما غشيهم اقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الطاغية قتل، وانهزم جميع ~~العدو[ (3) ]، فاحتز طارق رأس لذريق[ (4) ]، [ () ]ص 10 واسبانيا ~~الإسلامية لبروفنسال ص 7 وفجر الأندلس للدكتور حسين مؤنس ص 12- 13) . # [ (1) ]في ابن الأثير 3/210 يقال مائة ألف. # [ (2) ]قارن مع نفح الطيب 1/241-242 وفيات الأعيان 5/321-322. # [ (3) ]انظر في أخبار فتح طارق وانتصاره على لذريق روايات ذكرها المقري ~~في نفح الطيب 1/242 وما بعدها. وابن عبد الحكم ص 92 وأخبار مجموعة ص 7. وفي ~~الحلة السيراء 2/333 أن لذريق زحف إلى طارق من طليطلة فالتقوا على نهر لكة ~~من كورة شذونه يوم الأحد لليلتين بقيتا من شهر رمضان سنة 92 واتصلت الحرب ~~بينهم إلى يوم الخميس لخمس خلون من شوال-تتمة ثمانية أيام، ثم هزم الله ~~المشركين، فقتل منهم خلق عظيم وخفي أثر لذريق... وغاب شخصه فما وجد حيا ولا ~~ميتا. (انظر البيان المغرب 2/12 ابن الأثير 3/210 غرق روذريق في النهر) . # [ (4) ]انظر الحاشية السابقة. PageV02P087 # وبعث به إلى موسى بن نصير، وبعث به موسى مع ابنه، وجهز معه رجالا من أهل ~~إفريقية، فقدم به على الوليد بن عبد الملك، ففرض له في الشرف، وأجاز كل من ~~كان معه، ورده إلى أبيه موسى، وأن المسلمين قد أصابوا مما كان مع لذريق ما ~~لا يدرى ما هو ولا ما قيمته. # قال: وكتب طارق إلى مولاه موسى[ (1) ]: إن الأمم قد تداعت علينا من كل ~~ناحية، فالغوث الغوث، فلما أتاه ms349 الكتاب نادى في الناس وعسكر، وذلك في صفر ~~سنة ثلاث وتسعين، وكان أحب الخروج إليه يوم الخميس أول النهار، فاستخلف عبد ~~الله بن موسى على إفريقية وطنجة والسوس، وكتب ساعة قدم عليه كتاب طارق إلى ~~مروان، يأمره بالمسير، فسار مروان بمن معه، حتى أجاز إلى طارق، قبل دخول ~~أبيه موسى، وخرج موسى بن نصير والناس معه حتى أتى المجاز، فأجاز بمن زحف ~~معه في جموعه، وعلى مقدمته طارق مولاه، فوجد الجموع قد شردت إليه من كل ~~مكان، فسار حتى افتتح قرطبة وما يليها، من حصونها وقلاعها ومدائنها، فغل ~~الناس يومئذ غلولا لم يسمع بمثله[ (2) ]، ولم يسلم من الغلول يومئذ إلا ~~أبو عبد الرحمن الجبلي[ (3) ]. ثم إن موسى سار لا يرفع له شيء إلا هده، ~~يفتتح له المدائن يمينا وشمالا، حتى انتهى إلى مدينة الملوك، وهي طليطلة، ~~فوجد فيها بيتا يقال له بيت الملوك، وجد فيه أربعة وعشرين تاجا، تاج كل ملك ~~ولي الأندلس، كان كلما هلك ملك جعل تاجه في ذلك البيت، وكتب على التاج اسم ~~صاحبه، وابن كم هو، ويوم مات، ويوم ولي، ووجد في ذلك البيت أيضا مائدة ~~عليها اسم سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة من جزع، فعمد موسى إلى ~~التيجان والآنية والموائد، فقطع عليها الأغشية، [ (1) ]يمكن أن تكون رسالة ~~طارق إلى موسى فور لقائه مع لذريق. والأرجح أنها كانت بعد معركته مع لذريق ~~خاصة أن طارق قوبل بمقاومة عنيفة خلال تعقبه القوط إلى طليطلة وتدمير ~~وأستجة. # ثم تمادى طارق في افتتاح البلاد دون خطة ثابتة مرسومة مما أدى به إلى ~~ابتعاده عن قواعده مما هدد المسلمين بكارثة لأنه ترك في مؤخرته بلادا كثيرة ~~لم يتم فتحها فكتب إلى موسى يعلمه بفتوحاته ويطلب منه يستمده. (أخبار ~~مجموعة ص 15-ماجد الدولة العربية 2/205) فكتب إليه موسى ألا يجاوز قرطبة ~~حتى يقدم عليه (الحلة السيراء 2/334) . # [ (2) ]الغلول: هو ما احتجزه المحارب لنفسه من الغنيمة، دون وضعه في ~~غنائم المحاربين. # [ (3) ]كذا بالأصل خطأ: والصواب: الحبلي وهو عبد الله بن يزيد ms350 (نفح ~~الطيب) . PageV02P088 # وجعل عليها الأمناء ليس منها شيء يدرى ما قيمته. فأما الذهب والفضة ~~والمتاع، فلم يكن يحصيه أحد[ (1) ]. ### || اتهام الوليد موسى بالخلع # قال: وذكروا أن الوليد بن عبد الملك بن مروان لما بلغه مسير موسى بن نصير ~~إلى الأندلس ووصفت له، ظن أنه يريد أن يخلع، ويقيم فيها، ويمتنع بها، وقيل ~~ذلك له، وأبطأت كتب موسى عليه، لاشتغاله بما لك من العدو، وتوطيئه لفتح ~~البلاد. فأمر الوليد القاضي أن يدعو على موسى إذا قضى صلاته، وأن موسى لما ~~دخل طليطلة، بعث علي بن رباح[ (2) ]بفتحها، وأوفد معه وفدا، فسار حتى قدم ~~دمشق صلاة العصر، فدخل المسجد فألفى القاضي يدعو على موسى. فقال: أيها ~~الناس، الله الله في موسى، والدعاء عليه، والله ما نزع يدا من طاعة، ولا ~~فارق جماعة، وإنه لفي طاعة أمير المؤمنين، والذب عن حرمات المسلمين، ~~والجهاد للمشركين، وإني لأحدثكم عهدا به، وما قدمت الآن إلا من عنده، وإن ~~عندي خبره، وما أفاء الله على يده لأمير المؤمنين، وما أمد به المسلمين، ما ~~تقر به أعينكم، ويسر به خليفتكم[ (3) ]. ### || دخول وفد موسى على الوليد بن عبد الملك # قال: وذكروا أن الوليد لما بلغه خبر هذا المتكلم الوافد من عند موسى، ~~أرسل إليه، فأدخل عليه، ثم قال له: ما وراءك؟فقال: كل ما تحب يا أمير ~~المؤمنين، تركت موسى بن نصير في الأندلس، وقد أظهره الله ونصره، وفتح على ~~يديه ما لم يفتح على يد أحد، وقد أوفدني إلى أمير المؤمنين في نفر من وجوه ~~من معه، بفتح من فتوحه، فدفع إليه الكتاب من عند موسى، فقرأه الوليد. # فلما أتى على آخره خر ساجدا، فلما رفع رأسه أتاه فتح آخر، فخر أيضا [ (1) ~~]انظر نفح الطيب 1/265 و271 و272 و280 وابن الأثير 3/211 فتوح البلدان ~~للبلاذري ص 232. تاريخ اليعقوبي 2/285. # [ (2) ]علي بن رباح، بصري تابعي، يكنى أبا عبد الله، لخمي، ولد عام ~~اليرموك سنة 15، كانت له مكانة عند عبد العزيز بن مروان (نفح الطيب 1/278) . # [ (3) ]وكان موسى بن نصير قد ms351 أرسل إلى الوليد بعد فتح الأندلس: «إنها ~~ليست بالفتوح، ولكنه الحشر» وفي رواية: ولكنها الجنة (الحلة السيراء 2/334 ~~وفيات الأعيان 5/329) . PageV02P089 # ساجدا، ثم رفع رأسه، فأتاه آخر بفتح آخر، وخر ساجدا، حتى ظننت أنه لا ~~يرفع رأسه[ (1) ]. ### || ذكر ما وجد موسى في البيت الذي وجد فيه المائدة مع صور العرب # قال: وذكروا أن هرم بن عياض حدثهم عن رجل من أهل العلم، أنه كان مع موسى ~~بالأندلس حين فتح البيت الذي كانت فيه المائدة، التي ذكروا أنها كانت ~~لسليمان بن داود عليه السلام. فقال: كان بيتا عليه أربعة[ (2) ]وعشرون ~~قفلا، كان كلما تولى ملك، جعل عليه قفلا اقتداء منه بفعل من كان قبله، حتى ~~إذا كانت ولاية لذريق القرطبي، الذي افتتحت الأندلس على يديه وفي ملكه قال: # والله لا أموت بغم هذا البيت، ولأفتحنه حتى أعلم ما فيه، فاجتمعت إليه ~~النصرانية والأساقفة والشمامسة، وكل منهم معظم له. فقالوا له: ما تريد بفتح ~~هذا البيت؟فقال: والله لا أموت بغمه، ولأعلمن ما فيه. فقالوا: أصلحك الله، ~~إنه لا خير في مخالفة السلف الصالح، وترك الاقتداء بالأولية، فاقتد بمن كان ~~قبلك، وضع عليه قفلا كما صنع غيرك، ولا يحملك الحرص على ما لم يحملهم عليه، ~~فإنهم أولى بالصواب منا ومنك، فأبى إلا فتحه. فقالوا له: انظر ما ظننت أن ~~فيه من المال والجواهر، وما خطر على قلبك، فإنا ندفعه إليك، ولا تحدث علينا ~~حدثا لم يحدثه فيه من كان قبلك من ملوكنا، فإنهم كانوا أهل معرفة وعلم. ~~فأبى إلا فتحه، ففتحه، فوجد فيه تصاوير العرب، ووجد كتابا فيه: إذا فتح هذا ~~البيت دخل هؤلاء الذين هيئاتهم هكذا، هذه البلاد فملكوها. # فكان دخول المسلمين من العرب إليه في ذلك العام[ (3) ]. # [ (1) ]ذكر ابن الأثير أن الوليد أرسل رسولا إلى موسى يأمره بالخروج من ~~الأندلس والقفول إليه، فساءه ذلك ومطل الرسول... فقدم عليه رسول آخر للوليد ~~يستحثه... 3/212 أخبار مجموعة ص 19 وفي الحلة السيراء 2/335 فلما قدم ~~افريقيا كتب إليه الوليد بالخروج إليه. # فالوليد وبعد ms352 أخبار الفتح الهائلة كان ينتظر موسى بفروغ صبر ليطلع منه ~~شخصيا على نتائج عملية الغزو الناجحة، ولعله أرسل إليه لدراسة الخطوات ~~اللاحقة بعد دراسة الظروف المستجدة. # [ (2) ]في وفيات الأعيان: ستة. (وانظر نفح الطيب 1/247) . # [ (3) ]انظر ما ذكره المقري 1/247 وما بعدها وابن خلكان 5/327 من تفاصيل ~~حول هذا الخبر. # ومختصر كتاب البلدان لابن الفقيه ص 79-80. PageV02P090 ### || ذكر ما أفاء الله عليهم # قال: وذكروا عن الليث بن سعد[ (1) ]أن موسى لما دخل الأندلس، ضربوا ~~الأوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنائسها، فتلفت الأوتاد فلم تلج[ (2) ~~]فنظروا فإذا بصفائح الذهب والفضة خلف بلاط الرخام. قال: وذكروا أن رجلا ~~كان مع موسى ببعض غزواته بالأندلس، وأنه رأى رجلين يحملان طنفسة منسوجة ~~بالذهب والفضة والجوهر والياقوت، فلما أثقلتهما أنزلاها، ثم حملا عليها ~~الفأس فقطعاها نصفين، فأخذا نصفا وتركا الآخر. قال: فلقد رأيت الناس يمرون ~~يمينا وشمالا، ما يلتفتون إليها استغناء عنها بما هو أنفس منها وأرفع. قال: # وأقبل رجل إلى موسى فقال: ابعث معي أدلكم على كنز، فبعث معه موسى رجالا. ~~فقال الذي دلهم: انزعوا هاهنا، فنزعوا، فسال عليهم من الزبرجد والياقوت ما ~~لم يروا مثله قط، فلما رأوه بهتوا وقالوا: لا يصدقنا موسى، أرسلوا إليه. ~~فأرسلوا حتى جاء ونظر. قال: وكانت الطنفسة قد نظمت بقضبان الذهب والفضة ~~المسلسلة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد. قال: وكان البربريان ربما وجداها فلا ~~يستطيعان حملها حتى يأتيا بالفأس فيضربا وسطها، ويأخذا منها ما أمكنهما، ~~اشتغالا بغير ذلك مما هو أنفس منه. # قال الليث: وبلغني أن رجلا غل في غزوة عطاء بن نافع فحمل ما غل حتى جعله ~~في مزفت[ (3) ]بين كتفيه وصدره، فحضره الموت، فجعل يصيح: # المزفت المزفت. # وحدثنا ابن أبي ليلى التجيبي، عن حميد، عن أبيه أنه قال: لقد كانت الدابة ~~تطلع في بعض غزوات موسى، فينظر في حافرها فيوجد فيه مسامير الذهب والفضة. ~~قال: وكتب موسى حين افتتح الأندلس إلى أمير المؤمنين: إنها ليست كالفتوح يا ~~أمير المؤمنين، ولكنه الحشر[ (4) ]. وأخبرني عن عبد الحميد بن [ (1) ]انظر ~~ابن ms353 عبد الحكم ص 281. # [ (2) ]أي لم تدخل في الأرض. # [ (3) ]المزفت: حق أو نحوه، مغلف بالزفت ومنظره لا يوحي بأهميته، وقد ~~حمله حتى لا ينظر إليه أحد. # [ (4) ]في وفيات الأعيان: انها الجنة. PageV02P091 # حميد، عن أبيه أنه قال: قدمت الأندلس امرأة عطارة فخرجت بخمس مائة رأس، ~~فأما الذهب والفضة والآنية والجوهر فذلك لا يحاط بعلمه. # قال: وحدثني ياسين بن رجاء، أنه قدم عليهم رجل من أهل المدينة شيخ، فجعل ~~يحدثنا عن الأندلس، وعن دخول موسى إياها، فقلنا له: فكيف علمت هذا؟قال: إني ~~والله من سبيه، ولأخبركم بعجيب، والله ما اشتراني الذي اشتراني إلا بقبضة ~~من فلفل لمطبخ موسى بن نصير. فقلنا له: ما أقدمك؟ فقال: أبي كان من وجوه ~~الأندلس. فلما سمع بموسى بن نصير عمد إلى عين ما له من الذهب والفضة ~~والجوهر، وغير ذلك، فدفنه في موضع قد عرفته، فتقدمت أنا للخروج إلى ذلك ~~الموضع لاستخراجه. قلنا له: وكم لك منذ فارقته؟قال: سبعون سنة. قلنا له: ~~أفنسيته؟قال: نعم، فلم ندر بعد ما فعل. ### || غزوة موسى بن نصير البشكنس والأفرنج # قال: وذكروا أن موسى خرج من طليطلة بالجموع غازيا يفتح المدائن جميعا، ~~حتى دانت له الأندلس، وجاءه وجوه جليقية، فطلبوا الصلح فصالحهم[ (1) ]، ~~وغزا البشكنس فدخل في بلادهم حتى أتى قوما كالبهائم، ثم مال إلى أفرنجة، ~~حتى انتهى إلى سرقسطة فافتتحها، وافتتح ما دونها من البلاد إلى الأندلس. ~~قال: فأصاب فيها ما لا يدرى ما هو، ثم سار حتى جاوزها بعشرين ليلة، وبين ~~سرقسطة وقرطبة شهر أو أربعون يوما. # قال: وذكروا أن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، قال: كنت ممن غزا مع [ ~~(1) ]افتتح موسى مدينة ابن السليم، ثم قرمونة، ثم اشبيلية، ثم ماردة، ثم ~~لبلة وباجة ثم سرقسطة (ابن الأثير 3/211-212، نفح الطيب 2/156) ووصل مع ~~طارق إلى أطراف بلاد الأندلس الشمالية وكانت حركتهما دون مقاومة تذكر لأن ~~لسقوط دولة القوط في الجنوب أثره البالغ في جعل مدن الشمال تسقط الواحدة ~~تلو الأخرى. # أما بالنسبة إلى جليقية فقد صالح أهلها، ولم ms354 يتوغل المسلمون بعد صلح ~~أهلها في نواحيها الجبلية الصخرية-أقصى شمال الأندلس من جهة الغرب-حيث بقيت ~~هذه المنطقة بيد القوط والهاربين من المدن الأخرى التي سقطت بيد المسلمين. ~~وقد بقيت مدخرا للقومية الإسبانية فخرجت منها فيما بعد الحركة المعروفة ~~بالانتقام من المسلمين، لتطرد المسلمين من الأندلس بعد بقائهم فيها حوالي ~~ثمانية قرون (ابن عذاري 2/62 التاريخ السياسي للدولة العربية د. ماجد ~~2/207) . PageV02P092 # موسى الأندلس حتى بلغنا سرقسطة، وكانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا ~~يسيرا من ورائها[ (1) ]، فأتينا مدينة على بحر، ولها أربعة أبواب. قال: ~~فبينما نحن محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل، صاحب شرطة موسى، فقال: أيها ~~الأمير، إنا قد فرقنا الجيش أرباعا على نواحي المدينة، وقد بقي الباب ~~الأقصى، وعليه رتبة. قال له موسى بن نصير: دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه. ~~قال: ثم إنموسى التفت إلي فقال لي: كم معك من الزاد؟قلت: ما بقي معي غير ~~تليس[ (2) ]، قال: # فأنت لم يبق معك غير تليس، وأنت من أمراء الجيش، فكيف غيرك!اللهم أخرجهم ~~من ذلك الباب. قال المغيرة: فأصبحنا من تلك الليلة وقد خرجوا من ذلك الباب، ~~فدخلها موسى منه، ووجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم، فأسرع القتل فيهم، ~~وأصابوا مما كان معهم، ومما في المدينة شيئا عظيما. قال: وذكروا أن جعفر بن ~~الأشتر، قال: كنت فيمن غزا الأندلس مع موسى، فحاصرنا حصنا من حصونها عظيما، ~~بعضا وعشرين ليلة، ثم لم نقدر عليه. فلما طال ذلك عليه نادى فينا، أن ~~أصبحوا على تعبئة، وظننا أنه قد بلغه مادة من العدو، وقد دنت منا، وأنه ~~يريد التحول عنهم، فأصبحنا على تعبئة، فقام فحمد الله، ثم قال: # أيها الناس، إني متقدم أمام الصفوف، فإذا رأيتموني قد كبرت وحملت، فكبروا ~~واحملوا. فقال الناس: سبحان الله، أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه، يأمرنا ~~نحمل على الحجارة وما لا سبيل إليه!قال: فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه ~~الناس، ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء والرغبة، فأطال ونحن ركوب منتظرون ~~تكبيره، فاستعددنا، ثم إن ms355 موسى كبر، وكبر الناس، وحمل وحمل الناس، فانهدت ~~ناحية الحصن التي تلينا، فدخل الناس منها، وما راعني إلا خيل المسلمين تمزع ~~فيها، وفتحها الله علينا، فأصبنا من السبي والجواهر ما لا يحصى. # قال: وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى، وكانت من أهل الصدق والصلاح، أن ~~موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله، وكان تلقاءه حصن آخر. قالت: فأقام لنا ~~محاصرا حينا، ومعه أهله وولده، وكان لا يغزو إلا بهم لما [ (1) ]انظر ~~الحاشية السابقة. # [ (2) ]التليس: بتشديد اللام، الكيس الكبير. PageV02P093 # يرجو في ذلك من الثواب. قالت: ثم إن أهل الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه ~~قتالا شديدا، ففتح الله عليه. قالت: فلما رأى ذلك أهل الحصن الآخر، نزلوا ~~على حكمه، ففتحهما موسى في يوم واحد، فلما كان في اليوم الثاني، أتى حصنا ~~ثالثا، فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، حتى جال المسلمون جولة ~~واحدة. قال: فأمر موسى بسرادقه فكشط[ (1) ]عن نسائه وبناته حتى برزن. قال: # فلقد كسرت بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى، وحمي المسلمون، واحتدم ~~القتال، ثم إن الله فتح عليه ونصره، وجعل العاقبة له. # وقال عبد الرحمن بن سلام: كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها. # فلم ترد له راية قط، ولا هزم له جمع قط، حتى مات. # وقال ابن صخر: لما قدم موسى الأندلس قال أسقف من أساقفتها: إنا لنجدك في ~~كتب الحدثان، عن دانيال. بصفتك صيادا تصيد بشبكتين، رجل لك في البر، ورجل ~~في البحر، تضرب بهما هاهنا وهاهنا فتصيد. قال: فسر بذلك موسى وأعجبه. # وقال عبد الحميد بن حميد، عن أبيه: إن موسى لما وغل وجاوز سرقسطة، اشتد ~~ذلك على الناس وقالوا: أين تذهب بنا؟حسبنا ما في أيدينا، وكان موسى قال حين ~~دخل إفريقية، وذكر عقبة بن نافع: لقد كان غرر بنفسه حين وغل في بلاد العدو، ~~والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه، أما كان معه رجل رشيد؟فسمعه حبيش ~~الشيباني[ (2) ]قال: فلما بلغ موسى ذلك المبلغ، قام حبيش فأخذ بعنانه. ثم ~~قال أيها الأمير!إني ms356 سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول: # لقد غرر بنفسه وبمن معه، أما كان معه رجل رشيد؟وأنا رشيدك اليوم، أين ~~تذهب؟تريد أن تخرج من الدنيا، أو تلتمس أكثر وأعظم مما آتاك الله عز وجل، ~~وأعرض مما فتح الله عليك، ودوخ لك، إني سمعت من الناس ما لم تسمع، وقد ~~ملئوا أيديهم، وأحبوا الدعة. قال: فضحك موسى ثم قال: أرشدك الله، وكثر في ~~المسلمين مثلك. ثم انصرف قافلا إلى الأندلس فقال موسى يومئذ: أما [ (1) ~~]السرادق: القباء. وكشط: أزاح. # [ (2) ]كذا بالأصل، ولعله حنش الصنعاني من صنعاء الشام، أحد التابعين ~~الأجلاء، وكان مع موسى بن نصير في غزوته للأندلس (نفخ الطيب 1/278) . PageV02P094 # والله لو انقادوا إلي لقدتهم إلى رومية، ثم يفتحها الله على يدي إن شاء الله. ### || خروج موسى بن نصير من الأندلس # قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم، وكان مع موسى بن نصير ~~بالأندلس قال: أقام موسى بقية سنته تلك، وأشهرا من سنة أربع وتسعين، ثم ~~خرج[ (1) ]وافدا إلى الوليد بن عبد الملك، وكان ما أقام بها موسى عشرين ~~شهرا، واستخلف عبد العزيز بن موسى، فجاز موسى البحر على الأندلس، فغزا ~~بالناس حتى بلغوا أربونة، ومعه أبناء الملوك من الإفرنج، وبالتيجان ~~والمائدة والآنية والذهب والفضة، والوصفاء والوصائف، وما لا يحصى من ~~الجواهر والطرائف، وخرج معه بوجوه الناس. قال: وذكروا عن صفة المائدة عن ~~عبد الحميد أنه قال: # كانت مائدة خوان، ليست لها أرجل، قاعدتها منها، وكانت من ذهب وفضة ~~خليطين، فهي تتلون صفرة وبياضا، مطوقة بثلاثة أطواق، طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، ~~وطوق من زمرد، قال: قلت: فما عظمها؟قال: كنا بموضع والناس معسكرون، إذ فلت ~~بغل لرجل من موالي موسى يقال له صالح أبو ريشة، على رمكة[ (2) ]، فكردها في ~~العسكر، فقام الناس إليه بأعمدة الأخبية، وجال في العسكر جولة، فتطلع موسى ~~قال: ما هذا؟وتطلع الحواري فإذا هو بالبغل يكرد الرمكة، وقد أدلى[ (3) ]، ~~فغار موسى وقال: احملوا عليه المائدة، فلم يبلغ بها إلا منقلة[ (4) ]حتى ~~تفتخت قوائمه لكثرة ثقلها على هذا البغل ms357 القوي. ### || قدوم موسى إفريقية # قال: وذكروا أن يزيد بن مسلم مولى موسى، أخبرهم أنه لما جاز موسى الحصن ~~أمرهم بصناعة العجل، فعملت له ثلاثون ومائة عجلة[ (5) ]، ثم حمل عليها [ ~~(1) ]في البيان المغرب 1/43: سنة 95. وفي نفخ الطيب 1/277 ركب موسى البحر ~~إلى المشرق بذي حجة سنة 95 وطارق معه. وفي رواية أخرى ص 271 قفل عن الأندلس ~~سنة 94 فأتى إفريقيا، وسار عنها إلى الشام سنة 95. # [ (2) ]الرمكة: الفرس أو البغلة تتخذ للنسل وكرد: طارد، يعني أنه جرى ~~وراءها يريد أن يقع عليها. # [ (3) ]أي انتشر ذكره وتدلى. # [ (4) ]أي انتقل بها خطوة. تفتخت قوائمه: أي استرخت أعصابه وهانت وضعفت. # [ (5) ]في البيان المغرب 1/43 مائة عجلة وأربع عشرة عجلة. PageV02P095 # الذهب والفضة والجواهر، وأصناف الوشي الأندلسي، حتى أتى إفريقية. فلما ~~قدمها بقي بها سنة أربع وتسعين[ (1) ]، ثم قفل، واستخلف ابنه عبد الله على ~~إفريقية وطنجة[ (2) ]والسوس، وخرج معه ولده مروان بن موسى، وعبد الأعلى بن ~~موسى وعبد الملك بن موسى، وخرج معه مائة رجل من أشراف الناس، من قريش ~~والأنصار وسائر العرب ومواليها، منهم عياض بن عقبة، وعبد الجبار بن أبي ~~سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، والمغيرة بن أبي بردة، وزرعة بن أبي مدرك، ~~وسليمان بن نجدة ووجوه من وجوه الناس وأخرج معه من وجوه البربر مائة رجل ~~فيهم بنو كسيلة، وبنو قصدر[ (3) ]، وبنو ملوك البربر، وملوك السوس مزدانة ~~ملك قلعة أرساف وملك ميورقه، وخرج بعشرين ملكا من ملوك جزائر الروم[ (4) ~~]، وخرج معه مائة من ملوك الأندلس، ومن الإفرنجيين، ومن القرطبيين، وغيرهم، ~~وخرج معه أيضا بأصناف ما في كل بلد من بزها ودوابها ورقيقها وطرائفها وما ~~لا يحصى، فأقبل يجر الدنيا وراءه جرا لم يسمع بمثله، ولا بمثل ما قدم به. ### || قدوم موسى إلى مصر # قال: وذكروا أن يزيد بن سعيد بن مسلم أخبرهم قال: لما أتى موسى مصر، ~~وانتهى ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، كتب إلى قرة بن شريك، أن أدفع إلى ~~موسى من بيت مال مصر ما أراد، فأقبل موسى ms358 حتى إذا كان في بعض الطريق، لقيه ~~خبر موت قرة بن شريك[ (5) ]، ثم قدم مصر سنة خمس وتسعين، فدخل المسجد فصلى ~~عند باب الصوال، وكان قرة قد استخلف ابن رفاعة[ (6) ]على الجند حتى توفي، ~~فلما سمع بموسى خرج مبادرا حتى لحقه حين استوى على دابته فلقيه فسلم عليه، ~~فقال له موسى: من أنت يا بن أخي؟فانتسب له. فقال: # مرحبا وأهلا، فسار معه حتى نزل منية عمرو بن مروان، فعسكر بها موسى، [ ~~(1) ]انظر الحاشية رقم 1 ص 95. # [ (2) ]على طنجة وسبتة ولى ابنه عبد الملك (البيان المغرب-ابن الأثير) ~~ولم يخرج معه إلى الشام. # [ (3) ]في البيان المغرب: بنو يسور. # [ (4) ]في البيان المغرب: وعشرون ملكا من ملوك المدائن التي افتتحها ~~بإفريقيا. # [ (5) ]توفي قرة بن شريك لست بقين من شهر ربيع الأول سنة 96 (ولاة مصر: ص 86) . # [ (6) ]هو عبد الملك بن رفاعة بن خالد الفهمي. PageV02P096 # فكلمه حينئذ رفاعة في المال الذي كان استخرجه من سفيان بن مالك الفهري، ~~وذلك بعد مهلك سفيان. فقال: هو لك. قال: فأمر بدفع عشرة آلاف دينار إلى ولد ~~سفيان بن مالك. قال: فأقام موسى ثلاثة أيام، تأتيه أهل مصر في كل يوم، فلم ~~يبق شريف إلا وقد أوصل إليه موسى صلة ومعروفا كثيرا، وأهدى لولد عبد العزيز ~~بن مروان فأكثر لهم، وجاءهم بنفسه فسلم عليهم، ثم سار متوجها حتى أتى ~~فلسطين، فتلقاه آل روح بن زنباع، فنزل بهم، فبلغني أنهم نحروا له خمسين ~~جزورا، وأقام عندهم يومين، وخلف بعض أهله وصغار ولده عندهم، وأجاز آل مروان ~~وآل روح بن زنباع بجوائز من الوصائف، وغير ذلك من الطرف. ### || قدوم موسى على الوليد رحمهما الله تعالى # قال: وذكروا أن محمد بن سليمان وغيره من مشايخ أهل مصر، أخبروهم أن موسى ~~لما قدم على الوليد، وكان قدومه عليه وهو في آخر شكايته التي توفي فيها[ ~~(1) ]، وقد كان سليمان بن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل ~~قدومه على الوليد، يأمره بالتثبط في مسيره، وألا يعجل، فإن الوليد بآخر ~~رمقه[ (2) ]. فلما ms359 أتى موسى بالكتاب من سليمان وقرأه، قال: خنت والله ~~وغدرت وما وفيت، والله لا تربصت، ولا تأخرت، ولا تعجلت، ولكني أسير بمسيري، ~~فإن وافيته حيا لم أتخلف عنه، وإن عجلت منيته فأمره إلى الله. فرجع الرسول ~~إلى سليمان فأعلمه فآلى سليمان لئن ظفر بموسى ليصلبنه، أو ليأتين على نفسه. # قال: فلما قدم موسى على الوليد وكان الوليد لما بلغه قدوم موسى واقترابه ~~منه، وجه إليه كتابا يأمره بالعجلة في مسيره، خوفا أن تعجل به منيته قبل ~~قدوم موسى عليه، وأنه أراد أن يراه وأن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر ~~والطرائف التي لا قيمة لها، فلم يكن لموسى شيء يثبطه حين أتاه كتاب ~~الوليد، فأقبل حتى دخل عليه[ (3) ]، وقدم تلك الطرائف من الدر والياقوت ~~والزبرجد، والوصفاء والوصائف [ (1) ]وكان الوليد يكتب إليه يستحثه ويستعجله ~~(الحلة السيراء 2/334) قال ابن الأثير 3/212 فورد الشام وقد مات الوليد. ~~وقيل إنه قدم الشام وهو حي. (انظر فتوح البلدان ص 232 نفح الطيب 1/280) . # [ (2) ]الحلة السيراء 2/334 ابن عذاري 1/45. # [ (3) ]وصل إلى دمشق قبل موت الوليد بثلاثة (البيان المغرب 1/45) . PageV02P097 # والوشي، ومائدة سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة ثانية من جزع ملون ~~والتيجان. قال: فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت، وعمد إلى أفخر ما ~~فيها، والتيجان والجزع، فجعله في بيت الله الحرام، وفرق غير ذلك، ولم يلبث ~~الوليد أن مات رحمه الله. ### || خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير # قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما ~~أفضت الخلافة إليه، بعث إلى موسى، فأتي به، فعنفه بلسانه، وكان فيما قال له ~~يومئذ: أعلي اجترأت، وأمري خالفت، والله لأقللن عددك، ولأفرقن جمعك، ~~ولأبددن مالك، ولأضعن منك ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور، ~~وتخدعه من آل أبي سفيان، وآل مروان، فقال له موسى: والله يا أمير المؤمنين ~~ما تعتل علي بذنب، سوى أنني وفيت للخلفاء قبلك، وحافظت على من ولي النعمة ~~عندي فيه، فأما ms360 ما ذكر أمير المؤمنين: من أنه يقل عددي، ويفرق جمعي ويبدد ~~مالي، ويخفض حالي، فذلك بيد الله، وإلى الله، وهو الذي يتولى النعمة على ~~الإحسان إلي، وبه أستعين، ويعيذ الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري ~~على يديه شيئا من المكروه لم أستحقه، ولم يبلغه ذنب اجترمته. فأمر به ~~سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد الحر على طريقه. # قال: وكانت بموسى نسمة[ (1) ]، فلما أصابه حر الشمس، وأتعبه الوقوف، هاجت ~~عليه. قال: وجعلت قرب العرق تنصب منه، فما زال كذلك حتى سقط، وعمر بن عبد ~~العزيز حاضر، إلى أن نظر سليمان إلى موسى، وقد وقع مغشيا عليه، قال عمر بن ~~عبد العزيز: ما مر بي يوم كان أعظم عندي، ولا كنت فيه أكرب من ذلك اليوم، ~~لما رأيت من الشيخ موسى، وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله، وما فتح ~~الله على يديه وهذا يفعل به. قال: فالتفت إلي سليمان فقال: يا أبا حفص، ما ~~أظن إلا أني قد خرجت من يميني. قال عمر: فاغتنمت ذلك منهفقلت يا أمير ~~المؤمنين شيخ كبير بادن[ (2) ]، وبه نسمة قد أهلكته، وقد أتت على ما فيه ~~من السلامة لك من يمينك، وهو موسى البعيد الأثر في سبيل الله، العظيم ~~الغناء [ (1) ]نسمة: الربو، وهو انتصاب النفس، من أمراض الصدر. # [ (2) ]البادن: الضخم الجسم، السمين. PageV02P098 # عن المسلمين قال عمر: والذي منعني من الكلام فيه ما كنت أعلم من يمينه ~~وحقده عليه[ (1) ]، فخشيت إن ابتدأته أن يلح عليه، وهو لحوح. قال: فلما ~~قال لي ما قال آخرا، حمدت الله على ذلك، وعلمت أن الله قد أحسن إليه، وأن ~~سليمان قد ندم فيه. فقال سليمان: من يضمه؟فقال يزيد بن المهلب: أنا أضمه يا ~~أمير المؤمنين. قال: وكانت الحال بين يزيد وموسى لطيفة خاصة. قال سليمان: # فضمه إليك يا يزيد، ولا تضيق عليه. قال: فانصرف به يزيد، وقد قدم إليه ~~دابة ابنه مخلد، فركبها موسى، فأقام أياما. قال: ثم إنه تقارب ما بين موسى ~~وسليمان في الصلح، ms361 حتى افتدى منه موسى بثلاثة آلاف ألف دينار. ### || عدة موالي موسى بن نصير # قال: وذكروا عن بعض البصريين، أن رجلا منهم أخبرهم أن يزيد قال لموسى ذات ~~ليلة وقد سهر سهرا طويلا: يا أبا عبد الرحمن، كم تعد مواليك وأهل ~~بيتك؟فقال: كثير. قال: يكونون ألفا؟قال له موسى: نعم وألفا وألفا حتى ينقطع ~~النفس، لقد خلفت من الموالي ما أظن أن أحدا لا يخلف مثلهم. قال له يزيد[ ~~(2) ]: إنك لعلى مثل ما وصفت، وتعطي بيدك؟ألا أقمت بدار عزك، وموضع سلطانك، ~~وبعثت بما قدمت به، فإن أعطيت الرضا أعطيت الطاعة، وإلا كنت على التخيير من ~~أمرك؟فقال موسى: والله لو أردت ذلك ما تناولوا[ (3) ]طرفا من أطرافي إلى أن ~~تقوم الساعة، ولكن آثرت حق الله، ولم أر الخروج من الطاعة والجماعة. قال: ~~ثم خرج يزيد من عنده، فنظر إليه موسى، قال لمن عنده: والله إن في رأس أبي ~~خالد لنفرة وليأتين عليها. ### || ذكر ما رآه موسى بالمغرب من العجائب # قال: وذكروا عن محمد بن سليمان، عن مشايخ أهل مصر، قال: لما بعث موسى ~~رحمه الله بالخمس الذي أفاء الله عليه، وكان مائة ألف رأس، فنزلوا ~~الإسكندرية، ونزل بعضهم كنيسة فيها، فسميت كنيسة الرقيق إلى اليوم، ونزلوا ~~[ (1) ]كان سليمان قد حلف أنه أن ظفر به ليصلبنه. # [ (2) ]في البيان المغرب 1/46: فلم ألقيت بنفسك إلى التهلكة. # [ (3) ]في البيان المغرب: ما نالوا. PageV02P099 # موضعا بالفسطاط فتسوقوا فيه، فسمي سوق البربر إلى اليوم، قال محمد بن ~~سليمان، ومحمد بن عبد الملك: إن موسى اتخذ لنفسه دارا وسكنا حتى كان من أمر ~~سليمان ما قد ذكر، وهو الذي أخرجه وأهله من المغرب. # قال: وحدثنا بعض أهل إفريقية أن موسى ركب يوما حتى خرج من القيروان، فوقف ~~قريبا من إفريقية على رأس أميال، فأخذ بيده ترابا فشمه من ثم، ثم أمر بحفر ~~بئر وابتنى دارا ومنية[ (1) ]واتخذ فيها خيلا فسميت بئر منية الخيل، فليس ~~يعلم بالمغرب بئر أعذب منها. # وحدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من ms362 مشايخ تونس قال: ~~إن موسى انتهى إلى صنم يشير بإصبعه إلى خلفه ثم تقدم إلى صنم أمام الصنم ~~الأول، فإذا هو يشير بإصبعه إلى السماء، ثم تقدم فإذا بصنم على نهر ماء ~~جار، يشير بإصبعه تحت قدميه، فلما انتهى موسى إلى الصنم الثالث. قال موسى: ~~احفروا، فإذا بمحدث[ (2) ]مختوم الرأس، قد أخرج، فأمر به موسى فكسر، فخرجت ~~ريح شديدة، فقال موسى للجيش: أتدرون ما هذا؟قالوا: لا والله أيها الأمير ما ~~ندري. قال: ذلك شيطان من الشياطين التي سجنها نبي الله سليمان بن داود. # قال: وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب أن موسى أرسل ناسا في مراكب فأمرهم أن ~~يسيروا حتى ينتهوا إلى صنم يشير بإصبعه أمامه في جزيرة في البحر، ثم يسيروا ~~حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة يشير بإصبعه أمامه ثم يسير الليالي والأيام ~~ويجد في السير حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة في البحر، فيها أناس لا يعرف ~~كلامهم. قال: فإذا بلغتم ذلك فارجعوا، وذلك في أقصى المغرب ليس وراءه أحد ~~من الناس إلا البحر المحيط، وهو أقصى المغرب في البر والبحر. # قال: وحدثنا بعض المشايخ من أهل المغرب أن موسى بلغ نهرا من أقصى المغرب، ~~فإذا عليه في الشق الأيمن أصنام ذكور، وفي الأيسر أصنام إناث، وأن موسى لما ~~انتهى إلى ذلك الموضع خاف الناس فيه، فلما رأى ذلك [ (1) ]المنية: الضاحية ~~أو القرية الصغيرة. # [ (2) ]محدث: شيء كالإبريق قد أغلقت فوهته وختمت. PageV02P100 # منهم رجع بالناس، ثم مضى في وجهه ذلك حتى انتهى إلى أرض تميد بأهلها، ~~ففزع الناس وخافوا فرجع بهم. # قالوا: وحدثنا عبد الله بن قيس، قال: بلغني أن موسى لما جاوز الأندلس أتى ~~موضعا، فإذا فيه قباب من نحاس، فأمر بقبة منها فكسرت، فخرج منها شيطان نفخ ~~ومضى، فعرف موسى أنه شيطان من الشياطين التي سجنها سليمان بن داود، فأمر ~~موسى بالقباب فتركت على حالها، وسار بالناس قدما. # قال: وحدثنا عمارة بن راشد، قال: بلغنا أن موسى كان يسير في بعض غزواته ~~وهو بأقصى المغرب، إذ غشي ms363 الناس ظلمة شديدة، فعجب الناس منها وخافوا، وسار ~~بهم موسى في ذلك، إذ هجم على مدينة عليها حصن من نحاس، فلما أتاها أقام ~~عليها، وطاف بها، فلم يقدر على دخولها، فأمر بنبل ورماح، وندب الناس فجعل ~~يقول: من يصعد هذه، وله خمس مائة دينار؟فصعد رجل، فلما استوى على سورهاتردى ~~فيها، ثم ندب الناس موسى ثانية، وقال: من يصعد وله ألف دينار؟فصعد آخر، ~~ففعل به مثل ذلك، ثم ندب الناس ثالثة: # قال: من يصعد وله ألف وخمس مائة دينار، فصعد رجل ثالث، فأصابه ما أصاب ~~صاحبيه، فكلم الناس موسى فقالوا: هذا أمر عظيم، أصيب إخواننا، وغررت بهم ~~حتى هلكوا. فقال لهم: على رسلكم يأتيكم الأمر على ما تحبون إن شاء الله، ثم ~~أمر موسى بالمنجنيق، فوضعت على حصن المدينة، ثم أمر أن يرمى الحصن، فلما ~~علم من في الحصن ما عمل موسى، ضجوا وصاحوا. وقالوا: يا أيها الملك، لسنا ~~بغيتك، ولا نحن ممن تريد، نحن قوم من الجن، فانصرف عنا، فقال لهم موسى: أين ~~أصحابي، وما فعلوا؟قالوا: هم عندنا على حالهم. # فقال: أخرجوهم إلينا. قالوا: نعم. فأخرج الثلاثة النفر، فسألهم موسى عن ~~أمرهم وما صنع بهم. فقالوا: ما درينا ما كنا فيه، وما أصابتنا شوكة حتى ~~أخرجنا إليك. فقال موسى: الحمد لله كثيرا، ثم تقدم بالناس سائرا يفتح كل ما مر به. # ثم نرجع إلى حديث سليمان بن عبد الملك. PageV02P101 ### || تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة وما أشار به موسى عليه # قال: وذكروا أن سعيد بن عبد الله أخبرهم، قال: إن سليمان بن عبد الملك ~~بعث أخاه مسلمة إلى أرض الروم[ (1) ]، ووجه معه خمس مائة وثلاثين ألف رجل، ~~وخمس مائة رجل ممن قد ضمه الديوان واكتتب في العطاء وتقلب في الأرزاق، ثم ~~دعا سليمان بموسى، بعد أن رضي عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال سليمان ~~له: أشر علي يا موسى، فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل الله، بعيد الأثر، طويل ~~الجهاد. فقال له موسى: أرى يا أمير المؤمنين ms364 أن توجهه بمن معه، فلا يمر ~~بحصن إلا صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه، ثم يمضي بالباقي من ~~جيشه، حتى يأتي القسطنطينية، فإنه يظفر بما يريد يا أمير المؤمنين. قال: ~~فدعا سليمان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى وأوعز إليه. # فلما علم مسلمة بالمشورة فكأنه كره ذلك، وكان في مسلمة بعض الإباية، ثم ~~رجع إلى قول موسى فيما صنع بأرض الروم، حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا ملك ~~الروم[ (2) ]: فقال البطريق لمسلمة: آمني على نفسي وأهلي ومالي وولدي، ~~وأنا آتيك بالملك، فأمنه، ومضى البطريق إلى الملك الأعظم، فأعلمه بما فعل ~~مسلمة، وما ظفر به منه، ومن حصون الروم، فلما رأى ذلك ملك الروم، أعظم ذلك ~~وسقط في يديه. فقال البطريق له عند ذلك: ما لي عليك إن صرفت مسلمة عنك ~~وجميع من معه؟فقال الملك: أجعل تاجي على رأسك، وأقعدك مكاني. # فقال البطريق: أنا أكفيك ذلك. فرجع البطريق إلى مسلمة، فقال: أخرني ثلاثا ~~حتى آتيك بالملك، فبعث البطريق إلى جميع الحصون، فأمرهم بالتقلع إلى ~~الجبال، وحمل ما قدروا عليه من الطعام، وأمر بإحراق الزرع، وغير ذلك مما ~~يؤكل وينتفع به، مما كان خلفه مسلمة وجنده[ (3) ]، وما بين المسلمين وملك ~~[ (1) ]الخبر في الطبري 6/530-531 وابن الأثير 3/244-245 باختلاف. # [ (2) ]هو إليون صاحب أرمينيا. قال المؤرخ الأرمني دينيس: هو إليون ~~المرعشي حاكم عمورية، ويبدو أنه من أصل سوري من عناصر الجراجمة الساكنة على ~~حدود الشام. جاء إلى سليمان يطلب مساعدته للوصول إلى عرش الروم على أن يحكم ~~باسمه-وكان ملك الروم قد مات. # يقول دينيس: إن قصده في الحقيقة كان خداع العرب وإيقاف سفك دماء بني ~~وطنه، وهذا بالفعل ما وقع منه. # [ (3) ]في ابن الأثير: أتى اليون مسلمة فقال له: إن الروم قد علموا أنك ~~لا تصدقهم القتال، وإنك PageV02P102 # الروم، فلما فعلوا ما أمروا به، وعلم البطريق أنه أحكم أمره، بعث إلى ~~مسلمة فقال له: لو كنت امرأة لفعلت بك كما يفعل الرجل بامرأته. قال: فتغيظ ~~مسلمة وآلى ألا يبرح حتى يظفر ms365 بملك الروم[ (1) ] و[ (2) ]. ### || سؤال سليمان موسى عن المغرب # قال: وذكروا أن محمد بن سليمان، أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك قال ~~لموسى: من خلفت على الأندلس؟قال له: عبد العزيز بن موسى. قال: ومن خلفت على ~~إفريقية وطنجة والسوس؟[ (3) ]قال: عبد الله ابني. فقال له سليمان: لقد ~~أنجبت يا موسى، فقال موسى: ومن أنجب مني يا أمير المؤمنين، إن ابني مروان ~~أتى بملك الأندلس، وابني عبد الله أتى بملك ميورقة وصقلية وسردانية، وإن ~~ابني مروان أتى بملك السوس الأقصى فهم متفرقون في الأمصار، وغيرهم [ () ~~]تطاولهم ما دام الطعام عندك، فلو أحرقته أعطوا الطاعة بأيديهم، فأمر به ~~فأحرق (وكان أمثال الجبال لأن مسلمة كان قد أمر أن يذخره، وأمر المسلمين ~~بالإغارة على أراضي الروم وأن يزرعوا ويتركوا ما جاءوا به) فقوي الروم. # [ (1) ]كان سليمان مقيما بدابق، وتولى الشتاء فلم يقدر أن يمدهم حتى مات، ~~ولقي الجند ما لم يلقه جيش آخر حتى أنهم أكلوا الدواب والجلود وأصول الشجر ~~والورق وكل شيء غير التراب (ابن الأثير) ، قال ابن كثير في البداية 9/174 ~~فكروا راجعين إلى الشام (بعد تولية عمر بن عبد العزيز) وقد جهدوا جهدا ~~شديدا لكن لم يرجع مسلمة حتى بنى بالقسطنطينية مسجدا شديدا البناء محكما ~~رحب الفناء شاهقا في السماء. (وانظر الخبر في فتوح ابن الأعثم 7/298) . # [ (2) ]يرى الدكتور العريني في كتابه الدولة البيزنطية ص 188 وهو يبحث في ~~اضطرار المسلمين إلى رفع الحصار عن القسطنطينية أن أسباب ذلك تعود إلى: # -ظهور مواهب ليو الحربية فيما قام به من الدفاع عن المدينة إذ أغلق مدخل ~~البوسفور بسلسلة ضخمة من الحديد. شحن أسوار العاصمة بالعساكر الذين بذلوا ~~كل الجهود لمنع المسلمين من اقتحام الأسوار. # -طيلة الحصار، وبرد الشتاء وقسوته ما عانى منه المسلمون كثيرا. # -هجوم البلغار على المسلمين. # -ما سببته النيران الإغريقية بالأسطول الإسلامي. # -تواطؤ البحارة المسيحيين في الأسطول الإسلامي مع البيزنطيين. # -نفاذ الأقوات وطول أمد الحصار. # -طول خط الإمدادات. # -تدابير ليو الحربية والبحرية. # [ (3) ]مر أنه ولى طنجة وسبتة ابنه عبد الملك، ms366 وعبد الله على إفريقيا. PageV02P103 # يغيرون فيأتون من السبي بما لا يحصى، فمن أنجب مني يا أمير المؤمنين؟قال: # فغضب سليمان، فقال: ولا أمير المؤمنين ليس بأنجب منك؟فقال موسى: شأن أمير ~~المؤمنين شأن ليس فوقه شأن، وكل شأن وإن عظم دونه، لأنه به ومنه، وعلى يديه وأمره. # قالوا: وحدثنا عبد الله بن شريح، قال: بلغني أن موسى لما نزل الحيرة عند ~~قدومه من المغرب أتاه رجل من بني أمية، فقال له: يا موسى، أنت ملك المغرب، ~~وأعلم الناس تخرج إلى الوليد، وتعلم من سليمان؟فقال له موسى: # يا بن أخي، حسبك من قريش، ثم من بني أمية ما تعلم، ألا ترى يا بن أخي أن ~~الصبي يأخذ العظم فيعقفه[ (1) ]بحبل، ، ثم ينصبه ويهيئ طريقا، ويضع فيه ~~حبة بر أو ذرة، فينصب للهدهد العالم بما تحت الأرض، فيستنفر[ (2) ]، ثم ~~تدفعه المقادير إلى الوقوع فيه، فاحذر يا بن أخي أن تراك الشام أو تراها. ~~فخرج موسى إلى الوليد بدمشق، فمات الوليد، واستخلف سليمان أخاه، فلقي منه ~~موسى ما ذكرنا، وخرج القرشي إلى الشام، فضربت عنقه. ### || ذكر قدوم موسى على الوليد # قال: وذكروا أن موسى لما قدم على الوليد، وذلك يوم الجمعة، في حين جلوس ~~الوليد بن عبد الملك على المنبر، وكان موسى قال لبعض من وفد معه، بأن يلبس ~~كل رجل من الأسرى تاجا، وثياب ملك ذلك التاج، ثم يدخلوا معه المسجد. قال: ~~فألبس ثلاثين رجلا ثلاثين تاجا وهيأهم هيئة الملوك، وأمر بأبناء ملوك ~~البربر فهيئوا وأمر بأبناء ملوك الجزائر والروم فهيئوا كذلك، ولبسوا ~~التيجان، وأمر بأبناء ملوك الأشبان[ (3) ]، فهيئوا بمثل ذلك وأمر بالأموال ~~والجوهر واللؤلؤ والياقوت والزبرجد والجزع والوطاء والكساء المنسوج بالذهب ~~والفضة، المحرش[ (4) ]باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، فوقف الجميع بباب ~~الوليد، وأبناء ملوك أفرنجة وأقبل موسى بالذين ألبسهم التيجان، حتى دخل ~~مسجد دمشق، والوليد [ (1) ]يعقفه: يثنيه ويلويه. # [ (2) ]يعني: يحذر منه فيهرب. # [ (3) ]في البداية والنهاية 9/196 الأسبان. # [ (4) ]المحرش باللؤلؤ: أي وضع اللؤلؤ على الكساء بشكل بارز. PageV02P104 # على المنبر، يحمد الله وهو موهون، قد أثرت فيه ms367 العلة، وأنهكه المرض وإنما ~~كان متحملا لأجل قدوم موسى ومن معه. فلما رآهم بهت إليهم، وقال الناس: # موسى؟موسى، ثم أقبل حتى سلم على الوليد، ووقف الثلاثون بالتيجان، عن يمين ~~المنبر وشماله ثم إن الوليد أخذ في حمد الله تعالى والثناء عليه، والشكر ~~لما أيده الله ونصره[ (1) ]، فتكلم بكلام لم يسمع بمثله، وأطال حتى فات ~~وقت الجمعة، ثم صلى بالناس فلما فرغ جلس، ثم دعا بموسى، فصب عليه الوليد ~~الخلع ثلاث مرات، وأجازه بخمسين ألف دينار، وفرض لولده جميعا في الشرف، ~~وفرض لخمس مائة من مواليه، ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر، وملوك الروم، ~~وملوك الأشبان، وملوك أفرنجة، ثم أدخل عليه رءوس أهل البلاد ممن كان معه من ~~قريش والعرب، فأحسن جوائزهم، وفرض لهم في الشرف، ثم أقام موسى عند الوليد ~~أربعين يوما[ (2) ]، ثم إن الوليد هلك. ### || ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى # قالوا: لما استخلف سليمان بعد أخيه الوليد، فكان أحنق الناس على الحجاج[ ~~(3) ]وموسى بن نصير، وكان يحلف لئن ظفر بهما ليصلبنهما، وكان حنقه عليهما ~~لأمر يطول ذكره. قال: فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه، فقال: إني ~~صالب غدا موسى بن نصير، فبعث عمر إلى موسى فأتاه. فقال له: # يا بن نصير، إني أحبك لأربع. الواحدة: بعد أثرك في سبيل الله، وجهادك ~~لعدو الله. والثانية: حبك لآل محمد صلى الله عليه وسلم. والثالثة: حبك عياض ~~بن عقبة لما تعلم من حسن رأيي فيه، وكان عياض من عباد الله الصالحين، ~~والرابعة: أن لأبي عندك يدا وصنيعة، وأنا أحب أن تتم يده وصنيعته [ (1) ~~]زيد في البداية والنهاية: ووسع ملكه. # [ (2) ]مر قريبا أن موسى بن نصير قدم على الوليد قبل موته بثلاثة أيام. # [ (3) ]يعود حنق سليمان بن عبد الملك على الحجاج إلى: # -أن الحجاج كان قد أجاب الوليد عند ما أراد أن يخلع أخاه سليمان ويبايع ~~لولده عبد العزيز. # -كان سليمان بن عبد الملك يكتب إلى الحجاج في أيام أخيه الوليد بن عبد ~~الملك كتبا فلا ينظر له فيها ms368 فكتب إليه سليمان كتابا يتهدده فيه، ورد عليه ~~الحجاج بكتاب سخر فيه منه ومما جاء فيه: إنك لصبي حديث السن، تعذر بقلة ~~عقلك وحداثة سنك... (نص كتاب سليمان وجواب الحجاج عليه في العقد الفريد ~~5/41/42) . # وقد مات الحجاج سنة 95 في حياة الوليد وقبل أن يلي سليمان الخلافة. PageV02P105 # حيث كانت، وقد سمعت أمير المؤمنين يذكر أنه صالبك غدا، فأحدث عهدك[ (1) ~~]، وانظر فيما أنت فيه ناظر من أمرك. فقال له موسى: قد فعلت، وأسندت ذلك ~~إليك. فقال له عمر: لو قبلت ذلك من أحد قبلت منك، ولكن أسند إلى من أحببت. ~~فانصرف، فلما أصبح اغتسل وتحنط وراح، ولم يشك في الصلب. # فلما انتصف النهار، واشتد الحر، وذلك في حمارة الصيف، دعا سليمان موسى، ~~فأدخل عليه متعبا، وكان بادنا جسيما، به نسمة لا تزال تعرض له. فلما وقف ~~بين يديه، شتمه وخوفه وتوعده، فقال له موسى: أما والله يا أمير المؤمنين ما ~~هذا بلائي، ولا قدر جزائي، إني لبعيد الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن ~~المسلمين، مع قدمة[ (2) ]آبائي مع آبائك، ونصيحتي لهم. قال: فيقول له ~~سليمان: # كذبت، قتلني الله إن لم أقتلك. فلما أكثر على موسى قال له: أما والله لمن ~~في بطن الأرض أحب إلي ممن على ظهرها. فقال سليمان: ومن أولئك واستطير. # فقال له موسى: مروان، وعبد الملك والوليد أخوك، وعبد العزيز عمك. قال: # فكاد سليمان ينكسر. ثم يقول: قتلني الله إن لم أقتلك. فيقول له موسى: ما ~~أنت بفاعل يا أمير المؤمنين؟فيقول: ولم؟لا أم لك. فيقول له موسى: إني لأرجو ~~ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين وموسى حينئذ قائم في الشمس، قد ارتفع ~~نفسه[ (3) ]، وعظم بهره[ (4) ]، ثم التفت سليمان إلى عمر بن عبد العزيز، فقال: # ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر. قال عمر: فاغتنمتها منه، ولم أبال أن ~~يحنث بإحياء رجل من المسلمين. فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، امرؤ كبرت سنه، ~~وكثر لحمه، وبه نسمة وبهر وسقم. فما أراه إلا ميتا. قال: ثم التفت سليمان ms369 ~~إلى جلسائه فقال: من يأخذ هذا الشيخ، فيستخرج منه هذه الأموال؟