######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0023596 #META# 000.BookURI :: #0276.IbnQutaybaDinawari.TawilMushkilQuran #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (المتوفى: 276هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 276 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: تأويل مشكل القرآن #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم القرآن #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0023596 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-23596 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/23596 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: إبراهيم شمس الدين #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية، بيروت - لبنان #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | مقدمه المؤلف # بسم الله الرحمن الرحيم قال عبد الله بن مسلم بن قتيبة: # الحمد لله الذي نهج لنا سبل الرشاد، وهدانا بنور الكتاب، ولم يجعل له ~~عوجا [الكهف: 1] بل نزله قيما مفصلا بينا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا ~~من خلفه تنزيل من حكيم حميد (42) [فصلت: 42] وشرفه، وكرمه، ورفعه وعظمه، ~~وسماه روحا ورحمة، وشفاء وهدى، ونورا. # وقطع منه بمعجز التأليف أطماع الكائدين، وأبانه بعجيب النظم عن حيل ~~المتكلفين، وجعله متلوا لا يمل على طول التلاوة، ومسموعا لا تمجه الآذان، ~~وغضا لا يخلق على كثرة الرد، وعجيبا. # لا تنقضي عجائبه، ومفيدا لا تنقطع فوائده، ونسخ به سالف الكتب. # وجمع الكثير من معانيه في القليل من لفظه، وذلك معنى # قول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «أوتيت جوامع الكلم» «1» . # فإن شئت أن تعرف ذلك فتدبر قوله سبحانه: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن ~~الجاهلين (199) [الأعراف: 199] كيف جمع له بهذا الكلام كل خلق عظيم، لأن في ~~(أخذ PageV01P011 # العفو) : صلة القاطعين، والصفح عن الظالمين، وإعطاء المانعين. # وفي (الأمر بالعرف) : تقوى الله وصلة الأرحام، وصون اللسان عن الكذب، وغض ~~الطرف عن الحرمات. # وإنما سمي هذا وما أشبهه (عرفا) و (معروفا) ، لأن كل نفس تعرفه، وكل قلب ~~يطمئن إليه. # وفي (الإعراض عن الجاهلين) : الصبر، والحلم، وتنزيه النفس عن مماراة ~~السفيه، ومنازعة اللجوج. # وقوله تعالى: إذ ذكر الأرض فقال: أخرج منها ماءها ومرعاها (31) ~~[النازعات: 31] كيف دل بشيئين على جميع ما أخرجه من الأرض قوتا ومتاعا ~~للأنام، من العشب والشجر، والحب والثمر والحطب، والعصف واللباس، والنار ~~والملح، لأن النار من العيدان، والملح من الماء. # وينبئك أنه أراد ذلك قوله: متاعا لكم ولأنعامكم (33) [النازعات: 33] . # وفكر في قوله تعالى حين ذكر جنات الأرض فقال: يسقى بماء واحد ونفضل بعضها ~~على بعض في الأكل [الرعد: 4] كيف دل على نفسه ولطفه، ووحدانيته، وهدى للحجة ~~على من ضل عنه، لأنه لو كان ظهور الثمرة بالماء والتربة، لوجب في القياس ~~ألا تختلف الطعوم، ولا يقع التفاضل في الجنس الواحد، إذا نبت في ms001 مغرس واحد، ~~وسقي بماء واحد، ولكنه صنع اللطيف الخبير. # ونحو قوله: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~[الروم: 22] يريد اختلاف، اللغات، والمناظر، والهيئات. # وفي قوله تعالى: وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب [النمل: 88] ~~يريد: # أنها تجمع وتسير، فهي لكثرتها كأنها جامدة واقفة في رأي العين، وهي تسير ~~سير السحاب. # وكل جيش غص الفضاء به، لكثرته، وبعد ما بين أطرافه، فقصر عنه البصر- ~~فكأنه في حسبان الناظر واقف وهو يسير. # وإلى هذا المعنى ذهب الجعدي في وصف جيش فقال «1» : PageV01P012 # بأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج # وفي قوله جل ذكره: ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب [البقرة: 179] ~~يريد أن سافك الدم إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل، فكان في القصاص ~~له حياة وهو قتل. # وأخذه الشاعر فقال «1» : # أبلغ أبا مالك عني مغلغلة ... وفي العتاب حياة بين أقوام # يريد أنهم إذا تعاتبوا أصلح ما بينهم العتاب فكفوا عن القتل، فكان في ذلك ~~حياة. # وأخذه المتمثلون فقالوا: «بعض القتل إحياء للجميع» «2» . # وقالوا: «القتل أقل للقتل» «3» . # وتبين قوله في وصف خمر أهل الجنة: لا يصدعون عنها ولا ينزفون (19) ~~[الواقعة: # 19] كيف نفى عنها بهذين اللفظين جميع عيوب الخمر، وجمع بقوله: (ولا ~~ينزفون) عدم العقل، وذهاب المال، ونفاد الشراب. # وقوله: ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصم ولو كانوا لا يعقلون (42) ~~ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون (43) [يونس: 42، ~~43] كيف دل على فضل السمع على البصر، حين جعل مع الصمم فقدان العقل، ولم ~~يجعل مع العمى إلا فقدان النظر. # وقوله: إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا (145) ~~إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله [النساء: 145، ~~146] فدل على أن المنافقين شر من كفر به، وأولاهم بمقته، وأبعدهم من ~~الإنابة إليه، لأنه شرط عليهم في التوبة: الإصلاح والاعتصام، ولم يشرط ذلك ~~على غيرهم. # ثم شرط الإخلاص، لأن النفاق ذنب القلب، والإخلاص توبة القلب. PageV01P013 # ثم قال: فأولئك مع المؤمنين [النساء: 146] ولم ms002 يقل: فأولئك هم المؤمنون. # ثم قال: وسوف يؤت الله المؤمنين أجرا عظيما [النساء: 146] ولم يقل وسوف ~~يؤتيهم الله، بغضا لهم، وإعراضا عنهم، وحيدا بالكلام عن ذكرهم. # وقوله في المنافقين: يحسبون كل صيحة عليهم هم العدو [المنافقون: 4] فدل ~~على جبنهم، واستشرافهم لكل ناعر، ومرهج على الإسلام وأهله. # وأخذه الشاعر- وأنى له هذا الاختصار- فقال «1» : # ولو أنها عصفورة لحسبتها ... مسومة تدعو عبيدا وأزنما # يقول: لو طارت عصفورة لحسبتها من جبنك خيلا تدعو هاتين القبيلتين. # وقال الآخر «2» : # ما زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليكم ورجالا # وهذا في القرآن أكثر من أن نستقصيه. # وقد قال قوم بقصور العلم وسوء النظر في قوله تعالى: وترى الشمس إذا طلعت ~~تتزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال [الكهف: 17] : وما ~~في هذا الكلام من الفائدة؟. # وما في الشمس إذا مالت بالغداة والعشي عن الكهف من الخبر؟. # ونحن نقول: وأي شيء أولى بأن يكون فائدة من هذا الخبر؟ وأي معنى ألطف مما ~~أودع الله هذا الكلام؟. # وإنما أراد عز وجل: أن يعرفنا لطفه للفتية، وحفظه إياهم في المهجع، ~~واختياره لهم أصلح المواضع للرقود، فأعلمنا أنه بوأهم كهفا في مقنأة الجبل ~~«3» ، مستقبلا بنات PageV01P014 # نعش، فالشمس تزور عنه وتستدبره: طالعة، وجارية، وغاربة. ولا تدخل عليهم ~~فتؤذيهم بحرها وتلفحهم بسمومها، وتغير ألوانهم، وتبلي ثيابهم. وأنهم كانوا ~~في فجوة من الكهف- أي متسع منه- ينالهم فيه نسيم الريح وبردها، وينفي عنهم ~~غمة الغار وكربه. # وليس جهلهم بما في هذه الآية من لطيف المعنى، بأعجب من هذا جهلهم بمعنى ~~قوله: وبئر معطلة وقصر مشيد [الحج: 45] حتى أبدأوا في التعجب منه وأعادوا، ~~حتى ضربه بعض المجان لبارد شعره مثلا. # وهل شيء أبلغ في العبرة والعظة من هذه الآية؟ لأنه أراد: أفلم يسيروا في ~~الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها، فينظروا إلى آثار ~~قوم أهلكهم الله بالعتو، وأبادهم بالمعصية، فيروا من تلك الآثار بيوتا ~~خاوية قد سقطت على عروشها، وبئرا كانت لشرب أهلها قد عطل رشاؤها، وغار ~~معينها، وقصرا بناه ملكه ms003 بالشيد «1» قد خلا من السكن، وتداعى بالخراب، ~~فيتعظوا بذلك، ويخافوا من عقوبة الله وبأسه، مثل الذي نزل بهم. # ونحوه قوله: فأصبحوا لا يرى إلا مساكنهم [الأحقاف: 25] : # ولم يزل الصالحون يعتبرون بمثل هذا، ويذكرونه في خطبهم ومقاماتهم: فكان ~~سليمان صلى الله عليه وآله وسلم، إذا مر بخراب قال: يا خرب الخربين أين ~~أهلك الأولون؟. # وقال: أبو بكر رضي الله عنه، في بعض خطبه: أين بانو المدائن ومحصنوها ~~بالحوائط؟ أين مشيدو القصور، وعامروها؟ أين جاعلو العجب فيها لمن بعدهم؟ ~~تلك منازلهم خالية، وهذه منازلهم في القبور خاوية، هل تحس منهم من أحد أو ~~تسمع لهم ركزا؟. # وهذا الأسود بن يعفر يقول» # : PageV01P015 # ماذا أؤمل بعد آل محرق ... تركوا منازلهم وبعد إياد # أهل الخورنق والسدير وبارق ... والقصر ذي الشرفات من سنداد # نزلوا بأنقرة يسيل عليهم ... ماء الفرات يجيء من أطواد # أرض تخيرها لطيب مقيظها ... كعب بن مامة وابن أم دؤاد # جرت الرياح على محل ديارهم ... فكأنهم كانوا على ميعاد # فأرى النعيم وكل ما يلهى به ... يوما يصير إلى بلى ونفاد # وهذه الشعراء تبكي الديار، وتصف الآثار، وإنما تسمعهم يذكرون دمنا ~~وأوتادا، وأثافي ورمادا، فكيف لم يعجبوا من تذكرهم أهل الديار بمثل هذه ~~الآثار، وعجبوا من ذكر الله، سبحانه أحسن ما يذكر منها وأولاه بالصفة، ~~وأبلغه في الموعظة؟. # PageV01P016 # باب ذكر العرب وما خصهم الله به من العارضة والبيان واتساع المجاز # وإنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره، واتسع علمه، وفهم مذاهب العرب ~~وافتنانها في الأساليب، وما خص الله به لغتها دون جميع اللغات، فإنه ليس في ~~جميع الأمم أمة أوتيت من العارضة، والبيان، واتساع المجال، ما أوتيته العرب ~~خصيصى من الله، لما أرهصه في الرسول، وأراده من إقامة الدليل على نبوته ~~بالكتاب، فجعله علمه، كما جعل علم كل نبي من المرسلين من أشبه الأمور بما ~~في زمانه المبعوث فيه: # فكان لموسى فلق البحر، واليد، والعصا، وتفجر الحجر في التيه بالماء ~~الرواء، إلى سائر أعلامه زمن السحر. # وكان لعيسى إحياء الموتى، وخلق الطير من الطين، وإبراء ms004 الأكمه والأبرص، ~~إلى سائر أعلامه زمن الطب. # وكان لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، الكتاب الذي لو اجتمعت الإنس والجن ~~على أن يأتوا بمثله، لم يأتوا به، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، إلى سائر ~~أعلامه زمن البيان. # فالخطيب من العرب، إذا ارتجل كلاما في نكاح، أو حمالة، أو تحضيض، أو صلح، ~~أو ما أشبه ذلك- لم يأت به من واد واحد، بل يفتن: فيختصر تارة إرادة ~~التخفيف، ويطيل تارة إرادة الإفهام، ويكرر تارة إرادة التوكيد، ويخفي بعض ~~معانيه حتى يغمض على أكثر السامعين، ويكشف بعضها حتى يفهمه بعض الأعجميين، ~~ويشير إلى الشيء ويكني عن الشيء. # وتكون عنايته بالكلام على حسب الحال، وقدر الحفل، وكثرة الحشد، وجلالة ~~المقام. # ثم لا يأتي بالكلام كله، مهذبا كل التهذيب، ومصفى كل التصفية، بل تجده ~~يمزج ويشوب، ليدل بالناقص على الوافر، وبالغث على السمين. ولو جعله كله # PageV01P017 # نجرا «1» واحدا، لبخسه بهاءه، وسلبه ماءه. # ومثل ذلك الشهاب من القبس نبرزه للشعاع، والكوكبان يقترنان، فينقص ~~النوران، والسخاب «2» ينظم بالياقوت والمرجان والعقيق والعقيان، ولا يجعل ~~كله جنسا واحدا من الرفيع الثمين، ولا النفيس المصون. # وألفاظ العرب مبنية على ثمانية وعشرين حرفا، وهي أقصى طوق اللسان. # وألفاظ جميع الأمم قاصرة عن ثمانية وعشرين ولست واجدا في شيء من كلامهم ~~حرفا ليس في حرفنا إلا معدولا عن مخرجه شيئا، مثل الحرف المتوسط مخرجي ~~القاف والكاف، والحرف المتوسط مخرجي الفاء والباء. # فهذه حال العرب في مباني ألفاظها. # ولها الإعراب الذي جعله الله وشيا لكلامها، وحلية لنظامها، وفارقا في بعض ~~الأحوال بين الكلامين المتكافئين، والمعنيين المختلفين كالفاعل والمفعول، ~~لا يفرق بينهما، إذا تساوت حالاهما في إمكان الفعل أن يكون لكل واحد منهما- ~~إلا بالإعراب. # ولو أن قائلا قال: هذا قاتل أخي بالتنوين، وقال آخر: هذا قاتل أخي ~~بالإضافة- لدل التنوين على أنه لم يقتله، ودل حذف التنوين على أنه قد قتله. # ولو أن قارئا قرأ: فلا يحزنك قولهم إنا نعلم ما يسرون وما يعلنون (76) ~~[يس: # 76] وترك طريق الابتداء بإنا، وأعمل القول فيها بالنصب على مذهب ms005 من ينصب ~~(أن) بالقول كما ينصبها بالظن- لقلب المعنى عن جهته، وأزاله عن طريقته، ~~وجعل النبي، عليه السلام، محزونا لقولهم: إن الله يعلم ما يسرون وما ~~يعلنون. وهذا كفر ممن تعمده، وضرب من اللحن لا تجوز الصلاة به، ولا يجوز ~~للمأموين أن يتجوزوا فيه. # وقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يقتل قرشي صبرا بعد ~~اليوم» «3» . # فيمن رواه «حزما» أوجب ظاهر الكلام للقرشي ألا تقتل إن ارتد، ولا يقتص ~~منه إن قتل. PageV01P018 # ومن رواه «رفعا» انصرف التأويل إلى الخبر عن قريش: أنه لا يرتد منها أحد ~~عن الإسلام فيستحق القتل. # أفما ترى الإعراب كيف فرق بين هذين المعنيين. # وقد يفرقون بحركة البناء في الحرف الواحد بين المعنيين. # فيقولون: رجل لعنة، إذا كان يلعنه الناس. فإن كان هو الذي يلعن الناس، ~~قالوا: # رجل لعنة فحركوا العين بالفتح. # ورجل سبة إذا كان يسبه الناس، فإن كان هو يسب الناس قالوا: رجل سببة. # وكذلك: هزأة، وهزأة وسخرة، وسخرة وضحكة، وضحكة وخدعة، وخدعة. # وقد يفرقون بين المعنيين المتقاربين بتغيير حرف في الكلمة حتى يكون تقارب ~~ما بين اللفظين، كتقارب ما بين المعنيين. # كقولهم للماء الملح الذي لا يشرب إلا عند الضرورة: شروب، ولما كان دونه ~~مما قد يتجوز به: شريب. # وكقولهم لما ارفض على الثوب من البول إذ كان مثل رؤوس الإبر: نضح، ورش ~~الماء عليه يجزىء من الغسل، فإن زاد على ذلك قليلا قيل له: نضخ ولم يجزىء ~~فيه إلا الغسل. # وكقولهم للقبض بأطراف الأصابع: قبض وبالكف: قبض وللأكل بأطراف الأسنان: ~~قضم وبالفم: خضم. # ولما ارتفع من الأرض: حزن فإن زاد قليلا قيل: حزم. # وللذي يجد البرد: خصر فإن كان مع ذلك جوع قيل: خرص. # وللنار إذا طفئت: هامدة فإن سكن اللهب وبقي من جمرها شيء قيل: خامدة. # وللقائم من الخبل: صائم فإن كان ذلك من حفى أو وجى، قيل: صائن. # وللعطاء: شكد فإن كان مكافأة قيل: شكم. # وللخطأ من غير التعمد: غلط فإن كان في الحساب قيل: غلت. # وللضيق في ms006 العين: خوص فإن كان ذلك في مؤخرها قيل: حوص. # PageV01P019 # وقد يكتنف الشيء معان فيشتق لكل معنى منها اسم من اسم ذلك الشيء، ~~كاشتقاقهم من البطن للخميص: مبطن وللعظيم البطن إذا كان خلقة: بطين فإذا ~~كان من كثرة الأكل قيل مبطان وللمنهوم: بطن وللعليل البطن: مبطون. # ويقولون: وجدت الضالة ووجدت في الغضب، ووجدت في الحزن، ووجدت في ~~الاستغناء. ثم يجعلون الاسم الضالة: وجودا ووجدانا وفي الحزن وجدا وفي ~~الغضب موجدة وفي الاستغناء وجدا. # في أشياء كثيرة، ليس لاستقصاء ذكرها في كتابنا هذا، وجه. # وللعرب الشعر الذي أقامه الله تعالى لها مقام الكتاب لغيرها، وجعله ~~لعلومها مستودعا، ولآدابها حافظا، ولأنسابها مقيدا، ولأخبارها ديوانا لا ~~يرث على الدهر، ولا يبيد على مر الزمان. # وحرسه بالوزن، والقوافي، وحسن النظم، وجودة التخيير- من التدليس ~~والتغيير، فمن أراد أن يحدث فيه شيئا عسر ذلك عليه، ولم يخف له كما يخفى في ~~الكلام المنثور. # وقد تجد الشاعر منهم ربما زال عن سننهم شيئا، فيقولون له: ساندت، وأقويت، ~~وأكفأت، وأوطأت. # وإنما خالف في السناد بين ردفين، أو حرفين قبل ردفين، كقول عمرو بن كلثوم ~~«1» : # ألا هبي بصحنك فاصبحينا ... ولا تبقي خمور الأندرينا # وقال في بيت آخر «2» : # كأن متونهن متون غدر ... تصفقها الرياح إذا جرينا # فالحاء من فأصبحينا (ردف) وهي مكسورة، والراء من جرينا (ردف) وهي مفتوحة. ~~PageV01P020 # وخالف في (الإقواء) بحرف نقصه من شطر البيت الأول، كقول الآخر «1» : # جنت نوار ولات هنا حنت ... وبدا الذي كانت نوار أجنت # لما رأت ماء السلا مشروبا ... والفرث يعصر في الإناء أرنت # وكقول حميد بن ثور «2» : # إني كبرت وإن كل كبير ... مما يظن به يمل ويفتر # وخالف في الإكفاء بأن رفع قافية وخفض أخرى. # وخالف في الإبطاء بأن أعاد قافية مرتين. # وقال ابن الرقاع يذكر تنقيحه شعره «3» : # وقصيدة قد بت أجمع بينها ... حتى أقوم ميلها وسنادها # نظر المثقف في كعوب قناته ... حتى يقيم ثقافه منآدها # وقال ذو الرمة «4» : # وشعر قد أرقت له غريب ... أجانبه المساند والمحالا # هذا قول أبي عبيدة. PageV01P021 # وبعضهم يجعل الإقواء رفع ms007 قافية وجر أخرى. # وقول أبي عبيدة أجود عندي لأن الإقواء من القوة، والقوة: طاقة من الحبل، ~~يقال: ذهبت قوة من الحبل، إذا ذهبت منه طاقة، وكذلك إذا ذهب جزء من البيت، ~~وهو الذي يسمى المزاحف. فقد ذهبت منه قوة، كما ذهب قوة من الحبل، كما قال ~~ذلك «1» : # لما رأت ماء السلا مشروبا فقد ذهب منه شيء، فلو قال: (مشروبة) لكان ~~مستويا. # وللعرب المجازات في الكلام، ومعناها: طرق القول ومآخذه. ففيها الاستعارة: # والتمثيل، والقلب، والتقديم، والتأخير، والحذف، والتكرار، والإخفاء، ~~والإظهار، والتعريض، والإفصاح، والكناية، والإيضاح، ومخاطبة الواحد مخاطبة ~~الجميع، والجميع خطاب الواحد، والواحد والجميع خطاب الاثنين، والقصد بلفظ ~~الخصوص لمعنى العموم، وبلفظ العموم لمعنى الخصوص مع أشياء كثيرة ستراها في ~~أبواب المجاز إن شاء الله تعالى. # وبكل هذه المذاهب نزل القرآن ولذلك لا يقدر أحد من التراجم على أن ينقله ~~إلى شيء من الألسنة، كما نقل الإنجيل عن السريانية إلى الحبشية والرومية، ~~وترجمت التوراة والزبور، وسائر كتب الله تعالى بالعربية لأن العجم لم تتسع ~~في المجاز اتساع العرب. # ألا ترى أنك لو أردت أن تنقل قوله تعالى: وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ ~~إليهم على سواء [الأنفال: 58]- لم تستطع أن تأتي بهذه الألفاظ مؤدية عن ~~المعنى الذي أودعته حتى تبسط مجموعها، وتصل مقطوعها وتظهر مستورها، فتقول: ~~إن كان بينك وبين قوم هدنة وعهد، فخفت منهم خيانة ونقضا، فأعلمهم أنك قد ~~نقضت ما شرطت لهم، وآذنهم بالحرب لتكون أنت وهم في العلم بالنقض على ~~استواء. # وكذلك قوله تعالى: فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (11) [الكهف: # 11] إن أردت أن تنقله بلفظه، لم يفهمه المنقول إليه، فإن قلت: أنمناهم ~~سنين عددا، PageV01P022 # لكنت مترجما للمعنى دون اللفظ. # وكذلك قوله تعالى: والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما ~~وعميانا (73) [الفرقان: 73] إن ترجمته بمثل لفظه استغلق، وإن قلت: لم ~~يتغافلوا أديت المعنى بلفظ آخر. # وقد اعترض كتاب الله بالطعن ملحدون ولغوا فيه وهجروا، واتبعوا ما تشابه ~~منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله [آل عمران: 7] بأفهام كليلة، ms008 وأبصار ~~عليلة، ونظر مدخول، فحرفوا الكلام عن مواضعه، وعدلوه عن سبله. # ثم قضوا عليه بالتناقض، والاستحالة، واللحن، وفساد النظم، والاختلاف. # وأدلوا في ذلك بعلل ربما أمالت الضعيف الغمر، والحدث الغر، واعترضت ~~بالشبه في القلوب، وقدحت بالشكوك في الصدور. # ولو كان ما نحلوا إليه على تقريرهم وتأولهم- لسبق إلى الطعن به من لم يزل ~~رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم، يحتج عليه بالقرآن، ويجعله العلم ~~لنبوته، والدليل على صدقه، ويتحداه في موطن بعد موطن، على أن يأتي بسورة من ~~مثله. وهم الفصحاء والبلغاء، والخطباء والشعراء، والمخصوصون من بين جميع ~~الأنام بالألسنة الحداد، واللدد، في الخصام، مع اللب والنهى، وأصالة الرأي. ~~وقد وصفهم الله بذلك في غير موضع من الكتاب، وكانوا مرة يقولون: هو سحر، ~~ومرة يقولون: هو قول الكهنة، ومرة: أساطير الأولين. # ولم يحك الله تعالى عنهم، ولا بلغنا في شيء من الروايات- أنهم جدبوه من ~~الجهة التي جدبه منها الطاعنون. # فأحببت أن أنضح عن كتاب الله، وأرمي من ورائه بالحجج النيرة، والبراهين ~~البينة، وأكشف للناس ما يلبسون. # فألفت هذا الكتاب، جامعا لتأويل مشكل القرآن، مستنبطا ذلك من التفسير ~~بزيادة في الشرح والإيضاح، وحاملا ما لم أعلم فيه مقالا لإمام مطلع- على ~~لغات العرب لأري به المعاند موضع المجاز، وطريق الإمكان، من غير أن أحكم ~~فيه برأي، أو أقضي عليه بتأويل. # ولم يجز لي أن أنص بالإسناد إلى من له أصل التفسير إذ كنت لم أقتصر على ~~وحي القوم حتى كشفته، وعلى إيمائهم حتى أوضحته، وردت في الألفاظ ونقصت، # PageV01P023 # وقدمت وأخرت، وضربت لبعض ذلك الأمثال والأشكال، حتى يستوي في فهمه ~~السامعون. # وأسأل الله التجاوز عن الزلة بحسن النية، فيما دللت عليه، وأجريت إليه، ~~والتوفيق للصواب، وحسن الثواب. ### | الحكاية عن الطاعنين # وكان مما بلغنا عنهم: أن يحتجون بقوله عز وجل: ولو كان من عند غير الله ~~لوجدوا فيه اختلافا كثيرا [النساء: 82] وبقوله: لا يأتيه الباطل من بين ~~يديه ولا من خلفه [فصلت: 42] . # وقالوا: وجدنا الصحابة، رضي الله عنهم، ومن بعدهم، يختلفون في الحرف: # فابن ms009 عباس يقرأ: وادكر بعد أمة [يوسف: 45] وغيره يقرأ: بعد أمة. و ~~«عائشة» تقرأ: «إذ تلقونه» [النور: 15] وغيرها يقرأ: تلقونه. وأبو بكر ~~الصديق يقرأ وجاءت سكرة الحق بالموت والناس يقرؤون: وجاءت سكرة الموت بالحق ~~[ق: 19] . # وقرأ بعض القراء: # وأعتدت لهن متكأ وقرأ الناس: وأعتدت لهن متكأ [يوسف: 31] . وكان ابن ~~مسعود يقرأ: إن كانت إلا زقية واحدة [يس: 29] ويقرأ كالصوف المنفوش ~~[القارعة: 5] . # مع أشباه لهذه كثيرة، يخالف فيها مصحفه المصاحف القديمة والحديثة. وكان ~~يحذف من مصحفه أم الكتاب ويمحو المعوذتين ويقول: لم تزيدون في كتاب الله ما ~~ليس فيه؟. # و (أبي) يقرأ: إن الساعة آتية أكاد أخفيها [طه: 15] من نفسي فكيف أظهركم ~~عليها. # ويزيد في مصحفه افتتاح (دعاء القنوت) إلى قول الداعي: (إن عذابك ~~بالكافرين ملحق) ويعده سورتين من القرآن. # و (القراء) يختلفون: فهذا يرفع ما ينصبه ذاك، وذاك يخفض ما يرفعه هذا. # وأنتم تزعمون أن هذا كله كلام رب العالمين، فأي شيء بعد هذا الاختلاف ~~تريدون؟ وأي باطل بعد الخطإ واللحن تبتغون؟. # وقد رويتم من الطريق الذي ترتضون: روى أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن ~~أبيه، عن (عائشة) أنها قالت: # PageV01P024 # ثلاثة أحرف في كتاب الله هن خطأ من الكاتب: قوله: إن هذان لساحران [طه: ~~63] . # وفي سورة المائدة: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون [المائدة: 69] ~~. # وفي سورة النساء: لكن الراسخون في العلم منهم والمؤمنون يؤمنون بما أنزل ~~إليك وما أنزل من قبلك والمقيمين الصلاة والمؤتون الزكاة [النساء: 162] ~~حدثناه إسحاق بن راهويه. # قالوا: ورويتم عن عثمان أنه نظر في المصحف فقال: أرى فيه لحنا وستقيمه ~~العرب بألسنتها. # وقالوا: وهل التناقض إلا مثل قوله: فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ولا جان ~~(39) [الرحمن: 39] وهو يقول في موضع آخر: فو ربك لنسئلنهم أجمعين (92) عما ~~كانوا يعملون (93) [الحجر: 92، 93] . # ومثل قوله: هذا يوم لا ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) ~~[المرسلات: 35، 36] . # ويقول في موضع آخر: ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) [الزمر: # 31] . ويقول: هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [البقرة: 111] . # ومثل قوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ms010 (25) [الطور: 25، والصافات: 27] ~~. # وهو يقول في موضع آخر: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [المؤمنون: ~~101] . # ومثل قوله: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ~~ذلك رب العالمين (9) [فصلت: 9] . # وقال بعد ذلك: ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا ~~أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سماوات في يومين [فصلت: 11، ~~12] فدلت هذه الآية على أنه خلق الأرض قبل السماء. # وقال في موضع آخر: أأنتم أشد خلقا أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها ~~(28) [النازعات: 27، 28] ثم قال: والأرض بعد ذلك دحاها (30) [النازعات: 30] ~~. # فدلت هذه الآية على أنه خلق السماء قبل الأرض. # ومثل قوله: ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) [الغاشية: 6] . # وهو يقول في موضع آخر: فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من ~~غسلين (36) # PageV01P025 # والضريع: نبت، فهل يجوز أن يكون في النار نبات وشجر، والنار تأكلهما؟. # ومثل قوله تعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم ~~وهم يستغفرون (33) [الأنفال: 33] ، ثم قال على أثر ذلك: وما لهم ألا يعذبهم ~~الله وهم يصدون عن المسجد الحرام [الأنفال: 34] . # وقالوا: فأين قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى، من قوله: فانكحوا ما ~~طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع [النساء: 3] . # وأين قوله: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر الحرام ~~والهدي والقلائد، من قوله: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات وما في ~~الأرض وأن الله بكل شيء عليم [المائدة: 97] . # وأين قوله: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من آياته، ~~من قوله: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [لقمان: 31] ، أو ليس هذا مما ~~يستوي فيه الصبار والشكور وغير الصبار والشكور؟. # وما معنى قوله: كمثل غيث أعجب الكفار نباته [الحديد: 20] ؟ ولم خص الكفار ~~دون المؤمنين؟ أو ليس هذا مما يستوي فيه المؤمنون والكافرون، ولا ينقص ~~إيمان المؤمنين إن أعجبهم؟. # وقالوا في قوله عز وجل: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ~~ربك [هود: 107] : استثناؤه المشيئة من الخلود، يدل ms011 على الزوال، وإلا فلا ~~معنى للاستثناء. ثم قال: عطاء غير مجذوذ [هود: 108] ، أي غير مقطوع. # وقالوا في قوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [الدخان: 56] : # كيف يستثنى موتا كان في الدنيا من مكثهم في الجنة؟ وهل يجوز أن يقال في ~~الكلام: # لا أعطيك اليوم درهما إلا ما أعطيتك أمس؟. # وقالوا في قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا ~~(96) [مريم: 96] : هل يجوز أن يقال: فلان يجعل لك حبا، أي يحبك؟. # وفي قوله: وجعلنا نومكم سباتا (9) [النبأ: 9] والسبات هو: النوم، فكيف ~~يجوز أن يجعل نومنا نوما؟. # وفي قوله: ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا من ~~فضة [الإنسان: # 15، 16] وقوله: لنرسل عليهم حجارة من طين (33) [الذاريات: 33] : كيف يكون ~~زجاج من # PageV01P026 # فضة؟ وحجارة من طين؟. # وقالوا في قوله: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب ~~من قبلك لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين (94) ولا تكونن من ~~الذين كذبوا بآيات الله فتكون من الخاسرين (95) [يونس: 94، 95] : هل كان ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم، يشك فيما يأتيه به جبريل؟ وكيف يدعو ~~الشاكين من هو على مثل سبيلهم؟ وكيف يرتاب فيما يأتيه به الروح الأمين، ~~ويأتيه الثلج واليقين بخبر أهل الكتاب عنه أنه حق، وهم يكذبون ويحرفون ~~ويقولون على الله ما لا يعلمون؟. # وقالوا في قوله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا [مريم: 62] : أنتم تزعمون ~~أنه لا شمس هناك ولا ليل، وهذا يدل على أوقات مختلفة، وشمس وفيء، ونهار ~~وليل، لأن البكرة تدل على أول النهار، والعشي يدل على آخره، وما كان له أول ~~وآخر فله انصرام، وإذا انصرم عاقبه الليل والنهار. # وقالوا في سورة الأنفال، حين ذكرها، ثم وصف المؤمنين فقال: إنما المؤمنون ~~الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ~~ربهم يتوكلون (2) الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (3) أولئك هم ~~المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم (4) [الأنفال: 2- 4] ، ~~ثم قال: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق ms012 [الأنفال: 5] : و (كما) تأتي لتشبيه ~~الشيء، ولم يتقدم من الكلام ما يشبه به إخراج الله إياه. # وقالوا في قوله: وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك ~~البلاغ وعلينا الحساب (40) [الرعد: 40] كيف يكون عليه البلاغ بعد الوفاة؟. # وقالوا: في قوله في الرعد: مثل الجنة التي وعد المتقون [الرعد: 35] ، أين ~~الشيء الذي جعلت له الجنة مثلا؟ وهل يجوز أن يقال: «مثل الدار التي وعدتك ~~سكناها، يطرد فيها نهر، وتظلك فيها، شجرة» . ويمسك القائل؟. # قالوا: وقال في موضع آخر: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له [الحج: 73] ~~ولم يأت به. # وقالوا في قوله تعالى: وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] : كيف تبلغ ~~القلب الحلوق، والقلوب إن زال عن موضعه شيئا، مات صاحبه؟. # وقالوا في قوله تعالى: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [النحل: 112] : ~~كيف # PageV01P027 # يذاق اللباس؟ وإنما كان وجه الكلام: فألبسها الله لباس الجوع والخوف. أو ~~غشاها الله لباس الجوع والخوف. أو فأذاقها الله الجوع والخوف. ويحذف ~~اللباس. # وقالوا في قوله: سنسمه على الخرطوم (16) [القلم: 16] : ما هذا من ~~العقوبة؟ وفي أي الدارين يسمه: أفي الدنيا أم في الآخرة؟. # فإن كان في الدنيا، فإنه لم يبلغنا أن أحدا من المشركين، وسم على أنفه. # وإن كان في النار، فما أعد للكافرين فيها من صنوف العذاب، أكثر من الوسم ~~على الأنف. # وقالوا: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد لعباده الهدى ~~والبيان؟. # وتعلقوا بكثير منه لطف معناه: لما فيه من المجازات بمضمر لغير مذكور، أو ~~محذوف من الكلام متروك، أو مزيد فيه يوضح معناه حذف الزيادة، أو مقدم يوضح ~~معناه التأخير، أو مؤخر يوضح معناه التقديم، أو مستعار، أو مقلوب. # وتكلموا في الكناية، مثل قوله: تبت يدا أبي لهب وتب (1) [المسد: 1] ، ~~ومثل قوله: ليتني لم أتخذ فلانا خليلا [الفرقان: 28] . # وفي تكرار الكلام في: قل يا أيها الكافرون (1) [الكافرون: 1] ، وفي سورة ~~الرحمن. # وفي تكرار الأنباء والقصص، من غير زيادة ولا إفادة. # وفي مخالفة معنى الكلام مخرجه. # وقد ذكرت الحجة عليهم في جميع ما ذكروا، وغيره مما ms013 تركوا، وهو يشبه ما ~~أنكروا، ليكون الكتاب جامعا للفن الذي قصدت له. # وأفردت للغريب كتابا، كي لا يطول هذا الكتاب، وليكون مقصورا على معناه، ~~خفيفا على من قرأه إن شاء الله تعالى. # PageV01P028 ### | باب الرد عليهم في وجوه القراءات # أما ما اعتلوا به في وجوه القراءات من الاختلاف، فإنا نحتج عليهم فيه # بقول النبي، صلى الله عليه وآله وسلم: «نزل القرآن على سبعة أحرف، كلها ~~شاف كاف، فاقرؤوا كيف شئتم» «1» . # وقد غلط في تأويل هذا الحديث قوم فقالوا: السبعة الأحرف: وعد، ووعيد، ~~وحلال، وحرام، ومواعظ، وأمثال، واحتجاج. # وقال آخرون: هي سبع لغات في الكلمة. # وقال قوم: حلال، وحرام، وأمر، ونهي، وخبر ما كان قبل، وخبر ما هو كائن ~~بعد، وأمثال. # وليس شيء من هذه المذاهب لهذا الحديث بتأويل. # ومن قال: فلان يقرأ بحرف أبي عمرو «2» أو بحرف عاصم «3» فإنه لا يريد ~~شيئا PageV01P029 # مما ذكروا. وليس يوجد في كتاب الله حرف قرىء على سبعة أوجه- يصح، فيما ~~أعلم. # وإنما تأويل قوله، صلى الله عليه وآله وسلم: «نزل القرآن على سبعة أحرف» ~~«1» : على سبعة أوجه من اللغات متفرقة في القرآن، يدلك على ذلك # قول رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم: «فاقرؤوا كيف شئتم» . # وقال عمر: سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان على غير ما ~~أقرؤها، وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم أقرأنيها، فأتيت به النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم، فأخبرته فقال له: اقرأ، فقرأ تلك القراءة، فقال: ~~هكذا أنزلت. ثم قال لي: اقرأ، فقرأت، فقال: هكذا أنزلت. ثم قال: «إن هذا ~~القرآن نزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا منه ما تيسر» . # فمن قرأه قراءة عبد الله «2» فقد قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة أبي «3» فقد ~~قرأ بحرفه، ومن قرأ قراءة زيد «4» فقد قرأ بحرفه. # والحرف يقع على المثال المقطوع من حروف المعجم، وعلى الكلمة الواحدة، ~~ويقع الحرف على الكلمة بأسرها، والخطبة كلها، والقصيدة بكمالها. # ألا ترى أنهم يقولون: قال الشاعر كذا في كلمته، يعنون في قصيدته. والله ~~جل PageV01P030 # وعز ms014 يقول: ولقد قالوا كلمة الكفر [التوبة: 74] ، وقال: وألزمهم كلمة ~~التقوى [الفتح: 26] ، وقال: ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (171) إنهم ~~لهم المنصورون (172) وإن جندنا لهم الغالبون (173) [الصافات: 171، 173] . # وقال: ومن الناس من يعبد الله على حرف فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته ~~فتنة انقلب على وجهه [الحج: 11] ، أراد سبحانه وتعالى: من الناس من يعبد ~~الله على الخير يصيبه من تثمير المال، وعافية البدن، وإعطاء السؤل، فهو ~~مطمئن ما دام ذلك له. وإن امتحنه الله تعالى باللأواء في عيشه، والضراء في ~~بدنه وماله، كفر به. # فهذا عبد الله على وجه واحد، ومعنى متحد، ومذهب واحد، وهو معنى الحرف. ~~ولو عبد الله على الشكر للنعمة، والصبر للمصيبة، والرضا بالقضاء- لم يكن ~~عبده على حرف. # وقد تدبرت وجوه الخلاف في القراءات فوجدتها سبعة أوجه # : أولها: الاختلاف في إعراب الكلمة، أو في حركة بنائها بما لا يزيلها عن ~~صورتها في الكتاب ولا يغير معناها نحو قوله تعالى: هؤلاء بناتي هن أطهر لكم ~~[هود: 78] وأطهر لكم وهل نجازي إلا الكفور [سبأ: 17] وهل يجازى إلا الكفور، ~~ويأمرون الناس بالبخل [النساء: 37] وبالبخل، فنظرة إلى ميسرة [البقرة: 280] ~~وميسرة. # والوجه الثاني: أن يكون الاختلاف في إعراب الكلمة وحركات بنائها بما يغير ~~معناها، ولا يزيلها عن صورتها في الكتاب، نحو قوله تعالى: ربنا باعد بين ~~أسفارنا [سبأ: 19] وربنا باعد بين أسفارنا، وإذ تلقونه بألسنتكم [النور: ~~15] وتلقونه، وادكر بعد أمة [يوسف: 45] وبعد أمة. # والوجه الثالث: أن يكون الاختلاف في حروف الكلمة دون إعرابها، بما يغير ~~معناها ولا يزيل صورتها، نحو قوله: وانظر إلى العظام كيف ننشزها [البقرة: # 259] وننشرها، ونحو قوله: حتى إذا فزع عن قلوبهم [سبأ: 23] وفرغ. # والوجه الرابع: أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يغير صورتها في الكتاب، ~~ولا يغير معناها، نحو قوله: «إن كانت إلا زقية» وصيحة [يس: 29] و «كالصوف ~~المنفوش» وو تكون الجبال كالعهن المنفوش (5) [القارعة: 5] . # والوجه الخامس أن يكون الاختلاف في الكلمة بما يزيل صورتها ومعناها نحو ~~قوله: «وطلع منضود» في موضع وطلح منضود (29) [الواقعة: 29] . # PageV01P031 # والوجه السادس: أن يكون الاختلاف ms015 بالتقديم والتأخير. نحو قوله: وجاءت ~~سكرة الموت بالحق [ق: 19] ، وفي موضع آخر: «وجاءت سكرة الحق بالموت» . # والوجه السابع: أن يكون الاختلاف بالزيادة والنقصان، نحو قوله تعالى: ~~«وما عملت أيديهم» ، وما عملته أيديهم [يس: 35] ، ونحو قوله: إن الله هو ~~الغني الحميد [لقمان: 26] وإن الغني الحميد. # وقرأ بعض السلف: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة [ص: 23] أنثى، وإن الساعة ~~آتية أكاد أخفيها [طه: 15] من نفسي فكيف أظهركم عليها. # فأما زيادة دعاء القنوت في مصحف أبي، ونقصان أم الكتاب والمعوذتين من ~~مصحف عبد الله، فليس من هذه الوجوه، وسنخبر بالسبب فيه، إن شاء الله. # وكل هذه الحروف كلام الله تعالى نزل به الروح الأمين على رسوله عليه ~~السلام وذلك أنه كان يعارضه في كل شهر من شهور رمضان بما اجتمع عنده من ~~القرآن فيحدث الله إليه من ذلك ما يشاء، وينسخ ما يشاء، وييسر على عباده ما ~~يشاء. فكان من تيسيره: # أن أمره بأن يقرىء كل قوم بلغتهم وما جرت عليه عادتهم: # فالهذلي يقرأ «عتى حين» يريد حتى حين [المؤمنون: 54] ، لأنه هكذا يلفظ ~~بها ويستعملها. # والأسدي يقرأ: تعلمون وتعلم وتسود وجوه [آل عمران: 106] وأ لم أعهد إليكم ~~[يس: 60] . # والتميمي يهمز. والقرشي لا يهمز. # والآخر يقرأ وإذا قيل لهم [البقرة: 11] وغيض الماء [هود: 44] بإشمام الضم ~~مع الكسر، وهذه بضاعتنا ردت إلينا [يوسف: 65] بإشمام الكسر مع الضم وما لك ~~لا تأمنا [يوسف: 11] بإشمام الضم مع الإدغام، وهذا ما لا يطوع به كل لسان. # ولو أن كل فريق من هؤلاء، أمر أن يزول عن لغته، وما جرى عليه اعتياده ~~طفلا وناشئا وكهلا- لاشتد ذلك عليه، وعظمت المحنة فيه، ولم يمكنه إلا بعد ~~رياضة للنفس طويلة، وتذليل للسان، وقطع للعادة. فأراد الله، برحمته ولطفه، ~~أن يجعل لهم متسعا في اللغات، ومتصرفا في الحركات، كتيسيره عليهم في الدين ~~حين أجاز لهم على لسان رسوله، صلى الله عليه وآله وسلم، أن يأخذوا باختلاف ~~العلماء من صحابته في فرائضهم وأحكامهم، وصلاتهم وصيامهم، وزكاتهم وحجهم، ~~وطلاقهم وعتقهم، وسائر أمور دينهم. # PageV01P032 # فإن ms016 قال قائل: هذا جائز في الألفاظ المختلفة إذا كان المعنى واحدا، فهل ~~يجوز أيضا إذا اختلفت المعاني؟. # قيل له: الاختلاف نوعان: اختلاف تغاير، واختلاف تضاد. فاختلاف التضاد لا ~~يجوز، ولست واجده بحمد الله في شيء من القرآن إلا في الأمر والنهي من ~~الناسخ والمنسوخ. # (واختلاف التغاير جائز) ، وذلك مثل قوله: وادكر بعد أمة [يوسف: 45] أي ~~بعد حين، وبعد أمة أي بعد نسيان له، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان، ~~لأنه ذكر أمر يوسف بعد حين وبعد نسيان له، فأنزل الله على لسان نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم، بالمعنيين جميعا في غرضين. # وكقوله: إذ تلقونه بألسنتكم [النور: 15] أي تقبلونه وتقولونه، و (تلقونه) ~~من الولق، وهو الكذب، والمعنيان جميعا وإن اختلفا صحيحان، لأنهم قبلوه ~~وقالوه، وهو كذب، فأنزل الله على نبيه بالمعنيين جميعا في غرضين. # وكقوله: ربنا باعد بين أسفارنا [سبأ: 19] على طريق الدعاء والمسألة، و ~~«ربنا باعد بين أسفارنا» على جهة الخير، والمعنيان وإن اختلفا صحيحان، لأن ~~أهل سبأ سألوا الله أن يفرقهم في البلاد فقالوا: ربنا باعد بين أسفارنا ~~فلما فرقهم الله في البلاد أيادي سبأ، وباعد بين أسفارهم، قالوا: ربنا باعد ~~بين أسفارنا وأجابنا إلى ما سألنا، فحكى الله سبحانه عنهم بالمعنيين في ~~غرضين. # وكذلك قوله: لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض [الإسراء: ~~102] ولقد علمت ما أنزل هؤلاء لأن فرعون قال لموسى إن آياتك التي أتيت بها ~~سحر. # فقال موسى مرة: لقد علمت ما هي سحر ولكنها بصائر، وقال مرة: لقد علمت أنت ~~أيضا ما هي سحر، وما هي إلا بصائر. فأنزل الله المعنيين جميعا. # وقوله: وأعتدت لهن متكأ [يوسف: 31] وهو الطعام، و (أعتدت لهن متكا) وهو ~~الأترج، ويقال: الزماورد، فدلت هذه القراءة على معنى ذلك الطعام، وأنزل ~~الله بالمعنيين جميعا. # وكذلك ننشرها و «ننشزها» [البقرة: 259] ، لأن الإنشار: الإحياء، والإنشاز ~~هو: # التحريك للنقل، والحياة حركة، فلا فرق بينهما. # وكذلك: فزع عن قلوبهم [سبأ: 23] و (فرغ) ، لأن فرغ: خفف عنها الفزع، ~~وفرغ: فرغ عنها الفزع. # PageV01P033 # وكل ما ms017 في القرآن من تقديم أو تأخير، أو زيادة أو نقصان- فعلى مثل هذه ~~السبيل. # فإن قال قائل: فهل يجوز لنا أن نقرأ بجميع هذه الوجوه؟. # قيل له: كل ما كان منها موافقا لمصحفنا غير خارج من رسم كتابه- جاز لنا ~~أن نقرأ به. وليس لنا ذلك فيما خالفه، لأن المتقدمين من الصحابة والتابعين، ~~قرؤوا بلغاتهم، وجروا على عادتهم، وخلوا أنفسهم وسوم طبائعهم، فكان ذلك ~~جائزا لهم، ولقوم من القراء بعدهم مأمونين على التنزيل، عارفين بالتأويل، ~~فأما نحن معشر المتكلفين، فقد جمعنا الله بحسن اختيار السلف لنا على مصحف ~~هو آخر العرض، وليس لنا أن نعدوه، كما كان لهم أن يفسروه، وليس لنا أن ~~نفسره. # ولو جاز لنا أن نقرأه بخلاف ما ثبت في مصحفنا، لجاز أن نكتبه على ~~الاختلاف والزيادة والنقصان والتقديم والتأخير، وهناك يقع ما كرهه لنا ~~الأئمة الموفقون، رحمة الله عليهم. # وأما نقصان مصحف عبد الله بحذفه (أم الكتاب) و (المعوذتين) ، وزيادة أبي ~~بسورتي القنوت- فإنا لا نقول: إن عبد الله وو أبيا أصابا وأخطأ المهاجرون ~~والأنصار، ولكن (عبد الله) ذهب فيما يرى أهل النظر إلى أن (المعوذتين) ~~كانتا كالعوذة والرقية وغيرها، وكان يرى رسول الله، صلى الله عليه وآله ~~وسلم، يعوذ بهما الحسن والحسين وغيرهما «1» ، كما كان يعوذ بأعوذ بكلمات ~~الله التامة «2» ، وغير ذلك، فظن أنهما ليستا من القرآن، وأقام على ظنه ~~ومخالفة الصحابة جميعا كما أقام على التطبيق. # وأقام غيره على الفتيا بالمتعة، والصرف ورأى آخر أكل البرد وهو صائم. # ورآى آخر أكل السحور بعد طلوع الفجر الثاني. في أشباه لهذا كثيرة. # وإلى نحو هذا ذهب أبي في (دعاء القنوت) ، لأنه رأى رسول الله، صلى الله ~~عليه وآله وسلم، يدعو به PageV01P034 # في الصلاة دعاء دائما، فظن أنه من القرآن، وأقام على ظنه، ومخالفة ~~الصحابة. # وأما فاتحة الكتاب فإني أشك فيما روي عن عبد الله من تركه إثباتها في ~~مصحفه، فإن كان هذا محفوظا فليس يجوز لمسلم أن يظن به الجهل بأنها من ~~القرآن، وكيف يظن به ذلك وهو من ms018 أشد الصحابة عناية بالقرآن، وأحد الستة ~~الذين الذين انتهى إليهم العلم، # و (النبي) صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «من أحب أن يقرأ القرآن غضا. ~~كما أنزل فليقرأه قراءة ابن أم عبد» «1» . # وعمر يقول فيه: كنيف ملىء علما «2» . # وهو مع هذا متقدم الإسلام بدري لم يزل يسمع رسول الله، صلى الله عليه ~~وآله وسلم يؤم بها، # وقال: «لا صلاة إلا بسورة الحمد» «3» # وهي السبع المثاني، وأم الكتاب، أي أعظمه، وأقدم ما نزل منه كما سميت مكة ~~أم القرى لأنها أقدمها، قال الله عز وجل: إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة ~~مباركا [آل عمران: 96] . # ولكنه ذهب، فيما يظن أهل النظر، إلى القرآن إنما كتب وجمع بين اللوحين ~~مخافة الشك والنسيان، والزيادة والنقصان، ورأى ذلك لا يجوز على سورة الحمد ~~لقصرها ولأنها تثنى في كل صلاة وكل ركعة، ولأنه لا يجوز لأحد من المسلمين ~~ترك تعلمها وحفظها، كما يجوز ترك تعلم غيرها وحفظه، إذ كانت لا صلاة إلا ~~بها. # فلما أمن عليها العلة التي من أجلها كتب المصحف، ترك كتابتها وهو يعلم ~~أنها من القرآن. PageV01P035 # ولو أن رجلا كتب في المصحف سورا وترك سورا لم يكتبها، لم نر عليه في ذلك ~~وكفا «1» إن شاء الله تعالى. ### | باب ما ادعي على القرآن من اللحن # وأما ما تعلقوا به من حديث عائشة رضي الله عنها في غلط الكاتب، وحديث ~~عثمان رضي الله عنه: أرى فيه لحنا- فقد تكلم النحويون في هذه الحروف، ~~واعتلوا لكل حرف منها، واستشهدوا الشعر: # فقالوا: في قوله سبحانه: إن هذان لساحران [طه: 63] وهي لغة بلحرث بن كعب ~~يقولون: مررت برجلان، وقبضت منه درهمان، وجلست بين يداه، وركبت علاه. ~~وأنشدوا «2» : # تزود منا بين أذناه ضربة ... دعته إلى هابي التراب عقيم # أي موضع كثير التراب لا ينبت. # وأنشدوا «3» : # أي قلوص راكب تراها ... طاروا علاهن فطر علاها PageV01P036 # على أن القراء قد اختلفوا في قراءة هذا الحرف: فقرأه أبو عمرو بن العلاء ~~«1» ، وعيسى بن عمر «2» : «إن هذين لساحران» وذهبا إلى أنه غلط من الكاتب ms019 ~~كما قالت عائشة. # وكان عاصم الجحدري «3» يكتب هذه الأحرف الثلاثة في مصحفه على مثالها في ~~الإمام، فإذا قرأها، قرأ: «إن هذين لساحران» ، وقرأ المقيمون الصلاة ~~[النساء: 162] ، وقرأ إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين [الحج: 17] . # وكان يقرأ أيضا في سورة البقرة: والصابرون فى البأساء والضراء [البقرة: ~~177] ويكتبها: الصابرين. # وإنما فرق بين القراءة والكتاب لقول عثمان رحمة الله: أرى فيه لحنا ~~وستقيمه العرب بألسنتها فأقامه بلسانه، وترك الرسم على حاله. # وكان الحجاج «4» وكل عاصما «5» وناجية بن رمح وعلي بن أصمع بتتبع ~~المصاحف، وأمرهم أن يقطعوا كل مصحف وجدوه مخالفا لمصحف عثمان، ويعطوا صاحبه ~~ستين درهما. # خبرني بذلك أبو حاتم «6» عن الأصمعي «7» قال: وفي ذلك يقول الشاعر: ~~PageV01P037 # وإلا رسوم الدار قفرا كأنها ... كتاب محاه الباهلي بن أصمعا # وقرأ بعضهم: إن هذان لساحران [طه: 63] اعتبارا بقراءة أبي لأنها في ~~مصحفه: # «إن ذان إلا ساحران» وفي مصحف عبد الله: (وأسروا النجوى أن هذان ساحران) ~~منصوبة بالألف يجعل إن هذان تبيينا للنجوى. # وقالوا في قوله تبارك وتعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئون ~~[المائدة: # 69] رفع (الصابئين) لأنه رد على موضع إن الذين آمنوا وموضعه رفع، لأن ~~(إن) مبتدأة وليست تحدث في الكلام معنى كما تحدث أخواتها. ألا ترى أنك ~~تقول: زيد قائم، ثم تقول: إن زيدا قائم، ولا يكون بين الكلامين فرق في ~~المعنى. وتقول: زيد قائم، ثم تقول: ليت زيدا قائم، فتحدث في الكلام معنى ~~الشك. وتقول: زيد قائم، ثم تقول: ليت زيدا قائم، فتحدث في الكلام معنى ~~التمني، ويدلك على ذلك قولهم: إن عبد الله قائم وزيد، فترفع زيدا، كأنك ~~قلت: عبد الله قائم وزيد، وتقول: لعل عبد الله قائم وزيدا، فتنصب مع (لعل) ~~وترفع مع (إن) لما أحدثته (لعل) من معنى الشك في الكلام، ولأن (إن) لم تحدث ~~شيئا. وكان الكسائي «1» يجيز: أن عبد الله وزيد قائمان، وإن عبد الله وزيد ~~قائم. والبصريون يجيزونه، ويحكون: إن الله وملائكته يصلون على النبي ~~[الأحزاب: 56] وينشدون «2» : PageV01P038 # فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب # وقالوا ms020 في نصب (المقيمين) بأقاويل: قال بعضهم: أراد بما أنزل إليك وإلى ~~المقيمين. وقال بعضهم: وما أنزل من قبلك ومن قبل المقيمين، وكان الكسائي ~~يرده إلى قوله: يؤمنون بما أنزل إليك [البقرة: 4] أي: ويؤمنون بالمقيمين، ~~واعتبره بقوله في موضع آخر: يؤمن للمؤمنين أي بالمؤمنين. وقال بعضهم: هو ~~نصب على المدح. قال أبو عبيدة «1» : هو نصب على تطاول الكلام بالنسق، وأنشد ~~للخرنق بنت هفان «2» : # لا يبعدن قومي الذين هم ... سم العداة وآفة الجزر # النازلين بكل معترك ... والطيبون معاقد الأزر # ومما يشبه هذه الحروف- ولم يذكروه- قوله في سورة البقرة: والموفون بعهدهم ~~إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء [البقرة: 177] . والقراء جميعا ~~على نصب الصابرين إلا عاصما الجحدري فإنه كان يرفع الحرف إذا قرأه، وينصبه ~~إذا كتبه، للعلة التي تقدم ذكرها. # واعتل أصحاب النحو للحرف، فقال بعضهم: هو نصب على المدح، والعرب تنصب على ~~المدح والذم، كأنهم ينوون إفراد الممدوح بمدح مجدد غير متبع لأول ~~PageV01P039 # الكلام، كذلك قال الفراء «1» . # وقال بعضهم: أراد: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين ~~وابن السبيل والسائلين والصابرين في البأساء والضراء. # وهذا وجه حسن، لأن البأساء: الفقر، ومنه قول الله عز وجل: وأطعموا البائس ~~الفقير [الحج: 28] . # والضراء: البلاء في البدن، من الزمانة والعلة. فكأنه قال: وآتى المال على ~~حبه السائلين الطوافين، والصابرين على الفقر والضر الذين لا يسألون ولا ~~يشكون، وجعل الموفين وسطا بين المعطين نسقا على من آمن بالله. # ومن ذلك قوله في سورة الأنبياء: وكذلك ننجي المؤمنين [الأنبياء: 88] كتبت ~~في المصاحف بنون واحدة، وقرأها القراء جميعا ننجي بنونين إلا عاصم بن أبي ~~النجود «2» فإنه كان يقرؤها بنون واحدة، ويخالف القراء جميعا، ويرسل الياء ~~فيها على مثال (فعل) . # فأما من قرأها بنونين، وخالف الكتاب، فإنه اعتل بأن النون تخفى عند ~~الجيم، فأسقطها كاتب المصحف لخفائها، ونيته إثباتها. # واعتل بعض النحويين لعاصم فقالوا: أضمر المصدر، كأنه قال: نجي النجاء ~~المؤمنين، كما تقول: ضرب الضرب زيدا، ثم تضمر الضرب، فتقول: ضرب زيدا. # وكان أبو عبيد «3» يختار في هذا الحرف مذهب عاصم ms021 كراهية أن يخالف الكتاب، ~~PageV01P040 # ويستشهد عليه حرفا في سورة الجاثية، كان يقرأ به أبو جعفر المدني «1» ، ~~وهو قوله: # ليجزي قوما بما كانوا يكسبون [الجاثية: 14] أي ليجزى الجزاء قوما. # وأنشدني بعض النحويين «2» : # ولو ولدت فقيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا # ومن ذلك: فأصدق وأكن من الصالحين [المنافقون: 10] أكثر القراء يقرؤون ~~فأصدق أكن بغير واو. واعتل بعض النحويين في ذلك بأنها محمولة على موضع ~~فأصدق، لو لم يكن فيه الفاء، وموضعه جزم، وأنشد «3» : # فأبلوني بليتكم لعلي ... أصالحكم وأستدرج نويا # فجزم وأستدرج، وحمله على موضع أصالحكم لو لم يكن قبلها: لعلي كأنه قال: # فأبلوني بليتكم أصالحكم وأستدرج. # وكان أبو عمرو بن العلاء «4» يقرأ: فأصدق وأكون بالنصب، ويذهب إلى أن ~~الكاتب أسقط الواو، كما تسقط حروف المد واللين في (كلمون) وأشباه ذلك. # وليست تخلو هذه الحروف من أن تكون على مذهب من مذاهب أهل الإعراب فيها، ~~أو أن تكون غلطا من الكاتب، كما ذكرت عائشة رضي الله عنها. # فإن كانت على مذاهب النحويين فليس هاهنا لحن بحمد الله. # وإن كانت خطأ في الكتاب، فليس على رسوله، صلى الله عليه وآله وسلم، جناية ~~الكاتب في الخط. # ولو كان هذا عيبا يرجع على القرآن، لرجع عليه كل خطأ وقع في كتابة المصحف ~~من طريق التهجي: PageV01P041 # فقد كتب في الإمام: إن هذان لساحران بحذف ألف التثنية. # وكذلك ألف التثنية تحذف في هجاء هذا المصحف في كل مكان، مثل: قال رجلن ~~وفآخران يقومان مقامهما [المائدة: 107] وكتبت كتاب المصحف: الصلاة والزكوة ~~والحيوة، بالواو، واتبعناهم في هذه الحروف خاصة على التيمن بهم، ونحن لا ~~نكتب: (القطاة والقناة والفلاة) إلا بالألف، ولا فرق بين تلك الحروف وبين ~~هذه. # وكتبوا (الربو) بالواو، وكتبوا: فمال الذين كفروا [المعارج: 36] فمال ~~بلام منفردة. # وكتبوا: ولقد جاءك من نبإ المرسلين [الأنعام: 34] بالياء أو من وراء حجاب ~~[الشورى: 51] بالياء في الحرفين جميعا، كأنهما مضافان، ولا ياء فيهما، إنما ~~هي مكسورة. # وكتبوا: أم لهم شركاء [القلم: 41] وفقال الضعفاء [إبراهيم: 21] بواو، ولا ~~ألف قبلها. # وكتبوا: أو أن نفعل ms022 في أموالنا ما نشؤا [هود: 77] بواو بعد الألف، وفي ~~موضع آخر ما نشاء [الإسراء: 18، والحج: 5] بغير واو، ولا فرق بينهما. # وكتبوا: أو لأذبحنه أو ليأتيني بسلطان مبين [النمل: 31] بزيادة ألف. # وكذلك ولأوضعوا خلالكم [التوبة: 47] بزيادة ألف بعد لام ألف. # وهذا أكثر في المصحف من أن نستقصيه. # وكذلك لحن اللاحنين من القراء المتأخرين، لا يجعل حجة على الكتاب. # وقد كان الناس قديما يقرؤون بلغاتهم كما أعلمتك. # ثم خلف قوم بعد قوم من أهل الأمصار وأبناء العجم ليس لهم طبع اللغة، ولا ~~علم التكلف، فهفوا في كثير من الحروف وزلوا وقرؤوا بالشاذ وأخلوا. # منهم رجل ستر الله عليه عند العوام بالصلاح، وقربه من القلوب بالدين. # لم أر فيمن تتبعت وجوه قراءته أكثر تخليطا، ولا أشد اضطرابا منه، لأنه ~~يستعمل في الحرف ما يدعه في نظيره، ثم يؤصل أصلا ويخالف إلى غيره لغير ما ~~علة. ويختار في كثير من الحروف ما لا مخرج له إلا على طلب الحيلة الضعيفة. # هذا إلى نبذه في قراءته مذاهب العرب وأهل الحجاز، فإفراطه في المد ~~والهمزة # PageV01P042 # والإشباع، وإفحاشه في الإضجاع والإدغام، وحمله المتعلمين على المركب ~~الصعب، وتعسيره على الأمة ما يسره الله، وتضييقه ما فسحه. # ومن العجب أنه يقرىء الناس بهذه المذاهب، ويكره الصلاة بها! ففي أي موضع ~~تستعمل هذه القراءة إن كانت الصلاة لا تجوز بها؟! وكان ابن عيينة «1» يرى ~~لمن قرأ في صلاته بحرفه، أو ائتم بقراءته: أن يعيد، ووافقه على ذلك كثير من ~~خيار المسلمين منهم بشر بن الحارث «2» وأحمد بن حنبل. # وقد شغف بقراءته عوام الناس وسوقهم، وليس ذلك إلا لما يرونه من مشقتها ~~وصعوبتها، وطول اختلاف المتعلم إلى المقرئ فيها، فإذا رأوه قد اختلف في أم ~~الكتاب عشرا، وفي مائة آية شهرا، وفي السبع الطول حولا، ورأوه عند قراءته ~~مائل الشدقين، دار الوريدين، راشح الجبينين- توهموا أن ذلك لفضيلة في ~~القراءة وحذق بها. # وليس هكذا كانت قراءة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولا خيار السلف ~~ولا التابعين، ولا القراء العالمين، بل ms023 كانت قراءتهم سهلة رسلة. وهكذا ~~نختار لقراء القرآن في أورادهم ومحاربهم. فإما الغلام الريض والمستأنف ~~للتعلم، فنختار له أن يؤخذ بالتحقيق عليه، من غير إفحاش في مد أو همز أو ~~إدغام، لأن في ذلك تذليلا للسان، وإطلاقا من الحبسة، وحلا للعقدة. # وما أقل من سلم من هذه الطبقة في حرفه من الغلط والوهم: # فقد قرأ بعض المتقدمين: ما تلوته عليكم ولا أدرأتكم به [يونس: 16] فهمز، ~~وإنما هو من دربت بكذا وكذا. # وقرأ: وما تنزلت به الشياطون [الشعراء: 210] توهم أنه جمع بالواو والنون. # وقرأ آخر: فلا تشمت بي الأعداء [الأعراف: 150] بفتح التاء، وكسر الميم، ~~ونصب الأعداء. وإنما هو من: أشمت الله العدو فهو يشمته، ولا يقال: شمت الله ~~العدو. PageV01P043 # وقال: الأعمش «1» قرأت عند إبراهيم «2» وطلحة بن مصرف «3» : قال لمن حوله ~~ألا تستمعون (25) [الشعراء: 25] ، فقال: إبراهيم ما تزال تأتينا بحرف أشنع! ~~إنما هو (لمن حوله) واستشهد طلحة فقال مثل قوله. قال الأعمش: فقلت لهما: ~~لحنتما، لا أقاعدكما اليوم. # وقرأ يحيى بن وثاب «4» : وإن تلوا أو تعرضوا [النساء: 135] من الولاية. ~~ولا وجه للولاية هاهنا، إنما هي تلووا- بواوين- من ليك في الشهادة وميلك ~~إلى أحد الخصمين عن الآخر. قال الله عز وجل: يلون ألسنتهم بالكتاب [آل ~~عمران: 78] واتبعه على هذه القراءة الأعمش وحمزة «5» . # وقرأ الأعمش: وما أنتم بمصرخي [إبراهيم: 22] بكسر الياء، كأنه ظن أن ~~الباء تخفض الحرف كله، واتبعه على ذلك (حمزة) . # وقرأ حمزة: ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله [فاطر: 43] فجزم ~~الحرف الأول، والجزم لا يدخل الأسماء، وأعرب الآخر وهو مثله. # وقرأ نافع «6» : فبم تبشرون [الحجر: 54] بكسر النون. ولو أريد بها الوجه ~~الذي ذهب إليه، لكانت (فبم تبشرونني) بنونين، لأنها في موضع رفع. ~~PageV01P044 # وقرأ حمزة. ولا يحسبن الذين كفروا سبقوا إنهم لا يعجزون (59) [الأنفال: ~~59] بالياء. ولو أريد بها الوجه الذي ذهب إليه لكانت (ولا يحسبن الذين ~~كفروا أنهم سبقوا، إنهم لا يعجزون) . # وهذا يكثر. ولم يكن القصد في هذا الكتاب له، وستراه كله في كتابنا المؤلف ~~في وجوه القراءات إن شاء الله ms024 تعالى. # PageV01P045 ### | باب التناقض والاختلاف # قال أبو محمد: عبد الله بن مسلم بن قتيبة: # فأما ما نخلوه من التناقض في مثل قوله تعالى: فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ~~ولا جان (39) [الرحمن: 39] . وهو يقول في موضع آخر: فو ربك لنسئلنهم أجمعين ~~(92) عما كانوا يعملون (93) [الحجر: 92، 93] . # فالجواب في ذلك: أن يوم القيامة يكون كما قال الله تعالى: مقداره خمسين ~~ألف سنة [المعارج: 4] ، ففي مثل هذا اليوم يسألون وفيه لا يسألون، لأنهم ~~حين يعرضون يوقفون على الذنوب ويحاسبون، فإذا انتهت المسألة ووجبت الحجة: ~~انشقت السماء فكانت وردة كالدهان [الرحمن: 37] وانقطع الكلام، وذهب الخصام، ~~واسودت وجوه قوم، وابيضت وجوه آخرين، وعرف الفريقان بسيماهم، وتطايرت الصحف ~~من الأيدي: فآخذ ذات اليمين إلى الجنة، وآخذ ذات الشمال إلى النار. # وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنه في قوله: فيومئذ لا يسئل عن ذنبه إنس ~~ولا جان (39) [الرحمن: 39] قال: هو موطن لا يسألون فيه. # ومثله: ولا يسئل عن ذنوبهم المجرمون [القصص: 78] . # وقوله: لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد [ق: 28] وقوله: هذا يوم لا ~~ينطقون (35) ولا يؤذن لهم فيعتذرون (36) [المرسلات: 35، 36] ، وهو يقول في ~~موضع آخر: ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون (31) [الزمر: 31] ويقول: ~~هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [البقرة: 111، والنمل: 64] . # والجواب عن هذا كله نحو جوابنا الأول، لأنهم يختصمون ويدعي المظلومون على ~~الظالمين، ففي تلك الحال يختصمون، فإذا وقع القصاص وثبت الحكم قيل لهم: # لا تختصموا ولا تنطقوا، ولا تعتذروا، فليس ذلك بمغن عنكم ولا نافع لكم، ~~فيخسؤون. # PageV01P046 # روى عبد الرزاق «1» عن معمر «2» ، عن قتادة «3» : أن رجلا جاء إلى عكرمة ~~«4» فقال: أرأيت قول الله تعالى: هذا يوم لا ينطقون، وقوله: ثم إنكم يوم ~~القيامة عند ربكم تختصمون فقال: إنها مواقف، فأما موقف منها: فتكلموا ~~واختصموا، ثم ختم الله على أفواههم فتكلمت أيديهم وأرجلهم، فحينئذ لا ~~يتكلمون. # وقوله: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (25) [الطور: 25] ، وهو يقول في ~~موضع آخر: فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون [المؤمنون: 101] ، فإنه إذا ~~نفخ في الصور نفخة واحدة، تقطعت الأرحام، وبطلت الأنساب، ms025 وشغلوا بأنفسهم عن ~~التسآل وفصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله [الزمر: 68] . ~~فإذا نفخ فيه أخرى: قاموا ينظرون وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) ~~[الصافات: 27] وقالوا: من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون ~~[يس: 52] . وهو معنى قول ابن عباس. # وقوله: قل أإنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك ~~رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في ~~أربعة أيام سواء للسائلين (10) ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها ~~وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) [فصلت: 9، 11] فدلت هذه ~~الآيات على أنه خلق الأرض قبل السماء. # وقال في موضع آخر: أم السماء بناها (27) رفع سمكها فسواها (28) وأغطش ~~ليلها وأخرج ضحاها (29) والأرض بعد ذلك دحاها [النازعات: 27، 30] . # فدلت هذه الآية على أنه خلق السماء قبل الأرض. # وليس على كتاب الله تحريف الجاهلين، وغلط المتأولين. وإنما كان يجد ~~الطاعن PageV01P047 # متعلقا ومقالا لو قال: والأرض بعد ذلك خلقها أو ابتدأها أو أنشأها، وإنما ~~قال: # دحاها فابتدأ الخلق للأرض على ما في الآي الأول في يومين، ثم خلق السموات ~~وكانت دخانا في يومين، ثم دحا بعد ذلك الأرض، أي بسطها ومدها، وكانت ربوة ~~مجتمعة، وأرساها بالجبال، وأنبت فيها النبات في يومين، فتلك ستة أيام سواء ~~للسائلين، وهو معنى قول ابن عباس. # وقال مجاهد «1» : بعد ذلك في هذا الموضع، بمعنى (مع ذلك) ، و (مع) و ~~(بعد) في كلام العرب سواء. # وقوله: ليس لهم طعام إلا من ضريع (6) [الغاشية: 6] ، وهو يقول في موضع ~~آخر: فليس له اليوم هاهنا حميم (35) ولا طعام إلا من غسلين (36) [الحاقة: ~~35، 36] ، فإن النار دركات، والجنة درجات، وعلى قدر الذنوب والحسنات تقع ~~العقوبات والمثوبات، فمن أهل النار من طعامه الزقوم، ومنهم من طعامه غسلين، ~~ومنهم من شرابه الحميم، ومنهم من شرابه الصديد. # والضريع: نبت يكون بالحجاز، يقال لرطبه: الشبرق، لا يسمن ولا يشبع، قال ~~امرؤ القيس «2» : # فأتبعتهم طرفي وقد حال دونهم ... غوارب رمل ذي ألاء وشبرق # والعرب تصفه بذلك. ms026 # وغسلين: فعلين من غسلت، كأنه الغسالة، قال بعض المفسرين: هو ما يسيل من ~~أجساد المعذبين. # وهذا نحو قوله: سرابيلهم من قطران [إبراهيم: 50] وسرابيلهم من قطر آن ~~قراءة عكرمة ومن تابعه. # والقطر: النحاس. والآن: الذي قد بلغ منتهى حره. كأن قوما يسربلون هذا، ~~PageV01P048 # وقوما يسربلون هذا، ويلبسون هذا تارة، وهذا تارة. # وأما قولهم: (كيف يكون في النار نبت وشجر، والنار تأكلهما؟) فإنه لم يرد ~~فيما يرى أهل النظر- والله أعلم- أن الضريع بعينه ينبت في النار، ولا أنهم ~~يأكلونه. # والضريع من أقوات الأنعام لا من أقوات الناس، وإذا وقعت فيه الإبل لم ~~تشبع وهلكت هزلا. # قال الهذلي يذكر إبلا وسوء مرعاها «1» : # وحبسن في هزم الضريع فكلها ... حدباء دامية اليدين حرود # فأراد أن هؤلاء قوم يقتاتون ما لا يشبعهم، وضرب الضريع لهم مثلا. أو ~~يعذبون بالجوع كما يعذب من قوته الضريع. # وكان ما أراد الله بهذا معلوما عندهم مفهوما، ولو لم يكن كذلك لأنكروه ~~كما أنكروا قوله: إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤس ~~الشياطين (65) [الصافات: 64، 65] وقالوا: كيف تكون في النار شجرة والنار ~~تأكل الشجر؟ # فأنزل الله: وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة ~~الملعونة في القرآن [الإسراء: 60] ، يعني بالرؤيا: ما رآه ليلة أسري به ~~وأخبر عنه، فارتد لذلك قوم، وزاد الله في بصائر قوم. وأراد بالشجرة ~~الملعونة: شجرة الزقوم. فهذا وجه. # وقد يكون الضريع وشجرة الزقوم: نبتين من النار، أو من جوهر لا تأكله ~~النار. # وكذلك سلاسل النار وأغلالها، وأنكالها وعقاربها وحياتها- لو كانت على ما ~~نعلم، لم تبق على النار، وإنما دلنا الله سبحانه على الغائب عنده بالحاضر ~~عندنا، فالأسماء متفقة للدلالة، والمعاني مختلفة. # وما في الجنة من شجرها وثمرها وفرشها، وجميع آلاتها- على مثل ذلك. # قال ابن عباس: نخل الجنة، جذوعها من زمرد أخضر، وكربها من ذهب أحمر، ~~وسعفها كسوة لأهل الجنة، منها مقطعاتهم وحللهم وتمرها أمثال القلال ~~والدلاء، أشد PageV01P049 # بياضا من اللبن، وأحلى من العسل، وألين من الزبد، ليس له عجم. # وقوله: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، ms027 [الأنفال: 33] ثم قال على إثر ~~ذلك: وما لهم ألا يعذبهم الله [الأنفال: 34] فإن النضر بن الحارث قال: ~~اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا ~~بعذاب أليم [الأنفال: 32] يريد أهلكنا ومحمدا ومن معه عامة. فأنزل الله ~~تعالى: وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون، [الأنفال: 33] أي وفيهم قوم ~~يستغفرون، يعني المسلمين. # يدلك على ذلك قول الله تبارك وتعالى: وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما ~~كان الله معذبهم وهم يستغفرون (33) [الأنفال: 33] ، ثم قال: وما لهم ألا ~~يعذبهم الله خاصة وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه ~~إلا المتقون [الأنفال: 34] يعني المسلمين، فعذبهم الله بالسيف بعد خروج ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم عنهم، وفي ذلك نزلت: سأل سائل بعذاب واقع ~~(1) ، [المعارج: 1] أي دعا داع بعذاب واقع، يعني النضر بن الحارث للكافرين ~~ليس له دافع (2) [المعارج: 2] يقول: هو للكافرين خاصة دون المؤمنين، وهو ~~معنى قول ابن عباس. # وقال (مجاهد) في قوله: وهم يستغفرون: علم أن في أصلابهم من سيستغفر. # وأما قولهم: أين قوله: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى من قوله: فانكحوا ~~ما طاب لكم من النساء [النساء: 3] ، فهل شيء أشبه بشيء أليق به من أحد ~~الكلامين بالآخر؟!. # والمعنى: أن الله تعالى قصر الرجال على أربع نسوة وحرم عليهم أن ينكحوا ~~أكثر منهن، لأنه لو أباح لهم أن ينكحوا من الحرائر ما أباح من ملك اليمن لم ~~يستطيعوا العدل عليهن بالتسوية بينهن، فقال لنا: فكما تخافون ألا تعدلوا ~~بين اليتامى إذا كفلتموهم، فخافوا أيضا ألا تعدلوا بين النساء إذا ~~نكحتموهن، فانكحوا اثنتين وثلاثا وأربعا، ولا تتجاوزوا ذلك فتعجزوا عن ~~العدل. # ثم قال: فإن خفتم أيضا ألا تعدلوا بين الثلاث والأربع، فانكحوا واحدة، أو ~~اقتصروا على ما ملكت أيمانكم من الإماء، ذلك أدنى ألا تعولوا، أي لا تجوروا ~~وتميلوا. # وقال ابن عباس: قصر الرجال على أربع من أجل اليتامى. # يقول: لما كان النساء مكفولات بمنزلة اليتامى، وكان العدل على اليتامى ~~شديدا # PageV01P050 # على كافلهم- قصر ms028 الرجال على ما بين الواحدة إلى الأربع من النساء، ولم ~~يطلق لهم ما فوق ذلك، لئلا يميلوا. # وقولهم: أين قوله: جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس والشهر ~~الحرام والهدي والقلائد من قوله: ذلك لتعلموا أن الله يعلم ما في السماوات ~~وما في الأرض وأن الله بكل شيء عليم [المائدة: 97] ؟. # وتأويل هذا: أن أهل الجاهلية كانوا يتغاورون ويسفكون الدماء بغير حقها، ~~ويأخذون الأموال بغير حلها، ويخيفون السبل، ويطلب الرجل منهم الثأر فيقتل ~~غير قاتله، ويصيب غير الجاني عليه، ولا يبالي من كان بعد أن يراه كفأ لوليه ~~ويسميه: الثأر المنيم، وربما قتل أحدهم حميمه بحميمه. # قال ابن مضرس وقتل خاله بأخيه «1» : # بكت جزعا أمي رميلة أن رأت ... دما من أخيها بالمهند باقيا # فقلت لها: لا تجزعي إن طارقا ... خليلي الذي كان الخليل المصافيا # وما كنت لو أعطيت ألفي نجيبة ... وأولادها لغوا وستين راعيا # لأقبلها من طارق دون أن أرى ... دما من بني حصن على السيف جاريا # وما كان في عوف قتيل علمته ... ليوفيني من طارق غير خاليا # وربما أسرف في القتل فقتل بالواحد ثلاثة وأربعة وأكثر. # وقال الشاعر «2» : # هم قتلوا منكم بظنة واحد ... ثمانية ثم استمروا فأرتعوا # يقول: إنهم اتهموكم بقتل رجل منهم، فقتلوا منكم ثمانية به. # فجعل الله الكعبة البيت الحرام وما حولها من الحرم، والشهر الحرام، ~~والهدي، والقلائد- قواما للناس. أي أمنا لهم، فكان الرجل إذا خاف على نفسه ~~لجأ إلى الحرم فأمن. يقول الله جل وعز: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ~~ويتخطف الناس من حولهم [العنكبوت: 67] . PageV01P051 # وإذا دخل الشهر الحرام تقسمتهم الرحل، وتوزعتهم النخع، وانبسطوا في ~~متاجرهم، وأمنوا على أموالهم وأنفسهم. # وإذا أهدى الرجل منهم هديا، أو قلد بعيره من لحاء شجر الحرم- أمن كيف ~~تصرف وحيث سلك. # ولو ترك الناس على جاهليتهم وتغاورهم في كل موضع وكل شهر- لفسدت الأرض، ~~وفني الناس، وتقطعت السبل، وبطلت المتاجر. ففعل الله ذلك لعلمه بما فيه من ~~صلاح شؤونهم، وليعلموا كما علم ما فيه من الخير لهم- أنه يعلم أيضا ما في ~~السموات ms029 وما في الأرض من مصالح العباد ومرافقهم، وأنه بكل شيء عليم. # وقولهم: وأين قوله: ألم تر أن الفلك تجري في البحر بنعمت الله ليريكم من ~~آياته من قوله: إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور [لقمان: 31] . # ولم يرد الله في هذا الموضع معنى الصبر والشكر خاصة، وإنما أراد: إن في ~~ذلك لآيات لكل مؤمن. والصبر والشكر أفضل ما في المؤمن من خلال الخير، فذكره ~~الله عز وجل في هذا الموضع بأفضل صفاته. وقال في موضع آخر: إن في ذلك لآية ~~للمؤمنين (77) [الحجر: 77] . وفي موضع آخر: لقوم يتفكرون [النحل: 69] ولقوم ~~يعقلون [النحل: 67] وإنما يتذكر أولوا الألباب [الرعد: 19] يعني المؤمنين. # ومثله قوله تعالى في قصة سبإ: ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار ~~شكور [سبأ: 19] . وهذا كما تقول: أن في ذلك لآية لكل موحد مصل، ولكل فاصل ~~تقي. وإنما تريد المسلمين. # وقوله: كمثل غيث أعجب الكفار نباته [الحديد: 20] فإنما يريد بالكفار ~~هاهنا: # الزراع، واحدهم كافر. وإنما سمي كافرا لأنه إذا ألقى البذر في الأرض ~~كفره، أي غطاه، وكل شيء، غطيته فقد كفرته، ومنه قيل: تكفر فلان في السلاح: ~~إذا تغطى. # ومنه قيل لليل كافر، لأنه يستر بظلمته كل شيء. ومنه قول الشاعر «1» : # يعلو طريقة متنها متواترا ... في ليلة كفر النجوم غمامها PageV01P052 # أي غطاها. وهذا مثل قوله تعالى: يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار [الفتح: ~~29] . # وأما قوله: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك [هود: ~~107] ، فإن للعرب في معنى (الأبد) ألفاظا يستعملونها في كلامهم، يقولون: لا ~~أفعل ذلك ما اختلف الليل والنهار، وما طمى البحر، أي ارتفع، وما أقام ~~الجبل، وما دامت السموات والأرض، في أشباه لهذا كثيرة، يريدون لا أفعله ~~أبدا، لأن هذه المعاني عندهم لا تتغير عن أحوالها أبدا، فخاطبهم الله بما ~~يستعملونه فقال: خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض أي مقدار دوامهما، ~~وذلك مدة العالم. وللسماء وللأرض وقت يتغيران فيه عن هيئتهما، يقول الله ~~تعالى: يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات [إبراهيم: 48] ، ويقول: يوم ~~نطوي السماء ms030 كطي السجل للكتب [الأنبياء: 104] . # أراد أنهم خالدون فيها مدة العالم، سوى ما شاء الله أن يزيدهم من الخلود ~~على مدة العالم. ثم قال: عطاء غير مجذوذ [هود: 108] أي غير مقطوع. # و (إلا) في هذا الموضع بمعنى (سوى) ومثله من الكلام: لأسكنن في هذه الدار ~~حولا إلا ما شئت. تريد سوى ما شئت أن أزيد على الحول. # هذا وجه. وفيه (قول آخر) ، وهو: أن يجعل دوام السماء والأرض بمعنى الأبد، ~~على ما تعرف العرب وتستعمل، وإن كانتا قد تتغيران، وتستثنى المشيئة من ~~دوامهما، لأن أهل الجنة وأهل النار قد كانوا في وقت من أوقات دوام السماء ~~والأرض في الدنيا لا في الجنة، فكأنه قال: خالدين في الجنة وخالدين في ~~النار دوام السماء والأرض، إلا ما شاء ربك من تعميرهم في الدنيا قبل ذلك. # وفيه (وجه ثالث) : وهو أن يكون الاستثناء من الخلود مكث أهل الذنوب من ~~المسلمين في النار حتى تلحقهم رحمة الله، وشفاعة رسوله، فيخرجوا منها إلى ~~الجنة. # فكأنه قال سبحانه: خالدين في النار ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ~~ربك من إخراج المذنبين من المسلمين إلى الجنة، وخالدين في الجنة ما دامت ~~السموات والأرض، إلا ما شاء ربك من إدخال المذنبين النار مدة من المدد، ثم ~~يصيرون إلى الجنة. # وأما قوله: لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى [الدخان: 56] ، فإن ~~(إلا) في هذا الموضع أيضا بمعنى (سوى) . ومثله: ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم ~~من النساء إلا ما قد سلف [النساء: 22] يريد سوى ما سلف في الجاهلية قبل ~~النهي. # PageV01P053 # وإنما استثنى الموتة الأولى وهي في الدنيا، لأن السعداء حين يموتون ~~يصيرون بما شاء الله من لطفه وقدرته، إلى أسباب من أسباب الجنة، ويتفاضلون ~~أيضا في تلك الأسباب على قدر منازلهم عند الله: فمنهم من يلقى بالروح ~~والريحان، ومنهم من يفتح له باب إلى الجنة، ومنهم الشهداء أرواحهم في حواصل ~~طير خضر تعلق في الجنة. أي تأكل، قال الشاعر «1» : # إن تدن من فنن الألاءة تعلق وجعفر بن أبي طالب ذو ms031 الجناحين يطير مع ~~الملائكة في الجنة. # والله يقول: ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ~~ربهم يرزقون (169) [آل عمران: 169] . # أفما ترى أنهم عندنا موتى وهم في الجنة متصلون بأسبابها؟ فكيف لا يجوز أن ~~يستثنى من مكثهم فيها الموتة الأولى؟. # وأما قوله: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (96) ~~[مريم: 96] ، فإنه ليس على تأولهم، وإنما أراد أنه يجعل لهم في قلوب العباد ~~محبة. # فأنت ترى المخلص المجتهد محببا إلى البر والفاجر، مهيبا مذكورا بالجميل. ~~ونحوه قول الله سبحانه في قصة موسى صلى الله عليه وسلم: وألقيت عليك محبة ~~مني [طه: 39] ، ولم يرد في هذا الموضع أني أحببتك، وإن كان يحبه، وإنما ~~أراد أنه حببه إلى القلوب، وقربه من النفوس، فكان ذلك سببا لنجاته من ~~فرعون، حتى استحياه في السنة التي كان يقتل فيها الولدان. # وأما قوله: وجعلنا نومكم سباتا (9) [النبأ: 9] ، فليس السبات هاهنا: ~~النوم، فيكون معناه: وجعلنا نومكم نوما. ولكن السبات الراحة: أي جعلنا ~~النوم راحة لأبدانكم. ومنه قيل: يوم السبت، لأن الخلق اجتمع في يوم الجمعة، ~~وكان الفراغ منه يوم السبت، فقيل لبني إسرائيل: استريحوا في هذا اليوم، ولا ~~تعملوا شيئا، فسمي يوم السبت، أي يوم الراحة. وأصل السبت: التمدد، ومن تمدد ~~استراح. ومنه قيل: رجل مسبوت، ويقال: سبتت المرأة شعرها: إذا نقضته من ~~العقص وأرسلته. قال أبو وجزة السعدي «2» : PageV01P054 # وإن سبتته مال جثلا كأنه ... سدى وأثلاث من نواسج خثعما # ثم قد يسمى النوم سباتا، لأنه بالتمدد يكون. ومثل هذا كثير، وستراه في ~~(باب المجاز) إن شاء الله. # وأما قوله: ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قواريرا (15) قواريرا ~~من فضة [الإنسان: # 15، 16] ، فقد أعلمتك أن كل ما في الجنة من آلتها وسررها وفرشها ~~وأكوابها- مخالف لما في الدنيا من صنعة العباد، وإنما دلنا الله بما أراناه ~~من هذا الحاضر على ما عنده من الغائب. وقال ابن عباس: ليس في الدنيا شيء ~~مما في الجنة إلا الأسماء. والأكواب: # كيزان لا عرى لها، وهي في الدنيا قد ms032 تكون من فضة، وتكون من قوارير. # فأعلمنا أن هناك أكوابا لها بياض الفضة وصفاء القوارير، وهذا على ~~التشبيه، أراد قوارير كأنها من فضة، كما تقول: أتانا بشراب من نور، أي كأنه ~~نور. # وقال قتادة في قول الله عز وجل: كأنهن الياقوت والمرجان (58) [الرحمن: ~~58] أي لهن صفاء الياقوت وبياض المرجان. # وأما قوله: حجارة من طين [الذاريات: 33] ، فإن ابن عباس، رضي الله عنه، ~~ذكر أنها آجر. والآجر: حجارة الطين، لأنه في صلابة الحجارة. # وقرأت في التوراة بعد ذكر أنساب ولد نوح صلى الله عليه وسلم: أنهم تفرقوا ~~في كل أرض، وكانت الأرض لسانا واحدا، فلما ارتحلوا من المشرق وجدوا بقعة في ~~الأرض اسمها (سعير) فحلوا بها، ثم جعل الرجل منهم يقول لصاحبه: هلم فلنلبن ~~لبنا فنحرقه بالنار فيكون اللبن حجارة، ونبني مجدلا «1» رأسه في السماء. # وذكر بعض من رأى هذه الحجارة أنها حمر مختمة. وقال آخرون: مخططة، وذلك ~~تسويمها، ولهذا ذهب قوم في تفسير (سجيل) إلى سنك وكل. أي حجر وطين. # وأما قوله: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل الذين يقرؤن الكتاب من ~~قبلك [يونس: 94] ، فإن المخاطبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد ~~غيره من الشكاك، لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلها، وهم قد يخاطبون ~~الرجل بالشيء ويريدون غيره. # والجواب عن هذا مستقصى في (باب الكناية والتعريض) فكرهت إعادته في هذا ~~الموضع. PageV01P055 # وأما قوله: ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا [مريم: 62] ، فإن الناس يختلفون ~~في مطاعمهم: فمنهم من يأكل الوجبة، ومنهم من عادته الغداء والعشاء، ومنهم ~~من يزيد عليهما، ومنهم من يأكل متى وجد لغير وقت ولا عدد. فأعدل هذه ~~الأحوال للطاعم وأنفعها، وأبعدها من البشم «1» والطوى «2» على العموم- ~~الغداء والعشاء. والعرب تكره الوجبة، وتستحب العشاء، وتقول: ترك العشاء ~~مهرمة، وترك العشاء يذهب بلحم الكاذة «3» . # وقد بينت معناهم في هذا القول في كتاب (غريب الحديث) . # ونحن لا نعرف دهرا لا يختلف له وقت، ولا يرى فيه ظلام ولا شمس، فأراد ~~الله جل وعز أن يعرفنا من حيث نفهم ونعلم، أحوال ms033 أهل الجنة في مأكلهم، ~~واعتدال أوقات مطاعمهم، فضرب لنا البكرة والعشي مثلا، إذ كانا يدلان على ~~العشاء والغداء. # وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أنه قال: كانت العرب إذا أصاب أحدهم ~~الغداء والعشاء أعجبه ذلك. فأخبرهم الله تبارك وتعالى أن لهم في الجنة هذه ~~الحال التي تعجبهم في الدنيا. # وأما قوله: النار يعرضون عليها غدوا وعشيا [غافر: 46] ، فإنه لم يرد أن ~~ذلك يكون في الآخرة، وإنما أراد أنهم يعرضون عليها بعد مماتهم في القبور. # وهذا شاهد من كتاب الله لعذاب القبر، يدلك على ذلك قوله: ويوم تقوم ~~الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب، [غافر: 46] فهم في البرزخ يعرضون على ~~النار غدوا وعشيا، وفي القيامة يدخلون أشد العذاب. # وأما قوله: مثل الجنة التي وعد المتقون [الرعد: 35] ، ولم يأت بالشيء ~~الذي جعل له الجنة مثلا- فإن أصل المثل ما ذهبوا إليه من معنى المثل، تقول: ~~هذا مثل الشيء ومثله، كما تقول: هذا شبه الشيء وشبهه. # ثم قد يصير المثل بمعنى الشيء وصفته، وكذلك المثال والتمثال، يقال للمرأة ~~الرائقة: كأنها مثال، وكأنها تمثال، أي صورة، كما يقال: كأنها دمية، أي ~~صورة، وإنما هي مثل، وقد مثلت لك كذا، أي صورته ووصفته. # فأراد الله بقوله: مثل الجنة، أي صورتها وصفتها. PageV01P056 # وروي أن عليا رحمه الله كان يقرأ: مثال الجنة أو أمثال الجنة # ، وهو بمنزلة مثل، إلا أنه أوضح وأقرب في أفهام الناس إلى المعنى الذي ~~تأولناه في مثل. # ونحوه قوله: محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم ~~تراهم ركعا سجدا يبتغون فضلا من الله ورضوانا سيماهم في وجوههم من أثر ~~السجود، ثم قال: ذلك مثلهم في التوراة ومثلهم في الإنجيل [الفتح: 29] أي ~~ذلك وصفهم، لأنه لم يضرب لهم مثلا في أول الكلام، فيقول: ذلك مثلهم وإنما ~~وصفهم وحلاهم، ثم قال: ذلك مثلهم أي وصفهم. # وقوله: يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له، ثم قال: إن الذين تدعون من ~~دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له [الحج: 73] ، ولم يأت بالمثل، لأن ms034 ~~في الكلام معناه، كأنه قال: يا أيها الناس، مثلكم مثل من عبد آلهة اجتمعت ~~لأن تخلق ذبابا لم تقدر عليه، وسلبها الذباب شيئا فلم تستنقذه منه. # ومثل هذا في القرآن وكلام العرب أشياء قد اقتصصناها في (أبواب المجاز) . # وأما قوله: وإن ما نرينك بعض الذي نعدهم أو نتوفينك فإنما عليك البلاغ ~~وعلينا الحساب (40) [الرعد: 40] . فإنه لم يرد أن عليك البلاغ بعد الوفاة ~~كما ظنوا، وإنما أراد: # إن أريناك بعض الذي نعدهم في حياتك، أو توفيناك قبل أن نريك ذلك- فليس ~~عليك إلا أن تبلغ، وعلينا أن نجازي. # ومثل هذا: رجل بعثته واليا وقلت له: سر إلى بلد كذا فادعهم، فإن استجابوا ~~لك فأحسن فيهم السيرة، وابسط المعدلة، وإن عصوك فعظهم وحذرهم عقاب المعصية، ~~فإن أقاموا على الغواية أعلمتني ليأتيهم النكير. فصار إليهم فمانعوه، ~~ووعظهم فخالفوه، وأقام حينا مستبطئا ما أوعدتهم به، فقلت: إن أريناك ما ~~وعدناهم من العقوبة أو عزلناك قبل أن نريك ذلك- فليس لك أن تستبطئنا، إنما ~~عليك التبليغ والعظة، وعلينا الجزاء والمكافأة. # وأما قوله: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف [النحل: 112] . # وقوله: وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] . # وقوله: كما أخرجك ربك من بيتك بالحق [الأنفال: 5] . # وقوله: سنسمه على الخرطوم (16) [القلم: 16] . # فقد ذكرنا الجواب عن ذلك في (باب المجاز) ، وكرهنا إعادته في هذا الموضع ~~وستراه هناك كافيا، إن شاء الله. # PageV01P057 ### | باب المتشابه # وأما قولهم: ماذا أراد بإنزال المتشابه في القرآن، من أراد بالقرآن ~~لعباده الهدى والتبيان؟. # - فالجواب عنه: أن القرآن نزل بألفاظ العرب ومعانيها، ومذاهبها في ~~الإيجاز والاختصار، والإطالة والتوكيد، والإشارة إلى الشيء، وإغماض بعض ~~المعاني حتى لا يظهر عليه إلا اللقن «1» ، وإظهار بعضها، وضرب الأمثال لما ~~خفي. # ولو كان القرآن كله ظاهرا مكشوفا حتى يستوي في معرفته العالم والجاهل، ~~لبطل التفاضل بين الناس، وسقطت المحنة، وماتت الخواطر. # ومع الحاجة تقع الفكرة والحيلة، ومع الكفاية يقع العجز والبلادة. # وقالوا: عيب الغنى أنه يورث البله، وفضيلة الفقر أنه يبعث الحيلة. # وقال: أكثم بن صيفي: ما يسرني أني مكفي كل أمر الدنيا. قيل له: ms035 ولم؟ قال: # أكره عادة العجز. # وكل باب من أبواب العلم: من الفقه والحساب والفرائض والنحو، فمنه ما يجل، ~~ومنه ما يدق، ليرتقي المتعلم فيه رتبة بعد رتبة، حتى يبلغ منتهاه، ويدرك ~~أقصاه ولتكون للعالم فضيلة النظر، وحسن الاستخراج، ولتقع المثوبة من الله ~~على حسن العناية. # ولو كان كل فن من العلوم شيئا واحدا: لم يكن عالم ولا متعلم، ولا خفي ولا ~~جلي لأن فضائل الأشياء تعرف بأضدادها، فالخير يعرف بالشر، والنفع بالضر، ~~والحلو بالمر، والقليل بالكثير، والصغير بالكبير، والباطن بالظاهر. # وعلى هذا المثال كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكلام صحابته ~~والتابعين، وأشعار الشعراء، وكلام الخطباء- ليس منه شيء إلا وقد يأتي فيه ~~المعنى اللطيف الذي يتخير فيه PageV01P058 # العالم المتقدم، ويقر بالقصور عنه النقاب المبرز. # قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «تجدون الناس كإبل مائة ليس فيها ~~راحلة» «1» . # وقال: «لا تستضيئوا بنار المشركين» «2» . # وقال: «إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم» «3» . # وقال للضحاك بن سفيان حين بعثه إلى قومه: «إذا أتيتهم فاربض في دارهم ~~ظبيا» «4» . # وقال: «الكاسيات العاريات لا يدخلن الجنة» «5» . # وكتب في كتاب صلح: «وإن بيننا وبينكم عيبة مكفوفة» «6» . # وقال: «أجد نفس ربكم من قبل اليمن» «7» . PageV01P059 # وقال أبو بكر الصديق: نحن حفنة من حفنات الله «1» . # وقال عمر بن الخطاب للعريف الذي أتاه بالمنبوذ: عسى الغوير أبؤسا «2» . # وقال علي بن أبي طالب: من يطل هن أبيه ينتطق به «3» . # وحدثت عن الأصمعي أنه قال: أعياني أن أعلم معنى قول عمر: أيما رجل بايع ~~عن غير مشاورة، فلا يؤمر واحد منهما تغرة أن يقتلا «4» . # وقال المازني «5» : سألت الأخفش «6» عن حرف رواه سيبويه «7» عن الخليل ~~«8» في PageV01P060 # (باب من الابتداء يضمر فيه ما بني على الابتداء) وهو قوله: ما أغفله عنك ~~شيئا، أي دع الشك: ما معناه؟. # قال الأخفش: أنا مذ ولدت أسأل عن هذا. # وقال المازني: سألت الأصمعي «1» وأبا زيد «2» ، وأبا مالك «3» عنه، ~~فقالوا: ما ندري ما هو. # والعرب تقول: # (حور في محارة) «4» . # و (جري المذكيات غلاب) «5» . # و (عيل ما ms036 هو عائله) «6» . # و (إنه لشراب بأنقع) «7» . # و (عاط بغير أنواط) «8» . # و (إلا ده فلا ده) «9» . # و (النفاض يقطر الجلب) «10» . PageV01P061 # و (به داء ظبي) «1» . # و (أراك بشر ما أحار مشفر) «2» . # و (أفلت فلان بجريعة الذقن) «3» . # و (غبار ذيل المرأة الفاجرة يورث السل) «4» . # و (هو كبارح الأروي) «5» . # و (عبد وخلى في يديه) «6» . # و (رمدت الضأن فربق ربق، ورمدت المعزى فرنق رنق) «7» . # و (أفواهها مجاسها) «8» . # و (نجارها نارها) «9» . # في أشباه لهذا كثيرة، لولا العلماء المنقبون في البلاد، المنقرون عن ~~الخبء، الناظرون للخلوف، الطالبون أعقاب الأحاديث، ولسان الصدق في الباقين- ~~لطال علينا أن نطلع على خفياتها، أو نظهر مستورها. # وإن آثرت أن تعرف معانيها التمستها في كتابنا المؤلف في (تفسير غريب ~~الحديث) فإنك واجدها أو أكثرها هناك، إن شاء الله تعالى. # وحدثني أبو حاتم «10» ، عن الأصمعي أنه قال: سألت عيسى بن عمر «11» عن ~~قول أمية بن أبي الصلت «12» : PageV01P062 # والأرض نوخها الإله طروقة ... للماء حتى كل زند مسفد # فقال: لا أعرفه، وقد سألت عنه فلم أجد من يعرفه. # فهذا الأصمعي، وعيسى بن عمر، ومن سأله عيسى من أهل اللغة، لم يعرفوا هذا ~~البيت، وفسره من دونهم فقال: معناه: أن الله جعل الأرض كالأنثى للماء، وجل ~~الماء كالذكر للأرض، فإذا مطرت أنبتت. # ثم قال: وهكذا كل شيء حتى الزنود، فإن على الزندين ذكر، والأسفل أنثى، ~~والنار لهما كالولد. # و (مسفد) بمعنى: منكح. تقول: سفد الذكر الأنثى، والله أسفده، كما تقول: # نكح والله أنكحه. # ومثل هذا قول ذي الرمة «1» . # وسقط كعين الديك عاورت صحبتي ... أباها وهيأنا لموقعها وكرا # مشهرة لا تمكن الفحل أمها ... إذا هي لم تمسك بأطرافها قسرا # أراد بالسقط: النار، وأراد بالأب: الزند الأعلى، وبالأم: الزند الأسفل. # وحدثني أبو حاتم عن الأصمعي أيضا، عن عيسى بن عمر، أنه قال: لا أدري ما ~~معنى قول أمية بن أبي الصلت الثقفي، ولا رأيت أحدا يحسنه «2» : # عسل ما ومثله عشر ما ... عائل ما وعالت البيقورا # هكذا رواه عسل ما وإنما هو: سلع ما. PageV01P063 # ومعنى البيت: أنهم كانوا يستمطرون بالسلع ms037 والعشر، وهما ضربان من الشجر، ~~فيعقدونهما في أذناب البقر، ويضرمون فيهما النار. # وقوله: (وعالت البيقورا) يعني: سنة الجدب أثقلت البقر بما حملت من الشجر ~~والنار فيها والعائل: الفقير. # والدليل على أن الرواية (سلع ما) قول الآخر «1» : # أجاعل أنت بيقورا مسلمة ... ذريعة لك بين الله والمطر # وحدثني أيضا أبو حاتم، عن الأصمعي، أنه قال في بيت امرئ القيس «2» : # نطعنهم سلكى ومخلوجة ... كرك لأمين على نابل # ذهب من يحسن هذا الكلام. # وقال مثل ذلك في بيت الحارث بن حلزة «3» : # زعموا أن كل من ضرب العي ... ر موال لنا وأنا الولاء # وفسره الأصمعي فقال: أراد نطعنهم طعنة سلكى، أي مستوية، ومخلوجة: عادلة ~~ذات اليمين وذات الشمال، كما ترد سهمين على صاحب سهام قد دفعهما إليك لتنظر ~~PageV01P064 # إليهما، وإذا أنت ألقيتهما إليه: لم يقعا جميعا مستويين على جهة واحدة، ~~ولكن أحدهما يعوج، ويستوي الآخر. فشبه جهتي الطعنتين، بجهتي هذين السهمين. # وقال الزيادي «1» : كان زيد بن كثوة العنبري يقول: الناس يغلطون في لفظ ~~هذا البيت ومعناه، وإنما هو: كر كلامين على نابل. أي: نطعن طعنتين ~~متواليتين لا نفصل بينهما، كما تقول للرامي: ارم ارم، فهذان كلامان لا فصل ~~بينهما، شبه بهما الطعنتين في موالاته بينهما. وكان يستحسن هذا المعنى. # وأما (العير) فقد اختلفوا فيه: فكان بعضهم يجعله الوتد، سماه عيرا لنتوئه ~~مثل عير نصل السهم، وهو الناتئ وسطه. يريد: أن كل من ضرب خباء من أهل ~~العمد، فضرب له وتدا- رمونا بذنبه. # وقال بعضهم: هو كليب وائل، والعير: سيد القوم، سمي بذلك لأن العير أكبر ~~الوحش، ولذلك # قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم، لأبي سفيان: «كل الصيد في جوف العير» ~~«2» . # وقال آخر: العير جبل بالمدينة، ومنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~حرم ما بين عير إلى ثور «3» . يرد كل من ضرب إلى ذلك الموضع وبلغه. # وقال آخر: هو الحمار نفسه، يريد أنفسهم يضيفون إلينا ذنوب كل من ساق ~~حمارا. # ومعنى هذا كله: أنهم يلزموننا بذنوب الناس جميعا، ويجعلوننا أولياءهم. # وقال الأصمعي: لا أدري ms038 ما معنى قول رؤبة «4» : # يغمسن من غمسنه في الأهيغ ثم قال بعده: يوهم أن ثم ماء. # وقال ابن الأعرابي «5» : يقال: فلان منغمس في الأهيغين، يراد: الأكل ~~والنكاح. PageV01P065 # ونحو منه: ذهب منه الأطيبان، يراد: الأكل والنكاح. # وقال أيضا: لا أدري ما معنى قول رؤبة في صفة الثور «1» : # كأنه حامل جنب أخذعا وقال ابن الأعرابي: أراد: كأنه ضرب بالسيف ضربة ~~فتعلقت جنبه وهو حاملها، وذلك لميله من بغيه على أحد جانبيه. والخذع: ~~الميل. # ومثل هذا كثير، وفيما ذكرنا منه ما أقنع ودل على ما أردناه، إن شاء الله ~~تعالى. # ولسنا ممن يزعم: أن المتشابه في القرآن لا يعلمه الراسخون في العلم. # وهذا غلط من متأوليه على اللغة والمعنى. # ولم ينزل الله شيئا من القرآن إلا لينفع به عباده، ويدل به على معنى ~~أراده. # فلو كان المتشابه لا يعلمه غيره للزمنا للطاعن مقال، وتعلق علينا بعلة. # وهل يجوز لأحد أن يقول: إن رسول، الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يعرف ~~المتشابه؟!. # وإذا جاز أن يعرفه مع قول الله تعالى: وما يعلم تأويله إلا الله [آل ~~عمران: 7] جاز أن يعرفه الربانيون من صحابته، فقد علم عليا التفسير. # ودعا لابن عباس فقال: «اللهم علمه التأويل، وفقهه في الدين» «2» . # وروى عبد الرزاق «3» ، عن إسرائيل» # ، عن سماك بن حرب «5» ، عن عكرمة، PageV01P066 # عن ابن عباس أنه قال: كل القرآن أعلم إلا أربعا: غسلين، وحنانا، والأواه، ~~والرقيم. # وكان هذا من قول ابن عباس في وقت، ثم علم ذلك بعد. # حدثني محمد بن عبد العزيز، عن موسى بن مسعود، عن شبل، عن ابن أبي نجيح، ~~عن مجاهد قال: تعلمونه وتقولون: آمنا به. # ولو لم يكن للراسخين في العلم حظ في المتشابه إلا أن يقولوا: آمنا به كل ~~من عند ربنا [آل عمران: 7]- لم يكن للراسخين فضل على المتعلمين، بل على ~~جهلة المسلمين، لأنهم جميعا يقولون: آمنا به كل من عند ربنا. # وبعد: # فإنا لم نر المفسرين توقفوا عن شيء من القرآن فقالوا: هذا متشابه لا ~~يعلمه إلا الله، بل ms039 أمروه كله على التفسير، حتى فسروا (الحروف المقطعة) في ~~أوائل السور، مثل: الر، وحم، وطه، وأشباه ذلك. وسترى ذلك في الحروف ~~المشكلة، إن شاء الله. # فإن قال قائل: كيف يجوز في اللغة أن يعلمه الراسخون في العلم، والله ~~تعالى يقول: وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، ~~[آل عمران: 7] وأنت إذا أشركت الراسخين في العلم انقطعوا عن (يقولون) ، ~~وليست هاهنا واو نسق توجب للراسخين فعلين. وهذا مذهب كثير من النحويين في ~~هذه الآية، ومن جهته غلط قوم من المتأولين؟. # قلنا له: إن (يقولون) هاهنا في معنى الحال، كأنه قال: الراسخون في العلم ~~قائلين: آمنا به. ومثله في الكلام: لا يأتيك إلا عبد الله، وزيد يقول: أنا ~~مسرور بزيارتك. يريد: لا يأتيك إلا عبد الله وزيد قائلا: أنا مسرور ~~بزيارتك. # ومثله لابن مفرغ الحميري يرثي رجلا في قصيدة أولها «1» : # أصرمت حبلك من أمامه ... من بعد أيام برامه # والريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في غمامه # أراد: والبرق لا معا في غمامة تبكي شجوه أيضا، ولو لم يكن البرق يشرك ~~الريح في البكاء، لم يكن لذكره البرق ولمعه معنى. PageV01P067 # وأصل (التشابه) : أن يشبه اللفظ اللفظ في الظاهر، والمعنيان مختلفان. قال ~~الله جل وعز في وصف ثمر الجنة: وأتوا به متشابها [البقرة: 25] ، أي متفق ~~المناظر، مختلف الطعوم. وقال: تشابهت قلوبهم [البقرة: 118] أي يشبه بعضها ~~بعضا في الكفر والقسوة. # ومنه يقال: اشتبه علي الأمر، إذا أشبه غيره فلم تكد تفرق بينهما، وشبهت ~~علي: # إذا لبست الحق بالباطل، ومنه قيل لأصحاب المخاريق أصحاب الشبه، لأنهم ~~يشبهون الباطل بالحق. # ثم قد يقال لكل ما غمض ودق متشابه، وإن لم تقع الحيرة فيه من جهة الشبه ~~بغيره، ألا ترى أنه قد قيل للحروف المقطعة في أوائل السور: متشابه، وليس ~~الشك فيها، والوقوف عندها لمشاكلتها غيرها، والتباسها بها. # ومثل المتشابه (المشكل) . وسمي مشكلا: لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره ~~فأشبهه وشاكله. # ثم قد يقال لما غمض- وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة-: مشكل. # وقد ms040 بينت ما غمض من معناه لا لتباسه بغيره، واستتار المعاني المختلفة تحت ~~لفظه، وتفسير (المشكل) الذي ادعي على القرآن فساد النظم فيه. # وقدمت قبل ذلك (أبواب المجاز) : إذ كان أكثر غلط المتأولين من جهته. # وأرجو أن يكون في ذلك ما شفي مرض القلوب، وهدى من الحيرة، إن شاء الله. # PageV01P068 ### | باب القول في المجاز # وأما (المجاز) فمن جهته غلط كثير من الناس في التأويل، وتشعبت بهم الطرق، ~~واختلفت النحل: فالنصارى تذهب في قول المسيح عليه السلام في الإنجيل: ~~(أدعوا أبي، وأذهب إلى أبي) وأشباه هذا، إلى أبوة الولادة. # ولو كان المسيح قال هذا في نفسه خاصة دون غيره، ما جاز لهم أن يتأولوه ~~هذا التأويل في الله- تبارك وتعالى عما يقولون علوا كبيرا- مع سعة المجاز، ~~فكيف وهو يقوله في كثير من المواضع لغيره؟ كقوله حين فتح فاه بالوحي: إذا ~~تصدقت فلا تعلم شمالك بما فعلت يمينك، فإن أباك الذي يرى الخفيات يجزيك به ~~علانية، وإذا صليتم فقولوا: يا أبانا الذي في السماء ليتقدس اسمك، وإذا صمت ~~فاغسل وجهك وادهن رأسك لئلا يعلم بذلك غير أبيك. # وقد قرؤوا في (الزبور) أن الله تبارك وتعالى قال لداود عليه السلام: ~~سيولد لك غلام يسمى لي ابنا وأسمى له أبا. # وفي (التوراة) أنه قال ليعقوب عليه السلام: أنت بكري. # وتأويل هذا أنه في رحمته وبره وعطفه على عباده الصالحين، كالأب الرحيم ~~لولده. # وكذلك قال المسيح للماء: (هذا أبي) ، وللخبز: (هذا أمي) ، لأن قوام ~~الأبدان بهما، وبقاء الروح عليهما، فهما كالأبوين اللذين منهما النشأة، ~~وبحضانتهما النماء. # وكانت العرب تسمي الأرض أما، لأنها مبتدأ الخلق، وإليها مرجعهم، ومنها ~~أقواتهم، وفيها كفايتهم. # وقال أمية بن أبي الصلت «1» : PageV01P069 # والأرض معقلنا وكانت أمنا ... فيها مقابرنا وفيها نولد # وقال يذكرها «1» : # منها خلقنا وكانت أمنا خلقت ... ونحن أبناؤها لو أننا شكر # هي القرار فما نبغي بها بدلا ... ما أرحم الأرض إلا أننا كفر # وقال الله تعالى في الكافر: فأمه هاوية (9) [القارعة: 9] لما كانت الأم ~~كافلة الولد وغاذيته، ومأواه ومربيته، وكانت النار للكافر كذلك- جعلها ms041 أمه. # وقال في أزواج النبي، صلى الله عليه وسلم: وأزواجه أمهاتهم [الأحزاب: 6] ~~، أي: كأمهاتهم في الحرمات. # وفي (التوراة) (إن الله برك اليوم السابع وطهره، من أجل أنه استراح فيه ~~من خليقته التي خلق) . # وأصل الاستراحة: أن تكون في معاناة شيء ينصبك ويتعبك، فتستريح. # ثم ينتقل ذلك فتصير الاستراحة بمعنى: الفراغ. تقول في الكلام: استرحنا من ~~حاجتك وأمرنا بها. تريد فرغنا، والفراغ، أيضا يكون من الناس بعد شغل. # ثم قد ينتقل ذلك فيصير في معنى القصد للشيء، تقول: لئن فرغت لك، أي قصدت ~~قصدك. # وقال الله تعالى: سنفرغ لكم أيه الثقلان (31) [الرحمن: 31] . والله تبارك ~~وتعالى لا يشغله شأن عن شأن. ومجازه: سنقصد لكم بعد طول الترك والإمهال. # وقال قتادة: قد دنا من الله فراغ لخلقه. يريد: أن الساعة قد أزفت وجاء ~~أشراطها. # وتأول قوم في قوله تعالى: في أي صورة ما شاء ركبك (8) [الانفطار: 8] معنى ~~(التناسخ) . ولم يرد الله في هذا الخطاب إنسانا بعينه، وإنما خاطب به جميع ~~الناس كما قال: يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا [الانشقاق: 6] كما ~~يقول القائل: يا أيها الرجل، وكلكم ذلك الرجل. # فأراد أنه صورهم وعدلهم، في أي صورة شاء ركبهم: من حسن وقبح، وبياض ~~PageV01P070 # وسواد، وأدمة وحمرة. # ونحوه قوله: ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ~~[الروم: 22] . # وذهب قوم في قول الله وكلامه: إلى أنه ليس قولا ولا كلاما على الحقيقة، ~~وإنما هو إيجاد للمعاني. وصرفوه في كثير من القرآن إلى المجاز، كقول ~~القائل: قال الحائط فمال، وقل برأسك إلي، يريد بذلك الميل خاصة، والقول ~~فضل. # وقال بعضهم في قوله للملائكة: اسجدوا لآدم [البقرة: 34] : هو إلهام منه ~~للملائكة، كقوله: وأوحى ربك إلى النحل [النحل: 68] أي ألهمها. وكقوله: وما ~~كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي ~~بإذنه، ما يشاء [الشورى: 51] وذهبوا في الوحي هاهنا: إلى الإلهام. # وقالوا في قوله للنساء والأرض: ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~[فصلت: 11] : # لم يقل الله ولم يقولا، وكيف ms042 يخاطب معدوما؟ وإنما هذا عبارة: لكوناهما ~~فكانتا. # قال الشاعر حكاية عن ناقته «1» : # تقول إذا درأت لها وضيني: ... أهذا دينه أبدا وديني # أكل الدهر حل وارتحال؟ ... أما يبقي علي ولا يقيني؟ # وهي لم تقل شيئا من هذا، ولكنه رآها في حال من الجهد والكلال، فقضى عليها ~~بأنها لو كانت ممن تقول لقالت مثل الذي ذكر. # وكقول الآخر «2» : # شكا إلي جملي طول السرى PageV01P071 # والجمل لم يشك، ولكنه خبر عن كثرة أسفاره، وإتعابه جمله، وقضى على الجمل ~~بأنه لو كان متكلما لا شتكى ما به. # وكقول عنترة في فرسه «1» : # فازور من وقع القنا بلبانه ... وشكا إلي بعبرة وتحمحم. # لما كان الذي أصابه يشتكي مثله ويستعبر منه، جعله مشتكيا مستعبرا، وليس ~~هناك شكوى ولا عبرة. # قالوا: ونحو هذا قوله تعالى: يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد ~~(30) [ق: 30] وليس يومئذ قول منه لجهنم، ولا قول من جهنم، وإنما هي عبارة ~~عن سعتها. # وفي قوله: تدعوا من أدبر وتولى (17) [المعارج: 17] يريد: أن مصير من أدبر ~~وتولى إليها، فكأنها الداعية لهم، كما قال ذو الرمة «2» : # دعت مية الأعداد واستبدلت بها ... خناطيل آجال من العين خذل # والأعداد: المياه، لما انتقلت مية إليها ورغبت عن مائها، كانت كأنها ~~دعتها. # وكقول الآخر «3» : # ولقد هبطت الواديين وواديا ... يدعو الأنيس به الغضيض الأبكم # والغضيض الأبكم: الذباب، يريد: أنه يطن فيدل بطنينه على النبات والماء، ~~فكأنه دعاء منه. # وقال أبو النجم يذكر نبتا «4» : PageV01P072 # مستأسدا ذبانه في غيطل ... يقلن للرائد: أعشبت انزل # ولم يقل الذباب شيئا من هذا، ولكنه دل على نفسه بطنينه، ودل مكانه على ~~المرعى، لأنه لا يجتمع إلا في عشب، فكأنه قال للرائد: هذا عشب فأنزل. # وقال آخر يصف ذئبا «1» : # يستخبر الريح إذا لم يسمع ... بمثل مقراع الصفا الموقع # يريد: أنه يشتمم ثم يتبع الرائحة بخطم كأنه الفأس التي يكسر بها الصخر، ~~فجعل تشممه استخبارا. # قال أبو محمد: # وقد تبين لمن قد عرف اللغة، أن القول يقع فيه المجاز، فيقال: قال الحائط ~~فمال، وقل برأسك إلي، أي أمله، ms043 وقالت الناقة، وقال البعير. # ولا يقال في مثل هذا المعنى: تكلم، ولا يعقل الكلام إلا بالنطق بعينه، ~~خلا موضع واحد وهو أن تتبين في شيء من الموات عبرة وموعظة فتقول خبر وتكلم ~~وذكر، لأنه دلك معنى فيه، فكأنه كلمك، وقال الشاعر «2» : # وعظتك أجداث صمت ... ونعتك ألسنة خفت # وتكلمت عن أوجه ... تبلى وعن صور سبت # وأرتك قبرك في القبو ... ر وأنت حي لم تمت # وقال الكميت يمدح رجلا «3» : # أخبرت عن فعاله الأرض واستن ... طق منها اليباب والمعمورا PageV01P073 # أراد أنه حفر فيها الأنهار، وغرس الأشجار، وأثر الآثار، فلما تبينت ~~للناظر صارت كأنها مخبرة. # وقال عوف بن الخرع يذكر الدار «1» : # وقفت بها ما تبين الكلام ... لسائلها القول إلا سرارا # يقول: ليست تبين الكلام لمخاطبها، إلا أن ظاهر ما يرى دليل على الحال، ~~فكأنه سرار من القول، ولهذا قالت الحكماء: كل صامت ناطق. يريدون أن أثر ~~الصنعة فيه يدل على محدثه ومدبره. # ومن هذا قول الله عز وجل: أم أنزلنا عليهم سلطانا فهو يتكلم بما كانوا به ~~يشركون (35) [الروم: 35] أي أنزلنا عليهم برهانا يستدلون به، فهو يدلهم. # ونبين له أيضا أن أفعال المجاز لا تخرج منها المصادر ولا توكد بالتكرار، ~~فتقول: # أراد الحائط أن يسقط، ولا تقول: أراد الحائط أن يسقط إرادة شديدة، وقالت ~~الشجرة فمالت، ولا تقول: قالت الشجرة فمالت قولا شديدا. والله تعالى يقول: ~~وكلم الله موسى تكليما [النساء: 164] فوكد بالمصدر معنى الكلام، ونفى عنه ~~المجاز. # وقال: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (40) [النحل: 40] ~~فوكد القول بالتكرار، ووكد المعنى بإنما. # وأما قول من قال منهم: إن قوله للملائكة: اسجدوا لآدم [البقرة: 34، ~~والأعراف: # 11، والإسراء: 61، والكهف: 50، وطه: 116] إلهام، وما كان لبشر أن يكلمه ~~الله إلا وحيا أو من وراء حجاب [الشورى: 51] أي إلهاما- فما ننكر أن القول ~~قد يسمى وحيا، والإيماء وحيا، والرمز بالشفتين والحاجبين وحيا، والإلهام ~~وحيا. وكل شيء دللت به فقد أوحيت به، غير أن إلهام النحل تسخيرها لاتخاذ ~~البيوت، وسلوك السبل والأكل من كل الثمرات. # وقال العجاج وذكر ms044 الأرض «2» : # وحي لها القرار فاستقرت أي: سخرها لأن تستقر، فاستقرت: PageV01P074 # وأما قوله: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو من وراء حجاب أو يرسل ~~رسولا فيوحي بإذنه ما يشاء [الشورى: 51] فالوحي الأول: ما أراه الله تعالى ~~الأنبياء في منامهم. # والكلام من وراء الحجاب: تكليمه موسى. # والكلام بالرسالة: إرساله الروح الأمين بالروح من أمره إلى من يشاء من ~~عباده. # ولا يقال لمن ألهمه الله: كلمه الله، لما أعلمتك من الفرق بين (الكلام) ~~(والقول) . # ولا يجوز أن يكون قوله للملائكة وإبليس، وطول مراجعته إياه في السجود، ~~والخروج من الجنة، والنظرة إلى يوم البعث- إلهاما. هذا ما لا يعقل. وإن كان ~~ذلك تسخيرا فكيف يسخر لشيء يمتنع منه؟. # وأما تأويلهم في قوله جل وعز للسماء والأرض: ائتيا طوعا أو كرها قالتا ~~أتينا طائعين [فصلت: 11] : إنه عبارة عن تكوينه لهما. وقوله لجهنم: هل ~~امتلأت وتقول هل من مزيد [ق: 30] إنه إخبار عن سعتها- فما يحوج إلى التعسف ~~والتماس المخارج بالحيل الضعيفة؟ وما ينفع من وجود ذلك في الآية والآيتين ~~والمعنى والمعنيين- وسائر ما جاء في كتاب الله عز وجل من هذا الجنس، وفي ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم- ممتنع عن مثل هذه التأويلات؟. # وما في نطق جهنم ونطق السماء والأرض من العجب؟ والله تبارك وتعالى ينطق ~~الجلود، والأيدي، والأرجل، ويسخر الجبال والطير، بالتسبيح. فقال: إنا سخرنا ~~الجبال معه يسبحن بالعشي والإشراق (18) والطير محشورة كل له أواب (19) [ص: ~~19] وقال: # يا جبال أوبي معه والطير [سبأ: 10] أي سبحن معه. وقال: وإن من شيء إلا ~~يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم إنه كان حليما غفورا [الإسراء: 44] . # وقال في جهنم: تكاد تميز من الغيظ [الملك: 8] أي تنقطع غيظا عليهم كما ~~تقول: فلان يكاد ينقد غيظا عليك، أي ينشق. # وقال: إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (12) [الفرقان: 12] ~~. # وروي في الحديث أنها تقول: (قط قط) «1» أي حسبي. PageV01P075 # وهذا سليمان عليه السلام يفهم منطق الطير وقول النمل، والنمل من الحكل، ~~والحكل ما لا يسمع له صوت. قال رؤية ms045 «1» : # لو كنت قد أوتيت علم الحكل ... علم سليمان كلام النمل # وقال العماني يمدح رجلا «2» : # ويفهم قول الحكل لو أن ذرة ... تساود أخرى لم يفته سوادها # والسواد: السرار، جعل قولها سرارا، لأنها لا تصوت. # وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، تخبره الذراع المسمومة «3» ويخبره ~~البعير أن أهله يجيعونه ويدئبونه «4» . PageV01P076 # في أشباه لهذا كثيرة. # وأنكروا مع هذا (السحر) إلا من جهة الحيلة. # وقالوا: منه رقاة التميمة يفرق بها بين المرء وزوجه، والكذب تصرف به ~~القلوب عن المحبة إلى البغضة، وعن البغضة إلى المحبة. # وقالوا: منه السموم يسحر بها فتقطع عن النساء، وتحت الشعر وتغير الخلق. # والله تعالى يقول: ومن شر النفاثات في العقد (4) ومن شر حاسد إذا حسد (5) ~~[الفلق: 4، 5] فأعلمنا أنهن ينفثن- والنفث كالتفل- كما ينفث الراقي في عقد ~~يعقدها. # قال الشاعر «1» : # يعقد سحر البابليين طرفها ... مرارا ويسقينا سلافا من الخمر # فأراد أن طرفها يذهب بعقولنا كما يذهب السحر والراح بالعقل. # وقد سحر رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وجعل سحره في بئر ذي أروان، ~~واستخرجه (علي) منها، وجعل يحله عقدة عقدة، فكلما حل عقدة وجد النبي، صلى ~~الله عليه وسلم راحة وخفا، فلما فرغ من حله قام النبي، صلى الله عليه وسلم، ~~كأنما أنشط من عقال «2» . # وقال الله تعالى: يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت ~~وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ~~ما يفرقون به بين المرء وزوجه [البقرة: 102] . # أفتراهما كانا يعلمان التمائم، والكذب وسقي السموم؟!. # وبمثل هذا النظر أنكروا عذاب القبر، ومساءلة الملكين، وحياة الشهداء عند ~~ربهم يرزقون، وأنكروا إصابة العين ونفع الرقي والعوذ، وعزيف الجنان، وتخبط ~~الشيطان، وتعول الغيلان. # فلما رأوا تواطؤ العرب على ذلك، وإكثار الشعراء فيه، كقول: ذي الرمة «3» ~~: PageV01P077 # إذا حثهن الركب في مدلهمة ... أحاديثها مثل اصطخاب الضرائر # وكقول زهير «1» : # تسمع للجن عازفين بها ... تضبح عن رهبة ثعالبها # في أشباه لهذا كثيرة- طلبوا الحيلة فقالوا: علة ما يسمعون من هذا ويرون- ~~انفراد القوم وتوحشهم في الفلوات والقفار، ومن انفرد فكر ms046 وتوهم واستوحش ~~وتخيل، فرأى ما لا يرى، وسمع ما لا يسمع، كما قال حميد بن ثور «2» : # مفزعة تستحيل الشخوص ... من الخوف تسمع ما لا ترى # وقالوا: ومن أحناش الأرض، وأحناش الطير في المهامة والرمال- ما لا يظهر ~~ولا يصوت إلا بالليل كالصدى والضوع والبوم واليراع، فإذا سمع أحدهم حسيس ~~هامة، أو زقاء بوم، أو رأى لمع يراعة من بعد- وجب قلبه، وقف شعره، وذهبت به ~~الظنون. # وقالوا: في النهار ساعات تتغير فيها مناظر الأشباح، وتتضاعف أعدادها، ~~وفربما رئي الصغير كبيرا، والكبير صغيرا، والواحد اثنين، وقد يسمع لأصوات ~~الفلا والحرار، مثل الدوي، ولذلك قال ذو الرمة «3» : # إذا قال حادينا لتشبيه نبأة ... صه، لم يكن إلا دوي المسامع # وبهذا سميت الفلاة: دوية، كأن الدو حكاية ما يسمعون، ثم نسب المكان إليه، ~~قال الأعشى «4» : # فوق ديمومة تخيل بالسفر ... قفارا إلا من الآجال # يريد بقوله: تخيل بالسفر، أنهم يرونها مرة على هيئة، ومرة على هيئة، قال ~~كعب ابن زهير «5» : # وصرماء مذكار كأن دويها ... بعيد جنان الليل مما يخيل # حديث أناسي فلما سمعته ... إذا ليس فيه ما أبين فأعقل PageV01P078 # وقال الأخطل يذكر فلاة رأى الصغير فيها كبيرا «1» : # ترى الثعلب الحولي فيها كأنه ... إذا ما علا نشزا حصان مجلل # وقال النابغة «2» : # وحلت بيوتي في يفاع ممنع ... تخال به راعي الحمولة طائرا # هذا رأى الكبير صغيرا لأنه في شرف. # وقال ابن أحمر أيضا في تضاعف الأعداد: # وازدادت الأشباح أخيلة ... وتعلل الحرباء بالنقر # وأخشى أن يكون معتقدا هذا والقائل به، يرفق عن صبوح «3» ، ويسر حسوا في ~~ارتغاء «4» . # وما على من آمن بالبعث من الممات: أن يؤمن بعذاب البرزخ، وقد خبر به رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وقوله قاض على الكتاب، وبمسائلة الله يوم ~~القيامة: أن يؤمن بمسائلة الملكين في القبر؟!. # وما على من آمن بإنية الشيطان: أن يؤمن بتخبطه؟ ومن صدق بخلق الجن ~~والغيلان: أن يصدق بعزيفها وتغولها؟!. # وما أخرجه إلى تجهيل العرب قاطبة وتكذيبها: وشاهدها على صدق ما تقول كتاب ~~الله تعالى، ورسوله، وكتب الله المتقدمة، وأنبياؤه، وأمم ms047 العجم كلها؟!. # قد جعل الله الجن أحد الثقلين، وخاطبهم في الكتاب كما خاطبنا، وسماهم ~~رجالا كما سمانا فقال: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن [الجن: ~~6] . # وقال في الحور العين: لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (74) [الرحمن: 74] ، ~~فدل على أن الجن تطمث الإنس. # وأخبرنا عن طائفة منهم سمعوا القرآن فولوا إلى قومهم منذرين، وقال: ~~PageV01P079 # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~[البقرة: 275] ، والمس: الجنون، سمي مسا، لأنه عن إلمام الشيطان ومسه، ~~يكون. # هذا مع أخبار كثيرة صحاح تؤثر عن الرسول، صلى الله عليه وسلم، وعن السلف ~~في الرئي والنجي. # وما ننكر مع هذا الفلوات قد يعرض فيها ما يذكرون، ولكن ذلك لا يدفع به ~~حقائق ما يسمعون ويبصرون. # ولم تكن العرب طرا- مع أفهامها وألبابها- لتتواطأ على تخيل وظنون، ولا ~~كلها أسمعه الخوف، وأراه الجبن، فهذا أبو البلاد الطهوي، وتأبط شرا-: وهما ~~من مردة العرب، وشياطين الإنس. - يصفان الغول، ويحليانها ويساورانها. # وهذا أبو أيوب الأنصاري يأسرها. # وهذا عمر رضي الله عنه، يصارع الجني. # وما جاء في هذا أكثر من أن تحيط به. # فمن آمن بمحمد، صلى الله عليه وسلم، وبأن ما جاء به الحق، آمن بجميع هذا، ~~وشرح صدره به. # ومن أنكره-: لأنه لا يؤمن إلا بما أوجبه النظر والقياس على ما شاهد ورأى ~~في الموات والحيوان- فماذا بقي على المسلمين؟ وأي شيء ترك للملحدين؟. # وذهب (أهل القدر) في قول الله عز وجل: يضل من يشاء ويهدي من يشاء [النحل: ~~93، وفاطر: 8] إلى أنه على جهة التسمية والحكم عليهم بالضلالة، ولهم ~~بالهداية. # وقال فريق منهم: يضلهم: ينسبهم إلى الضلالة، ويهديهم: يبين لهم ويرشدهم. # فخالفوا بين الحكمين، ونحن لا نعرف في اللغة أفعلت الرجل: نسبته. وإنما ~~يقال إذا أردت هذا المعنى: فعلت: تقول: شجعت الرجل وجنبنته وسرقته وخطأته، ~~وكفرته وضللته وفسقته وفجرته ولحنته. وقرىء: إن ابنك سرق [يوسف: 81] ، وأي ~~نسب إلى السرق. # ولا يقال في شيء من هذا كله: أفعلته، وأنت تريد نسبته إلى ذلك. # وقد احتج ms048 رجل من النحويين كان يذهب إلى (القدر) - لقول العرب: كذبت # PageV01P080 # الرجل وأكذبته- بقول الله تعالى: فإنهم لا يكذبونك [الأنعام: 33] ولا ~~يكذبونك، وذكر أن أكذبت وكذبت جميعا، بمعنى: نسبت إلى الكذب. # وليس ذاك كما تأول، وإنما معنى أكذبت الرجل: ألفيته كاذبا. وقول الله ~~تبارك وتعالى: فإنهم لا يكذبونك بالتخفيف أي: لا يجدونك كاذبا فيما جئت به، ~~كما تقول: أبخلت الرجل وأجبنته وأحمقته، أي وجدته جبانا بخيلا أحمق. # وقال عمرو بن معد يكرب لبني سليم: قاتلناكم فما أجبناكم، وسألناكم فما ~~أبخلناكم، وهجوناكم فما أفحمناكم أي: لم نجدكم جبناء، ولا بخلاء، ولا ~~مفحمين. # وقال الكسائي «1» : العرب تقول: أكذبت الرجل: إذا أخبرت أنه رواية للكذب: # وكذبته: إذا أخبرت أنه كاذب. ففرق بين المعنيين. # واحتج أيضا لأفعلت في معنى نسبت، بقول ذي الرمة يصف ربعا «2» : # وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه # وتأول في أسقيه معنى أسقيه من طريق النسبة. # ولا أعلم (له) في هذا حجة، لأنا نقول: قد أرعى الله هذه الماشية، أي: ~~أنبت لها ما ترعاه، فكذلك تقول: أسقى الله الربع، أي أنزل عليه مطرا يسقيه، ~~وأنا أرعى الماشية، وأسقي الربع، أي أدعو لها بالمرعى، وله بالسقيا. # واحتج آخر ببيت ذكر أنه لطرفة «3» : PageV01P081 # وما زال شربي الراح حتى أشرني ... صديقي وحتى ساءني بعض ذلك # وتوهم أن قوله: أشرني، نسبني إلى الشر. # وليس ذاك كما تأول، وإنما أراد شهرني وأذاع خبري، من قولك: أشررت الأقط ~~وشررته، إذا بسطته على شيء ليجف. وقال الشاعر وذكر يوم صفين «1» : # وحتى أشرت بالأكف المصاحف يريد: شهرت وأظهرت. # وروى عبد الله بن محمد بن أسماء، عن جويرية، قال: كنت عند قتادة فسئل عن ~~القدر، فقال: ما زالت العرب تثبت القدر في الجاهلية والإسلام. # وحدثني أبو حاتم «2» : سهل بن محمد، عن الأصمعي «3» قال: قلت لدرواس ~~الأعرابي: ما جعل بني فلان أشرف من بني فلان؟ قال: الكتاب. يعني (القدر) ، ~~ولم يقل: المكارم والفعال. # وكان الأصمعي ينشد من الشعر أبياتا في القدر ذكرتها وغيرها: # قال: أنشدني عيسى بن عمر لبدوي «4» : # كل شيء ms049 حتى أخيك متاع ... وبقدر تفرق واجتماع # وقال المرار بن سعيد الأسدي «5» : # ومن سابق الأقدار إذ دأبت به ... ومن نائل شيئا إذا لم يقدر؟ PageV01P082 # وقال جميل «1» : # أقدر أمرا لست أدري: أناله؟ ... وما يقدر الإنسان؟ فالله قادر # وقال ابن الدمينة «2» : # زوروا بنا اليوم سلمى أيها النفر ... ونحن لما يفرق بيننا القدر # وقال الفرزدق «3» : # ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار # ولو ضنت بها كفي ونفسي ... لكان علي للقدر الخيار # وقال القس «4» : # قد كنت أعذل في السفاهة أهلها ... فاعجب لما تأتي به الأيام # فاليوم أعذرهم، وأعلم أنما ... سبل الغواية والهدى أقسام # وقال ابن أحمر حين سقي بطنه «5» : # شربنا وداوينا، وما كان ضرنا ... إذا الله حم القدر- ألا نداويا # وقال الشماخ «6» : # وإني عداني عنكما غير ماقت ... نواران مكتوب علي بغاهما # أي حاجتان عسيرتان. والنوار: النفور. مكتوب علي أي مقدور علي طلبهما. # وقال الأعشى «7» : PageV01P083 # في فتية كسيوف الهند قد علموا ... أن ليس يدفع عن ذي الحيلة الحيل # يعني: هم موقنون بأن ما قدر وحتم لا يدفع بالحيلة، فهم موطنون أنفسهم ~~عليه. # وقال أبو زبيد «1» : # فلا تك كالموقوص عن ظهر رحله ... تردت به أسبابه وهو ينظر # أسبابه: المقادير، تردت به وهو ينظر لا يقدر أن يدفع ذلك. والموقوص: الذي ~~قد اندقت عنقه. # وقال الراعي «2» : # وهن يحاذرن الردى أن يصيبني ... ومن قبل خلقي خط ما كنت لاقيا # وكائن ترى من مسعف بمنية ... يجنبها أو معصم ليس ناجيا # وقال أفنون التغلبي «3» : # لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... إذا هو لم يجعل له الله واقيا # وقال لبيد بن ربيعة العامري «4» : # إن تقوى ربنا خير نفل ... وبإذن الله ريثي وعجل # من هداه سبل الخير اهتدى ... ناعم البال، ومن شاء أضل PageV01P084 # أفترى لبيدا أراد بقوله: من شاء أضل، أي سمي ضالا؟ لا لعمر الله ما عرف ~~هذا لبيد ولا وجده في شيء من اللغات. والمعنى في ضللت، وأضللت، ويشرح صدره ~~للإسلام، ويجعل صدره ضيقا حرجا- يمتنع على التأويل المطلوب بالحيلة عند من ~~عرف اللغة. # وربما جعلت العرب (الإضلال) في معنى الإبطال والإهلاك، ms050 لأنه يؤدي إلى ~~الهلكة، ومنه قوله تعالى: وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد ~~[السجدة: # 10] ، أي بطلنا ولحقنا بالتراب وصرنا منه. والعرب تقول: ضل الماء في ~~اللبن: إذا غلب اللبن عليه فلم يتبين. # وقال النابغة الذبياني يرثي بعض الملوك «1» : # وآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل # أي قابروه، سماهم مضلين لأنهم غيبوه وأفقدوه فأبطلوه. # هذا مذهب العرب في (القدر) ، وهو مذهب كل أمة من العجم، وأن الله في ~~السماء، ما تركت على الجبلة والفطرة، ولم تنقل عن ذلك بالمقاييس والتلبيس. # وقد أعلمتك في كتاب (غريب الحديث) أن فريقا منهم يقولون: لا يلزمنا اسم ~~(القدر) من طريق اللغة، لأنه يتأول علينا أنا نقول: لا قدر، فكيف ننسب إلى ~~ما نجحد؟. # وأن هذا تمويه، وإنما نسبوا إلى (القدر) لأنهم يضيفونه إلى أنفسهم، ~~وغيرهم يجعله لله دون نفسه، ومدعي الشيء لنفسه أولى بأن ينسب إليه ممن جعله ~~لغيره. # وأما الطاعنون على القرآن (بالمجاز) فإنهم زعموا أنه كذب. لأن الجدار لا ~~يريد، والقرية لا تسأل. # وهذا من أشنع جهالاتهم، وأدلها على سوء نظرهم، وقلة أفهامهم. # ولو كان المجاز كذبا، وكل فعل ينسب إلى غير الحيوان باطلا- كان أكثر ~~كلامنا فاسدا، لأنا نقول: نبت البقل، وطالت الشجرة، وأينعت الثمرة، وأقام ~~الجبل، ورخص السعر. PageV01P085 # وتقول: كان هذا الفعل منك في وقت كذا وكذا والفعل لم يكن وإنما كون. # وتقول: كان الله. وكان بمعنى حدث، والله، جل وعز: قبل كل شيء بلا غاية، ~~لم يحدث: فيكون بعد أن لم يكن. # والله تعالى يقول: فإذا عزم الأمر [محمد: 21] وإنما يعزم عليه. # ويقول تعالى: فما ربحت تجارتهم [البقرة: 16] وإنما يربح فيها. # ويقول: وجاؤ على قميصه بدم كذب [يوسف: 18] وإنما كذب به. # ولو قلنا للمنكر لقوله: جدارا يريد أن ينقض [الكهف: 77] كيف كنت أنت ~~قائلا في جدار رأيته على شفا انهيار: رأيت جدارا ماذا؟ لم يجد بدا من أن ~~يقول: جدارا يهم أن ينقض، أو يكاد أن ينقض، أو يقارب أن ينقض. وأيا ما قال ~~فقد جعله فاعلا، ms051 ولا أحسبه يصل إلى هذا المعنى في شيء من لغات العجم، إلا ~~بمثل هذه الألفاظ. # وأنشدني السجستاني «1» عن أبي عبيدة «2» في مثل قول الله: يريد أن ينقض ~~«3» : # يريد الرمح صدر أبي براء ... ويرغب عن دماء بني عقيل # وأنشد الفراء «4» : # إن دهرا يلف شملي بجمل ... لزمان يهم بالإحسان # والعرب تقول: بأرض فلان شجر قد صاح. أي طال، لما تبين الشجر للناظر ~~بطوله، ودل على نفسه- جعله كأنه صائح: لأن الصائح يدل على نفسه بصوته. ~~PageV01P086 # ومثل قول العجاج «1» : # كالكرم إذ نادى من الكافور ويقال: هذا شجر واعد، إذا نور، كأنه نور لما ~~وعد أن يثمر. ونبات واعد، إذا أقبل بماء ونضرة. # قال سويد بن كراع «2» : # رعى غير مذعور بهن وراقه ... لماع تهاداه الدكادك واعد # في أشباه لهذا كثيرة، سنذكر ما نحفظ منها في كتابنا هذا مما أتى في كتاب ~~الله، عز وجل، وأمثاله من الشعر، ولغات العرب، وما استعمله الناس في ~~كلامهم. # ونبدأ بباب الاستعارة، لأن أكثر المجاز يقع فيه. PageV01P087 ### | باب الاستعارة # فالعرب تستعير الكلمة فتضعها مكان الكلمة، إذا كان المسمى بها بسبب من ~~الأخرى، أو مجاورا لها، أو مشاكلا. فيقولون للنبات: نوء لأنه يكون عن النوء ~~عندهم. # قال رؤية بن العجاج «1» : # وجف أنواء السحاب المرتزق أي جف البقل. # ويقولون للمطر: سماء، لأنه من السماء ينزل، فيقال: ما زلنا نطأ السماء ~~حتى أتيناكم. # قال الشاعر «2» : # إذا سقط السماء بأرض قوم ... رعيناه وإن كانوا غضابا # ويقولون: ضحكت الأرض: إذا أنبتت، لأنها تبدي عن حسن النبات، وتنفتق عن ~~الزهر، كما يفتر الضاحك عن الثغر، ولذلك قيل لطلع النخل إذا انفتق عنه ~~كافوره: # الضحك، لأنه يبدو منه للناظر كبياض الثغر. ويقال: ضحكت الطلعة، ويقال: ~~النور يضاحك الشمس، لأنه يدور معها. PageV01P088 # وقال الأعشى يذكر روضة «1» : # يضاحك الشمس منها كوكب شرق ... مؤزر بعميم النبت مكتهل # وقال آخر «2» : # وضحك المزن بها ثم بكى يريد بضحكه انعقاقه «3» بالبرق، وببكائه: المطر. # ويقولون: لقيت من فلان عرق القربة، أي شدة ومشقة. وأصل هذا أن حامل ~~القربة يتعب في نقلها حتى يعرق جبينه، ms052 فاستعير عرقها في موضع الشدة. # ويقول الناس: لقيت من فلان عرق الجبين، أي شدة. # ومثل هذا في كلام العرب كثير يطول به الكتاب، وسنذكر ما في كتاب الله ~~تعالى منه. # فمن الاستعارة في كتاب الله قوله عز وجل: يوم يكشف عن ساق [القلم: 42] أي ~~عن شدة من الأمر، كذلك قال قتادة «4» . وقال ابراهيم «5» : عن أمر عظيم. # وأصل هذا أن الرجل إذا وقع في أمر عظيم يحتاج إلى معاناته والجد فيه- شمر ~~عن ساقه، فاستعيرت الساق في موضع الشدة. # وقال دريد بن الصمة «6» : PageV01P089 # كميش الإزار خارج نصف ساقه ... صبور على الجلاء طلاع أنجد # وقال الهذلي «1» : # وكنت إذا جاري دعا لمضوفة ... أشمر حتى ينصف الساق مئزري # ومنه قول الله عز وجل: ولا يظلمون فتيلا [النساء: 49] ولا يظلمون نقيرا ~~[النساء: 124] والفتيل: ما يكون في شق النواة. والنقير: النقرة في ظهرها. ~~ولم يرد أنهم لا يظلمون ذلك بعينه، وإنما أراد أنهم إذا حوسبوا لم يظلموا ~~في الحساب شيئا ولا مقدار هذين التافهين الحقيرين. # والعرب تقول: ما رزأته زبالا. (والزبال) ما تحمله النملة بفمها، يريدون ~~ما رزأته شيئا. # وقال النابغة الذبياني «2» : # يجمع الجيش ذا الألوف ويغزو ... ثم لا يرزأ العدو فتيلا # وكذلك قوله عز وجل: والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير [فاطر: 13] ~~وهو (الفوقة) التي فيها النواة. يريد ما يملكون شيئا. # ومنه قوله عز وجل: وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (23) ~~[الفرقان: 23] أي قصدنا لأعمالهم وعمدنا لها. والأصل أن من أراد القدوم إلى ~~موضع عمد له وقصده. # والهباء المنثور: ما رأيته في شعاع الشمس الداخل من كوة البيت. # والهباء المنبث: ما سطع من سنابك الخيل. وإنما أراد أنا أبطلناه كما أن ~~هذا مبطل لا يلمس ولا ينتفع به. # ومنه قوله: وأفئدتهم هواء [إبراهيم: 43] يريد أنها لا تعي خيرا، لأن ~~المكان إذا PageV01P090 # كان خاليا فهو هواء حتى يشغله الشيء. # ومثله قوله عز وجل: وكذلك أعثرنا عليهم [الكهف: 21] يريد أطلعنا عليهم. # وأصل هذا أن من عثر بشيء وهو غافل نظر إليه حتى يعرفه. ms053 فاستعير العثار ~~مكان التبين والظهور. ومنه يقول الناس: ما عثرت على فلان بسوء قط. أي ما ~~ظهرت على ذلك منه. # ومنه قوله عز وجل: إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب [ص: # 32] أراد الخيل، فسماها الخير لما فيها من المنافع. # قال الراجز بعد أن عدد فضائلها وأسباب الانتفاع بها- «1» : # فالخيل والخيرات في قرنين وقال طفيل «2» : # وللخيل أيام فمن يصطبر لها ... ويعرف لها أيامها الخير تعقب # ومنه قوله عز وجل أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في ~~الناس [الانعام: 122] . اى كان كافرا فهديناه وجعلنا له ايمانا يهتدى به ~~سبل الخير والنجاة كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها [الأنعام: 122] أي ~~في الكفر. فاستعار الموت مكان الكفر، والحياة مكان الهداية، والنور مكان ~~الإيمان. # ومنه قوله عز وجل: ووضعنا عنك وزرك (2) [الشرح: 2] أي إثمك. وأصل الوزر: ~~ما حمله الإنسان على ظهره. قال الله عز وجل: ولكنا حملنا أوزارا من زينة ~~القوم [طه: 87] أي أحمالا من حليهم. فشبه الإثم بالحمل، فجعل مكانه، وقال ~~في موضع آخر: وليحملن أثقالهم وأثقالا مع أثقالهم [العنكبوت: 13] يريد ~~آثامهم. # ومن ذلك قوله: ولكن لا تواعدوهن سرا [البقرة: 235] أي نكاحا، لأن النكاح ~~يكون سرا ولا يظهر، فاستعير له السر. # قال رؤبة «3» : # فعف عن أسرارها بعد العسق PageV01P091 # والعسق: الملازمة: # ومنه قوله: نساؤكم حرث لكم [البقرة: 223] أي مزدرع لكم كما تزدرع الأرض. # ومنه قوله: ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه [البقرة: 267] أي تترخصوا. ~~وأصل هذا أن يصرف المرء بصره عن الشيء ويغمضه، فسمي الترخص إغماضا. ومنه ~~يقول الناس للبائع: أغمض وغمض. يريدون لا تستقص وكمن كأنك لم تبصر. # ومنه قوله: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن [البقرة: 187] لأن المرأة والرجل ~~يتجردان ويجتمعان في ثوب واحد، ويتضامان فيكون كل واحد منهما للآخر بمنزلة ~~اللباس. # قال النابغة الجعدي «1» : # إذا ما الضجيع ثنى جيدها ... تداعت عليه فكانت لباسا # ومنه قوله: وثيابك فطهر (4) [المدثر: 4] أي طهر نفسك من الذنوب، فكنى عن ~~الجسم بالثياب، لأنها تشتمل عليه. # قالت ليلى الأخيلية وذكرت إبلا ms054 «2» : # رموها بأثواب خفاف فلا ترى ... لها شبها إلا النعام المنفرا # أي ركبوها فرموها بأنفسهم. # وقال آخر «3» : PageV01P092 # لا هم إن عامر بن جهم ... أو ذم حجا في ثياب دسم # أي هو متدنس بالذنوب. # والعرب تقول: قوم لطاف الأزر. أي خماص البطون، لأن الأزر تلاث عليها. # ويقولون: فدى لك إزاري. يريدون: بدني، فتضع الإزار موضع النفس. # قال الشاعر «1» : # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك من أخي ثقة إزاري # وقد يكون الإزار في هذا البيت: الأهل. قال الهذلي «2» : # تبرأ من دم القتيل وبزه ... وقد علقت دم القتيل إزارها # أي نفسها. # ويقولون للعفاف: إزار، لأن العفيف كأنه استتر لما عف. # وقال عدي بن زيد «3» : # أجل أن الله قد فضلكم ... فوق ما أحكي بصلب وإزار # فالصلب: الحسب، سماه صلبا لأن الحسب: العشيرة. والخلق. من ماء الصلب. ~~والإزار: العفاف. # ويجوز أن يكون سمى العشيرة صلبا لأنهم ظهر الرجل، والصلب في الظهر. ~~PageV01P093 # وقال: وهو الذي جعل لكم الليل لباسا [الفرقان: 47] : أي سترا وحجابا ~~لأبصاركم. # قال ذو الرمة «1» : # ودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد # أي لما ألبسه الليل سواده وظلمته، كان كأنه صبغه. # وقد يكنون باللباس والثوب عما ستر ووقى، لأن اللباس والثوب واقيان ~~ساتران. # وقال الشاعر «2» : # كثوب ابن بيض وقاهم به ... فسد على السالكين السبيلا # قال الأصمعي: (ابن بيض) رجل نحر بعيرا له على ثنية فسدها فلم يقدر أحد أن ~~يجوز، فضرب به المثل فقيل: سد ابن بيض الطريق «3» . # وقال غير الأصمعي: (ابن بيض) رجل كانت عليه إتاوة فهرب بها فاتبعه ~~مطالبه، فلما خشي لحاقه وضع ما يطالبه به على الطريق ومضى، فلما أخذ ~~الإتاوة رجع وقال: # «سد ابن بيض الطريق» أي منعنا من اتباعه حين وفى بما عليه، فكأنه سد ~~الطريق «4» . # فكنى الشاعر عن البعير- إن كان التفسير على ما ذكر الأصمعي. # أو عن الإتاوة- إن كان التفسير ما ذكر غيره- بالثوب، لأنهما وقيا كما يقي ~~الثوب. # وكان بعض المفسرين يقول في قوله عز وجل: وهو الذي جعل لكم الليل لباسا ~~[الفرقان: 47] أي سكنا، وفي ms055 قوله تعالى: هن لباس لكم [البقرة: 187] أي سكن ~~لكم. # وإنما اعتبر ذلك من قوله: جعل لكم الليل لتسكنوا فيه [يونس: 67] ومن ~~قوله: PageV01P094 # وجعل منها زوجها ليسكن إليها [الأعراف: 189] . # ومن الاستعارة: وأما الذين ابيضت وجوههم ففي رحمت الله هم فيها خالدون ~~(107) [آل عمران: 107] يعني جنته، سماها رحمة، لأن دخولهم إياها كان ~~برحمته. # ومثله قوله: فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم أجورهم ويزيدهم من ~~فضله وأما الذين استنكفوا واستكبروا فيعذبهم فأما الذين آمنوا بالله ~~واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل [النساء: # 175] . وقد توضع (الرحمة) موضع (المطر) لأنه ينزل برحمته. # قال تعالى: وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته [الأعراف: 57] يعني ~~المطر. # وقال تعالى: قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي [الإسراء: 100] يعني ~~مفاتيح رزقه. # وقال تعالى: ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها [فاطر: 2] أي من ~~رزق. # ومن الاستعارة: اللسان يوضع موضع القول، لأن القول يكون بها. قال الله، ~~عز وجل، حكاية عن إبراهيم عليه السلام: واجعل لي لسان صدق في الآخرين (84) ~~[الشعراء: # 84] . أي ذكرا حسنا. وقال الشاعر «1» : # إني أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب منها ولا سخر # أي أتاني خبر لا أسر به. # ومنه الذكر يوضع موضع الشرف، لأن الشريف يذكر قال الله تعالى: وإنه لذكر ~~لك ولقومك [الزخرف: 44] يريد أن القرآن شرف لكم. # وقال تعالى: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم [الأنبياء: 10] أي شرفكم. # وقال: بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون [المؤمنون: 71] أي أتيناهم ~~بشرفهم. # ومنه قوله تعالى: فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما [الإسراء: 23] أي لا ~~تستثقل شيئا PageV01P095 # من أمرهما، وتضق به صدرا، ولا تغلظ لهما. # والناس يقولون لما يكرهون ويستثقلون: أف له. وأصل هذا نفخك للشيء يسقط ~~عليك من تراب أو رماد وغير ذلك، وللمكان تريد إماطة الشيء عنه لتقعد فيه. ~~فقيل لكل مستثقل: أف لك، ولذلك تحرك بالكسر للحكاية، كما يقولون: غاق غاق، ~~إذا حكوا صوت الغراب. # والوجه أن يسكن هذا، إلا أنه يحرك لاجتماع الساكنين، فربما نون، وربما ms056 لم ~~ينون، وربما حرك إلى غير الكسر أيضا. # ومنه قوله تعالى: كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله [المائدة: 64] يريد ~~كلما هاجوا شرا وأجمعوا أمرا ليحاربوا النبي صلى الله عليه وسلم- سكنه الله ~~ووهن أمرهم. # ومنه قوله سبحانه: ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم [الأعراف: # 157] . الإصر: الثقل الذي ألزمه الله بني إسرائيل في فرائضهم وأحكامهم، ~~ووضعه عن المسلمين. ولذلك قيل للعهد: إصر. # قال تعالى: وأخذتم على ذلكم إصري [آل عمران: 81] أي عهدي، لأن العهد ثقل ~~ومنع من الأمر الذي أخذ له. # والأغلال: تحريم الله عليهم كثيرا مما أطلقه لأمة محمد، صلى الله عليه ~~وسلم، وجعله أغلالا لأن التحريم يمنع كما يقبض الغل اليد، فاستعير. # قال أبو ذؤيب «1» : # فليس كعهد الدار يا أم مالك ... ولكن أحاطت بالرقاب السلاسل # وعاد الفتى كالكهل ليس بقائل ... سوى العدل شيئا فاستراح العواذل # يقول: ليس الأمر كعهدك إذ كنا في الدار ونحن نتبسط في كل شيء ولا نتوقى، ~~ولكن أسلمنا فصرنا من موانع الإسلام في مثل الأغلال المحيطة بالرقاب ~~القابضة للأيدي. # ومن هذا قوله: إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا [يس: 8] ، أي قبضنا أيديهم عن ~~الإنفاق في سبيل الله بموانع كالأغلال. PageV01P096 # ومن ذلك قوله: صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة [البقرة: 138] ، يريد ~~الختان، فسماه صبغة، لأن النصارى كانوا يصبغون أولادهم في ماء ويقولون: هذا ~~طهرة لهم كالختان للحنفاء، فقال الله تعالى، صبغة الله أي الزموا صبغة الله ~~لا صبغة النصارى أولادهم، وأراد بها ملة إبراهيم عليه السلام. # ومنه قوله: ما لها من فواق [ص: 15] أي ما لها من تنظر وتمكث إذا بدأت، ~~ولذلك سماها ساعة لأنها تأتي بغتة في ساعة. # وأصل الفواق أن تحلب الناقة ثم تترك ساعة حتى يجتمع اللبن ثم تحلب فما ~~بين الحلبتين فواق، فاستعير الفواق في موضع الانتظار. # ومنه قوله: فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم [الذاريات: 59] ، أي ~~حظا ونصيبا. # وأصل الذنوب: الدلو، وكانوا يستقون الماء، فيكون لهذا ذنوب ولهذا ذنوب، ~~فاستعير في موضع النصيب، وقال الشاعر «1» : # إنا إذا نازعنا شريب ... لنا ms057 ذنوب وله ذنوب # والعرب تقول: (أخي وأخوك أينا أبطش؟) يريدون: أنا وأنت نضطرع فنطر أينا ~~أشد؟ فيكنى عن نفسه بأخيه، لأن أخاه كنفسه. # وقال العبدي «2» : # أخي وأخوك ببطن النسير ... ليس به من معد عريب # ويكنى عن أخيه بنفسه. PageV01P097 # قال الله تعالى: ولا تلمزوا أنفسكم [الحجرات: 11] ، أي لا تعيبوا إخوانكم ~~من المسلمين، لأنهم كأنفسكم. # وقال: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا [النور: 12] ~~أي بأمثالهم من المسلمين. # وبعض المفسرين يقول في قوله تعالى: فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم ~~تحية من عند الله مباركة طيبة [النور: 61] ، أي على أهليكم، جعلهم أنفسهم ~~على التشبيه. # وقال: ابن عباس في تفسير ذلك: البيوت: المساجد، إذا دخلتها سلمت على نفسك ~~وعلى عباد الله الصالحين. # وقال تعالى: استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم [الأنفال: 24] ، ~~أي إلى الجهاد الذي يحيي دينكم ويعليكم. # وقال: ولا تقتلوا أنفسكم [النساء: 29] ، أي لا تقتلوا إخوانكم، ولا ~~تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 188] ، أي أموال إخوانكم. # وإن جعلته بمعنى لا يأكل بعضكم مال بعض، ولا يقتل بعضكم بعضا- فهو أيضا ~~قريب المعنى من الأول. # وقال تعالى: ولقد خلقناكم ثم صورناكم ثم قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~[الأعراف: # 11] أراد: خلقنا آدم وصورناه، فجعل الخلق لهم، إذ كانوا منه. # ومنه قوله: إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب، [ق: 37] أي عقل لأن القلب ~~موضع العقل، فكنى عنه به. # وقوله: أم تأمرهم أحلامهم بهذا [الطور: 32] ، أي تدلهم عقولهم عليه لأن ~~الحلم يكون من العقل، فكنى عنه به. # ومنه قوله: فصب عليهم ربك سوط عذاب (13) [الفجر: 13] لأن التعذيب قد يكون ~~بالسوط. # ومنه قوله: وما قتلوه يقينا [النساء: 157] يعني العلم، لم يتحققوه ~~ويستيقنوه. # وأصل ذلك أن القتل للشيء يكون عن قهر واستعلاء وغلبة. يقول: فلم يكن ~~علمهم بقتل المسيح علما أحيط به، إنما كان ظنا. # PageV01P098 # ومنه قوله سبحانه: وعلى الذين هادوا حرمنا كل ذي ظفر [الأنعام: 146] أي ~~كل ذي مخلب من الطير، وكل ذي حافر من الدواب كذلك قال المفسرون: # وسمى الحافر ظفرا على الاستعارة، كما قال ms058 الآخر وذكر ضيفا طرقه «1» : # فما رقد الولدان حتى رأيته ... على البكر يمريه بساق وحافر # فجعل الحافر موضع القدم. # وقال آخر «2» : # سأمنعها أو سوف أجعل أمرها ... إلى ملك أظلافه لم تشقق # يريد بالأظلاف: قدميه، وإنما الأظلاف للشاء والبقر. # والعرب تقول للرجل: (هو غليظ المشافر) تريد الشفتين، والمشافر للإبل. # وقال الحطيئة «3» : # قروا جارك العيمان لما جفوته ... وقلص عن برد الشراب مشافره # ومنه قوله تعالى: ولو تقول علينا بعض الأقاويل (44) لأخذنا منه باليمين ~~(45) ثم لقطعنا منه الوتين (46) [الحاقة: 44، 46] . # قال ابن عباس: اليمين هاهنا: القوة. وإنما أقام اليمين مقام القوة، لأن ~~قوة كل شيء في ميامنه. # ولأهل اللغة في هذا مذهب آخر قد جرى الناس على اعتياده: أن كان الله عز ~~وجل أراده في هذا الموضع، وهو قولهم إذا أرادوا عقوبة رجل: خذ بيده وافعل ~~به كذا PageV01P099 # وكذا. وأكثر ما يقول السلطان والحاكم بعد وجوب الحكم: خذ بيده واسفع ~~بيده. # ونحوه قول الله: لنسفعا بالناصية (15) ناصية كاذبة خاطئة [العلق: 15، 16] ~~أي لنأخذن بها، ثم لنقيمنه ولنذلنه إما في الدنيا وإما في الآخرة، كما قال ~~تعالى: فيؤخذ بالنواصي والأقدام [الرحمن: 41] أي يجرون إلى النار بنواصيهم ~~وأرجلهم. ثم قال: ناصية كاذبة خاطئة (16) [العلق: 16] وإنما يعني صاحبها. ~~والناس يقولون: هو مشؤوم الناصية. لا يريدونها دون غيرها من البدن. ~~ويقولون: قد مر على رأسي كذا. أي مر علي. # فكأنه تعالى قال: لو كذب علينا في شيء مما يلقيه إليكم عنا، لأمرنا ~~بالأخذ بيده، ثم عاقبناه بقطع الوتين. # وإلى هذا المعنى ذهب الحسن فقال في قوله تعالى: لأخذنا منه باليمين (45) ~~[الحاقة: 45] أي بالميامن، ثم عاقبناه بقطع الوتين، وهو: عرق يتعلق به ~~القلب، إذا انقطع مات صاحبه. # ولم يرد أنا نقطعه بعينه، فيما يرى أهل النظر، ولكنه أراد: ولو كذب علينا ~~لأمتناه أو قتلناه، فكان كمن قطع وتينه. # ومثله # قول النبي صلى الله عليه وسلم: «ما زالت أكلة خيبر تعادني، فهذا أوان ~~قطعت أبهري» «1» . # والأبهر: عرق يتصل بالقلب إذا انقطع مات صاحبه. فكأنه قال: فهذا أوان ~~قتلني السم، فكنت كمن انقطع ms059 أبهره. # ومنه قوله سبحانه: سنسمه على الخرطوم (16) [القلم: 16] ذهب بعض المفسرين ~~فيه: إلى أن الله عز وجل يسم وجهه يوم القيامة بالسواد. # وللعرب في مثل هذا اللفظ مذهب نخبر به، والله أعلم بما أراد. # تقول العرب للرجل يسب الرجل سبة قبيحة، أو ينثو عليه فاحشة: وقد وسمه ~~بميسم سوء. يريدون: ألصق به عارا لا يفارقه، كما أن السمة لا تنمحي ولا ~~يعفو أثرها. # وقال جرير» # : PageV01P100 # لما وضعت الفرزدق ميسمي ... وعلى البعيث، جدعت أنف الأخطل # يريد: أنه وسم الفرزدق وجدع أنف الأخطل بالهجاء، أي أبقى عليه عارا ~~كالجدع والوسم. # وقال أيضا «1» : # رفع المطي بما وسمت مجاشعا ... والزنبري يعوم ذو الإجلال # يريد: أن هجاءه قد سارت به المطي، وغني به في البر والبحر. وقال «2» : # وأوقدت ناري بالحديد فأصبحت ... لها وهج يصلي به الله من يصلي # شبه شعره بالنار، وهجاءه بمواسم الحديد. # وقال الكميت بن زيد يذكر قصيدة له «3» : # تعلط أقواما بميسم بارق ... وتقطم أوباشا زنيما ومسندا # والعلاط: سمة في العنق. # وربما استعاروا للهجاء غير الوسم، كقول الهذلي «4» : PageV01P101 # متى ما أشأ غير زهو الملو ... ك أجعلك رهطا على حيض # وأكحلك بالصاب أو بالجلا ... ففقح لكحلك أو غمض # وأسعطك في الأنف ماء الآباء ... مما يثمل بالمخوض # جهلت سعوطك: حتى ظننت ... بأن قد أرضت، ولم تؤرض # والرهط: جلد تلبسه المرأة أيام الحيض. # والصاب: شجر له لبن يحرق العين. # والجلا: كحل يحك على حجر ثم يكتحل به. # والأباء: القصب، وماؤه شر المياه. # ويقال: الأباء هاهنا: الماء الذي تشرب منه الأروى، فتبول فيه وتدمنه. ~~ويثمل: # ينقع. # وهذه أمثال ضربها لما يهجوه به. # وقال آخر «1» : # سأكسوكما يا ابني يزيد بن جعثم ... رداءين من قار ومن قطران # في أشباه لهذا كثيرة. # وهذه الآية «2» نزلت في الوليد بن المغيرة، ولا نعلم أن الله عز وجل وصف ~~أحدا وصفه له، ولا بلغ من ذكر عيوبه ما بلغه من ذكرها منه لأنه وصفه ~~بالخلف، والمهانة، والعيب للناس، والمشي بالنمائم، والبخل، والظلم، والإثم، ~~والجفاء، والدعوة. # فألحق به عارا لا يفارقه في الدنيا ولا ms060 في الآخرة، كالوسم على الخرطوم، ~~وأبين ما يكون الوسم في الوجه. # ومما يشهد لهذا المذهب، ما رواه سفيان، عن زكريا، عن الشعبي في قوله ~~تعالى: عتل بعد ذلك زنيم (13) [القلم: 13] أنه قال: العتل: الشديد. ~~والزنيم: الذي له زنمة من الشر يعرف بها، كما تعرف الشاة بالزنمة. # أراد الشعبي: أنه قد لحقته سبة من الدعوة عرف بها كزنمة الشاة. ~~PageV01P102 # ومنه قوله: وامرأته حمالة الحطب (4) في جيدها حبل من مسد (5) [المسد: 4، ~~5] ، قال ابن عباس: في رواية أبي صالح عنه: الحطب: النميمة وكانت تنم وتؤرش ~~بين الناس. # ومن هذا قيل: (فلان يحطب علي) إذا أغرى به، شبهوا النميمة بالحطب، ~~والعداوة والشحناء بالنار، لأنهما يقعان بالنميمة، كما تلتهب النار بالحطب. ~~ويقال: نار الحقد لا تخبو فاستعاروا الحطب في موضع النميمة. وقال الشاعر ~~وذكر امرأة «1» : # من البيض لم تصطد على حبل سوأة ... ولم تمش بين الحي بالحظر الرطب # أي لم توجد على أمر قبيح، ولم تمش بالنمائم والكذب. # والحظر: الشجر ذو الشوك يحظر به. # وقال آخر «2» : # فلسنا كمن تزجى المقالة شطره بقرف العضاه الرطب والعبل اليبس وقال بعض ~~المتقدمين: كانت تعير رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بالفقر كثيرا، وهي ~~تحتطب على ظهرها بحبل من ليف في عنقها. # ولست أدري كيف هذا لأن الله عز وجل وصفه بالمال والولد، فقال: ما أغنى ~~عنه ماله وما كسب (2) [المسد: 2] . # وأما المسد، فهو عند كثير من الناس: الليف دون غيره. وليس كذلك، إنما ~~المسد: كل ما ضفر وفتل من الليف وغيره، يقال: مسدت الحبل مسدا إذا فتلته، ~~فهو مسد. كما تقول: نفضت الشجرة نفضا وخبطتها خبطا. واسم ما يسقط من ثمرها ~~وورقها: نفض وخبط، ومنه قيل: رجل ممسود الخلق، إذا كان مجدولا مفتولا. ~~PageV01P103 # ويدلك على أن المسد قد يكون من غير الليف، قول الراجز «1» : # يا مسد الخوص تعوذ مني ... إن تك لدنا لينا فإني # ما شئت من أشمط مقسئن فجعله هذا من خوص. # وقال آخر «2» : # ومسد أمر من أيانق ... لسن بأنياب ولا حقائق # فجعله هذا من جلود الإبل. ms061 # وأراد الله، تبارك وتعالى، بهذا الحبل السلسلة التي ذكرها، فقال: في ~~سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه [الحاقة: 32] . كذلك قال ابن عباس. # فيجوز أن يكون سماها مسدا، وإن كانت حديدا أو نارا أو ما شاء الله أن ~~تكون، بالضفر والفتل. # ومنه قوله سبحانه: لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين ~~(17) [الأنبياء: 17] . # قال قتادة والحسن: اللهو: المرأة: # وقال ابن عباس: هو الولد. # والتفسيران متقاربان، لأن امرأة الرجل لهوه، وولده لهوه ولذلك يقال: ~~امرأة الرجل وولده ريحانتاه. # وأصل اللهو: الجماع، فكني عنه باللهو، كما كني عنه بالسر، ثم قيل للمرأة ~~لهو لأنها تجامع. قال: امرؤ القيس «3» : PageV01P104 # ألا زعمت بسباسة اليوم أنني ... كبرت وأ لا يحسن اللهو أمثالي # أي النكاح. # ويروى أيضا: (وأ لا يحسن السر أمثالي) «1» : أي النكاح. # وتأويل الآية: أن النصارى لما قالت في المسيح وأمه ما قالت، قال الله جل ~~وعز: # لو أردنا أن نتخذ لهوا، أي صاحبة وولدا، كما يقولون، لاتخذنا ذلك من ~~لدنا، أي من عندنا، ولم نتخذه من عندكم لو كنا فاعلين ذلك، لأنكم تعلمون أن ~~ولد الرجل وزوجه يكونان عنده وبحضرته لا عند غيره. # وقال الله في مثل هذا المعنى: إن الذين عند ربك [الأعراف: 206] ، يعني ~~الملائكة. # ومنه قوله سبحانه: فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون ~~[النحل: 112] . # وأصل الذواق: بالفم، ثم قد يستعار فيوضع موضع الابتلاء والاختبار، تقول ~~في الكلام: ناظر فلانا وذق ما عنده، أي تعرف واختبر، واركب الفرس وذقه. # قال الشماخ في وصف قوس «2» : # فذاق فأعطته من اللين جانبا ... كفى ولها أن تعرق السهم حاجز # يريد: أنه ذاق القوس بالنزع فيها ليعلم ألينة هي أم صلبة؟ # وقال آخر «3» : # وإن الله ذاق حلوم قيس ... فلما راء خفتها قلاها PageV01P105 # وهذه الآية نزلت في أهل مكة، وكانوا آمنين بها لا يغار عليهم، مطمئنين لا ~~ينتجعون ولا يتنقلون، فأبدلهم الله بالأمن الخوف من سريا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وبعوثه، وبالكفاية الجوع سبع سنين، حتى أكلوا القد والعظام. # ولباس الجوع والخوف: ما ms062 ظهر عليهم من سوء آثارهما بالضمر والشحوب ونهكة ~~البدن، وتغير الحال، وكسوف البال. # وقال في موضع آخر: ولباس التقوى [الأعراف: 26] ، أي ما ظهر عنه من ~~السكينة والإخبات والعمل الصالح، وكما تقول: تعرفت سوء أثر الخوف والجوع ~~على فلان، وذقت بمعنى: تعرفت واللباس: بمعنى سوء الأثر- كذلك تقول: ذقت ~~لباس الجوع والخوف، وأذاقني الله ذلك. # ومنه قوله: والمرسلات عرفا (1) [المرسلات: 1] يعني الملائكة، يريد: أنها ~~متتابعة يتلو بعضها بعضا بما ترسل به من أمر الله عز وجل. # وأصل هذا من عرف الفرس، لأنه سطر مستو بعضه في إثر بعض. فاستعير للقوم ~~يتبع بعضهم بعضا. # ومنه يقول الناس: هم إليه عرف واحد، إذا كثروا وتتابعوا في توجههم إليه. # ويقال: أرسلت بالعرف أي بالمعروف. # ومنه قوله سبحانه: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون [الأعراف: 182] ~~والاستدراج: # أن يدنيهم من بأسه قليلا قليلا من حيث لا يعلمون، ولا يباغتهم ولا ~~يجاهرهم. ومنه يقال: درجت فلانا إلى كذا وكذا، واستدرج فلانا حتى تعرف ما ~~عنده وما صنع. يراد لا تجاهره ولا تهجم عليه بالسؤال، ولكن استخرج ما عنده ~~قليلا قليلا. # وأصل هذا من الدرجة، وذلك أن الراقي فيها النازل منها ينزل مرقاة مرقاة، ~~فاستعير هذا منها. # ومنه قوله سبحانه: ويقبضون أيديهم [التوبة: 67] أي يمسكون عن العطية. # وأصل هذا: أن المعطي بيده يمدها ويبسطها بالعطاء، فقيل لكل من بخل ومنع: ~~قد قبض يده. # ومنه قوله: وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا ~~[المائدة: 64] أي: # ممسكة. # ومنه قوله: وظنوا أنهم أحيط بهم [يونس: 22] : أي دنوا من الهلاك. وأصل # PageV01P106 # هذا: أن العدو إذا أحاط بقوم أو بلد فحاصره فقد دنا أهله من الهلكة. وقال ~~في موضع آخر: وأحيط بثمره [الكهف: 42] . # ومنه قوله: فما بكت عليهم السماء والأرض وما كانوا منظرين (29) [الدخان: ~~29] تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن، رفيع المكان، عام ~~النفع، كثير الصنائع: أظلمت الشمس له، وكسف القمر لفقده، وبكته الريح ~~والبرق والسماء والأرض. # يريدون المبالغة في وصف المصيبة به، وأنها قد شملت وعمت. وليس ذلك ms063 بكذب، ~~لأنهم جميعا متواطئون عليه، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه. # وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظموه ويستقصوا صفته. ونيتهم في قولهم: # أظلمت الشمس، أي كادت تظلم، وكسف القمر، أي كاد يكسف. # ومعنى كاد: هم أن يفعل ولم يفعل. وربما أظهروا كاد، قال ابن مفرغ الحميري ~~يرثي رجلا «1» : # الريح تبكي شجوه ... والبرق يلمع في غمامه # وقال آخر «2» : # الشمس طالعة ليست بكاسفة ... تبكي عليك، نجوم الليل والقمرا # أراد: الشمس طالعة تبكي عليك، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر، ~~لأنها مظلمة، وإنما تكسف بضوئها، فنجوم الليل بادية بالنهار. # وهذا كقوله النابغة وذكر يوم حرب «3» : PageV01P107 # تبدوا كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام # ونحوه قول طرفة في وصف امرأة «1» : # إن تنوله فقد تمنعه ... وتريه النجم يجري بالظهر # يقول: تشق عليه حتى يظلم نهاره فيرى الكواكب ظهرا. # والعامة تقول: أراني فلان الكواكب بالنهار، إذا برح به. # وقال الأعشى «2» : # رجعت لما رمت مستحسرا ... ترى للكواكب ظهرا وبيصا # أي: رجعت كئيبا حسيرا، قد أظلم عليك نهارك، فأنت ترى الكواكب تعالي ~~النهار بريقا. # وقد اختلف الناس في قول الله عز وجل: فما بكت عليهم السماء والأرض ~~[الدخان: 29] . # فذهب به قوم مذاهب العرب في قولهم: بكته الريح والبرق. كأنه يريد أن الله ~~عز وجل حين أهلك فرعون وقومه وغرقهم وأورث منازلهم وجناتهم غيرهم- لم يبك ~~عليهم باك، ولم يجزع جازع، ولم يوجد لهم فقد. # وقال آخرون: أراد: فما بكى عليهم أهل السماء ولا أهل الأرض. فأقام السماء ~~والأرض مقام أهلهما، كما قال تعالى: وسئل القرية [يوسف: 82] ، أراد أهل ~~القرية. # وقال: حتى تضع الحرب أوزارها [محمد: 4] ، أي يضع أهل الحرب السلاح. # وقال ابن عباس: لكل مؤمن باب في السماء يصعد فيه عمله، وينزل منه رزقه، ~~فإذا مات بكى عليه الباب، وبكت عليه آثاره في الأرض ومصلاه. والكافر لا ~~يصعد له عمل، ولا يبكي له باب في السماء ولا أثره في الأرض. # ومن هذا الباب قول الله عز وجل: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم ~~لما سمعوا ms064 الذكر [القلم: 51] يريد أنهم ينظرون إليك بالعداوة نظرا شديدا ~~يكاد يزلقك من شدته، أي يسقطك. PageV01P108 # ومثله قول الشاعر «1» : # يتقارضون إذا التقوا في موطن ... نظرا يزيل مواطىء الأقدام # أي ينظر بعضهم إلى بعض نظرا شديدا بالعداوة والبغضاء، يزيل الأقدام عن ~~مواطئها. # فتفهم قول الله عز وجل: وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك أي يقاربون أن ~~يفعلوا ذلك، ولم يفعلوا. وتفهم قول الشاعر: (نظرا يزيل) ولم يقل: يكاد ~~يزيل، لأنه نواها في نفسه. # وكذلك قول الله عز وجل: تكاد السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر ~~الجبال هدا (90) [مريم: 90] إعظاما لقولهم. # وقوله جل وعز: وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال [إبراهيم: 46] . # إكبارا لمكرهم. وقرأها بعضهم: وإن كان مكرهم [إبراهيم: 46] . # وأكثر ما في القرآن من مثل هذا فإنه يأتي بكاد، فما لم يأت بكاد ففيه ~~إضمارها، كقوله: وبلغت القلوب الحناجر [الأحزاب: 10] ، وأي كادت من شدة ~~الخوف تبلغ الحلوق:. # وقد يجوز أن يكون أراد: أنها ترجف من شدة الفزع وتجف ويتصل وجيفها «2» ~~بالحلوق، فكأنها بلغت الحلوق بالوجيب. وهم يصفون القلوب بالخفقان، والنزو ~~عند المخافة والذعر. # قال الشاعر في وصف مفازة تنزو من مخافتها قلوب الأدلاء «3» : # كأن قلوب أدلائها ... معلقة بقرون الظباء # وهذا مثل قوله امرئ القيس «4» : PageV01P109 # ولا مثل يوم في قدار ظللته ... كأني وأصحابي على قرن أعفرا # أي كأنا من القلق على قرن ظبي، فنحن لا نستقر ولا نسكن. # وكان بعض أهل اللغة يأخذ على الشعراء أشياء من هذا الفن، وينسبها فيه إلى ~~الإفراط وتجاوز المقدار. وما أرى ذلك إلا جائزا حسنا على ما بيناه من ~~مذاهبهم.. # كقول النابغة في وصف سيوف «1» : # تقد السلوقي المضاعف نسجه ... وتوقد بالصفاح نار الحباحب # ذكر أنها تقطع الدروع التي هذه حالها، والفارس حتى تبلغ الأرض فتورى ~~النار إذا أصابت الحجارة. # وقول النمر بن تولب في صفة سيف «2» : # تظل تحفر عنه إن ضربت به ... بعد الذراعين والساقين والهادي # يقول: رسب في الأرض بعد أن قطع ما ذكر، واحتاج أن يحفر عنه ليستخرجه من ~~الأرض. # ومثله قوله مهلهل «3» : # ولولا الريح أسمع أهل ms065 حجر ... صليل البيض تقرع بالذكور PageV01P110 # وقال قيس بن الخطيم يصف طعنة «1» : # ملكت بها كفي فأنهرت فتقها ... يرى قائم من دونها ما وراءها # وقال أيضا «2» : # لو أنك تلقي حنظلا فوق بيضنا ... تدحرج عن ذي سامة المتقارب # يقول: تراص القوم في القتال حتى لو أن ملقيا ألقى على بيضهم حنظلا لجرى ~~عليها كما يجري على الأرض ولم يسقط لشدة تراصفهم. # و (عن) بمعنى (على) . # وذو سامه: بيضه المذهب. والسام: عروق الذهب. # وقول عنترة «3» : # وأنا المنية في المواطن كلها ... والطعن مني سابق الآجال # وقال بشار «4» : # إذا ما غضبنا غضبة مضرية ... هتكنا حجاب الشمس أو قطرت دما # وقال طريح الثقفي «5» : # لو قلت للسيل: دع طريقك وال ... موج عليه بالهضب يعتلج PageV01P111 # لارتد أوساخ أو لكان له ... في سائر الأرض عنك منعرج # وقال ابن ميادة «1» : # ولو أن قيسا قيس عيلان أقسمت ... على الشمس لم تطلع عليك حجابها # وقال الطرماح «2» : # ولو أن حرقوصا على ظهر قملة ... يكر على صفي تميم لولت # وقال آخر بذكر حديث امرأة «3» : # حديث لو أن اللحم يصلى بحره ... غريضا أتى أصحابه وهو منضج # وقال أبو النجم يذكر سيلا «4» : # كأن فوق الأكم من غثائه ... قطائف الشام على عبائه # والشيح يهديه إلى طحمائه يقول: صار الجبل والسهل واحدا، وصار الغثاء على ~~رؤوس الأكم. # والطحماء: شجر ينبت في الجبال. # والشيح ينبت في السهول، فأراد أنه حمل نبت السهل إلى الجبل. # وقال وذكر ظليما يعدو ويطير «5» : # هاو تضل الطير في خوائه والخواء: ما بين قوائمه وبطنه، وبين الأرض إذا ~~عدا وطار. يريد أن الطير يطير بينه وبين الأرض حتى يضل. # وقد يروى «6» : PageV01P112 # تضل الريح في خوائه وقال الكميت وذكر الرياح «1» : # ترامى بكذان الإكام ومروها ... ترامي ولدان الأصارم بالخشل # أراد أن الرياح ترامى بالحجارة الكبار، كما يترامى الصبيان بنوى المقل. # وقال آخر «2» : # زعمت غدانة أن فيها سيدا ... ضخما يوازنه جناح الجندب # يرويه ما يروي الذباب فيتتشي ... سكرا وتشبعه كراع الأرنب # هذه الأبيات التي ذكرناها ومثلها في الشعر كثير. # والعرب تقول: له الطم والرم، إذا أرادوا تكثير ماله. # والطم: ms066 البحر، والرم: الثرى. وهذا لا يملكه إلا الله تعالى. # ويقولون: (فلان دون نائله العيوق) ويقولون: (له الضح والريح) يريدون ما ~~طلعت عليه الشمس، وجرت عليه الريح. # ويقولون: (فلان يثير الكلاب عن مرابضها) يريدون أنه لشرهه ولؤمه- يثيرها ~~عن مواضعها، يطلب تحتها شيئا فاضلا من طعمها ليأكله. وهذا ما لا يفعله بشر. # وقال الشاعر «3» : # تركوا جارهم يأكله ... ضبع الوادي ويرميه الشجر # والشجر لا يرمي أحدا. PageV01P113 # وهذا كله على المبالغة في الوصف، وينوون في جميعه يكاد يفعل، وكلهم يعلم ~~المراد به. # وقال آخر «1» : # إذا رأيت أنجما من الأسد ... جبهته أو الخراة والكتد # بال سهيل في الفضيخ ففسد ... وطاب ألبان اللقاح فبرد # وهذا وقت يذهب فيه الفضيخ، لأنه يكون من البسر، والبسر يصير عند طلوع هذه ~~الأنجم رطبا، فلما كان فساده عن طلوع سهيل، وكان الشراب يفسد بأن يبال فيه- ~~جعل سهيلا كأنه بال فيه لما أفسده وقت طلوعه. # وقال دكين «2» : # وقد تعاللت ذميل العنس ... بالسوط في ديمومة كالترس # إذ عرج الليل بروح الشمس فجعل الشمس روحا عرج بها الليل. # والأصل في هذا كله: أن كل حيوان يموت تقبض روحه، فلما أبطل الليل الشمس ~~جعله كأنه قبض لها روحا. # وقال ذو الرمة يصف إبلا في مسيرها «3» : # إذا اغتبطت نجما فغار تسخرت ... علالة نجم آخر الليل طالع # يقول: تهتدي بكوكب طلع أول الليل، حتى إذا غاب اهتدت بكوكب آخر طالع في ~~السحر، ولم يردها، وإنما أراد ركبانها فجعلها تغتبق النجم، وتتسحر بالنجم. ~~PageV01P114 # وقال مزرد «1» : # ولو أن شيخا ذا بنين كأنما ... على رأسه من شامل الشيب قونس # تبيت فيه العنكبوت بناتها ... نواشىء حتى شبن أو هن عنس # وإنما أراد طول مكث العناكب في رأسه، فجعلهن قد شبن وعنسن. # وأصل هذا: أن المرأة إذا طال مكثها في بيت أبيها لا تزوج عنست وشابت، ~~فاستعار الشيب والتعنيس مثلا لطول مكث العناكب. # وقال المسيب بن علس «2» : # دعا شجر الأرض داعيهم ... لينصره السدر والأثأب # أراد أنه دعا عليهم الخلق يستنصرهم، فضرب الشجر مثلا لكثرة الناس والعوام ~~تقول: جاءنا بالشوك والشجر. إذا ms067 جاء في جيش عظيم. # ومنه قوله سبحانه: وأعتدت لهن متكأ [يوسف: 31] أي طعاما، يقال: اتكأنا ~~عند فلان، أي طعمنا. # وقال جميل «3» : # فظللنا بنعمة واتكأنا ... وشربنا الحلال من قلله # والأصل: أن من دعوته ليطعم أعددت له التكأة للمقام والطمأنينة فسمى ~~الطعام متكئا على الاستعارة. # ومنه قوله تعالى: ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها [هود: 56] أي يقهرها ~~ويذلها بالملك والسلطان. وأصل هذا: أن من أخذت بناصيته فقد قهرته وأذللته، ~~ومنه قيل في الدعاء: ناصيتي بيدك. أي أنت مالك لي وقاهر. # ومنه قوله عز وجل: إلا ما دمت عليه قائما [آل عمران: 75] أي مواظبا ~~بالاقتضاء والمطالبة. وأصله أن المطالب بالشيء يقوم فيه ويتصرف، والتارك له ~~يقعد عنه. PageV01P115 # قال الأعشى «1» : # يقوم على الوغم في قومه ... فيعفو إذا شاء أو ينتقم # أي يطالب بالذحل «2» ولا يقعد عنه. # وقال: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة [آل عمران: 113] أي عاملة غير ~~تاركة. # وقال: أفمن هو قائم على كل نفس بما كسبت [الرعد: 33] أي آخذ لها بما ~~كسبت. # ومنه قوله تعالى حكاية عن المنافقين: ويقولون هو أذن [التوبة: 61] أي ~~يقبل كل ما بلغه. والأصل: أن الأذن هي السامعة، فقيل لكل من صدق بكل خبر ~~يسمعه: # أذن، ومنه يقال: آذنتك بالأمر فأذنت، كما تقول: أعلمتك فعلمت، إنما هو ~~أوقعته في أذنك. يقول الله عز وجل: فأذنوا بحرب من الله ورسوله [البقرة: ~~279] أي اعلموا، ومن قرأها (فآذنوا) أراد فأعلموا. # ومنه ما قالت الشعراء «3» : # آذنتنا ببينها أسماء ومنه الأذان إنما هو إعلام الناس وقت الصلاة. # وقوله: وأذان من الله ورسوله [التوبة: 3] أي إعلام. # وكان المنافقون يقولون: إن محمدا أذن فقولوا ما شئتم، فإنا متى أتيناه ~~فاعتذرنا إليه صدقنا. فأنزل الله تبارك وتعالى: قل أذن خير لكم [التوبة: ~~61] أي كان الأمر PageV01P116 # كما تذكرون، ولكنه إنما يؤمن بالله ويؤمن للمؤمنين [التوبة: 61] أي يصدق ~~الله ويصدق المؤمنين، لا أنتم، (والباء) و (اللام) زائدتان. # ومنه قوله: فمنهم من قضى نحبه [الأحزاب: 23] أي قتل والنحب: النذر. # وأصل هذا: أن رجالا من أصحاب رسول الله، ms068 صلى الله عليه وسلم، نذروا إن ~~لقوا العدو ليصدقن القتال أو ليقتلن، هذا أو نحوه، فقتلوا، فقيل لمن قتل: ~~قضى نحبه. واستعير النحب مكان الأجل، لأن الأجل وقع بالنحب وكان النحب له ~~سببا. # ومنه قيل للعطية: المن، لأن من أعطى فقد من. قال الله تعالى: ولا تمنن ~~تستكثر (6) [المدثر: 6] أي لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت. # وقال: هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك [ص: 39] ، أي فأعط أو أمسك. # وقوله: بغير حساب [ص: 39] مردود إلى قوله: هذا عطاؤنا بغير حساب. # PageV01P117 ### | باب المقلوب # ومن المقلوب: أن يوصف الشيء بضد صفته للتطير والتفاؤل، كقولهم للديغ: # سليم، تطيرا من السقم، وتفاؤلا بالسلامة. وللعطشان: ناهل أي سينهل. ~~يعنون: # يروى. وللفلاة: مفازة. أي منجاة، وهي مهلكة. # وللمبالغة في الوصف، كقولهم للشمس: جونة، لشدة ضوئها. وللغراب: أعور، ~~لحدة بصره. # وللاستهزاء، كقولهم للحبشي: أبو البيضاء. وللأبيض: أبو الجون. # ومن هذا قول قوم شعيب: إنك لأنت الحليم الرشيد [هود: 87] . # كما تقول للرجل تستجهله: يا عاقل، وتستخفه: يا حليم. # قال الشاعر «1» : # فقلت لسيدنا: يا حلي ... م إنك لم تأس أسوا رفيقا # قال قتادة: ومن الاستهزاء قول الله تعالى: فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها ~~يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون ~~(13) [الأنبياء: 12، 13] . # وفي قول عبيد بن الأبرص لكندة- طرف من هذا المعنى «2» : # هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا: أين أينا؟ # يستهزىء بهم حين انهزموا، يريد أين تذهبون؟ ارجعوا. PageV01P118 # وأما قول الله سبحانه: ذق إنك أنت العزيز الكريم (49) [الدخان: 49] . # فبعض الناس يذهب به هذا المذهب، أي أنت الذليل المهان. # وبعضهم يريد: أنت العزيز الكريم عند نفسك. وهو معنى تفسير ابن عباس لأن ~~أبا جهل قال: ما بين جبليها أعز مني ولا أكرم، فقيل له: ذق إنك أنت العزيز ~~الكريم (49) [الدخان: 49] . # ومن ذلك أن يسمى المتضادان باسم واحد، والأصل واحد. # فيقال للصبح: صريم، ولليل: صريم. قال الله سبحانه: فأصبحت كالصريم (20) ~~[القلم: 20] ، أي سوداء كالليل، لأن الليل ينصرم عن النهار، والنهار ينصرم ~~عن الليل. # وللظلمة: سدفة. وللضوء: سدفة. وأصل السدفة: ms069 السترة، فكأن الظلام إذا أقبل ~~ستر للضوء، والضوء إذا أقبل ستر للظلام. # وللمستغيث: صارخ. وللمغيث: صارخ، لأن المستغيث يصرخ في استغاثته، والمغيث ~~يصرخ في إجابته. # ولليقين: ظن، لأن في الظن طرفا من اليقين. قال الله عز وجل: قال الذين ~~يظنون أنهم ملاقوا الله [البقرة: 249] ، أي يستيقنون. وكذلك: إني ظننت أني ~~ملاق حسابيه (20) [الحاقة: 20] ، ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ~~[الكهف: 53] ، وإن ظنا أن يقيما حدود الله [البقرة: 230] ، هذا كله في معنى ~~(اليقين) . # قال دريد بن الصمة «1» : # فقلت لهم: ظنوا بألفي مدجح ... سراتهم في الفارسي المسرد # أي تيقنوا بإتيانهم إياكم. # وكذلك جعلوا (عسى) شكا ويقينا، (ولعل) شكا ويقينا. كقوله: فجاجا سبلا ~~لعلهم يهتدون [الأنبياء: 31] ، أي ليهتدوا. PageV01P119 # وللمشتري: شار، وللبائع: شار، لأن كل واحد منهما اشترى. # وكذلك قولهم لكل واحد منهما: (بائع) لأنه باع وأخذ عوضا مما دفع، فهو ~~(شار) و (بائع) . # قال الله عز وجل: وشروه بثمن بخس دراهم [يوسف: 20] ، أي باعوه. وقال: # ولبئس ما شروا به أنفسهم [البقرة: 102] . # وقال ابن مفرغ «1» : # وشريت بردا ليتني ... من بعد برد كنت هامه # (وبرد) : غلام كان له فباعه وندم على بيعه. # و (وراء) تكون بمعنى (خلف) وبمعنى (قدام) . # ومنها المواراة والتواري. فكل ما غاب عن عينك فهو وراء، كان قدامك أو ~~خلفك. # قال الله عز وجل: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا [الكهف: 79] ، أي ~~أمامهم. # وقال: من ورائهم جهنم [الجاثية: 10] ، أي أمامهم. # وقال: ومن ورائه عذاب غليظ [إبراهيم: 17] . # وقالوا للكبير: (جلل) ، وللصغير: (جلل) ، لأن الصغير قد يكون كبيرا عند ~~ما هو أصغر منه، والكبير يكون صغيرا عند ما هو أكبر منه، فكل واحد منهما ~~صغير كبير. # ولهذا جعلت (بعض) بمعنى (كل) ، لأن الشيء يكون كله بعضا لشيء، فهو بعض ~~وكل. # وقال عز وجل: ولأبين لكم بعض الذي تختلفون فيه [الزخرف: 63] (وكل) بمعنى ~~(بعض) ، كقوله: وأوتيت من كل شيء [النمل: 23] ، ويأتيها رزقها رغدا من كل ~~مكان [النحل: 112] ، وقال: تدمر كل شيء بأمر ربها [الأحقاف: 25] . # وجعلت (فوق) بمعنى (دون) في قول الله عز وجل: PageV01P120 # إن ms070 الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها [البقرة: 26] ، أي ~~فما دونها، لأن (فوق) قد تكون (دون) عند ما هو فوقها، و (دون) قد تكون ~~(فوق) عند ما هو دونها. # و (خشيت) بمعنى: (علمت) . قال عز وجل: فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ~~[الكهف: 80] ، أي علمنا. وفي قراءة أبي: فخاف ربك. # ومثله: إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله [البقرة: 229] . وقوله: فمن خاف ~~من موص جنفا أو إثما [البقرة: 182] ، أي علم. # وقوله: وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم [الأنعام: 51] ، لأن في ~~الخشية والمخافة طرفا من العلم. # و (رجوت) بمعنى: (خفت) . قال الله سبحانه: ما لكم لا ترجون لله وقارا ~~(13) [نوح: 13] ، أي: لا تخافون لله عظمته، لأن الراجي ليس بمستيقن، ومعه ~~طرف من المخافة. # قال الهذلي «1» : # إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عوامل # أي: لم يخفها. # و (يئست) بمعنى: (علمت) من قول الله تعالى: أفلم ييأس الذين آمنوا أن لو ~~يشاء الله لهدى الناس جميعا [الرعد: 31] ، لأن في علمك الشيء وتيقنك له ~~يأسك من غيره. # قال لبيد «2» : PageV01P121 # حتى إذا يئس الرماة فأرسلوا ... غضفا دواجن قافلا أعصامها # أي: علموا ما ظهر لهم فيئسوا من غيره. # وقال آخر «1» : # أقول لهم بالشعب إذ يأسرونني ... : ألم تيئسوا أني ابن فارس زهدم # أي: ألم تعلموا. # ومن المقلوب: أن يقدم ما يوضحه التأخير، ويؤخر ما يوضحه التقديم. # كقول الله تعالى: فلا تحسبن الله مخلف وعده رسله [إبراهيم: 47] ، أي مخلف ~~رسله وعده، لأن الإخلاف قد يقع بالوعد كما يقع بالرسل، فتقول: أخلفت الوعد، ~~وأخلفت الرسل، وكذلك قوله سبحانه: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) ~~[الشعراء: 77] أي: # فإني عدو لهم، لأن كل من عاديته عاداك. # وكذلك قوله: ثم دنا فتدلى (8) [النجم: 8] أي: تدلى فدنا، لأنه تدلى ~~للدنو، ودنا بالتدلي. # ومنه قوله سبحانه: بل الإنسان على نفسه بصيرة (14) # [القيامة: 14] أي: بل على الإنسان من نفسه بصيرة. يريد شهادة جوارحه ~~عليه، لأنها منه، فأقامه مقامها. # قال الشاعر «2» : # ترى الثور فيها مدخل الظل رأسه ... وسائره ms071 باد إلى الشمس أجمع # أراد (مدخل رأسه الظل) فقلب، لأن الظل التبس برأسه فصار كل واحد منهما ~~داخلا في صاحبه. والعرب تقول: (اعرض الناقة على الحوض) تريد: اعرض الحوض ~~على الناقة، لأنك إذا أوردتها الحوض: اعترضت بكل واحد صاحبه. PageV01P122 # وقال الحطيئة «1» : # فلما خشيت الهون والعير ممسك ... على رغمه ما أمسك الحبل حافره # وكان الوجه أن يقول: (ما أمسك حافره الحبل) فقلب، لأن ما أمسكته فقد ~~أمسكك، والحافر ممسك للحبل لا يفارقه ما دام به مربوطا، والحبل ممسك ~~للحافر. # وقال الأخطل «2» : # على العيارات هداجون قد بلغت ... نجران أو بلغت سوآتهم هجر # وكان الوجه أن يقول: (سوآتهم- بالرفع- نجران وهجر) فقلب، لأن ما بلغته ~~فقد بلغك. # قال الله تعالى: وقد بلغني الكبر [آل عمران: 40] أي بلغته. # وقال آخر «3» : # قد سالم الحيات منه القدما ... الأفعوان والشجاع الشجعما # (فنصب) الأفعوان والشجاع، وكان الوجه أن يرفعهما، لأن ما حالفته فقد ~~حالفك، فهما فاعلان ومفعولان. # وقال الشماخ يذكر أباه «4» : # منه ولدت ولم يؤشب به حسبي ... لما، كما عصب العلباء بالعود # وكان الوجه أن يقول: (كما عصب العود بالعلباء) فقلب، لأنك قد تقول: # عصبت العباء على العود، كما تقول: عصبت العود بالعلباء. PageV01P123 # وقال ذو الرمة «1» : # وتكسو المجن الرخو خصرا كأنه ... إهان ذوى عن صفرة فهو أخلق # وكان الوجه أن يقول: (وتكسو الخصر مجنا) فقلب، لأن كسوت يقع على الثوب، ~~وعلى الخصر، وعلى القميص ولابسه، تقول: كسوت الثوب عبد الله، وكسوت عبد ~~الله الثوب. # وقال أبو النجم «2» : # قبل دنو الأفق من جوزائه وكان الوجه أن يقول: (قبل دنو الجوزاء من الأفق) ~~فقلب، لأن كل شيء دنا منك فقد دنوت منه. # وقال الراعي يصف ثورا «3» : # فصبحته كلاب الغوث يوسدها ... مستوضحون يرون العين كالأثر # وكان الوجه أن يقول: (يرون الأثر كالعين) لعلمهم بالصيد وآثاره فقلب، ~~لأنهم إذا رأوا الأثر كالعين، فقد رأوا العين كالأثر. # وقال النابغة «4» : # وقد خفت حتى ما تزيد مخافتي ... على وعل في ذي المطارة عاقل # وكان الوجه أن يقول: (حتى ما تزيد مخافة وعل على مخافتي) فقلب، لأن ~~المخافتين ms072 استوتا. PageV01P124 # وقال رؤبة بن العجاج «1» : # ومهمه مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه # وكان الوجه أن يقول: (كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه) فقلب، لأن ~~اللونين استويا. # وقال الآخر «2» : # وصار الجمر مثل ترابها أي صار ترابها مثل الجمر. # وقال عز وجل: خلق الإنسان من عجل [الأنبياء: 37] أي خلق العجل من ~~الإنسان، يعني العجلة. كذلك قال أبو عبيدة. # ومن المقلوب ما قلب على الغلط: # كقول خداش بن زهير «3» : # وتركب خيل لا هوادة بينها ... وتعصى الرماح بالضياطرة الحمر PageV01P125 # أي: (تعصي الضياطرة بالرماح) وهذا ما لا يقع فيه التأويل، لأن الرماح لا ~~تعصى بالضياطرة وإنما يعصى الرجال بها، أي يطعنون. # ومنه قول الآخر «1» : # أسلمته في دمشق كما ... أسلمت وحشية وهقا # أراد: (كما أسلم وحشية وهق) فقلب على الغلط. # وقال آخر «2» : # كانت فريضة ما تقول كما ... كان الزناء فريضة الرجم # أراد (كما كان الرجم فريضة الزنى) . # وكان بعض أصحاب اللغة يذهب في قول الله تعالى: ومثل الذين كفروا كمثل ~~الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء [البقرة: 171] إلى مثل هذا في القلب، ~~ويقول: وقع التشبيه بالراعي في ظاهر الكلام، والمعنى للمنعوق به وهو الغنم. ~~وكذلك قوله سبحانه: ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة أولي القوة [القصص: 76] أي: ~~تنهض بها وهي مثقلة. # وقال آخر في قوله سبحانه: وإنه لحب الخير لشديد (8) [العاديات: 8] أي: ~~وإن حبه للخير لشديد. # وفي قوله سبحانه: واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74] أي: اجعل المتقين ~~لنا إماما في الخير. # وهذا ما لا يجوز لأحد أن يحكم به على كتاب الله عز وجل لو لم يجد له ~~مذهبا، لأن الشعراء تقلب اللفظ، وتزيل الكلام على الغلط، أو على طريق ~~الضرورة للقافية، أو لاستقامة وزن البيت. PageV01P126 # فمن ذلك قول لبيد «1» : # نحن بنو أم البنين الأربعة قال ابن الكلبي: هم خمسة، فجعلهم للقافية ~~أربعة. # وقال آخر يصف إبلا «2» : # صبحن من كاظمة الخص الخرب ... يحملن عباس بن عبد المطلب # أراد: (عبد الله بن عباس) فذكر أباه مكانه. # وقال الصلتان «3» : # أرى الخطفي بذ الفرزدق شعره ... ولكن خيرا من ms073 كليب مجاشع # أراد: «أرى جريرا بذ الفرزدق شعره» فلم يمكنه فذكر جده. # وقال ذو الرمة «4» : # عشية فر الحارثيون بعد ما ... قضى نحبه في ملتقى القوم هوبر # قال ابن الكلبي: هو (يزيد بن هوبر) فاضطر. # وقال (أوس) «5» : PageV01P127 # فهل لكم فيها إلي فإنني ... طبيب بما أعيا النطاسي حذيما # أراد: (ابن حذيم) وهو طبيب كان في الجاهلية: # وقال ابن ميادة وذكر بعيرا «1» : # كأن حيث تلتقي منه المحل ... من جانبيه وعلين ووعل # أراد: وعلين من كل جانب، فلم يمكنه فقال: ووعل. # وقال أبو النجم «2» : # ظلت وورد صادق من بالها ... وظل يوفي الأكم ابن خالها # أراد: فحلها: فجعله ابن خالها. # وقال آخر «3» : # مثل النصارى قتلوا المسيح أراد: اليهود: # وقال آخر «4» : # ومحور أخلص من ماء اليلب واليلب: سيور تجعل تحت البيض، فتوهمه حديدا. ~~PageV01P128 # وقال رؤبة «1» : # أو فضة أو ذهب كبريت وقال أبو النجم «2» : # كلمعة البرق ببرق خلبه أراد: بخلب برقه، فقلب. # وقال آخر «3» : # إن الكريم وأبيك يعتمل ... إن لم يجد يوما على من يتكل # أراد: إن لم يجد يوما من يتكل عليه. # في أشباه لهذا كثيرة يطول باستقصائها الكتاب. # والله تعالى لا يغلط ولا يضطر، وإنما أراد: ومثل الذين كفروا ومثلنا في ~~وعظهم كمثل الناعق بما لا يسمع، فاقتصر على قوله: ومثل الذين كفروا ~~[البقرة: 171] ، وحذف ومثلنا، لأن الكلام يدل عليه. ومثل هذا كثير في ~~الاختصار. # وقال الفراء «4» : # أراد: ومثل واعظ الذين كفروا، فحذف، كما قال: وسئل القرية التي كنا فيها ~~[يوسف: 82] ، أي: أهلها. PageV01P129 # وأراد بقوله: ما إن مفاتحه لتنوأ بالعصبة [القصص: 76] ، أي: تميلها من ~~ثقلها. # قال الفراء أنشدني بعض العرب «1» : # حتى إذا ما التأمت مفاصله ... وناء في شق الشمال كاهله # يريد: أنه لما أخذ القوس ونزع، مال عليها. # قال: ونرى قولهم: (ما ساءك وناءك) ، من هذا. وكان الأصل (أناءك) فألقي ~~الألف لما اتبعه (ساءك) كما قالوا: (هنأني ومرأني) ، فاتبع مرأني هنأني. ~~ولو أفرد لقال: أمرأني. # وأراد بقوله: وإنه لحب الخير لشديد (8) [العاديات: 8] ، أي: وإنه لحب ~~المال لبخيل، والشدة: البخل هاهنا، يقال: رجل شديد ومتشدد. # وقوله ms074 سبحانه: واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74] ، يريد: اجعلنا أئمة ~~في الخير يقتدي بنا المؤمنون، كما قال في موضع آخر: وجعلنا منهم أئمة يهدون ~~بأمرنا لما صبروا [السجدة: 24] ، أي: قادة، كذلك قال المفسرون. # وروي عن بعض خيار السلف: أنه كان يدعو الله أن يحتمل عنه الحديث، فحمل ~~عنه. # وقال بعض المفسرين في قوله: واجعلنا للمتقين إماما [الفرقان: 74] ، أي: # اجعلنا نقتدي بمن قبلنا حتى يقتدي بنا من بعدنا. فهم على هذا التأويل ~~متبعون ومتبعون. # ومن المقدم والمؤخر قوله تعالى: الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم ~~يجعل له عوجا (1) قيما [الكهف: 1، 2] أراد: أنزل الكتاب قيما ولم يجعل له ~~عوجا. # وقوله: فضحكت فبشرناها بإسحاق [هود: 71] ، أي: بشرناها بإسحاق فضحكت. # وقوله: فكذبوه فعقروها [الشمس: 14] ، أي: فعقروها فكذبوه بالعقر. ~~PageV01P130 # وقد يجوز أن يكون أراد: فكذبوا قوله: إنها ناقة الله، فعقروها. # قال الأعشى «1» : # لقد كان في حول ثواء ثويته ... تقضي لبانات ويسأم سائم # أراد: لقد كان في ثواء حول ثويته. # وقال ذو الرمة يصف الدار «2» : # فأضحت مباديها قفارا رسومها ... كأن لم سوى أهل من الوحش توهل # أراد: كأن توهل سوى أهل من الوحش. # وقد كان بعض القراءة يقرأ: وكذلك زين لكثير من المشركين قتل أولادهم ~~شركاؤهم [الأنعام: 137] ، أي: قتل شركائهم أولادهم. # ومن المقدم والمؤخر قوله سبحانه: إنما يريد الله ليعذبهم بها في الحياة ~~الدنيا وتزهق أنفسهم وهم كافرون [التوبة: 55] . # وقال ابن عباس في رواية الكلبي: أراد: ولا تعجبك أموالهم وأولادهم في ~~الدنيا، إنما يريد الله أن يعذبهم في الآخرة. # ومنه قوله سبحانه: ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى (129) ~~[طه: # 129] ، أي: ولولا كلمة سبقت وأجل مسمى، لكان العذاب لزاما. # ومنه قوله سبحانه: ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين ~~يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا ~~[النساء: # 83] ، أراد: لعلمه الذين يستنبطونه منهم إلا قليلا، ولولا فضل الله عليكم ~~ورحمته، PageV01P131 # لاتبعتم الشيطان. # قال الشاعر «1» : # فاوردتها ماء كأن جمامه ... من الأجن حناء معا وصبيب # أي: فأوردتها ماء كأن جمامه ms075 حناء وصبيب معا. PageV01P132 ### | باب الحذف والاختصار # من ذلك: أن تحذف المضاف وتقيم المضاف إليه مقامه وتجعل الفعل له. # كقوله تعالى: وسئل القرية التي كنا فيها [يوسف: 82] أي سل أهلها. # وأشربوا في قلوبهم العجل [البقرة: 93] أي حبه. # والحج أشهر معلومات [البقرة: 197] أي وقت الحج. # وكقوله: إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات-[الإسراء: 75] أي ضعف عذاب ~~الحياة وضعف عذاب الممات. # وقوله سبحانه: لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد [الحج: 40] فالصلوات لا ~~تهدم، وإنما أراد بيوت الصلوات. # قال المفسرون: الصوامع للصابئين، والبيع للنصارى، والصلوات: كنائس ~~اليهود، والمساجد للمسلمين. # وقوله: من قريتك التي أخرجتك [محمد: 13] أي أخرجك أهلها. # وقوله: بل مكر الليل والنهار [سبأ: 33] أي مكركم في الليل والنهار. # وقوله: أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله [التوبة: ~~19] ؟ أي: # أجعلتم صاحب سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام، كمن آمن؟! ويكون يريد: # أجعلتم سقاية الحاج كإيمان من آمن بالله وجهاده؟ كما قال: ولكن البر من ~~آمن بالله [البقرة: 177] . # قال الهذلي «1» : PageV01P133 # يمشي بيننا حانوت خمر ... من الخرس الصراصرة القطاط # أراد صاحب حانوت خمر، فأقام الحانوت مقامه. # وكذلك قول أبي ذؤيب في صفة الخمر» # توصل بالركبان حينا وتولف ال ... جوار ويغشيها الأمان ربابها # اللفظ للخمر والمعنى للخمار، أي يتوصل الخمار بالركب ليسير معهم ويأمن ~~بهم. وكذلك قوله «2» : # أتوها بربح حاولته فأصبحت ... تكفت قد حلت وساغ شرابها # يريد: أتوا صاحبها بربح، فأقامها مقامه. # وقال كثير يذكر الأظعان «3» : # حزيت لي بحزم فيدة تحدى ... كاليهودي من نطاة الرقال # أراد كنخل اليهودي من خيبر، فأقامه مقامها. # ومثله قوله تعالى: فليدع ناديه (17) [العلق: 17] أي: أهله. # وقال الشاعر «4» : # لهم مجلس صهب السبال أذلة ... سواسية أحرارها وعبيدها # ومن ذلك أن توقع الفعل على شيئين وهو لأحدهما، وتضمر للآخر فعله. # كقوله سبحانه: يطوف عليهم ولدان مخلدون (17) بأكواب وأباريق وكأس من معين ~~(18) [الواقعة: 18] . PageV01P134 # ثم قال: وفاكهة مما يتخيرون (20) ولحم طير مما يشتهون (21) وحور عين (22) ~~[الواقعة: # 20، 21] والفاكهة واللحم والحور العين لا يطاف بها، وإنما أراد: ويؤتون ~~بلحم طير. # ومثله قوله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم [يونس: 71] أي: وادعوا شركاءكم، ~~وكذلك ms076 هو في مصحف عبد الله. # قال الشاعر «1» : # تراه كأن الله يجدع أنفه ... وعينيه إن مولاه ثاب له وفر # أي يجدع أنفه، ويفقأ عينيه. # وأنشد الفراء «2» : # علفتها تبنا وماء باردا ... حتى شتت همالة عيناها # أي علفتها تبنا، وسقيتها ماء باردا. # وقال آخر «3» : # إذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا PageV01P135 # والعيون لا تزجج، وإنما أراد: وزججن الحواجب، وكحلن العيون. وقال الآخر ~~«1» : # ورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا # أي متقلدا سيفا، وحاملا رمحا. # ومن ذلك: أن يأتي بالكلام مبنيا على أن له جوابا، فيحذف الجواب اختصارا ~~لعلم المخاطب به. # كقوله سبحانه: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به ~~الموتى بل لله الأمر جميعا [الرعد: 31] أراد: لكان هذا القرآن، فحذف. # وكذلك قوله: ولولا فضل الله عليكم ورحمته وأن الله رؤف رحيم (20) [النور: # 20] أراد: لعذبكم فحذف. # قال الشاعر «2» : # فأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك، ولكن لم نجد لك مدفعا # أي لرددناه. # وقال الله عز وجل: ليسوا سواء من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله ~~آناء الليل وهم يسجدون (113) [آل عمران: 113] . فذكر أمة واحدة ولم يذكر ~~بعدها أخرى. # وسواء تأتي للمعادلة بين اثنين فما زاد. # وقال: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما [الزمر: 9] ولم يذكر ضد هذا، ~~لأن PageV01P136 # في قوله: قل هل يستوي الذين يعلمون [الزمر: 9] دليلا على ما أراد. # وقال الشاعر «1» : # أراك فما أدري أهم هممته ... وذو الهم قدما خاشع متضائل # ولم يأت بالأمر الآخر. # وقال أبو ذؤيب «2» : # عصيت إليها القلب إني لأمره ... سميع، فما أدري أرشد طلابها؟ # أراد: أرشد هو أم غي؟ فحذف. # ومن ذلك: حذف الكلمة والكلمتين. # كقوله: فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم. [آل عمران: 106] والمعنى فيقال ~~لهم: # أكفرتم؟ وقوله: ولو ترى إذ المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم ربنا أبصرنا ~~وسمعنا [السجدة: 12] والمعنى يقولون: ربنا أبصرنا. # وقوله: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا ~~[البقرة: 127] . # والمعنى يقولان: ربنا تقبل منا. # وقال ذو الرمة يصف حميرا «3» : # فلما لبسن الليل أو حين ms077 نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح # أراد أو حين أقبل الليل نصبت. وقال «4» : PageV01P137 # وقد بدا لذي نهية أن لا إلى أم سالم أراد: أن لا سبيل إلى أم سالم. # وقال الله عز وجل: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا ~~[الإسراء: # 23] . أي ووصى بالوالدين. # وقال النمر بن تولب «1» : # فإن المنبه من يخشها ... فسوف تصادفه أينما # أراد أينما ذهب. # وقال الله عز وجل: كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف [إبراهيم: 18] أراد: ~~في يوم عاصف الريح، فحذف، لأن ذكر الريح قد تقدم، فكان فيه دليل. # وقال تعالى: وما أنتم بمعجزين في الأرض ولا في السماء [العنكبوت: 22] . ~~أراد: # ولا من في السماء بمعجز. # وقال تعالى: وأدخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء في تسع آيات إلى ~~فرعون وقومه [النمل: 12] . أراد في تسع آيات إلى هذه الآية، أي معها. ثم ~~قال: إلى فرعون ولم يقل مرسلا ولا مبعوثا، لأن ذلك معروف. # ومثله: وإلى ثمود أخاهم صالحا [الأعراف: 73] . أي: أرسلنا. # قال الشاعر «2» : # رأتني بحبليها فصدت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق # أراد مقبلا بحبليها. # وقال عز وجل: فإذا جاء وعد الآخرة ليسوؤا وجوهكم [الإسراء: 7] . أراد: ~~PageV01P138 # يعثناهم ليسوءوا وجوهكم، فحذفها، لأنه قال قبل: فإذا جاء وعد أولاهما ~~بعثنا عليكم عبادا لنا [الإسراء: 5] . فاكتفى بالأول من الثاني، إذ كان يدل ~~عليه. # وكذلك قوله: عن اليمين وعن الشمال قعيد [ق: 17] . فاكتفى بذكر الثاني من ~~الأول. # وقد يشكل الكلام ويغمض بالاختصار والإضمار. # كقوله: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا فإن الله يضل من يشاء ويهدي من ~~يشاء فلا تذهب نفسك عليهم حسرات إن الله عليم بما يصنعون (8) [فاطر: 8] . ~~والمعنى: أفمن زين له سوء عمله فرآه حسنا، ذهبت نفسك حسرة عليه؟! فلا تذهب ~~نفسك عليهم حسرات فإن الله يضل من يشاء ويهدي من يشاء. # وكقوله سبحانه: إني لا يخاف لدي المرسلون (10) إلا من ظلم ثم بدل حسنا ~~بعد سوء فإني غفور رحيم (11) [النمل: 10، 11] لم يقع الاستثناء من ~~المرسلين، وإنما وقع من معنى مضمر في ms078 الكلام، كأنه قال: لا يخاف لدي ~~المرسلون، بل غيرهم الخائف، إلا من ظلم ثم تاب فإنه لا يخاف. # وهذا قول الفراء، وهو يبعد: لأن العرب إنما تحذف من الكلام ما يدل عليه ~~ما يظهر، وليس في ظاهر هذا الكلام- على هذا التأويل- دليل على باطنه. # قال أبو محمد: والذي عندي فيه، والله أعلم، أن موسى عليه السلام، لما خاف ~~الثعبان وولى ولم يعقب، قال الله عز وجل: يا موسى لا تخف إني لا يخاف لدي ~~المرسلون [النمل: 10] وعلم أن موسى مستشعر خيفة أخرى من ذنبه في الرجل الذي ~~وكزه فقضى عليه، فقال: إلا من ظلم ثم بدل حسنا بعد سوء [النمل: 11] أي توبة ~~وندما، فإنه يخاف، وإني غفور رحيم. # وبعض النحويين يحمل (إلا من ظلم) بمعنى: ولا من ظلم، كقوله: لئلا يكون ~~للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم [البقرة: 150] . على مذهب من تأول ~~هذا في (إلا) : كقوله في سورة الأنفال، بعد وصف المؤمنين: كما أخرجك ربك من ~~بيتك بالحق [الأنفال: 5] . ولم يشبه قصة المؤمنين بإخراج الله إياه، ولكن ~~الكلام مردود إلى معنى في أول السورة ومحمول عليه، وذلك: أن النبي صلى الله ~~عليه وسلم، رأى يوم بدر قلة المسلمين وكراهة كثير منهم للقتال، فنفل كل ~~امرئ منهم ما أصاب، وجعل لكل من قتل قتيلا كذا، ولمن أتى بأسير كذا، فكره ~~ذلك قوم فتنازعوا واختلفوا وحاجوا النبي، صلى الله عليه وسلم، وجادلوه، ~~فأنزل الله سبحانه: يسئلونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول: يجعلها لمن # PageV01P139 # يشاء فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم. أي فرقوها بينكم على السواء وأطيعوا ~~الله ورسوله فيما بعد إن كنتم مؤمنين [الأنفال: 1] ، ووصف المؤمنين ثم قال: ~~كما أخرجك ربك من بيتك بالحق وإن فريقا من المؤمنين لكارهون (5) [الأنفال: ~~5] يزيد: أن كراهتهم لما فعلته في الغنائم ككراهتهم للخروج معك، كأنه قال: ~~هذا من كراهيتهم كما أخرجك وإياهم ربك وهم كارهون. # ومن تتبع هذا من كلام العرب وأشعارها وجده كثيرا. # قال الشاعر «1» : # فلا تدفنوني إن دفني محرم ... عليكم، ولكن خامري أم عامر ms079 # يريد: لا تدفنوني ولكن دعوني للتي يقال لها إذا صيدت: خامري أم عامر، ~~يعني الضبع، لتأكلني. # وقال عنترة «2» : # هل تبلغني دارها شدنية ... لعنت بمحروم الشراب مصرم # يريد: دعي عليها بأن يحرم ضرعها أن يدر فيه لبن، فاستجيب للداعي، فلم ~~تحمل ولم ترضع. # ومثله قول الآخر «3» : PageV01P140 # ملعونة بعقر أو خادج أي: دعي عليها أن لا تحمل، وإن حملت: أن تلقي ولدها ~~لغير تمام، فإذا لم تحمل الناقة ولم ترضع كان أقوى لها. # ومن أمثال العرب: (عسى الغوير أبؤسا) «1» أي: أن يأتينا من قبل الغوير ~~بأس ومكروه. والغوير: ماء، ويقال: هو تصغير غار. # ومثله قوله سبحانه: قل هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا خالصة يوم ~~القيامة [الأعراف: 32] . # أي هي للذين آمنوا- يعني في الدنيا- مشتركة، وفي الآخرة خالصة. # ومنه قوله: إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه [آل عمران: 175] . أي يخوفكم ~~بأوليائه، كما قال سبحانه: لينذر بأسا شديدا من لدنه [الكهف: 2] أي لينذركم ~~ببأس شديد. # وقوله: يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له [طه: 108] أي لا عوج لهم عنه. # وقوله: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا [فاطر: 10] . أي يعلم أن ~~العزة لمن هي. # وقوله: ما أريد منهم من رزق [الذاريات: 57] أي ما أريد أن يرزقوا أنفسهم. ~~وما أريد أن يطعمون [الذاريات: 57] أي ما أريد أن يطعموا أحدا من خلقي. # وأصل هذا: أن البشر عباد الله وعياله فمن أطعم عيال رجل ورزقهم، فقد رزقه ~~وأطعمه، إذ كان رزقهم عليه. # ومنه قوله سبحانه: ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء [النمل: 25] أراد: ألا ~~يا هؤلاء اسجدوا لله. # وقال الشاعر «2» : # يا دار سلمى يا اسلمي ثم اسلمي PageV01P141 # ومن الاختصار: القسم بلا جواب إذا كان في الكلام بعده ما يدل على الجواب. # كقوله: ق والقرآن المجيد (1) بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم فقال الكافرون ~~هذا شيء عجيب (2) أإذا متنا [ق: 1، 3] نبعث. ثم قالوا: ذلك رجع بعيد [ق: 3] ~~أي: لا يكون. # وكذا قوله عز وجل: والنازعات غرقا (1) والناشطات نشطا (2) والسابحات سبحا ~~(3) فالسابقات سبقا (4) فالمدبرات أمرا (5) [النازعات: 1، 5] . ثم قال: يوم ~~ترجف الراجفة (6) [النازعات: ms080 6] . ولم يأت الجواب لعلم السامع به، إذ كان ~~فيما تأخر من قوله دليل عليه، كأنه قال: والنازعات وكذا وكذا، لتبعثن، ~~فقالوا: أإذا كنا عظاما نخرة (11) [النازعات: 11] نبعث؟!. # ومن الاختصار قوله: إلا كباسط كفيه إلى الماء ليبلغ فاه [الرعد: 14] ~~أراد: كباسط كفيه إلى الماء ليقبض عليه فيبلغه فاه. # قال ضابىء «1» : # فإني وإياكم وشوقا إليكم ... كقابض ماء لم تسقه أنامله # و (العرب) تقول لمن تعاطى ما لا يجد منه شيئا: هو كالقابض على الماء. # ومنه: أن تحذف (لا) من الكلام والمعنى إثباتها. # كقوله سبحانه: تالله تفتؤا تذكر يوسف [يوسف: 85] أي لا تزال تذكر يوسف. # وهي تحذف مع اليمين كثيرا. # قال الشاعر «2» : PageV01P142 # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو ضربوا رأسي لديك وأوصالي # وقال آخر «1» : # فلا وأبي دهماء زالت عزيزة ... على قومها ما فتل الزند قادح # ومنه قوله: يبين الله لكم أن تضلوا [النساء: 176] ، أي: لئلا تضلوا. وإن ~~الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا [فاطر: 41] ، أي: لئلا تزولا. # وقوله: كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم [الحجرات: 2] ، أي: لا تحبط ~~أعمالكم. # ومن الاختصار أن تضمر لغير مذكور. # كقوله جل وعز: حتى توارت بالحجاب [ص: 32] يعني: الشمس، ولم يذكرها قبل ~~ذلك. # وقوله: ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة [فاطر: ~~45] ، يريد: على الأرض. # وقال: فأثرن به نقعا (4) [العاديات: 4] ، يعني: بالوادي. # وقال: إن كادت لتبدي به [القصص: 10] ، أي بموسى: أنه ابنها. # وقال: والنهار إذا جلاها (3) [الشمس: 3] ، يعني: الدنيا أو الأرض. # وكذلك قوله: ولا يخاف عقباها (15) [الشمس: 15] ، أي: عقبى هذه الفعلة. # وقال: إنا أنزلناه في ليلة القدر (1) [القدر: 1] ، يعني: القرآن. فكنى في ~~أول السورة. # قال حميد بن ثور في أول قصيدة «2» : PageV01P143 # وصهباء منها كالسفينة نضجت ... به الحمل حتى زاد شهرا عديدها # أراد: وصهباء من الإبل. # وقال حاتم «1» : # أماوي ما يغني الثراء عن الفتى ... إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر # يعني النفس. # وقال لبيد «2» : # حتى إذا ألقت يدا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها # يعني الشمس بدأت في المغيب. # وقال طرفة «3» : # ألا ليتني أفديك ms081 منها وأفتدي يعني: من الفلاة. # وأنشد الفراء «4» : # إذا نهي السفيه جرى إليه ... وخالف، والسفيه إلى خلاف PageV01P144 # أراد: جرى إلى السفه. # وقال الله عز وجل في أول سورة الرحمن: فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) ~~[الرحمن: 13] ، ولم يذكر قبل ذلك إلا الإنسان، ثم خاطب الجان معه لأنه ~~ذكرهم بعد، وقال: وخلق الجان من مارج من نار (15) [الرحمن: 15] . # قال الفراء: ومثله قول المثقب العبدي «1» : # فما أدري إذا يممت أرضا ... أريد الخير: أيهما يليني؟ # أالخير الذي أنا أبتغيه؟ ... أم الشر الذي هو يبتغيني؟ # فكنى عن الشر وقرنه في الكتابة بالخير قبل أن يذكره، ثم أتى به بعد ذلك. # ومن ذلك حذف الصفات. # كقول الله سبحانه: وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون (3) [المطففين: 3] أي: ~~كالوا لهم أو وزنوا لهم. # وقوله: واختار موسى قومه سبعين رجلا [الأعراف: 155] . أي اختار منهم. # وقال العجاج «2» : # تحت الذي اختار له الله الشجر أي اختار له من الشجر: # وكقوله: الذين إن مكناهم في الأرض [الحج: 41] أي: مكنا لهم. والعرب تقول: # عددتك مائة، أي عددت لك، وأستغفر الله ذنبي. # قال الشاعر «3» : PageV01P145 # أستغفر الله ذنبا لست محصيه ... رب العباد إليه الوجه والعمل # وشبعت خبزا ولحما، وشربت ورويت ماء ولبنا وتعرضت معروفك، ونزلتك ونأيتك، ~~وبت القوم، وغاليت السلعة، وثويت البصرة وسرقتك مالا، وسعيت القوم، ~~واستجبتك. # قال الشاعر «1» : # وداع دعا يا من يجيب إلي الندى ... فلم يستجبه عند ذاك مجيب # وقوله جل وعز: إن العهد كان مسؤلا [الإسراء: 34] . أي: مسؤولا عنه. # قال أبو عبيدة: يقال: (لتسألن عهدي) أي عن عهدي. # ومن الاختصار قوله: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون ~~الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (44) [النساء: 44] . أراد: يشترون الضلالة ~~بالهدى، فحذف (الهدى) أي يستبدلون هذا بهذا. # ومثله: أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى [البقرة: 16] . # ومن الاختصار قوله: وتركنا عليه في الآخرين (108) [البقرة: 108] . أي: ~~أبقينا له ذكرا حسنا في الآخرين، كأنه قال: تركنا عليه ثناء حسنا، فحذف ~~الثناء الحسن لعلم المخاطب بما أراد. # ومن الاختصار قوله: لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه [النساء: # 166] . لأنه لما ms082 أنزل عليه: إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين ~~من بعده [النساء: 163] قال المشركون: ما نشهد لك بهذا، فمن يشهد لك به؟ ~~فترك ذكر قولهم PageV01P146 # وأنزل: لكن الله يشهد بما أنزل إليك [النساء: 166] . يدلك على هذا أن ~~(لكن) إنما تجيء بعد نفي لشيء فيوجب ذلك الشيء بها. # ومن الاختصار قوله: فبعث الله غرابا يبحث في الأرض [المائدة: 31] . أراد: # فبعث الله غرابا يبحث التراب على غراب ميت ليواريه، ليريه كيف يواري سوأة ~~أخيه [المائدة: 31] . # ومنه قوله: فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم [المائدة: 52] أي في ~~مرضاتهم. # PageV01P147 ### | باب تكرار الكلام والزيادة فيه # وأما تكرار الأنباء والقصص، فإن الله تبارك وتعالى أنزل القرآن نجوما في ~~ثلاث وعشرين سنة، بفرض بعد فرض: تيسيرا منه على العباد، وتدريجا لهم إلى ~~كمال دينه، ووعظ بعد وعظ: تنبيها لهم من سنة الغفلة، وشحذا لقلوبهم بمتجدد ~~الموعظة، وناسخ بعد منسوخ: استعبادا له واختبارا لبصائرهم. يقول الله عز ~~وجل: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به ~~فؤادك ورتلناه ترتيلا (32) [الفرقان: 32] . # الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمراد بالتثبيت هو والمؤمنون. # وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يتخول أصحابه بالموعظة مخافة السآمة ~~عليهم «1» ، أي يتعهدهم بها عند الغفلة ودثور القلوب. # ولو أتاهم القرآن نجما واحدا لسبق حدوث الأسباب التي أنزله الله بها، ~~ولثقلت جملة الفرائض على المسلمين، وعلى من أراد الدخول في الدين، ولبطل ~~معنى التنبيه، وفسد معنى النسخ، لأن المنسوخ يعمل به مدة ثم يعمل بناسخه ~~بعده. # وكيف يجوز أن ينزل القرآن في وقت واحد: افعلوا كذا ولا تفعلوه؟. # ولم يفرض الله على عباده أن يحفظوا القرآن كله، ولا أن يختموه في التعلم، ~~وإنما أنزله ليعملوا بمحكمه، ويؤمنوا بمتشابهه، ويأتمروا بأمره. وينتهوا ~~بزجره: ويحفظوا للصلاة مقدار الطاقة، ويقرؤوا فيها الميسور. # قال الحسن: نزل القرآن ليعمل به، فاتخذ الناس تلاوته عملا. # وكان أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وسلم، ورضي عنهم- وهم مصابيح الأرض ~~وقادة الأنام ومنتهى العلم- إنما يقرأ الرجل منهم السورتين، والثلاث، ms083 ~~والأربع، والبعض والشطر PageV01P148 # من القرآن، إلا نفرا منهم وفقهم الله لجمعه، وسهل عليهم حفظه. # قال أنس بن مالك: كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جد فينا. أي جل في ~~عيوننا، وعظم في صدورنا. # قال الشعبي: توفى أبو بكر، وعمر، وعلي، رحمهم الله، ولم يجمعوا القرآن. # وقال: لم يختمه أحد من الخلفاء غير عثمان. # وروي عن شريك، عن إسماعيل بن أبي خالد أنه قال: # سمعت الشعبي يحلف بالله، عز وجل، لقد دخل علي حفرته وما حفظ القرآن. # وكانت وفود العرب ترد على رسول الله، صلى الله عليه وسلم للإسلام، ~~فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن، فيكون ذلك كافيا لهم. # وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة، فلو لم تكن الأنباء ~~والقصص مثناة ومكررة لوقعت قصة موسى إلى قوم، وقصة عيسى إلى قوم، وقصة نوح ~~إلى قوم، وقصة لوط إلى قوم. # فأراد الله، بلطفه ورحمته، أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها في ~~كل سمع، ويثبتها في كل قلب، ويزيد الحاضرين في الإفهام والتحذير. # وليست القصص كالفروض، لأن كتب رسول الله، صلى الله عليه وسلم كانت تنفذ ~~إلى كل قوم بما فرضه الله عليهم من الصلاة، وعددها وأوقاتها، والزكاة ~~وسنتها، وصوم شهر رمضان، وحج البيت. وهذا ما لا تعرف كيفيته من الكتاب، ولم ~~تكن تنفذ بقصة موسى وعيسى ونوح وغيرهم من الأنبياء. وكان هذا في صدر ~~الإسلام قبل إكمال الله الدين، فلما نشره الله عز وجل في كل قطر، وبثه في ~~آفاق الأرض، وعلم الأكابر الأصاغر، وجمع القرآن بين الدفتين-: زال هذا ~~المعنى، واجتمعت الأنباء في كل مصر وعند كل قوم. # وأما تكرار الكلام من جنس واحد وبعضه يجزىء عن بعض، كتكراره في: قل يا ~~أيها الكافرون (1) [الكافرون: 1] وفي سورة الرحمن بقوله: فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان (13) [الرحمن: 13] فقد أعلمتك أن القرآن نزل بلسان القوم، وعلى ~~مذاهبهم. ومن مذاهبهم التكرار: إرادة التوكيد والإفهام، كما أن من مذاهبهم ~~الاختصار: إرادة التخفيف والإيجاز، لأن افتتان المتكلم والخطيب في الفنون، ~~وخروجه عن شيء إلى شيء- أحسن ms084 من اقتصاره في المقام على فن واحد. # PageV01P149 # وقد يقول القائل في كلامه: والله لا أفعله، ثم والله لا أفعله. إذا أراد ~~التوكيد وحسم الأطماع من أن يفعله. كما يقول: والله أفعله، بإضمار (لا) إذا ~~أراد الاختصار. # قال الله عز وجل: كلا سوف تعلمون (3) ثم كلا سوف تعلمون (4) [التكاثر: 3، ~~4] . # وقال: فإن مع العسر يسرا (5) إن مع العسر يسرا (6) [الشرح: 5، 6] . # وقال: أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى (35) [القيامة: 34، 35] . # وقال: وما أدراك ما يوم الدين (17) ثم ما أدراك ما يوم الدين (18) ~~[الانفطار: 17، 18] كل هذا يراد به التأكيد للمعنى الذي كرر به اللفظ. # وقد يقول القائل للرجل: اعجل اعجل، وللرامي: ارم ارم. # وقال الشاعر «1» : # كم نعمة كانت لكم كم كم وكم وقال الآخر «2» : # هلا سألت جموع كن ... دة يوم ولوا أين أينا # وقال عوف بن الخرع «3» : # وكادت فزارة تصلي بنا ... فأولى فزارة أولى فزارا # وربما جاءت الصفة فأرادوا توكيدها، واستوحشوا من إعادتها ثانية لأنها ~~كلمة واحد، فغيروا منها حرفا، ثم أتبعوها الأولى. # كقولهم: (عطشان نطشان) كرهوا أن يقولوا: عطشان عطشان، فأبدلو من العين ~~نونا. # وكذلك قولهم: (حسن بسن) كرهوا أن يقولوا: حسن حسن، فأبدلوا من الحاء باء. ~~و (شيطن ليطان) في أشباه له كثيرة. PageV01P150 # ولا موضع أولى بالتكرار للتوكيد من السبب الذي أنزلت فيه: قل يا أيها ~~الكافرون (1) [الكافرون: 1] لأنهم أرادوه على أن يعبد ما يعبدون، ليعبدوا ~~ما يعبد، وأبدؤوا في ذلك وأعادوا، فأراد الله، عز وجل، حسم أطماعهم وإكذاب ~~ظنونهم، فأبدأ وأعاد في الجواب. وهو معنى قوله: ودوا لو تدهن فيدهنون (9) ~~[القلم: 9] أي تلين لهم في دينك فيلينون في أديانهم. # وفيه وجه آخر، وهو: أن القرآن كان ينزل شيئا بعد شيء وآية بعد آية، حتى ~~لربما نزل الحرفان والثلاثة. # قال زيد بن ثابت: كنت أكتب لرسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يستوي ~~القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله. فجاء عبد الله ابن أم مكتوم ~~فقال: يا رسول الله إني أحب الجهاد في سبيل الله، ولكن بي من الضرر ما ترى. ms085 ~~قال زيد: فثقلت فخذ رسول الله، صلى الله عليه وسلم، على فخذي حتى خشيت أن ~~ترضها، ثم قال: اكتب: لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر ~~والمجاهدون في سبيل الله [النساء: 95] . # وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، عن الحسن أنه قال في قول الله عز ~~وجل: ورتلناه ترتيلا [الفرقان: 32] قال: كان ينزل آية وآيتين وآيات، جوابا ~~لهم عما يسألون وردا على النبي. وكذلك معنى قوله سبحانه: ونزلناه تنزيلا ~~[الإسراء: 106] شيئا بعد شيء. # فكأن المشركين قالوا له: أسلم ببعض آلهتنا حتى نؤمن بإلهك، فأنزل الله: ~~لا أعبد ما تعبدون (2) ولا أنتم عابدون ما أعبد (3) [الكافرون: 2، 3] . ~~يريد إن لم تؤمنوا حتى أفعل ذلك. ثم غبروا مدة من المدد وقالوا: تعبد ~~آلهتنا يوما أو شهرا أو حولا، ونعبد إلهك يوما أو شهرا أو حولا، فأنزل الله ~~تعالى: ولا أنا عابد ما عبدتم (4) ولا أنتم عابدون ما أعبد (5) [الكافرون: ~~4، 5] . على شريطة أن تؤمنوا به في وقت وتشركوا به في وقت. # قال أبو محمد: وهذا تمثيل أردت أن أريك به موضع الإمكان. # وأما تكرار فبأي آلاء ربكما تكذبان (13) [الرحمن: 13] فإنه عدد في هذه ~~السورة نعماءه، وأذكر عباده آلاءه، ونبههم على قدرته ولطفه بخلفه، ثم أتبع ~~ذكر كل خلة وصفها بهذه الآية، وجعلها فاصلة بين كل نعمتين، ليفهمهم النعم ~~ويقررهم بها، وهذا كقولك للرجل أجل أحسنت إليه دهرك وتابعت عنده الأيادي، ~~وهو في ذلك # PageV01P151 # ينكرك ويكفرك: ألم أبوئك منزلا وأنت طريد؟ أفتنكر هذا؟ و: ألم أحملك وأنت ~~راجل؟ ألم أحج بك وأنت صرورة؟ أفتنكر هذا؟. # ومثل ذلك تكرار فهل من مدكر [القمر: 15، 17، 22، 32، 40، 51] في سورة ~~(اقتربت الساعة) أي: هل من معتبر ومتعظ؟. # وأما تكرار المعنى بلفظين مختلفين، فلإشباع المعنى والاتساع في الألفاظ. # وذلك كقول القائل: آمرك بالوفاء، وأنهاك عن الغدر. والأمر بالوفاء هو ~~النهي عن الغدر. و: آمركم بالتواصل، وأنهاكم عن التقاطع. والأمر بالتواصل ~~هو النهي عن التقاطع. # وكقوله سبحانه: فيهما فاكهة ونخل ورمان (68) [الرحمن: 68] . والنخل ~~والرمان من الفاكهة، فأفردهما عن الجملة التي أدخلهما فيها، ms086 لفضلهما وحسن ~~موقعهما. # وقوله سبحانه: حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى [البقرة: 238] وهي ~~منها، فأفردها بالذكر ترغيبا فيها، وتشديدا لأمرها، كما تقول: إيتني كل ~~يوم، ويوم الجمعة خاصة. # وقال سبحانه: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم [الزخرف: 80] والنجوى ~~هو السر. وقد يجوز أن يكون أراد بالسر: ما أسروه في أنفسهم، وبالنجوى: ما ~~تساروا به. # وقال ذو الرمة «1» : # لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب # واللعس هو: حوة، فكرر لما اختلف اللفظان. # ويمكن أن يكون لما ذكر الحوة، خشي أن يتوهم السامع سوادا قبيحا، فبين أنه ~~لعس، واللعس يستحسن في الشفاه. # وأما الزيادة في التوكيد فكقوله سبحانه: يقولون بأفواههم ما ليس في ~~قلوبهم [آل عمران: 167] لأن الرجل قد يقول بالمجاز: كلمت فلانا، وإنما كان ~~ذلك كتابا أو إشارة على لسان غيره، فأعلمنا أنهم يقولون بألسنتهم. ~~PageV01P152 # وكذلك قوله: يكتبون الكتاب بأيديهم [البقرة: 79] لأن الرجل قد يكتب ~~بالمجاز، وغيره الكاتب عنه. # ويقول الأمي: كتبت إليك، وهذا كتابي إليك. وكل فعل أمرت به فأنت الفاعل ~~له، وإن وليه غيرك. قال الله عز وجل: في التابوت: تحمله الملائكة [البقرة: ~~248] . # قال ابن عباس رضي الله عنه في رواية أبي صالح عنه: هذا كما تقول: حملت ~~إلى بلد كذا وكذا برا وقمحا، وإنما تريد أمرت بحمله. # فأعلمنا أنهم يكتبونه بأيديهم ويقولون: هو من عند الله. وقد علموا يقينا- ~~إذ كتبوه بأيديهم- أنه ليس من عند الله. # وقال تعالى: فراغ عليهم ضربا باليمين (93) [الصافات: 93] لأن في اليمين ~~القوة وشدة البطش، فأخبرنا عن شدة ضربه بها. # وقال الشماخ «1» : # إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين # أي أخذها بقوة ونشاط. # وقوله سبحانه: ولا طائر يطير بجناحيه [الأنعام: 38] . كما تقول رأي عيني ~~وسمع أذني نفسي التي بين جنبي. # وقوله: ولكن تعمى القلوب التي في الصدور [الحج: 46] . كما تقول: نفسي ~~التي بين جنبي. # وقال: فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة [البقرة: ~~196] . # أراد توكيد ما أوجبه عليه من الصيام بجمع العددين وذكره مجملا، كما قال ~~الشاعر ms087 «2» : PageV01P153 # ثلاث واثنتان فهن خمس ... وسادسة تميل إلى شمام # وقد تزاد (لا) في الكلام والمعنى: طرحها لإباء في الكلام أو جحد. # كقول الله عز وجل: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك [الأعراف: 12] . أي ما منعك ~~أن تسجد. فزاد في الكلام (لا) لأنه لم يسجد. # وقوله سبحانه: وما يشعركم أنها إذا جاءت لا يؤمنون [الأنعام: 109] يريد ~~وما يشعركم أنها إذا جاءت يؤمنون، فزاد (لا) لأنهم لا يؤمنون إذا جاءت. # ومن قرأها بكسر إن، فإنه يجعل الكلام تاما عند قوله: وما يشعركم ثم ~~يبتدىء فيقول: أنها إذا جاءت لا يؤمنون. # وقوله سبحانه: وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون (95) [الأنبياء: ~~95] . # يريد أنهم يرجعون، فزاد (لا) : لأنهم لا يرجعون. # وقوله سبحانه: لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله ~~[الحديد: # 29] . يريد ليعلم أهل الكتاب أنهم لا يقدرون، فزاد (لا) في أول الكلام، ~~لأن في آخر الكلام جحدا. # وكذلك قوله أبي النجم «1» : # فما ألوم البيض ألا تسخرا أي أن تسخرا، فزاد (لا) في آخر الكلام، للجعد ~~في أوله. # وقول العجاج «2» : PageV01P154 # في بئر لا حور سرى وما شعر فزاده (لا) في أول الكلام، لأن في آخره جحدا. # وأما زيادة (لا) في قوله: لا أقسم بيوم القيامة (1) ولا أقسم بالنفس ~~اللوامة (2) [القيامة: 1، 2] . # وقوله: فلا أقسم بالشفق (16) [الانشقاق: 16] . و: لا أقسم بهذا البلد (1) ~~[البلد: 1]-: فإنها زيدت في الكلام على نية الرد على المكذبين، كما تقول في ~~الكلام: # لا والله ما ذاك كما تقول. لو قلت: والله ما ذاك كما تقول، لكان جائزا، ~~غير أن إدخالك (لا) في الكلام أولا، أبلغ في الرد. # وكان بعض النحويين يجعلها صلة. ولو جاز هذا لم يكن بين خبر فيه الجحد، ~~وخبر فيه الإقرار- فرق. # و (ألا) تزاد في الكلام للتنبيه. # كقوله: ألا حين يستغشون ثيابهم [هود: 5] و: ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا ~~عنهم [هود: 8] . # وقال الشاعر «1» : # ألا أيهذا الراجزي أحضر الوغى ... وأن أشهد اللذات: هل أنت مخلدي # أراد أيها الزاجري أن أحضر الوغى فزاد (ألا) وحذف (أن) . # والباء تزاد في ms088 الكلام، والمعنى إلقاؤها. # كقوله سبحانه: تنبت بالدهن [المؤمنون: 20] . # وقوله: اقرأ باسم ربك [العلق: 1] أي اسم ربك. PageV01P155 # وعينا يشرب بها عباد الله [الإنسان: 6] أي يشربها. # وهزي إليك بجذع النخلة [مريم: 25] أي هزي جذع. # وقال فستبصر ويبصرون (5) بأيكم المفتون (6) [القلم: 5، 6] أي أيكم ~~المفتون. # وقال الأعشى «1» : # ضمنت برزق عيالنا أرماحنا وقال الآخر «2» : # نضرب بالسيف ونرجو بالفرج وقال امرؤ القيس «3» : # هصرت بغصن ذي شماريخ ميال أي: غصنا. PageV01P156 # وقال أمية بن أبي الصلت «1» : # إذ يسفون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون شيئا فطيرا # وقال: تلقون إليهم بالمودة [الممتحنة: 1] . # وقوله: ومن يرد فيه بإلحاد بظلم [الحج: 25] . # و (من) قد تزاد في الكلام أيضا، كقوله: ما أريد منهم من رزق [الذاريات: ~~57] أي: # ما أريد منهم رزقا. # وتقول: ما أتاني من أحد، أي أحد. # و (اللام) قد تزاد، كقوله سبحانه: للذين هم لربهم يرهبون [الأعراف: 154] ~~. # و (الكاف) قد تزاد، كقوله: ليس كمثله شيء [الشورى: 11] . # و (على) قد تزاد. قال حميد بن ثور «2» : # أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل أفنان العضاه تروق # أراد: تروق كل أفنان. # و (عن) تزاد قال تعالى: يخالفون عن أمره [النور: 63] . # و (إن الثقيلة) تزاد كقوله سبحانه: إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا ~~لا نضيع أجر من أحسن عملا (30) [الكهف: 30] . # وكذلك قوله: قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم [الجمعة: 8] . # وقال الشاعر «3» : # إن الخليفة إن الله سربله ... سربال ملك به ترجى الخواتيم # و (إن الخفيفة) تزاد، كقول الشاعر «4» : PageV01P157 # ما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم هانىء أينق جرب # وقال عز وجل: ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه [الأحقاف: 26] . # وقال بعضهم: أراد فيما مكناكم فيه، و (إن) زائدة. # وقال بعضهم: هي بمعنى مكناهم فيما لم نمكنكم فيه. # و (إذ) قد تزاد، كقوله: وإذ قال ربك للملائكة [البقرة: 30] . # وإذ قال لقمان لابنه [لقمان: 13] . أي: وقال. # وقال ابن ميادة «1» : # إذ لا يزال قائل: أبن أبن و (ما) قد تزاد، كقوله: قال عما قليل ليصبحن ~~نادمين (40) [المؤمنون: 40] وأيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: ~~110] . # و (واو النسق) ms089 قد تزاد حتى يكون الكلام كأنه لا جواب له، كقوله: حتى إذا ~~جاؤها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها [الزمر: 73] . والمعنى: قال لهم ~~خزنتها. # وقوله: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه ~~[يوسف: 15] . # وقوله سبحانه: فلما أسلما وتله للجبين (103) وناديناه [الصافات: 103، ~~104] . # وكقوله: حتى إذا فتحت يأجوج ومأجوج وهم من كل حدب ينسلون (96) واقترب ~~الوعد الحق [الأنبياء: 96، 97] . # وقوله: اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم [العنكبوت: 12] أي: لنحمل خطاياكم ~~عنكم. # قال امرؤ القيس «2» : PageV01P158 # فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا ... بطن خبت ذي قفاف عقنقل # أراد انتحى. # وقال آخر «1» : # حتى إذا قملت بطونكم ... ورأيتم أبناءكم شبوا # وقلبتم ظهر المجن لنا ... إن اللئيم العاجز الخب # أراد: قلبتم. # ومما يزاد في الكلام: (الوجه) ، يقول الله عز وجل: ولا تطرد الذين يدعون ~~ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه [الأنعام: 52] . أي: يريدونه بالدعاء. # وكل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] أي: إلا هو. # وفأينما تولوا فثم وجه الله [البقرة: 115] أي: فثم الله. # وإنما نطعمكم لوجه الله [الإنسان: 9] . أي: لله. # و (الاسم) يزاد، قال: أبو عبيدة: بسم الله إنما هو بالله، وأنشد للبيد ~~«2» : # إلى الحول ثم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # أي: السلام عليكما. # وتبارك اسم ربك [الرحمن: 78] ، أي: تبارك ربك. PageV01P159 ### | باب الكناية والتعريض # الكناية أنواع، ولها مواضع # : فمنها أن تكنى عن اسم الرجل بالأبوة، لتزيد في الدلالة عليه إذا أنت ~~راسلته أو كتبت إليه، إذ كانت الأسماء قد تتفق. # أو لتعظمه في المخاطبة بالكنية، لأنها تدل على الحنكة وتخبر عن الاكتهال. # وقد ذهب هؤلاء إلى أن الكنية كذب ما لم يكن الولد مسمى بالاسم الذي كني ~~به عن الأب، وتقع للرجل بعد الولادة. # وقالوا: إن كانت الكناية للتعظيم فما باله كنى أبا لهب وهو عدوه، وسمي ~~محمدا، صلى الله عليه وسلم، وهو وليه ونبيه. # والجواب عن هذا: أن العرب كانت ربما جعلت اسم الرجل كنيته، فكانت الكنية ~~هي الاسم. # قال أبو محمد: خبرني غير واحد عن الأصمعي: أن أبا عمرو بن العلاء، وأبا ~~سفيان بن ms090 العلاء أسماؤها كناهما. # وربما كان للرجل الاسم والكنية، فغلبت الكنية على الاسم، فلم يعرف إلا ~~بها، كأبي سفيان، وأبي طالب، وأبي ذر، وأبي هريرة. # ولذلك كانوا يكتبون: علي بن أبو طالب ومعاوية بن أبو سفيان، لأن الكنية ~~بكمالها صارت اسما، وحظ كل حرف الرفع ما لم ينصبه أو يجره حرف من الأدوات ~~أو الأفعال. فكأنه حين كني قيل: أبو طالب، ثم ترك ذلك كهيئته، وجعل الاسمان ~~واحدا. # وقد روي في الحديث أن اسم أبي لهب عبد العزى، فإن كان هذا صحيحا فكيف ~~يذكره رسول الله بهذا الاسم، وفيه معنى الشرك والكذب، لأن الناس جميعا عبيد ~~الله؟. # وقال المفسرون في قول الله عز وجل: هو الذي خلقكم من نفس واحدة # PageV01P160 # وجعل منها زوجها ليسكن إليها فلما تغشاها حملت حملا خفيفا فمرت به فلما ~~أثقلت دعوا الله ربهما لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين (189) # [الأعراف: 189]-: إن حواء لما أثقلت أتاها إبليس في صورة رجل فقال لها: ~~ما هذا الذي في بطنك؟ وذلك أول حملها، فقالت: ما أدري، فقال لها: أرأيت إن ~~دعوت ربي فولدته إنسانا أتسمينه بي؟ # فقالت: نعم. وقالت هي وآدم: لئن آتيتنا صالحا لنكونن من الشاكرين أي: لئن ~~خلقته بشرا مثلنا ولم تجعله بهيمة. فلما ولدته أتاها إبليس ليسألها الوفاء، ~~فقالت: ما اسمك؟ قال: الحارث، فتسمى بغير اسمه، ولو تسمى باسمه لعرفته، ~~فسمته عبد الحارث، فعاش أياما ثم مات، فقال الله تعالى: فلما آتاهما صالحا ~~جعلا له شركاء فيما آتاهما [الأعراف: 190] ، وإنما جعلا له الشرك بالتسمية ~~لا بالنية والعقد، وانتهى الكلام في قصة آدم وحواء، ثم ذكر من أشرك به ~~بالعقد والنية من ذريتهما، فقال: # فتعالى الله عما يشركون [الأعراف: 190] ولو كان أراد آدم وحواء لقال: عما ~~يشركان. # فهذا يدلك على العموم. # وإن كان اسم أبي لهب كنيته فإنما ذكره بما لا يعرف إلا به، والاسم ~~والكنية علمان يميزان بين الأعيان والأشخاص، ولا يقعان لعلة في المسمى كما ~~تقع الأوصاف، فبأي شيء عرف الرجل، جاز أن تذكره به غير أن ms091 تكذب في ذلك. # ولو كان من دعا أبا القاسم بأبي القاسم ولا قاسم له، كان كاذبا- لكان من ~~دعا المسمى بكلب وقرد وغراب وذباب- كاذبا، لأنه ليس كما ذكر. # وقد طعنت الشعوبية على العرب بأمثال هذه الأسماء، ونسبوهم إلى سوء ~~الاختيار، وجهلوا معانيهم فيها. # وكان القوم يتفاءلون ويتطيرون، فمن تسمى منهم بالأسماء الحسنى أراد أن ~~يكثر له الفأل بالحسن، ومن تسمى بقبيح الأسماء أراد صرف الشر عن نفسه. # وذلك أن العرب كانت إذا خرجت للمغار قالوا: إلى من تقصد؟ فتطيروا من كلب ~~وجعل وقرد ونمر وأسد، وقالوا: ميلوا بنا إلى بني سعد وإلى غنم وما أشبه ~~ذلك. # ومن الكناية قول الله عز وجل: يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) ~~[الفرقان: 28] . # ذهب هؤلاء وفريق من المتسمين بالمسلمين إلى أنه رجل بعينه. # وقالوا: لم كنى عنه؟ وإنما يكني هذه الكناية من يخاف المباداة، ويحتاج ~~إلى المداجاة. # PageV01P161 # وقال آخرون: بل كان هذا الرجل مسمى في هذا الموضع، فغير وكني عنه. # وذهبوا إلى أنه عمر، وتأولوا الآية فقالوا: ويوم يعض الظالم على يديه ~~[الفرقان: 27] يعني أبا بكر رضي الله عنه. # يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا [الفرقان: 27] يعني محمدا صلى الله ~~عليه وسلم. # يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (28) يعني عمر رضي الله عنه. # لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني [الفرقان: 29] يعني عليا. # قال أبو محمد: ونقول في الرد على (أولئك) إذ كان غلطهم من وجهة قد يغلظ ~~في مثلها من رق علمه. فأما هؤلاء ففي قولهم ما أنبأ عن نفسه، ودل على جهل ~~متأوله كيف يكون علي رحمة الله عليه، ذكرا؟. # وهل قال أحد: إن أبا بكر لم يسلم، ولم يتخذ بإسلامه مع الرسول سبيلا؟. # وليس هذا التفسير بنكر من تفسيرهم وما يدعونه من علم الباطن كادعائهم في ~~الجبت والطاغوت أنهما رجلان. # وأن الخمر والميسر رجلان آخران. # وأن العنكبوت غير العنكبوت والنحل غير النحل. في أشباه كثيرة من سخفهم ~~وجهالاتهم. # وقال ابن عباس في تفسير هذه الآية: إن عقبة بن أبي ms092 معيط صنع طعاما ودعا ~~أشراف أهل مكة، فكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم فيهم، فامتنع من أن ~~يطعم أو يشهد عقبة بشهادة الحق، ففعل ذلك، فأتاه أبي بن خلف، وكان خليله، ~~فقال: صبأت؟ فقال: لا ولكن دخل علي رجل من قريش فاستحييت من أن يخرج من ~~منزلي ولم يطعم. # فقال: ما كنت لأرضى حتى تبصق في وجهه وتفعل به وتفعل، ففعل ذلك، فأنزل ~~الله هذه الآية عامة، وهذان الرجلان سبب نزولها. # كما أنه قد كانت الآية، والآي، تنزل في القصة تقع: وهي لجماعة الناس. # والمفسرون على أن هذه الآية نزلت في هذين الرجلين، وإنما يختلفون في ~~ألفاظ القصة. # فأراد الله سبحانه ب الظالم كل ظالم في العالم، وأراد بفلان كل من أطيع ~~بمعصية # PageV01P162 # الله وأرضي بإسخاط الله. # ولو نزلت هذه الآية على تقديرهم فقال: ويوم يعض الظالم- قارون وهامان، ~~وعقبة بن أبي معيط، وأبي بن خلف، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، ~~والمغيرة، وفلان وفلان، بالأسماء- على أيديهم يقولون: يا ليتنا لم نتخذ ~~فرعون، ونمرود، وعقبة بن أبي معيط، وأبا جهل، والأسود، وفلانا، وفلانا ~~بالأسماء- لطال هذا وكثر وثقل، ولم يدخل فيه من تأخر بعد نزول القرآن من ~~هذا الصنف، وخرج عن مذاهب العرب، بل عن مذاهب الناس جميعا في كلامهم. # فكان (فلان) كناية عن جماعة هذه الأسماء. # وقد يقول القائل: ما جاءك إلا فلان بن فلان، يريد أشراف الناس المعروفين، ~~والشاعر يقول «1» : # في لجة أمسك فلانا عن فل يريد: أمسك فلانا عن فلان، ولم يرد رجلين ~~بأعيانهما، وإنما أراد أنهم في غمرة الشر وضحجته، فالحجزة تقول لهذا: أمسك، ~~ولهذ: كف. # والظالم دليل على جماعة الظالمين كقوله: يقول الكافر يا ليتني كنت ترابا # [النبأ: # 40] يريد جماعة الكافرين. # ومن هذا الباب (التعريض) . # والعرب تستعمله في كلامها كثيرا، فتبلغ إرادتها بوجه هو ألطف وأحسن من ~~الكشف والتصريح، ويعيبون الرجل إذا كان يكاشف في كل شيء ويقولون «2» : ~~PageV01P163 # لا يحسن التعريض إلا ثلبا وقد جعله الله في خطبة النساء في عدتهن جائزا ~~فقال: ولا جناح عليكم ms093 فيما عرضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم ~~[البقرة: 235] ولم يجز التصريح. # والتعريض في الخطبة: أن يقول الرجل للمرأة: والله إنك لجميلة، ولعل الله ~~أن يرزقك بعلا صالحا، وإن النساء لمن حاجتني، هذا وأشباهه من الكلام. # وروى بعض أصحاب اللغة أن قوما من الأعراب خرجوا يمتارون فلما صدروا خالف ~~رجل في بعض الليل إلى عكم «1» صاحبه فأخذ منه برا وجعله في عكمه، فلما أراد ~~الرحلة قاما يتعاكمان فرأى عكمه يشول وعكم صاحبه يثقل، فأنشأ يقول «2» : # عكم تغشى بعض أعكام القوم ... لم أر عكما سارقا قبل اليوم # فخون صاحبه بوجه هو ألطف من التصريح. # وروي في بعض الحديث: أن رجلا كتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، من ~~مغزى كان فيه «3» : # ألا أبلغ أبا حفص رسولا ... فدى لك- من أخي ثقة- إزاري # قلائصنا هداك الله إنا ... شغلنا عنكم زمن الحصار # فما قلص وجدن معقلات ... قفا سلع بمختلف النجار # يعقلهن جعد شيظمي ... وبئس معقل الذود الظؤار PageV01P164 # قال أبو محمد: # وقد ذكرت الحديث والتفسير وطريقه في كتاب (غريب الحديث) . # وإنما كنى بالقلص- وهي: النوق الشواب- عن النساء وعرض برجل يقال له: # جعدة كان يخالف إلى المغيبات من النساء، ففهم عمر، رضي الله عنه ما أراد، ~~وجلد جعدة ونفاه. # وقال عنترة «1» : # يا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم # يعرض بجارية، يقول: أي صيد أنت لمن حل له أن يصيدك، فأما أنا فإن حرمة ~~الجوار قد حرمتك علي. # وقد جاء في القرآن التعريض: # فمن ذلك ما خبر الله سبحانه من نبإ الخصم إذ دخلوا على داود ففزع منهم ~~قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط [ص: 22] ~~. ثم قال: إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها ~~وعزني في الخطاب (23) [ص: 23] . # إنما هو مثل ضربه الله سبحانه له، ونبهه على خطيئته به. # وورى عن النساء بذكر النعاج، كما كنى الشاعر عن جارية بشاة، وكنى الآخر ~~عن النساء بالقلص. # وروى المنهال، عن سعيد ms094 بن جبير، عن ابن عباس في قول الله سبحانه، حكاية ~~عن موسى صلى الله عليه وسلم: لا تؤاخذني بما نسيت [الكهف: 73] : لم ينس ~~ولكنها من معاريض الكلام. # أراد ابن عباس أنه لم يقل: إني نسيت فيكون كاذبا، ولكنه قال: لا تؤاخذني ~~بما نسيت، فأوهمه النسيان، ولم ينس ولم يكذب. # ولهذا قيل: إن في المعاريض عن الكذب لمندوحة «2» . PageV01P165 # ومنه قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم: إني سقيم [الصافات: 89] أي سأسقم، ~~لأن من كتب عليه الموت، فلا بد من أن يسقم. # ومنه قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون (30) [الزمر: 30] أي: ستموت ~~ويموتون. # فأوهمهم إبراهيم بمعاريض الكلام أنه سقيم عليل، ولم يكن عليلا سقيما، ولا ~~كاذبا. # وكذلك ما روي في الحديث من قوله حين خاف على نفسه وامرأته: (إنها أختي) ~~لأن بني آدم يرجعون إلى أبوين، فهم إخوة، ولأن المؤمنين إخوة، قال الله عز ~~وجل: # إنما المؤمنون إخوة [الحجرات: 10] . # وكذلك قوله: قال بل فعله كبيرهم هذا فسئلوهم إن كانوا ينطقون (63) ~~[الأنبياء: 63] . أراد: بل فعله الكبير، إن كانوا ينطقون فسلوهم، فجعل ~~النطق شرطا للفعل، أي إن كانوا ينطقون فقد فعله، وهو لا يعقل ولا ينطق. # وقد روي عن النبي، صلى الله عليه وسلم: (إن إبراهيم كذب ثلاث كذبات ما ~~منها واحدة إلا وهو يماحل بها عن الإسلام) «1» . # فسماها كذبات، لأنها شاكهت «2» الكذب وضارعته. # ولذلك قال بعض أهل السلف لابنه: (يا بني لا تكذبن ولا تشبهن بالكذب) . # فنهاه عن المعاريض، لئلا يجري على اعتيادها، فيتجاوزها إلى الكذب، وأحب ~~أن يكون حاجزا من الحلال بينه وبين الحرام. # ومن هذا الباب قول الله عز وجل: وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين ~~[سبأ: 24] . والمعنى: إنا لضالون أو مهتدون، وإنكم أيضا لضالون، أو ~~PageV01P166 # مهتدون، وهو جل وعز يعلم أن رسوله المهتدي وأن مخالفه الضال، وهذا كما ~~تقول للرجل يكذبك ويخالفك: إن أحدنا لكاذب. وأنت تعنيه، فكذبته من وجه هو ~~أحسن من التصريح، كذلك قال الفراء. # وأما قوله سبحانه: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك فسئل ms095 الذين يقرؤن ~~الكتاب من قبلك [يونس: 94] ففيه تأويلان: # أحدهما: أن تكون المخاطبة لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، والمراد غيره ~~من الشكاك، لأن القرآن نزل عليه بمذاهب العرب كلهم، وهم قد يخاطبون الرجل ~~بالشيء ويريدون غيره، ولذلك يقول متمثلهم: «إياك أعني واسمعي يا جارة» «1» ~~. # ومثله قوله: يا أيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين إن الله ~~كان عليما حكيما (1) [الأحزاب: 1] . # الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، والمراد بالوصية والعظة المؤمنون، ~~يدلك على ذلك أنه قال: واتبع ما يوحى إليك من ربك إن الله كان بما تعملون ~~خبيرا (2) [الأحزاب: 2] . # ولم يقل بما تعمل خبيرا. # ومثل هذه الآية قوله: وسئل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون ~~الرحمن آلهة يعبدون (45) [الزخرف: 45] ، أي سل من أرسلنا إليه من قبلك رسلا ~~من رسلنا، يعني أهل الكتاب، فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم والمراد ~~المشركون. # ومثل هذا قول الكميت في مدح رسول الله، صلى الله عليه وسلم «2» : # إلى السراج المنير أحمد لا ... يعدلني رغبة ولا رهب # عنه إلى غيره ولو رفع الن ... اس إلي العيون وارتقبوا # وقيل: أفرطت، بل قصدت ولو ... عنفني القائلون أو ثلبوا # لج بتفضيلك اللسان ولو ... أكثر فيك اللجاج واللجب # أنت المصفى المحض المهذب في النس ... بة إن نص قومك النسب PageV01P167 # فالخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد أهل بيته، فورى عن ذكرهم به، ~~وأراد بالعائبين واللائمين بني أمية. # وليس يجوز أن يكون هذا للنبي، صلى الله عليه وسلم، لأنه ليس أحد من ~~المسلمين يسوءه مدح رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يعنف قائلا عليه، ~~ومن ذا يساوى به، ويفضل عليه، حتى يكثر في مدحه الضجاج واللجب؟. # وإن الشعراء ليمدحون الرجل من أوساط الناس فيفرطون ويفرطون فيغلون وما ~~يرفع الناس إليهم العيون ولا يرتقبون، فكيف يلام هذا على الاقتصاد في مدح ~~من الإفراط في مدحه غير تفريط، ولكنه أراد أهل بيته. # والتأويل الآخر: أن الناس كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم أصنافا: # منهم كافر به مكذب، ms096 لا يرى إلا أن ما جاء به الباطل. # وآخر: مؤمن به مصدق يعلم أن ما جاء به الحق. # وشاك في الأمر لا يدري كيف هو، فهو يقدم رجلا ويؤخر أخرى. # فخاطب الله سبحانه هذا الصنف من الناس فقال: فإن كنت أيها الإنسان في شك ~~مما أنزلنا إليك من الهدى على لسان محمد صلى الله عليه وسلم فسل الأكابر من ~~أهل الكتاب والعلماء الذين يقرؤون الكتاب من قبلك، مثل: عبد الله بن سلام، ~~وسلمان الفارسي، وتميم الداري وأشباههم، ولم يرد المعاندين منهم فيشهدون ~~على صدقه، ويخبرونك بنبوته، وما قدمه الله في الكتب من ذكره فقال: إنا ~~أنزلنا إليك [الزمر: 2] ، وهو يريد غير النبي، صلى الله عليه وسلم. # كما قال في موضع آخر: لقد أنزلنا إليكم كتابا فيه ذكركم [الأنبياء: 10] . # وحد وهو يريد الجمع، كما قال: يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (6) ~~[الانفطار: 6] . # ويا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه (6) [الانشقاق: 6] . # وقال: وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه [الزمر: 8] . # ولم يرد في جميع هذا إنسانا بعينه، إنما هو لجماعة الناس. # ومثله قول الشاعر «1» : PageV01P168 # إذا كنت متخذا صاحبا ... فلا تصحبن فتى دارميا # لم يرد بالخطاب رجلا بعينه، إنما أراد: من كان متخذا صاحبا فلا يجعله من ~~دارم. # وهذا، وإن كان جائزا حسنا، فإن المذهب الأول أعجب إلي، لأن الكلام اتصل ~~حتى قال: أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين [يونس: 99] . # وهذا لا يجوز أن يكون إلا لرسول الله، صلى الله عليه وسلم. # PageV01P169 ### | باب مخالفة ظاهر اللفظ معناه # من ذلك الدعاء على جهة الذم لا يراد به الوقوع: # كقول الله عز وجل: قتل الخراصون (10) [الذاريات: 10] ، وقتل الإنسان ما ~~أكفره (17) [عبس: 17] ، وقاتلهم الله أنى يؤفكون [التوبة: 30] وأشباه ذلك. # ومنه # قول رسول الله صلى الله عليه وسلم، للمرأة: «عقرى حلقى» «1» # ، أي عقرها الله، وأصابها بوجع في حلقها. # وقد يراد بهذا أيضا التعجب من إصابة الرجل في منطقه، أو في شعره، أو ~~رميه، فيقال: قاتله الله ما أحسن ما قال، وأخزاه الله ما أشعره، ولله ms097 دره ~~ما أحسن ما احتج به. # ومن هذا قول امرئ القيس في وصف رام أصاب «2» : # فهو لا تنمي رميته ... ما له لا عد من نفره # يقول: إذا عد نفره- أي قومه- لم يعد معهم، كأنه قال: قاتله الله، أماته ~~الله. # وكذلك قولهم: هوت أمه، وهبلته، وثكلته. # قال كعب بن سعد الغنوي «3» : # هوت أمه ما يبعث الصبح غاديا ... وماذا يؤدي الليل حين يؤوب PageV01P170 # ومن ذلك الجزاء عن الفعل بمثل لفظه والمعنيان مختلفان: # نحو قول الله تعالى: إنما نحن مستهزؤن (14) الله يستهزئ بهم [البقرة: 14، ~~15] ، أي يجازيهم جزاء الاستهزاء. # وكذلك: سخر الله منهم [التوبة: 79] ، ومكروا ومكر الله [آل عمران: 54] ، ~~وجزاء سيئة سيئة مثلها [الشورى: 40] ، هي من المبتدئ سيئة، ومن الله، جل ~~وعز، جزاء. # وقوله: فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم [البقرة: 194] ~~: # فالعدوان الأول: ظلم، والثاني: جزاء، والجزاء لا يكون ظلما، وإن كان لفظه ~~كلفظ الأول. # ومنه # (قول النبي) صلى الله عليه وسلم: «اللهم إن فلانا هجاني، وهو يعلم أني ~~لست بشاعر، اللهم والعنه عدد ما هجاني، أو مكان ما هجاني» «1» # ، أي جازه جزاء الهجاء. # وكذلك قوله: نسوا الله فنسيهم [التوبة: 67] . # ومنه أن يأتي الكلام على مذهب الاستفهام وهو تقرير: # كقوله سبحانه: أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله [المائدة: ~~116] ، وما تلك بيمينك يا موسى (17) [طه: 17] ، وماذا أجبتم المرسلين ~~[القصص: 65] ، قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن [الأنبياء: 42] . # ومنه أن يأتي على مذهب الاستفهام وهو تعجب: # كقوله: عم يتساءلون (1) عن النبإ العظيم (2) [النبأ: 1، 2] ، كأنه قال: ~~عم يتساءلون يا محمد؟ ثم قال: عن النبأ العظيم يتساءلون. # وقوله: لأي يوم أجلت (12) [المرسلات: 12] على التعجب، ثم قال: ليوم الفصل ~~(13) [المرسلات: 13] أجلت. PageV01P171 # وأن يأتي على مذهب الاستفهام وهو توبيخ: # كقوله: أتأتون الذكران من العالمين (165) [الشعراء: 165] . # ومنه أن يأتي الكلام على لفظ الأمر وهو تهديد: # كقوله: اعملوا ما شئتم [فصلت: 40] . # وأن يأتي على لفظ الأمر وهو تأديب: # كقوله: وأشهدوا ذوي عدل منكم [الطلاق: 2] ، واهجروهن في المضاجع واضربوهن ~~[النساء: 34] . # وعلى لفظ الأمر وهو إباحة: # كقوله: فكاتبوهم إن ms098 علمتم فيهم خيرا [النور: 33] ، فإذا قضيت الصلاة ~~فانتشروا في الأرض [الجمعة: 10] . # وعلى لفظ الأمر وهو فرض: # كقوله: واتقوا الله [البقرة: 282] ، وأقيموا الصلاة [الأنعام: 72] ، وو ~~آتوا الزكاة [البقرة: 43] . # ومنه عام يراد به خاص: # كقوله سبحانه حكاية عن النبي، صلى الله عليه وسلم: وأنا أول المسلمين ~~[الأنعام: 163] ، وحكاية عن موسى: وأنا أول المؤمنين [الأعراف: 143] ولم ~~يرد كل المسلمين والمؤمنين، لأن الأنبياء قبلهما كانوا مؤمنين ومسلمين، ~~وإنما أراد مؤمني زمانه ومسلميه. # وكقوله سبحانه: إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على ~~العالمين (33) [آل عمران: 33] ، ولم يصطفهم على، محمد صلى الله عليه وسلم، ~~ولا أممهم على أمته، ألا تراه يقول: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: ~~110] ، وإنما أراد عالمي أزمنتهم. # وكقوله سبحانه: قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا [الحجرات: 14] ، وإنما ~~قاله فريق من الأعراب. # وقوله: والشعراء يتبعهم الغاوون (224) [الشعراء: 224] ولم يرد كل ~~الشعراء. # ومنه قوله سبحانه: الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم ~~[آل عمران: 173] ، وإنما قاله نعيم بن مسعود لأصحاب محمد، صلى الله عليه ~~وسلم إن الناس قد جمعوا لكم، يعني: أبا سفيان، وعيينة بن حصن، ومالك بن ~~عوف. # PageV01P172 # وقوله: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (56) [الذاريات: 56] ، يريد ~~المؤمنين منهم. يدلك على ذلك قوله في موضع آخر: ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من ~~الجن والإنس [الأعراف: 179] ، أي خلقنا. # وقوله: يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا [المؤمنون: 51] ، ~~يريد النبي، صلى الله عليه وسلم، وحده. # ومنه جمع يراد به واحد واثنان: # كقوله: وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين [النور: 2] : واحد واثنان فما ~~فوق. # وقال قتادة في قوله تعالى: إن نعف عن طائفة [التوبة: 66]-: كان رجل من ~~القوم لا يمالئهم على أقاويلهم في النبي صلى الله عليه وسلم، ويسير مجانبا ~~لهم، فسماه الله طائفة وهو واحد. # وكان «قتادة» يقول في قوله تعالى: إن الذين ينادونك من وراء الحجرات ~~[الحجرات: 4] : هو رجل واحد ناداه: يا محمد، إن مدحي زين، وإن شتمي شين. # فخرج إليه النبي، صلى الله عليه وسلم # فقال: «ويلك، ms099 ذاك الله جل وعز» # ونزلت الآية «1» . # وقوله سبحانه: فإن كان له إخوة فلأمه السدس [النساء: 11] ، أي أخوان ~~فصاعدا. # قوله سبحانه: وألقى الألواح [الأعراف: 150] ، جاء في التفسير: أنهما ~~لوحان. # وقوله: إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما [التحريم: 4] ، وهما قلبان. # وقوله: أولئك مبرؤن مما يقولون [النور: 26] ، يعني عائشة وصفوان بن ~~المعطل. # وقال: بم يرجع المرسلون [النمل: 35] ، وهو واحد، يدلك على ذلك قوله: # ارجع إليهم [النمل: 37] . # ومنه واحد يراد به جميع: # كقوله: هؤلاء ضيفي فلا تفضحون [الحجر: 68] ، وقوله: نا رسول رب العالمين # [الشعراء: 16] . وقوله: نخرجكم طفلا [الحج: 5] . PageV01P173 # وقوله: لا نفرق بين أحد من رسله [البقرة: 285] والتفريق لا يكون إلا بين ~~اثنين فصاعدا. # وقوله: فما منكم من أحد عنه حاجزين (47) [الحاقة: 47] . # والعرب تقول: فلان كثير الدرهم والدينار، يريدون الدراهم والدنانير. # وقال الشاعر «1» : # هم المولى وإن جنفوا علينا ... وإنا من لقائهم لزور # وقال الله عز وجل: هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله [المنافقون: 4] ، أي ~~الأعداء، وحسن أولئك رفيقا [النساء: 69] ، أي رفقاء. # وقال الشاعر «2» : # فقلنا: أسلموا إنا أخوكم ... وقد برئت من الإحن الصدور # ومنه أن تصف الجميع صفة الواحد: # نحو قوله: وإن كنتم جنبا فاطهروا [المائدة: 6] . وقوله: والملائكة بعد ~~ذلك ظهير [التحريم: 4] . # وتقول: قوم عدل. قال زهير «3» : # من يشتجر قوم يقل سرواتهم: ... هم بيننا فهم رضا وهم عدل # وقال الشاعر «4» : PageV01P174 # إن العواذل ليس لي بأمير وقال آخر «1» : # المال هدي والنساء طوالق # ومنه أن يوصف الواحد بالجمع: # نحو قولهم: برمة أعشار وثوب أهدام وأسمال، ونعل أسماط، أي غير مطبقة. # قال الشاعر «2» : # جاء الشتاء وقميصي أخلاق # ومنه أن يجتمع شيئان ولأحدهما فعل فيجعل الفعل لهما: # كقوله سبحانه: فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما [الكهف: 61] . # روي في التفسير: أن الناسي كان يوشع بن نون ويدلك قوله لموسى، صلى الله ~~عليه وسلم: فإني نسيت الحوت [الكهف: 63] . # وقوله: امعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون # [الأنعام: 130] والرسل من الإنس دون الجن. # وقوله: مرج البحرين يلتقيان (19) بينهما برزخ لا يبغيان (20) [الرحمن: ~~19، 20] ثم قال: يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (22) [الرحمن: 22] . واللؤلؤ ~~والمرجان إنما ms100 يخرجان من الماء الملح لا من العذب. # وكذلك قوله: ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها [فاطر: # 12] . # وقد غلط في هذا المعنى أبو ذؤيب الهذلي ولا أدري أمن جهة هذه الآيات غلط ~~PageV01P175 # أم من غيرها؟ قال يذكر الدرة «1» : # فجاء بها ما شئت من لطمية ... يدوم الفرات فوقها ويموج # والفرات لا يدوم فوقها وإنما يدوم الأجاج. # ومنه أن يجتمع شيئان فيجعل الفعل لأحدهما، أو تنسبه إلى أحدهما وهو لهما: # كقوله: وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها [الجمعة: 11] . # وقوله: والله ورسوله أحق أن يرضوه [التوبة: 62] . # وقوله: واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين (45) ~~[البقرة: 45] . # وقال: عن اليمين وعن الشمال قعيد [ق: 17] أراد: عن اليمين قعيد وعن ~~الشمال قعيد. # وقال الشاعر «2» : # إن شرخ الشباب والشعر ... الأسود ما لم يعاص كان جنونا # وقال آخر «3» : PageV01P176 # نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف # ومنه أن تخاطب الشاهد بشيء ثم تجعل الخطاب له على لفظ الغائب: # كقوله عز وجل: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة وفرحوا بها ~~[يونس: 22] . # وقوله: وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما ~~آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون (39) [الروم: 39] . # وقوله: ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم [الحجرات: 7] ثم ~~قال: # أولئك هم الراشدون [الحجرات: 7] . # قال الشاعر «1» : # يا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد # وكذلك أيضا تجعل خطاب الغائب للشاهد: # كقول الهذلي «2» : # يا ويح نفسي كان جدة خالد ... وبياض وجهك للتراب الأعفر # ومنه أن يخاطب الرجل بشيء ثم يجعل الخطاب لغيره: # كقوله: فإلم يستجيبوا لكم [هود: 14] ، الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، ~~ثم قال للكفار: # فاعلموا أنما أنزل بعلم الله وأن لا إله إلا هو [هود: 14] يدلك على ذلك ~~قوله: PageV01P177 # فهل أنتم مسلمون [هود: 14] . # وقال: فمن ربكما يا موسى؟ [طه: 49] . # وقال: فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى [طه: 117] . # وقال: إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (8) [الفتح: 8] ، ثم قال: لتؤمنوا ~~بالله ورسوله، وتعزروه وتوقروه [الفتح: 9] . # وقال: ms101 إذ أنشأكم من الأرض [النجم: 32] ، يريد أباكم آدم، صلى الله عليه ~~وسلم. # ومنه أن تأمر الواحد والاثنين والثلاثة فما فوق أمرك الاثنين: فتقول: # افعلا. # قال الله تعالى: ألقيا في جهنم كل كفار عنيد (24) [ق: 24] ، والخطاب ~~لخزنة جهنم، أو زبانيتها. # قال الفراء: والعرب تقول: ويلك ارحلاها وازجراها، وأنشد لبعضهم «1» : # فقلت لصاحبي لا تحبسانا ... بنزع أصوله واجتز شيحا # قال الشاعر «2» : # فإن تزجراني يا ابن عفان أنزجر ... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا # قال الفراء: ونرى أصل ذلك أن الرفقة أدنى ما تكون: ثلاثة نفر، فجرى كلام ~~الواحد على صاحبيه، ألا ترى أن الشعراء أكثر شيء قيلا: يا صاحبي، ويا ~~خليلي. # وقال غير الفراء: قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «الواحد شيطان والاثنان ~~شيطانان، والثلاثة ركب» «3» . PageV01P178 # وتوعد معاوية روح بن زنباع فاعتذر روح فقال معاوية خليا عنه «1» : # إذا الله سنى عقد شيء تيسرا وقوله: سنى: أي فتح. # قالوا: وأدنى ما يكون الآمر والناهي بين الأعوان اثنان، فجرى كلامهم على ~~ذلك، ووكل الله، عز وجل، بكل عبد ملكين، وأمر في الشهادة بشاهدين. # ومنه أن يخاطب الواحد بلفظ الجميع: # كقوله سبحانه: قال رب ارجعون [المؤمنون: 99] ، وأكثر من يخاطب بهذا ~~الملوك، لأن من مذاهبهم أن يقولوا: نحن فعلنا. بقوله الواحد منهم يعني ~~نفسه، فخوطبوا بمثل ألفاظهم. يقول الله عز وجل: نحن نقص عليك أحسن القصص ~~[يوسف: # 3] ، وإنا كل شيء خلقناه بقدر (49) [القمر: 49] . # ومن هذا قوله عز وجل: على خوف من فرعون وملائهم أن يفتنهم [يونس: 83] ، ~~وقوله: فإلم يستجيبوا لكم [هود: 14] ، وقوله: فأتوا بآبائنا [الدخان: 36] . # ومنه أن يتصل الكلام بما قبله حتى يكون كأنه قول واحد وهو قولان: # نحو قوله: إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة، ثم ~~قال: وكذلك يفعلون [النمل: 34] ، وليس هذا من قولها، وانقطع الكلام عند ~~قوله: # أذلة، ثم قال الله تعالى: وكذلك يفعلون. # وقوله: الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن الصادقين [يوسف: 51] ~~، هذا قول المرأة، ثم قال يوسف: ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب [يوسف: 52] ، ~~أي ليعلم الملك ms102 أني لم أخن العزيز بالغيب. # وقوله: يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا، وانقطع الكلام، ثم قالت الملائكة: ~~هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون [يس: 52] . PageV01P179 # قوله حكاية عن ملأ فرعون: يريد أن يخرجكم من أرضكم، هذا قول الملأ، ثم ~~قال فرعون: فماذا تأمرون [الأعراف: 110] . # ومنه أن يأتي الفعل على بنية الماضي وهو دائم، أو مستقبل: # كقوله: كنتم خير أمة أخرجت للناس [آل عمران: 110] ، أي أنتم خير أمة. # وقوله: وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين ~~من دون الله [المائدة: 116] ، أي وإذ يقول الله يوم القيامة. يدلك على ذلك ~~قوله سبحانه: هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم [المائدة: 119] . # وقوله: أتى أمر الله فلا تستعجلوه [النحل: 1] ، يريد يوم القيامة. أي ~~سيأتي قريبا فلا تستعجلوه. # وقوله: قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبيا [مريم: 29] ، أي من هو صبي ~~في المهد. # وكذلك قوله: وكان الله سميعا بصيرا [النساء: 134] ، وكذلك قوله: وكان ~~الله على كل شيء قديرا [الأحزاب: 27] . # إنما هو: الله سميع بصير، والله على كل شيء قدير. # وقوله: والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت [فاطر: 9] ~~، أي فنسوقه. # في أشباه لهذا كثيرة في القرآن. # ومنه أن يجيء المفعول به على لفظ الفاعل: # كقوله سبحانه: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم [هود: 43] ، أي لا ~~معصوم من أمره. # وقوله: خلق من ماء دافق (6) [الطارق: 6] ، أي مدفوق. # وقوله: في عيشة راضية [الحاقة: 21] ، أي مرضي بها. # وقوله: أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا [العنكبوت: 67] ، أي مأمونا فيه. # وقوله: وجعلنا آية النهار مبصرة [الإسراء: 12] ، أي مبصرا بها. # والعرب تقول: ليل نائم، وسر كاتم، قال وعلة الجرمي «1» : PageV01P180 # ولما رأيت الخيل تترى أثايجا ... علمت بأن اليوم أحمس فاجر # أي يوم صعب مفجور فيه. # وأن يأتي فعيل بمعنى مفعل: # نحو قوله: بديع السماوات والأرض [البقرة: 117] ، أي مبدعها. # وكذلك: عذاب أليم [البقرة: 10] ، أي مؤلم. # وقال عمرو بن معديكرب «1» : # أمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع؟ # يريد الداعي المسمع. # وفعيل، يراد به فاعل: ms103 # نحو: حفيظ، وقدير، وسميع، وبصير، وعليم، ومجيد، وبديء الخلق، أي بادئه، ~~من قولك: بدأ الله الخلق. # وبصير في هذا المعنى من بصر، وإن لم يستعمل منه فاعل إلا في موضع واحد، ~~وهو قولهم: أريته لمحا باصرا. أي نظرا شديدا باستقصاء وتحديق. # ومنه أن يأتي الفاعل على لفظ المفعول به، وهو قليل: # كقوله: إنه كان وعده مأتيا [مريم: 61] ، أي آتيا. PageV01P181 ### | باب تأويل الحروف التي ادعى على القرآن بها الاستحالة وفساد النظم # من ذلك (الحروف المقطعة) . # قد اختلف المفسرون في الحروف المقطعة: # فكان بعضهم يجعلها أسماء للسور، تعرف كل سورة بما افتتحت به منها. # وكان بعضهم يجعلها أقساما. # وكان (بعضهم) يجعلها حروفا مأخوذة من صفات الله تعالى، يجتمع بها في ~~المفتتح الواحد صفات كثيرة، كقول ابن عباس: في كهيعص (1) [مريم: 1] : إن ~~(الكاف) من كاف، و (الهاء) من هاد، و (الياء) من حكيم، و (العين) من عليم، ~~و (الصاد) من صادق. # وقال الكلبي «1» هو: كتاب كاف، هاد، حكيم، عالم، صادق. # ولكل مذهب من هذه المذاهب وجه حسن، ونرجو ألا يكون ما أريد بالحروف خارجا ~~منها، إن شاء الله. # فإن كانت أسماء للسور، فهي أعلام تدل على ما تدل عليه الأسماء من أعيان ~~الأشياء وتفرق بينها. فإذا قال القائل: قرأت المص أو قرأت ص أو ن- دل بذاك ~~على ما قرأ، كما تقول: لقيت محمدا وكلمت عبد الله، فهي تدل بالاسمين على ~~PageV01P182 # العينين، وإن كان قد يقع بعضها مثل «حم» و «الم» لعدة سور- فإن الفصل قد ~~يقع بأن تقول: حم السجدة، والم البقرة، كما يقع الوفاق في الأسماء، فتدل ~~بالإضافات وأسماء الآباء والكنى. # وإن كانت أقساما، فيجوز أن يكون الله، عز وجل، أقسم بالحروف المقطعة ~~كلها، واقتصر على ذكر بعضها من ذكر جميعها، فقال: «الم» وهو يريد جميع ~~الحروف المقطعة، كما يقول القائل: تعلمت «اب ت ث» وهو لا يريد تعلم هذه ~~الأربعة الأحرف دون غيرها من الثمانية والعشرين، ولكنه لما طال أن يذكرها ~~كلها، اجتزأ بذكر بعضها. ولو قال: تعلمت «حاء طاء صاد» لدل ms104 أيضا على حروف ~~المعجم، كما دل بالقول الأول، إلا أن الناس يدلون بأوائل الأشياء عليها ~~فيقولون: قرأت «الحمد لله» يريدون فاتحة الكتاب فيسمونها بأول حرف منها. ~~هذا الأكثر، وربما دلو بغير الأول أيضا، أنشد الفراء «1» : # لما رأيت أنها في حطي ... أخذت منها بقرون شمط # يريد (في أبي جاد) فدل بحطي كما دل غيره بأبي جاد. # وإنما أقسم الله بحروف المعجم، لشرفها وفضلها، ولأنها مباني كتبه المنزلة ~~بالألسنة المختلفة، ومباني أسمائه الحسنى وصفاته العلى، وأصول كلام الأمم، ~~بها يتعارفون، ويذكرون الله ويوحدون. # وقد أقسم الله في كتابه بالفجر، والطور، وبالعصر، وبالتين، والزيتون- ~~وهما جبلان ينبتان التين والزيتون، يقال لأحدهما: طور زيتا وللآخر: طور ~~تينا، بالسريانية، من الأرض المقدسة، فسماها بما ينبتان- وأقسم بالقلم، ~~إعظاما لما يسطرون. # ووقع القسم بها في أكثر السور على القرآن فقال: الم (1) ذلك الكتاب لا ~~ريب فيه [البقرة: 1، 2] ، كأنه قال: وحروف المعجم، لهو الكتاب لا ريب فيه. # والم (1) الله لا إله إلا هو [آل عمران: 1، 2] ، أي وحروف المعجم لهو ~~الله لا إله إلا هو الحي القيوم نزل عليك الكتاب [آل عمران: 2، 3] . # والمص (1) كتاب أنزل إليك [الأعراف: 1، 2] ، أي وحروف المعجم، لهو ~~PageV01P183 # كتاب أنزل إليك فلا يكن في صدرك حرج منه [الأعراف: 2] ، ويس (1) والقرآن ~~الحكيم (2) [يس: 1، 2] . # وص والقرآن ذي الذكر (1) [ص: 1] ، وق والقرآن المجيد (1) [ق: 1] ، كله ~~أقسام. # وإن كان حروفا مأخوذة من صفات الله، فهذا فن من اختصار العرب، وقلما تفعل ~~العرب شيئا في الكلام المتصل الكثير إلا فعلت مثله في الحرف الواحد ~~المنقطع. # فكما يستعيرون الكلمة فيضعونها مكان الكلمة لتقارب ما بينهما، أو لأن ~~إحداهما سبب للأخرى، فيقولون للمطر: سماء، لأنه من السماء ينزل ويقولون ~~للنبات: ندى، لأنه بالندى ينبت، ويقولون: ما به طرق، أي ما به قوة، وأصل ~~الطرق: الشحم، فيستعيرونه مكان القوة، لأن القوة تكون عنه. # كذلك يستعيرون الحرف في الكلمة مكان الحرف فيقولون: «مدهته» بمعنى: # (مدحته) ، لأن (الحاء) و (الهاء) يخرجان جميعا من مخرج واحد. # ويقولون للقبر: جدث وجدف، ويقولون: ثوم وفوم ومغاثير ومغافير لقرب مخرج ~~(الفاء) ms105 من (التاء) . # ويقولون: هرقت الماء وأرقته، ولصق ولسق، وسحقت الزعفران وسهكته، وغمار ~~الناس وخمارهم. # في أشباه لهذا كثيرة يبدلون فيها الحرف من الحرف، لتقارب ما بينهما. # وكما يقلبون الكلام ويقدمون ما سبيله أن يؤخر، ويؤخرون ما سبيله أن يقدم، ~~فيقولون» # كان الزناء فريضة الرجم أي كان الرجم فريضة الزنى. PageV01P184 # ويقولون «1» : # كأن لون أرضه سماؤه يريدون: كأن لون سمائه من غبرتها لون أرضه. # ويقولون: اعرض الناقة على الحوض، يريدون اعرض الحوض على الناقة. # وكذلك يقدمون الحرف في الكلمة وسبيله التأخير، ويؤخرون الحرف وسبيله ~~التقديم، فيقولون: جذب وجبذ، وبئر عميقة ومعيقة، وأحجمت عن الأمر وأجحمت، ~~وبتلت الشيء، أي قطعته وبلته، وما أطيبه وما أيطبه. ورجل أغرل وأرغل، ~~وأعتقاه الأمر واعتقاء، واعتام واعتمى، في أشباه لهذا كثيرة. # وكما يزيدون في الكلام الكلمة والمعنى طرحها، كقول الشاعر «2» : # فما ألوم البيض ألا تسخرا يريد: أن تسخر. # ويزيدون إذ، واللام، والكاف، والباء، وأشباه لهذا مما ذكرناه في باب ~~المجاز- كذلك يزيدون في الكلمة الحرف، كما قال المفضل العبدي «3» : # وبعضهم على بعض حنيق أي حنق. PageV01P185 # وقال الآخر «1» : # أقول إذ خرت على الكلكل أراد: الكلكل. # وأنشد الفراء «2» : # إن شكلي وإن شكلك شتى ... فالزمي الخص واخفضي تبيضضى # فزاد ضادا، في أشباه لهذا كثيرة. # وكما يحذفون من الكلام البعض إذا كان فيما أبقوا دليل على ما ألقوا ~~فيقولون: # والله أفعل ذاك، يريدون: لا أفعل. ويقولون: أتانا فلان عند مغيب الشمس، ~~أو حين. # أي حين كادت تغيب. # وقال ذو الرمة يذكر حميرا «3» : # فلما لبسن الليل أو حين نصبت ... له من خذا آذانها وهو جانح # أراد: وحين أقبل الليل. # وقال الله تعالى: ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم ~~به الموتى [الرعد: 31] ، أراد لكان هذا القرآن، فحذف. # وكذلك يحذفون من الكلمة الحرف والشطر والأكثر، ويبقون البعض والشطر ~~والحرف، يوحون به ويومئون. يقولون: «لم يك» ، فيحذفون النون مع حذفهم الواو ~~لاجتماع الساكنين. ويقولون: «لم أبل» يريدون: لم أبال. ويقولون: ولاك افعل ~~كذا، يريدون: ولكن، قال الشاعر «4» : PageV01P186 # ولاك اسقني إن ms106 كان ماؤك ذا فضل ويحذفون في الترخيم، فيقولون: يا صاح، ~~يريدون: يا صاحب، ويا حار، يريدون: يا حارث. # وقرأ بعض المتقدمين: ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك [الزخرف: 77] ، أي يا ~~مالك. # وقال الله تعالى: ألا يسجدوا لله [النمل: 25] ، أي ألا يا هؤلاء اسجدوا ~~لله. # ويقولون: عم صباحا، أي أنعم. # وقال الفراء في قولهم: سترى: إنما أرادوا: سوف ترى، فحذفوا الواو والفاء. # وكذلك أمثالها. # كقولك: سيكون كذا، وسيفعل كذا، تأويلها عنده: سوف يكون، وسوف يفعل. # وفي قوله: بينا، إنما هو بينما. # وقال في الآن: إنما هو أصله الأوان، كما قالوا: الراح والرياح للخمر، قال ~~لبيد «1» : # درس المنا بمتالع فأبان أراد: المنازل، فقطع. PageV01P187 # وقال الطرماح يذكر بقرا «1» : # تتقي الشمس بمدرية ... كالحماليج بأيدي التلام # المدرية: القرون هاهنا. # والحماليج: منافيخ الصاغة شبه قرونها بها إذا نفخ فيها. # والتلام: أراد التلاميذ، يعني غلمان الصاغة فقطع. # وقال أبو دؤاد «2» : # فكأنما تذكي سنابكها الحبا أراد الحباحب. # وقال الآخر «3» : # أناس ينال الماء قبل شفاههم ... لهم واردات الغرض شم الأرانب # أراد: الغرضوف. # وقال الآخر «4» : PageV01P188 # في لجة أمسك فلانا عن فل أراد: عن فلان. # وقال الآخر «1» : # قواطنا مكة من ورق الحمي أراد: الحمام. # وأنشد الفراء «2» : # قلت لها: قفي، فقالت لي: قاف أراد فقالت: قد وقفت، فأومأت بالقاف إلى ~~معنى الوقوف. # ولم نزل نسمع على ألسنة الناس: الألف: آلاء. الله، والباء: بهاه الله، ~~والجيم: # جمال الله، والميم: مجد الله. فكأنا إذا قلنا: (حم) دللنا بالحاء على ~~حليم، ودللنا بالميم على مجيد. # وهذا تمثيل أردت أن أريك به مكان الإمكان. PageV01P189 # وعلى هذا سائر الحروف. # ومن ذهب إلى هذا المذهب فلا أراه أراد أيضا إلا القسم بصفات الله، فجمع ~~بالحروف المقطعة معاني كثيرة من صفاته، لا إله إلا هو. # وروي أن بعض السلف وأحسبه عليا رحمة الله عليه، قال: الرحم هو من الرحمن. # وقد كان (قوم من المفسرين) يفسرون بعض هذه الحروف فيقولون: (طه) يا رجل، ~~و (يس) يا إنسان، و (نون) الدواة. # وقال (آخر) : (الحوت) و (حم) : قضي والله ما هو كائن، ms107 و (قاف) : جبل محيط ~~بالأرض. # و (صاد) - بكسر الدال- من المصاداة وهي المعارضة. # وهذا ما لا نعرض فيه، لأنا لا ندري كيف هو ولا من أي شيء أخذ خلا (صاد) ~~وما ذهب إليه فيها. ### || في سورة سبأ # ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (20) وما كان له ~~عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة ممن هو منها في شك [سبأ: 20، 21] ~~. # تأويله: أن إبليس لما سأل الله تبارك وتعالى النظرة فأنظره قال: لأغوينهم ~~ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأنعام ولآمرنهم فليغيرن خلق ~~الله ولأتخذن منهم نصيبا مفروضا وليس هو في وقت هذه المقالة مستيقنا أن ما ~~قدره الله فيهم يتم، وإنما قاله ظانا، فلما اتبعوه وأطاعوه، صدق ما ظنه ~~عليهم أي فيهم، ثم قال الله: وما كان تسليطنا إياه إلا لنعلم من يؤمن، أي ~~المؤمنين من الشاكين. # وعلم الله تعالى نوعان: # أحدهما علم ما يكون من إيمان المؤمنين، وكفر الكافرين، وذنوب العاصين، وطاعات المطيعين قبل أن تكون. # وهذا علم لا تجب به حجة ولا تقع عليه مثوبة ولا عقوبة. # والآخر: علم هذه الأمور ظاهرة موجودة فيحق القول ويقع بوقوعها الجزاء. # PageV01P190 # فأراد جل وعز: ما سلطناه عليهم إلا لنعلم إيمان المؤمنين ظاهرا موجودا، ~~وكفر الكافرين ظاهرا موجودا. # وكذلك قوله سبحانه: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين ~~جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (142) [آل عمران: 142] ، أي يعلم جهاده وصبره ~~موجودا يجب له به الثواب. # وقوله سبحانه: قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا لله مثنى وفرادى ثم ~~تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (46) ~~[سبأ: 46] . # تأويله أن المشركين قالوا: إن محمدا مجنون وساحر، وأشباه هذا من خرصهم ~~«1» ، فقال الله جل وعز لنبيه صلى الله عليه وسلم: قل لهم: اعتبروا أمري ~~بواحدة، وهي أن تنصحوا لأنفسكم، ولا يميل بكم هوى عن حق، فتقوموا لله وفي ~~ذاته، مقاما يخلو فيه الرجل منكم بصاحبه فيقول له: هلم فلنتصادق، هل رأينا ~~بهذا الرجل جنة قط أو جرينا ms108 عليه كذبا؟ فهذا موضع قيامهم مثنى. # ثم ينفرد كل واحد عن صاحبه فيفكر وينظر ويعتبر. فهذا موضع قيامهم فرادى. # فإن في ذلك ما دلهم على أنه نذير. # وكل من تحير في أمر قد اشتبه عليه واستبهم، أخرجه من الحيرة فيه: أن يسأل ~~ويناظر، ثم يفكر ويعتبر. ### || في سورة الفرقان # ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه ~~دليلا (45) ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا (46) [الفرقان: 45، 46] . # امتداد الظل ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس. كذلك قال المفسرون، ويدلك ~~عليه أيضا قوله في وصف الجنة: وظل ممدود (30) [الواقعة: 30] أي لا شمس فيه، ~~كأنه ما بين هذين الوقتين. # ولو شاء لجعله ساكنا أي: مستقرا دائما حتى يكون كظل الجنة الذي لا تنسخه ~~الشمس. PageV01P191 # ثم جعلنا الشمس عليه دليلا يقول: لما طلعت الشمس دلت عليه وعلى معناه. ~~وكل الأشياء تعرف بأضدادها، فلولا الشمس ما عرف الظل، ولولا النور ما عرفت ~~الظلمة، ولولا الحق ما عرف الباطل. وهكذا سائر الألوان والطعوم، قال الله ~~عز وجل: ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون (49) [الذاريات: 49] يريد به ~~ضدين: # ذكرا وأنثى، وأسود وأبيض، وحلوا وحامضا، وأشباه ذلك. # ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا يعني الظل الممدود بعد غروب الشمس، وذلك أن ~~الشمس إذا غربت عاد الظل الممدود، وذلك وقت قبضه. # وقوله: قبضا يسيرا أي: خفيا، لأن الظل بعد غروب الشمس لا يذهب كله دفعة ~~واحدة، ولا يقبل الظلام كله جملة، وإنما يقبض الله جل وعز ذلك الظل قبضا ~~خفيا شيئا بعد شيء، ويعقب كل جزء منه يقبضه بجزء من سواد الليل حتى يذهب ~~كله. # فدل الله عز وجل بهذا الوصف على قدرته ولطفه في معاقبته بين الشمس والظل ~~والليل، لمصالح عباده وبلاده. # وبعضهم يجعل قبض الظل عند نسخ الشمس إياه، ويجعل قوله قبضا يسيرا أي: ~~سهلا خفيفا عليه. # وهو وجه، غير أن التفسير الأول أجمع للمعاني وأشبه بما أراد. ### || في سورة يس # والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) والقمر قدرناه ms109 ~~منازل حتى عاد كالعرجون القديم (39) لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا ~~الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون (40) [يس: 38] . # قوله: تجري لمستقر لها أي: إلى مستقر لها، كما تقول: هو يجري لغايته وإلى ~~غايته. # ومستقرها: أقصى منازلها في الغروب، وذلك لأنها لا تزال تتقدم في كل ليلة ~~حتى تنتهي إلى أبعد مغاربها ثم ترجع، فذلك مستقرها لأنها لا تجاوزه. # وقرأ بعض السلف: والشمس تجري لا مستقر لها والمعنى أنها لا تقف، ولا ~~تستقر، ولكنها جارية أبدا. # وقوله: والقمر قدرناه منازل يريد: أنه ينزل كل ليلة منزلا، ومنازله ~~ثمانية # PageV01P192 # وعشرون منزلا عندهم، من أول الشهر إلى ثمان وعشرين ليلة منه ثم يستسر. # وهذه المنازل هي النجوم التي كانت العرب تنسب إليها الأنواء. # وأسماؤها عندهم الشرطان والبطين، والثريا، والدبران، والهقعة، والهنعة، ~~والذراع، والنثرة، والطرف، والجبهة، والزبرة، والصرفة، والعواء، والسماك، ~~والغفر، والزباني، والإكليل، والقلب، والشولة، والنعائم، والبلدة، وسعد ~~الذابح، وسعد بلع، وسعد السعود، وسعد الأخبية، وفرغ الدلو المقدم، وفرغ ~~الدلو المؤخر، والرشا وهو الحوت. # وإذا صار القمر في آخر منازله دق حتى يعود كالعرجون القديم وهو العذق ~~اليابس. والعرجون إذا يبس دق واستقوس حتى صار كالقوس انحناء، فشبه القمر به ~~ليلة ثمانية وعشرين. # ثم قال سبحانه: لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر يريد: أنهما يسيران ~~الدهر دائبين ولا يجتمعان، فسلطان القمر بالليل، وسلطان الشمس بالنهار، ولو ~~أدركت الشمس القمر لذهب ضوءه، وبطل سلطانه، ودخل النهار على الليل. # يقول الله جل وعز حين ذكر يوم القيامة: وجمع الشمس والقمر (9) [القيامة: ~~9] وذلك عند إبطال هذا التدبير، ونقض هذا التأليف. # ولا الليل سابق النهار يقول: هما يتعاقبان، ولا يسبق أحدهما الآخر: ~~فيفوته ويذهب قبل مجيء صاحبه. # وكل في فلك يسبحون أي: يجرون، يعني الشمس والقمر والنجوم. ### || في سورة المرسلات # انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب (30) لا ~~ظليل ولا يغني من اللهب (31) إنها ترمي بشرر كالقصر (32) كأنه جمالت صفر ~~(33) [المرسلات: 29، 33] . # هذا يقال في يوم القيامة للمكذبين، وذلك أن ms110 الشمس تدنو من رؤوس الخلائق، ~~وليس عليهم يومئذ لباس، ولا لهم كنان، فتلفحهم الشمس وتسفعهم وتأخذ ~~بأنفاسهم، ومد ذلك اليوم عليهم وكربه، ثم ينجي الله برحمته من يشاء إلى ظل ~~من ظله، فهناك يقولون: فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (27) [الطور: 27] ~~ويقال للمكذبين # PageV01P193 # انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون (29) [المرسلات: 29] من عذاب الله سبحانه ~~وعقابه، انطلقوا من ذلك إلى ظل من دخان نار جهنم قد سطع ثم افترق ثلاث فرق، ~~وكذلك شأن الدخان العظيم إذا ارتفع أن يتشعب. فيكونون فيه إلى أن يفرغ من ~~الحساب، كما يكون أولياء الله في ظل عرشه أو حيث شاء من الظل إلى أن يفرغ ~~من الحساب، ثم يؤمر بكل فريق إلى مستقره من الجنة أو النار. # ثم وصف الظل فقال: لا ظليل أي: لا يظلكم من حر هذا اليوم بل يدنيكم من ~~لهب النار إلى ما هو أشد عليكم من حر الشمس، ولا يغني عنكم من اللهب. # وهذا مثل قوله سبحانه: وظل من يحموم (43) لا بارد ولا كريم (44) ~~[الواقعة: 43، 44] واليحموم: الدخان وهو سرادق أهل النار فيما ذكر ~~المفسرون. # ثم وصف النار فقال: إنها ترمي بشرر كالقصر فمن قرأه بتسكين الصاد، أراد ~~القصر من قصور مياه الأعراب. # ومن قرأه القصر شبهه بأعناق النخل، ويقال: بأصوله إذا قطع. # ووقع تشبيه الشرر بالقصر في مقاديره، ثم شبهه في لونه بالجمالات الصفر ~~وهي السود، والعرب تسمى السود من الإبل صفرا، قال الشاعر «1» : # تلك خيلي منها وتلك ركابي ... هن صفر أولادها كالزبيب # أي: هن سود. # وإنما سميت السود من الإبل: صفرا، لأنه يشوب سودها شيء من صفرة، كما قيل ~~لبيض الظباء: أدم، لأن بياضها تعلوه كدرة. # والشرر إذا تطاير فسقط وفيه بقية من لون النار، أشبه شيء بالإبل السود، ~~لما يشوبها من الصفرة. ### || في سورة الأنعام # قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات ~~الله يجحدون (33) [الأنعام: 33] . PageV01P194 # يريد: أنهم كانوا لا ينسبونك إلى الكذب ولا يعرفونك به، فلما جئتهم بآيات ~~الله، جحدوها، وهم يعلمون أنك ms111 صادق. # والجحد يكون ممن علم الشيء فأنكره، بقول الله عز وجل: وجحدوا بها ~~واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا [النمل: 14] . ### || في سورة النساء # وإذا حضر القسمة أولوا القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا ~~لهم قولا معروفا (8) وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم ~~فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدا (9) [النساء: 8، 9] . # فيه قولان: # أحدهما أن تكون القسمة: الوصية. يقول: إذا حضرها أقرباؤكم الذين لا ~~يرثونكم، والمساكين، واليتامى- فاجعلوا لهم فيها حظا، وألينوا لهم القول. ~~وليخش من حضر الوصية، وهو لو كان له ولد صغار خاف عليهم بعده الضيعة- أن ~~يأمر الموصي بالإسراف فيما يعطيه اليتامى والمساكين وأقاربه الذين لا يرثون ~~فيكون قد أمره بما لم يكن يفعله لو كان هو الميت. وهو معنى قول سعيد بن ~~جبير وقتادة. # قال «قتادة» : إذا حضرت وصية ميت فمره بما كنت آمرا به نفسك، وخف على ~~ورثته ما كنت خائفا على ضعفة أولادك لو تركتهم بعدك. # والقول الآخر: أن تكون القسمة: قسمة الورثة الميراث بعد وفاة الرجل. ~~يقول: # فإذا حضرها الأقارب واليتامى والمساكين، فارضخوا «1» لهم وعدوهم. ثم ~~استأنف معنى آخر فقال: وليخش من لو ترك ولدا صغارا خاف عليهم الضيعة، ~~فليحسن إلى من كفله من اليتامى، وليفعل بهم ما يجب أن يفعل بولده من بعده. ~~وهو معنى قول ابن عباس في رواية أبي صالح عنه. ### || في سورة البقرة # أيود أحدكم أن تكون له جنة من نخيل وأعناب تجري من تحتها الأنهار له فيها ~~من كل الثمرات وأصابه الكبر وله ذرية ضعفاء فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت ~~[البقرة: 266] . PageV01P195 # هذا مثل ضربه الله، تبارك وتعالى، للمنافقين والمرائين بأعمالهم لا ~~يريدونه بشيء منها. # يقول: يردون يوم القيامة على أعمال قد محقها الله وأبطلها، ووكلهم في ~~ثوابها إلى من عملوا له، أحوج ما كانوا إلى أعمالهم، فمثلهم كمثل رجل كانت ~~له جنة فيها من كل الثمرات، وأصابه الكبر فضعف عن الكسب، وله أطفال لا ~~يجدون عليه ولا ينفعونه، فأصابها إعصار فيه نار فاحترقت، ففقدها أحوج ما ~~كان إليها، عند كبر السن، ms112 وضعف الحيلة، وكثرة العيال، وطفولة الولد. وهو ~~معنى قول ابن عباس وغيره. # وقد ضرب الله لهم قبل هذا مثلا فيه هذا المعنى بعينه، فقال: كالذي ينفق ~~ماله رئاء الناس ولا يؤمن بالله واليوم الآخر فمثله كمثل صفوان عليه تراب ~~فأصابه وابل فتركه صلدا لا يقدرون على شيء مما كسبوا [البقرة: 264] . # يريد سبحانه: أنه محق كسبهم، فلم يقدروا عليه حين حاجتهم إليه، كما أذهب ~~المطر التراب عن الصفا، ولم يوافق في الصفا منبتا. # ثم ضرب مثلا للمخلصين، فقال: ومثل الذين ينفقون أموالهم ابتغاء مرضات ~~الله وتثبيتا من أنفسهم [البقرة: 265] أي: تحقيقا من أنفسهم، فقال: كمثل ~~جنة بربوة وأحسن ما تكون الجنان والرياض: على الربا، أصابها وابل وهو: أشد ~~المطر، فأضعفت في الحمل، ثم قال: فإن لم يصبها وابل فطل [البقرة: 265] أي: # أصابها طل، وهو: أضعف المطر. فتلك حالها في النزل وتضاعف الثمر، لا ينقص ~~بالطل عن مقدارها بالوابل. ### || في سورة الرعد # أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما ~~يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق ~~والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك ~~يضرب الله الأمثال (17) [الرعد: 17] . # هذا مثل ضربه الله للحق والباطل. يقول: الباطل وإن ظهر على الحق في بعض ~~الأحوال وعلاه، فإن الله سيمحقه ويبطله، ويجعل العاقبة للحق وأهله، ومثل ~~ذلك مطر جود، أسال الأودية بقدرها: الكبير على قدره، والصغير على قدره. # فاحتمل السيل زبدا رابيا أي: عاليا على الماء كما يعلو الباطل تارة على ~~الحق، ومن جواهر الأرض التي تدخل الكير ويوقد عليها. يعني الذهب والفضة # PageV01P196 # للحلية، والشبه والحديد للآلة، حيث يعلوها مثل زبد الماء. # فأما الزبد فيذهب جفاء أي: يلقيه الماء عنه فيتعلق بأصول الشجر وبجنبات ~~الوادي، وكذلك خبث الفلز يقذفه الكير. فهذا مثل الباطل. # وأما ما الماء الذي ينفع الناس وينبت المرعى فيمكث في الأرض وكذلك الصفو ~~من الفلز يبقى خالصا لا شوب فيه. فهو مثل الحق. ### || في سورة ms113 النور # قول الله عز وجل: الله نور السماوات والأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح ~~المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا ~~شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله ~~لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله بكل شيء عليم (35) في بيوت ~~أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه يسبح له فيها بالغدو والآصال (36) رجال ~~لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة يخافون ~~يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (37) ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم ~~من فضله والله يرزق من يشاء بغير حساب (38) والذين كفروا أعمالهم كسراب ~~بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه ~~حسابه والله سريع الحساب (39) أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج ~~من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل ~~الله له نورا فما له من نور (40) [النور: 35، 40] . # هذا مثل ضربه الله لقلب المؤمن، وما أودعه بالإيمان والقرآن من نوره فيه. ~~فبدأ فقال: الله نور السماوات والأرض، أي بنوره يهتدي من في السموات ~~والأرض. # ثم قال: مثل نوره، يعني في قلب المؤمن. كذلك قال المفسرون. وكان أبي ~~يقرأ: الله نور السموات والأرض مثل نور المؤمن، روى ذلك عبيد الله بن موسى، ~~عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية. # كمشكاة، وهي: الكوة غير النافذة. # فيها مصباح، أي سراج المصباح في قنديل، القنديل كأنه من شدة بياضه ~~وتلألئه، كوكب دري، يتوقد ذلك المصباح بزيت من شجرة لا شرقية، أي لا بارزة ~~للشمس كل النهار ولا غربية لا مستترة في الظل كل النهار. ولكنها شرقية ~~غربية تصيبها الشمس في بعض النهار، والظل في بعض النهار. وإذا كان كذلك فهو ~~أنضر لها، وأجود لحملها، وأكثر لنزلها، وأصفى لدهنها. # PageV01P197 # يكاد زيتها يضيء ولو لم يسرج به من شدة صفائه. وتم الكلام ثم ابتدأ ms114 فقال: # نور على نور، يعني نور المصباح على نور الزجاجة والدهن، يهدي الله لنوره ~~من يشاء ثم قال: # هذا المصباح في بيوت، يعني المساجد. وذكر أهلها فقال: يخافون يوما تتقلب ~~فيه القلوب والأبصار، يريد أن القلوب يوم القيامة تعرف أمره يقينا فتتقلب ~~عما كانت عليه من الشك والكفر، وأن الأبصار يومئذ ترى ما كانت مغطاة عنه ~~فتتقلب عما كانت عليه. ونحوه قوله تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا ~~عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) [ق: 22] . # ثم ضرب مثلا للكافرين، فقال: والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه ~~الظمآن ماء، أي كالسراب يحسبه العطشان من البعد ماء يرويه حتى إذا جاءه لم ~~يجده شيئا. # كذلك الكافر يحسب ما قدم من عمله نافعه، حتى إذا جاءه، أي مات، لم يجد ~~عمله شيئا، لأن الله، عز وجل، قد أبطله بالكفر ومحقه، ووجد الله عنده، أي ~~عند عمله فوفاه حسابه. # ثم ضرب مثلا آخر، فقال: أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من ~~فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض، يريد: أنه في حيرة من كفره كهذه الظلمات. # ومن لم يجعل الله له نورا في قلبه، فما له من نور. ### || في سورة سبأ # ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت وأخذوا من مكان قريب (51) وقالوا آمنا به وأنى ~~لهم التناوش من مكان بعيد (52) وقد كفروا به من قبل ويقذفون بالغيب من مكان ~~بعيد (53) وحيل بينهم وبين ما يشتهون كما فعل بأشياعهم من قبل إنهم كانوا ~~في شك مريب (54) [سبأ: 51، 54] . # كان الحسن- رضي الله عنه- يجعل الفزع يوم القيامة إذا بعثوا من القبور. ~~يقول: # ولو ترى يا محمد فزعهم حين لا فوت، أي لا مهرب ولا ملجأ يفوتون به ~~ويلجأون إليه. وهذا نحو قوله: فنادوا ولات حين مناص [ص: 3] ، أي نادوا حين ~~لا مهرب. # PageV01P198 # وأخذوا من مكان قريب، يعني القبور. # وقالوا آمنا به، أي بمحمد، صلى الله عليه. # وأنى لهم التناوش والتناوش: التناول، أي كيف لهم بنيل ما يطلبون من ~~الإيمان في هذا الوقت الذي لا ms115 يقال فيه كافر ولا تقبل توبته؟. # وقوله: من مكان بعيد يريد بعد ما بين مكانهم يوم القيامة، وبين المكان ~~الذي تتقبل فيه الأعمال. # وقد كفروا به من قبل، أي بمحمد، صلى الله عليه وسلم. يقول: كيف ينفعهم ~~الإيمان به في الآخرة وقد كفروا به في الدنيا؟. # ويقذفون بالغيب، أي بالظن أن التوبة تنفعهم. # من مكان بعيد، أي بعيد من موضع تقبل التوبة. # وحيل بينهم وبين ما يشتهون من الإيمان. كما فعل بأشياعهم، أي بأشباههم من ~~الأمم الخالية. # وكان غير الحسن يجعل الفزع عند نزول بأس الله من الموت أو غيره، ويعتبره ~~بقوله في موضع آخر: فلما رأوا بأسنا قالوا آمنا بالله وحده وكفرنا بما كنا ~~به مشركين (84) فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت ~~في عباده وخسر هنالك الكافرون (85) [غافر: 84، 85] . ### || في سورة النور # ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج ولا على ~~أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيوت أمهاتكم أو بيوت ~~إخوانكم أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم ~~أو بيوت خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا ~~جميعا أو أشتاتا [النور: 61] . # كان المسلمون في صدر الإسلام حين أمروا بالنصيحة ونهوا عن الخيانة وأنزل ~~عليهم: ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل [البقرة: 188] . أي: لا يأكل ~~بعضكم مال بعض بغير حق- أدقوا النظر وأفرطوا في التوقي، وترك بعضهم مؤاكلة ~~بعض: # فكان الأعمى لا يؤاكل الناس، لأنه لا يبصر الطعام فيخاف أن يستأثر، ولا ~~يؤاكله # PageV01P199 # الناس يخافون لضرره أن يقصر. # وكان الأعرج يتوقى ذلك، لأنه يحتاج لزمانته إلى أن يتفسح في مجلسه، ويأخذ ~~أكثر من موضعه، ويخاف الناس أن يسبقوه لضعفه. # وكان المريض يخاف أن يفسد على الناس طعامهم بأمور قد تعتري مع المرض: # من رائحة تتغير، أو جرح يبض، أو أنف يذن، أو بول يسلس، وأشباه ذلك. فأنزل ~~الله تبارك وتعالى: ليس على هؤلاء جناح في مؤاكلة الناس، وهو ms116 معنى قول ابن ~~عباس في رواية أبي صالح. # وأما عائشة رضي الله عنها، فإنها قالت: كان المسلمون يوعبون «1» مع رسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم، في المغازي «2» ، ويدفعون مفاتيحهم إلى الضمنى، ~~وهم الزمنى، ويقولون لهم: قد أحللنا لكم أن تأكلوا مما في منازلنا. فكانوا ~~يتوقون أن يأكلوا من منازلهم حتى نزلت هذه الآية. # وإلى هذا يذهب قوم، منهم الزهري «3» . # ثم قال الله عز وجل: ولا على أنفسكم أن تأكلوا من بيوتكم أراد: ولا عليكم ~~أنفسكم أن تأكلوا من أموال عيالكم وأزواجكم. # وقال بعضهم: أراد: أن تأكلوا من بيوت أولادكم، فنسب بيوت الأولاد إلى ~~الآباء، لأن الأولاد كسبهم، وأموالهم كأموالهم. يدلك على هذا: أن الناس لا ~~يتوقون أن يأكلوا من بيوتهم، وأن الله سبحانه عدد القرابات وهم أبعد نسبا ~~من الولد، ولم يذكر الولد. # وقال المفسرون في قوله تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب (1) ما أغنى عنه ماله ~~وما كسب (2) [المسد: 1، 2] . أراد: ما أغنى عنه ماله وولده، فجعل الولد ~~كسبا. # ثم قال: أو بيوت آبائكم، أو بيوت أمهاتكم أو بيوت إخوانكم يريد إخوتكم ~~PageV01P200 # أو بيوت أخواتكم أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم أو بيوت أخوالكم أو بيوت ~~خالاتكم أو ما ملكتم مفاتحه، يعني العبيد، لأن السيد يملك منزل عبده. هذا ~~على تأويل ابن عباس. # وقال غيره: أو ما خزنتموه لغيركم. يريد الزمنى الذين كانوا يخزنون للغزاة ~~أو صديقكم ليس عليكم جناح أن تأكلوا جميعا من منازل هؤلاء إذا دخلتموها، ~~وإن لم يحضروا ولم يعلموا، من غير أن تتزودوا وتحملوا، ولا جناح عليكم أن ~~تأكلوا جميعا أو فرادى، وإن اختلفتم: فكان فيكم الزهيد «1» ، والرغيب «2» ، ~~والصحيح، والعليل. # وهذا من رخصته للقرابات وذوي الأواصر- كرخصته في الغرباء والأباعد لمن ~~دخل حائطا وهو جائع: أن يصيب من ثمره، أو مر في سفر بغنم وهو عطشان: أن ~~يشرب من رسلها «3» ، وكما أوجب للمسافر على من مر به الضيافة، توسعة منه ~~ولطفا بعباده، ورغبة بهم عن دناءة الأخلاق، وضيق النظر. ### || في سورة الأنعام # # فلما جن عليه الليل ms117 رأى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين ~~(76) فلما رأى القمر بازغا قال هذا ربي فلما أفل قال لئن لم يهدني ربي ~~لأكونن من القوم الضالين (77) فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر ~~فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (78) إني وجهت وجهي للذي فطر ~~السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (79) [الأنعام: 76- 79] . # كان العصر الذي بعث الله، عز وجل، فيه إبراهيم، صلى الله عليه وسلم، عصر ~~نجوم وكهانة، وإنما أمر نمروذ بقتل الولدان في السنة التي ولد فيها ~~إبراهيم، صلى الله عليه وسلم، لأن المنجمين والكهان قالوا: إنه يولد في تلك ~~السنة من يدعو إلى غير دينه، ويرغب عن سنته. # وكان القوم يعظمون النجوم، ويقضون بها على غائب الأمور، ولذلك نظر ~~إبراهيم نظرة في النجوم فقال: إني سقيم [الصافات: 89] وكان القوم يريدون ~~الخروج إلى مجمع لهم، فأرادوه على أن يغدو معهم، وأراد كيد أصنامهم خلاف ~~مخرجهم، فنظر نظرة في النجوم، يريد علم النجوم، أي في مقياس من مقاييسها، ~~أو سبب من أسبابها، ولم ينظر إلى النجوم أنفسها. يدلك على ذلك قوله: فنظر ~~نظرة في النجوم (88) [الصافات: 88] PageV01P201 # ولم يقل: إلى النجوم. وهذا كما يقال: فلان ينظر في النجوم، إذا كان يعرف ~~حسابها، وفلان ينظر في الفقه والحساب والنحو. # وإنما أراد بالنظر فيها: أن يوهمهم أنه يعلم منها ما يعلمون، ويتعرف في ~~الأمور من حيث يتعرفون، وذلك أبلغ في المحال، وألطف في المكيدة فقال إني ~~سقيم (89) [الصافات: 89] أي سأسقم فلا أقدر على الغدو معكم. هذا الذي ~~أوهمهم بمعاريض الكلام، ونيته أنه سقيم غدا لا محالة، لأن من كانت غايته ~~الموت ومصيره إلى الفناء- فسيسقم. ومثله قوله تعالى: إنك ميت وإنهم ميتون ~~(30) [الزمر: 30] ولم يكن النبي، صلى الله عليه وسلم، ميتا في ذلك الوقت، ~~وإنما أراد: أنك ستموت وسيموتون. # فلما جن عليه الليل رأى الزهرة قال هذا ربي يريد: أن يستدرجهم بهذا ~~القول، ويعرفهم خطأهم، وجهلهم في تعظيمهم شأن النجوم، وقضائهم على الأمور ~~بدلالتها. فأراهم أنه ms118 معظم ما عظموا، وملتمس الهدى من حيث التمسوا. وكل من ~~تابعك على هواك وشابعك على أمرك، كنت به أوثق، وإليه أسكن وأركن. فأنسوا ~~واطمأنوا. # فلما أفل أراهم النقص الداخل على النجم بالأفول، لأنه ليس ينبغي لإله أن ~~يزول ولا أن يغيب، ف قال لا أحب الآفلين واعتبر مثل ذلك في الشمس والقمر، ~~حتى تبين للقوم ما أراد، من غير جهة العناد والمبادأة بالتنقص والعيب. # ثم قال: إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات وما فيها ~~من نجم وقمر وشمس والأرض وما فيها من بحر وجبل وحجر وصنم وما أنا من ~~المشركين ومثل هذا: الحواري حين ورد على قوم يعبدون (بدا) «1» لهم فأظهر ~~تعظيمه وترفيله «2» ، وأراهم الاجتهاد في دينهم، فأكرموه وفضلوه وائتمنوه، ~~وصدروا في كثير من الأمور عن رأيه. إلى أن دهمهم عدو لهم خافه الملك على ~~مملكته، فشاور الحواري في أمره، فقال: الرأي أن ندعو إلهنا- يعني البد- حتى ~~يكشف ما قد أظلنا، فإنا لمثل هذا اليوم كنا نرشحه. فاستكفوا حوله «3» ~~يتضرعون إليه ويجأرون، وأمر عدوهم يستفحل، وشوكته تشتد يوما بعد يوم. فلما ~~تبين لهم من هذه الجهة أن (بدهم) لا ينفع ولا يدفع، ولا يبصر ولا يسمع، ~~قال: هاهنا إله آخر، أدعوه فيستجيب، PageV01P202 # وأستجيره فيجير، فهلموا فلندعه. فدعوا الله جميعا فصرف عنهم ما كانوا ~~يحاذرون، وأسلموا. # ومن الناس من يذهب إلى أن إبراهيم صلى الله عليه وسلم، كان في تلك الحال ~~على ضلال وحيرة. # وكيف يتوهم ذلك على من عصمه الله وطهره في مستقره ومستودعه؟ والله سبحانه ~~يقول: إذ جاء ربه بقلب سليم (84) [الصافات: 84] . أي: لم يشرك به قط، كذلك ~~قال المفسرون، أو من قال منهم. # ويقول في صدر الآية: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السماوات والأرض وليكون من ~~الموقنين (75) [الأنعام: 75] ثم قال على أثر ذلك: فلما جن عليه الليل ~~[الأنعام: 76] . # فروي: أنه رأى في الملكوت عبدا على فاحشة فدعا الله عليه، ثم رأى آخر على ~~فاحشة فدعا الله عليه، فقال له الله: (يا إبراهيم اكفف دعوتك عن عبادي، ms119 فإن ~~عبدي بين خلال ثلاث: إما أن أخرج منه ذرية طيبة، أو يتوب فأغفر له، أو ~~النار من ورائه) . # أفترى الله أراه الملكوت ليوقن، فلما أيقن رأى كوكبا فقال: هذا ربي على ~~الحقيقة والاعتقاد؟!. ### || في سورة الأنعام # ثمانية أزواج من الضأن اثنين ومن المعز اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين ~~أما اشتملت عليه أرحام الأنثيين نبئوني بعلم إن كنتم صادقين (143) ومن ~~الإبل اثنين ومن البقر اثنين قل آلذكرين حرم أم الأنثيين أما اشتملت عليه ~~أرحام الأنثيين أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا فمن أظلم ممن افترى على ~~الله كذبا ليضل الناس بغير علم [الأنعام: 143، 144] . # أراد: وهو الذي أنشأ جنات معروشات وغير معروشات [الأنعام: 141] ، وأنشأ ~~لكم ومن الأنعام حمولة وفرشا يعني: كبارا وصغارا كلوا مما رزقكم الله ولا ~~تتبعوا خطوات الشيطان [الأنعام: 142] ، أي: لا تقفوا أثره فيما يحرم عليكم ~~مما لم يحرمه الله، ويحله لكم مما حرمه الله عليكم. # ثم قال: ثمانية أزواج، أي: كلوا مما رزقكم الله ثمانية أزواج. وإن شئت ~~جعلته منصوبا بالرد إلى الحمولة الفرش تبيينا لها. # PageV01P203 # والثمانية الأزواج: الضأن، والمعز، والإبل، والبقر. # وإنما جعلها ثمانية وهي أربعة، لأنه أراد: ذكرا وأنثى من كل صنف، فالذكر ~~زوج، والأنثى زوج، والزوج يقع على الواحد والاثنين. ألا ترى أنك تقول ~~للرجل: # زوج، وهو واحد، وللمرأة: زوج، وهي واحدة؟ قال الله تعالى: وأنه خلق ~~الزوجين الذكر والأنثى (45) [النجم: 45] . # وكانوا يقولون: ما في بطون الأنعام حلال لذكورنا ونسائنا، إن كان الجنين ~~ذكرا، ومحرم على إناثنا إن كان أنثى. ويحرمون على الرجال والنساء الوصيلة ~~وأخاها، ويزعمون أن الله حرم ذلك عليهم. فقال الله سبحانه: ما جعل الله من ~~بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب ~~[المائدة: 103] . # وقال يقايسهم في تحريم ما حرموا: قل آلذكرين من الضأن والمعز حرم الله ~~عليكم أم الأنثيين؟، فإن كان التحريم من جهة الذكرين: فكل ذكر حرام عليكم، ~~وإن كان التحريم من جهة الأنثيين: فكل أنثى حرام عليكم، أم حرم عليكم ms120 أما ~~اشتملت عليه أرحام الأنثيين من الأجنة؟. # فإن كان التحريم من جهة الاشتمال، فالأرحام تشتمل على الذكور، وتشتمل على ~~الإناث، وتشتمل على الذكور والإناث، فكل جنين حرام. أم كنتم شهداء إذ وصاكم ~~الله بهذا أي حين أمر الله بهذا فتكونون على يقين؟ أم تفترونه عليه ~~وتختلقونه؟ توبيخ كذبا ليضل الناس بغير علم [الأنعام: 144] . ### || في سورة التين # لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم (4) ثم رددناه أسفل سافلين (5) إلا ~~الذين آمنوا وعملوا الصالحات فلهم أجر غير ممنون (6) فما يكذبك بعد بالدين ~~(7) أليس الله بأحكم الحاكمين (8) [التين: 4، 8] . # يريد: عدلنا خلقه، وقومناه أحسن تعديل وتقويم. # ثم رددناه أسفل سافلين، والسافلون: هم الضعفاء والزمنى الأطفال، ومن لا ~~يستطيع حيلة، ولا يجد سبيلا. وتقول: سفل يسفل فهو سافل، وهم سافلون. كما ~~تقول: علا يعلو فهو عال وهم عالون. وهو مثل قوله سبحانه: ومنكم من يرد إلى ~~أرذل العمر [النحل: 70] . # PageV01P204 # وأراد: أن الهرم يخرف ويهتز وينقص خلقه، ويضعف بصره وسمعه، وتقل حيلته، ~~ويعجز عن عمل الصالحات، فيكون أسفل من هؤلاء جميعا. # إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات [الشعراء: 227] في وقت القوة والقدرة، ~~فإنهم في حال الكبر غير منقوصين، لأنا نعلم أنا لو لم نسلبهم القدرة والقوة ~~لم يكونوا ينقطعون عن عمل الصالحات، فنحن نجري لهم أجر ذلك ولا نمنه، أي لا ~~نقطعه ولا ننقصه. # وهو معنى قول المفسرين. ومثله قوله سبحانه: إن الإنسان لفي خسر (2) ~~[العصر: 2] ، والخسر: النقصان إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا ~~بالحق وتواصوا بالصبر (3) [العصر: 3] فإنهم غير منقوصين. # ونحوه # قول رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «يقول الله للكرام الكاتبين: إذا مرض ~~عبدي فاكتبوا له ما كان يعمل في صحته، حتى أعاقبه أو أقبضه» «1» . # ثم قال: فما يكذبك أيها الإنسان بالدين؟ أي: بمجازاتي إياك بعملك وأنا ~~أحكم الحاكمين؟ ### || في سورة والشمس وضحاها # قوله سبحانه: ونفس وما سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) قد أفلح من ~~زكاها (9) وقد خاب من دساها (10) [الشمس: 7، 10] . # أقسم بالنفس وخلقه لها ثم قال: فألهمها فجورها وتقواها، أي: فهمها أعمال ~~البر وأعمال الفجور، حتى ms121 عرف ذلك الجاهل والعاقل، ثم قال: قد أفلح من زكاها ~~يريد أفلح من زكى نفسه، أي: أنماها وأعلاها بالطاعة والبر والصدقة واصطناع ~~المعروف. # وأصل التزكية: الزيادة، ومنه يقال: زكا الزرع يزكوا: إذا كثر ريعه، وزكت ~~النفقة: إذا بورك فيها، ومنه زكاة الرجل عن ماله، لأنها تثمر ماله وتنميه. ~~وتزكية القاضي للشاهد منه، لأنه يرفعه بالتعديل والذكر الجميل. # وقد خاب من دساها، أي: نقصها وأخفاها بترك عمل البر، وبركوب المعاصي. ~~والفاجر أبدا خفي المكان، زمر المروءة، غامض الشخص، ناكس الرأس. ~~PageV01P205 # ودساها: من دسست، فقلبت إحدى السينات ياء، كما يقال: لببت، والأصل لبيت، ~~و: قصيت أظفاري، وأصله قصصت. ومثله كثير. # فكأن النطف «1» بارتكاب الفواحش دس نفسه وقمعها، ومصطنع المعروف شهر نفسه ~~ورفعها. # وكانت أجواد العرب تنزل الربا وأيفاع «2» الأرض، لتشتهر أماكنها ~~للمعتفين، وتوقد النيران في الليل للطارقين. # وكانت اللئام تنزل الأولاج «3» والأطراف والأهضام «4» : لتخفى أماكنها ~~على الطالبين. # فأولئك أعلوا أنفسهم وزكوها، وهؤلاء أخفوا أنفسهم ودسوها، قال الشاعر «5» ~~: # وبوأت بيتك في معلم ... رحيب المباءة والمسرح # كفيت العفاة طلاب القرى ... ونبح الكلاب لمستنبح # ترى دعس آثار تلك المطي ... أخاديد كاللقم الأفيح # ولو كنت في نفق زائغ ... لكنت على الشرك الأوضح # ومثل هذا كثير. ### || في لا أقسم بيوم القيامة # أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه (3) بلى قادرين على أن نسوي بنانه (4) بل ~~يريد الإنسان ليفجر أمامه (5) [القيامة: 3، 5] . # هذا رد من الله عليهم، وذلك أنهم ظنوا أن الله لا ينشر الموتى، ولا يقدر ~~على جمع العظام البالية، فقال: بلى، فاعلموا أنا نقدر على رد السلاميات «6» ~~على صغرها، PageV01P206 # ونؤلف بينها حتى يستوي البنان. ومن قدر على هذا فهو على جمع كبار العظام ~~أقدر. # ومثل هذا رجل قلت له: أتراك تقدر على أن تؤلف هذا الحنظل في خيط؟ فيقول ~~لك: نعم وبين الخردل. # وأما قوله سبحانه: بل يريد الإنسان ليفجر أمامه فقد كثرت فيه التفاسير: ~~فقال سعيد بن جبير يقول: سوف أتوب، سوف أتوب. # وقال الكلبي: يكثر الذنوب، ويؤخر التوبة. # وقال آخرون: يتمنى الخطيئة. # وفيه قول آخر: على طريق ms122 الإمكان- إن كان الله تعالى أراده- وهو: أن يكون ~~الفجور بمعنى: التكذيب بيوم القيامة، ومن كذب بحق فقد فجر. # وأصل الفجور: الميل، فقيل للكاذب والمكذب والفاسق: فاجر لأنه مال عن ~~الحق. # وقال بعض الأعراب لعمر بن الخطاب رحمه الله- وكان أتاه فشكى إليه نقب ~~إبله ودبرها واستحمله فلم يحمله- «1» : # أقسم بالله أبو جفص عمر ... ما مسها من نقب ولا دبر # فاغفر له اللهم إن كان فجر أي: كذب. # وهذا وجه حسن لأن الفجور اعتراض بين كلامين من أسباب يوم القيامة، ~~أولهما: أيحسب الإنسان ألن نجمع عظامه؟ والآخر: يسئل أيان يوم القيامة؟ # فكأنه قال: أيحسب الإنسان أن لن نجمع عظامه في الآخرة؟ بلى نقدر على أن ~~نجمع ما صغر منها ونؤلف بينه. PageV01P207 # بل يريد الإنسان ليفجر أمامه أي: ليكذب بيوم القيامة وهو أمامه، فهو يسأل ~~أيان يوم القيامة [القيامة: 6] أي متى يكون؟. ### || في والصافات # وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن اليمين ~~(28) [الصافات: # 27، 28] . # يقول هذا المشركون يوم القيامة لقرنائهم من الشياطين: إنكم كنتم تأتوننا ~~عن أيماننا، لأن إبليس قال: لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم ~~وعن شمائلهم [الأعراف: 17] فشياطينهم تأتيهم من كل جهة من هذه الجهات بمعنى ~~من الكيد والإضلال. # وقال المفسرون: فمن أتاه الشيطان من جهة اليمين: أتاه من قبل الدين فلبس ~~عليه الحق. # ومن أتاه من جهة الشمال: أتاه من قبل الشهوات. # ومن أتاه من بين يديه: أتاه من قبل التكذيب بيوم القيامة والثواب ~~والعقاب. # ومن أتاه من خلفه: خوفه الفقر على نفسه وعلى من يخلف بعده، فلم يصل رحما، ~~ولم يؤد زكاة. فقال المشركون لقرنائهم: إنكم كنتم تأتوننا في الدنيا من جهة ~~الدين، فتشبهون علينا فيه حتى أضللتمونا. فقال لهم قرناؤهم: بل لم تكونوا ~~مؤمنين [الصافات: 29] أي: لم تكونوا على حق فنشبهه عليكم ونزيلكم عنه إلى ~~باطل. وما كان لنا عليكم من سلطان [الصافات: 30] ، أي: قدرة فنقهركم ~~ونجبركم بل كنتم قوما طاغين فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) [الصافات: ~~30، 31] نحن وأنتم العذاب فأغويناكم إنا كنا غاوين (32) [الصافات: ms123 32] يعني ~~بالدعاء والوسوسة. # ومثل هذا قوله سبحانه: وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم ~~لي [إبراهيم: 22] . ### || في سورة ص # أم عندهم خزائن رحمة ربك العزيز الوهاب (9) أم لهم ملك السماوات والأرض ~~وما بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) ~~[ص: 9، 11] . # أخبر الله، سبحانه، عن عنادهم وتكبرهم وتمسكهم بآلهتهم في أول السورة، # PageV01P208 # فقال: بل الذين كفروا في عزة وشقاق (2) [ص: 1] ، وحكى قولهم: أن امشوا ~~واصبروا على آلهتكم [ص: 6] ، أي اذهبوا ودعوه وتمسكوا بآلهتكم فقال الله عز ~~وجل: أعندهم بآلهتهم هذه خزائن الرحمة؟! أم لهم ملك السماوات والأرض وما ~~بينهما فليرتقوا في الأسباب (10) [ص: 10] ، أي في أبواب السماء، وأبواب ~~السماء: أسبابها، قال الشاعر «1» : # ولو نال أسباب السماء بسلم ويكون أيضا فليرتقوا في الأسباب، أي: في ~~الحبال إلى السماء، كما سألوك أن ترقى في السماء وتأتيهم بكتاب. ويقال ~~للرجل إذا تقدم في العلم وغيره وبرع: قد ارتقى في الأسباب، كما يقال: قد ~~بلغ السماء. # ونحو هذا قوله في موضع آخر: أم لهم سلم يستمعون فيه فليأت مستمعهم بسلطان ~~مبين (38) [الطور: 38] . # وهذا كله توبيخ، وتقرير بالعجز. # ثم قال بعد: جند ما هنالك مهزوم من الأحزاب (11) [ص: 11] . # وجند بمعنى: حزب لهذه الآلهة. و (ما) زائدة. ومهزوم: مقموع ذليل. وأصل ~~الهزم: الكسر، ومنه قيل للنفرة في الأرض: هزمة، أي كسرة، وهزمت الجيش: أي ~~كسرتهم، وتهزمت القربة: أي انكسرت. # يقول: هم حزب عند ذلك مقموع ذليل من الأحزاب، أي عند هذه المحن، وعند هذا ~~القول، لأنهم لا يقدرون أن يدعوا لآلهتهم شيئا من هذا، ولا لأنفسهم. # والأحزاب: سائر من تقدمهم من الكفار، سموا أحزابا لأنهم تحزبوا على ~~أنبيائهم. # يقول الله سبحانه على إثر هذا الكلام: كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ~~[ص: # 12] وكذا وكذا. # ثم قال: أولئك الأحزاب [ص: 13] فأعلمنا أن مشركي قريش حزب من هؤلاء ~~الأحزاب. PageV01P209 # وكان ابن عباس في رواية أبي صالح- يذهب إلى أن الله تعالى أخبر رسوله صلى ~~الله عليه وسلم أنه سيهزم المشركين يوم بدر. ### || في سورة ms124 السجدة # يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة ~~مما تعدون (5) [السجدة: 5] . # يريد سبحانه: أنه يقضي الأمر في السماء وينزله مع الملائكة إلى الأرض ~~فتوقعه، ثم تعرج إلى السماء، أي تصعد، بما أوقعته من ذلك الأمر، فيكون ~~نزولها به ورجوعها في يوم واحد مقداره ألف سنة مما تعدون. يريد مقدار ~~المسير فيه على قدر مسيرنا وعددنا ألف سنة، لأن بعد ما بين السماء والأرض ~~مسيرة خمسمائة عام لابن آدم، فإذا قطعته الملائكة، بادئة وعائدة في يوم ~~واحد، فقد قطعت مسيرة ألف سنة في يوم واحد. ### || في سورة النمل # قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون ~~(65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) ~~[النمل: 65، 66] . # أصل ادارك: تدارك، فأدغمت التاء في الدال، وأدخلت ألف الوصل ليسلم للدال ~~الأولى السكون، ومثله: حتى إذا اداركوا فيها جميعا [الأعراف: 38] واثاقلتم ~~إلى الأرض [التوبة: 38] ، وقالوا اطيرنا بك [النمل: 47] ، إنما هو: ~~تداركوا، وتثاقلتم، وتطيرنا. # ومعنى تدارك: تتابع، وعلمهم: حكمهم على الآخرة، وحدسهم الظنون. # وأراد وما يشعرون متى يبعثون إلا بتتابع الظنون في علم الآخرة، فهم ~~يقولون تارة: إنها تكون، وتارة: إنها لا تكون، وإلى كذا تكون، وما يعلم غيب ~~ذلك إلا الله تعالى. # ثم قال: بل هم في شك منها بل هم من علمها عمون. # وكان ابن عباس يقرؤها بلى أدارك علمهم. # وهذه القراءة أشد إيضاحا للمعنى، لأنه قال: وما يشعرون متى يبعثون، ثم ~~قال: # بل تداركت ظنونهم في علم الآخرة، فهم يحدسون ولا يدرون. # PageV01P210 ### || في سورة الامتحان # يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن ~~كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم ~~بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (1) [الممتحنة: ~~1] . # ذكر المفسرون: أنها أنزلت في حاطب بن أبي ms125 بلتعة وكان كتب إلى المشركين ~~بمكة يخبرهم بمسير الرسول، صلى الله عليه وسلم إليهم، لأن عياله كانوا ~~بمكة، ولم يكن له بها عشيرة تمنع منهم، فأراد أن يتقرب إليهم ليكفوا عن ~~عياله فأنزل الله: يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون ~~إليهم بالمودة أي تخبرونهم بما يخبر بمثله الرجل أهل مودته، وتنصحون لهم ~~وقد كفروا بما جاءكم من الحق، مع النبي، صلى الله عليه وسلم يخرجون الرسول ~~وإياكم تم الكلام، يعني من مكة أن تؤمنوا بالله ربكم، أي أخرجوا الرسول ~~وأخرجوكم، لأن آمنتم بالله وحده إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء ~~مرضاتي، يريد. فلا تلقوا إليهم بالمودة إن كنتم خرجتم مجاهدين في سبيلي ~~طالبين رضاي. # ثم قال: تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم [الممتحنة: ~~1] ، أي كيف تستترون بمودتكم لهم مني وأنا أعلم بما تضمرون وما تظهرون؟. # ثم ضرب لهم إبراهيم، صلى الله عليه وسلم، مثلا حين تبرأ من قومه ونابذهم ~~وباغضهم، إلى قوله سبحانه: وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى ~~تؤمنوا [الممتحنة: 4] ، يريد أن إبراهيم، صلى الله عليه وسلم، عاداهم ~~وهجرهم في كل شيء إلا في قوله لأبيه: لأستغفرن لك. ### || في سورة الحج # من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ~~ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (15) [الحج: 15] . # كان قوم من المسلمين لشدة غيظهم وحنقهم على المشركين، يستبطئون ما وعد ~~الله ورسوله من النصر. وآخرون من المشركين يريدون اتباعه ويخشون ألا يتم له ~~أمره، فقال تعالى: من كان يظن أن لن ينصره الله، يعني محمدا، عليه السلام، ~~على مذاهب العرب في الإضمار لغير مذكور، وهو يسمعني أعده النصر والإظهار ~~والتمكين، وإن كان يستعجل به قبل الوقت الذي قضيت أن يكون ذلك فيه، فليمدد ~~بسبب أي # PageV01P211 # بحبل إلى السماء، يعني سقف البيت، وكل شيء علاك وأظلك فهو سماء، والسحاب: ~~سماء، يقول الله تعالى: ونزلنا من السماء ماء مباركا [ق: 9] ، وقال سلامة ~~بن جندل يذكر قتل ms126 كسرى النعمان «1» : # هو المدخل النعمان بيتا سماؤه ... نحور الفيول بعد بيت مسردق # يعني: سقفه، وذلك أنه أدخله بيتا فيه فيلة فتوطأته حتى قتلته. # وقوله: ثم ليقطع. قال المفسرون أي: ليختنق فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ ~~هل يذهب ذلك ما في قلبه؟ وهذا كرجل وعدته شيئا مرة بعد مرة، ووكدت على نفسك ~~الوعد، وهو يراجعك في ذلك، ولا تسكن نفسه إلى قولك، فتقول له: إن كنت لا ~~تثق بما أقوله، فاذهب فاختنق. تريد: اجهد جهدك. # هذا معنى قول المفسرين. # وفيه وجه آخر على طريق الإمكان، وهو أن تكون السماء هاهنا: السماء بعينها ~~لا السقف، كأنه قال: فليمدد بسبب إليها أي بحبل، وليرتق فيه، ثم ليقطع حتى ~~يخر فيهلك، أي: ليفعل هذا إن بلغه جهده، فلينظر هل ينفعه. ومثله قوله لرسول ~~الله، صلى الله عليه وسلم- حين سأله المشركون أن يأتيهم بآية ولم يشأ الله ~~أن يأتيهم بها، فشق ذلك عليه-: # وإن كان كبر عليك إعراضهم فإن استطعت أن تبتغي نفقا في الأرض أو سلما في ~~السماء فتأتيهم بآية ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين ~~(35) [الأنعام: # 35] يريد: اجهد إن بلغ هذا جهدك. # وروى ابن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن كردم: أن رجلا سأل أبا هريرة، وابن ~~عمر، وابن عباس، عن رجل قتل مؤمنا متعمدا، هل له توبة؟ فكلهم قال: هل ~~يستطيع أن يحييه؟ هل يستطيع أن يبتغي نفقا في الأرض أو سلما في السماء؟. # يريدون: أنه لا توبة له، كما أن هذا لا يكون. # وقال أبو عبيدة: من كان يظن أن لن ينصره الله أي: يرزقه الله. وذهب إلى ~~PageV01P212 # قول العرب. أرض منصورة، أي ممطورة، وقد نصرت الأرض: أي مطرت. # كأنه يريد: من كان قانطا من رزق الله ورحمته فليفعل ذلك، فلينظر هل يذهب ~~كيده، أي حيلته غيظه لتأخر الرزق عنه؟. ### || في سورة البقرة # مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون (17) صم بكم عمي فهم لا يرجعون ms127 (18) أو كصيب من السماء ~~فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق حذر الموت والله ~~محيط بالكافرين (19) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا ~~أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء ~~قدير (20) [البقرة: 17، 20] . # الذي هاهنا بمعنى الذين استوقدوا نارا، وربما جاءت مؤدية عن جميع، قال ~~الشاعر «1» : # وإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد # أراد: مثل المنافقين كمثل قوم كانوا في ظلمة فأوقدوا نارا، فلما أضاءت ~~النار ما حولهم أطفأها الله وتركهم في ظلمات لا يبصرون. # فالظلمة الأولى التي كانوا فيها: الكفر. # واستيقادهم النار قولهم: لا إله إلا الله، وإن محمدا رسول الله. # فلما أضاءت لهم ما حولهم واهتدوا وآمنوا: خلوا إلى شياطينهم فنافقوا، ~~وقالوا: # إنما نحن مستهزؤن [البقرة: 14] فسلبهم نور الإيمان، وتركهم في ظلمات ~~الكفر لا يبصرون. # ثم ضرب لهم مثلا آخر شبيها بهذا المثل، فقال: PageV01P213 # أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق [البقرة: 19] . # فالصيب: المطر، والظلمات: ظلمة الليل، وظلمة السحابة، والرعد: دليل على ~~شدة ظلمة الصيب وهوله. # أراد: أو مثل قوم في ظلمات ليل ومطر. فضرب الظلمات لكفرهم مثلا، والبرق ~~لتوحيدهم مثلا، فقال: إذا قالوا: لا إله إلا الله اهتدوا كما يهتدي هؤلاء ~~القوم بالبرق إذا لمع فيمشون. # وجعله يكاد يخطف الأبصار لشدة ضوئه. # وإذا نافقوا فاستهزؤوا وخلوا بشياطينهم فتابعوهم- عموا وصموا، كما يظلم ~~على هؤلاء إذا سكن لمعان البرق فيقومون. ### || في سورة المزمل # المزمل، المتزمل، فأدغمت التاء في الزاي، وكذلك المدثر هو: المتدثر ~~بثيابه، فأدغمت التاء في الدال. وكل من التف بثوبه فقد تزمل به. # قم الليل إلا قليلا (2) [المزمل: 2] أي: صل الليل إلا شيئا يسيرا منه ~~تنام فيه وهو الثلث، ثم قال: نصفه أو انقص منه قليلا (3) [المزمل: 3] أي: ~~قم نصفه، فاكتفى بالفعل الأول من الثاني لأنه دليل عليه. أو انقص من النصف ~~قليلا إلى الثلث، أو زد على النصف إلى الثلثين. جعل له سعة في مدة قيامه ~~بالليل. فلما ms128 نزل هذه الآية قام رسول الله، صلى الله عليه وسلم، وطائفة من ~~المؤمنين معه، أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه، وأخذ المسلمون أنفسهم ~~بالقيام على المقادير حتى شق ذلك عليهم، فأنزل الله تعالى: إن ربك يعلم أنك ~~تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه أي: وتقوم نصفه وثلثه وطائفة من الذين ~~معك والله يقدر الليل والنهار فيعلم مقدار ثلثيه ونصفه وثلثه، وسائر أجزائه ~~ومواقيته، ويعلم أنكم أن لن تحصوه أي: لن تطيقوا معرفة حقائق ذلك والقيام ~~فيه فتاب عليكم فاقرؤا ما تيسر من القرآن [المزمل: 20] رخص لهم أن يقوموا ~~ما أمكن وخف، لغير مدة معلومة ولا مقدار. # وكان هذا في صدر الإسلام، ثم نسخ بالصلوات الخمس. كذلك قال المفسرون: # وقوله: إن ناشئة الليل [المزمل: 6] وهي: آناؤه وساعاته، مأخوذة من نشأت ~~تنشأ نشئا، ونشأت أي: ابتدأت وأقبلت شيئا بعد شيء، وأنشأها الله فنشأت # PageV01P214 # وأنشأت. ومنه قوله سبحانه: أومن ينشؤا في الحلية [الزخرف: 18] وقوله: إنا ~~أنشأناهن إنشاء (35) [الواقعة: 35] أي: ابتدأناهن ونبتناهن، ومنه قيل لصغار ~~الجواري: # نشأ. # فكأنه قال: إن ساعات الليل الناشئة، فاكتفى بالوصف من الاسم. # وقوله: أشد وطئا [المزمل: 6] أي: أثقل على المصلي من ساعات النهار. وهو ~~من قولك: اشتدت على القوم وطأة سلطانهم: إذا ثقل عليهم ما يلزمهم ويأخذهم ~~به. # فأعلم الله نبيه أن الثواب في قيام الليل على قدر شدة الوطأة وثقلها. # ومن قرأها: وطاء على تقدير (فعال) فهو مصدر لواطأت فلانا على كذا مواطأة ~~ووطاء. وأراد: أن القراءة في الليل يتواطأ فيها قلب المصلي ولسانه وسمعه ~~على التفهم والأداء والاستماع، بأكثر مما يتواطأ عليه بالنهار. # وأقوم قيلا [المزمل: 6] أي: أخلص للقول وأسمع له، لأن الليل تهدأ عنه ~~الأصوات، وتنقطع فيه الحركات، فيخلص القول، ولا يكون دون تسمعه وتفهمه ~~حائل. # وقوله: إن لك في النهار سبحا طويلا (7) [المزمل: 7] يعني: تصرفا وإقبالا ~~وإدبارا في حوائجك وأشغالك. ### || في سورة الفتح # هم الذين كفروا وصدوكم عن المسجد الحرام والهدي معكوفا أن يبلغ محله ~~ولولا رجال مؤمنون ونساء مؤمنات لم تعلموهم أن تطؤهم ms129 فتصيبكم منهم معرة ~~بغير علم ليدخل الله في رحمته من يشاء لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم ~~عذابا أليما (25) [الفتح: 25] . # كان بمكة قوم مؤمنون مختلطون بالمشركين غير متميزين ولا معروفي الأماكن، ~~فلما صد المشركون رسول الله، صلى الله عليه وسلم، عن المسجد الحرام وعكفوا ~~الهدي أن يبلغ محله. قال الله سبحانه: لولا أن بمكة رجالا مؤمنين ونساء ~~مؤمنات لا تعرفونهم فتطئوهم لو دخلتموها، أي تقتلوهم ليدخلهم الله في رحمته ~~لو فعلتم فتصيبكم من قتلهم بغير علم معرة، أي يعيبكم المشركون بذلك ~~ويقولون: قد قتلوا أهل دينهم وعذبوهم كما فعلوا بنا، وتلزمكم الديات. # ثم قال، لو تزيلوا، أي تميزوا من المشركين لعذبنا المشركين بالسيف # PageV01P215 # عذابا أليما: فصار قوله سبحانه: لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما ~~جوابا لكلامين: أحدهما: لولا رجال مؤمنون، والآخر: لو تزيلوا. ### || في سورة الأعراف # فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين ~~كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [الأعراف: 176] . # كل شيء يلهث فإنما يلهث من إعياء أو عطش أو علة، خلا الكلب، فإنه يلهث في ~~حال الكلال، وحال الراحة، وحال الصحة والمرض، وحال الري والعطش. # فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته فقال: إن وعظته فهو ضال، وإن لم تعظه فهو ~~ضال، كالكلب إن طردته وزجرته فسعى لهث، أو تركته على حاله أيضا لهث. # ونحوه قوله: وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم ~~أنتم صامتون (193) [الأعراف: 193] . ### || في سورة البقرة # وإذ أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم ولا تخرجون أنفسكم من دياركم ثم ~~أقررتم وأنتم تشهدون (84) ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان وإن يأتوكم أسارى تفادوهم وهو ~~محرم عليكم إخراجهم أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض فما جزاء من يفعل ~~ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب ~~[البقرة: 84، 85] . # نزلت في بني قريظة والنضير. يقول: أخذ الله عليكم في الكتاب: ألا تسفكوا ~~دماءكم، أي لا تقتتلوا، فيقتل بعضكم بعضا، ولا ms130 تتركوا أسيرا في أيدي ~~الآسرين فيقتلوه، ولا تخرجوا أنفسكم من دياركم، أي لا تغلبوا أحدا على داره ~~وتخرجوه، فقبلتم ذلك وأقررتم به، وهو أخذ الميثاق وأنتم تشهدون بذلك ثم ~~أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم أي تقتتلون فيقتل بعضكم بعضا، وتخرجون فريقا منكم ~~من ديارهم تظاهرون عليهم بالإثم والعدوان أي تتعاونون وإن يأتوكم بهم أسارى ~~تفادوهم، وهو محرم عليكم إخراجهم من ديارهم أفتؤمنون ببعض الكتاب في فك ~~الأسير وتكفرون ببعض في إخراجكم من أخرجتم من ديارهم فما جزاء من يفعل ذلك ~~منكم إلا خزي في الحياة الدنيا فجوزي بنو النضير بأن أخرجهم رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، عن # PageV01P216 # ديارهم لأول الحشر. # وجوزي بنو قريظة بقتل المقاتلة وسبي الذرية. ### || في الزخرف # قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (81) [الزخرف: 81] . # لما قال المشركون: لله ولد، ولم يرجعوا عن مقالتهم بما أنزله الله على ~~رسوله، عليه السلام، من التبرؤ من ذلك- قال الله سبحانه لرسوله عليه ~~السلام: قل: لهم إن كان للرحمن ولد أي: عندكم في ادعائكم. فأنا أول ~~العابدين أي: أول الموحدين، ومن وحد الله فقد عبده، ومن جعل له ولدا أو ~~ندا، فليس من العابدين، وإن اجتهد. # ومنه قوله: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون [النازعات: 56] ، أي إلا ~~ليوحدون. # قال مجاهد «1» : يريد إن كان لله ولد في قولكم، فأنا أول من عبد الله ~~ووحده، وكذبكم بما تقولون. # وبعض المفسرين يجعل إن بمعنى (ما) ، وليس يعجبني ذلك. # ويقال: العابدون هاهنا: الغضاب الآنفون. يقال: عبدت من كذا أعبد عبدا. ~~وأكثر ما تأتي الأسماء من فعل يفعل (على فعل) كقوله: وجل يوجل فهو وجل، ~~وفزع يفزع فهو فزع. # وربما جاء على (فاعل) نحو علم يعلم فهو عالم. # وربما جاء منه على (فعل) و (فاعل) نحو صدى يصدي فهو صد وصاد، كذلك تقول: ~~عبد يعبد فهو عبد وعابد، قال الشاعر «2» : # وأعبد أن تهجى تميم بدارم PageV01P217 ### || في سورة النساء # من الذين هادوا يحرفون الكلم عن مواضعه ويقولون سمعنا وعصينا واسمع غير ~~مسمع وراعنا ليا بألسنتهم وطعنا في ms131 الدين ولو أنهم قالوا سمعنا وأطعنا ~~واسمع وانظرنا لكان خيرا لهم وأقوم ولكن لعنهم الله بكفرهم فلا يؤمنون إلا ~~قليلا (46) [النساء: 46] . # هؤلاء قوم من اليهود كانوا يقولون للنبي، صلى الله عليه وسلم، إذا حدثهم ~~وأمرهم: سمعنا، ويقولون في أنفسهم: عصينا. وإن أرادوا أن يكلموه بشيء قالوا ~~له: اسمع يا أبا القاسم، ويقولون في أنفسهم: لا سمعت. ويقولون له: راعنا. ~~يوهمونه في ظاهر اللفظ أنهم يريدون انتظرنا حتى نكلمك بما نريد، كما تقول ~~العرب: أرعني سمعك وراعني، أي: انتظرني وترفق وتلوم علي، هذا ونحوه، وإنما ~~يريدون سبه بالرعونة في لغتهم، فقال الله سبحانه: من الذين هادوا يحرفون ~~الكلم عن مواضعه ويقولون كذا وكذا. # ويقولون: راعنا ليا بألسنتهم أي: قلبا للكلام بها، وطعنا في الدين. ولو ~~أنهم قالوا: سمعنا وأطعنا مكان قولهم: سمعنا وعصينا، وقالوا: واسمع. مكان ~~قوله: لا سمعت، وانظرنا، مكان قولهم: راعنا لكان خيرا لهم وأقوم. # والعرب تقول: نظرتك وانتظرتك، بمعنى واحد، قال الحطيئة «1» : # وقد نظرتكم إيناء عاشية ... للخمس طال بها حوزي وتنساسي ### || في سورة المائدة # يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ~~ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة ~~الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ~~ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (106) ~~PageV01P218 # فإن عثر على أنهما استحقا إثما فآخران يقومان مقامهما من الذين استحق ~~عليهم الأوليان فيقسمان بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وما اعتدينا إنا ~~إذا لمن الظالمين (107) ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أو يخافوا أن ~~ترد أيمان بعد أيمانهم واتقوا الله واسمعوا [المائدة: # 106، 108] . # قد اختلف الناس قديما في تأويل هذه الآية والسبب الذي نزلت فيه. # وأنا مخبر من تلك المذاهب والتأويلات، بأشبهها بلفظ الكتاب، وأولاها ~~بمعناه. # وأراد الله عز وجل أن يعرفنا كيف نشده بالوصية عند حضور الموت، فقال: يا ~~أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية ms132 اثنان ذوا ~~عدل منكم أي: رجلان عدلان من المسلمين تشهدونهما على الوصية. # وعلم الله سبحانه أن من الناس من يسافر فيصحبه في سفره أهل الكتاب دون ~~المسلمين، وينزل القرية التي لا يسكنها غيرهم، ويحضره الموت فلا يجد من ~~يشهده من المسلمين، فقال: أو آخران من غيركم أي: من غير دينكم إذا ضربتم في ~~الأرض أي: سافرتم فأصابتكم مصيبة الموت وتم الكلام. فالعدلان من المسلمين ~~للحضر والسفر خاصة إن أمكن إشهادهما في السفر. والذميان في السفر خاصة إذا ~~لم يوجد غيرهما. # ثم قال: تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم أراد: ~~تحبسونهما من بعد صلاة العصر إن ارتبتم في شهادتهما وشككتم، وخشيتم أن ~~يكونا قد غيرا، أو بدلا وكتما وخانا. # وخص هذا الوقت، لأنه قبل وجوب الشمس «1» ، وأهل الأديان يعظمونه ويذكرون ~~الله فيه، ويتوقون الحلف الكاذب وقول الزور، وأهل الكتاب يصلون لطلوع الشمس ~~وغروبها. # فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا أي: لا نبيعه بعرض، ولا نحابي ~~في شهادتنا أحدا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة علمناها. # فإذا حلفا بهذه اليمين على ما شهدا به، قبلت شهادتهما، وأمضي الأمر على ~~قولهما. PageV01P219 # وروى معاوية بن عمرو «1» ، عن زائدة «2» ، عن زكريا «3» ، عن الشعبي «4» ~~أنه قال: # مات رجل بدقوقا ولم يشهده إلا نصرانيان، فأشهدهما على وصيته، فقدما ~~الكوفة وأبو موسى الأشعري «5» عليهما، فتقدما إليه فأحلفهما في مسجد الكوفة ~~بعد العصر: # بالله ما بدلا ولا كتما ولا كذبا وأجاز شهادتهما. # فإن عثر بعد هذه اليمين أي: ظهر على أنهما استحقا إثما أي: حنثا في ~~اليمين بكذب في قول، أو خيانة في وديعة فآخران يقومان مقامهما من الذين ~~استحق عليهم الأوليان أي: قام في اليمين مقامهما رجلان من قرابة الميت ~~الذين استحق منهم الأوليان، وهما الوليان، يقال: هذا الأولى بفلان، ثم يحذف ~~من الكلام بفلان، فتقول: # هذا الأولى، وهذان الأوليان، كما تقول: هذا الأكبر، في معنى الكبير، وهذا ~~الأكبران، وعليهم بمعنى (منهم) ، كما تقول: استحققت عليك كذا، واستوجبت ~~عليك كذا، وأي: استحققته منك، ms133 واستوجبته منك، وقال الله سبحانه: الذين إذا ~~اكتالوا على الناس يستوفون [المطففين: 2] . # أي من الناس. # وقال صخر الغي «6» : # متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث PageV01P220 # يريد: من أقطارها. # فإذا أقام الوليان مقام الذميين لليمين، حلفا بالله لقد ظهرنا على خيانة ~~الذميين وكذبهما وتبديلهما، وما اعتدينا عليهما، ولشهادتنا أحق من شهادتهما ~~أي: أصح لكفرهما وإيماننا. # فإذا حلف الوليان على ما ظهرا عليه، رجع على الذميين بما اختانا، ونقض ما ~~مضى عليه الحكم بشهادتهما. # ثم قال سبحانه: ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها أي: هذا الحكم أقرب ~~بهم إلى أن يأتوا بالشهادة على وجهها، يعني أهل الذمة أو يخافوا أن ترد ~~أيمان على أولياء الميت بعد أيمانهم فيحلفوا على خيانتهم وكذبهم، فيفضحوا، ~~أو يغرموا. # وأكثر العلماء يذهب إلى أن هذا باب من الحكم (محكم) وأنه لم ينسخ من سورة ~~المائدة شيء، لأنها آخر ما نزل. # وبعضهم يذهب إلى أنه منسوخ بقوله سبحانه: # واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون ~~من الشهداء [البقرة: 282] . ### || في سورة الروم # ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما ~~رزقناكم فأنتم فيه سواء تخافونهم كخيفتكم أنفسكم كذلك نفصل الآيات لقوم ~~يعقلون (28) [الروم: 28] . # هذا مثل ضربه الله لمن جعل له شركاء من خلقه، فقال قبل المثل: وهو الذي ~~يبدؤا الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه [الروم: 27] يريد: إعادته على المخلوق ~~أهون من ابتدائه، لأنه ابتدأه في الرحم نطفة، وعلقة، ومضغة، وإعادته تكون ~~بأن يقول له: # كن فيكون [الأنعام: 73] فذلك أهون على المخلوق من النشأة الأولى. كذلك ~~قال ابن عباس في رواية أبي صالح. # وإن جعلته لله، جعلت أهون بمعنى: وهو هين عليه، أي سهل عليه. # وله المثل الأعلى [الروم: 27] يعني: شهادة أن لا إله إلا الله. # PageV01P221 # ثم ضرب المثل فقال: ضرب لكم مثلا من أنفسكم وذلك أقرب عليكم هل لكم من ~~شركاء من عبيدكم الذين تملكون في ما رزقناكم فأنتم فيه وعبيدكم سواء يأمرون ~~فيه ms134 كأمركم، ويحكمون كحكمكم، وأنتم تخافونهم كخيفتكم أنفسكم أي كما يخاف ~~الرجل الحر شريكه الحر في المال يكون بينهما، فلا يأمر فيه بشيء دون أمره، ~~ولا يمضي فيه عطية بغير إذنه. # وهو مثل قوله: ولا تلمزوا أنفسكم [الحجرات: 11] أي لا تعيبوا إخوانكم من ~~المسلمين. # وقوله: ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرا [النور: 12] أي بأمثالهم من ~~المؤمنين. # يقول: فإذا كنتم أنتم بهذه المنزلة فيما بينكم وبين أرقائكم، فكيف تجعلون ~~لله من عبيده شركاء في ملكه؟ # ومثله قوله والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فجعل منكم المالك والمملوك ~~فما الذين فضلوا يعني: السادة برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم [النحل: 71] ~~من عبيدهم حتى يكونوا فيه شركاء. يريد: فإذا كان هذا لا يجوز بينكم، فكيف ~~تجعلونه لله؟. ### || في سورة النحل # ضرب الله مثلا عبدا مملوكا لا يقدر على شيء ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ~~ينفق منه سرا وجهرا [النحل: 75] . # هذا مثل ضربه الله لنفسه ولمن عبد دونه، فقال: ضرب الله مثلا عبدا مملوكا ~~لا يقدر على شيء فهذا مثل من جعل إلها دونه أو معه لأنه عاجز مدبر، مملوك ~~لا يقدر على نفع ولا ضر. # ثم قال: ومن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه سرا وجهرا هل يستوون ~~[النحل: 75] . # فهذا مثله جل وعز لأنه الواسع الجواد القادر، الرازق عباده جهرا من حيث ~~يعلمون، وسرا من حيث لا يعلمون. # وقال بعض المفسرين: هو مثل للمؤمن، والكافر. فالعبد: هو الكافر، ~~والمرزوق: هو المؤمن. # والتفسير الأول أعجب إلي، لأن المثل توسط كلامين هما لله تعالى أما ~~(الأول) # PageV01P222 # فقوله: ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ~~ولا يستطيعون (73) [النحل: 73] . # فهذا لله ومن عبد من دونه. # وأما الآخر فقوله بعد انقضاء المثل: فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم ~~وأنتم لا تعلمون (74) [النحل: 74] . # ولأنه ضرب لهذا المعنى مثلا آخر بعقب هذا الكلام فقال: وضرب الله مثلا ~~رجلين أحدهما أبكم أي: أخرس لا يقدر على شيء وهو كل على مولاه أي: # عيال ms135 وثقل على قرابته ووليه أينما يوجهه لا يأت بخير [النحل: 76] . # فهذا مثل آلهتهم، لأنها صم بكم عمي، ثقل على من عبدها، في خدمتها والتعبد ~~لها، وهي لا تأتيه بخير. # ثم قال: هل يستوي هو ومن يأمر بالعدل وهو على صراط مستقيم [النحل: 76] ~~فجعل هذا المثل لنفسه. ### || في سورة النحل أيضا # ولا تكونوا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا تتخذون أيمانكم دخلا ~~بينكم أن تكون أمة هي أربى من أمة [النحل: 92] . # هذا مثل لمن عاهد الله وحلف به، فقال تعالى: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم ~~ولا تنقضوا الأيمان بعد توكيدها [النحل: 91] فتكونوا إن فعلتم كامرأة غزلت ~~غزلا وقوت مرته وأبرمته، فلما استحكم نقضته، فجعلته أنكاثا. # والأنكاث: ما نقض من أخلاق بيوت الشعر والوبر ليغزل ثانية ويعاد مع ~~الجديد، وكذلك ما نقض من خلق الخز. # ومنه قيل لمن أعطاك بيعته على السمع والطاعة ثم خرج عليك: ناكث، لأنه نقض ~~ما وكد على نفسه بالإيمان والعهود، كما تنقض الناكثة غزلها. # ثم قال: تتخذون أيمانكم دخلا بينكم. أي: دغلا وخيانة وحيلا أن تكون أمة ~~هي أربى من أمة أي: لأن يكون قوم أغنى من قوم، وقوم أعلى من قوم، تريدون: ~~أن تقتطعوا بأيمانكم حقوقا لهؤلاء، فتجعلوها لهؤلاء. # وقال المفسرون في التي نقضت غزلها: هي امرأة من قريش وكانت حمقاء، # PageV01P223 # فكانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوبر بمغزل في غلظ الذراع، وصنارة في ~~قدر الإصبع، وفلكة عظيمة، فإذا أحكمته أمرت خادمها فنقضته. ### || في سورة الصافات # إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (64) طلعها كأنه رؤس الشياطين (65) ~~[الصافات: 64، 65] . # طلعها: ثمرها، سمي طلعا لطلوعه كل سنة، ولذلك قيل: طلع النخل، لأول ما ~~يخرج من ثمره، فإذا انتقل عن ذلك فصار في حال أخرى، سمى باسم آخر. # والشياطين: حيات خفيفات الأجسام قبيحات المناظر. # قال الشاعر وذكر ناقة «1» : # تلاعب مثنى حضرمي كأنه ... تعمج شيطان بذي خروع قفر # يعني: زماما، شبه تلويه بتلوي الحية. # وقال آخر «2» : # عجيز تحلف حين أحلف ... كمثل شيطان الحماط أعرف # والحماط: شجر. والعرب تقول إذا رأت ms136 منظرا قبيحا: كأنه شيطان الحماط. # يريدون حية تأوى في الحماط، كما يقولون: أيم «3» الضال، وذئب الغضى، ~~وأرنب خلة، وتيس حلب، وقنفذ برقة. PageV01P224 # وذهب بعض المفسرين إلى أنه أراد الشياطين بأعيانها. شبه ثمر هذه الشجرة ~~في قبحه، برؤوسها، وهي إن لم تر، فإنها موصوفة بالقبح، معروفة به. ### || في سورة النساء # وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من ~~عندك قل كل من عند الله فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا (78) ما ~~أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك [النساء: 78، 79] . # الحسنة هاهنا: الخصب والمطر. يقول: إن أصابهم خصب وغيث قالوا: هذا من عند ~~الله. # والسيئة: الجدب والقحط. يقول: وإن تصبهم سيئة يقولوا: هذه من عندك. أي ~~بشؤمك، يقول الله تعالى: قل كل من عند الله. # ومثل هذا قوله حكاية عن فرعون وملئه: فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه ~~[الأعراف: 131] يريد إذا جاءهم الخصب والمطر قالوا: هذا هو ما لم نزل ~~نتعرفه. # وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه [الأعراف: 131] أي يتشاءمون بهم. # ألا إنما طائرهم عند الله [الأعراف: 131] أي ما تطيروا بموسى- لمجيئه- من ~~عند الله. # ونحو قوله: وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها أي: خصبا وخيرا وإن تصبهم ~~سيئة أي جدب وقحط بما قدمت أيديهم أي بذنوبهم إذا هم يقنطون [الروم: # 36] . # ثم قال: ما أصابك من حسنة أي من خير فمن الله، وما أصابك من سيئة أي من ~~شر فمن نفسك [النساء: 79] أي بذنبك. الخطاب للنبي، صلى الله عليه وسلم، ~~والمراد غيره، على ما بينت في باب الكناية. ### || في سورة يونس # ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير لقضي إليهم أجلهم فنذر الذين ~~لا يرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون (11) [يونس: 11] . # يريد أن الناس عند الغضب وعند الضجر، قد يدعون على أنفسهم وأهلهم # PageV01P225 # وأولادهم بالموت وبالخزي وتعجيل البلاء، كما قد يدعونه بالرزق والرحمة ~~وإعطاء السؤل. # يقول: فلو أجابهم الله إذا دعوه بالشر الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير- ~~لقضي إليهم أجلهم، أي لهلكوا. # وفي الكلام حذف ms137 للاختصار، كأنه قال: ولو يعجل الله للناس إجابتهم بالشر ~~الذي يستعجلونه استعجالهم بالخير، لهلكوا. ### || في سورة هود # أفمن كان على بينة من ربه ويتلوه شاهد منه ومن قبله كتاب موسى إماما ~~ورحمة أولئك يؤمنون به ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده فلا تك في مرية ~~منه إنه الحق من ربك ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (17) [هود: 17] . # هذا كلام مردود إلى ما قبله، محذوف منه الجواب للاختصار، على ما بينا في ~~(باب المجاز) . # وإنما ذكر الله تعالى قبل هذا الكلام قوما ركنوا إلى الدنيا ورضوا بها ~~عوضا من الآخرة فقال: # من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا ~~يبخسون (15) [هود: 15] . # أي نؤتيهم ثواب أعمالهم في الدنيا، إذ كان عملهم لها وطلبهم ثوابها، وليس ~~لهم في الآخرة إلا النار. # وحبط ما صنعوا فيها أي ذهب وبطل، لأنهم لم يريدوا الله بشيء منه. # ثم قايس بين هؤلاء وبين النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته فقال: أفمن كان ~~على بينة من ربه يعني محمدا، صلى الله عليه وسلم. ويتلوه شاهد منه أي من ~~ربه. (الهاء) مردودة إلى الله تعالى. # والشاهد من الله تعالى للنبي، صلى الله عليه وسلم: جبريل عليه السلام، ~~يريد أنه يتبعه ويؤيده ويسدده ويشهده. # ويقال: الشاهد: (القرآن) يتلوه يكون بعده تاليا شاهدا له. # وهذا أعجب إلي، لأنه يقول: ومن قبله كتاب موسى يعني التوراة. # PageV01P226 # إماما ورحمة قبل القرآن يشهد له بما قدم الله فيها من ذكره. # والجواب هاهنا محذوف. أراد أفمن كانت هذه حاله كهذا الذي يريد الحياة ~~الدنيا وزينتها؟ فاكتفى من الجواب بما تقدم، إذ كان فيه دليل عليه. # ومثله قوله: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يحذر الآخرة ويرجوا ~~رحمة ربه، ولم يذكر الذي هو ضده؟ لأنه قال بعد: هل يستوي الذين يعلمون ~~والذين لا يعلمون [الزمر: # 9] . # فالقانتون آناء الليل والنهار هم الذين يعلمون، وأضدادهم، هم الذين لا ~~يعلمون، فاكتفى من الجواب بما تأخر من القول، إذ كان فيه دليل عليه. # وقوله: ms138 أولئك يؤمنون به، يعني أصحاب محمد، صلى الله عليه وسلم، يؤمنون ~~بهذا. # ومن يكفر به من الأحزاب، يعني مشركي العرب وغيرهم. فالنار موعده، فلا تك ~~في مرية منه، أي في شك. إنه الحق من ربك، الخطاب للنبي، صلى الله عليه ~~وسلم، والمراد غيره، على ما بينا في (باب الكناية) . ### || في سورة الأنعام # ثم آتينا موسى الكتاب تماما على الذي أحسن وتفصيلا لكل شيء وهدى ورحمة ~~لعلهم بلقاء ربهم يؤمنون (154) [الأنعام: 154] . # أراد: آتينا موسى الكتاب تماما على المحسنين، كما تقول: أوصي بمالي للذي ~~غزا وحج، تريد الغازين الحاجين، ويكون (الذي) في موضع (من) كأنه قال: تماما ~~على من أحسن. # والمحسنون: هم الأنبياء، صلوات الله عليهم أجمعين، والمؤمنون. و (على) في ~~هذا الموضع بمعنى (لام الجر) كما يقال: أتم الله عليه وأتم له قال الراعي ~~«1» : # رعته أشهرا وخلا عليها ... فطار الني فيها واستغارا # أراد: وخلا لها. # وتلخيصه: آتينا موسى الكتاب تتميما منا للأنبياء وللمؤمنين- الكتب. ~~PageV01P227 # وتفصيلا منا لكل شيء وهدى ورحمة. # وقد يكون أن تجعل (الذي) بمعنى (ما) أي آتينا موسى الكتاب تماما على أحسن ~~من العلم والحكمة وكتب الله المتقدمة. وأراد بقوله: تماما على ذلك، أي ~~زيادة على ذلك. # والتأويل الأول أعجب إلي، لأنه في مصحف عبد الله: تماما على الذين ~~أحسنوا. وفي هذا ما دل على ذلك التأويل. # وقد ينصرف أيضا إلى معنى آخر، كأنه قال: آتيناه الكتاب إتماما منا ~~للإحسان على من أحسن. ### || في سورة المائدة # إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو ~~يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في ~~الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم (33) [المائدة: 33] . # المحاربون لله ورسوله: هم الخارجون على الإمام وعلى جماعة المسلمين، ~~يخيفون السبل، ويسعون في الأرض بالفساد. وهم ثلاثة أصناف: # رجل قتل النفس ولم يأخذ مالا. # ورجل قتل النفس وأخذ المال. # ورجل أخذ المال ولم يقتل النفس. # فإذا قدر الإمام عليهم فإن بعضهم يقول: هو مخير في هذه العقوبات، بأيها ms139 ~~شاء عاقب كل صنف منهم. # وكان بعضهم يجعل لكل صنف منهم حدا لا يتجاوزه إلى غيره: # فمن قتل النفس ولم يأخذ المال قتل، لأن النفس بالنفس. # ومن قتل وأخذ المال: صلب إلى أن يموت، فكان الشهر له بالصلب جزاء له ~~بأخذه المال، وقتله جزاء له بقتله للنفس. # ومن أصاب المال ولم يقتل، فإن شاء الإمام قطع يده اليمنى جزاء بالسرق، ~~ورجله اليسرى جزاء بالخروج والمجاهرة بالفساد. وإن شاء نفاه من الأرض. # PageV01P228 # وقد اختلفوا في نفيه من الأرض، فقال بعضهم: هو أن يقال: من لقيه فليقتله. # وقال آخر: هو أن يطلب في كل أرض يكون بها. # وقال آخر: هو أن ينفى من بلده. # وقال آخر: هو أن يحبس. # قال أبو محمد: # ولا أرى شيئا من هذه التفاسير، أشبه بالنفي في هذا الموضع من الحبس، لأنه ~~إذا حبس ومنع من التصرف والتقلب في البلاد، فقد نفي منها كلها وألجئ إلى ~~مكان واحد. وقال بعض المسجونين «1» : # خرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأحياء فيها ولا الموتى # إذا جاءنا السجان يوما لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا # ومن جعل النفي له أن يقال: من لقيه فليقتله، أو أن يطلب في كل أرض يكون ~~بها- فإنه يذهب- فيما أحسب- إلى أن هذا جزاؤه قبل أن يقدر عليه، لأنه لا ~~يجوز أن يكون الإمام يظفر به فيدع عقوبته ثم يقول: من لقيه فليقتله. أو ~~يجده فيتركه ثم يطلبه في كل أرض. # وإذا كان هذا هكذا اختلفت العقوبات فصار بعضها لمن قدر عليه، وبعضها لمن ~~لم يقدر عليه. وأشبه الأشياء أن تكون كلها فيمن ظفر به. # وأما نفيه من بلده إلى غيره، فليس نفي الخارب «2» من بلده إلى غيره عقوبة ~~له، إذ كان في خرابته وخروجه غائبا عن مصره، بل هو إهمال وتسليط وبعث على ~~التزيد في العيث والفساد. ### || في سورة الأنبياء # وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله ~~إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (87) [الأنبياء: 87] . PageV01P229 # يستوحش ms140 كثير من الناس من أن يلحقوا بالأنبياء ذنوبا، ويحملهم التنزيه ~~لهم، صلوات الله عليهم، على مخالفة كتاب الله جل ذكره، واستكراه التأويل، ~~وعلى أن يلتمسوا لألفاظه المخارج البعيدة بالحيل الضعيفة التي لا تخيل ~~عليهم، أو على من علم منهم- أنها ليست لتلك الألفاظ بشكل، ولا لتلك المعاني ~~بلفق. # كتأولهم في قوله تعالى: وعصى آدم ربه فغوى [طه: 121] أي: بشم من أكل ~~الشجرة. وذهبوا إلى قول العرب: غوى الفصيل: إذا أكثر من اللبن حتى يبشم. ~~وذلك غوى- بفتح الواو- يغوي غيا. وهو من البشم غوي- بكسر الواو- يغوى غوى. ~~قال الشاعر يذكر قوسا «1» : # معطفة الأثناء ليس فصيلها ... برازئها ذرا ولا ميت غوى # وأراد بالفصيل: السهم. يقول: ليس يرزؤها درا، ولا يموت بشما، ولو وجد ~~أيضا في (عصى) مثل هذا السنن لركبوه، وليس في (غوى) شيء إلا ما في (عصى) من ~~معنى الذنب، لأن العاصي لله التارك لأمره غاو في حاله تلك، والغاوي عاص. ~~والغي ضد الرشد، كما أن المعصية ضد الطاعة. # وقد أكل آدم، صلى الله عليه وسلم، من الشجرة التي نهي عنها باستزلال ~~إبليس وخدائعه إياه بالله والقسم به إنه لمن الناصحين، حتى دلاه بغرور «2» ~~. ولم يكن ذنبه عن إرصاد «3» وعداوة وإرهاص «4» كذنوب أعداء الله. فنحن ~~نقول: (عصى وغوى) ، كما قال الله تعالى، ولا نقول: آدم (عاص ولا غاو) ، لأن ~~ذلك لم يكن عن اعتقاد متقدم ولا نية صحيحة، كما تقول لرجل قطع ثوبا وخاطه: ~~قد قطعه وخاطه، ولا تقل خائط ولا خياط حتى يكون معاودا لذلك الفعل، معروفا ~~به. # وكتأولهم في قوله سبحانه: ولقد همت به وهم بها أنها همت بالمعصية، وهم ~~بالفرار منها! وقال (بعضهم) : وهم بضربها! والله تعالى يقول: لولا أن رأى ~~برهان ربه [يوسف: 24] . أفتراه أراد الفرار منها. أو الضرب لها، فلما رأى ~~البرهان أقام PageV01P230 # عندها وأمسك عن ضربها؟! هذا ما ليس به خفاء ولا يغلط متأوله. ولكنها همت ~~منه بالمعصية هم نية واعتقاد، وهم نبي الله صلى الله عليه وسلم، هما عارضا ~~بعد طول المراودة، وعند حدوث الشهوة التي أتي ms141 أكثر الأنبياء في هفواتهم ~~منها. # وقد روي في الحديث: أنه ليس من نبي إلا وقد أخطأ أو هم بخطيئة غير يحيى ~~بن زكريا، عليهما السلام # ، لأنه كان حصورا لا يأتي النساء ولا يريدهن «1» . فهذا يدلك على أن أكثر ~~زلات الأنبياء من هذه الجهة، وإن كانوا لم يأتوا في شيء منها فاحشة، بنعم ~~الله عليهم ومنه، فإن الصغير منهم كبير، لما آتاهم الله من المعرفة. # واصطفاهم له من الرسالة، وأقام عليهم من الحجة. ولذلك قال يوسف، صلى الله ~~عليه وسلم: وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء [يوسف: 53] ، يريد ما ~~أضمره وحدث به نفسه عند حدوث الشهوة. وقد وضع الله تعالى الحرج عمن هم ~~بخطيئة ولم يعملها. # وقالوا في قوله: وذا النون إذ ذهب مغاضبا: إنه غاضب قومه! استيحاشا من أن ~~يكون مع تأييد الله وعصمته وتوفيقه وتطهيره، يخرج مغاضبا لربه. ولم يذهب ~~مغاضبا لربه ولا لقومه، لأنه بعث إليهم فدعاهم برهة من الدهر فلم يستجيبوا، ~~ووعدهم عن الله فلم يرغبوا، وحذرهم بأسه فلم يرهبوا، وأعلمهم أن العذاب ~~نازل عليهم لوقت ذكره لهم، ثم إن اعتزلهم ينتظر هلكتهم. فلما حضر الوقت أو ~~قرب فكر القوم واعتبروا، فتابوا إلى الله وأنابوا، وخرجوا بالمراضيع ~~وأطفالها يجأرون ويتضرعون، فكشف الله تعالى عنهم العذاب، ومتعهم إلى حين. # فإن كان نبي الله، صلى الله عليه وسلم، ذهب مغاضبا على قومه قبل أن ~~يؤمنوا، فإنما راغم من استحق في الله أن يراغم، وهجر من وجب أن يهجر، ~~واعتزل من علم أن قد حقت عليه كلمة العذاب. فبأي ذنب عوقب بالتهام الحوت، ~~والحبس في الظلمات، والغم الطويل؟. PageV01P231 # وما الأمر الذي ألام فيه فنعاه الله عليه إذ يقول: فالتقمه الحوت وهو ~~مليم (142) [الصافات: 142] والمليم: الذي أجرم جرما استوجب به اللوم. # ولم أخرجه من أولي العزم من الرسل، حين يقول لنبيه، صلى الله عليه وسلم: ~~فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت إذ نادى وهو مكظوم (48) [القلم: 48] . # وإن كان الغضب عليهم بعد أن آمنوا، فهذا أغلظ مما أنكروا، وأفحش مما ms142 ~~استقبحوا، كيف يجوز أن يغضب على قومه حين آمنوا، ولذلك انتخب وبه بعث، ~~وإليه دعا؟!. # وما الفرق بين عدو الله ووليه إن كان وليه يغضب من إيمان مائة ألف أو ~~يزيدون؟. # والقول في هذا أن المغاضبة: المفاعلة من الغضب، والمفاعلة تكون من اثنين، ~~تقول: غاضبت فلانا مغاضبة وتغاضبنا: إذا غضب كل واحد منكما على صاحبه، كما ~~تقول: ضاربته مضاربة، وقاتلته مقاتلة، وتضاربنا وتقاتلنا. # وقد تكون المفاعلة من واحد، فنقول: غاضبت من كذا: أي غضبت، كما تقول: # سافرت وناولت، وعاطيت الرجل، وشارفت الموضع، وجاوزت، وضاعفت، وظاهرت، ~~وعاقبت. # ومعنى المغاضبة هاهنا: الأنفة، لأن الأنف من الشيء يغضب، فتسمى الأنفة ~~غضبا، والغضب أنفة، إذا كان كل واحد بسبب من الآخر، تقول: غضبت لك من كذا، ~~وأنت تريد أنفت، قال الشاعر «1» : # غضبت لكم أن تساموا اللفاء ... بشجناء من رحم توصل # يروى مرة: (أنفت لكم) ، ومرة: (غضبت لكم) ، لأن المعنيين متقاربان. # وكذلك (العبد) أصله: الغضب. ثم قد تسمى الأنفة عبدا. # وقال الشاعر «2» : # وأعبد أن تهجى تميم بدارم PageV01P232 # يريد: آنف. # وحكى أبو عبيد، عن أبي عمرو، أنه قال في قوله تعالى: فأنا أول العابدين ~~[الزخرف: 81] : هو من الغضب والأنفة. ففسر الحرف بالمعنيين لتقاربهما. # فكأن نبي الله، صلى الله عليه وسلم، لما أخبرهم عن الله أنه منزل العذاب ~~عليهم لأجل، ثم بلغه بعد مضي الأجل أنه لم يأتهم ما وعدهم- خشي أن ينسب إلى ~~الكذب ويعير به، ويحقق عليه، لا سيما ولم تكن قرية آمنت عند حضور العذاب ~~فنفعها إيمانها غير قومه، فدخلته الأنفة والحمية، وكان مغيظا بطول ما عاناه ~~من تكذيبهم وهزئهم وأذاهم واستخفافهم بأمر الله، مشتهيا لأن ينزل بأس الله ~~بهم. هذا إلى ضيق صدره، وقلة صبره على ما صبر على مثله أولوا العزم من ~~الرسل. # وقد روي في الحديث أنه كان ضيق الصدر، فلما حمل أعباء النبوة تفسخ تحتها ~~تفسخ الربع تحت الحمل الثقيل، فمضى على وجهه مضي الآبق الناد. # يقول الله سبحانه: وإن يونس لمن المرسلين (139) إذ أبق إلى الفلك المشحون ~~(140) # [الصافات: 139، 140] . # فظن أن ms143 لن نقدر عليه، أي لن نضيق عليه، وأنا نخليه ونهمله. والعرب تقول: ~~فلان مقدر عليه في الرزق، ومقتر عليه، بمعنى واحد، أي مضيق عليه. ومنه قوله ~~تعالى: وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه [الفجر: 16] . وقدر- بالتخفيف ~~والتثقيل- قال أبو عمرو بن العلاء: قتر وقتر وقدر وقدر، بمعنى واحد، أي ~~ضيق. فعاقبه الله عن حميته وأنفته وإباقته، وكراهيته العفو عن قومه، وقبول ~~إنابتهم- بالحبس له، والتضييق عليه في بطن الحوت. # وفي رواية أبي صالح: أن ملكا من ملوك بني إسرائيل كان أمره بالمسير إلى ~~نينوى ليدعو أهلها بأمر شعياء النبي صلى الله عليه وسلم، فأنف من أن يكون ~~ذهابه إليهم بأمر أحد غير الله تعالى، فخرج مغاضبا للملك، فعاقبه الله ~~بالتقام الحوت. # قال: فلما قذفه الحوت بعثه الله إلى قومه فدعاهم. وأقام بينهم حتى آمنوا. ### || في سورة يوسف # حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا فنجي من نشاء ~~[يوسف: 110] . # PageV01P233 # قد تكلم المفسرون في هذه الآية بما فيه مقنع وغناء عن أن يوضح بغير ~~لفظهم: # فروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، أنه قال: استيأس الرسل من قومهم ~~وظنوا أي: علموا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا وكان يقرؤها بالتشديد. # وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أنها قالت: # استيئس الرسل ممن كذبهم من قومهم أن