######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_009300 #META# 000.BookURI :: #0282.AbuHanifaDinawari.AkhbarTiwal #META# 010.AuthorAKA :: أبو حنيفة الدينوري #META# 010.AuthorNAME :: أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري #META# 011.AuthorBORN :: - #META# 011.AuthorDIED :: 282 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأخبار الطوال #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التواريخ العامة :: كتب التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الأخبار الطوال #META# 030.LibURI :: JK_009300 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: د.عصام محمد الحاج علي #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الكتب العلمية #META# 044.EdPLACE :: بيروت/لبنان #META# 045.EdYEAR :: 1421هـ-2001م #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # بسم الله الرحمن الرحيم فوضت أمري إلى الله ### | المحور الأول ) [ قصص الأنبياء وأخبار العرب ] # ### || [ ولد آدم ( عم ) ] # قال أبو حنيفة أحمد بن داود الدينوري رحمه الله ، وجدت فيما كتب أهل ~~العلم بالأخبار الأولى ، أن آدم عليه السلام كان مسكنه الحرم ، وأن ولده ~~كثروا في زمان مهليل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم ، وكان سيد ولد آدم في ~~دهره ، والقائم بأمره ، وكذلك كان آباؤه إلى آدم عليهم السلام أجمعين ، ~~ووقع بينهم التنازع في الأوطان ، ففرقهم مهليل في مهب الرياح الأربع ، وخص ~~ولد شيث بأفضل الأرض ، فأسكنهم العراق . ### || (الأنبياء بعد شيث ) # وكان أول نبي بعد شيث إدريس ، واسمه أخنوخ بن يرد بن مهليل ، PageV01P031 ~~وسمي إدريس ، لكثرة دراسته ، ثم بعث الله نوحا عليه السلام إلى أهل عصره ، ~~وكان مسكنه بأرض العراق ، وهو نوح بن لمك بن متوشلح ، فكذبوه ، فأغرقهم ~~الله ، ونجى نوحا ومن كان معه في السفينة ، وكان جنوح السفينة واستقرارها ~~على رأس الجودي ، جبل بقردى وبازبدى من أرض الجزيرة فلما مات نوح استخلف ~~ابنه ساما ، فكان أول من وطد السلطان ، وأقام منار الملك بعد سام جم ابن ~~ويرنجهان بن إيران ، وهو أرفخشذ بن سام بن نوح ، وأعقم الله جميع من نجى مع ~~نوح في السفينة إلا بنيه الثلاثة ، ساما وحاما ويافثا وكان لنوح ابن رابع ~~اسمه يام ، وهو الغريق ، ولم يكن له عقب ، وأما الثلاثة فكلهم أعقب . ### || [ سام بن نوح ] # وكان سام هو المتولي لأمر نوح من بعده ، وكان يشتو بأرض ( جوخى ) ويصيف ~~PageV01P032 بالموصل ، وكان طريقه في مبدئه ومنصرفه على شط دجلة من الجانب ~~الشرقي ، فسمي لذلك سام راه ، وهو الذي تسميه العجم ( إيران ) . وقد كان ~~تبوأ أرض العراق ، واختصها لنفسه ، فسمي إيران شهر ، وقام بالأمر بعده ابنة ~~( شالخ ) ، فلما حضرته الوفاة أسند الأمر إلى ابن أخيه جم بن ويرنجهان بن ~~أرفخشذ فثبت أساس الملك ، ووطد أركانه وبنى معالمه ، واتخذ يوم النيروز ~~عيدا . . ### || ( اختلاف الألسن ) # قالوا : وفي زمان جم تبلبلت الألسن ببابل . وذلك أن ولد نوح كثروا بها ، ~~فشحنت بهم ms001 ، وكان كلام الجميع السريانية ، وهي لغة نوح ، فأصبحوا ذات يوم ، ~~وقد تبلبلت ألسنتهم ، وتغيرت ألفاظهم ، وماج بعضهم في بعض ، فتكلمت كل فرقة ~~منهم PageV01P033 باللسان الذي عليه أعقابهم إلى اليوم ، فخرجوا من أرض ~~بابل ، وتفرقت كل فرقة جهة ، وكان أول من خرج منهم ولد يافث بن نوح ، كانوا ~~سبعة إخوة : الترك ، والخزر ، وصقلاب ، وتاريس ، ومنسك ، وكمارى والصين . ~~فأخذوا ما بين المشرق والشمال ، ثم سار بعدهم ولد حام بن نوح ، وكانوا أيضا ~~سبعة إخوة : السند والهند والزنج والقبط وحبش ونوبة وكنعان ، فأخذوا ما بين ~~الجنوب والدبور وأقام ولد سام بن نوح مع ابن عمهم جم الملك بأرض بابل على ~~تغير ألفاظهم . ( ولد سام بن نوح ) وكان لسام بن نوح خمسة بنين : إرم ~~أكبرهم سنا ، وأرفخشذ ، وعالم ، وأليفر ، والأسور ، فخص ولد إرم باللسان ~~العربي عند تبلبل الألسن ، وكانوا أيضا سبعة إخوة : عاد ، وثمود ، وصحار ، ~~وطسم ، وجديس ، وجاسم ، ووبار . فارتحل عاد مع من تبعه حتى حل بأرض اليمن . ~~ونزل ثمود بن إرم ما بين الحجاز إلى الشام . ونزل PageV01P034 طسم بن إرم ~~عمان والبحرين ، ونزل جديس بن إرم اليمامة ، ونزل صحار ما بين الطائف إلى ~~جبلي طيئ ، ونزل جاسم ما بين الحرم إلى سفوان ، ونزل وبار بن إرم ما وراء ~~الرمل بالبلاد التي تعرف بوبار ، وهؤلاء العرب الأولى انقرضوا عن آخرهم . ### || [ خروج ولد نوح من بابل ] # قالوا : ولما خرج هؤلاء تحركت قلوب سائر ولد نوح للخروج من بابل ، فخرج ~~خراسان بن عالم بن سام ، فاتخذ خراسان خطة ، وفارس بن الأسور بن ~~PageV01P035 سام ، والروم بن أليفر بن سام ، وإرمين بن نورج بن سام ، وهو ~~صاحب أرمينية ، وكرمان بن تارح بن سام ، وهيطل بن عالم بن سام ، وولده من ~~وراء نهر بلخ ، وتسمى بلاد الهياطلة ، ونزل كل رجل منهم مع ولده في الأرض ~~التي سميت به ، ونسبت إليه ، فلم يبق مع الملك جم بأرض بابل إلا ولد أرفخشذ ~~بن سام . ### || [ مسير الضحاك بن علوان غلى بابل ] # قالوا : ولما كثرت عاد باليمن تجبروا وعتوا ، وعليهم شديد بن عمليق ms002 بن ~~عاد بن إرم بن سام بن نوح ، فوجه إلى ولد سام ابن أخيه الضحاك بن علوان بن ~~عمليق ابن عاد ، وهو الذي تسميه العجم بيوراسف ، فصار إلى أرض بابل ، وهرب ~~منه جم الملك ، فطلبه الضحاك حتى ظفر به ، فأخذه ، وأشر بميشار ، فاستولى ~~على ملكه . PageV01P036 وكان الذي وجه إلى ولد حام بن نوح ابن عمه الوليد ~~بن الريان ابن عاد بن إرم ، وكان ملكهم يومئذ مصر بن القبط بن حام الذي ~~تبوأ أرض مصر ، فسار إليه الوليد بن الريان حتى قتله ، واستولى على ملكه . ### || [ الريان بن الوليد عزيز مصر ] # ومن ولد الوليد بن الريان الريان بن الوليد عزيز مصر ، صاحب يوسف عليه ~~السلام ، ومن ولدهما الوليد بن مصعب فرعون موسى عليه السلام ، وكان جالوت ~~الجبار الذي قتله داود النبي من ولد الوليد بن الريان . ### || [ غانم بن علوان وولده ] # وكان الذي وجه شديد بن عمليق إلى ولد يافث بن نوح ابن أخيه غانم بن علوان ~~أخو الضحاك بن علوان ، وكان ملك ولد يافث بن نوح يومئذ فراسياب بن توذل ابن ~~الترك بن يافث بن نوح ، فغلب على ملكه أيضا ، واستولى على أرضه ، ومن ولد ~~غانم بن علوان فيما يقال فؤر ملك الهند الذي قتله الإسكندر مبارزة ، ويقال ~~إن رستم الشديد من ولد غانم . ( أصل الأكراد ) قالوا : وإن الضحاك الذي ~~تسميه العجم بيوراسف عندما كان من غلبته جم الملك وقتله إياه واطمئنانه في ~~الملك وفراغه أخذ يجمع إليه السحرة من آفاق مملكته ، ويتعلم PageV01P037 ~~السحر حتى صار فيه إماما ، وبنى مدينة بابل وجعلها أربعة فراسخ في أربعة ، ~~وشحنها بجنود من الجبابرة وسماها ( خوب ) ، وسام أولاد أرفخشذ الخسف ، ~~ونبتت في منكبيه سلعتان كهيئة الحيتين ، تؤذيانه حتى يطعمهما أدمغة الناس ~~فتسكنان . قالوا : فكان يؤتى كل يوم بأربعة رجال جسام فيذبحون وتؤخذ ~~أدمغتهم فيغذى بها تانك الحيتان . وكان له وزير من قومه ، فولى وزارته رجلا ~~من ولد أرفخشذ يسمى إرمياييل ، فكان إذا أتي بالرجال ليذبحوا استحيا منهم ~~اثنين ، وجعل مكانهما كبشين من الغنم ، وأمر الرجلين أن ms003 يذهبا حيث لا يوجد ~~أثرهما ، فكانوا يصيرون إلى الجبال ، فيكونون فيها ، ولا يقربون القرى ~~والأمصار ، فيقال إنهم أصل الأكراد . . ( هود النبي ( عم ) ) وملك بعد شديد ~~بن عمليق أخوه شداد بن عمليق بن عاد بن إرم ، فعتا ، وتجبر ، فبعث الله ~~إليه هودا عليه السلام رسولا ، وكان من صميم قومه وأشرافهم ، وهو هود بن ~~خالد بن الخلود بن العيص بن عمليق بن عاد ، فلم يحفل به ، فأهلكه ، ومن كفر ~~معه من عاد ، كما قد قصة الله تبارك وتعالى في كتابه ، وهو أصدق الحديث . ### || [ ولد عابر بن شالخ ] # قال : ونشأ في ذلك الدهر عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح ، فولد له ~~PageV01P038 فالغ بن عابر ، ثم ولد له بعد ذلك قحطان بن عابر ، قال : وإنما ~~سمي قحطان لقحطه القحوط ، وطرده بالسخاء والجود ، ثم ولد له لأم بن عابر ، ~~فكان أعبد أهل عصره ، وكانت أسفار آدم وشيث ونوح وقعت إليه ، فدرسها ، ~~وعلمها . ثم إن الضحاك البيوراسف طلبه ليفتنه عن دينه ، فهرب منه بأهله ~~وولده من مدينة بابل حتى حل بمفازة من أرض الروم ، فقبره بها ، ويقال : إن ~~مكان قبره معروف حتى الآن . ### || ( نهاية الضحاك وظهور نمروذ بن كنعان ) ولماأهلك الله عادا مع شداد ضعف ركن الضحاك ، ووهى أمره ، واجترأ عليه ولد ~~أرفخشذ بن سام ، وكان الوباء وقع في جنده ، ومن كان معه من الجبابرة ، فخرج ~~يريد أخاه غانم بن علوان الذي ملكه شديد على ولد يافث ، ويستعين به على ~~أمره ، فاستغنم ولد أرفخشذ بن سام خروجه ، فأرسلوا إلى نمروذ بن كنعان ابن ~~جم الملك ، وكان مستترا هو وأبوه في طول ملك الضحاك ، بجبل دنباوند ، ~~فأتاهم ، فملكوه عليهم ، فصمد ( و ) صمد من كان بأرض بابل من أهل بيت ~~الضحاك ، فقتلهم أجمعين ، واستولى على ملك الضحاك ، وبلغ ذلك الضحاك فأقبل ~~نحوه ، فظفر به نمروذ وضربه على هامته بجرز حديد ، فأثخنه ، ثم شده وثاقا ، ~~وأقبل به إلى غار في جبل دنباوند ، فأدخله PageV01P039 فيه وسد عليه ، ~~واستدف الملك لنمروذ واستوسق ، وهو الذي يسميه العجم فريدون . ### || [ غزوة ms004 نمروذ ولد إرم بن سام ] # قالوا : ولما توفي هود عليه السلام اجتمع ولد إرم بن سام من أقطار الأرض ~~، فملكوا مرثد بن شداد ، وذلك في أول ملك نمروذ بن كنعان ، فغزاهم نمروذ في ~~آخر ملكه ، وقد وهى أمرهم ، فقدر عليهم . وقالوا : فالغ وقحطان أخوان ، ~~وهما ابنا عابر ، ففالغ جد إبراهيم عليه السلام ، وأما قحطان فأبو اليمن ، ~~ويروى أن ابن المقفع كان يقول : ( يزعم جهال العجم ومن لا علم له أن جم ~~الملك هو سليمان ابن داود ، وهذا غلط ، فبين سليمان وبين جم أكثر من ثلاثة ~~آلاف سنة ) ، ### || [ نسب إبراهيم الخليل ( عم ) ] # ويقال : إن نمروذ بن كنعان فرعون إبراهيم من ولد جم . وكان ابن عم آزر بن ~~تابي إبراهيم ، وهو إبراهيم بن آزر بن تارح بن ناخور بن أرغوا بن شالخ بن ~~أرفخشذ الذي سمته العجم ، PageV01P040 إيران ، ومن ولد أرفخشذ جميع العرب ، ~~ومنهم أيضا ملوك العجم وأشرافهم من أهل العراق وغيرهم . ### || ( مسير قحطان وولده إلى اليمن ) قالوا : ولما انقرضت عاد من أرض اليمن وبادوا ، وذلك في عصر ~~نمروذ ابن كنعان ، أقطعها نمروذ ابن عمه قحطان بن عابر ، فسار إليها في ~~ولده ، حتى نزلها ، وبها بقايا قليلة ممن آمن بهود عليه السلام من عاد ، ~~فجاورهم قحطان بها ، فلم يكن إلا قليل حتى انقرضوا وبادوا ، وصفت الأرض ~~لقحطان . ويقال : إن السائر إليها يعرب بن قحطان بعد وفاة أبيه ، فسار ~~إليها في إخوته وأولادهم ، فقطنها ، فكانت أم يعرب دون إخوته من عاد ، ~~فتكلم بلسان أمه . وذكر عن ابن الكيس النمري أنه قال : إن قحطان تزوج امرأة ~~من العماليق ، فولدت يعرب ، وجرهم ، والمعتمر ، والمتلمس ، وعاصما ، ومنيعا ~~، والقطامي ، وعاصيا ، وحمير ، فتكلموا جميعا بلسان أمهم بالعربية ، وكان ~~قحطان في عصر نمروذ . وذكر عن ابن الشرية إنه قال : كان الذي خرج إليها ~~يعرب بن قحطان في ولده ، وكان أكبرهم سنا ، وأعظمهم قدرا . ### || ( صالح الرسول ) ~~عم ) ) قالوا : وإن ثمودا قفت ما كانت عليه عاد من الكفر بالله ، والعتو ~~عليه ، فأرسل الله PageV01P041 إليهم صالحا رسولا ، فكان من أشرفهم منصبا ، ~~وأكرمهم ms005 حسبا ، فدعاهم إلى توحيد الله ، فلم يقبلوا منه ، ولم يرعووا ، ~~فأهلكهم الله عز وجل ، كما نص في كتابه ، وهو أصدق الحديث ويقال : إنه كان ~~بين مهلك عاد ومهلك ثمود خمسمائة عام ، وكان ذلك في عصر إبراهيم عليه ~~السلام . ### || ( ولع نمروذ بعلم النجوم ) وفي آخر ملك نمروذ ، وتسميه العجم (فريدون ) تجبر نمروذ ، وعتا ، ولهج بعلم النجوم ، واجتلب المنجمين من آفاق ~~الأرض ، وحباهم بالأموال ، واختار سبعة نفر من أهل بيته ، فسماهم ( ~~الكوهبارين ) فولاهم أموره ، ووكل كل رجل منهم بعمل أفرده به . ### || | [ النبي إبراهيم ( عم ) ] # وكان آزر أبو إبراهيم أحد السبعة الذين اختار ( هم ) . وقد كان دان له ~~الشرق والغرب ، فكان من أمر مولد إبراهيم ما قد جاءت به الآثار ، وكان أول ~~من آمن بإبراهيم امرأته سارة ، وكانت من أجمل أهل عصرها . ولوط كان ابن ~~أخته ، فأقام إبراهيم PageV01P042 مع أبيه ما شاء الله ، ثم خرج مهاجرا له ~~، وخرجت معه سارة ، وكان أبو لوط من أهل مدينة ( سدوم ) وكانت أمه بنت آزر ~~، وإنما كان قدم إلى بابل زائرا لجده آزر ، فامن بإبراهيم ، فأقام معه ~~ببابل مؤازرا له على أمره ، فلما خرج إبراهيم عليه السلام مهاجرا خرج معه ~~لوط ، فلحق بأبيه وأهل بيته بمدينة سدوم ، وهي فيما بين أرض الأردن وتخوم ~~أرض العرب ، وسار إبراهيم حتى أتى أرض مصر . ### || [ هجرة جرهم وولد المعتمر من اليمن ] # قالوا : وإن ولد قحطان كثروا بأرض اليمن ، فوقع بينهم التباغي والتحاسد ، ~~فاجتمع ولد يعرب بن قحطان على جرهم بن قحطان وولد المعتمر بن قحطان ، ~~فنفوهم عن اليمن وأرضه ، فسارت جرهم نحو الحرم ، وسار بنو المعتمر نحو ~~الحجاز ، ورئيس جرهم مصاص بن عمر بن عبد الله بن جرهم بن قحطان ، وأرادوا ~~نزول الحرم ، فمنعهم العماليق من ذلك ، فاقتتلوا ، فغلبتهم جرهم على الحرم ~~، ونفوهم منه ، ونزلت جرهم الحرم . فلما قطنوه بلغ ذلك بني المعتمر بن ~~قحطان ، فأقبلوا من أرض الحجاز حتى أتوا الحرم ، وسألوا جرهم السكنى معهم ، ~~فأبت عليهم جرهم ، ورئيس بني المعتمر السميدع بن عمرو بن قنطور بن المعتمر ~~بن قحطان ms006 ، فتداعى الفريقان للحرب ، فبحربهم هذه سميت قعيقعان PageV01P043 ~~والمطابخ وأجياد وفاضح ، لأن به فضحت بنو المعتمر ، وقتل السميدع ، وكان ~~الظفر لجرهم . ### || ( ملك نمروذ وولده ) # قالوا : وكان لنمروذ ثلاثة بنين : إيرج ، وسلم ، وطوس ، ففوض إلى إيرج ~~ملكه ، وجعل سلما على ولد حام ، وطوسا على ولد يافث ، فحسد إيرج أخواه ، إذ ~~خصه أبوه بالأمر دونهما ، وهو أصغر سنا منهما ، فاغتالاه ، فقتلاه ، فصير ~~الملك إلى ابن ابنة منوشهر بن إيرج ، وصرفه عن ابنيه : سلم ، وطوس ، ثم مات ~~. فملك منوشهر بن إيرج ، وفي عصر منوشهر كثرت قحطان باليمن ، فملكوا عليهم ~~سبا بن يشجب ، واسم سبا عبد شمس . ### || ( ولد إسماعيل ( عم ) ) # قالوا : وفي ذلك العصر توفي إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام ، وخلف ثلاثة ~~PageV01P044 بنين ، قيذر بن إسماعيل ، ونابت بن إسماعيل ، وهو كان القيم ~~بأمر مكة والحرم بعد إبراهيم ، ومدين بن إسماعيل ، وهو الذي صار إلى أرض ~~مدين ، فنزلها ومن ولده شعيب النبي عليه السلام ، وقومه الذين أرسل إليهم . ### || ( غلبة جرهم على الحرم ) # قالوا : ولما توفي نابت بن إسماعيل غلبت جرهم على البيت والحرم ، فخرج ~~قيذر بن إسماعيل بأهله وماله يتبع مواقع القطر فيما بين كاظمة ، وغمر ذي ~~كندة ، ( 2 - الأخبار الطوال ) والشعثمين ، وما والى تلك الأرضين حتى كثر ~~ولده ، وانتشروا في جميع أرض تهامة ، والحجاز ، ونجد . ### || ( ولد قحطان ملوك اليمن ) # فملك سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان أرض اليمن طول ملك منوشهر مائة وعشرين ~~سنة ، ثم مات ، وملك بعده ابنه حمير بن سبا ، وجعل ابنه كهلان وزير حمير . ~~PageV01P045 ### || ( غلبة فراسياب على ملك منوشهر ) # قالوا : ولما أتى لملك منوشهر مائة سنة وعشرون سنة سار إليه فراسياب ابن ~~فأيش بن نوذسف بن الترك بن يافث بن نوح . وذلك حين ملك حمير أرض اليمن . ~~وكان مسيرة من ناحية المشرق في جموع من ولد يافث بن نوح ، حتى انتهى إلى ~~أرض بابل ، وخرج إليه منوشهر الملك في جنوده ، ففضت جموع منوشهر ، وقفا ~~فراسياب إثر منوشهر حتى لحقه ، فقتله ، واستولى على ملكه ، و جلس على سريره ~~. وسام ولد أرفخشذ الخسف ms007 ، وهدم ما كان بأرض بابل من الحصون ، وعور ماكان ~~فيها من العيون ، وطم ما كان فيها من الأنهار ، وقحط الناس في ملكه قحطا ~~شديدا ، وكان أهل إيران شهر في ملكه في أعظم بلاء . ### || ( ظهور زاب بن بودكان ) # فلما تم لملك فراسياب تسع سنين ظهر زاب بن بودكان بن منوشهر بن ~~PageV01P046 أيرج ابن نمروذ بأرض فارس ، فخلع فراسياب ، ودعا لنفسه ، فمال ~~إليه جميع ولد سام ابن نوح للجهد الذي نالهم في ملك فراسياب ، فسار إلى ~~فراسياب حتى نفاه عن مملكته ، وعمد إلى المدن والحصون التي هدمها فراسياب ، ~~فأعاد بناءها ، وحفر الأنهار والقنى التي كان طمها ، وأصلح كل ما كان ~~فراسياب أفسده ، وكرى بالعراق أنهارا عظيمة سماها الزوابي ، اشتق اسمها من ~~اسمه ، وهي الزابي الأعلى ، والزابي الأوسط ، والزابي الأسفل ، وابتنى ~~المدينة العتيقة ، وسماها طيسفون ، ثم سار في أثر فراسياب ، وقد أقام ~~بخراسان في جموعه ، وعساكره ، فزحف إليه فراسياب فاقتتلوا ، وأقبل أرسناس ~~الذي كان منوشهر أمره بتعليم الناس الرمي بالنشاب ، وقد وتر قوسه وفوق . ~~فيها نشابة ، فأقبل حتى دنا من فراسياب ، فلما تمكن رماه رمية خالطت فؤاده ~~، وخر ميتا ، وانصرف ولد يافث حين قتل ملكهم حتى لحقوا بأرضهم ، وكان زاب ~~قد أصابته جراحات كثيرة ، فمات منها بعد مهلك فراسياب بشهر . وفي ذلك العام ~~مات حمير بن سبأ . ### || [ فرعون موسى ( عم ) ] # قالوا : كان ملك الوليد بن مصعب فرعون موسى عليه السلام على جميع أرض ولد ~~حام ، وهي المملكة التي تعرف بملك مصر بن حام . PageV01P047 وقالوا : ### || [ ولد يوسف ( عم ) ] # وقالوا : ' لما توفي يوسف بن يعقوب وإخوته بأرض مصر بقى أعقابهم بها ، ~~وكثروا فيها ، وكانوا في زمان موسى عليه السلام ستمائة ألف رجل ، وكان ملك ~~اليمن في زمن موسى الملطاط بن عمرو بن حمير بن سبا ) . ### || كيقباذ بن زاب وكان ملك أرض بابل كيقباذ بن زاب ، وكان الملطاط يلقب بالرائش ، لأنه راش قومه ~~وأغناهم ، وكانت ملوك الأرض كلها قد دانوا لكيقباذ ، واتقوه بالإتاوة ، ~~وكان له ثلاثة بنين : قابوس ، وهو الذي ملك من بعده ، وكيابنة ، وهو جد ms008 ~~لهراسف الذي ملك بعد سليمان بن داود ع ، وقيوس ، وهو جد PageV01P048 ~~الأشغانيين الذين كانوا ملوك الجبل في زمان الطوائف . ### || [ خروج موسى ( ع ) من مصر ] # وفي عصره خرج موسى بن عمران من مصر هاربا من فرعون حتى أتى أرض مدين ونزل ~~على شعيب ، فاؤجره نفسه ثماني حجج ، كما ذكر الله جل ثناؤه في الكتاب ~~الناطق ، ثم خرج من عند شعيب لما قضى الأجل ، وسار بأهله ، فكان من أمره ~~وإكرام الله إياه بتكليمه ورسالته ما قد قصة علينا في كتابه ، وانصرف إلى ~~شعيب ، ورد أهله إليه ، ومضى حتى بلغ رسالة ربه ، وفي هذا العصر بعث شعيب ~~إلى قومه ، فكان منهم ما حكاه الله في كتابه . ### || ( أبرهة بن الملطاط ملك اليمن ) # قالوا : ثم ملك أرض اليمن أبرهة بن الملطاط ، وهو أبرهة ذو المنار ، سمي ~~بذلك ، لأنه أمر بعمل المنار وا لإيقاد عليها بالليل ، ليهتدي بها جنوده ، ~~وتوفي PageV01P049 موسى ابن عمران عليه السلام ، وتولى أمر إسرائيل من بعده ~~يوشع بن نون ، فخرج ببني إسرائيل من أرض مصر إلى أرض الشام ، فأسكنهم ~~بفلسطين . قالوا : وإن أبرهة تجهز وسار في بشر كثير يؤم أرض المغرب ، ~~واستخلف على ملكه ابنه إفريقيس ، فأوغل في أرض السودان ، فأعطوه الطاعة ، ~~فجاز أرضهم ، وسار حتى انتهى إلى أمة من الناس ، أعينهم و أفواههم في ~~صدورهم ، ويقال إنهم أمة من ولد نوح عليه السلام ، غضب الله عليهم ، فبدل ~~خلقهم ، فأعطوه الطاعة ، وانصرف ، راجعا ، فمر بأمة من الناس ، يقال لهم ~~النسناس ، للرجل والمرأة منهم نصف رأس ، ونصف وجه ، وعين واحدة ، ونصف بدن ~~، ويد واحدة ، ورجل واحدة ، يقفزون قفزا في أسرع من حضر الفرس الجواد ، وهم ~~يهيمون في الغياض التي على شاطئ البحر ، خلف رمل عالج يعني رمل بلاد اليمن ~~، فسأل عنهم ، فأخبر انهم أمة من ولد وبار بن إرم بن سام بن نوح . ### || ( كيكاوس بن كيقباذ ملك العجم ) # قالوا : وكان ملك العجم في عصر أبرهة بن الملطاطكيكاوس بن كيقباذ ، وكان ~~متشددا على الأقوياء رحيما بالضعفاء ، وكان منصورا محمودا إلى أن خطرت منه ~~خطرة ms009 ضلال ، فيما كان هم به من الصعود إلى السماء ، فهو صاحب التابوت ~~والنسور ، وكان PageV01P050 قد وجد على ابنه سياوش ، ولم يكن له ولد غيره ، ~~فأراد قتله ، فهرب منه ، فلحق بملك الترك ، فحل منه محلا لطيفا لما بلاه ~~واختبره ، ورأى عقله وآدابه وبأسه ونجدته ، ففوض إليه أمره ، فلما رأى ذلك ~~أهل بيت الملك حسدوه ، وخافوا أن يبزهم الأمر ، فدسوا إليه الغوائل عند ~~الملك حتى أقدم عليه ، فقتله ، وقد كان زوجه ابنته ، وحملت منه ، فأراد أن ~~يبقر بطنها عن جنينها ، فناشده برايان الوزير فيها ، وفي ولدها ألا يقتلها ~~من غير جرم ، فقال له : ( دونك ، فخذها إليك ، فإذا ولدت فاقتل ولدها ) . ~~فكانت عنده حتى ولدت غلاما ، وهو كيخسرو والذي ملك بعده ، فأخرجه من المصر ~~، واسترضع له في سكان الجبال من الأكراد ، فنشا عندهم ، وقال للملك : ( ~~إنها ولدت جارية وقد قتلتها ) فصدقه . ### || ( كيخسرو ملك فارس ) وإن أهل فارس شنئوا كيكاوس لما أظهر من الجبروت والعتو والجرأة على الله ، وتأمروا على ~~خلعه ، وفشا ذلك حتى بلغ أم الغلام ، وقد أتى له سبع عشرة سنة ، فدست رسولا ~~إلى أهل فارس ، تعلمهم مقتل سياوش ، وأمر الغلام ، فاختاروا رجلا من ~~أفاضلهم ، يسمى ( زو ) ، فوجهوه إلى أبريان الوزير في الإقبال بالغلام ، ~~فقدم عليه ، وأعلمه ما أجمعت عليه أهل فارس ، فسلم إليه الغلام ، وحمله على ~~فرس أبيه سياوش الذي قدم عليه من العراق ، فسار به زو ، يكمن النهار ، ~~ويسير الليل ، حتى ورد يم جيحون PageV01P051 وهو نهر بلخ مما يلي خوارزم ، ~~فعبره سباحة على فرسه ، وأقبل به ، حتى أورده دار الملك ، فخلعوا كيكاوس ، ~~وملكوا الغلام ، وسموه كيخسرو ، ومنحوه الطاعة ، فأمر بجدة فحبس ، فلم يزل ~~محبوسا حتى هلك . ### || ( إفريقيس بن أبرهة ملك اليمن ) # قالوا : وكان ملك كيخسرو وملك إفريقيس بن أبرهة في عصر واحد ، وإن ~~إفريقيس تجهز يريد المغرب ، حتى أوغل في أرض طنجة والأندلس ، فرأى بلادا ~~واسعة ، فابتنى هناك مدينة ، وسماها إفريقية اشتق اسمها من اسمه ، ونقل ~~إليها سكانا ، وهي المدينة التي ينزلها اليوم سلطان ذلك البلد وعظماؤها ، ~~ثم انصرف إلى ms010 وطنه ، وفي ذلك العصر نشأ معد بن عدنان ، وفيه انقرض ولد إرم ~~من جميع أرض العرب إلا بقايا من طسم وجديس ، غبروا بعمان والبحرين واليمامة ~~. ### || [ ملك ذي جيشان بن إفريقيس ] # ولما مات إفريقيس بن أبرهة ملك ابنه ذو جيشان بن إفريقيس ، فتجهز لغزو ~~كيخسرو ملك فارس ، وجمع جنوده ، وسار حتى نزل بنجران وكان بعمان والبحرين ~~واليمامة بشر كثير من ولد طسم ، وجديس ، ابني إرم بن سام ، وكانوا من العرب ~~العاربة ، وكان ملكهم رجلا من طسم ، يسمى عمليقا ، وكان جائرا ظلوما ، وبلغ ~~من PageV01P052 عتوه أن أمر ألا تزف امرأة من جديس إلى زوجها إلا بدءوه بها ~~، فمكثوا بذلك دهرا طويلا . ### || [ اغتصاب عفيرة بنت غفار وهلاك طسم وجديس ] # وأن رجلا من جديس تزوج عفيرة بنت غفار أخت الأسود بن غفار عظيم جديس ~~وسيدها ، فلما أرادوا إهداءها أدخلت على الملك ، فافترعها ، ثم خلى سبيلها ~~، فخرجت إلى قومها في دمائها رافعة ثوبها عن عورتها ، وهي تقول : أ يصلح ما ~~يؤتى إلى فتياتكم وأنتم رجال ثورة عدد النمل فلو أننا كنا رجالا وكنتم نساء ~~لكنا لا نقر على الذل فبعدا لبعل ليس فيه حمية ويختال يمشي مشية الرجل ~~الفحل فحميت من ذلك جديس ، فاغتالوا عمليقا ، فقتلوه على غرة ، وأمامهم ~~الأسود ابن غفار يرتجز ، ويقول : يا ليلة ماليلة العروس جاءت تمشي بدم جميس ~~يا طسم ما لاقيت من جديس إحدى لياليك فهيس هيس PageV01P053 فأبادوا طسما ، ~~فلم يفلت منهم إلا رجل يقال له ، رياح بن مرة ، فإنه مضى على وجهه حتى أتى ~~ذا جيشان ، وهو معسكر في جنوده بنجران ، فمثل بين يديه ، ثم قال : إنك لم ~~تسمع بيوم ولا ترى كيوم أباد الحي طسما به المكر أتيناهم في أزرنا ونعالنا ~~علينا الملاء الحمر والحلل الخضر فصرنا لحوما بالعراء وطعمة تنازعها ذيب ~~الوشيمة والنمر فدونك قوما ليس لله فيهم ولا لهم منه حجاب ولاستر فقال ~~الملك : كم بيننا وبينهم ؟ ، قال : ثلاث . فقال من حضره : كذب ، أيها الملك ~~، بينك وبين القوم عشرون ليلة ، فأمر جنوده بالمسير نحو اليمامة ، ففي ms011 ~~مسيرهم ، وقصة الزرقاء يقول الأعشى بعد ذلك بدهر طويل : قالت أرى رجلا في ~~كفه كتف أو يخصف النعل ، لهفي أية صنعا فكذبوها بما قالت ، فصبحهم ذو آل ~~جيشان ، يزجي الموت والشرعا فاستنزلوا أهل جو من مساكنهم وهدموا مشرف ~~البنيان ، فاتضعا فام جديسا ، واستأصلهم ، ثم رحل نحو العراق يريد كيخسرو ، ~~وزحف إليه كيخسرو ، فالتقوا ، فقتل ذو جيشان ، وانفضت جموعه . ( ملك الفند ~~ذي الأذعار ) فملكت اليمن ابنه الفند ذا PageV01P054 الأذعار ، وإنما لقب ~~ذا الأذعار لرعب الناس منه ، فلم تكن له همة إلا الطلب بثأر أبيه . ### || [ هجره ربيعة إلى اليمامة والبحرين ] # قال : وبقيت اليمامة والبحرين بعد قتل جديس ليس بها أحد إلى أن كثرت ~~ربيعة ، وانتشرت ، وتفرقت في البلاد ، فسارت عترة بن أسد بن ربيعة ، تتبع ~~مواقع الغيث ، وتقدمها عبد العزى بن عمرو العنزي حتى هجم على اليمامة ، ~~فرأى بلادا واسعة ، ونخلا وقصورا ، وإذا هو بشيخ قاعد تحت نخلة سحوق ، ~~يرتجز ، ويقول : تقاصري ، أجن جناك قاعدا إني أرى حملك ينمي صاعدا فقال له ~~عبد العزى : من أنت أيها الشيخ ؟ قال : أنا من هزان ، الضراغمة الأقران ، ~~غزانا ذو جيشان ، الملك القرم اليمان ، فأعمل فيها المران فلم يبق بهذا ~~المكان غيري ، وإني لفان . فقال عبد العزى : ومن هزان ؟ قال : هزان بن طسم ~~أخو النهى والحزم ، وابن الشجاع القرم . فأقام عبد العزى أياما ، ثم تبرم ~~بمكانه ، فمضى سائرا حتى سقط إلى البحرين ، فرأى بلادا أوسع من اليمامة ، ~~وبها من وقع إليها من ولد كهلان ، حين هربوا من سيل العرم PageV01P055 ~~فأقام معهم ، وسارت بنو حنيفة على ذلك السمت ، يتبعون مواقع الغيث ، ~~وتقدمهم عبيد بن يربوع ، وكان سيدهم ، فنزل قريبا منها ، فمضى غلام له ذات ~~يوم حتى هجم على اليمامة ، فرأى نخلا وريفا ، وإذا هو بشئ من تمر قد تناثر ~~تحت النخل ، فأخذه ، وأتى به عبيدا ، فأكل منه ، فقال : وأبيك إن هذا ~~الطعام طيب . فارتفع حتى أتى اليمامة ، فدفع فرسه ، فخط على ثلاثين دارا ~~وثلاثين حديقة ، فسمي ذلك المكان حجرا ، فهو اليوم قصبة اليمامة ، وموضع ~~ولاتها ، وسوقها ، وتسامعت ms012 بنو حنيفة بما أصاب عبيد بن يربوع ، فأقبلوا حتى ~~أتوا اليمامة ، فقطنوها ، فعقبهم بها إلى اليوم . قال : وكان داود النبي ~~عليه السلام في عصر ذي الأذعار ، وكان ملك العجم كيخسرو بن سياوش . ### || [ داود الملك ( عم ) ] # وكان سلطان بني إسرائيل قد وهى ، فكان من حولهم من الأمم يغزونهم ، ~~فيقتلون ، ويأسرون ، فأتوا نبيهم شعيبا ، فقالوا : ( ابعث لنا ملكا ، نقاتل ~~في سبيل الله ) فملك عليهم طالوت ، وكان من سبط يوسف صلى الله عليه وسلم ~~وكان الملك في بيت يهوذا ، وقد كان بقي في ذلك العصر من ولد عاد جالوت ~~الجبار ، فسار غازيا لبني إسرائيل في جنوده ، فجمع طالوت بني إسرائيل ، ~~وخرج لمحاربته ، فمروا بالنهر الذي نهاهم طالوت عن شربه ، وشربوا منه إلا ~~ثلاثمائة رجل وسبعة عشر رجلا ، عدد أهل بدر مع رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم . وكان داود النبي حينئذ حدث السن ، فلما تواقف الفريقان وضع ~~داود - عليه السلام - حجرا في قذافه ، ثم فتلها ، ورماه ، فصك بين عيني ~~جالوت ، فكانت نفسه فيه ، وانهزم PageV01P056 جنوده ، وغنم بنو إسرائيل ~~أموالهم فاجتمع بنو إسرائيل عند ذلك على تمليك داود صلى الله عليه وسلم ، ~~وخلع طالوت برضى منه ، وداود من سبط يهوذا بن يعقوب . قالوا : وكان ملك ~~الروم في ذلك العصر ( دقينوس ) صاحب الفتية أصحاب الكهف . ### || [ صور الأنبياء ( عم ) بحوزة ملك الروم ] # وذكر عن عبد الله بن الصامت ، قال : وجهني أبو بكر الصديق رضي الله عنه - ~~سنة استخلف إلى ملك الروم ، لأدعوه إلى الإسلام أو آذنه بحرب ، قال ، فسرت ~~حتى أتيت القسطنطينية ، فأذن لنا عظيم الروم ، فدخلنا عليه ، فجلسنا ، ولم ~~نسلم ، ثم سألنا عن أشياء من أمر الإسلام ، ثم صرفنا يومنا ذلك ، ثم دعا ~~بنا يوما آخر ، ودعا خادما له ، فكلمه بشئ ، فانطلق ، فأتاه بعتيده ، فيها ~~بيوت كثيرة ، وعلى كل بيت باب صغير ، ففتح بابا ، فاستخرج خرقة سوداء ، ~~فيها صورة بيضاء ، كهيئة رجل أجمل ما يكون من الناس وجها ، مثل دارة القمر ~~ليلة البدر ، فقال : أتعرفون هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا أبونا آدم عليه ~~السلام ms013 ، ثم رده . وفتح بابا آخر ، فاستخرج خرقة سوداء ، فيها صورة بيضاء ، ~~كهيئة شيخ جميل الوجه ، في وجهه تقطيب ، كهيئة المحزون المهموم ، فقال : ~~أتدرون من هذا ؟ قلنا : لا . قال : هذا نوح ، ثم فتح بابا آخر ، فاستخرج ~~خرقة سوداء ، فيها صورة بيضاء على صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ~~وعلى جميع الأنبياء ، فلما نظرنا إليه بكينا ، فقال : ما لكم ؟ فقلنا : هذه ~~صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، فقال : أ بدينكم ، إنها صورة نبيكم ؟ ~~قلنا : نعم ، هي صورة نبينا ، كأنا نراه حيا ، فطواها ، وردها ، وقال : أما ~~إنها آخر البيوت إلا إني أحببت أن أعلم ما PageV01P057 عندكم ، ثم فتح بابا ~~آخر ، فاستخرج منه خرقة سوداء ، فيها صورة بيضاء ، أجمل ما يكون من الرجال ~~، وأشبههم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : وهذا إبراهيم ، ثم ~~فتح بيتا آخر ، فاستخرج صورة رجل آدم ، كهيئة المحزون المفكر ، ثم قال : ~~هذا موسى بن عمران ، ثم فتح بيتا آخر ، فاستخرج صورة رجل ، له ضفيرتان ، ~~كان وجهه دارة القمر ، ثم قال : وهذا داود ، ثم فتح بيتا آخر ، فاستخرج ~~صورة رجل جميل على فرس ، له جناحان ، ثم قال : وهذا سليمان ، وهذه الريح ~~تحمله ، ثم فتح بيتا آخر ، فاستخرج صورة شاب جميل الوجه ، في يده عكازة ، ~~وعليه مدرعة صوف ، ثم قال : وهذا عيسى ، روح الله ، وكلمته ، ثم قال : إن ~~هذه الصورة وقعت إلى الإسكندر ، فتوارثها الملوك من بعده حتى أفضت إلي . ### || [ مقتل ذي الأذعار ] # قالوا : وإن ذا الأذعار خرج في جنوده ، يطلب بثأر أبيه ذي جيشان الذي صار ~~إلى أرض فارس ، فحارب كيخسرو ، فقتل في المعركة ، فمات ذو الأذعار في طريقه ~~قبل أن يدرك ما أراد . ### || [ ملك الهدهاد وابنته بلقيس ] # فملكت اليمن عليهم الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن مالك بن الرائش ، وكان ~~الهدهاد يلقب بذي شرخ ، فأمر بجسم ذي الأذعار ، فحمل ، ورجع بقومه إلى أرض ~~اليمن ، فأمر به ، فدفن بصنعاء في مقبرة الملوك . قالوا : وإن الهدهاد تزوج ~~ابنة ملك الجن بأرض اليمن ، فولدت له بلقيس ، وهذا حديث منتشر ms014 ، قد حملته ~~الرواة . PageV01P058 قالوا : فلما أتى لها ثلاثون سنة حضر الهدهاد الموت ، ~~فجمع وجوه حمير ، فقال : يا قوم ، إني قد عجمت الناس ، واختبرت أهل الرأي ~~والعقل ، فلم أر مثل بلقيس ، وإني قد وليتها أمركم ، لتقيم لكم الملك إلى ~~أن يبلغ ابن أخي ياسر ينعم بن عمرو ، فرضوا بذلك ، فملكت بلقيس . ### || [ ملك سليمان بن داود ( عم ) ] # وفي أول ملكها توفي داود ، عليه السلام ، وورث سليمان ملكه ، وذلك كله في ~~عصر كيخسرو بن سياوش ، فلما ملك سليمان سار من أرض الشام إلى أرض العراق ~~بأهله وخزائنه ، فلحق بخراسان ، فنزل مدينة بلخ ، وكان هو الذي بناها قبل ~~ذلك ، وأقبل سليمان حتى نزل العراق ، فبلغ كيخسرو نزول سليمان بأرض العراق ~~، وما أعطي من عظيم السلطان ، فدخله فزع ، وأسف خامره ، فنهكه ، فلم يلبث ~~إلا قليلا حتى مات . وإن سليمان سار من العراق إلى مرو ، ثم سار ثم سار ~~منها إلى بلخ ، ثم سار من بلخ إلى بلاد الترك ، فوغل فيها ، وجاوزها إلى ~~بلاد الصين ، ثم عطف متيامنا عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى ~~القندهار ، ثم سار منها إلى كسكر ، ثم عاد إلى الشام ، فوافى تدمر ، وكانت ~~موطنه . قالوا : ووجد في صخر بكسكر : غدونا طلوع الشمس من أرض فارس فها نحن ~~قد قلنا ببلدة كسكر PageV01P059 ونحن ولا حول سوى حول ربنا نروح إلى ~~الأوطان من أرض تدمر ### || [ بناء مسجد بيت المقدس ] # وكان داود عليه السلام ابتدأ بناء مسجد بيت المقدس ، فتوفي قبل استتمامه ~~، فاستتمه سليمان ، وأتم بناء مدينة إيليا ، وقد كان أبوه ابتدأها قبله ، ~~فبنى مسجدها بناء لم ير الناس مثله ، وكان يضئ في ظلمة الليل الحندس إضاءة ~~السراج الزاهر ، لكثرة ما كان جعل فيه من الجواهر والذهب ، وجعل اليوم الذي ~~فرغ فيه منه عيدا في كل سنة ، فلم يكن في الأرض عيد أبهى ولا أعظم خطرا منه ~~، ولا أحسن منظرا ، فلم يزل المسجد على ما بناه سليمان حتى غزا ( بخت نصر ) ~~بيت المقدس ، فأخر بها ، ونقض المسجد ، وأخذ ما كان فيه من الذهب ms015 والفضة ~~والجوهر ، فنقله إلى العراق . ### || [ زواج سليمان وبلقيس ] # قالوا : وكان سليمان مطعاما للطعام ، فكان يذبح في مطابخة كل غداة ستة ~~آلاف ثور ، وعشرون ألف شاة . قالوا : ولما فرغ سليمان من بناء مسجد إيليا ~~تجهز سائرا إلى تهامة ، يريد بيت الله الحرام ، فطاف به ، وكساه ، وذبح ~~عنده ، وأقام سبعا ، ثم سار إلى صنعاء ، وتفقد الطير ، فلم ير الهدهد ، ~~فكان من حديثه وحديث صاحبة سبأ - وهي PageV01P060 بلقيس - ما قد قصة الله ~~تبارك وتعالى في كتابه ، إلى أن تزوجها وبنى بأرض اليمن ثلاثة حصون ، لم ير ~~الناس مثلها ، وهي سلحين ، وبينون ، وغمدان ، وانصرف سليمان إلى الشام ، ~~فكان يزورها في كل شهر ، فيقيم عندها ثلاثا . ### || [ غزوات سليمان وذهاب ملكه ] # وإنه غزا بلاد المغرب : الأندلس ، وطنجة ، وفرنجة ، وإفريقية ، ونواحيها ~~من أرض بني كنعان بن حام بن نوح ، وعليهم ملك جبار عات ، عظيم الملك ، ~~فدعاه إلى الإيمان بالله ، وخلع الأنداد ، فتمرد عليه ، فقتله ، وأصاب ابنة ~~له من أجمل الناس ، فتسراها ، ووقعت منه موقعا لطيفا . وقفل إلى الشام ، ~~فأمر بمقصورة ، فبنيت لها ، وأفردها فيها مع ظئورتها وخدمها ، وكان سليمان ~~لا يدخل عليها إلا وجدها باكية حزينة ، فكدر ذلك عليه حبه لها ، وعجبه بها ~~، وهي المرأة التي نال سليمان في أمرها ما ناله من سلب ملكه ، وزوال سلطانه ~~وبهائه ، حين اتخذت تلك المرأة تمثال أبيها في داره ، وعبدته سرا من سليمان ~~، إلا PageV01P061 أن اتخاذها التمثال كان عن علم من سليمان ، وأذن لها ، ~~أراد بذلك أن تسكن إذا نظرت إليه ، فتتسلى . ### || [ خزائن سليمان ] # ويقال : إن سليمان بنى في أقاصى بلاد المغرب مدينة من نحاس في مفاوز ~~الأندلس ، وأودعها خزائن من خزائنه ، وإن عبد الملك بن مروان كتب إلى عامله ~~على بلاد المغرب ، موسى بن نصير - وكان من أبناء العجم ، غير أن ولاءه كان ~~لقيس - يأمره بالمسير إلى هذه المدينة ليعلم له علم خبرها ، ويكتب إليه ، ~~وإن موسى بن نصير سار إليها ، وانصرف راجعا حتى سار إلى القيروان ، وكتب ~~بالخبر إلى عبد الملك ، يصف له المدينة ، وما لقي في سفره ms016 إليها ، وما رآه ~~عند مصيره نحوها . ### || [ أرخبعم بن سليمان ] # قالوا : ولما توفي سليمان قام بالأمر بعده ارخبعم بن سليمان ، فتفرقت بنو ~~إسرائيل ، ووهى أمره ، فمكث بذلك إلى أن سار ( بخت نصر ) - وهو ( بوخت نرسى ~~) عند العجم إلى بيت المقدس ، فهدمه . ### || [ ياسر ينعم ملك اليمن ] # قالوا : وقام باليمن بعد بلقيس ياسر ينعم بن عمر بن شرحبيل بن عمرو ، ~~PageV01P062 وكان ابن أخي الهدهاد ، وإنما سمي ياسر ينعم لأنعامه على قومه ~~. قالوا : وإن ياسر ينعم تجهز غازيا لأرض المغرب ، حتى بلغ وادي الرمل ، ~~ولم يبلغه ملك قبله ، فأراد أن يعبره ، فلم يجد مجازا ، لأنه رمل فيما ~~زعموا ، يجري كما يجري الماء ، فعسكر على حافته ، ونصب عليه صنما ، وكتب ~~على جبهته ( ليس ورائي مذهب ، فانصرف ) ، وانصرف إلى بلاده . ### || [ بختنصر يهدم مدينة إيليا ] # قالوا : وإن فارس لما مات سليمان بن داود اجتمع عظماؤها وأشرافها ~~ليختاروا رجلا من ولد كيقباذ الملك ، فيملكوه عليهم ، فوقعت خيرتهم على ~~لهراسف بن كيميس بن كيابنة بن كيقباذ الملك ، فملكوه عليهم ، وإن لهراسف ~~عقد لابن عمه ، بخت نصر بن كانجار بن كيابنة بن كيقباذ في اثني عشر ألف رجل ~~من خيله ، وأمره أن يأتي الشام فيحارب ارخبعم بن سليمان ، فإن كان الظفر له ~~قتل من قدر عليه PageV01P063 من عظماء إسرائيل ، وهدم مدينة إيليا ، فسار ~~بخت نصر حتى أتى الشام ، فشن فيها الغارات ، وعاث ، فانهزم ملوك الشام منه ~~، وهرب ارخبعم من بيت المقدس ، فنزل فلسطين ، فتوفي بها . وأقبل بخت نصر ~~حتى ورد مدينة بيت المقدس ، فدخلها لا يمتنع منه أحد ، فوضع في بني إسرائيل ~~السيف ، وسبى أبناء الملوك والعظماء ، وهدم مدينة إيليا ، فلم يدع فيها ~~بيتا قائما ، ونقض المسجد ، وحمل ما كان فيه من الذهب والفضة والجوهر ، ~~وحمل كرسي سليمان ، وقفل راجعا إلى العراق ، وكان في السبي دانيال النبي ~~عليه السلام ، فسار حتى قدم على لهراسف الملك ، وهو نازل بالسوس ، فمات ~~دانيال عنده بالسوس . ### || [ شمر بن إفريقيس يغزو الصين ] # قالوا : ولما حضر لهراسف الموت أسند الملك إلى ابنه بشتاسف ، وفي ذلك ~~العصر ms017 مات ياسر ينعم صاحب اليمن ، وقام بالأمر بعده شمر بن إفريقيس بن ~~أبرهة بن الرائش ، وهو الذي يزعمون أنه أتى الصين وهدم مدينة سمرقند ، ~~فيزعمون أن وزير PageV01P064 صاحب الصين مكر به ، وذلك أنه أمر الملك أن ~~يجدعه ويخلي سبيله ، فسار الأجدع إلى شمر ، فأخبره أنه نصح لصاحبه ، يعني ~~ملك الصين ، وأمره بالنجوع لشمر ، وإعطائه الطاعة والإتاوة ، فغضب عليه ، و ~~جدعه ، وإنه سار إلى شمر ليدله على عورة صاحب الصين جزاء بما فعل به ، ~~فاغتر شمر بذلك ، وسأله عن الرأي ، فقال : إن بينك وبينه مفازة ، تقطع في ~~ثلاثة أيام ، ومأتاه منها قريب ، فاحمل الماء لثلاثة أيام ، وسر حتى أفاجئه ~~بك من كثب ، فتستبيح بلده ، وتأخذه سلما ، وأهله ، وماله . ففعل ، فسلك به ~~مفازة لا ترام ، فلما ساروا ثلاثة ، ونفد الماء ، ولم يروا علما ، ولا ~~انتهوا إلى ماء ، قالوا له : أين ما زعمت ؟ ، فأعلمه أنه مكر به ، ووقى أهل ~~بيته بنفسه ، لأنه قد علم أنه سيقتله ، وقال قد أهلكتك ، فاصنع ما أنت صانع ~~، فمالك ولمن تبعك في الحياة مطمع . فوضع شمر درعه تحت رأسه ، وترس حديد ~~كان معه فوق رأسه ، يستكن به من الشمس . قالوا : وقد كان المنجمون قالوا له ~~، إنك تموت بين جبلي حديد ، فمات بين درعه وترسه عطشا ، فلم يبق من جنوده ~~أحد إلا هلك ، وقد سمعنا نحن بهذا الحديث في غير قصة شمر . ### || [ دعوة زرداشت وهلاك أسفندياذ ورستم ] # قالوا : وكان زراذشت صاحب المجوس أتى بشتاسف الملك ، فقال : إني رسول ~~الله إليك ، وأتاه بالكتاب الذي في أيدي المجوس ، PageV01P065 فآمن له ~~بشتاسف ، ودان بدين المجوسية ، وحمل عليه أهل مملكته ، فأجابوه طوعا وكرها ~~. وكان رستم الشديد عامله على سجستان وخراسان ، وكان جبارا مديد القامة ، ~~شديد القوة ، عظيم الجسم ، وكان ينتمي إلى كيقباذ الملك ، ولما بلغه دخول ~~بشتاسف في المجوسية ، وتركه دين آبائه غضب من ذلك غضبا شديدا ، وقال : ترك ~~دين آبائنا الذي توارثوه آخرا عن أول ، وصبا إلى دين محدث . ثم جمع أهل ~~سجستان ، فزين لهم خلع بشتاسف ، وأظهروا عصيانه ، فدعا بشتاسف ابنه ms018 ( ~~إسفندياذ ) وكان أشد أهل عصره ، فقال له : يا بني ، إن الملك مفض إليك ~~وشيكا ، ولا تصلح أمورك كلها إلا بقتل رستم ، وقد عرفت شدته وقوته ، وأنت ~~نظيره في الشدة والقوة ، فانتخب من الجنود ما أحببت ، ثم سر إليه . فانتخب ~~إسفندياذ من جنود أبيه اثني عشر ألف رجل من إبطال العجم ، وسار نحو رستم ، ~~وزحف إليه رستم ، فالتقيا ما بين بلاد سجستان وخراسان ، فدعاه إسفندياذ إلى ~~إعفاء الجيشين من القتال ، وأن يبرز كل واحد منهما لصاحبه ، فأيهما قتل ~~صاحبه استولى على أصحابه ، فرضى رستم بذلك ، وعاهده عليه وحالفه ، فوقف ~~العسكران ، وخرج كل واحد منهما إلى صاحبه ، فاقتتلا بين الصفين ، فيقول ~~العجم في ذلك قولا كثيرا ، إلا أن رستم هو الذي قتل إسفندياذ ، وانصرف ~~جنوده إلى أبيه بشتاسف ، فأخبروه بمصاب ابنه إسفندياذ ، فخامره حزن أنهكه ، ~~فمرض من ذلك ، فمات ، وأسند الملك إلى ابن ابنه بهمن بن أسفندياذ . ~~PageV01P066 قالوا : ولما رجع رستم إلى مستقره من أرض سجستان لم يلبث أن ~~هلك . ### || [ دخول ملك اليمن طرف الظلمة ] # قالوا : وإن أهل اليمن لما بلغهم مهلك شمر وجنوده بأرض الصين اجتمعوا ، ~~فملكوا عليهم أبا مالك بن شمر ، وهو الذي ذكره الأعشى في قوله : وخان ~~النعيم أبا مالك وأي امرئ صالح لم يخن وهو الذي يزعمون أنه هلك في طرف ~~الظلمة التي في ناحية الشمال ، فدفن على طرفها . قالوا : وذلك ، أنه بلغه ~~مسير ذي القرنين إليها ، وأنه أخرج منها جوهرا كثيرا ، فتجهز يريد الدخول ~~فيها ، فقطع إليها أرض الروم ، وجاوزها حتى انتهى إلى طرف الظلمة ، وتهيأ ~~لاقتحامها ، فمات قبل أن يدخلها ، فدفن في طرفها ، فانصرف من كان معه إلى ~~أرض اليمن . PageV01P067 ### | [ المحور الثاني ] ### | [ أخبار ملوك فارس والإسكندر ] ### || [ خلاص بني إسرائيل من السبي ] # قالوا : وملك بهمن بن أسفندياذ ، فأمر ببقايا ذلك السبي الذي سباهم بخت ~~نصر من بني إسرائيل ، أن يردوا إلى أوطانهم من أرض الشام ، وقد كان تزوج ~~قبل أن يفضي الملك إليه أبراخت بنت سامال بن ارخبعم بن سليمان بن داود ، ~~وملك ( روبيل ) أخا امرأته أرض ms019 الشام ، وأمره أن يخرج معه من بقي من ذلك ~~السبي ، وأن يعيد بناء إيليا ، ويسكنهم فيه ، كما لم يزالوا ، ويرد كرسي ~~سليمان ، فينصبه مكانه ، فخرج روبيل بذلك السبي ، حتى ورد بهم إيليا ، ~~وأعاد بناءها ، وبنى المسجد . وسار بهمن إلى سجستان ، وقتل من قدر عليه من ~~ولد رستم وأهل بيته ، وأخرب قريته . ### || [ موت بهمن بن أسفندياذ ] # قالوا : وقد كان بهمن دخل في دين بني إسرائيل ، فرفضه أخيرا ، ورجع إلى ~~المجوسية ، وتزوج ابنته ( خماني ) وكانت أجمل أهل عصرها ، فأدركه الموت وهي ~~PageV01P068 حامل منه ، فأمر بالتاج فوضع على بطنها ، وأوعز إلى عظماء أهل ~~المملكة أن ينقادوا لأمرها حتى تضع ما في بطنها ، فإن كان غلاما أقروا ~~الملك في يدها إلى أن يشب ويدرك ، ويبلغ ثلاثين سنة ، فيسلم له الملك . ### || [ أنف ساسان من وضية أبيه ] # قالوا : وكان ساسان بن بهمن يومئذ رجلا ذارواء وعقل وأدب وفضل ، وهو أبو ~~ملوك الفرس من الأكاسرة ، ولذلك يقال لهم الساسانية ، فلم يشك الناس أن ~~الملك يفضي إليه بعد أبيه ، فلما جعل أبوه الملك لابنته خماني أنف من ذلك ~~أنفا شديدا ، فانطلق ، فاقتنى غنما ، وصار مع الأكراد في الجبل ، يقوم ~~عليها بنفسه ، وفارق الحاضرة غيظا من تقصير أبيه . قالوا : فمن ثم يعير ولد ~~ساسان إلى اليوم برعي الغنم ، فيقال ساسان الكردي ، وساسان الراعي . ### || ( ملك خماني زوج بهمن ) # فملكت خماني ، فلما تم حملها وضعت غلاما ، وهو دارا بن بهمن ، ثم إنها ~~تجهزت غازية لأرض الروم ، فسارت حتى أوغلت في بلاد الروم ، وخرج إليها ملك ~~الروم في جنوده ، فالتقوا ، واقتتلوا ، فكان الظفر لخماني ، فقتلت ، وأسرت ~~، وغنمت ، فقفلت وقد حملت معها بناءين من بنائي الروم ، فبنوا لها بأرض ~~فارس ثلاثة إيوانات : أحدها وسط مدينة إصطخر ، والثاني على المدرجة التي ~~يسلك فيها من إصطخر إلى خراسان ، والثالث على طريق ( دارابجرد ) على ~~PageV01P069 فرسخين من إصطخر . ( دارا بن بهمن ) فلما أتى لابنها دارا ~~ثلاثون سنة جمعت عظماء المملكة ، ودعت بابنها دارا ، فأقعدته على سرير ~~الملك ، وتوجته بالتاج ، وولته الأمر . ### || [ تبع الأقرن يعتلى عرش اليمن ] # قالوا ms020 : ولما هلك أبو مالك بطرف الظلمة اجتمع أشراف أهل اليمن ، فملكوا ~~أمرهم ابنه تبع الأقران وإنما سمي لنجدته تبع الأقران ، وقد قيل : بل هو ~~تبع الأقرن . كل ذلك يقال . فلما ملك تجهز يريد بلاد الصين طالبا بثأر أبيه ~~وجده ، فسار إليها ، فمر بسمرقند ، وهي خراب ، فأمر ببنائها ، فأعيد ، ثم ~~ركب المفازة حتى انتهى إلى بلاد التبت ، فرأى مكانا واسعا ظاهر المياه ~~مكتلئا ، فابتنى هناك مدينة ، فأسكن فيها ثلاثين ألف رجل من أصحابه ، فهم ~~التبعيون ، وزيهم إلى اليوم زي العرب ، وهيئتهم هيئة العرب ، ثم سار إلى ~~أرض الصين ، فقتل ، وأخرب مدينة الملك ، فهي خراب إلى اليوم ، ثم قفل راجعا ~~إلى اليمن ، وامتد ملكه ، إلى أن ملك الإسكندر ، فخرج الملك عنه ، فصار في ~~المقاول . قالوا ، وفي ذلك العصر نشأ النضر بن كنانة . ### || ( دارا وملك الروم ) # قالوا : وإن دارا بن بهمن لما ملك تجهز غازيا إلى أرض الروم ، فسار حتى ~~أوغل في أرضهم ، فخرج إليه الفيلفوس ملك الروم في جنوده ، فالتقوا ، ~~فاقتتلوا ، فكان الظفر PageV01P070 لدارا ، فصالحه الفيلفوس على إتاوة ~~يؤديها إليه كل عام ، وهي مائة ألف بيضة ذهب ، في كل بيضة أربعون مثقالا ، ~~وتزوج ابنته ، ثم انصرف إلى فارس . ### || ( ملك داريوش ) # فلما تم لدارا اثنتا عشرة سنة في الملك حضرته الوفاة ، فأسند الملك إلى ~~ابنه دارا بن دارا ، وهو الذي يعرف بداريوش ، مقارع الإسكندر ، فلما أفضى ~~الملك إلى دارا بن دارا تجبر ، واستكبر ، وطغى . وكانت نسخة كتبه إلى عماله ~~: من دارا بن دارا المضئ لأهل مملكته كالشمس إلى فلان . وكان عظيم السلطان ~~، كثير الجنود ، لم يبق في عصره ملك من ملوك الأرض إلا بخع له بالطاعة ، ~~واتقاه بالأتاوة . ### | [ أخبار الإسكندر الأكبر ] # ### || ( نشاه الإسكندر ) # ونشأ الإسكندر ، وقد اختلف العلماء في نسبه ، فأما أهل فارس فيزعمون أنه ~~لم يكن ابن الفيلفوس ، ولكن كان ابن ابنته ، وإن أباه دارا بن بهمن . قالوا ~~: وذلك أن دارا بن بهمن لما غزا أرض الروم صالح الفيلفوس ملك الروم على ~~الإتاوة ، فخطب إليه دارا ابنته ، وحملها بعد تزويجها إياه إلى ms021 وطنه ، فلما ~~أراد مباشرتها وجد منها ذفرا ، فعافها ، وردها إلى قيمة نسائه ، وأمرها أن ~~تحتال لذلك الذفر ، فعالجتها القيمة بحشيشة ، تسمى السندر ، فذهب عنها بعض ~~تلك الرائحة ، ودعا بها دارا ، فوجد منها رائحة السندر ، فقال : آل سندر . ~~أي ما أشد رائحة السندر ، وآل ، كلمة في لغة فارس يراد بها الشدة ، وواقعها ~~، فعلقت منه ، ونبأ قلبه عنها لتلك الذفرة التي كانت بها ، فردها إلى ~~PageV01P071 أبيها الفيلفوس ، فولدت الإسكندر ، فاشتقت له اسما من اسم تلك ~~العشبة التي عولجت بها ، على ما سمعت دارا قاله ليلة واقعها ، فنشأ ~~الإسكندر غلاما لبيبا أديبا ذهنا ، فولاه جده الفيلفوس جميع أمره لما رأى ~~من حزمه وضبطه ما رأى . ولما حضر الفيلفوس الوفاة أسند الملك إليه ، وأوعز ~~إلى عظماء المملكة بالسمع والطاعة له . ### || [ الإسكندر ودارا الثاني ] # فلما ملك الإسكندر لم تكن له همة إلا ملك أبيه دارا بن بهمن ، فسار إلى ~~أخيه دارا بن دارا ، فحاربه على الملك . وأما علماء الروم فيأبون هذا ، ~~ويزعمون أنه ابن الفيلفوس لصلبه ، وأنه لما مات الفيلفوس وأفضى الملك إلى ~~الإسكندر امتنع على دارا بن دارا بتلك الضريبة التي كان يؤديها أبوه إليه . ~~فكتب إليه دارا بن دارا يأمره بحمل تلك الإتاوة ، ويعلمه ما كان بين أبيه ~~وبينه من الموادعة عليها ، فكتب إليه الإسكندر ( إن الدجاجة التي كانت تبيض ~~ذلك البيض ماتت ) فغضب دارا من ذلك ، وآلى ليغزون أرض الروم بنفسه حتى ~~يخربها ، فلم يحفل الإسكندر بذلك ، ولم يعبأ به ، وكان الإسكندر جبارا ~~معجبا ، وقد كان عتا في بدء أمره عتوا شديدا ، واستكبر . ### || [ عمل الإسكندر بموعظة أرسطاطاليس ] # وكان بأرض الروم رجل من بقايا الصالحين في ذلك العصر ، حكيم فيلسوف ، ~~يسمى ( أرسطاطاليس ) ، يوحد الله ، ويؤمن به ، ولا يشرك به شيئا ، فلما ~~بلغه عتو الإسكندر وفظاظته وسوء سيرته أقبل من أقاصى أرض الروم حتى انتهى ~~إلى مدينة الإسكندر ، فدخل عليه ، وعنده بطارقته ، ورؤساء أهل مملكته ، ~~فمثل قائما بين يديه غير هائب له ، فقال له : أيها الجبار العاتي ، ألا ~~تخاف ربك الذي خلقك ، فسواك وأنعم ms022 عليك ، ولا تعتبر PageV01P072 بالجبابرة ~~الذين كانوا قبلك ، كيف أهلكهم الله حين قل شكر هم ، واشتد عتوهم . . . ؟ ! ~~. في موعظة طويلة . فلما سمع الإسكندر ذلك غضب غضبا شديدا ، وهم به ، ثم ~~أمر بحبسه ليجعله عظة لأهل مملكته . ثم إن الإسكندر راجع نفسه ، وتدبر ~~كلامه لما أراد الله به من الخير ، فوقع منه في نفسه ما غير قلبه ، فبعث ~~إليه على خلاء ، فأصغى إليه ، واستمع لموعظته وأمثاله وعبره ، وعلم أن ما ~~قال هو الحق ، وأن ما خلا الله من معبود باطل ، فارعوى واستجاب للحق ، وصح ~~يقينه ، فقال لذلك العابد : فإني أسألك أن تلزمني ، لأقتبس من علمك ، ~~وأستضئ بنور معرفتك . فقال له : إن كنت تريد ذلك فاحسم اتباعك من الغشم ~~والظلم وارتكاب المحارم . فتقدم الإسكندر بذلك ، وأوعد فيه ، وجمع أهل ~~مملكته ورؤساء جنوده ، فقال لهم : اعلموا أنا إنما كنا نعبد إلى هذا اليوم ~~أصناما ، لم تكن تنفعنا ولا تضرنا . وإني آمركم ، فلا تردوا على أمري ، ~~وأرضى لكم ما أرضاه لنفسي ، من عبادة الله وحده لا شريك له ، وخلع ما كنا ~~نعبده من دونه ، فقالوا بأجمعهم : قد قبلنا قولك ، وعلمنا أن ما قلت الحق ، ~~وآمنا بإلهك وإلهنا . فلما صحت له نيات خاصته ، واستقامت له طريقتهم ، ~~وطابقوه على الحق أمر أن يعلن للعامة ، أنا قد أمرنا بالأصنام التي كنتم ~~تعبدونها أن تكسر ، فإن ظننتم أنها تنفعكم أو تضركم فلتدفع عن أنفسها ما ~~يحل بها ، واعلموا أنه ليس لأحد عندي هوادة في مخالفة أمري ، وعبادة غير ~~إلهي ، وهو الإله الذي خلقنا جميعا . ثم أمر بتفريق الكتب بذلك في شرق ~~الأرض ، وغربها ، ليعامل الناس على قدر القبول والآباء ، فمضت رسله بكتبه ~~بذلك إلى ملوك الأرض . فلما انتهى كتابه إلى دارا بن دارا غضب من ذلك غضبا ~~شديدا ، وكتب إليه : ( من دارا بن دارا المضئ لأهل مملكته كالشمس إلى ~~الإسكندر بن الفيلفوس ، أنه قد كان بيننا وبين الفيلفوس عهد ومهادنة على ~~ضريبة ، لم يزل يؤديها إلينا أيام حياته ، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعلمن ~~ما بطأت بها ، فأذيقك وبال ms023 أمرك ، ثم لا أقبل عذرك ، والسلام ) . ### || ( الصراع بين الإسكندر ودارا ) # فلما ورد كتابه على الإسكندر جمع إليه جنوده ، وخرج متوجها نحو أرض ~~العراق ، وبلغ ذلك دارا بن دارا ، فأحرز خزائنه وحرمه وأولاده في حصن همذان ~~، PageV01P073 وكان من بنائه ، ثم لقي الإسكندر جادا مستنفرا ، فواقعه ~~وقائع كثيرة ، لم يجد الإسكندر مطمعا فيه ، ولا في شئ منها ، ثم إنه دس إلى ~~رجلين من أهل همذان ، كانا من بطانته وخاصة حرسه ، وأرغبهما ، فرغبا ، ~~وغدرا بدارا : أتياه من ورائه حين صاف الإسكندر في بعض أيامه ، ففتكا به ، ~~وانفضت جموع دارا ، وأقبل الإسكندر حتى وقف على دارا صريعا ، فنزل ، فجعل ~~رأسه في حجره ، وبه رمق ، فجزع عليه ، وقال : ( يا أخي ، إن سلمت من مصرعك ~~خليت بينك وبين ملكك ، فاعهد إلي بما أحببت ، أف لك به ) . فقال دارا : ( ~~اعتبر بي ، كيف كنت أمس ، وكيف أنا اليوم ، الست الذي كان بها بني الملوك ، ~~ويذعنون لي بالطاعة ، ويتقونني بالأتاوة ؟ وها أنا ( ذا ) اليوم صريع فريد ~~بعد الجنود الكثيرة والسلطان العظيم ) . فقال الإسكندر : ( إن المقادير لا ~~تهاب ملكا لثروته ، ولا تحقر فقيرا لفاقته ، وإنما الدنيا ظل يزول وشيكا ، ~~وينصرم سريعا ) . قال دارا : ( قد علمت أن كل شئ بقضاء الله وقدره ، وأن كل ~~شئ سواه فإن ، وأنا موصيك لمن خلفت من أهلي وولدي ، وسائلك أن تتزوج ( ~~روشنك ) ابنتي ، فقد كانت قرة عيني وثمرة قلبي ) فقال الإسكندر : ( أنا ~~فاعل ذلك ، فأخبرني من فعل هذا بك ، لأنتقم منه . فلم ) يحر في ذلك جوابا ~~دارا ، واعتقل لسانه بعد ذلك ، ثم قضى ، فأمر الإسكندر بقاتليه ، فصلبا على ~~قبر دارا ، فقالا : أيها الملك ، ألم تزعم أنك ترفعنا على جنودك ؟ ! قال : ~~قد فعلت . ثم أمر بهما ، فرجما حتى ماتا . ثم كتب إلى أم دارا وامرأته ~~بالتعزية ، وهما بمدينة همذان ، وكتب إلى أمه وهي بالإسكندرية أن تسير إلى ~~أرض بابل ، فتجهز روشنك بنت دارا بأحسن جهاز ، وتوجهها إليه إلى أرض فارس ، ~~ففعلت . PageV01P074 ### || ( فتوح الإسكندر ) # ثم شخص الإسكندر نحو ( فؤر ) ملك الهند ، فالتقيا على تخوم أرض الهند ، ~~وأن ms024 الإسكندر دعا فؤرا إلى البراز ، وإلا يقتل الجمعان ، بعضهم بعضا بينهما ~~، فاهتبلها منه فؤر ، وكان رجلا مديدا عظيما أيدا قويا ، فرأى الإسكندر ~~قليلا قضيفا ، وبرز إليه ، فأجلى النقع عن فؤر قتيلا ، واستسلم له جنوده ، ~~فقبل سلمهم . وسار حتى دخل أرض السودان ، فرأى ناسا كالغربان ، عراة ، حفاة ~~، يهيمون في الغياض ، ويأكلون من الثمار ، فإن استنوا وأجدبوا أكل بعضهم ~~بعضا ، فجاوزهم حتى انتهى إلى البحر ، فقطع إلى ساحل عدن من أرض اليمن ، ~~فخرج إليه تبع الأقرن ملك اليمن ، فأذعن له بالطاعة ، وأقر بالأتاوة ، ~~وأدخله مدينة صنعاء ، فأنزله ، وألطف له من ألطاف اليمن ، فأقام شهرا . ### || ( دخوله مكة وحج بيت الله ) # ثم سار إلى تهامة ، وسكان مكة يومئذ خزاعة ، قد غلبوا عليها ، فدخل عليه ~~النضر بن كنانة ، فقال له الإسكندر : ما بال هذا الحي من خزاعة نزولا بهذا ~~الحرم ؟ ، ثم أخرج خزاعة عن مكة ، وأخلصه للنضر ، ولبنى أبيه ، وحج ~~الإسكندر بيت الله الحرام ، وفرق في ولد معد بن عدنان ، القاطنين بالحرم ، ~~صلات وجوائز . ثم قطع البحر من جدة يؤم بلاد المغرب . ### || ( تقسيم الأرض بين أبناء نوح ) # وروي عن ابن عباس : أن نوحا عليه السلام قسم الأرض بين ولده الثلاثة ، ~~PageV01P075 فخص ساما بوسط الأرض التي تسقيه الأنهار الخمسة : الفرات ، ~~ودجلة ، وسيحان ، وجيحان ، وقيسون ، وهو نهر بلخ ، وجعل لحام ما وراء النيل ~~إلى منفح الدبور ، وجعل ليافث ما وراء قيسون إلى منفح الصبا . ### || [ أبعاد البلدان ] # وقالوا : الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ ، فبلاد الأتراك من ذلك ثلاثة آلاف ~~فرسخ ، وأرض الخزر ثلاثة آلاف فرسخ ، وأرض الصين ألفا فرسخ ، وأرض الهند ~~والسند والحبشة وسائر السودان ستة آلاف فرسخ ، وأرض الروم ثلاثة آلاف فرسخ ~~، وأرض الصقالبة ثلاثة آلاف فرسخ ، وأرض كنعان ، وهي مصر ، وما وراءها مثل ~~إفريقية ، وطنجة ، وفرنجة ، والأندلس ثلاثة آلاف فرسخ ، وجزيرة العرب وما ~~والاها ألف فرسخ . ### || [ الإسكندر وملكه المغرب ] # قالوا : وبلغ الإسكندر أمر قنداقة ملكة المغرب ، وسعة بلادها ، وخصب ~~أرضها وعظم ملكها ، وأن مدينتها أربعة فراسخ ، وأن طول الحجر الواحد من سور ~~مدينتها ستون ذراعا . وأخبر ms025 عن حال قنداقة وعقلها وحزمها ، فكتب إليها : ( ~~من الإسكندر بن الفيلفوس الملك المسلط على ملوك الأرض إلى قنداقة ملكة سمرة ~~، أما بعد ، فقد بلغك ما أفاء الله علي به من البلاد ، وأعطاني من العد ~~والنصرة ، فإن سمعت ، وأطعت ، وآمنت بالله ، وخلعت الأنداد التي تعبد من ~~دون الله ، وحملت إلى وظيفة الخراج ، قبلت منك وكففت عنك ، وتنكبت أرضك ، ~~وإن أبيت ذلك سرت إليك ، ولا قوة إلا بالله ) . PageV01P076 فكتبت إليه : ( ~~أن الذي حملك على ما كتبت به فرط بغيك ، وعجبك بنفسك ، فإذا شئت أن تسير ~~فسر ، تذق غير ما ذقت من غيري ، والسلام ) . فلما رجع جواب إكتابأرسل إليها ~~بملك مصر ، وكان في طاعته ، ليدعوها إلى الطاعة ، وينذرها وبا المعصية ، ~~فسار إليها في مائة رجل من خاصته ، فلم يجد عندها ما يحب ، فرجع إلى ~~الإسكندر ، فأعلمه ، فتجهز الإسكندر إليها ، ومضى في جنوده ، حتى انتهى إلى ~~مدينة القيروان - وهي من مصر على شهر - فافتتحها بالمجانيق ، ثم سار إلى ~~القنداقة ، فكانت له ولها قصص وأنباء ، فعاهدها على الموادعة و المسالمة ، ~~وألا يطور بسلطانها وشئ مما في مملكتها . ثم سار من هناك قاصدا الظلمة التي ~~في الشمال ، حتى دخلها ، فسار فيها ما شاء الله ، ثم انكفأ راجعا حتى إذا ~~صار في تخوم أرض الروم ابتنى هناك مدينتين ، يقال لإحداهما ، قافونية ، ~~وللأخرى سورية . ### || ( فتوح الإسكندر في أرض المشرق ) # ثم هم بالاجتياز إلى أرض المشرق ، فقال له وزراؤه : ( كيف يمكنك الاجتياز ~~إلى مطلع الشمس من هذه الجهة ، ودون ذلك البحر الأخضر ، ولا تعمل فيه السفن ~~، لأن ماءه شبيه بالقيح ، ولا يصبر على نتن ريحه أحد ؟ ) فقال : ( لا بد من ~~المسير ، ولو لم أسر إلا وحدي ) قالوا : ( نحن معك حيث سرت ) . فسار حتى ~~قطع أرض الروم ، يؤم مشرق الشمس ، ثم جاوزهم * إلى أرض الصقالبة ، فأذعنوا ~~له بالطاعة ، فجازهم إلى أرض الخزر ، فأذعنوا له ، فجازهم إلى أرض الترك ، ~~فأذعنوا له ، فسار في أرضهم حتى بلغ المفازة التي بينهم وبين بلاد الصين ، ~~فركبها ، وسار ، حتى إذا قرب من أرض الصين أجلس ms026 وزيرا له يقال له ( فيناوس ~~) في مجلسه ، وأمره أن يتسمى باسمه ، وتسمى هو فيناوس ، وقصد الملك حتى وصل ~~إليه ، فلما دخل عليه قال له : ( من أنت ؟ ) قال : ( أنا رسول الإسكندر ، ~~المسلط على ملوك الأرض ، ) قال : ( وأين خلفته ؟ ) ، قال : ( على تخوم أرضك ~~) ، قال : ( وبماذا أرسلك ؟ ) ، قال : ( أرسلني لأنطلق بك إليه ، فإن أجبت ~~أقرك في PageV01P077 أرضك ، وأحسن حباءك ، وإن أبيت قتلك ، وأخرب أرضك ، ~~فإن كنت جاهلا بما أقول ، فسل عن دارا بن دارا ملك إيران شهر ، هل كان في ~~الأرض ملك أعظم ملكا منه ، وأكثر جنودا ، وأقوى سلطانا ، وكيف سار إليه ، ~~واغتصبه نفسه ، وسلبه ملكه ، وسل عن فؤر ملك الهند إلى ما آل أمره ) . قال ~~ملك الصين : ( يافيناوس ، إنه قد بلغني أمر هذا الرجل ، وما أعطي من النصر ~~والظفر ، وكنت على توجيه وفد إليه ، أسأله الموادعة ، وأصالحه على الهدنة ، ~~فأبلغه ، أني له على السمع والطاعة ، وأداء الإتاوة في كل عام ، فليست به ~~حاجة إلى دخول أرضي ) . ثم بعث إليه بتاجه ، وبهدايا من تحف أرضه ، من ~~السمور والقاقم ، والخز ، والحرير الصيني ، والسيوف الهندية ، والسروج ~~الصينية ، والمسك ، والعنبر ، وصحاف الذهب والفضة ، والدروع ، والسواعد ، ~~والبيض ، فقبض ذلك الإسكندر . ### || ( يأجوج ومأجوج ) # وسار راجعا إلى عسكره ، وتنكب أرض الصين ، وسار إلى الأمة التي قص الله ~~جل ثناؤه قصتها ف ( قالوا : يا ذا القرنين ، إن يأجوج ومأجوج مفسدون في ~~الأرض ) فكان من قصته وبنائه الردم ما قد أخبر الله به في كتابه ( 1 ) ، ~~فسألهم عن PageV01P078 أجناس تلك الأمم ، فقالوا : نحن نسمي لك من بالقرب ~~منا منهم ، فأما ما سوى ذلك ، فلا نعرفه ، هم يأجوج ومأجوج ، وتأويل وتاريس ~~، ومنسك وكمارى . ### || [ استكمال الفتوح ] # فلما فرغ من بناء السد بينهم وبين تلك الأمم رحل عنهم ، فوقع إلى أمه من ~~الناس ، حمر الألوان ، صهب الشعور ، رجالهم معتزلون عن نسائهم ، لا يجتمعون ~~إلا ثلاثة أيام في كل عام ، فمن أراد منهم التزويج ، فإنما يتزوج في تلك ~~الثلاثة الأيام ، وإذا ولدت المرأة ذكرا ، وفطمته دفعته إلى أبيه في تلك ~~الثلاثة الأيام ، وإن كانت أنثى ms027 حبستها عندها ، فارتحل عنهم ، وسار حتى صار ~~إلى فرغانة ( 3 ) ( فرأى قوما لهم أجسام وجمال ، فأعطوه الطاعة ، فسار من ~~فرغانة إلى سمرقند ، فنزلها وأقام شهرا ، ثم رحل ، فسلك على بخارى ( 3 ) ، ~~حتى انتهى إلى النهر العظيم ، فعبره في السفن إلى مدينة آمويه ، وهي آمل ~~خراسان ، ثم سلك المفازة حتى خرج إلى أرض قد غلب عليها الماء ، فصارت آجاما ~~ومروجا ، فأمر بتلك المياه ، فسدت عنها حتى جفت الأرض ، فابتنى هناك مدينة ~~، وأسكنها قطانا ، وجعل لها رساتيق ، وقرى ، وحصونا ، وسماها ( مر خانوس ) ~~، وهي مدينة مرو ( 4 ) ، وتسمى * ( الهامش ) * ( 1 ) سورة الكهف ، الآية ~~رقم 94 ( 2 ) إيالة كبيرة في تركستان ، وصلت فيها العلوم والمعارف إلى أقصى ~~حد من الرقى ، إبان العهد الإسلامي بها ، وظهر منها علماء وادباء كثيرون ، ~~وقد احتلتها الروس 1876 م . ( 3 ) مدينة من أعظم المدن في آسيا الوسطى ، ~~وهي مركز هام للتجارة بين الصين والهند والافغان وروسيا ، ولها نشاط كبير ~~في العلم والصناعة والأسلحة ، وقد فتحها العرب في عهد معاوية سنة 5 ه ( 4 ) ~~أشهر مدن خراسان ، بينها وبين نيسابور سبعون فرسخا ، ومعنى لفظ مرو الحجارة ~~البيض التى يقتدح بها ، ( * ) أيضا ميلانوس ، ثم اجتاز بنيسابور ، وطوس حتى ~~وافى PageV01P079 الري ؛ ولم تكن أيامئذ ، وإنما بنيت بعد ذلك في ملك فيروز ~~بن يزدجرد بن بهرام جور ، ثم اجتاز من هناك على الجبل ، وحلوان ، حتى وافى ~~العراق ، فنزل المدينة العتيقة التي تسمى طيسفون ، فأقام حولا ، ثم سار ~~يريد الشام حتى أتى بيت المقدس . ### || ( ملوك الطوائف ) # فلما اطمأن بها ، قال لمؤدبه أرسطاطاليس : ( إني قد وترت أهل الأرض جميعا ~~لقتلى ملوكهم ، واحتوائي على بلدانهم وأخذي أموالهم ، وقد خفت أن يتضافروا ~~على أهل أرضي من بعدي ، فيقتلونهم ويبيدونهم لحنقهم علي ، وقد رأيت أن أرسل ~~إلى كل نبيه وشريف ، ومن كان من أهل الرياسة في كل أرض ، وإلى أبناء الملوك ~~فأقتلهم ) . فقال له مؤدبه : ليس ذاك رأي أهل الورع والدين ، مع أنك إن ~~قتلت أبناء الملوك وأهل النباهة والرياسة كان الناس عليك ، وعلى أهل أرضك ~~أشد حنقا ms028 من بعدك ، ولكن لو بعثت إلى أبناء الملوك وأهل النباهة فتجمعهم ~~إليك ، فتتوجهم بالتيجان ، وتملك كل رجل منهم كورة واحدة ، وبلدا واحدا ، ~~فإنك تشغلهم بذلك ، بتنافسهم في الملك ، وحرص كل واحد على أخذ ما في يدي ~~صاحبه ، عن إهلاك بلادك ، فتلقى بأسهم بينهم ، وتجعل شغلهم بأنفسهم ، فقبل ~~الإسكندر ذلك منه ، وفعله ، وهم الذين يقال لهم ملوك الطوائف . ### || ( هلاك الإسكندر ) # ثم هلك الإسكندر ببيت المقدس ، وقد ملك ثلاثين سنة ، جال الأرض منها ~~PageV01P080 أربعا وعشرين سنة ، وأقام بالإسكندرية في مبتدإ أمره ثلاث سنين ~~، وبالشام عند انصرافه ثلاث سنين ، فجعل في تابوت من ذهب ، وحمل إلى ~~الإسكندرية . ### || [ مدن الإسكندر ] # وبنى ( الإسكندر ) اثنتي عشرة مدينة ، الإسكندرية بأرض مصر ، ومدينة ~~نجران بأرض العرب ، ومدينة مرو بأرض خراسان ، ومدينة جي بأرض أصبهان ، ~~ومدينة على شاطئ البحر تدعى صيدودا ، ومدينة بأرض الهند تدعى جروين ، ~~ومدينة بأرض الصين تدعى ( قرنيه ) ، وسائر ذلك بأرض الروم . ### || [ سياسة ملوك الطوائف ] # قالوا : ولما توفي الإسكندر حمى كل رجل من أولئك الذين ملكهم حيزه ، ~~ودفعوا الحرب ، فلم يكن يغلب أحدهم صاحبه إلا بالحكمة والآداب ، يتراسلون ~~بالمسائل ، فإن أصاب المسئول حمل إليه السائل ، وإن بغى أحد منهم على الآخر ~~، وانتقصه شيئا من حيزه أنكروا جميعا ذلك عليه ، فإن تمادى أجمعوا على حربه ~~، فسموا بذلك ملوك الطوائف . ### || ( ملوك اليمن ) # وزعموا أن الملوك الأربعة ، الذين لعنهم النبي صلى الله عليه وسلم ، ولعن ~~أختهم PageV01P081 أبضعة ، لما هموا بنقل الحجر الأسود إلى صنعاء ليقطعوا ~~حج العرب عن البيت الحرام إلى صنعاء ، وتوجهوا لذلك إلى مكة ، فاجتمعت ~~كنانة إلى فهر بن مالك ابن النضر ، فلقيهم ، فقاتلهم ، فقتل ابن لفهر ، ~~يسمى الحارثة ، لم يعقب ، وقتل من الملوك الأربعة ثلاثة ، وأسر الرابع ، ~~فلم يزل مأسورا عند فهر بن مالك حتى مات . وأما أبضعة ، فهي التي يقال لها ~~( العنقفير ) ، ملكت بعد إخوتها بأخبث سيرة ، كانت تتخير الرجال على عينها ~~، فمن أعجبها دعته إلى نفسها ، فوقع بها ، لا يقدر أحد أن ينكر عليها ، ~~وإنها أبصرت فتى من قيس ، فأعجبها ، فدعته إلى نفسها ، فوقع ms029 بها ، فألقحها ~~غلامين في بطن ، فسمت أحدهما سهلا ، والآخر عوفا ، وفي ذلك يقول شاعر من ~~شعراء قيس : وذي تومة في أذنة وضفيرة وسيم جميل لا يخيل مخايله إذا ما رأته ~~قيلة حميرية تجر له حبل الشموس تهازله ### || [ ذو الشنائر ] # قالوا : وكان ذو الشنائر ملك عنس ويحاير ، وكان عظيم الملك ، كثير الجنود ~~، وكان ملكه على عمان ، والبحرين ، واليمامة ، وسواحل البحر . PageV01P082 ### || ( أردوان بن أشه ملك الجبل ) # قالوا : ولم يكن في ملوك الطوائف الذين كانوا بأرض العجم ملك أعظم ملكا ، ~~ولا أكثر جنودا من أردوان بن اشه بن أشغان ملك الجبل ، كان إليه الماهان ~~وهمذان ، وماسيذان ، ومهر جانقذق ، وحلوان ، وسائر الملوك إنما كان يكون ~~إلى الرجل منهم كورة واحدة وبلد واحد . وكان الملك منهم إذا مات قام بالملك ~~بعده ابنه أو حميمه ، وكان جميع ملوك الطوائف يقرون لاردوان ملك الجبل ~~بفضله ، لاختصاص الإسكندر إياه دونهم بفضل الملك ، وكان مسكنه بمدينة ~~نهاوند العتيقة . ### || [ بعثة المسيح ( عم ) ] # قالوا : وفي ذلك العصر بعث المسيح عيسى بن مريم عليه السلام . ### || ( أسعد بن عمرو ملك اليمن ) # قالوا : وإن أسعد بن عمرو بن ربيعة بن مالك بن صبح بن عبد الله بن زيد بن ~~ياسر ينعم الملك الذي ملك بعد سليمان بن داود ، صلى الله عليه وسلم ، لما ~~نشأ وبلغ ، أنف من ابتزاز قبائل ولد كهلان بن سبا بن يشجب بن يعرب الملك ~~حمير ، وكان الملك لهم ، وفي عصرهم ، فجمع إليه حمير ، وذلك بعد أن ملكت ~~المقاول بأرض اليمن ، فكانوا سبعة ملوك ، توارثوا الملك مائتين وخمسين سنة ~~، فسار إلى ملك همذان ، فحاربه ، فظفر به ، ثم سار إلى ملك عنس ويحاير ، ~~ففعل به مثل ذلك ، وأتى ملك كندة ، وأعطي الظفر حتى اجتمع له ملك جميع أرض ~~اليمن . PageV01P083 ### || [ مقتل القيطون بن سعد ] # فلما اجتمع لأسعد الملك وجه ابن عمه القيطون بن سعد إلى تهامة والحجاز ، ~~وجعله ملكا عليها ، فنزل يثرب ، فاعتدى وتجبر ، حتى أمر أن لا تهدى امرأة ~~إلى زوجها حتى يبدءوه بها ، وسلك في ذلك مسلك عمليق ، ملك طسم وجديس ms030 ، إلى ~~أن زوجت أخت لمالك بن العجلان من الرضاعة ، فلما أرادوا أن يذهبوا بها إلى ~~القيطون اندس معها مالك بن العجلان متنكرا ، فلما خلا له البيت عدا عليه ~~بسيفه ، فقتله ، وعدوا على أصحابه ، فقتلوا أجمعين ، وبلغ ذلك أسعد الملك ، ~~فسار إليهم ، فنزل بالمدينة على نهر يسمى ، بئر الملك ، فكان من قصته ما هو ~~مشهور ، قد كتبناه في غير هذا الموضع . ### || ( صعود عيسى ( عم ) ومقتل يحيى بن زكريا ) # قالوا : ولما ابتعث الله عيسى بن مريم ، فأقبلت اليهود لتقتله ، فرفعه ~~الله إليه ، أتوا يحيى بن زكرياء ، فقتلوه ، فسلط الله عليهم ملكا من ملوك ~~الطوائف من ولد بخت نصر الأول ، فقتل بني إسرائيل ، وضربت عليهم الذلة ~~والمسكنة . ### | [ أخبار ملوك الساسانية ] # ### || ( ظهور أردشير بن بابك ) # قالوا : فلما تم لملوك الطوائف مائتا سنة ، وست وستون سنة ظهر أردشير ابن ~~بابكان ، وهو أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر بن فافك بن مهريس ابن ساسان ~~PageV01P084 الأكبر بن بهمن الملك بن إسفندياذ بن بشتاسف ، فظهر بمدينة ~~إصطخر ، فدب في رد ملك فارس في نصابه ، واتسقت له الأمور ، فلم يزل يغلب ~~ملكا ، ويقتل ملكا ، ويحتوي على ما تحت يده ، حتى انتهى إلى فرخان ملك ~~الجبل ، وكان آخر ملك من ولد أردوان ، فكتب إليه أردشير ، بالدخول في طاعته ~~، فلما أتاه كتابه امتلأ غيظا ، وقال لرسله : لقد ارتقى ابن ساسان الراعي ~~مرتقى وعرا ، ولم يحفل به ، وكتب إليه : أن الميعاد بيني وبينك صحراء ~~الهرمز دجان في سلخ مهر ماه ، فسبق أردشير إلى المكان ، فوافاه فرخان في ~~سلخ مهر ماه ، فاقتتلوا ، فقتله أردشير ، وسار من فوره حتى ورد مدينة ~~نهاوند ، فنزل قصر الفرخان ، فأقام شهرا ، ثم سار إلى الري ، ثم إلى خراسان ~~، لا يأتي حيزا إلا أذعن له ملكه بالطاعة ، ثم سار إلى سجستان ، ثم إلى ~~كرمان ، ثم سار إلى فارس ، فنزل مدينة إصطخر ، فأقام حولا ، ثم سار نحو ~~العراق ، فتلقاه من كان بها من ملوك الطوائف بالأهواز ، فقاتلهم ، فقتلهم ، ~~ثم سار حتى عسكر بموضع المدائن اليوم ، فاختطها ، وبناها ، فلما استوثق له ms031 ~~الملك دعا بابنة أخ الفرخان ، التي أخذها من قصر الفرخان بنهاوند ، ، وكانت ~~ذات جمال ولب ، وقد كان أفضى إليها ، وسألها من نسبها ، فأخبرته ، ~~PageV01P085 فقال لها : قد أسأت حين أعلمتني ، لأني أعطيت الله عهدا ، أن ~~أظهرني الله بالفرخان ألا أدع من أهل بيته أحدا ، ثم دعا أبرسام وزيره ، ~~فقال : انطلق بهذه الجارية فاقتلها . فأخذ أبر سام بيد الجارية ، فأخرجها ~~لينفذ فيها أمره ، فلما خرجت قالت لأبرسام : إني حامل لأشهر ، فلما قالت له ~~ذلك انطلق بها إلى منزله ، وأمر بالإحسان إليها ، وقال لأردشير : قد قتلتها ~~وزعموا أنه جب نفسه ، وأخذ مذاكيره ، فجعلها في حق وختم عليه ، وأتى به ~~أردشير ، وسأله أن يأمر بعض ثقاته بإحرازه ، فإنه سيحتاج إليه يوما ، فأمر ~~أردشير بالحق ، فأحرز . ثم إن الجارية ولدت غلاما كاجمل ما يكون من الغلمان ~~، وهو سابور بن أردشير الذي ملك بعده ، وإن أردشير أقام بالعراق حولا ، ثم ~~سار إلى الموصل ، فقتل ملكها ، ثم انصرف ، وجعل يسير ، فسار إلى عمان ~~والبحرين واليمامة ، فخرج إليه ( سنطرق ) ملك البحرين ، فحاربه ، فقتله ~~أردشير ، وأمر بمدينته ، فأخربت . ### || [ حزن أردشير لعدم إنجابه ] # قالوا : وإن أبرسام دخل على أردشير يوما ، وهو مستخل وحده ، مفكر مهموم ، ~~فقال : أيها الملك ، عمرك الله ، ما لي أراك مهموما حزينا ، وقد أعطاك الله ~~أمنيتك ، ورد الله إليك ملك آبائك ، فأنت اليوم ( شاهان شاه ) . ~~PageV01P086 قال أردشير : ذاك الذي أحزنني ، إني قد استحوذت على الأرض ، ~~ودان لي جميع الملوك ، وليس لي ولد ، يرث ملكي الذي أنصبت فيه نفسي . فلما ~~سمع ذلك أبرسام قال في نفسه : هذا وقت إظهار أمر تلك المرأة الأشغانية ، ~~وقد كان أتى على ابنها خمس سنين ، فقال : أيها الملك ، إني كنت استودعتك ~~يوم أمرتني بقتل المرأة الأشغانية حقا مختوما ، وقد احتجت إليه ، فمر ~~بإخراجه ، فأمر به أردشير ، فأخرج إليه ، ففتحه ، وأراه أردشير ، فإذا فيه ~~مذاكيره ، قد يبست في جوف الحق . فقال له أردشير : ما هذا ؟ فأخبره الخبر ، ~~وأعلمه حال الغلام ، ففرح أردشير بذلك ، ثم قال لابرسام : ائتني بالغلام ، ~~واجعله ما بين مائة غلام من ms032 أقرانه ، ففعل أبرسام ذلك . فلما أدخلهم عليه ~~تأملهم غلاما غلاما ، حتى إذا بلغ إلى سابور رأى تشابه ما بينه وبينه ، ~~فتحرك له قلبه ، فأمسك نفسه ، ولم يكمله ، وأمر بأن يعطي الغلمان جميعا ~~صوالجة ، ويطرح لهم كره في الرحبة ليلعبوا بين يديه مقابل الأيوان ، وقال ~~لابرسام : احتل أن تقع الكرة عندي في الأيوان ، ففعل . ووقعت الكرة على ~~بساطه ، فوقف جميع أولئك الغلمان على باب الأيوان ، ولم يجترئ واحد منهم أن ~~يدخل ، فيتناول الكرة من بين يديه إلا الغلام ، فإنه اقتحم من بينهم على ~~أبيه ، فتناول الكرة من بين يديه . فلما رأى ذلك أردشير مد يده ، فتناول ~~الغلام ، وضمه إليه ، وقبله ، وأمر به وبأمه PageV01P087 أن ترد إليه ، وهو ~~سابور الذي ملك بعده ، وأكرم أبرسام ، وأقطعه القطائع الكثيرة ، وأمر بأن ~~تصور صورة أبرسام على الدراهم والبسط حتى انقضى ملكهم . ### || [ رسول المسيح ( عم ) إلى أردشير ] # قالوا : وفي ملك أردشير بعث الله عيسى عليه السلام ، ويزعمون أنه بعث ~~بأحد حوارييه إلى أردشير ، وأنه جاء إلى مدينة طيسفون ، فنزل على أبرسام ~~فكان إذا أمسى استسرج له سراج ، فيصلي طول ليلة ، ويتلو الإنجيل ، فسأله ~~أبرسام عن قصته ودينه ، فأخبره أنه رسول المسيح عيسى بن مريم ، فأفضى ~~أبرسام الخبر إلى أردشير ، فدعا به ، فنظر إلى سمته وهدوئه ، وأراه الشيخ ~~آيات من آيات المسيح ، فلم يبعد عند أردشير ، ولا هاجه بسوء . ### || ( وجرجيس ملك الموصل ) # قالوا : وفي زمان ملوك الطوائف كانت قصة جرجيس ، وإتيانه ملك الموصل ، ~~وكان جبارا متمردا ، يعبد الأصنام ، ويحمل الناس على عبادتها ، وكان جرجيس ~~من أهل الجزيرة ، وكان من أمره وأمر ذلك الملك ما قد أتت به الأخبار . ### || [ منجزات أردشير ] # وكان أردشير هو الذي أكمل آيين الملوك ورتب المراتب ، وأحكم السير ، ~~وتفقد صغير الأمر وكبيرة ، حتى وضع كل شئ من ذلك على موضعه ، عهد عهده ~~المعروف إلى الملوك ، فكانوا يمتثلونه ، ويلزمونه ، ويتبركون بحفظه والعمل ~~به ، ويجعلونه درسهم ونصب أعينهم ، وبنى من المدن ست مدائن ، منها بأرض ~~فارس مدينة أردشير خره ، ومدينة رام أردشير ومدينة هرمزدان أردشير ، وهي ms033 ~~قصده الأهواز ، ومدينة أستاذ أردشير ، وهي PageV01P088 كرخ ميسان ، ومدينة ~~فوران أردشير ، وهي التي بالبحرين ، ومدينة بالموصل ، تسمى خرزاد أردشير . ### || ( ملكيكرب ملك اليمن ) # قالوا : وملك بعد أسعد ملك اليمن ، الذي كسا البيت ونحر عنده وطاف به ~~وعظمه ابن عمه ملكيكرب بن عمرو بن مالك بن زيد بن سهل بن عمرو ذي الأذعار ، ~~فملك عشرين سنة لا يبرح بيته ، ولا يغزو كما كانت الملوك قبله تفعله تحرجا ~~من الدماء . ### || ( ملك التبابعة ) # ثم ملك بعده ابنه تبع بن ملكيكرب ، وهو تبع الأخير ، وكانت التبابعة ~~ثلاثة ، أولهم : شمر أبو كرب الذي غزا الصين ، وأخرب مدينة سمرقند ، ~~والثاني تبع أسعد الذي ذبح للبيت الحرام الذبائح ، وعلق عليه باب ذهب ، ~~والثالث تبع بن ملكيكرب ، ولم يسم غير هؤلاء الثلاثة من ملوك اليمن تبعا ، ~~وكان تبع هذا الأخير في PageV01P089 عصر سابور بن أردشير ، وفي عصر هرمز بن ~~سابور ، وكان تبع بن ملكيكرب كبير الشأن عظيم السلطان ، وهو الذي غزا بلاد ~~الهند ، فقتل ملكها ، وهو من أولاد فؤر الملك الذي قتله الإسكندر ، ثم ~~انصرف إلى اليمن ، ومات في ملك بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير . ### || [ ملك حسان بن تبع ومقتله ] # ثم ملك من بعد تبع ابنه حسان بن تبع بن ملكيكرب ، وهو الذي غزا أرض فارس ~~فيما يزعمون ، وهو الذي ضجرت الحميريه لكثرة غزوة بها ، وقلة مقامه بأرض ~~اليمن ، فزينوا لأخيه عمرو بن تبع قتله ليملكوه عليهم ، فطابقوه جميعا على ~~ذلك إلا ذارعين فإنه أبي ذلك ، ولم يدخل فيه مع القوم ، فعدا عمرو على أخيه ~~، فقتله ، وملك من بعده ، وانصرف بقومه إلى اليمن ، فسلط الله عليهم السهر ~~. ### || ( ملك سابور بن أردشير ) # فلما ملك سابور بن أردشير غزا أرض الروم ، فافتتح مدينة قالوقية ، ومدينة ~~قبدوقية ، وأثخن في الروم ، ثم انصرف إلى العراق ، وسار إلى أرض الأهواز ~~ليرتاد مكانا يبني فيه مدينة ، يسكنها السبي الذي قدم بهم من أرض الروم ، ~~فبنى مدينة جنديسابور ، واسمها بالخوزية نيلاط ، وأهلها يسمونها نيلاب ، ~~فكان سابور قد أسر ( اليريانوس ) خليفة صاحب الروم ، فأمره ببناء ms034 قنطرة على ~~نهر تستر على أن يخليه ، فوجه إليه ملك الروم ناسا من أرض الروم والأموال ، ~~فبناها ، فلما فرغ منها أطلقه . PageV01P090 ### || [ ظهور ماني ] # وفي زمان سابور ظهر ماني الزنديق ، وأغوى الناس ، ومات سابور قبل أن يظفر ~~به ، وملك سابور إحدى وثلاثين سنة . ### || ( هرمز بن سابور ) # وأفضى الملك بعده إلى ابنه هرمز بن سابور ، فأخذ ماني ، فأمر به ، فسلخ ~~جلده ، وحشاه بالتبن ، وعلقه على باب مدينة جنديسابور ، فهو إلى اليوم يدعى ~~باب ماني ، وتتبع أصحابه ومن استجاب له ، فقتلهم جميعا ، فملك ثلاثين سنة . ### || ( ملك أبناء هرمز ) # وأسند الملك إلى ابنه بهرام بن هرمز ، فملك سبع عشرة سنة ، ثم ملك ابنه ~~بهرام بن بهرام ، ثم ملك ابنه نرسى بن بهرام بن بهرام ، فملك سبع سنين ، ~~PageV01P091 ومات . فملك ابنه هرمزدان بن نرسى ، فملك سبع سنين ، ومات ، ~~ولم يكن له ولد يرثه الملك ، غير أن امرأته كانت حاملا لأشهر ، فأمر بالتاج ~~، فوضع على بطنها ، وتقدم إلى عظماء أهل فارس ألا يملكوا عليهم أحدا حتى ~~ينظروا ما يولد له ، فإن كان ذكرا سموه سابور ، وأقروه على الملك ، ووكلوا ~~به من يحضنه ، ويقوم بأمر الملك إلى إدراكه ، وإن كان أنثى اختاروا رجلا ~~لأنفسهم من أهل بيته ، فملكوه عليهم ، فولدت المرأة ذكرا ، وسموه سابور ، ~~وهو المنبوز بذي الأكتاف . ### || ( سابور ذو الأكتاف ) # فشاع لما مات هرمزدان في أطراف الأرضين أنه ليس لأرض فارس ملك ، وانهم ~~يلوذون بصبي في مهد ، فطمعوا في مملكة فارس ، فورد جمع عظيم من الأعراب من ~~ناحية البحرين وكاظمة إلى أبرشهر وسواحل أردشير خره ، فشنوا بها الغارة ، ~~وأتى بعض ملوك غسان على الجزيرة في جموع عظيمة حتى أغار على السواد ، فمكثت ~~مملكة فارس حينا لا يمتنعون من عدو لوهي أمر الملك . PageV01P092 ### || [ فطنة سابور ] # فلما ترعرع الغلام كان أول ما ظهر من حزمه أنه استيقظ ليله وهو نائم في ~~قصره بمدينة طيسفون بضوضاء الناس لازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين ، ~~فقال : ما هذه الضوضاء ؟ ، فأخبر ، فقال : ليعقد لهم جسر آخر ، يكون أحدهما ~~لمن يقبل ، والآخر لمن ms035 يدبر ، ففعلوا ، وتباشروا بما ظهر من فطنته مع ~~طفوليته . ### || [ ضبطه الملك وقتل الضيزن ] # فلما أتت له خمس عشرة سنة تجرد لضبط الملك ، ونفي العدو عنه ، فتأهب ، ~~وسار إلى أبرشهر ، فطرد من كان صار إليها من الأعراب ، وقتلهم أخبث قتله . ~~وكذلك فعل بالجزيرة ، فصار إلى الضيزن الغساني ، فحاصره في مدينته التي على ~~شاطئ الفرات مما يلي الرقة ، فزعموا أن ابنه الضيزن ، واسمها ( مليكة ) ، ~~وزعموا أن أمها عمة سابور دختنوس ابنة نرسى ، وأن الضيزن كان سباها لما ~~أغار على مدينة طيسفون ، فأشرفت مليكة على عسكر سابور ، وهو محاصر لأبيها ، ~~فرأت سابور ، فعشقته ، فراسلته ، على أن تدله على عورة أبيها ، على أن ~~يتزوجها ، فوعدها سابور ذلك ، ففعلت . فأسكرت بالحص حرس أحد الأبواب حتى ~~ناموا ، وأمرت بفتح الباب ، PageV01P093 فدخل سابور وجنوده ، فأخذ الضيزن ، ~~فقتله ، وخلع أكتاف أصحابه ، وخلاهم ، وكذا كان يفعل بمن أسر من الأعداء ، ~~فبذلك سمي ذا الأكتاف . ووفى لابنته بما وعدها ، ثم قتلها بعد : ربطها بين ~~فرسين ، وأجراهما ، فقطعاها ، وقال لها : أنت إذا لم تصلحي لأبيك لا تصلحين ~~لي . وأمر سابور فبنيت له مدينة الأنبار ، وسماها فيروز سابور ، وكورها ~~كورة ، وبنى بالسوس مدينة ، وهي التي إلى جانب الحصن ، الذي يسمى ( ~~سادانيال ) الذي كان فيه جسد دانيال عليه السلام . ### || ( سابور الروم ) # قالوا : وكان ملك الروم في ذلك العصر ( مانوس ) وكان يدين فيما ذكروا قبل ~~أن يملك دين النصرانية ، فلما ملك أظهر ملة الروم الأولى ، وأحياها ، وأمر ~~بتحريق الإنجيل ، وهدم البيع ، وقتل الأساقفة ، فلما قتل سابور الضيزن ~~الغساني غضب لذلك ، فجمع من كان بالشام من غسان ، وأقبل فيهم ، ومعه جيوش ~~الروم ، حتى ورد العراق . ووجه سابور عيونا ليأتوه بخبرهم ، فانصرف إليه ~~عيونه ، وقد اختلفوا عليه ، فخرج ليلا في ثلاثين فرسا ، ليشرف على عسكر ~~الروم ، وقدم أمامه عشرة منهم ، فأخذتهم الروم ، فأتوا بهم اليوبيانوس ~~خليفة الملك وابن عمه ، فسألهم عن أمرهم ، وتوعدهم القتل ، فقام إليه رجل ~~منهم مسرا عن أصحابه ، فقال له : إن سابور منك بالقرب ، فضم إلى خيلا حتى ~~آتيك به أسيرا . PageV01P094 ### || [ تملك اليوبيانوس ms036 على الروم سابور ] # وكانت بين اليوبيانوس وسابور مودة وخلة ، فأرسل إلى سابور ينذره ، فانصرف ~~راجعا ، وسار الملك الرومي إلى باب مدينة طيسفون ، وخرج إليه سابور في ~~جنوده ، فهزمه الرومي حتى بلغوا قنطرة جازر ، واحتوى الرومي على مدينة ~~طيسفون ، ولم يقدروا على القصر لحصانته ، ومن فيه من الحماة عنه ، وثاب ~~الناس إلى سابور ، فزحف إلى جمع الروم ، فنحاهم عن المدينة ، وعسكر ببابها ~~، وراسل ملك الروم ، فبينما هم في ذلك إذ أتى ملك الروم سهم عائر ، وهو في ~~مضربه ، وحوله بطارقته ، فأصاب مقتله ، فسقط في أيدي الروم لمكانهم الذي هم ~~به ، وأشراف عدوهم عليهم ، فطلبوا إلى اليوبيانوس أن يتملك عليهم ، فأبى ، ~~وقال : لست أتملك على قوم مخالفين لي في ديني ، لأني على دين النصرانية ، ~~وأنتم على دين الروم الأول ، فقال له البطارقة والعظماء : فإنا نحن جميعا ~~على مثل ما أنتم عليه ، غير أنا كنا نكاتم بذلك خوفا من الملك ، فتملك ~~عليهم اليوبيانوس ، ولبس التاج . وبلغ سابور أمرهم ، فأرسل إليهم : أصبحتم ~~اليوم في قبضتي وقدرتي ، ولأقتلنكم بمكانكم هذا جوعا وهزلا ، فأجمع ~~اليوبيانوس على إتيان سابور ، لما كان بينهم من المودة ، فأبى عليه ~~البطارقة والرؤساء ، فخالفهم ، وأتاه ، فعرف له سابور يده عنده في إنذاره ~~إياه تلك الليلة وجعل له اليوبيانوس نصيبين ، وحيزها عوضا مما أفسدت الروم ~~من مملكته ، وكتب له بذلك . وبلغ أهل نصيبين ذلك ، فانتقلوا عنها ضنا ~~بالنصرانية ، وكراهية لتمليك الفرس عليهم ، فنقل سابور إليها اثنى عشر ألف ~~أهل بيت من إصطخر ، فأسكنهم فيها ، فعقبهم PageV01P095 بها إلى اليوم ؛ ~~وانصرفت الروم إلى أرضها ، فلما تم لسابور اثنتان وسبعون سنة حضره الموت ، ~~فجعل الأمر من بعده لابنه سابور بن سابور . فلما تم لملكه خمس سنين خرج ~~يوما متصيدا ، فنزل بمكان ، وضربت قبته ، فجلس فيها ، فأقبل قوم من الفتاك ~~ليلا ، فقطعوا أطناب القبة ، فسقطت عليه ، فمات . ### || ( بهرام بن سابور ) # فملك بعده ابنه بهرام بن سابور ، وكان على كرمان ، فلما قتل أبوه قدم ، ~~فقام بالملك ، فلما تم لملكه ثلاث عشرة سنة خرج يوما متصيدا ، فرمى بنشابة ~~فأصابته ms037 ، فلما أحس بالموت أوصى إلى ابن أخيه يزدجرد بن سابور ابن سابور ، ~~وكان أصغر سنا منه . ### || ( يزدجرد بن سابور ) # فقام بالملك بعده ، وهو يزدجرد الذي يلقب بالأثيم ، وكان غلقا سيئ ~~PageV01P096 الخلق ، لا يكافئ على حسن بلاء ، وكان منانا ، لا يتجاوز عن ~~زلة وإن صغرت ، ويعاقب على الصغيرة كما يعاقب على الكبيرة ، وما كان أحد ~~يقدر على كلامه لفظاظته وغلظته ، إلا أن وزراءه كانوا أخيارا مترفقين ~~متعاونين . فولد له بهرام الذي يقال له بهرام جور ، فدفعه إلى المنذر أبي ~~النعمان ليحضنه ، فسار المنذر ببهرام إلى الحيرة - وكانت داره واختار له ~~المنذر المراضع ، وأحسن حضانته ، فلما بلغ التأديب بعث إليه أبوه بمؤدبين ~~من الفرس ، وأحضره المنذر مؤدبين من العرب ، فأحكم الأدبين ، وكمل فيهما ، ~~ونشأ نشأ محمودا ، وبرع في الأدب والفروسية ، وخرج عاقلا لبيبا جميلا بهيا ~~، ومكنه المنذر من اللهو والقيان ، فكان يركب النجائب ، وتركب وراءه ~~الصناجات يلهينه ويطربنه ، وتجرد لطرد الوحش على تلك الحال ، فضرب به المثل ~~، فتوة ورخاء بال . ### || ( وثوب صهبان على ملك اليمن ) # قالوا : ولما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع وأشراف قومه تضعضع أمر ~~الحميرية فوثب رجل منهم لم يكن من أهل بيت الملك يقال له صهبان ابن ذي خرب ~~على عمرو بن تبع ، فقتله ، واستولى على الملك . ### || ( ملك الحارث بن عمرو وولده) ~~) قال : وهو الذي سار إلى تهامة لمحاربة ولد معد بن عدنان ، وكان سبب ذلك ~~أن معدا لما انتشرت تباغت وتظالمت ، فبعثوا إلى صهبان يسألونه أن يملك ~~عليهم رجلا يأخذ لضعيفهم من قويهم ، مخافة التعدي في الحروب ، فوجه إليهم ~~الحارث بن عمرو PageV01P097 الكندي ، واختاره لهم ، لأن معدا أخواله ، أمه ~~امرأة من بني عامر بن صعصعة ، فسار الحارث إليهم بأهله وولده ، فلما استقر ~~فيهم ولى ابنه حجر بن عمرو ، وهو أبو امرئ القيس الشاعر ، على أسد وكنانة ، ~~وولى ابنه شرحبيل على قيس وتميم ، وولى ابنه معدى كرب ، وهو جد الأشعث بن ~~قيس ، على ربيعة . فمكثوا كذلك إلى أن مات الحارث بن عمرو ، فأقر صهبان كل ~~واحد ms038 منهم في ملكه ، فلبثوا بذلك ما لبثوا ، ثم إن بنى أسد وثبوا على ملكهم ~~حجر ابن عمرو ، فقتلوه ، فلما بلغ ذلك صهبان وجه إلى مضر عمرو بن نابل ~~اللخمي وإلى ربيعة لبيد بن النعمان الغساني ، وبعث برجل من حمير يسمى أوفى ~~بن عنق الحية ، وأمره أن يقتل بني أسد أبرح القتل ، فلما بلغ ذلك أسدا ~~وكنانة استعدوا ، فلما بلغه ذلك انصرف نحو صهبان ، واجتمعت قيس وتميم ، ~~فأخرجوا ملكهم عمرو بن نابل عنهم ، فلحق بصهبان ، وبقي معدى كرب جد الأشعث ~~، ملكا على ربيعة ، فلما بلغ صهبان ما فعلت مضر بعماله آلى ليغزون مضر ~~بنفسه . PageV01P098 وبلغ ذلك مضر ، فاجتمع أشرافها ، فتشاوروا في أمرهم ، ~~فعلموا أن لا طاقة لهم بالملك إلا بمطابقة ربيعة إياهم ، فأوفدوا وفودهم ~~إلى ربيعة ، منهم عوف بن منقذ التميمي ، وسويد بن عمرو الأسدي جد عبيد بن ~~الأبرص ، والأحوص بن جعفر العامري ، وعدس بن زيد الحنظلي ، فساروا حتى ~~قدموا على ربيعة ، وسيدهم يومئذ كليب بن ربيعة التغلبي ، وهو كليب وائل ، ~~فأجابتهم ربيعة إلى نصرهم ، وولوا الأمر كليبا ، فدخل على ملكهم لبيد بن ~~النعمان ، فقتله ، ثم اجتمعوا ، وساروا فلقيهم الملك بالسلان ، فاقتتلوا ، ~~ففلت جموع اليمن ، وفي ذلك يقول الفرزدق لجرير : لولا فوارس تغلب ابنة وائل ~~نزل العدو عليك كل مكان وانصرف الملك إلى أرضه مفلولا ، فمكث حولا ، ثم ~~تجهز لمعاودة الحرب ، وسار ، فاجتمعت معد ، وعليها كليب فتوافوا بخزازي ، ~~فوجه كليب السفاح بن عمرو أمامه ، وأمره إذا التقى بالقوم ، أن يوقدوا نارا ~~، علامة جعلها بينه وبينه ، فسار السفاح ليلا حتى وافى معسكر الملك بخزازي ~~، فأوقد النار ، فأقبل كليب في الجموع نحو النار ، فوافاهم صباحا ، ~~فاقتتلوا ، فقتل الملك صهبان ، وانفضت جموعه ، وفي ذلك يقول عمرو بن كلثوم ~~: PageV01P099 ونحن غداة أوقد في خزازى رفدنا فوق رفد الرافدينا فلما قتل ~~صهبان زاد حمير قتله اتضاعا ووهنا . ### || ( ملك ربيعة بن نصر اليمن ) # فجمع ربيعة بن نصر اللخمي جد النعمان بن المنذر قومه ومن أطاعه من ولد ~~كهلان بن سبا ، فاغتصب حمير الملك ، فاجتمعت له أرض اليمن ms039 ، فملكها زمانا ، ~~وهو ربيعة بن نصر بن الحارث بن عمرو بن لخم بن عدي بن مرة بن زيد ابن كهلان ~~بن سبا بن يعرب بن قحطان . فلما استجمع لربيعة بن نصر أمر اليمن رأى في ~~منامه رؤيا هالته ، ووجل منها ، فبعث إلى شق وسطيح الكاهنين ، فأخبرهما بما ~~رأى ، فأخبراه في تأويلها بما يكون من غلبة السودان على أرض اليمن ، وبغلبة ~~فارس بعدهم ، ثم بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم ، فلما سمع ذلك أوجس في ~~نفسه خيفة ، فأحب أن يخرج ولده وخاصة أهله من أرض اليمن ( مسير عمرو اللخمي ~~إلى الحيرة ) فوجه ابنه عمرا إلى يزدجرد بن سابور ، ويقال بل كان ذلك في ~~عصر سابور ذي الأكتاف ، فأنزله الحيرة ، فيومئذ بنيت الحيرة ، فضم عمرو ~~إليه إخوته وأهل بيته ، فمن هناك وقع آل لخم إلى الحيرة ، واتصلوا ~~بالأكاسرة ، فجعلوا لهم على العرب سلطانا . ### | [ ملوك الحيرة ] # ### || [ مالك بن فهم ] # [ أول ملوك الحيرة مالك بن فهم بن غنم بن دوس من الأزد ، وكان خرج من ~~اليمن PageV01P100 مع عمرو بن عامر مزيقيا ، حتى أحسوا بسل العرم . . . ~~فصار مالك بن فهم إلى العراق ، فأقام مالكا على العراق عشرين سنة ثم هلك ] ~~. | ### || [ جذيمة بن الأبرش ] # فما مات خلفه من بعده ابنه جذيمة بن مالك فزود جذيمة أخته من ابن عمه عدي ~~بن ربيعة بن نصر ، فولدت له عمرو بن عدي الذي استطار به الجن ، وله حديث ، ~~فلم يزل جذيمة ملكا بالخورنق زمانا حتى دعته نفسه إلى تزوج مارية ابنة ~~الزباء الغسانية ، وكانت ملكة الجزيرة ، ملكت بعد عمها الضيزن تزوج مارية ~~الذي قتله سابور ، وكان له ولها حديث مشهور ، فقتلت جذيمة ، ثم قتلها قصير ~~مولاه . PageV01P101 ### || [ عمرو بن عدي ] # فلما هلك خلفه ابن أخته وابن ابن عمه عمرو بن عدي وهو جد النعمان بن ~~المنذر ابن عمرو بن عدي بن ربيعة ، قالوا : وكان ذلك في عصر يزدجرد بن ~~سابور ابن بهرام جور . ### || [ هاشم بن عبد مناف يخلف أباه ] # قالوا : وفي ذلك العصر توفي عبد مناف بن قصي ، وخلفه في ms040 سؤدده ابنه هاشم ~~ابن عبد مناف . ### || [ أزمة الملك بعد هلاك يزدجرد ] # قالوا : وهلك يزدجرد الأثيم ، وقد ملك إحدى وعشرين سنة ونصفا ، وبهرام ~~جور ابنه غائب بالحيرة عند المنذر بالخورنق ، فتعاهدت عظماء فارس ألا ~~يملكوا أحدا من ولد يزدجرد لما نالهم من سوء سيرته ، منهم بسطام أصبهبذ ~~السواد ، الذي تدعى مرتبته هزرافت ، ويزدجشنس فاذوسفان الزوابي ، وفيرك ~~الذي تدعى مرتبته مهران ، وجودرز كاتب الجند ، وجشن ساذر بيش كاتب الخراج ، ~~وفناخسرو صاحب صدقات المملكة ، وغير هؤلاء من أهل الشرف والبيت ، فاجتمعوا ~~، واختاروا رجلا من عترة أردشير بن بابكان ، يقال له خسرو ، فملكوه عليهم ، ~~وبلغ ذلك بهرام جور ، وهو عند المنذر ، فأمر منذر بهرام PageV01P102 ~~بالخروج ، والطلب بتراث أبيه ، ووجه معه ابنه النعمان ، فسار بهرام حتى قدم ~~مدينة طيسفون ، فنزل قريبا منها في الأبنية والفساطيط والقباب ، فلم يزل ~~النعمان يسفر بينه وبين عظماء فارس وأشرافهم إلى أن أنابوا وتابوا إلى ~~بهرام . ### || ( بهرام جور ) # وبسط بهرام من آمالهم ، وشرط لهم المعدلة وحسن السير ، فخلوا بينه وبين ~~الملك ، وسمعوا وأطاعوا ، وحبا بهرام المنذر والنعمان ، وأكرمهما ، وكافأه ~~بيده عنده في تربيته ومعاضدته ، ففوض إليه جميع أرض العرب ، وصرفه إلى ~~مستقره من الحيرة . ### || [ طمع خاقان الترك في فارس ] # ولما استتب لبهرام الملك آثر اللهو على ما سواه ، حتى عتب عليه رعيته ، ~~وطمع فيه من كان حوله من الملوك ، فكان أول من شخص صاحب الترك ، فإنه نهض ~~في جموعه من الأتراك حتى أوغل في خراسان ، فشن فيها الغارات ، وانتهى النبأ ~~إلى بهرام ، فترك ما كان فيه من الاستهتار باللهو ، وقصد عدوه ، فأظهر أنه ~~يريد آذربيجان ليتصيد هناك ، ويلهو في مسيرة إليها ، فانتخب من إبطال رجاله ~~سبعة آلاف رجل ، فحملهم على الإبل ، وجنبوا الخيل ، واستخلف على ملكه أخاه ~~نرسى ، ثم سار نحو آذربيجان ، وأمر كل رجل من أصحابه الذين انتخبهم أن يكون ~~معه باز وكلب ، فلم يشك PageV01P103 الناس أن مسيرة ذلك هزيمة من عدوه ، ~~وإسلام لملكه ، فاجتمع العظماء والأشراف ، فتأمروا بينهم ، فاتفق رأيهم على ~~توجيه وفد منهم إلى خاقان صاحب الترك ms041 بأموال ، يبعثون بها إليه ليصدوه عن ~~استباحة البلاد . وبلغ خاقان أن بهرام مضى هاربا ، وأن أهل المملكة مجمعون ~~على الخضوع له ، فاغتر ، وأمن هو وجنوده ، وأقام بمكانه ينتظر الوفود ~~والأموال . ### || [ خديعة بهرام للترك ومقتل الخاقان ] # قالوا : وإن بهرام أمر بذبح سبعة آلاف ثور وحمل جلودها ، وساق معه سبعة ~~آلاف مهر حولي ، وجعل يسير الليل ويكمن النهار ، وأخذ على طبرستان ، ثم ~~تبطن ضفة البحر حتى خرج إلى جرجان ، ثم صار إلى ( نسا ) ثم إلى مرو . وكان ~~خاقان معسكرا بها بكشميهن حتى إذا صار بهرام من مرو على منقلة ، وخاقان لا ~~يعلم شيئا من علمه أمر بتلك الجلود ، فنفخت ، وألقي فيها الحصى ، وجففت ، ~~ثم علقها في أعناق تلك المهارة ، حتى دنا من عسكر خاقان ، وكانوا نزولا على ~~طرف المفازة ، على ستة فراسخ من مدينة مرو ، فخلوا عن تلك المهارة ليلا ، ~~وطردوها من ورائها ، فارتفع لتلك الجلود ، والحجارة التي فيها ، وعدو ~~المهارة بها ، وضربها إياها بأيديها أصوات هائلة أشد من هدة الجبال ~~والصواعق . وسمعت الترك تلك الأصوات ، فلما سمعوها راعتهم ، ولا يدرون ما ~~هي ، وجعلت تزداد منهم قربا ، فأجلوا عن معسكرهم ، وخرجوا هربا ، وبهرام في ~~الطلب ، فتقطرت دابة خاقان بخاقان ، وأدركه بهرام ، فقتله بيده ، وغنم ~~عسكره ، وكل ما كان فيه من الأموال ، وأخذ خاتون امرأة خاقان . PageV01P104 ~~ومضى بهرام على آثار الترك ليلته ويومه كله ، يقتل ويأسر ، حتى انتهى إلى ~~آمويه ، ثم عبر نهر بلخ ، يتبع آثارهم ، حتى إذا صار إلى القرب فأذعن له ~~الترك ، وسألوه أن يعلم حدا بينه وبينهم ، لا يجاوزونه ، فحد لهم مكانا ~~واغلا في أرضهم ، وأمر بمنارة ، فبنيت هناك ، وجعلها حدا ، ثم انصرف إلى ~~دار الملك ، ووضع عن الناس خراج تلك السنة ، وقسم في أهل الضعف والمسكنة ~~شطر ما غنم ، وقسم الشطر الآخر بين جنده الذين كانوا معه ، فعم السرور أهل ~~مملكته ، فلهوا جذلا وابتهاجا ، فبلغ أجر اللعاب في اليوم عشرين درهما ، ~~وصار إكليل الريحان بدرهم ### || [ غرق بهرام جور ] # فلما أتى له في الملك ثلاث وعشرون سنة خرج متصيدا ، فوقعت ms042 له عانة من ~~الوحش ، فدفع فرسه في طلبها ، فذهبت به فرسه في جرف مفض إلى غمر من الماء ، ~~فارتطم فيه ، فغرق . وبلغ ذلك أمه ، فجاءت إلى ذلك المكان ، وأمرت بطلبه في ~~ذلك الهور فاستخرجوا تلالا من الحصى والرمل ، فلم يدركوه ، ويقال إن ذلك ~~المكان بموضع من الماء يسمى داي مرج ، سمي بأمه ، لأن الأم بلسان الفرس ~~تسمى داي ، وهو مرج معروف ، وهذا الحديث مشهور في الموضع ، هو كما وصفوا في ~~الحديث هناك ، كواء تنفتح في الأرض إلى ماء لا يدرك له غور ، و ذلك بقرب ~~آجام وماء راكد . ### || ( يزدجرد بن بهرام ) # فلما هلك بهرام ملكوا ابنه يزدجرد بن بهرام ، فسار بسيرة أبيه سبع عشرة ~~سنة ، PageV01P105 وحضره الموت وله ابنان : فيروز وهرمزد ، وكان فيروز أكبر ~~سنا . ### || ( النزاع بين هرمزد وفيروز ) # فاستأثر هرمزد بالملك دون أخيه فيروز ، فهرب فيروز منه حتى لحق ببلاد ~~الهياطلة وهي تخارستان والصغانيان وكابلستان والأرضون التي خلف النهر ~~الأعظم بما يلي أرض بلخ ، فدخل على ملك تلك الأرض ، فأخبره بظلم أخيه إياه ~~، واحتوائه على الملك دونه ، وهو أصغر سنا منه ، وسأله أن يمده بجيش حتى ~~يسترجع الملك . فقال : لن أجيبك إلى ما تسأل حتى تحلف أنك أكبر سنا منه ، ~~فحلف فيروز ، فأمده بثلاثين ألف رجل ، على أن يجعل له حدا لترمذ ، فسار ~~فيروز بالجيش ، واتبعه جل أهل المملكة ، ورأوا أنه أحق بالملك من هرمزد ~~لفظاظة هرمزد وشرارته ، فحاربه حتى استرجع الملك ، وأقال أخاه عثرته ، ولم ~~يؤاخذه بما كان منه . ### || ( فيروز بن يزدجرد ) # قالوا : وكان فيروز ملكا محدودا ، وكل جل قوله وفعله فيما لا يجدى عليه ~~نفعه ، وأن الناس قحطوا في سلطانه سبع سنين متواليات ، فغارت الأنهار ، ~~وغاضت المياه PageV01P106 والعيون ، وقحلت الأرض ، وجف الشجر ، وموتت ~~البهائم والطير ، وهلكت الأنعام ، وقل ماء دجلة والفرات وسائر الأنهار . ### || [ سياسته الاقتصادية ] # فرفع فيروز الخراج عن الرعية ، وكتب إلى عماله أن يسوسوا الناس سياسة ، ~~وتوعدهم أنه إن هلك أحد في أرض واحد منهم جوعا يقيد العامل والوالي به ، ~~فساس الناس في تلك الأزمنة سياسة ms043 لم يعطب فيها أحد من الناس جوعا ، ونادى ~~في الناس بالخروج إلى فضاء من الأرض ، فخرج جميع الناس من الرجال والنساء ~~والصبيان ، فاستسقى الله ، فأغاثهم ، فأرسل السماء ، وعادت الأرض إلى حسن ~~الحال ، وجرت الأنهار ، وجاشت العيون ، ورجع الناس إلى أحسن عادة الله ~~عندهم في الرفاغة والرفاهة والخصب . ### || [ عمارته وغزوة للترك ] # وبنى فيروز مدينة الري ، وسماها رام فيروز ، وابتنى باذربيجان مدينة ~~أردبيل ، وسماها باذ فيروز ، ثم استعد وتأهب لغزو الترك ، وأخرج معه الموبذ ~~وسائر وزرائه ، وحمل معه ابنته فيروزدخت ، وحمل معه خزائن وأموالا كثيرة ، ~~وخلف على ملكه رجلا من عظماء وزرائه ، يسمى شوخر ، وتدعى مرتبته قارن ، ~~وسار حتى جاوز المنارة التي كان بهرام بناها حدا بينه وبين الترك ، وأخربها ~~، ووغل في أرضهم . وملك الأتراك يومئذ أخشو ان خاقان ، فأرسل ملك الترك إلى ~~فيروز يعلمه أنه قد PageV01P107 تعدى ، ويحذره عاقبة الظلم ، فلم يحفل ~~فيروز بذلك ، فجعل خاقان يظهر كراهة للحرب ، ويدافع إلى أن هيأ خندقا ، ~~عمقه في الأرض عشرون ذراعا ، وعرضه عشرة أذرع ، وبعد ما بين طرفيه ، ثم ~~غماه بأعواد ضعاف ، وألقى عليه قصبا ، وأخفاه بالتراب ، ثم خرج لمحاربة ~~فيروز ، فواقفه ساعة ، ثم انهزم عنه . وطلبه فيروز في جنوده ، فسلك خاقان ~~مسالك قد فهمها بين ظهري ذلك الخندق ، وعطف عليه أخشوان وطراخنته ، فقتلوهم ~~بالحجارة ، واحتوى أخشوان على معسكر فيروز وكل ما كان فيه من الأموال ~~والحرم ، وأخذ الموبذ أسيرا ، وأخذ فيروزدخت ابنة فيروز ، ولحق الفل بشوخر ~~، فأعلموه بمصاب فيروز وجنوده ، فاستنهض شوخر الناس للطلب بثأر ملكهم ، فخف ~~له جميع الناس من الجنود وأهل البلاد ، فسار في جموع كثيرة حتى وغل في بلاد ~~الترك ، وهاب أخشوان ملك الترك الإقدام على شوخر لكثرة جموعه وعدته ، فأرسل ~~إليه يسأله الموادعة على أن يرد عليه الموبذ وفيروز دخت وكل أسير في يده ، ~~وجميع ما أخذ من أموال فيروز وخزائنه وآلاته ، فأجابه شوخر إلى ذلك ، وقبضه ~~، وانصرف إلى بلاده وأرضه . ### || ( ملك أبناء فيروز ) # فملك بعد فيروز ابنه بلاس بن فيروز ، فملك أربع سنين ، ثم مات ، فجعل ~~شوخر ms044 الملك من بعده لأخيه قباذ بن فيروز . قالوا : وفي ملك قباذ بن فيروز ~~مات ربيعة بن نصر اللخمي ، ورجع الملك إلى حمير . PageV01P108 ### || ( ذو نواس ملك اليمن ) # فوليهم ذو نواس ، واسمه زرعة بن زيد بن كعب كهف الظلم بن زيد بن سهل بن ~~عمرو بن قيس بن جشم بن وائل بن عبد شمس بن الغوث بن جدار بن قطن ابن عريب ~~بن الرائش بن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان ، وإنما سمي ذانواس ~~لذؤابه كانت تنوس على رأسه . ### || [ تهوده وحرقه أصحاب الأخدود ] # قالوا : وكان لذي نواس بأرض اليمن نار يعبدها هو وقومه ، وكان يخرج من ~~تلك النار عنق يمتد فيبلغ مقدار ثلاثة فراسخ ، ثم ترجع إلى مكانها ، ثم إن ~~من كان باليمن من اليهود قالوا لذي نواس : أيها الملك ، إن عبادتك هذه ~~النار باطلة ، وإن أنت دنت بديننا أطفأناها بإذن الله تعالى ، لتعلم أنك ~~على غرر من دينك ، فأجابهم إلى الدخول في دينهم إن هم أطفئوها ، فلما خرجت ~~تلك العنق أتوا بالتوراة ، ففتحوها ، وجعلوا يقرءونها ، والنار تتأخر حتى ~~انتهوا إلى البيت الذي هي فيه ، فما زالوا يتلون التوراة حتى انطفأت ، ~~فتهود ذو نواس ، ودعا أهل اليمن إلى الدخول فيها ، فمن أبي قتله . ثم سار ~~إلى مدينة نجران ليهود من فيها من النصارى ، وكان بها قوم على دين المسيح ~~الذي لم يبدل ، فدعاهم إلى ترك دينهم والدخول في اليهودية ، فأبوا ، فأمر ~~بملكهم ، وكان اسمه عبد الله بن التامر ، فضربت هامته بالسيف ، ثم أدخل في ~~سور المدينة ، فضم عليه ، وخد للباقين أخاديد ، فأحرقهم فيها ، فهم أصحاب ~~الأخدود PageV01P109 الذين ذكرهم الله عز اسمه في القرآن . ### || ( مقتل ذي نواس ) # وأفلت دوس ذو ثعلبان ، فسار إلى ملك الروم ، فأعلمه ما صنع ذو نواس بأهل ~~دينه من قتل الأساقفة ، وإحراق الإنجيل ، وهدمه البيع ، فكتب إلى النجاشي ~~ملك الحبشة ، فبعث بأرياط في جنود عظيمة ، وركب البحر حتى خرج على ساحل عدن ~~، وسار إليه ذو نواس ، فحاربه ، فقتل ذو نواس ، ودخل أرياط صنعاء ، واسمها ~~( دمار ) ، وإنما ms045 صنعاء كلمة حبشية ، أي وثيق حصين ، فبذلك سميت صنعاء . ### || [ ملك الحبشة اليمن ومبايعة أبرهة الأشرم ] # فلما اطمأن أرياط وقتل اليهود وضبط اليمن ، درت عليه الأموال ، فجعل يؤثر ~~بها من يحب ، فغضب حاشية الحبشة من ذلك ، فأتوا أبا يكسوم أبرهة ، وكان أحد ~~قادتهم ، فشكوا إليه الذي يصنع أرياط ، وبايعوه . وانصرفت الحبشة فرقتين ، ~~إحداهما مع أرياط ، والأخرى مع أبرهة ، واصطفوا للحرب ، فدعاه أبرهة للبراز ~~، فبرز إليه ، فدفع أرياط عليه حربته ، فوقعت في وجه أبرهة ، فشرمته ، ~~ولذلك سمي الأشرم ، وضرب أبرهة أرياط بالسيف على مفرق رأسه ، PageV01P110 ~~فقتله ، وانحازت الحبشة إليه ، فملكهم ، وأقره النجاشي على سلطان اليمن ، ~~فمكث على ذلك أربعين عاما . ### || [ حملة أبرهة عل مكة ] # وبنى بصنعاء بيعة لم ير الناس مثلها ، وآذن في جميع أرض اليمن أن تحجها ، ~~فاستفظعت العرب ذلك ، فدخل رجل من أهل تهامة ليلا ، فأحدث فيها ، فلما أصبح ~~القوم نظروا إلى السوأة السوآء في الكنيسة ، فقال أبرهة : من تظنونه فعل ~~هذا ؟ قالوا : لم يفعله إلا بعض من غضب للبيت الذي بمكة ، لما أمرت بحج هذه ~~البيعة ، فغضب أبرهة عند ذلك غضبا شديدا ، وتجهز للمسير إلى مكة ليهدم ~~الكعبة ، فأرسل إلى النجاشي ، فبعث إليه بفيل كالجبل الراسي ، يقال له ~~محمود ، فسار إلى مكة ، فكان من أمره ما قد قصة الله في سورة الفيل . ### || ( ملك ولده أبرهة ) # قالوا : ولما أهلك الله أبرهة خلفه في ملكه بأرض اليمن ابنه يكسوم بن ~~أبرهة ، فكان شرا من أبيه وأخبث سيرة ، فلبث على اليمن تسع عشرة سنة ثم مات ~~. فملك من PageV01P111 بعده أخوه مسروق ، وكان شرا من أخيه ، وأخبث سيرة . ### || ( سيف بن ذي يزن يستنصر القيصر وكسرى ) # فلما طال ذلك على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري من ولد ذي نواس ~~حتى أتى قيصر ، وهو بأنطاكية ، فشكى إليه ماهم فيه من السودان ، وسأله أن ~~ينصرهم وينفيهم عن أرضهم ، ويكون ملك اليمن له ، فقال قيصر : أولئك هم على ~~ديني ، وأنتم عبدة أوثان ، فلم أكن لأنصركم عليهم . فلما يئس منه توجه إلى ~~كسرى ، فقدم الحيرة ms046 على النعمان بن المنذر ، فشكى إليه أمره ، فقال له ~~النعمان : ما كان سبب إخراج جدنا ربيعة بن نصر إيانا عن أرض اليمن ، ~~وإسكاننا بهذا المكان إلا لهذا الشأن فأقم ، فإن لي وفادة في كل عام إلى ~~الملك كسرى بن قباذ ، وقد حان ذلك ، فإذا خرجت أخرجتك معي ، واستأذنت لك ، ~~وتشفعت لك إليه فيما قصدت له ، ففعل واستأذن ، وتشفع ، فوجه كسرى بجيش ممن ~~كان في السجون ، وأمر * عليهم رجلا منهم ، يقال له وهرز بن الكامجار ، وكان ~~شيخا كبيرا ، قد أناف على المائة ، وكان من فرسان العجم ، وإبطالها ، ومن ~~أهل البيوتات والشرف ، وكان أخاف السبيل ، فحبسه كسرى . فسار وهرز بأصحابه ~~إلى الأبلة ، فركب منها البحر ، ومعه سيف بن ذي يزن ، PageV01P112 حتى ~~خرجوا بساحل عدن ، وبلغ الخبر مسروقا ، فسار إليهم ، فلما التقوا وتواقفوا ~~للحرب أسرع له وهرز بنشابة ، فرماه ، فلم يخطئ بين عينيه ، وخرجت من قفاه ، ~~وخر ميتا ، وانفض جيشه ، ودخل وهرز صنعاء ، وضبط اليمن ، وكتب إلى كسرى ~~بالفتح ، فكتب إليه كسرى ، يأمره بقتل كل أسود باليمن ، وبتمليك سيف عليها ~~، وبالإقبال إليه ، ففعل . وإن بقايا من السودان قد كان سيف استبقاهم ، ~~وضمهم إلى نفسه ، يجمزون بين يديه إذا ركب ، شدوا على سيف يوما ، وهم بين ~~يديه في موكبه ، فضربوه بحرابهم حتى قتلوه . ### || ( مقبرة وهرز وملك بادان ) # فرد كسرى وهرز إلى أرض اليمن ، وأمره ألا يدع بها أسود ولا من ضربت فيه ~~السودان إلا قتله ، فأقام بها خمسة أحوال ، فلما أدركه الموت دعا بقوسه ~~ونشابة ، ثم قال : أسندوني ، ثم تناول قوسه ، فرمى ، وقال : انظروا حيث ~~وقعت نشابتي ، فابنوا لي هناك ناووسا ، واجعلوني فيه ، فوقعت نشابته من ~~وراء الكنيسة ، وسمي ذلك المكان إلى اليوم ( مقبرة وهرز ) ، ثم وجه كسرى ~~إلى أرض اليمن بادان ، فلم يزل ملكا عليها إلى أن قام الإسلام . قالوا : ~~وكان قباذ عندما أفضى إليه الملك حدث السن من أبناء خمس عشرة سنة ، ~~PageV01P113 غير أنه كان حسن المعرفة ، ذكي الفؤاد ، رحيب الذراع ، بعيد ~~الغور ، فولى شوخر أمر المملكة ، فاستخف الناس بقباذ ، وتهاونوا به ms047 ~~لاستيلاء شوخر على الأمر دونه ، فأغضي قباذ على ذلك خمس سنين من ملكه ، ثم ~~أنف من ذلك ، فكتب إلى سابور الرازي من ولد مهران الأكبر ، وكان عامله على ~~بابل وخطرنية ، أن يقدم عليه فيمن معه من الجنود ، فلما قدم أفشى إليه ما ~~في نفسه ، وأمره بقتل شوخر ، فغدا سابور على قباذ ، فوجد شوخر عنده جالسا ، ~~فمشى نحو قباذ مجاوزا لشوخر ، فلم يأبه له شوخر حتى أوهقه سابور ، فوقع ~~الوهق في عنقه ، ثم اجتره حتى أخرجه من المجلس ، فأثقله حديدا ، واستودعه ~~السجن ، ثم أمر به قباذ ، فقتل . ### || ( خلع قباذ بسبب المزدكية ) # فلما مضى لملك قباذ عشر سنين أتاه رجل من أهل إصطخر ، يقال له مزدك ، ~~فدعاه إلى دين المزدكية ، فمال قباذ إليها ، فغضبت الفرس من ذلك غضبا شديدا ~~، وهموا بقتل قباذ ، فاعتذر إليهم ، فلم يقبلوا عذره ، وخلعوه من الملك ، ~~وحبسوه في محبس ، ووكلوا به ، وملكوا عليهم جاماسف بن فيروز أخا قباذ . وإن ~~أخت قباذ اندست لقباذ حتى أخرجته بحيلة ، فمكث أياما مستخفيا إلى أن أمن ~~PageV01P114 الطلب ، ثم خرج في خمس نفر من ثقاته ، فيهم زرمهر بن شوخر نحو ~~الهياطلة ، يستنصر ملكها ، فأخذ طريق الأهواز ، فانتهى إلى أرمشير ، ثم صار ~~إلى قرية في حد الأهواز وأصبهان ، فنزلها متنكرا ، وكان نزوله عند دهقانها ~~، فنظر قباذ إلى بنت لصاحب منزله ، ذات جمال ، فوقعت بقلبه ، فقال لزرمهر ~~بن شوخر : ( إني قد هويت هذه الجارية ، ووقعت بقلبي ، فانطلق إلى أبيها ، ~~فاخطبها علي ، ففعل . ### || [ زواج قباذ ومولد كسرى أنوشروان ] # فأرسل قباذ إلى الجارية بخاتمه ، وجعل ذلك مهرها ، فهيئت وأدخلت عليه ، ~~فخلا بها قباذ ، وسربها سرورا شديدا لما ألفاها ذات عقل وجمال وأدب وهيئة ، ~~فأقام عندها ثلاثا ، ثم أمرها بحفظ نفسها ، وخرج سائرا حتى ورد على صاحب ~~الهياطلة ، فشكا إليه صنيع رعيته به ، وسأله أن يمده بجيش ليسترجع ملكه ، ~~فأجابه إلى ذلك ، وشرط عليه أن يسلم له حيز الصغانيان ، ووجه معه ثلاثين ~~ألف رجل . فأقبل بهم يريد أخاه ، فأخذ على طريقه الذي شخص فيه بديئا حتى ~~نزل القرية ms048 التي تزوج فيها بتلك المرأة ، فنزل على أبيها ، وسأله عنها ، ~~فأخبره أنها ولدت غلاما ، فأمر بإدخالها عليه مع ابنها ، فدخلت ومعها ~~الغلام ، فابتهج به ، ورآه كاجمل ما يكون من الغلمان ، فسماه كسرى ، وهو ~~كسرى أنوشروان الذي تولى الملك من بعده ، فقال لزرمهر : ( اخرج ، فسل لي عن ~~هذا الرجل أبي الجارية هل له قديم شرف ؟ ) ، فسأل عنه ، فأخبر انهم من ولد ~~فريدون الملك ، ففرح بذلك قباذ ، وأمر بالجارية وابنها ، فحملا معه . ### || [ عودة قباذ إلى ملكه ] # ولما انتهى إلى مدينة طيسفون تلاومت العجم فيما بينها ، وقالوا : ( إن ~~قباذ تنصل إلينا من شأن مزدك ، ورجع عما كنا اتهمناه ، فلم نقبل ذلك منه ، ~~وظلمناه حقه ، وأسأنا إليه ) ، فخرجوا إليه جميعا ، وفيهم ( جاماسف ) أخوه ~~الذي ملكوه ، فاعتذروا إليه ، فقبل ذلك منهم ، وصفح عن أخيه جاماسف ، وعنهم ~~، وأقبل فدخل قصر المملكة ، ووصل الجيش PageV01P115 الذي أقبل بهم ، ~~وأجازهم ، وأحسن إليهم ، وردهم إلى ملكهم ، وأمر بالجارية ، فأنزلت في أفضل ~~مساكنه . ### || [ فتوح قباذ وعمارته ] # ثم إن قباذ تجهز وسار في جنوده ، غازيا بلاد الروم ، فافتتح مدينة آمد ~~وميا فارقين ، وسبى أهلها ، وأمر فبنيت لهم مدينة فيما بين فارس والأهواز ، ~~فأسكنهم فيها ، وسماها إيرقباذ ، وهي أستان الأعلى ، وجعل لها أربعة طساسيج ~~: طسوج الأنبار ، وكان منها هيت وعانات ، فضمها يزيد بن معاوية حين ملك إلى ~~الجزيرة ، وطسوج بادوريا ، وطسوج مسكن ، وكور كورة بهقباذ الأوسط ، وبهقباذ ~~الأسفل ، وضم إليها ثمانية طساسيج ، لكل كورة أربعة طساسيج ، وهي الأستانات ~~، وشق كورة أصبهان كورتين ، شق جى ، وشق التيمرة PageV01P116 ### || [ مأخذ قباذ على ولده كسرى ] # وكان لقباذ عدة من الأولاد ، لم يكن فيهم آثر عنده من كسرى ، لاجتماع ~~الشرف فيه ، غير أنه كان به ظنة ، أي سيئ الظن ، فلم يكن قباذ يحمده عليها ~~، فقال له ذات يوم : ( يا بني قد كملت فيك الخصال التي هي جماع أمور الملك ~~، غير أن بك ظنة ، وأن الظنة في غير موضعها داعية الأوزار ، ومحبطة للأعمال ~~) فاعتذر كسرى إلى أبيه مما وقع في قلبه من ذلك ، واستصلح نفسه عنده . ### | ( أخبار كسرى أنو ms049 شروان ) # ### || [ هلاك قباذ وملك كسرى ] # فلما أتى للملك قباذ ثلاث وأربعون سنة حضره الموت ، ففوض الأمر إلى ابنه ~~، وهو أنوشروان ، فملك بعد أبيه ، وأمر بطلب ( مزدك بن مازيار ) الذي زين ~~للناس ركوب المحارم ، فحرض بذلك السفل على ارتكاب السيئات ، وسهل للغصبة ~~الغصب ، وللظلمة الظلم ، فطلب حتى وجد ، فأمر بقتله وصلبه ، وقتل من كان في ~~ملته . ### || [ تقسيم المملكة ] # ثم قسم كسرى أنوشروان المملكة أربعة أرباع ، وولى كل ربع رجلا من ثقاته ، ~~فأحد الأرباع : خراسان ، وسجستان ، وكرمان ، والثاني : أصبهان ، وقم ، ~~والجبل ، وآذربيجان ، وأرمينية ، والثالث : فارس ، والأهواز إلى البحرين ، ~~والرابع : العراق إلى حد مملكة الروم . وبلغ كل رجل من هؤلاء الأربعة غاية ~~الشرف والكرامة . ### || [ فتوح كسرى ] # ووجه الجيوش إلى بلاد الهياطلة ، وافتتح تخارستان وزابلستان ، وكابلستان ~~والصغانيان . PageV01P117 وأن ملك الترك سنجبو خاقان جمع إليه أهل المملكة ~~، واستعد ، وسار نحو أرض خراسان حتى غلبا على الشاش ، وفرغانة ، وسمرقند ، ~~وكش ونسف ، وانتهى إلى بخارى . وبلغ ذلك كسرى ، فعقد لابنه هرمز ، الذي ملك ~~من بعده ، على جيش كثيف ، ووجهه لمحاربة خاقان التركي ، فسار حتى إذا قرب ~~منه خلى ما كان غلب عليه ، ولحق ببلاده ، فكتب كسرى إلى ابنه هرمز ~~بالانصراف . ### || ( غزو خالد بن جبلة النعمان بن المنذر ) # قالوا : وإن خالد بن جبلة الغساني غزا النعمان بن المنذر ، وهو المنذر ~~الأخير ، وكانا منذرين ، ونعمانين ، فالمنذر الأول هو الذي قام بأمر بهرام ~~جور ، والمنذر الثاني الذي كان في زمان كسرى أنوشروان ، وكانوا عمال كسرى ~~على تخوم أرض العرب ، فقتل من أصحاب المنذر مقتلة عظيمة ، واستاق إبل ~~المنذر وخيله ، فكتب المنذر إلى كسرى أنوشروان يخبره بما ارتكب منه خالد بن ~~جبلة . ### || [ حملة كسرى على بلاد الروم ] # فكتب كسرى إلى قيصر : أن يأمر خالدا بإقادة المنذر و ( من ) قتل من ~~أصحابه ، ورد ما أخذ من أمواله ، فلم يحفل قيصر بكتابة ، فتجهز كسرى ~~لمحاربته ، فسار حتى أوغل في بلاد الجزيرة ، وكانت إذ ذاك في يد الروم ، ~~فاحتوى على مدينة دارا ومدينة الرها ومدينة قنسرين ومدينة PageV01P118 منبج ~~ومدينة حلب حتى انتهى إلى أنطاكية ms050 ، فأخذها ، وكانت أعظم مدينة في الشام ~~والجزيرة ، وسبى أهل أنطاكية ، وحملهم إلى العراق ، وأمر ، فبنيت لهم مدينة ~~إلى جانب طيسفون ، على بناء مدينة أنطاكية ، بأزقتها ، وشوارعها ، ودورها ، ~~لا يغادر منها شيئا ، وسماها ( زبر خسرو ) وهي المدينة التي إلى جانب ~~المدائن ، تسمى الرومية ، ثم سرحوا فيها ، فانطلق كل إنسان منها إلى مثل ~~داره بمدينة أنطاكية ، وولي القيام بأمرهم رجلا من نصارى الأهواز ، يقال له ~~يزدفنا . ### || [ كتاب قيصر إلى كسرى يسأله الصلح ] # وإن قيصر كتب إلى كسرى يسأله الصلح ، ورد ما احتوى عليه من هذه المدن ، ~~على أن يؤدي إليه ضريبة موظفة عليه في كل عام وكره كسرى البغي ، فأجابه إلى ~~ما بذل ، ووكل بقبضه وتوجيهه إليه في كل عام شروين الدستباى ، فأقام مع ملك ~~الروم هناك ومعه ( خزين ) مملوكه المشهور الخبر ، وكان نجدا فارسا بطلا . ~~ولما قفل كسرى منصرفا من أرض الشام أصابه مرض شديد ، فمال إلى مدينة حمص ، ~~فأقام بها في جنوده إلى أن تماثل ، فكان قيصر يحمل إليه كفاية عسكره إلى أن ~~شخص . ### || [ كسرى يحبس ابنه أنوش زاذ ] # قالوا : وكان لكسرى أنوشروان ابن يسمى أنوش زاذ ، كانت أمه نصرانية ، ذات ~~جمال ، وكان كسرى معجبا بها ، وأرادها على ترك النصرانية ولدخول في ~~المجوسية ، PageV01P119 فأبت ، فورث ذلك منها ابنها أنوش زاذ وخالف أباه في ~~الديانة ، فغضب عليه ، وأمر بحبسه في مدينة جنديسابور . ### || [ فرار أنوش زاذ من سجنه ] # فلما غزا كسرى بلاد الشام بلغ أنوش زاذ مرضه ومقامه بحمص ، استغوى أهل ~~الحبس ، وبث رسله في نصارى جنديسابور ، وسائر كور الأهواز ، وكسر السجن ، ~~وخرج ، واجتمع إليه أولئك النصارى ، فطرد عمال أبيه من كور الأهواز ، ~~واحتوى على الأموال ، وأشاع بموت أبيه ، وتهيأ للمسير نحو العراق . وكتب ~~خليفته بمدينة طيسفون يعلمه خبر ابنه ، وما خرج إليه ، ### || [ كتاب كسرى إلى خليفته بطيسفون ] # فكتب إليه كسرى : ( وجه إليه الجنود ، وأكمش في حربه ، واحتل لأخذه ، فإن ~~يأت القضاء عليه ، فيقتل ، فأهون دم ، وأضيع نفس ، واللبيب يعلم أن الدنيا ~~لا يخلص صفوها ، ولا يدوم عفوها ، ولو كان شئ يسلم ms051 من شائبة إذن لكان الغيث ~~الذي يحيي الأرض الميتة ، ولكان النهار الذي يأتي الناس رقودا فيبعهم ، ~~وعميا فيضئ لهم ، فكم مع ذلك من متأذ بالغيث ومتداع عليه من البنيان ، وكم ~~في سيوله وبروقه من هالك ، وكم في هواجر النهار من ضرر وفساد ، فاستأصل ~~الثؤلول الذي نجم بحدك ، ولا يهولنك كثرة القوم ، فليست لهم شوكة تبقى ، ~~وكيف تبقى النصارى وفي دينهم : أن الرجل منهم إن لطم خده الأيسر أمكن من ~~الأيمن ؟ ! ، فإن استسلم أنوش زاذ وأصحابه فرد من كان منهم في المحابس إلى ~~محابسهم ، ولا تزدهم على ما كانوا فيه من ضيق ونقص المطعم والملبس ، ومن ~~كان منهم من الأساورة فاضرب عنقه ، ولا يكن منك عليهم رأفة ، ومن كان منهم ~~من سفل الناس وأوغادهم ، فخل سبيلهم ، ولا تعرض لهم ، وقد فهمت ما ذكرت مما ~~كان PageV01P120 منك في نكال القوم الذين أظهروا شتم أنوش زاذ ، وذكروا أمه ~~، فاعلم أن أولئك ذوو أحقاد كامنة وعداوة باطنة ، فجعلوا شتم أنوش زاذ ~~ذريعة لشتمنا ، ومرقاة إلى ذكرنا ، وقد وفقت في تأديبك إياهم ، فلا ترخص ~~لأحد في مثل مقالتهم ، والسلام ) . ثم إن كسرى عوفي من مرضه ، فانصرف في ~~جنوده إلى دار ملكه ، وقد أخذ ابنه أنوش زاذ أسير ، وانتهى فيه إلى ما أمر ~~به . ### || ( الخراج زمن قباذ وأنوشروان ) # قالوا : وكانت ملوك الأعاجم يضعون على غلات الأرضين شيئا معروفا من ~~المقاسمات : النصف ، والثلث ، والربع ، والخمس إلى العشر ، على قدر قرب ~~الضياع من المدن ، وعلى حسب الزكاء والريع ، فهم قباذ بإسقاط ذلك ، ووضع ~~الخراج ، فمات قبل أن يستتم المساحة ، فأمر كسرى أنوشروان باستتمامها . ~~فلما فرغ منها أمر الكتاب ففصلوها ، ووضعوا عليها الوضائع ، ووظف الجزية ~~على أربع طبقات ، وأسقطها عن أهل البيوتات والمرازبة والأساورة والكتاب ، ~~ومن كان في خدمة الملك ، ولم يلزم أحدا لم يأت له عشرون سنة ، أو جاز ~~الخمسين . وكتب تلك PageV01P121 الوضائع في ثلاث نسخ ، نسخة خلدها ديوانه ، ~~ونسخة بعث بها إلى ديوان الخراج ، ونسخة دفعت إلى القضاء في الكور ، ~~ليمنعوا العمال من اعتداء ما في الدستور ms052 الذي عندهم ، وأمر أن يجبي الخراج ~~في ثلاثة أنجم ، وسمي الدار التي يجبى فيها ذلك ( سراي شمرة ) ، وتفسيره ~~دار الثلاثة الأنجم ، وهي التي تعرف بالشمرج اليوم ، وقد قيل في تفسير ذلك ~~غير هذا ، أي إنما هي دار الحساب ، والحساب شمرة ، وهذا كلام معروف في لغة ~~فارس إلى اليوم ، يسمون الخراج الشمرة بالشين على معنى الحساب ، ورفع خراج ~~الرؤوس عن الفقراء وألزمني ، وكذلك خراج الغلات ، ورفعه عما نالته الآفة ~~على قدر ما أصاب منها ، ووكل بكل ذلك قوما ثقاتا ، ذوي عدالة ، ينفذونه ، ~~ويحملون الناس منه على النصفة . ولم يكن في ملوك العجم ملك كان أجمع لفنون ~~الأدب والحكم ، ولا أطلب للعلم منه ، وكان يقرب أهل الآداب والحكمة ، ويعرف ~~لهم فضلهم ، وكان أكبر علماء عصره بزرجمهر بن البختكان ، وكان من حكماء ~~العجم وعقلائهم ، وكان كسرى يفضله على وزرائه وعلماء دهره . ### || [ تقليد بابك بن النهروان ديوان الجند ] # وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نبيها معروفا بالعقل والكفاية ، يقال له ~~بابك بن النهروان ، ديوان الجند ، فقال لكسرى : ( أيها الملك ، إنك قد ~~قلدتني أمرا ، من صلاحه أن تحتمل لي بعض الغلظة في الأمور : عرض الجنود في ~~كل أربعة أشهر ، وأخذ كل طبقة بكمال آلاتها ، ومحاسبة المؤدبين على ما ~~يأخذون على تأديب الرجال بالفروسية والرمي ، والنظر في مبالغتهم في ذلك ~~وتقصيرهم ، فإن ذلك ذريعة إلى إجراء السياسة مجاريها . PageV01P122 فقال ~~كسرى : ما المجاب بما قال بأحظى من المجيب ، لاشتراكهما في فضله ، وانفراد ~~المجيب بعد بالراحة ، فحقق مقالتك ، وأمر ، فبنيت له في موضع العرض مصطبة ، ~~وبسط له عليها الفرش الفاخرة ، ثم جلس ، ونادى مناديه : لا يبقين أحد من ~~المقاتلة إلا حضر العرض ، فاجتمعوا ، ولم ير كسرى فيهم ، فأمرهم ، فانصرفوا ~~. وفعل ذلك في اليوم الثاني ، ولم ير كسرى فانصرفوا ، فنادى في اليوم ~~الثالث : أيها الناس ، لا يتخلفن من المقاتلة أحد ، ولا من أكرم بالتاج ~~والسرير ، فإنه عرض لا رخصة فيه ولا محاباة . وبلغ كسرى ذلك ، فتسلح سلاحه ~~، ثم ركب فاعترض على بابك ، وكان الذي يؤخذ به الفارس تجفافا ، ودرعا ms053 ~~وجوشنا ، وبيضة ، ومغفرا وساعدين ، وساقين ، ورمحا ، وترسا ، وجرزا ، يلزمه ~~منطقته ، وطبرزينا وعمودا ، وجعبة فيها قوسان بوتريهما ، وثلاثين نشابة ، ~~ووترين ملفوفين ، يعلقهما الفارس في مغفره ظهريا ، فاعترض كسرى على بابك ~~بسلاح تام ، خلا الوترين اللذين يستظهر بهما ، فلم يجز بابك على اسمه ، ~~فذكر كسرى الوترين ، فعلقهما في مغفره ، واعترض على بابك فأجاز على اسمه ، ~~وقال : لسيد الكماة أربعة آلاف درهم ودرهم . وكان أكثر من له من ~~PageV01P123 الرزق ، أربعة آلاف درهم ، ففضل كسرى بدرهم ، فلما قام بابك من ~~مجلسه دخل على كسرى ، فقال : أيها الملك ، لا تلمني على ما كان من إغلاظي ، ~~فما أردت به إلا الدربة للمعدلة والإنصاف ، وحسم المحاباة . قال كسرى : ( ~~ما غلظ علينا أحد فيما يريد به إقامة أودنا أو صلاح ملكنا إلا احتملنا له ~~غلظته كاحتمال الرجل شرب الدواء الكريه لما يرجو من منفعته ) . ### || [ تنظيم الكور والطساسيج ] # قالوا : وكانت كسكر كورة صغيرة ، فزاد كسرى أنوشروان فيها من كورة بهرسير ~~وكورة هرمزدخره ، وكورة ميسان ، فوسعها بذلك ، وجعلها طسوجين ، طسوج ~~جنديسابور ، وطسوج الزندورد ، وكور بجوخى كورة خسروماه ، وجعل لها ستة ~~طساسيج ، طسوج طيسفون ، وهي المدائن ، وطيسفون قرية على دجلة أسفل من قباب ~~حميد بثلاثة فراسخ ، يقال لها بالنبطية طيسفونج ، وطسوج جازر ، وطسوج ~~كلواذى ، وطسوج نهر بوق ، وطسوج جلولاء ، وطسوج نهر الملك . ### || ( تاريخ العجم والتاريخ النبوي ) # وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر ملك أنوشروان ، فأقام بمكة إلى ~~أن بعث بعد PageV01P124 أربعين سنة ، منها سبع سنين بقيت من ملك أنوشروان ، ~~وتسع عشرة سنة ملكها هرمز بن كسرى أنوشروان ، وبعث وقد مضى من ملك كسرى ~~أبرويز ست عشرة سنة ، فأقام بمكة في نبوته صلى الله عليه وسلم وعلى عترته ~~ثلاث عشرة سنة ، وهاجر إلى المدينة ، وقد مضى من ملك أبرويز تسع وعشرون سنة ~~، فأقام بالمدينة عشر سنين ، وتوفى صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليما بعد ~~موت كسرى أبرويز ، فكان عمره صلى الله عليه وسلم ثلاثا وستين سنة . ### || [ عدل أنوشروان ] # وزعموا أن بنات آوى ظهرت بالعراق في آخر ملك أنوشروان ms054 ، وكانت سقطت إليها ~~من بلاد الأتراك ، واستفظع الناس ذلك ، وتعجبوا منه ، وبلغ ذلك كسرى فقال ~~للموبذ : ( قد كثر تعجبي من هذه السباع التي غزت أرضنا ) فقال الموبذ : ( ~~بلغني أيها الملك فيما يؤثر من أخبار الأولين ، أن كل أرض يغلب جورها عدلها ~~تغزوها السباع ) . فلما سمع ذلك ارتاب بسيرة عماله ، فوجه ثلاثة عشر رجلا ~~من أمنائه الذين لا يكتمونه شيئا إلى آفاق مملكته متنكرين ، لا يعرفون ، ~~فانصرفوا ، فأخبروه عن سوء سيرة عماله ما غمه ، فأرسل PageV01P125 إلى ~~تسعين رجلا منهم ، ذكروا بسوء السيرة ، فضرب أعناقهم ، فضبط عماله أنفسهم ، ~~ولزموا عدل السيرة . ### || ( عهد كسرى لابنه هرمزد ) # وكان لكسرى أنوشروان عدة بنين ، وكانوا جميعا أولاد سوقة وإماء إلا ابنه ~~هرمزد بن كسرى الذي ملك بعده ، فإن أمه كانت ابنة خاقان الترك ، وأم أمه ~~خاتون الملكة ، فعزم أبوه على تمليكه من بعده ، فوضع عليه عيونا ، يأتونه ~~بأخباره ، فكان يأتيه عنه ما يحبه ، فكتب له عهدا ، واستودعه رئيس نساكهم ~~في دينهم ، فلما تم لملكه ثمان وأربعون سنة مات . ### || [ خطبة هرمزد يوم تملكه ] # فلما مات أنوشروان ملك ابنه هرمزد بن كسرى ، فقال يوم ملك : ( الحلم عماد ~~الملك ، والعقل عماد الدين ، والرفق ملاك الأمر ، والفطنة ملاك الفكرة ، ~~أيها الناس ، إن الله خصنا بالملك ، وعمكم بالعبودية ، وكرم ملكتنا فأعتقكم ~~بها ، وأعزنا ، وأعزكم بعزنا ، وقلدنا الحكومة فيكم ، وألزمكم الانقياد ~~لأمرنا ، وقد أصبحتم فرقتين : إحداهما أهل قوة ، والأخرى أهل ضعة ، فلا ~~يستأكلن منكم قوي ضعيفا ، ولا يغشن ضعيف قويا ، ولا تتوقن نفس أحد من ~~الغلبة إلى ضيم أحد من أهل الضعة ، فإن في ذلك وهنا لملكنا ، ولا يرومن أهل ~~من أهل الضعة الآخذ بمأخذ الغلبة ، فإن في ذلك انتثار ما نحب نظامه وزوال ~~ما نحاول قوامه ، وفوت ما نحاول دركه ، واعلموا أيها الناس ، أن من سوسنا ~~العطف على الأقوياء من الغلبة ، ورفع مراتبهم ، والرحمة على الضعفاء ، ~~والذب عنهم ، وحسم الأقوياء عن ظلمهم والتعدي عليهم ، واعلموا أيها الناس ~~أن حاجتكم إلينا في نفس حاجتنا إليكم ، وحاجتنا إليكم هي مسد لحاجتكم إلينا ~~، وأن ms055 الثقيل مما أنتم منزلوه بنا من أموركم عندنا خفيف ، والخفيف مما نحن ~~مجشموكم ثقيل لعجزكم عما نحن مضطلعون به ، واضطلاعنا PageV01P126 لما أنتم ~~عنه عاجزون ، وإنما تحمدون حسن ملكتنا إياكم ، وفضل سيرتنا فيكم إذا حسمتم ~~أنفسكم عما نهيناكم عنه ، ولزمتم ما أمرناكم به . أيها الناس ، ميلوا بين ~~الأمور المتشابهات ، ولا تسموا النسك رياء ، ولا الرياء مراقبة ، ولا ~~الشرارة شجاعة ، ولا الظلم حزما ، ولارحمة الله نقمة ، ولا مخوف الفوت ~~هوينا ، ولا البر بالقربى ملقا ، ولا العقوق موجدة ، ولا الشك براء ، ولا ~~الإنصاف ضعفا ، ولا الكرم معجزة ، ولا التبرم عادة ، ولا الأخذ بالفضل ذلا ~~، ولا الأدب عقلا ، ولا العماية غفلة ، ولا الغدر ضرورة ، ولا النزاهة ~~تضييعا ، ولا التصنع عفافا ، ولا الورع رهبة ، ولا الحذر جبنا ، ولا الشره ~~اجتهادا ، ولا الجناية غنما ، ولا القصد تقتيرا ، ولا البخل اقتصادا ، ولا ~~السرف توسعا ، ولا السخاء سرفا ، ولا الصلف بعد همة ، ولا النبل صلفا ، ولا ~~البذخ تجلدا ، ولا الحرمان استحقاقا ، ولا رفع الأنذال صنيعة ، ولا المجون ~~ظرفا ، ولا التخلف تثبتا ، ولا التثبت بلاده ، ولا النميمة وسيلة ، ولا ~~السعاية دركا ، ولا اللين ضعفا ، ولا الفحش انتصافا ، ولا الهذر بلاغة ، ~~ولا البلاغة تفقيعا ، ولا الميل في هوى الأشرار شكرا ، ولا المداهنة مواتاة ~~، ولا الإعانة على الظلم حفاظا . ولا الزهو مروءة ، ولا اللهو فكاهة ، ولا ~~الحيف استقصاء ، ولا الاستطالة عزا ، ولا حسن الظن تفريطا ، ولا إيطاء ~~العشوة نصيحة ، ولا الغش كيسا ، ولا الرياء تعطفا ، ولا التواني تؤدة ، ولا ~~الحياء مهابة ، ولا السفه صرامة ، ولا الدغل استقامة ، ولا البغي استعاذة ، ~~ولا الحسد شفاء ، ولا العجب كمالا ، ولا الفتك حمية ، ولا الحقد مكرمة ، ~~ولا الضيق احتياطا ، ولا التعسف انكماشا ، ولا النزق تيقظا ، ولا الأدب ~~حرفة ، ولا المعاتبة مفاسدة ، ولا بعد القدر سموا ، ولا مجاري التقادير ~~أسباب الذنوب ، ولا ما لا يكون كائنا ، ولا كائنا ما لا يكون . اجتنبوا ~~المرذولات من هذه الأمور المتشابهات ، وثابروا على ما تحظون به عندنا ، فإن ~~وقوفكم عند أمرنا منجاة لكم من سخطنا ، وتنكبكم معصيتنا سلامة لكم من ms056 ~~عقابنا ، فأما العدل الذي نحن عليه مقتصرون ، وبه نصلح وتصلحون ، فأنتم فيه ~~عندنا مستوون ، ستعرفون ذلك إذا قمعنا أهل القوة عن أهل الضعف ، وتولينا ~~بأنفسنا أمر المضطهدين PageV01P127 الملهوفين ، وأخضعنا أهل الضعة لأهل ~~العلا بإنزالنا إياهم منازلهم ، ورددنا من رام من أهل الضعة مرتبة لا ~~يستوجبها إلا المستحقون منهم الحباء والشرف لنجدة توجد عنده ، أو بلاء حسن ~~يظهر منه . واعلموا أيها الناس ، أنا فارقون بين سوطنا وسيفنا ، ~~ومستعملوهما بتثبت وحسن روية ، فمن غمط نعمتنا وخالف أمرنا ، وحاول ما ~~نهيناه عنه ، فإنا لا نكاد نصلح رعايانا ، ونضبط أمورنا إلا بتنكيل من خالف ~~أمرنا ، وتعدى سيرتنا ، وسعى في فساد سلطاننا ، ولا يطمعن أحد في رخصة منا ~~، ولا يرجون هوادة عندنا ، فإنا غير مداهنين في حق الله الذي قلدنا ، ~~فوطنوا أنفسكم على إحدى خلتين : إما استقامة بما تصلحون ، وإما مخافة على ~~ما تتلفون ، فإن الصلاح حجتان معتدان لكم عندنا من تدبير ملكنا ، وضبطنا ~~سلطاننا ، فلا تستصغروا وعيدنا ، وتهددنا ، ولا تحسبوا أن فعلنا يقصر عن ~~قولنا ، وإنما أحببنا أن نعلمكم رأينا في اجتناب الرخص والمحاباة ، وحرصنا ~~على الاعتذار قبل الإيقاع ، والأخذ بقصد السيرة والعدل في الرعية ، واختيار ~~طاعتكم التي بها تكون ألفتكم واستقامتكم ، فثقوا بما بدأنا به من وعد ، ~~وخافوا ما أظهرنا من وعيد ، ونحن نسأل الله أن يعصمكم من استدراج الشيطان ~~وضلاله ، وأن يسددكم لما يقرب من طاعته ، وبلوغ مرضاته ، والسلام عليكم ) ~~فلما سمع الناس ذلك تباشر به الضعفاء وأهل الضعة ، وفت ذلك في أعضاد العلية ~~وساءهم ، فتنكبوا ما كانوا فيه من الاستطالة على الضعفاء ، والقهر لأهل ~~الضعة . ### || [ سيرة هرمزد ] # وكان هرمزد ملكا متحريا لحسن السيرة ، مثابرا على استصلاح الرعية ، رحيما ~~بالضعفاء ، شديدا على الأقوياء ، وبلغ من عدله وتحريه الحق أنه كان يسير في ~~كل عام إلى أرض الماهين فيصيف بها ، وكان يأمر عند مسيرة إليها مناديه ، ~~فينادي في عسكره أن يتحاموا الإضرار بالدهاقين ، ويوكل بتعهد ذلك ومعاقبة ~~من تعدى أمره فيه رجلا من ثقاته . ### || [ اقتصاص هرمزد من ابنه أبرويز ] # وكان ابنه كسرى الذي ms057 ملك من بعده ، ويسمى أبرويز ، معه في مسيرة ، ~~PageV01P128 فعار ذات يوم مركب من مراكبه ، فوقع في زرع على طريقه ، فرتع ~~فيه ، وأفسد ، فأخذ صاحب الزرع ذلك المركب ، فدفعه إلى الموكل بذلك الأمر ، ~~فلم يمكنه معاقبة كسرى ، فرقى أمره إلى أبيه ، فأمر أن يجدع إذنا الفرس ، ~~ويحذف ذنبه ، ويغرم ابنه مقدار مائة ضعف مما أفسد الفرس من ذلك الزرع . ~~فخرج الموكل بذلك من عند الملك لينفذ أمر الملك ، فوجه كسرى رهطا من ~~المرازبة والأشراف إلى الموكل بذلك ، ليسألوه التغييب عن ذلك ويدفع ألف ضعف ~~مما أفسد مركبه ، لما في جدع أذن الفرس وتبتير ذنبه من الطيرة ، فلم يجبهم ~~الموكل إلى ذلك ، وأمر بالمركب فجدعت أذناه ، وبتر ذنبه ، وغرم كسرى ما ~~أصاب صاحب الزرع كنحو ما كان يغرم سائر الناس ، فلم يكن للملك هرمزد بن ~~كسرى همة ولانهمه إلا استصلاح الضعفاء ، وإنصافهم من الأقوياء ، فاستوى في ~~ملكه القوي والضعيف . وكان هرمزد منصورا مظفرا لا يروم تناول شئ إلا ناله ، ~~لم يهزم له جيش قط ، وكان أكثر دهره غائبا عن المدائن . إما بالسواد متشتيا ~~، وإما بالماه متصيفا . ### || [ اضطراب ملك هرمزد ] # فلما كانت سنة إحدى عشرة من ملكه حدق به الأعداء من كل وجه فاكتنفوه ~~اكتناف الوتر سيتي القوس ، أما من ناحية الشرق فإن شاهنشاه الترك أقبل حتى ~~صار إلى هراة ، وطرد عمال هرمزد ، وأما من قبل المغرب فإن ملك الروم ~~PageV01P129 أقبل حتى شارف ( نصيبين ) ليسترد آمد وميافارقين ودارا ونصيبين ~~، وأما من قبل أرمينية فإن ملك الخزر أقبل حتى أوغل في آذربيجان ، فبث ~~الغارات فيها . ### || [ مصالحة هرمزد القيصر الروم ] # فلما انتهى ذلك إلى هرمزد بدأ بقيصر ، فرد عليه المدن التي كان أبوه ~~اغتصبه إياها ، وسأله الصلح والموادعة ، فأجابه قيصر إلى ذلك ، فانصرف ، ثم ~~كتب إلى عماله بأرمينية وآذربيجان ، فاجتمعوا وصمدوا صمد صاحب الخزر ، حتى ~~نفوه عن أرضه . ### || [ استعداده لحرب صاحب الترك ] # فلما فرغ من ذلك كله صرف همه إلى صاحب الترك ، وكان أشد الأعداء عليه ، ~~فكتب إلى بهرام بن بهرام جشنش ، عامله على ثغر ms058 آذربيجان وأرمينية ، وهو ~~الملقب ببهرام شوبين ، يأمره بالقدوم عليه ، فما لبث أن قدم ، فأذن له ، ~~فدخل عليه ، فرفع مجلسه ، وأظهر كرامته ، وخلا به ، وأخبره بالأمر الذي ~~أراده له ، من التوجه إلى شاهنشاه الترك . فسارع بهرام إلى طاعته واتباع ~~أمره ، فأمر هرمزد أن يسلط بهرام على بيوت الأموال والسلاح ، وأن يسلم إليه ~~ديوان الجند ، ليختار من أحب على عينه ، فأحضر بهرام الديوان ، وجمع إليه ~~المرازبة والأشراف ، فانتخب اثني عشر ألف رجل من الفرسان ، ليس فيهم إلا من ~~أناف الأربعين . وبلغ ذلك الملك ، فقال له : ( لم لم تنتخب إلا هذا المقدار ~~، وإنما تريد أن تسير بهم إلى ثلاثمائة ألف رجل ؟ ) . فقال بهرام : ( ألم ~~تعلم أيها الملك أن قابوس حين أسر فحبس في حصن ما سفري إنما سار إليه رستم ~~في اثني عشر ألفا ، فاستنقذه من أيدي مائتي PageV01P130 ألف ، وأن إسفندياد ~~إنما سار إلى ارجاسف ليطلب منه الوتر الذي كان له عنده في اثني عشر ألفا ، ~~وإن ( كيخسرو ) إنما أرسل ( جودرز ) ليطلب بدم أبيه سياوش في اثني عشر ألفا ~~، فظهر على ثلاثمائة ألف ؟ فأي جيش لا يفل باثني عشر ألفا لا يفل بشئ أبدا ~~) . ### || [ وصية هرمزد لبهرام ] # فلما فصل بهرام بالجنود من المدائن ودعه الملك ، وقال له : ( إياك والبغي ~~، فإن البغي مصرعة بصاحبه ، وعليك بالوفاء ، فإن فيه نجاة لمحاوله ، وإياك ~~أن تسير إلا على تعبية الحرب ، فإذا نزلت فاحرس عسكرك بنفسك ، وامنع جنودك ~~من العيث والفساد ، وإياك أن تعزم حتى تروى ، ولا تروى حتى تستشير أهل ~~النصح والأمانة ) ، ثم انصرف الملك ، ومضى بهرام ، فأخذ على طريق الأهواز . ### || [ خداع هرمزد لملك الترك ] # وبلغ ملك الترك قدوم الجيش لمحاربته ، وقد كان الملك هرمزد وجه إلى ملك ~~الترك رجلا من مرازبته يسمى هرمزد جرابزين ، وكان من أدهى العجم ، وأشدهم ~~خلابة وكيدا ، وأمره أن يعلمه أنه رسول الملك ، أرسله لمصالحته ، وإعطائه ~~الرضا ، فأتاه هرمزد جرابزين ، فاستعمل فيها الخديعة ، وكفه بها عن الفساد ~~في أرض خراسان ، فلما علم هرمزد أن بهرام قد دنا من هراة خرج ليلا ، فلحق ms059 ~~ببهرام . ولما بلغ ملك الأتراك ورود الجيش قال لصاحب حرسه : انطلق فائتني ~~بهذا الفارس الخداع ، فطلبوه ، فوجدوه قد هرب في جوف الليل . ### || [ إعلان الحرب بعد فشل المراسلات ] # وخرج خاقان من مدينة هراة للقاء بهرام ، وعلى مقدمته أربعون ألفا . فلما ~~التقوا أرسل إلى بهرام : أن انضم إلي حتى أملكك على إيران شهر ، وأجعلك أخص ~~الناس بي . فأرسل إليه بهرام كيف تملكني على إيران شهر ، وإنما ملكها لأهل ~~بيت فينا لا يجوز أن يعدوهم إلى غيرهم ، ولكن هلم إلى الحرب . فغضب ملك ~~الترك من ذلك ، وأمر ، فضرب بوق الحرب ، وتزاحف الفريقان ، وملك الترك على ~~سرير من ذهب فوق رابية ، يشرف على الفريقين . PageV01P131 ### || [ مصرع ملك الترك ووقوع الصلح ] # فلما استمرت الحرب قصد بهرام للتل في مائة فارس من إبطال جنوده ، فانفض ~~عنه من حول ملك الترك ، فلما رأى الملك ذلك دعا بمركبه ، واستبان لبهرام ، ~~فرماه بنشابة نفذته ، فخر صريعا ، وانهزم الأتراك ، وقد كان شاهنشاه خلف ~~على ملكه ابنه ( يلتكين ) فلما أتاه مقتل أبيه استجاش الترك ، وأقبل في دهم ~~داهم من أمم الأتراك ، وانضم إليه الفل . وبلغ بهرام الخبر ، فأرسل في ~~أقطار خراسان ، فاجتمع إليه بشر كثير فسار مستقبلا ليلتكين ، فالتقوا على ~~شاطئ النهر الأعظم مما يلي الترمذ ، وهاب كل واحد منهما صاحبه ، وجرت ~~بينهما السفراء في الصلح . وأرسل بهرام إليه ( إنكم معاشر الخاقانية قتلتم ~~ملكنا فيروز ، فأهدرنا دمه ، وقبلنا الصلح منكم ، فكذلك ، فافعلوا بنا ) . ~~فأجابه يلتكين إلى الصلح على حكم هرمزد الملك ، وأقاما بمكانهما . فكتب ~~بهرام إلى هرمزد بذلك ، فكتب إليه هرمزد : أن توجه إلى يلتكين مكرما في ~~خاصة طراخنته وعظماء جنوده . فتوجه يلتكين إلى العراق ، فلما دنا من ~~المدائن خرج هرمزد ملتقيا له ، وترجل كل واحد منهما لصاحبه ، وأظهر هرمزد ~~إكرام يلتكين ، وأنزله معه في قصره ، وأخذ كل واحد منهما عهدا وكيدا على ~~صاحبه بالمسألمة ما بقيا ، ثم أذن له ، فانصرف إلى مملكته . ### || [ غنائم الحرب وتألب هرمزد ضد بهرام ] # ولما وغل في خراسان استقبله بهرام في جنوده ، وسار معه إلى حد مملكته ms060 ، ~~وانصرف بهرام حتى أتى مدينة بلخ ، فنزلها ، ووجه إلى الملك هرمزد ما كان ~~غنمه من PageV01P132 عسكر شاهنشاه ، ووجه إليه بذلك السرير الذهب ، فبلغ ما ~~وجه إليه وقر ثلاثمائة بعير . فلما وصلت الغنائم إلى هرمزد ، وعرضت عليه ، ~~وحوله وزراؤه وعظماء مرازبته ، قال يزدان جشنس رئيس وزرائه : ( أيها الملك ~~، ما كان أعظم المائدة التي منها هذه اللقمة ) ، فوقعت هذه الكلمة في قلب ~~هرمزد ، وارتاب بأمانة بهرام ، وظن أن الأمر كما قال يزدان جشنس ، فانظر كم ~~داهية دهياء وحروب وبلاء جرت هذه الكلمة . ودخل هرمزد منها الغضب والغيظ ~~على بهرام ما أنساه حسن بلائه ، فأرسل إلى بهرام بجامعة ومنطق امرأة ومغزل ~~، وكتب إليه ( أنه قد صح عندي أنك لم تبعث إلي من تلك الغنائم إلا قليلا من ~~كثير ، والذنب لي في تشريفي إياك ، وقد بعثت إليك بجامعة ، فضمها في عنقك ، ~~ومنطق امرأة ، فتنطق بها ، ومغزل ، فليكن في يدك ، فإن الغدر والكفران من ~~أخلاق النساء ) . ### || [ انصياع بهرام لأمر هرمزد ] # فلما وصل ذلك إلى بهرام كظم غيظه ، وعلم أنه إنما أتى من الوشاة ، فوضع ~~الجامعة في عنقه ، وصير المنطق في وسطه ، وأخذ المغزل في يده ، ثم أذن ~~لعظماء أصحابه ، فدخلوا عليه ، ثم أقرأهم كتاب الملك إليه ، فلما سمع ~~أصحابه ذلك يئسوا من خير الملك ، وعملوا أنه لم يشكر لهم حسن بلائهم ، ~~فقالوا : نقول كما قال أولوا خوارجنا لأردشير : ( ملك ولا يزدان ) . ونحن ~~نقول : لا هرمزد ملك ، ولا يزدان جشنس وزير ) . وكانت قصة أولي خوارجهم : ~~أن أردشير بابكان كان صار إليه بعض الحواريين ، فاستجاب له ، ودخل في دين ~~المسيح صلى الله عليه وسلم ، وكان في عصره ، وشايعه على ذلك وزيره يزدان ، ~~فغضب العجم لذلك ، وهموا بخلع أردشير حتى أظهر لهم الرجوع عما هم به من ذلك ~~، فأقروه على الملك . ### || [ خروج بهرام على هرمزد وسكه الدراهم ] # فقال أصحاب بهرام لبهرام : ( إن أنت تابعتنا على خلع هرمزد والخروج عليه ~~، وإلا PageV01P133 خلعناك ، ورأسنا غيرك ، فلما رأى اجتماعهم على ذلك ~~أجابهم على أسف وهم وكراهية . وخرج هرمزد جرابزين ويزدك الكاتب ms061 من معسكر ~~بهرام ليلا حتى قدما المدائن ، وأخبرا هرمزد الخبر . ثم إن بهرام سار في ~~جنوده نحو العراق لمحاربة هرمزد الملك حتى ورد مدينة الري فأقام ، واتخذ ~~سكة للدراهم بتمثال كسرى أبرويز ابن الملك ، وصورته ، واسمه ، وضرب عليه ~~عشرة آلاف درهم ، وأمر بالدراهم ، فحملت سرا حتى ألقيت بالمدائن ، ففشت في ~~أيدي الناس . ### || [ تشكك هرمزد بابنه كسرى ] # وبلغ ذلك الملك هرمزد ، فلم يشك أن ابنه كسرى يحاول الملك ، وأنه الذي ~~أمر بضرب تلك الدراهم ، وذلك الذي أراد بهرام بما فعل ، فهم الملك بقتل ~~ابنه كسرى ، فهرب كسرى من المدائن ليلا نحو آذربيجان حتى أتاها ، وأقام بها ~~، ودعا الملك بندوية وبسطاما ، وكانا خالي كسرى ، فسألهما عن كسرى ، فقالا ~~( لاعلم لنا به ) ، فارتاب بهما ، فأمر بحبسهما . ثم إن الملك جمع نصحاءه ، ~~فاستشارهم ، فقالوا : ( أيها الملك ، إنك عجلت في أمر بهرام ، وقد رأينا أن ~~توجه إلى بهرام بيزدان جشنس ، فليس بهرام بقاتله ، إذا أتاه فاعتذر إليه ، ~~وباء بذنبه عنده ، وتكون قد طيبت نفس بهرام ، ورددته إلى الطاعة ، وحقنت ~~بذلك الدماء ، فقبل الملك ذلك . ### || [ الوزير يزدان وابن عمه ] # وبعث بيزدان جشنس الوزير ، فلما تهيأ للمسير أرسل إليه ابن له كان محبوسا ~~في حبس الملك ببعض الجرائم ، يسأله أن يستوهبه من الملك ، ويخرجه معه ، فإن ~~عنده غناء ومعونة في الأمور ، ففعل يزدان جشنس وأخرجه معه . فلما صار ~~بمدينة همذان ارتاب بابن عمه ذلك ، وكتب كتابا إلى الملك يعلمه : أنه قد ~~رده إليه ، ليأمر بقتله ، أو يرده إلى محبسه ، فإنه فاجر فتاك ، وقال له : ~~( إني قد كتبت PageV01P134 إلى الملك كتابا في بعض الأمور ، فأغذ السير به ~~حتى تدفعه إليه ، ولا تطلعن على ذلك أحدا . فارتاب الرجل بذلك ، فلما تغيب ~~عن يزدان جشنس ، وفك الكتاب ، وقرأه فإذا فيه حتفه ، فرجع إلى يزدان جشنس ، ~~وهو مستخل ، فضربه حتى قتله ، وأخذ رأسه ، فانطلق به إلى بهرام ، وهو بالري ~~، فألقاه بين يديه ، وقال : هذا رأس عدوك يزدان جشنس الذي وشى بك إلى الملك ~~، وأفسد قلبه عليك ، فقال له بهرام : ( يا فاسق ms062 ، أقتلت يزدان جشنس في شرفه ~~وفضله ، وقد كان خرج نحوي ليعتذر إلى مما كان منه ، ويصلح بيني وبين الملك ~~؟ . ثم أمر به ، فضربت عنقه . ### || | التآمر على خلع هرمزد ] # وبلغ من بباب الملك من العظماء والأشراف والمرازبة مقتل يزدان جشنس ، ~~وكان عظيما فيهم ، فمشى بعضهم إلى بعض ، وعزموا على خلع الملك ، وتمليك ~~ابنه كسرى ، وكان الذي زين لهم ذلك ، وحملهم عليه ( بندوية وبسطام ) خالا ~~كسرى . وكانا محتبسين ، فأرسلا إلى العظماء ، أن أريحوا أنفسكم من ابن ~~التركية ، يعنيان الملك هرمزد ، وقد قتل خيارنا ، وأباد سراتنا ، وذلك أنه ~~كان مولعا بالعلية من أجل استطالتهم على أهل الضعف ، فقتل منهم خلقا كثيرا ~~، فاتفقوا على يوم يجتمعون فيه لذلك ، فأقبلوا جميعا حتى أخرجوا بندويه ~~وبسطاما من الحبس ، وجميع من كان فيه . ### | [ أخبار كسرى أبرويز ] # ### || ( تولية أبرويز وخطبته ) # ثم أقبلوا إلى الملك هرمزد فنكسوه عن سريره ، وأخذوا تاجه ومنطقته وسيفه ~~وقباءه ، فأرسلوا بها إلى كسرى ، وهو باذربيجان . فلما انتهى ذلك إليه سار ~~مقبلا حتى ورد المدائن ، ودخل الأيوان ، واجتمع إليه العظماء ، فقام فيهم ~~خطيبا ، فكان مما قال : المقادير ترى المرء ما لا يخطر بباله ، والأسباب ~~تأتي على خلاف الهوى ، والبغي مصرعة لأهله ، والخائب من أورطته رغبته ، ~~والحازم من قنع بما قضى له ولم تتق نفسه إلى أكثر منه . أيها الناس : ~~ثابروا على ما يقربكم PageV01P135 إلينا من طاعتنا ومناصحتنا ، وإياكم ~~ومخالفة أمرنا ، والبغي علينا ، فإنا لكم بمنزلة العرى والأركان . ### || [ مصالحة أبرويز وهرمزد ] # فلما تفرق الناس عنه قام يمشي حتى دخل على أبيه ، وهو في بيت من بيوت ~~القصر ، فقبل يديه ورجليه ، وقال : ( يا أبت ، ما أحببت هذا الأمر في حياتك ~~، ولا أردته ، ولو لم أقبله لصرف منا ، وأزيل عنا إلى غيرنا ) . فقال له ~~أبوه : ( صدقت وقد قبلت عذرك ، فدونك الأمر ، فقم به ، وقد عرضت لي إليك ~~حاجة ) . قال : ( يا أبت ، وما عسى أن يعرض لك إلي ؟ ) . قال : ( تنظر ~~الذين تولوا نكسى عن السرير ، وأخذوا التاج عن رأسي ، واستخفوا بي ، وهم ~~فلان وفلان ، وسماهم ، فعجل قتلهم ، واطلب لأبيك ms063 بثأره منهم . قال كسرى : ( ~~هذا لا يمكن يومنا هذا حتى يقتل الله عدونا بهرام ، ويستدف لنا الأمر ، ~~فتنظر عند ذلك كيف أبيرهم وأنتقم لك منهم ) . فرضي أبوه بذلك منه ، وخرج ~~كسرى من عنده ، فجلس مجلس الملك . وبلغ بهرام ما جرى ، وهو بالري ، وما كان ~~من الأمر ، فغضب لهرمزد غضبا شديدا ، وأدركته له حمية ورقة ، وذهب عنه ~~الحقد ، فسار في جنوده جادا مجدا ليقتل كسرى ومن والاه على أمره ، ويرد ~~هرمزد إلى ملكه . ### || [ تجسس أبرويز على بهرام ] # وبلغ كسرى فصوله من الري ، وما يهم به ، فكتم ذلك عن أبيه ، وسار ملتقيا ~~لبهرام في جنوده ، وقدم رجلا من ثقاته ، وأمره أن يأتي عسكر بهرام متنكرا ، ~~فينظر سيرته ، ويعرف له كنه أمره . فسار الرجل ، فاستقبل بهرام بهمذان ، ~~فأقام في عسكره حتى عرف جميع أمره ، ثم انصرف إلى كسرى ، فأخبره : أن بهرام ~~إذا سار كان عن يمينه مردان سينه الرويدشتي ، وعن يساره يزدجشنس بن الحلبان ~~، وأن أحدا من جنوده لا يطمع نفسه في اغتصاب أحد من الرعية مقدار حبة فما ~~فوقها ، وإنه إذا نزل المنزل دعا بكتاب كليلة ودمنة ، فلا يزال منكبا عليه ~~طول نهاره . PageV01P136 فقال كسر لخاليه بندوية وبسطام : ( ما خفت بهرام ~~قط كخوفي منه الساعة ، حين أخبرت بإدمانه النظر في كتاب كليلة ودمنة ، لأن ~~كتاب كليلة ودمنة يفتح للمرء رأيا أفضل من رأيه ، وحزما أكثر من حزمه ، لما ~~فيه من الآداب والفطن . ### || [ استمالة بهرام أصحاب أبرويز ] # وأن كسرى وبهرام توقفا بالنهروان ، فعسكر كل منهما بأصحابه في ناحية ، ~~وخندق على نفسه ، ثم إن بهرام عقد جسرا ، وعبر إلى كسرى ، فلما تواقف ~~الجمعان بدر بهرام حتى دنا من صفوف كسرى ، ثم صاح بأعلى صوته ( تبا لكم يا ~~معشر العجم ، في خلعكم ملككم ، أيها الناس : توبوا إلى ربكم مما فعلتم ، ~~وانحازوا إلي بجماعتكم حتى نرد السلطان على ملككم قبل أن ينزل الله نقمته ~~عليكم ) . فلما سمع أصحاب كسرى ذلك قال بعضهم لبعض ( قد والله صدق بهرام ، ~~وأن الأمر لعلى ما قال ، فهلموا بنا نتلاف أمرنا ms064 ، ونصلح ما كان منا بإجابة ~~بهرام إلى ما رأى ) . وانحازوا جميعا ، فانضموا إلى بهرام ، ولم يبق مع ~~كسرى إلا خالاه ، بندوية وبسطام ، وهرمزد جرابزين ، والنخارجان ، وسابور بن ~~أبركان ، ويزدك كاتب الجند ، وباد بن فيروز ، وشروين بن كامجار ، وكردي بن ~~بهرام جشنس أخو بهرام شوبين لأبيه وأمه ، وكان من ثقات كسرى وأحبائه . فقال ~~هؤلاء لكسرى : ( أيها الملك ، ما تفعل ؟ ألا ترى إلى جميع الناس قد فارقوك ~~، وانحازوا إلى عدوك ) . PageV01P137 ### || [ أبرويز يرمي فرس بهرام ] # فمضى [ أبرويز ] نحو المدائن حتى إذا انتهى إلى قنطرة ( جوذرز ) التفت ~~وراءه ، فإذا هو ببهرام وحده ، قد ترك الناس خلفه حتى دنا منه ومن أصحابه ، ~~فوقف له كسرى على طرف القنطرة ، ووتر قوسه ، وكان من رماة الناس ، فوضع ~~فيها نشابة ، وخاف أن يعمد برميته بهرام ، فلا يعمل السهم فيه لجودة درعه ، ~~فأراد أن يعمد وجهه ، فلم يأمن أن يتترس بدرقته أو يميل وجهه عن سهمه ، ~~فرمى جبهة فرسه ، فلم يخطئ وسط جبهته ، واستدار الفرس من شدة الرمية ، ثم ~~سقط . وبقي بهرام راجلا ، فأمعن كسرى ركضا حتى دخل المدائن ، وأتى أباه ، ~~ولم يعلمه أن بهرام إنما يحاول رد الملك إليه غير أنه قال له : ( إن أصحابي ~~جميعا مالوا إليه ثم قال ( ما الذي ترى ؟ ) قال ( أرى لك أن تلحق بقيصر ، ~~فإنه سينجدك ، وينصرك حتى يسترجع لك ملكك ) . ### || [ فرار أبرويز إلى قيصر الروم واغتيال هرمزد ] # فقبل كسرى يدي أبيه ورجليه ، وودعه ، وسار نحو البحر في أصحابه ، وكانوا ~~تسعة ، هو عاشرهم ، فقال بعضهم لبعض : ( إن بهرام يوافي المدائن اليوم أو ~~غدا ، فيملك هرمزد ، فيكون ملكا كما لم يزل ، ثم يكتب هرمزد إلى قيصر ، ~~فيردنا إليه ، فيقتلنا جميعا ، وليس كسرى بملك مادام أبوه حيا ) . فقال ~~بندونيه وبسطام خالا كسرى ( نحن نكفيكم ذلك ) . فانصرفا على المقبض ، ثم ~~أقبلا حتى دخلا قصر المملكة ، وولجا على هرمزد البيت الذي كان فيه ، وقد ~~شغل الحشم بالبكاء والعويل ، لهرب كسرى من عدوه ، فألقيا عمامة في عنقه ، ~~فخنقاه حتى مات . ثم لحقا بكسرى ، ولم يخبراه بذلك ، وساروا بالركض ms065 الشديد ~~يومهم ، مخافة الطلب ، ومن الغد حتى شارفوا مدينة هيت ، وانتهوا إلى دير ~~رهبان ، فنزلوه ، فأتوهم بخبز PageV01P138 شعير ، فبلوه بالماء ، وأكلوه ، ~~وأتوهم بخل ، فمزجوه بماء ، وشربوا منه ، واتكأ كسرى على خاله بسطام ، فنام ~~لشدة ما أصابه من التعب ، فبيناهم كذلك إذ ناداهم الراهب من صومعته : أيها ~~النفر ، قد أتتكم الخيل ، وهم بالبعد . ### || [ حيلة بندويه لتخليص أبرويز ] # وقد كان بهرام ، حين وافى المدائن ، فصادف هرمزد الملك قتيلا ، ازداد ~~غيظا على كسرى وحنقا ، فوجه بهرام بن سياوشان في ألف فارس على الخيل العتاق ~~. فلما نظر كسرى وأصحابه إلى الخيل سقط في أيديهم ، وأيسوا من أنفسهم ، ~~فقالى بندوية لكسرى : أنا أخلصك بحيلتي ، غير أني أغرر بنفسي . قال له كسرى ~~: يا خال ، إنك إن وقيتني بنفسك سلمت أو قتلت ، فكفاك بذلك ذكرا باقيا ~~وشرفا عاليا ، فقد خاطر أرسناس بنفسه في أمر منوشهر ، وأتى فراسياب ملك ~~الأتراك ، وهو في وسط جنوده ، فرماه بسهم فقتله ، وأراح زاب الملك منه ، ~~فأصاب بثأر منوشهر ، فقتل ، فبعد صيته في الناس ، وعظم ذكره ، وقد خاطر ~~جوذرز بنفسه بسبب سابور ذي الأكتاف حين قام بتدبير ملكه ، وضبط سلطانه ، ~~فحسده الناس لذلك ، فلما أدرك سابور ملكه على جميع أموره ، وفوض إليه ~~سلطانه . قال له بندويه ( قم ، فألق عنك قباءك ، ومنطقتك ، وحل عنك سيفك ، ~~وضع تاجك ، واركب في سائر أصحابك ، فتبطنوا هذا الوادي ، فأغذوا فيه السير ~~، ودعوني والقوم ) . ففعل كسرى ما أمره ، وتبطن الوادي ، وسار في بقية ~~أصحابه ، وعمد بندوية إلى قباء كسرى فلبسه ، وتنطق بمنطقته ، ووضع التاج ~~على رأسه . ثم قال للرهبان ( عليكم بالجبل ، فألحقوا به إلى أن ينصرف هذا ~~الخيل ، وإلا لم آمن أن يقتلوكم . عن آخركم ) . فتركوا الصومعة جميعا ، ~~وخرجوا عن الدير . وصعد بندويه ، فصار على سطح الدير ، وقد أغلق عليه الباب ~~، وهو لابس بزة كسرى ، فقام على رجليه قائما ، حتى علم أن القوم قد رأوه ~~جميعا ، ثم نزل إلى الدير ، فخلع بزة كسرى ، ولبس بزة نفسه ، ثم عاد إلى ~~سطح الدير ، وقد حدقت به الخيل ، فقال ( يا قوم ، من ms066 أميركم ؟ ) فأتى بهرام ~~بن سياوشيان وقال ( أنا أميرهم ، ما تشاء يا بندوية ؟ ) قال : إن الملك ~~يقرئك السلام ، ويقول ، إنا إنما نزلنا آنفا ، وقد كللنا ، وتعبنا ، ~~PageV01P139 وليس عليك منا فوت ، فدعنا على حالنا في هذا الدير إلى العشاء ~~، لنخرج إليك ، وننطلق معك إلى بهرام ، فيحكم فينا بما يرى . قال بهرام بن ~~سياوشان ( ذلك له ، وعزازه ) . ثم نزل بندويه ، والقوم محدقون بالدير ، ~~فلما أمسوا عاد بندويه إلى سطح الدير ، وقال لبهرام بن سياوشان : ( إن ~~الملك يقول لك : هذا المساء ، وليست لنا أجنحة نطير بها ، وقد حدقتم بالدير ~~، فدعنا ليلتنا هذه لنستريح ، وامتن علينا بذلك ، فإذا أصبحنا خرجنا إليك ، ~~ومضينا معك . قال بهرام ( وذلك له ، وحبا وكرامة ) . ثم أمر أصحابه أن ~~يكونوا فرقتين ، فرقة تنام ، وأخرى تحرس نوائب . ### || [ بندويه يواجه جيش بهرام بالحقيقة ] # فلما أصبح بندويه فتح الباب وخرج إلى القوم وقال : ( إن كسرى قد فارقني ~~لمنذ أمس ، هذا الوقت ، ولو كنتم على نجائب كالريح ما لحقتموه ، وإنما كان ~~ما سمعتم مني مكيدة وحيلة . فلم يصدقوه ، ودخلوا الدير ، ففتشوه بيتا بيتا ~~، فسقط في يد بهرام بن سياوشان ، ولم يدر ما يعتذر به إلى بهرام شوبين . ~~فحمل بندوية ، وانصرف حتى دخل على بهرام شوبين ، وأخبره بالحيلة التي ~~احتالها بندوية ، فدعا به بهرام ، وقال : ( لم ترض بما كان منك من قتل ~~الملك هرمزد ، حتى خلصت الفاسق كسرى ، فنجا مني ؟ قال بندوية ( أما قتلي ~~هرمزد فلست أعتذر منه ، إذ طغى وبغى ، وقتل صناديد العجم ، وألقى بأسهم ~~بينهم ، وفرق كلمتهم ، وأما حيلتي في تخليص ابن أختي كسرى فلا لوم علي في ~~ذلك ، إذ كان ولدي . قال بهرام : ( أما إنه ليس يمنعني من تعجيل قتلك إلا ~~ما أرجو من ظفري بالفاسق كسرى ، فأقتله ، وأقتلك على أثره ، ثم قال لبهرام ~~بن سياوشان ( احبسه عندك مقيدا إلى أن أدعوك به ) . ### || [ مقالة بهرام لوجوه المملكة ] # ثم إن بهرام جمع إليه وجوه المملكة ، فقال : ( قد علمتم ما ارتكب كسرى من ~~الوزر العظيم بقتل أبيه ، وقد مضى هاربا ، فهل ترضون أن أقوم بتدبير ms067 هذا ~~الملك حتى يدرك شهريار بن هرمزد مدرك الرجال ، فأسلمه إليه ) . فرضى بذلك ~~فريق ، وأباه فريق . فممن أبي PageV01P140 موسيل الأرمني ، وكان من عظماء ~~المرازبة ، وقال لبهرام : ( أيها ( الإسبهبد ) ، ليس لك أن تقوم بشئ من ذلك ~~، وكسرى صاحب الملك ووراثه في الأحياء ) ، فقال بهرام : من لم يرض فليرتحل ~~عن المدائن ، فإني إن صادفت بعد ثالثة أحدا ممن لم يرض ثاويا بالمدائن ضربت ~~عنقه . ### || [ التدبير لاغتبال بهرام شوبين ] # فارتحل موسيل الأرمني فيمن كان على رأيه ، وكانوا زهاء عشرين ألف رجل ، ~~فساروا إلى آذربيجان ، فنزلوها ينتظرون قدوم كسرى من الروم ، ولم يزل ~~بندوية محتبسا عند بهرام بن سياوشان ، فكان بهرام بن سياوشان يحسن إليه في ~~المطعم والمشرب ليتخذ بذلك زلفة عنده ، لما ظن أن كسرى سينصرف ، ويرجع إليه ~~الملك ، وكان إذا جن عليه الليل أخرجه من محبسه ، فأجلسه معه على شرابه ، ~~فقال بندوية ذات ليلة لبهرام : يا بهرام ، إن ما أنتم فيه سيضمحل ، ويذهب ~~لظلم بهرام شوبين واعتدائه . فقال بهرام : والله لأعرف ما تقول ، وإني لأهم ~~بأمر . قال بندوية : وما هو ؟ قال : ( أقتل غدا بهرام شوبين ، وأريح الناس ~~منه ، ليرجع الملك إلى نظامه وعنصره ) قال بندوية : أما إذ كان رأيك ، ~~فأطلقني من قيدي ، ورد على دابتي وسلاحي ) ، ففعل . ولما أصبح بهرام بن ~~سياوشان تدرع تحت ثيابه درعا ، واشتمل على السيف ، فأبصرت ذلك امرأته ، ~~وكانت بنت أخت بهرام شوبين ، فاسترابت به ، وبعثت إلى بهرام تعلمه ذلك . ### || [ مقتل بهرام سياوشان ] # وابتكر بهرام إلى الميدان ، فكان لا يمر به أحد من أصحابه إلا ضرب جنبه ~~بالصولجان ، فلم يسمع حس الدرع من أحد منهم ، حتى مر به بهرام ابن سياوشان ~~فضرب جنبه بالصولجان ، فلما سمع حس الدرع استل سيفه وضربه حتى قتله . ~~وتنادى الناس : قتل بهرام في الميدان ، فظن بندوية أن بهرام شوبين المقتول ~~، فركب دابته ، ومضى نحو الميدان ، فلما علم أن المقتول صاحبه خرج متنكرا ، ~~يسير الليل ، ويكمن النهار ، حتى أتى آذربيجان ، فأقام مع موسيل وأصحابه ~~هناك . PageV01P141 ### || [ التقاء كسرى بإياس بن قبيصة ] # ولما سار كسرى من ms068 الدير سار يوما وليلة ، وتلقاهم أعرابي ، فوقفوا عليه ، ~~فسأله كسرى ، وكان يحسن بالعربية شيئا ، من هو ؟ فأخبر أنه من طيئ ، وأن ~~اسمه إياس بن قبيصة ، فقال له : ( أين الحي ؟ ) ، فقال : ( قريب ) ، قال : ~~( فهل من قرى ، فقد بلغ منا الجوع ؟ ) ، قال : ( نعم ) ، فعدلوا معه إلى ~~الحي ، فنزلوا به ، وسرحوا خيلهم ترتع ، وأقاموا عنده يومهم ، فأحسن قراهم ~~، وزودهم ، وخرج بهم حين أمسوا يدلهم الطريق ، حتى أخرجهم لثلاث بيالس من ~~شاطئ الفرات . ثم انصرف . ### || [ دخول كسرى على قيصر وموقف البطارقة منه ] # وسار كسرى حتى انتهى إلى اليرموك ، فخرج إليه خالد بن جبلة الغساني ، ~~فقرأه ، ووجه معه خيلا حتى بلغ قيصر ، فدخل عليه ، وأبثه شأنه ، وما توجه ~~له ، فوجده بحيث أمل من نصره ، ومعونته . فقال له بطارقته : ( أيها الملك ~~قد علمت ما لقي من كان قبلك من آبائك من هؤلاء ، منذ زمان الإسكندر ، وكان ~~آخر ما لقينا منهم اغتصاب جد هذا إيانا مدن الشام التي لم تزل في أيدينا ~~إرثا من آبائنا منذ ألف عام ، فردها عليك أبو هذا حين أجلبت بخيلك ورجلك ، ~~فدع القوم يشتغل بعضهم ببعض ، فإن حرب العدو بعضهم بعضا فتح عظيم ) . فقال ~~قيصر لعظيم الأساقفة : ما تقول أنت يا كبيرنا ؟ ) . فقال : ( لا يحل لك ~~خذلانه ، إذ كان مبغيا عليه ، والرأي أن تنصره ، ليكون لك سلما ما بقيت ~~وبقي ) . قال قيصر : ( وهل يجوز للملوك أن يستجار بهم فلا يجيروا ؟ ) . ~~PageV01P142 فأخذ على كسرى العهود والمواثيق بالمسالمة ، وزوجه ابنته مريم ~~، ثم عقد لابنه ثيادوس في إبطال جنوده ، وفيهم عشرة رجال من الهزار مردين ، ~~وقواهم بالأموال والعتاد ، وأمرهم بالمسير معه ، وشيعهم ثلاثة أيام . ### || [ مسير كسرى بالجيش ] # فسار كسرى بالجيش ، فأخذ على أرمينية حتى إذا صار باذربيجان انضم إليه ~~خاله بندوية وموسيل الأرمني ومن معه من مرازبته ومرازبة فارس . وبلغ خبره ~~بهرام شوبين ، فسار جادا بالجنود حتى وافاه باذربيجان ، فعسكر على فرسخ من ~~معسكر كسرى . ثم تزاحفوا ، ونصب لكسرى وثيادوس سرير من ذهب فوق رابية تشرف ~~بهما على مجتلد القوم ، ولما تواقفت الخيلان أقبل رجل ms069 من الهزار مردين حتى ~~دنا من كسرى ، فقال : ( أرني هذا الذي غلبك على ملكك ) . فدخلت كسرى أنفة ~~من تعييره إياه بذلك ، فكظمها ، غير أنه أراه بهرام شوبين ، فقال : ( هو ~~صاحب الفرس الأبلق المعتجر بالعمامة الحمراء ، الواقف أمام أصحابه ) . ### || [ مبارزة بهرام للرومي ] # فمضى الرومي نحو بهرام شوبين ، فناداه : أن هلم إلى المبارزة ، فخرج إليه ~~بهرام ، فاختلفا ضربتين ، فلم يصنع سيف الرومي شيئا في بهرام ، لجودة درعه ~~، وضربه بهرام على مفرق رأسه ، وعليه البيضة ، فقد البيضة ، وأفضى السيف ~~إلى صدر الرومي ، فقده حتى وقع نصفين ، عن يمين وشمال . وأبصر ذلك كسرى ، ~~فاستغرب ضحكا ، فغضب ثيادوس ، وقال : ( ترى رجلا من أصحابي يعد بألف رجل قد ~~قتل فتضحك ، كأنك مسرور بقتل الروم ) ، فقال كسرى : ( إن ضحكي لم يكن سرورا ~~مني بقتله ، غير أنه عيرني بما قد سمعت ، فأحببت أن يعلم أن PageV01P143 ~~الذي غلبني على ملكي ، وهربت منه إليكم ، هذه ضربته ) . ### || [ فرار كسرى من مبارزة بهرام ] # وأن القوم اقتتلوا يومين ، فلما كان في اليوم الثالث دعا بهرام كسرى إلى ~~المبارزة ، فهم كسرى أن يفعل ، فمنعه ثيادوس ، وأبى كسرى ، فخرج إلى بهرام ~~، فتطاردا ساعة . ثم إن كسرى ولى منهزما ، وعارضه بهرام فاقتطعه عن أصحابه ~~، ومضى كسرى نحو جبل ، وبهرام في أثره يهتف به ، وبيده السيف ، وهو يقول : ~~( إلى أين يا فاسق ؟ ) . فجمع كسرى نفسه ، فساعدته القوة على تسنم الجبل ، ~~فلما نظر بهرام إلى كسرى قد علا ذروة الجبل علم أنه قد نصر عليه ، فانصرف ~~خاسئا ، وهبط كسرى من جانب آخر حتى أتى أصحابه ، ثم ابتكر الفريقان على ~~مصافهم في اليوم الرابع ، فاقتتلوا ، فكان الظفر لكسرى . ### || [ هزيمة بهرام وفراره ] # وانصرف بهرام في جنوده منهزما إلى معسكره ، فقال بندوية لكسرى : ( أيها ~~الملك ، إن الجنود الذين مع بهرام لو قد أمنوك على أنفسهم انحازوا إليك ، ~~فائذن لي أن أعطيهم الأمان عنك ) ، فأذن له . فلما أمسى بندوية أقبل حتى ~~وقف على رابية مشرفة على معسكر بهرام ، ثم نادى بأعلى صوته : ( أيها الناس ~~، أنا بندوية بن سابور ، وقد أمرني الملك كسرى ms070 أن أعطيكم الأمان ، فمن ~~انحاز إلينا منكم في هذه الليلة فهو آمن على نفسه وأهله وماله ) . ثم انصرف ~~. فلما أظلم الليل على أصحاب بهرام تحملوا حتى لحقوا بمعسكر كسرى إلا مقدار ~~أربعة آلاف رجل ، فإنهم أقاموا مع بهرام . ولما أصبح بهرام نظر إلى معسكره ~~خاليا قال : ( الآن حسن الفرار ) . فارتحل في أصحابه الذين أقاموا معه ، ~~وفيهم مردان سينه ويزدجشنس ، وكانا من فرسان العجم . ### || [ جيش كسرى يلاحق بهرام ] # فوجه كسرى في طلبه سابور بن أبركان في عشرة آلاف فارس ، فلحقه ، وعطف ~~عليه بهرام في أصحابه ، فاقتتلوا ، فانهزم سابور ، ومضى بهرام على وجهه ، ~~فمر في طريقه بقرية ، PageV01P144 فنزلها ، ونزل هو ومردان سينه ويزدجشنس ~~بيت عجوز ، فأخرجوا طعاما لهم ، فتعشوا وأطعموا فضلته العجوز ، ثم أخرجوا ~~شرابا ، فقال بهرام للعجوز : ( أما عندك شئ نشرب فيه ؟ ) ، قالت : ( عندي ~~قرعة صغيرة ) ، فأتتهم بها ، فجبوا رأسها ، وجعلوا يشربون فيها ، ثم أخرجوا ~~نقلا ، وقالوا للعجوز : ( أما عندك شئ يجعل عليه النقل ؟ ) فأتتهم بمنسف ، ~~فألقوا فيه ذلك النقل ، فأمر بهرام ، فسقيت العجوز ، ثم قال لها : ( ما ~~عندك من الخبر أيتها العجوز ؟ ) ، قالت : ( الخبر عندنا أن كسرى أقبل بجيش ~~من الروم ، فحارب بهرام ، فغلبه ، واسترد منه ملكه ) ، قال بهرام : ( فما ~~قولك في بهرام ؟ ) ، قالت : ( جاهل ، أحمق ، يدعي الملك ، وليس من أهل بيت ~~المملكة ) . قال بهرام : ( فمن أجل ذلك يشرب في القرع ، ويتنقل من المنسف ) ~~. فجرى مثلا في العجم يتمثلون به . ### || [ مسير بهرام إلى قارن ] # وسار بهرام حتى انتهى إلى أرض قومس ، وبها قارن الجبلي النهاوندي وكان ~~والي خراسان على حربها وخراجها ، وعلى قومس وجرجان ، وكان شيخا كبيرا قد ~~أناف على المائة ، وكان على تلك الناحية من قبل كسرى أنو شروان . ثم أقره ~~هرمزد بن كسرى ، فلما أفضى الأمر إلى بهرام عرف له قدره في العجم ، وفضله ، ~~فأقره مكانه . فلما انتهى بهرام إليه وجه قارن ابنه في عشرة آلاف فارس ، ~~فحالوا بين بهرام وبين النفوذ ، فأرسل إليه بهرام ( ما هذا جزائي منك ، إذ ~~أقررتك على عملك ؟ ) فأرسل إليه قارن : ( أن ما ms071 على من حق الملك كسرى وحق ~~آبائه أعظم مما على من حقك ، وكذلك عليك ، لو عرفت ، إذ شرفك ، فكافأته ، ~~إن خلعت طاعته ، وسعرت مملكة العجم نارا وحربا ، فكان قصاراك أن رجعت خائبا ~~حسيرا ، وصرت أحدوثة لجميع الأمم ) . فأرسل إليه بهرام : أن العنز يساوي ~~درهمين مرتين : إذا كان عناقا صغيرا ، وإذا هرم وسقطت أسنانه لم يساو أيضا ~~إلا درهمين ، وكذلك أنت في هرمك ونقصان عقلك . ### || [ الحرب بين بهرام وقارن ] # فلما أتت قارن هذه الرسالة ، غضب وخرج في ثلاثين ألف فارس ورجل من جنوده ~~، وتهيأ الفريقان للحرب . فلما التقوا قتل ابن قارن ، فانهزم أصحابه ، حتى ~~لحقوا بمدينة PageV01P145 قومس . ومضى بهرام على خوارزم ، فعبر النهر ، ~~ووغل في بلاد الترك من ذلك الوجه يؤم خاقان ليستجير به فيجيره ، ويمنع عنه ~~. وبلغ خاقان قدوم بهرام عليه ، فأمر طراخنته ، فاستقبلوه ، وأقبل حتى دخل ~~على خاقان ، فحياه بتحية الملك ، وقال : ( إني أتيتك أيها الملك مستجيرا بك ~~من كسرى وأهل مملكته لتمنعني وأصحابي ) ، فقال له خاقان : ( لك ولأصحابك ~~عندي الحماية والجوار والمواساة ) . ثم ابتنى له مدينة ، وبنى في وسطها ~~قصرا ، فأنزله وأصحابه فيها ، ودون لهم ، وفرض الأعطيات ، فكان بهرام يدخل ~~على خاقان كل يوم ، فيجلس منه مجلس إخوته ، وخاص أقاربه . ### || [ بهرام يؤلب الخاقان على أخيه ] # وكان لخاقان أخ يسمى ( بغاوير ) وكانت له نجدة وفروسية ، فرآه بهرام ~~يتذرع في منطقته غير هائب من الملك ، ولا موقرا لمجلسه ، فقال ذات يوم ~~لخاقان : ( أيها الملك ، إني أرى أخاك بغاوير يتذرع في الكلام ، ولا يرعى ~~لمجلسك ما يجب أن يرعى لمجلس الملوك ، وعهدنا بالملوك لا يتكلم إخوتهم ~~وأولادهم عندهم إلا بما يسألون عنه ) . فقال خاقان : ( إن بغاوير قد أعطي ~~نجدة في الحروب وفروسية ، فهو يدل بذلك ، على أنه يتربص بي الدوائر ، ويضمر ~~لي الحسد والعداوة ) . قال له بهرام : ( أفتحب أيها الملك أن أريحك منه ) . ~~قال : ( بما ذا ؟ ) . قال : ( بقتله ) . قال : ( نعم ، إن أمكنك ذلك من وجه ~~لا يكون على فيه مسبة ) . قال بهرام : ( سأتي من ذلك مالا يلزمك فيه عار ~~ولا عيب ms072 ) . ### || [ الجدل بين بهرام وبغاوير ] # فلما أصبحوا من غد أقبل بهرام ، فجلس عند خاقان مجلسه الذي كان يجلس فيه ~~، فأقبل بغاوير ، فجلس وجعل يتذرع في كلامه . فقال له بهرام : يا أخي ، لم ~~لا توفى الملك حقه ، وتظهر للناس هيبته وإجلاله . فقال له بغاوير : وما أنت ~~وذلك أيها الفارس الطريد الشريد ؟ ! PageV01P146 قال له بهرام : كأنك تصول ~~بفروسية لست فيها بأكثر مني . قال له بغاوير : فهل لك إلى مبارزتي ، فأعرفك ~~نفسك . قال له بهرام : أما أنا فلا أحب ذلك ، فإني متى غلبتك لم أقتلك ~~لمكانك من الملك . قال بغاوير : لكني إن غلبتك قتلتك ، فاخرج بنا إلى ~~الصحراء . قال بهرام : على النصفة إذا قال الملك ذلك ، وعلى أن لا قود على ~~إن قتلتك ، ولا لائمة من الملك وطراخنته . قال : نعم . فقال خاقان : مالك ~~ولهذا الرجل المستجير بنا ، العائذ بجوارنا ؟ قال بغاوير : أدعوه إلى ~~النصفة . قال : وأي نصفة ؟ قال : يقف لي وأقف له على مائتي ذراع ، فارميه ، ~~ويرميني ، فأينا قتل صاحبه لم يكن عليه لوم ولا عقل . قال له خاقان : أربع ~~على نفسك ، لاأم لك . قال : والله ليفعلن أو لأفتكن به بين يديك . قال : ~~فدونك إذن . ### || [ إصابة بهرام ومصرع بغاوير ] # فخرج بغاوير وبهرام في نفر من الطراخنة ينظرون ، ووقف بغاوير من بهرام ~~على مائتي ذراع ، فقال بهرام للطراخنة : لا تلوموني إن أنا قتلته ، فقد بغى ~~علي كما ترون . فقالوا : ليس عليك لوم . فصاح بغاوير ببهرام ، أتبدأ أنت ، ~~أم أبدأ أنا ؟ فناداه بهرام : بل ابدأ أنت ، فارم ، فأنت الباغي الظالم . ~~PageV01P147 فوتر بغاوير قوسه ، ووضع فيها نشابة ، ثم نزع حتى أغرقها ، ثم ~~أرسلها ، فصكت بهرام أسفل من سرته في وسط منطقته ، فنفذت المنطقة والدرع ~~وسائر اللباس حتى انتهت إلى صفاق بطنه الظاهر ، وأثرت فيه . وبادر بهرام ~~فنزعها ، ووقف هنيهة لا يضرب بيده إلى قوسه من شدة ما أصابه من ألم الرمية ~~، وظن بغاوير بأن قد قتله ، فركض نحوه ، فصاح بهرام : أن ارجع إلى مكانك ، ~~فقف لي كما وقفت لك ، فانصرف إلى مكانه ، فوقف ، وأخرج بهرام قوسه ، فوترها ms073 ~~، وكان لا يوترها سواه ، ثم وضع فيها نشابة ، ونزع حتى أغرقها ، ثم أرسلها ~~، فوقعت من بغاوير في مثل الموضع الذي وقعت نشابته من بهرام ، في وسط ~~المنطقة والدرع وسائر اللباس ، ومرقت من الجانب الآخر ، لم يذهب شئ من ~~ريشها ولا عقبها ، وسقط بغاوير ميتا . ### || [ قدر بهرام عند الخاقان ] # وبلغ ذلك خاقان ، فقال : لا يبعد الله غيره ، قد نهيته عن البغي ، فأبى ، ~~ثم تقدم إلى طراخنته وأهل بيته ، فقال : لا أعلمن أحدا منكم نوى لبهرام ~~سوءا ولا مكروها . فلما خلا بهرام بخاقان شكر له ما كان منه ، وقال : ( لقد ~~أرحتني ممن كان يتمنى موتي ، ليستبد بالملك دون ولدي ، ثم زاده إكراما ~~ومنزله وبرا ، وعظم قدر بهرام بأرض الترك ، واتخذ ميدانا على باب قصره ، ~~واتخذ الجواري والقيان والجوارح . وكان من أكرم الناس على خاقان . ### || [ تدابير كسرى بعد هرب بهرام ] # وإن كسرى عند انهزام بهرام وهربه أكرم ثيادوس ، ومن معه ، فأحسن جوائزهم ~~وصلاتهم ، وسرحهم إلى بلادهم ، وولى خاله بندوية دواوينه وبيوت أمواله ، ~~ونفذ أمره في PageV01P148 جميع المملكة ، وولى خاله بسطام أرض خراسان وقومس ~~وجرجان وطبرستان ، ووجه عماله في الآفاق ، ووضع عن الناس نصف الخراج . ### || [ كسرى يؤلب خاقان الترك وزوجته ضد بهرام ] # ولما بلغ كسرى عظيم قدر بهرام عند خاقان وجسيم منزلته ببلاد الترك خافه ~~أن يستجيش ويعود إلى محاربته ، فوجه هرمزد جرابزين إلى خاقان وافدا في ~~تجديد العهد ، ووجه معه بألطاف وطرف ، وأمره أن يتلطف بخاقان حتى يفسد قلبه ~~على بهرام . فسار هرمزد جرابزين حتى دخل على خاقان ، ومعه كتاب كسرى ، ~~وأوصل إليه هدايا كسرى وألطافه ، فقبلها خاقان ، وأمره بالمقام ليقضي ~~حوائجه ، فكان هرمزد يدخل على خاقان مع وفود الملوك ، فيحييه بتحية الملك . ~~ثم إنه دخل ذات يوم ، فرآه جالسا ، فقال : أيها الملك ، إني أراك قد ~~استصفيت بهرام وأسنيت منزلته ، ولم تفعل به من ذلك شيئا إلا وما كان فعل به ~~ملكنا أكثر منه ، فكان جزاؤه منه أن خلعه ، وأراد سفك دمه وخرج على ابنه ~~كسرى حتى نفاه من مملكته ، وما أحسب قصارى ms074 أمرك منه إلا الغدر ونكث العهد ، ~~فاحذره أيها الملك ، لا يفسد عليك ملكك . فلما سمع خاقان منه ذلك غضب غضبا ~~شديدا ، وقال : ( لولا أنك وافد ورسول لمنعتك من الدخول إلي لما استبان لي ~~من خرقك وعيبك بحضرتي أخي وصفيى ، فلا تعودن لمثل هذا ) . فقال هرمزد ~~جرابزين : أما إذ كان أيها الملك هذا رأيك فيه ، فأسألك أن تكتم علي ، لا ~~يبلغه ذلك ، فيقتلني ، فقال : ( هذا لك ) . فخرج هرمزد آيسا منه ، فاندس ~~إلى امرأته خاتون - ومن النساء السخافة وكفران النعم - فدخل عليها ذات يوم ~~، فلم يصادف عندها أحدا يخافه ، فقال لها : ( أيتها الملكة ، إنكم قد ~~اصطفيتم بهرام ، ورفعتموه فوق قدره ، وليس بمأمون أن يفسد عليكم ملككم كما ~~أفسده على هرمزد ملكنا ، ثم قص عليها ما كان منه ، وقال : أيتها الملكة ، ~~أقد نسيت قتله PageV01P149 عمك شاهان شاه واحتواءه على سريره وخزائنه ؟ فلم ~~يزل يذكرها هذا ، وأشباهه حتى أوقع في قلبها بغض بهرام والخوف منه على ~~زوجها وولدها . قالت : ( ويحك ، وما الذي يمكنني في أمره ، ومنزلته من ~~الملك منزلته ؟ ) . قال : ( الرأي أن تدسي إليه من يقتله ، فتأمني على زوجك ~~وولدك ) . فأمرت غلاما لها قد عرفته بالفتك والإقدام ، فقالت له : ( انطلق ~~الساعة حتى تدخل على بهرام وتتلطف لتقتله ، ولا تأتني إلا بعد الفراغ منه ) ~~. فانطلق الغلام حتى استأذن على بهرام ، وفي حجزته خنجر ، قد ستره ، وكان ~~ذلك اليوم يوم ورهام روز . ### || [ اغتيال بهرام ] # قالوا : وقد كان المنجمون قالوا في مولده ، إن منيته في ورهام روز ، فكان ~~لا يخرج ذلك اليوم من منزله ، ولا يأذن لأحد إلا لثقاته وخاصته ، فدخل ~~الإذن ، فأعلمه أن رسول الملكة يطلب الإذن ، فأذن له ، فدخل ، فحيا بهرام ~~وقال : ( إن الملكة قد وجهتني إليك برسالة ، فأخلني ) . فقام من عند بهرام ~~، فخرجوا . ودنا التركي منه ، كأنه يريد أن يساره ، ثم استل الخنجر فبعجه ~~به ، وخرج ، فركب دابته ، ومضى . ودخل أصحاب بهرام عليه ، فصادفوه يستدمي ، ~~وبيده ثوب ينشف به الدم ، فلما رأوه بتلك الحال بهتوا ، وقالوا : ( كيف لم ~~تهتف بنا ، فنأخذه ؟ ) ، فقال : ( إنما كان ms075 كلبا أمر بشئ فنفذ له ) ، وقال ~~لهم : ( إذا جاء القدر لم يغن الحذر ، وقد خلفت عليكم أخي مردان سينه ، ~~فأطيعوا أمره ) . وأرسل إلى خاقان يعلمه أمره ، فأقبل خاقان نحوه والها ~~فصادفه قد مات . PageV01P150 فواراه في ناووس ، وهم بقتل خاتون ، فحجز عن ~~ذلك لمكان ولده منها . ### || [ تناظر أصحاب بهرام ] # وإن أصحاب بهرام تناظروا فيما بينهم ، فقالوا : ( مالنا عند هؤلاء خير ، ~~وما الرأي إلا الخروج عن أرضهم ، فإنهم غدرة بالعهد ، كفرة للإحسان ، ~~والانتقال إلى بلاد الديلم ، فإنها أقرب إلى بلادنا ، وأمكن للطلب بثأرنا ~~من ملوكنا الذين شردونا ) ، فسألوا خاقان الإذن لهم في الانصراف ، فأذن لهم ~~، وأحسن إليهم ، وقواهم ، وبذرقهم إلى حدود أرضه . ### || [ رئاسة كردية أخت بهرام ] # وكان مع بهرام أخته ( كردية ) ، وكانت من أجمل نساء العجم ، وأبرعهن ~~براعة ، وأكملهن خلقا ، وأفرسهن فروسية ، فخرج أصحاب بهرام و كردية أمامهم ~~على دابة بهرام متسلحة بسلاحه ، حتى انتهوا إلى نهر جيحون مما يلي خوارزم ، ~~فعبروا هناك ، وانصرف عنهم الطراخنة ، وأخذ أصحاب بهرام على شاطئ النهر ، ~~ثم انحطوا إلى جرجان ، وسلكوا طبرستان ، ثم لزموا ساحل البحر حتى انتهوا ~~إلى بلاد الديلم ، فسألوهم السكنى معهم في بلادهم ، فأجابوهم إليه ، وكتبوا ~~بينهم كتابا : ( ألا يتأذى أحد بأحد ) ، فأقاموا آمنين ، واتخذوا المعايش ~~والقرى والمزارع ، وأيديهم مع أيدي الديلم في كل أمر . ### || [ كسرى يضمر الشر لخاليه ] # فلما قتل بهرام رأى كسرى أن قد صفا له الملك ، فلم يكن له همة إلا الطلب ~~بثأر أبيه هرمزد ، وأحب أن يبدأ بخاليه بندوية وبسطام ، ونسي أيادي بندوية ~~عنده ، فمكث كسرى يكاشرهما عشر سنين ، وإنه خرج في أيام الربيع كعادته ، ~~يريد الجبل ليصيف فيه ، فنزل حلوان وبندوية معه ، فأمر أن يضرب له قبة على ~~الميدان ، لينظر إلى المرازبة إذا لعبوا الكرة . PageV01P151 فجلس على تلك ~~القبة ، فرأى شيرزاد بن البهبوذان يضرب بالكرة ويجيد ، فكان كلما ضرب ، ~~فأجاد ، قال له كسرى ( زه سوار ) ، فأحصى الموكل ذلك مائة مرة قالها . فكتب ~~له إلى بندوية بأربعمائة ألف درهم ، لكل مرة أربعة آلاف درهم ، فلما وصل ~~الصك إلى بندوية ms076 قذفه من يده ، وقال : ( إن بيوت الأموال لا تقوم لهذا ~~التبذير ) . وبلغ كسرى قوله ، فجعل ذلك ذريعة إلى الوثوب به ، فأمر صاحب ~~حرسه أن يأتيه ، فيقطع يديه ورجليه ، فأقبل صاحب الحرس لينفذ فيه أمر كسرى ~~، فاستقبله بندوية يريد الميدان ، فأمر به ، فنكس عن دابته ، وقطع يديه ~~ورجليه ، وتركه متشحطا في دمه بمكانه . فجعل بندوية يشتم كسرى ، ويشتم أباه ~~، ويذكر غدر آل ساسان ، ونكثهم ، ويقال كل ذلك لكسرى ، فقال لمن حوله من ~~وزرائه : يزعم بندوية أن آل ساسان غدرة نكثة ، وينسى نفسه في غدره بالملك ، ~~أبينا ، حين دخل عليه مع أخيه بسطام ، فألقيا العمامة في عنقه ، ثم خنقاه ~~بها ظلما وعدوا ، ليتقربا بذلك إلي ، كأنه ليس لي بوالد . ### || [ رجم بندويه والتخطيط لقتل بسطام ] # ثم ركب إلى الميدان ، فمر ببندوية ، وهو ملقى على قارعة الطريق ، فأمر ~~الناس أن يرجموه بالحجارة ، فرجموه حتى مات . وقال : هذه ، حتى تأتي أختها ~~. يعني ما أراد من إلحاق بسطام بأخيه بندوية ، ثم أمر كاتب السر أن يكتب ~~إلى بسطام ليخلف على عمله ثقة ، ويقدم مستخفيا ليناظره في بعض الأمر ، ففعل ~~بسطام ذلك ، وأقبل على البريد ، فلما انتهى إلى حد قومس استقبله مردان به ~~قهرمان أخيه بندوية ، فلما نظر إليه من بعيد رفع صوته بالبكاء والعويل ، ~~فقال له بسطام : ( ما وراءك ؟ ) فأخبره بمقتل أخيه ، فلم يجد مذهبا في ~~الأرض ، فعدل إلى من بالديلم من أصحاب بهرام . ### || [ قدوم بسطام على أصحاب بهرام ومبايعته ] # وبلغ مردان سينه رئيس أصحاب بهرام قدوم بسطام عليه ، ففرح بذلك ، وخرج ~~متلقيا له في جميع أصحابه ، لشرف بسطام في العجم ، وفضله ، ثم أقبلوا به ~~حتى أنزلوه منزلا بهيا ، وركب إليه أشراف تلك البلاد ، فأقام عندهم آمنا ، ~~ثم إن مردان سينه ويزدجشنس PageV01P152 والعظماء قالوا لبسطام : ما بال ~~كسرى أحق بالملك منك ، وأنت ابن سابور بن خربنداد من صميم ولد بهمن بن ~~إسفندياذ ، وإنكم لإخوة بني ساسان وشركاؤهم ، فهلم نبايعك ونزوجك ) كردية ~~أخت بهرام ، ومعنا سرير ذهب قد كان حمله بهرام من المدائن ، فاجلس عليه ، ~~وادع لنفسك ms077 ، فإن أهل بيتك من ولد دارا بن بهمن سينحلبون إليك ، وإذا قويت ~~شوكتك ، وكثر جندك ، سرت إلى الغاد ركسرى ، فحاربته ، وحاولت ملكه ، فإن ~~نلت ما تريد فذاك الذي نحب وتحب ، وإن قتلت قتلت وأنت تحاول ملكا ، وإن ذلك ~~أبعد لصوتك ، وأنبه لذكرك . فلما سمع بسطام ذلك الكلام أصغى إليه ، وأجابهم ~~إلى ما عرضوا عليه ، فزوجوه كردية ، وأجلسوه على سرير الذهب ، وعقدوا على ~~رأسه التاج ، وبايعوه عن آخرهم ، ودعوه ملكا ، وتابعه أشراف البلاد ، ~~وانحلب إليه جيلان والبير والطيلسان ، وقوم كثير من أهل بيته من ناحية ~~العراق ممن كان يهواه ويهوى أخاه ، حتى صار في مائة ألف رجل . فخرج إلى ~~الدستبي وأقام بها ، وبث السرايا في أرض الجبل ، حتى بلغوا حلوان والصيمرة ~~وماسبذان ، وهرب عمال كسرى ، وتحصن الدهاقين في الحصون ورؤوس الجبال . ### || [ كتاب كسرى إلى بسطام ] # وبلغ ذلك كسرى ، فسقط في يده ، وعلم أنه لم يأخذ وجه الأمر في قتله ~~بندوية ، فأخذ الأمر من قبل الخديعة ، فكتب إلى بسطام : ( أنه قد بلغني ~~مصيرك إلى الغدرة الفسقة ، أصحاب الفاسق بهرام ، وتزيينهم لك مالا يليق بك ~~، ثم حملوك على الخروج على المملكة والعيث فيها والفساد من غير أن تعلم ما ~~أنوى لك ، وما انطوى عليه في بابك ، فدع التمادي في الغي وأقبل إلي آمنا ، ~~ولا يوحشنك قتل أخيك بندويه ) . . PageV01P153 ### || [ جواب بسطام ] # فأجابه بسطام : ( أن قد أتاني كتابك بما خبرت به من خديعتك ، وسطرت من ~~مكيدتك ، فمت بغيظك ، وذق وبال أمرك ، واعلم أنك لست بأحق بهذا الأمر مني ، ~~بل أنا أحق به منك ، لأني ابن دارا مقارع الإسكندر ، غير إنكم يا بني ساسان ~~غلبتمونا على حقنا وظلمتمونا ، وإنما كان أبوكم ساسان راعي غنم ، ولو علم ~~أبوه بهمن فيه خيرا ما زوى عنه الملك إلى أخته ( خماني ) . ### || [ توجيه الجيوش لحرب بسطام ] # فلما ورد كتابه على كسرى علم ألا طمع فيه ، فوجه إليه ثلاثة قواد في ~~ثلاثة عساكر ، كل عسكر اثنا عشر ألف رجل ، فنفذ العسكر الأول ، وعليه سابور ~~ابن أبركان ، ثم أردفه بالعسكر الثاني ، وعليه النخارجان ms078 ، ثم أردفهما ~~بالثالث ، وعليه هرمزد جرابزين ، فلما اتصل ببسطام فصول العساكر نحوه سار ~~حتى أتى همذان ، فأقام بها ، ووجه الرجالة إلى رءوس العقاب ، ليمنعوا الناس ~~من الصعود والنفوذ . ### || [ خروج كسرى بنفسه ] # قال : فأقامت العساكر دون الجبل بمكان يدعى قلوص ، وكتبوا إلى كسرى ~~يعلمونه ذلك ، فخرج كسرى بنفسه في خمسين ألف فارس ، حتى وافى جنوده وهم ~~معسكرون بقلوص ، فأقام عندهم ريثما أراح ، ثم سار على رستاق يسمى شراه ، ~~فنفذ منه إلى همذان في طريق لا جبل فيه ولا عقبة ، حتى أفضى إلى بطن همذان ~~، فعسكر هناك ، وخندق على نفسه . ### || [ استعار الحرب ولجوء كسرى إلى الحيلة ] # وسار إليه بسطام في جنوده ، فاقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام ، لا ينهزم ~~أحد من الفريقين عن صاحبه ، فلما رأى كسرى ذلك ، قال لكردي بن بهرام جشنس ~~أخي بهرام شوبين لأبيه وأمه ، وكان من أنصح المرازبة لكسرى ، وأشدهم له ودا ~~، وأسرعهم في طاعته نهوضا ، فقال : ( قد ترى ما نحن فيه من شدة هذه الحروب ~~، وإني قد رجوت الراحة مما نحن فيه بباب لطيف ) . قال : ( وما هو أيها ~~الملك ؟ ) قال : إن أختك كردية امرأة بسطام PageV01P154 متشوقة لا محالة ~~إلى الرجوع إلى أهلها ووطنها ، وأنا أعرف أنها إن آثرت قتل بسطام قدرت ~~لطمانينته إليها ، ولما بلغني من صرامتها وإقدامها ، وإن هي قتلته فلها على ~~ذمة الله : أن أتزوجها وأجعلها سيدة نسائي ، وأجعل الملك من بعدي لولد ، إن ~~كان لي منها ، وأنا كاتب على ذلك بخطي ، فأرسل إليها حتى تعرض ذلك عليها ، ~~وتنظر ما عندها فيه ) . قال له كردي : ( أيها الملك ، فاكتب لها بخطك ما ~~تطمئن إليه ، وتعرف صدق قولك فيه ، لأوجه إليها بالكتاب مع امرأتي ، فإنني ~~لاأثق بسواها في كتمان السر ) . ### || [ كتاب كسرى إلى كردية ] # فكتب لها كسرى بذلك ، وأكد ، فأخذ كردي الكتاب ، ووجهه مع امرأته إلى ~~كردية . وقد كان بسطام خرج بها معه لشدة وجده بها . فلما قرأت كردية كتاب ~~كسرى عرفت وثاقته ، فأفضت بسرها إلى ظئورتها وثقاتها ، فزين لها ذلك ~~لتشوقهن إلى أوطانهن . ولم ينكر بسطام مجئ ms079 المرأة إلى كردية لما عرف من إلف ~~النساء وتزاورهن . ### || [ قتل كردية إلى زوجها بسطام ] # وأن بسطام انصرف ذات عشاء إلى مضربه الذي فيه كردية تعبأ قد مسه الكلال ~~لشدة الحرب ، فدعا بطعام ، فنال منه ، ثم دعا بشرابه ، فجعلت كردية تسقيه ~~صرفا حتى غلبه السكر ، فنام ، فقامت إلى سيفه ، فوضعت ظبته في ثندوته ، ~~وتحاملت عليه حتى خرج من ظهره ، ثم خرجت من ساعتها ، فتحملت في حشمها ~~وظئورتها ، وقد كان أخوها كردي وقف لها على الطريق في خيل ، فلما انتهت ~~إليه انطلق بها ، فأنزلها في رحله . ### || [ زواج بسطام من كردية ] # ولما أصبح أصحاب بسطام ووجدوه قتيلا ارتحلوا هاربين نحو بلاد الديلم ، ~~فوجه كسرى سابور بن أبركان في عشرة آلاف فارس ، وأمره أن يقيم بقزوين ، ~~فتكون PageV01P155 مسلحة هناك ، وتمنع من أراد النفوذ من أرض الديلم إلى ~~مملكته ، ثم تزوج كردية ، وضمها إليه ، وانصرف إلى المدائن ، ونزلت كردية ~~من قلبه بموضع محبة شديدة ، وشكر لها ما كان منها ، وزاح عن كسرى ما يجد في ~~نفسه من الغضاضة بانتقامه من قتله أبيه ، واطمأن له ملكه وهدأ واستقر . ### || ( نجدة أبرويز لابن القيصر ) # قالوا : ثم إن ابن قيصر ملك الروم قدم على كسرى أبرويز ، فأخبره بأن ~~بطارقة الروم وعظماءها وثبوا على أبيه قيصر وأخيه ثيادوس بن قيصر ، ~~فقتلوهما جميعا ، وملكوا عليهم رجلا من قومهم ، يسمى كوكسان ، وذكره بلاء ~~أبيه وأخيه عنده ، فغضب أبرويز له ، ووجه معه ثلاثة قواد : أحدهم شاهين في ~~أربعة وعشرين ألف رجل ، فوغل في أرض الروم ، وبث فيها الغارات حتى انتهى ~~إلى خليج القسطنطينية ، فعسكر هناك ، والقائد الآخر ( بوبوذ ) فسار نحو أرض ~~مصر ، فأغار ، وعاث ، وأفسد حتى انتهى إلى الإسكندرية ، فافتتحها عنوة ، ~~وسار إلى البيعة العظمى التي بالإسكندرية ، فأخذ أسقفها ، فعذبه ، حتى دله ~~على الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها ، وكانت مدفونة في موضع ~~قد زرع فوقها الرياحين ، والقائد الثالث ( شهريار ) فسار حتى PageV01P156 ~~أتى الشام ، فقتل أهلها قتلا ذريعا ، حتى أخذها كلها عنوة . ### || [ قتل فوقاس وتولية هرقل ] # فلما رأى عظماء الروم ما ms080 حل بهم من كسرى اجتمعوا ، فقتلوا الرجل الذي ~~كانوا ملكوه ، وقالوا ( إن مثل هذا لا يصلح للملك ) وملكوا عليهم ابن عم ~~لقيصر المقتول يسمى هرقل ، وهو الذي بنى مدينة هرقلة ، فكانت هذه الغلبة ~~التي ذكرها الله تعالى في كتابه . ### || [ تغلب هرقل على جيش الفرس ] # وأن هرقل الذي ملكته الروم استجاش أهل مملكته ، وسار إلى القائد الذي كان ~~معسكرا على الخليج ، فحاربه حتى أخرجه من أرض الروم ، ثم صمد للذي كان بأرض ~~مصر ، فطرده عنها ، ثم عطف على شهريار ، فأخرجه عن الشام ، فوافت العساكر ~~كلها الجزيرة ، وسار هرقل نحوهم ، فواقعهم ، فهزمهم حتى بلغ بهم الموصل . ~~وذلك بلغ كسرى ، فخرج في جنوده نحو الموصل ، وانضم إليه قواده الثلاثة ، ~~وسار نحو هرقل ، فاقتتلوا ، فانهزم الفرس ، فلما رأى ذلك كسرى غضب على ~~عظماء جنوده ومرازبته ، فأمر بهم ، فحبسوا ليقتلهم . ### || ( تولية شيرويه بن أبرويز ) # ولما رأى أهل المملكة ذلك تراسلوا ، وعزموا على خلع كسرى ، وتمليك ابنه ~~شيرويه بن كسرى ، فخلعوه وملكوا شيرويه ، وحبسوا كسرى في بيت من بيوت القصر ~~، ووكلوا به ( حيلوس ) رئيس المستميتة ، وكان ذلك سنة PageV01P157 تسع من ~~هجرة النبي ، صلى الله عليه وعلى آله وسلم . وأن شيرويه أمر أن ينقل بأبيه ~~من دار المملكة ، فيحبس في دار رجل من المرازبة ، يسمى ( هرسفته ) ، فقنع ~~رأسه ، وحمل على برذون ، فانطلق به إلى تلك الدار ، فحبس فيها ، ووكل أمره ~~حيلوس في خمسمائة من الجند المستميتة . ثم إن عظماء أهل المملكة دخلوا على ~~شيرويه ، وقالوا : إنه لا يصلح أن يكون علينا ملكان اثنان ، فإما أن تأمر ~~بقتل أبيك وتنفرد بالأمر ، أو نخلعك ونرد الأمر إليه كما كان . فهدت شيرويه ~~هذه المقالة ، فقال : ( أجلوني يومي هذا ) . ### || [ رسالة شيرويه إلى أبيه ] # ثم أمر يزدان جشنس رئيس كتاب الرسائل ، فقال له : انطلق عن رسالتنا ~~لأبينا ، وقل له : ( إن الذي حل بك عقوبة من الله للذي سلف من سوء أعمالك ، ~~وأول ذلك ما كان منك إلى أبيك هرمزد ، ومنها حظرك علينا معاشر أولادك ، ~~ومنعك إيانا البراح ، وحبسك إيانا في دار كهيئة ms081 المجلس بلا رقة ولا رحمة ، ~~ومنها كفرانك إنعام قيصر عليك وأياديه عندك ، فلم تحفظ فيه ابنه وأقاربه ~~حين أتوك يسألونك أن ترد عليهم خشبة الصليب التي بعث بها إليك شاهين من ~~الإسكندرية ، فرددتهم عنها بلا حاجة منك إليها ولا درك لك في حبسها ، ومنها ~~ما أمرت به من قتل الثلاثين الألف رجل من مرازبتك وعظماء أساورتك بزعمك ~~انهم أول من انهزم عن الروم ، ومنها كثرة ما جمعت من الأموال ، وكثرتها في ~~خزائنك من جبايتكها عن الخراج بأعنف العنف ، وإنما PageV01P158 ينبغي ~~للملوك أن يملأوا خزائنهم مما يغنمون من بلاد أعدائهم بنحور الخيل وصدور ~~الرماح ، لامما يسألونه من رعيتهم ، ومنها قتلك النعمان بن المنذر ، وصرفك ~~ملك أرضه عن ولده وأهل بيته إلى غيرهم ، يعني إياس بن قبيصة الطائي ، فلم ~~تحفظ فيهم ما كان يحفظه آباؤك ، من حضانته بهرام جور جدك ، ومعونته بعد أن ~~خرج الملك عنه ، حتى رده عليه ، فكل هذه ذنوب ارتكبتها ، وآثام اقترفتها ، ~~لم يكن الله ليرضى منك فاخذك بها ) . ### || [ رد أبرويز على ابنه ] # فانطلق يزدان جشنس فأبلغ كسرى رسالة شيرويه لم يخرم منها حرفا ، فقال له ~~كسرى : قد أبلغت ، فأد الجواب كما أديت الرسالة : ( قل لشرويه القصير العمر ~~، القليل الغمر ، الناقص العقل ، نحن مجيبوك عن جميع ما أرسلت به إلينا من ~~غير اعتذار لتزداد علما بجهلك ، أما رضانا بما ارتكب من أبينا فإني ما ~~اطلعت على ما دبر القوم من الوثوب به ، وقد علمت لما استوطد لي السلطان إني ~~لم أدع أحدا مالا على خلعة وأجلب عليه بارتكاب حقه إلا قتلته ، وختمت ذلك ~~بخالي بندوية وبسطام مع ما كان من قيامهما بأمري ، وأما حظري عليكم معاشر ~~أبنائنا فإني فرغتكم لتعلم الأدب ، ومنعتكم من الانتشار فيما لا يعينكم ، ~~ولم أقصر في مطاعمكم مع ذلك ومصارفكم وملابسكم وطيبكم ومراكبكم ، وأما أنت ~~خاصة فإن المنجمين قضوا في مولدك بتثريب ملكنا ، وفسخ سلطاننا على يدك ، ~~فلم نأمر بقتلك ، ومع ذلك كتاب قرميسيا ملك الهند إلينا يعلمنا أن في ~~انقضاء سنة ثمان وثلاثين من ms082 ملكنا يفضي إليك هذا الأمر ، فكتمنا ذلك الكتاب ~~عنك ، مع علمنا أنه لا يفضى إليك إلا بهلاكنا ، وذلك الكتاب مع قضية مولدك ~~عند شيرين صاحبتنا ، فإن أردت فدونك ، فاقرأهما PageV01P159 لتزداد حسرة ~~وثبورا ، وأما ما ذكرت من كفراني نعمه قيصر بمنعى ولده وأهل بيته خشبة ~~الصليب ، فأيها المائق ، إن أكثر من ذلك الخشب ثلاثون ألف ألف درهم فرقتها ~~في رجال الروم الذين قدموا معي ، وألف ألف درهم هدايا وجهتها إلى قيصر ، ~~ومثل ذلك وصلت ابنه ثيادوس عند رجوعه إلى مملكته ، أفكنت أجود لهم بخمسين ~~ألف ألف درهم وأبخل بخشبة لا تساوي شيئا ؟ إنما احتبستها لأرتهن بها طاعتهم ~~، ولينقادوا لي في جميع ما أريده منهم لعظيم قدر الخشبة عندهم ، وأما غضبي ~~لقيصر وطلبي بثأره ، فقد قتلت به من الروم ما لم يحص عدده ، وأما قولك في ~~أولئك المرازبة ورؤساء الأساورة الذين هممت بقتلهم فإن أولئك اصطنعتهم ~~ثلاثين سنة ، وأسنيت أعطياتهم وأعظمت حبوتهم فلم أحتج إليهم في طول دهري ~~إلا ذلك اليوم الذي فشلوا فيه وخاموا ، فسل أيها الأخرق فقهاء هذه الملة ~~عمن قصر في نصرة ملكه ، وخام عن محاربة عدوه ، فسيخرونك انهم لا يستوجبون ~~العفو ولا الرحمة ، فأما ما عنفتني به من جمع الأموال فإن هذا الخراج لم ~~يكن مني بدعة ، ولم يزل الملوك يجبونه قبلي ليكون قوة للملك وظهرا للسلطان ~~، فإن ملكا من ملوك الهند كتب إلى جدي أنوشروان : أن مملكتك شبيهة بباغ ~~عامر عليه حائط وثيق ، وباب منيع ، فإذا انهدم ذلك الحائط أو تكسرت الأبواب ~~لم يؤمن أن ترعى فيه الحمير والبقر . وإنما عنى بالحائط الجنود ، وبأبوابه ~~الأموال . فاحتفظ أيها السخيف العقل بتلك الأموال ، فإنها حصن للملك ، ~~وقوام للسلطان ، وظهير على الأعداء ، ومفخرة عند الملوك ، وأما ما زعمت من ~~قتلى النعمان بن المنذر ، وإزالتي الملك عن آل عمرو بن عدي إلى إياس ابن ~~قبيصة ، فإن النعمان وأهل بيته واطئوا العرب ، وأعلموهم توكفهم خروج الملك ~~عنا إليهم ، وقد كانت وقعت إليهم في ذلك كتب ، فقتلته ، ووليت الأمر ~~أعرابيا لا يعقل من ms083 ذلك شيئا ) . انطلق إلى شيرويه ، فأخبره بذلك كله ، ~~فأبلغه يزدان جشنس ، لم يخرم منه شيئا ، فعلت شيرويه كآبة . PageV01P160 ### || [ مقتل أبرويز ] # ولما كان من الغد اجتمع عظماء أهل المملكة ، فدخلوا على شيرويه كما فعلوا ~~بالأمس ، فخاف على نفسه ، فجعل يرسل الرجل بعد الرجل من مرازبته لقتل أبيه ~~، فلا يقدم عليه أحد ، حتى بعث بشاب منهم يسمى يزدك بن مردان شاه مرزبان ~~بابل وخطرنية ، فلما دخل عليه ، قال : من أنت ؟ قال : أنا ابن مردان شاه ~~مرزبان بابل وخطرنية ، قال له كسرى : أنت لعمري صاحبي ، وذلك إني قتلت أباك ~~ظلما ، فضربه الغلام حتى قتله ، وانصرف إلى شيرويه فأخبره ، فلطم شيرويه ~~وجهه ، ونتف شعره ، وحبسه ، وانطلق في عظماء أهل المملكة حتى استودعه ~~الناووس ، ثم انصرف ، وأمر ، فقتل الغلام الذي قتل أباه . وفي ذلك العام ~~الذي ملك فيه شيرويه توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، واستخلف أبو بكر ~~رضي الله عنه . ### || [ موت شيرويه ] # ثم إن شيرويه لما ملك عمد إلى إخوته ، وكانوا خمسة عشر رجلا ، فضرب ~~أعناقهم ، مخافة أن يفسدوا عليه ملكه ، فسلطت عليه الأمراض والأسقام حتى ~~مات ، وكان ملكه ثمانية أشهر . PageV01P161 ### || [ أحداث فارس بعد موت شيرويه ] # فملكت فارس عليها بعده ابنه شيرزاد بن شيرويه ، وكان طفلا ، ووكلوا به ~~رجلا يحضنه ، ويقوم بتدبير الملك إلى أن أدرك . ولما بلغ شهريار وهو مقيم ~~في وجه الروم مقتل كسرى أقبل في جنوده حتى ورد المدائن ، وقد مات شيرويه ~~وملك ابنه شيرزاد ، فاغتصب الأمر ، ودخل المدائن ، فقتل كل من مالأ على قتل ~~كسرى وخلعه ، وقتل شيرزا وحاضنه ، وتولى أمر الملك ، ودعا نفسه ملكا ، وذلك ~~في العام الثاني عشر من التاريخ ( الهجرى ) . فلما تم لملك شهريار حول أنف ~~عظماء أهل المملكة من أن يلي ملكهم من ليس من أهل بيت المملكة ، فوثبوا ~~عليه فقتلوه ، وملكوا عليهم جوان شير ابن كسرى ، وكان طفلا ، وأمه كردية ~~أخت بهرام شوبين ، فملك حولا ، ثم مات . فملكوا عليهم بوران بنت كسرى ، ~~وذلك أن شيرويه لم يدع من إخوته أحدا إلا قتله ، خلا جوان ms084 شير فإنه كان ~~طفلا ، فعند ذلك وهى سلطان فارس وضعف أمرهم ، وفلت شوكتهم . PageV01P162 ### | [ المحور الثالث ] ### | [ الفتوحات الإسلامية زمن الخلفاء الراشدين ] ### || | [ الفتوح زمن أبي بكر ] # ### ||| | [ غارات العرب على أرض العجم ] # قالوا : فلما أفضى الملك إلى بوران بنت كسرى بن هرمز شاع في أطراف ~~الأرضين أنه لا ملك لأرض فارس ، وإنما يلوذون بباب امرأة ، فخرج رجلان من ~~بكر بن وائل ، يقال لأحدهما المثنى بن حارثة الشيباني ، والآخر سويد بن ~~قطبة العجلي ، فأقبلا حتى نزلا فيمن جمعا بتخوم أرض العجم ، فكانا يغيران ~~على الدهاقين ، فيأخذان ما قدرا عليه ، فإذا طلبا أمعنا في البر فلا ~~يتبعهما أحد ، وكان المثنى يغير من ناحية الحيرة ، وسويد من ناحية ( الأبلة ~~) وذلك في خلافة أبي بكر ، فكتب المثنى بن حارثة إلى أبي بكر رضي الله عنه ~~يعلمه ضراوته بفارس ، ويعرفه وهنهم ، ويسأله أن يمده بجيش . ### ||| | [ كتاب أبي بكر إلى خالد بن الوليد ] # فلما انتهى كتابه إلى أبي بكر رضي الله عنه كتب أبو بكر إلى خالد بن ~~الوليد ، وقد كان فرغ من أهل الردة ، أن يسير إلى الحيرة فيحارب فارس ، ~~ويضم إليه المثنى ومن PageV01P163 معه ، وكره المثنى ورود خالد عليه ، وكان ~~ظن أن أبا بكر ( سيوليه ) الأمر ، فسار خالد والمثنى بأصحابهما ، حتى أناخا ~~على الحيرة ، وتحصن أهلها في القصور الثلاثة . ### ||| | [ صلح خالد مع أهل الحيرة ] # ثم نزل عمرو بن بقيلة ، وحديثه مع خالد ، وأنه وجد معه شيئا من البيش ~~فاستفه على اسم الله ولم يضره ذلك معروف ، ثم صالحوه من القصور الثلاثة على ~~مائة ألف درهم يؤدونها في كل عام إلى المسلمين ثم ورد كتاب أبي بكر على ~~خالد مع عبد الرحمن جميل الجمحي ، يأمره بالشخوص إلى الشام ليمد أبا عبيدة ~~بن الجراح بمن معه من المسلمين ، فمضى ، وخلف بالحيرة عمرو بن حزم الأنصاري ~~مع المثنى ، وسار على الأنبار ، وانحط على عين التمر ، وكان بها مسلحة لأهل ~~فارس ، فرمى رجل منهم عمرو بن زياد بن حذيفة بن هشام بن المغيرة بنشابة ، ~~فقتله ، ودفن هناك . ### ||| | [ حصار خالد لعين التمر ms085 ] # وحاصر خالد أهل عين التمر حتى استنزلهم بغير أمان ، فضرب أعناقهم ، وسبى ~~ذراريهم ، ومن ذلك السبي أبو محمد بن سيرين وحمران بن أبان مولى عثمان بن ~~PageV01P164 عفان ، وقتل فيها خالد خفيرا كان بها من العرب يسمى هلال بن ~~عقبة ، وصلبه ، وكان من النمر بن قاسط ، ومر بحي من بني تغلب والنمر ، ~~فأغار عليهم ، فقتل وغنم حتى انتهى إلى الشام . ولم يزل عمرو بن حزم ~~والمثنى بن حارثة يتطرفان أرض السواد ويغيران فيها حتى توفي أبو بكر رضي ~~الله عنه . ### || | ( الفتوح في عهد عمر بن الخطاب ) # ### ||| | [ فتح العراق ] # وولي عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وكانت ولاية عمر سنة ثلاث عشرة ، ثم ~~إن عمر رضي الله عنه عزم على توجيه خيل إلى العراق ، فدعا أبا عبيد بن ~~مسعود ، وهو أبو المختار بن أبي عبيد الثقفي فعقد له على خمسة آلاف رجل ، ~~وأمره بالمسير إلى العراق ، وكتب إلى المثنى بن حارثة ، أن ينضم بمن معه ~~إليه ، ووجه مع أبي عبيد سليط بن قيس ، من بني النجار الأنصاري ، وقال لأبي ~~عبيد : ( قد بعثت معك رجلا هو أفضل منك إسلاما ، فاقبل مشورته ) وقال لسليط ~~: ( لولا أنك رجل عجل في الحرب لوليتك هذا الجيش ، والحرب لا يصلح لها إلا ~~الرجل المكيث ) فسار أبو عبيد نحو الحيرة ، لا يمر بحي من أحياء العرب إلا ~~استنفرهم ، فتبعه منهم PageV01P165 طوائف ، حتى انتهى إلى قس الناطف ~~فاستقبله المثنى فيمن معه . ### ||| | [ وقعة الجسر ] # وبلغ العجم إقبال أبي عبيد ، فوجهوا مردان شاه الحاجب في أربعة آلاف فارس ~~، فأمر أبو عبيد بالجسر ، فعقد ليعبر إليهم . فقال له المثنى : ( أيها ~~الأمير لا تقطع هذه اللجة ، فتجعل نفسك ومن معك غرضا لأهل فارس ) . فقال له ~~أبو عبيد ( جبنت يا أخا بكر ) . وعبر إليهم بمن معه من الناس ، وولي أبا ~~محجن الثقفي الخيل ، وكان ابن عمه ، ووقف هو في القلب ، وزحف إليهم الفرس ، ~~فاقتتلوا ، فكان أبو عبيد أول قتيل ، فأخذ الراية أخوه الحكم ، فقتل ، ثم ~~أخذها قيس بن حبيب أخو أبي محجن ، فقتل ، وقتل سليط ms086 بن قيس الأنصاري في نفر ~~من الأنصار كانوا معه ، فأخذ المثنى الراية ، وانهزم المسلمون . فقال ~~المثنى لعروة بن زيد الخيل الطائي ( انطلق إلى الجسر ، فقف عليه ) ، وحل ~~بين العجم وبينه ) . وجعل المثنى يقاتل من وراء الناس ، ويحميهم حتى عبروا ~~، ويوم جسر أبي عبيد معروف ، وسار المثنى بالمسلمين حتى بلغ الثعلبية ، ~~فنزل ، وكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع عروة بن زيد الخيل ، فبكى ~~عمر ، وقال لعروة : PageV01P166 ( ارجع إلى أصحابك ، فمرهم أن يقيموا ~~بمكانهم الذي هم فيه ، فإن المدد وارد عليهم سريعا ) ، وكانت هذه الوقعة في ~~شهر رمضان يوم السبت سنة ثلاث عشرة من التاريخ . ### ||| | [ وفود القبائل على عمر ] # ثم إن عمر بن الخطاب استنفر الناس إلى العراق ، فخفوا في الخروج ، ووجه ~~في القبائل يستجيش ، فقدم عليه مخنف بن سليم الأزدي في سبعمائة رجل من قومه ~~، وقدم عليه الحصين بن معبد بن زرارة في جمع من بني تميم زهاء ألف رجل ، ~~وقدم عليه عدي بن حاتم في جمع من طيئ ، وقدم عليه أنس بن هلال في جمع من ~~النمر بن قاسط ، فلما كثر عند عمر الناس عقد لجرير بن عبد الله البجلي ~~عليهم ، فسار جرير بالناس حتى وافى الثعلبية ، فضم إليه المثنى فيمن كان ~~معه ، وسار نحو الحيرة ، فعسكر بدير هند ، ثم بث الخيل في أرض السواد ، ~~تغير . ### ||| | [ عودة الحرب ومصرع مهران ] # وتحصن منه الدهاقين ، واجتمع عظماء فارس إلى بوران ، فأمرت أن يتخير اثنا ~~عشر PageV01P167 ألف رجل من إبطال الأساورة ، وولت عليهم ( مهران بن مهروية ~~الهمداني ) فسار بالجيش حتى وافى الحيرة ، وزحف الفريقان ، بعضهم لبعض ، ~~ولهم زجل كزجل الرعد ، وحمل المثنى في أول الناس ، وكان في ميمنة جرير ، ~~وحملوا معه . وثار العجاج ، وحمل جرير بسائر الناس من الميسرة والقلب ، ~~وصدقتهم العجم القتال ، فجال المسلمون جولة ، فقبض المثنى على لحيته ، وجعل ~~ينتف ما تبعه منها من الأسف ، ونادى ( أيها الناس ، إلي ، إلي ، أنا المثنى ~~) فثاب المسلمون ، فحمل بالناس ثانية ، وإلى جانبه مسعود بن حارثة أخوه ، ~~وكان من فرسان العرب ، فقتل ms087 مسعود ، فنادى المثنى : ( يا معشر المسلمين ، ~~هكذا مصرع خياركم ، ارفعوا راياتكم ) . وحض عدي بن حاتم أهل الميسرة ، وحرض ~~جرير أهل القلب ، وذمرهم ، وقال لهم : ( يا معشر بجيلة ، لا يكونن أحد أسرع ~~إلى هذا العدو منكم ، فإن لكم في هذه البلاد - إن فتحها الله عليكم - حظوة ~~ليست لأحد من العرب ، فقاتلوهم التماس إحدى الحسنيين ) . فتداعى المسلمون ، ~~وتحاضوا ، وثاب من كان انهزم ، ووقف الناس تحت راياتهم ، ثم زحفوا ، فحمل ~~المسلمون على العجم حملة صدقوا الله فيها ، وباشر مهران الحرب بنفسه ، ~~وقاتل قتالا شديدا ، وكان من إبطال العجم ، فقتل مهران ، وذكروا أن المثنى ~~قتله ، فانهزمت العجم لما رأوا مهران صريعا ، واتبعهم المسلمون ، وعبد الله ~~بن سليم الأزدي يقدمهم ، واتبعه عروة بن زيد الخيل ، فصار المسلمون إلى ~~الجسر ، وقد جازه بعض العجم ، وبقي بعض ، فصار من بقى منهم في أيدي ~~المسلمين ، ومضت العجم ، حتى لحقوا بالمدائن ، وانصرف المسلمون إلى معسكرهم ~~، فقال عروة بن زيد الخيل في ذلك : PageV01P168 هاجت لعروة دار الحي أحزانا ~~واستبدلت بعد عبد القيس همذانا وقد أرانا بها ، والشمل مجتمع إذ بالنخيلة ~~قتلى جند مهرانا أيام سار المثنى بالجنود لهم فقتل القوم من رجل وركبانا ~~سما لأجناد مهران وشيعته حتى أبادهم مثنى ووحدانا ما إن رأينا أميرا ~~بالعراق مضى مثل المثنى الذي من آل شيبانا إن المثنى الأمير القرم لا كذب ~~في الحرب أشجع من ليث بخفانا ### ||| | [ غزو سوق بغداد ] # قالوا : ولما أهلك الله مهران ومن كان معه من عظماء العجم استمكن ~~المسلمون من الغارة في السواد ، وانتقضت مسالح الفرس ، وتشتت أمرهم ، ~~واجترأ المسلمون عليهم ، وشنوا الغارات ما بين سورا وكسكر والصراة إلى ~~الفلاليج والأستانات ، فقال أهل الحيرة للمثنى : ( إن بالقرب منا قرية فيها ~~سوق عظيم ، تقوم في كل شهر مرة ، فتأتيها تجار فارس والأهواز وسائر البلاد ~~، فإن قدرت على الغارة PageV01P169 على تلك السوق أصبت أموالا رغيبة ) ~~يعنون سوق بغداد ، وكانت قرية تقوم بها سوق في كل شهر . فأخذ المثنى على ~~البر حتى أتى الأنبار ، فتحصن منه أهلها ، فأرسل إلى بسفروخ مرزبانها ms088 ليسير ~~إليه ، فيكلمه بما يريد ، وجعل له الأمان ، فأقبل المرزبان حتى عبر إليه ، ~~فخلا به المثنى ، وقال : ( إني أريد أن أغير على سوق بغداد ، فأريد أن تبعث ~~معي أدلاء ، فيدلوني على الطريق ، وتسوى لي الجسر ، لأعبر الفرات ) ، ففعل ~~المرزبان ذلك ، وقد كان قطع الجسر لئلا تعبر العرب إليه ، فعبر المثنى مع ~~أصحابه ، وبعث المرزبان معه الأدلاء ، فسار حتى وافى السوق ضحوة ، فهرب ~~الناس ، وتركوا أموالهم ، فملأوا أيديهم من الذهب والفضة ، وسائر الأمتعة ، ~~ثم رجع إلى الأنبار ، ووافى معسكره . ### ||| | [ غزوة عتبة بن غزوان وتمصير البصرة ] # ولما بلغ سويد بن قطبة العجلي أمر المثنى بن حارثة ، وما نال من الظفر ~~يوم مهران كتب إلى عمر بن الخطاب ، يعلمه وهن الناحية التي هوبها ، ويسأله ~~أن يمده بجيش . فندب عمر بن الخطاب لذلك الوجه عتبة بن غزوان المازني ، ~~وكان حليفا لبني نوفل بن عبد مناف ، وكانت له صحبة من رسول الله ص ، وضم ~~إليه ألفي رجل من المسلمين ، وكتب إلى سويد بن قطبة يأمره بالانضمام إليه . ~~فلما سار عتبة شيعة عمر رضي الله عنه ، فقال : ( يا عتبة ، إن إخوانك من ~~المسلمين قد غلبوا على الحيرة ، وما يليها ، وعبرت خيلهم الفرات حتى وطئت ~~بابل ، مدينة هاروت وماروت ومنازل الجبارين ، وإن خيلهم اليوم لتغير حتى ~~تشارف المدائن ، وقد بعثتك في هذا الجيش ، فاقصد قصد أهل الأهواز ، فاشغل ~~أهل تلك الناحية ، أن يمدوا أصحابهم بناحية السواد على إخوانكم الذين هناك ~~، وقاتلهم مما يلي الأبلة ) . PageV01P170 فسار عتبة بن غزوان حتى أتى مكان ~~البصرة اليوم ، ولم تكن هناك يومئذ إلا الخريبة ، وكانت منازل خربة ، وبها ~~مسالح لكسرى تمنع العرب من العبث في تلك الناحية ، فنزلها عتبة بن غزوان ~~بأصحابه في الأخبية والقباب ، ثم سار حتى نزل موضع البصرة ، وهي إذ ذاك ~~حجارة سود وحصى ، وبذلك سميت البصرة ، ثم سار حتى أتى الأبلة ، فافتتحها ~~عنوة ، وكتب إلى عمر رضي الله عنه : ( أما بعد ، فإن الله ، وله الحمد ، ~~فتح علينا الأبلة ، وهي مرقى سفن البحر من عمان ، والبحرين ، وفارس ، ~~والهند ، والصين ms089 ، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم ، وأنا كاتب إليك ببيان ~~ذلك إن شاء الله ) . وبعث بالكتاب مع نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي ، فلما ~~قدم على عمر رضي الله عنه تباشر المسلمون بذلك ، فلما أراد نافع الانصراف ، ~~قال لعمر : ( يا أمير المؤمنين . إني قد افتليت فلاء بالبصرة ، واتخذت بها ~~تجارة . فاكتب إلى عتبة ابن غزوان أن يحسن جواري ) . فكتب عمر بن الخطاب - ~~رضي الله عنه - إلى عتبة : ( أما بعد ، فإن نافع بن الحارث ذكر أنه قد ~~أفتلي فلاء ، وأحب أن يتخذ بالبصرة دارا ، فأحسن جواره ، واعرف له حقه ، ~~والسلام ) . فخط له عتبة بالبصرة خطة ، فكان نافع أول من خط خطة بالبصرة ، ~~وأول من أفتلي بها الإفلاء ، وارتبط بها رباطا ، ثم إن عتبة سار إلى المذار ~~، وأظهره الله عليهم ، ووقع مرزبانها في يده ، فضرب عنقه ، وأخذ بزته ، وفي ~~منطقته الزمرد والياقوت ، وأرسل بذلك إلى عمر رضي الله عنه ، وكتب إليه ~~بالفتح ، فتباشر الناس بذلك ، وأكبوا على الرسول ، يسألونه عن أمر البصرة ، ~~فقال إن المسلمين يهيلون PageV01P171 بها الذهب والفضة هيلا ، فرغب الناس ~~في الخروج ، حتى كثروا بها ، وقوي أمرهم ، فخرج عتبة بهم إلى فرات البصرة ، ~~فافتتحها ، ثم سار إلى ( دست ميسان ) فأفتحها بعد أن خرج إليه مرزبانها ~~بجنوده ، فالتقوا ، فقتل المرزبان ، وانهزمت العجم ، فدخل مدينتها لا يمنعه ~~شئ ، فخلف بها رجلا ، وسار إلى ( أبرقباذ ) فافتتحها ، ثم انصرف إلى مكانه ~~من البصرة ، وكتب إلى عمر رضي الله عنه بما فتح الله عليه من هذه المدن ~~والبلدان ، وبعث بالكتاب مع أنس بن الشيخ بن النعمان ، فاختلفت القبائل ~~إليها حتى كثروا بها . ### ||| | [ خطبة عتبة وفضله ] # ثم إن عتبة استأذن عمر في القدوم عليه ، فأذن له ، فاستخلف المغيرة بن ~~شعبة ، ثم خطب الناس حين أراد الخروج خطبة طويلة ، قال فيها : ( أعوذ بالله ~~أن أكون في نفسي عظيما ، وفي أعين الناس صغيرا ، وأنا سائر ، ولا حول ولا ~~قوة إلا بالله ، وستجربون الأمراء بعدي ، فتعرفون ) . وكان الحسن البصري ~~يقول ، إذا تحدث بهذا الحديث : قد جربنا الأمراء بعده ، فوجدنا له الفضل ms090 ~~عليهم . ### ||| | [ ولاية المغيرة على البصرة ] # وأن عمر رضي الله عنه أقر المغيرة على ثغر البصرة ، فسار بالناس نحو ( ~~ميسان ) ، PageV01P172 فخرج إليه مرزبانها ، فحاربه ، فأظهر الله المسلمين ~~، وافتتح البلاد عنوة ، وكتب إلى عمر بالفتح ، ثم كان من أمر المغيرة ~~والنفر الذين رموه ما كان . ### ||| | [ ولاية أبي موسى الأشعري على البصرة ] # وبلغ ذلك عمر رضي الله عنه ، فأمر أبا موسى الأشعري بالخروج إليها ، وأن ~~يصرف الخطط لمن هناك من العرب ، ويجعل كل قبيلة في محلة ، وأن يأمر الناس ~~بالبناء ، وأن يبني لهم مسجدا جامعا ، وأن يشخص إليه المغيرة بن شعبة ، ~~فقال أبو موسى : ( يا أمير المؤمنين ، فوجه معي نفرا من الأنصار ، فإن مثل ~~الأنصار في الناس كمثل الملح في الطعام ، فوجه معه عشرة من الأنصار ، فيهم ~~أنس ابن مالك ، والبراء بن مالك ، فقدم أبو موسى البصرة ، وبعث إليه ~~بالمغيرة بن شعبة ، والنفر الذين شهدوا عليه ، فسألهم عمر رضي الله عنه ، ~~فلم يصرحوا ، فجلدهم ، وأمر المغيرة أن يلحق بالبصرة ، فيعاون أبا موسى على ~~أمره ، ونظر أبو موسى إلى زياد بن عبيد ، وكان عبدا مملوكا لثقيف ، فأعجبه ~~عقله وأدبه ، فاتخذه كاتبا ، وأقام معه ، وقد كان قبل ذلك مع المغيرة بن ~~شعبة . ### ||| | [ ملك يزدجرد بن شهريار ] # قالوا : فلما نظرت الفرس إلى العرب قد حدقوا بهم ، وبثوا الغارات في ~~أرضهم قالوا فيما بينهما : إنما أتينا من تملك النساء علينا ، فاجتمعوا على ~~يزدجرد بن شهريار بن كسرى أبرويز ، فملكوه عليهم ، وهو يومئذ غلام ابن ست ~~عشرة سنة ، وثبتت طائفة على آزرميدخت ، فتحارب الفريقان ، فكان الظفر ~~ليزدجرد ، فخلعت آزرميدخت ، وتملك يزدجرد ، فجمع إليه أطرافه ، واستجاش ~~أقطار أرضه ، وولى عليهم PageV01P173 رستم بن هرمز ، وكان محنكا ، قد جربته ~~الدهور ، فسار رستم نحو القادسية . ### || | ( موقعة القادسية ) # ### ||| | [ مسير سعد إلى القادسية ] # وبلغ ذلك جرير بن عبد الله والمثنى بن حارثة ، فكتبا إلى عمر رضي الله ~~عنه ، يخبرانه ، فندب عمر الناس ، فاجتمع له نحو من عشرين ألف رجل ، فولى ~~أمرهم سعد بن أبي وقاص ، فسار سعد بالجيوش حتى وافى القادسية ، فضم إليه من ms091 ~~كان هناك ، وتوفي المثنى بن حارثة رحمه الله ، فلما انقضت عدة امرأة المثنى ~~تزوجها سعد بن أبي وقاص ، وأقبل رستم بجنوده حتى نزل دير الأعور . ### ||| | [ شجاعة طليحة بن خويلد ] # وإن سعدا بعث طليحة بن خويلد الأسدي ، وكان من فرسان العرب في جمع ليأتيه ~~بخبر القوم ، فلما عاينوا سوادهم ، ورأوا كثرتهم قالوا لطليحة : ( انصرف ~~بنا ) ، فقال : ( لا ، ولكني ماض حتى أدخل عسكرهم ، وأعلم علمهم ) . ~~فاتهموه ، وقالوا له : ( ما نحسبك تريد إلا اللحاق بهم ، وما كان الله ~~ليهديك بعد قتلك عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم ) ، فقال لهم طليحة : ( ملأ ~~الرعب قلوبكم ) ، وأقبل طليحة حتى دخل عسكر الفرس PageV01P174 ليلا ، فلم ~~يزل يجوسه ليلته كلها ، حتى إذا كان وجه السحر مر بفارس منهم يعد بألف فارس ~~، وهو نائم ، وفرسه مقيد ، فنزل ، ففك قيده ، ثم شد مقوده بثغر فرسه ، وخرج ~~من المعسكر ، واستيقظ صاحب الفرس ، فنادى في أصحابه ، وركب في أثره ، ~~فلحقوه ، وقد أضاء الصبح ، فبدر صاحب الفرس إليه ، ووقف له طليحة ، فاطعنا ~~، فقتله طليحة ، ولحقه فارس آخر ، فقتله طليحة ، ولحقه ثالث ، فأسره طليحة ~~، وحمله على دابته ، وأقبل به نحو عسكر المسلمين ، فكبر الناس ، ودخل على ~~سعد ، وأخبره الخبر . ### ||| | [ مطاولة رستم للعرب ] # وأقام رستم بدير الأعور معسكرا أربعة أشهر ، وأرادوا مطاولة العرب ~~ليضجروا ، وكان المسلمون إذا فنيت أزوادهم وأعلافهم جردوا الخيل ، فأخذت ~~على البر حتى تهبط على المكان الذي يريدون ، ويغيرون ، فينصرفون بالطعام ~~والعلف والمواشي . ### ||| | [ كتب عمر إلى المغيرة وأبي عبيدة ] # ثم إن عمر رضي الله عنه كتب إلى أبي موس يأمره أن يمد سعدا بالخيل ، فوجه ~~إليه أبو موسى المغيرة بن شعبة في ألف فارس ، وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح ~~، وهو بالشام يحارب الروم أن يمد سعدا بخيل ، فأمده بقيس بن هبيرة المرادي ~~في ألف فارس ، وكان في القوم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، وكانت عينه فقئت ~~يوم PageV01P175 اليرموك ، وفيهم الأشعث بن قيس ، والأشتر النخعي ، فساروا ~~حتى قدموا على سعد بالقادسية . ### ||| | [ زحف رستم إلى القادسية ] # وأن يزدجرد الملك كتب إلى رستم ms092 يأمره بمناجزة العرب ، فزحف رستم بجنوده ~~وعساكره حتى وافى القادسية ، فعسكر على ميل من معسكر المسلمين ، وجرت الرسل ~~فيما بينه وبين سعد شهرا ، ثم أرسل إلى سعد : أن ابعث إلى من أصحابك رجلا ، ~~له فهم وعقل وعلم ، لأكلمه ، فبعث إليه بالمغيرة بن شعبة ، فلما دخل عليه ~~قال له رستم : ( إن الله قد أعظم لنا السلطان ، وأظهرنا على الأمم ، وأخضع ~~لنا الأقاليم ، وذلل لنا أهل الأرضين ، ولم يكن في الأرض أمة أصغر قدرا ~~عندنا منكم ، لأنكم أهل قلة وذلة وأرض جدبة ، ومعيشة ضنك ، فما حملكم على ~~تخطيكم إلى بلادنا ؟ فإن كان ذلك من قحط نزل بكم ، فإنا نوسعكم ونفضل عليكم ~~، فارجعوا إلى بلادكم ) . ### ||| | [ مقالة المغيرة لرستم ] # فقال له المغيرة : ( أما ما ذكرت من عظيم سلطانكم ، ورفاهة عيشكم ، ~~وظهوركم على الأمم ، وما أوتيتم من رفيع الشأن ، فنحن كل ذلك عارفون ، ~~وسأخبرك عن حالنا : إن الله وله الحمد ، أنزلنا بقفار من الأرض ، مع الماء ~~النزر ، والعيش القشف يأكل قوينا ضعيفنا ، ونقطع أرحامنا ، ونقتل أولادنا ~~خشية الإملاق ، ونعبد الأوثان ، فبينا نحن كذلك بعث الله فينا نبيا ، من ~~صميمنا وأكرم أرومة فينا ، وأمره أن يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا ~~الله ، وأن نعمل بكتاب أنزله إلينا ، فآمنا به ، وصدقناه ، فأمرنا أن ندعو ~~الناس إلى ما أمره الله به ، فمن أجابنا كان له ما لنا ، وعليه ما علينا ، ~~ومن أبى ذلك سألناه الجزية عن يد ، PageV01P176 فمن أبى جاهدناه ، وأنا ~~أدعوك إلى مثل ذلك ، فإن أبيت فالسيف ) . وضرب يده مشيرا بها إلى قائم سيفه ~~. ### ||| | [ الاستعداد للحرب وعقد الألوية ] # فلما سمع ذلك رستم تعاظمه ما استقبله به ، واغتاظ منه ، فقال : ( والشمس ~~، لا يرتفع الضحى غدا حتى أقتلكم أجمعين ) فانصرف المغيرة إلى سعد ، فأخبره ~~بما جرى بينهما ، وقال لسعد ( استعد للحرب ) ، فأمر الناس بالتهيؤ ~~والاستعداد ، فبات الفريقان يكتبون الكتائب ، ويعبون الجنود ، وأصبحوا وقد ~~صفوا الصفوف ، ووقفوا تحت الرايات ، وكانت بسعد علة من خراج في فخذه قد ~~منعه الركوب ، فولى أمر الناس خالد بن عرفطة ، وولى القلب قيس ms093 بن هبيرة ، ~~وولى الميمنة شرحبيل ابن السمط ، وولى الميسرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ، ~~وولى الرجالة قيس بن خريم ، وأقام هو في قصر القادسية ، مع الحرم والذرية ، ~~ومعه في القصر أبو محجن الثقفي محبوسا في شراب شربه . ثم إن سعدا تقدم إلى ~~عمرو بن معدى كرب ، وقيس بن هبيرة ، وشرحبيل بن السمط ، وقال : إنكم شعراء ~~وخطباء وفرسان العرب ، فدوروا في القبائل والرايات ، وحرضوا الناس على ~~القتال . ### ||| | [ نشوب المعركة ] # قال : ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض ، وقد صف العجم ثلاثة عشر صفا ، ~~بعضها خلف بعض ، وصفت العرب ثلاثة صفوف ، فرشقتهم العجم بالنشاب حتى فشت ~~PageV01P177 فيهم الجراحات ، فلما رأى قيس بن هبيرة ذلك ، قال لخالد ابن ~~عرفطة ، وكان أمير الأمراء : أيها الأمير ، إنا قد صرنا لهؤلاء القوم غرضا ~~، فاحمل عليهم بالناس حملة واحدة ، فتطاعن الناس بالرماح مليا ، ثم أفيضوا ~~إلى السيوف . ### ||| | [ الحملة الأولى وشجاعة أبي محجن ] # وكان زيد بن عبد الله النخعي صاحب الحملة الأولى ، فكان أول قتيل ، فأخذ ~~الراية أخوه أرطأة ، فقتل ، ثم حملت بجيلة ، وعليها جرير بن عبد الله ، ~~وحملت الأزد ، وثار القتام ، واشتد القتال ، فانهزمت العجم حتى لحقوا برستم ~~، وترجل رستم ، وترجل معه الأساورة والمرازبة وعظماء الفرس ، وحملوا ، فجال ~~المسلمون جولة . وكلم أبو محجن أم ولد سعد ، فقال : أطلقيني من قيدي ، ولك ~~على عهد الله إن لم أقتل أن أرجع إلى محبسي هذا ، وقيدي . ففعلت ، وحملته ~~على فرس لسعد أبلق ، فانتهى إلى القوم مما يلي الأزد ، وبجيلة ، مما يلي ~~الميمنة ، فجعل يحمل ، ويكشف العجم ، وقد كانوا كثروا على بجيلة ، فجعل سعد ~~يعجب ، ولا يدري من هو ، ويعرف الفرس . ### ||| | [ مقتل رستم وفرار العجم ] # وبعث سعد إلى جرير بن عبد الله ، وكان معه لواء بجيلة ، وإلى الأشعث بن ~~قيس ، ومعه لواء كندة ، وإلى رؤساء القبائل : أن احملوا على القوم من ناحية ~~الميمنة على القلب ، فحمل الناس عليهم من كل وجه ، وانتقضت تعبية الفرس ، ~~وقتل رستم ، وولت العجم هاربة ، وانصرف إلى محبسه أبو محجن ، وطلب رستم في ~~المعركة ، فأصيب بين القتلى ms094 ، وبه مائة جراحة ، مابين طعنة وضربة ، ولم يدر ~~من قتله ، ويقال : بل ارتطم في نهر PageV01P178 القادسية ، فغرق ، وانتهت ~~هزيمة العجم إلى دير كعب ، فنزلوا هناك ، فاستقبلهم النخارجان ، وقد وجهه ~~يزدجرد مددا ، فوقف بدير كعب ، فكان لا يمر به أحد من الفل إلا حبسه قبله . ### ||| | [ مصرع النخارجان ] # ثم عبى القوم ، وكتبوا كتائبهم وأوقفوهم مواقفهم حتى وافتهم العرب ، ~~وتواقف الفريقان ، وبرز النخارجان ، فنادى ، مرد ومرد ، أي رجل ورجل ، فخرج ~~إليه زهير بن سليم أخو مخنف بن سليم الأزدي ، وكان النخارجان سمينا بدينا ~~جسيما ، وزهير رجلا مربوعا شديد العضدين والساعدين ، فرمى النخارجان نفسه ~~عن دابته عليه ، فاعتركا ، فصرعه النخارجان ، وجلس على صدره ، واستل خنجره ~~ليذبحه ، فوقعت إبهام النخارجان في فم زهير ، فمضغها ، واسترخى النخارجان ، ~~وانقلب عليه زهير ، وأخذ خنجره وأدخل يده تحت ثيابه ، فبعجه ، وقتله . ### ||| | [ مقتل جيلوس وفرار العجم ] # وكان برذون النخارجان مدربا ، فلم يبرح ، فركبه زهير وقد سلبه سواريه ~~ودرعه وقباءه ومنطقته ، فأتى به سعدا ، فأغنمه إياه ، وأمره سعد أن يتزيى ~~بزيه ، ودخل على سعد ، فكان زهير بن سليم أول من لبس من العرب السوارين ، ~~وحمل قيس بن هبيرة على جيلوس رأس المستميتة ، فقتله ، وحمل المسلمون من كل ~~جانب ، فانهزمت العجم ، وبادر جرير بن عبد الله إلى القنطرة ، فعطفوا عليه ~~، فاحتملوه برماحهم ، فسقط إلى الأرض ، ولحقه أصحابه ، وهربت عنه العجم ، ~~ولم يصبه شئ ، وعار فرسه ، فلم PageV01P179 يلحق ، فأتي ببرذون من مراكب ~~الفرس في عنقه قلادة زمرد ، فركبه ، وذهبت العجم على وجوهها حتى لحقت ~~بالمدائن . ### ||| | [ وصول بشير النصر إلى عمر ] # وكتب سعد إلى عمر رضي الله عنه بالفتح . وكان عمر يخرج في كل يوم ماشيا ~~وحده ، لا يدع أحدا يخرج معه ، فيمشي على طريق العراق ميلين أو ثلاثة ، فلا ~~يطلع عليه راكب من جهة العراق إلا سأله عن الخبر ، فبينا هو كذلك يوما طلع ~~عليه البشير بالفتح ، فلما رآه عمر رضي الله عنه ناداه من بعيد : ما الخبر ~~؟ ، قال : فتح الله على المسلمين ، وانهزمت العجم . وجعل الرسول يخب ناقته ~~، وعمر يعدو معه ، ويسأله ms095 ، ويستخبره ، والرسول لا يعرفه ، حتى دخل المدينة ~~كذلك ، فاستقبل الناس عمر رضي الله عنه ، يسلمون عليه بالخلافة وإمره ~~المؤمنين ، فقال الرسول ، وقد تحير : سبحان الله يا أمير المؤمنين ! أ لا ~~أعلمتني ؟ فقال عمر : لا عليك . ثم أخذ الكتاب ، فقرأه على الناس . ### ||| | [ تمصير الكوفة ] # وأقام سعد في عسكره بالقادسية إلى أن أتاه كتاب عمر ، يأمره أن يضع لمن ~~معه من العرب دار هجرة ، وأن يجعل ذلك بمكان لا يكون بين عمر وبينهم بحر ، ~~فسار إلى الأنبار ليجعلها دار هجرة ، فكرهها لكثرة الذباب بها ، ثم ارتحل ~~إلى كويفة ابن عمر ، فلم يعجبه موضعها ، فأقبل حتى نزل موضع الكوفة اليوم ، ~~فخطها خططا بين من كان معه ، وبنى لنفسه القصر والمسجد . ### ||| | [ حرق باب القصر ] # وبلغ عمر أن سعدا علق بابا على مدخل القصر ، فأمر محمد بن مسلمة أن يسير ~~إلى الكوفة ، فيدعو بنار ، فيحرق ذلك الباب ، وينصرف من ساعته ، وأقبل محمد ~~، فسار حتى دخل الكوفة ، وفعل ما أمر به ، وانصرف من ساعته ، وأخبر سعد ، ~~فلم يحر جوابا ، وعلم أن ذلك من أمر عمر ، فقال بشر بن أبي ربيعة : ~~PageV01P180 ألم خيال من أميمة موهنا وقد جعلت إحدى النجوم تغور ونحن ~~بصحراء العذيب ودونها حجازية إن المحل شطير فزارت غريبا نازحا ، جل ماله ~~جواد ، ومفتوق الغرار طرير وحلت بباب القادسية ناقتي وسعد بن وقاص على أمير ~~تذكر ، هداك الله ، وقع سيوفنا بباب قديس والمكر غرير عشية ود القوم لو أن ~~بعضهم يعار جناحي طائر فيطير إذا برزت منهم إلينا كتيبة أتونا بأخرى ~~كالجبال تمور فضاربتهم حتى تفرق جمعهم وطاعنت ، إني بالطعان بصير وعمرو أبو ~~ثور شهيد ، وهاشم وقيس ، ونعمان الفتى ، وجرير وقال عروة بن الورد : لقد ~~علمت عمرو ونبهان أنني أنا الفارس الحامي إذا القوم أدبروا وإني إذا كروا ~~شددت أمامهم كأني أخو قصباء جهم غضنفر صبرت لأهل القادسية معلما ومثلي إذا ~~لم يصبر القرن يصبر PageV01P181 فطاعنتهم بالرمح حتى تبددوا وضاربتهم ~~بالسيف حتى تكركروا بذلك أوصاني أبي ، وأبو أبي بذلك أوصاه ، فلست أقصر ~~حمدت إلهي إذ ms096 هداني لدينه فلله أسعى ما حييت وأشكر وقال قيس بن هبيرة : ~~جلبت الخيل من صنعاء تردى بكل مدجج كالليث حامي إلى وادي القرى فديار كلب ~~إلى اليرموك والبلد الشآمي فلما أن زوينا الروم عنها عطفناها ضوامر كالجلام ~~فابنا القادسية بعد شهر مسومة دوابرها دوامي فناهضنا هناك جموع كسرى وأبناء ~~المرازبة العظام فلما أن رأيت الخيل جالت قصدت لموقف الملك الهمام فأضرب ~~رأسه فهوى صريعا بسيف لاأفل ولا كهام وقد أبلى الإله هناك خيرا وفعل الخير ~~عند الله نامي نفلق هامهم بمهندات كان فراشها قيض النعام ### ||| | [ نزول المسلمين بإزاء المدائن ] # قالوا : ولما انهزمت العجم من القادسية وقتل صناديدهم مروا على وجوههم ~~حتى لحقوا بالمدائن ، وأقبل المسلمون حتى نزلوا على شط دجلة بإزاء المدائن ~~، فعسكروا هناك ، وأقاموا فيه ثمانية وعشرين شهرا ، حتى أكلوا الرطب مرتين ~~، وضحوا أضحيتين ، فلما طال ذلك على أهل السواد صالحه عامة الدهاقين بتلك ~~الناحية . PageV01P182 ### ||| | [ رحيل يزدجرد إلى حلوان واقتحام المسلمين نهر دجلة ] # ولما رأى يزدجرد ذلك جمع إليه عظماء مرازبته ، فقسم عليهم بيوت أمواله ~~وخزائنه ، وكتب عليهم بها القبالات ، وقال : إن ذهب ملكنا ، فأنتم أحق به ، ~~وإن رجع رددتموه علينا ، ثم تحمل في حرمه وحشمه ، وخاصة أهل بيته ، حتى أتى ~~حلوان ، فنزلها ، وولى خرزاد بن هرمز أخا رستم المقتول بالقادسية الحرب ، ~~وخلفه بالمدائن . وبلغ ذلك سعدا ، فتأهب ، وأمر أصحابه أن يقتحموا دجلة ، ~~وابتدأ ، فقال باسم الله ، ودفع فرسه فيها ، ودفع الناس ، فسلموا عن آخرهم ~~إلا رجلا غرق ، وكان على فرس شقراء ، فخرجت الفرس تنفض عرفها ، وغرق راكبها ~~، وكان من طيئ ، يسمى سليك بن عبد الله ، فقال سلمان ، وكان حاضرا يومئذ : ~~يا معشر المسلمين ، إن الله ذلل لكم البحر ، كما ذلل لكم البر ، أما والذي ~~نفس سلمان بيده ، ليغيرن فيه ، وليبدلن . ### ||| | [ تنهزام العجم إلى المدائن ] # قالوا : ولما نظرت الفرس إلى العرب قد أقحموا دوابهم الماء وهم يعبرون ، ~~تنادوا ( ديوان آمدند ، ديوان آمدند ) ، فخرج خرزاد في الخيل حتى وقف على ~~الشريعة ، ونادى : يا معشر العرب ، البحر بحرنا ، فليس لكم أن ms097 تقتحموه ~~علينا . وأقبلوا يرمون العرب بالنشاب ، واقتحم منهم ناس كثير الماء ، ~~فقاتلوا ساعة ، وكاثرتهم العرب ، فخرجت PageV01P183 الفرس من الشريعة ، ~~وخرج المسلمون ، وقاتلوهم مليا ، وانهزمت العجم حتى دخلت المدائن ، فتحصنوا ~~فيها ، وأناخ المسلمون عليهم مما يلي دجلة ، فلما نظر خرزاد إلى ذلك خرج من ~~الباب الشرقي ليلا في جنوده نحو جلولاء ، وأخلى المدائن ، فدخلها المسلمون ~~، فأصابوا فيها غنائم كثيرة ، ووقعوا على كافور كثير ، فظنوه ملحا ، فجعلوه ~~في خبزهم ، فأمر عليهم . وقال مخنف بن سليم : لقد سمعت في ذلك اليوم رجلا ~~ينادي : من يأخذ صحفة حمراء بصحفة بيضاء . لصحفة من ذهب لا يعلم ماهي . ~~وكتب سعد إلى عمر رضي الله عنه بالفتح ، وأقبل علج من أهل المدائن إلى سعد ~~، فقال : أنا أدلكم على طريق ، تدركون فيه القوم قبل أن يمعنوا في السير . ~~فقدمه سعد أمامه ، واتبعته الخيل ، فقطع بهم مخائض وصحاري . ### || | ( وقعه جلولاء ) # ### ||| | [ موافاة خيل المسلمين جلولاء ] # ثم إن خرزاد لما انتهى إلى جلولاء أقام بها ، وكتب إلى يزدجرد ، وهو ~~بحلوان ، يسأله المدد ، فأمده ، فخندق على نفسه ، ووجهوا بالذراري والأثقال ~~إلى خانقين ، ووجه سعد إليهم بخيل ، وولى عليها عمرو بن مالك بن نجبة بن ~~نوفل بن وهب بن عبد مناف بن زهرة ، فسار حتى وافى جلولاء ، والعجم مجتمعون ~~قد خندقوا على أنفسهم . فنزل المسلمون قريبا من معسكرهم ، وجعلت الأمداد ~~تقدم على العجم من الجبل ، وأصبهان . PageV01P184 ### ||| | [ استئذان سعد في مناجزة العجم ] # فلما رأى المسلمون ذلك قالوا لأميرهم عمرو بن مالك : ( ما تنتظر بمناهضة ~~القوم ، وهم كل يوم في زيادة ؟ ) . فكتب إلى سعد بن وقاص يعلمه ذلك ، ~~ويستأذنه في مناجزة القوم ، فأذن له سعد ، ووجه إليه قيس بن هبيرة مددا في ~~ألف رجل ، أربعمائة فارس ، وستمائة راجل . ### ||| | [ فتح الفتوح ] # وبلغ العجم أن العرب قد أتاهم المدد ، فتأهبوا للحرب ، وخرجوا ، ونهض ~~إليهم عمرو بن مالك في المسلمين ، وعلى ميمنته حجر بن عدي ، وعلى ميسرته ~~زهير ابن جوية ، وعلى الخيل عمرو بن معدي كرب ، وعلى الرجالة طليحة ابن ~~خويلد ، فتزاحف الفريقان ، وصبر بعضهم لبعض ، فتراموا بالسهام ms098 حتى أنفدوها ~~، وتطاعنوا بالرماح حتى كسروها ، ثم أفضوا إلى السيوف وعمد الحديد ، ~~فاقتتلوا يومهم ذلك كله إلى الليل ، ولم يكن للمسلمين فيه صلاة إلا إيماء ~~والتكبير ، حتى إذا اصفرت الشمس أنزل الله على المسلمين نصره ، وهزم عدوهم ~~، فقتلوهم إلى الليل ، وأغنمهم الله عسكرهم بما فيه . فقال محقن بن ثعلبة ، ~~فدخلت في معسكرهم إلى فسطاط ، فإذا أنا بجارية على سرير في جوف الفسطاط ، ~~كان وجهها داره القمر ، فلما نظرت إلي فزعت وبكت ، فأخذتها ، وأتيت الأمير ~~عمرو بن مالك ، فاستوهبته إياها ، فوهبها لي ، فاتخذتها أم ولد . وأصاب ~~خارجة بن الصلت في فسطاط من فساطيطهم ناقة من ذهب موشحة PageV01P185 ~~باللؤلؤ والدر الفارد ، والياقوت ، عليها تمثال رجل من ذهب ، وكانت على كبر ~~الظبية ، فدفعها إلى المتولي لقبض الغنائم . ### ||| | [ هرب يزدجرد إلى قم ] # قال : ومرت الفرس على وجوهها ، لا تلوي على شئ حتى انتهت إلى يزدجرد ، ~~وهو بحلوان ، فسقط في يديه ، فتحمل بحرمه وحشمه وما كان معه من أمواله ~~وخزائنه حتى نزل ( قم ) و ( قاشان ) . ### ||| | [ الغنائم والسبايا وعودة سعد إلى الكوفة ] # وأصاب المسلمون يوم جلولاء غنيمة لم يغنموا مثلها قط ، وسبوا سبيا كثيرا ~~من بنات أحرار فارس ، فذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول : ~~اللهم إني أعوذ بك من أولاد سبايا الجلوليات . فأدرك أبناؤهن قتال صفين ، ~~فخلف عمرو بن مالك بجلولاء جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف فارس ~~مسلحة بها ، ليردوا العجم عن نفوذها إلى ما يلي العراق ، وسار ببقية ~~المسلمين حتى وافى سعد بن أبي وقاص ، وهو مقيم بالمدائن ، فارتحل سعد ~~بالناس حتى ورد الكوفة ، وكتب إلى عمر رضي الله عنه بالفتح ، وأقام سعدا ~~أميرا على الكوفة وجميع السواد ثلاث سنين ونصفا ، ثم عزله عمر ، وولى مكانه ~~عمار بن ياسر على الحرب ، وعبد الله بن مسعود على القضاء ، PageV01P186 ~~وعمرو بن حنيف على الخراج . ### ||| | [ أخذ يزدجرد بنصيحة الهرمزان ] # قالوا : ولما انتهت هزيمة العجم إلى حلوان ، وخرج يزدجرد هاربا حتى نزل ( ~~قم ) و ( قاشان ) ومعه عظماء أهل بيته وأشرافهم ، قال له ms099 رجل من خاصته وأهل ~~بيته ، يسمى هرمزان ، وكان خال شيرويه بن كسرى أبرويز : أيها الملك إن ~~العرب قد اقتحمت عليك من هذه الناحية ، يعني حلوان ، ولهم جمع بناحية ~~الأهواز ، ليس في وجوههم أحد يردهم ، ولا يمنعهم من العيث والفساد ، يعني ~~خيل أبي موسى الأشعري ومن كان معه . قال يزدجرد : فما الرأي ؟ قال الهرمزان ~~: الرأي أن توجهني إلى تلك الناحية ، فأجمع إلي العجم ، وأكون ردءا في ذلك ~~الوجه ، وأجمع لك الأموال من فارس والأهواز ، واحملها إليك ، لتتقوى بها ~~على حرب أعدائك ، فأعجبه ذلك من قوله ، وعقد له على الأهواز وفارس ، ووجه ~~معه جيشا كثيفا . ### || | [ وقعة تستر ] # ### ||| | ( موافاة الهرمزان مدينة تستر ) # فأقبل الهرمزان حتى وافى مدينة تستر ، فنزلها ، ورم حصنها ، وجمع الميرة ~~فيها لحصار ، إن رهقه ، وأرسل فيما يليه يستنجدهم ، فوافاه بشر عظيم ، فكتب ~~أبو موسى إلى عمر ، يخبره الخبر ، فكتب عمر رضي الله عنه إلى عمار بن ياسر ~~، يأمره أن يوجه النعمان بن مقرن في ألف رجل من المسلمين إلى أبي موسى ، ~~فكتب عمار إلى جرير ، وكان مقيما بجلولاء ، يأمره باللحاق بأبي موسى ، فخلف ~~جرير بجلولاء عروة ابن قيس البجلي في ألفي رجل من العرب ، وسار ببقية الناس ~~حتى لحق بأبي موسى ، فكتب PageV01P187 أبو موسى إلى عمر يستزيده من المدد ، ~~فكتب عمر إلى عمار يأمره أن يستخلف عبد الله بن مسعود على الكوفة في نصف ~~الناس ، ويسير بالنصف الآخر حتى يلحق بأبي موسى ، فسار عمار حتى ورد على ~~أبي موسى ، وقد وافاه جرير من ناحية جلولاء . ### ||| | [ ألوية المسلمين ] # فلما توافت العساكر عند أبي موسى ارتحل بالناس ، وسار حتى أناخ على تستر ~~، وتحصن الهرمزان منه في المدينة ، ثم تأهب للحرب ، وخرج إلى أبي موسى ، ~~وعبى أبو موسى المسلمين ، فجعل على ميمنته البراء بن مالك أخا أنس بن مالك ~~، وعلى ميسرته مجزأة بن ثور البكري ، وعلى جميع الناس أنس بن مالك ، وعلى ~~الرجالة سلمة بن رجاء . ### ||| | [ هزيمة الأعاجم ودخولهم تستر ] # وتزاحف الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا ، حتى كثرت القتلى بين الفريقين ، ~~ثم أنزل الله ms100 نصره ، فانهزمت الأعاجم حتى دخلوا مدينة تستر ، فتحصنوا بها ، ~~وقتل البراء بن مالك ومجزأة بن ثور ، وقتل من الأعاجم في المعركة ألف رجل ، ~~وأسر منهم ستمائة أسير ، فقدمهم أبو موسى ، فضرب أعناقهم . ### ||| | [ قصة أبي موسى مع أحد الأشراف ] # وأقام المسلمون على باب مدينة تستر أياما كثيرة ، وحاصروا العجم بها ، ~~فخرج ذات ليلة رجل من أشراف أهل المدينة ، فأتى أبا موسى مستسرا ، فقال ( ~~تؤمنني على نفسي وأهلي وولدي ومالي وضياعي حتى أعمل في أخذك المدينة عنوة ؟ ~~قال أبو موسى : PageV01P188 إن فعلت فلك ذلك . قال الرجل ، وكان اسمه سينه ~~: ابعث معي رجلا من أصحابك . فقال أبو موسى : من رجل يشري نفسه ، ويدخل مع ~~هذا العجمي مدخلا لا آمن عليه فيه الهلاك ، ولعل الله أن يسلمه ، فإن يهلك ~~فإلى الجنة ، وإن يسلم عمت منفعته جميع الناس ؟ . فقام رجل من بني شيبان ، ~~يقال له ( الأشرس بن عوف ) ، فقال : أنا . فقال أبو موسى ( امض ، كلاك الله ~~) . فمضى حتى خاض به دجيل ، ثم أخرجه من سرب حتى انتهى به إلى داره ، ثم ~~أخرجه من داره ، وألقى عليه طيلسانا ، وقال : امش ورائي كأنك من خدمي . ~~ففعل ، فجعل سينه يمر به في أقطار المدينة طولا وعرضا ، حتى انتهى به إلى ~~الأحراس الذين يحرسون أبواب المدينة ، ثم انطلق حتى مر به على الهرمزان ، ~~وهو على باب قصره ، ومعه ناس من مرازبته ، وشمع أمامه ، حتى نظر الرجل إلى ~~جميع ذلك ، ثم انصرف إلى داره ، وأخرجه من ذلك السرب ، حتى أتى به أبا موسى ~~، فأخبره الأشرس بجميع ما رأى ، وقال : وجه معي مائتي رجل حتى أقصد بهم ~~الحرس ، فأقتلهم ، وأفتح لك الباب ، ووافنا أنت بجميع الناس . ### ||| | [ فتح تستر ] # فقال أبو موسى : من يشتري نفسه لله ، فيمضي مع الأشرس ؟ . فانتدب مائتا ~~رجل ، فمضوا مع الأشرس وسينه حتى دخلوا من ذلك النقب ، وخرجوا في دار سينه ~~، وتأهبوا للحرب ، ثم خرجوا والأشرس أمامهم ، حتى انتهوا إلى باب المدينة ، ~~وأقبل أبو موسى في جميع الناس حتى وافوا الباب من خارج ، وأقبل الأشرس ~~وأصحابه حتى أتوا ms101 الأحراس ، فوضعوا فيهم السيف ، وتداعى الناس ، وأسندوا ~~ظهورهم إلى حائط السور ، وأبو موسى وأصحابه يكبرون لتشتد بذلك ظهورهم ، ~~وأفضى أصحاب الأشرس إلى الباب ، فضربوا القفل حتى كسروه ، وفتحوا الباب ، ~~ودخل أبو موسى والمسلمون ، فوضعوا فيهم السيوف ، وهرب الهرمزان في عظماء ~~مرازبته حتى دخلوا الحصن الذي في جوف PageV01P189 المدينة ، وأخذ أبو موسى ~~المدينة بما فيها وحاصروا الهرمزان حتى فنى ما كان أعد في الحصن من الميرة ~~، ثم سأل الأمان ، فقال أبو موسى : أو منك على حكم أمير المؤمنين . فرضي ~~بذلك ، وخرج فيمن كان معه من أهل بيته ومرازبته إلى أبي موسى ، فوجه به ~~وبهم أبو موسى إلى عمر رضي الله عنه ، ووجه معه ثلاثمائة رجل ، وأمر عليهم ~~أنس بن مالك ، فساروا حتى انتهوا إلى ماء يقال له ( السمينة ) ، فأقبل أهل ~~الماء يمنعونهم من النزول خوفا من أن يفنوا ماءهم ، فلما علموا أن أنسا ~~صاحب القوم جاءوهم ، فنزلوا ، فقال رجل من أصحاب أنس لأنس : أخبر أمير ~~المؤمنين بما صنع هؤلاء بنا ، ليخرجوهم من هذا الماء . قال الهرمزان : وإن ~~أراد مريد أن يحولهم إلى مكان شر منه ، هل كان يجده ؟ . ثم ساروا حتى وافوا ~~المدينة ، فأتوا دار عمر ، وقد زينوا الهرمزان بقبائه ومنطقته وسيفه ~~وسواريه وتوأمتيه ، وكذلك من كان معه ، لينظر عمر رضي الله عنه إلى زي ~~الملوك والمرازبة وهيئتهم ، فكان من خبره ما هو مشهور . ### ||| | [ مسير أبي موسى إلى السوس ] # وانصرف عمار بن ياسر فيمن كان معه من أصحابه إلى أوطانهم بالكوفة ، وسار ~~أبو موسى من تستر ، حتى أتوا السوس ، فحاصرها ، فسأله مرزبانها أن يؤمنه في ~~ثمانين رجلا من أهل بيته وخاصة أصحابه ، فأجابه إلى ذلك ، فخرج إليه ، فعد ~~ثمانين رجلا ، ولم يعد نفسه فيهم فأمر أبو موسى به ، فضربت عنقه ، وأطلق ~~الثمانين الذين عدهم ، ثم دخل المدينة ، فغنم ما فيها ، ثم بعث منجوف بن ~~ثور إلى مهرجان PageV01P190 قذق ، فافتتحها ، ومعه السائب بن الأقرع ، ~~فانتهى السائب إلى قصر الهرمزان صاحب تستر ، وكان موطنه الصيمرة ، فدخل ~~القصر ، وكان من المدينة على ميل ، فنظر ms102 في بعض البيوت إلى تمثال في الحائط ~~ماد إصبعه مصوبها إلى الأرض ، فقال السائب ( ما صوبت إصبع هذا التمثال إلى ~~هذا المكان إلا لأمر ، احفروا هاهنا ) فحفروا ، فأصابوا سفطا ، كان ~~للهرمزان مملوءا جوهرا ، فاحتبس منه السائب فص خاتم ، وسرح بالباقي إلى أبي ~~موسى ، وأعلمه أنه أخذ منه فصا ، فسأله أن يهبه له ، ففعل أبو موسى ، ووجه ~~بالسفط إلى عمر رضي الله عنه ، فأرسل عمر إلى الهرمزان ، وقال : ( هل تعرف ~~هذا السفط ؟ ) فقال : ( نعم ، أفقد منه فصا ) قال عمر : ( إن صاحب المقسم ~~استوهبه ، فوهبه له أبو موسى ) ، فقال : ( إن صاحبكم لبصير بالجوهر ) . ### ||| | [ فتوح عثمان بن أبي العاص ] # ثم إن عمر ولى عثمان بن أبي العاص أرض البحرين ، فلما بلغه فتح الأهواز ~~سار بمن كان معه حتى أوغل في أرض فارس ، فنزل مكانا يسمى ( توج ) فصيره دار ~~هجرة ، وبنى مسجدا جامعا ، فكان يحارب أهل أردشير ، حتى غلب على طائفة من ~~أرضهم ، وغلب على ناحية من بلاد سابور ، وبلاد إصطخر ، وأرجان ، فمكث بذلك ~~حولا ، ثم خلف أخاه الحكم بن أبي العاص على أصحابه ولحق بالمدينة . وإن ~~مرزبان فارس جمع جموعا عظيمة ، وزحف إلى الحكم ، PageV01P191 فظفر به الحكم ~~، فقتله ، و كان اسمه ( سهرك ) . ### || | ( وقعة نهاوند ) # ### ||| | [ أسباب الوقعة ] # ثم كانت وقعة نهاوند سنة إحدى وعشرين ( 641 م ) ، وذلك أن العجم لما ~~قتلوا بجلولاء ، وهرب يزدجرد ، فصار بقم ، ووجه رسله في البلدان يستجيش ، ~~فغضب له أهل مملكته ، فتحلبت إليه الأعاجم من أقطار البلاد ، فأتاه أهل ~~قومس ، وطبرستان ، وجرجان ، ودنباوند ، والري ، وأصبهان ، وهمذان ، ~~والماهين ، واجتمعت عنده جموع عظيمة ، فولى أمرهم مردان شاه بن هرمز ، ~~ووجههم إلى نهاوند . ### ||| | [ خطبة عمر ] # وكتب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب بذلك ، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه ، وبيده الكتاب حتى صعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ثم قال : ( يا ~~معشر العرب ، إن الله أيدكم بالإسلام ، وألف بينكم بعد الفرقة ، وأغناكم ~~بعد الفاقة ، وأظفركم في كل موطن لقيتم فيه عدوكم ، فلم تفلوا ، ولم تغلبوا ~~، وإن الشيطان قد جمع جموعا ليطفئ ms103 نور الله ، وهذا كتاب عمار ابن ياسر ، ~~يذكر أن أهل قومس وطبرستان ودنباوند وجرجان والري وأصبهان وقم وهمذان ~~والماهين وماسبذان قد أجفلوا إلى ملكهم ، ليسيروا إلى إخوانكم بالكوفة ~~والبصرة حتى يطردوهم من أرضهم ، ويغزوكم في بلادكم ، فأشيروا علي ) . ~~PageV01P192 ### ||| | [ مقالة طلحة وعثمان بن عفان ] # فتكلم طلحة بن عبيد الله ، فقال : ( يا أمير المؤمنين ، إن الأمور ) قد ~~حنكتك ، وإن الدهور قد جربتك ، وأنت الوالي ، فمرنا نطع ، واستنهضنا ننهض ) ~~. ثم تكلم عثمان بن عفان ، فقال : ( يا أمير المؤمنين ، اكتب إلى أهل الشام ~~، فيسيروا من شامهم ، وإلى أهل اليمن ، فيسيروا من يمنهم ، وإلى أهل البصرة ~~، فيسيروا من بصرتهم ، وسر أنت بأهل هذا الحرم حتى توافي الكوفة ، وقد ~~وافاك المسلمون من أقطار أرضهم وآفاق بلادهم ، فإنك إذا فعلت ذلك كنت أكثر ~~منهم جمعا وأعز نفرا ) . ### ||| | [ مقالة الإمام علي ] # فقال المسلمون من كل ناحية ( صدق عثمان ) ، فقال عمر لعلي رضي الله عنهما ~~: ما تقول أنت يا أبا الحسن ؟ ) ، فقال علي رضي الله عنه : ( إنك إن أشخصت ~~أهل الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم ، وإن سيرت أهل اليمن من يمنهم ~~خلفت الحبشة على أرضهم ، وإن شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك الأرض من ~~أقطارها ، حتى يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم إليك مما قدامك ، وإن ~~العجم إذا رأوك عيانا قالوا ، هذا ملك العرب كلها ، فكان أشد لقتالهم ، ~~وأنا لم نقاتل الناس على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم ولا بعده بالكثرة ، ~~بل أكتب إلى أهل الشام أن يقيم منهم بشامهم الثلثان ، ويشخص الثلث ، وكذلك ~~إلى عمان ، وكذلك سائر الأمصار والكور ) . ### ||| | [ تولية النعمان بن مقرن ] # فقال عمر : الرأي الذي كنت رأيته ، ولكني أحببت أن تتابعوني عليه ، فكتب ~~بذلك إلى الأمصار ، ثم قال : لأولين الحرب رجلا يكون غدا لأسنة القوم جزرا ~~. فولى الأمر النعمان بن مقرن المزني ، وكان من خيار أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ، وكان على خراج PageV01P193 كسكر ، فدعا عمر السائب بن ~~الأقرع ، فدفع إليه عهد النعمان بن مقرن ، وقال له : إن قتل ms104 النعمان فولى ~~الأمر حذيفة بن اليمان ، وإن قتل حذيفة فولى الأمر جرير بن عبد الله البجلي ~~، وإن قتل جرير فالأمير المغيرة ابن شعبة ، وإن قتل المغيرة فالأمير الأشعث ~~بن قيس . ### ||| | [ كتاب عمر إلى النعمان ] # وكتب إلى النعمان بن مقرن ( أن قبلك رجلين هما فارسا العرب : عمرو بن ~~معدي كرب ، وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب ، ولا تولهما شيئا من الأمر ~~) ، ثم قال للسائب : إن أظفر الله المسلمين فتول أمر المغنم ولا ترفع إلي ~~باطلا ، وإن يهلك ذلك الجيش فاذهب ، فلا أرينك . ### ||| | [ المسير إلى نهاوند ومباشرة الحرب ] # فسار السائب حتى ورد الكوفة ودفع إلى النعمان عهده ، ووافت الأمداد ، ~~وخلف أبو موسى بالبصرة ثلثي الناس ، وسار بالثلث الآخر حتى وافى الكوفة ، ~~فتجهز الناس ، وساروا إلى نهاوند ، فنزلوا بمكان يسمى ( الإسفيذهان ) من ~~مدينة نهاوند على ثلاثة فراسخ ، قرب قرية يقال لها ( قديسجان ) ، وأقبلت ~~الأعاجم يقودها مردان شاه بن هرمزد ، حتى عسكروا قريبا من عسكر المسلمين ، ~~وخندقوا على أنفسهم ، وأقام الفريقان بمكانهما ، فقال النعمان لعمرو وطلحة ~~: ( ما تريان ؟ فإن هؤلاء القوم قد أقاموا بمكانهم لا يخرجون منه ، ~~وأمدادهم تترى عليهم كل يوم ) فقال عمرو : ( الرأي أن تشيع أن أمير ~~المؤمنين توفي ، ثم ترتحل بجميع من معك ، فإن القوم إذا بلغهم ذلك طلبونا ~~فنقف لهم عند ذلك ) ، ففعل النعمان ذلك ، وتباشرت الأعاجم ، وخرجوا في آثار ~~المسلمين ، حتى إذا قاربوهم وقفوا لهم ، ثم تزاحفوا ، فاقتتلوا ، فلم يسمع ~~إلا وقع الحديد على الحديد ، وكثرت القتلى من الفريقين ، وحال بينهما الليل ~~، فانصرف كل فريق إلى معسكرهم ، وبات PageV01P194 المسلمون لهم أنين من ~~الجراح ، ثم أصبحوا ، وذلك يوم الأربعاء ، فتزاحفوا ، واقتتلوا يومهم كله ، ~~وصبر الفريقان ، ثم كان ذلك دأبهم يوم الخميس ، وتزاحفوا يوم الجمعة ، ~~وتواقفوا ، وركب النعمان بن مقرن برذونا أشهب ، ولبس ثيابا بيضاء ، وسار ~~بين الصفوف ، يذمر المسلمين ، ويحضهم ، وجعل ينتظر الساعة التي كان الرسول ~~صلى الله عليه وسلم يقاتل فيها ، ويستنزل النصر ، وهي زوال النهار ، ومهب ~~الرياح ، وسار في الرايات يقول لهم ( إني هاز لكم الراية ثلاثا ، فإن ms105 ~~هززتها أول مرة فليشد كل رجل منكم حزام فرسه ، وليستلم شكته ، فإذا هززتها ~~الثانية فصوبوا رماحكم ، وهزوا سيوفكم ، فإذا هززتها الثالثة ، فكبروا ، ~~واحملوا ، فإني حامل ) . ### ||| | [ مصرع النعمان بن مقرن ] # فلما زالت الشمس بأدنى صلوا ركعتين ركعتين ، ووقف ، ونظر الناس إلى ~~الراية ، فلما هزها الثالثة كبروا ، وحملوا ، فانتقضت صفوف الأعاجم ، وكان ~~النعمان أول قتيل ، فحمله أخوه سويد بن مقرن إلى فسطاطه ، فخلع ثيابه ، ~~فلبسها ، وتقلد سيفه ، وركب فرسه ، فلم يشك أكثر الناس أنه النعمان ، ~~وثبتوا ، يقاتلون عدوهم ، ثم أنزل الله نصره ، PageV01P195 وانهزمت الأعاجم ~~، فذهبت على وجوهها ، حتى صاروا إلى قرية من نهاوند على فرسخين ، تسمى ( ~~دزيزيد ) فنزلوها لأن حصن نهاوند لم يسعهم ، وأقبل حذيفة بن اليمان ، وقد ~~كان تولى الأمر بعد النعمان ، حتى أناخ عليهم ، فحاصرهم بها . ### ||| | [ استسلام دينار الأعجمي وسقوط حصن نهاوند ] # قال : وإنهم خرجوا ذات يوم مستعدين للحرب ، فقاتلهم المسلمون ، فانهزمت ~~الأعاجم ، وانقطع عظيم من عظمائهم يسمى ( دينار ) فحال المسلمون بينه وبين ~~الدخول إلى الحصن ، واتبعه رجل من عبس ، يسمى ( سماك بن عبيد ) فقتل قوما ~~كانوا معه ، واستسلم له الفارس ، فاستأسره سماك ، فقال لسماك : ( انطلق بي ~~إلى أميركم ، فإني صاحب هذه الكورة ، لأصالحه على هذه الأرض ، وأفتح له باب ~~الحصن ) ، فانطلق به إلى حذيفة ، فصالحه حذيفة عليها ، وكتب له بذلك كتابا ~~. فأقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند ، ونادى من فيه ( افتحوا باب ~~الحصن ، وانزلوا ، فقد آمنكم الأمير ، وصالحني على أرضكم ) . فنزلوا إليه ، ~~فبذلك سميت ( ماه دينار ) . وأقبل رجل من أشراف تلك البلاد إلى السائب بن ~~الأقرع ، وكان على المغانم ، فقال له ( أتصالحني على ضياعي ، وتؤمنني على ~~أموالي ، حتى أدلك على كنز لا يدري ما قدره ، فيكون خالصا لأميركم الأعظم ، ~~لأنه شئ لم يؤخذ في الغنيمة ) . ### ||| | [ كنز النخارجان ] # وكان سبب هذا الكنز أن النخارجان الذي كان يوم القادسية أقبل بالمدد ، ~~فألفى العجم قد انهزموا ، فوقف ، فقاتل حتى قتل ، وكان من أعاظم الأعاجم ، ~~وكان كريما على كسرى أبرويز ، وكانت له امرأة من ( أكمل ) النساء جمالا ، ~~وكانت تختلف إلى PageV01P196 كسرى ms106 ، فبلغ النخارجان ذلك ، فرفضها ، فلم ~~يقربها ، وبلغ ذلك كسرى ، فقال يوما للنخارجان وقد دخل عليمع العظماء ~~والأشراف : ( بلغني أن لك عينا عذبة الماء ، وأنك لا تشرب منها ) فقال ~~النخارجان أيها الملك ، بلغني أن الأسد ينتاب تلك العين ، فاجتنبتها مخافة ~~الأسد ) فاستحلي كسرى جواب النخارجان ، وعجب من فطنته ، فدخل دار نسائه ، ~~وكانت له ثلاثة آلاف امرأة لفراشه ، فجمعهن وأخذ ما كان عليهن من حلي ، ~~فجمعه ، ودفعه إلى امرأة النخارجان ، ودعا بالصاغة ، فاتخذوا للنخارجان ~~تاجا من ذهب مكللا بالجوهر الثمين ، فتوجه به ، فبقي ذلك التاج وتلك الحلي ~~عند ولد بني المرأة ، فلما وقعت الحرب بناحيتهم ساروا به إلى قرية لأبيهم ، ~~سميت باسمه ، يقال لها ( الخوارجان ) وفيها بيت نار ، فاقتلعوا الكانون ~~ودفنوا الحلي تحته ، وأعادوا الكانون كهيئته . فقال له السائب : إن كنت ~~صادقا فأنت آمن على أولادك وضياعك وأهلك وولدك ، فانطلق به حتى استخرجه في ~~سفطين : أحدهما التاج ، والآخر الحلي . فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر ~~القتال ، وفرغ حمل السفطين في خرجين على ناقته ، وقدم بهما على عمر بن ~~الخطاب رضي الله عنه ، فكان من أمرهما الخبر المشهور ، اشتراهما عمرو بن ~~الحارث بعطاء المقاتلة والذرية جميعا ، ثم حملهما إلى الحيرة فباع بفضل ~~كثير ، واعتقد بذلك أموالا بالعراق ، وكان أول قرشي اعتقد PageV01P197 ~~بالعراق ، فقال عروة بن زيد الخيل يذكر أيامهم : ألا طرقت رحلي وقد نام ~~صحبتي بإيوان سيرين المزخرف خلتي ولو شهدت يومي جلولاء حربنا ويوم نهاوند ~~المهول استهلت إذا لرأت ضرب أمري غير خامل مجيد بطعن الرمح أروع مصلت ولما ~~دعوا يا عروة بن مهلهل ضربت جموع الفرس حتى تولت دفعت عليهم رحلتي وفوارسى ~~وجردت سيفي فيهم ثم التي وكم من عدو أشوس متمرد عليه بخيلي في الهياج أظلت ~~وكم كربة فرجتها وكريهة شددت لها أزري إلى أن تجلت وقد أضحت الدنيا لدي ~~ذميمة وسليت عنها النفس حتى تسلت وأصبح همي في الجهاد ونيتي فلله نفس أدبرت ~~وتولت فلا ثروة الدنيا نريد اكتسابها إلا أنها عن وفرها قد تحلت وما ذا ~~أرجى ms107 من كنوز جمعتها وهذى المنايا شرعا قد أظلت ### || | [ خلافة عثمان بن عفان ] # ### ||| | [ وفاة عمر وولاية عثمان ] # وتوفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة لأربع ليال بقين من ذي ~~الحجة سنة ثلاث وعشرين ، وكانت خلافته عشر سنين وستة أشهر ، واستخلف ~~PageV01P198 عثمان ابن عفان ، فعزل عمار بن ياسر عن الكوفة ، وولى الوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط ، وكان أخا عثمان لأمه ، أمهما أروى بنت أم حكيم بن ~~عبد المطلب بن هاشم ، وعزل أبا موسى الأشعري عن البصرة ، وولاها عبد الله ~~بن عامر بن كريز ، وكان ابن خال عثمان ، وكان حدث السن ، واستعمل عمرو بن ~~العاص على حرب مصر ، واستعمل عبد الله بن أبي سرح على خراجها ، وكان أخاه ~~من الرضاعة ، ثم عزل عمرو بن العاص ، وجمع الحرب والخراج لعبد الله بن أبي ~~سرح . ### ||| | [ فتح إفريقيا وقبرس ] # ثم كانت غزوة سابور من أرض فارس ، وافتتاحها . وأميرها عثمان بن أبي ~~العاص ، ثم كان فتح إفريقية سنة تسع وعشرين ، وأميرها عبد الله بن أبي سرح ~~، PageV01P199 ثم كان فتح قبرس ، وأميرها معاوية بن أبي سفيان . ### ||| | [ فتح إصطخر وحرب يزدجرد ] # ثم إن أهل إصطخر نزعوا يدا من الطاعة ، وقدمها يزدجرد الملك في جمع من ~~الأعاجم ، فسار إليهم عثمان بن أبي العاص وعبد الله بن عامر ، فكان الظفر ~~للمسلمين ، وهرب يزدجرد نحو خراسان ، فأتى مرو . فأخذ عامله بها ، وكان ~~اسمه ( ماهويه ) بالأموال ، وقد كان ماهويه صاهر خاقان ملك الأتراك ، فلما ~~تشدد عليه أرسل إلى خاقان يعلمه ذلك ، فأقبل خاقان في جنوده حتى عبر النهر ~~مما يلي آمويه ، ثم ركب المفازة حتى أتى مرو ، ففتح له ماهويه أبوابها ، ~~وهرب يزدجرد على رجليه وحده ، فمشى مقدار فرسخين حتى انتهى في السحر إلى ~~رحى فيها سراج يتقد ، فدخلها ، وقال للطحان : ( آوني عندك الليلة ) قال ~~الطحان : أعطني أربعة دراهم ، فإني أريد أن أدفعها إلى صاحب الرحا ، فناوله ~~سيفه ومنطقته ، وقال : ( هذا لك ، ) ففرش له الطحان كساءه ، فنام يزدجرد ~~لما ناله من شدة التعب ، فلما استثقل نوما قام إليه الطحان بمنقار ms108 الرحا ، ~~فقتله ، وأخذ سلبه ، وألقاه في النهر . ### ||| | [ هزيمة الترك ومقتل خاقان ] # ولما أصبح الناس تداعوا ، فأجلبوا على الأتراك من كل وجه ، فخرج خاقان ~~منهزما حتى أوغل في المفازة ، فطلبوا الملك فلم يجدوه ، فخرجوا يقفون أثره ~~حتى انتهوا إليه ، فوجدوه قتيلا مطروحا في الماء ، وأصابوا بزته عند الطحان ~~. PageV01P200 ### ||| | [ انقضاء ملك فارس ] # وذلك في السنة السادسة من خلافة عثمان ، وهي سنة ثلاثين من التاريخ ، ~~فعند ذلك انقضى ملك فارس ، وأرخوا عليه تاريخهم الذي يكتبون به اليوم . ~~وهرب ماهويه حتى نزل أبرشهر مخافة أن يقتله أهل مرو ، فمات بها . وسار عبد ~~الله بن خازم السلمي إلى سرخس ، فافتتحها أيضا ، وسار عبد الله ابن عامر ~~إلى كرمان وسجستان ، فافتتحهما . ### || | [ خلافة علي بن أبي طالب ] # ### ||| | ( مقتل عثمان وبيعة الإمام علي ) # ثم قتل عثمان رضي الله عنه ، فلما قتل بقي الناس ثلاثة أيام بلا إمام ، ~~وكان الذي يصلي بالناس الغافقي ، ثم بايع الناس عليا رضي الله عنه ، فقال : ~~( أيها الناس ، بايعتموني على ما بويع عليه من كان قبلي ، وإنما الخيار قبل ~~أن تقع البيعة ، فإذا وقعت فلا خيار ، وإنما على الإمام الاستقامة ، وعلى ~~الرعية التسليم ، وإن هذه بيعة عامة ، من ردها رغب عن دين الإسلام ، وإنها ~~لم تكن فلتة ) . ### ||| | [ إظهار علي السير إلى العراق ] # ثم إن عليا رضي الله عنه أظهر أنه يريد السير إلى العراق ، وكان على ~~الشام يومئذ PageV01P201 معاوية بن أبي سفيان ، وليها لعمر بن الخطاب سبعا ~~، ووليها جميع ولاية عثمان رضي الله عنه اثنتي عشرة سنة ، فواتاه الناس على ~~السير إلا ثلاثة نفر : سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، ~~ومحمد بن مسلمة الأنصاري . ### ||| | [ عمال علي على الأمصار ] # وبعث علي رضي الله عنه عماله إلى الأمصار ، فاستعمل عثمان بن حنيف على ~~البصرة ، وعمارة بن حسان على الكوفة ، وكانت له هجرة ، واستعمل عبد الله ~~ابن عباس على جميع أرض اليمن ، واستعمل قيس بن سعد بن عبادة على مصر ، ~~واستعمل سهل بن حنيف على الشام . فأما سهل فإنه لما انتهى إلى تبوك ms109 ، وهي ~~تخوم أرض الشام استقبله خيل PageV01P202 لمعاوية ، فردوه ، فانصرف إلى علي ~~، فعلم علي رضي الله عنه عند ذلك أن معاوية قد خالف ، وأن أهل الشام بايعوه ~~. ### ||| | [ موافاة الزبير وطلحة لعائشة ] # وحضر الموسم ، فاستأذن الزبير وطلحة عليا في الحج ، فأذن لهما ، وقد كانت ~~عائشة أم المؤمنين خرجت قبل ذلك معتمرة ، وعثمان محصور ، وذلك قبل مقتله ~~بعشرين يوما ، فلما قضت عمرتها أقامت ، فوافاها الزبير وطلحة . ### ||| | [ كتاب علي إلى معاوية ] # وكتب علي بن أبي طالب إلى معاوية ( أما بعد ، فقد بلغك الذي كان من مصاب ~~عثمان رضي الله عنه ، واجتماع الناس علي ومبايعتهم لي ، فأدخل في السلم أو ~~ائذن بحرب ) . وبعث الكتاب مع الحجاج بن غزية الأنصاري ، فلما قدم على ~~معاوية ، وأوصل كتاب علي إليه ، فقرأه ، فقال : ( انصرف إلى صاحبك ، فإن ~~كتابي مع رسولي على أثرك ) ، فانصرف الحجاج ، ### ||| | [ جواب معاوية ] # وأمر معاوية بطومارين ، فوصل أحدهما بالآخر ، ولفا ، ولم يكتب فيهما شيئا ~~إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، وكتب على العنوان ( من معاوية بن أبي سفيان ~~إلى علي بن أبي طالب ) . PageV01P203 ثم بعث به مع رجل من عبس ، له لسان ~~وجسارة ، فقدم العبسي على علي ، فناوله الكتاب ، ففتحه ، فلم ير فلم فيه ~~شيئا ، إلا بسم الله الرحمن الرحيم ، وعند علي وجوه الناس . فقام العبسي ، ~~فقال : ( أيها الناس ، هل فيكم أحد من عبس ؟ ) قالوا : نعم . قال : فاسمعوا ~~مني ، وافهموا عني ، أني قد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ خاضبي لحاهم بدموع ~~أعينهم تحت قميص عثمان ، رافعيه على أطراف الرماح ، قد عاهدوا الله ألا ~~يشيموا سيوفهم حتى يقتلوا قتلته ، أو تلحق أرواحهم بالله ) . فقام إليه ~~خالد بن زفر العبسي ، فقال : بئس لعمر الله وافد الشام أنت ، أتخوف ~~المهاجرين والأنصار بجنود أهل الشام وبكائهم على قميص عثمان ، فو الله ما ~~هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب ، ولئن بكوا عليه بالشام ، فقد خذلوه بالعراق ~~) . ### ||| | [ نصيحة المغيرة لعلي ] # ثم إن المغيرة بن شعبة دخل على علي رضي الله عنه ، فقال : ( يا أمير ~~المؤمنين ، إن لك حق الصحبة ، فأقر معاوية على ما ms110 هو عليه من أمرة الشام ، ~~وكذلك جميع عمال عثمان ، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعتهم استبدلت حينئذ أو ~~تركت ) ، فقال علي رضي الله : ( أنا ناظر في ذلك ) . وخرج عنه المغيرة ثم ~~عاد إليه من غد ، فقال : ( يا أمير المؤمنين ، إني أشرت أمس عليك برأي ، ~~فلما تدبرته عرفت خطاه ، والرأي أن تعاجل معاوية وسائر عمال عثمان ~~PageV01P204 بالعزل ، لتعرف السامع المطيع من العاصي ، فتكافئ كلا بجزائه ) ~~ثم قام ، فتلقاه ابن عباس داخلا ، فقال لعلي رضي الله عنه : ( فيم أتاك ~~المغيرة ؟ ) فأخبره علي بما كان من مشورته بالأمس ، وما أشار عليه بعد ، ~~فقال ابن عباس : ( أما أمس فإنه نصح لك ، وأما اليوم فغشك . ) وبلغ المغيرة ~~ذلك ، فقال : ( صدق ابن عباس ، نصحت له ، فلما رد نصحي بدلت قولي ) ، ولما ~~خاض الناس في ذلك سار المغيرة إلى مكة ، فأقام بها ثلاثة أشهر ، ثم انصرف ~~إلى المدينة . ### ||| | [ موقف بعض الصحابة من علي ] # ثم إن عليا رضي الله عنه نادى في الناس بالتأهب للمسير إلى العراق ، فدخل ~~عليه سعد بن أبي وقاص ، وعبد الله بن عمر بن الخطاب ، ومحمد بن مسلمة ، ~~فقال لهم : ( قد بلغني عنكم هناة كرهتها لكم ) ، فقال سعد : ( قد كان ما ~~بلغك ، فأعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر حتى أقاتل به معك ) . وقال عبد ~~الله بن عمر : ( أنشدك الله أن تحملني على ما لا أعرف ) . وقال محمد بن ~~مسلمة : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أقاتل بسيفي ما قوتل ~~به المشركون ، فإذا قوتل أهل الصلاة ضربت به صخر أحد حتى ينكسر ، وقد كسرته ~~بالأمس ) . ثم خرجوا من عنده . ثم إن أسامة بن زيد دخل ، فقال : ( أعفني من ~~الخروج معك في هذا الوجه ، فإني عاهدت الله ألا أقاتل من يشهد أن لا إله ~~إلا الله ) . وبلغ ذلك الأشتر ، فدخل على علي ، فقال : ( يا أمير المؤمنين ~~، إنا وإن لم نكن من المهاجرين والأنصار ، فإنا من التابعين بإحسان ، وإن ~~القوم وإن كانوا أولى بما سبقونا إليه فليسوا بأولى مما شركناهم فيه ، وهذه ~~بيعة عامة ، الخارج ms111 منها طاعن مستعتب ، فحض هؤلاء الذين يريدون التخلف عنك ~~باللسان ، فإن أبوا فأدبهم بالحبس ) فقال علي : ( بل أدعهم ورأيهم الذي هم ~~عليه ) . PageV01P205 ### ||| | [ رأي عقبة بن عامر في مسير علي إلى العراق ] # ولما هم علي رضي الله عنه بالمسير إلى العراق ، اجتمع أشراف الأنصار ، ~~فأقبلوا حتى دخلوا على علي ، فتكلم عقبة بن عامر ، وكان بدريا فقال : ( يا ~~أمير المؤمنين إن الذي يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم ، والسعي بين قبره ومنبره أعظم مما ترجو من العراق ، فإن كنت إنما ~~تسير لحرب الشام ، فقد أقام عمر فينا ، وكفاه سعد زحف القادسية ، وأبو موسى ~~زحف الأهواز ، وليس من هؤلاء رجل إلا ومثله معك ، والرجال أشباه ، والأيام ~~دول ) ، فقال علي ( إن الأموال والرجال بالعراق ، ولأهل الشام وثبة أحب أن ~~أكون قريبا منها ) . ونادى في الناس بالمسير ، فخرج وخرج معه الناس . ### || | ( وقعة الجمل ) # ### ||| | [ تآمر الزبير وطلحة ] # قالوا : ولما قضى الزبير وطلحة وعائشة حجهم تآمروا في مقتل عثمان ، فقال ~~الزبير وطلحة لعائشة : ( إن أطعتنا طلبنا بدم عثمان ) . قالت : ( وممن ~~تطلبون دمه ؟ ) ، قالا : ( إنهم قوم معروفون ، وإنهم بطانة علي ورؤساء ~~أصحابه ، فاخرجي معنا حتى نأتي البصرة فيمن تبعنا من أهل الحجاز ، وإن أهل ~~البصرة لو قد رأوك لكانوا جميعا يدا واحدة معك ) . فأجابتهم إلى الخروج ، ~~فسارت والناس حولها يمينا وشمالا . ### ||| | [ مسير علي إلى ذي قار ] # ولما فصل علي من المدينة نحو الكوفة بلغه خبر الزبير وطلحة وعائشة ، فقال ~~لأصحابه : ( إن هؤلاء القوم قد خرجوا يؤمون البصرة ) ، لما دبروه بينهم ، ~~فسيروا بنا على أثرهم ، لعلنا نلحقهم قبل موافاتهم ، فإنهم لو قد وافوها ~~لمال معهم جميع أهلها ) ، قالوا : ( سر بنا يا أمير المؤمنين ) . فسار حتى ~~وافى ذا قار ، فأتاه الخبر بموافاة القوم البصرة ، PageV01P206 ومبايعة أهل ~~البصرة لهم إلا بني سعد ، فإنهم لم يدخلوا فيما دخل فيه الناس ، وقالوا ~~لأهل البصرة : ( لا نكون معكم ولا عليكم ) ، وقعد عنهم أيضا كعب بن سور في ~~أهل بيته ، حتى أتته عائشة في منزله ، فأجابها ، وقال : ( أكره ألا أجيب ms112 ~~أمي ) ، وكان كعب على قضاء البصرة . ### ||| | [ استنهاض علي هل الكوفة ] # ولما انتهى الخبر إلى علي وجه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ليستنهض أهل ~~الكوفة ، ثم أردفه بابنه الحسن وبعمار بن ياسر ، فساروا حتى دخلوا الكوفة ، ~~وأبو موسى يومئذ بالكوفة ، وهو جالس في المسجد ، والناس محتوشوه وهو يقول : ~~( يا أهل الكوفة ، أطيعوني تكونوا جرثومة من جراثيم العرب ، يأوي إليكم ~~المظلوم ، ويأمن فيكم الخائف ، أيها الناس ، إن الفتنة إذا أقبلت شبهت ، ~~وإذا أدبرت تبينت ، وإن هذه الفتنة الباقرة لا يدرى من أين تأتي ، ولا من ~~أين تؤتى ، شيموا سيوفكم ، وانزعوا أسنة رماحكم ، واقطعوا أوتار قسيكم ، ~~والزموا قعور البيوت ، أيها الناس ، إن النائم في الفتنة خير من القائم ، ~~والقائم خير من الساعي ) . PageV01P207 ### ||| | | [ موقف الحسن وعمار وحجر بن عدي ] # فانتهى الحسن بن علي وعمار رضي الله عنهما إلى المسجد الأعظم وقد اجتمع ~~عالم من الناس على أبي موسى ، وهو يقول لهم هذا وأشباهه ، فقال له الحسن : ~~( اخرج عن مسجدنا ، وامض حيث شئت ) . ثم صعد الحسن المنبر ، وعمار صعد معه ~~، فاستنفرا الناس ، فقام حجر بن عدي الكندي ، وكان من أفاضل أهل الكوفة ~~فقال : ( انفروا خفافا وثقالا ، رحمكم الله ) فأجابه الناس من كل وجه : ~~سمعا وطاعة لأمير المؤمنين ، نحن خارجون على اليسر العسر والشدة والرخاء . ### ||| | | [ جيش الكوفة مقالة الحسن لعلي ] # فلما أصبحوا من الغد خرجوا مستعدين ، فأحصاهم الحسن ، فكانوا تسعة آلاف ~~وستمائة وخمسين رجلا ، فوافوا عليا بذي قار قبل أن يرتحل . فلما هم بالمسير ~~غلس الصبح ، ثم أمر مناديا ، فنادى في الناس بالرحيل ، فدنا منه الحسن ، ~~فقال : ( يا أبت أشرت عليك حين قتل عثمان وراح الناس إليك وغدوا ، وسألوك ~~أن تقوم بهذا الأمر ألا تقبله حتى تأتيك طاعة جميع الناس في الآفاق ، وأشرت ~~عليك حين بلغك خروج الزبير وطلحة بعائشة إلى البصرة أن ترجع إلى المدينة ، ~~فتقيم في بيتك ، وأشرت عليك حين حوصر عثمان أن تخرج من المدينة ، فإن قتل ~~قتل وأنت غائب ، فلم تقبل رأيي في شئ من ذلك ) . ### ||| [ رد علي على الحسن ] # فقال ms113 له علي : ( أما انتظاري طاعة جميع الناس من جميع الآفاق ، فإن ~~البيعة لا تكون إلا لمن حضر الحرمين من المهاجرين والأنصار ، فإذا رضوا ~~وسلموا وجب على جميع الناس الرضا والتسليم ، وأما رجوعي إلى بيتي والجلوس ~~فيه ، فإن رجوعي لو رجعت كان غدرا بالأمة ، ولم آمن أن تقع الفرقة ، وتتصدع ~~عصا هذه الأمة ، وأما خروجي حين حوصر عثمان فكيف أمكنني ذلك ؟ ! وقد كان ~~الناس أحاطوا بي كما أحاطوا بعثمان ، فاكفف يا بني عما أنا أعلم به منك ) . ~~PageV01P208 ### ||| [ ألوية جيش علي ] # ثم سار بالناس ، فلما دنا من البصرة كتب الكتائب ، وعقد الألوية والرايات ~~، وجعلها سبع رايات ، عقد لحمير وهمدان راية ، وولى عليهم سعيد بن قيس ~~الهمداني ، وعقد لمذحج والأشعريين راية ، وولى عليهم زياد ابن النضر ~~الحارثي ، ثم عقد لطيئ راية ، وولى عليهم عدي بن حاتم ، وعقد لقيس وعبس ~~وذبيان راية ، وولى عليهم سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد ، ~~وعقد لكندة وحضرموت وقضاعة ومهرة راية ، وولى عليهم حجر ابن عدي الكندي ، ~~وعقد للأزد وبجيلة وخثعم وخزاعة راية ، وولى عليهم مخنف بن سليم الأزدي ، ~~وعقد لبكر وتغلب وأفناء ربيعة راية ، وولى عليهم محدوج الذهلي ، وعقد لسائر ~~قريش والأنصار وغيرهم من أهل الحجاز راية ، وولى عليهم عبد الله بن عباس ، ~~فشهد هؤلاء الجمل وصفين والنهر ، وهم أسباع كذلك ، وكان على الرجالة جندب ~~بن زهير الأزدي . ### ||| [ ألوية طلحة والزبير ] # ولما بلغ طلحة والزبير ورود علي رضي الله عنه بالجيوش ، وقد أقبل حتى نزل ~~( الخريبة ) فعبأهم طلحة والزبير ، وكتباهم كتائب ، وعقدا الألوية ، فجعلا ~~على الخيل PageV01P209 محمد بن طلحة ، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير ، ~~ودفعا اللواء الأعظم إلى عبد الله بن حرام بن خويلد ، ودفعا لواء الأزد إلى ~~كعب بن سور ، وولياه الميمنة ، ووليا قريشا وكنانة عبد الرحمن بن عتاب بن ~~أسيد ، ووليا أمر الميسرة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وهو الذي قالت ~~عائشة فيه : ( وددت لو قعدت في بيتي ولم أخرج في هذا الوجه لكان ذلك أحب ~~إلي من عشرة أولاد ، لو ms114 رزقتهن من رسول الله صلى الله عليه على فضل عبد ~~الرحمن بن الحارث بن هشام وعقله وزهده ) . ووليا على قيس مجاشع بن مسعود ، ~~وعلى تيم الرباب عمرو بن يثربي ، وعلى قيس والأنصار وثقيف عبد الله بن عامر ~~بن كريز ، وعلى خزاعة عبد الله بن خلف PageV01P210 الخزاعي ، وعلى قضاعة ~~عبد الرحمن بن جابر الراسبي ، وعلى مذحج الربيع بن زياد الحارثي ، وعلى ~~ربيعة عبد الله بن مالك . ### ||| [ زحف علي نحو القوم ] # قالوا : وأقام علي رضي الله عنه ثلاثة أيام يبعث رسله إلى أهل البصرة ، ~~فيدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة والدخول في الجماعة ، فلم يجد عند القوم ~~إجابة ، فزحف نحوهم يوم الخميس لعشر مضين من جمادى الآخرة ، وعلى ميمنته ~~الأشتر ، وعلى ميسرته عمار بن ياسر ، والراية العظمى في يد ابنه محمد بن ~~الحنفية ، ثم سار نحو القوم حتى دنا بصفوفه من صفوفهم ، فواقفهم من صلاة ~~الغداة إلى صلاة الظهر ، يدعوهم ويناشدهم ، وأهل البصرة وقوف تحت رايتهم ، ~~وعائشة في هودجها أمام القوم . ### ||| [ حديث الرسول & في عمار ] # قالوا : وإن الزبير لما علم أن عمارا مع علي رضي الله عنه ارتاب بما كان ~~فيه ، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( الحق مع عمار ، وتقتلك الفئة ~~الباغية ) . PageV01P211 # | [ علي يذكر الزبير بحديث النبي صلى الله عليه وسلم ] # قالوا : ثم إن عليا دنا من صفوف أهل البصرة ، وأرسل إلى الزبير يسأله ، ~~ليدنو ، فيكلمه بما يريد ، وأقبل الزبير حتى دنا من علي رضي الله عنه ، ~~فوقفا جميعا بين الصفين حتى اختلفت أعناق فرسيهما ، فقال له علي : ( ناشدتك ~~الله يا أبا عبد الله ، هل تذكر يوما مررنا أنا وأنت برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ويدي في يدك ، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : أتحبه ؟ ، ~~قلت : نعم ، يا رسول الله ، فقال لك : أما إنك تقاتله ، وأنت له ظالم . . . ~~؟ ) ، فقال الزبير : ( نعم ، أنا ذاكر له ) . ### ||| [ انصراف الزبير ومقتل طلحة ] # ثم انصرف علي إلى قومه ، وقال لأصحابه : ( احملوا على القوم ، فقد أعذرنا ~~إليهم ) ، فحمل بعضهم على بعض ، فاقتتلوا . بالقنا والسيوف ms115 . وأقبل الزبير ~~حتى دنا من ابنه عبد الله وبيده الراية العظمى ، فقال : ( يا بني ، أنا ~~منصرف ) ، قال : ( وكيف يا أبت ؟ ) ، قال : ( ما لي في هذا الأمر من بصيرة ~~، وقد اذكرني على أمرا ، قد كنت غفلت عنه ، فانصرف يا بني معي ) ، فقال عبد ~~الله : ( والله لا أرجع أو يحكم الله بيننا ) . فتركه الزبير ، ومضى نحو ~~البصرة ليتحمل منها ، ويمضي نحو الحجاز . ويقال : إن طلحة لما علم بانصراف ~~الزبير هم أن ينصرف ، فعلم مروان بن الحكم ما يريده ، فرماه بسهم ، فوقع في ~~ركبته ، فنزف حتى مات . PageV01P212 ### ||| [ مقتل الزبير ] # وأقبل الزبير حتى دخل البصرة ، وأمر غلمانه أن يتحملوا ، فيلحقوا به ، ~~وخرج من ناحية الخريبة ، فمر بالأحنف بن قيس ، وهو جالس بفناء داره ، وحوله ~~قومه ، وقد كانوا اعتزلوا الحرب ، فقال الأحنف : ( هذا الزبير ، ولقد انصرف ~~لأمر ، فهل فيكم من يأتينا بخبره ؟ ) ، فقال له عمرو بن جرموز : ( أنا آتيك ~~بخبره ) . فركب فرسه ، وتقلد سيفه ، ومضى في أثره ، وذلك قبل صلاة الظهر ، ~~فلحقه ، وقد خرج من دور البصرة ، فقال له : ( أبا عبد الله ، ما الذي تركت ~~عليه القوم ؟ ) ، قال الزبير : ( تركتهم ، وبعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف ) ، ~~قال : ( فأين تريد ؟ ) ، قال : ( انصرف لحال بالي ، فما لي في هذا الأمر من ~~بصيرة ) . قال عمرو بن جرموز : ( وأنا أيضا أريد الخريبة ، فسر بنا ) . ~~فسارا حتى دنا وقت الصلاة ، فقال الزبير : ( إن هذا وقت الصلاة ، وأنا أريد ~~أن أقضيها ) ، قال عمرو : ( وأنا أريد أن أقضيها ) ، قال الزبير : ( أنت ~~مني في أمان ، فهل أنا منك كذلك ) ، قال : ( نعم ) . فنزلا جميعا ، وقام ~~الزبير في الصلاة ، فلما سجد حمل عليه عمرو بالسيف ، فضربه حتى قتله ، وأخذ ~~درعه وسيفه وفرسه ، وأقبل حتى أتى عليا ، وهو واقف ، والناس يجتلدون ~~بالسيوف ، فألقى السلاح بين يديه ، فلما نظر علي رضي الله عنه إلى السيف ، ~~قال : ( إن هذا السيف طالما فرج به صاحبه الكرب عن وجه رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم ، أبشر يا قاتل ابن صفية بالنار ) ، فقال عمرو : ( نقتل أعداءكم ~~، وتبشروننا بالنار ؟ ! ) . ### ||| [ احتدام المعركة ] # قالوا : ثم ms116 إن عليا أمر ابنه محمد بن الحنفية ، فقال : تقدم برايتك . ~~وكان معه الراية العظمى ، فتقدم بها وقد لاث أهل البصرة بعبد الله بن ~~الزبير ، وقلدوه الأمر ، فتقدم محمد بالراية ، فاستقبله أهل البصرة بالقنا ~~والسيوف ، فوقف بالراية ، فتناولها منه علي رضي PageV01P213 الله عنه ، ~~وحمل وحمل معه الناس ، ثم ناولها ابنه محمدا ، واشتد القتال وحميت الحرب ، ~~وانكشف الناس عن الجمل ، وقتل كعب بن سور ، وثبتت الأزد وضبة ، فقاتلوا ~~قتالا شديدا . ### ||| [ بروز أصحاب علي ] # فلما رأى علي شدة صبر أهل البصرة جمع إليه حماة أصحابه ، فقال : إن هؤلاء ~~القوم قد محكوا ، فاصدقوهم القتال ، فخرج الأشتر وعدي بن حاتم وعمرو بن ~~الحمق وعمار بن ياسر في عددهم من أصحابهم ، فقال عمرو بن يثربي لقومه ، ~~وكانوا في ميمنة أهل البصرة ( إن هؤلاء القوم الذين قد برزوا إليكم من أهل ~~العراق هم قتلة عثمان ، فعليكم بهم ) ، وتقدم أمام قومه بني ضبة ، فقاتل ~~قتالا شديدا ، وكثرت النبل في الهودج ، حتى صار كالقنفذ ، وكان الجمل مجففا ~~، والهودج مطبق بصفائح الحديد . ### ||| [ حملة علي وخروج ابن الأشرف ] # وصبر الفريقان بعضهم لبعض حتى كثرت القتلى وثار القتام ، وطلت الألوية ~~والرايات ، وحمل على بنفسه ، وقاتل حتى انثنى سيفه ، وخرج فارس أهل البصرة ~~عمرو بن الأشرف ، لا يخرج إليه أحد من أصحاب على إلا قتله ، وهو يرتجز ، ~~PageV01P214 ويقول : | # % يا أمنا يا خير أم نعلم % % والأم تغذوا ولدها وترحم % # % ألا ترين كم جواد يكلم % % وتختلى هامته والمعصم % # فخرج إليه من أهل الكوفة الحارث بن زهير الأزدي ، وكان من فرسلن علي ، ~~فاختلفا ضربتين ، فأوهط كل منهما صاحبه ، فخرا جميعا صريعين يفحصان ~~بأرجلهما حتى | ماتا . | ### ||| [ عراك الأشتر وابن الزبير ] # قالوا : وانكشف أهل البصرة انكشافه ، وانتهى الأشتر إلى الجمل ، وعبد ~~الله بن الزبير آخذ بخطامه ، فرمى الأشتر بنفسه على عبد الله بن الزبير ، ~~فصار تحته ، فصاح عبد الله بن الزبير : ( اقتلوني ومالكا ) ، فثاب إلى ابن ~~الزبير أصحابه . فلما خاف الأشتر على نفسه قام عن عبد الله بن الزبير ، ~~وقاتل حتى خلص إلى أصحابه ، قد عار فرسه ، فقال ms117 لهم : ( ما أنجاني إلا قول ~~ابن الزبير : اقتلوني ومالكا ، فلم يدر القوم من مالك ، ولو قال اقتلوني ~~والأشتر لقتلوني ) . PageV01P215 ### ||| [ قتال عدي بن حاتم وعمرو بن الحمق ] # وقاتل عدي بن حاتم حتى فقئت إحدى عينيه ، وقاتل عمرو بن الحمق ، وكان من ~~عباد أهل الكوفة ، ومعه النساك قتالا شديدا ، فضرب بسيفه حتى انثنى ، ثم ~~انصرف إلى أخيه رياح ، فقال له رياح : ( يا أخي ، ما أحسن ما نصنع اليوم ، ~~أن كانت الغلبة لنا ) . ### ||| [ أمر علي بعقر الجمل ] # قالوا : ولما رأى علي لوث أهل البصرة بالجمل ، وانهم كلما كشفوا عنه ~~عادوا ، فلاثوا به ، قال لعمار وسعيد بن قيس وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر ~~وابن بديل ومحمد بن أبي بكر وأشباههم من حماة أصحابه : ( إن هؤلاء لا ~~يزالون يقاتلون مادام هذا الجمل نصب أعينهم ، ولو قد عقر فسقط لم تثبت له ~~ثابتة ) ، فقصدوا بذوي الجد من أصحابه قصد الجمل حتى كشفوا أهل البصرة عنه ~~، وأفضى إليه رجل من مراد الكوفة ، يقال له ( أعين بن ضبيعة ) ، فكشف ~~عرقوبه بالسيف ، فسقط وله رغاء ، فغرق في القتلى ، و مال الهودج بعائشة ، ~~فقال علي لمحمد بن أبي بكر : ( تقدم إلى أختك ) ، فدنا محمد ، فأدخل يده في ~~الهودج ، فنالت يده ثياب عائشة ، فقالت : ( أنا لله ، من أنت ، ثكلتك أمك ) ~~، فقال ( أنا أخوك محمد ) . PageV01P216 ### ||| [ ناموس علي في القتال ] # ونادى علي رضي الله عنه في أصحابه : لا تتبعوا موليا ، ولا تجهزوا على ~~جريح ، ولا تنتهبوا مالا ، ومن ألقى سلاحه فهو آمن ، ومن أغلق بابه فهو آمن ~~) . قال : فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع ، فلا يعرض له ~~أحد إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به ، و الدواب التي حاربوا عليها ، ~~فقال له بعض أصحابه : ( يا أمير المؤمنين ، كيف حل لنا قتالهم ، ولم يحل ~~لنا سبيهم وأموالهم ) فقال علي رضي الله عنه : ( ليس على الموحدين سبي ، ~~ولا يغنم من أموالهم إلا ما قاتلوا به وعليه ، فدعوا مالا تعرفون ، والزموا ~~ما تؤمرون ) . ### ||| [ اهتمام علي بأمر عائشة ] # قال : وأمر علي محمد بن أبي ms118 بكر أن ينزل عائشة فأنزلها دار عبد الله بن ~~خلف الخزاعي ، وكان عبد الله فيمن قتل ذلك اليوم ، فنزلت عند امرأته صفية . ~~وقال علي رضي الله عنه لمحمد : ( انظر هل وصل إلى أختك شئ ؟ ) قال : ( أصاب ~~ساعدها خدش سهم ، دخل بين صفائح الحديد ) . ### ||| | [ خطبة علي في مسجد البصرة ] # ودخل علي رضي الله عنه البصرة ، فأتى مسجدها الأعظم ، واجتمع الناس ~~PageV01P217 إليه ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه صلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم ، ثم قال : ( أما بعد ، فإن الله ذو رحمة واسعة وعقاب أليم ~~، فما ظنكم بي يا أهل البصرة جند المرأة وأتباع البهيمة ؟ رغا ، فقاتلتم ، ~~وعقر ، فانهزمتم ، أخلاقكم دقاق ، وعهدكم شقاق ، وماؤكم زعاق ، أرضكم قريبة ~~من الماء ، بعيدة من السماء ، وأيم الله ليأتين عليها زمان لا يرى منها إلا ~~شرفات مسجدها في البحر ، مثل جؤجؤ السفينة ، انصرفوا إلى منازلكم ) . ثم ~~نزل ، وانصرف إلى معسكره ، وقال لمحمد بن أبي بكر : ( سر مع أختك حتى ~~توصلها إلى المدينة ، وعجل اللحوق بي بالكوفة ) ، فقال : ( أعفني من ذلك يا ~~أمير المؤمنين ) ، فقال علي : ( لا أعفيك منه ، ومالك بد ) . فسار بها حتى ~~أوردها المدينة . ### ||| [ قدوم علي إلى الكوفة ] # وشخص علي عن البصرة ، واستعمل عليها عبد الله بن عباس ، فلما انتهى إلى ~~المربد التفت إلى البصرة ، ثم قال : ( الحمد لله الذي أخرجني من شر البقاع ~~ترابا ، وأسرعها خرابا ، وأقربها من الماء ، وأبعدها من السماء . ثم سار ، ~~فلما أشرف على الكوفة ، قال : ( ويحك يا كوفان ، ما أطيب هواءك ، وأغذى ~~تربتك ، الخارج منك بذنب ، والداخل إليك برحمة ، لا تذهب الأيام والليالي ، ~~حتى يجئ إليك كل مؤمن ، ويبغض المقام بك كل فاجر ، وتعمرين ، حتى إن الرجل ~~من أهلك ليبكر إلى الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة ) . ### ||| [ نزوله الرحبة ] # قالوا : وكان مقدمه الكوفة يوم الإثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ~~ست PageV01P218 وثلاثين ، فقيل له : ( يا أمير المؤمنين ، أتنزل القصر ؟ ) ~~، قال : ( لا حاجة لي في نزوله ، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يبغضه ~~، ولكني نازل الرحبة ms119 ) ، ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم ، فصلى ركعتين ، ثم ~~نزل الرحبة ، فقال الشني يحرض عليا على المسير إلى الشام : قل لهذا الإمام ~~قد خبت الحر ب ، وتمت بذلك النعماء وفرغنا من حرب من نكث العه د ، وبالشام ~~حية صماء تنفث السم ، ما لمن نهشته فارمها قبل أن تعض شفاء . ### ||| [ خطبة لعلي بالكوفة ] # قالوا : وإن أول جمعة صلى بالكوفة خطب ، فقال : ( الحمد لله أحمده ، ~~وأستعينه وأستهديه ، وأومن به وأتوكل عليه ، وأعوذ بالله من الضلالة والردى ~~، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا ~~الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ، انتخبه لرسالته ، ~~واختصه لتبليغ أمره ، PageV01P219 أكرم خلقه عليه ، وأحبهم إليه ، فبلغ ~~رسالة ربه ، ونصح لأمته ، وأدى الذي عليه صلى الله عليه وسلم ، أوصيكم عباد ~~الله بتقوى الله ، فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله ، وأقربه ~~لرضوان الله ، وأفضله في عواقب الأمور عند الله ، وبتقوى الله أمرتم ، ~~وللإحسان خلقتم ، فاحذروا من الله ما حذركم من نفسه ، فإنه حذر بأسا شديدا ~~، واخشوا الله خشية ليست بتعذير ، واعملوا من غير رياء ولا سمعة ، فإنه من ~~عمل لغير الله وكله الله إلى ما عمل ، ومن عمل مخلصا له تولاه الله ، ~~وأعطاه أفضل نيته ، وأشفقوا من عذاب الله ، فإنه لم يخلقكم عبثا ، ولم يترك ~~شيئا من أمركم سدى ، قد سمي آثاركم ، وعلم أسراركم ، وأحصى أعمالكم ، وكتب ~~آجالكم ، فلا تغرنكم الدنيا ، فإنها غرارة لأهلها ، والمغرور من اغتر بها ، ~~وإلى فناء ما هي ، وأن الآخرة هي دار القرار ، نسأل الله منازل الشهداء ، ~~ومرافقة الأنبياء ، ومعيشة السعداء ، فإنما نحن به وله ) . PageV01P220 ### ||| [ تولية الولاة على الأمصار ] # ثم وجه عماله إلى البلدان ، فاستعمل على المدائن وجوخى ( 1 ) كلها يزيد ~~بن قيس الأرحبي ، وعلى الجبل وأصبهان محمد بن سليم ، وعلى البهقباذات قرط ~~بن كعب ، وعلى كسكر وحيزها قدامة بن عجلان الأزدي ، وعلى بهرسير وإستانها ~~عدي ابن الحارث ، وعلى إستان العالي حسان بن عبد الله البكري ، وعلى إستان ~~الزوابي سعد ms120 ( 2 ) بن مسعود الثقفي ، وعلى سجستان وحيزها ربعي بن كاس ، ~~PageV01P221 وعلى خراسان كلها خليد بن كاس . ### ||| [ ابنة كسرى بين يدي علي ] # فأما خليد بن كأس فإنه لما دنا من خراسان بلغه أن أهل نيسابور خلعوا يدا ~~من طاعة ، 0 وأنه قدمت عليهم بنت لكسرى من كابل ، فمالوا معها ، فقاتلهم ~~خليد ، فهزمهم ، وأخذ ابنة كسرى بأمان ، وبعث بها إلى علي . فلما أدخلت ~~عليه ، قال لها : ( أتحبين أن أزوجك من ابني هذا ؟ ) يعني الحسن ، قالت : ( ~~لا أتزوج أحدا على رأسه أحد ، فإن أنت أحببت رضيت بك ) ، قال : ( إني شيخ ، ~~وابني هذا من فضله كذا وكذا ) ، قالت : ( قد أعطيتك الجملة ) . فقام رجل من ~~عظماء دهاقين العراق ، يسمى نرسى ، فقال : ( يا أمير المؤمنين ، قد بلغك ~~أني من سنخ ( 1 ) المملكة ، وأنا قرابتها ، فزوجنيها ) فقال : ( هي أملك ~~بنفسها ) ، ثم قال لها : ( انطلقي حيث شئت ، وانكحي من أحببت ، لا بأس عليك ~~) . PageV01P222 ### ||| [ حرب الأشتر والضحاك ] # واستعمل على الموصل ، ونصيبين ، ودارا ، وسنجار ، وآمد ، وميا فارقين ، ~~وهيت ، وعانات ، وما غلب عليها من أرض الشام الأشتر ، فسار إليها ، فلقيه ~~الضحاك بن قيس الفهري ، وكان عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان ، فاقتتلوا ~~بين حران ( 2 ) والرقة ( 3 ) بموضع يقال له المرج إلى وقت المساء . وبلغ ~~ذلك معاوية ، فأمد الضحاك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمة ، ~~وبلغ ذلك الأشتر ، فانصرف إلى الموصل ، فأقام بها يقاتل من أتاه من أجناد ~~معاوية ، ثم كانت وقعة صفين . ### || [ وقعة صفين ] # ### ||| [ نعي عثمان وتحريض معاوية ] # قالوا : وضربت الركبان إلى الشام بنعي عثمان ، وتحريض معاوية على الطلب ~~بدمه ، فبينا معاوية ذات يوم جالس إذ دخل عليه رجل ، فقال : ( السلام عليك ~~يا أمير المؤمنين ، فقال معاوية : وعليك ، من أنت ، لله أبوك ؟ فقد روعتني ~~بتسليمك علي بالخلافة قبل أن أنالها ) ، فقال : ( أنا الحجاج بن خزيمة بن ~~الصمة ) ، قال : ( ففيم قدمت ؟ ) ، قال : ( قدمت قاصدا إليك بنعي عثمان ) ، ~~ثم أنشأ يقول : إن بني عمك عبد المطلب هم قتلوا شيخكم غير الكذب ~~PageV01P223 وأنت أولى الناس بالوثب فثب وسر مسير ms121 المحزئل المتلئب ### ||| [ حديث الحجاج بن الصمه ورثاء معاوية لعثمان ] # قال : ثم إني كنت فيمن خرج مع يزيد بن أسد لنصر عثمان ، فلم نلحقه ، ~~فلقيت رجلا ، ومعي الحارث بن زفر ، فسألناه عن الخبر ، فأخبرنا بقتل عثمان ~~، وزعم أنه ممن شايع على قتله ، فقتلناه ، وإني أخبرك ، أنك تقوى بدون ما ~~يقوى به علي ، لأن معك قوما لا يقولون إذا سكت ، ويسكتون إذا نطقت ، ولا ~~يسألون إذا أمرت ، ومع علي قوم يقولون إذا قال ، ويسألون إذا سكت ، فقليلك ~~خير من كثيرة ، وعلي لا يرضيه إلا سخطك ، ولا يرضى بالعراق دون الشام ، ~~وأنت ترضى بالشام دون العراق ، فضاق معاوية بما أتاه به الحجاج بن خزيمة ~~ذرعا ، PageV01P224 وقال : أتاني أمر فيه للناس غمه وفيه بكاء للعيون طويل ~~مصاب أمير المؤمنين ، وهذه تكاد لها صم الجبال تزول فلله عينا من رأى مثل ~~هالك أصيب بلا ذحل وذاك جليل تداعت عليه بالمدينة عصبة فريقان ، منهم قاتل ~~وخذول دعاهم ، فصموا عنه عند دعائه وذاك على ما في النفوس دليل سأنعى أبا ~~عمرو بكل مثقف وبيض لها في الدارعين صليل تركتك للقوم الذين تظافروا عليك ، ~~فماذا بعد ذاك أقول فلست مقيما ما حييت ببلدة أجر بها ذيلي وأنت قتيل وأما ~~التي فيها مودة بيننا فليس إليها ما حييت سبيل سألقحها حربا عوانا ملحة ~~وإني بها من عامنا لكفيل ### ||| [ مبايعة جرير بن عبد الله لعلي ] # وكتب علي إلى جرير بن عبد الله البجلي ، وكان عامل عثمان بأرض الجبل مع ~~زحر بن قيس الجعفي ، يدعوه إلى البيعة له ، فبايع وأخذ بيعة من قبله ، وسار ~~حتى قدم الكوفة . PageV01P225 ### ||| [ مكاتبة الأشعث بن قيس ] # وكتب إلى الأشعث بن قيس بمثل ذلك ، وكان مقيما باذربيجان طول ولاية عثمان ~~بن عفان ، وكانت ولايته مما عتب الناس فيه على عثمان ، لأنه ولاه عند ~~مصاهرته إياه ، وتزويج ابنة الأشعث من ابنه ، ويقال إن الأشعث هو الذي ~~افتتح عامة آذربيجان ، وكان له بها أثر ونصح واجتهاد ، وكان كتابه إليه مع ~~زياد بن مرحب ، فبايع لعلي ، وسار حتى قدم عليه ms122 الكوفة . ### ||| [ إرسال جرير إلى معاوية ] # وإن عليا أرسل جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في طاعته ، ~~والبيعة له ، أو الإيذان بالحرب ، فقال الأشتر : ( ابعث غيره فإني لا آمن ~~مراهنته ) فلم يلتفت إلى قول الأشتر . فسار جرير إلى معاوية بكتاب علي ، ~~فقدم على معاوية ، فألفاه وعنده وجوه أهل الشام ، فناوله كتاب علي ، وقال : ~~( هذا كتاب علي إليك ، وإلى أهل الشام يدعوكم إلى الدخول في طاعته ، فقد ~~اجتمع له الحرمان ، والمصران ، والحجازان ، واليمن ، والبحران ، وعمان ، ~~واليمامة ، ومصر ، وفارس ، والجبل ، وخراسان ، ولم يبق إلا بلادكم هذه ، ~~وإن سال عليها واد من أوديته غرقها ) . ### ||| [ كتاب علي إلى معاوية ] # وفتح معاوية الكتاب فقرأه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي ~~أمير PageV01P226 المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان ، أما بعد فقد لزمك ومن ~~قبلك من المسلمين بيعتي ، وأنا بالمدينة ، وأنتم بالشام ، لأنه بايعني ~~الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم . فليس للشاهد أن يختار ، ~~ولا للغائب أن يرد ، وإنما الأمر في ذلك للمهاجرين والأنصار ، فإذا اجتمعوا ~~على رجل مسلم ، فسموه إماما ، كان ذلك لله رضى ، فإن خرج من أمرهم أحد بطعن ~~فيه أو رغبة عنه رد إلى ما خرج منه ، فإن أبي قاتلوه على اتباعه غير سبيل ~~المؤمنين ، وولاه الله ما تولى ، ويصله جهنم وساءت مصيرا ، فادخل فيما دخل ~~فيه المهاجرون والأنصار ، فإن أحب الأمور فيك وفيمن قبلك العافية ، فإن ~~قبلتها وإلا فائذن بحرب ، وقد أكثرت في قتلة عثمان ، فادخل فيما دخل فيه ~~الناس ، ثم حاكم القوم إلي ، أحملك وإياهم على ما في كتاب الله وسنة نبيه ، ~~فأما تلك التي تريدها ، فإنما هي خدعة الصبي عن الرضاع ) . ### ||| [ مشورة عتبة بن أبي سفيان ] # فجمع معاوية إليه أشراف أهل بيته ، فاستشارهم في أمره ، فقال أخوه عتبة ~~بن أبي سفيان : ( استعن على أمرك بعمرو بن العاص ) وكان مقيما في ضيعة له ~~من حيز فلسطين ، قد اعتزل الفتنة . فكتب إليه معاوية ( أنه قد كان من أمر ~~علي في PageV01P227 طلحة والزبير وعائشة أم المؤمنين ما ms123 بلغك ، وقد قدم ~~علينا جرير بن عبد الله في أخذنا ببيعة علي ، فحبست نفسي عليك ، فأقبل ، ~~أناظرك في ذلك ، والسلام ) . ### ||| [ مسير عمرو بن العاص إلى معاوية ] # فسار ومعه ابناه عبد الله ومحمد حتى قدم على معاوية ، وقد عرف حاجة ~~معاوية إليه ، فقال له معاوية : ( أبا عبد الله ، طرقتنا في هذه الأيام ~~ثلاثة أمور ، ليس فيها ورد ولا صدر ) ، قال : ( وما هن ؟ ) قال : ( أما ~~أولهن ، فإن محمد بن أبي حذيفة كسر السجن وهرب نحو مصر فيمن كان معه من ~~أصحابه ، وهو من أعدى الناس لنا ، وأما الثانية فإن قيصر الروم قد جمع ~~الجنود ليخرج إلينا فيحاربنا على الشام ، وأما الثالثة فإن جريرا قدم رسولا ~~لعلي بن أبي طالب يدعونا إلى البيعة له أو إيذان بحرب ) . ### ||| [ حديث عمرو مع معاوية ] # قال عمرو : ( أما ابن أبي حذيفة فما يغمك من خروجه من سجنه في ~~PageV01P228 أصحابه ، فأرسل في طلبه الخيل ، فإن قدرت عليه قدرت ، وإن لم ~~تقدر عليه لم يضرك ، وأما قيصر ، فاكتب إليه تعلمه ، أنك ترد عليه جميع من ~~في يديك من أسارى الروم ، وتسأله الموادعة والمصالحة تجده سريعا إلى ذلك ، ~~راضيا بالعفو منك ، وأما علي بن أبي طالب فإن المسلمين لا يساوون بينك ~~وبينه ) . قال معاوية : ( إنه مالأ على قتل عثمان ، وأظهر الفتنة ، وفرق ~~الجماعة ) . قال عمرو : ( إنه وإن كان كذلك ، فليست لك مثل سابقته وقرابته ~~، ولكن ما لي أن شايعتك على أمرك حتى تنال ما تريد ؟ ) . قال : ( حكمك ) . ~~قال عمرو : ( اجعل لي مصر طعمة ما دامت لك ولاية ) . فتلكأ معاوية ، وقال : ~~( يا عبد الله ، لو شئت أن أخدعك خدعتك ) . قال عمرو : ( ما مثلي يخدع ) . ~~قال له معاوية : ( ادن مني أسارك ) . فدنا عمرو منه ، فقال : ( هذه خدعة ، ~~هل ترى في البيت غيري وغيرك ) ثم PageV01P229 قال : ( يا عبد الله ، أما ~~تعلم أن مصر مثل العراق ؟ ) . قال عمرو : ( غير أنها إنما تكون لي إذا كانت ~~لك الدنيا ، وإنما تكون لك إذا غلبت عليا ) . فتلكأ عليه ، وانصرف عمرو إلى ~~رحله ، فقال عتبة لمعاوية : ( أما ترضى ms124 أن تشتري عمرا بمصر إن صفت لك قليتك ~~لا تغلب على الشام ) . وقال معاوية : ( بت عندنا ليلتك هذه ) ، فبات عتبة ~~عنده ، فلما أخذ معاوية مضجعه أنشأ عتبة : أيها المانع سيفا لم يهز إنما ~~ملت على خز وقز إنما أنت خروف ناعم بين ضرعين وصوف لم يجز نالك الخير ، فخذ ~~من درة شخبة الأول ، واترك ما عزز واترك الحرص عليها ضنة وأشبب النار ~~لمقرور يكز إن مصرا لعلي أو لنا يغلب اليوم عليها من عجز PageV01P230 وسمع ~~معاوية ذلك ، فلما أصبح بعث إلى عمرو ، فأعطاه ما سأل ، وكتبا بينهما في ~~ذلك كتابا ، ثم إن معاوية استشار عمرا في أمره ، وقال ما ترى ؟ ### ||| [ نصيحة عمرو لمعاوية ] # قال عمرو : إنه قد أتاك في هذه البيعة خبر أهل العراق من عند خير الناس ، ~~ولست أرى لك أن تدعو أهل الشام إلى الخلافة ، فإن ذلك خطر عظيم حتى تتقدم ~~قبل ذلك بالتوطين للأشراف منهم ، وأشراب قلوبهم اليقين ، بأن عليا مالأ على ~~قتل عثمان ، واعلم أن رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي ، فأرسل إليه ~~ليأتيك ، ثم وطن له الرجال على طريقه كله ، يخبرونه بأن عليا قتل عثمان ، ~~وليكونوا من أهل الرضا عنده ، فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام ، وإن تعلق ~~هذه الكلمة بقلبه لم يخرجها شئ أبدا . فدعا يزيد بن أسد ، وبسر بن أبي ~~أرطأة ، وسفيان بن عمرو ، ومخارق بن الحارث ، وحمزة بن مالك ، وحابس بن سعد ~~، وغير هؤلاء من أهل الرضا عند PageV01P231 شرحبيل بن السمط ، فوطنهم له ~~على طريقه ، ثم كتب إليه يأمره بالقدوم عليه ، فكان يلقى الرجل بعد الرجل ~~من هؤلاء في طريقه ، فيخبرونه أن عليا مالأ على قتل عثمان ، ثم أشربوا قلبه ~~ذلك . ### ||| [ خطة معاوية ] # فلما دنا من دمشق أمر معاوية أشراف الشام باستقباله ، فاستقبلوه ، ~~وأظهروا تعظيمه ، فكان كلما خلا برجل منهم ألقى إليه هذه الكلمة ، فأقبل ~~حتى دخل على معاوية مغضبا ، فقال : ( أبى الناس إلا أن ابن أبي طالب قتل ~~عثمان ، والله لئن بايعته لنخرجنك من الشام ) ، فقال معاوية : ( ما كنت ~~لأخالف ms125 أمركم ، وإنما أنا واحد منكم . قال : فأردد هذا الرجل إلى صاحبه - ~~يعني - جريرا - فعلم عند ذلك معاوية أن أهل الشام مع شرحبيل ، فقال لشرحبيل ~~: إن هذا الذي تهم به لا يصلح ألا برضي العامة ، فسر في مدائن الشام ، ~~فأعلمهم ما نحن عليه من الطلب بثأر خليفتنا وبايعهم على النصرة والمعونة . ### ||| [ شرحبيل بن السمط يستنفر مدن الشام ] # فسار شرحبيل يستقري مدن الشام ، مدينة بعد مدينة ، ويقول : ( أيها الناس ~~، إن عليا قتل عثمان ، وإنه غضب له قوم فلقيهم ، فقتلهم ، وغلب على أرضهم ، ~~ولم يبق إلا هذه البلاد ، وهو واضع سيفه على عاتقه ، وخائض به غمرات الموت ~~حتى يأتيكم ، ولا يجد أحدا أقوى على قتله من معاوية ، فانهضوا أيها الناس ~~بثأر خليفتكم المظلوم . فأجابه الناس كلهم إلا نفرا من أهل حمص نساكا ، ~~فإنهم قالوا ( نلزم بيوتنا ومساجدنا ، وأنتم أعلم ) . PageV01P232 ### ||| [ مواقف معاوية ] # فلما ذاق معاوية أهل الشام ، وعرف مبايعتهم له قال لجرير ( إلحق بصاحبك ، ~~وأعلمه أني وأهل الشام لا نجيبه إلى البيعة ) ، ثم كتب إليه بأبيات كعب بن ~~جعيل : أرى الشام تكره ملك العراق وأهل العراق لهم كارهونا وكل لصاحبه مبغض ~~يرى كل ما كان من ذاك دينا وقالوا علي إمام لنا فقلنا رضينا ابن هند رضينا ~~وقالوا نرى أن تدينوا لنا فقلنا لهم لا نرى أن ندينا وكل يسر بما عنده يرى ~~غث ما في يديه سمينا PageV01P233 وما في على لمستعتب مقال سوى ضمه ~~المحدثينا وليس براض ولا ساخط ولا في النهاة ولا الآمرينا ولا هو ساء ولا ~~سره ولا بد من بعد ذا أن يكونا ### ||| [ جواب علي ] # فلما قرأ علي رضي الله عنه قال للنجاشي أجب ، فقال : دعن معاوي ما لن ~~يكونا فقد حقق الله ما تحذرونا أتاكم علي بأهل العراق وأهل الحجاز فما ~~تصنعونا يرون الطعان خلال العجاج وضرب القوانس في النقع دينا هم هزموا ~~الجمع جمع الزبير وطلحة والمعشر الناكثينا فإن يكره القوم ملك العراق فقدما ~~رضينا الذي تكرهونا فقولوا لكعب أخي وائل ومن جعل الغث يوما سمينا جعلتم ~~عليا ms126 وأشياعه نظير ابن هند أما تستحونا PageV01P234 ### ||| [ اتهام الأشتر لجرير ] # ولما رجع جرير إلى علي كثر قول الناس في التهمة له ، واجتمع هو والأشتر ~~عند علي ، فقال الأشتر : ( أما والله يا أمير المؤمنين ، لو أرسلتني فيما ~~أرسلت فيه هذا لما أرخيت من خناق معاوية ، ولم أدع له بابا يرجو فتحه إلا ~~سددته ، ولا عجلته عن الفكرة ) ، قال جرير : ( فما يمنعك من إتيانهم ؟ ! ) ~~، قال الأشتر : ( الآن وقد أفسدتهم ، والله ما أحسبك أتيتهم إلا لتتخذ ~~عندهم مودة ، والدليل على ذلك كثرة ذكرك مساعدتهم وتخويفنا بكثرة جموعهم ، ~~ولو أطاعني أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك من أهل الظنة محبسا لا يخرجون منه ~~حتى يستتب هذا الأمر ) . فغضب جرير مما استقبله به الأشتر ، فخرج من الكوفة ~~ليلا في أناس من أهل بيته ، فلحق بقر قيسيا ، وهي كورة من كور الجزيرة ، ~~فأقام بها . وغضب علي لخروجه عنه ، فركب إلى داره ، فأمر بمجلس له فأحرق ، ~~فخرج أبو زرعة بن عمرو ابن عم جرير ، فقال : ( إن كان إنسان قد أجرم فإن في ~~هذه الدار أناسا كثيرا لم يجرموا إليك جرما ، وقد روعتهم ) ، فقال علي : ( ~~أستغفر الله ) . ثم خرج منها PageV01P235 إلى دار لابن عم جرير ، يقال له ~~ثوير بن عامر ، وقد كان خرج معه ، فشعث فيها شيئا ، ثم انصرف . ### ||| [ معاوية وعبيد الله بن عمر ] # قالوا : ولما فرغ علي رضي الله عنه من أصحاب الجمل خافه عبيد الله بن عمر ~~أن يقتله بالهرمزان ، فخرج حتى لحق بمعاوية ، فقال معاوية لعمرو : ( قد ~~أحيا الله لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقدوم عبيد الله ابنه علينا ) . ~~قال : ( 21 - الأخبار الطوال ) فأراده معاوية على أن يقوم في الناس فيلزم ~~عليا دم عثمان ، فأبى ، فاستخف به معاوية ، ثم أدناه بعد وقربه . ### ||| [ قدوم أبي مسلم الخولاني على معاوية ] # قالوا : ولما عزم أهل الشام على نصر معاوية ، والقيام معه أقبل أبو مسلم ~~الخولاني ، وكان من عباد أهل الشام ، حتى قدم على معاوية ، فدخل عليه في ~~أناس من العباد ، فقال له : ( يا معاوية قد بلغنا أنك تهم بمحاربة ms127 علي بن ~~أبي طالب ، فكيف PageV01P236 تناوئه وليست لك سابقته ؟ ) ، فقال لهم معاوية ~~: ( لست أدعي أني مثله في الفضل ، ولكن تعلمون أن عثمان قتل مظلوما ؟ ) ، ~~قالوا : ( نعم ) ، قال : ( فليدفع لنا قتلته حتى نسلم إليه هذا الأمر ) . ### ||| [ كتاب معاوية إلى الإمام علي ] # قال أبو مسلم : ( فاكتب إليه هذا الأمر ، حتى أنطلق أنا بكتابك ) ، فكتب ~~: ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب ~~، سلام عليك ، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو ، أما بعد ، فإن ~~الخليفة عثمان قتل معك في المحلة ، وأنت تسمع من داره الهيعة ، فلا تدفع ~~عنه بقول ولا بفعل ، وأقسم بالله لو قمت في أمره مقاما صادقا ، فنهنهت عنه ~~ما عدل بك من قبلنا من الناس أحدا ، وأخرى أنت بها ظنين ، إيواؤك قتلته ، ~~فهم عضدك ويدك وأنصارك وبطانتك ، وبلغنا أنك تبتهل من دمه ، فإن كنت صادقا ~~فأمكنا من قتلته ، نقتلهم به ، ونحن أسرع الناس إليك ، وإلا فليس لك ولا ~~لأصحابك عندنا إلا السيف ، فوالله الذي لا إله غيره لنطلبن قتلة ~~PageV01P237 عثمان في البر والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله ~~والسلام ) . ### ||| [ مقالة الخولاني لعلي ] # فسار أبو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفة ، فدخل على علي ، فناوله الكتاب ، ~~فلما قرأه تكلم أبو مسلم ، فقال ( يا أبا الحسن ، إنك قد قمت بأمر ، ووليته ~~، ووالله ما نحب أنه لغيرك أن أعطيت الحق من نفسك ، إن عثمان رضي الله عنه ~~قتل مظلوما ، فادفع إلينا قتلته ، وأنت أميرنا ، فإن خالفك أحد من الناس ~~كانت أيدينا لك ناصرة ، وألسنتنا لك شاهدة ، وكنت ذاعذر ومحجة ) ، فقال له ~~علي : ( أغد علي بالغداة ) . وأمر به ، فأنزل ، وأكرم . فلما كان من الغد ~~دخل إلى علي وهو في المسجد ، فإذا هو بزهاء عشرة آلاف رجل ، قد لبسوا ~~السلاح ، وهم ينادون : ( كلنا قتلة عثمان ) ، فقال أبو مسلم لعلي : ( إني ~~لأرى قوما ما لك معهم أمر ، وأحسب أنه بلغهم الذي قدمت له ، ففعلوا ذلك ~~خوفا من أن تدفعهم إلي ) . ### ||| [ كتاب الإمام إلى معاوية ] # قال علي : ( إني ms128 ضربت أنف هذا الأمر وعينه ، فلم أر يستقيم دفعهم إليك ~~ولا إلى غيرك ، فاجلس حتى أكتب جواب كتابك ) . ثم كتب : ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم ، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي PageV01P238 ~~سفيان ، أما بعد ، فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك ، تذكر فيه قطعي رحم ~~عثمان ، وتأليبى الناس عليه ، وما فعلت ذلك ، غير أنه رحمه الله عتب الناس ~~عليه ، فمن بين قاتل وخاذل ، فجلست في بيتي ، واعتزلت أمره ، إلا أن تتجنى ~~فتجن ما بدا لك ، فأما ما سألت من دفعي إليك قتلته ، فإني لا أرى ذلك ، ~~لعلمي أنك إنما تطلب ذلك ذريعة إلى ما تأمل ، ومرقاة إلى ما ترجو ، وما ~~الطلب بدمه تريد ، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لينزل بك ما ينزل ~~بالشاق العاصي الباغي ، والسلام ) . ### ||| [ كتاب علي إلى ابن العاص ] # وكتب إلى عمرو بن العاص : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله علي ~~أمير المؤمنين إلى عمرو بن العاص ، أما بعد ، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، ~~صاحبها منهوم فيها ، لا يصيب منها شيئا إلا ازداد عليها حرصا ، ولم يستغن ~~بما نال عما لا يبلغ ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع ، والسعيد من أتعظ بغيره ، ~~فلا تحبط عملك بمجاراة معاوية في باطله ، فإنه سفه الحق واختار الباطل ~~والسلام . ### ||| [ جواب عمرو ] # فكتب إليه عمرو بن العاص : ( من عمرو بن العاص إلى علي بن أبي طالب ، أما ~~بعد ، فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ذات بيننا أن تجيب إلى ما ندعوك إليه ، من ~~شورى تحملنا وإياك على الحق ، ويعذرنا الناس لها بالصدق والسلام ) . ~~PageV01P239 ### ||| [ خطبة الإمام في الدعوة إلى الجهاد ] # قالوا : ولما أجمع علي على المسير إلى أهل الشام ، وحضرت الجمعة صعد ~~المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صاى الله عليه وسلم ، ثم ~~قال : ( أيها الناس ، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن ، سيروا إلى قتلة ~~المهاجرين والأنصار ، سيروا إلى الجفاة الطغام الذين كان إسلامهم خوفا ~~وكرها ، سيروا إلى المؤلفة قلوبهم ليكفوا عن المسلمين بأسهم ) . ### ||| [ بين الفزاري والأشتر ] # فقام ms129 إليه رجل من فزارة ، يسمى أربد ، فقال : ( أتريد أن تسير بنا إلى ~~إخواننا من أهل الشام فنقتلهم كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة ، ~~فقتلناهم ؟ كلا ، ها الله ، إذا لا نفعل ذلك ) . فقام الأشتر ، فقال : ( ~~أيها الناس ، من لهذا ؟ ) فهرب الفزاري وسعى شؤبوب من الناس في أثره ، ~~فلحقوه بالكناسة فضربوه بنعالهم حتى سقط ، ثم وطئوه بأرجلهم حتى مات ، ~~فأخبر بذلك علي رضي الله عنه فقال : ( قتيل عمية ، لا يدرى من قتله ) فدفع ~~ديته إلى أهله من بيت المال ، وقال بعض شعراء بني تميم : أعوذ بربي أن تكون ~~منيتي كما مات في سوق البراذين أربد PageV01P240 تعاوره همدان خصف نعالهم ~~إذا رفعت عنه يد وقعت يد ### ||| [ مقالة الأشتر لعلي ] # وقام الأشتر ، فقال : ( يا أمير المؤمنين ، لا يؤيسنك من نصرتنا ما سمعت ~~من هذا الخائن ، إن جميع من ترى من الناس شيعتك ، لا يرغبون بأنفسهم عنك ، ~~ولا يحبون البقاء بعدك ، فسر بنا إلى أعدائك ، فوالله ما ينجو من الموت من ~~خافه ، ولا يعطي البقاء من أحبه ، ولا يعيش بالأمل إلا المغرور ) . فأجابه ~~جل الناس إلى المسير ، إلا أصحاب عبد الله بن مسعود ، وعبيدة السلماني ، ~~والربيع بن خثيم في نحو من أربعمائة رجل من القراء ، فقالوا : ( يا أمير ~~المؤمنين ، قد شككنا في هذا القتال ، مع معرفتنا فضلك ، ولا غنى بك ولا ~~بالمسلمين عمن يقاتل المشركين ، فولنا بعض هذه الثغور لنقاتل عن أهله ) . ~~فولاهم ثغر قزوين والري ، وولى عليهم الربيع بن خثيم ، وعقد له لواء ، وكان ~~أول لواء عقد في الكوفة . PageV01P241 ### ||| [ نصيحة الإمام بن عدي وعمرو بن الحمق ] # قالوا : وبلغ عليا أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية ، ~~ولعن أهل الشام ، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما . فأتياه ، فقالا : ~~( يا أمير المؤمنين ، ألسنا على الحق ، وهم على الباطل ؟ ) ، قال : ( بلى ، ~~ورب الكعبة المسدنة ) ، قالوا : ( فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم ؟ ) ، قال : ~~( كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين ، ولكن قولوا : ( اللهم أحقن دماءنا ~~ودماءهم ، وأصلح ذات بيننا وبينهم ، واهدهم من ضلالتهم ، حتى ms130 يعرف الحق من ~~جهله ، ويرعوي عن الغي من لجج به ) . ### ||| [ خروج علي إلى النخيلة ] # قالوا : ولما عزم علي رضي الله عنه على الشخوص أمر مناديا ، فنادى ~~بالخروج إلى المعسكر بالنخيلة ( 1 ) ، فخرج الناس مستعدين ، واستخلف علي ~~على الكوفة أبا مسعود الأنصاري ، وهو من السبعين الذين بايعوا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة . وخرج علي رضي الله عنه إلى النخيلة ، ~~وأمامه عمار بن ياسر ، فأقام بالنخيلة معسكرا ، وكتب إلى عماله بالقدوم ~~عليه . ### ||| [ قدوم ابن عباس ] # ولما انتهى كتابه إلى ابن عباس ندب الناس ، وخطبهم ، وكان أول من تكلم ~~الأحنف بن قيس ، ثم قام خالد بن المعمر السدوسي ، ثم قام عمرو بن ~~PageV01P242 مرحوم العبدي ، وكلهم أجاب ، فخلف علي البصرة أبا الأسود ~~الديلي ، وسار بالناس حتى قدم علي على بالنخيلة . ### ||| [ نصيحة علي لزياد بن النضر وشريح بن هانئ ] # فلما اجتمع إلى علي قواصيه ، وانضمت إليه أطرافه تهيأ للمسير من النخيلة ~~، ودعا زياد بن النضر وشريح بن هانئ ، فعقد لكل واحد منهما على ستة آلاف ~~فارس ، وقال : ( ليسر كل واحد منكما منفردا عن صاحبه ، فإن جمعتكما حرب ، ~~فأنت يا زياد الأمير ، واعلما أن مقدمة القوم عيونهم ، وعيون المقدمة ~~طلائعهم ، فإياكما أن تسأما عن توجيه الطلائع ، ولا تسيرا بالكتائب ~~والقبائل من لدن مسير كما إلى نزولكما إلا بتعبية وحذر ، وإذا نزلتم بعدو ~~أو نزل بكم ، فليكن معسكركم في أشرف المواضع ليكون ذلك لكم حصنا حصينا ، ~~وإذا غشيكم الليل فحفوا عسكركم بالرماح والترسة ، PageV01P243 وليليهم ~~الرماة ، وما أقمتم فكذلك فكونوا ، لئلا يصاب منكم غرة ، واحرسا عسكركما ~~بأنفسكما ، ولا تذوقا نوما إلا غرارا ومضمضة ، وليكن عندي خبركما ، فإني ~~ولا شئ إلا ما شاء الله حثيث السير في إثركما ، ولا تقاتلا حتى تبدأ أو ~~يأتيكما أمري إن شاء الله ) . ### ||| [ خطبة علي عند الرحيل ] # فلما كان اليوم الثالث من مخرجهما قام في أصحابه خطيبا ، فقال : ( يا ~~أيها الناس ، نحن سائرون غدا في آثار مقدمتنا ، فإياكم والتخلف ، فقد خلفت ~~مالك بن حبيب اليربوعي ، وجعلته على الساقة ، وأمرته ألا يدع ms131 أحدا إلا ~~ألحقه بنا ) فلما أصبح نادى في الناس بالرحيل ، وسار ، فلما انتهى إلى رسوم ~~مدينة بابل ، قال لمن كان يسايره من أصحابه : ( إن هذه مدينة قد خسف بها ~~مرارا ، فحركوا خيلكم ، وأرخوا أعنتها ، حتى تجوزوا موضع المدينة ، لعلنا ~~ندرك العصر خارجا منها ) . فحرك ، وحركوا دوابهم ، فخرج من حد المدينة وقد ~~حضرت الصلاة ، فنزل ، فصلى بالناس ، ثم ركب ، وسار حتى انتهى إلى دير كعب ~~فجاوزه ، وأتى ساباط PageV01P244 المدائن ، فنزل فيه بالناس ، وقد هيئت له ~~فيه الأنزال . . ### ||| [ مسير علي إلى المدائن ] # فلما أصبح ركب وركب الناس معه ، وإنهم لثمانون ألف رجل ، أو يزيدون ، سوى ~~الأتباع والخدم ، ثم سار حتى أتى مدينة الأنبار ، فلما وافى المدائن عقد ~~لمعقل بن قيس في ثلاثة آلاف رجل ، وأمره أن يسير على الموصل ونصيبين حتى ~~يوافيه بالرقة ، فسار حتى وافى حديثة الموصل ، وهي إذ ذاك المصر ، وإنما ~~بنى الموصل بعد ذلك مروان بن محمد . فلما انتهى معقل إليها إذا هو بكبشين ~~يتناطحان ، ومع معقل رجل من خثعم يزجر ، فجعل الخثعمي يقول : ( إيه ، إيه ، ~~) فأقبل رجلان ، فأخذ كل منهما كبشا ، فقاده وانطلق به . فقال الخثعمي ~~لمعقل ( لا تغلبون ولا تغلبون ) فقال معقل : ( يكون خيرا ، إن شاء الله ) . ~~ثم مضى حتى وافى عليا وقد نزل ( البليخ ) فأقام ثلاثا ، ثم أمر بجسر ، فعقد ~~، وعبر الناس ، ولما قطع علي رضي الله عنه الفرات أمر زياد بن النضر وشريح ~~ابن هانئ أن PageV01P245 يسيرا أمامه ، فسارا حتى انتهيا إلى مكان يدعى ( ~~سور الروم ) لقيهما أبو الأعور السلمي في خيل عظيمة من أهل الشام ، فأرسلا ~~إلى علي يعلمانه ذلك . ### ||| [ حملة الأشتر ] # فأمر علي الأشتر أن يسير إليهما ، وجعله أميرا عليهما ، فسار حتى وافى ~~القوم ، فاقتتلوا ، وصبر بعضهم لبعض حتى جن عليهم الليل ، وانسل أبو الأعور ~~في جوف الليل حتى أتى معاوية . ### ||| [ قدوم معاوية إلى صفين ] # وأقبل معاوية بالخيل نحو صفين ، وعلى مقدمته سفيان بن عمرو ، وعلى ساقته ~~بسر بن أبي أرطأة العامري ، فأقبل سفيان بن عمرو ، ومعه أبو الأعور ، حتى ~~وافيا صفين ، وهي ms132 قرية خراب من بناء الروم ، منها إلى الفرات غلوه ، وعلى ~~شط الفرات مما يليها غيضة ملتفة ، فيها نزور طولها نحو من فرسخين ، وليس في ~~ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلا طريق واحد مفروش بالحجارة ، وسائر ذلك ~~خلاف وغرب ملتف لا يسلك ، وجميع الغيضة نزور ووحل إلا ذلك الطريق الذي يأخذ ~~من القرية إلى الفرات . ### ||| [ غلبة معاوية على الماء ] # فأقبل سفيان بن عمرو وأبو الأعور حتى سبقا إلى موضع القرية ، فنزلا هناك ~~مع ذلك PageV01P246 الطريق ، ووافاهما معاوية بجميع الفيلق ، حتى نزل معهما ~~، وعسكر مع القرية ، وأمر معاوية أبا الأعور أن يقف في عشرة آلاف من أهل ~~الشام على طريق الشريعة ، فيمنع من أراد السلوك إلى الماء من أهل العراق . ~~وأقبل علي رضي الله عنه حتى وافى المكان ، فصادف أهل الشام قد احتووا على ~~القرية والطريق ، فأمر الناس ، فنزلوا بالقرب من عسكر معاوية ، وانطلق ~~السقاءون والغلمان إلى طريق الماء ، فحال أبو الأعور بينهم وبينه . وأخبر ~~علي رضي الله عنه بذلك ، فقال لصعصعة بن صوحان ( ايت معاوية ، فقل له ، إنا ~~سرنا إليكم لنعذر قبل القتال ، فإن قبلتم كانت العافية أحب إلينا ، وأراك ~~قد حلت بيننا وبين الماء ، فإن كان أعجب إليك أن ندع ما جئنا له ، ونذر ~~الناس يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا . فقال الوليد : ~~( أمنعهم الماء كما منعوه أمير المؤمنين عثمان ، اقتلهم عطشا ، قتلهم الله ~~) . فقال معاوية لعمرو بن العاص : ما ترى ؟ . قال : ( أرى أن تخلي عن الماء ~~، فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريان ) . فقال عبد الله بن أبي سرح ، وكان أخا ~~عثمان لأمه : ( أمنعهم الماء إلى الليل ، PageV01P247 لعلهم أن ينصرفوا إلى ~~طرف الغيضة ، فيكون انصرافهم هزيمة ) . فقال صعصعة لمعاوية : ( ما الذي ترى ~~؟ ) . قال معاوية : ارجع ، فسيأتيكم رأيي ) . فانصرف صعصعة إلى علي ، ~~فأخبره بذلك . ### ||| [ غلبة الإمام على الماء ] # وظل أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء إلا من كان ينصرف من الغلمان ~~إلى طرف الغيضة ، فيمشي مقدار فرسخين ، فيستقي ، فغم عليا رضي الله عنه أمر ~~الناس غما شديدا ms133 ، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعا ، فأتاه الأشعث بن قيس ~~فقال : يا ( أمير المؤمنين ، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا ؟ ~~ولني الزحف إليه ، فوالله لا أرجع أو أموت ، ومر الأشتر فلينضم إلي في خيله ~~) ، فقال له علي : ( ايت في ذلك ما رأيت ) . فلما أصبح زاحف أبا الأعور ، ~~فاقتتلوا ، وصدقهم الأشتر والأشعث حتى نفيا أبا الأعور وأصحابه عن الشريعة ~~، وصارت في أيديهما ، فقال عمرو بن العاص لمعاوية : ( ما ظنك بالقوم اليوم ~~إن منعوك الماء كما منعتهم أمس ؟ ، فقال معاوية : ( دع ما مضى ، ( ما ظنك ~~بعلي ؟ ) ، قال : ( ظني أنه لا يستحل منك ما استحللت منه ، لأنه أتاك في ~~غير أمر الماء ) . ثم توادع الناس ، وكف بعضهم عن بعض ، وأمر علي ألا يمنع ~~أهل الشام من الماء ، فكانوا يسقون جميعا ، ويختلط بعضهم ببعض ، ويدخل ~~بعضهم في معسكر بعض ، فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلا بخير ، ورجوا أن ~~يقع الصلح . PageV01P248 ### ||| [ عبيد الله بن عمر وعلي ] # وأقبل عبيد الله بن عمر بن الخطاب حتى استأذن على علي ، فأذن له ، فدخل ~~عليه ، فقال له علي : ( أقتلت الهرمزان ظلما ، وقد كان أسلم على يدي عمي ~~العباس ، وفرض له أبوك في ألفين ، وترجو أن تسلم مني ؟ ) . فقال له عبيد ~~الله : ( الحمد لله الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان ، وأنا أطلبك بدم أمير ~~المؤمنين عثمان ) . فقال له علي : ( ستجمعنا وإياك الحرب ، فتعلم ) . # | [ تراسل الإمام ومعاوية ] # قال : فلم يزالوا يتراسلون شهري ربيع وجمادى الأولى ، ويفزعون فيما بين ~~ذلك ، يزحف بعضهم إلى بعض ، فيحجز بينهم القراء والصالحون ، فيفترقون من ~~غير حرب حتى فزعوا في هذه الثلاثة الأشهر خمسا وثمانين فزعة ، كل ذلك يحجز ~~بينهم القراء . فلما انقضت جمادى الأولى بات علي رضي الله عنه يعبي أصحابه ~~، ويكتب كتائبه ، وبعث إلى معاوية يؤذنه بحرب ، فعبى معاوية أيضا أصحابه ، ~~وكتب كتائبه . فلما أصبحوا تزاحفوا وتواقفوا تحت راياتهم في صفوفهم ، ثم ~~تحاجزوا ، فلم تكن حرب ، وكانوا يكرهون أن يلتقوا بجميع الفيلقين مخافة ~~الاستئصال ، غير أنه يخرج PageV01P249 الجماعة من هؤلاء إلى الجماعة من ~~أولئك ms134 ، فيقتتلون بين العسكرين ، فكانوا كذلك حتى أهل هلال رجب ، فأمسك ~~الفريقان . قالوا : وأقبل أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي حتى دخلا على ~~معاوية ، فقالا : ( علام تقاتل عليا ، وهو أحق بهذا الأمر منك ؟ ) . قال : ~~( أقاتله على دم عثمان ) . قالا : ( أو هو قتله ؟ ) . قال : ( آوى قتلته ، ~~فسلوه أن يسلم إلينا قتلته ، وأنا أول من يبايعه من أهل الشام ) . فأقبلا ~~إلى علي رضي الله عنه ، فأخبراه بذلك . فاعتزل من عسكر علي زهاء عشرين ألف ~~رجل ، فصاحوا : ( نحن جميعا قتلنا عثمان ) . فخرج أبو الدرداء وأبو أمامة ~~فلحقا ببعض السواحل ، ولم يشهدا شيئا من تلك الحروب . ### ||| [ رسل معاوية إلى الإمام ] # وإن معاوية بعث إلى شرحبيل بن السمط ، وحبيب بن مسلمة ، ومعن بن ~~PageV01P250 يزيد بن الأخنس ، وقال : ( انطلقوا إليه ، وسلوه أن يسلم إلينا ~~قتلة عثمان ، ويتخلى مما هو فيه حتى نجعلها شورى بين المسلمين ، يختارون ~~لأنفسهم من رضوا وأحبوا ) . فأقبلوا حتى دخلوا على علي رضي الله عنه ، فبدأ ~~حبيب بن مسلمة ، فتكلم بما حمله معاوية ، فقال له علي : ( وما أنت وذاك ، ~~لا أم لك ، فلست هناك ؟ ! ) فقام حبيب مغضبا ، فقال : ( والله لتريني بحيث ~~تكره ) ، قال شرحبيل : ( أفلا تسلم إلينا قتلة عثمان ؟ ) ، ( قال علي : ( ~~إني لا أستطيع ذلك ، وهم زهاء عشرين ألف رجل ) ، فقاما عنه ، فخرجا ، قالوا ~~: فمكث الناس كذلك إلى أن انسلخ المحرم ( 1 ) . وفي ذلك يقول حابس بن سعد ~~الطائي ، وكان صاحب لواء طيئ مع معاوية : فما بين المنايا غير سبع بقين من ~~المحرم أو ثمان ألم يعجبك أنا قد هجمنا وإياهم على الموت العيان أينهانا ~~كتاب الله عنهم ولا ينهاهم آي القرآن ### ||| [ إعلان الحرب ] # فلما انسلخ المحرم بعث علي مناديا ، فنادى في عسكر معاوية عند غروب ~~PageV01P251 الشمس : ( إنا أمسكنا لتنصرم الأشهر الحرم ، وقد تصرمت ، وإنا ~~ننبذ إليكم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ) . ### ||| [ ألوية جيش علي ] # فبات الفريقان يكتبون الكتائب ، وقد أوقدوا النيران في العسكرين ، فلما ~~أصبحوا تزاحفوا ، وقد استعمل علي على الخيل عمار بن ياسر ، وعلى الرجالة ~~عبد الله بن بديل بن ورقاء ms135 الخزاعي ، ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عتبة ~~المرقال ، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس وعلى الميسرة عبد الله بن عباس ، ~~وعلى رجالة الميمنة سليمان بن صرد ، وعلى رجالة الميسرة الحارث بن مرة ~~العبدي ، وجعل في القلب مضر ، وفي الميمنة ربيعة ، وفي الميسرة أهل اليمن ، ~~وضم قريشا وأسدا وكنانة إلى عبد الله بن عباس ، وضم كندة إلى الأشعث ، وضم ~~بكر البصرة إلى الحضين ( 3 ) ابن المنذر ، وضم تميم البصرة إلى الأحنف بن ~~قيس ، وولى أمر خزاعة عمرو بن الحمق ، وولى بكر الكوفة نعيم بن هبيرة ، ~~وولى سعد رباب البصرة جارية بن قدامة ، وولى بجيلة PageV01P252 رفاعة بن ~~شداد ، وولى ذهل الكوفة رويما الشيباني ، وولى حنظلة البصرة أعين بن ضبيعة ~~، وجعل على قضاعة كلها عدي بن حاتم ، وجعل على لهازم الكوفة عبد الله بن ~~بديل ، وعلى تميم الكوفة عمير بن عطارد ، وعلى الأزد جندب بن زهير ، وعلى ~~ذهل البصرة خالد بن المعمر ، وعلى حنظلة الكوفة شبث ابن ربعي ، وعلى همدان ~~سعد بن قيس ، وعلى لهازم البصرة خزيمة بن خازم ، وعلى سعد رباب الكوفة أبا ~~صرمة ، واسمه الطفيل ، وعلى مذحج الأشتر ، وعلى عبد قيس الكوفة عبد الله بن ~~الطفيل ، وعلى عبد قيس البصرة عمرو بن حنظلة ، وعلى قيس البصرة شدادا ~~الهلالي ، وعلى اللفيف من القواصي القاسم بن حنظلة الجهني . ### ||| [ ألوية جيش معاوية ] # واستعمل معاوية على الخيل عبد الله بن عمرو بن العاص ، وعلى الرجالة ~~PageV01P253 مسلم ابن عقبة ، لعنه الله ، وعلى الميمنة عبيد الله بن عمر بن ~~الخطاب ، وعلى الميسرة حبيب ابن مسلمة ، ودفع اللواء الأعظم إلى عبد الرحمن ~~بن خالد بن الوليد ، واستعمل على أهل دمشق الضحاك بن قيس ، وعلى أهل حمص ذا ~~الكلاع ، وعلى أهل قنسرين زفر بن الحارث ، وعلى أهل الأردن سفيان بن عمرو ، ~~وعلى أهل فلسطين مسلمة ابن خالد ، وعلى رجالة دمشق بسر بن أبي أرطأة ، وعلى ~~رجالة حمص حوشبا ذا ظليم ، وعلى رجالة قنسرين طريف بن حابس ، وعلى رجالة ~~الأردن عبد الرحمن القيني ، وعلى رجالة فلسطين الحارث بن خالد ms136 الأزدي ، ~~PageV01P254 وعلى قيس دمشق همام ابن قبيصة ، وعلى قيس حمص هلال بن أبي ~~هبيرة ، وعلى رجالة الميمنة حابس ابن ربيعة ، وعلى قضاعة دمشق حسان بن بجدل ~~، وعلى قضاعة حمص عباد ابن يزيد ، وعلى كندة دمشق عبد الله بن جون السكسكي ~~، وعلى كندة حمص يزيد بن هبيرة ، وعلى النمر بن قاسط يزيد بن أسد العجلي ، ~~وعلى حمير هانئ بن عمير ، وعلى قضاعة الأردن مخارق بن الحارث ، وعلى لخم ~~فلسطين نابل ابن قيس ، وعلى همدان الأردن حمزة بن مالك ، وعلى غسان الأردن ~~زيد بن الحارث ، وعلى أهل القواصي القعقاع بن أبرهة ، وعلى الخيل ~~PageV01P255 كلها عمرو بن العاص ، وعلى الرجالة كلها الضحاك بن قيس . ### ||| [ مبارزة جحل بن آثال لأبيه ] # واصطف كل فريق منهم سبعة صفوف ، صفين في الميمنة وصفين في الميسرة ، ~~وثلاثة صفوف في القلب ، فكان الفريقان أربعة عشر صفا ، فوقفوا تحت راياتهم ~~، لا ينطق أحد منهم بكلمة ، فخرج رجل من أهل العراق يسمى حجل بن أثال ، ~~وكان من فرسان العرب ، فوقف بين صفوف أهل العراق وأهل الشام ، ثم نادى ( هل ~~من مبارز ؟ وهو متقنع بالحديد ، فخرج إليه أبوه أثال ، وكان من معدودي ~~فرسان أهل الشام متقنعا بالحديد ، ولم يعلم واحد منهما من صاحبه ، فتطاردا ~~، والناس قد شخصت أبصارهم ، ينظرون ، فطعن كل واحد منهما صاحبه ، فلم يصنعا ~~شيئا ، لكمال لأمتيهما ، فحمل الأب على الابن ، فاحتضنه حتى أشاله عن سرجه ~~، فسقط وسقط الأب عليه ، فانكشفت وجوههما ، فعرف كل واحد منهما صاحبه ، ~~فانصرفا إلى عسكريهما ، ثم تفرق الناس يومئذ ، ولم يكن بينهما غير هذا . ### ||| [ لقاء عتبة وجعدة بن هبيرة ] # فلما أصبحوا عادوا إلى مواقفهم ، كما كانوا بالأمس ، فخرج عتبة بن أبي ~~سفيان حتى وقف على فرسه بين الصفين ، فدعا جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي ~~، ليخرج إليه ، فأقبل جعدة حتى دنا من عتبة ، فتجاريا ماهم فيه ، وتقاولا ~~حتى أغضب جعدة عقبة ، PageV01P256 فتناوله عتبة بلسانه ، فانصرفا مغضبين ، ~~وعبى كل منهما لصاحبه كتيبة ، فاقتتلوا بين الصفين ، وأعين الناس إليهم ، ~~وباشر جعدة القتال ، فانهزم عتبة ، وانصرف الفريقان ms137 لم يكن بينهم يومئذ إلا ~~ذاك ، فقال النجاشي يذكر ما كان بينهما : ### ||| [ شعر النجاشي في شتم عتبة لجعدة ] # إن شتم الكريم يا عتب خطب فاعلمنه من الخطوب عظيم أمه أم هانئ ، وأبوه من ~~لؤي بن غالب لصميم إنه للهبيرة بن أبي وه ب ، أقرت بفضله مخزوم وقال أيضا : ~~ما زلت تنظر في عطفيك أبهة لا يرفع الطرف منك التيه والصلف لما رأيتهم صبحا ~~حسبتهم أسد العرين حمى أشبالها الغرف ناديت خيلك إذ عض السيوف بها عوجي إلي ~~، فما عاجوا وما وقفوا هلا عطفت إلى قتلى مصرعة منها السكون ومنها الأزد ~~والصدف قد كنت في منظر عن ذا ومستمع يا عتب لو لا سفاه الرأي والترف ~~PageV01P257 ### ||| | [ القتال بعد المحرم ] # قالوا ( وخرج الأشعث في يوم من الأيام في خيل من إبطال أهل العراق ، فخرج ~~إليه حبيب بن مسلمة في مثل ذلك من أهل الشام ، فاقتتلوا بين الصفين مليا ~~حتى مضى جل النهار ، ثم انصرفوا وقد انتصف بعضهم من بعض . وخرج يوما آخر ~~المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في خيل ، فخرج إليه أبو الأعور السلمي في ~~مثل ذلك ، فاقتتلوا بين الصفين جل النهار . فلم يفر أحد عن أحد . # | [ حملة عمار في ياسر وحديث لواء عمرو ] # وخرج يوما آخر عمار بن ياسر في خيل من أهل العراق ، فخرج إليه عمرو بن ~~العاص في ذلك ، ومعه شقة سوداء على قناة ، فقال الناس : ( هذا لواء عقده ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال علي رضي الله عنه : ( أنا مخبركم بقصة ~~هذا اللواء : هذا لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال : من ~~يأخذه بحقه ؟ ، فقال عمرو : وما حقه يا رسول الله ؟ فقال : لا تفر به من ~~كافر ، ولا تقاتل به مسلما ) . فقد فر به من PageV01P258 الكافرين في حياة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقد قاتل به المسلمين اليوم . فاقتتل عمرو ~~وعمار ذلك اليوم كله ، لم يول واحد منهما صاحبه الدبر . ### ||| [ قتال ابن الحنيفة وابن عمر ] # وخرج في يوم آخر محمد بن الحنفية ms138 ، فخرج إليه عبيد الله بن عمر في مثل ~~عدده من أهل الشام ، فقال عبيد الله لابن الحنفية : ( ابرز لي ) فقال محمد ~~: ( نزال ) قال : ( وذاك ) . فنزلا جميعا عن فرسيهما ، ونظر علي إليهما ، ~~فحرك فرسه حتى دنا من محمد ، ثم نزل ، وقال لمحمد : ( أمسك على فرسي ) ففعل ~~. ومشى إلى عبيد الله ، فولى عنه عبيد الله ، وقال : ( مالي في مبارزتك من ~~حاجة ، إنما أردت ابنك ) فقال محمد : ( يا أبت ، لو تركتني أبارزه لرجوت أن ~~أقتله ) قال : ( لو بارزته لرجوت ذلك ، وما كنت آمنا أن يقتلك ) . واقتتلت ~~خيلاهما إلى أنصاف النهار ، ثم انصرفت ، وكل غير غالب . ### ||| [ قتال ابن عباس والوليد بن عقبة ] # وخرج في يوم آخر عبد الله بن عباس في خيل من أهل العراق ، فخرج إليه ~~PageV01P259 الوليد بن عتبة في مثلها من أهل الشام ، فقال الوليد : ( يا ~~ابن عباس ، قطعتم أرحامكم ، وقتلتم إمامكم ، ولم تدركوا ما أملتم ) ، فقال ~~له ابن عباس : ( دع عنك الأساطير ، وابرز إلي ) ، فأبى الوليد ، وقاتل ابن ~~عباس يومئذ بنفسه قتالا شديد ، ثم انصرفا منتصفين . ### ||| [ ارتجاز عمرو في الميدان ] # وخرج في يوم آخر عمرو بن العاص في خيل من أهل الشام ، فخرج إليه سعد بن ~~قيس الهمداني في مثل ذلك من أهل العراق ، وعمرو يرتجز : لا تأمنن بعدها أبا ~~حسن طاحنة تدقكم دق الطحن إنا نمر الحرب إمرار الرسن ### ||| [ مبارزة حجر بن عدي وحجر الشر ] # فبدر ممن كان مع عمرو فتى من أهل الشام ، يسمى حجر PageV01P260 الشر ، ~~فدعا للبراز ، فبرز إليه حجر بن عدي ، فاطعنا ، فطعنه حجر الشر طعنة أذراه ~~عن فرسه ، وحماة أصحابه ، فانصرفا وقد جرحه السنان ، فخرج إليه الحكم بن ~~أزهر ، وكان من أشراف الكوفة ، فاختلفا ضربتين ، فضربه حجر الشر فقتله ، ثم ~~نادى ( هل من مبارز ؟ ) ، فبرز إليه ابن عم للحكم يسمى رفاعة بن طليق ، ~~فضربه حجر الشر فقتله ، فقال علي : ( الحمد لله الذي قتل هذا مقتل عبد الله ~~بن بديل ) . ### ||| |[ حملة عبد الله بن بديل على أهل الشام ] # وخرج في يوم آخر عبد الله بن بديل الخزاعي ms139 ، وكان من أفاضل أصحاب علي في ~~خيل من أهل العراق ، فخرج إليه أبو الأعور السلمي في مثل ذلك من أهل الشام ~~فاقتتلوا هويا من النهار ، فترك عبد الله أصحابه يعتركون في مجالهم ، وضرب ~~فرسه حتى أحماه ، ثم أرسله على أهل الشام ، فشق جموعهم ، لا يدنو منه أحد ~~إلا ضربه بالسيف حتى انتهى إلى الرابية التي كان معاوية عليها ، فقام أصحاب ~~معاوية دونه ، فقال معاوية : ( ويحكم ، إن الحديد لم يؤذن له في هذا ، ~~فعليكم بالحجارة ) فرث بالصخر حتى مات ، فأقبل معاوية حتى وقف عليه ، فقال ~~: ( هذا كبش القوم ) هذا كما قال الشاعر : PageV01P261 أخو الحرب إن عضت به ~~الحرب عضها وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا كليث عرين بات يحمي عرينة رمته ~~المنايا قصدها فتقطرا ### ||| [ مبارزة على لحريث ] # قالوا : وكان فارس معاوية الذي يبتهي به حريث مولاه ، وكان يلبس بزة ~~معاوية ، ويستلئم سلاحه ، ويركب فرسه ، ويحمل متشبها بمعاوية ، فإذا حمل ~~قال الناس : ( هذا معاوية وقد كان معاوية نهاه عن علي ، وقال ( اجتنبه ، ~~وضع رمحك حيث شئت ) . فخلا به عمرو ، وقال : ( ما يمنعك من مبارزة علي ، ~~وأنت له كفء ؟ ) ، قال : ( نهاني مولاي عنه ) ، قال : ( وإني والله لأرجو ~~إن بارزته أن تقتله ، فتذهب بشرف ذلك ) . فلم يزل يزين له ذلك حتى وقع في ~~قلب حريث . فلما أصبحوا خرج حريث حتى قام بين الصفين ، وقال : ( يا أبا ~~الحسن ، ابرز إلي ، أنا حريث ) ، فخرج إليه علي ، فضربه ، فقتله . ### ||| [ طلب علي من معاوية أن يبارزه ] # وبعث علي يوما من تلك الأيام إلى معاوية : ( لم نقتل الناس بيني وبينك ؟ ~~ابرز إلي ، فأينا قتل صاحبه تولى الأمر ) . فقال معاوية لعمرو : ( ما ترى ؟ ~~) قال : ( قد أنصفك الرجل ، فابرز إليه ) ، فقال معاوية : ( أتخدعني عن ~~نفسي ، ولم أبرز إليه ، ودوني عك والأشعرون ) . ثم قال : ما للملوك وللبراز ~~وإنما حظ المبارز خطفه من باز PageV01P262 ووجد من ذلك على عمرو ، فهجره ~~أياما ، فقال عمرو لمعاوية : ( أنا خارج إلى علي غدا ) . ### ||| [ حملة عمرو بن العاص ] # فلما أصبحوا بدر عمرو حتى وقف بين الصفين ، وهو يرتجز ms140 : شدا على شكتي لا ~~تنكشف يوم لهمدان ويوم للصدف ولتميم مثله أو تنحرف والربعيون لهم يوم عصف ~~إذا مشيت مشية العود النطف اطعنهم بكل خطي ثقف ثم نادى : ( يا أبا الحسن ، ~~اخرج إلي ، أنا عمرو بن العاص ) . فخرج إليه علي ، فتطاعنا ، فلم يصنعا ~~شيئا ، فانتضى على سيفه ، فحمل عليه ، فلما أراد أن يجلله رمى بنفسه عن ~~فرسه ، ورفع إحدى رجليه ، فبدت عورته ، فصرف على وجهه ، وتركه . وانصرف ~~عمرو إلى معاوية ، فقال له معاوية : ( أحمد الله وسوداء إستك يا عمرو ) . ### ||| [ حملة عبيد الله بن عمر ] # قالوا : وخرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب يوما من تلك الأيام ، وكان من ~~فرسان العرب وإبطالها في خيل من أهل الشام ، وخرج الأشتر في مثلها ، فاشتدت ~~PageV01P263 بينهما الحرب ، فالتقى عبيد الله والأشتر ، فحمل عبيد الله على ~~الأشتر ، وبدره الأشتر يطعنه ، فأخطأه ، وأسرع الأشتر في أصحاب عبيد الله ، ~~فانصرف الفريقان ، وللأشتر الفضل . # | [ حملة عبد الرحمن بن خالد ] # وخرج يوما آخر عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وكان من معدودي رجال ~~معاوية ، فخرج إليه عدي بن حاتم في مثلها ، فاقتتلوا يومهم كله ، ثم ~~انصرفوا ، وكل غير غالب . ### ||| [ حملة ذي الكلاع وعبيد الله بن عمر ] # وخرج يوما ذو الكلاع في أربعة آلاف فارس من أهل الشام قد تبايعوا على ~~الموت ، فحملوا على ربيعة ، وكانوا في ميسرة علي ، وعليهم عبد الله بن عباس ~~، فتصدعت جموع ربيعة ، فناداهم خالد بن المعمر : ( يا معشر ربيعة أسخطتم ~~الله ) فثابوا إليه ، فاشتد القتال حتى كثرت القتلى ، ونادى عبيد الله بن ~~عمر : ( أنا الطيب ابن الطيب ، فسمعه عمار ، فناداه : ( بل أنت الخبيث ابن ~~الطيب ) . ثم حمل عبيد الله ، وهو يرتجز : أنا عبيد الله ينميني عمر خير ~~قريش من مضى ومن غبر غير رسول الله والشيخ الأغر أبطأ عن نصر ابن عفان مضر ~~والربعيون ، فلا اسقوا المطر PageV01P264 فضرب شمر بن الريان العجلي ، ~~فقتله ، وكان من فرسان ربيعة . ### ||| ( مصرع عبيد الله بن عمر ) # فلما أصبحوا خرج عبيد الله فيمن كان معه بالأمس ، وخرجت إليهم ربيعة ، ~~فاقتتلوا ms141 بين الصفين ، وعبيد الله أمامهم يضرب بسيفه ، فحمل عليه حريث بن ~~جابر الحنفي ، فطعنه في لبته ( 1 ) ، فقتله ، وقد اختلفوا في قتله ، فقالت ~~( 2 ) همدان : قتله هانئ بن الخطاب ، وقال ( ت ) حضرموت : قتله مالك بن ~~عمرو الحضرمي ، وقالت ربيعة : حريث بن جابر الحنفي ، وهو المجمع عليه ، ~~فقال كعب بن جعيل يرثيه : ألا إنما تبكي العيون لفارس بصفين أجلت خيله وهو ~~واقف فأضحى عبيد الله بالقاع مسلما تمج دما منه والعروق النوازف ينوء ~~وتعلوه سبائب من دم كما لاح في جيب القميص الكفائف ( 3 ) وقد ضربت حول ابن ~~عم نبينا من الموت شهباء المناكب شارف PageV01P265 تموج ترى الرايات حمرا ~~كأنها إذا صوبت للطعن طير عواكف جزى الله قتلانا بصفين خير ما جزى عبادا ~~غادرتها المواقف ### ||| ( مصرع ذي الكلاع ) # قالوا : وخرج ذو الكلاع في يوم من تلك الأيام في كتيبة من أهل الشام من ~~عك ولخم ، فخرج إليه عبد الله بن عباس في ربيعة ، فالتقوا ، ونادى رجل من ~~مذحج العراق ( يا آل مذحج ، خذموا ( 1 ) ) فاعترضت مذحج عكا يضربون سوقهم ~~بالسيوف ، فيبركون . فنادى ذو الكلاع . . يا آل عك ، بروكا كبروك الإبل . ~~وحمل رجل من بكر بن وائل يسمى خندفا على ذي الكلاع ، فضربه بالسيف على ~~عاتقه ، فقد الدرع ، وفري عاتقه ، فخر ميتا ، فلما قتل ذو الكلاع تمحكت عك ~~، وصبروا لعض السيوف ، فلم يزالوا كذلك حتى أمسوا . وكان أهل العراق وأهل ~~الشام أيام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق منهم في الفريق الآخر ، ~~فلا يعرض أحد لصاحبه ، وكانوا يطلبون قتلاهم ، فيخرجونهم من المعركة ، ~~ويدفنونهم . ### ||| [ خطبة علي قبيل المعركة ] # قالوا : وإن عليا رضي الله عنه أشاع أنه يخرج إلى أهل الشام بجميع الناس ~~، فيقاتلهم حتى يحكم الله بينه وبينهم ، ففزع الناس لذلك فزعا شديدا ، ~~وقالوا : ( إنما كنا إلى اليوم تخرج الكتيبة إلى مثلها ، فيقتتلون بين ~~الجمعين ، فإن التقينا بجميع الفيلقين فهو فناء العرب ) . PageV01P266 وقام ~~[ علي ] في الناس خطيبا ، فقال : ( ألا إنكم ملاقو القوم غدا بجميع الناس ، ~~فأطيلوا الليلة القيام ، وأكثروا تلاوة القرآن ms142 ، وسلوا الله الصبر والعفو ، ~~والقوهم بالجد ) . فقال كعب بن جعيل : أصبحت الأمة في أمر عجب والملك مجموع ~~غدا لمن غلب أقول قولا صادقا غير الكذب أن غدا تهلك أعلام العرب ### ||| [ عرض ألوية جند الشام ] # واجتمع أهل الشام إلى معاوية ، فعرضهم ، فنادى مناديه : ( أين الجند ~~المقدم ؟ ) فخرج أهل حمص تحت راياتهم ، وعليهم أبو الأعور السلمي ، ثم نادى ~~: ( أين أهل الأردن ؟ ) ، فخرجوا تحت راياتهم ، وعليهم زفر بن الحارث ~~الكلابي ، ثم نادى : ( أين جند الأمير ؟ ) فجاء أهل دمشق تحت راياتهم ، ~~وعليهم الضحاك ابن قيس ، فأطافوا بمعاوية ، فعقد لعمرو بن العاص على جميع ~~الناس ، وساروا حتى وقفوا بإزاء أهل العراق . ### ||| [ معاوية ينظر المعركة ، وتراجز عمرو بن العاص والشامي ] # وقعد معاوية على منبر ينظر منه فوق رابية إلى الفريقين إذا اقتتلوا ، ~~وأقبلت عك الشام ، وقد عصبوا أنفسهم بالعمائم ، وطرحوا بين أيديهم حجرا ، ~~وقالوا : لا نولي الدبر أو يولي معنا هذا الحجر ) ، فصفهم عمرو خمسة صفوف ، ~~ووقف أمامهم يرتجز : يا أيها الجيش الصليب الإيمان قوموا قياما ، فاستعينوا ~~الرحمن PageV01P267 إني أتاني خبر فأبكان إن عليا قتل ابن عفان ردوا علينا ~~شيخنا كما كان وأنشأ رجل من أهل الشام يقول : تبكي الكتيبة يوم جر حديدها ~~يوم الوغى جزعا على عثمانا يسلون حق الله لا يعدونه وسألتم لعلي السلطانا ~~فأتوا ببينة بما تسلونه هذا البيان ، فأحضروا البرهانا ### ||| [ خروج علي للقتال ] # ولما أصبح علي رضي الله عنه غلس . بصلاة الفجر ، ثم أمر أصحابه ، فخرجوا ~~تحت راياتهم ، ثم جعل يدور على رايات أهل الشام ، فيقول : ( من هؤلاء ؟ ) ~~فيسمون له ، حتى إذا عرفهم ، وعرف مراكزهم ، قال لأزد الكوفة : ( اكفوني ~~أزد الشام ) ، وقال لخثعم : ( اكفوني خثعم ) ، فأمر كل قبيلة من أهل العراق ~~أن تكفيه أختها من أهل الشام ، ثم أمرهم أن يحملوا من كل ناحية حملة رجل ~~واحد ، فحملوا ، وحمل علي رضي الله عنه على الجمع الذي كان فيه معاوية في ~~أهل الحجاز من قريش والأنصار وغيرهم ، وكانوا زهاء اثني عشر ألف فارس ، ~~وعلى إمامهم ، وكبروا وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض ، فانتقضت ms143 صفوف ~~أهل الشام ، واختلفت راياتهم ، PageV01P268 وانتهوا إلى معاوية ، وهو جالس ~~على منبره ، معه عمرو بن العاص ، ينظران إلى الناس ، فدعا بفرس ليركبه . ثم ~~إن أهل الشام تداعوا بعد جولتهم ، وثابوا ، ورجعوا على أهل العراق ، وصبر ~~القوم بعضهم لبعض إلى أن حجز بينهم الليل ، فقتل في ذلك اليوم أناس كثير من ~~أعلام العرب وأشرافهم ، فلما أصبحوا دخل الناس بعضهم في بعض ، يستخرجون ~~قتلاهم ، فيدفنونهم يومهم ذلك كله . ### ||| [ خطبة علي ] # ثم إن عليا قام في عشية ذلك اليوم في أصحابه فقال : ( أيها الناس ، اغدوا ~~على مصافكم ، وازحفوا إلى عدوكم ، وغضوا الأبصار ، و اخفضوا الأصوات ، ~~وأقلوا الكلام ، وأثبتوا ، واذكروا الله كثيرا ، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ~~ريحكم ، واصبروا ، إن الله مع الصابرين ) . ### ||| [ خطبة معاوية ] # وقام معاوية في أهل الشام ، فقال : ( أيها الناس ، اصبروا وصابروا ، ولا ~~تتخاذلوا لا تتواكلوا ، فإنكم على حق ، ولكم حجة ، وإنما تقاتلون من سفك ~~الدم الحرام ، فليس له في السماء عاذر ) . ### ||| | [ خطبة عمرو ] # وقام عمرو ، فقال : ( أيها الناس ، قدموا المستلئمة وأخروا الحسر ، ~~وأعيرونا جماجمكم اليوم ، فقد بلغ الحق مقطعة ، وإنما هو ظالم أو مظلوم ) . ### ||| [ حملة حبيب بن مسلمة ] # فبات الفريقان طول تلك الليلة يتعبون للحرب ، ثم غدوا على مصافهم ، وحمل ~~الفريقان بعضهم على بعض ، وحمل حبيب بن مسلمة ، وكان على ميسرة معاوية ، عل ~~PageV01P269 ى ميمنة علي رضي الله عنه ، فانكشفوا وجالوا جولة ، ونظر علي ~~إلى ذلك ، فقال لسهل بن حنيف : ( انهض فيمن معك من أهل الحجاز حتى تعين أهل ~~الميمنة ، فمضى سهل فيمن كان معه من أهل الحجاز نحو الميمنة ، فاستقبلهم ~~جموع أهل الشام ، فكشفوه ومن معه حتى انتهوا إلى علي ، وهو في القلب ، فجال ~~القلب وفيه على جولة ، فلم يبق مع علي إلا أهل الحفاظ والنجدة ، فحث علي ~~فرسه نحو ميسرته ، وهم وقوف يقاتلون من بإزائهم من أهل الشام ، وكانوا ~~ربيعة . ### ||| [ علي يدفع الهزيمة بالأشتر ] # قال زيد بن وهب : فإني لأنظر إلى علي ، وهو يمر نحو ربيعة ، ومعه بنوه : ~~الحسن والحسين ومحمد ، وإن النبل ليمر بين أذنيه وعاتقه ، وبنوه يقونه ms144 ~~بأنفسهم ، فلما دنا علي من الميسرة ، وفيها الأشتر ، وقد وقفوا في وجوه أهل ~~الشام يجالدونهم ، فناداه علي ، وقال : ( إيت هؤلاء المنهزمين ، فقل : أين ~~فراركم من الموت الذي لم تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم ) . فدفع ~~الأشتر فرسه ، فعارض المنهزمين ، فناداهم : ( أيها الناس ، إلي إلي ، أنا ~~مالك بن الحارث ) فلم يلتفتوا إليه ، فظن أنه بالاستعراف ، فقال : ( أيها ~~الناس أنا الأشتر ) فثابوا إليه ، فزحف بهم نحو ميسرة أهل الشام . فقاتل ~~بهم قتالا شديدا حتى انكشف أهل الشام ، وعادوا إلى PageV01P270 مواقفهم ~~الأولى . ورتب الأشتر ميمنة علي رضي الله عنه والقلب مراتبهما قبل الجولة ، ~~فلما عادوا إلى مواقفهم جعل على يسير في الصفوف ويؤنبهم على ما كان من ~~جولتهم ، وذلك ما بين صلاة العصر والمغرب . ### ||| [ حملة زحر بن نهشل ] # قال : ثم إن أهل الشام حملوا على تميم ، وكانوا في الميمنة ، فكشفوهم ، ~~فناداهم زحر بن نهشل : يا بني تميم ، إلى أين ؟ قالوا : ( ألا ترى إلى ما ~~قد غشينا ؟ ! ) فقال : ( ويحكم ، أ فرارا واعتذارا ؟ ! إن لم تقاتلوا على ~~الدين ، فقاتلوا على الأحساب ، احملوا معي ) . فحمل وحملوا ، فقاتل حتى قتل ~~، وهو أمامهم ، وحمل الناس جميعا بعضهم على بعض ، واقتتلوا حتى تكسرت ~~الرماح وتقطعت السيوف ، ثم تكادموا ( 1 ) بالأفواه ، وتحاثوا بالتراب ، ثم ~~تنادوا من كل جانب : ( يا معشر العرب ، من للنساء والأولاد ، الله الله في ~~الحرمات ) . ### ||| [ نصيحة عمرو لمعاوية ] # وإن عليا رضي الله عنه لينغمس في القوم ، فيضرب بسيفه حتى ينثني ، ثم ~~يخرج متخضبا بالدم حتى يسوى له سيفه ، ثم يرجع ، فينغمس فيهم ، وربيعة لا ~~تترك جهدا في القتال معه والصبر ، وغابت الشمس ، وقربوا من معاوية ، فقال ~~لعمرو : ( ما ترى ؟ ) قال : ( إن تخلي سرادقك ) . فنزل معاوية عن المنبر ~~الذي كان يكون عليه ، وأخلى السرادق ، وأقبلت ربيعة ، و إمامها علي رضي ~~الله عنه حتى غشوا السرادق ، فقطعوه ، ثم انصرفوا ، وبات علي تلك الليلة في ~~ربيعة . ### ||| ( مصرع هاشم بن عتبة المرقال ) # فلما أصبح علي غادى ( 2 ) أهل الشام القتال ، ودفع رايته العظمى إلى هاشم ~~بن عتبة ، فقاتل بها نهاره ms145 كله ، فلما كان العشي انكشف أصحابه انكشافه ، ~~وثبت هاشم في أهل الحفاظ منهم والنجدة ، فحمل عليهم الحارث بن المنذر ~~PageV01P271 التنوخي ، فطعنه طعنة جائفة ( 3 ) ، فلم ينته عن القتال ، ~~ووافاه رسول علي يأمره أن يقدم رايته ، فقال للرسول : ( انظر إلى ما بي ) ~~فنظر إلى بطنه ، فرآه منشقا ، فرجع إلى علي ، فأخبره ، ولم يلبث هاشم أن ~~سقط ، وجال أصحابه عنه ، وتركوه بين القتلى ، فلم يلبث أن مات . وحال الليل ~~بين الناس وبين القتال . ### ||| [ حملة عبد الله بن المرقال ] # فلما أصبح علي غلس بالصلاة ، وزحف بجموعه نحو القوم على التعبية الأولى ، ~~ودفع الراية إلى ابنه عبد الله بن هاشم بن عتبة ، وتزاحف الفريقان فاقتتلوا ~~. فروي عن القعقاع الظفري أنه قال : ( لقد سمعت في ذلك اليوم من أصوات ~~السيوف ما الرعد القاصف دونه ) وعلي رضي الله عنه واقف ينظر إلى ذلك ، ~~ويقول : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ، والله المستعان ، ربنا افتح بيننا ~~وبين قومنا بالحق ، وأنت خير الفاتحين ) . ### ||| [ جراحات علي وحملة عبد الله بن جعفر ] # ثم حمل علي بنفسه على أهل الشام حتى غاب فيهم ، فانصرف مخضبا بالدماء ، ~~فلم يزالوا كذلك يومهم كله والليل حتى مضى ثلثه ، وجرح علي خمس جراحات ، ~~ثلاث في رأسه واثنتان في وجهه ، ثم تفرقوا وغدوا على مصافهم ، وعمرو بن ~~العاص يقدم أهل الشام ، فحمل عبد الله بن جعفر ذو الجناحين في قريش ~~والأنصار في وجه عمرو فاقتتلوا ، وحمل غلامان أخوان من الأنصار على جموع ~~أهل الشام حتى انتهيا إلى سرادق معاوية ، فقتلا على باب السرادق ، ودارت ~~رحى الحرب إلى أن ذهب ثلث PageV01P272 الليل ، ثم تحاجزوا ، ولما أصبح ~~الناس اختلط بعضهم ببعض ، يستخرجون قتلاهم ، فيدفنونهم . ### ||| [ تراسل علي ومعاوية ] # وكتب معاوية إلى علي : ( أما بعد ، فإني إنما أقاتلك على دم عثمان ، ولم ~~أر المداهنة في أمره وإسلام حقه ، فإن أدرك بثأري فيه فذاك ، وإلا فالموت ~~على الحق أجمل من الحياة على الضيم ، وإنما مثلي ومثل عثمان ، كما قال ~~المخارق : فمهما تسل عن نصرتي السيد لا تجد لدى الحرب بيت السيد ms146 عندي مذمما ~~فكتب إليه علي : ( أما بعد ، فإني عارض عليك ما عرض مخارق على بني فالج ، ~~حيث قال : يا راكبا إما عرضت فبلغا بني فالج حيث استقر قرارها هلموا إلينا ~~لا تكونوا كأنكم بلاقع أرض طار عنها غبارها سليم بن منصور أناس أعزة وأرضهم ~~أرض كثير وبارها PageV01P273 فكتب إليه معاوية : إنا لم نزل للحرب قادة ، ~~وإنما مثلي ومثلك ما قال أوس بن حجر : إذا الحرب حلت ساحة الحي أظهرت عيوب ~~رجال يعجبونك في الأمن وللحرب أقوام يحامون دونها وكم قد ترى من ذي رواء ~~ولا يغني ### ||| [ حملة عبد الرحمن بن خالد ] # ثم غدوا على الحرب ، وراية أهل الشام العظمى مع عبد الرحمن بن خالد ابن ~~الوليد ، وكان يحمل بها فلا يلقاه شئ إلا هده ، وكان من فرسان العرب ، ~~وكانت من أهل العراق جولة شديدة ، فنادى الناس الأشتر ، وقالوا : ( أما ترى ~~اللواء أين قد بلغ ؟ ) ، فتناول الأشتر لواء أهل العراق ، فتقدم به ، وهو ~~يرتجز : إني أنا الأشتر معروف الشتر إني أنا الأفعى العراقي الذكر فقاتل ~~أهل الشام حتى رد اللواء ، وردهم على أعقابهم ، ففي ذلك يقول النجاشي : ~~رأيت اللواء كظل العقاب يقحمه الشامي الأخزر دعونا له الكبش كبش العراق وقد ~~خالط العسكر العسكر PageV01P274 فرد اللواء على عقبه وفاز بحظوتها الأشتر ### ||| ( مقتل حوشب ذي ظليم ) # قالوا : وأخذ الراية جندب بن زهير ، فخرج إليه حوشب ذو ظليم ، وكان من ~~عظماء أهل الشام ، وفرسانهم ، فأخذ الراية وجعل يمضي بها قدما ، وينكأ في ~~أهل العراق ، فخرج إليه سليمان بن صرد ، وكان من فرسان علي ، فاقتتلوا ، ~~فقتل حوشب ، وجال أهل العراق جولة انتقضت صفوفهم ، وانحاز أهل الحفاظ منهم ~~مع علي رضي الله عنه إلى ناحية أخرى يقاتلون ، وأقبل عدي بن حاتم يطلب عليا ~~في موضعه الذي خلفه فيه ، فلم يجده ، فسأل عنه ، فدل عليه ، فأقبل إليه ، ~~فقال : ( يا أمير المؤمنين ، أما إذ كنت حيا فالأمر أمم ، واعلم أني ما ~~مشيت إليك إلا على أشلاء القتلى ، وما أبقى هذا اليوم لناو لا لهم عميدا ) ~~. ### ||| [ ثناء علي على ms147 ربيعة وخوضه المعركة ] # وكان أكثر من صبر في تلك الساعة مع علي وقاتل ربيعة ، فقال علي رضي الله ~~عنه : ( يا معشر ربيعة ، أنتم درعي وسيفي ) ثم ركب الفرس الذي كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - PageV01P275 يسمى الريح - وجنب بين يديه بغلة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم الشهباء ، وتعمم بعمامته صلى الله عليه وسلم ~~السوداء ، ثم أمر مناديه ، فنادى : ( أيها الناس ، من يشري نفسه لله ؟ ) ~~فانتدب له الناس ، وانضموا إليه ، فأقبل بهم على أهل الشام حتى أزال ~~راياتهم ، وجالوا جولة قبيحة حتى دعا معاوية بفرسه ليركبها ، ثم نادى ~~مناديه في أهل الشام : ( إلى أين أيها الناس ؟ أثيبوا ، فإن الحرب سجال ~~فثاب إليه الناس ، وكروا على أهل العراق . ### ||| [ استصراخ معاوية بعك والأشعريين ] # وقال معاوية لعمرو : قدم عك والأشعرين ، فإنهم كانوا أول من انهزم في هذه ~~الجولة . فأتاهم عمرو ، فبلغهم قول معاوية ، فقال رئيسهم مسروق العكي : ( ~~انتظروني حتى آتي معاوية ) فأتاه ، فقال : ( افرض لقومي في ألفين ألفين ، ~~ومن هلك منهم ، فابن عمه مكانه ) ، قال : ( ذلك لك ) ، فانصرف إلى قومه ، ~~فأعلمهم ذلك ، فتقدموا ، فاضطربوا هم وهمدان بالسيوف اضطرابا شديدا ، ~~فأقسمت عك لا ترجع حتى ترجع همدان ، وأقسمت همدان على مثل ذلك . فقال عمرو ~~لمعاوية : ( لقيت أسد أسدا ، لم أر كاليوم قط . ) PageV01P276 فقال معاوية ~~: ( لو أن معك حيا آخر كعك ، ومع علي كهمدان لكان الفناء ) . ### ||| [ رسالة معاوية إلى علي ] # وكتب معاوية إلى علي : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من معاوية بن أبي ~~سفيان إلى علي بن أبي طالب ، أما بعد ، فإني أحسبك أن لو علمت وعلمنا ، أن ~~الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا ، فإنا وإن كنا قد غلبنا ~~على عقولنا ، فقد بقي لنا منها ما ينبغي أن نندم على ما مضى ونصلح ما بقي ، ~~فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما أرجو ، ولا أخاف من القتل إلا ما تخاف ، وقد ~~والله رقت الأجناد ، وتفانى الرجال ، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض ~~فضل إلا ما يستذل به العزيز ، ولا ms148 يسترق به الحر ، والسلام . ) ### ||| [ جواب علي ] # فكتب إليه علي رضي الله عنه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، أما بعد ، فقد ~~أتاني كتابك ، تذكر أنك لو علمت وعلمنا أن الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم ~~نجنها على أنفسنا ، فاعلم أنك وإيانا منها إلى غاية لم نبلغها بعد ، وأما ~~استواؤنا في الخوف والرجاء ، فإنك لست PageV01P277 أمضى على الشك مني على ~~اليقين ، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل العراق على الآخرة ، وأما ~~قولك أنا بنو عبد مناف ، وليس لبعضنا على بعض فضل ، فليس كذلك ، لأن أمية ~~ليس كهاشم ، ولا حربا كعبد المطلب ، ولا أبا سفيان كأبي طالب ، ولا المهاجر ~~كالطليق ، وفي أيدينا فضل النبوة التي بها قتلنا العزيز ، ودان لنا بها ~~الذليل ) . ### ||| [ زحف علي ومحالة أحد الشاميين إبطال الحرب ] # ثم إن عليا رضي الله عنه غلس بالصلاة صلاة الفجر ، وزحف بجموعه نحو أهل ~~الشام ، فوقف الفريقان تحت راياتهم ، وخرج الأشتر على فرس كميت ذنوب . ~~مقنعا بالحديد ، وبيده الرمح ، فحمل على أهل الشام ، فاتبعه الناس ، وكسر ~~فيهم ثلاثة أرماح ، واضطرب الناس بالسيوف وعمد الحديد ، وبرز رجل من أهل ~~الشام مقنعا بالحديد ، ونادى : ( يا أبا الحسن ، ادن مني ، أكلمك ) فدنا ~~منه علي حتى اختلفت أعناق فرسيهما بين الصفين ، فقال : ( إن لك قدما في ~~الإسلام ليس لأحد ، وهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وجهادا ، فهل ~~لك أن تحقن هذه الدماء ، وتؤخر هذه الحرب برجوعك إلى عراقك ، ونرجع إلى ~~شامنا الان تنظر وننظر في أمرنا ؟ ) . PageV01P278 فقال علي : ( يا هذا ، ~~إني قد ضربت أنف هذا الأمر وعينيه ، فلم أجده يسعني إلا القتال أو الكفر ~~بما أنزل الله على محمد ، إن الله لا يرضى من أوليائه أن يعصى في الأرض ، ~~وهم سكوت ، لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر ، فوجدت القتال أهون من ~~معالجة الأغلال في جهنم ) . ### ||| [ ليلة الهرير ] # قال : فانصرف الشامي ، وهو يسترجع ، ثم اقتتلوا حتى تكسرت الرماح ، ~~وتقطعت السيوف ، وأظلمت الأرض من القتام ، وأصابهم البهر ، وبقي بعضهم ينظر ~~إلى بعض بهيرا . فتحاجزوا بالليل ms149 ، وهو ليلة الهرير . ثم أصبحوا غداة هذه ~~الليلة ، واختلط بعضهم ببعض يستخرجون قتلاهم ويدفنونهم . ### ||| [ خطبة لعلي ] # ثم إن عليا قام من صبيحة ليلة الهرير في الناس خطيبا ، فحمد الله وأثنى ~~عليه ، ثم قال : ( أيها الناس ، إنه قد بلغ بكم وبعدوكم الأمر إلى ما ترون ~~، ولم يبق من القوم إلا آخر نفس ، فتأهبوا رحمكم الله لمناجزة عدوكم غدا ، ~~حتى يحكم الله بيننا وبينهم ، وهو خير الحاكمين ) . ### ||| [ خطة عمرو ] # وبلغ ذلك معاوية ، فقال لعمرو : ( ما ترى ، فإنما هو يومنا هذا وليلتنا ~~هذه ؟ ) ، فقال عمرو : ( إني قد أعددت بحيلتي أمرا أخرته إلى هذا اليوم ، ~~فإن قبلوه اختلفوا ، وإن ردوه PageV01P279 تفرقوا ، قال معاوية : ( وما هو ~~؟ ) قال عمرو : ( تدعوهم إلى كتاب الله حكما بينك وبينهم ، فإنك بالغ به ~~حاجتك ) . فعلم معاوية أن الأمر كما قال . ### ||| [ مقالة الأشعث ليلة الهرير ] # قالوا : وأن الأشعث بن قيس قال لقومه ، وقد اجتمعوا إليه : ( قد رأيتم ما ~~كان في اليوم الماضي من الحرب المبيرة . وأنا والله إن التقينا غدا ، إنه ~~لبوار العرب وضيعة الحرمات ) . ### ||| [ إشارة معاوية برفع المصاحف ] # قالوا : ( فانطلقت العيون إلى معاوية بكلام الأشعث ، فقال : صدق الأشعث ، ~~لئن التقينا غدا ليميلن الروم على ذراري أهل الشام ، وليميلن دهاقين فارس ~~على ذراري أهل العراق ، وما يبصر هذا الأمر إلا ذوو الأحلام ، اربطوا ~~المصاحف على أطراف القنا ( 1 ) ) . قالوا : فربطت المصاحف ، فأول ما ربط ~~مصحف دمشق الأعظم ، ربط على خمسة أرماح ، يحملها خمسة رجال ، ثم ربط سائر ~~المصاحف ، جميع ما كان معهم ، وأقبلوا في الغلس ، ونظر أهل العراق إلى أهل ~~الشام قد أقبلوا ، وأمامهم شبيه بالرايات ، فلم يدروا ما هو ، حتى أضاء ~~الصبح ، فنظروا ، فإذا هي المصاحف . PageV01P280 ### ||| [ كلام رؤساء القبائل ] # ثم قام الفضل بن أدهم أمام القلب ، وشريح الجذامي أمام الميمنة ، وورقاء ~~ابن المعمر أمام الميسرة ، فنادوا : ( يا معشر العرب ، الله . الله في ~~نسائكم وأولادكم من فارس والروم غدا ، فقد فنيتم ، هذا كتاب الله بيننا ~~وبينكم ) . فقال علي رضي الله عنه : ( ما الكتاب تريدون ، ولكن المكر ~~تحاولون ) . ثم أقبل أبو الأعور ms150 السلمي على برذون أشهب ، وعلى رأسه مصحف ، ~~وهو ينادي : ( يا أهل العراق ، هذا كتاب الله حكما فيما بيننا وبينكم ) . ~~فلما سمع أهل العراق ذلك قام كردوس بن هانئ البكري ، فقال : ( يا أهل ~~العراق ، لا يهدئكم ما ترون من رفع هذه المصاحف ، فإنها مكيدة ) . ثم تكلم ~~سفيان بن ثور النكري ( 2 ) ، فقال : ( أيها الناس ، أنا قد كنا بدأنا بدعاء ~~أهل الشام إلى كتاب الله ، فردوا علينا ، فاستحللنا قتالهم ، فإن رددناه ~~عليهم حل لهم قتالنا ، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ولا رسوله ) . ثم قام ~~خالد بن المعمر ، فقال لعلي : ( يا أمير المؤمنين ، ما البقاء إلا فيما دعا ~~القوم إليه إن رأيته ، وإن لم تره فرأيك أفضل ) . ثم تكلم الحضين بن المنذر ~~، فقال : أيها الناس ، إن لنا داعيا قد حمدنا ورده وصدره ، وهو المأمون على ~~ما فعل ، فإن قال : لا ، قلنا : لا ، وإن قال : نعم ، قلنا : نعم ) . ~~PageV01P281 ### ||| [ خطبة علي في التحكيم ] # فتكلم علي ، وقال : ( عباد الله ، أنا أحرى من أجاب إلى كتاب الله ، ~~وكذلك أنتم ، غير أن القوم ليس يريدون بذلك إلا المكر ، وقد عضتهم الحرب ، ~~والله ، لقد رفعوها وما رأيهم العمل بها ، وليس يسعني مع ذلك أن ادعى إلى ~~كتاب الله فأبى ، وكيف وإنما قاتلناهم ليدينوا بحكمه ) . فقال الأشعث : ( ~~يا أمير المؤمنين نحن لك اليوم على ما كنا عليه لك أمس ، غير أن الرأي ما ~~رأيت من أجابه القوم إلى كتاب الله حكما ) . فأما عدي بن حاتم وعمرو بن ~~الحمق فلم يهويا ذلك ، ولم يشيروا على علي به . ### ||| | [ علي يأمر الأشتر بوقف الحرب ] # ولما أجاب علي رضي الله عنه ، قالوا له : ( فابعث إلى الأشتر ليمسك عن ~~الحرب ويأتيك ) . وكان يقاتل في ناحية الميمنة ، فقال علي ليزيد بن هانئ : ~~( انطلق إلى الأشتر ، فمره أن يدع ما هو فيه ، ويقبل ) ، فأتاه ، فأبلغه ، ~~فقال : ( ارجع إلى أمير المؤمنين ، فقل له إن الحرب قد اشتجرت بيني وبين ~~أهل الناحية ، فليس يجوز أن انصرف ) . فانصرف يزيد إلى علي ، فأخبره بذلك ، ~~وعلت الأصوات من ناحية الأشتر ، وثار ms151 PageV01P282 النقع ، فقال القوم لعلي ~~، ( والله ما نحسبك أمرته إلا بالقتال ) . فقال : ( كيف أمرته بذلك ، ولم ~~أساره سرا ؟ ! ) ثم قال ليزيد : ( عد إلى الأشتر ، فقل له . أقبل ، فإن ~~الفتنة قد وقعت ) . فأتاه ، فأخبره بذلك . فقال الأشتر : ( الرفع هذا ~~المصاحف ؟ ) ، قال : ( نعم ) . قال : ( أما والله لقد ظننت بها حين رفعت ، ~~أنها ستوقع اختلافا وفرقة ) . فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم ، فقال : ( يا ~~أهل الوهن الذل ، أ حين علوتم القوم تنكلون لرفع هذه المصاحف ؟ أمهلوني ~~فواقا ) ، قالوا : ( لا ندخل معك في خطيئتك ) ، قال : ( ويحكم ، كيف بكم ~~وقد قتل خياركم وبقي أراذلكم ، فمتى كنتم محقين ؟ أحين كنتم تقاتلون أم ~~الآن حين أمسكتم ؟ فما حال قتلاكم الذين لا ننكرون فضلهم ، أ في الجنة أم ~~في النار ؟ ) . قالوا ( : قاتلناهم في الله ، وندع قتالهم في الله ) . فقال ~~: ( يا أصحاب الجباة السود ، كنا نظن أن صلاتكم عبادة وشوق إلى الجنة ، ~~فنراكم قد فررتم إلى الدنيا ، فقبحا لكم ) . فسبوه ، وسبهم ، وضربوا وجه ~~دابته بسياطهم ، وضرب هو وجوه دوابهم بسوطه . وكان مسعر بن فدكي وابن ~~الكواء وطبقتهم من القراء الذين صاروا بعد خوارج كانوا من أشد الناس في ~~الإجابة إلى حكم المصحف . PageV01P283 ### ||| [ خطبة معاوية ] # وإن معاوية قام في أهل الشام ، فقال : ( أيها الناس ، إن الحرب قد طالت ~~بيننا وبين هؤلاء القوم ، وإن كل واحد منا يظن أنه على الحق وصاحبه على ~~الباطل ، وإنا قد دعوناهم إلى كتاب الله والحكم به ، فإن قبلوه ، وإلا كنا ~~قد أعذرنا إليهم ) . ### ||| [ رسالة معاوية إلى علي ] # ثم كتب إلى علي : ( أن أول من يحاسب على هذا القتال أنا وأنت ، وأنا ~~أدعوك إلى حقن هذه الدماء وألفة الدين واطراح الضغاثن ، وأن يحكم بيني ~~وبينك حكمان ، أحدهما من قبلي والآخر من قبلك ، ما يجدانه مكتوبا مبينا في ~~القرآن يحكمان به ، فأرض بحكم القرآن إن كنت من أهله ) . ### ||| | [ جواب علي ] # فكتب إليه علي : ( دعوت إلى حكم القرآن ، وإني لأعلم أنك ليس حكمه تحاول ~~، وقد أجبنا القرآن إلى حكمه لا إياك ، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ~~ضلالا بعيدا ms152 ) . ### ||| [ تراسل علي وعمرو بن العاص ] # كتب إلى عمرو بن العاص : ( أما بعد ، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها ، ولم ~~يصب صاحبها منها شيئا إلا انفتح له بذلك حرص يزيده فيها رغبة ، ولن يستغني ~~صاحبها بما نال منها عما لم ينله ، ومن وراء ذلك فراق ما جمع ، فلا تحبط ~~عملك بمجاراة معاوية على باطله ، وإن لم تنته لم تضر بذلك إلا نفسك ، ~~والسلام ) . فأجابه عمرو : ( أما بعد ، فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ما بيننا ~~الإنابة إلى الحق ، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا وبينك لنرضى بحكمه ، ~~ويعذرنا الناس عند المناجزة ، والسلام ) . فكتب إليه علي : ( أما بعد ، فإن ~~الذي أعجبك مما نازعتك نفسك إليه من طلب الدنيا منقلب عنك ، فلا تطمئن ~~إليها ، فإنها غرارة ، ولو اعتبرت بما مضى انتفعت بما بقي ، والسلام ) . ~~PageV01P284 فكتب إليه عمرو : ( أما بعد ، فقد أنصف من جعل القرآن حكما ، ~~فاصبر يا أبا الحسن ، فإنا غير منيليك إلا ما أنا لك القرآن ، والسلام ) . ~~فاجتمع قراء أهل العراق وقراء أهل الشام ، فقعدوا بين الصفين ، ومعهم ~~المصحف يتدارسونه ، فاجتمعوا على أن يحكموا حكمين ، وانصرفوا . فقال أهل ~~الشام : ( قد رضينا بعمرو ) . وقال الأشعث ومن كان معه من قراء أهل العراق ~~: ( قد رضينا نحن بأبي موسى ) . فقال لهم علي : ( لست أثق برأي أبي موسى ، ~~ولا بحزمه ، ولكن أجعل ذلك لعبد الله بن عباس ) . قالوا : ( والله ما نفرق ~~بينك وبين ابن عباس ، وكأنك تريد أن تكون أنت الحاكم ، بل اجعله رجلا هو ~~منك ومن معاوية سواء ، ليس إلى أحد منكما بأدنى منه إلى الآخر ) . قال علي ~~رضي الله عنه : ( فلم ترضون لأهل الشام بابن العاص ، وليس كذلك ؟ ) . ~~PageV01P285 قالوا : ( أولئك أعلم ، إنما علينا أنفسنا ) . قال : ( فإني ~~أجعل ذلك إلى الأشتر ) . قال الأشعث : ( وهل سعر هذه الحرب إلا الأشتر ، ~~وهل نحن إلا في حكم الأشتر ؟ ) . قاعلي : ( وما حكمه ؟ ) . قال : ( يضرب ~~بعض وجوه بعض حتى يكون ما يريد الله ) . قال : ( فقد أبيتم إلا أن تجعلوا ~~أبا موسى ) . قالوا : ( نعم ) . قال : ( فاصنعوا ما أحببتم ) . قالوا : ~~فأرسلوا رسولا إلى أبي موسى ms153 ، وقد كان اعتزل الحرب ، وأقام بعرض من أعراض ~~الشام ، فدخل عليه مولى له ، فقال : ( قد اصطلح الناس ) ، قال : ( الحمد ~~لله رب العالمين ) . قال : ( وقد جعلوك حكما ) . قال : ( إنا لله وإنا إليه ~~راجعون ) . فأقبل أبو موسى حتى دخل عسكر علي ، فولوه الأمر ، ورضوا به ، ~~فقبله . فقال الأحنف بن قيس لعلي : ( إنك قد منيت بحجر الأرض ، وداهية ~~العرب ، وقد عجمت أبا موسى ، فوجدته كليل الشفرة ، قريب PageV01P286 العقر ~~، وإنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل يدنو من صاحبه حتى يكون في كفه ، ويبعد ~~منه حتى يكون مكان النجم ، فإن شئت أن تجعلني حكما فافعل ، وإلا فثانيا أو ~~ثالثا ، فإن قلت : إني لست من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فابعث ~~رجلا من صحابته ، واجعلني وزيرا له ومشيرا ) . فقال علي : ( إن القوم قد ~~أبوا أن يرضوا بغير أبي موسى ، والله بالغ أمره ) . قالوا : فقال أيمن بن ~~خريم الأسدي من أهل الشام ، وكان معتزلا للقوم : لو كان للقوم رأي يهتدون ~~به بعد القضاء رموكم بابن عباس لكن رموكم بشيخ من ذوي يمن لم يدر ما ضرب ~~أخماس لأسداس قالوا : وقد كان معاوية جعل لأيمن بن خريم ناحية من فلسطين ~~على أن يبايعه ، فأبى ، وقال : لست بقاتل رجلا يصلي * على سلطان آخر من ~~قريش له سلطانه وعلى إثمي * معاذ الله من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير حق * ~~فليس بنافعي ما عشت عيشي ### ||| ( وثيقة التحكيم ) # قالوا : فاجتمع أهل العراق وأهل الشام وأتوا بكاتب ، وقالوا : ( اكتب بسم ~~الله PageV01P287 الرحمن الرحيم ، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين ) . ~~فقال معاوية ( بئس الرجل أنا إن أقررت بأنه أمير المؤمنين ثم أقاتله . قال ~~عمرو ( بل اكتب اسمه واسم أبيه ) . فقال الأحنف بن قيس : ( يا أمير ~~المؤمنين ، لا تمح اسم أمره المؤمنين ، فإني أخاف إن محوتها لم ترجع إليك ~~أبدا ، ولا تجبهم إلى ذلك ) . فقال علي : الله أكبر ، سنة بسنة ، أما والله ~~لقد جرى على يدي نظير هذا - يعني القضية يوم الحديبية ، وامتناع قريش أن ~~يكتب محمد رسول الله ، فقال النبي ms154 صلى الله عليه وسلم للكاتب ، اكتب محمد ~~بن عبد الله ، فكتبوا . ( هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن ~~أبي سفيان وشيعتهما فيما تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله ~~عليه وسلم ، قضية علي على أهل العراق شاهدهم وغائبهم ، وقضية معاوية على ~~أهل الشام شاهدهم وغائبهم ، إنا تراضينا أن نقف عند حكم القرآن فيما يحكم ~~من فاتحته إلى خاتمته ، نحيي ما أحيا ، ونميت ما أمات ، على ذلك تقاضيا وبه ~~تراضيا ، وإن عليا وشيعته رضوا بعبد الله بن قيس ناظرا وحاكما ، ورضي ~~معاوية وشيعته بعمرو بن العاص ناظرا وحاكما ، على أن عليا ومعاوية أخذا على ~~عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد الله وميثاقه ، وذمته وذمة رسوله أن ~~يتخذا PageV01P288 القرآن إماما ، ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما ~~وجداه فيه مسطورا ، وما لم يجدا في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله الجامعة ~~، لا يتعمدان لها خلافا ، ولا يبغيان فيها بشبهة ) . ( وأخذ عبد الله بن ~~قيس وعمرو بن العاص على علي ومعاوية عهد الله وميثاقه بالرضى بما حكما به ~~مما في كتاب الله وسنة نبيه ، وليس لهما أن ينقضا ذلك ، ولا يخالفاه إلى ~~غيره ، وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما وأشعارهما وأبشارهما ~~وأهاليهما وأولادهما ما لم يعدوا الحق ، رضي به راض أو سخطه ساخط ، وإن ~~الأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما هو في كتاب الله ، فإن توفي أحد ~~الحكمين قبل انقضاء الحكومة ، فلشيعته وأصحابه أن يختاروا مكانه رجلا من ~~أهل المعدلة والصلاح على ما كان عليه صاحبه من العهد والميثاق ، وإن مات ~~أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدد في هذه القضية فلشيعته أن يولوا ~~مكانه رجلا يرضون عدله ، وقد وقعت القضية بين الفريقين والمفاوضة ، ورفع ~~السلاح ، وقد وجبت القضية على ما سمينا في هذا الكتاب من موقع الشرط على ~~الأميرين والحكمين والفريقين ، والله أقرب شهيد ، وكفى به شهيدا ، فإن ~~خالفا وتعديا فالأمة بريئة من حكمهما ولا عهد لهما ولا ذمة ، والناس ms155 آمنون ~~على أنفسهم وأهاليهم وأولادهم PageV01P289 إلى انقضاء الأجل ، والسلاح ~~موضوعة والسبل آمنة ، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر ، وللحكمين ~~أن ينزلا منزلا متوسطا عدلا بين أهل العراق وأهل الشام ، ولا يحضرهما فيه ~~إلا من أحبا عن تراض منهما ، والأجل إلى انقضاء شهر رمضان ، فإن رأى ~~الحكمان تعجيل الحكومة عجلاها ، وإن رأيا تأخيرها إلى آخر الأجل أخراها ، ~~فإن هما لم يحكما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل ، فالفريقان ~~على أمرهم الأول في الحرب ، وعلى الأمة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر ، ~~وهم جميعا يد واحدة على من أراد في هذا الأمر إلحادا أو ظلما أو خلافا ) . ~~( شهد على ما في هذا الكتاب الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب ، وعبد ~~الله ابن عباس ، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب ، والأشعث بن قيس ، والأشتر ~~) ابن الحارث ، وسعيد بن قيس ، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن عبد المطلب ~~، وأبو سعيد بن ربيعة الأنصاري ، وعبد الله بن خباب بن الأرت ، PageV01P290 ~~وسهل بن حنيف ، وأبو بشر بن عمر الأنصاري ، وعوف بن الحارث بن عبد المطلب ، ~~ويزيد بن عبد الله الأسلمي ، وعقبة بن عامر الجهني ، ورافع بن خديج ~~الأنصاري ، وعمرو بن الحمق الخزاعي ، والنعمان بن العجلان الأنصاري ، وحجر ~~بن عدي الكندي ، ويزيد بن حجية النكري ، ومالك بن كعب الهمداني ، وربيعة بن ~~شرحبيل ، والحارث بن مالك ، وحجر بن يزيد ، وعلبة بن حجية . ومن أهل الشام ~~: حبيب بن مسلمة الفهري ، وأبو الأعور السلمي ، وبسر ابن أرطأة القرشي ، ~~ومعاوية بن خديج الكندي ، والمخارق بن الحارث ، ومسلم ابن عمرو السكسكي ، ~~وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد ، وحمزة بن مالك ، وسبيع ابن يزيد الحضرمي ، ~~وعبد الله بن عمرو بن العاص ، وعلقمة بن يزيد الكلبي ، وخالد بن الحصين ~~السكسكي ، وعلقمة بن يزيد الحضرمي ، ويزيد بن أبجر العبسي ، ومسروق بن جبلة ~~العكي ، وبسر بن يزيد الحميري ، وعبد الله بن عامر القرشي ، وعتبة بن أبي ~~سفيان ، ومحمد بن أبي سفيان ، ومحمد بن عمرو بن العاص ، وعمار بن الأحوص ~~الكلبي ، ومسعدة ms156 بن عمرو العتبي ، والصباح بن جلهمة PageV01P291 الحميري ، ~~وعبد الرحمن بن ذي الكلاع ، وثمامة بن حوشب ، وعلقمة بن حكم ) . وكتب يوم ~~الأربعاء لثلاث عشرة ليلة بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين ) . ### ||| ( الخلاف بعد التحكيم ) # وإن الأشعث أخذ الكتاب فقرأه على الفريقين ، يمر به على كل ، راية راية ، ~~وقبيلة قبيلة ، فيقرؤه عليهم ، فمر برايات عنزة ، وكان مع على منهم أربعة ~~آلاف رجل ، فلما قرأه عليهم قال أخوان منهم ، اسمهما جعد ومعدان : ( لا حكم ~~إلا لله ) ثم شدا على أهل الشام ، فقاتلا حتى قتلا ، وهما أول من حكم . ثم ~~مر على رايات مراد ، فقرأه عليهم ، فقال صالح بن شقيق ، وكان من أفاضلهم ( ~~لا حكم إلا لله ، وإن كره المشركون ، ثم مر به على رايات بني راسب ، ~~فتنادوا ( لا يحكم الرجال في دين الله ) ، ثم مر به على رايات بني تميم ، ~~فقالوا مثل ذلك ، فقال عروة بن أدية : ( أتحكمون في دين الله الرجال ، فأين ~~قتلانا يا أشعث ؟ ) ثم حمل بسيفه على الأشعث ، فأخطأه ، وأصاب السيف عجز ~~دابته ، فانصرف الأشعث إلى قومه ، فمشى إليه سادات تميم ، فاعتذروا إليه ، ~~فقبل وصفح . PageV01P292 ### ||| [ رأي أصحاب علي في الصحيفة ] # وأقبل سليمان بن صرد إلى على مضروبا في وجهه بالسيف ، فقال : ( يا أمير ~~المؤمنين ، أما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة ) . وقام محرز بن خنيس ~~بن ضليع إلى علي ، فقال : ( يا أمير المؤمنين ، أما إلى الرجوع عن هذا ~~الكتاب سبيل ، فو الله إني لخائف أن يورثك ذلا ؟ ) . قال علي : ( أبعد أن ~~كتبناه ننقضه ؟ هذا لا يجوز ) ### ||| [ بعوث علي ومعاوية ] # ثم إن عليا ومعاوية اتفقا على أن يكون مجتمع الحكمين بدومة الجندل ، وهو ~~المنصف بين العراق والشام . ووجه علي مع أبي موسى شريح بن هانئ في أربعة ~~آلاف من خاصته ، وصير عبد الله بن عباس على صلاتهم ، وبعث معاوية مع عمرو ~~بن العاص أبا الأعور السلمي في مثل ذلك من أهل الشام . فساروا من صفين حتى ~~وافوا دومة الجندل ، وانصرف علي بأصحابه حتى وافى الكوفة ، وانصرف معاوية ~~بأصحابه حتى وافى ms157 دمشق ، ينتظران ما يكون من أمر الحكمين . وكان علي إذا ~~كتب إلى ابن عباس في أمر اجتمع إليه أصحابه ، فقالوا : ( ما كتب إليك أمير ~~المؤمنين ؟ ) فيكتمهم ، فيقولون : ( لم كتمتنا ؟ وإنما كتب إليك في كذا ~~وكذا ) ، فلا PageV01P293 يزالون يزكنون ( 1 ) حتى يقفوا على ما كتب . ~~وتأتي كتب معاوية إلى عمرو بن العاص ، فلا يأتيه أحد من أصحابه ، يسأله عن ~~شئ من أمره . ### ||| [ استدعاء معاوية بعض من لم يعنه من قريش ] # قالوا : وكتب معاوية إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب ، وإلى عبد الله بن ~~الزبير ، وإلى أبي الجهم بن حذيفة ، وإلى عبد الرحمن بن عبد يغوث : ( أما ~~بعد ، فإن الحرب قد وضعت أوزارها ، وصار هذان الرجلان إلى دومة الجندل ، ~~فاقدموا عليهما إن كنتم قد اعتزلتم الحرب ، فلم تدخلوا فيما دخل فيه الناس ~~، لتشهدوا ما يكون منهما ، والسلام ) . فلما أتاهم كتابه ساروا جميعا إلى ~~دومة الجندل ، فأقاموا ينتظرون ما يكون من الرجلين ، وحضر معهم سعد بن أبي ~~وقاص ، وسار المغيرة بن شعبة ، وكان مقيما بالطائف لم يشهد شيئا من تلك ~~الحروب حتى أتى دومة الجندل ، فأقام ينتظر ما يكون منهما ، فلما طال مقامه ~~سار من هناك حتى أتى معاوية بدمشق ، فقال له معاوية : ( أشر على بما ترى ) ~~، فقال له المغيرة : ( لو أشرت عليك لقاتلت معك ، ولكني قد أتيتك بخبر ~~الرجلين ) . قال : ( وما خبرهما ؟ ) . قال : ( إني خلوت بأبي موسى لأبلو ما ~~عنده ، فقلت : ( ما تقول فيمن اعتزل عن هذا الأمر ، وجلس في بيته كراهية ~~للدماء ؟ ) ، فقال : ( أولئك خيار الناس ، خفت ظهورهم من دماء إخوانهم ، ~~وبطونهم من أموالهم ) . PageV01P294 قال : ( فخرجت من عنده ، وأتيت عمرو بن ~~العاص ، فقلت : ( يا أبا عبد الله ، ما تقول فيمن اعتزل هذه الحروب ؟ ) ، ~~فقال : ( أولئك شرار الناس ، لم يعرفوا حقا ، ولم ينكروا باطلا ) . ( وأنا ~~أحسب أبا موسى خالعا صاحبه ، وجاعلها ) لرجل لم يشهد ، وأحسب هواه في عبد ~~الله بن عمر بن الخطاب . وأما عمرو بن العاص فهو صاحبك الذي عرفته ، وأحسب ~~سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد الله ، ولا أراه يظن ms158 أنك أحق بهذا الأمر منه ) ~~. فأقلق ذلك معاوية ) . ### ||| ( مصانعة عمرو لأبي موسى ) # قالوا : ثم إن عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل أبي موسى وإجلاله ، وتقديمه ~~في الكلام وتوقيره ، ويقول : ( صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي ، ~~وأنت أكبر سنا مني ) . ثم اجتمعا ليتناظرا في الحكومة ، فقال أبو موسى : ( ~~يا عمرو ، هل لك فيما فيه صلاح الأمة ورضي الله ؟ ) . قال : ( وما هو ؟ ) . ~~قال : ( نولي عبد الله بن عمر ، فإنه لم يدخل نفسه في شئ من هذه الحروب ) . ~~قال له عمرو : ( أين أنت من معاوية ؟ ) . قال أبو موسى : ( ما معاوية موضعا ~~لها ، ولا يستحقها بشئ من الأمور ) . قال عمرو : ( ألست تعلم أن عثمان قتل ~~مظلوما ؟ ) . قال : ( بلى ) . قال : ( فإن معاوية ولى عثمان ، وبيته بعد في ~~قريش ما قد علمت ، فإن قال الناس : PageV01P295 لم ولي الأمر وليست له ~~سابقة ؟ فإن لك في ذلك عذرا ، تقول : إني وجدته ولى عثمان ، والله تعالى ~~يقول : ( ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا ) وهو مع هذا أخو أم حبيبة ~~زوج النبي صلى الله عليه وسلم ، وهو أحد أصحابه ) . قال أبو موسى : ( اتق ~~الله يا عمرو ، أما ما ذكرت من شرف معاوية ) ، فلو كان يستوجب بالشرف ~~الخلافة ، لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح ، فإنه من أبناء ملوك اليمن ~~التبابعة الذين ملكوا شرق الأرض وغربها ، ثم أي شرف لمعاوية مع علي بن أبي ~~طالب ؟ ، وأما قولك إن معاوية ولي عثمان ، فأولى منه ابنه عمرو بن عثمان ، ~~ولكن إن طاوعتني أحيينا سنة عمر بن الخطاب وذكره بتوليتنا ابنه عبد الله ~~الحبر ) . قال عمرو : ( فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم ~~هجرته وصحبته ؟ ) . فقال أبو موسى : ( إن ابنك رجل صدق ، ولكنك قد غمسته في ~~هذه الحروب غمسا ، ولكن هلم نجعلها للطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر ) . ~~قال عمرو : ( يا أبا موسى ، إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضرسان ، ~~يأكل بأحدهما ، ويطعم بالآخر ) . PageV01P296 قال أبو موسى : ( ويحك يا ~~عمرو ، إن المسلمين قد أسندوا إلينا ms159 أمرا بعد أن تقارعوا بالسيوف وتشاكوا ~~بالرماح ، فلا نردهم في فتنة ) . قال : ( فما ترى ؟ ) . قال : ( أرى أن ~~نخلع هذين الرجلين ، عليا ومعاوية ، ثم نجعلها شورى بين المسلمين ، يختارون ~~لأنفسهم من أحبوا ) . قال عمرو : ( فقد رضيت بذلك ، وهو الرأي الذي فيه ~~صلاح الناس ) . * * * قال : فافترقا على ذلك ، وأقبل ابن عباس إلى أبي موسى ~~، فخلا به ، وقال : ( ويحك يا أبا موسى ، أحسب والله عمرا قد اختدعك ، فإن ~~كنتما قد اتفقتما على شئ فقدمه قبلك ليتكلم ، ثم تكلم بعده ، فإن عمرا رجل ~~غدار ، ولست آمن أن يكون قد أعطاك الرضى فيما بينك وبينه ، فإذا قمت به في ~~الناس خالفك ) ، قال أبو موسى : ( قد اتفقنا على أمر لا يكون لأحدنا على ~~صاحبه فيه خلاف إن شاء الله ) ### ||| ( التنازع حين الحكم ) # فلما أصبحوا من غد خرجوا إلى الناس ، وهم مجتمعون في المسجد الجامع ، ~~فقال أبو موسى لعمرو : ( أصعد المنبر ، فتكلم ) . فقال عمرو : ( ما كنت ~~أتقدمك وأنت أفضل مني فضلا ، وأقدم هجرة وسنا ) . فبدأ أبو موسى ، فصعد ~~المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال : ( أيها الناس ، إنا قد نظرنا فيما ~~يجمع الله به ألفة هذه الأمة ويصلح أمرها ، فلم نر شيئا هو أبلغ في ذلك من ~~خلع هذين الرجلين ، علي ومعاوية ، وتصييرها شورى ليختار الناس لأنفسهم من ~~رأوه لها أهلا ، وإني قد خلعت عليا ومعاوية ، فاستقبلوا أمركم ، وولوا ~~عليكم من أحببتم ) ثم نزل . PageV01P297 وصعد عمرو ، فحمد الله وأثنى عليه ~~، ثم قال : ( إن هذا قد قال ما سمعتم ، وخلع صاحبه ، ألا وإني قد خلعت ~~صاحبه كما خلعه ، وأثبت صاحبي معاوية ، فإنه ولي أمير المؤمنين عثمان ، ~~والطالب بدمه ، وأحق الناس بمقامه ) . فقال له أبو موسى : ( مالك ، لا وفقك ~~الله ، غدرت وفجرت ، وإنما مثلك مثل الكلب ، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه ~~يلهث ) . فقال له عمرو : ( ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا ) . # | [ شريح يقنع ابن العاص بالسوط ، وفرار الأشعري ] # وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه بالسوط ، وحجز الناس بينهما ، وكان ~~شريح يقول : ( ما ندمت على شئ قط كندامتي ألا ms160 أكون ضربته مكان السوط بالسيف ~~، أتى الدهر في ذلك بما أتى ) . وانسل أبو موسى ، فركب راحلته ، وهرب ، حتى ~~لحق بمكة ، فكان ابن عباس يقول : ( لحي الله أبا موسى ، لقد نبهته فما ~~انتبه ، وحذرته بما صار إليه فما انحاش . وكان أبو موسى يقول : ( لقد حذرني ~~ابن عباس غدر عمرو ، فاطمأننت إليه ، ولم أظن أنه يؤثر شيئا على نصيحة ~~المسلمين ) . ### ||| [ التسليم على معاوية بالخلافة ] # ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية ، فسلموا عليه بالخلافة . وأقبل ابن ~~عباس وشريح بن هانئ ومن كان معهما من أهل العراق إلى علي ، فأخبروه الخبر ، ~~فقام PageV01P298 سعيد بن قيس الهمداني ، فقال : ( والله لو اجتمعنا على ~~الهدى ما زادنا على ما نحن عليه بصيرة ) . ثم تكلم عامة الناس بنحو من هذا ~~. ### || ( فتنة الخوارج ) # ### ||| [ اجتماع الخوارج ] # قالوا : ( ولما بلغ أهل العراق ماكان من أمر الحكمين لقيت الخوارج بعضها ~~بعضا ، واتعدوا أن يجتمعوا عند عبد الله بن وهب الراسبي ، فاجتمع عنده ~~عظماؤهم وعبادهم ، فكان أول من تكلم منهم عبد الله بن وهب ، فحمد الله ~~وأثنى عليه ، ثم قال : ( معاشر إخواني ، إن متاع الدنيا قليل ، وإن فراقها ~~وشيك ، فاخرجوا بنا منكرين لهذه الحكومة ، فإنه لا حكم إلا لله ، وإن الله ~~مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ) . ثم تكلم حمزة بن سيار ، فقال : ( ~~الرأي ما رأيتم ، ومنهج الحق فيما قلتم ، فولوا أمركم رجلا منكم ، فإنه لا ~~بد لكم من قائد وسائس وراية تحفون بها ، وترجعون إليها ) . ### ||| | [ رئاسة الخوارج ] # فعرضوا الأمر على يزيد بن الحصين ، وكان من عبادهم ، فأبى أن يقبلها ، ثم ~~عرضوها على ابن أبي أوفى العبسي ، فأبى أن يقبلها ، ثم عرضوها على عبد الله ~~ابن وهب الراسبي ، فقال : ( هاتوها ، فوالله ما أقبلها رغبة في الدنيا ، ~~ولا PageV01P299 [ أدعها ] فرارا من الموت ، ولكن أقبلها لما أرجو فيها من ~~عظيم الأجر ) . ثم مد يده ، فقاموا إليه ، فبايعوه ، فقام فيهم خطيبا ، ~~فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : ( ~~أما بعد ، فإن الله أخذ عهودنا ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي ms161 عن ~~المنكر والقول بالحق والجهاد في سبيله ( إن الذين يضلون عن سبيل الله لهم ~~عذاب شديد ) ، وقال الله عز وجل : ( ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ~~الفاسقون ) ، وأشهد على أن أهل دعوتنا من أهل ديننا أن قد اتبعوا الهوى ~~ونبذوا حكم الكتاب وجاروا في الحكم ، وأن جهادهم لحق ، فأقسم بمن تعنو له ~~الوجوه وتخشع له الأبصار ، لو لم أجد على قتالهم مساعدا لقاتلتهم وحدي حتى ~~ألقى ربي شهيدا ) . ### ||| [ موقف عبد الله بن السخبر ] # فلما سمع ذلك عبد الله بن السخبر ، وكان من أصحاب البرانس استعبر باكيا ، ~~ثم قال : ( لحي الله امرء لا يكون تشريح ما بين عظمه ولحمه وعصبه أيسر عنده ~~من سخط الله عليه في لحظة يسعى بها على مقته ، فكيف وإنما تريدون بذلك وجه ~~الله ، يا إخوتي ، تقربوا إلى الله ببغض من عصاة ، واخرجوا إليهم ، فاضربوا ~~وجوههم بالسيوف حتى يطاع الله يثبكم ثواب المطيعين العاملين بمرضاته ، ~~القائمين بحقوقه ، فإن تظفروا فالغنيمة والفتح ، وأن تغلبوا فأي شئ أفضل من ~~المصير إلى رضوان الله وجنته ) ثم افترقوا يومهم ذلك . ### ||| [ دخول ابن وهب على شريح ] # فلما كان من الغد أقبل عبد الله بن وهب الراسبي في نفر من أصحابه حتى دخل ~~على شريح بن أبي أوفى العبسي ، وكان من عظمائهم ، فحمد الله وأثنى عليه ، ~~ثم قال : ( أما بعد ، فإن هذين الحكمين قد حكما بغير ما أنزل الله ، وقد ~~كفر إخواننا حين رضوا بهما ، وحكموا الرجال في دينهم ، ونحن على الشخوص من ~~بين أظهرهم ، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق ) . ~~PageV01P300 فقال شريح : ( أنذر أصحابك . وأعلمهم خروجك ، ثم اخرج بنا على ~~بركة الله حتى نأتي المدائن ، فننزلها ، ونرسل إلى إخواننا الذين بالبصرة ، ~~فيقدموا علينا ، فتكون أيديهم مع أيدينا ) . ### ||| | [ رأي زيد بن حصين ] # فقال يزيد بن حصين الطائي : ( إنكم إن خرجتم بجماعتكم طلبتم ، ولكن ~~اخرجوا فرادى مستخفين ، فأما المدائن فإن بها من يمنع منها ، ولكن توعدوا ~~أن توافوا جسر النهروان ، فتقيموا هناك ، وتكتبوا إلى إخوانكم من أهل ms162 ~~البصرة أن يوافوكم بها ) . قالوا : ( هذا الرأي ) . فاتفقوا على ذلك ، ~~وأنذروا جميعا أصحابهم ، فاستعدوا للخروج فرادى ، وكتبوا إلى من كان منهم ~~بالبصرة ### ||| [ كتاب الخوارج إلى أصحايهم بالبصرة ] # ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله بن وهب ، ويزيد بن الحصين ، وحر ~~قوص بن زهير ، وشريح ابن أبي أوفى إلى من بلغه كتابنا بالبصرة من المؤمنين ~~المسلمين ، سلام عليكم ، فإنا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو ، الذي ~~جعل أحب عباده إليه أعملهم بكتابه ، وأقومهم بالحق في طاعته ، وأشدهم ~~اجتهادا في مرضاته ، وأن أهل دعوتنا حكموا الرجال في أمر الله ، فحكموا ~~بغير ما في كتاب الله ولا في سنة نبي الله ، فكفروا لذلك ، وصدوا عن سواء ~~السبيل ، وقد نابذناهم على سواء ، إن الله لا يحب الخائنين ، أما بعد ، فقد ~~اجتمعنا بجسر النهروان ، فسيروا إلينا رحمكم الله لتأخذوا نصيبكم من الأجر ~~والثواب ، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر ، وكتابنا هذا إليكم مع رجل ~~من إخوانكم ذي أمانة ودين ، فسلوه عما أحببتم ، واكتبوا إلينا بما رأيتم ، ~~والسلام ) . ثم وجهوا كتابهم مع عبد الله بن سعد العبسي ، فسار حتى البصرة ~~، وأوصل الكتاب إلى أصحابه ، فاجتمعوا فقرأوه ، ثم كتبوا إليهم بوشك ~~موافاتهم . ثم PageV01P301 ### ||| [ خروج الخوارج من الكوفة ] # إن القوم خرجوا من الكوفة عباديد ، الرجل والرجلين والثلاثة ، وخرج يزيد ~~بن الحصين على بغلة يقود فرسا ، وهو يتلو هذه الآية : ( فخرج منها خائفا ~~يترقب ، قال رب نجني من القوم الظالمين ، ولما توجه تلقاء مدين ، قال عسى ~~ربي أيهديني سواء السبيل ) . وسار حتى انتهى إلى السيب ، فاجتمع إليه جمع ~~كثير من أصحابه ، وفيهم زيد بن عدي بن حاتم ، فخرج عدي في طلب ابنه حتى ~~انتهى إلى المدائن ، فلم يلحقه ، فأتى سعد بن مسعود الثقفي ، وكان سعد عامل ~~علي على المدائن ، فأخذ حذره ، وتحاماه القوم . ### ||| [ لحاق عبد الله بن وهب بأصحابه ] # وخرج عبد الله بن وهب الراسبي في جوف الليل ، والتأم إليه جميع أصحابه ، ~~فصاروا جمعا كبيرا منهم ، فأخذوا على الأنبار ، وتبطنوا شط الفرات حتى ~~عبروا من قبل ( دير العاقول ms163 ) فاستقبله عدي بن حاتم ، وهو منصرف إلى الكوفة ~~، فأردا عبد الله أخذه ، فمنعه منه عمرو بن مالك النبهاني وبشير بن يزيد ~~البولاني ، وكانا من رؤساء الخوارج ، فاستخلف سعد بن مسعود على المدائن ابن ~~أخيه ، المختار ابن أبي عبيد ، وخرج في طلب عبد الله بن وهب وأصحابه ، ~~فلقيهم بكرخ بغداد مع مغيب PageV01P302 الشمس ، وسعد في خمسمائة فارسي ، ~~والخوارج ثلاثون رجلا ، فتناوشوا ساعة ، فقال أصحاب سعد لسعد : ( أيها ~~الأمير ، ما تريد إلى قتال هؤلاء ، ولم يأتك فيهم أمر ؟ خل سبيلهم ، واكتب ~~إلى أمير المؤمنين تعلمه أمرهم ) ، فمضى وتركهم . وسار عبد الله بن وهب ، ~~فمر ببغداد ، وأخذ دهاقينها بالمعابر ، وذلك قبل أن تبنى بغداد ، فأتاه ~~الدهقان بها ، فعبر إلى أرض ( جوخى ) ثم مضى من هناك حتى انضم إلى أصحابه ، ~~وهم بنهروان ، ووافاهم من كان على رأيهم من أهل البصرة ، وكانوا خمسمائة ~~رجل . ### ||| | ( قتال الخوارج ) # وكان على البصرة يومئذ عبد الله بن العباس ، فلما بلغه خروجهم وجه في ~~طلبهم أبا الأسود الديلي في ألف فارس ، فلحقهم بجسر تستر ، وحال بينهم ~~الليل ، ففاتوه وكانوا في جميع مسيرهم لا يلقون أحدا إلا قالوا له : ( ما ~~تقول في الحكمين ؟ ) فإن تبرأ منهما تركوه ، وإن أبى قتلوه ثم أقبلوا حتى ~~انتهوا إلى دجلة ، فعبروها من ناحية صريفين حتى وافوا نهروان ، ### ||| [ تراسل علي والخوارج ] # فكتب إليهم علي رضي الله عنه : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله ~~علي أمير المؤمنين إلى عبد الله بن وهب الراسبي ويزيد بن الحصين ومن قبلهما ~~، سلام عليكم ، فإن الرجلين اللذين ارتضيناهما للحكومة خالفا كتاب الله ، ~~واتبعا PageV01P303 هواهما بغير هدى من الله ، فلما لم يعملا بالسنة ولم ~~يحكما بالقرآن تبرأنا من حكمهما ، ونحن على أمرنا الأول ، فأقبلوا إلي ~~رحمكم الله ، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم ، لنعود لمحاربتهم حتى يحكم ~~الله بيننا وبينهم ، وهو خير الحاكمين ) . فلما وصل إليهم كتابه ، كتبوا ~~إليه : ( أما بعد ، فإنك لم تغضب لربك ، ولكن غضبت لنفسك ، فإن شهدت على ~~نفسك أنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين ، واستأنفت التوبة والإيمان ms164 ~~نظرنا فيما سألتنا من الرجوع إليك ، وإن تكن الأخرى ، فإننا ننابذك على ~~سواء ، إن الله لا يهدي كيد الخائنين ) . فلما قرأ علي كتابهم ، يئس منهم ، ~~ورأى أن يدعهم على حالهم ، ويسير إلى الشام ، ليعاود معاوية الحرب ، فسار ~~بالناس حتى عسكر بالنخيلة ، وقال لأصحابه : ( تأهبوا للمسير إلى أهل الشام ~~، فإني كاتب إلى جميع أخوانكم ليقدموا عليكم فإذا وافوا شخصنا إن شاء الله ~~' . ### ||| | [ كتاب علي إلى ابن عباس ] # | ثم كتب كتابه إلى جميع عماله أن يخلفوا خلفاءهم على أعمالهم ، ويقدموا ~~عليه ، وكتب إلى عبد الله بن عباس ، وكان على البصرة : ' أما بعد ، فإنا قد ~~عسكرنا بالنخيلة ، وقد أزمعنا على المسير إلى عدونا ، إلى أهل PageV01P304 ~~الشام ، فأشخص إلي فيمن قبلك حين يأتيك كتابي والسلام ) . ### ||| | [ أخبار فظائع الخوارج ] # فقدم عليه عبد الله بن عباس في فرسان البصرة ، وكانوا زهاء سبعة آلاف رجل ~~فلما تهيأ للمسير أتاه عن الخوارج أخبار فظيعة ، من قتلهم عبد الله بن خباب ~~وامرأته . وذلك انهم لقوهما ، فقالوا لهما : ( أرضيتما بالحكمين ؟ ) قالا : ~~( نعم ) . فقتلوهما ، وقتلوا أم سنان الصيداوية ، واعتراضهم الناس يقتلونهم ~~. فلما بلغه ذلك بعث إليهم الحارث بن مرة الفقعسي ليأتيه بخبرهم ، فأخذوه ، ~~فقتلوه . فلما بلغ الناس ذلك اجتمعوا إلى علي ، فقالوا : ( يا أمير ~~المؤمنين ، أتدع هؤلاء على ضلالتهم وتسير ، فيفسدوا في الأرض ، ويعترضوا ~~الناس بالسيف ؟ سر إليهم بالناس ، وأدعهم إلى الرجوع إلى الطاعة والجماعة ، ~~فإن تابوا وقبلوا فإن الله يحب التوابين ، وإن أبوا فاذنهم بالحرب ، فإذا ~~أرحت الأمة منهم سرت إلى الشام ) . ### ||| [ مسير علي إلى النهروان ، ورسله إلى الخوارج ] # فنادى في الناس بالرحيل ، وسار حتى ورد عليهم نهروان ، فعسكر على فرسخ ~~منهم ، وأرسل إليهم قيس بن سعد بن عبادة ، وأبا أيوب الأنصاري ، فأتياهم ، ~~فقالا : PageV01P305 ( عباد الله ، إنكم قد ارتكبتم أمرا عظيما باستعراضكم ~~الناس تقتلونهم ، وشهادتكم علينا بالشرك ، والشرك ظلم عظيم ) . فأجابهما ~~عبد الله بن السخبر ، فقال : ( إليكما عنا ، فإن الحق قد أضاء لنا كالصبح ، ~~ولسنا بمتابعيكم ولا راجعين إليكم ، أو تأتوا بمثل عمر بن الخطاب ) . فقال ~~قيس بن سعد ( ما ms165 نعرفه فينا إلا علي بن أبي طالب فهل تعرفونه فيكم ) ؟ . ~~قالا : ( لا ) . قال : ( فأنشدكم الله في أنفسكم أن تهلكوها ، فإني أرى ~~الفتنة قد دخلت قلوبكم ) . ثم تكلم أبو أيوب بنحو هذا ، فقالوا : ( يا أبا ~~أيوب ، إنا إن بايعناكم اليوم حكمتم غدا آخر ) . قال : ( فإنا ننشدكم الله ~~أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما نأتي به في قابل ) . قالوا : ( إليكما عنا ، ~~فقد نابذناكم على سواء . ### ||| [ علي يخطب الخوارج وينذرهم ] # فانصرفا إلى علي ، فأخبراه حتى وقف عليهم بحيث يسمعون كلامه ، فنادى : ( ~~أيتها العصابة التي أخرجتها اللجاجة ، وصدها عن الحق الهوى ، فأصبحت في لبس ~~وخطإ ، إني نذير لكم أن تتمادوا في ضلالتكم فتلفوا مصرعين من غير بينة من ~~ربكم ولا برهان ، ألم تعلموا أني شرطت على الحكمين أن يحكما بما في كتاب ~~الله ؟ وأخبرتكم أن طلب القوم الحكومة مكيدة ، فلما أبيتم إلا الحكومة شرطت ~~عليهم أن يحييا ما PageV01P306 أحيا القرآن ، ويميتا ما أمات القرآن ، ~~فخالفا الكتاب والسنة ، وعملا بالهوى ، فنبذنا أمرهما ، ونحن على أمرنا ~~الأول ، فأين يتاه بكم ، ومن أين أتيتم ؟ ) . ### ||| | [ رد الخوارج على علي ] # فقالوا : ( إنا كفرنا حين رضينا بالحكمين ، وقد تبنا إلى الله من ذلك ، ~~فإن تبت كما تبنا فنحن معك ، وإلا فائذن بحرب ، فإنا منابذوك على سواء ) . ~~فقال لهم علي : ( أشهد على نفسي بالكفر . . ؟ ! لقد ضللت إذن وما أنا من ~~المهتدين ) . ثم قال : ( ليخرج إلى رجل منكم ترضون به حتى أقول ويقول ، فإن ~~وجبت على الحجة أقررت لكم وتبت إلى الله ، وإن وجبت عليكم فاتقوا الذي ~~مردكم إليه ) . ### ||| [ علي يحاج ابن الكواء ] # فقالوا لعبد الله بن الكواء ، وكان من كبرائهم : ( أخرج إليه حتى تحاجه ) ~~، فخرج إليه . فقال علي : ( هل رضيتم ؟ ) . قالوا : ( نعم ) . قال : ( ~~اللهم اشهد ، فكفى بك شهيدا ) . فقال علي رضي الله عنه : ( يا ابن الكواء ، ~~ما الذي نقمتم علي بعد رضاكم بولايتي وجهادكم معي وطاعتكم لي ؟ فهلا برئتم ~~مني يوم الجمل ؟ ) . قال ابن الكواء : ( لم يكن هناك تحكيم ) . فقال علي : ~~يا ابن الكواء ، أنا أهدى أم رسول الله صلى الله ms166 عليه وسلم ؟ ) . قال ابن ~~الكواء : ( بل رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . قال : ( فما سمعت قول الله ~~عز وجل : ( فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ، ونساءنا ونساءكم ، وأنفسنا ~~وأنفسكم ) . أكان الله يشك انهم هم الكاذبون ؟ ) . PageV01P307 قال : ( إن ~~ذلك احتجاج عليهم ، وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين ، فنحن أحرى أن ~~نشك فيك ) . قال : ( وإن الله تعالى يقول : فائتوا بكتاب من عند الله ، هو ~~أهدى منهما ، اتبعه ) . قال ابن الكواء : ( ذلك أيضا احتجاج منه عليهم ) . ~~فلم يزل علي عليه السلام يحاج ابن الكواء بهذا وشبهه ، فقال ابن الكواء : ~~أنت صادق في جميع ما تقول ، غير أنك كفرت حين حكمت الحكمين ) قال علي : ( ~~ويحك يا ابن الكواء ، إني إنما حكمت أبا موسى وحده وحكم معاوية عمرا ) . ~~قال ابن الكواء : ( فإن أبا موسى كان كافرا ) . فقال علي : ( ويحك ، متى ~~كفر ، أحين بعثته أم حين حكم ؟ ) . قال : ( لا ، بل حين حكم ) . قال : ( ~~أفلا ترى أني إنما بعثته مسلما ، فكفر في قولك بعد أن بعثته ؟ أرأيت لو أن ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من المسلمين إلى أناس من الكافرين ، ~~ليدعوهم إلى الله ، فدعاهم إلى غيره ، هل كان على رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من ذلك شئ ؟ ) . قال : ( لا ) . قال : ( ويحك ، فما كان علي أن ضل أبو ~~موسى ؟ أفيحل لكم بضلالة أبي موسى أن تضعوا سيوفكم على عواتقكم فتعترضوا ~~بها الناس ؟ ) . فلما سمع عظماء الخوارج ذلك قالوا لابن الكواء : ( انصرف ~~ودع مخاطبة الرجل ) . فانصرف إلى أصحابه ، وأبى القوم إلا التمادي في الغي ~~. ### ||| [ علي يتأهب لحرب الخوارج ] # وأمر على بالنداء في الناس أن يأخذوا أهبة الحرب ، ثم عبى جنوده ، فولى ~~الميمنة حجر بن عدي ، وولى الميسرة شبث بن ربعي ، وولى الخيل أبا أيوب ~~الأنصاري ، وولى الرجالة أبا قتادة . PageV01P308 واستعد الخوارج فجعلوا ~~على ميمنتهم يزيد بن حصين ، وعلى ميسرتهم شريح ابن أبي أوفى العبسي - وكان ~~من نساكهم - وعلى الرجالة حرقوص بن زهير ، وعلى الخيل كلها عبد الله بن وهب ~~. ورفع علي راية ، وضم إليها ألفي ms167 رجل ، ونادى : ( من التجأ إلى هذه الراية ~~فهو آمن ) . ### ||| | [ فروة بن نوفل يخوف الخوارج من قتال علي ] # ثم تواقف الفريقان ، فقال فروة بن نوفل الأشجعي - وكان من رؤساء الخوارج ~~- لأصحابه : ( يا قوم ، والله ما ندري ، علام نقاتل عليا ، وليست لنا في ~~قتله حجة ولا بيان ، يا قوم ، انصرفوا بنا حتى تنفذ لنا البصيرة في قتاله ~~أو اتباعه ) . فترك أصحابه في مواقفهم ، ومضى في خمسمائة رجل حتى أتى إلى ~~البند نيجين ، وخرجت طائفة أخرى حتى لحقوا بالكوفة ، واستأمن إلى الراية ~~منهم ألف رجل ، فلم يبق مع عبد الله بن وهب إلا أقل من أربعة آلاف رجل . ~~فقال علي لأصحابه : ( لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدءوكم ) ، فتنادت الخوارج : ~~( لاحكم إلا الله ، وإن كره المشركون ) . ثم شدوا على أصحاب علي شدة رجل ~~واحد ، فلم تثبت خيل علي لشدتهم ، وافترقت الخوارج فرقتين ، فرقة أخذت نحو ~~الميمنة ، وفرقة أخرى نحو الميسرة . PageV01P309 وعطف عليهم أصحاب علي ، ~~وحمل قيس بن معاوية البرجمي من أصحاب علي على شريح بن أبي أوفى ، فضربه ~~بالسيف على ساقه ، فأبانها ، فجعل يقاتل برجل واحدة وهو يقول : ( الفحل ~~يحمي شوله معقولا ) ، فحمل عليه قيس ابن سعد فقتله ، وقتلت الخوارج كلها ~~ربضة واحدة . قال : وأمر علي بمن كان منهم ذا رمق أن يدفعوا إلى عشائرهم ، ~~وأمر بأخذ ما كان في معسكرهم من سلاح ودواب ، فقسمه في أصحابه ، وأمر بما ~~سوى ذلك ، فدفع إلى وراثهم . ### ||| | [ خطبة علي بعد النهروان وقصده النخيلة ] # فلما أراد علي الانصراف من النهروان قام في أصحابه ، فقال : ( أيها الناس ~~، إن الله قد نصركم على المارقين ، فتوجهوا من فوركم هذا إلى القاسطين ) ~~يعني أهل الشام ، فقام إليه رجال من أصحابه ، فيهم الأشعث بن قيس ، فقالوا ~~: ( يا أمير المؤمنين ، نفدت نبالنا ، وكلت سيوفنا ، ونصلت أسنة رماحنا ، ~~فارجع بنا إلى مصرنا ، لنستعد بأحسن عدتنا ) . فرحل بالناس حتى نزل النخيلة ~~، فعسكر بها ، فأقاموا أياما ، فجعلوا يتسللون إلى الكوفة ، فلم يبق معه في ~~المعسكر إلا زهاء ألف رجل من الوجوه . PageV01P310 فلما رأى ذلك دخل الكوفة ~~، فأقام بها ms168 ، وسار فروة بن نوفل بمن كان معه إلى حلوان ، فجعل يجبي خراجها ~~ويقسمه في أصحابه . ### ||| | ( كتاب على إلى أهل الكوفة لتثاقلهم عن نصرته ) # قالوا ولما رأى علي رضي الله عنه تثاقل أصحابه أهل الكوفة عن المسير معه ~~إلى قتال أهل الشام ، وانتهى إليه ورود خيل معاوية الأنبار ، وقتلهم مسلحة ~~علي بها والغارة عليها ، كتب كتابا ، ودفعه إلى رجل ، وأمره أن يقرأه على ~~الناس يوم الجمعة إذا فرغوا من الصلاة ، وكانت نسخته : ( بسم الله الرحمن ~~الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من أهل الكوفة ، سلام ~~عليكم ، أما بعد ، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة ، من تركه ألبسه الله ~~الذلة وشمله بالصغار ، وسيم الخسف وسيل الضيم ، وإني قد دعوتكم إلى جهاد ~~هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وجهارا ، وقلت لكم ، اغزوهم قبل أن يغزوكم ، ~~فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا واجترأ عليهم عدوهم ، هذا أخو بني عامر ~~قد ورد الأنبار ، وقتل ابن حسان البكري ، وأزال مسالحكم عن مواضعها ، وقتل ~~منكم رجالا صالحين ، وقد بلغني انهم كانوا يدخلون بيت المرأة المسلمة ~~والأخرى المعاهدة ( 1 ) PageV01P311 فينزع حجلها ( 2 ) من رجلها ، وقلائدها ~~من عنقها ، وقد انصرفوا موفورين ، ما كلم رجل منهم كلما ، فلو أن أحدا مات ~~من هذا أسفا ما كان عندي ملوما ، بل كان جديرا ، يا عجبا من أمر يميت ~~القلوب ، ويجتلب الهم ويسعر الأحزان من اجتماع القوم على باطلهم ، وتفرقكم ~~عن حقكم ، فبعدا لكم وسحقا ، قد صرتم غرضا ، ترمون ولا ترمون ، ويغار عليكم ~~ولا تغيرون ، ويعصى الله فترضون ، إذا قلت لكم سيروا في الشتاء قلتم كيف ~~نغزو في هذا القر والصر ( 3 ) وإن قلت لكم سيروا في الصيف قلتم حتى ينصرم ~~عنا حمارة القيظ ، وكل هذا فرار من الموت ، فإذا كنتم من الحر والقر تفرون ~~فأنتم والله من السيف أفر ، والذي نفسي بيده ، ما من ذلك تهربون ، ولكن من ~~السيف تحيدون ، يا أشباه الرجال ولا رجال ، ويا أحلام الأطفال وعقول ربات ~~الحجال ، أما والله لوددت أن الله أخرجني من ms169 بين أظهركم وقبضني إلى رحمته ~~من بينكم ، ووددت أن لم أركم ولم أعرفكم ، فقد والله ملأتم صدري غيظا ، ~~وجرعتموني الأمرين أنفاسا ، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان ، حتى قالت ~~قريش : إن ابن أبي طالب رجل شجاع ، ولكن لا علم له بالحرب . لله أبوهم ، هل ~~كان فيهم رجل أشد لها مراسا وأطول مقاساة مني ؟ ولقد نهضت فيها وما بلغت ~~العشرين ، وها أنا ( ذا ) اليوم قد جنفت الستين . لا ، ولكن لا رأي لمن لا ~~يطاع ) . PageV01P312 ### ||| | [ موقف أصحاب علي ] # فقام إليه الناس من كل ناحية ، فقالوا : ( سر بنا ، فو الله لا يتخلف عنك ~~إلا ظنين ) . فأمر الحارث الهمذاني بالنداء في الناس أن يصبحوا غدا في ~~الرحبة ( 4 ) ، ولا يأتينا إلا صادق النية . فلما أصبح صلى الغداة ، وأقبل ~~إلى الرحبة ، فلم ير فيها إلا نحو من ثلاثمائة رجل ، فقال : ( لو كانوا ~~الوفا لكان لي فيهم رأي ) . فمكث بعد ذلك يومين ، باد حزنه ، شديد كأبته . ~~فقام إليه حجر بن عدي ، وسعيد بن قيس الهمداني ، فقالا : ( أجبر الناس على ~~المسير ، وناد فيهم ، فمن تخلف ، فمر بمعاقبته ) . فأمر مناديا ، فنادى في ~~الناس : ( لا يتخلفن أحد ) ، وأمر معقل بن قيس أن يسير في الرساتيق فلا يدع ~~أحدا من جنوده فيها إلا حشره . فلم ينصرف معقل بن قيس إلا بعد ما قتل علي ~~رضي الله عنه . ### ||| | ( اجتماع الخوارج لقتل علي ) # قالوا : واجتمع في العام الذي قتل فيه علي رضي الله عنه بالموسم عبد ~~الرحمن ابن ملجم المرادي ، والنزال بن عامر ، وعبد الله بن مالك الصيداوي ، ~~وذلك بعد وقعة النهر بأشهر ، فتذكروا ما فيه الناس من تلك الحروب ، فقال ~~PageV01P313 بعضهم لبعض : ( ما الراحة إلا في قتل هؤلاء النفر الثلاثة : ~~علي بن أبي طالب ، ومعاوية ابن أبي سفيان ، وعمرو بن العاص ) . فقال ابن ~~ملجم : ( على قتل علي ) . وقال النزال : ( وعلى قتل معاوية ) . وقال عبد ~~الله : ( وعلى قتل عمرو ) . فاتعدوا لليلة واحدة ، يقتلونهم فيها . وأقبل ~~عبد الرحمن حتى قدم الكوفة ، فخطب إلى قطام ابنتها الرباب ، وكانت قطام ترى ~~رأي الخوارج ، وقد كان علي ms170 قتل أباها وأخاها وعمها يوم النهر ، فقالت لابن ~~ملجم : ( لا أزوجك إلا على ثلاثة آلاف درهم ، وعبد ، وقينة ، وقتل علي ابن ~~أبي طالب ) . فأعطاها ذلك وأملكها ) . وكان ابن ملجم يجلس في مجلس تيم ~~الرباب من صلاة الغداة إلى ارتفاع النهار ، والقوم يفيضون في الكلام ، وهو ~~ساكت ، لا يتكلم بكلمة ، للذي أجمع عليه من قتل علي . فخرج ذات يوم إلى ~~السوق متقلدا سيفه ، فمرت به جنازة يشيعها أشراف العرب ، ومعها القسيسون ~~يقرءون الإنجيل ، فقال : ( ويحكم ، ما هذا ؟ ) فقالوا : ( هذا أبجر بن جابر ~~العجلي مات نصرانيا ، وابنه حجار بن أبجر سيد بكر ابن وائل ، فاتبعها أشراف ~~الناس لسؤدد ابنه ، واتبعها النصارى لدينه ) . فقال : ( والله لو لا أني ~~أبقى نفسي لأمر هو أعظم عند الله من هذا لاستعرضتهم بسيفي ) ### ||| | [ استشهاد الإمام ] # فلما كانت تلك الليلة تقلد سيفه ، وقد كان سمه ، وقعد مغلسا ينتظر أن يمر ~~به علي PageV01P314 رضي الله عنه مقبلا إلى المسجد لصلاة الغداة . فبينا هو ~~في ذلك إذ أقبل علي ، وهو ينادي : ( الصلاة أيها الناس ) فقام إليه ابن ~~ملجم ، فضربه بالسيف على رأسه ، وأصاب طرف السيف الحائط ، فثلم فيه ، ودهش ~~ابن ملجم ، فانكب لوجهه ، وبدر السيف من يده ، فاجتمع الناس ، فأخذوه ، ~~فقال الشاعر في ذلك : ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة كمهر قطام من فصيح وأعجم ~~ثلاثة آلاف وعبدا وقينة وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن ~~غلا ولا فتك إلا دون فتك ابن ملجم وحمل علي رضي الله عنه إلى منزله ، وأدخل ~~عليه ابن ملجم . فقالت له أم كلثوم ابنة علي : ( يا عدو الله ، أقتلت أمير ~~المؤمنين ؟ . ) قال : ( لم أقتل أمير المؤمنين ، ولكني قتلت أباك ) . ~~PageV01P315 قالت : ( أما والله إني لأرجو ألا يكون عليه بأس ) . قال : ( ~~فعلام تبكين إذن ؟ أما والله لقد سممت السيف شهرا ، فإن اخلفني أبعده الله ~~) . فلم يمس علي رضي الله عنه يومه ذلك حتى مات رحمه الله ورضي عنه . ### ||| | ( قتل ابن ملجم ) # فدعا عبد الله بن جعفر بابن ملجم ، فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه ms171 ، فجعل ~~يقول : ( إنك يا ابن جعفر لتكحل عيني بملمول مض ( 1 ) ) . ثم أمر بلسانه أن ~~يخرج ليقطع ، فجزع من ذلك . فقال له ابن جعفر : ( قطعنا يديك ورجليك ، ~~وسملنا عينيك ، فلم تجزع ، فكيف تجزع من قطع لسانك ؟ ) . PageV01P316 قال : ~~( إني ما جزعت من ذلك خوفا من الموت ، ولكني جزعت أن أكون حيا في الدنيا ~~ساعة لا أذكر الله فيها ) ، ثم قطع لسانه ، فمات . ### ||| | ( فشل محاولة قتل معاوية ) # وأقبل النزال بن عامر في تلك الليلة حتى قام خلف معاوية وهو يصلي بالناس ~~الغداة ، ومعه خنجر ، فوجأه به في إليته ، وكان معاوية عظيم الأليتين ، ~~فأخذ ، فقال لمعاوية : ( أهل قتلتك يا عدو الله ؟ ) . فقال معاوية : ( كلا ~~، يا ابن أخي ) . فأمر به معاوية ، فقطعت يداه ورجلاه ، ونزع لسانه ، فمات ~~. ودعا بطبيب فأمره أن يقطع ما حول الوجأة من اللحم ، خوفا من أن يكون ~~الخنجر مسموما . فمن يومئذ اتخذت المقاصير في الجوامع ، فكان لا يدخلها إلا ~~ثقاته وأحراسه ، واتخذ أيضا من يومئذ حراس الليل ، وكان إذا سجد بالناس جعل ~~على رأسه عشرة من ثقات أحراسه ، يقومون من خلفه بالسيوف والعمد . ### ||| | ( محاولة اغتيال عمرو بن العاص ) # وأما عبد الله بن مالك الصيداوي فإنه أتى مصر ، فلما كان في تلك الليلة ~~قام PageV01P317 حيال المحراب ، ومعه مشمل قد اشتمل عليه بثيابه ، فأصاب ~~عمرا في تلك الليلة مغس في بطنه فأمر رجلا من بني عامر بن لؤي أن يخرج ~~فيصلى بالناس . فتقدم مغلسا ، فلم يشك عبد الله أنه عمرو ، فلما سجد ضربه ~~بالسيف من ورائه فقتله ، فقيل له : ( إنك لم تقتل الأمير ) ، قال : ( فما ~~ذنبي ، والله ما أردت غيره ) . فأمر به عمرو فقتل . ### || ( بيعة الإمام الحسن بالخلافة ) # قال : ودفن علي رضي الله عنه ، وصلى عليه الحسن ، وكبر خمسا ، فلا يعلم ~~أحد أين دفن . قالوا : ولما توفي علي رضي الله عنه خرج الحسن إلى المسجد ~~الأعظم ، فاجتمع الناس إليه ، فبايعوه ، ثم خطب الناس ، فقال : ( أفعلتموها ~~؟ قتلتم أمير المؤمنين ، أما PageV01P318 والله لقد قتل في الليلة التي نزل ~~فيها القرآن ، ورفع فيها الكتاب ، وجف ms172 القلم ، وفي الليلة التي قبض فيها ~~موسى بن عمران ، وعرج فيها بعيسى ) . ### ||| | ( زحف جيوش معاوية وخطبة الحسن ) # قالوا : ولما بلغ معاوية قتل علي تجهز ، وقد أمامه عبد الله بن عامر بن ~~كريز ، فأخذ على عين التمر ، ونزل الأنبار يريد المدائن ، وبلغ ذلك الحسن ~~بن علي ، وهو بالكوفة ، فسار نحو المدائن لمحاربة عبد الله بن عامر بن كريز ~~، فلما انتهى إلى ساباط رأى من أصحابه فشلا وتواكلا عن الحرب ، فنزل ساباط ~~، وقام فيهم خطيبا ، ثم قال : ( أيها الناس ، إني قد أصبحت غير محتمل على ~~مسلم ضغينة ، وإني ناظر لكم كنظري لنفسي ، وأرى رأيا فلا تردوا على رأيي ، ~~إن الذي تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة ، وأرى أكثركم قد نكل ~~عن الحرب ، وفشل عن القتال ، ولست أرى أن أحملكم على ما تكرهون ) . ### ||| | [ الخوارج تكفر الحسن ] # فلما سمع أصحابه ذلك نظر بعضهم إلى بعض ، فقال من كان معه ممن يرى رأي ~~الخوارج : ( كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله ) ، فشد عليه نفر منهم ، ~~فانتزعوا مصلاه من تحته ، وانتهبوا ثيابه حتى انتزعوا مطرفه عن عاتقه ، ~~فدعا بفرسه ، فركبها ، ونادى : ( أين ربيعة وهمدان ؟ ) فتبادروا إليه ، ~~ودفعوا عنه القوم . PageV01P319 ### ||| | [ ارتحال الحسن ثم طعنه ] # ثم ارتحل يريد المدائن ، فكمن له رجل ممن يرى رأي الخوارج ، يسمى الجراح ~~بن قبيصة من بني أسد بمظلم ساباط ، فلما حاذاه الحسن قام إليه بمغول فطعنه ~~في فخذه . وحمل على الأسدي عبد الله بن خطل وعبد الله بن ظبيان ، فقتلاه . ~~ومضى الحسن رضي الله عنه مثخنا حتى دخل المدائن ، ونزل القصر الأبيض ، ~~وعولج حتى برأ ، واستعد للقاء ابن عامر . ### ||| | [ قدوم معاوية إلى الأنبار ومحاصرة الحسن ] # وأقبل معاوية حتى وافى الأنبار ، وبها قيس بن سعد بن عبادة من قبل الحسن ~~، فحاصره معاوية ، وخرج الحسن فواقف عبد الله بن عامر ، فنادى عبد الله بن ~~عامر : ( يا أهل العراق ، إني لم أر القتال ، وإنما أنا مقدمة معاوية ، وقد ~~وافى الأنبار في جموع أهل الشام فاقرؤوا أبا محمد - يعني الحسن - مني ~~السلام ، وقولوا له ms173 : أنشدك الله في نفسك وأنفس هذه الجماعة التي معك ) . ~~فلما سمع ذلك الناس انخذلوا وكرهوا القتال ، وترك الحسن الحرب ، وانصرف إلى ~~المدائن ، وحاصره عبد الله بن عامر بها . ### ||| | ( شرائط الحسن لمبايعة معاوية بالخلافة ) # ولما رأى الحسن من أصحابه الفشل أرسل إلى عبد الله بن عامر بشرائط ~~اشترطها على معاوية على أن يسلم له الخلافة ، وكانت الشرائط : ألا يأخذ ~~أحدا من أهل العراق PageV01P320 بإحنة ، وأن يؤمن الأسود والأحمر ، ويحتمل ~~ما يكون من هفواتهم ، ويجعل له خراج الأهواز مسلما في كل عام ، ويحمل إلى ~~أخيه الحسين بن علي في كل عام ألفي ألف ، ويفضل بني هاشم في العطاء والصلات ~~على بني عبد شمس . ### ||| | [ كتاب معاوية إلى حسن ] # فكتب عبد الله بن عامر بذلك إلى معاوية ، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه ، ~~وختمه بخاتمه ، وبذل عليه له العهود المركبة والأيمان المغلظة ، وأشهد على ~~ذلك جميع رؤساء الشام ، ووجه به إلى عبد الله بن عامر ، فأوصله إلى الحسن ~~رضي الله عنه ، فرضي به ، وكتب إلى قيس بن سعد بالصلح ، ويأمره بتسليم ~~الأمر إلى معاوية ، والانصراف إلى المدائن . فلما وصل الكتاب بذلك إلى قيس ~~بن سعد قام في الناس ، فقال : ( أيها الناس ، اختاروا أحد الأمرين ، القتال ~~بلا إمام ، أو الدخول في طاعة معاوية ) . ### ||| | [ مسير الحسن إلى المدينة المنورة ] # . فسار حتى وافى المدائن ، وسار الحسن بالناس من المدائن حتى وافى الكوفة ~~PageV01P321 ، ووافاه معاوية بها ، فالتقيا ، فوكد عليه الحسن رضي الله عنه ~~تلك الشروط والأيمان . ثم سار الحسن بأهل بيته حتى وافى مدينة الرسول صلى ~~الله عليه وسلم . PageV01P322 ### | [ المحور الرابع ] ### | [ أخبار الدولة الأموية ] ### || [ أخبار خلافة معاوية ] # وأخذ معاوية أهل الكوفة بالبيعة ، فبايعوا ، واستعمل عليهم المغيرة بن ~~شعبة ، وسار منصرفا في جموعه إلى الشام ، فمكث المغيرة بن شعبة على الكوفة ~~من قبل معاوية تسع سنين حتى مات بها . ### ||| ( ظهور زياد بن أبيه ) # وكان زياد بن أبيه إنما يعرف بزياد بن عبيد ، وكان عبيد مملوكا لرجل من ~~ثقيف ، فتزوج سمية ، وكانت أمه للحارث بن كلدة ، فأعتقها ، فولدت له زيادا ~~، فصار ms174 حرا ، PageV01P323 ونشأ غلاما لقنا ذهنا ، عاقلا أديبا ، فأخرجه ~~المغيرة بن شعبة معه إلى البصرة حين وليها من قبل عمر بن الخطاب ، فاستكتبه ~~المغيرة . فلما ولي علي بن أبي طالب ولى زيادا أرض فارس ، فلما توجه إلى ~~صفين كتب معاوية إلى زياد يتوعده ، فقام زياد في الناس ، فقال : ( إن ابن ~~آكلة الأكباد ورأس النفاق كتب إلي يتوعدني ، وبيني وبينه ابن عم رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم في تسعين ألف مدجج من شيعته ، أما والله لئن رامني ~~ليجدني ضرابا بالسيف ) . فلما قتل علي ، واستدف الأمر لمعاوية تحصن زياد ~~بقلعة مدينة إصطخر ، وكتب معاوية له أمانا على أن يأتيه ، فإن رضي ما يعطيه ~~، وإلا رده إلى متحصنه بتلك القلعة . PageV01P324 ### ||| [ استلحاق معاوية زيادا بأبي سفيان ] # فسار إلى معاوية ، وترقت به الأمور إلى أن ادعاه معاوية ، وزعم للناس أنه ~~ابن أبي سفيان ، وشهد له أبو مريم السلولي - وكان في الجاهلية خمارا ~~بالطائف - أن أبا سفيان وقع على سمية بعد ما كان الحارث أعتقها ، وشهد رجل ~~من بني المصطلق ، اسمه يزيد ، أنه سمع أبا سفيان يقول : ( إن زيادا من نطفة ~~أقرها في رحم أمه سمية ، فتم ادعاؤه إياه . وكان في ذلك ماكان . وأمر ~~معاوية زيادا أن يسير إلى الكوفة إلى أن يرد عليه أمره ، فسار زياد حتى قدم ~~الكوفة ، وعليها المغيرة بن شعبة ، فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلي ، ~~ووافاه كتاب معاوية بولاية البصرة ، فسار إليها . ### ||| [ زياد وخطبته البتراء ] # فلما وافاها قصد المسجد الجامع ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، ~~ثم قال : ( إنه قد كانت بيني وبين قوم أحقاد ، وقد جعلتها تحت قدمي ، ولست ~~أؤاخذ أحدا بعداوة ، ولا أهتك له قناعا حتى يبدي لي صفحته ، فإذا أبداها لم ~~أنظره ، فمن كان منكم محسنا فليزدد إحسانا ، ومن كان منكم مسيئا فليقلع عن ~~إساءته ، وأعينونا رحمكم الله بالسمع والطاعة ) . ثم نزل . PageV01P325 ~~فلبث على البصرة حولين حتى مات المغيرة ، فكتب إليه معاوية بولاية الكوفة ~~مع البصرة ، فسار إليها . ### ||| [ حجر بن عدي يعاتب الحسن ] # قالوا : وكان أول من لقي ms175 الحسن بن علي رضي الله عنه ، فندمه على ما صنع ، ~~ودعاه إلى رد الحرب حجر بن عدي ، فقال له يا بن رسول الله ، لوددت أني مت ~~قبل ما رأيت ، أخرجتنا من العدل إلى الجور ، فتركنا الحق الذي كنا عليه ، ~~ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه ، وأعطينا الدنية من أنفسنا ، وقبلنا ~~الخسيسة التي لم تلق بنا ) . ### ||| [ رد الحسن على حجر ] # فاشتد على الحسن رضي الله عنه كلام حجر ، فقال له ( إني رأيت هوى عظم ~~الناس في الصلح ، وكرهوا الحرب ، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون ، فصالحت ~~بقيا على شيعتنا خاصة من القتل ، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما ، فإن ~~الله كل يوم هو في شأن ) . ### ||| [ دخول حجر على الحسين ] # قال : فخرج من عنده ، ودخل على الحسين رضي الله عنه مع عبيدة بن عمرو ، ~~فقالا : ( أبا عبد الله ، شريتم الذل بالعز ، وقبلتم القليل ، وتركتم ~~الكثير ، أطعنا اليوم ، واعصنا الدهر ، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح ، ~~واجمع إليك شيعتك من أهل الكوفة وغيرها ، وولني وصاحبي هذه المقدمة ، فلا ~~يشعر ابن هند إلا ونحن نقارعه بالسيوف ) . فقال الحسين : ( أنا قد بايعنا ~~وعاهدنا ، ولا سبيل إلى نقض بيعتنا ) . ### ||| [ دخول القوم على الحسن والحسين ( ع ) ] # وروي عن علي بن محمد بن بشير الهمداني ، قال : خرجت أنا وسفيان ابن ليلى ~~حتى قدمنا على الحسن المدينة ، فدخلنا عليه ، وعنده المسيب بن نجبة ، ~~PageV01P326 وعبد الله بن الوداك التميمي ، وسراج بن مالك الخثعمي ، فقلت : ~~( السلام عليك يا مذل المؤمنين ) ، قال : ( وعليك السلام ، اجلس ، لست مذل ~~المؤمنين ، ولكني معزهم ، ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل ~~عند ما رأيت من تباطؤ أصحابي عن الحرب ، ونكولهم عن القتال ، ووالله لئن ~~سرنا إليه بالجبال والشجر ما كان بد من إفضاء هذا الأمر إليه ) . قال : ثم ~~خرجنا من عنده ، ودخلنا على الحسين ، فأخبرناه بما رد علينا ، فقال : ( صدق ~~أبو محمد ، فليكن كل رجل منكم حلسا من إحلاس بيته ، مادام هذا الإنسان حيا ~~) . ### ||| ( وفاة الإمام الحسن ) # ثم إن الحسن ms176 رضي الله عنه اشتكى بالمدينة ، فثقل ، وكان أخوه محمد بن ~~الحنفية في ضيعة له ، فأرسل إليه ، فوافى ، فدخل عليه ، فجلس عن يساره ، ~~والحسين عن يمينه ، ففتح الحسن عينه ، فرأهما ، فقال للحسين : يا أخي ، ~~أوصيك بمحمد أخيك خيرا ، فإنه جلده ما بين العينين ) ثم قال : ( يا محمد ، ~~وأنا أوصيك بالحسين ، كانفه ووازره ) . ثم قال ( ادفنوني مع جدي صلى الله ~~عليك وسلم ، فإن منعتم فالبقيع ) ثم توفي ، فمنع PageV01P327 مروان أن يدفن ~~مع النبي صلى الله عليه وسلم ، فدفن في البقيع . وبلغ أهل الكوفة وفاة ~~الحسن ، فاجتمع عظماؤهم فكتبوا إلى الحسين رضي الله عنه يعزونه . ### ||| [ كتاب جعدة بن هبيرة إلى الحسين ] # وكتب إليه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب ، وكان أمحضهم حبا ومودة : ( أما بعد ~~، فإن من قبلنا من شيعتك متطلعة أنفسهم إليك ، لا يعدلون بك أحدا ، وقد ~~كانوا عرفوا رأي الحسن أخيك في دفع الحرب ، وعرفوك باللين لأوليائك ، ~~والغلظة على أعدائك ، والشدة في أمر الله ، فإن كنت تحب أن تطلب هذا الأمر ~~فاقدم علينا ، فقد وطنا أنفسنا على الموت معك ) # | [ كتاب الحسين إلى أهل الكوفة ] # فكتب إليهم : ( أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه ، وسدده فيما يأتي ، ~~وأما أنا فليس رأيي اليوم ذلك ، فالصقوا رحمكم الله بالأرض ، وأكمنوا في ~~البيوت ، واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيا ، فلن يحدث الله به حدثا ~~وأنا حي ، كتبت إليكم برأيي والسلام ) . ### ||| [ شماتة معاوية بموت الحسن ] # وانتهى خبر وفاة الحسن إلى معاوية - كتب به إليه عامله على المدينة مروان ~~- فأرسل إلى ابن عباس ، وكان عنده بالشام - قدم عليه وافدا - فدخل عليه ، ~~فعزاه ، وأظهر الشماتة بموته ، فقال له ابن عباس : ( لا تشمتن بموته ، ~~فوالله لا تلبث بعده إلا قليلا ) . PageV01P328 ### ||| [ رسالة معاولة إلى عمرو بن العاص ] # قالوا : وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص ، وهو على مصر ، قد قبضها بالشرط ~~الذي اشترطه على معاوية : ( أما بعد ، فإن سؤال أهل الحجاز ، وزوار أهل ~~العراق قد كثروا على ، وليس عندي فضل من أعطيات الجنود ، فأعني بخراج مصر ~~هذه السنة ) . فكتب ms177 إليه عمرو : معاوي إن تدركك نفس شحيحة فما ورثتني مصر ~~أمي ولا أبي وما نلتها عفوا ولكن شرطتها وقد دارت الحرب العوان على قطب ولو ~~لا دفاعي الأشعري وصحبه لألفيتها ترغو كراغية السقب فلما رجع الجواب إلى ~~معاوية تذمم ، فلم يعاوده في شئ من أمرها . ### ||| [ حجر بن عدي يحصب المغيرة ] # قإلوا : وقد كان معاوية خلف على الكوفة حين شخص منها المغيرة بن شعبة ، ~~فصعد المنبر يوم الجمعة ليخطب فحصبه حجر بن عدي ، وكان من شيعة علي ، في ~~نفر من أصحابه ، فنزل مسرعا من المنبر ، ودخل قصر الإمارة ، وبعث إلى حجر ~~بخمسة آلاف درهم ترضاه بها . فقيل للمغيرة : ( لم فعلت هذا ، وفيه عليك وهن ~~وغضاضة ؟ ) فقال : ( قد قتلته بها ) . ### ||| [ حصب عمرو بن حريث ] # فلما مات المغيرة وجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة ، كان يقيم ~~بالبصرة ستة أشهر ، وبالكوفة مثل ذلك ، فخرج في بعض خرجاته إلى البصرة ، ~~وخلف على الكوفة عمرو بن حريث العدوي ، فصعد عمرو بن حريث ذات جمعة المنبر ~~ليخطب ، وقعد له حجر بن عدي وأصحابه فحصبوه ، فنزل من المنبر ، فدخل القصر ~~، وأغلق بابه . PageV01P329 ### ||| [ قبض زياد على حجر وصحبه ] # وكتب [ عمرو ] إلى زياد يخبره بما صنع حجر وأصحابه ، فركب زياد البريد ~~حتى وافى الكوفة ، ودخل المسجد ، وأخرج له سريره من القصر ، فجلس عليه ، ~~فكان أول من دخل عليه من أشراف الكوفة محمد بن الأشعث بن قيس ، فسلم عليه ~~بالإمرة . فقال زياد : ( لاسلم الله عليك ، انطلق فأتني بابن عمك الساعة ) ~~. قال محمد بن الأشعث : ( ما لي ولحجر ، إنك لتعلم التباعد بيننا ) . فقال ~~له جرير بن عبد الله : ( أنا آتيك بحجر أيها الأمير ، على أن تجعل له ~~الأمان ، وألا تعرض له حتى يلقى معاوية ، فيرى فيه رأيه ) . قال : ( قد ~~فعلت ) . فأقبل به إلى زياد ، فأمر بحبسه ، وأمر بطلب أصحابه الذين كانوا ~~معه ، فأتي بهم ، فوجههم جميعا إلى معاوية مع مائة رجل من الجند ، فأنشأت ~~أم حجر تقول : ترفع أيها القمر المنير ترفع هل ترى حجرا يسير ألا يا حجر ~~حجر بني عدي ms178 تلقتك البشارة والسرور وإن تهلك فكل عميد قوم من الدنيا إلى ~~هلك يصير ### ||| [ معاوية يأخذ بنصيحة زياد ] # وبعث زياد بثلاثة نفر من الشهود ، ليشهدوا عنده بما فعل حجر وأصحابه ، ~~منهم أبو بردة بن أبي موسى ، وشريح بن هاني الحارثي ، وأبو هنيدة القيني . ~~PageV01P330 فأتوا معاوية ، وشهدوا عليهم بحصبهم عمرو بن حريث ، فأمر ~~معاوية بهم ، فقتلوا ، فدخل مالك بن هبيرة على معاوية فقال : ( يا أمير ~~المؤمنين ، أسأت في قتلك هؤلاء النفر ، ولم يكونوا أحدثوا ما استوجبوا به ~~القتل ) . فقال معاوية : ( قد كنت هممت بالعفو عنهم إلا أن كتاب زياد ورد ~~علي يعلمني انهم رؤساء الفتنة ، وأني متى قتلتهم اجتثثت الفتنة من أصلها ) ### ||| [ قدر حجر عند علي ] # ولما قتل حجر بن عدي وأصحابه استفظع أهل الكوفة ذلك استفظاعا شديدا ، ~~وكان حجر من عظماء أصحاب علي ، وقد كان علي أراد أن يوليه رياسة كندة ، ~~ويعزل الأشعث بن قيس ، وكلاهما من ولد الحارث بن عمروا آكل المرار ، فأبى ~~حجر بن عدي أن يتولى الأمر والأشعث حي . ### ||| [ مروان يحرض معاوية ضد الحسين ] # فخرج نفر من أشراف أهل الكوفة إلى الحسين بن علي ، فأخبروه الخبر ، ~~فاسترجع وشق عليه ، فأقام أولئك النفر يختلفون إلى الحسين بن علي ، وعلى ~~المدينة يومئذ مروان بن الحكم ، فترقى الخبر إليه ، فكتب إلى معاوية يعلمه ~~أن رجالا من أهل PageV01P331 العراق قدموا على الحسين بن علي رضي الله ~~عنهما ، وهم مقيمون عنده يختلفون إليه ، فاكتب إلي بالذي ترى . فكتب إليه ~~معاوية : ( لا تعرض للحسين في شئ ، فقد بايعنا ، وليس بناقض بيعتنا ولا ~~مخفر ذمتنا ) . ### ||| [ كتاب معاوية إلى الحسين ] # وكتب إلى الحسين : ( أما بعد ، فقد انتهت إلى أمور عنك لست بها حريا ، ~~لأن من أعطى صفقة يمينه جدير بالوفاء ، فاعلم رحمك الله إني متى أنكرك ~~تستنكرني ، ومتى تكدني أكدك ، فلا يستفزنك السفهاء الذين يحبون الفتنة ~~والسلام ) . فكتب إليه الحسين رضي الله عنه : ( ما أريد حربك ، ولا الخلاف ~~عليك ) . ### ||| [ موت زياد ] # قالوا : ولم ير الحسن ولا الحسين طول حياة معاوية منه سوءا في أنفسهما ~~ولا مكروها ms179 ، ولا قطع عنهما شيئا مما كان شرط لهما ، ولا تغير لهما عن بر . ~~قالوا : ومكث زياد على المصرين أربع سنين ، فحضرته الوفاة عند ما مضى من ~~خلافة معاوية ثلاث عشرة سنة ، وذلك سنة ثلاث وخمسين . فكتب إلى معاوية : ( ~~أما بعد ، فإني كتبت إليك وأنا في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة ، ~~وقد وليت الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد ، ووليت البصرة سمرة بن جندب ~~الفزاري ، والسلام ) فقيل له : ( لم تولي ابنك عبيد الله أحد المصرين ؟ ~~وليس بدون واحد من هذين ) . فقال : ( إن يك فيه خير فسيسبق إلى ذلك عمه ~~معاوية ) ، ثم مات ، وصلى عليه ابنه عبيد الله بن زياد ، ودفن في مقابر ~~قريش . فتولى عبد الله بن خالد بن أسيد الكوفة ثمانية أشهر ، وكتب معاوية ~~إلى عبيد الله بن PageV01P332 زياد بولاية البصرة ، وعزل عبد الله بن خالد ~~عن الكوفة ، واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري . ### ||| ( وصية معاوية لابنة يزيد ) # قالوا : ولما دخلت سنة ستين مرض معاوية مرضه الذي مات فيه ، فأرسل إلى ~~ابنه يزيد ، وكان غائبا عن مدينة دمشق ، فلما أبطأ عليه دعا الضحاك بن قيس ~~( 29 - الأخبار الطوال ) ( * ) الفهري ، وكان على شرطه ، ومسلم بن عقبة ، ~~وكان على حرسه ، فقال لهما : ( أبلغا يزيد وصيتي ، وأعلماه أني آمره في أهل ~~الحجاز أن يكرم من قدم عليه منهم ، ويتعهد من غاب عنه من أشرافهم ، فإنهم ~~أصله ، وإني آمره في أهل العراق أن يرفق بهم ويداريهم ويتجاوز عن زلاتهم ، ~~وإني آمره في أهل الشام أن يجعلهم عينيه وبطانته ، وإلا يطيل حبسهم في غير ~~شامهم ، لئلا يجروا على أخلاق غيرهم . وأعلماه أني لست أخاف عليه إلا أربعة ~~رجال : الحسين بن علي ، وعبد الله بن عمر ، وعبد الرحمن بن أبي بكر ، وعبد ~~الله بن الزبير . فأما الحسين ابن علي فاحسب أهل العراق غير تاركيه حتى ~~يخرجوه ، فإن فعل ، فظفرت به ، فاصفح PageV01P333 عنه ، وأما عبد الله بن ~~عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة ، وليس بطالب للخلافة إلا أن تأتيه عفوا ، ~~وأما عبد الرحمن ms180 بن أبي بكر فإنه ليس له في نفسه من النباهة والذكر عند ~~الناس ما يمكنه طلبها ، ويحاول التماسها إلا أن تأتيه عفوا ، وأما الذي ~~يجثم لك جثوم الأسد ، ويراوغك روغان الثعلب ، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك عبد ~~الله بن الزبير ، فإن فعل وظفرت به ، فقطعه إربا إربا إلا أن يلتمس منك ~~صلحا ، فإن فعل فاقبل منه ، وأحقن دماء قومك بجهدك ، وكف عاديتهم بنوالك ، ~~وتغمدهم بحلمك ) . ثم قدم عليه يزيد ، فأعاد عليه هذه الوصية ، ثم قضى . ### ||| [ الضحاك بن قيس ينعي معاوية ] # فأقبل الضحاك بن قيس حتى أتى المسجد الأعظم ، فصعد المنبر ، ومعه أكفان ~~معاوية ، فقال : ( أيها الناس ، إن معاوية بن أبي سفيان كان عبدا من عباد ~~الله ، ملكه على عباده ، فعاش بقدر ومات بأجل ، وهذه أكفانه كما ترون ، نحن ~~مدرجوه فيها ومدخلوه قبره ، ومخلون بينه وبين ربه ، فمن أحب منكم أن يشهد ~~جنازته فليحضر بعد صلاة الظهر . ثم نزل . PageV01P334 وتفرق الناس حتى إذا ~~صلوا الظهر اجتمعوا وأصلحوا جهازه ، وحملوه حتى واروه . ### || ( أخبار يزيد بن معاوية ) # ### ||| [ بيعة يزيد ] # وانصرف يزيد فدخل الجامع ، ودعا الناس إلى البيعة ، فبايعوه ، ثم انصرف ~~إلى منزله . ومات معاوية وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان ، وعلى ~~مكة يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية ، وعلى الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري ~~، وعلى البصرة عبيد الله بن زياد . ### ||| [ تصميم يزيد على أخذ البيعة ] # فلم تكن ليزيد همة إلا بيعة هؤلاء الأربعة نفر ، فكتب إلى الوليد بن عتبة ~~يأمره أن يأخذهم بالبيعة أخذا شديدا لا رخصة فيه ، فلما ورد ذلك على الوليد ~~قطع به وخاف الفتنة ، فبعث إلى مروان ، وكان الذي بينهما متباعدا ، فأتاه ، ~~فأقرأه الوليد الكتاب واستشاره . فقال له مروان : ( أما عبد الله بن عمر ~~وعبد الرحمن بن أبي بكر فلا تخافن ناحيتهما ، فليسا بطالبين شيئا من هذا ~~الأمر ، ولكن عليك بالحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، فابعث إليهما ~~الساعة ، فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما قبل أن PageV01P335 يعلن الخبر ، ~~فيثب كل واحد منهما ناحية ، ويظهر الخلاف ) . فقال ms181 الوليد لعبد الله بن ~~عمرو بن عثمان ، وكان حاضرا - وهو حينئذ غلام حين راهق - : ( انطلق يا بني ~~إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير ، فادعهما ) . فانطلق الغلام حتى ~~أتى المسجد ، فإذا هو بهما جالسين ، فقال : ( أجيبا الأمير ) . فقالا ~~للغلام : ( انطلق ، فإنا صائران إليه على أثرك ) . فانطلق الغلام . فقال ~~ابن الزبير للحسين رضي الله عنه : ( فيم تراه بعث إلينا في هذه الساعة ؟ ) ~~. فقال الحسين : ( أحسب معاوية قد مات ، فبعث إلينا للبيعة ) . قال ابن ~~الزبير : ( ما أظن غيره ) . وانصرفا إلى منازلهما . ### ||| [ دخول الحسين على الوليد ] # فأما الحسين فجمع نفرا من مواليه وغلمانه ، ثم مشى نحو دار الإمارة ، ~~وأمر فتيانه أن يجلسوا بالباب ، فإن سمعوا صوته اقتحموا الدار . ودخل ~~الحسين على الوليد ، وعنده مروان ، فجلس إلى جانب الوليد ، فأقرأه الوليد ~~الكتاب ، فقال الحسين : ( إن مثلي لا يعطي بيعته سرا ، وأنا طوع يديك ، ~~فإذا جمعت الناس لذلك حضرت ، وكنت واحدا منهم ) . وكان الوليد رجلا يحب ~~العافية ، فقال للحسين : ( فانصرف إذن حتى تأتينا مع الناس ) ، فانصرف . ~~فقال مروان للوليد : ( عصيتني ، ووالله لا يمكنك من مثله أبدا ) . ~~PageV01P336 قال الوليد : ( ويحك ، أتشير علي بقتل الحسين بن فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليهما السلام ؟ والله إن الذي يحاسب بدم ~~الحسين يوم القيامة لخفيف الميزان عند الله ) . ### ||| [ موقف عبد اله بن الزبير ] # وتحرز ابن الزبير في منزله ، وراوغ الوليد حتى إذا جن عليه الليل سار نحو ~~مكة ، وتنكب الطريق الأعظم فأخذ على طريق الفرع . ولما أصبح الوليد بلغه ~~خبره ، فوجه في أثره حبيب بن كوين في ثلاثين فارسا ، فلم يقعوا له على أثر ~~، وشغلوا يومهم ذلك كله بطلب ابن الزبير . ### ||| |[ مسير الحسين إلى مكة ] # فلما أمسوا ، وأظلم الليل مضى الحسين رضي الله عنه أيضا نحو مكة ، ومعه ~~أختاه : أم كلثوم ، وزينب وولد أخيه ، وإخوته أبو بكر ، وجعفر ، والعباس ، ~~وعامة من كان بالمدينة من أهل بيته إلا أخاه محمد بن الحنفية ، فإنه أقام . ~~وأما عبد الله بن عباس فقد كان خرج قبل ذلك بأيام إلى مكة ms182 . PageV01P337 ### ||| [ نصيحة عبد الله بن مطيع للحسين ] # وجعل الحسين رضي الله عنه يطوي المنازل ، فاستقبله عبد الله بن مطيع ، ~~وهو منصرف من مكة يريد المدينة ، فقال له : ( أين تريد ؟ ) . قال الحسين : ~~( أما الآن فمكة ) . قال ( خار الله لك ، غير أني أحب أن أشير عليك برأي ) ~~. قال الحسين ( وما هو ؟ ) . قال : إذا أتيت مكة فأردت الخروج منها إلى بلد ~~من البلدان ، فإياك والكوفة ، فإنها بلدة مشئومة ، بها قتل أبوك ، وبها خذل ~~أخوك ، واغتيل بطعنة كادت تأتي على نفسه ، بل الزم الحرم ، فإن أهل الحجاز ~~لا يعدلون بك أحدا ، ثم ادع إليك شيعتك من كل أرض ، فسيأتونك جميعا . قال ~~له الحسين : ( يقضي الله ما أحب ) . ثم أطلق عنانه ، ومضى حتى وافى مكة ، ~~فنزل شعب علي ، واختلف الناس إليه ، فكانوا يجتمعون عنده حلقا حلقا ، ~~وتركوا عبد الله بن الزبير ، وكانوا قبل ذلك يتحفلون إليه ، فساء ذلك ابن ~~الزبير ، وعلم أن الناس لا يحفلون به والحسين مقيم بالبلد ، فكان يختلف إلى ~~الحسين رضي الله عنه صباحا ومساء . ثم إن يزيد عزل يحيى بن حكيم بن صفوان ~~بن أمية . PageV01P338 ### || [ وقعة كربلاء ] # ### ||| [ كتب أهل الكوفة إلى الإمام الحسين ] # قالوا : ولما بلغ أهل الكوفة وفاة معاوية وخروج الحسين بن علي إلى مكة ~~اجتمع جماعة من الشيعة في منزل سليمان بن صرد ، واتفقوا على أن يكتبوا إلى ~~الحسين يسألونه القدوم عليهم ، ليسلموا الأمر إليه ، ويطردوا النعمان بن ~~بشير ، فكتبوا إليه بذلك ، ثم وجهوا بالكتاب مع عبيد الله بن سبيع الهمداني ~~وعبد الله بن وداك السلمي ، فوافوا الحسين رضي الله عنه بمكة لعشر خلون من ~~شهر رمضان ، فأوصلوا الكتاب إليه . ثم لم يمس الحسين يومه ذلك حتى ورد عليه ~~بشر بن مسهر الصيداوي ، وعبد الرحمن بن عبيد الأرحبي ، ومعهما خمسون كتابا ~~من أشراف أهل الكوفة ورؤسائها ، كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة والأربعة ~~بمثل ذلك . فلما أصبح وافاه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله ~~الخثعمي ، ومعهما أيضا نحو من خمسين كتابا . PageV01P339 فلما أمسى أيضا ~~ذلك اليوم ورد عليه ms183 سعيد بن عبد الله الثقفي ومعه كتاب واحد من شبث بن ربعي ~~، وحجار بن أبجر ، ويزيد بن الحارث ، وعررة بن قيس ، وعمرو ابن الحجاج ، ~~ومحمد بن عمير بن عطارد وكان هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة - فتتابعت عليه ~~في أيام رسل أهل الكوفة ( و ) من الكتب ما ملأ منه خرجين . ### ||| | [ كتاب الحسين إلى شيعته بالكوفة ] # فكتب الحسين إليهم جميعا كتابا واحدا ، ودفعه إلى هانئ بن هانئ ، وسعيد ~~ابن عبد الله ، نسخته : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى ~~من بلغه كتابي هذا ، من أوليائه وشيعته بالكوفة ، سلام عليكم ، أما بعد ، ~~فقد أتتني كتبكم ، وفهمت ما ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم ، وإني باعث ~~إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من أهلي ( مسلم بن عقيل ) ليعلم لي كنه أمركم ، ~~ويكتب إلي بما يتبين له من اجتماعكم ، فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم ~~، وأخبرتني به رسلكم أسرعت القدوم عليكم إن شاء الله ، والسلام ) . ### ||| | [ مسير مسلم بن عقيل إلى الكوفة ] # وقد كان مسلم بن عقيل خرج معه من المدينة إلى مكة ، فقال له الحسين عليه ~~السلام : ( يا ابن عم ، قد رأيت أن تسير إلى الكوفة ، فتنظر ما اجتمع عليه ~~رأي أهلها ، فإن كانوا على ما أتتني به كتبهم ، فعجل علي بكتابك لأسرع ~~القدوم عليك ، وإن تكن الأخرى ، فعجل الانصراف ) . فخرج مسلم على طريق ~~المدينة ليلم بأهله ، ثم استأجر دليلين من قيس ، وسار ، PageV01P340 فضلا ~~ذات ليلة ، فأصبحا ، وقد تاها ، واشتد عليهما العطش والحر ، فانقطعا ، فلم ~~يستطيعا المشي ، فقالا لمسلم : ( عليك بهذا السمت ، فالزمه لعلك أن تنجو ) ~~. فتركهما مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتى أفضوا إلى طريق فلزموه ، ~~حتى وردوا الماء ، فأقام مسلم بذلك الماء . ### ||| | [ كتاب مسلم إلى الحسين ] # وكتب إلى الحسين مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء ، يخبره خبره ، وخبر ~~الدليلين ، وما من الجهد ، ويعلمه أنه قد تطير من الوجه الذي توجه له ، ~~ويسأله أن يعفيه ويوجه غيره ، ويخبره أنه مقيم بمنزله ذلك من بطن الحربث . ~~فسار الرسول حتى وافى ms184 مكة ، وأوصل الكتاب إلى الحسين ، فقرأه وكتب في جوابه ~~: ( أما بعد ، فقد ظننت أن الجبن قد قصر بك عما وجهتك به ، فامض لما ) ~~أمرتك فإني غير معفيك ، والسلام ) . ### ||| | ( دخول مسلم إلى الكوفة ) # فسار مسلم حتى وافى الكوفة ، ونزل في الدار التي تعرف بدار المختار بن ~~أبي عبيدة ، ثم عرفت اليوم بدار المسيب . فكانت الشيعة تختلف إليه ، فيقرأ ~~عليهم كتاب الحسين ، ففشا أمره بالكوفة حتى بلغ ذلك النعمان بن بشير أميرها ~~، فقال : ( لا أقاتل إلا من قاتلني ، ولا أثب إلا على من وثب PageV01P341 ~~علي ، ولا آخذ بالقرفة والظنة ، فمن أبدى صفحته ونكث بيعته ضربته بسيفي ما ~~ثبت قائمه في يدي ، ولو لم أكن إلا وحدي ) . وكان يحب العافية ويغتنم ~~السلامة . ### ||| [ إخبار يزيد بأمر مسلم ] # فكتب مسلم بن سعيد الحضرمي وعمارة بن عقبة - وكانا عيني يزيد بن معاوية ~~إلى يزيد يعلمانه قدوم مسلم بن عقيل الكوفة داعيا للحسين بن علي ، وأنه قد ~~أفسد قلوب أهلها عليه ، فإن يكن لك في سلطانك حاجة فبادر إليه من يقوم ~~بأمرك ، ويعمل مثل عملك في عدوك ، فإن النعمان رجل ضعيف أو متضاعف ، ~~والسلام . ### ||| [ كتاب يزيد إلى عبيد الله بن زياد ] # فلما ورد الكتاب على يزيد أمر بعهد ، فكتب لعبيد الله بن زياد على الكوفة ~~، وأمره أن يبادر إلى الكوفة ، فيطلب مسلم بن عقيل طلب الحرزة حتى يظفر به ~~، فيقتله ، أو ينفيه عنهما ، ودفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي أبي ~~قتيبة بن مسلم ، وأمره بإغذاذ السير . فسار مسلم حتى وافى البصرة ، وأوصل ~~الكتاب إلى عبيد الله بن زياد . ### ||| [ كتاب الحسين إلى شيعته بالبصرة ] # وقد كان الحسين بن علي رضي الله عنه كتب كتابا إلى شيعته من أهل البصرة ~~مع مولى له يسمى ( سلمان ) نسخته : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين ~~بن علي إلى مالك بن مسمع ، والأحنف ابن قيس ، والمنذر بن الجارود ، ومسعود ~~بن عمرو ، وقيس بن الهيثم ، سلام عليكم ، PageV01P342 أما بعد ، فإني ~~أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع ، فإن تجيبوا تهتدوا سبل الرشاد ~~، والسلام ms185 ) . ### ||| [ قتل رسول الحسين ] # فما أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعا إلا المنذر بن الجارود ، فإنه أفشاه ، ~~لتزويجه ابنته هندا من عبيد الله بن زياد ، فأقبل حتى دخل عليه ، فأخبره ~~بالكتاب ، وحكى له ما فيه ، فأمر عبيد الله بن زياد بطلب الرسول ، فطلبوه ، ~~فأتوه به ، فضربت عنقه . ### ||| [ خطبة ابن زياد في البصرة ] # ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم ، فاجتمع له الناس ، فقام ، فقال : ( أنصف ~~القارة من راماها ، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني مع البصرة ~~الكوفة ، وأنا سائر إليها ، وقد خلفت عليكم أخي عثمان بن زياد ، فإياكم ~~والخلاف والإرجاف ، فو الله الذي إله غيره ، لئن بلغني عن رجل منكم خالف أو ~~أرجف لأقتلنه ووليه ، ولآخذن الأدنى بالأقصى ، والبرئ بالسقيم حتى تستقيموا ~~، وقد أعذر من أنذر ) . ثم نزل ، وسار . ### ||| [ دخول ابن زياد الكوفة ] # وخرج معه من أشراف أهل البصرة شريك بن الأعور والمنذر بن الجارود ، ~~PageV01P343 فسار حتى وافى الكوفة ، فدخلها ، وهو متلثم . وقد كان الناس ~~بالكوفة يتوقعون الحسين بن علي عليه السلام ، وقدومه ، فكان لا يمر ابن ~~زياد بجماعة إلا ظنوا أنه الحسين فيقومون له ، ويدعون ويقولون : ( مرحبا ~~بابن رسول الله قدمت خير مقدم ) . ### ||| [ خطبة ابن زياد في الكوفة ] # فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسين إلى ما ساءه ، وأقبل حتى دخل المسجد ~~الأعظم ، ونودي في الناس ، فاجتمعوا ، وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ~~، ثم قال : ( يا أهل الكوفة ، إن أمير المؤمنين قد ولاني مصركم ، وقسم ~~فيئكم فيكم ، وأمرني بإنصاف مظلومكم ، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم ، ~~والشدة على عاصيكم ومريبكم ، وأنا منته في ذلك إلى أمره ، وأنا لمطيعكم ~~كالوالد الشفيق ، ولمخالفكم كالسم النقيع ، فلا يبقين أحد منكم إلا على ~~نفسه ) . ثم نزل ، فأتى القصر ، فنزله ، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه ~~بالشام . ### ||| | [ لجوء مسلم إلى دار هانئ بن عروة ] # وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان ، وما كان من ~~خطبة ابن زياد ووعيده ، فخاف على نفسه . فخرج من الدار التي كان فيها بعد ~~عتمة حتى أتى دار هانئ بن ms186 ورقة المذحجي ، وكان من أشراف أهل الكوفة ، فدخل ~~داره الخارجة ، فأرسل إليه وكان في دار نسائه ، يسأله الخروج إليه ، فخرج ~~إليه . PageV01P344 وقام مسلم ، فسلم عليه ، وقال : ( إني أتيتك لتجيرني ~~وتضيفني ) . فقال له هانئ : ( لقد كلفتني شططا بهذا الأمر ، ولولا دخولك ~~منزلي لأحببت أن تنصرف عني ، غير أنه قد لزمني ذمام لذلك ) . فأدخله دار ~~نسائه ، وأفرد له ناحية منها . وجعلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ . وكان ~~هانئ بن عروة مواصلا لشريك بن الأعور البصري الذي قام مع ابن زياد ، وكان ~~ذا شرف بالبصرة وخطر ، فانطلق هانئ إليه حتى أتى به منزله ، وأنزله مع مسلم ~~بن عقيل في الحجرة التي كان فيها . وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة ، ~~فكان يحث هانئا على القيام بأمر مسلم ، وجعل مسلم يبايع من أتاه من أهل ~~الكوفة ، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق المؤكدة بالوفاء . ### ||| [ مسلم يأبى اغتيال ابن زياد ] # ومرض شريك بن الأعور في منزل هانئ بن عروة مرضا شديدا ، وبلغ ذلك عبيد ~~الله بن زياد ، فأرسل إليه يعلمه أنه يأتيه عائدا . فقال شريك لمسلم بن ~~عقيل : ( إنما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية ، وقد أمكنك الله منه ، ~~هو صائر إلى ليعودني ، فقم ، فادخل الخزانة حتى إذا اطمأن عندي ، فاخرج ~~إليه ، فقاتله ، ثم صر إلى قصر الإمارة ، فاجلس فيه ، فإنه لا ينازعك فيه ~~أحد من الناس ، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة ، فكفيتك أمرها ، ~~وبايع لك أهلها ) . PageV01P345 فقال هانئ بن عروة : ( ما أحب أن يقتل في ~~داري ابن زياد ) . فقال له شريك : ( ولم ؟ فو الله إن قتله لقربان إلى الله ~~) . ثم قال شريك لمسلم : ( لا تقصر في ذلك ) . فبينما هم على ذلك إذ قيل ~~لهم : ( الأمير بالباب ) . فدخل مسلم بن عقيل الخزانة ، ودخل عبيد الله بن ~~زياد على شريك ، فسلم عليه ، وقال : ( ما الذي تجد وتشكو ؟ ) . فلما طال ~~سؤاله إياه استبطأ شريك خروج مسلم ، وجعل يقول ، ويسمع مسلما : ما تنظرون ~~بسلمى عند فرصتها فقد وفى ودها ، واستوسق الصرم ( 1 ) وجعل يردد ذلك . فقال ~~ابن زياد ms187 لهانئ : ( أيهجر ؟ ) - يعني يهذي - . قال هانئ : ( نعم ، أصلح ~~الله الأمير ، لم يزل هكذا منذ أصبح ) . ثم قام عبيد الله وخرج ، فخرج مسلم ~~بن عقيل من الخزانة ، فقال شريك : ( ما الذي منعك منه إلا الجبن والفشل ؟ ) ~~. PageV01P346 قال مسلم : ( منعني منه خلتان : إحداهما كراهية هانئ لققله ~~في منزله ، والأخرى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إن الإيمان قيد ~~الفتك ، لا يفتك مؤمن ) . فقال شريك : ( أما والله لو قتلته لاستقام لك ~~أمرك ، واستوسق لك سلطانك ) . ولم يعش شريك بعد ذلك إلا أياما ، حتى توفي ، ~~وشيع ابن زياد جنازته ، وتقدم فصلى عليه . ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ ~~البيعة من أهل الكوفة حتى بايعه منهم ثمانية عشر ألف رجل في ستر ورفق . ### ||| [ خطبة ابن زياد للإيقاع بمسلم ] # وخفي على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل ، فقال لمولى له من أهل ~~الشام يسمى معقلا ، وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس ، وقال : ( خذ هذا المال ~~، وانطلق ، فالتمس مسلم بن عقيل ، وتأت له بغاية التأتى ) . فانطلق الرجل ~~حتى دخل المسجد الأعظم ، وجعل لا يدري كيف يتأتى الأمر ثم إنه نظر إلى رجل ~~يكثر الصلاة إلى سارية من سواري المسجد ، فقال في نفسه : ( إن هؤلاء الشيعة ~~يكثرون الصلاة ، وأحسب هذا منهم ) . فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام ~~، فدنا منه ، وجلس ، فقال : ( جعلت فداك ، إني رجل من أهل الشام ، مولى لذي ~~الكلاع ، وقد أنعم الله على بحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ~~وحب من أحبهم ، ومعي هذه الثلاثة الآلاف درهم ، أحب إيصالها إلى رجل منهم ، ~~بلغني أنه قدم هذا المصر داعية للحسين بن علي PageV01P347 عليه السلام ، ~~فهل تدلني عليه لأوصل هذا المال إليه ؟ ليستعين به على بعض أموره ، ويضعه ~~حيث أحب من شيعته ) . قال له الرجل : وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيري ~~ممن هو في المسجد ؟ ) . قال : ( لأني رأيت عليك سيما الخير ، فرجوت أن تكون ~~ممن يتولى أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ) . قال له الرجل : ( ويحك ~~، قد ms188 وقعت على بعينك ، أنا رجل من إخوانك ، واسمي مسلم بن عوسجة ، وقد سررت ~~بك ، وساءني ما كان من حسي قبلك ، فإني رجل من شيعة أهل هذا البيت ، خوفا ~~من هذا الطاغية ابن زياد ، فأعطني ذمة الله وعهده أن تكتم هذا عن جميع ~~الناس ) . فأعطاه من ذلك ما أراد . فقال له مسلم بن عوسجة : ( انصرف يومك ~~هذا ، فإن كان غد فائتني في منزلي حتى أنطلق معك إلى صاحبنا - يعني مسلم بن ~~عقيل - فأوصلك إليه ) . فمضى الشامي ، فبات ليلته ، فلما أصبح غدا إلى مسلم ~~بن عوسجة في منزله ، فانطلق به حتى أدخله إلى مسلم بن عقيل ، فأخبره بأمره ~~، ودفع إليه الشامي ذلك المال ، وبايعه . فكان الشامي يغدو إلى مسلم بن ~~عقيل ، فلا يحجب عنه ، فيكون نهاره كله عند ، فيتعرف جميع أخبارهم ، فإذا ~~أمسى وأظلم عليه الليل دخل على عبيد الله ابن زياد ، فأخبره بجميع قصصهم ، ~~وما قالوا وفعلوا في ذلك ، وأعلمه نزول مسلم في دار هانئ بن عروة . ### ||| [ خطة ابن زياد للنيل من هانئ ] # ثم إن محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة دخلا على ابن زياد مسلمين ، فقال ~~PageV01P348 لهما : ( ما فعل هانئ بن عروة ؟ ) . فقالا : ( أيها الأمير ، ~~إنه عليل منذ أيام ) . فقال ابن زياد : ( وكيف ؟ وقد بلغني أنه يجلس على ~~باب داره عامة نهاره ، فما يمنعه من إتياننا ، وما يجب عليه من حق التسليم ~~؟ ) . قالا : ( سنعلمه ذلك ، ونخبره باستبطائك إياه ) . فخرجا من عنده ، ~~وأقبلا حتى دخلا على هانئ بن عروة ، فأخبراه بما قال لهما ابن زياد ، وما ~~قالا له ، ثم قالا له : ( أقسمنا عليك إلا قمت معنا إليه الساعة لتسل سخيمة ~~قلبه ) . فدعا ببغلته ، فركبها ، ومضى معهما ، حتى إذا دنا من قصر الإمارة ~~خبثت نفسه . فقال لهما : ( إن قلبي قد أوجس من هذا الرجل خيفة ) . قالا : ( ~~ولم تحدث نفسك بالخوف وأنت برئ الساحة ؟ ) . فمضى معهما حتى دخلوا على ابن ~~زياد ، فأنشأ ابن زياد يقول متمثلا : أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك ~~من مراد PageV01P349 قال هانئ : ( وما ذاك أيها الأمير ؟ ) . قال ابن ms189 زياد ~~: ( وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل ، وإدخالك إياه منزلك ، وجمعك له ~~الرجال ليبايعوه ؟ ) . فقال هانئ : ( ما فعلت ، وما أعرف من هذا شيئا ) . ~~فدعا ابن زياد بالشامي ، وقال : ( يا غلام ، ادع لي معقلا ) . فدخل عليهم . ~~فقال ابن زياد لهانئ بن عروة : ( أتعرف هذا ؟ ) . فلما رآه علم أنه إنما ~~كان عينا عليهم . فقال هانئ : ( أصدقك والله أيها الأمير ، إني والله ما ~~دعوت مسلم بن عقيل ، وما شعرت به ) . ثم قص عليه قصته على وجهها . ثم قال : ~~( فأما الآن فأنا مخرجة من داري لينطلق حيث يشاء ، وأعطيك عهدا وثيقا أن ~~أرجع إليك ) . قال ابن زياد : ( لا والله ، لا تفارقني حتى تأتيني به ) . ~~فقال هانئ : ( أو يجمل بي أن أسلم ضيفي وجاري للقتل ؟ والله لا أفعل ذلك ~~أبدا ) . فاعترضه ابن زياد بالخيزرانة ، فضرب وجهه ، وهشم أنفه ، وكسر ~~حاجبه ، وأمر به ، فأدخل بيتا . PageV01P350 وبلغ مذحجا أن ابن زياد قد قتل ~~هانئا ، فاجتمعوا بباب القصر ، وصاحوا . فقال ابن زياد لشريح القاضي - وكان ~~عنده - : ( ادخل إلى صاحبهم ، فانظر إليه ، ثم اخرج إليهم ، فأعلمهم أنه حي ~~) . ففعل . فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجاج : ( أما إذ كان صاحبكم حيا فما ~~يعجلكم الفتنة ؟ انصرفوا ) . فانصرفوا . فلما علم ابن زياد انهم قد انصرفوا ~~أمر بهانئ ، فأتي به السوق ، فضربت عنقه هناك . ### ||| [ ألوية مسلم بن عقيل ] # ولما بلغ مسلم بن عقيل قتل هانئ بن عروة نادى فيمن كان بايعه ، فاجتمعوا ~~، فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندي على كندة وربيعة ، وعقد لمسلم بن عوسجة ~~على مذحج وأسد ، وعقد لأبي ثمامة الصيداوي على تميم وهمدان ، وعقد للعباس ~~بن جعدة بن هبيرة على قريش والأنصار ، فتقدموا جميعا حتى أحاطوا بالقصر ، ~~واتبعهم هو في بقية الناس . PageV01P351 ### ||| [ حصار ابن زياد في قصر الإمارة ] # وتحصن عبيد الله بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف ~~أهل الكوفة والأعوان والشرط ، وكانوا مقدار مائتي رجل ، فقاموا على سور ~~القصر يرمون القوم بالمدر والنشاب ، ويمنعونهم من الدنو من القصر ، فلم ~~يزالوا بذلك حتى ms190 أمسوا . ### ||| [ أعوان ابن زياد يخذلون الناس عن مسلم ] # وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة : ليشرف كل رجل ~~منكم في ناحية من السور ، فخوفوا القوم . فأشرف كثير بن شهاب ، ومحمد بن ~~الأشعث ، والقمقاع بن شور ، وشبث ابن ربعي ، وحجار بن أبجر ، وشمر بن ذي ~~الجوشن ، فتنادوا : ( يا أهل الكوفة ، اتقوا الله ولا تستعجلوا الفتنة ، ~~ولا تشقوا عصا هذه الأمة ، ولا توردوا على أنفسكم خيول الشام ، فقد ذقتموهم ~~، وجربتم شوكتهم ) . فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور . ~~PageV01P352 وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه ، وأخاه ، وابن عمه فيقول ~~: انصرف ، فإن الناس يكفونك . وتجئ المرأة إلى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق ~~به حتى يرجع . فصلى مسلم العشاء في المسجد ، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلا ~~. فلما رأى ذلك مضى منصرفا ماشيا ، ومشوا معه ، فأخذ نحو كندة ، فلما مضى ~~قليلا التفت فلم ير منهم أحدا ، ولم يصب إنسانا يدله على الطريق ، فمضى ~~هائما على وجهه في ظلمة الليل حتى دخل على كندة . فإذا امرأة قائمة على باب ~~دارها تنتظر ابنها - وكانت ممن خف مع مسلم - فآوته وأدخلته بيتها ، وجاء ~~ابنها ، فقال : من هذا في الدار ؟ فأعلمته ، وأمرته بالكتمان . ثم إن ابن ~~زياد لما فقد الأصوات ظن أن القوم دخلوا المسجد ، فقال : انظروا ، هل ترون ~~في المسجد أحدا ؟ - وكان المسجد مع القصر - . فنظروا فلم يروا أحدا ، ~~وجعلوا يشعلون ( أطناب ) القصب ( 1 ) ، ثم يقذفون بها في رحبة المسجد ليضئ ~~لهم ، فتبينوا ، فلم يروا أحدا . PageV01P353 فقال ابن زياد : إن القوم قد ~~خذلوا ، وأسلموا مسلما . وانصرفوا . ### ||| [ خروج ابن زياد إلى المسجد ] # فخرج [ ابن زياد ] فيمن كان معه ، وجلس في المسجد ، ووضعت الشموع ~~والقناديل ، وأمر مناديا فنادى بالكوفة ( ألا برئت الذمة من رجل من العرفاء ~~والشرط والحرس لم يحضر المسجد ) . فاجتمع الناس ، ثم قال : ( يا حصين بن ~~نمير - وكان على الشرطة - ثكلتك أمك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة ، فإذا ~~أصبحت فاستقر الدور ، دارا ، دارا ، حتى تقع عليه . وصلى ابن زياد العشاء ms191 ~~في المسجد ، ثم دخل القصر . ### ||| [ إرسال محمد بن الأشعث للقبض على مسلم ] # فلما أصبح جلس للناس ، فدخلوا عليه ، ودخل في أوائلهم محمد بن الأشعث ، ~~فأقعده معه على سريره . وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في بيتها إلى عبد ~~الرحمن بن محمد بن الأشعث - وهو حينئذ غلام حين راهق - فأخبره بمكان مسلم ~~عنده . PageV01P354 فأقبل عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث ، وهو جالس ~~مع ابن زياد ، فأسر إليه الخبر . فقال ابن زياد : ( ما سار به ابنك ؟ قال : ~~( أخبرني أن مسلم بن عقيل في بعض دورنا ) . فقال : ( انطلق ، فأتني به ~~الساعة ) . وقال لعبيد بن حريث : ( ابعث مائة رجل من قريش ) وكره أن يبعث ~~إليه غير قريش من العصبية أن تقع . فأقبلوا حتى أتوا الدار التي فيها مسلم ~~بن عقيل ، ففتحوها ، فقاتلهم ، فرمى ، فكسر فوه ، وأخذ ، فأتي ببغلة فركبها ~~، وصاروا به إلى ابن زياد . ### ||| ( دخول مسلم على ابن زياد ) # فلما أدخل عليه ، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له : ( سلم على الأمير ) . ~~PageV01P355 قال : ( إن كان الأمير يريد قتلي ، فما أنتفع بسلام عليه ، وإن ~~كان لم يرد فسيكثر عليه سلامي ) . قال ابن زياد : كأنك ترجو البقاء . فقال ~~له مسلم : فإن كنت مزمعا على قتلي ، فدعني أوص إلى بعض من هاهنا من قومي . ~~قال له : أوص بما شئت . فنظر إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص ، فقال له : اخل ~~معي في طرف هذا البيت حتى أوصي إليك ، فليس في القوم أقرب إلي ولا أولى بي ~~منك . فتنحى معه ناحية ، فقال له : ( أتقبل وصيتي ؟ قال : نعم . [ وصية ~~مسلم ] قال مسلم : إن على هاهنا دينا ، مقدار ألف درهم ، فاقض عني ، وإذا ~~أنا قتلت فاستوهب من ابن زياد جثتي لئلا يمثل بها ، وابعث إلى الحسين بن ~~علي رسولا قاصدا من قبلك ، يعلمه حالي ، وما صرت إليه من غدر هؤلاء الذين ~~يزعمون انهم شيعته ، وأخبره بما كان من نكثهم بعد أن بايعني منهم ثمانية ~~عشر ألف رجل ، لينصرف إلى حرم الله ، فيقيم به ، ولا يغتر بأهل الكوفة . ~~وقد كان مسلم كتب ms192 إلى الحسين أن يقدم ولا يلبث . فقال له عمر بن سعد : لك ~~على ذلك كله ، وأنا به زعيم . فانصرف إلى ابن زياد ، فأخبره بكل ما أوصى به ~~إليه مسلم . PageV01P356 فقال له ابن زياد : قد أسأت في أفشائك ما أسره ~~إليك ، وقد قيل ( إنه لا يخونك إلا الأمين ، وربما ائتمنك الخائن ) . ### ||| [ قتل مسلم ] # وأمر ابن زياد بمسلم فرقى به إلى ظهر القصر ، فأشرف به على الناس ، وهم ~~على باب القصر مما يلي الرحبة ، حتى إذا رأوه ضربت عنقه هناك ، فسقط رأسه ~~إلى الرحبة ، ثم أتبع الرأس بالجسد . وكان الذي تولى ضرب عنقه أحمر بن بكير ~~. ( 31 - الأخبار الطوال ) ( * ) وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الزبير الأسدي ~~: فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري إلى هانئ في السوق وابن عقيل إلى بطل ~~قد هشم السيف أنفه وآخر ، يهوي من طمار ، قتيل أصابهما ريب الزمان ، فأصبحا ~~أحاديث من يسعى بكل سبيل PageV01P357 ترى جسدا قد غير الموت لونه ونضح دم ~~قد سال كل مسيل ثم بعث عبيد الله برؤوسهما إلى يزيد ، وكتب إليه بالنبأ ~~فيهما . ### ||| [ كتاب يزيد إلى ابن زياد ] # فكتب إليه يزيد : لم نعد الظن بك ، وقد فعلت فعل الحازم الجليد ، وقد ~~سألت رسوليك عن الأمر ، ففرشاه لي ، وهما كما ذكرت في النصح ، وفضل الرأي ، ~~فاستوص بهما . وقد بلغني أن الحسين بن علي قد فصل من مكة متوجها إلى ما ~~قبلك ، فأدرك العيون عليه ، وضع الأرصاد على الطرق ، وقم أفضل القيام ، غير ~~ألا تقاتل إلا من قاتلك ، واكتب إلي بالخبر في كل يوم . وكان أنفذ الرأسين ~~إليه مع هانئ بن أبي حية الهمداني ، والزبير بن الأروج التميمي . ~~PageV01P358 وكان قتل مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي الحجة ~~سنة ستسين ، وهي السنة التي مات فيها معاويه . ### || ( خروج الحسين إلى الكوفة ) # وخرج الحسين بن علي عليه السلام من مكة في ذلك اليوم . ثم إن ابن زياد ~~وجه بالحصين بن نمير - وكان على شرطه - في أربعة آلاف فارس من أهل الكوفة ، ~~وأمره أن يقيم ms193 بالقادسية إلى القطقطانة ، فيمنع من أراد النفوذ من ناحية ~~الكوفة إلى الحجاز ألا من كان حاجا أو معتمرا ومن لا يتهم بممالاة الحسين . ### ||| [ كتاب مسلم إلى الإمام الحسين ] # قالوا : ولما ورد كتاب مسلم بن عقيل على الحسين عليه السلام : ( أن ~~الرائد لا يكذب أهله ، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل ، ~~فاقدم ، فإن جميع الناس معك ، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان ) . PageV01P359 ### ||| [ دخول ابن عباس على الحسين ] # فلما عزم على الخروج ، وأخذ في الجهاز بلغ ذلك عبد الله بن عباس ، فأقبل ~~حتى دخل على الحسين ، رضي الله عنه ، فقال : يا ابن عم ، قد بلغني أنك تريد ~~المسير إلى العراق . قال الحسين : أنا على ذلك . قال عبد الله : أعيذك ~~بالله يا بن عم من ذلك . قال الحسين : قد عزمت ، ولا بد من المسير . قال له ~~عبد الله : أتسير إلى قوم طردوا أميرهم عنهم ، وضبطوا بلادهم ؟ فإن كانوا ~~فعلوا ذلك فسر إليهم ، وإن كانوا إنما يدعونك إليهم ، وأميرهم عليهم ، ~~وعماله يجبونهم ، فإنهم إنما يدعونك إلى الحرب ، ولا آمنهم أن يخذلوك كما ~~خذلوا أباك وأخاك . قال الحسين : يا بن عم ، سأنظر فيما قلت . ### ||| [ دخول ابن الزبير على الحسين ] # وبلغ عبد الله بن الزبير ما يهم به الحسين ، فأقبل حتى دخل عليه ، فقال ~~له : لو أقمت بهذا الحرم ، وبثثت رسلك في البلدان ، وكتبت إلى شيعتك ~~بالعراق أن يقدموا عليك ، فإذا قوي أمرك نفيت عمال يزيد عن هذا البلد ، ~~وعلي لك المكانفة والمؤازرة ، PageV01P360 وإن عملت بمشورتي طلبت هذا الأمر ~~بهذا الحرم ، فإنه مجمع أهل الآفاق ، ومورد أهل الأقطار لم يعدمك بإذن الله ~~إدراك ما تريد ، ورجوت أن تناله . ### ||| [ ابن عباس يحذر الحسين من الخروج إلى الكوفة ] # قالوا : ولما كان في اليوم الثالث عاد عبد الله بن عباس إلى الحسين ، ~~فقال له : - يا بن عم لا تقرب أهل الكوفة ، فإنهم قوم غدرة ، وأقم بهذه ~~البلدة ، فإنك سيد أهلها ، فإن أبيت فسر إلى أرض اليمن ، فإن بها حصونا ~~وشعابا ، وهي أرض طويلة عريضة ، ولأبيك ms194 فيها شيعة ، فتكون عن الناس في عزلة ~~، وتبث دعاتك في الآفاق ، فإني أرجو إن فعلت ذلك أتاك الذي تحب في عافية . ~~قال الحسين عليه السلام : يا بن عم ، والله إني لأعلم أنك ناصح مشفق ، غير ~~أني قد عزمت على الخروج . قال ابن عباس : فإن كنت لا محالة سائرا ، فلا ~~تخرج النساء والصبيان ، فإني لا آمن أن تقتل كما قتل ابن عفان ، وصبيته ~~ينظرون إليه . قال الحسين : عم ، ما أرى إلا الخروج بالأهل والولد . فخرج ~~ابن عباس من عند الحسين فمر بابن الزبير ، وهو جالس ، فقال له : قرت عينك ~~يا بن الزبير بخروج الحسين . ثم تمثل : خلالك الجو ، فبيضي واصفري ونقري ، ~~ما شئت أن تنقري ### ||| [ صاحب الشرطة يعترض الحسين ] # قالوا : ولما خرج الحسين من مكة اعترضه صاحب شرطة أميرها ، عمرو بن ~~PageV01P361 سعيد ابن العاص في جماعة من الجند ، فقال : إن الأمير يأمرك ~~بالانصراف ، فانصرف ، وإلا منعتك . فامتنع عليه الحسين ، وتدافع الفريقان ، ~~واضطربوا بالسياط . وبلغ ذلك عمرو بن سعيد ، فخاف أن يتفاقم الأمر ، فأرسل ~~إلى صاحب شرطه ، يأمره بالانصراف . ### ||| [ الحسين يصادر هدايا يزيد ] # قالوا ( ولما فصل الحسين بن علي من مكة سائرا ، وقد وصل إلى التنعيم لحق ~~عيرا مقبلة من اليمن ، عليهما ورس . وحناء ، ينطلق به إلى يزيد بن معاوية ، ~~فأخذها وما عليها . وقال لأصحاب الإبل : من أحب منكم أن يسير معنا إلى ~~العراق أوفيناه كراه ، وأحسنا صحبته ، ومن أحب أن يفارقنا من هاهنا أعطيناه ~~من الكرى بقدر ما قطع من الأرض ) . ففارقه قوم ، ومضى معه آخرون . ~~PageV01P362 ### ||| [ الإمام الحسين يلتقي الفرزدق ] # ثم سار حتى إذا انتهى إلى الصفاح لقيه هناك الفرزدق الشاعر مقبلا من ~~العراق ، يريد مكة ، فسلم على الحسين . فقال له الحسين : كيف خلفت الناس ~~بالعراق ؟ قال : خلفتهم ، وقلوبهم معك ، وسيوفهم عليك . ثم ودعه . ### ||| [ كتاب الحسين إلى أهل الكوفة ] # ومضى الحسين عليه السلام حتى إذا صار ببطن الرمة كتب إلى أهل الكوفة . ( ~~بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين بالكوفة ~~) ، سلام عليكم ، أما بعد ، فإن كتاب ms195 مسلم بن عقيل ورد على باجتماعكم لي ، ~~وتشوفكم إلى قدومي ، وما أنتم عليه منطوون من نصرنا ، والطلب بحقنا ، فأحسن ~~الله لنا ولكم الصنيع ، وأثابكم على ذلك بأفضل الذخر ، وكتابي إليكم من بطن ~~الرمة ، وأنا قادم عليكم ، وحثيث السير إليكم ، والسلام ) . ثم بعث بالكتاب ~~مع قيس بن مسهر ، فسار حتى وافى القادسية ( 1 ) . فأخذه حصين بن نمير ، ~~وبعث به إلى ابن زياد ، فلما أدخل عليه أغلظ لعبيد الله ، PageV01P363 فأمر ~~به أن يطرح من أعلى سور القصر إلى الرحبة ، فطرح ، فمات . ### ||| [ الإمام الحسين وعبد الله بن مطيع ] # وسار الحسين عليه السلام من بطن الرمة ( 2 ) ، فلقيه عبد الله بن مطيع ، ~~وهو منصرف من العراق ، فسلم على الحسين ، وقال له : بأبي أنت وأمي يا بن ~~رسول الله ، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدك ؟ فقال : إن أهل الكوفة كتبوا ~~إلي يسألونني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء معالم الحق ، وإماتة البدع . ~~قال له ابن مطيع : أنشدك الله أن ( لا ) تأتي الكوفة ، فو الله لئن أتيتها ~~لتقتلن . فقال الحسين عليه السلام : ( لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا ) . ~~ثم ودعه ومضى . ### ||| [ انضمام زهير بن القين إلى الحسين ] ثم سار حتى انتهى إلى زرود ( 3 ) ، فنظر إلى فسطاط ( 4 ) مضروب ، فسأل عنه ، فقيل له : هو لزهير ~~بن القين . وكان حاجا أقبل من مكة يريد الكوفة . فأرسل إليه الحسين ، أن ~~القني أكلمك . فأبى أن يلقاه . وكانت مع زهير زوجته ، فقالت له : سبحان ~~الله ، يبعث إليك ابن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تجيبه . فقام يمشي ~~إلى الحسين عليه السلام ، فلم يلبث أن انصرف ، وقد PageV01P364 أشرق وجهه ، ~~فأمر بفسطاطه فقلع ، وضرب إلى لزق فسطاط الحسين . ثم قال لامراته : أنت ~~طالق ، فتقدمي مع أخيك حتى تصلي إلى منزلك ، فإني قد وطنت نفسي على الموت ~~مع الحسين عليه السلام . ثم قال لمن كان معه من أصحابه : من أحب منكم ~~الشهادة فليقم ، ومن كرهها فليتقدم . فلم يقم معه منهم أحد ، وخرجو مع ~~المرأة وأخيها حتى لحقوا بالكوفة . ### ||| | [ إخبار ms196 الحسين بمقتل مسلم وهانئ ] # قالوا : ولما رحل الحسين من زرود تلقاه رجل من بني أسد ، فسأله عن الخبر ~~. فقال : لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل ، وهانئ بن عروة ، ورأيت ~~الصبيان يجرون بأرجلهما . فقال : إنا لله ، وإنا إليه راجعون ، عند الله ~~نحتسب أنفسنا . فقال له : أنشدك الله يابن رسول الله في نفسك ، وأنفس أهل ~~بيتك ، هؤلاء الذين نراهم معك ، انصرف إلى موضعك ، ودع المسير إلى الكوفة ، ~~فو الله ما لك بها ناصر . فقال بنو عقيل - وكانوا معه - : ما لنا في العيش ~~بعد أخينا مسلم حاجة ، ولسنا براجعين حتى نموت . فقال الحسين : ( فما خير ~~في العيش بعد هؤلاء ) ، وسار . فلما PageV01P365 وافى زبالة وافاه بها رسول ~~محمد بن الأشعث ، وعمر بن سعد بما كان سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره ، ~~وخذلان أهل الكوفة إياه ، بعد أن بايعوه ، وقد كان مسلم سأل محمد بن الأشعث ~~ذلك . ### ||| [ تفرق أصحاب الحسين ] # فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر ، وأفظعه مسلم بن عقيل ، وهانئ ابن ~~عروة . ثم أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الذي وجهه من بطن الرمة . ~~وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق ، فلما سمعوا خبر مسلم ، وقد كانوا ظنوا ~~أنه يقدم على أنصار وعضد تفرقوا عنه ، ولم يبق معه إلا خاصته . ### ||| [ رجل ينصح الحسين بالرجوع ] # فسار حتى انتهى إلى بطن العقيق ، فلقيه رجل من بني عكرمة ، فسلم عليه ، ~~وأخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب رصدا له . ثم قال ~~له : ( انصرف بنفسي أنت ، فو الله ما تسير إلا إلى الأسنة والسيوف ، ولا ~~تتكلن على الذين كتبوا لك ، فإن أولئك أول الناس مبادرة إلى حربك ) . فقال ~~له الحسين : ( قد ناصحت وبالغت ، فجزيت خيرا ) . ثم سلم عليه ، ومضى حتى ~~نزل بشراة بات بها ، ثم ارتحل وسار . ### ||| [ الحسين يبحث عن ملجأ له ] # فلما انتصف النهار ، واشتدت الحر ، وكان ذلك في القيظ ، تراءت لهم الخيل ~~. PageV01P366 فقال الحسين لزهير بن القين : أما هاهنا مكان يلجأ إليه ، أو ~~شرف ، نجعله خلف ظهورنا ms197 ، ونستقبل القوم من وجه واحد ؟ ) ) . قال له زهير : ~~بلى ، هذا جبل ذي جشم ، يسره عنك ، فمل بنا إليه ، فإن سبقت إليه فهو كما ~~تحب . فسار حتى سبق إليه ، وجعل ذلك الجبل وراء ظهره . ### ||| [ الحر الرياحي يعترض ركب الحسين ] # وأقبلت الخيل ، وكانوا ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي ، ثم اليربوعي ، ~~حتى إذا دنوا أمر الحسين عليه السلام فتيانه أن يستقبلوهم بالماء ، فشربوا ~~، وتغمرت خيلهم ، ثم جلسوا جميعا في ظل خيولهم ، وأعنتها في أيديهم حتى إذا ~~حضرت الظهر قال الحسين عليه السلام للحر : أتصلي معنا ، أم تصلي بأصحابك ~~وأصلي بأصحابي ؟ قال الحر : ( بل نصلي جميعا بصلاتك ) . فتقدم الحسين عليه ~~السلام ، فصلى بهم جميعا . فلما انفتل من صلاته حول وجهه إلى القوم ، ثم ~~قال : PageV01P367 ### ||| | [ خطبة الحسين ] # ( أيها الناس ، معذرة إلى الله ، ثم إليكم ، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم ~~، وقدمت على رسلكم ، فإن أعطيتموني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم ~~دخلنا معكم مصركم ، وإن تكن الأخرى انصرفت من حيث جئت ) . فأسكت القوم ، ~~فلم يردوا عليه ، حتى إذا جاء وقت العصر نادى مؤذن الحسين ، ثم أقام ، ~~وتقدم الحسين عليه السلام ، فصلى بالفريقين ، ثم انفتل إليهم ، فأعاد مثل ~~القول الأول . فقال الحر بن يزيد : ( والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر ~~) . فقال الحسين عليه السلام : ( ايتني بالخرجين ( 1 ) اللذين فيهما كتبهم ~~) . فأتي بخرجين مملوءين كتبا ، فنثرت بين يدي الحر وأصحابه ، فقال له الحر ~~: ( يا هذا ، لسنا ممن كتب إليك شيئا من هذه الكتب ، وقد أمرنا ألا نفارقك ~~إذا لقيناك أو نقدم بك الكوفة على الأمير عبيد الله بن زياد ) . فقال ~~الحسين عليه السلام : ( الموت دون ذلك ) . PageV01P368 ### ||| [ الحر يحول دون رجوع الحسين ] # ثم أمر بأثقاله ، فحملت ، وأمر أصحابه ، فركبوا ، ثم ولى وجهه منصرفا نحو ~~الحجاز ، فحال القوم بينه وبين ذلك . فقال الحسين للحر : ما الذي تريد ؟ ~~قال : أريد والله إن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد . قال الحسين : ~~إذن والله أنابذك الحرب . فلما كثر الجدال بينهما قال الحر : ( إني لم أومر ~~بقتالك ms198 ، وإنما أمرت ألا أفارقك ، وقد رأيت رأيا فيه السلامة من حربك ، وهو ~~أن تجعل بيني وبينك طريقا ، لاتدخلك الكوفة ، ولا تردك إلى الحجاز ، تكون ~~نصفا بيني وبينك حتى يأتينا رأي الأمير ) . قال الحسين : ( فخذ هاهنا ، ~~فأخذ متياسرا من طريق العذيب ، ومن ذلك المكان إلى العذيب ثمانية وثلاثون ~~ميلا ) . فسارا جميعا حتى انتهوا إلى عذيب الحمامات ، فنزلوا جميعا ، وكل ~~فريق منهما على غلوة من الآخر . ### ||| | [ عبيد الله بن الحر يرفض الانضمام إلى الحسين ] # ثم ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنا عن طريق الكوفة حتى انتهى إلى قصر ~~بني PageV01P369 مقاتل ، فنزلوا جميعا هناك ، فنظر الحسين إلى فسطاط مضروب ~~، فسأل عنه ، فأخبر أنه لعبيد الله بن الحر الجعفي ، وكان من أشراف أهل ~~الكوفة ، وفرسانهم . فأرسل الحسين إليه بعض مواليه يأمره بالمصير إليه ، ~~فأتاه الرسول ، فقال : - هذا الحسين بن علي يسألك أن تصير إليه . فقال عبيد ~~الله : والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج لمحاربته وخذلان ~~شيعته ، فعلمت أنه مقتول ولا أقدر على نصره ، فلست أحب أن يراني ولا أراه ) ~~. فانتعل الحسين حتى مشى ، ودخل عليه قبته ، ودعاه إلى نصرته . فقال عبيد ~~الله : ( والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة ، ولكن ما عسى ~~أن أغنى عنك ، ولم أخلف لك بالكوفة ناصرا ، فأنشدك الله أن تحملني علي هذه ~~الخطة ، فإن نفسي لم تسمح بعد بالموت ، ولكن فرسي هذه الملحقة ، والله ما ~~طلبت عليها شيئا قط إلا لحقته ، و لا طلبني وأنا عليها أحد قط إلا سبقته ، ~~فخذها ، فهي لك ) . قال الحسين : ( أما إذا رغبت بنفسك عنا فلا حاجة لنا ~~إلى فرسك ) . ### ||| | ( توجه الحسين إلى كربلاء ) # وسار الحسين عليه السلام من قصر بني مقاتل ، ومعه الحر بن يزيد ، كلما ~~أراد أن PageV01P370 يميل نحو البادية منعه ، حتى انتهى إلى المكان الذي ~~يسمى ( كربلاء ) فمال قليلا متيامنا حتى انتهى إلى ( نينوى ) ، فإذا هو ~~براكب على نجيب ، مقبل من القوم ، فوقفوا جميعا ينتظرونه . فلما انتهى ~~إليهم سلم على الحر ، ولم يسلم على الحسين ms199 . ثم ناول الحر كتابا من عبيد ~~الله بن زياد ، فقرأه ، فإذا فيه : ### ||| [ كتاب ابن زياد إلى الحر ] # ( أما بعد ، فجعجع بالحسين بن علي وأصحابه بالمكان الذي يوافيك كتابي ، ~~ولا تحله إلا بالعراء على غير خمر ولا ماء ، وقد أمرت حامل كتابي هذا أن ~~يخبرني بما كان منك في ذلك ، والسلام . ### ||| [ الحر يرغم الحسين على النزول ] # فقرأ الحر الكتاب ثم ناوله الحسين ، وقال : لا بد من إنفاذ الأمير عبيد ~~الله بن زياد ، فانزل بهذا المكان ، ولا تجعل للأمير علي علة . فقال ~~PageV01P371 الحسين عليه السلام ( تقدم بنا قليلا إلى هذه القرية التي هي ~~منا على غلوة ، وهي الغاضرية ) أو هذه الأخرى التي تسمى ( السقبة ) فنزل في ~~إحداهما . قال الحر ( إن الأمير كتب إلى أن أحلك على غير ماء ، ولا بد من ~~الانتهاء إلى أمره . ### ||| [ زهير بن القين يشير على الحسين ببدء القتال ] # فقال زهير بن القين للحسين : ( بأبي وأمي يا ابن رسول الله ، والله لو لم ~~يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية ، فكيف بمن سيأتينا من غيرهم ؟ فهلم ~~بنا نناجز هؤلاء ، فإن قتال هؤلاء أيسر علينا من قتال من يأتينا من غيرهم ) ~~. قال الحسين عليه السلام : فإني أكره أن أبدأهم بقتال حتى يبدأوا . فقال ~~له زهير : فهاهنا قرية بالقرب منا على شط الفرات ، وهي في عاقول حصينة ، ~~الفرات يحدق بها إلا من وجه واحد . قال الحسين : وما اسم تلك القرية ؟ قال ~~: العقر . قال الحسين : نعوذ بالله من العقر . فقال الحسين للحر : سر بنا ~~قليلا ، ثم ننزل . فسار معه حتى أتوا كربلاء ، فوقف الحر وأصحابه أمام ~~الحسين ومنعوهم من المسير ، وقال : PageV01P372 انزل بهذا المكان ، فالفرات ~~منك قريب . قال الحسين : وما اسم هذا المكان ؟ قالوا له : كربلاء . قال : ~~ذات كرب وبلاء ، ولقد مر أبي بهذا المكان عند مسيرة إلى صفين ، وأنا معه ، ~~فوقف ، فسأل عنه ، فأخبر باسمه ، فقال : ( هاهنا محط ركابهم ، وهاهنا مهراق ~~دمائهم ) ، فسئل عن ذلك ، فقال : ( ثقل لآل بيت محمد ، ينزلون هاهنا ) . ### ||| [ النزول بكربلاء ] # ثم أمر الحسين بأثقاله ، فحطت بذلك المكان ms200 يوم الأربعاء غرة المحرم من ~~سنة إحدى وستين ، وقتل بعد ذلك بعشرة أيام ، وكان قتله يوم عاشوراء . فلما ~~كان اليوم الثاني من نزوله كربلاء وافاه عمر بن سعد في أربعة آلاف فارس . ### ||| [ قصة خروج عمر بن سعد ] # وكانت قصة خروج عمر بن سعد ، أن عبيد الله بن زياد ولاه الري وثغر دستبي ~~والديلم ، وكتب له عهدا عليها ، فعسكر للمسير إليها ، فحدث أمر الحسين ، ~~فأمره ابن زياد أن يسير إلى محاربة الحسين ، فإذا فرغ منه سار إلى ولايته . ~~فتلكأ عمر بن سعد على ابن زياد ، وكره محاربة الحسين . فقال له ابن زياد : ~~( فأردد علينا عهدنا ) . قال : ( فأسير إذن ) . PageV01P373 فسار في أصحابه ~~أولئك الذين ندبوا معه إلى الري ودستبي ، حتى وافى الحسين ، وانضم إليه ~~الحر بن يزيد فيمن معه . ### ||| [ رسول ابن سعد إلى الحسين ] # ثم قال عمر بن سعد لقره بن سفيان الحنظلي ( انطلق إلى الحسين ، فسله ما ~~أقدمك ) . فأتاه ، فأبلغه . فقال الحسين : ( أبلغه عني أن أهل هذا المصر ~~كتبوا إلي يذكرون أن لا إمام لهم ، ويسألونني القدوم عليهم ، فوثقت بهم ، ~~فغدروا بي ، بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل ، فلما دنوت ، فعلمت ~~غرور ما كتبوا به إلي أردت الانصراف إلى حيث منه أقبلت ، فمنعني الحر بن ~~يزيد ، وسار حتى جعجع بي في هذا المكان ، ولي بك قرابة قريبة ، ورحم ماسة ، ~~فأطلقني حتى انصرف . فرجع قرة إلى عمر بن سعد بجواب الحسين بن علي . فقال ~~عمر : ( الحمد لله ، والله إني لأرجو أن أعفى من محاربة الحسين ) . ### ||| [ تراسل ابن سعد وابن زياد ] # ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بذلك . فلما وصل كتابه إلى ابن زياد كتب إليه ~~في جوابه : ( قد فهمت كتابك ، فأعرض على الحسين البيعة ليزيد ، فإذا بايع ~~في جميع من معه ، فأعلمني ذلك ليأتيك رأيي ) . فلما انتهى كتابه إلى عمر بن ~~سعد قال : ما أحسب ابن زياد يريد العافية . فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن ~~زياد إلى الحسين ، فقال الحسين للرسول : ( لا PageV01P374 أجيب ابن زياد ~~إلى ذلك أبدا ، فهل هو ms201 إلا الموت ، فمرحبا به ) . فكتب عمر بن سعد إلى ابن ~~زياد بذلك ، فغضب ، فخرج بجميع أصحابه إلى النخيلة . ### ||| [ ابن زياد يرسل المدد إلى ابن سعد ] # ثم وجه الحصين بن نمير ، وحجار بن أبجر ، وشبث بن ربعي ، وشمر ابن ذي ~~الجوشن ، ليعاونوا عمر بن سعد على أمره . فأما شمر فنفذ لما وجهه له ، وأما ~~شبث فاعتل بمرض . فقال له ابن زياد : أتتمارض ؟ إن كنت في طاعتنا فاخرج إلى ~~قتال عدونا . فلما سمع شبث ذلك خرج ، ووجه أيضا الحارث بن يزيد بن رويم . ~~قالوا : ( وكان ابن زياد إذا وجه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير ، ~~يصلون إلى كربلاء ، ولم يبق منهم إلا القليل ، كانوا يكرهون قتال الحسين ، ~~فيرتدعون ، ويتخلفون . فبعث ابن زياد سويد بن عبد الرحمن المنقري في خيل ~~إلى الكوفة ، وأمره أن يطوف بها ، فمن وجده قد تخلف أتاه به . فبنيا هو ~~يطوف في أحياء الكوفة إذ وجد رجلا من أهل الشام قد كان قدم الكوفة في طلب ~~ميراث له ، فأرسل به إلى ابن زياد ، فأمر به ، فضربت عنقه . فلما رأى الناس ~~ذلك خرجوا . ### ||| [ منع الماء عن الحسين وأصحابه ] # قالوا : وورد كتاب ابن زياد على عمر بن سعد ، أن أمنع الحسين وأصحابه ~~الماء ، فلا يذوقوا منه حسوة كما فعلوا بالتقي عثمان بن عفان . PageV01P375 ~~فلما ورد على عمر بن سعد ذلك أمر عمرو بن الحجاج أن يسير في خمسمائة راكب ، ~~فينيخ على الشريعة ، ويحولوا بين الحسين وأصحابه ، وبين الماء ، وذلك قبل ~~مقتله بثلاثة أيام ، فمكث أصحاب الحسين عطاشى . ### ||| [ الحسين يرسل العباس لجلب الماء ] # قالوا : ولما اشتد بالحسين وأصحابه العطش أمر أخاه العباس بن علي - وكانت ~~أمه من بني عامر بن صعصعة - أن يمضي في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا ، مع كل ~~رجل قربة حتى يأتوا الماء ، فيحاربوا من حال بينهم وبينه . فمضى العباس نحو ~~الماء وأمامهم نافع بن هلال حتى دنوا من الشريعة ، فمنعهم عمرو بن الحجاج ، ~~فجالدهم العباس على الشريعة بمن معه حتى أزالوهم عنها ، واقتحم رجالة ~~الحسين الماء ، فملأوا قربهم ms202 ، ووقف العباس في أصحابه يذبون عنهم حتى ~~أوصلوا الماء إلى عسكر الحسين . ### ||| [ كتاب ابن زياد إلى عمر بن سعد ] # ثم إن ابن زياد كتب إلى عمر بن سعد : أما بعد ، فإني لم أبعثك إلى الحسين ~~لتطاوله الأيام ، ولا لتمنيه السلامة والبقاء ، ولا لتكون شفيعه إلي ، ~~فاعرض عليه ، وعلى أصحابه النزول على حكمي ، فإن PageV01P376 أجابوك فابعث ~~به وبأصحابه إلي ، وإن أبوا فازحف إليه ، فإنه عاق شاق ، فإن لم تفعل ~~فاعتزل جندنا ، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر ، فإنا قد أمرناك ~~بأمرنا . فنادى عمر بن سعد في أصحابه أن انهدوا إلى القوم . فنهض إليهم ~~عشية الخميس وليلة الجمعة لتسع ليال خلون من المحرم ، فسألهم الحسين تأخير ~~الحرب إلى غد ، فأجابوه . ### ||| [ استعدادت الحسين عشية المعركة ] # قالوا : وأمر الحسين أصحابه أن يضموا مضاربهم بعضهم من بعض ، ويكونوا ~~أمام البيوت ، وأن يحفروا من وراء البيوت أخدودا ، وأن يضرموا فيه حطبا ~~وقصبا كثيرا ، لئلا يؤتوا من إدبار البيوت ، فيدخلوها . ### ||| [ ألوية ابن سعد ] # قالوا : ولما صلى عمر بن سعد الغداة نهد بأصحابه ، وعلى ميمنته عمرو بن ~~الحجاج ، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن - واسم شمر شرحبيل بن عمرو بن ~~معاوية ، من آل الوحيد ، من بني عامر بن صعصعة وعلى الخيل PageV01P377 عروة ~~بن قيس ، وعلى الرجالة شبث ابن ربعي ، والراية بيد زيد مولى عمر بن سعد . ### ||| [ ألوية الإمام الحسين ] # وعبى الحسين عليه السلام أيضا أصحابه ، وكانوا اثنين وثلاثين فارسا ~~وأربعين راجلا ، فجعل زهير بن القين على ميمنته ، وحبيب بن مظهر على ميسرته ~~، ودفع الراية إلى أخيه العباس بن علي ، ثم وقف ، ووقفوا معه أمام البيوت . ### ||| [ انحياز الحر إلى الحسين ] # وانحاز الحر بن يزيد الذي كان جعجع بالحسين إلى الحسين ، فقال له : ( قد ~~كان مني الذي كان ، وقد أتيتك مواسيا لك بنفسي ، أفترى ذلك لي توبة مما كان ~~مني ؟ . قال الحسين : نعم ، إنها لك توبة ، فأبشر ، فأنت الحر في الدنيا ، ~~وأنت الحر في الآخرة ، إن شاء الله . ### ||| [ اشتعال الحرب وقتلى أهل البيت ] # قالوا : ونادى عمر بن سعد ms203 مولاه زيدا أن قدم الراية ، فتقدم بها ، وشبت ~~الحرب . PageV01P378 فلم يزل أصحاب الحسين يقاتلون ويقتلون ، حتى لم يبق ~~معه غير أهل بيته . فكان أول من تقدم منهم ، فقاتل علي بن الحسين ، وهو علي ~~الأكبر ، فلم يزل يقاتل حتى قتل ، طعنه مرة بن منقذ العبدي ، فصرعه ، ~~وأخذته السيوف فقتل . ثم قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل ، رماه عمرو بن صبح ~~الصيداوي ، فصرعه . ثم قتل عدي بن عبد الله بن جعفر الطيار ، قتله عمرو بن ~~نهشل التميمي . ثم قتل عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب ، رماه عبد الله بن ~~عروة الخثعمي بسهم ، فقتله . PageV01P379 ثم قتل محمد بن عقيل بن أبي طالب ~~، رماه لقيط بن ناشر الجهني بسهم ، فقتله . ثم قتل القاسم بن الحسن بن علي ~~بن أبي طالب ، ضربه عمرو بن سعد بن مقبل الأسدي . ثم قتل أبو بكر بن الحسن ~~بن علي ، رماه عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم ، فقتله . ### ||| [ استبسال العباس وإخوته ] # قالوا : ولما رأى ذلك العباس بن علي قال لإخوته عبد الله ، وجعفر ، ~~وعثمان ، بني علي ، عليه وعليهم السلام ، وأمهم جميعا أم البنين العامرية ~~من آل الوحيد : ( تقدموا ، بنفسي أنتم ، فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه ) ~~. فتقدموا جميعا . فصاروا أمام الحسين عليه السلام ، يقونه بوجوههم ونحورهم ~~. فحمل هانئ بن ثويب الحضرمي على عبد الله بن علي ، فقتله . ثم حمل على ~~أخيه جعفر بن علي ، فقتله أيضا . ورمى يزيد الأصبحي عثمان بن علي بسهم ، ~~فقتله ، ثم خرج إليه ، فاحتز رأسه ، فأتى عمر بن سعد ، فقال له : ( أثبني ) ~~. فقال عمر : عليك بأميرك - يعني عبيد الله بن زياد - فسله أن يثيبك . وبقي ~~العباس بن علي قائما أمام الحسين يقاتل دونه ، ويميل معه حيث مال ، حتى قتل ~~، رحمة الله عليه . PageV01P380 ### ||| [ استشهاد الإمام الحسين ( ع ) ] # وبقي الحسين وحده ، فحمل عليه مالك بن بشر الكندي ، فضربه بالسيف على ~~رأسه ، وعليه برنس خز ، فقطعه ، وأفضى السيف إلى رأسه ، فجرحه . فألقى ~~الحسين البرنس ، ودعا بقلنسوة ، فلبسها ، ثم اعتم بعمامة ، وجلس ، فدعا ~~بصبي له صغير ، فأجلسه ms204 في حجره ، فرماه رجل من بني أسد ، وهو في حجر الحسين ~~بمشقص ، فقتله . وبقي الحسين عليه السلام مليا جالسا ، ولو شاءوا إن يقتلوه ~~قتلوه ، غير أن كل قبيلة كانت تتكل على غيرها ، وتكره الإقدام على قتله . ~~وعطش الحسين ، فدعا بقدح من ماء . فلما وضعه في فيه رماه الحصين بن نمير ~~بسهم ، فدخل فمه ، وحال بينه وبين شرب الماء ، فوضع القدح من يده . ولما ~~رأى القوم قد أحجموا عنه قام يتمشى على المسناة نحو الفرات ، فحالوا بينه ~~وبين الماء ، فانصرف إلى موضعه الذي كان فيه . فانتزع له رجل من القوم بسهم ~~، فأثبته في عاتقه ، فنزع عليه السلام السهم . PageV01P381 وضربه زرعة بن ~~شريك التميمي بالسيف ، اتقاه الحسين بيده ، فأسرع السيف في يده . وحمل عليه ~~سنان بن أوس النخعي ، فطعنه ، فسقط . ونزل إليه حولي بن يزيد الأصبحي ليحز ~~رأسه ، فأرعدت يداه . فنزل أخوه شبل بن يزيد ، فاحتز رأسه ، فدفعه إلى أخيه ~~حولي . ثم مال الناس على ذلك الورس الذي كان أخذه من العير ، وإلى ما في ~~المضارب ، فانتهبوه . * * * ولم ينج من أصحاب الحسين عليه السلام وولده ~~وولد أخيه إلا ابناه ، على الأصغر ، وكان قد راهق ، وإلا عمر ، وقد كان بلغ ~~أربع سنين . ولم يسلم من أصحابه إلا رجلان ، أحدهما المرقع بن ثمامة الأسدي ~~، بعث به PageV01P382 عمر بن سعد إلى ابن زياد فسيره إلى الربذة ، فلم يزل ~~بها حتى هلك يزيد ، وهرب عبيد الله إلى الشام ، فانصرف المرقع إلى الكوفة ، ~~والآخر مولى لرباب ، أم سكينة ، أخذوه بعد قتل الحسين ، فأرادوا ضرب عنقه ، ~~فقال لهم : ( إني عبد مملوك ) . فخلوا سبيله . ### ||| [ حمل رؤوس القتلى ] # وبعث عمر بن سعد برأس الحسين من ساعته إلى عبيدالله بن زياد مع حولي ابن ~~يزيد الأصبحي . وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين ، ثم آذن ~~في الناس بالرحيل ، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح ، وكانت اثنين وسبعين ~~رأسا ، جاءت هوازن منها باثنين وعشرين رأسا ، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا مع ~~الحصين بن نمير ، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا مع قيس ms205 بن الأشعث ، وجاءت بنو ~~أسد بستة رءوس مع هلال الأعور ، وجاءت الأزد بخمس رءوس مع عيهمة بن زهير ، ~~وجاءت ثقيف باثني عشر رأسا مع الوليد بن عمرو . ### ||| [ حمل السبايا إلى ابن زياد ] # وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في ~~المحامل المستورة على الإبل . وكانت بين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين قتل الحسين خمسون عاما . PageV01P383 ### ||| [ رأس الحسين بين يدي ابن زياد ] # قالوا : ولما أدخل رأس الحسين عليه السلام على ابن زياد فوضع بين يديه ~~جعل ابن زياد ينكت الخيزرانة ثنايا الحسين ، وعنده زيد بن أرقم ، صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ، فقال له : ( مه ، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا ، ~~فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يلثمها ) . ثم خنقته العبرة ، فبكى ~~. فقال له ابن زياد : ( مم تبكي ؟ أبكى الله عينيك ، والله لو لا أنك شيخ ~~قد خرفت لضربت عنقك ) . قالوا : وكانت الرؤوس قد تقدم بها شمر بن ذي الجوشن ~~أمام عمر بن سعد . قالوا : واجتمع أهل الغاضرية فدفنوا أجساد القوم . ### ||| [ ندم عمر بن سعد ] # وروي عن حميد بن مسلم قال : كان عمر بن سعد لي صديقا ، فأتيته عند منصرفه ~~من قتال الحسين ، فسألته عن حاله ، فقال : ( لا تسأل عن حالي ، فإنه ما رجع ~~غائب إلى منزله بشر مما رجعت به ، قطعت القرابة القريبة ، وارتكبت الأمر ~~العظيم ) . ### ||| [ دخول السبايا عهلى يزيد ] # قالوا : ثم إن ابن زياد جهز علي بن الحسين ومن كان معه من الحرم ، ووجه ~~PageV01P384 بهم إلى يزيد بن معاوية مع زحر بن قيس ومحقن بن ثعلبة ، وشمر ~~بن ذي الجوشن . فساروا حتى قدموا الشام ، ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة ~~دمشق ، وأدخل معهم رأس الحسين ، فرمى بين يديه . ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن ~~، فقال : ( يا أمير المؤمنين ، ورد علينا هذا في ثمانية عشر رجلا من أهل ~~بيته ، وستين رجلا من شيعته ، فصرنا إليهم ، فسألناهم النزول على حكم ~~أميرنا عبيد الله بن زياد ، أو القتال ، فغدونا عليهم عند شروق الشمس ms206 ، ~~فأحطنا بهم من كل جانب ، فلما أخذت السيوف منهم مأخذها جعلوا يلوذون إلى ~~غير وزر ، لوذان الحمام من الصقور ، فما كان إلا مقدار جزر جزوز ، أو نوم ~~قائل حتى أتينا على آخرهم ، فهاتيك أجسادهم مجردة ، وثيابهم مرملة ، ~~وخدودهم معفرة ، تسفي PageV01P385 عليهم الرياح ، زوارهم العقبان ( 1 ) ، ~~ووفودهم الرخم ( 2 ) . فلما سمع ذلك يزيد دمعت عينه وقال : ( ويحكم ، قد ~~كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين ، لعن الله ابن مرجان ، أما والله لو ~~كنت صاحبه لعفوت عنه ، رحم الله أبا عبد الله ) . ثم تمثل : نفلق هاما من ~~رجال أعزة علينا ، وهم كانوا أعق وأظلما ### ||| [ يزيد يدعو علي بن الحسين إلى غذائه ] # ثم أمر بالذرية فأدخلوا دار نسائه . وكان يزيد إذا حضر غذاؤه دعا علي بن ~~الحسين وأخاه عمر فيأكلان معه ، فقال ذات يوم لعمر بن الحسين : ( هل تصارع ~~ابني هذا ؟ ) يعني خالدا ، وكان من أقرانه . فقال عمر : بل أعطني سيفا ، ~~وأعطه سيفا حتى أقاتله ، فتنظر أينا أصبر . فضمه يزيد إليه ، وقال : ( ~~شنشنة أعرفها من أخزم ( 3 ) ، هل تلد الحية PageV01P386 إلا حية ) . ### ||| [ إرسال السبايا إلى المدينة ] # قال : ثم أمر بتجهيزهم بأحسن جهاز ، وقال لعلي بن الحسين : ( انطلق مع ~~نسائك حتى تبلغهن وطنهن ) . ووجه معه رجلا في ثلاثين فارسا ، يسير أمامهم ، ~~وينزل حجرة عنهم ، حتى انتهى بهم إلى المدينة ### ||| [ ندم عبيد الله بن الحر لتخلفه عن نصرة الإمام ] # قالوا : وإن عبيد الله بن الحر ندم على تركه إجابة الحسين حين دعاه بقصر ~~بني مقاتل إلى نصرته ، وقال : فيالك حسرة ما دمت حيا تردد بين حلقي ~~والتراقي حسين حين يطلب بذل نصري على أهل العداوة والشقاق فما أنسى غداة ~~يقول حزنا أتتركني وتزمع لانطلاق ؟ فلو فلق التلهف قلب حي لهم القلب مني ~~بانفلاق ثم مضى نحو أرض الجبل مغاضبا لابن زياد ، واتبعه أناس من صعاليك ~~الكوفة . ### ||| ( عبد الله بن الزبير يرفض البيعة ليزيد ) # قالوا : وإن ابن الزبير لما سار إلى مكة وخرج الحسين عنها سائرا إلى ~~الكوفة PageV01P387 كان يقول : ( إني في الطاعة ، غير إني لا ms207 أبايع أحدا ، ~~وأنا مستجير بالبيت الحرام ) . فبعث إليه يزيد بن معاوية رجلا في عشرة نفر ~~من حرسه ، وقال : ( انطلق ، فانظر ما عنده ، فإن كان في الطاعة فخذه ~~بالبيعة ، وإن أبي فضع في عنقه جامعة وائتني به ) . فلما قدم الحرسي عليه ، ~~وأخبره بما أتاه فيه تمثل ابن الزبير : ما أن ألين لغير الحق أسأله حتى ~~يلين لضرس الماضغ الحجر وقال للحرسي : ( انصرف إلى صاحبك ، فأعلمه أنني لا ~~أجيبه إلى شئ مما يسألني ) . قال الحرسي : ألست في الطاعة ؟ قال : بلى ، ~~غير إني لا أمكنك من نفسي ، ولا أكاد . فانصرف الحرسي إلى يزيد ، فأخبره ~~بذلك . ### ||| [ محاولة إكراه ابن الزبير على البيعة ] # فوجه يزيد بعشرة نفر من أشراف أهل الشام ، فيهم النعمان بن بشير ، وعبد ~~الله بن عضاة الأشعري - وكان له صلاح - ، ومسلم بن عقبة - لعنه الله - فقال ~~لهم : ( انطلقوا ، فأعيدوه إلى الطاعة والجماعة وأعلموه ، أن أحب الأمور ~~إلى ما فيه السلامة ) . PageV01P388 فساروا حتى وافوا مكة ، ودخلوا على ابن ~~الزبير في المسجد ، فدعوه إلى الطاعة وسألوه البيعة . فقال ابن الزبير لابن ~~عضاة : أتستحل قتالي في هذا الحرم ؟ قال : نعم ، إن أنت لم تجب إلى طاعة ~~أمير المؤمنين . قال ابن الزبير : وتستحل قتل هذه الحمامة ؟ وأشار إلى ~~حمامة من حمام المسجد . فأخذ ابن عضاة قوسه ، وفوق فيها سهما ، فبوأه نحو ~~الحمامة ، ثم قال : يا حمامة ، أتعصين أمير المؤمنين ؟ والتفت إلى ابن ~~الزبير ، وقال : ( أما لو أنها قالت نعم لقتلتها ) . ### ||| [ خلوة الزبير بالنعمان بن بشير ] # وإن ابن الزبير خلا بنعمان بن بشير ، فقال : أنشدك الله ، أنا أفضل عندك ~~أم يزيد ؟ فقال : بل أنت . فقال : فوالدي خير أم والده ؟ قال : بل والدك . ~~قال : فأمي خير أم أمه ؟ قال : بل أمك . قال : فخالتي خير أم خالته ؟ قال : ~~بل خالتك . قال : فعمتي خير أم عمته ؟ قال : بل عمتك ، أبوك الزبير ، وأمك ~~أسماء ابنة أبي بكر ، وخالتك عائشة ، وعمتك خديجة بنت خويلد . PageV01P389 ~~قال : أفتشير علي بمبايعة يزيد ؟ قال النعمان : ( أما إذا استشرتني فلا أرى ~~لك ذلك ، ولست بعائد إليك بعد ms208 هذا أبدا ) . ثم إن القوم انصرفوا إلى الشام ~~، فأعلموا يزيد أن ابن الزبير لم يجب إلى شئ . قال مسلم بن عقبة المري ~~ليزيد : ( يا أمير المؤمنين ، إن ابن الزبير خلا بالنعمان ابن بشير ، فكلمه ~~بشئ ، لم ندر ما هو ، وقد انصرف إليك بغير رأيه الذي خرج من عندك ) . ### ||| [ بيعة ابن الزبير وطرد عمال يزيد ] # ولما انصرف القوم من عند ابن الزبير جمع ابن الزبير إليه وجوه أهل تهامة ~~والحجاز ، فدعاهم إلى بيعته ، فبايعوه جميعا ، وامتنع عليه عبد الله بن ~~عباس ، ومحمد بن الحنفية . وإن ابن الزبير أمر بطرد عمال يزيد من مكة ~~والمدينة ، وارتحل مروان من المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام . # | [ حملة مسلم بن عقبة لتأديب ابن الزبير ] # ولما انتهى إلى يزيد بن معاوية مبايعة أهل تهامة والحجاز لعبد الله بن ~~الزبير ندب له الحصين بن نمير السكوني ، وحبيش بن دلجة القيني ، وروح بن ~~زنباع الجذامي ، وضم إلى كل واحد منهما جيشا ، واستعمل عليهم جميعا مسلم بن ~~عقبة المري ، PageV01P390 وجعله أمير الأمراء ، وشيعهم حتى بلغ ماء ، يقال ~~له ( وبرة ) ، وهي أقرب مياه الشام إلى الحجاز . ### ||| [ وصية يزيد لمسلم بن عقبة ] # فلما ودعهم قال يا مسلم : ( لا تردن أهل الشام عن شئ يريدونه بعدوهم ، ~~واجعل طريقك إلى المدينة ، فإن حاربوك فحاربهم ، فإن ظفرت بهم ، فانهبها ~~ثلاثة أيام ) . ثم أنشأ يقول : أبلغ أبا بكر إذا الخيل انبرى وسارت الخيل ~~إلى وادي القرى ( 1 ) أجمع سكران من الخمر ترى وذلك أن ابن الزبير كان يسمي ~~يزيد ( السكران ) . ### ||| [ وقعة الحرة ] # ولما بلغ أهل المدينة وصول الجيش تأهبوا للحرب ، فولت قريش عليها عبد ~~الله ابن مطيع العدوي ، وولت الأنصار عليها عبد الله بن حنظلة الراهب - وهو ~~غسيل الملائكة - ثم خرجوا إلى الحرة ، فعسكروا بها . ففي PageV01P391 ذلك ~~يقول شاعرهم : إن في الخندق المكلل بالمجد د لضربا يفور بالسنوات لست منا ، ~~وليس خالك منا يا مضيع الصلاة للشهوات ووافاهم الجيش ، فقاتلوهم حتى كثرت ~~القتلى . وأقبلت طائفة من أهل الشام ، فدخلوا المدينة من قبل بني حارثة ms209 ، ~~وهم الذين قالوا إن ( بيوتنا عورة ) ( 2 ) ، فلم يشعر القوم ، وهم يقاتلون ~~من يليهم ، إلا وأهل الشام يضربونهم من أدبارهم ، فقتل عبد الله بن حنظلة ~~أمير الأنصار ، وقتل عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة ، واستباح أهل ~~الشام المدينة ثلاثة أيام بلياليها . ### ||| [ مقتل يزيد بن الأسود ] # فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة ، فدعاهم إلى البيعة ، فكان أول ~~من أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود ، وجدته أم سلمة زوج النبي ~~صلى الله عليه وسلم . فقال له مسلم : ( بايعني ) . PageV01P392 قال : ( ~~أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ) فقال مسلم ( بل بايع ~~على أنكم فئ لأمير المؤمنين ، يفعل في أموالكم وذراريكم ما يشاء ) . فأبى ~~أن يبايع على ذلك ، فأمر به ، فضربت عنقه . [ مقتل محمد بن أبي الجهم ] ثم ~~تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي ، فقال له مسلم : ( أنت الذي وفدت ~~على أمير المؤمنين ، فأكرمك وحباك ، فرجعت إلى المدينة تشهد عليه بشرب ~~الخمر ، والله لا تشهد بشهادة زور أبدا ، اضربوا عنقه ) . فضربت عنقه . ### ||| [ مقتل معقل بن سنان ] # ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي ، وكان حليفا لبني هاشم ، فقال له مسلم : ( ~~أتذكر يوما مررت بي بطبرية ، فقلت لك ، من أين أقبلت ؟ فقلت ، سرنا شهرا ، ~~وأنضينا ظهرا ، ورجعنا صفرا ، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن معاوية ~~، ونبايع رجلا من أولاد المهاجرين ؟ فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر ~~عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا قتلتك ، وقد أمكنني الله منك يا أحمق ، ~~ما أشجع والخلافة ؟ ! فتعزل وتولي ، اضربوا عنقه ) . PageV01P393 ### ||| [ نتف لحية عمرو بن عثمان ] # ثم تقدم عمرو بن عثمان ، فقال له : ( أنت الخبيث ابن الطيب ، الذي إذا ~~ظهر أهل الشام قلت أنا ابن عثمان بن عفان ، وإذا ظهر أهل الحجاز قلت أنا ~~واحد منكم ، وأنت في ذلك تبغي أمير المؤمنين الغوائل ، انتفوه ) . فنتفت ~~لحيته ، حتى ما تركت فيها شعرة . فقام إليه عبد الملك بن مروان ، فاستوهبه ~~، فوهبه له . ### ||| [ دخول علي بن الحسين على مسلم ] # ثم أتاه ms210 علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب ، فأجلسه معه على ثيابه وفراشه ~~، وقال : - إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك . فقال علي : ( إني كنت لما فعل ~~أهل المدينة كارها ) . قال : ( أجل ) . ثم حمله على بغلة ، وصرفه إلى منزله ~~. ### ||| [ علي بن عبد الله يبايع يزيدا ] # وبعث إلى علي بن عبد الله بن عباس ليؤتى به للبيعة ، فأخرج من منزله ، ~~فأقبلوا به . فلقيه الحصين بن نمير ، فانتزعه من يد الجلاوزة . وكان الحصين ~~من أخوال علي بن عبد الله . PageV01P394 فقال مسلم : ( إني إنما بعثت إليه ~~للبيعة ، فائتني به ) . فأرسل إليه الحصين ، فجاء حتى بايع . وأرسلت بنت ~~الأشعث بن قيس ، وكانت امرأة الحسين بن علي ، إلى مسلم ابن عقبة تعلمه أن ~~منزلها انتهب ، فأمر برد جميع ما أخذ لها . # | [ تمثل يزيد بشعر ابن الزعبري ] # ثم شخص بالجيش إلى مكة ، وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة ، فتمثل يزيد . ~~ليت أشياخي ببدر شهدوا جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها واستحر ~~القتل في عبد الأشل ### ||| [ هلاك مسلم بن عقبة ] # فلما بلغ ابن عقبة هرشى اعتل ، واشتدت علته ، ونزل به الموت ، فقال : ~~أسندوني . فأسند ، فقال : ( إن أمير المؤمنين أمرني إن حدث بي في وجهي هذا ~~حدث أن أستخلف الحصين ابن نمير على الجيش ، ولو كان الأمر إلى ما ~~PageV01P395 استخلفته ، لأن من شأن اليمانية الرقة ، غير أني لا أعصي أمير ~~المؤمنين ) . ثم قال : ( يا حصين ، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب ~~من يومك ، ولا ترد أهل الشام عن شئ يريدونه بعدوهم ، ولا تجعل إذنك وعاء ~~لقريش فيخدعوك ) . ثم مات ، وكانت به الذبحة . فتولى أمر الجيش الحصين بن ~~نمير ، فسار حتى وافى مكة . وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع ~~من كان معه ، ونصب الحصين المجانيق على جبل أبي قبيس ، وكانوا يرمون أهل ~~المسجد . ### ||| [ الحصين ابن النمير يدعو ابن الزبير إلى الخلافة ] # فبيناهم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن PageV01P396 معاوية ~~، فأرسل إلى عبد الله بن الزبير : ( أن الذي وجهنا لمحاربتك ms211 قد هلك ، فهل ~~لك في الموادعة ؟ وتفتح لنا الأبواب ، فنطوف بالبيت ، ويختلط الناس بعضهم ~~ببعض ) . فقبل ذلك ابن الزبير ، وأمر بأبواب المسجد ، ففتحت ، فجعل الحصين ~~وأصحابه يطوفون بالبيت . فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن ~~الزبير ، فأخذ الحصين بيده ، فقال له سرا : - هل لك في الخروج معي إلى ~~الشام ؟ فأدعو الناس إلى بيعتك ، فإن أمرهم قد مرج ، ولا أرى أحدا أحق بها ~~اليوم منك ، ولست أعصي هناك . فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده ، وقال ~~، وهو يجهر بقوله : ( دون أن أقتل بكل رجل من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام ~~) . فقال الحصين : لقد كذب من زعم أنك من دهاة العرب ، أكلمك سرا ، وتكلمني ~~علانية ، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب . PageV01P397 ثم انصرف في ~~أصحابه إلى الشام ، ومر بالمدينة ، فبلغه انهم على محاربته ثانيا . فجمع ~~إليه أهلها ، وقال : ( ما هذا الذي بلغني عنكم ؟ ) فاعتذروا إليه ، وقالوا ~~: ( ما هممنا بذلك ) . ### ||| [ أبو سعيد الخدري ونتفه يوم الحرة ] # وذكر أبو هرون العبدي ، قال : رأيت أبا سعيد الخدري ، ولحيته بيضاء ، وقد ~~خف جانباها ، وبقي وسطها ، فقلت : ( يا أبا سعيد ، ما حال لحيتك ؟ ) فقال : ~~( هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة ، دخلوا على بيتي ، فانتهبوا ما فيه ~~حتى أخذوا قد حي الذي كنت أشرب فيه الماء ، ثم خرجوا ، ودخل على بعدهم عشرة ~~نفر ، وأنا قائم أصلي ، فطلبوا البيت ، فلم يجدوا فيه شيئا ، فأسفوا لذلك ، ~~فاحتملوني من مصلاي ، وضربوا بي الأرض ، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من ~~لحيتي ، فنتفه ، فما ترى منها خفيفا فهو موضع النتف ، وما تراه عافيا فهو ~~ما وقع في التراب ، فلم يصلوا إليها ، وسأدعها كما ترى حتى أوافي بها ربي ) ~~. ### || [ حرب الخوارج ] # ### ||| [ تفاقم أمر الأزارقة ] # قالوا : وفي سنة ثمانين تفاقم أمر الأزارقة الخوارج ، وإنما سموا أزارقة ~~برئيسهم نافع بن الأزرق . وكان أول خروجهم في أربعين رجلا ، وفيهم من ~~عظمائهم نافع بن الأزرق ، وعطية بن الأسود ، وعبد الله بن صبار ، وعبد الله ~~بن إباض ، وحنظلة بن بيهس ، وعبيد الله بن ms212 ماحوز ، وذلك في سلطان يزيد . ~~PageV01P398 وعلى البصرة يومئذ عبيد الله بن زياد ، فوجه إليهم عبيد الله ~~أسلم بن ربيعة في ألفي فارس ، فلحقهم بقرية من الأهواز تدعى ( آسك ) مما ~~يلي فارس ، فواقعهم ، فقتلت الخوارج من أصحاب ابن ربيعة خمسين رجلا ، ~~فانهزم أسلم ، فأنشأ رجل من الخوارج يقول : أألفا مؤمن منكم زعمتم ويهزمكم ~~بأسك أربعونا ؟ كذبتم ، ليس ذاك كما زعمتم ولكن الخوارج مؤمنونا هم الفئة ~~القليلة قد علمتم على الفئة الكثيرة ينصرونا أطعتم أمر جبار عنيد وما من ~~طاعة للظالمينا ### ||| [ ابن زياد يقتل الخوارج بالظنة ] # فاغتاظ ابن زياد من ذلك ، فكان لا يدع بالبصرة أحدا ممن يتهم برأي ~~الخوارج إلا قتله ، حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل . ولم يزل يتفاقم ~~أمر الخوارج ، ويتحلب إليهم من كان على رأيهم وهواهم من أهل البصرة حتى ~~كثروا بعد موت يزيد ، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق . ### ||| [ مصرع مسلم بن عبيس على يد الخوارج ] # وخاف أهل البصرة الخوارج على أنفسهم ، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان ، ~~فاجتمعوا على مسلم بن عبيس القرشي ، ووجهوا معه خمسة آلاف فارس من أبطال ~~البصرة ، PageV01P399 فسار إليهم ، فلحقهم بمكان يسمى ( الدولاب ) فالتقوا ~~واقتتلوا ، وصبر بعضهم لبعض ، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف ، وصاروا إلى ~~المكادمة ، فقتل مسلم بن عبيس ، وانهزم أصحابه . فقال رجل من الأزد : قد ~~رمينا العدو إذ عظم الخط ب بذي الجود مسلم بن عبيس فانظروا غير مسلم بن ~~عبيس فاطلبوه من حيث أين وليس لو رموا بالمهلب بن أبي صفرة رة كانوا له ~~كأكلة حيس وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها . ### ||| [ مصرع عثمان بن معمر ] # فخاف أهل البصرة حين قتل مسلم بن عبيس خوفا شديدا من الخوارج ، فاختاروا ~~عثمان بن معمر القرشي ، وانتدب معه زهاء عشرة آلاف رجل من إبطالهم ، فسار ~~بهم عثمان في طلب الخوارج ، فلحقهم بفارس ، PageV01P400 فاقتتلوا ، فقتل ~~عثمان ، وانهزم أصحابه . ### ||| [ أهل البصرة يستنجدون بابن الزبير ] # فكتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير يعلمونه أنه لا إمام لهم ، ~~ويسألونه أن يوجه إليهم رجلا من قبله ms213 يتولى الأمر . فوجه إليهم الحارث بن ~~عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي ، فقدم البصرة ، وتولى الأمر بها ، فدعا ~~وجوه أهل البصرة ، فاستشارهم في رجل يوليه حرب الخوارج ، فكلهم قالوا : ( ~~عليك بالمهلب بن أبي صفرة ) . وقام رجل من أهل البصرة يعرف بابن عرادة ، ~~فأنشده : مضى ابن عبيس مسلم لسبيله فقام لها الشيخ الحجازي عثمان فأرعد من ~~قبل اللقاء ابن معمر وأبرق ، والبرق الحجازي خوان ولم ينك عثمان جناح بعوضة ~~وأضحى عدو الدين مثل الذي كانوا وليس لها إلا المهلب إنه ملئ بأمر الحرب ، ~~شيخ له شان PageV01P401 إذا قيل من يحمي العراقين أومأت إليه معد بالأكف ، ~~وقحطان فذاك امرؤ إن يلقهم يطف نارهم وليس لها إلا المهلب إنسان ( حرب المهلب مع الخوارج ) فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله : أيها الأمير، اكتب إلى أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير ، وسله أن يكتب إلى المهلب ~~بأن يخلف على خراسان رجلا ، ويسير إلى الخوارج ، فيتولى محاربتهم . فكتب . ~~فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب : ( بسم الله ~~الرحمن الرحيم ، من عبد الله عبد الله أمير المؤمنين إلى المهلب بن أبي ~~صفرة ، أما بعد ، فإن الحارث بن عبد الله كتب إلي يخبرني أن الأزارقة ~~المارقة قد سعرت نارها ، وتفاقم أمرها ، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من ~~قيامك ، فتكفي أهل مصرك شرهم ، وتؤمن روعتهم ، فخلف بخراسان من يقوم مقامك ~~من أهل بيتك ، وسر حتى توافي البصرة ، فتستعد منها بأفضل عدتك ، وتخرج ~~إليهم ، فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم ، والسلام ) . فلما وصل كتابه إلى ~~المهلب خلف على خراسان . وأقبل حتى وافى البصرة ، فصعد على المنبر ، وكان ~~نزر الكلام وجيزة ، فقال : ( أيها الناس ، إنه قد غشيكم عدو جاحد ، يسفك ~~دماءكم ، وينتهب أموالكم ، فإن PageV01P402 أعطيتموني خصالا أسألكموها قمت ~~لكم بحربهم ، واستعنت بالله عليهم ، وإلا كنت كواحد منكم لمن تجتمعون عليه ~~في أمركم ) . قالوا : وما الذي تريد ؟ قال : انتخب منكم أوساطكم ، لا الغني ~~المثقل ، ولا السبروت المخف ، وعلى أن لي ما غلبت عليه من الأرض ms214 ، وألا ~~أخالف فيما أدبر من رأيي في حربهم ، وأترك ورأيي الذي أراه ، وتدبيري الذي ~~أدبره . فناداه الناس : لك ذلك ، وقد رضينا به . فنزل من المنبر ، وأتى ~~منزله ، وأمر بديوان الجند ، فأحضر ، فانتخب من أبطال أهل البصرة عشرين ألف ~~رجل ، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل ، وبقيتهم من سائر العرب ، وولى ابنه ~~المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل . ### ||| [ المهلب يهزم الخوارج بتستر ] # وسار حتى أتى الخوارج ، وهم ( بنهر تستر ) ، فواقعهم ، فهزمهم ، حتى ~~بلغوا الأهواز ، فقال زياد الأعجم في ذلك : جزى الله خيرا ، والجزاء بكفه ~~أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا PageV01P403 ولما رأينا الأمر قد جد جده وإلا ~~توارى دوننا الشمس كوكبا دعونا أبا غسان ، فاستك سمعه وأحنف طاطا رأسه ، ~~وتهيبا وكان ابن منجوف لكل عظيمة فقصر عنها حبله وتذبذبا فلما رأينا القوم ~~قد كل حدهم لدى حربهم فيها دعونا المهلبا ### ||| [ المهلب يتتبع الخوارج ] # وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يوما ، ثم ارتحل سائرا في ~~آثارهم . فبلغ ذلك نافع بن الأزرق ، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب ، ~~فواقعهم بمكان يسمى ( بسلى ) ، فقاتلهم يوما إلى الليل ، وأصابته ضربة في ~~وجهه ، أغمي عليه منها ، فقال الناس ( قتل الأمير ) ، فازدادوا لذلك حنقا ~~وجدا ، وقتلوا من الخوارج بشرا كثيرا ، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق ، ~~وانهزمت الخوارج نحو فارس . ### ||| [ ما قيل من الشعر في هرب الحارث ] # وبلغ أهل البصرة أن المهلب قتل ، فرج المصر بأهله ، وهم أميرهم الحارث ~~ابن أبي ربيعة أن يهرب ، فكتب إليه رجل من بني يشكر : أيا حار ، يا ابن ~~السادة الصيد ، هب لنا مقامك ، لا ترحل ولم يأتك الخبر فإن كان أودي ~~بالمهلب يومه فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر PageV01P404 وما لك من بعد ~~المهلب عرجه وما لك بالمصرين سمع ولا بصر فدونك ، فالحق بالحجاز ، ولا تقم ~~ببلدتنا ، إن المقام بها خطز وإن كان حيا كنت بالمصر آمنا وكان بقاء المرء ~~فينا هو الظفر ### ||| [ شعر في فقد المهلب ] # وقال رجل من بني سعد : ألا كل ما يأتي من الأمر هين علينا يسير ms215 عند فقد ~~المهلب فإن يك قد أودي فما نحن بعده بأمنع من شاء عجاف لأذؤب نعوذ بمن أرسى ~~ثبيرا مكانه ومرسي حراء والقديد وكبكب من الخبر الملقى على الحور خدرها ~~ويشجي به ما بين بصرى ويثرب فأقبل البشير إلى أهل البصرة بسلامة المهلب ، ~~فاستبشروا بذلك ، واطمأنوا ، وأقام أميرها بعد أن هم بالهرب . ### ||| [ ما قيل من الشعر في نجاة المهلب ] # فقال رجل من بني ضبة : إن ربا أنجى المهلب ذا الطو ل لأهل أن تحمدوه ~~كثيرا لا يزال المهلب بن أبي صفره ره ما عاش بالعراق أميرا PageV01P405 ~~فإذا مات فالرجال نساء ما يساوي من بعده قطميرا قد أمنا بك العدو على المصر ~~ر ووقرت منبرا وسريرا ### ||| [ شعر الخوارج في قتل ابن الأزرق ] # وقال رجل من الخوارج في قتل نافع بن الأزرق : شمت المهلب ، والحوادث جمة ~~والشامتون بنافع بن الأزرق إن مات غير مداهن في دينه ومتى يمر بذكر نار ~~يصعق والموت أمر لا محالة واقع من لا يصبحه نهارا يطرق فلئن منينا بالمهلب ~~إنه لأخو الحروب وليث أهل المشرق ولعله يشجي بنا ولعلنا نشجى به في كل ما ~~قد نلتقي بالسمر نختطف النفوس ذوابلا وبكل أبيض صارم ذي رونق فيذيقنا في ~~حربنا ، ونذيقه كل مقالته لصاحبه ذق ### ||| [ تأمير مصعب بن الزبير على العراقين ] # وبلغ عبد الله بن الزبير ما كان من عزم عامله بالبصرة على الهرب ، فعزله ~~، وولى PageV01P406 أخاه مصعبا ، فسار مصعب حتى قدمها ، وتولى أمر جميع ~~العراقين ، وفارس والأهواز . ### ||| [ عبد الله بن الماحوز يخلف ابن الأزرق ] # ولما قتل نافع بن الأزرق اجتمعت الخوارج ، فولوا على أنفسهم عبد الله ابن ~~ماحور ، وكان من نساكهم . وبلغ ذلك المهلب ، فسار من الأهواز في طلبهم حتى ~~وافاهم بمدينة ( سابور ) من أرض فارس ، فالتقوا ، فاقتتلوا ، وانهزمت ~~الخوارج في آخر النهار حتى انتهوا إلى مكان يدعى ( كركان ) . اتبعهم المهلب ~~، فوافاهم ، فالتقوا به في يوم شديد المطر ، فقاتلهم ، فهزمهم ، فأخذوا نحو ~~كرمان . فلم يزل المهلب يسير في طلبهم من بلد إلى بلد ، ويواقعهم وقعة بعد ~~وقعة طول ms216 ما ملك عبد الله بن الزبير إلى مقتله ، وخلوص الأمر لعبد الملك بن ~~مروان . ### ||| [ خلوص الخلافة لعبد الملك بن مروان ] # فلما استدف الأمر لعبد الملك ، وولي الحجاج العراقين استبطأ المهلب في ~~PageV01P407 استئصال الخوارج ، وظن أنه يهوى مطاولتهم ، فبعث إليه عبد ~~الأعلى بن عبد الله العامري ، وعبد الرحمن بن سبرة ، وقال لهما احملاه على ~~مناجرة القوم وترك مطاولتهم ) . فقدما عليه ، فأخبراه بما بعثا له ، فقال ~~لهما : ( أقيما حتى تعاينا ما نحن فيه ، فإن الحجاج أتاه السماع فقبله ، ~~وأتاه العيان فرده ، وقد حملني على خلاف الرأي ، وزعم أنه الشاهد وأنا ~~الغائب ) ### ||| [ مقتل ابن الماحوز ] # ثم سار نحو الخوارج فلحقهم بادأني أرض كرمان ، فواقعهم ، وأمامه ابنه ~~المفضل ، فقتل رئيس الخوارج عبد الله بن ماحور ، وانهزموا حتى توسطوا أرض ~~كرمان ، وولوا على أنفسهم رجلا من نساكهم ، يسمى ( قطري بن الفجاءة ) . ### ||| [ المهلب يقاتل الخوارج يوم النحر ] # ثم إن المهلب انصرف إلى بلد سابور ، فوافاهم يوم النحر ، فخرج بالناس إلى ~~المصلى . فبينا هو يخطب الناس على المنبر ، وقد صلى بهم إذ أقبلت الخوارج ، ~~فقال : سبحان الله ، أ في مثل هذا اليوم يأتوننا ؟ ما أبغض إلى المحاربة ~~فيه ، ولكن الله تعالى يقول : الشهر الحرام بالشهر الحرام ، والحرمات قصاص ~~، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه ) . ثم نزل عن المنبر ، ونادى في أصحابه ، ~~فركبوا واستلاموا ، واستقبلوا الخوارج ، فحملت عليهم الخوارج ، وإمامهم ~~عظيم منهم يسمى ( عمرو القنا ) وكان من فرسانهم ، وهو يرتجز : نحن صبحناكم ~~غداة النحر بالخيل أمثال الوشيج تسري PageV01P408 يقدمها عمرو القنا في ~~الفجر إلى أناس لهجوا بالكفر اليوم أقضي في العدو نذري ثم اقتتلوا ، وصبر ~~بعضهم لبعض وكثرت بينهم القتلى ، فلم يزل كل فريق منهما على مكانه حتى حال ~~بينهم الليل ، وانحازت الخوارج إلى كازرون . وسار إليهم المهلب فواقعهم ~~بكازرون ، فأسرع المهلب في الخوارج ، ( فتفرقوا ) في تلك الوقعة ، وصاروا ~~سيارة ، وخرجوا إلى تخوم إصطخر ، واتبعهم المهلب . فتواقف الفريقان ، وحمل ~~بعضهم على بعض ، وأمام الخوارج رجل يرتجز : حتى متى يتبعنا المهلب ليس لنا ~~في الأرض منه مهرب لا السماء ، أين ms217 أين المذهب ؟ ### ||| [ قطري بن الفجاءة يوطن نفسه على الموت ] # فلما سمع قطري ذلك بكى ، ووطن نفسه على الموت ، وباشر الحرب بنفسه ، وهو ~~يرتجز : حتى متى تخطئني الشهادة والموت في أعناقنا قلادة ليس الفرار في ~~الوغى بعادة يا رب زدني في التقى عبادة وفي الحياة بعدها زهادة فاقتتلوا ~~يومهم حتى حال بينهم الليل . ومضى قطري في أصحابه نحو ( جيرفت ) ، وهم ~~بالهرب إلى PageV01P409 كرمان ، فقال رجل من أصحابه : أيا قطري الخير إن ~~كنت هاربا ستلبسنا عارا وأنت مهاجر إذا قيل قد جاء المهلب أسلمت له شفتاك ~~الفم ، والقلب طائر فحتى متى هذا الفرار مخافة وأنت ولي ، والمهلب كافر ~~ولما رأت الخوارج نكول قطري عن الحرب ، وما هم به من الفرار خلعوه عنهم ، ~~وولوا عبد ربه وكان من نساكهم ، فسار بهم إلى قومس ، فأقام بها . ### ||| ( تراسل الحجاج والمهلب ) # وإن الحجاج كتب إلى المهلب : ( أما بعد ، فقد طاولت القوم وطاولوك ، حتى ~~ضروابك ومرنوا على حربك ، ولعمري لو لم تطاولهم لا نحسم الداء وانفصم القرن ~~، وما أنت والقوم سواء ، إن خلفك رجالا وأموالا ، والقوم لا رجال عندهم ولا ~~أموال ، ولن يدركك الوجيف ( 1 ) بالدبيب ، ولا الجد بالتعذير ، وقد بعثت ~~إليك عبيدالله بن موهب ، ليأخذك بمناجزة القوم وترك مطاولتهم ، والسلام ) . ~~PageV01P410 فلما قدم عبيد الله بن موهب على المهلب بكتاب الحجاج كتب إليه ~~في جوابه : ( أما بعد ، فإنه أتاني من قبلك رجلان ، لم أعطهما على الصدق ~~ثمنا ، ولم أحتج مع العيان إلى التقدير ، ولم يكذبا فيما أنبأك به من أمري ~~وأمر عدوي ، والحرب لا يدركها إلا المكيث ، ولا بد لها من فرجة يستريح فيها ~~الغالب ، ويحتال فيها المغالب ، ويحتال فيها المغلوب ، فأما أن أنساهم ~~وينسوني فهيهات من ذلك ، والقوم سدى ، فإن طمعوا أقاموا ، وإن يئسوا هربوا ~~، فعلي في مقامهم القتال والحرب ، وفي هربهم الجد والطلب ، وأنا إذا ~~طاولتهم شاركتهم في رأيهم ، وإذا عاجلتهم شركوني في رأيي ، فإن خليتني ~~ورأيي فذاك داء محسوم وقرن مفصوم ، وإن عجلتني لم أطعك ولم أعصك ، وكان ~~وجهي إليك بإذن منك ، وأنا أعوذ ms218 بالله من سخط الأمراء ومقت الأئمة ، ~~والسلام . فلما قرأ الحجاج كتابه كتب إلى المهلب : أني قد رددت الرأي إليك ~~، فدبر ما ترى ، واعمل ما تريد ) . فلما أتاه كتاب الحجاج بذلك نشط لطلب ~~الخوارج . ### ||| [ ملاحقة المهلب للخوارج ] # وسار في طلبهم إلى أرض قومس فهربوا منه ، فأتوا ( جيرفت ) وتحصنوا في ~~مدينة هناك ، فخرج خلفهم ، وحاصرهم في تلك المدينة حتى أكلوا خيلهم . وأمر ~~المهلب ابنه يزيد أن يقيم عليهم أياما ، ثم يخلي لهم عن الباب ، فإذا خرجوا ~~وأصحروا اتبعهم . وتنحى المهلب فعسك على خمسة فراسخ ، وأقام عليهم يزيد ~~أياما ، ثم خلى لهم عن الباب ، فخرجوا ، واتبعهم المهلب . PageV01P411 فسار ~~في طلبهم يومين حتى لحقهم ، فوقفوا له ، فاقتتلوا يوما كله ، ثم غدوا في ~~اليوم الثاني على الحرب ، فناداهم عبد ربه : ( يا معشر المهاجرين ، روحوا ~~بنا إلى الجنة ، فإن القوم رائحون إلى النار ) . فاطعنوا بالرماح حتى تكسرت ~~، واضطربوا بالسيوف حتى تقطعت ، ثم صاروا إلى المعانقة ، فترجل المهلب في ~~حماته ، وحمل عليهم ، وهو يتلو قول الله عز وجل : ( وقاتلوهم حتى لا تكون ~~فتنة ، ويكون الدين لله ) . فلم يزالوا يقتتلون حتى حال بينهم الليل ، ثم ~~غدوا على الحرب ، وقد كسرت الخوارج جفون سيوفهم ، وحلقوا رؤوسهم ، فاقتتلوا ~~، فقتل عبد ربه ، وجميع إبطاله ، ولم يبق إلا ضعفاؤهم ، فدخلوا في عسكر ~~المهلب ، وانضم كل رجل إلى عشيرته من أصحاب المهلب . فنزل المهلب عن فرسه ، ~~وقال ( الحمد لله الذي ردنا إلى الأمن ، وكفانا مئونة الحرب ، وكفى أمر هذا ~~العدو ) . ### ||| [ توجيه كتاب الظفر إلى الحجاج ] # ووجه بشر بن مالك الحرسي إلى الحجاج يبشره بالفتح ، وكتب معه كتاب الظفر ~~. فلما وصل الكتاب إلى الحجاج وجه به إلى عبد الملك ، وقام بشر بن مالك ، ~~فأنشأ يقول : قد حسمنا داء الأزارقة الدهر ر ، فأضحوا طرا ، كال ثمود بطعان ~~الكماة في ثغر القو م وضرب يشيب رأس الوليد PageV01P412 كلما شئت راعني ~~قطري فوق عبل الشوى أقب عنود معلما يضرب الكتيبة بالسيف ف ، وعمرو كالنار ~~ذات الوقود ### ||| [ قدوم المهلب على الحجاج ] # وكتب الحجاج إلى المهلب يأمره بالقدوم عليه ms219 . فسار حتى قدم على الحجاج ، ~~فاستقبله الحجاج ، وأظهر بره وإكرامه ، وأمر له بالجوائز والصلات ، وأمر ~~لولده - وكانوا سبعة - المغيرة ، وحبيب ، ويزيد ، والمفضل ، ومدرك ، ومحمد ~~، وعبد الملك ، وعبد الله ، وأكرم أصحاب المهلب . ### ||| ( مقتل قطري بن الفجاءة ) # ولحق قطري بالري ، فوجه الحجاج سفيان بن الأبرد حتى أتى الري ، وعليها ~~إسحاق بن محمد بن الأشعث ، فركب معه في مائة فارس من جنده ، وسارا حتى ~~لحقاه ، وهو في مائة فارس بتخوم طبرستان ، فنزل عن دابته ، ونام متوسدا يده ~~، ثم استيقظ ، وقال لعلج ( 1 ) من أهلها : ايتني بشربة من ماء . فأتاه ~~PageV01P413 بالماء ، ولحقه القوم ، فقتلوه قبل أن يشرب ذلك الماء ، واحتز ~~رأسه ، وأخذه سفيان بن الأبرد ، وانصرف إلى الحجاج ، فرمى بالرأس بين يديه ~~، فوجه الحجاج بالرأس إلى عبد الملك ) . ### ||| ( ولاية خراسان بين المهلب وابنه يزيد ) # وأقام المهلب بعد انصرافه بالبصرة في منزله حتى وافاه عهده من عند عبد ~~الملك على خراسان ، فسار إليها فمكث عليها خمس سنين ، ثم مات . فجعل عبد ~~الملك أمر خراسان إلى الحجاج ، فأقر الحجاج عليها يزيد ابن المهلب . وكان ~~يزيد أجمل ولد المهلب جمالا وأكملهم عقلا ، وأفضلهم رأيا ، وأذربهم لسانا ، ~~وكان المهلب استخلفه عليها عند وفاته ، فمكث عليها أعواما ، ثم عزله الحجاج ~~، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم ، فافتتح كل ما وراء النهر ، ولم يزل هناك ~~إلى أن هاج به أصحابه ، فقتلوه . PageV01P414 وأفضى الملك بعد ذلك إلى ~~الوليد بن عبد الملك ، ثم إلى سليمان بن عبد الملك ، فولى سليمان على ~~العراق خالد بن عبد الله القسري ، فولى خالد أخاه أسد بن عبد الله خراسان ، ~~فلم يزل بها حتى ظهر فيها دعاة الإمام محمد بن علي بن عبد الله بن عباس . ### ||| ( العراق بعد موت يزيد ) # قالوا ، ومات يزيد بن معاوية ، وعبيد الله بن زياد بالبصرة ، فكتب إليه ~~الحارث بن عباد بن زياد بهذه الأبيات : ألا يا عبيد الله قد مات من به ملكت ~~رقاب العالمين يزيد أتثبت للقوم الذين وترتهم ؟ وذاك من الرأي الزنيق بعيد ~~ومالك غير الأزد جار فإنهم أجاروا أباك ، والبلاد ms220 تميد فتعجب عبيد الله من ~~رأي ابن أخيه ، وكان ذا رأي . ### ||| [ عبيد الله بن زياد يستشير مولاه مهران ] # ثم إن عبيد الله دعا بمولى له يسمى مهران ، وكان يعدل في الدهاء والأدب ~~والعقل بوردان غلام عمرو بن العاص ، وهو الذي ينسب إليه البراذين المهرانية ~~، فقال يامهران : - إن أمير المؤمنين يزيد قد هلك ، فما الرأي عندك ؟ ~~PageV01P415 - فقال مهران : أيها الأمير ، إن الناس إن ملكوا أنفسهم لم ~~يولوا عليهم أحدا من ولد زياد ، وإنما ملكتم الناس بمعاوية ، ثم بيزيد ، ~~وقد هلكا ، وإنك قد وترت الناس ، ولست آمن أن يثبوا بك ، والرأي لك أن ~~تستجير هذا الحي من الأزد ، فإنهم إن أجاروك منعوك ، حتى يبلغوا بك مأمنك ، ~~والرأي أن تبعث إلى الحارث بن قيس ، فإنه سيد القوم ، وهو لك محب ، ولك ~~عنده يد ، فتخبره بموت يزيد ، وتسأله أن يجيرك . فقال عبيد الله : أصبت ~~الرأي يا مهران . ثم بعث من ساعته إلى الحارث بن قيس ، فأتاه فأخبره بموت ~~يزيد ، واستشاره ، فقال : المستشار مؤتمن ، فإن أردت المقام منعناك معاشر ~~الأزد ، وإن أردت الاستخفاء اشتملنا عليك حتى يسكن عنك الطلب ، ويخفى على ~~الناس موضعك ، ثم نوجه معك من يبلغك مأمنك . فقال عبيد الله : هذا أريد . ~~فقال له الحارث : فأنا أقيم عندك ، إلى أن تمسي ويختلط الظلام ، ثم أنطلق ~~بك إلى الحي . فأقام الحارث عند عبيد الله . ### ||| [ إدخال ابن زياد دار مسعود بن عمر ] # فلما أمسى واختلط الظلام أمر عبيد الله أن توقد السرج في منزله ليلته ~~كلها ، ليظن من يطلبه أنه في منزله ، ثم قام فلبس ثيابه ، واعتم بعمامته ~~وتلثم . فقال له الحارث : ( التلثم بالنهار ذل ، وبالليل ريبة ، فاحسر عن ~~وجهك ، وسر خلفي ، فإن المقدم وقاية للمؤخر ) ، فسار . PageV01P416 فقال ~~للحارث : تخلل بنا فداك - أبي وأمي - الطرق ، ولا تأخذ بنا طريقا واحدا ، ~~فإني لا آمن أن يطلب أثري . فقال الحارث : لا بأس عليك ، إن شاء الله ، ~~فاطمأن . ثم سارا هويا . فقال للحارث : أين نحن ؟ . قال : في بني مسلم . ~~قال : سلمنا إن شاء الله . ثم سارا جميعا ساعة ms221 ، فقال : أين نحن ؟ . قال ~~الحارث في بني ناجية . قال : نجونا إن شاء الله . ثم سارا حتى انتهيا إلى ~~الأزد ، وأقحم الحارث بعبيد الله دار مسعود بن عمرو ، وكان رئيس الأزد كلها ~~بعد المهلب بن أبي صفرة ، وكان المهلب في هذا الوقت بخراسان بعد . فقال ~~الحارث لمسعود : يا ابن عم ، هذا عبيد الله بن زياد ، قد أجرته عليك وعلى ~~قومك . قال مسعود : أهلكت قومك يابن قيس ، وعرضتنا لحرب جميع أهل البصرة ، ~~وقد كنا أجرنا أباه من قبله فما كانت عنده مكافأة . ### ||| [ سبب إجارة الأزد زياد ابن أبيه ] # وكان سبب إجارتهم زيادا ، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، في خلافته ~~ولى زيادا البصرة عند خروجه إلى صفين ، وإنما كان يعرف بزياد بن عبيد ، ~~فوجه معاوية إلى البصرة عامر بن الحضرمي في جمع ، فغلب على البصرة ، وهرب ~~منه زياد ، فلجأ إلى PageV01P417 الأزد ، فأجاروه ، ومنعوه حتى ثاب الناس ~~إلى زياد ، واجتمعوا ، فطرد عامر بن الحضرمي عن البصرة ، وأقام على عمله ~~فيها . ### ||| [ إخفاء ابن زياد في دار النساء ] # ثم إن مسعود بن عمرو أدخل عبيد الله دار نسائه ، وأفرده في بيت من بيوته ~~، ووكل به امرأتين من خدمه ، وجمع إليه قومه ، فأعلمهم ذلك . ولما أصبح ~~الناس ، واستحق عندهم الخبر أتوا داره ، فاقتحموها ليقتلوه ، فلم يصادفوا ~~فيها أحدا ، فانطلقوا إلى الحبس ، فكسروه ، وأخرجوا من كان فيه ، وبقي أهل ~~البصرة تسعة أيام بغير وال . فاتفقوا على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن ~~الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ، فولوه أمرهم لصلاحه ، وقرابته من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم ، فتولى الأمر ، وقام بالتدبير . ### ||| [ إخراج ابن زياد من البصرة إلى الشام ] # ولما أتى على عبيد الله أيام ، وأمن الطلب ، قال لمسعود بن عمرو ، ~~والحارث بن قيس : إن الناس قد سكنوا ، ويئسوا مني ، فاعملا في إخراجي من ~~البصرة لألحق بالشام . فاكتريا له رجلا من بني يشكر أمينا هاديا بالطريق ، ~~وحملاه على ناقة مهرية ( 1 ) ، وقالا لليشكري : عليك به لا تفارقه حتى ~~توصله إلى مأمنه بالشام . فخرج ms222 ، وخرجا معه مشيعين له في نفر من قومهما ~~ثلاثة أيام ، ثم ودعاه وانصرفا . قال اليشكري : فبينا نحن نسير ذات ليلة ~~إذا استقبلنا عير وحاد يحدو فيها ، ويقول : يا رب ، رب الأرض والعباد العن ~~زيادا ، وبني زياد كم قتلوا من مسلم عباد جم الصلاة خاشع الفؤاد يكابد ~~الليل من السهاد PageV01P418 فلما سمع عبيد الله ذلك فزع ، وقال : عرف ~~مكاني . فقلت : لا تخف ، فليس كل من ذكرك يعلم موضعك . ثم سرنا فأطرق طويلا ~~، وهو على ناقته ، فظننت أنه نائم ، فناديته : يا نومان . فقال : ما أنا ~~بنائم ، ولكني مفكر في أمر . قلت : إني لأعلم الذي كنت مفكرا فيه . فقال : ~~هاته إذن . قلت : ندمت على قتلك الحسين بن علي ، وفكرت في بنائك القصر ~~الأبيض بالبصرة ، وما أنفقت عليه من الأموال ، ثم لم يقض لك التمتع به ، ~~وندمت على ما كان من قتلك الخوارج من أهل البصرة بالظنة والتوهم . قال عبيد ~~: ما أصبت يا أخا بني يشكر شيئا مما كنت مفكرا فيه ، أما قتلي الحسين فإنه ~~خرج على إمام وأمه مجتمعة ، وكتب إلى الإمام يأمرني بقتله ، فإن كان ذلك ~~خطأ كان لازما ليزيد ، وأما بنائي القصر الأبيض ، فما فكرتي في قصر بنيته ~~للإمام بامره وماله ، وأما قتلي من قتلت من الخوارج فقد قتلهم قبلي من هو ~~خير مني ، علي بن أبي PageV01P419 طالب رضي الله عنه . غير أني فكرت في بني ~~أبي ، وأولادهم ، فندمت على تركي إخراجهم من البصرة قبل وقوع ما وقع ، ~~وفكرت في بيوت الأموال بالكوفة والبصرة ألا أكون فرقتها وبددتها في الناس ~~عندما ورد على من وفاه الخليفة ، فكنت أكتسب بذلك حمدا في الناس وذكرا . ~~قلت : فما تريد أن تصنع الآن ؟ قال : إن وافيت دمشق ، وقد اجتمع الناس على ~~إمام دخلت فيما دخلوا فيه ، وإن لم يكونوا اجتمعوا على أحد كانوا غنما ، ~~قلبتها كيف شئت . ### || ( أخبار مروان بن الحكم ) # ### ||| [ بيعة مروان ] # قال : فسرنا حتى دخلنا دمشق ، والناس مختلفون ، لم يملكوا عليهم أحدا ، ~~وقد كان مروان بن الحكم هم باللحاق بعبد الله بن الزبير ms223 ليبايعه ، ويكون ~~معه . فدخل عبيد الله ، وعنفه في ذلك ، وقال : - أنت سيد قومك ، وأحق الناس ~~بهذا الأمر ، فمد يدك أبايعك . فقال مروان : وما تبلغ بيعتك وحدك ؟ اخرج ~~إلى الناس وناظرهم في ذلك . فخرج من عنده ، ولقي جماعة بني أمية ، فعنفهم ~~في ذلك ، وفي تخاذلهم ، وحملهم على بيعة مروان ، فاجتمعوا ، وبايعوه . ### ||| [ قتل مروان ] # وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة ، التي كانت امرأة يزيد بن معاوية ~~، فلما تم لملك مروان بن الحكم تسعة أشهر قتلته امرأته أم خالد . ~~PageV01P420 وذلك أن مروان نظر يوما إلى ابنها خالد بن يزيد بن معاوية ، ~~وهو غلام من أبناء سبع سنين ، يمشي مشية أنكرها ، فقال له : ما هذه المشية ~~يا بن الرطبة ؟ . فشكا الغلام ذلك إلى أمه ، فقالت له : إنه لا يقول بعد ~~هذا . فسقته السم ، فلما أحس بالموت جمع بني أمية وأشراف أهل الشام ، فبايع ~~لابنه عبد الملك . ### || ( أخبار عبد الملك بن مروان ) # ### ||| [ بيعة عبد الملك ] # وامتنع عمرو بن سعيد من البيعة ، ومات مروان ، وله ثلاث وستون سنة ، ثم ~~ملك عبد الملك بن مروان سنة ست وستين ، فخرج عمرو بن سعيد بن العاص عليه ، ~~فصار أهل الشام فرقتين : فرقة مع عبد الملك ، وفرقة مع عمرو بن سعيد . ~~فدخلت بنو أمية وأشراف أهل الشام بينهما حتى اصطلحا ، على أن يكونا مشتركين ~~في الملك ، وأن يكون مع كل عامل لعبد الملك شريك لعمرو بن سعيد ، وعلى أن ~~اسم الخلافة لعبد الملك ، فإن مات عبد الملك فالخليفة من بعده عمرو بن سعيد ~~، وكتبا فيما بينهما كتابا ، وأشهدا عليه أشراف أهل الشام . PageV01P421 ### ||| [ ابن زنباع يحرض الخليفة ضد ابن سعيد ] # وكان روح بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك بن مروان ، فقال له ، وقد خلا ~~به يوما : يا أمير المؤمنين ، هل من رأيك الوفاء لعمرو ؟ قال : ويحك يا ابن ~~زنباع ، وهل اجتمع فحلان في هجمة قط إلا قتل أحدهما صاحبه ؟ وكان عمرو بن ~~سعيد رجلا معجبا بنفسه ، متهاونا في أمره ، مغترا بأعدائه . ### ||| ( ذبح عمرو بن سعيد بن العاص ) # ثم ms224 إن عمرا دخل على عبد الملك يوما ، وقد استعد عبد الملك للغدر به ، ~~فأمر به ، فأخذ ، فأضجع ، وذبح ذبحا ، ولف في بساط . وأحس أصحاب عمرو بذلك ~~، وهم بالباب ، فتنادوا ، فأخذ عبد الملك خمسمائة صرة ، قد هيئت ، وجعل في ~~كل صرة ألفا درهم ، فأمر بها ، فأصعدت إلى أعلى القصر ، فألقيت إلى أصحاب ~~عمرو بن سعيد مع رأس عمرو ، فترك أصحابه الرأس ملقى ، وأخذوا المال ، ~~وتفرقوا . فلما أصبح عبد الملك أخذ من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلا ، ~~فضرب أعناقهم ، وهرب الباقون ، فلحقوا بعبد الله بن الزبير . وفي ذلك يقول ~~قائلهم : غدرتم بعمرو يال مروان ضلة ومثلكم يبني البيوت على الغدر فرحنا ، ~~وراح الشامتون بقتله كان على أكتافنا فلق الصخر PageV01P422 وما كان عمرو ~~عاجزا ، غير أنه أتته المنايا بغتة ، وهو لا يدري كان بني مروان إذ يقتلونه ~~بغاث من الطير اجتمعن على صقر ( 1 ) ### ||| [ مقتل مسعود بن عمرو ] # قالوا : ولما خرج عبيد الله من البصرة شاع بها أن عبيد الله كان عند ~~الأزد ، فأقبل رجل من الخوارج ليلا ، فجلس لمسعود بن عمرو ، فلما خرج لصلاة ~~الفجر ، وثب عليه بسكين فقتله . فاجتمعت الأزد ، وقالوا : والله ما قتله ~~إلا بنو تميم ، ولنقتلن سيدهم الأحنف بن قيس . فقال الأحنف لقومه : إن ~~الأزد قد اتهموكم في قتل صاحبهم ، وقد استغنوا بالظن عن اليقين ، ولا بد من ~~غرم عقله ( 2 ) . فجمعوا ألف ناقة ، ووجهوا بها إلى الأزد - وكانت دية ~~الملوك - فرضيت الأزد ، وكفوا . ### ||| [ عمال عبد الله بن الزبير ] # وقوى أمر عبد الله بن الزبير ، وأعطاه أهل الكوفة الطاعة . فولى الكوفة ~~عبد الله بن مطيع العدوي . ووجه أخاه مصعب بن الزبير إلى البصرة ، وأمر عبد ~~الله بن مطيع بمكاتبته . ووجه عماله إلى اليمن ، والبحرين ، وعمان ، وسائر ~~الحجاز . ودانت لابن الزبير البلدان إلا الشام ومصر . فإن مروان بن الحكم ~~كان حماهما . PageV01P423 ### ||| [ تجديد بناء الكعبة ] # وانحلبت على ابن الزبير الأموال ، فهدم الكعبة وجدد بناءها ، وذلك في سنة ~~خمس وستين ، ولف الحجر الأسود في حرير وجعله في تابوت وختم عليه ، واستودعه ~~الحجبة ms225 مع جميع ما كان معلقا في الكعبة من ذهب وجوهر ، ولما بناها أدخل ~~الحجر في البيت . فلما قتل ابن الزبير نقضها الحجاج ، وأعاد بناءها على ما ~~كان ، فهي على ذلك إلى اليوم . ### || [ انتفاضة المختار ابن أبي عبيد ] # ### ||| [ اختلاف المختار إلى شيعة بني هاشم ] # قالوا : وإن المختار بن أبي عبيد الثقفي جعل يختلف بالكوفة إلى شيعة بني ~~هاشم ، ويختلفون إليه ، فيدعوهم إلى الخروج معه والطلب بدم الحسين ، ~~فاستجاب له بشر كثير ، وكان أكثر من استجاب له همدان ، وقوم كثير من أبناء ~~العجم الذين كانوا بالكوفة ، ففرض لهم معاوية - وكانوا يسمون الحمراء - ~~وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل . وكان على الكوفة يومئذ من قبل عبد ~~الله بن الزبير عبد الله بن مطيع ، فأرسل ابن مطيع إلى المختار : ما هذه ~~الجماعات التي تغدو وتروح إليك ؟ PageV01P424 فقال المختار : مريض ، يعاد . ~~فلم يزل كذلك حتى قال له نصحاؤه : عليك بإبراهيم بن الأشتر ، فاستمله إليك ~~، فإنه متى شايعك على أمر ظفرت به ، وقضيت حاجتك . فأرسل المختار إلى جماعة ~~من أصحابه ، فدخلوا عليه ، وبيده صحيفة مختومة بالرصاص . ### ||| [ دخول المختار على إبراهيم بن الأشتر ] # فقال الشعبي : وكنت فيمن دخل عليه ، فرأيت الرصاص أبيض يلوح ، فظننت أنه ~~إنما ختم من الليل ، فقال لنا : انطلقوا بنا حتى نأتي إبراهيم ابن الأشتر . ~~قال : فمضينا معه ، وكنت أنا ويزيد بن أنس الأسدي ، وأحمر بن سليط ، وعبد ~~الله بن كامل ، وأبو عمرة كيسان ، مولى بجيلة ، الذي يقول الناس : قد جاوره ~~أبو عمرة ، وكان من بعد ذلك على شرط المختار . قال الشعبي : فأتينا إبراهيم ~~بن الأشتر ، وهو جالس في صحن داره ، فسلمنا عليه ، فتناول يد المختار ، ~~وأجلسه معه على مقعدة كان عليها . وتكلم المختار وكان مفوها ، فحمد الله ~~وأثنى عليه ، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم ، ثم قال : إن الله قد ~~أكرمك ، وأكرم أباك من قبلك بموالاة بني هاشم ونصرتهم ، ومعرفة PageV01P425 ~~فضلهم ، وما أوجب الله من حقهم ، وقد كتب إليك محمد بن علي بن أبي طالب - ~~يعني ابن الحنفية - هذا الكتاب بحضرة ms226 هؤلاء النفر الذين معي . فقال القوم ~~جميعا : نشهد أن هذا كتابه ، رأيناه حين كتبه . ثم ناوله ، ففتحه وقرأه ، ~~فإذا فيه : بسم الله الرحمن الرحيم ، من محمد بن علي إلى إبراهيم الأشتر ، ~~أما بعد فإن المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين ، فساعده في ذلك ، ~~وآزره يثبك الله ثواب الدنيا ، وحسن ثواب الآخرة . فلما قرأ إبراهيم بن ~~الأشتر الكتاب قال للمختار : سمعا وطاعة لمحمد بن علي ، فقل ما بدا لك ، ~~وادع إلى ما شئت . فقال المختار : أ تأتينا ، أو نأتيك في أمرنا ؟ فقال ~~إبراهيم : بل أنا آتيك كل يوم إلى منزلك . قال الشعبي : فكان إبراهيم بن ~~الأشتر يركب إلى المختار في كل يوم في نفر من مواليه وخدمه . ### ||| [ الشعبي يرتاب من شهادة القوم ] # قال الشعبي : ودخلتني وحشة من شهادة النفر الذين كانوا معي ، على انهم ~~رأوا ( 27 - الأخبار الطوال ) ( * ) محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب ~~إلى إبراهيم بن الأشتر ، فأتيتهم في منزلهم رجلا رجلا ، فقلت : PageV01P426 ~~هل رأيت محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب ؟ فكل يقول : نعم ، وما أنكرت ~~من ذلك ؟ فقلت في نفسي : إن لم أستعملها من العجمي ، يعني أبا عمرة ، لم ~~أطمع فيها من غيره . فأتيته في منزله ، فقلت : ما أخوفني من عاقبة أمرنا ~~هذا أن ينصب الناس جميعا لنا ، فهل شهدت محمد بن الحنفية حين كتب ذلك ~~الكتاب ؟ فقال : والله ما شهدته حين كتبه ، غير أن أبا إسحق - يعني المختار ~~- عندنا ثقة ، وقد أتانا بعلامات من ابن الحنفية ، فصدقناه . قال الشعبي : ~~فعرفت عند ذلك كذب المختار ، وتمويهه ، فخرجت من الكوفة حتى لحقت بالحجاز ، ~~فلم أشهد من تلك المشاهد شيئا . ### ||| [ شرطة ابن مطيع تعترض ابن الأشتر ] # قالوا : وكان على شرطة عبد الله بن مطيع بالكوفة إياس بن نضار العجلي ، ~~وكان طريق إبراهيم بن الأشتر إذا ركب إلى المختار على باب داره ، فأرسل إلى ~~إبراهيم : أنه قد كثر اختلافك في هذا الطريق ، فأقصر عن ذلك . فأخبر ~~إبراهيم المختار بما أرسل إليه إياس ، فقال له المختار : ( تجنب ذلك الطريق ms227 ~~، وخذ في غيره ) . ففعل . وبلغ أياسا أن إبراهيم بن الأشتر لا يقلع عن ~~إتيان المختار كل يوم ، فأرسل إليه : أن أمرك يريبني ، فلا أرينك راكبا ، ~~ولا تبرحن منزلك ، فأضرب عنقك . فأخبر إبراهيم المختار بذلك . واستأذنه في ~~قتله ، فأذن له . ### ||| [ قتل صاحب الشرطة ] # وإن إبراهيم ركب في جماعة من أهل بيته وما يليه ، وجعل طريقه على مجلس ~~إياس ، فقال له إياس : PageV01P427 ( يا ابن الأشتر ، أ لم آمرك ألا تبرح ~~من منزلك ؟ ) فقال له إبراهيم : أنت والله - ما علمت - أحمق . فقال ~~للجلاوزة : نكسوه . فانتضى إبراهيم سيفه ، وشد على إياس ، فضربه حتى قتله . ~~ثم حمل على الجلاوزة ، فانحرفوا عنه ، ومضى إبراهيم . وبلغ عبد الله بن ~~مطيع الخبر ، فأمر بطلب إبراهيم ، ووجه إلى منزله . وبلغ ذلك المختار ، ~~فوجه إلى إبراهيم بمائة فارس ، فلما وافوه حمل على أصحاب ابن مطيع ، ~~فانهزموا عنه ، فأقبل إبراهيم نحو دار الإمارة ، ووافاه المختار في سبعة ~~آلاف فارس . فتحصن ابن مطيع في القصر ، وبعث إلى الحرس والجند . فوافاه ~~منهم نحو ثلاثة آلاف رجل ، فنادى ( يا لثارات الحسين ) فوافاه زهاء عشرة ~~آلاف رجل ممن بايعه على الطلب بدم الحسين . وفي ذلك يقول عبد الله بن همام ~~: وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى ويزويه عن رود الشباب شموع دعا ، يا ~~لثارات الحسين فأقبلت كتائب من همدان بعد هزيع ومن مذحج جاء الرئيس ابن ~~مالك يقود جموعا أردفت بجموع PageV01P428 ومن أسد وافى يزيد لنصره بكل فتى ~~ماضي الجنان منيع وخرج ابن مطيع من القصر ، واجتمع إليه الجنود ، ونهد إليه ~~المختار في أصحابه ، وعلى مقدمته ابن الأشتر ، فالتقوا ، فاقتتلوا ، فقتل ~~من أصحاب ابن مطيع بشر كثير ، فانهزموا . وبادر ابن مطيع إلى القصر ، فتحصن ~~فيه في طائفة من أصحابه ، وأقبلت همدان حتى تسلقوا القصر بالحبال من ناحية ~~دار عمارة بن عقبة بن أبي معيط . فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل ~~الأمان على نفسه ومن معه من أصحابه ، فأجابه المختار إلى ذلك ، فأمنه . ~~فخرج ابن مطيع ، وأظهر المختار إكرامه ، وأمر له من بيت المال ms228 بمائة ألف ~~ألف درهم ، وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب ، وقال له : ( ارحل إذا شئت ) ~~. ### ||| [ تولية عمال المختار على الأمصار ] # ثم إن المختار غلب على الكوفة ودانت له العراق وسائر البلاد إلا الجزيرة ~~والشام ومصر ، فإن عبد الملك قد كان حماها ، ووجه عماله في الآفاق . ~~فاستعمل عبد الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني على الموصل ، ومحمد بن عثمان ~~التميمي على آذربيجان ، وعبد الله بن الحارث أخا الأشتر على الماهين وهمذان ~~، ويزيد ابن معاوية البجلي على أصبهان وقم وأعمالها ، وابن مالك ~~PageV01P429 البكراوي على حلوان وماسبذان ، ويزيد بن أبي نجبة الفزاري على ~~الري ودستبي ، وزحر بن قيس على جوخى . وفرق سائر البلدان على خاصته . ### ||| [ هدم دور قتله الحسين ( ع ) ] # وولى الشرطة كيسان أبا عمرة ، وأمره أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول ~~، وتتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن علي ، فيهدمها . وكان أبو عمرة ~~بذلك عارفا ، فجعل يدور بالكوفة على دورهم ، فيهدم الدار في لحظة ، فمن خرج ~~إليه منهم قتلة ، حتى هدم دورا كثيرة ، وقتل أناسا كثيرا ، وجعل يطلب ~~ويستقصي ، فمن ظفر به قتله ، وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم الذين ~~كانوا معه . ### ||| [ أولى حملات المختار ضد عبد الملك ] # ثم إن المختار عقد ليزيد بن أنس الأسدي في عشرين ألف رجل ، وقواهم ~~بالسلاح والعدة ، وولاه الجزيرة وما غلب عليه من أرض الشام . فسار يزيد حتى ~~نزل نصيبين . وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان ، فخرج بأهل الشام فوافى نصيبين ~~، وقاتل يزيد ابن أنس ، فهزمه ، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة . وبلغ المختار ~~ذلك ، فقال لإبراهيم بن الأشتر : أيها الرجل ، إنما هو أنا وأنت ، فسر ~~إليهم ، فو الله لتقتلن الفاسق عبيد الله ابن زياد ، أو لتقتلن الحصين بن ~~نمير ، وليهزمن الله بك ذلك الجيش ، أخبرني بذلك من قرأ الكتاب ، وعرف ~~الملاحم . قال إبراهيم : ما أحسبك أيها الأمير بأحرص على قتال أهل الشام ، ~~ولا أحسن بصيرة في ذلك مني ، وأنا سائر . PageV01P430 فانتخب له المختار ~~عشرين ألف رجل ، وكان جلهم أبناء الفرس الذين كانوا ms229 بالكوفة ، ويسمون ~~الحمراء . وسار نحو الجزيرة ، ورد من كان انهزم من أصحاب يزيد بن أنس ، ~~فصار في نحو من ثلاثين ألف رجل . ### ||| [ عبد الملك يعقد الراية للحصين بن نمير ] # وبلغ ذلك عبد الملك ، فعقد للحصين بن نمير في فرسان أهل الشام ، وكانوا ~~نحوا من أربعين ألفا ، وفيهم عبيد الله بن زياد ، وفيهم من قتلة الحسين : ~~عمير بن الحباب ، وفرات بن سالم ، ويزيد بن الحضين ، وأناس سوى هؤلاء كثير ~~. فقال فرات لعمير : قد عرفت سوء ولاية بني مروان ، وسوء رأيهم في قومنا من ~~قيس ، ولئن خلص الأمر ، وصفا لعبد الملك ليستأصلن قيسا ، أو ليقصينهم ، ~~ونحن منهم ، فانصرف بنا لننظر ما حال إبراهيم بن الأشتر . فلما جنهما الليل ~~ركبا فرسيهما ، وبينهما وبين عسكر إبراهيم أربعة فراسخ ، وكانا يمران ~~بمسالح أهل الشام ، فيقولون لهما : ( من ) أنتما ؟ فيقولان : طليعة للأمير ~~الحصين بن نمير . ### ||| [ رباطة جأش ابن الأشتر ] # فأقبلا حتى أتيا عسكر إبراهيم بن الأشتر ، وقد أوقد النيران ، وهو قائم ~~يعبي أصحابه ، وعليه قميص أصفر هروي ، وملاءة موردة متوشحا بها ، متقلدا ~~سيفه . فدنا منه عمير بن الحباب ، فصار خلفه ، وإبراهيم لا يأبه له ، ~~فاحتضنه من ورائه ، فما تحلحل إبراهيم عن موضعه ، غير أنه أمال رأسه ، وقال ~~: من هذا ؟ قال : أنا عمير بن الحباب . PageV01P431 فأقبل بوجهه إليه ، ~~وقال : - اجلس حتى أفرغ لك . فتنحى عنه ، وقعدا ممسكين بأعنة فرسيهما . ~~فقال عمير لصاحبه : هل رأيت رجلا أربط جاشا ، وأشد قلبا من هذا ؟ تراه ~~تحلحل من مكانه ، أو اكترث لي ، وأنا محتضنة من خلف . فقال له صاحبه : ما ~~رأيت مثله . ### ||| [ تصميم ابن الأشتر على القتال ] # فلما فرغ إبراهيم من تعبية أصحابه أتاهما ، فجلس إليهما ، ثم قال لعمير : ~~ما أعملك إلى يا أبا المغلس ؟ قال عمير : لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك ، ~~وذلك أني لم أسمع فيه كلاما عربيا حتى انتهيت إليك ، وإنما معك هؤلاء ~~الأعاجم ، وقد جاءك صناديد أهل الشام وإبطالهم ، وهم زهاء أربعين ألف رجل ، ~~فكيف تلقاهم بمن معك ؟ فقال إبراهيم : والله لو لم أجد إلا النمل لقاتلتهم ms230 ~~بها ، فكيف وما قوم أشد بصيرة في قتال أهل الشام من هؤلاء الناس الذين ~~تراهم معي ؟ وإنما هم أولاد الأساورة من أهل فارس ، والمرازبة ، وأنا ضارب ~~الخيل بالخيل ، والرجال بالرجال ، والنصر من عند الله . قال عمير : إن قومي ~~قيسا . إذا التقى الجبلان غدا في ميسرة أهل الشام فلا تحفل بنا ، فإنا ~~منهزمون لنكسر الجيش بذلك ، فإنا لا نحب ظهور بني مروان لسوء صنيعهم إلينا ~~معاشر قيس ، وأنا إليك لأميل . قال إبراهيم : وذاك . ثم انصرفا إلى ~~معسكرهما . ### ||| [ وقعة خازر ] # ولما أصبح الفريقان زحف بعضهم إلى بعض ، فتواقفوا بمكان يدعى PageV01P432 ~~خازر فنادى إبراهيم بن الأشتر حماة عسكره ( عليكم بالميسرة ) ، وفيها قيس . ~~فقال عمير بن الحباب لصاحبه : هذا وأبيك الحزم ، لم يثق بقولنا وخاف مكرنا ~~. وصاح عمير بن الحباب في قيس ، يا لثارات مرج راهط ، فنكسوا أعلامهم ، ~~وانهزموا ، فانكسر أهل الشام . ### ||| [ مصرع الحصين وشرحبيل وابن زياد ] # وحمل عليهم إبراهيم بن الأشتر ، فأكثر فيهم القتل ، وانهزم أهل الشام ، ~~فأتبعهم إبراهيم يقتلهم إلى الليل ، وقتل أميرهم الحصين بن نمير - وكان من ~~قتلة الحسين - وشرحبيل بن ذي الكلاع ، وعظماء أهل الشام . فلما وضعت الحرب ~~أوزارها قال إبراهيم بن الأشتر : إني قتلت في الوقعة رجلا من أهل الشام ، ~~كان يقاتل في أوائلهم قتالا شديدا ، وهو يقول : ( أنا الغلام القرشي ) . ~~فلما سقط شممت منه ريح المسك ، فاطلبوه بين القتلى . فطلب حتى أصابوه ، ~~فإذا هو عبيد الله بن زياد ، فأمر به إبراهيم ، فخر رأسه ، فوجه به إلى ~~المختار ، فوجه به المختار إلى محمد بن الحنفية . واحتوى إبراهيم بن الأشتر ~~على عسكر الشام ، فغنم ما كان فيه . فأتته هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري ~~، امرأة عبيد الله بن زياد ، فأخبرته بانتهاب ما كان معها من مالها ، فقال ~~لها : PageV01P433 - كم ذهب لك ؟ قالت : قيمة خمسين ألف درهم . فأمر لها ~~بمائة ألف درهم ، ووجه معها مائة فارس حتى أتوا بها أباها البصرة . ### ||| [ عبيد الله الساعدي يمدح ابن الأشتر ] # ودخل عبيد الله بن عمرو الساعدي ، وكان شاعرا على إبراهيم بن الأشتر ، ~~فأنشده : الله ms231 أعطاك المهابة والتقى وأحل بيتك في العديد الأكثر وأقر عينك ~~يوم وقعة خازر والخيل تعثر بالقنا المتكسر من ظالمين كفتهم آثامهم تركوا ~~لعافية وطير حسر ما كان أجرأهم ، جزاهم ربهم شر الجزاء على ارتكاب المنكر ~~إني أتيتك إذ تناءى منزلي وذممت إخوان الغنى من معشري وعلمت أنك لا تضيع ~~مدحتي ومتى أكن بسبيل خير أشكر فهلم نحوي ، من يمينك نفحة إن الزمان ألح يا ~~ابن الأشتر فأعطاه عشرة آلاف درهم . ### ||| [ ابن الأشتر يوجه عماله إلى الجزيرة ] # وإن إبراهيم بن الأشتر أقام بالموصل ، ووجه عماله إلى مدن الجزيرة ، ~~فاستعمل إسماعيل بن زفر على قرقيسياء ، وحاتم بن النعمان الباهلي على حران ~~والرها وسميساط ، وعمير بن الحباب السلمي على ( كفرتوثا ) ، والسفاح ابن ~~كردوس على سنجار ، وعبد الله بن مسلم على ميافارقين ، ومسلم ابن ربيعة ~~العقيلي علي آمد ، وسار هو إلى نصيبين ، فأقام بها . ### ||| [ كتاب المختار إلى عبيد الله بن الحر ] # وأن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفي ، وكان بناحية الجبل يتطرف ~~PageV01P434 ويغير : ( إنما خرجت غضبا للحسين ، ونحن أيضا ممن غضب له ، وقد ~~تجردنا لنطلب بثأره ، فأعنا على ذلك ) . فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك . فركب ~~المختار إلى داره بالكوفة فهدمها ، وأمر بامرأته أم سلمة ، ابنة عمر الجعفي ~~، فحبست في السجن ، وانتهب جميع ما كان في منزله ، وكان الذي تولى ذلك عمرو ~~بن سعيد بن قيس الهمداني . ### ||| [ ابن الحر ينتقم لهدم داره وحبس زوجته ] # وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر ، فقصد إلى ضيعة لعمرو بن سعيد بالماهين ، ~~فأغار عليها ، واستاق مواشيها ، وأحرق زرعها ، وقال : وما ترك الكذاب من جل ~~مالنا ولا المرء من همدان غير شريد أ في الحق أن يجتاح مالي كله وتأمن عندي ~~ضيعة ابن سعيد ؟ ثم اختار من إبطال أصحابه مائة فارس ، فيهم محشر التميمي ، ~~ودلهم بن زياد المرادي ، وأحمر طئ ، وخلف بقية أصحابه بالماهين . وسار نحو ~~الكوفة حتى انتهى إلى جسرها ليلا ، فأمر بقوام الجسر ، فكتفوا ، ووكل بهم ~~رجلا من أصحابه ، ثم عبر . ودخل الكوفة ، فلقيه أبو عمرة ms232 كيسان ، وهو يعس ~~بالكوفة ، فقال : من أنتم ؟ قالوا : نحن أصحاب عبد الله بن كامل ، أقبلنا ~~إلى الأمير المختار . PageV01P435 قال : امضوا في حفظ الله . فمضوا حتى ~~انتهوا إلى السجن ، فكسروه ، فخرج كل من فيه ، وحمل أم سلمة على فرس ، ووكل ~~بها أربعين رجلا ، وقدمها ، ثم مضى . وبلغ الخبر المختار ، فأرسل راشدا ~~مولى بجيلة في ثلاثة آلاف رجل ، وعطف عليهم أبو عمرة من ناحية بجيلة في ألف ~~رجل . وخرج عليهم عبد الله بن كامل من ناحية النخع في ألف رجل ، فأحاطوا ~~بهم . فلم يزل عبيد الله يكشفهم ، ويسير والحجارة تأخذه ( هو ) وأصحابه من ~~سطوح الكوفة حتى عبر الجسر ، وقد قتل من أصحاب المختار مائة رجل ، ولم يقتل ~~من أصحابه إلا أربعة نفر . وسار عبيد الله حتى انتهى إلى ( بانقيا ) ( 1 ) ~~فنزلوا ، وداووا جروحهم ، وعلفوا دوابهم ، وسقوها ، ثم ركبوا ، فلم يحلوا ~~عقدها حتى انتهوا إلى ( سورا ) ( 2 ) فأراحوا بها ، ثم ساروا حتى أتوا ~~المدائن ، ثم لحق بأصحابه بالماهين . ### ||| [ تعرض المختار لعبد الرحمن بن إبزي ] # ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ومحمد بن الأشعث ~~، وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين ، وأتي بعبد الرحمن بن أبزى ~~الخزاعي ، وكان ممن حضر قتال الحسين ، فقال له : - يا عدو الله ، أكنت ممن ~~قاتل الحسين ؟ قال : لا ، بل كنت ممن حضر ، ولم يقاتل . قال : كذبت ، ~~اضربوا عنقه . فقال عبد الرحمن : ما يمكنك قتلي اليوم حتى تعطي الظفر على ~~بني أمية ، ويصفوا PageV01P436 لك الشام ، وتهدم مدينة دمشق حجرا حجرا ، ~~فتأخذني عند ذلك ، فتصلبني على شجرة بشاطئ نهر ، كأني أنظر إليها الساعة ) ~~. فالتفت المختار إلى أصحابه [ وقال ] : أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم . ~~ثم أمر به إلى السجن . فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به ، فقال له : ~~( يا أخا خزاعة ، أظرفا عند الموت ؟ ) فقال عبد الرحمن بن إبزي : أنشدك ~~الله أيها الأمير أن أموت هاهنا ضيعة ) . قال : ' فما جاء بك من الشام ؟ ) ~~قال : ( بأربعة آلاف درهم ، وقال له : إن أصبحت بالكوفة قتلت . فخرج من ms233 ~~ليلته حتى لحق بالشام . | ### ||| [ جد المختار في طلب قتله الحسين ] # ومكث المختار بذلك يطلب قتلة الحسين ، وتجبى إليه الأموال من السواد ، ~~والجبل ، وأصبهان ، والري ، وآذربيجان ، والجزيرة ثمانية عشر شهرا ، وقرب ~~أبناء العجم ، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات ، وقرب مجالسهم ، وباعد العرب ~~وأقصاهم ، وحرمهم . فغضبوا من ذلك . واجتمع أشرافهم فدخلوا عليه ، فعاتبوه ~~، فقال : لا يبعد الله غيركم ، أكرمتكم فشمختم بآنافكم ، ووليتكم فكسرتم ~~الخراج ، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم ، وأوفى ، وأسرع إلى ما أريد . ### ||| [ اجتماع القبائل على محاربة المختار ] # قالوا : فدنت العرب ، بعضها إلى بعض ، وقالوا : هذا كذاب ، يزعم أنه ~~يوالي بني هاشم ، وإنما هو طالب دنيا . فاجتمعت القبائل على محاربته ، ~~وصاروا في ثلاثة أمكنة ، وولوا أمرهم رفاعة ابن PageV01P437 سوار ، فاجتمعت ~~كندة ، والأزد ، وبجيلة ، والنخع ، وخثعم ، وقيس ، وتيم الرباب في جبانة ~~مراد ، واجتمعت ربيعة وتميم ، فصاروا في جبانة الحشاشين . وأرسل المختار ~~إلى همدان - وكانوا خاصته - واجتمع إليه أبناء العجم . فقال لهم : ألا ترون ~~ما يصنع هؤلاء ؟ قالوا : بلى . قال : فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لتقديمي ~~إياكم ، فكونوا أحرارا كراما . فحرضهم بذلك ، وأخرجهم إلى ظهر الكوفة ، ~~فأحصاهم ، فبلغوا أربعين ألف رجل . ### ||| [ عودة قتله الحسين إلى الكوفة واشتعال الحرب ] # وإن شمر بن ذي الجوشن ، وعمر بن سعد ، ومحمد بن الأشعث ، وأخاه قيس بن ~~الأشعث قدموا الكوفة عند ما بلغهم خروج الناس على المختار وخلعهم طاعته ، ~~وكانوا هرابا من المختار طول سلطانه ، لأنهم كانوا الرؤساء في قتال الحسين ~~، فصاروا مع أهل الكوفة ، وتولوا أمر الناس . وتأهب الفريقان للحرب ، ~~واجتمع أهل الكوفة جميعا في جبانة الحشاشين ، وزحف المختار نحوهم ، ~~فاقتتلوا ، فقتل بينهم بشر كثير ، فنادى المختار : يا معشر ربيعة ، أ لم ~~تبايعوني ؟ فلم خرجتم علي ؟ قالت ربيعة : قد صدق المختار ، فقد بايعناه ~~وأعطيناه صفقة أيماننا ، فاعتزلوا ، وقالوا : لا نكون على واحد من الفريقين ~~. وثبت سائر القبائل ، فقاتلوا . PageV01P438 وأن أهل الكوفة انهزموا ، وقد ~~قتل منهم نحو خمسمائة رجل ، وأسر منهم مائتا رجل ، فهرب أشراف الكوفة ، ~~فلحقوا بالبصرة ، وبها مصعب بن الزبير ، فانضموا إليه . ### ||| [ قتل عمر بن سعد ] # وبلغ ms234 المختار أن شبث بن ربعي ، وعمرو بن الحجاج ، ومحمد بن الأشعث مع عمر ~~بن سعد قد أخذوا طريق البصرة في أناس معهم من أشراف أهل الكوفة ، فأرسل في ~~طلبهم رجلا من خاصته يسمى ( أباالقلوص الشبامي ) في جريدة خيل ، فلحقهم ~~بناحية المذار ، فواقعوه ، وقاتلوه ساعة ، ثم انهزموا ، ووقع في يده عمر بن ~~سعد ونجا الباقون . فأتي به المختار ، فقال : الحمد لله الذي أمكن منك ، ~~والله لأشفين قلوب آل محمد بسفك دمك ، يا كيسان ، اضرب عنقه . فضرب عنقه . ~~وأخذ رأسه ، فبعث به إلى المدينة ، إلى محمد بن الحنفية . وقال أعشى همدان ~~، وكان من أهل الكوفة : ولم أنس همدانا غداة تجوسنا بأسيافها ، لا أسقيت ~~صوب هاضب فقتل من أشرافنا في محالهم عصائب منهم أردفت بعصائب فكم من كمي قد ~~أبارت سيوفهم إلى الله أشكو رزء تلك المصائب PageV01P439 يقتلنا المختار في ~~كل غائط فيا لك دهر مرصد بالعجائب ### ||| [ ملاحقة شمر بن ذي الجوشن ] # وبلغ المختار أن شمر بن ذي الجوشن مقيم ( بد ستميسان ) في أناس من بني ~~عامر بن صعصعة ، يكرهون دخول البصرة لشماتة أهل البصرة بهم ، فأرسل المختار ~~إليهم زربيا ، مولى بجيلة ، في مائة فارس على الخيل العتاق ، فسار بهم ~~بالحث الشديد ، فقطع أصحابه عنه إلا عشرة فوارس ، فلحقهم وقد استعدوا له ، ~~فطعنه شمر ، فقتله ، وانهزم أصحابه العشرة حتى لحق بهم الباقون ، فطلبوا ~~شمرا وأصحابه ، فلم يلحقوهم . ومضى شمر حتى نزل قريبا من البصرة بمكان يدعى ~~( سادماه ) فأقام به . ### ||| [ مقتل قيس بن الأشعث ] # وأن قيس بن الأشعث أنف من أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها ، فانصرف إلى ~~الكوفة مستجيرا بعبد الله بن كامل ، وكان من أخص الناس عند المختار . فأقبل ~~عبد الله إلى المختار ، فقال : أيها الأمير ، إن قيس بن الأشعث قد استجار ~~بي وأجرته ، فأنفذ جواري إياه . فسكت عنه المختار مليا ، وشغله بالحديث ، ~~ثم قال : أرني خاتمك ، فناوله إياه ، فجعله في إصبعه طويلا . ثم دعا أبا ~~عمرة ، فدفع إليه الخاتم ، وقال له سرا : انطلق إلى امرأة عبد الله بن كامل ~~، فقل لها ms235 : هذا خاتم بعلك علامة ، لتدخليني إلى قيس بن الأشعث ، فإني أريد ~~مناظرته في بعض الأمور التي فيها خلاصه من المختار ، فأدخلته إليه . ~~PageV01P440 فانتضى سيفه ، فضرب عنقه ، وأخذ رأسه ، فأتى به المختار ، ~~فألقاه بين يديه . فقال المختار : هذا بقطيفة الحسين . وذلك أن قيس بن ~~الأشعث أخذ قطيفة كانت للحسين حين قتل ، فكان يسمى قيس قطيفة ) . فاسترجع ~~عبد الله بن كامل ، وقال للمختار : قتلت جاري وضيفي وصديقي في الدهر ؟ قال ~~له المختار : لله أبوك ، اسكت ، أ تستحل أن تجير قتله ابن بنت نبيك ؟ ### ||| [ المختار يخلي سبيل سراقة البارقي ] # ثم إن المختار دعا بالأسرى الذين أسرهم من أهل الكوفة في الوقعة التي ~~كانت بينه وبين أهل الكوفة ، فجعل يضرب أعناقهم حتى انتهى إلى سراقة ~~البارقي ، وكان فيهم ، فقام بين يديه ، وأنشأ يقول : إلا من مبلغ المختار ~~إنا نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الإشراك دينا وكان خروجنا بطرا ~~وحينا ثم قال للمختار : أيها الأمير ، لو أنكم أنتم الذين قاتلتمونا لم ~~تطمعوا فينا . فقال له المختار : فمن قاتلكم ؟ قال سراقة : قاتلنا قوم بيض ~~الوجوه على خيل شهب . قال له المختار : تلك الملائكة ، ويلك ، أما إذ ~~رأيتهم فقد وهبتك لهم . PageV01P441 ثم خلى سبيله ، فهرب ، فلحق بالبصرة ، ~~وأنشأ يقول : ألا أبلغ أبا إسحق إني رأيت الشهب كمتا مصمتات أرى عيني ما لم ~~تراياه كلانا عالم بالترهات كفرت بدينكم وبرئت منكم ومن قتلاكم حتى الممات ### ||| [ فرار أسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج ] # وهرب أسماء بن خارجة الفزاري ، وكان شيخ أهل الكوفة وسيدهم من المختار ~~خوفا على نفسه ، فنزل على ماء لبني أسد يسمى ذروة : في نفر من مواليه وأهل ~~بيته فأقام به . وهرب عمرو بن الحجاج ، وكان من رؤساء قتلة الحسين ، يريد ~~البصرة ، فخاف الشماتة فعدل إلى سراف . فقال له أهل الماء : ارحل عنا ، ~~فإنا لأنا من المختار ، فارتجل عنهم ، فتلاوموا ، وقالوا : قد أسأنا . ~~فركبت جماعة منهم في طلبه ليردوه ، فلما رآهم من بعيد ظن انهم من أصحاب ~~المختار ، فسلك الرمل في مكان يدعى ( البيضة ) ( 1 ms236 ) وذلك في حمارة القيظ ، ~~وهي فيما PageV01P442 بين بلاد كلب وبلاد طيئ ، فقال ( 2 ) فيها ، فقتله ~~ومن معه العطش . ولم يزل أسماء مقيما بذروه ( 3 ) إلى أن قتل المختار ، ~~ودخل مصعب بن الزبير الكوفة ، فانصرف أسماء إلى منزله بالكوفة . ### ||| [ أشراف الكوفة بلجأون إلى مصعب بن الزبير ] # ولما تتبع المختار أهل الكوفة جعل عظماؤهم يتسللون هرابا إلى البصرة حتى ~~وافاها منهم مقدار عشرة آلاف رجل ، وفيهم محمد بن الأشعث ، فاجتمعوا ، ~~ودخلوا على مصعب بن الزبير . فتكلم محمد بن الأشعث ، وقال : أيها الأمير ، ~~ما يمنعك من المسير لمحاربة هذا الكذاب الذي قتل خيارنا ، وهدم دورنا ، ~~وفرق جماعتنا ، وحمل أبناء العجم على رقابنا ، وأباحهم أموالنا ؟ سر إليه ، ~~فإنا جميعا معك ، وكذلك من خلفنا بالكوفة من العرب ، هم أعوانك . قال مصعب ~~: يا ابن الأشعث ، أنا عارف بكل ما ارتكبكم به ، وليس يمنعني من المسير ~~إليه إلا غيبة فرسان أهل البصرة أشرافهم ، فإنهم مع ابن عمك المهلب ابن أبي ~~صفرة في وجوه الأزارقة بناحية كرمان ، غير أني قد رأيت رأيا . قال : وما ~~رأيت أيها الأمير ؟ قال : رأيت أن أكتب إلى المهلب ، آمره أن يوادع ~~الأزارقة ، ويقبل إلي فيمن معه ، فإذا وافى تجهزنا لمحاربة المختار . قال ~~ابن الأشعث : نعم ما رأيت ، فاكتب إليه ، واجعلني الرسول . فكتب مصعب بن ~~الزبير إلى المهلب كتابا ، يذكر له ما فيه أهل الكوفة من القتل والحرب ، ~~ويفسر فيه أمر المختار . فسار محمد بن الأشعث بكتابه حتى ورد كرمان ، وأوصل ~~الكتاب إلى المهلب ، وقال PageV01P443 له : يا ابن عم ، قد بلغك ما لقي أهل ~~الكوفة من المختار ، وقد كتب إليك الأمير مصعب بما قد قرأته . ### ||| [ الموادعة بين المهلب وقطري بن الفجاءة ] # فكتب المهلب إلى قطري ، وكان رئيس الأزارقة يومئذ ، يسأله الموادعة إلى ~~أجل سماه ، ويكتب بينهما كتابا في ذلك ، ويضعان الحرب إلى ذلك الأجل . ~~فأجابه قطري إلى ذلك ، وكتبا بينهما كتابا وجعلا الأجل ثمانية عشر شهرا . ~~وسار المهلب بمن معه حتى وافى البصرة ، فوضع مصعب لأهل البصرة العطاء وتهيأ ~~للمسير . ### ||| [ المختار يعقد لأحمر بن ms237 سليط ويقتل شمرا ] # وبلغ المختار ذلك فعقد لأحمر بن سليط في ستين ألف رجل من أصحابه ، وأمره ~~أن يستقبل القوم ، فيناجزهم الحرب . فسار أحمر بن سليط في الجيوش حتى وافى ~~المذار ، وقد انصرف إليها شمر ابن ذي الجوشن أنفه من أن يأتي البصرة هاربا ~~، فيشمتوا به ، فوجه أحمر بن سليط إلى المكان الذي كان متحصنا فيه خمسين ~~فارسا ، وأمامهم نبطي يدلهم على الطريق ، وذلك في ليلة مقمرة . PageV01P444 ~~فلما أحس بهم دعا بفرسه فركبه ، ركب من كان معه ليهربوا ، فأدركهم القوم ، ~~فقاتلوهم ، فقتل شمر وجميع من كان معه ، واحتزوا رؤوسهم ، فأتوا بها أحمر ~~ابن سليط ، فوجهها إلى المختار ، فوجه المختار برأس شمر إلى محمد بن ~~الحنفية بالمدينة . ### ||| [ هزيمة أصحاب المختار على يد مصعب ] # وسار مصعب بن الزبير بجماعة أهل البصرة نحو المذار ، وتخلف عنه المنذر ~~ابن الجارود ، وهرب منه نحو كرمان في جماعة من أهل بيته ، ودعا لعبد الملك ~~ابن مروان . وأقبل مصعب حتى وافى المذار ، وأمامه الأحنف بن قيس في تميم . ~~وزحف الفريقان ، بعضهم إلى بعض ، فاقتتلوا ، فانهزم أصحاب المختار ، واستحر ~~القتال فيهم ، ومضوا نحو الكوفة ، واتبعهم مصعب يقتلهم في جميع طريقه ، فلم ~~يفلت منهم إلا القليل . فقال أعشى همدان في ذلك : ألم يبلغك ما لقيت شبام ~~وما لاقت عرينة بالمذار أتيح لهم بها ضرب طلحق وطعن بالمثقفة الحرار كان ~~سحابة صعقت عليهم فعمتهم هنالك بالدمار وما أن ساءني ماكان منهم لدى ~~الإعسار مني واليسار ولكني فرحت وطاب نومي وقر لقتلهم مني قراري ~~PageV01P445 وأن مصعبا سار بالجيوش نحو الكوفة ، فعبر دجلة ، وخرج إلى أرض ~~كسكرة ، ثم أخذ على حديثة الفجار ، ثم أخذ على النجرانية حتى قارب الكوفة . ### ||| [ مسير المختار لحرب مصعب ] # وبلغ المختار مقتل أصحابه ، فنادى في بقية من كان معه من جنوده ، فقواهم ~~بالأموال والسلاح ، وسار بهم من الكوفة مستقبلا لمصعب بن الزبير ، فالتقوا ~~بنهر البصريين ، فاقتتلوا ، فقتل من أصحاب المختار مقتلة عظيمة ، وقتل محمد ~~بن الأشعث ، وقتل عمر بن علي بن أبي طالب ، عليهما السلام . وذلك أنه قدم ms238 ~~من الحجاز على المختار ، فقال له المختار : - هل معك كتاب محمد بن الحنفية ~~؟ فقال عمر : لا ، ما معي كتابه . فقال له : انطلق حيث شئت فلا خير لك عندي ~~. PageV01P446 فخرج من عنده ، وسار إلى مصعب ، فاستقبله في بعض الطريق ، ~~فوصله بمائة ألف درهم ، وأقبل مع مصعب حتى حضر الوقعة ، فقتل فيمن قتل من ~~الناس . ### ||| [ تحصن المختار في قصر الإمارة ] # وانهزم المختار حتى دخل الكوفة ، وتبعه مصعب ، فدخل في أثره ، وتحصن ~~المختار في قصر الإمارة ، فأقبل مصعب حتى أناخ عليه ، وحاصره أربعين يوما . ~~ثم إن المختار قلق ( بالحصار قلقا عظيما ، فقال ) للسائب بن مالك الأشعري ، ~~وكان من خاصته : - أيها الشيخ ، اخرج بنا نقاتل على أحسابنا لا على الدين . ~~فاسترجع السائب ، وقال : يا أبا إسحق ، لقد ظن الناس أن قيامك بهذا الأمر ~~دينونة . فقال المختار : لا ، لعمري ما كان إلا لطلب دنيا ، فإني رأيت عبد ~~الملك ابن مروان قد غلب على الشام ، وعبد الله بن الزبير على الحجاز ، ~~ومصعبا على البصرة ، ونجدة الحروري على العروض ، وعبد الله بن خازم على ~~خراسان ، ولست بدون واحد منهم ، ولكن ما كنت أقدر على ما أردت إلا بالدعاء ~~إلى الطلب بثأر الحسين . PageV01P447 ثم قال : - يا غلام ، علي بفرسي ~~ولأمتي . فأتي بدرعه ، فتدرعها ، وركب فرسه . ثم قال : قبح الله العيش بعد ~~ما أرى ، يا بواب ، افتح . ففتح له الباب . ### ||| [ مصرع المختار ] # وخرج ومعه حماة أصحابه ، فقاتل القوم قتالا شديدا ، وانهزم أصحابه ، ومضى ~~هو نحو القصر ، وهو في حامية أصحابه ، فدخل القصر من أصحابه ستة آلاف رجل ، ~~وبقي مع المختار نحو من ثلاثمائة رجل ، فأخذ أصحاب مصعب عليه باب القصر ، ~~فلجأ المختار فيمن معه إلى حائط القصر ، وأقبل يذمر أصحابه ، ويحمل . فلم ~~يزل يقاتل حتى قتل أكثر من كان معه . فحمل عليه أخوان من بني حنيفة من ~~أصحاب المهلب ، فضرباه بالسيف حتى سقط ، وبادرا إليه ، فاحتزا رأسه ، فأتيا ~~به مصعبا ، فأعطاهما ثلاثين ألف درهم . فقال سويد بن أبي كاهل يذكر قتل ~~المختار : ياليت شعري متى تغدو مخيسة ( 1 ) منا ms239 فتبلغ أهل الموسم الخبرا ~~PageV01P448 أنا جزرنا عن الكذاب هامته من بعد طعن وضرب يكشف الخمرا ### ||| [ توجيه رأس المختار إلى عبد الله بن الزبير ] # ووجه مصعب برأس المختار إلى عبد الله بن الزبير مع عبد الله بن عبد ~~الرحمن . قال عبد الله : فوافيت مكة بعد العشاء الآخرة ، فأتيت المسجد ، ~~وعبد الله ابن الزبير يصلي ، قال : فجلست أنتظره ، فلم يزل يصلي إلى وقت ~~السحر ، ثم انفتل من صلاته ، فدنوت منه ، فناولته كتاب الفتح ، فقرأه ، ~~وناوله غلامه ، وقال : - أمسكه معك . فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا الرأس ~~معي . قال : فما تريد ؟ . قلت : جائزتي . قال : خذ الرأس الذي جئت به ~~بجائزتك . فتركته ، وانصرفت . ### || ( سلطان عبد الله بن الزبير ) # ### ||| [ ابن الزبير يخرج ابن عباس وابن الحنيفة من مكة ] # قالوا : ولما قتل المختار ، واستتب الأمر لعبد الله بن الزبير ، أرسل إلى ~~عبد الله ابن عباس ومحمد بن الحنفية : ( أما أن تبايعاني أو تخرجا من جواري ~~) . فخرجا من مكة ، فنزلا الطائف ، وأقاما هناك . وتوفي عبد الله بن عباس ~~بالطائف ، وصلى عليه محمد بن الحنفية . وخرج محمد بن الحنفية حتى أتى أيلة ~~( 1 ) ، وكتب إلى عبد الملك بن مروان ، PageV01P449 يستأذنه في القدوم عليه ~~، والنزول في جواره ، فكتب إليه : وراءك أوسع لك ، ولا حاجة لي فيك . فأقام ~~محمد بن الحنفية عامه ذلك بأيلة ، ثم توفي بها . ### ||| [ قدوم ابن الأشتر على مصعب ] # وقتل المختار ، وإبراهيم بن الأشتر عامله على كورة الجزيرة ، فكتب إلى ~~مصعب يسأله الأمان ، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه ، فقدم وبايعه ، وفوض ~~مصعب إليه جميع أمره ، وأظهر بره وألطافه ، ### ||| [ قتل جميع رهناء القصر ] # ولم تزل الستة الآلاف ( 2 ) الذين دخلوا القصر متحصنين فيه شهرين ، حتى ~~نفد جميع ما كان المختار أعده فيه من الطعام ، فسألوا الأمان ، فأبى مصعب ~~أن يعطيهم الأمان إلا على حكمه . فأرسلوا إليه : أنا ننزل على حكمك . ~~فنزلوا عند ما بلغ إليهم الجوع . فضرب أعناقهم كلها ، وكانوا ستة آلاف : ~~ألفين من العرب ، وأربعة آلاف من العجم . PageV01P450 ### ||| [ موقف مصعب من امرأتي المختار ] # ودعا مصعب بامرأتي المختار ، أم ms240 ثابت ابنة سمرة بن جندب ، وعمرة بنت ~~النعمان بن بشير ، فدعاهما إلى البراءة من المختار ، فأما أم ثابت فإنها ~~تبرأت منه ، وأبت عمرة أن تتبرأ منه . فأمر بها مصعب ، فأخرجت إلى الجبانة ~~، فضربت عنقها . ### ||| [ ما قيل من الشعر في قتل عمرة ] # فقال بعض الشعراء في ذلك : أن من أعجب العجائب عندي قتل بيضاء حرة عطبول ~~قتلوها بغير ذنب سفاها إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا وعلى ~~المحصنات جر الذيول وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك : ألم ~~تعجب الأقوام من قتل حرة من المخلصات الدين محمودة الأدب ؟ من الغافلات ~~المؤمنات بريئة من الزور والبهتان والشك والريب PageV01P451 علينا كتاب ~~الله في القتل واجب وهن الضعاف في الحجال وفي الحجب فقلت ولم أظلم ، أعمرو ~~بن مالك يقتل ظلما ، لم يخالف ولم يرب ويسبقنا آل الزبير بوترنا ونحن حماة ~~الناس في البارق الأشب فإن تعقب الأيام منهم نجازهم على حنق بالقتل والأسر ~~والحنب ثم إن مصعب بن الزبير نزل القصر بالكوفة ، واستعمل العمال ، وجبى ~~الخراج ، فولى البصرة عبيد الله بن معمر التيمي ، ورد المهلب إلى قتال ~~الازارقة . ### ||| [ استشارة عبد الملك أهل بيته ] # قالوا : ولما صفا الأمر لعبد الله بن الزبير ودانت له البلدان إلا أرض ~~الشام ، جمع عبد الملك بن مروان إخوته ، وعظماء أهل بيته ، فقال لهم : إن ~~مصعب بن الزبير قد قتل المختار ، ودانت له أرض العراق ، وسائر البلدان ، ~~ولست آمنه أن يغزوكم في عقر بلادكم ، وما من قوم غزوا في عقر دارهم إلا ~~ذلوا ، فما ترون ؟ . فتكلم بشر بن مروان ، فقال : يا أمير المؤمنين ، أرى ~~أن تجمع إليك أطرافك ، وتستجيش جنودك ، وتضم إليك قواصيك ، وتسير إليه ، ~~وتلف الخيل بالخيل ، والرجال بالرجال ، والنصر من عند الله . فقال القوم : ~~هذا الرأي ، فاعمل به ، فإن بنا قوة ونهوضا . فوجه رسله إلى كور الشام ~~ليجتمع إليه ، فاجتمع له جميع أجناد الشام ، ثم سار وقد احتشد ، ولم ينزل . ~~PageV01P452 ### ||| [ خروج مصعب لحرب عبد الملك ] # وبلغ مصعب بن الزبير خروجه ، فضم ms241 إليه أطرافه ، وجمع إليه قواصيه ، ~~واستعد ، ثم خرج لمحاربته ، فتوافى العسكران بدير الحانات ، فقال عدي بن ~~زيد بن عدي ، وكان مع عبد الملك : لعمري لقد أصحرت خيلنا بأكناف دجلة ~~للمصعب يجرون كل طويل الكعو ب معتدل النصل والثعلب بكل فتى واضح وجهه كريم ~~الضرائب والمنصب ولما نظر أصحاب مصعب إلى كثرة جموع عبد الملك تواكلوا ، ~~وشملهم الرعب ، فقال مصعب لعروة بن المغيرة ، وهو يسايره : ادن يا عرو ~~أكلمك . فدنا منه . فقال : أخبرني عن الحسين ، كيف صنع حين نزل به الأمر ؟ ~~PageV01P453 قال عروة : فجعلت أحدثه بحديث الحسين ، وما عرض عليه ابن زياد ~~من النزول على حكمه ، فأبى ذلك ، وصبر للموت . فضرب مصعب معرفة دابته ~~بالسوط ، ثم قال : فإن الألى بالطف من آل هاشم تأسوا فسنوا للكرام التأسيا ### ||| [ استمالة عبد الملك أصحاب مصعب ] # وإن عبد الملك كتب إلى رؤساء أصحاب مصعب يستميلهم إليه ، ويعرض عليهم ~~الدخول في طاعته ، ويبذل لهم على ذلك الأموال . وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر ~~فيمن كتب . فأقبل إبراهيم بالكتاب مختوما فناوله مصعبا ، وقال : - أيها ~~الأمير ، هذا كتاب الفاسق عبد الملك بن مروان . قال له مصعب : فهلا قرأته . ~~قال : ما كنت لأفضه ، ولا أقرأه إلا بعد قراءتك له . ففضه مصعب ، وإذا فيه ~~: ### ||| [ كتاب عبد الملك إلى ابن الأشتر ] # ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى ~~إبراهيم ابن الأشتر ، أما بعد ، فإني أعلم أن تركك الدخول في طاعتي ليس إلا ~~عن معتبة ، فلك الفرات وما سقى ، فأنجز إلي فيمن أطاعك من قومك ، والسلام ) ~~. فقال مصعب : فما يمنعك يا أبا النعمان ؟ PageV01P454 قال : لو جعل لي ما ~~بين المشرق إلى المغرب ما أعنت بني أمية على ولد صفية . فقال مصعب : جزيت ~~خيرا أبا النعمان . فقال إبراهيم لمصعب : أيها الأمير ، لست أشك أن عبد ~~الملك قد كتب إلى عظماء أصحابك بنحو مما كتب إلي ، وانهم قد مالوا إليه ، ~~فائذن لي في حبسهم إلى فراغك ، فإن ظفرت مننت بهم على عشائرهم ، وإن تكن ~~الأخرى كنت قد أخذت بالحزم . قال ms242 مصعب : إذن يحتجوا علي عند أمير المؤمنين ~~. فقال إبراهيم : أيها الأمير ، لا أمير المؤمنين والله لك اليوم ، وما هو ~~إلا الموت ، فمت كريما . فقال مصعب : يا أبا النعمان ، إنما هو أنا وأنت ~~فنقدم للموت . قال إبراهيم : إذن ، والله أفعل . قال : ولما نزلوا بدير ~~الجاثليق باتوا ليلتهم . فلما أصبحوا نظر إبراهيم بن الأشتر ، فإذا القوم ~~الذين اتهمهم قد ساروا تلك الليلة ، فلحقوا بعبد الملك بن مروان ، فقال ~~لمصعب : - كيف رأيت رأيي ؟ . ### ||| [ مصرع ابن الأشتر ومصعب ] # ثم زحف بعضهم إلى بعض ، فاقتتلوا ، فاعتزلت ربيعة ، وكانوا في ميمنة مصعب ~~، PageV01P455 وقالوا لمصعب : لا نكون معك ولا عليك . وثبت مع مصعب أهل ~~الحفاظ ، فقاتلوا ، وإمامهم إبراهيم بن الأشتر ، فقتل إبراهيم . فلما رأى ~~مصعب ذلك ، استمات ، فترجل ، وترجل معه حماة أصحابه ، فقاتلوا حتى قتل ~~عامتهم ، وانكشف الباقون عن مصعب . فحمل عليه عبد الله بن ظبيان ، فضربه من ~~ورائه بالسيف ، ولا يشعر به مصعب ، فخر صريعا ، فنزل وأجهز عليه ، واحتز ~~رأسه . فأتي به عبد الملك ، فحزن عليه حزنا شديدا ، وقال : متى تغدو قريش ~~مثل مصعب ؟ وددت لو أنه قبل الصلح ، وإني قاسمته مالي . ولما قتل مصعب بن ~~الزبير استأمن من بقي من أصحابه إلى عبد الملك ، فآمنهم . فقال عبد الله بن ~~قيس الرقيات : PageV01P456 لقد ورد المصرين خزي وذلة قتيل بدير الجاثليق ~~مقيم فما صبرت في الحرب بكر بن وائل ولا ثبتت عند اللقاء تميم ولكنه ضاع ~~الذمار فلم يكن بها عربي عند ذاك كريم وكان قتل مصعب يوم الخميس للنصف من ~~جمادى الأولى سنة اثنتين وسبعين ( 1 ) . ### ||| [ بيعة أهل الكوفة لعبد الملك ] # فارتحل عبد الملك بالناس حتى دخل الكوفة ، فدعاهم إلى البيعة ، فبايعوه . ~~ثم جهز الجيوش إلى تهامة لمحاربة عبد الله بن الزبير ، وولى الحرب قدامة ~~ابن مطعون ، وأمره بالمسير . . انصرف عبد الملك إلى الشام . PageV01P457 # | [ مسير الحجاج لحرب عبد الله بن الزبير ] # ثم وجه الحجاج بن يوسف لمحاربة عبد الله بن الزبير ، وعزل قدامة بن مظعون ~~، فسار الحجاج حتى نزل الطائف ، وأقام شهرا . ثم كتب إلى عبد ms243 الملك : ( إنك ~~يا أمير المؤمنين متى تدع ابن الزبير يعمل فكره ، ويستجيش ويجمع أنصاره ، ~~وتثوب إليه فلالة كان في ذلك قوة له ، فائذن في معاجلته لي ) . فأذن له . ~~فقال الحجاج لأصحابه : تجهزوا للحج . وكان ذلك في أيام الموسم . ثم سار من ~~الطائف حتى دخل مكة ، ونصب المنجنيق على أبي قبيس . فقال الأقيشر الأسدي : ~~لم أر جيشا غر بالحج مثلنا ولم أر جيشا مثلنا غير ما خرس دلفنا لبيت الله ~~نرمي ستوره بأحجارنا زفن الولائد في العرس دلفنا له يوم الثلاثاء من منى ~~بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس فإلا ترحنا من ثقيف وملكها نصل لأيام السباسب ~~والنحس PageV01P458 فطلبه الحاج ، فهرب ، وأناخ الحاج بابن الزبير . وتحصن ~~منه ابن الزبير في المسجد . واستعمل الحجاج على المنجنيق ابن خزيمة الخثعمي ~~، فجعل يرمي أهل المسجد ويقول : خطاره مثل الفنيق الملبد نرمي بها عواذ أهل ~~المسجد ### ||| [ مقتل عبد الله بن الزبير ] # فلما اشتد على ابن الزبير وأصحابه الحصار ، خرجت بنو سهم من بابهم ، فقال ~~ابن الزبير : فرت سلامان ، وفرت النمر وقد تكون معهم فلا تفر وجعل أهل ~~الشام يدخلون عليه المسجد ، فيشد عليهم ، فيخرجهم من المسجد حتى رمي بحجر ، ~~فأصاب جبهته ، فسقط لوجهه ، ثم تحامل ، فقام ، وهو يقول : فلسنا على ~~الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم قال لأصحابه : ( ~~أخرجوا إلي من بالباب ، واحملوا ، ولا يلهينكم طلبي ، والسؤال عني ، فإني ~~في الرعيل الأول ) . فخرج ، وخرجوا معه ، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل عامة ~~من كانوا معه ، وأحدقوا به من كل جانب ، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه . ~~PageV01P459 فأمر به الحجاج ، فصلب . فمر به عبد الله بن عمر ، فقال : ( ~~رحمك الله أبا بكر ، أما والله لقد كنت صواما قواما ، غير أنك رفعت الدنيا ~~فوق قدرها ، وليست لذلك بأهل ، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق ) . وكان مقتل ~~ابن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة ، سنة ثلاث ~~وسبعين . . ### ||| [ استجارة غروة بن الزبير بعبد الملك ] # ولما قتل عبد الله بن الزبير خرج أخوه عروة بن الزبير ms244 هاربا من الحجاج ~~حتى أتى الشام ، فاستجار بعبد الملك بن مروان ، فأجاره ، وأظهر إكرامه ، ~~وأقام عنده . فكتب الحجاج إلى عبد الملك به أن أموال عبد الله بن الزبير ~~عند أخيه عروة ، فرده إلي لأستخرجها منه . فقال عبد الملك لبعض أحراسه : - ~~انطلق بعروة إلى الحجاج . فقال عروة : - يا بني مروان ، ما ذل من قتلتموه ، ~~بل ذل من ملكتموه . فتذمم عبد الملك ، وخلى سبيل عروة . وكتب إلى الحجاج : ~~( إله عن عروة ، فلن أسلطلك عليه ) . فأقام الحجاج بمكة حتى أقام للناس ~~الحج . PageV01P460 وأمر بالكعبة فنقضت ، وأعاد بناءها ، وهو هذا البناء ~~القائم اليوم . ### ||| [ وفيات الأعيان ] # وفي ذلك العام توفي عبد الله بن عمر ، وله أربع وسبعون سنة . فدفن ( بذي ~~طوى ) في مقبرة المهاجرين . وكان يكنى ( أبا عبد الرحمن ) . وفيها مات أبو ~~سعيد الخدري ، واسمه سعد بن مالك . وفيها مات رافع بن حديج ، وله ست ~~وثمانون سنة ، وكان يكنى ( أبا عبد الله ) . ### ||| [ سك النقود العربية ] # قالوا : وأمر عبد الملك بضرب الدراهم سنة ست وسبعين ، ثم أمر بعد ذلك ~~PageV01P461 بضرب الدنانير ، وهو أول من ضربها في الإسلام . وإنما كانت ~~الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم . وفي تلك السنة مات جابر بن عبد ~~الله ، وله سبع وتسعون سنة . ### || [ فتنة ابن الأشعث ] # ### ||| [ خروج ابن الأشعث ] # ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس على الحجاج . وكان سبب خروجه ~~أنه دخل على الحجاج يوما ، فقال له الحجاج : - إنك لمنظراني . قال عبد ~~الرحمن : إي والله ، ومخبراني . وقام عبد الرحمن ، فخرج . فقال الحجاج لمن ~~كان عنده : - ما نظرت إلى هذا قط ، إلا أشهيت أن أضرب عنقه . وكان عامر ~~الشعبي حاضرا . وأن عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبي ، فقام ~~عبد الرحمن إليه . فقال له : هل ذكرني الأمير بعد خروجي من عنده بشيء ؟ ~~PageV01P462 فقال الشعبي : أعطني عهدا وثيقا ألا يسمعه منك أحد . فأعطاه ~~ذلك . فأخبره بما كان الحجاج قال فيه . فقال عبد الرحمن : - والله لأجهدن ~~في قطع خيط رقبته . ### ||| [ ابن الأشعث يستنفر القراء ] # ثم إن عبد الرحمن ms245 دب في عباد أهل الكوفة وقرائهم ، فقال : ( أيها الناس ، ~~ألا ترون هذا الجبار - يعني الحجاج - وما يصنع بالناس ؟ ألا تغضبون لله ؟ ~~ألا ترون أن السنة قد أميتت ، والأحكام قد عطلت ، والمنكر قد أعلن ، والقتل ~~قد فشا ؟ اغضبوا لله ، واخرجوا معي ، فما يحل لكم السكوت ) . فلم يزل يدب ~~في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعباد ، وواعدهم يوما يخرجون ~~فيه . فخرجوا على بكرة أبيهم ، واتبعهم الناس ، فساروا حتى نزلوا الأهواز ، ~~ثم كتبوا إلى الحجاج : خلع الملوك وسار تحت لوائه شجر العرى وعراعر الأقوام ~~فأرسل الحجاج كتابه إلى عبد الملك بن مروان . فكتب عبد الملك في جوابه : ~~وإني وإياهم كمن نبه القطا ولو لم ينبه باتت الطير لا تسري PageV01P463 ~~إخال صروف الدهر للحين منهم ستحملهم مني على مركب وعر ### ||| [ حال عبد الملك إبان الفتنة ] # قالوا : وأهديت لعبد الملك في ذلك اليوم جارية إفريقية ، أهداها إليه ~~موسى ابن نصير ، عامله على أرض المغرب ، وكانت من أجمل نساء دهرها ، فباتت ~~عنده تلك الليلة ، فلم ينل منها شيئا أكثر من أن غمز كفها ، وقال لها : إن ~~دونك أمنية المتمني . قالت : فما يمنعك ؟ قال : يمنعني بيت مدحنا به ، وهو ~~: قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم دون النساء ولو باتت بأطهار فزعموا أنه مكث ~~سبعة أشهر لا يقرب امرأة حتى أتاه قتل عبد الرحمن بن محمد . ### ||| [ رسول الحجاج إلى ابن الأشعث ] # ثم إن الحجاج بعث أيوب بن القرية إلى عبد الرحمن بن محمد ، وقال : انطلق ~~، فادفعه إلى الطاعة ، وله الأمان على ما سلف من ذنبه . فانطلق إليه ابن ~~القرية ، فدعاه ، فأبلغ في الدعاء ، فقال له عبد الرحمن : - ويحك يا ابن ~~القرية ، أيحل لك طاعته مع ارتكابه العظائم ، واستحلاله المحارم ؟ اتق الله ~~يا ابن القرية ، ووال عباد الله في البرية . PageV01P464 ولم يزل عبد ~~الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه ، وأقام مع عبد الرحمن ، ~~فقال له عبد الرحمن : إني أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابا مسجعا ، اعرفه فيه ~~سوء فعاله ، وأبصره قبح سريرته ، فأمله علي . فقال ms246 أيوب : إن الحجاج يعرف ~~ألفاظي . قال : وما عليك ، إني لأرجو أن نقتله عن قريب . فأملى عليه ، فكتب ~~: ### ||| [ كتاب ابن الأشعث إلى الحجاج ] # ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من عبد الرحمن بن محمد ، إلى الحجاج بن يوسف ~~، سلام على أهل طاعة الله ، الذين يحكمون بما أنزل الله ، ولا يسفكون دما ~~حراما ، ولا يعطلون لله أحكاما ، فإني أحمد الله الذي بعثني لمنازلتك ، ~~وقواني على محاربتك حين تهتكت ستورك ، وتحيرت أمورك ، فأصبحت حيران تائها ، ~~لهفان لا تعرف حقا ، ولا تلائم صدقا ، ولا ترتق فتقا ، ولا تفتق رتقا ، ~~وطالما تطاولت فيما تناولت ، فصرت في الغي مذبذبا ، وعلى الشرارة مركبا ، ~~فتدبر أمرك ، وقس شبرك بفترك ، فإنك مراق عراق ، ومعك عصابة فساق ، جعلوك ~~مثالهم ، كحذوهم نعالهم ، فاستعد للأبطال بالسيوف والعوال ، فستذوق وبال ~~أمرك ، ويرجع عليك غيك ، والسلام ) . فلما قرأ الحجاج الكتاب عرف ألفاظ ابن ~~القرية ، وعلم أنه من إملائه . فكتب إلى عبد الرحمن في جوابه . ### ||| [ جواب الحجاج ] # ( بسم الله الرحمن الرحيم ، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث ~~، سلام على أهل التورع لا التبدع ، فإني أحمد الله الذي حيرك بعد البصيرة ، ~~فمرقت عن الطاعة ، وخرجت عن الجماعة ، فعسكرت في الكفر ، وذهلت عن الشكر ، ~~فلا تحمد الله في سراء ، ولا تصبر لأمره في ضراء ، قد أتاني كتابك بلفظات ~~فاجر ، فاسق غادر ، وسيمكن الله منه ، PageV01P465 ويهتك ستوره ، أما بعد ~~فهلم إلى فعل وفعال ، ومعانقة الأبطال بالبيض والعوال ، فإن ذلك أحرى بك من ~~قيل وقال ، والسلام على من اتبع الهدى ، وخشي الله ، واتقى ) . ### ||| [ هزيمة ابن الأشعث ] # وإن عبد الملك وجه إلى الحجاج عشرة آلاف رجل من فرسان أهل الشام لمحاربة ~~عبد الرحمن بن محمد . فلما قدموا عليه تجهز ، وسار نحو عبد الرحمن ، ~~فالتقوا بالأهواز ، فاقتتلوا ، فانهزم عبد الرحمن ، ومضى على وجهه ، فمر ~~على رجل من أصحابه مسلوب حاف ، يمشي ويعثر . فأنشأ عبد الرحمن يقول : منخرق ~~الخفين يشكو الوجى تنكئه أطراف مرو حداد أخرجه الخذلان عن أرضه كذلك من ~~يكره حر الجلاد إن كان في الموت له راحة فالموت ms247 حتم في رقاب العباد فقال ~~الرجل : - فهلا ثبت ، فنقاتل معك . فقال له عبد الرحمن : - أو بمثلك تسد ~~الثغور ؟ ! . ### ||| [ انتحار ابن الأشعث ] # ومضى عبد الرحمن حتى استجار بملك الأتراك ، فأقام عنده . PageV01P466 ~~فكتب عبد الملك إلى ملك الأتراك ، يخبره بشقاق عبد الرحمن ، وخلعه الطاعة ، ~~وخروجه عليه ، و يسأله أن يرده عليه . فقال ملك الأتراك لطراخنته : - إن ~~ابن الأشعث هذا رجل مخالف للملوك ، فلا ينبغي لي أن آويه ، بل أبعث به إلى ~~ملكه ، فيتولى من أمره ما أحب . فوجه به مع مائة رجل من ثقاته ، فأنزلوه في ~~طريقه قصرا في قرية ، فرقى إلى ظهر القصر ، ورمى بنفسه من السور ، فمات . ### ||| [ دخول ابن القرية على الحجاج وغزارة علمه ] # وإن أيوب بن القرية أسر فيمن أسر من أصحاب عبد الرحمن ، فأدخل به على ~~الحجاج . فلما أدخل عليه ، قال له : - يا عدو الله ، بعثتك رسولا إلى عبد ~~الرحمن ، فتركت ما بعثت له ، وصرت وزيرا ومشيرا ، تصدر له الكتب ، وتسجع له ~~الكلام ، وتدبر له الأمور . فقال ابن القرية أصلح الله الأمير ، كان شيطانا ~~في مسك إنسان ، استمالني بسحره ، وخلبنى بلفظه ، فكان اللسان ينطق بغير ما ~~في القلب . PageV01P467 قال الحجاج : كذبت يا ابن اللخناء ( 1 ) ، بل كان ~~قلبك منافقا ، ولسانك مدامجا ، ، فكتمت أمرا أظهره الله ، وأطعت فاسقا خذله ~~الله ، فما بقي من نعتك ؟ قال ابن القرية : ذهني جديد ، وجوابي عتيد . قال ~~: كيف علمك بالأرض ؟ قال : ليسألني الأمير عما أحب . قال : أخبرني عن الهند ~~. قال : بحرها در ، وجبلها ياقوت ، وشجرها عطر . قال : فأخبرني عن مكران . ~~قال : ماؤها وشل ( 2 ) ، وتمرها دقل ( 3 ) ، وسهلها جبل ، ولصها بطل ، إن ~~كثر الجيش بها جاعوا ، وإن قلوا ضاعوا . قال : فخراسان . قال : ماؤها جامد ~~، وعدوها جاهد ، بأسهم شديد ، وشرهم عتيد ، وخيرهم بعيد . قال : فاليمن . ~~قال : أرض العرب ، ومعدن الذهب . قال : فعمان . قال : حرها شديد ، وصيدها ~~موجود ، وأهلها عبيد . PageV01P468 قال : فالبحرين . قال : كناسة ( 1 ) بين ~~مصرين ، وجنة بين بحرين . قال : فمكة . قال : قوم ذوو جفاء ، ومن سجيتهم ~~الوفاء . قال : فالمدينة . قال : ذوو لطف وبر ، وخير ms248 وشر . قال : فالبصرة . ~~قال : حرها فادح ، وماؤها مالح ، وفيضها سائح . قال : فالكوفة . قال : جنة ~~بين حماة وكنة ( 2 ) ، العراق تحشد لها ، والشام يدر عليها ، سفلت عن برد ~~الشام ، وارتفعت عن حر الحجاز . قال : فالشام . قال : تلك عروس بين نسوة ~~جلوس ، تجلب إليها الأموال ، وفيها الضراغمة الأبطال . ### ||| [ مقتل ابن القرية بحربة الحجاج ] # قال له الحجاج : ثكلتك أمك ، أنت المصدر الكتب لابن الأشعث ، ألم تعلم ~~أني لا أصاحب على الشقاق ، ولا أجامع على النفاق ؟ قال ابن القرية : ~~استبقني أيها الأمير . قال : لماذا ؟ قال : لنبوة بعد هفوة . PageV01P469 ~~قال الحجاج : لا ، بل لغدرة بعد نكثه ، يا غلام ، ناولني الحربة . وقد أمسك ~~ابن القرية أربعة رجال فلا يستطيع تحريكا ، وهز الحجاج الحربة ثلاثا . فقال ~~ابن القرية : اسمع مني ثلاث كلمات ، تكن بعدي مثلا . قال : هات . قال : لكل ~~جواد كبوة ، ولكل حليم هفوة ، ولكل شجاع نبوة . فوضع الحجاج الحربة في ~~ثندوة ابن القرية ، ودفعها حتى خالطت جوفه ، ثم خضخضها ، وأخرجها ، فاتبعها ~~دم أسود . فقال الحجاج : هكذا تشخب أوداج الإبل . وفحص ابن القرية برجليه ~~وشخص بصره ، وجعل الحجاج ينظر إليه حتى قضى . فحمل في النطع . فقال الحجاج ~~: لله درك يا ابن القرية ، أي أدب فقدنا منك ، وأي كلام رصين سمعنا منك . ~~PageV01P470 ### ||| [ دخول أنس بن مالك على الحجاج ] # ودخل بعد ذلك أنس بن مالك . فقال له الحجاج : هيه يا أنس ، يوما مع ~~المختار ، ويوما مع ابن الأشعث ، جوال في الفتن ، والله لقد هممت أن أطحنك ~~طحن الرحى بالثفال ، وأجعلك غرضا للنبال . قال أنس : من يعني الأمير ؟ ~~أصلحه الله . قال : إياك أعني ، أسك الله سمعك . فانصرف أنس إلى منزله ، ~~وكتب من ساعته إلى عبد الملك بن مروان : ( بسم الله الرحمن الرحيم ، لعبد ~~الله عبد الملك أمير المؤمنين من أنس بن مالك ، أما بعد ، فإن الحجاج قال ~~لي نكرا ، وأسمعني هجرا ، ولم أكن لذلك أهلا ، فخذ على يديه ، وأعدني عليه ~~، والسلام ) . ### ||| [ كتاب عبد الملك إلى الحجاج ] # فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط غضبا ، ثم كتب إليه . ( هيه يا ابن ms249 ~~يوسف ، أردت أن تعلم رأي أمير المؤمنين في أنس ، فإن سوغك مضيت قدما ، وإن ~~لم يسوغك رجعت القهقرى ، يا ابن المستفرمة بعجم PageV01P471 الزبيب ( 1 ) ، ~~أنسيت مكاسب آبائك بالطائف في حفر الآبار وسد السكور ( 2 ) ، وحمل الصخور ~~على الظهور ؟ أبلغ من جرأتك على أمير المؤمنين أن تعنت بأنس ابن مالك ، ~~خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين ، يطلعه على سره ، ويفشي إليه ~~الأخبار التي كانت تأتيه عن ربه ؟ فإذا أتاك كتابي هذا فامش إليه على قدميك ~~حتى تأخذ كتابه إلي بالرضى ، والسلام ) . ### ||| [ دخول الحجاج على أنس ] # فلما وصل كتاب عبد الملك إلى الحجاج قال لمن حوله من أصحابه : قوموا بنا ~~إلى أبي حمزة . فقام ماشيا . ومضى معه أصحابه حتى أتى أنسا ، فأقرأه كتاب ~~عبد الملك إليه . فقال أنس : جزى الله أمير المؤمنين خيرا ، كذلك كان رجائي ~~فيه . قال له الحجاج : فإن لك العتبي ، وأنا صائر إلى مسرتك ، فاكتب إلى ~~أمير المؤمنين بالرضى . فكتب إليه أنس بالرضى عنه . ودفعه إلى الحجاج ، ~~فأنفذه الحجاج على البريد إلى عبد الملك . ### ||| [ مبايعة عبد الملك لابنه الوليد ووصيته له قبل موته ] # قالوا : ولما حضرت عبد الملك الوفاة ، وذلك في سنة ست وثمانين أخذ البيعة ~~لابنه الوليد ، وكان ولده : الوليد ، وسليمان ، ويزيد ، وهشام ، ومسلمة ، ~~ومحمد . PageV01P472 ثم قال للوليد : يا وليد ، لا ألفينك إذا وضعتني في ~~حفرتي أن تعصر عينيك كالأمة الورهاء بل ائتزر وشمر ، والبس جلد النمر ، ~~وادع الناس إلى البيعة ثانيا ، فمن قال برأسه كذا ، فقل بالسيف كذا . ووعك ~~وعكا شديدا . فلما أصبح جاء الوليد ، فقام بباب المجلس ، وهو غاص بالنساء ، ~~فقال : كيف أصبح أمير المؤمنين ؟ قيل له : يرجى له العافية . وسمع عبد ~~الملك ذلك ، فقال : وكم سائل عنا يريد لنا الردى وكم سائلات والدموع ذوارف ~~ثم أمر بالنساء ، فخرجن . وأذن لبني أمية فدخلوا عليه وفيهم خالد وعبد الله ~~ابنا يزيد بن معاوية فقال لهما : يا بني يزيد ، أتحبان أن أقيلكما بيعة ~~الوليد ؟ قالا : معاذ الله ، يا أمير المؤمنين . قال : لو قلتما غير ذلك ms250 ~~لأمرت بقتلكما على حالتي هذه . ثم خرجوا عنه ، واشتد وجعه ، فتمثل ببيت ~~أمية بن أبي الصلت : ليتني كنت قبل ما قد بدا لي في قلال الجبال أرعي ~~الوعولا PageV01P473 فلم يمس يومه ذلك حتى قضى . ### ||| [ سلطان عبد الملك ] # وكان سلطانه إحدى وعشرين سنة وستة أشهر ، وكان له يوم مات ثمان وخمسون ~~سنة ، من ذلك سبع سنين ، كان فيها محاربا لعبد الله بن الزبير ، ثم صفا له ~~الملك بعد قتله ابن الزبير ثلاثة عشر سنة ونصفا . ### || [ أخبار الوليد بن عبد الملك ] # ### ||| [ بيعة الوليد ] # ولما انصرف الوليد من قبل أبيه قصد المسجد الأعظم ، واجتمع إليه الناس ، ~~فبايعوه . وعقد لعمر بن عبد العزيز بن مروان على الحرمين . PageV01P474 ~~فنزل المدينة ، فدعا بعشرة نفر من أفاضل أهلها ، منهم عروة بن الزبير ، ~~وعبيد الله بن عتبة ، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، وأبو بكر ~~ابن سليمان بن أبي حثمة ، وسليمان بن يسار ، والقاسم بن محمد ، وسالم بن ~~عبد الله ، فاجتمعوا ، فدخلوا عليه ، فقال : اعلموا أنني لست أقطع أمرا إلا ~~برأيكم ومشورتكم ، فأشيروا علي . قالوا : نفعل أيها الأمير ، جزيت على ما ~~تنوي خير ما جزى مؤثر لمرضاة ربه . ثم خرجوا . ### ||| [ عمر بن عبد العزيز يصلح مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ] # ثم كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز ، أن يشتري الدور التي حول مسجد ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيزيدها في المسجد ، ويجدد بناء المسجد . ~~وكتب إلى ملك الروم يعلمه ما هم به من ذلك ، ويسأله أن يبعث إليه ما استطاع ~~من الفسيفساء ( 1 ) فوجه إليه منها أربعين وسقا ( 2 ) . فبعث به إلى عمر بن ~~عبد العزيز ، فهدم عمر المسجد ، وزاد فيه ، وبناه ، وزينه بالفسيفساء . ~~PageV01P475 ### || [ فتوحات قتيبة بن مسلم الباهلي ] # ### ||| [ فتح بخارى ] # وكان على خراسان من قبل الحجاج قتيبة بن مسلم الباهلي . فكتب إليه الحجاج ~~يأمره بعبور النهر - نهر بلخ - ، وأن يفتح تلك البلاد . فاستعد قتيبة ، ~~وسار في المفازة التي بين مدينة مرو وبين مدينة آموية ، وهي ذات رمال وغضي ~~، فصار إلى آموية ms251 ، ثم عبر النهر وسار إلى بخاري . وكان ملك تلك الأرضين ~~يسمى ( صول ) وكان ملكه على جميع ما وراء النهر ، فلقيه الملك ، فحاربه ~~قتيبة ، فهزمه ، وهرب صول نحو الصغانيان . فاحتوى قتيبة على بخارى وحيزها ، ~~فولى عليها رجلا . ### ||| [ فتح سمرقند ] وسار حتى وافى بلاد السغد ، فأناخ على مدينتها العظمى ، وهي سمرقند ، فحاصرها أشهرا . فوجه إليه دهقانها : إنك لو ~~أقمت على مدينتي هذه عمرك لم تصل إليها ، لأنا نجد في كتب آبائنا ، أنه لا ~~يقدر عليها إلا رجل اسمه ( بالان ) ، لست إياه ، فامض لشأنك . PageV01P476 ~~فزعموا أن قتيبة احتال لما يئس من مكابرتها ، فهيأ صناديق ، وجعل لها ~~أبوابا من أسافلها ، تغلق من داخل ، وتفتح ، وجعل في كل صندوق رجلا مستلئما ~~، معه سيفه ، وأقفل أبوابها العليا . ثم أرسل إلى الدهقان : ( أما إذا كان ~~هذا هكذا ، فإني راحل عنك إلى الصغانيان ، وناحيتها ، ومعي فضول أموال ~~وسلاح ، فوادعني ، وأحرز هذه الصناديق عندك إلى عودي إن سلمت . فأجابه إلى ~~ذلك ، وتقدم قتيبة إلى الرجال أن يفتحوا أبواب الصناديق في جوف الليل ، ~~فيخرجوا ، ثم يصيروا إلى باب المدينة فيفتحوه . وأمر الدهقان بالصناديق ، ~~فأدخلت المدينة . فلما جن الليل ، وهدأ الناس خرج الرجال مستلئمين ، معهم ~~السيوف ، لا يستقبلهم أحد إلا قتلوه ، حتى أتوا باب المدينة ، فقتلوا الحرس ~~، وفتحوا الباب . ودخل قتيبة بالجيش ، ووقعت الواعية ، وهرب الدهقان في سرب ~~( 1 ) ، فلحق بالملك ، وصارت سمرقند في قبضة قتيبة ، فخلف عليها رجلا . ### ||| [ فتح بلاد ما وراء النهر ، ومقتل قتبة ] # وسار حتى أتى الصغانيان ، فهرب الملك منهم حتى صار في بلاد الترك ، ووغل ~~فيها ، وخلى المملكة لقتيبة . فدخل قتيبة الصغانيان ، ووجه عماله إلى كش ( ~~2 ) ونسف ( 3 ) ، وافتتح جميع ما وراء النهر ، وجميع تخارستان ، ولم يبق من ~~خراسان شئ إلا افتتحه . ولم يزل قتيبة بخراسان سنين حتى شغب عليه أجناده ~~فقتلوه . PageV01P477 فاستعمل الوليد بن عبد الملك عليها الجراح بن عبد ~~الله الحكمي . وحج الوليد بن عبد الملك في سنة إحدى وتسعين ، وقد فرغ عمر ~~بن عبد العزيز من بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم ms252 ، فدخله ، وطاف به ، ~~ونظر إلى بنائه . ### ||| [ وفاة الصحاية ] # ولم يكن بقي في زمن الوليد من الصحابة إلا نفر يسير ، منهم بالمدينة ، ~~سهل ابن سعد الساعدي ، وكان يكنى أبا العباس ، توفي في آخر خلافة الوليد ، ~~وكان يوم مات ابن مائة سنة ، ومنهم جابر بن عبد الله . وبالبصرة أنس بن ~~مالك . وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى . PageV01P478 وبالشام أبو أمامة ~~الباهلي . ### ||| [ هلاك الحجاج ] # وفي السنة الخامسة من خلافة الوليد مات الحجاج بواسط ، وله أربع وخمسون ~~سنة ، وكانت إمرته على العراق عشرين سنة . منها في خلافة عبد الملك خمس ~~عشرة سنة ، وفي خلافة الوليد خمس سنين . وقد كان قتل سعيد بن جبير قبل موته ~~بأربعين يوما . قالوا : وكان يقول في طول مرضه إذا هجر : ما لي ولك يا ابن ~~جبير ؟ PageV01P479 وقتل ابن جبير وهو ابن تسع وأربعين سنة ، وكان يكنى أبا ~~عبد الله ، وكان ولاؤه لبني أمية . ### || [ أخبار سليمان بن عبد الملك ] # ### ||| [ بيعة سليمان ] # ولما تم للوليد بن عبد الملك تسع سنين وستة أشهر حضرته الوفاة ، فأسند ~~الملك إلى أخيه سليمان بن عبد الملك . فبويع سليمان في جمادي الآخرة سنة ست ~~وتسعين ، وسليمان يومئذ من أبناء سبع وثلاثين سنة . | ### ||| [ وفاة سليمان واستخلافه عمر بن عبد العزيز ] # فملك سليمان سنتين وثمانية أشهر ، ثم مرض مرضته التي مات فيها . ~~PageV01P480 فلما ثقل كتب كتابا ، وختمه ، ولم يدر أحد ما كتب فيه ، ثم قال ~~لصاحب شرطه : ( اجمع إليك إخوتي ، وعمومتي ، وجميع أهل بيتي ، وعظماء أجناد ~~الشام ، وأحملهم على البيعة لمن سميت في هذا الكتاب ، فمن أبى منهم أن ~~يبايع ، فاضرب عنقه ) ، ففعل . فلما اجتمعوا في المسجد أمرهم بما أمر به ~~سليمان . فقالوا : أخبرنا من هو ؟ لنبايعه على بصيرة . فقال : والله ما ~~أدري من هو ، وقد أمرني أن أضرب عنق من أبى . قال رجاء بن حيوة : فدخلت على ~~سليمان ، فأكببت عليه ، وقلت : يا أمير المؤمنين ، من صاحب الكتاب الذي ~~أمرتنا بمبايعته ؟ فقال : إن أخوي يزيد وهشاما لم يبلغا أن يؤتمنا على ~~الأمة ، فجعلتها للرجل الصالح ، عمر بن عبد ms253 العزيز ، فإذا توفي عمر رجع ~~الأمر إليهما . ( 42 - الاخبار الطوال ) ( * ) فخرج رجاء بن حيوة ، فأخبر ~~يزيد وهشاما بذلك ، فرضيا ، وسلما ، وبايعا ، ثم بايع بعدهما جميع الناس . ~~PageV01P481 وكان أكبر ولده يومئذ محمد بن سليمان ، فكانت له اثنتا عشرة ~~سنة . وجعل يقول ، وهو يجود بنفسه : إن بني صبية صيفيون أفلح من كان له ~~ربعيون ### ||| [ وصية سلمان لأبي النضر الكلبي ] # وذكر عن الكلبي أنه قال : بعث إلى سليمان بن عبد الملك ، فدخلت عليه ، ~~وقد انتفخ سحري ، فسلمت عليه بالخلافة ، فرد علي السلام . ثم أومأ إلي ، ~~فجلست ، فسكت عني حتى إذا سكن جأشي ، قال لي : يا كلبي ، إن ابني محمدا قرة ~~عيني وثمرة قلبي ، وقد رجوت أن يبلغ الله به أفضل ما بلغ رجلا من أهل بيته ~~، وقد وليتك تأديبه ، فعلمه القرآن ، وروه الأشعار ، فإن الشعر ديوان العرب ~~، وفهمه أيام الناس ، وخذه بعلم الفرائض ، وفهمه السنن ، ولا تفتر عنه ليلا ~~ونهارا ، فإذا أخطأ بكلمة ، أو زل بحرف ، أو هفا بقول ، فلا تؤنبه بين يدي ~~جلسائه ، ولكن إذا خلا لك مجلسك ، لئلا تمحكه ، وإذا دخل عليه الناس ~~للتسليم ، فخذه بألطافهم وإظهار برهم ، وإذا حيوة فليحيهم بأحسن منها ، ~~وأطيبا لمن حضر بمائدتكما الطعام ، وأحمله على طلاقة الوجه ، وحسن البشر ، ~~وكظم الغيظ ، وقلة القذر ، والتثبت في المنطق ، والوفاء بالعهد ، وتنكب ~~الكذب ، ولا يركبن فرسا PageV01P482 مخذوفا ، ولا مهلوبا ولا يركبن بسرج ~~صغير ، فتبدو أليتاه منه ) . قال : فلم يلبث سليمان بعد ذلك إلا قليلا حتى ~~مات . ### || [ أخبار عمر بن عبد العزيز ] ### ||| تولیه عمر # وأسند الأمر إلى عمر بن عبد العزيز . قالوا : فلما استخلف قعد للناس على ~~الأرض . فقيل له : لو أمرت ببساط يبسط لك ، فتجلس ، ويجلس الناس عليه كان ~~ذلك أهيب لك في قلوب الناس فتمثل : قضى ما قضى فيما مضى ، ثم لا ترى له ~~صبوة إحدى الليالي الغوابر ولولا التقى من خشية الموت والردى لعاصيت في حب ~~الصبا كل زاجر وكان إذا جلس للناس قال ( بسم الله ، وبالله ، وصلى الله على ~~رسول الله ، أفرأيت إن متعناهم سنين ، ثم ms254 جاءهم ما كانوا يوعدون ، ما أغنى ~~عنهم ما كانوا يمتعون ) . ثم تمثل بهذه الأبيات : نسر بما يبلى ، ونشغل ~~بالمنى كما سر بالأحلام في النوم حالم نهارك يا مغرور سهو وغفلة وليلك نوم ~~، والردى لك لازم وسعيك فيما سوف تكره غبة كذلك في الدنيا تعيش البهائم [ ### ||| جلوسه للمظالم ثم موته ] ثم نصب نفسه لرد المظالم . PageV01P483 وبدأ ببني أمية ، وأخذ ما كان في أيديهم من الغصوب ، فردها على أهلها . ودخل عليه ~~أناس من خاصته ، فقالوا : يا أمير المؤمنين ، ألا تخاف غوائل قومك ؟ . فقال ~~: أبيوم سوى يوم القيامة تخوفونني ؟ فكل خوف أتقيه قبل يوم القيامة لا ~~وقيته . فلما تم لخلافته سنتان وخمسة أشهر مات . ### || [ أخبار يزيد بن عبد الملك ] # ### ||| [ تولية يزيد ] # وأفضى الأمر إلى يزيد بن عبد الملك في أول سنة مائة وإحدى . فولى المصرين ~~أخاه مسلمة بن عبد الملك . وكان مسلمة ذا عقل كامل وأدب فاضل ، فاستعمل ~~مسلمة على خراسان PageV01P484 سعيد ابن عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص ~~بن أمية . ### ||| [ ظهور الدعوة العباسية ] # قالوا : وفي ذلك العام ( 1 ) توافدت الشيعة على الإمام محمد بن علي بن ~~عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم ، وكان مستقره بأرض الشام ، بمكان ~~يسمى ( الحميمة ) وكان أول من قدم من الشيعة ميسرة العبدي ، وأبو عكرمة ~~السراج ، ومحمد بن خنيس ، وحيان العطار . فقدم هؤلاء عليه ، فأرادوه على ~~البيعة ، وقالوا له : ( ابسط يدك لنبايعك على طلب هذا السلطان ، لعل الله ~~أن يحيي بك العدل ، ويميت بك الجور ، فإن هذا وقت ذلك ، وأوانه ، والذي ~~وجدناه مأثورا عن علمائكم ) . ### ||| [ مقالة الإمام العباسي لأتباعه ] # فقال لهم محمد بن علي : ( هذا أوان ما نأمل ونرجو من ذلك ، لانقضاء مائة ~~من التاريخ ، فإنه لم تنقض مائة سنة على أمه قط إلا أظهر الله حق المحقين ، ~~وأبطل باطل المبطلين ، لقول الله جل اسمه ( أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ~~[ على عروشها ، قال ، إني يحيي هذه ] ( 2 ) الله بعد موتها فأماته الله ~~مائة عام ، ثم بعثه ( 3 ) فانطلقوا أيها النفر ، فادعوا الناس ms255 في رفق وستر ~~، فإني أرجو أن يتمم الله أمركم ، ويظهر دعوتكم ، ولا قوة إلا بالله ) . ~~PageV01P485 ### ||| [ توجه الدعاة إلى الأقطار ] # ثم وجه ميسرة العبدي ، ومحمد بن خنيس إلى أرض العراق ، ووجه أبا عكرمة ، ~~و حيان العطار إلى خراسان ، وعلى خراسان يومئذ سعيد بن عبد العزيز بن الحكم ~~ابن أبي العاص . فجعلا يسيران في أرض خراسان من كورة إلى أخرى ، فيدعوان ~~الناس إلى بيعة محمد بن علي ، ويزهدانهم في سلطان بني أمية لخبث سيرتهم ، ~~وعظيم جورهم ، فاستجاب لهما بخراسان أناس كثير ، وفشا بعض أمرهم وعلن . ~~فبلغ أمرهما سعيدا ، فأرسل إليهم ، فأتي بهم ، فقال : - من أنتم ؟ قالوا : ~~نحن قوم تجار . قال : فما هذا الذي يذكر عنكم ؟ قالوا : وما هو ؟ قال : ~~أخبرنا أنكم جئتم دعاة لبني العباس . قالوا : أيها الأمير ، لنا في أنفسنا ~~وتجارتنا شغل عن مثل هذا . | فأطلقهما . PageV01P486 فخرجا من عنده ، ~~يدوران كور خراسان ورساتيقها في عداد التجار ، فيدعوان الناس إلى الإمام ~~محمد بن علي ، فمكثا بذلك عامين . ثم قدما على الإمام محمد بن علي بأرض ~~الشام ، فأخبراه أنهما قد غرسا بخراسان غرسا يرجوان أن يثمر في أوانه ، ~~وألفياه قد ولد له أبو العباس ابنه . فأمر بإخراجه إليهم ، وقال : هذا ~~صاحبكم . فقبلوا أطرافه كلها . ### ||| [ انضمام بكير بن ماهان إلى الدعاة ] # وكان مع الجنيد بن عبد الرحمن عامل السند رجل من الشيعة ، يسمى بكير ابن ~~ماهان ، فانصرف إلى موطنه من الكوفة ، وقد أصاب بأرض السند مالا كثيرا ، ~~فلقيه ميسرة العبدي وابن خنيس ، وأخبراه بأمرهما ، وسألاه أن يدخل في الأمر ~~معهما ، فأجابهما إليه ، وقام معهما ، وأنفق جميع ما استفاد بأرض السند من ~~الأموال بذلك السبب . ### ||| [ قيام ابن هامان مقام ميسرة ] # ومات ميسرة بأرض العراق . وكتب الإمام محمد بن علي إلى بكير بن ماهان ، ~~أن يقوم مقام ميسرة ، وكان بكير يكنى بأبي هاشم ، وبها كان يعرف في الناس . ~~PageV01P487 وكان رجلا مفوها ، فقام بالدعاء ، وتولى الدعوة بالعراقين ، ~~وكانت كتب الإمام تأتيه ، فيغسلها بالماء ويعجن بغسالتها الدقيق ، ويأمر ، ~~فيختبز منه قرص ، فلا يبقى أحد من أهله وولده إلا ms256 أطعمه منه . ### ||| [ أبو سلمة الخلال يخلف ابن هامان ] # ثم إنه مرض مرضه الذي مات فيه ، فأوصى إلى أبي سلمة الخلال ، وكان أيضا ~~من كبار الشيعة . وكتب إلى يعلمه ذلك . فكتب محمد بن علي إلى أبي سلمة ، ~~فولاه الأمر ، وأمره بالقيام بما كان يقوم به أبو هاشم . ثم كتب إلى أبي ~~عكرمة وحيان ، وكانا صاحبي الأمر بخراسان ، يأمرهما أن يكاتبا أبا سلمة ، ~~فدعاهما إلى الدخول معه في أمره ، فأجاباه ، ودخلا معه ، وكانفاه . ### ||| [ مقتل الدعاة ] # ثم إن يزيد بن عبد الملك عزل أخاه مسلمة عن العراق وخراسان ، واستعمل ~~مكانه خالد بن عبد الله القسري ، واستعمل خالد أسد بن عبد الله على ~~PageV01P488 خراسان ، فانتهى خبر أبي عكرمة ، وحيان إلى أسد بن عبد الله ، ~~فأمر بطلبهما ، فأخذا ، وأتي بهما ، فضربت أعناقهما ، وصلبا . وبلغ ذلك ~~محمد بن علي ، فقال : الحمد لله الذي صحح هذه العلامة ، وقد بقي من شيعتي ~~رجال سوف يفوزون بالشهادة . فلما تم لملك يزيد بن عبد الملك أربع سنين ~~وأشهر توفي بالبلقاء من أرض دمشق . وكانت وفاته سنة خمس ومائة ، وله يوم ~~مات ثمان وثلاثون سنة . ### | [ أخبار هشام بن عبد الملك ] # ### ||| [ بيعة هشام ] # ثم استخلف هشام بن عبد الملك ، وهو ابن أربع وثلاثين سنة . PageV01P489 ~~فعزل أسد بن عبد الله عن خراسان ، وولاها الجنيد بن عبد الرحمن ، وكان رجلا ~~من اليمانية ، ذا فضل وسخاء . وهو الذي يقول فيه الشاعر : ذهب الجود ~~والجنيد جميعا فعلى الجود والجنيد السلام ### ||| [ بعث الدعاة إلى خراسان ] # ولما قتل أبو عكرمة وحيان وجه الإمام محمد بن علي إلى خراسان خمسة نفر من ~~شيعته : سليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم ، وموسى بن كعب ، وخالد بن ~~الهيثم ، وطلحة بن زريق ، وأمرهم بكتمان أمرهم ، وألا يفشوه إلى أحد إلا ~~بعد أن يأخذوا عليه العهود المؤكدة بالكتمان . فساروا حتى أتوا خراسان ، ~~فكانوا يأتون كورة بعد كورة ، فيدعون الناس سرا إلى أهل بيت نبيهم ، ~~ويبغضون إليهم بني أمية ، لما يظهر من جورهم واعتدائهم ، وركوبهم القبائح ، ~~حتى استجاب لهم بشر كثير في جميع كور خراسان ms257 . ### ||| [ قبض الجنيد على الدعاة ] # وبلغ الجنيد أمرهم ، فأمر بطلبهم ، وأخذوا ، وأتي بهم الجنيد . فقال : يا ~~فسقة ، قد قدمتم هذه البلاد ، فأفسدتم قلوب الناس على بني أمية ، ودعوتم ~~إلى بني العباس . PageV01P490 فتكلم سليمان بن كثير ، وقال : أيها الأمير ، ~~أتأذن لي في الكلام ؟ قال : تكلم قال : أنا وإياك كما قال الشاعر : لو بغير ~~الماء حلقي شرق لاستغثت اليوم بالماء القراح نعلمك أيها الأمير ، إنا أناس ~~من قومك اليمانية ، وإن هؤلاء المضرية تعصبوا علينا ، فرقوا إليك فينا ~~الزور والبهتان ، لأنا كنا أشد الناس على قتيبة ، فهم الآن يطلبون بثأره ~~بكل علة . فقال الجنيد لمن كان حوله من أصحابه : ( ما ترون ) ؟ . فتكلم عبد ~~الرحمن بن نعيم رئيس ربيعة ، وكان من خاصته : - نرى أن تمن بهم على قومك ، ~~فلعل الأمر كما يقولون . فأمر بإطلاقهم . فخرجوا ، وكتبوا بقصتهم إلى ~~الإمام . فكتب إليهم : ( أن هذا أقل ما لكم ، فاكتموا أمركم ، وترفقوا في ~~دعوتكم ) . ### ||| [ مسير الدعاة إلى ما وراء النهر ] # فساروا من مدينة مرو إلى بخارى ، ومن بخارى إلى سمرقند ، ومن سمرقند إلى ~~كش ونسف ، ثم عطفوا على الصغانيان ، وجازوا منها إلى ختلان ، وانصرفوا إلى ~~مرو الروذ ، PageV01P491 والطالقان ، وعطفوا إلى هراة ، وبوشنج ، ، وجازوا ~~إلى سجستان . فغرسوا في هذه البلدان غرسا كثيرا ، وفشا أمرهم في جميع أقطار ~~خراسان . وبلغ ذلك الجنيد ، فأسف على تركهم ، ووجه في طلبهم ، فلم يقدر ~~عليهم . فكتب إلى خالد بن عبد الله القسري ، وكان على العراق ، يعلمه ~~انتشار خراسان وما حدث فيها من الدعاة إلى محمد بن على . فكتب خالد بن عبد ~~الله إلى هشام يعلمه بذلك . فكتب إليه هشام ، يأمره بالكتاب إلى الجنيد ، ~~ألا يرغب في الدماء ، وأن يكف عمن كف عنه ، ويسكن الناس بجهده ، وأن يطلب ~~النفر الذين يدعون الناس حتى يجدهم ، فينفيهم . فلما انتهى ذلك إلى الجنيد ~~بعث رسله في أقطار خراسان . وكتب إلى عماله في الكور يطلب القوم ، فطلبوا ، ~~فلم يدرك لهم أثر . ### ||| [ ظهور أبي مسلم الخراساني ] # قالوا : وكان بدء أمر أبي مسلم أنه كان مملوكا لعيسى ، ومعقل ، ابني ~~إدريس ، ابن ms258 عيسى العجليين ، وكان مسكنهما بماه البصرة ، مما يلي أصبهان . ~~وكان أبو مسلم ولد عندهما ، فنشا غلاما ، فهما ، أديبا ، ذهنا ، فأحباه حتى ~~نزل منهما منزلة الولد . وكانا يتوليان بني هاشم ، ويكاتبان الإمام محمد بن ~~علي ، فمكثا بذلك ما شاء الله . ### ||| [ تولية يوسف الثقفي على العراق ] # ثم إن هشاما عزل خالد بن عبد الله القسري من العراق ، وولى مكانه يوسف ~~ابن عمر الثقفي ، فكان يوسف بن عمر لا يدع أحدا يعرف بموالاة بني هاشم ، ~~ومودة أهل بيت PageV01P492 رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بعث إليه ، ~~فحبسه عنده بواسط . فبلغه أمر عيسى ، ومعقل ابني إدريس ، فأشخصهما ، ~~وحبسهما بواسط فيمن حبس من الشيعة . وكانا أخرجا معهما أبا مسلم فكان ~~يخدمهما في الحبس . ### ||| [ اجتماع الدعاة بأبي مسلم ] # وإن سليمان بن كثير ، ومالك بن الهيثم ، ولاهز بن قرط ، وهم كانوا الدعاة ~~بخراسان قدموا للحج ، وقدم معهم قحطبة بن شبيب ، وكان ممن بايعهم ، وشايعهم ~~على أمرهم ، فجعلوا طريقهم على مدينة واسط ، ودخلوا الحبس ، فلقوا من كان ~~فيه من الشيعة ، فرأوا أبا مسلم ، فأعجبهم ما رأوا من هيئته ، وفهمه ، ~~واستبصاره في حب بني هاشم . ونزل هؤلاء النفر بعض الفنادق بواسط ، فكان أبو ~~مسلم يختلف إليهم طول مقامهم حتى أنس بهم ، وأنسوا به ، فسألوه عن أمره . ( ~~43 - الأخبار الطوان ) ( * ) فقال : إن أمي كانت أمه لعمير بن بطين العجلي ~~، فوقع عليها ، فحملت بي ، فباعها ، وهي حامل ، فاشتراها عيسى ، ومعقل ، ~~ابنا إدريس ، فولدت عندهما ، فأنا كهيئة المملوك لهما . ### ||| [ مسير الدعاة إلى مكة ] # ثم إن النفر شخصوا من واسط ، وأخذوا نحو مكة على طريق البصرة ، فوصلوا ~~PageV01P493 إلى مكة ، وقد وافاها الإمام محمد بن علي حاجا ، فلقوه ، ~~وسلموا عليه ، وأخبروه بما غرسوا به في جميع خراسان من الغرس ، ثم أخبروه ~~بممرهم بواسط ، ودخولهم على إخوانهم المحبسين بها . ووصفوا له صفة أبي مسلم ~~، وما رأوا من ذكاء عقله وفهمه ، وحسن بصره ، وجودة ذهنه ، وحسن منطقه . ~~فسألهم : أحر هو أم مملوك ؟ فقالوا : أما هو ، فيزعم أنه ابن عمير بن بطين ~~العجلي ، وكانت قصته كيت ms259 وكيت ، ثم فسروا له ما حكي لهم من أمره . ### ||| [ حاجة الإمام إلى أبي مسلم ] # فقال : إن الولد [ تبع للأم ، فإذا انصرفتم فاجعلوا ] ممركم بواسط ، ~~فاشتروه ، وابعثوا به إلى الحميمة من أرض الشام ، لأجعله الرسول فيما بيني ~~وبينكم ، على أني أحسبكم لا تلقوني بعد عامي هذا ، فإن حدث بي حدث فصاحبكم ~~ابني هذا - يعني إبراهيم - فاستوصوا به خيرا ، فإني سأوصيه بكم خيرا . ~~فانصرف القوم نحو خراسان ، ومروا بواسط ، ولقوا عيسى ، ومعقل ابني إدريس ، ~~فأخبروهما بحاجة الإمام إلى أبي مسلم ، وسألوهما بيعة منهم . فزعموا ، ~~أنهما وهباه له . فوجه به القوم إلى الإمام ، فلما رآه تفرس فيه الخير ، ~~ورجا أن يكون هو القيم بالأمر ، لعلامات رآها فيه ، قد كانت بلغته . فجعله ~~الرسول فيما بينه وبينهم ، فاختلف إليهم مرارا كثيرة . ### ||| [ وفاة الإمام محمد بن علي ] # ثم توفي الإمام محمد بن علي ، فقام بالأمر بعده ابنه إبراهيم بن ~~PageV01P494 محمد ، وكان أكبر ولده ، فأمر أبا مسلم أن يسير إلى الدعاة ~~بالعراق ، وخراسان ، فيعلمهم وفاة الإمام ، وقيامه بالأمر من بعده . فسار ~~حتى وافى العراق ، ولقي أبا سلمة ، ومن كان معه من الشيعة ، فأخبرهم بما ~~أمره به . ثم سار إلى خراسان ولقي الدعاة بها ، فأخبرهم بذلك . ### ||| [ تفاقم أمر المسودة بخراسان ] # وبلغ وفاة الإمام جميع من بايع في أقطار خراسان ، فسودوا ثيابهم حزنا ~~لمصابه ، وتسلبا عليه . وكان أول من سود منهم ثيابه حريش مولى خزاعة ، وكان ~~عظيم أهل نسا ، ثم سودها من بعده قحطبة بن شبيب ، ثم سود القوم جميعا ، ~~وكثرت الشيعة بخراسان كلها ، وعلن أمرهم . وكتب يوسف بن عمر ، وكان على ~~العراقين ، إلى هشام ، يخبره بذلك ، فكتب هشام إلى يوسف ، يأمره أن يبعث ~~إليه رجلا ، له علم بخراسان ، ومعرفة بمن فيها من قوادها ، وجنودها . وقد ~~كان يوسف بن عمر عزل عنها الجنيد بن عبد الرحمن ، واستعمل عليها جعفر بن ~~حنظلة البهراني . فكتب جعفر إلى يوسف بن عمر مع عبد الكريم بن سليط بن عطية ~~الحنفي ، PageV01P495 يخبره بتفاقم أمر المسودة بخراسان ، وكثرة من أجاب ~~الدعاة بها . فلما أتاه كتاب ms260 هشام يأمره أن يوجه إليه رجلا ، له علم ~~بخراسان ، حمل عبد الكريم بن سليط إليه على البريد . ### ||| [ أخذ هشام بمشورة عبد الكريم الحنفي وتولية نصر بن سيار ] # قال عبد الكريم : فسرت حتى وافيت دمشق ، فدخلت على هشام ، فسلمت عليه ~~بالخلافة . فقال لي : من أنت ؟ قلت : أنا عبد الكريم بن سليط بن عطية ~~الحنفي . قال : كيف علمك بخراسان وأهلها ؟ قلت : أنا بها جد عالم . ثم ~~أخبرته أن وجهي كان منها بكتاب أميرها جعفر بن حنظلة البهراني إلى يوسف بن ~~عمر يخبره بما حدث فيها . قال : إني أريد أن أولي أمرها رجلا من القواد ، ~~الذين هم مرتبون بها ، فمن ترى أن أولي أمرها منهم ، وأيهم أقوم بها ؟ قال ~~عبد الكريم : - وكان هواي في اليمانية - فقلت : يا أمير المؤمنين ، أين أنت ~~من رجل من قوادها ذي حزم ، وبأس ، ومكيدة ، وقوة ، ومكانفة من قومه ؟ قال : ~~ومن هو ؟ قلت : جديع بن علي الأزدي المعروف بالكرماني . قال : وكيف يسمى ~~الكرماني ؟ قلت : ولد بكرمان ، كان أبوه مع المهلب عند محاربته الأزارقة ، ~~فولد هذا هناك . قال : لا حاجة لي في اليمانية - وكان هشام يبغض اليمانية ، ~~وكذلك سائر بني أمية - . PageV01P496 قلت : يا أمير المؤمنين ، فأين أنت من ~~المجرب البطل النافذ اللسن ؟ قال : ومن هو ؟ قلت : يحيى بن نعيم ، المعروف ~~بأبي الميلاء ، وهو ابن أخي مصقلة بن هبيرة . قال : لا حاجة لي فيه ، لأن ~~ربيعة لا تسد بها الثغور . PageV01P497 فقلت : يا أمير المؤمنين ، فعليك ~~بالماجد اللبيب الأريب ، الكامل الحسيب ، عقيل بن معقل الليثي . قال ، ~~فكأنه هوية . فقلت : إن اغتفرت منه هنه فيه . قال : وما هي ؟ قلت : ليس ~~بعفيف البطن والفرج . قال : لا حاجة لي فيه . قلت : فالكامل النافذ ، ~~الفارس المجرب ، محسن بن مزاحم السلمي . قال ، فكأنه هوية ، للمضرية . قلت ~~: إن اغتفرت هنه فيه . قال : وما هي ؟ قلت : أكذب ، ذي لهجة . قال : لا ~~حاجة لي فيه . قلت : فذو الطاعة لكم ، المتمسك بعهدكم ، المقتدي بقدوتكم ، ~~يحيى بن الحضين بن المنذر بن الحارث بن وعلة . قال : ألم أخبرك أن ربيعة لا ~~تسد بها ms261 الثغور ؟ قلت : فالكامل النافذ الشجاع البطل ، قطن بن قتيبة بن ~~مسلم . قال : فمال إليه بالمضرية . قلت : إن اغتفرت منه هنه . قال : وما هي ~~؟ قلت : لا آمنه أن أفضى إليه السلطان أن يطلب جنود خراسان بدم أبيه قتيبة ~~، فإنهم جميعا تظافروا عليه . قال : لا حاجة لي فيه . قلت : فأين أنت من ~~العفيف المجرب ، الباسل المحنك ، نصر بن سيار الليثي ؟ قال : فكأنه تفاءل ~~به ، ومال إليه ، بالمضرية . قلت : إن اغتفرت منه خصلة . قال : وما هي ؟ ~~قلت : ليست له بخراسان عشيرة من جنودها ، وإنما يقوى على ولاية خراسان من ~~كانت له بها عشيرة من جنودها . قال : فأي عشيرة أكثر مني ، لا أبا لك ، يا ~~غلام ؟ انطلق إلى الكتاب ، فمرهم بإنشاء عهده ، وائتوني به . فكتب له عهده ~~، وأتى به . فناولنيه ، وقال : انطلق حتى توصله إليه . ثم أمر أن أحمل على ~~البريد . فسرت حتى وافيت خراسان ، فأتيته في منزله ، فناولته العهد ، فأمر ~~لي بعشرة آلاف درهم . ثم تناول العهد ، فانطلق إلى جعفر بن حنظلة ، الأمير ~~كان بها ، فدخل عليه ، وهو جالس على سريره ، فناوله العهد . PageV01P498 ~~فلما قرأه أخذ بيد نصر ، فرفعه حتى أجلسه معه على سريره ، وقال : سمعا ~~وطاعة لأمير المؤمنين . فقال له نصر : أبا خلف ، السلطان سلطانك ، فمر ~~بأمرك . ودعا له جعفر بن حنظلة ، وسلم الأمر إليه . ### ||| [ اجتماع الدعاة بالإمام إبراهيم ] # وإن سليمان بن كثير ، ولاهز بن قرط ، ومالك بن الهيثم ، وقحطبة ابن شبيب ~~أرادوا الحج ، فخرجوا مع الحاج متنكرين حتى أتوا مكة ، وقد وافاها في ذلك ~~العام إبراهيم بن محمد الإمام ، فأخبروه بما اجتمع له الناس بخراسان . وقد ~~كانوا حملوا إليه ما بعثت به إليه الشيعة . فقالوا : قد حملنا إليك مالا . ~~قال : وكم هو ؟ قالوا : عشرة آلاف دينار ، ومائتا ألف درهم . فقال : سلموه ~~إلى مولاى عروة ، فدفعوه إليه . ### ||| [ تولية أبي مسلم على خراسان والتحطيط للثورة ] # فقال لهم إبراهيم : إني قد رأيت أن أولي الأمر هناك أبا مسلم ، لما جربت ~~من عقله ، وبلوت من أمانته ، وأنا موجهة معكم ، فاسمعوا له ، وأطيعوا أمره ~~، فإن والدي ms262 - رحمة الله عليه - قد كان وصف لنا صفته ، وقد رجوت أن يكون هو ~~الذي يسوق إلينا الملك ، فعاونوه ، وكانفوه ، وانتهوا إلى رأيه ، وأمره . ~~قالوا : سمعا وطاعة لك أيها الإمام . فانصرفوا ، وأبو مسلم معهم ، حتى ~~صاروا إلى خراسان ، فتشمر أبو مسلم للدعاء ، PageV01P499 وأخذ القوم ~~بالبيعة ، ووجه كل رجل من أصحابه إلى ناحية من خراسان ، فكانوا يدورون بها ~~كورة كورة ، وبلدا بلدا ، في زي التجار . فاتبعه عالم من الناس عظيم ، ~~فواعدهم لظهوره يوما سماه لهم ، وولي على من بايعه في كل كورة رجلا من ~~أهلها ، وتقدم إليهم بالاستعداد للخروج من ذلك اليوم الذي سماه لهم حتى ~~أجاب جميع أرض خراسان ، سهلها وجبلها ، وأقصاها وأدناها . وبلغ في ذلك ما ~~لم يبلغه أصحابه من قبله ، واستتب له الأمر على محبته ، وصار من أعظم الناس ~~منزلا عند شيعته ، حتى كانوا يتحالفون به ، فلا يحنثون ، ويذكرونه ، فلا ~~يملون . ### ||| [ ولاية خالد بن عبد الله القسري مصادرته ] # وقد كان خالد بن عبد الله ولي العراقين عشر سنين ، أربعا في خلافة يزيد ~~ابن عبد الملك ، وستا في خلافة هشام . فلما عزله هشام ، وولى مكانه يوسف بن ~~عمر حاسبه يوسف ، فخرج عليه عشرة آلاف درهم ، قد كان وهبها للناس ، وبذرها ~~- وكان من أسخى العرب - فحبسه يوسف بن عمر عنده في العراق . PageV01P500 ~~وكتب إلى هشام يتقاعد خالد بالمال الذي خرج عليه فكتب إليه هشام بالبسط ~~عليه ( 1 ) . فدعا به يوسف بن عمر وقال : ما هذا التقاعد بمال السلطان يا ~~ابن الكاهن ؟ - يعني شق ابن صعب المعروف بالكهانة وكان خالد بن عبد الله من ~~ولده . فقال له خالد بن عبد الله . أتعيرني بشر في يا ابن الخمار ؟ وإنما ~~كان أبوك وجدك بالطائف أصحاب حانة . وبلغ هشاما أن خالدا بذر ذلك المال في ~~الناس ، فكتب إلى يوسف يأمره بإطلاقه ، والكف عنه . ### ||| [ خروج زيد بن علي ] # فلم يزل خالد مقيما بالكوفة حتى خرج زيد بن علي ، بن الحسين ، بن علي بن ~~أبي طالب عليهم السلام بالكوفة . وكان خروجه في صفر سنة ثماني عشرة ومائة ms263 . ~~فسار إليه يوسف بن عمر ، فالتقوا بالكناسة ( 2 ) . فانهزم أصحاب زيد ، ~~وخذلوه . فأخذه يوسف بن عمر ، فضرب عنقه . PageV01P501 وبعث برأسه إلى هشام ~~، وصلب جسده بالكناسة . وأن خالدا كتب إلى هشام يستأذنه في الخروج إلى ~~طرسوس ( 3 ) غازيا متطوعا ، فأذن له هشام في ذلك ، فسار حتى وافى طرسوس ~~فأقام بها مرابطا . ### ||| [ تلصص أبي المعرس في دمشق ] # وإن رجلا من أهل العراق كان يتلصص ، ويكنى أبا المعرس ، قدم من الكوفة ~~نحو أرض الشام ، في جماعة من لصوص الكوفة ، حتى وافوا مدينة دمشق ، فكان ~~إذا جنه الليل أشعل في ناحية من السوق النار ، فإذا تصايح الناس ، واشتغلوا ~~بإطفاء الحريق ، أقبل في أصحابه إلى ناحية أخرى من السوق ، فكسر الأقفال ، ~~وأخذ ما قدر عليه ، ثم هرب . فدخل كلثوم بن عياض القسري على هشام ، وكان ~~معاديا لخالد بن عبد الله ، وهو ابن عمه ، فقال لهشام : يا أمير المؤمنين ، ~~إن هذا الحريق لم يكن بدمشق ، وقد حدث ، وما هو إلا عمل محمد بن خالد بن ~~عبد الله القسري وغلمانه . فأمر هشام بطلب محمد بن خالد ، فأتوه به ، ~~وبغلمان له ، فأمر بحبسه ، وحبس غلمانه . ### ||| [ خالد القسري يتهدد هشاما ] # وبلغ ذلك خالدا ، وهو بطرسوس ، فسار حتى وافى دمشق ، فنزل في داره بها ، ~~وغدا عليه الناس مسلمين ، حتى إذا اجتمعوا عنده قال : PageV01P502 ( أيها ~~الناس ، خرجت غازيا بإذن هشام وأمره ، فحبس ابني وغلماني ، أيها الناس ، ~~مالي ولهشام ؟ والله ليكفن عني هشام - يسميه في كل مرة باسمه ولا يقول أمير ~~المؤمنين - أو لأدعون إلى عراقي الهوى ، شامي الدار ، حجازي الأصل ، ~~إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ، ألا وإني قد أذنت لكم أن ~~تبلغوا هشاما ) . وبلغ هشاما ذلك فقال : خرف أبو الهيثم ، وأنا حري ~~باحتماله ، لقديم حرمته ، وعظيم حقه . فأقام خالد بن عبد الله بمدينة دمشق ~~عاتبا لهشام ، مصارما له ، لا يركب إليه ، ولا يعبأ به ، وهشام في كل ذلك ~~يحتمله ، ويحلم عنه . ( 44 - الأخبار الطوال ) ( * ) وإن رجلا يسمى عبد ~~الرحمن بن ثويب الكلبي دخل على خالد بن ms264 عبد الله ، فسلم عليه ، وعنده نفر ~~من أشراف أهل الشام ، فقال له : ( يا أبا الهيثم ، إني أحبك [ لعشر خصال ~~فيك يحبها الله منك : كرمك ، وعفوك ، ودينك ، وعدلك ، ورأفتك ، ووقارك في ~~مجلسك ، ونجدتك ، ووفاؤك ، وصلتك ذوي رحمك ، وأدبك ) . فأثنى عليه خالد ، ~~وقال له خيرا . وبلغ هشاما ذلك فقال : أبلغ من أمر الفاسق عبد الرحمن بن ~~ثويب أن يصف خالدا بمحاسن لم تجتمع في أحد من الخلفاء المؤتمنين على عباد ~~الله وبلاده ؟ ثم أمر به ، فأحسن أدبه ، ونفى عن دمشق . وبلغ ذلك خالدا ، ~~وعنده أناس من وجوه أهل الشام ، فقال لهم : ( ألا تعجبون من صنيع هشام برجل ~~ذكر مني خصالا ؟ زعم أنه يحبني لها ، فضربه وطرده ، وإن أعظم مما قال في ~~عبد الرحمن بن ثويب قول عبد الله بن PageV01P503 صيفي حين قال له : يا أمير ~~المؤمنين ، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك أم رسولك ؟ ) . قال هشام : ~~بل خليفتي في أهلي . قال : فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه ، ومحمد رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إليهم ، فأنت أكرم على الله منه ، فلم ينكر هذه ~~المقالة من عبد الله بن صيفي ، وهي تضارع الكفر ، ويغضب على عبد الرحمن بن ~~ثويب ، وينكر عليه ما وصفني به من خصال ، يحبها الله ، فأحبني لها . فلم ~~يحفل هشام حين بلغه ذلك من قول خالد ، ولم يؤاخذه بشئ من مقالته ، فلما تم ~~لخلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر مرض مرضته التي مات ، فأسند الخلافة ~~إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك . ### || [ أخبار الوليد بن يزيد ] # ### ||| [ بيعة الوليد ] # فلما استخلف الوليد بن يزيد أمر صاحب شرطة سعيد بن غيلان بأخذ ~~PageV01P504 خالد بالمال الذي عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه ، ~~وقال : ( أسمعني صياحه ) . ### ||| [ سجن خالد القسري وتعذيبه ] # فأقبل سعيد بن غيلان إلى خالد وهو في منزله ، فأخرجه ، فانطلق به إلى ~~السجن ، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب ، فلم يكلمه خالد بحرف . وقال الأشعث ~~بن القيني فيما نال خالدا : ألا أن خيرا الناس نفسا ووالدا أسير قريش عندها ms265 ~~في السلاسل لعمري ، لقد أعمرتم السجن خالدا وأوطأتموه وطأة المتثاقل فإن ~~تحبسوا القسري لا تحبسوا اسمه ولا تحبسوا معروفه في القبائل ### ||| [ المساومة على شراء خالد ] # وقدم يوسف بن عمر الثقفي بمال العراقين على الوليد ، فجلس الوليد للناس ، ~~وأذن لهم إذنا عاما . فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمري ، وكان معاندا لخالد ~~، فقال : يا أمير المؤمنين ، على محاسبة خالد بخمسة آلاف ألف درهم ، فسلمه ~~إلي . فأرسل الوليد إلى خالد - وهو في السجن - أن زياد بن عبد الرحمن قد ~~أعطى بمحاسبتك خمسة آلاف ألف درهم ، فإن صححتها لنا ، وإلا دفعناك إليه . ~~PageV01P505 | فأرسل له خالد : أن عهدي بالعرب لاتباع ، وبالله لو سألتني ~~أن أضمن لك هذا ، ورفع عود من الأرض ، ما فعلت . فلما رأى الوليد بن زيد ~~تقاعد خالد بما عليه من المال أمر به ، فسلم إلى يوسف ابن عمر ، وقال : ~~انطلق به إلى العراق ، واستاده جميع ما عليه من المال ) . فحمله يوسف بن ~~عمر معه إلى واسط ، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه ، ثم يرده إلى الحبس ، فأخرجه ~~ذات يوم ، وقال : ما هذا التقاعد يا ابن المائقة . فقال له خالد : ما ذكرك ~~الأمهات ، لعنك الله ؟ والله لا أكلمك بكلمة أبدا . فغضب يوسف بن عمر من ~~ذلك ، فوضع على خالد المضرسة ، وجعل يعذبه بها حتى قتله ، فدفنه ليلا في ~~عباءة كانت عليه . فأنشأ الوليد بن يزيد : ألم تهتج فتذكر الوصالا وحبلا ~~كان متصلا فزالا بلى ، فالدمع منك له سجال كماء الغرب ينهمل انهمالا فدع ~~عنك ادكارك آل سعدي فنحن الأكثرون حصى ومالا PageV01P506 ونحن المالكون ~~الناس قسرا نسومهم المذلة والنكالا ونوردهم حياض الخسف ذلا وما نألوهم إلا ~~خبالا وطئنا الأشعرين بكل أرض ولم يك وطؤنا أن يستقالا وكندة والسكون قد ~~استعاذوا نسومهم المذلة والخبالا شددنا ملكنا ببني نزار وقومنا بهم من كان ~~مالا وهذا خالد فينا قتيلا ألا منعوه إن كانوا رجالا ولو كانت بنو قحطان ~~عربا لما ذهبت صنائعه ضلالا ولا تركوه مسلوبا أسيرا نحمله سلاسلنا الثقالا ~~ولكن المذلة ضعضعتهم فلم يجدوا لذلتهم مقالا ### ||| [ مسير ms266 اليمانية نحو الوليد ] # فلما سمع من كان بأقطار الشام من اليمانية هذا الشعر أنفوا أنفا شديدا ، ~~فاجتمعوا من مدن الشام ، وساروا نحو الوليد بن يزيد . وبلغ الوليد مسيرهم ، ~~فأمر بمحمد بن خالد بن عبد الله فحبس بدمشق . وأقبلت اليمانية ، وخرج إليهم ~~الوليد بمضر مستعدا للحرب ، فالتقوا ، PageV01P507 واقتتلوا ، وأثخنت ~~اليمانية القتل في مضر ، فانهزمت مضر ، وأخذوا نحو دمشق ، ودخل الوليد قصره ~~، فتحصن فيه . وأقبلت اليمانية حتى دخلت دمشق ، وأخرجوا محمد بن خالد من ~~محبسه ، ورأسوه عليهم . فأرسل محمد بن خالد إلى ابن عم الوليد بن يزيد ، ~~وهو يزيد بن الوليد بن عبد الملك ، فجاء به ، فبايعوه جميعا ، وأرسل إلى ~~أشراف المضريين ، فبايعوه طوعا وكرها . وخلعوا الوليد بن يزيد ، فلبث ~~مخلوعا أياما كثيرة ، وهو خليع بني أمية . ### || [ أخبار يزيد بن الوليد ] # ### ||| [ بيعة يزيد ] # فقام يزيد بن الوليد بالخلافة ، ووضع للناس العطاء ، وفرق في اليمانية ~~الصلات والجوائز . وأقبل محمد بن خالد إلى قصر الوليد بن يزيد ، وأمر ~~بالأوهاق ، فألقيت في شرف القصر ، وتسلقوا ، فعلوه ، ونادوا : ( ياوليد ، ~~يا لوطي ، يا شارب الخمر ) ، ثم نزلوا إليه ، فقتلوه . PageV01P508 واستدف ~~الملك ليزيد بن الوليد . ### ||| [ قتل يوسف بن عمر ] # وإن محمد بن خالد وجه منصور بن جمهور في خيل إلى العراق ، وأمره أن يقصد ~~إلى مدينة واسط ، فيأخذ الناس بالبيعة ليزيد بن الوليد ، فإذا بايعوا دعا ~~بيوسف بن عمر ، فضرب عنقه . فسار منصور بن جمهور ، فبدأ بالكوفة وأخذهم ~~بالبيعة ليزيد بن الوليد ، فلما بايعوا سار منها إلى واسط ، فاجتمع إليه ~~الناس ، فبايعوا ليزيد ، فلما فرغ دعا بيوسف ابن عمر ، فقال له : أنت ~~القاتل سيد العرب خالد بن عبد الله ؟ قال يوسف : كنت مأمورا ، وما لي في ~~ذلك من ذنب ، فهل لك أن تعفيني من القتل ، وأعطيك ديتي عشرة آلاف درهم ، ~~فضحك منه ، ثم حمله حتى أتى به محمد بن خالد بالشام ، فقال له محمد : أما ~~زعمك أني كنت مأمورا فقد صدقت ، وقد قتلت قاتل أبي ، وإنما أقتلك بعبده ~~غزوان ، ثم قدمه ، فضرب عنقه . فملك يزيد بن الوليد ستة ms267 أشهر ، ثم مات . ~~PageV01P509 | ### || [ أخبار إبراهيم بن الوليد ] # ### ||| [ بيعة إبراهيم ] # وقام بالملك من بعده أخوه إبراهيم بن الوليد ، فبايعه الناس بالشام ، ~~وجميع الآفاق ، وجعل ولي العهد من بعده عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك ~~بن مروان واستعمل على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة ، فسار ابن هبيرة حتى ~~نزل المكان الذي إلى اليوم يسمى ( قصر ابن هبيرة ) وبنى فيه قصرا ، واتخذ ~~ذلك المكان منزلا له ولجنوده . | ### ||| [ طلب المضربة بثأر الوليد ] قالوا : وإن المضرية تلاومت فيما كان من غلبة اليمانية عليها ، وقتلهم الخليفة الوليد ~~بن يزيد ، فدب بعضهم إلى بعض ، واجتمعوا من أقطار الأرض وساروا حتى وافوا ~~مدينة حمص ، وبها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم ، وكان يومئذ شيخ بني ~~أمية وكبيرهم ، وكان ذا أدب كامل ورأى فاضل ، فاستخرجوه من داره ، وبايعوه ~~، وقالوا له : ( أنت شيخ قومك وسيدهم ، فاطلب بثأر ابن عمك الوليد بن يزيد ~~) . فاستعد مروان بجنوده في تميم ، وقيس ، وكنانة ، وسائر قبائل مضر ، وسار ~~نحو مدينة دمشق . وبلغ ذلك إبراهيم بن الوليد ، فتحصن في قصره . ودخل مروان ~~بن محمد دمشق ، فأخذ إبراهيم بن الوليد وولي عهده PageV01P510 عبد العزيز ~~ابن الحجاج فقتلهما ، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسري نحو العراق حتى ~~أتى الكوفة ، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي ، فاستخفى فيها ، وعلى ~~الكوفة يومئذ زياد بن صالح الحارثي ، عاملا ليزيد بن عمر بن هبيرة . ### || [ أخبار مروان بن محمد ] # ### ||| [ بيعة مروان ووقوع العصبية بخراسان ] # واستدف الملك لمروان بن محمد ، وأعطاه أهل البلدان الطاعة ، ثم إن ~~العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانية . وكان سبب ذلك ، أن جديع بن ~~على المعروف بالكرماني كان سيد من بأرض خراسان من اليمانية ، وكان نصر بن ~~سيار متعصبا على اليمانية ، مبغضا لهم ، فكان لا يستعين بأحد منهم ، وعادى ~~أيضا ربيعة لميلها إلى اليمانية ، فعاتبه الكرماني في ذلك . فقال له نصر : ~~ما أنت وذاك ؟ قال الكرماني : إنما أريد بذلك صلاح أمرك ، فإني أخاف أن ~~تفسد عليك سلطانك ، وتحمل عليك عدوك هذا المطل ، يعني المسودة ms268 ( 1 ) . قال ~~له نصر : أنت شيخ قد خرفت . فأسمعه الكرماني كلاما غليظا ، فغضب نصر ، وأمر ~~بالكرماني إلى الحبس ، فحبس في القهندز ، وهي القلعة العتيقة . PageV01P511 ~~فغضب أحياء العرب للكرماني ، فاعتزلوا نصر بن سيار ، واجتمع إلى نصر ~~المضرية ، فطابقوه وشايعوه . ### ||| [ هرب الكرماني من سجنه ] # وكان للكرماني مولى من أبناء العجم ، ذو دهاء وتجربة ، وكان يخدمه في ~~محبسه ، وكان الكرماني رجلا ضخما عظيم الجثة ، عريض ما بين المنكبين ، فقال ~~له مولاه : - أتوطن نفسك على الشدة والمخاطرة حتى أخرجك من الحبس ؟ قال له ~~الكرماني : وكيف تخرجني ؟ قال : إني قد عينت على ثقب ضيق ، يخرج منه ماء ~~المطر إلى الفارقين ، فوطن نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب . قال الكرماني : ~~لا بد من الصبر ، فاعمل ما أردت . فخرج مولاه إلى اليمانية ، فواطاهم ، ~~ووطنهم في طريقه ، فلما جن الليل ، ونام الأحراس أقبل مولاه من خارج السور ~~، فوقف له على باب الثقب ، وأقبل الكرماني حتى أدخل رأسه في الثقب ، وبسط ~~فيه يديه حتى نالت يداه كفى مولاه ، فاجتذبه اجتذابه شديدة ، سلخ بها بعض ~~جلده ، ثم اجتذبه ثانية حتى انتهى به إلى النصف ، فإذا هو بحية في الثقب ، ~~فنادى الكرماني مولاه : ( بذبخت ، مارمار ) أي ( حية قد عرضت ) ، ، فقال ~~لمولاه : ( أمهلني ساعة ، حتى أفيق ، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ ) . فلما ~~رجعت إلى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل ، وأتي بدابة ركبها حتى انتهى إلى ~~منزله ، واجتمعت إليه الأزد ، وسائر من بخراسان من اليمانية ، وانحازت ~~ربيعة معهم . PageV01P512 وبلغ نصر بن سيار الخبر ، فدعا بصاحب الحبس فضرب ~~عنقه ، وظن أن ذلك كان بمواطاة منه . ### ||| [ توجيه صاحب الشرطة إلى الكرماني ] # ثم قال لسلم بن أحوز المازني ، وكان على شرطه : ( انطلق إلى الكرماني ) ، ~~فأعلمه : أني لم أرد به مكروها ، وإنما أردت تأديبه لما استقبلني به ، ومرة ~~أن يصير إلي آمنا ، لأناظره في بعض الأمر . فصار سلم إليه ، فإذا هو بمحمد ~~بن المثنى الربعي جالسا على الباب في سبعمائة رجل من ربيعة ، فدخل عليه ، ~~فأبلغه الرسالة ، فقال الكرماني : لا ، ولا كرامة ، ما له عندي ms269 إلا السيف . ~~فأبلغ ذلك نصرا . فأرسل نصر بعصمة بن عبد الله الأزدي ، وكان من خاصته ، ~~فقال له : انطلق إلى ابن عمك ، فأمنه ، ومرة أن يصير إلى آمنا ، لأناظره في ~~بعض ما قد دهمنا من هذا العدو . فقال الكرماني لعصمة ، حين أبلغه رسالة نصر ~~: ( يا ابن الخبيثة ، وما أنت وذاك ؟ وقد ذكر لي عمك ، إنك لغير أبيك الذي ~~تنسب إليه ، إنما تريد أن تتقرب إلى ابن الأقطع - يعني نصرا - أما لو كنت ~~صحيح النسب لم تفارق قومك ، وتميل إلى من لا رحم بينه وبينك ) . فانصرف ~~عصمة إلى نصر ، وأبلغه قوله . PageV01P513 ### ||| [ الكرماني يحيي حلف اليمن وربيعة ] # ثم إن الكرماني كتب إلى عمر بن إبراهيم ، من ولد أبرهة بن الصباح ، ملك ~~حمير ، وكان آخر ملوكهم ، وكان مستوطنا الكوفة ، يسأله أن يوجه إليه بنسخة ~~حلف اليمن وربيعة ، الذي كان بينهم في الجاهلية ، ليحييه ، ويجدده ، وإنما ~~أراد بذلك أن يستدعي ربيعة إلى مكانفته . فأرسل به إليه . فجمع الكرماني ~~إليه أشراف اليمن وعظماء ربيعة ، وقرأ عليهم نسخة الحلف . وكانت النسخة : ( ~~بسم الله العلي الأعظم ، الماجد المنعم ، هذا ما احتلف عليه آل قحطان ~~وربيعة ( 45 - الأخبار الطوال ) ( * ) الإخوان ، احتلفوا على السواء السوا ~~، والأواصر والإخا ، ما احتذى رجل حذا ، وما راح راكب واغتدى ، يحمله ~~الصغار عن الكبار ، والأشرار عن الأخيار . آخر الدهر والأبد ، إلى انقضاء ~~مدة الأمد ، وانقراض الآباء والولد ، حلف يوطأ ويثب ، ما طلع نجم وغرب ، ~~خلطوا عليه دماهم ، عند ملك أرضاهم ، خلطها بخمر وسقاهم ، جز من نوصيهم ~~أشعارهم ، وقلم عن أناملهم أظفارهم ، فجمع ذلك في صر ، ودفنه تحت ماء غمر ، ~~في جوف قعر بحر آخر الدهر ، لا سهو فيه ولا نسيان ، ولا غدر ولا خذلان ، ~~بعقد موكد شديد ، إلى آخر الدهر الأبيد ، ما دعا صبي أباه ، وما حلب عبد في ~~أناة ، تحمل عليه الحوامل ، وتقبل عليه القوابل ، ماحل بعد عام قابل ، عليه ~~المحيا والممات ، حتى ييبس الفرات ، وكتب في الشهر الأصم عند ملك أخي ذمم ، ~~تبع بن ملكيكرب ، معدن الفضل والحسب ، عليهم جميعا كفل ، وشهد الله ms270 الأجل ، ~~الذي ما شاء فعل ، عقله من عقل ، وجهله من جهل ) . فلما قرئ عليهم هذا ~~الكتاب تواقفوا على أن ينصر بعضهم بعضا ، ويكون أمرهم واحدا . ### ||| [ الاستعداد للحرب ] # فأرسل الكرماني إلى نصر : إن كنت تريد المحاربة فابرز إلى خارج المدينة ) ~~. فنادى نصر في جنوده من مضر . PageV01P514 وخرج ، فعسكر ناحية من الصحراء ~~، وفعل الكرماني مثل ذلك . وخندق كل واحد منهما في عسكره ، ويسمى ذلك ~~المكان إلى اليوم ( الخندقين ) . ووجه الكرماني محمد بن المثنى ، وأبا ~~الميلاء الربعيين ، في ألف فارس ، من ربيعة ، وأمرهما أن يتقدما إلى عسكر ~~نصر بن سيار . فأقبلا ، حتى إذا قاربا عسكره قال نصر لابنه تميم : - اخرج ~~إلى القوم في ألف فارس من قيس وتميم . ### ||| [ مقتل تميم بن نصر ] # فانتخب ألف فارس ، ثم خرج ، فالتقوا ، واقتتلوا ، وحمل محمد بن المثنى ~~الربعي على تميم بن نصر ، فتضاربا بسيفيهما ، فلم يصنع السيفان شيئا ، ~~لكمال لأمتيهما ، فلما رأى محمد بن المثنى ذلك حمل بنفسه على تميم ، فعانقه ~~، فسقطا جميعا إلى الأرض ، وصار محمد فوق تميم ، فانحنى على حلقه بالسيف ، ~~فذبحه . وقال نصر بن سيار يرثي ابنه تميما : نفى عني العزاء وكنت جلدا غداة ~~جلي الفوارس عن تميم وما قصرت يداه عن الأعادي ولا أضحى بمنزلة اللئيم وفاء ~~للخليفة وابتذالا لمهجته يدافع عن حريم فمن يك سائلا عني فإني أنا الشيخ ~~الغضنفر ذو الكليم نمتني من خزيمة باذخات بواسق ينتمين إلى صميم قالوا : ~~فمكثوا بذلك عشرين شهرا ، ينهض بعضهم إلى بعض كل أيام ، فيقتتلون هويا ، ثم ~~ينصرفون ، وقد انتصف بعضهم من بعض . PageV01P515 | ### ||| [ نصيحة عقيل بن معقل لنصر ] # وشغلهم ذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه حتى قوي أمره ، واشتد ركنه ، وعلن ~~شأنه في جميع كور خراسان . فقال عقيل بن معقل الليثي لنصر بن سيار : إن هذه ~~العصبية قد تمادت بيننا وبين هؤلاء القوم ، وقد شغلتك عن جميع أعمالك ، ~~وضبط سلطانك ، وقد أظلك هذا العدو الكلب ، فأنشدك الله أن تشأم ( 1 ) نفسك ~~وعشيرتك ، قارب هذا الشيخ - يعني الكرماني - بعض المقاربة ، فقد انتقض ~~الأمر على الإمام مروان ms271 بن محمد . فقال نصر : يا ابن عم ، قد فهمت ما ذكرت ~~، ولكن هذا الملاح قد ساعدته عشيرته ، وظافرتهم على أمرهم ربيعة ، فقد عدا ~~من أجل ذلك طوره ، فلا ينوي صلحا ، ولا ينيب إلى أمان ، فانطلق يا ابن عم ~~إن شئت ، فسله ذلك ، وأعطه عني ما أراد . | ### ||| [ مناظرة عقيل للكرماني ] # فمضى عقيل بن معقل حتى استأذن على الكرماني ، فدخل فسلم . ثم قال له : - ~~إنك شيخ العرب وسيدها بهذه الأرض ، فأبق عليها ، قد تمادت هذه العصبية ~~بيننا وبينكم ، وقد قتل منا ومنكم ما لا يحصيه أحد ، وقد أرسلني نصر إليك ، ~~وجعل لك حكم الصبي على أبويه ، على أن ترجع إلى طاعته ، لتتآزرا على إطفاء ~~هذه النار المضطرمة في جميع كور خراسان ، قبل أن يكاشفوا - يعني المسودة - ~~. قال الكرماني : قد فهمت ما ذكرت ، وكنت كارها لهذا الأمر ، فأبى ابن عمك ~~- يعني نصرا - إلا البذخ والتطاول حتى حبسني في سجنه ، وبعثني على نفسه ~~وقومه . PageV01P516 قال له عقيل : فما الذي عندك في إطفاء هذه النائرة ، ~~وحقن هذه الدماء ؟ قال الكرماني : عندي من ذلك أن نعتزل أنا وهو الأمر ، ~~ونولي جميعا أمرنا رجلا من ربيعة ، فيقوم بالتدبير ، ونساعده جميعا ، ~~ونتشمر لطلب هؤلاء المسودة قبل أن يجتمعوا ، فلا نقوى بهم ، ولو أحلب عليهم ~~معنا جميع العرب . قال عقيل : إن هذا ما لا يرضى به الإمام مروان بن محمد ، ~~ولكن الأمير نصرا يجعل الأمر لك ، تولي من شئت ، وتعزل من شئت ، وتدبر في ~~هؤلاء المسودة ما شئت ، ويتزوج إليك ، وتتزوج إليه . قال الكرماني : كيف ~~يتزوج إلي . وليس لي بكفء ؟ قال عقيل : أتقول هذا لرجل له بيت كنانة ؟ قال ~~الكرماني : لو كان من مصاص كنانة ما فعلت ، فكيف وهو ملصق فيهم ؟ فأما قولك ~~، إنه يجعل الأمر إلى ، أولى ، وأعزل من أريد ، فلا ، ولا كرامة ، أن أكون ~~تبعا له ، أو أقاره على السلطان . فانصرف عقيل إلى نصر ، فقال : ( إنك كنت ~~بهذا الملاح أبصر مني ) . ثم أخبره بما دار بينهما كله . ### ||| [ مكاتبة نصر بن سيار لمروان ] # فكتب نصر بن سيار ، إلى ms272 الإمام مروان بن محمد ، يخبره بخروج الكرماني ~~عليه ، ومحاربته إياه ، واشتغاله بذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه ، حتى قد ~~عظم أمرهم ، وإن المحصي المقلل لهم يزعم ، أنه قد بايعه مائتا ألف رجل ، من ~~أقطار خراسان ، فتدارك يا أمير المؤمنين أمرك ، وابعث إلي بجنود من قبلك ~~يقو بهم ركني ، واستعن بهم على محاربة من خالفني . PageV01P517 ثم كتب في ~~أسفل كتابه : أرى تحت الرماد وميض جمر ويوشك أن يكون له ضرام فإن النار ~~بالعودين تذكى وأن الشر مبدؤه كلام وقلت من التعجب ، ليت شعري أأيقاظ أمية ~~أم نيام ؟ فإن يقظت ، فذاك بقاء ملك وإن رقدت ، فإني لا ألام فإن يك أصبحوا ~~، وثووا نياما فقل قوموا ، فقد حان القيام PageV01P518 ### ||| [ كتاب مروان إلى عامله على دمشق ] # فلما وصل كتابه إلى مروان كتب إلى معاوية بن الوليد ، بن عبد الملك ، ~~وكان عامله على دمشق ، ومروان حينئذ بمدينة حمص ، يأمره أن يكتب إلى عامله ~~بالبلقاء ، أن يسير إلى الحميمة ، فيأخذ إبراهيم بن محمد بن علي ، فيشده ~~وثاقا ، ويرسل به إليه . فأتى إبراهيم ، وهو جالس في مسجده ، فلف رأسه ، ~~وحمل إلى مروان ، واتبعه من أهل بيته عبد الله بن علي ، وعيسى بن موسى بن ~~علي ، ونفر من مواليه . فلما دخل على مروان قال له : ما هذه الجموع التي ~~خرجت بخراسان تطلب لك الخلافة ؟ قال له إبراهيم : ما لي بشئ من ذلك علم ، ~~فإن كنت إنما تريد التجني علينا فدونك وما تريد . ثم بسط لسانه على مروان ، ~~فأمر به ، فحبس . | ### ||| [ مقتل إبراهيم بن محمد ] # قال الهيثم : ( فأخبرني أبو عبيدة ، قال : كنت آتي إبراهيم في محبسه ، ~~ومعه فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز ، فأسلم عليه ، وأظل عامة نهاري ~~عنده ، وربما جنني الليل عنده ، فأبيت معه ، فبينا أنا ذات ليلة عنده ، وقد ~~بت معه في الحبس ، فأنا نائم في سقيفة فيه ، إذ قيل ، مولى لمروان ، ~~فاستفتح الباب ، ففتح له ، فدخل ومعه نحو من عشرين رجلا من موالي مروان ، ~~فلبثوا ساعة ، ثم خرجوا ، ولم أسمع لأحد صوتا . فلما أصبحت ms273 دخلت البيت ~~لأسلم عليها ، فإذا هما قتيلان ، فظننت أنهما خنقا ) . PageV01P519 ### ||| [ هرب ولد العباس إلى الكوفة ] # ولما قتل إبراهيم بن محمد خاف أخواه : أبو جعفر ، وأبو العباس على ~~أنفسهما ، فخرجا من الحميمة هاربين من العراق ، ومعهما عبد الله ، وإسماعيل ~~، وعيسى ، وداود بنو علي بن عبد الله بن عباس ، حتى قدموا الكوفة ، ونزلوا ~~على أبي سلمة الداعي ، الذي كان داعية أبيهما ، محمد بن علي بأرض العراق . ~~فأنزلهم جميعا دار الوليد بن سعد ، التي في بني أود ، وألزمهم مساورا ~~القصاب ، ويقطينا الأبزاري ، وكانا من كبار الشيعة ، وقد كانا لقيا محمد بن ~~علي في حياته ، فأمرهما أن يعينا أبا سلمة على أمره . وكان أبو سلمة خلالا ~~، فكان إذا أمسوا أقبل مساور بشقة لحم ، وأقبل أبو سلمة بخل ، وأقبل يقطين ~~بالأبزار ، فيطبخون ، ويأكلون . وفي ذلك يقول أبو جعفر : لحم مساور ، وخل ~~أبي سلمة وأبزار يقطين ، وطابت المرقة فلم يزل أبو العباس ، وأبو جعفر ~~مستخفين بالكوفة إلى أن قدم قحطبة بن شبيب العراق . ### ||| [ أبو مسلم الخراساني يبايع لأبي العباس ] # قالوا : وبلغ أبا مسلم قتل الإمام إبراهيم بن محمد ، وهرب أبي العباس ، ~~وأبي جعفر من الشام ، واستخفاؤهما بالكوفة عند أبي سلمة . فسار من خراسان ~~حتى قدم الكوفة ، ودخل عليهما ، فعزاهما بأخيهما ، إبراهيم الإمام . ~~PageV01P520 ثم قال لأبي العباس : مد يدك أبايعك . فمد يده ، فبايعه . ثم ~~سار إلى مكة . ثم انصرف إليهما . ### ||| [ وصية أبي العباس إلى أبي مسلم ] # فتقدم إليه أبو العباس ، ألا يدع بخراسان عربيا لا يدخل في أمره إلا ضرب ~~عنقه . ثم انصرف أبو مسلم إلى خراسان ، فجعل يدورها ، كورة كورة ، ورستاقا ~~رستاقا ، فيواعدهم اليوم الذي يظهرون فيه ، ويأمرهم بتهيئة السلاح والدواب ~~لمن قدر . ### ||| [ ما كتب نصر من الشعر إلى مروان ] # قالوا : ولما أعيت نصر بن سيار الحيل في أمر الكرماني ، وخاف أزوف أبي ~~مسلم كتب إلى مروان : يا أيها الملك الواني بنصرته قد آن للأمر أن يأتيك من ~~كثب أضحت خراسان ، قد باضت صقورتها وفرخت في نواحيها بلا رهب فإن يطرن ، ~~ولم يحتل لهن بها يلهبن ms274 نيران حرب أيما لهب PageV01P521 ### ||| [ كتاب مروان إلى ابن هبيرة ] # فلما وصلت هذه الأبيات إلى مروان كتب إلى يزيد [ بن عمر بن هبيرة عامله ] ~~على العراقين ، يأمره أن ينتخب من جنوده اثنا عشر رجلا ، مع فرض يفرضه ~~بالعراق من عرب الكوفة والبصرة ، ويولي عليهم رجلا حازما ، يرضى عقله ~~وإقدامه ، ويوجه بهم إلى نصر بن سيار . ### ||| [ رد ابن هبيرة على مروان ] # فكتب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان : ( أن من معه من الجنود لا يفون ~~باثني عشر ألفا ، ويعلمه أن فرض الشام أفضل من فرض العراق ، لأن عرب العراق ~~ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية ، وفي قلوبهم إحن ) . ولما أبطأ عن نصر ~~الغوث أعاد إلى مروان : من مبلغ عني الإمام الذي قام بأمر بين ساطع إني ~~نذير لك من دولة قام بها ذو رحم قاطع والثوب أن أنهج فيه البلى أعيى على ذي ~~الحيلة الصانع كنا نداريها ، فقد مزقت واتسع الخرق على الراقع فلم يجد عند ~~مروان شيئا . ### || | [ إعلان الدعوة العباسية ] # ### ||| [ ظهور المسودة ] # وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبية ، فخرجوا جميعا في يوم واحد ~~من جميع كور خراسان حتى وافوه ، وقد سودوا ثيابهم ، تسليا على إبراهيم بن ~~محمد بن PageV01P522 علي بن عباس الذي قتله مروان ، فكان أول من ورد عليه ~~من القواد ، وقد لبس السواد ، أسيد بن عبد الله ، ومقاتل بن حكيم ، ومحقن ~~بن غزوان ، والحريش مولى خزاعة ، وتنادوا : محمد ، يا منصور . يعنون محمد ~~بن علي بن عبد الله ابن عباس . وهو أول من قام بالأمر ، وبث دعاته في ~~الآفاق . ### ||| [ التحاق الناس بالدعوة ] # وانجفل الناس على أبي مسلم من هراة ، وبوشنج ، ومرو الروذ ، والطالقان ، ~~ومرو ، ونسا ، وأبيورد ، وطوس ، ونيسابور ، وسرخس ، وبلخ ، والصغانيان ، ~~والطخارستان ، وختلان ، وكش ، ونسف ، فتوافوا جميعا مسودي الثيابا ، وقد ~~سودوا أيضا أنصاف الخشب التي كانت معهم ، وسموها ( كافر كوبات ) . وأقبلوا ~~فرسانا ، وحمارة ، ورجالة ، يسوقون حميرهم ويزجرونها ، هر مروان ، يسمونها ~~مروان ، ترغيما لمروان بن محمد ، وكانوا زهاء مائة ألف رجل . ### ||| [ خوف نصر بن سيار واستعطافه ربيعة ] # فلما ms275 بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه ، وخاف على نفسه ، ولم ~~يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية ، والربعية إليهم ، فيكون في ذلك ~~اصطلامه ، فأراد أن يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعة . PageV01P523 فكتب ~~إليهم ، وكانوا جميعا بمرو : أبلغ ربيعة فكتب إليهم جميعا بمرو وإخوتها أن ~~يغضبوا قبل أن لا ينفع الغضب ما بالكم تلحقون الحرب بينكم كان أهل الحجا عن ~~فعلكم غيب وتتركون عدواقد أظلكم ممن تأشب ، لا دين ولا حسب ليسوا إلى عرب ~~منا ، فنعرفهم ولا صميم الموالي ، إن هم نسبوا قوما يدينون دينا ما سمعت به ~~عن الرسول ، ولا جاءت به الكتب فمن يكن سائلي عن أصل دينهم فإن دينهم أن ~~تقتل العرب فلم تحفل ربيعة بهذه الأبيات . ### ||| [ كتاب الإمام إلى أبي مسلم واستمالة الكرماني ] # وبلغ أبا العباس الإمام ، وهو مستخف بالكوفة أن أبا مسلم لو أراد أن ~~يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل ، غير أنه يدافع الحرب ، فكتب إليه يؤنبه في ~~ذلك . وكان أبو مسلم يحب أن يستميل أحد الرجلين ، ليفصم به شوكة الآخر ، ~~فأرسل إلى الكرماني ، يسأله أن ينضم إليه ، لينتقم له من نصر بن سيار ، ~~فعزم على المسير إليه ، PageV01P524 وأقبل أبو مسلم في عساكره إلى أرض مرو ~~، فعسكر على ستة فراسخ من المدينة . وخرج إليه الكرماني ليلا في نفر من ~~قومه ، فاستأمن لجميع أصحابه ، فأمنهم أبو مسلم ، وأكرم الكرماني ، فأقام ~~معه ، وشق ذلك على نصر بن سيار ، وأيقن بالهلكة . ### ||| [ مراسلة نصر للكرماني وغدره به ] # فكتب إلى الكرماني يسأله الرجوع إليه ، على أن يعتزلا ، ويوليا الأمر ~~رجلا من ربيعة ، يرضيانه ، وهو الأمر الذي كان سأله إياه . فأصغى الكرماني ~~إلى ذلك ، وتحمل ليلا من معسكر أبي مسلم ، حتى انصرف إلى معسكره ، واسترسل ~~الكرماني إلى نصر ، فلما أصاب منه غرة دس عليه من قتله . ويقال : بل وجه ~~إليه نصر رجلا من قواده في ثلاثمائة فارس ، فكمنوا له ليلا عند منصرفه من ~~معسكر أبي مسلم ، فلما حاذاهم ، وهو غافل عنهم ، حملوا عليه ، فقتلوه . ~~وبلغ ذلك أبا مسلم ms276 فقال ( لا يبعد الله غيره ، لو صبر معنا لقمنا معه ، ~~ونصرناه على عدوه ) . وقال نصر في ظفره بالكرماني : لعمري ، لقد كانت ربيعة ~~ظافرت عدوي بغدر حين خابت جدودها وقد غمزوا مني قناة صليبه شديدا على من ~~رامها الكسر عودها PageV01P525 وكنت لها حصنا ، وكهفا ، وجنة يؤول إلى ، ~~كهلها ، ووليدها فمالوا إلى السوءات ، ثم تعذروا وهل يفعل السوءات إلا ~~مريدها ؟ فأور ذكر مانيها الموت عنوة كذاك منايا الناس يدنو بعيدها ### ||| [ انضمام علي بن الكرماني إلى أبي مسلم ] # قالوا : ولما قتل الكرماني مضى ابنه على من خندقه إلى أبي مسلم ، فسأله ~~أن يطلب له بثأر أبيه . فأمر قحطبة بن شبيب أن يستعد ، ويسير حتى ينيخ على ~~نصر في خندقه ، فينابذه الحرب ، أو ينيب إلى الطاعة . فسار قحطبة ، فبدأ ~~بالمدينة ، فدخلها ، واستولى عليها ، وأرسل إلى نصر يؤذنه بالحرب . فكتب ~~نصر إلى أبي مسلم ، يسأله الأمان ، على أن يدخل معه في أمره ، فأجابه إلى ~~ذلك ، وأمر قحطبة أن يمسك عنه . ### ||| [ فرار نصر نحو العراق ثم موته ] # فلما أصاب نصر من قحطبة غفلة تحمل في حشمه وولده ، وحاشيته ليلا ، فخرج ~~من معسكره من غير أن يعلم أصحابه ، وسار نحو العراق ، وجعل طريقه على جرجان ~~، فأقام بها ، فمرض فيها ، فسار منها إلى ساوة ، فأقام بها أياما ثم توفي ~~بها . PageV01P526 فاستأمن جميع أصحابه وأصحاب الكرماني إلى أبي مسلم إلا ~~أناسا كرهوا أمر أبي مسلم ، فساروا من مدينة مرو هرابا ، حتى أتوا طوس ، ~~فأقاموا بها . ### ||| [ توزع عمال أبي مسلم على خراسان ] # وإن أبا مسلم استولى على خراسان ، واستعمل عماله عليها . فكان أول من عقد ~~له منهم زنباع بن النعمان ، على سمرقند ، وولى خالد بن إبراهيم ، على ~~طخارستان ، وولى محمد بن الأشعث ، الطبسين ( 1 ) ، ثم وجه أصحابه إلى سائر ~~تلك البلاد ، وضم إلى قحطبة بن شبيب أبا عون ، مقاتل بن حكيم العكي ، وخالد ~~بن برمك ، وحارثة بن خزيمة ، وعبد الجبار بن نهيك ، وجهور بن مراد العجلي ، ~~والفضل بن سليمان ، وعبد الله بن النعمان الطائي ، وضم إلى كل واحد من ~~هؤلاء ms277 القواد صناديد الجنود وإبطالهم . ### ||| [ انتصارات قحطبة بن شبيب ] # وأمر قحطبة أن يسير إلى طوس ، فيلقى من قد اجتمع بها من جنود نصر بن سيار ~~، والكرماني ، فيحاربهم حتى يطردهم عنها ، ثم يتقدم ، قدما قدما ، حتى يرد ~~العراق . فسار قحطبة حتى إذا دنا من طوس هرب أولئك الذين قد كانوا تجمعوا ~~بها ، PageV01P527 فتفرقوا ، وسار قحطبة من طوس إلى جرجان ، فافتتحها . ~~وسار منها إلى الري ، فواقع عامل مروان عليها ، فهزمه ، ثم سار من الري إلى ~~أصبهان حتى وافاها ، وبها عامر بن ضبارة ، من قبل يزيد بن عمر ، فهرب منه ، ~~ودخلها قحطبة ، واستولى عليها . ثم سار حتى أتى نهاوند ، وبها مالك بن أدهم ~~الباهلي ، فتحصن أياما ، ثم استأمن إلى قحطبة ، فأمنه ، فخرج إليه ، وسار ~~قحطبة حتى نزل حلوان ، فأقام بها . وكتب إلى أبي مسلم يعلمه خبره ، وأن ~~مروان بن محمد قد أقبل من الشام حتى وافى الزابين فأقام بها في ثلاثين ألفا ~~، وأن يزيد بن عمر بن هبيرة قد استعد بواسط . PageV01P528 فأتاه كتاب أبي ~~مسلم ، يأمره أن يوجه أبا عون العكي في ثلاثين ألف فارس من إبطال جنوده إلى ~~مروان بن محمد بالزابين ، فيحاربه ، ويسير هو في بقية الجنود إلى واسط ، ~~فيحارب يزيد بن عمر ، ليشغله عن توجيه المدد إلى مروان . ففعل قحطبة ذلك . ~~* * * وبلغ مروان فصول أبي عون إليه بالجيوش من حلوان فاستقبله ، فالتقيا ~~بشهرزور ، فاقتتلوا ، فانهزم أهل الشام حتى صاروا إلى مدينة حران . ### ||| [ استشارة مروان لإسماعيل القسري ] # قال الهيثم : فحدثني إسماعيل بن عبد الله القسري ، أخو خالد بن عبد الله ~~قال : ( دعاني مروان عند وصوله إلى حران ، وكنت أخص الناس عنده ، فقال لي : ~~( يا أبا هاشم ) - وما كناني قبل ذلك - . فقلت : ( لبيك يا أمير المؤمنين ) ~~. قال : ( ترى ما قد نزل من الأمر ، وأنت الموثوق برأيه ، فما ترى ؟ ) . ~~قلت : ( وعلام أجمعت يا أمير المؤمنين ؟ ) . قال : ( أجمعت على أن ارتحل ~~بأهلي ، وولدي ، وخاصة أهل بيتي ، ومن اتبعني من أصحابي حتى أقطع الدرب ، ~~وأصير إلى ملك الروم ، فاستوثق منه بالأمان ، ولا PageV01P529 يزال يأتيني ~~الخائف من ms278 أهل بيتي وجنودي حتى يكثف أمري ، وأصيب قوة على محاربة عدوي ) . ~~قال إسماعيل : وذلك ، والله ، كان الرأي له عندي ، غير أني ذكرت سوء أثره ~~في قومي ، ومعاداته إياهم ، وتحامله عليهم ، فصرفت الرأي عنه . وقلت له : ( ~~يا أمير المؤمنين ، أعيذك بالله ، أن تحكم أهل الشرك في نفسك وحرمك ، لأن ~~الروم لا وفاء لهم ) . قال : فما الرأي عندك ؟ قلت : الرأي أن تقطع الفرات ~~، وتستقري مدن الشام ، مدينة مدينة ، فإن لك بكل مدينة صنائع ونصحاء ، ~~وتضمهم جميعا إليك ، وتسير حتى تنزل ببلاد مصر ، فهي أكثر أهل الأرض مالا ، ~~وخيلا ، ورجالا ، فتجعل الشام أمامك ، وإفريقية خلفك ، فإن رأيت ما تحب ~~انصرفت إلى الشام ، وإن تكن الأخرى اتسع لك المهرب نحو إفريقية ، فإنها أرض ~~واسعة ، نائية منفردة . قال : صدقت ، لعمري ، وهو الرأي . فسار من حران حتى ~~قطع الفرات ، وجعل يستقري مدن الشام ، فيستنهضهم ، فيروغون عنه ، ويهابون ~~الحرب ، فلم يسر معه منهم إلى قليل . و سار أبو عون صاحب قحطبة في أثر ~~مروان حتى انتهى إلى الشام ، وقصد PageV01P530 دمشق ، فقتل من أهلها مقتلة ~~عظيمة ، فيهم ثمانون رجلا من ولد مروان ابن الحكم . ### ||| [ مطاردة مروان بن محمد حتى قتله ] # ثم عبر الشام سائرا نحو مصر حتى وافاها ، واستعد مروان فيمن كان معه ، من ~~أهل الوفاء له ، وكانوا نحوا من عشرين ألف رجل ، وسار مستقبلا أبا عون حتى ~~التقى الفريقان ، فاقتتلوا . فلم يكن لأصحاب مروان ثبات ، فقتل منهم خلق ، ~~وانهزم الباقون ، فتبددوا ، وهرب مروان على طريق إفريقية ، وطلبته الخيل ، ~~فحال بينها وبينه الليل ، فعبر مروان النيل في سفينة ، فصار في الجانب ~~الغربي ، وكان منجما ، فقال لغلامه : - إني إن سلمت هذه الليلة رددت خيل ~~خراسان على أعقابها حتى أبلغ خراسان . ثم نزل ، ودفع دابته إلى غلامه ، ~~وخلع درعه ، فتوسدها ، ونام لشدة ما قد كان مر به من التعب ، ولم يكن معه ~~دليل يدله على الطريق ، وخاف أن يوغل في تلك المفاوز ، فيضل . وأقبل رجل من ~~أصحاب أبي عون ، يسمى ( عامر بن إسماعيل ) في طلب مروان ، حتى أتى المكان ~~الذي ms279 عبر فيه مروان ، فدعا بسفينة ، فجلس فيها ، وعبر ، فانتهى به السير ~~إلى مروان ، وهو مستثقل نوما ، فضربه بالسيف حتى قتله . PageV01P531 ### ||| [ دعوة محمد بن خالد لأبي العباس ] # قالوا : ولما بلغ محمد بن خالد بن عبد الله القسري ، وكان مستترا بالكوفة ~~في بجيلة ، موافاة قحطبة بن شبيب حلوان بجموع أهل خراسان جمع إليه نفرا من ~~أشراف قومه ، ثم ظهر ، ودعا لأبي العباس الإمام ، فطلبه زياد بن صالح ، ~~عامل يزيد بن عمر ، فاجتمع إليه قومه ، فمنعوه ، وقاموا دونه . وبلغ ذلك ~~يزيد بن عمر بن هبيرة ، فأمد زياد بن صالح بالرجال ، واجتمع إلى محمد جميع ~~من كان بالكوفة من اليمانية والربعية ، فهرب زياد بن صالح حتى لحق بيزيد بن ~~عمر بواسط . وكتب محمد بن خالد إلى قحطبة ، وهو بحلوان ، يسأله أن يوليه ~~أمر الكوفة ، ويبعث إليه عهده عليها ، ففعل . فأتى المسجد الأعظم في جمع ~~كثير من اليمانية ، وقد أظهروا السواد ، وذلك يوم عاشوراء من المحرم سنة ~~اثنتين وثلاثين ومائة ( 1 ) . وقال محمد بن خالد فيما كان من قتلة الوليد ~~بن يزيد بن عبد الملك : قتلنا الفاسق المختال لما أضاع الحق ، واتبع ~~الضلالا يقول لخالد ألا حمته بنو قحطان إن كانوا رجالا PageV01P532 فكيف ~~رأى غداة غدت عليه كراديس يشبهها الجبالا ( 2 ) ألا أبلغ بني مروان عني بأن ~~الملك قد أودي ، فزالا ### ||| [ مسير ابن هبيرة إلى الكوفة ] # وسار يزيد بن عمر بن هبيرة إلى الكوفة يريد محمد بن خالد ، فدخل محمد على ~~أبي سلمة الداعي ، فأخبره بفصول ابن هبيرة نحوه ، وتخوفه أن لا يقوى بكثرة ~~جموعه . فقال له أبو سلمة : إنه قد كان منك من الدعاء إلى الإمام أبي ~~العباس ما لا ينساه لك ، فلا تفسد ذلك بقتلك نفسك ، ومن معك ، ودع الكوفة ، ~~فإنها في يديك ، وسر بمن معك حتى تنضم إلى قحطبة . قال محمد : لست بخارج من ~~الكوفة حتى أبلي عذرا في محاربة ابن هبيرة . فاستعد بمن كان معه بالكوفة من ~~اليمن وربيعة ، وسار مستقبلا لابن هبيرة حتى التقى . ### ||| | [ ابن خالد يستميل أبناء قومه ] # فنادى ms280 محمد بن خالد من كان مع ابن هبيرة من قومه : ( تبا لكم ، أنسيتم ~~قتل أبي خالد ، وتحامل بني أمية عليكم ، ومنعهم إياكم أعطياتكم ؟ يا بني عم ~~، قد أزال الله ملك بني أمية ، وأدال منهم ، فانضموا إلى ابن عمكم ، فإن ~~هذا قحطبة بحلوان في جموع أهل خراسان ، وقد قتل مروان ، فلم تقتلون أنفسكم ~~؟ وإن الأمير قحطبة قد ولاني الكوفة ، وهذا عهدي عليها ، فليكن لكم أثر في ~~هذه الدولة ) . فلما سمعوا ذلك مالوا إليه جميعا ، ولم يلق مع ابن هبيرة ~~إلا قيس وتميم . فلما رأى ذلك ولى منهزما بمن معه حتى وافى واسط ، ووجه في ~~نقل الميرة إليها ، واستعد للحصار . PageV01P533 وانصرف محمد بن خالد إلى ~~الكوفة ، فخطب الناس ، ودعا لأبي العباس ، وأخذ بيعة أهل الكوفة . ### ||| [ قدوم قحطبة إلى العراق ] # وأقبل قحطبة من حلوان حتى وافى العراق ، فنزل ( دمما ) - وهي فيما بين ~~بغداد والأنبار - وذلك قبل أن تبنى بغداد ، وإنما كانت قرية ، يقوم بها سوق ~~في كل شهر مرة ، فأقام معسكرا بها . فقال علي بن سليمان الأزدي يذكر محمد ~~بن خالد وسبقه إلى الدعاء إلى بني هاشم : يا حاديينا بالطريق قوما بيعملات ~~كالقسي رسما ( 1 ) تنجو بأحواز الفلاة مقدما إلى امرئ أكرم من تكرما محمد ~~لما سما وأقدما ثار بكوفان بها معلما في عصبة تطلب أمرا مبرما حتى علا ~~منبرها معمما أكرم بما فازبه وأعظما إذ كان عنها الناس كلا نوما ### ||| [ هلاك قحطبة ومبايعة ابنه الحسن ] # وإن قحطبة عند مسيرة إلى العراق استخلف على أرض الجبل يوسف بن عقيل ~~الطائي ، وأقبل ابن هبيرة حتى صار على شاطئ الفرات الغربي ، وهو في نحو من ~~ثلاثين ألف رجل . وأقبل قحطبة حتى نزل في الجانب الشرقي ، فأقام ثلاثا ، ثم ~~نادى في جنوده ، أن أقحموا خيلكم الماء ، فاقتحموها ، وقحطبة أمام أصحابه . ~~ولما عبر أصحاب قحطبة قاتلهم ابن هبيرة ، فلم يقم لهم ، فانهزم حتى أتى ~~PageV01P534 واسطا ، فتحصن فيها ، وفقد قحطبة بن شبيب فلم يدر أين ذهب . ~~ويزعم بعض الناس أن فرسه غاص به فغرق ، وتولى أمر الناس ابنه ms281 الحسن ابن ~~قحطبة . ولما تحصن ابن هبيرة بواسط خلف الحسن بن قحطبة عليه بعض قواده في ~~عشرين ألف رجل ، وسار نحو الكوفة ، وقد أخذها محمد بن خالد ، فوافاها الحسن ~~بن قحطبة ، وبها الإمام أبو العباس . PageV01P535 ### | | [ المحور الخامس ] ### | [ أخبار الدولة العباسية ] # ### || [ أخبار أبي العباس ] # ### ||| [ خطبة أبي العباس ] # فأظهر أبا العباس ، وأقبل به حتى دخل المسجد الأعظم ، واجتمع له الناس ، ~~فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على نبيه ، عليه السلام ، ثم ~~ذكر انتهاك بني أمية المحارم ، وهدمهم الكعبة ، ونصبهم عليها المجانيق ، ~~وما أبدعوا من خبيث السير ، ثم نزل . فأكثر الناس له من الدعاء ، وأقبل نحو ~~دار الإمارة ، فنزلها . وأمر الحسن بن قحطبة بالانصراف إلى واسط ، والإناخة ~~بيزيد بن عمر ابن هبيرة . فسار الحسن وحاصر يزيد أشهرا كثيرة . قال الهيثم ~~بن عدي : بويع لأبي العباس بالخلافة ، و لأبي جعفر بولاية العهد من بعده ، ~~في رجب ، من سنة اثنتين وثلاثين ومائة ( 1 ) . PageV01P536 ### ||| [ توزير أبي سلمة الخلال ثم قتله ] # فلما استدف لأبي العباس الإمرة ولى أبا سلمة الداعي جميع ما وراء بابه ، ~~وجعله وزيره ، وأسند إليه جميع أموره ، فكان يسمى وزير آل محمد ، فكان ينفذ ~~الأمور من غير مؤامرة . وبلغ ذلك أبا مسلم وهو بخراسان ، فدعا مروان الضبي ~~، وكان أحد قواده ، وقال له : ( انطلق إلى الكوفة ، فأخرج أبا سلمة من عند ~~الإمام أبي العباس ، فاضرب عنقه ، وانصرف من ساعتك ) ، ففعل الضبي ذلك . ~~فقال الشاعر يرثي أبا سلمة : إن الوزير وزير آل محمد أودي فمن يشناك كان ~~وزيرا ( 2 ) . ### ||| [ توجه المنصور إلى واسط ] # ثم إن الإمام أبا العباس رأى أن يوجه أخاه أبا جعفر المنصور إلى واسط ، ~~ليتولى * هامش * ( 1 ) الموافق فبراير سنة 750 م . ( 2 ) شنأه أي أبغضه . ( ~~* ) محاربة ابن هبيرة ، فوجهه ، وكتب إلى الحسن بن قحطبة يعلمه أن العسكر ~~عسكره ، و [ أنه ] أحب أن يكون أخوه المتولي للأمر . فلما وافى أبو جعفر ~~واسطا تحول الحسن بن قحطبة عن سرداقه ، وخلاه بما فيه له ، فنزله أبو جعفر ~~بحريمه وحشمه . PageV01P537 وكتب أبو جعفر إلى قواد ms282 يزيد بن عمر وأشراف من ~~العرب ، يستميلهم بالأطماع ، وينبههم على حظوظهم ، ويعرفهم انصرام دولة بني ~~أمية ، فأجابوه جميعا . وكان أول من أجابه وانحرف إليه زياد بن صالح ~~الحارثي ، وكان عامل ابن هبيرة على الكوفة ، وأخص أصحابه عنده ، وقد كان ~~ابن هبيرة ولاه حراسة مدينته بالليل ، ودفع إليه مفاتيح أبوابها . ### ||| [ انضمام زياد بن صالح إلى أبي جعفر ] # قال الهيثم : فحدثني أبي ، قال : لما هم زياد باللحوق بأبي جعفر أرسل إلى ~~، وكان وصي أبي ، فكنت أدعوه أبا وعما ، وقد كان رسوله أتاني عند اختلاط ~~الظلام ، يأمرني بالمصير إليه ، فأتيته ، فخلا بي ، وقال : ( يا ابن أخي ، ~~إنك لست ممن أكتمه شيئا ، وقد أتاني كتاب أبي جعفر ، يدعوني إلى اللحوق به ~~، ويبذل لي على ذلك منزلة سنية ، وأعلم في كتابه أنه راع للخئولة وكانت أم ~~أبي العباس حارثيه - . قال والدي : ( فقلت له ، يا عم ، إن لابن هبيرة ~~أيادي جميلة ، و أكره لك الغدر به ) . فقال : ( يا ابن أخي ، أنا من أشكر ~~الناس له ، غير أني لا أرى أن أقيم على ملك ، قد انقضت قواه ، ووهت عراه ، ~~وأنا لابن هبيرة اليوم عند أبي جعفر أنفع مني له هاهنا ، وأرجو أن يصلح ~~الله أمره بي وعلى يدي ، فأقم عندي إلى وقت خروجي لأسلم لك المفاتيح ) . ~~فأقمت عنده . PageV01P538 فلما مضى ثلث الليل أمر غلمانه ، فحملوا أثقاله ، ~~وأسرجوا دوابه ، ثم ركب ، وخرج من منزله ، وأنا أمشي معه ، حتى انتهى إلى ~~باب المدينة الذي يلي دجلة ، وكانت المفاتيح معه ، وأمر الأحراس أن يفتحوا ~~الباب ، وقال لهم : ( أريد الخروج لاستطلاع بعض الأمور ، وأنا منصرف بعد ~~ساعة ) . ثم خرج ، وأمرني بإغلاق الباب وأخذ المفاتيح . فقال لي فيما بيني ~~وبينه إذا أصبحت فانطلق بالمفاتيح حتى تدفعها إلى ابن هبيرة من يدك إلى يده ~~، أعلمه أني له هناك أفضل مني له هاهنا ، ثم ودعني ، ومضى ، وانصرفت إلى ~~منزلي . فلما أصبحت أتيت باب قصر الإمارة ، فاستأذنت على ابن هبيرة . فقال ~~لي الحاجب : هو قاعد في مصلاه ، لم يقم عنه . قلت : أعلمه أني أتيته في ms283 مهم ~~. فأذن لي . فدخلت ، وهو قاعد في محرابه ، وعليه كساء بركاني معلم ، فسلمت ~~عليه بالإمرة . فرد السلام . وقال : مهم . فحدثته بأمر زياد بن صالح ، ~~فدمعت عيناه . وقال : بمن تثق اليوم بعد زياد ، وتوليتي إياه الكوفة ، ~~ووبري به ؟ فقلت : أيها الأمير : إن الله ربما جعل في الكره خيرا ، وأرجو ~~أن ينفعك الله بمكانه هناك . فقال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ~~PageV01P539 ثم قال : يا غلام ، علي بطارق بن قدامة القسري . فدخل عليه ، ~~وأنا جالس عنده ، فدفع إليه تلك المفاتيح . وقال : يا طارق ، إني قد اخترتك ~~لحراسة هذه المدينة على جميع أصحابك من خاصتنا ، فكن كنحو ثقتي بك . ### ||| [ كتاب الأمان ودخول ابن هبيرة على أبي جعفر ] # ولما طال على ابن هبيرة الحصار بعث إلى المنصور يسأله الأمان ، فأرسل ~~إليه : ( إن أردت أن أؤمنك على حكم أمير المؤمنين أبي العباس فعلت ) . ~~فشاور ابن هبيرة نصحاءه ، فأشاروا عليه أن يفعل . فأرسل إلى أبي جعفر يعلمه ~~: أني راض بذلك . فكتب إليه أبو جعفر ذلك بخطه ، وأشهد على نفسه بذلك ~~القواد . فخرج ابن هبيرة إلى أبي جعفر في نفر من بطانته ، فدخل عليه ، وهو ~~في سرادقه ، وحول السرادق عشرة آلاف نفر من أهل خراسان مستلئمين في السلاح ~~، فأمر أبو جعفر بوسادة ، فجلس عليها قليلا ، ثم نهض ، ودعي له بدابته ، ~~فركب ، وانصرف إلى منزله ، وفتحت أبواب المدينة ، ودخل الناس بعضهم في بعض ~~. ### ||| [ إحصاء خزائن ابن هبيرة والتخطيط لقتله ] # قالوا : وأحصى ما في الخزائن من الأموال والسلاح ، وما بقي من الطعام ~~والعلف الذي كان ابن هبيرة قد ادخر ، وأعد للحصار ، فكان المال ثلاثة آلاف ~~ألف درهم ، ومن السلاح شئ كثير ، وطعام ثلاثين ألف رجل ، وعلف عشرين ألف ~~رأس من الدواب سنة . وإن أبا جعفر كتب إلى أبي العباس يخبره بخروج ابن ~~هبيرة على حكمه ، ويسأله أن يعلمه الذي يرى فيه . PageV01P540 فكتب أبو ~~العباس : لا حكم لابن هبيرة عندي إلا السيف . فلما انتهى الكتاب بذلك إلى ~~أبي جعفر كتمه عن جميع الناس . وقال لحاجبه : مر ابن هبيرة إذا ركب ms284 إلينا ~~ألا يركب إلا في غلام واحد ، ويدع عنه هذه الجماعات . فلما كان من غد ركب ~~ابن هبيرة إلى أبي جعفر في موكب عظيم . فقال له سلام الحاجب : ( أبا خالد ، ~~كأنك إنما تأتي ولي العهد مباهيا ، ولا تأتيه مسلما ) . قال ابن هبيرة : إن ~~كنتم كرهتم ذلك لم آتكم إلا في غلام واحد . قال : فلا تأتنا إلا في [ غلام ~~] واحد ، فإني لم أقل ذلك استخفافا بحقك ، إلا أن أهل خراسان ينكرون كثرة ~~من يركب معك . فكان ابن هبيرة بعد ذلك لا يأتيهم إلا في غلام واحد ، فيدخل ~~، ويسلم ، وينصرف . ### ||| [ نكبة ابن هبيرة ورؤساء الأجناد ] # ثم إن أبا جعفر قال للحسن بن قحطبة : ( اجمع إليك أبا بكر العقيلي ، ~~PageV01P541 والحوثرة بن سهل ، ومحمد بن بنانة ، وعبد الله بن بشر ، وطارق ~~بن قدامة ، وسويد بن الحارث المزني ، وهؤلاء كانوا قواد يزيد بن عمر ، فإذا ~~اجتمعوا عندك فاضرب أعناقهم ، وائتني بخواتيمهم ، ووجه حرسا يحرسون ابن ~~هبيرة ، لأنفذ فيه أمر الإمام أبي العباس . فانطلق الحسن بن قحطبة ، فأنفذ ~~أمره في أولئك ، وأتاه بخواتيمهم . قال : ( فما نطق منهم أحد عند قتله ، ~~وما كان منه جزع ولا امتناع ) . فلما كان في اليوم الثاني دعا أبو جعفر ~~خازم بن خزيمة ، وإبراهيم بن عقيل ، فقال لهما : ( انطلقا في عشرة نفر من ~~الحرس حتى تدخلا على ابن هبيرة فتقتلاه ) . فأقبلا حتى دخلا عليه عند طلوع ~~الشمس ، وهو جالس في مسجده في القصر مسند ظهره إلى المحراب ، ووجهه إلى ~~رحبة القصر . فلما نظر إليهم قال لحاجبه : ( يا أبا عثمان ، أحلف بالله أن ~~في وجوه القوم لشرا . فمضى أبو عثمان مستقبلا لهم ، وقال لهم : ( ما تريدون ~~؟ ) . فبعجه إبراهيم بن عقيل بالسيف ، فقتله ، وقام إبراهيم ابنه في وجوه ~~القوم ، PageV01P542 فقتل ، ثم قام ابنه داود في وجوههم ، فقتل ، ثم قام ~~كاتبه عمرو ، فقتل . وأقبلوا نحو ابن هبيرة ، فلما دنوا منه حول وجهه إلى ~~القبلة ، وسجد ، فضربوه بأسيافهم حتى خمد . ثم انصرفا إلى أبي جعفر ، ~~فأخبراه بذلك ، فأمر أبو جعفر مناديا ، فنادى ( أيها الناس ، أنتم آمنون ms285 ~~إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر ، ومحمد بن ذر ، وخالد ابن سلمة المخزومي . ~~قال الهيثم : فحدثني أبي قال : قال محمد بن ذر ، فضاقت على الأرض برحبها ، ~~فخرجت ليلا من مدينة واسط على قدمي ، وأنا أقرأ آية الكرسي ، فما عرض لي ~~أحد من الناس حتى نجوت ، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله من ~~الإمام أبي العباس ، فآمنني . قال وهرب الحكم بن عبد الملك إلى كسكر ، ~~فاستخفى بها ) . وضاقت بخالد بن سلمة المخزومي الأرض ، فأتى باب أبي جعفر ~~المنصور ليلا ، فاستأمن له ، فآمنه . ثم نودي ( أيها الناس ، أنتم جميعا ~~آمنون ، يا أهل الشام ، ألحقوا بشامكم ، ويا أهل الحجاز ، ألحقوا بحجازكم ، ~~فسكن الناس ، وآمنوا ، واطمأنوا . PageV01P543 ### ||| [ قدوم المنصور على أبي العباس ] # واستعمل المنصور على واسط الهيثم بن زياد الخزاعي في خمسة آلاف من أهل ~~خراسان ، ثم انصرف بسائر الناس حتى قدم على الإمام أبي العباس ، وهو ~~بالحيرة . ثم إن الإمام سار من الحيرة في جموعه حتى أتى الأنبار ، ~~فاستطابها ، فابتنى بها مدينة بأعلى المدينة عظيمة لنفسه وجموعه ، وقسمها ~~خططا بين أصحابه من أهل خراسان ، وبنى لنفسه في وسطها قصرا عاليا منيفا ، ~~فسكنه ، وأقام بتلك المدينة طول خلافته ، وتسمى إلى اليوم مدينة أبي العباس ~~. ثم إن أبا العباس وجه أخاه أبا جعفر المنصور إلى خراسان ، وأمره أن يأتي ~~أبا مسلم ، فيناظره في بعض الأمور ، ووجه معه ثلاثين رجلا من وجوه القواد ، ~~وفيهم الحجاج بن أرطأة الفقيه ، وإسحق بن الفضل الهاشمي . ### ||| [ مناظرة الخرساني والترحيض على قتله ] # فلما قدم المنصور على أبي مسلم لم يبالغ أبو مسلم في بره وإكرامه ، ولم ~~يظهر السرور التام بقدومه . PageV01P544 فانصرف إلى أبي العباس ، وقال : ( ~~لست بخليفة ما دام أبو مسلم حيا ، فاحتل لقتله قبل أن يفسد عليك أمرك ، ~~فلقد رأيته وكأنه لا أحد فوقه ، ومثله لا يؤمن غدره ونكثه ) . فقال أبو ~~العباس : وكيف يمكن ذلك ، ومعه أهل خراسان ؟ وقد أشربت قلوبهم حبه ، واتباع ~~أمره ، وإيثار طاعته . فقال أبو جعفر : فذاك والله أحرى أن لا تأمنه ، ~~فاحتل ms286 له . فقال أبو العباس : يا أخي ، اضرب عن هذا ، ولا تعلمن رأيك في ~~ذلك أحدا . وإن أبا العباس قال ذات يوم للحجاج بن أرطأة ، وقد خلا معه : ما ~~تقول في أبي مسلم ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله تعالى يقول في كتابه ~~: ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) . قال أبو العباس : أمسك ، فقد ~~فهمت ما أردت . ### ||| [ الصراع بين أبي العباس وأبي مسلم ] # ثم إن أبا مسلم وجه محمد بن الأشعث بن عبد الرحمن أميرا على فارس . ورأى ~~أبو العباس أن يستعمل عليها عمه عيسى بن علي ، فعقد له عليها ، وأمره ~~بالمسير إليها . فلما قدم عيسى على محمد بن الأشعث أبى أن يسلم إليه . فقال ~~له عيسى : يا ابن الأشعث ، أ لست في طاعة الإمام أبي العباس ؟ قال : بلى ، ~~غير أن أبا مسلم أمرني ألا أسلم العمل إلى أحد من الناس . PageV01P545 قال ~~عيسى : فإنما أبو مسلم عبد الإمام ، وإن الإمام لا يرضى أن يرد أمره . قال ~~محمد : دع عنك هذا ، لست أسلم العمل إليك إلا بكتاب أبي مسلم . فانصرف عيسى ~~إلى أبي العباس ، فأخبره ذلك ، فكظم ، وأمر عمه بالمقام عنده ، فأقام . وإن ~~أبا مسلم عقد للمغلس بن السري على أرض طخارستان حتى وافاها ، فخرج إليه ~~منصور مستعدا للحرب ، فالتقوا ، فاقتتلوا ، فكان الظفر للمغلس ، وهرب منصور ~~في نفر من أصحابه حتى وقعوا في الرمال ، فماتوا عطشا . وأقام المغلس على ~~باب بلاد السند . ### ||| [ قدوم أبي مسلم على أبي العباس ] # وإن أبا مسلم كتب إلى الإمام أبي العباس يستأذنه في القدوم عليه ، ~~والمقام عنده إلى أوان الحج ليحج ، فأذن له أبو العباس في ذلك ، فسار أبو ~~مسلم حتى إذا قارب الإمام أمر أبو العباس جميع من كان معه بالحضرة من ~~القواد والأشراف أن يستقبلوه ، فاستقبل بالكرامة ، وترجل له الأشراف ~~والقواد . وأقبل حتى وافى مدينة أبي العباس ، فأنزله معه في قصره ، ولم يال ~~جهده في بره وإكرامه ، حتى إذا حان وقت الحج استأذنه في الحج . فقال له أبو ~~العباس : لولا أن أخي أبا جعفر ms287 قد عزم على الحج لوليتك الموسم ، فكونا ~~جميعا . قال أبو مسلم : وذاك أحب إلي . PageV01P546 ثم خرجا . فكان يرتحل ~~أبو جعفر ، وينزل أبو مسلم حتى وافيا مكة ، فقضيا حجهما ، وانصرفا . ( 48 - ~~الاخبار الطوال ) ( * ) ### || [ أخبار أبو جعفر المنصور ] # ### ||| [ وفاة أبي العباس ] # فلما وصل أبو جعفر إلى ( ذات عرق ) في منصرفه أتاه نعي الإمام [ أبي ~~العباس ] ، فأقام بمكانه حتى وافاه أبو مسلم ، فأخبره بوفاة أبي العباس . ~~فخنقت أبا مسلم [ العبرة ] ، وقال : ( رحم الله أمير المؤمنين ، إنا لله ~~وإنا إليه راجعون ) . فقال أبو جعفر : إني قد رأيت أن تخلف أثقالك ومن معك ~~من جنودك على ، فيكونوا معي ، وتركب أنت في عشرة نفر البريد حتى ترد ~~الأنبار ، فتضبط العسكر ، وتسكن الناس . قال أبو مسلم : أفعل . فركب في ~~عشرة نفر من خاصته ، وسار بالحث الشديد حتى وافى العراق ، وانتهى إلى مدينة ~~أبي العباس بالأنبار ، فوجد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس قد دعا الناس ~~إلى بيعته ، وخلع ولاية العهد عن أبي جعفر . فلما رأوا أبا مسلم مالوا معه ~~، وتركوا عيسى . PageV01P547 فلما وافى أبو جعفر اعتذر إليه عيسى ، وأعلمه ~~أنه إنما أراد بذلك ضبط العسكر ، وحفظ الخزائن ، وبيوت الأموال . فقبل أبو ~~جعفر منه ذلك ، ولم يؤاخذه بما كان منه . واجتمع الناس ، وبايعوا المنصور ~~أبا جعفر . ### ||| [ توثب عبد الله ابن علي ] # ثم أتاه انتقاض الشام ، وقد كان أبو العباس استعمل عليها عمه عبد الله بن ~~علي ، فلما بلغه وفاة أبي العباس دعا لنفسه ، واستمال من كان معه من جنود ~~خراسان ، فمالوا معه . فلما بلغ أبا جعفر ذلك قال لأبي مسلم ( أيها الرجل ، ~~إنما هو أنا أو أنت ، فإما أن تسير إلى الشام فتصلح أمرها ، أو أسير أنا ) ~~. قال أبو مسلم ، بل أسير أنا . فاستعد ، وسار في اثني عشر ألفا من إبطال ~~جنود خراسان حتى إذا وافى الشام انحاز إليه من كان بها من الجنود جميعهم ، ~~وبقي عبد الله بن علي وحده . فعفا أبو مسلم عنه ، ولم يؤاخذه بما كان منه . ~~وكانت خلافة أبي العباس أربع سنين ms288 وستة أشهر . PageV01P548 ### ||| [ خلاف أبي مسلم للمنصور ] # وإن أبا جعفر عند مسير أبي مسلم نحو الشام وجه يقطين بن موسى في أثر أبي ~~مسلم ، وقال : ( إن تكن هناك غنائم فتول قبضها ) . وبلغ ذلك أبا مسلم ، فشق ~~عليه ، وقال : ( إن أمير المؤمنين لم يأتمني على ما هاهنا حتى استظهر على ~~بأمين ) . ودخلته من ذلك وحشة شديدة . ### ||| [ مسير المنصور إلى المدائن ] # ولما بلغ المنصور إصلاح الشام كره المقام بمدينة أبي العباس التي ~~بالأنبار ، فسار بعسكره إلى المدائن ، فنزل إلى المدينة التي تدعى ( ~~الرومية ) وهي من المدائن على فرسخ ، وهي المدينة التي بناها كسرى أنوشروان ~~، وأنزلها السبي الذي سباه من بلاد الروم ، فأقام المنصور بتلك المدينة . ~~وإن أبا مسلم انصرف فأخذ على الفرات حتى وافى العراق على الأنبار ، وجاز ~~حتى وافى كرخ بغداد ، وهي إذ ذاك قرية ، ثم عبر دجلة من بغداد ، وأخذ طريق ~~خراسان ، وترك طريق المدائن . وبلغ ذلك أبا جعفر . ### ||| [ كتاب المنصور إلى أبي مسلم لاستدراجه ] # فكتب إلى أبي مسلم : أريد مناظرتك في أمور لم يحتملها الكتاب ، فخلف ~~PageV01P549 عسكرك حيث ينتهي إليك كتابي ، فاقدم على . فلم يلتفت أبو مسلم ~~إلى كتاب المنصور ، ولم يعبأ به . وكان مع المنصور رجل من ولد جرير بن عبد ~~الله البجلي ، واسمه ( جرير بن يزيد بن عبد الله ) ، وكانت له خلابة ، وتأت ~~في الأمور ، ومكيدة . فقال له أبو جعفر : ( اركب البريد حتى تلحق أبا مسلم ~~، فتحاول رده إلي ، فإنه قد مضى مغاضبا ، ولا آمن إفساده على ، وتأت في رده ~~بأفضل التاتى ) . فسار الرجل حتى لحقه في بعض الطريق ، وقد نزل بعض المنازل ~~بعسكره ، فدخل عليه مضربه . فقال : ( أيها الأمير ، أجهدت نفسك ، وأسهرت ~~ليلك ، وأتعبت نهارك في نصرة مواليك ، وأهل بيت نبيك حتى إذا استحكم لهم ~~الأمر ، وتوطد لهم السلطان ، ونلت أمنيتك فيهم تنصرف على هذه الحال ، فما ~~تقول الناس ؟ ألا تعلم أن ذلك مطعنة عليك ، ومسبة ، في حياتك ، وبعد وفاتك ~~؟ ) . فلم يزل به حتى عزم على الانصراف معه إلى المنصور ، وخلف عسكره ~~بمكانه ذلك . ### ||| [ مصرع أبي مسلم ms289 ] # وسار منصرفا في ألف فارس من أفاضل من كان معه من جنود خراسان والقواد ، ~~وقد كان أبو مسلم يقول : إن المنجمين أخبروني أن لا أقتل إلا بالروم . ~~PageV01P550 حتى وافى أبا جعفر بالرومية ، فدخل عليه ، فقام إليه أبو جعفر ~~، وعانقه ، وأظهر السرور بانصرافه . وقال له : ( كدت تمضي من قبل أن أراك ، ~~وأفضي إليك بما أريد ، فقم ، فضع عنك ثيابك ، وانزل حتى يذهب كلال السير ~~عنك . فخرج أبو مسلم إلى قصر قد أعد له . ونزل أصحابه حوله . فمكث ثلاثة ~~أيام ، يغدو كل يوم إلى أبي جعفر ، فيدخل على دابته ، حتى ينتهي إلى باب ~~المجلس الذي فيه الإمام ، فينزل ، ويدخل إليه ، فيجلس عنده مليا ، ~~فيتناظران في الأمور . فلما كان في اليوم الرابع وطن له أبو جعفر عثمان بن ~~نهيك ، وكان على حرسه ، وشبث بن روح ، وكان على شرطته ، وأبا فلان بن عبد ~~الله ، وكان على الخيل ، وأمرهم أن يكمنوا في بيت إلى جنب المجلس الذي كان ~~فيه . وقال لهم : إذا أنا صفقت يدي ثلاثا فاخرجوا إلى أبي مسلم ، فبضعوه . ~~PageV01P551 وأمر الحاجب إذا دخل أبو مسلم أن يأخذ عنه سيفه . وأقبل أبو ~~مسلم ، فدخل ، وأخذ الحاجب سيفه . فدخل مغضبا ، وقال : - يا أمير المؤمنين ~~، فعل بي ما لم يفعل بي مثله قط ، أخذ السيف من عاتقي . قال أبو جعفر : ومن ~~أخذه لعنه الله ؟ اجلس ، لا عليك . فجلس ، وعليه قباء أسود خز ، ووضع له ~~متكئا ، ولم يكن في البيت غيرهما . فقال أبو جعفر : ( ما أردت بمضيك نحو ~~خراسان قبل لقائي ؟ ) قال أبو مسلم : ( لأنك وجهت في أثري إلى الشام أمينا ~~في إحصاء الغنائم ، أما وثقت بي فيها ؟ ) . فأغلظ له أبو جعفر الكلام . ~~فقال : ( يا ( أمير المؤمنين ، أنسيت حسن بلائي ، وفضل قيامي ، وإتعابي ~~نفسي ليلي ونهاري ؟ حتى سقت هذا السلطان إليكم ) . قال أبو جعفر : ( يا ابن ~~الخبيثة ، والله لو قامت مقامك أمة سوداء لأغنت غناك ، إنما تأتي لك الأمور ~~في ذلك بما أحب الله ، من إظهار دعوتنا أهل البيت ، ورد حقنا إلينا ، ولو ~~كان ذلك بحولك وحيلتك ms290 وقوتك ما قطعت فتيلا ، ألست يا ابن اللخناء الذي كتبت ~~إلي تخطب عمتي آمنة بنت علي بن عبد الله ؟ وتزعم في كتابك أنك ابن سليط ابن ~~PageV01P552 عبد الله بن عباس ، لقد ارتقيت مرتقى صعبا ) . فقال أبو مسلم : ~~يا أمير المؤمنين ، لا تدخل على نفسك الغم والغيظ بسببي ، فإني أصغر قدرا ~~من أن أبلغ منك هذا . فصفق أبو جعفر بكفيه ثلاثا ، وخرج عليه القوم بالسيوف ~~. فلما رآهم أبو مسلم أيقن بالأمر ، فقام إلى أبي جعفر ، فتناول رجله ~~ليقبلها ، فرفسه أبو جعفر برجله ، فوقع ناحية ، فأخذته السيوف . فقال أبو ~~مسلم . أما من سلاح يحامي به المرء عن نفسه . فضربوه حتى خمد . وأمر به أبو ~~جعفر ، فلف في بساط ، ووضع ناحية من البيت . ### ||| [ موقف عيسى بن علي من قتل أبي مسلم ] # وقد كان أبو مسلم قبل دخوله على أبي جعفر قال لعيسى بن علي : ( ادخل معي ~~إلى أمير المؤمنين ، فإني أريد معاتبته في بعض الأمور ) . PageV01P553 فقال ~~له عيسى : ( تقدم فإني على أثرك ) . فأقبل عيسى حتى دخل على أبي جعفر ، ~~فقال : يا أمير المؤمنين ، أين أبو مسلم ؟ قال أبو جعفر : ( هاهو ذاك ملفوف ~~في ذلك البساط ) . قال عيسى : ( أقتلته ؟ أنا لله ، فكيف تصنع بجنوده ؟ ~~وهؤلاء قد جعلوه ربا ) . فأمر أبو جعفر فهيئت ألف صرة ، في كل صرة ثلاثة ~~آلاف درهم . وأحس أصحاب أبي مسلم بالأمر ، فصاحوا ، وسلوا السيوف ، فأمر ~~أبو جعفر بتلك الصرر ، فقذفت إليهم مع رأس أبي مسلم . وصعد عيسى بن علي إلى ~~أعلى القصر ، وقال : يا أهل خراسان ، إنما كان أبو مسلم عبدا من عبيد أمير ~~المؤمنين ، وجد عليه ، فقتله ، فليفرخ روعكم ، فإن أمير المؤمنين بالغ ~~آمالكم ) . فترجل القوم وتناولوا تلك الصرر ، كل واحد صرة ، وترك الرأس ~~مقذوفا . ثم إن أبا جعفر وضع لأصحاب أبي مسلم العطاء ، ووجه الأموال إلى ~~عسكر أبي مسلم حيت خلفه ، فأسنى لهم العطاء ، وكتب كتابا ، فقرئ عليهم ، ~~يبسط فيه آمالهم ، وأجزل صلات القواد والأشراف منهم ، فأرضاهم ذلك . ~~PageV01P554 واستدفت الخلافة لأبي جعفر المنصور سنة ثمان وثلاثين ومائة ، ~~فوجه ms291 عماله إلى أقطار الأرض . [ مدينة بغداد ] وأن أبا جعفر أحب أن يبني ~~لنفسه جنوده مدينة ليتخذها دار المملكة . فسار بنفسه يرتاد الأماكن حتى ~~انتهى إلى بغداد ، وهي إذ ذاك قرية يقوم بها سوق في كل شهر ، فأعجبه المكان ~~، فخط لنفسه وحشمه ومواليه وولده وأهل بيته المدينة ، وسماها ( مدينة ~~السلام ) ، وبنى قصره وسطها إلى المسجد الأعظم . ثم خط لجنوده حول المدينة ~~، وجعل أهل كل بلد من خراسان في ناحية منها منفردة ، وأمر الناس بالبناء ، ~~ووسع عليهم في النفقات ، وأمر ، فحفر نهر الفرات من ثمانية فراسخ ، وفوهه ~~النهر من دمما ، فأجرى إلى بغداد ليأتي فيه مواد الشام والجزيرة ، كما تأتي ~~مواد الموصل وما اتصل بالموصل في دجلة ، وكان بناؤه إياها في سنة تسع ~~وثلاثين ومائة . PageV01P555 ### ||| [ عطاء المنصور في الموسم ] # ثم إن أبا جعفر حج بالناس سنة أربعين ومائة ، وجعل منصرفه على مدينة ~~الرسول ، فوضع لأهلها العطاء ، فأسنى لهم في الرزق وفرق فيهم الجوائز . ~~ومضى نحو الشام قاصدا لبيت المقدس حتى وافاها ، فأقام بها شهرا ، ثم سار ~~إلى الرقة ، فأقام بها بقية عامة ذلك ، ثم سار من الرقة حتى وافى مدينة ~~السلام ، فأقام بها حولا كاملا . ### ||| [ خروج الراوندية ] # ثم سار منها سنة اثنتين وأربعين ومائة نحو البصرة حتى وافاها ، فبلغه أن ~~الراوندية تداعوا ، وخرجوا يطلبون بثأر أبي مسلم ، وخلعوا الطاعة ، فوجه ~~إليهم خازم بن خزيمة ، فقتلهم ، وبددهم في الأرض ، ثم عقد لمعن بن زائدة من ~~البصرة على اليمن ، وأقام عامة ذلك بالبصرة . ### ||| [ وعظ عمرو بن عبيد للمنصور ] # وزعموا أن عمرو بن عبيد دخل إليه ، فلما رآه أبو جعفر صافحه ، وأجلسه إلى ~~PageV01P556 جانبه ، فتكلم عمرو ، فقال : يا أمير المؤمنين ، إن الله قد ~~أعطاك الدنيا بأسرها ، فاشتر نفسك من الله ببعضها ، واعلم أن الله لا يرضى ~~منك إلا بما ترضاه منه ، فإنك لا ترضى من الله إلا بأن يعدل عليك ، وإن ~~الله لا يرضى منك إلا بالعدل في رعيتك ، يا أمير المؤمنين ، إن من وراء ~~بابك نيرانا تأجح من الجور ، وما يعمل من وراء بابك ms292 بكتاب الله ولا بسنة ~~رسول الله ، يا أمير المؤمنين : ألم تر كيف فعل ربك بعاد ، إرم ذات العماد ~~، حتى أتى على آخر السورة ، ثم قال : ولمن عمل والله بمثل عملهم . قالوا : ~~فبكى أبو جعفر . فقال ابن مجالد : مه يا عمرو ، قد شققت على أمير المؤمنين ~~منذ اليوم . قال عمرو : من هذا يا أمير المؤمنين ؟ قال : هذا أخوك ابن ~~مجالد . قال عمرو : يا أمير المؤمنين ما أحد أعدى لك من ابن مجالد ، أيطوى ~~عنك PageV01P557 النصيحة ، ويمنعك من ينصحك ؟ وإنك لمبعوث وموقوف ومسئول عن ~~مثاقيل الذر من الخير والشر . قال : فرمى أبو جعفر بخاتمه ، وقال : - قد ~~وليتك ما وراء بابي ، فادع أصحابك ، فولهم . قال : إن أصحابي لن يأتوك حتى ~~يروك قد عملت بالعدل ، كما قلت بالعدل . ثم انصرف . ### ||| [ إقامة المنصور في نهاوند ] # وسار أبو جعفر من البصرة سنة ثلاث وأربعين نحو الجبل حتى وافى مدينة ~~نهاوند ، وقد كان بلغه طيبها ، فأقام بها شهرا . ثم انصرف حتى أتى المدائن ~~، فأقام بها بقية عامة ذلك ، وعقد منها لخزيمة ابن خازم على جميع طبرستان ، ~~حتى إذا آن أوان الحج خرج منها حاجا سنة أربع وأربعين ومائة ، ونزل الربذة ~~( 1 ) ، فلما قضى حجه انصرف ، ولم يدخل المدينة . ### ||| [ خروج محمد النفس الزكية ] # وفي ذلك العام خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب عليه السلام ، الملقب بالنفس الزكية ، فوجه إليه أبو جعفر عيسى بن ~~موسى بن علي في خيل ، فقتل رحمه الله ، وخرج أخوه PageV01P558 إبراهيم بن ~~عبد الله بن الحسن ابن الحسن ، فقتل رضوان الله عليهم . ### ||| [ وفاة أبي جعفر المنصور ] # وفي سنة ثمان وخمسين ومائة حج أبو جعفر ، فنزل الأبطح على بئر ميمون ، ~~فمرض بها ، وتوفي غداة السبت ، لست خلون من ذي الحجة . فأقام الحج للناس في ~~ذلك العام إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس ، ~~وصلى على أبي جعفر عيسى بن موسى ، فكانت خلافته عشرين سنة ، وتوفي وله ثلاث ~~وستون سنة ، ودفن ms293 بأعلى مكة . PageV01P559 ### || [ أخبار محمد المهدي ] # ### ||| [ بيعة المهدي ] # ثم بويع للمهدي بن المنصور يوم السبت لسبع عشرة ليلة خلت من ذي الحجة ( 1 ~~) ، وفي ذلك العام أمر المهدي باتخاذ المقاصير في جميع مساجد الجماعات ، ثم ~~حج المهدي سنة ستين ومائة ، فانصرف على المدينة ، فأمر أن يشتري ما حول ~~المسجد من المنازل والدور ، فيوسع به المسجد . ### ||| [ خروج المحمرة بجرجان ] # وفي سنة اثنتين وستين ومائة خرجت المحمرة بجرجان ، فسار إليهم عمر بن ~~العلاء ، ففرقهم . ### ||| [ ولاية العهد ] # وفي ذلك العام عقد المهدي ولاية العهد لابنه موسى الهادي ، ومن بعده ~~لابنه الرشيد . PageV01P560 ### ||| [ موت المهدي ] # وفي سنة تسع وستين خرج موسى بن المهدي إلى جرجان ، وخرج المهدي إلى ( ~~ماسبذان ) ( 2 ) فأقام بها متنزها . ومات بها وهو ابن ثلاث وأربعين سنة ، ~~وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصفا . ### || [ أخبار موسى الهادي ] # ### ||| [ بيعة الهادي ] # وأتت الخلافة موسى الهادي ، وهو بجرجان ، وبويع بمدينة السلام لثمان بقين ~~من المحرم . ### ||| [ وقعة فخ ] # وفي ذلك العام خرج الحسين بن علي بن الحسن بالمدينة ، وسار نحو مكة ، ~~فلقيه عيسى بن موسى والعباس بن علي ، فقتلاه . PageV01P561 ### ||| [ وفاة الهادي ] # وفي سنة سبعين ومائة توفي الإمام موسى بن المهدي بعيسياباذ ( 3 ) في ~~النصف من شهر ربيع الأول ، وكان له يوم توفي أربع وعشرون سنة ، وكانت ~~خلافته سنة وشهرا وأربعة وعشرين يوما . ### || [ أخبار هارون الرشيد ] ### ||| [ بيعة الرشيد ] # وفي ذلك العام استخلف هرون الرشيد ، وحج ، وانصرف إلى المدينة ، فوضع ~~لأهلها العطاء ، وأجزل لهم . PageV01P562 وأقبل إلى العراق فوافى الكوفة ، ~~وعقد لأبي العباس الطوسي على خراسان ، فلبث عليها عامين ، ثم عزله . ~~واستعمل عليها محمد بن الأشعث . ### ||| [ الفتنة بالشام ] # وفي سنة أربع وسبعين ومائة وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية ~~واليمانية ، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير . ### ||| | [ ولاية العهد ] # وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد ، وعبد الله ، وكتب ~~بينهما كتابا بولاية العهد لمحمد ، ومن بعده لعبد الله المأمون ، وعلق ~~الكتاب في جوف الكعبة ، ثم انصرف إلى مدينة السلام . واستعمل على خراسان ~~الغطريف بن عطاء . ### ||| [ وصية زبيدة للكسائي مؤدب ms294 الأمين والمأمون ] # قال علي بن حمزة الكسائي : ولأني الرشيد تأديب محمد وعبد الله ، فكنت ~~أشدد PageV01P563 عليهما في الأدب ، وآخذهما به أخذا شديدا ، وبخاصة محمدا ~~، فاتتني ذات يوم خالصة جارية أم جعفر . فقالت : يا كسائي ، إن السيدة تقرأ ~~عليك السلام ، وتقول لك ، حاجتي إليك أن ترفق بابني محمد ، فإنه ثمرة فؤادي ~~وقرة عيني ، وأنا أرق عليه رقة شديدة . فقلت لخالصة : إن محمدا مرشح ~~للخلافة بعد أبيه ، ولا يجوز التقصير في تأديبه . فقالت خالصة : إن لرقة ~~السيدة سببا ، أنا مخبرتك به . أنها في الليلة التي ولدته أريت في منامها ~~كان أربع نسوة أقبلن إليه ، فاكتنفنه عن يمينه وشماله ، وأمامه وورائه ، ~~فقالت التي بين يديه : ( ملك قليل العمر ، ضيق الصدر ، عظيم الكبر ، واهى ~~الأمر ، كثير الوزر ، شديد الغدر ) ، وقالت التي من ورائه : ( ملك قصاف ، ~~مبذر متلاف ، قليل الإنصاف ، كثير الإسراف ) ، وقالت التي عن يمينه : ( ملك ~~ضخم ، قليل الحلم ، كثير الإثم ، قطوع للرحم ) ، وقالت التي عن يساره : ( ~~ملك غدار ، كثير العثار ، سريع الدمار ) . ثم بكت خالصة ، وقالت : ( يا ~~كسائي ، وهل يغني الحذر ؟ ) . PageV01P564 ### ||| [ الأصمعي بين يدي الرشيد ] # وذكر عن الأصمعي قال : دخلت على الرشيد ، وكنت غبت عنه حولين بالبصرة ، ~~فأوما إلي بالجلوس قريبا منه ، فجلست قليلا ، ثم نهضت ، فأومأ إلي أن اجلس ~~، فجلست ، حتى خف الناس . ثم قال لي : - يا أصمعي ، ألا تحب أن ترى محمدا ~~وعبد الله ؟ قلت : بلى يا أمير المؤمنين ، إني لأحب ذلك ، وما أردت القيام ~~إلا إليهما ، لأسلم عليهما . قال : تكفي . ثم قال : علي بمحمد وعبد الله . ~~فانطلق الرسول . وقال : أجيبا أمير المؤمنين . فأقبلا ، كأنهما قمرا أفق ، ~~قد قاربا خطاهما ، وضربا ببصرهما الأرض حتى وقفا على أبيهما ، فسلما عليه ~~بالخلافة ، وأومأ إليهما ، فدنيا منه ، فأجلس محمدا عن يمينه ، وعبد الله ~~عن شماله . ثم أمرني بمطار حتهما ، فكنت لا ألقي عليهما شيئا من فنون الأدب ~~إلا أجابا فيه وأصابا . PageV01P565 فقال : كيف ترى أدبهما ؟ قلت : يا أمير ~~المؤمنين ، ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة ذهنهما ، فأطال الله بقاءهما ، ~~ورزق الأمة من رأفتهما ومعطفتهما ms295 . فضمهما إلى صدره ، وسبقته عبرته حتى ~~تحدرت دموعه . ثم أذن لهما ، حتى إذا نهضا وخرجا ، قال : - كيف بكم إذا ظهر ~~تعاديهما وبدا تباغضهما ، ووقع بأسهما بينهما حتى تسفك الدماء ، ويود كثير ~~من الأحياء انهم كانوا موتى ؟ فقلت : يا أمير المؤمنين ، هذا شئ قضى به ~~المنجمون عند مولدهما ، أو شئ أثرته العلماء في أمرهما ؟ قال : بل شئ أثرته ~~العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما . قالوا : فكان المأمون يقول في ~~خلافته : ( قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى بيننا من موسى بن جعفر بن محمد ، ~~فلذلك قال ما قال . ### ||| [ حرص الرشيد على ولاية العهد ] # قال الأصمعي : وكان الرشيد يحب السمر ، ويشتهي ( أحاديث ) الناس ، فكان ~~يرسل إلى إذا نشط لذلك ، وجن عليه الليل ، فأسامره ، فأتيت ذات ليلة ، ولم ~~يكن عنده PageV01P566 أحد ، فسامرته ساعة ، ثم أطرق ، وفكر ، ثم قال : يا ~~غلام ، علي بالعباسي - يعني الفضل بن الربيع - . فحضر ، ودخل ، فأذن له ~~بالجلوس . فقال : يا عباسي ، إني عنيت بتولية العهد ، ومثبت الأمر في محمد ~~وعبد الله ، وقد علمت أني إن وليت محمدا مع ركوبه هواه ، وانهماكه في اللهو ~~واللذات خلط على الرعية ، وضيع الأمر ، حتى يطمع فيه الأقاصي من أهل البغي ~~والمعاصي ، وإن صرفت الأمر إلى عبد الله ليسلكن بهم المحجة ، وليصلحن ~~المملكة ، وإن فيه لحزم المنصور وشجاعة المهدي ، فما ترى ؟ قال الفضل : يا ~~أمير المؤمنين ، إن هذا أمر خطير عظيم ، والزلة فيه لا تستقال ، وللكلام ~~فيه مكان غير هذا . فعلمت أنهما يحبان الخلوة ، فقمت عنهما ، وجلست ناحية ~~من صحن الدار ، فما زالا يتناظران إلى أن أصبحا . واتفق رأيهما على تولية ~~محمد العهد ، وتصيير عبد الله من بعده ، وقسمه الأموال والجنود بينهما ، ~~وأن يقيم محمد بدار الخلافة ، ويتولى المأمون خراسان . فلما أصبح أمر بجميع ~~القواد ، فاجتمعوا إليه ، فدعاهم إلى بيعة محمد ، ومن بعده إلى بيعة ~~المأمون ، فأجابوا إلى ذلك ، وبايعوا . PageV01P567 ### ||| [ هدم الموصل ] # وفي سنة ثمانين ومائة عقد الرشيد لعلي بن عيسى بن ماهان على خراسان ، وفي ~~ذلك العام خرج الرشيد إلى أرض الشام ، وأخذ ms296 على الموصل ، فلما وافاها أمر ~~بهدم مدينتها ، وقد كانوا وثبوا بعاملة . ### ||| [ انصراف الرشيد إلى الأنبار ثم الرقة ] # وفي ذلك العام وثب أهل خراسان بعاملهم ، فقتلوه ، فأقام بالشام عامه ذلك ~~، ثم خرج حاجا ، فلما انصرف قصد الأنبار ، فنزل به بمدينة أبي العباس ، وهي ~~من الأنبار على نصف فرسخ ، وقد كان بقي بها جمع عظيم من أبناء أهل خراسان ، ~~توالدوا بها حتى كثروا ، فهم إلى الآن ، فأقام بها شهرا ، ثم توجه منها إلى ~~الرقة فأقام بها شهرا . ### ||| [ الرشيد بين الغزو والحج ] # وخرج منها غازيا إلى أرض الروم ، فافتتح مدينة من مدنهم ، تسمى ( معصوف ) ~~. ثم انصرف إلى الرقة ، فأقام بها بقية عامه ذلك . PageV01P568 فلما كان ~~أوان الحج ، حج ، فقضى نسكه ، وجعل منصرفه على الرقة ، فأقام بها ، وولى ~~يزيد بن مزيد أرمينية ، ثم قدم من الرقة سنة أربع وثمانين ومائة حتى وافى ~~مدينة السلام ، ونزل قصره بالرصافة ، وأخذ عماله بالبقايا ، ثم سار من ~~مدينة السلام في سنة خمس وثمانين ومائة عائدا إلى الرقة ، وقد كان استطابها ~~. ### ||| [ عام الأعطيات الثلاث ] # فلما كان أوان الحج حج ، فمر بالمدينة ، فأعطاهم ثلاث أعطيات ، وأعطى أهل ~~مكة عطاءين ، ثم انصرف ، فقصد الأنبار ، فأقام بها شهرا ، ثم انصرف إلى ~~مدينة السلام . ( * ) ثم عقد البيعة لابنه القاسم بعد محمد وعبد الله ، ~~وولاه الشام ، فوجه القاسم عليها عماله . PageV01P569 وحج الرشيد سنة ثمان ~~وثمانين ومائة ، وانصرف فنزل الحيرة ، فأقام بها أياما ، ثم دخل مدينة ~~السلام . وفي سنة تسع وثمانين سار إلى الري فأقام بها شهرا ، ثم انصرف نحو ~~مدينة السلام ، فضحى بقصر اللصوص ، ثم دخل بغداد ، ولم ينزلها ، ومضى حتى ~~انتهى إلى السالحين ، وهي من مدينة السلام على ثلاثة فراسخ ، فبات بها ثم ~~سار عامدا للرقة حتى وافاها ، وأمر عند ممره ببغداد بخشبة جعفر بن يحيى أن ~~تحرق ، وأقام بالرقة بقية ذلك العام . فلما دخلت سنة تسعين ومائة خرج غازيا ~~لأرض الروم حتى أوغل فيها وانتهى إلى هرقلة ، فافتتحها . ### ||| [ ظهور رافع بن الليث ] # وفي ذلك العام خرج رافع بن نصر بن سيار مغاضبا ms297 بأرض خراسان ، PageV01P570 ~~وكان سبب خروجه أن علي بن عيسى بن ماهان لما ولى خراسان أساء السيرة ، ~~وتحامل على من كان بها من العرب ، وأظهر الجور ، فخرج عليه رافع ، فواقعه ~~وقعات ، ثم انحاز فيمن اتبعه من أهل خراسان ، وكانوا زهاء ثلاثين ألف رجل ~~في سمرقند ، وأقام بمدينتها . وبلغ ذلك الرشيد ، فعزل علي بن عيسى عنها ، ~~واستعمل عليها هرثمة بن أعين . ثم انصرف الرشيد قافلا من الروم حتى نزل ~~بمدينة السلام عامه ذلك ، واستخلف ابنه محمدا على دار المملكة ، وخرج عامدا ~~لأرض خراسا ليتولى حرب رافع بنفسه . ### ||| [ خروج الخرمية ] # ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة وفيها خرجت ( الخرمية ) بأرض الجبل في ~~المرة الأولى ، فوجه إليهم محمد الأمين بعبد الله بن مالك الخزاعي ، فقتل ~~منهم مقتلة عظيمة ، وشرد بقيتهم في البلدان . PageV01P571 ### ||| [ وفاة الرشيد ] # وسار الرشيد حتى وافى مدينة طوس ، فنزل في دار حميد الطوسي ، ومرض بها ~~مرضا شديدا ، فجمع له الأطباء يعالجونه ، فقال : إن الطبيب بطبه ودوائه لا ~~يستطيع دفاع محذور جرى ما للطبيب يموت بالداء الذي قد كان يشفي مثله فيما ~~مضى فلما اشتد به الوجع قال للفضل بن الربيع : يا عباسي ، ما تقول الناس ؟ ~~قال : يقولون ، إن شاني أمير المؤمنين قد مات . فأمر أن يسرج له حمار ~~ليركبه ، ويخرج ، فأسرج له ، وحمل حتى وضع على السرج ، فاسترخت فخذاه ولم ~~يستطع الثبوت . فقال : أرى الناس قد صدقوا . ثم توفي . وذلك في سنة ثلاث ~~وتسعين ومائة يوم السبت ، لخمس ليال خلون من PageV01P572 جمادى الآخرة ، ~~وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة ، وشهرا ونصفا . ### || [ أخبار محمد الأمين ] # ### ||| [ بيعة الأمين ] # فأتت الخلافة محمدا الأمين ببغداد ، يوم الخميس للنصف من جمادى الآخرة ، ~~ونعاه للناس يوم الجمعة ، ودعاهم إلى تجديد البيعة ، فبايعوا . ### ||| [ خطبة المأمون بمرو ] # ووصل الخبر بوفاة الرشيد إلى المأمون ، وهو بمدينة مرو ، يوم الجمعة ~~لثمان خلون من الشهر ، فركب إلى المسجد الأعظم ، ونودي في الجنود وسائر ~~الوجوه ، فاجتمعوا ، وصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وصلى على النبي ~~وآله ، ثم قال : أيها الناس ، أحسن الله عزاءنا وعزاءكم في الخليفة ms298 الماضي ~~، صلوات الله عليه ، وبارك لنا ولكم في خليفتكم الحادث ، مد الله في عمره . ~~ثم خنقته العبرة ، فمسح عينه بسواده . ثم قال : - يا أهل خراسان ، جددوا ~~البيعة لإمامكم الأمين . فبايعه الناس جميعا . ### ||| [ شعر لأبي نواس يهنئ فيه الأمين ] # ولما أتت الخلافة محمدا ، وبايعه الناس دخل عليه الشعراء ، وفيهم الحسن ~~ابن هانئ ، فأنشدوه ، وقام الحسن في آخرهم ، فأنشده قوله : PageV01P573 إلا ~~دارها بالماء حتى تلينها فلن تكرم الصهباء حتى تهينها وحمراء قبل المزج ~~صفراء بعده كان شعاع الشمس يلقاك دونها كان يواقيتا رواكد حولها وزرق ~~سنانير تدير عيونها لقد جلل الله الكرامة أمة يكون أمير المؤمنين أمينها ~~حميت حماها بالقنابل والقنا ووفرت دنياها عليها ودينها يراك بنو المنصور ~~أولاهم بها وإن أظهروا غير الذي يكتمونها فوصلهم جميعا ، وفضله . ### ||| [ استشارة الأمين إسماعيل بن صبيح في عزل المأمون ] # ثم إن محمد الأمين دعا إسماعيل بن صبيح كاتب السر ، فقال : - ما الذي ترى ~~يا ابن صبيح ؟ قال : أرى دولة مباركة ، وخلافة مستقيمة ، وأمرا مقبلا ، ~~فتمم الله ذلك لأمير المؤمنين بأفضله وأجزله . قال له محمد : إني لم أبغك ~~قاصا ، إنما أردت منك الرأي . قال إسماعيل : إن رأى أمير المؤمنين أن يوضح ~~لي الأمر لأشير عليه بمبلغ رأيي ونصحي فعل . PageV01P574 قال : إني قد رأيت ~~أن أعزل أخي عبد الله من خراسان ، واستعمل عليها موسى ابن أمير المؤمنين . ~~قال إسماعيل : أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تنقض ما أسسه الرشيد ، ~~ومهده ، وشيد أركانه . قال محمد : إن الرشيد موه عليه في أمر عبد الله ~~بالزخرفة ، ويحك يا بن صبيح ، إن عبد الملك بن مروان كان أحزم رأيا منك ، ~~حيث قال : ( لا يجتمع فحلان في هجمة إلا قتل أحدهما صاحبه ) . قال إسماعيل ~~: أما إذ كان هذا رأيك ، فلا تجاهره ، بل اكتب إليه ، وأعلمه حاجتك إليه ~~بالحضرة ، ليعينك على ما قلدك الله من أمر عباده وبلاده ، فإذا قدم عليك ، ~~وفرقت بينه وبين جنوده كسرت حده ، وظفرت به ، وصار رهنا في يديك ، فائت في ~~أمره ما أردت . قال محمد : أجدت يا ابن ms299 صبيح ، وأصبت ، هذا لعمري الرأي . ### ||| | [ كتاب الأمين إلى المأمون ] # ثم كتب إليه يعلمه أن الذي قلده الله من أمر الخلافة والسياسة قد أثقله ، ~~ويسأله أن يقدم عليه ليعينه على أموره ، ويشير عليه بما فيه مصلحته ، فإن ~~ذلك أعود على أمير المؤمنين من مقامه بخراسان ، وأعمر للبلاد ، وأدر للفئ ، ~~وأكبت للعدو ، وآمن للبيضة . PageV01P575 ثم وجه الكتاب مع العباس بن موسى ~~، ومحمد بن عيسى ، وصالح صاحب المصلى . فساروا نحو خراسان ، فاستقبلهم طاهر ~~بن الحسين مقبلا من عند المأمون على ولاية الري ، حتى انتهوا إلى المأمون ~~وهو بمدينة مرو ، فدخلوا عليه ، وأوصلوا الكتاب إليه ، وتكلموا . فذكروا ~~حاجة أمير المؤمنين الأمين إليه ، وما يرجو في قربه من بسط المملكة ، ~~والقوة على العدو ، فأبلغوا في مقالتهم . وأمر المأمون بإنزالهم وإكرامهم . ### ||| [ استشارة المأمون الفضل بن سهل ] # ولما جن عليه الليل بعث إلى الفضل بن سهل ، وكان أخص وزرائه عنده ، ~~وأوثقهم في نفسه ، وقد كان جرب منه وثاقة رأي وفضل حزم ، فلما أتاه خلا به ~~، وأقرأه كتاب محمد ، وأخبره بما تكلم به الوفد من أمر التحضيض على المسير ~~إلى أخيه ومعاونته على أمره . قال الفضل : ما يريد بك خيرا ، وما أرى لك ~~إلا الامتناع عليه . PageV01P576 قال المأمون : فكيف يمكنني الامتناع عليه ~~، والرجال والأموال معه ، والناس مع المال ؟ قال الفضل : أجلني ليلتي هذه ~~لآتيك غدا بما أرى . قال له المأمون : امض في حفظ الله . فانصرف الفضل بن ~~سهل إلى منزله ، وكان منجما ، فنظر ليلته كلها في حسابه ونجومه ، وكان بها ~~ماهرا . فلما أصبح غدا على المأمون ، فأخبره أنه يظهر على محمد ويغلبه ، ~~ويستولي على الأمر . فلما قال له ذلك ، بعث إلى الوفد ، فأحسن صلاتهم ~~وجوائزهم ، وسألهم أن يحسنوا أمره عند الأمين ، ويبسطوا من عذره . ### ||| [ كتاب الممون إلى الأمين ] # وكتب معهم إليه : ( أما بعد ، فإن الإمام الرشيد ولأني هذه الأرض على حين ~~كلب من عدوها ، ووهى من سدها ، وضعف من جنودها ، ومتى أخللت بها ، أو زلت ~~عنها لم آمن انتقاض الأمور فيها ، وغلبة أعدائها عليها ، بما يصل ضرره إلى ms300 ~~أمير المؤمنين حيث هو ، فرأى أمير المؤمنين في أن لا ينقض ما أبرمه الإمام ~~الرشيد ) . وسار القوم بالكتاب حتى وافوا به الأمين ، وأوصلوا الكتاب إليه ~~. ### ||| [ عزم الأمين على خلع أخيه ] # فلما قرأه جمع القواد إليه ، فقال لهم : إني قد رأيت صرف أخي عبد الله عن ~~خراسان ، وتصييره معي ليعاونني ، فلا غنى بي عنه ، فما ترون ؟ فأسكت القوم ~~. PageV01P577 فتكلم خازم بن خزيمة ، فقال : يا أمير المؤمنين ، لا تحمل ~~قوادك وجنودك على الغدر فيغدروا بك ، ولا يرون منك نقض العهد فينقضوا عهدك ~~. قال محمد : ولكن شيخ هذه الدولة علي بن عيسى بن ماهان لا يرى ما رأيت ، ~~بل يرى أن يكون عبد الله معي ليؤازرني ويحمل عني ثقل ما أنا فيه بصدده . ### ||| [ الأمين يأمر بالنفير ] # ثم قال لعلي بن عيسى : إني قد رأيت أن تسير بالجيوش إلى خراسان ، فتلى ~~أمرها من تحت يدي موسى بن أمير المؤمنين ، فانتخب من الجنود والجيوش على ~~عينك . ثم أمر بديوان الجند ، فدفع إليه ، فانتخب ستين ألف رجل من إبطال ~~الجنود وفرسانهم ، ووضع لهم العطاء ، وفرق فيهم السلاح ، وأمره بالمسير . ~~فخرج بالجيوش ، وركب معه محمد ، فجعل يوصيه ، ويقول : أكرم من هناك من قواد ~~خراسان ، وضع عن أهل خراسان نصف الخراج ، ولا تبق على أحد يشهر عليك سيفا ، ~~أو يرمي عسكرك بسهم ، ولا تدع عبد الله يقيم إلا ثلاثا من يوم تصل إليه ، ~~حتى تشخصه إلى ما قبلي ) . PageV01P578 ### ||| [ وصية زبيدة لعلي بن عيسى ] # وقد كانت زبيدة تقدمت إلى علي بن عيسى ، وكان إناها مودعا ، فقالت له : ~~إن محمدا ، وإن كان ابني وثمرة فؤادي ، فإن لعبد الله من قلبي نصيبا وافرا ~~من المحبة ، وأنا التي ربيته ، وأنا أحنو عليه ، فإياك أن يبدأه منك مكروه ~~، أو تسير أمامه ، بل سر إذا سرت معه من ورائه ، وإن دعاك فلبه ، ولا تركب ~~حتى يركب قبلك ، وخذ بركابه إذا ركب ، وأظهر له الإجلال والإكرام ) . ثم ~~دفعت إليه قيدا من فضة وقالت : إن استعصى عليك في الشخوص فقيده بهذا القيد ~~) . وإن محمد انصرف عنه ms301 بعد أن أوعز إليه ، و أوصاه بكل ما أراد . ### ||| [ حملة علي بن عيسى ] # وسار علي بن عيسى بن ماهان حتى صار إلى حلوان ، فاستقبله عير مقبلة من ~~الري ، فسألهم عن خبر طاهر ، فأخبروه أنه يستعد للحرب ، فقال : وما طاهر ؟ ~~ومن طاهر ؟ ليس بينه وبين أخلاء الري إلا أن يبلغه أني جاوزت عتبة همذان . ~~ثم سار حتى خلف عتبة همذان وراءه ، فاستقبله عير أخرى ، فسألهم عن الخبر . ~~فقالوا : إن طاهرا قد وضع العطاء لأصحابه ، وفرق فيهم السلاح ، واستعد ~~للحرب . فقال : في كم هو ؟ PageV01P579 فقالوا : في زهاء عشرة آلاف رجل . ~~فأقبل الحسن بن علي بن عيسى على أبيه فقال : - يا أبت ، إن طاهرا لو أراد ~~الهرب لم يقم بالري يوما واحدا . فقال : يا بني ، إنما تستعد الرجال ~~لاقرانها ، وإن طاهرا ليس عندي من الرجال الذين يستعدون لمثلي ، ويستعد له ~~مثلي . و ذكروا أن مشايخ بغداد قالوا : لم نر جيشا كان أظهر سلاحا ، ولا ~~أكمل عدة ، ولا أفره خيلا ، ولا أنبل رجالا من جيش علي بن عيسى يوم خرج ، ~~إنما كانوا نخبا . ### ||| [ استشارة طاهر بن الحسين رؤساء أصحابه ] # وإن طاهر بن الحسين جمع إليه رؤساء أصحابه فاستشارهم في أمره ، فأشاروا ~~عليه ، أن يتحصن بمدينة الري ، ويحارب القوم من فوق السور إلى أن يأتيه مدد ~~من المأمون . فقال لهم : ويحكم ، إني أبصر بالحرب منكم ، إني متى تحصنت ~~استضعفت نفسي ، ومال أهل المدينة إليه لقوته ، وصاروا أشد على من عدوي ، ~~لخوفهم من علي ابن عيسى ، ولعله أن يستميل بعض من معي بالأطماع ، والرأي إن ~~ألف الخيل بالخيل ، والرجال بالرجال ، والنصر من عند الله . ثم نادى في ~~جنوده بالخروج عن المدينة ، وأن يعسكروا بموضع يقال له ( القلوصة ) . ~~PageV01P580 فلما خرجوا عمد أهل الري إلى أبواب مدينتهم ، فأغلقوها . فقال ~~طاهر لأصحابه : يا قوم ، اشتغلوا بمن أمامكم ، ولا تلتفتوا إلى من وراءكم ، ~~واعلموا أنه لا وزر لكم ولا ملجأ إلا سيوفكم ورماحكم ، فاجعلوها حصونكم . ### ||| [ معركة القلوصة ومصرع علي بن عيسى ] # وأقبل علي بن عيسى نحو القلوصة ، فتواقف العسكران للحرب ms302 ، والتقوا ، ~~فصدقهم أصحاب طاهر الحملة . فانتقضت تعبية علي بن عيسى ، وكانت منهم جولة ~~شديدة ، فناداهم علي ابن عيسى ، وقال : - أيها الناس ، ثوبوا ، واحملوا معي ~~. فرماه رجل من أصحاب طاهر ، فأثبته ، وبعد أن دنا منه ، وتمكن رماه بنشابة ~~وقعت في صدره ، فنفذت الدرع والسلاح حتى أفضت إلى جوفه ، وخر مغشيا عليه ~~ميتا . واستوت الهزيمة بأصحابه . فما زال أصحاب طاهر يقتلونهم ، وهم مولون ~~حتى حال الليل بينهم ، وغنموا ما كان في معسكرهم من السلاح والأموال . ~~PageV01P581 ### ||| [ حملة عبد الرحمن الأبناوي ] # وبلغ ذلك محمدا ، فعقد لعبد الرحمن الأبناوي في ثلاثين ألف رجل من ~~الأبناء ، وتقدم إليهم ، ألا يغتروا كاغترار علي بن عيسى ، ولا يتهاونوا ~~كتهاونه . فسار عبد الرحمن حتى وافى همذان . وبلغ ذلك طاهرا ، فتقدم ، وسار ~~نحوه ، فالتقوا جميعا ، فاقتتلوا شيئا من قتال ، فلم يكن لأصحاب عبد الرحمن ~~ثبات ، فانهزم ، واتبعه أصحابه ، فدخلوا مدينة همذان ، فتحصنوا فيها شهرا ~~حتى نفد ما كان معهم من الزاد . قال : فطلب عبد الرحمن الأبناوي الأمان له ~~ولجميع أصحابه ، فأعطاه طاهر ذلك . ففتح أبواب المدينة ، ودخل الفريقان ~~بعضهم في بعض . وسار طاهر حتى هبط العقبة ، فعسكر بناحية ( أسد اباذ ) . ### ||| [ عودة القتال ومصرع عبد الرحمن ] # ففكر عبد الرحمن ، وقال : كيف أعتذر إلى أمير المؤمنين ؟ فعبأ أصحابه . ~~فلما طلع الفجر زحف بأصحابه إلى طاهر ، وهو غار ، فوضع فيهم السيوف ، فوقفت ~~طائفة من أصحاب طاهر رجالة ، يذبون عن أصحابهم حتى ركبوا ، واستعدوا ، ثم ~~حملوا على عبد الرحمن وأصحابه ، فأكثروا فيهم القتل . PageV01P582 فلما رأى ~~ذلك عبد الرحمن ترجل في حماة أصحابه فقاتلوا حتى قتل عبد الرحمن ، وقتلوا ~~معه . ### ||| [ حملة عبد الله الحرشي ] # وبلغ ذلك محمدا ، فسقط في يده ، وبرز جنوده ، فعقد لعبدالله الحرشي ، في ~~خمسة آلاف رجل ، وليحيى بن علي بن عيسى ، في مثل ذلك ، فسارا حتى وافيا ( ~~قرميسين ) . وبلغ طاهرا ذلك ، فسار نحوهما ، فانهزما من غير قتال حتى رجعا ~~إلى حلوان ، فأقاما هناك . ### ||| [ زحف جيوش المأمون لحصار بغداد ] # فزحف طاهر نحو حلوان ، فانهزما حتى لحق ببغداد ، وأقام طاهر بحلوان حتى ~~وافاه هرثمة ms303 بن أعين من عند المأمون ، في ثلاثين ألف رجل من جنود خراسان ، ~~فأخذ طاهر من حلوان نحو البصرة والأهواز . وتقدم هرثمة إلى بغداد ، فلم تقم ~~لمحمد قائمة حتى قتل ، وكان من أمره ما كان . وإن طاهر بن الحسين صعد من ~~البصرة ، وتقدم هرثمة حتى أحدقا ببغداد ، PageV01P583 وأحاطا بمحمد الأمين ~~، ونصبا المنجنيق على داره حتى ضاق محمد بذلك ذرعا . ### ||| [ المراسلة بين الأمين وهرثمة ] # وكان هرثمة بن أعين يحب صلاح حال محمد ، والإبقاء على حشاشة نفسه ، فأرسل ~~إليه محمد يسأله القيام بامره ، وإصلاح ما بينه وبين المأمون ، على أن يخلع ~~نفسه عن الخلافة ، ويسلم الأمر لأخيه . فكتب إليه هرثمة : ( قد كان ينبغي ~~لك أن تدعو إلى ذلك قبل تفاقم الأمر ، فأما الآن فقد بلغ السيل الزبى ، ~~وشغل الحلي أهله أن يعار ، ومع ذلك فإني مجتهد في إصلاح أمرك ، فصر إلي ~~ليلا ، لأكتب بصورة أمرك إلى أمير المؤمنين ، وآخذ لك عهدا وثيقا ، ولست ~~آلو جهدا ولا اجتهادا في كل ما عاد بصلاح حالك ، وقربك إلى أمير المؤمنين ) ~~. ### ||| [ عبور الأمين إلى هرثمة ثم مقتله ] # فلما سمع ذلك محمدا استشار نصحاءه ووزراءه ، فأشاروا بذلك عليه ، وطمعوا ~~في بقاء مهجته . فلما جنه الليل ركب في جماعة من خاصته وثقاته وجواريه ، ~~يريد العبور إلى هرثمة . فأحس طاهر بن الحسين بالمراسلة التي جرت بينهما ~~والموافقة التي اتفقا عليها . فلما أقبل محمد ، وركب بمن معه الماء شد عليه ~~طاهر ، فأخذه ومن معه ، ثم دعا PageV01P584 به في منزله ، فاحتز رأسه ، ~~وأنفذه من ساعته إلى المأمون . ### ||| [ دخول المأمون إلى بغداد ] # وأقبل المأمون حتى دخل مدينة السلام ، وصفت له المملكة واستوسقت له ~~الأمور . وكان قتل محمد الأمين ليلة الأحد لخمس خلون من المحرم ، سنة ثمان ~~وتسعين ومائة ، وقتل ، وله ثمان وعشرون سنة ، وكانت ولايته أربع سنين ~~وثمانية أشهر . ### || | [ أخبار عبد الله المأمون ] # ### ||| [ بيعة المأمون وشغفة بالعلم ] # وبويع المأمون ، وهو عبد الله بن الرشيد ، يوم الإثنين لخمس بقين من ~~المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة . وكان شهما ، بعيد الهمة ، أبي النفس ، وكان ~~نجم ولد ms304 العباس في العلم والحكمة ، وقد كان أخذ من جميع العلوم بقسط ، وضرب ~~فيها بسهم ، وهو الذي استخرج كتاب إقليدس من الروم ، وأمر بترجمته وتفصيله ~~، وعقد المجالس في خلافته للمناظرة PageV01P585 في الأديان والمقالات ، ~~وكان استاذه فيها أبا الهذيل محمد بن الهذيل العلاف . ### ||| [ الغزو والفتوح ] # ودخل بلاد الجزيرة والشام ، فأقام بها مدة طويلة ، ثم غزا الروم ، وفتح ~~فتوحا كثيرة ، وأبلي بلاء حسنا . ثم توفى على نهر ( البذندون ) ( 1 ) ، ~~ودفن بطرسوس يوم الأربعاء لثمان خلون من رجب سنة ثمان عشرة ومائتين ( 2 ) . ~~وكانت ولايته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما ، وقد كان بلغ من السن ~~تسعا وثلاثين سنة . PageV01P586 وقد كان بايع لابنه العباس بن المأمون ~~بولاية العهد من بعده . وخلفه بالعراق . ### || [ أخبار محمد المعتصم ] # ### ||| [ بيعة المعتصم ] # فلما مات هو على نهر البذندون جمع أخوه أبو إسحق محمد بن هرون المعتصم ~~بالله إليه وجوه القواد والأجناد ، فدعاهم إلى بيعته ، فبايعوه . فسار من ~~طرسوس حتى وافى مدينة السلام ، فدخلها ، وخلع العباس بن المأمون عنها ، ~~وغلبه عليها ، وبايعه الناس بها . وكان قدومه بغداد مستهل شهر رمضان سنة ~~ثمان عشرة ومائتين ، فأقام بها سنتين ، ثم مر بأتراكه إلى ( سر من رأى ) ~~فابتناها ، واتخذها دارا ومعسكرا . ### ||| [ فتوح المعتصم ] # وكانت في خلافته فتوحات لم تكن لأحد من الخلفاء الذين مضوا مثلها قبله . ~~فمنها فتح بابك ، وأسره وقتله إياه ، وصلبه ، ومنها ( مازيار ) صاحب قلعة ~~طبرستان ، فإنه تحصن في القلاع والجبال ، فما زال به حتى PageV01P587 أخذه ~~، فقتله ، وصلبه إلى جنب بابك ، ومنها جعفر الكردي ، وقد كان أخرب البلاد ~~وسبى الذراري ، فوجه الخيول في طلبه ، ولم يزل به حتى أخذه وقتله ، وصلبه ~~إلى جنب بابك ومازيار ، ومن ذلك فتح ( عمورية ) وهي القسطنطينية الصغرى ، ~~والأخرى فتحها الله على يديه . ### ||| [ حركة بابك الخرمي ] # وكان ابتداء أمر بابك ، أنه تحرك في آخر أيام المأمون وقد اختلف الناس في ~~نسبه ومذهبه ، والذي صح عندنا ، وثبت ، أنه كان من ولد مطهر بن فاطمة بنت ~~أبي PageV01P588 مسلم ، هذه التي ينتسب إليها الفاطمية من الخرمية ، لا إلى ~~فاطمة ms305 بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فنشأ بابك ، والحبل مضطرب ، ~~والفتن متصلة ، فاستفتح أمره بقتل من حوله بالبذ ، وإخراب تك الأمصار ~~والقرى التي حواليه ، لتصفو له البلاد ، ويصعب مطلبه ، وتشتد المئونة في ~~التوصل إليه ، واشتدت شوكته ، واستفحل أمره . ### ||| [ تصدي المأمون لبابك ] # وقد كان المأمون وجه إليه حين اتصل به خبره عبد الله بن طاهر بن الحسين ~~في جيش عظيم . فسار إليه ، ونزل في طريقه الدينور ، في ظاهرها ، في مكان ~~يعرف إلى يومنا هذا بقصر عبد الله بن طاهر ، وهو كرم مشهور ، ومكان مذكور . ~~ثم سار منها حتى وافى البذ ، وقد عظم أمر بابك ، وتهيبه الناس ، فحاربوه ، ~~فلم يقدروا عليه ، ففض جمعهم ، وقتل صناديدهم . وكان ممن قتل في تلك الوقعة ~~محمد بن حميد الطوسي . وهو الذي رثاه أبو تمام بقصيدته التي يقول فيها : ~~PageV01P589 كان بني نبهان يوم وفاته نجوم سماء خر من بينها البدر وفيها ~~يقول : فاثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر ### ||| [ اعتماد المعتصم على الأفشين في حرب بابك ] # فلما أفضى الأمر إلى أبي إسحاق المعتصم بالله لم تكن همته غيره ، فأعد له ~~الأموال والرجال ، وأخرج مولاه الأفشين حيدر بن كاوس ، فسار الأفشين ~~بالعساكر والجيوش حتى وافى برزند ، فأقام بها حتى طاب الزمان ، وانحسرت ~~الثلوج عن الطرقات ، ثم قدم خليفته [ يوباره ] وجعفر بن دينار ، وهو ~~المعروف بجعفر الخياط في جمع كثير من الفرسان إلى الموضع الذي كان فيه ~~معسكر ، وأمرهما أن يحفرا خندقا حصينا ، فسارا حتى نزلا هناك ، واحتفرا ~~الخندق . فلما فرغا من حفر الخندق استخلف الأفشين ببرزند المرزبان ، مولى ~~المعتصم في جماعة من القواد ، وسار هو حتى نزل الخندق ، ووجه يوباره ، ~~وجعفر الخياط في جمع كثيف إلى رأس نهر كبير ، وأمرهما بحفر خندق آخر هناك ~~فسارا حتى احتفراه . فلما فرغا وافاهما الأفشين ، ثم خلف في موضعه محمد بن ~~خالد بخاراخذاه ، PageV01P590 وشخص إلى درود ، في خمسة آلاف فارس وألفي ~~راجل ، ومعه ألف رجل من الفعلة حتى نزل درود ، واحتفر بها خندقا عظيما وبنى ~~عليها سورا ms306 شاهقا ، فكان بابك وأصحابه يقفون على جبال شاهقة ، فيشرفون منها ~~على العسكر ، ويولولون . ثم ركب الأفشين يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شعبان ~~في تعبية ، وحمل المجانيق ، وأمر بابك آذين أن يحصن تلا مشرفا على المدينة ~~، ومعه ثلاثة آلاف رجل ، وقد كان احتفر حوله الآبار ليمنع الخيل منهم . ### ||| [ احتدام القتال ] # فانصرف الأفشين يوما إلى خندقه ، ثم غدا عليه يوم الجمعة في غرة شهر ~~رمضان ، فنصب المجانيق والعرادات ( 1 ) على المدينة ، وأحدقت القواد ~~والرؤساء . وأقبل بابك في أنجاد أصحابه ، وعباهم ، فقاتله ( 2 ) القواد ~~قتالا شديدا إلى العصر ، ثم انصرفوا ، وقد نكوا في أصحابه . وأقام الأفشين ~~ستة أيام ، ثم ناهضه يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر رمضان ، واستعد له ~~بابك ، فوضع على البذ عجلا عظيما ليرسله إلى أصحاب الأفشين . ### ||| [ مشافهة بابك للأفشين وعودة الحرب ] # ثم أرسل بابك رجلا يقال له ( موسى الأقطع ) إلى الأفشين ، يسأله أن يخرج ~~إليه ليشافهه بما نفسه ، فإن صار إلى مراده وإلا حاربه ، فأجابه الأفشين ~~إلى ذلك ، فخرج بابك حتى صار بالقرب من الأفشين في موضع بينهما واد . ~~PageV01P591 فلما رأى الأفشين كفر له ، فبسطه الأفشين ، وأعلمه ما في ~~الطاعة من السلامة في الدنيا والآخرة ، فلم يقبل ذلك . فانصرف إلى موضعه ، ~~وأمر أصحابه بالحرب ، فتسرعوا إلى ذلك ، ودهدهوا ( 3 ) العجل الذي كانوا ~~أعدوه ، فانكسر العجل ، وثاب أصحاب الأفشين ، فدفعوهم إلى رأس الجبل . وقد ~~كان يوباره وجعفر الخياط وقفا بحذاء عبد الله أخي بابك ، فحملا ، وحمل ~~عليهم القواد من جميع النواحي ، فقتلوهم قتلا ذريعا ، وانهزموا حتى دخلوا ~~المدينة ، فدخلوا خلفهم في طلبهم ، وصارت الحرب في ميدان وسط المدينة . ~~وكانت حربا لم ير مثلها شدة ، وقتلوا في الدور والبساتين ، وهرب عبد الله ~~أخو بابك . ### ||| [ فرار بابك إلى الروم ثم القبض عليه وقتله ] # فلما رأى بابك أن العساكر قد أحدقت به ، والمذاهب قد ضاقت عليه ، وأن ~~أصحابه قد قتلوا وفلوا توجه إلى أرمينية ، وسار حتى عبر نهر الرس متوجها ~~إلى الروم . فلما عبر نهر الرس قصد نحوه سهل بن سنباط صاحب الناحية ms307 ، وقد ~~كان PageV01P592 الأفشين كتب إلى أصحاب تلك النواحي ، وإلى الأكراد ~~بأرمينية ، والبطارقة بأخذ الطرق عليه . فوافاه سهل بن سنباط ، وقد كان ~~بابك غير لباسه ، وبدل زيه ، وشد الخرق على رجليه ، وركب بغلة بإكاف ، ~~فأوقع به سهل بن سنباط ، فأخذه أسيرا . ووجه به إلى الأفشين ، فاستوثق منه ~~الأفشين ، وكتب إلى المعتصم بالفتح ، واستأذنه في القدوم عليه ، فأذن له ، ~~فسار حتى قدم عليه ، ومعه بابك وأخوه ، فكان من قتل المعتصم لبابك وقطع ~~يديه ورجليه وصلبه ما هو مشهور . قالوا : ولما قدم الأفشين ومعه بابك أجلسه ~~المعتصم على سرير أمامه ، وعقد التاج على رأسه . | ### ||| [ مدح إسحاق بن خلف المعتصم ] # وفي ذلك يقول إسحاق بن خلف الشاعر في قصيدته التي مدح فيها المعتصم بالله ~~: ما غبت عن حرب تحرق نارها بالبذ كنت هنا وأنت هناكا PageV01P593 عزت ~~بأفشين حسامك أمة والدين ممتسك به استمساكا لما أتاك ببابك توجته وأحق من ~~أضحى له تاجاكا ### ||| [ وجد أحمد بن أبي داود على الأفشين ] # ثم إن أحمد بن أبي داود وجد على الأفشين لكلام بلغه عنه ، فأشار على ~~المعتصم أن يجعل الجيش نصفين نصفا مع الأفشين ، ونصفا مع أشناس ، ففعل ~~المعتصم ذلك . فوجد الأفشين منه ، وطال حزنه ، واشتد حقده . لما أتاك ببابك ~~توجته وأحق من أضحى له تاجاكا ثم إن أحمد بن أبي داود وجد على الأفشين ~~لكلام بلغه عنه ، فأشار على المعتصم أن يجعل الجيش نصفين نصفا مع الأفشين ، ~~ونصفا مع أشناس ، ففعل المعتصم ذلك . فوجد الأفشين منه ، وطال حزنه ، واشتد ~~حقده . فقال أحمد بن أبي داود للمعتصم : يا أمير المؤمنين إن أبا جعفر ~~المنصور استشار أنصح الناس عنده في أمر أبي مسلم ، فكان من جوابه أن قال ( ~~يا أمير المؤمنين إن الله تعالى يقول ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ~~) فقال له المنصور : ( حسبك ) ، ثم قتل أبا مسلم ) . فقال له المعتصم : ( ~~أنت أيضا حسبك يا أبا عبد الله ) ، ثم وجه إلى الأفشين ، فقتله . وزعموا ، ~~انهم كشفوا عنه فوجدوه غير مختون . ### ||| [ موت المعتصم ] # ومات المعتصم بالله يوم ms308 الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول ~~سنة سبع وعشرين ومائتين ( 1 ) ، وصلى عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي داود ، ~~وكان المعتصم PageV01P594 أوصى إليه بالصلاة عليه ، وكانت ولايته ثماني ~~سنين وثمانية أشهر وسبعة عشر يوما ، وكان قد بلغ من السن تسعا وثلاثين سنة ~~. * * * وهذا آخر كتاب الأخبار الطوال على ما جمعه أبو حنيفة أحمد بن داود ~~الدينوري رحمه الله تعالى ورضي عنه . | PageV01P595 ms309