######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shia_003075 #META# 000.BookURI :: #0282.AbuHanifaDinawari.AkhbarTiwal #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: الدينوري #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 282 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الأخبار الطوال #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: أهم مصادر رجال الحديث عند السنة #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shia_003075 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shiaonlinelibrary.com/الكتب/3075_الأخبار-الطوال-الدينوري #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: تحقيق : عبد المنعم عامر / مراجعة : الدكتور جمال الدين الشيال #META# 041.EdNUMBER :: الأولى #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: 1960 #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #####SUBJECT#BIBLIOGRAPHY# #META#Header#End# ### | # بسم الله الرحمن الرحيم # فوضت أمري إلى الله ### | (أولاد آدم) # قال أبو حنيفة أحمد بن ~~داود الدينوري رحمه الله، وجدت فيما كتب أهل العلم بالأخبار الأولى، أن آدم ~~عليه السلام كان مسكنه الحرم، وأن ولده كثروا في زمان مهليل بن قينان بن ~~أنوش بن شيث بن آدم، وكان سيد ولد آدم في دهره ، والقائم بأمره، وكذلك كان ~~آباؤه إلى آدم عليهم السلام أجمعين، ووقع بينهم التنازع في الأوطان، ففرقهم ~~مهليل في مهب الرياح الأربع، وخص ولد شيث بأفضل الأرض، فأسكنهم العراق . ### | (إدريس ونوح) # وكان أول نبي بعد شيث إدريس، واسمه أخنوخ بن يرد بن مهليل، ~~وسمي إدريس، لكثرة دراسته، ثم بعث الله نوحا عليه السلام إلى أهل عصره، ~~وكان مسكنه بأرض العراق، وهو نوح بن لمك بن متوشلح، فكذبوه، فأغرقهم الله، ~~ونجى نوحا ومن كان معه في السفينة، وكان جنوح السفينة واستقرارها على رأس ~~الجودي، جبل بقردى وبازبدى (1) من أرض الجزيرة فلما مات نوح استخلف ابنه ~~ساما، فكان أول من وطد السلطان، وأقام منار الملك بعد سام جم ابن ويرنجهان ~~بن إيران، وهو أرفخشذ بن سام بن نوح، وأعقم الله جميع من نجى مع نوح في ~~السفينة إلا بنيه الثلاثة، ساما وحاما ويافثا وكان لنوح ابن رابع اسمه يام، ~~وهو الغريق، ولم يكن له عقب، وأما الثلاثة فكلهم أعقب. # PageV00P001 # وكان سام هو المتولي لأمر نوح من بعده، وكان يشتو بأرض (جوخى) ويصيف ~~بالموصل، وكان طريقه في مبدئه ومنصرفه على شط دجلة من الجانب الشرقي، فسمي ~~لذلك سام رآه (1)، وهو الذي تسميه العجم (إيران). وقد كان تبوأ أرض العراق، ~~واختصها لنفسه، فسمي إيران شهر، وقام بالأمر بعده ابنة (شالخ)، فلما حضرته ~~الوفاة أسند الأمر إلى ابن أخيه جم بن ويرنجهان بن أرفخشذ فثبت أساس الملك، ~~ووطد أركانه وبنى معالمه، واتخذ يوم النيروز عيدا (2) .. ### | (اختلاف الألسن) ~~قالوا: وفي زمان جم تبلبلت الألسن ببابل. وذلك أن ولد نوح كثروا بها ، ~~فشحنت بهم، وكان كلام الجميع السريانية، وهي لغة نوح، فأصبحوا ذات يوم، وقد ms001 ~~تبلبلت ألسنتهم، وتغيرت ألفاظهم، وماج بعضهم في بعض، فتكلمت كل فرقة منهم ~~باللسان الذي عليه أعقابهم إلى اليوم، فخرجوا من أرض بابل، وتفرقت كل فرقة ~~جهة، وكان أول من خرج منهم ولد يافث بن نوح، كانوا سبعة إخوة: # الترك، والخزر، وصقلاب، وتاريس، ومنسك، وكمارى والصين. فأخذوا ما بين ~~المشرق والشمال، ثم سار بعدهم ولد حام بن نوح، وكانوا أيضا سبعة إخوة: # السند والهند والزنج والقبط وحبش ونوبة وكنعان، فأخذوا ما بين الجنوب ~~والدبور (3) وأقام ولد سام بن نوح مع ابن عمهم جم الملك بأرض بابل على تغير ~~ألفاظهم. # PageV00P002 ### | (الساميون) # وكان لسام بن نوح خمسة بنين: إرم أكبرهم سنا، وأرفخشذ، وعالم، ~~وأليفر، والأسور، فخص ولد إرم باللسان العربي عند تبلبل الألسن، وكانوا ~~أيضا سبعة إخوة: عاد، وثمود، وصحار، وطسم، وجديس، وجاسم، ووبار. # فارتحل عاد مع من تبعه حتى حل بأرض اليمن. ونزل ثمود بن إرم ما بين ~~الحجاز إلى الشام. ونزل طسم بن إرم عمان والبحرين، ونزل جديس بن إرم ~~اليمامة، ونزل صحار ما بين الطائف إلى جبلي طيئ، ونزل جاسم ما بين الحرم ~~إلى سفوان (1)، ونزل وبار بن إرم ما وراء الرمل بالبلاد التي تعرف بوبار، ~~وهؤلاء العرب الأولى انقرضوا عن آخرهم. # قالوا: ولما خرج هؤلاء تحركت قلوب سائر ولد نوح للخروج من بابل، فخرج ~~خراسان بن عالم بن سام، فاتخذ خراسان خطة، وفارس بن الأسور بن سام، والروم ~~بن أليفر بن سام، وإرمين بن نورج بن سام، وهو صاحب أرمينية، وكرمان بن تارح ~~بن سام، وهيطل بن عالم بن سام، وولده من وراء نهر بلخ (2)، وتسمى بلاد ~~الهياطلة، ونزل كل رجل منهم مع ولده في الأرض التي سميت به، ونسبت إليه، ~~فلم يبق مع الملك جم بأرض بابل إلا ولد أرفخشذ بن سام. # قالوا: ولما كثرت عاد باليمن تجبروا وعتوا، وعليهم شديد بن عمليق بن عاد ~~بن إرم بن سام بن نوح، فوجه إلى ولد سام ابن أخيه الضحاك بن علوان بن عمليق ~~ابن عاد، وهو الذي تسميه العجم ms002 بيوراسف، فصار إلى أرض بابل، وهرب منه جم ~~الملك، فطلبه الضحاك حتى ظفر به، فأخذه، وأشر بميشار (3)، # PageV00P003 # فاستولى على ملكه. وكان الذي وجه إلى ولد حام بن نوح ابن عمه الوليد بن ~~الريان ابن عاد بن إرم، وكان ملكهم يومئذ مصر بن القبط بن حام الذي تبوأ ~~أرض مصر، فسار إليه الوليد بن الريان حتى قتله، واستولى على ملكه. # ومن ولد الوليد بن الريان الريان بن الوليد عزيز مصر، صاحب يوسف عليه ~~السلام، ومن ولدهما الوليد بن مصعب فرعون موسى عليه السلام، وكان جالوت ~~الجبار الذي قتله داود النبي من ولد الوليد بن الريان. # وكان الذي وجه شديد بن عمليق إلى ولد يافث بن نوح ابن أخيه غانم بن علوان ~~أخو الضحاك بن علوان، وكان ملك ولد يافث بن نوح يومئذ فراسياب بن توذل ابن ~~الترك بن يافث بن نوح، فغلب على ملكه أيضا، واستولى على أرضه، ومن ولد غانم ~~بن علوان فيما يقال فؤر ملك الهند الذي قتله الإسكندر مبارزة، ويقال إن ~~رستم الشديد من ولد غانم. ### | (الضحاك) # قالوا: وإن الضحاك الذي تسميه العجم بيوراسف عندما كان من غلبته ~~جم الملك وقتله إياه واطمئنانه في الملك وفراغه أخذ يجمع إليه السحرة من ~~آفاق مملكته، ويتعلم السحر حتى صار فيه إماما، وبنى مدينة بابل (1) وجعلها ~~أربعة فراسخ في أربعة، وشحنها بجنود من الجبابرة وسماها (خوب)، وسام أولاد ~~أرفخشذ الخسف، ونبتت في منكبيه سلعتان كهيئة الحيتين، تؤذيانه حتى يطعمهما ~~أدمغة الناس فتسكنان. قالوا: فكان يؤتى كل يوم بأربعة رجال جسام فيذبحون # PageV00P004 # وتؤخذ أدمغتهم فيغذى بها تانك الحيتان. وكان له وزير من قومه، فولى ~~وزارته رجلا من ولد أرفخشذ يسمى إرمياييل، فكان إذا أتي بالرجال ليذبحوا ~~استحيا منهم اثنين، وجعل مكانهما كبشين من الغنم، وأمر الرجلين أن يذهبا ~~حيث لا يوجد أثرهما، فكانوا يصيرون إلى الجبال، فيكونون فيها، ولا يقربون ~~القرى والأمصار، فيقال إنهم أصل الأكراد (1) .. ### | (بعثه هود) # وملك بعد شديد ~~بن عمليق أخوه شداد بن عمليق بن عاد بن إرم، فعتا، ms003 وتجبر، فبعث الله إليه ~~هودا عليه السلام رسولا، وكان من صميم قومه وأشرافهم، وهو هود بن خالد بن ~~الخلود بن العيص بن عمليق بن عاد، فلم يحفل به، فأهلكه، ومن كفر معه من ~~عاد، كما قد قصة الله تبارك وتعالى في كتابه، وهو أصدق الحديث. (2) قال: ~~ونشأ في ذلك الدهر عابر بن شالخ بن أرفخشذ بن سام بن نوح، فولد له فالغ بن ~~عابر، ثم ولد له بعد ذلك قحطان بن عابر، قال: وإنما سمي قحطان لقحطه ~~القحوط، وطرده بالسخاء والجود، ثم ولد له لأم بن عابر، فكان أعبد أهل عصره، ~~وكانت أسفار آدم وشيث ونوح وقعت إليه، فدرسها، وعلمها. # ثم إن الضحاك البيوراسف طلبه ليفتنه عن دينه، فهرب منه بأهله وولده من ~~مدينة بابل حتى حل بمفازة من أرض الروم، فقبره بها، ويقال: إن مكان قبره ~~معروف حتى الآن. # PageV00P005 ### | (نمروذ بن كنعان) # ولما أهلك الله عادا مع شداد ضعف ركن الضحاك، ووهى ~~أمره، واجترأ عليه ولد أرفخشذ بن سام، وكان الوباء وقع في جنده، ومن كان ~~معه من الجبابرة، فخرج يريد أخاه غانم بن علوان الذي ملكه شديد على ولد ~~يافث، ويستعين به على أمره، فاستغنم ولد أرفخشذ بن سام خروجه، فأرسلوا إلى ~~نمروذ بن كنعان ابن جم الملك، وكان مستترا هو وأبوه في طول ملك الضحاك، ~~بجبل دنباوند (1)، فأتاهم، فملكوه عليهم، فصمد (و) صمد من كان بأرض بابل من ~~أهل بيت الضحاك، فقتلهم أجمعين، واستولى على ملك الضحاك، وبلغ ذلك الضحاك ~~فأقبل نحوه، فظفر به نمروذ وضربه على هامته بجرز (2) حديد، فأثخنه، ثم شده ~~وثاقا، وأقبل به إلى غار في جبل دنباوند، فأدخله فيه وسد عليه، واستدف (3) ~~الملك لنمروذ واستوسق، وهو الذي يسميه العجم فريدون. # قالوا: ولما توفي هود عليه السلام اجتمع ولد إرم بن سام من أقطار الأرض، ~~فملكوا مرثد بن شداد، وذلك في أول ملك نمروذ بن كنعان، فغزاهم نمروذ في آخر ~~ملكه، وقد وهى أمرهم، فقدر عليهم. وقالوا: فالغ وقحطان أخوان، وهما ابنا ~~عابر، ففالغ ms004 جد إبراهيم عليه السلام، وأما قحطان فأبو اليمن، ويروى أن ابن ~~المقفع كان يقول: (يزعم جهال العجم ومن لا علم له أن جم الملك هو سليمان ~~ابن داود، وهذا غلط، فبين سليمان وبين جم أكثر من ثلاثة آلاف (4) سنة)، ~~ويقال: إن نمروذ بن كنعان فرعون إبراهيم من ولد جم. وكان ابن عم آزر بن ~~تارح أبي إبراهيم، وهو إبراهيم بن آزر بن تارح بن ناخور بن أرغوا بن شالخ ~~بن أرفخشذ # PageV00P006 # الذي سمته العجم، إيران، ومن ولد أرفخشذ جميع العرب، ومنهم أيضا ملوك ~~العجم وأشرافهم من أهل العراق وغيرهم. ### | (قحطان) # قالوا: ولما انقرضت عاد من أرض اليمن وبادوا، وذلك في عصر نمروذ ~~ابن كنعان، أقطعها نمروذ ابن عمه قحطان بن عابر، فسار إليها في ولده، حتى ~~نزلها، وبها بقايا قليلة ممن آمن بهود عليه السلام من عاد، فجاورهم قحطان ~~بها، فلم يكن إلا قليل حتى انقرضوا وبادوا، وصفت الأرض لقحطان. # ويقال: إن السائر إليها يعرب بن قحطان بعد وفاة أبيه، فسار إليها في ~~إخوته وأولادهم، فقطنها، فكانت أم يعرب دون إخوته من عاد، فتكلم بلسان أمه. # وذكر عن ابن الكيس النمري (1) أنه قال: إن قحطان تزوج امرأة من العماليق، ~~فولدت يعرب، وجرهم، والمعتمر، والمتلمس، وعاصما، ومنيعا، والقطامي، وعاصيا، ~~وحمير، فتكلموا جميعا بلسان أمهم بالعربية، وكان قحطان في عصر نمروذ. وذكر ~~عن ابن الشرية (2) إنه قال: كان الذي خرج إليها يعرب بن قحطان في ولده، ~~وكان أكبرهم سنا، وأعظمهم قدرا. ### | (ثمود) # قالوا: وإن ثمودا قفت ما كانت عليه عاد من الكفر بالله، والعتو ~~عليه، فأرسل الله إليهم صالحا رسولا، فكان من أشرفهم منصبا، وأكرمهم حسبا، ~~فدعاهم إلى توحيد الله، فلم يقبلوا منه، ولم يرعووا، فأهلكهم الله عز وجل، ~~كما نص في كتابه، وهو أصدق الحديث (3) ويقال: إنه كان بين مهلك عاد ومهلك ~~ثمود خمسمائة عام، وكان ذلك في عصر إبراهيم عليه السلام. # PageV00P007 ### | (إبراهيم) # وفي آخر ملك نمروذ، وتسميه العجم (فريدون) تجبر نمروذ، وعتا، ~~ولهج بعلم النجوم، واجتلب المنجمين من آفاق الأرض، ms005 وحباهم بالأموال، واختار ~~سبعة نفر من أهل بيته، فسماهم (الكوهبارين) (1) فولاهم أموره، ووكل كل رجل ~~منهم بعمل أفرده به. # وكان آزر أبو إبراهيم أحد السبعة الذين اختار (هم). وقد كان دان له الشرق ~~والغرب، فكان من أمر مولد إبراهيم ما قد جاءت به الآثار، وكان أول من آمن ~~بإبراهيم امرأته سارة، وكانت من أجمل أهل عصرها. ولوط كان ابن أخته، فأقام ~~إبراهيم مع أبيه ما شاء الله، ثم خرج مهاجرا له، وخرجت معه سارة، وكان أبو ~~لوط من أهل مدينة (سدوم) (2) وكانت أمه بنت آزر، وإنما كان قدم إلى بابل ~~زائرا لجده آزر، فامن بإبراهيم، فأقام معه ببابل مؤازرا له على أمره، فلما ~~خرج إبراهيم عليه السلام مهاجرا خرج معه لوط، فلحق بأبيه وأهل بيته بمدينة ~~سدوم، وهي فيما بين أرض الأردن وتخوم أرض العرب، وسار إبراهيم حتى أتى أرض ~~مصر. ### | هجرة جرهم والمعتمر # قالوا: وإن ولد قحطان كثروا بأرض اليمن، فوقع بينهم ~~التباغي والتحاسد، فاجتمع ولد يعرب بن قحطان على جرهم بن قحطان وولد ~~المعتمر بن قحطان، فنفوهم عن اليمن وأرضه، فسارت جرهم نحو الحرم، وسار بنو ~~المعتمر نحو الحجاز، ورئيس جرهم مصاص بن عمر بن عبد الله بن جرهم بن قحطان، ~~وأرادوا نزول الحرم، # PageV00P008 # فمنعهم العماليق من ذلك، فاقتتلوا، فغلبتهم جرهم على الحرم، ونفوهم منه، ~~ونزلت جرهم الحرم. # فلما قطنوه بلغ ذلك بني المعتمر بن قحطان، فأقبلوا من أرض الحجاز حتى ~~أتوا الحرم، وسألوا جرهم السكنى معهم، فأبت عليهم جرهم، ورئيس بني المعتمر ~~السميدع بن عمرو بن قنطور بن المعتمر بن قحطان، فتداعى الفريقان للحرب، ~~فبحربهم هذه سميت قعيقعان والمطابخ وأجياد وفاضح، لأن به فضحت بنو المعتمر، ~~وقتل السميدع، وكان الظفر لجرهم. ### | (نمروذ وأولاده) # قالوا: وكان لنمروذ ثلاثة بنين: إيرج، وسلم، وطوس، ففوض ~~إلى إيرج ملكه، وجعل سلما على ولد حام، وطوسا على ولد يافث، فحسد إيرج ~~أخواه، إذ خصه أبوه بالأمر دونهما، وهو أصغر سنا منهما، فاغتالاه، فقتلاه، ~~فصير الملك إلى ابن ابنة منوشهر بن إيرج، وصرفه ms006 عن ابنيه: سلم، وطوس، ثم ~~مات. # فملك منوشهر بن إيرج، وفي عصر منوشهر كثرت قحطان باليمن، فملكوا عليهم ~~سبا بن يشجب، واسم سبا عبد شمس. ### | (أولاد إسماعيل) # قالوا: وفي ذلك العصر توفي إسماعيل بن إبراهيم عليه ~~السلام، وخلف ثلاثة بنين، قيذر بن إسماعيل، ونابت بن إسماعيل، وهو كان ~~القيم بأمر مكة والحرم بعد إبراهيم، ومدين بن إسماعيل، وهو الذي صار إلى ~~أرض مدين، فنزلها ومن ولده شعيب النبي عليه السلام، وقومه الذين أرسل ~~إليهم. ### | (غلبة جرهم على الحرم) # قالوا: ولما توفي نابت بن إسماعيل غلبت جرهم على ~~البيت والحرم، فخرج قيذر بن إسماعيل بأهله وماله يتبع مواقع القطر فيما بين ~~كاظمة، وغمر ذي كندة، PageV00P009 # والشعثمين، وما والى تلك الأرضين حتى كثر ولده، وانتشروا في جميع أرض ~~تهامة، والحجاز، ونجد. ### | (بنو قحطان) # فملك سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان أرض اليمن طول ملك منوشهر ~~مائة وعشرين سنة، ثم مات، وملك بعده ابنه حمير بن سبا، وجعل ابنه كهلان ~~وزير حمير. ### | (نهاية ملك منوشهر) # قالوا: ولما أتى لملك منوشهر مائة سنة وعشرون سنة سار ~~إليه فراسياب ابن فأيش بن نوذسف بن الترك بن يافث بن نوح. وذلك حين ملك ~~حمير أرض اليمن. وكان مسيرة من ناحية المشرق في جموع من ولد يافث بن نوح، ~~حتى انتهى إلى أرض بابل، وخرج إليه منوشهر الملك في جنوده، ففضت جموع ~~منوشهر، وقفا فراسياب إثر منوشهر حتى لحقه، فقتله، واستولى على ملكه، و جلس ~~على سريره. # وسام ولد أرفخشذ الخسف، وهدم ما كان بأرض بابل من الحصون، وعور (1) ما ~~كان فيها من العيون، وطم (2) ما كان فيها من الأنهار، وقحط الناس في ملكه ~~قحطا شديدا، وكان أهل إيران شهر في ملكه في أعظم بلاء. ### | (زاب بن بودكان) # فلما تم لملك فراسياب تسع سنين ظهر زاب بن بودكان بن ~~منوشهر بن إيرج ابن نمروذ بأرض فارس، فخلع فراسياب، ودعا لنفسه، فمال إليه ~~جميع ولد سام ابن نوح للجهد الذي نالهم في ملك فراسياب، فسار إلى فراسياب ms007 ~~حتى نفاه عن # PageV00P010 # مملكته، وعمد إلى المدن والحصون التي هدمها فراسياب، فأعاد بناءها، وحفر ~~الأنهار والقنى التي كان طمها، وأصلح كل ما كان فراسياب أفسده، وكرى ~~بالعراق أنهارا عظيمة سماها الزوابي، اشتق اسمها من اسمه، وهي الزابي ~~الأعلى، والزابي الأوسط، والزابي الأسفل، وابتنى المدينة العتيقة، وسماها ~~طيسفون، (1) ثم سار في أثر فراسياب، وقد أقام بخراسان في جموعه، وعساكره، ~~فزحف إليه فراسياب فاقتتلوا، وأقبل أرسناس الذي كان منوشهر أمره بتعليم ~~الناس الرمي بالنشاب، وقد وتر قوسه وفوق. (2) فيها نشابة، فأقبل حتى دنا من ~~فراسياب، فلما تمكن رماه رمية خالطت فؤاده، وخر ميتا، وانصرف ولد يافث حين ~~قتل ملكهم حتى لحقوا بأرضهم، وكان زاب قد أصابته جراحات كثيرة، فمات منها ~~بعد مهلك فراسياب بشهر. وفي ذلك العام مات حمير بن سبأ . قالوا: كان ملك ~~الوليد بن مصعب فرعون موسى عليه السلام (3) على جميع أرض ولد حام، وهي ~~المملكة التي تعرف بملك مصر بن حام. # وقالوا: (ولما توفي يوسف بن يعقوب وإخوته بأرض مصر بقى أعقابهم بها، ~~وكثروا فيها، وكانوا في زمان موسى عليه السلام ستمائة ألف رجل، وكان ملك ~~اليمن في زمن موسى الملطاط بن عمرو بن حمير بن سبا). ### | كيقباذ بن زاب # وكان ملك أرض بابل كيقباذ بن زاب، وكان الملطاط يلقب ~~بالرائش، لأنه راش قومه وأغناهم، وكانت ملوك الأرض كلها قد دانوا لكيقباذ، ~~واتقوه بالإتاوة (4)، # PageV00P011 # وكان له ثلاثة بنين: قابوس، وهو الذي ملك من بعده، وكيابنة، وهو جد ~~لهراسف الذي ملك بعد سليمان بن داود ع، وقيوس، وهو جد الأشغانيين الذين ~~كانوا ملوك الجبل في زمان الطوائف. # وفي عصره خرج موسى بن عمران من مصر هاربا من فرعون حتى أتى أرض مدين (1) ~~ونزل على شعيب، فآجره نفسه ثماني حجج، كما ذكر الله جل ثناؤه في الكتاب ~~الناطق (2)، ثم خرج من عند شعيب لما قضى الأجل، وسار بأهله، فكان من أمره ~~وإكرام الله إياه بتكليمه ورسالته ما قد قصة علينا في كتابه، وانصرف إلى ~~شعيب، ورد أهله إليه، ومضى حتى بلغ ms008 رسالة ربه، وفي هذا العصر بعث شعيب إلى ~~قومه، فكان منهم ما حكاه الله في كتابه. ### | (أبرهة) # قالوا: ثم ملك أرض اليمن أبرهة بن الملطاط، وهو أبرهة ذو المنار، ~~سمي بذلك، لأنه أمر بعمل المنار وا لإيقاد عليها بالليل، ليهتدي بها جنوده، ~~وتوفي موسى ابن عمران عليه السلام، وتولى أمر إسرائيل من بعده يوشع بن نون، ~~فخرج ببني إسرائيل من أرض مصر إلى أرض الشام، فأسكنهم بفلسطين. # قالوا: وإن أبرهة تجهز وسار في بشر كثير يؤم أرض المغرب، واستخلف على ~~ملكه ابنه إفريقيس، فأوغل في أرض السودان، فأعطوه الطاعة، فجاز أرضهم، وسار ~~حتى انتهى إلى أمة من الناس، أعينهم و أفواههم في صدورهم، ويقال إنهم أمة ~~من ولد نوح عليه السلام، غضب الله عليهم، فبدل خلقهم، فأعطوه الطاعة، ~~وانصرف، راجعا، فمر بأمة من الناس، يقال لهم النسناس، للرجل والمرأة منهم ~~نصف رأس، ونصف وجه، وعين واحدة، ونصف بدن، ويد واحدة، # PageV00P012 # ورجل واحدة، يقفزون قفزا في أسرع من حضر (1) الفرس الجواد، وهم يهيمون في ~~الغياض التي على شاطئ البحر، خلف رمل عالج (2) يعني رمل بلاد اليمن، فسأل ~~عنهم، فأخبر انهم أمة من ولد وبار بن إرم بن سام بن نوح. ### | (كيكاوس بن كيقباذ) # قالوا: وكان ملك العجم في عصر أبرهة بن الملطاطكيكاوس ~~بن كيقباذ، وكان متشددا على الأقوياء (3) رحيما بالضعفاء، وكان منصورا ~~محمودا إلى أن خطرت منه خطرة ضلال، فيما كان هم به من الصعود إلى السماء، ~~فهو صاحب التابوت والنسور، وكان قد وجد على ابنه سياوش، ولم يكن له ولد ~~غيره، فأراد قتله، فهرب منه، فلحق بملك الترك، فحل منه محلا لطيفا لما بلاه ~~واختبره، ورأى عقله وآدابه وبأسه ونجدته، ففوض إليه أمره، فلما رأى ذلك أهل ~~بيت الملك حسدوه، وخافوا أن يبزهم الأمر، فدسوا إليه الغوائل (4) عند الملك ~~حتى أقدم عليه، فقتله، وقد كان زوجه ابنته، وحملت منه، فأراد أن يبقر بطنها ~~عن جنينها، فناشده برايان الوزير فيها، وفي ولدها ألا يقتلها من غير جرم، ~~فقال له: # (دونك، فخذها ms009 إليك، فإذا ولدت فاقتل ولدها). فكانت عنده حتى ولدت غلاما، ~~وهو كيخسرو والذي ملك بعده، فأخرجه من المصر، واسترضع له في سكان الجبال من ~~الأكراد، فنشأ عندهم، وقال للملك: (إنها ولدت جارية وقد قتلتها) فصدقه. ### | (ملك كيخسرو) # وإن أهل فارس شنئوا كيكاوس لما أظهر من الجبروت والعتو ~~والجرأة على الله، # PageV00P013 # وتأمروا على خلعه، وفشا ذلك حتى بلغ أم الغلام، وقد أتى له سبع عشرة سنة، ~~فدست رسولا إلى أهل فارس، تعلمهم مقتل سياوش، وأمر الغلام، فاختاروا رجلا ~~من أفاضلهم، يسمى (زو)، فوجهوه إلى أبريان الوزير في الإقبال بالغلام، فقدم ~~عليه، وأعلمه ما أجمعت عليه أهل فارس، فسلم إليه الغلام، وحمله على فرس ~~أبيه سياوش الذي قدم عليه من العراق، فسار به زو، يكمن النهار، ويسير ~~الليل، حتى ورد يم جيحون (1) وهو نهر بلخ مما يلي خوارزم، فعبره سباحة على ~~فرسه، وأقبل به، حتى أورده دار الملك، فخلعوا كيكاوس، وملكوا الغلام، وسموه ~~كيخسرو، ومنحوه الطاعة، فأمر بجدة فحبس، فلم يزل محبوسا حتى هلك. ### | (إفريقيس واليمن) # قالوا: وكان ملك كيخسرو وملك إفريقيس بن أبرهة في عصر ~~واحد، وإن إفريقيس تجهز يريد المغرب، حتى أوغل في أرض طنجة والأندلس، فرأى ~~بلادا واسعة، فابتنى هناك مدينة، وسماها إفريقية اشتق اسمها من اسمه، ونقل ~~إليها سكانا، وهي المدينة التي ينزلها اليوم سلطان ذلك البلد وعظماؤها، ثم ~~انصرف إلى وطنه، وفي ذلك العصر نشأ معد بن عدنان، وفيه انقرض ولد إرم من ~~جميع أرض العرب إلا بقايا من طسم وجديس، غبروا بعمان والبحرين واليمامة. ### | ملك ابن إفريقيس وهلال طسم وجديس # ولما مات إفريقيس بن أبرهة ملك ابنه ذو ~~جيشان بن إفريقيس، فتجهز لغزو كيخسرو ملك فارس، وجمع جنوده، وسار حتى نزل ~~بنجران (2) وكان بعمان # PageV00P014 # والبحرين واليمامة بشر كثير من ولد طسم، وجديس، ابني إرم بن سام، وكانوا ~~من العرب العاربة، وكان ملكهم رجلا من طسم، يسمى عمليقا، وكان جائرا ظلوما، ~~وبلغ من عتوه أن أمر ألا تزف امرأة من جديس إلى زوجها إلا بدءوه بها، ~~فمكثوا ms010 بذلك دهرا طويلا. # وأن رجلا من جديس تزوج عفيرة بنت غفار أخت الأسود بن غفار عظيم جديس ~~وسيدها، فلما أرادوا إهداءها أدخلت على الملك، فافترعها، ثم خلى سبيلها، ~~فخرجت إلى قومها في دمائها رافعة ثوبها عن عورتها، وهي تقول: # أيصلح ما يؤتى إلى فتياتكم * وأنتم رجال ثورة عدد النمل فلو أننا كنا ~~رجالا وكنتم * نساء لكنا لا نقر على الذل فبعدا لبعل ليس فيه حمية * ويختال ~~يمشي مشية الرجل الفحل فحميت من ذلك جديس، فاغتالوا عمليقا، فقتلوه على ~~غرة، وأمامهم الأسود ابن غفار يرتجز، ويقول: # يا ليلة ماليلة العروس * جاءت تمشي بدم جميس (1) يا طسم ما لاقيت من جديس ~~* إحدى لياليك فهيس هيس (2) فأبادوا طسما، فلم يفلت منهم إلا رجل يقال له، ~~رياح بن مرة، فإنه مضى على وجهه حتى أتى ذا جيشان، وهو معسكر في جنوده ~~بنجران، فمثل بين يديه، ثم قال: # إنك لم تسمع بيوم ولا ترى * كيوم أباد الحي طسما به المكر أتيناهم في ~~أزرنا ونعالنا * علينا الملاء الحمر والحلل الخضر فصرنا لحوما بالعراء ~~وطعمة * تنازعها ذيب الوشيمة والنمر (3) # PageV00P015 # فدونك قوما ليس لله فيهم * ولا لهم منه حجاب ولا ستر فقال الملك: كم ~~بيننا وبينهم؟، قال: ثلاث. فقال من حضره: كذب، أيها الملك، بينك وبين القوم ~~عشرون ليلة، فأمر جنوده بالمسير نحو اليمامة، ففي مسيرهم، وقصة الزرقاء (1) ~~يقول الأعشى بعد ذلك بدهر طويل: # قالت أرى رجلا في كفه كتف * أو يخصف النعل، لهفي أية صنعا فكذبوها بما ~~قالت، فصبحهم * ذو آل جيشان، يزجي الموت والشرعا فاستنزلوا أهل جو من ~~مساكنهم * وهدموا مشرف البنيان، فاتضعا فأم جديسا، واستأصلهم، ثم رحل نحو ~~العراق يريد كيخسرو، وزحف إليه كيخسرو، فالتقوا، فقتل ذو جيشان، وانفضت ~~جموعه. ### | (ملك الفند ذي الأذعار) # فملكت اليمن ابنه الفند ذا الأذعار، وإنما لقب ذا ~~الأذعار لرعب الناس منه، فلم تكن له همة إلا الطلب بثأر أبيه . ### | هجره ربيعة إلى اليمامة البحرين # قال: وبقيت اليمامة والبحرين بعد قتل جديس ليس بها أحد ~~إلى أن كثرت ربيعة، وانتشرت، ms011 وتفرقت في البلاد، فسارت عترة (2) بن أسد بن ~~ربيعة، تتبع مواقع الغيث، وتقدمها عبد العزى بن عمرو العنزي حتى هجم على ~~اليمامة، فرأى بلادا واسعة، ونخلا وقصورا، وإذا هو بشيخ قاعد تحت نخلة ~~سحوق، (3) يرتجز، ويقول: تقاصري، أجن جناك قاعدا إني أرى حملك ينمي (4) ~~صاعدا # PageV00P016 # فقال له عبد العزى: من أنت أيها الشيخ؟ قال: أنا من هزان، الضراغمة ~~الأقران، غزانا ذو جيشان، الملك القرم (1) اليمان، فأعمل فيها المران (2) ~~فلم يبق بهذا المكان غيري، وإني لفان. فقال عبد العزى: ومن هزان؟ قال: # هزان بن طسم أخو النهى والحزم، وابن الشجاع القرم. # فأقام عبد العزى أياما، ثم تبرم بمكانه، فمضى سائرا حتى سقط إلى البحرين، ~~فرأى بلادا أوسع من اليمامة، وبها من وقع إليها من ولد كهلان، حين هربوا من ~~سيل العرم (3) فأقام معهم، وسارت بنو حنيفة على ذلك السمت، يتبعون مواقع ~~الغيث، وتقدمهم عبيد بن يربوع، وكان سيدهم، فنزل قريبا منها، فمضى غلام له ~~ذات يوم حتى هجم على اليمامة، فرأى نخلا وريفا، وإذا هو بشئ من تمر قد ~~تناثر تحت النخل، فأخذه، وأتى به عبيدا، فأكل منه، فقال: # وأبيك إن هذا الطعام طيب. فارتفع حتى أتى اليمامة، فدفع فرسه، فخط على ~~ثلاثين دارا وثلاثين حديقة، فسمي ذلك المكان حجرا، فهو اليوم قصبة اليمامة، ~~وموضع ولاتها، وسوقها، وتسامعت بنو حنيفة بما أصاب عبيد بن يربوع، فأقبلوا ~~حتى أتوا اليمامة، فقطنوها، فعقبهم بها إلى اليوم. قال: وكان داود النبي ~~عليه السلام في عصر ذي الأذعار، وكان ملك العجم كيخسرو بن سياوش. ### | داود الملك # وكان سلطان بني إسرائيل قد وهى، فكان من حولهم من الأمم ~~يغزونهم، فيقتلون، ويأسرون، فأتوا نبيهم شعيبا، فقالوا: (ابعث لنا ملكا، ~~نقاتل في سبيل الله) (4) فملك عليهم طالوت، وكان من سبط يوسف صلى الله عليه ~~وسلم (5) # PageV00P017 # وكان الملك في بيت يهوذا، وقد كان بقي في ذلك العصر من ولد عاد جالوت ~~الجبار، فسار غازيا لبني إسرائيل في جنوده، فجمع طالوت بني إسرائيل، وخرج ~~لمحاربته، فمروا بالنهر الذي نهاهم طالوت ms012 عن شربه، وشربوا منه إلا ثلاثمائة ~~رجل وسبعة عشر رجلا، عدد أهل بدر مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. # وكان داود النبي حينئذ حدث السن، فلما تواقف الفريقان وضع داود - عليه ~~السلام - حجرا في قذافه، ثم فتلها، ورماه، فصك بين عيني جالوت، فكانت نفسه ~~فيه، وانهزم جنوده، وغنم بنو إسرائيل أموالهم فاجتمع بنو إسرائيل عند ذلك ~~على تمليك داود صلى الله عليه وسلم، وخلع طالوت برضى منه، وداود من سبط ~~يهوذا بن يعقوب. قالوا: وكان ملك الروم في ذلك العصر (دقينوس) صاحب الفتية ~~أصحاب الكهف. # وذكر عن عبد الله بن الصامت، قال: وجهني أبو بكر الصديق رضي الله عنه - ~~(1) سنة استخلف إلى ملك الروم، لأدعوه إلى الإسلام أو آذنه بحرب، قال، فسرت ~~حتى أتيت القسطنطينية، فأذن لنا عظيم الروم، فدخلنا عليه، فجلسنا، ولم ~~نسلم، ثم سألنا عن أشياء من أمر الإسلام، ثم صرفنا يومنا ذلك، ثم دعا بنا ~~يوما آخر، ودعا خادما له، فكلمه بشئ، فانطلق، فأتاه بعتيده (2)، فيها بيوت ~~كثيرة، وعلى كل بيت باب صغير، ففتح بابا، فاستخرج خرقة سوداء، فيها صورة ~~بيضاء، كهيئة رجل أجمل ما يكون من الناس وجها، مثل دارة القمر ليلة البدر، ~~فقال: أتعرفون هذا؟ قلنا: لا. قال: هذا أبونا آدم عليه السلام، ثم رده. ~~وفتح بابا آخر، فاستخرج خرقة سوداء، فيها صورة بيضاء، كهيئة شيخ جميل ~~الوجه، في وجهه تقطيب، كهيئة المحزون المهموم، فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: ~~لا. قال: هذا نوح، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج خرقة سوداء، فيها صورة بيضاء ~~(3) على صورة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وعلى جميع الأنبياء، # PageV00P018 # فلما نظرنا إليه بكينا، فقال: ما لكم؟ فقلنا: هذه صورة نبينا محمد صلى ~~الله عليه وسلم، فقال: أ بدينكم، إنها صورة نبيكم؟ قلنا: نعم، هي صورة ~~نبينا، كأنا نراه حيا، فطواها، وردها، وقال: أما إنها آخر البيوت إلا إني ~~أحببت أن أعلم ما عندكم، ثم فتح بابا آخر، فاستخرج منه خرقة سوداء، فيها ~~صورة بيضاء، أجمل ما يكون من ms013 الرجال، وأشبههم بنبينا محمد صلى الله عليه ~~وسلم، ثم قال: # وهذا إبراهيم، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صورة رجل آدم، (1) كهيئة المحزون ~~المفكر، ثم قال: هذا موسى بن عمران، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صورة رجل، له ~~ضفيرتان، كان وجهه دارة القمر، ثم قال: وهذا داود، ثم فتح بيتا آخر، ~~فاستخرج صورة رجل جميل على فرس، له جناحان، ثم قال: وهذا سليمان (2)، وهذه ~~الريح تحمله، ثم فتح بيتا آخر، فاستخرج صورة شاب جميل الوجه، في يده عكازة، ~~وعليه مدرعة (3) صوف، ثم قال: وهذا عيسى، روح الله، وكلمته، ثم قال: إن هذه ~~الصورة وقعت إلى الإسكندر، فتوارثها الملوك من بعده حتى أفضت إلي. # قالوا: وإن ذا الأذعار خرج في جنوده، يطلب بثأر أبيه ذي جيشان الذي صار ~~إلى أرض فارس، فحارب كيخسرو، فقتل في المعركة، فمات ذو الأذعار في طريقه ~~قبل أن يدرك ما أراد. ### | ملك بلقيس # فملكت اليمن عليهم الهدهاد بن شرحبيل بن عمرو بن مالك بن ~~الرائش، وكان الهدهاد يلقب بذي شرخ، فأمر بجسم ذي الأذعار، فحمل، ورجع ~~بقومه إلى أرض اليمن، فأمر به، فدفن بصنعاء (4) في مقبرة الملوك. قالوا: ~~وإن الهدهاد # PageV00P019 # تزوج ابنة ملك الجن بأرض اليمن، فولدت له بلقيس، وهذا حديث منتشر، قد ~~حملته الرواة. # قالوا: فلما أتى لها ثلاثون سنة حضر الهدهاد الموت، فجمع وجوه حمير، ~~فقال: يا قوم، إني قد عجمت الناس، واختبرت أهل الرأي والعقل، فلم أر مثل ~~بلقيس، وإني قد وليتها أمركم، لتقيم لكم الملك إلى أن يبلغ ابن أخي ياسر ~~ينعم بن عمرو، فرضوا بذلك، فملكت بلقيس. ### | (ملك سليمان) # وفي أول ملكها توفي داود، عليه السلام، وورث سليمان ملكه، ~~وذلك كله في عصر كيخسرو بن سياوش، فلما ملك سليمان سار من أرض الشام إلى ~~أرض العراق بأهله وخزائنه، فلحق بخراسان، فنزل مدينة بلخ (1)، وكان هو الذي ~~بناها قبل ذلك، وأقبل سليمان حتى نزل العراق، فبلغ كيخسرو نزول سليمان بأرض ~~العراق، وما أعطي من عظيم السلطان، فدخله فزع، وأسف خامره، فنهكه ، فلم ~~يلبث ms014 إلا قليلا حتى مات. # وإن سليمان سار من العراق إلى مرو، ثم سار (2) ثم سار منها إلى بلخ، ثم ~~سار من بلخ إلى بلاد الترك، فوغل فيها، وجاوزها إلى بلاد الصين، ثم عطف ~~متيامنا عن مطلع الشمس على ساحل البحر حتى أتى القندهار (3)، ثم سار منها ~~إلى كسكر (4)، ثم عاد إلى الشام، فوافى تدمر، وكانت موطنه. # قالوا: ووجد في صخر بكسكر: # غدونا طلوع الشمس من أرض فارس * فها نحن قد قلنا ببلدة كسكر # PageV00P020 # ونحن ولا حول سوى حول ربنا * نروح إلى الأوطان من أرض تدمر (1) وكان داود ~~عليه السلام ابتدأ بناء مسجد بيت المقدس، فتوفي قبل استتمامه، فاستتمه ~~سليمان، وأتم بناء مدينة إيليا (2)، وقد كان أبوه ابتدأها قبله، فبنى ~~مسجدها بناء لم ير الناس مثله، وكان يضئ في ظلمة الليل الحندس إضاءة السراج ~~الزاهر، لكثرة ما كان جعل فيه من الجواهر والذهب، وجعل اليوم الذي فرغ فيه ~~منه عيدا في كل سنة، فلم يكن في الأرض عيد أبهى ولا أعظم خطرا منه، ولا ~~أحسن منظرا، فلم يزل المسجد على ما بناه سليمان حتى غزا (بخت نصر) بيت ~~المقدس، فأخر بها، ونقض المسجد، وأخذ ما كان فيه من الذهب والفضة والجوهر، ~~فنقله إلى العراق. # قالوا: وكان سليمان مطعاما للطعام، فكان يذبح في مطابخة كل غداة ستة آلاف ~~ثور، وعشرون ألف شاة. قالوا: ولما فرغ سليمان من بناء مسجد إيليا (3) تجهز ~~سائرا إلى تهامة (4)، يريد بيت الله الحرام، فطاف به، وكساه، وذبح عنده، ~~وأقام سبعا، ثم سار إلى صنعاء، وتفقد الطير، فلم ير الهدهد، فكان من حديثه ~~وحديث صاحبه سبأ - وهي بلقيس - ما قد قصة الله تبارك وتعالى في كتابه (5)، ~~إلى أن تزوجها وبنى بأرض اليمن ثلاثة حصون، لم ير الناس مثلها، وهي سلحين، ~~وبينون، وغمدان، وانصرف سليمان إلى الشام، فكان يزورها في كل شهر، فيقيم ~~عندها ثلاثا . وإنه غزا بلاد المغرب: الأندلس، وطنجة، وفرنجة، وإفريقية، ~~ونواحيها من أرض # PageV00P021 # بني كنعان بن حام بن نوح، وعليهم ملك جبار عات، عظيم الملك، فدعاه ms015 إلى ~~الإيمان بالله، وخلع الأنداد، فتمرد عليه، فقتله، وأصاب ابنة له من أجمل ~~الناس، فتسراها، ووقعت منه موقعا لطيفا. # وقفل إلى الشام، فأمر بمقصورة، فبنيت لها، وأفردها فيها مع ظئورتها (1) ~~وخدمها، وكان سليمان لا يدخل عليها إلا وجدها باكية حزينة، فكدر ذلك عليه ~~حبه لها، وعجبه بها، وهي المرأة التي نال سليمان في أمرها ما ناله من سلب ~~ملكه، وزوال سلطانه وبهائه، حين اتخذت تلك المرأة تمثال أبيها في داره، ~~وعبدته سرا من سليمان، إلا أن اتخاذها التمثال كان عن علم من سليمان، وأذن ~~لها، أراد بذلك أن تسكن إذا نظرت إليه، فتتسلى. # ويقال: إن سليمان بنى في أقاصي بلاد المغرب مدينة من نحاس في مفاوز ~~الأندلس، وأودعها خزائن من خزائنه، وإن عبد الملك بن مروان كتب إلى عامله ~~على بلاد المغرب، موسى بن نصير - وكان من أبناء العجم، غير أن ولاءه كان ~~لقيس - يأمره بالمسير إلى هذه المدينة ليعلم له علم خبرها، ويكتب إليه، وإن ~~موسى بن نصير سار إليها، وانصرف راجعا حتى سار إلى القيروان، وكتب بالخبر ~~إلى عبد الملك، يصف له المدينة، وما لقي في سفره إليها، وما رآه عند مصيره ~~نحوها. ### | (أرخبعم بن سليمان) # قالوا: ولما توفي سليمان قام بالأمر بعده أرخبعم بن ~~سليمان، فتفرقت بنو إسرائيل، ووهى أمره، فمكث بذلك إلى أن سار (بخت نصر) - ~~وهو (بوخت نرسى) عند العجم إلى بيت المقدس، فهدمه. ### | (انقسام إمبراطورية سليمان) # قالوا: وقام باليمن بعد بلقيس ياسر ينعم بن ~~عمر بن شرحبيل بن عمرو، وكان # PageV00P022 # ابن أخي الهدهاد، وإنما سمي ياسر ينعم لأنعامه على قومه. قالوا: وإن ياسر ~~ينعم تجهز غازيا لأرض المغرب، حتى بلغ وادي الرمل، ولم يبلغه ملك قبله، ~~فأراد أن يعبره، فلم يجد مجازا، لأنه رمل فيما زعموا، يجري كما يجري الماء، ~~فعسكر على حافته، ونصب عليه صنما، وكتب على جبهته (ليس ورائي مذهب، ~~فانصرف)، وانصرف إلى بلاده. ### | (هدم مدينة (إيليا)) # قالوا: وإن فارس لما مات سليمان بن داود اجتمع ~~عظماؤها وأشرافها ليختاروا رجلا من ولد ms016 كيقباذ الملك، فيملكوه عليهم، فوقعت ~~خيرتهم على لهراسف بن كيميس بن كيابنة بن كيقباذ الملك، فملكوه عليهم، وإن ~~لهراسف عقد لابن عمه، بخت نصر بن كانجار بن كيابنة بن كيقباذ في اثني عشر ~~ألف رجل من خيله، وأمره أن يأتي الشام فيحارب أرخبعم بن سليمان، فإن كان ~~الظفر له قتل من قدر عليه من عظماء إسرائيل، وهدم مدينة إيليا، فسار بخت ~~نصر حتى أتى الشام، فشن فيها الغارات، وعاث، فانهزم ملوك الشام منه، وهرب ~~أرخبعم من بيت المقدس، فنزل فلسطين، فتوفي بها. # وأقبل بخت نصر حتى ورد مدينة بيت المقدس، فدخلها لا يمتنع منه أحد، فوضع ~~في بني إسرائيل السيف، وسبى أبناء الملوك والعظماء، وهدم مدينة إيليا، فلم ~~يدع فيها بيتا قائما، ونقض المسجد، وحمل ما كان فيه من الذهب والفضة ~~والجوهر، وحمل كرسي سليمان، وقفل راجعا إلى العراق، وكان في السبي دانيال ~~النبي عليه السلام، فسار حتى قدم على لهراسف الملك، وهو نازل بالسوس (1)، ~~فمات دانيال عنده بالسوس. ### | (ملك العجم واليمن) # قالوا: ولما حضر لهراسف الموت أسند الملك إلى ابنه ~~بشتاسف، وفي ذلك # PageV00P023 # العصر مات ياسر ينعم صاحب اليمن، وقام بالأمر بعده شمر بن إفريقيس بن ~~أبرهة بن الرائش، وهو الذي يزعمون أنه أتى الصين وهدم مدينة سمرقند (1)، ~~فيزعمون أن وزير صاحب الصين مكر به، وذلك أنه أمر الملك أن يجدعه ويخلي ~~سبيله، فسار الأجدع إلى شمر، فأخبره أنه نصح لصاحبه، يعني ملك الصين، وأمره ~~بالنجوع (2) لشمر، وإعطائه الطاعة والإتاوة، فغضب عليه، و جدعه، وإنه سار ~~إلى شمر ليدله على عورة صاحب الصين جزاء بما فعل به، فاغتر شمر بذلك، وسأله ~~عن الرأي، فقال: إن بينك وبينه مفازة، تقطع في ثلاثة أيام، ومأتاه منها ~~قريب، فاحمل الماء لثلاثة أيام، وسر حتى أفاجئه بك من كثب، فتستبيح بلده، ~~وتأخذه سلما، وأهله، وماله. ففعل، فسلك به مفازة لا ترام، فلما ساروا ~~ثلاثة، ونفد الماء، ولم يروا علما، ولا انتهوا إلى ماء، قالوا له: أين ما ~~زعمت؟، فأعلمه أنه مكر به، ووقى ms017 أهل بيته بنفسه، لأنه قد علم أنه سيقتله، ~~وقال قد أهلكتك، فاصنع ما أنت صانع، فمالك ولمن تبعك في الحياة (3) مطمع. ~~فوضع شمر درعه (4) تحت رأسه، وترس (5) حديد كان معه فوق رأسه، يستكن به من ~~الشمس. # قالوا: وقد كان المنجمون قالوا له، إنك تموت بين جبلي حديد، فمات بين ~~درعه وترسه عطشا، فلم يبق من جنوده أحد إلا هلك، وقد سمعنا نحن بهذا الحديث ~~في غير قصة شمر. # PageV00P024 ### | (زرادشت ودعوته) # قالوا: وكان زراذشت صاحب المجوس أتى بشتاسف الملك، فقال: ~~إني رسول الله إليك، وأتاه بالكتاب الذي في أيدي المجوس، فآمن له بشتاسف، ~~ودان بدين المجوسية، وحمل عليه أهل مملكته، فأجابوه طوعا وكرها. # وكان رستم (1) الشديد عامله على سجستان (2) وخراسان، وكان جبارا مديد ~~القامة، شديد القوة، عظيم الجسم، وكان ينتمي إلى كيقباذ الملك ، ولما بلغه ~~دخول بشتاسف في المجوسية، وتركه دين آبائه غضب من ذلك غضبا شديدا، وقال: ~~ترك دين آبائنا الذي توارثوه آخرا عن أول، وصبا إلى دين محدث. # ثم جمع أهل سجستان، فزين لهم خلع بشتاسف، وأظهروا عصيانه، فدعا بشتاسف ~~ابنه (إسفندياذ) وكان أشد أهل عصره، فقال له: يا بني، إن الملك مفض إليك ~~وشيكا، ولا تصلح أمورك كلها إلا بقتل رستم، وقد عرفت شدته وقوته، وأنت ~~نظيره في الشدة والقوة، فانتخب من الجنود ما أحببت، ثم سر إليه. # فانتخب إسفندياذ من جنود أبيه اثني عشر ألف رجل من إبطال العجم، وسار نحو ~~رستم، وزحف إليه رستم، فالتقيا ما بين بلاد سجستان وخراسان، فدعاه إسفندياذ ~~إلى إعفاء الجيشين من القتال، وأن يبرز كل واحد منهما لصاحبه، فأيهما قتل ~~صاحبه استولى على أصحابه، فرضى رستم بذلك، وعاهده عليه # PageV00P025 # وحالفه، فوقف العسكران، وخرج كل واحد منهما إلى صاحبه، فاقتتلا بين ~~الصفين، فيقول العجم في ذلك قولا كثيرا، إلا أن رستم هو الذي قتل إسفندياذ، ~~وانصرف جنوده إلى أبيه بشتاسف، فأخبروه بمصاب ابنه إسفندياذ، فخامره حزن ~~أنهكه، فمرض من ذلك، فمات، وأسند الملك إلى ابن ابنه بهمن بن إسفندياذ. # قالوا: ولما رجع ms018 رستم إلى مستقره من أرض سجستان لم يلبث أن هلك. ### | (ملك اليمن) # قالوا: وإن أهل اليمن لما بلغهم مهلك شمر وجنوده بأرض الصين ~~اجتمعوا، فملكوا عليهم أبا مالك بن شمر، وهو الذي ذكره الأعشى في قوله: # وخان النعيم أبا مالك وأي امرئ صالح لم يخن وهو الذي يزعمون أنه هلك في ~~طرف الظلمة (1) التي في ناحية الشمال، فدفن على طرفها. # قالوا: وذلك، أنه بلغه مسير ذي القرنين إليها، وأنه أخرج منها جوهرا ~~كثيرا، فتجهز يريد الدخول فيها، فقطع إليها أرض الروم، وجاوزها حتى انتهى ~~إلى طرف الظلمة، وتهيأ لاقتحامها، فمات قبل أن يدخلها، فدفن في طرفها، ~~فانصرف من كان معه إلى أرض اليمن. ### | (ملك العجم، وخلاص بني إسرائيل) # قالوا: وملك بهمن بن إسفندياذ، فأمر ~~ببقايا ذلك السبي الذي سباهم بخت نصر من بني إسرائيل، أن يردوا إلى أوطانهم ~~من أرض الشام، وقد كان تزوج قبل أن يفضي الملك إليه أبراخت بنت سامال بن ~~أرخبعم بن سليمان بن داود، وملك (روبيل) أخا امرأته أرض الشام، وأمره أن ~~يخرج معه من بقي من ذلك السبي، وأن يعيد بناء إيليا، ويسكنهم فيه، كما لم ~~يزالوا، ويرد كرسي سليمان، # PageV00P026 # فينصبه مكانه، فخرج روبيل بذلك السبي، حتى ورد بهم إيليا، وأعاد بناءها، ~~وبنى المسجد. وسار بهمن إلى سجستان، وقتل من قدر عليه من ولد رستم وأهل ~~بيته، وأخرب قريته. # قالوا: وقد كان بهمن دخل في دين بني إسرائيل، فرفضه أخيرا، ورجع إلى ~~المجوسية، وتزوج ابنته (خماني) وكانت أجمل أهل عصرها، فأدركه الموت وهي ~~حامل منه، فأمر بالتاج فوضع على بطنها، وأوعز إلى عظماء أهل المملكة أن ~~ينقادوا لأمرها حتى تضع ما في بطنها، فإن كان غلاما أقروا الملك في يدها ~~إلى أن يشب ويدرك، ويبلغ ثلاثين سنة، فيسلم له الملك. # قالوا: وكان ساسان بن بهمن يومئذ رجلا ذا رواء وعقل وأدب وفضل، وهو أبو ~~ملوك الفرس من الأكاسرة، ولذلك يقال لهم الساسانية، فلم يشك الناس أن الملك ~~يفضي إليه بعد أبيه، فلما جعل أبوه الملك ms019 لابنته خماني أنف من ذلك أنفا ~~شديدا، فانطلق، فاقتنى غنما، وصار مع الأكراد في الجبل، يقوم عليها بنفسه، ~~وفارق الحاضرة غيظا من تقصير أبيه. # قالوا: فمن ثم يعير ولد ساسان إلى اليوم برعي الغنم، فيقال ساسان الكردي، ~~وساسان الراعي. ### | (خماني زوج بهمن) # فملكت خماني، فلما تم حملها وضعت غلاما، وهو دارا بن ~~بهمن، ثم إنها تجهزت غازية لأرض الروم، فسارت حتى أوغلت في بلاد الروم، ~~وخرج إليها ملك الروم في جنوده، فالتقوا، واقتتلوا، فكان الظفر لخماني، ~~فقتلت، وأسرت، وغنمت، فقفلت وقد حملت معها بناءين من بنائي الروم، فبنوا ~~لها بأرض فارس ثلاثة إيوانات (1): أحدها وسط مدينة إصطخر (2)، والثاني على ~~المدرجة # PageV00P027 # التي يسلك فيها من إصطخر إلى خراسان، والثالث على طريق (دارابجرد) على ~~فرسخين من إصطخر. ### | (دارا بن بهمن) # فلما أتى لابنها دارا ثلاثون سنة جمعت عظماء المملكة، ~~ودعت بابنها دارا، فأقعدته على سرير الملك، وتوجته بالتاج، وولته الأمر. ### | (ملك تبع بن أبي مالك) # قالوا: ولما هلك أبو مالك بطرف الظلمة اجتمع أشراف ~~أهل اليمن، فملكوا أمرهم ابنه تبع الأقران وإنما سمي لنجدته تبع الأقران، ~~وقد قيل: بل هو تبع الأقرن. كل ذلك يقال. # فلما ملك تجهز يريد بلاد الصين طالبا بثأر أبيه وجده، فسار إليها، فمر ~~بسمرقند، وهي خراب، فأمر ببنائها، فأعيد، ثم ركب المفازة حتى انتهى إلى ~~بلاد التبت (1)، فرأى مكانا واسعا ظاهر المياه مكتلئا، فابتنى هناك مدينة، ~~فأسكن فيها ثلاثين ألف رجل من أصحابه، فهم التبعيون، وزيهم إلى اليوم زي ~~العرب، وهيئتهم هيئة العرب، ثم سار إلى أرض الصين، فقتل، وأخرب مدينة ~~الملك، فهي خراب إلى اليوم، ثم قفل راجعا إلى اليمن، وامتد ملكه، إلى أن ~~ملك الإسكندر، فخرج الملك عنه، فصار في المقاول. قالوا، وفي ذلك العصر نشأ ~~النضر بن كنانة. ### | (دارا والروم) # قالوا: وإن دارا بن بهمن لما ملك تجهز غازيا إلى أرض ~~الروم، فسار حتى أوغل في أرضهم، فخرج إليه الفيلفوس ملك الروم في جنوده، ~~فالتقوا، # PageV00P028 # فاقتتلوا، فكان الظفر لدارا، فصالحه الفيلفوس على إتاوة يؤديها ms020 إليه كل ~~عام، وهي مائة ألف بيضة ذهب، في كل بيضة أربعون مثقالا (1)، وتزوج ابنته، ~~ثم انصرف إلى فارس. ### | (ملك داريوش) # فلما تم لدارا اثنتا عشرة سنة في الملك حضرته الوفاة، فأسند ~~الملك إلى ابنه دارا بن دارا، وهو الذي يعرف بداريوش، مقارع الإسكندر، فلما ~~أفضى الملك إلى دارا بن دارا تجبر، واستكبر، وطغى. وكانت نسخة كتبه إلى ~~عماله: # من دارا بن دارا المضئ لأهل مملكته كالشمس إلى فلان. وكان عظيم السلطان، ~~كثير الجنود، لم يبق في عصره ملك من ملوك الأرض إلا بخع له بالطاعة، واتقاه ~~بالإتاوة. ### | (نشأة الإسكندر) # ونشأ الإسكندر، وقد اختلف العلماء في نسبه، فأما أهل ~~فارس فيزعمون أنه لم يكن ابن الفيلفوس، ولكن كان ابن ابنته، وإن أباه دارا ~~بن بهمن. # قالوا: وذلك أن دارا بن بهمن لما غزا أرض الروم صالح الفيلفوس ملك الروم ~~على الإتاوة، فخطب إليه دارا ابنته، وحملها بعد تزويجها إياه إلى وطنه، ~~فلما أراد مباشرتها وجد منها ذفرا (2)، فعافها، وردها إلى قيمة نسائه، ~~وأمرها أن تحتال لذلك الذفر، فعالجتها القيمة بحشيشة، تسمى السندر، فذهب ~~عنها بعض تلك الرائحة، ودعا بها دارا، فوجد منها رائحة السندر، فقال: آل ~~سندر. # أي ما أشد رائحة السندر، وآل، كلمة في لغة فارس يراد بها الشدة، وواقعها، ~~فعلقت منه، ونبأ قلبه عنها لتلك الذفرة التي كانت بها، فردها إلى أبيها # PageV00P029 # الفيلفوس، فولدت الإسكندر، فاشتقت له اسما من اسم تلك العشبة التي عولجت ~~بها، على ما سمعت دارا قاله ليلة واقعها، فنشأ الإسكندر غلاما لبيبا أديبا ~~ذهنا، فولاه جده الفيلفوس جميع أمره لما رأى من حزمه وضبطه ما رأى. ولما ~~حضر الفيلفوس الوفاة أسند الملك إليه، وأوعز إلى عظماء المملكة بالسمع ~~والطاعة له. ### | (غلبه الإسكندر) # فلما ملك الإسكندر لم تكن له همة إلا ملك أبيه دارا بن ~~بهمن، فسار إلى أخيه دارا بن دارا، فحاربه على الملك. وأما علماء الروم ~~فيأبون هذا، ويزعمون أنه ابن الفيلفوس لصلبه، وأنه لما مات الفيلفوس وأفضى ~~الملك إلى الإسكندر امتنع على ms021 دارا بن دارا بتلك الضريبة التي كان يؤديها ~~أبوه إليه. # فكتب إليه دارا بن دارا يأمره بحمل تلك الإتاوة، ويعلمه ما كان بين أبيه ~~وبينه من الموادعة عليها، فكتب إليه الإسكندر (إن الدجاجة التي كانت تبيض ~~ذلك البيض ماتت) فغضب دارا من ذلك، وآلى ليغزون أرض الروم بنفسه حتى ~~يخربها، فلم يحفل الإسكندر بذلك، ولم يعبأ به، وكان الإسكندر جبارا معجبا، ~~وقد كان عتا في بدء أمره عتوا شديدا، واستكبر. # وكان بأرض الروم رجل من بقايا الصالحين في ذلك العصر، حكيم فيلسوف، يسمى ~~(أرسطاطاليس)، يوحد الله، ويؤمن به، ولا يشرك به شيئا، فلما بلغه عتو ~~الإسكندر وفظاظته وسوء سيرته أقبل من أقاصي أرض الروم حتى انتهى إلى مدينة ~~الإسكندر، فدخل عليه، وعنده بطارقته (1)، ورؤساء أهل مملكته، فمثل قائما ~~بين يديه غير هائب له، فقال له: أيها الجبار العاتي، ألا تخاف ربك الذي ~~خلقك، فسواك وأنعم عليك، ولا تعتبر بالجبابرة الذين كانوا قبلك، كيف أهلكهم ~~الله حين قل شكر هم، واشتد عتوهم...؟!. في موعظة طويلة. # PageV00P030 # فلما سمع الإسكندر ذلك غضب غضبا شديدا، وهم به، ثم أمر بحبسه ليجعله عظة ~~لأهل مملكته. ثم إن الإسكندر راجع نفسه، وتدبر كلامه لما أراد الله به من ~~الخير، فوقع منه في نفسه ما غير قلبه، فبعث إليه على خلاء، فأصغى إليه، ~~واستمع لموعظته وأمثاله وعبره، وعلم أن ما قال هو الحق، وأن ما خلا الله من ~~معبود باطل، فارعوى واستجاب للحق، وصح يقينه، فقال لذلك العابد: فإني أسألك ~~أن تلزمني، لأقتبس من علمك، وأستضئ بنور معرفتك. فقال له: # إن كنت تريد ذلك فاحسم اتباعك من الغشم والظلم وارتكاب المحارم. # فتقدم الإسكندر بذلك، وأوعد فيه، وجمع أهل مملكته ورؤساء جنوده، فقال ~~لهم: اعلموا أنا إنما كنا نعبد إلى هذا اليوم أصناما، لم تكن تنفعنا ولا ~~تضرنا. وإني آمركم، فلا تردوا على أمري، وأرضى لكم ما أرضاه لنفسي، من ~~عبادة الله وحده لا شريك له، وخلع ما كنا نعبده من دونه، فقالوا بأجمعهم: ~~قد قبلنا قولك، وعلمنا ms022 أن ما قلت الحق، وآمنا بإلهك وإلهنا. # فلما صحت له نيات خاصته، واستقامت له طريقتهم، وطابقوه على الحق أمر أن ~~يعلن للعامة، أنا قد أمرنا بالأصنام التي كنتم تعبدونها أن تكسر، فإن ظننتم ~~أنها تنفعكم أو تضركم فلتدفع عن أنفسها ما يحل بها، واعلموا أنه ليس لأحد ~~عندي هوادة في مخالفة أمري، وعبادة غير إلهي، وهو الإله الذي خلقنا جميعا. ~~ثم أمر بتفريق الكتب بذلك في شرق الأرض، وغربها، ليعامل الناس على قدر ~~القبول والآباء، فمضت رسله بكتبه بذلك إلى ملوك الأرض. # فلما انتهى كتابه إلى دارا بن دارا غضب من ذلك غضبا شديدا، وكتب إليه: # (من دارا بن دارا المضئ لأهل مملكته كالشمس إلى الإسكندر بن الفيلفوس، ~~أنه قد كان بيننا وبين الفيلفوس عهد ومهادنة على ضريبة، لم يزل يؤديها ~~إلينا أيام حياته، فإذا أتاك كتابي هذا فلا أعلمن ما بطأت بها، فأذيقك وبال ~~أمرك، ثم لا أقبل عذرك، والسلام). PageV00P031 ### | (دارا والإسكندر) # فلما ورد كتابه على الإسكندر جمع إليه جنوده، وخرج ~~متوجها نحو أرض العراق، وبلغ ذلك دارا بن دارا، فأحرز خزائنه وحرمه وأولاده ~~في حصن همذان، وكان من بنائه، ثم لقي الإسكندر جادا مستنفرا، فواقعه وقائع ~~كثيرة، لم يجد الإسكندر مطمعا فيه، ولا في شئ منها، ثم إنه دس إلى رجلين من ~~أهل همذان، كانا من بطانته وخاصة حرسه، وأرغبهما، فرغبا، وغدرا بدارا: # أتياه من ورائه حين صاف الإسكندر في بعض أيامه، ففتكا به، وانفضت جموع ~~دارا، وأقبل الإسكندر حتى وقف على دارا صريعا، فنزل، فجعل رأسه في حجره، ~~وبه رمق، فجزع عليه، وقال: (يا أخي، إن سلمت من مصرعك خليت بينك وبين ملكك، ~~فاعهد إلي بما أحببت، أف لك به). # فقال دارا: (اعتبر بي (1)، كيف كنت أمس، وكيف أنا اليوم، الست الذي كان ~~بها بني الملوك، ويذعنون لي بالطاعة، ويتقونني بالأتاوة؟ وها أنا (ذا) ~~اليوم صريع فريد بعد الجنود الكثيرة والسلطان العظيم). # فقال الإسكندر: (إن المقادير لا تهاب ملكا لثروته، ولا تحقر فقيرا ~~لفاقته، وإنما الدنيا ظل ms023 يزول وشيكا، وينصرم سريعا). # قال دارا: (قد علمت أن كل شئ بقضاء الله وقدره، وأن كل شئ سواه فإن، وأنا ~~موصيك لمن خلفت من أهلي وولدي، وسائلك أن تتزوج (روشنك) ابنتي، فقد كانت ~~قرة عيني وثمرة قلبي) فقال الإسكندر: (أنا فاعل ذلك، فأخبرني من فعل هذا ~~بك، لأنتقم منه. فلم) يحر في ذلك جوابا دارا، واعتقل لسانه بعد ذلك، ثم ~~قضى، فأمر الإسكندر بقاتليه، فصلبا على قبر دارا، فقالا: أيها الملك، ألم ~~تزعم أنك ترفعنا على جنودك؟! قال: قد فعلت. # PageV00P032 # ثم أمر بهما، فرجما حتى ماتا. ثم كتب إلى أم دارا وامرأته بالتعزية، وهما ~~بمدينة همذان، وكتب إلى أمه وهي بالإسكندرية أن تسير إلى أرض بابل، فتجهز ~~روشنك بنت دارا بأحسن جهاز، وتوجهها إليه إلى أرض فارس، ففعلت. ### | (فتوح الإسكندر) # ثم شخص الإسكندر نحو (فؤر) ملك الهند، فالتقيا على تخوم ~~(1) أرض الهند، وأن الإسكندر دعا فؤرا إلى البراز، وإلا يقتل الجمعان، ~~بعضهم بعضا بينهما، فاهتبلها (2) منه فؤر، وكان رجلا مديدا عظيما أيدا ~~قويا، فرأى الإسكندر قليلا قضيفا (3)، وبرز إليه، فأجلى النقع عن فؤر ~~قتيلا، واستسلم له جنوده، فقبل سلمهم. # وسار حتى دخل أرض السودان، فرأى ناسا كالغربان، عراة، حفاة، يهيمون في ~~الغياض، ويأكلون من الثمار، فإن استنوا (4) وأجدبوا أكل بعضهم بعضا، ~~فجاوزهم حتى انتهى إلى البحر، فقطع إلى ساحل عدن من أرض اليمن، فخرج إليه ~~تبع الأقرن ملك اليمن، فأذعن له بالطاعة، وأقر بالإتاوة، وأدخله مدينة ~~صنعاء، فأنزله، وألطف له (5) من ألطاف اليمن، فأقام شهرا. ### | (الإسكندر في مكة) # ثم سار إلى تهامة، وسكان مكة يومئذ خزاعة، قد غلبوا ~~عليها، فدخل عليه النضر بن كنانة، فقال له الإسكندر: ما بال هذا الحي من ~~خزاعة نزولا بهذا # PageV00P033 # الحرم؟