يصدقوهم، وظنت الرسل أن من قد آمن ~~بهم من قومهم قد كذبوهم، جاءهم نصر الله عند ذلك. وكانت تقرأ فكذبوا بضم ~~الكاف وتشديد الذال. # وروى حجاج، عن ابن جريج: عن ابن أبي مليكة، عن عروة، عن (عائشة) ، أنها ~~قالت: لم يزل البلاء بالرسل حتى خافوا أن يكون من معهم من المؤمنين قد ~~كذبوهم. # وروى حجاج، عن ابن جريج، عن مجاهد أنه قرأها قد كذبوا بفتح الكاف والذال ~~وتخفيف الذال، يريد: حتى إذا استيئس الرسل من إيمان قومهم فظن قومهم أن ~~الرسل قد كذبوا فيما بلغوا عن الله عز وجل. # وروى حجاج، عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس أنه ms144 قرأ: # كذبوا بضم الكاف، وكسر الذال، وتخفيفها. وقال: كانوا بشرا، يعني الرسل، ~~يذهب إلى أن الرسل ضعفوا فظنوا أنهم قد أخلفوا. # وهذه مذاهب مختلفة، والألفاظ تحتملها كلها، ولا نعلم ما أراد الله عز ~~وجل، غير أن أحسنها في الظاهر، وأولاها بأنبياء الله صلوات الله عليهم، ما ~~قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها. ### || في سورة لإيلاف قريش # يذهب بعض الناس إلى أن هذه السورة وسورة الفيل واحدة. # وبلغني عن ابن عيينة «1» أنه قال: كان لنا إمام بالكوفة يقرأ ألم تر كيف ~~فعل ربك بأصحاب الفيل (1) [الفيل: 1] ولإيلاف قريش (1) [قريش: 1] ولا يفرق ~~بينهما. # وتوهم القوم أنهما سورة واحدة، لأنهم رأوا قوله: لإيلاف قريش مردودا إلى ~~كلام في سورة الفيل. PageV01P234 # وأكثر الناس على أنهما سورتان، على ما في مصحفنا، وإن كانتا متصلتي ~~الألفاظ، على مذهب العرب في التضمين. # والمعنى أن قريشا كانت بالحرم آمنة من الأعداء أن تهجم عليها فيه، وأن ~~يعرض لها أحد بسوء إذا خرجت منه لتجارتها. وكانوا يقولون: قريش سكان حرم ~~الله، وأهل الله وولاة بيته. والحرم واد جديب لا زرع فيه ولا ضرع، ولا شجر ~~ولا مرعى، وإنما كانت تعيش فيه بالتجارة، وكانت لهم رحلتان في كل سنة: رحلة ~~إلى اليمن في الشتاء، ورحلة في الصيف إلى الشام. ولولا هاتان الرحلتان لم ~~يمكن به مقام، ولولا الأمن بجوارهم البيت، لم يقدروا على التصرف. # فلما قصد أصحاب الفيل إلى مكة ليهدموا الكعبة وينقلوا أحجارها إلى اليمن ~~فيبنوا به هناك بيتا ينتقل به الأمن إليهم، ويصير العز لهم، أهلكهم الله ~~سبحانه، لتقيم قريش بالحرم، ويجاوروا البيت، فقال يذكر نعمته: ألم تر كيف ~~فعل ربك بأصحاب الفيل (1) ألم يجعل كيدهم في تضليل (2) وأرسل عليهم طيرا ~~أبابيل (3) ترميهم بحجارة من سجيل (4) فجعلهم كعصف مأكول (5) [الفيل: 1، 5] ~~. لإيلاف قريش [قريش: 1] . أي: فعل ذلك ليؤلف قريشا هاتين الرحلتين اللتين ~~بهما تعيشهم ومقامهم بمكة تقول: ألفت موضع كذا: إذا لزمته، وآلفنيه الله، ~~كما تقول: لزمت موضع كذا، وألزمنيه الله. # وكرر (لإيلاف) كما تقول في الكلام: أعطيتك ms145 المال لصيانة وجهك صيانة عن كل ~~الناس، فتكرر الكلام للتوكيد، على ما بينا في (باب التكرار) . # ثم أمرهم بالشكر فقال: فليعبدوا رب هذا البيت (3) الذي أطعمهم [قريش: # 3، 4] في هذا الموضع الجديب من الجوع، وآمنهم فيه، والناس يتخطفون حوله ~~من الخوف. ### || في سورة النحل # أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤا ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا ~~لله وهم داخرون (48) [النحل: 48] . # تفيؤ الظلال: رجوعها من جانب إلى جانب، فهي مرة تجاه الشخص، ومرة وراءه، ~~ومرة عن يمينه، ومرة عن شماله. # وأصل الفيء: الرجوع، ومنه قيل للظل في العشي: فيء، لأنه فاء، أي رجع من ~~جانب إلى جانب. ومنه الفيء في الإيلاء إنما هو: الرجوع إلى المرأة. # PageV01P235 # وأصل السجود: التطأطؤ والميل، يقال: سجد البعير وأسجد: إذا طؤطىء ليركب، ~~وسجدت النخلة: إذا مالت. قال: لبيد يصف نخلا «1» : # غلب سواجد لم يدخل بها الحصر فالغلب: الغلاظ الأعناق. والسواجد: الموائل. # ومن هذا قيل لمن وضع جبهته بالأرض: ساجد، لأنه تطامن في ذلك. ثم قد ~~يستعار السجود فيوضع موضع الاستسلام والطاعة والذل، كما يستعار التطأطؤ ~~والتطامن فيوضعان موضع الخشوع والخضوع والانقياد والذل، فيقال: تطامن للحق، ~~أي أخضع له، وتطأطأ لها تخطك، أي تذلل لها ولا تعزز. # ومن الأمثال المبتذلة: اسجد للقرد في زمانه «2» . يراد: اخضع للسفلة ~~واللئيم في دولته، ولا يراد معنى سجود الصلاة. قال الشاعر «3» : # بجمع تضل البلق في حجراته ... ترى الأكم فيها سجدا للحوافر # يريد أن حوافر الخيل قد قلعت الأكم ووطئتها حتى خشعت وانخفضت. ومن خلق ~~الله عز وجل: المسخر المقصور على فعل واحد، كالنار شأنها الإحراق، والشمس ~~والقمر شأنهما المسير الليل والنهار دائبين، والفلك المسخر للدوران. # ومنه المسخر لمعنيين، ثم هو مخير بينهما، كالإنسان في الكلام والسكوت، ~~والقيام والقعود، والحركة والسكون. والشمس والظل، خلقان مسخران لأن يعاقب ~~كل PageV01P236 # واحد منهما صاحبه بغير فصل. # والظل في أول النهار قبل طلوع الشمس يعم الأرض كما تعمها ظلمة الليل، ثم ~~تطلع الشمس فتعم الأرض إلا ما سترته الشخوص، فإذا ستر الشخص شيئا عاد الظل. ms146 # فرجوع الظل بعد أن كان شمسا، ودورانه من جانب إلى جانب- هو سجوده، لأنه ~~مستسلم منقاد مطيع بالتسخير، وهو في ذلك يميل، والميل: سجود. # وكذلك قوله: والنجم والشجر يسجدان (6) [الرحمن: 6] ، أي يستسلمان لله ~~بالتسخير. # وقوله: ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو ~~والآصال (15) [الرعد: 15] ، أي يستسلم من في السموات من الملائكة، ومن في ~~الأرض من المؤمنين طوعا، ويستسلم من فى الأرض من الكافرين كرها من خوف ~~السيف. # وظلالهم بالغدو والآصال مستسلمة. # وهو مثل قوله: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون ~~[آل عمران: 83] . ### || في سورة ويل لكل همزة # نار الله الموقدة (6) التي تطلع على الأفئدة (7) [الهمزة: 6، 7] . # قوله: تطلع على الأفئدة أي توفي عليها وتشرف، ويقال: طلع الجبل واطلع ~~عليه: إذا علا فوقه. # وخص الأفئدة، لأن الألم إذا صار إلى الفؤاد مات صاحبه. فأخبرنا أنهم في ~~حال من يموت وهم لا يموتون. # وهو كما قال: فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى [طه: 74] يريد أنه في ~~حال من يموت وهو لا يموت. ### || في سورة محمد صلى الله عليه وسلم # ويقول الذين آمنوا لولا نزلت سورة فإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها ~~القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت ~~فأولى لهم (20) طاعة وقول معروف فإذا عزم الأمر فلو صدقوا الله لكان خيرا ~~لهم (21) فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم (22) ~~[محمد: 20، 22] . # PageV01P237 # كان المسلمون إذا بطل الوحي يقولون: هلا نزل شيء، تأميلا أن تنزل عليهم ~~بشرى من الله وفتح وخير وتخفيف فإذا أنزلت سورة محكمة أي محدثة. وسميت ~~المحدثة: محكمة، لأنها حين تنزل تكون كذلك حتى ينسخ منها شيء. وهي في حرف ~~عبد الله فإذا أنزلت سورة محدثة وذكر فيها القتال، أي فرض فيها الجهاد رأيت ~~الذين في قلوبهم مرض أي شك ونفاق ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت، ~~يريد أنهم يشخصون نحوك بأبصارهم، وينظرون نظرا شديدا بتحديق، وتحديد، كما ~~ينظر الشاخص ببصره عند الموت، من شدة ms147 العداوة. والعرب تقول: # رأيته لمحا باصرا أي نظرا صلبا بتحديق. ونحوه قوله: وإن يكاد الذين كفروا ~~ليزلقونك بأبصارهم [القلم: 51] ، أي يسقطونك بشدة نظرهم، وقد تقدم ذكر هذا. # ثم قال: فأولى لهم تهدد ووعيد. وتم الكلام، ثم قال: طاعة وقول معروف وهذا ~~مختصر، يريد قولهم قبل نزول الفرض: سمع لك وطاعة. # فإذا عزم الأمر، أي جاء الجد كرهوا ذلك، فحذف الجواب على ما بينت في باب ~~الاختصار. # ثم ابتدأ فقال: فلو صدقوا الله لكان خيرا لهم. ثم قال: فهل عسيتم إن ~~توليتم، أي انصرفتم عن النبي، صلى الله عليه وسلم، وما يأمركم به أن تفسدوا ~~في الأرض وتقطعوا أرحامكم، يريد فهل تريدون إذا أنتم تركتم محمدا، صلى الله ~~عليه وسلم، وما يأمركم به- أن تعودوا إلى مثل ما كنتم عليه من الكفر، ~~والإفساد في الأرض وقطع الأرحام؟ ### || في سورة ق # وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك ~~غطاءك فبصرك اليوم حديد (22) وقال قرينه هذا ما لدي عتيد (23) ألقيا في ~~جهنم كل كفار عنيد (24) مناع للخير معتد مريب (24) الذي جعل مع الله إلها ~~آخر فألقياه في العذاب الشديد (26) قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ~~ضلال بعيد (27) قال لا تختصموا لدي وقد قدمت إليكم بالوعيد (28) ما يبدل ~~القول لدي وما أنا بظلام للعبيد (29) [ق: 21، 29] . # السائق هاهنا: قرينها من الشياطين، سمي سائقا، لأنه يتبعها وإن لم يحثها ~~ويدفعها. وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، يسوق أصحابه، أي يكون ~~وراءهم. # والشهيد: الملك الشاهد عليها بما عملت. # يقول الله تعالى: لقد كنت في غفلة من هذا في الدنيا. فكشفنا عنك # PageV01P238 # غطاءك # أي: أريناك ما كان مستورا عنك في الدنيا. # فبصرك اليوم حديد أي: فأنت ثاقب البصر لما كشف عنك الغطاء. # وقال قرينه يعني: الملك. # هذا ما لدي عتيد يعني: ما كتبه من عمله، حاضر عندي. # ألقيا في جهنم كل كفار عنيد يقال: هو قول الملك، ويقال: قول الله جل ~~ذكره. # وقال قرينه من الشياطين: ربنا ما أطغيته ms148 ولكن كان في ضلال بعيد. # وهذا مثل قوله سبحانه: احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافات: 22] يعني: # قرناءهم. والعرب تقول: زوجت البعير بالبعير، إذا قرنت أحدهما بالآخر. ~~ومنه قوله: # كذلك وزوجناهم بحور عين (54) [الدخان: 54] أي: قرناهم بهن. # ثم قال: وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (27) قالوا إنكم كنتم تأتوننا عن ~~اليمين (28) قالوا بل لم تكونوا مؤمنين (29) وما كان لنا عليكم من سلطان بل ~~كنتم قوما طاغين (30) فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (31) [الصافات: 27، ~~31] يعني: نحن وأنتم ذائقون العذاب، وقد تقدم تفسير هذا. # قال الله تعالى: لا تختصموا لدي [ق: 28] يعني: المجرمين وقرناءهم من ~~الشياطين وقد قدمت إليكم بالوعيد ما يبدل القول لدي [ق: 28، 29] . أي: لا ~~يغير عن جهته، ولا يحرف، ولا يزاد فيه ولا ينقص، لأني أعلم كيف ضلوا وكيف ~~أضللتموهم. # وما أنا بظلام للعبيد [ق: 29] . ### || في سورة الروم # الم (1) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في ~~بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ~~[الروم: 1، 5] . # كانت (فارس) غلبت (الروم) على أرض الجزيرة، وهي أدنى أرض الروم من سلطان ~~فارس، فسر بذلك مشركو قريش. # وكان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على أهل فارس، لأن الروم أهل كتاب، ~~وأهل فارس مجوس، فساءهم أن غلبوهم على شيء من بلادهم، فأنزل الله تعالى: # PageV01P239 # وهم من بعد غلبهم أي: والروم من بعد أن غلبوا سيغلبون أهل فارس. وغلبهم ~~يكون للغالبين والمغلوبين جميعا، كما تقول: والشهداء من بعد قتلهم سيرزقون، ~~أي: # من بعد أن قتلوا في بضع سنين والبضع: ما فوق الثلاث ودون العشر. فغلبت ~~الروم أهل فارس وأخرجوهم من بلادهم يوم الحديبية. # لله الأمر من قبل ومن بعد أي: له الغلبة لمن شاء من قبل ومن بعد ويومئذ ~~أي: يوم يغلب الروم أهل فارس يفرح المؤمنون بنصر الله أهل الكتاب على ~~المجوس. # قال الشعبي في سورة الفتح: أنزلت بعد الحديبية، فغفر له ما تقدم من ذنبه ~~وما تأخر، وبايعوه مبايعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وظهرت الروم على ~~فارس، ms149 وفرح المؤمنون بتصديق كتاب الله، وظهرت الروم على المجوس. ### || في سورة القصص # إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد قل ربي أعلم من جاء بالهدى ومن ~~هو في ضلال مبين (85) وما كنت ترجوا أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك ~~[القصص: # 85، 86] . # معاد الرجل: بلده، لأنه يتصرف في البلاد، ويضرب في الأرض ثم يعود إلى ~~بلده. يقال: رد فلان إلى معاده، أي رد إلى بلده. ومثله قولهم لمنزل الرجل: ~~مثاب ومثابة، لأنه يتصرف في حوائجه ثم يثوب إليه. # وكان رسول الله، صلى الله عليه وسلم، حين خرج من مكة إلى المدينة اغتم ~~بمفارقة مكة، لأنها مولده وموطنه ومنشؤه، وبها أهله وعشيرته، واستوحش. ~~فأخبره الله سبحانه في طريقه أنه سيرده إلى مكة، وبشره بالظهور والغلبة. # وفي الآية تقديم وتأخير، والمعنى: إن الذي فرض عليك القرآن، أي جعلك نبيا ~~ينزل عليك القرآن وما كنت ترجو قبل ذلك أن تكون نبيا يوحى إليك الكتاب- ~~لرادك إلى مكة ظاهرا قاهرا. وهو معنى تفسير أبي صالح ومجاهد. # وقال الحسن: معاده: يوم القيامة ووافقه على ذلك الزهري وروى عبد الرزاق، ~~عن معمر، عن قتادة، قال: هذا مما كان ابن عباس يكتمه. # PageV01P240 ### || في سورة الجن # قال أبو محمد: # في هذه السورة إشكال وغموض: بما وقع فيها من تكرار (إن) واختلاف القراء ~~في نصبها وكسرها، واشتباه ما فيها من قول الله تعالى وقول الجن، فاحتجنا ~~إلى تأويل السورة كلها. # قال تعالى لنبيه: قل أوحي إلي أنه استمع نفر من الجن وكانوا استمعوا ~~لرسول الله، صلى الله عليه وسلم، وهو يقرأ: فقالوا إنا سمعنا قرآنا عجبا ~~[الجن: 1] يعني أنهم قالوا ذلك لقومهم حين رجعوا إليهم. واعتبار هذا قوله: ~~وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن ثم قال: فلما قضي ولوا إلى ~~قومهم منذرين [الأحقاف: 29] . # ثم قال: وأنه تعالى جد ربنا ما اتخذ صاحبة ولا ولدا (3) [الجن: 3] يقال: ~~جد فلان في قومه: إذا عظم عندهم. # ثم قال: وأنه كان يقول سفيهنا على الله شططا (4) [الجن: 4] أي: جاهلنا ~~يقول شططا، ms150 أي: غلوا في الكذب والجور. # ثم قال: وأنا ظننا أن لن تقول الإنس والجن على الله كذبا (5) [الجن: 5] . # يقولون: كنا نتوهم أن أحدا لا يقول على الله باطلا. يريدون: إنا كنا قبل ~~اليوم نصدقهم ونحن نظن أن أحدا لا يكذب على الله. وانقطع هاهنا قول الجن. # و (إن) في جميع هذا مكسورة إلا (أنه استمع) . # وقال الله تعالى: وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن [الجن: 6] ~~فإن شئت أن تنصب وأنه وتردها إلى قوله: قل أوحي إلي أنه استمع، وأنه أوحى ~~إلي أنه كان رجال- نصبت. وإن شئت أن تكسرها وتجعلها مبتدأة من الله سبحانه، ~~فعلت. # وكان الرجل في الجاهلية إذا سافر فصار إلى موضع مقفر موحش لا أنيس به، ~~قال: أعوذ بسيد هذا المكان من سفهائه. يعني سفهاء الجن ويعني بالسيد: ~~رئيسهم. # يقول الله عز وجل: فزادوهم رهقا [الجن: 6] يريد أنهم يزدادون بهذا التعوذ ~~طغيانا وإثما فيقولون: سدنا الجن والإنس. # ثم قال تعالى: وأنهم ظنوا كما ظننتم أن لن يبعث الله أحدا (7) [الجن: 7] ~~يقول: # ظن الجن كما ظننتم أيها الإنس أن لا بعث يوم القيامة. أي كانوا لا يؤمنون ~~بالبعث كما أنكم لا تؤمنون به. # PageV01P241 # وانقطع هاهنا قول الله تعالى. # وقال الجن: وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا (8) [الجن: ~~8] . # و (إنا) مكسورة نسق على ما تقدم من قولهم. يريدون: حرست بالنجوم من ~~استماعنا وكنا قبل ذلك نقعد منها مقاعد للسمع. # وروى عبد الرزاق عن معمر أنه قال: قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في ~~الجاهلية؟ فقال: نعم. # قلت: أفرأيت قوله: وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له ~~شهابا رصدا (9) [الجن: 9] . # فقال: غلظت وشدد أمرها حين بعث النبي، صلى الله عليه وسلم. # وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن علي بن حسين، عن ابن عباس أنه ~~قال: بينا النبي، صلى الله عليه وسلم، جالس في نفر من الأنصار إذ رمي بنجم ~~فاستنار، فقال: ما كنتم تقولون في مثل هذا في الجاهلية؟ فقالوا: كنا ms151 نقول: ~~يموت عظيم أو يولد عظيم «1» . # في حديث فيه طول اختصرناه وذكرنا هذا منه لندل على أن الرجم قد كان قبل ~~مبعثه ولكنه لم يكن مثله الآن في شدة الحراسة قبل مبعثه، وكانت تسترق في ~~بعض الأحوال، فلما بعث منعت من ذلك أصلا. # وعلى هذا وجدنا الشعراء القدماء: # قال بشر بن أبي خازم الأسدي وهو جاهلي «2» : PageV01P242 # والعير يرهقهما الغبار وجحشها ... ينقض خلفهما انقضاض الكوكب # وقال أوس بن حجر، وهو جاهلي «1» : # وانقض كالدري يتبعه ... نقع يثور تخاله طنبا # وقال عوف بن الخرع، وهو جاهلي «2» : # يرد علينا العير من دون أنفه ... أو الثور كالدري يتبعه الدم # وفي أيدي الناس كتب من كتب الأعاجم وسيرهم: تنبىء عن انقضاض النجوم في كل ~~عصر وكل زمان. # ثم قالت الجن: وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض حين اشتدت حراسة ~~السماء من استراق السمع أم أراد بهم ربهم رشدا [الجن: 10] أي خيرا. # ثم قالت الجن: وأنا منا الصالحون بعد استماع القرآن: ومنا دون ذلك أي: # منا بررة أتقياء، ومنا دون البررة، وهم مسلمون وكنا طرائق قددا [الجن: ~~11] أي: # أصنافا، وكل فرقة قدة، وهي مثل قطعة في التقدير وفي المعنى، فكأنهم ~~قالوا: نحن أصناف وقطع. # ثم قالت الجن: وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون [الجن: 14] أي: الكافرون، ~~الآية. وانقطع كلام الجن. # وقال الله تعالى: وأن لو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا (16) ~~[الجن: 16] أي: لو آمنوا جميعا لوسعنا عليهم في الدنيا. وضرب الماء الغدق، ~~وهو الكثير، لذلك مثلا، لأن الخير والرزق كله بالمطر يكون، فأقيم مقامه إذ ~~كان سببه، على ما أعلمتك في المجاز. # لنفتنهم فيه [الجن: 17] . أي لتختبرهم فنعلم كيف شكرهم. # وفيه قول آخر، يقول: وأن لو استقاموا [الجن: 16] جميعا على طريقة الكفر: ~~لوسعنا عليهم وجعلنا ذلك فتنة لهم و (أن) منصوبة منسوقة على ما تقدم من ~~قوله سبحانه. PageV01P243 # ثم قال: ومن يعرض عن ذكر ربه يسلكه عذابا صعدا [الجن: 17] أي يدخله عذابا ~~شاقا. # يقال: سلكت الخيط في الحبة وأسلكته: إذا أدخلته، ومنه سمي الخيط سلكا، ms152 ~~تقول: سلكته سلكا، فتفتح أول المصدر. وتقول للخيط: هذا السلك، فتكسر أول ~~الاسم، مثل القطف والقطف. # ومن الصعد قيل: تصعدني هذا الأمر، أي شق علي. والصعود: العقبة الشاقة. # ومنه قوله: سأرهقه صعودا (17) [المدثر: 17] ثم قال سبحانه: وأن المساجد ~~لله فلا تدعوا مع الله أحدا (18) [الجن: 18] بنصب (أن) نسق على ما تقدم من ~~قوله: يريد أن السجود لله، ولا يكون لغيره، جمع مسجد، كما تقول: ضربت في ~~البلاد مضربا بعيدا، وهذا مضرب بعيد. # ثم قال سبحانه: وأنه لما قام عبد الله [الجن: 19] بنصب (أن) نسق على ما ~~تقدم من قوله سبحانه. يريد لما قام النبي، عليه السلام يدعوه أي يدعو الله ~~كادوا يكونون عليه لبدا يعني الجن كادوا يلبدون به ويتراكبون، رغبة فيما ~~سمعوا منه، وشهوة له. # ثم قال سبحانه لنبيه عليه السلام: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا (21) ~~قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحدا (22) إلا بلاغا من ~~الله ورسالاته ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبدا (23) ~~حتى إذا رأوا ما يوعدون فسيعلمون من أضعف ناصرا وأقل عددا (24) قل إن أدري ~~أقريب ما توعدون أم يجعل له ربي أمدا (25) عالم الغيب فلا يظهر على غيبه ~~أحدا (26) إلا من ارتضى من رسول [الجن: 21، 27] أي ارتضاء للنبوة والرسالة، ~~فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه. # ثم قال: فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا [الجن: 27] أي يجعل بين ~~يديه وخلفه رصدا من الملائكة، يحوطون الوحي من أن تسترقه الشياطين فتلقيه ~~إلى الكهنة، حتى تخبر به الكهنة إخبار الأنبياء، فلا يكون بينهم وبين ~~الأنبياء فرق، ولا يكون للأنبياء دلالة. # ثم قال: ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم [الجن: 28] أي ليبلغوا رسالات ~~ربهم. # و (العلم) هاهنا مثله في قوله: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله ~~الذين جاهدوا منكم [آل عمران: 142] يريد: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما ~~تجاهدوا # PageV01P244 # وتصبروا، فيعلم الله ذلك ظاهرا موجودا يجب به ثوابكم، على ما بينا ms153 في غير ~~هذا الموضع. ### || في سورة البقرة # الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ~~[البقرة: 275] . هذا في يوم القيامة. يريد أنه إذا بعث الناس من قبورهم ~~خرجوا مسرعين، يقول الله سبحانه: يوم يخرجون من الأجداث سراعا كأنهم إلى ~~نصب يوفضون (43) [المعارج: 43] أي يسرعون، إلا أكلة الربا، فإنهم يقومون ~~ويسقطون، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان ويسقط، لأنهم أكلوا الربا في الدنيا ~~فأرباه الله في بطونهم يوم القيامة حتى أثقلهم، فهم ينهضون ويسقطون، ~~ويريدون الإسراع فلا يقدرون. ### || في سورة الأحزاب # إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن ~~منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (72) ليعذب الله المنافقين ~~والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات وكان ~~الله غفورا رحيما (73) [الأحزاب: 72، 73] . # إن الله، جل ذكره، لما استخلف آدم على ذريته، وسلطه على جميع ما في الأرض ~~من الأنعام والطير والوحش- عهد إليه عهدا أمره فيه ونهاه، وحرم عليه وأحل ~~له، فقبله، ولم يزل عاملا به إلى أن حضرته الوفاة، فما حضرته، صلى الله ~~عليه وسلم، سأل الله أن يعلمه من يستخلف بعده، ويقلده من الأمانة ما قلده. ~~فأمره أن يعرض ذلك على السموات بالشرط الذي أخذ عليه من الثواب إن أطاع، ~~ومن العقاب إن عصى. فأبين أن يقبلنه شفقا من عقاب الله. # ثم أمره أن يعرض ذلك على الأرض والجبال، فكلها أباه. # ثم أمره أن يعرضه على ولده، فعرضه عليه فقبله بالشرط، ولم يتهيب منه ما ~~تهيبته السماء والأرض والجبال. # إنه كان ظلوما لنفسه جهولا بعاقبة ما تقلد لربه. # ثم قال ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات أي عرضنا ~~ذلك عليه ليتقلده، فإذا تقلده ظهر نفاق المنافق وشرك المشرك، فعذبه الله ~~به، وظهر إيمان المؤمن فتاب الله عليه. وكان الله غفورا للمؤمنين رحيما. # PageV01P245 # هذا قول على مذهب بعض المفسرين. # وفيه قول آخر: # قالوا: الأمانة: الفرائض، عرضت على السموات والأرض والجبال بما فيها من ~~الثواب والعقاب، فأبين أن يحملنها، وعرضت على الإنسان بما فيها من ms154 الثواب ~~والعقاب، فحملها. # والمعنيان في التفسيرين متقاربان. ### || في سورة الفرقان # قل ما يعبؤا بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (77) ~~[الفرقان: 77] . # في هذه الآية مضمر وله أشكلت: أي ما يعبأ بعذابكم ربي لولا ما تدعونه من ~~دونه من الشريك والولد. ويوضح ذلك قوله: فسوف يكون لزاما أي يكون العذاب ~~لمن كذب ودعا من دونه إلها- لازما. # ومثله من المضمر الشاعر «1» : # من شاء دلى النفس في هوة ... ضنك، ولكن من له بالمضيق # أراد: ولكن من له بالخروج من المضيق؟ # وقال الله تعالى: من كان يريد العزة فلله العزة جميعا [فاطر: 10] ، أي من ~~كان يريد علم العزة: لمن هي؟ فإنها لله تعالى. PageV01P246 ### | باب اللفظ الواحد للمعاني المختلفة ### || 1- القضاء # أصل قضى: حتم، كقول الله عز وجل: فيمسك التي قضى عليها الموت [الزمر: # 42] أي حتمه عليها. # ثم يصير الحتم بمعان، كقوله: وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه [الإسراء: 23] ~~أي أمر، لأنه لما أمر حتم بالأمر. # وكقوله: وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب [الإسراء: 4] ، أي أعلمناهم، ~~لأنه لما خبرهم أنهم سيفسدون في الأرض، حتم بوقوع الخبر. # وقوله: فقضاهن سبع سماوات [فصلت: 12] ، أي صنعهن. # وقوله: فاقض ما أنت قاض [طه: 72] ، أي فاصنع ما أنت صانع. # ومثله قوله: فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا ~~إلي [يونس: 71] ، أي اعملوا ما أنتم عاملون ولا تنظرون. # قال أبو ذؤيب «1» : # وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع # أي صنعهما (داود) و (تبع) . # وقال الآخر في عمر بن الخطاب، رضي الله عنه «2» : PageV01P247 # قضيت أمورا ثم غادرت بعدها ... بوائج في أكمامها لم تفتق # أي عملت أعمالا، لأن كل من عمل عملا وفرغ منه فقد ختمه وقطعه. ومنه قيل ~~للحاكم: قاض، لأنه يقطع على الناس الأمور ويحتم. وقيل: قضي قضاؤك. أي فرغ ~~من أمرك. وقالوا للميت: قد قضى. أي فرغ. # وهذه كلها فروع ترجع إلى أصل واحد. ### || 2- الهدى # أصل هدى أرشد، كقوله: عسى ربي أن يهديني سواء السبيل [القصص: 22] . # وقوله: واهدنا إلى سواء الصراط [ص: 22] ، أي أرشدنا. ms155 # ثم يصير الإرشاد بمعان، كقوله: وأما ثمود فهديناهم [فصلت: 17] ، أي بينا ~~لهم. # وقوله: أولم يهد لهم كم أهلكنا [السجدة: 26] ، أي أو لم يبين لهم. # وقوله: أولم يهد للذين يرثون الأرض [الأعراف: 100] ، أي ألم يبين لهم. # فالإرشاد في جميع هذه بالبيان. # ومنها إرشاد بالدعاء، كقوله: ولكل قوم هاد [الرعد: 7] ، أي نبي يدعوهم. # وقوله: وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا [الأنبياء: 73] ، أي يدعون، وإنك ~~لتهدي إلى صراط مستقيم [الشورى: 52] ، أي تدعو. # ومنها إرشاد بالإلهام، كقوله: الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى [طه: 50] ، ~~أي صورته من الإناث، ثم هدى أي ألهمه إتيان الأنثى، ويقال: طلب المرعى ~~وتوقى المهالك. # وقوله عز وجل: والذي قدر فهدى (3) [الأعلى: 3] ، أي هدى الذكر بالإلهام ~~لإتيان الأنثى. # ومنها إرشاد بالإمضاء، كقوله: وأن الله لا يهدي كيد الخائنين [يوسف: 52] ~~، أي لا يمضيه ولا ينفذه، ويقال: لا يصلحه. # وبعض هذا قريب من بعض. ### || 3- # الأمة # أصل # الأمة: # الصنف من الناس والجماعة، كقوله عز وجل: كان الناس أمة واحدة، أي صنفا ~~واحدا في الضلال فبعث الله النبيين [البقرة: 213] . # PageV01P248 # وكقوله عز وجل: إلا أمم أمثالكم [الأنعام: 38] ، أي: أصناف، وكل صنف من ~~الدواب والطير مثل بني آدم في المعرفة بالله، وطلب الغذاء. وتوقي المهالك، ~~والتماس الذرء، مع أشباه لهذا كثيرة. # ثم تصير الأمة: الحين، كقوله عز وجل: وادكر بعد أمة [يوسف: 45] . # وكقوله: ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة [هود: 8] . أي: سنين ~~معدودة. # كأن الأمة من الناس القرن ينقرضون في حين، فتقام (الأمة) مقام (الحين) . # ثم تصير الأمة: الإمام والرباني، كقوله تعالى: إن إبراهيم كان أمة قانتا ~~لله حنيفا [النحل: 120] . أي: إماما يقتدي به الناس، لأنه ومن اتبعه أمة، ~~فسمي أمة لأنه سبب الاجتماع. # وقد يجوز أن يكون سمي أمة: لأنه اجتمع عنده من خل # ال ال # خير ما يكون مثله في أمة. ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي: هو يقوم مقام ~~أمة. # وقد تكون الأمة: جماعة العلماء، كقوله: ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ~~[آل عمران: 104] . أي: يعلمون. # والأمة: الدين، قال تعالى: إنا وجدنا ms156 آباءنا على أمة [الزخرف: 22، 23] ~~أي: # على دين. قال النابغة «1» : # حلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع؟ # أي: ذو دين. # والأصل أنه يقال للقوم يجتمعون على دين واحد: أمة، فتقام الأمة مقام ~~الدين، ولهذا قيل للمسلمين: أمة محمد، صلى الله عليه وسلم، لأنهم على أمر ~~واحد، قال تعالى: وإن هذه أمتكم أمة واحدة [المؤمنون: 52] . مجتمعة على دين ~~وشريعة. # وقال الله عز وجل: ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة [النحل: 93] ، أي: # مجتمعة على الإسلام. ### || 4- العهد # الأمان: عهد، قال الله تعالى: فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم [التوبة: 4] ~~. PageV01P249 # واليمين: عهد، قال الله تعالى: وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم [النحل: 91] ~~. # والوصية: عهد، قال الله تعالى: ألم أعهد إليكم يا بني آدم [يس: 60] . # والحفاظ: عهد، # قال صلى الله عليه وسلم: «إن حسن العهد من الإيمان» «1» . # والزمان: عهد، يقال: كان ذلك بعد فلان. # والعهد: الميثاق. ومنه قوله تعالى لإبراهيم عليه السلام: قال إني جاعلك ~~للناس إماما قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين [البقرة: 124] أي: لا ~~ينال ما وعدتك من الإمامة، الظالمين من ذريتك. والوعد من الله: ميثاق. ### || 5- # الإل # الإل # هو: الله تعالى. قال مجاهد في قوله سبحانه: لا يرقبون في مؤمن إلا ولا ~~ذمة [التوبة: 10] ويعني الله عز وجل. ومنه (جبر إل) في قراءة من قرأه ~~بالتشديد. # ويقال للرحم: إل كما اشتق لها الرجم من الرحمن. وقال حسان «2» : # لعمرك إن إلك في قريش ... كإل السقب من رأل النعام # أي: رحمك فيهم، وقرباك منهم. # ومن ذهب بالإل في قوله تعالى: لا يرقبون في مؤمن إلا إلى الرحم، فهو وجه ~~حسن. كما قال الشاعر «3» : # دعوا رحما فينا ولا يرقبونها ... وصدت بأيديها النساء عن الدم # يريد: أن المشركين لم يكونوا يرقبون في قراباتهم من المسلمين رحما، وقد ~~قال الله تعالى لنبيه عليه السلام: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في ~~القربى [الشورى: 23] . PageV01P250 # قال ابن عباس: يريد لا أسألكم على ما أتيتكم به من الهدى أجرا إلا أن ~~تودوني في القرابة منكم. وكانت لرسول ms157 الله، صلى الله عليه وسلم، ولادات ~~كثيرة في بطون قريش. وقال الله عز وجل: لقد جاءكم رسول من أنفسكم [التوبة: ~~128] . # قال ابن عباس: قالت قريش: يسألنا أن نوده في القرابة وهو يشتم آلهتنا ~~ويعيبها؟! فأنزل الله تعالى: قل ما سألتكم من أجر فهو لكم [سبأ: 47] . # ويقال للعهد: (إل) ، لأنه بالله يكون. ### || 6- # القنوت # القنوت: # القيام. # وسئل صلى الله عليه وسلم: أي الصلاة أفضل؟ فقال: «طول القنوت» «1» # أي طول القيام. # وقال تعالى: أمن هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما [الزمر: 9] ، أي أمن هو ~~مصل، فسميت الصلاة قنوتا: لأنها بالقيام تكون. # وروي عنه، عليه السلام، أنه قال: «مثل المجاهد في سبيل الله كمثل القانت ~~الصائم» «2» ، يعني المصلي الصائم. # ثم قيل للدعاء: قنوت، لأنه إنما يدعو به قائما في الصلاة قبل الركوع أو ~~بعده. # وقيل، الإمساك عن الكلام في الصلاة قنوت، لأن الإمساك عن الكلام يكون في ~~PageV01P251 # القيام، لا يجوز لأحد أن يأتي فيه بشيء غير القرآن. # قال زيد بن أرقم: كنا نتكلم في الصلاة حتى نزلت: وقوموا لله قانتين ~~[البقرة: # 238] ، فنهينا عن الكلام وأمرنا بالسكوت «1» . # ويقال: إن قانتين في هذا الوضع: مطيعين. # والقنوت: الإقرار بالعبودية، كقوله: وله من في السماوات والأرض كل له ~~قانتون (26) [الروم: 26] ، أي مقرون بعبوديته. # والقنوت: الطاعة، كقوله: والقانتين والقانتات [الأحزاب: 35] ، أي: ~~المطيعين والمطيعات. # وقوله: إن إبراهيم كان أمة قانتا لله [النحل: 120] ، أي مطيعا لله. # ولا أرى أصل هذا الحرف إلا الطاعة، لأن جميع هذه الخلال: من الصلاة، ~~والقيام فيها، والدعاء وغير ذلك- يكون عنها. ### || 7- # الدين # الدين: # الجزاء. ومنه قوله تعالى: مالك يوم الدين (4) [الفاتحة: 4] أي يوم الجزاء ~~والقصاص. ومنه يقال: دنته بما صنع. أي جزيته بما صنع. وكما تدين تدان. # والدين: الملك والسلطان. ومنه قول الشاعر «2» : # لئن حللت بخو في بني أسد ... في دين عمرو وحالت دوننا فدك # أي في سلطانه. ويقال من هذا: دنت القوم أدينهم، أي قهرتهم وأذللتهم، ~~فدانوا أي ذلوا وخضعوا. # والدين لله إنما هو من هذا. ومنه قول القطامي «3» : PageV01P252 # كانت نوار تدينك الأديانا أي تذلك. ومنه ms158 قول الله تعالى: ولا يدينون دين ~~الحق [التوبة: 29] ، أي لا يطيعونه. # والدين: الحساب، من قوله تعالى، منها أربعة حرم ذلك الدين القيم [التوبة: ~~36] . ومنه قوله عز وجل: يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق [النور: 25] ، أي ~~حسابهم. ### || 8- # المولى # المولى: # المعتق. والمولى: المعتق. والمولى: عصبة الرجل. ومنه قول الله عز وجل: ~~وإني خفت الموالي من ورائي [مريم: 5] . أراد: القرابات. # وقال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: «أيما امرأة نكحت بغير أمر مولاها ~~فنكاحها باطل» «1» ، # أي: بغير أمر وليها. # وقد يقال لمن تولاه الرجل وإن لم يكن قرابة: مولى. قال تعالى: ذلك بأن ~~الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم [محمد: 14] أي: ولي ~~المؤمنين، وأن الكافرين لا ولي لهم. # وقال تعالى: يوم لا يغني مولى عن مولى شيئا [الدخان: 41] . أي: ولي عن ~~وليه شيئا، إما بالقرابة أو بالتولي. # والحليف أيضا: المولى. قال النابغة الجعدي «2» : PageV01P253 # موالي حلف لا موالي قرابة ... ولكن قطينا يسألون الأتاويا # وقال الله عز وجل: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم [الأحزاب: 6] يريد: ~~إذا دعاهم إلى أمر، ودعتهم أنفسهم إلى خلاف ذلك الأمر- كانت طاعته أولى بهم ~~من طاعتهم لأنفسهم. ### || 9- # الضلال # الضلال: # الحيرة والعدول عن الحق والطريق، يقال: ضل عن الحق، كما يقال: # ضل عن الطريق. ومنه قوله تعالى: ووجدك ضالا فهدى (7) [الضحى: 7] . # والضلال: النسيان. والناسي للشيء عادل عنه وعن ذكره، قال الله تعالى: قال ~~فعلتها إذا وأنا من الضالين (20) [الشعراء: 20] . أي: الناسين. وقال: أن ~~تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى [البقرة: 282] أي: إن نسيت واحدة ذكرت ~~الأخرى. # والضلال: الهلكة والبطلان، ومنه قوله تعالى: وقالوا أإذا ضللنا في الأرض ~~[السجدة: 10] . أي: بطلنا ولحقنا بالتراب: ويقال: أضل القوم ميتهم، أي: ~~قبروه. # قال النابغة «1» : # وآب مضلوه بعين جلية أي: قابروه. ### || 10- # الإمام # الإمام: # أصله ما ائتممت به. قال الله تعالى لإبراهيم: إني جاعلك للناس إماما ~~[البقرة: 124] . أي: يؤتم بك، ويقتدى بسنتك. # ثم يجعل الكتاب إماما يؤتم بما أحصاه. قال الله عز وجل: يوم ندعوا كل ~~أناس بإمامهم [الإسراء: 71] أي: بكتابهم الذي جمعت فيه أعمالهم في الدنيا. ms159 # وقال: وكل شيء أحصيناه في إمام مبين [يس: 12] يعني: كتابا، أو يعني: ~~اللوح المحفوظ. PageV01P254 # وقد يجعل الطريق إماما، لأن المسافر يأتم به ويستدل. قال الله تعالى: ~~وإنهما لبإمام مبين [الحجر: 79] أي: بطريق واضح. ### || 11- # الصلاة # الصلاة: # الدعاء. قال الله تعالى: وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم [التوبة: 103] . # أي: ادع لهم، إن ذلك مما يسكنهم وتطمئن إليه قلوبهم. # وقال: ومن الأعراب من يؤمن بالله واليوم الآخر ويتخذ ما ينفق قربات عند ~~الله وصلوات الرسول [التوبة: 99] يعني: دعاءه. # وقال الأعشى يذكر الخمر والخمار «1» : # وقابلها الريح في دنها ... وصلى على دنها وارتسم # أي: دعا لها بالسلامة من الفساد والتغير. # والصلاة من الله: الرحمة والمغفرة. قال الله تعالى: إن الله وملائكته ~~يصلون على النبي [الأحزاب: 56] . وقال: هو الذي يصلي عليكم وملائكته ~~[الأحزاب: 43] وقال: # أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة [البقرة: 157] أي: مغفرة. # وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: «اللهم صل على آل أبي أوفى» «2» # يريد: ارحمهم واغفر لهم. PageV01P255 # والصلاة: الدين. قال تعالى حكاية عن قوم شعيب: أصلاتك تأمرك أن نترك ما ~~يعبد آباؤنا [هود: 87] ، ويقال: قراءتك. ### || 12- # الكتاب # أصل # الكتاب: # ما كتبه الله في اللوح مما هو كائن. # ثم تتفرع منه معان ترجع إلى هذا الأصل. كقوله: كتب الله لأغلبن أنا ورسلي ~~[المجادلة: 21] أي: قضى الله ذلك وفرغ منه. # وقوله: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا [التوبة: 51] أي: ما قضى الله لنا. # وقوله: لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم [آل عمران: 154] أي: قضي، ~~لأن هذا قد فرغ منه حين كتب. # ويكون كتب بمعنى فرض، كقوله: كتب عليكم القصاص [البقرة: 178] أي: # فرض. وكتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت [البقرة: 180] وو قالوا ربنا لم ~~كتبت علينا القتال [النساء: 77] أي: فرضت. ويكون كتب بمعنى جعل، كقوله: كتب ~~في قلوبهم الإيمان [المجادلة: 22] . # وقوله: فاكتبنا مع الشاهدين [آل عمران: 53] . وقال: فسأكتبها للذين يتقون ~~[الأعراف: 156] . # وتكون كتب بمعنى أمر، كقوله: ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم ~~[المائدة: 21] ، أي: أمركم أن تدخلوها. # ويقال: كتب هاهنا أيضا: جعل. يريد ادخلوا الأرض ms160 التي كتبها الله لولد ~~إبراهيم، عليه السلام، أي: جعلها لهم. ### || 13- السبب والحبل # السبب أصله: الحبل. # ثم قيل لكل شيء وصلت به إلى موضع، أو حاجة تريدها: سبب. # تقول: فلان سببي إليك، أي وصلني إليك. وما بيني وبينك سبب، أي آصرة رحم، ~~أو عاطفة مودة. ومنه قيل للطريق: سبب، لأنك بسلوكه تصل إلى الموضع الذي ~~تريده، قال عز وجل: فأتبع سببا (85) [الكهف: 85] أي: طريقا. # PageV01P256 # وأسباب السماء: أبوابها، لأن الوصول إلى السماء يكون بدخولها. قال الله ~~عز وجل- حكاية عن فرعون: لعلي أبلغ الأسباب أسباب السماوات [غافر: 36، 37] ~~. # وقال زهير «1» : # ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ... ولو نال أسباب السماء بسلم # وكذلك الحبل، قال الله عز وجل: واعتصموا بحبل الله [آل عمران: 103] أي: # بعهد الله أو بكتابه، يريد: تمسكوا به، لأنه وصلة لكم إليه وإلى جنته. # ويقال للأمان أيضا: حبل، لأن الخائف مستتر مقموع، والآمن منبسط بالأمان ~~متصرف، فهو له حبل إلى كل موضع يريده. # قال الله تعالى: ضربت عليهم الذلة أين ما ثقفوا إلا بحبل من الله وحبل من ~~الناس [آل عمران: 112] أي: بأمان. # وقال الأعشى «2» : # وإذا تجوزها حبال قبيلة ... أخذت من الأخرى إليك حبالها # وأما قول امرئ القيس «3» : # إني بحبلك واصل حبلي ... وبريش نبلك رائش نبلي # فإنه يريد: إني واصل بيني وبينك. # وأصل هذا يكون في البعيرين: يكونان مفترقين وعلى كل واحد منهما حبل، ~~فيقرنان بأن يوصل حبل هذا بحبل هذا. # وقال أبو زبيد يذكر رجلا سرى ليلة كلها «4» : PageV01P257 # ناط أمر الضعاف فاجتعل اللي ... ل كحبل العادية الممدود. # يريد: أن مسيره اتصل الليل كله، فكان كحبل ممدود. ### || 14- # الظلم # أصل # الظلم # في كلام العرب: وضع الشيء في غير موضعه. # ويقال: (من أشبه أباه فما ظلم) «1» ، أي: فما وضع الشبه غير موضعه. # وظلم السقاء: هو أن يشرب قبل إدراكه. # وظلم الجزور: أن يعتبط، أي ينحر، من غير علة. # وأرض مظلومة: أي حفرت وليست موضع حفر. # ويقال: الزم الطريق ولا تظلمه، أي: لا تعدل عنه. # ثم قد يصير الظلم بمعنى الشرك، لأن من جعل لله شريكا: ms161 فقد وضع الربوبية ~~غير موضعها. يقول الله سبحانه: إن الشرك لظلم عظيم [لقمان: 13] ، وقال: ولم ~~يلبسوا إيمانهم بظلم [الأنعام: 82] ، أي: يشرك. # ويكون الظلم: النقصان، قال الله تعالى: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم ~~يظلمون [البقرة: 57] أي ما نقصونا. # وقال: آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا [الكهف: 33] أي لم تنقص منه شيئا. ~~ومنه يقال: ظلمتك حقك، أي: نقصتك. ومنه قوله تعالى: ولا يظلمون شيئا [مريم: ~~60] ولا تظلم نفس شيئا [يس: 54] . # ويكون الظلم: الجحد، قال الله تعالى: وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا ~~بها [الإسراء: 59] أي: جحدوا بأنها من الله تعالى. # وقال: بما كانوا بآياتنا يظلمون [الأعراف: 9] ، أي يجحدون. ### || 15- # البلاء # أصل # البلاء: # الاختبار، قال الله جل وعلا: وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن ~~آنستم منهم رشدا [النساء: 6] ، PageV01P258 # أي: اختبروهم. وقال: إن هذا لهو البلاء المبين (106) [الصافات: 106] ، ~~يعني: ما أمر به إبراهيم من ذبح ابنه، صلوات الله عليهما. # وقال: وبلوناهم بالحسنات والسيئات [الأعراف: 168] ، أي اختبرناهم. # ثم يقال للخير: بلاء، وللشر: بلاء، لأن الاختبار الذي هو بلاء وابتلاء ~~يكون بهما. قال الله تعالى ونبلوكم بالشر والخير فتنة [الأنبياء: 35] ، أي ~~نختبركم بالشر، لنعلم كيف صبركم؟ وبالخير، لنعلم كيف شكركم؟. # (فتنة) أي اختبارا. ومنه يقال: اللهم لا تبلنا إلا بالتي هي أحسن. أي لا ~~تختبرنا إلا بالخير، ولا تختبرنا بالشر. # يقال من الاختبار: بلوته أبلوه بلوا، والاسم بلاء. ومن الخير: أبليته ~~أبليه إبلاء. # ومنه يقال: يبلى ويولي. قال زهير «1» : # فأبلاهما خير البلاء الذي يبلو أي: خير البلاء الذي يختبر به عباده. # ومن الشر: بلاه الله يبلوه بلاء. قال الله عز وجل: وفي ذلكم بلاء من ربكم ~~عظيم [البقرة: 49] ، أي: نعمة عظيمة. وآتيناهم من الآيات ما فيه بلؤا مبين ~~(33) [الدخان: 33] ، أي: نعم بينة عظام. ### || 16- الرجز والرجس # الرجز: العذاب. قال الله تعالى- حكاية عن قوم فرعون: لئن كشفت عنا الرجز ~~لنؤمنن لك [الأعراف: 134] أي العذاب. # ثم قد يسمى كيد الشيطان: رجزا، لأنه سبب العذاب. قال الله تعالى: ويذهب ~~عنكم رجز الشيطان [الأنفال: 11] . # والرجس: النتن. # ثم قد يسمى الكفر والنفاق: رجسا، ms162 لأنه نتن. قال الله تعالى: فزادتهم رجسا ~~إلى رجسهم [التوبة: 125] ، PageV01P259 # أي: كفرا إلى كفرهم، أو نفاقا إلى نفاقهم. # وقال الله تعالى: ويجعل الرجس على الذين لا يعقلون [يونس: 100] . # وقال الله عز وجل: والرجز فاهجر (5) [المدثر: 5] ، يعني الأوثان، سماها ~~رجزا- والرجز: العذاب- لأنها تؤدي إليه. ### || 17- # الفتنة # الفتنة: # الاختبار، يقال: فتنت الذهب في النار: إذا أدخلته إليها لتعلم جودته من ~~رداءته. وقال تعالى: ولقد فتنا الذين من قبلهم [العنكبوت: 3] . أي: ~~اختبرناهم. وقال لموسى عليه السلام: وفتناك فتونا [طه: 40] . ومنه قوله: ثم ~~لم تكن فتنتهم إلا أن قالوا والله ربنا ما كنا مشركين (23) [الأنعام: 23] ~~أي: جوابهم، لأنهم حين سئلوا اختبر ما عندهم بالسؤال، فلم يكن الجواب عن ~~ذلك الاختبار إلا هذا القول. # والفتنة: التعذيب. قال: إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات [البروج: 10] ~~أي عذبوهم بالنار. # وقال عز وجل: يوم هم على النار يفتنون (13) [الذاريات: 13] أي يعذبون. ~~ذوقوا فتنتكم [الذاريات: 14] أي يقال لهم: ذوقوا فتنتكم، يراد هذا العذاب ~~بذاك. # وقال عز وجل: فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله [العنكبوت: ~~10] أي: جعل عذاب الناس وأذاهم كعذاب الله. # والفتنة: الصد والاستزلال. قال الله عز وجل: واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما ~~أنزل الله إليك [المائدة: 49] ، أي: يصدوك ويستزلوك. وقال الله تعالى: وإن ~~كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك [الإسراء: 73] ، وقال: ما أنتم عليه ~~بفاتنين (162) إلا من هو صال الجحيم (163) [الصافات: 162، 163] أي: صادين. # والفتنة: الإشراك والكفر والإثم، كقوله: وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ~~[البقرة: # 193] ، أي: شرك. # وقال: والفتنة أشد من القتل [البقرة: 191] يعني الشرك. وقال: ألا في ~~الفتنة سقطوا [التوبة: 49] أي: في الإثم. # وقال: فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة [النور: 63] ، أي: ~~كفر وإثم. # PageV01P260 # وقال: ولكنكم فتنتم أنفسكم [الحديد: 14] أي: كفرتم وآثمتموها. # والفتنة: العبرة، كقوله: ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين [يونس: 85] ~~وفي موضع آخر: لا تجعلنا فتنة للذين كفروا [الممتحنة: 5] أي: يعتبرون أمرهم ~~بأمرنا، فإذا رأونا في ضر وبلاء ورأوا أنفسهم في غبطة ورخاء- ظنوا أنهم على ~~حق، ونحن على باطل. # وكذلك قوله: فتنا بعضهم ms163 ببعض [الأنعام: 53] . ### || 18- # الفرض # الفرض: # وجوب الشيء. ويقال: فرضت عليك كذا، أي: أوجبته. قال الله تعالى: فمن فرض ~~فيهن الحج [البقرة: 197] أي: أوجبه على نفسه. وقال: فنصف ما فرضتم [البقرة: ~~237] أي: ألزمتم أنفسكم. وقال: قد علمنا ما فرضنا عليهم في أزواجهم ~~[الأحزاب: 50] أي: ألزمناهم، ومنه قوله في آية الصدقات بعد أن عدد أهلها: # فريضة من الله [النساء: 11] وقيل للصلاة المكتوبة: فريضة. وقيل لسهام ~~الميراث: # فريضة. # وقال: قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم [التحريم: 2] أي: أوجب لكم أن تكفروا ~~إذا حلفتم. # وبعض المفسرين يجعلها بمعنى: بين لكم كيف تكفرون عنها. قال: ومثلها: # سورة أنزلناها وفرضناها [النور: 1] أي: بيناها. # وقد يجوز في اللغة أن يكون فرضناها: أوجبنا العمل بما فيها. # وقال: إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد [القصص: 85] . # قال المفسرون: فيه أنزل عليك القرآن. # وقد يجوز في اللغة أن يكون أوجب عليك العمل بما فيه. # وقال: ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له [الأحزاب: 38] . # قال المفسرون: فيما أحل الله له. # وقد يجوز في اللغة أن يكون: ما أوجب له من النكاح، يعني: نكاح أكثر من ~~أربع. # PageV01P261 ### || 19- # الخيانة # الخيانة: # أن يؤتمن الرجل على شيء، فلا يؤدي الأمانة فيه. # يقال لكل خائن: سارق وليس كل سارق خائنا. # والقطع يجب على السارق، ولا يجب على الخائن، لأنه مؤتمن. # قال النمر بن تولب «1» : # وإن بني ربيعة بعد وهب ... كراعي البيت يحفظه فخانا # ويقال: لناقض العهد: خائن، لأنه أمن بالعهد وسكن إليه، فغدر ونكث. قال ~~الله تعالى: وإما تخافن من قوم خيانة [الأنفال: 58] . # أي: نقضا للعهد. # وكذلك قوله: ولا تزال تطلع على خائنة منهم [المائدة: 13] أي غدر ونكث. # ويقال لعاصي المسلمين: خائن، لأنه مؤتمن على دينه. قال: يا أيها الذين ~~آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم [الأنفال: 27] . يريد ~~المعاصي. # وقال الله تعالى: علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم [البقرة: 187] أي: # تخونونها بالمعصية. ### || 20- # الإسلام # الإسلام: # هو الدخول في السلم، أي: في الانقياد والمتابعة. قال تعالى: ولا تقولوا ~~لمن ألقى إليكم السلام لست مؤمنا ms164 [النساء: 94] أي: انقاد لكم وتابعكم. # والاستسلام مثله. يقال: سلم فلان لأمرك واستسلم وأسلم. أي دخل في السلم. # كما تقول: أشتى الرجل: إذا دخل في الشتاء، وأربع: دخل في الربيع، وأقحط: ~~دخل في القحط. # فمن الإسلام متابعة وانقياد باللسان دون القلب. ومنه قوله تعالى: قالت ~~الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا [الحجرات: 14] أي: أنقذنا من ~~خوف السيف. # وكذلك قوله: وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها [آل عمران: ~~PageV01P262 # 83] ، أي: انقاد له وأقر به المؤمن والكافر. # ومن الإسلام: متابعة وانقياد باللسان والقلب، ومنه قوله حكاية عن ~~إبراهيم: # قال أسلمت لرب العالمين [البقرة: 131] . وقوله: فإن حاجوك فقل أسلمت وجهي ~~لله ومن اتبعن [آل عمران: 20] أي: انقدت لله بلساني وعقدي. # والوجه زيادة. كما قال: كل شيء هالك إلا وجهه [القصص: 88] ، يريد: إلا ~~هو. وقوله: إنما نطعمكم لوجه الله [الإنسان: 9] ، أي لله. قال زيد بن عمرو ~~بن نفيل في الجاهلية «1» : # أسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا # أي: انقادت له المزن. ### || 21- # الإيمان # الإيمان: # هو التصديق. قال الله تعالى: وما أنت بمؤمن لنا أي: بمصدق لنا ولو كنا ~~صادقين [يوسف: 17] وقال: ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به ~~تؤمنوا [غافر: 12] ، أي: تصدقوا. والعبد مؤمن بالله، أي مصدق. والله مؤمن: ~~مصدق ما وعده، أو قابل إيمانه. ويقال في الكلام: ما أومن بشيء مما تقول أي ~~ما أصدق به. # فمن الإيمان: تصديق باللسان دون القلب، كإيمان المنافقين. يقول الله ~~تعالى: # ذلك بأنهم آمنوا ثم كفروا [المنافقون: 3] ، أي آمنوا بألسنتهم وكفروا ~~بقلوبهم. كما كان من الإسلام انقياد باللسان دون القلب. # ومن الإيمان: تصديق باللسان والقلب. يقول الله تعالى: إن الذين آمنوا ~~وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية (7) [البينة: 7] ، كما كان من الإسلام ~~انقياد باللسان والقلب. # ومن الإيمان: تصديق ببعض وتكذيب ببعض. قال الله تعالى: وما يؤمن أكثرهم ~~بالله إلا وهم مشركون (106) [يوسف: 106] ، يعني مشركي العرب، إن سألتهم من ~~خلقهم؟ قالوا: الله، وهم مع ذلك يجعلون له شركاء. وأهل الكتاب يؤمنون ببعض ms165 ~~PageV01P263 # الرسل والكتب، ويكفرون ببعض. قال الله تعالى: فلم يك ينفعهم إيمانهم لما ~~رأوا بأسنا [غافر: 85] ، يعني: ببعض الرسل والكتب، إذ لم يؤمنوا بهم كلهم. # وأما قوله عز وجل: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين ~~[البقرة: # 62] ثم قال: من آمن بالله واليوم الآخر [البقرة: 62]- فإن هؤلاء قوم ~~آمنوا بألسنتهم. # فقال تعالى: من آمن [البقرة: 62] منهم بقلبه بالله واليوم الآخر، كأنه ~~قال: إن المنافقين والذين هادوا. ### || 22- # الضر # الضر: # بفتح الضاد- ضد النفع، قال الله عز وجل: هل يسمعونكم إذ تدعون أو ~~ينفعونكم أو يضرون (73) [الشعراء: 72، 73] وقال: قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ~~ضرا [الأعراف: 188] أي: لا أملك جر نفع ولا دفع ضر؟. # والضر: الشدة والبلاء، كقوله: وإن يمسسك الله بضر [الأنعام: 17] ، ~~والصابرين في البأساء والضراء [البقرة: 177] . # فمن الشدة: قحط المطر، قال الله تعالى: وإذا أذقنا الناس رحمة من بعد ~~ضراء [يونس: 21] أي: مطرا من بعد قحط وجدب. # ومنه: الهول، كقوله: وإذا مسكم الضر في البحر [الإسراء: 67] . # ومنه المرض، كقول أيوب عليه السلام: أني مسني الضر [الأنبياء: 83] ، فإذا ~~مس الإنسان ضر دعانا [الزمر: 49] . # ومنه النقص، كقوله تعالى: لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم [محمد: 32] ~~. ### || 23- # الحرج # الحرج: # أصله الضيق. ومن الضيق: الشك، كقول الله تعالى: فلا يكن في صدرك حرج منه ~~[الأعراف: 2] ، أي شك، لأن الشاك في الشيء يضيق صدرا به. # ومن الحرج: الإثم، قال تعالى: ليس على الأعمى حرج [النور: 61] أي إثم ولا ~~على المرضى ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج [التوبة: 91] ، أي إثم. # وأما الضيق بعينه فقوله: وما جعل عليكم في الدين من حرج [الحج: 78] أي ~~ضيق. ويجعل صدره ضيقا حرجا [الأنعام: 125] وحرجا. ومنه الحرجة وهي: # الشجر الملتف. # PageV01P264 ### || 24- # الروح # الروح # والريح والروح: من أصل واحد اكتنفته معان تقاربت، فبني لكل معنى اسم من ~~ذلك الأصل، وخولف بينها في حركة البنية. # والنار والنور من أصل واحد، كما قالوا: الميل والميل، وهما جميعا من مال. # فجعلوا الميل- بفتح الباء- فيما كان خلقة فقالوا: في عنقه ميل، وفي ~~الشجرة ميل. # وجعلوا الميل- بسكون الياء- فيما كان فعلا ms166 فقالوا: مال عن الحق ميلا، ~~وفيه ميل علي، أي تحامل. # وقالوا: اللسن واللسن واللسن، وهذا كله من اللسان، فاللسن: جودة اللسان. # واللسن: العذل واللوم. ويقال: لسنت فلانا لسنا: أي عذلته، وأخذته بلساني. # واللسن: اللغة. يقال: لكل قوم لسن. # وقالوا: حمل الشجرة- بفتح الحاء- وحمل المرأة- بفتح الحاء- وقالوا لما ~~كان على الظهر: حمل، والأصل واحد. # في أشباه لهذا كثيرة. وقد ذكرنا منها طرفا في صدر الكتاب. # وأما الروح: فروح الأجسام الذي يقبضه الله عند الممات. # والروح: جبريل عليه السلام. قال الله تعالى: نزل به الروح الأمين (193) ~~على قلبك [الشعراء: 193، 194] ، يعني جبريل. وقال: وأيدناه بروح القدس ~~[البقرة: 253] ، أي بجبريل. # والروح- فيما ذكر المفسرون-: ملك عظيم من ملائكة الله يقوم وحده فيكون ~~صفا وتقوم الملائكة صفا قال: يوم يقوم الروح والملائكة صفا [النبأ: 38] ، ~~وقال عز وجل: ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي [الإسراء: 85] . # ويقال للملائكة: الروحانيون، لأنهم أرواح، نسبوا إلى الروح- بالألف ~~والنون- لأنها نسبة الخلقة، كما يقال: رقباني وشعراني. # والروح: النفخ، سمي روحا لأنه ريح تخرج عن الروح. قال ذو الرمة وذكر نارا ~~قدحها «1» : # فلما بدت كفنتها وهي طفلة ... بطلساء لم تكمل ذراعا ولا شبرا PageV01P265 # وقلت له: ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا # وظاهر لها من يابس الشحت واستعن ... عليها الصبا واجعل يديك لها سترا # قوله: وأحيها بروحك، أي أحيها بنفخك. # والمسيح: روح الله، لأنه نفخة جبريل في درع مريم. ونسب الروح إلى الله ~~لأنه بأمره كان. يقول الله: فنفخنا فيها من روحنا [الأنبياء: 91] ، يعني ~~نفخة جبريل. # وقد يجوز أن يكون سمي روح الله لأنه بكلمته كان، قال الله تعالى: كن، ~~فكان. # وكلام الله: روح، لأنه حياة من الجهل وموت الكفر، قال: يلقي الروح من ~~أمره على من يشاء [غافر: 15] ، وقال: وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا ~~[الشورى: 52] . # ورحمة الله: روح. قال الله تعالى: وأيدهم بروح منه [المجادلة: 22] ، أي ~~برحمة، كذلك قال المفسرون. # ومن قرأ: فروح وريحان [الواقعة-: 89] بضم الراء، أراد فرحمة ورزق. ~~والريحان: # الرزق. قال النمر بن تولب «1» : # سلام الإله وريحانه ... ورحمته وسماء ms167 درر # فجمع بين الرزق والرحمة، كما قال الله تعالى: فروح وريحان، وهذا شاهد ~~لتفسير المفسرين. # قال أبو عبيدة فروح، أراد: حياة وبقاء لا موت فيه. # ومن قرأ: فروح وريحان بالفتح، أراد: الراحة وطيب النسيم. # وقد تكون الروح: الرحمة، قال الله تعالى: ولا تيأسوا من روح الله [يوسف: # 87] ، أي من رحمته. سماها روحا لأن الروح والراحة يكونان بها. ~~PageV01P266 ### || 25- # الوحي # الوحي: # كل شيء دللت به من كلام أو كتاب أو إشارة أو رسالة. قال الله تعالى: # إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح [النساء: 163] ، وقال: وأوحي إلي هذا ~~القرآن لأنذركم به ومن بلغ [الأنعام: 19] ، فهذا إرسال جبريل بالقرآن. # وقال: فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا [مريم: 11] ، أي أشار إليهم ~~وأومأ. # وقال بعض المفسرين: كتب إليهم. # قال أبو محمد: # والتفسير الأول أعجب إلي، لأنه قال في موضع آخر: آيتك ألا تكلم الناس ~~ثلاثة أيام إلا رمزا [آل عمران: 41] . # والرمز: تحريك الشفتين أو الحاجبين أو العينين، ولا يكون كتابا. # والوحي: إلهام، كقوله: وإذ أوحيت إلى الحواريين [المائدة: 111] ، وو أوحى ~~ربك إلى النحل [النحل: 68] ، أي ألهمها. # والوحي: إعلام في المنام، كقوله: وما كان لبشر أن يكلمه الله إلا وحيا أو ~~من وراء حجاب أو يرسل رسولا فيوحي [الشورى: 51] . # والوحي: إعلام بالوسوسة من الشيطان، قال: وإن الشياطين ليوحون إلى ~~أوليائهم [الأنعام: 121] ، وقال: شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض ~~زخرف القول غرورا [الأنعام: 112] . # والوحي: أمر، قال الله تعالى: بأن ربك أوحى لها (5) [الزلزلة: 5] ، أي ~~أمرها. وقال الراجز «1» : # وحي لها القرار فاستقرت أي أمرها بالقرار: فقرت، يعني الأرض. ويقال: ~~سخرها. PageV01P267 ### || 26- # الفرح # الفرح: # المسرة، قال الله تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة ~~وفرحوا بها [يونس: 22] أي سروا. # والفرح: الرضا، لأنه عن المسرة يكون، قال الله تعالى: كل حزب بما لديهم ~~فرحون [المؤمنون: 53، والروم: 32] أي راضون، وقال: فرحوا بما عندهم من ~~العلم [غافر: 83] أي رضوا. # والفرح: البطر والأشر، لأن ذلك عن إفراط السرور، قال الله تعالى: إن الله ~~لا يحب الفرحين [القصص: 76] وقال: إنه لفرح ms168 فخور [هود: 10] وقال: ذلكم بما ~~كنتم تفرحون في الأرض [غافر: 75] . # وقد تبدل (الحاء) في هذا المعنى (هاء) فيقال: فره أي بطر، قال الله ~~تعالى: # وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (149) [الشعراء: 149] أي: أشرين بطرين. و ~~(الهاء) تبدل من (الحاء) لقرب مخرجيهما، تقول: (مدحته) و (مدهته) ، بمعنى ~~واحد. ### || 27- # الفتح # الفتح: # أن يفتح المغلق، كقوله تعالى: حتى إذا جاؤها وفتحت أبوابها [الزمر: # 73] . # والفتح: النصر، كقوله: فإن كان لكم فتح من الله [النساء: 141] وقوله: ~~فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده [المائدة: 52] ، لأن النصر يفتح ~~الله به أمرا مغلفا. # والفتح: القضاء، لأن القضاء فصل للأمور، وفتح لما أشكل منها، قال الله جل ~~ذكره: ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (28) قل يوم الفتح لا ينفع ~~الذين كفروا إيمانهم [السجدة: 28، 29] يعني يوم القيامة، لأنه يقضي الله ~~فيه بين عباده. # ويقال: أراد فتح مكة لا ينفع الذين كفروا إيمانهم من خوف السيف، فلم ~~ينفعهم ذلك وقتلهم خالد بن الوليد. # وقال عز وجل: ثم يفتح بيننا بالحق [سبأ: 26] أي: يقضي، وأنت خير الفاتحين ~~[الأعراف: 89] : أي خير القضاة. # وقال أعرابي لآخر ينازعه: بيني وبينكم الفتاح، يعني الحاكم. # وقال ابن عباس في قول الله تعالى: إنا فتحنا لك فتحا مبينا (1) [الفتح: ~~1] كنت # PageV01P268 # أقرؤها ولا أدري ما هي، حتى تزوجت بنت مشرح فقالت: فتح الله بيني وبينك، ~~أي حكم الله بيني وبينك. ### || 28- # الكريم # الكريم: # الشريف الفاضل، قال الله تعالى: إن أكرمكم عند الله أتقاكم [الحجرات: 13] ~~أي: أفضلكم. وقال: ولقد كرمنا بني آدم [الإسراء: 70] أي: شرفناهم وفضلناهم. ~~وقال حكاية عن إبليس: أرأيتك هذا الذي كرمت علي [الإسراء: 62] أي: # فضلت. وقال: ما ابتلاه ربه فأكرمه [الفجر: 15] أي: فضله. وقال: رب العرش ~~الكريم [المؤمنون: 116] أي: الشريف الفاضل. وقال: وندخلكم مدخلا كريما ~~[النساء: 31] أي: شريفا. وقال: إني ألقي إلي كتاب كريم [النمل: 29] أي شريف ~~لشرف كاتبه، ويقال: شريف بالختم. # والكريم: الصفوح، وذلك من الشرف والفضل، قال الله عز وجل: فإن ربي غني ~~كريم [النمل: 40] أي: صفوح. وقال: ما غرك بربك الكريم (6) [الانفطار: ms169 6] أي ~~الصفوح. # والكريم: الكثير الكرم، قال الله تعالى: ورزق كريم [الأنفال: 4، والحج: ~~50، والنور: 26، وسبأ: 4] أي: كثير. # والكريم: الحسن، وذلك من الفضل. قال الله تعالى: أولم يروا إلى الأرض كم ~~أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) [الشعراء: 7] أي: حسن. وكذلك قوله: من كل ~~زوج بهيج [الحج: 5 وق: 7] أي: حسن يبتهج به. وقال تعالى: وقل لهما قولا ~~كريما [الإسراء: 23] ، أي حسنا. # وهذا وإن اختلف، فأصله الشرف. ### || 29- # المثل # المثل: # بمعنى الشبه، يقال: هذا مثل الشيء ومثله، كما يقال: شبه الشيء وشبهه، قال ~~الله تعالى: مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا ~~[العنكبوت: 41] أي شبه الذين كفروا شبه العنكبوت. # وقال: مثل الذين حملوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفارا ~~[الجمعة: 5] أي: شبههم الحمار. # PageV01P269 # والمثل: العبرة، كقوله تعالى: فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (56) [الزخرف: # 56] أي: عبرة لمن بعدهم. وقوله: وجعلناه مثلا لبني إسرائيل [الزخرف: 59] ~~أي عبرة. # والمثل: الصورة والصفة، كقوله: مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار ~~[محمد: # 15] أي صفة الجنة. ### || 30- # الضرب # الضرب: # باليد، كقوله تعالى: فضرب الرقاب [محمد: 4] وقوله: واهجروهن في المضاجع ~~واضربوهن [النساء: 34] . # والضرب: المسير، قال الله تعالى: إذا ضربتم في سبيل الله [النساء: 94] ~~وقال تعالى: وآخرون يضربون في الأرض [المزمل: 20] . # والضرب: التبيين والوصف، قال الله تعالى: ضرب الله مثلا [النحل: 75] ، ~~وقال: فلا تضربوا لله الأمثال [النحل: 74] ، أي لا تصفوه بصفات غيره ولا ~~تشبهوه. ### || 31- # الزوج # الزوج: # اثنان، وواحد، قال الله تعالى: وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (45) ~~[النجم: 45] فجعل كل واحد منهما زوجا. # وهو بمعنى: الصنف، قال: خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض [يس: 36] يعني: ~~الأصناف. وقال: ثمانية أزواج من الضأن اثنين [الأنعام: 143] أي ثمانية ~~أصناف. # وقال: أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) [الشعراء: ~~7] أي من كل صنف حسن. # والزوج: القرين، قال الله تعالى: وخلق منها زوجها [النساء: 1] ، وقال: ~~احشروا الذين ظلموا وأزواجهم [الصافات: 22] أي قرناءهم. # وقال: وإذا النفوس زوجت (7) [التكوير: 7] أي قرنت نفوس الكفار بعضها ~~ببعض. # ومنه قوله: وزوجناهم بحور عين [الدخان: ms170 54] أي قرناهم. # PageV01P270 # والعرب تقول: زوجت إبلي، إذا قرنت بعضها ببعض. ### || 32- # الرؤية # الرؤية: # المعاينة، كقول الله عز وجل: ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة [الزمر: 60] . # وقال: وإذا رأيت ثم رأيت نعيما [الإنسان: 20] أي: عاينت. # والرؤية: علم، كقوله: أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ~~[الأنبياء: 30] أي: ألم يعلموا. # وقال: وأرنا مناسكنا [البقرة: 128] ، أي: أعلمنا. # وقال تعالى: ويرى الذين أوتوا العلم [سبأ: 6] أي: يعلم. # وقال: لتحكم بين الناس بما أراك الله [النساء: 105] أي: علمك الله. # وقال المفسرون في قوله: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب [آل ~~عمران: # 23] : ألم تخبروا. وكذلك أكثر ما في القرآن. ### || 33- # النسيان # النسيان: # ضد الحفظ، كقوله: فإني نسيت الحوت [الكهف: 63] ، وقال: لا تؤاخذني بما ~~نسيت [الكهف: 73] . # والنسيان: الترك، كقول الله تعالى: ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي [طه: # 115] ، أي ترك. # وقوله: فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا، أي بما تركتم الإيمان بلقاء هذا ~~اليوم إنا نسيناكم [السجدة: 14] ، أي تركناكم. # وقوله: ولا تنسوا الفضل بينكم [البقرة: 237] ، أي لا تتركوا ذلك. ### || 34- الصاعقة والصعق # الصعق: الموت، قال تعالى: فصعق من في السماوات ومن في الأرض [الزمر: # 68] ، وقال تعالى: وخر موسى صعقا [الأعراف: 143] . أي ميتا، ثم رد الله ~~إليه حياته. # وقال الله تعالى: فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم [النساء: ~~153] ، # PageV01P271 # أي الموت، يدلك على ذلك قوله تعالى: ثم بعثناكم من بعد موتكم [البقرة: ~~56] . # والصاعقة: العذاب، كقوله: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود [فصلت: 13] ~~. # والصاعقة: نار من السحاب، قال الله تعالى: ويرسل الصواعق فيصيب بها من ~~يشاء [الرعد: 13] . # وأراها سميت صاعقة، لأنها إذا أصابت قتلت، يقال: صعقتهم، أي: قتلتهم. ### || 35- # الأخذ # الأخذ: # أصله باليد، ثم يستعار في مواضع: # فيكون بمعنى: القبول، قال الله تعالى: وأخذتم على ذلكم إصري [آل عمران: ~~81] أي: قبلتم عهدي، وقال تعالى: إن أوتيتم هذا فخذوه [المائدة: 41] أي ~~فاقبلوه. # وقال: ويأخذ الصدقات [التوبة: 104] أي يقبلها. وقال: ولا يؤخذ منها عدل ~~[البقرة: # 48] أي: لا يقبل. وقال تعالى: خذ العفو [الأعراف: 199] أي: اقبله. # ويكون بمعنى: ms171 الحبس والأسر، قال الله تعالى: فخذ أحدنا مكانه [يوسف: # 78] أي: احبسه. وقال تعالى: فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم أي: ~~ائسروهم واحصروهم [التوبة: 5] أي: احبسوهم. # ويقال للأسير: أخيذ. # والأخذ: التعذيب، قال الله تعالى: وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى [هود: # 102] أي: تعذيبه. وقال: فكلا أخذنا بذنبه [العنكبوت: 40] أي عذبنا. # وقال: وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه [غافر: 5] أي ليعذبوه أو ليقتلوه. ### || 36- # السلطان # السلطان: # الملك والقهر، قال الله تعالى: وما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم ~~فاستجبتم لي [إبراهيم: 22] . وقال: وما كان له عليهم من سلطان [سبأ: 21] . # والسلطان: الحجة، قال الله تعالى: ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين ~~(23) [غافر: 23] أي حجة. # وقال: ما لم ينزل به سلطانا [آل عمران: 151] أي: حجة في كتاب الله وقال: ~~أم لكم سلطان مبين (156) [الصافات: 156] أي حجة. # PageV01P272 # وقال: أو ليأتيني بسلطان مبين [النمل: 21] ، أي: حجة وعذر. ### || 37- # البأس والبأساء # البأس والبأساء: # الشدة، قال الله تعالى: فأخذناهم بالبأساء والضراء [الأنعام: 42] . # والبأس: الشدة بالعذاب، قال الله تعالى: فلما رأوا بأسنا [غافر: 84] أي ~~عذابنا. # وقال تعالى: فلما أحسوا بأسنا [الأنبياء: 12] وقال: فمن ينصرنا من بأس ~~الله [غافر: 29] أي: يمنعنا من عذاب الله. # والبأس: الشدة بالقتال، قال الله تعالى: عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا ~~[النساء: 84] وقال تعالى: نحن أولوا قوة وأولوا بأس شديد [النمل: 33] وقال: ~~بأسهم بينهم شديد [الحشر: 14] وقال: وحين البأس [البقرة: 177] . ### || 38- # الخلق # الخلق: # التخرص، قال الله تعالى: إن هذا إلا خلق الأولين (137) [الشعراء: 137] ~~أي: خرصهم للكذب. # وقال تعالى: وتخلقون إفكا [العنكبوت: 17] ، أي تخرصون كذبا. # وقال تعالى: إن هذا إلا اختلاق [ص: 7] أي: افتعال للكذب. # والعرب تقول للخرافات: أحاديث الخلق. # والخلق: التصوير، قال الله تعالى: وإذ تخلق من الطين كهيئة الطير ~~[المائدة: # 110] أي: تصوره. # والخلق: الإنشاء والابتداء، قال الله تعالى: هو الذي خلقكم من نفس واحدة ~~وجعل منها زوجها [الأعراف: 189] . # وأصل الخلق: التقدير، ومنه قيل: خالقة الأديم، قال زهير «1» : # ولأنت تفري ما خلقت وب ... عض القوم يخلق ثم لا يفري. PageV01P273 # والخلق: الدين، كقوله تعالى: لا تبديل لخلق الله ms172 [الروم: 30] ، أي لدين ~~الله. # وقال تعالى: ولآمرنهم فليغيرن خلق الله [النساء: 119] ، أي دينه: ويقال: # تغيير خلقه بالخصاء وبتك الآذان، وأشباه ذلك. ### || 39- # الرجم # الرجم: # أصله الرمي، كقوله تعالى: وجعلناها رجوما للشياطين [الملك: 5] أي مرامي. # ثم يستعار فيوضع موضع القتل، لأنهم كانوا يقتلون بالرجم. وروي أن ابن آدم ~~قتل أخاه رجما بالحجارة، وقتل رجما بالحجارة، فلما كان أول القتل كذلك، سمي ~~رجما وإن لم يكن بالحجارة، ومنه قوله تعالى: لنرجمنكم [يس: 18] ، أي ~~لنقتلنكم. # وقال: وإني عذت بربي وربكم أن ترجمون (20) [الدخان: 20] ، أي تقتلون. ~~وقال: ولولا رهطك لرجمناك [هود: 91] أي قتلناك. # ويوضع: الشتم، لأن الشتم رمي، ولذلك يقال: قذف فلان فلانا: إذا شتمه. # وأصل القذف: الرمي، ومنه قول أبي أبراهيم له: لأرجمنك [مريم: 46] ، أي ~~لأشتمنك. # ويوضع موضع الظن، ومنه قوله: رجما بالغيب [الكهف: 22] ، أي ظنا. ويقال: # رجم بالظن، كأنه رمى به. # والرجم: اللعن. والطرد: لعن، ومنه قيل: ذئب لعين: أي طريد. # وإنما قيل للشيطان: رجيم، أي طريد، لأنه يطرد برجم الكواكب. ### || 40- # السعي # السعي: # الإسراع في المشي، قال الله تعالى: وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى ~~[القصص: 20] ، أي يسرع في مشيه، وهو العدو أيضا. # والسعي: المشي، قال الله تعالى: فلما بلغ معه السعي [الصافات: 102] ، ~~يعني المشي، ويقال: المعاونة له على أمره. # وقال: فاسعوا إلى ذكر الله [الجمعة: 9] أي امشوا. وقرأ بعض السلف: فامضوا ~~إلى ذكر الله. # PageV01P274 # وقال: ثم ادعهن يأتينك سعيا [البقرة: 260] ، أي مشيا، كذلك قال بعض ~~المفسرين. # والسعي: العمل، قال الله تعالى: فأولئك كان سعيهم مشكورا [الإسراء: 19] . # وقال: ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها [الإسراء: 19] أي: عمل لها عملها. # وقال: والذين سعوا في آياتنا معاجزين [الحج: 51 وسبأ: 5] ، أي جدوا في ~~ذلك. # وقال: إن سعيكم لشتى (4) [الليل: 4] ، أي عملكم لشتى، أي مختلف. وأصل هذا ~~كله: المشي والإسراع فيه. ### || 41- # المحصنات # الإحصان هو: أن يحمى الشيء ويمنع منه. # والمحصنات من النساء: ذوات الأزواج، لأن الأزواج أحصنوهن، ومنعوا منهن، ~~قال الله تعالى: والمحصنات من النساء إلا ما ملكت أيمانكم [النساء: 24] . # المحصنات: # الحرائر وإن لم يكن متزوجات، ms173 لأن الحرة تحصن وتحصن، وليست كالأمة. قال ~~الله تعالى: ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات [النساء: ~~25] وقال: فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب [النساء: 25] يعني ~~الحرائر. # والمحصنات: العفائف، قال الله تعالى: والذين يرمون المحصنات [النور: 4] ~~يعني العفائف. # وقال الله تعالى: ومريم ابنت عمران التي أحصنت فرجها [التحريم: 12] أي ~~عفت. ### || 42- # المتاع # المتاع: # المدة، قال الله تعالى: ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين [البقرة: 36] ~~وقال تعالى: وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) [الأنبياء: 111] . # ومنه يقال: متع النهار. ويقال: أمتع الله بك. # والمتاع: الآلات التي ينتفع بها، قال الله تعالى: ومما يوقدون عليه في ~~النار ابتغاء حلية أو متاع [الرعد: 17] . # والمتاع: المنفعة، قال الله تعالى: نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين ~~(73) [الواقعة: # PageV01P275 # 73] ، وقال تعالى: متاعا لكم ولأنعامكم (33) [النازعات: 33] وقال تعالى ~~أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة [المائدة: 96] . # وقال: ليس عليكم جناح أن تدخلوا بيوتا غير مسكونة فيها متاع لكم [النور: ~~29] أي ينفعكم ويقيكم من الحر والبرد، يعني الخانات. # ومنه: متعة المطلقة. ### || 43- # الحساب # الحساب: # الكثير، قال الله تعالى: جزاء من ربك عطاء حسابا (36) [النبأ: 36] ، أي ~~كثيرا. # ويقال: أحسبت فلانا. أي أعطيته ما يحسبه، أي يكفيه. ومنه قول الهذلي «1» ~~: # حساب ورجل كالجراد يسوم # والحساب: الجزاء، قال الله تعالى: ثم إن علينا حسابهم (26) [الغاشية: 26] ~~، أي جزاءهم. # وقال تعالى: إن حسابهم إلا على ربي لو تشعرون (113) [الشعراء: 113] ، لأن ~~الجزاء يكون بالحساب. # والحساب: المحاسبة، قال الله تعالى: فسوف يحاسب حسابا يسيرا (8) ~~[الانشقاق: 8] . ### || 44- # الأمر # الأمر: # القضاء، قال الله تعالى: يدبر الأمر من السماء إلى الأرض [السجدة: 5] ، ~~أي يقضي القضاء. وقال تعالى: ألا له الخلق والأمر [الأعراف: 54] أي القضاء. # والأمر: الدين، قال الله تعالى: فتقطعوا أمرهم بينهم [المؤمنون: 53] ، أي ~~دينهم. # وقال تعالى: حتى جاء الحق وظهر أمر الله [التوبة: 48] . PageV01P276 # والأمر: القول، قال الله تعالى: إذ يتنازعون بينهم أمرهم [الكهف: 21] ، ~~يعني قولهم. # والأمر: العذاب، قال الله تعالى: وقال الشيطان لما قضي الأمر [إبراهيم: ~~22] ، أي وجب العذاب. وقال تعالى: وغيض الماء وقضي الأمر [هود: ms174 44] . # والأمر: القيامة، قال الله تعالى: أتى أمر الله فلا تستعجلوه [النحل: 1] ~~وقال تعالى: وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله [الحديد: 14] ~~أي القيامة أو الموت. # والأمر: الوحي، قال الله تعالى: يتنزل الأمر بينهن [الطلاق: 12] . # والأمر: الذنب، قال الله تعالى: فذاقت وبال أمرها [الطلاق: 9] ، أي جزاء ~~ذنبها. # وهذا كله وإن اختلف فأصله واحد. # ويكنى عن كل شيء: بالأمر، لأن كل شيء يكون فإنما يكون بأمر الله، فسميت ~~الأشياء: أمورا، لأن الأمر سببها، يقول الله تعالى: ألا إلى الله تصير ~~الأمور [الشورى: # 53] . # PageV01P277 ### | باب تفسير حروف المعاني وما شاكلها من الأفعال التي لا تنصرف ### || كأين # كأين هي بمعنى: كم. قال الله تعالى: وكأين من قرية عتت عن أمر ربها ورسله ~~[الطلاق: 8] أي وكم من قرية. # وفيها لغتان: كأين بالهمزة وتشديد الياء، وكائن على تقدير قائل وبائع، ~~وقد قرىء بهما جميعا في القرآن، والأكثر والأفصح تخفيفها، قال الشاعر «1» : # وكائن أرينا الموت من ذي تحية ... إذا ما ازدرانا أو أصر لمأثم # وقال آخر «2» : # وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم ### || كيف # كيف بمعنى: على أي حال، تقول: كيف أنت، تريد بأي حال أنت؟. # وتقع بمعنى: التعجب، في مثل قوله: كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ~~[البقرة: 28] . ### || سوى وسوى # سوى وسوى: بمعنى غير، وهما جميعا في معنى بدل. وهي مقصورة. وقد ~~PageV01P278 # جاءت ممدودة مفتوحة الأول، وهي في معنى غير. # قال ذو الرمة «1» : # وما تجافى الغيت عنه فما به ... سواء الحمام الحضن الخضر حاضر # يريد غير الحمام. # وسواء- مفتوحة الأول ممدود- بمعنى: وسط. قال: فاطلع فرآه في سواء الجحيم ~~(55) [الصافات: 55] ، أي في وسطه. # وقد جاءت أيضا بمعنى: وسط، مكسورة الأول مقصورة، قال الله تعالى: مكانا ~~سوى [طه: 58] ، أي وسطا. ### || أيان # أيان: بمعنى متى، ومتى بمعنى: أي حين. # ونرى أصلها: أي أوان، فحذفت الهمزة والواو، وجعل الحرفان واحدا، قال الله ~~تعالى: أيان يبعثون؟ [النحل: 21] ، أي متى يبعثون؟ وأيان يوم القيامة ~~[القيامة: 6] . ### || الآن # الآن: هو الوقت الذي أنت فيه، وهو حد الزم # اني # ن: حد الماضي ms175 من آخره، وحد الزمان المستقبل من أوله. # قال الفراء: «هو حرف بني على الألف واللام، ولم يخلعا منه، وترك على مذهب ~~الصفة، لأنه في المعنى واللفظ، كما رأيتهم فعلوا بالذي، فتركوه على مذهب ~~الأداة، والألف واللام له لازمة غير مفارقة. # وأرى أصله: أوان، حذفت منه الألف، وغيرت واوه إلى الألف، كما قالوا في ~~الراح: الرياح. وأنشد «2» : PageV01P279 # كأن مكاكي الجواء غدية ... نشاوى تساقوا بالرياح المفلفل # قال: فهي مرة على تقدير (فعل) ومرة على تقدير (فعال) كما قالوا: زمن، ~~وزمان. # وإن شئت جعلتها من قولك: آن لك أن تفعل كذا وكذا، أدخلت عليها الألف ~~واللام ثم تركتها على مذهب (فعل) منصوبة، كما قالوا: # «نهى رسول الله، صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال، وكثرة السؤال» «1» # فكانتا كالاسمين وهما منصوبتان، ولو خفضتا على النقل لهما من حد الأفعال ~~إلى الأسماء في النية- كان صوابا. # وسمعت العرب تقول: من شب إلى دب، ومن شب إلى دب، مخفوض منون، يذهبون به ~~مذهب الأسماء. والمعنى: مذ كان صغيرا فشب إلى أن دب كبيرا. # قال الله تعالى: آلآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين (91) [يونس: 91] ~~آلآن وقد كنتم به تستعجلون [يونس: 51] ، أي أفي هذا الوقت وفي هذا الأوان ~~تتوب وقد عصيت قبل؟ ### || أنى # أني: يكون بمعنيين. يكون بمعنى: كيف، نحو قول الله تعالى أنى يحيي هذه ~~الله [البقرة: 259] أي كيف يحييها؟ وقوله: فأتوا حرثكم أنى شئتم [البقرة: ~~223] أي كيف شئتم. # وتكون بمعنى: من أين، نحو قوله: قاتلهم الله أنى يؤفكون [التوبة: 30] ~~وقوله: أنى يكون له ولد [الأنعام: 101] . # والمعنيان متقاربان، يجوز أن يتأول في كل واحد منهما الآخر. # وقال الكميت «2» : PageV01P280 # أنى ومن أين آبك الطرب ... من حيث لا صبوة ولا ريب # فجاء بالمعنيين جميعا. ### || ويكأن # # ويكأن. قد اختلف فيها: فقال الكسائي: معناها: ألم تر، قال الله تعالى: # ويكأن الله يبسط الرزق لمن يشاء [القصص: 82] وقال: ويكأنه لا يفلح ~~الكافرون [القصص: 82] ، يريد: ألم تر. # وروى عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة أنه قال: ويكأن: أولا يعلم أن الله ~~يبسط ms176 الرزق لمن يشاء. وهذا شاهد لقول الكسائي. # وذكر الخليل أنها مفصولة: وي، ثم تبتدئ فتقول: كأن الله. # وقال ابن عباس في رواية أبي صالح: هي: كأن الله يبسط الرزق لمن يشاء، ~~كأنه لا يفلح الكافرون. وقال: وي صلة في الكلام. # وهذا شاهد لقول الخليل. # ومما يدل على أنها كأن: أنها قد تخفف أيضا كما تخفف كأن قال الشاعر «1» . # ويكأن من يكن له نشب يح ... بب ومن يفتقر يعش عيش ضر # وقال (بعضهم) : ويكأن: أي رحمة لك، بلغة حمير. ### || كأن # كأن: تشبيه، وهي: (أن) أدخلت عليها كاف التشبيه الخافضة، أ # لا ت # رى أنك PageV01P281 # تقول: شربت شرابا كعسل، وشربت شرابا كأنه عسل، فيكونان سواء؟!. # وقد يخفف كأن ويحذف الاسم فيكون كالكاف، قال الشاعر يصف فرسا «1» : # جموم الشد شائلة الذنابى ... وهاديها كأن جذع سحوق # أراد: كجذع. وقال آخر «2» : # كأن ظبية تعطو إلى ناضر السلم ### || لات # لات. قال سيبوية: (لات) مشبهة (بليس) في بعض المواضع، ولم تمكن تمكنها، ~~ولم يستعملوها إلا مضمرا فيها، لأنها ليست كليس في المخاطبة والإخبار، عن ~~غائب، ألا ترى أنك تقول: ليست وليسوا، وعبد الله ليس ذاهبا، فتبني عليها، و ~~(لات) لا يكون فيها ذاك، قال الله تعالى: ولات حين مناص [ص: 3] ، أي ليس ~~حين مهرب. PageV01P282 # قال: وبعضهم يقول: ولات حين مناص. فيرفع، لأنها عنده بمنزلة: (ليس) وهي ~~قليلة، والنصب بها لوجه. وقد خفض بها، قال أبو زبيد الطائي «1» : # طلبوا صلحنا ولات أوان ... فأجبنا أن ليس حين بقاء # وقال آخر «2» : # فلما علمت أنني قد قتلته ... ندمت عليه لات ساعة مندم # وإنما تكون (لات) مع الأحيان وتعمل فيها. فإذا جاوزتها فليس لها عمل. # وقال بعض البغداديين: (التاء) تزاد في أول (حين) ، وفي أول (أوان) ، وفي ~~أول (الآن) ، وإنما هي (لا) ثم تبتدئ فتقول: تحين وتلان. والدليل على هذا ~~أنهم يقولون: # تحين من غير أن يتقدمها (لا) . واحتج بقول الشاعر «3» : # العاطفون تحين ما من عاطف ... والمطمعون زمان ما من مطعم PageV01P283 # وبقول الآخر «1» : # وصلينا كما زعمت تلانا # وجر العرب بها يفسد عليه ms177 هذا المذهب، لأنهم إذا جروا ما بعدها جعلوها ~~كالمضاف للزيادة، وإنما هي (لا) زيدت عليها (الهاء) كما قالوا: ثم وثمة. # وقال ابن الأعرابي «2» في قوله الشاعر: # العاطفون تحين ما من عاطف إنما هو (العاطفونه) بالهاء، ثم تبتدئ فتقول: ~~حين ما من عاطف فإذا وصلته صارت الهاء تاء. وكذلك قوله: «وصلينا كما زعمته» ~~ثم تبتدئ فتقول: لاتا، فإذا وصلته صارت الهاء تاء، وذهبت همزة الآن. # قال: وسمعت الكلابي «3» ينهى رجلا عن عمل، فقال: حسبك تلان أراد: حسبكه ~~الآن، فلما وصل صارت الهاء تاء. # وسنبين: كيف الوقوف عليها وعلى أمثالها من التاءات الزوائد، في كتاب ~~«القراءات» إن شاء الله تعالى. ### || مهما # مهما: هي بمنزلة «ما» في الجزاء. قال الله تعالى: وقالوا مهما تأتنا به ~~من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين [الأعراف: 132] ، أي ما تأتنا به من ~~آية. PageV01P284 # وقال الخليل في مهمما: هي (ما) أدخلت معها (ما) لغوا كما أدخلت مع (متى) ~~لغوا، تقول: متى تأتني آتك، ومتى ما تأتني آتك. وكما أدخلت مع (ما) أي ~~لغوا، كقوله: أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى [الإسراء: 110] أي أيا ~~تدعوا. # قال: ولكنهم استقبحوا أن يكرروا لفظا واحدا فيقولوا: (ما، ما) فأبدلوا ~~الهاء من الألف التي في الأولى. # هذا قول الخليل. # وقال سيبويه: وقد يجوز أن تكون (مه) ضم إليها (ما) . ### || ما ومن # ما ومن، أصلهما واحد، فجعلت من للناس، وما لغير الناس. نقول: من مر بك من ~~القوم؟ وما مر بك من الإ # بل # ؟. # وقال أبو عبيدة في قوله تعالى وما خلق الذكر والأنثى (3) [الليل: 3] : أي ~~ومن خلق الذكر والأنثى. وكذلك قوله تعالى: والأرض وما طحاها (6) ونفس وما ~~سواها (7) فألهمها فجورها وتقواها (8) [الشمس: 6، 8] هي عنده في هذه ~~المواضع بمعنى «من» . # وقال أبو عمرو: هي بمعنى (الذي) . قال: وأهل مكة يقولون إذا سمعوا صوت ~~الرعد: سبحان ما سبحت له. # وقال الفراء: هو: وخلقه الذكر والأنثى، وذكر أنها في قراءة عبد الله ~~والذكر والأنثى. ### || كاد # كاد: بمعنى هم ولم يفعل. ولا يقال: يكاد أن يفعل، ms178 إنما يقال: كاد يفعل، ~~قال الله تعالى: فذبحوها وما كادوا يفعلون [البقرة: 71] . # وقد جاءت في الشعر، قال الشاعر «1» : PageV01P285 # قد كاد من طول ال # بل # ى أن يمصحا # وأنشد الأصمعي «1» : # كادت النفس أن تفيظ عليه ... إذ ثوى حشو ريطة وبرود # ولم يأت منها إلا فعل يفعل، وتثنيتهما وجمعهما. ولم يبن منها شيء غير ~~ذلك. # قال بعضهم: قد جاءت (كاد) بمعنى (فعل) وأنشد قوله الأعشى «2» : # وكاد يسمو إلى الجرفين فارتفعا # أي: سما فارتفع. # قال: ومثله قول ذي الرمة «3» : # ولو أن لقمان الحكيم تعرضت ... لعينيه مي سافرا كاد يبرق # أي لو تعرضت ل # ه ل # برق، أي: دهش وتحير. ### || بل # بل: تأتي لتدارك كلام غلطت فيه، تقول: رأيت زيدا بل عمرا. # ويكون لترك شيء من الكلام وأخذ في غيره. وهي في القرآن بهذا المعنى كثير: # قال الله تعالى: ص والقرآن ذي الذكر (1) [ص: 1] ثم قال: بل الذين كفروا ~~في عزة وشقاق (2) [ص: 2] فترك الكلام الأول وأخذ ببل في كلام ثان. ثم قال ~~حكاية عن المشركين: # أأنزل عليه الذكر من بيننا ثم قال: بل هم في شك من ذكري فترك الكلام وأخذ ~~ببل في كلام آخر فقال: بل لما يذوقوا عذاب [ص: 8] في أشباه لهذا كثيرة في ~~القرآن. PageV01P286 # قال الشاعر «1» : # بل هل أريك حمول الحي غادية ... كالنخل زينها ينع وإفضاح # وقال آخر «2» : # بل من يرى البرق يشري بت أرقبه # وإذا وليت اسما- وهي بهذا المعنى-: خفض بها، وشبهت برب وبالواو. # وتأتي مبتدأة، قال أبو النجم «3» : # بل منهل ناء من الغياض # وكذلك (الواو) إذا أتت مبتدأة غير ناسقة للكلام على كلام- كانت بمعنى رب. # وهي كذلك في الشعر، كقوله «4» : # ومهمه مغبرة أرجاؤه # وقال آخر «5» : PageV01P287 # ودوية قفر تمشى نعامها # وقال آخر «1» : # وهاجرة نصبت لها جبيني # يدلون بهذه الواو الخافضة: على ترك الكلام الأول، وائتناف كلام آخر. ### || هل # هل: تكون للاستفهام، ويدخلها من معنى التقوير والتوبيخ ما يدخل الألف ~~التي يستفهم بها، كقوله تعالى: هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء [الروم: ~~28] ، وهذا استفهام فيه تقرير وتوبيخ. # وكذلك ms179 قوله تعالى: هل من شركائكم من يبدؤا الخلق ثم يعيده [يونس: 34] . # والمفسرون يجعلونها في بعض المواضع بمعنى: «قد» ، كقوله تعالى: هل أتى ~~على الإنسان حين من الدهر [الإنسان: 1] ، أي قد أتى وقوله: هل أتاك حديث ~~الغاشية (1) [الغاشية: 1] و: وهل أتاك حديث موسى (9) [طه: 9] ،: وهل أتاك ~~نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) [ص: 21] ، و: هل أتاك حديث ضيف إبراهيم؟ ~~[الذاريات: 24] . # هذا كله عندهم بمعنى: (قد) . # ويجعلونها أيضا بمعنى: (ما) في قوله: هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة ~~[الأنعام: 158] و: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام [البقرة: ~~210] ، و: هل ينظرون إلا الساعة [الزخرف: 66] ، و: هل ينظرون إلا تأويله؟ ~~[الأعراف: 53] ، و: فهل على الرسل إلا البلاغ المبين؟ [النحل: 35] . # هذا كله عندهم بمعنى: (ما) . PageV01P288 # وهو والأول عند أهل اللغة تقرير. ### || لولا ولوما # لولا تكون في بعض الأحوال بمعنى: هلا وذلك إذا رأيتها بغير جواب، تقول: ~~لولا فعلت كذا تريد هلا، فعلت كذا، قال الله تعالى: فلولا كان من القرون من ~~قبلكم [هود: 116] ، فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة [التوبة: 122] فلولا ~~إذ جاءهم بأسنا تضرعوا [الأنعام: 43] ، فلولا إن كنتم غير مدينين (86) ~~[الواقعة: # 86] ، أي فهلا. وقال فلولا كانت قرية آمنت [يونس: 98] . # وقال الشاعر «1» : # تعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرى لولا الكمي المقنعا # أي: فهلا تعدون الكمي. # وكذلك (لو ما) ، قال: لو ما تأتينا بالملائكة، [الحجر: 7] أي هلا تأتينا. # فإذا رأيت للولا جوابا فليست بهذا المعنى، كقوله: فلولا أنه كان من ~~المسبحين (143) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (144) [الصافات: 143، 144] ، ~~فهذه (لولا) التي تكون لأمر لا يقع لوقوع غيره. # وبعض المفسرين يجعل لولا في قوله: فلولا كانت قرية آمنت بمعنى # (لم) أ # ي: فلم تكن قرية آمنت فنفعها إيمانها عند نزول العذاب إلا قوم يونس. # وكذلك قوله: (فلولا كان من القرون من قبلكم) [يونس: 98] أي فلم يكن. ~~PageV01P289 ### || لما # لما: تكون بمعنى (لم) في قوله: بل لما يذوقوا عذاب [ص: 8] أي: بل لم ~~يذوقوا عذاب. # وتكون بمعنى (إلا) ، قال تعالى: وإن كل ذلك لما ms180 متاع الحياة الدنيا ~~[الزخرف: # 35] أي: إلا متاع الحياة الدنيا، إن كل نفس لما عليها حافظ (4) [الطارق: ~~4] أي: إلا عليها، وهي لغة هذيل مع «إن» الخفيفة التي تكون بمعنى «ما» . # ومن قرأ وإن كل ذلك لما متاع بالتخفيف إن كل نفس لما عليها حافظ جعل (ما) ~~صلة، وأراد: وإن كل ذلك لمتاع الحياة، وإن كل نفس لما عليها حافظ. # فإذا رأيت للما جوابا فهي ل # أم # ر يقع بوقوع غيره، بمعنى «حين» ، كقوله تعالى: # فلما آسفونا انتقمنا منهم [الزخرف: 55] أي: حين آسفونا، ولما جاء أمر ربك ~~[هود: 101] أي: حين جاء أمر ربك. ### || أو # أو: تأتي للشك، تقول. رأيت عبد الله أو محمدا. # وتكون للتخيير بين شيئين، كقوله: فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة [المائدة: 89] وقوله: ففدية من صيام ~~أو صدقة أو نسك [البقرة: 196] أنت في جميع هذا مخير أية فعلت أجزأ عنك. # وربما كانت بمعنى واو النسق. # كقوله: فالملقيات ذكرا (5) عذرا أو نذرا (6) [المرسلات: 5، 6] يريد: عذرا ~~ونذرا. وقوله: لعله يتذكر أو يخشى [طه: 44] وقوله: لعلهم يتقون أو يحدث لهم ~~ذكرا [طه: 113] ، أي لعلهم يتقون ويحدث لهم القرآن ذكرا. # هذا كله عند المفسرين بمعنى واو النسق. # وأما قوله: وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون (147) [الصافات: 147] ، فإن ~~بعضهم يذهب إلى أنها بمعنى بل يزيدون، على مذهب التدارك لكلام غلطت فيه ~~وكذلك قوله: # وما أمر الساعة إلا كلمح البصر أو هو أقرب [النحل: 77] وقوله: فكان قاب ~~قوسين أو أدنى (9) [النجم: 9] . # وليس هذا كما تأولوا، وإنما هي بمعنى (الواو) في جميع هذه المواضع: ~~وأرسلناه # PageV01P290 # إلى مائة ألف ويزيدون، وما # أم # ر الساعة إ # لا # كلمح البصر وهو أقرب، و: فكان قاب قوسين وأدنى. # وقال ابن أحمر «1» : # قرى عنكما شهرين أو نصف ثالث ... إلى ذاكما قد غيبتني غيابيا # وهذا البيت بوضح لك معنى الواو: وأراد: قرى شهرين ونصفا، ولا يجوز أن ~~يكون أراد قرى شهرين بل نصف شهر ثالث. # وقال آخر «2» : # أثعلبة الفوارس أو رياحا ... عدلت بهم طهية ms181 والخشابا # أراد: وعدلت هذين بهذين. ### || أم # أم: تكون بمعنى أو، كقوله تعالى: أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض ~~فإذا هي تمور (16) أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصبا [الملك: 16، ~~17] ، وكقوله: # أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم ~~وكيلا (68) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى [الإسراء: 68، 69] . # هكذا قال المفسرون، وهي كذلك عند أهل اللغة في المعنى، وإن كانوا قد ~~يفرقون بينهما في الأماكن. # وتكون أم بمعنى ألف الاستفهام، كقوله تعالى: أم يحسدون الناس على ما ~~آتاهم الله من فضله [النساء: 54] ، أراد: أيحسدون الناس؟. PageV01P291 # وقوله: ما لنا # لا # نرى رجالا كنا نعدهم من الأشرار (62) أتخذناهم سخريا أم زاغت عنهم ~~الأبصار (63) [ص: 62، 63] ، أي زاغت عنهم الأبصار وألف اتخذناهم موصولة. # وكقوله: أم له البنات ولكم البنون (39) [الطور: 39] ، أراد: أله البنات ~~أم تسئلهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (40) [الطور: 40] . أراد: أتسألهم أجرا ~~أم عندهم الغيب فهم يكتبون (41) [الطور: 41] ، أراد: أعندهم الغيب. # وهذا في القرآن كثير، يدلك عليك قوله: الم (1) تنزيل الكتاب لا ريب فيه ~~من رب العالمين (2) أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك [السجدة: 1، 3] ، ~~ولم يتقدم في الكلام: أيقولون كذا وكذا فترد عليه: أم تقولون؟ وإنما أراد ~~أيقولون: افتراه، ثم قال: # بل هو الحق من ربك. ### || لا # لا: تكون بمعنى لم، قال الله تعالى: فلا صدق ولا صلى (31) [القيامة: 31] ~~، أي لم يصدق ولم يصل، وقال الشاعر «1» : # وأي خميس لا أفأنا نهابه ... وأسيافنا يقطرن من كبشه دما؟! # أي لم نفىء نهابه. وقال آخر «2» : # إن تغفر اللهم تغفر جما ... وأي عبد لك لا ألما # أي لم يلم بالذنوب. ### || أولى # أولى: تهدد ووعيد، قال الله تعالى: أولى لك فأولى (34) ثم أولى لك فأولى ~~(35) PageV01P292 # [القيامة: 34، 35] ، وقال: فأولى لهم [محمد: 20] . ثم ابتدأ فقال: طاعة ~~وقول معروف [محمد: 21] . # وقال الشاعر لمنهزم «1» : # ألفيتا عيناك عند القفا ... أولى فأولى لك ذا واقيه ### || لا جرم # لا جرم: قال الفراء: هي بمنزلة لا بد ولا محالة، ثم كثرت في الكلام حتى ms182 ~~صارت بمنزلة حقا. وأصل # ها # من جرمت: أي كسبت. # وقال في قول الشاعر «2» : # ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا # أي كسبتهم الغضب أبدا. # قال: وليس قول من قال: حق لفزارة الغضب، بشيء. # ويقال: فلان جارم أهله، أي كاسبهم، وجريمتهم. # ولا أحسب الذنب سمي جرما إلا من هذا: لأنه كسب واقتراف. ### || إن الخفيفة # إن الخفيفة: تكون بمعنى (ما) ، كقوله تعالى: إن الكافرون إلا في غرور ~~[الملك: 20] ، وإن كانت إلا صيحة واحدة [يس: 29] ، وإن كل نفس لما عليها ~~حافظ (4) [الطارق: 4] . # وقال المفسرون: وتكون بمعنى لقد، كقوله، إن كان وعد ربنا لمفعولا ~~[الإسراء: PageV01P293 # 108] وتالله إن كنا لفي ضلال مبين (97) [الشعراء: 97] وتالله إن كدت ~~لتردين [الصافات: 56] وفكفى بالله شهيدا بيننا وبينكم إن كنا عن عبادتكم ~~لغافلين (29) [يونس: # 29] . # وقالوا أيضا: وتكون بمعنى إذ، كقوله: ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون ~~إن كنتم مؤمنين (129) [آل عمران: 129] ، أي إذ كنتم. وقوله: فالله أحق أن ~~تخشوه إن كنتم مؤمنين [التوبة: 13] . # وقوله: وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين [البقرة: 278] . # وهي عند أهل اللغة (إن) بعين # ها # ، لا يجعلونها في هذه المواضع بمعنى (إذ) ويذهبون إلى أنه أراد: من كان ~~مؤمنا لم يهن ولم يدع إلى السلم، ومن كان مؤمنا لم يخش إلا الله، ومن كان ~~مؤمنا ترك الربا. ### || ها # ها: بمنزلة خذ وتناول، تقول: ها يا رجل. وتأمر بها، ولا تنهى. # ومنها قول الله # تعال # ى: هاؤم اقرؤا كتابيه [الحاقة: 19] ، ويقال للاثنين: هاؤما اقرءا. # وفيها لغات، والأصل: هاكم اقرؤوا، فحذفوا الكاف، وأبدلوا الهمزة، وألقوا ~~حركة الكاف عليها. ### || هات # هات: بمعنى أعطني، مكسورة التاء، مثل رام وغاز وعاط فلانا: قال الله ~~تعالى: # قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين [البقرة: 111] ، أي ائتوا به. # قال الفراء: ولم أسمع هاتيا في الاثنين، إنما يقال للواحد والجميع، ~~وللمرأة: # هاتي، وللنساء: هاتين. وتقول: ما أهاتيك، بمنزلة ما أعاطيك. وليس من كلام ~~العرب هاتيت. ولا ينهى بها. ### || تعال # تعال: تفاعل من علوت، قال الله تعالى: فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ms183 ~~[آل عمران: 61] . # PageV01P294 # ويقال للاثنين من الرجال والنساء: تعاليا، وللنساء: تعالين. # قال الفراء أصلها عال إلينا، وهو من العلو. # ثم إن العرب لكثرة استعمالهم إياها صارت عندهم بمنزلة # هلم # ، حتى استجازوا أن يقولوا للرجل وهو فوق شرف: تعال، أي اهبط، وإنما ~~أصلها: الصعود. # ولا يجوز أن ينهى بها، ولكن إذا قال: تعال، قلت: قد تعاليت وإلى شيء ~~أتعالى؟ ### || هلم # هلم: بمعنى تعالى، وأهل الحجاز لا يثنونها ولا يجمعونها. وأهل نجد ~~يجعلونها من هلممت، فيثنون ويجمعون ويؤنثون. وتوصل باللام فيقال: هلم لك، ~~وهلم لكما. # قال الخليل: أصلها (لم) زيدت الهاء في أولها. # وخالفه الفراء فقال: أصلها (هل) ضم إليها (أم) والرفعة التي في اللام من ~~همزة (أم) لما تركت انتقلت إلى ما قبلها. # وكذلك (اللهم) نرى أصلها: (يا الله أمنا بخير) فكثرت في ال # كلا # م فاختلطت، وتركت الهمزة. ### || كلا # كلا: ردع وزجر، قال الله تعالى: أيطمع كل امرئ منهم أن يدخل جنة نعيم ~~(38) كلا [المعارج: 38، 39] . # قال: بل يريد كل امرئ منهم أن يؤتى صحفا منشرة (52) كلا بل لا يخافون ~~الآخرة (53) [المدثر: 52، 53] . # وقال: ثم إن علينا بيانه (19) كلا بل تحبون العاجلة (20) [القيامة: 19، ~~20] يريد: انته عن أن تعجل به. # وقال: يحسب أن ماله أخلده (3) كلا لينبذن في الحطمة (4) [الهمزة: 3، 4] ، ~~أي لا يخلده ماله. في أي صورة ما شاء ركبك (8) كلا بل تكذبون بالدين (9) ~~[الانفطار: # 8، 9] ، أي ليس كما غررت به. # وقال: ويل للمطففين (1) الذين إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) وإذا ~~كالوهم أو # PageV01P295 # وزنوهم يخسرون (3) ألا يظن أولئك أنهم مبعوثون (4) ليوم عظيم (5) يوم ~~يقوم الناس لرب العالمين (6) كلا # [المطففين: 1، 7] . يريد: انتهوا. # رويدا # رويدا: بمعنى مهلا، رويدك: بمعنى أمهل، قال الله تعالى: فمهل الكافرين ~~أمهلهم رويدا (17) [الطارق: 17] أي: أمهلهم قليلا. # وإذا لم يتقدمها: أمهلهم، كانت بمعنى مهلا. # ولا يتكلم بها إلا مصغرة ومأمورا بها. # وجاءت في الشعر بغير تصغير في غير معنى الأمر، قال الشاعر «1» : # كأنها مثل من يمشي على رود # أي على مهل. ### || ألا # ألا: تنبيه: وهي زيادة في الكلام، قال تعالى: ألا يوم يأتيهم ms184 ليس مصروفا ~~عنهم [هود: 8] . وقال: ألا حين يستغشون ثيابهم [هود: 5] . # وتقول: ألا إن القوم خارجون: تريد بها: افهم اعلم أن الأمر كذا وكذا. ### || الويل # الويل: كلمة جامعة للشر كله. قال الأصمعي: ويل تقبيح، قال الله تعالى: # ولكم الويل مما تصفون [الأنبياء: 18] . تقول العرب: له الويل، والأليل ~~والأليل: الأنين. # وقد توضع في موضع التحسر والتفجع، كقوله: يا ويلنا [الأنبياء: 14] . ويا ~~ويلتى أعجزت أن أكون مثل هذا الغراب [المائدة: 31] . وكذلك: ويح وويس، ~~تصغير. PageV01P296 ### || لعمرك # لعمرك، ولعمر الله: هو العمر. ويقال: أطال الله عمرك، وعمرك، وهو قسم ~~بالبقاء. ### || إي # إي: بمعنى بلى، قال الله تعالى: ويستنبئونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق ~~[يونس: 53] . ولا تأتي إلا قبل اليمين، صلة لها. ### || لدن # لدن: بمعنى عند، قال تعالى: قد بلغت من لدني عذرا [الكهف: 76] أي بلغت من ~~عندي. # وقال: لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا [الأنبياء: 17] أي من ~~عندنا. # وقد تحذف منها النون، كما تحذف من (لم يكن) قال الشاعر «1» : # من لد لحييه إلى منحوره # أي من عند لحييه. # وفيها لغة أخرى أيضا: لدى، قال الله تعالى: وألفيا سيدها لدى الباب ~~[يوسف: # 25] أي عند الباب. PageV01P297 ### | باب دخول حروف الصفات مكان بعض ### || «في» مكان «على» # قوله تعالى: ولأصلبنكم في جذوع النخل [طه: 71] ، أي على جذوع النخل. # قال الشاعر «1» : # وهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا # وقال عنترة «2» : # بطل كأن ثيابه في سرحة ... يحذى نعال السبت ليس بتوأم # أي على سرحه من طوله. ### || «الباء» مكان «عن» # قال الله تعالى: فسئل به خبيرا [الفرقان: 59] ، أي عنه. # قال علقمة بن عبدة «3» : PageV01P298 # فإن تسألوني بالنساء فإنني ... بصير بأدواء النساء طبيب # أي عن النساء. # وقال ابن أحمر «1» : # تسائل بابن أحمر من رآه ... أعارت عينه أم لم تعارا ### || «عن» مكان «الباء» # قال الله تعالى: وما ينطق عن الهوى (3) [النجم: 3] ، أي بالهوى. # والعرب تقول: رميت عن القوس، أي رميت بالقوس. ### || «اللام» مكان «على» # قال الله تعالى: ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض [الحجرات: 2] أي ~~لا ms185 تجهروا عليه بالقول. # والعرب تقول: سقط فلان لفيه، أي على فيه. قال الشاعر «2» : PageV01P299 # فخر صريعا لليدين وللفم # قال الآخر «1» : # معرس خمس وقعت للجناجن ### || «إلى» مكان «مع» # قال الله تعالى: ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم [النساء: 2] ، أي مع ~~أموالكم. ومثله: # من أنصاري إلى الله [آل عمران: 52] ، أي مع الله. # والعرب تقول: الذود إلى الذود إبل «2» ، أي مع الذود. # قال ابن مفرغ «3» : # شدخت غرة السوابق فيهم ... في وجوه إلى اللمام الجعاد # أراد مع اللمام الجعاد. ### || «اللام» مكان «إلى» # قال الله تعالى: بأن ربك أوحى لها (5) [الزلزلة: 5] ، أي أوحى إليها. # قال الله تعالى: الحمد لله الذي هدانا لهذا [الأعراف: 43] ، أي إلى هذا. # يدلك على ذلك قوله في موضع آخر: وأوحى ربك إلى النحل [النحل: 68] وقوله: # وهداه إلى صراط مستقيم [النحل: 121] . ### || «على» مكان «من» # قال الله تعالى: إذا اكتالوا على الناس يستوفون (2) [المطففين: 2] ، أي ~~مع الناس. PageV01P300 # وقال صخر الغي «1» : # متى ما تنكروها تعرفوها ... على أقطارها علق نفيث # أي من أقطارها. # ومنه قوله تعالى: من الذين استحق عليهم الأوليان [المائدة: 107] ، أي ~~منهم. ### || «من» مكان «الباء» # قال الله تعالى: يحفظونه من أمر الله [الرعد: 11] أي بأمر الله. # وقال تعالى: يلقي الروح من أمره [غافرة: 15] ، أي بأمره. # وقال: تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر (4) سلام [القدر: ~~4، 5] ، أي بكل أمر. ### || «الباء» مكان «من» # تقول العرب: شربت بماء كذا وكذا، أي من ماء كذا. # قال الله تعالى: عينا يشرب بها المقربون (28) [المطففين: 28] وعينا يشرب ~~بها عباد الله [الإنسان: 6] . ويكون بمعنى يشربها عباد الله ويشرب منها. # قال الهذلي وذكر السحائب «2» : # شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج # أي شربن من ماء البحر. PageV01P301 # وقال عنترة «1» : # شربت بماء الدحرضين فأصبحت ... زوراء تنفر عن حياض الديلم # وقال عز وجل: فإلم يستجيبوا لكم فاعلموا أنما أنزل بعلم الله [هود: 14] ، ~~أي من علم الله. ### || «من» مكان «في» # قال الله تعالى: أروني ماذا خلقوا من الأرض [فاطر: 40] ، أي في الأرض. ### || «من» مكان «على» # قال الله تعالى: ونصرناه من القوم [الأنبياء: ms186 77] ، أي على القوم. ### || «عن» مكان «من» # قال الله تعالى: وهو الذي يقبل التوبة عن عباده [الشورى: 25] ، أي من ~~عباده. # وتقول: أخذت هذا عنك، أي منك. ### || «من» مكان «عن» # تقول: لهيت من فلان، أي عنه. و: حدثني فلان من فلان. # أي عنه. ### || «على» بمعنى «عند» # قال الله تعالى: ولهم علي ذنب [الشعراء: 14] ، أي عندي. ### || «الباء» مكان «اللام» # قال الله تعالى: ما خلقناهما إلا بالحق [الدخان: 39] أي للحق. ~~PageV01P302 # وجدت في آخر كتاب المشكل تفسير بعض ما فيه من الأحاديث والأمثال فألحقته ~~به «1» . # 1- # قول النبي صلى الله عليه وسلم: «الناس كإبل مائة ليس فيها راحلة» «2» . # الإبل المائة: هي الراعية، وإنما يجتمع منها في المرعى الواحد مائة، ~~فتقام المائة مقام القطيع. يقال: لفلان إبل مائة. وهي أيضا هنيدة «3» . ~~وإذا كان الإبل مائة ليست فيها راحلة تشابهت في المناظر، لأن الراحلة تتميز ~~منها بالتمام وحسن المنظر. # فأراد: أنهم سواء في الأحكام وفي القصاص، ليس لشريف فضل على غيره. # وهذا مثل # قوله عليه السلام: الناس سواء كأسنان المشط «4» . # والعرب تقول في هذا المعنى: هم سواء كأسنان الحمار. # 2- # وقوله: إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم «5» . # فالحبط: أن تأكل الناقة في المرعي فتكثر حتى تنتفخ بطنها. ولذلك قيل لقوم ~~من العرب: الحبطات، لأن أباهم كان أكل صمغا حتى حبط بطنه فسمى: الحبط. وهو ~~الحارث بن تميم. # وقوله: أو يلم، يعني يقارب أن يقتل. # وإنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الاستكثار من الدنيا ومن ~~غضارتها وحسنها إذا كان في ذلك ما يهلك. فضرب استكثار البهيمة من العشب في ~~الربيع حتى يقلتها حبطا مثلا لذلك. # 3- # وقوله للضحاك بن سفيان: إذا أتيتهم فاربض في دارهم ظبيا «6» . # يراد: أقم ولا تحدث شيئا كأنك ظبي قد استقر في الكناس. PageV01P303 # 4- # وقوله: الكاسيات العاريات لا يدخلن الجنة «1» . # يعني النساء اللواتي يلبسن رقاق الثياب، فهن كاسيات إذا لبسن، عاريات إذا ~~كن لا يسترهن. # 5- # وقوله في كتاب صلح: وإن بيننا وبينهم عيبة مكفوفة «2» . # يريد: صدرا نقيا من الغل والعداوة، منطويا على ms187 الوفاء. والعرب تسمي ~~الصدور: العياب. قال الشاعر «3» : # وكادت عياب الود منا ومنكم ... وإن قيل أبناء العمومة تصفر # تصفر: تخلو من المحبة. # والمكفوفة: المشرجة: يقال: أشرج صدره على كذا، أي طوى. قال الشماخ «4» : # وكادت غداة البين ينطق طرفها ... بما تحت مكنون من الصدر مشرج # 6- # وقوله صلى الله عليه وسلم: «أجد نفس ربكم من قبل اليمن» «5» . # يريد: أجد الفرج يأتيني من قبل اليمن- فأتاه الله من جهة الأنصار. # وكذلك # قوله: لا تسبوا الريح فإنها من نفس الرحمن «6» . # يريد: أن الله ينفس بها، ويفرج بها. وقد فرج الله بها عنه ليلة الأحزاب، ~~قال الله جل اسمه: فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها [الأحزاب: 9] . # وقال: اللهم نفس عني الكرب، ونفس عني الأذى. كما قال: فرج عني. ~~PageV01P304 # ومما يزيد ذلك وضوحا تقول عمر رضي الله عنه: الريح من روح الله فلا ~~تسبوها «1» . # 7- # وقول أبي بكر رضي الله عنه: نحن حفنة من حفنات الله «2» . # يريد: نحن وإن كنا كثيرا في العدد قليل عند الله، كالحفنة، والحفنة: ما ~~حفنه الرجل بيده فألقاه. يقال: حفن له من المال، إذا أعطاه بكفه. # 8- # وقول عمر رضي الله عنه للعريف الذي أتاه بالمنبوذ: عسى الغوير أبؤسا «3» ~~. # فقال بعضهم: هو تصغير غار. وهو مثل للعرب. ويقال: إن أول من قاله بيهس ~~الذي يلقب بالنعامة في حمقه، وكان قد وجد قاتلي إخوته في غار فهجم عليهم في ~~ذلك الغار فقتلهم، فهو أحد من طلب بثأر فلحقه. وإنما عسى أن يكون الغوير ~~أضمر لنا وأخفى أبؤسا، وهو جمع بائس. ويقال: الغوير: ماء. # 9- # وقول علي كرم الله وجه: من يطل هن أبيه ينتطق به «4» . # يريد: من كثر إخوته عز بهم فامتنع. وضرب النطاق مثلا لذلك، لأنه يشد ~~الظهر. ومثله قول الشاعر «5» : # فلو شاء ربي كان أير أبيكم ... طويلا كأير الحارث بن سدوس # والحارث بن سدوس من شيبان، وكان له أحد وعشرون ذكرا. # 10- # وقول عمر رضي الله عنه: أيما رجل بايع عن غير مشاورة، فلا يؤمر واحد ~~منهما تغرة أن يقتلا «6» . PageV01P305 # يريد: إذا بايع الرجل رجلا عن ms188 غير مشاورة الناس، يعني مبايعة الإمرة، فلا ~~يؤمر واحد منهما، لا المبايع ولا المبايع حتى يكون ذلك عن اجتماع ملإ من ~~الناس، لأنه لا يؤمن أن يقتلا جميعا. # وتغرة هاهنا: مصدر غررت به تغرة وتغريرا، مثل عللته تعلة وتعليلا. وهذا ~~قول أبي عبيدة. # 11- # والعرب تقول: حور في محارة «1» . # والحور، النقصان. والمحارة: المنقصة، وهذا كما يقول الناس: هذا نقصان في ~~نقصان، وخسران في خسران. # 12- # وقولهم: جري المذكيات غلاب «2» . # فالمذكيات: الخيل المسان. والغلاء: أن تتغالى في الجري، أي كأنها تتبارى ~~في ذلك، وليست كالصغيرة التي لا تتغالى. وقد يروى: «غلاب» مكان «غلاء» . # 13- # وقوله: عيل ما هو عائله «3» ، مثل. # ومعنى عيل: أي أثقل. يقال: عالني الشيء أي أثقلني. كأنه قال: أثقل ما هو ~~مثله. كأنه يدعى له ويدعى على الذي أثقله. # قال ابن مقبل يصف فرسا «4» : # خدى مثل خدي الفالجي ينوشني ... بخبط يديه عيل ما هو عائله # 14- # وقولهم: وإنه لشراب بأنقع «5» . # قاله الحجاج لأهل العراق: إنكم يا أهل العراق شاربون بأنقع. # وأصله في الطير، وذلك أن الطائر إذا كان حذرا منكرا لم يرد المياه التي ~~يردها الناس-: لأن الأشراك تنصب عندها. - وورد النقاع، والمناقع التي في ~~الفلوات. # 15- # وقولهم: عاط بغير أنواط «6» . PageV01P306 # العاطي: المتناول. ويقال عطوت: إذا تناولت، أعطو. ومنه قول الشاعر في صفة ~~الظبية «1» : # وتعطو بظلفيها إذا الغصن طالها # والأنواط: المعاليق، واحد نوط. أراد أن هذا يصعب عليه ما يرومه كمن تناول ~~بغير معلاق. # 16- # وقوله: إلا ده فلا ده «2» . # يريدون: إن لم يكن هذا الأمر لم يكن غيره. وهو مثل قول رؤبة «3» : # وقول إلا ده فلا ده يروي أهل العربية أن الدال فيه مبدلة من ذال، كأنهم ~~أرادوا: إن لم تكن هذه لم تكن أخرى. # 17- # وقولهم: النفاض يقطر الجلب «4» . # النفاض: الفقر، يقال: أنفض القوم وأنفدوا: إذا ذهب ما عندهم. # وقولهم: يقطر الجلب، يريدون: أنهم يجلبون من البادية إلى المصر، ليبيعوها ~~من فقرهم. # 18- # وقولهم: به داء ظبي «5» . # يريدون: أنه صحيح لاداء به، كما أن الظبي لا داء به. # 19- # وقولهم: أراك بشر ما أحار مشفر ms189 «6» . # يريدون: بشرة البعير- ومشفره: سمته- تدلك على جودة أكله، وأحار. رد إلى ~~جوفه. PageV01P307 # 20- # وقولهم: أفلت فلان بجريعة الذقن «1» . # يريدون: أنه أفلت نفسه فيه، كما قال الهذلي «2» : # نجا سالم والنفس منه بشدقه ... ولم ينج إلا جفن سيف ومئزرا # 21- # وقولهم: غبار ذيل المرأة الفاجرة يورث السل «3» . # يريدون: من اتبع الفواجر ذهب ماله. ضرب السل في البدن مثلا لذهاب المال. # 22- # وقولهم: كبارح الأروي «4» . # يريدون أنه مشؤوم من وجهتيه، وذلك أن الأروي يتشاءم بها من حيث أتت. وإذا ~~برحت كان أعظم لشؤمها. # 23- # وقولهم: عبد وخلى في يديه «5» . # وهذا مثل يضرب للئيم البطر. والخلى: وهو «6» ... # عندهم الكلأ خصبوا، والعبد لئيم، فإذا وقع في الخصب بطر وهذا مثل قوله ~~«7» : # قوم إذا نبت الربيع لهم ... نبتت عداوتهم مع البقل # وقال آخر «8» : # يا ابن هشام أفسد الناس اللبن ... فكلهم يمشي بقوس وقرن # 24- # وقولهم: رمدت الضأن فربق ربق، ورمدت المعزى فرنق رنق «9» . PageV01P308 # الترميد: نزول اللبن في الضرع. # وقولهم في الضأن: أي هي الأرباق لأولادها. # والأرباق: عرا تجعل في حبال وتدخل في أعناق الصغار لئلا تتبع الأمهات في ~~المرعى، وهي الربق أيضا، واحدها ربقة. ومنه قيل: من فعل كذا وكذا فقد خلع ~~ربقة الإسلام من عنقه. # وإنما أراد أن الضأن ترمد، أي تنزل اللبن في ضروعها في وقت وضع الحمل. # والمعزى ترمد في أول الحمل. # يقول: رنق رنق، أي انتظر، يقال: رنق الطائر في الهواء: إذا دار في طيرانه ~~ولم يجر ورنقت السفينة: إذا دارت مكانها ولم تسر. # 25- # وقولهم: أفواهها مجاسها «1» . # يريد: أنها إذا كانت كثيرة الأكل أغنتك بذلك عن أن تجسها فتعرف: كيف هي؟ # لأن كثرة الأكل تدل على السمن. # 26- # وقولهم: نجارها نارها «2» . # النار هاهنا: السمة. ويقال لكل شيء وسم بالمكوى: نار. # قال الشاعر «3» : # حتى سقوا آبالهم بالنار ... والنار قد تشفي من الأوار # الأوار: العطش. وسقيهم آبالهم النار تريد أنهم قدموها على هو اسمها في ~~الشرب. فقدموا الأعز منها فالأعز أربابا. # والنجار: الطبيعة والجوهر، فأراد أن سماتها تدلك على جواهرها. # تم كتاب مشكل القرآن وتفسير المشكل والأمثال التي فيه، بحمد الله ms190 ومنه ~~وحسن توفيقه، سلخ جمادى الأولى من شهور. # سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ~~PageV01P309 ms191