فقال [ (1) ~~]أي اكتب وصيتك. # [ (2) ]يشير إلى خدمات أبيه نصير، فكان على حرس معاوية. أما موسى الذي ~~ولد سنة 19 ه، فقد ولي غزو البحر لمعاوية، وغزا قبرص وبنى هناك حصونا ~~كالماغوصة وحصن بانس، وكان نائب معاوية عليها بعد ذلك، وشهد مرج راهط مع ~~الضحاك ثم التجأ إلى عبد العزيز بن مروان، ولما عين بشر بن مروان على ~~العراق جعله عبد الملك وزيرا لبشر (ولي خراج العراق) وقيل إن بشر قلده ~~أموره. (البداية والنهاية 9/194 والنجوم الزاهرة 2/235 وفيات الأعيان ~~5/318) . # [ (3) ]يشير إلى نوبة ربو أصابته، وكان مصابا بانقصاب النفس. # [ (4) ]عظم بهره: انقطع نفسه من الإعياء والتعب، ومرضى الربو ينتصب نفسهم ~~ويعظم في حالة الإرهاق والتعب. PageV02P106 # يزيد بن المهلب: أنا يا أمير المؤمنين قال: فخذه ولا تمسه، وضع العذاب ~~على ابنيه مروان، وعبد الأعلى[ (1) ]، فخرج به يزيد فحمله على دابة ابنه، ~~ثم انصرف به إلى منزله، فأكرمه وبره. وقال له: أطع أمري، وأجب أمير ~~المؤمنين إلى مقاضاته عن نفسك وعن ابنيك، وحملني كل ما قاضيته عليه. فقال ~~له موسى: أما إذا كنت أنت صاحب هذا الشأن، فأنا غير مخبرك فيما ضمنت لأمير ~~المؤمنين، وايم الله لو أمر سواك بي، وأمره بالبسط علي، لكان أحب إلي أن ~~ألقى الله عز وجل، وأقرب إلي من أن يأخذوا مني دينارا واحدا، ولكن أديا يا ~~ابني عن أنفسكما وعن أبيكما، فقالا: نعم، فغدا يزيد بن المهلب إلى سليمان، ~~فأعلمه بذلك، وبرضا موسى بمقاضاته، فأدخله سليمان عليه. فقال موسى: أرأيت ~~لو لم أقاضك ما كنت فاعلا؟فقال سليمان: أضع العذاب عليك وعلى ابنيك حتى ~~أبلغ ما أريد، أو آتي على أنفسكم. فقال موسى: الآن طابت نفسك يا أمير ~~المؤمنين فأعطني أربع خصال، ولك ما دعوتني إليه من هذا المال. فقال: وما ~~هن؟قال: لا تعزل عبد الله بن موسى عن إفريقية وجميع عمله سنتين، وأن كل ما ~~جباه عبد الله بإفريقية، وعبد العزيز بالأندلس، فهو لي فيما قاضيت ms370 عليه ~~أمير المؤمنين، وأن تدفع إلي طارقا مولاي، وأكون أملأ به عينا وبماله. فقال ~~له سليمان: أما ما سألت من إقرار عبد العزيز وعبد الله على مكانهما فذلك ~~لك. وأما ما سألت من دفع طارق إليك فتكون أملأ عينا به وبماله، فليس هذا ~~جزاء أهل النصيحة لأمير المؤمنين، فلست بفاعل، ولا مخل بينك وبين عقوبته، ~~ولا أخذ ماله، فقاضاه موسى على مال، فأجله في ذلك، وخلى سبيله. ### || نسخة القضية # هذا ما قاضى عليه عبد الله سليمان أمير المؤمنين موسى بن نصير، قاضاه على ~~أربعة آلاف ألف دينار، وثلاثين ألف دينار، وخمسين دينارا ذهبا طيبة وازنة ~~يؤديها إلى أمير المؤمنين، وقد قبض منها أمير المؤمنين مائة ألف، وبقي على ~~موسى سائر ذلك، أجله أمير المؤمنين إلى سير رسول أمير المؤمنين إلى ابني ~~موسى الذي بالأندلس، والذي بإفريقية، يمكث شهرا بالأندلس، وليس له أن يمكث ~~وراء ذلك يوما واحدا، حتى يقفل راجعا بالمال، إلى ما كان من إفريقية [ (1) ~~]وكانا قد أخرجا معه إلى الشام. PageV02P107 # وما دونها، وليس لموسى أن يتكثر بشيء مما كان عليه من العمل، منذ استخلف ~~الله أمير المؤمنين من ذمة أو فيء أو أمانة، فهو لأمير المؤمنين يأخذه ~~ويقتضيه، ولا يحسبه موسى من غرامته، فإن أدى موسى الذي سمى أمير المؤمنين ~~في كتابه هذا من المال، إلى ما قد سمى أمير المؤمنين من الأجل، فقد بريء ~~موسى وبنوه وأهله ومواليه، وليست عليهم تبعة ولا طلبة في المال ولا في ~~العمل، يقرون حيث شاءوا، وما كان قبض موسى أو بنوه من عمال موسى إلى قدوم ~~رسول أمير المؤمنين إفريقية، فهو من الذي على موسى من المال، يحسب له من ~~الذي عليه، ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير المؤمنين، فليس منه في شيء، وقد ~~خلى أمير المؤمنين بين موسى وبين أهله ومواليه، ليس له ظلم أحد منهم، غير ~~أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه طارقا مولاه، ولا شيئا من الذي قد أباه عليه ~~أول يوم. # شهد أيوب ابن أمير المؤمنين، ms371 وداود ابن أمير المؤمنين، وعمر بن عبد ~~العزيز، وعبد العزيز بن الوليد، وسعيد بن خالد، ويعيش بن سلامة، وخالد بن ~~الريان، وعمر بن عبد الله، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد، وكتبه جعفر ~~بن عثمان في جمادى سنة تسع وتسعين[ (1) ]. # [ (1) ]يتبين من مراجعة هذه النسخة عدة ملاحظات: # أ-أنها كتبت سنة 99 في جمادى بين سليمان بن عبد الملك وموسى بن نصير. ~~تقول: إن سليمان بن عبد الملك مات لعشر بقين من صفر سنة 99 (ابن الأثير) في ~~حين أن موسى ابن نصير مات قبله، سنة 97 (ابن عذاري-الحلة السيراء-ابن ~~الأثير) . # ب-عبد العزيز بن موسى-والي الأندلس-قتل سنة 97 وقيل سنة 98، وأبوه حي، ~~(ابن الأثير-الحلة السيراء-النجوم الزاهرة) . # ج-عبد الله بن موسى كان على إفريقيا، عزل عن إفريقيا سنة 97 واستعمل ~~سليمان عليها محمد بن يزيد القرشي. # د-أيوب ابن أمير المؤمنين سليمان بن عبد الملك، مات سنة 98 وكان وليا ~~لعهد أبيه. # ه-أمر سليمان بن عبد الملك واليه محمد بن يزيد أن يأخذ عبد الله بن موسى ~~ويعذبه ويستأصل منه أموال بني موسى، فأخذه محمد ثم قتله بعد ذلك وتولى قتله ~~خالد بن أبي حبيب القرشي. # و-لم يرد في كتابه أو حجابه جعفر بن عثمان، ورد في تاريخ خليفة: # أن ليث بن أبي رقية مولى أم الحكم بنت أبي سفيان كان كاتب الرسائل، ~~وحاجبه أبو عبيد (وقيل أبو عبيدة: عن اليعقوبي) . # ز-في الغرامة الموضوعة على موسى، اختلف في قيمتها: ذكر ابن عذاري 1/46 ~~«ثلاثمائة ألف دينار، وقيل ألف ألف دينار» وفي الحلة السيراء 2/334 مائة ~~ألف دينار. PageV02P108 # فلما تقاضيا أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى وابنيه، والكف عنه، ~~فأعانه يزيد بن المهلب بمائة ألف دينار، فأهدى إليه موسى حقا فيه ثلاث ~~خرزات، فبعث بهن إلى ابن المهلب فقومهن، فقوبلن بثلاث مائة ألف دينار. # فقال ابن المهلب لموسى: أتدري لم قلت لأمير المؤمنين أنا أضمه؟قال: لا، ~~قال: خفت أن يجيبه قبلي من لا يرى فيك ما أنا عليه لك، وكانت لك يد ms372 عند ~~المهلب رحمه الله[ (1) ]. فأحببت أن أجزيك بها عنه، وبالله لو لم تفعل ~~وأبيت عن المقاضاة ما شاكتك عندي شوكة حتى لا يبقى لآل المهلب مال ولا ثوب. قال: # فجزاه موسى خيرا. ### || ذكر يد موسى إلى المهلب # قال: وذكروا أن مخبرا أخبرهم من شيوخ الشام ممن أدرك القوم وصحبتهم قال: ~~كانت اليد التي أسداها موسى إلى المهلب، أن عبد الملك بن مروان لما ولى ~~العراق بشرا أخاه، جعل منه موسى بن نصير وزيرا ومديرا لأمره، وقد كانت ~~الأزارقة أفسدت ما هنالك، فأمر عبد الملك بشر بن مروان أن يولي المهلب ~~قتالهم[ (2) ]، وكان بشر للمهلب مسيئا، فلما قدم بشر العراق، وعلم المهلب ~~برأيه، اعتزل بشرا، فلم يأته، فولى بشر بن مروان قتال الأزارقة، الوليد بن ~~خالد، فانهزم وافتضح، ثم ولى بشر رجلا آخر، فلم يصنع شيئا، فكتب عبد الملك ~~إلى بشر أخيه، يفند رأيه فيما صنع، ويوبخه لما خالف أمره، فصمم بشر على ~~رأيه، فلما استغلظ أمر الأزارقة، استشار بشر بن مروان أسماء بن خارجة، ~~وعكرمة بن ربعي، وموسى بن نصير في أمر المهلب. فأما [ (1) ]كان بشر بن ~~مروان قد هم بالمهلب، فكتب إليه موسى بن نصير يحذره فتمارض المهلب ولم يأته ~~حين أرسل إليه. (العقد الفريد 4/428) . وكان عبد الملك قد أمر بشر أن يولي ~~المهلب حرب الأزارقة، وكان بشر كره ذلك فقال: والله لأقتلنه: فقال له موسى ~~بن نصير: أيها الأمير إن للمهلب حفاظا وبلاء ووفاء... (انظر تفاصيل الخبر ~~في الكامل للمبرد 3/1297 وما بعدها) . # [ (2) ]نص كتاب عبد الملك إلى أخيه بشر بشأن تولية المهلب حرب الأزارقة ~~في الطبري 7/207 (حوادث سنة 74) وفي الكامل للمبرد 3/1297 نص آخر للكتاب. # قال المبرد: وكتب بشر إلى أخيه عبد الملك يعلمه أن المهلب عليل وأن ~~بالبصرة من يغني غناءه، وذلك لأن بشر شق عليه ما أمره به عبد الملك بشأن ~~عبد الملك. والخبر فيهما مختلف عما هنا بالأصل، قارن النصوص الثلاثة. PageV02P109 # عكرمة وأسماء فوافقا هواه فيه، وأما موسى فقال له: إن أمير ms373 المؤمنين لا ~~يحتملك على المعصية، وليس مثل المهلب في فضله وشرفه، وقدره في قومه ~~ومعرفته، أقصيت أو جفوت، فإن كان بلغك أمر يقال إنه أتاه، فاكشفه عنه، حتى ~~تعلم عذره فيه أو ذنبه، فلم يزل موسى يردد أمر المهلب على بشر، ويعطفه ~~عليه، بعد أن كان هم بقتله، إن ظفر به، حتى أرسل إليه بشر فجاءه المهلب ~~فتنصل إليه المهلب، فقبل منه بشر، وولاه ما كان يلي، فبعث إليه موسى بخمسين ~~فرسا وبمائة بعير. وقال له: استعن بها على حربك، ثم لم يزل موسى قائما ~~بأمره عند بشر، حتى هلك بشر. # قالوا: وأخبرنا محمد بن عبد الملك أن المهلب في الأيام التي كان يخاف ~~فيها بشر بن مروان على نفسه، خرج إلى مال له، فكان فيه وحده، فأتى رجل إلى ~~بشر وعنده موسى، فقال له: إن كان لك أيها الأمير بالمهلب حاجة فابعث خيلا ~~إلى موضع كذا وكذا، فإنه فيه في غار وحده، وليس معه فيه رجل من قومه. فبعث ~~بشر خيلا. قال: فنهض من مجلسه موسى، فوجه إليه غلاما له، ثم قال له: أنت حر ~~لوجه الله، إن أنت سبقت هذه الخيل حتى تنتهي إلى موضع كذا وكذا، فتأتي ~~المهلب فتقول له: إن موسى يقول لك: النجاة بنفسك، فخرج غلام موسى حتى انتهى ~~إلى المهلب فأعلمه، فاستوى على فرسه فذهب، وأتت الخيل فلم تجد أحدا هناك، ~~فانصرفوا راجعين إلى بشر فأعلموه بذلك. ### || ذكر قتل عبد العزيز بن موسى بالأندلس # قال: وذكروا أن محمد بن عبد الملك أخبرهم قال: أقام موسى بن نصير مع ~~سليمان بن عبد الملك يطلب رضاه، حتى رضي عنه، وابنه عبد الله بن موسى على ~~إفريقية وطنجة والسوس، وابنه عبد العزيز على الأندلس كما هو، فلما بلغ عبد ~~العزيز الذي فعل سليمان بأبيه موسى تكلم بكلام خفيف حملته عليه حمية لما ~~صنع بأبيه على حسن بلائه، فنميت إلى سليمان، فخاف سليمان أن يخلع[ (1) ]، ~~فكتب إلى حبيب بن أبي عبيدة[ (2) ]، وابن وعلة التميمي، وسعد بن [ (1) ]في ~~النجوم ms374 الزاهرة 2/235 قتلوه في سنة 99 لكونه خلع طاعة سليمان. (البيان ~~المغرب 1/47) . # [ (2) ]في البيان المغرب 1/47: «ابن أبي عبدة» وفي النجوم الزاهرة ~~والطبري: «ابن أبي عبيد» . PageV02P110 # عثمان بن ياسر، وعمرو بن زياد اليحصبي، وعمر بن كثير، وعمرو بن شرحبيل، ~~كتب إلى كل رجل منهم كتابا يعلمه بالذي بلغه عن عبد العزيز بن موسى، وما هم ~~به من الخلع، وأنه قد كتب إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إلى عبد ~~العزيز، وأعلمه إنما دعاه إلى ذلك الذي أحب من مكانفتكم، لأنه بإزاء العدو، ~~وأعطاهم العهود، أن من قتله منهم فهو أمير مكانه. وكتب إلى عبد الله بن ~~موسى: إني نظرت فإذا عبد العزيز بإزاء عدو يحتاج فيه إلى الغناء والبلاء. ~~فسأل أمير المؤمنين فأخبر أن معك رجالا، منهم فلان وفلان، فأشخصهم إلى عبد ~~العزيز بن موسى، وكتب سليمان إلى عبد العزيز: أما بعد، فإن أمير المؤمنين ~~علم ما أنت بسبيله من العدو، وحاجتك إلى الرجال أهل الكناية والغناء، فذكر ~~له أن بإفريقية رجالا منهم، فكتب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن موسى يأمره ~~بإشخاصهم إليك، فولهم أطرافك وثغورك، واجعلهم أهل خاصتك. وكتب إليهم ~~سليمان: إني قد بعثت لكم بكتاب إلى أهل الأندلس بالسمع والطاعة لكم، والغدر ~~في قتله، فإذا ولاكم أطرافه فأقروا عهدي على من قبلكم من المسلمين، ثم ~~ارجعوا إليه حتى تقتلوه. فلما قدم الكتاب على عبد الله بن موسى بإفريقية، ~~أشخص القوم، فخرجوا حتى قدموا على عبد العزيز بالأندلس بكتاب سليمان في ~~إلطافهم وإكرامهم، فقربهم عبد العزيز وأكرمهم وحياهم، وقال لهم: # اختاروا أي نواحي وثغوري شئتم، فضربوا الرأي فقالوا: إنكم إن فعلتم ما ~~أنتم فاعلون، ثم رجعتم إليه من أطرافه، لم نأمن أن يميل معه عظيم الناس، ~~فإن في يديه الأموال والقوة، من مواليه وغيرهم ولكن اعملوا رأيكم في الفتك ~~به. قالوا: # فإن هاهنا رجلا إن دخل معنا استقام لنا الأمر، ووصلنا إلى ما أردنا، وهو ~~أيوب بن حبيب ابن أخت موسى. قال: فلقوه ودعوه إلى أنه ms375 إن قتله فهو مكانه، ~~فقبل وبايعوه على ذلك، ثم إنهم أتوا عبد الله بن عبد الرحمن الغافقي، وكان ~~سيد أهل الأندلس صلاحا وفضلا فأعلموه، ثم أقرءوه كتاب سليمان. فقال لهم: قد ~~علمتم يد موسى عند جميعكم، صغيركم وكبيركم، وإنما بلغ أمير المؤمنين أمر ~~كذب عليه فيه، والرجل لم ينزع يدا من الطاعة، ولم يخالف فيستوجب القتل ~~وأنتم ترون وأمير المؤمنينلا يرى، فأطيعوني ودعوا هذا الأمر، فأبوا، ومضوا ~~على رأيهم، فأجمعوا على قتله، فوقفوا له. فلما خرج لصلاة الصبح، ودخل ~~القبلة وأحرم، وقرأ بأم القرآن الكريم، واستفتح @QUR@03 (إذا وقعت ~~الواقعة) ضربه حبيب بن أبي عبيدة ضربة، فدهش ولم يصنع شيئا، فقطع عبد ~~العزيز الصلاة PageV02P111 # وخرج، وتبعوه فقتله ابن وعلة التميمي[ (1) ]، وأصبح الناس، فأعظموا ذلك، ~~فأخرجوا كتاب سليمان بذلك، فلم يقبله أهل الأندلس، وولوا عليهم عبد الله بن ~~عبد الرحمن الغافقي[ (2) ]، ووفد حبيب بن أبي عبيدة[ (3) ]برأس عبد العزيز ~~بن موسى رحمهما الله[ (4) ]. ### || قدوم رأس عبد العزيز بن موسى على سليمان # قال: وذكروا أن سليمان لما ظن أن القوم قد دخلوا الأندلس، وفعلوا ما كتب ~~به إليهم، عزل عبد الله بن موسى عن إفريقية وطنجة والسوس، في آخر سنة ثمان ~~وتسعين[ (5) ]في ذي الحجة، وأقبل هؤلاء حتى قدموا على سليمان، وموسى بن ~~نصير لا يشعر بقتل عبد العزيز ابنه. فلما دخلوا على سليمان، ووضع الرأس بين ~~يديه، بعث إلى موسى، فأتاه، فلما جلس وراء القوم قال له سليمان: أتعرف هذا ~~الرأس يا موسى؟فقال: نعم هذا رأس عبد العزيز بن موسى، فقام الوفد فتكلموا ~~بما تكلموا به. ثم إن موسى قام فحمد الله، ثم قال: # وهذا رأس عبد العزيز بين يديك يا أمير المؤمنين، فرحمة الله تعالى عليه، ~~فلعمر الله ما علمته نهاره إلا صواما، وليله إلا قواما، شديد الحب لله ~~ولرسوله، بعيد الأثر في سبيله، حسن الطاعة لأمير المؤمنين، شديد الرأفة بمن ~~وليه من المسلمين، فإن يك عبد العزيز قضى نحبه، فغفر الله له ذنبه، فو الله ~~ما كان بالحياة شحيحا، ولا ms376 من الموت هائبا، وليعز على عبد الملك وعبد ~~العزيز والوليد أن يصرعوه هذا المصرع، ويفعلوا به ما أراك تفعل، ولهو كان ~~أعظم رغبة فيه، وأعلم بنصيحة أبيه، أن يسمعوا فيه كاذبات الأقاويل، ويفعلوا ~~به هذه الأفاعيل. # [ (1) ]في النجوم الزاهرة: قتله وهو في صلاة الفجر حبيب بن أبي عبيد بن ~~عقبة بن نافع الفهري. # وفي ابن الأثير 3/241: فدخلوا عليه... فضربوه بالسيوف ضربة واحدة وانظر ~~البيان المغرب 1/47. # [ (2) ]في الحلة السيراء 2/334 أيوب ابن أخت موسى بن نصير. وفي البيان ~~المغرب: الحر بن عبد الرحمن الثقفي. # [ (3) ]انظر ما تقدم قريبا بشأن اسمه. # [ (4) ]قيل في أسباب قتله غير ذلك: انظر ابن الأثير 3/241 نفح الطيب ~~1/281. وإن كان ما تقدم أولا هو المعتمد، قال ابن الأثير: وكانوا يعدونها ~~من زلات سليمان. وقال ابن عذاري: # من هفوات سليمان التي لم تزل تنقم عليه. # [ (5) ]في ابن الأثير وابن عذاري والنجوم الزاهرة: سنة 97. PageV02P112 # فرد سليمان عليه قال: بل ابنك المارق من الدين، والشاق عصا المسلمين، ~~المنابذ لأمير المؤمنين، فمهلا أيها الشيخ الخرف. فقال موسى: والله ما بي ~~من خرف، ولا أنا من الحق بذي جنف[ (1) ]ولن ترد محاورة الكلام مواضع ~~الحمام، وأنا أقول كما قال العبد الصالح[ (2) ]. @QUR@08 (فصبر جميل، ~~والله المستعان على ما تصفون) [يوسف: 18]قال: ثم قال موسى: أفتأذن في رأسه ~~يا أمير المؤمنين؟ واغرورقت عيناه، فقال له سليمان: نعم، فخذه، فقام موسى ~~فأخذه، وجعله في طرف قميصه الذي كان عليه، ثم أدير في السماطين، فوقع الطرف ~~الآخر عن منكبيه، وهو يجره لا يحفل به ولا يرفعه. فقال له خالد بن الريان: ~~ارفع ثوبك يا بن نصير، فالتفت موسى وقال: ما أنت وذاك يا خالد. قال سليمان: ~~دعه، حسبه ما فعلنا به. فلما توارى موسى قال سليمان: دعه إن في الشيخ لبقية بعد. # ثم إن موسى التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة[ (3) ]فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر ~~أمرا خفيا من نسبه[ (4) ]فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز، ~~فألفى ذلك باطلا، وأن ms377 عبد العزيز لم يزل صحيح الطاعة، مستقيم الطريقة، فلما ~~تحقق عند سليمان باطل ما رفع إليه عن عبد العزيز ندم، وأمر بالوفد فأخرجوا، ~~ولم ينظر في شيء من حوائجهم، وأهدر عن موسى بقية القضية، التي كان سليمان ~~قاضاه عليها، وكان سليمان قد آلى قبل خلافته، لئن ظفر بالحجاج بن يوسف ~~وموسى بن نصير ليعزلنهما، ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا. فلما رضي عن ~~موسى جعل يقول: ما ندمت على شيء ندامتي، أن لا كنت خلوا من اليمين على ~~موسى في أن لا أوليه شيئا، ما مثل موسى أستغني عنه. # قال: وإن موسى دخل على سليمان في آخر يوم من شعبان عند المغرب، وهو ~~مستشرف على سطح وعنده الناس. فلما رآه سليمان قال: عندكم والله من إن ~~سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه وقد غم الهلال يومئذ على سليمان [ ~~(1) ]جنف: بعد. # [ (2) ]إشارة إلى يعقوب عليه السلام، أبو يوسف لما أخبره بنوه، إخوة ~~يوسف، ما حصل ليوسف. # [ (3) ]ابن أبي عبيدة، تقدمت إليه الإشارة. وانظر جمهرة الأنساب لابن حزم ~~ص 178 وفيه: فولد أبي عبيدة: حبيب قاتل عبد العزيز بن موسى بن نصير. # [ (4) ]لعله بشير إلى نافع بن عبد بن قيس جد أبيه أبي عبيدة الذي نخس ~~بزينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم-مع هبار بن الأسود-إذ حملت من مكة ~~إلى المدينة فأسقطت جنينا. (جمهرة الأنساب لابن حزم ص 119 و177) . PageV02P113 # والناس. فلما دنا موسى وسلم قال له سليمان: أرأيت الهلال بعد يا ~~موسى؟قال: نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك، وأشار بإصبعه إلى ناحية، وهو ~~مقبل على سليمان بوجهه، فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى، فأبصروا الهلال ~~فلما جلس موسى قال: إني والله لست بأحدكم بصرا، ولكني أعلمكم بمطالعه ~~ومناسقه[ (1) ]. # وقال: فخرج فلقيه يزيد بن المهلب، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، بينا أنت ~~أدهى الناس وأعلمهم، أقبلت تسوق نفسك حتى تضعها في يد سليمان. فقال له ~~موسى: أما علمت يا أبا خالد، أن الهدهد يهتدي إلى الماء ms378 ويعرفه من الأرض ~~الفضاء ومن الحزونة والسهل، ويبصر القريب منه والبعيد، ثم ينصب له الصبي ~~الفخ بالدودة وما أشبهها، فلا يبصر ذلك حتى يقع فيه فيؤخذ؟وذلك أنه لا حذر ~~ينجي من قدر، ولا رأي ولا بصر، وكذلك كنت وسليمان بن عبد الملك. # قال: وذكروا أن سليمان خرج يوما إلى بعض أمواله متنزها فخرج معه موسى بن ~~نصير، فعرضت عليهم غنم حلب، نحو من ألف رأس، فأعجب سليمان ما رأى منها، ~~والتفت إلى موسى، فقال له: هل رأيت مثلها قط؟قال: # نعم، إن لأدنى موالي لأصنافا كثيرة، فالتفت إليه سليمان، وقال له: أدنى ~~مواليك؟قال: نعم فرددها سليمان كالمغضب عليه. قال موسى: نعم يا أمير ~~المؤمنين، وما هذا فيما أفاء الله عز وجل على يدي، لقد كانت الألف تباع ~~بعشرة دراهم أو دونها، ولقد كانت في بعض المواطن وما لها قيمة، ولا يلتفت ~~إليها أحد يا أمير المؤمنين، ولغير ذلك مما أفاء الله عليهم، ولقد رأيت ~~العلج العتل[ (2) ]، والوصيف الفاره[ (3) ]، والجارية الحسناء، وإن أكثر ~~ما تبلغ خمسين درهما، لكثرة ذلك من صنوفه كلها. ولقد رأيت الذود[ (4) ]من ~~الإبل، لا تبلغ قيمته عشرين درهما، أكثير يا أمير المؤمنين ما أعلمتك فيما ~~تسمع؟قال سليمان: لا، وحمد الله. # قال: وذكروا أن موسى دخل على سليمان يوما وعنده الناس، فلما رآه سليمان ~~قال: ذهب سلطان الشيخ، وأبصره موسى حين تكلم، فلم يفهم ما قال [ (1) ]أي ~~طرقه ومساراته. # [ (2) ]العتل: الجافي الغليظ. # [ (3) ]الفاره: الماهر القوي. # [ (4) ]الذود من الإبل: من الثلاثة إلى العشرة، وقيل إلى الثلاثين من ~~الجمال. PageV02P114 # فلما سلم قال: يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ~~ظننتك عنيتني به. قال: نعم. قلت: ذهب سلطان الشيخ. قال له موسى: أما والله ~~لئن ذهب سلطان الشيخ لقد أثر الله به في دينه أثرا حسنا، ولقد كنت طويل ~~الجهاد في الله حريصا على إظهار دين الله، حتى أظهره الله، وكنت ممن أتم ~~الله به موعده لنبيه، ولئن أدبر معك، لقد كان مع آبائك ناضر الغصن، ميمون ~~الطائر[ (1) ]، فقال سليمان: ms379 هو ذاك. فقال موسى: وهو ذاك، فلم يزل يرددها ~~سليمان، ويرددها موسى حتى سكت سليمان. ### || سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله # قال: وذكروا أن سليمان قال لموسى: ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من ~~أمور عدوك؟قال: التوكل، والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين. قال له سليمان: ~~هل كنت تمتنع في الحصون والخنادق، أو كنت تخندق حولك؟قال: # كل هذا لم أفعله. قال: فما كنت تفعل؟قال: كنت أنزل السهل، وأستشعر الخوف ~~والصبر، وأتحصن بالسيف والمغفر، وأستعين بالله، وأرغب إليه في النصر. قال ~~له سليمان: فمن كان من العرب فرسانك؟قال حمير. قال: فأي الخيل رأيت في تلك ~~البلاد أصبر؟قال: شقرها. قال: فأي الأمم كانوا أشد قتالا؟ قال: إنهم يا ~~أمير المؤمنين أكثر مما أصفهم. قال له: أخبرني عن الروم. قال: # أسود في حصونهم، عقبان على خيولهم[ (2) ]، نساء في مواكبهم[ (3) ]إن ~~رأوا فرصة افترصوها، وإن خافوا غلبة فأوعال[ (4) ]، ترقل في أجبال، لا ~~يرون عارا في هزيمة تكون لهم منجاة. قال: فأخبرني عن البربر. قال: هم يا ~~أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب، لقاء ونجدة، وصبرا وفروسية، وسماحة ~~وبادية، غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر. قال: فأخبرني عن الأشبان، قال: ~~ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون. قال: فأخبرني عن الإفرنج. قال: هناك يا ~~أمير المؤمنين العدد والعدة، والجلد والشدة وبين ذلك أمم كثيرة، ومنهم ~~العزيز، ومنهم الذليل، وكلا قد [ (1) ]يشير موسى إلى حسن علاقاته بعبد ~~العزيز وعبد الملك والوليد ابنه، واحترامهم له وتقديمهم إياه. # [ (2) ]أي سريعو الجريان على خيولهم، شبههم بالعقاب لسرعة طيرانه. # [ (3) ]يعني يتجملون في مواكبهم كالنساء. # [ (4) ]الأوعال جمع وعل. وترقل: تسرع. PageV02P115 # لقيت بشكله، فمنهم المصالح، ومنهم المحارب المقهور، والعزيز البذوخ[ (1) ]. # قال: فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم، أكانت عقبا؟[ (2) ]قال: لا يا ~~أمير المؤمنين، ما هزمت لي راية قط، ولا فض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي ~~نكبة، منذ اقتحمت الأربعين، إلى أن شارفت الثمانين. قال: فضحك سليمان وقال: ~~فأين الراية التي حملتها يوم مرج راهط[ (3) ]مع الضحاك؟قال: تلك يا ms380 أمير ~~المؤمنين زبيرية، وإنما عنيت المروانية. فقال: صدقت، وأعجبه قوله. # وذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان قال: ~~إنا لجلوس عند سليمان وهو على سطح فسيح، والناس يدخلون حتى دخل موسى من ~~الباب، فتحرك بنا سقف السطح من شدة وطئه، فسلم ثم جلس، فذكر سليمان بيت ~~الذهب الذي فتحه قتيبة بن مسلم، فجعل يردد فيه. # فقال له موسى: وما هذا يا أمير المؤمنين؟بيت لا يكون فيه عشرة آلاف ~~دينار، والله لقد بعثت إلى أخيك الوليد بثور من زمرد أخضر، يصب فيه اللبن ~~فيخضر وإنه لمن أدنى ما بعثت به إليه. ولقد أصبت كذا وكذا، وأصاب المسلمون ~~كذا وكذا، وجعل يحدث سليمان بالعجائب. قال ريان: حتى والله أبهته. ولم يزل ~~موسى بباب سليمان عظيم المنزلة عنده[ (4) ]. فلما كانت سنة ثمان[ (5) ~~]وتسعين تجهز سليمان للحج، وأمر موسى بالشخوص والحج معه، فذكر له أنه ضعيف، ~~فأمر له سليمان بثلاثين نجيبا موقورة جهازا، وبحجرة من حجره وجائزة، فحج ~~سليمان، وحج معه موسى، فبينما هو يسير يوما إذ دعا بموسى، فناداه خالد ابن ~~الريان، وكان موسى يساير رجلا، فلم يلتفت موسى إلى ندائه، ثم دعا به، ~~فناداه خالد أيضا، فلم يلتفت إليه. فقال له الرجل: غفر الله لك، ألم تسمع ~~دعاء أمير [ (1) ]البذوخ: المتكبر. # [ (2) ]يريد هل كانت معاقبة، أي تنتصر مرة وتهزم أخرى ثم تنتصر. # [ (3) ]معركة مرج راهط جرت بين الجناح الأموي اليمني المتمثل بمروان بن ~~الحكم، والجناح الأموي القيسي المتحالف مع ابن الزبير، وحمل لواؤه الضحاك ~~بن قيس، وقد تقدمت الإشارة إلى أن موسى بن نصير كان يحارب تحت راية الضحاك. ~~وبعد المعركة وهزيمة الضحاك التجأ إلى عبد العزيز بن مروان. # [ (4) ]ما نكب به موسى بن نصير، من تغريمه أموالا عظيمة، وقتل ابنيه ~~واستئصال أموالهم وبنيهم لا يشير إلى عظيم منزلة. # [ (5) ]في ابن الأثير سنة 97، وذكر أنه حج بالناس سنة 98 عبد العزيز بن ~~عبد الله بن خالد بن أسيد، وهو أمير مكة. (انظر الطبري حوادث سنة ms381 97 و98 ~~ومروج الذهب 4/450 والحلة السيراء 2/334) . PageV02P116 # المؤمنين؟إني أخافه وأخاف أن يغضب. فقال موسى: ذاك لو كان عبد الملك أو ~~الوليد. فأما هذا فإنه يرضيه ما يرضي الصبي، ويسخطه ما يسخطه، وسترى ذلك. ~~ثم تقدم موسى حتى لحق ولصق بسليمان. فقال له: أين كنت يا بن نصير؟فقال له: ~~يا أمير المؤمنين أين دوابنا من دوابك؟إني لمنذ دعاني أمير المؤمنين لفي ~~كد، حتى لحقت أمير المؤمنين، فضحك سليمان وأمر له بدواب من مراكبه، فسايره ~~وحادثة، ثم انصرف عنه، فلحق الرجل به. فقال له موسى: # كيف رأيت؟قال: أنت كنت به أعلم، فسار سليمان حتى نزل المدينة في دار يزيد ~~بن رومان. # قال: فحدثني بعض أهل المدينة، أن موسى قال يوما لبعض من يثق به: # ليموتن إلى يومين رجل قد بلغ ذكره المشرق والمغرب، فلم نظن إلا أنه يعني ~~الخليفة، فلما كان اليوم الثاني، لم أشعر وأنا في مسجد الرسول، حتى سمعت ~~الناس يقولون: مات موسى بن نصير، فإذا هو، وصلى سليمان عليه، ودفن رحمه ~~الله[ (1) ]. # وذكروا أن عبد الله بن صخر أخبرهم قال: بينما موسى يسير يوما على دابة ~~له، وكان طويلا جسيما، فمر به رجلان من قريش، وقد تدلت رجلاه وانحنتا، وهما ~~لا يعرفانه. فقالا: أدبر والله الشيخ، فسمعهما موسى، فقال لهما: من أنتما؟ ~~فانتسبا له. فقال: أما والله إن أميكما لمما أفاء الله على يدي هذا الشيخ، ~~فأهداهما إلى أبويكما. فقالا له: ومن أنت يرحمك الله؟قال: موسى بن نصير، ~~فقالا: فمرحبا وأهلا، صدقت وبررت، والله ما عرفناك: فقال: لا عليكما، قد ~~والله أدبر عني وبقي مني. # وذكروا أن إبراهيم بن سليمان أخبرهم عمن حدثه عن موسى، أن الناس قحطوا ~~بإفريقية[ (2) ]عاما، فخرج موسى بالناس فاستسقى، فأمر رجلا فقص على الناس ~~ورققهم، فجعل يذكر، ثم إنه انتحى في الدعاء للوليد بن عبد الملك [ (1) ]في ~~مكان موته أقوال: في الحلة السيراء 2/334 فتوفي في طريقه (إلى الحج) . وفي ~~ابن الأثير 3/244 والنجوم الزاهرة 2/235 موته بطريق مكة. وفي نفخ الطيب 1/286. ms382 # آل أمره إلى أن وجهه إلى قومه بوادي القرى... فمات بها. قال: وقد نص ابن ~~بشكوال على أنه مات بوادي القرى. # [ (2) ]الخبر في ابن الأثير 3/195 والبداية والنهاية 9/196 باختلاف ~~واختصار. PageV02P117 # فأكثر. فأرسل إليه موسى: إنا لم نأت هاهنا للدعاء للوليد، فأقبل على ما ~~له جئنا فعدنا، فلم يلتفت، ورجا أن يبلغ الوليد، فأمر به فسحب، حتى خرج من ~~الناس، ثم قام موسى ودعا بالناس، فما برحنا حتى انصبت السماء بمثل القرب، ~~فأتى موسى بدابة من دوابه. فقال: والله لا ركبت، ولكن أخوض الطين، وانصرف ~~ماشيا، ومشى الناس، فسمعته يومئذ يردد في دعائه: اللهم الشهادة في سبيلك، ~~أو موتا في مدينة رسولك. # قال: فذكروا أن عرفة بن عكرمة حدثهم عن مشايخ من مراد عن رجل منهم كان مع ~~موسى بالأندلس قال: كنت أبصر من مجاري الشمس والقمر شيئا، فوقع في عند ~~موسى، وقيل له عنده علم، فو الله ما شعرت حتى أتيت فأخذت، فأدخلت عليه، ~~فإذا بين يديه عصفور مذبوح، مشقوق البطن قال لي: أدخل يدك فانظر. قلت: أصلح ~~الله الأمير، طلقت امرأته البتة إن كان يعلم قليلا أو كثيرا، إلا ما يعلم ~~الناس من مجاري الشمس والقمر. قال: فأمر بي فنحيت، ثم دعا برجل من الأعاجم، ~~قال: أدخل يدك، فانظر ما ذا ترى، وكان من الأسارى، فأدخل يده في جوف ~~العصفور، فحركه طويلا، ثم قلبه، ثم قال للترجمان بلسانه: إنه ليس يموت ~~هاهنا، ولكنه يموت بالمشرق في بلاد العرب، فنظر إليه موسى، ثم قال له: ~~قاتلك الله ما أعلمك، قال: ثم أمر به فقتل، ثم دعاني، فأخذ علي الأيمان أن ~~لا أتكلم به ما بقي، ففعلت. وكان دخول موسى المغرب سنة تسع وسبعين، في ~~جمادى الأولى، وكان يومئذ ابن ستين سنة، فأقام بإفريقية ست عشرة سنة، وقفل ~~منها سنة خمس وتسعين، ومات سنة ثمان وتسعين، وولى عبد الله بن موسى ~~بإفريقية وطنجة والسوس، بعد موسى أبيه سنتين، وكان عزله عنها في ذي الحجة، ~~سنة سبع وتسعين، وقيل سنة تسع ms383 وتسعين[ (1) ]. ### || ذكر ولاة الأندلس بعد موسى بن نصير # قال: وذكروا أن عبد العزيز بن موسى ولي الأندلس بعد أبيه سنة، ثم قتل، ~~وولي بعده أيوب بن حبيب ستة أشهر، ثم الحارث[ (2) ]بن عبد الرحمن ثلاث ~~سنين [ (1) ]انظر ما سبق. # [ (2) ]في البيان المغرب ونفح الطيب: الحر. # وولي بعده السمح بن مالك الخولاني (نفح الطيب والبيان المغرب) وقد ~~استخلفه على PageV02P118 # ونصفا، ثم عنبسة[ (1) ]سنتين وتسعة أشهر، ثم يحيى بن سلمة سنة وثلاثة ~~أشهر[ (2) ]، ثم الهيثم بن عبيد[ (3) ]سنة وشهرين، ثم عبد الرحمن بن عبد ~~الله الغافقي أربع سنين، ثم عبد الملك بن قطن الفهري[ (4) ]أيضا سنة، ثم ~~بلج[ (5) ]بن بشر القشيري ستة أشهر، ثم ثعلبة بن سلامة الجذامي خمسة أشهر، ~~ثم أبو الخطار[حسام]بن ضرار الكلبي ثلاث سنين، ثم ثوابة بن مسلمة[ (6) ~~]سنة وشهرا. # فلما وهن سلطان بني أمية بالمشرق، ولوا على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن ~~القرشي الفهري، من غير عهد من الخليفة، فملك الأندلس عشر سنين، إلى أن دخل ~~عليه عبد الرحمن بن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان. ### || ذكر حج سليمان مع عمر بن عبد العزيز # وذكروا أن عبيد الله بن عبد المؤمن أخبرهم عن رجاء بن حيوة: أنه لما حج ~~سليمان بن عبد الملك، ومعه عمر بن عبد العزيز، وذلك في سنة ثمان وتسعين[ ~~(7) ] [ () ]الأندلس إسماعيل بن أبي المهاجر أمير إفريقيا. قال ابن عذاري: ~~وكانت الأندلس إذ ذاك إلى والي إفريقيا، وكان حلوله في رمضان سنة 100. وقد ~~ملكها كما في صبح الأعشى 5/243 سنتين وتسعة أشهر. # [ (1) ]هو عنبسة بن سحيم الكلبي. (نفح الطيب-ابن عذاري-صبح الأعشى) قال ~~في الصبح: # وليها أربع سنين وخمسة أشهر. # [ (2) ]وليها كما في البيان المغرب سنة 107 وقدمها في شوال. وفي الصبح ~~قال: وليها سنتين وستة أشهر. في النفح: ولي قبله عذرة بن عبد الله الفهري. # وذكر بعده عثمان بن أبي نسعة الخثعمي ولي سنة 110 وقدمها في شعبان (نفح- ~~ابن عذاري) وذكر قبل عثمان في صبح الأعشى حذيفة بن الأحوص القيسي. # [ (3) ]في نسخة من ms384 نفح الطيب: عدي، وأشار في الهامش: عبيد. ولايته سنتان ~~وأياما عند ابن عذاري، وخمسة أشهر في صبح الأعشى. # وذكر بعده في النفح محمد بن عبد الله الأشجعي. # [ (4) ]في البيان المغرب قبل عبد الملك بن قطن عقبة بن الحجاج وقد وليها ~~خمس سنين، وأشار في الصبح إلى ولاية عبد الملك أربع سنين. # [ (5) ]في صبح الأعشى: مفلح. # [ (6) ]في نفح الطيب والبيان المغرب: سلامة. # وبعد موته قال ابن عذاري: بقيت الأندلس دون أمير أربعة أشهر فاجتمع الناس ~~على الصميل بن حاتم، فوقع نظره ونظرهم على يوسف بن عبد الرحمن الفهري. # [ (7) ]تقدم أنه لم يحج سنة 98 (انظر صفحة 116 حاشية رقم 5) . PageV02P119 # فلما انتهى إلى عقبة عسفان، نظر سليمان إلى السرادقات، قد ضربت له ما بين ~~أحمر وأخضر وأصفر، وكان يوسف بن عمر قد عمل له باليمن ثلاثة سرادقات، فكانت ~~تضرب له، وكان الذي منها للناس من خز أخضر، والذي يليه من خز أصفر، ثم الذي ~~يكون هو فيه من وشي أحمر، محبر من حبرات[ (1) ]اليمن، مزرر بالذهب والفضة، ~~وفي داخله فسطاط، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر، مرافقها من وشي أصفر، وضربت ~~حجب نسائه من وراء فسطاطه، وحجر بنيه وكتابه وحشمه قرب ذلك. فلما استوى ~~سليمان في قبة العقبة، ونظر إلى ما نصب له. # قال: يا عمر، كيف ترى هاهنا؟قال: أرى دنيا عريضة، يأكل بعضها بعضا، أنت ~~المسئول عنها، والمأخوذ بها[ (2) ]، فبينما هما كذلك، إذ طار غراب من سرادق ~~سليمان، في منقاره كسرة، فصاح الغراب. فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب يا ~~عمر؟قال عمر: ما أدري، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال سليمان: أخبرني. فقال ~~عمر: هذا غراب طار من سرادقك بكسرة، هو يأكلها، وأنت المأخوذ بها، والمسئول ~~عنها من أين دخلت، وأين خرجت؟قال سليمان: # إنك لتجيء بالعجائب يا أبا حفص. فقال عمر: أفلا أخبرك بأعجب من هذا يا ~~أمير المؤمنين؟قال: أخبرني. قال: من عرف الله تعالى كيف يعصاه، ومن عرف ~~الشيطان كيف يطيعه، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش ويسوغ له الطعام، ms385 ومن ~~أيقن بالنار كيف يضحك!فقال سليمان: نغصت علينا ما نحن فيه يا أبا حفص، ومن ~~يطيق ما تطيق أنت يا عمر؟أنت والله الموفق المطيع[ (3) ]. ### || ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة # قالوا: إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن رجاء بن حيوة، أنه نظر إلى طاووس ~~اليماني يصلي في المسجد الحرام، فانصرف رجاء إلى سليمان بن عبد الملك وهو ~~يومئذ بمكة قد حج ذلك العام. فقال: إني رأيت طاووس في المسجد، فهل لك أن ~~ترسل إليه؟قال: فأرسل إليه سليمان. فلما أتاه قال رجاء لسليمان: يا أمير ~~المؤمنين، لا تسأله عن شيء حتى يكون هو الذي يتكلم. فلما [ (1) ]حبرات ~~اليمن: من برود اليمن. # [ (2) ]في حلية الأولياء 5/272 بما فيها. # [ (3) ]الخبر في حلية الأولياء 5/272. PageV02P120 # قعد طاووس سكت طويلا. ثم قال: ما أول شيء خلق!فقلنا: لا ندري. فقال أول ~~شيء خلق: القلم. ثم قال: أتدرون ما أول شيء كتب؟قلنا: لا، قال: # فإن أول ما كتب بسم الله الرحمن الرحيم، ثم كتب القدر خيره وشره إلى يوم ~~القيامة. ثم قال: أتعلمون من أبغض الخلق إلى الله؟قلنا: لا، فقال: إن أبغض ~~الخلق إلى الله تعالى عبد أشركه الله في سلطانه، فعمل فيه بمعاصيه، ثم نهض. ~~قال رجاء: فأظلم علي البيت، فما زلت خائفا عليه حتى توارى، فرأيت سليمان ~~يحك رأسه بيده، حتى خشيت أن تجرح أظفاره لحم رأسه. ### || ما قال أبو حازم[ (1) ]لسليمان # قالوا: وإن يحيى بن المغيرة أخبرهم عن عبد الجبار بن عبد العزيز بن أبي ~~حازم، قال: لما حج سليمان، ودخل المدينة زائرا لقبر رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، ومعه ابن شهاب الزهري ورجاء بن حيوة، فأقام بها ثلاثة أيام، ~~فقال: أما هاهنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقيل ~~له: بلىهاهنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه، فجاءه، وهو أقور[ (2) ] ~~أعرج، فدخل عليه، فوقف منتظرا للإذن. فلما طال عليه الإذن: وضع عصيته ثم ~~جلس. فلما نظر إليه سليمان: ازدرته عينه. فقال له: يا أبا حازم. ما هذا ms386 ~~الجفاء الذي ظهر منك، وأنت توصف برؤية أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~مع فضل ودين تذكر به؟فقال أبو حازم: وأي جفاء رأيت مني يا أمير ~~المؤمنين؟فقال سليمان: إنه أتاني وجوه أهل المدينة وعلماؤها وخيارها، وأنت ~~معدود فيهم ولم تأتني. فقال أبو حازم: أعيذك بالله أن تقول ما لم يكن، ما ~~جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها. قال سليمان: صدق الشيخ، فقال: يا أبا ~~حازم: ما لنا نكره الموت؟فقال أبو حازم: لأنكم أخربتم آخرتكم، وعمرتم ~~دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال سليمان: صدقت يا ~~أبا حازم. فكيف القدوم على الآخرة؟[ (3) ]قال: نعم، أما المحسن[ (4) ]فإنه ~~يقدم [ (1) ]هو سلمة بن دينار المخزومي، أبو حازم الأعرج عالم المدينة ~~وقاضيها، كان عابدا زاهدا. # [ (2) ]أقور: أي أعور. # [ (3) ]في مروج الذهب 3/217: على الله. # [ (4) ]العبارة في مروج الذهب: فكالغائب يأتي أهله مسرورا. PageV02P121 # على الآخرة كالغائب يقدم على أهله من سفر بعيد. وأما قدوم المسيء ~~فكالعبد الآبق[ (1) ]، يؤخذ فيشد كتافه، فيؤتى به إلى سيد فظ غليظ، فإن ~~شاء عفا، وإن شاء عذب. فبكى سليمان بكاء شديدا، وبكى من حوله. ثم قال: ليت ~~شعري ما لنا عند الله يا أبا حازم؟فقال: اعرض نفسك على كتاب الله، فإنك ~~تعلم ما لك عند الله. قال سليمان: يا أبا حازم، وأين أصيب تلك المعرفة في ~~كتاب الله، قال عند قوله تعالى: @QUR@09 (إن الأبرار لفي نعيم، `وإن الفجار ~~لفي جحيم) [الانفطار: 14-13]. قال سليمان: يا أبا حازم، فأين رحمة ~~الله؟قال: رحمة الله @QUR@03 قريب من المحسنين ، قال سليمان: يا أبا حازم ~~من أعقل الناس؟قال أبو حازم: # أعقل الناس من تعلم العلم والحكمة وعلمهما الناس. قال سليمان: فمن أحمق ~~الناس؟فقال: من حط في هوى رجل وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره. قال ~~سليمان: فما أسمع الدعاء؟قال أبو حازم: دعاء المخبتين[ (2) ]الخائفين. ~~فقال سليمان: فما أزكى الصدقة عند الله؟قال: جهد المقل[ (3) ]. قال: فما ~~تقول فيما ابتلينا به؟قال: أعفنا عن هذا وعن الكلام فيه أصلحك الله، قال ~~سليمان: # نصيحة تلقيها[إلي]. فقال: ms387 ما أقول[ (4) ]في سلطان استولى عنوة بلا ~~مشورة من المؤمنين، ولا اجتماع من المسلمين؟فسفكت فيه الدماء الحرام، وقطعت ~~به الأرحام، وعطلت به الحدود، ونكثت به العهود، وكل ذلك على تنفيذ الطينة[ ~~(5) ]، والجمع لمتاع الدنيا المشينة، ثم لم يلبثوا أن ارتحلوا عنها، فيا ~~ليت شعري ما تقولون؟وما ذا يقال لكم؟فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا أقور، ~~أمير المؤمنين يستقبل بهذا؟فقال أبو حازم: اسكت يا كاذب، فإنما أهلك فرعون ~~هامان، وهامان فرعون، إن الله قد أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه، أي لا ينبذونه وراء ظهورهم. قال سليمان: يا أبا حازم كيف لنا أن ~~نصلح ما فسد منا؟فقال: المأخذ في ذلك قريب يسير يا أمير المؤمنين، فاستوى ~~سليمان جالسا من اتكائه. فقال: كيف ذلك؟فقال: تأخذ المال من حله، وتضعه في ~~أهله، وتكف الأكف عما نهيت، وتمضيها فيما أمرت به. قال سليمان: ومن [ (1) ~~]الآبق: الهارب من سيده. # [ (2) ]في حلية الأولياء 3/235: قال: دعاء المحسن للمحسنين. # [ (3) ]زيد في حلية الأولياء: جهد المقل إلى يد البائس الفقير لا يتبعها ~~من ولا أذى. # [ (4) ]في حلية الأولياء: قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر فأخذوه عنوة. # [ (5) ]يريد: الطبيعة الإنسانية التي جبلت بالأنانية وحب السيطرة ~~والسلطة. PageV02P122 # يطيق ذلك؟فقال أبو حازم: من هرب من النار إلى الجنة، ونبذ سوء العادة إلى ~~خير العبادة. فقال سليمان: أصحبنا يا أبا حازم، وتوجه معنا تصب منا ونصب ~~منك. قال أبو حازم: أعوذ بالله من ذلك، قال سليمان: ولم يا أبا حازم؟قال: # أخاف أن أركن إلى الذين ظلموا، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف المماة[ (1) ]. # فقال سليمان: فتزورنا. قال أبو حازم: إنا عهدنا الملوك يأتون العلماء ولم ~~يكن العلماء يأتون الملوك، فصار في ذلك صلاح الفريقين، ثم صرنا الآن في ~~زمان صار العلماء يأتون الملوك، والملوك تقعد عن العلماء، فصار في ذلك فساد ~~الفريقين جميعا. قال سليمان: فأوصنا يا أبا حازم وأوجز. قال: اتق الله ألا ~~يراك حيث نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك. قال سليمان: ادع لنا بخير. فقال أبو ~~حازم: ms388 اللهم إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك ~~فخذ[ (2) ]إلى الخير بناصيته. قال سليمان: زدني. قال: قد أوجزت، فإن كنت ~~وليه فاغتبط، وإن كنت عدوه فاتعظ، فإن رحمته في الدنيا مباحة، ولا يكتبها ~~في الآخرة إلا لمن اتقى في الدنيا، فلا نفع في قوس ترمى بلا وتر. فقال ~~سليمان: # هات يا غلام ألف دينار، فأتاه بها، فقال: خذها يا أبا حازم. فقال[ (3) ~~]: لا حاجة لي بها، لأني وغيري في هذا المال سواء، فإن سويت بيننا وعدلت ~~أخذت، وإلا فلا، لأني أخاف أن يكون ثمنا لما سمعت من كلامي. وإن موسى بن ~~عمران عليه السلام لما هرب من فرعون ورد ماء مدين، ووجد عليه الجاريتين ~~تذودان[ (4) ]. فقال: ما لكما معين؟قالتا: لا، فسقى لهما، ثم تولى إلى الظل. # @QUR@09 فقال: رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير ، ولم يسأل الله أجرا. ~~فلما أعجل الجاريتان الانصراف[ (5) ]، أنكر ذلك أبوهما. فقال لهما: ما ~~أعجلكما اليوم؟قالتا: # وجدنا رجلا صالحا قويا سقى لنا. قال: ما سمعتماه يقول؟قالتا: تولى إلى ~~الظل وهو يقول: @QUR@08 (رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير) . فقال ينبغي ~~لهذا أن [ (1) ]زيد في الحلية: ثم لا يكون لي منه نصيرا. # [ (2) ]في الحلية: فخذ بناصيته إلى ما تحب وترضى. # [ (3) ]العبارة في الحلية: فقال: والله ما أرضاها لك فكيف أرضاها ~~لنفسي؟إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إياي هزلا، وردي عليك بذلا. # [ (4) ]إشارة إلى قوله تعالى: @QUR@017 (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة ~~من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان) ، تذودان: أي أن الجاريتين ~~كانتا تمنعان غنمهما من الورود إلى الماء. # [ (5) ]أي أنهما سقيا غنمهما بسرعة على غير عادتهما. PageV02P123 # يكون جائعا. تنطلق إحداكما له، فتقول له: (إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما ~~سقيت لنا) ، فأتته إحداهما تمشي على استحياء، أي على إجلال له، قالت: إن ~~أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فجزع موسى من ذلك، وكان طريدا في ~~الفيافي والصحاري. فقال لها: قولي لأبيك إن الذي سقى يقول: لا أقبل ms389 أجرا ~~على معروف اصطنعته، فانصرفت إلى أبيها فأخبرته. فقال: اذهبي فقولي له: # أنت بالخيار بين قبول ما يعرض عليك أبي وبين تركه، فأقبل، فإنه يحب أن ~~يراك، ويسمع منك، فأقبل والجارية بين يديه، فهبت الريح فوصفتها له[ (1) ]، ~~وكانت ذات خلق كامل. فقال لها: كوني ورائي، وأريني سمت الطريق. فلما بلغ ~~الباب قال: استأذني لنا، فدخلت على أبيها، فقالت: إنه مع قوته لأمين. # فقال شعيب: وبم علمت ذلك؟فأخبرته ما كان من قوله عند هبوب الريح عليها. # فقال: أدخليه فدخل، فإذا شعيب قد وضع الطعام، فلما سلم رحب به وقال: # أصب من طعامنا يا فتى. فقال موسى: أعوذ بالله. قال شعيب: لم؟قال: لأني من ~~بيت قوم لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا. قال شعيب: لا والله ما طعامي لما ~~تظن، ولكنه عادتي وعادة آبائي، نقري الضيف، ونطعم الطعام، فجلس موسى فأكل. ~~وهذه الدنانير يا أمير المؤمنين إن كانت ثمنا لما سمعت من كلامي، فإن أكل ~~الميتة والدم في حال الضرورة، أحب إلي من أن آخذها. # فأعجب سليمان بأمره إعجابا شديدا. فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، إن ~~الناس كلهم مثله. قال: لا. قال الزهري: إنه لجاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته ~~قط، فقال أبو حازم: صدقت، لأنك نسيت الله ونسيتني، ولو ذكرت الله لذكرتني. ~~قال الزهري: أتشتمني؟قال له سليمان: بل أنت شتمت نفسك، أو ما علمت أن للجار ~~على الجار حقا. قال أبو حازم: إن بني إسرائيل لما كانوا على الصواب كانت ~~الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر بدينها من الأمراء، فلما رئي ~~قوم من أراذل الناس تعلموا العلم، وأتوا به الأمراء، استغنت الأمراء عن ~~العلماء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا وهلكوا، ولو كان علماؤنا هؤلاء ~~يصونون علمهم، لكانت الأمراء تهابهم، وتعظمهم. فقال [ (1) ]العبارة في حلية ~~الأولياء: وكانت امرأة ذات عجز فكانت الرياح تصرف ثوبها فتصف لموسى عليه ~~السلام عجزها فيغفى مرة ويعرض أخرى. PageV02P124 # الزهري: كأنك إياي تريد، وبي تعرض؟