، ثم أخرج خزاعة عن مكة، وأخلصه للنضر، ولبني أبيه، وحج الإسكندر ~~بيت الله الحرام، وفرق في ولد معد بن عدنان، القاطنين بالحرم، صلات وجوائز. ~~ثم قطع البحر من جدة يؤم بلاد المغرب. ### | (الإسكندر في بلاد المغرب) # وروي عن ابن عباس: أن نوحا عليه السلام ms024 قسم ~~الأرض بين ولده الثلاثة، فخص ساما بوسط الأرض التي تسقيه الأنهار الخمسة: ~~الفرات، ودجلة، وسيحان، وجيحان (1)، وقيسون، وهو نهر بلخ، وجعل لحام ما ~~وراء النيل إلى منفح الدبور، وجعل ليافث ما وراء قيسون إلى منفح الصبا. # وقالوا: الأرض أربعة وعشرون ألف فرسخ، فبلاد الأتراك من ذلك ثلاثة آلاف ~~فرسخ، وأرض الخزر (2) ثلاثة آلاف فرسخ، وأرض الصين ألفا فرسخ، وأرض الهند ~~والسند والحبشة وسائر السودان ستة آلاف فرسخ، وأرض الروم ثلاثة آلاف فرسخ، ~~وأرض الصقالبة ثلاثة آلاف فرسخ، وأرض كنعان، وهي مصر، وما وراءها مثل ~~إفريقية، وطنجة، وفرنجة، والأندلس ثلاثة آلاف فرسخ، وجزيرة العرب وما ~~والاها ألف فرسخ . قالوا: وبلغ الإسكندر أمر قنداقة ملكة المغرب، وسعة ~~بلادها، وخصب أرضها وعظم ملكها، وأن مدينتها أربعة فراسخ، وأن طول الحجر ~~الواحد من سور مدينتها ستون ذراعا. وأخبر عن حال قنداقة وعقلها وحزمها، ~~فكتب إليها: # (من الإسكندر بن الفيلفوس الملك المسلط على ملوك الأرض إلى قنداقة ملكة ~~سمرة، أما بعد، فقد بلغك ما أفاء الله علي به من البلاد، وأعطاني من العد # PageV00P034 # والنصرة، فإن سمعت، وأطعت، وآمنت بالله، وخلعت الأنداد التي تعبد من دون ~~الله، وحملت إلى وظيفة الخراج، قبلت منك وكففت عنك، وتنكبت أرضك، وإن أبيت ~~ذلك سرت إليك، ولا قوة إلا بالله). # فكتبت إليه: (أن الذي حملك على ما كتبت به فرط بغيك، وعجبك بنفسك، فإذا ~~شئت أن تسير فسر، تذق غير ما ذقت من غيري، والسلام). # فلما رجع جواب كتابه أرسل إليها بملك مصر، وكان في طاعته، ليدعوها إلى ~~الطاعة، وينذرها وبال المعصية، فسار إليها في مائة رجل من خاصته، فلم يجد ~~عندها ما يحب، فرجع إلى الإسكندر، فأعلمه، فتجهز الإسكندر إليها، ومضى في ~~جنوده، حتى انتهى إلى مدينة القيروان (1) - وهي من مصر على شهر - فافتتحها ~~بالمجانيق (2)، ثم سار إلى القنداقة، فكانت له ولها قصص وأنباء، فعاهدها ~~على الموادعة و المسالمة، وألا يطور بسلطانها وشئ مما في مملكتها. # ثم سار من هناك قاصدا الظلمة التي في الشمال، حتى دخلها، فسار ms025 فيها ما ~~شاء الله، ثم انكفأ راجعا حتى إذا صار في تخوم أرض الروم ابتنى هناك ~~مدينتين، يقال لإحداهما، قافونية، وللأخرى سورية. ### | (الإسكندر وبلاد الشرق الأقصى) # ثم هم بالاجتياز إلى أرض المشرق، فقال له ~~وزراؤه: (كيف يمكنك الاجتياز إلى مطلع الشمس من هذه الجهة، ودون ذلك البحر ~~الأخضر، ولا تعمل فيه السفن، لأن ماءه شبيه بالقيح، ولا يصبر على نتن ريحه ~~أحد؟) فقال: (لا بد من المسير، ولو لم أسر إلا وحدي) قالوا: (نحن معك حيث ~~سرت). فسار حتى قطع أرض الروم، يؤم مشرق الشمس، ثم جاوزهم # PageV00P035 # إلى أرض الصقالبة، فأذعنوا له بالطاعة، فجازهم إلى أرض الخزر، فأذعنوا له ~~، فجازهم إلى أرض الترك، فأذعنوا له، فسار في أرضهم حتى بلغ المفازة التي ~~بينهم وبين بلاد الصين، فركبها، وسار، حتى إذا قرب من أرض الصين أجلس وزيرا ~~له يقال له (فيناوس) في مجلسه، وأمره أن يتسمى باسمه، وتسمى هو فيناوس، ~~وقصد الملك حتى وصل إليه، فلما دخل عليه قال له: (من أنت؟) قال: (أنا رسول ~~الإسكندر، المسلط على ملوك الأرض،) قال: (وأين خلفته؟)، قال: (على تخوم ~~أرضك)، قال: (وبماذا أرسلك؟) ، قال: (أرسلني لأنطلق بك إليه، فإن أجبت أقرك ~~في أرضك، وأحسن حباءك (1)، وإن أبيت قتلك، وأخرب أرضك، فإن كنت جاهلا بما ~~أقول ، فسل عن دارا بن دارا ملك إيران شهر، هل كان في الأرض ملك أعظم ملكا ~~منه، وأكثر جنودا، وأقوى سلطانا، وكيف سار إليه، واغتصبه نفسه، وسلبه ملكه، ~~وسل عن فؤر ملك الهند إلى ما آل أمره). # قال ملك الصين: (يافيناوس، إنه قد بلغني أمر هذا الرجل، وما أعطي من ~~النصر والظفر، وكنت على توجيه وفد إليه، أسأله الموادعة، وأصالحه على ~~الهدنة، فأبلغه، أني له على السمع والطاعة، وأداء الإتاوة في كل عام، فليست ~~به حاجة إلى دخول أرضي) . ثم بعث إليه بتاجه، وبهدايا من تحف أرضه، من ~~السمور (2) والقاقم، والخز ، والحرير الصيني، والسيوف الهندية، والسروج ~~الصينية، والمسك، والعنبر، وصحاف الذهب والفضة، والدروع، والسواعد، والبيض ~~(3)، فقبض ذلك الإسكندر. # PageV00P036 ### | (يأجوج ومأجوج) ms026 # وسار راجعا إلى عسكره، وتنكب أرض الصين، وسار إلى الأمة ~~التي قص الله جل ثناؤه قصتها ف‍ (قالوا: يا ذا القرنين، إن يأجوج ومأجوج ~~مفسدون في الأرض) فكان من قصته وبنائه الردم ما قد أخبر الله به في كتابه ~~(1)، فسألهم عن أجناس تلك الأمم، فقالوا: نحن نسمي لك من بالقرب منا منهم، ~~فأما ما سوى ذلك، فلا نعرفه، هم يأجوج ومأجوج، وتأويل وتاريس، ومنسك وكمارى ~~. فلما فرغ من بناء السد بينهم وبين تلك الأمم رحل عنهم، فوقع إلى أمه من ~~الناس ، حمر الألوان، صهب الشعور، رجالهم معتزلون عن نسائهم، لا يجتمعون ~~إلا ثلاثة أيام في كل عام، فمن أراد منهم التزويج، فإنما يتزوج في تلك ~~الثلاثة الأيام، وإذا ولدت المرأة ذكرا، وفطمته دفعته إلى أبيه في تلك ~~الثلاثة الأيام ، وإن كانت أنثى حبستها عندها، فارتحل عنهم، وسار حتى صار ~~إلى فرغانة (3) (فرأى قوما لهم أجسام وجمال، فأعطوه الطاعة، فسار من فرغانة ~~إلى سمرقند، فنزلها وأقام شهرا، ثم رحل، فسلك على بخارى (3)، حتى انتهى إلى ~~النهر العظيم، فعبره في السفن إلى مدينة آمويه، وهي آمل خراسان، ثم سلك ~~المفازة حتى خرج إلى أرض قد غلب عليها الماء، فصارت آجاما ومروجا، فأمر ~~بتلك المياه، فسدت عنها حتى جفت الأرض، فابتنى هناك مدينة، وأسكنها قطانا، ~~وجعل لها رساتيق، وقرى، وحصونا، وسماها (مر خانوس)، وهي مدينة مرو (4)، ~~وتسمى # PageV00P037 # أيضا ميلانوس، ثم اجتاز بنيسابور، وطوس حتى وافى الري (1)، ولم تكن ~~أيامئذ، وإنما بنيت بعد ذلك في ملك فيروز بن يزدجرد بن بهرام جور، ثم اجتاز ~~من هناك على الجبل، وحلوان (2)، حتى وافى العراق، فنزل المدينة العتيقة ~~التي تسمى طيسفون (3)، فأقام حولا، ثم سار يريد الشام حتى أتى بيت المقدس . ### | (ملوك الطوائف) # فلما اطمأن بها، قال لمؤدبه أرسطاطاليس: (إني قد وترت أهل ~~الأرض جميعا لقتلى ملوكهم، واحتوائي على بلدانهم وأخذي أموالهم، وقد خفت أن ~~يتضافروا على أهل أرضي من بعدي، فيقتلونهم ويبيدونهم لحنقهم علي، وقد رأيت ~~أن أرسل إلى كل نبيه وشريف، ومن كان من أهل ms027 الرياسة في كل أرض، وإلى أبناء ~~الملوك فأقتلهم) . فقال له مؤدبه: ليس ذاك رأي أهل الورع والدين، مع أنك إن ~~قتلت أبناء الملوك وأهل النباهة والرياسة كان الناس عليك، وعلى أهل أرضك ~~أشد حنقا من بعدك، ولكن لو بعثت إلى أبناء الملوك وأهل النباهة فتجمعهم ~~إليك، فتتوجهم بالتيجان، وتملك كل رجل منهم كورة (4) واحدة، وبلدا واحدا، ~~فإنك تشغلهم بذلك، بتنافسهم في الملك، وحرص كل واحد على أخذ ما في # PageV00P038 # يدي صاحبه، عن إهلاك بلادك، فتلقى بأسهم بينهم، وتجعل شغلهم بأنفسهم، ~~فقبل الإسكندر ذلك منه، وفعله، وهم الذين يقال لهم ملوك الطوائف. ### | (نهاية الإسكندر) # ثم هلك الإسكندر ببيت المقدس، وقد ملك ثلاثين سنة، جال ~~الأرض منها أربعا وعشرين سنة، وأقام بالإسكندرية في مبتدأ أمره ثلاث سنين، ~~وبالشام عند انصرافه ثلاث سنين، فجعل في تابوت من ذهب، وحمل إلى ~~الإسكندرية. # وبنى (الإسكندر) (1) اثنتي عشرة مدينة، الإسكندرية بأرض مصر، ومدينة ~~نجران بأرض العرب، ومدينة مرو بأرض خراسان، ومدينة جي بأرض أصبهان ، ومدينة ~~على شاطئ البحر تدعى صيدودا، ومدينة بأرض الهند تدعى جروين، ومدينة بأرض ~~الصين تدعى (قرنيه)، وسائر ذلك بأرض الروم. # قالوا: ولما توفي الإسكندر حمى كل رجل من أولئك الذين ملكهم حيزه (2)، ~~ودفعوا الحرب، فلم يكن يغلب أحدهم صاحبه إلا بالحكمة والآداب، يتراسلون ~~بالمسائل، فإن أصاب المسؤول حمل إليه السائل، وإن بغى أحد منهم على الآخر، ~~وانتقصه شيئا من حيزه أنكروا جميعا ذلك عليه، فإن تمادى أجمعوا على حربه، ~~فسموا بذلك ملوك الطوائف. ### | (ملوك اليمن) # وزعموا أن الملوك الأربعة (4)، الذين لعنهم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، ولعن أختهم أبضعة، لما هموا بنقل الحجر الأسود إلى صنعاء ~~ليقطعوا حج العرب عن البيت الحرام إلى صنعاء، وتوجهوا لذلك إلى مكة، ~~فاجتمعت كنانة إلى فهر بن مالك ابن النضر، فلقيهم، فقاتلهم، فقتل ابن لفهر، ~~يسمى الحارثة، لم يعقب، # PageV00P039 # وقتل من الملوك الأربعة ثلاثة، وأسر الرابع، فلم يزل مأسورا عند فهر بن ~~مالك حتى مات. وأما أبضعة، فهي التي يقال لها (العنقفير)، ملكت بعد إخوتها ~~بأخبث ms028 سيرة، كانت تتخير الرجال على عينها، فمن أعجبها دعته إلى نفسها، فوقع ~~بها، لا يقدر أحد أن ينكر عليها، وإنها أبصرت فتى من قيس، فأعجبها، فدعته ~~إلى نفسها، فوقع بها، فألقحها غلامين في بطن، فسمت أحدهما سهلا، والآخر ~~عوفا، وفي ذلك يقول شاعر من شعراء قيس: # وذي تومة في أذنة وضفيرة وسيم جميل لا يخيل مخايله إذا ما رأته قيلة ~~حميرية تجر له حبل الشموس تهازله قالوا: وكان ذو الشنائر ملك عنس ويحاير ~~(1)، وكان عظيم الملك، كثير الجنود، وكان ملكه على عمان، والبحرين، ~~واليمامة، وسواحل البحر. ### | (ملك أردوان بن أشه) # قالوا: ولم يكن في ملوك الطوائف الذين كانوا بأرض ~~العجم ملك أعظم ملكا، ولا أكثر جنودا من أردوان بن أشه بن أشغان ملك الجبل، ~~كان إليه الماهان وهمذان، وماسيذان، ومهر جانقذق، وحلوان، (2) وسائر الملوك ~~إنما كان يكون إلى الرجل منهم كورة واحدة وبلد واحد. وكان الملك منهم إذا ~~مات قام بالملك بعده ابنه أو حميمه، وكان جميع ملوك الطوائف يقرون لأردوان ~~ملك الجبل بفضله، لاختصاص الإسكندر إياه دونهم بفضل الملك، وكان مسكنه ~~بمدينة نهاوند (3) العتيقة. # قالوا: وفي ذلك العصر بعث المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. # PageV00P040 ### | (أسعد بن عمرو) # قالوا: وإن أسعد بن عمرو بن ربيعة بن مالك بن صبح بن عبد ~~الله بن زيد بن ياسر ينعم الملك الذي ملك بعد سليمان بن داود، صلى الله ~~عليه وسلم (1)، لما نشأ وبلغ، أنف من ابتزاز قبائل ولد كهلان بن سبا بن ~~يشجب بن يعرب الملك حمير، وكان الملك لهم، وفي عصرهم، فجمع إليه حمير، وذلك ~~بعد أن ملكت المقاول بأرض اليمن، فكانوا سبعة ملوك، توارثوا الملك مائتين ~~وخمسين سنة، فسار إلى ملك همذان، فحاربه، فظفر به، ثم سار إلى ملك عنس ~~ويحاير، ففعل به مثل ذلك، وأتى ملك كندة، وأعطي الظفر حتى اجتمع له ملك ~~جميع أرض اليمن. # فلما اجتمع لأسعد الملك وجه ابن عمه القيطون بن سعد إلى تهامة والحجاز، ~~وجعله ملكا عليها، فنزل يثرب، فاعتدى وتجبر، حتى أمر ms029 أن لا تهدى امرأة إلى ~~زوجها حتى يبدؤوه بها، وسلك في ذلك مسلك عمليق، ملك طسم وجديس، إلى أن زوجت ~~أخت لمالك بن العجلان من الرضاعة، فلما أرادوا أن يذهبوا بها إلى القيطون ~~اندس معها مالك بن العجلان متنكرا، فلما خلا له البيت عدا عليه بسيفه، ~~فقتله، وعدوا على أصحابه، فقتلوا أجمعين، وبلغ ذلك أسعد الملك، فسار إليهم، ~~فنزل بالمدينة على نهر يسمى، بئر الملك، فكان من قصته ما هو مشهور، قد ~~كتبناه في غير هذا الموضع. ### | (بعثه عيسى الرسول) # قالوا: ولما ابتعث الله عيسى بن مريم، فأقبلت اليهود ~~لتقتله، فرفعه الله إليه، أتوا يحيى بن زكرياء، فقتلوه، فسلط الله عليهم ~~ملكا من ملوك الطوائف من ولد بخت نصر الأول (2)، فقتل بني إسرائيل، وضربت ~~عليهم الذلة والمسكنة. # PageV00P041 ### | (أردشير بن بابك) # قالوا: فلما تم لملوك الطوائف مائتا سنة، وست وستون سنة ~~ظهر أردشير ابن بابكان، وهو أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر بن فافك بن ~~مهريس ابن ساسان الأكبر بن بهمن الملك بن إسفندياذ بن بشتاسف، فظهر بمدينة ~~إصطخر، فدب في رد ملك فارس في نصابه، واتسقت له الأمور، فلم يزل يغلب ملكا، ~~ويقتل ملكا، ويحتوي على ما تحت يده، حتى انتهى إلى فرخان ملك الجبل، وكان ~~آخر ملك من ولد أردوان، فكتب إليه أردشير، بالدخول في طاعته، فلما أتاه ~~كتابه امتلأ غيظا، وقال لرسله: لقد ارتقى ابن ساسان الراعي مرتقى وعرا، ولم ~~يحفل به، وكتب إليه: أن الميعاد بيني وبينك صحراء الهرمز دجان في سلخ مهر ~~ماه (1)، فسبق أردشير إلى المكان، فوافاه فرخان في سلخ مهر ماه، فاقتتلوا، ~~فقتله أردشير، وسار من فوره حتى ورد مدينة نهاوند، فنزل قصر الفرخان، فأقام ~~شهرا، ثم سار إلى الري، ثم إلى خراسان، لا يأتي حيزا إلا أذعن له ملكه ~~بالطاعة، ثم سار إلى سجستان، ثم إلى كرمان (2)، ثم سار إلى فارس (3)، فنزل ~~مدينة إصطخر، فأقام حولا، ثم سار نحو العراق، فتلقاه من كان بها من ملوك ~~الطوائف بالأهواز، فقاتلهم، فقتلهم، # PageV00P042 # ثم سار حتى ms030 عسكر بموضع المدائن اليوم، فاختطها، وبناها، فلما استوثق له ~~الملك دعا بابنة أخ الفرخان، التي أخذها من قصر الفرخان بنهاوند،، وكانت ~~ذات جمال ولب، وقد كان أفضى إليها، وسألها من نسبها، فأخبرته، فقال لها: قد ~~أسأت حين أعلمتني، لأني أعطيت الله عهدا، أن أظهرني الله بالفرخان ألا أدع ~~من أهل بيته أحدا، ثم دعا أبرسام وزيره، فقال: انطلق بهذه الجارية فاقتلها. # فأخذ أبر سام بيد الجارية، فأخرجها لينفذ فيها أمره، فلما خرجت قالت ~~لأبرسام: إني حامل لأشهر، فلما قالت له ذلك انطلق بها إلى منزله، وأمر ~~بالإحسان إليها، وقال لأردشير: قد قتلتها وزعموا أنه جب نفسه (1)، وأخذ ~~مذاكيره، فجعلها في حق (2) وختم عليه ، وأتى به أردشير، وسأله أن يأمر بعض ~~ثقاته بإحرازه، فإنه سيحتاج إليه يوما، فأمر أردشير بالحق، فأحرز. # ثم إن الجارية ولدت غلاما كأجمل ما يكون من الغلمان، وهو سابور بن أردشير ~~الذي ملك بعده، وإن أردشير أقام بالعراق حولا، ثم سار إلى الموصل، فقتل ~~ملكها، ثم انصرف، وجعل يسير، فسار إلى عمان والبحرين واليمامة، فخرج إليه ~~(سنطرق) ملك البحرين، فحاربه، فقتله أردشير، وأمر بمدينته، فأخربت. # قالوا: وإن أبرسام دخل على أردشير يوما، وهو مستخل وحده، مفكر مهموم، ~~فقال: أيها الملك، عمرك الله، ما لي أراك مهموما حزينا، وقد أعطاك الله ~~أمنيتك، ورد الله إليك ملك آبائك، فأنت اليوم (شاهان شاه). قال أردشير: ذاك ~~الذي أحزنني، إني قد استحوذت على الأرض، ودان لي جميع الملوك، وليس لي ولد، ~~يرث ملكي الذي أنصبت فيه نفسي. فلما سمع # PageV00P043 # ذلك أبرسام قال في نفسه: هذا وقت إظهار أمر تلك المرأة الأشغانية، وقد ~~كان أتى على ابنها خمس سنين، فقال: أيها الملك، إني كنت استودعتك يوم ~~أمرتني بقتل المرأة الأشغانية حقا مختوما، وقد احتجت إليه، فمر بإخراجه، ~~فأمر به أردشير، فأخرج إليه، ففتحه، وأراه أردشير، فإذا فيه مذاكيره، قد ~~يبست في جوف الحق. # فقال له أردشير: ما هذا؟ فأخبره الخبر، وأعلمه حال الغلام، ففرح أردشير ~~بذلك، ثم قال لأبرسام: ائتني بالغلام، واجعله ms031 ما بين مائة غلام من أقرانه، ~~ففعل أبرسام ذلك. # فلما أدخلهم عليه تأملهم غلاما غلاما، حتى إذا بلغ إلى سابور رأى تشابه ~~ما بينه وبينه، فتحرك له قلبه، فأمسك نفسه، ولم يكمله، وأمر بأن يعطي ~~الغلمان جميعا صوالجة (1)، ويطرح لهم كره في الرحبة ليلعبوا بين يديه مقابل ~~الإيوان، وقال لأبرسام: احتل أن تقع الكرة عندي في الإيوان، ففعل. # ووقعت الكرة على بساطه، فوقف جميع أولئك الغلمان على باب الإيوان، ولم ~~يجترئ واحد منهم أن يدخل، فيتناول الكرة من بين يديه إلا الغلام، فإنه ~~اقتحم من بينهم على أبيه، فتناول الكرة من بين يديه. # فلما رأى ذلك أردشير مد يده، فتناول الغلام، وضمه إليه، وقبله، وأمر به ~~وبأمه أن ترد إليه، وهو سابور الذي ملك بعده، وأكرم أبرسام، وأقطعه القطائع ~~الكثيرة، وأمر بأن تصور صورة أبرسام على الدراهم والبسط حتى انقضى ملكهم. # قالوا: وفي ملك أردشير بعث الله عيسى عليه السلام، ويزعمون أنه بعث بأحد ~~حوارييه إلى أردشير، وأنه جاء إلى مدينة طيسفون، فنزل على أبرسام # PageV00P044 # فكان إذا أمسى استسرج له سراج، فيصلي طول ليلة، ويتلو الإنجيل، فسأله ~~أبرسام عن قصته ودينه، فأخبره أنه رسول المسيح عيسى بن مريم، فأفضى أبرسام ~~الخبر إلى أردشير، فدعا به، فنظر إلى سمته وهدوئه، وأراه الشيخ آيات من ~~آيات المسيح، فلم يبعد عند أردشير، ولا هاجه بسوء. ### | (ملك الموصل وجرجيس) # قالوا: وفي زمان ملوك الطوائف كانت قصة جرجيس، ~~وإتيانه ملك الموصل، وكان جبارا متمردا، يعبد الأصنام، ويحمل الناس على ~~عبادتها، وكان جرجيس من أهل الجزيرة، وكان من أمره وأمر ذلك الملك ما قد ~~أتت به الأخبار. # وكان أردشير هو الذي أكمل آيين (1) الملوك ورتب المراتب، وأحكم السير، ~~وتفقد صغير الأمر وكبيرة، حتى وضع كل شئ من ذلك على موضعه، عهد عهده ~~المعروف إلى الملوك، فكانوا يمتثلونه، ويلزمونه، ويتبركون بحفظه والعمل به، ~~ويجعلونه درسهم ونصب أعينهم، وبنى من المدن ست مدائن، منها بأرض فارس مدينة ~~أردشير خره، ومدينة رام أردشير ومدينة هرمزدان أردشير، وهي قصده الأهواز، ms032 ~~ومدينة أستاذ أردشير، وهي كرخ ميسان، ومدينة فوران أردشير، وهي التي ~~بالبحرين، ومدينة بالموصل، تسمى خرزاد أردشير. ### | (ملكيكرب ملك اليمن) # قالوا: وملك بعد أسعد ملك اليمن، الذي كسا البيت ~~ونحر عنده وطاف به وعظمه ابن عمه ملكيكرب بن عمرو بن مالك بن زيد بن سهل بن ~~عمرو ذي الأذعار، فملك عشرين سنة لا يبرح بيته، ولا يغزو كما كانت الملوك ~~قبله تفعله تحرجا من الدماء. # PageV00P045 ### | (ملك التبابعة) # ثم ملك بعده ابنه تبع بن ملكيكرب، وهو تبع الأخير، وكانت ~~التبابعة ثلاثة، أولهم: شمر أبو كرب الذي غزا الصين، وأخرب مدينة سمرقند، ~~والثاني تبع أسعد الذي ذبح للبيت الحرام الذبائح، وعلق عليه باب ذهب، ~~والثالث تبع بن ملكيكرب، ولم يسم غير هؤلاء الثلاثة من ملوك اليمن تبعا، ~~وكان تبع هذا الأخير في عصر سابور بن أردشير، وفي عصر هرمز بن سابور، وكان ~~تبع بن ملكيكرب كبير الشأن عظيم السلطان، وهو الذي غزا بلاد الهند، فقتل ~~ملكها، وهو من أولاد فؤر الملك الذي قتله الإسكندر، ثم انصرف إلى اليمن، ~~ومات في ملك بهرام بن هرمز بن سابور بن أردشير. # ثم ملك من بعد تبع ابنه حسان بن تبع بن ملكيكرب، وهو الذي غزا أرض فارس ~~فيما يزعمون، وهو الذي ضجرت الحميرية لكثرة غزوة بها، وقلة مقامه بأرض ~~اليمن، فزينوا لأخيه عمرو بن تبع قتله ليملكوه عليهم، فطابقوه جميعا على ~~ذلك إلا ذارعين فإنه أبى ذلك، ولم يدخل فيه مع القوم، فعدا عمرو على أخيه، ~~فقتله، وملك من بعده، وانصرف بقومه إلى اليمن، فسلط الله عليهم السهر. ### | (سابور) # فلما ملك سابور بن أردشير غزا أرض الروم، فافتتح مدينة قالوقية، ~~ومدينة قبدوقية، وأثخن في الروم، ثم انصرف إلى العراق، وسار إلى أرض ~~الأهواز ليرتاد مكانا يبني فيه مدينة، يسكنها السبي الذي قدم بهم من أرض ~~الروم، فبنى مدينة جنديسابور، واسمها بالخوزية نيلاط، وأهلها يسمونها ~~نيلاب، فكان سابور قد أسر (اليريانوس) خليفة صاحب الروم، فأمره ببناء قنطرة ~~على نهر تستر على أن يخليه، فوجه إليه ملك ms033 الروم ناسا من أرض الروم ~~والأموال، فبناها، فلما فرغ منها أعتقه. PageV00P046 ### | (ماني) # وفي زمان سابور ظهر ماني الزنديق (1)، وأغوى الناس، ومات سابور ~~قبل أن يظفر به، وملك سابور إحدى وثلاثين سنة. ### | (هرمز) # وأفضى الملك بعده إلى ابنه هرمز بن سابور، فأخذ ماني، فأمر به، ~~فسلخ جلده، وحشاه بالتبن، وعلقه على باب مدينة جنديسابور، فهو إلى اليوم ~~يدعى باب ماني، وتتبع أصحابه ومن استجاب له، فقتلهم جميعا، فملك ثلاثين ~~سنة. ### | (أولاد هرمز) # وأسند الملك إلى ابنه بهرام بن هرمز، فملك سبع عشرة سنة، ثم ~~ملك ابنه بهرام بن بهرام، ثم ملك ابنه نرسى بن بهرام بن بهرام، فملك سبع ~~سنين، ومات. فملك ابنه هرمزدان بن نرسى، فملك سبع سنين، ومات، ولم يكن له ~~ولد يرثه الملك، غير أن امرأته كانت حاملا لأشهر، فأمر بالتاج، فوضع على ~~بطنها، وتقدم إلى عظماء أهل فارس ألا يملكوا عليهم أحدا حتى ينظروا ما يولد ~~له، فإن كان ذكرا سموه سابور، وأقروه على الملك، ووكلوا به من يحضنه، ويقوم ~~بأمر الملك إلى إدراكه، وإن كان أنثى اختاروا رجلا لأنفسهم من أهل بيته، ~~فملكوه عليهم، فولدت المرأة ذكرا، وسموه سابور، وهو المنبوز (2) بذي ~~الأكتاف. # PageV00P047 ### | (سابور ذو الأكتاف) # فشاع لما مات هرمزدان في أطراف الأرضين أنه ليس لأرض ~~فارس ملك، وانهم يلوذون بصبي في مهد، فطمعوا في مملكة فارس، فورد جمع عظيم ~~من الأعراب من ناحية البحرين وكاظمة (1) إلى أبرشهر وسواحل أردشير خره، ~~فشنوا بها الغارة، وأتى بعض ملوك غسان على الجزيرة في جموع عظيمة حتى أغار ~~على السواد، فمكثت مملكة فارس حينا لا يمتنعون من عدو لوهى أمر الملك. # فلما ترعرع الغلام كان أول ما ظهر من حزمه أنه استيقظ ليله وهو نائم في ~~قصره بمدينة طيسفون بضوضاء الناس لازدحامهم على جسر دجلة مقبلين ومدبرين، ~~فقال: ما هذه الضوضاء؟، فأخبر، فقال: ليعقد لهم جسر آخر، يكون أحدهما لمن ~~يقبل، والآخر لمن يدبر، ففعلوا، وتباشروا بما ظهر من فطنته مع طفوليته. # فلما أتت له خمس عشرة سنة تجرد ms034 لضبط الملك، ونفي العدو عنه، فتأهب، وسار ~~إلى أبرشهر، فطرد من كان صار إليها من الأعراب، وقتلهم أخبث قتله. # وكذلك فعل بالجزيرة، فصار إلى الضيزن الغساني، فحاصره في مدينته التي على ~~شاطئ الفرات مما يلي الرقة (2)، فزعموا أن ابنه الضيزن، واسمها (مليكة)، ~~وزعموا أن أمها عمة سابور دختنوس ابنة نرسى، وأن الضيزن كان سباها لما أغار ~~على مدينة طيسفون، فأشرفت مليكة على عسكر سابور، وهو محاصر لأبيها، فرأت ~~سابور، فعشقته، فراسلته، على أن تدله على عورة أبيها، على أن يتزوجها، ~~فوعدها سابور ذلك، ففعلت. # PageV00P048 # فأسكرت بالحص (1) حرس أحد الأبواب حتى ناموا، وأمرت بفتح الباب، فدخل ~~سابور وجنوده، فأخذ الضيزن، فقتله، وخلع أكتاف أصحابه، وخلاهم، وكذا كان ~~يفعل بمن أسر من الأعداء، فبذلك سمي ذا الأكتاف. # ووفى لابنته بما وعدها، ثم قتلها بعد: ربطها بين فرسين، وأجراهما، ~~فقطعاها، وقال لها: أنت إذا لم تصلحي لأبيك لا تصلحين لي. # وأمر سابور فبنيت له مدينة الأنبار (2)، وسماها فيروز سابور، وكورها ~~كورة، وبنى بالسوس (3) مدينة، وهي التي إلى جانب الحصن، الذي يسمى ~~(سادانيال) الذي كان فيه جسد دانيال عليه السلام. ### || (الروم وسابور) # قالوا: وكان ملك الروم في ذلك العصر (مانوس) وكان يدين ~~فيما ذكروا قبل أن يملك دين النصرانية، فلما ملك أظهر ملة الروم الأولى، ~~وأحياها، وأمر بتحريق الإنجيل، وهدم البيع، وقتل الأساقفة، فلما قتل سابور ~~الضيزن الغساني غضب لذلك، فجمع من كان بالشام من غسان، وأقبل فيهم، ومعه ~~جيوش الروم، حتى ورد العراق. # ووجه سابور عيونا ليأتوه بخبرهم، فانصرف إليه عيونه، وقد اختلفوا عليه، ~~فخرج ليلا في ثلاثين فرسا، ليشرف على عسكر الروم، وقدم أمامه عشرة منهم، ~~فأخذتهم الروم، فأتوا بهم اليوبيانوس خليفة الملك وابن عمه، فسألهم عن ~~أمرهم، وتوعدهم القتل، فقام إليه رجل منهم مسرا عن أصحابه، فقال له: إن ~~سابور منك بالقرب، فضم إلى خيلا حتى آتيك به أسيرا. # PageV00P049 # وكانت بين اليوبيانوس وسابور مودة وخلة، فأرسل إلى سابور ينذره، فانصرف ~~راجعا، وسار الملك الرومي إلى باب مدينة طيسفون، وخرج إليه سابور ms035 في جنوده، ~~فهزمه الرومي حتى بلغوا قنطرة جازر، واحتوى الرومي على مدينة طيسفون، ولم ~~يقدروا على القصر لحصانته، ومن فيه من الحماة عنه، وثاب الناس إلى سابور، ~~فزحف إلى جمع الروم، فنحاهم عن المدينة، وعسكر ببابها، وراسل ملك الروم، ~~فبينما هم في ذلك إذ أتى ملك الروم سهم عائر، وهو في مضربه، وحوله بطارقته، ~~فأصاب مقتله، فسقط في أيدي الروم لمكانهم الذي هم به، وأشراف عدوهم عليهم، ~~فطلبوا إلى اليوبيانوس أن يتملك عليهم، فأبى، وقال: لست أتملك على قوم ~~مخالفين لي في ديني، لأني على دين النصرانية، وأنتم على دين الروم الأول، ~~فقال له البطارقة والعظماء: # فإنا نحن جميعا على مثل ما أنتم عليه، غير أنا كنا نكاتم بذلك خوفا من ~~الملك، فتملك عليهم اليوبيانوس، ولبس التاج. # وبلغ سابور أمرهم، فأرسل إليهم: أصبحتم اليوم في قبضتي وقدرتي، ولأقتلنكم ~~بمكانكم هذا جوعا وهزلا، فأجمع اليوبيانوس على إتيان سابور، لما كان بينهم ~~من المودة، فأبى عليه البطارقة والرؤساء، فخالفهم، وأتاه، فعرف له سابور ~~يده عنده في إنذاره إياه تلك الليلة وجعل له اليوبيانوس نصيبين (1) ، ~~وحيزها عوضا مما أفسدت الروم من مملكته، وكتب له بذلك. # وبلغ أهل نصيبين ذلك، فانتقلوا عنها ضنا بالنصرانية، وكراهية لتمليك ~~الفرس عليهم، فنقل سابور إليها اثنى عشر ألف أهل بيت من إصطخر، فأسكنهم ~~فيها، فعقبهم بها إلى اليوم، وانصرفت الروم إلى أرضها، فلما تم لسابور ~~اثنتان وسبعون سنة حضره الموت، فجعل الأمر من بعده لابنه سابور بن سابور. # فلما تم لملكه خمس سنين خرج يوما متصيدا، فنزل بمكان، وضربت # PageV00P050 # قبته، فجلس فيها، فأقبل قوم من الفتاك ليلا، فقطعوا أطناب (1) القبة، ~~فسقطت عليه، فمات. ### | (بهرام بن سابور) # فملك بعده ابنه بهرام بن سابور، وكان على كرمان (2)، ~~فلما قتل أبوه قدم، فقام بالملك، فلما تم لملكه ثلاث عشرة سنة خرج يوما ~~متصيدا، فرمى بنشابة (3) فأصابته، فلما أحس بالموت أوصى إلى ابن أخيه ~~يزدجرد بن سابور ابن سابور، وكان أصغر سنا منه. ### | (يزدجرد بن سابور) # فقام بالملك بعده، وهو يزدجرد الذي ms036 يلقب بالأثيم، وكان ~~غلقا سيئ الخلق، لا يكافئ على حسن بلاء، وكان منانا، لا يتجاوز عن زلة وإن ~~صغرت، ويعاقب على الصغيرة كما يعاقب على الكبيرة، وما كان أحد يقدر على ~~كلامه لفظاظته وغلظته، إلا أن وزراءه كانوا أخيارا مترفقين متعاونين. # فولد له بهرام الذي يقال له بهرام جور، فدفعه إلى المنذر أبي النعمان ~~ليحضنه، فسار المنذر ببهرام إلى الحيرة (4) - وكانت داره واختار له المنذر ~~المراضع، وأحسن حضانته، فلما بلغ التأديب بعث إليه أبوه بمؤدبين من الفرس، ~~وأحضره المنذر مؤدبين من العرب، فأحكم الأدبين، وكمل فيهما، ونشأ نشأ ~~محمودا، وبرع في الأدب والفروسية، وخرج عاقلا لبيبا جميلا بهيا، # PageV00P051 # ومكنه المنذر من اللهو