######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003671Vols #META# 000.BookURI :: #0276.IbnQutaybaDinawari.ImamaWaSiyasa #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: ابن قتيبة الدينوري ، تحقيق الزيني #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 276 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الامامة والسياسة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: مصادر سيرة النبي والائمة #META# 022.BookVOLS :: 2 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003671Vols #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3671_الامامة-والسياسة-ابن-قتيبة-الدينوري-،-تحقيق-الزيني-ج-1 #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: طه محمد الزيني #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# # الإمامة والسياسة تأليف الإمام الفقيه أبي محمد عبد الله بن مسلم ابن ~~قتيبة الدينوري المتولد سنة 213 والمتوفى سنة 276 ه‍ رحمه الله وهو المعروف ~~بتاريخ الخلفاء تحقيق الدكتور طه محمد الزيني الأستاذ بالأزهر الجزء الأول ~~الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع PageV01P001 # حقوق الطبع محفوظة للناشر PageV01P002 # مقدمة الناشر بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة ~~والسلام على خاتم المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. # وبعد، فإن عبد الله بن مسلم بن قتيبة من العلماء المبرزين في كثير من ~~الفنون، وله تآليف في التفسير والحديث واللغة والنحو والتاريخ، ومن أشهر ~~كتبه وأكثرها سيرا بين الناس، وأحبها إلى قلوبهم كتابه الإمامة والسياسة ~~الذي تناول فيه تاريخ حقبة من أحفل حقب الإسلام بالتاريخ المجيد، والأحداث ~~الجسام التي دل تصرف المسلمين فيها على عقل راجح، وقدم راسخة في السياسة ~~وتدبير شؤون الملك، والعمل على جمع الشمل، وإبعاد الفرقة عن الأمة ~~الإسلامية، مما جعل قراءة هذا الكتاب واجبا على كل من يريد معرفة تاريخ ~~قومه من المسلمين الأولين وفيهم جلة الصحابة وخيار التابعين، وفيهم الخلفاء ~~الراشدون، ومن بعدهم من ملوك المسلمين الذين رفعوا رايته، ووسعوا سرادقه، ~~وعدلوا بين الناس وأنصفوا الظالم من المظلوم، وكانوا قدوة للحكام العادلين. # لذلك: رأت مؤسسة الحلبي أن تعيد نشر هذا الكتاب بطريقة تشوق لقراءته، ~~وتبسط بعض حوادثه وتوضح بعض غوامضه، ورائدها في ذلك خدمة العلم ونفع قراء ~~العربية، وإعادتهم إلى حظيرة تاريخهم المجيد بعد أن عدلوا عنه إلى قراءة ~~تاريخ الأمم الأعجمية وتفانوا في ذلك حتى كادوا ينسون تاريخ بلادهم وعظمة ~~خلفائهم وملوكهم، والله نسأل التوفيق والعون إنه على ما يشاء قدير، وهو نعم ~~المولى ونعم النصير. # مؤسسة الحلبي PageV01P003 # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المحقق الحمد لله رب العالمين والصلاة ~~والسلام على رسوله الأمين خير الخلق أجمعين محمد بن عبد الله صاحب السيرة ~~العطرة والتاريخ المجيد، وعلى آله وأصحابه الذين عزروه ونصروه وحملوا ~~الأمانة من بعده فقاموا عليها خير قيام وأضاءوا طرق الحياة لسالكيها بالعدل ~~والحكمة والاستقامة، ms001 ورفعوا شأن دينهم ومعتنقيه، ودفعوا إلى المجد والعزة ~~أتباع رسولهم ومحبيه، وكان منهم النجوم الذين يستضاء بها في ظلمات الحوالك، ~~والملوك الذين يعاش في أكنافهم ويستظل بظلهم، والعباد الذين عرفت المساجد ~~جنوبهم وظهورهم، وبواطن أقدامهم، والزهاد الذين كانت الدنيا لا تساوى عندهم ~~غدوة أو روحة في سبيل الله. # وبعد، فإن كتاب " الإمامة والسياسة " للعالم الفاضل المؤرخ العظيم عبد ~~الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري، من أشهر الكتب تداولا بين قراء العربية، ~~لما حواه من تاريخ حقبة عزيزة على نفس كل مسلم حبيبة إلى قلبه جديرة بالذكر ~~على لسانه، فيها عرف المسلمون العزة، ونعموا بالسعادة، وأقاموا صروح ~~العدالة، وقوضوا قوائم الظلم، وطمسوا معالم الكفر، وأوقدوا مشاعل الإيمان ~~بهمة يتقاعس عن دركها الزمن، وعزيمة لا ينال منها الوهن، وقد وكلت مؤسسة ~~الحلبي إلى تحقيق هذا الكتاب، ليخرج في ثوب قشيب يحسن عند الرائي منظره، ~~ويطيب عند قارئه مخبره، ويحبب الناشئة في تاريخهم، ويقربهم من أيام ~~أجدادهم، حتى يستشعروا عظمة أمتهم، وينهجوا في حياتهم نهجهم، ويبنوا كما ~~بنوا، ويجاهدوا كما جاهدوا ولا يناموا عن إحياء تراثهم، واسترجاع ميراثهم ~~الذي تكالبت عليه ذئاب الأمم من الكفار، ومن والأهم من الذين لا يهمهم سوى ~~الدنيا، ولا يرون إلا العاجلة، ولا ينظرون إلى الآجلة، والله من ورائهم ~~محيط. # وقد لبيت الدعوة وقمت بجهد في هذا الكتاب أعتبره قليلا، ولكنه مفيد، ~~فجعلت لبعض الموضوعات عناوين جديدة توضحها وشرحت بعض الجمل لبيان غوامضها، ~~وعلقت تعليقات مختصرة على بعض الأحداث التاريخية تقربها من القارئ وتقرب ~~القارئ منها، وترجمت للمؤلف حتى يعرف الناس الرجل الذي يقرءون كتابه من هو ~~ويلموا بنبذة من تاريخه. # وأسأل الله أن يجعل الكتاب مثمرا نافعا لكل من يقرؤه، إنه نعم المولى ~~ونعم النصير؟ # طه الزيني PageV01P005 # ترجمة ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري أبو محمد من أئمة ~~الأدب والتاريخ والنحو وغيرهما من العلوم وهو من المصنفين المكثرين، ولد ~~ببغداد وسكن الكوفة، ثم ولى قضاء الدينور مدة فنسب إليها، وتوفي ببغداد 276 ~~ه‍ ms002 سنة 889 م وكان ميلاده سنة 213 ه‍ سنة 828 م. # ومن كتبه " تأويل مختلف الحديث، وأدب الكاتب، والمعارف، وكتابي المعاني ~~وعيون الأخبار، والشعر والشعراء، والإمامة والسياسة، ويعرف بتاريخ الخلفاء ~~وكتاب الأشربة، والرد على الشعوبية، وفضل العرب على العجم، ومشكل القرآن، ~~والاشتقاق وغريب القرآن والمسائل والأجوبة، وغير ذلك فهو من علماء العرب ~~الذين يشار إليهم بالبنان والذين أفادوا اللغة العربية وأهلها أيما فائدة، ~~رحمه الله وجزاه خير الجزاء على ما قدمت يداه من خير وما حوى جنانه من علم، ~~إنه سميع الدعاء. PageV01P007 # بسم الله الرحمن الرحيم مقدمة المؤلف قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن ~~قتيبة رحمه الله تعالى: # نفتتح كلامنا بحمد الله تعالى، ونقدس ربنا بذكره والثناء عليه، لا إله ~~إلا هو لا شريك له، الذي اتخذ الحمد لنفسه ذكرا، ورضى به من عباه شكرا وصلى ~~الله على سيدنا محمد الذي أرسله بالهدى، وختم به رسل الله السعدا، صلاة ~~زاكية، وسلم تسليما كثيرا أبدا. # فضل أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما حدثنا ابن أبي مريم، قال حدثنا ~~أسد بن موسى، قال حدثنا وكيع، عن يونس بن أبي إسحاق، عن الشعبي، عن علي بن ~~أبي طالب كرم الله وجهه، قال: كنت جالسا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأقبل أبو بكر وعمر رضي الله عنهما، فقال عليه الصلاة والسلام: # هذان سيدا كهول (1) أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين ~~عليهم السلام ولا تخبرهما يا علي. # حدثنا يحيى بن عبد الحميد الحمامي رضي الله عنه، حدثنا أحمد بن حواش ~~الحنفي، قال حدثنا ابن المبارك، عن عمر بن سعيد، عن أبي مليكة، قال: سمعت ~~ابن عباس رضي الله عنه يقول: # وضع عمر رضي الله عنه على سريره فتكنفه (2) الناس يدعون ويصلون قبل أن ~~يرفع (3)، فلم يرعني إلا رجل قد أخذ بمنكبي (4) من ورائي، فالتفت فإذا علي ~~بن أبي طالب كرم الله وجهه يترحم على عمر رضي الله عنه، وقال: والله ما ~~خلفت أحدا أحب إلى أن # PageV01P009 # ألقى الله ms003 تعالى بمثل عمله منك يا عمر، وأيم الله إن كنت لأرجو أن يجعلك ~~الله مع صاحبك (1)، وذاك أني كنت سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، وكنت أنا وأبو بكر وعمر، وإن كنت لأظن (2) أن ~~يجعلك الله تعالى معهما. وأخبرنا ابن أبي شيبة، قال: حدثنا يزيد بن الحباب، ~~عن موسى بن عبيد، قال: أخبرني أبو معاذ وأبو الخطاب، عن علي رضي الله عنه، ~~قال: بينما أنا جالس مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ أقبل أبو بكر وعمر ~~رضي الله عنهما، فقال يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة، إلا ما كان من ~~الأنبياء عليهم السلام، ولا تخبرهما. # حدثنا الوليد بن مسلم، عن عبد الله بن عبد العلى عن القاسم بن أبي عبد ~~الرحمن رضي الله عنهما: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: لقد هممت أن ~~أبعث إلى الأمم رجالا يدعونهم إلى الإسلام ويرغبونهم في الدين، فأبعث أبي ~~بن كعب، وسالما مولى أبي حذيفة، ومعاذ بن جبل، كما فعل عيسى بن مريم عليهما ~~السلام (3)، فقالوا: يا رسول الله أفلا تبعث أبا بكر وعمر رضي الله عنهما؟ ~~فقال صلى الله عليه وسلم: هما لا بد لي منهما، هما منى بمنزلة السمع ~~والبصر. # سؤال عمر بن عبد العزيز عن استخلاف الرسول لأبي بكر وحدثنا، قال: أخبرنا ~~ابن المبارك، قال: أخبرنا محمد بن الزبير، قال: أرسلني عمر بن عبد العزيز ~~إلى الحسن البصري، رحمهما الله تعالى، أسأله إن كان رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم استخلف أبا بكر رضي الله عنه، فأتيته فاستوى جالسا، وقال: إي ~~والذي لا إله إلا هو، استخلفه، وهو كان أعلم بالله تعالى، وأتقى لله تعالى، ~~من أن يتوثب (4) عليهم لو لم يأمره. # استخلاف رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر رضي الله عنه عن ابن أبي ~~مريم، قال: حدثنا العرياني، عن أبي عون بن عمرو بن تيم الأنصاري رضي الله ~~عنه، وحدثنا سعيد بن كثير، عن عفير بن ms004 عبد الرحمن قال: حدثنا بقصة استخلاف # PageV01P010 # رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر، وشأن السقيفة، وما جرى فيها من ~~القول، والتنازع بين المهاجرين والأنصار وبعضهم يزيد على بعض في الكلام، ~~فجمعت ذلك وألفته على معنى حديثهم، ومجاز لغتهم أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم خرج في مرضه الذي قبض فيه، متوكئا على الفضل بن العباس رضي عنهما، ~~وغلام يقال له ثوبان رضي الله عنه، ثم رجع صلى الله عليه وسلم فدخل منزله، ~~وقال لغلامه أجلس على الباب ولا تحجب أحدا من الأنصار رضي الله عنهم، ~~فأحدقوا بالباب، وقالوا للغلام ائذن لنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فقال: عنده نساؤه رضي الله تعالى عنهن، فسمع رسول الله صلى عليه وسلم ~~بكاءهم، فقال من هؤلاء؟ فقيل له الأنصار رضي الله عنهم يبكون، فخرج صلى ~~الله عليه وسلم متوكئا على علي والعباس رضي الله عنهما فدخل المسجد واجتمع ~~الناس إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: إنه لم يمت نبي قط إلا خلف وراءه ~~تركة وإن تركتي فيكم الأنصار رضي الله عنهم، وهم كرشي (1) التي آوى إليها، ~~وأوصيكم بتقوى الله تعالى، والاحسان إليهم، فقد علمتم أنهم شاطروكم (2) ~~وواسوكم في العسر واليسر نصروكم في النشط والكسل، فاعرفوا لهم حقهم، ~~واقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم. # ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى منزله وهو معصوب الرأس شديد ~~الوجع، فلما كانت الصلاة أتى بلال المؤذن رضي الله عنه يدعو إلى الصلاة، ~~ففتح صلى الله عليه وسلم عينيه، وقال للنساء: ادعون لي حبيبي، فعرفت عائشة ~~رضي الله عنها أنه يريد أبا بكر، فقالت: أرسل إلى عمر، فإن أبا بكر رجل ~~رقيق، وإن قام مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم افتضح من البكاء، وعمر ~~أقوى منه، فأرسلت إلى عمر رضي الله عنه، فأتى فسلم، ففتح رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عينيه، فرد السلام، ثم أطرق عنه، فعرف عمر أنه لم يرده، ~~فلما خرج أقبل صلى الله عليه وسلم عليهن وقال: ms005 ادعون لي حبيبي فقالت عائشة ~~رضي الله عنها: # يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، أمرت عمر يصلي بالناس، فقال صلى الله ~~عليه وسلم: # إنكن صواحبات يوسف عليه السلام، ادعون لي حبيبي إنما أفعل ما أومر فدعى ~~أبو بكر رضي الله تعالى عنه. # PageV01P011 # استخلاف أبي بكر رضي الله عنه في الصلاة بالناس فلما جاء قال له: اذهب مع ~~المؤذن، فصل بالناس، فلم يزل أبو بكر رضي الله عنه يصلي بالناس حتى كان ~~اليوم الذي مات فيه رسول الله وتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم ~~الاثنين. # اختلاف الصحابة على موضع دفنه صلى الله عليه وسلم فأتمروا فقال قائل يدفن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يصلي فيه مقامه، فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه. معاذ الله أن نجعله وثنا نعبده! وقال قائل: ندفنه صلى الله عليه ~~وسلم في البقيع، حيث دفن إخوانه من المهاجرين والأنصار. فقال أبو بكر: إنا ~~نكره أن نخرج قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم من بين أظهرنا إلى البقيع، ~~قالوا: فما ترى يا أبا بكر؟ قال: # سمعته صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبي قط إلا دفن جسده حيث قبض ~~روحه. قالوا: # فأنت والله رضا ومقنع (1). # وكان العباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه قد لقي عليا كرم الله ~~وجهه، فقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم يقبض، فاسأله إن كان الأمر لنا ~~بينه وإن كان لغيرنا أوصى بنا خيرا، محاولة العباس مبايعة الإمام علي فلما ~~قبض رسول الله صلى الله عليه وسلم قال العباس لعلي بن أبي طالب كرم الله ~~وجهه: أبسط يدك أبايعك، فيقال: عم رسول الله بايع ابن عم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ويبايعك أهل بيتك، فإن هذا الأمر إذا كان لم يقل (2)، فقال ~~له علي كرم الله وجهه: ومن يطلب هذا الأمر غيرنا؟ وقد كان العباس رضي الله ~~عنه لقي أبا بكر فقال: هل أوصاك رسول الله بشئ؟ قال: لا. ولقى العباس أيضا ms006 ~~عمر، فقال له مثل ذلك. فقال عمر: لا. فقال العباس لعلي رضي الله عنه: ابسط ~~يدك أبايعك ويبايعك أهل بيتك. # ذكر السقيفة وما جرى فيها من القول وحدثنا، قال: حدثنا ابن عفير عن أبي ~~عون عن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري رضي الله عنه. أن النبي عليه ~~الصلاة والسلام لما قبض، اجتمعت الأنصار رضي الله عنهم إلى سعد بن عبادة، ~~فقالوا له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قبض. فقال سعد لابنه قيس ~~رضي الله عنهما: إني لا أستطيع أن أسمع الناس كلاما لمرضي، ولكن تلق مني ~~قولي فأسمعهم، فكان سعد يتكلم، ويحفظ ابنه رضي الله عنهما قوله، فيرفع ~~صوته، لكي يسمع قومه، فكان مما قال رضي الله عنه، بعد أن حمد الله تعالى ~~وأثنى عليه: يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في # PageV01P012 # الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، إن رسول الله صلى عليه ~~وسلم لبث في قومه بضع عشرة سنة، يدعوهم إلى عبادة الرحمن، وخلع الأوثان، ~~فما آمن به من قومه إلا قليل، والله ما كانوا يقدرون أن يمنعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ولا يعرفوا دينه، ولا يدفعوا عن أنفسهم، حتى أراد الله ~~تعالى لكم الفضيلة، وساق إليكم الكرامة، وخصكم بالنعمة، ورزقكم الإيمان به ~~وبرسوله صلى الله عليه وسلم، والمنع له ولأصحابه والاعزاز لدينه، والجهاد ~~لأعدائه، فكنتم أشد الناس على من تخلف عنه منكم، وأثقله على عدوكم من ~~غيركم، حتى استقاموا لأمر الله تعالى طوعا وكرها، وأعطى البعيد المقادة (1) ~~صاغرا داحرا حتى أثخن الله تعالى لنبيه بكم الأرض (2)، ودانت بأسيافكم له ~~العرب، وتوفاه الله تعالى وهو راض عنكم قرير العين، فشدوا أيديكم بهذا ~~الأمر، فإنكم أحق الناس وأولاهم به. # فأجابوه جميعا: أن قد وفقت في الرأي، وأصبت في القول، ولن نعدو ما رأيت ~~توليتك هذا الأمر، فأنت مقنع ولصالح المؤمنين رضا. قال فأتى الخبر إلى أبي ~~بكر رضي الله عنه، ففزع أشد الفزع، وقام معه عمر رضي الله عنهما، فخرجا ~~مسرعين إلى ms007 سقيفة بني ساعدة، فلقيا أبا عبيدة بن الجراح رضي الله عنه ~~فانطلقوا رضي الله عنهم جميعا، حتى دخلوا سقيفة بني ساعدة، وفيها رجال من ~~الأشراف، معهم سعد بن عبادة رضي الله عنه، فأراد عمر رضي الله عنه أن يبدأ ~~بالكلام، وقال: خشيت أن يقصر أبو بكر رضي الله عنه عن بعض الكلام. فلما ~~تيسر عمر للكلام، تجهز أبو بكر رضي الله عنه وقال له: على رسلك، فستكفى ~~الكلام، فتشهد أبو بكر رضي الله عنه، وانتصب له الناس، فقال: إن الله جل ~~ثناؤه بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالهدى ودين الحق، فدعا إلى الإسلام، ~~فأخذ الله تعالى بنواصينا (3) وقلوبنا إلى ما دعا إليه، فكنا معشر ~~المهاجرين أول الناس إسلاما، والناس لنا فيه تبع، ونحن عشيرة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، ونحن مع ذلك أوسط العرب أنسابا، ليست قبيلة من قبائل العرب ~~إلا ولقريش فيها ولادة. وأنتم أيضا والله الذين آووا ونصروا، وأنتم وزراؤنا ~~في الدين، ووزراء رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنتم إخواننا في كتاب ~~الله تعالى وشركاؤنا في دين الله عز وجل وفيما كنا فيه من سراء وضراء، ~~والله ما كنا في خير قط إلا كنتم معنا فيه، فأنتم أحب الناس إلينا، وأكرمهم ~~علينا، وأحق الناس بالرضا بقضاء الله تعالى، والتسليم لأمر الله # PageV01P013 # عز وجل ولما ساق لكم ولإخوانكم المهاجرين رضي الله عنهم، وهم أحق الناس ~~فلا تحسدوهم، وأنتم المؤثرون على أنفسهم حين الخصاصة، والله ما زلتم مؤثرين ~~إخوانكم من المهاجرين، وأنتم أحق الناس ألا يكون هذا الأمر واختلافه علي ~~أيديكم، وأبعد أن لا تحسدوا إخوانكم على خير ساقه الله تعالى إليهم، وإنما ~~أدعوكم إلى أبي عبيدة أو عمر، وكلاهما قد رضيت لكم ولهذا الأمر، وكلاهما له ~~أهل. فقال عمر وأبو عبيدة رضي الله عنهما: ما ينبغي لأحد من الناس أن يكون ~~فوقك يا أبا بكر أنت صاحب الغار ثاني اثنين، وأمرك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم بالصلاة فأنت أحق الناس بهذا الأمر. فقال الأنصار: والله ms008 ما نحسدكم ~~على خير ساقه الله إليكم، وإنا لكما وصفت يا أبا بكر والحمد لله، ولا أحد ~~من خلق الله تعالى أحب إلينا منكم، ولا أرضى عندنا ولا أيمن ولكنا نشفق مما ~~بعد اليوم، ونحذر أن يغلب على هذا الأمر من ليس منا ولا منكم، فلو جعلتم ~~اليوم رجلا منا ورجلا منكم بايعنا ورضينا، على أنه إذا هلك اخترنا آخر من ~~الأنصار فإذا هلك اخترنا آخر من المهاجرين أبدا ما بقيت هذه الأمة، كان ذلك ~~أجدر أن يعدل في أمة محمد صلى الله عليه وسلم وأن يكون بعضنا يتبع بعضا، ~~فيشفق القرشي أن يزيغ فيقبض عليه الأنصاري، ويشفق الأنصاري أن يزيغ فيقبض ~~عليه القرشي. فقام أبو بكر، فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: إن الله ~~تعالى بعث محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا إلى خلقه، وشهيدا على أمته ~~ليعبدوا الله ويوحدوه وهم إذ ذاك يعبدون آلهة شتى، يزعمون أنها لهم شافعة، ~~وعليهم بالغة نافعة، وإنما كانت حجارة منحوتة، وخشبا منجورة (1)، فاقرءوا ~~إن شئتم " إنكم وما تعبدون من دون الله "، " ويعبدون من دون الله مالا ~~يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله "، وقالوا " ما نعبدهم ~~إلا ليقربونا إلى الله زلفى " فعظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم، فخص ~~الله تعالى المهاجرين الأولين رضي الله عنهم بتصديقه، والإيمان به، ~~والمواساة له والصبر معه على الشدة من قومهم، وإذلالهم وتكذيبهم إياهم وكل ~~الناس مخالف عليهم، زار (2) لهم، فلم يستوحشوا لقلة عددهم وإزراء الناس بهم ~~واجتماع قومهم عليهم، فهو أول من عبد الله في الأرض، وأول من آمن بالله ~~تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، وهم أولياؤه وعشيرته، وأحق الناس بالأمر ~~من بعده لا ينازعهم فيه إلا ظالم، وأنتم يا معشر الأنصار من لا ينكر فضلهم ~~ولا النعمة العظيمة لهم في الإسلام، رضيكم الله تعالى أنصارا لدينه ~~ولرسوله، وجعل إليكم مهاجرته # PageV01P014 # فليس بعد المهاجرين الأولين أحد عندنا بمنزلتكم، فنحن الأمراء، وأنتم ~~الوزراء، لا نفتات (1) دونكم بمشورة، ولا تنقضي دونكم الأمور. # فقام الحباب بن ms009 المنذر بن زيد بن حرام رضي الله عنه، فقال: يا معشر ~~الأنصار: املكوا عليكم أيديكم، فإنما الناس في فيئكم (2) وظلالكم، ولن يجير ~~مجير (3) على خلافكم، ولن يصدر الناس إلا عن رأيكم، أنتم أهل العز والثروة ~~وأولو العدد والنجدة، وإنما ينظر الناس ما تصنعون، فلا تختلفوا، فيفسد ~~عليكم رأيكم، وتقطع أموركم، وأنتم أهل الإيواء والنصرة، وإليكم كانت ~~الهجرة، ولكم في السابقين الأولين مثل ما لهم، وأنتم أصحاب الدار والإيمان ~~من قبلهم، والله ما عبدوا الله علانية إلا في بلادكم، ولا جمعت الصلاة إلا ~~في مساجدكم، ولا دانت العرب للإسلام إلا بأسيافكم، فأنتم أعظم الناس نصيبا ~~في هذا الأمر، وإن أبي القوم، فمنا أمير ومنهم أمير. # فقام عمر رضي الله عنه، فقال: هيهات لا يجتمع سيفان في غمد واحد، إنه ~~والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيها من غيركم، ولكن العرب لا ينبغي أن ~~تولى هذا الأمر إلا من كانت النبوة فيهم، وأولو الأمر منهم، لنا بذلك على ~~من خالفنا من العرب الحجة الظاهرة، والسلطان المبين، من ينازعنا سلطان محمد ~~وميراثه، ونحن أولياؤه وعشيرته، إلا مدل بباطل، أو متجانف (4) لإثم، أو ~~متورط في هلكة. فقام الحباب بن المنذر رضي الله عنه، فقال: يا معشر ~~الأنصار: # املكوا على أيديكم، ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من ~~هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتم فاجلوهم عن بلادكم، وتولوا هذا الأمر ~~عليهم، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم، فإنه دان لهذا الأمر ما لم يكن ~~يدين له بأسيافنا، أما والله إن شئتم لنعيدنها جذعة (5)، والله لا يدر على ~~أحد ما أقول إلا حطمت أنفه بالسيف. قال عمر بن الخطاب: فلما كان الحباب هو ~~الذي يجيبني، لم يكن لي معه كلام، لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدا. ~~ثم قام أبو عبيدة، فقال: يا معشر الأنصار أنتم أول من نصر وآوى، فلا تكونوا ~~أول من يبدل ويغير. # PageV01P015 # مخالفة بشير بن ms010 سعد، ونقضه لعهدهم قال: وإن بشيرا لما رأى ما اتفق عليه ~~قومه من تأمير سعد بن عبادة، قام حسدا لسعد، وكان بشير من سادات الخزرج، ~~فقال: يا معشر الأنصار، أما والله لئن كنا أولي الفضيلة في جهاد المشركين، ~~والسابقة في الدين، ما أردنا إن شاء الله غير رضا ربنا، وطاعة نبينا، ~~والكرم لأنفسنا، وما ينبغي أن نستطيل بذلك على الناس، ولا نبتغي به عوضا من ~~الدنيا فإن الله تعالى ولي النعمة والمنة علينا بذلك. ثم إن محمدا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رجل من قريش، وقومه أحق بميراثه، وتولي سلطانه، ~~وأيم الله لا يراني الله أنازعهم هذا الأمر أبدا فاتقوا الله ولا تنازعوهم ~~ولا تخالفوهم. # بيعة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ثم إن أبا بكر قام على الأنصار، ~~فحمد الله تعالى، وأثنى عليه، ثم دعاهم إلى الجماعة، ونهاهم عن الفرقة، ~~وقال: إني ناصح لكم في أحد هذين الرجلين: أبي عبيدة بن الجراح، أو عمر ~~فبايعوا من شئتم منهما، فقال عمر: معاذ الله أن يكون ذلك وأنت بين أظهرنا، ~~أنت أحقنا بهذا الأمر، وأقدمنا صحبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأفضل ~~منا في المال، وأنت أفضل المهاجرين وثاني اثنين، وخليفته على الصلاة، ~~والصلاة أفضل أركان دين الإسلام، فمن ذا ينبغي أن يتقدمك، ويتولى هذا الأمر ~~عليك؟ أبسط يدك أبايعك. فلما ذهبا يبايعانه سبقهما إليه بشير الأنصاري ~~فبايعه، فناداه الحباب بن المنذر: يا بشير بن سعد، عقك (1) عقاق ما اضطرك ~~إلى ما صنعت؟ حسدت ابن عمك على الإمارة؟ قال لا والله، ولكني كرهت أن أنازع ~~قوما حقا لهم. فلما رأت الأوس ما صنع قيس (2) بن سعد وهو من سادات الخزرج، ~~وما دعوا إليه المهاجرين من قريش، وما تطلب الخزرج من تأمير سعد بن عبادة، ~~قال بعضهم لبعض وفيهم أسيد بن حضير رضي الله عنه: لئن وليتموها سعدا عليكم ~~مرة واحدة، لا زالت لهم بذلك عليكم الفضيلة، ولا جعلوا لكم نصيبا فيها ~~أبدا، فقوموا فبايعوا أبا بكر رضي الله ms011 عنه، فقاموا إليه فبايعوه؟ فقام ~~الحباب بن المنذر إلى سيفه فأخذه، فبادروا إليه فأخذوا سيفه # PageV01P016 # منه، فجعل يضرب بثوبه وجوههم، حتى فرغوا من البيعة، فقال فعلتموها يا ~~معشر الأنصار، أما والله لكأني بأبنائكم على أبواب أبنائهم، قد وقفوا ~~يسألونهم بأكفهم ولا يسقون الماء. # قال أبو بكر: أمنا تخاف يا حباب؟ قال: ليس منك أخاف، ولكن ممن يجيئ بعدك. ~~قال أبو بكر: فإذا كان ذلك كذلك، فالأمر إليك وإلى أصحابك، ليس لنا عليكم ~~طاعة، قال الحباب: هيهات يا أبا بكر، إذا ذهبت أنا وأنت، جاءنا بعدك من ~~يسومنا الضيم. # تخلف سعد بن عبادة رضي الله عنه عن البيعة فقال سعد بن عبادة: أما والله ~~لو أن لي ما أقدر به على النهوض، لسمعتم مني في أقطارها زئيرا يخرجك أنت ~~وأصحابك، ولألحقتك بقوم كنت فيهم تابعا غير متبوع، خاملا غير عزيز، فبايعه ~~الناس جميعا، حتى كادوا يطئون سعدا. فقال سعد: قتلتموني. فقيل: اقتلوه قتله ~~الله فقال سعد: احملوني من هذا المكان، فحملوه فأدخلوه داره وترك أياما، ثم ~~بعث إليه أبو بكر رضي الله عنه: أن أقبل فبايع، فقد بايع الناس، وبايع ~~قومك، فقال: أما والله حتى أرميكم بكل سهم في كنانتي من نبل، وأخضب (1) ~~منكم سناني ورمحي، وأضربكم بسيفي ما ملكته يدي، وأقاتلكم بمن معي من أهلي ~~وعشيرتي، ولا والله لو أن الجن اجتمعت لكم مع الأنس ما بايعتكم حتى أعرض ~~على ربي، وأعلم حسابي. فلما أتى بذلك أبو بكر من قوله، قال عمر: لا تدعه ~~حتى يبايعك، فقال لهم بشير بن سعد: إنه قد أبى ولج، وليس يبايعك حتى يقتل، ~~وليس بمقتول حتى يقتل ولده معه، وأهل بيته وعشيرته، ولن تقتلوهم حتى تقتل ~~الخزرج، ولن تقتل الخزرج حتى تقتل الأوس، فلا تفسدوا على أنفسكم أمرا قد ~~استقام لكم، فاتركوه فليس تركه بضاركم، وإنما هو رجل واحد، فتركوه وقبلوا ~~مشورة بشير بن سعد، واستنصحوه (2) لما بدا لهم منه. فكان سعد لا يصلي ~~بصلاتهم، ولا يجمع (3) بجمعتهم، ولا يفيض (4) بإفاضتهم، ولو يجد عليهم ms012 ~~أعوانا لصال بهم، ولو بايعه أحد على قتالهم لقاتلهم، فلم يزل كذلك حتى توفي ~~أبو بكر رحمه الله، وولي عمر بن الخطاب، فخرج إلى الشام، فمات بها، ولم ~~يبايع لأحد، رحمه الله. وإن بني هاشم اجتمعت عند بيعة الأنصار إلى # PageV01P017 # علي ابن أبي طالب، ومعهم الزبير بن العوام رضي الله عنه، وكانت أمه صفية ~~بنت عبد المطلب، وإنما كان يعد نفسه من بني هاشم، وكان علي كرم الله وجهه ~~يقول: ما زال الزبير منا حتى نشأ بنوه، فصرفوه عنا، واجتمعت بنو أمية إلى ~~عثمان، واجتمعت بنو زهرة إلى سعد وعبد الرحمن بن عوف، فكانوا في المسجد ~~الشريف مجتمعين، فلما أقبل عليهم أبو بكر وأبو عبيد وقد بايع الناس أبا بكر ~~قال لهم عمر: ما لي أراكم مجتمعين حلقا شتى (1)، قوموا فبايعوا أبا بكر، ~~فقد بايعته وبايعه الأنصار، فقام عثمان بن عفان ومن معه من بني أمية ~~فبايعوه، وقام سعد وعبد الرحمن بن عوف ومن معهما من بني زهرة فبايعوا. وأما ~~علي والعباس بن عبد المطلب ومن معهما من بني هاشم فانصرفوا إلى رحالهم ~~ومعهم الزبير بن العوام، فذهب إليهم عمر في عصابة فيهم أسيد بن حضير وسلمة ~~بن أسلم، فقالوا: انطلقوا فبايعوا أبا بكر، فأبوا، فخرج الزبير بن العوام ~~رضي الله عنه بالسيف، فقال عمر رضي الله عنه: عليكم بالرجل فخذوه فوثب عليه ~~سلمة بن أسلم، فأخذ السيف من يده، فضرب به الجدار، وانطلقوا به فبايع وذهب ~~بنو هاشم أيضا فبايعوا. # إباية علي كرم الله وجهه بيعة أبي بكر رضي الله عنهما ثم إن عليا كرم ~~الله وجهه أتى به إلى أبي بكر وهو يقول: أنا عبد الله وأخو رسوله، فقيل له ~~بايع أبا بكر، فقال: أنا أحق بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى ~~بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار، واحتججتم عليهم بالقرابة من النبي ~~صلى الله عليه وسلم، وتأخذونه منا أهل البيت غصبا؟ ألستم زعمتم للأنصار ~~أنكم أولى بهذا الأمر منهم لما كان محمد منكم، فأعطوكم المقادة، ms013 وسلموا ~~إليكم الإمارة، وأنا احتج عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار نحن أولى ~~برسول الله حيا وميتا فأنصفونا إن كنتم تؤمنون وإلا فبوءوا بالظلم وأنتم ~~تعلمون. فقال له عمر: إنك لست متروكا حتى تبايع، فقال له علي: احلب حلبا لك ~~شطره (2)، واشدد له اليوم أمره يردده عليك غدا. ثم قال: والله يا عمر لا ~~أقبل قولك ولا أبايعه. فقال له أبو بكر: فإن لم تبايع فلا أكرهك، فقال أبو ~~عبيدة بن الجراح لعلي كرم الله وجهه: يا بن عم إنك حديث السن وهؤلاء مشيخة ~~قومك، ليس لك مثل تجربتهم، ومعرفتهم بالأمور، ولا أرى أبا بكر إلا أقوى على ~~هذا الأمر منك، وأشد احتمالا واضطلاعا # PageV01P018 # به، فسلم لأبي بكر هذا الأمر، فإنك إن تعش ويطل بك بقاء، فأنت لهذا الأمر ~~خليق وبه حقيق، في فضلك ودينك، وعلمك وفهمك، وسابقتك ونسبك وصهرك. فقال علي ~~كرم الله وجهه: الله الله يا معشر المهاجرين، لا تخرجوا سلطان محمد في ~~العرب عن داره وقعر بيته، إلى دوركم وقعور بيوتكم، ولا تدفعوا أهله عن ~~مقامه في الناس وحقه، فوالله يا معشر المهاجرين، لنحن أحق الناس به. لأنا ~~أهل البيت، ونحن أحق بهذا الأمر منكم ما كان فينا القارئ لكتاب الله، ~~الفقيه في دين الله، العالم بسنن رسول الله، المضطلع بأمر الرعية، المدافع ~~عنهم الأمور السيئة، القاسم بينهم بالسوية، والله إنه لفينا، فلا تتبعوا ~~الهوى فتضلوا عن سبيل الله، فتتزدادوا من الحق بعدا. فقال بشير بن سعد ~~الأنصاري: لو كان هذا الكلام سمعته الأنصار منك يا علي قبل بيعتها لأبي ~~بكر، ما اختلف عليك اثنان. قال: وخرج علي كرم الله وجهه يحمل فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم على دابة ليلا في مجالس الأنصار تسألهم ~~النصرة، فكانوا يقولون: يا بنت رسول الله، قد مضت بيعتنا لهذا الرجل ولو أن ~~زوجك وابن عمك سبق إلينا قبل أبي بكر ما عدلنا به، فيقول علي كرم الله وجهه ~~أفكنت أدع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ms014 بيته لم أدفنه، وأخرج أنازع ~~الناس سلطانه؟ فقالت فاطمة: ما صنع أبو الحسن إلا ما كان ينبغي له، ولقد ~~صنعوا ما لله حسيبهم وطالبهم. # كيف كانت بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال. وإن أبا بكر رضي الله ~~عنه تفقد قوما تخلفوا عن بيعته عند علي كرم الله وجهه، فبعث إليهم عمر، ~~فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس ~~عمر بيده. لتخرجن أو لأحرقنها على من فيها، فقيل له يا أبا حفص. إن فيها ~~فاطمة؟ # فقال وإن، فخرجوا فبايعوا إلا عليا فإنه زعم أنه قال: حلفت أن لا أخرج ~~ولا أضع ثوبي على عاتقي حتى أجمع القرآن، فوقفت فاطمة رضي الله عنها على ~~بابها، فقالت: لا عهد لي بقوم حضروا أسوأ محضر منكم، تركتم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم جنازة بين أيدينا، وقطعتم أمركم بينكم، لم تستأمرونا، ولم ~~تردوا لنا حقا. فأتى عمر أبا بكر، فقال له: ألا تأخذ هذا المتخلف عنك ~~بالبيعة؟ فقال أبو بكر لقنفد وهو مولى له: اذهب فادع لي عليا، قال فذهب إلى ~~علي فقال له: ما حاجتك؟ فقال يدعوك خليفة رسول الله، فقال علي: لسريع ما ~~كذبتم على رسول الله. فرجع فأبلغ الرسالة، قال: فبكى أبو بكر طويلا. فقال ~~عمر الثانية: لا تمهل هذا المتخلف عنك بالبيعة، فقال أبو بكر رضي الله عنه ~~لقنفد: عد إليه، فقل له: خليفة رسول الله يدعوك لتبايع، فجاءه قنفد، فأدى ~~ما أمر به، فرفع علي صوته فقال سبحان الله؟ لقد ادعى PageV01P019 # ما لبس له، فرجع قنفد، فأبلغ الرسالة، فبكى أبو بكر طويلا، ثم قام عمر، ~~فمشى معه جماعة، حتى أتوا باب فاطمة، فدقوا الباب، فلما سمعت أصواتهم نادت ~~بأعلى صوتها: يا أبت يا رسول الله، ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب وابن أبي ~~قحافة، فلما سمع القوم صوتها وبكاءها، انصرفوا باكين، وكادت قلوبهم تنصدع، ~~وأكبادهم تنفطر، وبقي عمر ومعه قوم، فأخرجوا عليا، فمضوا به إلى أبي بكر، ~~فقالوا له: ms015 بايع، فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ قالوا: إذا والله الذي لا إله ~~إلا هو نضرب عنقك، فقال: إذا تقتلون عبد الله وأخا رسوله، قال عمر: أما عبد ~~الله فنعم، وأما أخو رسوله فلا، وأبو بكر ساكت لا يتكلم، فقال له عمر: ألا ~~تأمر فيه بأمرك؟ فقال: # لا أكرهه على شئ ما كانت فاطمة إلى جنبه، فلحق علي بقبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يصيح ويبكي، وينادي: يا بن أم إن القوم استضعفوني وكادوا ~~يقتلونني. فقال عمر لأبي بكر، رضي الله عنهما، انطلق بنا إلى فاطمة، فإنا ~~قد أغضبناها، فانطلقا جميعا، فاستأذنا على فاطمة، فلم تأذن لهما، فأتيا ~~عليا فكلماه، فأدخلهما عليها، فلما قعدا عندها، حولت وجهها إلى الحائط، ~~فسلما عليها، فلم ترد عليهما السلام، فتكلم أبو بكر فقال: يا حبيبة رسول ~~الله والله إن قرابة رسول الله أحب إلى من قرابتي، وإنك لأحب إلي من عائشة ~~ابنتي، ولوددت يوم مات أبوك أني مت، ولا أبقى بعده، أفتراني أعرفك وأعرف ~~فضلك وشرفك وأمنعك حقك وميراثك من رسول الله إلا أني سمعت أباك رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم يقول: لا نورث، ما تركنا فهو صدقة، فقالت: أرأيتكما إن ~~حدثتكما حديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم تعرفانه وتفعلان به؟ قالا: ~~نعم. فقالت: نشدتكما الله ألم تسمعا رسول الله يقول: رضا فاطمة من رضاي، ~~وسخط فاطمة من سخطي، فمن أحب فاطمة ابنتي فقد أحبني، ومن أرضى فاطمة فقد ~~أرضاني، ومن أسخط فاطمة فقد أسخطني؟ قالا نعم سمعناه من رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، قالت: # فإني أشهد الله وملائكته أنكما أسخطتماني وما أرضيتماني، ولئن لقيت النبي ~~لأشكونكما إليه، فقال أبو بكر أنا عائذ بالله تعالى مني سخطه وسخطك يا ~~فاطمة، ثم انتحب أبو بكر يبكي، حتى كادت نفسه أن تزهق، وهي تقول: والله ~~لأدعون الله عليك في كل صلاة أصليها، ثم خرج باكيا فاجتمع إليه الناس، فقال ~~لهم: يبيت كل رجل منكم معانقا حليلته، مسرورا بأهله، وتركتموني وما أنا ms016 ~~فيه، لا حاجة لي في بيعتكم، أقيلوني بيعتي. قالوا: يا خليفة رسول الله، إن ~~هذا الأمر لا يستقيم، وأنت أعلمنا بذلك، إنه إن كان هذا لم يقم لله دين، ~~فقال: والله لولا ذلك وما أخافه من رخاوة هذه العروة ما بت ليلة ولي في عنق ~~مسلم بيعة، بعدما سمعت ورأيت من فاطمة. قال: فلم يبايع علي كرم الله وجهه ~~حتى ماتت فاطمة رضي الله عنهما، ولم تمكث بعد أبيها إلا خمسا وسبعين ليلة. ~~قال: فلما توفيت أرسل علي إلى أبي بكر: أن أقبل إلينا، فأقبل PageV01P020 # أبو بكر حتى دخل على علي وعنده بنو هاشم فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~أما بعد يا أبا بكر: # فإنه لم يمنعنا أن نبايعك إنكار لفضيلتك، ولا نفاسة عليك، ولكنا كنا نرى ~~أن لنا في هذا الأمر حقا، فاستبددت علينا، ثم ذكر علي قرابته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، فلم يزل يذكر ذلك حتى بكى أبو بكر. فقال أبو بكر رضي ~~الله عنه: لقرابة رسول الله أحب إلي من قرابتي، وإني والله لا أدع أمرا ~~رأيت رسول الله يصنعه إلا صنعته إن شاء الله تعالى. # فقال علي: موعدك غدا في المسجد الجامع للبيعة إن شاء الله. ثم خرج فأتى ~~المغيرة بن شعبة، فقال: الرأي يا أبا بكر أن تلقوا العباس، فتجعلوا له في ~~هذه الإمرة نصيبا، يكون له ولعقبه، وتكون لكما الحجة على علي وبني هاشم، ~~إذا كان العباس معكم. قال: فانطلق أبو بكر وعمر وأبو عبيدة والمغيرة حتى ~~دخلوا على العباس رضي الله عنه. فحمد الله أبو بكر، وأثني عليه، ثم قال: إن ~~الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم نبيا وللمؤمنين وليا، فمن الله تعالى ~~بمقامه بين أظهرنا، حتى اختار له الله ما عنده، فخلى على الناس أمرهم، ~~ليختاروا لأنفسهم في مصلحتهم، متفقين غير مختلفين، فاختاروني عليهم واليا، ~~ولأمورهم راعيا، وما أخاف بعون الله وهنا ولا حيرة ولا جبنا، وما توفيقي ~~إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت وإليه أنيب. وما ms017 أزال يبلغني عن طاعن ~~يطعن بخلاف ما اجتمعت عليه عامة المسلمين، ويتخذكم لجأ، فتكونون حصنه ~~المنيع، فإما دخلتم فيما دخل فيه العامة، أو دفعتموهم عما مالوا إليه، وقد ~~جئناك ونحن نريد أن نجعل لك في هذا الأمر نصيبا، يكون لك ولعقبك من بعدك، ~~إذ كنت عم رسول الله، وإن كان الناس قد رأوا مكانك ومكان أصحابك، فعدلوا ~~الأمر عنكم وعلى رسلكم بني عبد المطلب، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~منا ومنكم، ثم قال عمر: إي والله، وأخرى أنا لم نأتكم حاجة منا إليكم، ~~ولكنا كرهنا أن يكون الطعن منكم فيما اجتمع عليه العامة، فيتفاقم الخطب بكم ~~وبهم، فانظروا لأنفسكم ولعامتكم. فتكلم العباس، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم ~~قال: إن الله بعث محمدا كما زعمت نبيا، وللمؤمنين وليا، فمن الله بمقامه ~~بين أظهرنا حتى اختار له ما عنده، فخلى على الناس أمرهم ليختاروا لأنفسهم، ~~مصيبين للحق، لا مائلين عنه بزيغ الهوى، فإن كنت برسول الله طلبت فحقنا ~~أخذت، وإن كنت بالمؤمنين طلبت فنحن منهم متقدمون فيهم، وإن كان هذا الأمر ~~إنما يجب لك بالمؤمنين فما وجب إذ كنا كارهين، فأما ما بذلت لنا فإن يكن ~~حقا لك فلا حاجة لنا فيه وإن يكن حقا للمؤمنين فليس لك أن تحكم عليهم وإن ~~كان حقنا لم نرض عنك فيه ببعض دون بعض. وأما قولك إن رسول الله منا ومنكم، ~~فإنه قد كان من شجرة نحن أغصانها، وأنتم جيرانها. قال: ثم خرج أبو بكر إلى ~~المسجد الشريف، فأقبل على الناس، فعذر عليا بمثل ما اعتذر عنه، ثم قام علي ~~فعظم حق أبي بكر، وذكر فضيلته PageV01P021 # وسابقته، ثم مضى فبايعه، فأقبل الناس على علي، فقالوا: أصبت يا أبا الحسن ~~وأحسنت. # قال: فلما تمت البيعة لأبي بكر أقام ثلاثة أيام يقيل الناس ويستقيلهم، ~~يقول قد أقلتكم في بيعتي، هل من كاره؟ هل من مبغض؟ فيقوم علي في أول الناس ~~فيقول: والله لا نقيلك ولا نستقيلك أبدا، قد قدمك رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ms018 لتوحيد ديننا، من ذا الذي يؤخرك لتوجيه دنيانا؟. # خطبة أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: ثم إن أبا بكر قام خطيبا، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن الله الجليل الكريم العليم الحكيم ~~الرحيم الحليم، بعث محمدا بالحق، وأنتم معشر العرب كما قد علمتم، من ~~الضلالة والفرقة، ألف بين قلوبكم ونصركم به وأيدكم، ومكن لكم دينكم، ~~وأورثكم سيرته الراشدة المهدية، فعليكم بحسن الهدى ولزوم الطاعة، وقد ~~استخلف الله عليكم خليفة ليجمع به ألفتكم، ويقيم به كلمتكم، فأعينوني على ~~ذلك بخير، ولم أكن لأبسط يدا ولا لسانا على من لم يستحل ذلك إن شاء الله، ~~وأيم الله ما حرصت عليها ليلا ولا نهارا ولا سألتها الله قط في سر ولا ~~علانية، ولقد قلدت أمرا عظيما، ما لي به طاقة ولا يد، ولوددت أني وجدت أقوى ~~الناس عليه مكاني، فأطيعوني ما أطعت الله، فإذا عصيت فلا طاعة لي عليكم، ثم ~~بكى وقال: اعلموا أيها الناس أني لم أجعل لهذا المكان أن أكون خيركم، ~~ولوددت أن بعضكم كفانيه، ولئن أخذتموني بما كان الله يقيم به رسوله من ~~الوحي ما كان ذلك عندي، وما أنا إلا كأحدكم، فإذا رأيتموني قد استقمت ~~فاتبعوني، وإن زغت فقوموني، واعلموا أن لي شيطانا يعتريني أحيانا، فإذا ~~رأيتموني غضبت فاجتنبوني، لا أؤثر في أشعاركم وأبشاركم، ثم نزل. # ثم دعا عمر الأوجاه (1) من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ما ~~ترون لي من هذا المال؟ فقال عمر: أنا والله أخبرك مالك منه. أما ما كان لك ~~من ولد قد بان عنك وملك أمره، فسهمه كرجل من المسلمين، وأما ما كان من ~~عيالك وضعفة أهلك، فتقوت منه بالمعروف وقوت أهلك. فقال: يا عمر إني لأخشى ~~ألا يحل لي أن أطعم عيالي من فيئ المسلمين. فقال عمر: يا خليفة رسول الله، ~~إنك قد شغلت بهذا الأمر عن أن تكسب لعيالك. قال: ولما تمت البيعة لأبي بكر، ~~واستقام له الأمر، اشرأب النفاق بالمدينة، وارتدت العرب، فنصب لهم أبو ms019 بكر ~~الحرب، وأراد قتالهم، فقالوا: نصلي ولا نؤدي الزكاة. فقال الناس: اقبل منهم ~~يا خليفة رسول الله، فإن العهد حديث، والعرب كثير، ونحن شرذمة قليلون، لا ~~طاقة لنا بالعرب، مع أنا # PageV01P022 # قد سمعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " أمرت أن أقاتل الناس حتى ~~يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا متى دماءهم وأموالهم إلا بحقها، ~~وحسابهم على الله ". فقال أبو بكر: هذا من حقها، لا بد من القتال. فقال ~~الناس لعمر. أخل به فكلمه لعله يرجع عن رأيه هذا، فيقبل منهم الصلاة، ~~ويعفيهم من الزكاة، فخلا به عمر نهاره أجمع، فقال: والله لو منعوني عقالا ~~(1) كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم عليه، ولو لم أجد أحدا أقاتلهم به ~~لقاتلتهم وحدي، حتى يحكم الله بيني وبينهم، وهو خير الحاكمين، وقد سمعت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: # " أمرت أن أقاتل الناس على ثلاث: شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام ~~الصلاة، وإيتاء الزكاة " فوالله الذي لا إله إلا هو لا أقصر دونهن، فضرب ~~منهم من أدبر بمن أقبل، حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها. وحمدوا رأيه، ~~وعرفوا فضله. # قال أبو رجاء العطاردي: رأيت الناس مجتمعين وعمر يقبل رأس أبي بكر ويقول: # أنا فداؤك، لولا أنت لهلكنا. فخمد له رأيه في قتال أهل الردة. # مرض أبي بكر واستخلافه عمر رضي الله عنهما قال: ثم إن أبا بكر عمل سنتين ~~وشهورا، ثم مرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه أناس من أصحاب النبي عليه ~~الصلاة والسلام، فيهم عبد الرحمن ابن عوف، فقال له: كيف أصبحت يا خليفة ~~رسول الله، فإني أرجو أن تكون بارئا؟ قال: أترى ذلك؟ قال: نعم قال أبو بكر: ~~والله إني لشديد الوجع، ولما ألقى منكم يا معشر المهاجرين أشد علي من وجعي، ~~إني وليت أمركم خيركم في نفسي، فكلكم ورم أنفه (2) إرادة أن يكون هذا الأمر ~~له. وذلك لما رأيتم الدنيا قد أقبلت. أما والله لتتخذن نضائد (3) الديباج، ~~وستور الحرير، ولتألمن النوم على الصوف ms020 الأذربي (4)، كما يألم أحدكم النوم ~~على حسك السعدان (5)، والله لأن يقدم أحدكم # PageV01P023 # فتضرب عنقه في غير حدث خير له من أن يخوض عمرات الدنيا. فقال له عبد ~~الرحمن بن عوف: خفض عليك من هذا يرحمك الله، فإن هذا يهيضك (1) على ما بك، ~~وإنما الناس رجلان: رجل رضي ما صنعت، فرأيه كرأيك، ورجل كره ما صنعت، فأشار ~~عليك برأيه، ما رأينا من صاحبك (2) الذي وليت إلا خيرا، وما زلت صالحا ~~مصلحا، ولا أراك تأسى على شئ من الدنيا فاتك. قال: أجل، والله ما آسى إلا ~~على ثلاث فعلتهن، ليتني كنت تركتهن، وثلاث تركتهن ليتني فعلتهن، وثلاث ~~ليتني سألت رسول الله عنهن، فأما اللاتي فعلتهن وليتني لم أفعلهن، فليتني ~~تركت بيت علي وإن كان أعلن على الحرب، وليتني يوم سقيفة بني ساعدة كنت ضربت ~~على يد أحد الرجلين أبي عبيدة أو عمر فكان هو الأمير وكنت أنا الوزير، ~~وليتني حين أتيت بذي الفجاءة السلمي أسيرا أني قتلته ذبيحا أو أطلقته ~~نجيحا، ولم أكن أحرقته بالنار. وأما اللاتي تركتهن وليتني كنت فعلتهن، ~~ليتني حين أتيت بالأشعث بن قيس أسيرا أني قتلته ولم أستحيه، فإني سمعت منه، ~~وأراه لا يرى غيا ولا شرا إلا أعان عليه، وليتني حين بعثت خالد بن الوليد ~~إلى الشام، أني كنت بعثت عمر بن الخطاب إلى العراق، فأكون قد بسطت يدي ~~جميعا في سبيل الله: وأما اللاتي كنت أود أني سألت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عنهن، فليتني سألته لمن هذا الأمر من بعده؟ # فلا ينازعه فيه أحد، وليتني كنت سألته: هل للأنصار فيها من حق؟ وليتني ~~سألته عن ميراث بنت الأخ والعمة، فإن في نفسي من ذلك شيئا. # ثم دخل عليه أناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: يا ~~خليفة رسول الله، ألا ندعو لك طبيبا ينظر إليك؟ فقال: قد نظر إلي (3). ~~قالوا: فماذا قال؟ قال: # إني فعال لما أريد. ثم قال لهم: انظروا ماذا أنفقت من بيت المال، فنظروا ~~فإذا هو ثمانية آلاف ms021 درهم: فأوصى أهله أن يؤدوها إلى الخليفة بعده. ثم دعا ~~عثمان بن عفان فقال: اكتب عهدي، فكتب عثمان وأملى عليه: # بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما عهد به أبو بكر بن أبي قحافة آخر عهده في ~~الدنيا نازحا عنها، وأول عهده بالآخرة داخلا فيها: إني استخلفت عليكم عمر ~~بن الخطاب، فإن تروه عدل فيكم، فذلك ظني به ورجائي فيه، وإن بدل وغير ~~فالخير أردت، ولا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون. ثم ختم ~~الكتاب ودفعه، فدخل عليه المهاجرون والأنصار حين # PageV01P024 # بلغهم أنه استخلف عمر، فقالوا: نراك استخلفت علينا عمر، وقد عرفته، وعلمت ~~بواثقه فينا وأنت بين أظهرنا، فكيف إذا وليت عنا وأنت لاق الله عز وجل ~~فسائلك، فما أنت قائل؟ # فقال أبو بكر: لئن سألني الله لأقولن: استخلفت عليهم خيرهم في نفسي. قال: ~~ثم أمر أن تجتمع له الناس، فاجتمعوا، فقال: أيها الناس قد حضرني من قضاء ~~الله ما ترون، وإنه لا بد لكم من رجل يلي أمركم، ويصلي بكم، ويقاتل عدوكم، ~~فيأمركم، فإن شئتم اجتهدت لكم رأيي، ووالله الذي لا إله إلا هو لا آلوكم في ~~نفسي خيرا، قال: فبكى وبكى الناس، وقالوا: # يا خليفة رسول الله. أنت خيرنا وأعلمنا، فاختر لنا، قال: سأجتهد لكم ~~رأيي، واختار لكم خيركم إن شاء الله: قال: فخرجوا من عنده، ثم أرسل إلي عمر ~~فقال: يا عمر، أحبك محب، وأبغضك مبغض، وقديما يحب الشر، ويبغض الخير. فقال ~~عمر: لا حاجة لي بها، فقال أبو بكر: # لكن بها إليك حاجة، والله ما حبوتك بها، ولكن حبوتك بك. ثم قال: خذ هذا ~~الكتاب واخرج به إلى الناس، وأخبرهم أنه عهدي، وسلهم عن سمعهم وطاعتهم. ~~فخرج عمر بالكتاب وأعلمهم، فقالوا: سمعا وطاعة، فقال له رجل: ما في الكتاب ~~يا أبا حفص؟ قال: لا أدري، ولكني أول من سمع وأطاع. قال: لكني والله أدري ~~ما فيه: أمرته عام أول، وأمرك العام. # ولاية عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ولما توفي أبو بكر وولي عمر ms022 وقعد ~~في المسجد مقعد الخلافة، أتاه رجل، فقال: يا أمير المؤمنين، أدنو منك فإن ~~لي حاجة؟ قال عمر: لا. قال. الرجل: إذا أذهب فيغنيني الله عنك، فولى ذاهبا، ~~فأتبعه عمر ببصره، ثم قام فأخذه بثوبه، فقال له: ما حاجتك؟ فقال الرجل: # بغضك الناس، وكرهك الناس، قال عمر: ولم ويحك؟ قال الرجل: للسانك وعصاك، ~~قال: فرفع عمر يديه، فقال: اللهم حببهم إلي وحببني إليهم. قال الرجل: فما ~~وضع يديه حتى ما على الأرض أحب إلي منه. # وكان أهل الشام قد بلغهم مرض أبي بكر، واستبطئوا الخبر، فقالوا: إنا ~~لنخاف أن يكون خليفة رسول الله قد مات وولى بعده عمر، فإن كان عمر هو ~~الوالي فليس لنا بصاحب، وإنا نرى خلعه. قال بعضهم: فابعثوا رجلا ترضون ~~عقله، قال: فانتخبوا لذلك رجلا، فقدم على عمر، وقد كان عمر استبطأ خبر أهل ~~الشام، فلما أتاه قال له: كيف الناس؟ قال: سالمون صالحون، وهم كارهون ~~لولايتك، ومن شرك مشفقون (1)، فأرسلوني أنظر: أحلو أنت أم مر؟ قال: # فرفع عمر يديه إلى السماء وقال: اللهم حببني إلى الناس، وحببهم إلي. # PageV01P025 # قال: فعمل عمر عشر سنين بعد أبي بكر، فوالله ما فارق الدنيا حتى أحب ~~ولايته من كرهها. لقد كانت إمارته فتحا، وإسلامه عزا ونصرا، اتبع في عمله ~~سنة صاحبيه وآثارهما، كما يتبع الفصيل أثر أمه، ثم اختار الله له ما عنده. # قتل عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال عمرو بن ميمون: شهدت عمر بن الخطاب ~~يوم طعن، فما منعني أن أكون في الصف الأول إلا هيبته، فكنت في الصف الذي ~~يليه، وكان عمر لا يكبر حتى يستقبل الصف المتقدم بوجهه، فإن رأى رجلا ~~متقدما من الصف أو متأخرا ضربه بالدرة، فذلك الذي منعني من التقدم. قال: ~~فأقبل لصلاة الصبح، وكان يغلس بها (1)، فعرض له أبو لؤلؤة غلام المغيرة ابن ~~شعبة، فطعنه ثلاث طعنات، فسمعت عمر وهو يقول: دونكم الكلب، فإنه قد قتلني، ~~وماج الناس، فجرح ثلاثة عشر رجلا، وصاح بعضهم ببعض: دونكم الكلب، فشد عليه ~~رجل ms023 من خلفه، فاحتضنه، وماج الناس، فقال قائل: الصلاة عباد الله، طلعت ~~الشمس. # فدفعت عبد الرحمن بن عوف، فصلى بأقصر سورتين في القرآن، واحتمل عمر، ومات ~~من الذين جرحوا ستة أو سبعة، وجرى الناس إلى عمر، فقال: يا ابن عباس، اخرج ~~فناد في الناس أعن ملأ ورضى منهم كان هذا؟ فخرج فنادى، فقالوا: معاذ الله، ~~ما علمنا ولا اطلعنا، قال: فأتاه الطبيب فقال: أي الشراب أحب إليك؟ قال: ~~النبيذ فسقوه نبيذا، فخرج من بعض طعناته. فقال الناس: صديد، أسقوه لبنا، ~~فخرج اللبن، فقال الطبيب: لا أرى أن تمسي، فما كنت فاعلا فافعل، فقال لابنه ~~عبد الله: ناولني الكتف (2)، فلو أراد الله أن يمضي ما فيه أمضاه، فمحاها ~~بيده، وكان فيها فريضة الجد. ثم دخل عليه كعب الأحبار، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قد كنت أنبأتك أنك شهيد، ~~قال: ومن أين لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟ ثم جعل الناس يثنون عليه، ~~ويذكرون فضله. فقال: إن من غررتموه لمغرور، إني والله وددت أن أخرج منها ~~كفافا (3) كما دخلت فيها، والله لو كان لي اليوم ما طلعت عليه الشمس ~~لافتديت به من هول المطلع، فقالوا: يا أمير المؤمنين لا بأس عليك، فقال: إن # PageV01P026 # يكن القتل بأسا، فقد قتلني أبو لؤلؤة، قالوا: فإن يكن ذلك فجزاك الله عنا ~~خيرا. فقال: # لا أراكم تغبطونني بها، فوالذي نفس عمر بيده ما أدري علام أهجم (1)، ~~ولوددت أني نجوت منها كفافا لا لي ولا علي، فيكون خيرها بشرها، ويسلم لي ما ~~كان قبلها من الخير. ودخل علي بن أبي طالب فقال: يا علي، أعن ملأ منكم ورضى ~~كان هذا؟ فقال علي: ما كان عن ملأ منا ولا رضي، ولوددنا أن الله زاد من ~~أعمارنا في عمرك. قال: وكان رأسه في حجر ابنه عبد الله، فقال له: ضع خدي ~~بالأرض، فلم يفعل، فلحظه وقال: ضع خدي بالأرض لا أم لك، فوضع خده بالأرض، ~~فقال: الويل لعمر ولأم عمر إن لم يغفر الله لعمر، ثم ms024 دعا عبد الله بن عباس ~~وكان يحبه ويدنيه ويسمع منه، فقال له: يا ابن عباس، إني لأظن أن لي ذنبا، ~~ولكن أحب أن تعلم لي أعن ملأ منهم ورضي كان هذا؟ فخرج ابن عباس، فجعل لا ~~يرى ملأ من الناس إلا وهم يبكون، كأنما فقدوا اليوم أنصارهم، فرجع إليه ~~فأخبره بما رأى. قال: فمن قتلني؟ قال: أبو لؤلؤة المجوسي غلام المغيرة بن ~~شعبة. قال عبد الله: فرأيت البشر في وجهه، فقال: الحمد لله الذي لم يقتلني ~~رجل يحاجني بلا إله إلا الله يوم القيامة. ثم قال: يا عبد الله، ألا لو أن ~~لي ما طلعت عليه الشمس وما غربت لافتديت به من هول المطلع، وما ذاك والحمد ~~لله أن أكون رأيت إلا خيرا، فقال له ابن عباس: فإن يك ذاك يا أمير ~~المؤمنين، فجزاك الله عنا خيرا، أليس قد دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أن يعز الله بك الدين والمسلمون محبسون بمكة؟ فلما أسلمت كان إسلامك عزا ~~أعز الله به الإسلام، وظهر النبي وأصحابه، ثم هاجرت إلى المدينة، فكانت ~~هجرتك فتحا، ثم لم تغب عن مشهد شهده رسول الله من قتال المشركين، وقال فيك ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم كذا وكذا، ثم قبض رسول الله وهو عنك راض، ~~ثم ارتد الناس بعد رسول الله عن الإسلام، فوازرت الخليفة على منهاج رسول ~~الله، وضربتم من أدبر بمن أقبل، حتى دخل الناس في الإسلام طوعا وكرها، ثم ~~قبض الخليفة وهو عنك راض، ثم وليت بخير على ما يلي أحد من الناس. مصر الله ~~بك الأمصار، وجبى بك الأموال، ونفى بك العدو، وأدخل الله على أهل كل بيت من ~~المسلمين توسعة في دينهم، وتوسعة في أرزاقهم، ثم ختم الله لك بالشهادة، ~~فهنيئا لك، فصب الله الثناء عليك صبا، فقال: أتشهد لي بهذا يا عبد الله عند ~~الله يوم القيامة؟ # قال نعم، فقال عمر: اللهم لك الحمد. # PageV01P027 # تولية عمر بن الخطاب الستة الشورى وعهده إليهم قال: ثم إن المهاجرين ~~دخلوا ms025 على عمر رضي الله عنه وهو في البيت من جراحه تلك، فقالوا: يا أمير ~~المؤمنين، استخلف علينا، قال: والله لا أحملكم حيا وميتا، ثم قال: إن ~~استخلفت فقد استخلف من هو خير مني، يعني أبا بكر، وإن أدع فقد ودع من هو ~~خير مني يعني النبي عليه الصلاة والسلام، فقالوا: جزاك الله خيرا يا أمير ~~المؤمنين، فقال: ما شاء الله راغبا، وددت أن أنجو منها لا لي ولا علي. # فلما أحس بالموت قال لابنه: اذهب إلى عائشة، وأقرئها مني السلام، ~~واستأذنها أن أقبر في بيتها مع رسول الله ومع أبي بكر، فأتاها عبد الله بن ~~عمر، فأعلمها، فقالت: نعم وكرامة ثم قالت: يا بني أبلغ عمر سلامي، وقل له: ~~لا تدع أمة محمد بلا راع، استخلف عليهم، ولا تدعهم بعدك هملا، فإني أخشى ~~عليهم الفتنة، فأتى عبد الله فأعلمه، فقال: ومن تأمرني أن أستخلف؟ لو أدركت ~~أبا عبيدة بن الجراح باقيا استخلفته ووليته، فإذا قدمت على ربي فسألني وقال ~~لي: من وليت على أمة محمد؟ قلت إي ربي، سمعت عبدك ونبيك يقول: لكل أمة أمين ~~وأمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح، ولو أدركت معاذ بن جبل استخلفته، ~~فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد؟ قلت: إي ربي، سمعت عبدك ~~ونبيك يقول: إن معاذ ابن جبل يأتي بين يدي العلماء يوم القيامة. ولو أدركت ~~خالد بن الوليد لوليته، فإذا قدمت على ربي فسألني: من وليت على أمة محمد؟ ~~قلت إي ربي، سمعت عبدك ونبيك يقول: خالد بن الوليد سيف من سيوف الله سله ~~على المشركين، ولكني سأستخلف النفر الذين توفي رسول الله وهو عنهم راض، ~~فأرسل إليهم فجمعهم، وهم علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد ~~الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف رضوان الله ~~عليهم وكان طلحة غائبا، فقال: يا معشر المهاجرين الأولين، إني نظرت في أمر ~~الناس، فلم أجد فيهم شقاقا ولا نفاقا، فإن يكن بعدي شقاق ms026 ونفاق فهو فيكم، ~~تشاوروا ثلاثة أيام. فإن جاءكم طلحة إلى ذلك، وإلا فأعزم عليكم بالله أن لا ~~تتفرقوا من اليوم الثالث حتى تستخلفوا أحدكم، فإن أشرتم بها إلى طلحة، فهو ~~لها أهل، وليصل بكم صهيب هذه الثلاثة الأيام التي تشاورون فيها، فإنه رجل ~~من الموالي لا ينازعكم أمركم، وأحضروا معكم من شيوخ الأنصار، وليس لهم من ~~أمركم شئ، وأحضروا معكم الحسن بن علي وعبد الله بن عباس، فإن لهما قرابة، ~~وأرجو لكم البركة في حضورهما، وليس لهما من أمركم شئ، ويحضر ابني عبد الله ~~مستشارا، وليس له من الأمر شئ. قالوا: يا أمير المؤمنين إن فيه للخلافة ~~موضعا فاستخلفه، فإنا راضون به PageV01P028 # فقال: حسب آل الخطاب تحمل رجل منهم الخلافة، ليس له من الأمر شئ. ثم قال: # يا عبد الله إياك ثم إياك لا تتلبس بها، ثم قال: إن استقام أمر خمسة منكم ~~وخالف واحد فاضربوا عنقه، وإن استقام أربعة واختلف اثنان فاضربوا أعناقهما، ~~وإن استقر ثلاثة واختلف ثلاثة فاحتكموا إلى ابني عبد الله، فلأي الثلاثة ~~قضى فالخليفة منهم وفيهم، فإن أبى الثلاثة الآخرون ذلك فاضربوا أعناقهم، ~~فقالوا: قل فينا يا أمير المؤمنين مقالة نستدل فيها برأيك ونقتدي به. فقال: ~~والله ما يمنعني أن أستخلفك يا سعد إلا شدتك وغلظتك، مع أنك رجل حرب. وما ~~يمنعني منك يا عبد الرحمن إلا أنك فرعون هذه الأمة. وما يمنعني منك يا زبير ~~إلا أنك مؤمن الرضا، كافر الغضب. وما يمنعني من طلحة إلا نخوته وكبره، ولو ~~وليها وضع خاتمه في إصبع امرأته. وما يمنعني منك يا عثمان إلا عصبيتك وحبك ~~قومك وأهلك، وما يمنعني منك يا علي إلا حرصك عليها، وإنك أحرى القوم إن ~~وليتها أن تقيم على الحق المبين، والصراط المستقيم. أوصي الخليفة منكم ~~بتقوى الله العظيم، وأحذره مثل مضجعي هذا، وأخوفه يوما تبيض فيه وجوه وتسود ~~وجوه، يوم تعرضون على الله لا تخفى منكم خافية، ثم غشي عليه حتى ظنوا أنه ~~قد قضى فجعلوا ينادونه ولا يفيق من إغمائه، فقال ms027 قائل: إن كان شئ ينبه ~~فالصلاة، فقالوا: يا أمير المؤمنين الصلاة، ففتح عينيه فقال: الصلاة هأنذا، ~~ولاحظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، فصلى وجرحه يثعب دما (1)، ثم التفت إليهم ~~وقال: قد قومت لكم الطريق فلا تعوجوه، ثم التفت إلى علي بن أبي طالب، فقال: ~~لعل هؤلاء القوم يعرفون لك حقك وشرفك وقرابتك من رسول الله، وما آتاك الله ~~من العلم والفقه والدين فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فاتق الله يا علي ~~فيه، ولا تحمل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس، ثم التفت إلى عثمان فقال ~~يا عثمان، لعل هؤلاء القوم يعرفون لك صهرك من رسول الله وسنك وشرفك وسابقتك ~~فيستخلفوك، فإن وليت هذا الأمر فلا تحمل أحدا من بني أمية على رقاب الناس. ~~ثم دعا صهيبا فقال: يا صهيب، صل بالناس ثلاثة أيام، ويجتمع هؤلاء النفر ~~ويتشاورون بينهم: اخرجوا عني، اللهم ألفهم واجمعهم على الحق، ولا تردهم على ~~أعقابهم، وول أمر أمة محمد خيرهم. فخرجوا من عنده، وتوفي رحمه الله تعالى ~~من يومه ذلك، ودفن وصلى عليه صهيب. # PageV01P029 # ذكر الشورى وبيعة عثمان بن عفان رضي الله عنه ثم إنه بعد موت عمر اجتمع ~~القوم فخلوا في بيت أحدهم، وأحضروا عبد الله بن عباس، والحسن بن علي، وعبد ~~الله بن عمر، فتشاوروا ثلاثة أيام، فلم يبرموا فتيلا، فلما كان في اليوم ~~الثالث قال لهم عبد الرحمن بن عوف. أتدرون أي يوم هذا؟ هذا يوم عزم عليكم ~~صاحبكم أن لا تتفرقوا فيه حتى تستخلفوا أحدكم، قالوا: أجل. قال: فإني عارض ~~عليكم أمرا، قالوا: وما تعرض؟ قال: أن تولوني أمركم، وأهب لكم نصيبي فيها، ~~وأختار لكم من أنفسكم، قالوا: قد أعطيناك الذي سألت، فلما سلم القوم قال ~~لهم عبد الرحمن اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فجعل الزبير أمره إلى علي،، ~~وجعل طلحة أمره إلى عثمان، وجعل سعد أمره إلى عبد الرحمن بن عوف. # قال المسور بن مخرمة: فقال لهم عبد الرحمن: كونوا مكانكم حتى آتيكم. وخرج ~~يتلقى الناس في أنقاب المدينة متلثما ms028 لا يعرفه أحد، فما ترك أحدا من ~~المهاجرين والأنصار وغيرهم من ضعفاء الناس ورعاعهم إلا سألهم واستشارهم. ~~أما أهل الرأي فأتاهم مستشيرا، وتلقى غيرهم سائلا، يقول: من ترى الخليفة ~~بعد عمر؟ فلم يلق أحدا يستشيره ولا يسأله إلا ويقول عثمان، فلما رأى اتفاق ~~الناس واجتماعهم على عثمان. قال المسور: جاءني رضي الله عنه عشاء، فوجدني ~~نائما فخرجت إليه فقال: ألا أراك نائما، فوالله ما اكتحلت عيني بنوم منذ ~~هذه الثلاثة، ادع لي فلانا وفلانا (نفرا من المهاجرين) فدعوتهم له، فناجاهم ~~في المسجد طويلا، ثم قاموا من عنده، فخرجوا، ثم دعا عليا فناجاه طويلا ثم ~~قام من عنده على طمع، ثم قال: ادع لي عثمان، فدعوته، فناجاه طويلا حتى فرق ~~بينهما أن آنت صلاة الصبح، فلما صلوا جمعهم، فأخذ على كل واحد منهم العهد ~~والميثاق: لئن بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله، وسنة صاحبيك من ~~قبلك، فأعطاه كل واحد منهم العهد والميثاق على ذلك، وأيضا لئن بايعت غيرك ~~لترضين ولتسلمن، وليكونن سيفك معي على من أبى فأعطوه ذلك من عهودهم ~~ومواثيقهم، فلما تم ذلك أخذ بيد عثمان، فقال له عليك عهد الله وميثاقه لئن ~~بايعتك لتقيمن لنا كتاب الله وسنة رسوله وسنة صاحبيك، وشرط عمر أن لا تجعل ~~أحدا من بني أمية على رقاب الناس، فقال عثمان: نعم. ثم أخذ بيد علي، فقال ~~له: أبايعك على شرط عمر أن لا تجعل أحدا من بني هاشم على رقاب الناس، فقال ~~علي عند ذلك: مالك ولهذا إذا قطعتها في عنقي؟ فإن علي الاجتهاد لأمة محمد ~~حيث علمت القوة والأمانة استعنت بها، كان في بني هاشم أو غيرهم، قال عبد ~~الرحمن: لا والله حتى تعطيني هذا الشرط، قال علي: والله لا أعطيكه أبدا، ~~فتركه، PageV01P030 # فقاموا من عنده، فخرج عبد الرحمن إلى المسجد، فجمع الناس، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: إني نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا ~~تجعل يا علي سبيلا إلى نفسك، فإنه السيف لا غير. ثم أخذ بيد ms029 عثمان فبايعه ~~وبايع الناس جميعا، قال فكان عثمان رضي الله عنه ست سنين في ولايته، وهو ~~أحب إلى الناس من عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وكان عمر رجلا شديدا قد ضيق ~~على قريش أنفاسها، لم ينل أحد معه من الدنيا شيئا إعظاما له وإجلالا، ~~وتأسيا به واقتداء، فلما وليهم عثمان ولي رجل لين. # قال الحسن البصري: شهدت عثمان وهو يخطب وأنا يومئذ قد راهقت الحلم، فما ~~رأيت قط ذكرا ولا أنثى أصبح وجها ولا أحسن نضرة منه. فسمعته يقول: أيها ~~الناس. اغدوا على أعطياتكم فيأخذونها وافية، أيها الناس اغدوا على كسوتكم، ~~فيغدون فيجاء بالحلل فتقسم بينهم، حتى والله سمعت أذناي: يا معشر المسلمين ~~اغدوا على السمن والعسل فيغدون فيقسم بينهم السمن والعسل، ثم يقول: يا معشر ~~المسلمين اغدوا على الطيب، فيغدون فيقسم بينهم الطيب من المسك والعنبر ~~وغيره، والعدوان والله منفي والأعطيات دارة والخير كثير، وما على الأرض ~~مؤمن يخاف مؤمنا، من لقى في أي البلدان فهو أخوه وأليفه، وناصره ومؤدبه فلم ~~يزل المال متوفرا، حتى لقد بيعت الجارية بوزنها ورقا، وبيع الفرس بعشرة ~~آلاف دينارا وبيع البعير بألف، والنخلة الواحدة بألف. ثم أنكر الناس على ~~عثمان أشياء أشرا وبطرا. # قال ابن عمر: لقد عيبت عليه أشياء لو فعلها عمر ما عيبت عليه. # ذكر الإنكار على عثمان رضي الله عنه قال عبد الله بن مسلم: حدثنا ابن أبي ~~مريم وابن عفير قالا: حدثنا ابن عون، قال: أخبرنا المخول بن إبراهيم وأبو ~~حمزة الثمالي وبعضهم يزيد على بعض والمعنى واحد، فجمعته وألفته على قولهم، ~~ومعنى ما أرادوا عن علي بن الحسين، قال: لما أنكر الناس على عثمان بن عفان ~~صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد، فإن لكل شئ آفة، ولكل ~~نعمة عاهة، وإن آفة هذا الدين وعاهة هذه الملة، قوم عيابون طعانون، يرونكم ~~ما تحبون، ويسرون ما تكرهون. أما والله يا معشر المهاجرين والأنصار، لقد ~~عبتم على أشياء ونقمتم أمورا قد أقررتم لابن الخطاب مثلها، ولكنه ms030 وقمكم (1) ~~وقمعكم، ولم يجترئ أحد يملأ بصره منه # PageV01P031 # ولا يشير بطرفه إليه، أما والله لأنا أكثر من ابن الخطاب عددا، وأقرب ~~ناصرا وأجدر إلى أن قال لهم: أتفقدون من حقوقكم شيئا؟ فما لي لا أفعل في ~~الفضل ما أريد، فلم كنت إماما إذا؟ أما والله ما عاب على من عاب منكم أمرا ~~أجهله، ولا أتيت الذي أتيت إلا وأنا أعرفه. # قال: وقدم معاوية بن أبي سفيان على أثر ذلك من الشام، فأتى مجلسا فيه علي ~~ابن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وسعد بن أبي وقاص، ~~وعبد الرحمن بن عوف، وعمار بن ياسر، فقال لهم: يا معشر الصحابة، أوصيكم ~~بشيخي هذا خيرا، فوالله لئن قتل بين أظهركم لأملأنها عليكم خيلا ورجالا، ثم ~~أقبل على عمار بن ياسر فقال: # يا عمار، إن بالشام مئة ألف فارس، كل يأخذ العطاء، مع مثلهم من أبنائهم ~~وعبدانهم، لا يعرفون عليا ولا قرابته، ولا عمارا ولا سابقته، ولا الزبير ~~ولا صحابته، ولا طلحة ولا هجرته، ولا يهابون ابن عوف ولا ماله، ولا يتقون ~~سعدا ولا دعوته، فإياك يا عمار أن تقعد غدا في فتنة تنجلي، فيقال: هذا قاتل ~~عثمان، وهذا قاتل علي. ثم أقبل على ابن عباس فقال: # يا ابن عباس، إنا كنا وإياكم في زمان لا نرجو فيه ثوابا، ولا نخاف عقابا، ~~وكنا أكثر منكم، فوالله ما ظلمناكم ولا قهرناكم ولا أخرناكم عن مقام ~~تقدمناه، حتى بعث الله رسوله منكم، فسبق إليه صاحبكم، فوالله ما زال يكره ~~شركنا ويتغافل به عنا حتى ولى الأمر علينا وعليكم، ثم صار الأمر إلينا ~~وإليكم فأخذ صاحبنا على صاحبكم لسنه، ثم غير فنطق ونطق على لسانه، فقد ~~أوقدتم نارا لا تطفأ بالماء، فقال ابن عباس. كنا كما ذكرت حتى بعث الله ~~رسوله منا ومنكم، ثم ولى الأمر علينا وعليكم، ثم صار الأمر إلينا وإليكم، ~~فأخذ صاحبكم على صاحبنا لسنه، ولما هو أفضل من سنه، فوالله ما قلنا إلا ما ~~قال غيرنا، ولا نطقنا إلا بما ms031 نطق به سوانا، فتركتم الناس جانبا، وصيرتمونا ~~بين أن أقمنا متهمين أو نزعنا معتبين (1) وصاحبنا من قد علمتم، والله لا ~~يهجهج مهجهج إلا ركبه (2)، ولا يرد حوضا إلا أفرطه (3). # وقد أصبحت أحب منك ما أحببت: وأكره ما كرهت، ولعلي لا ألقاك إلا في خير. # PageV01P032 # ذكر القول والمجادلة لعثمان ومعاوية رضي الله عنهما قال: وذكروا أن ابن ~~عباس قال: خرجت إلى المسجد فإني لجالس فيه مع علي حين صليت العصر، إذ جاء ~~رسول عثمان يدعو عليا، فقال علي نعم، فلما أن ولى الرسول أقبل علي فقال: لم ~~تراه دعاني؟ قلت له: دعاك ليكلمك، فقال انطلق معي، فأقبلت فإذا طلحة ~~والزبير وسعد وأناس من المهاجرين، فجلسنا فإذا عثمان عليه ثوبان أبيضان، ~~فسكت القوم، ونظر بعضهم إلى بعض، فحمد الله عثمان، ثم قال: أما بعد، فإن ~~ابن عمي معاوية هذا قد كان غائبا عنكم وعما نلتم مني، وما عاتبتكم عليه ~~وعاتبتموني، وقد سألني أن يكلمكم وأن يكلمه من أراد، فقال سعد بن أبي وقاص: ~~وما عسى أن يقال لمعاوية أو يقول إلا ما قلت أو قيل لك؟ # فقال على ذلكم تكلم يا معاوية، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد يا ~~معشر المهاجرين وبقية الشورى فإياكم أعني وإياكم أريد، فمن أجابني بشئ ~~فمنكم واحد، فإني لم أرد غيركم، توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فبايع ~~الناس أحد المهاجرين التسعة، ثم دفنوا نبيهم، فأصبحوا سالما أمرهم، كأن ~~نبيهم بين أظهرهم، فلما أيس الرجل من نفسه بايع رجلا من بعده أحد ~~المهاجرين، فلما احتضر ذلك الرجل شك في واحد أن يختاره، فجعلها في ستة نفر ~~بقية المهاجرين، فأخذوا رجلا منهم لا يألون عن الخير فيه، فبايعوه وهم ~~ينظرون إلى الذي هو كائن من بعده، لا يشكون ولا يمترون، مهلا مهلا معشر ~~المهاجرين، فإن وراءكم من إن دفعتموه اليوم اندفع عنكم، ومن إن فعلتم الذي ~~أنتم فاعلوه دفعكم بأشد من ركنكم وأعد من جمعكم، ثم استن عليكم بسنتكم، ~~ورأى أن دم الباقي ليس بممتنع ms032 بعد دم الماضي، فسددوا وارفقوا، لا يغلبكم ~~على أمركم من حذرتكم، فقال علي بن أبي طالب: كأنك تريد نفسك يا بن اللخناء ~~لست هنالك، فقال معاوية: مهلا عن شتم بنت عمك، فإنها ليست بشر نسائك. # يا معشر المهاجرين، وولاة هذا الأمر، ولاكم الله إياه فأنتم أهله، وهذان ~~البلدان مكة والمدينة مأوى الحق ومنتهاه، إنما ينظر التابعون إلى السابقين، ~~والبلدان إلى البلدين فإن استقاموا استقاموا، وأيم الله الذي لا إله إلا هو ~~لئن صفقت إحدى اليدين على الأخرى لا يقوم السابقون للتابعين، ولا البلدان ~~للبلدين، وليسلبن أمركم ولينقلن الملك من بين أظهركم، وما أنتم في الناس ~~إلا كالشامة السوداء في الثور الأبيض فإني رأيتكم نشبتم في الطعن على ~~خليفتكم، وبطرتم معيشتكم وسفهتم أحلامكم، وما كل نصيحة مقبولة، والصبر على ~~بعض المكروه خير من تحمله كله. # قال: ثم خرج القوم وأمسك عثمان ابن عباس، فقال له عثمان: يا بن عمي ويا ~~بن خالتي، فإنه لم يبلغني عنك في أمري شئ أحبه ولا أكرهه علي ولا لي، وقد ~~علمت أنك رأيت بعض PageV01P033 # ما رأى الناس، فمنعك عقلك وحلمك من أن تظهر ما أظهروا، وقد أحببت أن ~~تعلمني رأيك فيما بيني وبينك فأعتذر، قال ابن عباس: فقلت يا أمير المؤمنين، ~~إنك قد ابتليتني بعد العافية، وأدخلتني في الضيق بعد السعة، ووالله إن رأيي ~~لك أن يجل سنك، ويعرف قدرك، وسابقتك، والله لوددت أنك لم تفعل ما فعلت مما ~~ترك الخليفتان قبلك، فإن كان شيئا تركاه لما رأيا أنه ليس لهما علمت أنه ~~ليس لك كما لم يكن لهما، وإن كان ذلك لهما فتركاه خيفة أن أن ينال منهما ~~مثل الذي نيل منك تركته لما تركاه له، ولم يكونا أحق بإكرام أنفسهما منك ~~بإكرام نفسك، قال: فما منعك أن تشير علي بهذا قبل أن أفعل ما فعلت؟ قال: ~~وما علمي أنك تفعل ذلك قبل أن تفعل؟ قال: فهب لي صمتا حتى ترى رأيي. قال: ~~فخرج ابن عباس، فقال عثمان لمعاوية: ما ترى، فإن هؤلاء المهاجرين ms033 قد ~~استعجلوا القدر، ولا بد لهم مما في أنفسهم، فقال معاوية: الرأي أن تأذن لي ~~فأضرب أعناق هؤلاء القوم. قال: من؟ قال: علي وطلحة والزبير، قال عثمان: ~~سبحان الله! أقتل أصحاب رسول الله بلا حدث أحدثوه، ولا ذنب ركبوه؟ قال ~~معاوية: # فإن لم تقتلهم فإنهم سيقتلونك. قال عثمان: لا أكون أول من خلف رسول الله ~~في أمته بإهراق الدماء. قال معاوية: فاختر مني إحدى ثلاث خصال؟ قال عثمان: ~~وما هي؟ قال معاوية: # أرتب لك ها هنا أربعة آلاف فارس من خيل أهل الشام، يكونون لك ردءا وبين ~~يديك يدا قال عثمان: أرزقهم من أين؟ قال: من بيت المال، قال عثمان: أرزق ~~أربعة آلاف من الجند من بيت مال المسلمين لحرز دمي؟ لا فعلت هذا. قال: ~~فثانية، قال: وما هي؟ قال: فرقهم عنك فلا يجتمع منهم اثنان في مصر واحد، ~~واضرب عليهم البعوث والندب، حتى يكون دبر بعير أحدهم أهم عليه من صلاته، ~~قال عثمان: سبحان الله؟ شيوخ المهاجرين وكبار أصحاب رسول الله، وبقية ~~الشورى أخرجهم من ديارهم وأفرق بينهم وبين أهلهم وأبنائهم؟ لا أفعل هذا. ~~قال معاوية فثالثة، قال: وما هي؟ قال: اجعل لي الطلب بدمك إن قتلت، قال ~~عثمان. نعم هذه لك إن قتلت فلا يطل دمي. # قال: ثم خرج عثمان فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد ~~أيها الناس، إن نصيحتي كذبتني، ونفسي منتني، وقد سمعت رسول الله يقول: لا ~~تتمادوا في الباطل فإن الباطل يزداد من الله بعدا، من أساء فليتب، ومن أخطأ ~~فليتب، وأنا أول من اتعظ، والله لئن ردني الحق عبدا لأنتسبن نسب العبيد، ~~ولأكونن كالمرقوق الذي إن ملك صبر، وإن أعتق شكر، ثم نزل، فدخل على زوجته ~~نائلة بنت الفرافصة، ودخل معه مروان بن الحكم، فقال: يا أمير المؤمنين، ~~أتكلم أو أسكت؟ فقالت له نائلة: بل اسكت فوالله لئن تكلمت لتغرنه ولتوبقنه. ~~فالتفت إليها عثمان مغضبا، فقال: اسكتي، تكلم يا مروان، فقال مروان: يا ~~أمير المؤمنين إنك والله لو قلت PageV01P034 # الذي ms034 قلت وأنت في عز ومنعة لتابعتك، ولكنك قلت الذي قلت وقد بلغ السيل ~~الزبى (1)، وجاوز الحزام الطبيين، فانقض التوبة ولا تقر بالخطيئة. # ما أنكر الناس على عثمان رحمه الله قال: وذكروا أنه اجتمع ناس من أصحاب ~~النبي عليه الصلاة والسلام، فكتبوا كتابا ذكروا فيه ما خالف فيه عثمان من ~~سنة رسول الله وسنة صاحبيه، وما كان من هبته خمس أفريقية لمروان وفيه حق ~~الله ورسوله، ومنهم ذوو القربى واليتامى والمساكين، وما كان من تطاوله في ~~البنيان، حتى عدوا سبع دور بناها بالمدينة: دارا لنائلة، ودارا لعائشة ~~وغيرهما من أهله وبناته، وبنيان مروان القصور بذي خشب (2)، وعمارة الأموال ~~بها من الخمس الواجب لله ولرسوله، وما كان من إفشائه العمل والولايات في ~~أهله وبني عمه من بني أمية أحداث وغلمة لا صحبة لهم من الرسول ولا تجربة ~~لهم بالأمور، وما كان من الوليد بن عقبة بالكوفة إذ صلى بهم الصبح وهو أمير ~~عليها سكران أربع ركعات ثم قال لهم: إن شئتم أزيدكم صلاة زدتكم، وتعطيله ~~إقامة الحد عليه، وتأخيره ذلك عنه، وتركه المهاجرين والأنصار لا يستعملهم ~~على شئ ولا يستشيرهم، واستغنى برأيه عن رأيهم، وما كان من الحمى الذي حمى ~~حول المدينة، وما كان من إدراره القطائع والأرزاق والأعطيات على أقوام ~~بالمدينة ليست لهم صحبة من النبي عليه الصلاة والسلام، ثم لا يغزون ولا ~~يذبون (3)، وما كان من مجاوزته الخيزران إلى السوط، وأنه أول من ضرب ~~بالسياط ظهور الناس، وإنما كان ضرب الخليفتين قبله بالدرة والخيزران. # ثم تعاهد القوم ليدفعن الكتاب في يد عثمان، وكان ممن حضر الكتاب عمار بن ~~ياسر والمقداد بن الأسود وكانوا عشرة، فلما خرجوا بالكتاب ليدفعوه إلى ~~عثمان والكتاب في يد عمار، جعلوا يتسللون عن عمار حتى بقي وحده، فمضى حتى ~~جاء دار عثمان، فاستأذن عليه، فأذن له في يوم شات، فدخل عليه وعنده مروان ~~بن الحكم وأهله من بني أمية، فدفع إليه الكتاب فقرأه، فقال له: # أنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: نعم، قال: ومن كان معك؟ قال ms035 كان معي نفر ~~تفرقوا فرقا # PageV01P035 # منك، قال: من هم؟ قال: لا أخبرك بهم. قال: فلم اجترأت علي من بينهم؟ فقال ~~مروان: # يا أمير المؤمنين إن هذا العبد الأسود (يعني عمارا) قد جرأ عليك الناس، ~~وإنك إن قتلته نكلت به من وراءه، قال عثمان: اضربوه، فضربوه وضربه عثمان ~~معهم حتى فتقوا بطنه، فغشي عليه، فجروه حتى طرحوه على باب الدار، فأمرت به ~~أم سلمة زوج النبي عليه الصلاة والسلام، فأدخل منزلها، وغضب فيه بنو ~~المغيرة وكان حليفهم، فلما خرج عثمان لصلاة الظهر، عرض له هاشم بن الوليد ~~بن المغيرة، فقال: أما والله لئن مات عمار من ضربه هذا لأقتلن به رجلا ~~عظيما من بني أمية، فقال عثمان: لست هناك. # قال: ثم خرج عثمان إلى المسجد، فإذا هو بعلي وهو شاك معصوب الرأس، فقال ~~له عثمان: والله يا أبا الحسن ما أدري: أشتهي موتك أم أشتهي حياتك؟ فوالله ~~لئن مت ما أحب أن أبقى بعدك لغيرك، لأني لا أجد منك خلفا، ولئن بقيت لا ~~أعدم طاغيا يتخذك سلما وعضدا، ويعدك كهفا وملجأ، لا يمنعني منه إلا مكانه ~~منك، ومكانك منه، فأنا منك كالابن العاق من أبيه: إن مات فجعه، وإن عاش ~~عقه. فإما سلم فنسالم، وإما حرب فنحارب، فلا تجعلني بين السماء والأرض، ~~فإنك والله إن قتلتني لا تجد مني خلفا، ولئن قتلتك لا أجد منك خلفا، ولن ~~يلي أمر هذه الأمة بادئ فتنة. فقال علي: إن فيما تكلمت به لجوابا، ولكني عن ~~جوابك مشغول بوجعي. فأنا أقول كما قال العبد الصالح: (فصبر جميل، والله ~~المستعان على ما تصفون). # قال مروان: إنا والله إذا لنكسرن رماحنا، ولنقطعن سيوفنا، ولا يكون في ~~هذا الأمر خير لمن بعدنا. فقال له عثمان: اسكت، ما أنت وهذا؟ فقام إليه رجل ~~من المهاجرين، فقال له. # يا عثمان، أرأيت ما حميت من الحمى (آلله أذن لكم أم على الله تفترون) ~~فقال عثمان. إنه قد حمى الحمى قبلي عمر لإبل الصدقة، وإنما زادت فزدت، فقام ~~عمرو بن العاص فقال. ms036 # يا عثمان، إنك ركبت بالناس نهابير (1) من الأمر، فتب إلى الله يتوبوا، ~~فرفع عثمان يديه وقال توبوا إلى الله من كل ذنب، اللهم إني أول تائب إليك. ~~ثم قام رجل من الأنصار: فقال: # يا عثمان: ما بال هؤلاء النفر من أهل المدينة يأخذون العطايا ولا يغزون ~~في سبيل الله. وإنما هذا المال لمن غزا فيه وقاتل عليه، إلا من كان من هذه ~~الشيوخ من أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام، فقال عثمان: فاستغفر الله وأتوب ~~إليه. ثم قال: يا أهل المدينة، من كان له منكم ضرع فليلحق بضرعه ومن كان له ~~زرع فليلحق بزرعه فإنا والله لا نعطي مال الله إلا لمن غزا في سبيله: إلا ~~من كان من هذه الشيوخ من الصحابة. قال: فما بال هذا القاعد الشارب لا تقيم # PageV01P036 # عليه الحد؟ (يعني الوليد بن عقبة)، فقال عثمان لعلي: دونك ابن عمك فأقم ~~عليه الحد. # فقال علي للحسن: قم فاجلده. فقال الحسن ما أنت وذاك؟ هذا لغيرك، قال علي: ~~لا، ولكنك عجزت وفشلت، يا عبد الله بن جعفر، قم فاجلده. فقام فضربه وعلي ~~يعد، فلما بلغ أربعين أمسك وقال: جلد رسول الله أربعين، وأبو بكر أربعين: ~~وكملها عمر ثمانين: وكل سنة. # حصار عثمان رضي الله عنه قال وذكروا أنه لما اشتد الطعن على عثمان: ~~استأذنه علي في بعض بواديه ينتحي إليها! # فأذن له؟ واشتد الطعن على عثمان بعد خروج علي: ورجا الزبير وطلحة أن ~~يميلا إليهما قلوب الناس، ويغلبا عليهم، واغتنما غيبة علي، فكتب عثمان إلى ~~علي إذ اشتد الطعن عليه. أما بعد فقد بلغ السيل الزبى! وجاوز الحزام ~~الطبيين (1). وارتفع أمر الناس في شأني فوق قدره! # وزعموا أنهم لا يرضون دون دمي. وطمع في من لا يدفع عن نفسه (2). # وإنك لم يفخر عليك كفاخر * ضعيف ولم يغلبك مثل مغلب (3) وقد كان يقال: ~~أكل السبع خير من افتراس الثعلب: فأقبل علي أو لي. # فإن كنت مأكولا فكن خير آكل * وإلا فأدركني ولما أمزق قال حويطب بن عبد ~~العزى: أرسل إلى ms037 عثمان حين اشتد حصاره، فقال: قد بدا لي أن أتهم نفسي ~~لهؤلاء، فأت عليا وطلحة والزبير، فقل لهم: هذا أمركم تولوه، واصنعوا فيه ما ~~شئتم فخرجت حتى جئت عليا، فوجدت على بابه مثل الجبال من الناس، والباب ~~مغلق، لا يدخل عليه أحد، ثم انصرفت، فأتيت الزبير، فوجدته في منزله ليس ~~ببابه أحد، فأخبرته بما أرسلني به عثمان، فقال: قد والله قضى ما عليه أمير ~~المؤمنين، هل جئت عليا؟ قلت: نعم، فلم أخلص إليه، فقمنا جميعا، فآتينا طلحة ~~بن عبيد الله فوجدناه في داره وعنده ابنه محمد، فقصصنا عليه ما قال عثمان، ~~فقال: قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين، هل جئتم عليا؟ قلنا نعم، فلم ~~نخلص إليه. فأرسل طلحة إلى الأشتر، فأتاه فقال لي: أخبره، فأخبرته بما قال ~~عثمان، فقال طلحة وقد دمعت عيناه: قد والله قضى ما عليه أمير المؤمنين، ~~فقام الأشتر فقال: تبعثون إلينا وجاءنا رسولكم بكتابكم، وها هو ذا، فأخرج ~~كتابا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من المهاجرين الأولين وبقية الشورى، ~~إلى من بمصر من الصحابة والتابعين، أما بعد، أن تعالوا إلينا # PageV01P037 # وتداركوا خلافة رسول الله قبل أن يسلبها أهلها، فإن كتاب الله قد بدل، ~~وسنة رسوله قد غيرت، وأحكام الخليفتين قد بدلت، فننشد الله من قرأ كتابنا ~~من بقية أصحاب رسول الله والتابعين بإحسان، إلا أقبل إلينا، وأخذ الحق لنا، ~~وأعطاناه، فأقبلوا إلينا إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، وأقيموا الحق ~~على المنهاج الواضح الذي فارقتم عليه نبيكم، وفارقكم عليه الخلفاء، غلبنا ~~على حقنا واستولى على فيئنا، وحيل بيننا وبين أمرنا، وكانت الخلافة بعد ~~نبينا خلافة نبوة ورحمة، وهي اليوم ملك عضوض (1). من غلب على شئ أكله. أليس ~~هذا كتابكم إلينا؟ فبكى طلحة، فقال الأشتر: لما حضرنا أقبلتم تعصرون ~~أعينكم، والله لا نفارقه حتى نقتله، وانصرف. قال: ثم كتب عثمان كتابا بعثه ~~مع نافع بن طريف إلى أهل مكة ومن حضر الموسم يستغيثهم فوافى به نافع يوم ~~عرفة بمكة، وابن عباس يخطب، وهو يومئذ على الناس ms038 كان قد استعمله عثمان على ~~الموسم، فقام نافع ففتح الكتاب، فقرأ، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم من ~~عبد الله عثمان أمير المؤمنين، إلى من حضر الحج من المسلمين، أما بعد. فإني ~~كتبت إليكم كتابي هذا وأنا محصور، أشرب من بئر القصر، ولا آكل من الطعام ما ~~يكفيني، خيفة أن تنفد ذخيرتي. فأموت جوعا أنا ومن معي، لا أدعى إلى توبة ~~أقبلها، ولا تسمع مني حجة أقولها، فأنشد الله رجلا من المسلمين بلغه كتابي ~~إلا قدم علي، فأخذ الحق في، ومنعني من الظلم والباطل. قال: ثم قام ابن ~~عباس، فأتم خطبته، ولم يعرض لشئ من شأنه. وكتب إلى أهل الشام عامة، وإلى ~~معاوية وأهل دمشق خاصة: أما بعد فإني في قوم طال فيهم مقامي، واستعجلوا ~~القدر في، وقد خيروني بين أن يحملوني على شارف (2) من الإبل إلى دخل (3). ~~وبين أن أنزع لهم رداء الله الذي كساني (4). وبين أن أقيدهم (5) ممن قتلت. ~~ومن كان على سلطان يخطئ ويصيب، فيا غوثاه يا غوثاه، ولا أمير عليكم دوني، ~~فالعجل العجل يا معاوية، وأدرك ثم أدرك، وما أراك تدرك. # PageV01P038 # تولية محمد بن أبي بكر على مصر شكوى أهل مصر من ابن أبي سرح قال: وذكروا ~~أن أهل مصر جاءوا يشكون ابن أبي سرح عاملهم، فكتب إليه عثمان كتابا يتهدده ~~فيه، فأبى ابن أبي سرح أن يقبل ما نهاه عنه عثمان وضرب بعض من أتاه به من ~~قبل عثمان من أهل مصر حتى قتله، فخرج من أهل مصر سبع مئة رجل فنزلوا المسجد ~~وشكوا إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في مواقيت الصلاة ما صنع بهم ~~ابن أبي سرح، فقام طلحة فتكلم بكلام شديد وأرسلت عائشة إلى عثمان فقالت له: ~~قد تقدم إليك أصحاب رسول الله وسألوك عزل هذا الرجل، فأبيت إلا واحدة، فهذا ~~قد قتل منهم رجلا فأنصفهم من عاملك. ودخل عليه علي وكان متكلم القوم، فقال ~~له: إنما يسألونك رجلا مكان رجل، وقد ادعوا قبله دما، فاعزله عنهم واقض ~~بينهم فإن ms039 وجب لهم عليه حق، فانصفهم منه، فقال اختاروا رجلا أوليه عليهم. # تولية محمد بن أبي بكر فقالوا: استعمل محمد بن أبي بكر، فكتب عهده وولاه، ~~وخرج معه عدد من المهاجرين والأنصار، ينظرون فيما بين ابن أبي سرح وأهل ~~مصر، فخرج محمد ومن معه حتى إذا كانوا على مسيرة ثلاث ليال من المدينة: إذا ~~هم بغلام أسود على بعير يخبط البعير، كأنه رجل يطلب أو يطلب، فقال له أصحاب ~~محمد: ما قصتك وما شأنك! كأنك طالب أو هارب فقال أنا غلام أمير المؤمنين ~~وجهني إلى عامل مصر، فقال له رجل: هذا عامل مصر معنا، قال: ليس هذا أريد، ~~فأخبر محمد بأمره فبعث في طلبه رجلا، فجاء به إليه، فقال له، غلام من أنت؟ ~~فأقبل مرة يقول أنا غلام مروان ومرة يقول أنا غلام أمير المؤمنين، حتى عرفه ~~رجل أنه لعثمان: # فقال له محمد: إلى من أرسلك؟ قال: إلى عامل مصر، قال: بماذا؟ قال: ~~برسالة. قال أما معك كتاب، قال: لا، قفتشوه: فلم يجدوا معه كتابا، قال ~~وكانت معه إداوة (1) قد يبست: # فيها شئ يتقلقل، فحركوه ليخرج فلم يخرج فشقوا إداوته، فإذا فيها كتاب من ~~عثمان إلى عبد الله ابن أبي سرح، فجمع محمد من كان معه من المهاجرين ~~والأنصار، ثم فك الكتاب بمحضر منهم، فقرأه، فإذا فيه: إذا أتاك محمد بن أبي ~~بكر وفلان وفلان فاقتلهم، وأبطل كتابهم، وقر على عملك حتى يأتيك رأيي. فلما ~~رأوا الكتاب فزعموا منه، ورجعوا إلى المدينة. # PageV01P039 # رجوع محمد بن أبي بكر إلى المدينة وختم محمد الكتاب بخواتم النفر الذين ~~كانوا معه، ودفعه إلى رجل منهم، ثم قدموا المدينة، فجمعوا طلحة والزبير ~~وعليا وسعدا، ومن كان من أصحاب رسول الله، ثم فكوا الكتاب بمحضر منهم، ~~وأخبرهم بقصة الغلام: وأقرأهم الكتاب، فلم يبق أحد من أهل المدينة إلا حنق ~~(1) على عثمان وقام أصحاب النبي فلحقوا بمنازلهم: وحضر الناس عثمان، ~~وأحاطوا به، ومنعوه الماء والخروج، ومن كان معه، وأجلب (2) عليه محمد بن ~~أبي بكر. # حصار أهل مصر والكوفة ms040 عثمان رحمه الله قال: وذكروا أن أهل مصر أقبلوا إلى ~~علي، فقالوا: ألم تر عدوا الله (3) ماذا كتب فينا؟ # قم معنا إليه، فقد أحل الله دمه، فقال علي، لا والله: لا أقوم معكم. ~~قالوا: فلم كتبت إلينا؟ # قال علي: لا والله ما كتبت إليكم كتابا قط: فنظر بعضهم إلى بعض. ثم أقبل ~~الأشتر النخعي من الكوفة في ألف رجل: وأقبل ابن أبي حذيفة من مصر في أربع ~~مئة رجل، فأقام أهل الكوفة وأهل مصر بباب عثمان ليلا ونهارا، وطلحة يحرض ~~الفريقين جميعا على عثمان: ثم إن طلحة قال لهم: إن عثمان لا يبالي ما ~~حصرتموه؟ وهو يدخل إليه الطعام والشراب فامنعوه الماء أن يدخل عليه. # مخاطبة عثمان من أعلى القصر طلحة وأهل الكوفة وغيرهم قال: وذكروا أن ~~عثمان لما منع الماء صعد على القصر، واستوى في أعلاه ثم نادى: أين طلحة؟ ~~فأتاه، فقال: يا طلحة، أما تعلم أن بئر رومة كانت لفلان اليهودي، لا يسقى ~~أحدا من الناس منها قطرة إلا بثمن، فاشتريتها بأربعين ألفا، فجعلت رشائي ~~(4) فيها كرشاء رجل من المسلمين، استأثر عليهم؟ قال: نعم. قال: فهل تعلم أن ~~أحدا يمنع أن يشرب منها اليوم غيري؟ # لم ذلك؟ قال: لأنك بدلت وغيرت. قال: فهل تعلم أن رسول الله قال: من اشترى ~~هذا البيت # PageV01P040 # وزاده في المسجد فله به الجنة، فاشتريته بعشرين ألفا، وأدخلته في المسجد؟ ~~قال طلحة: نعم. # قال: فهل تعلم اليوم أحدا يمنع فيه من الصلاة غيري؟ قال: لا. قال: لم؟ ~~قال: لأنك غيرت وبدلت. ثم انصرف عثمان وبعث إلى علي بخبره أنه منع من ~~الماء، ويستغيث به، فبعث إليه علي ثلاث قرب مملوءة ماء، فما كادت تصل إليه، ~~فقال طلحة: ما أنت وهذا؟ وكان بينهما في ذلك كلام شديد، فبينما هم كذلك إذ ~~أتاهم آت فقال لهم: إن معاوية قد بعث من الشام يزيد بن أسيد مددا لعثمان، ~~في أربعة آلاف من خيل الشام، فاصنعوا ما أنتم صانعون، وإلا فانصرفوا وكان ~~معه في الدار مئة رجل ينصرونه ms041 منهم عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم، ~~والحسن بن علي، وعبد الله بن سلام، وأبو هريرة، فلما سمع القوم إقبال أهل ~~الشام، قاموا فألهبوا النار بباب عثمان، فلما نظر أهل الدار إلى النار، ~~نصبوا للقتال وتهيئوا، فكره ذلك عثمان قال: لا أريد أن تهراق في محجمة (1) ~~دم، وقال لجميع من في الدار: أنتم في حل من بيعتي، لا أحب أن يقتل في أحد، ~~وكان فيهم عبد الله بن عمر، فقال: يا أمير المؤمنين: مع من تأمرني أن أكون ~~إن غلب هؤلاء القوم عليك؟ قال: عليك بلزوم الجماعة. قلت: فإن كانت الجماعة ~~هي التي تغلب عليك؟ قال عليك بلزوم الجماعة حيث كانت. قال: ثم دخل عليه ~~الحسن بن علي، فقال مرني بما شئت، فإني طوع يديك. فقال له عثمان: ارجع يا ~~بن أخي، اجلس في بيتك حتى يأتي الله بأمره. ثم دخل عليه أبو هريرة متقلدا ~~سيفه، فقال: طاب الضراب يا أمير المؤمنين، قد قتلوا منا رجلا، وقد ألهبوا ~~النار، فقال عثمان: عزمت عليك يا أبا هريرة إلا ألقيت سيفك، قال أبو هريرة: ~~فألقيته فلا أدري من أخذه. قال: ودخل المغيرة بن شعبة، فقال له: يا أمير ~~المؤمنين إن هؤلاء قد اجتمعوا عليك، فإن أحببت فالحق بمكة، وإن أحببت أن ~~نخرق لك بابا من الدار فتلحق بالشام ففيها معاوية وأنصارك من أهل الشام، ~~وإن أبيت فاخرج ونخرج، ونحاكم القوم إلى الله تعالى. فقال عثمان: أما ما ~~ذكرت من الخروج إلى مكة، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ~~يلحد بمكة رجل من قريش، عليه نصف عذاب هذه الأمة من الإنس والجن، فلن أكون ~~ذلك الرجل إن شاء الله، وأما ما ذكرت من الخروج إلى الشام، فإن المدينة دار ~~هجرتي، وجوار قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فلا حاجة لي في الخروج من دار ~~هجرتي، وأما ما ذكرت من محاكمة هؤلاء القوم إلى الله، فلن أكون أول من خلف ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته بإهراق الدم. # PageV01P041 # رؤية ms042 عثمان أبا بكر وعمر في المنام ثم قال: إني رأيت أبا بكر وعمر أتياني ~~الليلة فقالا لي: صم فإنك مفطر عندنا الليلة، وإني أصبحت صائما، وإني أعزم ~~على من كان يؤمن بالله واليوم الآخر إلا خرج من الدار سالما. فقالوا: إنا ~~إن خرجنا لم نأمن على أنفسنا منهم، فأذن لنا فنكون في موضع من الدار فلما ~~رأى ذلك علي بعث إلى طلحة والزبير وسعد وعمار ونفر من أصحاب محمد، كلهم ~~بدري، ثم دخلوا على عثمان ومعهم الكتاب والغلام والبعير، فقال علي: الغلام ~~غلامك، والبعير بعيرك؟ # فقال: نعم. قال: فأنت كتبت هذا الكتاب؟ قال: لا، وحلف بالله ما كتبت، ولا ~~أمرت، ولا علمت. فقال له: فالخاتم خاتمك؟ قال: نعم. قال: فكيف يخرج غلامك ~~ببعيرك وكتاب عليه خاتمك لا تعلم به؟ فحلف بالله ما كتبت هذا الكتاب، ولا ~~وجهت، ولا أمرت. فشك القوم في أمر عثمان، وعلموا أنه لا يحلف بباطل. فقال ~~قوم منهم: لا يبرأ عثمان عن قلوبنا إلا أن يدفع إلينا مروان، حتى نعرف كيف ~~يأمر بقتل رجال من أصحاب رسول الله، وقطع أيديهم بغير حق، فإن كان عثمان ~~كتبه عزلناه، وإن كان مروان كتبه نظرنا في أمره، وما يكون في أمر مروان، ~~فانصرف القوم عنه، ولزموا بيوتهم، وأبى عثمان أن يخرج إليهم مروان، وخشي ~~عليه القتل. فبلغ عليا أن عثمان يراد قتله، فقال: إنا أردنا مروان، فأما ~~قتل عثمان فلا، ثم قال للحسن والحسين: اذهبا بسيفيكما حتى تقوما على باب ~~عثمان، ولا تدعا أحدا يصل إليه، وبعث الزبير ابنه على كره، وبعث طلحة ابنه ~~كذلك، وبعث عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أبناءهم، يمنعون الناس ~~أن يدخلوا على عثمان. ويسألوه أن يخرج مروان، فأشرف عليهم عثمان من أعلى ~~القصر، فقال: يا معشر المسلمين، أذكركم الله، ألستم تعلمون أن رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم طلب دار بني فلان، ليوسع بها للمسلمين في مسجدهم. ~~فاشتريتها من خالص مالي. وأنتم اليوم تمنعوني أن أصلي فيه. أذكركم الله يا ~~معشر ms043 المسلمين. ألستم تعلمون أن بئر رومة كانت تباع القربة منها بدرهم. ~~فاشتريتها من خالص مالي، فجعلت رشائي كرشاء واحد من المسلمين، وأنتم ~~تمنعونني أن أشرب من مائها، وأنا اشتريتها، حتى إني ما أفطر إلا على ماء ~~البحر؟ ألستم تعلمون أنكم نقمتم على أشياء، فاستغفرت الله وتبت إليه منها، ~~وتزعمون أني غيرت وبدلت، فابعثوا على شاهدين مسلمين، وإلا فأحلف بالله الذي ~~لا إله إلا هو ما كتبت الكتاب، ولا أمرت به، ولا اطلعت عليه، يا قوم (لا ~~يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح) يا ~~قوم لا تقتلوني فإنكم إن قتلتموني كنتم هكذا، وشبك بين أصابعه، يا قوم إن ~~الله رضي لكم السمع والطاعة، وحذركم المعصية والفرقة، فاقبلوا نصيحة الله، ~~واحذروا عقابه، فإنكم إن فعلتم الذي أنتم فاعلون، لا تقوم الصلاة جميعا، ~~PageV01P042 # ويسلط عليكم عدوكم، وإني أخبركم أن قوما أظهروا للناس أنهم إنما يدعونني ~~إلى كتاب الله تعالى والحق، فلما عرض عليهم الحق رغبوا عنه وتركوه، وطال ~~عليهم عمري، واستعجلوا القدر بي، وقد كانوا كتبوا إليكم، أنهم قد رضوا ~~بالذي أعطيتهم، ولا أعلم أني تركت من الذي عاهدتهم عليه شيئا، وكانوا زعموا ~~أنهم يطلبون الحدود، وترك المظالم، وردها إلى أهلها، فرضيت بذلك، وقالوا: ~~يؤمر عمرو بن العاص، وعبد الله بن قبس، ومثلهما من ذوي القوة والأمانة، وكل ~~ذلك فعلت، فلم يرضوا، وحالوا بيني وبين المسجد، فابتزوا ما قدروا عليه ~~بالمدينة وهم يخيرونني بين إحدى ثلاث: إما أن يقيدوني بكل رجل أصبت خطأ أو ~~عمدا، وإما أن أعتزل عن الأمر، فيؤمروا أحدا، وإما أن يرسلوا إلى من أطاعهم ~~من الجنود وأهل الأمصار، فأرسلوا إليكم فأتيتم لتبتزوني من الذي جعل الله ~~لي عليكم من السمع والطاعة، فسمعتم منهم، وأطعتموهم والطاعة لي عليكم ~~دونهم، فقلت لهم: أما إقادة من نفسي فقد كان قبلي خلفاء، ومن يتول السلطان ~~يخطئ ويصيب، فلم يستقد من أحد منهم، وقد علمت أنهم يريدون بذلك نفسي، وأما ~~أن أتبرأ من الأمر، فإن ms044 يصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من جنة الله تعالى ~~وخلافته بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي: يا عثمان، إن الله تعالى ~~سيقمصك قميصا بعدي، فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني، ~~ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع والطاعة، ولكن أتوها طائعين، ييتغون ~~بذلك مرضاة الله، وصلاح الأمة، ومن يكن منهم يبتغي الدنيا فلن ينال منها ~~إلا ما كتب له، فاتقوا الله، فإني لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد الله، وإني ~~أنشدكم الله والإسلام ألا تأخذوا الحق ولا تعطوه مني (وما أبرئ نفسي إن ~~النفس لأمارة بالسوء، إلا ما رحم ربي) وإني عاقبت أقواما، وما أبتغي بذلك ~~إلا الخير، وإني أتوب إلى الله من كل عمل عملته، وأستغفره، أما والله لقد ~~علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: # لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث: الردة عن الإسلام، والزنا بعد ~~الاحصان، ولا والله ما كان ذلك مني في جاهلية ولا إسلام، أو رجل قتل رجلا ~~فيقاد به. فقال بعضهم: # إنه ليقول مقالا. وقال آخر: لئن سمعتم منه ليصرفنكم، فأبوا، ورموه ~~بالسهام، واستقبلوه بما لا يستقبل به مثله، ثم أشرف عليهم عبد الله بن ~~سلام، وكان من أهل الدار، فقال: يا معشر من حاصر دار عثمان من المهاجرين ~~والأنصار، ممن أنعم الله عليهم بالإسلام، لا تقتلوا عثمان فوالله إن حقه ~~على كل مؤمن لحق الوالد على ولده، ووالله إن على حوائط المدينة اثنى عشر ~~ألف ملك منذ أن أمد الله بهم نبيكم صلى الله عليه وسلم، ووالله لئن قتلتموه ~~ليسخطن عليكم ربكم، ولتتفرقن ملائكته عنكم وليقتلن بقتله أقواما هم في ~~الأصلاب وما خلقوا في الأرحام وإني لأجده في التوراة التي أنزل الله على ~~موسى عليه السلام، وكتب بيده عز وجل إليكم بالعبراني وبالعربي خليفتكم ~~المظلوم الشهيد والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لا تؤدي بعده طاعة إلا عن ~~مخافة، ولا توصل رحم PageV01P043 # إلا عن مكافأة (1) وليقتلن به الرجال ومن في الأصلاب. فقالوا ms045 له: أيا ~~يهودي، أشبع بطنك، وكسا ظهرك والله لا ينتطح فيه شاتان، ولا يتنافر فيه ~~ديكان، فقال: أما الشاتان والديكان فصدقتم، ولكن التيسان (2) الأكبران ~~يتناطحان فيه فحصبوه ورموه حتى شجوه. فالتفت إلى عثمان، فقال له: # زعموا أنك أشبعت بطني وكسوت ظهري، فاصبر يا أمير المؤمنين، فوالذي نفسي ~~بيده إني أجدك في كتاب الله تعالى المنزل: الخليفة المظلوم الشهيد، فرميت ~~بالسهام من كل جانب، وكان الحسن بن علي حاضرا، فأصابه سهم، فخضبه بالدم، ~~وأصاب مروان سهم، وهو في الدار، وخضب محمد بن طلحة، وشج قنبر مولى علي فخشى ~~محمد بن أبي بكر أن يغضب بنو هاشم للحسن فيثيروها فتنة. # قتل عثمان رضي الله عنه وكيف كان قال: وذكروا أن محمد بن أبي بكر لما خرج ~~الحسن بن علي أخذ بيد رجلين، فقال لهما: # إن جاءت بنو هاشم، فرأوا الدماء على وجه الحسن، كشفوا الناس عن عثمان، ~~وبطل ما تريدون ولكن قوموا حتى نتسور عليه، فنقتله من غير أن يعلم أحد، ~~فتسور هو وصاحباه من دار رجل من الأنصار، حتى دخلوا على عثمان، وما يعلم ~~أحد ممن كان معه، لأن كل من معه كان فوق البيت، ولم يكن معه إلا امرأته، ~~فدخل عليه محمد بن أبي بكر فصرعه، وقعد على صدره، وأخذ بلحيته، وقال: يا ~~نعثل (2). ما أغنى عنك معاوية، وما أغنى عنك ابن عامر وابن أبي سرح. # فقال له عثمان، لو رآني أبوك رضي الله عنه لبكاني، ولساءه مكانك مني، ~~فتراخت يده عنه، وقام عنه وخرج فدعا عثمان بوضوء فتوضأ، وأخذ مصحفا، فوضعه ~~في حجره، ليتحرم (3) به ودخل عليه رجل من أهل الكوفة بمشقص (4) في يده، ~~فوجأ به (5) منكبه مما يلي الترقوة، فأدماه ونضح الدم على ذلك المصحف، وجاء ~~آخر فضربه برجله، وجاء آخر فوجأه بقائم سيفه، فغشى عليه، ومحمد بن أبي بكر ~~لم يدخل مع هؤلاء، فتصايح نساؤه، ورش الماء على وجهه فأفاق، فدخل محمد بن ~~أبي بكر وقد أفاق فقال له: أي نعثل، غيرت وبدلت وفعلت. ثم دخل رجل ms046 من أهل ~~مصر، فأخذ بلحيته، فنتف منها خصله، وسل سيفه، وقال: أفرجوا لي، فعلاه ~~بالسيف، فتلقاه عثمان بيده: فقطعها، فقال عثمان أما والله إنها أول يد خطت ~~المفصل، وكتبت # PageV01P044 # القرآن، ثم دخل رجل أزرق قصير مجدر، ومعه جرز (1) من حديد، فمشى إليه ~~فقال: على أي ملة أنت يا نعثل، فقال: لست بنعثل، ولكني عثمان بن عفان، وأنا ~~على ملة إبراهيم حنيفا وما أنا من المشركين. قال: كذبت. وضربه بالجرز على ~~صدغه الأيسر فغسله الدم، وخر على وجهه، وحالت نائلة بنت الفرافصة زوجته ~~بينه وبينه، وكانت جسيمة، وألقت بنت شيبة نفسها عليه، ودخل عليه رجل من أهل ~~مصر، ومعه سيف مصلت، فقال: والله لأقطعن أنفه، فعالج امرأته عنه، فكشف عنها ~~درعها. فلما لم يصل إليه أدخل السيف بين قرطها ومنكبها، فضربت على السيف، ~~فقطع أناملها، فقالت: يا رباح، غلام لعثمان أسود ومعه سيف، أعن عني هذا، ~~فضربه الأسود فقتله، ثم دخل آخر معه سيف فقال: أفرجوا لي، فوضع ذباب السيف ~~في بطن عثمان، فأمسكت نائلة زوجته السيف، فحز أصابعها، ومضى السيف في بطن ~~عثمان فقتله، فخرجت امرأته وهي تصيح، وخرج القوم هاربين من حيث دخلوا، فلم ~~يسمع صوت نائلة، لما كان في الدار من الجلبة، فصعدت امرأته إلى الناس، ~~فقالت إن أمير المؤمنين قد قتل. فدخل الحسن والحسين ومن كان معهما، فوجدوا ~~عثمان مقتولا قد مثل به فأكبوا عليه يبكون وخرجوا فدخل الناس فوجدوه مقتولا ~~فبلغ عليا الخبر وطلحة والزبير وسعدا ومن كان بالمدينة فخرجوا وقد ذهبت ~~عقولهم، فدخلوا عليه واسترجعوا، وأكبوا عليه يبكون ويعولون حتى غشي على علي ~~ثم أفاق، فقال لابنيه: كيف قتل أمير المؤمنين وأنتما على الباب؟ فرفع يده ~~فضرب الحسن والحسين، وشتم محمد بن طلحة، ولعن عبد الله بن الزبير، وخرج على ~~وقد سلب عقله، لا يدري ما يستقبل من أمره، فقال طلحة: مالك يا أبا الحسن ~~ضربت الحسن والحسين؟ # فقال: يا طلحة، يقتل أمير المؤمنين ولم نقم عليه بينة ولا حجة، فقال ~~طلحة: لو دفع مروان ms047 لم يقتل. فقال علي: لو دفع مروان قتل قبل أن تقوم عليه ~~حكومة. فخرج علي فأتى منزله، وأغلق الباب، وكتبت نائلة بنت الفرافصة إلى ~~معاوية تصف دخول القوم على عثمان، وأخذه المصحف ليتحرم به، وما صنع محمد بن ~~أبي بكر وأرسلت بقميص عثمان مضرجا بالدم ممزقا، وبالخصلة التي نتفها الرجل ~~المصري من لحيته، فعقدت الشعر في زر القميص، ثم دعت النعمان ابن بشير ~~الأنصاري، فبعثته إلى معاوية، ومضى بالقميص حتى أتى على يزيد بن أسيد ممدا ~~لعثمان بعثه معاوية في أربعة آلاف، فأخبرهم بقتل عثمان فانصرفوا إلى الشام. ~~قال: ثم دخل أهل مصر الدار، فلما رأوا عثمان مقتولا ندموا واستحيوا وكره ~~أكثرهم ذلك، وثار أهل الدار في وجوههم، فأخرجوهم منها. ثم اقتتلوا عند ~~الباب، فضرب مروان بالسيف فصرع (2). # PageV01P045 # دفن عثمان بن عفان رضي الله عنه قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن أزهر، قال: ~~لم أكن دخلت في شئ من أمر عثمان، لا عليه ولا له، فإني لجالس بفناء داري ~~ليلا بعدما قتل عثمان بليلة إذ جاءني المنذر بن الزبير، فقال: إن أخي يدعوك ~~فقمت إليه، فقال لي: إنا أردنا أن ندفن عثمان، فهل لك؟ قلت: والله ما دخلت ~~في شئ من شأنه، وما أريد ذلك، فانصرفت عنه، ثم اتبعته، فإذا هو في نفر فيهم ~~جبير بن مطعم، وأبو الجهم بن حذيفة، والمسور بن مخرمة، وعبد الرحمن ابن أبي ~~بكر، وعبد الله بن الزبير، فاحتملوه على باب وإن رأسه ليقول: طق طق، فوضعوه ~~في موضع الجنائز، فقام إليهم رجال من الأنصار، فقالوا لهم: لا والله لا ~~تصلون عليه. فقال أبو الجهم: ألا تدعونا نصلي عليه، فقد صلى الله تعالى ~~عليه وملائكته، فقال له رجل منهم: # إن كنت فأدخلك الله مدخله، فقال له: حشرني الله معه. فقال له: إن الله ~~حاشرك مع الشياطين، والله إن تركناكم به لعجز منا. فقال القوم لأبي الجهم ~~اسكت عنهم وكف، فسكت، فاحتملوه، ثم انطلقوا مسرعين كأني أسمع وقع رأسه على ~~اللوح، حتى وضعوه في أدنى البقيع ms048 فأتاهم جبلة بن عمر الساعدي من الأنصار، ~~فقال: لا والله لا تدفنوه في بقيع رسول الله، ولا نترككم تصلون عليه، فقال ~~أبو الجهم: انطلقوا بنا، إن لم نصل عليه فقد صلى الله عليه، فخرجوا ومعهم ~~عائشة بنت عثمان، معها مصباح في حق، حتى إذا أتوا به حش كوكب (1) حفروا له ~~حفرة، ثم قاموا يصلون عليه، وأمهم جبير بن مطعم، ثم دلوه في حفرته، فلما ~~رأته ابنته صاحت، فقال ابن الزبير: والله لئن لم تسكتي لأضربن الذي فيه ~~عينيك، فدفنوه، ولم يلحدوه بلبن (2)، وحثوا عليه التراب حثوا. # بيعة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكيف كانت قال: وذكروا أنه لما كان ~~في الصباح اجتمع الناس في المسجد، وكثر الندم والتأسف على عثمان رحمه الله، ~~وسقط في أيديهم، وأكثر الناس على طلحة والزبير واتهموهما بقتل عثمان، فقال ~~الناس لهما: أيها الرجلان، قد وقعتما في أمر عثمان، فخليا عن أنفسكما، فقام ~~طلحة فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنا والله ما نقول اليوم ~~إلا ما قلناه أمس، إن عثمان خلط الذنب بالتوبة، حتى كرهنا ولايته وكرهنا أن ~~نقتله وسرنا أن نكفاه، وقد كثر فيه اللجاج، وأمره إلى الله، ثم قام الزبير ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال أيها الناس إن الله قد رضى لكم الشورى، فأذهب ~~بها الهوى، وقد تشاورنا فرضينا عليا فبايعوه، وأما قتل عثمان فإنا # PageV01P046 # نقول فيه إن أمره إلى الله، وقد أحدث أحداثا والله وليه فيما كان، فقام ~~الناس، فأتوا عليا في داره، فقالوا: نبايعك، فمد يدك، لا بد من أمير، فأنت ~~أحق بها، فقال: ليس ذلك إليكم، إنما هو لأهل الشورى وأهل بدر، فمن رضي به ~~أهل الشورى وأهل بدر فهو الخليفة، فنجتمع وننظر في هذا الأمر فأبى أن ~~يبايعهم، فانصرفوا عنه، وكلم بعضهم بعضا فقالوا: يمضى قتل عثمان في الآفاق ~~والبلاد فيسمعون بقتله، ولا يسمعون أنه بويع لأحد بعده، فيثور كل رجل منهم ~~في ناحية، فلا نأمن أن يكون في ذلك الفساد فارجعوا إلى علي، ms049 فلا تتركوه حتى ~~يبايع، فيسير مع قتل عثمان بيعة علي، فيطمئن الناس ويسكنون فرجعوا إلى علي، ~~وترددوا إلى الأشتر النخعي، فقال لعلي: أبسط يدك نبايعك، أو لتعصرن عينيك ~~عليها ثالثة، ولم يزل به يكلمه، ويخوفه الفتنة، ويذكر له أنه ليس أحد ~~يشبهه، فمد يده، فبايعه الأشتر ومن معه، ثم أتوا طلحة، فقالوا له: اخرج ~~فبايع، قال: من؟ قالوا: عليا. قال: تجتمع الشورى وتنظر، فقالوا: اخرج ~~فبايع، فامتنع عليهم. فجاءوا به يلببونه، فبايعه بلسانه ومنع يده، فقال أبو ~~ثور، كنت فيمن حاصر عثمان فكنت آخذ سلاحي وأضعه، وعلي ينظر إلى لا يأمرني ~~ولا ينهاني، فلما كانت البيعة له، خرجت في أثره، والناس حوله يبايعونه، ~~فدخل حائطا من حيطان بني مازن، فألجئوه إلى نخلة، وحالوا بيني وبينه، فنظرت ~~إليهم وقد أخذت أيدي الناس ذراعه، تختلف أيديهم على يده ثم أقبل إلى المسجد ~~الشريف، وكان أول من صعد المنبر طلحة فبايعه بيده، وكانت أصابعه شلاء، ~~فتطير منها علي، فقال: ما أخلقها أن تنكث، ثم بايعه الزبير وسعد وأصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم جميعا، ثم نزل فدعا الناس، وأمر مروان، فهرب منه، ~~وطلب نفرا من بني أمية وابن أبي معيط فهربوا، وخرجت عائشة باكية تقول قتل ~~عثمان رحمه الله، فقال لها عمار: بالأمس تحرضين عليه الناس، واليوم تبكينه، ~~ثم جاء علي إلى امرأة عثمان فقال لها: من قتل عثمان؟ قالت: لا أدري، دخل ~~عليه رجال لا أعرفهم إلا أن أرى وجوههم، وكان معهم محمد بن أبي بكر، فدعا ~~علي محمدا، فسأله عما ذكرت امرأة عثمان، فقال محمد: صدقت، قد والله دخلت ~~عليه، فذكر لي أبي، فقمت عنه، وأنا تائب إلى الله تعالى، والله ما قتلته، ~~ولا أمسكته، فقالت: صدق، ولكن هو أدخلهم. # قال: ثم خرج طلحة، فلقى عائشة، فقالت له: ما صنع الناس؟ قال: قتلوا ~~عثمان. قالت: # ثم ما صنعوا؟ قال: بايعوا عليا، ثم أتوني فأكرهوني ولببوني حتى بايعت. ~~قالت: وما لعلي يستولي على رقابنا، لا أدخل المدينة ولعلي فيها سلطان، ~~فرجعت. وكان ms050 الزبير خارجا لم يشهد قتل عثمان، وكان عمرو بن العاص بفلسطين ~~يوم قتل عثمان، فطلع عليه راكب من الحجاز، فقال له: ما وراءك؟ قال تركت ~~عثمان محصورا، قال عمرو: قد يضرط العير والمكواة في النار، (1) # PageV01P047 # ثم لبث أياما، فطلع عليه راكب آخر، فقال له عمرو: ما الخبر؟ قال: قتل ~~عثمان. قال: # فما فعل الناس؟ فقال: بايعوا عليا. قال: فما فعل علي في قتلة عثمان؟ قال: ~~دخل عليه الوليد ابن عقبة فسأله عن قتله، فقال: ما أمرت ولا نهيت، ولا سرني ~~ولا ساءني. قال: فما فعل بقتلة عثمان! فقال: آوى ولم يرض، وقد قال له ~~مروان: إن لا تكن أمرت فقد توليت الأمر، وإلا تكن قتلت فقد أويت القاتلين، ~~فقال عمرو بن العاص: خلط والله أبو الحسن، قال: ثم كتب عمرو بن العاص إلى ~~سعد بن أبي وقاص يسأله عن قتل عثمان: ومن قتله: # ومن تولى كبره؟ فكتب إليه سعد: إنك سألتني من قتل عثمان؟ وإني أخبرك أنه ~~قتل بسيف سلته عائشة، وصقله طلحة، وسمه ابن أبي طالب، وسكت الزبير وأشار ~~بيده، وأمسكنا نحن، ولو شئنا دفعنا عنه، ولكن عثمان غير وتغير، وأحسن ~~وأساء، فإن كنا أحسنا فقد أحسنا، وإن كنا أسأنا فنستغفر الله، وأخبرك أن ~~الزبير مغلوب بغلبة أهله وبطلبه بذنبه، وطلحة لو يجد أن يشق بطنه من حب ~~الإمارة لشقه. قال: وكان ابن عباس غائبا بمكة المشرفة: # فأقبل إلى المدينة وقد بايع الناس عليا. قال ابن عباس: فوجدت عنده ~~المغيرة بن شعبة، فجلست حتى خرج، ثم دخلت عليه، فسألني وساءلته: ثم قلت له: ~~ما قال لك الخارج من عندك آنفا؟ قال: قال لي قبل هذه الدخلة، أرسل إلى عبد ~~الله بن عامر بعهده على البصرة، وإلى معاوية بعهده على الشام، فإنك تهدئ ~~عليك البلاد، وتسكن عليك الناس. ثم أتاني الآن، فقال لي: إني كنت أشرت عليك ~~برأي لم أتعقبه، فلم أر ذلك رأيا، وإني أرى أن تنبذ إليهما العداوة، فقد ~~كفاك الله عثمان، وهما أهون موتة منه. فقال له ms051 ابن عباس: # أما المرة الأولى فقد نصحك فيها، وأما الثانية فقد غشك فيها، قال: فإني ~~قد وليتك الشام فسر إليها، قال: قلت: ليس هذا برأي، أترى معاوية وهو ابن عم ~~عثمان مخليا بيني وبين عمله، ولست آمن إن ظفر بي أن يقتلني بعثمان، وأدنى ~~ما هو صانع أن يحبسني ويحكم علي، ولكن اكتب إلى معاوية، فمنه وعده، فإن ~~استقام لك الأمر فابعثني، قال: ثم أرسل بالبيعة إلى الآفاق، وإلى جميع ~~الأمصار! فجاءته البيعة من كل مكان إلا الشام، فإنه لم يأته منها بيعة. # فأرسل إلى المغيرة بن شعبة، فقال له: سر إلى الشام فقد وليتكها. قال: ~~تبعثني إلى معاوية وقد قتل ابن عمه، ثم آتيه واليا، فيظن أني من قتلة ابن ~~عمه؟ ولكن إن شئت ابعث إليه بعهده، فإنه بالحري إذا بعثت له بعهده أن يسمع ~~ويطيع. فكتب علي إلى معاوية: أما بعد فقد وليتك ما قبلك من الأمر والمال: ~~فبايع من قبلك، ثم اقدم إلي في ألف رجل من أهل الشام. فلما أتى معاوية كتاب ~~علي دعا بطومار فكتب فيه: # من معاوية إلى علي، أما بعد، فإنه: PageV01P048 # ليس بيني وبين قيس عتاب * غير طعن الكلى وضرب الرقاب فلما أتى عليا ~~الكتاب، ورأى ما فيه، وما هو مشتمل عليه، وكره ذلك، وقام فأنى منزله فدخل ~~عليه الحسن ابنه، فقال له: أما والله كنت أمرتك فعصيتني، فقال له علي: # وما أمرتني به فعصيتك فيه؟ قال: أمرتك أن تركب رواحلك، فتلحق بمكة ~~المشرفة، فلا تتهم به، ولا تحل شيئا من أمره فعصيتني، وأمرتك حين دعيت إلى ~~البيعة أن لا تبسط يدك إلا على بيعة جماعة، فعصيتني، وأمرتك حين خالف عليك ~~طلحة والزبير أن لا تكرههما على البيعة، وتخلى بينهما وبين وجههما، وتدع ~~الناس يتشاورون عاما كاملا، فوالله لو تشاوروا عاما ما زويت عنك، ولا وجدوا ~~منك بدا، وأنا آمرك اليوم أن تقيلهما بيعتهما، وترد إلى الناس أمرهم، فإن ~~رفضوك رفضتهم، وإن قبلوك قبلتهم، فإني والله قد رأيت الغدر في رؤوسهم، وفي ~~وجوههم ms052 النكث والكراهية. فقال له علي، أنا إذا مثلك، لا والله يا بني، ولكن ~~أقاتل بمن أطاعني من عصاني، وأيم الله يا بني ما زلت مبغيا علي منذ هلك ~~جدك، فقال له الحسن: وأيم الله يا أبت ليظهرن عليك معاوية، لأن الله تعالى ~~قال (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) فقال علي يا بني، وما علينا ~~من ظلمه، والله ما ظلمناه، ولا أمرنا ولا نصرنا عليه، ولا كتبت فيه إلى أحد ~~سوادا في بياض، وإنك لتعلم أن أباك أبرأ الناس من دمه ومن أمره. فقال له ~~الحسن: دع عنك هذا، والله إني لا أظن، بل لا أشك أن ما بالمدينة عاتق (1) ~~ولا عذراء ولا صبي إلا وعليه كفل من دمه. فقال: يا بني إنك لتعلم أن أباك ~~قد رد الناس عنه مرارا أهل الكوفة وغيرهم، وقد أرسلتكما جميعا بسيفيكما ~~لتنصراه وتموتا دونه، فنهاكما عن القتال، ونهى أهل الدار أجمعين. وأيم الله ~~لو أمرني بالقتال لقاتلت دونه، أو أموت بين يديه. قال الحسن، دع عنك هذا، ~~حتى يحكم الله بين عباده يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون. # قال: ثم دخل المغيرة بن شعبة، فقال له علي: هل لك يا مغيرة في الله؟ قال: ~~فأين هو يا أمير المؤمنين؟ قال: تأخذ سيفك، فتدخل معنا في هذا الأمر، فتدرك ~~من سبقك، وتسبق من معك، فإني أرى أمورا لا بد للسيوف أن تشحذ لها، وتقطف ~~الرؤوس بها، فقال المغيرة: # إني والله يا أمير المؤمنين ما رأيت عثمان مصيبا، ولا قتله صوابا، وإنها ~~لظلمة تتلوها ظلمات، فأريد يا أمير المؤمنين - إن أذنت لي - أن أضع سيفي ~~وأنام في بيتي حتى تنجلي الظلمة ويطلع قمرها، فنسري مبصرين، نقفو آثار ~~المهتدين، ونتقي سبيل الجائرين. قال علي: # PageV01P049 # قد أذنت لك، فكن من أمرك على ما بدا لك. فقام عمار فقال: معاذ الله يا ~~مغيرة تقعد أعمى بعد أن كنت بصيرا. يغلبك من غلبته، ويسبقك من سبقته، أنظر ~~ما ترى وما تفعل، فأما أنا فلا أكون إلا في الرعيل ms053 الأول. فقال له المغيرة، ~~يا أبا اليقظان. إياك أن تكون كقاطع السلسلة: فر من الضحل (1) فوقع في ~~الرمضاء (2). فقال علي لعمار: دعه، فإنه لن يأخذ من الآخرة إلا ما خالطته ~~الدنيا، أما والله يا مغيرة إنها المثوبة المؤدية، تؤدي من قام فيها إلى ~~الجنة، ولما اختار بعدها، فإذا غشيناك فنم في بيتك. فقال المغيرة: أنت ~~والله يا أمير المؤمنين أعلم مني، ولئن لم أقاتل معك لا أعين عليك، فإن يكن ~~ما فعلت صوابا فإياه أردت، وإن يكن خطأ فمنه نجوت، ولي ذنوب كثيرة، لا قبل ~~لي بها إلا الاستغفار منها. # خطبة علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: وذكروا أن البيعة لما تمت ~~بالمدينة، خرج علي إلى المسجد الشريف، فصعد المنبر، فحمد الله تعالى وأثنى ~~عليه، ووعد الناس من نفسه خيرا، وتألفهم جهده، ثم قال: لا يستغني الرجل وإن ~~كان ذا مال وولد عن عشيرته، ودفاعهم عنه بأيديهم وألسنتهم. هم أعظم الناس ~~حيطة من ورائه، وإليهم سعيه وأعطفهم عليه إن أصابته مصيبة، أو نزل به بعض ~~مكاره الأمور، ومن يقبض يده عن عشيرته فإنه يقبض عنهم يدا واحدة، وتقبض عنه ~~أيد كثيرة، ومن بسط يده بالمعروف ابتغاء وجه الله تعالى، يخلف الله له ما ~~أنفق في دنياه، ويضاعف له في آخرته، واعلموا أن لسان صدق يجعله الله للمرء ~~في الناس، خير له من المال، فلا يزدادن أحدكم كبرياء، ولا عظمة في نفسه، ~~ولا يغفل أحدكم عن القرابة أن يصلها، بالذي لا يزيده إن أمسكه، ولا ينقصه ~~إن أهلكه. واعلموا أن الدنيا قد أدبرت، والآخرة قد أقبلت، ألا وإن المضمار ~~(3) اليوم، والسبق (4) غدا. ألا وإن السبقة (5) الجنة. والغاية النار، ألا ~~إن الأمل يشهي القلب، ويكذب الوعد، ويأتي بغفلة، ويورث حسرة فهو غرور، ~~وصاحبه في عناء، فافزعوا إلى قوام دينكم، وإتمام صلاتكم، وأداء زكاتكم، ~~والنصيحة لإمامكم، وتعلموا كتاب الله، واصدقوا الحديث عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأوفوا # PageV01P050 # بالعهد إذا عاهدتم، وأدوا الأمانات إذا ائتمنتم وارغبوا في ثواب الله، ~~وارهبوا ms054 عذابه، واعملوا الخير تجزوا خيرا يوم يفوز بالخير من قدم الخير. # اختلاف الزبير وطلحة على علي كرم الله وجهه قال: وذكروا أن الزبير وطلحة ~~أتيا عليا بعد فراغ البيعة، فقالا: هل تدري على ما بايعناك يا أمير ~~المؤمنين؟ قال علي: نعم، على السمع والطاعة، وعلى ما بايعتم عليه أبا بكر ~~وعمر وعثمان، فقالا: لا، ولكنا بايعناك على أنا شريكاك في الأمر، قال علي: ~~لا، ولكنكما شريكان في القول والاستقامة والعون على العجز والأولاد، قال: ~~وكان الزبير لا يشك في ولاية العراق، وطلحة في اليمن، فلما استبان لهما أن ~~عليا غير موليهما شيئا، أظهرا الشكاة (1)، فتكلم الزبير في ملأ من قريش، ~~فقال: هذا جزاؤنا من علي، قمنا له في أمر عثمان، حتى أثبتنا عليه الذنب، ~~وسببنا له القتل، وهو جالس في بيته وكفى الأمر. فلما نال بنا ما أراد، جعل ~~دوننا غيرنا، فقال طلحة: ما اللوم إلا أنا كنا ثلاثة من أهل الشورى، كرهه ~~أحدنا وبايعناه، وأعطيناه ما في أيدينا، ومنعنا ما في يده، فأصبحنا قد ~~أخطأنا ما رجونا. قال: فانتهى قولهما إلى علي فدعا عبد الله بن عباس وكان ~~استوزره، فقال له: بلغك قول هذين الرجلين؟ قال نعم، بلغني قولهما. قال: فما ~~ترى؟ قال: أرى أنهما أحبا الولاية. فول البصرة الزبير، وول طلحة الكوفة، ~~فإنهما ليسا بأقرب إليك من الوليد وابن عامر من عثمان، فضحك علي، ثم قال: ~~ويحك، إن العراقين بهما الرجال والأموال، ومتى تملكا رقاب الناس يستميلا ~~السفيه بالطمع، ويضربا الضعيف بالبلاء، ويقويا على القوي بالسلطان، ولو كنت ~~مستعملا أحدا لضره ونفعه لاستعملت معاوية على الشام، ولولا ما ظهر لي من ~~حرصهما على الولاية، لكان لي فيهما رأي. قال: ثم أتى طلحة والزبير إلى علي، ~~فقالا: يا أمير المؤمنين، ائذن لنا في العمرة، فإن تقم إلى انقضائها رجعنا ~~إليك، وإن تسر نتبعك. فنظر إليهما علي، وقال: # نعم، والله ما العمرة تريدان، وإنما تريدان أن تمضيا إلى شأنكما، فمضيا. # خلاف عائشة رضي الله عنها على علي قال: وذكروا أن ms055 عائشة لما أتاها أنه ~~بويع لعلي. وكانت خارجة عن المدينة: فقيل لها: # قتل عثمان. وبايع الناس عليا. فقالت: ما كنت أبالي أن تقع السماء على ~~الأرض، قتل والله مظلوما، وأنا طالبة بدمه، فقال لها عبيد: إن أول من طعن ~~عليه وأطمع الناس فيه لأنت، ولقد قلت: اقتلوا نعثلا فقد فجر، فقالت عائشة: ~~قد والله قلت وقال الناس، وآخر قولي خير من أوله، فقال عبيد: عذر والله ~~ضعيف يا أم المؤمنين. ثم قال: # PageV01P051 # منك البداء ومنك الغير * ومنك الرياح ومنك المطر وأنت أمرت بقتل الإمام * ~~وقلت لنا إنه قد فجر فهبنا أطعناك في قتله * وقاتله عندنا من أمر قال: فلما ~~أتى عائشة خبر أهل الشام أنهم ردوا بيعة علي، وأبوا أن يبايعوه، أمرت فعمل ~~لها هودج من حديد، وجعل فيه موضع عينيها، ثم خرجت ومعها الزبير وطلحة وعبد ~~الله بن الزبير ومحمد بن طلحة. # اعتزال عبد الله بن عمر وسعد بن أبي وقاص ومحمد بن مسلمة عن مشاهدة علي ~~وحروبه قال: وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، ~~ائذن لي آتي عبد الله بن عمر فأكلمه، لعله يخف معنا في هذا الأمر، فقال ~~علي: نعم، فأتاه، فقال له: # يا أبا عبد الرحمن، إنه قد بايع عليا المهاجرون والأنصار، ومن إن فضلناه ~~عليك لم يسخطك، وإن فضلناك عليه لم يرضك، وقد أنكرت السيف في أهل الصلاة، ~~وقد علمت أن على القاتل القتل، وعلى المحصن الرجم، وهذا يقتل بالسيف، وهذا ~~يقتل بالحجارة، وأن عليا لم يقتل أحدا من أهل الصلاة، فيلزمه حكم القاتل. ~~فقال ابن عمر: يا أبا اليقظان، إن أبي جمع أهل الشورى، الذين قبض رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم وهو عنهم راض، فكان أحقهم بها علي، غير أنه جاء أمر فيه ~~السيف ولا أعرفه، ولكن والله ما أحب أن لي الدنيا وما عليها وأني أظهرت أو ~~أضمرت عداوة علي؟ قال: فانصرف عنه، فأخبر عليا بقوله، فقال علي: لو: أتيت ~~محمد بن مسلمة الأنصاري، فأتاه عمار، ms056 فقال له محمد: مرحبا بك يا أبا ~~اليقظان على فرقة ما بيني وبينك، والله لولا ما في يدي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم لبايعت عليا، ولو أن الناس كلهم عليه لكنت معه، ولكنه يا ~~عمار كان من النبي أمر ذهب فيه الرأي، فقال عمار. كيف؟ # قال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت المسلمين يقتتلون أو إذا ~~رأيت أهل الصلاة. فقال عمار: فإن كان قال لك: إذا رأيت المسلمين فوالله لا ~~ترى مسلمين يقتتلان بسيفيهما أبدا، وإن كان قال لك: أهل الصلاة، فمن سمع ~~هذا معك، إنما أنت أحد الشاهدين، فتريد من رسول الله قولا بعد قوله يوم حجة ~~الوداع: دماؤكم وأموالكم عليكم حرام إلا بحدث، فتقول: # يا محمد، لا نقاتل المحدثين. قال: حسبك يا أبا اليقظان. قال: ثم أتى سعد ~~بن أبي وقاص فكلمه، فأظهر الكلام القبيح، فانصرف عمار إلى علي، فقال له ~~علي: دع هؤلاء الرهط، PageV01P052 # أما ابن عمر فضعيف، وأما سعد فحسود، وذنبي إلى محمد بن مسلمة أني قتلت ~~أخاه يوم خيبر: # مرحب اليهودي. # هروب مروان بن الحكم من المدينة المنورة قال: وذكروا أن مروان بن الحكم ~~لما بويع علي هرب من المدينة، فلحق بعائشة بمكة. # فقالت له عائشة: ما وراءك؟ فقال مروان: غلبنا على أنفسنا: فقال له رجل من ~~أهل مكة: # إياك وعليا فقد طلبك، ففر من بين يديه. فقال مروان: لم؟ فوالله ما يجد ~~إلي سبيلا. أما هو فقد علمت أنه لا يأخذني بظن، ولا ينصب إلا على اليقين، ~~وأيم الله ما أبالي إذا قصر علي سيفه ما طال علي من لسانه. فقال الرجل: إذا ~~أطال الله عليك لسانه طال سيفه. قال مروان كلا إن اللسان أدب، والسيف حكم. # خروج علي من المدينة قال: وذكروا أن عليا تردد بالمدينة أربعة أشهر: ~~ينتظر جواب معاوية، وقد كان كتب إليه كتابا بعد كتاب يمنيه ويعده أولا، ثم ~~كتابا يخوفه ويتواعده فحبس معاوية جواب كتابه ثلاثة أشهر، ثم أتاه جوابه ~~على غير ما يحب، فلما ms057 أتاه ذلك شخص من المدينة في تسعمائة راكب من وجوه ~~المهاجرين والأنصار من أهل السوابق مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعهم ~~بشر كثير من أخلاط الناس، واستخلف على المدينة قثم بن عباس، وكان له فضل ~~وعقل، وأمره أن يشخص إليه من أحب الشخوص، ولا يحمل أحدا على ما يكره، فخف ~~الناس إلى علي بعده، ومضى معه من ولده الحسن والحسين ومحمد، فلما كان في ~~بعض الطريق، أتاه كتاب أخيه عقيل بن أبي طالب، وفيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم: أما بعد يا أخي، كلاك الله، والله جائرك من كل سوء، وعاصمك من كل ~~مكروه على كل حال، وإني خرجت معتمرا، فلقيت عائشة معها طلحة والزبير ~~وذووهما، وهم متوجهون إلى البصرة، قد أظهروا الخلاف، ونكثوا البيعة، وركبوا ~~عليك قتل عثمان، وتبعهم علي ذلك كثير من الناس، من طعناتهم وأوباشهم، ثم مر ~~عبد الله بن أبي سرح، في نحو من أربعين راكبا، من أبناء الطلقاء (1)، من ~~بني أمية، فقلت، لهم وعرفت المنكر في وجوههم: أبمعاوية تلحقون؟ عداوة والله ~~إنها منكم ظاهرة غير مستنكرة، تريدون بها إطفاء نور الله، وتغيير أمر الله. ~~فأسمعني القوم وأسمعتهم ثم قدمت مكة، فسمعت أهلها يتحدثون أن الضحاك بن قيس ~~أغار على الحيرة واليمامة، فأصاب ما شاء # PageV01P053 # من أموالهما، ثم انكفأ راجعا إلى الشام، فأف لحياة في زهو جرأ عليك ~~الضحاك، وما الضحاك إلا فقع بقرقره (1) فظننت حين بلغني ذلك أن أنصارك ~~خذلوك، فاكتب إلي يا بن أمي برأيك وأمرك، فإن كنت الموت تريد، تحملت إليك ~~بيني أخيك، وولد أبيك، فعشنا ما عشت ومتنا معك إذا مت، فوالله ما أحب أن ~~أبقى بعدك، فوالله الأعز الأجل إن عيشا أعيشه بعدك في الدنيا لغير هنئ، ولا ~~مرئ، ولا نجيع (2)، والسلام. فكتب إليه علي كرم الله وجهه: أما بعد يا أخي، ~~فكلاك الله كلاءة من يخشاه، إنه حميد مجيد. قدم على عبد الرحمن الأزدي ~~بكتابك، تذكر فيه أنك لقيت ابن أبي سرح، في أربعين من أبناء الطلقاء من بني ms058 ~~أمية، متوجهين إلى المغرب، وابن أبي سرح يا أخي طال ما كاد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وصد عن كتابه وسنته وبغاها عوجا، فدع ابن أبي سرح وقريشا ~~وتركاضهم (3) في الضلال، فإن قريشا قد اجتمعت على حرب أخيك، اجتماعها علي ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل اليوم، وجهلوا حقي، وجحدوا فضلي، ونصبوا ~~لي الحرب، وجدوا في إطفاء نور الله، اللهم فاجز قريشا عني بفعالها، فقد ~~قطعت رحمي، وظاهرت علي، وسلبتني سلطان ابن عمي، وسلمت ذلك لمن ليس في ~~قرابتي، وحقي في الإسلام، وسابقتي التي لا يدعي مثلها مدع، إلا أن يدعي ما ~~لا أعرف، ولا أظن الله يعرفه، والحمد لله على ذلك كثيرا. وأما ما ذكرت من ~~غارة الضحاك على الحيرة واليمامة، فهو أذل وألام من أن يكون مر بها، فضلا ~~عن الغارة، ولكن جاء في خيل جريدة (4) فسرحت إليه جندا من المسلمين، فلما ~~بلغه ذلك ولى هاربا، فاتبعوه فلحقوه ببعض الطريق، حين همت الشمس للإياب، ~~فاقتتلوا، وقتل من أصحابه بضعة عشر رجلا، ونجا هاربا، بعد أن أخذ منه ~~بالمخنق (5)، فلولا الليل ما نجا. وأما ما سألت أن أكتب إليك فيه برأيي، ~~فإن رأيي جهاد المحلين حتى ألقى الله، لا يزيدني كثرة الناس حولي عزة، ولا ~~تفرقهم عني وحشة لأني محق، والله مع المحق، وما أكره الموت على الحق لأن ~~الخير كله بعد الموت لمن عقل ودعا إلى الحق. وأما ما عرضت به من مسيرك إلي ~~ببنيك وبني أبيك، فلا حاجة لي في ذلك، فذرهم راشدا مهديا، فوالله ما أحب أن ~~تهلكوا معي أن هلكت، وأنا كما قال أخو بني سليم: # PageV01P054 # فإن تسأليني كيف صبري فإنني * صبور على ريب الزمان صليب عزيز علي أن أرى ~~بكآبة * فيشمت واش أو يساء حبيب كتاب أم سلمة إلى عائشة قال: وذكروا أنه ~~لما تحدث الناس بالمدينة بمسير عائشة مع طلحة والزبير، ونصبهم الحرب لعلي، ~~وتألفهم الناس كتبت أم سلمة إلى عائشة أما بعد: فإنك سدة بين رسول الله ~~وبين أمته، وحجابك ms059 مضروب علي حرمته، قد جمع القرآن الكريم ذيلك، فلا تندحيه ~~(1)، وسكن عقيرتك (2)، فلا تصحريها، الله من وراء هذه الأمة، قد علم رسول ~~الله مكانك، لو أراد أن يعهد إليك، وقد علمت أن عمود الدين لا يثبت بالنساء ~~إن مال، ولا يرأب بهن إن انصدع، حماديات (3) النساء غض الأبصار وضم الذيول، ~~ما كنت قائلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لو عارضك بأطراف الجبال ~~والفلوات، على قعود من الإبل، من منهل إلى منهل، إن بعين الله مهواك، وعلى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم تردين، وقد هتكت حجابه الذي ضرب الله عليك، ~~وتركت عهيداه (4). ولو أتيت الذي تريدين، ثم قيل لي ادخلي الجنة لاستحييت ~~أن ألقى الله هاتكة حجابا قد ضربه علي، فاجعلي حجابك الذي ضرب عليك حصنك، ~~فابغيه منزلا لك حتى تلقيه، فإن أطوع ما تكونين إذا ما لزمته، وأنصح ما ~~تكونين إذا ما قعدت فيه، ولو ذكرتك كلاما قاله رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم لنهشتني نهش الحية، والسلام. # فكتبت إليها عائشة: ما أقبلني لوعظك، وأعلمني بنصحك، وليس مسيري على ما ~~تظنين، ولنعم المطلع مطلع فزعت فيه إلي فئتان متناجزتان، فإن أقدر ففي غير ~~حرج، وإن أحرج ما لي ما لا غنى بي عن الازدياد منه، والسلام. # استنفار عدي بن حاتم قومه لنصرة علي رضي الله عنه قال: وذكروا أن ابن ~~حاتم قام إلى علي، فقال: يا أمير المؤمنين، لو تقدمت إلى قومي أخبرهم ~~بمسيرك وأستنفرهم، فإن لك من طيئ مثل الذي معك. فقال علي: نعم، فافعل، ~~فتقدم عدي إلى قومه، فاجتمعت إليه رؤساء طيئ، فقال لهم: يا معشر طيئ، إنكم ~~أمسكتم # PageV01P055 # عن حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشرك، ونصرتم الله ورسوله في ~~الإسلام على الردة، وعلي قادم عليكم، وقد ضمنت له مثل عدة من معه منكم، ~~فخفوا معه، وقد كنتم تقاتلون في الجاهلية على الدنيا، فقاتلوا في الإسلام ~~على الآخرة، فإن أردتم الدنيا فعند الله مغانم كثيرة، وأنا أدعوكم إلى ~~الدنيا والآخرة، وقد ضمنت عنكم ms060 الوفاء، وباهيت بكم الناس، فأجيبوا قولي، ~~فإنكم أعز العرب دارا، لكم فضل معاشكم وخيلكم، فاجعلوا أفضل المعاش للعيال ~~وفضول الخيل للجهاد، وقد أظلكم علي والناس معه، من المهاجرين والبدريين ~~والأنصار، فكونوا أكثرهم عددا، فإن هذا سبيل للحي فيه الغنى والسرور، ~~وللقتيل فيه الحياة والرزق، فصاحت طيئ: نعم نعم، حتى كاد أن يصم من صياحهم. ~~فلما قدم على طيئ أقبل شيخ من طيئ قد هرم من الكبر، فرفع له من حاجبيه، ~~فنظر إلى علي، فقال له أنت ابن أبي طالب؟ قال نعم. قال: مرحبا بك وأهلا، قد ~~جعلناك بيننا وبين الله، وعديا بيننا وبينك، ونحن بينه وبين الناس، لو ~~أتيتنا غير مبايعين لك لنصرناك، لقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وأيامك الصالحة، ولئن كان ما يقال فيك من الخير حقا إن في أمرك وأمر قريش ~~لعجبا، إذ أخرجوك وقدموا غيرك. # سر، فوالله لا يتخلف عنك من طيئ إلا عبد أو دعي إلا بإذنك. فشخص معه من ~~طيئ ثلاثة عشر آلاف راكبا. # استنفار زفر بن زيد قومه لنصرة علي قال: وذكروا أن زفر بن زيد بن حذيفة ~~الأسدي، وكان من سادة بني أسد قام إلى علي فقال: يا أمير المؤمنين، إن طيئا ~~إخواننا وجيراننا قد أجابوا عديا، ولي في قومي طاعة، فأذن لي فآتهم. قال: ~~نعم، فأتاهم فجمعهم وقال: يا بني أسد، إن عدي بن حاتم ضمن لعلي قومه ~~فأجابوه، وقضوا عنه ذمامه، فلم يعتل الغني بالغنى، ولا الفقير بالفقر، ~~وواسى بعضهم بعضا، حتى كأنهم المهاجرون في الهجرة، والأنصار في الأثرة، وهم ~~جيرانكم في الديار، وخلطاؤكم في الأموال، فأنشدكم الله لا يقول الناس غدا: ~~نصرت طيئ وخذلت بنو أسد، وإن الجار يقاس بالجار، كالنعل بالنعل، فإن خفتم ~~فتوسعوا في بلادهم، وانضموا إلى جبلهم، وهذه دعوة لها ثواب من الله في ~~الدنيا والآخرة. فقام إليه رجل منهم، فقال له: يا زفر، إنك لست كعدي، ولا ~~أسد كطيئ، ارتدت العرب، فثبتت طيئ على الإسلام، وجاد عدي بالصدقة، وقاتل ~~بقومه قومك، فوالله لو ms061 نفرت طيئ بأجمعها لمنعت رعاؤها دارها، ولو أن معنا ~~أضعافنا لخفنا على دارنا، فإن كان لا يرضيك منا إلا ما أرضى عديا من طيئ، ~~فليس ذلك عندنا، وإن كان يرضيك قدر ما يرد عنا عذر الخذلان، وإثم المعصية، ~~فلك ذلك منا. PageV01P056 # فسار معه من أسد جماعة ليست كجماعة طئ، حتى قدم بها على علي. # توجه عائشة وطلحة والزبير إلى البصرة قال: وذكروا أنه لما اجتمع طلحة ~~والزبير وذووهما مع عائشة، وأجمعوا على المسير من مكة، وأتاهم عبد الله بن ~~عامر، فدعاهم إلى البصرة، ووعدهم الرجال والأموال، فقال سعيد ابن العاصي ~~لطلحة والزبير: إن عبد الله بن عامر كلمه إلى البصرة، وقد فر من أهلها فرار ~~العبد الآبق، وهم في طاعة عثمان، ويريد أن يقاتل بهم عليا، وهم في طاعة ~~علي، وخرج من عندهم أميرا، ويعود إليهم طريدا، وقد وعدكم الرجال والأموال، ~~فأما الأموال فعنده، وأما الرجال فلا رجل. فقال مروان بن الحكم. أيها ~~الشيخان، ما يمنعكما أن تدعوا الناس إلى بيعة مثل بيعة علي، فإن أجابوا كما ~~عارضتماه ببيعة كبيعته، وإن لم يجيبوكما عرفتما ما لكما في أنفس الناس. # فقال طلحة: يمنعنا أن الناس بايعوا عليا بيعة عامة، فبم ننقضها؟ وقال ~~الزبير: ويمنعنا أيضا من ذلك تثاقلنا عن نصرة عثمان، وخفتنا إلى بيعة علي. ~~فقال الوليد بن عقبة: إن كنتما أسأتما فقد أحسنتما، وإن كنتما أخطأتما فقد ~~أصبتما (1)، وأنتما اليوم خير منكما أمس. فقال مروان: أما أنا فهواي الشام، ~~وهواكما البصرة، وأنا معكم وإن كانت الهلكة. فقال سعيد بن العاصي: أما أنا ~~فراجع إلى منزلي. فلما استقام أمرهم، واجتمعت كلمتهم على المسير، قال طلحة ~~للزبير: إنه ليس شئ أنفع ولا أبلغ في استمالة أهواء الناس من أن نشخص لعبد ~~الله بن عمر، فأتياه فقالا: # يا أبا عبد الرحمن، إن أمنا عائشة خفت لهذا الأمر، رجاء الإصلاح بين ~~الناس، فاشخص معنا، فإن لك بها أسوة، فإن بايعنا الناس فأنت أحق بها. فقال ~~ابن عمر: أيها الشيخان، أتريدان أن تخرجاني من بيتي، ms062 ثم تلقياني بين مخالب ~~ابن أبي طالب؟ إن الناس إنما يخدعون بالدينار والدرهم. وإني قد تركت هذا ~~الأمر عيانا في عافية أنالها. فانصرفا عنه. وقدم يعلى بن منبه عليهم من ~~اليمن، وكان عاملا لعثمان، فأخرج أربعة مئة بعير، ودعا إلى الحملان، فقال ~~الزبير: دعنا من إبلك هذه، وأقرضنا من هذا المال، فأقرض الزبير ستين ألفا، ~~وأقرض طلحة أربعين ألفا، ثم سار القوم، فقال الزبير: الشام بها الرجال ~~والأموال، وعليها معاوية، وهو ابن عم الرجل، ومتى نجتمع يولنا عليه، وقال ~~عبد الله بن عامر: البصرة، فإن غلبتم عليا فلكم الشام، وإن غلبكم علي كان ~~معاوية لكم جنة (2)، وهذه كتب أهل البصرة إلي. # فقال يعلى بن منبه، وكان داهيا: أيها الشيخان، قدرا قبل أن ترحلا أن ~~معاوية قد سبقكم # PageV01P057 # إلى الشام وفيها الجماعة، وأنتم تقدمون عليه غدا في فرقة وهو ابن عم ~~عثمان دونكم، أرأيتم إن دفعكم عن الشام، أو قال: أجعلها شورى، ما أنتم ~~صانعون؟ أتقاتلونه أم تجعلونها شورى فتخرجا منها؟ وأقبح من ذلك أن تأتيا ~~رجلا في يديه أمر قد سبقكما إليه، وتريدا أن تخرجاه منه، فقال القوم: فإلى ~~أين؟ قال: إلى البصرة، فقال الزبير لعبد الله بن عامر: # من رجال البصرة؟ قال ثلاثة، كلهم سيد مطاع، كعب بن سور (1) في اليمن، ~~والمنذر بن ربيعة في ربيعة، والأحنف بن قيس في مضر. فكتب طلحة والزبير إلى ~~كعب بن سور: # أما بعد، فإنك قاضي عمر بن الخطاب، وشيخ أهل البصرة، وسيد أهل اليمن، وقد ~~كنت غضبت لعثمان من الأذى، فاغضب له من القتل، والسلام. وكتب إلى الأحنف بن ~~قيس: # أما بعد، فإنك وافد عمر وسيد مضر، وحليم أهل العراق، وقد بلغك مصاب ~~عثمان، ونحن قادمون عليك، والعيان أشفى لك من الخبر، والسلام، وكتب إلى ~~المنذر: أما بعد، فإن أباك كان رئيسا في الجاهلية، وسيدا في الإسلام، وإنك ~~من أبيك بمنزلة المصلى (2) من السابق، يقال: كاد أو لحق، وقد قتل عثمان من ~~أنت خير منه، وغضب له من هو خير منك، والسلام. ms063 فلما وصلت كتبهما إلى القوم، ~~قام زياد بن مضر، والنعمان بن شوال، وغزوان، فقالوا: ما لنا ولهذا الحي من ~~قريش؟ أيريدون أن يخرجونا من الإسلام بعد أن دخلنا فيه؟ ويدخلونا في الشرك ~~بعدما خرجنا منه؟ قتلوا عثمان، وبايعوا عليا، لهم ما لهم، وعليهم ما عليهم. # وكتب كعب بن سور إلى طلحة والزبير: أما بعد، فإنا غضبنا لعثمان من الأذى ~~والغير باللسان، فجاء أمر الغير فيه بالسيف، فإن يك عثمان قتل ظالما، فما ~~لكما وله؟ وإن كان قتل مظلوما فغيركما أولى به، وإن كان أمره أشكل على من ~~شهده، فهو على من غاب عنه أشكل. وكتب الأحنف إليهما: أما بعد، فإنه لم ~~يأتنا من قبلكم أمر لا نشك فيه إلا قتل عثمان، وأنتم قادمون علينا، فإن يكن ~~في العيان فضل، نظرنا فيه ونظرتم، وإلا يكن فيه فضل فليس في أيدينا ولا في ~~أيديكم ثقة، والسلام. وكتب المنذر: أما بعد، فإنه لم يلحقني بأهل الخير إلا ~~أن أكون خيرا من أهل الشر، وإنما أوجب حق عثمان اليوم حقه أمس، وقد كان بين ~~أظهركم فخذلتموه، فمتى استنبطتم هذا العلم، وبدا لكم هذا الرأي؟ فلما قرآ ~~كتب القوم ساءهما ذلك وغضبا. # ثم غدا مروان إلى طلحة والزبير، فقال لهما: عاودا ابن عمر، فلعله ينيب، ~~فعاوداه، فتكلم # PageV01P058 # طلحة، فقال: يا أبا عبد الرحمن، إنه والله لرب حق ضيعناه وتركناه، فلما ~~حضر العذر قضينا بالحق، وأخذنا بالحظ، إن عليا يرى إنفاذ بيعته، وإن معاوية ~~لا يرى أن يبايع له، وإنا نرى أن نردها شورى، فإن سرت معنا ومع أم المؤمنين ~~صلحت الأمور، وإلا فهي الهلكة. فقال ابن عمر: إن يكن قولكما حقا ففضلا ~~ضيعت، وإن يكن باطلا فشر منه نجوت، واعلما أن بيت عائشة خير لها من هودجها، ~~وأنتما المدينة خير لكما من البصرة، والذل خير لكما من السيف، ولن يقاتل ~~عليا إلا من كان خيرا منه، وأما الشورى فقد والله كانت، فقدم وأخرتما، ولن ~~يردها إلا أولئك الذين حكموا فيها، فاكفياني أنفسكما، فانصرفا. فقال مروان: ms064 ~~استعينا عليه بحفصة، فأتيا حفصة، فقالت: لو أطاعني أطاع عائشة، دعاه، ~~فاتركاه وتوجها إلى البصرة. وأتاهما عبد الله بن خلف، فقال لهما: إنه ليس ~~أحد من أهل الحجاز كان منه في عثمان شئ إلا وقد بلغ أهل العراق، وقد كان ~~منكما في عثمان من التحليب والتأليب ما لا يدفعه جحود، ولا ينفعكما فيه ~~عذر، وأحسن الناس فيكما قولا من أزال عنكما القتل وألزمكما الخذل، وقد بايع ~~الناس عليا بيعة عامة، والناس لاقوكما غدا، فما تقولان؟ فقال طلحة: ننكر ~~القتل، ونقر بالخذل، ولا ينفع الإقرار بالذنب إلا مع الندم عليه، ولقد ~~ندمنا على ما كان منا. وقال الزبير: بايعنا عليا والسيف على أعناقنا، حيث ~~تواثب الناس بالبيعة إليه دون مشورتنا، ولم نصب لعثمان خطأ فتجب علينا ~~الدية، ولا عمدا فيجب علينا القصاص. فقال عبد الله بن خلف: عذركما أشد من ~~ذنبكما، قال: فتهيأ القوم للمسير، فقال طلحة والزبير: أسرعوا السير، لعلنا ~~نسبق عليا من خلاف طريقه إلى البصرة. # قال: وكتب قثم بن عباس إلى علي يخبره أن طلحة والزبير وعائشة قد خرجوا من ~~مكة، يريدون البصرة، وقد استنفروا الناس، فلم يخف معهم إلا من لا يعتد ~~بمسيره، ومن خلفت بعدك فعلى ما تحب. فلما قدم على علي كتابه غمه ذلك، ~~وأعظمه الناس، وسقط في أيديهم، فقام قيس بن سعد بن عبادة، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، إنه والله ما غمنا بهذين الرجلين كغمنا بعائشة، لأن هذين الرجلين ~~حلالا الدم عندنا، لبيعتهما ونكثهما، ولأن عائشة من علمت مقامها في ~~الإسلام، ومكانها من رسول الله، مع فضلها ودينها وأمومتها منا ومنك، ~~ولكنهما يقدمان البصرة، وليس كل أهلها لهما، وتقدم الكوفة، وكل أهلها لك، ~~وتسير بحقك إلى باطلهم، ولقد كنا نخاف أن يسيرا إلى الشام، فيقال: صاحبا ~~رسول الله وأم المؤمنين، فيشتد البلاء، وتعظم الفتنة، فأما إذا أتيا البصرة ~~وقد سبقت إلى طاعتك، وسبقوا إلى بيعتك، وحكم عليهم عاملك، ولا والله ما ~~معهما مثل ما معك، ولا يقدمان على مثل ما تقدم عليه، فسر فإن ms065 الله معك، ~~وتتابعت الأنصار فقالوا وأحسنوا. قال: ولما نزل طلحة والزبير PageV01P059 # وعائشة بأوطاس، من أرض خيبر، أقبل عليهم سعيد بن العاصي على نجيب له، ~~فأشرف على الناس، ومعه المغيرة بن شعبة، فنزل وتوكأ على قوس له سوداء، فأتى ~~عائشة، فقال لها: أين تريدين يا أم المؤمنين؟ قالت: أريد البصرة، قال: وما ~~تصنعين بالبصرة؟ قالت: أطلب بدم عثمان. قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك. ثم ~~أقبل على مروان فقال له: وأنت أين تريد أيضا؟ قال: البصرة. قال: وما تصنع ~~بها؟ قال: أطلب قتلة عثمان، قال: فهؤلاء قتلة عثمان معك، إن هذين الرجلين ~~قتلا عثمان " طلحة والزبير "، وهما يريدان الأمر لأنفسهما، فلما غلبا عليه ~~قالا: نغسل الدم بالدم، والحوبة (1) بالتوبة. ثم قال المغيرة بن شعبة: أيها ~~الناس، إن كنتم إنما خرجتم مع أمكم، فارجعوا بها خيرا لكم، وإن كنتم غضبتم ~~لعثمان، فرؤساؤكم قتلوا عثمان، وإن كنتم نقمتم على علي شيئا، فبينوا ما ~~نقمتم عليه، أنشدكم الله فتنتين في عام واحد، فأبوا إلا أن يمضوا بالناس، ~~فلحق سعيد ابن العاصي باليمن، ولحق المغيرة بالطائف، فلم يشهد شيئا من حروب ~~الجمل ولا صفين، فلما انتهوا إلى ماء الحوأب (2) في بعض الطريق ومعهم ~~عائشة، نبحها كلاب الحوأب، فقالت لمحمد بن طلحة، أي ماء هذا؟ قال: هذا ماء ~~الحوأب، فقالت: ما أراني إلا راجعة، قال: ولم؟ قالت: سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول لنسائه: كأني بإحداكن قد نبحها كلاب الحوأب، وإياك أن ~~تكوني أنت يا حميراء. # فقال لها محمد بن طلحة: تقدمي رحمك الله، ودعى هذا القول. وأتى عبد الله ~~بن الزبير، فحلف لها بالله لقد خلفته أول الليل، وأتاها ببينة زور من ~~الأعراب، فشهدوا بذلك، فزعموا أنها أول شهادة زور شهد بها في الإسلام، فلما ~~انتهى إقبالهم على أهل البصرة، ودنوا منها، قام عثمان بن حنيف عامل البصرة ~~لعلي بن أبي طالب فقال: يا أيها الناس، إنما بايعتم الله (يد الله فوق ~~أيديهم، فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، ومن أوفى بما عاهد عليه ms066 الله فسيؤتيه ~~أجرا عظيما) والله لو علم على أن أحدا أحق بهذا الأمر منه ما قبله، ولو ~~بايع الناس غيره لبايع من بايعوا، وأطاع من ولوا، وما به إلى أحد من صحابة ~~رسول الله حاجة، وما بأحد عنه غنى، ولقد شاركهم في محاسنهم، وما شاركوه في ~~محاسنه، ولقد بايعه هذان الرجلان وما يريدان الله، فاستعجلا الفطام قبل ~~الرضاع، والرضاع قبل الولادة، والولادة قبل الحمل، وطلبا ثواب الله من ~~العباد، وقد زعما أنهما بايعا مستكرهين. فإن كانا استكرها قبل بيعتهما كانا ~~رجلين من عرض قريش لهما أن يقولا ولا يأمرا، ألا وإن الهدى ما كانت # PageV01P060 # عليه العامة، والعامة على بيعة علي، فما ترون أيها الناس؟ فقام حكم بن ~~جبل العبدي، فقال: # نرى إن دخلا علينا قاتلناهما، وإن وقفا تلقيناهما والله ما أبالي أن ~~أقاتلهما وحدي، وإن كنت أحب الحياة، وما أخشى في طريق الحق وحشة، ولا غيرة ~~ولا غشا ولا سوء منقلب إلى بعث، وإنها لدعوة قتيلها شهيد، وحيها فائز، ~~والتعجيل إلى الله قبل الآجر خير من التأخير في الدنيا، وهذه ربيعة معك. # نزول طلحة والزبير وعائشة البصرة قال: وذكروا أن طلحة والزبير لما نزلا ~~البصرة، قال عثمان بن حنيف: نعذر إليهما برجلين (1)، فدعا عمران بن الحصين ~~صاحب رسول الله، وأبا الأسود الدؤلي، فأرسلهما إلى طلحة والزبير، فذهبا ~~إليهما فناديا: يا طلحة فأجابهما، فتكلم أبو الأسود الدؤلي، فقال: # يا أبا محمد، إنكم قتلتم عثمان غير مؤامرين لنا في قتله، وبايعتم عليا ~~غير مؤامرين في بيعته، فلم نغضب لعثمان إذ قتل، ولم نغضب لعلي إذ بويع، ثم ~~بدا لكم، فأردتم خلع علي، ونحن على الأمر الأول، فعليكم المخرج مما دخلتم ~~فيه. ثم تكلم عمران، فقال: يا طلحة، إنكم قتلتم عثمان ولم نغضب له إذ لم ~~تغضبوا، ثم بايعتم عليا وبايعنا من بايعتم، فإن كان قتل عثمان صوابا ~~فمسيركم لماذا؟ وإن كان خطأ فحظكم منه الأوفر، ونصيبكم منه الأوفى. فقال ~~طلحة: يا هذان إن صاحبكما لا يرى أن معه في هذا الأمر غيره، ms067 وليس على هذا ~~بايعناه، وأيم الله ليسفكن دمه. فقال أبو الأسود: يا عمران، أما هذا فقد ~~صرح أنه إنما غضب للملك. ثم أتيا الزبير فقالا: يا أبا عبد الله، إنا أتينا ~~طلحة، قال الزبير: إن طلحة وإياي كروح في جسدين، وإنه والله يا هذان، قد ~~كانت منا في عثمان فلتات، احتجنا فيها إلى المعاذير، ولو استقبلنا من أمرنا ~~ما استدبرنا نصرناه، ثم أتيا فدخلا على عائشة، فقالا: يا أم المؤمنين، ما ~~هذا المسير؟ أمعك من رسول الله به عهد؟ قالت: قتل عثمان مظلوما، غضبنا لكم ~~من السوط والعصا، ولا نغضب لعثمان من القتل، فقال أبو الأسود: وما أنت من ~~عصانا وسيفنا وسوطنا؟ فقالت: يا أبا الأسود، بلغني أن عثمان بن حنيف يريد ~~قتالي. فقال أبو الأسود، نعم والله قتالا أهونه تندر منه الرؤوس. وأقبل ~~غلام من جهينة إلى محمد بن طلحة، فقال له: حدثني عن قتلة عثمان، قال: نعم، ~~دم عثمان على ثلاثة أثلاث، ثلث على صاحبة الهودج (2)، # PageV01P061 # وثلث على صاحب الجمل الأحمر (1)، وثلث على علي بن أبي طالب. فضحك ~~الجهيني، ولحق بعلي بن أبي طالب، وبلغ طلحة قول ابنه محمد، وكان محمد من ~~عباد الناس، فقال له: يا محمد، أتزعم عنا قولك إني قاتل عثمان، كذلك تشهد ~~على أبيك؟ كن كعبد الله بن الزبير، فوالله ما أنت بخير منه، ولا أبوك بدون ~~أبيه، كف عن قولك، وإلا فارجع فإن نصرتك نصرة رجل واحد، وفسادك فساد عامة. ~~فقال محمد: ما قلت إلا حقا، ولن أعود. # نزول علي بن أبي طالب الكوفة قال: وذكروا أن عليا لما نزل قريبا من ~~الكوفة بعث عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر إلى أبي موسى الأشعري، وكان أبو ~~موسى عاملا لعثمان على الكوفة، فبعثهما علي إليه وإلى أهل الكوفة يستفزهم، ~~فلما قدما عليه قام عمار بن ياسر، ومحمد بن أبي بكر، فدعوا الناس إلى ~~النصرة لعلي، فلما أمسوا دخل رجال من أهل الكوفة على أبي موسى، فقالوا: ما ~~ترى؟ # أنخرج مع هذين الرجلين إلى ms068 صاحبهما، أم لا؟ فقال أبو موسى: أما سبيل ~~الآخرة ففي أن تلزموا بيوتكم، وأما سبيل الدنيا فالخروج مع من أتاكم، ~~فأطاعوه، فتباطأ الناس على علي، وبلغ عمارا ومحمدا ما أشار به أبو موسى على ~~أولئك الرهط، فأتياه فأغلظا له في القول، قال أبو موسى: إن بيعة عثمان في ~~عنقي وعنق صاحبكم، ولئن أردنا القتال ما لنا إلى قتال أحد من سبيل، حتى ~~نفرغ من قتلة عثمان. # خطبة أبي موسى الأشعري ثم خرج أبو موسى فصعد المنبر، ثم قال: أيها الناس: ~~إن أصحاب رسول الله الذين صحبوه في المواطن أعلم بالله ورسوله ممن لم ~~يصحبه، وإن لكم حقا على أؤديه إليكم، إن هذه الفتنة النائم فيها خير من ~~اليقظان، والقاعد خير من القائم، والقائم فيها خير من الساعي، والساعي خير ~~من الراكب، فأغمدوا سيوفكم حتى تنجلي هذه الفتنة. # خطبة عمار بن ياسر فقام عمار بن ياسر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ~~أيها الناس، إن أبا موسى ينهاكم عن الشخوص إلى هاتين الجماعتين، ولعمري ما ~~صدق فيما قال، وما رضي الله من عباده بما ذكر. قال عز وجل: " وإن طائفتان ~~من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما، فإن بغت إحداهما # PageV01P062 # على الأخرى فقاتلوا التي تبغى حتى تفيئ إلى أمر الله، فإن فاءت فأصلحوا ~~بينهما بالعدل وأقسطوا " وقال: " وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين ~~كله لله " فلم يرض من عباده بما ذكر أبو موسى من أن يجلسوا في بيوتهم ~~ويخلوا بين الناس، فيسفك بعضهم دماء بعض، فسيروا معنا إلى هاتين الجماعتين ~~واسمعوا من حججهم، وانظروا من أولى بالنصرة فاتبعوه، فإن أصلح الله أمرهم ~~رجعتم مأجورين وقد قضيتم حق الله، وإن بغى بعضهم على بعض نظرتم إلى الفئة ~~الباغية، فقاتلتموها حتى تفيئ إلى أمر الله، كما أمركم الله، وافترض عليكم ~~ثم قعد. # فلما انصرفا إلى علي من عند أبي موسى وأخبراه بما قال أبو موسى، بعث إليه ~~الحسن بن علي، وعبد الله بن عباس، وعمار بن ياسر، وقيس بن سعد، وكتب معهم ~~إلى أهل ms069 الكوفة: # كتاب علي إلى أهل الكوفة أما بعد، فإني أخبركم عن أمر عثمان حتى يكون ~~سامعه كمن عاينه، إن الناس طعنوا على عثمان، فكنت رجلا من المهاجرين أقل ~~عيبه وأكثر استعتابه (1)، وكان هذان الرجلان طلحة والزبير أهون سيرهما فيه ~~اللهجة (2) والوجيف، وكان من عائشة فيه قول على غضب، فانتحى له قوم فقتلوه، ~~وبايعني الناس غير مستكرهين، وهما أول من بايعني على ما بويع عليه من كان ~~قبلي، ثم استأذنا إلى العمرة، فأذنت لهما، فنقضا العهد، ونصبا الحرب، ~~وأخرجا أم المؤمنين من بيتها، ليتخذاها فتنة، وقد سارا إلى البصرة، اختيارا ~~لأهلها، ولعمري ما إياي تجيبون، ما تجيبون إلا الله. وقد بعثت ابني الحسن، ~~وابن عمي عبد الله بن عباس، وعمار ابن ياسر، وقيس بن سعد، فكونوا عند ظننا ~~بكم، والله المستعان. # فسار الحسن ومن معه، حتى قدموا الكوفة علي أبي موسى، فدعاه إلى نصرة علي، ~~فبايعهم، ثم صعد أبو موسى المنبر، وقام الحسن أسفل منه، فدعاهم إلى نصرة ~~علي، وأخبرهم بقرابته من رسول الله، وسابقته، وبيعة طلحة والزبير إياه، ~~ونكثهما عهده، وأقرأهم كتاب علي، فقام شريح بن هانئ. فقال: # خطاب شريح بن هانئ لقد أردنا أن نركب إلى المدينة، حتى نعلم قتل عثمان، ~~فقد أتانا الله به في بيوتنا، فلا # PageV01P063 # تخالفوا عن دعوته، والله لو لم يستنصر بنا لنصرناه سمعا وطاعة، ثم قام ~~الحسن بن علي، فقال: أيها الناس، إنه قد كان من مسير أمير المؤمنين علي بن ~~أبي طالب ما قد بلغكم، وقد أتيناكم مستتفرين، لأنكم جبهة الأنصار، ورؤوس ~~العرب، وقد كان من نقض طلحة والزبير بعد بيعتهما وخروجهما بعائشة ما بلغكم، ~~وتعلمون أن وهن النساء وضعف رأيهن إلى التلاشي، ومن أجل ذلك جعل الله ~~الرجال قوامين على النساء، وأيم الله لو لم ينصره منكم أحد لرجوت أن يكون ~~فيمن أقبل معه من المهاجرين والأنصار كفاية، فانصروا الله ينصركم. ثم قام ~~عمار بن ياسر فقال: يا أهل الكوفة، إن كان غاب عنكم أنباؤنا فقد انتهت ~~إليكم أمورنا، إن قتلة عثمان ms070 لا يعتذرون من قتله إلى الناس، ولا ينكرون ~~ذلك، وقد جعلوا كتاب الله بينهم وبين محاجيهم، فبه أحيا الله من أحيا، ~~وأمات من أمات. وإن طلحة والزبير كانا أول من طعن، وآخر من أمر، وكانا أول ~~من بايع عليا، فلما أخطأهما ما أملاه نكثا بيعتهما، من غير حدث. وهذا ابن ~~بنت رسول الله الحسن قد عرفتموه. وقد جاء يستنفركم، وقد أظلكم علي في ~~المهاجرين والبدريين والأنصار الذين تبوءوا الدار والإيمان. فانصروا الله ~~ينصركم. # ثم قام قيس بن سعد، فقال: أيها الناس، إن الأمر لو استقبل به أهل الشورى ~~كان على أحق بها، وكان قتال من أبى ذلك حلالا، فكيف والحجة على طلحة ~~والزبير، وقد بايعاه رغبة، وخالفاه حسدا، وقد جاءكم المهاجرون والأنصار. # دخول طلحة والزبير وعائشة البصرة قال: وذكروا أنه لما نزل طلحة والزبير ~~وعائشة البصرة، اصطف لها الناس في الطريق، يقولون: يا أم المؤمنين، ما الذي ~~أخرجك من بيتك؟ فلما أكثروا عليها تكلمت بلسان طلق، وكانت من أبلغ الناس، ~~فحمدت الله، وأثنت عليه، ثم قالت: # خطبة عائشة رضي الله عنها أيها الناس، والله ما بلغ من ذنب عثمان أن ~~يستحل دمه، ولقد قتل مظلوما، غضبنا لكم من السوط والعصا، ولا نغضب لعثمان ~~من القتل، وإن من الرأي أن تنظروا إلى قتلة عثمان، فيقتلوا به، ثم يرد هذا ~~الأمر شورى، على ما جعله عمر بن الخطاب. # فمن قائل يقول: صدقت، وآخر يقول كذبت، فلم يبرح الناس يقولون ذلك حتى ضرب ~~بعضهم وجوه بعض، فبينما هم كذلك أتاهم رجل من أشراف البصرة بكتاب كان كتبه ~~طلحة PageV01P064 # في التأليب على قتل عثمان، فقال لطلحة: هل تعرف هذا الكتاب؟ قال: نعم. ~~قال: فما ردك على ما كنت عليه؟ وكنت أمس تكتب إلينا تؤلبنا على قتل عثمان، ~~وأنت اليوم تدعونا إلى الطلب بدمه، وقد زعمتما أن عليا دعاكما إلى أن تكون ~~البيعة لكما قبله، إذ كنتما أسن منه، فأبيتما إلا أن تقدماه لقرابته ~~وسابقته، فبايعتماه، فكيف تنكثان بيعتكما بعد الذي عرض عليكما؟ قال طلحة: ms071 ~~دعانا إلى البيعة بعد أن اغتصبها وبايعه الناس، فعلمنا حين عرض علينا أنه ~~غير فاعل، ولو فعل أبى ذلك المهاجرون والأنصار، وخفنا أن نرد بيعته فنقتل، ~~فبايعناه كارهين. قال فما بدا لكما في عثمان؟ قالا: ذكرنا ما كان من طعننا ~~عليه، وخذلاننا إياه، فلم نجد من ذلك مخرجا إلا الطلب بدمه. قال: ما ~~تأمرانني به؟ قالا: بايعنا على قتال علي، ونقض بيعته، قال: أرأيتما إن ~~أتانا بعدكما من يدعونا إلى ما تدعوان إليه، ما نصنع؟ # قالا: لا تبايعه. قال: ما أنصفتما، أتأمرانني أن أقاتل عليا وأنقض بيعته ~~وهي في أعناقكما، وتنهياني عن بيعة من لا بيعة له عليكما؟ أما إننا قد ~~بايعنا عليا، فإن شئتما بايعناكما بيسار أيدينا. قال: ثم تفرق الناس، فصارت ~~فرقة مع عثمان بن حنيف، وفرقة مع طلحة والزبير ثم جاء جارية بن قدامة، ~~فقال: يا أم المؤمنين، لقتل عثمان كان أهون علينا من خروجك من بيتك على هذا ~~الجمل الملعون، إنه كانت لك من الله تعالى حرمة وستر فهتكت سترك، وأبحت ~~حرمتك إنه من رأى قتالك فقد رأى قتلك، فإن كنت يا أم المؤمنين أتيتنا طائعة ~~فارجعي إلى منزلك، وإن كنت أتيتنا مستكرهة فاستعتبي الله. # قتل أصحاب عثمان بن حنيف عامل علي على البصرة قال: وذكروا أنه لما اختلف ~~القوم اصطلحوا على أن لعثمان بن حنيف دار الإمارة ومسجدها وبيت المال، وأن ~~ينزل أصحابه حيث شاءوا من البصرة، وأن ينزل طلحة والزبير وأصحابهما حيث ~~شاءوا حتى يقدم علي، فإن اجتمعوا دخلوا فيما دخل فيه الناس، وإن يتفرقوا ~~يلحق كل قوم بأهوائهم، عليهم بذلك عهد الله وميثاقه، وذمة نبيه، وأشهدوا ~~شهودا من الفريقين جميعا. فانصرف عثمان، فدخل دار الإمارة، وأمر أصحابه أن ~~يلحقوا بمنازلهم، ويضعوا سلاحهم وافترق الناس، وكتموا ما في أنفسهم، غير ~~بني عبد القيس، فإنهم أظهروا نصرة علي، وكان حكيم بن جبل رئيسهم، فاجتمعوا ~~إليه، فقال لهم: يا معشر عبد القيس. إن عثمان بن حنيف دمه مضمون، وأمانته ~~مؤداة، وأيم الله لو لم يكن علي ms072 أميرا لمنعناه، لمكانته من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فكيف وله الولاية والجوار، فاشخصوا بأنصاركم، وجاهدوا ~~العدو، فإما أن تموتوا كراما وإما أن تعيشوا أحرارا. فمكث عثمان بن حنيف في ~~الدار أياما، PageV01P065 # ثم إن طلحة والزبير ومروان بن الحكم أتوه نصف الليل في جماعة معهم، في ~~ليلة مظلمة سوداء مطيرة وعثمان نائم، فقتلوا أربعين رجلا من الحرس، فخرج ~~عثمان بن حنيف، فشد عليه مروان فأسره، وقتل أصحابه، فأخذه مروان، فنتف ~~لحيته ورأسه وحاجبيه، فنظر عثمان بن حنيف إلى مروان فقال: أما إنك إن ~~فتنتني بها في الدنيا، لم تفتني بها في الآخرة. # تعبئة الفئتين للقتال وذكروا أنه لما تعبأ القوم للقتال، فكانت الحرب ~~للزبير وعلى الخيل طلحة، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير، وعلى القلب محمد ~~بن طلحة، وعلى المقدمة مروان، وعلى رجال الميمنة عبد الرحمن بن عبادة، وعلى ~~الميسرة هلال ابن وكيع، فلما فرغ الزبير من التعبئة قال: أيها الناس، وطنوا ~~أنفسكم على الصبر، فإنه يلقاكم غدا رجل لا مثل له في الحرب ولا شبيه، ومعه ~~شجعان الناس. فلما بلغ عليا تعبئة القوم عبأ الناس للقتال، فاستعمل على ~~المقدمة عبد الله بن عباس، وعلى الساقة هند المرادي، وعلى جميع الخيل عمار ~~بن ياسر، وعلى جميع الرجالة محمد بن أبي بكر. # ثم كتب إلى طلحة والزبير: أما بعد، فقد علمتما أني لم أرد الناس حتى ~~أرادوني، ولم أبايعهم حتى بايعوني، وإنكما لممن أراد وبايع، وإن العامة لم ~~تبايعني لسلطان خاص، فإن كنتما بايعتماني كارهين، فقد جعلتما لي عليكما ~~السبيل، بإظهاركما الطاعة، وإسراركما المعصية، وإن كنتما بايعتماني طائعين، ~~فارجعا إلى الله من قريب. إنك يا زبير لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحواريه، وإنك يا طلحة لشيخ المهاجرين، وإن دفاعكما هذا الأمر قبل أن تدخلا ~~فيه، كان أوسع عليكما من خروجكما منه إقراركما به، وقد زعمتما أني قتلت ~~عثمان فبيني وبينكما فيه بعض من تخلف عني وعنكما من أهل المدينة، وزعمتما ~~أني آويت قتلة عثمان، فهؤلاء بنو عثمان، فليدخلوا ms073 في طاعتي، ثم يخاصموا إلى ~~قتلة أبيهم، وما أنتما وعثمان إن كان قتل ظالما أو مظلوما؟ وقد بايعتماني ~~وأنتما بين خصلتين قبيحتين نكث بيعتكما، وإخراجكما أمكما. # كتاب علي إلى عائشة وكتب إلى عائشة: أما بعد، فإنك خرجت غاضبة لله ~~ولرسوله، تطلبين أمرا كان عنك موضوعا، ما بال النساء والحرب والاصلاح بين ~~الناس؟ تطالبين بدم عثمان، ولعمري لمن عرضك PageV01P066 # للبلاء، وحملك على المعصية، أعظم إليك ذنبا من قتلة عثمان وما غضبت حتى ~~أغضبت، وما هجت حتى هيجت، فاتق الله، وارجعي إلى بيتك. # فأجابه طلحة والزبير: إنك سرت مسيرا له ما بعده، ولست راجعا وفي نفسك منه ~~حاجة، فامض لأمرك، أما أنت فلست راضيا دون دخولنا في طاعتك، ولسنا بداخلين ~~فيها أبدا، فاقض ما أنت قاض. # وكتبت عائشة: جل الأمر عن العتاب، والسلام. # قال: ورجعت رسل علي من البصرة. فمنهم من أجابه وأتاه، ومنهم من لحق ~~بعائشة وطلحة والزبير، وبعث الأحنف بن قيس إلى علي: إن شئت أتيتك في مائتي ~~رجل من أهل بيتي، وإن شئت كففت عنك أربعة آلاف سيف، فأرسل إليه علي: بل كف ~~عني أربعة آلاف سيف، وكفى بذلك ناصرا. فجمع الأحنف بني تميم، فقال. يا معشر ~~بني تميم، إن ظهر أهل البصرة فهم إخوانكم وإن ظهر علي فلن يهيجكم، وكنتم قد ~~سلمتم. فكف بنو تميم، ولم يخرجوا إلى أحد الفريقين. # قال: ولما كتب علي إلى طلحة والزبير أتى زمعة بن الأسود إلى طلحة ~~والزبير. فقال لهما: إن عليا قد أكثر إليكما الرسل، كأنه طمع فيكما، ~~وأطمعتماه في أنفسكما، فاتقيا الله إن كنتما بايعتماه طائعين، واتقيا الله ~~علينا وعلى أنفسكما، فإن اللبن في الضرع، ومتى يحلب لا يرجع، وإن كنتما ~~بايعتماه مكرهين فاخرقا هذا الوطب (1)، وادفعا هذا اللبن، فما أغنانا عن ~~هذه الكتب والرسل. قال: فخرج طلحة والزبير وعائشة، وهي على جمل عليه هودج، ~~قد ضرب عليه صفائح الحديد، فبرزوا حتى خرجوا من الدور ومن أفنية البصرة، ~~فلما تواقفوا للقتال، أمر على مناديا ينادي من أصحابه لا يرمين أحد ms074 منهما ~~ولا حجرا، ولا يطعن برمح حتى أعذر إلى القوم، فاتخذ عليهم الحجة. قال: فكلم ~~على طلحة والزبير قبل القتال، فقال لهما: استحلفا عائشة بحق الله وبحق ~~رسوله على أربع خصال أن تصدق فيها: هل تعلم رجلا من قريش أولى مني بالله ~~ورسوله، وإسلامي قبل كافة الناس أجمعين وكفايتي رسول الله كفار العرب بسيفي ~~ورمحي، وعلى براءتي من دم عثمان، وعلى أني لم أستكره أحدا على أني لم أكن ~~أحسن قولا في عثمان منكما. فأجابه طلحة جوابا غليظا، ورق له الزبير، ثم رجع ~~علي إلى أصحابه فقالوا: يا أمير المؤمنين، بم كلمت # PageV01P067 # الرجلين؟ فقال علي: إن شأنهما لمختلف أما الزبير فقاده اللجاج، ولن ~~يقاتلكم، وأما طلحة فسألته عن الحق فأجابني بالباطل، ولقيته باليقين، ~~ولقيني بالشك، فوالله ما نفعه حقي، ولا ضرني باطله، وهو مقتول غدا في ~~الرعيل الأول. قال: ثم خرج علي على بغلة رسول الله الشهباء بين الصفين، وهو ~~حاسر، فقال: أين الزبير؟ فخرج إليه، حتى إذا كانا بين الصفين اعتنق كل واحد ~~منهما صاحبه وبكيا، ثم قال علي: يا عبد الله ما جاء بك ها هنا؟ # قال: جئت أطلب دم عثمان. قال علي: تطلب دم عثمان، قتل الله من قتل عثمان، ~~أنشدك الله يا زبير، هل تعلم أنك مررت بي وأنت مع رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وهو متكئ على يدك فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضحك إلي، ~~ثم التفت إليك، فقال لك: # يا زبير، إنك تقاتل عليا وأنت له ظالم، قال: اللهم نعم. قال علي: فعلام ~~تقاتلني؟ قال الزبير: نسيتها والله، ولو ذكرتها ما خرجت إليك، ولا قاتلتك ~~فانصرف علي إلى أصحابه، فقالوا: يا أمير المؤمنين مررت إلى رجل في سلاحه ~~وأنت حاسر، قال علي أتدرون من الرجل؟ قالوا: لا. قال: ذلك الزبير ابن صفية ~~عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. أما إنه قد أعطى الله عهدا أنه لا ~~يقاتلكم، إني ذكرت له حديثا قاله رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ms075 لو ~~ذكرته ما أتيتك. فقالوا: الحمد لله يا أمير المؤمنين، ما كنا نخشى في هذا ~~الحرب غيره. ولا نتقي سواه. إنه لفارس رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وحواريه، ومن عرفت شجاعته وبأسه ومعرفته بالحرب، فإذا قد كفاناه الله فلا ~~نعد من سواه إلا صرعى حول الهودج. # رجوع الزبير عن الحرب قال: وذكروا أن الزبير دخل على عائشة، فقال: يا ~~أماه، ما شهدت موطنا قط في الشرك ولا في الإسلام إلا ولي فيه رأي وبصيرة ~~غير هذا الموطن فإنه لا رأي لي فيه، ولا بصيرة، وإني لعلي باطل. قالت ~~عائشة: يا أبا عبد الله، خف سيوف بني عبد المطلب، فقال: # أما والله إن سيوف بني عبد المطلب طوال حداد، يحملها فتية أنجاد. ثم قال ~~لابنه عبد الله: عليك بحزبك، أما أنا فراجع إلى بيتي. فقال له ابنه عبد ~~الله: الآن حين التقت حلقتا البطان (1)، واجتمعت الفئتان؟ والله لا نغسل ~~رؤوسنا منها، فقال الزبير لابنه، لا تعد هذا مني جبنا، فوالله # PageV01P068 # ما فارقت أحدا في جاهلية ولا إسلام، قال: فما يردك؟ قال: يردني ما إن ~~علمته كسرك. فقام بأمر الناس عبد الله بن الزبير. # قتل الزبير بن العوام قام: وذكروا أن الزبير لما انصرف راجعا إلى المدينة ~~أتاه ابن جرموز، فنزل به، فقال: # يا أبا عبد الله، أحييت حربا ظالما أو مظلوما ثم تنصرف؟ أتائب أنت أم ~~عاجز؟ فسكت عنه، ثم عاوده فقال له: يا أبا عبد الله، حدثني عن خصال خمس ~~أسألك عنها. فقال: هات. قال: # خذلك عثمان، وبيعتك عليا، وإخراجك أم المؤمنين. وصلاتك خلف ابنك، ورجوعك ~~عن الحرب. فقال الزبير: نعم أخبرك، أما خذلي عثمان فأمر قدر الله فيه ~~الخطيئة وأخر التوبة. # وأما بيعتي عليا فوالله ما وجدت من ذلك بدا، حيث بايعه المهاجرون ~~والأنصار وخشيت القتل، وأما إخراجنا أمنا عائشة فأردنا أمر وأراد الله ~~غيره، وأما صلاتي خلف ابني فإنما قدمته عائشة أم المؤمنين ولم يكن لي دون ~~صاحبي أمر، وأما رجوعي عن هذا الحرب (1) فظن بي ما ms076 شئت غير الجبن. فقال ابن ~~جرموز: والهفاه على ابن صفية، أضرمها نارا ثم أراد أن يلحق بأهله، قتلني ~~الله إن لم أقتله، ثم أتاه فقال له: يا أبا عبد الله كالمستنصح له، إن دون ~~أهلك فيافي، فخذ نجيبي هذا، وخل فرسك ودرعك، فإنهما شاهدتان عليك بما تكره. ~~فقال الزبير: أنظر في ذلك ليلتي، ثم ألح عليه في فرسه ودرعه فلم يزل حتى ~~أخذهما منه، وإنما أراد ابن جرموز أن يلقاه حاسرا، لما علم بأسه، ثم أتى ~~ابن جرموز الأحنف بن قيس، فساره بمكان الزبير عنده وبقوله فقال له الأحنف: ~~اقتله قتله الله مخادعا، وأتى الزبير رجل من كلب، فقال له: يا أبا عبد ~~الله، أنت لي صهر، وابن جرموز لم يعتزل هذا الحرب مخافة الله، ولكنه كره أن ~~يخالف الأحنف، وقد ندم الأحنف على خذله عليا، ولعله أن يتقرب بك إليه، وقد ~~أخذ منك درعك وفرسك، وهذا تصديق ما قلت لك، فبت عندي الليلة ثم أخرج بعد ~~نومه، فإنك إن فتهم لم يطلبوك. # فتهاون بقوله، ثم بدا له فقال له: فما ترى يا أخا كلب؟ قال: أرى أن ترجع ~~إلى فرسك ودرعك فتأخذهما، فإن أحدا من الناس لا يقدم عليك وأنت فارس أبدا، ~~فأصبح الزبير غاديا، وسار معه ابن جرموز وقد كفر (2) على الدرع فلما انتهى ~~إلى وادي السباع استغفله فطعنه، ثم رجع # PageV01P069 # برأسه وسلبه إلى قومه، فقال له رجل من قومه: يا بن جرموز، فضحت والله ~~اليمن بأسرها، قتلت الزبير رأس المهاجرين، ورأس رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، وحواريه، وابن عمته، والله لو قتلته في حرب لعز ذلك علينا، ولمسنا ~~عارك، فكيف في جوارك وذمتك؟ والله ليزيدنك على أن يبشرك بالنار. فغضب ابن ~~جرموز وقال والله ما قتلته إلا له، ووالله ما أخاف ما أخاف فيه قصاصا، ولا ~~أرهب فيه قرشيا، وإن قتله علي لهين. # مخاطبة علي لطلحة بين الصفين قال: وذكروا أن عليا نادي طلحة بعد انصراف ~~الزبير، فقال له: يا أبا محمد ما جاء بك؟ # قال: ms077 أطلب دم عثمان. قال علي: قتل الله من قتله، قال طلحة: فحل بيننا ~~وبين من قتل عثمان، أما تعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إنما ~~يحل دم المؤمن في أربع خصال، زان فيرجم، أو محارب لله، أو مرتد عن الإسلام، ~~أو مؤمن يقتل مؤمنا عمدا. فهل تعلم أن عثمان أتى شيئا من ذلك؟ فقال علي: ~~لا. قال طلحة: فأنت أمرت بقتله. قال علي: اللهم لا. قال طلحة: فاعتزل هذا ~~الأمر، ونجعله شورى بين المسلمين، فإن رضوا بك دخلت فيما دخل فيه الناس، ~~وإن رضوا غيرك كنت رجلا من المسلمين. قال علي: أو لم تبايعني يا أبا محمد ~~طائعا غير مكره؟ فما كنت لأترك بيعتي. قال طلحة: بايعتك والسيف على عنقي. ~~قال: ألم تعلم أني ما أكرهت أحدا على البيعة، ولو كنت مكرها أحدا لأكرهت ~~سعدا وابن عمر ومحمد ابن مسلمة، أبوا البيعة، واعتزلوا، فتركتهم. قال طلحة: ~~كنا في الشورى ستة، فمات اثنان وقد كرهناك، ونحن ثلاثة، قال علي: إنما كان ~~لكما ألا ترضيا قبل الرضى وقبل البيعة. # وأما الآن فليس لكما غير ما رضيتما به، إلا أن تخرجا مما بويعت عليه ~~بحدث، فإن كنت أحدثت حدثا فسموه لي. وأخرجتم أمكم عائشة، وتركتم نساءكم، ~~فهذا أعظم الحدث منكم أرضى هذا لرسول الله أن تهتكوا سترا ضربه عليها، ~~وتخرجوها منه؟ فقال طلحة: إنما جاءت للإصلاح. قال علي: هي لعمر الله إلى من ~~يصلح لها أمرها أحوج، أيها الشيخ أقبل النصح وارض بالتوبة مع العار. قبل أن ~~يكون العار والنار. # التحام الحرب قال: وذكروا أنه بينما الناس وقوف إذ رمي رجل من أصحاب علي، ~~فجيئ به إلى علي، فقالوا: يا أمير المؤمنين، هذا أخونا قد قتل: فقال علي: ~~أعذروا إلى القوم. فقال عبد الرحمن PageV01P070 # ابن أبي بكر: إلى متى؟ قد والله أعذرنا وأعذرت إن كنت تريد الإعذار، ~~والله لتأذنن لنا في لقاء القوم أو لننصرفن. إلى متى تستهدف نحورنا للقتال ~~والسلاح، يقتلوننا رجلا رجلا؟ # فقال علي: قد والله أرانا أعذرنا. ms078 أين محمد ابني؟ فقال: هأنذا. فقال: أي ~~بني، خذ الراية، فابتدر الحسن والحسين ليأخذاها، فأخرهما عنها، وكان على ~~يؤخرهما شفقة عليهما، فأخذ محمد الراية، ثم قام علي، فركب بغلة رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، ثم دعا بدرع رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبسها، ثم ~~قال: احزموني، فحزم بعمامة أسفل من سرته، ثم خرج وكان عظيم البطن، فقال ~~لابنه: تقدم وتضعضع (1) الناس حين سمعوا به قد تحرك، فبينما هم كذلك إذ ~~سمعوا صوتا، فقال علي: ما هذا؟ فقيل عائشة تلعن قتلة عثمان. فقال علي ورفع ~~بصره إلى السماء: لعن الله قتلة عثمان في السهل والجبل، وقد كان علي عبأ ~~الناس أثلاثا، فجعل مصر قلب العسكر، واليمن ميمنته، وربيعة ميسرته، وعبأ ~~أهل البصرة مثل ذلك، فاقتتل القوم قتالا شديدا، فهزمت يمن البصرة يمن علي، ~~وهزمت ربيعة البصرة ربيعة علي، قال حية بن جهين: نظرت إلى علي وهو يخفق ~~نعاسا فقلت له: تالله ما رأيت كاليوم قط، إن بإزائنا لمائة ألف سيف، وقد ~~هزمت ميمنتك وميسرتك، وأنت تخفق نعاسا، فانتبه ورفع يديه، وقال: اللهم إنك ~~تعلم أني ما كتبت في عثمان سوادا في بياض، وأن الزبير وطلحة ألبا وأجلبا ~~على الناس، اللهم أولانا بدم عثمان فخذه اليوم. ثم تقدم علي فنظر إلى ~~أصحابه يهزمون ويقتلون فلما نظر إلى ذلك صاح بابنه محمد ومعه الراية، أن ~~اقتحم، فأبطأ وثبت، فأتى علي من خلفه، فضربه بين كتفيه، وأخذ الراية من ~~يده، ثم حمل، فدخل عسكرهم وإن الميمنتين والميسرتين تضطربان، في إحداهما ~~عمار، وفي الأخرى عبد الله بن عباس، ومحمد بن أبي بكر، قال: # فشق علي في عسكر القوم يطعن ويقتل، ثم خرج وهو يقول: الماء الماء، فأتاه ~~رجل بإداوة فيها عسل فقال له: يا أمير المؤمنين، أما الماء فإنه لا يصلح لك ~~في هذا المقام، ولكن أدوقك هذا العسل فقال: هات، فحسا منه حسوة، ثم قال: إن ~~عسلك لطائفي (2)، قال الرجل: لعجبا منك والله يا أمير المؤمنين، لمعرفتك ~~الطائفي من غيره في هذا ms079 اليوم، وقد بلغت القلوب الحناجر فقال له علي: إنه ~~والله يا بن أخي ما ملأ صدر عمك شئ قط، ولا هابه شئ ثم أعطى الراية لابنه، ~~وقال: هكذا فاصنع، فتقدم محمد بالراية ومعه الأنصار حتى انتهى إلى الجمل ~~والهودج وهزم ما يليه، فاقتتل الناس ذلك اليوم قتالا شديدا حتى كانت ~~الواقعة والضرب على الركب # PageV01P071 # وحمل الأشتر النخعي وهو يريد عائشة، فلقيه عبد الله بن الزبير، فضربه، ~~واعتنقه عبد الله فصرعه، وقعد على صدره، ثم نادى عبد الله: اقتلوني ومالكا ~~(1). فلم يدر الناس من مالك فانفلت الأشتر منه، فلما رأى كعب بن سور ~~الهزيمة، أخذ بخطام البعير، ونادى: أيها الناس، الله الله. فقاتل وقاتل ~~الناس معه، وعطفت الأزد على الهودج، وأقبل علي وعمار والأشتر والأنصار معهم ~~يريدون الجمل فاقتتل القوم حوله، حتى حال بينهم الليل، وكانوا كذلك يروحون ~~ويغدون على القتال سبعة أيام، وإن عليا خرج إليهم بعد سبعة أيام فهزمهم، ~~فلما رأى طلحة ذلك رفع يديه إلى السماء. وقال: اللهم إن كنا قد داهنا في ~~أمر عثمان وظلمناه فخذ له اليوم منا حتى ترضى، قال فما مضى كلامه حتى ضربه ~~مروان ضربة أتى منها على نفسه، فخر وثبتت عائشة، وحماها مروان في عصابة من ~~قيس ومن كنانة وبني أسد، فأحدق بهم علي بن أبي طالب، ومال الناس إلى علي، ~~وكلما وثب رجل يريد الجمل ضربه مروان بالسيف، وقطع يده، حتى قطع نحو عشرين ~~يدا من أهل المدينة والحجاز والكوفة، حتى أتي مروان من خلفه، فضرب ضربة ~~فوقع، وعرقب الجمل الذي عليه عائشة. وانهزم الناس، وأسرت عائشة، وأسر مروان ~~بن الحكم وعمرو بن عثمان، وموسى بن طلحة، وعمرو بن سعيد بن العاص، فقال ~~عمار لعلي: يا أمير المؤمنين، اقتل هؤلاء الأسرى. فقال علي: لا أقتل أسير ~~أهل القبلة إذا رجع ونزع. فدعا علي بموسى بن طلحة، فقال الناس: هذا أول ~~قتيل يقتل، فلما أتي به علي قال: تبايع وتدخل فيما دخل فيه الناس؟ قال: ~~نعم. فبايع وبايع الجميع وخلى سبيلهم، وسأل ms080 الناس عليا ما كان عرض عليهم ~~قبل ذلك فأعطاه، ثم أمر المنادي فنادى: # لا يقتلن مدبر، ولا يجهز على جريح، ولكم ما في عسكرهم وعلى نسائهم العدة، ~~وما كان لهم من مال في أهليهم فهو ميراث على فرائض الله. فقام رجل فقال: يا ~~أمير المؤمنين، كيف تحل لنا أموالهم، ولا تحل لنا نساؤهم ولا أبناؤهم؟ ~~فقال: لا يحل ذلك لكم. فلما أكثروا عليه في ذلك: قال اقترعوا، هاتوا ~~بسهامكم ثم قال: أيكم يأخذ أمكم عائشة في سهمه؟ فقالوا نستغفر الله. # فقال: وأنا استغفر الله. قال: ثم إن عليا مر بالقتلى، فنظر إلى محمد بن ~~طلحة وهو صريع في القتلى، وكان يسمى السجاد، لما بين عينيه من أثر السجود. ~~فقال: رحمك الله يا محمد، لقد كنت في العبادة مجتهدا آناء الليل قواما، وفي ~~الحرور صواما، ثم التفت إلى من حوله فقال: هذا رجل قتله بر أبيه فاختلفوا ~~في طلحة وابنه محمد أيهما قتل قبل؟ فشهدت عائشة # PageV01P072 # لمحمد أنها رأته بعد قتل أبيه، فورثوا ولده في مال طلحة. قال: وأتى محمد ~~بن أبي بكر، فدخل على أخته عائشة رضي الله عنها، قال لها: أما سمعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: # علي مع الحق، والحق مع علي؟ ثم خرجت تقاتلينه بدم عثمان، ثم دخل عليهما ~~علي فسلم وقال: # يا صاحبة الهودج، قد أمرك الله أن تقعدي في بيتك، ثم خرجت تقاتلين. ~~أترتحلين؟ قالت أرتحل. فبعث معها علي رضي الله عنه أربعين امرأة، وأمرهن أن ~~يلبسن العمائم، ويتقلدن السيوف، وأن يكن من الذين يلينها، ولا تطلع على ~~أنهن نساء، فجعلت عائشة تقول في الطريق فعل الله في ابن أبي طالب وفعل، بعث ~~معي الرجال، فلما قدمن المدينة وضعن العمائم والسيوف، ودخلن عليها. فقالت: ~~جزى الله ابن أبي طالب الجنة. قال: ودفن طلحة في ساحة البصرة، فأتى عائشة ~~في المنام. فقال: حوليني من مكاني، فإن البرد قد آذاني، فحولته. وقال عبد ~~الله ابن الزبير، أمسيت يوم الجمل وفي بضع وثلاثون بين ضربة وطعنة، ms081 وما ~~رأيت مثل يوم الجمل قط، ما ينهزم منا أحد ولا يأخذ أحد منا بخطام الجمل إلا ~~قتل أو قطعت يده، حتى ضاع الخطام من يد بني ضبة، فعقر الجمل. قال: دخل موسى ~~بن طلحة على علي، فقال له علي: إني لأرجو أن أكون أنا وأبوك ممن قال الله ~~فيهم " ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين " وأمسى علي ~~بالبصرة ذلك اليوم الذي أتاه فيه موسى بن طلحة، فقال ابن الكواء: # أمسيت بالبصرة يا أمير المؤمنين؟ فقال: كان عندي ابن أخي. قال: ومن هو؟ ~~قال: موسى ابن طلحة. فقال ابن الكواء، لقد شقينا إن كان ابن أخيك. فقال ~~علي: ويحك، إن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت ~~لكم. ثم قال ابن الكواء: يا أمير المؤمنين، من أخبرك بمسيرك هذا الذي سرت ~~فيه، تضرب الناس بعضهم ببعض، وتستولي بالأمر عليهم؟ أرأى رأيته حين تفرقت ~~الأمة، واختلفت الدعوة، فرأيت أنك أحق بهذا الأمر منهم لقرابتك؟ فإن كان ~~رأيا رأيته أجبناك فيه، وإن كان عهدا عهده إليك رسول الله فأنت الموثوق به، ~~المأمون على رسول الله فيما حدثت عنه. فقال علي: أنا أول من صدقه فلا أكون ~~أول من كذب عليه. أما أن يكون عندي عهد من رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~فلا والله، ولكن لما قتل الناس عثمان نظرت في أمري، فإذا الخليفتان اللذان ~~أخذاها من رسول الله قد هلكا ولا عهد لهما، وإذا الخليفة الذي أخذها بمشورة ~~المسلمين قد قتل، وخرجت ربقته من عنقي، لأنه قتل ولا عهد له، قال ابن ~~الكواء، صدقت وبررت، ولكن ما بال طلحة والزبير؟ ولم استحللت قتالهما وقد ~~شاركاك في الهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي الشورى مع عمرو بن ~~الخطاب؟ قال علي: بايعاني بالحجاز، ثم خالفاني بالعراق، فقاتلتهما على ~~خلافهما، ولو فعلا ذلك مع أبي بكر وعمرو لقاتلاهما. PageV01P073 # مبايعة أهل الشام معاوية بالخلافة قال: وذكروا أن النعمان بن بشير لما ~~قدم على ms082 معاوية بكتاب زوجة عثمان، تذكر فيه دخول القوم عليه، وما صنع محمد ~~بن أبي بكر من نتف لحيته، في كتاب قد رققت فيه وأبلغت، حتى إذا سمعه السامع ~~بكى حتى يتصدع قلبه، وبقميص عثمان مخضبا بالدم ممزقا، وعقدت شعر لحيته في ~~زر القميص. قال: فصعد المنبر معاوية بالشام، وجمع الناس، ونشر عليهم ~~القميص، وذكر ما صنعوا بعثمان، فبكى الناس وشهقوا، حتى كادت نفوسهم أن ~~تزهق، ثم دعاهم إلى الطلب بدمه، فقام إليه أهل الشام، فقالوا: هو ابن عمك، ~~وأنت وليه، ونحن الطالبون معك بدمه، فبايعوه أميرا عليهم، وكتب وبعث الرسل ~~إلى كور (1) الشام، وكتب إلى شرحبيل بن السمط الكندي وهو بحمص، يأمره أن ~~يبايع له بحمص كما بايع أهل الشام، فلما قرأ شرحبيل كتاب معاوية دعا أناسا ~~من أشراف أهل حمص، فقال لهم: ليس من قتل عثمان بأعظم جرما ممن يبايع ~~لمعاوية أميرا، وهذه سقطة، ولكنا نبايع له بالخلافة، ولا نطلب بدم عثمان مع ~~غير خليفة. فبايع لمعاوية بالخلافة هو وأهل حمص، ثم كتب إلى معاوية: # أما بعد: فإنك أخطأت خطأ عظيما، حين كتبت إلى أن أبايع لك بالإمرة، وأنك ~~تريد أن تطلب بدم الخليفة المظلوم وأنت غير خليفة، وقد بايعت ومن قبلي لك ~~بالخلافة. فلما قرأ معاوية كتابه سره ذلك، ودعا الناس، وصعد المنبر، ~~وأخبرهم بما قال شرحبيل، ودعاهم إلى بيعته بالخلافة، فأجابوه، ولم يختلف ~~منهم أحد، فلما بايع القوم له بالخلافة، واستقام له الأمر، كتب إلى علي: # كتاب معاوية إلى علي سلام الله على من اتبع الهدى. أما بعد، فإنا كنا نحن ~~وإياكم يدا جامعة، وألفة أليفة، حتى طمعت يا بن أبي طالب فتغيرت، وأصبحت ~~تعد نفسك قويا على من عاداك. بطعام أهل الحجاز، وأوباش أهل العراق وحمقى ~~الفسطاط (2) وغوغاء السواد وأيم الله لينجلين عنك حمقاها، ولينقشعن عنك ~~غوغاؤها انقشاع السحاب عن السماء. قتلت عثمان بن عفان، ورقيت سلما أطلعك ~~الله عليه مطلع سوء عليك لا لك. وقتلت الزبير وطلحة، وشردت بأمك عائشة، ~~ونزلت بين المصريين (3) فمنيت وتمنيت، ms083 وخيل لك أن الدنيا قد سخرت لك بخيلها ~~ورجلها # PageV01P074 # وإنما تعرف أمنيتك لو قد زرتك في المهاجرين من أهل الشام بقية الإسلام، ~~فيحيطون بك من ورائك، ثم يقضي الله علمه فيك، والسلام على أولياء الله. # رد الإمام علي على معاوية فأجابه علي: أما بعد، فقدر الأمور تقدير من ~~ينظر لنفسه دون جند، ولا يشتغل بالهزل من قوله، فلعمري لئن كانت قوتي بأهل ~~العراق، أوثق عندي من قوتي بالله ومعرفتي به فليس عنده بالله تعالى يقين من ~~كان على هذا، فناج نفسك مناجاة من يستغني بالجد دون الهزل، فإن في القول ~~سعة، ولن يعذر مثلك فيما طمح إليه الرجال. وأما ما ذكرت من أنا كنا وإياكم ~~يدا جامعة فكنا كما ذكرت، ففرق بيننا وبينكم أن الله بعث رسوله منا، فآمنا ~~به وكفرتم، ثم زعمت أني قتلت طلحة والزبير، فذلك أمر غبت عنه ولم تحضره، ~~ولو حضرته لعلمته، فلا عليك، ولا العذر فيه إليك، وزعمت أنك زائري في ~~المهاجرين، وقد انقطعت الهجرة حين أسر أخوك، فإن يك فيك عجل فاسترقه (1) ~~وإن أزرك فجدير أن يكون الله بعثني عليك للنقمة منك، والسلام. # قدوم عقيل بن أبي طالب على معاوية قال: وذكروا أن عقيل بن أبي طالب قدم ~~على أخيه علي بالكوفة، فقال له علي: مرحبا بك وأهلا. ما أقدمك يا أخي: قال: ~~تأخر العطاء عنا: وغلاء السعر ببلدنا، وركبني دين عظيم، فجئت لتصلني. فقال ~~علي: والله ما لي مما ترى شيئا إلا عطائي، فإذا خرج فهو لك. فقال عقيل: # وإنما شخوصي من الحجاز إليك من أجل عطائك؟ وماذا يبلغ مني عطاؤك؟ وما ~~يدفع من حاجتي؟ # فقال علي: فمه! هل تعلم لي مالا غيره؟ أم تريد أن يحرقني الله في نار ~~جهنم في صلتك بأموال المسلمين؟ # فقال عقيل: والله لأخرجن إلى رجل هو أوصل لي منك: " يريد معاوية "، فقال ~~له علي: راشدا مهديا. فخرج عقيل! حتى أتى معاوية. فلما قدم عليه، قال له ~~معاوية: مرحبا وأهلا بك يا بن أبي طالب. # ما أقدمك علي؟ ms084 فقال: قدمت عليك لدين عظيم ركبني، فخرجت إلى أخي ليصلني، ~~فزعم أنه ليس له مما يلي إلا عطاؤه، فلم يقع ذلك مني موقعا، ولم يسد مني ~~مسدا، فأخبرته أني سأخرج إلى رجل هو أوصل منه لي، فجئتك. فازداد معاوية فيه ~~رغبة، وقال: يا أهل الشام هذا سيد قريش، وابن سيدها، عرف الذي فيه أخوه من ~~الغواية والضلالة، فأثاب إلى أهل الدعاء إلى # PageV01P075 # الحق، ولكني أزعم أن جميع ما تحت يدي لي، فما أعطيت فقربة إلى الله، وما ~~أمسكت فلا جناح علي فيه فأغضب كلامه عقيلا لما سمعه ينتقص أخاه، فقال صدقت ~~خرجت من عند أخي علي هذا القول: وقد عرفت من في عسكره، لم أفقد والله رجلا ~~من المهاجرين والأنصار، ولا والله ما رأيت في عسكر معاوية رجلا من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم. فقال معاوية عند ذلك: # يا أهل الشام، أعظم الناس من قريش عليكم حقا ابن عم النبي صلى الله عليه ~~وسلم. وسيد قريش: # وها هو ذا تبرأ إلى الله مما عمل به أخوه. قال: وأمر له معاوية بثلاث مئة ~~ألف دينار، قال له: # هذه مئة ألف تقضي بها ديونك، ومئة ألف تصل بها رحمك، ومئة ألف توسع بها ~~على نفسك. # نعي عثمان بن عفان إلى معاوية قال عبد الله بن مسلم: وذكر ابن عفير، عن ~~عون بن عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، قال: قدم الحجاج بن خزيمة الشام ~~بكتاب معاوية: بعد قتل عثمان بأيام، فقال له: أتعرفني؟ # قال: نعم. أنت الحجاج بن خزيمة.. فما وراءك؟ فقال الحجاج: أنا النذير ~~العريان. أنعى إليك أمير المؤمنين عثمان. ثم قال: إني كنت ممن خرج معينا ~~لعثمان مع يزيد بن أسد، فتقدمت إلى الربذة فلقينا بها رجلا حدثنا عن قتل ~~عثمان، وزعم أنه ممن قتله. فقتلناه. وإني أخبرك يا معاوية أنك تقوى على علي ~~بدون ما يقوى به عليك، لأن من معك لا يقولون إذا قلت. # ولا يسألون إذا أمرت، ولأن من مع علي يقولون إذا قال: ويسألون إذا ms085 أمر، ~~فقليل ممن معك خير من كثير ممن معه. واعلم أن عليا لا يرضيه إلا الرضى، وإن ~~رضاه يسخطك، ولست وعلي بالسواء، لا يرضى علي بالعراق دون الشام، ورضاؤك ~~بالشام دون العراق. # قال: وذكروا أنه لما فرغ من وقعة الجمل بايع له القوم جميعا، وبايع له ~~أهل العراق، واستقام له الأمر بها فكتب إلى معاوية: أما بعد، فإن القضاء ~~السابق، والقدر النافذ، ينزل من السماء كقطر المطر، فتمضى أحكامه عز وجل، ~~وتنفذ مشيئته بغير تحاب المخلوقين، ولا رضا الآدميين، وقد بلغك ما كان من ~~قتل عثمان رحمه الله، وبيعة الناس عامة إياي، ومصارع الناكثين لي فادخل ~~فيما دخل الناس فيه، وإلا فأنا الذي عرفت، وحولي من تعلمه، والسلام. # فلما قدم على معاوية كتاب علي مع الحجاج بن عدي الأنصاري، ألفاه وهو يخطب ~~الناس بدمشق، فلما قرأه أغتم بذلك، وأسره عن أهل الشام، ثم قام الحجاج بن ~~عدي خطيبا، فحمد الله وأثني عليه، ثم قال: يا أهل الشام، إن أمر عثمان أشكل ~~على من حضره، المخبز عنه كالأعمى، PageV01P076 # والسميع كالأصم، عابه قوم فقتلوه، وغدره قوم فلم ينصروه، فكذبوا الغائب ~~واتهموا الشاهد وقد بايع الناس عليا على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بيعة عامة، من رغب عنها رد إليها صاغرا داحرا، فانظروا في ثلاث وثلاث، ثم ~~اقضوا على أنفسكم: أين الشام من الحجاز؟ وأين معاوية من علي؟ وأين أنتم من ~~المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بالاحسان؟ قال: فغضب معاوية لقوله وقال: ~~يا حجاج، أنت صاحب زيد بن ثابت يوم الدار؟ قال نعم، فإن كان بلغك وإلا ~~أحدثك، قال: هات. قال: أشرف علينا زيد بن ثابت، وكان مع عثمان في الدار، ~~وقال: يا معشر الأنصار، انصروا الله (مرتين)، فقلت: يا زيد، إنا نكره أن ~~نلقى الله فنقول كما قال القوم: " ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا ~~السبيلا -، فقال معاوية: انصرف إلى علي، وأعلمه أن رسولي على إثرك. # ثم إن معاوية انتخب رجلا من عبس، وكان له لسان، فكتب معاوية إلى علي ~~كتابا ms086 عنوانه: # " من معاوية إلى علي، وداخله: بسم الله الرحمن الرحيم لا غير ". فلما قدم ~~الرسول دفع الكتاب إلى علي، فعرف علي ما فيه، وأن معاوية محارب له، وأنه لا ~~يجيبه إلى شئ مما يريد، وقام رسول معاوية خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: هل ها هنا أحد من أبناء قيس عيلان، وبني عبس وذبيان؟ قالوا: نعم، هم ~~حولك، قال: فاسمعوا ما أقول لكم، يا معشر قيس، إني أحلف بالله لقد خلفت ~~بالشام خمسين ألف شيخ، خاضبين لحاهم من دموع أعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه ~~على الرماح مخصوبا بدمائه، قد أعطوا الله عهدا أن لا يغمدوا سيوفهم، ولا ~~يغمضوا جفونهم، حتى يقتلوا قتلة عثمان، يوصى به الميت الحي، ويرثه الحي من ~~الميت، حتى والله نشأ عليه الصبي، وهاجر عليه الأعرابي، وترك القوم تعس ~~الشيطان، وقالوا: تعسا لقتلة عثمان، وأحلف بالله ليأتينكم من خضر (1) الخيل ~~اثنا عشر ألفا، فانظروا كم الشهب (2) وغيرها؟ فقال له علي: ما يريدون بذلك؟ ~~قال: يريدون بذلك والله خبط رقبتك. فقال علي: # تربت يداك، وكذب فوك، أما والله لو أن رسولا قتل لقتلتك. فقام الصلت بن ~~زفر فقال: # بئس وافد أهل الشام أنت ورائد أهل العراق، ونعم العون لعلي، وبئس العون ~~لمعاوية، يا أخا عبس أتخوف المهاجرين والأنصار بخضر الخيل، وغضب الرجال؟ ~~أما والله ما نخاف غضب رجالك، ولا خضر خيلك، فأما بكاء أهل الشام على قميص ~~عثمان، فوالله ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب، ولئن بكوا عليه بالشام، ~~لقد خذلوه بالحجاز، وأما قتالهم عليا، فإن الله # PageV01P077 # يصنع في ذلك ما أحب. قال: وإن العبسي أقام بالعراق عند علي، حتى اتهمه ~~معاوية، ولقيه المهاجرون والأنصار فأشربوه حب علي، وحدثوه عن فضائله، حتى ~~شك في أمره. # قدوم ابن عم عدي بن حاتم الشام قال: وذكروا أن عدي بن حاتم قدم إلى علي ~~بالكوفة، قبل أن يسير إلى البصرة، فقال: يا أمير المؤمنين، لسنا نخاف أحدا ~~إلا معاوية، وعندي رجل من قومي يريد أن يزور ابن عم له ms087 بالشام، يقال له ~~حابس بن سعد، فلو أمرناه أن يلقى معاوية لعله أن يكسره ويكسر أهل الشام؟ ~~فقال له علي: افعل، فأغروه بذلك، فلما قدم على ابن عمه، وكان سيد طيئ ~~بالشام، سأله فأخبره أنه شهد قتل عثمان بالمدينة المنورة، وسار مع علي إلى ~~الكوفة، وكان له لسان وهيبة، فغدا به حابس إلى معاوية، فقال: هذا ابن عمي، ~~قدم من الكوفة، وكان مع علي، وشهد قتل عثمان بالمدينة، وهو ثقة، فقال له ~~معاوية: حدثنا عن أمر عثمان، قال: نعم وليه محمد بن أبي بكر، وعمار بن ~~ياسر، وتجرد في أمره ثلاثة نفر، عدي بن حاتم، والأشتر النخعي، وعمرو بن ~~الحصين. ودب في أمره رجلان: طلحة والزبير. وأبرأ الناس منه علي بن أبي ~~طالب، ثم تهافت الناس على علي بالبيعة تهافت الفراش، حتى ضلت النعل (1)، ~~وسقط الرداء، ووطئ الشيخ. ولم يذكر عثمان، ولم يذكروه، ثم تهيأ للمسير، فخف ~~معه المهاجرون والأنصار، وكره القتال معه ثلاثة نفر: عبد الله بن عمر، وسعد ~~بن أبي وقاص، ومحمد بن مسلمة، فلم يستكره أحدا، واستغنى بمن خف عمن ثقل، ثم ~~سار حتى انتهى إلى جبل طيئ، فأتاه منهم جماعة عظيمة، حتى إذا كان في بعض ~~الطريق أتاه مسير طلحة والزبير وعائشة إلى البصرة، فسرح رسله إلى الكوفة، ~~فأجابوا دعوته، ثم قدمها، فحملوا إليه الصبي ودبت إليه العجوز، وخرجت إليه ~~العروس، فرحا به وسرورا وشوقا إليه، ثم سار إلى البصرة، فبرز إليه القوم: ~~طلحة والزبير وأصحابهما، فلم يلبثوا إلا يسيرا، حتى صرعهم الله، وأبرزهم ~~إلى مضاجعهم، ثم صارت البصرة وما حولها في كفة، قال: وتركته وليس له هم إلا ~~أنت والشام. فانكسر معاوية لقوله، وقال: والله ما أظنه إلا عينا لعلي، ~~أخرجوه لا يفسد أهل الشام. ثم قال معاوية: وكيف لا يضيع عثمان ويقتل وقد ~~خذله أهل ثقاته، وأجمعوا عليه؟ # أما والله لئن بقينا لهم لندرسنهم (2) درس الجمال هشيم اليبيس. # PageV01P078 # استعمال علي عبد الله بن عباس على البصرة قال: وذكروا أن عليا لما صار من ~~البصرة ms088 بعد فراغه من أصحاب الجمل، استعمل عليها عبد الله بن عباس، وقال له: ~~أوصيك بتقوى الله عز وجل، والعدل على من ولاك الله أمره، اتسع للناس بوجهك ~~وعلمك وحكمك، وإياك والإحن (1)، فإنها تميت القلب والحق، واعلم أن ما قربك ~~من الله بعدك من النار، وما قربك من النار بعدك من الله. اذكر الله كثيرا ~~ولا تكن من الغافلين. # فلم يلبث علي حين قدم الكوفة، وأراد المسير إلى الشام، أن انضم إليه ابن ~~عباس، واستعمل علي البصرة زياد بن أبي سفيان. # ما أشار به الأحنف بن قيس على علي قال: وذكروا أن الأحنف بن قيس قام إلى ~~علي فقال: يا أمير المؤمنين، إنه إن يك بنو سعد لم ينصروك يوم الجمل، فلن ~~ينصروا عليك غيرك، وقد عجبوا ممن نصرك يومئذ، وعجبوا اليوم ممن خذلك، لأنهم ~~شكوا في طلحة والزبير، ولم يشكوا في عمرو ومعاوية، وإن عشيرتنا بالبصرة فلو ~~بعثنا إليهم فقدموا علينا، فقاتلنا بهم العدو، وانتصفنا بهم من الناس، ~~وأدركوا اليوم ما فاتهم أمس، وهذا جمع قد حشره الله عليك بالتقوى، لم ~~نستكره شاخصا، ولم نشخص فيه مقيما، ومن كان معك نافعك، ورب مقيم خير من ~~شاخص. وإنما نشوب الرجاء بالمخافة، ووالله لوددنا أن أمواتنا رجعوا إلينا، ~~فاستعنا بهم على عدونا، وليس لك إلا من كان معك، ولنا من قومنا عدد، ولا ~~نلقى بهم عدوا أعدى من معاوية، ولا نسد بهم ثغرا أشد من الشام. # كتاب الأحنف إلى قومه يدعوهم به إلى نصرة علي قال: وذكروا أن عليا قال ~~للأحنف بن قيس: اكتب إلى قومك. قال: نعم. فكتب الأحنف إلى بني سعد: أما ~~بعد، فإنه لم يبق أحد من بني تميم إلا وقد شقوا برأي سيدهم غيركم، وعصمكم ~~الله برأيي، حتى نلتم ما رجوتم، وأمنتم مما خفتم، وأصبحتم منقطعين من أهل ~~البلاء، لاحقين بأهل العافية، وإني أخبركم أنا قدمنا على تميم بالكوفة، ~~فأخذوا علينا بفضلهم مرتين: # PageV01P079 # مسيرهم إلينا مع علي، وتهيئهم للمسير إلى الشام، ثم انحشرنا معهم، فصرنا ~~كأنا لا نعرف ms089 إلا بهم، فأقبلوا إلينا، ولا تتكلوا علينا، فإن لهم أعدادنا ~~من رؤسائهم فلا تبطئوا عنا، فإن من تأخير العطاء حرمانا، ومن تأخير النصر ~~خذلانا. فحرمان العطاء القلة، وخذلان النصر الابطاء. # ولا تنقضي الحقوق إلا بالرضا وقد يرضى المضطر بدون الأمل. # فلما انتهى كتاب الأحنف إلى بني سعد، ساروا بجماعتهم، حتى نزلوا الكوفة. # كتاب أهل العراق إلى مصقلة (1) قال: وذكروا أنه قام إلى علي بعد انصرافه ~~من البصرة إلى الكوفة، وجوه بكر بن وائل، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن ~~نعيما أخا مصقلة يستحي منك، لما صنع مصقلة، وقد أتانا اليقين أنه لا يمنع ~~مصقلة من الرجوع إليك إلا الحياء، ولم يبسط منذ فارقنا لسانه ولا يده، فلو ~~كتبنا إليه كتابا، وبعثنا من قبلنا رسولا، فإنا نستحي أن يكون فارقنا مثل ~~مصقلة من أهل العراق إلى معاوية. # فقال علي: اكتبوا. فكتبوا: أما بعد، فقد علما أنك لم تلحق بمعاوية رضا ~~بدينه، ولا رغبة في دنياه، ولم يعطفك عن علي طعن فيه، ولا رغبة عنه، ولكن ~~توسطت أمرا فقويت فيه الظن، وأضعفت فيه الرجاء، فكان أولاهما عندك أن قلت: ~~أفوز بالمال، وألحق بمعاوية. # ولعمرنا ما استبدلت الشام بالعراق، ولا السكاسك (2) بربيعة، ولا معاوية ~~بعلي، ولا أصبت دنيا تهنأ بها، ولا حظا تحسد عليه، وإن أقرب ما تكون مع ~~الله، أبعد ما تكون مع معاوية، فارجع إلى مصرك، فقد اغتفر أمير المؤمنين ~~الذنب، واحتمل الثقل، واعلم أن رجعتك اليوم خير منها غدا، وكانت أمس خيرا ~~منها اليوم، وإن كان عليك حياء من أبي الحسن، فما أنت فيه أعظم، فقبح الله ~~أمرا ليس فيه دنيا ولا آخرة. فلما انتهى كتابهم إلى مصقلة، وكان لرسولهم ~~عقل ولسان، قال الرسول: يا مصقلة، أنظر فيما خرجت منه، وفيما صرت إليه، ~~وانظر من أخذت، ومن تركت، وانظر من جاورت، ومن زايلت، ثم اقض بعقلك دون ~~هواك. قال: # وإن مصقلة مضى إلى معاوية بالكتاب، فأقرأه إياه، فقال معاوية: يا مصقلة ~~إنك عندي غير ظنين، فإذا أتاك شئ فاستره عني، فانصرف ms090 مصقلة إلى منزله، فدعا ~~الرسول فقال: يا أخا بكر، إنما هربت بنفسي من علي، ولا والله ما يطول لساني ~~بغيبته، ولا قلت فيه قط حرفا بسوء، اذهب بكتابي هذا إلى قومي. # PageV01P080 # جواب مصقلة إلى قومه قال: وذكروا أن مصقلة كتب إلى قومه: أما بعد، فقد ~~جاءني كتابكم، وإني أخبركم أنه من لم ينفعه القليل لم ينفعه الكثير، وقد ~~علمتم الأمر الذي قطعني من علي، وأضافني إلى معاوية، وقد علمت أني لو رجعت ~~إلى علي وإليكم لكان ذنبي مغفورا، ولكني أذنبت إلى علي، وصحبت معاوية، فلو ~~رجعت إلى علي أحدثت عيبا، وأحييت عارا، وكنت بين لائمين، أولهما خيانة، ~~وآخرهما غدر، ولكني أقيم بالشام، فإن غلب معاوية فداري العراق، وإن غلب علي ~~فداري أرض الروم. فأما الهوى فإليكم طائر، وكانت فرقتي عليا على بعض العذر ~~أحب إلى من فرقتي معاوية ولا عذر لي. ثم قال للرسول: يا بن أخي، استعرض ~~الناس عن قولي في علي. فقال: قد سألت، فقالوا خيرا. قال: فإني والله عليه ~~حتى أموت. فرجع الرسول بالكتاب، فأقرأه عليا، فقال: كفوا عن صاحبكم، فليس ~~براجع حتى يموت. فقال حصين: أما والله ما به إلا الحياء. # لحوق عبد الله بن عامر بالشام قال: وذكروا أن عبد الله بن عامر لحق ~~بالشام، ولم يأت معاوية، وخاف يوما كيوم الجمل، فبعث إليه معاوية أن يأتيه، ~~وألح عليه. فكتب ابن عامر: أما بعد، فإني أخبرك أني أقحمت طلحة والزبير إلى ~~البصرة، وأنا أقول إذا رأى الناس أم المؤمنين مالوا إليها، وإن فر الناس لم ~~يفر الزبير، وإن غدر الناس لم يغدر مروان، فغضبت عائشة، ورجع الزبير، وقتل ~~مروان طلحة، وذهب مالي بما فيه، والناس أشباه، واليوم كأمس، فإن أتبعتني ~~هواي، وإلا أرتحل عنك والسلام. فكتب معاوية إليه: أما بعد، فإنك قلدت أمر ~~دينك قتلة عثمان، وأنفقت مالك لعبد الله بن الزبير، وآثرت العراق على ~~الشام، فأخرجك الله من الحرب صفر اليدين، ليس لك حظ الحق، ولا ثأر القتيل. ~~فلما انتهى كتابه إلى ابن عامر ms091 أتاه، فغمس يده معه، وبايعه، فلاطفه معاوية، ~~وعرف له قرابته من عثمان. # ما أشار به عمار بن ياسر على علي قال: وذكروا أن عمار بن ياسر قام إلى ~~علي، فقال: يا أمير المؤمنين، إنما بايعناك ولا نرى أحدا يقاتلك، فقاتلك من ~~بايعك، وأعطاك الله فيهم ما وعد في قوله عز وجل: " ثم بغى عليه لينصرنه ~~الله "، وقوله: " يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم "، وقوله: " فمن نكث ~~فإنما ينكث على نفسه "، وقد كانت الكوفة لنا، والبصرة علينا، فأصبحنا على ~~ما تحب، بين ماض مأجور، وراجع معذور، وإن بالشام الداء العضال: رجلا لا ~~يسلمها أبدا إلا مقتولا أو مغلوبا، فعاجله قبل أن يعاجلك، وانبذ إليه قبل ~~الحرب. PageV01P081 # ما أشار به الأشتر على علي قال: وذكروا أن الأشتر النخعي قام إلى علي، ~~فقال: يا أمير المؤمنين، إنما لنا أن نقول قبل أن تقول، فإذا عزمت فلم نقل، ~~فلو سرت بنا إلى الشام بهذا الحد والجد، لم يلقوك بمثله، فإن القلوب اليوم ~~سليمة، والأبصار صحيحة، فبادر بالقلوب القسوة، وبالإبصار العمى. # كتاب علي إلى جرير بن عبد الله قال: وذكروا أن عليا كتب إلى جرير بن عبد ~~الله، وكان على ثغر همذان، كان استعمله عليه عثمان، فكتب علي إليه مع زفر ~~بن قيس: أما بعد، فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم، وإذا ~~أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له، وما لهم من دونه من وال. ثم إني أخبرك عنا ~~وعمن سرنا إليهم، من جمع طلحة والزبير، عند نكثهما ببيعتهما، وما صنعا ~~بعاملي عثمان ابن حنيف: إني هبطت من المدينة بالمهاجرين والأنصار، حتى إذا ~~كنت ببعض الطريق، بعثت إلى الكوفة الحسن ابني، وعبد الله بن العباس ابن ~~عمي، وعمار بن ياسر. وقيس بن سعد بن عبادة، فاستنفرتهم بحق الله ورسوله ~~فأجابوا، وسرت بهم. حتى نزلت بظهر البصرة، فأعذرت في الدعاء، وأقلت في ~~العثرة، وناشدتهم عقد بيعتهم، فأبوا إلا قتالي، فاستعنت الله عليهم، فقتل ~~من قتل، وولوا مدبرين إلى مصرهم، فسألوني ما ms092 كنت دعوتهم إليه قبل اللقاء، ~~فقبلت العافية، ورفعت عنهم السيف، واستعملت عليهم عبد الله بن عباس، وبعثت ~~إليك زفر ابن قيس، فاسأله عنا وعنهم. # خطبة زفر بن قيس قال: وذكروا أنه لما قدم زفر على جرير بكتاب علي، وقرأه ~~جرير، قام زفر خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إن عليا ~~كتب إليكم بكتاب لا يقول بعده إلا رجيعا من القول، إن الناس بايعوا عليا ~~بالمدينة غير محاباة ببيعتهم، لعلمه بكتاب الله، ويرى الحق فيه، وإن طلحة ~~والزبير نقضا بيعة علي على غير حدث، ثم لم يرضيا حتى نصبا له الحرب، وألبا ~~عليه الناس. وأخرجا أم المؤمنين عائشة من حجاب ضربه الله ورسوله صلى الله ~~عليه وسلم عليها، فلقيهما فأعذر في الدعاء، وخشي البغي، وحمل الناس على ما ~~يعرفون، فهذا عيان ما غاب عنكم. وإن سألتم الزيادة زدناكم. # خطبة جرير بن عبد الله البجلي قال: وذكروا أن جرير بن عبد الله قام ~~خطيبا. فحمد الله. فقال: أيها الناس. هذا كتاب أمير المؤمنين علي بن أبي ~~طالب. وهو المأمون على الدين والدنيا. وكان من أمره وأمر PageV01P082 # عدوه ما قد سمعتم، فالحمد لله على أقضيته. وقد بايعه السابقون الأولون من ~~المهاجرين والأنصار والتابعون بإحسان، ولو جعل الله هذا الأمر شورى بين ~~المسلمين لكان علي أحق بها، ألا وإن البقاء في الجماعة، والفناء في الفرقة، ~~وعلي حاملكم على الحق ما استقمتم له، فإن ملتم أقام ميلكم، قال الناس: سمعا ~~وطاعة، ورضانا رضا من بعدنا. # كتاب علي إلى الأشعث بن قيس قال: وذكروا أن عليا كتب إلى الأشعث بن قيس ~~مع زياد بن كعب. والأشعث يومئذ بآذربيجان عاملا لعثمان، كان استعمله عليها: ~~أما بعد، فلولا هنات كن فيك كنت المقدم في هذا الأمر قبل الناس، فلعل أمرا ~~يحمل بعضه بعضا إن اتقيت الله، وقد كان من بيعة الناس إياي ما قد بلغك، ~~وكان طلحة والزبير أول من بايعني، ثم نقضا بيعتي على غير حدث، وأخرجا أم ~~المؤمنين إلى البصرة، فسرت إليهما في ms093 المهاجرين والأنصار، فالتقينا، ~~فدعوتهما إلى أن يرجعا إلى ما خرجا منه، فأبيا. فأبلغت في الدعاء، وأحسنت ~~في البقاء، وإن عملك ليس لك بطعمة، ولكنه أمانة في عنقك، والمال مال الله، ~~وأنت من خزاني عليه حتى تسلمه إلي إن شاء الله، وعلى أن لا أكون شر ولاتك. # خطبة زياد بن كعب قال: وذكروا أن الأشعث بن قيس لما قرأ كتاب علي، قام ~~زياد بن كعب خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنه من لم ~~يكفه القليل لم يكفه الكثير، وإن أمر عثمان لم ينفع فيه العيان، ولم يشف ~~منه الخبر، غير أن من سمعه كمن عاينه، وإن المهاجرين والأنصار بايعوا عليا ~~راضين به، وإن طلحة والزبير نقضا بيعة علي، على غير حدث، وأخرجا أم ~~المؤمنين على غير رضى، فسار إليهم، ولم ينلهم، فتركهم وما في نفسه منهم ~~حاجة، فأورثه الله الأرض، وجعل له عاقبة المتقين. # خطبة الأشعث بن قيس قال: فقام الأشعث بن قيس خطيبا، فقال: أيها الناس، إن ~~عثمان رحمه الله ولاني أذربيجان، وهلك وهي في يدي، وقد بايع الناس عليا، ~~وطاعتنا له لازمة، وقد كان من أمره وأمر عدوه ما قد بلغكم، وهو المأمون على ~~ما غاب عنا وعنكم من ذلك. # مشورة الأشعث ثقاته في اللحوق بمعاوية إلى الشام قال: وذكروا أن الأشعث ~~رجع إلى منزله، فدعا أهل ثقته من أصحابه، فقال لهم: إن PageV01P083 # كتاب علي جاءني، وقد أوحشني، وهو آخذي بمال أذربيجان وأنا لاحق بمعاوية، ~~فقال القوم: # الموت خير لك من ذلك، أتدع مصرك وجماعة قومك، وتكون ذنبا لأهل الشام؟. # كتاب جرير إلى الأشعث قال: وذكروا أن جريرا كتب إلى الأشعث: أما بعد. ~~فإنه أتتني بيعة علي فقبلتها. ولم أجد إلى دفعها سبيلا، وإني نظرت فيما غاب ~~عني من أمر عثمان، فلم أجده يلزمني، وقد شهده المهاجرون والأنصار، فكان ~~أوثق أمرهم فيه الوقوف، فاقبل بيعته، فإنك لا تلتفت إلى خير منه. واعلم أن ~~بيعة علي خير من مصارع أهل البصرة. وقد تحلب الناقة الضجور (1). ويجلس ms094 ~~العود (2) على البعير الدبر. فانظر لنفسك. والسلام. # إرسال علي جريرا إلى معاوية قال: وذكروا أن جريرا لما قدم على علي قال ~~له: يا جرير. انطلق إلى معاوية بكتابي هذا، وكن عند ظني فيك، واعلم يا جرير ~~أنك ترى من حولي من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين ~~والبدريين والعقبيين (3). وإني اخترتك عليهم، لقول رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم: خير ذي يمن جرير، فاذهب إلى معاوية بكتابي هذا ورسالتي، فإن دخل فيما ~~دخل فيه المسلمون، وإلا فانبذ إليه بالحرب، وأعلمه أني لا أرضى به أميرا، ~~والعامة لا ترضى به واليا، فقال جرير: إني لأكره أن أمنعك معونتي، وما أطمع ~~لك في معاوية، ويصنع الله ما يشاء. # كتاب علي إلى معاوية مرة ثانية قال: وذكروا أن عليا كتب إلى معاوية مع ~~جرير: أما بعد، فإن بيعتي بالمدينة لزمتك وأنت بالشام، لأنه بايعني الذين ~~بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوا، فلم يكن للشاهد أن يختار، ولا ~~للغائب أن يرد، وإنما الشورى للمهاجرين والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل ~~فسموه إماما كان ذلك لله رضا، فإن خرج منهم خارج ردوه إلى ما خرج منه، فإن ~~أبى قاتلوه على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وأولاه الله ما تولى، وأصلاه ~~جهنم. وساءت مصيرا. وإن طلحة # PageV01P084 # والزبير بايعاني بالمدينة، ثم نقضا بيعتهما، فكان نقضهما كردتهما، ~~فجاهدتهما بعدما أعذرت إليهما، حتى جاء الحق، وظهر أمر الله وهم كارهون، ~~فادخل فيما دخل فيه المسلمون، فإن أحب أمورك إلى العافية، فإن تتعرض للبلاء ~~قاتلتك، واستعنت بالله عليك، وقد أكثرت الكلام في قتلة عثمان، فادخل في ~~الطاعة، ثم حاكم القوم إلى أحملك وإياهم على كتاب الله، فأما تلك التي ~~تريدها فهي خدعة الصبي عن اللبن، ولعمري لئن نظرت بعقلك دون هواك، لتجدني ~~أبرأ الناس من دم عثمان، واعلم يا معاوية أنك من الطلقاء، الذين لا تحل لهم ~~الخلافة، ولا تعقد معهم الإمامة، ولا تعرض فيهم الشورى، وقد بعثت إليك وإلى ~~من قبلك جرير بن عبد الله، وهو ms095 من أهل الإيمان والهجرة السابقة، فبايع، ولا ~~قوة إلا بالله. # قدوم جرير إلى معاوية قال: وذكروا أن جريرا لما قدم على معاوية بكتاب ~~علي، قام جرير بالشام خطيبا، فقال: أيها الناس، إن أمر عثمان قد أعيا من ~~شهده، فما ظنكم بمن غاب عنه، وإن الناس بايعوا عليا، وإن طلحة والزبير كانا ~~ممن بايع، ثم نقضا بيعته، ألا وإن هذا الدين لا يحتمل الفتن، ألا وإن هذا ~~الدين لا يحتمل السيف. وقد كانت بالبصرة أمس روعة ملمة، إن يشفع البلاء ~~بمثلها فلا بقاء للناس، وقد بايعت العامة عليا، ولو ملكنا أمرنا لم نختر ~~لها غيره، فمن خالف هذا فقد استعتب (1) فادخل يا معاوية فيما دخل الناس ~~فيه، فإن قلت: إن عثمان ولاني ولم يعزلني، فإن هذا لو كان لم يقم لله دين، ~~وكان لكل امرئ ما هو فيه. # إشارة الناس على علي بالمقام بالكوفة قال: وذكروا أن عليا استشار الناس، ~~فأشاروا عليه بالمقام بالكوفة عامه ذلك، غير الأشتر النخعي، وعدي بن حاتم، ~~وشريح بن هانئ، فإنهم قاموا إلى علي، فتكلموا بلسان واحد، فقالوا: إن الذين ~~أشاروا عليك بالمقام، إنما خوفوك بحرب الشام، وليس في حربهم شئ أخوف من ~~الموت ونحن نريده. فقال لهم: إن استعدادي لحرب أهل الشام، وجرير عندهم ~~إغلاق للشام، وصرف لأهله عن خير إن أرادوه، ولكني قد وقت له وقتا لا يقيم ~~بعده إلا أن يكون مخدوعا أو عاصيا، ولا أكره لكم الإعداد، وأبطأ جرير على ~~علي بالشام حتى يئس منه، وإن جريرا لما أبطأ عليه معاوية برأيه، استحثه ~~بالبيعة، فقال معاوية لجرير: # PageV01P085 # يا جرير، إن البيعة ليست بخلسة، وإنه أمر له ما بعده. فأبلعني ريقي (1). # مشورة معاوية أهل ثقته قال: وذكروا أن معاوية دعا أهل ثقته فاستشارهم، ~~فقال عتبة بن أبي سفيان: استعن على هذا الأمر بعمرو بن العاص، فإنه من قد ~~عرف، وقد اعتزل عثمان في حياته، وهو لأمرك أشد اعتزالا إلا أن ترضيه. # كتاب معاوية إلى عمرو بن العاص قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى ms096 عمرو بن ~~العاص وهو بفلسطين: أما بعد، فقد كان من أمر علي وطلحة والزبير ما قد بلغك، ~~وقد سقط علينا مروان بن الحكم في رافضة من أهل البصرة، وقدم علي جرير بن ~~عبد الله في بيعة علي، وقد حبست نفسي عليك، فاقدم على بركة الله، والسلام. # ما سأل معاوية من علي من الإقرار بالشام ومصر قال: وذكروا أن معاوية قال ~~لجرير: إني قد رأيت رأيا. قال جرير: هات. قال: # أكتب إلى علي أن يجعل لي الشام ومصر جباية، فإن حضرته الوفاة لم يجعل ~~لأحد من بعده في عنقي بيعة، وأسلم إليه هذا الأمر، وأكتب إليه بالخلافة. ~~قال جرير: اكتب ما شئت. # وإنما أراد معاوية في طلبه الشام ومصر ألا يكون لعلي في عنقه بيعة، وأن ~~يخرج نفسه مما دخل فيه الناس، فكتب إلى علي يسأله ذلك، فلما أتى عليا كتاب ~~معاوية عرف أنها خدعة منه. # كتاب علي إلى جرير بن عبد الله قال: وذكروا أن عليا كتب إلى جرير: أما ~~بعد، فإن، معاوية إنما أراد بما طلب ألا يكون لي في عنقه بيعة، وأن يختار ~~من أمره ما أحب، وقد كان المغيرة بن شعبة أشار علي وأنا بالمدينة أن ~~أستعمله على الشام، فأبيت ذلك عليه، ولم يكن الله ليراني أتخذ المضلين ~~عضدا، فإن بايعك الرجل، وإلا فأقبل. # PageV01P086 # استشارة عمرو بن العاص ابنيه ومواليه قال: وذكروا أنه لما انتهى إلى عمرو ~~بن العاص كتاب معاوية وهو بفلسطين، استشار ابنيه عبد الله ومحمدا، وقال: يا ~~ابني، إنه قد كان مني في أمر عثمان فلتأت لم أستقبلها بعد، وقد كان من ~~هروبي بنفسي حين ظننت أنه مقتول ما قد احتمله معاوية عني، وقد قدم على ~~معاوية جرير ببيعة علي، وقد كتب إلي معاوية بالقدوم عليه، فما تريان؟ فقال ~~عبد الله وهو الأكبر: # أرى والله أن نبي الله قبض وهو عنك راض، والخليفتان من بعده كذلك. # وقتل عثمان وأنت غائب، فأقم في منزلك، فلست مجعولا خليفة، ولا تزيد على ~~أن تكون حاشية لمعاوية على ms097 دنيا قليلة، أوشكتما أن تهلكا فتستويا فيها ~~جميعا. وقال محمد: أرى أنك شيخ قريش، وصاحب أمرها، فإن ينصرم هذا الأمر ~~وأنت فيه غافل، يصغر أمرك، فالحق بجماعة أهل الشام، واطلب بدم عثمان، فإنك ~~به تستميل إلى بني أمية. فقال عمرو: أما أنت يا عبد الله فأمرتني بما هو ~~خير لي في ديني، أما أنت يا محمد فقد أمرتني بما هو خير لي في دنياي. ثم ~~دعا غلاما له يقال له وردان، وكان داهيا، فقال له عمرو: يا وردان ذ، يا ~~وردان ارحل، يا وردان احطط، يا وردان ارحل. فقال وردان: أما إنك إن شئت ~~نبأتك بما في نفسك، فقال عمرو: هات يا وردان، فقال: اعتركت الدنيا والآخرة ~~على قلبك، فقلت مع علي الآخرة بلا دنيا، ومع معاوية الدنيا بغير آخرة، فأنت ~~واقف بينهما. فقال عمرو: أخطأت ما في نفسي، فما ترى يا وردان؟ فقال: أرى أن ~~تقيم في منزلك، فإن ظهر أهل الدين عشت في عفو دينهم، وإن ظهر أهل الدنيا لم ~~يستغنوا عنك، فقال عمرو: # الآن حين شهرتني العرب بمسيري إلى معاوية؟ # قدوم عمرو إلى معاوية قال: وذكروا أن عمرو بن العاص لما قدم إلى معاوية، ~~وعرف حاجته إليه باعده من نفسه، وكايد كل واحد منهما صاحبه، فقال عمرو ~~لمعاوية: أعطني مصر، فتلكأ معاوية وقال: ألم تعلم أن مصر كالشام؟ قال: بلى ~~ولكنها إنما تكون لي إذا كانت لك، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا على العراق. ~~وقد بعث أهلها بطاعتهم إلى علي. فدخل عتبة بن أبي سفيان على معاوية، فقال: ~~أما ترضى أن تشتري عمرا بمصر إن هي صفت لك؟ ليتك لا تغلب على الشام. فلما ~~سمع معاوية قول عتبة بعث إلى عمرو، فأعطاه مصر، ولما كتب معاوية لعمرو ~~بمصر، كتب في أسفل الكتاب: ولا ينقض شرط طاعة. وكتب عمرو، ولا تنقض طاعة ~~PageV01P087 # شرطا، وكايد كل واحد منهما صاحبه، وكان مع عمرو بن العاص ابن أخ له، جاءه ~~من مصر، فلما جاء عمرو بالكتاب مسرورا به، عجب ابن ms098 أخيه من سروره، فقال: يا ~~عمرو ألا تخبرني بأي رأى تعيش في قريش وقد أعطيت دينك غيرك؟ أترى أهل مصر ~~وهم قتلة عثمان يدفعونها إلى معاوية وعلي حي؟ أو تراها إن صارت إلى معاوية ~~لا يأخذك بالجدل الذي قدمه؟ فقال عمرو: # يا بن أخي. إنه لأمر الله دون معاوية وعلي. يا بن أخي لو كنت مع علي ~~وسعني بيتي، ولكني مع معاوية. فقال: الفتى إنك لم ترد معاوية، ولكنك تريد ~~دنياه، ويريد دينك. فبلغ معاوية قول الفتى فطلبه فهرب، فلحق بعلي، وحدث ~~عليا بأمر معاوية وعمرو، وما قاله، فسر علي بذلك، وقربه. # مشورة معاوية عمرا رضي الله عنهما قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: يا ~~أبا عبد الله، طرقتني في ليلتي هذه ثلاثة أخبار، ليس لي فيها ورد ولا صدر، ~~منها أن ابن أبي حذيفة كسر سجن مصر، ومنها أن قيصر زحف بجماعة الروم ليغلب ~~على الشام، ومنها أن عليا قد تهيأ للمجئ إلينا، فما عندك؟ قال عمرو: كل هذا ~~عظيم: أما ابن أبي حذيفة فخرج في أشباهه من الناس، فإن تبعث إليه رجلا ~~يقتله، وإن يقتل فلا يضرك: وأما قيصر فأهد له من وصائف الروم ومن الذهب ~~والفضة، واطلب إليه الموادعة، تجده إليها سريعا: وأما علي فوالله إن له في ~~الحرب لحظا ما هو لأحد من الناس، وإنه لصاحب الأمر. قال معاوية: صدقت، ~~ولكني أقاتله على ما بأيدينا، ونلزمه دم عثمان: فقال عمرو: وا سوأتاه، إن ~~أحق الناس ألا يذكر عثمان لأنا ولأنت. قال معاوية: # ولم؟ فقال عمرو: أما أنت فخذلته ومعك أهل الشام، واستغاثك فأبطأت عليه، ~~وأما أنا فتركته عيانا، وهربت إلى فلسطين. قال معاوية: دعني من هذا، هلم ~~فبايعني. فقال عمرو: # لا والله لا أعطيك من ديني حتى آخذ من دنياك، قال معاوية: صدقت، سل تعط، ~~قال عمرو: # مصر طعمة. فغضب مروان بن الحكم، وقال: ما بالي لا أشترى، فقال معاوية: ~~اسكت يا بن عم، فإنما يشترى لك الرجال. فكتب معاوية لعمرو: مصر طعمة. # كتاب معاوية إلى ms099 أهل مكة والمدينة وجوابهما قال: وذكروا أن معاوية قال ~~لعمرو: إني أريد أن أكتب إلى أهل مكة والمدينة كتابا أذكر فيه قتل عثمان، ~~فإما أن ندرك به حاجتنا، أو نكفهم عن المسير. فقال له عمرو: # إلى من تكتب؟ قال: إلى ثلاثة نفر: رجل لعلى لا يريد غيره، ولا يزيده ~~كتابنا فيه إلا بصيرة، أو رجل يهوى عثمان، فلا يزيده على ما هو عليه، أو ~~رجل معتزل لا يريد القتال: PageV01P088 # قال عمرو: على ذلك؟ قال: نعم. قال: اكتب، فكتب إلى أهل مكة والمدينة: أما ~~بعد، فإنه مهما غاب عنا فإنه لم يفت علينا أن عليا قتل عثمان، والدليل على ~~ذلك أن قتلته عنده، وإنما نطلب بدمه حتى يدفع إلينا قتله، فنقتلهم بكتاب ~~الله تعالى، فإن دفعهم إلينا كففنا عنه، وجعلناها شورى بين المسلمين، على ~~ما جعلها عمر بن الخطاب، فأما الخلافة فلسنا نطلبها، فأعينونا يرحمكم الله، ~~وانهضوا من ناحيتكم. # جوابهما قال: وذكروا أنه لما قرأ عليهم كتابه اجتمع رأيهم على أن يسندوا ~~أمرهم إلى المسور بن مخرمة، فجاوب عنهم، فكتب إليه: أما بعد، فإنك أخطأت ~~خطأ عظيما، وأخطأت مواضع النصرة، وتناولتها من مكان بعيد، وما أنت والخلافة ~~يا معاوية، وأنت طليق (1)، وأبوك من الأحزاب (2). فكف عنا، فليس لك قبلنا ~~ولي ولا نصير. # كتاب معاوية إلى ابن عمر قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى ابن عمر كتابا ~~خاصا، دون كتابه إلى أهل المدينة: # أما بعد، فإنه لم يكن أحد من قريش أحب إلى أن يجتمع الناس عليه منك بعد ~~عثمان، فذكرت خذلك إياه، وطعنك على أنصاره، فتغيرت لك، وقد هون ذلك علي ~~خلافك على علي، وطعنك عليه، وردني إليك بعض ما كان منك، فأعنا يرحمك الله ~~على حق هذا الخليفة المظلوم، فإني لست أريد الإمارة عليك، ولكني أريدها لك، ~~فإن أبيت كانت شورى بين المسلمين. # جوابه فكتب إليه عبد الله بن عمر: أما بعد، فإن الرأي الذي أطمعك في هذا ~~هو الذي صيرك إلى ما صيرك. تركت عليا في المهاجرين والأنصار، وتركت ms100 طلحة ~~والزبير وعائشة، وأتبعك فيمن اتبعك؟! (3) وأما قولك إني طعنت على علي ~~فلعمري ما أنا كعلي في الإسلام والهجرة، # PageV01P089 # ومكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكن أحدث أمرا لم يكن إلينا ~~فيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم عهد، ففزعت إلى الوقوف، وقلت: إن كان ~~هذا فضلا تركته، وإن كان ضلالة فشر منه نجوت، فإغن عني نفسك. # كتاب معاوية إلى سعد بن أبي وقاص قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى سعد بن ~~أبي وقاص: أما بعد، فإن أحق الناس بنصرة عثمان أهل الشورى، والذين أثبتوا ~~حقه، واختاروه على غيره، وقد نصره طلحة والزبير، وهما شريكاك في الأمر ~~والشورى، ونظيراك في الإسلام، وخفت لذلك أم المؤمنين، فلا تكرهن ما رضوا، ~~ولا تردن ما قبلوا، فإنما نردها شورى بين المسلمين. # جواب سعد ابن أبي وقاص لمعاوية قال: وذكروا أن سعدا كتب إليه، أما بعد، ~~فإن أهل الشورى ليس منهم أحق بها من صاحبه، غير أن عليا كان من السابقة، ~~ولم يكن فينا ما فيه، فشاركنا في محاسننا، ولم نشاركه في محاسنه، وكان ~~أحقنا كلنا بالخلافة، ولكن مقادير الله تعالى التي صرفتها عنه، حيث شاء ~~لعلمه وقدره. وقد علمنا أنه أحق بها منا، ولكن لم يكن بد من الكلام في ذلك ~~والتشاجر، فدع ذا. وأما أمرك يا معاوية، فإنه أمر كرهنا أوله وآخره. وأما ~~طلحة والزبير فلو لزما بيوتهما لكان خيرا لهما. والله تعالى يغفر لعائشة أم ~~المؤمنين. # كتاب معاوية إلى محمد بن مسلمة الأنصاري وكان فارس الأنصاري رضي الله ~~عنهم، وذا النجدة فيهم: أما يعد، فإني لم أكتب إليك وأنا أرجو مبايعتك، ~~ولكني أذكرك النعمة التي خرجت منها، إنك كنت فارس الأنصار، وعدة المهاجرين، ~~فادعيت على رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرا لم تستطع فيه الامضاء، فهذا ~~أعنى، وعن قتال أهل الصلاة. فهلا نهيت أهل الصلاة عن قتل بعضهم بعضا؟ أو ~~ترى أن عثمان وأهل الدار ليسوا بمسلمين؟ وأما قومك الأنصار فقد عصوا الله ~~تعالى، وخذلوا عثمان، وسائلهم ms101 وسائلك الله تعالى عن الذي كان يوم القيامة. ~~PageV01P090 # جوابه قال: وذكروا أن محمد بن مسلمة كتب إليه: أما بعد، فقد اعتزل هذا ~~الأمر من ليس في يده من رسول الله صلى الله عليه وسلم مثل الذي في يدي، وقد ~~أخبرت بالذي هو كائن قبل أن يكون، فلما كان كسرت سيفي، ولزمت بيتي، واتهمت ~~الرأي على الدين، إذ لم يصح لي معروف آمر به، ولا منكر أنهى عنه، ولعمري يا ~~معاوية ما طلبت إلا الدنيا، ولا اتبعت إلا الهوى، ولئن كنت نصرت عثمان ~~ميتا، لقد خذلته حيا، ونحن ومن قبلنا من المهاجرين والأنصار أولى بالصواب. # قال: فلما أجاب القوم معاوية بما أجابوه، من الخلاف إلى ما دعاهم إليه ~~قال له عمرو: # كيف رأيت يا معاوية رأيي ورأيك، أخبرتك بالأمر قبل أن يقع، قال معاوية: ~~رجوت ما خفت. # كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنه قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى علي. ~~أما بعد، فلعمري لو بايعك القوم الذين بايعوك وأنت برئ من دم عثمان، كنت ~~كأبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ولكنك أغريت بعثمان المهاجرين، وخذلت ~~عنه الأنصار، فأطاعك الجاهل، وقوي بك الضعيف، وقد أبى أهل الشام إلا قتالك، ~~حتى تدفع إليهم قتلة عثمان، فإذا دفعتهم كانت شورى بين المسلمين، وقد كان ~~أهل الحجاز الحكام على الناس وفي أيديهم الحق، فلما تركوه صار الحق في أيدي ~~أهل الشام، ولعمري ما حجتك على أهل الشام كحجتك على أهل البصرة، ولا حجتك ~~على طلحة والزبير، لأن أهل البصرة بايعوك، ولم يبايعك أحد من أهل الشام، ~~وإن طلحة والزبير بايعاك ولم أبايعك. وأما فضلك الإسلام، وقرابتك من النبي ~~عليه الصلاة والسلام، فلعمري ما أدفعه ولا أنكره. # جواب علي إلى معاوية قالوا: فكتب إليه علي: أما بعد، فقد جاءني منك كتاب ~~امرئ ليس له بصر يهديه، ولا قائد يرشده، دعاه الهوى فأجابه، وقاده ~~فاستقاده. زعمت أنك إنما أفسد عليك بيعتي خطيئتي في عثمان، ولعمري ما كنت ~~إلا رجلا من المهاجرين، أوردت كما أوردوا وأصدرت ms102 كما أصدروا، وما كان الله ~~ليجمعهم على الضلال، ولا ليضربهم بالعمى، وما أمرت فليزمني خطيئة عثمان، ~~ولا قتلت فيلزمني قصاص القاتل. أما قولك إن أهل الشام هم الحكام على الناس، ~~فهات رجلا من قريش الشام يقبل في الشورى، أو تحل له الخلافة، فإن سميت كذبك ~~PageV01P091 # المهاجرون والأنصار، وإلا أتيتك به من قريش الحجاز. وأما قولك ندفع إليك ~~قتلة عثمان فما أنت وعثمان؟ إنما أنت رجل من بني أمية، وبنو عثمان أولى ~~بعثمان منك، فإن زعمت أنك أقوى على ذلك، فادخل في الطاعة، ثم حاكم القوم ~~إلي، وأما تمييزك بين الشام والبصرة وذكرك طلحة والزبير، فلعمري ما الأمر ~~إلا واحد، إنها بيعة عامة، لا ينثني عنها البصير، ولا يستأنف فيها الخيار، ~~وأما ولوعك بي في أمر عثمان، فوالله ما قلت ذلك عن حق العيان ولا عن يقين ~~الخبر، وأما فضلي في الإسلام، وقرابتي من رسول الله عليه الصلاة والسلام، ~~وشرفي في قريش، فلعمري لو استطعت دفعه لدفعته. # قدوم عبيد الله بن عمر على معاوية قال: وذكروا أن عبيد الله بن عمر قدم ~~على معاوية الشام، فسر به سرورا شديدا وسر به أهل الشام، وكان أشد قريش ~~سرورا به عمرو بن العاص فقال معاوية لعمرو: ما منع عبد الله أن يكون كعبيد ~~الله؟ فضحك عمرو، وقال: شبهت غير شبيه، إنما أتاك عبيد الله مخافة أن يقتله ~~علي بقتله الهرمزان، ورأى عبد الله ألا يكون عليك ولا لك، ولو كان معك ~~لنفعك أو عليك لضرك. # تعبئة معاوية أهل الشام لقتال علي قال: وذكروا أن معاوية بعث إلى رؤساء ~~أهل الشام، فجمعهم ثم قال: أنتم أهل الفضل، فليقم كل رجل منكم يتكلم، فقام ~~رجل فقال: أما والله لو شهدنا أمر عثمان، فعرفنا قتلته بأعيانهم لا ~~استغنينا عن إخبار الناس، ولكنا نصدقك على ما غاب عنا، وإن أبغض الناس ~~إلينا من يقاتل علي بن أبي طالب لقدمه في الإسلام، وعلمه بالحرب. # ثم قام حوشب فقال: والله ما إياك ننصر، ولا لك نغضب، ولا عنك نحامي، ms103 ما ~~ننصر إلا الله: ولا نغضب إلا للخليفة، ولا نحامي إلا عن الشام، فلف الخيل ~~بالخيل، والرجال بالرجال، وقد دعونا قومنا إلى ما دعوتنا إليه أمس، ~~وأمرناهم بما أمرتنا به، فجعلوك بيننا وبين الله، ونحن بينك وبينهم، فمرنا ~~بما تحب، وانهنا عما تكره. # قال: فلما عزم معاوية على المسير إلى صفين، عبأ أهل الشام، فجعل على ~~مقدمته أبا الأعور PageV01P092 # السلمي، وعلى ساقته بسر بن أرطأة، وعلى الخيل عبيد الله بن عمر، ودفع ~~اللواء إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وعلى الميمنة يزيد العبسي، وعلى ~~الميسرة عبد الله بن عمرو ابن العاص، ثم قال: يا أهل الشام، إنكم قد سرتم ~~لتمنعوا الشام، وتأخذوا العراق، ولعمري ما للشام رجال العراق وأموالها، ولا ~~لأهل العراق بصر أهل الشام ولا بصائرهم، مع أن القوم بعدهم غيرهم مثلهم، ~~وليس بعدكم غيركم، فإن غلبتموهم فلم تغلبوا إلا من قد أتاكم، وإن غلبوكم ~~عاقبوا من بعدكم، والقوم لاقوكم ببصائر أهل الحجاز، ورقة أهل اليمن، وقسوة ~~أهل مصر، وكيد أهل العراق، وإنما يبصر غدا من أبصر اليوم، فاستعينوا بالصبر ~~والصلاة، إن الله مع الصابرين. # ثم سار معاوية في ثلاثة آلاف وثمانين ألفا، حتى نزل بصفين، وذلك في نصف ~~محرم، وسبق إلى سهولة الأرض، وسعة المناخ، وقرب الفرات، وكتب إلى علي يخبره ~~بمسيره. # تعبئة أهل العراق للقتال قال: وذكروا أن عليا لما بلغه تأهب معاوية قال: ~~أيها الناس، إنما بايع معاوية أهل الشام، وليس له غيرهم ولي ولا نصير، ~~وإنكم أهل الحجاز، وأهل العراق، وأهل اليمن، وأهل مصر، وقد جعل القوم ~~معاوية بينهم وبين الله، وليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة، وقد وادع ~~القوم الروم، فإن غلبتموهم استعانوا بهم، ولحقوا بأرضهم، وإن غلبوكم ~~فالغاية الموت، والمفر إلى الله العزيز الحكيم. وقد زعم معاوية أن أهل ~~الشام أهل صبر ونصر، ولعمري لأنتم أولى بذلك منهم، لأنكم المهاجرون ~~والأنصار والتابعون بإحسان، وإنما الصبر اليوم، والنصر غدا. # قال: فجد الناس ونشطوا وتأهبوا، فسار علي بالناس من الكوفة في مئة ms104 ألف ~~وتسعين ألفا، فجعل على المقدمة الأشتر النخعي، وعلى ساقته شريح ابن هانئ، ~~وعلى المهاجرين والأنصار محمد بن أبي بكر، وعلى أهل البصرة عبد الله بن ~~عباس، وعلى الكوفة عبد الله بن جعفر، وعلى جماعة الخيل عمار بن ياسر، وعلى ~~القلب الحسن بن علي، وسار علي حتى نزل صفين، وقد سبقه معاوية إلى سهولة ~~الأرض. وسعة المناخ، وقرب الفرات. PageV01P093 # منع معاوية الماء من أصحاب علي قال: وذكروا أنه لما نزل معاوية بصفين، ~~بعث أبا الأعور بمن معه، ليحولوا بينهم وبين الفرات، وأن أهل العراق لما ~~نزلوا بعثوا غلمانهم ليستقوا لهم من الفرات، فحالت خيل معاوية بينهم وبين ~~الماء، فانصرفوا، فساروا إلى علي، فأخبروه فقال علي للأشعث: اذهب إلى ~~معاوية، فقل له: إن الذي جئنا له غير الماء، ولو سبقناك إليه لم نحل بينك ~~وبينه، فإن شئت خليت عن الماء، وإن شئت تناجزنا عليه وتركنا ما جئنا له. ~~فانطلق الأشعث إلى معاوية، فقال له إنك تمنعنا الماء وأيم الله لنشربنه، ~~فمرهم يكفوا عنه قبل أن نغلب عليه، والله لا نموت عطشا وسيوفنا على رقابنا. ~~فقال معاوية لأصحابه: ما ترون؟ فقال رجل منهم: نرى أن نقتلهم عطشا، كما ~~قتلوا عثمان ظلما. فقال عمرو بن العاص: لا تظن يا معاوية أن عليا يظمأ ~~وأعنة الخيل بيده، وهو ينظر إلى الفرات، حتى يشرب أو يموت دونه، خل عن ~~القوم يشربوا. فقال معاوية: هذا والله أول الظفر، لا سقاني الله من حوض ~~الرسول إن شربوا منه، حتى يغلبوني عليه. فقال عمرو: وهذا أول الجور، أما ~~تعلم أن فيهم العبد والأجير والضعيف ومن لا ذنب له؟ لقد شجعت الجبان، وحملت ~~من لا يريد قتالك على قتالك. # غلبة أصحاب علي على الماء قال: وذكروا أن معاوية لما غلب على الماء اغتم ~~علي لما فيه الناس من العطش، فخرج ليلا والناس يشكون بعضهم إلى بعض، مخافة ~~أن يغلب أهل الشام على الماء، فقال الأشعث: # يا أمير المؤمنين، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا السيوف؟ خل عنا ~~وعن القوم، ms105 فوالله لا أرجع إليك حتى أرده، أو أموت دونه، وأمر الأشتر أن ~~يعلو الفرات في الخيل، حتى آمره بأمري. فقال علي: ذلك لك. فانصرف الأشعث، ~~فنادى في الناس: من كان يريد الماء فميعاده الصبح، فإني ناهض إلى الماء، ~~فأجابه بشر كثير، فتقدم الأشعث في الرجالة، والأشتر في الخيل، حتى وقفا على ~~الفرات، فلم يزل الأشعث في الرجالة يمضي، حتى خالط القوم، ثم حسر عن رأسه، ~~فنادى: أنا الأشعث بن قيس، خلوا عن الماء. فقال أبو الأعور: أما والله قبل ~~أن تأخذنا وإياكم السيوف فلا. فقال الأشعث: أظنها والله قد دنت منا ومنكم. ~~قال: # وبعث الأشعث إلى الأشتر أن أقحم الخيل، فأقحمها الأشتر، حتى وضع سنابكها ~~في الفرات، وحمل الأشتر في الرجالة، فأخذت القوم السيوف فانكشف أبو الأعور ~~وأصحابه، وبعث الأشتر إلى علي: هلم يا أمير المؤمنين، قد غلب الله لك على ~~الماء، فلما غلب أهل العراق على PageV01P094 # الماء، شمت عمرو بن العاص بمعاوية، وقال: يا معاوية، ما ظنك إن منعك على ~~الماء اليوم كما منعته أمس؟ أتراك ضاربهم كما ضربوك؟ فقال: دع ما مضى عنك ~~فإن عليا لا يستحل منك ما استحللت منه، وإن الذي جاء له غير الماء. # دعاء علي معاوية إلى البراز قال: وذكروا أن الناس مكثوا بصفين أربعين ~~ليلة: يغدون إلى القتال ويروحون، فأما القتال الذي كان فيه الفناء فثلاثة ~~أيام. فلما رأى علي كثرة القتال والقتل في الناس، برز يوما من الأيام ~~ومعاوية فوق التل، فنادى بأعلى صوته: يا معاوية فأجابه فقال: # ما تشاء يا أبا الحسن؟ قال علي، علام يقتتل الناس ويذهبون؟ على ملك إن ~~نلته كان لك دونهم؟ وإن نلته أنا كان لي دونهم؟ ابرز إلي ودع الناس، فيكون ~~الأمر لمن غلب. قال عمرو بن العاص أنصفك الرجل يا معاوية. فضحك معاوية ~~وقال، طمعت فيها يا عمرو، فقال عمرو، والله ما أراه يجمل بك إلا أن تبارزه. ~~فقال معاوية، ما أراك إلا مازحا، نلقاه بجمعنا. # براز عمرو بن العاص لعلي قال: وذكروا أن عمرا ms106 قال لمعاوية: أتجبن عن علي، ~~وتتهمني في نصيحتي إليك؟ والله لأبارزن عليا ولو مت ألف موتة في أول لقائه. ~~فبارزه عمرو، فطعنه علي فصرعه، فاتقاه بعورته فانصرف عنه علي، وولى بوجهه ~~دونه. وكان علي رضي الله عنه لم ينظر قط إلى عورة أحد، حياء وتكرما، وتنزها ~~عما لا يحل ولا يجمل بمثله، كرم الله وجهه. # قطع الميرة عن أهل الشام قال: وذكروا أن عليا دعا زحر بن قيس، فقال له: ~~سر في بعض هذه الخيل إلى القطقطانة (1)، فاقطع الميرة عن معاوية، ولا تقتل ~~إلا من يحل لك قتله، وضع السيف موضعه، فبلغ ذلك معاوية، فدعا الضحاك بن ~~قيس، فأمره أن يلقي زحر بن قيس فيقاتله، فسار الضحاك فلقيه زحر فهزمه، وقتل ~~من أصحابه، وقطع الميرة عن أهل الشام، ورجع الضحاك إلى معاوية منهزما، فجمع ~~معاوية الناس، فقال: أتاني خبر من ناحية من نواحي، # PageV01P095 # أمر شديد، فقالوا: يا أمير المؤمنين، لسنا في شئ مما أتاك، إنما علينا ~~السمع والطاعة، وبلغ عليا قول معاوية وقول أهل الشام، فأراد أن يعلم ما رأى ~~أهل العراق، فجمعهم، فقال: أيها الناس إنه أتاني خبر من ناحية من نواحي. ~~فقال ابن الكواء وأصحابه: إن لنا في كل أمر رأيا، فما أتاك فأطلعنا عليه، ~~حتى نشير عليك. فبكى علي، ثم قال ظفر والله ابن هند باجتماع أهل الشام له، ~~واختلافكم على، والله ليغلبن باطله حقكم، إنما أتاني أن زحر بن قيس ظفر ~~بالضحاك، وقطع الميرة: وأتى معاوية هزيمة صاحبه، فقال: يا أهل الشام، إنه ~~أتاني أمر شديد، فقلدوه أمرهم، واختلفتم علي. # فقام قيس بن سعد، فقال: أما والله لنحن كنا أولى بالتسليم من أهل الشام. # قدوم أبي هريرة وأبي الدرداء على معاوية وعلي قال: وذكروا أن أبا هريرة ~~وأبا الدرداء قدما على معاوية من حمص، وهو بصفين، فوعظاه وقالا له: يا ~~معاوية، علام تقاتل عليا وهو أحق بهذا الأمر منك في الفضل والسابقة؟ # لأنه رجل من المهاجرين الأولين، السابقين بإحسان، وأنت طليق، وأبوك من ~~الأحزاب. # أما والله ms107 ما نقول لك أن تكون العراق أحب إلينا من الشام، ولكن البقاء ~~أحب إلينا من الفناء، والصلاح أحب إلينا من الفساد. فقال معاوية: لست أزعم ~~أني أولى بهذا الأمر من علي، ولكني أقاتله حتى يدفع إلى قتلة عثمان. فقالا: ~~إذا دفعهم إليك ماذا يكون؟ قال: # أكون رجلا من المسلمين. فأتيا عليا، فإن دفع إليكما قتلة عثمان جعلتها ~~شورى. فقدما على عسكر علي، فأتاهما الأشتر، فقال: يا هذان إنه لم ينزلكما ~~الشام حب معاوية، وقد زعمتما أنه يطلب قتلة عثمان، فعمن أخذتما ذلك ~~فقبلتماه؟ أعمن قتله فصدقتموهم على الذنب، كما صدقتموهم على القتل؟ أم عمن ~~نصره، فلا شهادة لمن جر إلى نفسه، أم عمن اعتزلوا، إذ علموا ذنب عثمان وقد ~~علموا ما الحكم في قتله؟ أم عن معاوية وقد زعم أن عليا قتله؟ اتقيا الله، ~~فإننا شهدنا وغبتما، ونحن الحكام على من غاب. فانصرفا ذلك اليوم، فلما ~~أصبحا أتيا عليا، فقالا له: # إن لك فضلا لا يدفع، وقد سرت مسير فتى إلى سفيه من السفهاء، ومعاوية ~~يسألك أن تدفع إليه قتلة عثمان، فإن فعلت ثم قاتلك كنا معك. قال علي: ~~أتعرفانهم؟ قالا: نعم. قالا: # فخذ أهم، فأتيا محمد بن؟ بي بكر، وعمار بن ياسر، والأشتر، فقالا: أنتم من ~~قتلة عثمان وقد أمرنا بأخذكم، فخرج إليهما أكثر من عشرة آلاف رجل، فقالوا ~~نحن قتلنا عثمان، فقالا: نرى أمرا شديدا ألبس علينا الرجل. وإن أبا هريرة ~~وأبا الدرداء انصرفا إلى منزلهما بحمص، فلما قدما حمص لقيهما عبد الرحمن بن ~~عثمان، فسألهما عن مسيرهما، فقصا عليه PageV01P096 # القصة، فقال: العجب منكما أنكما من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~أما والله لئن كففتما أيديكما ما كففتما ألسنتكما، أتأتيان عليا وتطلبان ~~إليه قتلة عثمان وقد علمتما أن المهاجرين والأنصار لو حرموا دم عثمان ~~نصروه، وبايعوا عليا على قتلته، فهل فعلوا؟ وأعجب من ذلك رغبتكما عما ~~صنعوا، وقولكما: لعلي اجعلها شورى، واخلعها من عنقك، وإنكما لتعلمان أن من ~~رضي بعلي خير ممن كرهه، وأن من بايعه ms108 خير ممن لم يبايعه، ثم صرتما رسولي ~~رجل من الطلقاء، لا تحل له الخلافة، ففشا قوله وقولهما، فهم معاوية بقتله، ~~ثم راقب فيه عشيرته. # وقوع عمرو بن العاص في علي وذكروا أن رجلا من همذان يقال له برد قدم على ~~معاوية، فسمع عمرا يقع في علي، فقال له: يا عمرو، إن أشياخنا سمعوا رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم يقول: من كنت مولاه فعلي مولاه، فحق ذلك أم باطل؟ ~~فقال عمرو: حق، وأنا أزيدك أنه ليس أحد من صحابة رسول الله له مناقب مثل ~~مناقب علي، ففزع الفتى، فقال عمرو: إنه أفسدها بأمره في عثمان، فقال برد: ~~هل أمر أو قتل؟ قال: لا، ولكنه آوى ومنع. قال: فهل بايعه الناس عليها؟ قال: # نعم. قال: فما أخرجك من بيعته؟ قال: اتهامي إياه في عثمان. قال له: وأنت ~~أيضا قد اتهمت، قال: صدقت فيها خرجت إلى فلسطين، فرجع الفتى إلى قومه فقال: ~~إنا أتينا قوما أخذنا الحجة عليهم من أفواههم. علي على الحق فاتبعوه. # كتاب معاوية إلى أبي أيوب الأنصاري قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى أبي ~~أيوب الأنصاري، وكان أشد الأنصار على معاوية: # أما بعد، فإني ناسيتك ما لا تنسى الشيباء. فلما قرأ كتابه أتى به عليا، ~~فأقرأه إياه. قال علي: يعني بالشيباء المرأة الشمطاء لا تنسى ثكل ابنها، ~~فأنا لا أنسى قتل عثمان. فكتب إليه أبو أيوب: إنه لا تنسى الشيباء ثكل ~~ولدها، وضربتها مثلا لقتل عثمان، فما نحن وقتلة عثمان؟ إن الذي تربص ~~بعثمان، وثبط أهل الشام عن نصرته لأنت، وإن الذين قتلوه غير الأنصار، ~~والسلام. # ما خاطب به النعمان بن بشير قيس بن سعد قال: وذكروا أن النعمان بن بشير ~~الأنصاري وقف بين الصفين، فقال: يا قيس بن سعد، أما أنصفكم من دعاكم إلى ما ~~رضى لنفسه، إنكم يا معشر الأنصار أخطأتم في خذل عثمان يوم الدار، وقتلكم ~~أنصاره يوم الجمل، وإقحامكم على أهل الشام بصفين، فلو كنتم إذ خذلتم عثمان ~~PageV01P097 # خذلتم عليا، كان هذا بهذا، ولكنكم خذلتم ms109 حقا، ونصرتم باطلا، ثم لم ترضوا ~~أن تكونوا كالناس، حتى أشعلتم الحرب، ودعوتم إلى البراز، فقد والله وجدتم ~~رجال الحرب من أهل الشام سراعا إلى برازكم، غير أنكاس عن حربكم، ثم لم ينزل ~~بعلي أمر قط إلا هونتم عليه المصيبة، ووعدتموه الظفر، وقد والله أخلفتموه، ~~وهان عليكم بأسكم، وما كنتم لتخلوا به أنفسكم، من شدتكم في الحرب، وقدرتكم ~~على عدوكم، وقد أصبحتم أذلاء على أهل أهل الشام، لا يرون حربكم شيئا، وأنتم ~~أكثر منهم عدد ومددا، وقد والله كاثروكم بالقلة، فكيف لو كانوا مثلكم في ~~الكثرة؟ والله لا تزالون أذلاء في الحرب بعدها أبدا، إلا أن يكون معكم أهل ~~الشام، وقد أخذت الحرب منا ومنكم ما قد رأيتم، ونحن أحسن بقية، وأقرب إلى ~~الظفر، فاتقوا الله في البقية. # فضحك قيس وقال: والله ما كنت أراك يا نعمان تجترئ على هذا المقام، أما ~~المنصف المحق فلا ينصح أخاه من غش نفسه، وأنت والله الغاش لنفسه، المبطل ~~فيم انتصح غيره، أما ذكرك عثمان فإن كان الإيجاز يكفيك فخذه، قتل عثمان من ~~لست خيرا منه، وخذله من هو خير منك، وأما أصحاب الجمل فقاتلناهم على النكث، ~~وأما معاوية فلو اجتمعت العرب على بيعته لقاتلتهم الأنصار، وأما قولك: إنا ~~لسنا كالناس، فنحن في هذه الحرب كما كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~نتقي السيوف بوجوهنا، والرماح بنحورنا، حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم ~~كارهون. # ولكن أنظر يا نعمان: هل ترى مع معاوية إلا طليقا أعرابيا، أو يمانيا ~~مستدرجا؟ وانظر أين المهاجرون والأنصار، والتابعون بإحسان، الذين رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه؟ ثم أنظر هل ترى مع معاوية غيرك وغير صويحبك، ولستما والله ~~بدريين، ولا عقبيين (1)، ولا لكما سابقة في الإسلام، ولا آية في القرآن. # كتاب عمرو إلى ابن عباس قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو بن العاص: إن ~~رأس أهل العراق مع علي عبد الله ابن عباس، فلو ألقيت إليه كتابا ترفق فيه، ~~فإن قال شيئا لم يخرج منه على، وقد أكلتنا ms110 هذه الحرب، ولا أرانا نطيق ~~العراق إلا بهلاك الشام. فقال له عمرو: إن ابن عباس لا يخدع، ولو طمعت فيه ~~طمعت في علي. قال معاوية: على ذلك. فكتب عمرو إلى ابن عباس: أما بعد، # PageV01P098 # فإن الذي نحن وأنت فيه ليس أول أمر قاده البلاء، وساقته العافية، وإنك ~~رأس هذا الجمع بعد علي، فانظر فيما بقي بغير ما مضى، فوالله ما أبقت هذه ~~الحرب لنا ولا لكم حياة ولا صبرا. واعلم أن الشام لا تهلك العراق، وأن ~~العراق لا تهلك إلا بهلاك الشام، فما خيرنا بعد أعدادنا منكم؟ # وما خيركم بعد أعدادكم منا؟ ولسنا نقول: ليت الحرب عادت، ولكنا نقول: ~~ليتها لم تكن. # وإن فينا لمن يكره البقاء كما فيكم، وإنما هما ثلاثة: أمير مطاع، أو ~~مأمور مطيع، أو مشاور مأمون. فأما العاصي السفيه فليس بأهل أن يدعى في ثقات ~~أهل الشورى، ولا خواص أهل النجوى. # جواب عبد الله بن عباس إلى عمرو بن العاص قال: وذكروا أنه لما انتهى كتاب ~~عمرو إلى ابن عباس، أتى به إلى علي، فأقرأه إياه، فقال علي: قاتل الله ابن ~~العاص، أجبه. فكتب إليه: أما بعد، فإني لا أعلم رجلا أقل حياء منك في ~~العرب، إنك مال بك الهوى إلى معاوية، وبعته دينك بالثمن الأوكس، ثم خبطت ~~الناس في عشواء، طمعا في هذا الملك، فلما ترامينا، أعظمت الحرب والرماء ~~إعظام أهل الدين، وأظهرت فيها كراهية أهل الورع، لا تريد بذلك إلا تمهيد ~~الحرب، وكسر أهل الدين، فإن كنت تريد الله فدع مصر، وارجع إلى بيتك، فإن ~~هذه حرب ليس فيها معاوية كعلي، بدأها علي بالحق، وانتهى فيها إلى العذر، ~~وبدأها معاوية بالبغي، وانتهى فيها إلى السرف، وليس أهل الشام فيها كأهل ~~العراق، بايع أهل العراق عليا وهو خير منهم، وبايع أهل الشام معاوية وهم ~~خير منه، ولست أنا وأنت فيها سواء، أردت الله، وأنت أردت مصر، وقد عرفت ~~الشئ الذي باعدك مني، ولا أعرف الشئ الذي قربك من معاوية، فإن ترد شرا لا ~~تفتنا به، ms111 وإن ترد خيرا لا تسبقنا إليه. # أمر معاوية مروان بحرب الأشتر قال: وذكروا أن معاوية دعا مروان بن الحكم، ~~فقال: يا مروان، إن الأشتر قد غمني، فاخرج بهذه الخيل، فقاتله بها غدا. ~~فقال مروان: ادع لها عمرا، فإنه شعارك دون دثارك. قال معاوية: # وأنت نفسي دون وزيري. قال مروان، لو كنت كذلك ألحقتني به في العطاء، ~~وألحقته بي في الحرمان، ولكنك أعطيته ما في يدك، ومنيتني ما في يدي غيرك، ~~فإن غلبت طاب المقام، وإن غلبت خف عليك المهرب. قال معاوية: يغني الله عنك، ~~قال: أما اليوم فلا. فدعا معاوية عمرا، فأمره بأمره، فقال: أما والله لئن ~~فعلت لقد قدمتني كافيا، وأدخلتني ناصحا، وقد غمك القوم في مصر، فإن كان لا ~~يرضيهم إلا أخذها فخذها، عليها لعنة الله، أما والله يا أمير PageV01P099 # المؤمنين إن مروان يباعدك منا ويباعدنا منك، ويأبى الله إلا أن يقربنا ~~إليك. # كتاب معاوية إلى ابن عباس قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى عبد الله بن ~~عباس رضي الله عنهما: أما بعد، فإنكم معشر بني هاشم لستم إلى أحد أسرع منكم ~~بالمساءة إلى أنصار عثمان، فإن يك ذلك لسلطان بني أمية، فقد ورثها عدي ~~وتيم، وقد وقع من الأمر ما قد ترى، وأدالت هذه الحرب بعضنا من بعض، حتى ~~استوينا فيها، فما أطمعكم فينا، وما أيأسكم منا أيأسنا منكم، وقد رجونا غير ~~الذي كان، وخشينا دون ما وقع، ولستم ملاقينا اليوم بأحد من حدكم أمس، وقد ~~منعنا بما كان منا الشام، وقد منعتم بما كان منكم العراق، فاتقوا الله في ~~قريش، فما بقي من رجالها إلا ستة: رجلان بالشام، ورجلان بالعراق، ورجلان ~~بالحجاز، فأما اللذان بالحجاز: فسعد، وعبد الله بن عمر، وأما اللذان ~~بالشام: فأنا، وعمرو، وأما اللذان بالعراق: فعلي وأنت. ومن الستة رجلان ~~ناصبان لك، وآخران واقفان عليك، وأنت رأس هذا الجمع اليوم وغدا، ولو بايع ~~الناس لك بعد عثمان كنا أسرع إليك منا إلى علي. # جوابه قال: وذكروا أنه لما أتى كتاب معاوية إلى ابن ms112 عباس ضحك، ثم قال: ~~حتى متى يخطب إلى معاوية عقلي؟ وحتى متى أجمجم له عما في نفسي؟ فكتب إليه: ~~أما بعد، فقد جاءني كتابك فأما ما ذكرت من سرعتنا بالمساءة إلى أنصار عثمان ~~لسلطان بني أمية، فلعمري لقد أدركت في عثمان حاجتك، لقد استنصرك فلم تنصره، ~~حتى صرت إلى ما صرت إليه، وبيني وبينك في ذلك ابن عمك، وأخو عثمان الوليد ~~بن عقبه (1)، وأما قولك: إنه لم يبق من رجال قريش غير ستة، فما أكثر ~~رجالها، وأحسن بقيتها، وقد قاتلك من خيارها من قاتلك، ولم يخذلنا إلا من ~~خذلك، وأما إغراؤك إيانا بعدي وتيم، فأبو بكر وعمر كانا خيرا منك ومن ~~عثمان، كما أن عليا خير منك، وأما قولك: إنا لن نلقاك إلا بما لقيناك به، ~~فقد بقي لك منا يوم ينسيك ما قبله، وتخاف له ما بعده، وأما قولك: إنه لو ~~بايعني الناس استقمت فقد بايعوا عليا وهو خير مني، فلم تستقم له، وإن ~~الخلافة لا تصلح إلا لمن كان في الشورى، فما أنت والخلافة؟ وأنت طليق ~~الإسلام، وابن رأس الأحزاب، وابن آكلة الأكباد من قتلى بدر (2) # PageV01P100 # خطبة علي كرم الله وجهه قال: وذكروا أن عليا قام خطيبا فقال: أيها الناس، ~~ألا إن هذا القدر ينزل من السماء كقطر المطر، على كل نفس بما كسبت من زيادة ~~أو نقصان، في أهل أو مال، فمن أصابه نقصان في أهل أو مال فلا يغش نفسه، ألا ~~وإنما المال حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، وقد يجمعهما الله ~~لأقوام، وقد دخل في هذا العسكر طمع من معاوية، فضعوا عنكم هم الدنيا ~~بفراقها، وشدة ما اشتد منها، برجاء ما بعدها، فإن نازعتكم أنفسكم إلى غير ~~ذلك فردوها إلى الصبر، ووطنوها على العزاء، فوالله إن أرجى ما أرجوه الرزق ~~من الله، حيث لا نحتسب، وقد فارقكم مصقلة بن هبيرة، فآثر الدنيا على ~~الآخرة، وفارقكم بشر بن أرطاة فأصبح ثقيل الظهر من الدماء، مفتضح البطن من ~~المال، وفارقكم زيد بن عدي بن حاتم، فأصبح يسأل ms113 الرجعة. وأيم الله لودت ~~رجال مع معاوية أنهم معي، فباعوا الدنيا بالآخرة، ولودت رجال معي أنهم مع ~~معاوية، فباعوا الآخرة بالدنيا. # قدوم ابن أبي محجن على معاوية قال: وذكروا أن عبد الله بن أبي محجن ~~الثقفي قدم على معاوية. فقال: يا أمير المؤمنين، إني أتيتك من عند الغبي ~~الجبان البخيل ابن أبي طالب. فقال معاوية: لله أنت! أتدري ما قلت؟ # أما قولك الغبي، فوالله لو أن ألسن الناس جمعت فجعلت لسانا واحدا لكفاها ~~لسان علي، وأما قولك إنه جبان، فثكلتك أمك، هل رأيت أحدا قط بارزه إلا ~~قتله؟ وأما قولك إنه بخيل، فوالله لو كان له بيتان أحدهما من تبر والآخر من ~~تبن، لأنفد تبره قبل تبنه. فقال الثقفي: # فعلام تقاتله إذا؟ قال: على دم عثمان، وعلى هذا الخاتم، الذي من جعله في ~~يده جادت طينته، وأطعم عياله، وادخر لأهله. فضحك الثقفي ثم لحق بعلي، فقال: ~~يا أمير المؤمنين، هب لي يدي بجرمي، لا دنيا أصبت ولا آخرة. فضحك علي، ثم ~~قال: أنت منها على رأس أمرك، وإنما يأخذ الله العباد بأحد الأمرين. # رفع أهل الشام المصاحف قال: وذكروا أن أهل العسكرين باتوا بشدة من الألم، ~~ونادى علي أصحابه، فأصبحوا على راياتهم ومصافهم، فلما رآهم معاوية وقد ~~برزوا للقتال، قال لعمرو بن العاص: يا عمرو، ألم تزعم أنك ما وقعت في أمر ~~قط إلا خرجت منه؟ قال: بلى، قال: أفلا تخرج مما ترى؟ # قال: والله لأدعونهم إن شئت إلى أمر أفرق به جمعهم، ويزداد جمعك إليك ~~اجتماعا، إن أعطوكه اختلفوا، وإن منعوكه اختلفوا. قال معاوية: وما ذلك؟ قال ~~عمروا: تأمر بالمصاحف فترفع ثم تدعوهم إلى ما فيها، فوالله لئن قبله ~~لتفترقن عنه جماعته، ولئن رده ليكفرنه أصحابه. فدعا معاوية PageV01P101 # بالمصحف، ثم دعا رجلا من أصحابه يقال له ابن هند، فنشره بين الصفين، ثم ~~نادى: الله الله في دمائنا ودمائكم الباقية، بيننا وبينكم كتاب الله. فلما ~~سمع الناس ذلك ثاروا إلى علي، فقالوا: قد أعطاك معاوية الحق، ودعاك إلى ~~كتاب الله، ms114 فاقبل منه. ورفع صاحب معاوية المصحف وهو يقول: بيننا وبينكم هذا ~~المصحف، ثم تلا: " ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يدعون إلى كتاب ~~الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون "، ثم نادى من لفارس من ~~الروم؟ فقال الأشعث: والله لا نأتي هذه أبدا، ونرضى معك، أو نقاتل معك ~~وتابعه أشراف أهل اليمن، وركنوا إلى الصلح، وكرهوا القتال. # ما تكلم به عبد الله بن عمرو وأهل العراق قال: وذكروا أن معاوية دعا عبد ~~الله بن عمرو بن العاص، فأمره أن يكلم أهل العراق، فأقبل عبد الله بن عمرو، ~~حتى إذا كان بين الصفين نادى: يا أهل العراق، أنا عبد الله ابن عمرو بن ~~العاص، إنه قد كانت بيننا وبينكم أمور للدين والدنيا، فإن تك للدين، فقد ~~والله أسرفنا وأسرفتم، وإن تك للدنيا فقد والله أعذرنا وأعذرتم، وقد ~~دعوناكم لأمر لو دعوتمونا إليه أجبناكم، فإن يجمعنا وإياكم الرضا، فذلك من ~~الله، وإلا فاغتنموا هذه الفرجة، لعل الله أن ينعش بها الحي، وينسى بها ~~القتيل، فإن بقاء المقلد بعد الهالك قليل. فقال علي لسعد بن قيس: أجب ~~الرجل، وقد كان عبد الله بن عمرو قاتل يوم صفين بسيفين، وكان من حجته أن ~~قال: أمرني رسول الله أن أطيع أبي. فتقدم سعد بن قيس، حتى إذا كان بين ~~الصفين نادى: يا أهل الشام إنه كانت بيننا وبينكم أمور حامينا فيها على ~~الدين والدنيا، وقد دعوتمونا إلى ما قاتلناكم عليه أمس، ولم يكن ليرجع أهل ~~العراق إلى عراقهم، ولا أهل الشام إلى شامهم بأمر أجمل منه، فإن يحكم فيه ~~بما أنزل الله فالأمر في أيدينا، وإلا فنحن نحن، وأنتم أنتم، وإن الناس ~~ثاروا إلى علي عند كلام عبد الله بن عمرو، فقالوا: أجب القوم إلى ما دعوك ~~إليه، فإنا دعونا عثمان إلى ما دعاك القوم إليه، فأبى فقاتلناه. فبعث علي ~~الأشعث إلى أهل الرايات، يأمرهم أن ينقضوها ويرجعوا إلى رحالهم، حتى يبرموا ~~رأيهم. # ما خاطب به عتبة بن أبي سفيان الأشعث ms115 بن قيس قال: وذكروا أن معاوية دعا ~~عتبة، فقال له: ألن إلى الأشعث كلاما، فإنه إن رضى بالصلح رضيت به العامة، ~~فخرج عتبة حتى إذا وقف بين الصفين نادى الأشعث، فأتاه. فقال عتبة: أيها ~~الرجل، إن معاوية لو كان لاقيا أحدا غيرك وغير علي لقيك، إنك رأس أهل ~~PageV01P102 # العراق، وسيد أهل اليمن، ومن قد سلف إليه من عثمان ما قد سلف من الصهر ~~والعمل، ولست كأصحابك. أما الأشتر فقتل عثمان، وأما عدي فخصص، وأما سعد بن ~~قيس فقلد عليا دينه، وأما شريح بن هانئ وزحر بن قيس فلا يعرفان غير الهوى، ~~وأما أنت فحاميت عن أهل العراق تكرما، وحاربت أهل الشام حمية وقد والله ~~بلغنا منك ما أردنا، وبلغت منا ما أردت، وإنا لا ندعوك إلى ما لا يكون منك ~~من تركك عليا، ولا نصرة معاوية ولكنا ندعوك إلى البقية، التي فيها صلاحك ~~وصلاحنا. # فتكلم الأشعث فقال: يا عتبة، أما قولك إن معاوية لا يلقى إلا عليا، فلو ~~لقيني ما زاد ولا عظم في عيني، ولا صغرت عنه، ولئن أحب أن أجمع بينه وبين ~~علي لأفعلن، وأما قولك: # إني رأس أهل العراق وسيد أهل اليمن، فالرأس الأمير، والسيد المطاع، ~~وهاتان لعلي، وأما ما سلف إلي من عثمان فوالله ما زادني صهره شرفا، ولا ~~عمله غنى، وأما عيبك أصحابي، فإن هذا الأمر لا يقربك مني، وأما محاماتي عن ~~العراق، فمن نزل بيننا حميناه، وأما البقية فلسنا بأحوج منها إليكم. # كتاب معاوية إلى علي رضي الله عنهما قال: وذكروا أن عليا أظهر أنه مصبح ~~معاوية للقتال، فبلغ ذلك معاوية ففزع أهل الشام، فانكسروا لذلك، فقال ~~معاوية لعمرو: إني قد رأيت رأيا، أن أعيد إلى علي كتابا أسأله فيه الشام. ~~فضحك عمرو، ثم قال: أين أنت يا معاوية من خدعة علي؟ فقال معاوية: # ألسنا بني عبد مناف؟ فقال: بلى ولكن لهم النبوة دونكم، فإن شئت أن تكتب ~~فاكتب. # فكتب معاوية إلى علي: أما بعد، فإني أظنك أن لو علمت أن الحرب تبلغ بنا ms116 ~~وبك ما بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، وإن كنا قد غلبنا على عقولنا، فلنا ~~منها ما نذم به ما مضى، ونصلح ما بقي، وقد كنت سألتك ألا يلزمني لك طاعة ~~ولا بيعة، فأبيت ذلك علي، فأعطاني الله ما منعت، وإني أدعوك إلى ما دعوتك ~~إليه أمس، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو، ولا تخاف من الفناء إلا ما ~~أخاف. وقد والله رقت الأجناد، وذهبت الرجال، ونحن بنو عبد مناف، ليس لبعضنا ~~على بعض فضل، إلا فضل لا يستذل به عزيز، ولا يسترق به حر. # جوابه فلما انتهى كتانه إلى علي، دعا كاتبه عبيد الله بن رافع، فقال: ~~اكتب أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ ما ~~بلغت لم يجنها بعضنا على بعض، PageV01P103 # وأنا وإياك في غاية لم نبلغها بعد، وأما طلبك إلي الشام، فإني لم أكن ~~أعطيك اليوم ما منعتك أمس، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك لست أمضى ~~على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص من أهل العراق على الآخرة، ~~وأما قولك: إنا بنو عبد مناف فكذلك، ولكن ليس أمية كهاشم، ولا حرب كعبد ~~المطلب، ولا أبو سفيان كأبي طالب ولا المهاجر كالطليق، ولا المحق كالمبطل، ~~وفي أيدينا فضل النبوة التي قتلنا بها العزيز، وبعنا بها الحر، والسلام. ~~فلما أتى معاوية الكتاب أقرأه عمرا، فشمت به عمرو، ولم يكن أحد أشد تعظيما ~~لعلي من عمرو بن العاص بعد يوم مبارزته، فقال معاوية لعمرو: قد علمت أن ~~إعظامك لعلي لما فضحك، قال عمرو لم يفتضح امرؤ بارز عليا، وإنما افتضح من ~~دعاه إلى البراز فلم يجبه. # اختلاف أهل العراق في الموادعة قال: وذكروا أنه لما عظم الأمر، واستحر ~~القتال، قال له رأس من أهل العراق: إن هذه الحرب قد أكلتنا، وأذهبت الرجال، ~~والرأي الموادعة. وقال بعضهم: لا بل نقاتلهم اليوم على ما قاتلناهم عليه ~~أمس، وكانت الجماعة قد رضيت الموادعة، وجنحت إلى الصلح والمسالمة. فقام علي ~~خطيبا فقال: أيها ms117 الناس، إني لم أزل من أمري على ما أحب حتى قدحتكم الحرب، ~~وقد والله أخذت منكم وتركت، وهي لعدوكم أنهك. وقد كنت بالأمس أميرا، فأصحبت ~~اليوم مأمورا، وكنت ناهيا فأصبحت اليوم منهيا، فليس لي أن أحملكم على ما ~~تكرهون. # ما رد كردوس بن هانئ على علي قال وذكروا أن كردوس بن هانئ قام فقال: أيها ~~الناس، إنه والله ما تولينا معاوية منذ تبرأنا منه، ولا تبرأنا من علي منذ ~~توليناه، وإن قتيلنا لشهيد، وإن حينا لفائز، وإن عليا على بينة من ربه، وما ~~أجاب القوم إلا إنصافا، وكل محق منصف، فمن سلم له نجا، ومن خالفه هوى. # ما قال سفيان بن ثور قال: وذكروا أن سفيان بن ثور قال: أيها الناس إنا ~~دعونا أهل الشام إلى كتاب الله، فردوه علينا، فقاتلناهم، وإنهم دعونا إلى ~~كتاب الله، فإن رددناه عليهم، حل لهم منا ما حل لنا منهم، ولسنا نخاف أن ~~يحيف الله علينا ورسوله، وإن عليا ليس بالراجع الناكص، وهو اليوم على ما ~~كان عليه أمس، وقد أكلتنا هذه الحرب، ولا نرى البقاء إلا في الموادعة. ~~PageV01P104 # ما قال حريث بن جابر ثم قام حريث بن جابر، فقال: أيها الناس، إن عليا لو ~~كان خلوا من هذا الأمر لكان المرجع إليه، فكيف وهو قائده وسابقه؟ وإنه ~~والله ما قبل من القوم اليوم إلا الأمر الذي دعاهم إليه أمس، ولو رده عليهم ~~كنتم له أعيب ولا يلحد في هذا الأمر إلا راجع على عقبيه، أو مستدرج مغرور، ~~وما بيننا وبين من طعن علينا إلا السيف. # ما قال خالد بن معمر ثم قام خالد بن معمر، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا ~~والله ما أخرنا هذا المقام أن يكون أحد أولى به منا، ولكن قلنا: أحب الأمور ~~إلينا ما كفينا مئونته، فأما إذا استغنينا فإنا لا نرى البقاء إلا فيما ~~دعاك القوم إليه اليوم، إن رأيت ذلك، وإن لم تره فرأيك أفضل. # ما قال الحصين بن المنذر ثم قام الحصين بن المنذر، وكان أحدث القوم ms118 سنا، ~~فقال: أيها الناس، إنما بني هذا الدين على التسليم، فلا تدفعوه بالقياس، ~~ولا تهدموه بالشبهة، وإنا والله لو أنا لا نقبل من الأمور إلا ما نعرف، ~~لأصبح الحق في الدنيا قليلا، ولو تركنا وما نهوى لأصبح الباطل في أيدينا ~~كثيرا، وإن لنا راعيا قد حمدنا ورده وصدره (1)، وهو المأمون على ما قال ~~وفعل، فإن قال: # لا، قلنا: لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم. # ما قال عثمان بن حنيف ثم قام عثمان بن حنيف، وكان من صاحبة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان عاملا لعلي على البصرة، وكان له فضل، فقال: أيها ~~الناس، اتهموا رأيكم، فقد والله كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~بالحديبية يوم أبي جندل وإنا لنريد القتال، إنكارا للصلح، حتى ردنا عنه ~~رسول الله، وإن أهل الشام دعوا إلى كتاب الله اضطرارا. فأجبناهم إليه ~~إعذارا، فلسنا والقوم سواء إنا والله ما عدلنا الحي بالحي، ولا القتيل ~~بالقتيل، ولا الشامي بالعراقي، ولا معاوية بعلي، وإنه لأمر منعه غير نافع، ~~وإعطاؤه غير ضائر، وقد كلت البصائر التي كنا # PageV01P105 # نقاتل بها، وقد حمل الشك اليقين الذي كنا نئول إليه، وذهب الحياء الذي ~~كنا نمارى به، فاستظلوا في هذا الفئ، واسكنوا في هذه العافية، فإن قلتم: ~~نقاتل على ما كنا نقاتل عليه أمس، هيهات هيهات، ذهب والله قياس أمس، وجاء ~~غد. فأعجب عليا قوله، وافتخرت به الأنصار، ولم يقل أحد بأحسن من مقاتله. # ما قال عدي بن حاتم ثم قام عدي بن حاتم، فقال: أيها الناس، إنه والله لو ~~غير علي دعانا إلى قتال أهل الصلاة ما أجبناه، ولا وقع بأمر قط إلا ومعه من ~~الله برهان، وفي يديه من الله سبب، وإنه وقف عن عثمان بشبهة، وقاتل أهل ~~الجمل على النكث، وأهل الشام على البغي، فانظروا في أموركم وأمره، فإن كان ~~له عليكم فضل، فليس لكم مثله، فسلموا له، وإلا فنازعوا عليه، والله لئن كان ~~إلى العلم بالكتاب والسنة إنه لأعلم الناس بهما، ولئن كان إلى الإسلام ms119 إنه ~~لأخو نبي الله، والرأس في الإسلام، ولئن كان إلى الزهد والعبادة، إنه لأظهر ~~الناس زهدا، وأنهكهم (1) عبادة، ولئن كان إلى العقول والنحائز (2)، إنه ~~لأشد الناس عقلا، وأكرمهم نحيزة، ولئن كان إلى الشرف والنجدة إنه لأعظم ~~الناس شرفا ونجدة، ولئن كان إلى الرضا، لقد رضي به المهاجرون والأنصار في ~~شورى عمر رضي الله عنهم، وبايعوه بعد عثمان، ونصروه على أصحاب الجمل وأهل ~~الشام، فما الفضل الذي قربكم إلى الهدى، وما النقص الذي قربه إلى الضلال، ~~والله لو اجتمعتم جميعا على أمر واحد لأتاح الله له من يقاتل لأمر ماض، ~~وكتاب سابق. # فاعترف أهل صفين لعدي بن حاتم بعد هذا المقام، ورجع كل من تشعب على علي ~~رضي الله. # ما قال عبد الله بن حجل ثم قام عبد الله بن حجل فقال: يا أمير المؤمنين، ~~إنك أمرتنا يوم الجمل بأمور مختلفة، كانت عندنا أمرا واحدا، فقبلناها ~~بالتسليم، وهذه مثل تلك الأمور، ونحن أولئك أصحابك، وقد أكثر الناس في هذه ~~القضية، وأيم الله ما المكثر المنكر بأعلم بها من المقل المعترف، وقد أخذت ~~الحرب بأنفاسنا، فلم يبق إلا رجاء ضعيف، فإن تجب القوم إلى ما دعوك إليه، # PageV01P106 # فأنت أولنا إيمانا، وآخرنا بنبي الله عهدا، وهذه سيوفنا على أعناقنا، ~~وقلوبنا بين جوانحنا، وقد أعطيناك بقيتنا، وشرحت بالطاعة صدورنا، ونفذت في ~~جهاد عدوك بصيرتنا، فأنت الوالي المطاع، ونحن الرعية الأتباع، أنت أعلمنا ~~بربنا وأقربنا بنبينا، وخيرنا في ديننا، وأعظمنا حقا فينا، فسدد رأيك ~~نتبعك، واستخر الله تعالى في أمرك، وأعزم عليه برأيك، فأنت الوالي المطاع، ~~قال: فسر علي كرم الله وجهه بقوله، وأثنى خيرا. # ثم قام صعصعة بن صوحان فقال: يا أمير المؤمنين، إنا سبقنا الناس إليك يوم ~~قدوم طلحة والزبير عليك، فدعانا حكيم إلى نصرة عاملك عثمان بن حنيف ~~فأجبناه، فقاتل عدوك، حتى أصيب في قوم من بني عبد قيس، عبدوا الله حتى كانت ~~أكفهم مثل أكف الإبل (1)، وجباههم مثل ركب المعز (2)، فأسر الحي وسلب ~~القتيل، فكنا أول قتيل وأسير، ثم رأيت بلاءنا ms120 بصفين، وقد كلت البصائر، وذهب ~~الصبر، وبقي الحق موفورا، وأنت بالغ بهذا حاجتك، والأمر إليك، ما أراك الله ~~فمرنا به. # ما قال المنذر بن الجارود ثم قام المنذر بن الجارود، فقال يا أمير ~~المؤمنين، إني أرى أمرا لا يدين له الشام إلا بهلاك العراق، ولا يدين له ~~العراق إلا بهلاك الشام، ولقد كنا نرى أن ما زادنا نقصهم، وما نقصنا أضرهم، ~~فإذا في ذلك أمران، فإن رأيت غيره ففينا والله ما يفل (3) به الحد، ويرد به ~~الكلب (4)، وليس لنا معك إيراد ولا صدر (5). # ما قال الأحنف بن قيس ثم قام الأحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ~~الناس بين ماض وواقف، وقائل وساكت، وكل في موضعه حسن، وإنه لو نكل الآخر عن ~~الأول لم يقل شيئا، إلا أن يقول اليوم ما قد قيل أمس، ولكنه حق يقضى، ولم ~~نقاتل القوم لنا ولا لك، إنما قاتلناهم لله، فإن # PageV01P107 # حال أمر الله دوننا ودونك فاقبله، فإنك أولى بالحق، وأحقنا بالتوفيق، ولا ~~أرى إلا القتال. # ما قال عمير بن عطارد ثم قام عمير بن عطارد فقال: يا أمير المؤمنين، إن ~~طلحة والزبير وعائشة كانوا أحب الناس إلى معاوية، وكانت البصرة أقرب إلينا ~~من الشام، وكان القوم الذين وثبوا عليك من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، خيرا من الذين وثبوا عليك من أصحاب معاوية اليوم، فوالله ما منعنا ~~ذلك من قتل المحارب، وعيب الواقف، فقاتل القوم إنا معك. # ما قال علي رضي الله عنه بعده ثم قام علي خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: أيها الناس، إنه قد بلغ بكم وبعدوكم ما قد رأيتم، ولم يبق منهم إلا ~~آخر نفس، وإن الأمور إذا أقبلت اعتبر آخرها بأولها، وقد صبر لكم القوم على ~~غير دين، حتى بلغوا منكم ما بلغوا، وأنا غاد عليهم بنفسي بالغداة فأحاكمهم ~~بسيفي هذا إلى الله. # نداء أهل الشام واستغاثتهم عليا رضي الله عنه قال: فلما بلغ معاوية قول ~~علي دعا عمرو بن العاص، فقال له: يا ms121 عمرو إنما هي الليلة، حتى يغدو علينا ~~علي بنفسه، فما ترى؟ قال عمرو: إن رجالك لا يقومون لرجاله، ولست مثله، أنت ~~تقاتله على أمر، ويقاتلك على غيره، وأنت تريد البقاء، وعلي يريد الفناء، ~~وليس يخاف أهل الشام من علي ما يخاف منك أهل العراق وإن هلكوا، ولكن ادعهم ~~إلى كتاب الله. فإنك تقضي منه حاجتك، قبل أن ينشب مخلبه فيك، فأمر معاوية ~~أهل الشام أن ينادوهم، فنادوا في سواد الليل نداء معه صراخ واستغاثة، ~~يقولون: يا أبا الحسن من لذرارينا من الروم إن قتلتنا؟ الله الله، البقيا، ~~كتاب الله بيننا وبينكم. فأصبحوا وقد رفعوا المصاحف على الرماح، وقلدوها ~~أعناق الخيل، والناس على راباتهم قد أصبحوا للقتال. # ما أشار به عدي بن حاتم فقام عدي بن حاتم، فقال: يا أمير المؤمنين، إن ~~أهل الباطل لا تعوق أهل الحق، وقد جزع القوم حين تأهبت للقتال بنفسك، وليس ~~بعد الجزع إلا ما تحب، ناجز القوم. PageV01P108 # ما قال الأشتر وأشار به ثم قام الأشتر فقال: يا أمير المؤمنين، ما أجبناك ~~لدينا. إن معاوية لا خلف له من رجاله، ولكن بحمد الله الخلف لك، ولو كان له ~~مثل رجالك لم يكن له مثل صبرك ولا نصرتك، فافرج الحديد بالحديد، واستعن ~~بالله. # ما قال عمرو بن الحمق ثم قام عمرو بن الحمق، فقال: يا أمير المؤمنين، ما ~~أجبناك لدنيا، ولا نصرناك على باطل، ما أجبناك إلا لله تعالى، ولا نصرناك ~~إلا للحق، ولو دعانا غيرك إلى ما دعوتنا لكثر فيه اللجاج، وطالت له النجوى، ~~وقد بلغ الحق مقطعه، وليس لنا معك رأي. # ما قال الأشعث بن قيس ثم قام الأشعث بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، إنا ~~لك اليوم على ما كنا عليه أمس، ولست أدري كيف يكون غدا. وما القوم الذين ~~كلموك بأحمد لأهل العراق مني، ولا بأوتر لأهل الشام مني، فأجب القوم إلى ~~كتاب الله، فإنك أحق به منهم، وقد أحب الله البقيا. # ما قال عبد الرحمن بن الحارث ثم قام عبد الرحمن بن ms122 الحارث، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، امض لأمر الله، ولا يستخفنك الذين لا يوقنون. أحكم بعد حكم؟ وأمر ~~بعد أمر؟ مضت دماؤنا ودماؤهم، ومضى حكم الله علينا وعليهم. # ما رآه علي كرم الله وجهه قال: فمال علي إلى قول الأشعث بن قيس وأهل ~~اليمن، فأمر رجلا ينادي: إنا قد أجبنا معاوية إلى ما دعانا إليه، فأرسل ~~معاوية إلى علي: إن كتاب الله لا ينطق، ولكن نبعث رجلا منا ورجلا منكم، ~~فيحكمان بما فيه. فقال علي: قد قبلت ذلك. # ما قال عمار بن ياسر فلما أظهر على أنه قد قبل ذلك قام عمار بن ياسر ~~فقال: يا أمير المؤمنين، أما والله لقد أخرجها إليك معاوية بيضاء، من أقر ~~بها هلك، ومن أنكرها ملك، مالك يا أبا الحسن؟ PageV01P109 # شككتنا في ديننا! ورددتنا على أعقابنا بعد مئة ألف قتلوا منا ومنهم؟ أفلا ~~كان هذا قبل السيف؟ وقبل طلحة والزبير وعائشة، قد دعوك إلى ذلك فأبيت، ~~وزعمت أنك أولى بالحق وأن من خالفنا منهم ضال حلال الدم، وقد حكم الله ~~تعالى في هذا الحال ما قد سمعت، فإن كان القوم كفارا مشركين، فليس لنا أن ~~نرفع السيف عنهم، حتى يفيئوا إلى أمر الله، وإن كانوا أهل فتنة فليس لنا أن ~~نرفع السيف عنهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله، والله ما أسلموا، ~~ولا أدوا الجزية، ولا فاءوا إلى أمر الله، ولا طفئت الفتنة، فقال علي: ~~والله إني لهذا الأمر كاره. # قتل عمار بن ياسر قال: فلما رد علي على عمار أنه كاره للقضية، وأنه ليس ~~من رأيه، نادى عمار: أيها الناس هل من رائح إلى الجنة، فخرج إليه خمس مئة ~~رجل، منهم أبو الهيثم وخزيمة بن ثابت ذو الشهادتين، فاستسقى عمار الماء، ~~فأتاه غلام له بإداوة فيها لبن، فلما رآه كبر وقال: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " آخر زادك من الدنيا لبن "، ثم ~~قال عمار: # اليوم ألقى الأحبة: محمدا وحزبه. ثم حمل عمار وأصحابه، فالتقى عليه رجلان ~~فقتلاه، وأقبلا برأسه ms123 إلى معاوية يتنازعان فيه، كل يقول أنا قتلته، فقال ~~لهما عمرو بن العاص: والله إن تتنازعان إلا في النار، سمعت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يقول: " تقتل عمارا الفئة الباغية " فقال معاوية: قبحك الله ~~من شيخ! فما تزال تتزلق في قولك، أو نحن قتلناه؟ إنما قتله الذين جاءوا به، ~~ثم التفت إلى أهل الشام فقال: إنما نحن الفئة الباغية؟ التي تبغى دم عثمان. ~~فلما قتل عمار اختلط الناس، حتى ترك أهل الرايات مراكزهم، وأقحم أهل الشام، ~~وذلك من آخر النهار، وتفرق الناس عن علي، فقال عدي بن حاتم: والله يا أمير ~~المؤمنين ما أبقت هذه الوقعة لنا ولا لهم عميدا، فقاتل حتى يفتح الله تعالى ~~لك، فإن فينا بقية، فقال علي: يا عدي، قتل عمار بن ياسر؟ قال: نعم، فبكى ~~علي وقال: رحمك الله يا عمار، استوجب الحياة والرزق الكريم، كم تريدون أن ~~يعيش عمار، وقد نيف على التسعين؟ # هزيمة أهل الشام ثم أقبل الأشتر جريحا، فقال: يا أمير المؤمنين، خيل ~~كخيل، ورجال كرجال، ولنا الفضل إلى ساعتنا هذه، فعد مكانك الذي كنت فيه، ~~فإن الناس إنما يطلبونك حيث تركوك. # وإن عليا دعا بفرسه التي كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم دعا ~~ببغلة رسول الله صلى الله PageV01P110 # عليه وسلم الشهباء، ثم تعصب بعمامة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~السوداء، ثم نادى: من يبع نفسه اليوم يربح غدا، يوم له ما بعده، وإن عدوكم ~~قد قدح كما قدحتم. فانتدب له ما بين عشرة آلاف إلى اثنى عشر ألفا واضعي ~~سيوفهم على عواتقهم وتقدموا، فحمل علي والناس حملة واحدة، فلم يبق لأهل ~~الشام صف إلا أهمد، حتى أفضى الأمر إلى معاوية، وعلي يضرب بسيفه، ولا ~~يستقبل أحدا إلا ولى عنه. فدعا معاوية بفرسه لينجو عليه، فلما وضع رجله في ~~الركاب نظر إلى عمرو بن العاص، فقال له: يا بن العاص، اليوم صبر، وغدا فخر، ~~قال: صدقت، فترك الركوب، وصبر وصبر القوم معه إلى الليل، فبات الناس ~~يتحارسون، وكرهوا ms124 القتال، وهو اليوم الذي فيه البلاء العظيم، يوم قتل عمار، ~~وكل يظن أن الدائرة عليه، وأسرف الفريقان في القتل، ولم يكن في الإسلام ~~بلاء ولا قتل أعظم منه في تلك الثلاثة الأيام، وإن عليا نادى بالرحيل في ~~جوف الليل، فلما سمع معاوية رضي الله عنه رغاء الإبل، دعا عمرو بن العاص، ~~فقال: ما ترى ها هنا؟ قال عمرو: أظن الرجل هاربا، فلما أصبحوا إذا علي ~~وأصحابه إلى جانبهم قد خالطوهم، فقال معاوية: كلا، زعمت يا عمرو أنه هارب، ~~فضحك وقال: من فعلاته والله، فعندها أيقن معاوية بالهلكة، ونادي أهل الشام: ~~كتاب الله بيننا وبينكم، ويومئذ استبان ذل أهل الشام، ورفعوا المصاحف، ثم ~~ارتحلوا فاعتصموا بجبل منيف، وصاحوا: لا ترد كتاب الله يا أبا الحسن فإنك ~~أولى به منا، وأحق من أخذ به. # ما قال الأشعث بن قيس قال: فأقبل الأشعث بن قيس في أناس كثير من أهل ~~اليمن، فقالوا لعلي: لا ترد ما دعاك القوم إليه، قد أنصفك القوم، والله لئن ~~لم تقبل هذا منهم لا وفاء معك، ولا نرمي معك بسهم ولا حجر، ولا نقف معك ~~موقفا. # ما قال القراء قال: فلما سمع علي قول الأشعث ورأى حال الناس قبل القضية، ~~وأجاب إلى الصلح، وقام إلى علي أناس، وهم القراء منهم عبد الله بن وهب ~~الراسبي في أناس كثير قد اخترطوا سيوفهم، ووضعوها على عواتقهم، فقالوا ~~لعلي: اتق الله، فإنك قد أعطيت العهد وأخذته منا، لنفنين أنفسنا أو لنفنين ~~عدونا، أو يفئ إلى أمر الله، وإنا نراك قد ركبت إلى أمر فيه الفرقة ~~والمعصية لله، والذل في الدنيا، فانهض بنا إلى عدونا، فلنحاكمه إلى الله ~~بسيوفنا. حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين، لا حكومة الناس. ~~PageV01P111 # ما قال عثمان بن حنيف ثم قام عثمان بن حنيف، فقال: أيها الناس، اتهموا ~~رأيكم، فإنا والله قد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية ~~ولو رأينا قتالا قاتلنا وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله ms125 ~~عليه وسلم وبين أهل مكة، فامض على القضية، واتهم هذا الصلح. # ما قال الأشتر وقيس بن سعد قال: فأنكرها الأشتر وقيس بن سعد وكانا أشد ~~الناس على علي فيها قولا، فكان الذين عملوا في الصلح الأشعث بن قيس، وعدي ~~بن حاتم وشريح بن هانئ، وعمرو بن الحمق وزحر بن قيس، ومن أهل الشام زيد بن ~~أسد، ومخارق بن الحارث، وحمزة بن مالك. فلما رأى ذلك أبو الأعور قام إلى ~~معاوية، فقال: يا أمير المؤمنين إن القوم لم يجيبوا إلى ما دعوناهم إليه ~~حتى لم يجدوا من ذلك بدا وإنهم إن ينصرفوا العام يعودوا في قابل في سنة ~~يبرأ فيها الجريح، وينسى القتيل، وقد أخذت الحرب منا ومنهم، غير أنهم ~~اختلفوا على علي، ولم يختلف عليك أحد والخلاف أشد من القتل، ناجز القوم، ~~فقال بشر بن أرطاة. والله إن الشام خير من العراق لعلي، وما في يدك لك، وما ~~في يد علي لأصحابه دونه، فإن كنت إنما سألت المدة لإعداد العدة، وانتظار ~~المدد، فنعم، وإن كنت سألتها بغض الحرب، وبقيا على أهل الشام، فلا. # ذكر الاتفاق على الصلح وإرسال الحكمين قال: وذكروا أن معاوية قال لأصحابه ~~حين استقامت المدة، ولم يسم الحكمان: من ترون عليا يختار؟ فأما نحن فصاحبنا ~~عمرو بن العاص. قال عتبة بن أبي سفيان: أنت أعلم بعلي منا. فقال معاوية: إن ~~لعلي خمسة رجال من ثقاته، منهم عدي بن حاتم، وعبد الله بن عباس، وقيس بن ~~سعد، وشريح بن هانئ، والأحنف بن قيس، وأنا أصفهم لك: أما ابن عباس فإنه لا ~~يقوى عليه، وأما عدي بن حاتم فيرد عمرا سائلا، ويسأله مجيبا، وأما شريح بن ~~هانئ فلا يدع لعمرو حياضا، وأما الأحنف بن قيس فبديهته كرويته، وأما قيس بن ~~سعد فلو كان من قريش بايعته العرب. ومع هذا إن الناس قد ملوا هذه الحرب، ~~ولم يرضوا إلا رجلا له تقية، وكل هؤلاء لا تقية لهم، ولكن انظروا أين أنتم ~~من رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه ms126 وسلم، تأمنه أهل الشام، وترضى به ~~أهل العراق، فقال عتبة: ذلك أبو موسى الأشعري. PageV01P112 # اختلاف أهل العراق في الحكمين قال: وذكروا أن عليا لما استقام رأيه على ~~أن يرسل عبد الله بن عباس مع عمرو بن العاص، قام إليه الأشعث بن قيس، وشريح ~~بن هانئ، وعدي ابن حاتم، وقيس بن سعد، ومعهم أبو موسى الأشعري، فقالوا: يا ~~أمير المؤمنين هذا أبو موسى الأشعري وافد أهل اليمن إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وصاحب مغانم أبي بكر، وعامل عمر بن الخطاب، وقد عرضنا على القوم ~~ابن عباس فزعموا أنه قريب القرابة منك، ضنين في أمرك، وأيم الله لو لقيت به ~~عمرا لأخذ بصره، وغم صدره. ولكن الناس قد رضوا برجل يثق أهل العراق وأهل ~~الشام بتقيته. فتكلم شبيب بن ربعي، فقال إنا والله وإن خفنا على أبي موسى ~~من عمرو ما لا يخافه أهل الشام على عمرو من أبي موسى، فلعل ما خفناه لا ~~يضرنا، ولعل ما رجوا لا ينفعهم، فإن قلت في أبي موسى ضعف فضعفه وتقاه خير ~~من قوة عمرو وفجوره، فأغلق به البلاء، وافتح به العافية. ثم تكلم ابن ~~الكواء فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أجبت الله وأجبناك، ولكنا نقول: الله ~~بيننا وبينك، إن كنت تخشى من أبي موسى عجزا فشر من أرسلت الخائن العاجز، ~~ولست تحتاج من عقله إلا إلى حرف واحد، أن لا يجعل حقك لغيرك، فيدرك حاجته ~~منك. ثم قال لأبي موسى: اعلم أن معاوية طليق الإسلام، وأن أباه رأس ~~الأحزاب، وأنه ادعى الخلافة من غير مشورة، فإن صدقك فقد حل خلعه، وإن كذبك ~~فقد حرم عليك كلامه، وإن ادعى أن عمر وعثمان استعملاه، فلقد صدق، استعمله ~~عمر وهو الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض، يحميه ما يشتهي، ويوجره (1) ~~ما يكره، ثم استعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا ممن لم يدع ~~الخلافة، واعلم أن لعمرو مع كل شئ يسرك خبرا يسوؤك، ومهما نسيت فلا تنس أن ~~عليا بايعه الذين بايعوا أبا بكر ms127 وعمر وعثمان، وأنها بيعة هدى، وأنه لم ~~يقاتل إلا عاصيا أو ناكثا. فقال أبو موسى: رحمك الله، أما والله ما لي إمام ~~غير علي، وإني لواقف عندما رأى، ولرضاء الله تعالى إلى من رضاء الناس، وما ~~أنا وأنت إلا بالله تعالى. # ما قال أهل الشام لأهل العراق قال: وذكروا أن أهل الشام قالوا لأهل ~~العراق: أعطونا رجالا نسميهم لكم، يكونوا شهودا على ما يقوله صاحبنا ~~وصاحبكم، بيننا وبينكم صحيفة، فقال علي: سموا من أحببتم، # PageV01P113 # فسموا ابن عباس، والأشعث بن قيس، وزياد بن كعب، وشريح بن هانئ، وعدي بن ~~حاتم. وحجر بن عدي، وعبد الله بن الطفيل. وسفيان بن ثور، وعروة بن عامر، ~~وعبد الله بن حجر، وخالد بن معمر، وطلب أهل العراق من أهل الشام: عتبة بن ~~أبي سفيان، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، ويزيد بن أسيد، وأبا الأعور، ~~والحصين بن نمير، وحمزة بن مالك، وبسر بن أرطاة، والنعمان بن بشير، ومخارق ~~بن الحارث. # فلما سمى أهل العراق رجال أهل الشام، وسمى أهل الشام رجال أهل العراق، ~~قال معاوية: أين يكون هذان الرجلان؟ فرضي الناس أن يكونا بدومة الجندل. # ما قال الأحنف بن قيس لعلي قال: فلما لم يبق إلا الكتاب، قال الأحنف بن ~~قيس لعلي: يا أمير المؤمنين إن أبا موسى رجل يماني، وقومه مع معاوية، ~~فابعثني معه، فوالله لا يحل لك عقدة إلا عقدت لك أشد منها، فإن قلت: إني ~~لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابعث ابن عباس وابعثني معه. # ما قال علي كرم الله وجهه فقال علي: إن الأنصار والقراء أتوني بأبي موسى، ~~فقالوا: ابعث هذا، فقد رضيناه، ولا نريد سواه، والله بالغ أمره. # الاختلاف في كتابة صحيفة الصلح قال: فوضع الناس السلاح، والتقوا بين ~~العسكرين، فلما جئ بالكتاب قال علي: # اكتب: بسم الله الرحمن الرحمن، هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب أمير ~~المؤمنين، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال معاوية: علام قاتلناك إذا كنت أمير ~~المؤمنين؟ اكتب: علي ابن أبي ms128 طالب. فقال الأشعث: اطرح هذا الاسم فإنه لا ~~يضرك، فضحك علي، ثم قال: # دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، حين صده المشركون عن ~~مكة، فقال: يا علي اكتب: هذا ما تقاضى عليه محمد رسول الله ومشركو قريش، ~~فقال سهيل بن عمرو: لقد ظلمناك إذا يا محمد إن قاتلناك وأنت رسول الله، ~~ولكن اكتب اسمك واسم أبيك، فقال صلى الله عليه وسلم: اكتب محمد بن عبد ~~الله، وإني رسول الله. وكنت إذا أمرني بشئ رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~أسرعت، وإذا قال مشركو قريش أبطأت به، وإذا كتبت شيئا قال PageV01P114 # نبي الله، امحها، فتعاظمني ذلك. فدعا بمقراض فقرضه، وكتب: بسم الله ~~الرحمن الرحيم: # هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، فقال أبو ~~الأعور: أو معاوية وعلي، فقال الأشعث: لا لعمر الله، ولكن نبدأ بأولهما ~~إيمانا وهجرة، وأدناهما من الغلبة. # فقال معاوية: قدموا أو أخروا، تقاضوا على أن عليا ومن معه من شيعته من ~~أهل العراق، ومعاوية ومن معه من أهل الشام، أنا ننزل عند حكم الله وكتابه، ~~من فاتحته إلى خاتمته، ما أحيا القرآن أحييناه، وما أمات القرآن أمتناه، ~~وما لم يجد عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص في القرآن حكما بما يجدان في ~~السنة العادلة، غير المفرقة، وعلى علي ومعاوية، وتبيعتهما وضع السلاح إلى ~~انقضاء هذه المدة، وهي من رمضان إلى رمضان، وعلى أن عبد الله بن قيس وعمرا ~~آمنان على دمائهما وأموالهما وحريمهما والأمة على ذلك أنصار، وعليهما مثل ~~الذي أخذا أن يقضيا بما في كتاب الله تعالى، وما لم يجدا في كتاب الله قضيا ~~بما يجدان في السنة، وعليهما أن لا يؤخرا أمرهما عن هذه المدة، فإن أحبا أن ~~يقولا قبل انقضائها، فلهما أن يقولا عن تراض منهما، على أن يرجع أهل العراق ~~إلى العراق، وأهل الشام إلى الشام، فيكون الاجتماع إلى دومة الجندل، فإن ~~رضيا أن يجتمعا بغيرهما فلهما ذلك، ولهما ألا يحضرهما إلا من أحبا، ولا ms129 ~~يشهدا إلا من أرادا، وهؤلاء النفر من أهل العراق وأهل الشام ضامنون بالوفاء ~~إلى هذه المدة، فكتب أهل العراق بهذا كتابا لأهل الشام، وكتب أهل الشام ~~كتابا بهذا لأهل العراق، بخط عمرو بن عبادة كاتب معاوية، وشهد شهود أهل ~~الشام على أهل العراق، وشهد شهود أهل العراق على أهل الشام. فلما كتب ~~الكتابان أقبل رجل من بني يشكر، على فرس له أبلق، حتى وقف بين الصفين على ~~علي، فقال: يا علي، أكفر بعد إسلام، ونقض بعد توكيد، وردة بعد معرفة؟ أنا ~~من صحيفتيكما برئ، وممن أقر بها برئ، ثم حمل على أصحاب معاوية، فطعن فيهم، ~~حتى إذا عطش أتى عسكر علي، فاستسقى فسقي، ثم حمل على عسكر علي، فطعن فيهم، ~~حتى إذا عطش أتى عسكر معاوية، فاستسقى فسقي. # ما وصى به شريح بن هانئ أبا موسى قال: وذكروا أن شريح بن هانئ أخذ بيد ~~أبي موسى فقال: يا أبا موسى إنك قد نصبت لأمر عظيم لا يجبر صدعه، ولا ~~تستقال فلتته، ومهما تقل من شئ لك أو عليك، يثبت حقه، ويزل باطله، إنه لا ~~بقاء لأهل العراق إن ملكها معاوية، ولا بأس بأهل الشام إن ملكها علي، فانظر ~~في ذلك نظر من يعرف هذا الأمر حقا. PageV01P115 # ما وصى به الأحنف بن قيس أبا موسى قال: ثم جاء الأحنف بن قيس، فأخذ بيده، ~~ثم قال: يا أبا موسى، اعرف خطب هذا الأمر، واعلم أن له ما بعده، وإنك إن ~~ضيعت العراق، فلا عراق لك، فاتق الله، فإنك تجمع بذلك دنيا وأخرى، وإذا ~~لقيت عمرا غدا فلا تبادره بالسلام، فليس من أهله، ولا تعطه يدك، فإنها ~~أمانة، وإياك أن يقعدك على صدر الفراش، فإنها خدعة، ولا تلقه إلا وحده، ~~وإياك أن يكلمك في بيت فيه مخدع يخبأ لك فيه رجالا، وإن لم يستقم لك عمرو ~~على الرضا بعلي، فخيره أن يختار أهل العراق من قريش أهل الشام من شاءوا، ~~فإنهم إن يولوا الخيار يختاروا من يريدون، فإن أبى فلتختر أهل الشام من ms130 ~~قريش أهل العراق من شاءوا، فإن فعلوا كان الأمر بيننا. # ما قال معاوية لعمرو قال: وذكروا أن معاوية قال لعمرو: إن أهل العراق ~~أكرهوا عليا على أبي موسى، وأنا وأهل الشام راضون بك، وأرجو في دفع هذه ~~الحرب خصالا: قوة لأهل الشام، وفرقة لأهل العراق، وإمدادا لأهل اليمن، وقد ~~ضم إليك رجل طويل اللسان، قصير الرأي، وله على ذلك دين وفضل، فدعه يقل، ~~فإذا هو قال فاصمت، واعلم أن حسن الرأي زيادة في العقل، إن خوفك العراق ~~فخوفه بالشام، وإن خوفك مصر فخوفه باليمن، وإن خوفك عليا فخوفه بمعاوية، ~~وإن أتاك بالجميل، فأته بالجميل. قال عمرو: يا أمير المؤمنين، أقلل ~~الاهتمام بما قبلي، وارج الله تعالى فيما وجهتني له، إنك من أمرك على مثل ~~حد السيف، لم تنل في حربك ما رجوت، ولم تأمن ما خفت، ونحن نرجو أن يصنع ~~الله تعالى لك خيرا، وقد ذكرت لأبي موسى دينا، وإن الدين منصور، أرأيت إن ~~ذكر عليا وجاءنا بالإسلام والهجرة واجتماع الناس عليه، ما أقول؟ فقال ~~معاوية: قل ما تريد وترى. قال: فانصرف عمرو إلى منزله، فقال لأصحابه: هل ~~ترون ما أراد معاوية من تصغير أبي موسى؟ قالوا: لا، قال: عرف أني خادعه ~~غدا. # ما قال شرحبيل لعمرو قال: وأتى شرحبيل بن السمط إلى عمرو، فقال: يا عمرو، ~~إنك رجل قريش، وإن معاوية لم يبعثك إلا لثقته بك، واعلم أنك لا تؤتى من ~~عجز، وقد علمت أن وطأة هذا الأمر لصاحبك ولك، فكن عند ظننا بك. PageV01P116 # اجتماع أبي موسى وعمرو قال: وذكروا أن أبا موسى وعمرا لما اجتمعا بدومة ~~الجندل، وحضرهما من يليهما من العرب، ليستمعوا قول الرجلين، فلما التقيا ~~استقبل عمرو أبا موسى، فأعطاه يده وضم عمرو أبا موسى إلى صدره، فقال: يا ~~أخي قبح الله أمرا فرق بيننا، ثم أقعد أبا موسى على صدر الفراش، وأقبل عليه ~~بوجهه، والناس مجتمعون، فلم يزالا حتى تفرقا، ومكثا أياما يلتقيان في ~~أمرهما سرا وجهرا، وأقبل الأشعث بن قيس، وكان من أحرص الناس ms131 على إتمام ~~الصلح، والراحة من الحرب، فقال: يا هذان، إنا قد كرهنا هذه الحرب، فلا ~~ترداها إلينا، فإنها مرة الرضاع والفطام، فكفاها بما شئتما. # ما قال سعيد بن قيس للحكمين قال: فأقبل سعيد بن قيس، وكان من النصحاء ~~لعلي كرم الله وجهه، فقال: أيها الرجلان، إني أراكما قد أبطأتما بهذا الأمر ~~حتى أيس القوم منكما، فإن كنتما اجتمعتما على خير فأظهراه، نسمعه ونشهد ~~عليه، وإن كنتما لم تجتمعا رجعنا إلى الحرب. # ما قال عدي بن حاتم لعمرو قال: وذكروا أن عديا قال لعمرو: أما والله يا ~~عمرو إنك لغير مأمون الغناء، وإنك يا أبا موسى لغير مأمون الضعف، وما ننتظر ~~بالقول منكما إلا أن تقولا: والله ما لكما مع كتاب الله إيراد ولا صدر. ~~فقال أبو موسى: كفوا عنا فإنا إنما نقول فيما بقي، ولسنا نقول فيما مضى. # ما قال عمرو لأبي موسى قال: وذكروا أن عمرا غدا على أبي موسى، فقال: يا ~~أبا موسى، قد عرفت حال معاوية في قريش، وشرفه في بني عبد مناف، وأنه ابن ~~هند، وابن أبي سفيان، فما ترى؟ فقال أبو موسى: أما معاوية فليس بأشرف في ~~قريش من علي، ولو كان هذا الأمر على شرف الجاهلية، كان أخوال ذي أصبح، ~~ولكنني أرى وترى، وباعده أبو موسى، ثم غدا عليه PageV01P117 # عمرو، فقال: يا أبا موسى إن قال قائل: إن معاوية من الطلقاء، وأبوه رأس ~~الأحزاب، لم يبايعه المهاجرون والأنصار فقد صدق، وإذا قال إن عليا آوى قتلة ~~عثمان، وقتل أنصاره يوم الجمل، وبرز على أهل الشام بصفين فقد صدق، وفينا ~~وفيكم بقية، وإن عادت الحرب ذهب ما بقي، فهل لك أن تخلعهما جميعا، وتجعل ~~الأمر لعبد الله بن عمر، فقد صحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يبسط ~~في هذه الحرب يدا ولا لسانا، وقد علمت من هو مع فضله وزهده وورعه وعلمه، ~~فقال أبو موسى: جزاك الله بنصيحتك خيرا، وكان أبو موسى لا يعدل بعبد الله ~~بن عمر أحدا، لمكانه من رسول الله ms132 صلى الله عليه وسلم، ومكانه من أبيه، ~~لفضل عبد الله في نفسه، وافترقا على هذا الأمر، واجتمع رأيهما على ذلك. ثم ~~إن عمرا غدا على أبي موسى بالغد، وجماعة الشهود، فقال: يا أبا موسى، ناشدتك ~~الله تعالى، من أحق بهذا الأمر؟ من أوفى، أو من غدر؟ قال أبو موسى: من ~~أوفى. قال عمرو: يا أبا موسى: # نشدتك الله تعالى: ما تقول في عثمان؟ قال أبو موسى: قتل مظلوما. قال ~~عمرو: فما الحكم فيمن قتل؟ قال أبو موسى: يقتل بكتاب الله تعالى. قال: فمن ~~يقتله؟ قال: أولياء عثمان. # قال: فإن الله يقول في كتابه العزيز: " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه ~~سلطانا ". قال: # فهل تعلم أن معاوية من أولياء عثمان؟ قال: نعم. قال عمرو للقوم. اشهدوا. ~~قال أبو موسى للقوم: اشهدوا على ما يقول عمرو. # ثم قال أبو موسى لعمرو: قم يا عمرو، فقل وصرح بما اجتمع عليه رأيي ورأيك، ~~وما اتفقنا عليه، فقال عمرو: سبحان الله! أقوم قبلك وقد قدمك الله قبلي في ~~الإيمان والهجرة، وأنت وافد أهل اليمن إلى رسول الله، ووافد رسول الله ~~إليهم، وبك هداهم الله، وعرفهم شرائع دينه، وسنة نبيه، وصاحب مغانم أبى بكر ~~وعمر! ولكن قم أنت فقل، ثم أقوم فأقول. فقام أبو موسى، فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: أيها الناس، إن خير الناس للناس خيرهم لنفسه، وإني لا أهلك ~~ديني بصلاح غيري، إن هذه الفتنة قد أكلت العرب، وإني رأيت وعمرا أن نخلع ~~عليا ومعاوية، ونجعلها لعبد الله بن عمر، فإنه لم يبسط في هذه الحرب يدا ~~ولا لسانا، ثم قام عمرو فقال: أيها الناس، هذا أبو موسى شيخ المسلمين، وحكم ~~أهل العراق ومن لا يبيع الدين بالدنيا، وقد خلع عليا وأنا أثبت معاوية. ~~فقال أبو موسى: مالك؟ عليك لعنة الله! ما أنت إلا كمثل الكلب تلهث! فقال ~~عمرو: لكنك مثل الحمار يحمل أسفارا: واختلط الناس، فقالوا: والله لو ~~اجتمعنا على هذا ما حولتمانا عما نحن عليه، وما صلحكما بلازمنا، وإنا اليوم ~~على ms133 ما كنا عليه أمس، ولقد كنا ننظر إلى هذا قبل أن يقع، وما أمات قولكما ~~حقا، ولا أحيا باطلا. ثم تشاتم أبو موسى وعمرو، ثم انصرف عمرو إلى معاوية، ~~ولحق PageV01P118 # أبو موسى بمكة، وانصرف القوم إلى علي، فقال عدي: أما والله يا أمير ~~المؤمنين، فقد قدمت القرآن، وأخرت الرجال، وجعلت الحكم لله. فقال علي: أما ~~إني قد أخبرتكم أن هذا يكون بالأمس، وجهدت أن تبعثوا غير أبي موسى، فأبيتم ~~علي، ولا سبيل إلى حرب القوم حتى تنقضي المدة، فصعد المنبر، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: قم يا حسن فتكلم في أمر هذين الرجلين: أبي موسى وعمرو. ~~فقام الحسن، فتكلم، فقال: أيها الناس، قد أكثرتم في أمر أبي موسى وعمرو، ~~وإنما بعثا ليحكما بالقرآن دون الهوى، فحكما بالهوى دون القرآن، فمن كان ~~هكذا لم يكن حكما، ولكنه محكوم عليه، وقد كان من خطأ أبي موسى أن جعلها ~~لعبد الله ابن عمر، فأخطأ في ثلاث خصال: خالف (يعني أبا موسى) أباه عمر، إذ ~~لم يرضه لها (1)، ولم يره أهلا لها، وكان أبوه أعلم به من غيره، ولا أدخله ~~في الشورى إلا على أنه لا شئ له فيها، شرطا مشروطا من عمر على أهل الشورى، ~~فهذه واحدة، وثانية: لم تجمع عليه المهاجرون والأنصار، الذين يعقدون ~~الإمامة، ويحكمون على الناس، وثالثة: يستأمر الرجل في نفسه، ولا علم ما ~~عنده من رد أو قبول. ثم جلس. ثم قال علي لعبد الله بن عباس: قم فتكلم. فقام ~~عبد الله بن عباس، وقال: أيها الناس، إن للحق أناسا أصابوه بالتوفيق والرضا ~~والناس بين راض به، وراغب عنه، وإنما سار أبو موسى بهدى إلى ضلال، وسار ~~عمرو بضلالة إلى هدى، فلما التقيا رجع أبو موسى عن هداه، ومضى عمرو على ~~ضلاله، فوالله لو كانا حكما عليه بالقرآن لقد حكما عليه، ولئن كان حكما ~~بهواهما على القرآن، ولئن مسكا بما سارا به لقد سار أبو موسى وعلي إمامه، ~~وسار عمرو ومعاوية إمامه. ثم جلس فقال علي لعبد الله ms134 بن جعفر: قم فتكلم. ~~فقام وقال: أيها الناس هذا أمر كان النظر فيه لعلي، والرضا فيه إلى غيره، ~~جئتم بأبي موسى، فقلتم قد رضينا هذا، فارض به، وأيم الله ما أصلحا بما فعلا ~~الشام، ولا أفسد العراق ولا أماتا حق علي، ولا أحييا باطل معاوية، ولا يذهب ~~الحق قلة رأي، ولا نفخة شيطان، وإنا لعلي اليوم كما كنا أمس عليه. ثم جلس. # كتاب ابن عمر إلى أبي موسى قال: وذكروا أن عبد الله بن عمر لما بلغه ما ~~كان من رأي أبي موسى، كتب إليه: # أما بعد يا أبا موسى، فإنك تقربت إلي بأمر لم تعلم هواي فيه، أكنت تظن ~~أني أبسط يدا إلى أمر نهاني عنه عمر؟ أو كنت تراني أتقدم على علي وهو خير ~~مني؟ لقد خبت إذا # PageV01P119 # وخسرت، وما أنا من المهتدين، فأغضبت بقولك وفعلك علي عليا ومعاوية، ثم ~~أعظم من ذلك خديعة عمرو إياك، وأنت حامل القرآن، ووافد أهل اليمن إلى نبي ~~الله، وصاحب مغانم أبي بكر وعمر، فقدمك عمرو للقول مخادعا، حتى خلعت عليا ~~قبل أن تخلع معاوية، ولعمري ما يجوز لك على علي ما جاز لعمرو على معاوية، ~~ولا ما جاز لنا عليه، ولقد كرهنا ما رضيت وأردت، إن الحاكم هو من يحكم بما ~~حكم الله بين الناس، ولم تبلغ من خطيئتك عنه ما غير أمرك في خلاف هواه. # فلما أتى أبا موسى كتاب ابن عمر كتب إليه: أما بعد، فإني والله ما أردت ~~بتوليتي إياك وبيعتي لك القربة إليك، ما أردت بذلك إلا الله عز وجل، وما ~~تقلدي أمر هذه الأمة غير مستكره، فإنهم كانوا على مثل حد السيف، فقلت: إلى ~~سنة محيا وممات، إن يصطلحوا فهو الذي أردت، وإلا لم يرجعوا إلى أعظم مما ~~كانوا عليه، وأما إغضابي عليك عليا ومعاوية، فقد غضبا عليك قبل ذلك، وأما ~~خديعة عمرو إياي، فوالله ما ضر بخديعته عليا، ولا نفع معاوية، وقد كان ~~الشرط ما اجتمعنا عليه، لا ما اختلفنا فيه، وأما نهي أبيك، فوالله ms135 لو تم ~~الأمر لأكرهت عليه. # كتاب معاوية إلى أبي موسى قال: وذكروا أن معاوية كتب إلى أبي موسى بعد ~~الحكومة وهو بمكة: أما بعد، فأكره من أهل العراق ما كرهوا منك، وأقبل إلى ~~الشام، فإني خير لك من علي، والسلام. # جوابه فكتب إليه أبو موسى: أما بعد، فإنه لم يكن مني في علي إلا ما كان ~~من عمرو فيك، غير أني أردت بما صنعت وجه الله، وأراد عمرو بما صنع ما عندك، ~~وقد كان بيني وبينه شروط عن تراض، فلما رجع عمرو رجعت، وأما قولك: إن ~~الحكمين إذا حكما على أمر فليس للمحكوم عليه أن يكون بالخيار، إنما ذاك في ~~الشاة والبعير، وأما في أمر هذه الأمة فليست تساق إلى ما تكره، ولن تذهب ~~بين عجز عاجز، ولا كيد كائد، ولا خديعة فاجر، وأما دعاؤك إياي إلى الشام، ~~فليس لي بدل ولا إيثار عن قبر ابن إبراهيم أبي الأنبياء. PageV01P120 # كتاب علي إلى أبي موسى قال: وذكروا أنه لما بلغ عليا كتاب أبي موسى رق ~~له، وأحب أن يضمه إليه، فكتب إليه: أما بعد، فإنك امرؤ ضللك الهوى، ~~واستدرجك الغرور، فاستقل الله يقلك عثرتك، فإنه من استقال الله أقاله، إن ~~الله يغفر ولا يغير، وأحب عباده إليه المتقون، والسلام. # فلما انتهى كتاب علي إلى أبي موسى هم أن يرجع، ثم قال لأصحابه إني امرؤ ~~غلب على الحياء، ولا يستطيع هذا الأمر رجل فيه حياء. # جوابه فكتب أبو موسى إلى علي: أما بعد، فلو لا أني خشيت أن يؤول منع ~~الجواب إلى أعظم مما في نفسك لم أجبك، لأنه ليس عذر ينفعني، ولا عذر يمنعني ~~منك، وأما التزامي مكة، فإني استنسرت إلى أهل الشام، وانقطعت من أهل ~~العراق، وأصبت أقواما صغروا من ذنبي ما عظمتم، وعظموا من حقي ما صغرتم، ~~فأقمت بين أظهرهم، إذ لم يكن لي منكم ولي ولا نصير. # ذكر الخوارج على علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: وذكروا أنه لما كان ~~من الحكمين ما كان، لقيت الخوارج ms136 بعضها بعضا، فاجتمعوا في منزل عبد الله بن ~~وهب الراسبي، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس، ما ينبغي لقوم ~~يؤمنون بالرحمن، وينسبون إلى حكم القرآن أن تكون هذه الدنيا آثر عندهم من ~~الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقول بالحق، وإن ضر ومر (1) فإنه إن ~~يضر ويمر في هذه الدنيا، فإن ثوابه يوم القيامة رضوان الله، وخلود الجنة، ~~فاخرجوا بنا من هذه القرية الظالم أهلها، إلى بعض هذه المدائن، منكرين لهذه ~~البدعة والمضلة، والأحكام الجائرة. # فقال حرقوص بن زهير: إن المتاع بهذه الدنيا قليل، وإن الفراق لها وشيك، ~~فلا تدعوكم زينتها وبهجتها إلى المقام بها، ولا تلوينكم عن طلب الحق، ~~وإنكار الظلم، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، يا قوم إن الرأي ~~ما قد رأيتم، والحق ما ذكرتم، فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من ~~عماد وسناد، ومن راية تحفون حولها، وترجعون إليها. # PageV01P121 # ثم اجتمعوا في منزل زفر بن حصين الطائي، فقالوا: إن الله أخذ عهودنا ~~ومواثيقنا على الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والقول بالحق، والجهاد في ~~تقويم السبيل، وقد قال عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: " يا داود إنا ~~جعلناك خليفة في الأرض، فاحكم بين الناس بالحق، ولا تتبع الهوى فيضلك عن ~~سبيل الله، إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد " -. " وقال: ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون " - فاشهدوا على أهل دعوتنا أن قد ~~اتبعوا الهوى، ونبذوا حكم القرآن، وجاروا في الحكم والعمل، وأن جهادهم على ~~المؤمنين فرض، وأقسم بالذي تعنو له الوجوه، وتخشع دونه الأبصار، ولو لم يكن ~~أحد على تغيير المنكر، وقتال القاسطين مساعدا، لقاتلتهم وحدي فردا، حتى ~~ألقى الله ربي، فيرى أني قد غيرت (1) إرادة رضوانه بلساني، يا إخواننا، ~~اضربوا جباههم ووجوههم بالسيف، حتى يطاع الرحمن عز وجل، فإن يطع الله كما ~~أردتم أثابكم ثواب المطيعين له، الآمرين بأمره، وإن قتلتم فأي شئ أعظم من ~~المسير إلى رضوان الله وجنته. وأعلموا أن هؤلاء القوم خرجوا لإقصاء ms137 حكم ~~الضلالة، فاخرجوا بنا إلى بلد نتعد (2) فيه الاجتماع من مكاننا هذا، فإنكم ~~قد أصبحتم بنعمة ربكم، وأنتم أهل الحق بين الخلق، إذ قلتم بالحق، وصممتم ~~لقول الصدق، فاخرجوا بنا إلى المدائن نسكنها فتأخذ بأبوابها، ونخرج منها ~~سكانها، ونبعث إلى إخواننا من أهل البصرة، فيقدمون علينا. # فقال زيد بن حصين الطائي: إن المدائن بها قوم يمنعونكم منها، ويمنعونها ~~منكم، ولكن اكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة، فأعلموهم بخروجكم، وسيروا ~~أنتم على المدائن، فانزلوا بجسر النهروان (3) قالوا: هذا هو الرأي فاجتمعوا ~~على ذلك، وكتبوا إلى إخوانهم من أهل البصرة: أما بعد، فإن أهل دعوتنا حكموا ~~الرجال في أمر الله، ورضوا بحكم القاسطين على عباده، فخالفناهم ونابذناهم، ~~نريد بذلك الوسيلة إلى الله، وقد قعدنا بجسر النهروان واحببنا إعلامكم ~~لتأخذوا بنصيبكم من الأجر، والسلام. # الجواب فكتبوا إليهم: أما بعد، فقد بلغنا كتابكم، وفهمنا ما ذكرتم. وقد ~~وهبنا لكم الرأي الذي جمعكم الله عليه من الطاعة، وإخلاص الحكم لله، ~~وأعمالكم أنفسكم فيما يجمع الله به كلمتكم، وقد أجمعنا على المسير إليكم ~~عاجلا. # PageV01P122 # وكان بدء خروجهم أنهم اجتمعوا في منزل حرقوص بن زهير ليلة الخميس، ~~فقالوا: متى أنتم خارجون؟ قالوا: الليلة القابلة من يوم الجمعة، فقال لهم ~~حرقوص: بل أقيموا ليلة الجمعة تتعبدوا لربكم، وأوصوا فيها بوصاياكم، ثم ~~اخرجوا ليلة السبت مثنى ووحدانا لا يشعر بكم. # خطبة علي كرم الله وجهه قالوا: فلما خرج جميع الخوارج، وتوافروا إلى ~~النهروان، قام علي بالكوفة على المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: أما ~~بعد، فإن معصية العالم الناصح تورث الحسرة، وتعقب الندامة، وقد كنت أمرتكم ~~في هذين الرجلين، وفي هذه الحكومة بأمري، فأبيتم إلا ما أردتم، فأحييا ما ~~أمات القرآن، وأماتا ما أحيا القرآن، واتبع كل واحد منهما هواه، يحكم بغير ~~حجة، ولا سنة ظاهرة، واختلفا في أمرهما وحكمهما، فكلاهما لم يرشد الله، ~~فبرئ الله منهما ورسوله وصالحو المؤمنين، فاستعدوا للجهاد، وتأهبوا للمسير، ~~ثم أصبحوا في معسكركم يوم الاثنين بالنخيلة (1)، وإنما حكمنا من حكمنا، ~~ليحكما بالكتاب، فقد ms138 علمتم أنهما حكما بغير الكتاب، وبغير السنة، ووالله ~~لأغزونهم ولو لم يبق أحد غيري لجاهدتهم، وأعطى الناس العطاء وهم بالجهاد. # كتاب علي كرم الله وجهه للخوارج قالوا: فأجمع رأي علي والناس على المسير ~~إلى معاوية بصفين، فتجهز معاوية وخرج حتى نزل بصفين، وأصبح على قد تجهز ~~وعسكر، فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه قد افترقت منا فرقة، فذهبت، قال: ~~فكتب إليهم علي: أما بعد، فإن هذين الرجلين الخاطئين الحاكمين، اللذين ~~ارتضيتم حكمين، قد خالفا كتاب الله، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فلم ~~يعملا بالسنة، ولم ينفذا للقرآن حكما، فبرئ الله منهما ورسوله وصالحو ~~المؤمنين، إذا بلغكم كتابنا هذا فأقبلوا إلينا، فإنا سائرون إلى عدونا ~~وعدوكم، ونحن على الأمر الذي كنا عليه، والسلام. # قال: فكتبوا إليه: أما بعد فإنك لم تغضب لله، إنما غضبت لنفسك، والله لا ~~يهدي كيد الخائنين. قال: فلما رأى علي كتابهم أيس منهم، ورأى أن يدعهم، ~~ويمضي بالناس إلى معاوية وأهل الشام فيناجزهم فقام علي خطيبا، فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: أما بعد، فإن # PageV01P123 # من ترك الجهاد وداهن في أمر الله كان على شفا هلكة، إلا أن يتداركه الله ~~برحمته، فاتقوا الله عباد الله، قاتلوا من حاد الله، وحاول أن يطفئ نور ~~الله، قاتلوا الخاطئين، القاتلين لأولياء الله، المحرفين لدين الله، الذين ~~ليسوا بقراء الكتاب ولا فقهاء في الدين، ولا علماء بالتأويل، ولا لهذا ~~الأمر بأهل في دين، ولا سابقة في الإسلام، ووالله لو ولوا عليكم لعملوا ~~فيكم بعمل كسرى وقيصر. فسيروا وتأهبوا للقتال، وقد بعثت لإخوانكم من أهل ~~البصرة، ليقدموا عليكم فإذا قدموا واجتمعتم شخصنا إن شاء الله. # كتاب علي إلى ابن عباس قالوا: وكان علي قد كتب إلى ابن عباس وإلى أهل ~~البصرة: أما بعد، فإنا أجمعنا على المسير إلى عدونا من أهل الشام، فأشخص ~~إلي من قبلك من الناس، وأقم حتى آتيك، والسلام. # ما قال ابن عباس إلى أهل البصرة فلما قدم كتاب علي على ابن عباس، قرأه ~~على الناس، ثم أمرهم ms139 بالشخوص مع الأحنف ابن قيس، فشخص معه منهم ألف وخمس ~~مئة رجل، فاستقلهم ابن عباس، فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: يا ~~أهل البصرة، قد جاءني كتاب أمير المؤمنين يأمرني بإشخاصكم، فأمرتكم بالمسير ~~إليه مع الأحنف بن قيس، فلم يشخص إليه منكم إلا ألف وخمس مئة، وأنتم في ~~الديوان ستون ألفا سوى أبنائكم وعبدانكم ومواليكم. ألا فانفروا، ولا يجعل ~~امرؤ على نفسه سبيلا، فإني موقع بكل من وجدته تخلف عن دعوته، عاصيا لإمامه، ~~حزنا يعقب ندما، وقد أمرت أبا الأسود بحشدكم، فلا يلم امرؤ جعل السبيل على ~~نفسه إلا نفسه. # ما قال علي كرم الله وجهه لأهل الكوفة قال: فحشد أبو الأسود الناس ~~بالبصرة، فاجتمع عليه ألف وسبع مئة فأقبل هو والأحنف ابن قيس، حتى وافيا ~~عليا بالنخيلة، فلما رأى علي أنه إنما قدم عليه من أهل البصرة ثلاثة آلاف ~~ومئتا رجل، جمع إليه رؤساء الناس وأمراء الأجناد ووجوه القبائل، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: يا أهل الكوفة أنتم إخواني وأنصاري وأعواني على الحق، ~~ومجيبي إلى جهاد المحلين، بكم أضرب المدبر، وأرجو إتمام طاعة المقبل، وقد ~~بعثت إلى أهل البصرة، فاستنفرتهم، PageV01P124 # فلم يأتني منهم غير ثلاثة آلاف ومئتين، فأعينوني بمناصحة سمحة، خلية من ~~الغش، وإني آمركم أن يكتب إلي رئيس كل قوم منكم ما في عشيرته من المقاتلة، ~~وأبنائهم الذين أدركوا القتال والعبدان والموالي، وارفعوا ذلك إلى ننظر فيه ~~إن شاء الله. فقام سعد بن قيس الهمداني، فقال: يا أمير المؤمنين سمعا ~~وطاعة، وودا ونصيحة، أنا أول الناس، وأول من أجابك بما سألت وطلبت. ثم قام ~~عدي بن حاتم وحجر بن عدي وأشراف القبائل، فقالوا: نحن كذلك، ثم كتبوا ~~ورفعوا إلى علي، فكان جميع ما رفعوا إليه أربعين ألف مقاتل، وسبعة عشر ألفا ~~من الأبناء، وثمانية آلاف من عبيدهم ومواليهم، وكانت العرب يومئذ سبعة ~~وخمسين ألفا من أهل الكوفة، ومن مماليكهم ومواليهم ثمانية آلاف، ومن أهل ~~البصرة ثلاثة آلاف ومئتا رجل. فقام علي فيهم خطيبا، فقال: أما ms140 بعد، فقد ~~بلغني قولكم: لو أن أمير المؤمنين سار بنا إلى هذه الخارجة التي خرجت ~~علينا، فبدأنا بهم، إلا أن غير هذه الخارجة أهم على أمير المؤمنين، سيروا ~~إلى قوم يقاتلونكم كيما يكونوا في الأرض جبارين ملوكا، ويتخذهم المؤمنون ~~أربابا، ويتخذون عباد الله خولا (1)، ودعوا ذكر الخوارج. قال: فنادى الناس ~~من كل جانب: سر بنا يا أمير المؤمنين حيث أحببت، فنحن حزبك وأنصارك، نعادي ~~من عاداك، ونشايع من أناب إليك وإلى طاعتك، فسر بنا إلى عدوك، كائنا من ~~كان، فإنك لن تؤتى من قلة ولا ضعف، فإن قلوب شيعتك كقلب رجل واحد في ~~الاجتماع على نصرتك، والجد في جهاد عدوك، فأبشر يا أمير المؤمنين بالنصر، ~~واشخص إلى أي الفريقين أحببت، فإنا شيعتك التي ترجو في طاعتك وجهاد من ~~خالفك صالح الثواب من الله، تخاف من الله في خذلانك، والتخلف عنك شديد ~~الوبال. # ما قال علي كرم الله وجهه في الخثعمي فبايعوه على التسليم والرضا، وشرط ~~عليهم كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل من خثعم، فقال ~~له الإمام علي: بايع على كتاب الله وسنة نبيه، قال: لا، ولكن أبايعك على ~~كتاب الله وسنة نبيه وسنة أبي بكر وعمر. فقال علي: وما يدخل سنة أبي بكر ~~وعمر مع كتاب الله وسنة نبيه؟ إنما كانا عاملين بالحق حيث عملا، فأبى ~~الخثعمي إلا سنة أبي بكر وعمر، وأبى علي أن يبايعه إلا على كتاب الله وسنة ~~نبيه صلى الله عليه وسلم، # PageV01P125 # فقال له حيث ألح عليه: تبايع؟ قال: لا، إلا على ما ذكرت لك، فقال له علي: # أما والله لكأني بك قد نفرت في هذه الفتنة، وكأني بحوافر خيلي قد شدخت ~~وجهك، فلحق بالخوارج، فقتل يوم النهروان. قال قبيصة: فرأيته يوم النهروان ~~قتيلا، قد وطأت الخيل وجهه، وشدخت رأسه، ومثلت به، فذكرت قول علي: وقلت لله ~~در أبي الحسن! ما حرك شفتيه قط بشئ إلا كان كذلك. # إجماع على الذهاب إلى صفين فأجمع علي والناس على المسير إلى صفين، وتجهز ms141 ~~معاوية حتى نزل صفين، فلما خرج علي بالناس عبر الجسر، ثم مضى حتى نزل دير ~~أبي موسى، على شاطئ الفرات، ثم أخذ على الأنبار. وإن الخارجة التي خرجت على ~~علي بينما هم يسيرون، فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له، فعبروا إليه ~~الفرات، فقالوا له: من أنت؟ قال: أنا رجل مؤمن، قالوا: فما تقول في علي بن ~~أبي طالب؟ قال: أقول: إنه أمير المؤمنين، وأول المسلمين إيمانا بالله ~~ورسوله قالوا: فما اسمك؟ قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا له: أفزعناك؟ قال: نعم، قالوا: # لا روع عليك، حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله، لعل الله أن ينفعنا ~~به، قال: نعم، حدثني عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ستكون فتنة ~~بعدي، يموت فيها قلب الرجل كما يموت بدنه، يمسى مؤمنا، ويصبح كافرا: ~~فقالوا: لهذا الحديث سألناك، والله لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحدا. فأخذوه ~~وكتفوه، ثم أقبلوا به وبامرأته وهي حبلى متم (1)، حتى نزلوا تحت نخل، فسقطت ~~رطبة منها، فأخذها بعضهم فقذفها في فيه، فقال له أحدهم بغير حل، أو بغير ~~ثمن أكلتها، فألقاها من فيه، ثم اخترط بعضهم سيفه فضرب به خنزيرا لأهل ~~الذمة، فقتله، قال له بعض أصحابه: إن هذا من الفساد في الأرض، فلقى الرجل ~~صاحب الخنزير فأرضاه من خنزيره، فلما رأى منهم عبد الله بن خباب ذلك، قال: ~~لئن كنتم صادقين فيما أرى، ما علي منكم بأس، ووالله ما أحدثت حدثا في ~~الإسلام، وإني لمؤمن، وقد أمنتموني، وقلتم لا روع عليك فجاءوا به وبامرأته، ~~فأضجعوه على شفير النهر، على ذلك الخنزير، فذبحوه فسأل دمه في الماء، ثم ~~أقبلوا إلى امرأته، فقالت: إنما أنا امرأة، أما تتقون الله؟ قال: # PageV01P126 # فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاثة نسوة، فيهم أم سنان قد صحبت النبي عليه ~~الصلاة والسلام. # فبلغ عليا خبرهم، فبعث إليهم الحارث بن مرة، لينظر فيما بلغه من قتل عبد ~~الله بن خباب والنسوة، ويكتب إليه بالأمر، ms142 فلما انتهى إليهم ليسائلهم، ~~خرجوا إليه فقتلوه، فقال الناس: يا أمير المؤمنين، تدع هؤلاء القوم وراءنا ~~يخلفوننا في عيالنا وأموالنا، سر بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى ~~عدونا من أهل الشام. # مسير علي إلى الخوارج وما قال لهم قال: فسار علي ومن معه حتى نزلوا ~~المدائن، ثم خرج حتى أتى النهروان فبعث إليهم: # أن ادفعوا إلينا قتلة إخواننا منكم نقتلهم بهم، ثم أنا أفارقكم، وأكف ~~عنكم، حتى ألقى أهل الشام، فبعثوا إليه: إنا كلنا قتلناهم، وكلنا مستحل ~~لدمائكم ودمائهم. ثم أتاهم علي، فوقف عليهم، فقال: أيتها العصابة، إني نذير ~~لكم أن تصبحوا تلعنكم الأمة غدا، وأنتم صرعى بإزاء هذا النهر، بغير برهان، ~~ولا سنة، ألم تعلموا أني نهيتكم عن الحكومة، وأخبرتكم أن طلب القوم لها ~~مكيدة، وأنبأتكم أن القوم ليسوا بأصحاب دين ولا قرآن، وإني أعرف بهم منكم، ~~قد عرفتهم أطفالا، وعرفتهم رجالا، فهم شر رجال، وشر أطفال، وهم أهل المكر ~~والغدر، وإنكم إن فارقتموني ورأيي، جانبتم الخير والحزم، فعصيتموني ~~وأكرهتموني، حتى حكمت، فلما أن فعلت شرطت واستوثقت، وأخذت على الحكمين أن ~~يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فاختلفا، وخالفا حكم ~~الكتاب والسنة، وعملا بالهوى، فنبذا أمرهم، ونحن على أمرنا الأول، فما ~~نبؤكم ومن أين أتيتم؟ قالوا له: إنا حيث حكمنا الرجلين أخطأنا بذلك، وكنا ~~كافرين، وقد تبنا من ذلك؟ فإن شهدت على نفسك بالكفر، وتبت كما تبنا ~~وأشهدنا، فنحن معك ومنك، وإلا فاعتزلنا، وإن أبيت فنحن منابذوك على سواء. # فقال علي: أبعد إيماني بالله، وهجرتي وجهادي مع رسول الله، أبوء (1) ~~وأشهد على نفسي بالكفر؟ لقد ضللت إذا وما أنا من المهتدين. ويحكم! بم ~~استحللتم قتالنا، والخروج من جماعتنا؟ أأن اختار الناس رجلين، فقالوا لهما: ~~انظرا بالحق فيما يصلح العامة ليعزل رجل، ويوضع آخر مكانه. أحل لكم أن ~~تضعوا سيوفكم على عواتقكم، تضربون بها هامات الناس، وتسفكون دماءهم؟! إن ~~هذا لهو الخسران المبين. قال: فتنادوا لا تخاطبوهم ولا تكلموهم، تهيئوا ~~للقاء الحرب، الرواح الرواح إلى الجنة. ms143 # PageV01P127 # قتل الخوارج قال: فرجع علي، فعبأ أصحابه فجعل على الميمنة حجر بن عدي، ~~وعلى الميسرة شيث بن ربعي، وعلى الخيل أبا أيوب الأنصاري، وعلى الرجالة أبا ~~قتادة، وعلى أهل المدينة وهم ثمان مئة رجل من الصحابة قيس بن سعد بن عبادة، ~~ووقف علي في القلب في مضر. قال: ثم رفع لهم راية أمان مع أبي أيوب ~~الأنصاري، فناداهم أبو أيوب: # من جاء منكم إلى هذه الراية فهو آمن، ومن دخل المصر فهو آمن، ومن انصرف ~~إلى العراق، وخرج من هذه الجماعة فهو آمن، فإنه لا حاجة لنا في سفك دمائكم. ~~قال: # وقدم الخيل دون الرجالة، وصف الناس صفين وراء الخيل، وصف الرماة صفا أمام ~~صف، وقال لأصحابه: كفوا عنهم حتى يبدءوكم. قال: وأقبلت الخوارج حتى إذا ~~دنوا من الناس نادوا: لا حكم إلا لله، ثم نادوا: الرواح الرواح إلى الجنة. ~~قال: وشدوا على أصحاب علي شدة رجل واحد، والخيل أمام الرجال، فاستقبلت ~~الرماة وجوههم بالنبل، فخمدوا. # قال الثعلبي: لقد رأيت الخوارج حين استقبلتهم الرماح والنبل كأنهم معز ~~اتقت المطر بقرونها، ثم عطفت الخيل عليهم من الميمنة والميسرة، ونهض علي في ~~القلب بالسيوف والرماح، فلا والله ما لبثوا فواقا (1) حتى صرعهم الله، ~~كأنما قيل لهم موتوا فماتوا. قال: # وأخذ على ما كان في عسكرهم من كل شئ، فأما السلاح والدواب فقسمه علي ~~بيننا، وأما المتاع والعبيد والإماء فإنه حين قدم الكوفة رده على أهلها. # قال: ولما أراد علي الانصراف من النهروان، قام خطيبا، فحمد الله ثم قال: # أما بعد، فإن الله قد أحسن بلاءكم، وأعز نصركم، فتوجهوا من فوركم هذا إلى ~~معاوية وأشياعه القاسطين (2)، الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم واشتروا ~~به ثمنا قليلا، فبئس ما شروا (3) به أنفسهم لو كانوا يعلمون. فقالوا: يا ~~أمير المؤمنين نفدت نبالنا، # PageV01P128 # وكلت أذرعنا، وتقطعت سيوفنا، ونصلت (1) أسنة رماحنا، فارجع بنا نحسن ~~عدتنا، ولعل أمير المؤمنين يزيد في عدتنا عدة، فإن ذلك أقوى لنا على عدونا. ~~فأقبل علي بالناس حتى نزل بالنخيلة، فعسكر بها، وأمر ms144 الناس أن يلزموا معه ~~عسكرهم، ويوطنوا أنفسهم على الجهاد، وأن يقلوا من زيارة أبنائهم ونسائهم، ~~حتى يسيروا إلى عدوهم من أهل الشام، فأقاموا معه أياما، ثم رجعوا يتسللون ~~ويدخلون الكوفة، ويتلذذون بنسائهم وأبنائهم ولذاتهم، حتى تركوا عليا وما ~~معه إلا نفر من وجوه الناس يسير، وترك العسكر خاليا. # خطبة علي كرم الله وجهه قال: فقام علي على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: أيها الناس، استعدوا للمسير إلى عدو في جهاده القربة إلى الله، ~~ودرك الوسيلة عنده، فأعدوا له ما استطعتم من قوة، ومن رباط الخيل، وتوكلوا ~~على الله، وكفى به وكيلا، ثم تركهم أياما، ودعا رؤساءهم ووجوههم، فسألهم عن ~~رأيهم، وما الذي ثبطهم؟ فمنهم المعتل، ومنهم المتكره، وأقلهم من نشط، فقال ~~لهم علي: عباد الله، ما لكم إذا أمرتكم أن تنفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى ~~الأرض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة بدلا، ورضيتم بالذل والهوان من العز ~~خلفا، كلما ناديتكم إلى الجهاد دارت أعينكم، كأنكم من الموت في سكرة، وكانت ~~قلوبكم قاسية، فأنتم لا تعقلون، وكأن أبصاركم كمه (2)، فأنتم لا تبصرون، ~~لله أنتم، ما أنتم إلا أسود رواعة (3)، وثعالب رواغة عند الناس، تكادون ولا ~~تكيدون، وتنتقص أطرافكم فلا تحاشون، وأنتم في غفلة ساهون: إن أخا الحرب ~~اليقظان. أما بعد: # فإن لي عليكم حقا، ولكم علي حق، أما حقكم علي: فالنصيحة في ذات الله، ~~وتوفير فيئكم عليكم، وتعليمكم كيلا تجهلوا، وتأديبكم كيما تعلموا، وأما حقي ~~عليكم: فالوفاء بالبيعة، والنصح لي في الإجابة حين أدعوكم، والطاعة حين ~~آمركم، فإن يرد الله بكم خيرا تنزعوا عما أكره، وترجعوا إلى ما أحب، تنالوا ~~بذلك ما تحبون، وتدركوا ما تأملون. # PageV01P129 # أيها الناس المجتمعة أبدانهم، المختلفة أهواؤهم، ما عزت دعوة من دعاكم، ~~ولا استراح قلب من قاساكم، كلامكم يوهي الصم (1)، وفعلكم يطمع فيكم عدوكم، ~~إذا أمرتكم بالمسير قلتم كيت وكيت، أعاليل (2) بأضاليل، هيهات، لا يدرك ~~الحق إلا بالجد والصبر، أي دار بعد داركم تمنعون؟ ومع أي إمام بعدي ~~تقاتلون؟ المغرور والله من غررتموه، ms145 ومن فاز بكم فاز بالسهم الأخيب (3)، ~~أصبحت لا أطمع في نصرتكم، ولا أصدق قولكم، فرق الله بيني وبينكم، وأعقبني ~~بكم من هو خير لي، وأعقبكم بعدي من هو شر لكم مني، أما إنكم ستلقون بعدي ~~ذلا شاملا. وسيفا قاتلا. وأثرة يتخذها الظالمون بعدي عليكم سنة. تفرق ~~جماعتكم. وتبكي عيونكم. وتدخل الفقر بيوتكم. تمنون والله عندها أن لو ~~رأيتموني ونصرتموني. وستعرفون ما أقول لكم عما قليل. استنفرتكم فلم تنفروا. # ونصحت لكم فلم تقبلوا، وأسمعتكم فلم تعوا، فأنتم شهود كأغياب، وصم ذوو ~~أسماع، أتلو عليكم الحكمة، وأعظكم بالموعظة النافعة، وأحثكم على جهاد ~~المحلين (4)، الظلمة الباغين، فما آتى على آخر قولي حتى أراكم متفرقين، إذا ~~تركتكم عدتم إلى مجالسكم حلقا عزين (5)، تضربون الأمثال، وتناشدون الأشعار، ~~تربت أيديكم، وقد نسيتم الحرب واستعدادها، وأصبحت قلوبكم فارغة عن ذكرها، ~~وشغلتموها بالأباطيل والأضاليل، ويحكم! اغزوا عدوكم قبل أن يغزوكم، فوالله ~~ما غزى قوم قط في عقر دارهم إلا ذلوا، وأيم الله ما أظنكم تفعلون حتى يفعل ~~بكم! وأيم الله لوددت أني قد رأيتهم فلقيت الله على نيتي وبصيرتي، فاسترحت ~~من مقاساتكم ومداراتكم، ويحكم! ما أنتم إلا كإبل جامحة ضل عنها رعاؤها (6)، ~~فكلما ضمت من جانب، انتشرت من جانب، والله لكأني أنظر إليكم وقد حمى ~~الوطيس، لقد انفرجتم عن علي انفراج الرأس، وانفراج المرأة عن قبلها. # فقام إليه الأشعث بن قيس الكندي، فقال: يا أمير المؤمنين فهلا فعلت كما ~~فعل عثمان؟ # PageV01P130 # قال له علي: ويلك وما فعل عثمان، رأيتني عائذا بالله من شر ما تقول، ~~والله إن الذي فعل عثمان لمخزاة على من لا دين له، ولا حجة معه، فكيف وأنا ~~على بينة من ربي، والحق معي، والله إن امرأ أمكن عدوه من نفسه، فنهش عظمه، ~~وسفك دمه، لعظيم عجزه، ضعيف قلبه. أنت يا بن قيس فكن ذلك، فأما أنا فوالله ~~دون أن أعطى ذلك ضرب بالمشرفي (1)، يطير له فراش (2) الرأس، وتطيح منه ~~الأكف والمعاصم، وتجد به الغلاصم (3) ويفعل الله بعد ذلك ما يشاء. والله يا ~~أهل العراق، ms146 ما أظن هؤلاء القوم من أهل الشام إلا ظاهرين عليكم، فقالوا: ~~أبعلم تقول ذلك يا أمير المؤمنين؟ فقال: نعم، والذي فلق الحبة، وبرأ ~~النسمة، إني أرى أمورهم قد علت، وأرى أموركم قد خبت (4)، وأراهم جادين في ~~باطلهم، وأراكم وانين في حقكم، وأراهم مجتمعين، وأراكم متفرقين، وأراهم ~~لصاحبهم معاوية مطيعين، وأراكم لي عاصين. أما والله لئن ظهروا عليكم بعدي ~~لتجدنهم أرباب سوء، كأنهم والله عن قريب قد شاركوكم في بلادكم، وحملوا إلى ~~بلادهم منكم، وكأني أنظر إليكم تكشون كشيش (5) الضباب، لا تأخذون لله حقا، ~~ولا تمنعون له حرمة، وكأني أنظر إليهم يقتلون صلحاءكم، ويخيفون علماءكم، ~~وكأني أنظر إليكم يحرمونكم ويحجبونكم، ويدينون الناس دونكم، فلو قد رأيتم ~~الحرمان، ولقيتم الذل والهوان، ووقع السيف ونزل الخوف، لندمتم وتحسرتم على ~~تفريطكم في جهاد عدوكم، وتذكرتم ما أنتم فيه من الخفض والعافية، حين لا ~~ينفعكم التذكار. # فقال الناس: قد علمنا يا أمير المؤمنين أن قولك كله وجميع لفظك يكون حقا، ~~أترى معاوية يكون علينا أميرا؟ فقال: لا تكرهون إمرة معاوية، فإن إمرته سلم ~~وعافية، فلو قد مات رأيتم الرؤوس تندر عن كهولها كأنها الحنظل (6)، وعدا ~~كان مفعولا، فأما إمرة معاوية فلست أخاف عليكم شرها، ما بعدها أدهى وأمر. # كلام أبي أيوب الأنصاري ثم قام أبو أيوب الأنصاري، فقال: إن أمير ~~المؤمنين أكرمه الله قد أسمع من كانت له أذن واعية، وقلب حفيظ، إن الله قد ~~أكرمكم به كرامة ما قبلتموها حق قبولها، حيث نزل # PageV01P131 # بين أظهركم ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخير المسلمين وأفضلهم ~~وسيدهم بعده، يفقهكم في الدين، ويدعوكم إلى جهاد المحلين، فوالله لكأنكم صم ~~لا تسمعون، وقلوبكم غلف مطبوع عليها فلا تستجيبون. عباد الله، أليس إنما ~~عهدكم بالجور والعدوان أمس، وقد شمل العباد، وشاع في الإسلام، فذو حق ~~محروم، ومشتوم عرضه، ومضروب ظهره، وملطوم وجهه، وموطوء بطنه، وملقى ~~بالعراء، فلما جاءكم أمير المؤمنين صدع بالحق، ونشر بالعدول، وعمل بالكتاب، ~~فاشكروا نعمة الله عليكم، ولا تتولوا مجرمين، ولا تكونوا كالذين قالوا ms147 ~~سمعنا وهم لا يسمعون. اشحذوا السيوف، وجددوا آلة الحرب، واستعدوا للجهاد، ~~فإذا دعيتم فأجيبوا، وإذا أمرتم فأطيعوا تكونوا بذلك من الصاقدين. # قال: ثم قام رجال من أصحاب علي فقالوا: يا أمير المؤمنين، اعط هؤلاء هذه ~~الأموال، وفضل هؤلاء الأشراف من العرب وقريش على الموالي، ممن يتخوف خلافه ~~على الناس وفراقه. # وإنما قالوا له: هذا الذي كان معاوية يصنعه بمن أتاه، وإنما عامة الناس ~~همهم الدنيا، ولها يسعون، وفيها يكدحون. فأعط هؤلاء الأشراف، فإذا استقام ~~لك ما تريد عدت إلى أحسن ما كنت عليه من القسم، فقال علي: أتأمروني أن أطلب ~~النصر بالجور فيمن وليت عليه من الإسلام؟ فوالله لا أفعل ذلك ما لاح في ~~السماء نجم، والله لو كان لهم مال لسويت بينهم، فكيف وإنما هي أموالكم. ~~فقال رجل: يا أمير المؤمنين إن الموت نازل لا بد منه، فإن حل فمن صاحبنا؟ ~~فقال علي: أحدثك عن خاصة نفسي؟ أما الحسن فصاحب خوان (1)، وفتى من الفتيان، ~~ولو قد التقت حلقتا البطان (2) لم يغن عنكم في الحرب حثالة عصفور (3). وأما ~~ابن أخي عبد الله بن جعفر فصاحب لهو. وأما الحسين ومحمد ابناي فأنا منهما ~~وهما مني، والله لقد أحببت أن يدال هؤلاء القوم عليكم، بإصلاحهم في أرضهم، ~~وفسادكم في أرضكم، وأدائهم الأمانة لمعاوية، وخيانتكم، وبطاعتهم له، ~~ومعصيتكم لي، واجتماعهم على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، وأيم الله لا يدعون ~~بعدي محرما إلا استحلوه، ولا يبقى بيت وبر (4) ولا مدر (5) إلا أدخلوه ~~ظلمهم، حتى يقوم الباكيان منكم، باك لدينه، وباك لدنياه، وحتى # PageV01P132 # تكون نصرة أحدكم كنصرة العبد لسيده: إذا شهد أطاعه، وإذا غاب سبه. فقال ~~رجل: # يا أمير المؤمنين، أتظن ذلك كائنا؟ قال: ما هو بالظن ولكنه اليقين. # ما كتب علي لأهل العراق قال: فقام حجر بن عدي، وعمرو بن الحمق، وعبد الله ~~بن وهب الراسبي، فدخلوا على علي، فسألوه عن أبي بكر وعمر: ما تقول فيهما؟ ~~وقالوا: بين لنا قولك فيهما وفي عثمان. # قال علي كرم الله وجهه: وقد تفرغتم لهذا؟ وهذه مصر ms148 قد افتتحت، وشيعتي ~~فيها قد قتلت؟ # إني مخرج إليكم كتابا أنبئكم فيه ما سألتموني عنه، فاقرءوه على شيعتي، ~~فأخرج إليهم كتابا فيه: أما بعد، فإن الله بعث محمدا صلى الله عليه وسلم ~~نذيرا للعالمين، وأمينا على التنزيل، وشهيدا على هذه الأمة، وأنتم يا معشر ~~العرب على غير دين، وفي شر دار، تسفكون دماءكم، وتقتلون أولادكم، وتقطعون ~~أرحامكم، وتأكلون أموالكم بينكم بالباطل، فمن الله عليكم، فبعث محمدا إليكم ~~بلسانكم، فكنتم أنتم المؤمنين، وكان الرسول فيكم ومنكم، تعرفون وجهه ونسبه، ~~فعلمكم الكتاب والحكمة والسنة والفرائض، وأمركم بصلة الأرحام، وحقن الدماء، ~~وإصلاح ذات بينكم، وأن تؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن توفوا بالعقود، وأن ~~تعاطفوا وتباروا وتراحموا، ونهاكم عن التظالم والتحاسد والتقاذف والتباغي، ~~وعن شرب الحرام، وعن بخس المكيال والميزان، وتقدم إليكم فيما أنزل عليكم أن ~~لا تزنوا ولا تأكلوا أموال اليتامى ظلما، فكل خير يبعدكم عن النار قد حضكم ~~عليه، وكل شر يبعدكم عن الجنة قد نهاكم عنه، فلما استكمل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم مدته من الدنيا توفاه الله وهو مشكور سعيه مرضي عمله، مغفور ~~له ذنبه، شريف عند الله نزله، فيا لموته مصيبة خصت الأقربين، وعمت ~~المؤمنين، فلما مضى تنازع المسلمون الأمر بعده، فوالله ما كان يلقى في روعي ~~(1)، ولا يخطر على بالي أن العرب تعدل هذا الأمر عني، فما راعني إلا إقبال ~~الناس على أبي بكر، وإجفالهم (2) عليه، فأمسكت يدي، ورأيت أني أحق بمقام ~~محمد في الناس ممن تولى الأمور علي، فلبثت بذلك ما شاء الله، حتى رأيت ~~راجعة من الناس رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محو دين محمد. # وملة إبراهيم عليهما السلام. فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله. أن أرى في ~~الإسلام ثلما وهدما. تكون المصيبة به علي أعظم من فوت ولاية أمركم. التي ~~إنما هي متاع أيام قلائل. # PageV01P133 # ثم يزول ما كان منها، كما يزول السراب، فمشيت عند ذلك إلى أبي بكر ~~فبايعته، ونهضت معه في تلك الأحداث، حتى زهق الباطل، وكانت كلمة الله هي ~~العليا، وأن ms149 يرغم الكافرون، فتولى أبو بكر رضي الله عنه تلك الأمور فيسر، ~~وسدد، وقارب، واقتصد، فصحبته مناصحا، وأطعته فيما أطاع الله فيه جاهدا، ~~فلما احتضر بعث إلى عمر، فولاه، فسمعنا وأطعنا، وبايعنا وناصحنا، فتولى تلك ~~الأمور، فكان مرضي السيرة، ميمون النقيبة (1) أيام حياته، فلما احتضر قلت ~~في نفسي: ليس يصرف هذا الأمر عني. فجعلها عمر شورى وجعلني سادس ستة، فما ~~كانوا لولاية أحد منهم بأكره منهم لولايتي، لأنهم كانوا يسمعونني وأنا أحاج ~~أبا بكر فأقول: # يا معشر قريش، أنا أحق بهذا الأمر منكم ما كان منا من يقرأ القرآن، ويعرف ~~السنة، فخشوا إن وليت عليهم أن لا يكون لهم في هذا الأمر نصيب، فبايعوا ~~إجماع رجل واحد، حتى صرفوا الأمر عني لعثمان، فأخرجوني منها، رجاء أن ~~يتداولوها. حين يئسوا أن ينالوها، ثم قالوا لي: هلم فبايع عثمان، وإلا ~~جاهدناك. فبايعت مستكرها. وصبرت محتسبا، وقال قائلهم: # إنك يا ابن أبي طالب على الأمر لحريص، قلت لهم: أنتم أحرص. أما أنا إذ ~~طلبت ميراث ابن أبي وحقه، وأنتم إذ دخلتم بيني وبينه، وتضربون وجهي دونه، ~~اللهم إني أستعين بك على قريش، وأنهم قطعوا رحمي، وصغروا عظيم منزلتي ~~وفضلي، واجتمعوا على منازعتي حقا كنت أولى به منهم فسلبونيه، ثم قالوا: ~~اصبر كمدا، وعش متأسفا، فنظرت فإذا ليس معي رفاق ولا مساعد إلا أهل بيتي، ~~فضننت بهم على الهلاك، فأغضيت عيني على القذى، وتجرعت رفيق على الشجا (1). ~~وصبرت من كظم الغيظ على أمر من العلقم طعما، وآلم للقلب من حز الحديد، حتى ~~إذا نقمتم على عثمان أتيتموه فقتلتموه، ثم جئتموني تبايعونني، فأبيت عليكم، ~~وأبيتم علي، فنازعتموني ودافعتموني، ولم أمد يدي، تمنعا عنكم، ثم ازدحتم ~~علي، حتى ظننت أن بعضكم قاتل بعض، وأنكم قاتلي، وقلتم: لا نجد غيرك، ولا ~~نرضى إلا بك، فبايعنا لا نفترق ولا نختلف، فبايعتكم ودعوتم الناس إلى ~~بيعتي، فمن بايع طائعا قبلت منه، ومن أبى تركته، فأول من بايعني طلحة ~~والزبير، ولو أبيا ما أكرهتهما، كما لم أكره غيرهما، فما لبثا إلا ms150 يسيرا ~~حتى قيل لي: قد خرجا متوجهين إلى البصرة في جيش، ما منهم رجل إلا وقد ~~أعطاني الطاعة، وسمح لي بالبيعة، فقاموا على عمالي بالبصرة وخزائن بيوت ~~أموالي، وعلى أهل مصري، وكلهم في طاعتي، وعلى شيعتي، فشتتوا كلمتهم، ~~وأفسدوا علي جماعتهم، ثم وثبوا # PageV01P134 # على شيعتي، فقتلوا طائفة منهم غدرا، وطائفة صبرا، وطائفة عصرا بأسيافهم، ~~فضاربوهم حتى لقوا الله صابرين محتسبين، فوالله لو لم يصيبوا منهم إلا رجلا ~~واحدا متعمدين لقتله، لحل لي بذلك قتل الجيش كله، مع أنهم قد قتلوا من ~~المسلمين أكثر من العدة التي دخلوا عليهم بها، فقد أدال الله منهم، فبعدا ~~للقوم الظالمين. ثم إني نظرت بعد ذلك في أهل الشام، فإذا هم أعراب وأحزاب ~~وأهل طمع، جفاة طغام (1)، تجمعوا من كل أوب، ممن ينبغي أن يؤدب، ويولي ~~عليه، ويؤخذ على يديه، ليسوا من المهاجرين والأنصار، ولا من التابعين ~~بإحسان، فسرت إليهم، ودعوتهم إلى الجماعة والطاعة، فأبوا إلا شقاقا ونفاقا، ~~ونهضوا في وجوه المهاجرين والأنصار والتابعين بإحسان، ينضحونهم بالنبل، ~~ويشجونهم بالرماح، فهنالك نهضت إليهم فقاتلتهم، فلما عضهم السلاح، ووجدوا ~~ألم الجراح، رفعوا المصاحف يدعونكم إلى ما فيها، فنبأتكم أنهم ليسوا بأصحاب ~~دين ولا قرآن، وإنما رفعوها إليكم خديعة ومكيدة، فامضوا على قتالهم، ~~فاتهمتوني، وقلتم: اقبل منهم، فإنهم إن أجابوا إلى ما في الكتاب والسنة ~~جامعونا على ما نحن عليه من الحق، وإن أبوا كان أعظم لحجتنا عليهم، فقبلت ~~منهم، وخففت عنهم، وكان صلحا بينكم وبينهم على رجلين حكمين، يحييان ما أحيا ~~القرآن، ويميتان ما أمات القرآن، فاختلف رأيهما، وتفرق حكمهما، ونبذا حكم ~~القرآن، وخالفا ما في الكتاب، واتبعا هواهما بغير هدى من الله، فجنبهما ~~الله السداد وأهوى بهما في غمرة الضلال، وكانا أهل ذلك، فانخذلت عنا فرقة ~~منهم، فتركناهم ما تركونا، حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين، وقتلوا ~~المؤمنين، أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا، فقالوا: كلنا ~~قتلهم، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم، وشدت علينا خيلهم ورجالهم، فصرعهم ~~الله مصارع القوم الظالمين. ثم أمرتكم أن تمضوا من ms151 فوركم ذلك إلى عدوكم، ~~فإنه أفزع لقلوبهم، وأنهك لمكرهم، وأهتك لكيدهم، فقلتم: كلت أذرعنا ~~وسيوفنا، ونفدت نبالنا، ونصلت أسنة (1) رماحنا، فأذن لنا، فلنرجع حتى نستعد ~~بأحسن عدتنا، وإذا رجعت زدت في مقاتلتنا عدة من هلك منا، ومن قد فارقنا، ~~فإن ذلك قوة منا على عدونا، فأقبلتم حتى إذا أطللتم على الكوفة، أمرتكم أن ~~تلزموا معسكركم وتضموا قواصيكم (3)، وتتوطنوا على الجهاد، ولا تكثروا زيارة ~~أولادكم ونسائكم فإن ذلك يرق قلوبكم ويلويكم، وإن أصحاب الحرب لا يتوجدون ~~(4)، ولا يتوجعون، # PageV01P135 # ولا يسأمون من سهر ليلهم، ولا من ظمأ نهارهم، ولا من خمص بطونهم، حتى ~~يدركوا بثأرهم، وينالوا بغيتهم ومطلبهم، فنزلت طائفة منكم معي معذرة (1)، ~~ودخلت طائفة منكم المصر عاصية (2) فلا من نزل معي صبر فثبت، ولا من دخل ~~المصر عاد إلي، ولقد نظرت إلى عسكري وما فيه معي منكم إلا خمسون رجلا، فلما ~~رأيت ما أتيتم دخلت إليكم، فما قدرتم أن تخرجوا معي إلى يومكم هذا، لله ~~آباؤكم! فما تنتظرون؟ أما ترون إلى أطرافكم قد انتقصت، وإلى مصركم قد ~~افتتح؟ فما بالكم تؤفكون! ألا إن القوم قد اجتمعوا وجدوا وتناصحوا، وإنكم ~~تفرقتم واختلفتم وتغاششتم (3)، فأنتم إن اجتمعتم تسعدوا، فأيقظوا رحمكم ~~الله نائمكم، وتحرزوا لحرب عدوكم، إنما تقاتلون الطلقاء وأبناء الطلقاء، ~~ممن أسلم كرها، وكان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حربا، أعداء السنة ~~والقرآن، وأهل الأحزاب والبدع والأحداث، ومن كانت بوائقة (4) تتقي، وكان عن ~~الدين منحرفا، وأكلة الرشا (5)، وعبيد الدنيا، لقد نمى إلى أن ابن الباغية ~~(6) لم يبايع معاوية حتى شرط عليه أن يؤتيه أتاوة هي أعظم ما في يديه من ~~سلطانه (7)، فصفرت يد هذا البائع دينه بالدنيا! وتربت يد هذا المشتري نصرة ~~غادر فاسق بأموال الناس! وإن منهم لمن شرب فيكم الحرام، وجلد حدا في ~~الإسلام، فهؤلاء قادة القوم، ومن تركت ذكر مساويه منهم شر وأضر، وهؤلاء ~~الذين لو ولوا عليكم لأظهروا فيكم الغضب والفخر. والتسلط بالجبروت، ~~والتطاول بالغضب، والفساد في الأرض، ولا تبعوا الهوى، وحكموا بالرشا، وأنتم ~~على ما فيكم من ms152 تخاذل وتواكل خير منهم وأهدى سبيلا، فيكم الحكماء، والعلماء ~~والفقهاء، وحملة القرآن، والمتهجدون بالأسحار، والعباد، والزهاد في الدنيا، ~~وعمار المساجد، وأهل تلاوة القرآن، أفلا تسخطون وتنقمون أن ينازعكم الولاية ~~عليكم سفهاؤكم، والأراذل والأشرار منكم! اسمعوا قولي إذا قلت، وأطيعوا أمري ~~إذا أمرت، واعرفوا نصيحتي إذا نصحت، واعتقدوا جزمي إذا جزمت، والتزموا عزمي ~~إذا عزمت، وانهضوا لنهوضي، وقارعوا من قارعت، ولئن عصيتموني لا ترشدوا ولا ~~تجتمعوا، # PageV01P136 # خذوا للحرب أهبتها، وأعدوا لها التهيؤ، فإنها قد وقدت نارها، وعلا سناها ~~(1)، وتجرد لكم فيها الظالمون، كيما يطفئوا نور الله ويقهروكم، عباد الله، ~~ألا إنه ليس أولياء الشيطان من أهل الطمع والجفاء، بأولى في الجد في غيهم ~~وضلالهم وباطلهم، من أهل النزاهة والحق والإخبات بالجد في حقهم، وطاعة ~~ربهم، ومناصحة إمامهم، إني والله لو لقيتهم وحيدا منفردا، وهم في أهل الأرض ~~إن (2) باليت بهم أو استوحشت منهم، إني في ضلالهم الذي هم فيه، والهدى الذي ~~أنا عليه، لعلى بصيرة ويقين وبينة من ربي، وإني للقاء ربي لمشتاق ولحسن ~~ثوابه لمنتظر راج، ولكن أسفا يعتريني، وجزعا يريبني من أن يلي هذه الأمة ~~سفهاؤها وفجارها، فيتخذون مال الله دولا، وعباد الله خولا، والصالحين حربا، ~~والقاسطين حزبا (3)، وأيم الله لولا ذلك ما أكثرت تأليبكم وجمعكم، ~~وتحريضكم، ولتركتكم، فوالله إني لعلى الحق، وإني للشهادة لمحب، أنا نافر ~~بكم إن شاء الله، فانفروا خفافا وثقالا، وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل ~~الله، إن الله مع الصابرين. # مقتل علي عليه السلام قال المدائني: حج ناس من الخوارج سنة تسع وثلاثين، ~~وقد اختلف عامل علي وعامل معاوية، فاصطلح الناس على شبيب بن عثمان، فلما ~~انقضى الموسم أقام النفر من الخوارج مجاورين بمكة، فقالوا: كان هذا البيت ~~معظما في الجاهلية، جليل الشأن في الإسلام، وقد انتهك هؤلاء حرمته، فلو أن ~~قوما شروا (4) أنفسهم فقتلوا هذين الرجلين اللذين قد أفسدا في الأرض، ~~واستحلا حرمة هذا البيت، استراحت الأمة، واختار الناس لهم إماما. فقال عبد ~~الرحمن بن ملجم المرادي لعنه الله: أنا أكفيكم أمر علي. وقال ms153 الحجاج بن عبد ~~الله الصريمي، وهو البرك: أنا أقتل معاوية. فقال: أذويه مولى بني العنبر، ~~واسمه عمرو بن بكر والله ما عمرو بن العاص بدونهما. فأنا به: فتعاقدوا على ~~ذلك ثم اعتمروا عمرة رجب. واتفقوا على يوم واحد يكون فيه وقوع القتل منهم ~~في علي ومعاوية وعمرو، ثم سار كل منهم في طريقه فقدم ابن ملجم الكوفة وكتم ~~أمره، وتزوج امرأة يقال لها: قطام بنت علقمة، وكانت خارجية، وكان علي قد ~~قتل أخاها في حرب الخوارج. وتزوجها على أن يقتل عليا. فأقام # PageV01P137 # عندها مدة، فقالت له في بعض الأيام وهو مختف: لطالما أحببت المكث عند ~~أهلك، وأضربت عن الأمر الذي جئت بسببه، فقال: إن لي وقتا واعدت فيه أصحابي، ~~ولن أجاوزه فلما كان اليوم الذي تواعدوا فيه، خرج عدو الله، فقعد لعلي حين ~~خرج علي لصلاة الصبح، صبيحة نهار الجمعة، ليلة عشر بقيت من رمضان سنة ~~أربعين، فلما خرج للصلاة وثب عليه، وقال: الحكم لله لا لك يا علي، وضربه ~~على قرنه (1) بالسيف، فقال علي: فزت ورب الكعبة، ثم قال: لا يفوتنكم الرجل، ~~فشد الناس عليه، فأخذوه. # وكان علي رضي الله عنه شديد الأدمة (2) ثقيل العينين، ضخم البطن، أصلع، ~~ذا عضلات، في أذنيه شعر يخرج منهما، وكان إلى القصر أقرب. وكان ابن ملجم ~~يعرض سيفه، فإذا أخبر أن فيه عيبا أصلحه، فلما قتل عليا قال: لقد أحددت ~~سيفي بكذا وكذا، وسممته بكذا وضربت به عليا ضربة لو كانت بأهل المصر لأتت ~~عليهم. # وروي عن الحسن أنه قال: أتيت أبي فقال لي: أرقت الليلة، ثم ملكتني عيني ~~(3). # فسنح لي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت له: يا رسول الله، ماذا لقيت ~~من أمتك من من الأود (4) واللدد؟ فقال: ادع عليهم، فقلت: اللهم أبدلني بهم ~~خيرا لي منهم، وأبدلهم بي شرا لهم مني، وخرج إلى الصلاة فاعترضه ابن ملجم، ~~وأدخل ابن ملجم على علي بعد ضربه إياه، فقال: أطيبوا طعامه، وألينوا فراشه، ~~فإن أعش فأنا ولي دمي، إما عفوت، وإما اقتصصت، ms154 وإن أمت فالحقوه بي، ولا ~~تعتدوا، إن الله لا يحب المعتدين. # قالوا وبكت أم كلثوم، وقالت لابن ملجم: يا عدو الله، قتلت أمير المؤمنين، ~~قال: ما قتلت أمير المؤمنين، ولكني قتلت أباك. قالت: والله إني لأرجو ألا ~~يكون عليه بأس، قال: # ولم تبكين إذا؟ والله لقد أرهفت السيف، ونفيت الخوف، وجبت الأجل، وقطعت ~~الأمل وضربت ضربة لو كانت بأهل المشرق لأتت عليهم. # ومكث على يوم الجمعة ويوم السبت، وتوفي ليلة الأحد، وغسله الحسن والحسين ~~ومحمد # PageV01P138 # ابن الحنفية وعبد الله بن جعفر، وكفن في ثلاثة أثواب، ليس فيها قميص، ~~وصلى عليه الحسن ابنه، ودفن في قصر الإمارة بالكوفة، وغمى قبره مخافة أن ~~ينبشه الخوارج، وقيل إنه نقل بعد صلح معاوية والحسن إلى المدينة، وأخذ ابن ~~ملجم، فقطعت يداه ورجلاه وأذناه وأنفه، وأتوا يقطعون لسانه، فصرخ، فقيل له: ~~قد قطعت منك أعضاء ولم تنطق، فلما أتوا يقطعون لسانك صرخت؟ قال: إني أذكر ~~الله به، فلم يسهل علي قطعه، ثم قتلوه بعد هذه المثلة. # كانت خلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر، وكان عمره ثلاثا وستين سنة. # وأما البرك: فإنه انطلق ليلة ميعادهم، فقعد لمعاوية، فلما خرج لصلاة ~~الصبح شد عليه سيفه، فأدبر معاوية، فضرب رانفة (1) أليته ففلقها، ووقع ~~السيف في لحم كثير، وأخذ، فقال لمعاوية: إن لك عندي لخبرا سارا، قد قتل ~~الليلة علي، وحدثه الحديث، وعولج معاوية فبرئ، وأمر بقتل البرك، وقيل: ضرب ~~البرك معاوية وهو ساجد، فمذ ذاك جعل الحرس على رؤوس الخلفاء، واتخذ معاوية ~~المقصورة. # وأما الثالث: فقصد عمرو بن العاص ليلة الميعاد، فلم يخرج تلك الليلة، ~~لعلة وجدها في بطنه، وصلى بالناس خارجة بن حذافة العدوي، فشد عليه الخارجي، ~~وهو يظن أنه ابن العاص، فقتله، وأخذ، فأتى به عمرو بن العاص، فلما رآه قال: ~~ومن المقتول؟ قالوا: # خارجة. فقال: أردت عمرا وأراد الله خارجة، ثم قال لعمرو بن العاص الحديث، ~~وما كان من اتفاقه مع صاحبيه، فأمر بقتله. فلما قتل علي تداعى أهل الشام ~~إلى بيعة معاوية، وقال له ms155 عبد الرحمن بن خالد بن الوليد: نحن المؤمنون، ~~وأنت أميرنا، فبايعوه وهو بإيلياء لخمس ليال خلون من شوال سنة أربعين. # فصل روي عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: " يا علي، أتدري من أشقى ~~الأولين والآخرين؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أشقى الأولين: عاقر الناقة ~~(2)، وأشقى الآخرين: # الذي يطعنك. وأشار إلى حيث طعن ". قال: وخرج علي في ليلة قتله وهو يقول: # PageV01P139 # اشدد حيازيمك للموت * فإن الموت لاقيكا ولا تجزع من الموت * إذا حل ~~بواديكا وقال الشاعر في قتل ابن ملجم عليا: # تضمن للآثام لا در دره * ولاقى عقابا غير ما متصرم (1) فلا مهر أغلى من ~~علي وإن غلا * ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم ثلاثة آلاف وعبد وقينة * وضرب ~~علي بالحسام المسمم قال هبيرة بن شريم: سمعت الحسن رضي الله عنه يخطب، فذكر ~~أباه وفضله وسابقته، ثم قال: والله ما ترك صفراء ولا بيضاء إلا سبع مئة ~~درهم فضلت من عطائه، أراد أن يشتري بها خادما. وجاء رجل من مراد إلى علي، ~~فقال له: يا أمير المؤمنين، احترس، فإن هنا قوما يريدون قتلك: فقال: إن لكل ~~إنسان ملكين يحفظانه، فإذا جاء القدر خلياه. # قيل: ولما ضرب علي دعا أولاده، وقال لهم: عليكم بتقوى الله وطاعته وألا ~~تأسوا على ما صرف عنكم منها، وانهضوا إلى عبادة ربكم، وشمروا عن ساق الجد، ~~ولا تثاقلوا إلى الأرض، وتقروا بالخسف، وتبوءوا بالذل، اللهم اجمعنا وإياهم ~~على الهدى، وزهدنا وإياهم في الدنيا، واجعل الآخرة خيرا لنا ولهم من ~~الأولى، والسلام. # بيعة الحسن بن علي رضي الله عنه لمعاوية قال: وذكروا أنه لما قتل علي بن ~~أبي طالب، ثار الناس إلى الحسن بن علي بالبيعة، فلما بايعوه قال لهم: ~~تبايعون لي على السمع والطاعة، وتحاربون من حاربت، وتسالمون من سالمت، فلما ~~سمعوا ذلك ارتابوا وأمسكوا أيديهم وقبض هو يده، فأتوا الحسين، فقالوا له: # ابسط يدك نبايعك على ما بايعنا عليه أباك، وعلى حرب المحلين الضالين أهل ~~الشام، فقال الحسين: معاذ الله أن أبايعكم ما كان ms156 الحسن حيا. قال: فانصرفوا ~~إلى الحسن، فلم يجدوا بدا من بيعته، على ما شرط عليهم، فلما تمت البيعة له، ~~وأخذ عهودهم ومواثيقهم على ذلك، كاتب معاوية، فأتاه فخلا به، فاصطلح معه ~~على أن لمعاوية الإمامة ما كان حيا، فإذا مات فالأمر للحسن، فلما تم صلحهما ~~صعد الحسن إلى المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، # PageV01P140 # إن الله هدى أولكم بأولنا، وحقن دماءكم بآخرنا، وكانت لي في رقابكم بيعة، ~~تحاربون من حاربت، وتسالمون من سالمت، وقد سالمت معاوية، وبايعته فبايعوه ~~وإن أدرى لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، وأشار إلى معاوية. # إنكار سليمان بن صرد قال: وذكروا أنه لما تمت البيعة لمعاوية بالعراق، ~~وانصرف راجعا إلى الشام، أتاه سليمان بن صرد، وكان غائبا عن الكوفة، وكان ~~سيد أهل العراق ورأسهم. فدخل على الحسن، فقال: السلام عليك يا مذل ~~المؤمنين، فقال الحسن: وعليك السلام، اجلس. لله أبوك، قال: # فجلس سليمان، فقال: أما بعد، فإن تعجبنا لا ينقضي من بيعتك معاوية ومعك ~~مئة ألف مقاتل من أهل العراق، وكلهم يأخذ العطاء مع مثلهم من أبنائهم ~~ومواليهم، سوى شيعتك من أهل البصرة وأهل الحجاز، ثم لم تأخذ لنفسك ثقة في ~~العهد، ولا حظا من القضية، فلو كنت إذ فعلت ما فعلت، وأعطاك ما أعطاك بينك ~~وبينه من العهد والميثاق، كنت كتبت عليك بذلك كتابا، وأشهدت عليه شهودا من ~~أهل المشرق والمغرب إن هذا الأمر لك من بعده، كان الأمر علينا أيسر، ولكنه ~~أعطاك هذا فرضيت به من قوله، ثم قال: وزعم على رؤوس الناس ما قد سمعت، إني ~~كنت شرطت لقوم شروطا، ووعدتهم عدات، ومنيتهم أماني، إرادة إطفاء نار الحرب، ~~ومداراة لهذه الفتنة، إذ جمع الله لنا كلمتنا وألفتنا، فإن كل ما هنالك نحت ~~قدمي هاتين، ووالله ما عنى بذلك إلا نقض ما بينك وبينه، فأعد للحرب خدعة، ~~واذن لي أشخص إلى الكوفة، فأخرج عامله منها، وأظهر فيها خلعه، وانبذ إليه ~~على سواء إن الله لا يهدي كيد الخائنين. ثم سكت. فتكلم ms157 كل من حضر مجلسه ~~بمثل مقاتله، وكلهم يقول: ابعث سليمان بن صرد، وابعثنا معه، ثم ألحقنا إذا ~~علمت أنا قد أشخصنا عامله، وأظهرنا خلعه. فتكلم الحسن، فحمد الله، ثم قال: ~~أما بعد، فإنكم شيعتنا وأهل مودتنا، ومن نعرفه بالنصيحة والصحبة والاستقامة ~~لنا، وقد فهمت ما ذكرتم ولو كنت بالحزم في أمر الدنيا وللدنيا أعمل وأنصب، ~~ما كان معاوية بأبأس مني بأسا، وأشد شكيمة، ولكان رأيي غير ما رأيتم، ولكني ~~أشهد الله وإياكم أني لم أرد بما رأيتم إلا حقن دمائكم، وإصلاح ذات بينكم، ~~فاتقوا الله وارضوا بقضاء الله، وسلموا لأمر الله، والزموا بيوتكم، وكفوا ~~أيديكم، حتى يستريح بر، أو يستراح من فاجر، مع أن أبي كان يحدثني أن معاوية ~~سيلي الأمر، فوالله لو سرنا إليه بالجبال والشجر، ما شككت أنه سيظهر، إن ~~الله لا معقب لحكمه، ولا راد لقضائه، وأما قولك: يا مذل PageV01P141 # المؤمنين، فوالله لأن تذلوا وتعافوا أحب إلي من أن تعزوا وتقتلوا، فإن رد ~~الله علينا حقنا في عافية قبلنا، وسألنا الله العون على أمره، وإن صرفه عنا ~~رضينا، وسألنا الله أن يبارك في صرفه عنا، فليكن كل رجل منكم حلسا من (1) ~~أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، فإن يهلك ونحن وأنتم أحياء، سألنا الله ~~العزيمة على رشدنا، والمعونة على أمرنا، وأن لا يكلنا إلى أنفسنا، فإن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون. # كراهية الحسين رضي الله عنه للبيعة قال: ثم خرج سليمان بن صرد من عنده، ~~فدخل على الحسين، فعرض عليه ما عرض على الحسن، وأخبره بما رد عليه الحسن، ~~فقال الحسين: ليكن كل رجل منكم حلسا من أحلاس بيته، ما دام معاوية حيا، ~~فإنها بيعة كنت والله لها كارها، فإن هلك معاوية نظرنا ونظرتم، ورأينا ~~ورأيتم. # ما أشار به المغيرة بن شعبة على معاوية من البيعة ليزيد قال: وذكروا أنه ~~لما استقامت الأمور لمعاوية، استعمل على الكوفة المغيرة بن شعبة، ثم هم أن ~~يعزله ويولي سعيد بن العاص، فلما بلغ ذلك المغيرة قدم الشام على ms158 معاوية، ~~فقال: # يا أمير المؤمنين، قد علمت ما لقيت هذه الأمة من الفتنة والاختلاف، وفي ~~عنقك الموت، وأنا أخاف إن حدث بك حدث أن يقع الناس في مثل ما وقعوا فيه بعد ~~قتل عثمان، فاجعل للناس بعدك علما يفزعون إليه، واجعل ذلك يزيد ابنك. قال: ~~فدخل معاوية على امرأته فاختة بنت قرطة بن حبيب بن عبد شمس وكان ابنها منه ~~عبد الله بن معاوية، وقد كان بلغها ما قال المغيرة، وما أشار به عليه من ~~البيعة ليزيد وكان يزيد بن الكلبية ميسون ابنة عبد الرحمن بن بحدل الكلبي. # فقالت فاختة، وكانت معادية الكلبية، ما أشار به عليك المغيرة؟ أراد أن ~~يجعل لك عدوا من نفسك، يتمنى هلاكك كل يوم، فشق ذلك على معاوية، ثم بدا له ~~أن يأخذ بما أشار عليه المغيرة بن شعبة. # PageV01P142 # ما حاول معاوية في بيعة يزيد قال: فلما اجتمعت عند معاوية وفود الأمصار ~~بدمشق، وفيهم الأحنف بن قيس، دعا معاوية الضحاك بن قيس الفهري، فقال له إذا ~~جلست على المنبر، وفرغت من بعض موعظتي وكلامي، فاستأذني للقيام، فإذا أذنت ~~لك، فأحمد الله تعالى، واذكر يزيد، وقل فيه الذي يحق له عليك، من حسن ~~الثناء عليه، ثم ادعني إلى توليته من بعدي فإني قد رأيت وأجمعت على توليته، ~~فأسأل الله في ذلك، وفي غيره الخيرة وحسن القضاء. ثم دعا عبد الرحمن بن ~~عثمان الثقفي وعبد الله بن مسعدة الفزاري، وثور بن معن السلمي، وعبد الله ~~بن عصام الأشعري، فأمرهم أن يقوموا إذا فرغ الضحاك وأن يصدقوا قوله، ويدعوه ~~إلى بيعة يزيد. # ما تكلم به الضحاك بن قيس قال: فلما جلس معاوية على المنبر، وفرغ من بعض ~~موعظته، وهؤلاء النفر في المجلس قد قعدوا للكلام، قام الضحاك بن قيس، ~~فاستأذن في الكلام، فأذن له، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير ~~المؤمنين، وأمتع به، إنا قد بلونا الجماعة والإلفة، والاختلاف والفرقة ~~فوجدناها ألم لشعثنا، وأمنة لسبلنا، وحاقنة لدمائنا، وعائدة علينا في عاجل ~~ما نرجو وآجل ما ms159 نؤمل. مع ما ترجو به الجماعة من الألفة، ولا خير لنا أن ~~نترك سدى، والأيام عوج رواجع، والله يقول: (كل يوم هو في الشأن)، ولسنا ~~ندري ما يختلف به العصران، وأنت يا أمير المؤمنين ميت كما مات من كان قبلك ~~من أنبياء الله وخلفائه، نسأل الله تعالى بك المتاع، وقد رأينا من دعة يزيد ~~بن أمير المؤمنين، وحسن مذهبه، وقصد سيرته، ويمن نقيبته (1)، مع ما قسم ~~الله له من المحبة في المسلمين، والشبه بأمير المؤمنين، في عقله وسياسته ~~وشيمته المرضية، ما دعانا إلى الرضا به في أمورنا، والقنوع به في الولاية ~~علينا، فليوله أمير المؤمنين - أكرمه الله - عهده، وليجعله لنا ملجأ ومفزعا ~~بعده، نأوي إليه إن كان كون فإنه ليس أحد أحق بها منه، فاعزم على ذلك، عزم ~~الله لك في رشدك، ووفقك في أمورنا. # ما قال عبد الرحمن بن عثمان قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله # PageV01P143 # أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان مختلفة أهواؤه، قد أحد ودبت علينا ~~سيساؤه (1)، واقطوطبت (2) علينا أدواؤه، وأناخت عليا أبناؤه (3)، ونحن نشير ~~عليك بالرشاد، وندعوك إلى السداد، وأنت - يا أمير المؤمنين - أحسننا نظرا ~~وأثبتنا بصرا، ويزيد بن أمير المؤمنين قد عرفنا سيرته، وبلونا علانيته، ~~ورضينا ولايته، وزادنا بذلك انبساطا، وبه اغتباطا، ما منحه الله من الشبه ~~بأمير المؤمنين والمحبة في المسلمين، فاعزم على ذلك، ولا تضق به ذرعا، ~~فالله تعالي يقيم به الأود (4)، ويردع به الألد (5)، وتأمن به السبل، ويجمع ~~به الشمل، ويعظم به الآجر، ويحسن به الذخر. ثم جلس. # ما قال ثور بن معن قال: ثم قام ثور بن معن السلمي، فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إنا قد أصبحنا في زمان صاحبه شاغب، وظله ~~ذاهب مكتوب علينا فيه الشقاء والسعادة، وأنت يا أمير المؤمنين ميت نسأل ~~الله بك المتاع ويزيد ابن أمير المؤمنين أقدمنا شرفا، وأبذلنا عرفا (6) وقد ~~دعانا إلى الرضا به، والقنوع بولايته، والحرص عليه، والاختيار ms160 له، ما قد ~~عرفنا من صدق لسانه ووفائه، وحسن بلائه، فاجعله لنا بعدك خلفا، فإنه أوسعنا ~~كنفا، وأقدمنا سلفا، وهو رتق لما فتق، وزمام لما شعب (7)، ونكال لمن فارق ~~ونافق، وسلم لمن واظب، وحافظ للحق، أسأل الله لأمير المؤمنين أفضل البقاء ~~والسعادة، والخيرة فيما أراد، والتوطن في البلاد، وصلاح أمر جميع العباد. ~~ثم جلس. # ما تكلم به عبد الله بن عصام قال: ثم قام عبد الله بن عصام، فحمد الله ~~وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، # PageV01P144 # وأمتع به، إنا قد أصبحنا في دنيا منقضية، وأهواء منجذمة (1) نخاف هدها، ~~وننتظر جدها، شديد منحدرها، كثير وعرها، شامخة مراقيها، ثابتة مراتبها، ~~صعبة مراكبها، فالموت يا أمير المؤمنين وراءك ووراء العباد، لا يخلد في ~~الدنيا أحد، ولا يبقى لنا أمد، وأنت يا أمير المؤمنين مسؤول عن رعيتك، ~~ومأخوذ بولايتك، وأنت أنظر (2) للجماعة وأعلى عينا بحسن الرأي لأهل الطاعة، ~~وقد هديت ليزيد في أكمل الأمور وأفضلها رأيا، وأجمعها رضا، فاقطع بيزيد ~~قالة الكلام، ونخوة المبطل، وشغب المنافق، واكبت به الباذخ (3) المعادي، ~~فإن ذلك ألم للشمل وأسهل للوعث (4)، فاعزم على ذلك، ولا تترامى بك الظنون. # ما تكلم به عبد الله بن مسعدة ثم قام عبد الله بن مسعدة الفزاري، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، وأمتع به. إن الله قد ~~آثرك بخلافته، واختصك بكرامته، وجعلك عصمة لأوليائه، وذا نكاية لأعدائه، ~~فأصبحت بأنعمه جذلا، ولما حملك محتملا، يكشف الله تعالى بك العمى، ويهدي بك ~~العدى، ويزيد ابن أمير المؤمنين أحسن الناس برعيتك رأفة، وأحقهم بالخلافة ~~بعدك، قد ساس الأمور، وأحكمته الدهور، ليس بالصغير الفهيه (5)، ولا بالكبير ~~السفيه، قد احتجن (6) المكارم، وارتجى لحمل العظائم، وأشد الناس في العدو ~~نكاية، وأحسنهم صنعا في الولاية، وأنت أغنى بأمرك، وأحفظ لوصيتك، وأحرز ~~لنفسك. أسأل الله لأمير المؤمنين العافية في غير جهد، والنعمة في غير ~~تغيير. # ما قال الأحنف بن قيس قال: فقال معاوية: أو كلكم قد أجمع رأيه على ما ~~ذكرنا؟ فقالوا: كلنا قد أجمع ms161 رأيه على ما ذكرنا. قال: فأين الأحنف؟ فأجابه، ~~قال: ألا تتكلم؟ فقام الأحنف فحمد الله وأثنى عليه، # PageV01P145 # ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن الناس قد أمسكوا في منكر زمان قد ~~سلف، ومعروف زمان مؤتنف (1)، ويزيد بن أمير المؤمنين نعم الخلف، وقد حلبت ~~الدهر أشطره (2) يا أمير المؤمنين، فاعرف من تسند إليه الأمر من بعدك، ثم ~~اعص أمر من يأمرك، لا يغررك من يشير عليك، ولا ينظر لك، وأنت أنظر للجماعة، ~~واعلم باستقامة الطاعة، مع أن أهل الحجاز وأهل العراق لا يرضون بهذا، ولا ~~يبايعون ليزيد ما كان الحسن حيا. # ما رد الضحاك بن قيس عليه قال: فغضب الضحاك بن قيس، فقام الثانية، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين. إن أهل النفاق من أهل ~~العراق، مروءتهم في أنفسهم الشقاق، وألفتهم في دينهم الفراق، يرون الحق على ~~أهوائهم، كأنما ينظرون بأقفائهم، اختالوا جهلا وبطرا، لا يرقبون من الله ~~راقبة، ولا يخافون وبال عاقبة، اتخذوا إبليس لهم ربا، واتخذهم إبليس حزبا، ~~فمن يقاربوه لا يسروه، ومن يفارقوه لا يضروه، فادفع رأيهم يا أمير المؤمنين ~~في نحورهم، وكلامهم في صدورهم، ما للحسن وذوي الحسن في سلطان الله الذي ~~استخلف به معاوية في أرضه؟ هيهات لا تورث الخلافة عن كلالة (3)، ويحجب غير ~~الذكر العصبة (4)، فوطنوا أنفسكم يا أهل العراق على المناصحة لإمامكم، ~~وكاتب نبيكم وصهره، يسلم لكم العاجل، وتربحوا من الآجل. # ما أجاب به الأحنف بن قيس قال: ثم قام الأحنف بن قيس، فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، إنا قد فررنا عنك قريشا (5)، فوجدناك ~~أكرمها زندا، وأشدها عقدا، وأوفاها عهدا، وقد علمت # PageV01P146 # أنك لم تفتح العراق عنوة، ولم تظهر عليها قعصا (1)، ولكنك أعطيت الحسن بن ~~علي من عهود الله ما قد علمت، ليكون له الأمر من بعدك، فإن تف فأنت أهل ~~الوفاء، وإن تغدر تعلم والله إن وراء الحسن خيولا جيادا، وأذرعا شدادا، ~~وسيوفا حدادا، إن تدن له شبرا من غدر، تجد وراءه باعا من نصر، ms162 وإنك تعلم أن ~~أهل العراق ما أحبوك منذ أبغضوك، ولا أبغضوا عليا وحسنا منذ أحبوهما، وما ~~نزل عليهم في ذلك غير من السماء، وإن السيوف التي شهروها عليك مع علي يوم ~~صفين لعلى عواتقهم، والقلوب التي أبغضوك بها لبين جوانحهم، وأيم الله إن ~~الحسن لأحب إلى أهل العراق من علي. # ما قال عبد الرحمن بن عثمان قال: ثم قام عبد الرحمن بن عثمان الثقفي، ~~فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أصلح الله أمير المؤمنين، إن رأي الناس ~~مختلف، وكثير منهم منحرف، لا يدعون أحدا إلى رشاد، ولا يجيبون داعيا إلى ~~سداد، مجانبون لرأي الخلفاء، مخالفون لهم في السنة والقضاء، وقد وقفت ليزيد ~~في أحسن القضية، وأرضاها لحمل الرعية، فإذا خار (2) الله لك، فاعزم، ثم ~~اقطع قالة الكلام، فإن يزيد أعظمنا حلما وعلما، وأوسعنا كنفا، وخيرنا سلفا، ~~قد أحكمته التجارب، وقصدت به سبل المذاهب، فلا يصرفنك عن بيعته صارف، ولا ~~يقفن بك دونها واقف، ممن هو شاسع عاص، ينوص (3) للفتنة كل مناص، لسانه ~~ملتو، وفي صدره داء دوي (4)، إن قال فشر قائل، وإن سكت فذود غائل (5)، قد ~~عرفت من هم أولئك وما هم عليه لك، من المجانبة للتوفيق، والكلف (6) ~~للتفريق، فأجل ببيعته عنا الغمة، واجمع به شمل الأمة، فلا تحد عنه إذ هديت ~~له، ولا تنش (7) عنه إذ وقفت له، فإن ذلك الرأي لنا ولك، والحق علينا ~~وعليك، أسأل الله العون وحسن العاقبة لنا ولك بمنه. # ما قال معاوية بن أبي سفيان قال: فقام معاوية فقال: أيها الناس، إن ~~لإبليس من الناس إخوانا وخلانا بهم يستعد، # PageV01P147 # وإياهم يستعين، وعلى ألسنتهم ينطق، إن رجوا طمعا أو جفوا (1)، وإن استغنى ~~عنهم أرجفوا (2) ثم يلحقون الفتن بالفجور، ويشققون لها حطب النفاق، عيابون ~~مرتابون، إن ولوا عروة أمر حنقوا، وإن دعوا إلى غي أسرفوا، وليسوا أولئك ~~بمنتهين ولا بمقلعين ولا متعظين، حتى تصيبهم صواعق خزي وبيل، وتحل بهم ~~قوارع أمر جليل، تجتث أصولهم كاجتثات أصول الفقع (3)، فأولى لأولئك ثم ~~أولى، فإنا قد قدمنا وأنذرنا إن ms163 أغنى التقديم شيئا أو نفع النذير. # قال: فدعا معاوية الضحاك فولاه الكوفة، ودعا عبد الرحمن فولاه الجزيرة، ~~ثم قام أبو خنيف فقال: يا أمير المؤمنين، إنا لا نطيق ألسنة مضر وخطبها، ~~أنت يا أمير المؤمنين، فإن هلكت فيزيد بعدك، فمن أبى فهذا، وسل سيفه، فقال ~~معاوية: أنت أخطب القوم وأكرمهم. # ثم قام الأحنف بن قيس، فقال: يا أمير المؤمنين، أنت أعلمنا بليله ونهاره، ~~وبسره وعلانيته فإن كنت تعلم أنه خير لك فوله واستخلفه، وإن كنت تعلم أنه ~~شر لك، فلا تزوده الدنيا وأنت صائر إلى الآخرة، فإنه ليس لك من الآخرة إلا ~~ما طاب، واعلم أنه لا حجة لك عند الله إن قدمت يزيد على الحسن والحسين، ~~وأنت تعلم من هما، وإلى ما هما، وإنما علينا أن نقول: (سمعنا وأطعنا غفرانك ~~ربنا وإليك المصير). # قدوم معاوية المدينة وما خاوض فيه العبادلة قال: قالوا: فاستخار الله ~~معاوية، وأعرض عن ذكر البيعة، حتى قدم المدينة سنة خمسين، فتلقاه الناس، ~~فلما استقر في منزله أرسل إلى عبد الله بن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي ~~طالب وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، وأمر حاجبه أن لا ~~يأذن لأحد من الناس حتى يخرج هؤلاء النفر، فلما جلسوا تكلم معاوية، فقال: ~~الحمد لله الذي أمرنا بحمده، ووعدنا عليه ثوابه، نحمده كثيرا، كما أنعم ~~علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله. أما بعد، فإني قد كبر سني، ووهن عظمي، وقرب أجلي، وأوشكت أن أدعى ~~فأجيب، وقد رأيت أن أستخلف عليكم بعدي يزيد، ورأيته لكم رضا، وأنتم عبادلة ~~قريش وخيارها، وأبناء خيارها، ولم يمنعني أن أحضر حسنا وحسينا إلا أنهما ~~أولاد أبيهما علي على حسن رأيي فيهما، وشديد محبتي لهما، فردوا على أمير ~~المؤمنين خيرا رحمكم الله. # PageV01P148 # ما تكلم به عبد الله بن عباس قال: فتكلم عبد الله بن عباس، فقال: الحمد ~~لله الذي ألهمنا أن نحمده، واستوجب علينا الشكر على آلائه، وحسن ms164 بلائه، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، وصلى ~~الله على محمد وآل محمد. أما بعد، فإنك قد تكلمت فأنصتنا، وقلت فسمعنا، وإن ~~الله جل ثناؤه وتقدست أسماؤه، اختار محمدا صلى الله عليه وسلم لرسالته، ~~واختاره لوحيه، وشرفه على خلقه، فأشرف الناس من تشرف به، وأولاهم بالأمر ~~أخصهم به، وإنما على الأمة التسليم لنبيها، إذ اختاره الله لها، فإنه إنما ~~اختار محمد بعلمه، وهو العليم الخبير، وأستغفر الله لي ولكم. # ما تكلم به عبد الله بن جعفر قال: فقام عبد الله بن جعفر، فقال: الحمد ~~لله أهل الحمد ومنتهاه، نحمده على إلهامنا حمده، ونرغب إليه في تأدية حقه، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله واحدا صمدا، لم يتخذ صاحبة ولا ولدا، وأن محمدا ~~عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم: أما بعد، فإن هذه الخلافة إن أخذ فيها ~~بالقرآن، فأولوا الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله، وإن أخذ فيها بسنة ~~رسول الله، فأولوا رسول الله، وإن أخذ فيها بسنة الشيخين أبي بكر وعمر فأي ~~الناس أفضل وأكمل وأحق بهذا الأمر من آل الرسول؟ وأيم الله لو ولوه بعد ~~نبيهم لوضعوا الأمر موضعه، لحقه وصدقه، ولأطيع الرحمن، وعصي الشيطان، وما ~~اختلف في الأمة سيفان، فاتق الله يا معاوية، فإنك قد صرت راعيا، ونحن رعية، ~~فانظر لرعيتك فإنك مسؤول عنها غدا، وأما ما ذكرت من ابني عمي، وتركك أن ~~تحضرهما، فوالله ما أصبت الحق، ولا يجوز لك ذلك إلا بهما، وإنك لتعلم أنهما ~~معدن العلم والكرم، فقل أو دع. وأستغفر لي الله ولكم. # ما تكلم به عبد الله بن الزبير قال: فتكلم عبد الله بن الزبير، فقال: ~~الحمد لله الذي عرفنا دينه، وأكرمنا برسوله، أحمده على ما أبلى وأولى، ~~وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أما بعد: فإن هذه ~~الخلافة لقريش خاصة، تتناولها بمآثرها السنية، وأفعالها المرضية، مع شرف ~~الآباء، وكرم الأبناء، فاتق الله يا معاوية وأنصف من نفسك، فإن هذا ms165 عبد ~~الله بن عباس ابن عم رسول الله، وهذا عبد الله بن جعفر ذو الجناحين ابن عم ~~رسول الله، وأنا عبد الله بن الزبير ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وعلي خلف حسنا وحسينا، PageV01P149 # وأنت تعلم من هما، وما هما، فاتق الله يا معاوية، وأنت الحاكم بيننا وبين ~~نفسك، ثم سكت. # ما تكلم به عبد الله بن عمر فتكلم عبد الله بن عمر، فقال: الحمد لله الذي ~~أكرمنا بدينه، وشرفنا بنبيه صلى الله عليه وسلم أما بعد: فإن هذه الخلافة ~~ليست (1) بهرقلية، ولا قيصرية ولا كسروية (2) يتوارثها الأبناء عن الآباء ~~ولو كان كذلك كنت القائم بها بعد أبي، فوالله ما أدخلني مع الستة من أصحاب ~~الشورى إلا على أن الخلافة ليست شرطا مشروطا، وإنما هي في قريش خاصة، لمن ~~كان لها أهلا ممن ارتضاه المسلمون لأنفسهم، من كان أتقى وأرضى، فإن كنت ~~تريد الفتيان من قريش، فلعمري إن يزيد من فتيانها، واعلم أنه لا يغني عنك ~~من الله شيئا. # ما تكلم به معاوية فتكلم معاوية فقال: قد قلت وقلتم، وإنه ذهبت الآباء، ~~وبقيت الأبناء، فابني أحب إلي من أبنائهم، مع أن ابني إن قاولتموه وجد ~~مقالا، وإنما كان هذا الأمر لبني عبد مناف، لأنهم أهل رسول الله، فلما مضى ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولي الناس أبا بكر وعمر من غير معدن الملك ~~ولا الخلافة، غير أنهما سارا بسيرة جميلة، ثم رجع الملك إلى بني عبد مناف، ~~فلا يزال فيهم إلى يوم القيامة، وقد أخرجك الله يا بن الزبير، وأنت يا بن ~~عمر منها، فأما ابنا عمي هذان فليسا بخارجين من الرأي إن شاء الله. ثم أمر ~~بالرحلة، وأعرض عن ذكر البيعة ليزيد، ولم يقطع عنهم شيئا من صلاتهم ~~وأعطياتهم: ثم انصرف راجعا إلى الشام، وسكت عن البيعة، فلم يعرض لها إلى ~~سنة إحدى وخمسين. # موت الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: فلما كانت سنة إحدى وخمسين، مرض ~~الحسن بن علي مرضه الذي مات فيه، فكتب ms166 عامل المدينة إلى معاوية يخبره ~~بشكاية الحسن، فكتب إليه معاوية: إن استطعت ألا يمضي يوم يمر بي إلا يأتيني ~~فيه خبره فافعل، فلم يزل يكتب إليه بحاله حتى توفي. فكتب إليه بذلك، فلما ~~أتاه الخبر أظهر فرحا وسرورا، حتى سجد وسجد من كان معه، فبلغ ذلك عبد الله ~~بن عباس، # PageV01P150 # وكان بالشام يومئذ، فدخل على معاوية، فلما جلس قال معاوية: يا بن عباس ~~هلك الحسن بن علي، فقال ابن عباس: نعم هلك (إنا لله وإنا إليه راجعون) ~~ترجيعا مكررا، وقد بلغني الذي أظهرت من الفرح والسرور لوفاته. أما والله ما ~~سد جسده حفرتك، ولا زاد نقصان أجله في عمرك، ولقد مات وهو خير منك، ولئن ~~أصبنا به لقد أصبنا بمن كان خيرا منه، جده رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فجبر الله مصيبته، وخلف علينا من بعده أحسن الخلافة. ثم شهق ابن عباس وبكى، ~~وبكى من حضر المجلس، وبكى معاوية، فما رأيت يوما أكثر باكيا من ذلك اليوم، ~~فقال معاوية: بلغني أنه ترك بنين صغارا. فقال ابن عباس: كلنا كان صغيرا ~~فكبر. قال معاوية: # كم أتى له من العمر؟ فقال ابن عباس: أمر الحسن أعظم من أن يجهل أحد ~~مولده. قال: # فسكت معاوية يسيرا، ثم قال: يا بن العباس: أصبحت سيد قومك من بعده، فقال ~~ابن عباس: # أما ما أبقى الله أبا عبد الله الحسين فلا. قال معاوية: لله أبوك يا بن ~~عباس، ما استنبأتك إلا وجدتك معدا. # بيعة معاوية ليزيد بالشام وأخذه أهل المدينة قالوا: ثم لم يلبث معاوية ~~بعد وفاة الحسن رحمه الله إلا يسيرا حتى بايع ليزيد بالشام، وكتب بيعته إلى ~~الآفاق، وكان عامله على المدينة مروان بن الحكم، فكتب إليه يذكر الذي قضى ~~الله به على لسانه من بيعة يزيد، ويأمره أن يجمع من قبله من قريش وغيرهم من ~~أهل المدينة، ثم يبايعوا ليزيد. # عزل مروان عن المدينة قال: فلما قرأ مروان كتاب معاوية أبى من ذلك. وأبته ~~قريش. فكتب لمعاوية: إن قومك قد أبوا إجابتك ms167 إلى بيعتك ابنك، فارأ رأيك. ~~فلما بلغ معاوية كتاب مروان عرف أن ذلك من قبله. فكتب إليه يأمره أن يعتزل ~~عمله، ويخبره أنه قد ولى المدينة سعيد بن العاص، فلما بلغ مروان كتاب ~~معاوية، أقبل مغاضبا في أهل بيته، وناس كثير من قومه، حتى نزل بأخواله بني ~~كنانة، فشكا إليهم، وأخبرهم بالذي كان من رأيه في أمر معاوية، وفي عزله ~~واستخلافه يزيد ابنه عن غير مشورة مبادرة له، فقالوا نحن نبلك في يدك، ~~وسيفك في قرابك فمن رميته بنا أصبناه، ومن ضربته بنا قطعناه، الرأي رأيك، ~~ونحن طوع يمينك. ثم أقبل مروان في وفد منهم كثير، ممن كان معه من قومه وأهل ~~بيته حتى نزل دمشق، فخرج فيهم حتى أتى سدة معاوية، وقد أذن للناس. فلما نظر ~~الحاجب إلى كثرة من معه من قومه وأهل بيته، منعه من الدخول، فوثبوا إليه، ~~فضربوا وجهه، حتى خلى عن الباب، ثم دخل مروان، ودخلوا معه، حتى إذا كان من ~~معاوية بحيث تناله يده. PageV01P151 # خطبة مروان بن الحكم بين بدى معاوية قال بعد التسليم عليه بالخلافة: إن ~~الله عظيم خطره، لا يقدر قادر قدره، خلق من خلقه عبادا، جعلهم لدعائم دينه ~~أوتادا، هم رقباؤه على البلاد، وخلفاؤه على العباد، أسفر بهم الظلم، وألف ~~بهم الدين، وشدد بهم اليقين ومنح بهم الظفر، ووضع بهم من استكبر، فكان من ~~قبلك من خلفائنا يعرفون ذلك في سالف زمامنا، وكنا نكون لهم على الطاعة ~~إخوانا، وعلى من خالف عنها أعوانا، يشد بنا العضد، ويقام بنا الأود، ~~ونستشار في القضية، ونستأمر في أمر الرعية، وقد أصبحنا اليوم في أمور ~~مستحيرة ذات وجوه مستديرة، تفتح بأزمة الضلال، وتجلس بأهواء الرجال، يؤكل ~~جزورها (1)، وتمق أحلابها (2) فما لنا لا نستأمر في رضاعها (3) ونحن فطامها ~~وأولات فطامها؟ وأيم الله لولا عهود مؤكدة، ومواثيق معقدة، لأقمت أود ~~وليها، فأقم الأمر يا بن أبي سفيان وأهدئ (4) من تأميرك الصبيان، واعلم أن ~~لك في قومك نظرا، وأن لهم على مناوأتك وزرا (5). # فغضب معاوية من كلامه غضبا ms168 شديدا، ثم كظم غيظة بحلمه، وأخذ بيد مروان، ثم ~~قال: # إن الله قد جعل لكل شئ أصلا، وجعل لكل خير أهلا ثم جعلك في الكرم مني ~~محتدا، والعزيز مني والدا، اخترت من قروم (6) قادة، ثم استللت سيد سادة، ~~فأنت ابن ينابيع الكرم، فمرحبا بك وأهلا من ابن عم ذكرت خلفا مفقودين، ~~شهداء صديقين، كانوا كما نعت، وكنت لهم كما ذكرت، وقد أصبحنا في أمور ~~مستحيرة، ذات وجوه مستديرة، وبك والله يا ابن العم نرجو استقامة أودها، ~~وذلولة صعوبتها، وسفور ظلمتها، حتى يتطأطأ جسيمها (7)، ويركب بك عظيمها، ~~فأنت نظير أمير المؤمنين بعده، وفي كل شدة عضده، وإليك عهد عهده، فقد وليتك ~~قومك، وأعظمنا في الخراج سهمك، وأنا مجيز (8) وفدك، ومحسن رفدك (9)، وعلى ~~أمير المؤمنين غناك، والنزول عند رضاك. # PageV01P152 # فكان أول ما رزق ألف دينار في كل هلال، وفرض له في أهل بيته مئة مئة. # كراهية أهل المدينة البيعة وردهم لها قال وذكروا أن معاوية كتب إلى سعيد ~~بن العاص وهو على المدينة، يأمره أن يدعو أهل المدينة إلى البيعة، ويكتب ~~إليه بمن سارع ممن لم يسارع. فلما أتى سعيد بن العاص الكتاب، دعا الناس إلى ~~البيعة ليزيد، وأظهر الغلظة وأخذهم بالعزم والشدة، وسطا (1) بكل من أبطأ عن ~~ذلك، فأبطأ الناس عنها، إلا اليسير، لا سيما بني هاشم، فإنه لم يجبه منهم ~~أحد، وكان ابن الزبير من أشد الناس إنكارا لذلك، وردا له. # فكتب سعيد بن العاص إلى معاوية: أما بعد، فإنك أمرتني أن أدعو الناس ~~لبيعة يزيد ابن أمير المؤمنين، وأن أكتب إليك بمن سارع ممن أبطأ، وإني ~~أخبرك أن الناس عن ذلك بطاء (2)، لا سيما أهل البيت من بني هاشم، فإنه لم ~~يجبني منهم أحد، وبلغني عنهم ما أكره وأما الذي جاهر بعداوته، وإبائه لهذا ~~الأمر، فعبد الله بن الزبير، ولست أقوى عليهم إلا بالخيل والرجال أو تقدم ~~بنفسك، فترى رأيك في ذلك، والسلام. # فكتب معاوية إلى عبد الله بن عباس، وإلى عبد الله بن الزبير، وإلى عبد ~~الله بن ms169 جعفر، وإلى الحسين بن علي، رضي الله عنهم كتبا، وأمر سعيد بن العاص ~~أن يوصلها إليهم، ويبعث بجواباتها. # كتاب معاوية إلى سعيد بن العاص كتب إلى سعيد بن العاص، أما بعد، فقد ~~أتاني كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه من إبطاء الناس عن البيعة. ولا سيما بني ~~هاشم، وما ذكر ابن الزبير وقد كتبت إلى رؤسائهم كتبا، فسلمها إليهم، وتنجز ~~جواباتها، وابعث بها إلي، حتى أرى في ذلك رأيي، ولتشتد عزيمتك، ولتصلب ~~شكيمتك، وتحسن نيتك. وعليك بالرفق، وإياك والخرق (3)، فإن الرفق رشد، ~~والخرق نكد، وانظر حسينا خاصة، فلا يناله منك مكروه، فإن له قرابة وحقا ~~عظيما لا ينكره مسلم ولا مسلمة، وهو ليث عرين، ولست آمنك إن شاورته أن لا ~~نقوى عليه، فأما من # PageV01P153 # يرد مع السباع إذا وردت، ويكنس إذا كنست (1)، فذلك عبد الله بن الزبير، ~~فاحذره أشد الحذر، ولا قوة إلا بالله، وأنا قادم عليك إن شاء الله، ~~والسلام. # ما كتب به إلى ابن عباس وكتب إلى ابن عباس: أما بعد، فقد بلغني إبطاؤك عن ~~البيعة ليزيد بن أمير المؤمنين، وإني لو قتلتك بعثمان لكان ذلك إلي،، لأنك ~~ممن ألب عليه وأجلب، وما معك من أمان فتطمئن به، ولا عهد فتسكن إليه، فإذا ~~أتاك كتابي هذا، فاخرج إلى المسجد، والعن قتلة عثمان، وبايع عاملي، فقد ~~أعذر من أنذر، وأنت بنفسك أبصر، والسلام. # ما كتب به إلى عبد الله بن جعفر وكتب إلى عبد الله بن جعفر: أما بعد، فقد ~~عرفت أثرتي إياك على من سواك، وحسن رأيي فيك وفي أهل بيتك، وقد أتاني عنك ~~ما أكره، فإن بايعت تشكر وإن تأب تجبر، والسلام. # ما كتب به إلى الحسين وكتب إلى الحسين: أما بعد، فقد انتهت إلي منك أمور، ~~لم أكن أظنك بها رغبة عنها، وإن أحق الناس بالوفاء لمن أعطى بيعة من كان ~~مثلك، في خطرك وشرفك ومنزلتك التي أنزلك الله بها، فلا تنازع إلى قطيعتك، ~~واتق الله، ولا تردن هذه الأمة في فتنة، وانظر لنفسك ودينك وأمة محمد، ms170 ولا ~~يستخفنك الذين لا يوقنون. # ما كتبه إلى ابن الزبير وكتب إلى عبد الله بن الزبير: # رأيت كرام الناس إن كف عنهم * بحلم رأوا فضلا لمن قد تحلما ولا سيما إن ~~كان عفوا بقدرة * فذلك أحرى أن يجل ويعظما ولست بذي لوم فتعذر بالذي * أتاه ~~من الأخلاق من كان ألوما ولكن غشا لست تعرف غيره * وقد غش قبل اليوم إبليس ~~آدما # PageV01P154 # فما غش إلا نفسه في فعاله * فأصبح ملعونا وقد كان مكرما وإني لأخشى أن ~~أنالك بالذي * أردت فيجزي الله من كان أظلما ما أجابه القوم به رضي الله ~~عنهم فكان أول ما أجابه عبد الله بن عباس، فكتب إليه: أما بعد، فقد جاءني ~~كتابك، وفهمت ما ذكرت، وأن ليس معي منك أمان، وإنه والله ما منك يطلب ~~الأمان يا معاوية، وإنما يطلب الأمان من الله رب العالمين. وأما قولك في ~~قتلي، فوالله لو فعلت للقيت الله، ومحمد صلى الله عليه وسلم خصمك، فما ~~إخاله أفلح ولا أنجح من كان رسول الله خصمه. وأما ما ذكرت من أني ممن ألب ~~في عثمان وأجلب، فذلك أمر غبت عنه، ولو حضرته ما نسبت إلي شيئا من التأليب ~~عليه، وأيم الله ما أرأي أحدا غضب لعثمان غضبي، ولا أعظم أحد قتله إعظامي، ~~ولو شهدته لنصرته، أو أموت دونه، ولقد قلت وتمنيت يوم قتل عثمان: " ليت ~~الذي قتل عثمان لقيني فقتلني معه، ولا أبقى بعده " وأما قولك لي: العن قتلة ~~عثمان، فلعثمان ولد وخاصة وقرابة، هم أحق بلعنهم مني، فإن شاءوا أن يلعنوا ~~فليلعنوا، وإن شاءوا أن يمسكوا فليمسكوا، والسلام. # وكتب إليه عبد الله بن جعفر: أما بعد، فقد جاءني كتابك، وفهمت ما ذكرت ~~فيه من أثرتك إياي على من سواي، فإن تفعل فبحظك أصبت، وإن تأب فبنفسك قصرت. ~~وأما ما ذكرت من جبرك إياي على البيعة ليزيد، فلعمري لئن أجبرتني عليها لقد ~~أجبرناك وأباك على الإسلام، حتى أدخلناكما كارهين غير طائعين، والسلام. # وكتب إليه عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما: # ألا سمع ms171 الله الذي أنا عبده * فأخزى إله الناس من كان أظلما وأجرا على ~~الله العظيم بحلمه * وأسرعهم في الموبقات تقحما أغرك أن قالوا حليم بغرة * ~~وليس بذي حلم ولكن تحلما ولو رمت ما إن قد زعمت وجدتني * هزبر عرين يترك ~~القرن أكتما وأقسم لولا بيعة لك لم أكن * لأنقضها لم تنج مني مسلما وكتب ~~إليه الحسين رضي الله عنه: أما بعد، فقد جاءني كتابك تذكر فيه أنه انتهت ~~إليك عني أمور، لم تكن تظنني بها، رغبة بي عنها، وإن الحسنات لا يهدي لها، ~~ولا يسدد PageV01P155 # إليها إلا الله تعالى، وأما ما ذكرت أنه رقى إليك عني، فإنما رقاه ~~الملاقون، المشاءون بالنميمة، المفرقون بين الجمع، وكذب الغاوون المارقون، ~~ما أردت حربا ولا خلافا، وإني لأخشى لله في ترك ذلك، منك ومن حزبك، ~~القاسطين المحلين، حزب الظالم، وأعوان الشيطان الرجيم. ألست قاتل حجر، ~~وأصحابه العابدين المخبتين، الذين كانوا يستفظعون البدع، ويأمرون بالمعروف، ~~وينهون عن المنكر، فقتلتهم ظلما وعدوانا، من بعد ما أعطيتهم المواثيق ~~الغليظة، والعهود المؤكدة، جراءة على الله واستخفافا بعهده، أو لست بقاتل ~~عمرو بن الحمق، الذي أخلقت وأبلت وجهه العبادة، فقتلته من بعد ما أعطيته من ~~العهود ما لو فهمته العصم (1) نزلت من شعف (2) الجبال، أو لست المدعي زيادا ~~في الإسلام (3)، فزعمت أنه ابن أبي سفيان، وقد قضى رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أن الولد للفراش (4) وللعاهر الحجر (5)، ثم سلطته على أهل الإسلام، ~~يقتلهم ويقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف، ويصلبهم على جذوع النخل، سبحان الله ~~يا معاوية! لكأنك لست من هذه الأمة، وليسوا منك. أو لست قاتل الحضرمي الذي ~~كتب إليك فيه زيادة أنه على دين علي كرم الله وجهه، ودين علي هو دين ابن ~~عمه صلى الله عليه وسلم، الذي أجلسك مجلسك الذي أنت فيه، ولولا ذلك كان ~~أفضل شرفك وشرف آبائك تجشم الرحلتين: رحلة الشتاء والصيف (6)، فوضعها الله ~~عنكم بنا، منة عليكم، وقلت فيما قلت: لا ترد هذه الأمة في فتنة، وإني لا ~~أعلم لها فتنة أعظم من ms172 إمارتك عليها، وقلت فيما قلت: أنظر لنفسك ولدينك ~~ولأمة محمد، وإني والله ما أعرف أفضل من جهادك، فإن أفعل فإنه قربة إلى ~~ربي، وإن لم أفعله فأستغفر الله لديني، وأسأله التوفيق لما يحب ويرضى، # PageV01P156 # وقلت فيما قلت: متى تكدني أكدك، فكدني يا معاوية فيما بدا لك، فلعمري ~~لقديما يكاد الصالحون، وإني لأرجو أن لا تضر إلا نفسك، ولا تمحق إلا عملك، ~~فكدني ما بدا لك، واتق الله يا معاوية، واعلم أن لله كتابا لا يغادر صغيرة ~~ولا كبيرة إلا أحصاها. واعلم أن الله ليس بناس لك قتلك بالظنة، وأخذك ~~بالتهمة، وإمارتك صبيا يشرب الشراب (1)، ويلعب بالكلاب، ما أراك إلا وقد ~~أوبقت نفسك، وأهلكت دينك، وأضعت الرعية والسلام. # قدوم معاوية المدينة على هؤلاء القوم وما كان بينهم من المنازعة قال ~~وذكروا أنه لما وجاوب القوم معاوية بما جاوبوه، من الخلاف لأمره، والكراهية ~~لبيعته ليزيد، كتب إلى سعيد بن العاص، يأمره أن يأخذ أهل المدينة بالبيعة ~~ليزيد، أخذا بغلظة وشدة، ولا يدع أحدا من المهاجرين والأنصار وأبنائهم حتى ~~يبايعوا، وأمره أن لا يحرك هؤلاء النفر، ولا يهيجهم. فلما قدم عليه كتاب ~~معاوية أخذهم بالبيعة أعنف ما يكون من الأخذ وأغلظه، فلم يبايعه أحد منهم. ~~فكتب إلى معاوية: إنه لم يبايعني أحد، وإنما الناس تبع لهؤلاء النفر، فلو ~~بايعوك بايعك الناس جميعا، ولم يتخلف عنك أحد. فكتب إليه معاوية يأمره أن ~~لا يحركهم إلى أن يقدم، فقدم معاوية المدينة حاجا، فلما أن دنا من المدينة ~~خرج إليه الناس يتلقونه، ما بين راكب وماش، وخرج النساء والصبيان، فلقيه ~~الناس على حال طاقتهم وما تسارعوا به في الفوت والقرب، فلان لمن كافحه، ~~وفاوض العامة بمحادثته وتألفهم جهده، مقاربة ومصانعة، ليستميلهم إلى ما دخل ~~فيه الناس، حتى قال في بعض ما يجتلبهم به: # يا أهل المدينة ما زلت أطوى الحزن من وعثاء السفر بالحب لمطالعتكم، حتى ~~انطوى البعيد، ولأن الخشن، وحق لجار رسول الله أن يتاق إليه. # فرد عليه القوم: بنفسك ودارك ومهاجرك، أما إن لك ms173 منهم كإشفاق الحميم البر ~~(2)، والحفي المتعاهد. # PageV01P157 # قال: حتى إذا كان بالجرف لقيه الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، فقال ~~معاوية: # مرحبا بابن بنت رسول الله وابن صنو أبيه، ثم انحرف إلى الناس، فقال: هذان ~~شيخا بني عبد مناف، وأقبل عليهما بوجهه وحديثه، فرحب وقرب، وجعل يواجه هذا ~~مرة، ويضاحك هذا أخرى، حتى ورد المدينة، فلما خالطها لقيته المشاة والنساء ~~والصبيان، يسلمون عليه ويسايرونه إلى أن نزل، فانصرفا عنه فمال الحسين إلى ~~منزله، ومضى عبد الله بن عباس إلى المسجد فدخله. # وأقبل معاوية ومعه خلق كثير من أهل الشام، حتى أتى عائشة أم المؤمنين ~~فاستأذن عليها فأذنت له وحده، ولم يدخل عليها معه أحد، وعندها مولاها ~~ذكوان. فقالت عائشة: # يا معاوية، أكنت تأمن أن أقعد لك رجلا فأقتلك كما قتلت أخي محمد بن أبي ~~بكر؟ فقال معاوية: ما كنت لتفعلي ذلك، قالت: لم؟ قال: لأني في بيت آمن، بيت ~~رسول الله. ثم إن عائشة حمدت الله وأثنت عليه، وذكرت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وذكرت أبا بكر وعمر، وحضته على الاقتداء بهما، والاتباع ~~لأثرهما، ثم صمتت. قال: # فلم يخطب معاوية، وخاف أن لا يبلغ ما بلغت، فارتجل الحديث ارتجالا، ثم ~~قال: أنت - والله يا أم المؤمنين - العالمة بالله وبرسوله، دللتنا على ~~الحق، وحضضتنا على حظ أنفسنا، وأنت أهل لأن يطاع أمرك، ويسمع قولك، وإن أمر ~~يزيد قضاء من القضاء، وليس للعباد الخيرة من أمرهم، وقد أكد الناس بيعتهم ~~في أعناقهم، وأعطوا عهودهم على ذلك ومواثيقهم، أفترين أن ينقضوا عهودهم ~~ومواثيقهم؟ فلما سمعت ذلك عائشة علمت أنه سيمضي على أمره، فقالت: أما ما ~~ذكرت من عهود ومواثيق، فاتق الله في هؤلاء الرهط، ولا تعجل فيهم، فلعلهم لا ~~يصنعون إلا ما أحببت، ثم قام معاوية، فلما قام قالت عائشة: # يا معاوية، قتلت حجرا وأصحابه العابدين المجتهدين. فقال معاوية. دعي هذا، ~~كيف أنا في الذي بيني وبينك في حوائجك؟ قالت: صالح، قال: فدعينا وإياهم حتى ~~نلقي ربنا، ثم خرج ومعه ذكوان، فاتكأ ms174 على يد ذكوان، وهو يمشي ويقول: تالله ~~إن رأيت كاليوم قط خطيبا أبلغ من عائشة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~ثم مضى حتى أتى منزله. # فأرسل إلى الحسين بن علي، فخلا به، فقال له: يا بن أخي، قد استوثق الناس ~~لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش، أنت تقودهم يا بن أخي، فما أر بك إلى ~~الخلاف؟ قال الحسين: أرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم، وإلا لم تكن ~~عجلت علي بأمر. # قال: وتفعل؟ قال: نعم، قال: فأخذ عليه أن لا يخبر بحديثهما أحدا، فخرج، ~~وقد PageV01P158 # أقعد له ابن الزبير رجلا بالطريق، فقال: يقول لك أخوك ابن الزبير: ما ~~كان؟ فلم يزل به حتى استخرج منه شيئا. قال: ثم أرسل معاوية بعده إلى ابن ~~الزبير، فخلا به. فقال له: # قد استوثق الناس لهذا الأمر، غير خمسة نفر من قريش أنت تقودهم، يا بن ~~أخي، فما أر بك إلى الخلاف؟ قال: فأرسل إليهم، فإن بايعوك كنت رجلا منهم، ~~وإلا لم تكن عجلت علي بأمر. قال: وتفعل؟ قال: نعم. فأخذ عليه أن لا يخبر ~~بحديثهما أحدا. قال: فأرسل بعده إلى ابن عمر، فأتاه وخلا به، فكلمه بكلام ~~هو ألين من صاحبيه وقال: إني كرهت أن أدع أمة محمد بعدي كالضأن لا راعي ~~لها، وقد استوثق الناس لهذا الأمر غير خمسة نفر أنت تقودهم، فما أر بك إلى ~~الخلاف؟ قال ابن عمر: هل لك في أمر تحقن به الدماء وتدرك به حاجتك؟ فقال ~~معاوية: وددت ذلك، فقال ابن عمر: تبرز سريرك، ثم أجئ فأبايعك، على أني بعدك ~~أدخل فيما اجتمعت عليه الأمة، فوالله لو أن الأمة اجتمعت بعدك على عبد حبشي ~~لدخلت فيما تدخل فيه الأمة. قال: وتفعل؟ قال: نعم. ثم خرج وأرسل إلى عبد ~~الرحمن ابن أبي بكر، فخلا به. قال: بأي يد أو رجل تقدم على معصيتي؟ فقال ~~عبد الرحمن: أرجو أن يكون ذلك خيرا لي، فقال معاوية: والله لقد هممت أن ~~أقتلك، فقال: لو فعلت لأتبعك الله في ms175 الدنيا، ولأدخلك به في الآخرة النار، ~~قال: ثم خرج عبد الرحمن بن أبي بكر، وبقي معاوية يومه ذلك يعطي الخواص، ~~ويعصي مذمة الناس. # فلما كان صبيحة اليوم الثاني، أمر بفراش فوضع له، وسويت مقاعد الخاصة ~~حوله وتلقاءه من أهله، ثم خرج وعليه حلة يمانية، وعمامة دكناء، وقد أسبل ~~طرفها بين كتفيه، وقد تغلى (1) وتعطر، فقعد على سريره، وأجلس كتابه منه ~~بحيث يسمعون ما يأمر به، وأمر حاجبه أن لا يأذن لأحد من الناس وإن قرب، ثم ~~أرسل إلى الحسين بن علي، وعبد الله بن عباس، فسبق ابن عباس، فلما دخل وسلم ~~أقعده في الفراش عن يساره، فحادثه مليا، ثم قال يا بن عباس، لقد وفر الله ~~حظكم من مجاورة هذا القبر الشريف، ودار الرسول عليه الصلاة والسلام. فقال ~~ابن عباس: نعم أصلح الله أمير المؤمنين، وحظنا من القناعة بالبعض، والتجافي ~~عن الكل أوفر، فجعل معاوية يحدثه ويحيد به عن طريق المجاوبة، ويعدل إلى ذكر ~~الأعمار على اختلاف الغرائز والطبائع، حتى أقبل الحسين بن علي، فلما رآه ~~معاوية جمع له وسادة كانت على يمينه، فدخل الحسين وسلم، فأشار إليه، فأجلسه ~~عن يمينه مكان الوسادة فسأله معاوية عن حال بني أخيه الحسن وأسنانهم، ~~فأخبره، ثم سكت. قال: ثم ابتدأ معاوية # PageV01P159 # فقال: أما بعد، فالحمد لله ولي النعم، ومنزل النقم، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله المتعالى عما يقول الملحدون علوا كبيرا، وأن محمدا عبده المختص ~~المبعوث إلى الجن والإنس كافة، لينذرهم بقرآن لا يأتيه الباطل من بين يديه ~~ولا من خلفه، تنزيل من حكيم حميد. فأدى عن الله، وصدع بأمره، وصبر على ~~الأذى في جنبه، حتى وضح دين الله، وعز أولياؤه، وقمع المشركون، وظهر أمر ~~الله وهم كارهون، فمضى صلوات الله عليه، وقد ترك من الدنيا ما بذل له، ~~واختار منها الترك لما سخر له، زهادة واختيارا لله، وأنفة واقتدارا على ~~الصبر، بغيا لما يدوم ويبقى، فهذه صفة الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم خلفه ~~رجلان محفوظان، وثالث مشكور، وبين ذلك خوض ms176 طال ما عالجناه مشاهدة ومكافحة ~~ومعاينة وسماعا، وما أعلم منه فوق ما تعلمان، وقد كان من أمر يزيد ما سبقتم ~~إليه وإلى تجويزه، وقد علم الله ما أحاول به في أمر الرعية، من سد الخلل، ~~ولم الصدع بولاية يزيد بما أيقظ العين، وأحمد الفعل، هذا معناي في يزيد، ~~وفيكما فضل القرابة، وحظوة العلم، وكمال المروءة، وقد أصبت من ذلك عند يزيد ~~على المناظرة والمقابلة، ما أعياني مثله عندكما، وعند غيركما، مع علمه ~~بالسنة، وقراءة القرآن، والحلم الذي يرجح بالصم الصلاب، وقد علمتما أن ~~الرسول المحفوظ بعصمة الرسالة، قدم على الصديق والفاروق، ومن دونهما من ~~أكابر الصحابة، وأوائل المهاجرين يوم غزوة السلاسل، من لم يقارب القوم ولم ~~يعاندهم برتبة في قرابة موصولة. ولا سنة مذكورة، فقادهم الرجل بأمره، وجمع ~~بهم صلاتهم، وحفظ عليهم فيئهم، وقال فلم يقل معه، وفي رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أسوة حسنة، فمهلا بني عبد المطلب، فأنا وأنتم شعبا نفع وجد، وما ~~زلت أرجو الإنصاف في اجتماعكما، فما يقول القائل إلا بفضل قولكما، فردا على ~~ذي رحم مستعتب ما يحمد به البصيرة في عتابكما، وأستغفر الله لي ولكما. # قال: فتيسر ابن عباس للكلام، ونصب يده للمخاطبة، فأشار إليه الحسين وقال: ~~على رسلك، فأنا المراد، ونصيبي في التهمة أوفر، فأمسك ابن عباس، فقام ~~الحسين، فحمد الله، وصلى على الرسول ثم قال: أما بعد يا معاوية، فلن يؤدي ~~القائل، وإن أطنب في صفة الرسول صلى الله عليه وسلم من جميع جزءا، وقد فهمت ~~ما لبست به الخلف بعد رسول الله من إيجاز الصفة والتنكب عن استبلاغ النعت، ~~وهيهات هيهات يا معاوية: فضح الصبح فحمة الدجى، وبهرت الشمس أنوار السرج، ~~ولقد فضلت حتى أفطرت، واستأثرت حتى أجحفت، ومنعت حتى محلت، وجزت حتى جاوزت ~~ما بذلت لذي حق من اسم حقه بنصيب، حتى أخذ الشيطان حظه الأوفر، ونصيبه ~~الأكمل، وفهمت ما ذكرت عن يزيد من اكتماله، وسياسته لأمة محمد، تريد أن ~~توهم الناس في يزيد، كأنك تصف محجوبا، أو تنعت ms177 PageV01P160 # غائبا، أو تخبر عما كان مما احتويته بعلم خاص، وقد دل يزيد من نفسه على ~~موقع رأيه فخذ ليزيد فيما أخذ فيه، من استقرائه الكلاب المهارشة عند ~~التهارش، والحمام السبق لأترابهن، والقيان ذوات المعازف وضرب الملاهي تجده ~~باصرا، ودع عنك ما تحاول، فما أغناك أن تلقى الله من وزر هذا الخلق بأكثر ~~مما أنت لاقيه، فوالله ما برحت تقدح باطلا في جور، وحنقا في ظلم حتى ملأت ~~الأسقية (1) وما بينك وبين الموت إلا غمضة، فتقدم على عمل محفوظ، في يوم ~~مشهود، ولات حين مناص، ورأيتك عرضت بنا بعد هذا الأمر، ومنعتنا عن آبائنا ~~تراثا، ولقد - لعمر الله - أورثنا الرسول عليه الصلاة والسلام ولادة وجئت ~~لنا بها، أما حججتم به القائم عند موت الرسول، فأذعن للحجة بذلك، ورده ~~الإيمان إلى النصف، فركبتم الأعاليل، وفعلتم الأفاعيل، وقلتم كان ويكون، ~~حتى أتاك الأمر يا معاوية من طريق كان قصدها لغيرك، فهناك فاعتبروا يا أولي ~~الأبصار، وذكرت قيادة الرجل القوم بعهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وتأميره له، وقد كان ذلك، ولعمرو بن العاص يومئذ فضيلة بصحبة الرسول، ~~وبيعته له، وما صار - لعمر الله - يومئذ مبعثهم حتى أنف القوم إمرته، ~~وكرهوا تقديمه، وعدوا عليه أفعاله، فقال صلى الله عليه وسلم: لا جرم معشر ~~المهاجرين، لا يعمل عليكم بعد اليوم غيري. فكيف تحتج بالمنسوخ من فعل ~~الرسول، في أوكد الأحكام، وأولاها بالمجمع عليه من الصواب؟ أم كيف صاحبت ~~بصاحب تابعا، وحولك من لا يؤمن في صحبته، ولا يعتمد في دينه وقرابته، ~~وتتخطاهم إلى مسرف مفتون، تريد أن تلبس الناس شبهة يسعد بها الباقي في ~~دنياه، وتشقى بها في آخرتك. إن هذا لهو الخسران المبين. وأستغفر الله لي ~~ولكم. # قال؟ فنظر معاوية إلى ابن عباس فقال: ما هذا يا بن عباس؟ ولما عندك أدهى ~~وأمر. # فقال ابن عباس: لعمر الله إنها لذرية الرسول، وأحد أصحاب الكساء، وفي ~~البيت المطهر، فاله عما تريد، فإن لك في الناس مقنعا، حتى يحكم الله بأمره ~~وهو خير الحاكمين. فقال ms178 معاوية: أعود الحلم التحلم، قال: وخيره التحلم عن ~~الأهل. انصرفا في حفظ الله، ثم أرسل معاوية إلى عبد الرحمن ابن أبي بكر، ~~وإلى عبد الله بن عمر، وإلى عبد الله بن الزبير، فجلسوا، فحمد الله وأثنى ~~عليه معاوية ثم قال: يا عبد الله بن عمر قد كنت تحدثنا أنك لا تحب أن تبيت ~~ليلة وليس في عنقك بيعة جماعة وأن لك الدنيا وما فيها، وإني أحذرك أن تشق ~~عصا المسلمين، وتسعى في تفريق ملئهم، وأن تسفك دماءهم، وإن أمر يزيد قد كان ~~قضاء من # PageV01P161 # القضاء، وليس للعباد خيرة من أمرهم، وقد وكد الناس بيعتهم في أعناقهم، ~~وأعطوا على ذلك عهودهم ومواثيقهم، ثم سكت. # فتكلم عبد الله بن عمر، فحمد الله وأثنى عليه. ثم قال: أما بعد يا ~~معاوية، لقد كانت قبلك خلفاء، وكان لهم بنون، ليس ابنك بخير من أبنائهم، ~~فلم يروا في أبنائهم ما رأيت في ابنك. # فلم يحابوا في هذا الأمر أحدا، ولكن اختاروا لهذه الأمة حيث علموهم، وإنك ~~تحذرني أن أشق عصا المسلمين، وأفرق ملأهم. وأسفك دماءهم، ولم أكن لأفعل ذلك ~~إن شاء الله، ولكن إن استقام الناس فسأدخل في صالح ما تدخل فيه أمة محمد. ~~فقال معاوية: يرحمك الله ليس عندك خلاف. ثم قال معاوية لعبد الرحمن بن أبي ~~بكر نحو ما قاله لعبد الله بن عمر. فقال له عبد الرحمن: إنك والله لوددت ~~أنا نكلك إلى الله فيما جسرت عليه من أمر يزيد، والذي نفسي بيده لنجعلنها ~~شورى، أو لأعيدنها جذعة، ثم قام ليخرج، فتعلق معاوية بطرف ردائه. ثم قال: ~~على رسلك، اللهم اكفنيه بما شئت، ثم قال له: لا تظهرن لأهل الشام، فإني ~~أخشى عليك منهم. ثم قال لابن الزبير، نحو ما قاله لابن عمر. ثم قال له: أنت ~~ثعلب رواغ، كلما خرجت من جحر انجحرت في آخر، أنت ألبت هذين الرجلين، ~~وأخرجتهما إلى ما خرجا إليه. فقال ابن الزبير. أتريد أن تبايع ليزيد؟ أرأيت ~~إن بايعناه أيكما نطيع، أنطيعك أم نطيعه؟ إن كنت ms179 مللت الخلافة فاخرج منها ~~وبايع ليزيد، فنحن نبايعه، فكثر كلامه وكلام ابن الزبير، حتى قال له معاوية ~~في بعض كلامه: والله ما أراك إلا قاتلا نفسك، ولكأني بك قد تخبطت في ~~الحبالة. ثم أمرهم بالانصراف، واحتجب عن الناس ثلاثة أيام لا يخرج. # ثم خرج، فأمر المنادي أن ينادي في الناس، أن يجتمعوا لأمر جامع فاجتمع ~~الناس في المسجد، وقعد هؤلاء حول المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه. ثم ذكر ~~يزيد وفضله، وقراءته القرآن، ثم قال: يا أهل المدينة، لقد هممت ببيعة يزيد، ~~وما تركت قرية ولا مدرة إلا بعثت إليها في بيعته، فبايع الناس جميعا، ~~وسلموا، وأخرت المدينة بيعته، وقلت بيضته وأصله، ومن لا أخافهم عليه، وكان ~~الذين أبوا البيعة منهم من كانوا أجدر أن يصله، ووالله لو علمت مكان أحد هو ~~خير للمسلمين من يزيد لبايعت له، فقام الحسين فقال: والله لقد تركت من هو ~~خير منه أبا وأما ونفسا، فقال معاوية: كأنك تريد نفسك؟ فقال الحسين: نعم، ~~أصلحك الله. # فقال معاوية: إذا أخبرك، أما قولك: خير منه أما، فلعمري: أمك خير من أمه، ~~ولو لم تكن إلا أنها امرأة من قريش لكان لنساء قريش فضلهن، فكيف وهي ابنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ ثم فاطمة في دينها وسابقتها، فأمك لعمر الله ~~خير من أمه، وأما أبوك فقد حاكم أباه PageV01P162 # إلى الله، فقضى لأبيه على أبيك. فقال الحسين: حسبك جهلك، آثرت العاجل على ~~الآجل. # فقال معاوية: وأما ما ذكرت من أنك خير من يزيد نفسا، فيزيد والله خير ~~لأمة محمد منك. # فقال الحسين: هذا هو الإفك والزور، يزيد شارب الخمر، ومشتري اللهو خير ~~مني؟ فقال معاوية: مهلا عن شتم ابن عمك، فإنك لو ذكرت عنده بسوء لم يشتمك. ~~ثم التفت معاوية إلى الناس وقال: أيها الناس، قد علمتم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم قبض، ولم يستخلف أحدا، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، ~~وكانت بيعته بيعة هدى، فعمل بكتاب الله وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة، رأى ~~أن ms180 يستخلف عمر، فعمل عمر بكتاب الله، وسنة نبيه، فلما حضرته الوفاة رأى أن ~~يجعلها شورى بين ستة نفر، اختارهم من المسلمين، فصنع أبو بكر ما لم يصنعه ~~رسول الله، وصنع عمر ما لم يصنعه أبو بكر، كل ذلك يصنعونه نظرا للمسلمين، ~~فلذلك رأيت أن أبايع ليزيد لما وقع الناس فيه من الاختلاف، ونظرا لهم بعين ~~الإنصاف. # ما قال عبد الله بن الزبير لمعاوية قال: وذكروا أن عبد الله بن الزبير ~~قام إلى معاوية فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قبض، فترك الناس إلى ~~كتاب الله، فرأى المسلمون أن يستخلفوا أبا بكر، ثم رأى أبو بكر أن يستخلف ~~عمر، وهو أقصى قريش منه نسبا، ورأى عمر أن يجعلها شورى بين ستة نفر اختارهم ~~من المسلمين، وفي المسلمين ابنه عبد الله، وهو خير من ابنك، فإن شئت أن تدع ~~الناس على ما تركهم رسول الله، فيختارون لأنفسهم، وإن شئت أن تستخلف من ~~قريش كما استخلف أبو بكر خير من يعلم، وإن شئت أن تصنع مثل ما صنع عمر، ~~تختار رهطا من المسلمين، وتزويها عن ابنك، فافعل. # فنزل معاوية عن المنبر، وانصرف ذاهبا إلى منزله، وأمر من حرسه وشرطته ~~قوما أن يحضروا هؤلاء النفر الذين أبوا البيعة، وهم الحسين بن علي، وعبد ~~الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، عبد الرحمن بن أبي ~~بكر، وأوصاهم معاوية فقال: إني خارج العشية إلى أهل الشام، فأخبرهم أن ~~هؤلاء النفر قد بايعوا وسلموا، فإن تكلم أحد منهم بكلام يصدقني أو يكذبني ~~فيه، فلا ينقضي كلامه حتى يطير رأسه، فحذر القوم ذلك، فلما كان العشي، خرج ~~معاوية، وخرج معه هؤلاء النفر، وهو يضاحكهم، ويحدثهم، وقد ألبسهم الحلل، ~~فألبس ابن عمر حلة حمراء، وألبس الحسين حلة صفراء، وألبس عبد الله بن عباس ~~حلة خضراء، وألبس ابن الزبير حلة يمانية. ثم خرج بينهم، وأظهر لأهل الشام ~~الرضا عنهم: أي القوم، وأنهم بايعوا، فقال: PageV01P163 # يأهل الشام إن هؤلاء النفر دعاهم أمير المؤمنين، فوجدهم واصلين ms181 مطيعين، ~~وقد بايعوا وسلموا قال ذلك: والقوم سكوت ولم يتكلموا شيئا حذر القتل، فوثب ~~أناس من أهل الشام فقالوا: # يا أمير المؤمنين إن كان رابك منهم ريب، فخل بيننا وبينهم، حتى نضرب ~~أعناقهم. فقال معاوية: سبحان الله! ما أحل دماء قريش عندكم يا أهل الشام. ~~لا أسمع لهم ذاكرا بسوء، فإنهم قد بايعوا وسلموا، وارتضوني فرضيت عنهم، رضي ~~الله عنهم. # ثم ارتحل معاوية راجعا إلى مكة، وقد أعطى الناس أعطياتهم، وأجزل العطاء، ~~وأخرج إلى كل قبيلة جوائزها وأعطياتها، ولم يخرج لبني هاشم جائزة ولا عطاء. ~~فخرج عبد الله ابن عباس في أثره حتى لحقه بالروحاء، فجلس ببابه، فجعل ~~معاوية يقول: من بالباب؟ فيقال: # عبد الله بن عباس؟ فلم يأذن لأحد. فلما استيقظ قال: من بالباب؟ فقيل: عبد ~~الله بن عباس، فدعا بدابته، فأدخلت إليه، ثم خرج راكبا، فوثب إليه عبد الله ~~بن عباس، فأخذ بلجام البغلة، ثم قال: أين تذهب؟ قال: إلى مكة، قال: فأين ~~جوائزنا كما أجزت غيرنا، فأومأ إليه معاوية، فقال: والله مالكم عندي جائزة ~~ولا عطاء حتى يبايع صاحبكم. قال ابن عباس: فقد أبى ابن الزبير فأخرجت جائزة ~~بني أسد، وأبى عبد الله بن عمر، فأخرجت جائزة بني عدي، فما لنا إن أبى ~~صاحبنا، وقد أبى صاحب غيرنا؟ فقال معاوية: لستم كغيركم، لا والله لا أعطيكم ~~درهما حتى يبايع صاحبكم. فقال ابن عباس: أما والله لئن لم تفعل لألحقن ~~بساحل من سواحل الشام، ثم لأقولن ما تعلم، والله لا تركنهم عليك خوارج. ~~فقال معاوية. لا، بل أعطيكم جوائزكم، فبعث بها من الروحاء ومضى راجعا إلى ~~الشام، فلم يلبث إلا قليلا، حتى توفي عبد الرحمن بن أبي بكر في نومة نامها ~~رحمه الله. # ما قال سعيد بن عثمان بن عفان لمعاوية قال: فلما قدم معاوية الشام، أتاه ~~سعيد بن عثمان بن عفان، وكان شيطان قريش ولسانها. قال: يا أمير المؤمنين ~~علام تبايع ليزيد وتتركني؟ فوالله لتعلم أن أبي خير من أبيه، وأمي خير من ~~أمه، وأنا خير منه، ms182 وأنك إنما نلت ما أنت فيه بأبي، فضحك معاوية وقال: # يا بن أخي أما قولك: إن أباك خير من أبيه، فيوم من عثمان خير من معاوية، ~~وأما قولك: إن أمك خير من أمه، ففضل قريشة على كلبية فضل بين، وأما أن أكون ~~نلت ما أنا فيه بأبيك، فإنما هو الملك يؤتيه الله من يشاء، قتل أبوك رحمه ~~الله، فتواكلته بنو العاصي (1)، وقامت فيه بنو حرب، فنحن أعظم بذلك منة ~~عليك، وأما أن تكون خيرا من يزيد، فوالله ما أحب أن داري مملوءة رجالا مثلك ~~بيزيد، ولكن دعني من هذا القول، وسلني أعطك. فقال # PageV01P164 # سعيد بن عثمان: يا أمير المؤمنين، لا يعدم يزيد مركبا ما دمت له، وما كنت ~~لأرضى ببعض حقي دون بعض، فإذا أبيت فأعطني مما أعطاك الله. فقال معاوية: لك ~~خراسان. # قال سعيد: وما خراسان؟ قال: إنها لك طعمة وصلة رحم، فخرج راضيا، وهو ~~يقول: # ذكرت أمير المؤمنين وفضله * فقلت جزاه الله خيرا بما وصل وقد سبقت مني ~~إليه بوادر * من القول فيه آفة العقل والزلل فعاد أمير المؤمنين بفضله * ~~وقد كان فيه قبل عودته ميل وقال خراسان لك اليوم طعمة * فجوزي أمير ~~المؤمنين بما فعل فلو كان عثمان الغداة مكانه * لما نالني من ملكه فوق ما ~~بذل فلما انتهى قوله إلى معاوية، أمر يزيد أن يزوده، وأمر إليه بخلعة، ~~وشيعه فرسخا. # قدوم أبي الطفيل على معاوية قال: وذكروا أنه لم يكن أحد أحب إلى معاوية ~~أن يلقاه من أبي الطفيل الكناني، وهو عامر بن واثلة، وكان فارس أهل صفين، ~~وشاعرهم، وكان من أخص الناس بعلي كرم الله وجهه، فقدم أبو الطفيل الشام ~~يزور ابن أخ له من رجال معاوية، فأخبر معاوية بقدومه، فأرسل إليه، فأتاه ~~وهو شيخ كبير، فلما دخل عليه، قال له معاوية: أنت أبو الطفيل عامر ابن ~~واثلة؟ قال: نعم. قال معاوية: أكنت ممن قتل عثمان أمير المؤمنين، قال: لا، ~~ولكن ممن شهده فلم ينصره، قال: ولم؟ قال: لم ينصره المهاجرون والأنصار، ~~فقال معاوية: أما ms183 والله إن نصرته كانت عليهم وعليك حقا واجبا، وفرضا لازما، ~~فإذ ضيعتموه فقد فعل الله بكم ما أنتم أهله، وأصاركم إلى ما رأيتم، فقال ~~أبو الطفيل: فما منعك يا أمير المؤمنين، إذ تربصت به ريب المنون أن تنصره ~~ومعك أهل الشام؟ قال معاوية: أو ما ترى طلبي لدمه، فضحك أبو الطفيل وقال: ~~بلى، ولكني وإياك كما قال عبيد بن الأبرص: # لا أعرفنك بعد الموت تندبني * وفي حياتي ما زودتني زادي فدخل مروان بن ~~الحكم، وسعيد بن العاص، وعبد الرحمن بن الحكم، فلما جلسوا نظر إليهم ~~معاوية، ثم قال: أتعرفون هذا الشيخ؟ قالوا: لا، فقال معاوية: هذا خليل علي ~~بن أبي طالب وفارس صفين، وشاعر أهل العراق، هذا أبو الطفيل. قال سعيد بن ~~العاص: قد # PageV01P165 # عرفناه يا أمير المؤمنين، فما يمنعك منه؟ وشتمه القوم، فزجرهم معاوية ~~وقال: مهلا، فرب يوم ارتفع عن الأسباب قد ضقتم به ذرعا، ثم قال: أتعرف ~~هؤلاء يا أبا الطفيل؟ قال: ما أنكرهم من سوء، ولا أعرفهم بخير، وأنشد: # فإن تكن العداوة قد أكنت * فشر عداوة المرء السباب فقال معاوية: يا أبا ~~الطفيل، ما أبقى لك الدهر من حب علي؟ قال: حب أم موسى، وأشكو إلى الله ~~التقصير، فضحك معاوية، قال: ولكن والله هؤلاء الذين حولك لو سئلوا عني ما ~~قالوا هذا. فقال مروان: أجل، والله لا نقول الباطل. قال: ثم جهزه معاوية، ~~وألحقه بالكوفة. # ما حاول معاوية من تزويج يزيد قال: وذكروا أن يزيد بن معاوية سهر ليلة من ~~الليالي، وعنده وصيف لمعاوية يقال له رفيق، فقال يزيد: أستديم الله بقاء ~~أمير المؤمنين، وعافيته إياه، وأرغب إليه في تولية أمره وكفاية همه، فقد ~~كنت أعرف من جميل رأي أمير المؤمنين في، وحسن نظره في جميع الأشياء ما يؤكد ~~الثقة في ذلك والتوكل عليه؟ منعني من البوح بما جمجمت في صدري له، وتطلابه ~~إليه، فأضاع من أمري وترك من النظر في شأني، وقد كان في حلمه، وعلمه، ~~ورضائه، ومعرفته، بما يحق لمثله النظر فيه، غير غافل عنه، ms184 ولا تارك له، مع ~~ما يعلم من هيبتي له وخشيتي منه، فالله يجزيه عني بإحسانه، ويغفر له ما ~~اجترح من عهده ونسيانه، فقال الوصيف: وما ذلك جعلت فداك؟ لا تلم على تضييعه ~~إياك، فإنك تعرف تفضيله لك، وحرصه عليك، وما يخامره من حبك، وأن ليس شئ أحب ~~إليه، ولا آثر عنده منك لدينه، فاذكر بلاءه، واشكر حباءه فإنك لا تبلغ من ~~شكره إلا بعون من الله. # قال: فأطرق يزيد إطراقا عرف الوصيف منه ندامته على ما بدا منه، وباح به، ~~فلما آب من عنده توجه نحو سدة معاوية ليلا وكان غير محجوب عنه، ولا محبوس ~~دونه، فعلم معاوية أنه ما جاء به إلا خبر أراد إعلامه به. فقال له معاوية: ~~ما وراءك؟ # وما جاء بك؟ فقال: أصلح الله أمير المؤمنين، كنت عند يزيد ابنك: فقال ~~فيما استجر من الكلام كذا وكذا، فوثب معاوية وقال: ويحك ما أضعنا منه؟ رحمة ~~له، وكراهية لما شجاه وخالف هواه؟ وكان معاوية لا يعدل بما يرضيه شيئا. ~~فقال علي به، وكان معاوية إذا أتت الأمور المشكلة المعضلة، بعث إلى يزيد ~~يستعين به على استيضاح شبهاتها واستسهال معضلاتها، PageV01P166 # فلما جاءه الرسول قال: أجب أمير المؤمنين، فحسب يزيد أنما دعاه إلى تلك ~~الأمور التي يفزع إليه منها، ويستعين برأيه عليها، فأقبل حتى دخل عليه، ~~فسلم ثم جلس. فقال معاوية: يا يزيد ما الذي أضعنا من أمرك، وتركنا من ~~الحيطة عليك، وحسن النظر لك، حيث قلت ما قلت،؟ # وقد تعرف رحمتي بك، ونظري في الأشياء التي تصلحك، قبل أن تخطر على وهمك، ~~فكنت أظنك على تلك النعماء شاكرا، فأصبحت بها كافرا، إذ فرط من قولك ما ~~ألزمتني فيه إضاعتي إياك، وأوجبت علي منه التقصير، لم يزجرك عن ذلك تخوف ~~سخطي، ولم يحجزك دون ذكره سالف نعمتي، ولم يردعك عنه حق أبوتي، فأي ولد أعق ~~منك وأكيد، وقد علمت أني تخطأت الناس كلهم في تقديمك، ونزلتهم لتوليتي ~~إياك، ونصبتك إماما على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيهم ms185 من ~~عرفت، وحاولت منهم ما علمت؟ قال: فتكلم يزيد، وقد خنقه من شدة الحياء ~~الشرق، وأخضله (1) من أليم الوجد العرق. قال: لا تلزمني كفر نعمتك، ولا ~~تنزل بي عقابك، وقد عرفت نعمة مواصلتك ببرك، وخطوي إلى كل ما يسرك، في سري ~~وجهري فليسكن سخطك، فإن الذي أرثى له من أعباء حمله وثقله، أكثر مما أرثى ~~لنفسي، من أليم ما بها وشدته، وسوف أنبئك وأعلمك أمري. كنت قد عرفت من أمير ~~المؤمنين استكمل الله بقاءه، نظرا في خيار الأمور لي، وحرصا على سياقها ~~إلى، وأفضل ما عسيت أستعدله بعد إسلامي المرأة الصالحة، وقد كان ما تحدث به ~~من فضل جمال أرينب بنت إسحاق وكمال أدبها ما قد سطع وشاع في الناس، فوقع ~~مني بموقع الهوى فيها، والرغبة في نكاحها، فرجوت ألا تدع حسن النظر لي في ~~أمرها، فتركت ذلك حتى استنكحها بعلها، فلم يزل ما وقع في خلدي ينمو ويعظم ~~في صدري، حتى عيل صبري، فبحت بسري، فكان مما ذكرت تقصيرك في أمري، فالله ~~يجزيك أفضل من سؤالي وذكري. فقال له معاوية: مهلا يا يزيد، فقال: علام ~~تأمرني بالمهل وقد انقطع منها الأمل؟ فقال له معاوية: فأين حجاك ومروءتك ~~وتقاك؟ فقال يزيد: قد يغلب الهوى على الصبر والحجا، ولو كان أحد ينتفع فيما ~~يبتلي به من الهوى يتقاه، أو يدفع ما أقصده (2) بحجاه، لكان أولى الناس ~~بالصبر داود عليه السلام، وقد خبرك القرآن بأمره. # فقال معاوية: فما منعك قبل الفوت من ذكره؟ قال ما كنت أعرفه، وأثق به من ~~جميل نظرك، قال: صدقت، ولكن اكتم يا بني أمرك بحملك. واستعن بالله على غلبة ~~هواك بصبرك، فإن البوح به غير نافعك، والله بالغ أمره، ولا بد مما هو كائن. # PageV01P167 # وكانت أرينب بنت إسحاق مثلا في أهل زماتها في جمالها، وتمام كمالها ~~وشرفها، وكثرة مالها، فتزوجها رجل من بني عمها يقال له عبد الله بن سلام من ~~قريش، وكان من معاوية بالمنزلة الرفيعة في الفضل. ووقع أمر يزيد من معاوية ~~موقعا ملأه هما، ms186 وأوسعه غما، فأخذ في الحيلة والنظر أن يصل إليها، وكيف ~~يجمع بينه وبينها حتى يبلغ رضا يزيد فيها. فكتب معاوية إلى عبد الله بن ~~سلام: وكان قد استعمله على العراق، أن أقبل حين تنظر في كتابي هذا لأمر حظك ~~فيه كامل، ولا تتأخر عنه، فأعد المصير والاقبال. وكان عند معاوية بالشام ~~أبو هريرة وأبو الدرداء، صاحبا رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فلما قدم عبد ~~الله بن سلام الشام، أمر معاوية أن ينزل منزلا قد هيئ له، وأعد له فيه ~~نزله، ثم قال لأبي هريرة وصاحبه: # إن الله قسم بين عباده قسما، ووهبهم نعما أوجب عليهم شكرها، وحتم عليهم ~~حفظها، وأمرهم برعاية حقها، وسلطان طريقها، بجميل النظر، وحسن التفقد لمن ~~طوقهم الله أمره، كما فوضه إليهم، حتى يؤدوا إلى الله الحق فيهم كما أوجبه ~~عليهم، فحياني منها عز وجل بأعز الشرف، وسمو السلف، وأفضل الذكر، وأغدق ~~اليسر، وأوسع علي في رزقه، وجعلني راعي خلقه، وأمينه في بلاده، والحاكم في ~~أمر عباده، ليبلوني أأشكر آلاءه أم أكفرها، فإياه أسأله أداء شكره، وبلوغ ~~ما أرجو بلوغه، من عظيم أجره، وأول ما ينبغي للمرء أن يتفقده وينظر فيه، ~~فيمن استرعاه الله أمره من أهله ومن لا غنى به عنه. وقد بلغت لي ابنة أردت ~~إنكاحها، والنظر فيمن يريد أن يباعلها (1). لعل من يكون بعدي يهتدي منه ~~بهديي، ويتبع فيه أثرى، فإني قد تخوفت أن يدعو من يلي هذا الأمر من بعدي ~~زهوة السلطان وسرفه إلى عضل نسائهم، ولا يرون لهن فيمن ملكوا أمره كفؤا ولا ~~نظيرا، وقد رضيت لها عبد الله ابن سلام لدينه وفضله ومروءتة وأدبه. فقال ~~أبو هريرة وأبو الدرداء: إن أولى الناس برعاية أنعم الله وشكرها، وطلب ~~مرضاته فيها فيما خصه به منها، أنت صاحب رسول الله وكاتبه. فقال معاوية: ~~اذكروا له ذلك عني، وقد كنت جعلت لها في نفسها شورى، غير أني أرجو أنها لا ~~تخرج من رأيي إن شاء الله، فلما خرجا من عنده متوجهين إلى منزل عبد ms187 الله ~~ابن سلام بالذي قال لهما، قال: ودخل معاوية إلى ابنته، فقال لها: إذا دخل ~~عليك أبو هريرة وأبو الدرداء، فعرضا عليك أمر عبد الله بن سلام، وإنكاحي ~~إياك منه، ودعواك إلى مباعلته، وحضاك على ملاءمة رأيي، والمسارعة إلى هواي. ~~فقولي لهما: عبد الله بن سلام كفؤ كريم، وقريب حميم، غير أنه تحته أرينب ~~بنت إسحاق، وأنا خائفة أن يعرض لي من الغيرة ما يعرض للنساء، # PageV01P168 # فأتولى منه ما أسخط الله فيه، فيعذبني عليه، فأفارق الرجاء، وأستشعر ~~الأذى، ولست بفاعلة حتى يفارقها، فذكر ذلك أبو هريرة وأبو الدرداء لعبد ~~الله بن سلام، وأعلماه بالذي أمرهما معاوية، فلما أخبراه سر به وفرح، وحمد ~~الله عليه، ثم قال: نستمتع الله بأمير المؤمنين، لقد وإلى علي من نعمه، ~~وأسدى إلي من مننه، فأطول ما أقوله فيه قصير، وأعظم الوصف لها يسير. ثم ~~أراد إخلاطي بنفسه، وإلحاقي بأهله، إتماما لنعمته، وإكمالا لإحسانه، فالله ~~أستعين على شكره، وبه أعوذ من كيده ومكره. ثم بعثهما إليه خاطبين عليه، ~~فلما قدما، قال لهما معاوية: قد تعلمان رضائي به وتنخلي (1) إياه، وحرصي ~~عليه، وقد كنت أعلنتكما بالذي جعلت لها في نفسها من الشورى، فادخلا إليها، ~~واعرضا عليها الذي رأيت لها، فدخلا عليها وأعلماها بالذي ارتضاه لها أبوها، ~~لما رجا من ثواب الله عليه. فقالت لهما كالذي قال لها أبوها، فأعلماه بذلك، ~~فلما ظن أنه لا يمنعها منه إلا أمرها، فارق زوجته، وأشهدهما على طلاقها، ~~وبعثهما خاطبين إليه أيضا، فخطبا، وأعلما معاوية بالذي كان من فراق عبد ~~الله بن سلام امرأته، طلابا لما يرضيها، وخروجا عما يشجيها، فأظهر معاوية ~~كراهية لفعله، وقال: # ما أستحسن له طلاق امرأته، ولا أحببته، ولو صبر ولم يعجل لكان أمره إلى ~~مصيره، فإن كون ما هو كائن لا بد منه، ولا محيص عنه، ولا خيرة فيه للعباد، ~~والأقدار غالبة، وما سبق في علم الله لا بد جار فيه، فانصرفا في عافية، ثم ~~تعودان إلينا فيه، وتأخذان إن شاء الله رضانا. # ثم كتب إلى يزيد ms188 ابنه يعلمه بما كان من طلاق أرينب بنت إسحاق عبد الله بن ~~سلام، فلما عاد أبو هريرة وأبو الدرداء إلى معاوية أمرهما بالدخول عليها، ~~وسؤاها عن رضاها تبريا من الأمر، ونظرا في القول والعذر، فيقول: لم يكن لي ~~أن أكرهها، وقد جعلت لها الشورى في نفسها، فدخلا عليها، وأعلماها بالذي ~~رضيه إن رضيت هي، وبطلاق عبد الله بن سلام امرأته أرينب، طلابا لمسرتها، ~~وذكرا من فضله، وكمال مروءته، وكريم محتده، ما القول يقصر عن ذكره. فقالت ~~لهما: جف القلم بما هو كائن، وإنه في قريش لرفيع، غير أن الله عز وجل يتولى ~~تدبير الأمور في خلقه، وتقسيمها بين عباده، حتى ينزلها منازلها فيهم، ~~ويضعها على ما سبق في أقدارها. وليست تجري لأحد على ما يهوى، ولو كان لبلغ ~~منها غاية ما شاء. وقد تعرفان أن التزويج هزله جد، وجده ندم، الندم عليه ~~يدوم، والمعثور فيه لا يكاد يقوم، # PageV01P169 # والأناة في الأمور أوفق لما يخاف فيها من المحذور، فإن الأمور إذا جاءت ~~خلاف الهوى بعد التأني فيها، وكان المرء بحسن العزاء خليقا، وبالصبر عليها ~~حقيقا، وعلمت أن الله ولي التدابير. # فلم تلم النفس على التقصير، وإني بالله أستعين، سائلة عنه، حتى أعرف ~~دخيلة خبره، ويصح لي الذي أريد علمه من أمره ومستخيرة، وإن كنت أعلم أنه لا ~~خيرة لأحد فيما هو كائن، ومعلمتكما بالذي يرينيه الله في أمره، ولا قوة إلا ~~بالله. # فقالا: وفقك الله وخار لك. ثم انصرفا عنها، فلما أعلماه بقولها تمثل ~~وقال: # فإن يك صدر هذا اليوم ولي * فإن غدا لناظره قريب وتحدث الناس بالذي كان ~~من طلاق عبد الله امرأته قبل أن يفرغ من طلبته، وقبل أن يوجب له الذي كان ~~من بغيته، ولم يشكوا في غدر معاوية إياه. فاستحث عبد الله بن سلام أبا ~~هريرة وأبا الدرداء، وسألهما الفراغ من أمره، فأتياها. فقالا لها: قد ~~أتيناك لما أنت صانعه في أمرك، وإن تستخيري الله يخر لك فيما تختارين، فإنه ~~يهدي من استهداه، ويعطي من اجتداه، وهو ms189 أقدر القادرين. قالت: الحمد لله ~~أرجو أن يكون الله قد خار لي، فإنه لا يكل إلى غيره من توكل عليه، وقد ~~استبرأت أمره، وسألت عنه فوجدته غير ملائم ولا موافق لما أريد لنفسي، مع ~~اختلاف من استشرته فيه، فمنهم الناهي عنه، ومنهم الآمر به، واختلافهم أول ~~ما كرهت من الله. فعلم عبد الله أنه خدع، فهلع ساعة واشتد عليه الهم. ثم ~~انتبه فحمد الله تعالى وأثنى عليه، وقال متعزيا: ليس لأمر الله راد، ولا ~~لما لا بد أن يكون منه صاد، أمور في علم الله سبقت، فجرت بها أسبابها، حتى ~~امتلأت منها أقرابها، وإن يكون امرؤ انثال له حلمه واجتمع له عقله، واستذ ~~له رأيه، ليس بدافع عن نفسه قدرا ولا كيدا، ولا انحرافا عنه ولا حيدا، ولآل ~~ما سروا به واستجذلوا له لا يدوم لهم سروره، ولا يصرف عنهم محذوره. قال: ~~وذاع أمره في الناس وشاع، ونقلوه إلى الأمصار، وتحدثوا به في الاسمار، وفي ~~الليل والنهار، وشاع في ذلك قولهم، وعظم لمعاوية عليه لومهم، وقالوا: خدعه ~~معاوية حتى طلق امرأته، وإنما أرادها لابنه، فبئس من استرعاه الله أمر ~~عباده، ومكنه في بلاده، وأشركه في سلطانه، يطلب أمرا بخدعة من جعل الله ~~إليه أمره، ويحيره ويصرعه جرأة على الله. فلما بلغ معاوية ذلك من قول ~~الناس. قال: لعمري ما خدعته. قال: فلما انقضت أقراؤها، وجه معاوية أبا ~~الدرداء إلى العراق خاطبا لها على ابنه يزيد، فخرج حتى قدمها، وبها يومئذ ~~الحسين بن علي وهو سيد أهل العراق فقها ومالا وجودا وبذلا. فقال أبو ~~الدرداء إذ قدم العراق: مما ينبغي لذي الحجا والمعرفة والتقى أن يبدأ به ~~ويؤثره على مهم أمره، لما PageV01P170 # يلزمه حقه، ويجب عليه حفظه، وهذا ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، فلست بناظر في شئ قبل الالمام به والدخول ~~عليه، والنظر إلى وجهه الكريم وأداء حقه، والتسليم عليه، ثم أستقبل بعد إن ~~شاء الله ما جئت له، وبعثت إليه، فقصد ms190 حتى أتى الحسين، فلما رآه الحسين قام ~~إليه فصافحه إجلالا له، ومعرفته لمكانه من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وموضعه من الإسلام. ثم قال الحسين: مرحبا بصاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم وجليسه، يا أبا الدرداء، أحدثت لي رؤيتك شوقا إلى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وأوقدت مطلقات أحزاني عليه، فإني لم أر منذ فارقته أحدا كان له ~~جليسا، وإليه حبيبا، إلا هملت عيناي، وأحرقت كبدي أسى عليه، وصبابة إليه. ~~ففاضت عينا أبي الدرداء لذكر رسول الله، وقال: جزى الله لبانة (1) أقدمتنا ~~عليك، وجمعتنا بك خيرا. فقال الحسين: # والله إني لذو حرص عليك، ولقد كنت بالاشتياق إليك. فقال أبو الدرداء: ~~وجهني معاوية خاطبا على ابنه يزيد أرينب بنت إسحاق، فرأيت أن لا أبدأ بشئ ~~قبل إحداث العهد بك، والتسليم عليك. فشكر له الحسين ذلك، وأثنى عليه وقال: ~~لقد كنت ذكرت نكاحها، وأردت الإرسال إليها بعد انقضاء أقرائها، فلم يمنعني ~~من ذلك إلا تخيير مثلك، فقد أتى الله بك، فاخطب رحمك الله علي وعليه، ~~فلتختر من اختاره الله لها وإنها أمانة في عنقك حتى تؤديها إليها، وأعطها ~~من المهر مثل ما بذل لها معاوية عن ابنه. فقال أبو الدرداء: أفعل إن شاء ~~الله، فلما دخل عليها قال لها: أيتها المرأة إن الله خلق الأمور بقدرته، ~~وكونها بعزته، فجعل لكل أمر قدرا، ولكل قدر سببا، فليس لأحد عن قدر الله ~~مستحاص، ولا عن الخروج عن علمه مستناص، فكان مما سبق لك وقدر عليك، الذي ~~كان من فراق عبد الله بن سلام إياك، ولعل ذلك لا يضرك، وأن يجعل الله لك ~~فيه خيرا كثيرا. وقد خطبك أمير هذه الأمة، وابن الملك، وولي عهده، والخليفة ~~من بعده، يزيد بن معاوية. وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن أول ~~من آمن به من أمته، وسيد شباب أهل الجنة يوم القيامة، وقد بلغك سناهما ~~وفضلهما، وجئتك خاطبا عليهما، فاختاري أيهما شئت؟ فسكتت طويلا. ثم قالت: يا ~~أبا الدرداء لو أن هذا ms191 الأمر جاءني وأنت غائب عني أشخصت فيه الرسل إليك، ~~واتبعت فيه رأيك، ولم أقطعه دونك على بعد مكانك، ونأى دارك، فأما إذ كنت ~~المرسل فيه فقد فوضت أمري بعد الله إليك، وبرئت منه إليك، وجعلته في يديك، ~~فاختر لي أرضاهما لديك، والله شهيد عليك، واقض فيه قضاء ذي التحري المتقي، ~~ولا يصدنك عن # PageV01P171 # ذلك اتباع هوى، فليس أمرهما عليك خفيا وما أنت عما طوقتك عميا. قال أبو ~~الدرداء أيتها المرأة إنما علي إعلامك وعليك الاختيار لنفسك. قالت عفا الله ~~عنك، إنما أنا بنت أخيك، ومن لا غنى بها عنك فلا يمنعك رهبة أحد من قول ~~الحق فيما طوقتك، فقد وجب عليك أداء الأمانة فيما حملتك، والله خير من روعى ~~وخيف، إنه بنا خبير لطيف. فلما لم يجد بدا من القول والإشارة عليها. قال: ~~بنية، ابن بنت رسول الله أحب إلي وأرضاهما عندي، والله أعلم بخيرهما لك، ~~وقد كنت رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم واضعا شفتيه على شفتي الحسين ~~فضعي شفتيك حيث وضعهما رسول الله، قالت: قد اخترته ورضيته، فاستنكحها ~~الحسين بن علي، وساق إليها مهرا عظيما، وقال الناس وبلغ معاوية الذي كان من ~~فعل أبي الدرداء في ذكره حاجة أحد مع حاجته، وما بعثه هو له، ونكاح الحسين ~~إياها، فتعاظمه ذلك جدا، ولامه لوما شديدا، وقال: من يرسل ذا بلاهة وعمى، ~~يركب في أمره خلاف ما يهوى، ورأيي كان من رأيه أسوأ، ولقد كنا بالملامة منه ~~أولى حين بعثناه، ولحاجتنا انتخلناه، وكان عبد الله بن سلام قد استودعها ~~قبل فراقه إياها بدرات (1) مملوءة درا، كان ذلك الدر أعظم ماله وأحبه إليه، ~~وكان معاوية قد أطرحه، وقطع جميع روافده عنه، لسوء قوله فيه، وتهمته إياه ~~على الخديعة، فلم يزل يجفوه ويغضبه، ويكدي (2) عنه، ما كان يجديه، حتى عيل ~~صبره، وطال أمره، وقل ما في يديه، ولام نفسه على المقام لديه، فخرج من عنده ~~راجعا إلى العراق، وهو يذكر ماله الذي كان استودعها، ولا يدري كيف يصنع ~~فيه، وأنى يصل ms192 إليه، ويتوقع جحودها عليه، لسوء فعله بها، وطلاقه إياها على ~~غير شئ أنكره منها، ولا نقمة عليها. فلما قدم العراق لقي الحسين، فسلم ~~عليه. ثم قال: قد علمت جعلت فداك الذي كان من قضاء الله في طلاق أرينب بنت ~~إسحاق، وكنت قبل فراقي إياها قد استودعتها مالا عظيما درا وكان الذي كان ~~ولم أقبضه، ووالله ما أنكرت منها في طول ما صحبتها فتيلا، ولا أظن بها إلا ~~جميلا، فذكرها أمري، واحضضها على الرد علي، فإن الله يحسن عليك ذكرك، ويجزل ~~به أجرك. فسكت عنه. فلما انصرف الحسين إلى أهله، قال لها: قدم عبد الله بن ~~سلام وهو يحسن الثناء عليك، ويحمل النشر عنك، في حسن صحبتك، وما أنسه قديما ~~من أمانتك فسرني ذلك وأعجبني، وذكر أنه كان استودعك ما لا قبل فراقه إياك، ~~فأدى إليه أمانته، وردي عليه ماله، فإنه لم يقل إلا صدقا، ولم يطلب إلا ~~حقا. قالت: صدق، قد والله استودعني مالا # PageV01P172 # لا أدري ما هو، وإنه لمطبوع عليه بطابعه ما أخذ منه شئ إلى يومه هذا، ~~فأثنى عليها الحسين خيرا، وقال: بل أدخله عليك حتى تبرئي إليه منه كما دفعه ~~إليك. ثم لقى عبد الله بن سلام، فقال له: ما أنكرت مالك، وزعمت أنه لكما ~~دفعته إليها بطابعك، فادخل يا هذا عليها، وتوف مالك منها. فقال عبد الله بن ~~سلام: أو تأمر بدفعه إلي جعلت فداك. قال: لا، حتى تقبضه منها كما دفعته ~~إليها، وتبرئها منه إذا أدته. فلما دخلا عليها قال لها الحسين: # هذا عبد الله بن سلام، قد جاء يطلب وديعته، فأديها إليه كما قبضتها منه، ~~فأخرجت البدرات فوضعتها بين يديه، وقالت له: هذا مالك، فشكر لها، وأثنى ~~عليها، وخرج الحسين، ففض عبد الله خاتم بدره، فحثا لها من ذلك الدر حثوات، ~~وقال: خذي، فهذا قليل مني لك، واستعبرا جميعا، حتى تعالت أصواتهما بالبكاء، ~~أسفا على ما ابتليا به، فدخل الحسين عليهما وقد رق لهما، للذي سمع منهما. ~~فقال: أشهد الله أنها طالق ثلاثا، اللهم ms193 إنك تعلم أني لم أستنكحها (1) رغبة ~~في مالها ولا جمالها، ولكني أردت إحلالها لبعلها، وثوابك على ما عالجته في ~~أمرها، فأوجب لي بذلك الأجر، وأجزل لي عليه الذخر إنك على كل شئ قدير، ولم ~~يأخذ مما ساق إليها في مهرها قليلا ولا كثيرا. وقد كان عبد الله ابن سلام ~~سأل ذلك أرينب، أي التعويض على الحسين، فأجابته إلى رد ماله عليه شكرا لما ~~صنعه بهما، فلم يقبله، وقال: الذي أرجو عليه من الثواب خير لي منه فتزوجها ~~عبد الله بن سلام، وعاشا متحابين متصافيين حتى قبضهما الله، وحرمها الله ~~على يزيد. # والحمد لله رب العالمين. # وفاة معاوية رحمه الله قال: وذكروا أن عتبة بن مسعود قال: مر بنا نعي ~~معاوية بن أبي سفيان ونحن بالمسجد الحرام. قال: فقمنا فأتينا ابن عباس، ~~فوجدناه جالسا قد وضع له الخوان، وعنده نفر. # فقلنا: أما علمت بهذا الخبر يا بن عباس؟ قال: وما هو؟ قلنا: هلك معاوية. ~~فقال: ارفع الخوان يا غلام، وسكت ساعة، ثم قال: جبل تزعزع ثم مال بكلكلة ~~(2)، أما والله ما كان كمن كان قبله، ولما يكن بعده مثله. اللهم أنت أوسع ~~لمعاوية فينا وفي بني عمنا هؤلاء لذي لب معتبر، اشتجرنا بيننا، فقتل صاحبهم ~~غيرنا، وقتل صاحبنا غيرهم، وما أغراهم بنا إلا أنهم # PageV01P173 # لا يجدون مثلنا، وما أغرانا بهم إلا أنا لا نجد مثلهم، كما قال القائل: ~~مالك تظلمني؟ قال: # لا أجد من أظلم غيرك. ووالله إن ابنه لخير أهله، أعد طعامك يا غلام. قال: ~~فما رفع الخوان حتى جاء رسول خالد بن الحكم إلى ابن عباس، أن انطلق فبايع. ~~فقال للرسول: أقرئ الأمير السلام، وقل له: والله ما بقي في ما تخافون، فاقض ~~من أمرك ما أنت قاض، فإذا سهل الممشى وذهبت حطمة الناس، جئتك ففعلت ما ~~أحببت. قال: ثم أقبل علينا فقال: # مهلا معشر قريش، أن تقولوا عند موت معاوية: ذهب جد بني معاوية، وانقطع ~~ملكهم، ذهب لعمر الله جدهم، وبقي ملكهم وشرها بقية هي أطول مما مضى، ms194 إلزموا ~~مجالسكم وأعطوا بيعتكم. قال: فما برحنا حتى جاء رسول خالد فقال: يقول لك ~~الأمير: لا بد لك أن تأتينيا. قال: فإن كان لا بد، فلا بد مما لا بد منه، ~~يا نوار هلمي ثيابي، ثم قال: # وما ينفعكم إتيان رجل إن جلس لم يضركم؟ قال: فقلت له: أتبايع ليزيد، وهو ~~يشرب الخمر، ويلهو بالقيان، ويستهتر بالفواحش؟ قال: مه، فأين ما قلت لكم؟ ~~وكم بعده من آت ممن يشرب الخمر، أو هو شر من شاربها، أنتم إلى بيعته سراع؟ ~~أما والله إني لأنهاكم، وأنا أعلم أنكم فاعلون ما أنتم فاعلون، حتى يصلب ~~مصلوب قريش بمكة، يعني عبد الله بن الزبير. # كتاب يزيد بالبيعة إلى أهل المدينة قال: وذكروا أن نافع بن جبير قال: إني ~~بالشام يوم موت معاوية، وكان يزيد غائبا، واستخلف معاوية الضحاك بن قيس ~~بعده، حتى يقدم يزيد، فلما مات معاوية خرج الضحاك على الناس، فقال: لا ~~يحملن اليوم نعش أمير المؤمنين إلا قرشي: قال: فحملته قريش ساعة. # ثم قال أهل الشام: أصلح الله الأمير. اجعل لنا من أمير المؤمنين نصيبا في ~~موته، كما كان لنا في حياته. قال: فاحملوه، فحملوه، وازدحموا عليه، حتى ~~شقوا البرد الذي كان عليه صدعين (1). # قال: فلما قدم يزيد دمشق بعد موت أبيه إلى عشرة أيام، كتب إلى خالد بن ~~الحكم، وهو عامل المدينة: أما بعد، فإن معاوية بن أبي سفيان، كان عبدا ~~استخلفه الله على العباد، ومكن له في البلاد وكان من حادث قضاء الله جل ~~ثناؤه، وتقدست أسماؤه فيه، ما سبق في الأولين والآخرين لم يدفع عنه ملك ~~مقرب، ولا نبي مرسل، فعاش حميدا، ومات سعيدا، وقد قلدنا الله عز وجل ما كان ~~إليه، فيا لها مصيبة ما أجلها، ونعمة ما أعظمها، نقل الخلافة، وفقد ~~الخليفة، فنستوزعه (2) الشكر، ونستلهمه الحمد، ونسأله الخيرة في الدارين ~~معا، # PageV01P174 # ومحمود العقبى في الآخرة والأولى، إنه ولي ذلك، وكل شئ بيده لا شريك له. ~~وإن أهل المدينة قومنا ورجالنا، ومن نزل على حسن الرأي فيهم، والاستعداد ms195 ~~بهم، واتباع أثر الخليفة فيهم، والاحتذاء على مثاله لديهم، من الإقبال ~~عليهم، والتقبل من محسنهم، والتجاوز عن مسيئهم، فبايع لنا قومنا، ومن قبلك ~~من رجالنا، بيعة منشرحة بها صدوركم، طيبة عليها أنفسكم، وليكن أول من ~~يبايعك من قومنا وأهلنا: الحسين، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، ~~وعبد الله بن الزبير وعبد الله بن جعفر، ويحلفون على ذلك بجميع الإيمان ~~اللازمة، ويحلفون بصدقة أموالهم غير عشرها، وجزية رقيقهم، وطلاق نسائهم، ~~بالثبات على الوفاء بما يعطون من بيعتهم، ولا قوة إلا بالله، والسلام. # إباية القوم الممتنعين عن البيعة قال: وذكروا أن خالد بن الحكم، لما أتاه ~~الكتاب من يزيد فظع به، فدعا مروان ابن الحكم، وكان على المدينة قبله، فلما ~~دخل عليه مروان، وذلك في أول الليل. قال له خالد: احتسب صاحبك يا مروان، ~~فقال له مروان: اكتم ما بلغك، إنا لله وإنا إليه راجعون. ثم اقرأه الكتاب، ~~وقال له: ما الرأي؟ فقال: أرسل الساعة إلى هؤلاء النفر، فخذ بيعتهم، فإنهم ~~إن بايعوا لم يختلف على يزيد أحد من أهل الإسلام، فعجل عليهم قبل أن يفشى ~~الخبر فيمتنعوا، فأرسل إلى الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله ~~ابن عمر، فلما أتاهم الرسول قال عبد الله بن الزبير للحسين: ظن يا أبا عبد ~~الله فيما أرسل إلينا؟ فقال الحسين: لم يرسل إلينا إلا للبيعة، فما ترى؟ ~~قال: آتيه، فإن أراد تلك امتنعت عليه، فدعا الحسين مواليه وأهل بيته، ~~واقعدهم على الباب، وقال لهم: إن ارتفع صوتي فاقتحموا الدار علي، وإلا ~~فمكانكم حتى أخرج إليكم. # ثم دخل على خالد، فأقرأه الكتاب، فقال الحسين: رحم الله معاوية. فقالا ~~له: # بايع، فقال الحسين: لا خير في بيعة سر، والظاهرة خير، فإذا حضر الناس كان ~~أمرا واحدا، ثم وثب أهله، فقال مروان لخالد: أشدد يدك بالرجل، فلا يخرج حتى ~~يبايعك، فإن أبى فاضرب عنقه: فقال له ابن الزبير: قد علمت أنا كنا أبينا ~~البيعة إذ دعانا إليها معاوية، وفي نفسه علينا من ذلك ms196 ما لا تجهله، ومتى ما ~~نبايعك ليلا علي هذه الحال، تر أنك أغضبتنا على أنفسنا، دعنا حتى نصبح، ~~وتدعو الناس إلى البيعة، فنأتيك فنبايعك بيعة سليمة صحيحة، فلم يزالا به ~~حتى خلى عنهما وخرجا. فقال مروان لخالد: تركتهما، والله لا تظفر بمثلها ~~منهما أبدا، فقال خالد: ويحك أتشير علي أن أقتل PageV01P175 # الحسين، فوالله ما يسرني أن لي الدنيا وما فيها، وما أحسب أن قاتله يلقى ~~الله بدمه إلا خفيف الميزان يوم القيامة. فقال له مروان مستهزئا: إن كنت ~~إنما تركت ذلك لذلك فقد أصبت. خلع أهل المدينة يزيد بن معاوية قال: وذكروا ~~أن يزيد بن معاوية عزل خالد بن الحكم عن المدينة، وولاها عثمان ابن محمد بن ~~أبي سفيان الثقفي، وخرج الحسين بن علي، وعبد الله بن الزبير إلى مكة وأقبل ~~عثمان بن محمد من الشام واليا على المدينة ومكة وعلى الموسم في رمضان، فلما ~~استوى على المنبر بمكة رعف، فقال رجل مستقبله: جئت والله بالدم، فتلقاه رجل ~~آخر بعمامته. فقال: مه، والله عم الناس. ثم قام يخطب، فتناول عصا لها ~~شعبتان، فقال: مه: شعب والله أمر الناس، ثم نزل. فقال الناس للحسين: يا أبا ~~عبد الله، لو تقدمت فصليت بالناس؟ فإنه ليهم بذلك إذ جاء المؤذن، فأقام ~~الصلاة، فتقدم عثمان فكبر، فقال للحسين: يا أبا عبد الله، إذا أبيت أن ~~تتقدم فاخرج. فقال: الصلاة في الجماعة أفضل. قال: فصلى، ثم خرج، فلما انصرف ~~عثمان ابن محمد من الصلاة، بلغه أن الحسين خرج. قال: اركبوا كل بعير بين ~~السماء والأرض فاطلبوه، فطلب، فلم يدرك. قال: ثم قدم المدينة، فأقبل بن ~~ميثاء بسراح (1) له من الحرة (2)، يريد الأموال التي كانت لمعاوية، فمنع ~~منها، وأزاحه أهل المدينة عنها، وكانت أموالا اكتسبها معاوية، ونخيلا يجد ~~(3) منها مئة ألف وسق (4) وستين ألفا، ودخل نفر من قريش والأنصار على ~~عثمان، فكلموه فيها فقالوا: قد علمت أن هذه الأموال كلها لنا، وأن معاوية ~~آثر علينا في عطائنا، ولم يعطنا قط درهما فما فوقه، حتى مضنا الزمان، ms197 ~~ونالتنا المجاعة، فاشتراها منا بجزء من مئة من ثمنها، فأغلظ لهم عثمان في ~~القول، وأغلظوا له. فقال لهم: لأكتبن إلى أمير المؤمنين بسوء رأيكم، وما ~~أنتم عليه من كمون (5) الأضغان القديمة، والأحقاد التي لم تزل في صدوركم، ~~فافترقوا على موجدة، ثم اجتمع رأيهم على منع ابن ميثاء القيم عليها، فكف ~~عثمان بن محمد عنهم، وكتب بأمرهم إلى يزيد بن معاوية. # PageV01P176 # قال عبد الله بن جعفر: جاء كتاب عثمان بن محمد بعد هدأة من الليل، وقد ~~كنت انصرفت من عند يزيد، فلم ألبث أن جاءني رسوله، فدخلت عليه، والشمعة بين ~~يديه، وهو مغضب قد حسر عن ذراعيه، والكتاب بين يديه، فقال: دونك يا أبا ~~جعفر هذا الكتاب، فاقرأه، فرأيت كتابا قبيحا، فيه تعريض بأهل المدينة ~~وتحريش. ثم قال: والله لأطأنهم وطأة آتى منها على أنفسهم. قال ابن جعفر: ~~فقلت له إن الله لم يزل يعرف أباك في الرفق خيرا، فإن رأيت أن ترفق بهم ~~وتتجاوز عنهم فعلت، فإنما هم أهلك وعشيرتك، وإنما تقتل بهم نفسك إذا ~~قتلتهم. قال: أقتل وأشفى نفسي، فلم أزل ألح عليه فيهم، وأرفقه عليهم، وكان ~~لي سامعا ومطيعا، فقال لي: إن ابن الزبير حيث علمت من مكة، وهو زعم أنه قد ~~نصب الحرب، فأنا أبعث إليه الجيوش، وآمر صاحب أول جيش أبعثه أن يتخذ ~~المدينة طريقا، وأن لا يقاتل، فإن أقروا بالطاعة، ونزعوا عن غيهم وضلالهم، ~~فلهم علي عهد الله وميثاقه، أن لهم عطاءين في كل عام، ما لا أفعله بأحد من ~~الناس طول حياتي، عطاء في الشتاء، وعطاء في الصيف، ولهم علي عهد أن أجعل ~~الحنطة عندهم كسعر الحنطة عندنا، والحنطة عندهم سبعة آصع (1) بدرهم، ~~والعطاء الذي يذكرون أنه احتبس عنهم في زمان معاوية فهو علي أن أخرجه لهم ~~وافرا كاملا، فإن أنابوا وقبلوا ذلك، جاوز إلى ابن الزبير، وإن أبوا ~~قاتلهم، ثم إن ظفر بها أنهبها ثلاثا، هذا عهدي إلى صاحب جيشي لمكانك ~~ولطلبتك فيهم، ولما زعمت أنهم قومي وعشيرتي. قال عبد الله بن جعفر. ms198 فرأيت ~~هذا لهم فرجا، فرجعت إلى منزلي فكتبت إليهم من ليلتي كتابا إلى أهل ~~المدينة، أعلمهم فيه قول يزيد، وأحضهم على الطاعة والتسليم، والرضا والقبول ~~لما بذل لهم، وأنهاهم أن يتعرضوا لجيوشه، وقلت لرسولي: اجهد السير، فدخلها ~~في عشر، فوالله ما أرادوا ذلك ولا قبلوه، وقالوا: والله لا يدخلها عنوة ~~أبدا. # كتاب يزيد إلى أهل المدينة قال: وكتب يزيد إلى أهل المدينة كتابا، وأمر ~~عثمان بن محمد يقرؤه عليهم، فقدم الكتاب المدينة، وعثمان خائف، فقرأه ~~عليهم، فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم: أما بعد، فإني قد نفستكم حتى ~~أخلفتكم، ورفعتكم حتى أخرقتكم (2)، ورفعتكم على رأسي ثم وضعتكم، وأيم الله ~~لئن آثرت أن أضعكم تحت قدمي لأطأنكم وطأة أقل منها عددكم وأترككم أحاديث ~~تتناسخ (3) كأحاديث عاد وثمود، وأيم الله لا يأتيكم مني أولى من عقوبتي، ~~فلا أفلح من ندم. # PageV01P177 # ما أجمع عليه أهل المدينة ورأوه من إخراج بني أمية قال: وذكروا أنه لما ~~قرئ الكتاب، تكلم عبد الله بن مطيع ورجال معه كلاما قبيحا، فلما استبان لهم ~~أن يزيد باعث الجيوش إليهم، أجمعوا على خلافهم، واختلفوا في الرياسة أيهم ~~يقوم بهذا الأمر. فقال قائل: ابن مطيع، وقال قائل: إبراهيم بن نعيم، ثم ~~اجتمع رأيهم أن يقوم بأمرهم ابن حنظلة، وهرب عثمان بن محمد منهم ليلا فلحق ~~بالشام، ثم أخذوا مروان ابن الحكم وكبراء بني أمية، فأخرجوهم عن المدينة، ~~فقالوا: الشقة بعيدة، ولا بد لنا مما يصلحنا، ولنا عيال وصبية، ونحن نريد ~~الشام. قال: فاستنظروا عشرة أيام، فانظروا. ثم اجتمع رأي أهل المدينة أن ~~يحلفوا كبراء بني أمية عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لئن لقوا جيش ~~يزيد ليردونهم عنهم إن استطاعوا، فإن لم يستطيعوا مضوا إلى الشام ولم ~~يرجعوا معهم، فحلفوا لهم على ذلك، وشرطوا عليهم أن يقيموا بذي خشب (1) عشرة ~~أيام، فخرجوا من المدينة، وتبعهم الصبيان، وسفهاء الناس يرمونهم بالحجارة، ~~حتى انتهوا إلى ذي خشب، ولم يتحرك أحد من آل عثمان بن محمد، ولم يخرج من ~~المدينة، فلما ms199 رأت بنو أمية ما صنع بهم أهل المدينة من إخراجهم منها، ~~اجتمعوا إلى مروان، فقالوا: يا أبا عبد الملك ما الرأي؟ قال: من قدر منكم ~~أن يغيب حريمه فليفعل، فإنما الخوف على الحرمة، فغيبوا حرمهم، فأتى مروان ~~عبد الله بن عمر، فقال: يا أبا عبد الرحمن، بلغني أنك تريد الخروج إلى مكة، ~~وتغيب عن هذا الأمر، فأحب أن أوجه عيالي معك. فقال ابن عمر: إني لا أقدر ~~على مصاحبة النساء. قال: فتجعلهم في منزلك مع حرمك قال لا آمن أن يدخل على ~~حريمي من أجل مكانكم. فكلم مروان علي بن الحسين، فقال: نعم، فضمهم علي ~~إليه، وبعث بهم مع عياله. قال: ثم ارتحل القوم من ذي خشب على أقبح إخراج ~~يكون، وإسراع خوفا منهم أن يبدو للقوم في حبسهم، وجعل مروان يقول لابنه عبد ~~الملك: يا بني إن هؤلاء القوم لم يدروا ولم يستشيروا، فقال ابنه: وكيف ذلك؟ ~~قال: إذ لم يقتلونا أو يحبسونا، فإن بعثوا إلينا بعثا كنا في أيديهم: وما ~~أخوفني أن يفطنوا لهذا الأمر فيبعثوا في طلبنا فالوحي الوحي (2) والنجاء ~~النجاء. # PageV01P178 # إرسال يزيد الجيوش إليهم قال: فلما أجمع رأي يزيد على إرسال الجيوش، صعد ~~المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # أما بعد يا أهل الشام، فإن أهل المدينة أخرجوا قومنا منها، والله لأن تقع ~~الخضراء على الغبراء (1) أحب إلى من ذلك. وكان معاوية قد أوصى يزيد فقال ~~له: إن رابك منهم ريب، أو انتقض عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرة مسلم ~~بن عقبة، فدعا به فقال: سر إلى هذه المدينة بهذه الجيوش، وإن شئت أعفيتك، ~~فإني أراك مدنفا منهوكا. فقال: نشدتك الله، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله ~~إلي، أو تبعث غيري، فإني رأيت في النوم شجرة غرقد (2) تصيح أغصانها: # يا ثارات عثمان، فأقبلت إليها، وجعلت الشجرة تقول: إلي يا مسلم بن عقبة، ~~فأتيت فأخذتها، فعبرت ذلك أن أكون أنا القائم بأمر عثمان، ووالله ما صنعوا ~~الذي صنعوا إلا أن الله أراد بهم الهلاك. فقال ms200 يزيد: فسر على بركة الله، ~~فأنت صاحبهم، فخرج مسلم فعسكر وعرض الأجناد، فلم يخرج معه أصغر من ابن ~~عشرين، ولا أكبر من ابن خمسين على خيل عراب، وسلاح شاك، وأداة كاملة، ووجه ~~معه عشرة آلاف بعير تحمل الزاد حتى خرج، فخرج معه يزيد فودعه. # قال له: إن حدث بك حدث فأمر الجيوش إلى حصين بن نمير، فانهض بسم الله إلى ~~ابن الزبير، واتخذ المدينة طريقا إليه، فإن صدوك أو قاتلوك فاقتل من ظفرت ~~به منهم، وأنهبها (3) ثلاثا، فقال مسلم بن عقبة: أصلح الله الأمير، لست ~~بآخذ من كل ما عهدت به إلا بحرفين. قال يزيد: # وما هما؟ ويحك. قال: أقبل من المقبل الطائع، وأقتل المدبر العاصي. فقال ~~يزيد: حسبك، ولكن البيان لا يضرك، والتأكيد ينفعك، فإذا قدمت المدينة فمن ~~عاقك عن دخولها، أو نصب لك الحرب، فالسيف السيف، أجهز على جريحهم، وأقبل ~~على مدبرهم، وإياك أن تبقى عليهم، وإن لم يتعرضوا لك، فامض إلى ابن الزبير. # فمضت الجيوش، فلما نزلوا بوادي القرى، لقيتهم بنو أمية خارجين من ~~المدينة، فرجعوا معهم، واستخبرهم مسلم بن عقبة عما خلفهم، وعما لقوا، وعن ~~عددهم. فقال مروان: عددهم كثير، أكثر مما جئت به من الجيوش، ولكن عامتهم ~~ليس لهم نيات ولا بصائر، وفيهم قوم قليل لهم نية وبصيرة، ولكن لا بقاء لهم ~~مع السيف، وليس لهم كراع ولا سلاح، وقد خندقوا عليهم وحصنوا. قال مسلم: هذه ~~أشدها علينا، ولكنا نقطع عنهم مشربهم، ونردم عليهم # PageV01P179 # خندقهم. فقال مروان: عليه رجال لا يسلمونه، ولكن عندي فيه وجه سأخبرك به. ~~قال: # هاته. فقال: اطوه ودعه حتى يحضر ذلك. قال: فدعه إذا. ثم قال لهم مسلم: ~~تريدون أن تسيروا إلى أمير المؤمنين، أو تقيموا موضعكم هذا، أو تسيروا ~~معنا؟ فقال بعضهم: نسير إلى أمير المؤمنين، ونحدث به عهدا، فقال مروان: أما ~~أنا فراجع. فقال بعضهم لبعض: قد حلفنا لهم عند المنبر لئن استطعنا أن نرد ~~الجيش عنهم لنردنه فكيف بالرجوع إليهم. فقال مروان: أما أنا فراجع إليه. ~~فقال له ms201 قوم: ما نرى أن تفعل، تقتلون بهؤلاء أنفسكم، والله لا أكثرنا عليهم ~~لمسلم جمعا أبدا. فقال مروان: أنا والله ماض مع مسلم إلى المدينة، فمدرك ~~ثأري من عدوي، وممن أخرجني من بيتي، وفرق بيني وبين أهلي، وإن قتلت بهم ~~نفسي، فلم يرجع مع مسلم من بني أمية غير مروان وابنه عبد الملك، وكان ~~مجدورا فجعله بذي خشب. # فلما أيقن أهل المدينة بقدوم الجيوش إليهم تشاوروا في الخندق وقالوا قد ~~خندق رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخندقوا المدينة من كل نواحيها. ثم جمع ~~عبد الله بن حنظلة أهل المدينة عند المنبر، فقال: تبايعوني على الموت وإلا ~~فلا حاجة في بيعتكم. فبايعوه على الموت، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: أيها الناس، إنما خرجتم غضبا لدينكم، فأبلوا إلى الله بلاء ~~حسنا ليوجب لكم به الجنة ومغفرته، ويحل بكم رضوانه، واستعدوا بأحسن عدتكم، ~~وتأهبوا بأكمل أهبتكم، فقد أخبرت أن القوم قد نزلوا بذي خشب، ومعهم مروان ~~بن الحكم، والله إن شاء مهلكه بنقضه العهد والميثاق عند منبر رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، فتصايح الناس، وجعلوا ينالون منه ويسبونه. فقال لهم: إن ~~الشتم ليس بشئ، ولكن نصدقهم اللقاء، والله ما صدق قوم قط إلا نصروا، ثم رفع ~~يديه إلى السماء وقال: اللهم إنا بك واثقون، وعليك متوكلون، وإليك ألجأنا ~~ظهورنا ثم نزل. وكان عبد الله بن حنظلة لا يبيت إلا في المسجد الشريف، وكان ~~لا يزيد على شربة من سويق يفطر عليها إلى مثلها من الغد. # قدوم الجيوش إلى المدينة قال: وذكروا أن أهل الشام لما انتهوا إلى ~~المدينة عسكروا بالجرف (1)، ومشوا رجالا من رجالهم، فأحدقوا بالمدينة من كل ~~ناحية لا يجدون مدخلا، لأنهم قد خندقوها عليهم، والناس متلبسون السلاح، قد ~~قاموا على أفواه الخنادق، وقد حرصوا أن لا يتكلم منهم متكلم، وجعل # PageV01P180 # أهل الشام يطوفون بها الناس يرمونهم بالحجارة والنبل من فوق الآكام ~~والبيوت، حتى خرجوا فيهم وفي خيلهم، فقال مسلم لمروان: أين ما قلت لي بوادي ~~القرى؟ ms202 فخرج مروان حتى جاء بني حارثة، فكلم رجلا منهم، ورغبه في الضيعة، ~~وقال: افتح لنا طريقا، فأنا أكتب بذلك إلى أمير المؤمنين، ومتضمن لك عنه ~~شطر ما كان بذل لأهل المدينة من العطاء وتضعيفه، ففتح له طريقا، ورغب فيما ~~بذل له، وتقبل ما تضمن له عن يزيد، فاقتحمت الخيل، فجاء الخبر إلى عبد الله ~~بن حنظلة، فأقبل، وكان من ناحية الطورين، وأقبل عبد الله بن مقطع، وكان من ~~ناحية ذناب، وأقبل ابن أبي ربيعة، فاجتمعوا جميعا بمن معهم، بحيث اقتحم ~~عليهم أهل الشام، فاقتتلوا حتى عاينوا الموت، ثم تفرقوا. # غلبة أهل الشام على أهل المدينة قال: وذكروا أن عبد الله بن أبي سفيان ~~قال: وقعت مع قوم عند مسجد بني عبد الأشهل، منهم عبد الله بن زيد صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم وقاتل مسيلمة الكذاب، ومعه عبد الله بن حنظلة، ~~ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، وإبراهيم بن فارط، وإبراهيم بن نعيم ابن النجار، ~~فهم يقاتلون ويقولون للناس: أين الفرار؟ والله لأن يقتل الرجل مقبلا خير له ~~من أن يقتل مدبرا. قال: فاقتتلوا ساعة، والنساء والصبيان يصيحون ويبكون على ~~قتلاهم، حتى جاءهم ما لا طاقة لهم به، وجعل مسلم يقول. من جاء برأس رجل فله ~~كذا وكذا، وجعل يغري قوما لا دين لهم، فقتلوا وظهروا على أكثر المدينة. ~~قال: وكان على بشر ابن حنظلة يومئذ درعان، فلما هزم القوم طرحهما. ثم جعل ~~يقاتلهم وهو حاسر حتى قتلوه، ضربه رجل من أهل الشام ضربة بالسيف قطع منكبه، ~~فوقع ميتا. فلما مات ابن حنظلة صار أهل المدينة كالنعم بلا راع، شرود ~~يقتلهم أهل الشام من كل وجه، فأقبل محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، وإن ~~جراحه لتنفث دما، وهو يقاتل ويحمل على الكردوس منهم فيفض جماعتهم، وكان ~~فارسا، فحمل عليه أهل الشام حملة واحدة حتى نظموه بالرماح، فمال ميتا. # فلما قتل انهزم من بقي من الناس في كل وجه، ودخل القوم المدينة، فجالت ~~خيولهم فيها يقتلون وينهبون. # قال: وخرج يومئذ ms203 عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والخيل تسرع في كل وجه قتلا ونهبا: فقيل له: لو علم القوم باسمك ~~وصحبتك لم يهيجوك، PageV01P181 # فلو أعلمتهم بمكانك؟ فقال: والله لا أقبل لهم أمانا، ولا أبرح حتى أقتل، ~~لا أفلح من ندم، وكان رجلا أبيض طويلا أصلع، فأقبل عليه رجل من أهل الشام ~~وهو يقوم: والله لا أبرح حتى أضرب صلعته وهو حاسر. فقال عبد الله: شر لك ~~خير لي، فضربه بفأس في يده، فرأيت نورا ساطعا في السماء، فسقط ميتا. وكان ~~يومه ذلك صائما، رحمه الله. # قال: فجعل مسلم يطوف على فرس له ومعه مروان بن الحكم على القتلى. فمر على ~~عبد الله ابن حنظلة، وهو ماد أصبعه السبابة. فقال مروان: أما والله لئن ~~نصبتها ميتا فطالما نصبتها حيا، داعيا إلى الله. ومر على إبراهيم بن نعيم، ~~ويده على فرجه، فقال: أما والله لئن حفظته في الممات لقد حفظته في الحياة. ~~ومر علي محمد بن عمرو بن حزم وهو على وجهه واضعا جبهته بالأرض، فقال: أما ~~والله لئن كنت على وجهك في الممات لطالما افترشته حيا ساجدا لله. فقال ~~مسلم: # والله ما أرى هؤلاء إلا من أهل الجنة. ومر على عبد الله بن زيد وبين ~~عينيه أثر السجود، فلما نظر إليه مروان عرفه، وكره أن يعرفه لمسلم فيحز ~~رأسه. فقال له مسلم: من هذا؟ فقال بعض هذه الموالي وجاوزه، فقال له مسلم: ~~كلا، وبيت الله لقد نكبت عنه لشئ. فقال له مروان هذا صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم عبد الله بن زيد. فقال: ذاك أخزى ناكث بيعته حزوا رأسه. # وكان قصر بني حارثة أمانا لمن أراد أهل الشام أن يؤمنوه، وكان بنو حارثة ~~آمنين ما قتل منهم أحد، وكان كل من نادى باسم الأمان إلى أحد من قبيلة بني ~~حارثة أمنوه رجلا كان أو امرأة ثم ذبوا عنه حتى يبلغوه قصر بني حارثة، ~~فأجير يومئذ رجال كثير ونساء كثيرة، فلم يزالوا في قصر ms204 بني حارثة حتى انقضت ~~الثلاث. # قال: وأول دور انتهبت والحرب قائمة دور بني عبد الأشهل، فما تركوا في ~~المنازل من أثاث ولا حلي ولا فراش إلا نقض صوفه، حتى الحمام والدجاج كانوا ~~يذبحونها، فدخلوا دار محمد بن مسلمة، فصاح النساء، فأقبل زيد بن محمد بن ~~مسلمة إلى الصوت، فوجد عشرة ينهبون، فقاتلهم ومعه رجلان من أهله حتى قتل ~~الشاميون جميعا، وخلصوا منهم ما أخذوه، فألقوا متاعهم في بئر لا ماء فيها، ~~وأبقي عليها التراب، ثم أقبل نفر من أهل الشام، فقاتلوهم أيضا، حتى قتل زيد ~~بن محمد أربعة عشر رجلا، فضربه بالسيف منه أربعة في وجهه. # ولزم أبو سعيد الخدري بيته، فدخل عليه نفر من أهل الشام، فقالوا: أيها ~~الشيخ، من أنت؟ فقال: أنا أبو سعيد الخدري صاحب رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقالوا: ما زلنا PageV01P182 # نسمع عنك، فبحظك أخذت في تركك قتالنا، وكفك عنا، ولزوم بيتك، ولكن أخرج ~~إلينا ما عندك. قال: والله ما عندي مال، فنتفوا لحيته، وضربوه ضربات، ثم ~~أخذوا كل ما وجدوه في بيته حتى الصواع (1)، وحتى زوج حمام كان له. # وكان جابر بن عبد الله يومئذ قد ذهب بصره، فجعل يمشي في بعض أزقة ~~المدينة، وهو يقول: تعس من أخاف الله ورسوله. فقال له رجل: ومن أخاف الله ~~ورسوله؟ فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: من أخاف المدينة ~~فقد أخاف ما بين جنبي، فحمل عليه رجل بالسيف ليقتله، فترامى عليه مروان ~~فأجاره، وأمر أن يدخله منزله، ويغلق عليه بابه، وكان سعيد بن المسيب رحمه ~~الله لم يبرح من المسجد، ولم يكن يخرج إلا من الليل إلى الليل، وكان يسمع ~~إذا جاء وقت الأذان أذانا يخرج من قبل القبر الشريف، حتى آمن الناس، فكان ~~سعيد يقول: ما رأيت خيرا من الجماعة، ثم أمر مسلم بالأسارى، فغلوا بالحديد، ~~ثم دعا إلى بيعة يزيد، فكان أول من بايع مروان بن الحكم، ثم أكابر بني ~~أمية، حتى أتى على آخرهم. # ثم دعا بني أسد، وكان ms205 عليهم حنقا، فقال: أتبايعون لعبد الله يزيد بن أمير ~~المؤمنين ولمن استخلف عليكم بعده، على أن أموالكم ودماءكم وأنفسكم خول له، ~~يقضي فيها ما شاء؟ قال يزيد بن عبد الله بن زمعة: إنما نحن نفر من المسلمين ~~لنا ما لهم وعلينا ما عليهم. فقال مسلم: # والله لا أقيلك، ولا تشرب البارد بعدها أبدا، فأمر به، فضربت عنقه. ثم ~~أتى بمعقل بن سنان، وكان معقل حاملا لواء قومه يوم الفتح مع رسول الله، ~~فلما دخل عليه قال له: أعطشت يا معقل؟ قال: نعم أصلح الله الأمير، قال: ~~حيسوا له شربة من سويق اللوز الذي زودنا به أمير المؤمنين، فلما شربها قال ~~له: رويت؟ قال: نعم. فقال مسلم: أما والله لا تبولها من مثانتك أبدا، فقدم، ~~فضربت عنقه، ثم قال: ما كنت لأدعك بعد كلام سمعته منك تطعن به على إمامك، ~~وكان معقل قد طعن بعض الطعن على يزيد قبل ذلك، فيما بينه وبين مسلم، على ~~الاستراحة بذلك، ثم أمر بمحمد بن أبي الجهم وجماعة من وجوه قريش والأنصار، ~~وخيار الناس والصحابة والتابعين، ثم أتى بعبد الله بن الحارث مغلولا. فقال ~~مسلم: # أنت القائل: اقتلوا سبعة عشر رجلا من بني أمية، لا تروا شرا أبدا؟ قال: # قد قلتها، ولكن لا يسمع من أسير أمير، أرسل يدي، وقد برئت مني الذمة، ~~إنما نزلت بعهد الله وميثاقه، وأيم الله لو أطاعوني وقبلوا مني ما أشرت به ~~عليهم ما تحكمت فتهم أنت أبدا. فقال له مسلم: والله لأقدمنك إلى نار تلظى، ~~ثم أمر به فضربت عنقه، فقال # PageV01P183 # مروان: قد والله سقيتني من دماء هؤلاء القوم، إلا ما كان من قريش، فإنك ~~أثخنتها وأفنيتها. # فقال مسلم: والله لا أعلم عند أحدا غشا لأمير المؤمنين إلا سألت الله أن ~~يسقيني دمه. فقال: # إن عند أمير المؤمنين عفوا لهم، وحلما عنهم ليس عندك. وجعل مروان يعتذر ~~إلى قريش، ويقول : والله لقد ساءني قتل من قتل منكم. فقالت له قريش: أنت ~~والله الذي قتلتنا، ما عذرك الله ولا الناس، ms206 لقد خرجت من عندنا، وحلفت لنا ~~عند منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم لتردنهم عنا، فإن لم تستطع لتمضين ~~ولا ترجع معهم، فرجعت، ودللت على العورة، وأعنت على الهلكة، فالله لك ~~بالجزاء. قال: فبلغ عدة قتلى الحرة يومئذ من قريش والأنصار والمهاجرين ~~ووجوه الناس، ألفا وسبع مئة، وسائرهم من الناس عشرة آلاف، سوى النساء ~~والصبيان. # قال أبو معشر: دخل رجل من أهل الشام على امرأة نفساء من نساء الأنصار ~~ومعها صبي لها، فقال لها. هل من مال؟ قالت: لا والله ما تركوا لي شيئا. ~~فقال: والله لتخرجن إلي شيئا أو لأقتلنك وصبيك هذا. فقالت له: ويحك إنه ولد ~~ابن أبي كبشة الأنصاري صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولقد بايعت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم معه يوم بيعة الشجرة، على أن لا أزني، ولا أسرق، ~~ولا أقتل ولدي، ولا آتي ببهتان أفتريه، فما أتيت شيئا، فاتق الله. ثم قالت ~~لابنها: يا بني، والله لو كان عندي شئ لافتديتك به. قال: فأخذ برجل الصبي، ~~والثدي في فمه، فجذبه من حجرها، فضرب به الحائط فانتثر دماغه في الأرض، ~~قال: فلم يخرج من البيت حتى اسود نصف وجهه، وصار مثلا. # قال أبو معشر: قال لي رجل: بينا أنا في بعض أسواق الشام، إذا برجل ضخم، ~~فقال لي: # ممن أنت؟ قلت: رجل من أهل المدينة، قال: من أهل الخبيثة؟ قال: فقلت له ~~سبحان الله، رسول الله صلى الله عليه وسلم سماها طيبة وسميتها خبيثة! قال: ~~فبكى، فقلت له: ما يبكيك، قال: # العجب والله، كنت أغزو الصائفة كل عام زمن معاوية، فأتيت في المنام فقيل ~~لي: إنك تغزو المدينة، وتقتل فيها رجلا يقال له: محمد بن عمرو بن حزم، ~~وتكون بقتله من أهل النار. # قال: فقلت: ما هذا من شأن المدينة، ولا يقع في نفس مدينة الرسول. قال: ~~فقلت: لعلها بعض مدائن الروم، فكنت أغزو ولا أسل فيها سيفا، حتى مات ~~معاوية، وولى يزيد، فضرب قرعة بعث المدينة، فأصابتني القرعة. قال: فقلت: ms207 هي ~~هذه والله، فأردت أن يأخذوا مني بديلا، فأبوا، فقلت في نفسي: أما إذا أبوا، ~~فإني لا أسل فيها سيفا. قال: فحضرت الحرة، فخرج أصحابي يقاتلون، وجلست في ~~فسطاطي، فلما فرغوا من القتال، جاءنا أصحابنا، PageV01P184 # فقالوا: دخلنا وفرغنا من الناس، فقال بعض أصحابي لبعض: تعالوا حتى ننظر ~~إلى القتلى، فتقلدت سيفي وخرجت، فجعلنا ننظر إلى القتلى ونقول: هذا فلان، ~~وهذا فلان، فإذا رجل في بعض تلك الدارات في يده سيف، وقد أزبد شدقاه، وحوله ~~صرعى من أهل الشام، فلما أبصرني قال: يا كلب احقن عني دمك. قال فنسيت والله ~~كل شئ، فحملت عليه، فقاتلته فقتلته، فسطع نور بين عينيه وسقط في يدي، قلت: ~~من هذا؟ فقيل لي: هذا محمد بن عمرو بن حزم، فجعلت أدور مع أصحابي، فيقولون: ~~هذا فلان، وهذا فلان. فمر إنسان لا يعرف، فقال: # من قتل هذا، ويحكم، يريد محمد بن عمرو بن حزم! قتله الله، والله لا يرى ~~الجنة بعينه أبدا. # عدة من قتل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وغيرهم قال: وذكروا أنه ~~قتل يوم الحرة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم يبق ~~بدري بعد ذلك، ومن قريش والأنصار سبع مئة، ومن سائر الناس من الموالي ~~والعرب والتابعين عشرة آلاف، وكانت الوقعة في ذي الحجة لثلاث بقين منها سنة ~~ثلاث وستين. قالوا: وكان الناس يعجبون من ذلك أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ~~إلا بعد ستة أشهر، ولم يكن مع ابن الزبير إلا نفر قليل، وكان بالمدينة أكثر ~~من عشرة آلاف رجل، والله ما استطاعوا أن يناهضوهم يوما إلى الليل. # كتاب مسلم بن عقبة إلى يزيد قال: وذكروا أن مسلما لما فرغ من قتال أهل ~~المدينة ونهبها، كتب إلى يزيد بن معاوية بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله ~~يزيد بن معاوية أمير المؤمنين من مسلم بن عقبة، سلام عليك يا أمير المؤمنين ~~ورحمة الله، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو، أما بعد: تولى الله ~~حفظ أمير المؤمنين ms208 والكفاية له، فإني أخبر أمير المؤمنين أبقاه الله، أني ~~خرجت من دمشق ونحن على التعبئة التي رأى أمير المؤمنين يوم فارقنا ~~بالعافية، فلقينا أهل بيت أمير المؤمنين بوادي القرى، فرجع معنا مروان بن ~~الحكم، وكان لنا عونا على عدونا، وإنا انتهينا إلى المدينة فإذا أهلها قد ~~خندقوا عليها الخنادق، وأقاموا على أنقابها الرجال بالسلاح وأدخلوا ~~ماشيتهم، وما يحتاجون لحصارهم سنة فيما كانوا يقولون، وإنا أعذرنا إليهم، ~~وأخبرناهم بعهد أمير المؤمنين، وما بذل لهم، فأبوا، ففرقت أصحابي على أفواه ~~الخنادق، فوليت الحصين بن نمير، ناحية ذناب وما والاها، وعلى الموالي وجهت ~~حبيش بن دجلة إلى ناحية بني سلمة، PageV01P185 # ووجهت عبد الله بن مسعدة إلى ناحية بقيع الغرقد (1)، وكنت ومن معي من ~~قواد أمير المؤمنين ورجاله في وجوه بني حارثة، فأدخلنا الخيل عليهم حين ~~ارتفع النهار، من ناحية عبد الأشهل بطريق فتحه لنا رجل منهم بما دعاه إليه ~~مروان بن الحكم إلى صنيع أمير المؤمنين، وما تضمن له عنه من قرب المكان، ~~وجزيل العطاء، وإيجاب الحق، وقضاء الذمام، وقد بعثت به إلى أمير المؤمنين، ~~وأرجو من الله عز وجل، أن يلهم خليفته وعبده عرفان ما أولى من الصنع وأسدى ~~من الفضل، وكان أكرم الله أمير المؤمنين من محمود مقام مروان بن الحكم، ~~وجميل مشهده، وسديد بأسه، وعظيم نكايته لعدو أمير المؤمنين، ما لا إخال ذلك ~~ضائعا عند إمام المسلمين وخليفة رب العالمين إن شاء الله، وسلم الله رجال ~~أمير المؤمنين، فلم يصب منهم أحد بمكروه، ولم يقم لهم عدوهم من ساعات ~~نهارهم أربع ساعات، فما صليت الظهر أصلح الله أمير المؤمنين إلا في مسجدهم، ~~بعد القتل الذريع، والانتهاب العظيم، وأوقعنا بهم السيوف وقتلنا من أشرف ~~لنا منهم، وأتبعنا مدبرهم وأجهزنا على جريحهم، وانتهبناهم ثلاثا كما قال ~~أمير المؤمنين، أعز الله نصره، وجعلت دور بني الشهيد المظلوم عثمان بن ~~عفان، في حرز وأمان، فالحمد لله الذي شفى صدري من قتل أهل الخلاف القديم، ~~والنفاق العظيم، فطالما عتوا، وقديما ما طغوا. # وكتبت إلى أمير ms209 المؤمنين، وأنا في منزل سعيد بن العاص مدنفا مريضا، وما ~~أراني إلا لما بي، فما كنت أبالي، متى مت بعد يومي هذا، وكتب لهلال المحرم ~~سنة ثلاث وستين. فلما جاءه الكتاب، أرسل إلى عبد الله بن جعفر وإلى ابنه ~~معاوية بن يزيد، فأقرأهما الكتاب، فاسترجع عبد الله بن جعفر وأكثر، وبكى ~~معاوية ين يزيد، حتى كادت نفسه تخرج، وطال بكاؤه، فقال يزيد لعبد الله بن ~~جعفر: ألم أجبك إلى ما طلبت، وأسعفتك فيما سألت، فبذلت لهم العطاء وأجزلت ~~لهم الإحسان، وأعطيت العهود والمواثيق على ذلك؟ فقال عبد الله بن جعفر: فمن ~~هنالك استرجعت، وتأسفت عليهم، إذ اختاروا البلاء على العافية، والفاقة على ~~النعمة، ورضوا بالحرمان دون العطاء، ثم قال يزيد لابنه معاوية: فما بكاؤك ~~أنت يا بني؟ قال: أبكي على قتل من قتل من قريش، وإنما قتلنا بهم أنفسنا. ~~فقال يزيد: هو ذاك، قتلت بهم نفسي وشفيتها قال: وسأل مسلم بن عقبة قبل أن ~~يرتحل عن المدينة عن علي بن الحسين، أحاضر هو؟ # فقيل له: نعم. فأتاه علي بن الحسين، ومعه ابناه، فرحب بهما، وسهل وقربهم، ~~وقال: # PageV01P186 # إن أمير المؤمنين أوصاني بك. فقال علي بن الحسين: وصل الله أمير المؤمنين ~~وأحسن جزاءه ثم انصرف عنه. ولم يكن أحد نصب للحرب من بني هاشم، ولزموا ~~بيوتهم، فسلموا، إلا ثلاثة منهم تعرضوا للقتال، فأصيبوا. # موت مسلم بن عقبة ونبشه قال: وذكروا أن مسلم بن عقبة ارتحل عن المدينة، ~~وهو يجود بنفسه، يريد ابن الزبير بمكة، فنزل في بعض الطريق، فدعا الحصين بن ~~نمير. فقال له: يا برذعة الحمار، إنه كان من عهد أمير المؤمنين إن حدث بي ~~حدث الموت أن أعهد إليك، فاسمع، فإني بك عالم، لا تمكن قريشا من أذنك إذا ~~قدمت مكة فتبول (أي قريش فيها)، فإنما هو الوفاق، ثم النفاق ثم الانصراف ثم ~~مات فدفن في ثنية المشلل (1)، فلما تفرق القوم عنه، أتته أم ولد ليزيد بن ~~عبد الله بن زمعة، وكانت من وراء العسكر تترقب موته، فنبشت عنه، ms210 فلما انتهت ~~إلى لحده، وجدت أسود من الأساود منطويا في رقبته، فاتحا فاه، فتهيبته. ثم ~~لم تزل به حتى تنحى لها عنه فصلبته على المشلل. قال الضحاك: فحدثني من رآه ~~مصلوبا يرمى كما يرمي قبر أبي رغال. (2) فضائل قتلى أهل الحرة رحمهم الله ~~تعالى قال: وذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج في سفر من أسفاره ~~فلما مر بحرة بني زهرة، وقف فاسترجع.. فقالوا: ما هو يا رسول الله؟ قال: ~~يقتل في هذه الحرة خيار أمتي بعد أصحابي. قال: وذكروا أن عبد الله بن سلام ~~وقف بالحرة زمان معاوية بن أبي سفيان. فقال: أجد في كتاب يهود الذي لم يبدل ~~ولم يغير، أنه يكون ها هنا مقتلة قوم يحشرون يوم القيامة واضعي سيوفهم على ~~رقابهم، حتى يأتوا الرحمن تبارك وتعالى، فيقفون بين يديه، فيقولون: قتلنا ~~فيك. قال: وذكروا عن داود بن الحصين قال: عندنا قبور قوم من قتلى الحرة، ~~فقل ما حركت إلا فاح منها ريح المسك. وقال بعضهم: عن عبد الله بن أبي سفيان # PageV01P187 # عن أبيه قال: رأيت عبد الله بن حنظلة في منامي بأحسن صورة، معه لؤلؤة، ~~فقلت: يا أبا عبد الرحمن، أقتلت؟ قال: بلى، فلقيت ربي، فأدخلني الجنة، فأنا ~~أسرح في ثمارها حيث شئت، قلت: فأصحابك ما صنع بهم؟ قال: هم معي، وحول لوائي ~~هذا الذي تري لم تحل عقدته بعد. # وقال ابن سيرين رحمه الله تعالى: رأيت كثير بن أفلح رضي الله عنه في ~~النوم، فقلت له: # ألست قد استشهدت؟ قال: ليس في الإسلام شهادة، ولكنها الندباء. وقال ~~الأعرج: كان الناس لا يلبسون المصبوغ (2) من الثياب قبل الحرة، فلما قتل ~~الناس بالحرة استحبوا أن يلبسوها وقالوا: لقد مكث النوح في الدور على أهل ~~الحرة سنة لا يهدءون. وقال عبد الله بن أبي بكر كان أهل المدينة أعز الناس ~~وأهيبهم، حتى كانت الحرة، فأجترأ الناس عليهم فهانوا. قال الزهري: بلغ ~~القتلى يوم الحرة من قريش والأنصار، ومهاجرة العرب ووجوه الناس سبع مئة، ~~وسائر الناس عشرة ms211 آلاف. من أخلاط الناس والموالي والعبيد، قال وأصيب نساء ~~وصبيان وكان قدوم أهل الشام المدينة لثلاث بقين من ذي الحجة، سنة ثلاث ~~وستين، فانتهبوها ثلاثا حتى رأوا هلال المحرم، ثم أمسكوا بعد أن لم يبقوا ~~أحدا به رمق، وقتل بها من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ثمانون رجلا، ولم ~~يبق بعد ذلك بدري. # وقالوا: قال عيسى بن طلحة: قلت لعبد الله بن مطيع: كيف نجوت يوم الحرة؟ ~~قال: # رأيت ما رأيت من غلبة أهل الشام، وصنع بني حارثة الذي صنعوا من إدخالهم ~~علينا وولي الناس، فذكرت قول الحارث بن هشام يوم بدر، وعلمت أنه لا يضر ~~عدوي مشهدي، ولا ينفع ولي، فتواريت، ثم لحقت بابن الزبير، وكنت أعجب كل ~~العجب أن ابن الزبير لم يصلوا إليه ستة أشهر، ولم يكن معه إلا نفر يسير، ~~قوم من قريش من الخوارج، وكان معنا يوم الحرة ألفا رجل، كلهم ذوو حفاظ، فما ~~استطعنا أن نحبسهم يوما إلى آخر الليل. # تم الجزء الأول من كتاب الإمامة والسياسة ويليه الجزء الثاني # PageV01P188 # الإمامة والسياسة تأليف الإمام الفقيه أبي محمد عبد الله بن مسلم ابن ~~قتيبة الدينوري المولود سنة 213 والمتوفى سنة 276 ه‍ رحمه الله وهو المعروف ~~بتاريخ الخلفاء تحقيق الدكتور طه محمد الزيني الأستاذ بالأزهر الجزء الثاني ~~الناشر مؤسسة الحلبي وشركاه للنشر والتوزيع 14 شارع جواد حسني بالقاهرة ت ~~56155 1387 ه‍ - 1967 PageV02P001 # حقوق الطبع محفوظة للناشر PageV02P002 # بسم الله الرحمن الرحيم ذكر اختلاف الرواة في وقعة الحرة وخبر يزيد قال: ~~وذكروا أنه لما بويع يزيد بن معاوية خرج الحسين حتى قدم مكة، فأقام هو وابن ~~الزبير. قال: وقدم عمرو بن سعيد بن العاص في رمضان أميرا على المدينة وعلى ~~الموسم، وعزل الوليد بن عقبة، فلما استوى على المنبر رعف فقال أعرابي ~~مستقبله: مه مه! جاءنا والله بالدم فتلقاه رجل بعمامته، فقال مه! عم والله ~~الناس، ثم قام يخطب، فناوله آخر عصا لها شعبتان. # فقال: مه! شعب والله الناس. ثم خرج إلى مكة، فقدمها يوم ms212 التروية، فصلى ~~الحسين ثم خرج. # فلما انصرف عمرو بلغه أن الحسين خرج، فقال: اركبوا كل بعير بين السماء ~~والأرض فاطلبوه. قال: فكان الناس يعجبون من قوله هذا. قال: فطلبوه فلم ~~يدركوه، فأرسل عبد الله بن جعفر ابنيه عونا ومحمدا ليردا الحسين. فأبى أن ~~يرجع، وخرج الحسين بابني عبد الله ابن جعفر معه، ورجع عمرو بن سعيد بن ~~العاص إلى المدينة، فأرسل إلى ابن الزبير، فأبى أن يأتيه، وامتنع برجال معه ~~من قريش وغيرهم. قال: فبعث عمرو بن سعيد جيشا من المدينة يقاتلون ابن ~~الزبير. قال: فضرب على أهل الديوان البعث إلى مكة، وهم كارهون للخروج. فقال ~~لهم: إما أن تأتوا ببدل، وأما أن تخرجوا. فقال: فجاء الحارث بن مالك بن ~~البرصاء برجل استأجره بخمس مئة درهم إلى عمرو بن سعيد. فقال: قد جئت برجل ~~بدلي. # فقال الحارث للرجل الذي استأجره هل لك أن أزيدك خمس مئة أخرى، وتنكح أمك؟ ~~فقال له: أما تستحي؟ فقال: إنما حرمت عليك أمك في مكان واحد، وحرمت عليك ~~الكعبة في كذا وكذا مكان من القرآن. قال فجاء به إلى عمرو بن سعيد، قال: قد ~~جئتك برجل لو أمرته أن ينكح أمه لنكحها. فقال له عمرو: لعنك الله من شيخ. ~~قال: فبعثهم إلى مكة يقاتلون ابن الزبير، فهزم عمرو ابن الزبير، وبعث يزيد ~~بن معاوية عبد الله بن مسعدة الفزاري، يخطب الناس بالمدينة. فقال في خطبته: ~~أهل الشام جند الله الأعظم، وأهل الشام خير الخلق. # فقال الحارث بن مالك: ائذن لي أن أتكلم. فقال: اجلس لا أجلسك الله من ~~شيخ. قال: # فتشهد الحارث وقال: لعمر الله لنحن خير من أهل الشام، ما نقمت من أهل ~~المدينة إلا أنهم قتلوا PageV02P003 # أباك وهو يسرق لقاح النبي صلى الله عليه وسلم، أنسيت طعنة أبي قتادة است ~~أبيك بالرمح، فخرج منه جمعوص مثل هذا، وأشار إلى ساعده، ثم جلس. # ولاية الوليد المدينة وخروج الحسين بن علي قال: وذكروا أن يزيد بن ~~معاوية، عزل عمرو بن سعيد، وأمر الوليد ابن عقبة، ms213 وخرج الحسين بن علي إلى ~~مكة، فمال الناس إليه، وكثروا عنده واختلفوا إليه، وكان عبد الله بن الزبير ~~فيمن يأتيه. قال: فأتاه كتاب أهل الكوفة فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، ~~للحسين بن علي، من سليمان بن صرد، والمسيب، ورفاعة بن شداد، وشيعته من ~~المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة. أما بعد، فالحمد لله الذي قصم عدوك ~~الجبار العنيد، الذي اعتدى على هذه الأمة، فانتزعها حقوقها، واغتصبها ~~أمورها، وغلبها على فيئها، وتأمر عليها على غير رضا منها، ثم قتل خيارها، ~~واستبقى شرارها، فبعدا له كما بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام، فاقدم علينا، ~~لعل الله أن يجمعنا بك على الهدى، فإن النعمان بن بشير في قصر الإمارة، ~~ولسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا مخرجك ~~أخرجناه من الكوفة، وألحقناه بالشام والسلام. قال: فبعث الحسين بن علي مسلم ~~بن عقيل إلى الكوفة يبايعهم له، وكان على الكوفة النعمان بن بشير. فقال ~~النعمان لابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلينا من ابن بحدل. ~~قال: فبلغ ذلك يزيد، فأراد أن يعزله. فقال لأهل الشام: أشيروا علي، من ~~أستعمل على الكوفة؟ فقالوا: أترضى برأي معاوية؟ قال: نعم، قالوا: فإن الصك ~~بإمرة عبيد الله بن زياد على العراقين قد كتبه في الديوان. قال: فاستعمله ~~على الكوفة، فقدم الكوفة قبل أن يقدم الحسين، وبايع له مسلم بن عقيل وأكثر ~~من ثلاثين ألفا من أهل الكوفة، فنهضوا معه يريدون عبيد الله بن زياد، ~~فجعلوا كلما أشرفوا على زقاق، انسل عنه منهم ناس، حتى بقي مسلم في شرذمة ~~قليلة. قال: فجعل أناس يرمونه بالآجر من فوق البيوت، فلما رأى ذلك دخل دار ~~هانئ بن عروة المرادي، وكان له فيهم رأى. فقال له هانئ بن عروة: إن لي من ~~ابن زياد مكانا، سوف أتمارض له، فإذا جاء يعودني، فاضرب عنقه، قال: فقيل ~~لابن زياد: إن هانئ بن عروة شاك يقئ الدم. قال: وشرب المغرة، فجعل يقيئها. ~~قال: فجاء ابن زياد يعوده، وقال ms214 لهم هانئ: إذا قلت لكم اسقوني، فاخرج إليه ~~فاضرب عنقه، فقال اسقوني، فأبطئوا عليه، فقال: ويحكم اسقوني ولو كان فيه ~~ذهاب نفسي قال: فخرج عبيد الله بن زياد ولم يصنع الآخر شيئا، وكان من أشجع ~~الناس، ولكنه أخذته كبوة، فقيل لابن زياد: والله إن في البيت رجلا متسلحا. ~~قال: فأرسل ابن زياد إلى هانئ فدعاه. فقال: إني شاك لا أستطيع النهوض. ~~فقال: ائتوني به وإن كان شاكيا، قال: فأخرج له دابة، فركب ومعه عصاه وكان ~~PageV02P004 # أعرج، فجعل يسير قليلا ويقف، ويقول: ما لي أذهب إلى ابن زياد؟ فما زال ~~ذلك دأبه حتى دخل عليه. فقال له عبيد الله بن زياد: يا هانئ، أما كانت يد ~~زياد عندك بيضاء؟ قال: بلى، قال: ويدي؟ قال: بلى، فقال يا هانئ: قد كانت ~~لكم عندي يد بيضاء، وقد أمنتك على نفسك ومالك، فتناول العصا التي كانت بيد ~~هانئ، فضرب بها وجهه حتى كسرها، ثم قدمه فضرب عنقه. قال: وأرسل جماعة إلى ~~مسلم بن عقيل، فخرج عليهم بسيفه، فما زال يقاتلهم حتى أخرج وأسر، فلما أسر ~~بعث الرجال، فقال: اسقوني ماء. قال: ومعه رجل من بني أبي معيط، ورجل من بني ~~سليم يقال له: شهر بن حوشب. فقال له شهر بن حوشب: # لا أسقيك إلا من البئر. فقال المعيطى: والله لا نسقيه إلا من الفرات، ~~قال: فأمر غلاما له، فأتاه بإبريق من ماء، وقدح قوارير ومنديل. قال: فسقاه ~~فتمضمض مسلم، فخرج الدم، فما زال يمسح الدم، ولا يسيغ شيئا منه حتى قال: ~~أخروه عني. قال: فلما أصبح دعا به عبيد الله بن زياد وهو قصير، فقدمه لتضرب ~~عنقه، فقال: دعني حتى أوصي، فقال: أوص. # فنظر مسلم في وجوه الناس فقال لعمرو بن سعيد: ما أرى هاهنا من قريش غيرك، ~~فادن مني حتى أكلمك، فدنا منه، فقال له: هل لك أن تكون سيد قريش ما كانت ~~قريش؟ إن الحسين ومن معه وهم تسعون بين رجل وامرأة في الطريق فارددهم، ~~واكتب إليهم بما أصابني. قال: فضرب عنقه ms215 وألقاه عمرو لعبيد الله وقال: ~~أتدري ما قال؟ فقال عبيد الله اكتم على ابن عمك. فقال عمرو: هو أعظم من ~~ذلك، فقال ابن زياد: فأي شئ هو؟ قال: # أخبرني أن الحسين ومن معه قد أقبل. وهم تسعون إنسانا بين رجل وامرأة. ~~فقال: أما والله إذ دللت عليه لا يقاتلهم أحد غيرك. # قتال عمرو بن سعيد الحسين وقتله قال: وذكروا أن عبيد الله بن زياد، بعث ~~جيشا أمر عليهم عمرو بن سعيد، وقد جاء الحسين الخبر، فهم أن يرجع ومعه خمسة ~~من بني عقيل فقالوا له: أترجع وقد قتل أخونا، وقد جاءك من الكتب ما نثق به؟ ~~فقال لبعض أصحابه: والله ما لي عن هؤلاء من صبر، يعني بني عقيل. قال: فلقيه ~~الجيش على خيولهم بوادي السباع، فلقوهم وليس معهم ماء. فقالوا: يا بن بنت ~~رسول الله اسقنا. قال: فأخرج لكل فارس صحفة من ماء، فسقاهم بقدر ما يمسك ~~برمقهم. ثم قالوا: سر يا بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما زالوا ~~يرجونه، وأخذوا به على الجرف حتى نزلوا بكربلاء، فقال الحسين: أي أرض هذه؟ ~~قالوا: كربلاء، قال: هذا كرب وبلاء. قال: فنزلوا وبينهم وبين الماء ربوة، ~~فأراد الحسين وأصحابه الماء فحالوا بينهم PageV02P005 # وبينه. فقال له شهر بن حوشب لا تشربوا منه حتى تشربوا من الحميم، فقال ~~عباس بن علي: # يا أبا عبد الله، نحن على الحق فنقاتل؟ قال نعم. فركب فرسه، وحمل بعض ~~أصحابه على الخيول، ثم حمل عليهم فكشفهم عن الماء حتى شربوا وسقوا. ثم بعث ~~عبيد الله بن زياد عمرو بن سعيد يقاتلهم. قال الحسين: يا عمرو، اختر مني ~~ثلاث خصال: إما أن تتركني أرجع كما جئت، فإن أبيت هذه فأخرى، سيرني إلى ~~الترك أقاتلهم حتى أموت، أو تسيرني إلى يزيد فأضع يدي في يده، فيحكم في بما ~~يريد. فأرسل عمرو إلى ابن زياد بذلك فهم أن يسيره إلى يزيد. فقال له شهر بن ~~حوشب: قد أمكنك الله من عدوك وتسيره إلى يزيد، والله لئن سار ms216 إلى يزيد لا ~~رأى مكروها، وليكونن من يزيد بالمكان الذي لا تناله أنت منه، ولا غيرك من ~~أهل الأرض، لا تسيره ولا تبلغه ريقه حتى ينزل على حكمك. قال: فأرسل إليه ~~يقول: # لا، إلا أن تنزل على حكمي. فقال الحسين: أنزل على حكم ابن زانية؟ لا ~~والله لا أفعل، الموت دون ذلك وأحلى. قال: وأبطأ عمرو بن سعيد عن قتاله. ~~فأرسل عبيد الله بن زياد إلى شهر ابن حوشب إن تقدم عمرو يقاتل، وإلا ~~فأقتله، وكن أنت مكانه. قال: وكان مع عمرو ابن سعيد من قريش ثلاثون رجلا من ~~أهل الكوفة، فقالوا: يعرض عليكم ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاث ~~خصال لا تقبلون واحدة منها؟ فتحولوا مع الحسين، فقاتلوا. # قال. فرأى رجل من أهل الكوفة عبد الله بن الحسين بن علي على فرس، وكان من ~~أجمل الناس. # قال: لأقتلن هذا الفتى، فقيل له ويحك، ما تصنع بقتله، دعه، قال: فحمل ~~عليه فضربه، فقطع يده، ثم ضربه ضربة أخرى فقتله، ثم قتلوا جميعا. فقتل ~~يومئذ الحسين بن علي، وعباس بن علي، وعثمان بن علي، وأبو بكر بن علي، وجعفر ~~بن علي، وأمهم أم البنين بنت حرام الكلابية، وإبراهيم بن علي، وأمه أم ولد، ~~وعبد الله بن علي، وخمسة من بني عقيل، وابنان لعبد الله بن جعفر: عون، ~~ومحمد، وثلاثة من بني هاشم، ونساء من نسائهم، وفيهم فاطمة بنت الحسين بن ~~علي، وفيهم محمد بن علي، وابنا جعفر، ومحمد بن الحسين بن علي. # قدوم من أسر من آل علي على يزيد قال: وذكروا أن أبا معشر قال: حدثني محمد ~~بن الحسين بن علي، قال: دخلنا على يزيد، ونحن اثنا عشر غلاما مغللين في ~~الحديد وعلينا قمص. فقال يزيد: أخلصتم أنفسكم بعبيد أهل العراق؟ وما علمت ~~بخروج أبي عبد الله حين خرج، ولا بقتله حين قتل. قال: # فقال علي بن الحسين: (ما أصاب من مصبية في الأرض ولا في أنفسكم إلا في ~~كتاب من قبل أن نبرأها، إن ذلك على ms217 الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم، ~~ولا تفرحوا بما آتاكم، والله PageV02P006 # لا يحب كل مختال فخور). قال: فغضب يزيد، وجعل يعبث بلحيته، وقال: (وما ~~أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم، ويعفو عن كثير) يا أهل الشام ما ترون في ~~هؤلاء؟ فقال رجل من أهل الشام لا تتخذن من كلب سوء جروا. فقال النعمان بن ~~بشير: يا أمير المؤمنين! # اصنع بهم ما كان يصنع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لو رآهم بهذه ~~الحال. فقالت فاطمة بنت الحسين: يا يزيد بنات رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. قال: فبكى يزيد حتى كادت نفسه تفيض، وبكى أهل الشام حتى علت أصواتهم. ~~ثم قال: خلوا عنهم، واذهبوا بهم إلى الحمام، واغسلوهم، واضربوا عليهم ~~القباب، ففعلوا، وأمال عليهم المطبخ وكساهم، وأخرج لهم الجوائز الكثيرة من ~~الأموال والكسوة ثم قال: لو كان بينهم وبين عاض بظر أمه (1) نسب ما قتلهم، ~~ارجعوا بهم إلى المدينة. قال: فبعث بهم من صار إلى المدينة. # إخراج بني أمية عن المدينة، وذكر قتال أهل الحرة قال: وذكروا في قصة ~~إخراج بني أمية عن المدينة، قالوا: بعث عثمان بن محمد أمير المدينة إلى ~~يزيد بقميصه مشقوقا، وكتب إليه: وا غوثاه! إن أهل المدينة أخرجوا قومنا من ~~المدينة. # قال أبو معشر: فخرج يزيد بعد العتمة، ومعه شمعتان شمعة عن يمينه، وشمعة ~~عن يساره، وعليه معصفرتان، وقد نقش جبهته كأنها ترس، فصعد المنبر، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: # أما بعد، يا أهل الشام، فإنه كتب إلي عثمان بن محمد أن أهل المدينة ~~أخرجوا قومنا من المدينة، ووالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ~~هذا الخبر. قال: وكان معاوية أوصى يزيد فقال له: إن رابك من قومك ريب، أو ~~تنقص عليك منهم أحد، فعليك بأعور بني مرة، فاستشره، يعني مسلم بن عقبة، ~~فلما كانت تلك الليلة قال يزيد: أين مسلم بن عقبة؟ فقام فقال: ها أنا ذا. ~~قال عبئ ثلاثين ألفا من الخيل. قال وكان معقل بن سنان الأشجعي ms218 نازلا على ~~مسلم بن عقبة. فقال له مسلم بن عقبة: إن أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى ~~المدينة في ثلاثين ألفا. فقال له: استعفه. قال: لا. قال: فاركب فيلا أو ~~فيلة، وتكون أبا يكسوم (2)، فمرض مسلم قبل خروجه من الشام، فأدنف فدخل عليه ~~يزيد ابن معاوية يعوده، قال له: قد كنت وجهتك لهذا البعث، وكان أمير ~~المؤمنين معاوية # PageV02P007 # قد أوصاني بك، وأراك مدنفا ليس فيك سفر. فقال: يا أمير المؤمنين أنشدك ~~الله، أن لا تحرمني أجرا ساقه الله إلي، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس. قال. ~~فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا ولا دابة، فوضع على سرير، وحمله الرجال على ~~أعناقهم، حتى جاءوا مكانا يقال له البتراء، فأرادوا النزول به. فقال لهم: ~~ما اسم هذا المكان؟ فقيل له البتراء. فقال: لا تنزلوا به، ثم سار حتى ~~حاجزة، فنزل به، فأرسل إلى أهل المدينة: إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم ~~السلام، ويقول لكم: أنتم الأصل والعشيرة والأهل، فاتقوا الله واسمعوا ~~وأطيعوا، فإن لكم عندي في عهد الله وميثاقه عطاءين في كل سنة، عطاء في ~~الصيف، وعطاء في الشتاء، ولكن عندي عهد الله وميثاقه، أن يجعل سعر الحنطة ~~عندكم كسعر الحنطة عندنا، والحنطة يومئذ سبعة آصع بدرهم، وأما العطاء الذي ~~ذهب به عنكم عمرو بن سعيد، فعلي أن أخرجه لكم، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ ~~أعطياتهم، فاشترى بها عبيدا لنفسه: فقالوا لمسلم: نخلعه كما نخلع عمائمنا، ~~يعنون يزيد، وكما نخلع نعالنا. قال: فقاتلهم، فهزم الناس أهل المدينة (1). # قال أبو معشر: حدثنا محمد بن عمرو بن حزم، قال: قتل بضعة وسبعون رجلا من ~~قريش، وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار، وقتل من الناس نحو من أربعة آلاف، ~~وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر، وقتل أربعة أو خمسة من ولد زيد بن ثابت ~~لصلبه. فقال مسلم بن عقبة لأهل الشام: كفوا أيديكم، فخرج محمد بن سعد بن ~~أبي وقاص، يريد القتال، فقاتلهم بعد الكف. فقال مسلم بن عقبة: أنهبها ~~ثلاثا. قال: فقتل الناس، وفضحت ms219 النساء، ونهبت الأموال. فلما فرغ مسلم بن ~~عقبة من القتال، انتقل من منزله ذلك إلى قصر بني عامر بدومة، فدعا أهل ~~المدينة من بقي منهم للبيعة. قال: فجاء عمرو بن عثمان بن عفان بيزيد بن عبد ~~الله ابن زمعة، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وكان عمرو قال ~~لأم سلمة: # أرسلي معي ابن بنتك، فجاء به إلى مسلم، فلما تقدم يزيد قال له مسلم: ~~تبايع لعبد الله يزيد أمير المؤمنين على أنكم خول له، مما أفاء الله عليه ~~بأسياف المسلمين، إن شاء وهب، وإن شاء أعتق، وإن شاء استرق. فقال يزيد: ~~لأنا أقرب إلى أمير المؤمنين منك. قال: والله لا تستقبلها أبدا. فقال عمرو ~~بن عثمان: أنشدك الله، فإني أخذته من أم سلمة، بعهده وميثاقه، أن أرده ~~إليها. قال: فركضه برجله، فرماه من فوق السرير، فقتل يزيد بن عبد الله، ثم ~~أتى محمد بن أبي جهم مغلولا. فقال له مسلم: أنت القائل، اقتلوا سبعة عشر ~~رجلا من بني أمية لا تروا شرا أبدا. قال: قد قلتها ولكن لا يسمع لقصير ~~أمير، فأرسل # PageV02P008 # يدي، وقد برئت مني الذمة، إنما نزلت بعد الله وميثاقه. قال: لا، والله ~~حتى أقدمك إلى النار. قال: فضرب عنقه. ثم جاء معقل بن سنان الأشجعي، وكان ~~جالسا في بيته، فأتاه مئة رجل من قومه، فقالوا له اذهب بنا إلى الأمير حتى ~~نبايعه. فقال لهم: إني قد قلت له قولا، وأنا أتخوف، فقالوا: لا، والله لا ~~يصل إليك أبدا، فلما بلغوا الباب أدخلوا معقلا، وحبسوا الآخرين، وأغلقوا ~~الباب، فلما نظر إليه مسلم بن عقبة قال: إني أرى شيخا قد تعب وعطش، أسقوه ~~من البلح الذي زودني به أمير المؤمنين، قال: فخاضوا له بلحا بعسل فشربه. ~~قال له: أشربت؟ قال: نعم، قال: والله لا تبولها من مثانتك أبدا، أنت ~~القائل: # اركب فيلا أو فيلة وتكون أبا يكسوم. فقال معقل: أما والله لقد تخوفت ذلك ~~منك، وإنما غلبتني عشيرتي. قال: فجعل يفري جبة كانت عليه، وقال: أكره ms220 أن ~~يلبسوها، فضرب عنقه، ثم سار إلى مكة، حتى إذا بلغ قفا المشلل أدنف، فدعا ~~الحصين بن نمير. فقال له: # يا بن برذعة الحمار، والله ما خلق الله أحدا أبغض إلي منك، ولولا أن أمير ~~المؤمنين أمرني أن أستخلفك ما استخلفتك، أتسمع؟ قال: نعم، قال: لا تكونن ~~إلا على الوقاف، ثم الثقاف (1)، ثم الانصراف، ولا تمكن قريشا من أذنك. ثم ~~مات مسلم بن عقبة، فدفن بقفا المشلل، وكانت أم ولد ليزيد بن عبد الله بن ~~زمعة بأستار، فخرجت إليه فنبشته من قبره، ثم أحرقت عليه بالنار، وأخذت ~~أكفانه فشقتها، وعلقتها بالشجرة، فكل من مر عليه يرميه بالحجارة، وسار ~~الحصين حتى جاء مكة، فدعاهم إلى الطاعة، وعبد الله بن الزبير يؤمئذ بمكة، ~~فلم يجبه، فقاتله، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان من إخوته، ومصعب بن ~~عبد الرحمن، والمسور بن مخرمة. # حرب ابن الزبير رضي الله عنهما قال: وذكروا أن مسلم بن عقبة لما فرغ من ~~قتال أهل المدينة يوم الحرة، مضى إلى مكة المشرفة، يريد ابن الزبير، حتى ~~إذا كان بقديد، حضرته الوفاة، فدعا الحصين بن نمير. # فقال له: إن أمير المؤمنين عصاني فيك، فأبى إلا استخلافك بعدي، فلا ترسلن ~~بينك وبين قريش رسولا تمكنه من أذنيك، إنما هو الوقاف، ثم الثقاف، ثم ~~الانصراف. وهلك مسلم بن عقبة، فدفن بالثنية. قال: وسمع بهم عبد الله بن ~~الزبير، فأحكم مراصد مكة، فجعل عليها # PageV02P009 # المقاتلة، وجاءه جند أهل المدينة، وأقبل ابن نمير حتى نزل على مكة، وأرسل ~~خيلا فأخذت أسفلها، ونصب عليها العرادات والمجانيق، وفرض على أصحابه عشرة ~~آلاف صخرة، في كل يوم يرمونها بها. فقال الناس: انظروه لئلا يصيبه ما أصاب ~~أصحاب الفيل. قال عبد الله ابن عمرو بن العاص، وكان بمكة معتمرا، قدم من ~~الطائف: لا تظن ذلك، لو كان كافرا بها لعوقب دونها، فأما إذا كان مؤمنا بها ~~فسيبتلى فيها، فكان كما قال، وحاصروهم لعشر ليال بقين من المحرم، سنة أربع ~~وستين، فحاصروهم بقية المحرم، وصفر، وشهري ربيع، يغدون على ms221 القتال ويروحون، ~~حتى جاءهم موت يزيد بن معاوية، فأرسل الحصين بن نمير إلى ابن الزبير، أن ~~ائذن لنا نطوف بالبيت، وننصرف عنكم، فقد مات صاحبنا. فقال ابن الزبير: وهل ~~تركتم من البيت إلا مدرة؟ وكانت المجانيق قد أصابت ناحية من البيت الشريف ~~فهدمته، مع الحريق الذي أصابه، قال: فمنعهم أن يطوفوا بالبيت. فارتحل ~~الحصين، حتى إذا كان بعسفان تفرقوا، وتبعهم الناس يأخذونهم، حتى إن كانت ~~الراعية في غنمها لتأتي بالرجل منهم مربوطا، فيبعث بهم إلى المدينة، وأصاب ~~منهم أهل المدينة حين مروا بهم ناسا كثيرا، فحبسوا بالمدينة، حتى قدم مصعب ~~بن الزبير عليهم من عند عبد الله بن الزبير، فأخرجهم إلى الحرة، فضرب ~~أعناقهم، وكانوا أربع مئة وأكثر، قال: وانصرف ذلك الجيش إلى الشام مفلولا، ~~وبايع أهل المدينة لابن الزبير بالخلافة، وكان ابن عباس بمكة يومئذ، فخرج ~~إلى الطائف، فهلك بها سنة سبعين، وهو يومئذ ابن أربعة وسبعين سنة رضي الله ~~عنه. # خلافة معاوية بن يزيد قال: فلما مات يزيد بن معاوية، استخلف ابنه معاوية ~~بن يزيد، وهو يومئذ ابن ثماني عشرة سنة، فلبث واليا شهرين وليالي محجوبا لا ~~يرى، ثم خرج بعد ذلك، قال: فجمع الناس، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أيها ~~الناس، إني نظرت بعدكم فيما صار إلي من أمركم، وقلدته من ولايتكم، فوجدت ~~ذلك لا يسعني فيما بيني وبين ربي، أن أتقدم على قوم فيهم من هو خير مني، ~~وأحقهم بذلك، وأقوى على ما قلدته، فاختاروا مني إحدى خصلتين: إما أن أخرج ~~منها، وأستخلف عليكم من أراه لكم رضا ومقنعا، ولكم الله علي ألا آلوكم نصحا ~~في الدين والدنيا، وإما أن تختاروا لأنفسكم وتخرجوني منها. قال: فأنف الناس ~~من قوله، وأبوا من ذلك، وخافت بنو أمية أن تزول الخلافة منهم، فقالوا: ننظر ~~في ذلك يا أمير المؤمنين ونستخير الله فأمهلنا. قال لكم ذلك، وعجلوا علي. ~~قال فلم يلبثوا بعدها إلا أياما حتى PageV02P010 # طعن، فدخلوا عليه، فقالوا له: استخلف على الناس من تراه لهم رضا. فقال ~~لهم: ms222 عند الموت تريدون ذلك؟ لا والله لا أتزودها، ما سعدت بحلاوتها، فكيف ~~أشقى بمرارتها، ثم هلك رحمه الله ولم يستخلف أحدا. فقالوا لعثمان بن عنبسة: ~~تقدم فصل بالناس، فأبى. وقال: # لا. أما أنا فلاحق بخالي عبد الله بن الزبير، فقال له ابن زياد: إن هذا ~~ليس بزمان خالك ولا عمك. فلما دفن معاوية بن يزيد، وسوى عليه التراب، وبنو ~~أمية حول قبره، قال مروان: أما والله يا بني أمية إنه لأبو ليلى، ثم قال: # الملك بعد أبي ليلى لمن غلبا. # وماج أمر بني أمية واختلفوا. # غلبة ابن الزبير رضي الله عنهما وظهوره قال: وذكروا أن أبا معشر قال: ~~حدثنا بعض المشيخة الذين حضروا قتال ابن الزبير، قال: لما نزل الحصين بمكة، ~~وغلب عليها كلها إلا المسجد الحرام، قال: فإني لجالس مع ابن الزبير، ومعه ~~من القرشيين عبد الله بن مطيع، والمختار بن أبي عبيد، والمسور بن مخرمة، ~~والمنذر بن الزبير، ومصعب بن عبد الرحمن بن عوف في نفر من قريش. قال: فقال ~~المختار بن عبيد: وهبت رويحة: والله إني لأجد النصر في هذه الرويحة، ~~فاحملوا عليهم، قال: # فحملوا عليهم حتى أخرجوهم من مكة، وقتل المختار رجلا، وقتل ابن مطيع ~~رجلا. قال: # فجاءه رجل من أهل الشام، في طرف سنان رمحه نار. قال: وكان بين موت يزيد ~~بن معاوية وبين حريق الكعبة إحدى عشرة ليلة ثم التحمت الحرب عند باب بني ~~شيبة، فقتل يومئذ المنذر بن الزبير، ورجلان من إخوته، ومصعب بن عبد الرحمن ~~بن عوف والمسور بن مخرمة، وكان الحصين قد نصب المجانيق (1) على جبل أبي ~~قبيس، وعلى قعيقعان، فلم يكن أحد يقدر أن يطوف بالبيت، وأسند ابن الزبير ~~ألواحا من الساج إلى البيت، وألقى عليها القطائف والفرش، فكان إذا وقع ~~عليها الحجر، نبأ عن البيت، فكانوا يطوفون تحت تلك الألواح، فإذا سمعوا صوت ~~الحجر حين يقع على الفرش والقطائف كبروا، وكان طول الكعبة في السماء ثمانية ~~عشر ذراعا، وكان ابن الزبير قد ضرب فسطاطا في ناحية من المسجد، فكلما ms223 جرح ~~أحد من أصحابه أدخله ذلك الفسطاط. # PageV02P011 # حريق الكعبة قال: فجاء رجل في طرف سنان رحمه نار، فأشعلها في الفسطاط، ~~فوقعت النار على الكعبة، فاحترق الخشب، وانصدع الركن، واحترقت الأستار، ~~وتساقطت إلى الأرض. قال: ثم قاتل أهل الشام أياما بعد حريق الكعبة، واحترقت ~~في ربيع الأول سنة أربع وستين. قال: فلما احترقت جلس أهل مكة في ناحية ~~الحجر، ومعهم ابن الزبير، وأهل الشام يرمونهم بالنبل. # قال: فوقعت بين يديه نبلة. قال: في هذه خبر، فأخذوها فوجدوا بها مكتوبا: ~~مات يزيد ابن معاوية يوم الخميس لأربع عشرة ليلة خلت من ربيع الأول. فلما ~~قرأ ذلك ابن الزبير قال: # يا أهل الشام، يا محرقي بيت الله، يا مستحلي حرم الله، علام تقاتلون؟ وقد ~~مات طاغيتكم يزيد ابن معاوية، فأتاه الحصين بن نمير فقال له: موعدك البطحاء ~~الليلة يا أبا بكر. فلما كان الليل خرج ابن الزبير بأصحابه، وخرج الحصين ~~بأصحابه إلى البطحاء، فتنحى كل واحد منهما من أصحابه وانفردا، فقال الحصين: ~~يا أبا بكر، قد علمت أني سيد أهل الشام، لا أدافع عن ذلك، وأن أعنة خيلهم ~~بيدي، وأرى أهل الحجاز قد رضوا بك، فأبايعك الساعة، على أن تهدر كل شئ ~~أصبناه يوم الحرة، وتخرج معي إلى الشام، فإني لا أحب أن يكون الملك في ~~الحجاز. قال: لا والله لا أفعل لا أؤمن من أخاف الناس، وأحرق بيت الله، ~~وانتهك حرمته. فقال الحصين: بلى، فافعل، فعلي ألا يختلف عليك اثنان. فأبى ~~ابن الزبير. فقال له الحصين لعنك الله، ولعن من زعم أنك سيد، والله لا تفلح ~~أبدا، اركبوا يا أهل الشام. فركبوا وانصرفوا قال: فحدثني من شهد انصرافهم، ~~قال: والله إن كانت الوليدة لتخرج فتأخذ الفارس ما يمتنع. قال أبو معشر: ~~وذلك أن المنهزم لا فؤاد له. قال: فبايع أهل الشام كلهم ابن الزبير، إلا ~~أهل الأردن، وبايع أهل مصر ابن الزبير، وغلب على أهل العراق والحجاز ~~واليمن، وغلظ أمره، وعظم شأنه، واستخلف ابن الزبير الضحاك بن قيس على أهل ~~الشام. # اختلاف ms224 أهل الشام على ابن الزبير قال: وذكروا أن ابن الزبير لما استخلف ~~الضحاك على أهل الشام، قام أناس من أهل الشام من رؤس قريش بني أمية ~~وأشرافهم وفيهم روح بن زنباع الجذامي، فقال بعضهم: إن الملك كان فينا أهل ~~الشام، أفينتقل ذلك إلى أهل الحجاز؟ لا نرضى بذلك، هل لكم أن تأخذوا رجلا ~~منا فينظر في هذا الأمر؟ قالوا: نعم. فجاءوا إلى خالد بن يزيد بن معاوية، ~~وهو غلام PageV02P012 # حدث السن، فقيل له: ارفع رأسك لهذا الأمر، فقال: أستخير الله وأنظر، فرأى ~~القوم أنه ذو ورع عن القيام في ذلك، فخرجوا فأتوا عمرو بن سعيد، فقالوا له: ~~يا أبا أمية، ارفع رأسك لهذا الأمر، فجعل يشير ويقول: والله لأفعلن لأفعلن، ~~فلما خرجوا من عنده قالوا: هذا حديث علج. فأتوا مروان بن الحكم، فإذا عنده ~~مصباح، وإذا هم يسمعون صوته بالقرآن، فاستأذنوا ودخلوا عليه، فقالوا له: يا ~~أبا عبد الملك، ارفع رأسك لهذا الأمر، فقال: استخيروا الله واسألوه أن ~~يختار لأمة محمد خيرها وأعدلها ما شاء الله. # بيعة أهل الشام مروان بن الحكم قال: وذكروا أن روح بن زنباع قال لمروان ~~بن الحكم: إن معي أربع مائة رجل من جذام، وسامرهم أن يبتدرا في المسجد غدا، ~~فمر ابنك عبد العزيز أن يخطب، ويدعوهم إليك، وأنا آمرهم أن يقولوا صدقت، ~~فيظن الناس أن أمرهم واحد، قال: فلما أصبح عبد العزيز خرج على الناس وهم ~~مجتمعون، فقام: فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: ما أحد أولى بهذا الأمر من ~~مروان بن الحكم، إنه لكبير قريش وشيخها، وأفرطها عقلا وكمالا، ودينا وفضلا، ~~والذي نفسي بيده، لقد شاب شعر ذراعيه من الكبر. فقال الجذاميون: صدقت. فقال ~~خالد بن يزيد: أمر قضي بليل. فبايعوا مروان بن الحكم. فقال عمرو بن سعيد ~~للضحاك بن قيس: # أرضيت أن تكون بريدا لابن الزبير، وأنت أكبر قريش وسيدها، تعال نبايعك، ~~فخرج به إلى مرج راهط، فلما دعاه إلى البيعة اقتتلوا، فقتل الضحاك بن قيس، ~~فقال عمرو بن سعيد لأهل الشام، ms225 ما صارت أيديكم إلا مناديل، من جاءكم مسح ~~يده بها، إن مروان سيد قريش، وأكبرهم سنا، فبايعوا مروان بن الحكم، وقتل ~~الضحاك بن قيس، وهزم أصحابه، وكانت قيس مع الضحاك، وكان اليمن مع عمرو بن ~~سعيد، فمكث مروان ما شاء الله أن يمكث، ثم قال له أصحابه: والله ما نتخوف ~~إلا خالد بن يزيد بن معاوية، وإنك إن تزوجت أمه كسرته، وأمه ابنة هاشم بن ~~عتبة بن ربيعة، فخطبها مروان بن الحكم، فتزوجها، وأقام بالشام، ثم أراد أن ~~يخرج إلى مصر. فقال لخالد: أعرني سلاحا إن كان عندك. قال: # فأعاره سلاحا، وخرج إلى مصر، فقاتل أهل مصر، وسبى ناسا كثيرا، فافتدوا ~~منه، ثم قدم الشام. # موت مروان بن الحكم قال: وذكروا أن مروان بن الحكم لما قدم الشام من مصر، ~~قال له خالد بن يزيد PageV02P013 # ابن معاوية: أردد إلي سلاحي، فأبى عليه مروان، فألح عليه، وكان مروان ~~فاحشا سبابا، وقال له يا ابن الربوخ (1)، يا أهل الشام، إن أم هذا ربوخ، يا ~~ابن الرطبة، قال: فجاء ابنها إليها قال: هذا ما صنعت بي، سبني مروان على ~~رؤوس أهل الشام وقال. هذا ابن الربوخ. قال: # وكان مروان استخلف حين خرج إلى مصر ابنه عبد الملك وعبد العزيز أنهما ~~يكونان بعده، وبايع لهما أهل الشام، فلبث مروان بعد ذلك ليالي، بعدما قال ~~لخالد بن يزيد ما قال، ثم جاء إلى أم خالد فرقد عندها، فأمرت جواريها فطوين ~~عليه الشوادك (2)، ثم غطته حتى قتلته، ثم خرجن يصحن ويشققن جيوبهن، يا أمير ~~المؤمنين. قال: فقام عبد الملك، فبايع لنفسه، ووعد عمرو بن سعيد أن ~~يستخلفه، فبايعه وأقاموا بالشام. # بيعة عبد الملك بن مروان وولايته قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان بايع ~~لنفسه بالشام، ووعد الناس خيرا، ودعاهم إلى إحياء الكتاب والسنة، وإقامة ~~العدل والحق، وكان معروفا بالصدق، مشهورا بالفضل والعلم، لا يختلف في دينه، ~~ولا بنازع في ورعه، فقبلوا ذلك منه، ولم يختلف عليه من قريش أحد، ولا من ~~أهل الشام. فلما تمت ms226 بيعته خالفه عمرو بن سعيد الأشدق، فوعده عبد الملك أن ~~يستخلفه بعده، فبايعه على ذلك، وشرط عليه أن لا يقطع شيئا دونه، ولا ينفذ ~~أمرا إلا بمحضره، فأعطاه ذلك. ثم إن عبد الملك بعث حبيش بن دلجة القيسي إلى ~~المدينة، في سبعة آلاف رجل، فدخل المدينة، وجلس على المنبر الشريف، فدعا ~~بخبز ولحم، فأكل على المنبر، ثم أتى بماء فتوضأ على المنبر. # قال أبو معشر: فحدثني رجل من أهل المدينة يقال له أبو سلمة، قال: شهدت ~~حبيش ابن دلجة يومئذ، وقد أرسل إلى جابر بن عبد الله الأنصاري، فدعاه فقال: ~~تبايع لعبد الملك أمير المؤمنين بالخلافة، عليك بذلك عهد الله وميثاقه ~~وأعظم ما أخذ الله على أحد من خلقه بالوفاء، فإن خالفت فأهرق الله دمك على ~~الضلالة. فقال له جابر بن عبد الله: إنك أطوق لذلك مني، ولكني أبايعه على ~~ما بايعت عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية، على السمع ~~والطاعة. قال: ثم أرسل إلى عبد الله بن عمر، فقال له: تبايع لعبد الله عبد ~~الملك # PageV02P014 # أمير المؤمنين على السمع والطاعة؟ فقال ابن عمر:؟ ذا اجتمع الناس عليه ~~بايعت له إن شاء الله. # ثم خرج ابن دلجة من يومه ذلك نحو الربذة (1)، وقام في أثره رجلان: أحدهما ~~على أثر الآخر، مع كل واحد منهما جيش، وكل واحد منهما يصعد المنبر ويخطب، ~~ثم خرجوا جميعا إلى الربذة، وذلك في رمضان، سنة خمس وستين، فاجتمعوا بها، ~~وأميرهم ابن دلجة. # وكتب ابن الزبير إلى عباس بن سهل الساعدي بالمدينة: أن سر إلى حبيش ابن ~~دلجة وأصحابه في ناس، فسار حتى لقيهم بالربذة في شهر رمضان، وبعث الحارث بن ~~عبد الله أين أبي ربيعة من البصرة، مددا إلى عباس بن سهل بن حنيف بن السجف ~~في تسع مئة رجل، فساروا حتى انتهوا إلى الربذة، فبات أهل البصرة وأهل ~~المدينة يقرءون القرآن، ويصلون ليلتهم حتى أصبحوا، وبات الآخرون في المعازف ~~والخمور، فلما أصبحوا قال لهم حبيش بن دلجة: # أهريقوا ماءكم، حتى تشربوا ms227 من سويقكم المعتد فأهرقوا الماء، وغدوا إلى ~~القتال، فقتل حبيش، ومن معه من أهل الشام، وتحصن من أهل الشام خمس مئة رجل ~~على عمود الربذة، وهو الجبل الذي عليها. قال: وكان يوسف أبو الحجاج مع ابن ~~دلجة، قال: وأحاط بهم عباس بن سهل، فقال: انزلوا على حكمي، فنزلوا على ~~حكمه، فضرب أعناقهم أجمعين. # غلبة ابن الزبير على العراقيين وبيعتهم قال: وذكروا أن عباس بن سهل، لما ~~فرغ من قتال أهل الشام، رجع المدينة فجدد البيعة لابن الزبير، فسارعوا ~~إليها، ولم يتثبطوا، وقدم أهل البصرة على ابن الزبير بمكة فكانوا معه، وكان ~~عبد الله بن الزبير استعمل الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة على البصرة، ~~فلما قدمها قيل له: إن الناس يقطعون الدراهم يجعلونها حتى كأنها أصفار. ~~فقال لهم: هلم بسبعة ثقالا، فأتوه بسبعة ثقال. فقال: هذه بعشرة، فزنوا كيف ~~شئتم. قال: وأتوا بالمكيال الذي يكيلون به، فقال: هذا قريب صالح. ثم قيل ~~له: إن أهل البصرة لا يصلحهم إلا القتل. فقال: لأن تفسد البصرة أحب إلي من ~~أن يفسد الحرث والنسل. قال: # فبعث ابن الزبير حمزة بن عبد الله بن الزبير إلى البصرة عاملا، فاستحقره ~~أهل البصرة، فبعث مصعب بن الزبير، فقدم عليهم، فقال أهل البصرة: لا يقدم ~~عليكم أحد إلا لقبتموه، وأنا ألقب لكم نفسي، أنا القصاب. ثم سار إلى ~~المختار فقتله. # PageV02P015 # بيعة أهل الكوفة لابن الزبير وخروج ابن زياد عنها قال: وذكروا عن بعض ~~المشيخة من أهل العلم بذلك، قالوا: كان ابن زياد أول من ضم إليه الكوفة ~~والبصرة، وكان أبوه زياد كذلك قبله، فلم يزل عبيد الله يتبع الخوارج ~~ويقتلهم، ويأخذ على ذلك الناس بالظن، ويقتلهم بالشبهة، واستعمد إلى عامتهم، ~~وكان بعضهم له على ما يحب. قال: فلما اختلف أمر الناس، ومات يزيد، وامتد ~~سلطان ابن الزبير، وغلظ شأنه وعظم أمره، وخلع أهل البصرة طاعة بني أمية، ~~وبايعوا ابن الزبير، خرج عبيد الله بن زياد إلى المسجد، فقام خطيبا، فحمد ~~الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس، ms228 إن الذي كنا نقاتل على طاعته قد مات، ~~واختلف أمر الناس، وتشتتت كلمتهم، وانشقت عصاهم، فإن أمرتموني عليكم جبت ~~فيكم، وقاتلت بكم عدوكم، وحكمت بينكم، وأنصفت مظلومكم، وأخذت على يد ظالمكم ~~حتى يجتمع الناس على خليفة. فقام يزيد بن الحارث بن رويم اليشكري وقال: ~~الحمد الله الذي أراحنا من بني أمية وأخزى ابن سمية، لا والله ولا كرامة، ~~فأمر به عبيد الله فلبب، ثم انطلق به إلى السجن، فقامت بكر بن وائل، فحالت ~~بينه وبين ذلك. ثم خرج الثانية عبيد الله بن زياد إلى المنبر، فخطب الناس، ~~فحصبه الناس ورموه بالحجارة وسبوه، وقام قوم فدنوا منه، فنزل فاجتمع الناس ~~في المسجد. فقالوا: نؤمر رجلا حتى تجتمع الناس على خليفة، فاجتمع رأيهم على ~~أن يؤمروا عمرو بن سعد بن أبي وقاص وكان الذين قاموا بأمره هذا الحي الذي ~~من كندة، فبينما هم على ذلك إذ أقبل النساء يبكين وينعين الحسين، وأقبلت ~~همدان حتى ملأوا المسجد، فأطافوا بالمنبر متقلدين السيوف، وأجمع رأي أهل ~~البصرة والكوفة على عامر بن مسعود ابن أمية بن خلف، فأمروه عليهم حتى يجتمع ~~الناس، وكتبوا إلى عبد الله بن الزبير يبايعونه، بالخلافة، فأقره عبد الله ~~بن الزبير عاملا عليهم نحوا من سنة، واستعمل العمال في الأمصار، فبلغ أهل ~~البصرة ما صنع أهل الكوفة، فاجتمعوا وأخرجوا الرايات، فلم يبق أحد إلا خرج، ~~وذلك لسوء آثار عبيد الله بن زياد فيهم، يطلبون قتله. ثم قام ابن أبي ذؤيب ~~فقال: يا هؤلاء من ينصر الله ينصر الكعبة، من يغار على ابن سمية، سارعوا ~~أيها الناس إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض، واجتنبوا هذه ~~الدعوة، وأقيموا أود هذه البيعة، فإنها بيعة هدى، فإنه من قد علمتهم عبد ~~الله بن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته وابن أسماء ~~بنت أبي بكر الصديق، أما والله لو أن أبا بكر علم أنه بقي على الأرض من هو ~~خير منه وأولى بهذه البيعة، ما مد يده، ولا نازعته إليها نفسه، ms229 أما والله ~~لقد علمتم ما أحد على وجه الأرض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ عبد الله بن ~~عمر، المتبرئ من الدنيا، المعتزل عن الناس الكاره لهذا الأمر، ثم خرجت ~~الخوارج من سجون عبيد الله ابن زياد، واجتمعوا على حدة، PageV02P016 # والقبائل كل قبيلة في المسجد معتزلة على حدة، وعبيد الله بن زياد في ~~القصر، وقد أخذ بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد، وقد أخذت العرب بأفواه ~~السكك والدروب، وكان عبيد الله أول من جفا العرب، وأخذ منهم المحاربة اثنى ~~عشر ألفا ليعتز بهم، فوالله ما زادوه إلا ذلا، فلما رأى ذلك عبيد الله بن ~~زياد لم يدر كيف يصنع، وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن ~~غدرهم، فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي من الأزد، فدخل عليه الحارث. # فقال: يا حارث، قد أكرمتهم زيادا، وحفظتم منه ما كنتم أهله، وقد استجرت ~~بكم، فأنشدكم الله في. قال الحارث: أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا، لما ~~أرى من سوء رأي العامة فيك مع سوء آثارك في الأزد. قال: فتهيأ عبيد الله، ~~فلبس لبس امرأة في خمرتها وعقيصتها، فأردفه الحارث خلفه، فخرج به على الناس ~~فقالوا: يا حارث ما هذه؟ قال: تنحوا رحمكم الله، هذه امرأة من أهلي، كانت ~~زائرة لأهل ابن زياد، أتيت أذهب بها. فقال عبيد الله للحارث: # أين نحن؟ قال: في بني سليم، فقال: سلمنا الله. قال: ثم سار قليلا، ثم ~~قال: أين نحن؟ # قال: في بني ناجية من الأزد، قال: نجونا إن شاء الله. قال: فأتى به مسعود ~~بن عمرو وهو يومئذ سيد الأزد، فقال: يا أبا قيس؟ قد جئتك بعبيد الله ~~مستجيرا. قال: ولم جئتني بالعبد؟ # قال: نشدتك الله، فقد اختارك على غيرك، فلما رآهم عبيد الله يتراضون ~~ويتناشدون، قال: # قد بلغني الجهد والجوع، فقال مسعود: يا غلام: ائت البقال، فأتنا من خبزه ~~وتمره. قال: # فجاء به الغلام فوضع. قال: فأكل، وإنما أراد ابن زياد أن يتحرم بطعامه. ~~ثم قال: أدخل فدخل، ms230 ومنارات الناس يومئذ من القصب، وكان منزل مسعود يومئذ ~~قاصيا. قال: فكأن عبيد الله خاف. فقال: يا غلام، اصعد إلى السطح بحزمة من ~~قصب، فأشعل أعلاه نارا، ففعل ذلك في جوف الليل، فأقبلت الأزد على الخيل ~~وعلى أرجلها حتى شحنوا السكك وملئوها. # فقالوا: ما لسيدنا؟ قال: شئ حدث في الدار. قال: فعرف عبيد الله عزته ~~ورفعته، وما هو عليه. قال: هذا والله العز والشرف، فأقام عنده أياما، وعنده ~~امرأتان امرأة من الأزد، وامرأة من عبد قيس، فكانت العبدية تقول: أخرجوا ~~العبد وكانت الأزدية تقول: استجار بك على بغضه إياك، وجفوته لك، وتحدث ~~الناس أنه لجأ إلى مسعود بن عمرو، فاجتمعت القبائل في المسجد والخوارج، وهم ~~في أربعة آلاف، فقال مسعود: ما أظنني إلا خارجا إلى البصرة معتذرا إليهم من ~~أمر عبيد الله. ثم قال: وكيف آمن عليه وهو منزلي، ولكني أبلغه مأمنه، ثم ~~أعتذر إليهم. قال: وكان مسعود قد أجار عنده ابن زياد أربعين ليلة. قال: # فأقبل مسعود يوما على برذون له، وحوله عدة من الأزد عليهم السيوف، وقد ~~عصب رأسه بسير أحمر، قال الهيثم: فقلت لابن عباس: لم عصب رأسه بسير أحمر؟ ~~قال: قد سألت عن PageV02P017 # ذلك قبلك. فقال شيخ من الأزد، كان ضخم الهامة، وكانت له ضفيرتان، فعصب ~~لذلك بالسير قال ابن عباس: فذكرت ذلك لعمرو بن هرم، وكان معنا بواسط. فقال: ~~حدثك من لا يعرف هذا شئ كانت العرب تصنعه إذا أراد الرجل الاعتذار من ~~الذنب، عصب السير ليعلموا أنه معتذر. قال: فأقبل مسعود حتى انتهى إلى باب ~~المسجد، ومعه أصحابه رجالة، بيت يديه وخلفه وكان كبيرا فلم يستطع النزول ~~والقبائل في المسجد بأجمعها، فدخل المسجد بدابته، فبصرت به الخوارج، فظنوا ~~أنه عبيد الله، فأقبلوا نحوه متقلدين السيوف، وجال الناس جولة، فضربوه ~~بأسيافهم حتى مات. قتله نفر من بني حنيفة من الخوارج، وجال الناس ونهضوا من ~~مجالسهم، وبلغ ذلك الأزد، فأقبلوا على كل صعب وذلول، وأقبل عباد بن الحصين ~~لينظر إلى عبيد الله فإذا هو بمسعود. فقال: ms231 مسعود ورب الكعبة، إنا لله وإنا ~~إليه راجعون، أبا قيس قد وفيت، ما كان أغنى أهل مصرك بما صنعت من ذلك، ~~فجعتهم بنفسك. ثم ألقي عليه كساءه، ثم أقبلت الأزد، فكان بينهما وبين مضر ~~ما وقع ذكره في غير هذا الكتاب حتى اصطلحوا، وتراضوا على بيعة ابن الزبير. ~~قال الهيثم: قال ابن عباس: حدثني عوكل اليشكري قال: إنا مع عبيد الله بن ~~زياد في ليلة مظلمة، فإذا نحن بنار من بعد. فقال عبيد الله: يا عوكل كيف ~~الطريق؟ قال: # اجعل النار على حاجبك، فقال: بل على حاجبك. قال عوكل: فوالله إنا لنسير ~~بالسمارة، إذ قال عبيد الله: قد كرهت البعير، فابغوا لي ذا حاقر. قال: فإذا ~~نحن بأعرابي من كلب معه حمار أقمر ضخم. فقلت: تبيعه بكم؟ فقال: بأربع مئة ~~درهم، لا أنقصكم درهما، فأشار إلينا عبيد الله أن خذوه. قال: فجعلنا ننقده ~~الدراهم. قال: لست أدري ما هذه؟ ولكن بيني وبينكم هذا المولى، يعني عبيد ~~الله بن زياد، وكان عبيد الله أحمر أقمر، شبيها بالموالي. قال: فأخذناه منه ~~فقال عبد الله: إرحلوا لي عليه، فرحلنا له عليه، فلما قدم ليركب، قال ~~الأعرابي: أنا أقسم بالله إن لكم لشأنا، وما أظن صاحبكم إلا والي العراق، ~~فاستقفاه عبيد الله بالعصا، فضربه بها، فوقع، ثم شدوه وثاقا. قال: وجعلوا ~~يتجنبون المياه. قال عوكل: ثم إن عبيد الله بيننا هو على راحلته، إذ هجعت ~~عينه. فقلت له: أراك نائما. فقال: ما كنت بنائم. فقلت له: # ما أعلمني بما كنت تحدث به نفسك قال: وبأي شئ كنت أحدث نفسي؟ قال: قلت: ~~ليتني لم ابن البيضاء (1)، ولم أستعمل الدهاقين (2)، وليتني لم أتخذ ~~المحاربة، قال: ما خطر لي هذا على بال، أما قولك: ليتني لم ابن البيضاء، ~~فما كان على منها إثم، بناها اليزيد من ماله، وأما استعمال # PageV02P018 # الدهاقين، فقد استعملهم أبي ومن كان قبله، وأما المحاربة: فوالله ما ~~اتخذتهم إلا وقاية، لأني كنت أقتل بهم أهل المعصية، فلو أمرت عشائرهم بهم ~~لم يقتلوهم ولشق ذلك ms232 عليهم، فجعلت ذلك بيني وبينهم، من لا آل بينه وبينهم، ~~ولكني كنت أحدث نفسي أني ندمت على تركي أربعة آلاف في السجن من الخوارج، ~~فوددت أني كنت أضرمت البيضاء عليهم، حتى آتى على آخرهم ووددت أني جمعت آل ~~بيتي وموالي، ونابذت أهل المصر على سواء، حتى يموت الأعجل، ووددت أني قدمت ~~الشام ولم يبايع أهلها بعد. # قتل المختار عمرو بن سعد قال: وذكروا أن المختار بن أبي عبيد كتب إلى عبد ~~الله بن الزبير من الكوفة، وقال لرسوله: إذا جئت مكة فدفعت كتابي إلى عبد ~~الله بن الزبير، فأت المهدي محمد بن علي، وهو ابن الحنفية، فاقرأ عليه مني ~~السلام، وقل له: يقول لك أخوك أبو إسحاق: إني أحبك، وأحب أهل بيتك، قال: ~~فأتاه الرسول فقال له ذلك. قال: كذبت، وكذب أبو إسحاق معك، كيف يحبني ويحب ~~أهل بيتي، وهو يجلس عمرو بن سعد بن أبي وقاص على وسائده، وقد قتل الحسين بن ~~علي أخي. قال: فلما قدم عليه رسوله أخبره بما قال محمد بن علي. فقال ~~المختار لأبي عمرو صاحب حرسه: استأجر لي نوائح يبكين الحسين على باب عمرو ~~بن سعد بن أبي وقاص. قال: ففعل، فلما جئن يبكين الحسين، قال عمرو لابنه ~~حفص: يا بني ائت الأمير، فقل له: ما شأن النوائح يبكين الحسين على بابي؟ ~~قال: فأتاه فقال له ذلك، فقال له: # إنه أهل أن يبكي عليه، فقال: أصلحك الله، انههن عن ذلك. قال: نعم. ثم دعا ~~أبا عمرو، فقال: اذهب إلى عمرو بن سعد فأتني برأسه، قال: فأتاه، فقال: قم ~~إلي أبا حفص، فقام إليه وهو ملتحف، فجلله بالسيف، ثم جاء برأسه إلى ~~المختار، وحفص جالس عنده على الكرسي، فقال: هل تعرف هذا الرأس؟ قال: نعم، ~~رحمة الله عليه، قال: أتحب أن ألحقك به؟ قال: وما خير الحياة بعده. قال: ~~فضرب رأسه فقتله. قال: ثم أرسل عبد الله بن الزبير يزيد بن زياد على ~~العراق، فكان بالكوفة حتى مات يزيد، وأحرقت الكعبة، ورجع الحسين هاربا إلى ms233 ~~الشام. قال: ثم أرسل عبد الله بن مطيع إلى الكوفة، ثم بعث المختار بن أبي ~~عبيد على الكوفة، وعزل عبد الله بن مطيع، وسيره إلى المدينة، وسار عبيد ~~الله بن زياد بعد ذلك إلى المختار، وجهه عبد الملك بن مروان أميرا على ~~العراق، وندب معه جيشا عظيما من أهل الشام، فأقبل إلى الكوفة يريد المختار، ~~فالتقوا بجازر، فاقتتلوا، فقتل المختار عبيد الله بن زياد ومن معه، وكان ~~معه الحصين بن نمير، وذو الكلاع، وغلبة من كان معه ممن شهد وقعة الحرة من ~~رؤوسهم. PageV02P019 # قتل مصعب بن الزبير المختار بن أبي عبيد الله قال: وذكروا أن أبا معشر، ~~قال: لما قتل عبيد الله بن زياد ومن معه، ارتضى أهل البصرة عبد الله بن ~~الحارث بن نوفل، فأمروه على أنفسهم، ثم أتى عبد الله بن الزبير، وأم عبد ~~الله بن الحارث هند بنت أبي سفيان، وكانت أمه تنبزه وهو صغير بببه، فلقب ~~بببه، ثم بعث عبد الله ابن الزبير الحارث بن عبيد الله بن أبي ربيعة عاملا ~~على البصرة، ثم بعث حمزة بن الزبير بعده، ثم بعث مصعب بن الزبير أخاه، وضم ~~إليه العراقين جميعا الكوفة والبصرة، فلما ضم إليه الكوفة، وعزل المختار ~~عنها خلع المختار عبد الله بن الزبير بالكوفة، ودعا إلى آل الرسول، وأراد ~~أن يعقد البيعة لمحمد بن الحنفية، ويخلع عبد الله بن الزبير. فكتب عبد الله ~~إلى أخيه مصعب، أن سر إلى المختار بمن معك، ثم لا تبلعه ريقه، ولا تمهله ~~حتى يموت الأعجل منكما، فأتاه مصعب بمن معه فقاتله ثلاثة أيام حتى هزمه ~~وقتله، وبعث مصعب برأس المختار إلى أخيه. # وقتل مصعب أصحاب المختار، قتل منهم ثمانية آلاف صبرا، ثم قدم حاجا في سنة ~~إحدى وسبعين، فقدم على أخيه عبد الله بن الزبير، ومعه رؤساء أهل العراق ~~ووجوههم وأشرافهم. فقال: # يا أمير المؤمنين: قد جئتك برؤوساء أهل العراق وأشرافهم، كل مطاع في ~~قومه، وهم الذين سارعوا إلى بيعتك، وقاموا بإحياء دعوتك، ونابذوا أهل ~~معصيتك، وسعوا في قطع ms234 عدوك، فأعطهم من هذا المال، فقال له عبد الله بن ~~الزبير جئتني بعبيد أهل العراق وتأمرني أن أعطيهم مال الله! لا أفعل، وأيم ~~الله لوددت أني أصرفهم كما تصرف الدنانير بالدراهم: عشرة من هؤلاء برجل من ~~أهل الشام. قال: فقال رجل منهم: علقناك (1) وعلقت أهل الشام، ثم انصرفوا ~~عنه وقد يئسوا مما عنده، لا يرجون رفده، ولا يطمعون فيما عنده، فاجتمعوا ~~وأجمعوا رأيهم على خلعه، فكتبوا إلى عبد الملك بن مروان أن أقبل إلينا. # خلع ابن الزبير قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما أجمع القوم على خلع ابن ~~الزبير، وكتبوا إلى عبد الملك بن مروان، أن سر إلينا، فلما أراد عبد الملك ~~أن يسير إليهم، وخرج من دمشق، فأغلق عمرو بن سعيد باب دمشق، فقيل لعبد ~~الملك ما تصنع؟ أتذهب إلى أهل العراق، وتدع دمشق؟ أهل الشام أشد عليك من ~~أهل العراق. فأقام مكانه، فحاصر أهل دمشق أشهرا، # PageV02P020 # حتى صالح عمرو بن سعيد، على أنه الخليفة بعده، ففتح دمشق، ثم أرسل عبد ~~الملك إلى عمرو، وكان بيت المال في يد عمرو، أن أخرج للحرس أرزاقهم. فقال ~~عمرو: إن كان لك حرس فإن لنا حرسا، فقال عبد الملك: أخرج لحرسك أرزاقهم ~~أيضا. # قتل عبد الملك عمرو بن سعيد قال: وذكروا أن أبا معشر قال: لما اصطلح عبد ~~الملك وعمرو بن سعيد على أنه الخليفة بعده أرسل عبد الملك إلى عمرو بن سعيد ~~نصف النهار أن ائتني أبا أمية. قال فخرج ليأتيه، فقالت له امرأته لا تذهب ~~إليه فإني أتخوفه عليك، وإني لأجد ريح دم مسفوح. قال: فما زالت به حتى ~~ضربها بقائم سيفه، فشجها، فتركته، فأخرج معه أربعة آلاف رجل من أهل دولته، ~~لا يقدر على مثلهم، متسلحين، فأحدقوا بخضراء دمشق، وفيها عبد الملك بن ~~مروان. فقالوا لعمرو: إذا دخلت على عبد الملك يا أبا أمية ورابك منه شئ ~~فأسمعنا صوتك، فقال لهم: إن خفي عليكم صوتي ولم تسمعوه، فالزوال بيني ~~وبينكم ميعاد، إن زالت الشمس ولم أخرج إليكم، فاعلموا ms235 أني مقتول أو مغلوب، ~~فضعوا أسيافكم ورماحكم حيث شئتم، ولا تغمدوا سيفا حتى تأخذوا بثأري من ~~عدوي. قال: فدخل، وجعلوا يصيحون: يا أبا أمية، أسمعنا صوتك. وكان معه غلام ~~أسحم شجاع. فقال له: اذهب إلى الناس فقل لهم: ليس عليه بأس، ليسمع عبد ~~الملك أن وراءه ناسا، فقال له عبد الملك: أتمكر يا أبا أمية عند الموت! ~~خذوه، فأخذوه، فقال له: إن أمير المؤمنين قد أقسم ليجعلن في عنقك جامعة ~~منه، ثم نتر إلى الأرض نترة، فكسرت ثنيته. قال: فجعل عبد الملك ينظر إليه. ~~فقال عمرو: لا عليك يا أمير المؤمنين، عظم انكسر. فقال عبد الملك لأخيه عبد ~~العزيز: اقتله حتى أرجع إليك. قال: # فلما أراد عبد العزيز أن يضرب عنقه، قال له عمرو: تمسك بالرحم يا عبد ~~العزيز أنت تقتلني من بينهم فتركه، فجاء عبد الملك فرآه جالسا، فقال له: لم ~~لا تقتله؟ لعنه الله ولعن أما ولدته! # قال: فإنه قال: تمسك بالرحم فتركته. قال: فأمر رجلا عنده يقال له ابن ~~الزويرع، فضرب عنقه، ثم أدرجه في بساط، ثم أدخله تحت السرير. قال: فدخل ~~عليه قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان أحد الفقهاء، وكان رضيع عبد الملك بن ~~مروان، وصاحب خاتمه ومشورته، فقال له عبد الملك: # كيف رأيك في عمرو بن سعيد؟ فأبصر قبيصة رجل عمرو تحت السرير، فقال: اضرب ~~عنقه يا أمير المؤمنين. فقال له عبد الملك: جزاك الله خيرا، فما علمتك إلا ~~ناصحا أمينا موافقا، قال له: فما ترى في هؤلاء الذين أحدقوا بنا، وأحاطوا ~~بقصرنا؟ قال قبيصة: اطرح رأسه إليهم يا أمير المؤمنين، ثم اطرح عليهم ~~الدنانير والدراهم يتشاغلون بها. قال: فأمر عبد الملك PageV02P021 # برأس عمرو أن يطرح إليهم من أعلى القصر، فطرح إليهم، وطرحت الدنانير، ~~ونثرت الدراهم، ثم هتف عليهم الهاتف ينادي: إن أمير المؤمنين قد قتل ~~صاحبكم، بما كان من القضاء السابق، والأمر النافذ، ولكم على أمير المؤمنين ~~عهد الله وميثاقه، أن يحمل راجلكم، ويكسو عاريكم، ويغني فقيركم، ويبلغكم ~~إلى أكمل ما يكون من العطاء ms236 والرزق، ويبلغكم إلى المئتين في الديوان، ~~فاعترضوا على ديوانكم، واقبلوا أمره، واسكنوا إلى عهده، يسلم لكم دينكم ~~ودنياكم. قال. فصاحوا نعم نعم نعم، سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. قال: فلما ~~تمت البيعة لعبد الملك بن مروان بالشام، أراد أن يخرج إلى مصعب، فجعل يستفز ~~أهل الشام، فيبطئون عليه. فقال له الحجاج بن يوسف، وكان يومئذ في حرس أبان ~~بن مروان: يا أمير المؤمنين، سلطني عليهم، فأعطاه ذلك فقال له عبد الملك: ~~اذهب قد سلطتك عليهم. قال: فكان لا يمر على بيت رجل من أهل الشام تخلف إلا ~~أحرق عليه بيته، فلما رأى ذلك أهل الشام خرجوا، قال: فأصابهم من ذلك غلاء ~~في الأسعار، وشدة من الحال، وصعوبة من الزمان، قال: # وكانوا يصنعون لعبد الملك بن مروان الأرز. فسار بأهل الشام إلى العراق ~~ومعه الحجاج بن يوسف. # مسير عبد الملك إلى العراق قال: وذكروا أن عبد الملك لما سار بأهل الشام ~~ومعه الحجاج بن يوسف إلى العراق، خرج مصعب بن الزبير بأهل البصرة والكوفة، ~~فالتقيا بين الشام والعراق، وكان عبد الملك ومصعب قبل ذلك متصافيين، ~~وصديقين متحابين، لا يعلم بين اثنين من الناس ما بينهما من الإخاء ~~والصداقة، فبعث إليه عبد الملك أن ادن مني أكلمك. قال: فدنا كل واحد من ~~صاحبه، وتنحى الناس عنهما، فسلم عبد الملك عليه، وقال له: يا مصعب، قد علمت ~~ما أجرى الله بيني وبينك منذ ثلاثين سنة، وما اعتقدته من إخائي وصحبتي، ~~والله أنا خير لك من عبد الله، وأنفع منه لدينك ودنياك، فثق بذلك مني، ~~وانصرف إلى وجوه هؤلاء القوم، وخذ لي بيعة هذين المصرين، والأمر أمرك، لا ~~تعصى ولا تخالف، وإن شئت اتخذتك صاحبا لا تخفى، ووزيرا لا تعصى. فقال له ~~مصعب: أما ما ذكرت في من ثقتي بك، ومودتي وإخائي، فذلك كما ذكرته ولكنه بعد ~~قتلك عمرو بن سعيد لا يطمأن إليك، وهو أقرب رحما مني إليك، وأولى بما عندك، ~~فقتلته غدرا، ووالله لو قتلته في ضرب ومحاربة لمسك عاره، ولما سلمت من ms237 ~~إثمه. وأما ما ذكرت من أنك خير لي من أخي، فدع عنك أبا بكر، وإياك وإياه، ~~لا تتعرض له واتركه ما تركك، واربح عاجل عافيته وارج الله في السلامة من ~~عاقبته فقال له عبد الملك: PageV02P022 # لا تخوفني به، فوالله إني لأعلم منه مثل ما تعلم، إن فيه لثلاث خصال لا ~~يسود بها أبدا: عجب قد ملأه، واستغناء برأيه: وبخل التزمه، فلا يسود بها ~~أبدا. # قتل مصعب بن الزبير قال: وذكروا أن عبد الملك لما أيس من مصعب، كتب إلى ~~أناس من رؤساء أهل العراق يدعوهم إلى نفسه، ويجعل لهم أموالا عامة، وشروطا ~~وعهودا، ومواثيق وعقودا، وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر يجعل له وحده مثل جميع ~~ما جعل لأصحابه، على أن يخلعوا عبد الله بن الزبير إذا التقوا. فقال ~~إبراهيم بن الأشتر لمصعب: إن عبد الملك قد كتب إلي هذا الكتاب، وكتب ~~لأصحابي كلهم فلان وفلان بذلك، فادع بهم في هذه الساعة، فاضرب أعناقهم ~~واضرب عنقي معهم. فقال مصعب ما كنت لأفعل ذلك حتى يستبين لي ذلك من أمرهم. ~~قال إبراهيم: # فأخرى، قال: وما هي؟ قال: احبسهم في السجن حتى يتبين ذلك، فأبى، فقال له ~~إبراهيم ابن الأشتر: عليك السلام ورحمة الله وبركاته، ولا تراني والله بعد ~~في مجلسك هذا أبدا. وقد كان قال له قبل ذلك: دعني أدعو أهل الكوفة بدعوة لا ~~يخلعونها أبد، وهي ما شرطه الله. # فقال له مصعب: لا والله لا أفعل، لا أكون قتلتهم بالأمس، وأستنصر بهم ~~اليوم، قال: فما هو إلا أن التقوا فحولوا رؤوسهم ومالوا إلى عبد الملك بن ~~مروان. قال فبقي مصعب في شرذمة قليلة. قال فجاءه عبيد الله بن ظبيان، فقال: ~~أين الناس أيها الأمير؟ فقال: غدرتم يا أهل العراق. قال: فرفع عبيد الله ~~سيفه ليضربه، فبدره مصعب بالسيف على البيضة، فنشب فيها، فجعل يقلب السيف ~~ولا ينتزع من البيضة. قال: فجاء غلام لعبيد الله بن ظبيان، فضرب مصعبا ~~بالسيف فقتله، ثم جاء عبيد الله برأسه إلى عبد الملك، يدعي أنه قتله، ms238 فطرح ~~رأسه وقال: # نطيع ملوك الأرض ما أقسطوا لنا * وليس علينا قتلهم بمحرم قال: فوقع عبد ~~الملك ساجدا، فتحامل عبيد الله على ركابه ليضرب عبد الملك بالسيف. # فرفع عبد الملك رأسه وقال: والله يا عبيد الله لولا منتك لألحقتك سريعا ~~به. قال: فبايعه الناس، ودخل الكوفة فبايعه أهلها. # ذكر حرب ابن الزبير وقتله قال: وذكروا أنه لما تمت البيعة لعبد الملك بن ~~مروان من أهل العراق، وأتاه الحجاج ابن يوسف فقال: يا أمير المؤمنين، إني ~~رأيت في المنام كأني أسلخ عبد الله بن الزبير، فقال PageV02P023 # له عبد الملك: أنت له فاخرج إليه، فخرج إليه الحجاج في ألف وخمس مئة رجل ~~من رجال أهل الشام حتى نزل الطائف، وجعل عبد الملك يرسل إليه الجيوش رسلا، ~~حتى توافي الناس عنده قدر ما يظن أنه يقدر على قتال عبد الله بن الزبير، ~~وكان ذلك في ذي القعدة سنة اثنتين وسبعين فسار الحجاج من الطائف، حتى نزل ~~منى، فحج بالناس وعبد الله بن الزبير محصور بمكة، ثم نصب الحجاج المنجنيق ~~على أبي قبيس، ونواحي مكة كلها، فرمى أهل مكة بالحجارة، فلما كانت الليلة ~~التي قتل في صبيحتها، جمع عبد الله بن الزبير القرشيين، فقال لهم: ما ترون؟ ~~فقال رجل منهم من بني مخزوم: والله لقد قاتلنا معك حتى ما نجد مقاتلا، لئن ~~صبرنا معك ما نزيد على أن نموت معك، وإنما هي إحدى خصلتين: إما أن تأذن لنا ~~فنأخذ الأمان لأنفسنا ولك، وإما أن تأذن لنا فنخرج. فقال عبد الله قد كنت ~~عاهدت الله أن لا يبايعني أحد، فأقيله بيعته إلا ابن صفوان. قال ابن صفوان: ~~والله إنا لنقاتل معك، وما وفيت لنا بما قلت، ولكن خذني لحفيظة أن لا أدعك ~~عند مثل هذه حتى أموت معك. فقال رجل آخر: اكتب إلى عبد الملك. فقال له عبد ~~الله: وكيف؟ أأكتب إليه: من عبد الله أبي بكر أمير المؤمنين، فوالله لا ~~يقيل هذا مني أبدا، أم أكتب إليه: لعبد الملك أمير المؤمنين من عبد الله ms239 بن ~~الزبير، فوالله لأن تقع الخضراء على الغبراء أحب إلي من ذلك. قال عروة أخوه ~~وهو جالس معه على السرير: # يا أمير المؤمنين، قد جعل الله لك أسوة. فقال عبد الله: من هو أسوتي؟ ~~قال: الحسن بن علي ابن أبي طالب، خلع نفسه وبايع معاوية. فرفع عبد الله ~~رجله وضرب عروة حتى ألقاه ثم قال: يا عروة، قلبي إذن مثل قلبك، والله لو ~~قبلت ما تقولون ما عشت إلا قليلا، وقد أخذت الدنية، وما ضربة بسيف إلا مثل ~~ضربة بسوط، لا أقبل شيئا مما تقولون. قال: فلما أصبح دخل على بعض نسائه ~~فقال: اصنعي لي طعاما، فصنعت له كبدا وسناما. قال: فأخذ منها لقمة فلاكها ~~ساعة، فلم يسغها فرماها، وقال: اسقوني لبنا، فأتى بلبن فشرب، ثم قال هيئوا ~~لي غسلا، قال: فاغتسل، ثم تحنط وتطيب، ثم تقلد سيفه وخرج وهو يقول: # ولا ألين لغير الحق أسأله * حتى يلين لضرس الماضغ الحجر ثم دخل على أمه ~~أسماء بنت أبي بكر الصديق، وهي عمياء من الكبر، قد بلغت من السن مئة سنة. ~~فقال لها: يا أماه، ما ترين؟ قد خذلني الناس وخذلني أهل بيتي. فقالت: يا ~~بني لا يلعبن بك صبيان بني أمية، عش كريما، ومت كريما. فخرج وأسند ظهره إلى ~~الكعبة، ومعه نفر يسير فجعل يقاتل بهم أهل الشام، فيهزمهم، وهو يقول: ويل ~~أمه فتحا لو كان له رجال! قال: فجعل الحجاج يناديه: قد كان لك رجال، ولكنك ~~ضيعتهم. قال: فجاءه حجر PageV02P024 # من حجارة المنجنيق وهو يمشي، فأصاب قفاه، فسقط، فما درى أهل الشام أنه هو ~~حتى سمعوا جارية تبكي وتقول: وا أمير المؤمنين، فاحتزوا رأسه، فجاءوا به ~~إلى الحجاج، وقتل معه عبد الله بن صفوان بن أمية، وعمارة بن عمرو بن حزم، ~~ثم بعث برؤوسهم إلى عبد الملك، وقتل لسبع عشرة ليلة مضين من جمادي الأولى، ~~سنة ثلاث وسبعين. # قال أبو معشر: ثم أقام الحجاج بالمدينة عاملا عليها وعلى مكة والطائف ~~ثلاث سنين، يسير بسيرته فيما يقولون. قال: فلما مات ms240 بشر بن مروان، وكان على ~~الكوفة والبصرة، كتب إليه عبد الملك: أن سر إلى العراقيين، واحتل لقتلهم، ~~فإنه قد بلغني عنهم ما أكره. واستعمل عبد الملك على المدينة يحيى بن حكيم ~~بن أبي العاص. # ولاية الحجاج على العراقيين قال: وذكروا أن عبد الملك لما كتب إلى الحجاج ~~يأمره بالمسير إلى العراقيين ويحتال لقتلهم، توجه ومعه ألفا رجل من مقاتلة ~~أهل الشام وحماتهم، وأربعة آلاف من أخلاط الناس وتقدم بألفي رجل، وتحرى ~~دخول البصرة يوم الجمعة في حين أوان الصلاة، فلما دنا من البصرة، أمرهم أن ~~يتفرقوا على أبواب المسجد، على كل باب مئة رجل بأسيافهم تحت أرديتهم وعهد ~~إليهم أن إذا سمعتم الجلبة في داخل المسجد، والواقعة فيهم، فلا يخرجن خارج ~~من باب المسجد حتى يسبقه رأسه إلى الأرض وكان المسجد له ثمانية عشر بابا، ~~يدخل منها إليه. # فافترق القوم عن الحجاج فبدروا إلى الأبواب، فجلسوا عندها مرتدين ينتظرون ~~الصلاة: # ودخل الحجاج وبين يديه مئة رجل، وخلفه مئة كل رجل منهم مرتد بردائه، ~~وسيفه قد أفضى به إلى داخل إزاره. فقال لهم: إني إذا دخلت فسأكلم القوم في ~~خطبتي، وسيحصبونني، فإذا رأيتموني قد وضعت عمامتي على ركبتي، فضعوا ~~أسيافكم، واستعينوا بالله، واصبروا إن الله مع الصابرين، فلما دخل المسجد، ~~وقد حانت الصلاة، صعد المنبر فحمد الله ثم قال: أيها الناس إن أمير ~~المؤمنين عبد الملك أمير استخلفه الله عز وجل في بلاده، وارتضاه إماما على ~~عباده، وقد ولاني مصركم، وقسمة فيئكم، وأمرني بإنصاف مظلومكم، وإمضاء الحكم ~~على ظالمكم، وصرف الثواب إلى المحسن البرئ، والعقاب إلى العاصي المسيئ، ~~وأنا متبع فيكم أمره، ومنفذ عليكم عهده، وأرجو بذلك من الله عز وجل ~~المجازاة، ومن خليفته المكافأة وأخبركم أنه قلدني بسيفين حين توليته إياي ~~عليكم: # سيف رحمة، وسيف عذاب ونقمة، فأما سيف الرحمة فسقط مني في الطريق، وأما ~~سيف PageV02P025 # النقمة فهو هذا. فحصبه الناس. فلما أكثروا عليه خلع عمامته، فوضعها على ~~ركبته، فجعلت السيوف تبري الرقاب، فلما سمع الخارجون الكائنون على الأبواب ~~وقيعة ms241 الداخلين، ورأوا تسارع الناس إلى الخروج، تلقوهم بالسيوف، فردعوا ~~الناس إلى جوف المسجد، ولم يتركوا خارجا يخرج، فقتل منهم بضعة وسبعين ألفا، ~~حتى سالت الدماء إلى باب المسجد، وإلى السكك. # قال أبو معشر: لما قدم الحجاج البصرة، صعد المنبر، وهو معتجر بعمامته ~~متقلد سيفه وقوسه. قال: فنعس على المنبر، وكان قد أحيا الليل، ثم تكلم ~~بكلام فحصبوه، فرفع رأسه ثم قال: إني أرى رءوسا قد أينعت وحان قطافها. ~~فهابوه وكفوا، ثم كلمهم فحصبوه وأكثروا، فأمر بهم جندا من أهل الشام، ~~وكانوا قد أحاطوا به من حوله ومن حول أبواب المسجد. قال: فلما فرغ منهم ~~وأحكم شأنه فيهم، بعث عبد الرحمن بن محمد ابن الأشعث إلى سجستان، عاملا ~~ومعه جيش. فكتب إليه الحجاج أن يقاتل حصن كذا وكذا، فكتب إلى الحجاج: إني ~~لا أرى ذلك صوابا، إن الشاهد يرى ما لا يرى الغائب. فكتب إليه الحجاج: أنا ~~الشاهد، وأنت الغائب، فانظر ما كتبت به إليك، فامض له، والسلام. # خروج ابن الأشعث على الحجاج قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث ~~لما خرج على الحجاج جمع أصحابه، وفيهم عبد الرحمن بن ربيعة بن الحارث بن ~~نوفل، وبنو عون بن عبد الله، وعمر بن موسى ابن معمر بن عثمان بن عمرة، ~~وفيهم محمد بن سعد بن أبي وقاص. فقال لهم: ما ترون؟ # فقالوا: نحن معك، فاخلع عدو الله وعدو رسوله، فإن خلعه من أفضل أعمال ~~البر، فخلعه وأظهر خلعه. فلما أظهر ذلك قدم عليهم سعيد بن جبير، فقالوا له: ~~إنا قد حبسنا أنفسنا عليك، فما الرأي؟ قال: الرأي أن تكفوا عما تريدون، فإن ~~الخلع فيه الفتنة، والفتنة فيها سفك الدماء، واستباحة الحرم، وذهاب الدين ~~والدنيا. فقالوا. إنه الحجاج وقد فعل ما فعل، فذكروا أشياء، ولم يزالوا به ~~حتى سار معهم وهو كاره. قال. # وانتهى الخبر إلى الحجاج، فقيل له: إن عبد الرحمن قد خلعك ومن معه فقال: ~~إن معه سعيد بن جبير، وأنا أعلم أن سعيدا لا يخرج، وإن أرادوا ذلك ms242 فسيكفهم ~~عنه. فقيل له: # إنه رام ذلك، ثم لم يزالوا به حتى فتنوه، وسار معهم. فبعث الحجاج الغضبان ~~الشيباني ليأتيه بخبر عبد الرحمن بن الأشعث من كرمان، وتقدم إليه أن لا ~~يكتمه من أمره شيثا، PageV02P026 # فتوجه الغضبان إلى عبد الرحمن. فقال له عبد الرحمن: ما وراءك يا غضبان؟ ~~قال: # شر طويل، تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك. ثم انصرف من عنده، فنزل رملة ~~كرمان، وهي أرض شديدة الحر، فضرب بها قبة وجلس فيها، فبينا هو كذلك إذ ورد ~~أعرابي من بكر بن وائل على قعود، فوقف عليه وقال: السلام عليك. فقال له ~~الغضبان: # السلام كثير، وهي كلمة مقولة. قال الأعرابي: من أين أقبلت؟ قال: من الأرض ~~الذلول. قال: وأين تريد؟ قال: أمشي في مناكبها، وآكل من رزق الله الذي أخرج ~~لعباده منها. قال الأعرابي: فمن غلب اليوم؟ قال الغضبان. المتقون. قال: فمن ~~سبق؟ قال: حزب الله الفائزون. قال الأعرابي: ومن حزب الله؟ قال: هم ~~الغالبون. # فعجب الأعرابي من منطقه، وحضور جوابه. ثم قال: أتقرض (1)؟ قال الغضبان: ~~إنما تقرض الفأرة. قال: أفتنشد (2)؟ قال: إنما تنشد الضالة. قال: أفتسجع ~~(3)؟ قال: إنما تسجع الحمامة. قال: أفتنطق (4)؟ قال: إنما ينطق كتاب الله. ~~قال: أفتقول (5)؟ قال: # إنما يقول الأمير. قال الأعرابي: تالله ما رأيت مثلك قط. قال الغضبان: بل ~~رأيت ولكنك نسيت، قال الأعرابي: فكيف أقول؟ قال: أخذتك الغول، في العاقلون ~~(6)، وأنت قائم تبول. قال الأعرابي: أتأذن لي أن أدخل عليك؟ قال الغضبان: ~~وراؤك أوسع لك، قال الأعرابي: قد أحرقتني الشمس: قال الغضبان: الآن يفئ ~~عليك الفئ (7) إذا غربت. قال الأعرابي: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي. قال ~~الغضبان: بل عليها تبرد. قال الأعرابي: # إن الوهج شديد. قال الغضبان: ما لي عليه سلطان. قال الأعرابي: إني والله ~~ما أريد طعامك ولا شرابك. قال الغضبان: لا تعرض بهما، فوالله لا تذوقهما. ~~قال الأعرابي: وما عليك لو ذقتهما؟ قال الغضبان: نأكل ونشبع. فإن فضل شئ من ~~الأكرياء (8) والغلمان، فالكلب أحق به منك. قال الأعرابي: سبحان الله! قال ~~الغضبان: ms243 نعم، من قبل أن # PageV02P027 # يطلع رأسك وأضراسك إلى الدنيا، قال الأعرابي: ما عندك إلا ما أرى؟ قال ~~الغضبان: # بل عندي هراوتان أضرب بهما رأسك حتى يثتثر دماغك. قال الأعرابي: إنا لله ~~وإنا إليه راجعون. قال الغضبان: أظلمك أحد؟ قال الأعرابي: ما أرى. ثم قال ~~الأعرابي: # يا آل حارث بن كعب، فقال الغضبان: بئس الشيخ ذكرت. قال الأعرابي: ولم ~~ذلك؟ # قال الغضبان: لأن إبليس يسمى حارثا. قال الأعرابي: إني لأحسبك مجنونا. ~~قال الغضبان: # اللهم اجعلني من خيار الجن. قال الأعرابي: إني لأظنك حروريا (1). قال ~~الغضبان: # اللهم اجعلني ممن يتحرى الخير. قال الأعرابي: إني لأراك منكرا. قال ~~الغضبان. إني لمعروف فيما أوتي. فولى عنه وهو يقول: إنك لبذخ أحمق، وما ~~أنطق الله لسانك إلا بما أنت لاق وعما قليل تلتف ساقك بالساق. فلما قدم ~~الغضبان على الحجاج قال له: أنت شاعر؟ # قال: لست بشاعر، ولكني خابر. قال: أفعراف أنت؟ قال: بل وصاف. قال: كيف ~~وجدت أرض كرمان؟ قال الغضبان: أرض ماؤها وشل (2)، وسهلها جبل، وثمرها دقل ~~(3)، ولصها بطل، إن كثر الجيش بها جاعوا، وإن قل بها ضاعوا. قال: صدقت، ~~أعلمت من كان الأعرابي؟ قال: لا، قال: كان ملكا خاصمك، فلم تفقه عنه لبذخك، ~~اذهبوا به إلى السجن فإنه صاحب المقالة: تغد بالحجاج قبل أن يتعشى بك. وأنت ~~يا غضبان قد أنذرك خصمك على نطق لسانك، فما الذي به دهاك؟ قال الغضبان: ~~جعلني الله فداك أيها الأمير، أما إنها لا تنفع من قيلت له، ولا تضر من ~~قيلت فيه. فقال الحجاج: أجل ولكن أتراك تنجو مني بهذا؟ والله لأقطعن يديك ~~ورجليك، ولأضربن بلسانك عينيك. قال الغضبان: # أصلح الله الأمير، قد آذاني الحديد وأهون ساقي القيود، فما يخاف من عدلك ~~البرئ، ولا يقطع من رجائك المسئ. قال الحجاج: إنك لسمين. قال الغضبان: ~~القيد والرتعة (4)، ومن يك ضيف الأمير يسمن. قال: إنا حاملوك على الأدهم ~~(5) قال الغضبان: مثل # PageV02P028 # الأمير أصلحه الله يحمل على الأدهم (1) والأشقر. قال الحجاج: إنه لحديد. # قال الغضبان: لأن يكون حديدا (2) خير ms244 من أن يكون بليدا. قال الحجاج: # اذهبوا به إلى السجن، قال الغضبان: (فلا يستطيعون توصية ولا إلى أهلهم ~~يرجعون). # فاستمر في السجن إلى أن بنى الحجاج خضراء واسط، فقال لجلسائه: كيف ترون ~~هذه القبة؟ قالوا: ما رأينا مثلها قط. قال الحجاج: أما إن لها عيبا فما هو؟ ~~قالوا: ما نرى بها عيبا. قال: سأبعث إلى من يخبرني به، فبعث، فأقبل ~~بالغضبان وهو يرسف في قيوده، فلما مثل بين يديه. قال له يا غضبان: كيف قبتي ~~هذه؟ قال: أصلح الله الأمير نعمت القبة! حسنة مستوية! قال: أخبرني بعيبها؟ ~~قال: بنيتها في غير بلدك، لا يسكنها ولدك، ومع ذلك فإنه لا يبقى بناؤها، ~~ولا يدوم عمرانها، وما لا يبقى ولا يدوم، فكأنه لم يكن. قال الحجاج: # صدق، ردوه إلى السجن. فقال الغضبان: أصلح الله الأمير، قد أكلني الحديد، ~~وأوهن ساقي القيود، وما أطيق المشي. قال: احملوه. فلما حمل على الأيدي قال: ~~(سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين) قال: أنزلوه، فلما أنزلوه. ~~قال: (رب أنزلني منزلا مباركا وأنت خير المنزلين). # قال الحجاج: جروه. قال الغضبان وهو يجر: (بسم الله مجراها ومرساها إن ربي ~~لغفور رحيم). قال الحجاج: اضربوا به الأرض، فقال: (منها خلقناكم وفيها ~~نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى) فضحك الحجاج حتى استلقى على قفاه ثم قال: ~~ويحكم، قد غلبني والله هذا الخبيث، أطلقوه إلى صفحي عنه. قال الغضبان: ~~(فاصفح عنهم وقل سلام). فنجا من شره بإذن الله، وكانت براءته فيما انطلق ~~على لسانه. # حرب الحجاج مع ابن الأشعث وقتله قال: وذكروا أن الحجاج لما قدم العراق ~~أميرا، زوج ابنه محمدا ميمونة بنت محمد بن الأشعث ابن قيس الكندي، رغبة في ~~شرفها، مع ما كانت عليه من جمالها، وفضلها في جميع حالاتها، وأراد من ذلك، ~~استمالة جميع أهلها وقومها إلى مصافاته، ليكونوا له يدا على من ناوأه، وكان ~~لها أخ يقال له عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث الكندي، له أبهة في نفسه. ~~وكان جميلا بهيا منطقيا، مع ما كان ms245 له من التقدم والشرف، فازدهاه ذلك وملأه ~~كبرا وفخرا وتطاولا، فألزمه بنفسه، وألحقه بأفاضل أصحابه وخاصته وأهل سره، ~~وأجرى عليه العطايا الواسعة، # PageV02P029 # صلة لصهره، وحبا لإتمام الصنيعة إليه، وإلى جميع أهله. فأقام عبد الرحمن ~~كذلك حينا مع الحجاج، لا يزيده الحجاج إلا إكراما، ولا يظهر له إلا قبولا، ~~وفي نفس الحجاج من عجبه ما فيها، لتشمخه زاهيا بأنفه حتى إنه كان ليقول إذا ~~رآه مقبلا: أما والله يا عبد الرحمن، إنك لتقبل علي بوجه فاجر، وتدبر عني ~~بقفاء غادر، وأيم الله لتبتلين حقيقة أمرك على ذلك. # فمكث بهذا القول منه دهرا، حتى إذا عيل صبر الحجاج على ما يتطلع من عبد ~~الرحمن، أراد أن يبتلي حقيقة ما يتفرس فيه من الغدر والفجور، وأن يبدي منه ~~ما يكتم من غائلته، فكتب إليه عهده على سجستان. فلما بلغ ذلك أهل بيت عبد ~~الرحمن، فزعوا من ذلك فزعا شديد، فأتوا الحجاج، فقالوا له: أصلح الله ~~الأمير، إنا أعلم به منك، فإنك به غير عالم، ولقد أدبته بكل أدب، فأبى أن ~~ينتهي عن عجبه بنفسه، ونحن نتخوف أن يفتق فتقا، أو يحدث حدثا، يصيبنا فيه ~~منك ما يسوؤنا. فقال الحجاج: القول كما قلتم، والرأي كالذي رأيتم، ولقد ~~استعملته على بصيرة، فإن يستقم فلنفسه نظر، وإن يفترج سبيله عن بصائر الحق ~~يهد إليها إن شاء الله. # فلما توجه عبد الرحمن إلى عمله، توجه وهو مصر لخلعان طاعة الحجاج، وسار ~~بذلك مسيره أجمع حتى نزل مدينة سجستان، ثم مر على خلعانه عام كامل، فلما ~~أجمع عبد الرحمن على إظهار خلعان الحجاج، كتب إلى أيوب بن القرية التميمي، ~~وهو مع الحجاج في عسكره، خاص المنزلة منه، وكان مفوها كليما يسأله أن يصدر ~~إليه رسالة الحجاج، يخلع فيها طاعة الحجاج، فكتب له ابن القرية رسالة فيها: ~~بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، إلى الحجاج ابن ~~يوسف: سلام على أهل طاعة الله، أوليائه الذين يحكمون بعدله، ويوفون بعهده، ~~ويجاهدون في سبيله، ويتورعون لذكره، ولا ms246 يسفكون دما حراما، ولا يعطلون للرب ~~أحكاما، ولا يدرسون له أعلاما، ولا يتنكبون النهج، ولا يبرمون السي، ولا ~~يسارعون في الغي، ولا يدللون الفجرة، ولا يترضون الجورة، بل يتمكنون عند ~~الاشتباه، ويتراجعون عند الإساءة. أما بعد: فإني أحمد إليك الله حمدا بالغا ~~في رضاه، منتهيا إلى الحق في الأمور الحقيقية لله علينا. وبعد: فإن الله ~~أنهضني لمصاولتك، وبعثني لمناضلتك، حين تحيرت أمورك، وتهتكت ستورك، فأصبحت ~~عريان حيران، مبهتا (1) لا توافق وفقا، ولا ترافق رفقا. ولا تلازم صدقا، ~~أؤمل من الله الذي ألهمني ذلك، أن يصيرك في حبالك، أو أن يجئ بك في القرن ~~(2)، ويسحبك للذقن (3) وينصف منك من لم تنصفه من نفسك، # PageV02P030 # ويكون هلاكك بيدي من اتهمته وعاديته. فلعمري لقد طال ما تطاولت، وتمكنت ~~وأخطيت، وخلت أن لن تبور، وأنت في فلك الملك تدور، وأظن مصداق ما أقول ~~ستخبره عن قريب فسر لأمرك، ولاق عصابة خلعتك من حبالها خلعها نعالها. ~~وتدرعت جلالها (1)، تجرعها مطالها، لا يحذرون منك جهدا، ولا يرهبون منك ~~وعيدا، يتأملون خزايتك، ويتجرعون إمارتك، عطاشا إلى دمك، يستطعمون الله ~~لحمك، وأيم الله لينافقنك منهم الأبطال، الذين بيتهم فيما يحاولونك به على ~~طاعة الله، شروا (2) أنفسهم تقربا إلى الله، فأغض عن ذلك يا بن أم الحجاج. ~~فسنحمل عليك إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله، والسلام على أهل طاعة ~~الله. # فلما قدم الكتاب على الحجاج، خرج موائلا قد أخذ بطرف ردائه، وألقى الطرف ~~الآخر يجره من خلفه حتى صعد المنبر ونودي: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس ثم ~~قال: # نقاتلهم ولم نشتم عدوا * وشر عداوة المرء السباب امرؤ وعظ نفسه بنفسه، ~~امرؤ تعاهد غفلة نفسه وتفقدها جهده، امرؤ وعظ بغير فاتعظ، قد تبين لكم ما ~~تأتون وما تبغون، العجب العجب، وما هو أعجب من العير (3) الأبتر، إني وجهته ~~ومن معه من المنافقين لسبع مئة وزن سبعة سواء، فانطلقوا في نحور العدو، ثم ~~أقبلوا على راياتهم لقتال أهل الإسلام، من أجل عير أبتر، ومن كيده ما هو ~~أعجب العجب، على ms247 حين أننا قد أمنا الخوارج، وأطفأنا الفتن، فكان من شكركم ~~يا أهل العراق ليد الله فيكم، ونعمته عليكم، وإحسانه إليكم، جرأتكم على ~~الله، وانتهاككم حرمته، واغتراركم بنعمة الله، ألم يأتكم شبيب مهزوما ~~ذليلا، فهلا توجهت إليه منكم خمسة وعشرون أمير جيش، ليس منهم من أمير جيش ~~إلا وهو في جنده بمنزلة العروس التي يزف بها إلى خدرها، فيقتل أميرهم وهم ~~وقوف ينظرون إليه، لا يرون له حرمة في صحبة، ولا ذماما في طاعة، فقبحت تلك ~~الوجوه! # فما هذا الذي يتخوف منكم يا أهل العراق، أما هذا الذي نتقي؟ والله لقد ~~أكرمنا الله بهوانكم وأهانكم بكرامتنا، في مواطن شتى تعرفونها، وتعرفون ~~أشياء حرمكم الله اتخاذها، وما الله # PageV02P031 # بظلام للعبيد. ثم خذلانكم لهذه المعلوجاء (1) المقصصة انحرافا، أولى لهذه ~~(2) المعلوجاء وأخلاطها من أهل العراق! لقد هممت أن أترك بكل سكك منها جيفا ~~منتفخين، شائلة (3) أرجلهم، تنهشهم الطير من كل جانب. يا أهل الشام: أحدوا ~~قلوبكم، وأحدوا سيوفكم، ثم قال: # قد جد أشياعكم فجدوا * والقوس فيها وتر عرد (4) مثل ذراع البكر (5) أو ~~أسد هيهات: ترك الخداع من أجرى من المئة، ومن لم يذد عن حوضه يهدم، وأرى ~~الحزام قد بلغ الطبيين، والتقت حلقتا البطان (6)، ليس سلامان كعهدين، أنا ~~ابن العرقية (7). وابن الشيخ الأعز، كذبتم ورب الكعبة، ما الرأي كما رأيتم، ~~ولا الحديث كما حدثتم، فافطنوا لعيوبكم وإياكم أن أكون أنا وأنتم كما قال ~~القائل: # إنك إن كلفتني ما لم أطق * ساءك ما سرك مني من خلق والمخبر بالعلم ليس ~~كالراجم بالظنون، فالتقدم قبل التندم، وأخو المرء نصيحته ثم قال. # لذي الحلم قبل اليوم ما تفرع العصا * وما علم الإنسان إلا ليعلما ثم قال. ~~احمدوا ربكم، وصلوا على نبيكم صلى الله عليه وسلم، ثم نزل وقال: # اكتب يا نافع وكان نافع مولاه وكاتبا يكتب بين يديه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، سلام على أهل النزوغ ~~من التزييغ وأسباب # PageV02P032 # الرداء، لا إلى معادن السي، والتقحم في الغي، فإني ms248 أحمد الله الذي خلاك ~~في حيرتك، إذ بهتك في السيرة، ووهلك للضرورة حق أقحمك أمورا أخرجت بها عن ~~طاعته، وجانبت ولايته، وعسكرت بها في الكفر، وذهلت بها عن الشكر، فلا تشكر ~~في السراء، ولا تصبر في الضراء أقبلت مستنا بحريم الحرة، وتستوقد الفتنة ~~لتصلى بحرها، وجلبت لغيرك ضرها، وقلت وثاق الاحتجاج، ومبارزة الحجاج، ألا ~~بل لأمك الهبل، وعزة ربك لتكبن لنحرك (1). # ولتقلبن لظهرك، ولتتخبطن فريصتك (2)، ولتدحضن حجتك ولتذمن مقامك، ~~ولتشتغلن سهامك، كأني بك تصير إلى غير مقبول منك. إلا السيف هوجا هوجا، عند ~~كشوف الحرب عن ساقها، ومبارزة أبطالها، والسلام على من أناب إلى الله وسمع ~~وأجاب. ثم قال: من ها هنا من فتية بني الأشعث بن قيس؟ قيل سعيد بن جبير. ~~قال: فأتى به. قال له: انطلق بهذا الكتاب إلى هذا الطاغية، الذي قد فتن ~~وفتن، فاردعه عن قبيح ما دخل فيه، وعظيم ما أصر عليه من حق الله، وحرمة ما ~~انتهك عدو الله، إلى ما في ذلك من سفك الدماء، وإباحة الحريم، وإنفاق ~~الأموال، فإني لولا معرفتي بأنك قد حويت علما، وأصبت فقها، أخاف أن يكون ~~عليك لا لك، لعهدت لك به عهدا تقفل به، ولكن انطلق مرتك هذه قبل الكتاب ~~إليه، واحمله على البريد. فخرج سعيد به متوجها، حتى انتهى إليه. # فلما قرأ عبد الرحمن الكتاب، تبينت رعشته جزعا منه، وهيبة له، وسمع بذلك ~~من كان يتابعه، وهوى كل ذي هوى، وضم سعيد بن جبير فلم يظهره للناس، وكتم ~~الكتاب وجعل يستخلي بابن جبير في الليل فيسمر معه، ويسأله عبد الرحمن ~~الدخول معه فيما رأى هو من خلع الحجاج، فأبى سعيد ذلك عليه، فمكث بذلك شهرا ~~كريتا (3). فأسعفه سعيد بن جبير بطلبته، وسارع معه في رغبته، وخلعان طاعة ~~الحجاج، ثم إن عبد الرحمن، تجهز من سجستان مقبلا، يقود من يقوده من أهل ~~هواه وأهل رأيه، وخرج الحجاج إليه بمن معه من أجناده من أهل الشام، وبمن ~~معه يومئذ من أهل الطاعة من أهل العراق، حتى لقيه # PageV02P033 # بدير ms249 من أديار الأهواز، يسمى بنيسابور، فناصبه للقتال ستة أشهر كريتة ~~(1)، لا له ولا عليه، حتى إذا كان في جوف ليلة من الليالي، خلا الحجاج ~~بعنبسة بن سعيد بن العاص، ويزيد بن أبي مسلم، وعلي بن منقذ مولاه، وبعبد ~~الرحمن بن زياد مولاه، وكان يزيد بن أبي مسلم حاجبه على ما وراء بابه وأما ~~يحيى فوكله بالقيام خلف ظهره، إذا هو نسي أو غفل نخسه بمنخسه، ثم قال: اذكر ~~الله يا حجاج، فيذكر ما بدا له أن يذكر. وأما عبد الرحمن ابن زياد: فكان ذا ~~رأي ومشورة وأدب وفقه ونصيحة. أما عنبسة: فكان بعيد الهمة، طويل اللسان، ~~بديه الجواب، فاصل الخطاب، موفق الرأي، فاستشارهم لما طال به وبعبد الرحمن ~~القتال، لا يظفر واحد منهما بصاحبه - ومع عبد الرحمن سعيد بن جبير والشعبي، ~~فكان هذا فقيه أهل الكوفة، وهذا فقيه أهل البصرة - في أن يبيته، فكره ذلك ~~مواليه، وأشار عنبسة أن يبيته، فقال الحجاج: أصبت، أصاب الله بك الخير، وما ~~الأمر إلا النصيحة، والرأي شعوب، فمخطئ منها أو مصيب، غدا الاثنان، فصوموا ~~ونصوم، واستعينوا الله بالخيرة، ونبيتهم الليلة المقبلة، ليلة الثلاثاء، ~~فسوف أترجل، ويترجل أهل مودتي ونصيحتي، من ولدي وغيرهم. ففعل: وأصبح صائما، ~~وبيتهم ليلة الثلاثاء وهو يقول: اللهم إن كان الحق لهم فلا تمتنا على ~~الضلالة، وإن كان الحق لنا فانصرنا عليهم، فحمل عليهم والنيران توقد، فأصاب ~~منهم، وأصيب منه، وانهزم ابن الأشعث في سواد الليل، وأصاب الحجاج عسكره، ~~وأسر سعيد بن جبير، وأفلت عامر بن سعيد الشعبي مع ابن الأشعت، فلما أتى ~~الحجاج بسعيد بن جبير، قال له: ويحك يا سعيد! أما تستحي مني؟ ومدك الشيطان ~~في طغيانك، ألا استحيت من المراقب لي ولك، والحافظ علي وعليك؟ فقال: أصلح ~~الله الأمير، وأمتع به! هي بلية وقعت، وعذاب نزل، والقول كما قال الأمير، ~~وكما نسبه به وأضافه إليه، إلا أني أتيت رجلا قد أزهى وطغى، ولبسته الفتنة، ~~وركب الشيطان كتفيه، ونفث في صدره، وأملى على لسانه فخفته واتقيته بالذي ~~فعلت؟ فإن ms250 تعاقب فبذنب، وإن تعف فسجية منك. فقال له الحجاج: # فإنا قد عفونا عنك، وسنردك إليه تارة أخرى. ثم كتب كتابا، ووجهه مع سعيد ~~بن جبير إلى عبد الرحمن، فلما كان سعيد ببعض الطريق، خرق الكتاب. وقدم عبد ~~الرحمن فأخبره، فنفر عبد الرحمن، وخرج موائلا إلى أهل البصرة، وقد قدمت ~~عليه كتبهم، يستبطئونه ويستعجلونه حتى قدم عليهم، وبلغ ذلك الحجاج فسبقه ~~إلى البصرة فدخل الحجاج المسجد متنكبا قوسا، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى ~~عليه، وحرض الناس على قتال ابن # PageV02P034 # الأشعث، وحضهم على طاعة عبد الملك، وتكلم رجل من أهل البصرة، يقال له ~~سلمة المنقري، من بني تميم، وكان رجلا منطيقا، وله هوى في الخوارج، وكان ~~الحجاج به خابرا. فلما رآه عرف أنه يريد الكلام. فقال له: ادن يا سلمة، ~~فدنا. فقال له: قل: رضينا بالله ربا، وبمحمد نبيا، وبالاسلام دينا، ~~وبالقرآن إماما، وبأمير المؤمنين خليفة، وبالحجاج بن يوسف واليا. # قال: والله لو كنا زمعا وبني زمع ما رضينا أن نكون تبعا لهذا الحائك، ~~أمير المؤمنين أعزه الله، وأعز أمره، أقرب قرابة وأوجب حقا، ونحن ألزم ~~لطاعة الأمير، أكرمه الله، من أن نسارع له في معصية أو نبطئ عنه في طاعة، ~~فأجابه الحجاج فقال: يا سلمة، هذا قول حسن، لا أدخله صدري، ولأردنه في ~~نحرك، حتى نبتلي حقيقته إن شاء الله، وكان قوله هذا على المنبر، وقد عسكر ~~بأجناده بالزاوية، والزاوية في طرف من ناحية البصرة في طرف بن تميم. # ثم إنه خرج من المسجد، وحشد الناس من كان في الطاعة يومئذ من أهل العراق، ~~وقد كان انهزم لابن الأشعث غير ما مرة، وقتل له ابن الأشعث خلقا لا تحصى ~~كثرة، قبل هذه المرة، حتى يئس من نفسه وقال: أترون العجوز، ابنة الرجل ~~الصالح كذبتني؟ يعني أسماء بنت أبي بكر الصديق، لئن صدقت أسماء لا أقتل ~~اليوم. وكان الحجاج لما فرغ من قتال عبد الله بن الزبير، بعث إلى أمه أسماء ~~بنت أبي بكر الصديق أن تأتيه، فأبت أن تأتيه. فقال: والله ms251 لئن لم تأتني ~~لأبعثن إليها من يجر بقرون رأسها، ويسحبها حتى تصل إلي، فقيل ذلك لها. ~~فقالت: والله لا أسير إليه حتى يبعث إلي من يجر بقرون رأسي. فأقبل الحجاج ~~حتى وقف عليها، فقال لها: كيف رأيت ما فعل الله تعالى بابنك، عدو الله؟ ~~الشاق لعصا المسلمين، المفني لعباده والمشتت لكلمة أمة نبيه؟ فقالت: رأيته ~~اختار قتالك، فاختار الله له ما عنده، إذ كان إكرامه خيرا من إكرامك. ولكن ~~يا حجاج بلغني أنك تنتقصني بنطاقي هذين، أو تدري ما نطاقاي؟ أما النطاق هذا ~~فشددت به سفرة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم غزوة بدر، وأما النطاق ~~الآخر، فأوثقت به خطام بعيره. فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: أما ~~إن لك به نطاقين في الجنة، فانتقص علي بعد هذا أودع، ولكن لا إخا لك يا ~~حجاج، أبشر فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: منافق ثقيف يملأ ~~الله به زاوية من زوايا جهنم، يبيد الخلق، ويقذف الكعبة بأحجارها، ألا لعنة ~~الله عليه! # فأفحم الحجاج ولم يحر جوابا. قال: وسار ابن الأشعث بعد ما هزم الحجاج ~~مرارا إلى الكوفة حتى نزل دير الجماجم، فقتل للحجاج فيه خلق كثير، وكتب إلى ~~عبد الملك بن مروان أن أمدني بالرجال، قال: فأمده بمحمد بن مروان في أناس ~~من بني أمية كثير، وجعل الحجاج أمير عليهم، فسار الحجاج إلى ابن الأشعث، ~~فاقتتلوا أياما بدير الجماجم، حتى كثر القتل في # PageV02P035 # الفريقين جميعا، ثم إن ابن الأشعث لما حشد العسكر والحجاج بالبصرة. عسكر ~~على مسير ثلاثة أميال من البصرة على نهر يقال له نهر ابن عمر، فكتب ابن ~~الأشعث يسأله أن يتنحى عنهم لما كرهوا ولايته، حتى يستعمل عليهم أمير ~~المؤمنين غيره، من هو أحب إليهم منه. فلما انتهى إليه رسوله قال الحجاج: ~~أدخلوه، فلما دخل سلم عليه بالإمارة، قال: من أنت؟ قال: # رجل من خزاعة. قال: من أهل البصرة أنت، أم من أهل الكوفة؟ قال: لا، بل من ~~أهل سجستان. قال: هل ms252 تأخذ لأمير المؤمنين ديوانا؟ قال: لا، قال: أفمن وزراء ~~ابن الأشعث أنت علينا في هذه الفتنة يا أخا خزاعة؟ قال، والله ما هويتها، ~~ولقد جلبني إليك مكرها، قال: فكيف تسليمك على صاحبك إذا انصرفت إليه؟ قال: ~~بالإمرة، قال: فهل ترى في ذلك أنك صادق؟ قال: الله أعلم بأي الأمرين هو في ~~نفسك أعلى الصواب أم على الخطأ؟ قال: الله أعلم أي الأمرين في نفسي. قال: ~~أما إنك يا أخا خزاعة قد رددت الأمر إليه وهو تعالى أعلم، انطلق إلى صاحبك ~~بكتابك كما جئت به، وأعلمه بالذي كان من ردنا عليك، فإنه جوابه عندنا، ونحن ~~مناجزوه القتال، ومحاكموه إلى الله من يوم الأربعاء إن شاء الله، فليعد ~~وليستعد لذلك، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وذلك يوم الأحد. ~~قال: فلما انصرف رسوله إليه ناوله الكتاب، فلما رآه بخاتمه، أي مثل ما بعثه ~~كف، فلم يسأله أمام من حضر، حتى ارتفع الناس، ثم دعاه فأخبره الخبر. قال: ~~وما وراء ظهرك إلا هذا؟ قال له: في دون ما جئتك به ما يكفيك، فقد رأيت أمرا ~~صعبا ليس وراء إلا المناجزة. ثم إن الحجاج هتف هتفة أن اجتمعوا للعطية، ~~ففرق العطية في ثلاثة مواضع، وكان قواده يومئذ ثلاثة: سفيان بن الأبرد ~~الكلبي على ميمنته، وسعيد بن عمرو الجرشى على القلب، وعبد الرحمن بن عبد ~~الله العكى على ميسرته، فأعطى الناس على هذا وأقام في معسكره متربصا ~~ومنتظرا ليوم الأربعاء. فلما رأى ابن الأشعث أنه لا يتقدم لقتاله، وأنه ~~متربص ليوم الأربعاء، بعث رجلا من معسكره، حتى دنا من معسكر الحجاج، فنزل ~~قريبا منه، على مقدار حضر (1) الفرس، رجاء أن يتحرش له أحد من معسكر ~~الحجاج، فينشب القتال قبل يوم الأربعاء، فرارا منه، وتطيرا به. فلما رأى ~~الحجاج ذلك علم ما أراده والذي توقع، فتقدم إلى أمراء أجناده وقواده، وإلى ~~أهل عسكره عامة، ألا يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الأشعث، ولا يعرضه على ~~نفسه، وإن أمكنته الفرصة منه إلا يوم الأربعاء، ms253 فلما كانت صبيحة يوم ~~الأربعاء، وهو يوم يتطير به أهل العراق، فلا يتناكحون، ولا يسافرون فيه، ~~ولا يدخلون من سفر، ولا # PageV02P036 # يبايعون فيه بشئ، ولا بالبغل الأغر الأشقر. قال: فدعا الحجاج ببغلة شقراء ~~محجلة، فركبها خلافا لرأيهم، واستشعارا بطيرتهم، وتوكلا على الله، ونادى ~~مناديه في عسكره: أن انهضوا إلى قتال ابن الأشعث، وأمر خاصته فركبوا معه، ~~وقدم رجالته، وأخر خلفه مقاتلته، حتى إذا كانوا من عسكر ابن الأشعث على ~~مثال الأسهم وقف فصف أصحابه وعبأهم للقتال، وفعل مثل ذلك ابن الأشعث، وترجل ~~الحجاج وخاصته، ووضع له منبرا من حديد، فجلس عليه وترامى الناس، حتى إذا ~~كاد القتال ينشب، خرج رجل من أصحاب ابن الأشعث وهو ينادي: ألا هل من مبارز؟ # فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشي وهو يمشي مشية قد لامه الحجاج عليها، ~~وكرهها له. فلما رآه الحجاج وهو يمشي تلك المشية، قال الحجاج: ظلمتك يا ~~عنبسة، لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا. فلما دنا من الرجل، ~~قال له عنبسة: فمن أنت يا منتخي؟ فقال: رجل من بني تميم، ثم من بني دارم، ~~فحمل عليه عنبسة، فبدره بالضربة فقتله، ثم انصرف إلى مجلسه فجلس، وقد تبين ~~للناس حسن صنعه، ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، واشتد قتالهم، وانتحى ~~سفيان على مركزه لم يرم، والجرشي على مركزه لم يرم، وكانت ميلتهم على ~~الميسرة، فنحوا عبد الرحمن العكى. # فلما رآه الحجاج قد انكسرت ناحيته، وزال عنها، بعث إليه ابن عمه الحكم بن ~~أيوب في خيل. # فقال: انطلق إلى عدو الله فاضرب وجهه بالسيف حتى ترده إلى مقامه، ففعل، ~~وبعث إلى سفيان بن الأبرد يأمره بقتال القوم ومحاربتهم، فحمل عليهم سفيان ~~وهم مشغولون بالميسرة قد طمعوا فيها، وكان بإذن الله الفتح والغلبة من ~~ناحية سفيان، وقد بعث إليه الجرشي يستأذنه للقتال، فمنعه الحجاج وقال له: ~~لا، إلا أن ترى أمرا مقبلا، وتمكنا من فرصة، فاجتمع الأمر، وثاب العكى، ~~وانهزم ابن الأشعث، واستحقت هزيمته، فدعا الحجاج بدابته فركبها، وركب من ~~كان ms254 مترجلا معه، بعد سجود ودعاء، وشكر كان منه، على ما صنع الله به ومن كان ~~معه، وحمدوا الله تعالى كثيرا، وكبروا تكبيرا عاليا، ثم انتهى إلى ربوة ~~فأومأ إليها، ثم استقبل ناحيتهم والسيوف تأخذهم، وحسر بيضته (1) عن رأسه، ~~فجعل يقرع رأسه بخيزران في يده، وهو يتمثل بهذه الأبيات، وهي من قول عبيد ~~بن الأبرص، أو من قول اليشكري: # كيف يرجون سقاطى بعد ما * جلل الرأس بياض وصلع ساء ما ظنوا وقد أوريتهم * ~~عند غايات الوغى كيف أقع # PageV02P037 # رب من أنضجت غيظا قلبه * قد تمنى لي موتا لم يطع ويراني كالشجى في حلقه * ~~عسرا مخرجه ما ينتزع مربد يهدر ما لم يرني * فإذا أسمعته صوتي انقمع ~~ويحييني إذا لاقيته * وإذا يخلو له الحمى رتع ورث البغضاء عن والده * حافظا ~~منه الذي كان استمع ولساني صيرفي صارم * كذباب السيف ما مس قطع قال: فلما ~~فرغ الحجاج من هذه الأبيات كبر، ثم حمد الله بما هو أهله، للذي كان من صنعه ~~به وبجماعته، فبينا هو كذلك، إذ أتاه من يخبره أن ابن الأشعث قد انخزل من ~~أصحابه في نفر يسير، متوجها إلى ناحية خراسان، فدعا الحجاج ابن عم له، كان ~~يعرفه بالنصيحة والهوى، فقطع معه ليلا، وأرسله في طلب ابن الأشعث إلى مواضع ~~شتى، وعهد إليهم أن لا يدركوا أحدا إلا أتوا به أو برأسه أو يموت، فوقف ~~الحجاج طويلا في مكانه ذلك المرتفع ينظر إلى معسكر ابن الأشعث، وأصحابه ~~ينتهبونه، ثم رجع إلى معسكره فنزل، ودخل فسطاطه فجلس، وأذن لأصحابه فدخلوا ~~عليه، فقام كل واحد منهم يهنئه بالفتح، وجعل ابن جبلة يأتيه بالأسرى، فكلما ~~أتى بأسير أمر به فضربت عنقه، فكان ذلك فعله يومه ذلك إلى الليل، فلما أصبح ~~وتراجع إليه أكثر خيله، أمر مناديه ينادي بالقفل (1)، فقفل وقفلت معه ~~أجناده، وجميع أصحابه إلى مدينة واسط، فكان فيها وهو الذي كان بناها، قال: ~~وضرب ابن الأشعث ظهرا لبطن، ليلا ونهارا حتى لحق بخراسان، ورجا في لحوقه ~~بها النجاة من الحجاج، والحذر لنفسه، ms255 ولم يشعر بالخيل التي بعثت في طلبه ~~حتى غشيته، فلم تزل تطلبه من موضع إلى موضع، حتى استغاث بقصر منيف، فحصره ~~ابن عم الحجاج فيه، وأحاطت به الخيل من كل جانب، حتى ضيق عليه، ودعا بالنار ~~ليحرقه في القصر، فلما رأى ابن الأشعث أنه لا محيص له ولا ملجأ، وخاف ~~النار، رمى بنفسه من بعض علالي القصر، وطمع أن يسلم ولا يشعر به فيدخل في ~~غمار الناس، فيخفى أمره، ويكتم خبره، فسقط فانكسرت ساقه، وانخذل ظهره ووقع ~~مغشيا عليه، قال: فشعر به أصحاب الحجاج فأخذوه، وقد أفاق بعض الإفاقة، ولا ~~يقدر على النهوض فأتوا به إلى ابن عم الحجاج، فلما رآه بتلك الحال أيقن أنه ~~لا يقدر على أن يبلغ الحجاج حتى يموت، فأمر به فضربت رقبته، وانطلق برأسه ~~إلى الحجاج، فلما قدم عليه أحدث لله شكرا وحمدا # PageV02P038 # فيما كان من تمام الصنع، وما هيأ له من التأييد والظفر، وأقام كذلك لا ~~يمر عليه يوم إلا وهو يؤتى فيه بأسرى، فلما رأى كثرتهم ازداد حنقا وغيظا ~~لمسارعتهم في اتباع ابن الأشعث، ومخالفتهم عن الحجاج، فيأمر بقتلهم حردا ~~على الخوارج، ورجا أن يستأصلهم، فلا يخرج عليه خارجي بعدها، فلما رأى كثرة ~~من يؤتى به من الأسرى تحرى، فجعل إذا أتى بأسير يقول له: أمؤمن أنت أم ~~كافر؟ ليعرف بذلك الخوارج من غيرهم، فمن بدأ على نفسه بالكفر والنفاق عفا ~~عنه، ومن قال أنا مؤمن ضرب عنقه. # وأسر عامر بن سعيد الشعبي فيمن أسر، وكان مع ابن الأشعث في جميع حروبه، ~~وكان خاص المنزلة منه، ليس لأحد منه مثلها للذي كان عليه من حاله، إلا سعيد ~~بن جبير، وأفلت سعيد بن جبير فلحق بمكة، وأتى الشعبي إلى الحجاج في سورة ~~غضبه (1)، وهو يقتل الأسرى الأول فالأول، إلا من باء على نفسه بالكفر ~~والنفاق، فلما سار عامر بن سعيد الشعبي إلى الدخول عليه لقيه رجل من صحابة ~~الحجاج يقال له بريد بن أبي مسلم وكان مولاه وحاجبه، فقال: يا شعبي، لهفي ~~بالعلم الذي ms256 بين دفتيك، وليس هذا بيوم شفاعة إذا دخلت على الأمير، فبؤ له ~~بالكفر والنفاق عسى أن تنجو، فلما دخل الشعبي على الحجاج صادفه واضعا رأسه ~~لم يشعر، فلما رفع رأسه رآه قال له: وأنت أيضا يا شعبي فيمن أعان علينا ~~وألب! قال أصلح الله الأمير إني أمرت بأشياء أقولها لك، أرضيك بها وأسخط ~~الرب، ولست أفعل، ولكني أقول: أصلح الله الأمير وأصدقك القول، فإن كان شئ ~~ينفع لديك فهو في الصدق إن شاء الله أحزن بنا المنزل، وأجدب الجناب، ~~واكتحلنا السهر، واستحلسنا (2) الخوف، وضاق بنا البلد العريض، فوقعنا في ~~خزية لم نكن فيها بررة أتقياء، ولا فجرة أقوياء، فقال له الحجاج: # كذلك. قال: نعم، أصلح الله الأمير، وأمتع به، قال: فنظر الحجاج إلى أهل ~~الشام فقال: # صدق والله يا أهل الشام ما كانوا بررة أتقياء فيتورعوا عن قتالنا، ولا ~~فجرة أقوياء فيقووا علينا، ثم قال: انطلق يا شعبي فقد عفونا عنك، فأنت أحق ~~بالعفو ممن يأتينا وقد تلطخ بالدماء ثم يقول: كان وكان، قال: وكان قد أحضر ~~بالباب رجلان، وأحدهما من بكر بن وائل، والآخر من تميم، وكانا قد سمعا ما ~~قيل للشعبي بالباب أن يقوله، فلما أدخلا. قال الحجاج للبكري: أمنافق أنت؟ ~~قال: نعم، أصلح الله الأمير، لكن أخو بني تميم لا يبوء على نفسه بالنفاق. ~~قال التميمي: أنا على دمي أخدع؟، بل أنا - أصلح الله الأمير - منافق مشرك. # PageV02P039 # فتبسم الحجاج وأمر بتخلية سبيلهما. قال الشعبي: فوالله ما أتى لذلك الأمر ~~إلا نحو من شهرين، حتى رفعت إليه فريضة أشكلت عليه، وهي أم، وجد، وأخت. ~~فقال: من هاهنا نسأله عنها؟ قال: فدل علي، فأرسل إلي، وقال يا شعبي ما عندك ~~في هذه الفريضة، أم، وأخت وجد؟ فقلت: أصلح الله الأمير. قال فيها خمسة من ~~أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. # قال. من قال فيها؟ قلت: قال فيها علي بن أبي طالب، وأمير المؤمنين عثمان ~~بن عفان، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود، وزيد بن ثابت. قال. هات ms257 ~~ما قال فيها علي. فأخبرته. # قال: فما قال فيها ابن مسعود؟ فأخبرته، قال: فما قال فيها ابن عباس؟ ~~فوالله لقد كان متفقها فأخبرته. قال: فما قال فيها أمير المؤمنين عثمان؟ ~~فأخبرته. قال: فما قال زيد بن ثابت؟ # قلت: أخذها من تسعة أسهم، أعطى الأم ثلاثة أسهم، وأعطى الجد أربعة أسهم، ~~وأعطى الأخت سهمين. فلما سمع ما كان من قول كل واحد منهم، وعرف رأيهم فيها. ~~قال يا غلام: # قل للقاضي يمضيها على ما قال أمير المؤمنين عثمان. قال الشعبي: ودخلت ~~عليه الترك، قد شدوا أوساطهم بعمائمهم، وانتزعت السيوف من أعناقهم وأخذوا ~~الطوامير (1) بأيمانهم، فدخل عليه رجل من قبل أمير المؤمنين عبد الملك. ~~فقال له الحجاج: كيف تركت أمير المؤمنين وأهله وولده وحشمه؟ فأنباه عنه ~~وعنهم بصلاح. فقال: ما كان وراءك من غيث؟ قال: نعم، أصلح الله الأمير، ~~أصابتني سحابة في موضع كذا، فواد سائل، وواد تارع، فأرض مدبرة، وأرض مقبلة، ~~حتى صدعت عن الكمأة أماكنها، فما أتيتك إلا في مثل مجرى الضب. فقال للحاجب: ~~ائذن للناس فدخل عليه رجل أتاه من قبل نجد. فقال له: ما كان وراءك من غيث؟ ~~فقال: كثر الإعصار، واغبر البلاد، وأكل ما أشرف من الحشيشة، فاستيقنا أنه ~~عام سنة. فقال: بئس المخبر أنت. قال: أخبرتك بالذي كان. فقال للحاجب: ائذن ~~للناس، فدخل عليه رجل أتاه من قبل اليمامة. فقال: هل كان وراءك من غيث؟ ~~قال: نعم. وسمعت الرواد يدعون إلى ريادها، وسمعت رائدا يقول: هلموا أطعمكم ~~محلة تطفو فيها النيران، وتشتكي فيها النساء، وتنافس فيها المعز. فقال له: ~~ويحك، إنما تحدث أهل الشام فأفهمهم. # فقال: أصلح الله الأمير، أما تطفوا النيران، فيستكثر فيها الزبد واللبن ~~والتمر، فلا توقد نار، وأما أن يشتكى النساء: فإنه من جذبها على إبريق ~~لبنها فتظل تمخض لبنها فتبيت ولها أنين من عضديها، وأما تنافس المعز: فإنها ~~ترأم من نوار النبات وألوان الثمر ما يشبع بطونها، ولا يشبع عيونها، فتبيت، ~~وقد امتلأت أكراشها، لها من الكظة شرة تنزل به # PageV02P040 # الدرة. ثم ms258 قال للحاجب: ائذن للناس، فدخل عليه رجل من الموالي، كان أشجع ~~الناس في زمانه، يقال له عمرو بن الصلت. فقال له الحجاج: هل كان وراءك من ~~غيث؟ قال: نعم. # أصلح الله الأمير، أصابتني سحابة بموضع كذا وكذا، فلم أزل أطأ في أثرها، ~~حتى دخلت على الأمير. فقال له الحجاج: أما والله لئن كنت في المطر أقصرهم ~~خطبة، إنك بالسيف لأطولهم باعا وخطوة. # ولما انهزم بن الأشعث، قام بعده عبد الرحمن بن عياش بن ربيعة، فقاتل ~~الحجاج ثلاثة أيام، ثم انهزم، فوقع بأرض فارس، ثم صار إلى السند، فمات ~~هناك. وتحصن ناس من أصحاب ابن الأشعث في قلعة بأرض فارس، منهم عبد الرحمن ~~بن الحارث بن نوفل، والفضل ابن عياش، وعمرو بن موسى التميمي، ومحمد بن سعد ~~أبي وقاص، وعبيد الله، ومحمد، وإسحاق، وعون، بنو عبد الله بن الحارث في ناس ~~من قريش، ولحق سعيد بن جبير بمكة، فأشعر به الحجاج، فغفل عنه ولم يهيجه، ~~فبعث الحجاج يزيد بن المهلب، فحاصرهم بفارس. # قال أبو معشر: حدثني عون قال: كتب إلينا يزيد بن المهلب، أن أخبروني بآية ~~بيني (1) وبينكم حتى أخرجكم. قال: فكتب إليه عبد الله بن الحارث: كنت يوم ~~كذا وكذا في دارنا. قال: فأخرجه وبنيه، فسكنا عمان. وأسر من بقي، وأسروا ~~اثنى عشر رجلا من وجوه الناس عامتهم من قريش، منهم عمرو ابن موسى التميمي ~~ومحمد بن سعد بن أبي وقاص، فبعث بهم إلى الحجاج فحبسهم عنده، وكتب إلى عبد ~~الملك يخبره بأمرهم، وجعل يذكر في كتابه أن سعيد قد أنكر الخروج مع هؤلاء ~~القوم، فكتب إليه عبد الملك يأمره بضرب أعناقهم ويقول في كتابه: لم أبعثك ~~مشفعا وإنما بعثتك منفذا مناجزا لأهل الخلاف والمعصية. فأبرزهم الحجاج، ~~فقال لعمرو بن موسى: يا عاتق قريش وكان شابا جميلا، ما لك أنت وللخروج، ~~إنما أنت عاتق (2) صاحب ثياب ولعب؟ فقال له عمرو: أيها الرجل، امض لما ~~تريد، فإنما نزلت بعهد الله وميثاقه، فإن شئت فأرسل يدي، وبرئت مني الذمة. ~~فقال له الحجاج: ms259 كلا، حتى أقدمك إلى النار، فضربت رقبته، ثم جئ بمحمد بن ~~سعد، فقال له: يا ظل الشيطان، وكان رجلا طويلا، ألست بصاحب كل موطن؟ أنت ~~صاحب الحرة، وصاحب يوم الزاوية، وصاحب الجماجم. فقال له: إنما نرلت بعهد ~~الله وميثاقه، أرسل يدي وبرئت مني الذمة، قال: لا، حتى # PageV02P041 # أقدمك إلى النار، ثم قال لرجل من أهل الشام: اضرب لي مفرق رأسه، فضرب، ~~فمال نصفه هاهنا، ونصفه هاهنا، ثم قتل الباقين: # ذكر قتل سعيد بن جبير قال، وذكروا أن مسلمة بن عبد الملك، كان واليا على ~~أهل مكة، فبينما هو يخطب على المنبر، إذ أقبل خالد بن عبد الله القسري من ~~الشام واليا عليها، فدخل المسجد، فلما قضى مسلمة خطبته، صعد خالد المنبر، ~~فلما ارتقى في الدرجة الثالثة، تحت مسلمة، أخرج طومارا مختوما، ففضه، ثم ~~قرأه على الناس، فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الملك بن مروان أمير ~~المؤمنين إلى أهل مكة، أما بعد: فإني وليت عليكم خالد بن عبد الله القسري، ~~فاسمعوا له وأطيعوا، ولا يجعلن امرؤ على نفسه سبيلا، فإنما هو القتل لا ~~غير، وقد برئت الذمة من رجل أوي سعيد بن جبير، والسلام. ثم التفت إليهم ~~خالد وقال: والذي نحلف به، ونحج إليه، لا أجده في دار أحد إلا قتله، وهدمت ~~داره، ودار كل من جاوره، واستبحت حرمته. وقد أجلت لكم فيه ثلاثة أيام، ثم ~~نزل، ودعا مسلمة برواحله ولحق بالشام، فأتى رجل إلى خالد فقال له: إن سعد ~~بن جبير بواد من أودية مكة، مختفيا بمكان كذا، فأرسل خالد في طلبه، فأتاه ~~الرسول، فلما نظر إليه الرسول قال إنما أمرت بأخذك، وأتيت لأذهب بك إليه، ~~وأعوذ بالله من ذلك، فالحق بأي بلد شئت، وأنا معك. قال له سعيد بن جبير: # ألك هاهنا أهل وولد قال: نعم. قال: إنهم يؤخذون وينالهم من المكروه مثل ~~الذي كان ينالني. قال الرسول: فإني أكلهم إلى الله. فقال سعيد: لا يكون ~~هذا. فأتى به إلى خالد فشده وثاقا، وبعث به إلى الحجاج. ms260 فقال له رجل من أهل ~~الشام: إن الحجاج قد أنذر بك وأشعر قبلك، فما عرض له، فلو جعلته فيما بينك ~~وبين الله لكان أزكى من كل عمل يتقرب به إلى الله. فقال خالد، وقد كان ظهره ~~إلى الكعبة قد استند إليها: والله لو علمت أن عبد الملك لا يرضى عني إلا ~~ينقض هذا البيت حجرا حجرا لنقضته في مرضاته. فلما قدم سعيد على الحجاج، قال ~~له ما اسمك؟ قال: سعيد. قال: ابن من؟ قال: ابن جبير. قال: بل أنت شقي بن ~~كسير؟ قال سعيد: أمي أعلم باسمي واسم أبي. قال الحجاج: شقيت وشقيت أمك. # قال سعيد: الغيب يعلمه غيرك. قال الحجاج: لأوردنك حياض الموت، قال سعيد: ~~أصابت إذا أمي اسمي. فقال الحجاج: لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى. قال سعيد: لو ~~أني أعلم أن ذلك بيدك لاتخذتك إلها. قال الحجاج: فما قولك في محمد؟ قال ~~سعيد: نبي الرحمة، ورسول رب العالمين إلى الناس كافة بالموعظة الحسنة. فقال ~~الحجاج: فما قولك في الخلفاء؟ قال سعيد: PageV02P042 # لست عليهم بوكيل، كل امرئ بما كسب رهين. قال الحجاج: اشتمهم أم أمدحهم؟ ~~قال سعيد: لا أقول ما لا أعلم، إنما استحفظت أمر نفسي. وقال الحجاج: أيهم ~~أعجب إليك؟ # قال: حالاتهم يفضل بعضهم على بعض. قال الحجاج: صف لي قولك في علي. أفي ~~الجنة هو، أم في النار؟ قال سعيد: لو دخلت الجنة فرأيت أهلها علمت، ولو ~~رأيت من في النار علمت، فما سؤالك عن غيب قد حفظ بالحجاب؟ قال الحجاج: فأي ~~رجل أنا يوم القيامة؟ فقال سعيد: # أنا أهون على الله من أن يطلعني على الغيب. قال الحجاج: أبيت أن تصدقني؟ ~~قال سعيد: بل لم أرد أن أكذبك. فقال الحجاج فدع عنك هذا كله، أخبرني ما لك ~~لم تضحك قط؟ قال: # لم أر شيئا يضحكني، وكيف يضحك مخلوق من طين، والطين، والطين تأكله النار، ~~ومنقلبه إلى الجزاء، واليوم يصبح ويمسي في الابتلاء. قال الحجاج: فأنا ~~أضحك. فقال سعيد: كذلك خلقنا الله أطوارا. قال الحجاج هل رأيت شيئا ms261 من ~~اللهو؟ قال: لا أعلمه. فدعا الحجاج بالعود والناي. قال: فلما ضرب بالعود، ~~ونفخ في الناي بكى سعيد. قال الحجاج: ما يبكيك؟ # قال: يا حجاج ذكرتني أمرا عظيما، والله لا شبعت ولا رويت ولا اكتسيت، ولا ~~زلت حزينا لما رأيت. قال الحجاج: وما كنت رأيت هذا اللهو؟ فقال سعيد: بل ~~هذا والله الحزن يا حجاج، أما هذه النفخة، فذكرتني يوم النفخ في الصور، ~~وأما هذا المصران (1) فمن نفس ستحشر معك إلى الحساب، وأما هذا العود فنبت ~~بحق، وقطع لغير حق. فقال الحجاج: # أنا قاتلك. قال سعيد: قد فرغ من تسبب في موتي. قال الحجاج: أنا أحب إلى ~~الله منك؟ قال سعيد: لا يقدم أحد على ربه حتى يعرف منزلته منه، والله ~~بالغيب أعلم. قال الحجاج: كيف لا أقدم على ربي في مقامي هذا، وأنا مع إمام ~~الجماعة، وأنت مع إمام الفرقة والفتنة؟ قال سعيد: ما أنا بخارج عن الجماعة، ~~ولا أنا براض عن الفتنة، ولكن قضاء الرب نافذ لا مرد له. قال الحجاج: كيف ~~ترى ما نجمع لأمير المؤمنين؟ قال سعيد: لم أر، فدعا الحجاج بالذهب والفضة، ~~والكسوة والجوهر، فوضع بين يديه. قال سعيد: هذا حسن إن قمت بشرطه. قال ~~الحجاج: وما شرطه؟ قال: أن تشتري له بما تجمع الأمن من الفزع الأكبر يوم ~~القيامة، وإلا فإن كل مرضعة تذهل عما أرضعت، ويضع كل ذي حمل حمله، ولا ~~ينفعه إلا ما طاب منه. قال الحجاج: فترى طيبا؟ قال: برأيك جمعته، وأنت أعلم ~~بطيبه. قال الحجاج: أتحب أن لك شيئا منه؟ قال: لا أحب ما لا يحب الله. قال ~~الحجاج: ويلك. # قال سعيد: الويل لمن زحزح عن الجنة فأدخل النار. قال الحجاج: اذهبوا به ~~فاقتلوه. قال: # PageV02P043 # إن أشهدك يا حجاج أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ~~ورسوله، أسحفظكهن يا حجاج حتى ألقاك. فلما أدبر ضحك. قال الحجاج: ما يضحكك ~~يا سعيد؟ قال: # عجبت من جرأتك على الله، وحلم الله عليك! قال الحجاج: إنما أقتل من ms262 شق ~~عصا الجماعة ومال إلى الفرقة التي نهى الله عنها، اضربوا عنقه. قال سعيد: ~~حتى أصلي ركعتين، فاستقبل القبلة وهو يقول: وجهت وجهي للذي فطر السماوات ~~والأرض حنيفا مسلما وما أنا من المشركين. قال الحجاج: اصرفوه عن القبلة إلى ~~قبلة النصارى، الذين تفرقوا واختلفوا بغيا بينهم، فإنه من حزبهم، فصرف عن ~~القبلة. فقال سعيد: فأينما تولوا فثم وجه الله الكافي بالسرائر.. قال ~~الحجاج: لم نوكل بالسرائر، وإنما وكلنا بالظواهر. قال سعيد: اللهم لا تترك ~~له ظلمي، واطلبه بدمي، واجعلني آخر قتيل يقتل من أمة محمد. فضربت عنقه. ثم ~~قال الحجاج هاتوا من بقي من الخوارج، فقرب إليه جماعة فأمر بضرب أعناقهم، ~~وقال: ما أخاف إلا دعاء من هو في ذمة الجماعة من المظلومين، فأما أمثال ~~هؤلاء فإنهم ظالمون حين خرجوا عن جمهور المسلمين، وقائد سبيل المتوسمين. # وقال قائل: إن الحجاج لم يفرغ من قتله حتى خولط في عقله، وجعل يصيح: ~~قيودنا، يعني القيود التي كانت في رجل سعيد بن جبير، ويقول: متى كان الحجاج ~~يسأل عن القيود أو يعبأ بها؟ وهذا يمكن القول فيه لأهل الأهواء في الفتح ~~والاغلاق. # ذكر بيعة الوليد وسليمان ابني عبد الملك قال: وذكروا أنه لما فرغ الحجاج ~~من قتل الخوارج، وتم له أمر العراق، فاستقر ملك عبد الملك، كتب إليه الحجاج ~~أن يبايع للوليد ابنه، ويكتب له عهده للناس؟ فأبى ذلك عبد الملك، لأن أخاه ~~عبد العزيز كان حيا، وكان قد استعمله عبد الملك على مصر، وكتب إلى الحجاج ~~يوبخه، ويقول له مالك أنت والتكلم بهذه؟ وكانت البيعة بالشام لهما جميعا، ~~إذ مات مروان، وكان عبد العزيز نظير عبد الملك في الحزم والرأي والعقل ~~والذكاء، وكان عبد الملك لا يفضل عبد العزيز في شئ إلا باسم الخلافة: حتى ~~لربما كان عبد الملك يأمر بالشئ، فيريد عبد العزيز غيره، ويرى خلافه، فيرده ~~إلى رأيه ولا يمضيه، وكان لا ينكر ذلك عبد الملك، فلما كانت سنة إحدى ~~وثمانين عقد عبد الملك لموسى بن نصير على إفريقية وما ms263 حولها، ووجهه إلى من ~~بها من البربر يقاتلهم، وضم إليه برقة، فلما قدم موسى بن نصير متوجها، ~~انتهى ذلك إلى عبد العزيز، فرده من مصر إلى الشام، وبعث قرة بن حسان ~~الثعلبي: فانصرف موسى بن نصير إلى الشام لعبد الملك، وذكر امتهانا ناله من ~~عبد العزيز وما استقبله به إلى كلام PageV02P044 # كثير، فقال له عبد الملك: إن عبد العزيز صنو أمير المؤمنين، وقد أمضينا ~~فعله، فتوجه قرة ابن حسان إلى أفريقية، فهزم بها، وقتل غالب أصحابه. فلما ~~كانت سنة أربع وثمانين، توفي عبد العزيز بن مروان بمصر، ثم ولى محمد بن ~~مروان إلى سنة ست وثمانين، فلما توفي عبد العزيز، أجمع عبد الملك على بيعة ~~الوليد، ثم من بعد الوليد سليمان، فكتب إلى الحجاج ببيعة الوليد وسليمان، ~~فبايع الحجاج لهما بالعراق، فلم يختلف عليه أحد، وبويع لهما بالشام ومصر ~~واليمن، وكتب عبد الملك إلى هشام بن إسماعيل، وهو عامله على المدينة، أن ~~يأخذ بيعة أهل المدينة، فلما أتت البيعة لهما، كره ذلك سعيد ابن المسيب، ~~وقال: لم أكن لأبايع بيعتين في الإسلام بعد حديث سمعته عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " إذا كانت بيعتان في الإسلام فاقتلوا الأحدث ~~منهما " فأتاه عبد الرحمن بن عبد القاري. فقال: إني مشير عليك بثلاث خصال، ~~اختر أيها شئت. قال: وما هي؟ قال له: إنك تقوم حيث يراك هشام ابن إسماعيل، ~~فلو غيرت مقامك؟ قال: ما كنت لأغير مقاما قمته منذ أربعين سنة لهشام بن ~~إسماعيل: قال: فثانية: قال: وما هي؟ قال: اخرج معتمرا، قال سعيد: ما كنت ~~لأجهد نفسي، وأنفق مالي في شئ ليس لي فيه نية. قال له: فثالثة، قال: وما ~~هي؟ قال: تبايع للوليد، ثم لسليمان، قال سعيد: أرأيت إن كان الله قد أعمى ~~قلبك كما أعمى بصرك فما علي؟ # قال: وكان عبد الرحمن هذا أعمى. قال: فدعاه هشام بن إسماعيل إلى البيعة، ~~وكان ابن عم سعيد بن المسيب، فلما علم بذلك القرشيون، أتوا هشاما فقالوا ~~له: لا تعجل ms264 على ابن عمك حتى نكلمه ونخوفه القتل، فعسى به أن يبايع ويجيب. ~~قال: فاجتمع القرشيون، فأرسلوا إلى سعيد مولى له كان في الحرس. فقالوا له: ~~اذهب إليه، فخوفه القتل، وأخبره أنه مقتول، فلعله يدخل فيما دخل فيه الناس. ~~فجاءه مولاه، فوجده قائما يصلي في مسجده، فبكى مولاه بكاء شديدا، قال له ~~سعيد: ما يبكيك ويحك! قال: أبكى مما يراد بك. قال له سعيد: وما يراد بي، ~~ويحك. قال: جاء كتاب من عبد الملك بن مروان، إلى هشام بن إسماعيل، إن لم ~~تبايع وإلا قتلت، فجئتك لتطهر وتلبس ثيابا طاهرة وتفرغ من عهدك إن كنت لا ~~تريد أن تبايع. فقال له سعيد: لا أم لك قد وجدتني أصلي في مسجدي، أفتراني ~~كنت أصلي ولست بطاهر، وثيابي غير طاهرة! وأما ما ذكرت من أن أفرغ من عهدي، ~~فما كنت لأوخر عهدي بعد ما حدثني به عبد الله بن عمر عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: " ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين له شئ يوصى به إلا ~~ووصيته مكتوبة "، فإذا شاءوا فليفعلوا، فإني لم أكن لأبايع بيعتين في ~~الإسلام. قال: فرجع إليهم المولى فأخبرهم بما ذكر، فكتب صاحب المدينة هشام ~~بن إسماعيل إلى عبد الملك يخبره أن سعيد بن المسيب كره أن يبايع لهما ~~(للوليد وسليمان) فكتب PageV02P045 # عبد الملك إليه: مالك ولسعيد، وما كان علينا منه أمر نكرهه، وما كان ~~حاجتك أن تكشف عن سعيد، أو تأخذه ببيعة، ما كنا نخاف من سعيد؟ فأما إذ قد ~~ظهر ذلك وانتشر أمره في الناس، فادعه إلى البيعة، فإن أبى فاجلده مئة سوط: ~~أو احلق رأسه ولحيته وألبسه ثيابا من شعر وأوقفه في السوق على الناس لكيما ~~لا يجترئ علينا أحد غيره. قال: فلما وصل الكتاب أرسل إليه هشام، فانطلق ~~سعيد إليه، فلما أتاه دعاه إلى البيعة، فأبى أن يجيبه، فألبسه ثيابا من ~~شعر، وجرده وجلده مئة سوط، وحلق رأسه ولحيته، وأوقفه في السوق، وقال لو ~~أعلم أنه ليس إلا هذا ما نزعت ms265 ثيابي طائعا ولا أجبت إلى ذلك قال بعض ~~الأيليين (1) الذين كانوا في الشرطة بالمدينة: لما علمنا أنه لا يلبس ~~الثياب طائعا قلنا له: يا أبا محمد إنه القتل فاستر بها عورتك قال فلبس ~~فلما تبين له أنا خدعناه قال: يا معلجة (2) أهل أيلة، لولا أني ظننت أنه ~~القتل ما لبسته. قال: فكان هشام بن إسماعيل بعد ذلك إذا خطب الناس يوم ~~الجمعة تحول إليه سعيد بن المسيب، أي يقبل عليه بوجهه ما دام يذكر الله، حي ~~إذا وقع في مدح عبد الملك وغيره أعرض سعيد عنه بوجهه فلما فطن هشام لذلك، ~~أمر حرسيا يحصب وجه سعيد إذا تحول عنه ففعل ذلك به، فقال سعيد: إنما هي ~~ثلاث، وأشار بيده. قال: فما مر به إلا ثلاثة أشهر حتى عزل هشام. # موت عبد الملك وبيعة الوليد قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان لما حضرته ~~الوفاة، جمع بنيه وقال لهم: اتقوا الله ربكم، وأصلحوا ذات بينكم، وليجل ~~صغيركم كبيركم، وكبيركم صغيركم، انظروا أخاكم مسلمة، فاستوصوا به خيرا، ~~فإنه شيخكم ومجنكم الذي به تستجنون، وسيفكم الذي به تضربون، أوصيكم به ~~خيرا، وانظروا ابن عمكم عمر بن عبد العزيز، فاصدروا عن رأيه، ولا تخلوا عن ~~مشورته اتخذوه صاحبا لا تجفوه، ووزيرا لا تعصوه، فإنه من علمتم فضله ودينه، ~~وذكاء عقله، فاستعينوا به على كل مهم، وشاوروه في كل حادث. قال: ثم دخل ~~عليه خالد وعبد الرحمن ابنا يزيد بن معاوية بن أبي سفيان. فقال لهما: ~~أتحبان أن أسألكما بيعة الوليد وسليمان؟ فقالا: يا أمير المؤمنين، معاذ ~~الله من ذلك. قال: فأومأ بيده إلى مصلى كان مضطجعا عليه، فأخرج من تحته ~~سيفا مصلتا. فقال لهما: والله لو قلتما غير ذلك لضربت أعناقكما بهذا السيف، ~~ثم خرجا من عنده، ودخل عليه عمر بن عبد العزيز. فقال عبد الملك: يا أبا حفص ~~استوص خيرا بأخويك # PageV02P046 # الوليد وسليمان، إن زلا فشلهما (1) وإن مالا فأقمهما، وإن غفلا فذكرهما، ~~وإن ناما فأيقظهما، وقد أوصيتهما بك، وعهدت إليهما أن لا يقطعا ms266 شيئا دونك. ~~فقال عمر بن عبد العزيز: # يا أمير المؤمنين أوصيتهما بكتاب الله فليقيماه في عباده وبلاده، وسنة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم فليحيباها، ويحملا الناس عليها؟ فقال عبد ~~الملك: قد فعلت ووليي فيكم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين. ثم ~~قال: وقد علمت يا عمر مكان فاطمة مني، ومحلها من قلبي، وإني آثرتك بها على ~~جميع آل مروان، لفضلك وورعك، فكن عند ظني بك، ورجائي فيك، وقد علمت أنك غير ~~مقصر، ولا مضيع حقها، ولكن الله قد قضى أن الذكرى تنفع المؤمنين، قوموا ~~عصمكم الله وكفاكم. ثم خرجوا من عنده. قال: ثم دعا عبد الملك بالوليد ~~وسليمان، فدخلا عليه. فقال للوليد. اسمع يا وليد، قد حضر الوداع، وذهب ~~الخداع، وحل القضاء. قال: فبكى الوليد. فقال له عبد الملك: # لا تعصر عينيك علي كما تعصر الأمة الوكساء (2)، إذا أنا مت فاغسلني، ~~وكفني، وصل علي وأسلمني إلى عمر بن عبد العزيز يدليني في حفرتي، واخرج أنت ~~إلى الناس، والبس لهم جلد نمر، واقعد على المنبر، وادع الناس إلى بيعتك، ~~فمن مال بوجهه عنك كذا، فقل له بالسيف كذا، وتنكر للصديق والقريب، واسمح ~~للبعيد، وأوصيك بالحجاج خيرا، فإنه هو الذي وطأ لكم المنابر، وكفاكم تقحم ~~تلك الجرائم. # قال: فلما توفي عبد الملك، ومات من يومه ذلك، خرج الوليد إلى الناس، وقعد ~~على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: نعمة ما أجلها، ومصيبة ما ~~أعظمها، وإنا لله وإنا إليه راجعون. نقل الخلافة، وفقد الخليفة، ثم دعا ~~الناس إلى البيعة، فلم يختلف عليه أحد، ثم كان أول ما ظهر من أمره، وتبين ~~من حكمه، أن أمر بهدم كل دار ومنزل، من دار عبد الملك إلى قبره، فهدمت من ~~ساعتها، وسويت بالأرض، لئلا يعرج بسرير عبد الملك يمينا وشمالا، وليكون ~~النهوض به إلى حفرته تلقاء منزله، ثم كتب ببيعته إلى الآفاق والأمصار، وإلى ~~الحجاج بالعراق فبايع له الناس ولم يختلف عليه أحد. فدخل عليه سليمان بن ~~عبد الملك. فقال له: يا أمير ms267 المؤمنين، اعزل الحجاج بن يوسف عن العراقين ~~فإن الذي أفسد الله به أكثر مما أصلح. فقال له الوليد: إن عبد الملك قد ~~أوصاني به خيرا. فقال سليمان: عزل الحجاج والانتقام منه من طاعة الله، ~~وتركه من معصية الله. # PageV02P047 # فقال الوليد: سنرى في هذا الأمر، وترون إن شاء الله. ثم كتب الحجاج إلى ~~الوليد: # أما بعد، فإن الله تعالى استقبلك يا أمير المؤمنين في حداثة بما لا أعلمه ~~استقبل به خليفة قبلك من التمكين في البلاد، والملك للعباد، والنصر على ~~الأعداء، فعليك بالإسلام، فقوم أوده، وشرائعه وحدوده، ودع عنك محبة الناس ~~وبغضهم وسخطهم، فإنه قل ما يؤتى الناس من خير أو شر، إلا أفشوه في ثلاثة ~~أيام، والسلام. # تولية موسى بن نصير البصرة قال: وحدثنا يزيد بن سعيد مولى مسلم، أن عبد ~~الملك بن مروان لما أراد أن يولي أخاه بشر بن مروان على العراق، كتب إلى ~~أخيه عبد العزيز بن مروان وهو بمصر، وبشر معه يقود الجنود، وكان يؤمئذ حديث ~~السن: إني قد وليت أخاك بشرا البصرة، فأشخص معه موسى بن نصير، وزيرا ~~ومشيرا، وقد بعثت إليك بديوان العراق، فادفعه إلى موسى، وأعلمه أنه المأخوذ ~~بكل خلل وتقصير، فشخص بشر من مصر إلى العراق، ومعه موسى بن نصير، حتى نزل ~~البصرة، فلما نزلها دفع إلى موسى بن نصير خاتمه، وتخلى عن جميع العمل، فلبث ~~موسى مع بشر ما لبث، ثم إن رجلا من أهل العراق دخل على بشر بن مروان فقال ~~له: هل لك أن أسقيك شرابا لا تشيب معه أبدا، بعد أن أشترط عليك شروطا؟ قال ~~بشر: وما هي؟ قال: لا تغضب ولا تركب، ولا تجامع امرأة في أربعين ليلة، ولا ~~تدخل حماما، فقبل ذلك بشر وأجابه، وشرب ما أسقاه، واحتجب عن قريب الناس ~~وبعيدهم، وخلا مع جواريه وخدامه، فكان كذلك حتى أتته ولاية الكوفة وقد ضمت ~~إليه مع البصرة، فأتاه من ذلك ما لم يحمل فرحه، ولا السرور به، فدعا بركاب ~~ليركبها، فأتاه الرجل، فناشده لا يخرج ولا ms268 يركب، وأن لا يتحرك بحركة من ~~مكانه، فلم يلتفت بشر إلى كلامه، ولم يقبل ما أمره به، فلما رأى الرجل عزمه ~~قال له: فأشهد لي على نفسك بأنك قد عصيتني ففعل بشر ذلك، وأشهد أنه قد ~~أبرأه، فركب وهو يريد الكوفة، فلم يسر إلا أميالا، حتى وضع يده على لحيته، ~~فإذا هي في كفه قد سقطت من وجهه، فلما رأى ذلك انصرف إلى البصرة، فلم يلبث ~~إلا قليلا حتى هلك، فلما بلغ عبد الملك موته، وجه الحجاج بن يوسف واليا ~~عليها. فقال موسى بن نصير: ما فاتك فلا يفوتك، وكان عبد الملك قد أراده ~~لأمر عتب عليه منه. فكتب خالد بن أبان، من الشام إلى موسى ابن نصير: إنك ~~معزول، وقد وجه PageV02P048 # إليك الحجاج بن يوسف، وقد أمر فيك بأغلظ أمر، فالنجاة، والوحي الوحي (1)، ~~فإما أن تلحق بالفرس فتأمن وإما أن تلحق بعبد العزيز بن مروان مستجيرا به، ~~ولا تمكن ملعون ثقيف من نفسك فيحكم فيك. فلما أتاه الكتاب: ركب النجائب ~~ولحق بالشام، وبها يومئذ عبد العزيز بن مروان قد وفد بأموال مصر. فكتب ~~الحجاج من العراق: يا أمير المؤمنين، إنه لا قدر لما اقتطعه موسى بن نصير ~~من أموال العراق، وليس بالعراق، فابعث به إلي. # دخول موسى بن نصير على عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن ~~سالم حدثهم عن أبيه، أنه حضر يومئذ شأن موسى، ودخوله على عبد الملك. قال: ~~وكانت لموسى يد عظيمة عند عبد العزيز بن مروان يطول ذكرها قال سالم، قال لي ~~موسى: لما قدمت الشام لقيت بها عبد العزيز، وكان ذلك من صنع الله، فأدخلني ~~على عبد الملك، فلما رآني عبد الملك قلت: موسى. قال: ما تزال تعرض لحيتك ~~علينا؟ # قال: قلت لم يا أمير المؤمنين؟ قال: لجرأتك علي واقتطاعك الفئ. قال: فقلت ~~ما فعلت يا أمير المؤمنين، وما ألوتك نصحا واجتهادا وإصلاحا، قال: أقسم ~~لتؤدين دينك خمسين مرة. قال: قلت لم يا أمير المؤمنين؟ قال: فما تركني ~~أتمها حتى قال: ms269 قم لتؤدينها مئة مرة، فذهبت لأتكلم، فأشار علي عبد العزيز ~~أن قل نعم. فقلت: نعم يا أمير المؤمنين، ثم خرجت فأعانني عبد العزيز بخمسين ~~ألفا، وأديت خمسين ألفا في ثلاثة أشهر نجمها علي. # تولية موسى بن نصير على إفريقية قال: وذكروا أن عبد العزيز لما رجع إلى ~~مصر، سار موسى معه. فكان من أشرف الناس عنده، فأقام بها ما أقام حتى قدم ~~حسان بن النعمان من إفريقية يريد الشام إلى عبد الملك وقد فتح له بها فتحا، ~~وقتل الكاهنة، فأجازه عبد الملك وزاده برقة، ورده إليها، أي إلى إفريقية ~~واليا، فأقبل حتى نز مصر، وبعث معه بعثا من هناك، فأخذوا أعطياتهم منه، ثم ~~ساروا حتى نزلوا ذات الجماجم. قال: فبلغ ذلك عبد العزيز وأن حسان بن ~~النعمان يطلب برقة من عند عبد الملك، وأنه قد ولاه إياها، فبعث إليه فقال ~~له: أولاك أمير المؤمنين برقة؟ قال: نعم. # فقال له عبد العزيز: لا تعرض، وكان عليها مولى لعبد العزيز. فقال حسان: ~~ما أنا فاعل. # PageV02P049 # فغضب عبد العزيز وقال له: ائت بعهدك عليها إن كنت صادقا. قال: فأني به ~~حسان، فلما أقرأه عبد العزيز وجدها فيه، فالتفت إلى حسان فقال: ما أنت ~~بتاركها؟ قال: والله لا أنعزل عما ولانيه أمير المؤمنين. قال: فاقعد في ~~بيتك، فسيولي هذا الأمر من هو خير منك وأولى به منك، في تجربته وسياسته، ~~ويغني الله أمير المؤمنين عنك. ثم أخذ عبد العزيز عهده ومزقه، ودعا بموسى ~~بن نصير فعقد له على أفريقية يوم الخميس في صفر سنة تسع وسبعين، فتجهز موسى ~~ابن نصير، وحمل الأموال إلى ذات (1) الجماجم، وبها الجيوش ينتظرون وإليهم ~~فقدم عليهم موسى بن نصير، فلما صار على الجيش الأول أتى عصفور حتى وقع على ~~صدره، فأخذه موسى، فدعا بسكين، فذبحه موسى، ولطخ بدمه صدره من فوق الثياب، ~~ونتف ريشه وطرحه على صدره وعلى نفسه، ثم قال: الفتح ورب الكعبة، والظفر إن ~~شاء الله. # خطبة موسى بن نصير رحمه الله قال: وذكروا أن موسى لما ms270 قدم ذات الجماجم، ~~وقد توافت الجيوش بها، جمع الناس فقام خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: أيها الناس، إن أمير المؤمنين أصلحه الله رأى رأيا في حسان بن ~~النعمان، فولاه ثغركم، ووجهه أميرا عليكم، وإنما الرجل في الناس بما أظهر، ~~والرأي فيما أقبل، وليس فيما أدبر، فلما قدم حسان بن النعمان على عبد ~~العزيز أكرمه الله كفر النعمة، وضيع الشكر، ونازع الأمر أهله، فغير الله ما ~~به، وإنما الأمير أصلحه الله صنو أمير المؤمنين وشريكه، ومن لا يتهم في ~~عزمه ورأيه، وقد عزل حسان عنكم، وولاني مكانه عليكم، ولم يأل أن أجهد نفسه ~~في الاختبار لكم، وإنما أنا رجل كأحدكم، فمن رأى مني حسنة، فليحمد الله، ~~وليحض على مثلها، ومن رأى مني سيئة فلينكرها، فإني أخطئ كما تخطئون، وأصيب ~~كما تصيبون، وقد أمر الأمير أكرمه الله لكم بعطاياكم وتضعيفها أثلاثا، ~~فخذوها هنيئا مريئا، ومن كانت له حاجة فليرفعها إلينا، وله عندنا قضاؤها عل ~~ما عز وهان، مع المواساة إن شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله. # دخول موسى بن نصير أفريقية قال: وذكروا أن موسى لما سار متوجها إلى ~~المغرب، بقية صفر، ثم ربيع وربيع، ودخل في جمادي الأولى، يوم الاثنين، لخمس ~~خلون منه، سنة تسع وسبعين، فأخذ # PageV02P050 # سفيان بن مالك الفهري وأبا صالح الفهري، فغرم كل واحد منهما عشرة آلاف ~~دينار، ووجههما إلى عبد الملك في الحديد. قال: وكان قدوم موسى أفريقية وما ~~حولها مخوفا، بحيث لا يقدر المسلمون أن يبرزوا في العيدين، لقرب العدو ~~منهم، وإن عامة بيوتها الخصوص (1) وأفضلها القباب، وبناء المسجد يومئذ شبيه ~~بالحظير، غير أنه قد سقف ببعض الخشب، وقد كان ابن النعمان بنى القبلة وما ~~يليها بالمدر، بنيانا ضعيفا، وكانت جبالها كلها محاربة لا ترام، وعامة ~~السهل. # خطبة موسى بأفريقية قال: وذكروا أن موسى لما قدم أفريقية، ونظر إلى ~~جبالها، وإلى ما حولها، جمع الناس ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: أيها الناس، إنما كان قبلي على أفريقية أحد ms271 رجلين: مسالم يحب العافية، ~~ويرضى بالدون من العطية، ويكره أن يكلم (2)، ويحب أن يسلم، أو رجل ضعيف ~~العقيدة، قليل المعرفة، راض بالهوينى، وليس أخو الحرب إلا من اكتحل السهر، ~~وأحسن النظر، وخاض الغمر، وسمت به همته، ولم يرض بالدون من المغنم لينجو، ~~ويسلم دون أن يكلم أو يكلم، ويبلغ النفس عذرها في غير خرق يريده، ولا عنف ~~يقاسيه، متوكلا في حزمه، جازما في عزمه، مستزيدا في علمه، مستشيرا لأهل ~~الرأي في إحكام رأيه، متحنكا بتجاربه، ليس بالمتجابن إقحاما، ولا بالمتخاذل ~~إحجاما، إن ظفر لم يزده الظفر إلا حذرا، وإن نكب أظهر جلادة وصبرا، راجيا ~~من الله حسن العاقبة، فذكر بها المؤمنين، ورجاهم إياها لقول الله تعالى (إن ~~العاقبة للمتقين) أي الحذرين. وبعد: فإن كل من كان قبلي كان يعمد إلى العدو ~~الأقصى، ويترك عدوا منه أدنى، ينتهز منه الفرصة، ويدل منه على العورة، ~~ويكون عونا عليه عند النكبة، وأيم الله لا أريم (3) هذه القلاع والجبال ~~الممتنعة حتى (4) يضع الله أرفعها، ويذل أمنعها، ويفتحها على المسلمين ~~بعضها أو جمعها، أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين. # PageV02P051 # فتح زعوان قال: وذكروا أنه كان بزعوان قوم من البربر، يقال لهم عبدوه، ~~عليهم عظيم من عظمائهم يقال له: ورقطان، فكانوا يغيرون على سرح المسلمين، ~~ويرصدون غرتهم، والذي بين زعوان وبين القيروان يوم إلى الليل، فوجه إليهم ~~موسى خمس مئة فارس، عليهم رجل من خشين يقال له: عبد الملك فقاتلهم فهزمهم ~~الله، وقتل صاحبهم ورقطان، وفتحها الله على يد موسى، فبلغ سبيهم يومئذ عشرة ~~آلاف رأس، وأنه كان أول سبي دخل القيروان في ولاية موسى، ثم وجه ابنا له ~~يقال له عبد الرحمن بن موسى، إلي بعض نواحيها، فأتاه بمئة ألف رأس ثم وجه ~~ابنا له يقال له مروان، فأتاه بمثلها فكان الخمس يومئذ ستين ألف رأس. # قدوم كتاب الفتح على عبد العزيز بن مروان قال: وذكروا أن موسى بن نصير ~~كتب إلى عبد العزيز بن مروان بمصر يخبره بالذي فتح الله عليه، وأمكن له، ms272 ~~ويعلمه أن الخمس بلغ ثلاثين ألفا، وكان ذلك وهما من الكاتب. فلما قرأ عبد ~~العزيز الكتاب، دعا الكاتب وقال له: ويحك! اقرأ هذا الكتاب. فلما قرأه قال ~~هذا وهم من الكاتب فراجعه. فكتب إليه عبد العزيز: إنه بلغني كتابك، وتذكر ~~فيه أنه قد بلغ خمس ما أفاء الله عليك ثلاثين ألف رأس، فاستكثرت ذلك، وظننت ~~أن ذلك وهم من الكاتب، فاكتب إلي بعد ذلك على حقيقة، واحذر الوهم. فلما قدم ~~الكتاب على موسى كتب إليه: بلغني أن الأمير أبقاه الله، يذكر أنه استكثر ما ~~جاءه من العدة، التي أفاء الله علي، وأنه ظن أن ذلك وهم من الكاتب، فقد كان ~~ذلك وهما على ما ظنه الأمير، والخمس أيها الأمير ستون ألفا حقا ثابتا بلا ~~وهم. قال: فلما أتى الكتاب إلى عبد العزيز وقرأه ملأه سرورا. # إنكار عبد الملك تولية موسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد العزيز لما ولى ~~موسى وعزل حسان كما تقدم، وفتح الله لموسى بلغ ذلك عبد الملك بن مروان، ~~فكره ذلك وأنكره، ثم كره رد رأي عبد العزيز، ثم هم بعزل موسى لسوء رأيه ~~فيه، ثم رأى أن لا يرد ما صنع عبد العزيز. فكتب عبد الملك إلى عبد العزيز: ~~أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين ما كان من رأيك في عزل حسان، وتوليتك موسى ~~مكانه، وعلم الأمر الذي له عزلته، وقد كنت أنتظر منك مثلها في موسى، وقد ~~PageV02P052 # أمضى لك أمير المؤمنين من رأيك ما أمضيت، وولايتك من وليت، فاستوص بحسان ~~خيرا فإنه ميمون الطائر، والسلام. # جوابه فلما قدم الكتاب على عبد العزيز كتب إلى أخيه عبد الملك: أما بعد، ~~فقد بلغني كتاب أمير المؤمنين في عزل حسان، وتوليتي موسى بن نصير، وقد كان ~~لمثلها مني منتظرا في موسى، ويعلمني أنه قد أمضى لي من رأيي فيما أمضيت، ~~وولايتي من وليت، وقد علمت أن أمير المؤمنين يتفاءل بحسان للذي فتح الله ~~على يديه، ولم أعد مع نظري لأمير المؤمنين، بأن عزلت حسان، ووليت موسى في ms273 ~~يمن طائره، وحسن أثره: فأما قول أمير المؤمنين: قد كنت أنتظرها منك في ~~موسى، فلعمري لقد كنت لها فيه مرصدا، ولأمير المؤمنين أن يسبق بها إليه ~~منتظرا، حتى حضر أمر جهدت فيه نفسي لأمير المؤمنين. ولنفسي الرأي والنصيحة، ~~والسلام. # كتاب عبد العزيز بالفتح إلى عبد الملك قال: وذكروا أن عبد العزيز كتب إلى ~~عبد الملك، أما بعد: فإني كنت وأنت يا أمير المؤمنين في موسى وحسان ~~كالمتراهنين أرسلا فرسيهما إلى غايتهما فأتيا معا، وقد مدت الغاية لأحدهما ~~(1)، ولك عنده مزيد إن شاء الله (2)، وقد جاءني يا أمير المؤمنين كتاب من ~~موسى، وقد وجهته إليك لتقرأه، وتحمد الله عليه، والسلام. # جوابه فكتب إليه عبد الملك: أما بعد، فقد بلغ أمير المؤمنين كتابك، وفهم ~~المثل الذي مثلته في حسان وموسى، ويقول لك عند أحدهما مزيد، وكل قد عرف ~~الله على يده خيرا ونصرا، وقد أجريت وحدك (3)، وكل مجر بالخلاء مسرور (4)، ~~والسلام. # PageV02P053 # ثم وجه عبد الملك رجلا إلى موسى ليقبض ذلك منه على ما ذكر موسى، وعلى ما ~~كتب به. # فلما قدم الرسول على موسى: دفع إليه ما ذكر، وزاده ألفا للوفاء. # فتح هوارة، وزناتة، وكتامة قال: وذكروا أن موسى أرسل عياش بن أخيل إلى ~~هوارة وزناتة في ألف فارس، فأغار عليهم وقتلهم وسباهم، فبلغ سبيهم خمسة ~~آلاف رأس، وكان عليهم رجل منهم يقال له كمامون، فبعث به موسى إلى عبد ~~العزيز في وجوه الأسرى، فقتله عند البركة التي عند قرية عقبة، فسميت بركة ~~كمامون. فلما أوجع عياش فيهم دعوا إلى الصلح، فقدم على موسى بوجوههم، ~~فصالحوهم وأخرجوهم، وكانت كتامة قد قدمت على موسى فصالحته، وولى عليهم رجلا ~~منهم، وأخذ منهم رهونهم، وكتب أحدهم إلى موسى، إنما نحن عبدانك، قتل أحدنا ~~صاحبه، وأنا خير لك منه، فلم يشك موسى أن ذلك إنما كان عن ممالاة من كتامة، ~~وقد كانت رهون كتامة استأذنوا موسى قبل ذلك بيوم ليتصيدوا، فأذن لهم. فلما ~~أتاه ما أتاه تحقق ظنه فيهم، وأنهم إنما هربوا، فوجه الخيول في طلبهم، ms274 فأتى ~~بهم، فأراد صلبهم. فقالوا: لا تعجل أيها الأمير بقتلنا حتى يتبين أمرنا، ~~فإن آباءنا وقومنا لم يكونوا ليدخلوا في خلاف أبدا، ونحن في يدك، وأنت على ~~البيان أقدر منك على استحيائنا بعد القتل، فأوقرهم حديدا، وأخرجهم معه إلى ~~كتامة، وخرج هو بنفسه. فلما بلغهم خروج موسى، تلقاه وجوه كتامة معتذرين، ~~فقبل منهم، وتبينت له برأتهم، واستحيا رهونهم. # فتح صنهاجة قال: وذكروا أن الجواسيس أتوا موسى، فقالوا له: إن صنهاجة ~~بغرة منهم وغفلة، وإن إبلهم تنتج، ولا يستطيعون براحا، فأغار عليهم موسى ~~بأربعة آلاف من أهل الديوان، وألفين من المتطوعة، ومن قبائل البربر، وخلف ~~عياشا على أثقال المسلمين وعيالهم بظبية في ألفي فارس، وعلى مقدمة موسى ~~عياض بن عقبة، وعلى ميمنته المغيرة بن أبي بردة، وعلى ميسرته زرعة بن أبي ~~مدرك، فسار موسى حتى غشى صنهاجة، ومن كان معها من قبائل البربر، وهم لا ~~يشعرون، فقتلهم قتل الفناء، فبلغ سبيهم يومئذ مئة ألف رأس، ومن الإبل ~~والبقر والغنم والخيل والحرث والثياب ما لا يحصى، ثم انصرف قافلا إلى ~~القيروان، وهذا كله في سنة ثمانين فلما سمعت الأجناد بما فتح الله على موسى ~~وما أصاب معه المسلمون من الغنائم رغبوا في الخروج إلى الغرب، فخرج نحو مما ~~كان معه، فالتقى المغيرة وصنهاجة، فاقتتلوا قتالا شديدا، ثم إن الله منحه ~~أكتافهم وهزمهم، فبلغ سبيهم ستين ألف رأس ثم انصرف قافلا. PageV02P054 # فتح سجوما قال: وذكروا أنه لما كان سنة ثلاث وثمانين، قدم على موسى نجدة ~~عبد الله بن موسى في طالعة أهل مصر. فلما قدم عليه، أمر الناس بالجهاد ~~والتأهب، ثم غزا يريد سجوما وما حولها، واستخلف عبد الله بن موسى على ~~القيروان، ثم خرج وهو في عشرة آلاف من المسلمين، وعلى مقدمته عياض بن عقبة، ~~وعلى ميمنته زرعة بن أبي مدرك، وعلى ميسرته المغيرة بن أبي بردة القرشي، ~~وعلى ساقته نجدة بن مقسم، فأعطى اللواء ابنه مروان، فسار حتى إذا كان بمكان ~~يقال له سجن الملوك، خلف به الأثقال، وتجرد في الخيول، ms275 وخلف على الأثقال ~~عمرو بن أوس في ألف، وسار بمن معه حتى انتهى إلى نهر يقال له ملوية، فوجده ~~خاملا، فكره طول المقام عليه، خوفا من نفاد الزاد، وأن يبلغ العدو مخرجه ~~ومكانه، فأحدث مخاضة غير مخاضة عقبة بن نافع، وكره أن يجوز عليها. فلما ~~أجاز وانتهى إليهم: وجدهم قد أنذروا به وتأهبوا، وأعدوا للحرب، فاقتتلوا ~~قتالا شديدا في جبل منيع، لا يوصل إليهم إلا من أبواب معلومة، فاقتتلوا يوم ~~الخميس ويوم الجمعة ويوم السبت إلى العصر، فخرج إليهم رجل من ملوكهم، فوقف ~~والناس مصطفون، فنادى بالمبارزة، فلم يجبه أحد، فالتفت موسى إلى مروان ~~ابنه، فقال له: # اخرج إليه أي بني، فخرج إليه مروان، ودفع اللواء إلى أخيه عبد العزيز بن ~~موسى. فلما رآه البربري ضحك، ثم قال له: ارجع، فإني أكره أن أعدم منك أباك. ~~وكان حديث السن. # قال: فحمل عليه مروان فرده، حتى ألجأه إلى جبله، ثم إنه زرق مروان ~~بالمزراق، فتلقاه مروان بيده وأخذه، ثم حمل مروان عليه وزرقه به زرقة وقعت ~~في جنبه، ثم لحقت حتى وصلت إلى جوف برذونه، فمال فوقع به البرذون ثم التقى ~~الناس عليه فاقتتلوا قتالا شديدا أنساهم ما كان قبله، ثم إن الله هزمهم، ~~وفتح للمسلمين عليهم، وقتل ملكهم كسيلة بن لمزم وبلغ سبيهم مئتي ألف رأس، ~~فيهم بنات كسيلة، وبنات ملوكهم، وما لا يحصى من النساء السلسات، اللاتي ليس ~~لهن ثمن ولا قيمة. قال فلما وقفت بنات الملوك بين يدي موسى، قال: علي ~~بمروان ابني. # قال: فأتى به قال له: أي بني اختر. قال: فاختار ابنة كسيلة فاستسرها (1)، ~~فهي أم عبد الملك بن مروان هذا. قال: قاتل يومئذ زرعة بن أبي مدرك قتالا ~~شديدا أبلى فيه حتى اندقت ساقه قال: فآلى موسى أن لا يحمل إلا على رقاب ~~الرجال، حتى يدخل القيروان، وأن يحمله خمسون رجلا، كل يوم يتعاقبون بينهم، ~~ثم انصرف موسى وقد دانت له البلاد كلها، وجعل # PageV02P055 # يكتب إلى عبد العزيز بفتح بعد فتح، وملأت سباياه الأجناد، وتمايل ms276 الناس ~~إليه، ورغبوا فيما هنالك لديه، فكان عبد الملك بن مروان كثيرا ما يقول: إذا ~~جاءه فتوح موسى: لتهنئك الغلبة أبا الإصبع. ثم يقول: عسى أن تكرهوا شيئا ~~ويجعل الله فيه خيرا كثيرا. قال: وبعث موسى إلى عياض وعثمان وإلى عبيدة بني ~~عقبة، فقال: اشتفوا، وضعوا أسيافكم في قتلة أبيكم عقبة. قال: # فقتل منهم عياض ست مئة رجل صبرا من خيارهم وكبارهم، فأرسل إليه موسى أن ~~أمسك. # فقال: أما والله لو تركني ما أمسكت عنهم، ومنهم عين تطرف. # قدوم الفتح على عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن موسى لما قدم، وجه ~~بذلك الفتح إلى عبد العزيز بن مروان، مع علي ابن رباح، فسار حتى قدم على ~~عبد العزيز بمصر، فأجازه ووصله، ووجهه إلى عبد الملك بن مروان أخيه، فلما ~~قدم عليه أجازه أيضا، وزاد في عطائه عشرين (1). فلما انصرف، قال له عبد ~~العزيز: كم زادك أمير المؤمنين؟ قال: عشرين. قال: لولا كره أن أفعل مثل ما ~~فعل لزدتك مثلها، ولكن تعدلها زيادة عشرة (2). وكتب عبد الملك إلى موسى ~~يعلمه أنه قد فرض لجميع ولده فيئ مئة (3). وبلغ به هو إلى المئتين، وفرض في ~~مواليه، وأهل الجزاء والبلاء ممن معه خمس مئة رجل ثلاثين ثلاثين، وكتب إليه ~~إن أمير المؤمنين قد أمر لك بمئة ألف التي أغرمها لك، فخذها من قبلك من ~~الأخماس. قال: فلما قدم على موسى كتاب عبد الملك بن مروان، يأمره بأخذ ~~المئة الألف مما قبله. قال: فإني أشهدكم أنه رد على المسلمين، ومعونة لهم، ~~وفي الرقاب (4) وكان موسى إذا أفاء الله عليه شيئا، اشترى من ظن منهم أنه ~~يقبل الإسلام وينجب (5) فيعرض عليه الإسلام، فإن رضي قبله من بعد أن يمحص ~~عقله، ويجرب فطنة فهمه، فإن وجده ماهرا أمضى عتقه وتولاه، وإن لم يجد فيه ~~مهارة رده في الخمس والسهام. قال: وكتب موسى # PageV02P056 # إلى عبد العزيز ببلاء زرعة بن أبي مدرك وما أوصله، وأنه لولا ذلك أوفده ~~إلى أمير المؤمنين، ففرض له عبد العزيز في مئة، ms277 وفرض لثلاثين رجلا من قومه، ~~وانصرف موسى قافلا، وذلك في سنة أربع وثمانين. # غزوة موسى في البحر قال: وذكروا أن موسى أقام بالقيروان بعد قفله شهر ~~رمضان وشوال، فأمر بدار صناعة بتونس (1) وجر البحر إليها (2)، فعظم عليه ~~الناس ذلك، وقالوا له: هذا أمر لا نطيقه، فقام إلى موسى رجل من مسالمة ~~البربر، ممن حسن إسلامه، فقال له: أيها الأمير، قد مر على مئة وعشرون سنة، ~~وإن أبي حدثني أن صاحب قرطا جنة لما أراد بناء قناتها، أتاه الناس يعظمون ~~عليه ذلك فقام إليه رجل فقال له: أيها الملك: إنك إن وضعت يدك بلغت منها ~~حاجتك، فإن الملوك لا يعجزها شئ بقوتها وقدرتها، فضع يدك أيها الأمير، فإن ~~الله تعالى سيعينك على ما نويت، ويأجرك فيما توليت. فسر بذلك موسى، وأعجبه ~~قول هذا الشيخ. فوضع يده، فبنى دار صناعة بتونس، وجر البحر إليها مسيرة ~~اثنى عشر ميلا، حتى أقحمه دار الصناعة، فصارت مشتى للمراكب إذا هبت الأنواء ~~والأرياح. ثم أمر بصناعة مئة مركب، فأقام بذلك بقية سنة أربع وثمانين، وقدم ~~عطاء بن أبي نافع الهذلي في مراكب أهل مصر، وكان قد بعثه عبد العزيز يريد ~~سردانية، فأرسى بسوسة، فأخرج إليه موسى الأسواق، وكتب إليه أن ركوب البحر ~~قد فات في هذا الوقت وفي هذا العام. فأقم لا تغرر بنفسك. فإنك في تشرين ~~الآخر، فأقم بمكانك حتى يطيب ركوب البحر قال: فلم يرفع عطاء لكتاب موسى ~~رأسا (3)، وشحن مراكبه، ثم رفع فسار حتى أتي جزيرة يقال لها سلسلة، ~~وافتتحها، وأصاب فيها مغانم كثيرة، وأشياء عظيمة من الذهب والفضة والجواهر، ~~ثم انصرف قافلا، فأصابته ريح عاصف، فغرق عطاء وأصحابه، وأصيب الناس، ووقعوا ~~بسواحل أفريقية. فلما بلغ ذلك موسى، وجه يزيد بن مسروق في خيل إلى سواحل ~~البحر، يفتش على ما يلقى البحر من سفن عطاء وأصحابه فأصاب تابوتا منحوتا ~~قال: # فمنه كان أصل غناء يزيد بن مسروق. قال: ولقد لقيت شيخا متوكئا على قصبة، ~~فذهبت # PageV02P057 # لأفتشه فنازعني، فأخذت القصبة من يده فضربت بها ms278 عنقه فانكسرت، فتناثر ~~منها اللؤلؤ والجوهر والدنانير، ثم إن موسى أمر بتلك المراكب ومن نجا من ~~النواتية، فأدخلهم دار الصناعة بتونس، ثم لما كانت سنة خمس وثمانين أمر ~~الناس بالتأهب لركوب البحر، وأعلمهم أنه راكب فيه بنفسه، فرغب الناس ~~وتسارعوا، ثم شحن فلم يبق شريف ممن كان معه إلا وقد ركب حتى إذا ركبوا في ~~الفلك، ولم يبق إلا أن يرفع هو، دعا برمح فعقده لعبد الله بن موسى بن نصير، ~~وولاه عليهم وأمره، ثم أمره أن يرفع من ساعته، وإنما أراد موسى بما أشار من ~~مسيره، أن يركب أهل الجلد والنكاية والشرف، فسميت غزوة الأشراف، ثم سار عبد ~~الله بن موسى في مراكبه، وكانت تلك أول غزوة غزيت في بحر أفريقية. قال: ~~فأصاب في غزوته تلك صقلية، فافتتح مدينة فيها، فأصاب ما لا يدري، فبلغ سهم ~~الرجل مئة دينار ذهبا، وكان المسلمون ما بين الألف إلى التسع مئة، ثم انصرف ~~قافلا سالما. فأتت موسى وفاة عبد العزيز بن مروان، واستخلاف الوليد بن عبد ~~الملك سنة ست وثمانين، فبعث إليه بالبيعة، وبفتح عبد الله بن موسى، وما ~~أفاء الله على يده، ثم إن موسى بعث زرعة بن أبي مدرك إلى قبائل من البربر، ~~فلم يلق حربا منهم ورغبوا في الصلح، فوجه رؤوسهم إلى موسى، فأعطاهم الأمان، ~~وقبض رهونهم، وعقد لعياش ابن أخيل على مراكب أهل أفريقية، فشتا في البحر، ~~وأصاب مدينة يقال لها سرقوسة، ثم قفل في سنة ست وثمانين، ثم إن عبد الله بن ~~مرة قام بطالعة أهل مصر على موسى في سنة تسع وثمانين فعقد له موسى على بحر ~~أفريقية، فأصاب سردانية، وافتتح مدائنها، فبلغ سبيها ثلاثة آلاف رأس، سوى ~~الذهب والفضة والحرث وغيره. # غزوة السوس الأقصى قال: وذكروا أن موسى وجه مروان ابنه إلى السوس الأقصى، ~~وملك السوس يومئذ مزدانة الأسواري، فسار في خمسة آلاف من أهل الديوان (1) ~~فلما اجتمعوا، ورأى مروان أن الناس قد تعجلوا إلى قتال العدو، وأن في يده ~~اليمنى القناة (2)، وفي يده اليسرى ms279 الترس، وإنه ليشير بيده إلى الناس أن ~~كما أنتم. فلما التقى مروان ومزدانة، اقتتل الناس إذ ذاك قتالا شديدا، ثم ~~انهزم مزدانة ومنح الله مروان أكتافهم، فقتلوا قتلة الفناء، فكانت تلك ~~الغزوة # PageV02P058 # استئصال أهل السوس (1) على أيدي مروان، فبلغ السبي أربعين ألفا، وعقد ~~موسى على بحر أفريقية حتى نزل بميورقة فافتتحها. # قدوم الفتوحات على الوليد بن عبد الملك قال: وذكروا أن خادما للوليد بن ~~عبد الملك بن مروان أخبرهم قال: إني لقريب من الوليد بن عبد الملك، وبين ~~يديه طشت من ذهب، وهو يتوضأ منه، إذ أتى رسول من قبل قتيبة بن مسلم من ~~خراسان بفتح من فتوحاتها، فأعلمته قال: خذ الكتاب منه، فأخذه فقرأه، فما ~~أتي على آخره، حتى أتى رسول آخر من قبل موسى بن نصير، بفتح السوس من قبل ~~مروان ابن موسى، فأعلمته. قال: هاته، فقرأه، فحمد الله، وخر ساجدا لله ~~حامدا، ثم التفت إلى قال: أمسك الباب لا يدخل أحد. قال: وكان عنده ابن له ~~يحبو بين يديه. فلما خر الوليد ساجدا لله شاكرا، جاء الصبي إلى الطشت ~~فاضطرب فيه وصاح، فما التفت إليه. قال: وصرت لا أستطيع أن أغيثه لما أمرني ~~به من إمساك الباب، وأطال السجود حتى خفي صوت الصبي، ثم رفع رأسه فصاح بي، ~~فدخلت وأخذت الصبي، وإنه لما به روح. # فتح قلعة أرساف قال: ثم إن صاحب قلعة أرساف، أغار على بعض سواحل أفريقية، ~~فنال منهم، وبلغ موسى خبره، فخرج إليه بنفسه فلم يدركه، فاشتد ذلك على ~~موسى. قال: قتلني الله إن لم أقتله وأنا مقيم هنا. قال: فأقام موسى ما ~~أقام، ثم إنه دعا رجلا من أصحابه، فقال له: إني موجهك في أمر وليس عليك فيه ~~بأس ولك عندي فيه حسن الثواب، خذ هذين الأذنين فسر فيهما بمن معك، حتى تأتي ~~موضع كذا وكذا، في مكان كذا، فإنك تجد كنيسة، وتجد الروم قد جعلوها لعيدهم، ~~فإذا كان الليل فادن من ساحلها، ودع إحدى هذين الأذنين (2) بما فيها ثم ~~انصرف إلي بالأذن ms280 الأخرى، وبعث معه موسى قبة من الخز والوشى، ومن طرائف أرض # PageV02P059 # العرب شيئا مليحا، وكتب كتابا بالرومية جوابا لكتاب، كأنه كان كتب به إلى ~~موسى يسأله الأمان، على أن يدله على عورة الروم، وكتاب فيه أمان من موسى ~~مطبوع، فسار حتى انتهى إلى الموضع الذي وصف له موسى، فترك الأذن بما فيها، ~~وانصرف راجعا في الأذن الأخرى حتى قدم على موسى، وأن الروم لما عثروا على ~~أذن موسى استنكروها، فارتفع أمرها إلى بطريق تلك الناحية، فأخذ ما فيها. ~~فلما رأى ما فيها من الكتب والهدية هاب ذلك، فبعث بها كما هي إلى الملك ~~الأعظم. فلما أفضت إليه، وقرأ الكتب تحقق ذلك عنده، فبعث إلى أرساف رجلا ~~وملكه عليها، وأمر أن يضرب عنق صاحبها الذي أغار على سواحل أفريقية، ففعل، ~~فقتل الله بحيلة موسى. # فتح الأندلس قال: وذكروا أن موسى وجه طارقا مولاه إلى طنجة وما هنالك، ~~فافتتح مدائن البربر وقلاعها، ثم كتب إلى موسى: إني قد أصبت ست سفن، فكتب ~~إليه موسى. أتممها سبعا، ثم سر بها إلى شاطئ البحر، واستعد لشحنها، واطلب ~~قبلك رجلا يعرف شهور السريانيين، فإذا كان يوم أحد وعشرين من شهر أذار ~~بالسرياني، فاشحن على بركة الله ونصره في ذلك اليوم، فإن لم يكن عندك من ~~يعرف شهور السريان، فشهور العجم، فإنها موافقة لشهور السريان، وهو شهر يقال ~~له بالأعجمية مارس، فإذا كان يوم أحد وعشرين منه، فاشحن على بركة الله كما ~~أمرتك إن شاء الله، فإذا أجريت فسر حتى يلقاك جبل أحمر، وتخرج منه عين ~~شرقية، إلى جانبها صنم فيه تمثال ثور، فاكسر ذلك التمثال، وانظر فيمن معك ~~إلى رجل طويل أشعر، بعينيه قبل (1)، وبيده شلل، فاعقد له على مقدمتك، ثم ~~أقم مكانك حتى يغشاك إن شاء الله. فلما انتهى الكتاب إلى طارق كتب إلى ~~موسى: إني منته إلى ما أمر الأمير ووصف، غير أني لم أجد صفة الرجل الذي ~~أمرتني به إلا في نفسي، فسار طارق في ألف رجل وسبع مئة، وذلك في شهر ms281 رجب ~~سنة ثلاث وتسعين، وقد كان لذريق ملك الأندلس، قد غزا عدوا يقال له البشكنس، ~~واستخلف ملكا من ملوكهم يقال له تدمير. فلما بلغ تدمير مكان طارق، ومن معه ~~من المسلمين. كتب إلى لذريق: إنه قد وقع بأرضنا قوم لا ندري أمن السماء ~~نزلوا أم من الأرض نبعوا. فلما بلغ لذريق ذلك أقبل راجعا إلى طارق في سبعين ~~ألف عنان، ومعه العجل تحمل # PageV02P060 # الأموال والزخرف، وهو على سرير بين دابتين، وعليه قبة مكللة باللؤلؤ ~~والياقوت والزبرجد، ومعه الحبال، ولا يشك في أسرهم: فلما بلغ طارقا دنوه ~~منهم، قام في أصحابه، فحمد الله، ثم حض الناس على الجهاد، ورغبهم في ~~الشهادة، وبسط لهم في آمالهم. ثم قال: أيها الناس، أين المفر، البحر من ~~ورائكم، والعدو أمامكم، فليس ثم والله إلا الصدق والصبر، فإنهما لا يغلبان، ~~وهما جندان منصوران، ولا تضر معهما قلة، ولا تنفع مع الخور والكسل والفشل ~~والاختلاف والعجب كثرة. أيها الناس، ما فعلت من شئ فافعلوا مثله، إن حملت ~~فاحملوا، وإن وقفت فقفوا، ثم كونوا كهيئة رجل واحد في القتال، ألا وإني ~~عامد إلى طاغيتهم، بحيث لا أتهيبه حتى أخالطه أو أقتل دونه، فإن قتلت فلا ~~تهنوا ولا تحزنوا، ولا تنازعوا فتفشلوا، وتذهب ريحكم، وتولوا الدبر لعدوكم، ~~فتبددوا بين قتيل وأسير. وإياكم إياكم أن ترضوا بالدنية، ولا تعطوا ~~بأيديكم، وارغبوا فيما عجل لكم من الكرامة، والراحة من المهانة والذلة، وما ~~قد أجل لكم من ثواب الشهادة، فإنكم إن تفعلوا، والله معكم ومعيذكم، تبوءوا ~~بالخسران المبين، وسوء الحديث غدا بين من عرفكم من المسلمين. وها أنا ذا ~~حامل حتى أغشاه، فاحملوا بحملتي، فحمل وحملوا. فلما غشيهم اقتتلوا قتالا ~~شديدا، ثم إن الطاغية قتل، وانهزم جميع العدو، فاحتز طارق رأس لذريق، وبعث ~~به إلى موسى بن نصير، وبعث به موسى مع ابنه، وجهز معه رجالا من أهل ~~أفريقية، فقدم به على الوليد بن عبد الملك، ففرض له في الشرف، وأجاز كل من ~~كان معه، ورده إلى أبيه موسى، وأن المسلمين قد ms282 أصابوا مما كان مع لذريق ما ~~لا يدرى ما هو ولا ما قيمته. قال: وكتب طارق إلى مولاه موسى: إن الأمم قد ~~تداعت علينا من كل ناحية، فالغوث الغوث، فلما أتاه الكتاب نادى في الناس ~~وعسكر، وذلك في صفر سنة ثلاث وتسعين، وكان أحب الخروج إليه يوم الخميس أول ~~النهار، فاستخلف عبد الله بن موسى على أفريقية وطنجة والسوس، وكتب ساعة قدم ~~عليه كتاب طارق إلى مروان، يأمره بالمسير، فسار مروان بمن معه، حتى أجاز ~~إلى طارق، قبل دخول أبيه موسى، وخرج موسى بن نصير والناس معه حتى أتى ~~المجاز، فأجاز بمن زحف معه في جموعه، وعلى مقدمته طارق مولاه، فوجد الجموع ~~قد شردت إليه من كل مكان، فسار حتى افتتح قرطبة وما يليها، من حصونها ~~وقلاعها ومدائنها، فغل الناس يومئذ غلولا لم يسمع بمثله (1)، ولم يسلم من ~~الغلول يومئذ إلا أبو عبد الرحمن الجبلي. ثم إن موسى سار لا يرفع له شئ إلا ~~هده، يفتتح له المدائن يمينا وشمالا، حتى انتهى إلى مدينة # PageV02P061 # الملوك، وهي طليطلة، فوجد فيها بيتا يقال له بيت الملوك، وجد فيه أربعة ~~وعشرين تاجا، تاج كل ملك ولي الأندلس، كان كلما هلك ملك جعل تاجه في ذلك ~~البيت، وكتب على التاج اسم صاحبه، وابن كم هو، ويوم مات، ويوم ولي، ووجد في ~~ذلك البيت أيضا مائدة عليها اسم سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة من ~~جزع، فعمد موسى إلى التيجان والآنية والموائد، فقطع عليها الأغشية، وجعل ~~عليها الأمناء ليس منها شئ يدرى ما قيمته. فأما الذهب والفضة والمتاع، فلم ~~يكن يحصيه أحد. # اتهام الوليد موسى بالخلع قال: وذكروا أن الوليد بن عبد الملك بن مروان ~~لما بلغه مسير موسى بن نصير إلى الأندلس ووصفت له، ظن أنه يريد أن يخلع، ~~ويقيم فيها، ويمتنع بها، وقيل ذلك له، وأبطأت كتب موسى عليه، لاشتغاله بما ~~هنالك من العدو، وتوطيئه لفتح البلاد. فأمر الوليد القاضي أن يدعو على موسى ~~إذا قضى صلاته، وأن موسى لما دخل طليطلة، بعث ms283 علي بن رباح بفتحها، وأوفد ~~معه وفدا، فسار حتى قدم دمشق صلاة العصر، فدخل المسجد فألفى القاضي يدعو ~~على موسى. فقال: أيها الناس، الله الله في موسى، والدعاء عليه، والله ما ~~نزع يدا من طاعة، ولا فارق جماعة، وإنه لفي طاعة أمير المؤمنين، والذب عن ~~حرمات المسلمين، والجهاد للمشركين، وإني لأحدثكم عهدا به، وما قدمت الآن من ~~عنده، وإن عندي خبره، وما أفاء الله على يده لأمير المؤمنين، وما أمد به ~~المسلمين، ما تقر به أعينكم، ويسر به خليفتكم. # دخول وفد موسى على الوليد بن عبد الملك قال: وذكروا أن الوليد لما بلغه ~~خبر هذا المتكلم الوافد من عند موسى، أرسل إليه، فأدخل عليه، ثم قال له: ما ~~وراءك؟ فقال: كل ما تحب يا أمير المؤمنين، تركت موسى ابن نصير في الأندلس، ~~وقد أظهره الله ونصره، وفتح على يديه ما لم يفتح على يد أحد، وقد أوفدني ~~إلى أمير المؤمنين في نفر من وجوه من معه، بفتح من فتوحه، فدفع إليه الكتاب ~~من عند موسى، فقرأه الوليد. فلما أتى على آخره خر ساجدا، فلما رفع رأسه ~~أتاه فتح آخر، فخر أيضا ساجدا، ثم رفع رأسه، فأتاه آخر بفتح آخر، وخر ~~ساجدا، حتى ظننت أنه لا يرفع رأسه. PageV02P062 # ذكر ما وجد موسى في البيت الذي وجد فيه المائدة مع صور العرب قال: وذكروا ~~أن هرم بن عياض حدثهم عن رجل من أهل العلم، أنه كان مع موسى بالأندلس حين ~~فتح البيت الذي كانت فيه المائدة، التي ذكروا أنها كانت لسليمان بن داود ~~عليه السلام. فقال: كان بيتا عليه أربعة وعشرون قفلا، كان كلما تولى ملك، ~~جعل عليه قفلا اقتداء منه بفعل من كان قبله، حتى إذا كانت ولاية لذريق ~~القرطبي، الذي افتتحت الأندلس على يديه وفي ملكه قال: والله لا أموت بغم ~~هذا البيت، ولأفتحنه حتى أعلم ما فيه، فاجتمعت إليه النصرانية والأساقفة ~~والشمامسة، وكل منهم معظم له. فقالوا له: ما تريد بفتح هذا البيت؟ # فقال: والله لا أموت بغمه، ولأعلمن ms284 ما فيه. فقالوا: أصلحك الله، إنه لا ~~خير في مخالفة السلف الصالح، وترك الاقتداء بالأولية، فاقتد بمن كان قبلك، ~~وضع عليه قفلا كما صنع غيرك، ولا يحملك الحرص على ما لم يحملهم عليه، فإنهم ~~أولى بالصواب منا ومنك، فأبى إلا فتحه. # فقالوا له: أنظر ما ظننت أن فيه من المال والجواهر، وما خطر على قلبك، ~~فإنا ندفعه إليك، ولا تحدث علينا حدثا لم يحدثه فيه من كان قبلك من ملوكنا، ~~فإنهم كانوا أهل معرفة وعلم. # فأبى إلا فتحه، ففتحه، فوجد فيه تصاوير العرب، ووجد كتابا فيه: إذا فتح ~~هذا البيت دخل هؤلاء الذين هيئاتهم هكذا، هذه البلاد فملكوها. فكان دخول ~~المسلمين من العرب إليه في ذلك العام. # ذكر ما أفاء الله عليهم قال: وذكروا عن الليث بن سعد أن موسى لما دخل ~~الأندلس، ضربوا الأوتاد لخيولهم في جدار كنيسة من كنائسها، فتلفت الأوتاد ~~فلم تلج (1) فنظروا فإذا بصفائح الذهب والفضة خلف بلاط الرخام. قال: وذكروا ~~أن رجلا كان مع موسى ببعض غزواته بالأندلس، وأنه رأى رجلين يحملان طنفسة ~~(2) منسوجة بالذهب والفضة والجوهر والياقوت، فلما أثقلتهما أنزلاها، ثم ~~حملا عليها الفأس فقطعاها نصفين، فأخذا نصفا وتركا الآخر. قال: فلقد رأيت ~~الناس يمرون يمينا وشمالا، ما يلتفتون إليها استغناء عنها بما هو أنفس منها ~~وأرفع. قال: وأقبل رجل # PageV02P063 # إلى موسى فقال: ابعث معي أدلكم على كنز، فبعث معه موسى رجالا. فقال الذي ~~دلهم: انزعوا هاهنا، فنزعوا، فسال عليهم من الزبرجد والياقوت ما لم يروا ~~مثله قط، فلما رأوه بهتوا وقالوا: # لا يصدقنا موسى، أرسلوا إليه. فأرسلوا حتى جاء ونظر. قال: وكانت الطنفسة ~~قد نظمت بقضبان الذهب والفضة المسلسلة باللؤلؤ والياقوت والزبرجد. قال: ~~وكان البربريان ربما وجداها فلا يستطيعان حملها حتى يأتيا بالفأس فيضربا ~~وسطها، ويأخذا منها ما أمكنهما، اشتغال بغير ذلك مما هو أنفس منه. # قال الليث: وبلغني أن رجلا غل في غزوة عطاء بن نافع فحمل ما غل حتى جعله ~~في مزفت (1) بين كتفيه وصدره، فحضره الموت، فجعل يصيح: المزفت المزفت. ms285 # وحدثنا ابن أبي ليلى التجيبى، عن حميد، عن أبيه أنه قال: لقد كانت الدابة ~~تطلع في بعض غزوات موسى، فينظر في حافرها فيوجد فيه مسامير الذهب والفضة. ~~قال: وكتب موسى حين افتتح الأندلس إلى أمير المؤمنين: إنها ليست كالفتوح يا ~~أمير المؤمنين، ولكنه الحشر. # وأخبرني عن عبد الحميد ابن حميد، عن أبيه أنه قال: قدمت الأندلس امرأة ~~عطارة فخرجت بخمس مئة رأس، فأما الذهب والفضة والآنية والجوهر فذلك لا يحاط ~~بعلمه. # قال: وحدثني ياسين بن رجاء، أنه قدم عليهم رجل من أهل المدينة شيخ، فجعل ~~يحدثنا عن الأندلس، وعن دخول موسى إياها، فقلنا له: فكيف علمت هذا؟ قال: ~~إني والله من سبيه، ولأخبركم بعجيب، والله ما اشتراني الذي اشتراني إلا ~~بقبضة من فلفل لمطبخ موسى بن نصير. # فقلنا له: ما أقدمك؟ فقال: أبي كان من وجوه الأندلس. فلما سمع بموسى بن ~~نصير عمد إلى عين ماله من الذهب والفضة والجوهر، وغير ذلك، فدفنه في موضع ~~قد عرفته، فتقدمت أنا للخروج إلى ذلك الموضع لاستخراجه. قلنا له، وكم لك ~~منذ فارقته؟ قال: سبعون سنة. قلنا له: أفنسيته؟ قال: نعم، فلم ندر بعد ما ~~فعل. # عزوة موسى بن نصير البشكنس والأفرنج قال: وذكروا أن موسى خرج من طليطلة ~~بالجموع غازيا يفتح المدائن جميعا، حتى دانت له الأندلس، وجاءه وجوه ~~جليقية، فطلبوا الصلح فصالحهم، وغزا البشكنس فدخل في بلادهم حتى أتى قوما ~~كالبهائم، ثم مال إلى أفرنجة، حتى انتهى إلى سرقسطة فافتتحها، وافتتح ما ~~دونها # PageV02P064 # من البلاد إلى الأندلس. قال: فأصاب فيها ما لا يدرى ما هو، ثم سار حتى ~~جاوزها بعشرين ليلة، وبين سرقسطة وقرطبة شهر أو أربعون يوما. # قال: وذكروا أن عبد الله بن المغيرة بن أبي بردة، قال: كنت ممن غزا مع ~~موسى الأندلس حتى بلغنا سرقسطة، وكانت من أقصى ما بلغنا مع موسى إلا يسيرا ~~من ورائها، فأتينا مدينة على بحر، ولها أربعة أبواب. قال: فبينما نحن ~~محاصروها إذ أقبل عياش بن أخيل، صاحب شرطة موسى، فقال أيها الأمير، ms286 إنا قد ~~فرقنا الجيش أرباعا على نواحي المدينة، وقد بقي الباب الأقصى، وعليه رتبة. ~~قال له موسى بن نصير: دع ذلك الباب فإنا سننظر فيه. قال: # ثم إن موسى التفت إلي فقال لي: كم معك من الزاد؟ قلت: ما بقي معي غير ~~تليس (1)، قال: # فأنت لم يبق معك غير تليس، وأنت من أمراء الجيش، فكيف غيرك! اللهم أخرجهم ~~من ذلك الباب. قال المغيرة: فأصبحنا من تلك الليلة وقد خرجوا من ذلك الباب، ~~فدخلها موسى منه، ووجه ابنه مروان في طلبهم فأدركهم، فأسرع القتل فيهم، ~~وأصابوا مما كان معهم، ومما في المدينة شيئا عظيما. قال: وذكروا أن جعفر بن ~~الأشتر، قال: كنت فيمن غزا الأندلس مع موسى، فحاصرنا حصنا من حصونها عظيما، ~~بضعا وعشرين ليلة، ثم لم نقدر عليه. فلما طال ذلك عليه نادى فينا، أن ~~أصبحوا على تعبئة، وظننا أنه قد بلغه مادة من العدو، وقد دنت منا، وأنه ~~يريد التحول عنهم، فأصبحنا على تعبئة، فقام فحمد الله، ثم قال: أيها الناس، ~~إني متقدم أمام الصفوف، فإذا رأيتموني قد كبرت وحملت، فكبروا واحملوا. فقال ~~الناس: # سبحان الله، أترى فقد عقله أم عزب عنه رأيه، يأمرنا نحمل على الحجارة وما ~~لا سبيل إليه! # قال: فتقدم بين يدي الصفوف حيث يراه الناس، ثم رفع يديه وأقبل على الدعاء ~~والرغبة، فأطال ونحن ركوب منتظرون تكبيره، فاستعددنا، ثم إن موسى كبر، وكبر ~~الناس، وحمل وحمل الناس، فانهدت ناحية الحصن التي تلينا، فدخل الناس منها، ~~وما راعني إلا خيل المسلمين تمزع فيها، وفتحها الله علينا، فأصبنا من السبي ~~والجواهر ما لا يحصى. # قال: وحدثتني مولاة لعبد الله بن موسى، وكانت من أهل الصدق والصلاح، أن ~~موسى حاصر حصنها الذي كانت من أهله، وكان تلقاءه حصن آخر. قالت: فأقام لنا ~~محاصرا حينا، ومعه أهله وولده، وكان لا يغزو إلا بهم لما يرجو في ذلك من ~~الثواب. قالت: ثم إن أهل الحصن خرجوا إلى موسى فقاتلوه قتالا شديدا، ففتح ~~الله عليه. قالت: فلما رأى ذلك أهل # PageV02P065 # الحصن ms287 الآخر، نزلوا على حكمه، ففتحهما موسى في يوم واحد. فلما كان في ~~اليوم الثاني، أتى حصنا ثالثا، فالتقى الناس فاقتتلوا قتالا شديدا أيضا، ~~حتى جال المسلمون جولة واحدة. قال: # فأمر موسى بسرادقه فكشط (1) عن نسائه وبناته حتى برزن. قال: فلقد كسرت ~~بين يديه من أغماد السيوف ما لا يحصى، وحمى المسلمون، واحتدم القتال، ثم إن ~~الله فتح عليه ونصره، وجعل العاقبة له. # وقال عبد الرحمن بن سلام: كنت فيمن غزا مع موسى في غزواته كلها. فلم ترد ~~له راية قط، ولا هزم له جمع قط، حتى مات. # وقال ابن صخر: لما قدم موسى الأندلس قال أسقف من أساقفتها. إنا لنجدك في ~~كتب الحدثان، عن دانيال. بصفتك صيادا تصيد بشبكتين، رجل لك في البر، ورجل ~~في البحر، تضرب بهما هاهنا وهاهنا فتصيد. قال: فسر بذلك موسى وأعجبه. # وقال عبد الحميد بن حميد، عن أبيه: إن موسى لما وغل وجاوز سرقسطة، اشتد ~~ذلك على الناس وقالوا: أين تذهب بنا؟ حبنا ما في أيدينا، وكان موسى قال: ~~حين دخل أفريقية، وذكر عقبة بن نافع: لقد كان غرر بنفسه حين وغل في بلاد ~~العدو، والعدو عن يمينه وعن شماله وأمامه وخلفه، أما كان معه رجل رشيد؟ ~~فسمعه حبيش الشيباني قال: فلما بلغ موسى ذلك المبلغ، قام حبيش فأخذ بعنانه. ~~ثم قال أيها الأمير! إني سمعتك وأنت تذكر عقبة بن نافع تقول: لقد غرر بنفسه ~~وبمن معه، أما كان معه رجل رشيد؟ وأنا رشيدك اليوم، أين تذهب؟ تريد أن تخرج ~~من الدنيا، أو تلتمس أكثر وأعظم مما آتاك الله عز وجل، وأعرض مما فتح الله ~~عليك، ودوخ لك، إني سمعت من الناس ما لم تسمع، وقد ملأوا أيديهم، وأحبوا ~~الدعة. قال: فضحك موسى ثم قال: أرشدك الله، وكثر في المسلمين مثلك. ثم ~~انصرف قافلا إلى الأندلس فقال موسى يومئذ: أما والله لو انقادوا إلي لفدتهم ~~إلى رومية، ثم يفتحها الله على يدي إن شاء الله. # خروج موسى بن نصير من الأندلس قال: وذكروا أن عبد ms288 الرحمن بن سلام أخبرهم، ~~وكان مع موسى بن نصير بالأندلس. # PageV02P066 # قال: أقام موسى بقية سنته تلك، وأشهرا من سنة أربع وتسعين، ثم خرج وافدا ~~إلى الوليد بن عبد الملك، وكان ما أقام بها موسى عشرين شهرا، واستخلف عبد ~~العزيز بن موسى، فجاز موسى البحر على الأندلس، فغزا بالناس حتى بلغوا ~~أربونة، ومعه أبناء الملوك من الإفرنج، وبالتيجان والمائدة والآنية والذهب ~~والفضة، والوصفاء والوصائف، وما لا يحصى من الجواهر والطرائف، وخرج معه ~~بوجوه الناس. قال: وذكروا عن صفة المائدة عن عبد الحميد أنه قال كانت مائدة ~~خوان، ليست لها أرجل، قاعدتها منها، وكانت من ذهب وفضة خليطين، فهي تتلون ~~صفرة وبياضا، مطوقة بثلاثة أطواق، طوق لؤلؤ، وطوق ياقوت، وطوق من زمرد قال ~~قلت: فما عظمها؟ قال: كنا بموضع والناس معسكرون، إذ فلت بغل لرجل من موالي ~~موسى يقال له صالح أبو ريشة، على رمكة (1)، فكردها في العسكر، فقام الناس ~~إليه بأعمدة الأخبية، وجال في العسكر جولة، فتطلع موسى قال: ما هذا؟ وتطلع ~~الحواري فإذا هو بالبغل يكرد الرمكة، وقد أدلى (2)، فغار موسى وقال: احملوا ~~عليه المائدة، فلم يبلغ بها إلا منقلة (3) حتى تفتخت قوائمه لكثرة ثقلها ~~على هذا البغل القوي. # قدوم موسى أفريقية قال: وذكروا أن يزيد بن مسلم مولى موسى، أخبرهم أنه ~~لما جاز موسى الحصن أمرهم بصناعة العجل (4)، فعملت له ثلاثون ومئة عجلة، ثم ~~حمل عليها الذهب والفضة والجواهر، وأصناف الوشى الأندلسي، حتى أتى أفريقية. ~~فلما قدمها بقي بها سنة أربع وتسعين، ثم قفل، واستخلف ابنه عبد الله على ~~أفريقية وطنجة والسوس، وخرج معه ولده مروان بن موسى، وعبد الأعلى بن موسى ~~وعبد الملك بن موسى، وخرج معه مئة رجل من أشراف الناس، من قريش والأنصار ~~وسائر العرب ومواليها، منهم عياض بن عقبة، وعبد الجبار بن أبي سلمة # PageV02P067 # ابن عبد الرحمن بن عوف، والمغيرة بن أبي بردة، وزرعة بن أبي مدرك، ~~وسليمان بن نجدة ووجوه من وجوه الناس وأخرج معه من وجوه البربر مئة رجل ~~فيهم بنو كسيلة، وبنو ms289 قصدر، وبنو ملوك البربر، وملك السوس مزدانة ملك قلعة ~~أرساف وملك ميورقه، وخرج بعشرين ملكا من ملوك جزائر الروم، وخرج معه مئة من ~~ملوك الأندلس، ومن الإفرنجيين، ومن القرطبيين وغيرهم، وخرج معه أيضا بأصناف ~~ما في كل بلد من بزها (2) ودوابها ورقيقها وطرائفها وما لا يحصى، فأقبل يجر ~~الدنيا وراءه جرا لم يسمع بمثله، ولا بمثل ما قدم به. # قدوم موسى إلى مصر قال: وذكروا أن يزيد بن سعيد بن مسلم أخبرهم قال: لما ~~أتى موسى مصر، وانتهى ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، كتب إلى قرة بن شريك، ~~أن ادفع إلى موسى من بيت مال مصر ما أراد، فأقبل موسى حتى إذا كان في بعض ~~الطريق، لقيه خبر موت قرة بن شريك، ثم قدم مصر سنة خمس وتسعين، فدخل المسجد ~~فصلى عند باب الصوال، وكان قرة قد استخلف بن رفاعة على الجند حتى توفي، ~~فلما سمع بموسى خرج مبادرا حتى لحقه حين استوى على دابته فلقيه فسلم عليه، ~~فقال له موسى من أنت يا بن أخي؟ فانتسب له. فقال: مرحبا وأهلا، فسار معه ~~حتى نزل منية عمرو بن مروان، فعسكر بها موسى، فكلمه حينئذ رفاعة في المال ~~الذي كان استخرجه من سفيان بن مالك الفهري، وذلك بعد مهلك سفيان. فقال: هو ~~لك. قال: فأمر بدفع عشرة آلاف دينار إلى ولد سفيان بن مالك. قال: فأقام ~~موسى ثلاثة أيام، تأتيه أهل مصر في كل يوم، فلم يبق شريف إلا وقد أوصل إليه ~~موسى صلة ومعروفا كثيرا، وأهدى لولد عبد العزيز ابن مروان فأكثر لهم، ~~وجاءهم بنفسه فسلم عليهم، ثم سار متوجها حتى أتى فلسطين، فتلقاه آل روح ابن ~~زنباع، فنزل بهم، فبلغني أنهم نحروا له خمسين جزورا، وأقام عندهم يومين، ~~وخلف بعض أهله وصغار ولده عندهم، وأجاز آل مروان وآل روح بن زنباع بجوائز ~~من الوصائف، وغير ذلك من الطرف. # قدوم موسى على الوليد رحمهما الله تعالى قال: وذكروا أن محمد بن سليمان ~~وغيره من مشايخ أهل مصر، أخبروهم أن ms290 موسى لما قدم على الوليد، وكان قدومه ~~عليه وهو في آخر شكايته التي توفي فيها، وقد كان سليمان # PageV02P068 # ابن عبد الملك بعث إلى موسى من لقيه في الطريق قبل قدومه على الوليد، ~~يأمره بالتثبط (1) في مسيره، وألا يعجل، فإن الوليد بآخر رمقه. فلما أتى ~~موسى بالكتاب من سليمان وقرأه، قال: خنت والله وغدرت وما وفيت، والله لا ~~تربصت ولا تأخرت ولا تعجلت ولكني أسير بمسيري، فإن وافيته حيا لم أتخلف ~~عنه، وإن عجلت منيته فأمره إلى الله. فرجع الرسول إلى سليمان فأعلمه فآلى ~~سليمان لئن ظفر بموسى ليصلبنه، أو ليأتين علي نفسه (2). قال: فلما قدم موسى ~~على الوليد وكان الوليد لما بلغه قدوم موسى واقترابه منه، وجه إليه كتابا ~~يأمره بالعجلة في مسيره، خوفا أن تعجل به منيته قبل قدوم موسى عليه، وأنه ~~أراد أن يراه وأن يحرم سليمان ما جاء به من الجواهر والطرائف التي لا قيمة ~~لها، فلم يكن لموسى شئ يثبطه حين أتاه كتاب الوليد، فأقبل حتى دخل عليه، ~~وقدم تلك الطرائف من الدر والياقوت والزبرجد، والوصفاء والوصائف والوشى، ~~ومائدة سليمان بن داود عليه السلام، ومائدة ثانية من جزع ملون والتيجان. ~~قال: فقبض الوليد الجميع وأمر بالمائدة فكسرت، وعمد إلى أفخر ما فيها، ~~والتيجان والجزع، فجعله في بيت الله الحرام، وفرق غير ذلك، ولم يلبث الوليد ~~أن مات رحمه الله. # خلافة سليمان بن عبد الملك وما صنع بموسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد ~~الرحمن بن سلام أخبرهم أن سليمان بن عبد الملك لما أفضت الخلافة إليه، بعث ~~إلى موسى، فأنى به، فعنفه بلسانه، وكان فيما قال له يومئذ: أعلي اجترأت، ~~وأمري خالفت، والله لأقللن عددك، ولأفرقن جمعك، ولأبددن مالك، ولأضعن منك ~~ما كان يرفعه غيري ممن كنت تمنيه أماني الغرور، وتخدعه من آل أبي سفيان، ~~وآل مروان، فقال له موسى: والله يا أمير المؤمنين ما تعتل علي بذنب، سوى ~~أنني وفيت للخلفاء قبلك، وحافظت على من ولي النعمة عندي فيه، فأما ذكر أمير ~~المؤمنين: من أنه ms291 يقل عددي، ويفرق جمعي ويبدد مالي، ويخفض حالي، فذلك بيد ~~الله، وإلى الله، وهو الذي يتول النعمة على الإحسان إلي، وبه أستعين، ويعيذ ~~الله عز وجل أمير المؤمنين ويعصمه أن يجري على يديه شيئا من المكروه لم ~~أستحقه، ولم يبلغه ذنب اجترمته. فأمر به سليمان أن يوقف في يوم صائف شديد ~~الحر على طريقه. قال: وكانت بموسى نسمة (3)، فلما أصابه حر الشمس، وأتعبه ~~الوقوف، # PageV02P069 # هاجت عليه. قال: وجعلت قرب العرق تنصب منه، فما زال كذلك حتى سقط، وعمر ~~بن عبد العزيز حاضر، إلى أن نظر سليمان إلى موسى، وقد وقع مغشيا عليه. قال ~~عمر بن عبد العزيز ما مر بي يوم كان أعظم عندي، ولا كنت فيه أكرب من ذلك ~~اليوم، لما رأيت من الشيخ موسى، وما كان عليه من بعد أثره في سبيل الله، ~~وما فتح الله على يديه وهذا يفعل به. قال: فالتفت إلي سليمان فقال يا أبا ~~حفص، ما أظن إلا أني قد خرجت من يميني قال عمر: فاغتنمت ذلك منه فقلت يا ~~أمير المؤمنين شيخ كبير بادن (1)، وبه نسمة قد أهلكته، وقد أتت على ما فيه ~~من السلامة لك من يمينك، وهو موسى البعيد الأثر في سبيل الله، العظيم ~~الغناء عن المسلمين قال عمر: # والذي منعني من الكلام فيه ما كنت أعلم من يمينه وحقده عليه، فخشيت إن ~~ابتدأته أن يلح عليه، وهو لحوح. قال. فلما قال لي ما قال آخرا، حمدت الله ~~على ذلك، وعلمت أن الله قد أحسن إليه، وأن سليمان قد ندم فيه. فقال سليمان: ~~من يضمه؟ فقال يزيد بن المهلب أنا أضمه يا أمير المؤمنين. قال: وكانت الحال ~~بين يزيد وموسى لطيفة خاصة. قال سليمان: فضمه إليك يا يزيد، ولا تضيق عليه. ~~قال: فانصرف به يزيد، وقد قدم إليه دابة ابنه مخلد، فركبها موسى، فأقام ~~أياما. قال: ثم إنه تقارب ما بين موسى وسليمان في الصلح، حتى افتدى منه ~~موسى بثلاثة آلاف ألف دينار. # عدة موالي موسى بن نصير قال: وذكروا عن ms292 بعض البصريين، أن رجلا منهم ~~أخبرهم أن يزيد قال لموسى ذات ليلة وقد سهر سهرا طويلا: يا أبا عبد الرحمن، ~~كم تعد مواليك وأهل بيتك؟ فقال: كثير. قال يكونون ألفا؟ قال له موسى: نعم ~~وألفا وألفا حتى ينقطع النفس، لقد خلفت من الموالي ما أظن أن أحدا لا يخلف ~~مثلهم. قال له يزيد: إنك لعلى مثل ما وصفت، وتعطي بيدك؟ ألا أقمت بدار عزك، ~~وموضع سلطانك، وبعثت بما قدمت به، فإن أعطيت الرضا أعطيت الطاعة، وإلا كنت ~~على التخيير من أمرك؟ فقال موسى: والله لو أردت ذلك ما تناولوا طرفا من ~~أطرافي إلى أن تقوم الساعة، ولكن آثرت حق الله، ولم أر الخروج من الطاعة ~~والجماعة. قال: ثم خرج يزيد من عنده، فنظر إليه موسى، قال لمن عنده: والله ~~إن في رأس أبي خالد لنفرة وليأتين عليها. # PageV02P070 # ذكر ما رآه موسى بالمغرب من العجائب قال: وذكروا عن محمد بن سليمان، عن ~~مشايخ أهل مصر، قال: لما بعث موسى رحمه الله بالخمس الذي أفاء الله عليه، ~~وكان مئة ألف رأس، فنزلوا الإسكندرية، ونزل بعضهم كنيسة فيها، فسميت كنيسة ~~الرقيق إلى اليوم، ونزلوا موضعا بالفسطاط فتسوقوا فيه، فسمي سوق البربر إلى ~~اليوم، قال محمد بن سليمان، ومحمد بن عبد الملك: إن موسى اتخذ لنفسه دارا ~~وسكنا حتى كان من أمر سليمان ما قد ذكر، وهو الذي أخرجه وأهله من المغرب. # قال: وحدثنا بعض أهل أفريقية أن موسى ركب يوما حتى خرج من القيروان، فوقف ~~قريبا من أفريقية على رأس أميال، فأخذ بيده ترابا فشمه من ثم، ثم أمر بحفر ~~بئر وابتنى دارا ومنية (1) واتخذ فيها خيلا فسميت بئر منية الخيل، فليس ~~يعلم بالمغرب بئر أعذب منها. # وحدثنا الكرير أبو بكر عبد الوهاب بن عبد الغفار شيخ من مشايخ تونس قال: ~~إن موسى انتهى إلى صنم يشير بأصبعه إلى خلفه ثم تقدم إلى صنم أمام الصنم ~~الأول، فإذا هو يشير بأصبعه إلى السماء، ثم تقدم فإذا بصنم على نهر ماء ~~جار، يشير بأصبعه ms293 تحت قدميه، فلما انتهى موسى إلى الصنم الثالث. قال موسى: ~~احفروا، فإذا بمحدث (2) مختوم الرأس، قد أخرج، فأمر به موسى فكسر، فخرجت ~~ريح شديدة. فقال موسى للجيش: أتدرون ما هذا؟ # قالوا: لا والله أيها الأمير ما ندري. قال: ذلك شيطان من الشياطين التي ~~سجنها نبي الله سليمان بن داود. # قال: وحدثنا بعض مشايخ أهل المغرب أن موسى أرسل ناسا في مراكب فأمرهم أن ~~يسيروا حتى ينتهوا إلى صنم يشير بأصبعه أمامه في جزيرة في البحر، ثم يسيروا ~~حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة يشير بأصبعه أمامه ثم يسير الليالي والأيام ~~ويجد في السير حتى يأتوا صنما آخر في جزيرة في البحر، فيها أناس لا يعرف ~~كلامهم. قال: فإذا بلغتم ذلك فارجعوا، وذلك في أقصى المغرب ليس وراءه أحد ~~من الناس إلا البحر المحيط، وهو أقصى المغرب في البر والبحر. # قال: وحدثنا بعض المشايخ من أهل المغرب أن موسى بلغ نهرا من أقصى المغرب، ~~فإذا عليه في الشق الأيمن أصنام ذكور، وفي الأيسر أصنام إناث، وأن موسى لما ~~انتهى إلى ذلك # PageV02P071 # الموضع خاف الناس فيه، فلما رأى ذلك منهم رجع بالناس، ثم مضى في وجهه ذلك ~~حتى انتهى إلى أرض تميد بأهلها، ففزع الناس وخافوا فرجع بهم. # قالوا: وحدثنا عبد الله بن قيس، قال: بلغني أن موسى لما جاوز الأندلس أتى ~~موضعا، فإذا فيه قباب من نحاس، فأمر بقبة منها فكسرت، فخرج منها شيطان نفخ ~~ومضى، فعرف موسى أنه شيطان من الشياطين التي سجنها سليمان بن داود، فأمر ~~موسى بالقباب فتركت على حالها، وسار بالناس قدما. # قال: وحدثنا عمارة بن راشد، قال: بلغنا أن موسى كان يسير في بعض غزواته ~~وهو بأقصى المغرب، إذ غشى الناس ظلمة شديدة، فعجب الناس منها وخافوا، وسار ~~بهم موسى في ذلك، إذ هجم على مدينة عليها حصن من نحاس، فلما أتاها أقام ~~عليها، وطاف بها، فلم يقدر على دخولها، فأمر بنبل ورماح، وندب الناس فجعل ~~يقول: من يصعد هذه، وله خمس مئة دينار؟ فصعد رجل، ms294 فلما استوى على سورها ~~تردى فيها، ثم ندب الناس موسى ثانية، وقال: # من يصعد وله ألف دينار؟ فصعد آخر، ففعل به مثل ذلك، ثم ندب الناس ثالثة: ~~قال: من يصعد وله ألف وخمس مئة دينار، فصعد رجل ثالث، فأصابه ما أصاب ~~صاحبيه، فكلم الناس موسى فقالوا: هذا أمر عظيم أصيب إخواننا، وغررت بهم حتى ~~هلكوا. فقال لهم: على رسلكم يأتيكم الأمر على ما تحبون إن شاء الله، ثم أمر ~~موسى بالمنجنيق، فوضعت على حصن المدينة، ثم أمر أن يرمى الحصن، فلما علم من ~~في الحصن ما عمل موسى، ضجوا وصاحوا. # وقالوا: يا أيها الملك، لسنا بغيتك، ولا نحن ممن تريد، نحن قوم من الجن، ~~فانصرف عنا، فقال، لهم موسى: أين أصحابي، وما فعلوا؟ قالوا: هم عندنا على ~~حالهم. فقال: أخرجوهم إلينا. قالوا: نعم. فأخرج الثلاثة النفر، فسألهم موسى ~~عن أمرهم وما صنع بهم. فقالوا: # ما درينا ما كنا فيه، وما أصابتنا شوكة حتى أخرجنا إليك. فقال موسى: ~~الحمد لله كثيرا، ثم تقدم بالناس سائرا يفتح كل ما مر به. # ثم نرجع إلى حديث سليمان بن عبد الملك. # تولية سليمان بن عبد الملك أخاه مسلمة وما أشار به موسى عليه قال: وذكروا ~~أن سعيد بن عبد الله أخبرهم، قال: إن سليمان ب عبد الملك بعث أخاه ~~PageV02P072 # مسلمة إلى أرض الروم، ووجه معه خمس مئة وثلاثين ألف رجل، وخمس مئة رجل ~~ممن قد ضمه الديوان واكتتب في العطاء وتقلب في الأرزاق، ثم دعا سليمان ~~بموسى، بعد أن رضي عنه على يد عمر بن عبد العزيز فقال سليمان له: أشر علي ~~يا موسى، فلم تزل مبارك الغزوة في سبيل الله، بعيد الأثر، طويل الجهاد. ~~فقال له موسى: أرى يا أمير المؤمنين أن توجهه بمن معه، فلا يمر بحصن إلا ~~صير عليه عشرة آلاف رجل حتى يفرق نصف جيشه، ثم يمضي بالباقي من جيشه، حتى ~~يأتي القسطنطينية، فإنه يظفر بما يريد يا أمير المؤمنين. قال: # فدعا سليمان مسلمة فأمره بذلك من مشورة موسى وأوعز ms295 إليه فلما علم مسلمة ~~بالمشورة فكأنه كره ذلك، وكان في مسلمة بعض الإباية، ثم رجع إلى قول موسى ~~فيما صنع بأرض الروم، حين ظفر ببطريق ليس فوقه إلا ملك الروم: فقال البطريق ~~لمسلمة: آمني على نفسي وأهلي ومالي وولدي، وأنا آتيك بالملك، فأمنه، ومضى ~~البطريق إلى الملك الأعظم، فأعلمه بما فعل مسلمة، وما ظفر به منه، ومن حصون ~~الروم، فلما رأى ذلك ملك الروم، أعظم ذلك وسقط في يديه. فقال البطريق له ~~عند ذلك: ما لي عليك إن صرفت مسلمة عنك وجميع من معه؟ فقال الملك: أجعل ~~تاجي على رأسك، وأقعدك مكاني. فقال البطريق: أنا أكفيك ذلك. فرجع البطريق ~~إلى مسلمة، فقال: أخرني ثلاثا حتى آتيك بالملك، فبعث البطريق إلى جميع ~~الحصون، فأمرهم بالتقلع إلى الجبال، وحمل ما قدروا عليه من الطعام، وأمر ~~بإحراق الزرع، وغير ذلك مما يؤكل وينتفع به، مما كان خلفه مسلمة وجنده، وما ~~بين المسلمين وملك الروم، فلما فعلوا ما أمروا به، وعلم البطريق أنه أحكم ~~أمره، بعث إلى مسلمة فقال له لو كنت امرأة لفعلت بك كما يفعل الرجل ~~بامرأته. قال: فتغيظ مسلمة وآلى ألا يبرح حتى يظفر بملك الروم. # سؤال سليمان موسى عن المغرب قال: وذكروا أن محمد بن سليمان، أخبرهم أن ~~سليمان بن عبد الملك قال لموسى: من خلفت على الأندلس؟ قال له: عبد العزيز ~~بن موسى. قال: ومن خلفت على أفريقية وطنجة والسوس؟ # قال: عبد الله ابني. فقال له سليمان: لقد أنجبت يا موسى، فقال موسى: ومن ~~أنجب مني يا أمير المؤمنين، إن ابني مروان أتى بملك الأندلس، وابني عبد ~~الله أتى بملك ميورقة وصقلية وسردانية، وإن ابني مروان أتى بملك السوس ~~الأقصى فهم متفرقون في الأمصار، وغيرهم يغيرون فيأتون من السبي بما لا ~~يحصى، فمن أنجب مني يا أمير المؤمنين؟ قال: فغضب سليمان، فقال ولا أمير ~~PageV02P073 # المؤمنين ليس بأنجب منك؟ فقال موسى: شأن أمير المؤمنين شأن ليس فوقه شأن، ~~وكل شأن وإن عظم دونه، لأنه به ومنه، وعلى يديه وأمره. # قالوا: ms296 وحدثنا عبد الله بن شريح، قال: بلغني أن موسى لما نزل الحيرة عند ~~قدومه من المغرب أتاه رجل من بني أمية، فقال له: يا موسى، أنت ملك المغرب، ~~وأعلم الناس تخرج إلى الوليد، وتعلم من سليمان؟ فقال له موسى: يا بن أخي، ~~حسبك من قريش، ثم من بني أمية ما تعلم، ألا ترى يا بن أخي أن الصبي يأخذ ~~العظم فيعقفه (1) بحبل، ثم ينصبه ويهيئ طريقا، ويضع فيه حبة بر أو ذرة، ~~فينصب للهدهد العالم بما تحت الأرض، فيستنفر (2)، ثم تدفعه المقادير إلى ~~الوقوع فيه، فاحذر يا بن أخي أن تراك الشام أو تراها. فخرج موسى إلى الوليد ~~بدمشق، فمات الوليد، واستخلف سليمان أخاه، فلقى منه موسى ما ذكرنا، وخرج ~~القرشي إلى الشام، فضربت عنقه. # ذكر قدوم موسى على الوليد قال: وذكروا أن موسى لما قدم على الوليد، وذلك ~~يوم الجمعة، في حين جلوس الوليد ابن عبد الملك على المنبر، وكان موسى قال ~~لبعض من وفد معه، بأن يلبس كل رجل من الأسرى تاجا، وثياب ملك ذلك التاج، ثم ~~يدخلوا معه المسجد. قال: فألبس ثلاثين رجلا ثلاثين تاجا، وهيأهم هيئة ~~الملوك، وأمر بأبناء ملوك البربر فهيئوا وأمر بأبناء ملوك الجزائر والروم ~~فهيئوا كذلك، ولبسوا التيجان، وأمر بأبناء ملوك الأشبان (3)، فهيئوا بمثل ~~ذلك وأمر بالأموال والجوهر واللؤلؤ والياقوت والزبرجد والجزع والوطاء (4) ~~والكساء المنسوج بالذهب والفضة، المحرش (5) باللؤلؤ والياقوت والزبرجد، ~~فوقف الجميع بباب الوليد، وأبناء ملوك أفرنجة وأقبل موسى بالذين ألبسهم ~~التيجان، حتى دخل مسجد دمشق، والوليد على المنبر، يحمد الله وهو موهون (6)، ~~قد أثرت فيه العلة، وأنهكه المرض وإنما كان متحملا # PageV02P074 # لأجل قدوم موسى ومن معه. فلما رآهم بهت إليهم، وقال الناس: موسى؟ موسى، ~~ثم أقبل حتى سلم على الوليد، ووقف الثلاثون بالتيجان، عن يمين المنبر ~~وشماله ثم إن الوليد أخذ في حمد الله تعالى والثناء عليه، والشكر لما أيده ~~الله ونصره، فتكلم بكلام لم يسمع بمثله، وأطال حتى فات وقت الجمعة، ثم صلى ~~بالناس فلما فرغ جلس، ثم دعا بموسى، ms297 فصب عليه الوليد الخلع ثلاث مرات، ~~وأجازه بخمسين ألف دينار، وفرض لولده جميعا في الشرف، وفرض لخمس مئة من ~~مواليه، ثم أدخل عليه موسى ملوك البربر، وملوك الروم، وملوك الأشبان، وملوك ~~أفرنجة، ثم أدخل عليه رؤس أهل البلاد ممن كان معه من قريش والعرب، فأحسن ~~جوائزهم، وفرض لهم في الشرف، ثم أقام موسى عند الوليد أربعين يوما، ثم إن ~~الوليد هلك. # ذكر اختلاف الناقلين في صنع سليمان بموسى قالوا: لما استخلف سليمان بعد ~~أخيه الوليد، فكان أحنق الناس على الحجاج وموسى بن نصير، وكان يحلف لئن ظفر ~~بهما ليصلبنهما، وكان حنقه عليهما لأمر يطول ذكره. قال: # فأرسل سليمان إلى عمر بن عبد العزيز فأتاه، فقال: إني صالب غدا موسى بن ~~نصير، فبعث عمر إلى موسى فأتاه. فقال له يا بن نصير، إني أحبك لأربع. ~~الواحدة: بعد أثرك في سبيل الله، وجهادك لعدو الله. والثانية: حبك لآل محمد ~~صلى الله عليه وسلم. والثالثة. حبك عياض بن عقبة لما تعلم من حسن رأيي فيه، ~~وكان عياض من عباد الله الصالحين، والرابعة: # أن لأبي عندك يدا وصنيعة، وأنا أحب أن تتم يده وصنيعته حيث كانت، وقد ~~سمعت أمير المؤمنين يذكر أنه صالبك غدا، فأحدث عهدك (1)، وانظر فيما أنت ~~فيه ناظر من أمرك، فقال له موسى: قد فعلت، وأسندت ذلك إليك. فقال له عمر: ~~لو قبلت ذلك من أحد قبلت منك، ولكن أسند إلى من أحببت. فانصرف، فلما أصبح ~~اغتسل وتحنط وراح، ولم يشك في الصلب. فلما انتصف النهار، واشتد الحر، وذلك ~~في حمارة الصيف: دعا سليمان موسى: فأدخل عليه متبعا، وكان بادنا جسيما، به ~~نسمة لا تزال تعرض (2). فلما وقف بين يديه: شتمه وخوفه وتوعده، فقال له ~~موسى: أما والله يا أمير المؤمنين ما هذا بلائي، ولا قدر # PageV02P075 # جزائي، إني لبعيد الأثر في سبيل الله العظيم الغناء عن المسلمين، مع قدمة ~~(1) آبائي مع آبائك، ونصيحتي لهم. قال: فيقول له سليمان: كذبت، قتلني الله ~~إن لم أقتلك. فلما أكثر على موسى قال له: أما ms298 والله لمن في بطن الأرض أحب ~~إلي ممن على ظهرها. فقال سليمان: # ومن أولئك واستطير (2). فقال له موسى: مروان، وعبد الملك والوليد أخوك، ~~وعبد العزيز عمك. قال: فكاد سليمان ينكسر. ثم يقول: قتلني الله إن لم ~~أقتلك. فيقول له موسى: ما أنت بفاعل يا أمير المؤمنين؟ فيقول: ولم؟ لا أم ~~لك. فيقول له موسى: إني لأرجو ألا يكرم موسى بهوان أمير المؤمنين وموسى ~~حينئذ قائم في الشمس، قد ارتفع نفسه، وعظم بهره (3)، ثم التفت سليمان إلى ~~عمر بن عبد العزيز، فقال: ما أرى يميني إلا قد برئت يا عمر (4). قال عمر: ~~فاغتنمتها منه، ولم أبال أن يحنث بإحياء رجل من المسلمين. # فقلت: أجل يا أمير المؤمنين، امرؤ كبرت سنه، وكثر لحمه، وبه نسمة وبهر ~~وسقم. فما أراه إلا ميتا. قال: ثم التفت سليمان إلى جلسائه فقال: من يأخذ ~~هذا الشيخ، فيستخرج منه هذه الأموال؟ فقال يزيد بن المهلب: أنا يا أمير ~~المؤمنين قال: فخذه ولا تمسه، وضع العذاب على ابنيه مروان، وعبد الأعلى، ~~فخرج به يزيد فحمله على دابة ابنه، ثم انصرف به إلى منزله، فأكرمه وبره. ~~وقال له: أطع أمري، وأجب أمير المؤمنين إلى مقاضاته عن نفسك وعن ابنيك، ~~وحملني كل ما قاضيته عليه. فقال له موسى: أما إذا كنت أنت صاحب هذا الشأن، ~~فأنا غير مخبرك فيما ضمنت لأمير المؤمنين، وأيم الله لو أمر سواك بي، وأمره ~~بالبسط علي، لكان أحب إلي أن ألقى الله عز وجل، وأقرب إلي من أن يأخذوا مني ~~دينارا واحدا، ولكن أديا يا ابني عن أنفسكما وعن أبيكما، فقالا: نعم، فغدا ~~يزيد بن المهلب إلى سليمان، فأعلمه بذلك، وبرضا موسى بمقاضاته، فأدخله ~~سليمان عليه. فقال موسى: أرأيت لو لم أقاضك ما كنت فاعلا فقال سليمان: أضع ~~العذاب عليك وعلى ابنيك حتى أبلغ ما أريد، أو آتي على أنفسكم. فقال موسى: ~~الآن طابت نفسك يا أمير المؤمنين فأعطني أربع خصال، ولك ما دعوتني إليه من ~~هذا المال. فقال: وما هن؟ قال: لا تعزل عبد ms299 الله بن موسى عن أفريقية وجميع ~~عمله سنتين، وأن كل ما جباه عبد الله بأفريقية، وعبد العزيز بالأندلس، # PageV02P076 # فهو لي فيما قاضيت عليه أمير المؤمنين، وأن تدفع إلي طارقا مولاي، وأكون ~~أملا به عينا وبماله. فقال له سليمان: أما ما سألت من إقرار عبد العزيز ~~وعبد الله على مكانهما فذلك لك. # وأما ما سألت من دفع طارق إليك فتكون أملا عينا به وبماله، فليس هذا جزاء ~~أهل النصيحة لأمير المؤمنين، فلست بفاعل، ولا مخل بينك وبين عقوبته، ولا ~~أخذ ماله، فقاضاه موسى على مال، فأجله في ذلك، وخلى سبيله. # نسخة القضية هذا ما قاضي عليه عبد الله سليمان أمير المؤمنين موسى بن ~~نصير، قاضاه على أربعة آلاف ألف دينار، وثلاثين ألف دينار، وخمسين دينارا ~~ذهبا طيبة وازنة يؤديها إلى أمير المؤمنين، وقد قبض منها أمير المؤمنين مئة ~~ألف، وبقي على موسى سائر ذلك، أجله أمير المؤمنين إلى سير رسول أمير ~~المؤمنين إلى ابني موسى الذي بالأندلس، والذي بإفريقية، يمكث شهرا ~~بالأندلس، وليس له أن يمكث وراء ذلك يوما واحدا، حتى يقفل راجعا بالمال، ~~إلى ما كان من أفريقية وما دونها، وليس لموسى أن يتكثر بشئ مما كان عليه من ~~العمل، منذ استخلف الله أمير المؤمنين من ذمة أو فيئ أو أمانة، فهو لأمير ~~المؤمنين يأخذه ويقتضيه، ولا يحسبه موسى من غرامته، فإن أدى موسى الذي سمي ~~أمير المؤمنين في كتابه هذا من المال، إلى ما قد سمى أمير المؤمنين من ~~الأجل، فقد برئ موسى وبنوه وأهله ومواليه، وليست عليهم تبعة ولا طلبة في ~~المال ولا في العمل، يقرون حيث شاءوا، وما كان قبض موسى أو بنوه من عمال ~~موسى إلى قدوم رسول أمير المؤمنين أفريقية، فهو من الذي على موسى من المال، ~~يحسب له من الذي عليه، ما لم يقبض قبل وصول رسول أمير المؤمنين، فليس منه ~~في شئ، وقد خلى أمير المؤمنين بين موسى وبين أهله ومواليه، ليس له ظلم أحد ~~منهم، غير أن أمير المؤمنين لا يدفع إليه ms300 طارقا مولاه، ولا شيئا من الذي قد ~~أباه عليه أول يوم. # شهد أيوب ابن أمير المؤمنين، وداود بن أمير المؤمنين، وعمر بن عبد ~~العزيز، وعبد العزيز بن الوليد، وسعيد بن خالد، ويعيش بن سلامة، وخالد بن ~~الريان، وعمر ابن عبد الله، ويحيى بن سعيد، وعبد الله بن سعيد. وكتبه جعفر ~~بن عثمان في جمادي سنة تسع وتسعين. # فلما تقاضيا أمر سليمان يزيد بن مهلب بتخلية موسى وابنيه، والكف عنه، ~~فأعانه PageV02P077 # يزيد بن المهلب بمئة ألف دينار، فأهدى إليه موسى حقا فيه ثلاث خرزات، ~~فبعث بهن إلى ابن المهلب فقومهن، فقوبلن بثلاث مئة ألف دينار. فقال ابن ~~المهلب لموسى: أتدري لم قلت لأمير المؤمنين أنا أضمه؟ قال: لا، قال: خفت أن ~~يجيبه قبلي من لا يرى فيك ما أنا عليه لك، وكانت لك يد عند المهلب رحمه ~~الله. فأحببت أن أجزيك بها عنه، وبالله لو لم تفعل وأبيت عن المقاضاة ما ~~شاكتك عندي شوكة حتى لا يبقى لآل المهلب مال ولا ثوب. # قال: فجزاه موسى خيرا. # ذكر يد موسى إلى المهلب قال: وذكروا أن مخبرا أخبرهم من شيوخ الشام ممن ~~أدرك القوم وصحبتهم قال: كانت اليد التي أسداها موسى إلى المهلب، أن عبد ~~الملك بن مروان لما ولي العراق بشرا أخاه، جعل منه موسى بن نصير وزيرا ~~ومديرا لأمره، وقد كانت الأزارقة أفسدت ما هنالك، فأمر عبد الملك بشر بن ~~مروان أن يولي المهلب قتالهم، وكان بشر للمهلب مسيئا، فلما قدم بشر العراق، ~~وعلم المهلب برأيه، اعتزل بشرا. فلم يأته، فولى بشر بن مروان قتال ~~الأزارقة، الوليد بن خالد، فانهزم وافتضح، ثم ولى بشر رجلا آخر، فلم يصنع ~~شيئا، فكتب عبد الملك إلى بشر أخيه، يفند رأيه فيما صنع، ويوبخه لما خالف ~~أمره، فصمم بشر على رأيه، فلما استغلظ أمر الأزارقة، استشار بشر بن مروان ~~أسماء بن خارجة، وعكرمة بن ربعي، وموسى بن نصير في أمر المهلب. فأما عكرمة ~~وأسماء فوافقا هواه فيه، وأما موسى فقال له: # إن أمير المؤمنين لا ms301 يحتملك على المعصية، وليس مثل المهلب في فضله وشرفه، ~~وقدره في قومه ومعرفته، أقصيت أو جفوت، فإن كان بلغك أمر يقال إنه أتاه، ~~فاكشفه عنه، حتى تعلم عذره فيه أو ذنبه، فلم يزل موسى يردد أمر المهلب على ~~بشر، ويعطفه عليه، بعد أن كان هم بقتله إن ظفر به، حتى أرسل إليه بشر فجاءه ~~المهلب فتنصل إليه المهلب، فقبل منه بشر، وولاه ما كان يلي، فبعث إليه موسى ~~بخمسين فرسا وبمئة بعير. وقال له: استعن بها على حربك، ثم لم يزل موسى ~~قائما بأمره عند بشر، حتى هلك بشر. # قالوا: وأخبرنا محمد بن عبد الملك أن المهلب في الأيام التي كان يخاف ~~فيها بشر بن مروان على نفسه، خرج إلى مال له، فكان فيه وحده، فأتى رجل إلى ~~بشر وعنده موسى، فقال له: إن كان لك أيها الأمير بالمهلب حاجة فابعث خيلا ~~إلى موضع كذا وكذا، فإنه فيه في غار وحده، وليس معه فيه رجل من قومه. فبعث ~~بشر خيلا، قال: فنهض من مجلسه موسى، فوجه إليه غلاما له، ثم قال له: أنت حر ~~لوجه الله، إن أنت سبقت هذه الخيل حتى تنتهي PageV02P078 # إلى موضع كذا وكذا، فتأتي المهلب فتقول له: إن موسى يقول لك: النجاة ~~بنفسك، فخرج غلام موسى حتى انتهى إلى المهلب فأعلمه، فاستوى على فرسه فذهب، ~~وأتت الخيل فلم تجد أحدا هناك، فانصرفوا راجعين إلى بشر فأعلموه بذلك. # ذكر قتل عبد العزيز بن موسى بالأندلس قال: وذكروا أن محمد بن عبد الملك ~~أخبرهم قال: أقام موسى بن نصير مع سليمان ابن عبد الملك يطلب رضاه، حتى رضي ~~عنه، وابنه عبد الله بن موسى على أفريقية وطنجة والسوس، وابنه عبد العزيز ~~على الأندلس كما هو، فلما بلغ عبد العزيز الذي فعل سليمان بأبيه موسى تكلم ~~بكلام خفيف حملته عليه حمية لما صنع بأبيه على حسن بلائه، فنميت إلى ~~سليمان، فخاف سليمان أن يخلع، فكتب إلى حبيب بن أبي عبيدة، وابن وعلة ~~التميمي، وسعد بن عثمان ابن ياسر، وعمرو ms302 بن زياد اليحصبي، وعمر بن كثير، ~~وعمرو بن شرحبيل، كتب إلى كل رجل منهم كتابا يعلمه بالذي بلغه عن عبد ~~العزيز بن موسى، وما هم به من الخلع، وأنه قد كتب إلى عبد الله بن موسى ~~يأمره بإشخاصهم إلى عبد العزيز، وأعلمه إنما دعاه إلى ذلك الذي أحب من ~~مكانفتكم، لأنه بإزاء العدو، وأعطاهم العهود، أن من قتله منهم فهو أمير ~~مكانه. وكتب إلى عبد الله بن موسى: إني نظرت فإذا عبد العزيز بإزاء عدو ~~يحتاج فيه إلى الغناء والبلاء. فسأل أمير المؤمنين فأخبر أن معك رجالا، ~~منهم فلان وفلان، فأشخصهم إلى عبد العزيز بن موسى، وكتب سليمان إلى عبد ~~العزيز: أما بعد، فإن أمير المؤمنين علم ما أنت بسبيله من العدو، وحاجتك ~~إلى الرجال أهل النكاية والغناء، فذكر له أن بأفريقية رجالا منهم، فكتب ~~أمير المؤمنين إلى عبد الله بن موسى يأمره بإشخاصهم إليك، فولهم أطرافك ~~وثغورك، واجعلهم أهل خاصتك. وكتب إليهم سليمان: إني قد بعثت لكم بكتاب إلى ~~أهل الأندلس بالسمع والطاعة لكم، والغدر في قتله، فإذا ولاكم أطرافه فأقروا ~~عهدي على من قبلكم من المسلمين، ثم ارجعوا إليه حتى تقتلوه. فلما قدم ~~الكتاب على عبد الله بن موسى بأفريقية، أشخص القوم، فخرجوا حتى قدموا على ~~عبد العزيز بالأندلس بكتاب سليمان في إلطافهم وأكرامهم، فقربهم عبد العزيز ~~وأكرمهم وحياهم، وقال لهم. اختاروا أي نواحي وثغوري شئتم، فضربوا الرأي ~~فقالوا: إنكم إن فعلتم ما أنتم فاعلون، ثم رجعتم إليه من أطرافه، لم نأمن ~~أن يميل معه عظيم الناس، فإن في يديه الأموال والقوة، من مواليه وغيرهم ~~ولكن أعملوا رأيكم في الفتك به. قالوا: فإن هاهنا رجلا إن دخل معنا استقام ~~لنا الأمر، ووصلنا إلى ما أردنا، وهو أيوب بن حبيب بن أخت موسى. قال: فلقوه ~~ودعوه إلى أنه PageV02P079 # إن قتله فهو مكانه، فقبل وبايعوه على ذلك، ثم إنهم أتوا عبد الله بن عبد ~~الرحمن الغافقي، وكان سيد أهل الأندلس صلاحا وفضلا فأعلموه، ثم أقرءوه كتاب ~~سليمان. فقال لهم: قد ms303 علمتم يد موسى عند جميعكم، صغيركم وكبيركم، وإنما بلغ ~~أمير المؤمنين أمر كذب عليه فيه، والرجل لم ينزع يدا من الطاعة، ولم يخالف ~~فيستوجب القتل وأنتم ترون وأمير المؤمنين لا يرى، فأطيعوني ودعوا هذا ~~الأمر، فأبوا، ومضوا على رأيهم، فأجمعوا على قتله، فوقفوا له. فلما خرج ~~لصلاة الصبح، ودخل القبلة وأحرم، وقرأ بأم القرآن الكريم، واستفتح (إذا ~~وقعت الواقعة) ضربه حبيب بن أبي عبيدة ضربة، فدهش ولم يصنع شيئا، فقطع عبد ~~العزيز الصلاة وخرج، وتبعوه فقتله ابن وعلة التميمي، وأصبح الناس، فأعظموا ~~ذلك، فأخرجوا كتاب سليمان بذلك، فلم يقبله أهل الأندلس، وولوا عليهم عبد ~~الله بن عبد الرحمن الغافقي، ووفد حبيب بن أبي عبيدة برأس عبد العزيز ابن ~~موسى رحمهما الله. # قدوم رأس عبد العزيز بن موسى على سليمان قال: وذكروا أن سليمان لما ظن أن ~~القوم قد دخلوا الأندلس، وفعلوا ما كتب به إليهم، عزل عبد الله بن موسى عن ~~أفريقية وطنجة والسوس، في آخر سنة ثمان وتسعين في ذي الحجة، وأقبل هؤلاء ~~حتى قدموا على سليمان، وموسى بن نصير لا يشعر بقتل عبد العزيز ابنه. فلما ~~دخلوا على سليمان، ووضع الرأس بين يديه، بعث إلى موسى، فأتاه، فلما جلس ~~وراء القوم. قال له سليمان: أتعرف هذا الرأس يا موسى؟ فقال: نعم هذا رأس ~~عبد العزيز بن موسى، فقام الوفد فتكلموا بما تكلموا به. ثم إن موسى قام ~~فحمد الله، ثم قال: وهذا رأس عبد العزيز بين يديك يا أمير المؤمنين، فرحمة ~~الله تعالى عليه، فلعمر الله ما علمته نهاره إلا صواما، وليله إلا قواما، ~~شديد الحب لله ولرسوله، بعيد الأثر في سبيله، حسن الطاعة لأمير المؤمنين، ~~شديد الرأفة بمن وليه من المسلمين، فإن يك عبد العزيز قضى نحبه، فغفر الله ~~له ذنبه، فوالله ما كان بالحياة شحيحا، ولا من الموت هائبا، وليعز على عبد ~~الملك وعبد العزيز والوليد أن يصرعوه هذا المصرع، ويفعلوا به ما أراك تفعل، ~~ولهو كان أعظم رغبة فيه، وأعلم بنصيحة أبيه، أن يسمعوا فيه ms304 كاذبات ~~الأقاويل، ويفعلوا به هذه الأفاعيل. فرد سليمان عليه قال: بل ابنك المارق ~~من الدين، والشاق عصا المسلمين، المنابذ لأمير المؤمنين، فمهلا أيها الشيخ ~~الخرف. فقال موسى: والله ما بي من خرف، PageV02P080 # ولا أنا من الحق بذي جنف (1) ولن ترد محاورة الكلام مواضع الحمام (2)، ~~وأنا أقول كما قال العبد الصالح (3). (فصبر جميل، والله المستعان على ما ~~تصفون) قال: ثم قال موسى: أفتأذن في رأسه يا أمير المؤمنين؟ واغرورقت ~~عيناه: فقال له سليمان: نعم، فخذه، فقام موسى فأخذه، وجعله في طرف قميصه ~~الذي كان عليه، ثم أدير في السماطين (4)، فوقع الطرف الآخر عن منكبيه، وهو ~~يجره لا يحفل به ولا يرفعه. فقال له خالد بن الريان: ارفع ثوبك يا بن نصير، ~~فالتفت موسى وقال: ما أنت وذاك يا خالد. قال سليمان: دعه، حسبه ما فعلنا ~~به: فلما توارى موسى قال سليمان: دعه إن في الشيخ لبقية بعد. ثم إن موسى ~~التفت إلى حبيب بن أبي عبيدة فكلمه بكلام غليظ حتى ذكر أمرا خفيا من نسبه ~~فأفحمه ثم إن سليمان كشف عن أمر عبد العزيز، فألفى ذلك باطلا، وأن عبد ~~العزيز لم يزل صحيح الطاعة، مستقيم الطريقة، فلما تحقق عند سليمان باطل ما ~~رفع إليه عن عبد العزيز ندم، وأمر بالوفد فأخرجوا، ولم ينظر في شئ من ~~حوائجهم، وأهدر عن موسى بقية القضية، التي كان سليمان قاضاه عليها، وكان ~~سليمان قد آلى قبل خلافته، لئن ظفر بالحجاج بن يوسف وموسى بن نصير ~~ليعزلنهما، ثم لا يليان معه من أمور الناس شيئا. # فلما رضي عن موسى جعل يقول: ما ندمت على شئ ندامتي، أن لا كنت خلوا من ~~اليمين على موسى في أن لا أوليه شيئا، ما مثل موسى أستغني عنه. # قال: وإن موسى دخل على سليمان في آخر يوم من شعبان عند المغرب، وهو ~~مستشرف على سطح وعنده الناس. فلما رآه سليمان قال: عندكم والله من إن ~~سألتموه عن الهلال ليخبرنكم أنه قد رآه وقد غم الهلال يومئذ على سليمان ~~والناس. فلما ms305 دنا موسى وسلم قال له سليمان أرأيت الهلال بعد يا موسى؟ قال: ~~نعم يا أمير المؤمنين ها هو ذاك، وأشار بأصبعه إلى ناحية، وهو مقبل على ~~سليمان بوجهه، فرمى الناس بأبصارهم حيث أشار موسى، فأبصروا الهلال فلما جلس ~~موسى قال إني والله لست بأحدكم بصرا، ولكني أعلمكم بمطالعه ومناسقه (5). ~~وقال: فخرج فلقيه يزيد بن المهلب، فقال له: يا أبا عبد الرحمن، # PageV02P081 # بينا أنت أدهى الناس وأعلمهم، أقبلت تسوق نفسك حتى تضعها في يد سليمان: ~~فقال له موسى: أما علمت يا أبا خالد، أن الهدهد يهتدي إلى الماء ويعرفه من ~~الأرض الفضاء ومن الحزونة والسهل، ويبصر القريب منه والبعيد، ثم ينصب له ~~الصبي الفخ بالدودة وما أشبهها، فلا يبصر ذلك حتى يقع فيه فيؤخذ؟ وذلك أنه ~~لا حذر ينجي من قدر، ولا رأي ولا بصر، وكذلك كنت وسليمان بن عبد الملك. # قال: وذكروا أن سليمان خرج يوما إلى بعض أمواله متنزها فخرج معه موسى بن ~~نصير، فعرضت عليهم غنم حلب، نحو من ألف رأس، فأعجب سليمان ما رأى منها، ~~والتفت إلى موسى، فقال له: هل رأيت مثلها قط؟ قال: نعم، إن لأدنى موالي ~~لأصنافا كثيرة، فالتفت إليه سليمان، وقال له: أدنى مواليك؟ قال: نعم فرددها ~~سليمان كالمغضب عليه. قال موسى: نعم يا أمير المؤمنين، وما هذا فيما أفاء ~~الله عز وجل على يدي، لقد كانت الألف تباع بعشرة دراهم أو دونها، ولقد كانت ~~في بعض المواطن وما لها قيمة، ولا يلتفت إليها أحد يا أمير المؤمنين، ولغير ~~ذلك مما أفاء الله عليهم، ولقد رأيت العلج العتل (1)، والوصيف الفاره (2)، ~~والجارية الحسناء، وإن أكثر ما تبلغ خمسين درهما، لكثرة ذلك من صنوفه كلها. ~~ولقد رأيت الذود (3) من الإبل، لا تبلغ قيمته عشرين درهما، أكثير يا أمير ~~المؤمنين ما أعلمتك فيما تسمع؟ قال سليمان: لا، وحمد الله. # قال: وذكروا أن موسى دخل على سليمان يوما وعنده الناس، فلما رآه سليمان ~~قال: # ذهب سلطان الشيخ، وأبصره موسى حين تكلم، فلم يفهم ما قال فلما سلم ms306 قال: ~~يا أمير المؤمنين رأيتك لما نظرتني داخلا تكلمت بكلام ظننتك عنيتني به. ~~قال: نعم. قلت: ذهب سلطان الشيخ. قال له موسى: أما والله لئن ذهب سلطان ~~الشيخ لقد أثر الله به في دينه أثرا حسنا، ولقد كنت طويل الجهاد في الله ~~حريصا على إظهار دين الله، حتى أظهره الله، وكنت ممن أتم الله به موعده ~~لنبيه، ولئن أدبر معك، لقد كان مع آبائك ناضر الغصن، ميمون الطائر، # PageV02P082 # فقال سليمان: هو ذاك. فقال موسى: وهو ذاك، فلم يزل يرددها سليمان، ~~ويرددها موسى، حتى سكت سليمان. # سؤال سليمان بن عبد الملك موسى عن أخباره وأفعاله قال: وذكروا أن سليمان ~~قال لموسى: ما الذي كنت تفزع إليه في مكان حربك من أمور عدوك؟ قال: التوكل، ~~والدعاء إلى الله يا أمير المؤمنين. قال له سليمان: هل كنت تمتنع في الحصون ~~والخنادق، أو كنت تخندق حولك؟ قال: كل هذا لم أفعله. قال: فما كنت تفعل؟ ~~قال: كنت أنزل السهل، وأستشعر الخوف والصبر، وأتحصن بالسيف والمغفر، ~~وأستعين بالله، وأرغب إليه في النصر. قال له سليمان: فمن كان من العرب ~~فرسانك؟ قال حمير. قال: فأي الخيل رأيت في تلك البلاد أصبر؟ قال شقرها. ~~قال: فأي الأمم كانوا أشد قتالا؟ قال: إنهم يا أمير المؤمنين أكثر مما ~~أصفهم. قال له: أخبرني عن الروم. قال: # أسود في حصونهم، عقبان على (1) خيولهم، نساء في مواكبهم (2) إن رأوا فرصة ~~افترصوها، وإن خافوا غلبة فأوعال (3)، ترقل في أجبال، لا يرون عارا في ~~هزيمة تكون لهم منجاة. # قال: فأخبرني عن البربر. قال: هم يا أمير المؤمنين أشبه العجم بالعرب: ~~لقاء ونجدة، وصبرا وفروسية، وسماحة وبادية، غير أنهم يا أمير المؤمنين غدر. ~~قال: فأخبرني عن الأشبان، قال: ملوك مترفون، وفرسان لا يجبنون. قال: ~~فأخبرني عن الإفرنج. قال: هناك يا أمير المؤمنين العدد والعدة، والجلد ~~والشدة وبين ذلك أمم كثيرة، ومنهم العزيز، ومنهم الذليل، وكلا قد لقيت ~~بشكله، فمنهم المصالح، ومنهم المحارب المقهور، والعزيز البذوخ (4). قال: # فأخبرني كيف كانت الحرب بينك وبينهم، أكانت عقبا ms307 (5)؟ قال: لا يا أمير ~~المؤمنين، ما هزمت لي راية قط، ولا فض لي جمع، ولا نكب المسلمون معي نكبة، ~~منذ اقتحمت # PageV02P083 # الأربعين، إلى أن شارفت الثمانين. قال: فضحك سليمان وقال: فأين الراية ~~التي حملتها يوم مرج راهط (1) مع الضحاك؟ قال: تلك يا أمير المؤمنين ~~زبيرية، وإنما عنيت المروانية. فقال: # صدقت، وأعجبه قوله. # وذكروا أن محمد بن عبد الملك حدثهم عن ريان بن عبد العزيز بن مروان قال: ~~إنا لجلوس عند سليمان وهو على سطح فسيح، والناس يدخلون حتى دخل موسى من ~~الباب، فتحرك بنا سقف السطح من شدة وطئه، فسلم ثم جلس، فذكر سليمان بيت ~~الذهب الذي فتحه قتيبة بن مسلم، فجعل يردد فيه. فقال له موسى: وما هذا يا ~~أمير المؤمنين؟ بيت لا يكون فيه عشرة آلاف دينار، والله لقد بعثت إلى أخيك ~~الوليد بثور من زمرد أخضر، يصب فيه اللبن فيخضر وإنه لمن أدنى ما بعثت به ~~إليه. ولقد أصبت كذا وكذا، وأصاب المسلمون كذا وكذا، وجعل يحدث سليمان ~~بالعجائب. قال ريان: حتى والله أبهته. ولم يزل موسى بباب سليمان عظيم ~~المنزلة عنده. فلما كانت سنة ثمان وتسعين تجهز سليمان للحج، وأمر موسى ~~بالشخوص والحج معه، فذكر له أنه ضعيف، فأمر له سليمان بثلاثين نجيبا موقورة ~~(2) جهازا، وبحجرة من حجره وجائزة، فحج سليمان، وحج معه موسى، فبينما هو ~~يسير يوما إذ دعا بموسى، فناداه خالد بن الريان، وكان موسى يساير رجلا، فلم ~~يلتفت موسى إلى ندائه، ثم دعا به، فناداه خالد أيضا، فلم يلتفت إليه. فقال ~~له الرجل: غفر الله لك، ألم تسمع دعاء أمير المؤمنين؟ إني أخافه وأخاف أن ~~يغضب. فقال موسى: ذاك لو كان عبد الملك أو الوليد. # فأما هذا فإنه يرضيه ما يرضي الصبي، ويسخطه ما يسخطه، وسترى ذلك. ثم تقدم ~~موسى حتى لحق ولصق بسليمان. فقال له: أين كنت يا بن نصير؟ فقال له: يا أمير ~~المؤمنين أين دوابنا من دوابك؟ إني لمنذ دعاني أمير المؤمنين لفي كد، حتى ~~لحقت أمير المؤمنين، فضحك سليمان ms308 وأمر له بدواب من مراكبه، فسايره وحادثه، ~~ثم انصرف عنه، فلحق الرجل به. فقال له موسى: كيف رأيت؟ قال: أنت كنت به ~~أعلم، فسار سليمان حتى نزل المدينة في دار يزيد بن رومان. # PageV02P084 # قال: فحدثني بعض أهل المدينة، أن موسى قال يوما لبعض من يثق به ليموتن ~~إلى يومين. # رجل قد بلغ ذكره المشرق والمغرب، فلم نظن إلا أنه يعني الخليفة، فلما كان ~~اليوم الثاني، لم أشعر وأنا في مسجد الرسول، حتى سمعت الناس يقولون: مات ~~موسى بن نصير، فإذا هو (1)، وصلي سليمان عليه، ودفن رحمه الله. # وذكروا أن عبد الله بن صخر أخبرهم قال: بينما موسى يسير يوما على دابة ~~له، وكان طويلا جسيما، فمر به رجلان من قريش: وقد تدلت رجلاه وانحنتا، وهما ~~لا يعرفانه. فقالا أدبر والله الشيخ، فسمعهما موسى، فقال لهما: من أنتما؟ ~~فانتسبا له. فقال: أما والله إن أميكما لمما أفاء الله على يدي هذا الشيخ: ~~فأهداهما إلى أبويكما، فقالا له: ومن أنت يرحمك الله؟ قال: # موسى بن نصير، فقالا، فمرحبا وأهلا، صدقت وبررت، والله ما عرفناك: فقال: ~~لا عليكما، قد والله أدبر عني وبقي مني. # وذكروا أن إبراهيم بن سليمان أخبرهم عمن حدثه عن موسى، أن الناس قحطوا ~~بأفريقية عاما، فحرج موسى بالناس فاستسقى، فأمر رجلا فقص على الناس ورققهم، ~~فجعل يذكر، ثم إنه انتحى في الدعاء للوليد بن عبد الملك فأكثر. فأرسل إليه ~~موسى: إنا لم نأت هاهنا للدعاء للوليد، فأقبل على ماله جئنا فعدنا، فلم ~~يلتفت، ورجا أن يبلغ الوليد، فأمر به فسحب، حتى خرج من الناس، ثم قام موسى ~~ودعا بالناس، فما برحنا حتى انصبت السماء بمثل القرب، فأتى موسى بدابة من ~~دوابه. فقال: والله لا ركبت، ولكن أخوض الطين، وانصرف ماشيا،، ومشى الناس، ~~فسمعته يومئذ يردد في دعائه: اللهم الشهادة في سبيلك، أو موتا في مدينة ~~رسولك. # قال فذكروا أن عرفة بن عكرمة حدثهم عن مشايخ من مراد عن رجل منهم كان مع ~~موسى بالأندلس قال: كنت أبصر من مجاري ms309 الشمس والقمر شيئا، فوقع في عند ~~موسى، وقيل له عنده علم، فوالله ما شعرت حتى أتيت فأخذت، فأدخلت عليه، فإذا ~~بين يديه عصفور مذبوح، مشقوق البطن قال لي: أدخل يدك فانظر. قلت: أصلح الله ~~الأمير: طلقت امرأته البتة إن كان يعلم قليلا أو كثيرا، إلا ما يعلم الناس ~~من مجاري الشمس والقمر. قال: فأمر بي فنحيت، ثم دعا برجل من الأعاجم، قال: ~~أدخل يدك، فانظر ماذا ترى، وكان من الأسارى، فأدخل يده في جوف العصفور، ~~فحركه طويلا، ثم قلبه، نم قال للترجمان بلسانه: إنه ليس يموت ها هنا، ولكنه ~~يموت بالمشرق في بلاد العرب، فنظر إليه موسى، ثم قال له: قاتلك الله ما ~~أعلمك، قال: ثم أمر به فقتل، ثم دعاني، فأخذ على الإيمان أن لا أتكلم به ما ~~بقي، # PageV02P085 # ففعلت. وكان دخول موسى المغرب سنة تسع وسبعين، في جمادى الأولى، وكان ~~يومئذ ابن ستين سنة، فأقام بأفريقية ست عشرة سنة، وقفل منها سنة خمس ~~وتسعين، ومات سنة ثمان وتسعين، وولى عبد الله بن موسى بأفريقية وطنجة ~~والسوس، بعد موسى أبيه سنتين، وكان عزله عنها في ذي الحجة، سنة سبع وتسعين، ~~وقيل سنة تسع وتسعين. # ذكر ولاة الأندلس بعد موسى بن نصير قال: وذكروا أن عبد العزيز بن موسى ~~ولي الأندلس بعد أبيه سنة، ثم قتل، وولى بعده أيوب بن حبيب ستة أشهر، ثم ~~الحارث بن عبد الرحمن ثلاث سنين ونصفا، ثم عنبسة سنتين وتسعة أشهر، ثم يحيى ~~بن سلمة سنة وثلاثة أشهر، ثم الهيثم بن عبيد سنة وشهرين، ثم عبد الرحمن ابن ~~عبد الله الغافقي أربع سنين، ثم عبد الملك بن قطن الفهري أيضا سنة، ثم بلج ~~بن بشر القشيري ستة أشهر، ثم ثعلبة بن سلامة الجذامي خمسة أشهر، ثم أبو ~~الخطار بن ضرار الكلبي ثلاث سنين، ثم ثوابة بن مسلمة سنة وشهرا. # فلما وهن سلطان بني أمية بالمشرق، ولوا على أنفسهم يوسف بن عبد الرحمن ~~القرشي الفهري، من غير عهد من الخليفة، فملك الأندلس عشر سنين، إلى أن ms310 دخل ~~عليه عبد الرحمن ابن معاوية بن هشام بن عبد الملك بن مروان. # ذكر حج سليمان مع عمر بن عبد العزيز وذكروا أن عبيد الله بن عبد المؤمن ~~أخبرهم عن رجاء بن حياة: أنه لما حج سليمان بن عبد الملك، ومعه عمر بن عبد ~~العزيز، وذلك في سنة ثمان وتسعين فلما انتهى إلى عقبة عسفان، نظر سليمان ~~إلى السرادقات، قد ضربت له ما بين أحمر وأخضر وأصفر، وكان يوسف بن عمر قد ~~عمل له باليمن ثلاثة سرادقات، فكانت تضرب له، وكان الذي منها للناس من خز ~~أخضر، والذي يليه من خز أصفر، ثم الذي يكون هو فيه من وشى أحمر، محبر من ~~حبرات (1) اليمن، مزرر بالذهب والفضة (2)، وفي داخله فسطاط (3)، فيه أربعة ~~أفرشة من # PageV02P086 # خز (1) أحمر، مرافقها من وشى (2) أصفر، وضربت حجب نسائه من وراء فسطاطه، ~~وحجر بنيه وكتابه وحشمه قرب ذلك. فلما استوى سليمان في قبة العقبة، ونظر ~~إلى ما نصب له. # قال: يا عمر، كيف ترى ها هنا؟ قال: أرى دنيا عريضة، يأكل بعضها بعضا، أنت ~~المسؤول عنها، والمأخوذ بها، فبينما هما كذلك، إذ طار غراب من سرادق ~~سليمان، في منقاره كسرة، فصاح الغراب. فقال سليمان: ما يقول هذا الغراب يا ~~عمر؟ قال عمر: ما أدري، ولكن إن شئت أخبرتك بعلم. قال سليمان: أخبرني. فقال ~~عمر: هذا غراب طار من سرادقك بكسرة، هو يأكلها، وأنت المأخوذ بها، والمسؤول ~~عنها من أين دخلت، وأين خرجت؟ # قال سليمان: إنك لتجئ بالعجائب يا أبا حفص. فقال عمر: أفلا أخبرك بأعجب ~~من هذا يا أمير المؤمنين؟ قال: أخبرني. قال من عرف الله تعالى كيف يعصاه، ~~ومن عرف الشيطان كيف يطيعه، ومن أيقن بالموت كيف يهنيه العيش ويسوغ له ~~الطعام، ومن أيقن بالنار كيف يضحك! فقال سليمان: نغصت علينا ما نحن فيه يا ~~أبا حفص، ومن يطيق ما تطيق أنت يا عمر؟ # أنت والله الموفق المطيع. # ما قال طاووس اليماني لسليمان بمكة قالوا: إن إبراهيم بن مسلم أخبرهم عن ~~رجاء بن حياة، أنه ms311 نظر إلى طاووس اليماني يصلي في المسجد الحرام، فانصرف ~~رجاء إلى سليمان بن عبد الملك وهو يومئذ بمكة قد حج ذلك العام. فقال: إني ~~رأيت طاووس في المسجد، فهل لك أن ترسل إليه؟ قال: فأرسل إليه سليمان. فلما ~~أتاه قال رجاء لسليمان: يا أمير المؤمنين، لا تسأله عن شئ حتى يكون هو الذي ~~يتكلم. فلما قعد طاووس سكت طويلا. ثم قال: وما أول شئ خلق! فقلنا: لا ندري. # فقال أول شئ خلق: القلم. ثم قال: أتدرون ما أول شئ كتب؟ قلنا: لا، قال: ~~فإن أول ما كتب بسم الله الرحمن الرحيم، ثم كتب القدر خيره وشره إلى يوم ~~القيامة. ثم قال: # أتعلمون من أبغض الخلق إلى الله؟ قلنا: لا، فقال: إن أبغض الخلق إلى الله ~~تعالى عبد أشركه الله في سلطانه، فعمل فيه بمعاصيه، ثم نهض. قال رجاء: ~~فأظلم علي البيت، فما زلت خائفا عليه حتى توارى، فرأيت سليمان يحك رأسه ~~بيده، حتى خشيت أن تجرح أظفاره لحم رأسه. # PageV02P087 # ما قال أبو حازم لسليمان قالوا: وإن يحيى بن المغيرة أخبرهم عن عبد ~~الجبار بن عبد العزيز بن أبي حازم، قال: لما حج سليمان، ودخل المدينة زائرا ~~لقبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعه ابن شهاب الزهري ورجاء بن حياة، ~~فأقام بها ثلاثة أيام، فقال: أما ها هنا رجل ممن أدرك أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم؟ فقيل له: بلى ها هنا رجل يقال له أبو حازم، فبعث إليه، ~~فجاءه، وهو أقور (1) أعرج، فدخل عليه، فوقف منتظرا للإذن. فلما طال عليه ~~الإذن: وضع عصيته ثم جلس. فلما نظر إليه سليمان: ازدرته عينه. فقال له يا ~~أبا حازم. ما هذا الجفاء الذي ظهر منك، وأنت توصف برؤية أصحاب رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، مع فضل ودين تذكر به؟ فقال أبو حازم: وأي جفاء رأيت ~~مني يا أمير المؤمنين؟ فقال سليمان: إنه أتاني وجوه أهل المدينة وعلماؤها ~~وخيارها، وأنت معدود فيهم ولم تأتني. فقال أبو حازم: أعيذك بالله أن تقول ms312 ~~ما لم يكن، ما جرى بيني وبينك معرفة آتيك عليها. قال سليمان: صدق الشيخ، ~~فقال يا أبا حازم: ما لنا نكره الموت؟ فقال أبو حازم: لأنكم أخربتم آخرتكم، ~~وعمرتم دنياكم، فأنتم تكرهون النقلة من العمران إلى الخراب. قال سليمان: ~~صدقت يا أبا حازم. # فكيف القدوم على الآخرة؟ قال: نعم، أما المحسن فإنه يقدم على الآخرة ~~كالغائب يقدم على أهله من سفر بعيد. وأما قدوم المسئ فكالعبد الآبق، يؤخذ ~~فيشد كتافه، فيؤتى به إلى سيد فظ غليظ، فإن شاء عفا، وإن شاء عذب. فبكى ~~سليمان بكاء شديدا، وبكى من حوله. ثم قال: ليت شعري ما لنا عند الله يا أبا ~~حازم؟ فقال: اعرض نفسك على كتاب الله، فإنك تعلم ما لك عند الله. قال ~~سليمان: يا أبا حازم، وأين أصيب تلك المعرفة في كتاب الله، قال عند قوله ~~تعالى: (إن الأبرار لفي نعيم، وإن الفجار لفي جحيم). قال سليمان: يا أبا ~~حازم، فأين رحمة الله؟ قال: رحمة الله قريب من المحسنين، قال سليمان: يا ~~أبا حازم من أعقل الناس؟ # قال أبو حازم: أعقل الناس من تعلم العلم والحكمة وعلمهما الناس. قال ~~سليمان: فمن أحمق الناس؟ # فقال: من حط في هوى رجل وهو ظالم، فباع آخرته بدنيا غيره. قال سليمان: ~~فما أسمع الدعاء؟ # قال أبو حازم: دعاء المخبتين (2) الخائفين. فقال سليمان: فما أزكى الصدقة ~~عند الله؟ قال: جهد المقل (3) قال: فما تقول فيما ابتلينا به؟ قال: أعفنا ~~عن هذا وعن الكلام فيه أصلحك الله، # PageV02P088 # قال سليمان: نصيحة تلقيها. فقال: ما أقول في سلطان استولى عنوة بلا مشورة ~~من المؤمنين، ولا اجتماع من المسلمين؟ فسفكت فيه الدماء الحرام، وقطعت به ~~الأرحام، وعطلت به الحدود، ونكثت به العهود، وكل ذلك على تنفيذ الطينة (1)، ~~والجمع لمتاع الدنيا المشينة، ثم لم يلبثوا أن ارتحلوا عنها، فيا ليت شعري ~~ما تقولون؟ وماذا يقال لكم؟ فقال بعض جلسائه: بئس ما قلت يا أقور (2)، أمير ~~المؤمنين يستقبل بهذا؟ فقال أبو حازم: اسكت يا كاذب، فإنما أهلك فرعون ~~هامان، وهامان ms313 فرعون، إن الله قد أخذ على العلماء ليبيننه للناس ولا ~~يكتمونه: أي لا ينبذونه وراء ظهورهم. قال سليمان: # يا أبا حازم: كيف لنا أن نصلح ما فسد منا؟ فقال: المأخذ في ذلك قريب يسير ~~يا أمير المؤمنين، فاستوى سليمان جالسا من اتكائه. فقال: كيف ذلك؟ فقال: ~~تأخذ المال من حله، وتضعه في أهله، وتكف الأكف عما نهيت، وتمضيها فيما أمرت ~~به. قال سليمان: ومن يطيق ذلك؟ فقال أبو حازم: من هرب من النار إلى الجنة، ~~ونبذ سوء العادة إلى خير العبادة. # فقال سليمان: اصحبنا يا أبا حازم، وتوجه معنا تصب منا ونصب منك. قال أبو ~~حازم: أعوذ بالله من ذلك، قال سليمان: ولم يا أبا حازم؟ قال: أخاف أن أركن ~~إلى الذين ظلموا، فيذيقني الله ضعف الحياة، وضعف المماة. فقال سليمان: ~~فتزورنا. قال أبو حازم: إنا عهدنا الملوك يأتون العلماء ولم يكن العلماء ~~يأتون الملوك، فصار في ذلك صلاح الفريقين، ثم صرنا الآن في زمان صار ~~العلماء يأتون الملوك، والملوك تقعد عن العلماء، فصار في ذلك فساد الفريقين ~~جميعا. قال سليمان: فأوصنا يا أبا حازم وأوجز. قال: اتق الله ألا يراك حيث ~~نهاك، ولا يفقدك من حيث أمرك. قال سليمان: ادع لنا بخير. فقال أبو حازم: ~~اللهم إن كان سليمان وليك فبشره بخير الدنيا والآخرة، وإن كان عدوك فخذ إلى ~~الخير بناصيته. قال سليمان: زدني. قال: قد أوجزت، فإن كنت وليه فاغتبط، وإن ~~كنت عدوه فاتعظ، فإن رحمته في الدنيا مباحة، ولا يكتبها في الآخرة إلا لمن ~~اتقى في الدنيا، فلا نفع في قوس ترمى بلا وتر: فقال سليمان: هات يا غلام ~~ألف دينار، فأتاه بها، فقال خذها يا أبا حازم. فقال: لا حاجة لي بها، لأني ~~وغيري في هذا المال سواء، فإن سويت بيننا وعدلت أخذت، وإلا فلا، لأني أخاف ~~أن يكون ثمنا لما سمعت من كلامي. وإن موسى بن عمران عليه السلام لما هرب من ~~فرعون ورد ماء مدين، # PageV02P089 # ووجد عليه الجاريتين تذودان (1). فقال: ما لكما معين؟ قالتا: ms314 لا، فسقى ~~لهما، ثم تولى إلى الظل. فقال رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير، ولم يسأل ~~الله أجرا. فلما أعجل الجاريتان الانصراف (2)، أنكر ذلك أبوهما. فقال لهما: ~~ما أعجلكما اليوم؟ قالنا: وجدنا رجلا صالحا قويا سقى لنا. قال: ما سمعتماه ~~يقول؟ قالتا: تولى إلى الظل وهو يقول رب إني لما أنزلت إلي من خير فقير. ~~فقال ينبغي لهذا أن يكون جائعا. تنطلق إحداكما له، فتقول له إن أبي يدعوك ~~ليجزيك أجر ما سقيت لنا، فأتته إحداهما تمشي على استحياء: أي على إجلال له: ~~قالت إن أبي يدعوك ليجزيك أجر ما سقيت لنا. فجزع موسى من ذلك، وكان طريدا ~~في الفيافي والصحارى. فقال لها: قولي لأبيك إن الذي سقى يقول: لا أقبل أجرا ~~على معروف اصطنعته، فانصرفت إلى أبيها فأخبرته. فقال: اذهبي فقولي له: أنت ~~بالخيار بين قبول ما يعرض عليك أبي وبين تركه، فأقبل، فإنه يحب أن يراك، ~~ويسمع منك، فأقبل والجارية بين يديه، فهبت الريح فوصفتها له، وكانت ذات خلق ~~كامل. فقال لها: كوني ورائي، وأريني سمت الطريق. فلما بلغ الباب قال: ~~استأذني لنا، فدخلت على أبيها، فقالت: إنه مع قوته لأمين. فقال شعيب: وبم ~~علمت ذلك؟ فأخبرته ما كان من قوله عند هبوب الريح عليها. فقال: أدخليه ~~فدخل، فإذا شعيب قد وضع الطعام، فلما سلم رحب به وقال أصب من طعامنا يا ~~فتى. فقال موسى: أعوذ بالله. قال شعيب: لم؟ # قال: لأني من بيت قوم لا نبيع ديننا بملء الأرض ذهبا. قال شعيب: لا والله ~~ما طعامي لما تظن، ولكنه عادتي وعادة آبائي: نقري الضيف، ونطعم الطعام، ~~فجلس موسى فأكل. وهذه الدنانير يا أمير المؤمنين إن كانت ثمنا لما سمعت من ~~كلامي، فإن أكل الميتة والدم في حال الضرورة، أحب إلي من أن آخذها. فأعجب ~~سليمان بأمره إعجابا شديدا. # فقال بعض جلسائه: يا أمير المؤمنين، إن الناس كلهم مثله. قال: لا. قال ~~الزهري: # إنه لجاري منذ ثلاثين سنة، ما كلمته قط. فقال أبو حازم: صدقت، لأنك ms315 نسيت ~~الله ونسيتني، ولو ذكرت الله لذكرتني. قال الزهري: أتشتمني؟ قال له سليمان: ~~بل أنت شتمت نفسك، أو ما علمت أن للجار على الجار حقا. قال أبو حازم: إن ~~بني إسرائيل # PageV02P090 # لما كانوا على الصواب كانت الأمراء تحتاج إلى العلماء، وكانت العلماء تفر ~~بدينها من الأمراء، فلما رئي قوم من أراذل الناس تعلموا العلم، وأتوا به ~~الأمراء، استغنت الأمراء عن العلماء، واجتمع القوم على المعصية، فسقطوا ~~وهلكوا، ولو كان علماؤنا هؤلاء يصونون علمهم، لكانت الأمراء تهابهم، ~~وتعظمهم. فقال الزهري: كأنك إياي تريد، وبي تعرض؟ # قال: هو ما تسمع. قال سليمان: يا أبا حازم عظني وأوجز. قال: حلال الدنيا ~~حساب، وحرامها عذاب، وإلى الله المآب فاتق عذابك أودع. قال: لقد أوجزت، ~~فأخبرني ما مالك؟ قال: الثقة بعدله، والتوكل على كرمه، وحسن الظن به، ~~والصبر إلى أجله، واليأس مما في أيدي الناس. قال يا أبا حازم: ارفع إلينا ~~حوائجك؟ قال: رفعتها إلى ممن لا تخذل دونه، فما أعطاني منها قبلت، وما أمسك ~~عني رضيت، مع أني قد نظرت فوجدت أمر الدنيا يؤول إلى شيئين: أحدهما لي، ~~والآخر لغيري. فأما ما كان لي، فلو احتلت عليه بكل حيلة ما وصلت إليه قبل ~~أوانه وحينه الذي قد قدر لي. وأما الذي لغيري: فذلك لا أطمع فيه، فكما ~~منعني رزق غيري، كذلك منع غيري رزقي، فعلام أقتل نفسي في الإقبال والادبار؟ ~~قال سليمان: لا بد أن ترفع إلينا حاجة نأمر بقضائها. # قال: فتقضيها؟ قال: نعم، قال: فلا تعطني شيئا حتى أسألكه، ولا ترسل إلي ~~حتى آتيك، وإن مرضت فلا تعدني، وإن مت لا تشهدني. قال سليمان: أبيت يا أبا ~~حازم أبيت (1)، قال: أتأذن لي أصلحك الله في القيام، فإني شيخ قد زمنت (2). ~~قال سليمان: يا أبا حازم: # مسألة ما تقول فيها؟ قال: إن كان عندي علم أخبرتك به، وإلا فهذا الذي عن ~~يسارك، يزعم أنه ليس شئ يسأل عنه إلا وعنده له علم، يريد محمدا الزهري، ~~فقال له الزهري: عائذ بالله من شرك أيها المرء. ms316 قال: أما من شري فستعفى، ~~وأما من لساني فلا. قال سليمان: # ما تقول في سلام الأئمة من صلاتهم: أواحدة أم اثنتان، فإن العلماء لدينا ~~قد اختلفوا علينا في ذلك أشد الاختلاف؟ قال: على الخبير سقطت، أرميك في هذا ~~بخبر شاف. # حدثني عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه سعد، أنه شهد رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم يسلم في الصلاة عن يمينه، حتى يرى بياض خده الأيمن، ثم يسلم عن ~~يساره، حتى يرى بياض خده الأيسر، سلاما يجهر به. قال عامر: وكان أبي يفعل ~~ذلك. # PageV02P091 # وأخبرني سهل بن سعد الساعدي: أنه رأى عمر بن الخطاب وابن عمر يسلمان من ~~الصلاة كذلك. فقال الزهري: اعلم ما تحدث به أيها الرجل، فإن الحديث عن رسول ~~الله صعب شديد إلا بالتثبت واليقين. قال أبو حازم: قد علمته ورويته قبل أن ~~تطلع أضراسك في رأسك. # فالتفت الزهري إلى سليمان قال: أصلحك الله. إن هذا الحديث ما سمعت به من ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قط، فضحك أبو حازم. ثم قال: يا زهري، ~~أحطت بحديث رسول الله كله؟ قال: لا. قال: فثلاثة أرباعه؟ قال: لا، قال: ~~فثلثه؟ فقال: أراني ذلك قد رويت وبلغني. # فقال أبو حازم: فهذا من الثلث الذي لم يبلغك، وبقي عليك سماعه. فقال ~~سليمان: ما ظلمك من حاجك، ثم قام مأذونا له. فأتبعه سليمان بصره، ينظر ~~إليه، ويعجب به. ثم التفت إلى جلسائه فقال: ما كنت أظن بقي في الدنيا مثل ~~هذا. قال: ثم انصرف سليمان من الحج قافلا إلى الشام. # وذكروا أن غلمانا لسليمان نازعوا غلمانا لعمر بن عبد العزيز، فتعدى غلمان ~~عمر على غلمان سليمان، فرفع ذلك إلى سليمان، وأغرى بعمر. فقال له سليمان: ~~ألا تنصف غلماني، وهو كالمغضب مما فعل بهم؟ فقال عمر: ما علمت هذا قبل هذا ~~الوقت، وما سمعت هذا إلا في مقامي هذا. # فقال سليمان: كذبت لقد علمته. فقال عمر: كذبت والله ما كذبت ولا تعمدت ~~كذبا منذ شددت مئزري على نفسي، وإن ms317 في الأرض عن مجلسك لسعة ثم خرج عمر، ~~فتجهز وهو يريد مصر ليسكنها، فبلغ ذلك سليمان، فندم على ما كان من قوله، ~~وأرسل إليه أن لا يبرح، وأمر رجلا يقول له: لا تعاقب أمير المؤمنين على ~~قوله، ولا تذكر له هذا، فترك عمر الخروج وجلس، وأقل الاختلاف إلى سليمان. # ذكر وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن خالد بن أبي ~~عمران أخبرهم، وكان قد أدرك القوم. قال: مرض سليمان مرضه الذي مات فيه، ~~وذلك في شهر صفر سنة تسع وتسعين، فدخل عليه عمر بن عبد العزيز عائدا، فدعا ~~سليمان بنين له صغارا، فقلدهم السيوف، فوقعوا في الأرض. فقال سليمان: # قد أفلح من كان له بنون كبار. فقال عمر: ليس هكذا قال الله. فقال سليمان: ~~وكيف قال الله؟ فقال عمر: قال الله تعالى (قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه ~~فصلى)، فقال سليمان: # إني أريد أن أعهد إليك، وأوليك أمور الناس بعدي. فقال عمر: لا حاجة لي ~~بذلك. فقال سليمان: ولم ذلك؟ فقال: لأني لا أريد أخذ أموالهم، فإذا لم أرد ~~أخذ أموالهم، فما الذي يدعوني إلى ضرب ظهورهم؟ فقال سليمان: لا بد من هذا. ~~فقال عمر: ولم ذلك؟ ولك في ولد عبد الملك PageV02P092 # سعة، فأعفني من هذا يعف الله عنك. فقال له سليمان: والله لا أوليها غيرك ~~بعدي. فقال عمر: # وما الذي يدعوك إلى هذا؟ فقال سليمان: إني رأيت في منامي قائلا يقول لي: ~~إن عمر بن عبد العزيز لك جنة ووقاية وجسر تتخطاه. فأولت ذلك - إن شاء الله ~~- أن أوليك الأمر من بعدي، لتكون توليتي لك جنة من النار، وجسرا أركبه، ~~لأنجو عليه من عذاب يوم القيامة ثم ليزيد بعدك، فإنه أرشد ولد عبد الملك. ~~فقال عمر: إن هذا الأمر لا يسعني بيني وبين الله عز وجل، أن أتقدم على أمة ~~محمد، وفيهم خير مني. فقال سليمان: أما في آل أمية وعبد شمس فلا أعلم خيرا ~~منك فقال عمر:، إن لم يكن في آل أمية وعبد ms318 شمس خير مني بقولك، ففي آل عبد ~~مناف وآل هاشم من هو خير مني. فقال سليمان: لا، فقال عمر: ففي آل تيم وعدي ~~خير مني، وملء الأرض مثلي. فقال سليمان: إنما تريد القاسم وسالما؟ قال: ~~نعم، إياهما أردت فقال سليمان: رجلان صالحان ذكرت، ولكنهما ليسا للملك، ولا ~~الملك لهما، ولا من معدن الملك هما، مع أنه ليس بزمان خلافة، ولا أيام يملك ~~فيها مثل القاسم وسالم، إنما هو زمان ملك وسيف وإنما هي ذئاب تعدو ليست على ~~غنم تؤمن: فقال عمر: الله المعين، المصلح لمن أراده. فسكت سليمان، وظن أن ~~عمر رضي بما قال له، ثم دعا سليمان بصحيفة ثم كتب ويده ترتعش من شدة العلة، ~~لا يعلم أحد بما يخط، فكتب عهد عمر، ثم من بعد عمر ليزيد، ثم ختم عليه ~~بيده، متحاملا لذلك، وعمر لا يشك أن الأمر فيه قد صار لغيره، ثم دعا سليمان ~~برجاء بن حياة، فقال له: خذ هذا الكتاب فإنه عهدي، فاجمع إليك قريشا، ~~وأمراء الأجناد، وأعلمهم أنه عهدي، وأن من كان اسمه في كتابي هذا فهو ~~الخليفة بعدي، فمن نزع عن ذلك وأباه، فالسيف السيف، والقتل القتل، ثم رفع ~~سليمان يديه إلى السماء فقال: اللهم إن ذنوبي قد عظمت وجلت، وهي صغيرة ~~يسيرة في جنب عفوك، فاعف عني يا من لا تضره الذنوب، ولا تنقصه المغفرة، اعف ~~عني ما بيني وبينك من الذنوب، واحمل عني ما بيني وبين خلقك، وأرضهم بما ~~شئت، يا أرحم الراحمين. اللهم إن كنت تعلم مني وتطلع من ضميري، أني إنما ~~أردت بعهدي هذا وتوليتي من وليت فيه وجهك ورضاك فاغفر لي وارحمني. ثم تخلخل ~~لسانه، فلم يقو على الكلام من ثقل العلة، ثم سكت وأغمى عليه. قال رجاء: ~~فخرجت وعمر معي. # فقلت له: ما أراك إلا صاحب الأمر، فقال عمر: ما أحسب ذلك. فقلت: ومن عسى ~~أن يكون في آل مروان من يريد سليمان توليته غيرك؟ فقال عمر: ما أراه عهد ~~إلا لأحد الرجلين: # القاسم أو سالم. قال ms319 رجاء: فقلت له أسمعت ذلك منه؟ فقال عمر ما سمعته، ~~ولكن دار بيني وبينه كلام آنفا قبل دخلتك، لا أشك أنه أراد أحدهما. قال ~~رجاء: فقلت والله هذا الاختلاف في أمة محمد، والفتن الظاهرة القاصمة ~~للظهور، المفنية للأنفس. فقال عمر: PageV02P093 # ولم ذلك؟ فقال رجاء: لأن قريشا ونحوها لا ترضى بهذا، ولا تصير إليه، ولا ~~آل أمية وعبد شمس حيث كانت من الأرض. فقال عمر: إن الأمر لله من قبل ومن ~~بعد، يؤتي الملك من يشاء. فقال رجاء: فخرجت إلى الناس وأعلمتهم بعهد أمير ~~المؤمنين. فقالوا سمعا وطاعة، ثم أعلمتهم بابتهاله ورغبته إلى الله، وما ~~قال، فلم يشك الناس أن عمر بن عبد العزيز صاحبهم، فأرادوا أن يسلموا عليه ~~بالخلافة، وذلك لما أيقنوا بهلاك سليمان. فقلت لهم: لا تعجلوا فإن عمر قال ~~لي أرى سليمان ما أراد إلا القاسم أو سالما، وهذا أفطن مني بهذا الأمر لأنه ~~كان حاضرا، وسليمان يكتب العهد بيده، فضج الناس من ذلك واختلفوا. فقالت ~~فرقة: سمعنا وأطعنا، لمن استخلف علينا، كان من كان. وقالت فرقة: لا، والله ~~لا نقر بهذا، ولا نطيعه، ولا يستخلف علينا إلا مرواني، ولا تبقى منا عين ~~تطرف في الدنيا. فقال رجاء لعمر: كيف ترى قولي، والله لئن كان هذا إنه لهو ~~البلاء المبين، وإنها الفتنة قد فتح بابها. فقال عمر: # أرجو الله أن يغلقه إن شاء الله. قال رجاء: فقلت لعمر: ما نحن صانعون إن ~~كان هذا؟ فقال عمر: لا أدري ما أقول في موقفي هذا. قال رجاء: ولم؟ فقال ~~عمر: لأني والله ما وقفت موقفا قط، لا رأي لي فيه ولا بصيرة، إلا موقفي ~~هذا، فإني قد أجدني قد ذهب روعى (1)، وفقدت رأيي، ولا أدري ما أستقبل من ~~أمري، ولا ما أستدبر، ولو استطعت الفرار لفررت من موضعي هذا، حيث لا أدرك ~~ولا أرى: قال رجاء: فلما قاولني بهذا علمت أنه للذي قال من فقده لرأيه ~~وبصيرته. قال رجاء: فقلت له يا أبا حفص، فأين نحن من المفزع إلى الله، ms320 ~~والرغبة في الصلاح علينا وعلى المسلمين، ويعزم لنا على ما فيه الخير ~~والخيرة (2)؟ فقال عمر: # بلى والله هذا الملجأ وهذا الحصن الحصين والمعقل الشديد. قال رجاء: فبتنا ~~ليلتنا لا نألوا على أنفسنا في الدعاء، والاستخارة لله. فلما أصبحنا قلت ~~لعمر: ما ترى يا أبا حفص؟ فقال: أرى أن أسمع وأطيع لمن في هذا الكتاب فإن ~~كان أحد الرجلين قدم سمعت له وأطعت، ورددت من أدبر عنه بمن أقبل عليه حتى ~~أموت. قال فبينما هما كذلك إذ أقبل وصيف يسعى إليهما يقول: قد قضى أمير ~~المؤمنين نحبه، فخرجا، فإذا بالعويل والنوح، فرجعا إلى المسجد ترعد ~~فرائصهما، والناس يسلمون على عمر بالخلافة وهو يقول: لست به، حتى دخل ~~المسجد، وقد اجتمع الناس، وهم مستعدون للفتنة والقتال، إن خالف العهد ما ~~يريدون. فقام رجاء إلى جانب المنبر: فحمد الله، وحض الناس على الطاعة، ~~ولزوم الجماعة، وأعلمهم بما في الفرقة # PageV02P094 # والاختلاف، من ذهاب الدين والدنيا، ثم أخرج العهد، ففضه بمحضر منهم، ثم ~~قرأه عليهم. # فإذا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما عهد به عبد الله سليمان بن عبد ~~الملك أمير المؤمنين، وخليفة المسلمين عهد أنه يشهد لله بالربوبية ~~والوحدانية، وأن محمدا عبده ورسوله، بعثه إلى محسني عباده بشيرا، وإلى ~~مذنبيهم نذيرا، وأن الجنة حق، وأن النار حق مخلوقتان، خلق الجنة رحمة لمن ~~أطاعه، والنار عذابا لمن عصاه، وأوجب العفو لمن عفا عنه، وأن إبليس في ~~النار، وأن سليمان مقر على نفسه بما يعلم الله من ذنوبه، موجب على نفسه ~~استحقاق ما خلق من النقمة راج لما وعد من الرحمة والمغفرة، وأن المقادير ~~كلها خيرها وشرها من الله، وأنه هو الهادي وهو الفاتن، لم يستطع أحد لمن ~~خلق الله لرحمته غواية، ولا لمن خلق لعذابه هداية، وأن الفتنة في القبور ~~بالسؤال عن دينه ونبيه الذي أرسل إلى أمته حق يقين، لا منجى لمن خرج من ~~الدنيا إلى الآخرة من هذه المسألة. وسليمان يسأل الله بواسع فضله وعظيم ~~منه، الثبات على الحق عند تلك المسألة، ms321 والنجاة من أهوال تلك الفتنة، وأن ~~الميزان حق يقين، يضع الموازين القسط ليوم القيامة، فمن ثقلت موازينه ~~فأولئك هم المفلحون، ومن خفت موازينه فأولئك هم الخاسرون، وأن حوض محمد صلى ~~الله عليه وسلم يوم الحشر والموقف حق، عدد آنيته كنجوم السماء، من شرب منه ~~لم يظمأ أبدا. وسليمان يسأل الله برحمته أن لا يرده عنه عطشان. وأن أبا بكر ~~وعمر خير هذه الأمة، بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، والله يعلم بعدهما حيث ~~الخير، وفيمن الخير من هذه الأمة، وأن هذه الشهادة المذكورة في عهده هذا، ~~يعلمها من سره وإعلانه، وعقد ضميره، وأن بها عبد ربه في سالف أيامه، وماضي ~~عمره، وعليها أتاه يقين ربه، وتوفاه أجله، وعليها يبعث بعد الموت إن شاء ~~الله وأن سليمان كانت له بين هذه الشهادة بلايا وسيئات، لم يكن له عنها ~~محيص، ولا دونها مقصر (1) بالقدر السابق والعلم النافذ في محكم الوحي، فإن ~~يعف ويصفح، فذلك ما عرف منه قديما، ونسب إليه حديثا، وتلك الصفة التي وصف ~~بها نفسه في كتابه الصادق، وكلامه الناطق، وإن يعاقب وينتقم فيما قدمت ~~يداه، وما الله بظلام للعبيد، وإني أحرج على من قرأ عهدي، وسمع ما فيه من ~~حكمه، أن ينتهي إليه في أمره ونهيه، بالله العظيم وبمحمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأن يدع الإحن (2)، ويأخذ بالمكارم، ويرفع يديه إلى السماء بالابتهال ~~الصحيح، والدعاء الصريح، يسأله العفو عني، والمغفرة لي، والنجاة من فزعي، ~~والمسألة في قبري، لعل الودود أن يجعل منكم مجاب الدعوة بما علي من صفحه ~~يعود # PageV02P095 # إن شاء الله. وإن ولي عهدي فيكم، وصاحب أمري بعد موتي، في كل من استخلفني ~~الله عليه، الرجل الصالح عمر بن عبد العزيز ابن عمي لما بلوت من باطن أمره ~~وظاهره، ورجوت الله بذلك وأردت رضاه ورحمته إن شاء الله، ثم ليزيد بن عبد ~~الملك من بعده، فإني ما رأيت منه إلا خيرا، ولا اطلعت له على مكروه، وصغار ~~ولدي وكبارهم إلى عمر، إذ رجوت ألا يألوهم رشدا وصلاحا، والله ms322 خليفتي ~~عليهم، وهو أرحم الراحمين، وأقرأ عليكم السلام ورحمة الله. # ومن أبى عهدي هذا وخالف أمري فالسيف، ورجوت أن لا يخالفه أحد، ومن خالفه ~~فهو ضال مضل يستعتب (1) فإن أعتب، وإلا فالسيف، والله المستعان ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله القديم الإحسان. # أيام عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن خالد بن أبي عمران أنه قال: إني ~~لحاضر يوم قرئ عهد سليمان في المسجد بدمشق على الناس، فما رأيت يوما أكثر ~~باكيا ولا داعيا له بالرحمة من ذلك اليوم، فلم يبق محب ولا مبغض ولا خارجي ~~ولا حروري (2) إلا أخذ الله له بقلوبهم، وابتهلوا بالدعاء وأخلصوا له ~~بالسؤال بالعفو من الله، ورضي الناس أجمعون فعله، قال خالد: ثم بايع الناس ~~لعمر في المسجد بيعة تامة جامعة طيبة بها النفوس، لا يشوبها غش، ولا ~~يخالطها دنس، قال خالد: وسمعت رجاء (3) يقول لما تمت البيعة: إني مهما شككت ~~في شئ فإني لم أشك يوم البيعة لعمر بالنجاة، والرحمة لسليمان إن شاء الله، ~~واستفتح عمر ولايته ببيع أموال سليمان، ورباعه وكسوته (4)، وجميع ما كان ~~يملكه، فبلغ ذلك أربعة وعشرين ألف دينار، فجمع ذلك كله، وجعله في بيت ~~المال، ثم دخل على زوجته فاطمة ابنة عبد الملك، فقال لها: يا فاطمة، فقالت ~~لبيك يا أمير المؤمنين، فجعل يبكي، وكان لها محبا، وبها كلفا (5)، ثم ~~استفاق من بكائه، فقال # PageV02P096 # لها: اختاريني، أو اختاري الثوب الذي عمل لك أبوك، وكان قد عمل لها أبوها ~~عبد الملك ثوبا منسوجا بالذهب، منظوما بالدر والياقوت، أنفق عليه مائة ألف ~~دينار. فقال لها: إن اخترتني فإني آخذ الثوب فأجعله في بيت المال، وإن ~~اخترت الثوب، فلست لك بصاحب. # فقالت: أعوذ بالله يا أمير المؤمنين من فراقك، لا حاجة لي بالثوب. فقال ~~عمر: وإنا أفعل بك خصلة، أجعل الثوب في آخر بيت المال، وأنفق ما دونه، فإن ~~وصلت إليه أنفقته في مصالح المسلمين، وإنما هو من أموال المسلمين أنفقت ~~فيه، وإن بقي الثوب ولم أحتج إليه، فلعل أن يأتي بعدي من ms323 يرده إليك. قالت: ~~افعل يا أمير المؤمنين ما بدا لك. ثم دخل عليه ابنه، وعليه قميص تذعذع (1). ~~فقال له عمر: ارقع قميصك يا بني، فوالله ما كنت قط بأحوج إليه منك اليوم. # ذكر قدوم جرير بن الخطفى على عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن عبد ~~الأعلى بن أبي المشاور، أنه أخبرهم قال: قدم جرير شاعر أهل العراق وأهل ~~الحجاز على عمر، أول ما استخلف، فأطال المقام ببابه، لا يصل إليه حتى قدم ~~عليه عون بن عبد الله الهذلي، وكان من عباد الناس وخيارهم، وعليه جبة صوف ~~وعمامة صوف قد أسد لها خلفه، فجعل يتخطى رقاب الناس من قريش، بني أمية ~~وغيرهم، لا يمنع ولا يحجب هو ومثله من أكابر الناس وخيارهم، وفضلاء العباد، ~~وقريش لا يصلون ولا يدخلون فلما خرج عون بن عبد الله، اتبعه جرير بن الخطفى ~~وهو يقول يا أيها الرجال المرخى عمامته * هذا زمانك إني قد مضى زمني أبلغ ~~خليفتنا إن كنت لاقيه * أتى لدى الباب كالمصفود (2) في قرن فاحلل صفادي (3) ~~فقد طال المقام به * وشطت (4) الدار عن أهلي وعن وطني قال فضمن له عون بن ~~عبد الأعلى أن يدخله عليه. فلما دخل على عمر قال: يا أمير المؤمنين، هذا ~~جرير بن الخطفى بالباب، يريد الإذن. فقال عمر: ما كنت أرى أحدا يحجب عني. ~~قال: # إنه يريد إذنا خاصا قال له عمر: إله عن ذكره، ثم حدثه طويلا، ثم قال يا ~~أمير المؤمنين: # إن جريرا بالباب: فقال: إله عن ذكره. قال إذا لا أسلم من لسانه. فقال ~~عمر: أما إذ قد بلغ منك خوف لسانه ما أرى فأذن له. فدخل جرير. فلما كان قيد ~~رمح أو رمحين (5) وعمر # PageV02P097 # منكس رأسه قال: السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله، ثم قال إن ~~الخلفاء كانت تتعاهدني فيما مضى بجوائز وصلات، وقد أصبحت إلى ذلك منك ~~محتاجا. ثم أنشأ يقول: # قد طال قولي إذا ما قمت مبتهلا * يا رب أصلح قوام الدين والبشر إنا لنرجو ~~إذ ما الغيث أخلفنا ms324 * من الخليفة ما نرجو من المطر أأذكر الجهد والبلوى ~~التي نزلت * أم قد كفاني ما بلغت من خبر ما زلت بعدك في هم يؤرقني * قد طال ~~في الحي إصعادي ومنحدري (1) لا ينفع الحاضر المجهود بادية * ولا يعود لنا ~~باد على حضر كم باليمامة (2) من شعثاء أرملة * ومن يتيم ضعيف الصوت والنظر ~~يدعوك دعوة ملهوف كأن به * مسا من الجن أو مسا من البشر فإن تدعهم فمن ~~يرجون بعدكم * أو تنج منها فقد أنجيت من ضرر هذى الأرامل قد قضيت حاجتها * ~~فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر خليفة الله ما ذا تأمرون بنا * لسنا إليكم ولا ~~في دار منتظر أنت المبارك والمهدي سيرته * تعصى الهوى وتقوم الليل بالسور ~~قال: فبكى عمر، وهملت عيناه، وقال: ارفع حاجتك إلينا يا جرير. قال جرير: # ما عودتني الخلفاء قبلك. قال: وما ذلك؟ قال: أربعة آلاف دينار، وتوابعها ~~من الحملان والكسوة. قال عمر: أمن أبناء المهاجرين أنت؟ قال: لا. قال: أفمن ~~أبناء الأنصار أنت؟ # قال: لا. قال: أفقير أنت من فقراء المسلمين؟ قال: نعم. قال: فأكتب لك إلى ~~عامل بلدك، أن يجري عليك ما يجري على فقير من فقرائهم. قال جرير: أنا أرفع ~~من هذه الطبقة يا أمير المؤمنين. قال: فانصرف جرير. فقال عمر: ردوه علي. ~~فلما رجع قال له عمر: قد بقيت خصلة أخرى، عندي نفقة وكسوة أعطيك بعضها، ثم ~~وصله بأربعة دنانير. فقال: وأين تقع مني هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال عمر: ~~إنها والله لمن خالص مالي، ولقد أجهدت لك نفسي. # فقال جرير: والله يا أمير المؤمنين إنها لأحب مال كسبته. ثم خرج، فلقيه ~~الناس فقالوا له: # ما وراءك؟ قال: جئتكم من عند خليفة يعطي الفقراء، ويمنع الشعراء وإني عنه ~~لراض: # PageV02P098 # دخول الخوارج على عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن ابن حنظلة أخبرهم ~~قال: بعثني وعون بن عبد الله عمر ابن عبد العزيز إلى خوارج خرجت عليه ~~بالحيرة، رأسهم رجل من بني شيبان يقال له شوذب، وكتب معنا كتابا إليهم، ~~فقدمنا عليهم، فبعثوا معنا ms325 إليه رجلين أحدهما من العرب، فأتينا بهما عمر، ~~فدخلنا عليه وتركناهما بالباب. فقلنا له: إنا قد بلغنا عنك، وقد بعثوا معنا ~~رجلين هما بالباب. # قال: فتشوهما لا يكون معهما حديد أو شئ، ففعلنا، ثم إننا أدخلناهما عليه. ~~فلما دخلا قالا: # السلام عليكم. قال: وعليكم السلام، اجلسا. فلما جلسا قال لهما عمر: ما ~~الذي أخرجكم علينا؟ # فقال العربي: وكان أشدهما كلاما، وأتمهما عقلا: أما إنا لم ننكر عليك ~~عدلك ولا سيرتك، ولكن بيننا وبينك أمر، هو الذي يجمع ويفرق بيننا، فإن ~~أعطيتناه فنحن منك وأنت منا، وإن لم تعطنا فلسنا منك ولست منا. فقال عمر: ~~فما هو؟ فقال: خالفت أهل بيتك، وسميتهم الظلمة، وسميت أعمالهم المظالم، فإن ~~زعمت أنك على الحق وأنهم على الباطل، فالعنهم وتبرأ منهم. فقال عمر: إنكم ~~لم تتركوا الأهل والعشائر وتعرضتم للقتال إلا وأنتم في أنفسكم مصيبون، ~~ولكنكم أخطأتم وضللتم، وتركتم الحق. أخبراني عن الدين: أو أحد أو اثنان. ~~قالا: لا بل واحد. قال: أفيسعكم في دينكم شئ يعجز عني؟ قالا: لا. قال: ~~فأخبراني عن أبي بكر وعمر ما حالهما عندكم؟ قالا: أفضل الناس أبو بكر وعمر. ~~قال: ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما توفي ارتدت العرب، ~~فقاتلهم أبو بكر، فقتل الرجال، وسبي النساء والذرية؟ # قالا: بلى. قال عمر: فلما توفي أبو بكر وقام عمر، ورد تلك النساء ~~والذراري إلى عشائرهما، فهل تبرأ عمر من أبي بكر، ولعنه بخلافه إياه؟ قالا: ~~لا. قال فتتولونهما على خلاف سيرتهما. # قالا: نعم. قال عمر: فما تقولان في بلال بن مرداس؟ قالا: من خير أسلافنا. ~~قال: أفليس قد علمتم أنه لم يزل كافا عن الدماء والأموال وقد لطخ أصحابه ~~أيديهم فيها، فهل تبرأت إحدى الطائفتين من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى؟ ~~قالا: لا. قال: فتتولونهما على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. قال عمر: فأخبراني ~~عن عبد الله بن وهب حين خرج بأصحابه من البصرة يريدون أصحابهم، فمروا بعبد ~~الله بن خباب فقتلوه، وبقروا بطن جاريته، ثم عدوا على ms326 قوم من بني قطيفة، ~~فقتلوا الرجال، وأخذوا الأموال وغلوا الأطفال في المراجل، ثم قدموا على ~~أصحابهم من الكوفة وهم كافون عن الدماء والفروج والأموال، هل تبرأت إحدى ~~الطائفتين من الأخرى، أو لعنت إحداهما الأخرى، قالا: لا. قال: فتتولونهما ~~على خلاف سيرتهما. قالا: نعم. فقال عمر فهؤلاء الذين اختلفوا بينهم في ~~السيرة والأحكام لم يتبرأ بعضهم من بعض، ولا لعن بعضهم بعضا، وأنتم ~~تتولونهم على خلاف سيرتهم فهل وسعكم في PageV02P099 # دينكم ذلك، ولا يسعني حين خالفت أهل بيتي في الأحكام والسيرة حتى ألعنهم ~~وأتبرأ منهم؟ # أخبراني عن اللعن: فرض على العبادة؟ قالا: نعم. فقال عمر: متى عهدك بلعن ~~فرعون؟ قال: # ما لي به من عهد منذ زمان. قال عمر: هذا رأس من رؤوس الكفار ليس لك عهد ~~بلعنه منذ زمان، وأنا لا يسعني أن ألعن من خالفتهم من أهل بيتي، ألستم أنتم ~~الذين تؤمنون من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخيفه، وتخيفون من كان ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤمنه؟ # فقالا: نبرأ إلى الله تعالى من هذه الصفة. فقال: بلى فسأخبركما عن ذلك، ~~ألستما تعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج والناس أهل كفر، فدعاهم ~~أن يقروا بالله ورسوله، فمن أبى قاتله وخوفه، ومن أقر بهما أمنه وكف عنه، ~~وأنتم اليوم من مر بكم يقر بهما قتلتموه، ومن لم يقر بهما أمنتموه وخليتم ~~سبيله، فقال العربي: تالله ما رأيت حجيجا (1) أقرب مأخذا، ولا أوضح منهاجا ~~منك، أشهد أنك على الحق، وأنا على الباطل. وقال الآخر: لقد قلت قولا حسنا، ~~وما كنت لافتات على أصحابي حتى ألقاهم فلحق بأصحابه، وأقام الآخر عند عمر، ~~فاجرى عليه العطاء والرزق حتى مات عنده. # وفاة عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا أن عبد الرحمن بن يزيد أخبرهم قال: ~~كتب عمر بن عبد العزيز إلى ابن أبي زكريا: أما بعد: فإذا نظرت في كتابي ~~فأقدم: فقدم عليه فقال: مرحبا بابن أبي زكريا. قال. وبك يا أمير المؤمنين. ~~قال: حاجة لي قبلك. قال: ms327 بين الأنف والعين حاجتك يا أمير المؤمنين، إن قدرت ~~عليها. قال: لست أكلفك إلا ما تقدر عليه. قال: # نعم، قال: أحب أن تثنى على الله بمبلغ علمك، حتى إذا فرغت سألت الله أن ~~يقبض عمر. # فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، بئس وافد أمة محمد أنا، هذا لا يحل لي. ~~قال: فإني أعزم عليك بحق الله وبحق رسوله، وبحقي إن كان لي عليك حق إلا ما ~~فعلته، فبكى ثم استرجع، ثم أقبل يثني على الله، وإنه ليبكي حتى إذا فرغ ~~قال: اللهم إن عمر سألني بحقك وبحق رسولك وبحقه علي أن أدعو في قبضه إليك، ~~فاقبض عمر إليك كما سأل ولا تبقني بعده، وجاء حينئذ بني لعمر فسقط في حجره، ~~فقال: وهذا أي ربي معنا فإني أحبه. قال: فما كانوا إلا كخرزات في خيط ~~فانقطع الخيط، فأتبع بعضها بالسقوط بعضا (2). # ذكر رؤيا عمر بن عبد العزيز قال: وذكروا عن مزاحم مولى عمر قال: أخبرتني ~~فاطمة بنت عبد الملك امرأة عمر # PageV02P100 # قالت: كان لعمر بن عبد العزيز مكان يخلو فيه، فأبطأ علي ذات ليلة، فقلت ~~لآتينه، فوجدته نائما، فهبته أن أوقظه، فما لبث إلا قليلا حتى رفع رأسه ~~فقال: من هذا؟ فقلت: أنا فاطمة فقال: يا فاطمة لقد رأيت رؤيا ما رأيت أحسن ~~منها. فقلت: حدثني بها يا أمير المؤمنين. قال رأيت كأني في أرض خضراء لم أر ~~أحسن منها، ورأيت في تلك الأرض قصرا من زبرجد، ورأيت جميع الخلائق حول ذلك ~~القصر، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي. فقال: أين محمد ابن عبد الله ~~بن عبد المطلب؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام فدخل القصر، فقلت سبحان ~~الله، أنا في جمع فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم أسلم عليه، فما ~~لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين أبو بكر بن أبي قحافة؟ فقام أبو ~~بكر فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن الخطاب، ~~أين الفاروق؟ فقام عمر فدخل، فقلت سبحان الله، أنا ms328 في ملأ فيهم جدي لم أسلم ~~عليه، فما لبثت إلا يسيرا حتى خرج المنادي فقال: أين عثمان بن عفان؟ فقام ~~عثمان فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين علي بن أبي ~~طالب؟ فقام فدخل، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج المنادي فنادى: أين عمر بن ~~عبد العزيز. قال: فقمت فدخلت، فلما صرت في القصر رأيت النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وأبا بكر عن يمينه، وعمر عن شماله، وعثمان وعليا أمامه. فقلت: أين ~~أقعد؟ لا أقعد إلا إلى جنب عمر. قال: فرأيت فيما بين النبي صلى الله عليه ~~وسلم وأبي بكر شابا حسن الوجه حسن الهيئة. فقلت لعمر: من هذا؟ قال: # هذا عيسى بن مريم عليه السلام، فما لبثت إلا قليلا حتى خرج عثمان بن عفان ~~وهو يقول: الحمد لله الذي نصرني ربي، ثم خرج علي وهو يقول: الحمد الله الذي ~~غفر لي ربي، ثم نودي لي: # أين عمر بن العزيز، فقمت فصرت بين يدي ربي فحاسبني، فلقد سألني عن النقير ~~والفتيل والقطمير، حتى خفت أن لا أنجو، ثم قمت فخرجت فقيل لي: أثبت وتمسك ~~على ما أنت عليه، فبينما أنا سائر، فإذا بجيفة قد علا نتنها الخلائق، ~~فضربتها برجلي، وقلت لمن معي: لمن هذه الجيفة؟ فقيل لي: هذه الحجاج بن ~~يوسف، فضربته برجلي، فقلت له: ما فعل الله بك يا حجاج: # قال: يا أمير المؤمنين والله لقد قتلت بكل قتيل قتلته بسيف من نار، ولقد ~~قتلت بسعيد ابن جبير اثنين وسبعين قتلة. فقلت: فآخر أمرك ما هو؟ قال: أنا ~~ها هنا أنتظر ما ينتظر من وحد الله، وآمن برسوله. قالت فاطمة: فلم يبق عمر ~~بعد هذه الرؤيا إلا يسيرا، حتى مرض مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه مسلمة بن ~~عبد الملك، فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك لتترك ولدك عالة على الناس، ~~فأوص بهم إلي، أكفك أمرهم، فإنك لم تمولهم شيئا، ولم تعطهم. فقال عمر: يا ~~أبا سعيد، إن ولدى لهم الله الذي نزل الكتاب وهو يتولى ms329 الصالحين، ثم دعاهم ~~عمر وهم أربعة عشر غلاما، فنظر إليهم عمر، وقد لبسوا الخشن من قباطي مصر ~~(1)، # PageV02P101 # فاغرورقت عيناه بالدموع. قال لهم: أوصيكم بتقوى الله العظيم، وليجل ~~صغيركم كبيركم، وليرحم كبيركم صغيركم. ثم قال لمسلمة: يا أبا سعيد، إنما ~~ولدي على أحد أمرين: إما عامل بطاعة الله فلن يضيعه الله، وإما عامل ~~بمعصيته فلا أحب أن يعينه بالمال، قوموا عصمكم الله ووفقكم. ثم دعا رجاء بن ~~حياة فخلا به. فقال: يا رجاء، إن الموت قد نزل، وأنا أعهد إليك عهدا لا ~~أعهده إلى غيرك: إذا أنا مت فكن ممن يقبرني، فإذا سويت علي اللبن (1)، ~~فارجع لبنة، ثم اكشف عن وجهي وانظر إليه، فإني قبرت ثلاثة رجال بيدي، وكشفت ~~عن وجوههم، فنظرت وجوههم قد اسودت، وعيونهم قد برزت من وجوههم، فاكشف عن ~~وجهي يا رجاء وانظر إليه، فإن رأيت شيئا من هذا، فاستر علي، ولا تعلم به ~~أحدا، وإن رأيت غير ذلك، فأحمد الله عليه. قال رجاء: ففعلت ذلك، فلما سوينا ~~عليه اللبن، رفعت لبنة وكشفت وجهه، فإذا وجهه مثل القمر ليلة البدر، وإذا ~~على صدره صك فيه خط ليس من كتابة الآدميين: # بسم الله الرحمن الرحيم، كتاب بالقلم الجليل، من الله العزيز العليم، ~~براءة لعمر بن عبد العزيز من العذاب الأليم. # ما علم به موت عمر رحمه الله في الأمصار قال: وذكروا أن رجلا من أهل ~~المدينة قال: وفد قوم من أهل المدينة إلى الشام، فنزلوا برجل في أوائل ~~الشام موسع عليه، تروح عليه إبل كثيرة، وأبقار وأغنام، فنظروا إلى شئ لا ~~يعلمونه، غير ما يعرفون من غضارة العيش، إذ أقبل بعض رعاته فقال: إن السبع ~~عدا اليوم على غنمي، فذهب منها بشاة. فقال الرجل: إنا لله وإنا إليه ~~راجعون، ثم جعل يأسف أسفا شديدا فقلنا بعضنا لبعض: ما عند هذا خير، يتأسف ~~ويتوجع من شاة أكلها السبع!، فكلمه بعض القوم. قال له: إن الله تعالى قد ~~وسع عليك، فما هذا التوجع والتأسف؟ قال: إنه ليس مما ترون، ولكن أخشى ms330 أن ~~يكون عمر بن عبد العزيز قد توفي الليلة، والله ما تعدى السبع على الشاة إلا ~~لموته، فأثبتوا ذلك اليوم، فإذا عمر قد توفي في ذلك اليوم. # وذكروا أنهم سمعوا رجلا يحدث ويقول: بينا رجل باليمن نائم على سطح له ذات ~~ليلة، إذ تسور عليه كلب، فسمعه وهو يقول لهرة له: أي جنة، هل من شئ أصيبه، ~~فإني والله أكال؟ فقالت له الهرة: ما ثم شئ، لقد غطوا الإناء، وأكفئوا ~~الصفحة. فقال لها: هل تدنيني من يد صبي، أو قدر لم تغسل، أشمها لترتد لي ~~روحي؟ قالت الهرة: ما كنت لأخونهم # PageV02P102 # أمانتي، فمن أين أقبلت تشكو الكلل والجوع؟ قال: من الشام، شهدت وفاة عمر ~~بن عبد العزيز، وحضرت جنازته. قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون. نور كان في ~~الدنيا فطمس، ثم زالت عنه، وتنحت وفرت منه، وهابته خوفا من أن يعدو عليها، ~~ثم انسل الكلب ذاهبا، فلما أصبح الرجل جعل يقول للهرة: أي جنة، جزاك الله ~~عنا خيرا. قال: فاستوبرت (1) الهرة، وذهبت فلم ترد بعد، فكتب ذلك اليوم ~~فجاءهم موت عمر في ذلك اليوم. # وذكروا أن زياد بن عبد الله أخبرهم قال: كان رجل في بعض كور الشام يعالج ~~أندرا (2) له مع زوجته، وكان قد استشهد ابن لهما منذ زمان طويل، فنظر الرجل ~~إلى فارس مقبل نحوهما. فقال الرجل لزوجته: يا فلانة، هذا والله ابني وابنك ~~مقبلا، فنظرت المرأة فقالت: # أخدعك الشيطان؟ إنك مفتون بابنك، وإنك تشبه به الناس كلهم، كيف يكون ~~ابنك، وابنك استشهد منذ حين، فاستعاذ الرجل بالله من الشيطان الرجيم، ثم ~~أقبل على أندره يعالجه، ودنا منهما الفارس، ثم نظر ثانية، قال: يا فلانة، ~~ابني والله وابنك، فنظرت ودنا منهما الفارس، فلما وقف عليهما فإذا هو ~~ابنهما. قال: فسلم عليهما وسلما عليه. فقالا له: يا بني أما كنت استشهدت ~~منذ حين؟ قال: نعم. إلا أن عمر بن عبد العزيز توفي الليلة، فاستأذن الشهداء ~~ربهم عز وجل في شهود جنازته، فأذن لهم، وكنت فيهم، فاستأذنت ربي في ~~زيارتكما ms331 والنظر، فأذن لي، ثم ودعاه، وسلما عليه، ودعا لهما، ثم ذهب: # ولاية يزيد بن عبد الملك بن مروان قال: وذكروا أن الأمر صار بعد عمر بن ~~عبد العزيز، إلى يزيد بن عبد الملك، بعهد سليمان أخيه إليه بذلك، وإلى عمر، ~~وكان يزيد قبل ولايته محبوبا في قريش بجميل مأخذه في نفسه، وهديه وتواضعه ~~وقصده، وكان الناس لا يشكون إذا صار إليه الأمر، أن يسير بسيرة عمر لما ظهر ~~منه. فلما صارت إليه الخلافة حال عما كان يظن به، وسار بسيرة الوليد أخيه، ~~واحتذى على مثاله، وأخذ مأخذه، حتى كأن الوليد لم يمت، فعظم ذلك على الناس، ~~وصاروا من ذلك إلى أحوال يطول ذكرها، حتى هموا بخلعه، وجاءهم بذلك قوم من ~~أشراف قريش، وخيار بني أمية، وكانت قلوبهم قد سكنت إلى هدى عمر، واطمأنت ~~إلى عدله بعد النفار، والانكار لسيرته، وعاد ذلك من قلوبهم إلى الرضا ~~بأمره، والقنوع بقصده عليهم، وتقصيره في إدراك المطامع، والعطايا عليهم، ~~واتهم منهم نفر بالخلع والخروج، فأخذهم عمه محمد بن # PageV02P103 # مروان بن الحكم، فأسكنهم السجن عشرين شهرا، ثم دس لهم السم، فماتوا ~~جميعا، وأقصى من سائر قريش ثلاثين رجلا، بعد أن أغرمهم مئة ألف ألف وباع ~~عقر (1) أموالهم ورباعهم، وحمل العذاب عليهم والنكال، حتى أصارهم عالة ~~يتكففون الناس، متفرقين في كور الشام، وآفاق البلاد، وصلب من الناس جملة ~~ممن ألف هؤلاء القوم، واتهم بمصانعتهم ومصاحبتهم، وكانت ولايته في ربيع ~~الأول سنة إحدى ومئة، ومات سنة ست ومئة. # ولاية هشام بن عبد الملك قال: وذكروا أن عبد الملك بن مروان، بينما هو ~~يوما في بعض بوادي الشام يتطوف، إذ نظر إلى ساع يسعى إليه، فوقف منتظرا له، ~~فلما قاربه قال له: ما وراءك؟ فقال: ولدت المخزومية غلاما، قال: فما سمته؟ ~~قال: هشاما. قال: هشم الله رأسها. فقال له قبيصة بن ذؤيب: ولم يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: أخبرني أبي مروان، أنه سمع بشرة بنت صفوان تقول: # سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: راحة أصحابي معاوية، ولا ms332 راحة ~~لهم بعد معاوية وراحة العرب هشام، ولا راحة لهم بعد هشام: # وذكروا أن هشاما صارت إليه الخلافة في سنة ست ومئة، فكان محمود السيرة، ~~ميمون النقيبة، وكان الناس معه في دعة وسكون وراحة، لم يخرج عليه خارج، ولم ~~يقم عليه قائم، إلا ما كان من قيام زيد بن علي بن الحسين، في بعض نواحي ~~الكوفة، فبعث إليه ابن هبيرة، وكان عامل الكوفة، فأخذ زيد، فأنى به ابن ~~هبيرة، فأمر بقتله دون رأي هشام، فلما بلغ ذلك هشاما، عظم عليه قتله، وأعظم ~~فعل ابن هبيرة، واجترائه على قتل قرشي دون مشورة حتى جعل يقول: مثل زيد بن ~~علي في شرفه وفضله يقتله ابن هبيرة، وما كان عليه من قيامه، إن هذا لهو ~~البلاء المبين، وما يزال ابن هبيرة مبغضا لأهل هذا البيت من آل هاشم وآل ~~عبد المطلب، ووالله لا زلت لهم محبا حتى أموت، ثم عزل ابن هبيرة عن الكوفة، ~~وأغرمه ألف ألف، ولم يل له شيئا حتى مات، وكانت أيام هشام عشرين سنة، ولي ~~سنة ست ومئة، وتوفي سنة ست وعشرين ومئة، بعد أن حج إحدى عشرة حجة، وهو ~~خليفة. # PageV02P104 # قدوم خالد بن صفوان بن الأهتم على هشام قال: وذكروا أن شبيب بن شبة، ~~أخبرهم عن خالد بن صفوان بن الأهتم، قال: أوفدني يوسف بن عمر إلى هشام في ~~وفد العراق، فقدمت عليه، وقد خرج منتدبا (1) في قرابته وأهله وحشمه، ~~وحاشيته من أهله إلى بعض بوادي الرصافة (2)، فنزل في قاع صحصح (3) أفيح، في ~~عام قد بكر وسميه (4) وقد ألبست الأرض أنواع زهرتها، وأخرجت ألوان زينتها، ~~من نور ربيعها فهي في أحسن منظر وأجمل مخبر، بصعيد كأن ترابه قطع الكافور، ~~فلو أن قطعة دينار ألقيت فيه لم تترب (5)، وقد ضرب له سرادقات من حبرات ~~اليمن (6) مزرورة بالفضة والذهب، وضرب له فسطاطه في وسطه، فيه أربعة أفرشة ~~من خز أحمر، مثلها مرافقها، وعليه دراعة (7) خز أحمر وعمامة مثلها، وضربت ~~حجر نسائه من وراء سرادقه، وعنده أشراف قريش، وقد ضربت حجر ms333 بنية وكتابه ~~وحشمه بقرب فسطاطه، ثم أمر الربيع حاجبه، فأذن للناس إذنا عاما، فدخلوا ~~عليه، وأخذ الناس مجالسهم، قال خالد: فأدخلت رأسي من ناحية السماط فأطرق، ~~ثم رفع رأسه ونظر إلي شبه المستنكر، وكنت قد حليت عنده ببلاغة، وفهم وحكمة. ~~فقلت: أقر الله نعمته عليك يا أمير المؤمنين وكرامته، وسوغك شكره يا أمير ~~المؤمنين ومد لك في المزيد فيها بفضله، ثم وصلها بعد بطول العمر، وتتابع ~~الكرامة الباقية التي لا انقطاع لها، ولا نفاد لشئ منها، حتى يكون آجل ذلك ~~خيرا من عاجله، وآخره أفضل من أوله، وعاقبته خيرا من ابتدائه، وجعل ما قلدك ~~من هذا الأمر رشدا، وعاقبته تؤول إلى أحمد ودرك الرضا، وأخلص لك ذلك ~~بالتقوى، وكثره لك بالنماء، ولا كدر عليك منك ما صفا، ولا خالط # PageV02P105 # سروره أذى، فقد أصبحت للمسلمين ثقة وسترا، يفزعون إليك في أمورهم ~~ويقصدونك في حوائجهم، وما أجد يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك شيئا، ~~أبلغ في حقك وتوقير مجلسك، إذ من الله علي بمجالستك، والنظر إلى وجهك مني، ~~وما أجد فيما أظهر ذلك إلا في مذاكرتك نعم الله التي أنعم؟ بها عليك، وأحسن ~~فيها إليك، وأنبهك إلى شكرها، ثم إني لا أجد شيئا هو أبلغ في ذلك، ولا أجمع ~~من ذكر حديث لملك خلا من الملوك، كان في سالف الأمم، فإن أذن أمير المؤمنين ~~أكرمه الله حدثته. قال: وكان هشام متكئا، فاستوى جالسا وقال: هات يا بن ~~الأهتم، قال: قلت يا أمير المؤمنين، إن ملكا كان فيما خلا من الملوك، ~~مجتمعا له فيها فتاء السن واعتدال الطبائع، وتمام الجمال، وكثرة المال، ~~وتمكين الملك، وكان له ذلك إلى البطر والمرح داعيا، وعلى الغفلة والذهول ~~معينا، فخرج متنزها إلى بعض منازله. فصعد جوسقا (1) له، فأشرف على أرض، قد ~~أخضلها ربيع عامه (2)، كان شبيها بعامك هذا يا أمير المؤمنين، في خصبه ~~وعشبه، وكثرة زهره، وحسن منظره، فنظر فرجع إليه بصره كليلا عن بلوغ أقصى ~~أمواله من الضياع والإبل والخيل والنعم. فقال لنفر من ناديه. لمن ms334 هذا؟ قيل ~~له: لك، فأعجبته نفسه، وما بسط له من ذلك، حتى أظهر فرحه وزهوه، ثم قال ~~لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه، أم هل أوتي أحد مثل ما أوتيت؟ وكان عنده ~~رجل من بقايا حملة الحجة والعلم، والمضي على أدب الحق ومنهاج الصدق في ~~الضمير والمقالة، وقد قيل: إن الله الجليل، لم يخل الأرض منذ هبط آدم، من ~~قائم يقوم بحجة الله فيها، وكان ذلك الرجل ممن يسامره. قال: # أيها الملك، قد سألت عن أمر أفتأذن لي بالجواب فيه؟ قال: نعم. قال: ~~أرأيتك هذا الذي أعجبك مما عليه اطلع نظرك، واستطال ملكك وسلطانك، أشئ لم ~~يزل لك ولم يزل عنك، أم شئ كان لغيرك، فزال عنه إليك، ثم هو صائر إلى غيرك ~~كما صار إليك؟ قال الملك: بل كما ظننت ومثلت. قال: فإني أراك أعجبت بما ~~يفنى، وزهدت فيما يبقى، وسررت بقليل، وحسابه غدا طويل. قال: ويحك فكيف ~~المطلب، وأين المهرب، وما الحيلة في المخرج؟ قال: إحدى خصلتين، إما أن تقيم ~~في ملكك، فتعمل فيه بطاعة ربك على ما سرك وساءك وأمضك، وإما أن تضع تاجك ~~ونجادك (3)، وتذكر ذنوبك، وتلحق في الخلاء بمن يغفر لك، فتعبد فيه ربك، حتى ~~يوافيك أجلل، وتنقضي مدتك، وأنت عامل لربك فيما يعطيك. قال: فإذا فعلت ذلك ~~فما لي؟ فقال: ملك خالد لا يفنى، ونعيم لا ينقضي، ومزيد وكرامة، وصحة لا ~~تستقيم أبدا، وسرور لا ينصرم، # PageV02P106 # وشباب لا يشوبه هرم، وقرار لا يخالطه هم. قال الملك: سأنظر إلى نفسي في ~~الاختيار لها مما ذكرت لي، فإذا كان وقت السحر، فاقرع علي بابي لتعرف رأيي، ~~فإني مختار إحدى المنزلتين، فإن أقمت في ملكي، واخترت ما أنا فيه، كنت ~~وزيرا لا تعصى، وإن خلوت كنت رفيقا لا تجفى. فلما كان السحر. قرع عليه ~~بابه، فإذا هو قد وضع تاجه، ولبس أطماره (1)، فلحقا بالجبل، فلم يزالا ~~يعبدان الله فيه، حتى بلغ أجلهما، وانقضى عمرهما. # فبكى هشام حتى بل لحيته، ثم نكس رأس طويلا، ثم أمر ينزع ms335 أبنيته وانتقاله، ~~وأقبلت العامة من الموالي على ابن الأهتم. فقالوا له: ما أردت لأمير ~~المؤمنين، أفسدت عليه لذته، ونغصت عليه شهوته، وقد حرمتنا ما أملنا فيه. ~~قال: إليكم عني، فإني عاهدت الله ربي، أني لا أخلو بملك إلا ذكرته الله، ~~ونبهته ورشدته. ثم رجع خالد إلى فسطاطه، كئيبا حزينا، متخوفا يظن أنه قد ~~هلك، وكان للربيع صديقا. فبينما هو كذلك، إذ أتاه رسول الربيع. # فقال: يا صفوان، يقول لك أخوك الربيع: من كان في حاجة الله، كان الله في ~~حاجته. إنك لما وليت من عند أمير المؤمنين جعل يقول: لله در ابن الأهتم، أي ~~رجل دنيا وأخرى، مره يا ربيع، فليرجع حوائجه، وليغد إلينا بها نقضها له. ~~فقال الربيع: فاغد علينا بحوائجك رحمك الله، واحمده على ما صنع، وأذهب من ~~مخافتك. فغدا عليه بحوائجه فقضيت. وذكروا أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم ~~من هشام، ولا أعظم قدرا، ولا أعلى صوتا منه، دانت له البلاد، وملك جميع ~~العباد، وأديت له الجزية من جميع الجهات، من الروم والفرس والترك والإفرنج ~~والزنج والسند والهند، وكان قريبا من الضعفاء، مهتما بإصلاح الأدواء، لم ~~يجترئ أحد معه على ظلامة، ولم يسلك أحد معه إلا سبيل الاستقامة، وكان له ~~موضع بالرصافة أفيح من الأرض، يبرز فيه، فتضرب له به السرادقات، فيكون فيه ~~ستين ليلة، بارزا للناس، مباحا للخلق، لا يفنى أيامه تلك إلا برد برد ~~المظالم، والأخذ على يد الظالم من جميع الناس، وأطراف البلاد، ويصل إلى ~~مخاطبته بذلك الموضع، راعي السوام (2)، والأمة السوداء، فمن دونهما، قد وكل ~~رجالا أدباء عقلاء، بإدناء الضعفاء والنساء اليتامى منه، وأمرهم بإقصاء أهل ~~القوة والكفاية عنه، حتى يأتي على آخر ما يكون من أمره، فيما يرفع إليه، لا ~~ينضم إليه رجل يريد الوصول إليه، فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الأوضع ~~وأبعدوا الأرفع، حتى ينظر في شأنه، ويعرف أمره، وينفذ فيه ما أمر، ولا يرفع ~~إليه ضعيف، ولا امرأة أمرا، وظلامة على غطريف (3) من الناس مرتفع القدر، ~~ولا مستخدم ms336 به إلا أمر باقتضاء يمينه، وأغداه بمطلبه، لا يقبل لهم حجة، ولا ~~يسمع لهم بينة، حتى لربما تمر به المرأة والرجل # PageV02P107 # أو عابر سبيل، لا حاجة له فيما مر به. فيقال له: ما حاجتك، وما قصتك، وما ~~ظلامتك؟ فيقول: إنما سلكت أريد موضع كذا، أروم بلد كذا، فيقول له: لعلك ~~ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره، وتتوقع سطوته، فذلك الذي منعك عن رفع ~~ظلامتك إلى أمير المؤمنين، فيقول: لا، والله لا أبغي إلا ما قلت. فيقال له: ~~اذهب بسلام، حتى لربما أتت عليه تارات من الليل، وساعات من النهار لا ينظر ~~في شئ، ولا يأتيه أحد في خصومة لاستغناء الناس عن المطالب، وتعففا من ~~المظالم، ووقاية من سطواته، وتخوفا من عقوبته، وقد وسع العباد أمنه، ~~وأشعرهم عدله، وصارت البلاد المتنائية الشاسعة، كدار واحدة، ترجع إلى حاكم ~~قاض، يرقبه الناس في المواضع النائية عنه كما يرقبه من معه، وقد وضع العيون ~~والجواسيس من خيار الناس، وفضلاء العباد، في سائر الأمصار والبلدان، يحصون ~~أقوال الولاة والعمال، ويحفظون أعمال الأخيار والأشرار، قد صار هؤلاء ~~أعقابا يتعاقبون، ينهض قوم بأخبار ما بلوا في المصر الذي كانوا فيه، ويقبل ~~آخرون يدخلون مسترقين، ويخرجون متفرقين، لا يعلم منهم واحد، ولا يرى لهم ~~عابر، فلا خبر يكون، ولا قصة تحدث، من مشرق الأرض ولا مغربها إلا وهو يتحدث ~~به في الشام، وينظر فيه هشام، وقد قصر نفسه على هذه الحال، وحببت إليه هذه ~~الأفعال، فكانت أيامه عند الناس أحمد أيام مرت بهم، وأعفاها وأرجاها، قد ~~لبس جلباب الهيبة على أهل العنود والكيود، وارتدى برداء التواضع إلى أهل ~~الخشوع والسكون، وكان قد حبب إليه التكاثر من الدنيا، والاستمتاع بالكساء، ~~لم يلبس ثوبا قط يوما، فعاد إليه، حتى لقد كان كساء ظهره، وثياب مهنته، لا ~~يستقل بها، ولا يحملها إلا سبعة مئة بعير، من أجلد ما يكون من الإبل، وأعظم ~~ما يحمل عليه من الجمال، وكان مع ذلك يتقللها، وطالت أيامه، واستبطأ صاحب ~~العهد بموته، فناوأه وعاداه، وانتقل ms337 عن الموضع الذي كان به هو والوليد بن ~~يزيد ابن عبد الملك، فمات هشام والوليد غائب، فأتاه موته، فأمر بقفل ~~الخزائن، فلم يجدوا لهشام ما يكفنونه به، واستؤذن الوليد في إقباله، فلم ~~يدفن هشام حتى قدم الوليد، وذلك في ثلاثة أيام. # بدء الفتن والدولة العباسية قال: وذكروا أن الهيتم بن عدي أخبرهم، قال: ~~اختلفت روايات القوم الذين عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة، فحملنا عنهم ما ~~اختلفوا فيه وألفناه، فكان أول ما اختلفت فيه الرواية، ولم تلائمه الحكاية، ~~أشياء سنذكرها في موضعها من هذا الكتاب إن شاء الله، واقتصرنا على معانيها، ~~وقيدنا بعض ألفاظها لطول أخبارها، واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ، ورددنا ~~هزيله لنزر فائدته، وقلة عائدته، وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من ~~المعاني المتقدمة شيئا، والله الموفق للصواب. PageV02P108 # فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة، وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي، عن ~~الرجال الذين حدثوه. قالوا: لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي ~~سفيان، قامت الشيعة من أهل المدينة، وأهل مكة، وأهل الكوفة، واليمن، وأهل ~~البصرة، وأرض خراسان، في ستر وكتمان، فاجتمعوا إلى محمد بن علي، وهو محمد ~~بن الحنفية، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك، وعرضوا عليه قبض ~~زكاتهم، لينفقوها يوم الوثوب على فرصته، فيما يحتاج من النفقة على مجاهدته، ~~فقبلها، وولى على شيعة كل بلد رجلا منهم، وأمره باستدعاء من قبله منهم، في ~~سر وتوصية إليهم، ألا يبوحوا بمكتومهم، إلا لمن يوثق به، حتى يرى للقيام ~~موضعا. فأقام محمد بن الحنفية: إمام الشيعة قابضا لزكاتهم، حتى مات. فلما ~~حضرته الوفاة، ولى عبد الله ابنه من بعده، وأمره بطلب الخلافة إن وجد إلى ~~ذلك سبيلا، وأعلم الشيعة بتوليته إياه، فأقام عبد الله بن محمد بن علي، وهو ~~أمير الشيعة، فبلغ ذلك سليمان بن عبد الملك، في أول خلافته، أن الشيعة قد ~~بايعت عبد الله بن محمد بن علي، بعد أبيه، فبعث إليه، وقد أعد له في أفواه ~~الطرق رجالا، معهم أشربة مسمومة، وأمرهم إذا ms338 خرج من عنده أن يعرضوا عليه ~~الشراب. فلما دخل على سليمان، أجلسه إلى جانبه. ثم قال له: بلغني أن الشيعة ~~بايعتك على هذا الأمر، فجحده عبد الله وقال: بلغك الباطل، وما زال لنا ~~أعداء يبلغون الأئمة قبلك عنا مثل ما بلغك، ليغروهم بنا، فيدفع الله عنا ~~كيد من ناوأنا، وأنا بما يلزمني من مؤنتي أشغل مني بطلب هذا الأمر، ثم خرج ~~من عنده في وقت شديد الحر، فكان لا يمر بموضع إلا قام إليه الرجل بعد ~~الرجل، يقول له: هل لك في شربة سويق اللوز، وسويق كذا وكذا يا بن بنت رسول ~~الله، ونفسه موجسة منهم، فيقول: بارك الله لكم، حتى إذا خرج إلى آخر ~~الطريق، خرج إليه رجل من خبائه، وبيده عس (1)، فقال له: هل لك في في شربة ~~من لبن يا بن بنت رسول الله؟ فوقع في نفسه أن اللبن مما لا يسم، فشرب منه ~~ثم مضى، فلم ينشب أن وجد للسم حسا (2)، فاستدل على الطريق إلى الحميمة (3)، ~~وبها جماعة آل عباس، وقال لمن معه: إن مت ففي أهلي، ثم توجه فنزل على محمد ~~بن علي بن عبد الله بن عباس فأخبره الخبر، وقال له: إليك الأمر، والطلب ~~للخلافة بعدي، فولاه، وأشهد له من الشيعة رجالا، ثم مات. فأقام محمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس، ودعوة الشيعة له حتى مات، فلما حضرته الوفاة، ولى ~~محمد بن إبراهيم الأمر، فأقام وهو أمير الشيعة، وصاحب الدعوة بعد أبيه. # PageV02P109 # دخول محمد بن علي على هشام قال: وذكروا أن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس دخل، وهو شيخ كبير قد غشي بصره على هشام بن عبد الملك، متوكئا على ~~ولديه أبي العباس وأبي جعفر، فسلم. ثم قال له هشام: ما حاجتك؟ ولم يأذن له ~~في الجلوس، فذكر قرابته وحاجة به، ثم استجداه. فقال هشام: ما هذا الذي ~~بلغني عنكم يا بني العباس، ثم يأتي أحدكم وهو يرى أنه أحق بما في أيدينا ~~منا، والله لا أعطيتك شيئا. فخرج ms339 محمد بن علي، فقال هشام كالمستهزئ: إن هذا ~~الشيخ ليرى أن الأمر سيكون لولديه هذين، أو لأحدهما، فرجع محمد نحوه فقال: ~~أما والله إني أرى ذلك على رغم من رغم. فضحك هشام وقال: أغضبنا الشيخ، ثم ~~مضى محمد بن علي. # ولاية الوليد بن يزيد وفتن الدولة قال: وذكروا أن الوليد بن يزيد لما ~~تولى الأمر بعد هشام، أساء السيرة، وانتحى على أهله وجماعة قريش، وأحدث ~~الأحداث العظيمة، وسفك الدماء وأباح الحريم، وكانت ولايته في سنة ست وعشرين ~~ومئة. فلما استولى على الأمر بعث إلى أشراف الأجناد، فقدموا عليه وقدم خالد ~~فيمن قدم، فلم يأذن لواحد منهم، وكان مشتغلا بلهوه ولعبه، ومرض خالد، ~~فاستؤذن له في الانصراف فأذن له، فانصرف إلى دمشق، فأقام بها شهرا. ثم كتب ~~إليه الوليد: إن أمير المؤمنين قد علم الخمسين ألف ألف التي تعلم، فأقدم ~~بها على أمير المؤمنين مع رسوله، فقد أمره أن لا يعجلك عن جهازك، فبعث خالد ~~إلى عدة من ثقاته، فيهم عمارة بن أبي كلثوم، فأقرأهم كتاب الوليد وقال: ~~أشيروا علي برأيكم. فقالوا: إن الوليد ليس بمأمون، فالرأي أن تدخل مدينة ~~دمشق، فتأخذ بيوت الأموال، وتدعو إلى من أحببت، والناس قومك، ولن يختلف منا ~~عليك اثنان. فقال لهم: وماذا؟ قالوا: تأخذ بيوت الأموال، وتجمع إليك قومك ~~حتى تتوثق لنفسك. قال: وماذا؟ قالوا: نتوارى. # فقال: أما قولكم أن أدعو إلى من أحببت، فإني أكره أن تكون الفرقة على ~~يدي، وأما قولكم أن آخذ بيوت الأموال حتى أتوثق لنفسي، فأنتم لا تأمنونني ~~عليها ولا ذنب لي، فكيف لي ترجون وفاء بما يعطيني. وقد فعلت ما فعلت، وأما ~~قولكم في التواري، فوالله ما قنعت رأسي خوفا من أحد قط، فالآن وقد بلغت من ~~السن ما بلغت؟ ولكني أمضي، وأستعين بالله تعالى. PageV02P110 # قتل خالد بن عبد الله القسري قال: وذكروا أن خالد بن عبد الله القسري، ~~شخص إلى الوليد بن يزيد حتى قدم على معسكره، فلم يدع به الوليد ولم يكلمه، ~~وهو يختلف إليه غدوة وعشية، ms340 حتى قدم برأس يحيى بن زيد بن علي بن الحسين من ~~خراسان، فجمع الناس الإذن، فحضر الأشراف، وجلس الوليد، وجاء خالد إلى ~~الحاجب فقال: إن حالي كما ترى، لا أقدر على المشي، وإنما أحمل في الكرسي. ~~قال الحاجب: ما يدخل أحد على أمير المؤمنين على هذه الحال، ثم أذن له فحمله ~~على كرسيه، ثم دخل على الوليد وهو جالس في سريره، والمائدة موضوعة. فلما ~~دخل عليه قال له الوليد: أين ولدك يزيد بن خالد. فقال: قد أصابه من هشام ~~ظفر، فخلى سبيله، ثم طلب فهرب، فكنا نراه عند أمير المؤمنين حتى استخلفه ~~الله. فقال له الوليد: لكنك خلفته طلبا للفتنة. فقال خالد: قد علم أمير ~~المؤمنين أنا أهل بيت طاعة أنا وأبي وجدي. فقال له الوليد: # لتأتيني بابنك أو لأزهقن نفسك، فقال له خالد: هذا الذي تدور عليه، وهو ~~الذي تريد؟ # والله لو كان ابني تحت قدمي ما رفعتهما لك، فاصنع ما بدا لك. فأمر الوليد ~~غيلان صاحب حرسه بالبسط (1) عليه والأخذ له، وقال له: أسمعني صوته، فذهب به ~~غيلان إلى رحله، فعذبه بالسلاسل والحديد، فلم يتكلم بكلمة، فرجع غيلان إلى ~~الوليد فقال له: والله لا أعذب إنسانا لا يتكلم. فقال له: كف عنه واحتبسه، ~~ففعل، فقام يوسف بن عمر فقال: أنا أشتريه بخمسين ألف ألف، فأرسل الوليد إلى ~~خالد أن يوسف بن عمر قد سأل أن يشتريك بخمسين ألف ألف، فإن ضمنتها لأمير ~~المؤمنين، وإلا دفعتك إليه. قال خالد: ما عهدنا العرب تباع، فدفعه إلى يوسف ~~بن عمر، فنزع ثيابه، وألبسه عباءة وألحفه (2) أخرى، وحمله على محمل ليس ~~تحته وطاء (3)، فبسط (4) عليه وعذبه، وخالد لا يكلمه بكلمة، ثم ارتحل، حتى ~~إذا كان ببعض الطريق عذبه يوما، ثم وضع المضرسة (5) على صدره، فقتلة في ~~الليل، فدفن في الحيرة، وذلك في المحرم سنة سبع وعشرين ومئة. # PageV02P111 # وثوب أهل دمشق على الوليد بن يزيد وقتله قال: وذكروا أن يزيد بن خالد دب ~~في أهله، وتحمل في عشائره، فاجتمع أمرهم على الوليد بن ms341 يزيد، فبينما هم ~~يدبرون أمرهم، إذ انطلق ساع إلى الوليد قال له: أدلك على يزيد بن خالد. ~~قال: نعم. فبعث الوليد مولى له، وأمره أن يكمن النهار، ويسير الليل، حتى ~~أتى دمشق ليلا، ويزيد مختف بدمشق، في منزل رجل عند باب السوق، فاقتحم عليه ~~المنزل فأخذه، وشخص به من ساعته حتى قدم على الوليد، فأمر بالبعث به إلى ~~يوسف بن عمر بالعراق، قال له يزيد: يا أمير المؤمنين، أنا أدفع لك الخمسين ~~ألف ألف التي طلبت من خالد في ثلاث سنين، على أن تكتب إلى الآفاق، بأمان من ~~كانت لي عنده وديعة، وأمان فيه ذمتي وموالي، فقبل منه الوليد ذلك، فأمر ~~بالكتب إلى العراق والحجاز وكور الشام في ذلك، واحتبس يزيد عنده، وجعل عليه ~~القيود والحرس، ثم ارتحل الوليد ومعه خدمته وشرطته، وتواعد أهل اليمن أن ~~يثوروا إذا صلوا العتمة (1) في المسجد، وكانت العلامة بينهم أن يلتمس أحدهم ~~صاحبه. # فلما تفرق أهل المسجد، خرجوا، فاستخرجوا يزيد بن الوليد من منزله، ثم ~~أتوا به القصر، وعلى دمشق يومئذ رجل من بني الحجاج، وكان قد خرج من ~~الطاعون، واستخلف رجلا من قيس، فدخلوا عليه، فأوثقوه كتافا، وأوثقوا كل من ~~خافوا خلافه، فتسلل رجل حتى أتى الوليد بن يزيد، فأخبره الخبر، فلما أصبحوا ~~غدوا إلى الوليد، فبعث الوليد في طلب يزيد بن. # خالد، وهو عنده في الحديد. فقال له: إن قومك قد خرجوا بين يدي الوليد، ~~فارددهم عن أمير المؤمنين، ولك الله أن أوليك العراق، وأدفع إليك يوسف ~~تقتله بأبيك، فقال له يزيد ابن خالد: وتوثقني يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم، ~~فتوثق له وحلف، قال: فأرسلني إليهم حتى أردهم عنك. فقال له الوليد: بل اكتب ~~إليهم. قال: إن كتابي لا يغني شيئا، وقد علموا أني في يديك، وأني سأكتب بما ~~تريد، فأمر بإطلاقه من الحديد، ورده إلى حبسه، وأمر الحرس يتحفظون به، ثم ~~ارتحل الوليد بيزيد بن خالد معه، فلما كان الفجر: صبحته أوائل الخيل، خيل ~~أهل اليمن، فأرسل الوليد إلى يزيد بن ms342 خالد. فقال له يزيد: خل عني حتى أردهم ~~عنك، فبينما هم على ذلك، إذ التقى القوم، فشدت الميمنة، وقد طلعت الشمس، ~~واختلط الناس وكثر القتل، وتخلص يزيد بن خالد من الحرس، فأتوه ببرذون من ~~براذين الوليد، وأتى بسيف فتقلده، ثم نادى مناديه: من جاء برأس الوليد، فله ~~مئة ألف دينار، ونودي في العسكر: من دخل رحله فهو آمن. فنادى الوليد: يا ~~أهل الشام، ألم أحسن إليكم، # PageV02P112 # ألم أفعل كذا، فعدد إحسانه. فقال عبد السلام: بلى قد فعلت، ولكنك عمدت ~~إلى شيخنا وسيدنا خالد بن عبد الله قد عزله الخليفة قبلك، وأخذ أمواله، ثم ~~خلى عنه، فدفعته إلى يوسف بن عمر بالبيع فأدرعه (1)، ثم حمله على محمل بلا ~~وطاء، ثم انطلق به فعذبه، حتى قتل شر قتل يكون. فقال لهم الوليد: فاخلعوني ~~في قميصي هذا، وولوا من شئتم، فانصرفوا إلى قومهم، فأعلموهم بما رضي من ~~الخلع. فقالوا: لا إلا رأسه، فتدلى القوم إلى القصر، وانتهى يزيد بن خالد ~~إلى الباب، وعليه سلسلة، فأمر بها فكسرت، وكسر الباب، وخرج الوليد يسعى، ~~حتى دخل بيتا من بيوت القصر، ودخل عليه نحو من ثلاثين رجلا، وهو قائم بيده ~~السيف، منكسا رأسه لا ينظر إليهم، وهو يذب (2) عن نفسه، فضربه رجل، ضربة، ~~ثم صرعه (3)، ثم أكب (4) عليه فاحتز رأسه، فخرج به وانصرف الناس إلى دمشق ~~فبايع الناس ليزيد بن الوليد بن عبد الملك. وذلك في ذي الحجة من سبع وعشرين ~~ومئة، فكان خليفة ستة أشهر، ثم مات في جمادى الأولى. ثم ولى إبراهيم بن ~~الوليد فبويع له في جمادى الأولى، فمكث ثلاثة أشهر، ثم خلع وهرب. # ولاية مروان بن محمد بن مروان بن الحكم قال: وذكروا أنه لما خلع إبراهيم ~~بن الوليد، خرج مروان بن محمد في صفر، سنة سبع وعشرين ومئة، ومعه أهل ~~الجزيرة، وأهل حمص، فدعا إلى نفسه بالبيعة، ووعد الناس خيرا فرضي به أكثر ~~الناس لشجاعة كانت فيه، وسخاء يوصف به، فملك الشام، واستقل له الأمر، وغلظ ~~شأنه، واستعلى سلطانه، وبايع له ms343 أهل العراق والحجاز، وهابه الناس وخافوه، ~~واستعمل العمال في الآفاق والأمصار، وكانت الشيعة تتكاتب على الكتمان لذلك، ~~وتتلاقى على السر. قال: فلما كانت سنة ثمان وعشرين ومائة اجتمعت الشيعة. # خروج أبي مسلم الخراساني قال: وذكروا أن الشيعة لما اجتمعت، وغلظ أمرهم ~~بخراسان، قدم منهم سليمان ابن كثير، وقحطبة بن شبيب، فلقوا إبراهيم بمكة. ~~فقالوا: قد قدمنا بمال. قال: # وكم هو؟ قالوا عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وبمسك ومتاع قال: ادفعوه ~~إلى عروة # PageV02P113 # مولى محمد بن علي، ففعلوا، فكان يحيى بن محمد يتبعهم ويسألهم، فيقول: ما ~~قصتكم وفي أي شئ جئتم؟ فلا يخبرونه، فذكروا ذلك لإبراهيم. فقال احذروه، ~~فإنه قليل العقل، ضعيف الرأي. فجاء إلى إبراهيم فقال له: إن علي دينا، ~~والله لئن لم تعطني قضاء ديني، لأرفعن أمرك إلى عبد العزيز بن عمر، وهم ~~يومئذ على الموسم، فأعطاه خمسة آلاف درهم، وقدموا بأبي مسلم معهم، وقد خرج ~~أصحابه من السجن، فأعلموا إبراهيم أنه مولاه. فقال لسليمان: قد ربا (1) ~~أمركم، فأنت على الناس، فاخرج إلى خراسان، وقد كان أبو مسلم قدم على ~~إبراهيم قبل أن ينصرف أصحابه، فرأى عقله وظرفه. فكتب إلى أصحابه: إني قد ~~أمرته على خراسان، وما غلب عليها، فأتاهم فلم يقبلوا قوله، وخرجوا من قابل، ~~فالتقوا بمكة، فأعلمهم أبو مسلم أنهم لم ينفذوا كتابه. قال إبراهيم: إنه قد ~~أجمع رأيه على هذا، فاسمعوا له وأطيعوا. ثم قال لأبي مسلم: يا أبا عبد ~~الرحمن إنك رجل منا أهل البيت، فاحفظ وصيتي، أنظر هذا الحي من اليمن ~~فأكرمهم، فإن الله لا يتم هذا الأمر إلا بهم، وانظر هذا الحي من ربيعة، ~~فإنهم معهم، وانظر هذا الحي من مضر، فإنهم العدو القريب الدار، فاقتل من ~~شككت في أمره، ومن وقع في نفسك منه تهمة. فقال: أيها الإمام، فإن وقع في ~~أنفسنا من رجل هو على غير ذلك، أحبسه حتى تستبينه؟ فقال: لا، السيف السيف، ~~لا تتق العدو بطرف (2). ثم قال للشيعة: من أطاعني فليطع هذا، يعني أبا ~~مسلم، ومن عصاه ms344 فقد عصاني. ثم قال له: إن استطعت أن لا تدع بخراسان أرضا ~~فيها عربي فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار، فاتهمته فاقتله، ولا تخالف ~~هذا الشيخ، يعني سليمان بن كثير، ولا تعصه، فشخصوا إلى خراسان، ووقعت ~~العصبية بخراسان، بين نصر بن سيار، وكان عامل مروان عليها، وبين الكرماني. ~~فدخل على نصر بن سيار رجل فقال له: إن مروان ابن محمد قد خالف ما ظن به ~~الناس: وقد كان رجى وأمل، وما أرى أمره إلا وقد انتقض، واجترأت عليه ~~الخوارج، وانتقضت عليه البلاد، وخرج عليه ثابت بن نعيم، ورأى الاشتغال ~~بلذاته أهم عليه، فلو اجتمعت كلمتك مع الكرماني فإني خائف أن يوقعك هذا ~~الخلاف فيما نكره وأنت شيخ العرب وسيدها، وأرى والله في هذه الكور شيئا، ~~وأسمع أمورا أخاف أن تذهب، أو تذهل منها العقول. فقال نصر بن سيار: والله ~~ما أ؟ هم عقلك ولا نصيحتك، ولكن أكفف عن هذا القول، فلا يسمعن منك، فالتحم ~~ما بين الرجلين، وهاجت الحرب وتقاتلوا، وجعلت رحال الشيعة تجتمع في الكور ~~الألف والألفان، فيجتمعون # PageV02P114 # في المساجد، ويتعلمون: أي يتعارفون بينهم، فبلغ ذلك نصرا، واغتم لذلك، ~~وخاف إن وجه إليهم من يقاتلهم أن يتجاوزوا إلى الكرماني، فلما استفحل أمر ~~القوم، وقام بأمرهم أبو مسلم الخراساني، ثم اجتمعوا وأظهروا أمرهم. كتب نصر ~~بن سيار إلى مروان ابن محمد: # أرى خلل الرماد (1) وميض نار * ويوشك أن يكون له ضرام (2) فإن النار ~~بالعودين تذكى * وإن الحرب أولها الكلام أقول من التعجب: ليت شعري * أأيقاظ ~~أمية أم نيام فإن كانوا لحينهم نياما * فقل قوموا فقد حان القيام ففرى عن ~~رحالك ثم قولي * على الإسلام والعرب السلام فكتب إليه مروان: إن الشاهد يرى ~~ما لا يرى الغائب. فقال نصر لما قرأ الكتاب: # أما صاحبكم فقد أعلمكم أن لا نصر عنده، وجعل أبو مسلم يكتب الكتب، ثم ~~يقول للرسل: # مروا بها على اليمانية، فإنهم يتعرضون لكم، ويأخذون كتبكم، فإذا رأوا ~~فيها أني رأيت المضرية لا وفاء لهم، ولا خير فيهم، فلا تثق ms345 بهم، ولا تطمئن ~~إليهم، فإني أرجو أن يريك الله في اليمانية ما تحب، ويرسل رسولا آخر بمثل ~~ذلك على اليمانية. فيقول: مر على المضرية، فكان الفريقان جميعا معه، وجعل ~~يكتب إلى نصر بن سيار، وإلي الكرماني: أن الإمام قد أوصاني بكم، ولست أعدو ~~رأيه فيكم، فجعل نصر يقول: يا عباد الله، هذه والله الذلة، رجل بين أظهرنا ~~يكتب إلينا بمثل هذا، لا نقدر له على ضر ولا نفع، فلما تبين القوم أن لا ~~نصير لهم كتب أبو مسلم إلى أصحابه في الكور، أن أظهروا أمركم، فكان أول ~~الناس من سود (3) أسيد بن عبد الله، فنادى: يا محمد، يا منصور، فسود معه ~~العكى، ومقاتل بن حكم، وعمر بن غزوان، وأقبل أبو مسلم حتى نزل الخندقين ~~فهابه الفريقان جميعا. فقال: لست أعرض لواحد منكم، إنما ندعو إلى آل محمد، ~~فمن تبعنا فهو منا، ومن عصانا فالله حسيبه. فلما جعل أصحابه يكثرون عنده. ~~وهو يطمع الفريقين جميعا في نفسه. كتب نصر بن سيار: إلى مروان بن محمد، ~~يذكر استعلاء أمر أبي مسلم، ويعلمه بحاله وخروجه، وكثرة شيعته، وأنه قد خاف # PageV02P115 # أن يستولي على خراسان، وأنه يدعو إلى إبراهيم بن محمد، فأتى مروان ~~الكتاب، وقد أتاه رسول أبي مسلم بجواب إبراهيم، فأخذ جواب إبراهيم، وفيه ~~لعن إبراهيم لأبي مسلم، حين ظفر بالرجلين، ألا يدع بخراسان عربيا إلا قتله، ~~فانطلق الرسول بالكتاب إلى مروان، فوضعه في يده. فكتب مروان إلى الوليد بن ~~معاوية، وهو على دمشق: أن اكتب إلى عاملك بالبلقاء، فليأخذ إبراهيم بن محمد ~~فليشده وثاقا، ثم يبعث به إليك، ثم وجه به إلي، فأتى إليه وهو جالس في مسجد ~~القرية، فأخذ إلى دمشق، ودخل على مروان، فأنبه وشتمه، فاشتد لسان إبراهيم ~~عليه، ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما أظن ما يروي الناس عنك إلا حقا في بعض ~~بني هاشم. فقال: أدركك الله بأعمالك، اذهب به، فإن الله لا يأخذ عبدا عند ~~أول ذنب، اذهب به إلى السجن. فقال أبو عبيدة: فكنت آتيه في ms346 السجن، ومعه عبد ~~الله بن عبد العزيز، فوالله إني ذات ليلة في سقيفة السجن، بين النائم ~~واليقظان، إذ مولى لمروان قد استفتح، ومعه عشرون رجلا من موالي مروان، من ~~الأعاجم، ومعه صاحب السجن، ففتح لهم فدخلوا، وأصبحنا فإذا عبد الله بن عمر، ~~وإبراهيم بن محمد ميتان، فانكسر لذلك أبو مسلم بخراسان، إذا بلغه موت ~~إبراهيم، وانكسرت الشيعة، واستعلى أمر الكرماني، فلما رأى أبو مسلم ذلك قال ~~له: إنا معك، ثم داوت الأحوال بين نصر والكرماني، حتى غدر نصر بالكرماني ~~فقتله وصلبه، فخاف نصر على نفسه من أبي مسلم. # ذكر ما أمال أصحاب الكرماني إلى أبي مسلم قال: وذكروا أن أبا مسلم كتب ~~إلى نصر: إنه قد جاءنا من الإمام كتاب فهلم نعرضه عليك، فإن فيه بعض ما ~~تحب، فدخل عليه رجل فقال: إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك، فاخرج إني لك من ~~الناصحين. فقال نصر: ادخل فالبس ثيابي، فدخل بستانا له، وقد تقدم إلى صاحب ~~دوابه، فأتاه بدواب، فركب وهرب، معه داود بن أبي داود، وهرب معه بنوه، ~~وتفرق أصحابه، وجاء القوم إلى أبي مسلم فأعلموه أنه قد خرج، ولا يدرون أين ~~توجه، فاستولى أبو مسلم على خراسان، فاستعمل عليها عماله، ثم وجه أبا عون ~~في ثلاثين ألفا إلى مروان، فلما بلغ مروان الخبر خرج حتى أتى حران، فتخمل ~~بعياله وبناته وأهله، وقد كان يتعصب قبل، فجفا أهل اليمن وأهل الشام ~~وغيرهم، وقتل ثابت بن نعيم، والسمط بن ثابت، وهدم مدائن الشام، وتحول إلى ~~الجزيرة. قال إسماعيل بن عبد الله القسري: دعاني مروان فقال: يا أبا هاشم ~~وما كان يكنيني قبلها، قد ترى ما حل من الأمر وأنت الموثوق به، ولا مخبأ ~~بعد بؤس، ما الرأي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين على ما أجمعت؟ قال: على أن ~~أرتحل بموالي PageV02P116 # وعيالي وأموالي، ومن تبعني من الناس حتى أقطع الدرب، ثم أميل إلى مدينة ~~من مدائن الروم، فأنزلها، وأكاتب صاحب الروم، وأستوثق منه، فما يزال يأتيني ~~الخائف والهارب حتى يلتف أمري. قال إسماعيل: وذلك ms347 والله الرأي. فلما رأيت ~~ما أجمع عليه، ورأيت سوء آثاره في قومي، وبلائه القبيح عندهم، قلت له: ~~أعيذك بالله يا أمير المؤمنين من هذا الرأي، أن تحكم فيك أهل الشرك، وفي ~~بناتك وحرمك، وهم الروم لا وفاء لهم، ولا تدري ما تأتي به الأيام، فإن أنت ~~حدث عليك حادث بالروم، ولا يحدث إلا خير، ضاع أهلك من بعدك، ولكن اقطع ~~الفرات، ثم استدع الشام جندا جندا، فإنك في كنف وجماعة وعزة، ولك في كل جند ~~صارم يسيرون معك، حتى تأتي مصر، فإنها أكثر أرض الله مالا ورجالا، ثم الشام ~~أمامك، وأفريقية خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن كانت الأخرى ~~مضيت إلى أفريقية. قال: صدقت، ثم استخار الله وقطع الفرات، فمر بكور من كور ~~الشام، فوثبوا عليه، فأخذوا مؤخر عسكره فانتهبوه، ثم مر بحمص فصنعوا له مثل ~~ذلك، ثم مر بأهل دمشق فوثبوا عليه، ووثب به الوليد بن معاوية، وكان عامل ~~مروان على دمشق، ثم مضى إلى الأردن، فوثب به هاشم بن عمر، ثم مر بفلسطين ~~فوثب به الحكم، ثم مضى إلى مصر فاتبعه الحجاج بن زمل السكسكي. فقيل له: ~~أتتبعه وقد عرفت بغضه لقومك؟ فقال: # ويحكم إنه أكرمني لمثل هذا اليوم لآخذ له، وتبعه أيضا أبو سلمة الخلال ~~وثعلبة بن سلامة، وكان عامله على الأردن، وتبعه أيضا الرحس فقال: إني لأسير ~~مع مروان حيث جزنا فلسطين. فقال: يا رماحس (1) انفرجت عنى قيس انفراج الرأس ~~ما تبعني منهم أحد، وذلك أنا وضعنا الأمر في غير موضعه، وأخرجناه من قوم ~~أيدنا بهم، وخصصنا به قوما، والله ما رأينا لهم وفاء ولا شكرا. # تولية أبي مسلم قحطبة بن شبيب قتال مروان قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي ~~أخبرهم عن رجال أدركوا الدولة وصحبوا أهلها. # قالوا: لما استولى أبو مسلم على خراسان، وولى قحطبة الطائي قتال مروان بن ~~محمد، وبعث معه ثلاثين ألفا من رجال اليمن وأهل الشيعة، وفرسان خراسان، ~~وخرج مروان وهو يريد أبا مسلم بخراسان، ومعه مئة ألف فارس ms348 سوى أصحاب ~~الحمولة، فهرب من بين يديه أبو العباس، وأبو جعفر، وعيسى بن علي بن عبد ~~الله بن عباس، فلحقوا بالكوفة، فبعث أبو العباس إلى أبي سلمة الخلال، واسمه ~~حفص بن سليمان، وكان واليا لإبراهيم بن محمد على # PageV02P117 # الشيعة بالكوفة فأمره إن بلغه أمر فيه قوة لأبي مسلم بخراسان أن يظهر ~~أمره بالكوفة، ويدعو إليه، ويناهض صاحب الكوفة، ففعل ذلك أبو سلمة، فلما ~~غلظ أمر أبي مسلم بخراسان، واستولى عليها، وبعث الجيوش إلى مروان أظهر أمره ~~بالكوفة، وطرد عامل الكوفة، فخرج هاربا. # ذكر البيعة لأبي العباس بالكوفة قال: وذكروا أن أبا مسلم لما بلغه أن أبا ~~سلمة قد أظهر أمره بالكوفة، ودعا إلى محمد، وجه رجلا من قواده إلى الكوفة ~~في ألفي فارس، وأمره أن يسرع السير حتى يأتيها، فأقبل ذلك القائد حتى دخل ~~الكوفة، فلقى غلاما أسود لأبي العباس، فقال له: أين مولاك؟ قال: # هو في دار هاهنا. قال: دلني عليه، فدله على الدار، فاستفتح الباب، ثم دخل ~~عليه، فسلم عليه بالخلافة، وكان أبو سلمة يريد صرف الخلافة إلى ولد علي بن ~~أبي طالب، وكان ينهى أبا العباس عن الخروج، ويقول له: إن الأمر لم يتم، وإن ~~موالي بني أمية قائمون بالحرب، والأمر أشد مما كان. فقال أبو العباس: إن ~~أبا سلمة منعني عن الخروج حتى يولي العمال، ويعمل الخراج. فقال القائد: لعن ~~الله أبا سلمة، والله لا أجلس حتى تخرج إلى الناس، فخرج له مع رجاله إلى ~~المسجد، ونودي الصلاة جامعة، فصعد أبو العباس المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ~~وصلى على نبيه، ثم ذكر بني أمية وسوء آثارهم، وذكر العدل فحض عليه، ووعد ~~الناس خيرا، ورجا لهم الإصلاح وقسمة الفيئ على وجهه، ثم دخل الإمارة، وجلس ~~الناس، فلما بلغ أبا سلمة خروجه أتاه يعتذر إليه، فقبل ذلك منه، وأراه ~~المكانة منه، والخاصة به، وقد كان علم أبو العباس الذي أراد أبو سلمة من ~~صرف الخلافة إلى ولد علي بن أبي طالب. # حرب مروان بن محمد وقتله قال: وذكروا ms349 أن قحطبة بن شبيب، لما انتهى إلى ~~بعض كور الشام، التقى بمروان فقاتله، فانهزم مروان، فأقحم قحطبة في طلب ~~مروان فرسه في الفرات، فحمله الماء، فمات فيه، وقد أصاب أهل عسكر قحطبة من ~~أموال مروان، وأمتعة عسكره ما لا يحصى كثرة، فتناول اللواء حميد بن قحطبة، ~~وعبر الفرات حتى أتى الشام، فقيل له: إن مروان ترك الطريق إلى دمشق وذهب ~~صالح بن عبد الله بن عباس، وكان بناحية من الشام، وقد اجتمع إليه الناس لما ~~علموا من قرابته لأمير المؤمنين، فلما اجتمع مع حميد بن قحطبة سلم إليه ~~الأمر، وقال الناس: # إنه خرج بإظهار الدعوة لأبي العباس من غير أمره، فلما سلم الأمر إلى صالح ~~بن علي، أتاه PageV02P118 # كتاب أبي مسلم، أن يرجع ابن قحطبة ببعض عساكره إلى العراق، فيكون فيها ~~حتى يأتيه أمره، فأتى صالح بن علي كتابه بأنه قد صير إليه الشام، وما ~~وراءها إلى المغرب، ويأمره فيه ببعثه الجيوش في طلب مروان، فولى صالح بن ~~علي رجلا من الأزد، يقال له أبو عون على مصر، وأمره بطلب مروان في أرض ~~المغرب، وبعثه في عشرين ألفا، وكان سليمان بن هشام بن عبد الملك قد نافر ~~مروان بن محمد، وقاتله مرارا قبل أن يشتد أمر أبي مسلم، فسار إليه في أربعة ~~آلاف، وذلك بعد خروج قحطبة من عند أبي مسلم، فنزل به سليمان، وكانت بينه ~~وبين أبي العباس مودة قديمة، فبايع أبا مسلم على طاعة أبي العباس، فسر به ~~أبو مسلم وشيعته، ثم سيره في طلب قحطبة ممدا له، وقد قاتل مروان قحطبة قبل ~~قدوم سليمان بيومين، فلما نظر مروان إلى دخول سليمان ابن هاشم في عسكر ~~قحطبة، وكثرة من جاء معه انهزم، فمضى سليمان مع حميد بن قحطبة في طلبه، ولم ~~يكن مروان انهزم عنه غلبة، ولكنه كان نظر في كتب الحدثان، فوجد فيها أن ~~طاعة المسودة (1) لا تجاوز الزاب (2)، فقال ذلك لوزرائه. فقيل له: إن بمصر ~~زابا آخر. # قال: فإليها نذهب إذا، والزاب الذي أراد علمه هو ms350 بأرض المغرب، فأقبل ~~مروان وهو يريد مصر، فالتقت الخيل، فانهزمت خيل أبي عون، وأسر جماعتهم ~~وصاحب أمرهم، فأتى مروان بالأسارى، فقال مروان لجماعته: شدوا أيديكم ~~بالأسرى، فقد أجننا الليل، وبات مسرورا. # فلما أصبح جعل يهنئ أصحابه للقاء القوم، فأقبل سليمان بن هشام، وأبو عون ~~وكان مروان قد أرخى حبال الجسر، وتوسط أصحابه فيما هنالك وهم آمنون. فقال ~~أبو عون للقبط (3): هل لهذا النهر من مخاضة، فقالوا له: ما علمنا ذلك، ولا ~~بلغنا أن أحدا خاضه قط، فقطع عما قصد وأراد. فكتب إلى صالح بن علي بذلك، ~~ويسأله أن يبعث إليه بمراكب ساحل البحر عاجلا، فبينما هو في ذلك، إذ أتاه ~~رجل من القبط فقال له: إن أبي كان يقرأ الكتاب، وكان يحدثنا بأمور تكون ~~بعده، ويصف لنا موضعا يجعله الله لكم تخوض فيه الخيل عند تلك الأمور، وقد ~~اختبرت ذلك الليلة، فسر بذلك أبو عون، ثم بعث معه الخيل إلى ذلك الموضع، ~~بعد أن وصله ووعده خيرا وكان مروان نظر إلى الرايات السود بناحية مصر، ونظر ~~إلى الخيل تعدو النهر، ولا يشك أنهم لا يجدون سبيلا إلى عبوره، فلم ينشب ~~أهل عسكر مروان أن نظروا إلى خيل أبي عون قد جاوزت النيل، فعبأ مروان ~~أصحابه وأهل بيته، ثم خطبهم وحضهم على الصبر. # PageV02P119 # وقال لهم: إن الجزع لا يزيد في الأجل، وإن الصبر لا ينقص الأجل وأقبل ~~القوم فاقتتلوا من وقت صلاة الصبح إلى أن مالت الشمس، فأصيب عبد الله ومحمد ~~ابنا مروان وبنو أبيه أكثرهم، وولد عبد العزيز، وصابر القوم، فلما لم يبق ~~حوله إلا قدر الثلاثين، حمل على القوم فأكردهم (1) ورجع، فجعل أصحابه ~~يفترقون عنه. فلما رأى ذلك نزل عن فرسه وأنشأ يقول متمثلا: # ذل الحياة وهول الممات * وكلا أراه وخيما وبيلا فإن كان لا بد من ميتة * ~~فسيرى إلى الموت سيرا جميلا فوثب رجل إلى فرسه فأخذه. فقال له مروان: أكرمه ~~فإنه أشقر مروان. ثم كسر غمد سيفه، وقاتل قتالا شديدا، ثم أصيب، فنزل أبو ~~عون، فأمر بضرب ms351 قبابه، وأمر سليمان ابن هشام بطلب المنهزمين، حتى أصيب ~~عامتهم واستأسر منهم من استأسر، وكان فيمن أسر منهم عبد الحميد كاتبه، وحكم ~~المكي مؤذنه، فاستبقاهما أبو عون، وبعث بهما إلى صالح بن علي، ثم أمر أبو ~~عون بطلب جثة مروان على شاطئ النيل. فلما كان من الغد: ركب أبو عون وسليمان ~~ابن هشام لينظرا مروان، فنظرا إليه، ثم تحول أبو عون إلى سليمان. فقال: ~~الحمد لله الذي شفى صدرك قبل الموت من مروان، فهل لك يا أبا أيوب أن تذهب ~~إلى أمير المؤمنين بكتابي وبما هيأ الله على يديك وشفا به صدرك، فيفعل بك ~~خيرا، ويعرف من قرابتك ونصحك ما أنت أهله؟ فرضي بذلك سليمان، فكتب وسار. ~~فلما قدم سليمان بن هشام على أبي العباس أمير المؤمنين، رحب به وقربه ~~واستلطفه، وأنزله بعض دور الكوفة، وفعل به ما لم يفعل بأحد سواه، من البر ~~والاكرام، وكان سليمان يختلف إلى مائدة أبى العباس في كل يوم، فيتغدى معه، ~~ويتعشى، وكان كأحد وزرائه وفوقهم، وكان يجلس أبا جعفر عن يمينه، وسليمان عن ~~يساره. # قتل أبي سلمة الخلال قال: وذكروا أن أبا العباس لما تمت له الأمور ~~واستوثقت، استشار وزراءه في قتل أبي سلمة، فأدار القوم الرأي فيه، وكان أبو ~~سلمة يظهر الإدلال والقدرة على أمير المؤمنين، وكان يقيم عنده في كل ليلة ~~إلى حين من الليل، فإذا أراد الخروج والرجوع إلى منزله، قربت إليه دابته ~~إلى المجلس، فيركب منه دون غيره، ثم يخرج إلى داره. فقالوا له: إنك إن ~~قتلته ارتاب أبو مسلم، ولم تأمن أن يحدث لذلك حدثا، ولكن الرأي أن تكتب ~~إليه بالذي رابك # PageV02P120 # منه، والذي يريده من فسخ ما أنت فيه، فكتب إلى أبي مسلم بذلك، وكان أبو ~~العباس وأبو جعفر لا يسميان عبد الرحمن (يعني أبا مسلم إلا عما). فلما قدم ~~الكتاب إلى أبي مسلم، كتب إلى أبي العباس: إن كان رابك منه ريب فاضرب عنقه. ~~فلما أتاه الكتاب قال له وزراؤه: # إنك لا تأمن من أن يكون ms352 ذلك غدرا من أبي مسلم، وأن يكون إنما يريد أن يجد ~~السبيل إلى ما تتخوف منه، ولكن اكتب إليه أن يبعث إليك برجل من قواده يضرب ~~عنقه. فكتب إليه بذلك، وذكر في كتابه: إني لا أقدم ولا أؤخر إلا برأيك. ~~فبعث إليه برجل يقال له مرار الضبي. فلما قدم على أبي العباس أمر ذلك الضبي ~~أن يقعد له في الظلمة، في داخل الإمارة بالكوفة، فإذا خرج ضربه بالسيف ~~برأسه، فقتله، ثم أمر بصلبه. فلما أصبح الناس إذا هم بأبي سلمة مصلوبا على ~~دار الإمارة. # قتل رجال بني أمية بالشام قال: وذكروا أن أبا العباس ولى عمه عبد الله بن ~~علي، الذي يقال له السفاح: الشام، وأمره أن يسكن فلسطين، وأن يجد السير ~~نحوها، وهنأه بما أصاب من أموال بني أمية، وكتب إلى صالح بن علي أن يلحق ~~بمصر واليا عليها. فقدم السفاح فلسطين، وتقدم صالح إلى مصر، فأتاها بعد قتل ~~مروان بيومين، وأن السفاح بعث إلى بني أمية، وأظهر للناس أن أمير المؤمنين ~~وصاه بهم، وأمره بصلتهم، وإلحاقهم في ديوانه، ورد أموالهم عليهم، فقدم عليه ~~من أكابر بني أمية وخيارهم، ثلاثة وثمانون رجلا، وكان فيهم عبد الواحد بن ~~سليمان بن عبد الملك، وأبان بن معاوية بن هشام، وعبد الرحمن بن معاوية، ~~وغيرهم من صناديد بني أمية. فأما عبد الرحمن بن معاوية، فلقيه رجل كان صنع ~~به برا، وأسداه خيرا، وأولاه جميلا. فقال له: # أطعني اليوم في كلمة، ثم اعصني إلى يوم القيامة. فقال له عبد الرحمن: وما ~~أطيعك فيه اليوم؟ # فقال له الرجل: أدرك موضع سلطانك، وقاعدتك المغرب، النجاء النجاء، فإن ~~هذا غدر من السفاح، ويريد قتل من بقي من بني أمية. فقال له عبد الرحمن: ~~ويحك إنه كتاب أبي العباس، قدم عليه، يأمره فيه بصلتنا، ورد أموالنا إلينا، ~~وإلحاقنا بالعطاء الكامل، والرزق الوافر. # فقال له الرجل: ويحك أتغفل؟ والله لا يستقر ملك بني العباس، ولا يستول ~~على سلطان، ومنكم عين تطرف. فقال له عبد الرحمن: ما أنا بالذي يطيعك ms353 في ~~هذا. فقال الرجل: أفتأذن لي أن أنظر إلى ما تحت ظهرك مكشوفا؟ فقال له: وما ~~تريد بهذا؟ فقال له: أنت والله صاحب الأمر بالأندلس، فاكشف لي، فكشف عبد ~~الرحمن عن ظهره، فنظر الرجل فإذا العلامة PageV02P121 # التي كانت في ظهره قد وجدت في كتب الحدثان (1)، وكانت العلامة خالا أسود ~~عظيما مرتفعا على الظهر هابطا، فلما نظر إليه الرجل قال له: النجاء النجاء، ~~والهرب الهرب، فإنك والله صاحب الأمر، فاخرج فإنا معك، ومالي لك، ولي عشرون ~~ألف دينار مصرورة، كنت أعددتها لهذا الوقت. فقال له عبد الرحمن: وعمن أخذت ~~هذا العلم؟ فقال الرجل: من عمك مسلمة بن عبد الملك. فقال له عبد الرحمن: ~~ذكرت والله عالما بهذا الأمر، أما لئن قلت ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا ~~غلام، يوم توفي أبي معاوية، وهشام يومئذ خليفة، فكشفت عن ظهري، فنظر إلى ما ~~نظرت إليه. فقال لهشام جدي وهو يبكي: هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك ~~المغرب. فقال له هشام: وما الذي أبكاك يا أبا سعيد؟ ألهذا تبكي؟ فقال: أبكي ~~والله على نساء بني أمية وصبيانهم، كأني بهم والله قد أبدلوا بعد أساورة ~~الذهب والفضة الأغلال والحديد، وبعد الطيب والدهن البقل والعقار، وبعد العز ~~الذل والصغار. فقال هشام: أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد؟ فقال مسلمة: ~~إي والله حان، وإن هذا الغلام يعمر منهم، ثم يصير إلى المغرب فيملكها: فقال ~~له الرجل: فاقبض مني هذا المال، واخرج بمن تثق به من غلمانك. # فقال عبد الرحمن: والله إن هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد، فولى ذاهبا، وخرج ~~لا يدرى متى خرج، فلحق بالمغرب، وأقبل القوم من بني أمية، وقد أعد لهم ~~السفاح مجلسا فيه أضعافهم من الرجال، ومعهم السيوف والأجرزة (2)، فأخرجهم ~~عليهم، فقتلهم وأخذ أموالهم، واستعفى (3) عبد الواحد بن سليمان بن عبد ~~الملك، وكان عبد الواحد قد بذ العابدين في زمانه، وسبق المجتهدين في عصره، ~~فركب السفاح إلى أموال عبد الواحد، وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة، ~~تطرد فيها المياه ms354 والعيون، فأمره السفاح أن يصيرها إليه، فأبى عليه، واختفى ~~منه، فأخذ رجالا من أهله، فتواعدهم السفاح، وأمر بحبسهم حتى دلوه عليه. ~~فلما قبضه أمر بقتله، ثم استقصى ماله، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين، ~~وكان أبو العباس يعرفه قبل ذلك، وكان عبد الواحد أفضل قرشي كان في زمانه ~~عبادة وفضلا. فقال أبو العباس: رحم الله عبد الواحد، ما كان والله ممن يقتل ~~لغائلة (4)، ولا ممن يشار إليه بفاحشة، وما قتلته إلا أمواله، ولولا أن ~~السفاح عمي، وذمامه ورعاية حقه علي واجب، لأقدت منه (4)، ولكن # PageV02P122 # الله طالبه، وقد كنت أعرف عبد الواحد برا تقيا، صواما قواما. ثم كتب إلى ~~عمه السفاح ألا يقتل أحدا من بني أمية، حتى يعلم به أمير المؤمنين، فكان ~~هذا أول ما نقم أبو العباس على عمه السفاح. # ذكر قتل سليمان بن هشام قال: وذكروا أن عيسى بن عبد البر أخبرهم قال: كان ~~سليمان بن هشام أكرم الناس على أبي العباس أمير المؤمنين، لحسن بلائه مع ~~قحطبة، وقيامه معه على مروان ابن عمه، وكان هو الذي تولى كبره (1)، وقتل ~~على يديه، فكان لذلك أخص الناس بأبي العباس، فبينما هما يوما وقد تضاحكا ~~وتداعبا، إذ أتى رجل من موالي أبي العباس يقال له سديف، فناول أبا العباس ~~كتابا فيه: # أصبح الملك ثابت الآساس * بالبهاليل (2) من بنى العباس طلبوا وتر (3) ~~هاشم فشفوها * بعد ميل من الزمان وياس (4) لا تقيلن عبد شمس (5) عثارا * ~~واقطعن كل نخلة وغراس ذلها أظهر التودد منها * وبها منكم كحز المواسى (6) ~~ولقد غاظني وغاظ سوائي * قربهم من منابر وكراسى واذكرن مقتل الحسين وزيدا * ~~وقتيلا بجانب المهراس (7) فقرأها أبو العباس، ثم قال له: نعم، ونعما عين ~~وكرامة، سننظر في حاجتك، ثم ناول الكتاب أبا جعفر، ثم سلم سليمان بن هشام، ~~ثم قام وخرج، فتطلع رجل من موالي بني أمية. كانت له خاصة وخدعة في بني ~~العباس، فعرف بعض ما في الكتاب، فلما خرج من عند أمير المؤمنين مر بسليمان ~~بن هشام في غرفة له بالكوفة فسلم، ثم ms355 قال لسليمان: من عندك # PageV02P123 # يا أبا أيوب، فقال له: ما عندي غير ولدي. فقال له: إن الملأ يأتمرون بك ~~ليقتلوك، فاخرج إني لك من الناصحين. فخرج سليمان من ليلته هاربا، فلحق ببعض ~~نواحي الجزيرة وكتب إلى مواليه وصنائعه، فاجتمع إليه منهم خلق كثير، فبعث ~~إليه أبو العباس بعثا يقاتله، فانهزم ذلك البعث، ثم بعث إليه بعثا آخر، ~~فهزمه أيضا. قال: فتنقل سليمان عن ذلك الموضع إلى غيره، ثم بعث إليه بعثا ~~آخر، فأسر سليمان وولده، فأتى بهما أسيرين إلى أبي العباس، فأمر، فقطعت ~~لهما خشبتان، رقمتا إليهما، فأمر بضرب رقابهما، وصلبهما. فقال سليمان ~~لولده: # تقدم يا بني على مصيبتي بك، فتقهقر الغلام، ثم تقدم فقتل، ثم قتل سليمان، ~~وصلبا على باب دار الإمارة بالكوفة. # خروج السفاح على أبي العباس وخلعه قال: وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم ~~قال: لما ولي السفاح الشام، واستصفى أموال بني أمية لنفسه، أعجبته نفسه، ~~وحسد ابن أخيه على الخلافة فأظهر الطعن على أبي العباس، والتنقص له. فلما ~~بلغ ذلك أبا العباس، كتب إليه يعاتبه على ما كان منه، فزاده ذلك عجبا وحسدا ~~بما فيه، فحبس الخراج، ودعا إلى نفسه، وخلع طاعته، ثم قرب موالي بني أمية ~~وأطمعهم، وسد ثغورهم (1)، وأبدى العزم، وأظهره على محاربة أبي العباس، فلما ~~انتهت أخباره إلى أبي العباس، كتب إلى أبي مسلم يستغيثه، ويذكر عظيم يده ~~عنده، ويسأله القدوم عليه لأمر السفاح، فقدم أبو مسلم، فأقام عنده أياما، ~~ثم خرج إلى السفاح ومعه أجناده وقواده، فلقى السفاح على الفرات فهزمه، ~~واستباح عسكره، وأخذ أسيرا، فقدم به على أبي العباس. فلما قدم إليه، وأدخل ~~عليه قال: يا عمي أحسنا وواسينا فحسدت وبغيت، وقد رأيت تعطفا عليك، وصلة ~~لرحمك، أن أحبسك حبسا رفيقا، حتى تؤدب نفسك، ويبدو ندمك، ثم أمر فبنى له ~~بيت. جعل أساسه قطع الملح، فحبسه فيه. فلما كان بعد أيام أرسل الماء حول ~~البيت، فذاب الملح، وسقط البيت عليه، فمات فيه، ورد أبا مسلم إلى عمله ~~بخراسان، فأقام فيها بقية ms356 عامه، ثم أخرج أبو العباس أبا جعفر واليا على ~~الموسم، وخرج أبو مسلم أيضا حاجا من خراسان. # اختلاف أبي مسلم على أبي العباس قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر ~~في ثلاثين رجلا إلى أبي مسلم، وكان فيهم الحجاج بن أرطاة الفقيه، والحسن بن ~~الفضل الهاشمي، وعبد الله بن الحسين، فلما توجه # PageV02P124 # أبو جعفر إلى أبي مسلم بخراسان، وقدم عليه، استخف به بعض الاستخفاف، ولم ~~يزد الاجلال له، وجعل يعظم في كلامه وفعله الخليفة، ولم يزل أبو مسلم يتخوف ~~أن يصنع به مثل ما صنع بأبي سلمة الخلال، وكان لا يظهر ذلك لأحد. فلما قدم ~~أبو جعفر عليه، ومعه الثلاثون رجلا، وفيهم عبد الله بن الحسين، قام إليه ~~سليمان بن كثير. فقال: يا هذا إنا كنا نرجو أن يتم أمركم، فإذا شئتم فادعوا ~~إلى ما تريدون. فظن أنه دسيس من أبي مسلم، فخاف ذلك، فبلغ أبا مسلم أن ~~سليمان بن كثير سامر عبد الله بن الحسين بن علي. فقال لسليمان: بلغني أنك ~~سامرت هذا الفتى. قال: أجل، له قرابة وحق علينا وحرمة، فسكت. فأتى عبد الله ~~ابن الحسين أبا مسلم فذكر له ذلك، وظن أنه إن لم يفعل اغتاله أبو مسلم. ~~فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن كثير، فقال له: أتحفظ قول الإمام: من اتهمته ~~فاقتله. قال نعم. قال: # الإمام. قد اتهمتك فقال: ناشدتك الله، قال: لا تناشدني وأنت منطو على غش ~~فأمر فضربت عنقه، وكتب أبو مسلم إلى محمد بن الأشعث، أن يأخذ عمال أبي ~~سلمة، فيضرب أعناقهم، واستعمل أبو العباس عيسى بن علي على فارس، فأخذه محمد ~~فهم بقتله. فقيل لمحمد: إن هذا لا يسوغ لك. قال: أمرني أبو مسلم أن لا يقدم ~~علي أحد إلا ضربت عنقه. # فقال: ما كان أبو مسلم ليفعل شيئا إلا بأمر الإمام. فلما قدم أبو جعفر من ~~عند أبي مسلم قال لأبي العباس: لست بخليفة، ولا أمرك بشئ، إن لم تقتل أبا ~~مسلم. فقال أبو العباس: # وكيف ذلك؟ قال: لا والله ms357 ما يعبأ بنا، ولا يصنع إلا ما يريد. فقال له أبو ~~العباس: # اسكت واكتمها. # قتال بن هبيرة وأخذه قال: وذكروا أن أبا العباس وجه أبا جعفر إلى مدينة ~~واسط، فقدم على الحسين ابن قحطبة وهو على الناس، وكتب أبو العباس إلى ~~الحسين بن قحطبة: إن العسكر عسكرك، والقواد قوادك، فإن أحببت أن يكون أخي ~~حاضرا، فأحسن موازرته (1) ومكانفته. وكتب إلى أبي نصر مالك بن الهيثم بمثل ~~ذلك، وذكروا أن ابن هبيرة كان قد نصب الجسور بين المدينتين، فقالت اليمانية ~~الذين مع ابن هبيرة: لا والله لا نقاتل على دعوة بني أمية أبدا، لسوء رأيهم ~~فينا، وبغضهم لنا، وقالت القيسية: لا والله لا نقاتل حتى يقاتل على ~~اليمانية، فلم يكن يقاتل مع ابن هبيرة إلا صعاليك الناس، وأهل العطاء. وكان ~~كثيرا ما يتمثل ويقول: # PageV02P125 # الثوب إن أنهج فيه البلى * أعيا على ذي الحيلة الصانع كنا نرقعها إذا ~~مزقت * فانسع الخرق على الراقع وكان من رأي ابن هبيرة أن لا يعطي طاعة لبني ~~العباس، وكان رأيه أن يدعو إلى محمد ابن عبد الله بن الحسين، فاطلع على ذلك ~~أبو العباس، وخاف أن يثور اليمانية مع ابن هبيرة في ذلك. فكاتبهم أبو جعفر، ~~وقال في كتابه لهم: السلطان سلطانكم، والدولة دولتكم، وكتب إلى زياد بن ~~صالح الحارثي بذلك وكان عامل ابن هبيرة في المدينة، مكان عامله قبل ذلك على ~~الكوفة، فأجاب زياد بن صالح، وذلك لما خاف أن يدخل المدينة فيقتل بها. فلما ~~كان مغيب الشمس قاموا إليه. فلما صلى المغرب، ركب فطاف في مسالحه (1) ~~وأبوابه، فرجع عتمة، فتعشى، ثم صلى. فأقبل علي بن الهيثم فقال: والله ما ~~أخلف غصة أعظم ولا أهم إلي منك، لأنك مع هؤلاء، ولست أدري ما يكون بعد ~~اليوم، وأرى الأمر قد استتب لهؤلاء القوم في المشرق والمغرب، ولكن إن لقيت ~~أبا العباس أعلمته من أمرك مثل الذي أعلمته من أمري. قال: ما أخاف تقصيرك، ~~ثم قال: لست أثق بولد ولا بغيره، ثقتي بك فيما أريد أن أوطده، ms358 تأخذ مفاتيح ~~هذه المدينة، حتى تصبح فتأتي بها ابن هبيرة. فقلت: أنظر ما تصنع في خروجك، ~~أتثق بالقوم؟ قال: نعم، قد جرى بيني وبينهم ما أثق به، وأتاني كتاب أبي ~~العباس بكل ما أحب، وكتاب أبي جعفر. فقلت: يا أبا الربيع، أخاف أن لا يوفي ~~لك. فلما أدهم (2) الليل وانتصف قام فصلى ركعات، ثم أمر غلمانه فحملوا ~~متاعه على أربعة بغال، ثم أخرج أربعة غلمان له، وابنه ثابت على برذون له، ~~ثم خرج وأغلق الباب. فلما انتهى الخبر إلى ابن هبيرة بكى وقال: ما يوثق ~~بأحد بعد زياد بن صالح، وبعد إيثاري إياه، وإكرامي وتفصيلي له، وما صنعت ~~به. قلت: هو هنالك، والله خير لك منه ها هنا. قال: # وترى ذلك؟ قلت: نعم. قال: ثم مشت الكتب والرسل بينهم أي بين أبي جعفر ~~وابن هبيرة حتى صار أمرهم إلى أن بلقاه، ونهض ابن هبيرة إليهم، وتخلى مما ~~بيده لهم. # كتاب الأمان قال: وذكروا أن رجلا من قيس يقال له أبو بكر بن مصعب ~~العقيلي، سعى في كتاب الصلح والأمان عند أبي جعفر، حتى تم له، فأتى ابن ~~هبيرة، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، # PageV02P126 # هذا كتاب من عبد الله بن محمد بن علي أبي جعفر، ولي أمر المسلمين، ليزيد ~~بن هبيرة، ومن معه من أهل الشام والعراق، وغيرهم في مدينة واسط (1) وأرضها، ~~من المسلمين والمعاهدين، ومن معهم من وزرائهم: إني أمنتكم بأمان الله الذي ~~لا إله إلا هو، الذي يعلم سرائر العباد وضمائر قلوبهم، ويعلم خائنة الأعين ~~وما تخفي الصدور، وإليه الأمر كله، أمانا صادقا لا يشوبه غش، ولا يخالطه ~~باطل، على أنفسكم وذراريكم وأموالكم، وأعطيت يزيد بن عمر بن هبيرة، ومن ~~أمنته في أعلى كتابي هذا بالوفاء، بما جعلت لهم من عهد الله وميثاقه، الذي ~~واثق به الأمم الماضية من خلقه، وأخذ عليهم به أمره عهدا خالصا مؤكدا، وذمة ~~الله، وذمة محمد ومن مضى من خلفائه الصالحين، وأسلافه الطيبين التي لا يسع ~~العباد نقضها، ولا تعطيل شئ منها، ولا الاحتقار ms359 بها، وبها قامت السماوات ~~والأرض والجبال، فأبين أن يحملنا، وأشفقن منها، تعظيما لها، وبها حقنت ~~الدماء، وذمة روح الله وكلمته عيسى بن مريم، وذمة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ~~ويعقوب والأسباط، وذمة جبريل وميكائيل وإسرافيل، وأعطيتك ما جعلت له من هذه ~~العهود والمواثيق، ولمن معك من المسلمين، وأهل الذمة بعد استثماري فيما ~~جعلت لك منه عبد الله بن محمد أمير المؤمنين أعز الله نصره، وأمر بإنفاذه ~~لكم، ورضي به، وجعله لكم وعلى نفسه، وتسليم ذلك من قبله من وزرائه وقواده، ~~وأنصار الحق من شيعته، من أهل خراسان، فأنت وهم آمنون بأمان الله، ليس عليك ~~حد، ولا تؤاخذ بذنب أتيته، وكنت عليه في خلاف أو مناوأة، أو قتل أو زلة، أو ~~جرم أو جناية، أو سفك دماء خطأ أو عمدا، أو أمر سلف منك أو منهم، صغيرا أو ~~كبيرا في سر أو علانية، ولا ناقض عليك ما جعلت لك من أماني هذا، ولم أخنك ~~فيه، ولا ناكث عنه، وأذنت لك في المقام في المدينة الشرقية إلى الأجل الذي ~~سألت، ثم اسلك حيث بدا لك من الأرض آمنا مطمئنا، مكلوءا (2) أنت ومن سألته ~~أن يؤذن له في المسير معك. ومن تبعك، وأهل بيتك. والخمس مئة رجل على ما ~~سألت من دوابهم وسلاحهم، ولباس البياض لا يخافون غدرا، ولا إخفارا (3) بك ~~حيث أحببت، من بر أو بحر، وانزل حيث شئت من الأرض إلى أن تنتهي إلى منزلك ~~من أرض الشام، فأنت آمن بأمان الله، ممن مررت بهم من عمالنا # PageV02P127 # ومسالحنا (1) ومراصدنا، ليس عليك شئ تكرهه في سر ولا علانية، ولك الله ~~الذي لا إله إلا هو، لا ينالك من أمر تكرهه في ساعة من ساعات الليل ~~والنهار، ولا أدخل لك في أماني الذي ذكرت لك غشا ولا خديعة ولا مكرا. ولا ~~يكون مني في ذلك دسيس بشئ مما تخافه على نفسك؟ ولا خديعة في مشرب، ولا مطعم ~~ولا لباس، ولا أضمر لك عليه نفسي إلى ارتحالك من مدينة واسط إلى دخولك على ~~عسكري، والغدو والرواح ms360 إذا بدا لك، والدخول أي ساعات من ساعات الليل ~~والنهار أحببت، فاطمئن إلى ما جعلت لك من الأمان، والعهود والمواثيق، وثق ~~بالله وبأمير المؤمنين فيما سلم منه، ورضي به، وجعلته لك ولمن معك على ~~نفسي، ولك علي الوفاء بهذه العهود والمواثيق والذمم، أشد ما أخذه الله ~~وحرمه. وما أنزل الله تبارك وتعالى على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، فإنه ~~جعله كتابا مبينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ونورا وحجة على ~~العباد، حتى ألقى الله وأنا عليه، وأنا أشهد الله وملائكته ورسله، ومن قرئ ~~عليه كتابي هذا من المسلمين والمعاهدين بقبول هذه العهود والمواثيق، ~~وإقراري بها على نفسي وتوكيدي فيها، وعلى تسليمي لك ما سألت ولا يغادر (2) ~~منها شئ، ولا ينكث عليك فيها، وأدخلت في أمانك هذا جميع من قبلي من شيعة ~~أمير المؤمنين من أهل خراسان، ومن لأمير المؤمنين عليه طاعة من أهل الشام ~~والحرب وأهل الذمة، وجعلت لك أن لا ترى مني انقباضا ولا مجانبة ولا ازورار ~~(3)، ولا شيئا تكرهه في دخولك علي إلى مفارقتك إياي، ولا ينال أحدا معك أمر ~~يكرهه، وأذنت لك ولهم في المسير والمقام، وجعلت لهم أمانا صحيحا، وعهدا ~~وثيقا، وإن عبد الله بن محمد إن نقض ما جعل لكم في أمانكم هذا، فنكث أو غدر ~~بكم أو خالف إلى أمر تكرهه، أو تابع على خلافه أحدا من المخلوقين في سر أو ~~علانية، أو أضمر لك في نفسه غير ما أظهر لك، أو أدخل عليك شيئا في أمانه، ~~وما ذكر لك من تسليم أمير المؤمنين أو التماس الخديعة والمكر بك، وإدخال ~~المكروه عليك، أو نوى غير ما جعل لك من الوفاء لك به، فلا قبل الله منه ~~صرفا ولا عدلا (4)، وهو برئ من محمد بن علي وهو يخلع أمير المؤمنين، ويتبرأ ~~من طاعته، وعليه ثلاثون حجة يمشيها من موضعه الذي هو به من مدينة واسط إلى ~~بيت الله # PageV02P128 # الحرام الذي بمكة حافيا راجلا وكل مملوك يملكه من اليوم إلى ثلاثين ms361 حجة ~~بشراء أو هبة أحرار لوجه الله، وكل امرأة له طالق ثلاثا، وكل ما يملكه من ~~ذهب أو فضة أو متاع أو دابة أو غير ذلك، فهو صدقة على المساكين، وهو يكفر ~~بالله وبكتابه المنزل على نبيه، والله عليه بما وكد (1)، وجعل على نفسه في ~~هذه الإيمان راع وكفيل، وكفى بالله شهيدا. # قالوا: وكان من رأي أبي جعفر الوفاء لابن هبيرة وأصحابه. # قدوم ابن هبيرة على أبي العباس قال: وذكروا أن ابن هبيرة وأصحابه لما ~~جاءهم الكتاب بالأمان، ترددوا فيه أربعين يوما يتدبرونه، ويستخيرون الله في ~~الخروج إليهم، ثم عزم الله له في القدوم على أبي العباس وأبي جعفر، وكان ~~أبو مسلم كثيرا ما كتب لأبي العباس إنه قل طريق سهل يلقى فيه حجارة إلا أضر ~~ذلك بأهله، ولا والله يصلح طريق فيه ابن هبيرة وأصحابه، وكان أبو الجهم بن ~~عطية عين أبي مسلم على أبي العباس فكان يكتب إليه بالأخبار، وكان أبو ~~العباس لا يقطع أمرا دون رأي أبي مسلم، وقد كان ابن هبيرة في تلك الأربعين ~~ليلة يجمع لذلك الكتاب ممن يعبر الكلام والفقه طرفي النهار، فيترددون فيه، ~~حتى بلغوا فيه الغاية التي يريدون، ثم خرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في ألف ~~وثلاث مئة. فلما قدم أراد أن يدخل دار الإمارة على دابته. فقام الآذن فقال: ~~مرحبا بك أبا خالد، انزل راشدا، وقد طاف بالدار يومئذ نحو من عشرة آلاف رجل ~~من أهل خراسان، متلئمين في السلاح، أعينهم تزهو من تحت المغافر (2)، على ~~عواتقهم السيوف مشهورة، وعمد الحديد بأيديهم. فأتى ابن هبيرة بوسادة، فطرحت ~~له، فجلس عليها، ثم دعا الحاجب بالقواد، فدخلوا على أبي جعفر، ثم خرج سلام ~~بن سلام فقال: # ادخل يا أبا خالد. قال: ومن معي؟ قال: إنما استأذنت لك، فدخل، فوضعت له ~~وسادة فجلس، فحدثه أبو جعفر طويلا ثم نهض فركب، فأتبعه أبو جعفر بصره حتى ~~انصرف. # قتل ابن هبيرة قال: وذكروا أن أبا العباس كتب إلى أبي جعفر: أن اقتل ابن ~~هبيرة، فراده ms362 أبو جعفر بالكتاب. فكتب إليه أبو العباس: والله لتقتلنه أو ~~لأبعثن إليك من يخرجه من عندك، ويتولى # PageV02P129 # ذلك عليك. وكان ابن هبيرة إذا ركب إلى أبي جعفر، ركب في ثلاث مئة فارس، ~~وخمس مئة راجل، فقدم يزيد بن حاتم على أبي جعفر، فقال: أصلح الله الأمير، ~~ما ذهب من سلطان ابن هبيرة شئ، يأتينا فيتضعضع (1) به العسكر. فقال أبو ~~جعفر، يا سلام قل لابن هبيرة لا يركب في مثل تلك الجماعة، وليأتينا في ~~حاشيته. قال عدي: فأصبحنا، فخرج ابن هبيرة أيضا في مثل تلك الجماعة الذين ~~كانوا يركبون معه، فخرج إليه سلام فقال: يقول لك الأمير ما هذه الجماعة؟ لا ~~تسيرن إلا في حاشيتك، فتغير وجه ابن هبيرة. فلما أصبح أتى في نحو من ثلاثين ~~رجلا قال له سلام: كأنك إنما تأتينا مباهيا. فقال ابن هبيرة: إن أحببتم أن ~~نمشي إليكم فعلنا. # فقال سلام: ما نريد بذلك استخفافا بك، ولكن أهل العسكر إذا رأوا جماعة من ~~معك غمهم ذلك، فكان هذا من الأمير نظرا لك، فمكث طويلا جالسا في الرواق. ~~فقيل له: إن الأمير يحتجم، فانصرف راشدا، فلم يزل يركب يوما ويقيم آخر، لا ~~يجئ إلا في رجلين أو غلامه، وقد ختموا على الخزائن وبيوت الأموال، وجعل ~~القواد يدخلون على أبي جعفر فيقولون: # ما تنتظر به؟ فيقول: ما أريد إلا الوفاء له حتى إذا اجتمع أمرهم على ~~قتلته، بعث إلى الحسين بن قحطبة فأتاه. فقال: لو سرت إلى هذا الرجل فأرحتنا ~~منه. فقال: لا نريد ذلك، ولكن ابعث إليه رجلا من قومه من مضر حتى يقتله، ~~فتتفرق كلمتهم عند ذلك، فدعا حازم بن خزيمة، والهيثم بن شعبة. قال لهم أبو ~~جعفر: ائتوا إلى ابن هبيرة فجددوا على بيوت المال الختم، وعلى الخزائن، ~~وبعث معهما من المضرية والقيسية أن يحضروا الإذن، وأريحونا من الرجل، ~~ففعلوا، ثم دخلوا رحبة القصر في مئة رجل، فأرسلوا إلى ابن هبيرة: إنا نريد ~~حمل ما بقي في الخزائن. فقال: ادخلوا، فدخلوا الخزائن فطافوا بها ساعة، ~~وجعلوا ms363 يخلفون عند كل باب عدة حتى دخلوا عليه. فقالوا: أرسل معنا من يدلنا ~~على المواضع وبيوت الأموال. فقال: يا عثمان أرسل معهم من يريدون، فطاف حازم ~~وأصحابه في القصر ساعة، وابن هبيرة عليه قميص له مصرى، وملاءة موردة، وهو ~~مسند ظهره إلى حائط المسجد في رحبة القصر، ومعه ابن داود، وحاجبه، وكاتبه ~~عمر بن أيوب، وعدة من مواليه وبنيه، وفي حجر ابن هبيرة ولد صغير. فلما ~~توثقوا من كل شئ أقبلوا نحوه، فلما رآهم قد أقبلوا إليه قال: والله إن في ~~وجوه القوم لشرا. فلما دنوا منه قام أبو عثمان فقال: ما وراءكم؟ فنضحه ~~الهيثم بالسيف، فأصاب حبل عاتقه، فصرعه، وقام ابنه داود فقاتل، فتفرقوا ~~عليه فقتلوه ومواليه، ثم مضوا نحو ابن هبيرة فخر ساجدا، وقال: # PageV02P130 # ويحكم! نحوا عني هذا الصبي لا يرى مصرعي. قال: فضرب حتى مات ساجدا، ثم ~~أخذوا رؤوسهم فأتوا بها أبا جعفر، ونادى المنادي بواسط: أمن الأمير خلق ~~الله جميعا إلا الحكم بن بشر، وعمرو بن ذر. قال: فضاقت علي والله الأرض بما ~~رحبت حتى خرجت، على دابتي ما لي هجير (1) إلا آية الكرسي أتلوها، والله ما ~~عرض لي أحد حتى تواريت، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله ابن ~~العباس فأمنه، وهرب الحكم بن عبد الله بن بشر إلى عسكره، وضاقت بخالد بن ~~مسلمة الأرض حتى أتى أبا جعفر، فاستأذن عليه فأمنه. وبلغ ذلك أبا العباس. ~~فكتب إلى أبي جعفر: والله لو كانت له ألف نفس لأتيت عليها، اضرب عنقه، فهرب ~~أبو علافة الفزاري، وهشام بن هبيرة، وصفوان بن يزيد، فلحقهم سعد بن شعيب ~~فقتلهم، وقبض على أصحاب ابن هبيرة، فقتل من وجوههم نحوا من خمسين، ثم أمن ~~الناس جميعا، ونادى منادي أبي جعفر: من أراد أن يقيم فليقم بالجابية (2)، ~~ومن أحب أن يشخص فليشخص، وهرب القعقاع بن ضرار وحميد وعدة، حتى أتوا زياد ~~بن عبد الله، فاستأمن لهم، فأمنوا جميعا، وقوى ملك بني العباس، واستقرت ~~قواعده. فلما قتل ابن هبيرة، ونودي ms364 في أهل الشام: ألحقوا شامكم، فلا حاجة ~~لنا بكم، فسار أهل الشام حتى قدموا الكوفة، منهم من قدم، ومنهم من أخذ على ~~عين التمر (3)، ومنهم من أخذ على طريق المدائن (4)، ثم لحقوا بالشام على ~~طريق الفرات. واستعمل أبو جعفر على واسط ومن فيها الهيثم بن زياد، وخلف معه ~~خيلا، ثم انصرف أبو جعفر إلى أبي العباس، وهو يومئذ بالحيرة (5)، ثم وجه ~~داود بن علي إلى الحجاز، فقتل من ظفر به من بني أمية وغيرهم، فتوجه إلى ~~المثنى بن زياد بن عمر بن هبيرة باليمامة، فقتله وأصحابه، ثم تبعهم محمد بن ~~عمارة، وكان على الطائف فقتلهم، وتحول أبو العباس من الحيرة إلى الأنبار ~~(6)، فأمر أبو العباس برأس ابن هبيرة فوضع بالحيرة على خشبة، ومعه غيره من ~~عمال مروان، وبها رفع رأس مروان بن محمد، وعن يمينه رأس ثعلبة بن سلامة، ~~ورأس عثمان بن أبي شعيب عن يساره، وانقطعت شيعة بني أمية، وطلبوا تحت كل ~~حجر ومدر. # PageV02P131 # اختلاف أبي مسلم على أبي العباس قال: وذكروا لنا أن أبا مسلم كتب إلى أبي ~~العباس يستأذنه في القدوم عليه فقدم عليه، فتلقاه الناس جميعا، ومعه القواد ~~والجماعة، والخيل والنجائب، ثم استأذن أبا العباس في الحج، فقال: لولا أن ~~أبا جعفر يحج لاستعملتك على الموسم. واستعمل أبا جعفر على الموسم، فقال أبو ~~جعفر لأبي العباس: أطعني واقتل أبا مسلم، فوالله إن في رأسه لغدرة. فقال ~~له: أي أخي، قد عرفت بلاءه. وما كان منه. فقال أبو جعفر: هو أخطأ بذلك، ~~والله لو بعثت سنورا مكانه لبلغ ما بلغ في ميل الدولة. قال أبو العباس: كيف ~~تقتله؟ قال: إذا دخل عليك فحادثه، فإذا أقبل عليك دخلت فأتيت من خلفه، ~~فضربته ضربة آتى منها على نفسه. # فقال أبو العباس: أي أخي، فكيف تصنع بأصحابه الذين يؤثرونه على أنفسهم ~~ودينهم؟ # قال: يؤول ذلك إلى خير، وإلى ما تريد. قال: يا أخي، إني أريد أن تكف عن ~~هذا. # فقال أبو جعفر: أخاف إن لم تتغده (1) يتعشاك. فقال أبو العباس: ms365 فدونكه يا ~~أخي. قال: # وكان مع أبي مسلم من أهل خراسان عشرة آلاف، قد قدم بهم، يأخذون العطاء ~~عند غرة كل شهر، أوفر ما يكون من الأرزاق سوى الأعاجم. فلما دخل أبو مسلم ~~على أبي العباس، دعا أبو العباس خصيا له. فقال: إذهب فاعرف ما يصنع أبو ~~جعفر، فأتاه فوجده محتفيا بسيفه. فقال أبو جعفر: أجالس أمير المؤمنين، فقال ~~الوصيف: قد تهيأ للجلوس، ثم رجع الوصيف فذكر ذلك لأبي العباس، فرده أيضا ~~إلى أبي جعفر، وقال: # قل له: عزمت عليك أن لا تنفذ الأمر الذي عزمت عليه، فكف عن ذلك. فسار إلى ~~مكة حاجا وللموسم. وخرج أبو مسلم، فكان إذا كتب إلى أبي جعفر يبدأ بنفسه، ~~ثم يكتب إليه: لا يهولنك ما في صدر الكتاب، فإني لك بحيث تحب، ولكني أحب أن ~~يعلم أهل خراسان أن لي منزلة عند أمير المؤمنين. # كتاب أبي مسلم إلى أبي جعفر وقد هم أن يخلع ويخالف قال: وذكروا أن أبا ~~مسلم لما رجع من عند أبي العباس، وقد قيل له بالعراق إن القوم أرادوك، لولا ~~توقعوا ممن معك من أهل خراسان، فلما كان في بعض الطريق كتب إلى أبي جعفر: ~~أما بعد، فإني كنت اتخذت أخاك إماما ودليلا على ما افترض الله على خلقه، ~~وكان في محله من العلم، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وآله بحيث كان، ~~فقمعني # PageV02P132 # بالفتنة، واستجهلني بالقرآن، فحرفه عن مواضعه، طمعا في قليل قد نعاه الله ~~إلى خلقه، فمثل لي الضلالة في صورة الهدى، فكان كالذي دلى بغرور، حتى وترت ~~(1) أهل الدين والدنيا في دينهم، واستحللت بما كان من ذلك من الله النقمة، ~~وركبت المعصية في طاعتكم، وتوطئة سلطانكم، حتى عرفكم من كان يجهلكم، وأوطأت ~~غيركم العشواء (2) بالظلم والعدوان، حتى بلغت في مشيئة الله ما أحب. ثم إن ~~الله بمنه وكرمه أتاح لي الحسنة، وتداركني بالرحمة، واستنقذني بالتوبة، فإن ~~يغفر فقديما عرف بذلك، وإن يعاقب فبما قدمت يداي، وما الله بظلام للعبيد. # فكتب إليه أبو جعفر: يا عم، ms366 أروم ما رمت، وأزول حيث زلت، ليس لي دونك ~~مرمى، ولا عنك مقصر (3)، الرأي ما رأيت، إن كنت أنكرت من سيرته شيئا، فأنت ~~الموفق للصواب، والعالم بالرشاد، أنا من لا يعرف غير يدك، ولم يتقلب إلا في ~~فضلك، فأنا غير كافر بنعمتك، ولا منكر لإحسانك لا تحمل علي إصر غيري، ولا ~~تلحق ما جناه سواي بي، إن أمرتني أشخص إليك، وألحق بخراسان فعلت. الأمر ~~أمرك. والسلطان سلطانك، والسلام. # موت أبي العباس واستخلاف أبي جعفر قال: وذكروا أن أبا جعفر لما انقضى ~~الموسم، وانصرف راجعا: جاءه موت أبي العباس وكان بينه وبين أبي مسلم مرحلة. ~~فكتب إلى أبي مسلم: إنه قد حدث حدث ليس مثلك غائب عنه، فالعجل العجل. قال ~~إسحاق بن مسلم: فقلت لأبي جعفر وأنا أسايره، ونحن مقبلون من مكة: أيها ~~الرجل، لا ملك لك، ولا سلطان مع هذا العبد. فقال أبو جعفر: ظهر غشك، وبدا ~~منك ما كنت تكتم، بأبي مسلم يفعل هذا؟ قلت: نعم، فإني أخاف عليك منه يوم ~~سوء فقال: كذبت. قال إسحاق: فسكت ثم لقيته بعد ذلك من الغد، ولا والله ما ~~عرفتها فيه، وعاودني بمثل كلامه الأول، فقلت له: أكثر أو أقل، إن لم تقتله ~~والله يقتلك. قال: فهل شاورت في هذا أحدا؟ قلت: لا، قال: اسكت، فسكت. فقدم ~~الكوفة، فإذا عيسى بن موسى قد سبقه إلى الأنبار، وغلب على المدينة ~~والخزائن، وبيوت الأموال والدواوين، وخلع # PageV02P133 # عبد الله، وتوثب على أبي جعفر، ودعا أهل خراسان فألحقهم باليمن، وجعل لهم ~~الجعائل (1) الجليلة، والعطايا الجزيلة، فلما قدم أبو جعفر، سلم الأمر ~~لعيسى بن موسى، وتوثب عبد الله ابن علي على أهل خراسان بالشام، فقتلهم ودعا ~~إلى نفسه، وأتاه أبو غانم عبد الحميد بن ربعي. # فقال: إن أردت أن يصفو لك الأمر فاقتل أهل خراسان، وابدأ بي. فلما قدم ~~أبو جعفر من مكة قال لأبي مسلم: إنما هو أنا وأنت، والأمر أمرك، فامض إلى ~~عبد الله بن علي وأهل الشام. # فلما سار إليه أبو مسلم، سار معه ms367 القواد وغيرهم، فلقى عبد الله بن علي ~~وأهل الشام فهزمهم، وأسر عبد الله بن علي، وبعث به إلى أبي جعفر، فاستنكر ~~أبو جعفر قعود أبي مسلم عنه، فبعث إليه يقطين بن موسى ورجلا معه على القبض ~~(2). فقال أبو مسلم: # لا يوثق بي بهذا ونحوه فوثب وشتم، وقال قولا قبيحا. فقال له يقطين بن ~~موسى: # جعلت فداك، لا تدخل الغم على نفسك، إن أحببت رجعت إلى أمير المؤمنين، ~~فإنه إن علم أن هذا يشق عليك لم يدخل عليك مركوها. ثم قدم أبو جعفر من ~~الأنبار حتى قدم المدائن، وخرج أبو مسلم فأخذ طريق خراسان مخالفا لأبي ~~جعفر. فكتب إليه أبو جعفر: قد أردت مذاكرتك في أشياء لم تحملها الكتب، ~~فأقبل فإن مقامك عندنا قليل. فلم يلتفت أبو مسلم إلى كتابه. فبعث إليه أبو ~~جعفر: جرير ابن يزيد بن جرير بن عبد الله البجلي، وكان أبو مسلم يعرفه. ~~فقال له: أيها الأمير، ضربت الناس عن عرض لأهل هذا البيت، ثم تنصرف على مثل ~~هذه الحال، إن الأمر عند أمير المؤمنين لم يبلغ ما تكره، ولا أرى أن تنصرف ~~على هذه الحال، فيقول أبو مسلم: ويحك إني دليت بغرور (3)، وأخاف عدوه (4). # قتل أبي مسلم قال: وذكروا أن جريرا لم يزل بأبي مسلم حتى أقبل به، وكان ~~أبو مسلم يقول: والله لأقتلن في الروم، فأقبل منصرفا، فلما قدم على أبي ~~جعفر وهو يومئذ بالرومية من المدائن، أمر الناس يتلقونه، وأذن له فدخل على ~~دابته، ورحب به وعانقه، وأجلسه معه على السرير، # PageV02P134 # وقال له: كدت أن تخرج ولم أفض إليك بما تريد. فقال: قد أتيت يا أمير ~~المؤمنين، فليأمرني بأمره. قال: انصرف إلى منزلك، وضع ثيابك وادخل الحمام، ~~ليذهب عنك كلال السفر، وجعل أبو جعفر ينتظر به الفرصة، فأقام أياما يأتي ~~أبا جعفر كل يوم، فيريه من الاكرام ما لم يره قبل ذلك، حتى إذا مضت له أيام ~~أقبل على التجني. فأتى أبو مسلم إلى عيسى بن موسى، فقال: اركب معي إلى أمير ~~المؤمنين، فإني ms368 قد أردت عتابه بمحضرك. فقال عيسى: أنت في ذمتي، فأقبل أبو ~~مسلم، فقيل له: ادخل. فلما صار إلى الزقاق الداخلي، قيل له إن أمير ~~المؤمنين يتوضأ، فلو جلست؟ فجلس، وأبطأ عيسى بن موسى عليه، وقد هيأ له أبو ~~جعفر عثمان بن نهيك، وهو على حرسه في عدة، فيهم شبيب بن رياح، وأبو حنيفة ~~حرب بن قيس، فتقدم أبو جعفر إلى عثمان فقال له: إذا عاتبته فعلا صوتي فلا ~~تخرجوا. وجعل عثمان وأصحابه في ستر خلف أبي مسلم في قطعة من الحجرة، وقد ~~قال أبو جعفر لعثمان بن نهيك: إذا صفقت بيدي فدونك يا عثمان. فقيل لأبي ~~مسلم: أن قد جلس أمير المؤمنين، فقام ليدخل، فقيل له: انزع سيفك فقال: ما ~~كان يصنع بي هذا. فقيل: وما عليك؟ فنزع سيفه، وعليه قباء أسود، وتحته جبة ~~خز، فدخل فسلم، وجلس على وسادة ليس في المجلس غيرها، وخلف ظهره القوم خلف ~~ستر. فقال أبو مسلم: صنع بي يا أمير المؤمنين ما لم يصنع بأحد، نزع سيفي من ~~عنقي. قال: ومن فعل ذلك قبحه الله؟ ثم أقبل يعاتبه، فعلت وفعلت، فقال: يا ~~أمير المؤمنين، لا يقال مثل هذا لي على حسن بلائي، وما كان مني؟ فقال له ~~أبو جعفر: يا بن الخبيثة، والله لو كانت أمة أو امرأة مكانك لبلغت ما بلغت ~~في دولتنا، ولو كان ذلك ذلك إليك ما قطعت فتيلا. ألست الكاتب إلي تبدأ ~~بنفسك، والكاتب إلي تخطب آمنة ابنة علي ابن عمي، وتزعم أنك أبو مسلم بن ~~سليط بن عبد الله بن العباس، لقد ارتقيت، لا أم لك، مرتقى صعبا. قال: وأبو ~~جعفر ترعد يده، فلما رأى أبو مسلم غضبه قال: يا أمير المؤمنين، لا تدخل على ~~نفسك هذا الغم من أجلي، فإن قدري أصغر مما بلغ منك هذا. فصفق أبو جعفر ~~بيده، فخرج عثمان بن نهيك، فضربه ضربة خفيفة فأومأ أبو مسلم إلى رجل أبي ~~جعفر يقبلها ويقول: # أنشدك الله يا أمير المؤمنين، استبقني لأعدائك، فدفعه برجله وضربه شبيب ~~على ms369 حبل العاتق (1)، فأسرعت فيه، فقال أبو مسلم: وانفساه: ألا قوة؟ ألا ~~مغيث؟ وصاح أبو جعفر: # أضرب لا أم لك، فاعتوره القوم بأسيافهم فقتلوه، فأمر به أبو جعفر، فكفن ~~بمسح (2)، # PageV02P135 # ثم وضع في ناحية، ثم قيل: إن عيسى بن موسى بالباب، فقال: أدخلوه. فلما ~~دخل قال: # يا أمير المؤمنين، فأين أبو مسلم؟ قال: كان ها هنا آنفا فخرج. فقال عيسى: ~~يا أمير المؤمنين قد عرفت طاعته ومناصحته، ورأى إبراهيم الإمام فيه. قال له ~~أبو جعفر: يا أنوك (1) والله ما أعرف عدوا أعدى لك منه: ها هو ذا في ~~البساط. فقال عيسى إنا لله وإنا إليه راجعون، فأقبل إسحاق صاحب شرطته قال: ~~إنما كان أبو مسلم عبد أمير المؤمنين وأمير المؤمنين أعلم بما صنع. # فأمر أبو جعفر برأسه، فطرح إلى من بالباب من قواد أبي مسلم، فجالوا جولة، ~~وهموا أن يبسطوا سيوفهم على الناس، ثم ردهم عن ذلك انقطاعهم من بلادهم ~~وتغربهم وإحاطة العدو بهم، فبعضهم اتكأ على سيفه فمات، وبعضهم ناصب وأراد ~~القتال. فلما نظر أبو جعفر إلى ذلك، أمر بالعطاء لأصحاب أبي مسلم، وأجزل ~~الصلات للقواد والرؤساء منهم، ثم عهد إليهم أن من أحب منكم أن يكون معنا ها ~~هنا، نأمر بإلحاقه في الديوان، في ألف من العطاء، ومن أحب أن يلحق بخراسان ~~كتبناه في خمس مئة ترد عليه في كل عام وهو قاعد في بيته. # قال: فكأنها نار طفئت. فقالوا: رضينا يا أمير المؤمنين كل ما فعلت، فأنت ~~الموفق. فمنهم من رضى بالمقام معه، ومنهم من لحق بخراسان. # ثورة عيسى بن زيد بن علي بن الحسين قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قتل أبا ~~مسلم، واستولى على ملك العراقين (2) والشام، والحجاز، وخراسان، ومصر، ~~واليمن، ثار عليه عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب، ~~فقاتله فيما بين الكوفة وبغداد، ولقيه في جموع كثيرة، نحوا من عشرين ومئة ~~ألف، فأقام أياما يقاتله في كل يوم، حتى هم أبو جعفر بالهزيمة، وركب فرسه ~~ليهرب، ثم جعل يشجع ms370 أصحابه، ويعدهم بالعطايا الواسعة، والصلات الجزيلة، ~~فقاتلوا، ثم إن أبا جعفر غلبته عيناه وهو على فرسه، فرأى في نومه أنه يمد ~~يديه ورجليه على الأرض. فاستيقظ ودعا عبارا كان معه، فأخبره بما رأى. فقال ~~له: أبشر يا أمير المؤمنين فإن سلطانك ثابت، وسيليه بعدك جماعة من ولدك، ~~وهذا الرجل منهزم، فما كان بأسرع من أن نظر إلى عيسى ابن زيد منهزما. # PageV02P136 # هروب مالك بن الهيثم وذكروا أن مالك بن الهيثم خرج هاربا حتى أتى همدان، ~~وعليها يومئذ زهير بن التركي مولى خزاعة، فكتب إليه أبو جعفر: إن الله مهرق ~~دمك إن فاتك مالك، فجاء زهير بن التركي إلى مالك بن الهيثم، فقال له: جعلت ~~فداك، قد أعددت لك طعاما، فلو أكرمتني بدخولك منزلي. فقال له: نعم، وكان قد ~~هيا له زهير أربعين رجلا، فلما دخل مالك قال لزهير: # عجل طعامك، وقد توثق زهير من الباب، وهيأ أصحابه، فخرج عليه الأربعون، ~~فشدوه وثاقا، ثم وضعوا القيود في رجله، ثم قال: أبا نصر، جعلت فداك، والله ~~ما عرفت هذه الدعوة حتى أدخلتني فيها ودعوتني إليها، فما الذي يخرجك منها، ~~والله ما أخليك حتى تزور أبا جعفر، فبعث به إليه، فعفا عنه أبو جعفر، وولاه ~~الموصل. # قال الهيثم: وكان يقال: إن عبد الملك بن مروان كان أحزم بني أمية، وإن ~~أبا جعفر كان أحزم بني العباس، وأشدهم بأسا، وأقواهم قلبا، ألا ترى أن عبد ~~الملك قتل عمرو بن سعيد في داخل قصره، وأبوابه مغلقة، وأبو جعفر قتل أبا ~~مسلم في داخل سرادقه، وليس بينه وبين أهل خراسان إلا خرقة؟ وقال الهيثم: ~~ذكر ابن عياش أن أبا جعفر قال لحاجبه عيسى بن روضة تقدم إلى كل من دخل أن ~~لا يذكر أبا مسلم في شئ من كلامه. قال ابن عياش فاغتممت لذلك، فوقفت له خلف ~~ستر، ومر راكبا مع هشام بن عمرو وعبد الله، فلما طلع عمر بن عبد الرحمن ~~صاحب شرطته وبيده الحربة ركبت. قال أبو الجراح مالك؟ فقلت: أسلم على أمير ~~المؤمنين. ms371 # قال: دونك فدنوت والنهر بيني وبينه. فقلت: يا أمير المؤمنين هنيئا لك ~~وقفة أقعدت كل قائم. # فقال بيده (1) على فيه ولم يلتفت كالكاره لما سمع، وأقبل على صاحبيه. قال ~~ابن عياش: وكان هذا في سنة خمس وأربعين ومئة، ثم انصرف أبو جعفر إلى ~~الحيرة، ومعه عمه عبد الله بن علي في غير وثاق، وعليه الأحراس، وقد هيأ له ~~أبو جعفر بيتا، فحبسه فيه، فلما قدم به قيل: # إنه سمه. قال الهيثم: بل كان أساس البيت الذي حبسه فيه من لبن، والحيرة ~~كثيرة السواقي، ندية الأرض. فيقال: إنه أمر من الليل بجدول، فسرح حول البيت ~~فتهدم عليه فمات. قال ابن عياش: أقبل رجل من همدان إلى أبي جعفر في وفد من ~~العرب فدخلوا عليه، فلما خرجوا وفاتوا بصره، قال للآذن: علي بالهمداني، ~~فلما مثل بين يديه قال له: يا أخا همدان، أخبرني عن خليفة اسمه على عين (2) ~~قتل ثلاثة، أسماؤهم على عين. فقال الهمداني: نعم يا أمير المؤمنين # PageV02P137 # عبد الملك ابن مروان قتل عمرو بن سعيد الأشدق، اسمه على عين، وعبد الله ~~بن الزبير، وعبد الرحمن بن محمد الأشعث، وأنت يا أمير المؤمنين اسمك على ~~عين، وقتلت عبد الرحمن بن مسلم أبا مسلم، أول اسمه على عين، وعبد الجبار ~~الخولاني، وسقط البيت على عمك عبد الله. # فقال: وما يدخل سقوط البيت على عمي لا أم لك. ثم استعمل أبو جعفر على ~~خراسان أسيد ابن عبد الله الخزاعي، وأمره بتطلب عمال أبي مسلم، ثم عفا ~~عنهم، ثم عزل الخزاعي وولى أبا عون عبد الملك بن يزيد، ثم ولى بعد أبي عون ~~حمد بن قحطبة، ثم ولى المسير بن زهير حتى مات أبو جعفر المنصور. # قصة سابور ملك فارس قال: وذكروا أن أبا جعفر دعا إسحاق بن مسلم العقيلي، ~~فقال له: حدثني عن الملك الذي كنت حدثتني عنه بحران. فقال: نعم أكرمك الله، ~~أخبرني أبي عن حصين بن المنذر: أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور الأكبر، ~~كان له وزير ناصح، قد ms372 أخذ أدبا من آداب الملوك، وشاب ذلك بفهم في الدين، ~~فانتصف من أهلها فعلا ولسنا (1)، فوجهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا ~~قوما يعظمون الدنيا جهالة بالدين، واستكانة لحب الدنيا، وذلا لجبابرتها، ~~فجمعهم على كلمة من الهدى يكيد بها مطالب الدنيا، واعتز بقتل ملوكهم، ~~وتخوله إياهم (2)، وكان يقال: لكل ذليل دولة، ولكل ضعيف صولة. فلما استوثقت ~~له البلاد، جعل إليه سابور أمرهم، وأحال عليه طاعتهم، فساس قوما لا يرامونه ~~إلى ما سبق إليه قبلهم، فلم ينتصف سابور من طاعتهم، واستمالة أهوائهم، مع ~~ما لا يأمن من زوال القلوب، وغدرات الوزراء، فاحتال على قطع رجائه عن ~~قلوبهم، فصمم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فقتله، ~~فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الفرقة وتخطف الأعداء، ونأى ~~(3) الرجعة واليأس من صاحبهم، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور، ~~ويتعوضوه (4) من الفتنة، فملكهم ثمانين عاما. # فأطرق أبو جعفر مليا، ثم قال متمثلا: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا * وما علم الإنسان إلا ليعلما # PageV02P138 # خروج شريك بن عون على أبي جعفر وخلعه قال: وذكروا أن أبا جعفر لما ~~استقامت له الأمور، واستولى على الملك، خرج عليه شريك بن عون الهمداني ~~وقال: ما على هذا بايعتك، ولا بايعنا آل محمد على أن تسفك الدماء وأن ~~يعملوا بغير الحق، فخالف أبا جعفر، وتبعه أكثر من ثلاثين ألفا، فوجه إليه ~~أبو جعفر زياد بن صالح الخزاعي، فقاتله شهورا، ونهى أبو جعفر أن يسبى أحد ~~منهم، أو يقتل أحد من رجالهم، لأنه كان فيهم قوم أخيار ورجال أشراف، وكان ~~خروجهم ديانة وإنكارا للدماء، وللعمل بغير الحق، فلذلك لم يقتلوا. وكتب ~~إليهم: وإن عدتم عدنا، وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا، وقد عفونا عنكم مرتكم ~~هذه، فالله الله على دمائكم احقنوها. # اجتماع شبيب بن شيبة مع أبي جعفر قبل ولايته وبعدها قال: وذكروا أن شبيب ~~بن شيبة قال: حججت عام هلك هشام بن عبد الملك، فبينما أنا مريح (1) ناحية ~~المسجد، إذ طلع علي من بعض أبوابه ms373 فتى أسمر، رقيق السمرة، موفر اللمة (2)، ~~خفيف اللحية، رحب الجبهة، كأن عينيه لسانان ناطقان، عليه أبهة الأملاك، في ~~زي النساك، تقبله القلوب، وتتبعه العيون، يعرف الشرف في تواضعه، والعفو في ~~صورته، واللب في مشيته فما ملكت نفسي أن نهضت في أثره سائلا عن خبره، فتحرم ~~بالطواف. فلما قضى طوافه قصد المقام ليركع، وأنا أرعاه ببصري، ثم نهض ~~منصرفا، فكأن عينا أصابته، فكبا كبوة دميت منها أصبعه، فدنوت منه متوجعا ~~لما ناله، متصلا به، أمسح عن رجله عفر التراب، فلا يمتنع علي، ثم شققت ~~حاشية ثوبي، فعصبت على رجله، فلم ينكر ذلك، ثم نهض متوكئا علي، وانقدت له ~~حتى أتى بناء بأعلى مكة، فابتدره غلامان، تكاد صدورهما تنفرج من هيبته، ~~ففتحا له الباب، فدخل واجتذبني، فدخلت بدخوله، فخلى يدي، وأقبل على القبلة ~~فصلى ركعتين، ثم استوى في صدر مجلسه، فحمد الله وصلى على نبيه، ثم قال: # لم يخف علي مكانك منذ اليوم، فمن تكون؟ فقلت: شبيب بن شيبة التميمي. ~~فقال: # الأهتمي؟ فقلت: نعم. فرحب وقرب، ووصف بأبين وصف، وأفصح لسان. فقلت: # أصلحك الله، أحب المعرفة، وأجل عن المسألة. فتبسم وقال: بلطف أهل العراق: ~~أنا عبد الله بن محمد بن علي بن عباس، فقلت: بأبي أنت وأمي، ما أشبهك ~~بنسبك، وأدلك على # PageV02P139 # سلفك: وقد سبق إلى قلبي من محبتك ما لا أبلغه بوصفي لك. قال: فأحمد الله ~~يا أخا تميم، فإنا قوم يسعد بحبنا من يحبنا، ويشقى ببغضنا من يبغضنا، ولن ~~يصل الأيمان إلى قلب أحدكم حتى يحب الله ورسوله، ومهما ضعفنا عن جزائه قوي ~~الله على أدائه. فقلت له: أنت توصف بالعلم، وأنا من حملته، وأيام الموسم ~~ضيقة، وشغل أهله كثير، وفي نفسي أشياء أحب أن أسأل عنها، أفتأذن فيها جعلت ~~فداك؟ قال: نحن من أكثر الناس مستوحشون، وأرجو أن تكون للسر موضعا، ~~وللأمانة واعيا، فإن كنت على ما رجوت، فهات على بركة الله. # فقدمت إليه من وثائق الإيمان ما سكن إليه، فتلا قول الله - قل أي شئ أكبر ~~شهادة؟ قل ms374 الله شهيد بيني وبينكم - ثم قال: سل. فقلت: ما ترى في من على ~~الموسم؟ وكان عليه يوسف ابن محمد الثقفي، خال الوليد بن يزيد، فتنفس ~~الصعداء، ثم قال: عن الصلاة خلفه تسأل، أم استنكرت أن يتأمر على آل الرسول ~~من ليس منهم؟ قلت: عن كلا الأمرين أسأل. قال: # إن هذا عند الله عظيم، أما الصلاة، ففرض الله على عباده، فأد فرضه عليك ~~في كل وقت، فإن الذي ندبك لحج بيته ومجاهدة عدوه، وحضور جماعته وأعياده، لم ~~يخبرك في كتابه أنه لا يقبل منك نسكا إلا مع أكمل المؤمنين إيمانا رحمة لك، ~~ولو فعل ذلك بك ضاق الأمر عليك، فأسمح يسمح لك. ثم كررت عليه السؤال، فما ~~احتجت إلى أن أسأل عن أمر ديني أحدا بعده. ثم قلت له: يزعم أهل العلم ~~بالكتاب أنها ستكون لكم دولة لا شك فيها، تطلع مطلع الشمس، وتظهر بظهورها، ~~فأسأل الله خيرها، ونعوذ به من شرها. قال: # فخذ بحظ لسانك ويدك منها إن أدركتها. قلت: أو يتخلف عنها أحد من العرب ~~وأنتم سادتها؟ قال: نعم، قوم يأبون إلا الوفاء لمن اصطنعهم ونأبى إلا طلبا ~~لحقنا، فننصر ويخذلون، كما نصر أولنا بأولهم، وخذل لمخالفتنا من خذل منهم، ~~فاسترجعت. قال: هون عليك الأمر، سنة الله التي قد خلت في عباده، ولن تجد ~~لسنة الله تبديلا، وليس ما يكون منهم بحاجز لنا عن صلة أرحامهم، وحفظ ~~أعقابهم فقلت: كيف تسلم لهم قلوبكم، وقد قاتلوكم مع عدوكم؟ فقال: نحن قوم ~~حبب إلينا الوفاء وإن كان علينا، وبغض إلينا الغدر وإن كان لنا، وإنما يشذ ~~عنا منهم الأقل، فأما أنصار دولتنا، ونقباء شيعتنا، وأمراء جيوشنا فهم ~~ومواليهم معنا، فإذا وضعت الحرب أوزارها صفحنا للمحسن عن المسئ، ووهب للرجل ~~قومه ومن اتصل بأسبابه، فتذهب المثابرة، وتخمد الفتنة، وتطمئن القلوب. ~~فقلت: ويقال: إنه يبتلي بكم من أخلص لكم المحبة. فقال: قد روي أن البلاء ~~أسرع إلى محبينا من الماء إلى قراره. # PageV02P140 # قلت: لم أرد هذا. قال: فما الذي تريد؟ قلت توقعون بالولي ms375 وتحظون (1) ~~العدو. فقال: # من يسعد بنا من الأولياء أكثر، ومن يسلم معنا من الأعداء أقل، إنما نحن ~~بشر، ولا يعلم الغيب إلا الله، وربما استترت عنا الأمور، فنوقع بمن لا ~~نريد، وإن لنا لإحسانا يجازى الله به مداواة ما تكلم (2) ورتق ما تثلم (3) ~~فنستغفر الله بما يعلم، وما أنكر من ألا يكون الأمر على ما بلغك، ومع الولي ~~التعزز والإدلال، والثقة والاسترسال، ومع العدو التحرز والتذلل والاحتيال، ~~وإنك لمسؤول يا أخا بني تميم. قلت: إني أخاف ألا أراك بعد اليوم. # قال: لكن أرجو أن أراك وتراني قريبا إن شاء الله. قلت. عجل الله ذلك، ~~ووهب لي السلامة منكم، فإني محبكم. فتبسم وقال: لا بأس عليك ما أعاذك الله ~~من ثلاثة. قلت: # وما هي؟ قال: قدح في الدين، وهتك للملوك، وتهمة في حرمة، واحفظ عني ما ~~أقول لك: # أصدق وإن ضرك الصدق، وانصح وإن باعدك النصح، ولا تخالطن لنا عدوا وإن ~~أحظيناه فإنه مخذول، ولا تخذلن وليا وإن أقصيناه وأصبحنا بترك المماكرة، ~~وتواضع إذا رفعوك، وصل إذا قطعوك، ولا تستخف فيمقتوك، ولا تنقبض فيحتشموك، ~~ولا تخطب الأعمال (4)، ولا تتعرض للأموال، وأنا رائح من عشيتي هذه، فهل من ~~حاجة؟ فنهضت لوداعه فودعته، ثم قلت: أوقت لظهور الأمر؟ ومتى؟ قال الله ~~الموقت والمنذر، فخرجت من عنده، فإذا مولى له يتبعني، فأتاني بكسوة من ~~كسوته. وقال لي: يأمرك أبو جعفر أن تصلي في هذه، ثم افترقنا، فوالله ما ~~رأيته إلا وحرسيان (5) قابضان علي يدفعانني إلى بيعتي في جماعة من قومي ~~لنبايعه. فلما نظر إلي: أثبتني: وقال للحرسيين: خليا عمن صحت مودته، وتقدمت ~~قبل اليوم حرمته، وأخذت بيعته، فأكبر الناس ذلك من قوله. ثم قال لي: أين ~~كنت أيام أبي العباس أخي؟ فذهبت اعتذر. فقال: أمسك، فإن لكل شئ وقتا لا ~~يعدوه، ولن يفوتك إن شاء الله حظ مودتك، وحق مشايعتك، واختر مني رزقا يسعك، ~~أو خطة (6) ترفعك، أو عملا ينهضك. # PageV02P141 # فقلت: أنا لوصيتك حافظ. فقال: وأنا لها أحفظ، إني إنما نهيتك أن تخطب ~~الأعمال ms376 ولم أنهك عن قبولها إن عرضت عليك. فقلت: الرزق مع قرب أمير ~~المؤمنين أحب إلي. # فقال: وذلك أحب إلي لك، وهو أجم لقلبك وأودع لك، وأعفى إن شاء الله، فهل ~~زدت أحدا في عيالك بعد. وقد كان سألني عنهم فعجبت من حفظه. فقلت: زدت الفرس ~~والخادم، فقال: قد ألحقنا عيالك بعيالنا، وخادمك بخادمنا: ولو لم يسعني ~~حملت لك على بيت المال، فهل تحملك مئتا دينار لكل غرة (1) أو نزيدك؟ فقلت: ~~يا أمير المؤمنين، إن شطرها ليحملني العامين. قال: فإنها لك في كل غرة ~~فاقبضها من عاملي في أي بلد أحببت، وإن شئت فقد ضممتك إلى المهدي، فإنه ~~أفرغ لك مني، وأرضاه لك إن شاء الله. # حج أبي جعفر ولقائه مالك بن أنس وما قال له ذكروا أن أبا جعفر أمير ~~المؤمنين لما استقامت له الأمور، واستولى على السلطان خرج حاجا إلى مكة، ~~وذلك في سنة ثمان وأربعين ومئة. فلما كان بمنى، أتاه الناس يسلمون عليه، ~~ويهنئونه بما أنعم الله عليه، وجاءه رجال الحجاز من قريش وغيرهم، وفقهائهم ~~وعلمائهم، ممن صاحبه وجامعه على طلب العلم ومذاكرة الفقه ورواية الحديث. ~~فكان فيمن دخل عليه منهم: # مالك بن أنس. فقال له أبو جعفر: يا أبا عبد الله إني رأيت رؤيا. فقال ~~مالك: يوفق الله أمير المؤمنين إلى الصواب من الرأي، ويلهمه الرشاد من ~~القوم، ويعينه على خير الفعل، فما رأي أمير المؤمنين؟ فقال أبو جعفر: رأيت ~~أني أجلسك في هذا البيت، فتكون من عمار بيت الله الحرام، وأحمل الناس على ~~علمك، وأعهد إلى أهل الأمصار يوفدون إليك وفدهم، ويرسلون إليك رسلهم في ~~أيام حجهم، لتحملهم من أمر دينهم على الصواب والحق، إن شاء الله، وإنما ~~العلم علم أهل المدينة، وأنت أعلمهم. فقال مالك: يا أمير المؤمنين أعلى ~~عينا، وأرشد رأيا، وأعلم بما يأتي وما يذر، وإن أذن لي أقول قلت، فقال أبو ~~جعفر: نعم، فحقيق أنت أن يسمع منك، ويصدر عن رأيك. فقال مالك: يا أمير ~~المؤمنين إن أهل العراق قد قالوا قولا ms377 تعدوا فيه طورهم، ورأيت أني خاطرت ~~بقولي لأنهم أهل ناحية، وأما أهل مكة فليس بها أحد، وإنما العلم علم أهل ~~المدينة، كما قال الأمير، وإن لكل قوم سلفا وأئمة. فإن رأى أمير المؤمنين ~~أعز الله نصره إقرارهم على حالهم فليفعل. فقال أبو جعفر: أما أهل العراق ~~فلا يقبل أمير المؤمنين منهم صرفا ولا عدلا، وإنما العلم علم أهل المدينة، ~~وقد علمنا أنك إنما أردت خلاص نفسك ونجاتها. فقال مالك: أجل يا أمير ~~المؤمنين، فأعفني يعف الله عنك. # فقال أبو جعفر قد أعفاك أمير المؤمنين، وأيم الله ما أجد بعد أمير ~~المؤمنين أعلم منك ولا أفقه. PageV02P142 # دخول سفيان الثوري وسليمان الخواص على أبي جعفر وما قالا له قال: وذكروا ~~أنه لما كان أبو جعفر بمنى في العام الذي حج فيه سفيان الثوري وسليمان ~~الخواص، قال أحدهما لصاحبه: ألا ندخل على هذا الطاغي الذي كان يزاحمنا ~~بالأمس في مجالس العلم عند منصور والزهري، فنكلمه، ونأمره بحق، وننهاه عن ~~باطل، فلعل أن يقع كلامنا منه موقعا ينفع الله به المسلمين، ويأجرنا عليه. ~~فقال سليمان الخواص: إني لأخشى أن يأتي علينا منه يوم سوء. فقال الثوري: ما ~~أخاف ذلك، فإن شئت فادخل، وإن شئت دخلت. فدخل سليمان الخواص، فأمره ونهاه، ~~ووعظه وذكره الله، وما هو صائر إليه، ومسؤول عنه. فقال له أبو جعفر: أنت ~~مقتول، ما تقول في كذا وكذا، لشئ سأله عنه من باب العلم؟ فأجابه، فلما خرج ~~قال سفيان الثوري: ماذا صنعت؟ قال: أمرت ونهيت، ووعظت وذكرت فرضا كان في ~~رقابنا أديناه مع أنه لا يقبل، وسألني عن مسألة فأجبته. # قال سفيان: ما صنعت شيئا، فدخل سفيان الثوري فأمره ونهاه. فقال له: ها ~~هنا أبا عبد إلي إلي، ادن مني. فقال: إني لا أطأ ما لا أملك ولا تملك. فقال ~~أبو جعفر: يا غلام أدرج البساط، وارفع الوطاء، فتقدم سفيان فصار بين يديه ~~وقعد، ليس بينه وبين الأرض شئ، وهو يقول: - منها خلقناكم، وفيها نعيدكم ~~ومنها نخرجكم تارة أخرى -، فدمعت عينا أبي ms378 جعفر. ثم تكلم سفيان دون أن ~~يستأذن، فوعظ وأمر ونهى وذكر، وأغلظ في قوله. فقال له الحاجب: أيها الرجل، ~~أنت مقتول: فقال سفيان: وإن كنت مقتولا فالساعة، فسأله أبو جعفر عن مسألة ~~فأجابه، ثم قال سفيان: فما تقول أنت يا أمير المؤمنين فيما أنفقت من مال ~~الله، ومال أمة محمد بغير إذنهم، وقد قال عمر في حجة حجها، وقد أنفق ستة ~~عشر دينارا هو ومن معه: ما أرانا إلا وقد أجحفنا ببيت المال. وقد علمت ما ~~حدثنا به منصور بن عمار، وأنت حاضر ذلك، وأول كاتب كتبه في المجلس عن ~~إبراهيم، عن الأسود، عن علقمة، عن ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قال: " رب متخوض في مال الله ومال رسول الله فيما شاءت نفسه له النار ~~غدا " فقال له أبو عبيدة الكاتب: # أمير المؤمنين يستقبل بمثل هذا؟ فقال له سفيان: اسكت، فإنما أهلك فرعون ~~هامان، وهامان فرعون. ثم خرج سفيان، فقال أبو عبيدة الكاتب: ألا تأمر بقتل ~~هذا الرجل؟ فوالله PageV02P143 # ما أعلم أحدا أحق بالقتل منه. فقال أبو جعفر: اسكت يا أنوك (1)، فوالله ~~ما بقي على الأرض أحد اليوم يستحيا منه غير هذا، ومالك بن أنس. # دخول ابن أبي ذؤيب ومالك بن أنس وابن سمعان على أبي جعفر قال: وذكروا عن ~~مالك بن أنس قال: لما ولي أبو جعفر الخلافة، وافى إليه الملاقون (2) ~~المشاءون بالنميمة عني بكلام كان قد حفظ علي، فأتاني رسوله ليلا ونحن بمنى، ~~قال: أجب أمير المؤمنين، وذلك بعد مفارقتي له، وخروجي عنه، فلم أشك أنه ~~للقتل، ففرغت من عهدي (3)، واغتسلت وتوضأت ولبست ثياب كفني وتحنطت، ثم نهضت ~~فدخلت عليه في السرادق، وهو قاعد على فراش قد نظم بالدر الأبيض، والياقوت ~~الأحمر، والزمرد الأخضر، حكى له أنه كان من فرش هشام بن عبد الملك كان قد ~~أهداه إليه صاحب القسطنطينية، لا يعلم ثمنه، ولا يدرى ما قيمته، والشمع ~~يحترق بين يديه، وابن أبي ذؤيب وابن سمعان قاعدان بين يديه، وهو ينظر في ~~صحيفة في ms379 يده. فلما صرت بين يديه سلمت، فرفع رأسه، فنظر إلي، وتبسم تبسم ~~المغضب، ثم رمى بالصحيفة، وأشار لي إلى موضع عن يمينه أقعد فيه. فلما قعدت ~~وأخذت مقعدي، وسكن روعى، رفعت رأسي أنظر تلقائي، فإذا أنا بواقف عليه درع، ~~وبيده سيف قد شهره، يلمع له ما حوله، فالتفت عن يميني، فإذا أنا بواقف بيده ~~جرز (4) من حديد، ثم التفت عن يساري فإذا أنا بواقف عليه درع، وبيده سيف قد ~~شهره، وهم أجمعون قد أصغوا إليه، ورمقوه بأبصارهم خوفا من أن يأمر في أحد ~~أمرا فيجده غافلا. ثم التفت إلينا وقال: أما بعد معشر الفقهاء، فقد بلغ ~~أمير المؤمنين عنكم ما أخشن صدره، وضاق به ذرعه وكنتم أحق الناس بالكف من ~~ألسنتكم، والأخذ بما يشبهكم، وأولى الناس بلزوم الطاعة، والمناصحة في السر ~~والعلانية لمن استخلفه الله عليكم. قال مالك: فقلت يا أمير المؤمنين، قال ~~الله تعالى: - يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا ~~قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين. # فقال أبو جعفر: على ذلكم أي الرجال أنا عندكم؟ أمن أئمة العدل، أم من ~~أئمة الجور؟ فقال مالك: فقلت يا أمير المؤمنين، أنا متوسل إليك بالله ~~تعالى، وأتشفع إليك بمحمد صلى الله عليه وسلم # PageV02P144 # وبقرابتك منه، إلا ما أعفيتني من الكلام في هذا. قال: قد أعفاك أمير ~~المؤمنين. ثم التفت إلى ابن سمعان فقال له: أيها القاضي ناشدتك الله تعالى، ~~أي الرجال أنا عندك؟ فقال ابن سمعان: أنت والله خير الرجال يا أمير ~~المؤمنين، تحج بيت الله الحرام، وتجاهد العدو، وتؤمن السبل، ويأمن الضعيف ~~بك أن يأكله القوي، وبك قوام الدين، فأنت خير الرجال، وأعدل الأئمة. ثم ~~التفت إلى ابن أبي ذؤيب فقال له: ناشدتك الله: أي الرجال أنا عندك؟ قال: ~~أنت والله عندي شر الرجال، استأثرت بمال الله ورسوله، وسهم ذوي القربى ~~واليتامى والمساكين، وأهلكت الضعيف، وأتعبت القوي، وأمسكت أموالهم، فما ~~حجتك غدا بين يدي الله؟ فقال له أبو جعفر: ويحك: ما تقول؟ أتعقل؟ أنظر ما ms380 ~~أمامك. # قال: نعم، قد رأيت أسيافا، وإنما هو الموت، ولا بد منه، عاجله خير من ~~آجله. ثم خرجا وجلست. قال: إني لأجد رائحة الحنوط عليك. قلت: أجل: لما نمى ~~إليك عني ما نمى، وجاءني رسولك في الليل، ظننته القتل، فاغتسلت وتطيبت، ~~ولبست ثياب كفني. فقال أبو جعفر: سبحان الله ما كنت لأثلم (1) الإسلام، ~~وأسعى في نقضه، أو ما تراني أسعى في أود (2) الإسلام، وإعزاز الدين، عائذا ~~بالله مما قلت يا أبا عبد الله، انصرف إلى مصرك راشدا مهديا، وإن أحببت ما ~~عندنا، فنحن ممن لا يؤثر عليك أحدا، ولا يعدل بك مخلوقا. فقلت: إن يجبرنى ~~أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة: وإن يخيرني أمير المؤمنين اخترت ~~العافية. فقال: # ما كنت لأجبرك، ولا أكرهك، انقلب معافى مكلوءا (3). قال: فبت ليلتي، فلما ~~أصبحنا أمر أبو جعفر بصرر دنانير، في كل صرة خمسة آلاف دينار، ثم دعا برجل ~~من شرطته. # فقال له: تقبض هذا المال، وتدفع لكل رجل منهم صرة، أما مالك بن أنس إن ~~أخذها فبسبيله، وإن ردها لا جناح عليه فيما فعل، وإن أخذها ابن أبي ذؤيب ~~فأتني برأسه، وإن ردها عليك فبسبيله، لا جناح عليه، وإن يكن ابن سمعان ردها ~~فأتني برأسه، وإن أخذها فهي عافيته. # فنهض بها إلى القوم، فأما ابن سمعان فأخذها فسلم، وأما ابن أبي ذؤيب ~~فردها فسلم، وأما أنا فكنت والله محتاجا إليها فأخذتها. ثم رحل أبو جعفر ~~متوجها إلى العراق. # PageV02P145 # كتاب عبيد الله العمري إلى أبي جعفر قال: وذكروا أن أبا جعفر لما قفل من ~~حجه سنة ثمان وأربعين ومئة، سأل عن عبيد الله بن عمر بن حفص بن عبد الله بن ~~عمر بن الخطاب، وهو الفقيه المعروف بالعمري. فقيل له: إنه لم يحج العام يا ~~أمير المؤمنين، ولو حج لكان أول داخل عليك، فلا تقبل عليه أحدا يا أمير ~~المؤمنين، ولا يقدح فيه عندك إلا باطلي أو كذاب، فإنه من علمت. فقال أبو ~~جعفر: والله ما تخلف عن الحج في عامه هذا إلا علما ms381 منه بأني حاج، فلذلك ~~تخلف، ولا والله ما زاده ذلك عندي إلا شرفا ورفعة، وإني من التوقير له ~~والاجلال بحال لا إخال أحدا من الناس بذلك، لشرفه في قريش، وعظيم منزلته من ~~هذا الأمر، والموضع الذي جعله الله فيه، والمكان الذي أنزله به. فلما قدم ~~أبو جعفر بغداد، ورد عليه كتاب عبيد الله العمري، فيه: بسم الله الرحمن ~~الرحيم، لعبد الله أبي جعفر أمير المؤمنين، من عبيد الله بن عمر. سلام الله ~~عليك، ورحمة الله التي اتسعت فوسعت من شاء. أما بعد: فإني عهدتك، وأمر نفسك ~~لك مهم، وقد أصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة، أحمرها (1) وأسودها وأبيضها، ~~وشريفها، ووضيعها، يجلس بين يديك العدو والصديق، والشريف والوضيع، ولكل ~~حصته من العدل، ونصيبه من الحق، فانظر كيف أنت عند الله يا أبا جعفر، وإني ~~أحذرك يوما تفنى فيه الوجوه والقلوب، وتنقطع فيه الحجة، لملك قد قهرهم ~~بجبروته، وأذلهم بسلطانه والخلق داخرون (2) له، يرجون رحمته ويخافون عذابه ~~وعقابه. وإنا كنا نتحدث أن أمر هذه الأمة سيرجع في آخر زمانها، أن يكون ~~إخوان العلانية أعداء السريرة، وإني أعوذ بالله أن تنزل كتابي سوء المنزل، ~~فإني إنما كتبت به نصيحة، والسلام. # فأجابه أبو جعفر المنصور من عبد الله بن محمد أمير المؤمنين، إلى عبيد ~~الله بن عمر بن حفص: # سلام عليك، أما بعد، فإنك كتبت إلي تذكر أنك عهدتني وأمر نفسي لي مهم، ~~فأصبحت وقد وليت أمر هذه الأمة بأسرها، وكتبت تذكر أنه بلغك أن أمر هذه ~~الأمة سيرجع في # PageV02P146 # آخر زمانها، أن يكون إخوان العلانية، أعداء السريرة، ولست إن شاء الله من ~~أولئك، وليس هذا زمان ذلك، إنما ذلك زمان تظهر فيه الرغبة، والرغبة تكون ~~رغبة بعض الناس إلى بعض، صلاح دنياهم أحب إليهم من صلاح دينهم. وكتبت ~~تحذرني ما حذرت به الأمم من قبلي، وقدما كان يقال: اختلاف الليل والنهار ~~يقربان كل بعيد، ويبليان كل جديد، ويأتيان بكل موعود حتى يصير الناس إلى ~~منازلهم من الجنة والنار. وكتبت تتعوذ بالله أن ننزل ms382 كتابك سوء المنزل، ~~وأنك إنما كتبت به نصيحة فصدقت وبررت، فلا تدع الكتب إلي. # فإنه لا غنى بي عن ذلك، والسلام. # اجمتاع أبي جعفر مع عبد الله بن مرزوق قال: وذكروا أن أبا جعفر المنصور ~~أمير المؤمنين لما حج ودخل في الطواف بالبيت الحرام، أمر بالناس فنحوا عن ~~البيت، ثم طاف أسبوعه، فوثب إليه عبد الله بن مرزوق؟ وقال: # من جرأك على هذا؟ فلببه بردائه وهزه. ثم قال له: من جعلك أحق بهذا البيت ~~من الناس: # تحول بينه وبينهم، وتنحيهم عنه؟ فنظر أبو جعفر في وجهه، فعرفه. فقال عبد ~~الله بن مرزوق: # قال: نعم. فقال: من جرأك على هذا؟ ومن أقدمك عليه؟ فقال عبد الله بن ~~مرزوق: وما تصنع بي؟ بيدك ضر أو نفع؟ والله ما أخاف ضرك، ولا أرجو نفعك حتى ~~يكون الله عز وجل يأذن لك فيه، ويلهمك إلى فعله. فقال له أبو جعفر: إنك ~~أحللت بنفسك وأهلكتها. فقال عبد الله بن مرزوق: اللهم إن كان بيد أبي جعفر ~~ضري فلا تدع من الضر شيئا إلا أنزلته علي، وإن كان بيده منفعتي فاقطع عني ~~كل منفعة منه، أنت يا رب بيدك كل شئ، ومليك كل شئ، فأمر به أبو جعفر فحمل ~~إلى بغداد فسجنه بها. وكان يسجنه بالنهار، ويبعث إليه بالليل يبيت عنده ~~ويسامره، يلبث نهاره أجمع بالسجن، ثم يسامره بالليل ليظهر للناس أنه سجن ~~أول من اعترض عليه، لئلا يجترئ الجاهل فيقول: قد وسع عفو أمير المؤمنين ~~فلانا، أفلا يسعني؟ فكان دأبه هذا معه زمانا طويلا حتى نسي أمره، وانقطع ~~خبره، ثم خلى سبيله، فلحق بمكة، فلم يزل بها حتى مات أبو جعفر، وولى ابنه ~~المهدي. فلما حج المهدي، فعل مثل ذلك، ففعل به عبد الله ابن مرزوق مثل ذلك ~~أيضا، فأراد قتله. فقيل له: يا أمير المؤمنين إنه قد فعل هذا بأبيك، فكان ~~من صنيعه أن حمله إلى بغداد، فسجنه بالنهار، وسامره بالليل، وأنت أحق من ~~أخذ بهديه، واحتذى على مثاله، وورث أكروماته، فحمله المهدي معه، ms383 فمات ~~ببغداد، رحمه الله. PageV02P147 # ذكر ما نال مالك بن أنس من جعفر بن سليمان قال: وذكروا أنه هاج بالمدينة ~~هيج في ابتداء أيام أبي جعفر، فبعث إليها أبو جعفر ابن عمه جعفر بن سليمان ~~بن العباس، ليسكن هيجها وفتنها، ويجدد بيعة أهلها فقدمها وهو يتوقد نارا ~~على أهل الخلاف لهم، فأظهر الغلظة والشدة، وسطا (1) بكل من ألحد في ~~سلطانهم، وأشار إلى المنازعة لهم، وأخذ الناس بالبيعة، وكان مالك بن أنس ~~رحمه الله لم يزل صغيرا وكبيرا محسدا (2)، وكذلك كل من عظمت نعمة الله عليه ~~في علمه أو عمله، أو فهمه أو ورعه، فكيف بمن جمع الله ذلك فيه، ولم يزل منذ ~~نشأ كذلك قد منحه الله تعالى العلم والعمل، والفهم واللب والنبل، ووصل له ~~ذلك بالدين والفضل، عرف منه ذلك صغيرا، وظهر فيه كبيرا، واستلب الرياسة ممن ~~كان قد سبقه إليها، بظهور نعمة الله عليه، وسموها به على كل سام، فاستدعى ~~ذلك منهم الحسد له، وألجأهم ذلك إلى البغي عليه، فدسوا إلى جعفر بن سليمان ~~من قال له: إن مالكا يفتي الناس بأن أيمان البيعة لا تحل، ولا تلزمهم ~~لمخالفتك، واستكراهك إياهم عليها، وزعموا أنه يفتي بذلك أهل المدينة ~~أجمعين، لحديث رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: " رفع عن أمتي ~~الخطأ والنسيان وما أكرهوا عليه " فعظم ذلك على جعفر واشتد عليه وخاف أن ~~ينحل عليه ما أبرم من بيعة أهل المدينة، وهم أن يبدر (3) فيه بما عافاه ~~الله منه، وأنعم على المسلمين ببقائه. فقيل له: لا تبدر فيه ببادرة، فإنه ~~من أكرم الناس على أمير المؤمنين، وآثرهم عنده، ولا بأس عليك منه، فلا تحدث ~~شيئا إلا بأمر أمير المؤمنين، أو يستحق ذلك عندنا بأمر لا يخفى على أهل ~~المدينة. فدس إليه جعفر بن سليمان بعض من لم يكن مالك يخشى أن يؤتى من ~~قبله، ومن مأمنه يؤتي الحذر (4)، فسأله عن الأيمان في البيعة فأفتاه مالك ~~بذلك طمأنينة إليه، وحسبة فيه. فلم يشعر مالك إلا ورسول جعفر بن ms384 سليمان ~~يأتيه، فأتوا به إليه منتهك الحرية، مزال الهيبة (5)، فأمر به فضرب سبعين ~~سوطا: فلما سكن الهيج بالمدينة، وتمت له البيعة، بلغ بمالك ألم الضرب حتى ~~أضجعه. # PageV02P148 # إنكار أبي جعفر المنصور لضرب مالك قال: وذكروا أنه لما بلغ أبا جعفر ضرب ~~مالك بن أنس، وما أنزل به جعفر بن سليمان أعظم ذلك إعظاما شديدا، وأنكره ~~ولم يرضه، وكتب بعزل جعفر بن سليمان عن المدينة، وأمر أن يؤتي به إلى بغداد ~~على قتب (1). وولى على المدينة رجلا من قريش من بني مخزوم، وكان يوصف بدين ~~وعقل وحزم وذكاء، وذلك في شهر رمضان، من سنة إحدى وستين ومائة. # وكتب أبو جعفر إلى مالك بن أنس، ليستقدمه إلى نفسه ببغداد، فأبى مالك، ~~وكتب إلى أبي جعفر يستعفيه من ذلك، ويعتذر له ببعض العذر إليه. فكتب أبو ~~جعفر إليه: أن وافني بالموسم العام القابل إن شاء الله، فإني خارج إلى ~~الموسم. # دخول مالك على أبي جعفر بمنى قال وذكروا: أن مالكا حج سنة ثلاث وستين ~~ومائة، ثم وافى أبا جعفر بمنى أيام منى، فذكروا أن مطرفا أخبرهم، وكان من ~~كبار أصحاب مالك. قال: قال لي مالك: لما صرت بمنى أتيت السرادقات، فأذنت ~~بنفسي، فأذن لي، ثم خرج إلي الآذن من عنده فأدخلني. # فقلت للآذن: إذا انتهيت بي إلى القبة التي يكون فيها أمير المؤمنين ~~فأعلمني، فمر بي من سرادق إلى سرادق، ومن قبة إلى أخرى، في كلها أصناف من ~~الرجال بأيديهم السيوف المشهورة، والأجزرة (2) المرفوعة، حتى قال لي الآذن: ~~هو في تلك القبة، ثم تركني الآذن وتأخر عني، فمشيت حتى انتهيت إلى القبة ~~التي هو فيها فإذا هو قد نزل عن مجلسه الذي يكون فيه إلى البساط الذي دونه، ~~وإذا هو قد لبس ثيابا قصدة (3)، لا تشبه ثياب مثله، تواضعا لدخولي عليه، ~~وليس معه في القبة إلا قائم على رأسه بسيف صليت (4)، فلما دنوت منه، رحب بي ~~وقرب. # ثم قال: هاهنا إلي، فأوميت للجلوس. فقال: هاهنا، فلم يزل يدنيني حتى ~~أجلسني إليه، ولصقت ركبتي ms385 بركبتيه. ثم كان أول ما تكلم به أن قال: والله ~~الذي لا إله إلا هو يا أبا عبد الله ما أمرت بالذي كان، ولا علمته قبل أن ~~يكون، ولا رضيته إذ بلغني (يعني الضرب). قال # PageV02P149 # مالك: فحمدت الله تعالى على كل حال، وصليت على الرسول صلى الله عليه ~~وسلم، ثم نزهته عن الأمر بذلك، والرضا به. ثم قال: يا أبا عبد الله، لا ~~يزال أهل الحرمين بخير ما كنت بين أظهرهم، وإني إخالك أمانا لهم من عذاب ~~الله وسطوته، ولقد دفع الله بك عنهم وقعة عظيمة، فإنهم ما علمت أسرع الناس ~~إلى الفتن، وأضعفهم عنها، قاتلهم الله أنى يؤفكون، وقد أمرت أن يؤتى بعدو ~~الله من المدينة على قتب، وأمرت بضيق مجلسه، والمبالغة في امتهانه، ولا بد ~~أن أنزل به من العقوبة أضعاف ما نالك منه. فقلت له: عافى الله أمير ~~المؤمنين، وأكرم مثواه، قد عفوت عنه، لقرابته من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، ثم منك. قال أبو جعفر: # وأنت فعفى الله عنك ووصلك. قال مالك. ثم فاتحني فيمن مضى من السلف ~~والعلماء، فوجدته أعلم الناس بالناس، ثم فاتحني في العلم والفقه، فوجدته ~~أعلم الناس بما اجتمعوا عليه، وأعرفهم بما اختلفوا فيه، حافظا لما روى، ~~واعيا لما سمع، ثم قال لي: يا أبا عبد الله ضع هذا العلم ودونه، ودون منه ~~كتبا، وتجنب شدائد عبد الله بن عمر ورخص عبد الله بن عباس، وشواذ ابن ~~مسعود، واقصد إلى أواسط الأمور، وما اجتمع عليه الأئمة والصحابة رضي الله ~~عنهم، لنحمل الناس إن شاء الله على علمك وكتبك، ونبثها في الأمصار، ونعهد ~~إليهم أن لا يخالفوها، ولا يقضوا بسواها، فقلت له: أصلح الله الأمير، إن ~~أهل العراق لا يرضون علمنا، ولا يرون في عملهم رأينا. فقال أبو جعفر: ~~يحملون عليه، ونضرب عليه هاماتهم بالسيف، ونقطع طي ظهورهم بالسياط، فتعجل ~~بذلك وضعها، فسيأتيك محمد المهدي ابني العام القابل إن شاء الله إلى ~~المدينة، ليسمعها منك، فيجدك وقد فرغت من ذلك إن شاء ms386 الله. قال مالك: ~~فبينما نحن قعود إذ طلع بني له صغير من قبة، بظهر القبة التي كنا فيها. ~~فلما نظر إلي الصبي فزع، ثم تقهقر فلم يتقدم. فقال له أبو جعفر: تقدم يا ~~حبيبي، إنما هو أبو عبد الله فقيه أهل الحجاز، ثم التفت إلي فقال: يا أبا ~~عبد الله، أتدري لم فزع الصبي ولم يتقدم؟ فقلت: لا. فقال: # والله استنكر قرب مجلسك مني إذ لم ير به أحدا غيرك قط، فلذلك قهقر. قال ~~مالك: ثم أمر لي بألف دينار عينا ذهبا، وكسوة عظيمة، وأمر لابني بألف ~~دينار، ثم استأذنته فأذن لي، فقمت فودعني ودعا لي، ثم مشيت منطلقا، فلحقني ~~الخصي بالكسوة فوضعها على منكبي، وكذلك يفعلون بمن كسوه، وإن عظم قدره، ~~فيخرج بالكسوة على الناس فيحملها، ثم يسلمها إلى غلامه، فلما وضع الخصي ~~الكسوة على منكبي انحنيت عنها بمنكبي، كراهة احتمالها، وتبرؤا من ذلك، ~~فناداه أبو جعفر: بلغها رحل أبي عبد الله. PageV02P150 # ما قال أبو جعفر لعبد العزيز بن أبي داود قال: وذكروا أن أبا جعفر لما ~~دخل في الطواف بالبيت لقي عبد العزيز بن أبي دواد في الطواف، فقبض على يده، ~~ثم قال له: أتعرفني؟ قال: لا. إلا أن قبضتك قبضة جبار. # فقال له: أنا أبو جعفر أمير المؤمنين، فسلني من حوائجك ما شئت أقضها. ~~قال: أسألك برب هذا البيت أن لا ترسل إلي بشئ حتى آتيك طوعا. فقال له أبو ~~جعفر: ذلك لك، فأقبل يمشي بمشيته في طوافه، وكان شيخا كبيرا ضعيفا. فتأنف ~~بقربه، وثقل عليه كلامه. # فقال: أسألك بحرمة هذا البيت إلا تنحيت عني، فتنحى عنه أبو جعفر وخلي ~~سبيله. # وكان عبد العزيز بن أبي دواد هذا لا يرفع رأسه إلى السماء، تخشعا لله، ~~فأقام كذلك أربعين سنة. # قدوم المهدي إلى المدينة قال: وذكروا أن مالك بن أنس لما أخذ في تدوين ~~كتبه، ووضع علمه قدم عليه المهدي بن أبي جعفر، فسأله عما صنع فيما أمره به ~~أبو جعفر، فأتاه بالكتب وهي كتب الموطأ، فأمر المهدي ms387 بانتساخها، وقرئت على ~~مالك. فلما أتم قراءتها: أمر له بأربعة آلاف دينار، ولابنه بألف دينار. # موت أبي جعفر المنصور واستخلاف المهدي قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ست ~~وستين ومائة قدم أبو جعفر مكة، فلما قضى حجه احتضر ثلاثة أيام، ثم توفي في ~~اليوم الرابع، وولى ابنه محمد المهدي وكان معه يومئذ بمكة وأخوه جعفر ~~ببغداد، وكان قد عهد إليه أبو جعفر. فلما قفل المهدي إلى بغداد أتاه رجل ~~فقال له: أدرك أخاك جعفرا، فإنه قد هم بمنازعتك، وهو يريد خلعك، فأخذ في ~~السير، ومعه الجنود والأموال، وصناديد الرجال من العراق، ورجال العرب، ~~ووجوه قريش. فلما قدم العراق اعتذر إليه جعفر مما رفع إليه عنه، وحلف له ~~أنه ما نوى ولا أراد منازعته، ولا أشار إلى خلافه، ولا هم به، فقبل منه ~~المهدي ذلك، وعفا عنه، وكان كريما سخيا حليما، فلما كان سنة سبع وستين ~~ومائة قدم حاجا، فدخل المدينة زائرا لقبر النبي صلى الله عليه وآله، فدخل ~~عليه مالك، فحضه على الإحسان إلى أهل المدينة، وحدثه بفضلها وفضل أهلها، ~~ويقول رسول الله صلى الله عليه وآله فيها: أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون ~~يثرب (وهي المدينة) تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد، ثم قال يا أمير ~~المؤمنين: أفليس هؤلاء أهلا أن يعانوا على الصبر عليها PageV02P151 # وعلى جوار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم! فقال المهدي: بلى والله يا ~~أبا عبد الله، حتى لا أجد إلا مثل هذا، ومد يده ليأخذ من الأرض شيئا فلم ~~يجده. ثم قال صدقت فيهم وبررت، وحضضت على الرشد، فأنت أهل أن يطاع أمرك، ~~ويسمع قولك، فأمر له بخمسة أبيات مال، والبيت عندهم خمسمائة ألف، وأمر ~~مالكا أن يختار من تلامذته رجالا يثق بهم، ويعتمد عليهم، يقسمونها على أهل ~~المدينة، ويؤثرون أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، وأهل بيت أبي بكر ~~وعمر وعثمان، ثم أهل بيوت المهاجرين والأنصار، ثم الذين اتبعوهم بإحسان، ~~ففعل فأغنى أهل المدينة عامهم ذلك. # ذكر استخلاف هارون الرشيد ms388 قال: وذكروا أنه لما كانت سنة ثلاث وسبعين ~~ومائة توفي المهدي، وذلك أنه خرج يوما إلى بعض المنازل، ومعه أهله وبعض ~~بنيه، وكان قد ذكر أن يستخلف ابنه عبد الله بعده، ثم غفل عن ذلك وتركه، ~~فحمل عبد الله الحرص والطيش إلى أن دس على أبيه بعض الجواري المتمكنات منه ~~بسمه، وبذل لها على ذلك الأموال، ومناها أماني الغرور. فلما سمته، ووصل ~~إليه السم، عرف المهدي أنه قد قتل، فدعا كاتبه فقال له: عجل واكتب عهد ~~هارون الرشيد، وخذ بيعة الجند، وأمراء الأجناد، واكتب بذلك إلى ولاة ~~الأمصار، وكان الرشيد أصغر بنيه، وكان ابن أمة، لا يطمع في خلافة، ولا يظن ~~بها، فأدخله على نفسه وهو يجود بها، والرشيد لا يعلم أنه مستخلف. فقال له ~~المهدي: أي بني، والله ما أردت استخلافك، ولا هممت به لحداثة سنك، وقد كان ~~قال لي جدك أبو جعفر، وأنت يومئذ قد ترعرعت في أول رؤية رآك: إن ابني هذا ~~الأعين (1) سيلي هذا الأمر، ويسير فيه سيرة صالحة، فقلت: يا أبت، أتظن ذلك؟ ~~قال: ما هو بالظن، ولكن اليقين، ويكون ملكا بضعا وعشرين سنة، وتقتله الحمى ~~الربع (2)، فاندفع الرشيد باكيا فقال له: ما يبكيك يا فتى؟ # قال: يا أبت، إنك والله نعيت لي نفسي، وعرفتني متى أموت، ومم أموت؟ قال: ~~هو ذاك، فشمر، واجتهد وجد، وخذ بالحزم والكرم، ودع الإحن، وانظر أخاك عبد ~~الله فلا يناله منك مكروه، فقد عفوت عنه. فقال الرشيد: يا أبت، وتعفو عنه، ~~وقد أتى ما ذكرت، # PageV02P152 # وصنع ما وصفت؟ قال يا بني: وما علي أن أعفو عمن أكرمني الله على يديه، ~~وأرجو أن يغفر لي بصنيعته بي إن شاء الله. عليك يا بني بتقوى الله العظيم ~~وطاعته، فاتخذها بضاعة يأتيك الربح من غير تجارة، وأوصيك بإخوتك خيرا، وأهل ~~بيت رسول الله صلى الله عليه وآله، اقبل حسناتهم، وتجاوز عن سيآتهم، واغفر ~~زلاتهم، وأوصيك بأهل الحرمين خيرا، فقد علمت من هم، وأبناء من هم، أجزل لهم ~~العطاء، وأحسن لهم الجزاء، يكافئك ms389 الله في الآخرة والأولى. # ثم توفي المهدي من يومه ذاك، واستخلف الرشيد، وخرج إلى الناس يبايعهم ~~بوجه طلق ولسان سلط (1)، فبايعوه ببغداد، وذلك يوم الخميس من المحرم سنة ~~ثلاث وسبعين ومائة، وتمت له البيعة يوم الجمعة في المسجد الجامع، فلم يختلف ~~عليه أحد. ولا كره خلافته مخلوق، فأحسن السيرة، وأحكم أمر الرعية، وكان ~~أوحد أهل بيته، ولم يشبهه أحد من الخلفاء من أهله، رحمه الله. # قدوم هارون الرشيد المدينة قال: وذكروا أنه لما كانت سنة أربعة وسبعين ~~ومائة، خرج هارون حاجا إلى مكة، فقدم المدينة زائرا قبر النبي عليه الصلاة ~~والسلام، فبعث إلى مالك بن أنس، فأتاه، فسمع منه كتابه الموطأ، وحضر ذلك ~~يومئذ فقهاء الحجاز والعراق والشام واليمن، ولم يتخلف منهم أحد إلا حضر ذلك ~~الموسم مع الرشيد وسمع وسمعوا من مالك موطأه الذي وضع، وكان قارئه يومئذ ~~حبيب كاتب الرشيد. فلما أتم قراءته قال هارون لفقهاء الحجاز والعراق: هل ~~أنكرتم شيئا من هذا العلم؟ قالوا: ما أنكرنا شيئا إلا ما ذكر من أمر ~~الدماء، والتدمية في القتل، فإن هذا من أنكر ما يكون من العلم وأبطله، يقول ~~الرجل: # قتلني فلان فيقبل منه، ويحلف أولياؤه على القاتل خمسين يمينا، ثم يقتل، ~~ولعل أولياءه لم يحضروا، ولم يكونوا بمصر، فيعرض بهم الحنث في الأيمان، ~~فيقبل قول رجل على غيره، وهو لا يقبل في ربع دانق (2) يدعيه إلا ببينة ~~تقوم، إن هذا لهو الضلال. وقد قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح ~~الذي رواه ابن عباس حيث قال: " لو يعطي # PageV02P153 # الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء أقوام وأموالهم، ولكن البينة على من ادعى ~~واليمين على من أنكر ". قال الرشيد: ويحكم، إن في كتاب الله ما يصدق ذلك، ~~ولا إخال أبا عبد الله أخذه إلا من كتاب الله فاستثبتوه. فأرسل إليه فأقبل. ~~فقال هارون: يا أبا عبد الله، إن أصحابنا هؤلاء لم يختلف منهم اثنان في ~~الإنكار عليك فيما وضعت في موطئك من التدمية (1). وتصديق قول من ادعى، وأنت ~~وهم تزعمون بطل ms390 دعوى من ادعى على رجل دانقا إلا ببينة تقوم له، فأخبر ~~القوم، وأوضح لهم حجتك في ذلك وأنا معك عليهم، فإني لا أعلم بعد أمير ~~المؤمنين أحدا أعلم منك، فقال مالك: يا أمير المؤمنين، إن مما يصدق القسامة ~~ما في كتاب الله من القتل، والأخذ بالدم الذي كان في بني إسرائيل. قال الله ~~عز وجل: " اضربوه ببعضها " فذبحت البقرة، ثم ضربوه بعضو من أعضائها، فحي ~~القتيل، ثم تكلم. فقال: فلان قتلني، فقتله موسى ابن عمران عليه السلام ~~بقوله ذلك، وهو حكم التوراة، فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا، ~~فالذين أسلموا: محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقد حكم بالتوراة رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، في المرجوم اليهودي الذي زنى، فرجمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم، وقد ذكر أنس بن مالك رضي الله عنه. أن يهوديا لقى ~~جارية من جواري الأنصار في بعض أنقاب (2) المدينة، وعليها أوضاع (3) من ذهب ~~وورق، فأخذ الأوضاح منها، وشدخ رأسها بين حجرين، فأدركت الجارية وبها رمق، ~~فاتهم بها اليهود، فأنى بهم، فعرضوا عليها رجلا رجلا وهي لا تتكلم، حتى أتى ~~بصاحبها الذي قتلها فعرفته. فقيل لها: هذا الذي قتلك؟ فأومأت برأسها أن ~~نعم، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فشدخ رأسه بين حجرين، فهذا يا أمير ~~المؤمنين حكم الدماء، والقسامة فيها سنة قائمة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم والخلفاء، فقعوا منه بذلك، وصاروا إلى الرضا بقوله، والتصديق لروايته، ~~والتسليم لتأويل ما تأول من القرآن الكريم. ثم قال له مالك: إن أباك يا ~~أمير المؤمنين بعث إلي في هذا المجلس كما بعثت إلي، وحدثنه بما حدثتك به في ~~شأن أهل المدينة، وما يصبرون عليه من البلاء، وشدة الزمان، وغلاء الأسعار، ~~صبرا على ذلك، واختيارا لجوار قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقال ~~هارون: ذلك هو أبي وأنا ابنه، وسوف أفعل ما فعل، وأمر لأهل المدينة بعشرة ~~أبيات مال، ضعف ما أمر به المهدي، وكان أبو يوسف # PageV02P154 # القاضي مع الرشيد ms391 يومئذ، فسأله أن يجمع بينه وبين مالك، ليكلمه في الفقه. ~~فقال الرشيد لمالك: كلمه يا أبا عبد الله، فأنف من ذلك مالك، وتنزه عنه، ~~وقال لهارون: ها هنا من فتيان قريش من تلامذتنا، من يبلغ حاجة أمير ~~المؤمنين، ويخصمه (1) فيما يتكلم به، ويذهب إليه، فسر ذلك الرشيد حين أضاف ~~ذلك إلى قريش. فقال: من هو؟ فقال: المغيرة بن عبد الرحمن المخزومي، فبعث ~~إليه الرشيد فجمعه بأبي يوسف فقال: كلمني بما بدا لك أجاوبك. # فقال أبو يوسف القاضي: يا أمير المؤمنين إن هؤلاء، يعني مالكا وأصحابه، ~~يقضون بغير ما في كتاب الله، يقول الله عز وجل " وأشهدوا ذوي عدل منكم ": ~~وقال: " واستشهدوا شهيدين من رجالكم " وهؤلاء يقضون باليمين مع الشاهد، ولا ~~نسمع أن الله تعالى ذكر إلا شاهدين وأربعة شهداء، ولم يصح عن النبي صلى ~~الله عليه وسلم أنه قضى به، وإنما يدور هذا الحديث الذي روى فيه سهيل عن ~~أبي صالح عن أبيه، ثم نسبه سهيل، فكان يحدث ويقول: حدثني ربيعة عن أبي ~~هريرة " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين مع الشاهد " فلما ~~نسبه سهيل بطل الخبر، وأثبت أصله، فلا معنى لذكره. قال المغيرة: قضى به ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقضى به علي بالكوفة. فقال أبو يوسف: أنا ~~أكلمك بالقرآن، وأنت تكلمني بأفعال الناس، أتراك تعرفني بهذا، وبما قضى به ~~علي وغيره؟ فقال المغيرة. # فأنت كافر بنبي قضى باليمين مع الشاهد، أو مؤمن به؟ فسكت أبو يوسف فحجه ~~(2) المغيرة. # فسر بذلك الرشيد، وأمر للمغيرة بألف دينار. ثم أرسل الرشيد إلى مالك ~~فقال: ما تقول في هذا المنبر، فإني أريد أن أنزع ما زاد فيه معاوية بن أبي ~~سفيان وأرده إلى الثلاث درجات، التي كانت بعهد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم؟ فقال له مالك: لا تفعل يا أمير المؤمنين، فإنما هو من عود ضعيف قد ~~تخرمته المسامير، فإن نقضته تفكك، وذهب أكثره، ومع هذا إنه يا أمير ~~المؤمنين لو أعدته إلى ثلاث درجات لم آمن ms392 عليه أن ينتقل عن المدينة، يأتي ~~بعدك أحد فيقول أو يقال له: ينبغي لمنبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ~~يكون معك حيث كنت، فإنما المنبر للخليفة، فينتقل كما انتقل من المدينة كل ~~ما كان بها من آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما أعلم أنه ترك له ~~عليه الصلاة والسلام بها نعل ولا شعر ولا فراش ولا عصا ولا قدح ولا شئ مما ~~كان له ها هنا من آثاره إلا وقد انتقل: فأطاعه الرشيد، وانتهى عن ذلك برأي # PageV02P155 # مالك بن أنس وكان ذلك رحمة من الله لأهل المدينة، وتثبيتا لمنبر رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم بين أظهرهم. # مسير الرشيد إلى الفضل بن عياض قال: وذكروا أن الرشيد كان كثيرا ما ~~يتلثم، فيحضر مجالس العلماء بالعراق وهو لا يعرف. وكان قد قسم الأيام ~~والليالي على سبع ليالي: فليلة للوزراء، يذاكرهم أمور الناس، ويشاورهم في ~~المهم منها، وليلة للكتاب يحمل عليهم الدواوين، ويحاسبهم عما لزم من أموال ~~المسلمين، ويرتب لهم ما ظهر من صلاح أمور المسلمين، وليلة للقواد، وأمراء ~~الأجناد يذاكرهم أمر الأمصار ويسألهم عن الأخبار، ويوقفهم على ما تبين له ~~من صلاح الكور (1) وسد الثغور، وليلة للعلماء والفقهاء يذاكرهم العلم ~~ويدارسهم الفقه، وكان من أعلمهم، وليلة للقراء والعباد يتصفح وجوههم، ويتعظ ~~برؤيتهم، ويستمع لمواعظهم، ويرقق قلبه بكلامهم، وليلة لنسائه وأهله ولذاته، ~~يتلذذ بدنياه، ويأنس بنسائه، وليلة يخلو فيها بنفسه، لا يعلم أحد قرب أو ~~بعد ما يصنع، ولا يشك أحد أنه يخلو فيها بربه، يسأله خلاص نفسه، وفكاك رقه: ~~فبينما هو يوما في مجلس محمد بن السماك، وقد قصد لرؤيته يسمع لموعظته، ولا ~~يعلم أحد بمكانه، فسمع بعض أهل المجلس يذكر الفضل بن عياض، ويصف فضله ~~وعبادته، وعلمه وروعه، فاشتهى النظر إليه، وتاقت نفسه إلى رؤيته ومحادثته، ~~فتوجه من العراق إلى الحجاز قاصدا إليه، ومعه عبد الله بن المبارك فقيه أهل ~~بغداد وعالمهم، وكان الفضل بن عياض يسكن الغيران. فلما قربا من موضعه قال ~~عبد الله بن ms393 المبارك: يا أمير المؤمنين إن الفضل إن عرفك وعرف مكانك لم ~~بأذن لك عليه، ويسفر عنك. فقال هارون: تستأذن أنت عليه، وتخفي مكاني عنه، ~~حتى يأذن بالدخول فاستأذن عليه ابن المبارك. قال الفضل: من بالباب؟ قال. ~~ابن المبارك. قال: مرحبا يا أخي وصاحبي، فقال ابن المبارك: ومن معي يدخل؟ ~~فقال الفضل: ومن معك؟ قال: رجل من قريش. فقال الفضل: لا إذن، لا حاجة لي ~~برؤية أحد من قريش. فقال له ابن المبارك: # إنه من العلم والعناية والفقه فيه بمكان، فقال له الفضل: أو ما علمت أن ~~إبليس أفقه الناس؟ # فقال له ابن المبارك: إنه سيد قريش في زمانه هذا وفوقهم، وإنما عنى أنه ~~فوقهم في الدنيا وسيدهم فقال له الفضل: فإن كان كما تقول فليدخل، فدخل ~~الرشيد فسلم عليه، ثم جلس بين يديه، فتحدثوا ساعة. فقال له أين المبارك: يا ~~أبا الحسن، أتدري من هذا قال: لا أدري. فقال له: # PageV02P156 # هذا هارون بن محمد الرشيد أمير المؤمنين، فنظر إليه الفضل بن عياض ساعة، ~~ثم قال: هذا الوجه الجميل يسأل غدا عن أمة محمد ويؤاخذ بها، لئن كان العفو ~~والغفران يسعك مع ما أنت فيه، إن هذا لهو الفضل المبين، وكان الرشيد من ~~أجمل الناس خلقا، وأحسنهم نطقا، وأبلغهم لسانا، وأعذبهم كلاما، وأكثرهم ~~علما وفهما، ثم جعل الفضل بن عياض يعظه ويخوفه حتى بكى هارون بكاء شديدا. ~~قال ابن المبارك. ما رأيت أحدا يبكي بكاء الرشيد يومئذ، ثم أفاق من بكائه، ~~فجعل الفضل يذكر مثالبه، ومثالب أهل بيته، ورداءة سيرتهم، وخلافهم الحق، ثم ~~لم يدع شيئا يعيبه به، ولا أمرا ينتقصه فيه إلا واستقبله به. فقال له ~~الرشيد: يا أبا الحسن، أما لك ذنوب تخاف أن تهلك بها إن لم يغفرها الله لك: ~~فقال الفضل: بلى. فقال الرشيد: # فما جعلك بأحق أن ترجو المغفرة مني؟ وأنا على دين يقبل الله فيه الحسنات، ~~ويعفو عن السيئات، ومع ذلك فإني والله ما كنت لأخير (1) بين شئ وبين الله ~~إلا اخترت الله تعالى على ms394 ما سواه، الله الشاهد على قولي، والمطلع على نيتي ~~وضميري، وكفى به شهيدا: وأنا مع هذا ألي من الإصلاح بين الناس، والجهاد في ~~سبيل الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ما لا تليه أنت، فما جعلك ~~أحق أن ترجو المغفرة مني؟ فسكت الفضل ساعة ثم قال: ما ظلمك من حجك (2)، ثم ~~قام هارون للخروج. فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، إني أخشى أن يكون العلم ~~قد ضاع قبلك كما ضاع عندنا، فقال الرشيد: أجل إنه ما قلت. فلما قدم الرشيد ~~العراق كان أول ما ابتدأ فيه النظر أن كتب إلى الأمصار كلها، وإلى أمراء ~~الأجناد، أما بعد: فانظروا من التزم الأذان عندكم، فاكتبوه في ألف من ~~العطاء، ومن جمع القرآن وأقبل على طلب العلم وعمر مجالس العلم، ومقاصد ~~الأدب، فاكتبوه في ألفي دينار من العطاء، ومن جمع القرآن، وروى الحديث، ~~وتفقه في العلم واستبحر، فاكتبوه في أربعة آلاف دينار من العطاء، وليكن ذلك ~~بامتحان الرجال السابقين لهذا الأمر، من المعروفين به من علماء عصركم، ~~وفضلاء دهركم، فاسمعوا قولهم وأطيعوا أمرهم، فإن الله تعالى يقول: " أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم " وهم أهل العلم. قال ابن المبارك: ~~فما رأيت عالما ولا قارئا للقرآن، ولا سابقا للخيرات، ولا حافظا للمحرمات ~~بعد أيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأيام الخلفاء والصحابة أكثر منهم ~~في زمن الرشيد وأيامه، لقد كان الغلام يجمع القرآن وهو ابن ثمان سنين، ولقد ~~كان الغلام يستبحر في الفقه والعلم، ويروي الحديث، ويجمع الدواوين، ويناظر ~~المعلمين وهو ابن إحدى عشرة سنة. # PageV02P157 # ذكر الحائك المتطفل قال: وذكروا أن الرشيد لما انصرف من الحجاز وصار ~~بالرقة (1) قال لوزيره عمرو بن مسعدة: ما زلت تكلمني وتستلطفني في الرحجي ~~حتى وليته الأهواز، فقعد في سرة الدنيا يأكلها خضما (2) وقضما، ولم يوجه ~~إلي درهما، فاخرج إليه من ساعتك هذه، حتى تحل ساحته، ثم لا تدع له حرمة إلا ~~انتهكتها، ولا أكرومة إلا أهنتها، ثم لا تسمع له حجة يرفعها، ولا تقبل منه ~~كلمة ينهيها، ms395 إن اعتذر فلا تقبل له عذرا، وإن قال فلا تقبل له قولا، فشر ~~قائل. وأكذب متظلم، فقلت في نفسي: أبعد الوزارة أصير مستحثا على عامل خراج؟ ~~ولكن لم أجد بدا من طاعة أمير المؤمنين، إذ كانت ولايته بسببي. فقلت: أخرج ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: فاحلف أنك لا تلبث في بغداد إلا يوما، فحلفت له، ثم ~~انحدرت إلى بغداد، ثم خرجت، فلما صرت بين دير هرقل وبين دير العاقول، إذا ~~رجل يصيح: يا ملاح، يا ملاح، رجل منقطع. فقلت للملاح: قرب إلى الشط. فقال: ~~يا سيدي هذا رجل شحاذ وإن قعد معك آذاك، قال الوزير: # فلم يلتفت إليه ولقوله، وأمرت الغلمان فأدخلوه فقعد، فلما حضر الغداء ~~دعوته، فكان يأكل أكل جائع بنهامة، إلا أنه نظيف الأكل، فلما رفع الطعام، ~~أردت أن يقوم ويغسل يديه في ناحية، فلم يفعل، فغمزه الغلمان، فلم يفعل، ~~فتشاغلت عنه ليقوم، ثم قلت له: يا هذا ما صناعتك؟ # قال لي: حائك، فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى، ما ألوم غير نفسي، إذ لم ~~أقبل ممن نصحني، وصرت أواكل الحوكة (3). فقلت: توضأ يا أخي، فتوضأ، ثم قال ~~لي: جعلت فداك: # قد سألتني عن صناعتي، فما صناعتك أنت؟ فقلت في نفسي: هذه شر من الأولى، ~~وكرهت أن أذكر الوزارة، وقلت اقتصر على الكتابة. فقلت له: كاتب. فقال: إن ~~الكتابة على خمسة أصناف: كاتب رسائل، يحتاج أن يعرف الفصل من الوصل، ~~والصدور ورقيق الكلام، والتهاني والتعازي، والترهيب والترغيب، والمقصور ~~والممدود، وجملا من العربية. وكاتب جند يحتاج إلى أن يعرف حساب التقدير، ~~وشيات (4) الدواب، وحلي الناس ونعوتهم (5). وكاتب قاض، # PageV02P158 # يحتاج أن يكون عالما بالشروط والأحكام، عارفا بالناسخ والمنسوخ من ~~القرآن، والحلال، من الحرام، والفروع والمواريث. وكاتب شرطة، يحتاج أن يكون ~~عالما بالجروح والقصاص والديات، فقيها في أحكام الدماء، عارفا بدعوى ~~التعدي. وكاتب خراج، يحتاج أن يعرف الزرع والمساحة وضروب الحساب، فأيهم أنت ~~أعزك الله؟ قلت: فوالله ما قضى كلامه حتى صار أعظم الناس في نفسي وأحبهم ~~إلي، وصار كلامه عندي ms396 أشهى من الماء البارد العذب على الظمآن. # فقلت له: أصلحك الله، تقدم إلي، وادن مني أكلمك، وأقعدك المقعد الذي ~~يقعده مثلك، فلولا أن من البر ما يكون عقوقا لأقعدتك مقعدي هذا. قال: مقعدي ~~الذي أنا به أولى بي. # فقلت: أمتع الله بك، أنا كاتب رسائل. قال: فأخبرني لو كان لك صديق تكتب ~~إليه في المحبوب والمكروه، ويكتب إليك في جميع الأسباب، فتزوجت أمه، كيف ~~كنت تكتب إليه؟ # تهنئه أم تعزيه؟ قلت: والله ما أدري كيف الوجه في هذا وهو بالتعزية أولى ~~منه بالتهنئة. قال: # صدقت، كيف كنت تعزيه! فقلت: والله ما أقف على ما تقول. قال: فلست بكاتب ~~رسائل، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب خراج. قال: فما تقول أصلحك الله، وقد ولاك ~~السلطان عملا فبثثت عمالك فيه، فجاء قوم يتظلمون من بعض عمالك، فأردت أن ~~تنظر في أمرهم، وتنصفهم إذا كنت تحب العدل، وتؤثر حسن الأحدوثة وطيب الذكر، ~~وكان لأحدهم براح، فأردت مساحته، كيف كنت تمسحه؟ قلت: أضرب العطوف في ~~العمود، وأنظر إلى مقدار ذلك. قال: إذا تظلم الرجل. قلت: فأمسح العمود على ~~حدته. قال: إذا تظلم السلطان. قلت: والله ما أدري. # قال: لست بكاتب خراج، فأيهم أنت؟ قلت: كاتب جند. قال: فما تقول في رجلين ~~اسم كل واحد منهما أحمد، أحدهما مقطوع الشفة العليا، والآخر مقطوع الشفة ~~السفلى، كيف كنت تنعتهما وتحليهما؟ فقلت: كنت أكتب أحمد الأعلم (1)، وأحمد ~~الأعلم. قال: كيف يكون هذا ورزق هذا مئتا درهم، ورزق ذاك ألف درهم، فيقبض ~~هذا عطاء ذاك، وذاك عطاء هذا، فتظلم صاحب الألف؟ قلت: والله ما أدري: قال: ~~فلست بكاتب جند، فأيهم أنت؟ قلت: # كاتب قاض. قال: فما تقول في رجل خلف سرية (2) وزوجة، وكان للزوجة بنت، ~~وللسرية ابن، فلما كان تلك الليلة التي مات فيها الرجل، أخذت الحرة ابن ~~السرية فادعته، وجعلت ابنتها مكانه، فتنازعتا فيه، فقالت هذه ابني، وقالت ~~هذه ابني، كيف كنت تحكم بينهما وأنت خليفة # PageV02P159 # القاضي؟ قلت: والله ما أدري. قال: فلست بكاتب قاض، فأيهم أنت؟ فقلت: كاتب ms397 ~~شرطة. # قال: فما تقول في رجل وثب على رجل، فشجه شجة موضحة (1)، فوثب عليه ~~المشجوج فشجه شجة مأمومة (2)، كيف كنت تقضي بينهما؟ فقلت: ما أعلم. قال: ~~فلست بكاتب شرطة. # فقلت: أصلحك الله: قد سألت ففسر لي ما ذكرت. فقال: أما الذي تزوجت أمه، ~~فتكتب إليه: أما بعد، فإن أحكام الله تجري بغير محاب المخلوقين، والله ~~يختار للعباد، فخار الله لك في قبضها إليه، فإن القبر أكرم لها، والسلام. ~~وأما البراح: فتضرب واحدا وثلثا في مساحة العطوف، فمن ثم بابه. وأما أحمد ~~وأحمد: فتكتب حلية المقطوع الشفة العليا: أحمد الأعلم، والمقطوع الشفة ~~السفلى: أحمد الأشرم. وأما المرأتان فيوزن لبن هذه ولبن هذه، فأيهما كان ~~أخف، فهي صاحبة البنت. وأما صاحب الشجة: فإن في الموضحة خمسا من الإبل، وفي ~~المأمومة ثلاثا وثلاثين وثلثا، فيرد صاحب المأمومة ثمانية وعشرين وثلثا. ~~فقلت: أصلحك الله؟ فما أتى بك هاهنا؟ قال: ابن عم لي كان عاملا على ناحية، ~~فخرجت إليه، فألفيته معزولا فقطع بي، فأنا خارج أضطرب في المعاش. قلت: ألست ~~قد ذكرت أنك حائك؟ فقال: جعلت فداك: إنما أحوك الكلام، ولست بحائك الثياب. ~~قال: فدعوت المزين فأخذ من شعره، وأدخل الحمام وطرحت عليه من ثيابي، فلما ~~صرت إلى الأهواز كلمت فيه الرحجي، فأعطاه خمسة آلاف درهم، ورجع معي، فلما ~~صرت إلى أمير المؤمنين ألفيته قد توقد علي نارا، وامتلأ غيظا، وقد حلف ~~بالمشي إلى الكعبة أن ينالني منه يوم سوء، لطول مقامي، واشتغالي عنه ~~بالرجل، فلما دخلت عليه قال: ما كان من خبرك في طريقك، وما الذي شغلك بعد ~~أمري لك أن لا تلبث ببغداد إلا يوما واحدا، ويمينك على ذلك؟ فأخبرته خبري، ~~حتى حدثته بحديث الرجل، وقصتي معه، قال: لقد جئتني بأعظم الفوائد، فلأي شئ ~~يصلح ويحك؟ قلت: هو والله يا أمير المؤمنين أعلم الناس بالفقه والعلم، ~~والحلال والحرام، والهندسة والفلسفة، والحساب والكتابة. فولاه هارون البناء ~~والمرمة (3)، والمهم من الأمور، وأولاه على عمال الخراج يتقاضاهم ويحاسبهم، ~~فكنت والله ألقاه في المواكب العظيمة، فينحط عن ms398 دابته ساعيا، حتى يقبل على ~~يدي يقبلها، فأحلف عليه، فيقول: سبحان الله، إنما هذه نعمتك، وبك نلتها، ~~ويقول: # PageV02P160 # فلو أن للشكر شخصا يرى * إذا ما تأمله الناظر لمثلته لك حتى تراه * فتعلم ~~أني امرؤ شاكر قال عمرو بن مسعدة: ثم قال لي هارون: ويحك، لما أبطأت حلفت ~~بالمشي إلى الكعبة أن ينالك مني يوم سوء، ولا والله ما هذا جزاؤك لدي فما ~~الرأي؟ فقلت: يا أمير المؤمنين، أنت أعلى عينا، وأولى من بر يمينه. فقال: ~~والله ما أريد ذلك. قلت: فليكفر أمير المؤمنين عن يمينه، فإن النبي عليه ~~الصلاة والسلام قال: من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر، وليأت الذي هو ~~خير: فقال: ويحك: إن العلماء لم يروا الكفارة في هذا، وإنما تأولوا قوله ~~عليه الصلاة والسلام في الإيمان بالله تعالى، وقد أجمعت على المشي، والمضي ~~إلى الكعبة راجلا. فقلت: أنى لك بذلك؟ وكيف تصل راجلا؟ قال: لا بد من ذلك. ~~فقال عمرو: يا أمير المؤمنين، فأمهل عامك هذا حتى أسهل لك طريقا، وأحدد لك ~~مراحل، وأوقت لك مواقيت يسهل عليك ذلك إن شاء الله. قال: ذلك لك. فأمر عمرو ~~بالأنهار فعرجت عن مسيلها، وبالآكام والجبال فسويت، وبالخنادق والأودية ~~فردمت، حتى صار ما بينه وبين مكة كالراحة الموزونة، وصارت الأنهار والأودية ~~تسايره على طريقه، ثم صنع له مراحل، قد حدد له عند كل مرحلة حدا، وابتنى في ~~كل مرحلة دارا، وكانت المرحلة بريدا، قدرها اثنا عشر ميلا، ثم أمر بالمراحل ~~ففرشت بالبسط الرهاوية (1)، ونصب له جدارا بالستور، وسمكها بأكسية الخز ~~الرفيع الملون، وقد ضرب عند كل فرسخ قبة مزوقة، قد أقام فيها الفرش ~~الممهدة، وقد أحاط بها الظلال الممدودة بالرواقات الكثيفة، فيها أنواع ~~الطعام والشراب وألوان الفواكه: فلما تم صنعه ذلك: وأبرم أمره. قال: يا ~~أمير المؤمنين، قد تم ما أردته، وكمل ما حاولته، فانهض على اسم الله ~~العظيم، وكانت زبيدة زوجته التي أغرته عليه، وحملته على اليمين لمعاقبته، ~~فخرج الرشيد ماشيا، ومعه دابته وزبيدة، فكانت المرحلة تفرش، والستور ms399 تنصب، ~~والسمك ترفع، فيمشي ثلاثة أميال، ثم ينزل في قبة أمامها رواق (2)، فينال ~~راحته، ويصيب ما اشتهى من لذة في مأكل ومشرب، ثم ينهض ثلاثة أخرى، فينزل ~~على مثل ذلك، فإذا استكمل مشى أربعة فراسخ، نزل في قصر قد شيد له، ودار قد ~~بنيت، فيها حمام طيب، ينال فيها راحته مع أهله، ويصيب لذته مما شاء وكيف ~~شاء، ثم يكسر (3) فيه يوما، ثم يخرج # PageV02P161 # في اليوم الثاني إلى مثل ذلك، قد شايعه في طريقه الوزراء والقواد، وأمراء ~~الأجناد، والعلماء والفقهاء، والجنود والعساكر قد صاروا منه بمعزل يحاذونه ~~في طريقه. إذا نزل في الرواق صار الخصيان حوله، بحيث يسمعون كلامه، ولا ~~يرون شخصه، فلا يشتهي شيئا من معرفة أخبار الأمصار والبلدان، إلا وخط فيه ~~كتابا، يأمر فيه بإيصاله لحيث شاء من الأماكن، مسيرة الأيام والليالي، ~~فيأتيه الجواب من يومه على النجائب من مسيرة ثمانية أيام، ويأتيه الجواب من ~~يومه من مسيرة شهر ونحوه على أجنحة الحمام، يعلق الكتاب في جناحه فيرتفع في ~~الجو ارتفاعا يغيب شخصه عمن في الأرض، وينقض على وطنه، وموضع فراخه، فإذا ~~نزل لا يستقر نزوله، حتى يؤخذ الكتاب من جناحه، فيجاوب بما أحب، ثم يسرح ~~غيره، فيرتفع في الجو حتى يوازي وطنه وموضعه من بعد تلك الأماكن التي عليها ~~طريق أمير المؤمنين، فيؤخذ الجواب منه، وقد صار الموكلون بذلك لا يهتمون ~~بغير ما قلدوا، ولا يتشاغلون بغير ما حملوا، فلم يزل كذلك ماشيا، حتى وصل ~~إلى مكة في ثلاثة أشهر، فقضى حجه، وشهد مناسكه ومشاعره، ثم انصرف قافلا إلى ~~بغداد، وذلك في آخر شهر ذي الحجة من سنة ثمانين ومئة. فلما هم بالانصراف، ~~وذكر القفول إلى العراق، رفع إليه أهل مكة كتابا يسألونه فيه أن يولي عليهم ~~قاضيا عدلا، فأدخلهم على نفسه، فقال: إن شئتم فاختاروا منكم رجلا صالحا ~~أوليه قضاءكم، وإن أحببتم بعثت إليكم من العراق رجلا لا آلوكم فيه إلا ~~خيرا، فخرجوا فاختاروا رجلا، فاختلفوا فيه، فاختارت طائفة منهم رجلا، ~~واختارت أخرى رجلا آخر، فلما ms400 اختلفوا ارتفعوا إلى الرشيد يذكرون اختلافهم. ~~فقال لهم هارون: أدخلوا علي هذين الرجلين اللذين اختلفتم فيهما، فإذا ~~برجلين، أحدهما شيخ من قريش، والآخر غلام حدث من الموالي. فلما نظر إليهما ~~الرشيد قال للشيخ: ادن مني، فدنا منه، فقال له الرشيد: أيها القاضي، إن ~~بيني وبين وزيري هذا خصومة وتنازعا، فاقض بيننا بالحق. فقال الشيخ: قصا علي ~~قصتكما، فقصا عليه، فقال الشيخ: تقيم البينة يا أمير المؤمنين على ما ~~ذكرته، أو يحلف وزيرك هذا. فقال له هارون: إن أخي لا يدافعني ما أقول، ولا ~~ينكر إلا قليلا مما أدعى، فلم يزالا يرددان القول بينهما ويتنازعان، حتى ~~قضى القاضي لأمير المؤمنين على الوزير. فقال له: قم، فقام عنه. ثم دعا ~~بالغلام الحدث، الذي دعته الطائفة الأخرى، فدخل عليه. فقال له: ادن مني، ~~فدنا منه. فقال له هارون: إن بيني وبين وزيري تنازعا وخصومة، فاسمع منا ~~قولنا، ثم اقض بيننا بالحق. قال لهما: إن مقعدكما مختلف، ومجلسكما متناء، ~~وأخشى إذا اختلف مجلسكما أن يختلف قولكما، فإذا تفاضل مجلس الخصوم اختلف ~~بينهما القول، وكان صاحب المجلس الأرفع ألحن بحجته، وأدحض لحجة صاحبه، ~~PageV02P162 # وكان إصغاء الحاكم إلى صاحب المجلس الأرفع أكثر، وإليه أميل. ولكن تقومان ~~من مجلسكما هذا الذي قد استعليتما فيه، فتجلسا بين يدي، ثم أسمع منكما ~~قولكما، وأقضي لمن رأيت الحق له، ثم لا أبالي على من دار منكما. فقال ~~الرشيد: صدقت وبررت في قولك، فقام الرشيد، وقام عمرو بن مسعدة، حتى صارا ~~بين يديه جالسين. فلما جلسا بين يديه ذهب الرشيد ليتكلم. # فقال له القاضي: لو تركت هذا يتكلم، فإنه أسن منك. فقال الرشيد. إن الحق ~~أسن منه. فقال القاضي: بلى، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لحويصة ~~ومحيصة (1): كبر كبر. يريد ليتكلم عمكما، لأنه أسن منكما وأكبر، فتكلم عمرو ~~ابن مسعدة، ثم تكلم الرشيد، وتنازعا الخصومة، وترافعا الحجة بينهما، حتى ~~رأى القاضي أن الحق لعمرو، فقضى له به على الرشيد، فلما قضى عليه قال لهما: ~~عودا إلى مجلسكما، فعادا، ms401 فعجب الرشيد من قضائه وعدله واحتفاظه وقلة ميله، ~~فالتفت إلى عمرو فقال: إن هذا أحق بقضاء القضاة من الذي استقضيناه. فقال ~~عمرو: بلى والله، ولكن القوم أحق بقاضيهم إلا أن يأذنوا فيه، فدعا الرشيد ~~برجال مكة، فأدخلهم على نفسه، وأجزل لهم العطاء، وأحسن على قاضيهم الثناء. ~~ثم قال لهم: هل لكم أن تأذنوا أوليه قضاء القضاة، فيسير إلى العراق يقضي ~~بينهم؟ فقالوا: نعم يا أمير المؤمنين أنت أحق به نؤثرك على أنفسنا. فأرسل ~~إليه الرشيد فقال: # إني قد وليتك قضاء القضاة، فسر إلى العراق لتقضي بينهم، وتولي القضاة في ~~البلدان والأمصار من تحت يدك، وتوليتهم إليك، وعزلهم عليك. فقال القاضي: إن ~~يجبرنى أمير المؤمنين على ذلك فسمعا وطاعة، وإن يخيرني في نفسي اخترت ~~العافية، وجوار هذا البيت الحرام. فقال الرشيد: ما ينبغي لي أن أدع ~~المسلمين وفيهم مثلك، لا أوليه عليهم، فخذ على نفسك فإني مصبح على ظهر إن ~~شاء الله. فخرج الرشيد ومعه الفتى حتى قدم العراق، فولاه القضاء، وجعل إليه ~~قضاء القضاة، فلم يزل بها قاضيا حتى توفي، وذلك بعد ثلاثة أعوام من توليته. ~~فلما توفي اغتم الرشيد وشق عليه، فجعل الناس يعزونه فيه علما منهم بما بلغ ~~منه الغم عليه. فسأل عن قاض يوليه قاضي القضاة في العراق بعد ذلك، فرفعت ~~إليه تسمية عشرة رجال من خيار الناس وعلمائهم وأشرافهم، فلما رفعت إليه ~~التسمية، أمر بهم فأدخلوا عليه رجلا رجلا، ليتفرس فيهم من يوليه القضاء، ~~فنظر إلى رجل منهم توسم فيه الخير والعلم فأمر به فقدم إليه. فلما صار بين ~~يديه، قال له: ما اسمك؟ قال: معشوق: قال: فما كنيتك؟ قال: أبو الهوى. قال: ~~فما نقش خاتمك؟ قال: # دام الحب دام، وعلى الله التمام. فقال له: قم لا قمت. ثم دعا بالآخر، ~~وكان قد تفرس فيه ما تفرس في صاحبه فقال له: ما نقش خاتمك؟ فقال: " ما لي ~~لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين " فقال # PageV02P163 # له اخرج: فدعا الرشيد بيحيى بن خالد بن برمك، وكان ممن ms402 رفع إليه أسماءهم، ~~فعنفه بهم، وقال: رفعت إلي أسماء المجانين. قال له: والله ما في العراقيين ~~أعقل من الرجلين اللذين سألت، ولا أفضل منهما. فقال: ويحك إني اختبرت منهما ~~جنونا. قال يحيى: إنهما والله كانا كارهين لما دعوتهما إليه وإنما أراد ~~التخلص منك. قال: ويحك: أعدهما علي، فطلبا فلم يوجدا. # ذكر الأعرابي مع هارون الرشيد قال: وذكروا أن أعرابيا قدم على هارون ~~الرشيد مستجديا، فأراد الدخول عليه، فلم يمكنه ذلك، فلما رأى أنه لم يؤذن ~~له، أتى عبد الله ابن الفضل الحاجب، فقال له: توصل كتابي هذا إلى أمير ~~المؤمنين، وكان الرشيد قد عهد إلى حاجبه أن لا يحبس عنه كتاب أحد قرب أو ~~بعد، فأعطاه الأعرابي كتابا فيه أربعة أسطر. السطر الأول فيه: الضرورة ~~والأمل قاداني إليك. والثاني العدم يمنع من الصبر. والثالث: الانقلاب عنك ~~بلا فائدة شماتة الأعداء. والرابع: فإما " نعم " مثمرة! وإما " لا " مريحة. ~~فلما وصل الكتاب إلى الرشيد قال: هذا رجل قد ساقته الحاجة، ووصلت إليه ~~الفاقة، فليدخل، فدخل فقال له الرشيد: # إرفع حاجتك يا أعرابي. فقال الأعرابي: إن مع الحاجة حويجات. فقال له ~~الرشيد: ارفع حاجتك وحويجاتك تقض كلها. قال الأعرابي: تأمر لي يا أمير ~~المؤمنين بكلب أصيد به، فضحك الرشيد ثم قال له: قد أمرنا لك بكلب تصيد به. ~~فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بداية أركبها: فقال الرشيد: قد أمرنا لك ~~بداية تركبها. فقال: تأمر لي يا أمير المؤمنين بغلام يخدم الدابة. فقال له ~~الرشيد: قد أمرنا لك بغلام. قال الأعرابي: تأمر لي يا أمير المؤمنين بجارية ~~تطبخ لنا الصيد، وتطعمنا منه، فقال الرشيد: قد أمرنا لك بجاريتين، جارية ~~تؤنسك وجارية تخدمك. فقال الأعرابي: لا بد لهؤلاء، من دار يسكنونها. فقال ~~له الرشيد: قد أمرنا لك بدار، فقال الأعرابي: يا أمير المؤمنين يصيرون فيها ~~عالة على الناس، وعلي كلالة، لا يدلهم من ضيعة تقيمهم. فقال له الرشيد: قد ~~اقتطعتك مئة جريب (1) عامرة ومئة جريب غامرة (2). فقال الأعرابي: ما ~~الغامرة يا أمير المؤمنين؟ قال ms403 الرشيد: غير معمورة تأمر بعمارتها. فقال ~~الأعرابي: أنا أقطعتك ألف ألف جريب من أرض أخوالي بني أسد بالحجاز تأمر ~~بعمارتها، فضحك الرشيد وقال: قد أقطعتكها عامرة كلها. ثم قال الرشيد: تمت # PageV02P164 # حويجاجتك كلها يا أعرابي؟ فقال نعم، وبقيت حاجتي العظمى. فقال له الرشيد. ~~ارفعها تقض فقال أقبل رأسك يا أمير المؤمنين، فقال له الرشيد: هذا لا سبيل ~~إليه. فقال الأعرابي: # أتمنعني حقا هو لي، وتدفعني عما بذلت لي أمير المؤمنين! فقال الرشيد؟ هذا ~~الأمر لا يكون يا أعرابي، ولا سبيل إلى مثل هذا. فقال الأعرابي: لا بد من ~~أن أصل إلى حقي، إلا أن أغصبه: فقال له الرشيد: يا أعرابي أشتري منك هذا ~~الحق الذي وجب لك: فقال له الأعرابي: هذا الحق مما لا يشترى، وهل في الأرض ~~من المال ما يكون ثمنا لهذا أو عوضا منه؟ # لا والذي نفسي بيده ما في الدنيا صفراء ولا بيضاء يشترى بها هذا. فقال ~~الرشيد: تبيعه ببعض ما تراه من الثمن، فإنه لا يكون ولا يتوصل إليه. فقال ~~له الأعرابي: فإذا قد أبيت فأعطني مما أعطاك الله، فأمر له بمئة ألف دينار، ~~فأتى بها إليه. فقال الأعرابي: ما هذه؟ فقيل له: # هذه مئة ألف دينار تأخذها. فقال الأعرابي: هي للغرماء علي: وهم أولى بها ~~مني، فضحك الرشيد، ثم أمر له بمئة ألف أخرى. فقال: ما هذه؟ فقيل له: مئة ~~ألف ثانية، والأولى للغرماء، وهذه لك. فقال الأعرابي: هذه لضعفاء أهلي، ~~يصلهم بها أمير المؤمنين، فبم أوسع على نفسي؟ فأمر له الرشيد بمئة ألف ~~ثالثة. فقيل له: هذه مئة ألف ثالثة، توسع بها على نفسك في معيشتك، أرضيت يا ~~أعرابي؟ فقال: نعم رضيت، فرضي الله عنك يا أمير المؤمنين، وابني فضالة يقرأ ~~السلام عليك، ويسألك مئة ألف، يستعين بها في نكاحه، ويتزين بها في دنياه، ~~وإنه قد جمع القرآن وعرف شرائعه وأحكامه، وعلم ناسخه ومنسوخه، وتفنن في ~~ضروب من العلم، وأحكم أنواع الأدب، وقد جمع الدواوين والكتب، وتبحر في فهم ~~الحديث والأثر، قد أخذ ms404 من من كل علم أهذبه ومن كل ضرب أمحضه إلى لب لبيب، ~~وعقل رصين، وعلم ثابت، ونظر عجيب، وفضل ودين، يصوم النهار كله، ويقوم الليل ~~أكثره، وقد صار في كثير من الأهل والعيال، وعدد من البنين والصبيان. فقال ~~الرشيد: أو لست تذكر يا أعرابي أنه يريد الاستعانة على النكاح، والتوسع في ~~المعاش، ثم أراك تصفه بكثرة العيال، وعدد البنين والصبيان؟ فقال الأعرابي: ~~يا أمير المؤمنين إنه ذو ثلاث نسوة من حرائر النساء، وتسعة من سرائر ~~الإماء، وهو ذو خمسة من الولد من كل حرة، وذو سبع بنات من كل أمة، ويبتغي ~~نكاح الرابعة الحرة، استتماما لما أمر الله به في التنزيل المحكم، وأباح في ~~كتابه الناطق، بكلامه الصادق. فقال الرشيد: يا أعرابي لقد سألت كثيرا، فهلا ~~سألت مئة ألف درهم فتعطاها. قال الأعرابي: فأعطه يا أمير المؤمنين تسعين ~~ألف دينار، واحطط عنك عشرة آلاف دينار. فقال الرشيد: والله لقد سألت كثير، ~~وتحططت قليلا. قال الأعرابي: إنما سألتك يا أمير المؤمنين على قدرك، وحططت ~~على قدري، فاختر ما شئت. # فقال الرشيد: يا أعرابي إنما تريد مغالبتي، لا غلبتني اليوم، فأمر له ~~بمئة ألف دينار ذهبا. PageV02P165 # فقال له أمير المؤمنين: أرضيت يا أعرابي؟ فقال: ما بقي لي شئ يا أمير ~~المؤمنين إلا الحملان والكسوة، وطرائف الكوفة، وتحف البصرة، وجوائز الضيافة ~~وحقها. فقال الرشيد: # وما يصلح لك من الحملان يا أعرابي؟ فقال: أقصد ما يكون دابة للجمال، ~~وأخرى للحملان وثلاثة للاسترحال، ولابني مثل ذلك، ومن الكسوة ما لا بد منه ~~من ثياب المهنة والاستشعار، وما لا غنى عنه من الوطاء والدثار، مع رائع ~~الثياب التي تكون للجمال والجماعات والأعياد، ولابني وبني ابني مثل ذلك. ~~فدعا الرشيد بجعفر بن يحيى وقال: أرحني من هذا، وأمر له بما سأل من ~~الحملان، وما أراد به من ثياب المهنة والجمال، وأغدق عليه من التحف ~~والطرائف ما ترضيه به، وأخرجه عني، فخرج جعفر فأمر له بما سأل وأعطاه ما ~~أراد. ثم انصرف الأعرابي راجعا إلى الحجاز بأموال عظيمة، ms405 لا يوصف أكثرها، ~~ولا يعرف أقلها، وكل هذا يقل عندما عرف من جود الرشيد وسخائه، وجزيل عطائه، ~~قتل جعفر بن يحيى بن يرمك قال عمرو بن بحر الجاحظ: حدثني سهل بن هارون، ~~قال: والله إن كان سجاعو الخطب، ومحبرو القريض لعيالا على يحيى بن خالد بن ~~برمك وجعفر بن يحيى، ولو كان كلام يتصور درا، ويحيله المنطق السري، جوهرا، ~~لكان كلامهما، والمنتقى من لفظهما، ولقد كانا مع هذا عند كلام الرشيد، في ~~بديهته وتوقيعاته في أسافل كتبه، عيين، وجاهلين أميين، ولقد عبرت معهم ~~وأدركت طبقة المتكلمين في أيامهم، وهم يرون أن البلاغة لم تستكمل إلا فيهم، ~~ولم تكن مقصورة إلا عليهم، ولا انقادت إلا لهم، وأنهم محض (1) الأنام، ~~ولباب الكرام، وملح الأيام، عتق منظر، وجودة مخبر، وجزالة منطق، وسهولة ~~لفظ، ونزاهة أنفس، واكتمال خصال، حتى لو فاخرت الدنيا بقليل أيامهم، ~~والمأثور من خصالهم كثير أيام من سواهم، من لدن آدم أبيهم إلى نفخ الصور، ~~وانبعاث أهل القبور، حاشا أنبياء الله المكرمين، وأهل وحيه المراسلين، لما ~~باهت إلا بهم، ولا عولت في الفخر إلا عليهم، ولقد كانوا مع تهذيب أخلاقهم، ~~وكريم أعراقهم، وسعة آفاقهم، ورفق ميثاقهم، ومعسول مذاقهم، وسني إشرافهم، ~~ونقاوة أعراضهم، وطيب أغراضهم، واكتمال خلال الخير فيهم إلى ملء الأرض ~~مثلهم، في جنب محاسن المأمون كالنفثة في البحر، وكالخردلة في المهمة القفر. # قال سهل: إني لمحصل أرزاق العامة بين يدي يحيى بن خالد في داخل سرادقه، ~~وهو مع الرشيد بالرقة (2)، وهو يعقدها جملا بكفه، إذ غشيته سآمة، وأخذته ~~سنة، فغلبته عيناه. فقال: # PageV02P166 # ويحك يا سهل، طرق النوم شفري عيني، فأظلمت وأكلت السنة خواطري، فما ذاك؟ ~~قلت: # طيف كريم، إن أقصيته أدركك، وإن غالبته غلبك، وأن قربته روحك، وإن منعته ~~عنتك، وإن طردته طلبك. فنام أقل من فواق بكية (1) أو نزح ركية (2)، ثم ~~انتبه مذعورا، فقال: يا سهل، لأمر ما كان، ذهب والله ملكنا، وذل عزنا، ~~وانقطعت أيام دولتنا. فقلت: وما ذاك أصلح الله الوزير. قال: كأن منشدا ~~أنشدني: # كأن لم ms406 يكن بين الحجون إلى الصفا * أنيس ولم يسمر بمكة سامر فأجبته عن ~~غير روية ولا إجالة فكر: # بلى نحن كنا أهلها فأبادنا * صروف الليالي والجدود العواثر فوالله ما زلت ~~أعرفها فيه، وأراها ظاهرة منه إلى الثالث من يومه ذلك، فإني لفي مقعدي ذلك ~~بين يديه، أكتب توقيعات في أسافل كتبه لطلاب الحاجات إليه، فقد كلفني إكمال ~~معانيها بإقامة الوزن فيها، إذ وجدت رجلا ساعيا إليه، حتى ارتمى مكبا عليه، ~~فرفع رأسه وقال: # سهلا ويحك: ما اكتتم خير، ولا استتر سر. قال له: قتل أمير المؤمنين ~~الساعة جعفرا. قال: # أو فعل؟ قال: نعم، فما زاد أن رمى بالقلم من يده وقال: هكذا تقوم الساعة ~~بغته. قال سهل: # فلو انكفأت السماء على الأرض ما تبرأ منهم الحميم، أو استبعد عن نسبهم ~~القريب، وجحد ولاءهم المولى، واستعبرت لفقدهم الدنيا، فلا لسان يخطر ~~بذكرهم، ولا طرف ناظر يشير إليهم، وضم يحيى وبقية ولده الفضل، ومحمدا ~~وخالدا بنيه، وعبد الملك ويحيى وخالدا بني جعفر بن يحيى، والعاصي ويزيد، ~~ومعمرا بني الفضل بن يحيى، ويحيى وجعفرا وزيدا، بني محمد بن يحيى، وإبراهيم ~~ومالكا وجعفرا وعمرا بني خالد بن يحيى، ومن لف لفهم، أو هجس بنفسه أمل ~~فيهم. # قال سهل: وبعث إلي الرشيد فوالله لقد أعجلت عن النظر، فدخلت ولبست ثياب ~~أحزاني، وأعظم رغبتي إلى الله الإراحة بالسيف، وإلا نعيت كما نعي جعفر فلما ~~دخلت # PageV02P167 # عليه، ومثلت بين يديه، عرف الذعر في تجريض (1) ريقي، والتمايد (2) في ~~طريقي، وشخوصي إلى السيف المشهور ببصرى. فقال هارون: إيها يا سهل، من غمط ~~نعمتي، واعتدى وصيتي، وجانب موافقتي أعجلته عقوبتي. فوالله ما وجدت جوابها ~~حتى قال: ليفرخ روعك (3)، وليسكن جأشك، ولتطب نفسك، ولتطمئن حواسك. فإن ~~الحاجة إليك قربت منك، وأبقت عليك بما يبسط منقبضك، ويطلق معقولك (4)، ~~فاقتصر على الإشارة قبل اللسان، فإنه الحاكم الفاصل، والحسام الناصل، وأشار ~~إلى مصرع جعفر وهو يقول: # من لم يؤد به الجميل * ففي عقوبته صلاحه قال سهل: فوالله ما أعلمني أني ~~عييت بجواب أحد قط غير ms407 جواب الرشيد يومئذ، فما عولت في شكره والثناء عليه، ~~إلا على تقبيل يديه، وباطن رجليه. ثم قال لي: اذهب فقد أحللتك محل يحيى بن ~~خالد، ووهبتك ما ضمته أبنيته، وحوى سرادقه، فاقبض الدواوين، وأحص جباءه، ~~وجباء جعفر لنأمرك بقبضه إن شاء الله. قال سهل: فكنت كمن نشر عن كفن وأخرج ~~من حبس، فأحصيت جباءهما فوجدت عشرين ألف ألف دينار، ثم قفل إلى بغداد ~~راجعا، وفرق البرد إلى الأمصار بقبض أموالهم وغلاتهم، وأمر بجيفة جعفر، ~~فنصبت مفصلة على ثلاثة جذوع، رأسه في جذع على رأس الجسر مستقبل الفرات، ~~وبعض جسده في جذع آخر في آخر الجسر الأول وأول الجسر الثاني، مما يلي ~~بغداد، قال سهل: # فلما دنونا من بغداد، طلع الجسر الذي فيه وجه جعفر لنا أولا، واستقبلنا ~~وجهه، واستقبلته الشمس، فوالله لخلتها تطلع من بين حاجبيه، وأنا عن يمينه، ~~وعبد الملك بن الفضل عن يساره. فلما نظر إليه الرشيد، كأنه قنئ شعره، وطلى ~~بنور بشره، وأربد وجهه، وأغضى بصره قال عبد الملك بن الفضل: لقد عظم ذنب لم ~~يسعه عفو أمير المؤمنين. فقال الرشيد، واغرورقت عيناه حتى لعرفنا الجهش في ~~صدره: من يرد غير مائه يصدر بمثل دائه، ومن أراد فهم ذنبه يوشك أن يقوم على ~~مثل راحلته. علي بالنضاحات. قال سهل: فنضح عليها حتى احترقت عن آخرها، وهو ~~يقول: أما والله لئن ذهب أثرك، لقد بقي خبرك، # PageV02P168 # ولئن حط قدرك لقد علا ذكرك. قال سهل: وأمر بضم أموالهم، فوجد من العشرين ~~ألفا التي كانت مبلغ جبائهم اثنى عشر ألف ألف مكتوبا على بدرها صكوك ~~مختومة، بتفسيرها وفيمن حبوا بها، فما كان منها حباء على غريبة أو استطراف ~~ملحة تصدق يحيى بها، وأثبت ذلك في ديوانها على تواريخ أيامها، وساعات ~~أعطياتها، فكان ديوان إنفاق، واكتساب فائدة، وقبض من سائر أموالهم ثلاثين ~~ألف ألف وست مئة ألف وستين ألفا إلى سائر ضياعهم وغلاتهم ودورهم ورباعهم ~~ورياشهم، والدقيق (1) والجليل من مواعينهم، فإنه لا يصف أقله، ولا يعرف ~~أكثره إلا من أحصى الأعمال، ms408 وعرف منتهى الآجال. وأبرزت حرمه إلى دار ~~البانوقة ابنة المهدي، فوالله ما علمته عاش ولا عشن إلا من صدقات من لم يزل ~~متصدقا عليه، وصار من موجدة الرشيد فيما لم يعلم من ملك قبله على آخر ملكه. ~~وكانت أم جعفر بن يحيى فاطمة بنت محمد بن الحسن بن الحسن بن قحطبة بن شبيب ~~قد أرضعت الرشيد مع جعفر، وكان ربي في حجرها، وغذي برسلها، لأن أمه ماتت عن ~~مهده، فكان الرشيد يشاورها مظهرا لإكرامها، والتبرك برأيها، وكان قد آلى ~~على نفسه، وهو في كفالتها أن لا يحجبها، وأن لا تستشفعه لأحد إلا شفعها، ~~وآلت عليه أم جعفر أن لا دخلت عليه إلا مأذونا لها، ولا تشفعت لأحد لغرض ~~دنيا. قال سهل: فكم أسير فكت، ومبهم عنده فتحت، ومستغلق منه فرجت. قال: ~~واحتجب الرشيد بعد قدومه، فطلبت الإذن عليه من دار البانوقة، ومتت بوسائلها ~~إليه، فلم يأذن لها ولا أمر بشئ فيها، فلما طال ذلك بها خرجت كاشفة وجهها، ~~واضعة لثامها، محتفية في مشيتها، حتى صارت بباب قصر الرشيد، فدخل عبد الملك ~~بن الفضل الحاجب، فقال ظئر (2) أمير المؤمنين بالباب، في حالة تقلب شماتة ~~الحاسد إلى حنين الولد وشفقة أم الواحد، فقال له الرشيد: ويحك يا ابن ~~الفضل: أو ساعية؟ فقال: نعم أصلح الله الأمير حافية. فقال: أدخلها يا عبد ~~الملك، فرب كبد كريم غذتها، وكربة فرجتها، وعورة سترتها. فقال سهل: فوالله ~~ما شككت في شئ قط ما شككت يومئذ في إجابة طلابها وإسعافها بحاجتها. فلما ~~دخلت ونظر إليها داخلة محتفية قام محتفيا حتى تلقاها بين عمد المجلس، فأكب ~~على تقبيل رأسها ومواضع ثديها، ثم أجلسها معه. فقالت يا أمير المؤمنين، ~~أيعدو علينا الزمان، ويجفونا خوفا لك الإخوان، يحردك بنا البهتان، ويوسوس ~~لك بأذانا الشيطان، وقد ربيتك # PageV02P169 # وأخذت برضاعي لك الأمان من دهري. فقال لها: وما ذلك يا أم الرشيد؟ قال ~~سهل: # فآيسني من رأفته بتركه كنيتها آخرا ما كان أطمعني منه في بره بها أو لا. ~~قالت له: ظئرك يحيى ms409 وأبوك بعد أبيك: ولا أرشحه بأكثر مما عرفه به أمير ~~المؤمنين من نصيحته له، وإشفاقه، عليه، وتعرضه للحتف في شأن موسى أخيه. ~~فقال: يا أم الرشيد، قدر سبق، وقضاء حم، وغضب من الله نزل. قالت: يا أمير ~~المؤمنين: يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب: # فقال الرشيد: صدقت، فهذا مما لا يمحوه الله. فقالت: الغيب محجوب عن ~~النبيين، فكيف عنك يا أمير المؤمنين؟ فأطرق الرشيد يسيرا ثم قال: # وإذا المنية أنشبت أظفارها * ألفيت كل تميمة لا تنفع فقالت بغير روية: ما ~~أنا ليحيى بتميمة يا أمير المؤمنين. وقد قيل: # وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد * ذخرا يكون كصالح الأعمال هذا بعد قول ~~الله " والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين " فأطرق ~~هارون قليلا ثم قال: # إذا انصرفت نفسي عن الشئ لم تكد * إليه بوجه آخر الدهر تقبل فقالت: يا ~~أمير المؤمنين وهو يقول: # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني * يمينك فانظر أي كف تبدل قال الرشيد: ~~رضيت. فقالت: يا أمير المؤمنين، فهبه لله تعالى، فقد قال رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم: من ترك شيئا لله لم يوجده الله، فأكب الرشيد مليا، ثم رفع ~~رأسه وهو يقول: # لله الأمر من قبل ومن بعد. قالت: يا أمير المؤمنين: " ويومئذ يفرح ~~المؤمنون بنصر الله، ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم ". واذكر يا أمير ~~المؤمنين أليتك (1): ما استشفعت إلا شفعتني. قال: واذكري يا أم الرشيد ~~أليتك: أن لا شفعت لمقترف ذنبا. قال سهل ابن هارون: فلما رأته صرح بمنعها، ~~ولاذ من مطلبها، أخرجت له حقا من زمردة خضراء، فوضعته بين يديه، فقال ~~الرشيد: ما هذا؟ ففتحت عنه قفلا من ذهب، فأخرجت منه خفضه (2) وذوائبه ~~وثناياه، قد غمست جميع ذلك في المسك. فقالت: يا أمير المؤمنين: أستشفع # PageV02P170 # إليك، وأستعين بالله عليك، وبما صار معي من كريم جسدك، وطيب جوارحك، ~~ليحيى عبدك. فأخذ هارون ذلك فلثمه، ثم استعبر وبكى بكاء شديدا، وبكى أهل ~~المجلس، ومر البشير إلى يحيى، وهو لا يظن إلا أن ms410 البكاء رحمة له، ورجوع ~~عنه. فلما أفاق رمى جميع ذلك في الحق، وقال لها: لحسن ما حفظت الوديعة: ~~قالت: وأهل للمكافأة أنت يا أمير المؤمنين. فسكت: وطبع الحق، ودفعه إليها، ~~وقال: " إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها "، قالت: يا أمير ~~المؤمنين وقال عز وجل: " وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل "، وقال ~~تعالى: " وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم "، فقال لها: وما ذاك يا أم الرشيد؟ ~~قالت: ما أقسمت لي به يا أمير المؤمنين، أن لا يحجبك عني حاجب. فقال لها: # يا أم الرشيد، أحب أن تشتريه محكمة فيه. قالت: أنصفت يا أمير المؤمنين، ~~وقد فعلت غير مستقيلة لك، ولا راجعة عنك. قال: بكم؟ قالت: برضاك عمن لم ~~يسخطك: قال: # يا أم الرشيد، أمالي عليك من الحق مثل الذي لهم؟ قالت: بلى يا أمير ~~المؤمنين إنك لأعز علي، وهم أحب إلي. قال: إذا فتحكمي في ثمنه بغيرهم. ~~قالت: بلى وقد وهبتكه وجعلتك في حل منه، وقامت عنه، فبقي الرشيد مبهوتا، ما ~~يحير لفظة. قال سهل: وخرجت عنه فلم تعد إليه، ولا والله إن رأيت عيني ~~لعينها عبرة، ولا سمعت أذني لنعيها أنه. قال سهل: وكان الأمين رضيع يحيى بن ~~جعفر، فمت إليه يحيى بن خالد بذلك، فوعده استيهاب أمه إياهم، ثم شغله اللهو ~~عنهم، فكتب إليه يحيى، وقيل: إنها لسليمان الأعمى أخي مسلم بن الوليد: # يا ملاذي وعصمتي وعمادي * ومجيري من الخطوب الشداد بك قام الرجاء في كل ~~قلب * زاد فيه البلاء كل مزاد إنما أنت نعمة أعقبتها * أنعم نفعها لكل ~~العباد وعد مولاك أتممتة فأبهى الدر * ما زين حسنه بانعقاد ما أظلت سحائب ~~اليأس إلا * خلت في كشفها عليك اعتمادي إن تراخت يداك عني فواقا * أكلتني ~~الأيام أكل الجراد وبعث بها إليه، فبعثها الأمين إلى أمه زبيدة، فأعطها ~~الرشيد وهو في موضع لذاته، وفي إقبال من أريحيته، وتهيأت للاستشفاع لهم، ~~وهيأت جواريها ومغنياتها، وأمرتهن بالقيام إليه معها. فلما فرغ الرشيد من ~~قراءتها لم ينقض حبوته (1) حتى وقع في ms411 أسفلها: عظيم ذنبك أمات # PageV02P171 # خواطر العفو عنك. ورمى بها إلى زبيدة، فلما رأت توقيعه علمت أنه لا يرجع ~~عنه. قال: # واعتل يحيى، فلما شفى دعا برقعة فكتب في عنوانها: ينفذ أمير المؤمنين ~~أبقاه الله عهد مولاه يحيى بن خالد، وفيه: بسم الله الرحمن الرحيم، قد تقدم ~~الخصم لموضع الفصل، وأنت على الأثر، والله الحكم العدل. فلما ثقل قال ~~للسجان: هذا عهدي، توصله إلى أمير المؤمنين، فإنه ولي نعمتي، وأحق من نفذ ~~وصيتي فلما مات أوصل السجان عهد يحيى إلى الرشيد. # فلما قرأه استمد (1)، فكتب، ولا أدري لمن الرقعة. فقلت: يا أمير ~~المؤمنين، ألا أكفيك؟ # قال: كلا: إني أخاف عادة الراحة أن يقوى سلطان العجزة فيحكم الغفلة، ~~ويقضي بالبلادة. # قال سهل: فوقع فيها: الحكم الذي رضيت به في الآخرة لك، هو أعدى الخصوم ~~عليك في الدنيا، وهو من لا ينقض حكمه، ولا يرد قضاؤه، ثم رمى الكتاب إلي، ~~فلما رأيته علمت أنه ليحيي، وأن الرشيد أراد أن يؤثر الجواب عنه. قال سهل: ~~قلت لبعض من أثق بوفائه، وأعتقد صدق إخائه من خصيان القصر المتقدمين عند ~~أمير المؤمنين، والمتمكنين من كل ما يكون لديه. ما الذي نعى جعفر بن يحيى ~~وذويه عند أمير المؤمنين، وما كان من ذنبه الذي لم يسعه عفوه، ولم يأت عليه ~~رضاه؟ فقال: لم يكن له جرم، ولا لديه ذنب، كان والله جعفر على ما عرفته ~~عليه، وفهمته عنه من اكتمال خصال الخير، ونزاهة النفس من كل مكروه ومحذور، ~~إلا أن القضاء السابق، والقدر النافذ لا بد منه. كان من أكرم الخلق على ~~أمير المؤمنين، وأقربهم منه، وكان أعظمهم قدرا وأوجبهم حقا فلما علم ذلك من ~~حسن رأي أمير المؤمنين فيه وشديد محبته له، استأذنته أخته، فاختة بنت ~~المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر ومهاداته، فأذن لها، وكانت قد استعدت له ~~بالجواري الرائعات، والقينات الفاتنات، فتهدى له كل جمعة بكرا يفتضها، إلى ~~ما يصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة، وأنواع الكسوة والطيب، كل ~~ذلك بمعرفة أمير المؤمنين ورأيه، ms412 فاستمرت بذلك زمانا، ومضت به أعواما. فلما ~~كانت جمعة من الجمع، دخل جعفر القصر الذي استعددت به، ولم يرع جعفر إلا ~~بفاختة ابنة المهدى في القصر، كأنها جارية من الجواري اللاتي كن يهدين له، ~~فأصاب منها لذته، وقضى منها حاجته، ولا علم له بذلك. فلما كان المساء، وهم ~~بالانصراف، أعلمته بنفسها، وعرفته بأمرها، وأطلعته على شديد هواها، وإفراط ~~محبتها له، فازداد بها كلفا، وبها حبا، ثم استعفاها من المعاودة إلى ذلك. ~~وانقبض عما كان يناله من جواريها، واعتذر بالعلة والمرض، فأعلم جعفر أباه ~~يحيى. فقال له: يا بني أعلم أمير # PageV02P172 # المؤمنين ما كان معجلا، وإلا فأذن لي فأعلمه، فإني أخاف علينا يوم سوء إن ~~تأخر هذا، وبلغه من غيرنا، وإعلامك له في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب، ~~فهي أحق بالعقوبة منك قال: جعفر: لا والله لا أعلمته به أبدا، فالموت علي ~~أيسر منه، وأرجو الله أن لا يطلعه عليه، فقال له يحيى: لا تظن هذا يخفى ~~عليه، فأطعني اليوم وأعلمه. فقال جعفر: والله لا أفعل هذا أبدا ولا أتكلم ~~به، وبالله أستعين، فلم يرع الرشيد إلا أن رفعت إليه جارية من جواريها ~~رقعة، وأعلمت ذلك فيها فاستحق ذلك عند الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من ~~إتحافها، واعتذاره بالعلة من غير مرض ينهكه، فغفل عنه الرشيد، ولم ير لذلك ~~جفوة، ولا زاد له إلا كرامة، ولا لديه إلا حرمة ورفعة، حتى قرب وقت الهلاك، ~~ودنا منقلب الحتف، والله أعلم. # قد تم بعون الله تعالى ما به ابتدأنا، وكمل وصف ما قصصنا، من أيام ~~خلفائنا وخير أئمتنا، وفتن زمانهم، وحروب أيامهم، وانتهينا إلى أيام ~~الرشيد، ووقفنا عند انقضاء دولته، إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده، ونقل ~~حديث ما دار على أيديهم، وما كان في زمانهم كبير منفعة، ولا عظيم فائدة، ~~وذلك لما انقضى أمرهم، وصار ملكهم إلى صبية أغمار (1)، غلب عليهم زنادقة ~~العراق، فصرفوهم إلى كل جنون، وأدخلوهم إلى الكفر، فلم يكن لهم بالعلماء ~~والسنن حاجة، واشتغلوا بلهوهم، واستغنوا ms413 برأيهم. وكان الرشيد مع عظم ملكه، ~~وقدر شأنه، معظما للخير وأهله، محبا لله ورسوله، ولما دخلت عليه سنة تسعين ~~ومئة أخذته الحمى التي أخبر بها جده أبو جعفر المنصور، وهو في المهد صغيرا، ~~فعرف أنه قد دنا أجله، وحان هلاكه، فاجتمع إليه أطباء العراق يعالجونه، ثم ~~استعان بأطباء الروم والهند، واستجلبهم من الآفاق، فلم يزالوا يداوونه حتى ~~مضت له ثلاثة أعوام، وما أقلعت عنه، ولم يزده العلاج إلا شدة. فلما دخلت ~~سنة أربع وتسعين ومئة أثرت به، وأنهكت بدنه، واشتد ألمه، وتمادى به وجعه، ~~فذكر البيعة لابنه المأمون. فلما سمعت بذلك زبيدة، وكان ابنها منه محمد ~~الأمين، هجرته وتغاضت عنه، وأكربها ذلك وغمها، حتى ظهر ذلك عليها، وبدا أثر ~~الغم في وجهها، ودخلت عليه تعاتبه في ذلك أشد المعاتبة، وتؤاخذه أعنف ~~المؤاخذة. # PageV02P173 # فقال لها الرشيد: ويحك! إنما هي أمة محمد، ورعاية من استرعاني الله تعالى ~~مطوقا بعنقي وقد، عرفت ما بين ابني وابنك، ليس ابنك يا زبيدة أهلا للخلافة، ~~ولا يصلح للرعاية. قالت: ابني والله خير من ابنك، وأصلح لما تريد، ليس ~~بكبير سفيه، ولا صغير فهيه، وأسخى من ابنك نفسا، وأشجع قلبا. فقال هارون: ~~ويحك! إن ابنك قد زينه في عينك ما يزين الولد في عين الأبوين، فاتقي الله، ~~فوالله إن ابنك لأحب إلي، إلا أن الخلافة لا تصلح إلا لمن كان لها أهلا، ~~ولها مستحقا، ونحن مسؤولون عن هذا الخلق، ومأخوذون بهذا الأنام، فما أغنانا ~~أن نلقى الله بوزرهم، وننقلب إليه بإثمها، فاقعدي حتى أعرض عليك ما بين ~~ابني وابنك، فقعدت معه على الفراش، فدعا ابنه عبد الله المأمون، فلما صار ~~بباب المجلس سلم على أبيه بالخلافة، فأذن له بالجلوس فجلس، وأمر له فتكلم، ~~فحمد الله على ما من به عليه من رؤية أبيه، ورغب إليه في تعجيل الفرج مما ~~به، ثم استأذن في الدنو من أبيه، فدعا منه، وجعل يلثم أسافل قدميه ويقبل ~~باطن راحتيه، ثم انثنى ساعيا إلى زبيدة، فأقبل على تقبيل رأسها، ومواضع ~~ثدييها، ثم ms414 انحنى إلى قدميها، ثم رجع إلى مجلسه. فقال الرشيد: يا بني إني ~~أريد أن أعهد إليك عهد الإمامة، وأقعدك مقعد الخلافة، فإني قد رأيتك لها ~~أهلا وبها حقيقا، فاستعبر عبد الله المأمون باكيا، وصاح منتحبا يسأل الله ~~العافية من ذلك، ويرغب إليه أن لا يريه فقد، أبيه. فقال له: يا بني إني ~~أراني لما بي وأنت أحق، وسلم الأمر لله، وارض به، واسأله العون عليه، فلا ~~بد من عهد يكون في يومي هذا. فقال عبد الله المأمون: يا أبتاه، أخي أحق مني ~~وابن سيدتي، ولا إخال إلا أنه أقوى على هذا الأمر مني، ثم أذن له فقام ~~خارجا. ثم دعا هارون بابنه محمد، فأقبل يجر ذيله، ويتبختر في مشيته، فمشى ~~داخلا بنعليه قد نسي السلام، وذهل عن الكلام، نخوة وتجبرا، وتعظما وإعجابا، ~~فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على الفراش. فقال هارون: ما تقول أي بني، فإني ~~أريد أن أعهد إليك؟ فقال: يا أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني، وأنا أسن ~~ولدك، وابن قرة عينك. فقال هارون: اخرج يا بني، ثم قال لزبيدة: كيف رأيت ما ~~بين ابني وابنك؟ فقالت: ابنك أحق بما تريد، فكتب عهد عبد الله المأمون، ثم ~~محمد الأمين بعده. # فلما كان سنة خمس وتسعين ومئة، توفي الرشيد رحمه الله، وعبد الله المأمون ~~خارج عن العراق، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ بلغه عنهم، فلظ ~~(1) بمحمد الأمين قوم من شرار أهل العراق. فقيل له: معك الأموال والرجال ~~والقصور، فادفع في نحر أخيك # PageV02P174 # المأمون، فإنك أحق بهذا الأمر منه، وأعانته على ذلك أمه زبيدة، فقدم أخوه ~~عبد الله من بغداد، ومعه الجيوش قد أخذ بيعتهم، فنهض إليه الأمين قاصدا ~~ومعه الجيوش، فلم يرجع ولم يمانع، ولم يختلف عليه أحد، ثم إنه غدر بأخيه ~~الأمين لما بلغه عنه. فنهض المأمون إلى القصر فدخله، فأخذ أخاه وشد وثاقه ~~وحبسه، وأشار إلى أمه لما أعانته عليه، فهرب محمد من الحبس، فبعث المأمون ~~في طلبه، فأخذ وقتل، والله تعالى أعلم. ms415 # وإلى هنا تم الجزء الثاني من الإمامة والسياسة وبتمامه يكون الكتاب قد ~~كمل كله، نسأل الله تعالى النفع به، والتوفيق إلى إتمام مثله، إنه سميع ~~الدعاء، وهو نعم المولى ونعم النصير، وكان الفراغ من طبعه في الخامس من ~~شعبان سنة 1378 ه‍ الموافق السابع من نوفمبر سنة 1967 م.# PageV02P175 #####ENDNOTES# (1) الكهول جمع كهل، وهو من ظهر الشيب برأسه وكان له مهابة في النفس، وقيل ~~من جاوز الثلاثين إلى إحدى وخمسين سنة. # (2) أحاطوا به. # (3) أي قبل أن يحمل ليذهب به إلى القبر. # (4) المنكب الكتف. (1) يريد بصاحبه أبا بكر رضي الله عنه. # (2) الظن هنا معناه الرجحان أي الأرجح. # (3) أي على عيسى وأمه مريم السلام، ومعنى كما فعل عيسى بن مريم أي كما ~~جعل له حواريين يعلمون الناس الدين. # (4) يتوثب عليهم أي يأخذ الخلافة بالرغم عنهم ودون موافقتهم. (1) الكرش هنا: الجماعة: أي هم جماعتي التي آوى وأسكن إليها. # (2) شاطروكم. تقاسموا معكم أموالهم. (1) أي أنت نرضى بحكمك ونقنع بكلامك. # (2) أي إذا بويع بالخلافة لأحد لا يقال منها. (1) أعطى المقادة: خضع لحكم المسلمين وقيادتهم له. # (2) أثخن بكم الأرض: غلب بكم أهل الأرض. # (3) النواصي جمع ناصية وهي مقدم الرأس والمراد جذب الله عقولنا وقلوبنا ~~إلى ما دعا إليه. (1) منجورة: أي صنعها النجار. # (2) زار: عائب عليهم محقر لهم. (1) افتات عليه: طغى على حقه واستأثر به. # (2) الفئ: الظل. # (3) أجار فلان على فلان، أي نقض حكمه وخالفه. # (4) متجانف: مائل ومرتكب للإثم. # (5) نعيدنها جذعة: نعيد الحرب بيننا وبينكم قوية. (1) عقك: مخالفتك لنا، عقاق: مر لأن العقاق هو المر. # (2) ورد الاسم هنا قيس بن سعد وقبل ذلك بشير بن سعد، والصحيح الأول. (1) أخضب: الخضاب الحناء. والمراد حتى أسيل دمكم على سناني ورمحي. # (2) استنصحوه: وجدوه ناصحا لهم عاملا لخيرهم. # (3) أي لا يصلي الجمعة معهم. # (4) أي لا يمشي معهم في الحج. (1) حلق: جمع حلقة وهو القوم المجتمعون المستديرون في اجتماعهم كالحلقة (2) ~~أي أفعل فعلا يكون لك منه نصيب فأنت تبايعه اليوم ليبايعك غدا. (1) الأوجاه جمع وجه وهو ذو الفضل والكرامة. (1) العقال: زكاة عام ms416 من الإبل والغنم، وفي رواية عناقا بدل عقال، والعناق ~~أنثى المعز والمراد بهذه الرواية لو منعوني شيئا قليلا لقاتلتهم. # (2) ورم أنفه: غضب. # (3) نضائد: جمع نضيدة وهي الوسادة والديباج: المنقوش المزين. # (4) الأذربي: نسبة إلى أذربيجان من بلاد العجم، وصوفها مشهور بجودته ~~ونعومته. # (5) حسك السعدان: الحسك نبات له ورق كورق الرجلة له شوك صلب ذو ثلاث شعب ~~ملتصق ببعضه، والسعدان مكان، والسعدان نبات له شوك تشبه الواحدة منه حلمة ~~الثدي، والمراد كما تألمون النوم على الشوك الصلب. (1) يهيضك: يضعفك. # (2) يريد عمر رضي الله عنه. # (3) يريد أن الله هو الطبيب وقد نظر إليه. (1) مشفقون: خائفون. (1) يغلس بها: يصليها مبكرا وفي وقت الغلس وهو آخر ظلمة الليل. # (2) الكتف: عظم الكنف وكانوا يكتبون على العظام والجريد. # (3) الكفاف: بفتح الكاف المثل: أي أن أخرج منها كفافا كما دخلت فيها لا ~~على ولا لي. (1) أي علام أنا مقبل عليه من الآخرة. (1) يثعب دما: يتفجر دما. (1) وقمكم: قهركم، وقمعكم: وقفكم عند حدودكم (1) ملومين. # (2) أي لا يصيح صائح مستنكرا إلا أخذ على يده. # (3) أفرطه: ملأه حتى سال الماء منه وفاض. (1) الزبى جمع زبية وهي المكان في أعلى الجبل، والطيبان تثنية طبي وهو ثدي ~~الدابة وإذا جاوز حزام البرزعة الطبى فقد حان سقوطها، والمعنى أن الأمر بلغ ~~منتهاه وكاد يفلت زمامه من يدك. # (2) ذو خشب بضم الخاء والشين موضع بالمدينة. # (3) لا يذبون: لا يدافعون عن الإسلام. # (4) فرقا: بفتح الفاء والراء: يعني خوفا منك. (1) النهابير والنهابر: المهالك. (1) سبق بيان معنى هذا الكلام ص 35. # (2) يريد طمع في الضعفاء. # (3) الذي غلبه الناس كثيرا. (1) ملك عضوض، لاصق بأصحابه يصعب خلعهم منه، أو شديد قوي على الناس. # (2) الشارف من الإبل: المسن العجوز. # (3) دحل بضم الدال وسكون الحاء جزيرة بين اليمن وبلاد البحة، المراد ~~خيروه بين النفي وبين الاستقالة من الخلافة. # (4) رداء الله هو الخلافة. # (5) أسلم لهم نفسي ليأخذوا القود مني فيقتلوني قصاصا بمن قتل من ~~المسلمين. (1) الإداوة سقاء من جلد يوضع فيه الماء ويسمى المطهرة لأن صاحبها يتطهر ~~بما فيها من الماء ومعنى قد يبست: ms417 قد جفت لعدم وضع الماء فيها مدة طويلة. (1) حنق: حقد وغضب. # (2) أجلب عليه: جمع عليه الناس ينتقدون عمله ويردونه عن طريقه الذي يرونه ~~غير مستقيم. # (3) يريدون مروان بن الحكم. # (4) الرشاء: الحبل الذي يربط به الدلو عند إخراج الماء من البئر، والمراد ~~جعلت نفسي كأحدكم في سقي الماء مع أنها ملكي. (1) المحجمة: آلة يؤخذ بها الدم من المريض تشبه الحقنة عندنا الآن، ~~والمراد: دم قليل. (1) يريد أن الإيمان ينزع من القلوب ويحل محله الخوف والحرص على الدنيا ~~فالذي يصل رحمه يرجو منهم جزاء على صلته لهم أي لا يصلها ابتغاء وجه الله ~~وإنما لغرض الدنيا (2) يريد عليا ومعاوية، والعرب تشبه الرجل الشجاع ~~بالتيس، وهو ذكر المعز. # (3) النعثل: الشيخ الأحمق، ورجل ذو لحية كان يشبه به عثمان رضي الله عنه. # (4) يتحرم به: يصير به كأنه في حرم لا يجرؤ أحد على قتله. # (5) المشقص: نصل عريض أو طويل أو سهم فيه نصل عريض أو طويل. # (6) وجاء به: ضرب به أو طعن به. (1) الجرز بضم الجيم وسكون الراء: عمود من حديد. # (2) صرع: طرح على الأرض. (1) حش كوكب: بضم الحاء موضع ا بالمدينة. # (2) اللبن بكسر الباء: الطوب غير المحروق. (1) هذا مثل عربي: معناه أن عثمان لا ينفعه شئ. (1) العاتق: المرأة في منتصف عمرها، والعذراء البكر التي لم تتزوج. (1) الضحل: الماء القليل. # (2) الرمضاء: الأرض الشديدة الحرارة. # (3) المضمار: مكان السباق. # (4) السبق: السباق. # (5) السبقة بضم السين وسكون الباء: ما يتسابق عليه. (1) الشكاة: الشكوى والوجع. (1) الطلقاء: أهل مكة الذين أطلقهم الرسول صلى الله عليه وسلم وعفا عنهم ~~يوم فتح مكة. (1) الفقع: بفتح الفاء وكسرها وسكون القاف نبات طري أبيض، والقرقرة بفتح ~~القافين الأرض الواطئة والمعنى أن أمره هين كهذا النبات الذي يسهل نيله ولا ~~يصعب جنيه، ويقال للذليل هو أذل من فقع بقرقرة أو هو فقع بقرقرة على ~~التشبيه بهذا النبات. # (2) الطعام النجيع الذي يهنأ آكله. # (3) التركاض: الإسراع. # (4) جريدة: الخيل الجريدة التي لا رجالة فيها يريد أنها لا خطر منها. # (5) أخذ منه بالمخنق: ضيق عليه. (1) لا تندحيه: لا توسعيه ms418 بخروجك إلى البصرة. # (2) العقيرة: الصوت، وتصحريها ترفعيها. # (3) حماديات: جمع حمادي أي محاد النساء. # (4) عهيداه: بضم العين وتشديد الهاء مفتوحة وسكون الياء: العهد. (1) يريد إن كان حدث منكم إساءة وخطأ، فقد حدث بعدها إحسان وإصابة. # (2) جنة: بضم الجيم: وقاية وحمى. (1) كعب بن سور: بضم السين وسكون الواو قاضي البصرة لعمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه. # (2) المصلى هو التالي للأول، والسابق هو الأول. (1) الحوية: الإثم والذنب. # (2) الحوأب: الوادي الواسع، والمراد هنا موضع معروف بالبصرة. (1) نعذر إليهما: نقطع عذرهما بإرسال رجلين إليهما ليكفا عما يريدان. # (2) صاحبة الهودج: عائشة رضي الله عنها. (1) صاحب الجمل الأحمر، طلحة. (1) الاستعتاب: إزالة سبب عتبه ومحاولة إرضائه. # (2) اللهجة: اللسان، والاغراء والوجيف: الاضطراب، ونوع من سير الخيل ~~والإبل، والمراد أهون أمرهما في عثمان الإغراء به والاسراع في النيل منه. (1) الوطب سقاء اللبن، وهو القربة. (1) البطان: حزام البرذعة وإذا التقت حلقتاه فقد استوت البرذعة على ظهر ~~الدابة وأصبحت صالحة لركوبها، والمراد: الآن حين انتهى الأمر وأصبح لا مفر ~~من الحرب. (1) الحرب تذكر وتؤنث. # (2) الدرع: هو قميص من حلق الحديد يلبس توقيا للسهام والسيوف، والكفر ~~الستر ومعنى كفر على الدرع لبس عليه ثوبا فستره به. (1) تضعضع الناس: خضعوا وذلوا. # (2) طائفي: نسبة إلى الطائف وهي بلاد ثقيف بالحجاز. (1) يريد عبد الله بن الزبير بمالك: الأشتر، وهو بذلك يشير إلى قول الشاعر: # اقتلوني ومالكا: واقتلوا مالكا معي. (1) كور الشام: جمع كورة وهي المدينة والناحية. # (2) يريد أهل مصر. # (3) البصرة والكوفة. (1) العجل: الاستعجال، واسترفه: تأن واسترح. (1) خضر الخيل: الخيل الخضر: خيل في لونها غبرة مع سواد. # (2) الشهب: البيض. (1) ضلت النعل: ضاع الحذاء من الزحام. # (2) لندرسنهم: لنقتلنهم، وهشيم البيس: يابس النبات الهش. (1) الإحن: الأحقاد. (1) مصقلة: هو مصقلة بن هبيرة، ترك عليا رضي الله عنه إلى معاوية طمعا في ~~الدنيا. # (2) السكاسك: حي من اليمن جدهم سكسك بن أشرس. (1) الناقة الضجور: التي ترغو عند حلبها. # (2) العود: المسن من الإبل. # (3) العقبيين: نسبة إلى العقبة، والمراد بيعة العقبة لرسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. (1) استعتب: استوجب العتاب (1) انتظر علي حتى أتروى ms419 في الأمر. (1) طليق: يعني من الطلقاء الذين قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم يوم ~~فتح مكة اذهبوا فأنتم الطلقاء. # (2) وأبوك من الأحزاب: يعني أن أباه كان من المشركين الذين حاصروا ~~المدينة في غزوة الأحزاب. # (3) استفهام إرنكاري يعني لا أتبعك. (1) القطقطانة: بضم القافين موضع بالكوفة. (1) أي لم تبايعا بيعة العقبة. (1) الوليد بن عقبة أخو عثمان من الرضاع. # (2) أكلت أمه كبد حمزة عم النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن قتله وحشي. (1) ما يأتي وما يدع. (1) أنهكهم عبادة: أكثرهم عبادة حتى إن عبادته لتشق فتنهك القوى. # (2) النحائز: جمع نحيزة وهي الطبيعة. (1) خشنة مثل أخفاف الإبل من كثرة العمل. # (2) المراد بمثل ركب المعز: أن بها أثرا ظاهرا من كثرة السجود. # (3) يفل: يوقف ويصير غير قاطع. # (4) الكلب يرده الزجر والضرب. # (5) حل ولا عقد، أي ليس لنا معك رأي بل الرأي هو رأيك. (1) يوجره: يسقيه، والمراد هنا يحمله على ما يكره. (1) أي لم يرض عمر رضي الله عنه ابنه عبد الله للخلافة ولم يره أهلا لها. (1) مر: أي صار مرا. (1) يريد قد غيرت المنكر رغبة في رضوانه تعالى وهذا التغيير بلساني لأني لم ~~أقدر على تغييره بيدي. # (2) نتعد فيه الاجتماع: نتواعد على الاجتماع فيه. # (3) النهروان ثلاث قرى بين واسط وبغداد. (1) النخيلة: موضع بالعراق قاتل فيه الإمام علي الخوارج. (1) الخول: الخدم. (1) متم: أي أتمت أشهرها وقاربت الولادة. (1) أبوء: أعود وأرجع. (1) الفواق: مقدار حلب الناقة، أو البقرة، أو نحوهما. # (2) القاسطون: الجائرون الخارجون على الحق. # (3) شروا به أنفسهم: باعوا به أنفسهم، وشرى تأتي بمعنى باع وبمعنى اشترى ~~ومن مجيئها بمعنى باع قوله تعالى " ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا ~~يعلمون " ومن مجيئها بمعنى اشترى قول عنترة العبسي: # حصاني كان دلال المنايا * فخاض غمارها وشرى وباعا فشرى في البيت بمعنى ~~اشترى (1) نصلت أسنة رماحنا. خرجت من الرماح فأصبحت رماحا خشبا بلا أسلحة. # (2) كمه: إجمع أكمه، وهو الذي ولد بدون عينين، ومن ذلك قوله تعالى (وتبرئ ~~الأكمه والأبرص بإذني). # (3) رواعة: خوافة جمع رواع وهو شديد الروع وهو الخوف. ms420 (1) الصم: جمع أصم: والمراد الجبال الصم وهي الشديدة الصلابة، ويوهى يضعف. # (2) أعاليل: تعللات، بأضاليل، بأسباب زائفة ضالة. # (3) السهم الأخيب. أي السهم الذي لا يصيب مرماه. # (4) المحلين: الذين أحلوا أنفسهم من بيعة الإمام علي بعد أن وجبب عليهم ~~ولزمتهم. # (5) عزين: جمع عزة وهي الجماعة والفرقة، والحلق جمع حلقة وهي الجماعة ~~المستديرة كالحلقة. # (6) رعاؤها: جمع راع: أي رعاتها. (1) المشرفي: السيف المنسوب إلى مشارف الشام وهي بلد جيدة السيوف. # (2) فراش الرأس أعلى الرأس. # (3) الغلاصم: جمع غلصمة وهي عقدة الزور، أي تقطع منه الرقاب، وتجد أي ~~تقطع. # (4) خبت: خفتت ونامت. # (5) تكشون كشيس الضباب: تتفرقون وتزاحون عن أماكنكم كما ينقشع الضباب عن ~~مكانه في السماء. # (6) أي لرأيتم الرؤوس تطير عن أجسامها فتصير كالحنظل وهو نبات مر يشبه ~~الرمان في شكله المستدير. (1) صاحب خوان: رجل كرم وإطعام. # (2) حلقتا البطان: سبق بيانها. # (3) حثالة عصفور: الحثالة القشر وما يكون في القمح ونحوه من الحب غير ~~مكتمل النضج. # (4) بيت الوبر: بيت الشعر والجلد. # (5) بيوت المدر: البيوت المبنية من الحجر. (1) الروع: القلب (2) إجفالهم: إسراعهم. (1) النقيبة: العقل والمشورة ونفاذ الرأي. # (2) الشجا: العظمة أو الشوكة في الحلق. (1) الطغام: سفلة الناس. # (2) نصلت أسنة رماحنا: خرجت من الرماح وأصبحت رماحنا بلا أسنة. # (3) قواصيكم جمع قاصية وهي البعيدة أي تضموا ما بعد منكم. # (4) يتوجدون: يشكون الوجد وهو الحب أي لا يشكون وجدهم وحبهم لأبنائهم ~~وأهلهم. (1) معذرة: بضم الميم وكسر الذال: أي قاطعة عذري في لومها وذمها. # (2) المصر: المراد به هنا الكوفة. # (3) غش بعضكم بعضا ولم يبذل له النصيحة. # (4) بوائقه: مصائبه ونوائبه (5) الرشا: جمع رشوة. # (6) يريد بابن الباغية: عمرو بن العاص. # (7) هي مصر: التي طلبها عمرو بن العاص من معاوية ثمنا لمعاونته ومساعدته. (1) سناها: ضوؤها. # (2) إن هنا بمعنى ما النافية أي ما باليت بهم. # (3) سبق بيان معنى الخول والقاسطين قريبا. # (4) باعوا أنفسهم. (1) أي على رأسه. # (2) الأدمة: السمرة. # (3) أي نمت. # (4) الأود: العوج، أي بعد عدم استقامتهم واعوجاجهم على، واللدد: شدة ~~الخصومة وعدم الرجوع إلى الحق. (1) رانفة الألية: أسفلها. # (2) عاقر الناقة: الذي عقر ناقة صالح عليه السلام التي ms421 أخرجها الله لثمود ~~من الحجر معجزة لصالح عليه السلام. (1) أي دائم لا يتصرم ولا ينقطع. (1) الحلس: هو ما يلي الظهر الدابة تحت البرذعة، والمعنى الزموا بيوتكم ولا ~~تبرحوها. (1) النقيبة: العقل والمشورة ونفاذ الرأي. (1) السيساء: الظهر، والمراد أن الزمان غير مستقيم كما يحدودب ظهر الدابة ~~فلا يمكن ركوبها. # (2) اقطوطبت: اجتمعت، والأدواء جمع داء، أي اجتمعت علينا علله (3) أناخت ~~علينا: غلبت علينا ورمت بثقلها. # (4) الأود: العوج. # (5) الألد: شديد الخصومة. # (6) العرف: العطاء. # (7) شعب: كسر وتفرق. (1) منجذمة: أي منقطعة، كل هوى له وجهة غير وجهة الآخر فلا تجتمع الأهواء ~~على رأي واحد. # (2) أنظر: أحسن نظرا في أمر الجماعة واختبار من يتولى أمرها من بعدك. # (3) الباذخ: المستعلي المتكبر. # (4) الوعث: الطريق العسر، والمراد أسهل للسير في الطريق الصعب. # (5) الفهية: العي الذي لا يحسن الكلام. # (6) احتجن المكارم: جمعها وحواها. (1) مستقبل. # (2) هذا مثل يضرب للمجرب للأمور المحنك، يقال حلب الدهر أشطره. # (3) الكلالة: الذي لا ولد له ولا والد. # (4) العصبة هم الذكور من الورثة الذين يأخذون كل التركة إذا انفردوا، أو ~~معظم التركة بعد أن يأخذ أصحاب الفروض أنصبتهم، والمراد استبعاد أن يأخذ ~~الحسن رضي الله عنه الخلافة من يزيد، فجعل الضحاك: الحسن مثل غير الذكر ~~وجعل يزيد هو الذكر على التشبيه، وهذا باطل من القول لأن الخلافة لا تورث ~~وفيه من سوء الأدب على الحسن رضي الله عنه ما كان يجب معه قطع لسان الضحاك. # (5) فررنا عنك قريشا: أي بحثنا في قريش وفتشنا فيها. (1) القعص: القتل، والمراد أنه لم يأخذ العراق بالحرب وإنما بايعته طائعة ~~بعد صلح الحسن. # (2) خار لك: اختار لك. # (3) ينوص للفتنة: يتحرك لها وينهض لها كل منهض. # (4) دوي: بليغ في دائيته شديد. # (5) ذود غائل: دفع بلاء عنه. # (6) الكلف: الحب. # (7) لا تنش عنه: لا تبعد عنه ولا تتحرك من ناحيته. (1) أوجفوا: أسرعوا. # (2) أرجفوا: أثاروا الشائعات. # (3) أصول الفقع: أصول الكمأة الرخوة واستئصالها سهل، يريد أن الذي يعصيهم ~~يجتث أصولهم بسهولة كما تجتث أصول الكمأة الرخوة. (1) ليست بهرقلية: أي ليست ملكية تورث كما يورث الملوك أبناءهم ملكهم، ~~وهرقل ms422 كان ملك مصر من قبل الروم. # (2) قيصرية نسبة إلى قيصر ملك الروم، وكسروية نسبة إلى كسرى ملك الفرس. (1) يؤكل جزورها: يؤكل لحمها. # (2) وتمق أحلابها: يشرب لبنها جميعه فلا يترك منه شئ والمراد بالجملتين ~~أن معاوية يستأثر بكل شئ في الخلافة ولا يترك لمروان منها شيئا. # (3) يريد مالك لا تأخذ رأينا في الخلافة ونحن قادرون على منع درها عنك. # (4) أهدئ: أبطئ وترو ولا تتسرع. # (5) الوزر الملجأ والمستعان. # (6) القروم جمع قرم وهو الشجاع. # (7) يتطأطأ جسيمها: حتى يذلل صعبها. # (8) مجيز وفدك: معطيهم جوائز. # (9) الرفد: العطاء. (1) سطا بهم: نكل بهم وعاقبهم. # (2) بطاء بكسر الباء: جمع بطئ. # (3) الخزق: الحمق وعدم الروية. (1) يكنس: يأوي إلى كناسه وهو مأواه ومبيته. (1) العصم جمع أعصم وهي الوعول التي تعصم بأعلى الجبال. # (2) شعف الجبال. قننها وأعاليها. # (3) زياد. هو زياد بن أبيه، كان أبو سفيان والد معاوية قد أنكر أنه ابنه ~~وادعى أن زوجته أتت به من سفاح وكان ذلك في الجاهلية فسمى زياد بن أبيه ~~لأنه لا يعلم له أب فألحقه معاوية بأبيه وجعله أخاه وسماه زياد بن أبي ~~سفيان واستعان به على المسلمين كما ذكر الحسين رضي الله عنه. # (4) أي ينسب لأمه لأنها هي الفراش. # (5) العاهر: الزاني والزانية لهما الرجم بالحجارة، أو المعنى العاهر ~~الزاني له الرجم ولا ينسب له الولد. # (6) يريد كان أكبر شرفك أن تتاجر كما كان يتاجر أبوك فتذهب في الشتاء ~~والصيف إلى الشام وإلى اليمن للتجارة. (1) يريد بالصبي ابنه يزيد ومعنى يشرب الشراب أنه يعاقر الخمر وكان يعلن ~~بها، ويلعب بالكلاب أي يصطاد بها ويسلط بعضها على بعض فتتهارش. فكان همه ~~الشراب والقنص. # (2) الحميم: الصديق، والبر المخلص في صداقته، والحفي: القريب الذي يحترم ~~صاحبه ويحتفل به والمتعاهد: الذي يداوم الحفاوة. (1) تغلي: تضمخ بالغالية وهي من أعظم أنواع المسك. (1) الأسقية جمع سقاء وهو القربة، والمراد أنك تكلمت كثيرا حتى ملأت ~~الأوعية من كثرة كلامك. (1) تواكلته بنو العاص: تركت القصاص من قتله. (1) الميل: بفتح الميم والياء: الاعوجاج وعدم الاستقامة. (1) أخضله: بلله. # (2) أقصده: ضره. (1) يباعلها: يصير بعلالها أي ms423 زوجا. (1) تنخلي إياه: اصطفائي له من بين الناس، وأصل اللفظ معناه أن ينخل الشخص ~~الدقيق حتى يستخرج صافيه ويجتنب رديئه. (1) اللبانة: الحاجة والغرض. (1) بدرات: جمع بدرة وهي الصرة المملوءة نقودا أو جواهر. # (2) يكدي عنه ما كان يجديه: يمنع عنه ما كان يعطيه. (1) أستنكحها: أطلب نكاحها أي زواجها. # (2) الكلكل: الصدر. (1) صدعين: نصفين. # (2) نستوزعه: نطلب منه إلهام الشكر، ومن ذلك قوله تعالى (رب أوزعني أن ~~أشكر نعمتك). (1) سراح: جمع سرح وهي جماعة الإبل التي تسرح للرعي. # (2) الحرة: الأرض المرتفعة. # (3) يجد: يقطع. # (4) الوسق: ماية وعشرون قدحا مصريا. # (5) كمون الأضغان: استتارها واختفاؤها. (1) سبعة آصع: 14 قدحا مصريا، الآصع جمع صاع وهو قدحان مصريان. # (2) أخرقتكم: وجدتكم خرقى أي حمقى. # (3) تتناسخ: أي تكتب وتنسخ في الكتب. (1) ذو خشب بضم الخاء والشين: واد بالمدينة. # (2) الوحي الوحي: الإسراع والعجلة. (1) الخضراء: السماء، والغبراء: الأرض. # (2) الغرقد: شجر عظيم كبير الحجم، وسميت مقبرة المدينة بقيع الغرقد لأن ~~هذا الشجر ينبت فيها. # (3) أنهبها: اجعلها نهبا أي مباحة ثلاثة أيام لعسكرك يفعلون فيها ما ~~يشاءون. (1) الجرف: مواضع: أحدها قرب مكة والآخر قرب المدينة والثالث باليمن، ~~والرابع باليمامة، والمراد هنا الذي بقرب المدينة. (1) الصواع: الكوز الذي يشرب به. (1) بقيع الغرقد: مقبرة المدينة. (1) ثنية المشلل: الثنية العقبة أي الأرض المرتفعة. والمشلل: بضم الميم ~~وفتح اللام المشددة جبل بالمدينة. # (2) أبو رغال: بكسر الراء قيل هو رجل من ثمود كان يقيم بالحرم يدافع عنه ~~فلما خرج منه أصابته النقمة، وقيل كان دليلا للحبشة حين توجهوا إلى مكة، ~~وقيل كان عشارا جائرا، ورجم قبره لكراهة الناس له. (1) المراد بالمصبوغ هنا: المصبوغ بالسواد. (1) عاض بظر أمه: كناية عن أحط الناس، لأن البظر هو ما بين اسكتي الفرج ~~(الزنبور) والذي يعض بظر أمه يكون أحقر الناس. # (2) أبو يكسوم: كنية أبرهة الحبشي صاحب الفيل الذي أتى به ليهدم الكعبة. (1) هذه إعادة لما ذكر في الجزء الأول، أعادها ابن قتيبة ليبنى عليها ما ~~بعدها. (1) الوقاف: بكسر الواو: الوقوف للحرب، والثقاف: الخصام والمجالدة، يريد لا ~~تكن إلا على الحرب ولا تكن على المهادنة ms424 أو تنصرف. (1) المجانيق: جمع منجنيق، وهو مثل المدفع الآن. (1) الربوخ: المرأة يغشى عليها عند الجماع. # (2) الشوادك: جمع شودكان، وهو الشبكة وأداة السلاح. (1) الربذة: بفتح الراء والباء والذال: موضع قرب المدينة به قبر أبي ذر ~~الغفاري رحمه الله. (1) البيضاء: البيضاء دار بالبصرة لعبيد الله بن زياد. # (2) الدهاقين جمع دهقان وهو رئيس التجار. (1) علقناك: أحببناك وبايعناك، وعلقت أهل الشام أحببتهم وفضلتهم علينا. (1) تقرض: تقول الشعر. # (2) تنشد: تروي شعر غيرك. # (3) تسجع: تقول نثرا مسجوعا. # (4) تنطق: تتكلم بأي كلام. # (5) تقول: تتكلم بأي كلام عن غيرك. # (6) العاقول: نبات تأكله الإبل. # (7) الفئ: الظل. # (8) الأكرياء: جمع كري وهو من يعمل بالأجر. (1) حروري: نسبة إلى حروراء قرية قرب الكوفة ظهر بها الخوارج، يريد أني ~~لأظنك من الخوارج. # (2) وشل: قليل. # (3) الدقل: أردأ التمر. # (4) الرتعة: عدم المسؤولية: # (5) الأدهم: أصله في اللغة الأسود ولكنه يطلق على قيد الحديد لأن الحديد ~~أسود وصار علما عليه. (1) يريد الفرس الأدهم وهو الأسود والفرس الأشقر وهو الأبيض. # (2) أراد الغضبان بالفرس الحديد: السريع. (1) مبهتا: منسوبا إلى البهتان والزيغ. # (2) القرن: بفتح القاف والراء الحبل: يريد أن يأتي أسيرا. # (3) أي تجر على وجهك. (1) الجلال: الأمور العظيمة. # (2) شروا أنفسهم: باعوها. # (3) العير: بفتح العين وسكون الياء الحمار، الأبتر المقطوع الذنب (1) المعلوجاء: جمع علج وهو الرجل الأعجمي الذي ليس بعربي، والمقصصة: التي ~~تركت حتى كادت تموت. # (2) أولى لهذه المعلوجاء: كلمة تهديد: أي قاربهم ما يهلكهم. # (3) شائلة: مرتفعة. # (4) العرد: المشدود مستعد الإطلاق السهم. # (5) البكر: بفتح الباء وضمها: الفتى من الإبل القوي. # (6) سبق بيان معنى هذه الجملة والتي قبلها في الجزء الأول في خطاب عثمان ~~رضي الله عنه إلى الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه وفي غيره من الخطب ~~والرسائل. # (7) كنابة عن الشدة. (1) تكبن لنحرك: الكب: الإلقاء، والنحر موضع الذبح من الحيوان، أي لتلقين ~~على وجهك. # (2) الفريصة: داخل الفخز أي الجزء غير الظاهر من الفخز، ومعنى تخبط ~~الفريصة اضطرابها، وهذا يحدث عند الخوف، يقال ارتعدت فرائصه أي خاف (3) ~~كريتا: كاملا. (1) كريتة: كاملة. (1) الزمع بفتح الزاي والميم: أراذل الناس. (1) حضر الفرس: جريه ms425 السريع، أي على مسافة يقطعها الفرس سريعا بحيث يراه من ~~خلفه. (1) البيضة: الخوذة من الحديد يغطي الفارس بها رأسه. (1) القفل: الرجوع. (1) في شدة غضبه (2) استحلسنا الخوف: أي صار الخوف حلسا لنا أي ملاصقا ~~لأجسادنا (1) الطوامير: جمع طومار وطامور وهو الصحيفة. (1) الآية: المراد بها هنا العلامة. # (2) العاتق: الجميل والشريف والكريم والنجيب والحر والمراد به هنا ~~الجميل. (1) المراد بالمصران: الأوتار التي يضرب عليها، لأنها مأخوذة من مصارين ~~الحيوانات. (1) الأيليون: نسبة إلى أيلة وهي بلد بين ينبع ومصر (2) المعلجة: الأعاجم ~~الذين ليسوا عربا (1) شلهما: ارفعهما وأنهضهما، لأن الزلل العثور والسقوط. # (2) الوكساء: الخسيسة. (1) الوحي الوحي: النجاة النجاة: وقد قالها مروان بن الحكم لأهله وعشيرته ~~حين خلع أهل المدينة معاوية بن أبي سفيان وأخرجوا الأمويين منها. (1) ذات الجماجم ويقال لها دير الجماجم موضع قرب الكوفة. (1) الخصوص جمع خص: وهو البيت من البوص ونحوه. # (2) يكلم: يجرح. # (3) أريم القلاع: أتركها وأغادرها. # (4) يضع الله أرفعها: أي يسقطه وينزله إلي. (١) الغاية: هي النهاية أي المكان الذي ~~ينتهى عنده السباق. # (2) أي أنه سيمد غايته ثانية ومعنى ذلك أنه يتصل نصره وكلما وصل إلى غاية ~~مدها إلى غيرها. # (3) أجريت وحدك: أي أرسلت موسى فوصل إلى غايته ولم أرسل أنا حسان حتى ~~يظهر إن كان يسبق موسى أو لا يسبقه. # (4) كل مجرى بالخلاء مسرور؟ أي كل شخص يجري فرسه وحده بدون فرس آخر معه ~~يسر من جريه لأنه لا مفاضلة بينه وبين غيره، يريد عبد الملك أنه لا يظهر ~~فضل موسى إلا إذا ظهر عجر حسان عن إدراك ما أدركه موسى. (1) استسرها: اتخذها سرية أي مملوكة تزوج بها فولدت له. (1) أي عشرين دينارا. # (2) أي أن عبد العزيز زاده عشرة فقط فأصبحت زيادته ثلاثين درهما. # (3) أي أعطى لكل ولد من أولاده مئة دينار من الفئ وهو المال الذي أفاءه ~~الله عليهم من أموال الكفار المحاربين. # (4) أي في عتق الرقاب، وهم العبيد المملوكون يأخذون من هذه الآلاف العشرة ~~ليعطوا سادتهم حتى يعتقوهم، أو يشترون بها. # (5) أي يصير نجيبا نافعا للمسلمين. (1) هي ترسانة بناء ms426 السفن وميناء تأوي إليه. # (2) جر إليها البحر: حفر قناة واسعة توصل مياه البحر إليها وذلك تأمينا ~~للسفن وحرصا على عدم تأثرها بعواصف البحر وأمواجه المتلاطمة. # (3) أي لم يهتم به ولم يعمل بمضمونه، وتفذ ما يريد. (1) المراد بأهل الديوان: الجنود المقيدون في ديوان الدولة أنهم جنود وهذا ~~عدا المتطوعين من المسلمين. # (2) القناة: الرمح. (1) المراد بالسوس هذه بلد بالمغرب تسمى السوس الأقصى، وهي غير سوسة التي ~~هي بلد بالمغرب أيضا وتقع بين الجزيرة والقيروان. # (2) تثنية أذن، العروة التي يمسك منها الخرج ونحوه والمراد أنه بعث معه ~~خرجين أو نحوهما لكل منهما أذن وفيهما الهدايا والكتب. (1) القبل: له معان كثيرة وهو على العموم يدور على قرب سواد العين من ~~بياضها فهو شبه الحول في العين. (1) الغلول: هو أن يحتجز المحارب شيئا من الغنيمة لنفسه ولا يضعه مع باقي ~~الغنائم ليقسم بين المحاربين. (1) لم تلج: لم تدخل في الأرض. # (2) الطنفسة: البساط العظيم أو السجادة القيمة. (1) المزفت: حق أو نحوه مغلف بالزفت حتى لا ينظر إليه أحد وحتى لا يفتح إلا ~~بصعوبة. (1) التليس يتشد اللام: الكيس الكبير أو الشوال الكبير. (1) السرادق: القبة التي كانت مضروبة على نسائه وبناته وكشط أزيح وطوى، ~~وهذا تحميس للرجال ولنفسه لأن المحارب إذا رأى نساءه وبناته أمامه خاف ~~عليهن فحارب أشجع ما يكون. (1) الرمكة: الفرس أو البغلة تتخذ للنسل، وكردها طاردها وجرى وراءها يريد ~~أن يقع عليها. # (2) أدلى: انتصب ذكره متدليا. # (3) المنقلة: هي انتقال الأقدام أي لم يبلغ بها إلا خطوة، وتفتحت قوائمه ~~استرخت أعصابها ولانت من ثفل المائدة. # (4) العجل: أي العجلات وهي العربات. (1) البز: الثياب المنسوجة من القطن ونحوه. (1) التمهل وعدم الإسراع. # (2) ليأتين على نفسه: بزهق نفسه أي يقتله. # (3) النسمة: الربو وهو مرض معروف من أمراض الصدر. (1) البادن والبدين: ضخم الجسم (تخين). (1) المنية: الضاحية أو القرية الصغيرة. # (2) المحدث: شئ كالإبريق قد أغلقت فوهته وختمت. (1) يعقفه: يثنيه ويلويه. # (2) يستنفر: بهرب. # (3) الأشبان: الأسبان: وهم ملوك الأندلس. # (4) الوطاء: الفرش اللين الثمين. # (5) المحرش: الموضع عليه اللؤلؤ وغيره بارزا تلمس اليد خشونته. # (6) موهون: ضعيف. ms427 (1) أحدث عهدك: أكتب وصيتك حتى إذا مت كنت قد رتبت أمورك على ما تحب. # (2) البادن: السمين كبير الجسم. والنسمة: الربو وقد مر ذكرهما. (1) القدمة: السابقة أي مع سابقة آبائي مع آبائك من حيث قيام آبائي بأعمال ~~جليلة لآبائك. # (2) استطير: ذعر وخاف. # (3) بهره: انقطاع نفسه من الاعياء والتعب. # (4) برئت: أي نفذت يميني وكان قد حلف ليصلبنه. (1) الجنف: البعد (2) الحمام بكسر الحاء: الموت. # (3) العبد الصالح: يعقوب أبو يوسف عليهما السلام قالها بعد أن أخبره إخوة ~~يوسف بما حدث ليوسف. # (4) السماطان: الثوبان اللذين تحت القميص. # (5) مناسقه: طرقه ومساراته. (1) العلج: الرجل الكافر من الأعاجم، والعتل: الجافي الغليظ القوي: يريد من ~~العبيد الذين أسرهم جيش موسى وكانوا يباعون في هذا الزمان. # (2) الوصيف: الخادم، والفاره: الحاذق الماهر القوي. # (3) الذود: من الثلاثة إلى العشرة من الجمال وقيل إلى ثلاثين. (1) العقبان: جمع عقاب وهو طائر سريع الطيران يريد أنهم سريعو الجري على ~~خيولهم كأنهم يطيرون كالعقبان. # (2) يتجملون كالنساء. # (3) الأوعال جمع وعلى وهو تيس الجبل، وترقل: تسرع، والأجبال: الجبال، ~~والمراد أنهم سريعو الهرب إذا خافوا فروا سراعا (4) البذوخ: المتكبر. # (5) أي كانت معاقبة تنتصر وتهزم. (1) مرج راهط: موضع بالشام كانت فيه موقعة بين أتباع عبد الله بين الزبير ~~وأتباع الأمويين هزم فيها الزبيريون، وكان الضحاك بن قيس قائد الزبيريين ~~فيها وكان موسى بن نصير تحت قيادة الضحاك: يقول سليمان لموسى كيف تقول لم ~~تهزم لك راية وقد هزمت في موقعة مرج راهط؟ فقال له إنما كنت يومها مع ~~الزبيريين لا مع الأمويين. # (2) موقورة: محملة. (1) يعني فإذا الذي عناه موسى بالرجل الذي بلغ ذكره المشرق والمغرب هو ~~نفسه. (1) الحبرات: نوع من برود اليمن أي من ثياب اليمن جميل الشكل. # (2) مزرر بالذهب والفضة: أي جعلت العواميد التي نصب عليها من الذهب ~~والفضة. # (3) الفسطاط: الخيمة. (1) الخز: الحرير. # (2) الوشى: المنقوش من الثياب أو القماش المزركش. (1) أقور: أعور. # (2) المخبتين: الخاضعين لله المتوكلين عليه. # (3) أي صدقة الرجل الذي ليس بغني ويتصدق بما يسمح به دخله. (1) الطينة: الطبيعة الإنسانية والخلقة البشرية التي تحب السلطان وتعشق ~~السيطرة. # (2) أي ms428 يا أعور كما سبق. (1) تذودان: تمنعان غنمهما من السقي حتى يسقي الناس وهذا إشارة إلى قوله ~~تعالى في سورة القصص عن موسى عليه السلام (ولما ورد ماء مدين وجد عليه أمة ~~من الناس يسقون ووجد من دونهم امرأتين تذودان). # (2) أي لما انصرفتا بسرعة عن عادتهما. (1) أبيت: يريد امتنعت عن طلب شئ مني أقضيه لك. # (2) زمنت: شخت وعجزت. (1) الروع: بضم الراء القلب أي ذهب عقلي وضاعت فطنتي. # (2) الخيرة: الاختيار. (1) مقصر: بفتح الميم وسكون القاف: ابتعاد وانتهاء (2) الإحن: الضغائن ~~والأحقاد (1) يستعتب: يراجع ويعاقب حتى يرجع عما هو فيه (2) الحروري: نسبة إلى ~~حروراء بلدة ظهر بها الخوارج أول ما ظهروا كما سبق (3) هو رجاء بن حياة ~~الذي تسلم العهد من سليمان بن عبد الملك وحفظه لحين وفاته (4) الرباع: جمع ~~ربع: بضم الراء وفتح الباء وهو الفصيل الذي ينتتج في الربيع، والكسوة ~~الثياب (5) الكلف: شدة التعلق والحب (1) تذعذع: تمزق وتقطع (2) المصفود: المقيد، والقرن: الحبل (3) صفادي: ~~تقييدي (4) شطت الدار: بعدت (5) قيد: مقدار ومسافة، والرمح مقدار طوله متر ~~ونصف، أي فلما قرب جرير من الخليفة مقدار متر ونصف أو ثلاثة أمتار (1) الإصعاد: الارتفاع، والمنحدر: الهبوط، والمراد قد طال ترددي على الناس ~~من مختلف الطبقات (2) اليمامة: البلاد التي ادعى بها مسيلمة الكذاب النبوة، ~~بينها وبين مكة ست عشرة مرحلة من البصرة والكوفة، والشعثاء، المغبرة الرأس ~~من الفقر وشظف العيش (1) الحجيج: صيغة مبالغة أي محاجا قوي الحجة (2) أي ماتوا متتابعين بعضهم ~~بعد بعض (1) القباطي: جمع قبطية بضم القاف والقبطية ثياب مصرية منسوبة إلى القبط ~~أهل مصر على غير قياس، وهي ثياب فيها الخشن والناعم وقد لبس أولاد عمر بن ~~عبد العزيز رحمه الله عنه خشنها (1) اللبن: الطوب الأخضر غير المحروق (1) استوبرت الهرة: أي توحشت وسارت في أمكنة بعيدة (2) الأندر: البيدر: ~~الجرن الذي يدرس فيه القمح ونحوه، ويعالجانه يعملان شيئا فيه لإصلاحه أو ~~نحوه (1) عقر الأموال: أصولها وعقر الرباع أصولها أيضا، والرباع هي الفصلان التي ~~تنتج في الربيع، والمعنى أنه استولى على كل أموالهم من صامت وناطق (1) منتدبا: أي ms429 مجيبا لمن ندبه وطلب منه الخروج لزيارة بعض بوادي الرصافة ~~(2) الرصافة: بضم الراء بلد بالشام ومحلة ببغداد، وبلد بالبصرة وبلد ~~بالأندلس والمراد هنا البلد التي بالشام (3) الصحصح: المستوي من الأرض، ~~والأفيح: الواسع (4) الوسمى: مطر أول الربيع (5) لم يصبها التراب لأنه غير ~~موجود بسبب وجود النبات وذهاب التراب بسبب المطر (6) سبق شرحها قريبا وكذلك ~~ما بعدها عند حج الوليد بن عبد الملك وإقامة السرادقات له (7) الدراعة: ~~الثوب (1) الجوسق: القصر (2) أخضلها: بللها بالمطر (3) النجاد جمع نجد وهو ما ~~ينجد به البيت من فرش وبسط ونحوها (1) الأطمار: الثياب البالية (2) السوام: الإبل الراعية (3) الغظريف: السيد ~~الشريف (1) العس بضم العين: القدح العظيم مثل الكوز الكبير عندنا (2) أي أحس ~~بسريان السم في جسمه (3) الحميمة: بضم الحاء وفتح الميم وسكون الياء بلدة ~~صغيرة بالبلقاء بالشام (1) البسط عليه: التسلط عليه وعمل بما يضره ويؤذيه (2) ألحفه أخرى: جعل ~~العباءة الأخرى ملحفة له كالشال الذي يوضع على الرقبة (3) أركبه دابة بدون ~~سرج ولا برذعة ولا شئ يفصل بين جسم الدابة وجسمه (4) بسط عليه: تسلط عليه ~~وعمل به ما يحلو له من الأذى (5) المضرسة: بكسر الميم وسكون الضاد: حجر ~~ثقيل أو آلة ثقيلة تكسر بها الحجارة وتهرس (1) العتمة: بفتح العين والتاء: العشاء (1) أدرعه: ألبسه الدرع وهو القميص فقط (2) يذب: يدافع (3) صرعه: طرحه على ~~الأرض (4) أكب عليه: انحنى عليه (1) ربا أمركم: زاد وارتفع شأنكم (2) الطرف: النظر (1) خلل الرماد: التراب وخلله بين حباته، وتحته، ووميض النار لمعانها (2) ~~ضرام: اشتعال (3) بفتح السين وتشديد الواو اتخذ شعار السواد، وهو لبس ~~الأسود وكان شعار الدولة العباسية لبس الأسود (1) الرماحس بضم الراء وكسر الميم: الشجاع المجترئ. (1) المسودة: العباسيون لأن شعارهم كان لبس الأسود (2) الزاب: نهر بالموصل ~~ونهر بإربل ونهر بين سوراء وواسط، ولكنهم يطلقون الزاب هنا على مطلق النهر، ~~بدليل قولهم إن بمصر زابا آخر وليس بمصر غير النيل (3) القبط: أهل مصر ~~الأصليون. (1) أكردهم: طردهم وجعلهم يجرون أمامه (1) كتب الحدثان: كتب التنجيم والأخبار بالمستقبل. # (2) الأجرزه: جمع جرز: بضم الجيم وسكون الراء وهو عمود الحديد. # (3) استعفى عبد الواحد: ms430 تركه فلم يقتله. # (4) الغائلة: الداهية، والقتل غدرا وهو المراد هنا. # (5) لأقدت منه: لأخذت منه القود وهو القصاص أي لقتلته قصاصا بقتله عبد ~~الواحد. (1) تولى كبره: تحمل إثمه الكبير. # (2) البهاليل: جمع بهلول وهو السيد الشريف. # (3) الوتر: الثأر وشفوها: أرضوا نفوسها. # (4) ياس: وهو البأس وعدم الأمل أي بعد أن كانوا يائسين من الأخذ بثأرهم. # (5) عبد شمس: هي قبيلة بني أمية. # (6) المواسى: جمع موسى وهي الشفرة التي يحلق بها الشعر. # (7) المهراس موضع باليمامة. (1) سد ثغورهم، دافع عنهم ولم يترك أبوابا مفتوحة لإحراجهم. (1) موازرته: مؤازرته ومعاونته من الوزارة وهي المعاونة. (1) المسالح: جمع مسلحة بفتح الميم واللام وسكون السين: الثغر وهو المكان ~~الذي يكون عليه الحراس خوف دخول الأعداء. # (2) أدهم الليل: اشتد سواده وإظلامه (1) واسط: بلد بالعراق. # (2) مكلوءا: مرعيا ملحوظا برعاية الله وبرعايتنا. # (3) الإخفار: نقض العهد وعدم الوفاء به. (1) المسالح: الثغور كما سبق (2) لا يغادر منها شئ: لا يترك منها شئ وإنما ~~تسلم إليك كاملة (3) الأزورار: البعد والجفاء (4) صرفا ولا عدلا: أي لا ~~يقبل الله منه شيئا مطلقا من عمله (1) وكد: أكد وثبت. # (2) المغافر: جمع مغفر بكسر الميم وسكون الغين، وهو زرد من الحديد منسوج ~~على هيئة حلقات يلبسه المحارب تحت القلنسوة على رأسه ووجهه. (1) يتضعضع به العسكر: يضعف وينكسر قلبه. (1) الهجير والهجيمرى: بكسر الهاء وتشديد الجيم: العادة الدائمة والمعنى ما ~~لي عمل دائم إلا تلاوة آية الكرسي باستمرار. # (2) الجابية: قرية بدمشق. # (3) عين التمر: موضع قرب الكوفة. # (4) المدائن: بلد صغيرة قرب بغداد. # (5) الحيرة: بلد قرب الكوفة. # (6) الأنبار: بلد بالعراق. (1) أي أخاف إن لم تسبق بقتله أن يقتلك هو، أو يخلعك. (1) وترت أهل الدين والدنيا: أصبت منهم شيئا يطلبونني بثأره. # (2) أوطأت غيركم العشواء: الظلمة: أي جعلت غيركم في ظلام وهم لا يدرى ~~المخرج منه. # (3) المقصر: القصور: أي لا أستطيع أن أبتعد عنك ولا أمتنع عليك. (1) الجعائل: جمع جعيلة وهي ما يجعل من المال في نظير عمل يقوم به الإنسان. # (2) أي قبض الغنائم. # (3) دليت بغرور: خدعت في الأمر. # (4) عدوه: بفتح العين وسكون الدال اعتداءه علي. (1) العاتق: الكتف، ms431 وحبله عظمة الترقوة وهي الواصلة من رأس العضد إلى أعلى ~~القصبة الهوائية. # (2) المسح: ثوب خشن. (1) الأنوك: الأحمق. # (2) العراقين تثنية عراق: وهما عراقان أحدهما من عبادان إلى الموصل، ~~والثاني من القادسية إلى حلوان ويطلق العراقان على البصرة والكوفة. (1) قال بيده: أشار بيده على فمه، أي وضع يده على فمه. # (2) أي أول اسمه عين. (1) اللسن: بفتح السين: البلاغة وحسن المنطق. # (2) تخوله إياهم: استخدامه لهم وجعلهم خولا خدما. # (3) نأى الرجعة: بعد مسافة الرجوع إلى أوطانهم. # (4) يتعوضوه: أي يجعلوه عوضا وبدلا من الفتنة أي فتنهم بقتلهم ~~واستذلالهم. (1) مريح: مستريح، ومريح دابتي. # (2) اللمة: الشعر الذي على أعلى القفا، وتوفير اللمة كثرة شعرها. (1) أسمح: تجاوز وكن سمحا. (1) تحظون العدو: تجعلونه ذا حظوة وجاه. # (2) تكلم: تجرح لأن الكلم الجرح. # (3) تثلم: تفتق وتخرق. # (4) تخطب الأعمال: تطلب لوظائف لنفسك. # (5) حرسيان: شرطيان. # (6) الخطة: الطريقة. (1) الأنوك: الأحمق كما سبق. # (2) الملاقون: المتملقون المنافقون. # (3) العهد: الوصية: أي أوصيت بما أريد وبينت ما علي وما لي. # (4) الجرز من الحديد: العمود من الحديد. (1) أثلم الإسلام: أكسره وأجعل فيه ثلما أي كسرا أو شرخا. # (2) الأود: العوج: أي أسعى في تقويم أوده وإصلاح اعوجاجه. # (3) مكلوءا: ملحوظا مراعى. (1) الأحمر: الفرس، والأسود: العرب، والأبيض: الروم، يريد أنك توليت أمر ~~الأمة بما فيها جميع الأجناس. # (2) داخرون له: أذلاء له، صغار أمام كبريائه. (1) سطا بكل من ألحد: تسلط عليهم وعذبهم، ومعنى ألحد في سلطانهم، لم يعترف ~~به. # (2) كثير الحساد. # (3) ببدر فيه: يؤذيه. # (4) هذا مثل عربي معناه أن الشخص كثير الحذر والاحتياط يؤتى من الجهة ~~التي يأمن منها ولا يخافها. # (5) مزال الهيبة: قد أزيلت هيبته ولم يعامل بمقتضى ما له من وقار ~~واحترام. (1) القتب: بفتح القاف والتاء: البرذعة الصغيرة على قدر سنام البعير وهي ~~مهينة غير كريمة. # (2) الأجرزة: جمع جرز بضم الجيم وهو عمود الحديد. # (3) قصدة: غير فخمة ولا غالية الثمن (4) السيف الصليت: المعد للقطع أو ~~القتل. (1) الأعين: شديد سواد العين واسعها (2) الحمى الربع: بكسر الراء وسكون ~~الباء هي التي تأتي المريض يوما وتسكت يومين ثم تأتي في اليوم الرابع. (1) اللسان السلط: ms432 الطويل، والمراد بذلك الفصاحة. # (2) الدانق: بفتح النون: سدس الدرهم. (1) التدمية: التسهيل وقبول الحلف بدل البينة وإلحاق الدم بمن ذكره ~~المقتول. # (2) الانقاب: جمع نقب وهو المكان المرتفع. # (3) الأوضاح: جمع وضح بفتح الواو والضاد نوع من حلى النساء، والورق بكسر ~~الراء: الفضة. (1) يخصمه بضم الصاد: ينتصر عليه في هذه الخصومة. # (2) حجه: انتصر عليه في حجته. (1) الكور بفتح الواو: القرى والبلاد الصغيرة. (1) الأخير: لا أفاضل بين شئ وبين الله. # (2) من حجك: من غلبك بالحجة. (1) الرقة: بلد على الفرات. # (2) الخضم: الأكل مع ملء الفم، وأكل الرطب، والقضم أكل اليابس، والمراد ~~أنه يأكل خير الأهواز جميعه رطبا ويابسا ولا يترك من خيرها شيئا للدولة. # (3) الحوكة: جمع حائك وهو خياط الثياب. # (4) شيات الدواب: علاماتها. # (5) نعوتهم: جمع نعت وهو الصفة أي أوصافهم. (1) الأعلم: هو مشقوق الشفة. # (2) خلف: ترك بعد وفاته، والسرية الأمة التي تسرى بها أي جامعها فولدت ~~له، والزوجة هي الحرة. (1) موضحة: الموضحة هي التي تظهر العظام بعد شق الجلد واللحم. # (2) المأمومة التي بلغت أم الرأس أي غارت حتى وصلت إلى داخل العظم. # (3) المرمه: إصلاح المباني وترميمها وهي مبنية. (1) البسط الرهاوية: نسبة إلى إقليم الرها وهو مشهور بجودة البسط. # (2) الرواق: السرادق أو الحوش المغطى بكساء. # (3) يكسر فيه يوما: يحتجب فيه ويقيم. (1) هما حويصة ومحيصة ابنا مسعود الصحابيان. (1) الجريب: الوادي والعامرة الآهلة بالسكان. # (2) غامرة: مغمورة مجهولة ليس بها سكان. (1) خلاصة الناس. # (2) الرقة: بلدي على الفرات وأخرى غربي بغداد. (1) البكية كثيرة البكاء، والفواق المقدار أي نام أقل من مدة بكاء باكية ~~على من تبكيه. # (2) الركية: البئر ونزحها استخراج الماء منها، والمراد أنه نام قليلا. (1) تجريض الريق: ذهاب مائه وجفاف الحلق. # (2) التمايد: التمايل وعدم الثبات. # (3) الروع: الخوف وإفراخه: ذهابه، أي لتهدأ وتطمئن ويذهب خوفك. # (4) المعقول: المقيد، أي إني سأعطيك ما منع عنك حتى تكون حرا طليقا في كل ~~ما تبغى وتريد. (1) الدقيق: الصغير الحقير، والجليل الكبير العظيم. # (2) الظئر: في الأصل العاطفة على ولد غيرها ثم أطلق على المرضعة لولد ~~غيرها، أي مرضعة أمير المؤمنين بالباب، ويطلق الظئر أيضا على ms433 الرجل زوج ~~المرضعة لغير ولدها. (1) الألية: الحلف: أي اذكر يمينك التي حلفتها لئن تشفعت عندك لتقبلن ~~شفاعتي. # (2) خفضة: قطعة اللحم التي قطعت منه عند ختانه، وذوائبه: شعره الذي قص ~~عند أول خلافته، وثناياه: أسنان طفولته التي سقطت منه، ونبت له غيرها. (1) لم ينقض حبوته: أي لم يتحرك من مكانه، وأصل الحبوة أن يجلس الرجل واضعا ~~ركبتيه منصوبتي الساقين ملتصقتين ببطنه، ولكن المراد هنا لم يتحرك من ~~مكانه. (1) استمد: وضع قلمه في المداد وهو الحبر. (1) أغمار: جمع غمر بضم الغين وفتحها وكسرها: الشاب غير المجرب، الساذج ~~الذي لم تحنكه التجارب. (1) لظ به: اتصل به وتقرب إليه. ms434