قال[ (1) ]: هو ما تسمع. قال سليمان: ~~يا أبا حازم عظني وأوجز. قال: ms390 حلال الدنيا حساب، وحرامها عذاب، وإلى الله ~~المآب فاتق عذابك أودع. قال: لقد أوجزت، فأخبرني ما مالك؟قال: الثقة بعدله، ~~والتوكل على كرمه، وحسن الظن به، والصبر إلى أجله، واليأس مما في أيدي ~~الناس. قال يا أبا حازم: ارفع إلينا حوائجك؟قال: رفعتها إلى من لا تخذل ~~دونه[ (2) ]، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك عني رضيت، مع أني قد نظرت ~~فوجدت أمر الدنيا يؤول إلى شيئين: أحدهما لي، والآخر لغيري. فأما ما كان ~~لي، فلو احتلت عليه بكل حيلة ما وصلت إليه قبل أوانه وحينه الذي قد قدر لي. ~~وأما الذي لغيري: فذلك لا أطمع فيه، فكما منعني رزق غيري، كذلك منع غيري ~~رزقي، فعلام أقتل نفسي في الإقبال والإدبار؟قال سليمان: لا بد أن ترفع ~~إلينا حاجة نأمر بقضائها. قال: فتقضيها؟قال: نعم، قال: فلا تعطني شيئا حتى ~~أسألكه، ولا ترسل إلي حتى آتيك، وإن مرضت فلا تعدني، وإن مت فلا تشهدني. ~~قال سليمان: أبيت يا أبا حازم أبيت، قال: أتأذن لي أصلحك الله في القيام، ~~فإني شيخ قد زمنت[ (3) ]. قال سليمان: يا أبا حازم، مسألة ما تقول فيها؟ ~~قال: إن كان عندي علم أخبرتك به، وإلا فهذا الذي عن يسارك، يزعم أنه ليس ~~شيء يسأل عنه إلا وعنده له علم، يريد محمدا الزهري، فقال له الزهري: # عائذ بالله من شرك أيها المرء. قال: أما من شري فستعفى، وأما من لساني فلا. # قال سليمان: ما تقول في سلام الأئمة من صلاتهم: أواحدة أم اثنتان، فإن ~~العلماء لدينا قد اختلفوا علينا في ذلك أشد الاختلاف؟قال: على الخبير سقطت، ~~أرميك في هذا بخبر شاف: # حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد، أنه شهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسلم في الصلاة عن يمينه، حتى يرى بياض خده الأيمن، ثم يسلم عن ~~يساره، حتى يرى بياض خده الأيسر، سلاما يجهر به. قال عامر: وكان أبي يفعل ذلك. # وأخبرني سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى عمر بن الخطاب وابن عمر [ (1) ]في ~~حلية الأولياء: ms391 قال: ما إياك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع. # [ (2) ]أي شخت وعجزت. # [ (3) ]في الحلية: رفعت حوائجي إلى من لا يختزن الحوائج. PageV02P125 # يسلمان من الصلاة كذلك. فقال الزهري: اعلم ما تحدث به أيها الرجل، فإن ~~الحديث عن رسول الله صعب شديد إلا بالتثبت واليقين. قال أبو حازم: قد علمته ~~ورويته قبل أن تطلع أضراسك في رأسك. فالتفت الزهري إلى سليمان قال: أصلحك ~~الله. إن هذا الحديث ما سمعت به من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، ~~فضحك أبو حازم، ثم قال: يا زهري، أحطت بحديث رسول الله كله؟قال: لا. قال: ~~فثلاثة أرباعه؟قال: لا، قال: فثلثه؟فقال: # أراني ذلك قد رويت وبلغني. فقال أبو حازم: فهذا من الثلث الذي لم يبلغك، ~~وبقي عليك سماعه. فقال سليمان: ما ظلمك من حاجك، ثم قام مأذونا له. # فأتبعه سليمان بصره، ينظر إليه، ويعجب به. ثم التفت إلى جلسائه فقال: ما ~~كنت أظن بقي في الدنيا مثل هذا. قال: ثم انصرف سليمان من الحج قافلا إلى الشام. # وذكروا[ (1) ]أن غلمانا لسليمان نازعوا غلمانا لعمر بن عبد العزيز، فتعدى ~~غلمان عمر على غلمان سليمان، فرفع ذلك إلى سليمان، وأغرى بعمر. فقال له ~~سليمان: ألا تنصف غلماني، وهو كالمغضب مما فعل بهم؟فقال عمر: ما علمت هذا ~~قبل هذا الوقت، وما سمعت هذا إلا في مقامي هذا. فقال سليمان: # كذبت لقد علمته. فقال عمر: كذبت والله ما كذبت ولا تعمدت كذبا منذ شددت ~~مئزري على نفسي، وإن في الأرض عن مجلسك لسعة ثم خرج عمر، فتجهز وهو يريد ~~مصر ليسكنها، فبلغ ذلك سليمان، فندم على ما كان من قوله، وأرسل إليه أن لا ~~يبرح[ (2) ]، وأمر رجلا يقول له: لا تعاقب أمير المؤمنين على قوله، ولا ~~تذكر له هذا، فترك عمر الخروج وجلس، وأقل الاختلاف إلى سليمان. ### || ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز # قال: وذكروا أن خالد بن أبي عمران أخبرهم، وكان قد أدرك القوم، قال: # مرض سليمان مرضه الذي مات فيه، وذلك في شهر صفر سنة تسع ms392 وتسعين، [ (1) ~~]الخبر في العقد الفريد 4/430 باختلاف واختصار. # [ (2) ]العبارة في العقد: فدخل (عمر) عليه، فقال له: يا بن عمي، إن ~~المعاتبة تشق علي، ولكن والله ما أهمني أمر قط من ديني ودنياي إلا كنت أول ~~من أذكره لك. (وانظر سيرة عمر لابن عبد الحكم ص 28) . PageV02P126 # فدخل عليه عمر بن عبد العزيز عائدا، فدعا سليمان بنين له صغارا، فقلدهم ~~السيوف، فوقعوا في الأرض. فقال سليمان: قد أفلح من كان له بنون كبار[ (1) ]. # فقال عمر: ليس هكذا قال الله. فقال سليمان: وكيف قال الله؟فقال عمر: قال ~~الله تعالى: @QUR@09 (قد أفلح من تزكى، `وذكر اسم ربه فصلى) [الأعلى: ~~24-25]، فقال سليمان: إني أريد أن أعهد إليك، وأوليك أمور الناس بعدي. فقال عمر: # لا حاجة لي بذلك. فقال سليمان: ولم ذلك؟فقال: لأني لا أريد أخذ أموالهم، ~~فإذا لم أرد أخذ أموالهم، فما الذي يدعوني إلى ضرب ظهورهم؟فقال سليمان: # لا بد من هذا. فقال عمر: ولم ذلك؟ولك في ولد عبد الملك سعة، فأعفني من ~~هذا يعف الله عنك. فقال له سليمان: والله لا أوليها غيرك بعدي. فقال عمر: # وما الذي يدعوك إلى هذا؟فقال سليمان: إني رأيت في منامي قائلا يقول لي: # إن عمر بن عبد العزيز لك جنة ووقاية وجسر تتخطاه. فأولت ذلك-إن شاء الله- ~~أن أوليك الأمر من بعدي، لتكون توليتي لك جنة من النار، وجسرا أركبه، لأنجو ~~عليه من عذاب يوم القيامة ثم ليزيد بعدك[ (2) ]، فإنه أرشد ولد عبد الملك. ~~فقال عمر: إن هذا الأمر لا يسعني بيني وبين الله عز وجل، أن أتقدم على أمة ~~محمد، وفيهم خير مني. فقال سليمان: أما في آل أمية وعبد شمس فلا أعلم خيرا ~~منك. فقال عمر: إن لم يكن في آل أمية وعبد شمس خير مني بقولك، ففي آله عبد ~~مناف وآل هاشم من هو خير مني. فقال سليمان: لا، فقال عمر: ففي آل تيم وعدي ~~خير مني، وملء الأرض مثلي. فقال سليمان: إنما تريد القاسم وسالما؟[ (3) ~~]قال: نعم، إياهما أردت. فقال سليمان: رجلان صالحان ذكرت، ms393 ولكنهما ليسا ~~للملك، ولا الملك لهما، ولا من معدن الملك هما، مع أنه ليس بزمان خلافة، ~~ولا أيام يملك فيها مثل القاسم وسالم، إنما هو زمان ملك وسيف وإنما هي ذئاب ~~تعدو ليست على غنم تؤمن. فقال عمر: الله المعين، المصلح [ (1) ]العبارة في ~~العقد الفريد 4/430 (قال رجزا) : # إن بني صبية صغار # أفلح من كان له كبار # [ (2) ]ذكر رجاء بن حيوة أن سليمان بن عبد الملك استشاره إلى من يعهد، ~~قال رجاء: فقلت: إلى عمر بن عبد العزيز، قال: كيف نصنع بوصية أمير المؤمنين ~~بابني عاتكة، من كان منهما حيا؟ قلت: تجعل الأمر بعده ليزيد. قال: صدقت. ~~(العقد الفريد 4/430 وانظر الطبري 6/550) . # [ (3) ]يريد القاسم بن محمد بن أبي بكر، وسالم بن عبد الله بن عمر. PageV02P127 # لمن أراده. فسكت سليمان، وظن أن عمر رضي بما قال له، ثم دعا سليمان ~~بصحيفة ثم كتب ويده ترتعش من شدة العلة، لا يعلم أحد بما يخط، فكتب عهد ~~عمر، ثم من بعد عمر ليزيد، ثم ختم عليه بيده، متحاملا لذلك، وعمر لا يشك أن ~~الأمر فيه قد صار لغيره، ثم دعا سليمان برجاء بن حيوة، فقال له: خذ هذا ~~الكتاب فإنه عهدي، فاجمع إليه قريشا، وأمراء الأجناد، وأعلمهم أنه عهدي، ~~وأن من كان اسمه في كتابي هذا فهو الخليفة بعدي، فمن نزع عن ذلك وأباه، ~~فالسيف السيف، والقتل القتل، ثم رفع سليمان يديه إلى السماء فقال: اللهم إن ~~ذنوبي قد عظمت وجلت، وهي صغيرة يسيرة في جنب عفوك، فاعف عني يا من لا تضره ~~الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اعف عني ما بيني وبينك من الذنوب، واحمل عني ما ~~بيني وبين خلقك، وأرضهم بما شئت، يا أرحم الراحمين. اللهم إن كنت تعلم مني ~~وتطلع من ضميري، أني إنما أردت بعهدي هذا وتوليتي من وليت فيه وجهك ورضاك ~~فاغفر لي وارحمني. ثم تخلخل لسانه، فلم يقو على الكلام من ثقل العلة، ثم ~~سكت وأغمي عليه. قال رجاء: فخرجت وعمر معي. فقلت له: ما أراك إلا ms394 صاحب ~~الأمر، فقال عمر: ما أحسب ذلك. فقلت: ومن عسى أن يكون في آل مروان من يريد ~~سليمان توليته غيرك؟فقال عمر: ما أراه عهد إلا لأحد الرجلين: القاسم أو ~~سالم. قال رجاء: # فقلت له: أسمعت ذلك منه؟فقال عمر ما سمعته، ولكن دار بيني وبينه كلام ~~آنفا قبل دخلتك، لا أشك أنه أراد أحدهما. قال رجاء: فقلت: والله هذا ~~الاختلاف في أمة محمد، والفتن الظاهرة القاصمة للظهور، المفنية للأنفس. ~~فقال عمر: # ولم ذلك؟فقال رجاء: لأن قريشا ونحوها لا ترضى بهذا، ولا تصير إليه، ولا ~~آل أمية وعبد شمس حيث كانت من الأرض. فقال عمر: إن الأمر لله من قبل ومن ~~بعد، يؤتي الملك من يشاء، فقال رجاء: فخرجت إلى الناس وأعلمتهم بعهد أمير ~~المؤمنين. فقالوا: سمعا وطاعة[ (1) ]، ثم أعلمتهم بابتهاله ورغبته إلى ~~الله، وما قال، فلم يشك الناس أن عمر بن عبد العزيز صاحبهم، فأرادوا أن ~~يسلموا عليه [ (1) ]في الطبري وابن الأثير: أن سليمان أمر كعب بن حامد ~~العبسي صاحب شرطته أن يدعو أهل بيته، ثم أمر رجاء بعد اجتماعهم أن يخبرهم ~~ويأمرهم بالمبايعة بعد سليمان لمن ذكره وعهد إليه في كتابه. ثم دخلوا على ~~سليمان فطلب إليهم أن يبايعوا لمن سمي في الكتاب فبايعوه رجلا رجلا. (وانظر ~~البداية والنهاية 9/206) . PageV02P128 # بالخلافة، وذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان. فقلت لهم: لا تعجلوا فإن عمر ~~قال لي: أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما، وهذا أفطن مني بهذا الأمر ~~لأنه كان حاضرا، وسليمان يكتب العهد بيده، فضج الناس من ذلك واختلفوا. ~~فقالت فرقة: سمعنا وأطعنا، لمن استخلف علينا، كان من كان. وقالت فرقة: لا، ~~والله لا نقر بهذا، ولا نطيعه، ولا يستخلف علينا إلا مرواني، ولا تبقى منا ~~عين تطرف في الدنيا. فقال رجاء لعمر: كيف ترى قولي، والله لئن كان هذا إنه ~~لهو البلاء المبين، وإنها الفتنة قد فتح بابها. فقال عمر: أرجو الله أن ~~يغلقه إن شاء الله. # قال رجاء: فقلت لعمر: ما نحن صانعون إن كان هذا؟فقال عمر: لا ms395 أدري ما ~~أقول في موقفي هذا. قال رجاء: ولم؟فقال عمر: لأني والله ما وقفت موقفا قط، ~~لا رأي لي فيه ولا بصيرة، إلا موقفي هذا، فإني قد أجدني قد ذهب روعي[ (1) ~~]، وفقدت رأيي، ولا أدري ما أستقبل من أمري، ولا ما أستدبر، ولو استطعت ~~الفرار لفررت من موضعي هذا، حيث لا أدرك ولا أرى. قال رجاء: # فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه وبصيرته. قال رجاء: ~~فقلت له: يا أبا حفص، فأين نحن من المفزع إلى الله، والرغبة في الصلاح ~~علينا وعلى المسلمين، ويعزم لنا على ما فيه الخير والخيرة؟فقال عمر: بلى ~~والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد. قال رجاء: فبتنا ~~ليلتنا لا نألو على أنفسنا في الدعاء، والاستخارة لله، فلما أصبحنا قلت ~~لعمر: ما ترى يا أبا حفص؟فقال: أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن ~~كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت، ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى ~~أموت. قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول: قد قضى أمير ~~المؤمنين نحبه، فخرجا، فإذا بالعويل والنوح، فرجعا إلى المسجد ترعد ~~فرائصهما، والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول: لست به، حتى دخل ~~المسجد، وقد اجتمع الناس، وهم مستعدون للفتنة والقتال، إن خالف العهد ما ~~يريدون. # فقام رجاء إلى جانب المنبر: فحمد الله، وحض الناس على الطاعة، ولزوم ~~الجماعة، وأعلمهم بما في الفرقة والاختلاف، من ذهاب الدين والدنيا، ثم أخرج ~~العهد، ففضه بمحضر منهم، ثم قرأه عليهم. فإذا فيه[ (2) ]: بسم الله [ (1) ~~]الروع: بضم الراء، القلب، أي ذهب عقلي. # [ (2) ]نسخة كتاب العهد باختصار في الطبري 6/551 ابن الأثير 3/252 ~~البداية والنهاية 9/206 PageV02P129 # الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد الملك أمير ~~المؤمنين، وخليفة المسلمين عهد أنه يشهد لله بالربوبية والوحدانية، وأن ~~محمدا عبده ورسوله، بعثه إلى محسني عباده بشيرا، وإلى مذنبيهم نذيرا، وأن ~~الجنة حق، وأن النار حق مخلوقتان، خلق الجنة رحمة[ (1) ]لمن أطاعه، والنار ~~عذابا ms396 لمن عصاه[ (2) ]، وأوجب العفو لمن عفا عنه، وأن إبليس في النار، وأن ~~سليمان مقر على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه[وبما تعلمه نفسه من معصية ~~ربه]، موجب على نفسه استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة[ووعد ~~من العفو]والمغفرة، وأن المقادير كلها خيرها وشرها من الله[ (3) ]، وأنه ~~هو الهادي وهو الفاتن، لم يستطع أحد لمن خلق الله لرحمته غواية، ولا لمن ~~خلق لعذابه هداية، وأن الفتنة في القبور بالسؤال عن دينه ونبيه الذي أرسل ~~إلى أمته حق يقين، لا منجي لمن خرج من الدنيا إلى الآخر من هذه المسألة[إلا ~~لمن استثناه عز وجل في علمه]. وسليمان يسأل الله بواسع فضله وعظيم منه، ~~الثبات على الحق عند تلك المسألة، والنجاة من أهوال تلك الفتنة، وأن ~~الميزان حق يقين، يضع الموازين القسط ليوم القيامة، @QUR@06 فمن ثقلت ~~موازينه فأولئك هم المفلحون ، ومن خفت موازينه[يومئذ]فأولئك هم الخاسرون، ~~وأن حوض محمد صلى الله عليه وسلم يوم الحشر والموقف حق، عدد آنيته كنجوم ~~السماء، من شرب منه لم يظمأ أبدا. وسليمان يسأل الله برحمته أن لا يرده عنه ~~عطشان. وأن أبا بكر وعمر خير هذه الأمة، بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، ~~والله يعلم بعدهما حيث الخير، وفيمن الخير من هذه الأمة، وأن هذه الشهادة ~~المذكورة في عهده هذا، يعلمها[الله]من سره وإعلانه، وعقد ضميره، وأن بها ~~عبد ربه في سالف أيامه، وماضي عمره، وعليها أتاه يقين ربه، وتوفاه أجله، ~~وعليها يبعث بعد الموت إن شاء الله، وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة ~~بلايا وسيئات، لم يكن له عنها محيص[ (4) ]، ولا دونها مقصر بالقدر السابق ~~والعلم النافذ في محكم الوحي، فإن يعف ويصفح، فذلك ما عرف منه قديما، ونسب ~~إليه حديثا، وتلك [ () ] وفي صبح الأعشى نسخة كتاب العهد نقلا عن المؤلف 9/360. # [ (1) ]في صبح الأعشى: رحمة وجزاء. # [ (2) ]في الصبح: والنار نقمة وجزاء لمن عصاه. # [ (3) ]راجع العبارة في الصبح. # [ (4) ]في الصبح: محيد. PageV02P130 # الصفة التي وصف بها نفسه في كتابه الصادق، وكلامه الناطق، وإن يعاقب ~~وينتقم ms397 فيما قدمت يداه، وما الله بظلام للعبيد، وإني أحرج على من قرأ عهدي، ~~وسمع ما فيه من حكمه، أن ينتهي إليه في أمره ونهيه، بالله العظيم وبمحمد ~~صلى الله عليه وسلم، وأن يدع الإحن[ (1) ]، ويأخذ بالمكارم، ويرفع يديه ~~إلى السماء بالابتهال الصحيح[ (2) ]، والدعاء[الصحيح، والصفح]الصريح، ~~يسأله العفو عني، والمغفرة لي، والنجاة من فزعي، والمسألة في قبري، لعل ~~الودود، أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما[من الله]علي من صفحه يعود إن شاء ~~الله. وإن ولي عهدي فيكم، وصاحب أمري بعد موتي[في جنده ورعيته وخاصته ~~وعامته][ (3) ]، في كل من استخلفني الله عليه، الرجل الصالح عمر بن عبد ~~العزيز ابن عمي لما بلوت من باطن أمره وظاهره، ورجوت الله بذلك وأردت رضاه ~~ورحمته إن شاء الله، ثم ليزيد بن عبد الملك من بعده، فإني ما رأيت منه إلا ~~خيرا، ولا اطلعت له على مكروه، وصغار ولدي وكبارهم إلى عمر، إذ رجوت ألا ~~يألوهم رشدا وصلاحا، والله خليفتي عليهم[وعلى جماعة المؤمنين والمسلمين]، ~~وهو أرحم الراحمين، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. # ومن أبى عهدي هذا وخالف أمري فالسيف، ورجوت أن لا يخالفه أحد، ومن خالفه ~~فهو ضال مضل يستعتب[ (4) ]فإن أعتب، وإلا فالسيف، والله المستعان ولا حول ~~ولا قوة إلا بالله القديم الإحسان[ (5) ]. ### || أيام عمر بن عبد العزيز # قال: وذكروا عن خالد بن أبي عمران أنه قال: إني لحاضر يوم قرئ عهد سليمان ~~في المسجد بدمشق[ (6) ]على الناس، فما رأيت يوما أكثر باكيا ولا داعيا له ~~[ (1) ]الإحن: الضغائن والأحقاد. # [ (2) ]في الصبح: بالضمير النضوح. # [ (3) ]زيادة عن الصبح، وهذه الفقرة في الصبح استعمل فيها ضمير الغائب ~~بدل المتكلم كما هو في الأصل. # [ (4) ]يستعتب أي يراجع ويعاتب حتى يرجع عما هو فيه. # [ (5) ]ما ورد بين معكوفتين في الكتاب زيادة عن نسخته في صبح الأعشى. # [ (6) ]في مصادر ترجمته أنه مات ودفن بدابق من أرض قنسرين (الطبري-ابن ~~الأثير-البداية والنهاية-مروج الذهب) . PageV02P131 # بالرحمة من ذلك اليوم، فلم يبق محب ولا مبغض ولا خارجي ولا حروري[ (1) ~~]إلا أخذ الله له بقلوبهم، وابتهلوا بالدعاء وأخلصوا له ms398 بالسؤال بالعفو من ~~الله، ورضي الناس أجمعون فعله، قال خالد: ثم بايع الناس لعمر في المسجد ~~بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس، لا يشوبها غش، ولا يخالطها دنس، قال خالد: # وسمعت رجاء يقول لما تمت البيعة: إني مهما شككت في شيء فإني لم أشك يوم ~~البيعة لعمر بالنجاة، والرحمة لسليمان إن شاء الله، واستفتح عمر ولايته ~~ببيع أموال سليمان، ورباعه[ (2) ]وكسوته، وجميع ما كان يملكه، فبلغ ذلك ~~أربعة وعشرين ألف دينار، فجمع ذلك كله، وجعله في بيت المال، ثم دخل على ~~زوجته فاطمة ابنة عبد الملك، قال لها: يا فاطمة، فقالت: لبيك يا أمير ~~المؤمنين، فجعل يبكي، وكان لها محبا، وبها كلفا، ثم استفاق من بكائه، فقال لها: # اختاريني، أو اختاري الثوب الذي عمل لك أبوك، وكان قد عمل لها أبوها عبد ~~الملك ثوبا منسوجا بالذهب، منظوما بالدر والياقوت، أنفق عليه مائة ألف ~~دينار. فقال لها: إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجعله في بيت المال، وإن ~~اخترت الثوب، فلست لك بصاحب. فقال: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين من فراقك، ~~لا حاجة لي بالثوب. فقال عمر: وأنا أفعل بكل خصلة، أجعل الثوب في آخر بيت ~~المال، وأنفق ما دونه، فإن وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين، وإنما هو ~~من أول المسلمين أنفقت فيه، وإن بقي الثوب ولم أحتج إليه، فلعل أن يأتي ~~بعدي من يرده إليك. قالت: افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك. ثم دخل عليه، ~~ابنه، وعليه قميص تذعذع. فقال له عمر: ارفع قميصك يا بني، فو الله ما كنت ~~قط بأحوج إليه منك اليوم. ### || ذكر قدوم جرير بن الخطفي على عمر بن عبد العزيز # قال: وذكروا عن عبد الأعلى بن أبي المشاور، أنه أخبرهم قال: قدم جرير ~~شاعر أهل العراق وأهل الحجاز على عمر، أول ما استخلف، فأطال المقام ببابه، ~~لا يصل إليه حتى قدم عليه عون بن عبد الله الهذلي[ (3) ]، وكان من عباد [ ~~(1) ]نسبة إلى خوارج حروراء. (بلد) . # [ (2) ]الرباع جمع ربع، الفصيل الذي ينتج في الربيع. # [ (3) ]يريد ms399 عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. PageV02P132 # الناس وخيارهم، وعليه جبة صوف وعمامة صوف قد أسدلها خلفه، فجعل يتخطى ~~رقاب الناس من قريش، بني أمية وغيرهم، لا يمنع ولا يحجب هو ومثله من أكابر ~~الناس وخيارهم، وفضلاء العباد، وقريش لا يصلون ولا يدخلون فلما خرج عون بن ~~عبد الله، اتبعه جرير بن الخطفي وهو يقول: # يا أيها الرجل[ (1) ]المرخي عمامته # هذا زمانك إني قد مضى زمني # أبلغ خليفتنا إن كنت لاقيه # أني لدى الباب كالمصفود في قرن # فاحلل صفادي[ (2) ]فقد طال المقام به # وشطت[ (3) ]الدار عن أهلي وعن وطني # قال: فضمن له عون ابن عبد الأعلى أن يدخله عليه. فلما دخل على عمر قال: ~~يا أمير المؤمنين، هذا جرير بن الخطفي بالباب، يريد الإذن. فقال عمر: # ما كنت أرى أحدا يحجب عني. قال: إنه يريد إذنا خاصا. قال له عمر: أله عن ~~ذكره، ثم حدثه طويلا، ثم قال: يا أمير المؤمنين إن جريرا بالباب: فقال: أله ~~عن ذكره. قال: إذا لا أسلم من لسانه. فقال عمر: أما إذ قد بلغ منك خوف ~~لسانه ما أرى فأذن له. فدخل جرير. فلما كان قيد رمح أو رمحين وعمر منكس ~~رأسه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، ثم قال: إن الخلفاء ~~كانت تتعاهدني فيما مضى بجوائز وصلات، وقد أصبحت إلى ذلك منك محتاجا. ثم ~~أنشأ يقول: # قد طال قولي إذا ما قمت مبتهلا # يا رب أصلح قوام الدين والبشر # إنا لنرجو إذ ما الغيث أخلفنا # من الخليفة ما نرجو من المطر # أأذكر الجهد والبلوى التي نزلت # أم قد كفاني ما بلغت من خبر[ (4) ] # ما زلت بعدك في[ (5) ]هم يؤرقني # قد طال في الحي إصعادي ومنحدري # لا ينفع الحاضر المجهود بادية # ولا يعود[ (6) ]لنا باد على حضر # كم باليمامة[ (7) ]من شعثاء أرملة # ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر # [ (1) ]في الأغاني 8/47: يا أيها القاري. # [ (2) ]صفادي: تقييدي. # [ (3) ]شطت الدار: بعدت. # [ (4) ]في الأغاني: أم نكتفي بالذي بلغت من خبري. # [ (5) ]في الأغاني: في دار تعرقني ms400 قد طال بعدك... # [ (6) ]في الأغاني: ولا يجود.. # [ (7) ]في الأغاني: كم بالمواسم. PageV02P133 # يدعوك دعوة ملهوف كأن به # مسا من الجن أو مسا من البشر[ (1) ] # فإن تدعهم فمن يرجون بعدكم # أو تنج منها فقد أنجيت من ضرر # هذي الأرامل قد قضيت حاجتها # فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر # خليفة الله ما ذا تأمرون بنا # لسنا إليكم ولا في دار منتظر # أنت المبارك والمهدي سيرته # تعصى الهوى وتقوم الليل بالسور # قال: فبكى عمر، وهملت عيناه، وقال: ارفع حاجتك إلينا يا جرير. قال جرير: ~~ما عودتني الخلفاء قبلك. قال: وما ذلك؟قال: أربعة آلاف دينار[ (2) ]، ~~وتوابعها من الحملان والكسوة. قال عمر: أمن أبناء المهاجرين أنت؟قال: لا. # قال: أفمن أبناء الأنصار أنت؟قال: لا. قال: أفقير أنت من فقراء المسلمين؟ ~~قال: نعم. قال: فأكتب لك إلى عامل بلدك، أن يجري عليك ما يجري على فقير من ~~فقرائهم. قال جرير: أنا أرفع من هذه الطبقة يا أمير المؤمنين. قال: # فانصرف جرير. فقال عمر: ردوه علي. فلما رجع قال له عمر: قد بقيت خصلة ~~أخرى، عندي نفقة وكسوة أعطيك بعضها، ثم وصله بأربعة دنانير. فقال: وأين تقع ~~مني هذه يا أمير المؤمنين؟فقال عمر: إنها والله لمن خالص مالي، ولقد أجهدت ~~لك نفسي. فقال جرير: والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال كسبته. # ثم خرج، فلقيه الناس فقالوا له: ما وراءك؟قال: جئتكم من عند خليفة يعطي ~~الفقراء، ويمنع الشعراء وإني عنه لراض[ (3) ]. ### || دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز # قال: وذكروا أن ابن حنظلة[ (4) ]أخبرهم قال: بعثني وعون بن عبد الله عمر ~~بن عبد العزيز إلى خوارج خرجت عليه بالحيرة، رأسهم رجل من بني شيبان يقال ~~له شوذب، وكتب معنا كتابا إليهم، فقدمنا عليهم، فبعثوا معنا إليه رجلين [ ~~(1) ]في ديوانه والأغاني: «من النشر» والنشر جمع نشرة وهي رقية يعالج بها ~~المجنون أو المريض. # [ (2) ]في الأغاني: درهم. # [ (3) ]الخبر في الأغاني باختلاف وزيادة وحلية الأولياء 5/327-328. # [ (4) ]هو محمد بن الزبير الحنظلي. والخبر في مروج الذهب 3/233 ابن ~~الأثير 3/257 سيرة ابن عبد الحكم ms401 ص 112 العقد الفريد 2/401. والطبري 8/132. PageV02P134 # أحدهما من العرب[ (1) ]، فأتينا بهما عمر، فدخلنا عليه وتركناهما ~~بالباب. فقلنا له: # إنا قد بلغنا عنك، وقد بعثوا معنا رجلين هما بالباب. قال: فتشوهما لا ~~يكون معهما حديد أو شيء، ففعلنا، ثم إننا أدخلناهما عليه. فلما دخلا قالا: ~~السلام عليكم. قال: وعليكم السلام، اجلسا. فلما جلسا قال لهما عمر: ما الذي ~~أخرجكم علينا؟فقال العربي، وكان أشدهما كلاما، وأتمهما عقلا، أما إنا لم ~~ننكر عليك عدلك ولا سيرتك، ولكن بيننا وبينك أمر، هو الذي يجمع ويفرق ~~بيننا، فإن أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن لم تعطنا فلسنا منك ولست منا. # فقال عمر: فما هو؟فقال: خالفت أهل بيتك، وسميتهم الظلمة، وسميت أعمالهم ~~المظالم، فإن زعمت أنك على الحق وأنهم على الباطل، فالعنهم وتبرأ منهم. ~~فقال عمر: إنكم لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في ~~أنفسكم مصيبون، ولكنكم أخطأتم وضللتم، وتركتم الحق. أخبراني عن الدين، ~~أواحد أو اثنان؟قالا: لا بل واحد. قال: أفيسعكم في دينكم شيء يعجز ~~عني؟قالا: لا. قال: فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم؟ قالا: أفضل ~~الناس أبو بكر وعمر. قال: ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لما توفي ارتدت العرب، فقاتلهم أبو بكر، فقتل الرجال، وسبى النساء ~~والذرية؟قالا: بلى. قال عمر: فلما توفي أبو بكر وقام عمر، ورد تلك النساء ~~والذراري إلى عشائرهما، فهل تبرأ عمر من أبي بكر، ولعنه بخلافه إياه؟ قالا: ~~لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فما تقولان في ~~بلال بن مرداس؟[ (2) ]قالا: من خير أسلافنا. قال: أفليس قد علمتم أنه لم ~~يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه أيديهم فيها، فهل تبرأت إحدى ~~الطائفتين من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى؟قالا: لا. قال: # فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فأخبراني عن عبد الله ~~بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم، فمروا بعبد الله بن خباب ~~فقتلوه، وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على قوم من ms402 بني قطيفة، فقتلوا [ (1) ~~]في مروج الذهب: «أحدهما من بني شيبان والآخر فيه حبشية» وفي الطبري وابن ~~الأثير: # مولى لبني شيبان حبشيا اسمه عاصم، ورجلا من بني يشكر و(في الطبري: من ~~صليبة بني يشكر) . # [ (2) ]في المصادر المذكورة: أهل النهروان بدل بلال بن مرداس. PageV02P135 # الرجال، وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل، ثم قدموا على أصحابهم ~~من الكوفة وهم كافون عن الدماء والفروج والأموال، هل تبرأت إحدى الطائفتين ~~من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى، قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف ~~سيرتهما. قالا: نعم. فقال عمر: فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في السيرة ~~والأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض، ولا لعن بعضهم بعضا، وأنتم تتولونهم على ~~خلاف سيرتهم فهل وسعكم في دينكم ذلك، ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في ~~الأحكام والسيرة حتى ألعنهم وأتبرأ منهم؟أخبراني عن اللعن: فرض على ~~العبادة؟قالا: نعم. فقال عمر: متى عهدك بلعن فرعون؟قال: ما لي به من عهد ~~منذ زمان. قال عمر: هذا رأس من رءوس الكفار ليس لك عهد بلعنه منذ زمان، ~~وأنا لا يسعني أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي، ألستم أنتم الذين تؤمنون من ~~كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيفه، وتخيفون من كان رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يؤمنه؟فقالا: نبرأ إلى الله تعالى من هذه الصفة. # فقال: بلى فسأخبركما عن ذلك، ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج والناس أهل كفر، فدعاهم أن يقروا بالله ورسوله، فمن أبى قاتله ~~وخوفه، ومن أقر بهما أمنه وكف عنه، وأنتم اليوم من مر بكم يقر بهما ~~قتلتموه، ومن لم يقر بهما أمنتموه وخليتم سبيله، فقال العربي[ (1) ]: ~~تالله ما رأيت حجيجا[ (2) ]أقرب مأخذا، ولا أوضح منهاجا منك، أشهد أنك على ~~الحق، وأنا على الباطل. وقال الآخر: لقد قلت قولا حسنا، وما كنت لأفتات على ~~أصحابي حتى ألقاهم[ (3) ]فلحق بأصحابه، وأقام الآخر عند عمر، فأجرى عليه ~~العطاء والرزق حتى مات عنده[ (4) ]. # [ (1) ]يريد مولى بني شيبان واسمه عاصم (أو الذي فيه حبشية) . # [ (2) ]أي قوي الحجة. # [ (3) ]زيد ms403 في مروج الذهب: حتى أعرض قولك عليهم فانظر ما حجتهم. # [ (4) ]قيل انه بقي خمسة عشر يوما ثم مات. أما الآخر فقد لحق بأصحابه ~~وقتل معهم بعد موت عمر. # قارن الخبر مع المصادر المذكورة، ففيه اختلاف وزيادة ونقصان فيما بينها، ~~وبينها وبين الأصل. أعرضنا عن ملاحظة الفروقات بين النصوص للاختصار فارجع إليها. PageV02P136 ### || وفاة عمر بن عبد العزيز # قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن يزيد أخبرهم قال: كتب عمر بن عبد العزيز ~~إلى ابن أبي زكريا[ (1) ]، أما بعد: فإذا نظرت في كتابي فأقدم: فقدم عليه فقال: # مرحبا بابن أبي زكريا. قال: وبك يا أمير المؤمنين. قال: حاجة لي قبلك. قال: # بين الأنف والعين حاجتك يا أمير المؤمنين، إن قدرت عليها. قال: لست أكلفك ~~إلا ما تقدر عليه. قال: نعم، قال: أحب أن تثني على الله بمبلغ علمك، حتى ~~إذا فرغت سألت الله أن يقبض عمر. فقال: @QUR@06 إنا لله وإنا إليه راجعون ، ~~بئس وافد أمة محمد أنا، هذا لا يحل لي. قال: فإني أعزم عليك بحق الله وبحق ~~رسوله، وبحقي إن كان لي عليك حق إلا ما فعلته، فبكى ثم استرجع، ثم أقبل ~~يثني على الله وإنه ليبكي حتى إذا فراغ قال: اللهم إن عمر سألني بحقك وبحق ~~رسولك وبحقه علي أن أدعو في قبضه إليك، فاقبض عمر إليك كما سأل ولا تبقني ~~بعده، وجاء حينئذ بني لعمر فسقط في حجره، فقال: وهذا أي ربي معنا فإني ~~أحبه. قال: فما كانوا إلا كخرزات في خط فانقطع الخيط، فأتبع بعضها بالسقوط بعضا. ### || ذكر رؤيا عمر بن عبد العزيز # قال: وذكروا عن مزاحم مولى عمر قال: أخبرتني فاطمة ابنة عبد الملك امرأة ~~عمر قالت: كان لعمر بن عبد العزيز مكان يخلو فيه، فأبطأ علي ذات ليلة، فقلت ~~لآتينه، فوجدته نائما، فهبته أن أوقظه، فما لبث إلا قليلا حتى رفع رأسه ~~فقال: من هذا؟فقلت: أنا فاطمة. فقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن ~~منها. فقلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال: رأيت كأني في ms404 أرض خضراء لم ~~أر أحسن منها، ورأيت في تلك الأرض قصرا من زبرجد، ورأيت جميع الخلائق حول ~~ذلك القصر، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي. فقال: أين محمد بن عبد ~~الله بن عبد المطلب؟فقام النبي عليه الصلاة والسلام فدخل القصر، فقلت: ~~سبحان الله، أنا في جمع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم عليه، ~~فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو [ (1) ]قارن مع سيرة ~~ابن عبد الحكم ص 99 وفيه اختلاف. PageV02P137 # بكر بن أبي قحافة؟فقام أبو بكر فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي ~~فنادى: أين عمر بن الخطاب، أين الفاروق؟فقام عمر فدخل، فقلت: سبحان الله، ~~أنا في ملأ فيهم جدي لم أسلم عليه، فما لبثت إلا يسيرا حتى خرج ~~المناديفقال: أين عثمان بن عفان؟فقام عثمان فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى ~~خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي طالب؟فقام فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى ~~خرج المنادي فنادى: أين عمر بن عبد العزيز. قال: فقمت فدخلت، فلما صرت في ~~القصر رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، ~~وعثمان وعليا أمامه. فقلت: أين أقعد؟لا أقعد إلا إلى جنب عمر. قال: فرأيت ~~فيما بين النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر شابا حسن الوجه حسن الهيئة. ~~فقلت لعمر: من هذا؟قال: هذا عيسى ابن مريم عليه السلام، فما لبثت إلا قليلا ~~حتى خرج عثمان بن عفان وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني ربي، ثم خرج علي وهو ~~يقول: الحمد لله الذي غفر لي ربي، ثم نودي لي: أين عمر بن عبد العزيز، فقمت ~~فصرت بين يدي ربي فحاسبني، فلقد سألني عن النقير والفتيل والقطمير، حتى خفت ~~أن لا أنجو، ثم قمت فخرجت فقيل لي: أثبت وتمسك على ما أنت عليه، فبينما أنا ~~سائر، فإذا بجيفة قد علا نتنها الخلائق، فضربتها برجلي، وقلت لمن معي: لمن ~~هذه الجيفة؟فقيل لي: # هذا الحجاج بن يوسف، فضربته برجلي، فقلت له: ما فعل الله ms405 بك يا حجاج؟ ~~قال: يا أمير المؤمنين والله لقد قتلت بكل قتيل قتلته بسيف من نار، ولقد ~~قتلت بسعيد بن جبير اثنين وسبعين قتلة. فقلت: فآخر أمرك ما هو؟قال: أنا ها ~~هنا أنتظر ما ينتظر من وحد الله، وآمن برسوله[ (1) ]. # قالت فاطمة: فلم يبق عمر بعد هذه الرؤيا إلا يسيرا، حتى مرض مرضه الذي ~~مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن عبد الملك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك ~~لتترك ولدك عالة على الناس، فأوص بهم إلي، أكفك أمرهم، فإنك لم تمولهم ~~شيئا، ولم تعطهم. فقال عمر: يا أبا سعيد، إن ولدي لهم الله الذي نزل الكتاب ~~وهو يتولى الصالحين، ثم دعاهم عمر وهم أربعة عشر غلاما، فنظر إليهم عمر، ~~وقد لبسوا الخشن من قباطي مصر[ (2) ]فاغرورقت عيناه بالدموع. قال [ (1) ~~]الخبر مختصر في حلية الأولياء 5/337 والبداية والنهاية 9/332. # [ (2) ]قباطي: ثياب تصنع في مصر، نسبة إلى أقباط مصر يصنعونها، ومنها ~~الناعم الممتاز والخشن PageV02P138 # لهم: أوصيكم بتقوى الله العظيم، وليجل صغيركم كبيركم، وليرحم كبيركم ~~صغيركم. ثم قال لمسلمة: يا أبا سعيد، إنما ولدي على أحد أمرين: إما عامل ~~بطاعة اللهفلن يضيعه الله، وإما عامل بمعصيته فلا أحب أن يعينه بالمال، ~~قوموا عصمكم الله ووفقكم[ (1) ]. ثم دعا رجاء بن حيوة فخلا به. فقال: يا ~~رجاء، إن الموت قد نزل، وأنا أعهد إليك عهدا لا أعهده إلى غيرك، إذا أنا مت ~~فكن ممن يقبرني، فإذا سويت علي اللبن، فارفع لبنة، ثم اكشف عن وجهي وانظر ~~إليه، فإني قبرت ثلاثة رجال بيدي، وكشفت عن وجوههم، فنظرت وجوههم قد اسودت، ~~وعيونهم قد برزت من وجوههم، فاكشف عن وجهي يا رجاء وانظر إليه، فإن رأيت ~~شيئا من هذا، فاستر علي، ولا تعلم به أحدا، وإن رأيت غير ذلك، فاحمد الله ~~عليه. قال رجاء: ففعلت ذلك، فلما سوينا عليه اللبن، رفعت لبنة وكشفت وجهه، ~~فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر، وإذا على صدره صك فيه خط ليس من كتابة ~~الآدميين: بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب بالقلم الجليل، من ms406 الله العزيز ~~العليم، براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الأليم[ (2) ]. ### || ما علم به موت عمر رحمه الله في الأمصار # قال: وذكروا أن رجلا من أهل المدينة قال: وفد قوم من أهل المدينة إلى ~~الشام، فنزلوا برجل في أوائل الشام موسع عليه، تروح عليه إبل كثيرة، وأبقار ~~وأغنام، فنظروا إلى شيء لا يعلمونه، غير ما يعرفون من غضارة العيش، إذ ~~أقبل بعض رعاته فقال: إن السبع عدا اليوم على غنمي، فذهب منها بشاة. فقال ~~الرجل: @QUR@06 إنا لله وإنا إليه راجعون ، ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا ~~بعضنا لبعض: ما عند هذا خير، يتأسف ويتوجع من شاة أكلها السبع!، فكلمه بعض ~~القوم. قال له: إن الله تعالى قد وسع عليك، فما هذا التوجع والتأسف؟قال: # إنه ليس مما ترون، ولكن أخشى أن يكون عمر بن عبد العزيز قد توفي الليلة، ~~والله ما تعدى السبع على الشاة إلا لموته، فأثبتوا ذلك اليوم، فإذا عمر قد ~~توفي في ذلك اليوم. # [ () ] وهو ما كان أولاده يلبسونه. # [ (1) ]الخبر في العقد الفريد 4/439-443 وحلية الأولياء 5/33-334. # [ (2) ]انظر حلية الأولياء 5/326 البداية والنهاية 9/236. PageV02P139 # وذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث ويقول: بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ~~ليلة، إذ تسور عليه كلب، فسمعه وهو يقول لهرة له: أي جنة، هل من شيء ~~أصيبه، فإني والله أكال؟فقال له الهرة: ما ثم شيء، لقد غطوا الإناء، ~~وأكفئوا الصحفة، فقال لها: هل تدنيني من يد صبي، أو قدر لم تغسل، أشمها ~~لترتد لي روحي؟قالت الهرة: ما كنت لأخونهم أمانتي، فمن أين أقبلت تشكو ~~الكلل والجوع؟قال: من الشام، شهدت وفاة عمر بن عبد العزيز، وحضرت جنازته. ~~قالت: @QUR@06 إنا لله وإنا إليه راجعون . نور كان في الدنيا فطمس، ثم زالت ~~عنه، وتنحت وفرت منه، وهابته خوفا من أن يعدو عليها، ثم انسل الكلب ذاهبا، ~~فلما أصبح الرجل جعل يقول للهرة: أي جنة، جزاك الله عنا خيرا قال: # فاستوبرت[ (1) ]الهرة، وذهبت فلم ترد بعد، فكتب ذلك اليوم فجاءهم موت ~~عمر في ذلك اليوم. ms407 # وذكروا أن زياد بن عبد الله أخبرهم قال: كان رجل في بعض كور الشام يعالج ~~أندرا[ (2) ]له مع زوجته، وكان قد استشهد ابن لهما منذ زمان طويل، فنظر ~~الرجل إلى فارس مقبل نحوهما. فقال الرجل لزوجته: يا فلانة، هذا والله ابني ~~وابنك مقبلا، فنظرت المرأة فقالت: أخدعك الشيطان؟إنك مفتون بابنك، وانك ~~تشبه به الناس كلهم، كيف يكون ابنك، وابنك استشهد منذ حين، فاستعاذ الرجل ~~بالله من الشيطان الرجيم، ثم أقبل على أندره يعالجه، ودنا منهما الفارس، ثم ~~نظر ثانية، قال: يا فلانة، ابني والله وابنك، فنظرت ودنا منهما الفارس، ~~فلما وقف عليهما فإذا هو ابنهما. قال: فسلم عليهما وسلما عليه. # فقالا له: يا بني أما كنت استشهدت منذ حين؟قال: نعم. إلا أن عمر بن عبد ~~العزيز توفي الليلة، فاستأذن الشهداء ربهم عز وجل في شهود جنازته، فأذن ~~لهم، وكنت فيهم، فاستأذنت ربي في زيارتكما والنظر، فأذن لي، ثم ودعاه، ~~وسلما عليه، ودعا لهما، ثم ذهب. # [ (1) ]استوبرت: توحشت، وخرجت عن الدار بعيدا إلى البرية. # [ (2) ]الأندر: البيدر، والجرن الذي يدرس فيه القمح ونحوه. PageV02P140 ### || ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان # قال: وذكروا أن الأمر صار بعد عمر بن عبد العزيز[ (1) ]، إلى يزيد بن عبد ~~الملك، بعهد سليمان أخيه إليه بذلك، وإلى عمر، وكان يزيد قبل ولايته محبوبا ~~في قريش بجميل مأخذه في نفسه، وهديه وتواضعه وقصده، وكان الناس لا يشكون ~~إذا صار إليه الأمر، أن يسير بسيرة عمر لما ظهر منه. فلما صارت إليه ~~الخلافة حال عما كان يظن به، وسار بسيرة الوليد أخيه، واحتذى على مثاله، ~~وأخذ مأخذه[ (2) ]، حتى كأن الوليد لم يمت، فعظم ذلك على الناس، وصاروا من ~~ذلك إلى أحوال يطول ذكرها، حتى هموا بخلعه، وجاءهم بذلك قوم من أشراف قريش، ~~وخيار بني أمية، وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدي عمر، واطمأنت إلى عدله بعد ~~النفار، والإنكار لسيرته، وعاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا بأمره، [ (1) ]في ~~موت عمر بن عبد العزيز أقوال: في الطبري 8/137 وابن الأثير 5/58 كالأصل ms408 ~~هنا: أن مرضا ألم به وكانت شكواه عشرين يوما. ولم يذكرا شيئا عن سبب مرضه. ~~وفي البداية والنهاية: سبب وفاته السل. وفي العقد الفريد 2/280 قال: ان ~~يزيد بن عبد الملك دس إليه السم مع خادم له. وفي فوات الوفيات: سقاه بنو ~~أمية السم لما شدد عليهم. وفي ابن سعد 5/253 إشارة إلى أن عمر بن عبد ~~العزيز لما أزعجه بنو مروان هددهم بالانسحاب إلى المدينة وجعلها شورى، فقد ~~يكون هذا ما عجل باتخاذهم قرارا بإبعاده عن مسرح السياسة الأموية فقتلوه. # [ (2) ]استسلم الخليفة يزيد بن عبد الملك إلى غرائزه وشهواته ورغباته ~~واتسمت ولايته بعناوين أبرزها: # -تشاغله عن مصالح الأمة وانغماسة باللهو والغناء والشراب والعبث وترك ~~الدولة بكل مؤسساتها إلى الولاة والجواري بحيث أن حبابة جاريته كانت تعزل ~~وتولي دون الرجوع إليه. # -عمد إلى كل الإجراءات والتنظيمات التي وضعها عمر بن عبد العزيز مما لا ~~يوافق هواه فرده. # ومثال ذلك أنه كتب إلى عمال عمر بن عبد العزيز: أما بعد، فإن عمر كان ~~مغرورا، غررتموه أنتم وأصحابكم، وقد رأيت كتبكم إليه في انكسار الخراج ~~والضريبة. فإذا أتاكم كتابي هذا فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده، وأعيدوا ~~الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا ~~والسلام. (العقد 4/442) . # -بعث روح العصبية بين اليمانية والمضرية، مما جعلها تنخر في عظام الخلافة ~~الأموية إلى أن قضت عليها. فانحاز إلى الجناح المضري (أحد جناحي النظام ~~الأموي) وهدد مصالح الجناح اليمني. # -لسوء سياسته عاد الخوارج إلى التحرك. # -تعيين ولاة في الولايات اعتمدوا في سياستهم الإساءة إلى الموالي مما أدى ~~إلى انتقاض الأمن، وخروج الأطراف على الدولة، والكثير ارتدوا عن الإسلام. # -إهماله الجهاد وترك الغزو ومناضلة الأعداء. PageV02P141 # والقنوع بقصده عليهم، وتقصيره في إدراك المطامع، والعطايا عليهم، واتهم ~~منهم نفر بالخلع والخروج، فأخذهم عمه محمد بن مروان بن الحكم، فأسكنهم ~~السجن عشرين شهرا، ثم دس لهم السم، فماتوا جميعا، وأقصى من سائر قريش ~~ثلاثين رجلا، بعد أن أغرمهم مائة ألف ألف وباع عقر ms409 أموالهم ورباعهم، وحمل ~~العذاب عليهم والنكال، حتى أصارهم عالة يتكففون الناس، متفرقين في كور ~~الشام، وآفاق البلاد، وصلب من الناس جملة ممن ألف هؤلاء القوم، واتهم ~~بمصانعتهم ومصاحبتهم، وكانت ولايته في ربيع الأول سنة إحدى ومائة، ومات سنة ~~ست ومائة[ (1) ]. ### || ولاية هشام بن عبد الملك # قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان، بينما هو يوما في بعض بوادي الشام ~~يتطوف، إذ نظر إلى ساع يسعى إليه، فوقف منتظرا له، فلما قاربه قال له: ما ~~وراءك؟فقال: ولدت المخزومية[ (2) ]غلاما، قال: فما سمته؟قال: هشاما. # قال: هشم الله رأسها. فقال له قبيصة بن ذؤيب: ولم يا أمير المؤمنين؟