والقيان، فكان يركب النجائب، وتركب وراءه الصناجات ~~(1) يلهينه ويطربنه، وتجرد لطرد الوحش على تلك الحال، فضرب به المثل، فتوة ~~ورخاء بال. ### | (مقتل عمرو بن تبع) # قالوا: ولما قتل عمرو بن تبع أخاه حسان بن تبع وأشراف ~~قومه تضعضع أمر الحميرية فوثب رجل منهم لم يكن من أهل بيت الملك يقال له ~~صهبان ابن ذي خرب على عمرو بن تبع، فقتله، واستولى على الملك. ### | (صهبان والعدنانيون بتهامة) # قال: وهو الذي سار إلى تهامة لمحاربة ولد معد ~~بن عدنان، وكان سبب ذلك أن معدا لما انتشرت تباغت وتظالمت، فبعثوا إلى ~~صهبان يسألونه أن يملك عليهم رجلا يأخذ لضعيفهم من قويهم، مخافة التعدي في ~~الحروب، فوجه إليهم الحارث بن عمرو الكندي، واختاره لهم، لأن معدا أخواله، ~~أمه امرأة من بني عامر بن صعصعة، فسار الحارث إليهم بأهله وولده، فلما ~~استقر فيهم ولى ابنه حجر بن عمرو، وهو أبو امرئ القيس الشاعر، على أسد ~~وكنانة، وولى ابنه شرحبيل على قيس وتميم، وولى ابنه معدى كرب، وهو جد ~~الأشعث بن قيس، على ربيعة. # فمكثوا كذلك إلى أن مات الحارث بن عمرو، فأقر صهبان كل واحد منهم في ~~ملكه، فلبثوا بذلك ما لبثوا، ثم إن بنى أسد وثبوا على ملكهم حجر ابن عمرو، ~~فقتلوه، فلما بلغ ذلك صهبان وجه إلى مضر عمرو بن نابل ms037 اللخمي وإلى ربيعة ~~لبيد بن النعمان الغساني، وبعث برجل من حمير يسمى أوفى بن عنق الحية، وأمره ~~أن يقتل بني أسد أبرح القتل، فلما بلغ ذلك أسدا وكنانة # PageV00P052 # استعدوا، فلما بلغه ذلك انصرف نحو صهبان، واجتمعت قيس وتميم، فأخرجوا ~~ملكهم عمرو بن نابل عنهم، فلحق بصهبان، وبقي معدى كرب جد الأشعث، ملكا على ~~ربيعة، فلما بلغ صهبان ما فعلت مضر بعماله آلى ليغزون مضر بنفسه. # وبلغ ذلك مضر، فاجتمع أشرافها، فتشاوروا في أمرهم، فعلموا أن لا طاقة لهم ~~بالملك إلا بمطابقة ربيعة إياهم، فأوفدوا وفودهم إلى ربيعة، منهم عوف بن ~~منقذ التميمي، وسويد بن عمرو الأسدي جد عبيد بن الأبرص، والأحوص بن جعفر ~~العامري، وعدس بن زيد الحنظلي، فساروا حتى قدموا على ربيعة، وسيدهم يومئذ ~~كليب بن ربيعة التغلبي، وهو كليب وائل، فأجابتهم ربيعة إلى نصرهم، وولوا ~~الأمر كليبا، فدخل على ملكهم لبيد بن النعمان، فقتله، ثم اجتمعوا، وساروا ~~فلقيهم الملك بالسلان، فاقتتلوا، ففلت جموع اليمن، وفي ذلك يقول الفرزدق ~~لجرير: # لولا فوارس تغلب ابنة وائل نزل العدو عليك كل مكان وانصرف الملك إلى أرضه ~~مفلولا، فمكث حولا، ثم تجهز لمعاودة الحرب، وسار، فاجتمعت معد، وعليها كليب ~~فتوافوا بخزازي (1)، فوجه كليب السفاح بن عمرو أمامه، وأمره إذا التقى ~~بالقوم، أن يوقدوا نارا، علامة جعلها بينه وبينه، فسار السفاح ليلا حتى ~~وافى معسكر الملك بخزازي، فأوقد النار، فأقبل كليب في الجموع نحو النار، ~~فوافاهم صباحا، فاقتتلوا، فقتل الملك صهبان، وانفضت جموعه، وفي ذلك يقول ~~عمرو بن كلثوم: # ونحن غداة أوقد في خزازى * رفدنا فوق رفد الرافدينا فلما قتل صهبان زاد ~~حمير قتله اتضاعا ووهنا. # PageV00P053 ### | (ملك ربيعة بن نصر اللخمي اليمن) # فجمع ربيعة بن نصر اللخمي جد النعمان بن ~~المنذر قومه ومن أطاعه من ولد كهلان بن سبا، فاغتصب حمير الملك، فاجتمعت له ~~أرض اليمن، فملكها زمانا، وهو ربيعة بن نصر بن الحارث بن عمرو بن لخم بن ~~عدي بن مرة بن زيد ابن كهلان بن سبا بن يعرب بن قحطان. فلما ms038 استجمع لربيعة ~~بن نصر أمر اليمن رأى في منامه رؤيا هالته، ووجل منها، فبعث إلى شق وسطيح ~~الكاهنين، فأخبرهما بما رأى، فأخبراه في تأويلها بما يكون من غلبة السودان ~~على أرض اليمن، وبغلبة فارس بعدهم، ثم بمخرج النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فلما سمع ذلك أوجس في نفسه خيفة، فأحب أن يخرج ولده وخاصة أهله من أرض ~~اليمن ### | (مسير عمرو اللخمي إلى الحيرة) # فوجه ابنه عمرا إلى يزدجرد بن سابور، ~~ويقال بل كان ذلك في عصر سابور ذي الأكتاف، فأنزله الحيرة، فيومئذ بنيت ~~الحيرة، فضم عمرو إليه إخوته وأهل بيته، فمن هناك وقع آل لخم إلى الحيرة، ~~واتصلوا بالأكاسرة، فجعلوا لهم على العرب سلطانا. ### | (جذيمة والحيرة) # فلما مات خلفه من بعده ابنه جذيمة بن عمرو، فزوج جذيمة ~~أخته من ابن عمه عدي بن ربيعة بن نصر، فولدت له عمرو بن عدي الذي استطار به ~~الجن، وله حديث، فلم يزل جذيمة ملكا بالخورنق (1) زمانا حتى دعته نفسه إلى ~~تزويج مارية ابنة الزباء الغسانية، وكانت ملكة الجزيرة، ملكت بعد عمها ~~الضيزن # PageV00P054 # الذي قتله سابور، وكان له ولها حديث مشهور، (1) فقتلت جذيمة، ثم قتلها ~~قصير مولاه. ### | (عمرو بن عدي) # فلما هلك خلفه ابن أخته وابن ابن عمه عمرو بن عدي وهو جد ~~النعمان بن المنذر ابن عمرو بن عدي بن ربيعة، قالوا: وكان ذلك في عصر ~~يزدجرد بن سابور ابن بهرام جور. # قالوا: وفي ذلك العصر توفي عبد مناف بن قصي، وخلفه في سؤدده ابنه هاشم ~~ابن عبد مناف. قالوا: وهلك يزدجرد الأثيم، وقد ملك إحدى وعشرين سنة ونصفا، ~~وبهرام جور ابنه غائب بالحيرة عند المنذر بالخورنق، فتعاهدت عظماء فارس ألا ~~يملكوا أحدا من ولد يزدجرد لما نالهم من سوء سيرته، منهم بسطام أصبهبذ ~~السواد، الذي تدعى مرتبته (2) هزرافت، ويزدجشنس فاذوسفان الزوابي، وفيرك ~~الذي تدعى مرتبته مهران، وجودرز كاتب الجند، وجشن ساذر بيش كاتب الخراج، ~~وفناخسرو صاحب صدقات المملكة، وغير هؤلاء من أهل الشرف والبيت، فاجتمعوا، ~~واختاروا رجلا من عترة (3) أردشير بن بابكان، ms039 يقال له خسرو، فملكوه عليهم، ~~وبلغ ذلك بهرام جور، وهو عند المنذر، فأمر منذر بهرام بالخروج، والطلب ~~بتراث أبيه، ووجه معه ابنه النعمان، فسار بهرام حتى قدم مدينة طيسفون، فنزل ~~قريبا منها في الأبنية # PageV00P055 # والفساطيط والقباب، فلم يزل النعمان يسفر بينه وبين عظماء فارس وأشرافهم ~~إلى أن أنابوا وتابوا إلى بهرام. ### | (ملك بهرام جور) # وبسط بهرام من آمالهم، وشرط لهم المعدلة وحسن السير، ~~فخلوا بينه وبين الملك، وسمعوا وأطاعوا، وحبا (1) بهرام المنذر والنعمان، ~~وأكرمهما، وكافأه بيده عنده في تربيته ومعاضدته، ففوض إليه جميع أرض العرب، ~~وصرفه إلى مستقره من الحيرة. # ولما استتب لبهرام الملك آثر اللهو على ما سواه، حتى عتب عليه رعيته، ~~وطمع فيه من كان حوله من الملوك، فكان أول من شخص صاحب الترك، فإنه نهض في ~~جموعه من الأتراك حتى أوغل في خراسان، فشن فيها الغارات، وانتهى النبأ إلى ~~بهرام، فترك ما كان فيه من الاستهتار باللهو، وقصد عدوه، فأظهر أنه يريد ~~آذربيجان ليتصيد هناك، ويلهو في مسيرة إليها، فانتخب من إبطال رجاله سبعة ~~آلاف رجل، فحملهم على الإبل، وجنبوا الخيل، واستخلف على ملكه أخاه نرسى، ثم ~~سار نحو آذربيجان، وأمر كل رجل من أصحابه الذين انتخبهم أن يكون معه باز ~~وكلب، فلم يشك الناس أن مسيرة ذلك هزيمة من عدوه، وإسلام لملكه، فاجتمع ~~العظماء والأشراف، فتأمروا بينهم، فاتفق رأيهم على توجيه وفد منهم إلى ~~خاقان (2) صاحب الترك بأموال، يبعثون بها إليه ليصدوه عن استباحة البلاد. # وبلغ خاقان أن بهرام مضى هاربا، وأن أهل المملكة مجمعون على الخضوع له، ~~فاغتر، وأمن هو وجنوده، وأقام بمكانه ينتظر الوفود والأموال. # PageV00P056 # قالوا: وإن بهرام أمر بذبح سبعة آلاف ثور وحمل جلودها، وساق معه سبعة ~~آلاف مهر حولي، وجعل يسير الليل ويكمن النهار، وأخذ على طبرستان، ثم تبطن ~~ضفة البحر حتى خرج إلى جرجان، ثم صار إلى (نسا) ثم إلى مرو. # وكان خاقان معسكرا بها بكشميهن (1) حتى إذا صار بهرام من مرو على منقلة ~~(2)، وخاقان لا يعلم شيئا من علمه أمر ms040 بتلك الجلود، فنفخت، وألقي فيها ~~الحصى، وجففت، ثم علقها في أعناق تلك المهارة، حتى دنا من عسكر خاقان، ~~وكانوا نزولا على طرف المفازة، على ستة فراسخ من مدينة مرو، فخلوا عن تلك ~~المهارة ليلا، وطردوها من ورائها، فارتفع لتلك الجلود، والحجارة التي فيها، ~~وعدو المهارة بها، وضربها إياها بأيديها أصوات هائلة أشد من هدة الجبال ~~والصواعق. # وسمعت الترك تلك الأصوات، فلما سمعوها راعتهم، ولا يدرون ما هي، وجعلت ~~تزداد منهم قربا، فأجلوا عن معسكرهم، وخرجوا هربا، وبهرام في الطلب، فتقطرت ~~(3) دابة خاقان بخاقان، وأدركه بهرام، فقتله بيده، وغنم عسكره، وكل ما كان ~~فيه من الأموال، وأخذ خاتون امرأة خاقان. # ومضى بهرام على آثار الترك ليلته ويومه كله، يقتل ويأسر، حتى انتهى إلى ~~آموية، ثم عبر نهر بلخ، يتبع آثارهم، حتى إذا صار إلى القرب فأذعن له ~~الترك، وسألوه أن يعلم حدا بينه وبينهم، لا يجاوزونه، فحد لهم مكانا واغلا ~~في أرضهم، وأمر بمنارة، فبنيت هناك، وجعلها حدا، ثم انصرف إلى دار الملك، ~~ووضع عن الناس خراج تلك السنة، وقسم في أهل الضعف والمسكنة شطر ما غنم، ~~وقسم الشطر الآخر بين جنده الذين كانوا معه، فعم السرور أهل مملكته، فلهوا ~~جذلا وابتهاجا، فبلغ أجر اللعاب (4) في اليوم عشرين درهما، وصار إكليل ~~الريحان بدرهم # PageV00P057 # فلما أتى له في الملك ثلاث وعشرون سنة خرج متصيدا، فوقعت له عانة (1) من ~~الوحش، فدفع فرسه في طلبها، فذهبت به فرسه في جرف مفض إلى غمر من الماء، ~~فارتطم فيه، فغرق. # وبلغ ذلك أمه، فجاءت إلى ذلك المكان، وأمرت بطلبه في ذلك الهور (2) ~~فاستخرجوا تلالا من الحصى والرمل، فلم يدركوه، ويقال إن ذلك المكان بموضع ~~من الماء يسمى داي مرج، سمي بأمه، لأن الأم بلسان الفرس تسمى داي، وهو مرج ~~معروف، وهذا الحديث مشهور في الموضع، هو كما وصفوا في الحديث هناك، كواء ~~تنفتح في الأرض إلى ماء لا يدرك له غور، و ذلك بقرب آجام وماء راكد. ### | (يزدجرد بن بهرام) # فلما هلك بهرام ملكوا ابنه يزدجرد ms041 بن بهرام، فسار ~~بسيرة أبيه سبع عشرة سنة، وحضره الموت وله ابنان: فيروز وهرمزد، وكان فيروز ~~أكبر سنا. ### | (النزاع بين الأخوين) # فاستأثر هرمزد بالملك دون أخيه فيروز، فهرب فيروز ~~منه حتى لحق ببلاد الهياطلة (3) وهي تخارستان والصغانيان (4) وكابلستان (5) ~~والأرضون التي خلف # PageV00P058 # النهر الأعظم بما يلي أرض بلخ، فدخل على ملك تلك الأرض، فأخبره بظلم أخيه ~~إياه، واحتوائه على الملك دونه، وهو أصغر سنا منه، وسأله أن يمده بجيش حتى ~~يسترجع الملك. فقال: لن أجيبك إلى ما تسأل حتى تحلف أنك أكبر سنا منه، فحلف ~~فيروز، فأمده بثلاثين ألف رجل، على أن يجعل له حدا لترمذ (1)، فسار فيروز ~~بالجيش، واتبعه جل أهل المملكة، ورأوا أنه أحق بالملك من هرمزد لفظاظة ~~هرمزد وشرارته، فحاربه حتى استرجع الملك، وأقال أخاه عثرته، ولم يؤاخذه بما ~~كان منه. ### | (فيروز بن يزدجرد) # قالوا: وكان فيروز ملكا محدودا، وكل جل قوله وفعله ~~فيما لا يجدى عليه نفعه، وأن الناس قحطوا في سلطانه سبع سنين متواليات، ~~فغارت الأنهار، وغاضت المياه والعيون، وقحلت الأرض، وجف الشجر، وموتت ~~البهائم والطير، وهلكت الأنعام، وقل ماء دجلة والفرات وسائر الأنهار. # فرفع فيروز الخراج عن الرعية، وكتب إلى عماله أن يسوسوا الناس سياسة، ~~وتوعدهم أنه إن هلك أحد في أرض واحد منهم جوعا يقيد العامل والوالي به، ~~فساس الناس في تلك الأزمنة سياسة لم يعطب فيها أحد من الناس جوعا، ونادى في ~~الناس بالخروج إلى فضاء من الأرض، فخرج جميع الناس من الرجال والنساء ~~والصبيان، فاستسقى الله، فأغاثهم، فأرسل السماء، وعادت الأرض إلى حسن ~~الحال، وجرت الأنهار، وجاشت العيون، ورجع الناس إلى أحسن عادة الله عندهم ~~في الرفاغة والرفاهة والخصب. # وبنى فيروز مدينة الري، وسماها رام فيروز، وابتنى بآذربيجان مدينة # PageV00P059 # أردبيل، وسماها باذ فيروز، ثم استعد وتأهب لغزو الترك، وأخرج معه الموبذ ~~وسائر وزرائه، وحمل معه ابنته فيروزدخت، وحمل معه خزائن وأموالا كثيرة، ~~وخلف على ملكه رجلا من عظماء وزرائه، يسمى شوخر، وتدعى مرتبته قارن، وسار ~~حتى جاوز المنارة التي كان بهرام بناها ms042 حدا بينه وبين الترك، وأخربها، ووغل ~~في أرضهم. # وملك الأتراك يومئذ أخشوان خاقان، فأرسل ملك الترك إلى فيروز يعلمه أنه ~~قد تعدى، ويحذره عاقبة الظلم، فلم يحفل فيروز بذلك، فجعل خاقان يظهر كراهة ~~للحرب، ويدافع إلى أن هيأ خندقا، عمقه في الأرض عشرون ذراعا، وعرضه عشرة ~~أذرع، وبعد ما بين طرفيه، ثم غماه بأعواد ضعاف، وألقى عليه قصبا، وأخفاه ~~بالتراب، ثم خرج لمحاربة فيروز، فواقفه ساعة، ثم انهزم عنه . وطلبه فيروز ~~في جنوده، فسلك خاقان مسالك قد فهمها بين ظهري ذلك الخندق، وعطف عليه ~~أخشوان وطراخنته، فقتلوهم بالحجارة، واحتوى أخشوان على معسكر فيروز وكل ما ~~كان فيه من الأموال والحرم، وأخذ الموبذ أسيرا، وأخذ فيروزدخت ابنة فيروز، ~~ولحق الفل بشوخر، فأعلموه بمصاب فيروز وجنوده، فاستنهض شوخر الناس للطلب ~~بثأر ملكهم، فخف له جميع الناس من الجنود وأهل البلاد، فسار في جموع كثيرة ~~حتى وغل في بلاد الترك، وهاب أخشوان ملك الترك الإقدام على شوخر لكثرة ~~جموعه وعدته، فأرسل إليه يسأله الموادعة على أن يرد عليه الموبذ وفيروز دخت ~~وكل أسير في يده، وجميع ما أخذ من أموال فيروز وخزائنه وآلاته، فأجابه شوخر ~~إلى ذلك، وقبضه، وانصرف إلى بلاده وأرضه. # PageV00P060 ### | (أبناء فيروز) # فملك بعد فيروز ابنه بلاس بن فيروز، فملك أربع سنين، ثم ~~مات، فجعل شوخر الملك من بعده لأخيه قباذ بن فيروز. قالوا: وفي ملك قباذ بن ~~فيروز مات ربيعة بن نصر اللخمي، ورجع الملك إلى حمير. ### | (ذو نواس واليمن) # فوليهم ذو نواس، واسمه زرعة بن زيد بن كعب كهف الظلم بن ~~زيد بن سهل بن عمرو بن قيس بن جشم بن وائل بن عبد شمس بن الغوث بن جدار بن ~~قطن ابن عريب بن الرائش بن حمير بن سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وإنما ~~سمي ذا نواس لذؤابه (1) كانت تنوس (2) على رأسه. # قالوا: وكان لذي نواس بأرض اليمن نار يعبدها هو وقومه، وكان يخرج من تلك ~~النار عنق يمتد فيبلغ مقدار ثلاثة فراسخ، ثم ترجع إلى مكانها، ms043 ثم إن من كان ~~باليمن من اليهود قالوا لذي نواس: أيها الملك، إن عبادتك هذه النار باطلة، ~~وإن أنت دنت بديننا أطفأناها بإذن الله تعالى، لتعلم أنك على غرر من دينك، ~~فأجابهم إلى الدخول في دينهم إن هم أطفئوها، فلما خرجت تلك العنق أتوا ~~بالتوراة، ففتحوها، وجعلوا يقرؤونها، والنار تتأخر حتى انتهوا إلى البيت ~~الذي هي فيه، فما زالوا يتلون التوراة حتى انطفأت، فتهود ذو نواس، ودعا أهل ~~اليمن إلى الدخول فيها، فمن أبي قتله. # ثم سار إلى مدينة نجران (3) ليهود من فيها من النصارى، وكان بها قوم على ~~دين المسيح الذي لم يبدل، فدعاهم إلى ترك دينهم والدخول في اليهودية، ~~فأبوا، فأمر بملكهم، وكان اسمه عبد الله بن التامر، فضربت هامته بالسيف، ثم ~~أدخل # PageV00P061 # في سور المدينة، فضم عليه، وخد للباقين أخاديد (1)، فأحرقهم فيها، فهم ~~أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله عز اسمه في القرآن (2) . ### | (الحبش واليمن) ~~وأفلت دوس ذو ثعلبان، فسار إلى ملك الروم، فأعلمه ما صنع ذو نواس بأهل دينه ~~من قتل الأساقفة، وإحراق الإنجيل، وهدمه البيع، فكتب إلى النجاشي ملك ~~الحبشة، فبعث بأرياط في جنود عظيمة، وركب البحر حتى خرج على ساحل عدن، وسار ~~إليه ذو نواس، فحاربه، فقتل ذو نواس، ودخل أرياط صنعاء، واسمها (دمار)، ~~وإنما صنعاء كلمة حبشية، أي وثيق حصين، فبذلك سميت صنعاء. # فلما اطمأن أرياط وقتل اليهود وضبط اليمن، درت عليه الأموال، فجعل يؤثر ~~بها من يحب، فغضب حاشية الحبشة من ذلك، فأتوا أبا يكسوم أبرهة ، وكان أحد ~~قادتهم، فشكوا إليه الذي يصنع أرياط، وبايعوه. # وانصرفت الحبشة فرقتين، إحداهما مع أرياط، والأخرى مع أبرهة، واصطفوا ~~للحرب، فدعاه أبرهة للبراز، فبرز إليه، فدفع أرياط عليه حربته، فوقعت في ~~وجه أبرهة، فشرمته، ولذلك سمي الأشرم، وضرب أبرهة أرياط بالسيف على مفرق ~~رأسه، فقتله، وانحازت الحبشة إليه، فملكهم، وأقره النجاشي على سلطان اليمن، ~~فمكث على ذلك أربعين عاما. # وبنى بصنعاء بيعة لم ير الناس مثلها، وآذن في جميع أرض اليمن أن تحجها، ~~فاستفظعت العرب ذلك، فدخل ms044 رجل من أهل تهامة ليلا، فأحدث فيها، فلما أصبح ~~القوم نظروا إلى السوأة السوآء في الكنيسة، فقال أبرهة: من تظنونه فعل هذا؟ ~~قالوا: لم يفعله إلا بعض من غضب للبيت الذي بمكة، لما أمرت بحج # PageV00P062 # هذه البيعة، فغضب أبرهة عند ذلك غضبا شديدا، وتجهز للمسير إلى مكة ليهدم ~~الكعبة، فأرسل إلى النجاشي، فبعث إليه بفيل كالجبل الراسي، يقال له محمود، ~~فسار إلى مكة، فكان من أمره ما قد قصة الله في سورة الفيل. ### | (الحبشان وهدم الكعبة) # قالوا: ولما أهلك الله أبرهة خلفه في ملكه بأرض ~~اليمن ابنه يكسوم بن أبرهة، فكان شرا من أبيه وأخبث سيرة، فلبث على اليمن ~~تسع عشرة سنة ثم مات. فملك من بعده أخوه مسروق، وكان شرا من أخيه، وأخبث ~~سيرة. ### | (سيف بن ذي يزن) # فلما طال ذلك على أهل اليمن خرج سيف بن ذي يزن الحميري ~~من ولد ذي نواس حتى أتى قيصر، وهو بأنطاكية (1)، فشكى إليه ما هم فيه من ~~السودان، وسأله أن ينصرهم وينفيهم عن أرضهم، ويكون ملك اليمن له، فقال ~~قيصر: # أولئك هم على ديني، وأنتم عبدة أوثان، فلم أكن لأنصركم عليهم. # فلما يئس منه توجه إلى كسرى، فقدم الحيرة على النعمان بن المنذر، فشكى ~~إليه أمره، فقال له النعمان: ما كان سبب إخراج جدنا ربيعة بن نصر إيانا عن ~~أرض اليمن، وإسكاننا بهذا المكان إلا لهذا الشأن فأقم، فإن لي وفادة في كل ~~عام إلى الملك كسرى بن قباذ، وقد حان ذلك، فإذا خرجت أخرجتك معي، واستأذنت ~~لك، وتشفعت لك إليه فيما قصدت له، ففعل واستأذن، وتشفع، فوجه كسرى بجيش ممن ~~كان في السجون، وأمر # PageV00P063 # عليهم رجلا منهم، يقال له وهرز بن الكامجار، وكان شيخا كبيرا، قد أناف ~~على المائة، وكان من فرسان العجم، وإبطالها، ومن أهل البيوتات والشرف، وكان ~~أخاف السبيل، فحبسه كسرى. # فسار وهرز بأصحابه إلى الأبلة (1)، فركب منها البحر، ومعه سيف بن ذي يزن، ~~حتى خرجوا بساحل عدن، وبلغ الخبر مسروقا، فسار إليهم، فلما التقوا وتواقفوا ~~للحرب أسرع ms045 له وهرز بنشابة، فرماه، فلم يخطئ بين عينيه، وخرجت من قفاه، وخر ~~ميتا، وانفض جيشه، ودخل وهرز صنعاء، وضبط اليمن، وكتب إلى كسرى بالفتح، ~~فكتب إليه كسرى، يأمره بقتل كل أسود باليمن، وبتمليك سيف عليها، وبالإقبال ~~إليه، ففعل. وإن بقايا من السودان قد كان سيف استبقاهم، وضمهم إلى نفسه، ~~يجمزون (2) بين يديه إذا ركب، شدوا على سيف يوما، وهم بين يديه في موكبه، ~~فضربوه بحرابهم حتى قتلوه. ### | (الفرس واليمن) # فرد كسرى وهرز إلى أرض اليمن، وأمره ألا يدع بها أسود ولا ~~من ضربت فيه السودان إلا قتله، فأقام بها خمسة أحوال، فلما أدركه الموت دعا ~~بقوسه ونشابة، ثم قال: أسندوني، ثم تناول قوسه، فرمى، وقال: انظروا حيث ~~وقعت نشابتي، فابنوا لي هناك ناووسا، واجعلوني فيه، فوقعت نشابته من وراء ~~الكنيسة، وسمي ذلك المكان إلى اليوم (مقبرة وهرز)، ثم وجه كسرى إلى أرض ~~اليمن بادان، فلم يزل ملكا عليها إلى أن قام الإسلام. # قالوا: وكان قباذ عندما أفضى إليه الملك حدث السن من أبناء خمس عشرة سنة، ~~غير أنه كان حسن المعرفة، ذكي الفؤاد، رحيب الذراع، بعيد الغور، فولى شوخر ~~أمر المملكة، فاستخف الناس بقباذ، وتهاونوا به لاستيلاء شوخر # PageV00P064 # على الأمر دونه، فأغضي قباذ على ذلك خمس سنين من ملكه، ثم أنف من ذلك، ~~فكتب إلى سابور الرازي من ولد مهران الأكبر، وكان عامله على بابل وخطرنية ~~(1)، أن يقدم عليه فيمن معه من الجنود، فلما قدم أفشى إليه ما في نفسه، ~~وأمره بقتل شوخر، فغدا سابور على قباذ، فوجد شوخر عنده جالسا، فمشى نحو ~~قباذ مجاوزا لشوخر، فلم يأبه له شوخر حتى أوهقه سابور، فوقع الوهق (2) في ~~عنقه، ثم اجتره حتى أخرجه من المجلس، فأثقله حديدا، واستودعه السجن، ثم أمر ~~به قباذ، فقتل. ### | (الديانة المزدكية) # فلما مضى لملك قباذ عشر سنين أتاه رجل من أهل إصطخر، ~~يقال له مزدك، فدعاه إلى دين المزدكية، فمال قباذ إليها، فغضبت الفرس من ~~ذلك غضبا شديدا، وهموا بقتل قباذ، فاعتذر إليهم، فلم يقبلوا عذره، وخلعوه ms046 ~~من الملك، وحبسوه في محبس، ووكلوا به، وملكوا عليهم جاماسف بن فيروز أخا ~~قباذ. # وإن أخت قباذ اندست لقباذ حتى أخرجته بحيلة، فمكث أياما مستخفيا إلى أن ~~أمن الطلب، ثم خرج في خمس نفر من ثقاته، فيهم زرمهر بن شوخر نحو الهياطلة ~~(3)، يستنصر ملكها، فأخذ طريق الأهواز، فانتهى إلى أرمشير، ثم صار إلى قرية ~~في حد الأهواز وأصبهان، فنزلها متنكرا، وكان نزوله عند دهقانها (4)، فنظر ~~قباذ إلى بنت لصاحب منزله، ذات جمال، فوقعت بقلبه، فقال لزرمهر بن شوخر: ~~(إني قد هويت هذه الجارية، ووقعت بقلبي، فانطلق إلى أبيها، فاخطبها علي، ~~ففعل. # PageV00P065 # فأرسل قباذ إلى الجارية بخاتمه، وجعل ذلك مهرها، فهيئت وأدخلت عليه، فخلا ~~بها قباذ، وسر بها سرورا شديدا لما ألفاها ذات عقل وجمال وأدب وهيئة، فأقام ~~عندها ثلاثا، ثم أمرها بحفظ نفسها، وخرج سائرا حتى ورد على صاحب الهياطلة، ~~فشكا إليه صنيع رعيته به، وسأله أن يمده بجيش ليسترجع ملكه، فأجابه إلى ~~ذلك، وشرط عليه أن يسلم له حيز الصغانيان، ووجه معه ثلاثين ألف رجل. # فأقبل بهم يريد أخاه، فأخذ على طريقه الذي شخص فيه بديئا حتى نزل القرية ~~التي تزوج فيها بتلك المرأة، فنزل على أبيها، وسأله عنها، فأخبره أنها ولدت ~~غلاما، فأمر بإدخالها عليه مع ابنها، فدخلت ومعها الغلام، فابتهج به، ورآه ~~كأجمل ما يكون من الغلمان، فسماه كسرى، وهو كسرى أنوشروان الذي تولى الملك ~~من بعده، فقال لزرمهر: (اخرج، فسل لي عن هذا الرجل أبي الجارية هل له قديم ~~شرف؟)، فسأل عنه، فأخبر انهم من ولد فريدون الملك، ففرح بذلك قباذ، وأمر ~~بالجارية وابنها، فحملا معه. # ولما انتهى إلى مدينة طيسفون تلاومت العجم فيما بينها، وقالوا: (إن قباذ ~~تنصل إلينا من شأن مزدك، ورجع عما كنا اتهمناه، فلم نقبل ذلك منه، وظلمناه ~~حقه، وأسأنا إليه)، فخرجوا إليه جميعا، وفيهم (جاماسف) أخوه الذي ملكوه، ~~فاعتذروا إليه، فقبل ذلك منهم، وصفح عن أخيه جاماسف، وعنهم، وأقبل فدخل قصر ~~المملكة، ووصل الجيش الذي أقبل بهم، وأجازهم، وأحسن إليهم، وردهم ms047 إلى ~~ملكهم، وأمر بالجارية، فأنزلت في أفضل مساكنه. # ثم إن قباذ تجهز وسار في جنوده، غازيا بلاد الروم، فافتتح مدينة آمد ~~وميافارقين، وسبى أهلها، وأمر فبنيت لهم مدينة فيما بين فارس والأهواز، ~~فأسكنهم فيها، وسماها إيرقباذ، وهي أستان الأعلى، وجعل لها أربعة طساسيج: # طسوج (1) الأنبار، وكان منها هيت وعانات (2)، فضمها يزيد بن معاوية حين ~~ملك # PageV00P066 # إلى الجزيرة، وطسوج بادوريا، وطسوج مسكن، وكور كورة بهقباذ الأوسط، ~~وبهقباذ الأسفل، وضم إليها ثمانية طساسيج، لكل كورة أربعة طساسيج، وهي ~~الأستانات (1)، وشق كورة (2) أصبهان كورتين، شق جى ، وشق التيمرة (3) وكان ~~لقباذ عدة من الأولاد، لم يكن فيهم آثر عنده من كسرى، لاجتماع الشرف فيه، ~~غير أنه كان به ظنة، أي سيئ الظن، فلم يكن قباذ يحمده عليها، فقال له ذات ~~يوم: (يا بني قد كملت فيك الخصال التي هي جماع أمور الملك، غير أن بك ظنة، ~~وأن الظنة في غير موضعها داعية الأوزار، ومحبطة للأعمال) فاعتذر كسرى إلى ~~أبيه مما وقع في قلبه من ذلك، واستصلح نفسه عنده. ### | (كسرى أنو شروان) # فلما أتى للملك قباذ ثلاث وأربعون سنة حضره الموت، ففوض ~~الأمر إلى ابنه، وهو أنوشروان (4)، فملك بعد أبيه، وأمر بطلب (مزدك بن ~~مازيار) الذي زين للناس ركوب المحارم، فحرض بذلك السفل على ارتكاب السيئات، ~~وسهل للغصبة الغصب، وللظلمة الظلم، فطلب حتى وجد، فأمر بقتله وصلبه، وقتل ~~من كان في ملته. # ثم قسم كسرى أنوشروان المملكة أربعة أرباع، وولى كل ربع رجلا من ثقاته، ~~فأحد الأرباع: خراسان، وسجستان، وكرمان، والثاني: أصبهان، وقم، والجبل، ~~وآذربيجان، وأرمينية، والثالث: فارس، والأهواز إلى البحرين، والرابع: ~~العراق إلى حد مملكة الروم. وبلغ كل رجل من هؤلاء الأربعة غاية الشرف ~~والكرامة. # PageV00P067 # ووجه الجيوش إلى بلاد الهياطلة، وافتتح تخارستان وزابلستان (1)، ~~وكابلستان والصغانيان. # وإن ملك الترك سنجبو خاقان جمع إليه أهل المملكة، واستعد، وسار نحو أرض ~~خراسان حتى غلبا على الشاش (2)، وفرغانة، وسمرقند، وكش (3) ونسف (4) ، ~~وانتهى إلى بخارى . وبلغ ذلك كسرى، فعقد لابنه هرمز، الذي ملك من بعده، على ~~جيش كثيف، ووجهه ms048 لمحاربة خاقان التركي، فسار حتى إذا قرب منه خلى ما كان ~~غلب عليه، ولحق ببلاده، فكتب كسرى إلى ابنه هرمز بالانصراف. ### || (دولتا الفرس والروم في عهد كسرى) # قالوا: وإن خالد بن جبلة الغساني غزا ~~النعمان بن المنذر، وهو المنذر الأخير، وكانا منذرين، ونعمانين، فالمنذر ~~الأول هو الذي قام بأمر بهرام جور، والمنذر الثاني الذي كان في زمان كسرى ~~أنوشروان، وكانوا عمال كسرى على تخوم أرض العرب، فقتل من أصحاب المنذر ~~مقتلة عظيمة، واستاق إبل المنذر وخيله، فكتب المنذر إلى كسرى أنوشروان ~~يخبره بما ارتكب منه خالد بن جبلة. # فكتب كسرى إلى قيصر: أن يأمر خالدا بإقادة المنذر و (من) (5) قتل من ~~أصحابه، ورد ما أخذ من أمواله، فلم يحفل قيصر بكتابة، فتجهز كسرى لمحاربته، ~~فسار حتى أوغل في بلاد الجزيرة، وكانت إذ ذاك في يد الروم، فاحتوى على ~~مدينة # PageV00P068 # دارا (1) ومدينة الرها (2) ومدينة قنسرين (3) ومدينة منبج (4) ومدينة حلب ~~حتى انتهى إلى أنطاكية، فأخذها، وكانت أعظم مدينة في الشام والجزيرة، وسبى ~~أهل أنطاكية، وحملهم إلى العراق، وأمر، فبنيت لهم مدينة إلى جانب طيسفون، ~~على بناء مدينة أنطاكية، بأزقتها، وشوارعها، ودورها، لا يغادر منها شيئا، ~~وسماها (زبر خسرو) وهي المدينة التي إلى جانب المدائن، تسمى الرومية، ثم ~~سرحوا فيها، فانطلق كل إنسان منها إلى مثل داره بمدينة أنطاكية، وولي ~~القيام بأمرهم رجلا من نصارى الأهواز، يقال له يزدفنا. # وإن قيصر كتب إلى كسرى يسأله الصلح، ورد ما احتوى عليه من هذه المدن، على ~~أن يؤدي إليه ضريبة موظفة عليه في كل عام وكره كسرى البغي، فأجابه إلى ما ~~بذل، ووكل بقبضه وتوجيهه إليه في كل عام شروين الدستباى، فأقام مع ملك ~~الروم هناك ومعه (خزين) مملوكه المشهور الخبر، وكان نجدا فارسا بطلا. # ولما قفل كسرى منصرفا من أرض الشام أصابه مرض شديد، فمال إلى مدينة حمص، ~~فأقام بها في جنوده إلى أن تماثل، فكان قيصر يحمل إليه كفاية عسكره إلى أن ~~شخص. # قالوا: وكان لكسرى أنوشروان ابن يسمى أنوش زاذ، كانت أمه ms049 نصرانية، ذات ~~جمال، وكان كسرى معجبا بها، وأرادها على ترك النصرانية ولدخول # PageV00P069 # في المجوسية، فأبت، فورث ذلك منها ابنها أنوش زاذ وخالف أباه في الديانة، ~~فغضب عليه، وأمر بحبسه في مدينة جنديسابور. # فلما غزا كسرى بلاد الشام بلغ أنوش زاذ مرضه ومقامه بحمص، استغوى أهل ~~الحبس، وبث رسله في نصارى جنديسابور، وسائر كور الأهواز، وكسر السجن، وخرج، ~~واجتمع إليه أولئك النصارى، فطرد عمال أبيه من كور الأهواز، واحتوى على ~~الأموال، وأشاع بموت أبيه، وتهيأ للمسير نحو العراق. # وكتب خليفته بمدينة طيسفون يعلمه خبر ابنه، وما خرج إليه، فكتب إليه ~~كسرى: (وجه إليه الجنود، وأكمش في حربه، واحتل لأخذه، فإن يأت القضاء عليه، ~~فيقتل، فأهون دم، وأضيع نفس، واللبيب يعلم أن الدنيا لا يخلص صفوها، ولا ~~يدوم عفوها، ولو كان شئ يسلم من شائبة إذن لكان الغيث الذي يحيي الأرض ~~الميتة، ولكان النهار الذي يأتي الناس رقودا فيبعهم، وعميا فيضئ لهم، فكم ~~مع ذلك من متأذ بالغيث ومتداع عليه من البنيان، وكم في سيوله وبروقه من ~~هالك، وكم في هواجر النهار من ضرر وفساد، فاستأصل الثؤلول (1) الذي نجم ~~بحدك، ولا يهولنك كثرة القوم، فليست لهم شوكة تبقى، وكيف تبقى النصارى وفي ~~دينهم: أن الرجل منهم إن لطم خده الأيسر أمكن من الأيمن؟!، فإن استسلم أنوش ~~زاذ وأصحابه فرد من كان منهم في المحابس إلى محابسهم، ولا تزدهم على ما ~~كانوا فيه من ضيق ونقص المطعم والملبس، ومن كان منهم من الأساورة (2) فاضرب ~~عنقه، ولا يكن منك عليهم رأفة، ومن كان منهم من سفل الناس وأوغادهم، فخل ~~سبيلهم، ولا تعرض لهم، وقد فهمت ما ذكرت مما كان منك في نكال القوم الذين ~~أظهروا شتم أنوش زاذ، وذكروا أمه، فاعلم أن أولئك ذوو أحقاد كامنة وعداوة ~~باطنة، فجعلوا شتم # PageV00P070 # أنوش زاذ ذريعة لشتمنا، ومرقاة إلى ذكرنا، وقد وفقت في تأديبك إياهم، فلا ~~ترخص لأحد في مثل مقالتهم، والسلام) . ثم إن كسرى عوفي من مرضه، فانصرف في ~~جنوده إلى دار ملكه، وقد أخذ ابنه ms050 أنوش زاذ أسير، وانتهى فيه إلى ما أمر ~~به. ### || (الخراج في عهد كسرى) # قالوا: وكانت ملوك الأعاجم يضعون على غلات الأرضين ~~شيئا معروفا من المقاسمات: النصف، والثلث، والربع، والخمس إلى العشر، على ~~قدر قرب الضياع من المدن، وعلى حسب الزكاء والريع، فهم قباذ بإسقاط ذلك، ~~ووضع الخراج، فمات قبل أن يستتم المساحة، فأمر كسرى أنوشروان باستتمامها. # فلما فرغ منها أمر الكتاب ففصلوها، ووضعوا عليها الوضائع، ووظف الجزية ~~على أربع طبقات، وأسقطها عن أهل البيوتات والمرازبة (1) والأساورة (2) ~~والكتاب، ومن كان في خدمة الملك، ولم يلزم أحدا لم يأت له عشرون سنة، أو ~~جاز الخمسين. وكتب تلك الوضائع في ثلاث نسخ، نسخة خلدها ديوانه، ونسخة بعث ~~بها إلى ديوان الخراج، ونسخة دفعت إلى القضاء في الكور، ليمنعوا العمال من ~~اعتداء ما في الدستور الذي عندهم، وأمر أن يجبي الخراج في ثلاثة أنجم، وسمي ~~الدار التي يجبى فيها ذلك (سراي شمرة)، وتفسيره دار الثلاثة الأنجم، وهي ~~التي تعرف بالشمرج اليوم، وقد قيل في تفسير ذلك غير هذا، أي إنما هي دار ~~الحساب، والحساب شمرة، وهذا كلام معروف في لغة فارس إلى اليوم، يسمون ~~الخراج الشمرة بالشين على معنى الحساب، ورفع خراج الرؤوس عن الفقراء ~~وألزمني، وكذلك خراج الغلات، ورفعه عما نالته # PageV00P071 # الآفة على قدر ما أصاب منها، ووكل بكل ذلك قوما ثقاتا، ذوي عدالة، ~~ينفذونه، ويحملون الناس منه على النصفة. # ولم يكن في ملوك العجم ملك كان أجمع لفنون الأدب والحكم، ولا أطلب للعلم ~~منه، وكان يقرب أهل الآداب والحكمة، ويعرف لهم فضلهم، وكان أكبر علماء عصره ~~بزرجمهر بن البختكان، وكان من حكماء العجم وعقلائهم، وكان كسرى يفضله على ~~وزرائه وعلماء دهره. # وكان كسرى ولى رجلا من الكتاب نبيها معروفا بالعقل والكفاية، يقال له ~~بابك بن النهروان، ديوان الجند، فقال لكسرى: (أيها الملك، إنك قد قلدتني ~~أمرا، من صلاحه أن تحتمل لي بعض الغلظة في الأمور: عرض الجنود في كل أربعة ~~أشهر، وأخذ كل طبقة بكمال آلاتها، ومحاسبة المؤدبين على ما يأخذون على ms051 ~~تأديب الرجال بالفروسية والرمي، والنظر في مبالغتهم في ذلك وتقصيرهم، فإن ~~ذلك ذريعة إلى إجراء السياسة مجاريها. # فقال كسرى: ما المجاب بما قال بأحظى من المجيب، لاشتراكهما في فضله، ~~وانفراد المجيب بعد بالراحة، فحقق مقالتك، وأمر، فبنيت له في موضع العرض ~~مصطبة (1)، وبسط له عليها الفرش الفاخرة، ثم جلس، ونادى مناديه: لا يبقين ~~أحد من المقاتلة إلا حضر العرض، فاجتمعوا، ولم ير كسرى فيهم، فأمرهم، ~~فانصرفوا. وفعل ذلك في اليوم الثاني، ولم ير كسرى فانصرفوا، فنادى في اليوم ~~الثالث: أيها الناس، لا يتخلفن من المقاتلة أحد، ولا من أكرم بالتاج ~~والسرير، فإنه عرض لا رخصة فيه ولا محاباة. # وبلغ كسرى ذلك، فتسلح سلاحه، ثم ركب فاعترض على بابك، وكان # PageV00P072 # الذي يؤخذ به الفارس تجفافا (1)، ودرعا وجوشنا (2)، وبيضة، ومغفرا (3) ~~وساعدين، وساقين، ورمحا، وترسا، وجرزا (4)، يلزمه منطقته، وطبرزينا وعمودا، ~~وجعبة فيها قوسان بوتريهما، وثلاثين نشابة، ووترين ملفوفين، يعلقهما الفارس ~~في مغفره ظهريا، فاعترض كسرى على بابك بسلاح تام، خلا الوترين اللذين ~~يستظهر بهما، فلم يجز بابك على اسمه، فذكر كسرى الوترين، فعلقهما في مغفره، ~~واعترض على بابك فأجاز على اسمه، وقال: لسيد الكماة أربعة آلاف درهم ودرهم. ~~وكان أكثر من له من الرزق، أربعة آلاف درهم، ففضل كسرى بدرهم، فلما قام ~~بابك من مجلسه دخل على كسرى، فقال: أيها الملك، لا تلمني على ما كان من ~~إغلاظي، فما أردت به إلا الدربة للمعدلة والإنصاف، وحسم المحاباة. # قال كسرى: (ما غلظ علينا أحد فيما يريد به إقامة أودنا أو صلاح ملكنا إلا ~~احتملنا له غلظته كاحتمال الرجل شرب الدواء الكريه لما يرجو من منفعته). ~~قالوا: وكانت كسكر كورة صغيرة، فزاد كسرى أنوشروان فيها من كورة بهرسير ~~وكورة هرمزدخره، وكورة ميسان، فوسعها بذلك، وجعلها طسوجين (5)، طسوج ~~جنديسابور، وطسوج الزندورد، وكور بجوخى كورة خسروماه، وجعل لها ستة طساسيج، ~~طسوج طيسفون، وهي المدائن، وطيسفون قرية على دجلة أسفل من قباب حميد بثلاثة ~~فراسخ، يقال لها بالنبطية طيسفونج، وطسوج جازر، وطسوج كلواذى، وطسوج نهر ~~بوق، وطسوج جلولاء، ms052 وطسوج نهر الملك. # PageV00P073 ### | (تاريخ العجم والتاريخ النبوي) # وولد رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر ~~ملك أنوشروان، فأقام بمكة إلى أن بعث بعد أربعين سنة، منها سبع سنين بقيت ~~من ملك أنوشروان، وتسع عشرة سنة ملكها هرمز بن كسرى أنوشروان، وبعث وقد مضى ~~من ملك كسرى أبرويز ست عشرة سنة، فأقام بمكة في نبوته صلى الله عليه وسلم ~~وعلى عترته (1) ثلاث عشرة سنة، وهاجر إلى المدينة، وقد مضى من ملك أبرويز ~~تسع وعشرون سنة، فأقام بالمدينة عشر سنين، وتوفى صلى الله عليه وعلى آله ~~وسلم تسليما بعد موت كسرى أبرويز، فكان عمره صلى الله عليه وسلم ثلاثا ~~وستين سنة. # وزعموا أن بنات آوى ظهرت بالعراق في آخر ملك أنوشروان، وكانت سقطت إليها ~~من بلاد الأتراك، واستفظع الناس ذلك، وتعجبوا منه، وبلغ ذلك كسرى فقال ~~للموبذ (2): (قد كثر تعجبي من هذه السباع التي غزت أرضنا) فقال الموبذ: ~~(بلغني أيها الملك فيما يؤثر من أخبار الأولين، أن كل أرض يغلب جورها عدلها ~~تغزوها السباع). فلما سمع ذلك ارتاب بسيرة عماله، فوجه ثلاثة عشر رجلا من ~~أمنائه الذين لا يكتمونه شيئا إلى آفاق مملكته متنكرين، لا يعرفون، ~~فانصرفوا، فأخبروه عن سوء سيرة عماله ما غمه، فأرسل إلى تسعين رجلا منهم، ~~ذكروا بسوء السيرة، فضرب أعناقهم، فضبط عماله أنفسهم، ولزموا عدل السيرة. ### | (ملك هرمزد) # وكان لكسرى أنوشروان عدة بنين، وكانوا جميعا أولاد سوقة ~~وإماء إلا ابنه هرمزد بن كسرى الذي ملك بعده، فإن أمه كانت ابنة خاقان ~~الترك، وأم أمه # PageV00P074 # خاتون الملكة، فعزم أبوه على تمليكه من بعده، فوضع عليه عيونا، يأتونه ~~بأخباره، فكان يأتيه عنه ما يحبه، فكتب له عهدا، واستودعه رئيس نساكهم في ~~دينهم، فلما تم لملكه ثمان وأربعون سنة مات. # فلما مات أنوشروان ملك ابنه هرمزد بن كسرى، فقال يوم ملك: (الحلم عماد ~~الملك، والعقل عماد الدين، والرفق ملاك الأمر، والفطنة ملاك الفكرة، أيها ~~الناس، إن الله خصنا بالملك، وعمكم بالعبودية، وكرم ملكتنا فأعتقكم بها، ~~وأعزنا، وأعزكم بعزنا، وقلدنا الحكومة ms053 فيكم، وألزمكم الانقياد لأمرنا، وقد ~~أصبحتم فرقتين: إحداهما أهل قوة، والأخرى أهل ضعة، فلا يستأكلن منكم قوي ~~ضعيفا، ولا يغشن ضعيف قويا، ولا تتوقن نفس أحد من الغلبة إلى ضيم أحد من ~~أهل الضعة، فإن في ذلك وهنا لملكنا، ولا يرو من أهل من أهل الضعة الآخذ ~~بمأخذ الغلبة، فإن في ذلك انتثار ما نحب نظامه وزوال ما نحاول قوامه، وفوت ~~ما نحاول دركه، واعلموا أيها الناس، أن من سوسنا العطف على الأقوياء من ~~الغلبة، ورفع مراتبهم، والرحمة على الضعفاء، والذب عنهم، وحسم الأقوياء عن ~~ظلمهم والتعدي عليهم، واعلموا أيها الناس أن حاجتكم إلينا في نفس حاجتنا ~~إليكم، وحاجتنا إليكم هي مسد لحاجتكم إلينا، وأن الثقيل مما أنتم منزلوه ~~بنا من أموركم عندنا خفيف، والخفيف مما نحن مجشموكم ثقيل لعجزكم عما نحن ~~مضطلعون به، واضطلاعنا لما أنتم عنه عاجزون، وإنما تحمدون حسن ملكتنا ~~إياكم، وفضل سيرتنا فيكم إذا حسمتم أنفسكم عما نهيناكم عنه، ولزمتم ما ~~أمرناكم به. # أيها الناس، ميلوا بين الأمور المتشابهات، ولا تسموا النسك رياء، ولا ~~الرياء مراقبة، ولا الشرارة شجاعة، ولا الظلم حزما، ولا رحمة الله نقمة، ~~ولا مخوف الفوت هوينا، ولا البر بالقربى ملقا، ولا العقوق موجدة، ولا الشك ~~براء، ولا الإنصاف ضعفا، ولا الكرم معجزة، ولا التبرم عادة، ولا الأخذ ~~PageV00P075 # بالفضل ذلا، ولا الأدب عقلا، ولا العماية غفلة، ولا الغدر ضرورة، ولا ~~النزاهة تضييعا، ولا التصنع عفافا، ولا الورع رهبة، ولا الحذر جبنا، ولا ~~الشره اجتهادا، ولا الجناية غنما، ولا القصد تقتيرا، ولا البخل اقتصادا، ~~ولا السرف توسعا، ولا السخاء سرفا، ولا الصلف بعد همة، ولا النبل صلفا، ولا ~~البذخ تجلدا، ولا الحرمان استحقاقا، ولا رفع الأنذال صنيعة، ولا المجون ~~ظرفا، ولا التخلف تثبتا، ولا التثبت بلاده، ولا النميمة وسيلة، ولا السعاية ~~دركا، ولا اللين ضعفا، ولا الفحش انتصافا، ولا الهذر (1) بلاغة، ولا ~~البلاغة تفقيعا (2)، ولا الميل في هوى الأشرار شكرا، ولا المداهنة مواتاة، ~~ولا الإعانة على الظلم حفاظا. ولا الزهو مروءة، ولا اللهو فكاهة، ms054 ولا الحيف ~~استقصاء، ولا الاستطالة عزا، ولا حسن الظن تفريطا، ولا إيطاء العشوة نصيحة، ~~ولا الغش كيسا، ولا الرياء تعطفا، ولا التواني تؤدة، ولا الحياء مهابة، ولا ~~السفه صرامة، ولا الدغل (3) استقامة، ولا البغي استعاذة، ولا الحسد شفاء، ~~ولا العجب كمالا، ولا الفتك حمية، ولا الحقد مكرمة، ولا الضيق احتياطا، ولا ~~التعسف انكماشا، ولا النزق تيقظا، ولا الأدب حرفة، ولا المعاتبة مفاسدة، ~~ولا بعد القدر سموا، ولا مجاري التقادير أسباب الذنوب، ولا ما لا يكون ~~كائنا، ولا كائنا ما لا يكون. # اجتنبوا المرذولات من هذه الأمور المتشابهات، وثابروا على ما تحظون به ~~عندنا، فإن وقوفكم عند أمرنا منجاة لكم من سخطنا، وتنكبكم معصيتنا سلامة ~~لكم من عقابنا، فأما العدل الذي نحن عليه مقتصرون، وبه نصلح وتصلحون، فأنتم ~~فيه عندنا مستوون، ستعرفون ذلك إذا قمعنا أهل القوة عن أهل الضعف، وتولينا ~~بأنفسنا أمر المضطهدين الملهوفين، وأخضعنا أهل الضعة لأهل العلا بإنزالنا ~~إياهم منازلهم، ورددنا من رام من أهل الضعة مرتبة لا يستوجبها إلا ~~المستحقون منهم الحباء والشرف لنجدة توجد عنده، أو بلاء حسن يظهر منه. # PageV00P076 # واعلموا أيها الناس، أنا فارقون بين سوطنا وسيفنا، ومستعملوهما بتثبت ~~وحسن روية، فمن غمط نعمتنا وخالف أمرنا، وحاول ما نهيناه عنه، فإنا لا نكاد ~~نصلح رعايانا، ونضبط أمورنا إلا بتنكيل من خالف أمرنا، وتعدى سيرتنا، وسعى ~~في فساد سلطاننا، ولا يطمعن أحد في رخصة منا، ولا يرجون هوادة عندنا، فإنا ~~غير مداهنين في حق الله الذي قلدنا، فوطنوا أنفسكم على إحدى خلتين: إما ~~استقامة بما تصلحون، وإما مخافة على ما تتلفون، فإن الصلاح حجتان معتدان ~~لكم عندنا من تدبير ملكنا، وضبطنا سلطاننا، فلا تستصغروا وعيدنا، وتهددنا، ~~ولا تحسبوا أن فعلنا يقصر عن قولنا، وإنما أحببنا أن نعلمكم رأينا في ~~اجتناب الرخص والمحاباة، وحرصنا على الاعتذار قبل الإيقاع، والأخذ بقصد ~~السيرة والعدل في الرعية، واختيار طاعتكم التي بها تكون ألفتكم واستقامتكم، ~~فثقوا بما بدأنا به من وعد، وخافوا ما أظهرنا من وعيد، ونحن نسأل الله أن ~~يعصمكم ms055 من استدراج الشيطان وضلاله، وأن يسددكم لما يقرب من طاعته، وبلوغ ~~مرضاته، والسلام عليكم) فلما سمع الناس ذلك تباشر به الضعفاء وأهل الضعة، ~~وفت ذلك في أعضاد العلية وساءهم، فتنكبوا ما كانوا فيه من الاستطالة على ~~الضعفاء، والقهر لأهل الضعة، وكان هرمزد ملكا متحريا لحسن السيرة، مثابرا ~~على استصلاح الرعية، رحيما بالضعفاء، شديدا على الأقوياء، وبلغ من عدله ~~وتحريه الحق أنه كان يسير في كل عام إلى أرض الماهين (1) فيصيف بها، وكان ~~يأمر عند مسيرة إليها مناديه، فينادي في عسكره أن يتحاموا الإضرار ~~بالدهاقين (2)، ويوكل بتعهد ذلك ومعاقبة من تعدى أمره فيه رجلا من ثقاته. # PageV00P077 # وكان ابنه كسرى الذي ملك من بعده، ويسمى أبرويز، معه في مسيرة، فعار (1) ~~ذات يوم مركب من مراكبه، فوقع في زرع على طريقه، فرتع فيه، وأفسد، فأخذ ~~صاحب الزرع ذلك المركب، فدفعه إلى الموكل بذلك الأمر، فلم يمكنه معاقبة ~~كسرى، فرقى أمره إلى أبيه، فأمر أن يجدع إذنا الفرس ، ويحذف ذنبه، ويغرم ~~ابنه مقدار مائة ضعف مما أفسد الفرس من ذلك الزرع. # فخرج الموكل بذلك من عند الملك لينفذ أمر الملك، فوجه كسرى رهطا من ~~المرازبة والأشراف إلى الموكل بذلك، ليسألوه التغييب عن ذلك ويدفع ألف ضعف ~~مما أفسد مركبه، لما في جدع أذن الفرس وتبتير ذنبه من الطيرة، فلم يجبهم ~~الموكل إلى ذلك، وأمر بالمركب فجدعت أذناه، وبتر ذنبه، وغرم كسرى ما أصاب ~~صاحب الزرع كنحو ما كان يغرم سائر الناس، فلم يكن للملك هرمزد بن كسرى همة ~~ولا نهمة إلا استصلاح الضعفاء، وإنصافهم من الأقوياء، فاستوى في ملكه القوي ~~والضعيف. # وكان هرمزد منصورا مظفرا لا يروم تناول شئ إلا ناله، لم يهزم له جيش قط، ~~وكان أكثر دهره غائبا عن المدائن. إما بالسواد متشتيا، وإما بالماه متصيفا. # فلما كانت سنة إحدى عشرة من ملكه حدق به الأعداء من كل وجه فاكتنفوه ~~اكتناف الوتر سيتي (2) القوس، أما من ناحية الشرق فإن شاهنشاه الترك أقبل ~~حتى صار إلى هراة (3)، وطرد عمال هرمزد، وأما من قبل ms056 المغرب فإن ملك الروم ~~أقبل حتى شارف (نصيبين) ليسترد آمد (4) وميافارقين (5) # PageV00P078 # ودارا ونصيبين (1)، وأما من قبل أرمينية فإن ملك الخزر أقبل حتى أوغل في ~~آذربيجان، فبث الغارات فيها. # فلما انتهى ذلك إلى هرمزد بدأ بقيصر، فرد عليه المدن التي كان أبوه ~~اغتصبه إياها، وسأله الصلح والموادعة، فأجابه قيصر إلى ذلك، فانصرف، ثم كتب ~~إلى عماله بأرمينية وآذربيجان، فاجتمعوا وصمدوا صمد صاحب الخزر، حتى نفوه ~~عن أرضه. # فلما فرغ من ذلك كله صرف همه إلى صاحب الترك، وكان أشد الأعداء عليه، ~~فكتب إلى بهرام بن بهرام جشنش، عامله على ثغر آذربيجان وأرمينية، وهو ~~الملقب ببهرام شوبين، يأمره بالقدوم عليه، فما لبث أن قدم، فأذن له، فدخل ~~عليه، فرفع مجلسه، وأظهر كرامته، وخلا به، وأخبره بالأمر الذي أراده له، من ~~التوجه إلى شاهنشاه الترك. # فسارع بهرام إلى طاعته واتباع أمره، فأمر هرمزد أن يسلط بهرام على بيوت ~~الأموال والسلاح، وأن يسلم إليه ديوان الجند، ليختار من أحب على عينه، ~~فأحضر بهرام الديوان، وجمع إليه المرازبة والأشراف، فانتخب اثني عشر ألف ~~رجل من الفرسان، ليس فيهم إلا من أناف الأربعين. # وبلغ ذلك الملك، فقال له: (لم لم تنتخب إلا هذا المقدار، وإنما تريد أن ~~تسير بهم إلى ثلاثمائة ألف رجل؟). فقال بهرام: (ألم تعلم أيها الملك أن ~~قابوس حين أسر فحبس في حصن ما سفري إنما سار إليه رستم في اثني عشر ألفا، ~~فاستنقذه من أيدي مائتي ألف، وأن إسفندياد إنما سار إلى ارجاسف ليطلب منه ~~الوتر الذي كان له عنده في اثني عشر ألفا، وإن (كيخسرو) إنما أرسل (جودرز) ~~ليطلب بدم أبيه سياوش في اثني عشر ألفا، فظهر على ثلاثمائة ألف؟ # فأي جيش لا يفل باثني عشر ألفا لا يفل بشئ أبدا). # PageV00P079 # فلما فصل بهرام بالجنود من المدائن ودعه الملك، وقال له: (إياك والبغي، ~~فإن البغي مصرعة بصاحبه، وعليك بالوفاء، فإن فيه نجاة لمحاوله، وإياك أن ~~تسير إلا على تعبية الحرب، فإذا نزلت فاحرس عسكرك بنفسك، وامنع جنودك من ~~العيث والفساد، وإياك ms057 أن تعزم حتى تروى، ولا تروى حتى تستشير أهل النصح ~~والأمانة)، ثم انصرف الملك، ومضى بهرام، فأخذ على طريق الأهواز. # وبلغ ملك الترك قدوم الجيش لمحاربته، وقد كان الملك هرمزد وجه إلى ملك ~~الترك رجلا من مرازبته يسمى هرمزد جرابزين، وكان من أدهى العجم، وأشدهم ~~خلابة وكيدا، وأمره أن يعلمه أنه رسول الملك، أرسله لمصالحته، وإعطائه ~~الرضا، فأتاه هرمزد جرابزين، فاستعمل فيها الخديعة، وكفه بها عن الفساد في ~~أرض خراسان، فلما علم هرمزد أن بهرام قد دنا من هراة خرج ليلا، فلحق ~~ببهرام. # ولما بلغ ملك الأتراك ورود الجيش قال لصاحب حرسه: انطلق فائتني بهذا ~~الفارس الخداع، فطلبوه، فوجدوه قد هرب في جوف الليل. # وخرج خاقان من مدينة هراة للقاء بهرام، وعلى مقدمته أربعون ألفا. # فلما التقوا أرسل إلى بهرام: أن انضم إلي حتى أملكك على إيران شهر، ~~وأجعلك أخص الناس بي. # فأرسل إليه بهرام كيف تملكني على إيران شهر، وإنما ملكها لأهل بيت فينا ~~لا يجوز أن يعدوهم إلى غيرهم، ولكن هلم إلى الحرب. # فغضب ملك الترك من ذلك، وأمر، فضرب بوق الحرب، وتزاحف الفريقان، وملك ~~الترك على سرير من ذهب فوق رابية، يشرف على الفريقين. # فلما استمرت الحرب قصد بهرام للتل في مائة فارس من إبطال جنوده، فانفض ~~عنه من حول ملك الترك، فلما رأى الملك ذلك دعا بمركبه، واستبان لبهرام، ~~PageV00P080 # فرماه بنشابة نفذته، فخر صريعا، وانهزم الأتراك، وقد كان شاهنشاه خلف على ~~ملكه ابنه (يلتكين) فلما أتاه مقتل أبيه استجاش (1) الترك، وأقبل في دهم ~~داهم من أمم الأتراك، وانضم إليه الفل. # وبلغ بهرام الخبر، فأرسل في أقطار خراسان، فاجتمع إليه بشر كثير فسار ~~مستقبلا ليلتكين، فالتقوا على شاطئ النهر الأعظم مما يلي الترمذ، وهاب كل ~~واحد منهما صاحبه، وجرت بينهما السفراء في الصلح. # وأرسل بهرام إليه (إنكم معاشر الخاقانية قتلتم ملكنا فيروز، فأهدرنا دمه، ~~وقبلنا الصلح منكم، فكذلك، فافعلوا بنا). فأجابه يلتكين إلى الصلح على حكم ~~هرمزد الملك، وأقاما بمكانهما. # فكتب بهرام إلى هرمزد بذلك، فكتب إليه ms058 هرمزد: أن توجه إلى يلتكين مكرما ~~في خاصة طراخنته (2) وعظماء جنوده. # فتوجه يلتكين إلى العراق، فلما دنا من المدائن خرج هرمزد ملتقيا له، ~~وترجل كل واحد منهما لصاحبه، وأظهر هرمزد إكرام يلتكين، وأنزله معه في ~~قصره، وأخذ كل واحد منهما عهدا وكيدا على صاحبه بالمسالمة ما بقيا، ثم أذن ~~له، فانصرف إلى مملكته. # ولما وغل في خراسان استقبله بهرام في جنوده، وسار معه إلى حد مملكته، ~~وانصرف بهرام حتى أتى مدينة بلخ، فنزلها، ووجه إلى الملك هرمزد ما كان غنمه ~~من عسكر شاهنشاه، ووجه إليه بذلك السرير الذهب، فبلغ ما وجه إليه وقر (3) ~~ثلاثمائة بعير. # فلما وصلت الغنائم إلى هرمزد، وعرضت عليه، وحوله وزراؤه وعظماء # PageV00P081 # مرازبته، قال يزدان جشنس رئيس وزرائه: (أيها الملك، ما كان أعظم المائدة ~~التي منها هذه اللقمة)، فوقعت هذه الكلمة في قلب هرمزد، وارتاب بأمانة ~~بهرام، وظن أن الأمر كما قال يزدان جشنس، فانظر كم داهية دهياء وحروب وبلاء ~~جرت هذه الكلمة. # ودخل هرمزد منها الغضب والغيظ على بهرام ما أنساه حسن بلائه، فأرسل إلى ~~بهرام بجامعة ومنطق امرأة ومغزل، وكتب إليه (أنه قد صح عندي أنك لم تبعث ~~إلي من تلك الغنائم إلا قليلا من كثير، والذنب لي في تشريفي إياك، وقد بعثت ~~إليك بجامعة، فضمها في عنقك، ومنطق امرأة، فتنطق بها، ومغزل، فليكن في يدك، ~~فإن الغدر والكفران من أخلاق النساء) . فلما وصل ذلك إلى بهرام كظم غيظه، ~~وعلم أنه إنما أتى من الوشاة، فوضع الجامعة في عنقه، وصير المنطق في وسطه، ~~وأخذ المغزل في يده، ثم أذن لعظماء أصحابه، فدخلوا عليه، ثم أقرأهم كتاب ~~الملك إليه، فلما سمع أصحابه ذلك يئسوا من خير الملك، وعملوا أنه لم يشكر ~~لهم حسن بلائهم، فقالوا: # نقول كما قال أولوا خوارجنا لأردشير: (ملك ولا يزدان). ونحن نقول: لا ~~هرمزد ملك، ولا يزدان جشنس وزير) . وكانت قصة أولي خوارجهم: أن أردشير ~~بابكان كان صار إليه بعض الحواريين، فاستجاب له، ودخل في دين المسيح صلى ~~الله عليه وسلم، وكان ms059 في عصره، وشايعه على ذلك وزيره يزدان، فغضب العجم ~~لذلك، وهموا بخلع أردشير حتى أظهر لهم الرجوع عما هم به من ذلك، فأقروه على ~~الملك. # فقال أصحاب بهرام لبهرام: (إن أنت تابعتنا على خلع هرمزد والخروج عليه، ~~وإلا خلعناك، ورأسنا غيرك، فلما رأى اجتماعهم على ذلك أجابهم على أسف وهم ~~وكراهية. PageV00P082 # وخرج هرمزد جرابزين ويزدك الكاتب من معسكر بهرام ليلا حتى قدما المدائن، ~~وأخبرا هرمزد الخبر. # ثم إن بهرام سار في جنوده نحو العراق لمحاربة هرمزد الملك حتى ورد مدينة ~~الري فأقام، واتخذ سكة للدراهم بتمثال كسرى أبرويز ابن الملك، وصورته، ~~واسمه، وضرب عليه عشرة آلاف درهم، وأمر بالدراهم، فحملت سرا حتى ألقيت ~~بالمدائن، ففشت في أيدي الناس. # وبلغ ذلك الملك هرمزد، فلم يشك أن ابنه كسرى يحاول الملك، وأنه الذي أمر ~~بضرب تلك الدراهم، وذلك الذي أراد بهرام بما فعل، فهم الملك بقتل ابنه ~~كسرى، فهرب كسرى من المدائن ليلا نحو آذربيجان حتى أتاها، وأقام بها، ودعا ~~الملك بندوية وبسطاما، وكانا خالي كسرى، فسألهما عن كسرى، فقالا (لاعلم لنا ~~به)، فارتاب بهما، فأمر بحبسهما. # ثم إن الملك جمع نصحاءه، فاستشارهم، فقالوا: (أيها الملك، إنك عجلت في ~~أمر بهرام، وقد رأينا أن توجه إلى بهرام بيزدان جشنس، فليس بهرام بقاتله، ~~إذا أتاه فاعتذر إليه، وباء بذنبه عنده، وتكون قد طيبت نفس بهرام، ورددته ~~إلى الطاعة، وحقنت بذلك الدماء، فقبل الملك ذلك. # وبعث بيزدان جشنس الوزير، فلما تهيأ للمسير أرسل إليه ابن له كان محبوسا ~~في حبس الملك ببعض الجرائم، يسأله أن يستوهبه من الملك، ويخرجه معه، فإن ~~عنده غناء ومعونة في الأمور، ففعل يزدان جشنس وأخرجه معه. # فلما صار بمدينة همذان ارتاب بابن عمه ذلك، وكتب كتابا إلى الملك يعلمه: # أنه قد رده إليه، ليأمر بقتله، أو يرده إلى محبسه، فإنه فاجر فتاك، وقال ~~له: # (إني قد كتبت إلى الملك كتابا في بعض الأمور، فأغذ السير به حتى تدفعه ~~إليه، ولا تطلعن على ذلك أحدا. PageV00P083 # فارتاب الرجل بذلك، فلما تغيب ms060 عن يزدان جشنس، وفك الكتاب، وقرأه فإذا فيه ~~حتفه، فرجع إلى يزدان جشنس، وهو مستخل، فضربه حتى قتله، وأخذ رأسه، فانطلق ~~به إلى بهرام، وهو بالري، فألقاه بين يديه ، وقال: هذا رأس عدوك يزدان جشنس ~~الذي وشى بك إلى الملك، وأفسد قلبه عليك، فقال له بهرام: (يا فاسق، أقتلت ~~يزدان جشنس في شرفه وفضله، وقد كان خرج نحوي ليعتذر إلى مما كان منه، ويصلح ~~بيني وبين الملك؟. # ثم أمر به، فضربت عنقه. # وبلغ من بباب الملك من العظماء والأشراف والمرازبة مقتل يزدان جشنس، وكان ~~عظيما فيهم، فمشى بعضهم إلى بعض، وعزموا على خلع الملك، وتمليك ابنه كسرى، ~~وكان الذي زين لهم ذلك، وحملهم عليه (بندوية وبسطام) خالا كسرى. وكانا ~~محتبسين، فأرسلا إلى العظماء، أن أريحوا أنفسكم من ابن التركية، يعنيان ~~الملك هرمزد، وقد قتل خيارنا، وأباد سراتنا، وذلك أنه كان مولعا بالعلية من ~~أجل استطالتهم على أهل الضعف، فقتل منهم خلقا كثيرا، فاتفقوا على يوم ~~يجتمعون فيه لذلك، فأقبلوا جميعا حتى أخرجوا بندويه وبسطاما من الحبس، ~~وجميع من كان فيه. ### | (تولية كسرى أبرويز) # ثم أقبلوا إلى الملك هرمزد فنكسوه عن سريره، وأخذوا ~~تاجه ومنطقته وسيفه وقباءه، فأرسلوا بها إلى كسرى، وهو بآذربيجان. # فلما انتهى ذلك إليه سار مقبلا حتى ورد المدائن، ودخل الإيوان، واجتمع ~~إليه العظماء، فقام فيهم خطيبا، فكان مما قال: المقادير ترى المرء ما لا ~~يخطر بباله، والأسباب تأتي على خلاف الهوى، والبغي مصرعة لأهله، والخائب من ~~أورطته رغبته، والحازم من قنع بما قضى له ولم تتق نفسه إلى أكثر منه. أيها ~~الناس: ثابروا على ما يقربكم إلينا من طاعتنا ومناصحتنا، وإياكم ~~PageV00P084 # ومخالفة أمرنا، والبغي علينا، فإنا لكم بمنزلة العرى والأركان. # فلما تفرق الناس عنه قام يمشي حتى دخل على أبيه، وهو في بيت من بيوت ~~القصر، فقبل يديه ورجليه، وقال: (يا أبت، ما أحببت هذا الأمر في حياتك، ولا ~~أردته، ولو لم أقبله لصرف منا، وأزيل عنا إلى غيرنا). # فقال له أبوه: (صدقت وقد قبلت عذرك، فدونك ms061 الأمر، فقم به، وقد عرضت لي ~~إليك حاجة). # قال: (يا أبت، وما عسى أن يعرض لك إلي؟). # قال: (تنظر الذين تولوا نكسى عن السرير، وأخذوا التاج عن رأسي، واستخفوا ~~بي، وهم فلان وفلان، وسماهم، فعجل قتلهم، واطلب لأبيك بثأره منهم. # قال كسرى: (هذا لا يمكن يومنا هذا حتى يقتل الله عدونا بهرام، ويستدف (1) ~~لنا الأمر، فتنظر عند ذلك كيف أبيرهم (2) وأنتقم لك منهم). # فرضي أبوه بذلك منه، وخرج كسرى من عنده، فجلس مجلس الملك. # وبلغ بهرام ما جرى، وهو بالري، وما كان من الأمر، فغضب لهرمزد غضبا ~~شديدا، وأدركته له حمية ورقة، وذهب عنه الحقد، فسار في جنوده جادا مجدا ~~ليقتل كسرى ومن والاه على أمره، ويرد هرمزد إلى ملكه. # وبلغ كسرى فصوله من الري، وما يهم به، فكتم ذلك عن أبيه، وسار ملتقيا ~~لبهرام في جنوده، وقدم رجلا من ثقاته، وأمره أن يأتي عسكر بهرام متنكرا، ~~فينظر سيرته، ويعرف له كنه أمره. # فسار الرجل، فاستقبل بهرام بهمذان، فأقام في عسكره حتى عرف جميع أمره، ثم ~~انصرف إلى كسرى، فأخبره: أن بهرام إذا سار كان عن يمينه مردان سينه ~~الرويدشتي، وعن يساره يزدجشنس بن الحلبان، وأن أحدا # PageV00P085 # من جنوده لا يطمع نفسه في اغتصاب أحد من الرعية مقدار حبة فما فوقها، ~~وإنه إذا نزل المنزل دعا بكتاب كليلة ودمنة، فلا يزال منكبا عليه طول ~~نهاره. # فقال كسرى لخاليه بندوية وبسطام: (ما خفت بهرام قط كخوفي منه الساعة، حين ~~أخبرت بإدمانه النظر في كتاب كليلة ودمنة، لأن كتاب كليلة ودمنة يفتح للمرء ~~رأيا أفضل من رأيه، وحزما أكثر من حزمه، لما فيه من الآداب والفطن. # وأن كسرى وبهرام توقفا بالنهروان، فعسكر كل منهما بأصحابه في ناحية، ~~وخندق على نفسه، ثم إن بهرام عقد جسرا، وعبر إلى كسرى، فلما تواقف الجمعان ~~بدر بهرام حتى دنا من صفوف كسرى، ثم صاح بأعلى صوته (تبا لكم يا معشر ~~العجم، في خلعكم ملككم، أيها الناس: توبوا إلى ربكم مما فعلتم، وانحازوا ~~إلي بجماعتكم حتى نرد ms062 السلطان على ملككم قبل أن ينزل الله نقمته عليكم). # فلما سمع أصحاب كسرى ذلك قال بعضهم لبعض (قد والله صدق بهرام، وأن الأمر ~~لعلى ما قال، فهلموا بنا نتلاف أمرنا، ونصلح ما كان منا بإجابة بهرام إلى ~~ما رأى). وانحازوا جميعا، فانضموا إلى بهرام، ولم يبق مع كسرى إلا خالاه، ~~بندوية وبسطام، وهرمزد جرابزين، والنخارجان، وسابور بن أبركان، ويزدك كاتب ~~الجند، وباد بن فيروز، وشروين بن كامجار، وكردي بن بهرام جشنس أخو بهرام ~~شوبين لأبيه وأمه، وكان من ثقات كسرى وأحبائه. # فقال (1) هؤلاء لكسرى: (أيها الملك، ما تفعل؟ ألا ترى إلى جميع الناس قد ~~فارقوك، وانحازوا إلى عدوك). فمضى نحو المدائن حتى إذا انتهى إلى قنطرة ~~(جوذرز) التفت وراءه، فإذا هو ببهرام وحده، قد ترك الناس خلفه حتى # PageV00P086 # دنا منه ومن أصحابه، فوقف له كسرى على طرف القنطرة، ووتر قوسه، وكان من ~~رماة الناس، فوضع فيها نشابة، وخاف أن يعمد برميته بهرام، فلا يعمل السهم ~~فيه لجودة درعه، فأراد أن يعمد وجهه، فلم يأمن أن يتترس بدرقته (1) أو يميل ~~وجهه عن سهمه، فرمى جبهة فرسه، فلم يخطئ وسط جبهته، واستدار الفرس من شدة ~~الرمية، ثم سقط. # وبقي بهرام راجلا، فأمعن كسرى ركضا حتى دخل المدائن، وأتى أباه، ولم ~~يعلمه أن بهرام إنما يحاول رد الملك إليه غير أنه قال له: (إن أصحابي جميعا ~~مالوا إليه ثم قال (ما الذي ترى؟) قال (أرى لك أن تلحق بقيصر، فإنه سينجدك، ~~وينصرك حتى يسترجع لك ملكك). فقبل كسرى يدي أبيه ورجليه، وودعه، وسار نحو ~~البحر في أصحابه ، وكانوا تسعة، هو عاشرهم، فقال بعضهم لبعض: (إن بهرام ~~يوافي المدائن اليوم أو غدا، فيملك هرمزد، فيكون ملكا كما لم يزل، ثم يكتب ~~هرمزد إلى قيصر، فيردنا إليه، فيقتلنا جميعا، وليس كسرى بملك ما دام أبوه ~~حيا). فقال بندونيه وبسطام خالا كسرى (نحن نكفيكم ذلك) . فانصرفا على ~~المقبض، ثم أقبلا حتى دخلا قصر المملكة، وولجا على هرمزد البيت الذي كان ~~فيه، وقد شغل الحشم بالبكاء والعويل، ms063 لهرب كسرى من عدوه، فألقيا عمامة في ~~عنقه، فخنقاه حتى مات. # ثم لحقا بكسرى، ولم يخبراه بذلك، وساروا بالركض الشديد يومهم، مخافة ~~الطلب، ومن الغد حتى شارفوا مدينة هيت (2)، وانتهوا إلى دير رهبان، فنزلوه، ~~فأتوهم بخبز شعير، فبلوه بالماء، وأكلوه، وأتوهم بخل، فمزجوه بماء، وشربوا ~~منه، واتكأ كسرى على خاله بسطام، فنام لشدة ما أصابه من التعب، فبينا هم ~~كذلك إذ ناداهم الراهب من صومعته: أيها النفر، قد أتتكم الخيل، وهم بالبعد. # PageV00P087 # وقد كان بهرام، حين وافى المدائن، فصادف هرمزد الملك قتيلا، ازداد غيظا ~~على كسرى وحنقا، فوجه بهرام بن سياوشان في ألف فارس على الخيل العتاق. فلما ~~نظر كسرى وأصحابه إلى الخيل سقط في أيديهم، وأيسوا من أنفسهم، فقال بندوية ~~لكسرى: أنا أخلصك بحيلتي، غير أني أغرر بنفسي. # قال له كسرى: يا خال، إنك إن وقيتني بنفسك سلمت أو قتلت، فكفاك بذلك ذكرا ~~باقيا وشرفا عاليا، فقد خاطر أرسناس بنفسه في أمر منوشهر، وأتى فراسياب ملك ~~الأتراك، وهو في وسط جنوده، فرماه بسهم فقتله، وأراح زاب الملك منه، فأصاب ~~بثأر منوشهر، فقتل، فبعد صيته في الناس، وعظم ذكره، وقد خاطر جوذرز بنفسه ~~بسبب سابور ذي الأكتاف حين قام بتدبير ملكه، وضبط سلطانه، فحسده الناس ~~لذلك، فلما أدرك سابور ملكه على جميع أموره، وفوض إليه سلطانه. # قال له بندويه (قم، فألق عنك قباءك، ومنطقتك، وحل عنك سيفك، وضع تاجك، ~~واركب في سائر أصحابك، فتبطنوا هذا الوادي، فأغذوا فيه السير، ودعوني ~~والقوم) . ففعل كسرى ما أمره، وتبطن الوادي، وسار في بقية أصحابه، وعمد ~~بندوية إلى قباء كسرى فلبسه، وتنطق بمنطقته، ووضع التاج على رأسه. ثم قال ~~للرهبان (عليكم بالجبل، فألحقوا به إلى أن ينصرف هذا الخيل، وإلا لم آمن أن ~~يقتلوكم. # عن آخركم). فتركوا الصومعة جميعا، وخرجوا عن الدير. # وصعد بندويه، فصار على سطح الدير، وقد أغلق عليه الباب، وهو لابس بزة ~~كسرى، فقام على رجليه قائما، حتى علم أن القوم قد رأوه جميعا، ثم نزل إلى ~~الدير، فخلع بزة كسرى، ms064 ولبس بزة نفسه، ثم عاد إلى سطح الدير، وقد حدقت به ~~الخيل، فقال (يا قوم، من أميركم؟) فأتى بهرام بن سياوشيان وقال (أنا ~~أميرهم، ما تشاء يا بندوية؟) PageV00P088 # قال: إن الملك يقرئك السلام، ويقول، إنا إنما نزلنا آنفا (1)، وقد كللنا، ~~وتعبنا، وليس عليك منا فوت، فدعنا على حالنا في هذا الدير إلى العشاء، ~~لنخرج إليك، وننطلق معك إلى بهرام، فيحكم فينا بما يرى. # قال بهرام بن سياوشان (ذلك له، وعزازه). # ثم نزل بندويه، والقوم محدقون بالدير، فلما أمسوا عاد بندويه إلى سطح ~~الدير، وقال لبهرام بن سياوشان: (إن الملك يقول لك: هذا المساء، وليست لنا ~~أجنحة نطير بها، وقد حدقتم بالدير، فدعنا ليلتنا هذه لنستريح، وامتن علينا ~~بذلك، فإذا أصبحنا خرجنا إليك، ومضينا معك. # قال بهرام (وذلك له، وحبا وكرامة). ثم أمر أصحابه أن يكونوا فرقتين، فرقة ~~تنام، وأخرى تحرس نوائب. # فلما أصبح بندويه فتح الباب وخرج إلى القوم وقال: (إن كسرى قد فارقني ~~لمنذ أمس، هذا الوقت، ولو كنتم على نجائب كالريح ما لحقتموه، وإنما كان ما ~~سمعتم مني مكيدة وحيلة. فلم يصدقوه، ودخلوا الدير، ففتشوه بيتا بيتا، فسقط ~~في يد بهرام بن سياوشان، ولم يدر ما يعتذر به إلى بهرام شوبين. فحمل ~~بندوية، وانصرف حتى دخل على بهرام شوبين، وأخبره بالحيلة التي احتالها ~~بندوية، فدعا به بهرام، وقال: (لم ترض بما كان منك من قتل الملك هرمزد، حتى ~~خلصت الفاسق كسرى، فنجا مني؟ # قال بندوية (أما قتلي هرمزد فلست أعتذر منه، إذ طغى وبغى، وقتل صناديد ~~العجم، وألقى بأسهم بينهم، وفرق كلمتهم، وأما حيلتي في تخليص ابن أختي كسرى ~~فلا لوم علي في ذلك، إذ كان ولدي. # قال بهرام: (أما إنه ليس يمنعني من تعجيل قتلك إلا ما أرجو من ظفري ~~بالفاسق كسرى، فأقتله، وأقتلك على أثره، ثم قال لبهرام بن سياوشان (احبسه ~~عندك مقيدا إلى أن أدعوك به). # PageV00P089 # ثم إن بهرام جمع إليه وجوه المملكة، فقال: (قد علمتم ما ارتكب كسرى من ~~الوزر العظيم بقتل أبيه، وقد ms065 مضى هاربا، فهل ترضون أن أقوم بتدبير هذا ~~الملك حتى يدرك شهريار بن هرمزد مدرك الرجال، فأسلمه إليه). فرضي بذلك ~~فريق، وأباه فريق. فممن أبي موسيل الأرمني، وكان من عظماء المرازبة، وقال ~~لبهرام: # (أيها (الإسبهبد) (1)، ليس لك أن تقوم بشئ من ذلك، وكسرى صاحب الملك ~~ووراثه في الأحياء)، فقال بهرام: من لم يرض فليرتحل عن المدائن، فإني إن ~~صادفت بعد ثالثة أحدا ممن لم يرض ثاويا بالمدائن ضربت عنقه. # فارتحل موسيل الأرمني فيمن كان على رأيه، وكانوا زهاء عشرين ألف رجل، ~~فساروا إلى آذربيجان، فنزلوها ينتظرون قدوم كسرى من الروم، ولم يزل بندوية ~~محتبسا عند بهرام بن سياوشان، فكان بهرام بن سياوشان يحسن إليه في المطعم ~~والمشرب ليتخذ بذلك زلفة عنده، لما ظن أن كسرى سينصرف، ويرجع إليه الملك، ~~وكان إذا جن عليه الليل أخرجه من محبسه، فأجلسه معه على شرابه، فقال بندوية ~~ذات ليلة لبهرام: يا بهرام، إن ما أنتم فيه سيضمحل، ويذهب لظلم بهرام شوبين ~~واعتدائه. فقال بهرام: والله لأعرف ما تقول، وإني لأهم بأمر. قال بندوية: ~~وما هو؟ قال: (أقتل غدا بهرام شوبين، وأريح الناس منه، ليرجع الملك إلى ~~نظامه وعنصره) قال بندوية: # أما إذ كان رأيك، فأطلقني من قيدي، ورد على دابتي وسلاحي)، ففعل. # ولما أصبح بهرام بن سياوشان تدرع تحت ثيابه درعا، واشتمل على السيف، ~~فأبصرت ذلك امرأته، وكانت بنت أخت بهرام شوبين، فاسترابت به، وبعثت إلى ~~بهرام تعلمه ذلك. # وابتكر بهرام إلى الميدان، فكان لا يمر به أحد من أصحابه إلا ضرب جنبه ~~بالصولجان، فلم يسمع حس (2) الدرع من أحد منهم، حتى مر به بهرام # PageV00P090 # ابن سياوشان فضرب جنبه بالصولجان، فلما سمع حس الدرع استل سيفه وضربه حتى ~~قتله. # وتنادى الناس: قتل بهرام في الميدان، فظن بندوية أن بهرام شوبين المقتول، ~~فركب دابته، ومضى نحو الميدان، فلما علم أن المقتول صاحبه خرج متنكرا، يسير ~~الليل، ويكمن النهار، حتى أتى آذربيجان، فأقام مع موسيل وأصحابه هناك. # ولما سار كسرى من الدير سار يوما وليلة، وتلقاهم ms066 أعرابي، فوقفوا عليه، ~~فسأله كسرى، وكان يحسن بالعربية شيئا، من هو؟ فأخبر أنه من طيئ، وأن اسمه ~~إياس بن قبيصة، فقال له: (أين الحي؟)، فقال: (قريب)، قال: (فهل من قرى، فقد ~~بلغ منا الجوع؟)، قال: (نعم)، فعدلوا معه إلى الحي، فنزلوا به، وسرحوا ~~خيلهم ترتع، وأقاموا عنده يومهم، فأحسن قراهم، وزودهم، وخرج بهم حين أمسوا ~~يدلهم الطريق، حتى أخرجهم لثلاث بيالس (1) من شاطئ الفرات. ثم انصرف. # وسار كسرى حتى انتهى إلى اليرموك، فخرج إليه خالد بن جبلة الغساني، ~~فقرأه، ووجه معه خيلا حتى بلغ قيصر، فدخل عليه، وأبثه شأنه، وما توجه له، ~~فوجده بحيث أمل من نصره، ومعونته. # فقال له بطارقته: (أيها الملك قد علمت ما لقي من كان قبلك من آبائك من ~~هؤلاء، منذ زمان الإسكندر، وكان آخر ما لقينا منهم اغتصاب جد هذا إيانا مدن ~~الشام التي لم تزل في أيدينا إرثا من آبائنا منذ ألف عام، فردها عليك أبو ~~هذا حين أجلبت بخيلك ورجلك، فدع القوم يشتغل بعضهم ببعض، فإن حرب العدو ~~بعضهم بعضا فتح عظيم). فقال قيصر لعظيم الأساقفة: ما تقول أنت يا كبيرنا؟). ~~فقال: (لا يحل لك خذلانه، إذ كان مبغيا عليه، والرأي أن تنصره، ليكون لك ~~سلما ما بقيت وبقي). # PageV00P091 # قال قيصر: (وهل يجوز للملوك أن يستجار بهم فلا يجيروا؟). # فأخذ على كسرى العهود والمواثيق بالمسالمة، وزوجه ابنته مريم، ثم عقد ~~لابنه ثيادوس في إبطال جنوده، وفيهم عشرة رجال من الهزار مردين (1)، وقواهم ~~بالأموال والعتاد، وأمرهم بالمسير معه، وشيعهم ثلاثة أيام. # فسار كسرى بالجيش، فأخذ على أرمينية حتى إذا صار بآذربيجان انضم إليه ~~خاله بندوية وموسيل الأرمني ومن معه من مرازبته ومرازبة فارس. # وبلغ خبره بهرام شوبين، فسار جادا بالجنود حتى وافاه بآذربيجان، فعسكر ~~على فرسخ من معسكر كسرى. ثم تزاحفوا، ونصب لكسرى وثيادوس سرير من ذهب فوق ~~رابية تشرف بهما على مجتلد القوم، ولما تواقفت الخيلان أقبل رجل من الهزار ~~مردين حتى دنا من كسرى، فقال: (أرني هذا الذي غلبك على ملكك). فدخلت ms067 كسرى ~~أنفة من تعييره إياه بذلك ، فكظمها، غير أنه أراه بهرام شوبين، فقال: (هو ~~صاحب الفرس الأبلق المعتجر (2) بالعمامة الحمراء، الواقف أمام أصحابه) . ~~فمضى الرومي نحو بهرام شوبين، فناداه: أن هلم إلى المبارزة، فخرج إليه ~~بهرام، فاختلفا ضربتين، فلم يصنع سيف الرومي شيئا في بهرام، لجودة درعه، ~~وضربه بهرام على مفرق رأسه، وعليه البيضة، فقد البيضة، وأفضى السيف إلى صدر ~~الرومي، فقده حتى وقع نصفين، عن يمين وشمال. # وأبصر ذلك كسرى، فاستغرب ضحكا، فغضب ثيادوس، وقال: # (ترى رجلا من أصحابي يعد بألف رجل قد قتل فتضحك، كأنك مسرور بقتل الروم)، ~~فقال كسرى: (إن ضحكي لم يكن سرورا مني بقتله، غير أنه عيرني بما قد سمعت، ~~فأحببت أن يعلم أن الذي غلبني على ملكي، وهربت منه إليكم، هذه ضربته). # PageV00P092 # وأن القوم اقتتلوا يومين، فلما كان في اليوم الثالث دعا بهرام كسرى إلى ~~المبارزة، فهم كسرى أن يفعل، فمنعه ثيادوس، وأبى كسرى، فخرج إلى بهرام، ~~فتطاردا ساعة. # ثم إن كسرى ولى منهزما، وعارضه بهرام فاقتطعه عن أصحابه، ومضى كسرى نحو ~~جبل، وبهرام في أثره يهتف به، وبيده السيف، وهو يقول: # (إلى أين يا فاسق؟). فجمع كسرى نفسه، فساعدته القوة على تسنم الجبل، فلما ~~نظر بهرام إلى كسرى قد علا ذروة الجبل علم أنه قد نصر عليه، فانصرف خاسئا، ~~وهبط كسرى من جانب آخر حتى أتى أصحابه، ثم ابتكر (1) الفريقان على مصافهم ~~في اليوم الرابع، فاقتتلوا، فكان الظفر لكسرى. # وانصرف بهرام في جنوده منهزما إلى معسكره، فقال بندوية لكسرى: # (أيها الملك، إن الجنود الذين مع بهرام لو قد أمنوك على أنفسهم انحازوا ~~إليك، فائذن لي أن أعطيهم الأمان عنك)، فأذن له. # فلما أمسى بندوية أقبل حتى وقف على رابية مشرفة على معسكر بهرام، ثم نادى ~~بأعلى صوته: (أيها الناس، أنا بندوية بن سابور، وقد أمرني الملك كسرى أن ~~أعطيكم الأمان، فمن انحاز إلينا منكم في هذه الليلة فهو آمن على نفسه وأهله ~~وماله). ثم انصرف. # فلما أظلم الليل على أصحاب بهرام تحملوا حتى ms068 لحقوا بمعسكر كسرى إلا مقدار ~~أربعة آلاف رجل، فإنهم أقاموا مع بهرام. # ولما أصبح بهرام نظر إلى معسكره خاليا قال: (الآن حسن الفرار). # فارتحل في أصحابه الذين أقاموا معه، وفيهم مردان سينه ويزدجشنس، وكانا من ~~فرسان العجم. # فوجه كسرى في طلبه سابور بن أبركان في عشرة آلاف فارس، فلحقه، # PageV00P093 # وعطف عليه بهرام في أصحابه، فاقتتلوا، فانهزم سابور، ومضى بهرام على ~~وجهه، فمر في طريقه بقرية، فنزلها، ونزل هو ومردان سينه ويزدجشنس بيت عجوز، ~~فأخرجوا طعاما لهم، فتعشوا وأطعموا فضلته العجوز، ثم أخرجوا شرابا، فقال ~~بهرام للعجوز: (أما عندك شئ نشرب فيه؟)، قالت: (عندي قرعة صغيرة)، فأتتهم ~~بها، فجبوا رأسها، وجعلوا يشربون فيها، ثم أخرجوا نقلا (1)، وقالوا للعجوز: ~~(أما عندك شئ يجعل عليه النقل؟) فأتتهم بمنسف (2)، فألقوا فيه ذلك النقل، ~~فأمر بهرام، فسقيت العجوز، ثم قال لها: # (ما عندك من الخبر أيتها العجوز؟)، قالت: (الخبر عندنا أن كسرى أقبل بجيش ~~من الروم، فحارب بهرام، فغلبه، واسترد منه ملكه)، قال بهرام: # (فما قولك في بهرام؟)، قالت: (جاهل، أحمق، يدعي الملك، وليس من أهل بيت ~~المملكة). # قال بهرام: (فمن أجل ذلك يشرب في القرع، ويتنقل من المنسف). # فجرى مثلا في العجم يتمثلون به. # وسار بهرام حتى انتهى إلى أرض قومس (3)، وبها قارن الجبلي النهاوندي وكان ~~والي خراسان على حربها وخراجها، وعلى قومس وجرجان، وكان شيخا كبيرا قد أناف ~~على المائة، وكان على تلك الناحية من قبل كسرى أنو شروان. ثم أقره هرمزد بن ~~كسرى، فلما أفضى الأمر إلى بهرام عرف له قدره في العجم، وفضله، فأقره ~~مكانه. # فلما انتهى بهرام إليه وجه قارن ابنه في عشرة آلاف فارس، فحالوا بين ~~بهرام وبين النفوذ، فأرسل إليه بهرام (ما هذا جزائي منك، إذ أقررتك على ~~عملك؟) فأرسل إليه قارن: (أن ما على من حق الملك كسرى وحق # PageV00P094 # آبائه أعظم مما على من حقك، وكذلك عليك، لو عرفت، إذ شرفك، فكافأته، إن ~~خلعت طاعته، وسعرت مملكة العجم نارا وحربا، فكان قصاراك أن رجعت خائبا ~~حسيرا، وصرت ms069 أحدوثة لجميع الأمم). # فأرسل إليه بهرام: أن العنز يساوي درهمين مرتين: إذا كان عناقا صغيرا، ~~وإذا هرم وسقطت أسنانه لم يساو أيضا إلا درهمين، وكذلك أنت في هرمك ونقصان ~~عقلك. # فلما أتت قارن هذه الرسالة، غضب وخرج في ثلاثين ألف فارس ورجل من جنوده، ~~وتهيأ الفريقان للحرب. فلما التقوا قتل ابن قارن، فانهزم أصحابه، حتى لحقوا ~~بمدينة قومس. ومضى بهرام على خوارزم، فعبر النهر، ووغل في بلاد الترك من ~~ذلك الوجه يؤم خاقان ليستجير به فيجيره، ويمنع عنه. # وبلغ خاقان قدوم بهرام عليه، فأمر طراخنته، فاستقبلوه، وأقبل حتى دخل على ~~خاقان، فحياه بتحية الملك، وقال: (إني أتيتك أيها الملك مستجيرا بك من كسرى ~~وأهل مملكته لتمنعني وأصحابي)، فقال له خاقان: (لك ولأصحابك عندي الحماية ~~والجوار والمواساة). # ثم ابتنى له مدينة، وبنى في وسطها قصرا، فأنزله وأصحابه فيها، ودون لهم، ~~وفرض الأعطيات، فكان بهرام يدخل على خاقان كل يوم، فيجلس منه مجلس إخوته، ~~وخاص أقاربه. # وكان لخاقان أخ يسمى (بغاوير) وكانت له نجدة وفروسية، فرآه بهرام يتذرع ~~في منطقته غير هائب من الملك، ولا موقرا لمجلسه، فقال ذات يوم لخاقان: ~~(أيها الملك، إني أرى أخاك بغاوير يتذرع في الكلام، ولا يرعى لمجلسك ما يجب ~~أن يرعى لمجلس الملوك، وعهدنا بالملوك لا يتكلم إخوتهم وأولادهم عندهم إلا ~~بما يسألون عنه). فقال خاقان: (إن بغاوير قد أعطي نجدة في الحروب وفروسية، ~~فهو يدل بذلك، على أنه يتربص بي الدوائر، ويضمر لي الحسد والعداوة). قال له ~~بهرام: (أفتحب أيها الملك أن أريحك منه). PageV00P095 # قال: (بما ذا؟). قال: (بقتله). قال: (نعم، إن أمكنك ذلك من وجه لا يكون ~~علي فيه مسبة). قال بهرام: (سآتي من ذلك مالا يلزمك فيه عار ولا عيب). # فلما أصبحوا من غد أقبل بهرام، فجلس عند خاقان مجلسه الذي كان يجلس فيه، ~~فأقبل بغاوير، فجلس وجعل يتذرع في كلامه. # فقال له بهرام: يا أخي، لم لا توفى الملك حقه، وتظهر للناس هيبته ~~وإجلاله. # فقال له بغاوير: وما أنت وذلك أيها الفارس ms070 الطريد الشريد؟! # قال له بهرام: كأنك تصول بفروسية لست فيها بأكثر مني. # قال له بغاوير: فهل لك إلى مبارزتي، فأعرفك نفسك. # قال له بهرام: أما أنا فلا أحب ذلك، فإني متى غلبتك لم أقتلك لمكانك من ~~الملك. # قال بغاوير: لكني إن غلبتك قتلتك، فاخرج بنا إلى الصحراء. # قال بهرام: على النصفة إذا قال الملك ذلك، وعلى أن لا قود على إن قتلتك، ~~ولا لائمة من الملك وطراخنته. # قال: نعم. # فقال خاقان: مالك ولهذا الرجل المستجير بنا، العائذ بجوارنا؟ # قال بغاوير: أدعوه إلى النصفة. # قال: وأي نصفة؟ # قال: يقف لي وأقف له على مائتي ذراع، فارميه، ويرميني، فأينا قتل صاحبه ~~لم يكن عليه لوم ولا عقل (1). # قال له خاقان: أربع (2) على نفسك، لا أم لك. # PageV00P096 # قال: والله ليفعلن أو لأفتكن به بين يديك. # قال: فدونك إذن. # * * * فخرج بغاوير وبهرام في نفر من الطراخنة ينظرون، ووقف بغاوير من ~~بهرام على مائتي ذراع، فقال بهرام للطراخنة: لا تلوموني إن أنا قتلته، فقد ~~بغى علي كما ترون. # فقالوا: ليس عليك لوم. # فصاح بغاوير ببهرام، أتبدأ أنت، أم أبدأ أنا؟ # فناداه بهرام: بل ابدأ أنت، فارم، فأنت الباغي الظالم . فوتر بغاوير ~~قوسه، ووضع فيها نشابة، ثم نزع حتى أغرقها، ثم أرسلها، فصكت بهرام أسفل من ~~سرته في وسط منطقته، فنفذت المنطقة والدرع وسائر اللباس حتى انتهت إلى صفاق ~~(1) بطنه الظاهر، وأثرت فيه. # وبادر بهرام فنزعها، ووقف هنيهة لا يضرب بيده إلى قوسه من شدة ما أصابه ~~من ألم الرمية، وظن بغاوير بأن قد قتله، فركض نحوه، فصاح بهرام: أن ارجع ~~إلى مكانك، فقف لي كما وقفت لك، فانصرف إلى مكانه، فوقف، وأخرج بهرام قوسه، ~~فوترها (2)، وكان لا يوترها سواه، ثم وضع فيها نشابة، ونزع حتى أغرقها، ثم ~~أرسلها، فوقعت من بغاوير في مثل الموضع الذي وقعت نشابته من بهرام، في وسط ~~المنطقة والدرع وسائر اللباس، ومرقت من الجانب الآخر، لم يذهب شئ من ريشها ~~ولا عقبها، وسقط بغاوير ميتا. # وبلغ ذلك خاقان، فقال: لا يبعد ms071 الله غيره، قد نهيته عن البغي، فأبى، ثم ~~تقدم إلى طراخنته وأهل بيته، فقال: لا أعلمن أحدا منكم نوى لبهرام سوءا ولا ~~مكروها. # PageV00P097 # فلما خلا بهرام بخاقان شكر له ما كان منه، وقال: (لقد أرحتني ممن كان ~~يتمنى موتي، ليستبد بالملك دون ولدي، ثم زاده إكراما ومنزله وبرا، وعظم قدر ~~بهرام بأرض الترك، واتخذ ميدانا على باب قصره، واتخذ الجواري والقيان ~~والجوارح. وكان من أكرم الناس على خاقان. # وإن كسرى عند انهزام بهرام وهربه أكرم ثيادوس، ومن معه، فأحسن جوائزهم ~~وصلاتهم، وسرحهم إلى بلادهم، وولى خاله بندوية دواوينه وبيوت أمواله، ونفذ ~~أمره في جميع المملكة، وولى خاله بسطام أرض خراسان وقومس وجرجان وطبرستان، ~~ووجه عماله في الآفاق، ووضع عن الناس نصف الخراج. # ولما بلغ كسرى عظيم قدر بهرام عند خاقان وجسيم منزلته ببلاد الترك خافه ~~أن يستجيش ويعود إلى محاربته، فوجه هرمزد جرابزين إلى خاقان وافدا في تجديد ~~العهد، ووجه معه بألطاف وطرف، وأمره أن يتلطف بخاقان حتى يفسد قلبه على ~~بهرام. # فسار هرمزد جرابزين حتى دخل على خاقان، ومعه كتاب كسرى، وأوصل إليه هدايا ~~كسرى وألطافه، فقبلها خاقان، وأمره بالمقام ليقضي حوائجه، فكان هرمزد يدخل ~~على خاقان مع وفود الملوك، فيحييه بتحية الملك. ثم إنه دخل ذات يوم، فرآه ~~جالسا، فقال: أيها الملك، إني أراك قد استصفيت بهرام وأسنيت منزلته، ولم ~~تفعل به من ذلك شيئا إلا وما كان فعل به ملكنا أكثر منه، فكان جزاؤه منه أن ~~خلعه، وأراد سفك دمه # PageV00P098 # وخرج على ابنه كسرى حتى نفاه من مملكته، وما أحسب قصارى أمرك منه إلا ~~الغدر ونكث العهد، فاحذره أيها الملك، لا يفسد عليك ملكك. # فلما سمع خاقان منه ذلك غضب غضبا شديدا، وقال: (لولا أنك وافد ورسول ~~لمنعتك من الدخول إلي لما استبان لي من خرقك وعيبك بحضرتي أخي وصفيي، فلا ~~تعودن لمثل هذا). # فقال هرمزد جرابزين: أما إذ كان أيها الملك هذا رأيك فيه، فأسألك أن تكتم ~~علي، لا يبلغه ذلك، فيقتلني، فقال: (هذا لك). # فخرج ms072 هرمزد آيسا منه، فاندس إلى امرأته خاتون - ومن النساء السخافة ~~وكفران النعم - فدخل عليها ذات يوم، فلم يصادف عندها أحدا يخافه، فقال لها: ~~(أيتها الملكة، إنكم قد اصطفيتم بهرام، ورفعتموه فوق قدره، وليس بمأمون أن ~~يفسد عليكم ملككم كما أفسده على هرمزد ملكنا، ثم قص عليها ما كان منه، ~~وقال: أيتها الملكة، أقد نسيت قتله عمك شاهان شاه واحتواءه على سريره ~~وخزائنه؟ فلم يزل يذكرها هذا، وأشباهه حتى أوقع في قلبها بغض بهرام والخوف ~~منه على زوجها وولدها. # قالت: (ويحك، وما الذي يمكنني في أمره، ومنزلته من الملك منزلته؟). # قال: (الرأي أن تدسي إليه من يقتله، فتأمني على زوجك وولدك). # فأمرت غلاما لها قد عرفته بالفتك والإقدام، فقالت له: (انطلق الساعة حتى ~~تدخل على بهرام وتتلطف لتقتله، ولا تأتني إلا بعد الفراغ منه). # فانطلق الغلام حتى استأذن على بهرام، وفي حجزته خنجر، قد ستره، وكان ذلك ~~اليوم يوم ورهام روز. # قالوا: وقد كان المنجمون قالوا في مولده، إن منيته في ورهام روز (1)، # PageV00P099 # فكان لا يخرج ذلك اليوم من منزله، ولا يأذن لأحد إلا لثقاته وخاصته، فدخل ~~الإذن، فأعلمه أن رسول الملكة يطلب الإذن، فأذن له، فدخل، فحيا بهرام وقال: ~~(إن الملكة قد وجهتني إليك برسالة، فأخلني). # فقام من عند بهرام، فخرجوا. ودنا التركي منه، كأنه يريد أن يساره، ثم ~~استل الخنجر فبعجه (1) به، وخرج، فركب دابته، ومضى. # ودخل أصحاب بهرام عليه، فصادفوه يستدمي، وبيده ثوب ينشف به الدم، فلما ~~رأوه بتلك الحال بهتوا، وقالوا: (كيف لم تهتف بنا، فنأخذه؟)