قال: # @HAD038 أخبرني أبي مروان، أنه سمع بشرة بنت صفوان تقول: سمعت رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: راحة أصحابي معاوية، ولا راحة لهم بعد معاوية ~~وراحة العرب هشام، ولا راحة لهم بعد هشام. # وذكروا أن هشاما صارت إليه الخلافة في سنة ست ومائة[ (3) ]، فكان محمود ~~السيرة، ميمون النقيبة، وكان الناس معه في دعة وسكون وراحة، لم يخرج عليه ~~خارج، ولم يقم عليه قائم، إلا ما كان من قيام زيد بن علي بن الحسين، في بعض ~~نواحي الكوفة، فبعث إليه ابن هبيرة، وكان عامل الكوفة[ (4) ]، فأخذ زيد، ~~فأتى به ابن هبيرة، فأمر بقتله دون رأي هشام، فلما بلغ ذلك هشاما، عظم عليه ~~[ (1) ]في الطبري وابن الأثير والأخبار الطوال ومروج الذهب وتاريخ خليفة ~~والعقد الفريد: ذكر موته سنة 105. # [ (2) ]وهي بنت هشام بن إسماعيل بن هشام المخزومي (تاريخ خليفة، العقد- ~~ابن الأثير) . # [ (3) ]في الطبري: استخلف لليال بقين من شعبان (سنة 105) وانظر مروج ~~الذهب وابن الأثير وخليفة بن خياط. # [ (4) ]في الطبري وابن الأثير ومروج الذهب وخليفة واليعقوبي: كان يوسف بن ~~عمر الثقفي. PageV02P142 # قتله، وأعظم فعل ابن هبيرة، واجترائه على قتل قرشي دون مشورة حتى جعل ~~يقول: مثل زيد بن علي في شرفه وفضله يقتله ابن هبيرة، وما كان عليه من ~~قيامه، إن هذا لهو البلاء المبين، وما يزال ابن هبيرة مبغضا لأهل هذا البيت ~~من آل هاشم وآل عبد المطلب، ms410 ووالله لا زلت لهم محبا حتى أموت، ثم عزل ابن ~~هبيرة عن الكوفة، وأغرمه ألف ألف، ولم يل له شيئا حتى مات، وكانت أيام هشام ~~عشرين سنة، ولي سنة ست ومائة[ (1) ]، وتوفي سنة ست وعشرين ومائة[ (2) ]، ~~بعد أن حج إحدى عشرة حجة[ (3) ]، وهو خليفة. ### || قدوم خالد بن صفوان بن الأهتم على هشام # قال: وذكروا أن شبيب بن شبة، أخبرهم عن خالد بن صفوان بن الأهتم، قال: ~~أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام في وفد العراق، فقدمت عليه، وقد خرج منتدبا[ ~~(4) ]في قرابته وأهله وحشمه، وحاشيته، من أهله إلى بعض بوادي الرصافة[ (5) ~~]، فنزل في قاع صحصح[ (6) ]أفيح، في عام قد بكر وسميه[ (7) ]وقد ألبست ~~الأرض أنواع زهرتها، وأخرجت ألوان زينتها، من نور ربيعها فهي في أحسن منظر ~~وأجمل مخبر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، فلو أن قطعة دينار ألقيت فيه لم ~~تترب، وقد ضرب له سرادقات من حبرات اليمن مزرورة بالفضة والذهب، وضرب له ~~فسطاطه في وسطه، فيه أربعة أفرشة من خز أحمر، مثلها مرافقها، وعليه دراعة[ ~~(8) ]خز أحمر وعمامة مثلها، وضربت حجر نسائه من وراء سرادقه، وعنده أشراف ~~قريش، وقد ضربت حجر بنيه وكتابه وحشمه بقرب فسطاطه، ثم [ (1) ]راجع الحاشية ~~رقم 3 من الصفحة السابقة. # [ (2) ]في مصادر ترجمته سنة 125 ه. وفي مروج الذهب: توفي بقنسرين في ~~(الرصافة) يوم الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر. # [ (3) ]في مروج الذهب لم يحج هشام إلا مرة واحدة سنة 106 وهو خليفة ~~4/451. والطبري فيمن حج بين سنة 106 و125. وتاريخ خليفة ص 360. وتاريخ ~~اليعقوبي 2/328. # [ (4) ]منتدبا من انتدب، (ندب) أي استجاب لطلب انتدبه لشيء ما. يريد: ~~أنه دعي لزيارة بعض بوادي الرصافة. # [ (5) ]الرصافة: بلد بالشام. # [ (6) ]الصحصح: المستوي من الأرض، والأفيح: الواسع. # [ (7) ]الوسمي: المطر أول الربيع. سمي بذلك لأنه يسم الأرض بالنبات. # [ (8) ]الدراعة: الثوب. PageV02P143 # أمر الربيع[ (1) ]حاجبه، فأذن للناس إذنا عاما، فدخلوا عليه، وأخذ الناس ~~مجالسهم، قال خالد: فأدخلت رأسي من ناحية السماط فأطرق، ثم رفع رأسه ونظر ~~إلي شبه المستنكر، وكنت قد ms411 حليت عنده ببلاغة، وفهم وحكمة. فقلت: # أقر الله نعمته عليك يا أمير المؤمنين وكرامته، وسوغك شكره يا أمير ~~المؤمنين ومد لك في المزيد فيها بفضله، ثم وصلها بعد بطول العمر، وتتابع ~~الكرامة الباقية التي لا انقطاع لها، ولا نفاد لشيء منها، حتى يكون آجل ~~ذلك خيرا من عاجله، وآخره أفضل من أوله، وعاقبته خيرا من ابتدائه، وجعل ما ~~قلدك من هذا الأمر رشدا، وعاقبته تؤول إلى أحمد ودرك الرضا، وأخلص لك ذلك ~~بالتقوى، وكثره لك بالنماء، ولا كدر عليك منك ما صفا، ولا خالط سروره أذى، ~~فقد أصبحت للمسلمين ثقة وسترا، يفزعون إليك في أمورهم ويقصدونك في حوائجهم، ~~وما أجد يا أمير المؤمنين جعلني الله فداك شيئا، أبلغ في حقك وتوقير مجلسك، ~~إذ من الله علي بمجالستك، والنظر إلى وجهك مني، وما أجد فيما أظهر ذلك إلا ~~في مذاكرتك نعم الله التي أنعم بها عليك، وأحسن فيها إليك، وأنبهك إلى ~~شكرها[ (2) ]، ثم إني لا أجد شيئا هو أبلغ في ذلك، ولا أجمع من ذكر حديث ~~لملك خلا من الملوك، كان في سالف الأمم، فإن أذن أمير المؤمنين أكرمه الله ~~حدثته. قال: وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا وقال: هات يا بن الأهتم، قال: # قلت: يا أمير المؤمنين، إن ملكا كان فيما خلا من الملوك، مجتمعا له فيها ~~فتاء السن واعتدال الطبائع، وتمام الجمال، وكثرة المال، وتمكين الملك، وكان ~~له ذلك إلى البطر والمرح داعيا، وعلى الغفلة والذهول معينا، فخرج متنزها ~~إلى بعض منازله. فصعد جوسقا[ (3) ]له، فأشرف على أرض، قد أخضلها ربيع عامه، ~~كان شبيها بعامك هذا يا أمير المؤمنين، في خصبة وعشبه، وكثرة زهره، وحسن ~~منظره، فنظر فرجع إليه بصره كليلا عن بلوغ أقصى أمواله من الضياع والإبل ~~والخيل والنعم. فقال لنفر من ناديه: لمن هذا؟قيل له: لك، فأعجبته نفسه، [ ~~(1) ]هو الربيع بن زياد بن سابور (شابور) وكان على حرسه (اليعقوبي) وفي ~~تاريخ خليفة كان الربيع بن شابور مولى بني الحريش على خاتمه. قال اليعقوبي: ~~وحاجبه الحريش. وعند خليفة: حاجبه ms412 غالب بن مسعود مولاه. # [ (2) ]العبارة في عيون الأخبار 2/341 ولا أرى لمقامي هذا شيئا هو أفضل ~~من أن أنبه أمير المؤمنين لفضل نعمة الله عليه ليحمد الله على ما أعطاه. # [ (3) ]الجوسق: القصر. PageV02P144 # وما بسط له من ذلك، حتى أظهر فرحه وزهوه، ثم قال لجلسائه: هل رأيتم مثل ~~ما أنا فيه، أم هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟وكان عنده رجل من بقايا حملة ~~الحجة والعلم، والمضي على أدب الحق ومنهاج الصدق في الضمير والمقالة، وقد ~~قيل: إن الله الجليل، لم يخل الأرض منذ هبط آدم، من قائم يقوم بحجة الله ~~فيها، وكان ذلك الرجل ممن يسامره. قال: أيها الملك، قد سألت عن أمر أفتأذن ~~لي بالجواب فيه؟قال: نعم. قال: أرأيتك هذا الذي أعجبك مما عليه اطلع نظرك، ~~واستطال ملكك وسلطانك، أشيء لم يزل لك ولم يزل عنك، أم شيء كان لغيرك، ~~فزال عنه إليك، ثم هو صائر إلى غيرك كما صار إليك؟قال الملك: بل كما ظننت ~~ومثلت. قال: فإني أراك أعجبت بما يفنى، وزهدت فيما يبقى، وسررت بقليل، ~~وحسابه غدا طويل. قال: ويحك فكيف المطلب، وأين المهرب، وما الحيلة في ~~المخرج؟قال: إحدى خصلتين، إما أن تقيم في ملكك، فتعمل فيه بطاعة ربك على ما ~~سرك وساءك وأمضك، وإما أن تضع تاجك ونجادك، وتذكر ذنوبك، وتلحق في الخلاء ~~بمن يغفر لك، فتعبد فيه ربك، حتى يوافيك أجلك، وتنقضي مدتك، وأنت عامل لربك ~~فيما يعطيك. # قال: فإذا فعلت ذلك فما لي؟فقال: ملك خالد لا يفنى، ونعيم لا ينقضي، ~~ومزيد وكرامة، وصحة لا تستقيم[ (1) ]أبدا، وسرور لا ينصرم، وشباب لا يشوبه ~~هرم، وقرار لا يخالطه هم. قال الملك: سأنظر إلى نفسي في الاختيار لها مما ~~ذكرت لي، فإذا كان وقت السحر، فاقرع علي بابي لتعرف رأيي، فإني مختار إحدى ~~المنزلتين، فإن أقمت في ملكي، واخترت ما أنا فيه، كنت وزيرا لا تعصى، وإن ~~خلوت كنت رفيقا لا تجفى. فلما كان السحر، قرع عليه بابه، فإذا هو قد وضع ~~تاجه، ولبس أطماره[ (2) ]، فلحقا بالجبل، فلم ms413 يزالا يعبدان الله فيه، حتى ~~بلغ أجلهما، وانقضى عمرهما[ (3) ]. فبكى هشام حتى بل لحيته، ثم نكس رأسه ~~طويلا، ثم أمر بنزع أبنيته وانتقاله، وأقبلت العامة من الموالي على ابن ~~الأهتم، فقالوا له: ما أردت لأمير المؤمنين، أفسدت عليه لذته، ونغصت عليه [ ~~(1) ]في عيون الأخبار: لا تسقم. # [ (2) ]الأطمار: الثياب البالية. وفي عيون الأخبار: أمساح، وهو الكساء من ~~شعر كثوب الرهبان. # وفي معجم البلدان: لبس المسوح. # [ (3) ]الخبر في عيون الأخبار 2/341-342 باختلاف. وفي معجم البلدان ~~(مادة: خورنق) وفيه أن هذا الملك هو النعمان. PageV02P145 # شهوته، وقد حرمتنا ما أملنا فيه. قال: إليكم عني، فإني عاهدت الله ربي، ~~أني لا أخلو بملك إلا ذكرته الله، ونبهته ورشدته. ثم رجع خالد إلى فسطاطه، ~~كئيبا حزينا، متخوفا يظن أنه قد هلك، وكان للربيع صديقا. فبينما هو كذلك، ~~إذ أتاه رسول الربيع، فقال: يا صفوان، يقول لك أخوك الربيع: من كان في حاجة ~~الله، كان الله في حاجته. إنك لما وليت من عند أمير المؤمنين جعل يقول: لله ~~در ابن الأهتم، أي رجل دنيا وأخرى، مره يا ربيع، فليرجع حوائجه، وليغد ~~إلينا بها نقضها له. فقال الربيع: فاغد علينا بحوائجك رحمك الله، واحمده ~~على ما صنع، وأذهب من مخافتك. فغدا عليه بحوائجه فقضيت. # وذكروا أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم من هشام، ولا أعظم قدرا، ولا ~~أعلى صوتا منه، دانت له البلاد، وملك جميع العباد، وأديت له الجزية من جميع ~~الجهات، من الروم والفرس والترك والإفرنج والزنج والسند والهند، وكان قريبا ~~من الضعفاء، مهتما بإصلاح الأدواء، لم يجترئ أحد معه على ظلامة، ولم يسلك ~~أحد معه إلا سبيل الاستقامة، وكان له موضع بالرصافة أفيح من الأرض، يبرز ~~فيه، فتضرب له به السرادقات، فيكون فيه ستين ليلة، بارزا للناس، مباحا ~~للخلق، لا يفني أيامه تلك إلا برد المظالم، والأخذ على يد الظالم من جميع ~~الناس، وأطراف البلاد، ويصل إلى مخاطبته بذلك الموضع، راعي السوام[ (1) ]، ~~والأمة السوداء، فمن دونهما، قد وكل رجالا أدباء عقلاء، بإدناء الضعفاء ~~والنساء ms414 اليتامى منه، وأمرهم بإقصاء أهل القوة والكفاية عنه، حتى يأتي على ~~آخر ما يكون من أمره، فيما يرفع إليه، لا ينضم إليه رجل يريد الوصول إليه، ~~فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الأوضع وأبعدوا الأرفع، حتى ينظر في شأنه، ~~ويعرف أمره، وينفذ فيه ما أمر، ولا يرفع إليه ضعيف، ولا امرأة أمرا، وظلامة ~~على غطريف من الناس مرتفع القدر، ولا مستخدم به إلا أمر باقتضاء يمينه، ~~وأغداه بمطلبه، لا يقبل لهم حجة، ولا يسمع لهم بينة، حتى لربما تمر به ~~المرأة والرجل أو عابر سبيل، لا حاجة له فيما مر به. فيقال له: ما حاجتك، ~~وما قصتك، وما ظلامتك؟فيقول: إنما سلكت أريد موضع كذا، أروم بلد كذا، فيقول ~~له: لعلك ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره، وتتوقع سطوته، فذلك [ (1) ~~]السوام: الإبل الراعية. PageV02P146 # الذي منعك عن رفع ظلامتك إلى أمير المؤمنين، فيقول: لا، والله لا أبغي ~~إلا ما قلت. فيقال له: اذهب بسلام، حتى لربما أتت عليه تارات من الليل، ~~وساعات من النهار لا ينظر في شيء، ولا يأتيه أحد في خصومة لاستغناء الناس ~~عن المطالب، وتعففا من المظالم، ووقاية من سطواته، وتخوفا من عقوبته، وقد ~~وسع العباد أمنه، وأشعرهم عدله، وصارت البلاد المتنائية الشاسعة، كدار ~~واحدة، ترجع إلى حاكم قاض، يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه ~~من معه، وقد وضع العيون والجواسيس من خيار الناس، وفضلاء العباد، في سائر ~~الأمصار والبلدان، يحصون أقوال الولاة والعمال، ويحفظون أعمال الأخيار ~~والأشرار، قد صار هؤلاء أعقابا يتعاقبون، ينهض قوم بأخبار ما بلوا في المصر ~~الذي كانوا فيه، ويقبل آخرون يدخلون مسترقين، ويخرجون متفرقين، لا يعلم ~~منهم واحد، ولا يرى لهم عابر، فلا خبر يكون، ولا قصة تحدث، من مشرق الأرض ~~ولا مغربها إلا وهو يتحدث به في الشام، وينظر فيه هشام، وقد قصر نفسه على ~~هذه الحال، وحببت إليه هذه الأفعال، فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام مرت ~~بهم، وأعفاها وأرجاها، قد لبس جلباب الهيبة على أهل العنود والكيود، وارتدى ~~برداء ms415 التواضع إلى أهل الخشوع والسكون، وكان قد حبب إليه التكاثر من ~~الدنيا، والاستمتاع بالكساء، لم يلبس ثوبا قط يوما، فعاد إليه، حتى لقد كان ~~كساء ظهره، وثياب مهنته، لا يستقل بها، ولا يحملها إلا سبعة مائة بعير، من ~~أجلد ما يكون من الإبل، وأعظم ما يحمل عليه من الجمال، وكان مع ذلك ~~يتقللها، وطالت أيامه، واستبطأ صاحب العهد بموته، فناوأه وعاداه، وانتقل عن ~~الموضع الذي كان به هو والوليد بن يزيد بن عبد الملك، فمات هشام والوليد ~~غائب، فأتاه موته، فأمر بقفل الخزائن، فلم يجدوا لهشام ما يكفنونه به، ~~واستؤذن الوليد في إقباله، فلم يدفن هشام حتى قدم الوليد، وذلك في ثلاثة ~~أيام[ (1) ]. # [ (1) ]لحسن حظ الخلافة الأموية التي أصيبت مع يزيد بن عبد الملك بنكسة ~~خطيرة شملت معظم جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية تحول هشام ~~فور توليه إلى الاهتمام بشئون الدولة وتمكن بعد فترة من استيعاب ثم القضاء ~~على النتائج السيئة لسياسة سلفه يزيد في شتى شئون الحياة العامة. # حاول أن يصلح ما فسد، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه وإن لم يصل في سياسته إلى ~~مثالية عمر بن PageV02P147 ### || بدء الفتن والدولة العباسية # قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم، قال: اختلفت روايات القوم الذين ~~عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة، فحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه، فكان ~~أول ما اختلفت فيه الرواية، ولم تلائمه الحكاية، أشياء سنذكرها في موضعها ~~من هذا الكتاب إن شاء الله، واقتصرنا على معانيها، وقيدنا بعض ألفاظها لطول ~~أخبارها، واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ، ورددنا هزيله لنزر فائدته، وقلة ~~عائدته، وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا، والله ~~الموفق للصواب. # فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة، وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي، عن ~~الرجال الذين حدثوه. قالوا: لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي ~~سفيان، قامت الشيعة من أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الكوفة، واليمن، وأهل ~~البصرة، وأرض خراسان، في ستر وكتمان، فاجتمعوا إلى محمد بن علي، وهو محمد ~~بن الحنفية[ ms416 (1) ]، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك، وعرضوا عليه قبض ~~زكاتهم، لينفقوها يوم الوثوب على فرصته، فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته، ~~فقبلها، وولى على شيعة كل بلد رجلا منهم، وأمره باستدعاء من قبله منهم، في ~~سر وتوصية إليهم، ألا يبوحوا بمكتومهم، إلا لمن يوثق به، حتى يرى [ () ] ~~عبد العزيز، ولمجهوده في هذا الصدد، وصفه الخليفة المنصور بأنه بحق: رجل ~~بني أمية. # وقيل أيضا: إن السواس من بني أمية ثلاثة: معاوية وعبد الملك وهشام. # ويقول حسن إبراهيم حسن في تاريخ الإسلام 1/333: «ومن إصلاحات هشام ~~اهتمامه بتعمير الأرض وتقوية الثغور وحفر القنوات والبرك في طريق مكة وغير ~~ذلك من الآثار، وفي أيامه ظهرت صناعة الخز والقطيفة. وكان هشام كلفا ~~بالخير. # ومما يؤخذ على هشام إمعانه في الانتقام من العلويين والتنكيل بهم» . # [ (1) ]كان ذلك بعد مقتل الحسين بن علي رضي الله عنه سنة 60 ه. حيث أثار ~~مقتله حماسة المسلمين، فتوحدت صفوف الشيعة وزادت الدعوة لآل علي (رضي الله ~~عنه) قوة، واشتد العداء بين الأمويين والعلويين الذين ثاروا في الولايات ~~الإسلامية. # وقد كانت كربلاء ونتائجها عاملا في إذكاء روح التشيع، وأصبحت عقيدة راسخة ~~في نفوس المسلمين، وقد وجد ابن الزبير فرصته التاريخية-بعد كربلاء-لتحقيق ~~أغراضه السياسية تحت ستار الأخذ بثأر الحسين، وتهيأت الفرصة أيضا للمختار ~~بن أبي عبيد الذي ادعى إمامة محمد بن الحنفية (ابن علي بن أبي طالب) . ~~وانضمت إليه حركة التوابين الذين ندموا على عدم إغاثتهم الحسين وقاموا ~~ليبذلوا نفوسهم في الأخذ بثأره. PageV02P148 # للقيام موضعا. فأقام محمد بن الحنفية: إمام الشيعة قابضا لزكاتهم، حتى مات. # فلما حضرته الوفاة، ولى عبد الله ابنه من بعده، وأمره بطلب الخلافة إن ~~وجد إلى ذلك سبيلا، وأعلم الشيعة بتوليته إياه، فأقام عبد الله بن محمد بن ~~علي، وهو أمير الشيعة، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك، في أول خلافته، أن ~~الشيعة قد بايعت عبد الله بن محمد بن علي، بعد أبيه، فبعث إليه، وقد أعد له ~~في أفواه الطرق رجالا، معهم أشربة مسمومة، وأمرهم ms417 إذا خرج من عنده أن ~~يعرضوا عليه الشراب. فلما دخل على سليمان، أجلسه إلى جانبه. ثم قال له: ~~بلغني أن الشيعة بايعتك على هذا الأمر، فجحده عبد الله وقال: بلغك الباطل، ~~وما زال لنا أعداء يبلغون الأئمة قبلك عنا مثل ما بلغك، ليغروهم بنا، فيدفع ~~الله عنا كيد من ناوأنا، وأنا بما يلزمني من مؤنتي أشغل مني بطلب هذا ~~الأمر، ثم خرج من عنده في وقت شديد الحر، فكان لا يمر بموضع إلا قام إليه ~~الرجل بعد الرجل، يقول له: هل لك في شربة سويق اللوز، وسويق كذا وكذا يا بن ~~بنت رسول الله، ونفسه موجسة منهم، فيقول: بارك الله لكم، حتى إذا خرج إلى ~~آخر الطريق، خرج إليه رجل من خبائه، وبيده عس[ (1) ]، فقال له: هل لك في ~~شربة من لبن يا بن بنت رسول الله؟فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسم، فشرب ~~منه ثم مضى، فلم ينشب أن وجد للسم حسا[ (2) ]، فاستدل على الطريق إلى ~~الحميمة[ (3) ]، وبها جماعة آل عباس، وقال لمن معه: إن مت ففي أهلي، ثم ~~توجه فنزل على محمد بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره الخبر، وقال له: ~~إليك الأمر، والطلب للخلافة بعدي، فولاه[ (4) ]، وأشهد له من الشيعة ~~رجالا، ثم مات. فأقام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس[ (5) ]، ودعوة ~~الشيعة له حتى مات، فلما حضرته [ (1) ]العس: بضم العين، القدح العظيم، مثل ~~الكوز الكبير. # [ (2) ]يريد أنه أحس بالسم يسري في جسده. # [ (3) ]الحميمة: بضم الحاء وفتح الميم بلدة صغيرة بالبلقاء بالشام. # [ (4) ]ذكر أن أبا عبد الله قال لمحمد بن علي: يا بن عمي، إني ميت، وقد ~~صرت إليك، وأنت صاحب هذا الأمر، وولدك القائم به، ثم أخوه من بعده، والله ~~ليتمن الله هذا الأمر... » في كلام طويل أثبته صاحب العقد الفريد 4/476. # [ (5) ]قال الطبري ج 6/562 أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس وجه ميسرة ~~إلى العراق، ووجه محمد بن خنيس وأبا عكرمة السراج، وهو أبو محمد الصادق، ~~وحيان العطار، ms418 إلى خراسان، وأمرهم بالدعاء إليه وإلى أهل بيته.. ثم انصرفوا ~~بكتب من استجاب لهم إلى محمد بن علي فدفعوها إلى ميسرة، فبعث بها إلى محمد ~~بن علي. PageV02P149 # الوفاة، ولى محمد بن إبراهيم الأمر، فأقام وهو أمير الشيعة، وصاحب الدعوة ~~بعد أبيه. ### || دخول محمد بن علي على هشام # قال: وذكروا أن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس دخل، وهو شيخ كبير قد ~~غشي بصره على هشام بن عبد الملك، متوكئا على ولديه أبي العباس وأبي جعفر، ~~فسلم. ثم قال له هشام: ما حاجتك؟ولم يأذن له في الجلوس، فذكر قرابته وحاجة ~~به، ثم استجداه. فقال هشام: ما هذا الذي بلغني عنكم يا بني العباس، ثم يأتي ~~أحدكم وهو يرى أنه أحق بما في أيدينا منا، والله لا أعطيتك شيئا. فخرج محمد ~~بن علي، فقال هشام كالمستهزئ: إن هذا الشيخ ليرى أن الأمر سيكون لولديه ~~هذين، أو لأحدهما، فرجع محمد نحوه فقال: أما والله إني أرى ذلك على رغم من ~~رغم. فضحك هشام وقال: أغضبنا الشيخ، ثم مضى محمد بن علي. ### || ولاية الوليد بن يزيد وفتن الدولة # قال: وذكروا أن الوليد بن يزيد لما تولى الأمر بعد هشام، أساء السيرة، ~~وانتحى على أهله وجماعة قريش، وأحدث الأحداث العظيمة، وسفك الدماء وأباح ~~الحريم، وكانت ولايته في سنة ست وعشرين ومائة[ (1) ]. فلما استولى على [ () ~~] واختار أبو محمد الصادق اثني عشر رجلا، نقباء (أسماؤهم في الطبري) ، ~~واختار سبعين رجلا، فكتب إليهم محمد بن علي كتابا ليكون لهم مثالا وسيرة ~~فيسيرون بها. (انظر ابن الأثير 3/263. وانظر تفاصيل هامة ذكرها في الأخبار ~~الطوال ص 332-333 عن نشاط محمد بن علي وأصحابه المبعوثين إلى الأمصار... ) ~~ومات محمد بن علي سنة 125 ه بعد أن قطعت الدعوة العباسية شوطا بعيدا. # قال د. حسن إبراهيم حسن في التاريخ السياسي: 2/13 «ويمكن تقسيم الدعوة ~~العباسية قسمين: # -الأول يبدأ في مستهل القرن الأول للهجرة، وينتهي بانضمام أبي مسلم ~~الخراساني، وكانت الدعوة في هذا الدور خالية من أساليب العنف والشدة. إذ ms419 ~~كان الدعاة يجوبون البلاد الإسلامية متظاهرين بالتجارة أو أداء فريضة الحج. # -الدور الثاني يبدأ بانضمام أبي مسلم إلى الدعوة العباسية. وهنا يدخل ~~النزاع بين الأمويين والعباسيين في دور العمل، وهو دور الحروب التي انتهت ~~بزوال الدولة الأموية. # [ (1) ]كذا بالأصل. وفي تاريخ خليفة ومروج الذهب والطبري وابن الأثير ~~والعقد الفريد، وتاريخ اليعقوبي والبداية والنهاية: سنة 125. قال الطبري ~~7/208: استخلف يوم الأربعاء لست خلون من شهر ربيع الآخر من سنة 125. قال: ~~وكان نازلا بالأزرق بين أرض بلقين وفزارة. PageV02P150 # الأمر بعث إلى أشراف الأجناد[ (1) ]، فقدموا عليه وقدم خالد فيمن قدم، ~~فلم يأذن لواحد منهم، وكان مشتغلا بلهوه ولعبة، ومرض خالد، فاستؤذن له في ~~الانصراف فأذن له، فانصرف إلى دمشق، فأقام بها شهرا. ثم كتب إليه الوليد: # إن أمير المؤمنين قد علم الخمسين ألف ألف التي تعلم[ (2) ]، فأقدم بها ~~على أمير المؤمنين مع رسوله، فقد أمره أن لا يعجلك عن جهازك، فبعث خالد إلى ~~عدة من ثقاته، فيهم عمارة بن أبي كلثوم، فأقرأهم كتاب الوليد وقال: أشيروا ~~علي برأيكم. فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون، فالرأي أن تدخل مدينة دمشق، ~~فتأخذ بيوت الأموال، وتدعو إلى من أحببت، والناس قومك، ولم يختلف منا عليك ~~اثنان. فقال لهم: وما ذا؟قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتجمع إليك قومك حتى ~~تتوثق لنفسك. قال: وما ذا؟قالوا: نتوارى. فقال: أما قولكم أن أدعو إلي من ~~أحببت، فإني أكره أن تكون الفرقة على يدي، وأما قولكم أن آخذ بيوت الأموال ~~حتى أتوثق لنفسي، فأنتم لا تأمنونني عليها ولا ذنب لي، فكيف لي ترجون وفاء ~~بما يعطيني. وقد فعلت ما فعلت، وأما قولكم في التواري، فو الله ما قنعت ~~رأسي خوفا من أحد قط، فالآن وقد بلغت من السن ما بلغت؟، ولكني أمضي، ~~وأستعين بالله تعالى. ### || قتل خالد بن عبد الله القسري # قال: وذكروا أن خالد بن عبد الله القسري، شخص إلى الوليد بن يزيد حتى قدم ~~على معسكره، فلم يدع به الوليد ولم يكلمه، وهو يختلف إليه غدوة وعشية، حتى ~~قدم برأس يحيى ms420 بن زيد بن علي بن الحسين من خراسان، فجمع الناس الإذن، فحضر ~~الأشراف، وجلس الوليد، وجاء خالد إلى الحاجب فقال: # إن حالي كما ترى، لا أقدر على المشي، وإنما أحمل في الكرسي. قال الحاجب: ~~ما يدخل أحد على أمير المؤمنين على هذه الحال، ثم أذن له فحمله على كرسيه، ~~ثم دخل على الوليد وهو جالس في سريره، والمائدة موضوعة. # [ (1) ]يفهم من اليعقوبي 2/331 أن الوليد عزل عمال هشام وعذبهم أنواع ~~العذاب خلا يوسف بن عمر الثقفي عامل العراق، وذلك أنه وجد في ديوان هشام ~~كتبا من العمال يقومون عزمه في خلع الوليد (وكان هشام قد هم بعزل الوليد) ~~إلا يوسف فإنه أشار عليه ألا يفعل، فأقره على عمله. # [ (2) ]وهي من بقايا خراج العراقين (الأخبار الطوال ص 347) . PageV02P151 # فلما دخل عليه قال له الوليد: أين ولدك يزيد بن خالد؟فقال: قد أصابه من ~~هشام ظفر، فخلى سبيله، ثم طلب فهرب، فكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى ~~استخلفه الله. فقال له الوليد: لكنك خلفته طلبا للفتنة. فقال خالد: قد علم ~~أمير المؤمنين أنا أهل بيت طاعة أنا وأبي وجدي. فقال له الوليد: لتأتيني ~~بابنك أو لأزهقن نفسك، فقال له خالد: هذا الذي تدور عليه، وهو الذي ~~تريد؟والله لو ان ابني تحت قدمي ما رفعتهما لك، فاصنع ما بدا لك[ (1) ]. ~~فأمر الوليد غيلان[ (2) ] صاحب حرسه بالبسط[ (3) ]عليه والأخذ له، وقال ~~له: أسمعني صوته، فذهب به غيلان إلى رحله، فعذبه بالسلاسل والحديد، فلم ~~يتكلم بكلمة، فرجع غيلان إلى الوليد فقال له: والله لا أعذب إنسانا لا ~~يتكلم. فقال له: كف عنه واحتبسه، ففعل، فقام يوسف بن عمر فقال: أنا أشتريه ~~بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى خالد أن يوسف بن عمر قد سأل أن يشتريك ~~بخمسين ألف ألف، فإن ضمنتها لأمير المؤمنين، وإلا دفعتك إليه. قال خالد: ما ~~عهدنا العرب تباع، فدفعه إلى يوسف بن عمر، فنزع ثيابه، وألبسه عباءة وألحفه ~~أخرى، وحمله على محمل ليس تحته وطاء، فبسط عليه وعذبه، وخالد لا يكلمه ~~بكلمة، ثم ms421 ارتحل، حتى إذا كان ببعض الطريق عذبه يوما، ثم وضع المضرسة[ (4) ~~]على صدره، فقتله [ (1) ]في موقف الوليد بن خالد بن عبد الله ثمة أسباب منها: # -استرداد أموال كان خالد-فيما يظن الوليد-استصفاها لنفسه من خراج العراق. # -الدسائس التي حيكت ضد خالد من المقربين من الوليد والتي اتجهت إلى: # -استعداد خالد لخلع الوليد وتعاونه مع مناوئين للوليد في هذا الأمر. # -استعمال خالد للأموال التي أحرزها في دعم العلويين وبني هاشم وحركة بني ~~العباس. # -اتهام خالد في أنه وراء خروج زيد بن علي ثم في خروج ابنه يحيى. # وكان على رأس المحرضين ضد خالد يوسف بن عمر الثقفي. # -وذكر-من جملة الأسباب-أن الوليد كان قد عزم على الحج ومن نيته أن يشرب ~~الخمر على ظهر الكعبة، فلما بلغ ذلك جماعة من الأمراء اجتمعوا على قتله ~~وتولية غيره من الجماعة، فحذر خالد الوليد منهم، فسأله أن يسميهم فأبى عليه ~~فعاقبه عقابا شديدا. # -وفيما ذكر-أنه كان متهما في دينه وقد بنى لأمه كنيسة في داره (قاله ابن ~~خلكان، وانظر ابن الأثير 3/404) . # -وثمة من يقول أنه غضب عليه وأساء معاملته إرضاء ليوسف بن عمر واليه على ~~العراق. # [ (2) ]في الأخبار الطوال ص 347 سعيد بن غيلان. # [ (3) ]البسط عليه: التسلط عليه والإضرار به وإليه. # [ (4) ]المضرسة: حجر غليظ جدا خشن الوطء. وفي البداية والنهاية 10/20 أنه ~~«كسر قدميه ثم ساقيه ثم فخذيه ثم صدره فمات» وانظر ابن الأثير 3/403 ~~والأخبار الطوال ص 347. PageV02P152 # في الليل، فدفن في الحيرة[ (1) ]، وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين ومائة[ (2) ]. ### || وثوب أهل دمشق على الوليد بن يزيد وقتله # قال: وذكروا أن يزيد[ (3) ]بن خالد دب في أهله، وتحمل في عشائره، فاجتمع ~~أمرهم على الوليد بن يزيد، فبينما هم يدبرون أمرهم، إذ انطلق ساع إلى ~~الوليدقال له: أدلك على يزيد بن خالد؟قال: نعم. فبعث الوليد مولى له، وأمره ~~أن يكمن النهار، ويسير الليل، حتى أتى دمشق ليلا، ويزيد مختف بدمشق، في ~~منزل رجل عند باب السوق، فاقتحم عليه المنزل فأخذه، وشخص به من ساعته حتى ~~قدم ms422 على الوليد، فأمر بالبعث به إلى يوسف بن عمر بالعراق، قال له يزيد: يا ~~أمير المؤمنين، أنا أدفع لك الخمسين ألف ألف التي طلبت من خالد في ثلاث ~~سنين، على أن تكتب إلى الآفاق، بأمان من كانت لي عنده وديعة، وأمان فيه ~~ذمتي وموالي، فقبل منه الوليد ذلك، فأمر بالكتب إلى العراق والحجاز وكور ~~الشام في ذلك، واحتبس يزيد عنده، وجعل عليه القيود والحرس، ثم ارتحل الوليد ~~ومعه خدمته وشرطته، وتواعد أهل اليمن أن يثوروا إذا صلوا العتمة[ (4) ]في ~~المسجد[ (5) ]، وكانت العلامة بينهم أن يلتمس أحدهم صاحبه، فلما تفرق أهل ~~المسجد، خرجوا، فاستخرجوا يزيد بن الوليد من [ (1) ]في الأخبار الطوال: في واسط. # [ (2) ]في ابن الأثير: المحرم سنة 126. # [ (3) ]في الأخبار الطوال: محمد بن خالد. (في شتى مواضع الخبر) . # [ (4) ]العتمة بفتح العين والتاء: العشاء. # [ (5) ]تعتبر حركة اليمانية، وهم الجناح الأساس في السلطة الأموية، أول ~~حركة تمرد ضد خليفة أموي، وتعود ظروف هذا التحرك إلى: # -انحرف الخلفاء الأمويين عن اليمانية منذ يزيد وتقريبهم للقيسية. # -قتل الوليد لخالد بن عبد الله، زعيمهم، والأكثر طاعة وولاء للأمويين. ~~وفي قتله قال الوليد شعرا يحرض على اليمانية (وقيل لغيره) ومما قاله: (ابن ~~الأثير 3/406 الأخبار الطوال ص 348) : # ... وطئنا الأشعرين بعز قيس # فيا لك وطأة لن تستقالا # وهذا خالد فينا أسير # ألا منعوه إن كانوا رجالا # عظيمهم وسيدهم قديما # جعلنا المخزيات له ظلالا # فلو كانت قبائل ذات عز # لما ذهبت صنائعه ضلالا # فبعد سماعهم ذلك عظم عليهم وازدادوا حنقا عليه. PageV02P153 # منزله، ثم أتوا به القصر، وعلى دمشق يومئذ رجل من بني الحجاج، وكان قد ~~خرج من الطاعون، واستخلف رجلا من قيس، فدخلوا عليه، فأوثقوه كتافا، وأوثقوا ~~كل من خافوا خلافه، فتسلل رجل حتى أتى الوليد بن يزيد، فأخبره الخبر، فلما ~~أصبحوا غدوا إلى الوليد، فبعث الوليد في طلب يزيد بن خالد، وهو عنده في ~~الحديد. فقال له: إن قومك قد خرجوا بين يدي الوليد، فارددهم عن أمير ~~المؤمنين، ولك الله أن أوليك العراق، وأدفع إليك يوسف تقتله بأبيك، ms423 فقال له ~~يزيد بن خالد: وتوثقني يا أمير المؤمنين؟قال: نعم، فتوثق له وحلف، قال: ~~فأرسلني إليهم حتى أردهم عنك. فقال له الوليد: بل اكتب إليهم. قال: # إن كتابي لا يغني شيئا، وقد علموا أني في يديك، وأني سأكتب بما تريد، ~~فأمر بإطلاقه من الحديد، ورده إلى حبسه، وأمر الحرس يتحفظون به، ثم ارتحل ~~الوليد بيزيد بن خالد معه، فلما كان الفجر، صبحته أوائل الخيل، خيل أهل ~~اليمن، فأرسل الوليد إلى يزيد بن خالد. فقال له يزيد: خل عني حتى أردهم ~~عنك، فبينما هم على ذلك، إذ التقى القوم، فشدت الميمنة، وقد طلعت الشمس، ~~واختلط الناس وكثر القتل، وتخلص يزيد بن خالد من الحرس، فأتوه ببرذون من ~~براذين الوليد، وأتى بسيف فتقلده، ثم نادى مناديه: من جاء برأس الوليد، فله ~~مائة ألف دينار، ونودي في العسكر: من دخل رحله فهو آمن. فنادى الوليد: يا ~~أهل الشام، ألم أحسن إليكم، ألم أفعل كذا، فعدد إحسانه، فقال عبد السلام[ ~~(1) ]: بلى قد فعلت، ولكنك عمدت إلى شيخنا وسيدنا خالد بن عبد الله قد عزله ~~الخليفة قبلك، وأخذ أمواله، ثم خلى عنه، فدفعه إلى يوسف بن عمر بالبيع ~~فأدرعه[ (2) ]، ثم حمله على محمل بلا وطاء، ثم انطلق به فعذبه، حتى قتل شر ~~قتل يكون. # فقال لهم الوليد: فاخلعوني في قميصي هذا، وولوا من شئتم، فانصرفوا إلى ~~قومهم، فأعلموهم بما رضي من الخلع. فقالوا: لا إلا رأسه، فتدلى القوم إلى ~~القصر[ (3) ]، وانتهى يزيد بن خالد إلى الباب، وعليه سلسلة، فأمر بها ~~فكسرت، وكسر الباب، وخرج الوليد يسعى، حتى دخل بيتا من بيوت القصر، ودخل ~~عليه [ (1) ]في البداية والنهاية: يزيد بن عنبسة السكسكي (انظر ابن الأثير ~~3/410) . # [ (2) ]أي ألبسه الدراعة، يعني القميص فقط. # [ (3) ]وكانوا عشرة-على ما ذكره ابن الأثير 3/410 ومنهم: منصور بن جمهور، ~~عبد السلام اللخمي، السندي (السري) بن زياد بن أبي كبشة. PageV02P154 # نحو من ثلاثين رجلا، وهو قائم بيده السيف، منكسا رأسه لا ينظر إليهم، وهو ~~يذب عن نفسه، فضربه رجل[ (1) ]، ضربة، ثم صرعة، ثم ms424 أكب عليه فاحتز رأسه، ~~فخرج به وانصرف الناس إلى دمشق فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك. # وذلك في ذي الحجة من سبع وعشرين ومائة[ (2) ]، فكان خليفة ستة أشهر، ثم ~~مات في جمادى الأولى. ثم ولى إبراهيم بن الوليد فبويع له في جمادى الأولى، ~~فمكث ثلاثة أشهر[ (3) ]، ثم خلع وهرب. ### || ولاية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم # قال: وذكروا أنه لما خلع إبراهيم بن الوليد، خرج مروان بن محمد في صفر، ~~سنة سبع وعشرين ومائة، ومعه أهل الجزيرة، وأهل حمص[ (4) ]، فدعا إلى نفسه ~~بالبيعة، ووعد الناس خيرا فرضي به أكثر الناس لشجاعة كانت فيه، وسخاء يوصف ~~به، فملك الشام، واستقل له الأمر، وغلظ شأنه، واستعلى سلطانه، وبايع له أهل ~~العراق والحجاز، وهابه الناس وخافوه، واستعمل العمال في الآفاق والأمصار، ~~وكانت الشيعة تتكاتب على الكتمان لذلك، وتتلاقى على السر. # قال: فلما كانت سنة ثمان وعشرين ومائة اجتمعت الشيعة. # [ (1) ]في ابن الأثير: ضربه عبد السلام على رأسه، وضربه السندي في وجهه، ~~ثم احتزوا رأسه. # وينفرد صاحب الأخبار الطوال في أنهم لم يقتلوه بل خلعوه فلبث مخلوعا ~~أياما كثيرة، وهو خليع بني أمية (ص 349) . # [ (2) ]قتل الوليد لليلتين بقيتا من جمادى الآخرة سنة 126 وبويع يزيد، ~~وتوفي لعشر بقين من ذي الحجة وكانت خلافته ستة أشهر وليلتين. وقيل غير ذلك. # انظر في ذلك ثبت بمصادر ترجمته (ابن الأثير 3/424 من تحقيقنا دار إحياء ~~التراث العربي- لبنان) . # [ (3) ]في مروج الذهب 3/268 أربعة أشهر، وقيل: شهرين. وفي ابن الأثير ~~3/425: وقيل سبعين يوما. # [ (4) ]قام مروان بن محمد بحجة الثأر لمقتل الوليد بن يزيد (الخليفة ~~المظلوم كما سماه) إنما حقيقة حركته هي اشتداد الصراع الدموي بين اليمانية ~~والقيسية (جناحا السلطة الأموية) وقد غلبت القيسية المضرية وتلاوموا فيما ~~بينهم لغلبة اليمانية عليهم وتكاتبوا وتداعوا وبايعوا مروان بن محمد وكان ~~يومئذ شيخ بني أمية ورجلهم الكبير. # وكانت معركة مروان، عملية تصفية حسابات خطيرة بين اليمانية والقيسية حيث ~~جرت بينهما تصفيات وعمليات قتل من الطرفين وبينهما وانتقل الصراع وامتد ms425 إلى ~~خراسان ثم إلى مناطق تواجدهما في جميع مناطق الدولة الإسلامية (الطبري-ابن ~~الأثير-الأخبار الطوال) . PageV02P155 ### || خروج أبي مسلم الخراساني # قال: وذكروا أن الشيعة لما اجتمعت، وغلظ أمرهم بخراسان، قدم منهم سليمان ~~بن كثير، وقحطبة بن شبيب، فلقوا إبراهيم بمكة[ (1) ]. فقالوا: قد قدمنا ~~بمال. قال: وكم هو؟قالوا عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وبمسك ومتاع قال: ~~ادفعوه إلى عروة مولى محمد بن علي، ففعلوا، فكان يحيى بن محمد يتبعهم ~~ويسألهم، فيقول: ما قصتكم وفي أي شيء جئتم؟فلا يخبرونه، فذكروا ذلك ~~لإبراهيم. فقال: احذروه، فإنه قليل العقل، ضعيف الرأي. فجاء إلى إبراهيم ~~فقال له: إن علي دينا، والله لئن لم تعطني قضاء ديني، لأرفعن أمرك إلى عبد ~~العزيز بن عمر، وهم يومئذ على الموسم، فأعطاه خمسة آلاف درهم، وقدموا بأبي ~~مسلم معهم، وقد خرج أصحابه من السجن، فأعلموا إبراهيم أنه مولاه. فقال ~~لسليمان: قد ربا[ (2) ]أمركم، فأنت على الناس، فاخرج إلى خراسان، وقد كان ~~أبو مسلم قدم على إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه، فرأى عقله وظرفه. فكتب إلى ~~أصحابه: إني قد أمرته على خراسان، وما غلب عليها، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، ~~وخرجوا من قابل، فالتقوا بمكة، فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه. قال ~~إبراهيم: إنه قد يجمع رأيه على هذا، فاسمعوا له وأطيعوا. # ثم قال لأبي مسلم: يا أبا عبد الرحمن إنك رجل منا أهل البيت، فاحفظ[ (3) ~~] وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم[ (4) ]، فإن الله لا يتم هذا ~~الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة، فإنهم معهم[ (5) ]، وانظر هذا ~~الحي من مضر، فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل من شككت في أمره، ومن وقع في ~~نفسك منه تهمة. فقال: أيها الإمام، فإن وقع في أنفسنا من رجل هو على غير ~~ذلك، أحبسه حتى تستبينه؟قال: لا، السيف السيف، لا تتقي العدو بطرف. ثم قال ~~للشيعة: من أطاعني فليطع هذا، يعني أبا مسلم، ومن عصاه فقد عصاني. ثم قال ~~له: إن استطعت أن لا تدع بخراسان[ (6) ]أرضا فيها عربي فافعل، وأيما غلام ~~[ (1) ]وكان ms426 محمد بن علي قد مات سنة 125 واستخلف ابنه إبراهيم الإمام ودعا ~~دعاته إلى تأييده. # [ (2) ]أي زاد وارتفع شأنكم. # [ (3) ]في الطبري 7/344 «فاحتفظ» . # [ (4) ]في ابن الأثير 3/448 فالزمهم واسكن بين أظهرهم. (وحل: في الطبري) . # [ (5) ]في الطبري: فاتهمهم في أمرهم. # [ (6) ]في الطبري: لسانا عربيا فافعل. وفي ابن الأثير: من يتكلم بالعربية فافعل. PageV02P156 # بلغ خمسة أشبار، فاتهمته فأقتله، ولا تخالف هذا الشيخ، يعني سليمان بن ~~كثير، ولا تعصه، فشخصوا إلى خراسان. # ووقعت العصبية بخراسان، بين نصر بن سيار، وكان عامل مروان عليها، وبين ~~الكرماني[ (1) ]. فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له: إن مروان بن محمد قد ~~خالف ما ظن به الناس، وقد كان رجي وأمل، وما أرى أمره إلا وقد انتقض، ~~واجترأت عليه الخوارج، وانتقضت عليه البلاد، وخرج عليه ثابت بن نعيم، ورأى ~~الاشتغال بلذاته أهم عليه، فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإني خائف أن ~~يوقعك هذا الخلاف فيما نكره وأنت شيخ العرب وسيدها، وأرى والله في هذه ~~الكور شيئا، وأسمع أمورا أخاف أن تذهب، أو تذهل منها العقول. فقال نصر بن ~~سيار: والله ما أتهم عقلك ولا نصيحتك، ولكن اكفف عن هذا القول، فلا يسمعن ~~منك، فالتحم ما بين الرجلين[ (2) ]، وهاجت الحرب وتقاتلوا، وجعلت رجال ~~الشيعة تجتمع في الكور الألف والألفان، فيجتمعون في المساجد، ويتعلمون: أي ~~يتعارفون بينهم، فبلغ ذلك نصرا، واغتم لذلك، وخاف إن وجه إليهم من يقاتلهم ~~أن يتجاوزوا إلى الكرماني، فلما استفحل أمر القوم، وقام بأمرهم أبو مسلم ~~الخراساني، ثم اجتمعوا وأظهروا أمرهم. كتب نصر بن سيار إلى مروان بن محمد: # أرى خلل[ (3) ]الرماد وميض نار[ (4) ] # ويوشك[ (5) ]أن يكون له ضرام # فإن النار بالعودين تذكى # وإن الحرب أولها الكلام[ (6) ] # أقول من التعجب: ليت شعري # أأيقاظ أمية أم نيام # فإن كانوا لحينهم نياما[ (7) ] # فقل قوموا فقد حان القيام # [ (1) ]هو جديع بن علي المعروف بالكرماني، كان سيد من بأرض خراسان من ~~اليمانية. # [ (2) ]أي بين نصر بن سيار والكرماني (تفاصيل ذلك انظرها في الطبري ~~7/330) وما بعدها وابن الأثير 3/444 ms427 وما بعدها، والأخبار الطوال ص 351 وما بعدها. # [ (3) ]في الطبري 7/369: بين، وفي الأخبار الطوال: تحت. # [ (4) ]في الطبري والأخبار الطوال: جمر. # [ (5) ]في ابن الأثير: «وأخشى» وفي الطبري: فأحج بأن.. وفي الأغاني 6/12 ~~بولاق: وأحر أن. # [ (6) ]في الأخبار الطوال: وأن الشر مبدؤه كلام. # [ (7) ]في مروج الذهب 3/291 فإن يك قومنا أضحوا نياما. # وفي الأخبار الطوال: فإن يك أصبحوا وثووا نياما. PageV02P157 # ففري عن رحالك ثم قولي # على الإسلام والعرب السلام # فكتب إليه مروان[ (1) ]: إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فقال نصر لما ~~قرأ الكتاب: أما صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده، وجعل أبو مسلم يكتب ~~الكتب، ثم يقول للرسل: مروا بها على اليمانية، فإنهم يتعرضون لكم، ويأخذون ~~كتبكم، فإذا رأوا فيها أني رأيت المضرية لا وفاء لهم، ولا خير فيهم، فلا ~~تثق بهم، ولا تطمئن إليهم، فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب، ~~ويرسل رسولا آخر بمثل ذلك على اليمانية. فيقول: مر على المضرية، فكان ~~الفريقان جميعا معه، وجعل يكتب إلى نصر بن سيار، وإلى الكرماني: أن الإمام ~~قد أوصاني بكم، ولست أعدو رأيه فيكم، فجعل نصر يقول: يا عباد الله، هذه ~~والله الذلة، رجل بين أظهرنا يكتب إلينا بمثل هذا، لا نقدر له على ضر ولا ~~نفع، فلما تبين القوم أن لا نصير لهم كتب أبو مسلم إلى أصحابه في الكور، أن ~~أظهروا أمركم، فكان أول الناس من سود[ (2) ]أسيد[ (3) ]بن عبد الله، فنادى: ~~يا محمد، يا منصور، فسود معه العكي، ومقاتل بن حكم[ (4) ]، وعمر بن غزوان، ~~وأقبل أبو مسلم حتى نزل الخندقين فهابه الفريقان جميعا. فقال: لست أعرض ~~لواحد منكم، إنما ندعو إلى آل محمد، فمن تبعنا فهو منا، ومن عصانا فالله ~~حسيبه. فلما جعل أصحابه يكثرون عنده. وهو يطمع الفريقين جميعا في نفسه. # كتب نصر بن سيار: إلى مروان بن محمد، يذكر استعلاء أمر أبي مسلم، ويعلمه ~~بحاله وخروجه، وكثرة شيعته، وأنه قد خاف أن يستولي على خراسان، وأنه يدعو ~~إلى إبراهيم بن محمد، فأتى ms428 مروان الكتاب، وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب ~~إبراهيم[ (5) ]، فأخذ جواب إبراهيم، وفيه لعن إبراهيم لأبي مسلم، حين [ ~~(1) ]في العقد 4/478 هذه الأبيات كتبها نصر إلى هشام بن عبد الملك، وفي ~~الأغاني 6/128 ذكر أنه أرسلها إلى الوليد بن يزيد وفي بقية المصادر ~~فكالأصل. # [ (2) ]أي رفع شعار السواد، شعار العباسيين. # [ (3) ]في ابن الأثير: أسد. # [ (4) ]في الطبري وابن الأثير: حكيم. # [ (5) ]كان أبو مسلم قد أرسل إلى إبراهيم الإمام كتابا يخبره فيه خبره، ~~وما آل إليه أمره. # وكان مروان بن محمد قد وكل بالطرق أشخاصا يراقبون رسل أبي مسلم، فجيء ~~برسول أبي مسلم إلى مروان وبعد أن قرأ كتابه رشا الرسول على أن يذهب إلى ~~إبراهيم ويأخذ جواب كتاب أبي مسلم ويأتيه به ففعل. (مروج الذهب 3/295 ~~الطبري 7/370 ابن الأثير 3/462 الأخبار الطوال ص 357) . PageV02P158 # ظفر بالرجلين، ألا يدع بخراسان عربيا إلا قتله، فانطلق الرسول بالكتاب ~~إلى مروان، فوضعه في يده. فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية[ (1) ]، وهو على دمشق: # أن أكتب إلى عاملك بالبقاء[ (2) ]، فليأخذ إبراهيم بن محمد فليشده وثاقا، ~~ثم يبعث به إليك، ثم وجه به إلي، فأتى إليه وهو جالس في مسجد القرية، فأخذ ~~إلى دمشق، ودخل على مروان، فأنبه وشتمه، فاشتد لسان إبراهيم عليه، ثم قال: ~~يا أمير المؤمنين، ما أظن ما يروي الناس عنك إلا حقا في بعض بني هاشم. ~~فقال: أدركك الله بأعمالك، اذهب به، فإن الله لا يأخذ عبدا عند أول ذنب، ~~اذهب به إلى السجن. فقال أبو عبيدة: فكنت آتيه في السجن، ومعه عبد الله بن ~~عمر بن عبد العزيز، فو الله إني ذات ليلة في سقيفة السجن، بين النائم ~~واليقظان، إذ مولى لمروان قد استفتح، ومعه عشرون رجلا من موالي مروان، من ~~الأعاجم، ومعه صاحب السجن، ففتح لهم فدخلوا، وأصبحنا فإذا عبد الله بن عمر، ~~وإبراهيم بن محمد ميتان[ (3) ]، فانكسر لذلك مسلم بخراسان، إذا بلغه موت ~~إبراهيم، وانكسرت الشيعة، واستعلى أمر الكرماني، فلما رأى أبو مسلم ذلك قال ~~له: إنا معك، ثم دارت ms429 الأحوال بين نصر والكرماني، حتى غدر نصر بالكرماني ~~فقتله وصلبه[ (4) ]، فخاف نصر على نفسه من أبي مسلم. ### || ذكر ما أمال أصحاب الكرماني إلى أبي مسلم # قال: وذكروا أن أبا مسلم كتب إلى نصر: إنه قد جاءنا من الإمام كتاب فهلم ~~نعرضه عليك، فإن فيه بعض ما تحب. فدخل عليه رجل[ (5) ]فقال: @QUR@010 إن ~~الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين [القصص: 20]. # فقال نصر: ادخل فالبس ثيابي، فدخل بستانا له، وقد تقدم إلى صاحب دوابه، [ ~~(1) ]كذا بالأصل والطبري، وفي الأخبار الطوال ص 357: معاوية بن الوليد بن ~~عبد الملك. # [ (2) ]البلقاء: بلد من أعمال عمان في أطراف الشام. # [ (3) ]زيد في الأخبار الطوال عن أبي عبيدة: فظننت أنهما خنقا. وفي مروج ~~الذهب 3/296 أما العباس (هو العباس بن الوليد بن عبد الملك) وعبد الله فجعل ~~على وجوههما مخاد وقعد فوقهما فاضطربا حتى بردا، وأما إبراهيم فإنهم جعلوا ~~رأسه في جراب كان معهم فيه نورة مسحوقة فاضطرب ساعة ثم خمد. # [ (4) ]انظر في ذلك الطبري 7/370 ابن الأثير 3/459. # [ (5) ]هو لاهز بن قريظ (ابن الأثير 3/469 الطبري 7/381) . PageV02P159 # فأتاه بدواب، فركب وهرب، معه داود بن أبي داود[ (1) ]، وهرب معه بنوه، ~~وتفرق أصحابه، وجاء القوم إلى أبي مسلم فأعلموه أنه قد خرج، ولا يدرون أين ~~توجه، فاستولى أبو مسلم على خراسان، فاستعمل عليها عماله، ثم وجه أبا عون[ ~~(2) ]في ثلاثين ألفا إلى مروان، فلما بلغ مروان الخبر خرج حتى أتى حران، ~~فتخمل بعياله وبناته وأهله، وقد كان يتعصب قبل، فجفا أهل اليمن وأهل الشام ~~وغيرهم، وقتل ثابت بن نعيم، والسمط بن ثابت، وهدم مدائن الشام، وتحول إلى ~~الجزيرة. قال إسماعيل بن عبد الله القسري: دعاني مروان فقال: يا أبا هاشم ~~وما كان يكنيني قبلها، قد ترى ما حل من الأمر وأنت الموثوق به، ولا مخبأ ~~بعد بؤس[ (3) ]، ما الرأي؟فقلت: يا أمير المؤمنين على ما أجمعت؟قال: على ~~أن أرتحل بموالي وعيالي وأموالي، ومن تبعني من الناس حتى أقطع الدرب، ثم ~~أميل إلى مدينة من مدائن الروم، فأنزلها، ms430 وأكاتب صاحب الروم، وأستوثق منه[ ~~(4) ]، فما يزال يأتيني الخائف والهارب حتى يلتف أمري. قال إسماعيل: وذلك ~~والله الرأي. فلما رأيت ما أجمع عليه، ورأيت سوء آثاره في قومي[من ~~قحطان]، وبلائه القبيح عندهم، قلت له: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من ~~هذا الرأي، أن تحكم فيك أهل الشرك، وفي بناتك وحرمك، وهم الروم لا وفاء ~~لهم، ولا تدري ما تأتي به الأيام، فإن أنت حدث عليك حادث بالروم، ولا يحدث ~~إلا خير، ضاع أهلك من بعدك، ولكن اقطع الفرات، ثم استدع[ (5) ]الشام جندا ~~جندا، فإنك في كنف وجماعة وعزة، ولك في كل جند صارم[ (6) ]يسيرون معك، حتى ~~تأتي مصر، فإنها أكثر أرض الله مالا[وخيلا]ورجالا، ثم الشام أمامك، ~~وإفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن كانت الأخرى مضيت ~~إلى إفريقية. # قال: صدقت، ثم استخار الله وقطع الفرات، فمر بكور من كور الشام، [ (1) ~~]في ابن الأثير ومعه: ابنه تميم والحكم بن تميلة النميري وامرأته ~~المرزبانة. # [ (2) ]هو عبد الملك بن يزيد الخراساني، أبو عون. # [ (3) ]في مروج الذهب 3/301: ولا مخبأ لعطر بعد عروس. # [ (4) ]زيد في مروج الذهب: فقد فعل ذلك جماعة من الأعاجم، وليس هذا عارا ~~بالملوك. # [ (5) ]مروج الذهب: استنفر. # [ (6) ]مروج الذهب: صنائع. PageV02P160 # فوثبوا عليه، فأخذوا مؤخر عسكره فانتهبوه، ثم مر بحمص فصنعوا له مثل ذلك، ~~ثم مر بأهل دمشق فوثبوا عليه، ووثب به الوليد بن معاوية[ (1) ]، وكان عامل ~~مروان على دمشق، ثم مضى إلى الأردن، فوثب بن هاشم بن عمر[ (2) ]، ثم مر ~~بفلسطين فوثب به الحكم[ (3) ]، ثم مضى إلى مصر فاتبعه الحجاج بن زمل ~~السكسكي. فقيل له: أتتبعه وقد عرفت بغضه لقومك؟