، فقال: (إنما ~~كان كلبا أمر بشئ فنفذ له)، وقال لهم: (إذا جاء القدر لم يغن الحذر، وقد ~~خلفت عليكم أخي مردان سينه، فأطيعوا أمره). # وأرسل إلى خاقان يعلمه أمره، فأقبل خاقان نحوه والها (2) فصادفه قد مات ~~فواراه في ناووس (3)، وهم بقتل خاتون، فحجز عن ذلك لمكان ولده منها. # وإن أصحاب بهرام تناظروا فيما بينهم، فقالوا: (مالنا عند هؤلاء خير، وما ~~الرأي إلا الخروج عن أرضهم، فإنهم غدرة بالعهد، كفرة للإحسان، والانتقال ms073 ~~إلى بلاد الديلم، فإنها أقرب إلى بلادنا، وأمكن للطلب بثأرنا من ملوكنا ~~الذين شردونا)، فسألوا خاقان الإذن لهم في الانصراف، فأذن لهم، وأحسن ~~إليهم، وقواهم، وبذرقهم (4) إلى حدود أرضه. # وكان مع بهرام أخته (كردية)، وكانت من أجمل نساء العجم، وأبرعهن براعة، ~~وأكملهن خلقا، وأفرسهن فروسية، فخرج أصحاب بهرام و كردية أمامهم على دابة ~~بهرام متسلحة بسلاحه، حتى انتهوا إلى نهر جيحون مما يلي خوارزم، فعبروا ~~هناك، وانصرف عنهم الطراخنة، وأخذ أصحاب بهرام # PageV00P100 # على شاطئ النهر، ثم انحطوا إلى جرجان، وسلكوا طبرستان، ثم لزموا ساحل ~~البحر حتى انتهوا إلى بلاد الديلم، فسألوهم السكنى معهم في بلادهم، ~~فأجابوهم إليه، وكتبوا بينهم كتابا: (ألا يتأذى أحد بأحد)، فأقاموا آمنين، ~~واتخذوا المعايش والقرى والمزارع، وأيديهم مع أيدي الديلم في كل أمر. # فلما قتل بهرام رأى كسرى أن قد صفا له الملك، فلم يكن له همة إلا الطلب ~~بثأر أبيه هرمزد، وأحب أن يبدأ بخاليه بندوية وبسطام، ونسي أيادي بندوية ~~عنده، فمكث كسرى يكاشرهما (1) عشر سنين، وإنه خرج في أيام الربيع كعادته، ~~يريد الجبل ليصيف فيه، فنزل حلوان (2) وبندوية معه، فأمر أن يضرب له قبة ~~على الميدان، لينظر إلى المرازبة إذا لعبوا الكرة. # فجلس على تلك القبة، فرأى شيرزاد بن البهبوذان يضرب بالكرة ويجيد، فكان ~~كلما ضرب، فأجاد، قال له كسرى (زه سوار) (3)، فأحصى الموكل ذلك مائة مرة ~~قالها. # فكتب له إلى بندوية بأربعمائة ألف درهم، لكل مرة أربعة آلاف درهم، فلما ~~وصل الصك إلى بندوية قذفه من يده، وقال: (إن بيوت الأموال لا تقوم لهذا ~~التبذير). وبلغ كسرى قوله، فجعل ذلك ذريعة إلى الوثوب به، فأمر صاحب حرسه ~~أن يأتيه، فيقطع يديه ورجليه، فأقبل صاحب الحرس لينفذ فيه أمر كسرى، ~~فاستقبله بندوية يريد الميدان، فأمر به، فنكس عن دابته، وقطع يديه ورجليه، ~~وتركه متشحطا في دمه بمكانه. # PageV00P101 # فجعل بندوية يشتم كسرى، ويشتم أباه، ويذكر غدر آل ساسان، ونكثهم، ويقال ~~كل ذلك لكسرى، فقال لمن حوله من وزرائه: يزعم بندوية أن آل ساسان غدرة ~~نكثة، ms074 وينسى نفسه في غدره بالملك، أبينا، حين دخل عليه مع أخيه بسطام، ~~فألقيا العمامة في عنقه، ثم خنقاه بها ظلما وعدوا، ليتقربا بذلك إلي، كأنه ~~ليس لي بوالد. # ثم ركب إلى الميدان، فمر ببندوية، وهو ملقى على قارعة الطريق، فأمر الناس ~~أن يرجموه بالحجارة، فرجموه حتى مات. وقال: هذه، حتى تأتي أختها. # يعني ما أراد من إلحاق بسطام بأخيه بندوية، ثم أمر كاتب السر أن يكتب إلى ~~بسطام ليخلف على عمله ثقة، ويقدم مستخفيا ليناظره في بعض الأمر، ففعل بسطام ~~ذلك، وأقبل على البريد، فلما انتهى إلى حد قومس استقبله مردان به قهرمان ~~أخيه بندوية، فلما نظر إليه من بعيد رفع صوته بالبكاء والعويل، فقال له ~~بسطام: (ما وراءك؟) فأخبره بمقتل أخيه، فلم يجد مذهبا في الأرض، فعدل إلى ~~من بالديلم من أصحاب بهرام. # وبلغ مردان سينه رئيس أصحاب بهرام قدوم بسطام عليه، ففرح بذلك، وخرج ~~متلقيا له في جميع أصحابه، لشرف بسطام في العجم، وفضله، ثم أقبلوا به حتى ~~أنزلوه منزلا بهيا، وركب إليه أشراف تلك البلاد، فأقام عندهم آمنا، ثم إن ~~مردان سينه ويزدجشنس والعظماء قالوا لبسطام: ما بال كسرى أحق بالملك منك، ~~وأنت ابن سابور بن خربنداد من صميم ولد بهمن بن إسفندياذ، وإنكم لإخوة بني ~~ساسان وشركاؤهم، فهلم نبايعك ونزوجك) كردية أخت بهرام، ومعنا سرير ذهب قد ~~كان حمله بهرام من المدائن، فاجلس عليه، وادع لنفسك، فإن أهل بيتك من ولد ~~دارا بن بهمن سينحلبون إليك، وإذا قويت شوكتك، وكثر جندك، سرت إلى الغادر ~~كسرى، فحاربته، وحاولت ملكه، فإن نلت ما تريد فذاك الذي نحب وتحب، وإن قتلت ~~قتلت وأنت تحاول ملكا، وإن ذلك أبعد لصوتك، وأنبه لذكرك. PageV00P102 # فلما سمع بسطام ذلك الكلام أصغى إليه، وأجابهم إلى ما عرضوا عليه، فزوجوه ~~كردية، وأجلسوه على سرير الذهب، وعقدوا على رأسه التاج، وبايعوه عن آخرهم، ~~ودعوه ملكا، وتابعه أشراف البلاد، وانحلب إليه جيلان والبير والطيلسان (1)، ~~وقوم كثير من أهل بيته من ناحية العراق ممن كان يهواه ويهوى أخاه، ms075 حتى صار ~~في مائة ألف رجل. # فخرج إلى الدستبي (2) وأقام بها، وبث السرايا في أرض الجبل، حتى بلغوا ~~حلوان والصيمرة (3) وماسبذان، وهرب عمال كسرى، وتحصن الدهاقين في الحصون ~~ورؤوس الجبال. # وبلغ ذلك كسرى، فسقط في يده، وعلم أنه لم يأخذ وجه الأمر في قتله بندوية، ~~فأخذ الأمر من قبل الخديعة، فكتب إلى بسطام: (أنه قد بلغني مصيرك إلى ~~الغدرة الفسقة، أصحاب الفاسق بهرام، وتزيينهم لك مالا يليق بك، ثم حملوك ~~على الخروج على المملكة والعيث فيها والفساد من غير أن تعلم ما أنوى لك، ~~وما انطوى عليه في بابك، فدع التمادي في الغي وأقبل إلي آمنا، ولا يوحشنك ~~قتل أخيك بندوية). # . فأجابه بسطام: (أن قد أتاني كتابك بما خبرت به من خديعتك، وسطرت من ~~مكيدتك، فمت بغيظك، وذق وبال أمرك، واعلم أنك لست بأحق بهذا الأمر مني، بل ~~أنا أحق به منك، لأني ابن دارا مقارع الإسكندر، غير إنكم يا بني ساسان ~~غلبتمونا على حقنا وظلمتمونا، وإنما كان أبوكم ساسان راعي غنم، ولو علم ~~أبوه بهمن فيه خيرا ما زوى (4) عنه الملك إلى أخته (خماني) . فلما ورد ~~كتابه على كسرى علم ألا طمع فيه، فوجه إليه ثلاثة قواد في ثلاثة عساكر، كل ~~عسكر اثنا عشر ألف رجل، فنفذ العسكر الأول، وعليه سابور # PageV00P103 # ابن أبركان، ثم أردفه بالعسكر الثاني، وعليه النخارجان، ثم أردفهما ~~بالثالث، وعليه هرمزد جرابزين، فلما اتصل ببسطام فصول العساكر نحوه سار حتى ~~أتى همذان، فأقام بها، ووجه الرجالة إلى رؤوس العقاب (1)، ليمنعوا الناس من ~~الصعود والنفوذ. # قال: فأقامت العساكر دون الجبل بمكان يدعى قلوص، وكتبوا إلى كسرى يعلمونه ~~ذلك، فخرج كسرى بنفسه في خمسين ألف فارس، حتى وافى جنوده وهم معسكرون ~~بقلوص، فأقام عندهم ريثما أراح، ثم سار على رستاق (2) يسمى شراه (3)، فنفذ ~~منه إلى همذان في طريق لا جبل فيه ولا عقبة، حتى أفضى إلى بطن همذان، فعسكر ~~هناك، وخندق على نفسه. # وسار إليه بسطام في جنوده، فاقتتلوا قتالا شديدا ثلاثة أيام، لا ينهزم ~~أحد من الفريقين ms076 عن صاحبه، فلما رأى كسرى ذلك، قال لكردي بن بهرام جشنس أخي ~~بهرام شوبين لأبيه وأمه، وكان من أنصح المرازبة لكسرى، وأشدهم له ودا ، ~~وأسرعهم في طاعته نهوضا، فقال: (قد ترى ما نحن فيه من شدة هذه الحروب ، ~~وإني قد رجوت الراحة مما نحن فيه بباب لطيف). قال: (وما هو أيها الملك؟) ~~قال: إن أختك كردية امرأة بسطام متشوقة (4) لا محالة إلى الرجوع إلى أهلها ~~ووطنها، وأنا أعرف أنها إن آثرت قتل بسطام قدرت لطمأنينته إليها، ولما ~~بلغني من صرامتها وإقدامها، وإن هي قتلته فلها على ذمة الله: أن أتزوجها ~~وأجعلها سيدة نسائي، وأجعل الملك من بعدي لولد، إن كان لي منها، وأنا كاتب ~~على ذلك بخطي، فأرسل إليها حتى تعرض ذلك عليها، وتنظر ما عندها فيه) . قال ~~له كردي: (أيها الملك، فاكتب لها بخطك ما تطمئن إليه، وتعرف صدق # PageV00P104 # قولك فيه، لأوجه إليها بالكتاب مع امرأتي، فإنني لا أثق بسواها في كتمان ~~السر). # فكتب لها كسرى بذلك، وأكد، فأخذ كردي الكتاب، ووجهه مع امرأته إلى كردية. ~~وقد كان بسطام خرج بها معه لشدة وجده بها. # فلما قرأت كردية كتاب كسرى عرفت وثاقته، فأفضت بسرها إلى ظئورتها ~~وثقاتها، فزين لها ذلك لتشوقهن إلى أوطانهن. ولم ينكر بسطام مجئ المرأة إلى ~~كردية لما عرف من إلف النساء وتزاورهن. # وأن بسطام انصرف ذات عشاء إلى مضربه الذي فيه كردية تعبأ قد مسه الكلال ~~لشدة الحرب، فدعا بطعام، فنال منه، ثم دعا بشرابه، فجعلت كردية تسقيه صرفا ~~حتى غلبه السكر، فنام، فقامت إلى سيفه، فوضعت ظبته (2) في ثندوته (3)، ~~وتحاملت عليه حتى خرج من ظهره، ثم خرجت من ساعتها، فتحملت في حشمها ~~وظئورتها، وقد كان أخوها كردي وقف لها على الطريق في خيل، فلما انتهت إليه ~~انطلق بها، فأنزلها في رحله. # ولما أصبح أصحاب بسطام ووجدوه قتيلا ارتحلوا هاربين نحو بلاد الديلم، ~~فوجه كسرى سابور بن أبركان في عشرة آلاف فارس، وأمره أن يقيم بقزوين، فتكون ~~مسلحة هناك، وتمنع من أراد النفوذ من أرض ms077 الديلم إلى مملكته، ثم تزوج ~~كردية، وضمها إليه، وانصرف إلى المدائن، ونزلت كردية من قلبه بموضع محبة ~~شديدة، وشكر لها ما كان منها، وزاح عن كسرى ما يجد في نفسه من الغضاضة ~~بانتقامه من قتله أبيه، واطمأن له ملكه وهدأ واستقر. # PageV00P105 ### || (حرب أبرويز مع الروم) # قالوا: ثم إن ابن قيصر ملك الروم قدم على كسرى ~~أبرويز، فأخبره بأن بطارقة الروم وعظماءها وثبوا على أبيه قيصر وأخيه ~~ثيادوس بن قيصر، فقتلوهما جميعا، وملكوا عليهم رجلا من قومهم، يسمى كوكسان، ~~وذكره بلاء أبيه وأخيه عنده، فغضب أبرويز له، ووجه معه ثلاثة قواد: أحدهم ~~شاهين في أربعة وعشرين ألف رجل، فوغل في أرض الروم، وبث فيها الغارات حتى ~~انتهى إلى خليج القسطنطينية، فعسكر هناك، والقائد الآخر (بوبوذ) فسار نحو ~~أرض مصر، فأغار، وعاث، وأفسد حتى انتهى إلى الإسكندرية، فافتتحها عنوة، ~~وسار إلى البيعة العظمى التي بالإسكندرية، فأخذ أسقفها، فعذبه، حتى دله على ~~الخشبة التي تزعم النصارى أن المسيح صلب عليها، وكانت مدفونة في موضع قد ~~زرع فوقها الرياحين، والقائد الثالث (شهريار) فسار حتى أتى الشام، فقتل ~~أهلها قتلا ذريعا، حتى أخذها كلها عنوة. # فلما رأى عظماء الروم ما حل بهم من كسرى اجتمعوا، فقتلوا الرجل الذي ~~كانوا ملكوه، وقالوا (إن مثل هذا لا يصلح للملك) وملكوا عليهم ابن عم لقيصر ~~المقتول يسمى هرقل، وهو الذي بنى مدينة هرقلة (2)، فكانت هذه الغلبة التي ~~ذكرها الله تعالى في كتابه (3): # وأن هرقل الذي ملكته الروم استجاش أهل مملكته، وسار إلى القائد الذي كان ~~معسكرا على الخليج، فحاربه حتى أخرجه من أرض الروم، ثم صمد للذي كان بأرض ~~مصر، فطرده عنها، ثم عطف على شهريار، فأخرجه عن الشام، فوافت # PageV00P106 # العساكر كلها الجزيرة، وسار هرقل نحوهم، فواقعهم، فهزمهم حتى بلغ بهم ~~الموصل. # وذلك بلغ كسرى، فخرج في جنوده نحو الموصل، وانضم إليه قواده الثلاثة، ~~وسار نحو هرقل، فاقتتلوا، فانهزم الفرس، فلما رأى ذلك كسرى غضب على عظماء ~~جنوده ومرازبته (1)، فأمر بهم، فحبسوا ليقتلهم. ### | (تولية شيرويه بن أبرويز) # ولما ms078 رأى أهل المملكة ذلك تراسلوا، وعزموا على ~~خلع كسرى، وتمليك ابنه شيرويه بن كسرى، فخلعوه وملكوا شيرويه، وحبسوا كسرى ~~في بيت من بيوت القصر، ووكلوا به (حيلوس) رئيس المستميتة، وكان ذلك سنة تسع ~~(2) من هجرة النبي، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. # وأن شيرويه أمر أن ينقل بأبيه من دار المملكة، فيحبس في دار رجل من ~~المرازبة، يسمى (هرسفته) (3)، فقنع رأسه، وحمل على برذون (4)، فانطلق به ~~إلى تلك الدار، فحبس فيها، ووكل أمره حيلوس في خمسمائة من الجند المستميتة. # ثم إن عظماء أهل المملكة دخلوا على شيرويه، وقالوا: إنه لا يصلح أن يكون ~~علينا ملكان اثنان، فإما أن تأمر بقتل أبيك وتنفرد بالأمر، أو نخلعك ونرد ~~الأمر إليه كما كان. # فهدت شيرويه هذه المقالة، فقال: (أجلوني يومي هذا). ### || (بين الأب والابن) # ثم أمر يزدان جشنس رئيس كتاب الرسائل، فقال له: انطلق ~~عن رسالتنا # PageV00P107 # لأبينا، وقل له: (إن الذي حل بك عقوبة من الله للذي سلف من سوء أعمالك، ~~وأول ذلك ما كان منك إلى أبيك هرمزد، ومنها حظرك علينا معاشر أولادك، ومنعك ~~إيانا البراح، وحبسك إيانا في دار كهيئة المجلس بلا رقة ولا رحمة، ومنها ~~كفرانك إنعام قيصر عليك وأياديه عندك، فلم تحفظ فيه ابنه وأقاربه حين أتوك ~~يسألونك أن ترد عليهم خشبة الصليب التي بعث بها إليك شاهين من الإسكندرية، ~~فرددتهم عنها بلا حاجة منك إليها ولا درك لك في حبسها، ومنها ما أمرت به من ~~قتل الثلاثين الألف رجل من مرازبتك وعظماء أساورتك بزعمك انهم أول من انهزم ~~عن الروم، ومنها كثرة ما جمعت من الأموال، وكثرتها في خزائنك من جبايتكها ~~عن الخراج بأعنف العنف، وإنما ينبغي للملوك أن يملأوا خزائنهم مما يغنمون ~~من بلاد أعدائهم بنحور الخيل وصدور الرماح، لا مما يسألونه من رعيتهم، ~~ومنها قتلك النعمان بن المنذر، وصرفك ملك أرضه عن ولده وأهل بيته إلى ~~غيرهم، يعني إياس بن قبيصة الطائي، فلم تحفظ فيهم ما كان يحفظه آباؤك، من ~~حضانته بهرام جور جدك، ومعونته بعد ms079 أن خرج الملك عنه، حتى رده عليه، فكل ~~هذه ذنوب ارتكبتها، وآثام اقترفتها، لم يكن الله ليرضى منك فأخذك بها). # فانطلق يزدان جشنس فأبلغ كسرى رسالة شيرويه لم يخرم منها حرفا، فقال له ~~كسرى: قد أبلغت، فأد الجواب كما أديت الرسالة: (قل لشرويه القصير العمر، ~~القليل الغمر، الناقص العقل، نحن مجيبوك عن جميع ما أرسلت به إلينا من غير ~~اعتذار لتزداد علما بجهلك، أما رضانا بما ارتكب من أبينا فإني ما اطلعت على ~~ما دبر القوم من الوثوب به، وقد علمت لما استوطد لي السلطان إني لم أدع ~~أحدا مالا على خلعة وأجلب عليه بارتكاب حقه إلا قتلته، وختمت ذلك بخالي ~~بندوية وبسطام مع ما كان من قيامهما بأمري، وأما حظري عليكم معاشر أبنائنا ~~فإني فرغتكم لتعلم الأدب، ومنعتكم من الانتشار فيما لا يعينكم، ولم أقصر في ~~مطاعمكم مع ذلك ومصارفكم وملابسكم وطيبكم ومراكبكم، وأما أنت خاصة فإن ~~المنجمين قضوا في مولدك بتثريب ملكنا، وفسخ سلطاننا على يدك، فلم نأمر ~~PageV00P108 # بقتلك، ومع ذلك كتاب قرميسيا ملك الهند إلينا يعلمنا أن في انقضاء سنة ~~ثمان وثلاثين من ملكنا يفضي إليك هذا الأمر، فكتمنا ذلك الكتاب عنك، مع ~~علمنا أنه لا يفضى إليك إلا بهلاكنا، وذلك الكتاب مع قضية مولدك عند شيرين ~~صاحبتنا، فإن أردت فدونك، فاقرأهما لتزداد حسرة وثبورا، وأما ما ذكرت من ~~كفراني نعمة قيصر بمنعى ولده وأهل بيته خشبة الصليب، فأيها المائق، إن أكثر ~~من ذلك الخشب ثلاثون ألف ألف درهم فرقتها في رجال الروم الذين قدموا معي، ~~وألف ألف درهم هدايا وجهتها إلى قيصر، ومثل ذلك وصلت ابنه ثيادوس عند رجوعه ~~إلى مملكته، أفكنت أجود لهم بخمسين ألف ألف درهم وأبخل بخشبة لا تساوي ~~شيئا؟ إنما احتبستها لأرتهن بها طاعتهم، ولينقادوا لي في جميع ما أريده ~~منهم لعظيم قدر الخشبة عندهم، وأما غضبي لقيصر وطلبي بثأره، فقد قتلت به من ~~الروم ما لم يحص عدده، وأما قولك في أولئك المرازبة ورؤساء الأساورة الذين ~~هممت بقتلهم فإن أولئك اصطنعتهم ms080 ثلاثين سنة، وأسنيت أعطياتهم وأعظمت حبوتهم ~~(1) فلم أحتج إليهم في طول دهري إلا ذلك اليوم الذي فشلوا فيه وخاموا (2)، ~~فسل أيها الأخرق فقهاء هذه الملة عمن قصر في نصرة ملكه، وخام عن محاربة ~~عدوه، فسيخبرونك انهم لا يستوجبون العفو ولا الرحمة، فأما ما عنفتني به من ~~جمع الأموال فإن هذا الخراج لم يكن مني بدعة، ولم يزل الملوك يجبونه قبلي ~~ليكون قوة للملك وظهرا للسلطان، فإن ملكا من ملوك الهند كتب إلى جدي ~~أنوشروان: # أن مملكتك شبيهة بباغ عامر عليه حائط وثيق، وباب منيع، فإذا انهدم ذلك ~~الحائط أو تكسرت الأبواب لم يؤمن أن ترعى فيه الحمير والبقر. وإنما عنى ~~بالحائط الجنود، وبأبوابه الأموال. فاحتفظ أيها السخيف العقل بتلك الأموال، ~~فإنها حصن للملك، وقوام للسلطان، وظهير على الأعداء، ومفخرة عند الملوك، ~~وأما ما زعمت من قتلى النعمان بن المنذر، وإزالتي الملك عن آل عمرو بن عدي ~~إلى إياس # PageV00P109 # ابن قبيصة، فإن النعمان وأهل بيته واطئوا العرب، وأعلموهم توكفهم (1) ~~خروج الملك عنا إليهم، وقد كانت وقعت إليهم في ذلك كتب، فقتلته، ووليت ~~الأمر أعرابيا لا يعقل من ذلك شيئا). انطلق إلى شيرويه، فأخبره بذلك كله، ~~فأبلغه يزدان جشنس، لم يخرم منه شيئا، فعلت شيرويه كآبة. # ولما كان من الغد اجتمع عظماء أهل المملكة، فدخلوا على شيرويه كما فعلوا ~~بالأمس، فخاف على نفسه، فجعل يرسل الرجل بعد الرجل من مرازبته لقتل أبيه، ~~فلا يقدم عليه أحد، حتى بعث بشاب منهم يسمى يزدك بن مردان شاه مرزبان بابل ~~وخطرنية، فلما دخل عليه، قال: من أنت؟ قال: أنا ابن مردان شاه مرزبان بابل ~~وخطرنية، قال له كسرى: أنت لعمري صاحبي، وذلك إني قتلت أباك ظلما، فضربه ~~الغلام حتى قتله، وانصرف إلى شيرويه فأخبره، فلطم شيرويه وجهه، ونتف شعره، ~~وحبسه، وانطلق في عظماء أهل المملكة حتى استودعه الناووس، ثم انصرف، وأمر، ~~فقتل الغلام الذي قتل أباه. وفي ذلك العام الذي ملك فيه شيرويه توفي (2) ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر رضي الله ms081 عنه. # ثم إن شيرويه لما ملك عمد إلى إخوته، وكانوا خمسة عشر رجلا، فضرب ~~أعناقهم، مخافة أن يفسدوا عليه ملكه، فسلطت عليه الأمراض والأسقام حتى مات، ~~وكان ملكه ثمانية أشهر. ### | (بعد موت شيرويه) # فملكت فارس عليها بعده ابنه شيرزاد بن شيرويه، وكان ~~طفلا، ووكلوا به رجلا يحضنه، ويقوم بتدبير الملك إلى أن أدرك. # PageV00P110 # ولما بلغ شهريار وهو مقيم في وجه الروم مقتل كسرى أقبل في جنوده حتى ورد ~~المدائن، وقد مات شيرويه وملك ابنه شيرزاد، فاغتصب الأمر، ودخل المدائن، ~~فقتل كل من مالأ على قتل كسرى وخلعه، وقتل شيرزاد وحاضنه، وتولى أمر الملك، ~~ودعا نفسه ملكا، وذلك في العام الثاني عشر من التاريخ (الهجري). # فلما تم لملك شهريار حول أنف عظماء أهل المملكة من أن يلي ملكهم من ليس ~~من أهل بيت المملكة، فوثبوا عليه فقتلوه، وملكوا عليهم جوان شير ابن كسرى، ~~وكان طفلا، وأمه كردية أخت بهرام شوبين، فملك حولا، ثم مات. # فملكوا عليهم بوران بنت كسرى، وذلك أن شيرويه لم يدع من إخوته أحدا إلا ~~قتله، خلا جوان شير فإنه كان طفلا، فعند ذلك وهى سلطان فارس وضعف أمرهم، ~~وفلت شوكتهم. ### | (حروب العرب مع العجم) # قالوا: فلما أفضى الملك إلى بوران بنت كسرى بن ~~هرمز شاع في أطراف الأرضين أنه لا ملك لأرض فارس، وإنما يلوذون بباب امرأة، ~~فخرج رجلان من بكر بن وائل، يقال لأحدهما المثنى بن حارثة الشيباني، والآخر ~~سويد بن قطبة العجلي، فأقبلا حتى نزلا فيمن جمعا بتخوم أرض العجم، فكانا ~~يغيران على الدهاقين، فيأخذان ما قدرا عليه، فإذا طلبا أمعنا في البر فلا ~~يتبعهما أحد، وكان المثنى يغير من ناحية الحيرة، وسويد من ناحية (الأبلة) ~~(1) وذلك في خلافة أبي بكر، فكتب المثنى بن حارثة إلى أبي بكر رضي الله عنه ~~يعلمه ضراوته بفارس، ويعرفه وهنهم، ويسأله أن يمده بجيش. # فلما انتهى كتابه إلى أبي بكر رضي الله عنه كتب أبو بكر إلى خالد بن ~~الوليد، # PageV00P111 # وقد كان فرغ من أهل الردة، أن يسير إلى ms082 الحيرة فيحارب فارس، ويضم إليه ~~المثنى ومن معه، وكره المثنى ورود خالد عليه، وكان ظن أن أبا بكر (سيوليه) ~~الأمر، فسار خالد والمثنى بأصحابهما، حتى أناخا على الحيرة، وتحصن أهلها في ~~القصور الثلاثة. # ثم نزل عمرو بن بقيلة، وحديثه مع خالد، وأنه وجد معه شيئا من البيش (1) ~~فاستفه (2) على اسم الله ولم يضره ذلك معروف، ثم صالحوه من القصور الثلاثة ~~على مائة ألف درهم يؤدونها في كل عام إلى المسلمين ثم ورد كتاب أبي بكر على ~~خالد مع عبد الرحمن جميل الجمحي، يأمره بالشخوص إلى الشام ليمد أبا عبيدة ~~بن الجراح بمن معه من المسلمين، فمضى، وخلف بالحيرة عمرو بن حزم الأنصاري ~~مع المثنى، وسار على الأنبار، وانحط على عين التمر (3)، وكان بها مسلحة ~~لأهل فارس، فرمى رجل منهم عمرو بن زياد بن حذيفة بن هشام بن المغيرة ~~بنشابة، فقتله، ودفن هناك. # وحاصر خالد أهل عين التمر حتى استنزلهم بغير أمان، فضرب أعناقهم، وسبى ~~ذراريهم، ومن ذلك السبي أبو محمد بن سيرين وحمران بن أبان مولى عثمان بن ~~عفان، وقتل فيها خالد خفيرا كان بها من العرب يسمى هلال بن عقبة، وصلبه، ~~وكان من النمر بن قاسط، ومر بحي من بني تغلب والنمر، فأغار عليهم، فقتل ~~وغنم حتى انتهى إلى الشام. ولم يزل عمرو بن حزم والمثنى بن حارثة يتطرفان ~~أرض السواد ويغيران فيها حتى توفي أبو بكر (4) رضي الله عنه. # PageV00P112 ### | (الفتوحات الإسلامية في عهد عمر بن الخطاب) # وولي عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، وكانت ولاية عمر سنة ثلاث عشرة، ثم إن عمر رضي الله عنه عزم على توجيه ~~خيل إلى العراق، فدعا أبا عبيد بن مسعود، وهو أبو المختار بن أبي عبيد ~~الثقفي فعقد له على خمسة آلاف رجل، وأمره بالمسير إلى العراق، وكتب إلى ~~المثنى بن حارثة، أن ينضم بمن معه إليه، ووجه مع أبي عبيد سليط بن قيس، من ~~بني النجار الأنصاري، وقال لأبي عبيد: (قد بعثت معك رجلا هو أفضل منك ~~إسلاما، فاقبل مشورته) وقال ms083 لسليط: (لولا أنك رجل عجل في الحرب لوليتك هذا ~~الجيش، والحرب لا يصلح لها إلا الرجل المكيث) فسار أبو عبيد نحو الحيرة، لا ~~يمر بحي من أحياء العرب إلا استنفرهم، فتبعه منهم طوائف، حتى انتهى إلى قس ~~الناطف (1) فاستقبله المثنى فيمن معه. # وبلغ العجم إقبال أبي عبيد، فوجهوا مردان شاه الحاجب في أربعة آلاف فارس، ~~فأمر أبو عبيد بالجسر، فعقد ليعبر إليهم. فقال له المثنى: (أيها الأمير لا ~~تقطع هذه اللجة، فتجعل نفسك ومن معك غرضا لأهل فارس). فقال له أبو عبيد ~~(جبنت يا أخا بكر). وعبر إليهم بمن معه من الناس، وولي أبا محجن الثقفي ~~الخيل، وكان ابن عمه، ووقف هو في القلب، وزحف إليهم الفرس، فاقتتلوا، فكان ~~أبو عبيد أول قتيل، فأخذ الراية أخوه الحكم، فقتل، ثم أخذها قيس بن حبيب ~~أخو أبي محجن، فقتل، وقتل سليط بن قيس الأنصاري في نفر من الأنصار كانوا ~~معه، فأخذ المثنى الراية، وانهزم المسلمون. # فقال المثنى لعروة بن زيد الخيل الطائي (انطلق إلى الجسر، فقف عليه)، وحل ~~بين العجم وبينه). وجعل المثنى يقاتل من وراء الناس، ويحميهم حتى عبروا، ~~ويوم جسر أبي عبيد معروف، وسار المثنى بالمسلمين حتى بلغ الثعلبية (2)، ~~فنزل، # PageV00P113 # وكتب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه مع عروة بن زيد الخيل، فبكى عمر، ~~وقال لعروة: (ارجع إلى أصحابك، فمرهم أن يقيموا بمكانهم الذي هم فيه، فإن ~~المدد وارد عليهم سريعا)، وكانت هذه الوقعة في شهر رمضان يوم السبت سنة ~~ثلاث عشرة من التاريخ. # ثم إن عمر بن الخطاب استنفر الناس إلى العراق، فخفوا في الخروج، ووجه في ~~القبائل يستجيش، فقدم عليه مخنف بن سليم الأزدي في سبعمائة رجل من قومه، ~~وقدم عليه الحصين بن معبد بن زرارة في جمع من بني تميم زهاء ألف رجل، وقدم ~~عليه عدي بن حاتم في جمع من طيئ، وقدم عليه أنس بن هلال في جمع من النمر بن ~~قاسط، فلما كثر عند عمر الناس عقد لجرير بن عبد الله البجلي عليهم، فسار ms084 ~~جرير بالناس حتى وافى الثعلبية، فضم إليه المثنى فيمن كان معه، وسار نحو ~~الحيرة، فعسكر بدير هند (1)، ثم بث الخيل في أرض السواد، تغير. # وتحصن منه الدهاقين، واجتمع عظماء فارس إلى بوران، فأمرت أن يتخير اثنا ~~عشر ألف رجل من إبطال الأساورة (2)، وولت عليهم (مهران بن مهروية الهمداني) ~~فسار بالجيش حتى وافى الحيرة، وزحف الفريقان، بعضهم لبعض، ولهم زجل (3) ~~كزجل الرعد، وحمل المثنى في أول الناس، وكان في ميمنة جرير، وحملوا معه. ~~وثار العجاج، وحمل جرير بسائر الناس من الميسرة والقلب، وصدقتهم العجم ~~القتال، فجال المسلمون جولة، فقبض المثنى على لحيته، وجعل ينتف ما تبعه ~~منها من الأسف، ونادى (أيها الناس، إلي، إلي، أنا المثنى) فثاب المسلمون، ~~فحمل بالناس ثانية، وإلى جانبه مسعود بن حارثة أخوه، وكان من فرسان العرب، ~~فقتل مسعود، فنادى المثنى: (يا معشر المسلمين، هكذا مصرع خياركم، ارفعوا ~~راياتكم). وحض عدي بن حاتم أهل الميسرة، # PageV00P114 # وحرض جرير أهل القلب، وذمرهم (1)، وقال لهم: (يا معشر بجيلة، لا يكونن ~~أحد أسرع إلى هذا العدو منكم، فإن لكم في هذه البلاد - إن فتحها الله عليكم ~~- حظوة ليست لأحد من العرب، فقاتلوهم التماس إحدى الحسنيين). # فتداعى المسلمون، وتحاضوا، وثاب من كان انهزم، ووقف الناس تحت راياتهم، ~~ثم زحفوا، فحمل المسلمون على العجم حملة صدقوا الله فيها، وباشر مهران ~~الحرب بنفسه، وقاتل قتالا شديدا، وكان من إبطال العجم، فقتل مهران، وذكروا ~~أن المثنى قتله، فانهزمت العجم لما رأوا مهران صريعا، واتبعهم المسلمون، ~~وعبد الله بن سليم الأزدي يقدمهم، واتبعه عروة بن زيد الخيل، فصار المسلمون ~~إلى الجسر، وقد جازه بعض العجم، وبقي بعض، فصار من بقى منهم في أيدي ~~المسلمين، ومضت العجم، حتى لحقوا بالمدائن، وانصرف المسلمون إلى معسكرهم، ~~فقال عروة بن زيد الخيل في ذلك: # هاجت لعروة دار الحي أحزانا * واستبدلت بعد عبد القيس همذانا وقد أرانا ~~بها، والشمل مجتمع * إذ بالنخيلة قتلى جند مهرانا أيام سار المثنى بالجنود ~~لهم * فقتل القوم من رجل وركبانا سما لأجناد مهران وشيعته * حتى أبادهم ms085 ~~مثنى ووحدانا ما إن رأينا أميرا بالعراق مضى * مثل المثنى الذي من آل ~~شيبانا إن المثنى الأمير القرم لا كذب * في الحرب أشجع من ليث بخفانا (2) ~~قالوا: ولما أهلك الله مهران ومن كان معه من عظماء العجم استمكن المسلمون ~~من الغارة في السواد، وانتقضت مسالح (3) الفرس، وتشتت أمرهم، واجترأ ~~المسلمون عليهم، وشنوا الغارات ما بين سورا (4) وكسكر (5) والصراة (6) # PageV00P115 # إلى الفلاليج (1) والأستانات، فقال أهل الحيرة للمثنى: (إن بالقرب منا ~~قرية فيها سوق عظيم، تقوم في كل شهر مرة، فتأتيها تجار فارس والأهواز وسائر ~~البلاد، فإن قدرت على الغارة على تلك السوق أصبت أموالا رغيبة) يعنون سوق ~~بغداد، وكانت قرية تقوم بها سوق في كل شهر. # فأخذ المثنى على البر حتى أتى الأنبار (2)، فتحصن منه أهلها، فأرسل إلى ~~بسفروخ مرزبانها ليسير إليه، فيكلمه بما يريد، وجعل له الأمان، فأقبل ~~المرزبان حتى عبر إليه، فخلا به المثنى، وقال: (إني أريد أن أغير على سوق ~~بغداد، فأريد أن تبعث معي أدلاء، فيدلوني على الطريق، وتسوى لي الجسر، ~~لأعبر الفرات)، ففعل المرزبان ذلك، وقد كان قطع الجسر لئلا تعبر العرب ~~إليه، فعبر المثنى مع أصحابه، وبعث المرزبان معه الأدلاء، فسار حتى وافى ~~السوق ضحوة، فهرب الناس، وتركوا