فقال: ويحكم إنه أكرمني لمثل ~~هذا اليوم لآخذ له، وتبعه أيضا أبو سلمة الخلال وثعلبة بن سلامة، وكان ~~عامله على الأردن، وتبعه أيضا الرحس فقال: إني لأسير مع مروان حيث جزنا ~~فلسطين. # فقال: يا رماحس انفرجت عني قيس انفراج الرأس ما تبعني منهم أحد[ (4) ]، ~~وذلك أنا وضعنا الأمر في غير موضعه، وأخرجناه من قوم أيدنا بهم، وخصصنا به ~~قوما، ms431 والله ما رأينا لهم وفاء ولا شكرا. ### || تولية أبي مسلم قحطبة بن شبيب قتال مروان # قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم عن رجال أدركوا الدولة وصحبوا ~~أهلها. قالوا: لما استولى أبو مسلم على خراسان، وولى قحطبة الطائي قتال ~~مروان بن محمد، وبعث معه ثلاثين ألفا من رجال اليمن وأهل الشيعة، وفرسان ~~خراسان، وخرج مروان وهو يريد أبا مسلم بخراسان، ومعه مائة ألف فارس سوى ~~أصحاب الحمولة، فهرب من بين يديه أبو العباس، وأبو جعفر، وعيسى بن علي بن ~~عبد الله بن عباس، فلحقوا بالكوفة، فبعث أبو العباس إلى أبي سلمة الخلال، ~~واسمه حفص بن سليمان، وكان واليا لإبراهيم بن محمد على الشيعة بالكوفة ~~فأمره إن بلغه أمر فيه قوة لأبي مسلم بخراسان أن يظهر أمره بالكوفة، ويدعو ~~إليه، ويناهض صاحب الكوفة، ففعل ذلك أبو سلمة، فلما غلظ أمر أبي مسلم ~~بخراسان، واستولى عليها، وبعث الجيوش إلى مروان أظهر أمره بالكوفة، وطرد ~~عامل الكوفة، فخرج هاربا. # [ (1) ]في مروج الذهب: فوثب به الحارث بن عبد الرحمن الجرشي. # [ (2) ]في مروج الذهب: هاشم بن عمرو القيسي والمذحجيون جميعا. # [ (3) ]الحكم بن صنعان بن روح بن زنباع (مروج الذهب) . # [ (4) ]قال المسعودي: معه من قيس رجلان ابن حمزة السلمي وكان أخاه من ~~الرضاعة، والكوثر بن الأسود الغنوي. PageV02P161 ### || ذكر البيعة لأبي العباس بالكوفة # قال: وذكروا أن أبا مسلم لما بلغه أن أبا سلمة قد أظهر أمره بالكوفة، ~~ودعا إلى محمد، وجه رجلا من قواده إلى الكوفة في ألفي فارس، وأمره أن يسرع ~~السير حتى يأتيها، فأقبل ذلك القائد حتى دخل الكوفة، فلقي غلاما أسود لأبي ~~العباس، فقال له: أين مولاك؟قال: هو في دار هاهنا. قال: دلني عليه، فدله ~~على الدار، فاستفتح الباب، ثم دخل عليه، فسلم عليه بالخلافة، وكان أبو سلمة ~~يريد صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبي طالب، وكان ينهى أبا العباس عن ~~الخروج، ويقول له: إن الأمر لم يتم، وإن موالي بني أمية قائمون بالحرب، ~~والأمر أشد مما كان. فقال أبو العباس: إن أبا ms432 سلمة منعني عن الخروج حتى ~~يولي العمال، ويعمل الخراج. فقال القائد: لعن الله أبا سلمة، والله لا أجلس ~~حتى تخرج إلى الناس، فخرج له مع رجاله إلى المسجد، ونودي الصلاة جامعة، ~~فصعد أبو العباس المنبر، فحمد الله وأثنى عليه وصلى على نبيه، ثم ذكر بني ~~أمية وسوء آثارهم، وذكر العدل فحض عليه، ووعد الناس خيرا، ورجا لهم الإصلاح ~~وقسمة الفيء على وجهه، ثم دخل الإمارة، وجلس الناس، فلما بلغ أبا سلمة ~~خروجه أتاه يعتذر إليه، فقبل ذلك منه، وأراه المكانة منه، والخاصة به، وقد ~~كان علم أبو العباس الذي أراد أبو سلمة من صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبي طالب. ### || حرب مروان بن محمد وقتله # قال: وذكروا أن قحطبة بن شبيب، لما انتهى إلى بعض كور الشام، التقى ~~بمروان فقاتله، فانهزم مروان، فأقحم قحطبة في طلب مروان[ (1) ]فرسه في ~~الفرات، فحمله الماء، فمات فيه[ (2) ]، وقد أصاب أهل عسكر قحطبة من أموال ~~[ (1) ]كذا بالأصل وفي الطبري وابن الأثير أن قحطبة أمر بالتوجه إلى العراق ~~وفيه ابن هبيرة من قبل مروان. وان القتال دار بينهما، وقد قطع قحطبة الفرات ~~حتى صار إلى غربيه، ومروان يمد ابن هبيرة حيث التقيا على الفرات-في أرض ~~الفلوجة العليا-على رأس 23 فرسخا من الكوفة. # [ (2) ]وجد في جدول هو وسلم (سالم) بن أحوز قتيلين. وقيل في موته أن رجلا ~~ممن كان معه قتله آخذ بثأر بني نصر بن سيار (البداية والنهاية 10/38) . وفي ~~الأخبار الطوال ص 369 فقد قحطبة ولم يدر أين ذهب. وانظر تاريخ اليعقوبي 2/344. PageV02P162 # مروان، وأمتعة عسكره ما لا يحصى كثرة، فتناول اللواء حميد بن قحطبة[ (1) ~~]، وعبر الفرات حتى أتى الشام، فقيل له: إن مروان ترك الطريق إلى دمشق وذهب ~~صالح بن علي بن عبد الله بن عباس[ (2) ]، وكان بناحية من الشام، وقد اجتمع ~~إليه الناس لما علموا من قرابته لأمير المؤمنين، فلما اجتمع مع حميد بن ~~قحطبة سلم إليه الأمر، وقال الناس: إنه خرج بإظهار الدعوة لأبي العباس من ~~غير أمره، فلما سلم ms433 الأمر إلى صالح بن علي، أتاه كتاب أبي مسلم، أن يرجع ~~ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق، فيكون فيها حتى يأتيه أمره، فأتى صالح ~~بن علي كتابه بأنه قد صير إليه الشام، وما وراءها إلى المغرب، ويأمره فيه ~~ببعثه الجيوش في طلب مروان، فولى صالح بن علي رجلا من الأزد، يقال له أبو ~~عون على مصر، وأمره بطلب مروان في أرض المغرب، وبعثه في عشرين ألفا، وكان ~~سليمان بن هشام بن عبد الملك قد نافر مروان بن محمد[ (3) ]، وقاتله مرارا ~~قبل أن يشتد أمر أبي مسلم، فسار إليه في أربعة آلاف، وذلك بعد خروج قحطبة ~~من عند أبي مسلم، فنزل به سليمان، وكانت بينه وبين أبي العباس مودة قديمة، ~~فبايع أبا مسلم على طاعة أبي العباس، فسر به أبو مسلم وشيعته، ثم سيره في ~~طلب قحطبة ممدا له، وقد قاتل مروان قحطبة قبل قدوم سليمان بيومين، فلما نظر ~~مروان إلى دخول سليمان بن هشام في عسكر قحطبة، وكثرة من جاء معه انهزم، ~~فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في طلبه، ولم يكن مروان انهزم عنه غلبة، ~~ولكنه كان نظر في كتب الحدثان، فوجد فيها أن طاعة المسودة لا تجاوز الزاب[ ~~(4) ]، فقال ذلك لوزرائه. فقيل له: إن بمصر زابا آخر. قال: فإليها نذهب [ ~~(1) ]في الطبري وابن الأثير: بويع حميد بن قحطبة لأخيه الحسن. وكان قحطبة ~~قد أرسله في سرية فأرسلوا فأحضروه وسلموا إليه الأمر. # [ (2) ]كذا، وفي الطبري وابن الأثير ومروج الذهب: صالح بن علي، وسيرد بعد صحيحا. # [ (3) ]كان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد خلع مروان سنة 127 وعسكر مع ~~أصحابه بقنسرين واجتمع إليه هناك سبعون ألفا من أهل الشام والذكوانية ~~وغيرهم، والتقى مع مروان في خساف من أرض قنسرين فانهزم سليمان وهرب إلى ~~العراق (ابن الأثير 3/438) . ثم التحق بالضحاك، ثم بشيبان الحروري، وبعد ~~هزيمة شيبان هرب سليمان إلى السند. ولم يرد في أي من المصادر اشتراكه في ~~هذه المعركة. والخبر هنا فيه اضطراب كبير مع ما ذكر في ms434 الطبري وابن الأثير ~~اللذين يذكران أن مطاردة مروان كانت من قبل عبد الله بن علي على الزاب وأن ~~صالح بن علي تولى مطاردة مروان بعد اجتيازه نهر أبي فطرس بفلسطين إلى مقتله ~~قرب ذات الساحل (ذات السلاسل) . # [ (4) ]الزاب: نهر بالموصل، والزاب أيضا عدة مواضع (معجم البلدان) . PageV02P163 # إذا، والزاب الذي أراد علمه هو بأرض المغرب، فأقبل مروان وهو يريد مصر، ~~فالتقت الخيل، فانهزمت خيل أبي عون، وأسر جماعتهم وصاحب أمرهم[ (1) ]، ~~فأتى مروان بالأسارى، فقال مروان لجماعته: شدوا أيديكم بالأسرى، فقد أجننا ~~الليل، وبات مسرورا. فلما أصبح جعل يهنئ أصحابه للقاء القوم، فأقبل سليمان ~~بن هشام، وأبو عون وكان مروان قد أرخى حبال الجسر، وتوسط أصحابه فيما هنالك ~~وهم آمنون فقال أبو عون للقبط: هل لهذا النهر من مخاضة، فقالوا له: ما ~~علمنا ذلك، ولا بلغنا أن أحدا خاضه قط، فقطع عما قصد وأراد. فكتب إلى صالح ~~بن علي بذلك، ويسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا، فبينما هو في ~~ذلك، إذ أتاه رجل من القبط فقال له: إن أبي كان يقرأ الكتاب، وكان يحدثنا ~~بأمور تكون بعده، ويصف لنا موضعا يجعله الله لكم تخوض فيه الخيل عند تلك ~~الأمور، وقد اختبرت ذلك الليلة، فسر بذلك أبو عون، ثم بعث معه الخيل إلى ~~ذلك الموضع، بعد أن وصله ووعده خيرا وكان مروان نظر إلى الرايات السود ~~بناحية مصر، ونظر إلى الخيل تعدو النهر، ولا يشك أنهم لا يجدون سبيلا إلى ~~عبوره، فلم ينشب أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل أبي عون قد جاوزت النيل، ~~فعبأ مروان أصحابه وأهل بيته، ثم خطبهم وحضهم على الصبر. وقال لهم: إن ~~الجزع لا يزيد في الأجل، وإن الصبر لا ينقص الأجل وأقبل القوم فاقتتلوا من ~~وقت صلاة الصبح إلى أن مالت الشمس، فأصيب عبد الله ومحمد ابنا مروان وبنو ~~أبيه أكثرهم، وولد عبد العزيز، وصابر القوم، فلما لم يبق حوله إلا قدر ~~الثلاثين، حمل على القوم فأكردهم[ (2) ] ورجع، فجعل أصحابه يفترقون عنه. ~~فلما رأى ms435 ذلك نزل عن فرسه وأنشأ يقول متمثلا[ (3) ]: # ذل الحياة وهول[ (4) ]الممات # وكلا أراه وخيما وبيلا # فإن كان لا بد من ميتة[ (5) ] # فسيري إلى الموت سيرا جميلا # [ (1) ]واسمه المخارق. # [ (2) ]أكردهم: طردهم وجعلوا يجرون أمامه. # [ (3) ]في ابن الأثير 3/496 القائل هو مسلمة بن عبد الملك. # [ (4) ]في ابن الأثير: وكره. # [ (5) ]في ابن الأثير: فإن لم يكن غير إحداهما. PageV02P164 # فوثب رجل إلى فرسه فأخذه. فقال له مروان: أكرمه فإنه أشقر مروان. ثم كسر ~~غمد سيفه، وقاتل قتالا شديدا، ثم أصيب[ (1) ]، فنزل أبو عون، فأمر بضرب ~~قبابه، وأمر سليمان بن هشام بطلب المنهزمين، حتى أصيب عامتهم واستأسر منهم ~~من استأسر، وكان فيمن أسر منهم عبد الحميد كاتبه، وحكم المكي مؤذنه، ~~فاستبقاهما أبو عون، وبعث بهما إلى صالح بن علي، ثم أمر أبو عون بطلب جثة ~~مروان على شاطئ النيل. فلما كان من الغد، ركب أبو عون وسليمان بن هشام ~~لينظروا مروان، فنظرا إليه، ثم تحول أبو عون إلى سليمان. فقال: الحمد لله ~~الذي شفى صدرك قبل الموت من مروان، فهل لك يا أبا أيوب أن تذهب إلى أمير ~~المؤمنين بكتابي وبما هيأ الله على يديك وشفا به صدرك، فيفعل بك خيرا، ~~ويعرف من قرابتك ونصحك ما أنت أهله؟فرضي بذلك سليمان، فكتب وسار. # فلما قدم سليمان بن هشام على أبي العباس أمير المؤمنين، رحب به وقربه ~~واستلطفه، وأنزله بعض دور الكوفة، وفعل به ما لم يفعل بأحد سواه، من البر ~~والإكرام، وكان سليمان يختلف إلى مائدة أبي العباس في كل يوم، فيتغدى معه، ~~ويتعشى، وكان كأحد وزرائه وفوقهم، وكان يجلس أبا جعفر عن يمينه، وسليمان عن يساره. ### || قتل أبي سلمة الخلال # قال: وذكروا أن أبا العباس لما تمت له الأمور واستوثقت، استشار وزراءه في ~~قتل أبي سلمة، فأدار القوم الرأي فيه، وكان أبو سلمة يظهر الإدلال والقدرة ~~على أمير المؤمنين، وكان يقيم عنده في كل ليلة إلى حين من الليل، فإذا أراد ~~الخروج والرجوع إلى منزله، قربت إليه دابته إلى المجلس، فيركب منه دون ~~غيره، ثم ms436 يخرج إلى داره. فقالوا له: إنك إن قتلته ارتاب أبو مسلم، ولم تأمن ~~أن يحدث لذلك حدثا، ولكن الرأي أن تكتب إليه بالذي رابك منه، والذي يريده ~~من فسخ ما أنت فيه، فكتب إلى أبي مسلم بذلك[ (2) ]، وكان أبو العباس وأبو ~~[ (1) ]الذي قتله محمد بن شهاب المازني، وفي الطبري اسمه المغود، وفي ~~الأخبار الطوال ومروج الذهب: عامر بن إسماعيل. وكان قتله لليلتين بقيتا من ~~ذي الحجة سنة 32. # [ (2) ]في مروج الذهب 3/328 أن أبا مسلم هو الذي كتب إلى السفاح يشير ~~عليه بقتله. ثم كتب إلى المنصور وداود بن علي يسألهما أن يشيرا على السفاح ~~بقتله لأنه نكث وبدل وغير. (وانظر PageV02P165 # جعفر لا يسميان عبد الرحمن (يعني أبا مسلم إلا عما) . فلما قدم الكتاب ~~إلى أبي مسلم، كتب إلى أبي العباس: إن كان رابك منه ريب فاضرب عنقه. فلما ~~أتاه الكتاب قال له وزراؤه: إنك لا تأمن من أن يكون ذلك غدرا من أبي مسلم، ~~وأن يكون إنما يريد أن يجد السبيل إلى ما تتخوف منه، ولكن اكتب إليه أن ~~يبعث إليك برجل من قواده يضرب عنقه. فكتب إليه بذلك، وذكر في كتابه: إني لا ~~أقدم ولا أؤخر إلا برأيك. فبعث إليه برجل يقال له مرار الضبي[ (1) ]. فلما ~~قدم على أبي العباس أمر ذلك الضبي أن يقعد له في الظلمة، في داخل الإمارة ~~بالكوفة، فإذا خرج ضربه بالسيف برأسه، فقتله، ثم أمر بصلبه، فلما أصبح ~~الناس إذا هم بأبي سلمة مصلوبا على دار الإمارة. ### || قتل رجال بني أمية بالشام # قال: وذكروا أن أبا العباس ولى عمه عبد الله بن علي، الذي يقال له ~~السفاح[ (2) ]: الشام، وأمره أن يسكن فلسطين، وأن يجد السير نحوها، وهنأه ~~بما [ () ]اليعقوبي 2/352) . # وأشار في الأخبار الطوال إلى أنه بمجرد بلوغه خبر أن أبا العباس أسند ~~أموره إلى أبي سلمة أرسل مروان الضبي فقتله ص 370. # [ (1) ]في الأخبار الطوال: «مروان» ابن الأثير والطبري: مرار بن أنس ~~الضبي. وفي تاريخ اليعقوبي: # مراد بن أنس الضبي. # [ (2) ]ثمة أقوال فيمن لقب ms437 «بالسفاح» عبد الله بن علي أم أخوه أبو العباس ~~الخليفة الأول. # ناقش الأستاذ نيكلسون في كتابه ( # IetoN # 253. # p) malsIfognihcaerPehT # . لفظ السفاح فقال: # لقد ذهب بعض المؤرخين إلى القول بأن السفاح معناه الرجل الكثير العطايا ~~أو المناح. # ومع كل فإنه مما يهمنا ملاحظته أن هذا الاسم قد أطلق على بعض شيوخ ~~القبائل في الجاهلية. ويقال إن سلمة بن خالد الذي قاد بني تغلب في معركة ~~يوم الكلاب الأول سمي السفاح، لأنه أفرغ مزاد جيشه قبل الوقعة. # وفي اللسان: «رجل سفاح للدماء: سفاك. ورجل سفاح: معطاء، من ذلك، وهو أيضا ~~الفصيح... والسفاح لقب عبد الله بن محمد أول خليفة من بني العباس» . # والذين أيدوا أن الخليفة أبي العباس هو من لقب استندوا إلى أول خطبة له ~~والذي يقول فيها: «أنا السفاح المبيح والثائر المبير» . # أما الذين اعتمدوا لقب السفاح إلى عبد الله بن علي فاستندوا إلى: # -غلظته وانتقامه من بني أمية، ويظهر من سيرته الجور. # -أن المؤرخين المتقدمين أمثال الطبري وخليفة واليعقوبي والدينوري لم ~~يأتوا على تلقيبه بالسفاح، إنما جاء اللقب من المؤرخين المتأخرين. PageV02P166 # أصاب من أموال بني أمية، وكتب إلى صالح بن علي أن يلحق بمصر واليا عليها[ ~~(1) ]. فقدم السفاح فلسطين، وتقدم صالح إلى مصر، فأتاها بعد قتل مروان ~~بيومين، وأن السفاح بعث إلى بني أمية، وأظهر للناس أن أمير المؤمنين وصاه ~~بهم، وأمره بصلتهم، وإلحاقهم في ديوانه، ورد أموالهم عليهم، فقدم عليه من ~~أكابر بني أمية وخيارهم، ثلاثة وثمانون رجلا، وكان فيهم عبد الواحد بن ~~سليمان بن عبد الملك، وأبان بن معاوية بن هشام، وعبد الرحمن بن معاوية، ~~وغيرهم من صناديد بني أمية. فأما عبد الرحمن بن معاوية، فلقيه رجل كان صنع ~~به برا، وأسداه خيرا، وأولاه جميلا. فقال له: أطعني اليوم في كلمة، ثم ~~اعصني إلى يوم القيامة. فقال له عبد الرحمن: وما أطيعك فيه اليوم؟فقال له ~~الرجل: أدرك موضع سلطانك، وقاعدتك المغرب، النجاء النجاء، فإن هذا غدر من ~~السفاح، ويريد قتل من بقي من بني أمية. فقال له ms438 عبد الرحمن: ويحك إنه كتاب ~~أبي العباس، قدم عليه، يأمره فيه بصلتنا، ورد أموالنا إلينا، وإلحاقنا ~~بالعطاء الكامل، والرزق الوافر. فقال له الرجل: ويحك أتغفل؟والله لا يستقر ~~ملك بني العباس، ولا يستولون على سلطان، ومنكم عين تطرف. فقال له عبد ~~الرحمن: ما أنا بالذي يطيعك في هذا. فقال الرجل: أفتأذن لي أن انظر إلى ما ~~تحت ظهرك مكشوفا؟فقال له: وما تريد بهذا؟فقال له: أنت والله صاحب الأمر ~~بالأندلس، فاكشف لي، فكشف عبد الرحمن عن ظهره، فنظر الرجل فإذا العلامة ~~التي كانت في ظهره قد وجدت في كتب الحدثان[ (2) ]، وكانت العلامة خالا ~~أسود عظيما مرتفعا على الظهر هابطا، فلما نظر إليه الرجل قال له: النجاء ~~النجاء، والهرب الهرب، فإنك والله صاحب الأمر، فاخرج فإنا معك، ومالي لك، ~~ولي عشرون ألف دينار مصرورة، كنت أعددتها لهذا الوقت. فقال له عبد الرحمن: ~~وعمن أخذت هذا العلم؟فقال الرجل: من عمك مسلمة بن [ (-) ]إن سيرته لم تتسم ~~بالجور والظلم، إذا استثنينا بعض الحوادث التي اعتبرها ضرورية-بل وقائية- ~~لتدعيم سلطته وإبعاد الخطر عنه (انظر سيرته في الأغاني 4/92 النزاع ~~والتخاصم ص 55) (انظر تاريخ الإسلام السياسي 2/22 حاشية 1، ومقالة للعبادي: ~~صور وبحوث من التاريخ الإسلامي (عصر الدولة العباسية ص 1-5) . # [ (1) ]في الطبري وابن الأثير: عبد الملك بن يزيد، أبو عون. وأقره على ~~مصر سنة 133. وعلى أجناد الشام عبد الله بن علي وصالح بن علي. # [ (2) ]كتب الحدثان: أي كتب التنجيم والإخبار بالمستقبل. PageV02P167 # عبد الملك. فقال له عبد الرحمن: ذكرت والله عالما بهذا الأمر، أما لئن ~~قلت ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا غلام، يوم توفي أبي معاوية، وهشام يومئذ ~~خليفة، فكشفت عن ظهري، فنظر إلى ما نظرت إليه. فقال لهشام جدي وهو يبكي: # هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب. فقال له هشام: وما الذي ~~أبكاك يا أبا سعيد؟ألهذا تبكي؟فقال: أبكي والله على نساء بني أمية ~~وصبيانهم، كأني بهم والله قد أبدلوا بعد أساورة الذهب والفضة الأغلال ~~والحديد، وبعد الطيب والدهن البقل والعقار، وبعد العز الذل والصغار. فقال ms439 ~~هشام: أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد؟فقال مسلمة: إي والله حان، وإن ~~هذا الغلام يعمر منهم، ثم يصير إلى المغرب فيملكها. فقال له الرجل: فاقبض ~~مني هذا المال، واخرج بمن تثق به من غلمانك. فقال عبد الرحمن: والله إن هذا ~~الوقت ما يوثق فيه بأحد، فولى ذاهبا، وخرج لا يدري متى خرج، فلحق بالمغرب، ~~وأقبل القوم من بني أمية، وقد أعد لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال، ~~ومعهم السيوف والأجرزة[ (1) ]، فأخرجهم عليهم، فقتلهم وأخذ أموالهم[ (2) ~~]، واستعفى[ (3) ]عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك، وكان عبد الواحد قد ~~بذ العابدين في زمانه، وسبق المجتهدين في عصره، فركب السفاح إلى أموال عبد ~~الواحد، وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة، تطرد فيها المياه والعيون، ~~فأمره السفاح أن يصيرها إليه، فأبى عليه، واختفى منه، فأخذ رجالا من أهله، ~~فتواعدهم السفاح، وأمر بحسبهم حتى دلوه عليه. فلما قبضه أمر بقتله، ثم ~~استقصى ماله، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين، وكان أبو العباس يعرفه ~~قبل ذلك، وكان عبد الواحد أفضل قرشي كان في زمانه عبادة وفضلا. فقال أبو ~~العباس: رحم الله عبد الواحد، ما كان والله ممن يقتل لغائلة[ (4) ]، ولا ~~ممن يشار إليه بفاحشة، وما قتلته إلا أمواله، ولو لا أن السفاح عمي، وذمامه ~~ورعاية حقه علي واجب، لأقدت منه[ (5) ]، ولكن الله طالبه، وقد كنت أعرف ~~عبد الواحد برا [ (1) ]الأجرزة جمع جرز، وهو عمود حديد. # [ (2) ]وكانوا ثلاثة وسبعين (الطبري) ، بضعة وثمانين (مروج الذهب) اثنين ~~وثمانين (العقد) . نحو تسعين رجلا (ابن الأثير) ، ثمانون (تاريخ اليعقوبي) . # [ (3) ]استعفى: أي تركه ولم يقتله. # [ (4) ]يريد أنه قتل غدرا. # [ (5) ]أي اقتصصت منه، وقتلته قودا بعبد الواحد. PageV02P168 # تقيا، صواما قواما. ثم كتب إلى عمه السفاح ألا يقتل أحدا من بني أمية، ~~حتى يعلم به أمير المؤمنين، فكان هذا أول ما نقم أبو العباس على عمه ~~السفاح. ### || ذكر قتل سليمان بن هشام # قال: وذكروا أن عيسى بن عبد البر أخبرهم قال: كان سليمان بن هشام أكرم ~~الناس على أبي العباس ms440 أمير المؤمنين[ (1) ]، لحسن بلائه مع قحطبة، وقيامه ~~معه على مروان ابن عمه، وكان هو الذي تولى كبره، وقتل على يديه، فكان لذلك ~~أخص الناس بأبي العباس، فبينما هما يوما وقد تضاحكا وتداعبا، إذ أتى رجل من ~~موالي أبي العباسيقال له سديف[ (2) ]، فناول أبا العباس كتابا فيه[ (3) ]: # أصبح الملك ثابت الأساس # بالبهاليل[ (4) ]من بني العباس # طلبوا وتر هاشم فشفوها # بعد ميل من الزمان وياس # لا تقيلن عبد شمس عثارا # واقطعن كل نخلة وغراس # ذلها أظهر التودد منها # وبها منكم كحز المواسي # ولقد غاظني وغاظ سوائي[ (5) ] # قربهم من منابر وكراسي # واذكرن مقتل الحسين وزيدا # وقتيلا بجانب المهراس # [ (6) ] [ (1) ]مر أن سليمان بن هشام قد فر بعد هزيمته أمام مروان بن ~~محمد أيام شيبان-ولم تأت على ذكره المصادر-إلى أن جاء واستأمن مع ابنين له ~~أبا العباس فأكرمه أبو العباس وأبره (تاريخ اليعقوبي 2/358) . # [ (2) ]يفهم من رواية العقد 4/486 أن شبل بن عبد الله مولى بني هاشم هو ~~الذي دخل على أبي العباس، (ابن الأثير: دخل على عبد الله بن علي) وكان عنده ~~جماعة من بني أمية فيهم الغمر بن يزيد بن عبد الملك. (انظر الكامل للمبرد ~~3/1367) . # [ (3) ]الأبيات في الأغاني 4/93 بولاق، والكامل للمبرد 3/1367 والعقد ~~الفريد 4/486 وابن الأثير 3/502 وتاريخ اليعقوبي 2/359 وعيون الأخبار 1/102 ~~وأنساب الأشراف 3/161 طبقات الشعراء لابن المعتز ص 38-39. باختلاف بعض ~~الكلمات والشطور، قارن الأصل مع هذه المصادر. # [ (4) ]البهاليل جمع بهلول، قال المبرد: والبهلول: الضحاك. # [ (5) ]السواء: قال المبرد: الوسط. والسواء: العدل والاستواء، والسواء: ~~التمام. # [ (6) ]يعني بزيد، زيد بن علي بن الحسين بن علي (رضي الله عنه) وكان قد ~~خرج على هشام بن عبد الملك فقتله وصلبه. # وقتيلا بجانب المهراس: يريد حمزة بن عبد المطلب (رضي الله عنه) والمهراس: ~~ماء بأحد. # وإنما نسب الشاعر قتل حمزة إلى بني أمية، لأن أبا سفيان كان قائد الناس ~~يوم أحد (قاله المبرد في الكامل) . PageV02P169 # فقرأها أبو العباس، ثم قال له: نعم، ونعما عين وكرامة، سننظر في حاجتك، ~~ثم ناول الكتاب أبا ms441 جعفر، ثم سلم سليمان بن هشام، ثم قام وخرج، فتطلع رجل ~~من موالي بني أمية. كانت له خاصة وخدمة في بني العباس، فعرف بعض ما في ~~الكتاب، فلما خرج من عند أمير المؤمنين مر بسليمان بن هشام في غرفة له ~~بالكوفة فسلم، ثم قال لسليمان: من عندك يا أبا أيوب، فقال له: ما عندي غير ~~ولدي. فقال له: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين. ~~فخرج سليمان من ليلته هاربا، فلحق ببعض نواحي الجزيرة وكتب إلى مواليه ~~وصنائعه، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فبعث إليه أبو العباس بعثا يقاتله، ~~فانهزم ذلك البعث، ثم بعث إليه بعثا آخر، فهزمه أيضا. قال: فتنقل سليمان عن ~~ذلك الموضع إلى غيره، ثم بعث إليه بعثا آخر، فأسر سليمان وولده، فأتى بهما ~~أسيرين إلى أبي العباس، فأمر، فقطعت لهما خشبتان، رقمتا إليهما، فأمر بضرب ~~رقابهما، وصلبهما، فقال سليمان لولده: لمقدم يا بني على مصيبتي بك، فتقهقر ~~الغلام، ثم تقدم فقتل، ثم قتل سليمان، وصلبا على باب دار الإمارة بالكوفة[ (1) ]. ### || خروج السفاح على أبي العباس وخلعه[ (2) ] # قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم قال: لما ولي السفاح الشام، واستصفى ~~أموال بني أمية لنفسه، أعجبته نفسه، وحسد ابن أخيه على الخلافة فأظهر الطعن ~~على أبي العباس، والتنقص له. فلما بلغ ذلك أبا العباس، كتب إليه يعاتبه على ~~ما كان منه، فزاده ذلك عجبا وحسدا بما فيه، فحبس الخراج، ودعا إلى نفسه، ~~وخلع طاعته، ثم قرب موالي بني أمية وأطمعهم، وسد ثغورهم[ (3) ]، وأبدى ~~العزم، وأظهره على محاربة أبي العباس، فلما انتهت أخباره [ (1) ]في تاريخ ~~اليعقوبي 2/359-360 أخرجهم أبو الجهم، بعد الانتهاء من الأبيات، فضرب ~~أعناقهم وأتي برءوسهم. (سليمان وابنين له) وانظر الفتوح لابن الأعثم 8/196 و201. # [ (2) ]كذا بالأصل. وثمة اتفاق أن عبد الله بن علي خرج على ابن أخيه أبي ~~جعفر المنصور سنة 136 وذلك فور تبلغه موت أبي العباس السفاح، زاعما أن ~~السفاح جعل الخلافة من بعده لمن انتدب لقتل مروان بن محمد. (انظر ms442 خليفة ص 415) . # الطبري ج 7/474 مروج الذهب 3/354 تاريخ اليعقوبي 2/364 ابن الأثير 3/523 ~~الأخبار الطوال ص 378. وقد ورد في الخبر اسم أبي العباس بدل أبي جعفر، وهو ~~خطأ على ما قرر. # [ (3) ]سد ثغورهم: دافع عنهم ولم يترك أبوابا مفتوحة لإخراجهم. PageV02P170 # إلى أبي العباس، كتب إلى أبي مسلم يستغيثه، ويذكر عظيم يده عنده، ويسأله ~~القدوم عليه لأمر السفاح، فقدم أبو مسلم، فأقام عنده أياما، ثم خرج إلى ~~السفاح ومعه أجناده وقواده، فلقي السفاح على الفرات فهزمه[ (1) ]، واستباح ~~عسكره، وأخذ أسيرا[ (2) ]، فقدم به على أبي العباس. فلما قدم إليه، وأدخل ~~عليه قال: يا عمي أحسنا وواسينا فحسدت وبغيت، وقد رأيت تعطفا عليك، وصلة ~~لرحمك، أن أحبسك حبسا رفيقا، حتى تؤدب نفسك، ويبدو ندمك، ثم أمر فبنى له ~~بيت. جعل أساسه قطع الملح، فحبسه فيه. فلما كان بعد أيام أرسل الماء حول ~~البيت، فذاب الملح، وسقط البيت عليه، فمات فيه[ (3) ]، ورد أبا مسلم إلى ~~عمله بخراسان، فأقام فيها بقية عامه، ثم أخرج أبو العباس أبا جعفر واليا ~~على الموسم، وخرج أبو مسلم أيضا حاجا من خراسان. ### || اختلاف أبي مسلم على أبي العباس # قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر في ثلاثين رجلا إلى أبي مسلم، ~~وكان فيهم الحجاج بن أرطاة الفقيه، والحسن بن الفضل الهاشمي[ (4) ]، وعبد ~~الله بن الحسين[ (5) ]، فلما توجه أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان، وقدم ~~عليه، استخف به بعض الاستخفاف، ولم يزد الإجلال له، وجعل يعظم في كلامه ~~وفعله الخليفة، ولم يزل أبو مسلم يتخوف أن يصنع به مثل ما صنع بأبي سلمة ~~الخلال، وكان لا يظهر ذلك لأحد. فلما قدم أبو جعفر عليه، ومعه الثلاثون ~~رجلا، وفيهم عبد الله[ (6) ]بن الحسين، قام إليه سليمان بن كثير، فقال: يا ~~هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعوا إلى ما تريدون. فظن أنه [ ~~(1) ]في مروج الذهب: ببلاد نصيبين في الموضع المعروف بدير الأعور. # [ (2) ]في مروج الذهب: انسحب عبد الله بن علي في نفر من خواصه إلى البصرة ms443 ~~وعليها أخوه سليمان بن علي عم المنصور. وفي الأخبار الطوال: عفا عنه أبو ~~مسلم ولم يؤاخذه بما كان منه. # وقد بقي عبد الله عند سليمان بن علي مدة ثم أتي به إلى المنصور فحبسه ~~عنده إلى سنة 147 (كما في الطبري وابن الأثير) وقيل إلى سنة 149 كما في ~~مروج الذهب حيث قتله. # [ (3) ]في مروج الذهب 3/373 خنقه حتى مات ثم مده على الفراش. ثم أمر ~~بالبيت فهدم عليهما (مع جارية خنقها معه) . # [ (4) ]في الطبري 7/450 إسحاق بن الفضل الهاشمي. # [ (5) ]في الطبري: عبيد الله بن الحسين الأعرج، في ابن الأثير: عبيد الله ~~بن الحسن الأعرج. # [ (6) ]انظر الحاشية السابقة. PageV02P171 # دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك، فبلغ أبا مسلم أن سليمان بن كثير سامر عبد ~~الله بن الحسين بن علي. فقال لسليمان: بلغني أنك سامرت هذا الفتى. # قال: أجل، له قرابة وحق علينا وحرمة، فسكت. فأتى عبد الله بن الحسين أبا ~~مسلم فذكر له ذلك، وظن أنه إن لم يفعل اغتاله أبو مسلم. فبعث أبو مسلم إلى ~~سليمان بن كثير، فقال له: أتحفظ قول الإمام: من اتهمته فأقتله؟قال: نعم. ~~قال الإمام: قد اتهمتك فقال: ناشدتك الله، قال: لا تناشدني وأنت منطو على ~~غش فأمر فضربت عنقه، وكتب أبو مسلم إلى محمد بن الأشعث، أن يأخذ عمال أبي ~~سلمة، فيضرب أعناقهم. # واستعمل أبو العباس عيسى بن علي على فارس، فأخذه محمد[بن الأشعث]فهم ~~بقتله. فقيل لمحمد: إن هذا لا يسوغ لك. قال: أمرني أبو مسلم أن لا يقدم علي ~~أحد[ (1) ]إلا ضربت عنقه. فقال: ما كان أبو مسلم ليفعل شيئا إلا بأمر ~~الإمام[ (2) ]. فلما قدم أبو جعفر من عند أبي مسلم قال لأبي العباس: لست ~~بخليفة، ولا أمرك بشيء، إن لم تقتل أبا مسلم. فقال أبو العباس: وكيف ذلك؟ ~~قال: لا والله ما يعبأ بنا، ولا يصنع إلا ما يريد. فقال له أبو العباس: ~~اسكت واكتمها. ### || قتال ابن هبيرة وأخذه # قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر إلى مدينة واسط، فقدم على الحسين ms444 ~~بن قحطبة وهو على الناس، وكتب أبو العباس إلى الحسين[ (3) ]بن قحطبة: إن ~~العسكر عسكرك، والقواد قوادك، فإن أحببت أن يكون أخي حاضرا، فأحسن موازرته ~~ومكانفته. وكتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ذلك، وذكروا أن ابن هبيرة ~~كان قد نصب الجسور بين المدينتين، فقالت اليمانية الذين مع ابن هبيرة: لا ~~والله لا نقاتل على دعوة بني أمية أبدا، لسوء رأيهم فينا، وبغضهم لنا، ~~وقالت القيسية: لا والله لا نقاتل حتى يقاتل اليمانية، فلم يكن [ (1) ]زيد ~~في الطبري: يدعي الولاية من غيره. # [ (2) ]زيد في الطبري: ثم ارتدع عن ذلك لما تخوف من عاقبته. # [ (3) ]في الطبري 7/450 وابن الأثير 3/507 وتاريخ اليعقوبي 2/353: الحسن ~~بن قحطبة. PageV02P172 # يقاتل مع ابن هبيرة إلا صعاليك الناس، وأهل العطاء. وكان كثيرا ما يتمثل ويقول: # الثوب إن أنهج فيه البلى # أعيا على ذي الحيلة الصانع # كنا نرقعها إذا مزقت[ (1) ] # فانسع الخرق على الراقع[ (2) ] # وكان من رأي ابن هبيرة أن لا يعطى طاعة لبني العباس، وكان رأيه أن يدعو ~~إلى محمد بن عبد الله بن الحسين[ (3) ]، فاطلع على ذلك أبو العباس، وخاف ~~أن يثور اليمانية مع ابن هبيرة في ذلك. فكاتبهم أبو جعفر، وقال في كتابه لهم: # السلطان سلطانكم، والدولة دولتكم، وكتب إلى زياد بن صالح الحارثي بذلك ~~وكان عامل ابن هبيرة في المدينة، مكان عامله قبل ذلك على الكوفة، فأجاب ~~زياد بن صالح، وذلك لما خاف أن يدخل المدينة فيقتل بها. فلما كان مغيب ~~الشمس قاموا إليه. فلما صلى المغرب، ركب فطاف في مسالحه[ (4) ]وأبوابه، ~~فرجع عتمة، فتعشى، ثم صلى. فأقبل علي بن الهيثم فقال: والله ما أخلف غصة ~~أعظم ولا أهم إلي منك، لأنك مع هؤلاء، ولست أدري ما يكون بعد اليوم، وأرى ~~الأمر قد استتب لهؤلاء القوم في المشرق والمغرب، ولكن إن لقيت أبا العباس ~~أعلمته من أمرك مثل الذي أعلمته من أمري. قال: ما أخاف تقصيرك، ثم قال: لست ~~أثق بولد ولا بغيره، ثقتي بك فيما أريد أن أوطده، تأخذ مفاتيح هذه ms445 المدينة، ~~حتى تصبح فتأتي بها ابن هبيرة. فقلت: انظر ما تصنع في خروجك، أتثق ~~بالقوم؟قال: نعم، قد جرى بيني وبينهم ما أثق به، وأتاني كتاب أبي العباس ~~بكل ما أحب[ (5) ]، وكتاب أبي جعفر. فقلت: يا أبا الربيع، أخاف أن لا يوفى ~~لك. فلما أدهم الليل وانتصف قام فصلى ركعات، ثم أمر غلمانه فحملوا متاعه ~~على أربعة بغال، ثم أخرج أربعة غلمان له، وابنه ثابت على برذون له، ثم خرج ~~وأغلق الباب. فلما انتهى الخبر إلى ابن هبيرة [ (1) ]في الكامل للمبرد ~~2/978: كنا نداريها وقد مزقت. # [ (2) ]قال محقق الكامل (ص 977 ح رقم 5) شعر أورده الآمدي في المؤتلف ~~والمختلف لابن حمام الأزدي الجاهلي... إنما هما لابن حارثة السلمي: (انظر ~~تفاصيل أوردها هناك) . # [ (3) ]في الطبري: محمد بن عبد الله بن حسن بن حسن. # [ (4) ]المسالح جمع مسلحة، يعني أطراف معسكره خوفا من تسلل العدو إليها. # [ (5) ]في الأخبار الطوال ص 371 وأعلم في كتابه أنه راع للخؤولة-وكانت أم ~~أبي العباس حارثية. PageV02P173 # بكى وقال: ما يوثق بأحد بعد زياد بن صالح، بعد إيثاري إياه، وإكرامي ~~وتفضيلي له، وما صنعت به. قلت: هو هنالك، والله خير لك منه هاهنا. قال: # وترى ذلك؟قلت: نعم. قال: ثم مشت الكتب والرسل بينهم أي بين أبي جعفر وابن ~~هبيرة حتى صار أمرهم إلى أن يلقاه، ونهض ابن هبيرة إليهم، وتخلى مما بيده لهم. ### || كتاب الأمان # قال: وذكروا أن رجلا من قيس يقال له أبو بكر بن مصعب العقيلي، سعى في ~~كتاب الصلح والأمان عند أبي جعفر، حتى تم له، فأتى ابن هبيرة، وفيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من عبد الله بن محمد بن علي أبي جعفر، ~~ولي أمر المسلمين، ليزيد بن هبيرة ومن معه من أهل الشام والعراق، وغيرهم في ~~مدينة واسط وأرضها، من المسلمين والمعاهدين، ومن معهم من وزرائهم: # إني أمنتكم بأمان الله الذي لا إله إلا هو، الذي يعلم سرائر العباد ~~وضمائر قلوبهم، ويعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وإليه الأمر كله، ~~أمانا صادقا لا يشوبه ms446 غش، ولا يخالطه باطل، على أنفسكم وذراريكم وأموالكم، ~~وأعطيت يزيد بن عمر بن هبيرة، ومن أمنته في أعلى كتابي هذا بالوفاء، بما ~~جعلت لهم من عهد الله وميثاقه، الذي واثق به الأمم الماضية من خلقه، وأخذ ~~عليهم به أمره عهدا خالصا مؤكدا، وذمة الله، وذمة محمد ومن مضى من خلفائه ~~الصالحين، وأسلافه الطيبين التي لا يسع العباد نقضها، ولا تعطيل شيء منها، ~~ولا الاحتقار بها، وبها قامت السموات والأرض والجبال، فأبين أن يحملنها، ~~وأشفقن منها، تعظيما لها، وبها حقنت الدماء، وذمة روح الله وكلمته عيسى ابن ~~مريم، وذمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط، وذمة جبريل وميكائيل ~~وإسرافيل، وأعطيتك ما جعلت له من هذه العهود والمواثيق، ولمن معك من ~~المسلمين، وأهل الذمة بعد استثماري فيما جعلت لك منه عبد الله بن محمد أمير ~~المؤمنين أعز الله نصره، وأمر بإنفاذه لكم، ورضي به، وجعله لكم وعلى نفسه، ~~وتسليم ذلك من قبله من وزرائه وقواده، وأنصار الحق من شيعته، من أهل ~~خراسان، فأنت وهم آمنون بأمان الله، ليس عليك حد، ولا تؤاخذ بذنب أتيته، ~~وكنت عليه في خلاف أو مناوأة، أو قتل أو زلة، أو جرم أو جناية، PageV02P174 # أو سفك دماء خطأ أو عمدا، أو أمر سلف منك أو منهم، صغيرا أو كبيرا في سر ~~أو علانية، ولا ناقض عليك ما جعلت لك من أماني هذا، ولم أخنك فيه، ولا ناكث ~~عنه، وأذنت لك في المقام في المدينة الشرقية إلى الأجل الذي سألت، ثم أسلك ~~حيث بدا لك من الأرض آمنا مطمئنا، مكلوءا أنت ومن سألته أن يؤذن له في ~~المسير معك. ومن تبعك، وأهل بيتك. والخمس مائة رجل على ما سألت من دوابهم ~~وسلاحهم، ولباس البياض لا يخافون غدرا، ولا إخفارا بك حيث أحببت، من بر أو ~~بحر، وأنزل حيث شئت من الأرض إلى أن تنتهي إلى منزلك من أرض الشام، فأنت ~~آمن بأمان الله، ممن مررت بهم من عمالنا ومسالحنا ومراصدنا، ليس عليك شيء ~~تكرهه في سر ولا علانية، ولك الله ms447 الذي لا إله إلا هو، لا ينالك من أمر ~~تكرهه في ساعة من ساعات الليل والنهار، ولا أدخل لك في أماني الذي ذكرت لك ~~غشا ولا خديعة ولا مكرا. ولا يكون مني في ذلك دسيس بشيء مما تخافه على ~~نفسك؟ولا خديعة في مشرب، ولا مطعم ولا لباس، ولا أضمر لك عليه نفسي إلى ~~ارتحالك من مدينة واسط إلى دخولك على عسكري، والغدو والرواح إذا بدا لك، ~~والدخول أي ساعات من ساعات الليل والنهار أحببت، فاطمئن إلى ما جعلت لك من ~~الأمان، والعهود والمواثيق، وثق بالله وبأمير المؤمنين فيما سلم منه، ورضي ~~به، وجعلته لك ولمن معك على نفسي، ولك علي الوفاء بهذه العهود والمواثيق ~~والذمم، أشد ما أخذه الله وحرمه. وما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه محمد ~~صلى الله عليه وسلم، فإنه جعله كتابا مبينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه، ونورا وحجة على العباد، حتى ألقى الله وأنا عليه، وأنا أشهد ~~الله وملائكته ورسله، ومن قرئ عليه كتابي هذا من المسلمين والمعاهدين بقبول ~~هذه العهود والمواثيق، وإقراري بها على نفسي وتوكيدي فيها، وعلى تسليمي لك ~~ما سألت ولا يغادر منها شيء، ولا ينكث عليك فيها، وأدخلت في أمانك هذا ~~جميع من قبلي من شيعة أمير المؤمنين من أهل خراسان، ومن لأمير المؤمنين ~~عليه طاعة من أهل الشام والحرب وأهل الذمة، وجعلت لك أن لا ترى مني انقباضا ~~ولا مجانبة ولا ازورارا، ولا شيئا تكرهه في دخولك علي إلى مفارقتك إياي، ~~ولا ينال أحدا معك أمر يكرهه، وأذنت لك ولهم في المسير والمقام، وجعلت لهم ~~أمانا صحيحا، وعهدا وثيقا، وإن عبد الله بن محمد إن نقض ما جعل لكم في ~~أمانكم PageV02P175 # هذا، فنكث أو غدر بكم أو خالف إلى أمر تكرهه، أو تابع على خلافه أحدا من ~~المخلوقين في سر أو علانية، أو أضمر لك في نفسه غير ما أظهر لك، أو أدخل ~~عليك شيئا في أمانه، وما ذكر لك من تسليم أمير المؤمنين أو التماس ms448 الخديعة ~~والمكر بك، وإدخال المكروه عليك، أو نوى غير ما جعل لك من الوفاء لك به، ~~فلا قبل الله منه صرفا ولا عدلا، وهو بريء من محمد بن علي وهو يخلع أمير ~~المؤمنين، ويتبرأ من طاعته، وعليه ثلاثون حجة يمشيها من موضعه الذي هو به ~~من مدينة واسط إلى بيت الله الحرام الذي بمكة حافيا راجلا وكل مملوك يملكه ~~من اليوم إلى ثلاثين حجة بشراء أو هبة أحرار لوجه الله، وكل امرأة له طالق ~~ثلاثا، وكل ما يملكه من ذهب أو فضة أو متاع أو دابة أو غير ذلك، فهو صدقة ~~على المساكين، وهو يكفر بالله وبكتابه المنزل على نبيه، والله عليه بما ~~وكد، وجعل على نفسه في هذه الأيمان راع وكفيل، وكفى بالله شهيدا. # قالوا: وكان من رأي أبي جعفر الوفاء لابن هبيرة وأصحابه. ### || قدوم ابن هبيرة على أبي العباس # قال: وذكروا أن ابن هبيرة وأصحابه لما جاءهم الكتاب بالأمان، ترددوا فيه ~~أربعين يوما يتدبرونه، ويستخيرون الله في الخروج إليهم، ثم عزم الله له في ~~القدوم على أبي العباس وأبي جعفر، وكان أبو مسلم كثيرا ما كتب لأبي العباس ~~أنه قل طريق سهل يلقى فيه حجارة إلا أضر ذلك بأهله، ولا والله يصلح طريق ~~فيه ابن هبيرة وأصحابه، وكان أبو الجهم بن عطية عين أبي مسلم على أبي ~~العباس فكان يكتب إليه بالأخبار، وكان أبو العباس لا يقطع أمرا دون رأي أبي ~~مسلم، وقد كان ابن هبيرة في تلك الأربعين ليلة يجمع لذلك الكتاب ممن يعبر ~~الكلام والفقه طرفي النهار، فيترددون فيه، حتى بلغوا فيه الغاية التي ~~يريدون، ثم خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف وثلاث مائة. فلما قدم أراد ~~أن يدخل دار الإمارة على دابته. فقام الآذن[ (1) ]فقال: مرحبا بك أبا ~~خالد، أنزل راشدا، وقد طاف بالدار[ (2) ]يومئذ نحو من عشرة آلاف رجل من أهل ~~خراسان، مستلئمين [ (1) ]هو الحاجب سلام بن سليم (الطبري 7/454) . # [ (2) ]في الطبري: بالحجرة. وفي الأخبار الطوال ص 373: وحول السرادق. PageV02P176 # في السلاح، أعينهم ms449 تزهو من تحت المغافر[ (1) ]، على عواتقهم السيوف ~~مشهورة، وعمد الحديد بأيديهم. فأتى ابن هبيرة بوسادة، فطرحت له، فجلس ~~عليها، ثم دعا الحاجب بالقواد، فدخلوا على أبي جعفر، ثم خرج سلام بن سلام فقال: # ادخل يا أبا خالد. قال: ومن معي؟قال: إنما استأذنت لك، فدخل، فوضعت له ~~وسادة فجلس، فحدثه أبو جعفر طويلا[ (2) ]ثم نهض فركب، فأتبعه أبو جعفر بصره ~~حتى انصرف. ### || قتل ابن هبيرة # قال: وذكروا أن أبا العباس كتب إلى أبي جعفر: أن اقتل ابن هبيرة، فراده ~~أبو جعفر بالكتاب. فكتب إليه أبو العباس: والله لتقتلنه أو لأبعثن إليك من ~~يخرجه من عندك[ (3) ]، ويتولى ذلك عليك. وكان ابن هبيرة إذا ركب إلى أبي ~~جعفر، ركب في ثلاث مائة فارس، وخمس مائة راجل، فقدم يزيد بن حاتم على أبي ~~جعفر، فقال: أصلح الله الأمير، ما ذهب من سلطان ابن هبيرة شيء، يأتينا ~~فيتضعضع[ (4) ]به العسكر. فقال أبو جعفر: يا سلام قل لابن هبيرة لا يركب ~~في مثل تلك الجماعة، وليأتينا في حاشيته. قال عدي: فأصبحنا، فخرج ابن هبيرة ~~أيضا في مثل تلك الجماعة الذين كانوا يركبون معه، فخرج إليه سلام فقال: # يقول لك الأمير ما هذه الجماعة؟لا تسيرن إلا في حاشيتك، فتغير وجه ابن ~~هبيرة. فلما أصبح أتى في نحو من ثلاثين رجلا قال له سلام: كأنك إنما تأتينا ~~مباهيا. فقال ابن هبيرة: إن أحببتم أن نمشي إليكم فعلنا. فقال سلام: ما ~~نريد بذلك استخفافا بك، ولكن أهل العسكر إذا رأوا جماعة من معك غمهم ذلك، ~~فكان هذا من الأمير نظرا لك[ (5) ]، فمكث طويلا جالسا في الرواق. فقيل له: ~~إن الأمير يحتجم، فانصرف راشدا، فلم يزل يركب يوما ويقيم آخر، لا يجيء إلا ~~في رجلين أو غلامه، وقد ختموا على الخزائن وبيوت الأموال، وجعل القواد [ ~~(1) ]المغافر: جمع مغفر بكسر الميم وسكون الغين، زرد من حديد منسوج على ~~هيئة حلقات يلبسه المحارب تحت القلنسوة على رأسه ووجهه. # [ (2) ]في الطبري: ساعة. وفي الأخبار الطوال: فجلس عليها قليلا، ثم نهض. # [ (3) ]في الطبري: من ms450 حجرتك. # [ (4) ]يتضعضع العسكر: أي يضعف، ويفقد ثقته بقدرته. # [ (5) ]زيد في الطبري: فكان بعد ذلك يأتي في ثلاثة. PageV02P177 # يدخلون على أبي جعفر فيقولون: ما تنتظر به؟فيقول: ما أريد إلا الوفاء له ~~حتى إذا اجتمع أمرهم على قتله، بعث إلى الحسين[ (1) ]بن قحطبة فأتاه. ~~فقال: لو سرت إلى هذا الرجل فأرحتنا منه. فقال: لا نريد ذلك[ (2) ]، ولكن ~~ابعث إليه رجلا من قومه من مضر حتى يقتله، فتتفرق كلمتهم عند ذلك، فدعا ~~خازم[ (3) ]بن خزيمة، والهيثم بن شعبة. قال لهم أبو جعفر: ائتوا إلى ابن ~~هبيرة فجددوا على بيوت المال الختم، وعلى الخزائن، وبعث معهما من المضرية ~~والقيسية أن يحضروا الإذن، وأريحونا من الرجل، ففعلوا، ثم دخلوا رحبة القصر ~~في مائة رجل، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد حمل ما بقي في الخزائن. فقال: # ادخلوا، فدخلوا الخزائن فطافوا بها ساعة، وجعلوا يخلفون عند كل باب عدة ~~حتى دخلوا عليه. فقالوا: أرسل معنا من يدلنا على المواضع وبيوت الأموال. # فقال: يا عثمان أرسل معهم من يريدون، فطاف خازم وأصحابه في القصر ساعة، ~~وابن هبيرة عليه قميص له مصري، وملاءة موردة، وهو مسند ظهره إلى حائط ~~المسجد في رحبة القصر، ومعه ابنه داود، وحاجبه، وكاتبه عمر[ (4) ]بن أيوب، ~~وعدة من مواليه وبنيه، وفي حجر ابن هبيرة ولد صغير. فلما توثقوا من كل شيء ~~أقبلوا نحوه، فلما رآهم قد أقبلوا إليه قال: والله إن في وجوه القوم لشرا. ~~فلما دنوا منه قام أبو عثمان فقال: ما وراءكم؟فنضحه[ (5) ]الهيثم بالسيف، ~~فأصاب حبل عاتقه، فصرعه، وقام ابنه داود فقاتل، فتفرقوا عليه فقتلوه ~~ومواليه، ثم مضوا نحو ابن هبيرة فخر ساجدا، وقال: ويحكم!نحوا عني هذا الصبي ~~لا يرى مصرعي. قال: فضرب حتى مات ساجدا، ثم أخذوا رءوسهم فأتوا بها أبا ~~جعفر، ونادى المنادي بواسط: أمن الأمير خلق الله جميعا إلا الحكم بن بشر[ ~~(6) ]، [ (1) ] «الحسن» وقد مر. # [ (2) ]قال اليعقوبي في تاريخه 2/354 أن الحسن بن قحطبة قال للمنصور: إن ~~قتلته كانت العصبية بين قومي وقومه، والعداوة، واضطرب عليك من بعسكرك ms451 من ~~هؤلاء وهؤلاء. # [ (3) ]بالأصل «حازم» وما أثبتناه يوافق الطبري واليعقوبي والأخبار ~~الطوال. وقد صحح في شتى مواضع الخبر. # [ (4) ]في الطبري والأخبار الطوال: «عمرو» . # [ (5) ]في الطبري: «فضربه» . # [ (6) ]في الطبري 7/456 الحكم بن عبد الملك بن بشر، وفي البداية ~~والنهاية: 10/55 عبد الملك بن بشر. وفي تاريخ خليفة ص 402: بشر بن عبد ~~الملك بن بشر بن مروان. PageV02P178 # وعمرو[ (1) ]بن ذر[ (2) ]. قال: فضاقت علي والله الأرض بما رحبت حتى ~~خرجت، على دابتي ما لي هجير إلا آية الكرسي أتلوها، والله ما عرض لي أحد ~~حتى تواريت، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله ابن العباس ~~فأمنه، وهرب الحكم بن عبد الله بن بشر إلى عسكره[ (3) ]، وضاقت بخالد بن ~~سلمة[ (4) ]الأرض حتى أتى أبا جعفر، فاستأذن عليه فأمنه. وبلغ ذلك أبا ~~العباس. فكتب إلى أبي جعفر: والله لو كانت له ألف نفس لأتيت عليها، اضرب ~~عنقه، فهرب أبو علافة الفزاري، وهشام بن هبيرة، وصفوان بن يزيد، فلحقهم سعد ~~بن شعيب فقتلهم، وقبض على أصحاب ابن هبيرة، فقتل من وجوههم نحوا من خمسين، ~~ثم أمن الناس جميعا، ونادى منادي أبي جعفر: من أراد أن يقيم فليقم ~~بالجابية، ومن أحب أن يشخص فليشخص، وهرب القعقاع بن ضرار وحميد وعدة، حتى ~~أتوا زياد بن عبد الله، فاستأمن لهم، فأمنوا جميعا، وقوي ملك بني العباس، ~~واستقرت قواعده. فلما قتل ابن هبيرة، ونودي في أهل الشام: الحقوا شامكم، ~~فلا حاجة لنا بكم، فسار أهل الشام حتى قدموا الكوفة، منهم من قدم، ومنهم من ~~أخذ على عين التمر[ (5) ]، ومنهم من أخذ على طريق المدائن[ (6) ]، ثم ~~لحقوا بالشام على طريق الفرات. واستعمل أبو جعفر على واسط ومن فيها الهيثم ~~بن زياد، وخلف معه خيلا، ثم انصرف أبو جعفر إلى أبي العباس، وهو يومئذ ~~بالحيرة[ (7) ]، ثم وجه داود بن علي إلى الحجاز، فقتل من ظفر به من بني ~~أمية وغيرهم، فتوجه إلى المثنى بن زياد بن عمر بن هبيرة باليمامة[ (8) ]، ~~فقتله وأصحابه، ثم تبعهم محمد بن عمارة، وكان على ms452 الطائف فقتلهم، وتحول أبو ~~العباس من الحيرة إلى الأنبار، فأمر أبو العباس برأس ابن هبيرة فوضع ~~بالحيرة على خشبة، ومعه غيره من عمال مروان، وبها رفع رأس مروان بن محمد، ~~وعن [ (1) ]في الأخبار الطوال ص 375: محمد بن ذر. # [ (2) ]زيد في الطبري والأخبار الطوال: وخالد بن سلمة المخزومي. # [ (3) ]في الأخبار الطوال: كسكر. # [ (4) ]بالأصل: «مسلمة» تحريف. (انظر حاشية رقم 2) . # [ (5) ]عين التمر: موضع قرب الكوفة. # [ (6) ]المدائن: بلد قرب بغداد. # [ (7) ]الحيرة بلد قرب الكوفة. # [ (8) ]في الطبري (حوادث سنة 133) وجه زياد بن عبيد الله (وكان ولي مكة ~~والمدينة والطائف بعد موت داود بن علي) إبراهيم بن حسان السلمي إلى المثنى ~~باليمامة فقتله وقتل أصحابه. PageV02P179 # يمينه رأس ثعلبة بن سلامة، ورأس عثمان بن أبي شعيب عن يساره، وانقطعت ~~شيعة بني أمية، وطلبوا تحت كل حجر ومدر. ### || اختلاف أبي مسلم على أبي العباس # قال: وذكروا أن أبا مسلم كتب[ (1) ]إلى أبي العباس يستأذنه في القدوم ~~عليه فقدم عليه، فتلقاه الناس جميعا، ومعه القواد والجماعة، والخيل ~~والنجائب، ثم استأذن أبا العباس في الحج، فقال: لو لا أن أبا جعفر يحج ~~لاستعملتك على الموسم. واستعمل أبا جعفر على الموسم، فقال أبو جعفر لأبي ~~العباس[ (2) ]: # أطعني واقتل أبا مسلم، فو الله إن في رأسه لغدرة. فقال له: أي أخي، قد ~~عرفت بلاءه. وما كان منه. فقال أبو جعفر: هو أخطأ بذلك، والله لو بعثت ~~سنورا مكانه لبلغ ما بلغ في ميل الدولة. قال أبو العباس: كيف تقتله؟قال: ~~إذا دخل عليك فحادثه، فإذا أقبل عليك دخلت فأتيت من خلفه، فضربته ضربة آتي ~~منها على نفسه. فقال أبو العباس: أي أخي، فكيف تصنع بأصحابه الذي يؤثرونه ~~على أنفسهم ودينهم؟[ (3) ]قال: يؤول ذلك إلى خير، وإلى ما تريد. قال: يا ~~أخي، إني أريد أن تكف عن هذا. فقال أبو جعفر: أخاف إن لم تتغده يتعشاك. ~~فقال أبو العباس: فدونكه يا أخي. # قال: وكان مع أبي مسلم من أهل خراسان عشرة آلاف، قد قدم بهم، يأخذون ~~العطاء عند غرة كل شهر، أوفر ما يكون ms453 من الأرزاق سوى الأعاجم. # فلما دخل أبو مسلم على أبي العباس، دعا أبو العباس خصيا له. فقال: اذهب ~~فاعرف ما يصنع أبو جعفر، فأتاه فوجده محتفيا[ (4) ]بسيفه. فقال أبو جعفر: ~~أجالس أمير المؤمنين، فقال الوصيف: قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الوصيف فذكر ذلك ~~لأبي العباس، فرده أيضا إلى أبي جعفر، وقال: قل له: عزمت عليك أن لا تنفذ [ ~~(1) ]وذلك في سنة 136 ه (الطبري) . # [ (2) ]وكان قول أبي جعفر لأبي العباس لما كان بينهما من جفاء يعود إلى ~~زمن قدوم أبي جعفر عليه بخراسان واستخفافه به، ولم يبالغ في بره وإكرامه ~~ولم يظهر السرور التام بقدومه. (الطبري 7/468-الأخبار الطوال ص 376) . # [ (3) ]في الطبري: يؤثرونه على دينهم ودنياهم، وفي الأخبار الطوال: وقد ~~أشربت قلوبهم حبه، واتباع أمره، وإيثار طاعته. # [ (4) ]في الطبري: محتبيا. PageV02P180 # الأمر الذي عزمت عليه، فكف عن ذلك. فسار إلى مكة حاجا وللموسم. وخرج أبو ~~مسلم، فكان إذا كتب إلى أبي جعفر يبدأ بنفسه، ثم يكتب إليه: لا يهولنك ما ~~في صدر الكتاب، فإني لك بحيث تحب، ولكني أحب أن يعلم أهل خراسان أن لي ~~منزلة عند أمير المؤمنين. ### || كتاب أبي مسلم إلى أبي جعفر وقد هم أن يخلع ويخالف # قال: وذكروا أن أبا مسلم لما رجع من عند أبي العباس، وقد قيل له بالعراق ~~إن القوم أرادوك، لو لا توقعوا ممن معك من أهل خراسان، فلما كان في بعض ~~الطريق كتب إلى أبي جعفر: أما بعد، فإني كنت اتخذت أخاك[ (1) ]إماما ~~ودليلا على ما افترض الله على خلقه، وكان في محله من العلم، وقرابته من ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بحيث كان، فقمعني بالفتنة، واستجهلني ~~بالقرآن، فحرفه عن مواضعه، طمعا في قليل قد نعاه[ (2) ]الله إلى خلقه، ~~فمثل لي الضلالة في صورة الهدى، فكان كالذي دلي بغرور، حتى وترت[ (3) ]أهل ~~الدين والدنيا في دينهم، واستحللت بما كان من ذلك من الله النقمة، وركبت ~~المعصية في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم، حتى عرفكم من كان يجهلكم، وأوطأت غيركم ~~العشواء[ (4) ]بالظلم والعدوان، حتى بلغت ms454 في مشيئة الله ما أحب. ثم إن الله ~~بمنه وكرمه أتاح لي الحسنة، وتداركني بالرحمة، واستنقذني بالتوبة، فإن يغفر ~~فقديما عرف بذلك، وإن يعاقب فيما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد[ (5) ]. # فكتب إليه أبو جعفر: يا عم[ (6) ]، أروم ما رمت، وأزول حيث زلت، ليس لي ~~دونك مرمى، ولا عنك مقصر، الرأي ما رأيت، إن كنت أنكرت من سيرته شيئا، فأنت ~~الموفق للصواب، والعالم بالرشاد، أنا من لا يعرف غير يدك، ولم يتقلب إلا في ~~فضلك، فأنا غير كافر بنعمتك، ولا منكر لإحسانك لا تحمل علي إصر [ (1) ]يعني ~~«إبراهيم الإمام» وفي الطبري 7/483: رجلا. # [ (2) ]في الطبري: تعافاه. # [ (3) ]أي أصبت منهم شيئا يطلبونني به. # [ (4) ]العشواء: الظلمة. أي جعلت غيركم في ظلام لا يدرون كيفية المخرج منه. # [ (5) ]الكتاب في الطبري باختلاف وزيادة. # [ (6) ]كان أبو العباس وأبو جعفر يناديان أبا مسلم: «يا عم» . PageV02P181 # غيري، ولا تلحق ما جناه سواي بي، إن أمرتني أشخص إليك، وألحق بخراسان ~~فعلت. الأمر أمرك. والسلطان سلطانك، والسلام. ### || موت أبي العباس واستخلاف أبي جعفر # قال: وذكروا أن أبا جعفر لما انقضى الموسم، وانصرف راجعا، جاءه موت أبي ~~العباس وكان بينه وبين أبي مسلم مرحلة. فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث حدث ~~ليس مثلك غائب عنه، فالعجل العجل. قال إسحاق بن مسلم: # فقلت لأبي جعفر وأنا أسايره، ونحن مقبلون من مكة: أيها الرجل، لا ملك لك، ~~ولا سلطان مع هذا العبد. فقال أبو جعفر: ظهر غشك، وبدا منك ما كنت تكتم، ~~بأبي مسلم يفعل هذا؟قلت: نعم، فإني أخاف عليك منه يوم سوء فقال: # كذبت. قال إسحاق: فسكت ثم لقيته بعد ذلك من الغد، ولا والله ما عرفتها ~~فيه، وعاودني بمثل كلامه الأول، فقلت له: أكثر أو أقل، إن لم تقتله والله ~~يقتلك. قال: فهل شاورت في هذا أحدا؟قلت: لا، قال: اسكت، فسكت. # فقدم الكوفة، فإذا عيسى بن موسى قد سبقه إلى الأنبار، وغلب على المدينة ~~والخزائن، وبيت الأموال والدواوين، وخلع عبد الله، وتوثب على أبي جعفر، ~~ودعا أهل خراسان فألحقهم ms455 باليمن، وجعل لهم الجعائل[ (1) ]الجليلة، ~~والعطايا الجزيلة، فلما قدم أبو جعفر، سلم الأمر لعيسى بن موسى[ (2) ]، ~~وتوثب عبد الله بن علي على أهل خراسان بالشام[ (3) ]، فقتلهم ودعا إلى ~~نفسه، وأتاه أبو غانم عبد الحميد بن ربعي فقال: إن أردت أن يصفو لك الأمر ~~فاقتل أهل خراسان، وابدأ بي. فلما قدم أبو جعفر من مكة قال لأبي مسلم: إنما ~~هو أنا وأنت، والأمر أمرك، فامض إلى عبد الله بن علي وأهل الشام. فلما سار ~~إليه أبو مسلم، سار معه القواد وغيرهم، فلقي عبد الله بن علي وأهل الشام ~~فهزمهم، وأسر عبد الله بن [ (1) ]الجعائل جمع جعيلة، وهي العطايا والأرزاق. # [ (2) ]كذا بالأصل. وفي الطبري: سلم عيسى بن موسى إلى أبي جعفر الأمر. ~~وفي الأخبار الطوال أن عيسى بن موسى دعا الناس إلى بيعته وخلع ولاية العهد ~~عن أبي جعفر.. فلما وافى أبو جعفر اعتذر إليه عيسى، وأعلمه أنه إنما أراد ~~بذلك ضبط العسكر. فقبل منه أبو جعفر ذلك، ولم يؤاخذه بما كان منه. # [ (3) ]ذكر المؤلف-خطأ-خروج عبد الله بن علي على أبي العباس قريبا، ثم ~~يذكر هنا خبر خروجه على أبي جعفر وهذه هي الرواية الصحيحة عن خروجه وقد ~~أشرنا إلى ذلك هناك. PageV02P182 # علي[ (1) ]، وبعث به إلى أبي جعفر، فاستنكر أبو جعفر قعود أبي مسلم عنه، ~~فبعث إليه يقطين بن موسى[ (2) ]ورجلا معه على القبض. فقال أبو مسلم: لا ~~يوثق بي بهذا ونحوه فوثب وشتم، وقال قولا قبيحا. فقال له يقطين بن موسى: ~~جعلت فداك، لا تدخل الغم على نفسك، إن أحببت رجعت إلى أمير المؤمنين، فإنه ~~إن علم أن هذا يشق عليك لم يدخل عليك مكروها. ثم قدم أبو جعفر من الأنبار ~~حتى قدم المدائن، وخرج أبو مسلم فأخذ طريق خراسان مخالفا لأبي جعفر. فكتب ~~إليه أبو جعفر: قد أردت مذاكرتك في أشياء لم تحملها الكتب، فأقبل فإن مقامك ~~عندنا قليل. فلم يلتفت أبو مسلم إلى كتابه. فبعث إليه أبو جعفر، جرير[ (3) ~~]بن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، وكان أبو ms456 مسلم يعرفه. فقال له: أيها ~~الأمير، ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت، ثم تنصرف على مثل هذه الحال، إن ~~الأمر عند أمير المؤمنين لم يبلغ ما تكره، ولا أرى أن تنصرف على هذه الحال، ~~فيقول أبو مسلم: ويحك إني دليت بغرور[ (4) ]، وأخاف عدوه[ (5) ]. ### || قتل أبي مسلم # قال: وذكروا أن جريرا لم يزل بأبي مسلم حتى أقبل به، وكان أبو مسلم يقول: ~~والله لأقتلن في الروم، فأقبل منصرفا، فلما قدم على أبي جعفر وهو يومئذ ~~بالرومية من المدائن، أمر الناس يتلقونه، وأذن له فدخل على دابته، ورحب به ~~وعانقه، وأجلسه معه على السرير، وقال له: كدت أن تخرج ولم أفض إليك بما [ ~~(1) ]تقدم، أن عبد الله بن علي خلص في نفر من خواصه إلى البصرة واختفى عند ~~سليمان بن علي وكان واليا عليها. (انظر الطبري-مروج الذهب-الأخبار الطوال) . # [ (2) ]كذا بالأصل والأخبار الطوال ومروج الذهب، وفي الطبري وابن الأثير: ~~«أبا الخصيب» مولى أبي جعفر. # وفي تاريخ اليعقوبي 2/366: بعث أبو جعفر برسل منهم: إسحاق بن مسلم ~~العقيلي ويقطين بن موسى، ومحمد بن عمرو النصيبي التغلبي. # [ (3) ]في الأخبار الطوال: «جرير بن يزيد بن عبد الله» وفي تاريخ ~~اليعقوبي: «جرير بن عبد الله» ، وفي تاريخ خليفة: سلمة بن سعيد بن جابر ~~وكان صهر أبي مسلم، كانت خالته تحت مسلم. ويقال: # جرير بن يزيد بن جرير بن عبد الله. (وهو ما قاله في مروج الذهب) . # [ (4) ]أي خدعت في الأمر. # [ (5) ]انظر مقابلة جرير لأبي مسلم في مروج الذهب 3/355. والطبري 7/483. PageV02P183 # تريد. فقال: قد أتيت يا أمير المؤمنين، فليأمرني بأمره. قال: انصرف إلى ~~منزلك، وضع ثيابك وادخل الحمام، ليذهب عنك كلال السفر، وجعل أبو جعفر ينتظر ~~به الفرصة، فأقام أياما يأتي أبا جعفر كل يوم، فيريه من الإكرام ما لم يره ~~قبل ذلك، حتى إذا مضت له أيام أقبل على التجني. فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن ~~موسى، فقال: اركب معي إلى أمير المؤمنين، فإني قد أردت عتابه بمحضرك. فقال ~~عيسى: أنت في ذمتي، فأقبل أبو ms457 مسلم، فقيل له: ادخل. # فلما صار إلى الزقاق الداخلي، قيل له إن أمير المؤمنين يتوضأ، فلو جلست؟ ~~فجلس، وأبطأ عيسى بن موسى عليه، وقد هيأ له أبو جعفر عثمان بن نهيك، وهو ~~على حرسه في عدة، فيهم شبيب بن رياح[ (1) ]، وأبو حنيفة حرب بن قيس، فتقدم ~~أبو جعفر إلى عثمان فقال له: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا تخرجوا. وجعل عثمان ~~وأصحابه في ستر خلف أبي مسلم في قطعة من الحجرة، وقد قال أبو جعفر لعثمان ~~بن نهيك: إذا صفقت بيدي فدونك يا عثمان. فقيل لأبي مسلم: # أن قد جلس أمير المؤمنين، فقام ليدخل، فقيل له: انزع سيفك فقال: ما كان ~~يصنع بي هذا. فقيل: وما عليك؟فنزع سيفه، وعليه قباء أسود، وتحته جبة خز، ~~فدخل فسلم، وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها، وخلف ظهره القوم خلف ستر. ~~فقال أبو مسلم: صنع بي يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد، نزع سيفي من ~~عنقي. قال: ومن فعل ذلك قبحه الله؟ثم أقبل يعاتبه، فعلت وفعلت، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، لا يقال مثل هذا لي على حسن بلائي، وما كان مني؟فقال له أبو ~~جعفر: يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت في ~~دولتنا، ولو كان ذلك إليك ما قطعت فتيلا. ألست الكاتب إلي تبدأ بنفسك، ~~والكاتب إلي تخطب آمنة[ (2) ]ابنة علي ابن عمي، وتزعم أنك أبو مسلم بن سليط ~~بن عبد الله بن العباس[ (3) ]، لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى صعبا. قال: ~~وأبو جعفر ترعد يده، فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: يا أمير [ (1) ]في ~~الطبري: شبيب بن واج المروروذي. وفي مروج الذهب: شبيب بن رواح المروروذي. ~~وفي الأخبار الطوال: شبث بن روح. # [ (2) ]في الطبري: أمينة، وفي مروج الذهب 3/357 وابن خلكان 3/154 آسية ~~وفي الأخبار الطوال: # عمتي آمنة بنت علي بن عبد الله وانظر تاريخ اليعقوبي 2/367. # [ (3) ]زيد في الطبري 7/491 ما دعاك إلى قتل سليمان بن كثير مع أثره في ~~دعوتنا وهو أحد نقبائنا. # (انظر ms458 مروج الذهب 3/357) . PageV02P184 # المؤمنين، لا تدخل على نفسك هذا الغم من أجلي، فإن قدري أصغر مما بلغ منك ~~هذا. فصفق أبو جعفر بيده فخرج عثمان بن نهيك، فضربه ضربة خفيفة، فأومأ أبو ~~مسلم إلى رجل أبي جعفر يقبلها ويقول: أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني ~~لأعدائك، فدفعه برجله وضربه شبيب على حبل العاتق[ (1) ]فأسرعت فيه، فقال ~~أبو مسلم: وا نفساه: ألا قوة؟ألا مغيث؟وصاح أبو جعفر: أضرب لا أم لك، ~~فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه، فأمر به أبو جعفر، فكفن بمسح[ (2) ]، ثم ~~وضع في ناحية، ثم قيل: إن عيسى بن موسى بالباب، فقال: أدخلوه. فلما دخل ~~قال: يا أمير المؤمنين، فأين أبو مسلم؟قال: كان هاهنا آنفا فخرج. فقال ~~عيسى: يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته، ورأى إبراهيم الإمام فيه. # قال له أبو جعفر: يا أنوك[ (3) ]والله ما أعرف عدوا أعدى لك منه، ها هو ~~ذا في البساط. فقال عيسى: @QUR@06 إنا لله وإنا إليه راجعون ، فأقبل إسحاق ~~صاحب شرطته قال: إنما كان أبو مسلم عند أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أعلم ~~بما صنع، فأمر أبو جعفر برأسه، فطرح إلى من بالباب من قواد أبي مسلم، ~~فجالوا جولة، وهموا أن يبسطوا سيوفهم على الناس، ثم ردهم على ذلك انقطاعهم ~~من بلادهم وتغربهم وإحاطة العدو بهم، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات، وبعضهم ~~ناصب وأراد القتال، فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك، أمر بالعطاء لأصحاب أبي ~~مسلم، وأجزل الصلات للقواد والرؤساء منهم، ثم عهد إليهم أن من أحب منكم أن ~~يكون معنا هاهنا، نأمر بإلحاقه في الديوان، في ألف من العطاء، ومن أحب أن ~~يلحق بخراسان كتبناه في خمس مائة ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته. # قال: فكأنها نار طفئت. فقالوا: رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت، فأنت ~~الموفق. فمنهم من رضي بالمقام معه، ومنهم من لحق بخراسان. ### || ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين # قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا مسلم، واستولى على ملك العراقين [ ~~(1) ]العاتق: الكتف. وحبله: ms459 عظمة الترقوة. وفي مروج الذهب: فقطع رجله. # [ (2) ]المسح الثوب الخشن. وفي الأخبار الطوال: لف في بساط. وفي مروج ~~الذهب: أدرج في بساط. # [ (3) ]الأنوك: الأحمق. PageV02P185 # والشام، والحجاز، وخراسان، ومصر، واليمن، ثار عليه عيسى بن زيد بن علي بن ~~الحسين بن علي بن أبي طالب، فقاتله فيما بين الكوفة وبغداد، ولقيه في جموع ~~كثيرة، نحوا من عشرين ومائة ألف، فأقام أياما يقاتله في كل يوم، حتى هم أبو ~~جعفر بالهزيمة، وركب فرسه ليهرب، ثم جعل يشجع أصحابه، ويعدهم بالعطايا ~~الواسعة، والصلات الجزيلة، فقاتلوا: ثم إن أبا جعفر غلبته عيناه وهو على ~~فرسه، فرأى في نومه أنه يمد يديه ورجليه على الأرض. فاستيقظ ودعا عبارا كان ~~معه، فأخبره بما رأى. فقال له: أبشر يا أمير المؤمنين، فإن سلطانك ثابت، ~~وسيليه بعدك جماعة من ولدك، وهذا الرجل منهزم، فما كان بأسرع من أن نظر إلى ~~عيسى بن زيد منهزما. ### || هروب مالك بن الهيثم # وذكروا أن مالك بن الهيثم خرج هاربا حتى أتى همدان[ (1) ]، وعليها يومئذ ~~زهير بن التركي مولى خزاعة، فكتب إليه أبو جعفر: إن الله مهرق دمك إن فاتك ~~مالك، فجاء زهير بن التركي إلى مالك بن الهيثم، فقال له: جعلت فداك، قد ~~أعددت لك طعاما، فلو أكرمتني بدخولك منزلي. فقال له: نعم، وكان قد هيأ له ~~زهير أربعين رجلا، فلما دخل مالك قال لزهير: عجل طعامك، وقد توثق زهير من ~~الباب، وهيأ أصحابه، فخرج عليه الأربعون، فشدوه وثاقا، ثم وضعوا القيود في ~~رجله، ثم قال: أبا نصر، جعلت فداك، والله ما عرفت هذه الدعوة حتى أدخلتني ~~فيها ودعوتني إليها، فما الذي يخرجك منها، والله ما أخليك حتى تزور أبا ~~جعفر، فبعث به إليه، فعفا عنه أبو جعفر، وولاه الموصل. # قال الهيثم: وكان يقال: إن عبد الملك بن مروان كان أحزم بني أمية، وإن ~~أبا جعفر كان أحزم بني العباس، وأشدهم بأسا، وأقواهم قلبا، ألا ترى أن عبد ~~الملك قتل عمرو بن سعيد في داخل قصره، وأبوابه مغلقة، وأبو جعفر قتل أبا ~~مسلم ms460 في داخل سرادقه، وليس بينه وبين أهل خراسان إلا خرقة؟ [ (1) ]وكان أبو ~~جعفر قد كتب كتابا عن لسان أبي مسلم إلى أبي نصر يأمره فيه بحمل ثقله وما ~~خلق عنده وأن يقدم. وختم الكتاب بخاتم أبي مسلم، فلما رأى أبو نصر الخاتم ~~تاما علم أن أبا مسلم لم يكتب الكتاب (وكان أبو مسلم قد اتفق مع أبي نصر ~~أنه إن جاءه منه كتابا مختوما بنصف خاتم فأنا كتبته، وأن أتاك بالخاتم كله ~~فلم أكتبه: الطبري 7/489) فقال: فعلتموها وانحدر إلى همدان يريد خراسان ~~(الطبري 7/493) . PageV02P186 # وقال الهيثم: ذكر ابن عياش أن أبا جعفر قال لحاجبه عيسى بن روضة تقدم إلى ~~كل من دخل أن لا يذكر أبا مسلم في شيء من كلامه. قال ابن عياش فاغتممت ~~لذلك، فوقفت له خلف ستر، ومر راكبا مع هشام بن عمرو وعبد الله، فلما طلع ~~عمر بن عبد الرحمن صاحب شرطته وبيده الحربة ركبت. قال أبو الجراح ~~مالك؟فقلت: أسلم على أمير المؤمنين. قال: دونك فدنوت والنهر بيني وبينه. ~~فقلت: يا أمير المؤمنين هنيئا لك وقفة أقعدت كل قائم. فقال بيده على فيه ~~ولم يلتفت كالكاره لما سمع، وأقبل على صاحبيه. قال ابن عياش: وكان هذا في ~~سنة خمس وأربعين ومائة، ثم انصرف أبو جعفر إلى الحيرة، ومعه عمه عبد الله ~~بن علي في غير وثاق، وعليه الأحراس، وقد هيأ أبو جعفر بيتا، فحبسه فيه، ~~فلما قدم به قيل: إنه سمه. قال الهيثم: بل كان أساس البيت الذي حبسه فيه من ~~لبن، والحيرة كثيرة السواقي، ندية الأرض. فيقال: إنه أمر من الليل بجدول، ~~فسرح حول البيت فتهدم عليه فمات[ (1) ]. قال ابن عياش: أقبل رجل من همدان ~~إلى أبي جعفر في وفد من العرب فدخلوا عليه، فلما خرجوا وفاتوا بصرة، قال ~~للآذن: علي بالهمداني، فلما مثل بين يديه قال له: يا أخا همدان، أخبرني عن ~~خليفة اسمه على عين قتل ثلاثة، أسماؤهم على عين. فقال الهمداني: نعم يا ~~أمير المؤمنين عبد الملك بن مروان قتل عمرو ms461 بن سعيد الأشدق، اسمه على عين، ~~وعبد الله بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد الأشعث، وأنت يا أمير المؤمنين ~~اسمك على عين، وقتلت عبد الرحمن بن مسلم أبا مسلم، أول اسمه على عين، وعبد ~~الجبار[ (2) ]الخولاني، وسقط البيت على عمك عبد الله. فقال[ (3) ]: وما ~~يدخل سقوط البيت على عمي لا أم لك. ثم استعمل أبو جعفر على خراسان أسيد بن ~~عبد الله الخزاعي، وأمره بتطلب عمال أبي مسلم، ثم عفا عنهم، ثم عزل الخزاعي ~~وولى أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم ولى بعد أبي عون حميد بن قحطبة، ثم ولى ~~المسير بن زهير حتى مات أبو جعفر المنصور[ (4) ]. # [ (1) ]مر قريبا خروج عبد الله بن علي وكيفية مقتله، وفي أي وقت قتل. # [ (2) ]في مروج الذهب 3/374 عبد الجبار بن عبد الرحمن. # [ (3) ]في مروج الذهب: قال: مما ذنبي إن كان سقط البيت عليه؟قلت: لا ذنب لك. # [ (4) ]قال خليفة في تاريخه ص 432 وانه ولي على خراسان بعد أبي مسلم: أبو ~~داود من بني ذهل (وهو PageV02P187 ### || قصة سابور ملك فارس # قال: وذكروا أن أبا جعفر دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، فقال له: حدثني عن ~~الملك الذي كنت حدثتني عنه بحران. فقال: نعم أكرمك الله، أخبرني أبي عن ~~حصين بن المنذر: أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور الأكبر، كان له وزير ~~ناصح، قد أخذ أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، فانتصف من ~~أهلها فعلا ولسنا[ (1) ]، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما ~~يعظمون الدنيا جهالة بالدين، واستكانة لحب الدنيا، وذلا لجبابرتها، فجمعهم ~~على كلمة من الهدى يكيد بها مطالب الدنيا، واعتز بقتل ملوكهم، وتخوله ~~إياهم[ (2) ]، وكان يقال: لكل ذليل دولة، ولكل ضعيف صولة. فلما استوثقت له ~~البلاد، جعل إليه سابور أمرهم، وأحال عليه طاعتهم، فساس قوما لا يرامونه ~~إلى ما سبق إليه قبلهم، فلم ينتصف سابور من طاعتهم، واستمالة أهوائهم، مع ~~ما لا يأمن من زوال القلوب، وغدرات الوزراء، فاحتال على قطع رجائه عن ~~قلوبهم، فصمم على ms462 قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم فقتله، ~~فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الفرقة وتخطف الأعداء، ونأي ~~الرجعة واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ويتعوضوه ~~من الفتنة، فملكهم ثمانين عاما. # فأطرق أبو جعفر مليا، ثم قال متمثلا: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # وما علم الإنسان إلا ليعلما ### || خروج شريك بن عون على أبي جعفر وخلعه # قال: وذكروا أن أبا جعفر لما استقامت له الأمور، واستولى على الملك، خرج ~~عليه شريك بن عون الهمداني وقال: ما على هذا بايعتك، ولا بايعنا آل [ () ~~]خالد بن إبراهيم) ثم عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، ثم خازم بن خزيمة ~~بن ناجية (وقال ابن الأثير 3/551 أنه بعد مقتل عبد الجبار وليها المهدي ~~وخليفته بها السري بن عبد الله) ، وجبريل بن يحيى بن ناجية، ثم أسد بن عبد ~~الله، ثم عبد الله بن مالك الخزاعي، ثم أبو عون الحمصي، ثم حميد بن قحطبة ~~مات بها واستخلف ابنه عبد الله بن حميد. # [ (1) ]اللسن: البلاغة. # [ (2) ]أي جعلهم خولا: خدما وعبيدا. PageV02P188 # محمد على أن تسفك الدماء وأن يعملوا بغير الحق، فخالف أبا جعفر، وتبعه ~~أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه أبو جعفر زياد بن صالح الخزاعي، فقاتله ~~شهورا، ونهى أبو جعفر أن يسبى أحد منهم، أو يقتل أحد من رجالهم، لأنه كان ~~فيهم قوم أخيار ورجال أشراف، وكان خروجهم ديانة وإنكارا للدماء، وللعمل ~~بغير الحق، فلذلك لم يقتلوا. وكتب إليهم: @QUR@09 وإن عدتم عدنا، وجعلنا ~~جهنم للكافرين حصيرا ، وقد عفونا عنكم مرتكم هذه، فالله الله على دمائكم ~~احقنوها. ### || اجتماع شبيب بن شيبة مع أبي جعفر قبل ولايته وبعدها # قال: وذكروا أن شبيب بن شيبة قال: حججت عام هلك هشام بن عبد الملك[ (1) ~~]، فبينما أنا مريح ناحية المسجد، إذ طلع علي من بعض أبوابه فتى أسمر، رقيق ~~السمرة، موفر اللمة[ (2) ]، خفيف اللحية، رحب الجبهة[ (3) ]، كأن عينيه ~~لسانان ناطقان، عليه أبهة الأملاك، في زي النساك، تقبله القلوب، وتتبعه ~~العيون، يعرف الشرف ms463 في تواضعه، والعفو[ (4) ]في صورته، واللب في مشيته فما ~~ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، فتحرم بالطواف. فلما قضى طوافه ~~قصد المقام ليركع، وأنا أرعاه ببصري، ثم نهض منصرفا، فكأن عينا أصابته، ~~فكبا كبوة دميت منها إصبعه[فقعد لها القرفصاء]، فدنوت منه متوجعا لما ~~ناله، متصلا به، أمسح عن رجله عفر التراب، فلا يمتنع علي، ثم شققت حاشية ~~ثوبي، فعصبت على رجله، فلم ينكر ذلك، ثم نهض متوكئا علي، وانقدت له حتى أتى ~~بناء[ (5) ]بأعلى مكة، فابتدره غلامان، تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ففتحا ~~له الباب، فدخل واجتذبني، فدخلت بدخوله، فخلى يدي، وأقبل على القبلة فصلى ~~ركعتين، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وصلى على نبيه، ثم قال: لم يخف ~~علي مكانك منذ اليوم، فمن تكون؟فقلت: شبيب بن شيبة التميمي. فقال: ~~الأهتمي؟فقلت: نعم. فرحب وقرب، ووصف قومي بأبين وصف، وأفصح لسان. فقلت: ~~أصلحك الله، أحب المعرفة، وأجل عن [ (1) ]وذلك سنة 125 ه. # [ (2) ]اللمة: الشعر الذي على أعلى القفا، يريد: كثيف وكثير اللمة. # [ (3) ]زيد في العقد الفريد 5/106: أقنى بين القني. # [ (4) ]في بعض أصول العقد: والعتق. # [ (5) ]في العقد: دارا. PageV02P189 # المسألة. فتبسم وقال، بلطف أهل العراق، أنا عبد الله بن محمد بن علي بن ~~[عبد الله بن]عباس، فقلت: بأبي أنت وأمي، ما أشبهك بنسبك، وأدلك على ~~سلفك[ (1) ]: وقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك. قال: فاحمد ~~الله يا أخا تميم، فإنا قوم يسعد بحبنا من يحبنا، ويشقى ببغضنا من يبغضنا، ~~ولن يصل الإيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله، ومهما ضعفنا عن جزائه ~~قوى الله على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم، وأنا من حملته، وأيام ~~الموسم ضيقة، وشغل أهله كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها، أفتأذن ~~فيها جعلت فداك؟قال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسر ~~موضعا، وللأمانة واعيا، فإن كنت على ما رجوت، فهات على بركة الله. فقدمت ~~إليه من وثائق[القول و]الأيمان ما سكن إليه، فتلا قول الله: ms464 @QUR@011 قل ~~أي شيء أكبر شهادة؟قل الله شهيد بيني وبينكم ثم قال: سل. فقلت: ما ترى في ~~من على الموسم؟وكان عليه يوسف بن محمد الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فتنفس ~~الصعداء، ثم قال: عن الصلاة خلفه تسأل، أم استنكرت أن يتأمر على آل الرسول ~~من ليس منهم؟قلت: عن كلا الأمرين أسأل. قال: إن هذا عند الله عظيم، أما ~~الصلاة، ففرض الله على عباده، فأد فرضه عليك في كل وقت[ (2) ]، فإن الذي ~~ندبك لحج بيته ومجاهدة عدوه، وحضور جماعته وأعياده، لم يخبرك في كتابه أنه ~~لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا رحمة لك، ولو فعل ذلك بك ضاق ~~الأمر عليك، فأسمح[ (3) ]يسمح لك. ثم كررت عليه السؤال، فما احتجت إلى أن ~~أسأل عن أمر ديني أحدا بعده. ثم قلت له: يزعم أهل العلم بالكتاب أنها ستكون ~~لكم دولة[ (4) ]لا شك فيها، تطلع مطلع الشمس، وتظهر بظهورها، فأسأل الله ~~خيرها، ونعوذ به من شرها. قال: فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: ~~أو يتخلف عنها أحد من العرب وأنتم سادتها؟قال: # نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم ونأبى إلا طلبا لحقنا، فننصر ~~ويخذلون، كما نصر أولنا بأولهم، وخذل لمخالفتنا من خذل منهم، فاسترجعت. # [ (1) ]في العقد: منصبك. # [ (2) ]زيد في العقد: مع كل أحد وعلى كل حال. # [ (3) ]سمح ككرم، وأسمح: جاد وكرم. # [ (4) ]في العقد: فقال: لا شك فيها... (أي أن القول هنا لأبي جعفر وليس ~~لشبيب) . PageV02P190 # قال: هون عليك الأمر، سنة الله التي قد خلت في عباده، ولن تجد لسنة الله ~~تبديلا، وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم، وحفظ أعقابهم[ (1) ] ~~فقلت: كيف تسلم لهم قلوبكم، وقد قاتلوكم مع عدوكم؟فقال: نحن قوم حبب إلينا ~~الوفاء وإن كان علينا، وبغض إلينا الغدر وإن كان لنا، وإنما يشذ عنا منهم ~~الأقل، فأما أنصار دولتنا، ونقباء شيعتنا، وأمراء جيوشنا فهم ومواليهم ~~معنا، فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسيء، ووهب للرجل قومه ~~ومن اتصل بأسبابه، فتذهب المثابرة[ (2) ]، وتخمد الفتنة، وتطمئن القلوب. ms465 فقلت: # ويقال: إنه يبتلى بكم من أخلص لكم المحبة. فقال: قد روي أن البلاء أسرع ~~إلى محبينا من الماء إلى قراره. قلت: لم أرد هذا. قال: فما الذي تريد؟ قلت: ~~توقعون[ (3) ]بالولي وتحظون العدو. فقال: من يسعد بنا من الأولياء أكثر، ~~ومن يسلم معنا من الأعداء أقل، إنما نحن بشر، ولا يعلم الغيب إلا الله، ~~وربما استترت عنا الأمور، فنوقع[ (4) ]، بمن لا نريد، وإن لنا لإحسانا ~~يجازي الله به مداواة ما تكلم ورتق ما تثلم فنستغفر الله بما يعلم، وما ~~أنكر من ألا يكون الأمر على ما بلغك، ومع الولي التعزز والإدلال، والثقة ~~والاسترسال، ومع العدو التحرز والتذلل والاحتيال[ (5) ]، وإنك لمسئول يا ~~أخا بني تميم. قلت: إني أخاف ألا أراك بعد اليوم. قال: لكن أرجو أن أراك ~~وتراني قريبا إن شاء الله. قلت: عجل الله ذلك، ووهب لي السلامة منكم، فإني ~~محبكم. فتبسم وقال: لا بأس عليك ما أعاذك الله من ثلاثة. قلت: وما هي؟قال: ~~قدح في الدين، وهتك للملوك، وتهمة في حرمة، واحفظ عني ما أقول لك: اصدق وإن ~~ضرك الصدق، وأنصح وإن باعدك النصح، ولا تخالطن لنا عدوا وإن أحظيناه فإنه ~~مخذول، ولا تخذلن وليا وإن أقصيناه وأصبحنا بترك المماكرة، وتواضع إذا ~~رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تستخف فيمقتوك، ولا تنقبض فيحتشموك، [ولا تبدأ ~~حتى يبدؤك] ولا تخطب الأعمال، ولا تتعرض للأموال، وأنا رائح من عشيتي هذه، ~~فهل من [ (1) ]زيد في العقد: وتجديد الصنيعة عندهم. # [ (2) ]كذا بالأصل، وفي العقد: النائرة وهي أصح. # [ (3) ]في العقد: تعقون الولي. # [ (4) ]كذا، وفي العقد: فنقع. # [ (5) ]زيد في العقد: وربما أمل المدل، وأخل المسترسل، وتجانب المتقرب، ~~ومع المقة تكون الثقة، على أن العاقبة لنا على عدونا، وهي لولينا. PageV02P191 # حاجة؟فنهضت لوداعه فودعته، ثم قلت: أوقت لظهور الأمر؟ومتى؟قال الله ~~المؤقت والمنذر، فخرجت من عنده، فإذا مولى له يتبعني، فأتاني بكسوة من ~~كسوته. وقال لي: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه، ثم افترقنا، فو الله ما ~~رأيته إلا وحرسيان قابضان علي يدفعانني إلى بيعتي في جماعة ms466 من قومي ~~لنبايعه. فلما نظر إلي أثبتني، وقال للحرسيين: خليا عمن صحت مودته، وتقدمت ~~قبل اليوم حرمته، وأخذت بيعته، فأكبر الناس ذلك من قوله. ثم قال لي: أين ~~كنت أيام أبي العباس أخي؟فذهبت أعتذر. فقال: أمسك، فإن لكل شيء وقتا لا ~~يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظ مودتك، وحق مشايعتك[ (1) ]، واختر مني ~~رزقا يسعك، أو خطة ترفعك، أو عملا ينهضك. # فقلت: أنا لوصيتك حافظ. فقال: وأنا لها أحفظ، إني إنما نهيتك أن تخطب ~~الأعمال ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك. فقلت: الرزق مع قرب أمير ~~المؤمنين أحب إلي. فقال: وذلك أحب إلي لك، وهو أجم لقلبك وأودع لك، وأعفى ~~إن شاء الله، فهل زدت أحدا في عيالك بعد. وقد كان سألني عنهم فعجبت من ~~حفظه. فقلت: زدت الفرس والخادم، فقال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك ~~بخادمنا، ولو لم يسعني حملت لك على بيت المال، فهل تحملك مائتا دينار لكل ~~غرة أو نزيدك؟فقلت: يا أمير المؤمنين، إن شطرها ليحملني العامين. قال: ~~فإنها لك في كل غرة فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت، وإن شئت فقد ضممتك ~~إلى المهدي، فإنه أفرغ لك مني، وأرضاه لك إن شاء الله[ (2) ]. ### || حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له # ذكروا أن أبا جعفر أمير المؤمنين لما استقامت له الأمور، واستولى على ~~السلطان خرج حاجا إلى مكة، وذلك في سنة ثمان وأربعين ومائة[ (3) ]. فلما ~~كان [ (1) ]في العقد: مسابقتك. # [ (2) ]الخبر في العقد الفريد 5/106-110 وما بين معكوفتين زيادة عن نص ~~العقد، وهناك بعض الاختلاف لم نثبته لعدم أهميته، أنظره هناك. # [ (3) ]حج في هذه السنة جعفر بن سليمان (مروج الذهب-ابن الأثير) زيد في ~~المروج: وقيل: حج أبو جعفر. PageV02P192 # بمنى، أتاه الناس يسلمون عليه، ويهنئونه بما أنعم الله عليه، وجاءه رجال ~~الحجاز من قريش وغيرهم، وفقهائهم وعلمائهم، ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ~~ومذاكرة الفقه ورواية الحديث. فكان فيمن دخل عليه منهم: # مالك بن أنس. فقال له أبو جعفر: يا أبا عبد الله إني ms467 رأيت رؤيا. فقال مالك: # يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي، ويلهمه الرشاد من القول، ~~ويعينه على خير الفعل، فما رأي أمير المؤمنين؟فقال أبو جعفر: رأيت أني ~~أجلسك في هذا البيت، فتكون من عمار بيت الله الحرام، وأحمل الناس على علمك، ~~وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفدهم، ويرسلون إليك رسلهم في أيام ~~حجهم، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق، إن شاء الله، وإنما العلم ~~علم أهل المدينة، وأنت أعلمهم. فقال مالك: أمير المؤمنين أعلى عينا، وأرشد ~~رأيا، وأعلم بما يأتي وما يذر، وإن أذن لي أقول قلت، فقال أبو جعفر: نعم، ~~فحقيق أنت أن يسمع منك، ويصدر عن رأيك. فقال مالك: يا أمير المؤمنين إن أهل ~~العراق قد قالوا قولا تعدوا فيه طورهم، ورأيت أني خاطرت بقولي لأنهم أهل ~~ناحية، وأما أهل مكة فليس بها أحد، وإنما العلم علم أهل المدينة، كما قال ~~الأمير، وإن لكل قوم سلفا وأئمة. فإن رأى أمير المؤمنين أعز الله نصره ~~إقرارهم على حالهم فليفعل. فقال أبو جعفر: أما أهل العراق فلا يقبل أمير ~~المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل المدينة، وقد علمنا أنك ~~إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها. فقال مالك: أجل يا أمير المؤمنين، فأعفني يعف ~~الله عنك. فقال أبو جعفر: قد أعفاك أمير المؤمنين، وايم الله ما أجد بعد ~~أمير المؤمنين أعلم منك ولا أفقه. ### || دخول سفيان الثوري وسليمان الخواص على أبي جعفر وما قالا له # قال: وذكروا أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الذي حج فيه سفيان ~~الثوري وسليمان الخواص، قال أحدهما لصاحبه: ألا ندخل على هذا الطاغي الذي ~~كان يزاحمنا بالأمس في مجالس العلم عند منصور[ (1) ]والزهري، فنكلمه، [ (1) ~~]يريد منصور بن عمار. PageV02P193 # ونأمره بحق، وننهاه عن باطل، فلعل أن يقع كلامنا منه موقعا ينفع الله به ~~المسلمين، ويأجرنا عليه، فقال سليمان الخواص: إني لأخشى أن يأتي علينا منه ~~يوم سوء. فقال الثوري: ما أخاف ذلك، فإن شئت فادخل، وإن شئت دخلت. # فدخل سليمان ms468 الخواص، فأمره ونهاه، ووعظه وذكره الله، وما هو صائر إليه، ~~ومسئول عنه. فقال له أبو جعفر: أنت مقتول، ما تقول في كذا وكذا، لشيء سأله ~~عنه من باب العلم؟فأجابه، فلما خرج قال سفيان الثوري: ما ذا صنعت؟ قال: ~~أمرت ونهيت، ووعظت وذكرت فرضا كان في رقابنا أديناه مع أنه لا يقبل، وسألني ~~عن مسألة فأجبته. قال سفيان: ما صنعت شيئا، فدخل سفيان الثوري فأمره ونهاه. ~~فقال له: ها هنا أبا عبد إلي إلي، ادن مني. فقال: إني لا أطأ ما لا أملك ~~ولا تملك. فقال أبو جعفر: يا غلام أدرج البساط، وارفع الوطاء، فتقدم سفيان ~~فصار بين يديه وقعد، ليس بينه وبين الأرض شيء، وهو يقول: @QUR@010 منها ~~خلقناكم، وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى فدمعت عينا أبي جعفر. # ثم تكلم سفيان دون أن يستأذن، فوعظ وأمر ونهى وذكر، وأغلظ في قوله. فقال ~~له الحاجب: أيها الرجل، أنت مقتول. فقال سفيان: وإن كنت مقتولا فالساعة، ~~فسأله أبو جعفر عن مسألة فأجابه، ثم قال سفيان: فما تقول أنت يا أمير ~~المؤمنين فيما أنفقت من مال الله، ومال أمة محمد بغير إذنهم، وقد قال عمر ~~في حجة حجها، وقد أنفق ستة عشر دينارا هو ومن معه: ما أرانا إلا وقد أجحفنا ~~ببيت المال[ (1) ]. وقد علمت ما @HAD048 حدثنا به منصور بن عمار، وأنت ~~حاضر ذلك، وأول كاتب كتبه في المجلس عن إبراهيم، عن الأسود، عن علقمة، عن ~~ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «رب متخوض في مال الله ~~ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار غدا» [ (2) ]فقال له أبو عبيدة ~~الكاتب: أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟فقال له سفيان: اسكت، فإنما أهلك ~~فرعون هامان، وهامان فرعون. ثم خرج سفيان، فقال أبو عبيدة الكاتب: ألا تأمر ~~بقتل هذا الرجل؟فو الله ما أعلم أحدا أحق بالقتل منه. فقال أبو جعفر: اسكت ~~[ (1) ]في حلية الأولياء 6/376 أن هذا القول قاله سفيان للمهدي وقد كان قدم للحج. # [ (2) ]متخوض: قال في النهاية: أصل الخوض المشي ms469 في الماء وتحريكه، ثم ~~استعمل في التلبيس بالأمر والتصرف فيه، أي رب متصرف في مال الله تعالى بما ~~لا يرضاه الله. وقيل هو التخليط في تحصيله من غير وجهه كيف أمكن (النهاية: خوض) . PageV02P194 # يا أنوك، فو الله ما بقي على الأرض أحد اليوم يستحيا منه غير هذا، ومالك ~~بن أنس. ### || دخول ابن أبي ذؤيب[ (1) ]ومالك بن أنس وابن سمعان[ (2) ] على أبي جعفر # قال: وذكروا عن مالك بن أنس قال: لما ولي أبو جعفر الخلافة، وافى إليه ~~الملاقون[ (3) ]المشاءون بالنميمة عني بكلام كان قد حفظ علي، فأتاني رسوله ~~ليلا ونحن بمنى، قال: أجب أمير المؤمنين، وذلك بعد مفارقتي له، وخروجي عنه، ~~فلم أشك أنه للقتل، ففرغت من عهدي[ (4) ]، واغتسلت وتوضأت ولبست ثياب كفني ~~وتحنطت، ثم نهضت فدخلت عليه في السرادق، وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر ~~الأبيض، والياقوت الأحمر، والزمرد الأخضر، حكى له أنه كان من فرش هشام بن ~~عبد الملك كان قد أهداه إليه صاحب القسطنطينية، لا يعلم ثمنه، ولا يدرى ما ~~قيمته، والشمع يحترق بين يديه، وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه، ~~وهو ينظر في صحيفة في يده. فلما صرت بين يديه سلمت، فرفع رأسه، فنظر إلي، ~~وتبسم تبسم المغضب، ثم رمى بالصحيفة، وأشار لي إلى موضع عن يمينه أقعد فيه. ~~فلما قعدت وأخذت مقعدي، وسكن روعي، رفعت رأسي انظر تلقائي، فإذا أنا بواقف ~~عليه درع، وبيده سيف قد شهره، يلمع له ما حوله، فالتفت عن يميني، فإذا أنا ~~بواقف بيده جرز من حديد، ثم التفت عن يساري فإذا أنا بواقف عليه درع، وبيده ~~سيف قد شهره، وهم أجمعون قد أصغوا إليه، ورمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر ~~في أحد أمرا فيجده غافلا. ثم التفت إلينا وقال: أما بعد معشر الفقهاء، فقد ~~بلغ أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره، وضاق به ذرعه وكنتم أحق الناس بالكف ~~من ألسنتكم، [ (1) ]هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن ذؤيب، وقيل ابن أبي ذؤيب ~~الأسدي، روى عن ابن عمر وعطاء بن ms470 يسار، وعنه ابن أبي نجيح، وسعيد بن خالد ~~القارظي. ثقة. (ترجم له في التهذيب 1/312) . # [ (2) ]هو عبد الله بن زياد بن سمعان المدني الفقيه. روى عن مجاهد ~~والأعرج ترجم له ابن حجر في التهذيب. # [ (3) ]الملاقون جمع ملاق وهو المتملق المنافق. # [ (4) ]العهد هنا الوصية. PageV02P195 # والأخذ بما يشبهكم، وأولى الناس بلزوم الطاعة، والمناصحة في السر ~~والعلانية لمن استخلفه الله عليكم. قال مالك: فقلت: يا أمير المؤمنين، قال ~~الله تعالى: # @QUR@018 يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما ~~بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين فقال أبو جعفر: على ذلكم أي الرجال ~~أنا عندكم؟أمن أئمة العدل، أم من أئمة الجور؟فقال مالك: فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، أنا متوسل إليك بالله تعالى، وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه ~~وسلم وبقرابتك منه، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا. قال: قد أعفاك أمير ~~المؤمنين. ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له: أيها القاضي ناشدتك الله تعالى، ~~أي الرجال أنا عندك؟ فقال ابن سمعان: أنت والله خير الرجال يا أمير ~~المؤمنين، تحج بيت الله الحرام، وتجاهدا العدو، وتؤمن السبل، ويأمن الضعيف ~~بك أن يأكله القوي، وبك قوام الدين، فأنت خير الرجال، وأعدل الأئمة. ثم ~~التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له: ناشدتك الله، أي الرجال أنا عندك؟قال: أنت ~~والله عندي شر الرجال، استأثرت بمال الله ورسوله، وسهم ذوي القربى واليتامى ~~والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم، فما حجتك غدا بين ~~يدي الله؟فقال له أبو جعفر: ويحك، ما تقول؟أتعقل؟انظر ما أمامك. قال: # نعم، قد رأيت أسيافا، وإنما هو الموت، ولا بد منه، عاجله خير من آجله. ثم ~~خرجا وجلست. قال: إني لأجد رائحة الحنوط عليك. قلت: أجل، لما نمي إليك عني ~~ما نمي، وجاءني رسولك في الليل، ظننته القتل، فاغتسلت وتطيبت، ولبست ثياب ~~كفني. فقال أبو جعفر: سبحان الله ما كنت لأثلم[ (1) ]الإسلام، وأسعى في ~~نقضه، أو ما تراني أسعى في أود الإسلام، وإعزاز الدين، عائذا بالله مما قلت ~~يا أبا عبد الله، انصرف ms471 إلى مصرك راشدا مهديا، وإن أحببت ما عندنا، فنحن ~~ممن لا يؤثر عليك أحدا، ولا يعدل بك مخلوقا. فقلت: إن يجبرني أمير المؤمنين ~~على ذلك فسمعا وطاعة، وإن يخيرني أمير المؤمنين اخترت العافية. فقال: ما ~~كنت لأجبرك، ولا أكرهك، انقلب معافى مكلوءا. # قال: فبت ليلتي، فلما أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير، في كل صرة خمسة ~~آلاف دينار، ثم دعا برجل من شرطته فقال له: تقبض هذا المال، وتدفع لكل [ ~~(1) ]أثلم: أكسر، أو أجعل في الإسلام شرخا أو ثلما بقتلك. PageV02P196 # رجل منهم صرة، أما مالك بن أنس إن أخذها فبسبيله، وإن ردها لا جناح عليه ~~فيما فعل، وإن أخذها ابن أبي ذؤيب فأتني برأسه، وإن ردها عليك فبسبيله، لا ~~جناح عليه، وإن يكن، ابن سمعان ردها فأتني برأسه، وإن أخذها فهي عافيته. # فنهض بها إلى القوم، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم، وأما ابن أبي ذؤيب ~~فردها فسلم، وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر ~~متوجها إلى العراق. ### || كتاب عبيد الله العمري إلى أبي جعفر # قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قفل من حجه سنة ثمان وأربعين ومائة[ (1) ]، ~~سأل عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، وهو الفقيه ~~المعروف بالعمري. فقيل له: إنه لم يحج العام يا أمير المؤمنين، ولو حج لكان ~~أول داخل عليك، فلا تقبل عليه أحدا يا أمير المؤمنين، ولا يقدح فيه عندك ~~إلا باطلي أو كذاب، فإنه من علمت. فقال أبو جعفر: والله ما تخلف عن الحج في ~~عامه هذا إلا علما منه بأني حاج، فلذلك تخلف، ولا والله ما زاده ذلك عندي ~~إلا شرفا ورفعة، وإني من التوقير له والإجلال بحال لا إخال أحدا من الناس ~~بذلك، لشرفه في قريش، وعظيم منزلته من هذا الأمر، والموضع الذي جعله الله ~~فيه، والمكان الذي أنزله به. # فلما قدم أبو جعفر بغداد، ورد عليه كتاب عبيد الله العمري، فيه: بسم الله ~~الرحمن الرحيم، لعبد الله أبي جعفر أمير ms472 المؤمنين، من عبيد الله بن عمر. ~~سلام الله عليك، ورحمة الله التي اتسعت فوسعت من شاء. أما بعد: فإني عهدتك، ~~وأمر نفسك لك مهم، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، أحمرها وأسودها ~~وأبيضها، وشريفها، ووضيعها، يجلس بين يديك العدو والصديق، والشريف والوضيع، ~~ولكل حصته من العدل، ونصيبه من الحق، فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر، ~~وإني أحذرك يوما تفنى فيه الوجوه والقلوب، وتنقطع فيه الحجة، [ (1) ]كذا ~~بالأصل. وقد ذكر أن عبيد الله بن عمر بن حفص مات سنة 147 ه بالمدينة وقيل ~~سنة 144 وقيل سنة 145، (انظر التهذيب الجزء السابع ترجمته-البداية والنهاية ~~سنة 147) وهو أحد فقهاء المدينة السبعة. PageV02P197 # لملك قد قهرهم بجبروته، وأذلهم بسلطانه والخلق داخرون[ (1) ]له، يرجون ~~رحمته ويخافون عذابه وعقابه. وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر ~~زمانها، أن يكون إخوان العلانية أعداء السريرة، وإني أعوذ بالله أن تنزل ~~كتابي سوء المنزل، فإني إنما كتبت به نصيحة، والسلام. ### || فأجابه أبو جعفر المنصور # من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين، إلى عبيد الله بن عمر بن حفص: # سلام عليك، أما بعد، فإنك كتبت إلي تذكر أنك عهدتني وأمر نفسي لي مهم، ~~فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة بأسرها، وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه ~~الأمة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية، أعداء السريرة، ولست ~~إن شاء الله من أولئك، وليس هذا زمان ذلك، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة، ~~والرغبة تكون رغبة بعض الناس إلى بعض، صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح ~~دينهم. وكتبت تحذرني ما حذرت به الأمم من قبلي، وقدما كان يقال: اختلاف ~~الليل والنهار يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود حتى ~~يصير الناس إلى منازلهم من الجنة والنار. وكتبت تتعوذ بالله أن ننزل كتابك ~~سوء المنزل، وأنك إنما كتبت به نصيحة فصدقت وبررت، فلا تدع الكتب إلي. فإنه ~~لا غنى بي عن ذلك، والسلام. ### || اجتماع أبي جعفر مع عبد الله بن مرزوق # قال: وذكروا ms473 أن أبا جعفر المنصور أمير المؤمنين لما حج ودخل في الطواف ~~بالبيت الحرام، أمر بالناس فنحوا عن البيت، ثم طاف أسبوعه، فوثب إليه عبد ~~الله بن مرزوق، وقال: من جرأك على هذا؟فلببه بردائه وهزه. ثم قال له: من ~~جعلك أحق بهذا البيت من الناس، تحول بينه وبينهم، وتنحيهم عنه؟ فنظر أبو ~~جعفر في وجهه، فعرفه، فقال: عبد الله بن مرزوق؟قال: نعم. فقال: # من جرأك على هذا؟ومن أقدمك عليه؟فقال عبد الله بن مرزوق: وما تصنع بي؟ ~~بيدك ضر أو نفع؟والله ما أخاف ضرك، ولا أرجو نفعك حتى يكون الله عز وجل [ ~~(1) ]أي أذلاء له، ضعفاء أمامه. PageV02P198 # يأذن لك فيه، ويلهمك إلى فعله. فقال له أبو جعفر: إنك أحللت بنفسك ~~وأهلكتها. فقال عبد الله بن مرزوق: اللهم إن كان بيد أبي جعفر ضري فلا تدع ~~من الضر شيئا إلا أنزلته علي، وإن كان بيده منفعتي فاقطع عني كل منفعة منه، ~~أنت يا رب بيدك كل شيء، ومليك كل شيء، فأمر به أبو جعفر فحمل إلى بغداد ~~فسجنه بها. وكان يسجنه بالنهار، ويبعث إليه بالليل يبيت عنده ويسامره، يلبث ~~نهاره أجمع بالسجن، ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن أول من اعترض ~~عليه، لئلا يجترئ الجاهل فيقول: قد وسع عفو أمير المؤمنين فلانا، أفلا ~~يسعني؟فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسي أمره، وانقطع خبره، ثم خلى ~~سبيله، فلحق بمكة، فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر، وولي ابنه المهدي، فلما ~~حج المهدي، فعل مثل ذلك، ففعل به عبد الله بن مرزوق مثل ذلك أيضا، فأراد ~~قتله، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك، فكان من صنيعه أن ~~حمله إلى بغداد، فسجنه بالنهار، وسامره بالليل، وأنت أحق من أخذ بهداه، ~~واحتذى على مثاله، وورث أكروماته، فحمله المهدي معه، فمات ببغداد، رحمه ~~الله[ (1) ]. ### || ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان # قال: وذكروا أنه هاج بالمدينة هيج في ابتداء أيام أبي جعفر[ (2) ]، فبعث ~~إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر ms474 بن سليمان بن العباس، ليسكن هيجها وفتنها، ~~ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا على أهل الخلاف لهم، فأظهر الغلظة ~~والشدة، وسطا[ (3) ]بكل من ألحد في سلطانهم، وأشار إلى المنازعة لهم، وأخذ ~~الناس بالبيعة، وكان مالك، بن أنس رحمه الله لم يزل صغيرا وكبيرا محسدا، ~~وكذلك كل من عظمت نعمة الله عليه في علمه أو عمله، أو فهمه أو ورعه، فكيف ~~بمن [ (1) ]مات ببغداد سنة 196 ه، كان وزيرا للرشيد ثم تزهد وانقطع ~~للعبادة. أوصى عند موته أن يدفن على مزبلة، قال: لعله يرى مكاني فيرحمني. ~~(صفة الصفوة 2/317 البداية والنهاية حوادث سنة 196) . # [ (2) ]ولي جعفر بن سليمان المدينة سنة 146 بعد عزل عبد الله بن الربيع، ~~فقدمها في شهر ربيع الأول. وجاءت ولايته بعد ظهور محمد بن عبد الله. وذلك ~~بعد تسع سنوات من ولاية أبي جعفر المنصور. # [ (3) ]أي تسلط على الذين نكثوا بيعة أبي جعفر، وسلطان بني العباس. PageV02P199 # جمع الله ذلك فيه، ولم يزل منذ نشأ كذلك قد منحه الله تعالى العلم ~~والعمل، والفهم واللب والنبل، ووصل له ذلك بالدين والفضل، عرف منه ذلك ~~صغيرا، وظهر فيه كبيرا، واستلب الرئاسة ممن كان قد سبقه إليها، بظهور نعمة ~~الله عليه، وسموها به على كل سام، فاستدعى ذلك منهم الحسد له، وألجأهم ذلك ~~إلى البغي عليه، فدسوا إلى جعفر بن سليمان من قال له: إن مالكا يفتي الناس ~~بأن أيمان البيعة لا تحل، ولا تلزمهم لمخالفتك، واستكراهك إياهم عليها[ (1) ~~]، وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة أجمعين، لحديث @HAD020 رواه عن النبي ~~صلى الله عليه وسلم أنه قال: «رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه» ~~[ (2) ] فعظم ذلك على جعفر واشتد عليه وخاف أن ينحل عليه ما أبرم من بيعة ~~أهل المدينة، وهم أن يبدر فيه بما عافاه الله منه، وأنعم على المسلمين ~~ببقائه. فقيل له: لا تبدر فيه ببادرة، فإنه من أكرم الناس على أمير ~~المؤمنين، وآثرهم عنده، ولا بأس عليك منه، فلا تحدث شيئا إلا بأمر أمير ~~المؤمنين، أو يستحق ذلك ms475 عندنا بأمر لا يخفى على أهل المدينة. فدس إليه جعفر ~~بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من قبله، ومن مأمنه يؤتى الحذر[ ~~(3) ]، فسأله عن الأيمان في البيعة فأفتاه مالك بذلك طمأنينة إليه، وحسبة ~~فيه. فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن سليمان يأتيه، فأتوا به إليه منتهك ~~الحرية، مزال الهيبة، فأمر به فضرب سبعين سوطا، فلما سكن الهيج بالمدينة، ~~وتمت له البيعة، بلغ بمالك ألم الضرب حتى أضجعه. ### || إنكار أبي جعفر المنصور لضرب مالك # قال: وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر ضرب مالك بن أنس، وما أنزل به جعفر بن ~~سليمان أعظم ذلك إعظاما شديدا، وأنكره ولم يرضه، وكتب بعزل [ (1) ]قال ابن ~~الأثير إن مالك أفتى أهل المدينة أنهم إنما بايعوا مكرهين وليس على مكره ~~يمين فأسرع الناس إلى بيعة محمد بن عبد الله (الكامل 3/565) . وانظر وفيات ~~الأعيان 4/137 وابن الجوزي في شذور العقود وذكر الحادثة سنة 147. # [ (2) ]رواه في الحلية 6/352 وقال: غريب من حديث مالك تفرد عنه ابن مصفى ~~عن الوليد بن مسلم. # [ (3) ]مثل عربي، يعني أن الضرر يأتي الشخص من الجهة التي يأمن إليها ~~كثيرا ويطمئن بها (الميداني 2/177) . PageV02P200 # جعفر بن سليمان عن المدينة[ (1) ]، وأمر أن يؤتى به إلى بغداد على قتب. ~~وولى على المدينة رجلا من قريش من بني مخزوم، وكان يوصف بدين وعقل وحزم ~~وذكاء، وذلك في شهر رمضان، من سنة إحدى وستين ومائة[ (2) ]. وكتب أبو جعفر ~~إلى مالك بن أنس، ليستقدمه إلى نفسه ببغداد، فأبى مالك، وكتب إلى أبي جعفر ~~يستعفيه من ذلك، ويعتذر له ببعض العذر إليه، فكتب أبو جعفر إليه: أن وافني ~~بالموسم العام القابل إن شاء الله فإني خارج إلى الموسم. ### || دخول مالك على أبي جعفر بمنى # قال: وذكروا أن مالكا حج سنة ثلاث وستين ومائة[ (3) ]، ثم وافى أبا جعفر ~~بمنى أيام منى، فذكروا أن مطرفا أخبرهم، وكان من كبار أصحاب مالك. قال: # قال لي مالك: لما صرت بمنى أتيت السرادقات، فأذنت بنفسي، فأذن لي، ثم خرج ms476 ~~إلي الآذن من عنده فأدخلني. فقلت للآذن: إذا انتهيت بي إلى القبة التي يكون ~~فيها أمير المؤمنين فأعلمني، فمر بي من سرادق إلى سرادق، ومن قبة إلى أخرى، ~~في كلها أصناف من الرجال بأيديهم السيوف المشهورة، والأجرزة المرفوعة، حتى ~~قال لي الآذن: هو في تلك القبة، ثم تركني الآذن وتأخر عني، فمشيت حتى ~~انتهيت إلى القبة التي هو فيها فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذي يكون فيه إلى ~~البساط الذي دونه، وإذا هو قد لبس ثيابا قصدة[ (4) ]، لا تشبه ثياب مثله، ~~تواضعا، لدخولي عليه، وليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت، فلما ~~دنوت منه، رحب بي وقرب، ثم قال: هاهنا إلي، فأوميت للجلوس. فقال: هاهنا، ~~فلم يزل يدنيني حتى أجلسني إليه، ولصقت ركبتي [ (1) ]تقدم أن أبا جعفر لم ~~يحج عام 148 ه، وقد روى ابن الجوزي أن حادثة ضرب مالك حصلت سنة 147. وقد ~~جرى عزل جعفر بن سليمان عن المدينة سنة 150 قال الطبري: وولى المنصور مكانه ~~الحسن بن زيد بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب العلوي (ج 8/32) وفي تاريخ ~~خليفة ص 430: عزله سنة 149 وولى مكانه عبد الصمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس بن عبد المطلب. ويذكر الطبري أن عبد الصمد ولي المدينة بعد عزل الحسن ~~بن زيد عنها سنة 155. # [ (2) ]كذا بالأصل، وهو خطأ فاحش، والمعروف أن أبا جعفر مات سنة 158. ~~لعله يريد سنة 151، أو حرفت من الناسخ. # [ (3) ]انظر الحاشية السابقة. # [ (4) ]أي بسيطة رخيصة الثمن. PageV02P201 # بركبتيه. ثم كان أول ما تكلم به أن قال: والله الذي لا إله إلا هو يا أبا ~~عبد الله ما أمرت بالذي كان، ولا علمته قبل أن يكون، ولا رضيته إذ بلغني ~~(يعني الضرب) . قال مالك: فحمدت الله تعالى على كل حال، وصليت على الرسول ~~صلى الله عليه وسلم، ثم نزهته عن الأمر بذلك، والرضا به. ثم قال: يا أبا ~~عبد الله، لا يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني إخالك أمانا ms477 ~~لهم من عذاب الله وسطوته، ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، فإنهم ما علمت ~~أسرع الناس إلى الفتن، وأضعفهم عنها، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وقد أمرت أن ~~يؤتى بعدو الله من المدينة على قتب[ (1) ]، وأمرت بضيق مجلسه، والمبالغة ~~في امتهانه، ولا بد أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت له: ~~عافى الله أمير المؤمنين، وأكرم مثواه، قد عفوت عنه، لقرابته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم منك. قال أبو جعفر: وأنت فعفا الله عنك ووصلك. قال ~~مالك: ثم فاتحني فيمن مضى من السلف والعلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس، ثم ~~فاتحني في العلم والفقه، فوجدته أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، وأعرفهم بما ~~اختلفوا فيه، حافظا لما روي، واعيا لما سمع، ثم قال لي: يا أبا عبد الله ضع ~~هذا العلم ودونه، ودون منه كتبا، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد ~~الله بن عباس، وشواذ ابن مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور، وما اجتمع عليه ~~الأئمة والصحابة رضي الله عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ~~ونبثها في الأمصار، ونعهد إليهم أن لا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها، فقلت ~~له: أصلح الله الأمير، إن أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم ~~رأينا. فقال أبو جعفر: يحملون عليه، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ~~ظهورهم بالسياط، فتعجل بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل ~~إن شاء الله إلى المدينة، ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء الله، ~~قال مالك: فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة، يظهر القبة التي كنا ~~فيها. فلما نظر إلي الصبي فزع، ثم تقهقر فلم يتقدم. فقال له أبو جعفر: تقدم ~~يا حبيبي، إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز، ثم التفت إلي فقال: يا ~~أبا عبد الله، أتدري لم فزع الصبي ولم يتقدم؟فقلت: # [ (1) ]القتب: بفتح القاف والتاء، البرذعة الصغيرة على قدر سنام البعير ~~وهي مهينة، يريد أنه أهانه واستخف به. PageV02P202 # لا. ms478 فقال: والله استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحدا غيرك قط، فلذلك ~~قهقر. قال مالك: ثم أمر لي بألف دينار علينا ذهبا، وكسوة عظيمة، وأمر لا ~~بني بألف دينار، ثم استأذنته فأذن لي، فقمت فودعني ودعا لي، ثم مشيت ~~منطلقا، فلحقني الخصي بالكسوة فوضعها على منكبي، وكذلك يفعلون بمن كسوة، ~~وإن عظم قدره، فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها، ثم يسلمها إلى غلامه، فلما ~~وضع الخصي الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي، كراهة احتمالها، وتبرءوا ~~من ذلك، فناداه أبو جعفر: بلغها رحل أبي عبد الله. ### || ما قال أبو جعفر لعبد العزيز بن أبي رواد[ (1) ] # قال: وذكروا أن أبا جعفر لما دخل في الطواف بالبيت لقي عبد العزيز بن أبي ~~رواد في الطواف، فقبض على يده، ثم قال له: أتعرفني؟قال: لا. إلا أن قبضتك ~~قبضة جبار[ (2) ]. فقال له: أنا أبو جعفر أمير المؤمنين، فسلني من حوائجك ~~ما شئت أقضها. قال: أسألك برب هذا البيت أن لا ترسل إلي بشيء حتى آتيك ~~طوعا. فقال له أبو جعفر: ذلك لك، فأقبل يمشي بمشيته في طوافه، وكان شيخا ~~كبيرا ضعيفا. فتأنف بقربة، وثقل عليه كلامه. فقال: أسألك، بحرمة هذا البيت ~~إلا تنحيت عني، فتنحى عنه أبو جعفر وخلى سبيله وكان عبد العزيز بن أبي رواد ~~هذا لا يرفع رأسه إلى السماء، تخشعا لله، فأقام كذلك أربعين سنة. ### || قدوم المهدي إلى المدينة # قال: وذكروا أن مالك بن أنس لما أخذ في تدوين كتبه، ووضع علمه قدم عليه ~~المهدي بن أبي جعفر، فسأله عما صنع فيما أمره به أبو جعفر، فأتاه بالكتب ~~وهي كتب الموطأ، فأمر المهدي بانتساخها، وقرئت على مالك. فلما أتم قراءتها: ~~أمر له بأربعة آلاف دينار، ولابنه بألف دينار. # [ (1) ]هو مولى المغيرة بن المهلب بن أبي صفرة، ذهب بصره عشرين سنة ولم ~~يعلم به أهله وأولاده. # سمع من كبار التابعين ومات سنة 159 (صفة الصفوة 2/229) . # [ (2) ]الخبر في صفة الصفوة 2/229 باختلاف. وفي العقد الفريد 3/165 بين ~~أبي جعفر وسفيان الثوري. أيضا ms479 باختلاف وزيادة. PageV02P203 ### || موت أبي جعفر المنصور واستخلاف المهدي # قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ست وستين ومائة[ (1) ]قدم أبو جعفر مكة، ~~فلما قضى حجة احتضر ثلاثة أيام[ (2) ]، ثم توفي في اليوم الرابع، وولى ~~ابنه محمد المهدي وكان معه يومئذ بمكة وأخوه جعفر ببغداد، وكان قد عهد إليه ~~أبو جعفر. # فلما قفل المهدي إلى بغداد أتاه رجل فقال له: أدرك أخاك جعفرا[ (3) ]، ~~فإنه قد هم بمنازعتك، وهو يريد خلعك، فأخذ في السير، ومعه الجنود والأموال، ~~وصناديد الرجال من العراق، ورجال العرب، ووجوه قريش. فلما قدم العراق اعتذر ~~إليه جعفر مما رفع إليه عنه، وحلف له أنه ما نوى ولا أراد منازعته، ولا ~~أشار إلى خلافه، ولا هم به، فقبل منه المهدي ذلك، وعفا عنه، وكان كريما ~~سخيا حليما، فلما كان سنة سبع وستين ومائة قدم حاجا، فدخل المدينة زائرا ~~لقبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فدخل عليه مالك، فحضه على الإحسان إلى ~~أهل المدينة، وحدثه بفضلها وفضل أهلها، و@HAD028 يقول رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم فيها: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب (وهي المدينة) ~~تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد، ثم قال يا أمير المؤمنين: أفليس ~~هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها وعلى جوار رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم؟ فقال المهدي: بلى والله يا أبا عبد الله، حتى لا أجد إلا مثل ~~هذا، ومد يده ليأخذ من الأرض شيئا فلم يجده. ثم قال صدقت فيهم وبررت، وحضضت ~~على الرشد، فأنت أهل أن يطاع أمرك، ويسمع قولك، فأمر بخمسة أبيات مال، ~~والبيت عندهم خمسمائة ألف، وأمر مالكا أن يختار من تلامذته رجالا يثق بهم، ~~ويعتمد عليهم، يقسمونها على أهل المدينة، ويؤثرون أهل بيت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وأهل بيت أبي بكر وعمر وعثمان، ثم أهل بيوت المهاجرين ~~والأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، ففعل فأغنى أهل المدينة عامهم ذلك. # [ (1) ]كذا بالأصل، وقد تقدم أن أبا جعفر مات سنة 158 على المشهور. # [ (2) ]مات عند وصوله ms480 إلى بئر ميمون (الطبري-ابن الأثير) وفي مروج الذهب: ~~في الموضع المعروف ببستان بني عامر من جادة العراق وقيل: مات بالبطحاء عند ~~بئر ميمون وكانت وفاته ليلة السبت لست خلون من ذي الحجة. # [ (3) ]في الطبري 8/32 مات جعفر بن أبي جعفر الأكبر سنة 150 وانظر ابن ~~الأثير 3/605. PageV02P204 ### || ذكر استخلاف هارون الرشيد # قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ثلاث وسبعين ومائة توفي المهدي، وذلك أنه ~~خرج يوما إلى بعض المنازل[ (1) ]، ومعه أهله وبعض بنيه[ (2) ]، وكان قد ~~ذكر أن يستخلف ابنه عبد الله بعده، ثم غفل عن ذلك وتركه، فحمل عبد الله ~~الحرص والطيش إلى أن دس على أبيه بعض الجواري المتمكنات منه بسمه[ (3) ]، ~~وبذل لها على ذلك الأموال، ومناها أماني الغرور. فلما سمته، ووصل إليه ~~السم، عرف المهدي أنه قد قتل، فدعا كاتبه فقال له: عجل واكتب عهد هارون ~~الرشيد، وخذ بيعة الجند، وأمراء الأجناد، واكتب بذلك إلى ولاة الأمصار، ~~وكان الرشيد أصغر بنيه، وكان ابن أمة، لا يطمع في خلافة، ولا يظن بها، ~~فأدخله على نفسه وهو يجود بها، والرشيد لا يعلم أنه مستخلف. فقال له ~~المهدي: أي بني، والله ما أردت استخلافك، ولا هممت به لحداثة سنك، وقد كان ~~قال لي جدك أبو جعفر، وأنت يومئذ قد ترعرعت في أول رؤية رآك: إن ابني هذا ~~الأعين[ (4) ]سيلي هذا الأمر، ويسير فيه سيرة صالحة، فقلت: يا أبت، أتظن ~~ذلك؟قال: ما هو بالظن، ولكنه اليقين، ويكون ملكا بضعا وعشرين سنة، وتقتله ~~الحمى الربع[ (5) ]، فاندفع الرشيد باكيا فقال له: ما يبكيك، يا فتى؟قال: ~~يا أبت، إنك والله نعيت لي نفسي، وعرفتني متى أموت، ومم أموت؟قال: هو ذاك، ~~فشمر، واجتهد [ (1) ]في مروج الذهب 3/377 «مات بقرية يقال لها ردين» وهي من ~~قرى ماسبذان. وكان موته على المشهور سنة 169. قال في المروج: ليلة الخميس ~~لسبع بقين من المحرم. # [ (2) ]كان معه ابنه هارون الرشيد، وكان موسى الهادي قد خرج إلى جرجان. # [ (3) ]في سبب موته أقوال: # -أنه خرج يصيد، فاقتحم به فرسه باب خربة فصدمه ومات ms481 (الطبري-تاريخ ~~اليعقوبي) . # -قيل إنه مات مسموما بقطائف أكلها (مروج الذهب) . # -قيل إنه مات بكمثرتين إحداهما مسمومة سممتها جارية له كانت تقصد قتل ~~وصيفة لها فمرت أمام المهدي وهي تحمل الكمثرى-وكان يحب الكمثرى فدعا ~~بالجارية التي تحملها وتناول إحداهما-المسمومة-فمات (الطبري) وقال ابن ~~الأثير 4/5 في سبب خروجه إلى ماسبذان، أنه قد عزم على خلع موسى الهادي ~~والبيعة للرشيد بولاية العهد وتقديمه على الهادي فبعث إليه، وهو بجرجان في ~~المعنى فلم يفعل، فبعث إليه في القدوم عليه... وامتنع.. فسار المهدي يريده. ~~(وكان موته هناك على ما ذكرنا) . # [ (4) ]الأعين: شديد سواد العين، واسعها. # [ (5) ]الحمى الربع: التي تأتي المريض يوما وتسكت يومين ثم تأتي في اليوم ~~الرابع (القانون في الطب لابن سينا) . PageV02P205 # وجد، وخذ بالحزم والكرم، ودع الإحن، وانظر أخاك عبد الله فلا يناله منك ~~مكروه، فقد عفوت عنه. فقال الرشيد: يا أبت، وتعفو عنه، وقد أتى ما ذكرت، ~~وصنع ما وصفت؟قال يا بني: وما علي أن أعفو عمن أكرمني الله على يديه، وأرجو ~~أن يغفر لي بصنيعته، بي إن شاء الله. عليك يا بني بتقوى الله العظيم ~~وطاعته، فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجارة، وأوصيك بإخوتك خيرا، وأهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم، ~~واغفر زلاتهم، وأوصيك بأهل الحرمين خيرا، فقد علمت من هم، وأبناء من هم، ~~أجزل لهم العطاء، وأحسن لهم الجزاء، يكافئك الله في الآخرة والأولى. # ثم توفي المهدي من يومه ذاك، واستخلف الرشيد[ (1) ]، وخرج إلى الناس ~~يبايعهم بوجه طلق ولسان سلط، فبايعوه ببغداد، وذلك يوم الخميس من المحرم ~~سنة ثلاث وسبعين ومائة[ (2) ]، وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد ~~الجامع، فلم يختلف عليه أحد. ولا كره خلافته مخلوق، فأحسن السيرة، وأحكم ~~أمر الرعية، وكان أوحد أهل بيته، ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله، رحمه الله. ### || قدوم هارون الرشيد المدينة # قال: وذكروا أنه لما كانت سنة أربع وسبعين ومائة، خرج هارون حاجا إلى ~~مكة، فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة والسلام، ms482 فبعث إلى مالك بن ~~أنس، فأتاه، فسمع منه كتابه الموطأ، وحضر ذلك يومئذ فقهاء الحجاز والعراق ~~والشام واليمن، ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك الموسم مع الرشيد وسمع ~~وسمعوا من مالك موطأه الذي وضع، وكان قارئه يومئذ حبيب كاتب الرشيد. # [ (1) ]كذا بالأصل، وهو خطأ فاحش، فالمعروف أن المهدي-وإن كان حسب رواية ~~ابن الأثير يريد عزل الهادي عن ولاية عهده وتقديم الرشيد-كان قد كتب بولاية ~~عهده لابنه موسى الهادي ومن بعده لابنه هارون الرشيد. وبعد ما مات المهدي ~~بويع للهادي، وهو بجرجان، ثم وافى بغداد لعشر بقين من صفر سنة 169 (انظر ~~الطبري-اليعقوبي-خليفة-مروج الذهب-ابن الأثير- البداية والنهاية-الأخبار ~~الطوال) ومات موسى الهادي بعيساباذ نحو مدينة السلام سنة سبعين لاثنتي عشرة ~~ليلة بقيت من شهر ربيع الأول. وكانت خلافته سنة وثلاثة شهور (مروج الذهب ~~3/397) . # [ (2) ]تقدم أن المهدي مات سنة 169 ه. PageV02P206 # فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق: هل أنكرتم شيئا من هذا ~~العلم؟قالوا: ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر الدماء، والتدمية في القتل، ~~فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله، يقول الرجل: قتلني فلان فيقبل ~~منه، ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا، ثم يقتل، ولعل أولياءه لم ~~يحضروا، ولم يكونوا بمصر، فيعرض بهم الحنث في الإيمان، فيقبل قول رجل من ~~غيره، وهو لا يقبل في ربع دانق[ (1) ]يدعيه إلا ببينة تقوم، إن هذا لهو ~~الضلال[ (2) ]. وقد @HAD038 قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح ~~الذي رواه ابن عباس حيث قال: «لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء أقوام ~~وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى واليمين على من أنكر» [ (3) ]. قال ~~الرشيد: ويحكم، إن في كتاب الله ما يصدق ذلك، ولا إخال أبا عبد الله أخذه ~~إلا من كتاب الله فاستثبتوه. فأرسل إليه فأقبل. فقال هارون: يا أبا عبد ~~الله، إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في الإنكار عليك فيما وضعت في ~~موطئك من التدمية. وتصديق قول من ادعى، وأنت وهم تزعمون بطل دعوى من ادعى ms483 ~~على رجل دانقا إلا ببينة تقوم له، فأخبر القوم، وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا ~~معك عليهم، فإني لا أعلم بعد أمير المؤمنين أحدا أعلم منك، فقال مالك: يا ~~أمير المؤمنين، إن مما يصدق القسامة[ (4) ]، ما في كتاب الله من القتل، ~~والأخذ بالدم الذي كان في بني إسرائيل. # قال الله عز وجل: @QUR@02 اضربوه ببعضها [البقرة: 73]فذبحت البقرة، ثم ~~ضربوه بعضو من أعضائها[ (5) ]، فحيي القتيل، ثم تكلم. فقال: فلان قتلني، ~~فقتله موسى بن عمران عليه السلام بقوله ذلك، وهو حكم التوراة، فيها هدى ~~ونور [ (1) ]الدانق: سدس درهم. # [ (2) ]راجع رأي مالك في الموطأ-كتاب القسامة ص 633 وما بعدها. # [ (3) ]أخرجه البخاري في الرهن (6) والترمذي في الأحكام (11) وابن ماجة ~~في الأحكام (7) . # [ (4) ]القسامة بالفتح قال في النهاية: «اليمين، كالقسم، وحقيقتها أن ~~يقسم من أولياء الدم خمسون نفرا عن استحقاقهم دم صاحبهم، إذا وجدوه بين قوم ~~ولم يعرف قاتله، فإن لم يكونوا خمسين أقسم الموجودون خمسين يمينا ولا يكون ~~فيهم صبي ولا امرأة ولا مجنون ولا عبد، أو يقسم بها المتهمون على نفي القتل ~~عنهم، فإن حلف المدعون استحقوا الدية. وان حلف المتهمون لم تلزمهم الدية. # وقد أقسم يقسم قسما وقسامة إذا حلف» . # [ (5) ]اختلفوا في البعض الذي ضرب به القتيل فقيل لسانها وقيل فخذها ~~اليمنى وقيل ذنبها وقيل العظم الذي يلي الغضروف وهو أصل الكتف وقيل البضعة ~~بين الكتفين (تفسير الرازي 1/125) . PageV02P207 # يحكم بها النبيون الذين أسلموا، فالذين أسلموا: محمد صلى الله عليه وآله ~~وسلم وأصحابه، @HAD029 وقد حكم بالتوراة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، في المرجوم اليهودي الذي زنى، فرجمه رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، وقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه أن يهوديا لقي جارية من جواري ~~الأنصار في بعض أنقاب المدينة، وعليها أوضاح[ (1) ]من ذهب وورق، فأخذ ~~الأوضاح منها، وشدخ رأسها بين حجرين، فأدركت الجارية وبها رمق، فاتهم بها ~~اليهود، فأتي بهم، فعرضوا عليها رجلا رجلا وهي لا تتكلم، حتى أتي بصاحبها ~~الذي قتلها فعرفته. فقيل له: هذا الذي ms484 قتلك؟فأومأت برأسها أن نعم، فأمر ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فشدخ رأسه بين حجرين، فهذا يا أمير ~~المؤمنين حكم الدماء، والقسامة فيها سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم والخلفاء، فقنعوا منه بذلك، وصاروا إلى الرضا بقوله، والتصديق ~~لروايته، والتسليم لتأويل ما تأول من القرآن الكريم. ثم قال له مالك: إن ~~أباك يا أمير المؤمنين بعث إلي في هذا المجلس كما بعثت إلي، وحدثته بما ~~حدثتك به في شأن أهل المدينة، وما يصبرون عليه من البلاء، وشدة الزمان، ~~وغلاء الأسعار، صبرا على ذلك، واختيارا لجوار قبر رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم. فقال هارون: ذلك هو أبي وأنا ابنه، وسوف أفعل ما فعل، وأمر لأهل ~~المدينة بعشرة أبيات مال[ (2) ]، ضعف ما أمر به المهدي، وكان أبو يوسف ~~القاضي مع الرشيد يومئذ، فسأله أن يجمع بينه وبين مالك، ليكلمه في الفقه. ~~فقال الرشيد لمالك: # كلمه يا أبا عبد الله، فأنف من ذلك مالك، وتنزه عنه، وقال لهارون: ها هنا ~~من فتيان قريش من تلامذتنا، من يبلغ حاجة أمير المؤمنين، ويخصمه[ (3) ~~]فيما يتكلم به، ويذهب إليه، فسر ذلك الرشيد حين أضاف ذلك إلى قريش. فقال: ~~من هو؟فقال: المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي[ (4) ]، فبعث إليه الرشيد ~~فجمعه بأبي يوسف فقال: كلمني بما بدا لك أجاوبك. فقال أبو يوسف القاضي[ ~~(5) ]: يا أمير [ (1) ]الأوضاح: جمع وضح بفتح الواو والضاد: من حلي النساء. ~~والورق: الفضة. # [ (2) ]قال الطبري: 8/239 فقسم في أهلها (المدينة) مالا عظيما. # [ (3) ]خصمه: يخاصمه في أمر ما وينتصر عليه في الخصومة. # [ (4) ]هو عبد الرحمن بن الحارث المخزومي فقيه أهل المدينة، عرض عليه ~~الرشيد قضاء المدينة فرفض، مات سنة 186 ه. (الكاشف) . # [ (5) ]هو يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري أبو يوسف. مات سنة 182 ه. ~~(العبر 1/219-تذكرة PageV02P208 # المؤمنين إن هؤلاء، يعني مالكا وأصحابه، يقضون بغير ما في كتاب الله، ~~يقول الله عز وجل: @QUR@05 (وأشهدوا ذوي عدل منكم) [الطلاق: 2]وقال: ~~@QUR@05 (واستشهدوا شهيدين من رجالكم) [البقرة: 282]وهؤلاء يقضون باليمين ~~مع الشاهد، ms485 ولا نسمع أن الله تعالى ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء، ولم يصح ~~عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قضى به، وإنما يدور هذا الحديث الذي روى ~~فيه سهيل عن أبي صالح عن أبيه، ثم نسبه سهيل، فكان يحدث ويقول: @HAD017 ~~حدثني ربيعة عن أبي هريرة: «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين ~~مع الشاهد» فلما نسبه سهيل بطل الخبر، وأثبت أصله، فلا معنى لذكره. قال ~~المغيرة: قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى به علي بالكوفة، فقال ~~أبو يوسف: أنا أكلمك بالقرآن، وأنت تكلمني بأفعال الناس، أتراك تعرفني ~~بهذا، وبما قضى به علي وغيره؟فقال المغيرة: فأنت كافر بنبي قضى باليمين مع ~~الشاهد، أو مؤمن به؟فسكت أبو يوسف فحجه المغيرة. فسر بذلك الرشيد، وأمر ~~للمغيرة بألف دينار. ثم أرسل الرشيد إلى مالك فقال: ما تقول في هذا المنبر، ~~فإني أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي سفيان وأرده إلى الثلاث درجات، ~~التي كانت بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فقال له مالك: لا تفعل يا ~~أمير المؤمنين، فإنما هو من عود ضعيف قد تخرمته المسامير، فإن نقضته تفكك، ~~وذهب أكثره، ومع هذا إنه يا أمير المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن ~~عليه أن ينتقل عن المدينة، يأتي بعدك أحد فيقول أو يقال له: ينبغي لمنبر ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكون معك حيث كنت، فإنما المنبر للخليفة، ~~فينتقل كما انتقل من المدينة كل ما كان بها من آثار رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وما أعلم أنه ترك له عليه الصلاة والسلام بها نعل ولا شعر ولا ~~فراش ولا عصا ولا قدح ولا شيء مما كان له هاهنا من آثاره إلا وقد انتقل. ~~فأطاعه الرشيد، وانتهى عن ذلك برأي مالك بن أنس وكان ذلك رحمة من الله لأهل ~~المدينة، وتثبيتا لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. # [ () ]الحفاظ 1/292-البداية والنهاية 10/180-سير أعلام النبلاء 12/141) . PageV02P209 ### || مسير الرشيد إلى الفضيل[ ms486 (1) ]بن عياض # قال: وذكروا أن الرشيد كان كثيرا ما يتلثم، فيحضر مجالس العلماء بالعراق ~~وهو لا يعرف. وكان قد قسم الأيام والليالي على سبع ليالي: فليلة للوزراء، ~~يذاكرهم أمور الناس، ويشاورهم في المهم منها، وليلة للكتاب يحمل عليهم ~~الدواوين، ويحاسبهم عما لزم من أموال المسلمين، ويرتب لهم ما ظهر من صلاح ~~أمور المسلمين، وليلة للقواد، وأمراء الأجناد يذاكرهم أمر الأمصار ويسألهم ~~عن الأخبار، ويوقفهم على ما تبين له من صلاح الكور وسد الثغور، وليلة ~~للعلماء والفقهاء يذاكرهم العلم ويدارسهم الفقه، وكان من أعلمهم، وليلة ~~للقراء والعباد يتصفح وجوههم، ويتعظ برؤيتهم، ويستمع لمواعظهم، ويرقق قلبه ~~بكلامهم، وليلة لنسائه وأهله ولذاته، يتلذذ بدنياه، ويأنس بنسائه، وليلة ~~يخلو فيها بنفسه، لا يعلم أحد قرب أو بعد ما يصنع، ولا يشك أحد أنه يخلو ~~فيها بربه، يسأله خلاص نفسه، وفكاك رقه. فبينما هو يوما في مجلس محمد بن ~~السماك، وقد قصد لرؤيته يسمع لموعظته، ولا يعلم أحد بمكانه، فسمع بعض أهل ~~المجلس يذكر الفضيل بن عياض، ويصف فضله وعبادته، وعلمه وروعه، فاشتهى النظر ~~إليه، ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل بغداد وعالمهم، وكان الفضيل بن ~~عياض يسكن الغيران. فلما قربا من موضعه قال عبد الله بن المبارك: # يا أمير المؤمنين إن الفضيل إن عرفك وعرف مكانك لم يأذن لك عليه، ويسفر ~~عنك. فقال هارون: تستأذن أنت عليه، وتخفي مكاني عنه، حتى يأذن بالدخول ~~فاستأذن عليه ابن المبارك. قال الفضيل: من بالباب؟قال: ابن المبارك. قال: # مرحبا يا أخي وصاحبي، فقال ابن المبارك: ومن معي يدخل؟فقال الفضيل: # ومن معك؟قال: رجل من قريش. فقال الفضيل: لا إذن، لا حاجة لي برؤية أحد من ~~قريش. فقال له ابن المبارك: إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان، فقال ~~له الفضيل: أو ما علمت أن إبليس أفقه الناس؟فقال له ابن المبارك: إنه سيد ~~قريش في زمانه هذا وفوقهم، وإنما عنى أنه فوقهم في الدنيا وسيدهم، فقال له ~~الفضيل: فإن كان كما تقول فليدخل، فدخل الرشيد فسلم عليه، ثم جلس ms487 [ (1) ]في ~~النسخ المطبوعة: «الفضل» تحريف. وقد جرى تصحيحه في كل مواضع الخبر. PageV02P210 # بين يديه، فتحدثوا ساعة. فقال له ابن المبارك: يا أبا الحسن، أتدري من ~~هذا؟ قال: لا أدري. فقال له: هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين، فنظر ~~إليه الفضيل بن عياض ساعة، ثم قال: هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ~~ويؤاخذ بها، لئن كان العفو والغفران يسعك مع ما أنت فيه، إن هذا لهو الفضل ~~المبين، وكان الرشيد من أجمل الناس خلقا، وأحسنهم نطقا، وأبلغهم لسانا، ~~وأعذبهم كلاما، وأكثرهم علما وفهما، ثم جعل الفضيل بن عياض يعظه ويخوفه حتى ~~بكى هارون بكاء شديدا. قال ابن المبارك: ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد ~~يومئذ، ثم أفاق من بكائه، فجعل الفضيل يذكر مثالبه، ومثالب أهل بيته، ~~ورداءة سيرتهم، وخلافهم الحق، ثم لم يدع شيئا يعيبه به، ولا أمرا ينتقصه ~~فيه إلا واستقبله به. فقال له الرشيد: يا أبا الحسن، أما لك ذنوب تخاف أن ~~تهلك بها إن لم يغفرها الله لك؟فقال الفضيل: بلى. فقال الرشيد: فما جعلك ~~بأحق أن ترجو المغفرة مني؟وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات، ويعفو عن ~~السيئات، ومع ذلك فإني والله ما كنت لأخير بين شيء وبين الله إلا اخترت ~~الله تعالى على ما سواه، الله الشاهد على قولي، والمطلع على نيتي وضميري، ~~وكفى به شهيدا. وأنا مع هذا ألي من الإصلاح بين الناس، والجهاد في سبيل ~~الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ما لا تليه أنت، فما جعلك أحق أن ~~ترجو المغفرة مني؟فسكت الفضيل ساعة ثم قال: ما ظلمك من حجك، ثم قام هارون ~~للخروج. فقال الفضيل: يا أمير المؤمنين، إني أخشى أن يكون العلم قد ضاع ~~قبلك كما ضاع عندنا، فقال الرشيد: أجل إنه ما قلت[ (1) ]. فلما قدم الرشيد ~~العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الأمصار كلها، وإلى أمراء ~~الأجناد، أما بعد: فانظروا من التزم الأذان عندكم، فاكتبوه في ألف من ~~العطاء، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب ms488 العلم وعمر مجالس العلم، ومقاعد ~~الأدب، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء، ومن جمع القرآن، وروى الحديث، ~~وتفقه في العلم واستبحر، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء، وليكن ذلك ~~بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر، من المعروفين به من علماء عصركم، ~~وفضلاء دهركم، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم، فإن الله تعالى يقول: # [ (1) ]خبر الرشيد مع الفضيل بن عياض روي باختلاف عما هنا قارن مع: حلية ~~الأولياء 8/106 صفة الصفوة 2/242 مروج الذهب 3/434 وفيات الأعيان 4/48. PageV02P211 # @QUR@09 (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) [النساء: 59]وهم ~~أهل العلم. قال ابن المبارك: فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن، ولا سابقا ~~للخيرات، ولا حافظا للمحرمات، بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام ~~يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم، ~~ويروي الحديث، ويجمع الدواوين، ويناظر المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة. ### || ذكر الحائك المتطفل # قال: وذكروا أن الرشيد[ (1) ]لما انصرف من الحجاز وصار بالرقة[ (2) ]قال ~~لوزيره عمرو بن مسعدة: ما زلت تكلمني وتستلطفني في الرخجي[ (3) ]حتى وليته ~~الأهواز، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما[ (4) ]وقضما، ولم يوجه إلي درهما، ~~فاخرج إليه من ساعتك هذه، حتى تحل ساحته، ثم لا تدع له حرمة إلا انتهكتها، ~~ولا أكرومة إلا أهنتها. ثم لا تسمع له حجة يرفعها، ولا تقبل منه كلمة ~~ينهيها، إن اعتذر فلا تقبل له عذرا، وإن قال فلا تقبل له قولا، فشر قائل، ~~وأكذب متظلم، فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج؟ ولكن ~~لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين، إذ كانت ولايته بسببي. فقلت: أخرج يا ~~أمير المؤمنين؟قال: فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما، فحلفت له، ثم ~~انحدرت إلى بغداد، ثم خرجت، فلما صرت بين دير هرقل وبين دير العاقول[ (5) ~~]، إذا رجل[ (6) ]يصيح: يا ملاح، يا ملاح، رجل منقطع. فقلت للملاح: قرب ~~إلى [ (1) ]الخبر في العقد الفريد 4/175 وصبح الأعشى ms489 1/142 بين المعتصم ~~وعمرو بن مسعدة. وهو خطأ. لأن عمرو بن مسعدة مات سنة 217 والمأمون حي، ~~وتولى المعتصم الخلافة سنة 218 ه. # [ (2) ]الرقة: بلد على الفرات. # [ (3) ]هو عمر بن الفرج الرخجي من أعيان الكتاب، والرخجي نسبة إلى الرخج ~~كورة ومدينة من نواحي كابل. وبقي الرخجي إلى أيام المتوكل حيث سخط عليه ~~(انظر مروج الذهب 4/117 ومعجم البلدان «رخج» ) . # [ (4) ]الخضم: الأكل مع ملء الفم وأكل الرطب. والقضم: أكل اليابس. يريد ~~أنه يأكل خيرات الأهواز جميعها. # [ (5) ]دير هرقل: دير مشهور بين البصرة وعسكر مكرم. ودير العاقول: بين ~~مدائن كسرى والنعمانية، وبينه وبين بغداد 15 فرسخا (معجم البلدان) . # [ (6) ]في صبح الأعشى: شاب على الشط يقول: PageV02P212 # الشط. فقال: يا سيدي هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك، قال الوزير: فلم ~~يلتفت إليه ولقوله، وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد، فلما حضر الغداء دعوته، ~~فكان يأكل أكل جائع بنهامة، إلا أنه نظيف الأكل، فلما رفع الطعام، أردت أن ~~يقوم ويغسل يديه في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان، فلم يفعل، فتشاغلت عنه ~~ليقوم، ثم قلت له: يا هذا ما صناعتك؟قال لي: حائك، فقلت في نفسي: # هذه شر من الأولى، ما ألوم غير نفسي، إذ لم أقبل ممن نصحني، وصرت أواكل ~~الحوكة. فقلت: توضأ يا أخي، فتوضأ، ثم قال لي: جعلت فداك: قد سألتني عن ~~صناعتي، فما صناعتك أنت؟فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى، وكرهت أن أذكر ~~الوزارة، وقلت: أقتصر على الكتابة. فقلت له: كاتب. فقال: إن الكتابة على ~~خمسة أصناف: كاتب رسائل، يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، والصدور ورقيق ~~الكلام، والتهاني والتعازي، والترهيب والترغيب، والمقصور والممدود، وجملا ~~من العربية. وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير، وشيات[ (1) ~~]الدواب، وحلي الناس ونعوتهم[ (2) ]. وكاتب قاض، يحتاج أن يكون عالما ~~بالشروط والأحكام، عارفا بالناسخ والمنسوخ من القرآن، والحلال، من الحرام، ~~والفروع والمواريث[ (3) ]. وكاتب شرطة، يحتاج أن يكون عالما بالجروح ~~والقصاص والديات، فقيها في أحكام الدماء، عارفا بدعوى التعدي. # وكاتب خراج، يحتاج أن يعرف الزرع والمساحة وضروب الحساب[ ms490 (4) ]، فأيهم ~~أنت أعزك الله؟قلت: فو الله ما قضى كلامه حتى صار أعظم الناس في نفسي ~~وأحبهم إلي، وصار كلامه عندي أشهى من الماء البارد العذب على الظمآن. # فقلت له: أصلحك الله، تقدم إلي، وادن مني أكلمك، وأقعدك المقعد الذي ~~يقعده مثلك، فلو لا أن من البر ما يكون عقوقا لأقعدتك مقعدي هذا. قال: # مقعدي الذي أنا به أولى بي. فقلت: أمتع الله بك، أنا كاتب رسائل. قال: # فأخبرني لو كان لك صديق تكتب إليه في المحبوب والمكروه، ويكتب إليك في ~~جميع الأسباب، فتزوجت أمه، كيف كنت تكتب إليه؟تهنئة أم تعزيه؟قلت: # [ (1) ]شيات الدواب: علاماتها. # [ (2) ]حلى الناس: جمع حلية أي صفة. # [ (3) ]في صبح الأعشى: ... والتأويل والتنزيل والمتشابه والحدود القائمة. # [ (4) ]زيد في العقد: والأشوال والطسوق والتقسيط. وفي الصبح: خبيرا ~~بالحساب والمقاسمات، والتقسيط. PageV02P213 # والله ما أدري كيف الوجه في هذا، وهو بالتعزية أولى منه بالتهنئة. قال: ~~صدقت، كيف كنت تعزيه؟فقلت: والله ما أقف على ما تقول. قال: فلست بكاتب ~~رسائل، فأيهم أنت؟قلت: كاتب خراج. قال: فما تقول أصلحك الله، وقد ولاك ~~السلطان عملا فبثثت عمالك فيه، فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك، فأردت أن ~~تنظر في أمرهم، وتنصفهم إذا كنت تحب العدل، وتؤثر حسن الأحدوثة وطيب الذكر، ~~وكان لأحدهم براح[ (1) ]، فأردت مساحته، كيف كنت تمسحه؟قلت: أضرب العطوف ~~في العمود، وانظر إلى مقدار ذلك. قال: إذا تظلم الرجل. قلت: فأمسح العمود ~~على حدته. قال: إذا تظلم السلطان. قلت: والله ما أدري[ (2) ]. قال: # لست بكاتب خراج، فأيهم أنت؟قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين اسم كل ~~واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع[ (3) ]الشفة العليا، والآخر مقطوع[ (3) ] ~~الشفة السفلى، كيف كنت تنعتهما وتحليهما؟فقلت: كنت أكتب أحمد الأعلم، وأحمد ~~الأعلم. قال: فكيف يكون هذا ورزق هذا مائتا درهم، ورزق ذاك ألف درهم، فيقبض ~~هذا عطاء ذاك، وذاك عطاء هذا، فتظلم صاحب الألف؟قلت: # والله ما أدري. قال: فلست بكاتب جند، فأيهم أنت؟قلت: كاتب قاض. # قال: فما تقول في رجل خلف سرية[ (4) ]وزوجة[ (5) ]، وكان للزوجة بنت، ~~وللسرية ابن، فلما كان ms491 تلك الليلة التي مات فيها الرجل، أخذت الحرة ابن ~~السرية فادعته، وجعلت ابنتها مكانه، فتنازعتا فيه، فقالت هذه[هذا]ابني، ~~وقالت هذه [هذا]ابني، كيف كنت تحكم بينهما وأنت خليفة القاضي؟قلت: والله ما ~~أدري. قال: فلست بكاتب قاض، فأيهم أنت؟فقلت: كاتب شرطة. قال: فما تقول في ~~رجل وثب على رجل، فشجه شجة موضحة[ (6) ]، فوثب عليه المشجوج فشجه شجة ~~مأمومة[ (7) ]، كيف كنت تقضي بينهما؟فقلت: ما أعلم. قال: فلست بكاتب شرطة. ~~فقلت: أصلحك الله: قد سألت ففسر لي ما ذكرت. فقال: # [ (1) ]في العقد والصبح: «قراح» وهو المزرعة التي ليس عليها بناء ولا شجر. # [ (2) ]قارن مع الصبح. # [ (3) ]في الموضعين في الصبح: مشقوق. # [ (4) ]السرية: بالضم، المملوكة يتسراها صاحبها. # [ (5) ]في صبح الأعشى: زوجة حرة. # [ (6) ]الموضحة من الشجاج: التي بلغت العظم فأوضحت عنه. # [ (7) ]المأمومة أي الضربة التي بلغت أم الرأس. PageV02P214 # أما الذي تزوجت أمه، فتكتب إليه: أما بعد، فإن أحكام الله تجري بغير محاب ~~المخلوقين، والله يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبر ~~أكرم لها، والسلام. # وأما البراح[ (1) ]: فتضرب واحدا وثلثا في مساحة العطوف، فمن ثم بابه. # وأما أحمد وأحمد: فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا: أحمد الأعلم. # والمقطوع الشفة السفلى: أحمد الأشرم. وأما المرأتان فيوزن لبن هذه ولبن ~~هذه، فأيهما كان أخف، فهي صاحبة البنت. وأما صاحب الشجة: فإن في الموضحة ~~خمسا من الإبل، وفي المأمومة ثلاثا وثلاثين وثلثا، فيرد صاحب المأمومة ~~ثمانية وعشرين وثلثا. فقلت: أصلحك الله؟فما أتى بك ها هنا؟قال: # ابن عم لي كان عاملا على ناحية، فخرجت إليه، فألفيته معزولا فقطع بي، ~~فأنا خارج أضطرب في المعاش. قلت: ألست قد ذكرت أنك حائك؟فقال: جعلت فداك، ~~إنما أحوك الكلام، ولست بحائك الثياب[ (2) ]. قال: فدعوت المزين فأخذ من ~~شعره، وأدخل الحمام وطرحت عليه من ثيابي، فلما صرت إلى الأهواز كلمت فيه ~~الرخجي، فأعطاه خمسة آلاف درهم، ورجع معي، فلما صرت إلى أمير المؤمنين ~~ألفيته قد توقد علي نارا، وامتلأ غيظا، وقد حلف بالمشي إلى الكعبة أن ~~ينالني منه يوم سوء، لطول مقامي، واشتغالي عنه بالرجل، ms492 فلما دخلت عليه قال: ~~ما كان من خبرك في طريقك، وما الذي شغلك بعد أمري لك. أن لا تلبث ببغداد ~~إلا يوما واحدا، ويمينك على ذلك؟فأخبرته خبري، حتى حدثته بحديث الرجل، ~~وقصتي معه، قال: لقد جئتني بأعظم الفوائد، فلأي شيء يصلح ويحك؟قلت: هو ~~والله يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالفقه والعلم، والحلال والحرام، ~~والهندسة والفلسفة، والحساب والكتابة. فولاه هارون البناء والمرمة[ (3) ]، ~~والمهم من الأمور، وأولاه على عمال الخراج يتقاضاهم ويحاسبهم، فكنت والله ~~ألقاه في المواكب العظيمة، فينحط عن دابته ساعيا، حتى يقبل على يدي يقبلها، ~~فأحلف عليه، فيقول: سبحان الله إنما هذه نعمتك، وبك نلتها، ويقول: # [ (1) ]في العقد والصبح: القراح. # [ (2) ]في الصبح: فقال: أنا حائك كلام لا حائك نساجة. # [ (3) ]المرمة: إصلاح المباني وترميمها. PageV02P215 # فلو أن للشكر شخصا يرى # إذا ما تأمله الناظر # لمثلته لك حتى تراه # فتعلم أني امرؤ شاكر # قال عمرو بن مسعدة: ثم قال لي هارون: ويحك، لما أبطأت حلفت بالمشي إلى ~~الكعبة أن ينالك مني يوم سوء، ولا والله ما هذا جزاؤك لدي فما الرأي؟فقلت: ~~يا أمير المؤمنين، أنت أعلى عينا، وأولى من بر يمينه. فقال: # والله ما أريد ذلك. قلت: فليكفر أمير المؤمنين عن يمينه، @HAD021 فإن ~~النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر، ~~وليأت الذي هو خير» : فقال: ويحك، إن العلماء لم يروا الكفارة في هذا، ~~وإنما تأولوا قوله عليه الصلاة والسلام في الأيمان بالله تعالى، وقد أجمعت ~~على المشي، والمضي إلى الكعبة راجلا. فقلت: أنى لك بذلك؟وكيف تصل ~~راجلا؟قال: لا بد من ذلك. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، فأمهل عامك هذا حتى ~~أسهل لك طريقا، وأحدد لك مراحل، وأوقت لك مواقيت يسهل عليك ذلك إن شاء ~~الله. قال: # ذلك لك. فأمر عمرو بالأنهار فعرجت عن مسيلها، وبالآكام والجبال فسويت، ~~وبالخنادق والأدوية فردمت، حتى صار ما بينه وبين مكة كالراحة الموزونة، ~~وصارت الأنهار والأودية تسايره على طريقه، ثم صنع له مراحل، قد حدد له عند ~~كل مرحلة حدا، وابتنى في ms493 كل مرحلة دارا، وكانت المرحلة بريدا، قدرها اثنا ~~عشر ميلا، ثم أمر بالمراحل ففرشت بالبسط الرهاوية[ (1) ]، ونصب له جدارا ~~بالستور، وسمكها بأكسية الخز الرفيع الملون، وقد ضرب عند كل فرسخ قبة ~~مزوقة، قد أقام فيها الفرش الممهدة، وقد أحاط بها الظلال الممدودة ~~بالرواقات الكثيفة، فيها أنواع الطعام والشراب وألوان الفواكه. فلما تم ~~صنعه ذلك، وأبرم أمره، قال: يا أمير المؤمنين، قد تم ما أردته، وكمل ما ~~حاولته، فانهض على اسم الله العظيم، وكانت زبيدة زوجته التي أغرته عليه، ~~وحملته على اليمين لمعاقبته، فخرج الرشيد ماشيا، ومعه دابته وزبيدة، فكانت ~~المرحلة تفرش، والستور تنصب، والسمك ترفع، فيمشي ثلاثة أميال، ثم ينزل في ~~قبة أمامها رواق، فينال راحته، ويصيب ما اشتهى من لذة في مأكل ومشرب، ثم ~~ينهض ثلاثة أخرى، فينزل على مثل ذلك، فإذا استكمل مشى أربعة فراسخ، نزل في ~~[ (1) ]الرهاوية نسبة إلى الرها، وهي مشهورة بها. PageV02P216 # قصر قد شيد له، ودار قد بنيت، فيها حمام طيب، ينال فيها راحته مع أهله، ~~ويصيب لذته مما شاء وكيف شاء، ثم يكسر فيه يوما، ثم يخرج في اليوم الثاني ~~إلى مثل ذلك، قد شايعه في طريقه الوزراء والقواد، وأمراء الأجناد والعلماء ~~والفقهاء، والجنود والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه في طريقه. إذا نزل ~~في الرواق صار الخصيان حوله، بحيث يسمعون كلامه، ولا يرون شخصه، فلا يشتهي ~~شيئا من معرفة أخبار الأمصار والبلدان، إلا وخط فيه كتابا، يأمر فيه ~~بإيصاله لحيث شاء من الأماكن، مسيرة الأيام والليالي، فيأتيه الجواب من ~~يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام، ويأتيه الجواب من يومه من مسيرة ~~شهر ونحوه على أجنحة الحمام، يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في الجو ارتفاعا ~~يغيب شخصه عمن في الأرض، وينقض على وطنه، وموضع فراخه، فإذا نزل لا يستقر ~~نزوله، حتى يؤخذ الكتاب من جناحه، فيجاوب بما أحب، ثم يسرح غيره، فيرتفع في ~~الجو حتى يوازي وطنه وموضعه من بعد تلك الأماكن التي عليها طريق أمير ~~المؤمنين، فيؤخذ الجواب منه، وقد صار الموكلون ms494 بذلك لا يهتمون بغير ما ~~قلدوا، ولا يتشاغلون بغير ما حملوا، فلم يزل كذلك ماشيا، حتى وصل إلى مكة ~~في ثلاثة أشهر، فقضى حجه، وشهد مناسكه ومشاعره، ثم انصرف قافلا إلى بغداد، ~~وذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين ومائة[ (1) ]. # فلما هم بالانصراف، وذكر القفول إلى العراق، رفع إليه أهل مكة كتابا ~~يسألونه فيه أن يولي عليهم قاضيا عدلا، فأدخلهم على نفسه، فقال: إن شئتم ~~فاختاروا منكم رجلا صالحا أوليه قضاءكم، وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق ~~رجلا لا آلوكم فيه إلا خيرا، فخرجوا فاختاروا رجلا، فاختلفوا فيه، فاختارت ~~طائفة منهم رجلا، واختارت أخرى رجلا آخر، فلما اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد ~~يذكرون اختلافهم. فقال لهم هارون: أدخلوا علي هذين الرجلين اللذين اختلفتم ~~فيهما، فإذا برجلين، أحدهما شيخ من قريش، والآخر غلام حدث من الموالي. فلما ~~نظر إليهما الرشيد قال للشيخ: ادن مني، فدنا منه، فقال له الرشيد: أيها ~~القاضي، إن بيني وبين وزيري هذا خصومة وتنازعا، فاقض بيننا بالحق. فقال ~~الشيخ: قصا علي قصتكما، فقصا عليه، فقال الشيخ: تقيم البينة يا أمير [ (1) ~~]قال في مروج الذهب 4/455 حج بالناس سنة 180 موسى بن عيسى بن محمد بن علي. # (الطبري 8/267) . PageV02P217 # المؤمنين على ما ذكرته، أو يحلف وزيرك هذا. فقال له هارون: إن أخي لا ~~يدافعني ما أقول، ولا ينكر إلا قليلا مما أدعي، فلم يزالا يرددان القول ~~بينهما ويتنازعان، حتى قضى القاضي لأمير المؤمنين على الوزير. فقال له: قم، ~~فقام عنه. ثم دعا بالغلام الحدث، الذي دعته الطائفة الأخرى، فدخل عليه. ~~فقال له: ادن مني، فدنا منه. فقال لها هارون: إن بيني وبين وزيري تنازعا ~~وخصومة، فاسمع منا قولنا، ثم اقض بيننا بالحق. قال لهما: إن مقعدكما مختلف، ~~ومجلسكما متناء، وأخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما، فإذا تفاضل مجلس ~~الخصوم اختلف بينهما القول، وكان صاحب المجلس الأرفع ألحن بحجته، وأدحض ~~لحجة صاحبه، وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الأرفع أكثر، وإليه أميل. ~~ولكن تقومان من مجلسكما هذا ms495 الذي قد استعليتما فيه، فتجلسا بين يدي، ثم ~~أسمع منكما قولكما، وأقضى لمن رأيت الحق له، ثم لا أبالي على من دار منكما. ~~فقال الرشيد: صدقت وبررت في قولك، فقام الرشيد، وقام عمرو بن مسعدة، حتى ~~صارا بين يديه جالسين. فلما جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلم. فقال له ~~القاضي: لو تركت هذا يتكلم، فإنه أسن منك. فقال الرشيد. إن الحق أسن منه. ~~فقال القاضي: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ومحيصة[ ~~(1) ]: كبر كبر. يريد ليتكلم عمكما، لأنه أسن منكما وأكبر، فتكلم عمرو بن ~~مسعدة، ثم تكلم الرشيد، وتنازعا الخصومة، وترافعا الحجة بينهما، حتى رأى ~~القاضي أن الحق لعمرو، فقضى له به على الرشيد، فلما قضى عليه قال لهما: ~~عودا إلى مجلسكما، فعادا، فعجب الرشيد من قضائه وعدله واحتفاظه، وقلة ميله، ~~فالتفت إلى عمرو فقال: إن هذا أحق بقضاء القضاة من الذي استقضيناه. فقال ~~عمرو: بلى والله، ولكن القوم أحق بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه، فدعا الرشيد ~~برجال مكة، فأدخلهم على نفسه، وأجزل لهم العطاء، وأحسن على قاضيهم الثناء. ~~ثم قال لهم: هل لكم أن تأذنوا أوليه قضاء القضاة، فيسير إلى العراق يقضي ~~بينهم؟فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين أنت أحق به نؤثرك على أنفسنا. # فأرسل إليه الرشيد فقال: إني قد وليتك قضاء القضاة، فسر إلى العراق لتقضي ~~[ (1) ]هما ابنا مسعود بن كعب بن عامر بن عدي... الأوسي الأنصاري، وحويصة ~~الأكبر، أسلم حويصة بعد أخيه محيصة، وكان محيصة أفضل من أخيه (أسد الغابة ~~4/334) . PageV02P218 # بينهم، وتولي القضاة في البلدان والأمصار من تحت يدك، وتوليتهم إليك، ~~وعزلهم عليك. فقال القاضي: إن يجبرني أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة، ~~وإن يخيرني في نفسي اخترت العافية، وجوار هذا البيت الحرام. فقال الرشيد: ~~ما ينبغي لي أن أدع المسلمين وفيهم مثلك، لا أوليه عليهم، فخذ على نفسك ~~فإني مصبح على ظهر إن شاء الله. فخرج الرشيد ومعه الفتى حتى قدم العراق، ~~فولاه القضاء، وجعل إليه قضاء القضاة، فلم يزل بها قاضيا ms496 حتى توفي، وذلك ~~بعد ثلاثة أعوام من توليته. فلما توفي اغتم الرشيد وشق عليه، فجعل الناس ~~يعزونه فيه علما منهم بما بلغ منه الغم عليه. فسأل عن قاض يوليه قاضي ~~القضاة في العراق بعد ذلك، فرفعت إليه تسمية عشرة رجال من خيار الناس ~~وعلمائهم وأشرافهم، فلما رفعت إليه التسمية، أمر بهم فأدخلوا عليه رجلا ~~رجلا، ليتفرس فيهم من يوليه القضاء، فنظر إلى رجل منهم توسم فيه الخير ~~والعلم فأمر به فقدم إليه. فلما صار بين يديه، قال له: ما اسمك؟قال: # معشوق. قال: فما كنيتك؟قال: أبو الهوى. قال: فما نقش خاتمك؟قال: دام الحب ~~دام، وعلى الله التمام. فقال له: قم لا قمت. ثم دعا بالآخر، وكان قد تفرس ~~فيه ما تفرس في صاحبه فقال له: ما نقش خاتمك؟فقال: @QUR@09 «ما لي لا أرى ~~الهدهد أم كان من الغائبين» فقال له أخرج. فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن ~~برمك، وكان ممن رفع إليه أسماءهم، فعنفه بهم، وقال: رفعت إلي أسماء ~~المجانين. قال له: والله ما في العراقيين أعقل من الرجلين اللذين سألت، ولا ~~أفضل منهما. فقال: ويحك إني اختبرت منهما جنونا. قال يحيى: إنهما والله ~~كانا كارهين لما دعوتهما إليه وإنما أرادا التخلص منك. قال: ويحك، أعدهما ~~علي، فطلبا فلم يوجدا. ### || ذكر الأعرابي مع هارون الرشيد # قال: وذكروا أن أعرابيا قدم على هارون الرشيد مستجديا، فأراد الدخول ~~عليه، فلم يمكنه ذلك، فلما رأى أنه لم يؤذن له، أتى عبد الله بن الفضل ~~الحاجب، فقال له: توصل كتابي هذا إلى أمير المؤمنين، وكان الرشيد قد عهد ~~إلى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو بعد، فأعطاه الأعرابي كتابا فيه ~~أربعة أسطر. السطر الأول فيه: الضرورة والأمل قاداني إليك. والثاني العدم PageV02P219 # يمنع من الصبر. والثالث: الانقلاب عنك بلا فائدة شماتة الأعداء. والرابع: # فإما «نعم» مثمرة!وإما «لا» مريحة[ (1) ]. فلما وصل الكتاب إلى الرشيد ~~قال: هذا رجل قد ساقته الحاجة، ووصلت إليه الفاقة، فليدخل، فدخل فقال له ~~الرشيد[ (2) ]: ارفع حاجتك يا أعرابي. فقال الأعرابي: إن ms497 مع الحاجة حويجات. # فقال له الرشيد: ارفع حاجتك وحويجاتك تقض كلها. قال الأعرابي: تأمر لي يا ~~أمير المؤمنين بكلب أصيد به، فضحك الرشيد ثم قال له: قد أمرنا لك بكلب تصيد ~~به. فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بدابة أركبها. فقال الرشيد: قد أمرنا ~~لك بدابة تركبها. فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بغلام يخدم الدابة. فقال ~~له الرشيد: قد أمرنا لك بغلام. قال الأعرابي: تأمر لي يا أمير المؤمنين ~~بجارية تطبخ لنا الصيد، وتطعمنا منه، فقال الرشيد: قد أمرنا لك بجاريتين، ~~جارية تؤنسك وجارية تخدمك. فقال الأعرابي: لا بد لهؤلاء، من دار يسكنونها. ~~فقال له الرشيد: قد أمرنا لك بدار، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين يصيرون ~~فيها عالة على الناس، وعلي كلالة، لا بد لهم من ضيعة تقيمهم. فقال له ~~الرشيد: قد اقتطعتك مائة جريب[ (3) ]عامرة ومائة جريب غامرة[ (4) ]، فقال ~~الأعرابي: أنا أقطعتك ألف ألف[ (5) ]جريب من أرض أخوالي بني أسد بالحجاز ~~تأمر بعمارتها، فضحك الرشيد وقال: قد أقطعتكها عامرة كلها. ثم قال الرشيد: ~~تمت حويجاتك كلها يا أعرابي؟فقال: نعم، وبقيت حاجتي العظمى. فقال له ~~الرشيد: ارفعها تقض. فقال أقبل رأسك[ (6) ]يا أمير المؤمنين، فقال له ~~الرشيد: هذا لا سبيل إليه. فقال [ (1) ]الخبر في عيون الأخبار 3/126 بين ~~بعض الحكماء وبعض ملوك العجم والعقد الفريد 1/100. # قال في عيون الأخبار: «فلما قرأها وقع على كل سطر زه، فأعطي ستة عشر ألف ~~مثقال فضة» وفي العقد: فلما قرأها وقع تحت كل سطر منها ألف مثقال وأمر له بها. # [ (2) ]هذا خبر جديد مستقل عن الذي قبله وقد ورد هذا الخبر في العقد ~~الفريد 1/263 بين أبي دلامة الشاعر والمهدي. وذكرت الرواية في الأغاني بين ~~أبي دلامة والمنصور، وقيل كانت بينه وبين السفاح (ترجمة أبي دلامة 10/236. ~~وفيهما باختلاف السياق عما هنا وانظر عيون الأخبار 3/128) . # [ (3) ]في العقد «ألفي جريب» والجريب من الأرض ثلاثة آلاف وستمائة ذراع، ~~وقيل: عشرة آلاف ذراع. # [ (4) ]الغامرة، المغمورة المجهولة. وفي الأغاني: ما لا نبات فيه. # [ (5) ]في الأغاني: ms498 «خمسمائة ألف» وفي العقد: خمسين ألفا. # [ (6) ]في الأغاني: أقبل يدك. PageV02P220 # الأعرابي: أتمنعني حقا هو لي، وتدفعني عما بذلت لي يا أمير المؤمنين!فقال ~~الرشيد: هذا الأمر لا يكون يا أعرابي، ولا سبيل إلى مثل هذا. فقال ~~الأعرابي: # لا بد من أن أصل إلى حقي، إلا أن أغصبه. فقال له الرشيد: يا أعرابي أشتري ~~منك هذا الحق الذي وجب لك. فقال له الأعرابي: هذا الحق مما لا يشترى، وهل ~~في الأرض من المال ما يكون ثمنا لهذا أو عوضا منه؟لا والذي نفسي بيده ما في ~~الدنيا صفراء ولا بيضاء يشترى بها هذا. فقال الرشيد: تبيعه ببعض ما تراه من ~~الثمن، فإنه لا يكون ولا يتوصل إليه. فقال له الأعرابي: فإذا قد أبيت ~~فأعطني مما أعطك الله، فأمر له بمائة ألف دينار، فأتي بها إليه. فقال ~~الأعرابي: # ما هذه؟فقيل له: هذه مائة ألف دينار تأخذها. فقال الأعرابي: هي للغرماء[ ~~(1) ] علي، وهم أولى بها مني، فضحك الرشيد، ثم أمر له بمائة ألف أخرى. فقال: # ما هذه؟فقيل له: مائة ألف ثانية، والأولى للغرماء، وهذه لك. فقال ~~الأعرابي: # هذه لضعفاء أهلي، يصلهم بها أمير المؤمنين، فبم أوسع على نفسي؟فأمر له ~~الرشيد بمائة ألف ثالثة. فقيل له: هذه مائة ألف ثالثة، توسع بها على نفسك ~~في معيشتك، أرضيت يا أعرابي؟فقال: نعم رضيت، فرضي الله عنك يا أمير ~~المؤمنين، وابني فضالة يقرأ السلام عليك، ويسألك مائة ألف، يستعين بها في ~~نكاحه، ويتزين بها في دنياه، وإنه قد جمع القرآن وعرف شرائعه وأحكامه، وعلم ~~ناسخه ومنسوخه، وتفنن في ضروب من العلم، وأحكم أنواع الأدب، وقد جمع ~~الدواوين والكتب، وتبحر في فهم الحديث والأثر، قد أخذ من كل علم أهذبه ومن ~~كل ضرب أمحضه إلى لب لبيب، وعقل رصين، وعلم ثابت، ونظر عجيب، وفضل ودين، ~~يصوم النهار كله، ويقوم الليل أكثره، وقد صار في كثير من الأهل والعيال، ~~وعدد من البنين والصبيان. فقال الرشيد: أولست تذكر يا أعرابي أنه يريد ~~الاستعانة على النكاح، والتوسع في المعاش، ثم أراك تصفه بكثرة ms499 العيال، وعدد ~~البنين والصبيان؟فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين إنه ذو ثلاث نسوة من ~~حرائر النساء، وتسعة من سرائر الإماء، وهو ذو خمسة من الولد من كل حرة، وذو ~~سبع بنات من كل أمة، ويبتغي نكاح الرابعة الحرة استتماما لما أمر الله به ~~في التنزيل المحكم، وأباح في كتابه الناطق، بكلامه الصادق. # فقال الرشيد: يا أعرابي لقد سألت كثيرا، فهلا سألت مائة ألف درهم ~~فتعطاها؟ [ (1) ]الغرماء: جمع غريم. المدينين المخاصمين. PageV02P221 # قال الأعرابي: فأعطه يا أمير المؤمنين تسعين ألف دينار، واحطط عنك عشرة ~~آلاف دينار. فقال الرشيد: والله لقد سألت كثيرا، وحططت قليلا. قال ~~الأعرابي: إنما سألتك يا أمير المؤمنين على قدرك، وحططت على قدري، فاختر ما ~~شئت. فقال الرشيد: يا أعرابي إنما تريد مغالبتي، لا غلبتني اليوم، فأمر له ~~بمائة ألف دينار ذهبا. فقال له أمير المؤمنين: أرضيت يا أعرابي؟فقال: ما ~~بقي لي شيء يا أمير المؤمنين إلا الحملان والكسوة، وطرائف الكوفة، وتحف ~~البصرة، وجوائز الضيافة وحقها. فقال الرشيد: وما يصلح لك من الحملان يا ~~أعرابي؟فقال: أقصد ما يكون دابة للجمال، وأخرى للحملان وثلاثة للاسترحال، ~~ولا بني مثل ذلك، ومن الكسوة ما لا بد منه من ثياب المهنة والاستشعار، وما ~~لا غنى عنه من الوطاء والدثار، مع رائع الثياب التي تكون للجمال والجماعات ~~والأعياد، ولا بني وبني ابني مثل ذلك. فدعا الرشيد بجعفر بن يحيى وقال: ~~أرحني من هذا، وأمر له بما سأل من الحملان، وما أراد به من ثياب المهنة ~~والجمال، وأغدق عليه من التحف والطرائف ما ترضيه به، وأخرجه عني، فخرج جعفر ~~فأمر له بما سأل وأعطاه ما أراد. ثم انصرف الأعرابي راجعا إلى الحجاز ~~بأموال عظيمة، لا يوصف أكثرها، ولا يعرف أقلها، وكل هذا يقل عند ما عرف من ~~جود الرشيد وسخائه، وجزيل عطائه. ### || قتل جعفر بن يحيى بن برمك # قال عمرو بن بحر الجاحظ: حدثني سهل بن هارون، قال[ (1) ]: والله إن كان ~~سجاعو الخطب، ومحبرو القريض لعيالا على يحيى بن خالد بن برمك وجعفر بن ~~يحيى، ولو ms500 كان كلام يتصور درا، ويحيله المنطق السري جوهرا، لكان كلامهما، ~~والمنتقى من لفظهما، ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد، في بديهته، ~~وتوقيعاته في أسافل كتبه، عيين، وجاهلين أميين، ولقد عبرت[ (2) ]معهم، ~~وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ~~ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم، وأنهم محض الأنام، [ (1) ~~]في العقد الفريد 5/58 والله إن كانوا سجعوا للخطب، وقرضوا القريض لعيال. # [ (2) ]في العقد: عمرت. PageV02P222 # ولباب الكرام، وملح الأيام، عتق منظر، وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة ~~لفظ، ونزاهة أنفس[ (1) ]، واكتمال خصال، حتى لو فأخرت الدنيا بقليل ~~أيامهم، والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم، من لدن آدم أبيهم إلى نفخ ~~الصور، وانبعاث أهل القبور، حاشا أنبياء الله المكرمين، وأهل وحيه ~~المراسلين، لما باهت إلا بهم، ولا عولت في الفخر إلا عليهم، ولقد كانوا مع ~~تهذيب أخلاقهم، وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورفق ميثاقهم[ (2) ]، ومعسول ~~مذاقهم، وسني[ (3) ] إشراقهم، ونقاوة أعراضهم، وطيب أغراضهم، واكتمال خلال ~~الخير فيهم إلى ملء الأرض مثلهم، في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر، ~~وكالخردلة في المهمة القفر. قال سهل: إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى ~~بن خالد في داخل سرادقه، وهو مع الرشيد بالرقة، وهو يعقدها جملا بكفه، إذ ~~غشيته سآمة، وأخذته سنة، فغلبته عيناه. فقال: ويحك يا سهل، طرق النوم شفري ~~عيني، فأظلمت وأكلت السنة خواطري[ (4) ]، فما ذاك؟قلت: طيف كريم، إن ~~أقصيته أدركك، وإن غالبته غلبك، وإن قربته روحك، وإن منعته عنتك، وإن طردته ~~طلبك. فنام أقل من فواق بكية[ (5) ]أو نزح ركية[ (6) ]، ثم انتبه مذعورا، ~~فقال: يا سهل، لأمر ما كان، ذهب والله ملكنا، وذل عزنا، وانقطعت أيام ~~دولتنا. فقلت: # وما ذاك أصلح الله الوزير. قال: كأن منشدا أنشدني: # كأن لم يكن بين الحجون إلى الصفا # أنيس ولم يسمر بمكة سامر # [ (7) ] فأجبته عن غير روية ولا إجالة فكر: # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا # صروف الليالي والجدود العواثر # [ (8) ] [ (1) ]في العقد: نفس. # [ (2) ]في العقد: ورونق سياقهم. # [ (3) ]في العقد: وبهاء... وتهذيب ms501 أغراضهم. # [ (4) ]في العقد: وحلت السنة جفني. # [ (5) ]الفواق: بالضم والفتح، ما بين الحلبتين من الوقت. أو ما بين فتح ~~يدك وقبضها على الضرع. # والبكيئة (بكية: بعد أن سهلت الهمزة وأدغمت الياء بالياء) القليلة اللبن. # [ (6) ]في العقد: أو نزع من ركية، والركية: البئر. # [ (7) ]الحجون: جبل بأعلى مكة. # [ (8) ]البيتان في معجم البلدان (حجون) من أبيات قالها مضاض بن عمرو ~~الجرهمي يتشوق إلى مكة بعد أن أجلتهم عنها خزاعة. PageV02P223 # فو الله ما زلت أعرفها فيه، وأراها ظاهرة منه إلى الثالث من يومه ذلك، ~~فإني لفي مقعدي ذلك بين يديه، أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات ~~إليه، فقد كلفني إكمال معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا ساعيا ~~إليه، حتى ارتمى مكبا عليه، فرفع رأسه وقال: مهلا ويحك، ما اكتتم خير، ولا ~~استتر سر[ (1) ]. قال له: قتل أمير المؤمنين الساعة جعفرا. قال: أو ~~فعل؟قال: نعم، فما زاد أن رمى بالقلم من يده، وقال: هكذا تقوم الساعة بغتة. ~~قال سهل: فلو انكفأت السماء على الأرض ما تبرأ منهم الحميم، أو استبعد عن ~~نسبهم القريب، وجحد ولاءهم المولى، واستعبرت[ (2) ]لفقدهم الدنيا، فلا ~~لسان يخطر بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم، وضم يحيى وبقية ولده الفضل، ~~ومحمدا وخالدا بنيه، وعبد الملك ويحيى وخالدا بني جعفر بن يحيى، والعاصي ~~ويزيد[ (3) ]، ومعمرا بني الفضل بن يحيى، ويحيى وجعفرا وزيدا، بني محمد بن ~~يحيى، وإبراهيم ومالكا وجعفرا وعمرا بني خالد بن يحيى، ومن لف لفهم، أو هجس ~~بنفسه أمل فيهم. # قال سهل: وبعث إلي الرشيد فو الله لقد أعجلت عن النظر، فدخلت ولبست ثياب ~~أحزاني، وأعظم رغبتي إلى الله الإراحة بالسيف، وإلا نعيت كما نعي جعفر[ (4) ~~]فلما دخلت عليه، ومثلت بين يديه، عرف الذعر في تجريض[ (5) ] ريقي، ~~والتمايد في طريقي، وشخوصي إلى السيف المشهور ببصري. فقال هارون: إيها يا ~~سهل، من غمط نعمتي، واعتدى[ (6) ]وصيتي، وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي. فو ~~الله ما وجدت جوابها حتى قال: ليفرخ روعك، وليسكن جأشك، ولتطب نفسك، ~~ولتطمئن حواسك. فإن الحاجة إليك قربت منك، وأبقت ms502 عليك بما يبسط منقبضك، ~~ويطلق معقولك، فاقتصر[ (7) ]على الإشارة قبل اللسان، فإنه الحاكم الفاصل، ~~والحسام الناصل، وأشار إلى مصرع جعفر وهو يقول: # [ (1) ]في العقد: شر. # [ (2) ]في العقد: ولقد اعتبرت. # [ (3) ]في العقد: «ومزيدا» . # [ (4) ]في العقد: وألا يعبث بي عبث جعفر. # [ (5) ]في العقد: «تجرض» تجرض الريق ذهاب. # [ (6) ]في العقد: وتعدى. # [ (7) ]في العقد: فما اقتصر على الإشارة دون اللسان. PageV02P224 # من لم يؤدبه الجميل # ففي عقوبته صلاحه # قال سهل: فو الله ما أعلمني أني عييت بجواب أحد قط غير جواب الرشيد ~~يومئذ، فما عولت في شكره والثناء عليه، إلا على تقبيل يديه، وباطن رجليه. ~~ثم قال لي: اذهب فقد أحللتك محل يحيى بن خالد، ووهبتك ما ضمته أنيته[ (1) ~~]، وحوى سرادقه، فاقبض الدواوين، وأحص حباءه، وحباء جعفر لنأمرك بقبضه إن ~~شاء الله. قال سهل: فكنت كمن نشر عن كفن وأخرج من حبس، فأحصيت حباءهما ~~فوجدت عشرين ألف ألف دينار، ثم قفل إلى بغداد راجعا، وفرق البرد إلى ~~الأمصار بقبض أموالهم وغلاتهم، وأمر بجيفة جعفر، فنصبت مفصلة على ثلاثة ~~جذوع، رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الفرات[ (2) ]، وبعض جسده في جذع ~~آخر في آخر الجسر الأول وأول الجسر الثاني، مما يلي بغداد، قال سهل: فلما ~~دنونا من بغداد، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر لنا أولا، واستقبلنا وجهه، ~~واستقبلته الشمس، فو الله لخلتها تطلع من بين حاجبيه، وأنا عن يمينه، وعبد ~~الملك بن الفضل عن يساره. فلما نظر إليه الرشيد، كأنه قنىء شعره، وطلي ~~بنور بشره، واربد وجهه، وأغضى بصره. قال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب ~~لم يسعه عفو أمير المؤمنين. فقال الرشيد، واغرورقت عيناه حتى لعرفنا الجهش ~~في صدره: من يرد غير مائه يصدر بمثل دائه، ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم ~~على مثل راحلته. علي بالنضاحات[ (3) ]. قال سهل: فنضح عليها حتى احترقت عن ~~آخرها، وهو يقول: أما والله لئن ذهب أثرك، لقد بقي خبرك ولئن حط قدرك لقد ~~علا ذكرك. # قال سهل: وأمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ألفا[ (4) ]التي ms503 كانت مبلغ ~~حبائهم اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها صكوك مختومة، بتفسيرها وفيمن ~~حبوا بها، فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ملحة تصدق يحيى بها، ~~وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، وساعات أعطياتها، فكان ديوان ~~إنفاق، واكتساب فائدة، وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ألف ألف وست مائة [ (1) ~~]في العقد: أفنيته. # [ (2) ]في العقد: «الصراة» . والصراة: نهر بالعراق. # [ (3) ]النضاحات جمع نضاحة، وهي آلة تسوى من نحاس أو الصفر للنفظ وزرقه. # [ (4) ]في العقد: ألف ألف. PageV02P225 # ألف[ (1) ]وستين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورباعهم ورياشهم، ~~والدقيق والجليل من مواعينهم، فإنه لا يصف أقله، ولا يعرف أكثره إلا من ~~أحصى الأعمال، وعرف منتهى الآجال. وأبرزت حرمه إلى دار البانوقة ابنة ~~المهدي، فو الله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل متصدقا عليه، ~~وصار[ (2) ]من موجدة الرشيد فيما لم يعلم من ملك قبله على آخر ملكه. # وكانت أم جعفر بن يحيى[وهي]فاطمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن قحطبة ~~بن شبيب قد أرضعت الرشيد مع جعفر، وكان ربي في حجرها، وغذي برسلها، لأن أمه ~~ماتت عن مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها، والتبرك برأيها، وكان ~~قد آلى على نفسه، وهو في كفالتها أن لا يحجبها، وأن لا تستشفعه لأحد إلا ~~شفعها، وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، ولا تشفعت لأحد ~~لغرض دنيا. قال سهل: فكم أسير فكت، ومبهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرجت. ~~قال: واحتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الإذن عليه من دار البانوقة، ومتت ~~بوسائلها إليه، فلم يأذن لها ولا أمر بشيء فيها، فلما طال ذلك بها خرجت ~~كاشفة وجهها، واضعة لثامها، محتفية في مشيتها، حتى صارت بباب قصر الرشيد، ~~فدخل عبد الملك بن الفضل الحاجب، فقال ظئر[ (3) ]أمير المؤمنين بالباب، في ~~حالة تقلب شماتة الحاسد إلى حنين الولد وشفقة أم الواحد، فقال له الرشيد: ~~ويحك يا بن الفضل: أو ساعية؟فقال: نعم أصلح الله الأمير حافية. فقال: ~~أدخلها يا عبد الملك، ms504 فرب كبد كريم غذتها، وكربة فرجتها، وعورة سترتها. قال ~~سهل: فو الله ما شككت في شيء قط ما شككت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها ~~بحاجتها. فلما دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد ~~المجلس، فأكب على تقبيل رأسها ومواضع ثديها[ (4) ]، ثم أجلسها معه. فقالت: ~~يا أمير المؤمنين، أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفا لك الإخوان[ (5) ]، ~~يحردك بنا البهتان، ويوسوس لك [ (1) ]في العقد: وستة وسبعين ألفا. # [ (2) ]في العقد: وما رأوا مثل موجدة الرشيد فيما فيما يعلم... # [ (3) ]الظئر: العاطفة على غير ولدها المرضعة له من الناس والإبل، الذكر ~~والأنثى في ذلك سواء. # [ (4) ]في العقد: ثدييها. # [ (5) ]في العقد: الأعوان. PageV02P226 # بأذانا الشيطان، وقد ربيتك وأخذت برضاعي لك الأمان من دهري. فقال لها: # وما ذلك يا أم الرشيد؟قال سهل: فآيسني من رأفته بتركه كنيتها آخرا ما كان ~~أطمعني منه في بره بها أولا. قالت له: ظئرك يحيى وأبوك بعد أبيك، ولا ~~أرشحه[ (1) ]بأكثر مما عرفه به أمير المؤمنين من نصيحته له، وإشفاقه عليه، ~~وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه. فقال: يا أم الرشيد، قدر سبق، وقضاء حم، ~~وغضب من الله نزل. قالت: يا أمير المؤمنين: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ~~أم الكتاب. فقال الرشيد: صدقت، فهذا مما لا يمحوه الله. فقالت: الغيب محجوب ~~عن النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال: # وإذا المنية أنشبت أظفارها # ألفيت كل تميمة لا تنفع # [ (2) ] فقال بغير روية: ما أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين. وقد قيل: # وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد # ذخرا يكون كصالح الأعمال # [ (3) ] هذا بعد قول الله: @QUR@011 (والكاظمين الغيظ، والعافين عن ~~الناس، والله يحب المحسنين) [آل عمران: 134]فأطرق هارون قليلا ثم قال: # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد # إليه بوجه آخر الدهر تقبل # فقالت: يا أمير المؤمنين وهو يقول: # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني # يمينك فانظر أي كف تبدل؟ # قال الرشيد: رضيت. فقالت: يا أمير المؤمنين، فهبه[ (4) ]لله تعالى، فقد ~~@HAD016 قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ms505 من ترك شيئا لله لم يوجده الله، ~~فأكب الرشيد مليا، ثم رفع رأسه وهو يقول: @QUR@07 لله الأمر من قبل ومن بعد ~~. قالت: يا أمير المؤمنين: @QUR@013 (ويومئذ يفرح المؤمنون `بنصر الله، ~~ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) [الروم: 5-4]. واذكر يا أمير المؤمنين ~~أليتك: ما استشفعت إلا شفعتني. # [ (1) ]في العقد: ولا أصفه. # [ (2) ]البيت لأبي ذؤيب. ديوان الهذليين 1/3، المفضليات ص 422. # [ (3) ]البيت للأخطل (ذكره المبرد في الكامل ص 525 للخليل بن أحمد) وهو ~~في ديوانه 1/140. # طبقات النحويين ص 40. # [ (4) ]في العقد: فهبه لي يا أمير المؤمنين. PageV02P227 # قال: واذكري يا أم الرشيد أليتك: أن لا شفعت لمقترف ذنبا. قال سهل بن ~~هارون: فلما رأته صرح بمنعها، ولاذ من مطلبها، أخرجت له حقا من زمردة[ (1) ~~] خضراء، فوضعته بين يديه، فقال الرشيد: ما هذا؟ففتحت عنه قفلا من ذهب، ~~فأخرجت منه خفضه[ (2) ]وذوائبه وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك. # فقالت: يا أمير المؤمنين: أستشفع إليك، وأستعين بالله عليك، وبما صار معي ~~من كريم جسدك، وطيب جوارحك، ليحيى عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر ~~وبكى بكاء شديدا. وبكى أهل المجلس، ومر البشير إلى يحيى، وهو لا يظن إلا أن ~~البكاء رحمة له، ورجوع عنه. فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق، وقال لها: ~~لحسن ما حفظت الوديعة. قالت: وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين. فسكت، ~~وطبع[ (3) ]الحق، ودفعه إليها، وقال: @QUR@08 (إن الله يأمركم أن تؤدوا ~~الأمانات إلى أهلها) [النساء: 58]، قالت: يا أمير المؤمنين وقال عز وجل: # @QUR@08 (وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) [النساء: 58]، وقال تعالى: # @QUR@06 (وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم) [النحل: 91]، فقال لها: وما ذاك ~~يا أم الرشيد؟ قالت: ما أقسمت لي به يا أمير المؤمنين، أن لا يحجبك عني ~~حاجب[ (4) ]. فقال لها: يا أم الرشيد، أحب أن تشتريه محكمة فيه. قالت: ~~أنصفت يا أمير المؤمنين، وقد فعلت غير مستقيلة لك، ولا راجعة عنك. قال: ~~بكم؟قالت: # برضاك عمن لم يسخطك. قال: يا أم الرشيد، أما لي عليك من الحق مثل الذي ~~لهم؟قالت: بلى يا ms506 أمير المؤمنين، إنك لأعز علي، وهم أحب إلي، قال: إذا ~~فتحكمي في ثمنه بغيرهم. قالت: بلى وقد وهبتكه وجعلتك في حل منه، وقامت عنه، ~~فبقي الرشيد مبهوتا، ما يحير لفظة. قال سهل: وخرجت عنه فلم تعد إليه، ولا ~~والله إن رأيت عيني لعينها عبرة، ولا سمعت أذني لنعيها أنة. # قال سهل: وكان الأمين رضيع يحيى بن جعفر، فمت إليه يحيى بن خالد بذلك، ~~فوعده استيهاب أمه إياهم، ثم شغله اللهو عنهم، فكتب إليه يحيى، [ (1) ]في ~~العقد: زبرجدة. # [ (2) ]في العقد: قميصه. # [ (3) ]في العقد: وقفل. # [ (4) ]في العقد: أن لا تحجبني ولا تجبهني. PageV02P228 # وقيل: إنها لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد: # يا ملاذي وعصمتي وعمادي # ومجيري من الخطوب الشداد # بك قام الرجاء في كل قلب # زاد فيه البلاء كل مزاد # إنما أنت نعمة أعقبتها # أنعم نفعها لكل العباد # وعد مولاك أتممته[ (1) ]فأبهى الدر # ما زين حسنه بانعقاد # ما أظلت سحائب اليأس إلا # خلت[ (2) ]في كشفها عليك اعتمادي # إن تراخت يداك عني فواقا # أكلتني الأيام أكل الجراد # وبعث بها إليه، فبعثها الأمين إلى أمه زبيدة، فأعطتها الرشيد وهو في موضع ~~لذاته، وفي إقبال من أريحيته، وتهيأت للاستشفاع لهم، وهيأت جواريها ~~ومغنياتها، وأمرتهن بالقيام إليه معها. فلما فرغ الرشيد من قراءتها لم ينقض ~~حبوته حتى وقع في أسفلها: عظيم ذنبك أمات خواطر العفو عنك. ورمى بها إلى ~~زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع عنه. # قال: واعتل يحيى، فلما شفي دعا برقعة فكتب في عنوانها: ينفذ أمير ~~المؤمنين أبقاه الله عهد مولاه يحيى بن خالد، وفيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، قد تقدم الخصم لموضع الفصل[ (3) ]، وأنت على الأثر، والله الحكم ~~العدل. فلما ثقل قال للسجان: هذا عهدي، توصله إلى أمير المؤمنين، فإنه ولي ~~نعمتي، وأحق من نفذ وصيتي فلما مات أوصل السجان عهد يحيى إلى الرشيد. فلما ~~قرأه استمد، فكتب، ولا أدري لمن الرقعة. فقلت: يا أمير المؤمنين، ألا ~~أكفيك؟قال: كلا، إني أخاف عادة الراحة أن يقوى سلطان العجزة فيحكم الغفلة، ~~ويقضي بالبلادة. قال ms507 سهل: فوقع فيها: الحكم الذي رضيت به في الآخرة لك، هو ~~أعدى الخصوم عليك في الدنيا، وهو من لا ينقض حكمه، ولا يرد قضاؤه[ (4) ]، ~~ثم رمى الكتاب إلي، فلما رأيته علمت أنه ليحيى، وأن الرشيد أراد أن يؤثر ~~الجواب عنه. # [ (1) ]في العقد: أتممنه. # [ (2) ]في العقد: كان. # [ (3) ]في العقد 5/69 إلى موقف الفصل. # [ (4) ]ذكر اليعقوبي في تاريخه 2/423 أن يحيى كتب إلى الرشيد يستعطفه.. ~~فوقع على ظهر رقعته: # إنما مثلك يا يحيى ما قال الله عز وجل: @QUR@026 (وضرب الله مثلا قرية ~~كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها ~~الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون) . PageV02P229 # قال سهل: قلت لبعض من أثق بوفائه، وأعتقد صدق إخائه من خصيان القصر ~~المتقدمين عند أمير المؤمنين، والمتمكنين من كل ما يكون لديه. ما الذي نعى ~~جعفر بن يحيى وذويه عند أمير المؤمنين، وما كان من ذنبه الذي لم يسعه عفوه، ~~ولم يأت عليه رضاه؟فقال: لم يكن له جرم، ولا لديه ذنب، كان والله جعفر على ~~ما عرفته عليه، وفهمته عنه من اكتمال خصال الخير، ونزاهة النفس من كل مكروه ~~ومحذور، إلا أن القضاء السابق، والقدر النافذ لا بد منه. كان من أكرم الخلق ~~على أمير المؤمنين، وأقربهم منه، وكان أعظمهم قدرا وأوجبهم حقا فلما علم ~~ذلك من حسن رأي أمير المؤمنين فيه وشديد محبته له، استأذنته أخته، فاختة ~~بنت المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر ومهاداته، فأذن لها، وكانت قد استعدت له ~~بالجواري الرائعات، والقينات الفاتنات، فتهدي له كل جمعة بكرا يفتضها، إلى ~~ما يصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة، وأنواع الكسوة والطيب، كل ~~ذلك بمعرفة أمير المؤمنين ورأيه، فاستمرت بذلك زمانا، ومضت به أعواما. فلما ~~كانت جمعة من الجمع، دخل جعفر القصر الذي استعدت به، ولم يرع جعفر إلا ~~بفاختة ابنة المهدي في القصر، كأنها جارية من الجواري اللاتي كن يهدين له، ~~فأصاب منها لذته، وقضى منها حاجته، ولا علم له بذلك. فلما كان المساء، وهم ~~بالانصراف، أعلمته ms508 بنفسها، وعرفته بأمرها، وأطلعته على شديد هواها، وإفراط ~~محبتها له، فازداد بها كلفا، وبها حبا، ثم استعفاها من المعاودة إلى ذلك. ~~وانقبض عما كان يناله من جواريها، واعتذر بالعلة والمرض، فأعلم جعفر أباه ~~يحيى. فقال له: يا بني أعلم أمير المؤمنين ما كان معجلا، وإلا فأذن لي ~~فأعلمه، فإني أخاف علينا يوم سوء إن تأخر هذا، وبلغه من غيرنا، وإعلامك له ~~في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب، فهي أحق بالعقوبة منك قال جعفر: لا والله ~~لا أعلمته به أبدا، فالموت علي أيسر منه، وأرجو الله أن لا يطلعه عليه، ~~فقال له يحيى: لا تظن هذا يخفى عليه، فأطعني اليوم وأعلمه. فقال جعفر: ~~والله لا أفعل هذا أبدا ولا أتكلم به، وبالله أستعين، فلم يرع الرشيد إلا ~~أن رفعت إليه جارية من جواريها رقعة، وأعلمت ذلك فيها فاستحق ذلك عند ~~الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من إتحافها، واعتذاره بالعلة من غير مرض ~~ينهكه، فغفل عنه الرشيد، ولم ير لذلك جفوة، ولا زاد له إلا كرامة، ولا لديه ~~إلا حرمة ورفعة، حتى قرب وقت الهلاك، ودنا PageV02P230 # منقلب الحتف، والله أعلم[ (1) ]. # قد تم بعون الله تعالى ما به ابتدأنا، وكمل وصف ما قصصنا، من أيام ~~خلفائنا وخير أئمتنا، وفتن زمانهم، وحروب أيامهم، وانتهينا إلى أيام ~~الرشيد، ووقفنا عند انقضاء دولته، إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده، ونقل ~~حديث ما دار على أيديهم، وما كان في زمانهم كبير منفعة، ولا عظيم فائدة، ~~وذلك لما انقضى أمرهم، وصار ملكهم إلى صبية أغمار[ (2) ]، غلب عليهم زنادقة ~~العراق، فصفوهم إلى كل جنون، وأدخلوهم إلى الكفر، فلم يكن لهم بالعلماء ~~والسنن حاجة، واشتغلوا بلهوهم، واستغنوا برأيهم. وكان الرشيد مع عظم ملكه، ~~وقدر شأنه، معظما للخير وأهله، محبا لله ورسوله، ولما دخلت عليه سنة تسعين ~~ومائة أخذته الحمى[ (3) ]التي أخبر بها جده أبو جعفر المنصور، وهو في ~~المهد صغيرا، فعرف أنه قد دنا أجله، وحان هلاكه، فاجتمع إليه أطباء العراق ~~يعالجونه، ثم استعان بأطباء الروم والهند، ms509 واستجلبهم من الآفاق، فلم يزالوا ~~يداوونه حتى مضت له ثلاثة أعوام، وما أقلعت عنه، ولم يزده العلاج إلا شدة. ~~فلما دخلت [ (1) ]كذا بالأصل، فاختة بنت المهدي، والمصادر تذكر العباسة أخت ~~الرشيد بنت المهدي. وفي وفيات الأعيان أن يحيى بن خالد ضيق على عيال الرشيد ~~في النفقة حتى شكت زبيدة إلى الرشيد ثم أفشت له سر العباسة فاستشاط غضبا. ~~قال ابن كثير: ومن العلماء من ينكر ذلك (يعني أن سبب قتلهم هو ما ذكر عن ~~قصة العباسة) وإن كان ابن جرير قد ذكره. # والناس في سبب إيقاع الرشيد بالبرامكة مختلفون اختلافا كبيرا، وقد تناول ~~المؤرخون كثيرا منها ولم يرجحوا أي منها، فكل من الأسباب جدير بالاهتمام. ~~يرى بعضهم أن نكبتهم تعود إلى حوادث ليست فجائية وإنما هي أمور تتابعت، ~~وأسباب متراكمة. وقد لعب أخصام البرامكة دورا هاما وقد استخدموا البطانة ~~والشعراء والمغنين ليلعبوا على أعصاب الرشيد حتى استطاعوا، كما ذكر ابن ~~خلدون في مقدمته: استثارة حفائظه لهم. # ولعل السبب الأقوى ما رواه الفخري ص 190 أن الرشيد قال: «استبد يحيى ~~بالأمور دوني، فالخلافة على الحقيقة له، وليس لي منها إلا الاسم» . # وقد أنشده بعضهم ما يثير الحقد في نفسه ويغذي عامل المنافسة عنده: # ليت هندا أنجزتنا ما تعد # وشفت أنفسنا مما تجد # واستبدت مرة واحدة # إنما العاجز من لا يستبد # انظر الطبري وابن الأثير وابن كثير (حوادث سنة 187) وانظر مروج الذهب ~~3/451 وما بعدها وتاريخ اليعقوبي 2/422. # [ (2) ]الأغمار جمع غمر الشاب قليل التجربة، قليل الحنكة السياسية ~~ونحوها. # [ (3) ]في علته التي مات بها قيل: كان مرضه بالدم، وقيل بالسل. (البداية ~~والنهاية 10/240) . PageV02P231 # سنة أربع[ (1) ]وتسعين ومائة أثرت به، وأنهكت بدنه، واشتد ألمه، وتمادى ~~به وجعه، فذكر البيعة لابنه المأمون. فلما سمعت بذلك زبيدة، وكان ابنها منه ~~محمد الأمين، هجرته وتغاضت عنه، وأكربها ذلك وغمها، حتى ظهر ذلك عليها، ~~وبدا أثر الغم في وجهها، ودخلت عليه تعاتبه في ذلك أشد المعاتبة، وتؤاخذه ~~أعنف المؤاخذة. فقال لها الرشيد: ويحك!إنما هي أمة محمد، ورعاية من ms510 ~~استرعاني الله تعالى مطوقا بعنقي وقد عرفت ما بين ابني وابنك، ليس ابنك يا ~~زبيدة أهلا للخلافة، ولا يصلح للرعاية. قالت: ابني والله خير من ابنك، ~~وأصلح لما تريد، ليس بكبير سفيه، ولا صغير فهيه، وأسخى من ابنك نفسا، وأشجع ~~قلبا. فقال هارون: ويحك!إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين ~~الأبوين، فاتقي الله، فو الله إن ابنك لأحب إلي، إلا أن الخلافة لا تصلح ~~إلا لمن كان لها أهلا، ولها مستحقا، ونحن مسئولون عن هذا الخلق، ومأخوذون ~~بهذا الأنام، فما أغنانا أن نلقى الله بوزرهم، وننقلب إليه بإثمها، فاقعدي ~~حتى أعرض عليك ما بين ابني وابنك، فقعدت معه على الفراش، فدعا ابنه عبد ~~الله المأمون، فلما صار بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة، فأذن له ~~بالجلوس فجلس، وأمر له فتكلم، فحمد الله على ما من به عليه من رؤية أبيه، ~~ورغب إليه في تعجيل الفرج مما به، ثم استأذن في الدنو من أبيه، فدنا منه، ~~وجعل يلثم أسافل قدميه ويقبل باطن راحتيه، ثم انثنى ساعيا إلى زبيدة، فأقبل ~~على تقبيل رأسها، ومواضع ثدييها، ثم انحنى إلى قدميها، ثم رجع إلى مجلسه. ~~فقال الرشيد: يا بني إني أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة، وأقعدك مقعد ~~الخلافة، فإني قد رأيتك لها أهلا وبها حقيقا، فاستعبر عبد الله المأمون ~~باكيا، وصاح منتحبا يسأل الله العافية من ذلك، ويرغب إليه أن لا يريه فقد ~~أبيه. فقال له: يا بني إني أراني لما بي وأنت أحق، وسلم الأمر لله، وارض ~~به، واسأله العون عليه، فلا بد من عهد يكون في يومي هذا. فقال عبد الله ~~المأمون: يا أبتاه، أخي أحق مني وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا ~~الأمر مني، ثم أذن له فقام خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ~~ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى داخلا بنعليه قد نسي السلام، وذهل عن [ (1) ~~]كذا بالأصل، انظر بعد أسطر ما سنلاحظه في وقت وفاته. PageV02P232 # الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، ms511 فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على ~~الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإني أريد أن أعهد إليك؟فقال: يا أمير ~~المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: ~~اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما بين ابني وابنك؟فقالت: # ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم محمد الأمين بعده[ (1) ]. # فلما كان سنة خمس وتسعين ومائة[ (2) ]، توفي الرشيد رحمه الله، وعبد الله ~~المأمون خارج عن العراق[ (3) ]، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس ~~لشيء بلغه عنهم، فلظ[ (4) ]بمحمد الأمين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: ~~معك الأموال والرجال والقصور، فادفع في نحر أخيك المأمون، فإنك أحق بهذا ~~الأمر منه[ (5) ]، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه عبد الله من ~~بغداد[ (6) ]، ومعه [ (1) ]كذا بالأصل، وهو تحريف ظاهر. وثمة اتفاق بين ~~المؤرخين على أن الرشيد بايع لعبد الله المأمون بعد أخيه محمد الأمين، ثم ~~بايع لابنه القاسم بولاية عهد المأمون. # كان الرشيد يرى بالمأمون رجل الدولة الرصين، وقد قال فيه: ان فيه لحزم ~~المنصور وشجاعة المنصور. وكان يقول في الأمين: إن وليت محمدا مع ركوبه هواه ~~وانهماكه في اللهو واللذات خلط على الرعية، وضيع الأمر، حتى يطمع فيه ~~الأقاصي من أهل البغي والمعاصي. # وبعد مداولات بين الرشيد ومستشاريه وقواده وتدخل زبيدة الفاعل بايع محمدا ~~بولاية عهده وتصيير عبد الله من بعده. # وفي سنة 186 حج الرشيد، ولما وصل إلى مكة ومعه أولاده والفقهاء والقضاة ~~والقواد كتب كتابا أشهد فيه على محمد الأمين بالوفاء للمأمون، وكتب كتابا ~~للمأمون عليه الوفاء للأمين، وعلق الكتابين في الكعبة، وجدد العهود عليهما ~~في الكعبة (نسخة الكتابين في الطبري 10/73 واليعقوبي 2/416. وانظر مروج ~~الذهب 3/432 الأخبار الطوال ص 389-390 ابن الأثير 4/63-64) . # [ (2) ]ثمة إجماع في مصادر ترجمته على وفاته سنة 193. قال خليفة في ~~تاريخه ص 460 مات بطوس من أرض خراسان ليلة السبت غرة جمادى الآخرة سنة 193 ~~وهو ابن أربع وسبعين سنة. # وبعد موت الرشيد بويع ms512 لمحمد الأمين، قال في مروج الذهب: في اليوم الذي ~~مات فيه الرشيد. # [ (3) ]كان المأمون بمرو، لما جاءه خبر موت الرشيد. # [ (4) ]لظ به: اتصل به وتقرب إليه. # [ (5) ]كذا بالأصل. # [ (6) ]كذا بالأصل، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان-مرو-. # وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الأخوين الأمين والمأمون بدأ ~~عند ما أحس الرشيد من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض، وبطانة كل منهما ~~بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود ~~عليهما وتعليقها في الكعبة، وقد قال الناس يوم ذاك أنه قد ألقى بينهما شرا ~~وحربا. وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال: PageV02P233 # الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الأمين قاصدا ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم ~~يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه الأمين لما بلغه عنه. # فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه وحبسه، وأشار إلى أمه ~~لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون في طلبه، فأخذ وقتل[ ~~(1) ]والله تعالى أعلم. # [انتهى الجزء الثاني من كتاب الإمامة والسياسة] [ () ] # وبيعة قد نكثت أيمانها # وفتنة قد سعرت نيرانها # وتفاقم الخلاف بينهما عند ما هم الأمين بخلع المأمون من ولاية عهده. ~~وكانت بينهما حروب (انظر الطبري-وابن الأثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج ~~الذهب 3/476-477 والأخبار الطوال ص 394-395) . انتهت بقتل الأمين. # [ (1) ]وكان ذلك ليلة الأحد لخمس بقين من المحرم سنة 198 ه. (مروج الذهب ~~3/501) . # الإمامة والسياسة # الجزء الثاني # تأليف # ابن قتيبة عبد الله بن مسلم # جميع الحقوق محفوظة لفريق مساحة حرة # [![](../Images/logo4.png)](http://www.masaha.org) # # ![](../Images/3477-logo.jpg) # PageV02P234 # ### |EDITOR\| ENDNOTES: ms513