أموالهم، فملأوا أيديهم من الذهب والفضة، ~~وسائر الأمتعة، ثم رجع إلى الأنبار، ووافى معسكره. # ولما بلغ سويد بن قطبة العجلي أمر المثنى بن حارثة، وما نال من الظفر يوم ~~مهران كتب إلى عمر بن الخطاب، يعلمه وهن الناحية التي هو بها، ويسأله أن ~~يمده بجيش. فندب عمر بن الخطاب لذلك الوجه عتبة بن غزوان المازني، وكان ~~حليفا لبني نوفل بن عبد مناف، وكانت له صحبة من رسول الله ص، وضم إليه ألفي ~~رجل من المسلمين، وكتب إلى سويد بن قطبة يأمره بالانضمام إليه. # فلما سار عتبة شيعة عمر رضي الله عنه، فقال: (يا عتبة، إن إخوانك من ~~المسلمين قد غلبوا على الحيرة، وما يليها، وعبرت خيلهم الفرات حتى وطئت ~~بابل، مدينة هاروت وماروت ومنازل الجبارين، وإن خيلهم اليوم ms086 لتغير حتى ~~تشارف المدائن، وقد بعثتك في هذا الجيش، فاقصد قصد أهل الأهواز، فاشغل أهل ~~تلك الناحية، أن يمدوا أصحابهم بناحية السواد على إخوانكم الذين هناك، ~~وقاتلهم مما يلي الأبلة). # PageV00P116 # فسار عتبة بن غزوان حتى أتى مكان البصرة اليوم، ولم تكن هناك يومئذ إلا ~~الخريبة، وكانت منازل خربة، وبها مسالح لكسرى تمنع العرب من العبث في تلك ~~الناحية، فنزلها عتبة بن غزوان بأصحابه في الأخبية والقباب، ثم سار حتى نزل ~~موضع البصرة، وهي إذ ذاك حجارة سود وحصى، وبذلك سميت البصرة، ثم سار حتى ~~أتى الأبلة، فافتتحها عنوة، وكتب إلى عمر رضي الله عنه: (أما بعد، فإن ~~الله، وله الحمد، فتح علينا الأبلة، وهي مرقى سفن البحر من عمان، والبحرين، ~~وفارس، والهند، والصين، وأغنمنا ذهبهم وفضتهم وذراريهم، وأنا كاتب إليك ~~ببيان ذلك إن شاء الله). # وبعث بالكتاب مع نافع بن الحارث بن كلدة الثقفي، فلما قدم على عمر رضي ~~الله عنه تباشر المسلمون بذلك، فلما أراد نافع الانصراف، قال لعمر: (يا ~~أمير المؤمنين. إني قد افتليت (1) فلاء بالبصرة، واتخذت بها تجارة. فاكتب ~~إلى عتبة ابن غزوان أن يحسن جواري). # فكتب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - إلى عتبة: (أما بعد، فإن نافع بن ~~الحارث ذكر أنه قد افتلى فلاء، وأحب أن يتخذ بالبصرة دارا، فأحسن جواره، ~~واعرف له حقه، والسلام). فخط له عتبة بالبصرة خطة، فكان نافع أول من خط خطة ~~بالبصرة، وأول من افتلى بها الأفلاء، وارتبط بها رباطا، ثم إن عتبة سار إلى ~~المذار (2)، وأظهره الله عليهم، ووقع مرزبانها في يده، فضرب عنقه، وأخذ ~~بزته، وفي منطقته الزمرد والياقوت، وأرسل بذلك إلى عمر رضي الله عنه، وكتب ~~إليه بالفتح، فتباشر الناس بذلك، وأكبوا على الرسول، يسألونه عن أمر ~~البصرة، فقال إن المسلمين يهيلون بها الذهب والفضة هيلا، فرغب الناس في ~~الخروج، حتى كثروا بها، وقوي أمرهم، فخرج عتبة بهم إلى فرات البصرة (3)، ~~فافتتحها، ثم سار إلى # PageV00P117 # (دست ميسان) (1) فأفتحها بعد أن خرج إليه مرزبانها بجنوده، فالتقوا، فقتل ~~المرزبان، ms087 وانهزمت العجم، فدخل مدينتها لا يمنعه شئ، فخلف بها رجلا، وسار ~~إلى (أبرقباذ) فافتتحها، ثم انصرف إلى مكانه من البصرة، وكتب إلى عمر رضي ~~الله عنه بما فتح الله عليه من هذه المدن والبلدان، وبعث بالكتاب مع أنس بن ~~الشيخ بن النعمان، فاختلفت القبائل إليها حتى كثروا بها. # ثم إن عتبة استأذن عمر في القدوم عليه، فأذن له، فاستخلف المغيرة بن ~~شعبة، ثم خطب الناس حين أراد الخروج خطبة طويلة، قال فيها: (أعوذ بالله أن ~~أكون في نفسي عظيما، وفي أعين الناس صغيرا، وأنا سائر، ولا حول ولا قوة إلا ~~بالله، وستجربون الأمراء بعدي، فتعرفون). وكان الحسن البصري يقول، إذا تحدث ~~بهذا الحديث: قد جربنا الأمراء بعده، فوجدنا له الفضل عليهم. # وأن عمر رضي الله عنه أقر المغيرة على ثغر البصرة، فسار بالناس نحو ~~(ميسان)، فخرج إليه مرزبانها، فحاربه، فأظهر الله المسلمين، وافتتح البلاد ~~عنوة، وكتب إلى عمر بالفتح، ثم كان من أمر المغيرة والنفر الذين رموه ما ~~كان. # وبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فأمر أبا موسى الأشعري بالخروج إليها، وأن ~~يصرف الخطط لمن هناك من العرب، ويجعل كل قبيلة في محلة، وأن يأمر الناس ~~بالبناء، وأن يبني لهم مسجدا جامعا، وأن يشخص إليه المغيرة بن شعبة، فقال ~~أبو موسى: (يا أمير المؤمنين، فوجه معي نفرا من الأنصار، فإن مثل الأنصار ~~في الناس كمثل الملح في الطعام، فوجه معه عشرة من الأنصار، فيهم أنس ابن ~~مالك، والبراء بن مالك، فقدم أبو موسى البصرة، وبعث إليه بالمغيرة بن شعبة، ~~والنفر الذين شهدوا عليه، فسألهم عمر رضي الله عنه، فلم يصرحوا، فجلدهم، ~~وأمر المغيرة أن يلحق بالبصرة، فيعاون أبا موسى على أمره، ونظر أبو موسى ~~إلى زياد بن عبيد، وكان عبدا مملوكا لثقيف، فأعجبه عقله وأدبه، فاتخذه ~~كاتبا، وأقام معه، وقد كان قبل ذلك مع المغيرة بن شعبة. # PageV00P118 # قالوا: فلما نظرت الفرس إلى العرب قد حدقوا بهم، وبثوا الغارات في أرضهم ~~قالوا فيما بينهما: إنما أتينا من تملك النساء علينا، فاجتمعوا ms088 على يزدجرد ~~بن شهريار بن كسرى أبرويز، فملكوه عليهم، وهو يومئذ غلام ابن ست عشرة سنة، ~~وثبتت طائفة على آزرميدخت، فتحارب الفريقان ، فكان الظفر ليزدجرد، فخلعت ~~آزرميدخت، وتملك يزدجرد، فجمع إليه أطرافه، واستجاش أقطار أرضه، وولي عليهم ~~رستم بن هرمز، وكان محنكا، قد جربته الدهور، فسار رستم نحو القادسية. ### || (موقعة القادسية) # وبلغ ذلك جرير بن عبد الله والمثنى بن حارثة، فكتبا إلى ~~عمر رضي الله عنه، يخبرانه، فندب عمر الناس، فاجتمع له نحو من عشرين ألف ~~رجل، فولى أمرهم سعد بن أبي وقاص، فسار سعد بالجيوش حتى وافى القادسية، فضم ~~إليه من كان هناك، وتوفي المثنى بن حارثة رحمه الله، فلما انقضت عدة امرأة ~~المثنى تزوجها سعد بن أبي وقاص، وأقبل رستم بجنوده حتى نزل دير الأعور (1). # وإن سعدا بعث طليحة بن خويلد الأسدي، وكان من فرسان العرب في جمع ليأتيه ~~بخبر القوم، فلما عاينوا سوادهم، ورأوا كثرتهم قالوا لطليحة: # (انصرف بنا)، فقال: (لا، ولكني ماض حتى أدخل عسكرهم، وأعلم علمهم). ~~فاتهموه، وقالوا له: (ما نحسبك تريد إلا اللحاق بهم، وما كان الله ليهديك ~~بعد قتلك عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم)، فقال لهم طليحة: # (ملأ الرعب قلوبكم)، وأقبل طليحة حتى دخل عسكر الفرس ليلا، فلم يزل يجوسه ~~ليلته كلها، حتى إذا كان وجه السحر مر بفارس منهم يعد بألف فارس، وهو نائم، ~~وفرسه مقيد، فنزل، ففك قيده، ثم شد مقوده بثغر (2) فرسه، # PageV00P119 # وخرج من المعسكر، واستيقظ صاحب الفرس، فنادى في أصحابه، وركب في أثره، ~~فلحقوه، وقد أضاء الصبح، فبدر صاحب الفرس إليه، ووقف له طليحة، فاطعنا، ~~فقتله طليحة، ولحقه فارس آخر، فقتله طليحة، ولحقه ثالث، فأسره طليحة، وحمله ~~على دابته، وأقبل به نحو عسكر المسلمين، فكبر الناس، ودخل على سعد، وأخبره ~~الخبر. # وأقام رستم بدير الأعور معسكرا أربعة أشهر، وأرادوا (1) مطاولة العرب ~~ليضجروا، وكان المسلمون إذا فنيت أزوادهم وأعلافهم جردوا الخيل، فأخذت على ~~البر حتى تهبط على المكان الذي يريدون، ويغيرون، فينصرفون بالطعام والعلف ~~والمواشي. # ثم إن عمر رضي ms089 الله عنه كتب إلى أبي موس يأمره أن يمد سعدا بالخيل، فوجه ~~إليه أبو موسى المغيرة بن شعبة في ألف فارس، وكتب إلى أبي عبيدة بن الجراح، ~~وهو بالشام يحارب الروم أن يمد سعدا بخيل، فأمده بقيس بن هبيرة المرادي في ~~ألف فارس، وكان في القوم هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وكانت عينه فقئت يوم ~~اليرموك، وفيهم الأشعث بن قيس، والأشتر النخعي، فساروا حتى قدموا على سعد ~~بالقادسية. # وأن يزدجرد الملك كتب إلى رستم يأمره بمناجزة العرب، فزحف رستم بجنوده ~~وعساكره حتى وافى القادسية، فعسكر على ميل من معسكر المسلمين، وجرت الرسل ~~فيما بينه وبين سعد شهرا، ثم أرسل إلى سعد: أن ابعث إلى من أصحابك رجلا، له ~~فهم وعقل وعلم، لأكلمه، فبعث إليه بالمغيرة بن شعبة، فلما دخل عليه قال له ~~رستم: (إن الله قد أعظم لنا السلطان، وأظهرنا على الأمم، وأخضع لنا ~~الأقاليم، وذلل لنا أهل الأرضين، ولم يكن في الأرض أمة أصغر قدرا عندنا ~~منكم، لأنكم أهل قلة وذلة وأرض جدبة، ومعيشة ضنك، فما حملكم على تخطيكم إلى # PageV00P120 # بلادنا؟ فإن كان ذلك من قحط نزل بكم، فإنا نوسعكم ونفضل عليكم، فارجعوا ~~إلى بلادكم). # فقال له المغيرة: (أما ما ذكرت من عظيم سلطانكم، ورفاهة عيشكم، وظهوركم ~~على الأمم، وما أوتيتم من رفيع الشأن، فنحن كل ذلك عارفون، وسأخبرك عن ~~حالنا: إن الله وله الحمد، أنزلنا بقفار من الأرض، مع الماء النزر، والعيش ~~القشف يأكل قوينا ضعيفنا، ونقطع أرحامنا، ونقتل أولادنا خشية الإملاق، ~~ونعبد الأوثان، فبينا نحن كذلك بعث الله فينا نبيا، من صميمنا وأكرم أرومة ~~(1) فينا، وأمره أن يدعو الناس إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأن نعمل ~~بكتاب أنزله إلينا، فآمنا به، وصدقناه، فأمرنا أن ندعو الناس إلى ما أمره ~~الله به، فمن أجابنا كان له ما لنا، وعليه ما علينا، ومن أبى ذلك سألناه ~~الجزية (2) عن يد، فمن أبى جاهدناه، وأنا أدعوك إلى مثل ذلك، فإن أبيت ~~فالسيف). وضرب يده مشيرا بها إلى قائم ms090 سيفه. # فلما سمع ذلك رستم تعاظمه ما استقبله به، واغتاظ منه، فقال: (والشمس، لا ~~يرتفع الضحى غدا حتى أقتلكم أجمعين) فانصرف المغيرة إلى سعد، فأخبره بما ~~جرى بينهما، وقال لسعد (استعد للحرب)، فأمر الناس بالتهيؤ والاستعداد، فبات ~~الفريقان يكتبون الكتائب، ويعبون الجنود، وأصبحوا وقد صفوا الصفوف، ووقفوا ~~تحت الرايات، وكانت بسعد علة من خراج (3) في فخذه قد منعه الركوب، فولى أمر ~~الناس خالد بن عرفطة، وولى القلب قيس بن هبيرة، وولى الميمنة شرحبيل ابن ~~السمط، وولى الميسرة هاشم بن عتبة بن أبي وقاص، وولى الرجالة قيس بن خريم، ~~وأقام هو في قصر القادسية، مع الحرم والذرية، ومعه في القصر أبو محجن ~~الثقفي محبوسا في شراب شربه. # PageV00P121 # ثم إن سعدا تقدم إلى عمرو بن معدى كرب، وقيس بن هبيرة، وشرحبيل بن السمط، ~~وقال: إنكم شعراء وخطباء وفرسان العرب، فدوروا في القبائل والرايات، وحرضوا ~~الناس على القتال. # قال: ثم زحف الفريقان بعضهم إلى بعض، وقد صف العجم ثلاثة عشر صفا، بعضها ~~خلف بعض، وصفت العرب ثلاثة صفوف، فرشقتهم العجم بالنشاب حتى فشت فيهم (1) ~~الجراحات، فلما رأى قيس بن هبيرة ذلك، قال لخالد ابن عرفطة، وكان أمير ~~الأمراء: أيها الأمير، إنا قد صرنا لهؤلاء القوم غرضا، فاحمل عليهم بالناس ~~حملة واحدة، فتطاعن الناس بالرماح مليا، ثم أفيضوا إلى السيوف. # وكان زيد بن عبد الله النخعي صاحب الحملة الأولى، فكان أول قتيل، فأخذ ~~الراية أخوه أرطأة، فقتل، ثم حملت بجيلة، وعليها جرير بن عبد الله، وحملت ~~الأزد، وثار القتام، واشتد القتال، فانهزمت العجم حتى لحقوا برستم، وترجل ~~رستم، وترجل معه الأساورة والمرازبة وعظماء الفرس، وحملوا، فجال المسلمون ~~جولة. # وكلم أبو محجن أم ولد سعد، فقال: أطلقيني من قيدي، ولك على عهد الله إن ~~لم أقتل أن أرجع إلى محبسي هذا، وقيدي. ففعلت، وحملته على فرس لسعد أبلق ~~(2)، فانتهى إلى القوم مما يلي الأزد، وبجيلة، مما يلي الميمنة، فجعل يحمل، ~~ويكشف العجم، وقد كانوا كثروا على بجيلة، فجعل سعد يعجب، ولا يدري من هو، ~~ويعرف ms091 الفرس. # وبعث سعد إلى جرير بن عبد الله، وكان معه لواء بجيلة، وإلى الأشعث بن ~~قيس، ومعه لواء كندة، وإلى رؤساء القبائل: أن احملوا على القوم من ناحية ~~الميمنة على القلب، فحمل الناس عليهم من كل وجه، وانتقضت تعبية الفرس، وقتل ~~رستم، وولت العجم هاربة، وانصرف إلى محبسه أبو محجن، وطلب رستم في المعركة، # PageV00P122 # فأصيب بين القتلى، وبه مائة جراحة، ما بين طعنة وضربة، ولم يدر من قتله، ~~ويقال: بل ارتطم في نهر القادسية، فغرق، وانتهت هزيمة العجم إلى دير كعب، ~~فنزلوا هناك، فاستقبلهم النخارجان، وقد وجهه يزدجرد مددا، فوقف بدير كعب، ~~فكان لا يمر به أحد من الفل إلا حبسه قبله. # ثم عبى القوم، وكتبوا كتائبهم وأوقفوهم مواقفهم حتى وافتهم العرب، وتواقف ~~الفريقان، وبرز النخارجان، فنادى، مرد ومرد، أي رجل ورجل، فخرج إليه زهير ~~بن سليم أخو مخنف بن سليم الأزدي، وكان النخارجان سمينا بدينا جسيما، وزهير ~~رجلا مربوعا (1) شديد العضدين والساعدين، فرمى النخارجان نفسه عن دابته ~~عليه، فاعتركا، فصرعه النخارجان، وجلس على صدره، واستل خنجره ليذبحه، فوقعت ~~إبهام النخارجان في فم زهير، فمضغها، واسترخى النخارجان، وانقلب عليه زهير، ~~وأخذ خنجره وأدخل يده تحت ثيابه، فبعجه (2)، وقتله. # وكان برذون النخارجان مدربا، فلم يبرح، فركبه زهير وقد سلبه سواريه ودرعه ~~وقباءه ومنطقته، فأتى به سعدا، فأغنمه إياه، وأمره سعد أن يتزيى بزيه، ودخل ~~على سعد، فكان زهير بن سليم أول من لبس من العرب السوارين، وحمل قيس بن ~~هبيرة على جيلوس رأس المستميتة، فقتله، وحمل المسلمون من كل جانب، فانهزمت ~~العجم، وبادر جرير بن عبد الله إلى القنطرة، فعطفوا عليه، فاحتملوه ~~برماحهم، فسقط إلى الأرض، ولحقه أصحابه، وهربت عنه العجم، ولم يصبه شئ، ~~وعار فرسه (3)، فلم يلحق، فأتي ببرذون من مراكب الفرس في عنقه قلادة زمرد، ~~فركبه، وذهبت العجم على وجوهها حتى لحقت بالمدائن. # وكتب سعد إلى عمر رضي الله عنه بالفتح. وكان عمر يخرج في كل يوم ماشيا ~~وحده، لا يدع أحدا يخرج معه، فيمشي على طريق العراق ميلين ms092 أو ثلاثة، # PageV00P123 # فلا يطلع عليه راكب من جهة العراق إلا سأله عن الخبر، فبينا هو كذلك يوما ~~طلع عليه البشير بالفتح، فلما رآه عمر رضي الله عنه ناداه من بعيد: ما ~~الخبر؟، قال: # فتح الله على المسلمين، وانهزمت العجم. وجعل الرسول يخب ناقته، وعمر يعدو ~~معه، ويسأله، ويستخبره، والرسول لا يعرفه، حتى دخل المدينة كذلك، فاستقبل ~~الناس عمر رضي الله عنه، يسلمون عليه بالخلافة وإمرة المؤمنين، فقال ~~الرسول، وقد تحير: سبحان الله يا أمير المؤمنين! أ لا أعلمتني؟ فقال عمر: ~~لا عليك. # ثم أخذ الكتاب، فقرأه على الناس. # وأقام سعد في عسكره بالقادسية إلى أن أتاه كتاب عمر، يأمره أن يضع لمن ~~معه من العرب دار هجرة، وأن يجعل ذلك بمكان لا يكون بين عمر وبينهم بحر، ~~فسار إلى الأنبار (1) ليجعلها دار هجرة، فكرهها لكثرة الذباب بها، ثم ارتحل ~~إلى كويفة ابن عمر (2)، فلم يعجبه موضعها، فأقبل حتى نزل موضع الكوفة ~~اليوم، فخطها خططا بين من كان معه، وبنى لنفسه القصر والمسجد. # وبلغ عمر أن سعدا علق بابا على مدخل القصر، فأمر محمد بن مسلمة أن يسير ~~إلى الكوفة، فيدعو بنار، فيحرق ذلك الباب، وينصرف من ساعته، وأقبل محمد، ~~فسار حتى دخل الكوفة، وفعل ما أمر به، وانصرف من ساعته، وأخبر سعد، فلم يحر ~~جوابا، وعلم أن ذلك من أمر عمر، فقال بشر بن أبي ربيعة: # ألم خيال من أميمة موهنا * وقد جعلت إحدى النجوم تغور ونحن بصحراء العذيب ~~ودونها * حجازية إن المحل شطير فزارت غريبا نازحا، جل ماله * جواد، ومفتوق ~~الغرار طرير وحلت بباب القادسية ناقتي * وسعد بن وقاص على أمير تذكر، هداك ~~الله، وقع سيوفنا * بباب قديس والمكر غرير # PageV00P124 # عشية ود القوم لو أن بعضهم * يعار جناحي طائر فيطير إذا برزت منهم إلينا ~~كتيبة * أتونا بأخرى كالجبال تمور فضاربتهم حتى تفرق جمعهم * وطاعنت، إني ~~بالطعان بصير وعمرو أبو ثور شهيد، وهاشم * وقيس، ونعمان الفتى، وجرير وقال ~~عروة بن الورد: # لقد علمت عمرو ونبهان أنني * أنا الفارس الحامي إذا ms093 القوم أدبروا وإني ~~إذا كروا شددت أمامهم * كأني أخو قصباء جهم غضنفر صبرت لأهل القادسية معلما ~~* ومثلي إذا لم يصبر القرن يصبر فطاعنتهم بالرمح حتى تبددوا * وضاربتهم ~~بالسيف حتى تكركروا بذلك أوصاني أبي، وأبو أبي * بذلك أوصاه، فلست أقصر ~~حمدت إلهي إذ هداني لدينه * فلله أسعى ما حييت وأشكر وقال قيس بن هبيرة: # جلبت الخيل من صنعاء تردى * بكل مدجج كالليث حامي إلى وادي القرى فديار ~~كلب * إلى اليرموك والبلد الشآمي فلما أن زوينا الروم عنها * عطفناها ضوامر ~~كالجلام فابنا القادسية بعد شهر * مسومة دوابرها دوامي (1) فناهضنا هناك ~~جموع كسرى * وأبناء المرازبة العظام فلما أن رأيت الخيل جالت * قصدت لموقف ~~الملك الهمام فأضرب رأسه فهوى صريعا * بسيف لا أفل ولا كهام وقد أبلى الإله ~~هناك خيرا * وفعل الخير عند الله نامي نفلق هامهم بمهندات * كان فراشها قيض ~~النعام (2) # PageV00P125 # قالوا: ولما انهزمت العجم من القادسية وقتل صناديدهم مروا على وجوههم حتى ~~لحقوا بالمدائن، وأقبل المسلمون حتى نزلوا على شط دجلة بإزاء المدائن، ~~فعسكروا هناك، وأقاموا فيه ثمانية وعشرين شهرا، حتى أكلوا الرطب مرتين، ~~وضحوا أضحيتين، فلما طال ذلك على أهل السواد صالحه عامة الدهاقين بتلك ~~الناحية. # ولما رأى يزدجرد ذلك جمع إليه عظماء مرازبته، فقسم عليهم بيوت أمواله ~~وخزائنه، وكتب عليهم بها القبالات (1)، وقال: إن ذهب ملكنا، فأنتم أحق به، ~~وإن رجع رددتموه علينا، ثم تحمل في حرمه وحشمه، وخاصة أهل بيته، حتى أتى ~~حلوان (2)، فنزلها، وولى خرزاد بن هرمز أخا رستم المقتول بالقادسية الحرب، ~~وخلفه بالمدائن. # وبلغ ذلك سعدا، فتأهب، وأمر أصحابه أن يقتحموا دجلة، وابتدأ، فقال باسم ~~الله، ودفع فرسه فيها، ودفع الناس، فسلموا عن آخرهم إلا رجلا غرق، وكان على ~~فرس شقراء (3)، فخرجت الفرس تنفض عرفها، وغرق راكبها، وكان من طيئ، يسمى ~~سليك بن عبد الله، فقال سلمان، وكان حاضرا يومئذ: يا معشر المسلمين، إن ~~الله ذلل لكم البحر، كما ذلل لكم البر، أما والذي نفس سلمان بيده، ليغيرن ~~فيه، وليبدلن. # قالوا: ولما نظرت الفرس إلى العرب قد ms094 أقحموا دوابهم الماء وهم يعبرون، ~~تنادوا (ديوان آمدند، ديوان آمدند) (4)، فخرج خرزاد في الخيل حتى وقف على ~~الشريعة، ونادى: يا معشر العرب، البحر بحرنا، فليس لكم أن تقتحموه علينا. # وأقبلوا يرمون العرب بالنشاب، واقتحم منهم ناس كثير الماء، فقاتلوا ساعة، # PageV00P126 # وكاثرتهم العرب، فخرجت الفرس من الشريعة، وخرج المسلمون، وقاتلوهم مليا، ~~وانهزمت العجم حتى دخلت المدائن، فتحصنوا فيها، وأناخ المسلمون عليهم مما ~~يلي دجلة، فلما نظر خرزاد إلى ذلك خرج من الباب الشرقي ليلا في جنوده نحو ~~جلولاء، وأخلى المدائن، فدخلها المسلمون، فأصابوا فيها غنائم كثيرة، ووقعوا ~~على كافور (1) كثير، فظنوه ملحا، فجعلوه في خبزهم، فأمر عليهم. # وقال مخنف بن سليم: لقد سمعت في ذلك اليوم رجلا ينادي: من يأخذ صحفة ~~حمراء بصحفة بيضاء. لصحفة من ذهب لا يعلم ما هي. # وكتب سعد إلى عمر رضي الله عنه بالفتح، وأقبل (2) علج من أهل المدائن إلى ~~سعد، فقال: أنا أدلكم على طريق، تدركون فيه القوم قبل أن يمعنوا في السير. # فقدمه سعد أمامه، واتبعته الخيل، فقطع بهم مخائض وصحاري. ### || (موقعه جلولاء) # ثم إن خرزاد لما انتهى إلى جلولاء أقام بها، وكتب إلى ~~يزدجرد، وهو بحلوان، يسأله المدد، فأمده، فخندق على نفسه، ووجهوا بالذراري ~~والأثقال إلى خانقين (4)، ووجه سعد إليهم بخيل، وولى عليها عمرو بن مالك بن ~~نجبة بن نوفل بن وهب بن عبد مناف بن زهرة، فسار حتى وافى جلولاء، والعجم ~~مجتمعون قد خندقوا على أنفسهم. فنزل المسلمون قريبا من معسكرهم، وجعلت ~~الأمداد تقدم على العجم من الجبل، وأصبهان. # فلما رأى المسلمون ذلك قالوا لأميرهم عمرو بن مالك: (ما تنتظر بمناهضة ~~القوم، # PageV00P127 # وهم كل يوم في زيادة؟). فكتب إلى سعد بن وقاص يعلمه ذلك، ويستأذنه في ~~مناجزة القوم، فأذن له سعد، ووجه إليه قيس بن هبيرة مددا في ألف رجل، ~~أربعمائة فارس، وستمائة راجل. # وبلغ العجم أن العرب قد أتاهم المدد، فتأهبوا للحرب، وخرجوا، ونهض إليهم ~~عمرو بن مالك في المسلمين، وعلى ميمنته حجر بن عدي، وعلى ميسرته زهير ابن ~~جوية، وعلى ms095 الخيل عمرو بن معدي كرب، وعلى الرجالة طليحة ابن خويلد، فتزاحف ~~الفريقان، وصبر بعضهم لبعض، فتراموا بالسهام حتى أنفدوها، وتطاعنوا بالرماح ~~حتى كسروها، ثم أفضوا إلى السيوف وعمد الحديد، فاقتتلوا يومهم ذلك كله إلى ~~الليل، ولم يكن للمسلمين فيه صلاة إلا إيماء والتكبير، حتى إذا اصفرت الشمس ~~أنزل الله على المسلمين نصره، وهزم عدوهم، فقتلوهم إلى الليل، وأغنمهم الله ~~عسكرهم بما فيه. # فقال محقن بن ثعلبة، فدخلت في معسكرهم إلى فسطاط، فإذا أنا بجارية على ~~سرير في جوف الفسطاط، كان وجهها داره القمر، فلما نظرت إلي فزعت وبكت، ~~فأخذتها، وأتيت الأمير عمرو بن مالك، فاستوهبته إياها، فوهبها لي، فاتخذتها ~~أم ولد. # وأصاب خارجة بن الصلت في فسطاط من فساطيطهم ناقة من ذهب موشحة باللؤلؤ ~~والدر الفارد (1)، والياقوت، عليها تمثال رجل من ذهب، وكانت على كبر ~~الظبية، فدفعها إلى المتولي لقبض الغنائم. # قال: ومرت الفرس على وجوهها، لا تلوي على شئ حتى انتهت إلى يزدجرد، وهو ~~بحلوان، فسقط في يديه، فتحمل بحرمه وحشمه وما كان معه من أمواله وخزائنه ~~حتى نزل (قم) (2) و (قاشان). # PageV00P128 # وأصاب المسلمون يوم جلولاء غنيمة لم يغنموا مثلها قط، وسبوا سبيا كثيرا ~~من بنات أحرار فارس، فذكروا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول: اللهم ~~إني أعوذ بك من أولاد سبايا الجلوليات. فأدرك أبناؤهن قتال صفين، فخلف عمرو ~~بن مالك بجلولاء جرير بن عبد الله البجلي في أربعة آلاف فارس مسلحة بها، ~~ليردوا العجم عن نفوذها إلى ما يلي العراق، وسار ببقية المسلمين حتى وافى ~~سعد بن أبي وقاص، وهو مقيم بالمدائن، فارتحل سعد بالناس حتى ورد الكوفة، ~~وكتب إلى عمر رضي الله عنه بالفتح، وأقام سعدا أميرا على الكوفة وجميع ~~السواد ثلاث سنين ونصفا، ثم عزله عمر، وولى مكانه عمار بن ياسر على الحرب، ~~وعبد الله بن مسعود على القضاء، وعمرو بن حنيف على الخراج. # قالوا: ولما انتهت هزيمة العجم إلى حلوان، وخرج يزدجرد هاربا حتى نزل ~~(قم) و (قاشان) ومعه عظماء أهل بيته ms096 وأشرافهم، قال له رجل من خاصته وأهل ~~بيته، يسمى هرمزان، وكان خال شيرويه بن كسرى أبرويز: أيها الملك إن العرب ~~قد اقتحمت عليك من هذه الناحية، يعني حلوان، ولهم جمع بناحية الأهواز، ليس ~~في وجوههم أحد يردهم، ولا يمنعهم من العيث والفساد، يعني خيل أبي موسى ~~الأشعري ومن كان معه. قال يزدجرد: فما الرأي؟ قال الهرمزان: الرأي أن ~~توجهني إلى تلك الناحية، فأجمع إلي العجم، وأكون ردءا في ذلك الوجه، وأجمع ~~لك الأموال من فارس والأهواز، واحملها إليك، لتتقوى بها على حرب أعدائك، ~~فأعجبه ذلك من قوله، وعقد له على الأهواز وفارس، ووجه معه جيشا كثيفا. ~~PageV00P129 ### || (يوم مدينة تستر) # فأقبل الهرمزان حتى وافى مدينة تستر (1)، فنزلها، ورم ~~حصنها، وجمع الميرة فيها لحصار، إن رهقه (2)، وأرسل فيما يليه يستنجدهم، ~~فوافاه بشر عظيم، فكتب أبو موسى إلى عمر، يخبره الخبر، فكتب عمر رضي الله ~~عنه إلى عمار بن ياسر، يأمره أن يوجه النعمان بن مقرن في ألف رجل من ~~المسلمين إلى أبي موسى، فكتب عمار إلى جرير، وكان مقيما بجلولاء، يأمره ~~باللحاق بأبي موسى، فخلف جرير بجلولاء عروة ابن قيس البجلي في ألفي رجل من ~~العرب، وسار ببقية الناس حتى لحق بأبي موسى، فكتب أبو موسى إلى عمر يستزيده ~~من المدد، فكتب عمر إلى عمار يأمره أن يستخلف عبد الله بن مسعود على الكوفة ~~في نصف الناس، ويسير بالنصف الآخر حتى يلحق بأبي موسى، فسار عمار حتى ورد ~~على أبي موسى، وقد وافاه جرير من ناحية جلولاء. # فلما توافت العساكر عند أبي موسى ارتحل بالناس، وسار حتى أناخ على تستر، ~~وتحصن الهرمزان منه في المدينة، ثم تأهب للحرب، وخرج إلى أبي موسى، وعبى ~~أبو موسى المسلمين، فجعل على ميمنته البراء بن مالك أخا أنس بن مالك، وعلى ~~ميسرته مجزأة بن ثور البكري، وعلى جميع الناس أنس بن مالك، وعلى الرجالة ~~سلمة بن رجاء. # وتزاحف الفريقان فاقتتلوا قتالا شديدا، حتى كثرت القتلى بين الفريقين، ثم ~~أنزل الله نصره، فانهزمت الأعاجم حتى دخلوا مدينة ms097 تستر، فتحصنوا بها، وقتل ~~البراء بن مالك ومجزأة بن ثور، وقتل من الأعاجم في المعركة ألف رجل، وأسر ~~منهم ستمائة أسير، فقدمهم أبو موسى، فضرب أعناقهم. # PageV00P130 # وأقام المسلمون على باب مدينة تستر أياما كثيرة، وحاصروا العجم بها، فخرج ~~ذات ليلة رجل من أشراف أهل المدينة، فأتى أبا موسى مستسرا، فقال (تؤمنني ~~على نفسي وأهلي وولدي ومالي وضياعي حتى أعمل في أخذك المدينة عنوة؟ قال أبو ~~موسى: إن فعلت فلك ذلك. قال الرجل، وكان اسمه سينه: ابعث معي رجلا من ~~أصحابك. فقال أبو موسى: من رجل يشري نفسه، ويدخل مع هذا العجمي مدخلا لا ~~آمن عليه فيه الهلاك، ولعل الله أن يسلمه، فإن يهلك فإلى الجنة، وإن يسلم ~~عمت منفعته جميع الناس؟. # فقام رجل من بني شيبان، يقال له (الأشرس بن عوف)، فقال: أنا. فقال أبو ~~موسى (امض، كلاك الله). فمضى حتى خاض به دجيل (1)، ثم أخرجه من سرب (2) حتى ~~انتهى به إلى داره، ثم أخرجه من داره، وألقى عليه طيلسانا (3)، وقال: # امش ورائي كأنك من خدمي. ففعل، فجعل سينه يمر به في أقطار المدينة طولا ~~وعرضا، حتى انتهى به إلى الأحراس الذين يحرسون أبواب المدينة، ثم انطلق حتى ~~مر به على الهرمزان، وهو على باب قصره، ومعه ناس من مرازبته، وشمع أمامه، ~~حتى نظر الرجل إلى جميع ذلك، ثم انصرف إلى داره، وأخرجه من ذلك السرب، حتى ~~أتى به أبا موسى، فأخبره الأشرس بجميع ما رأى، وقال: وجه معي مائتي رجل حتى ~~أقصد بهم الحرس، فأقتلهم، وأفتح لك الباب، ووافنا أنت بجميع الناس. # فقال أبو موسى: من يشتري نفسه لله، فيمضي مع الأشرس؟. فانتدب مائتا رجل، ~~فمضوا مع الأشرس وسينة حتى دخلوا من ذلك النقب، وخرجوا في دار سينه، ~~وتأهبوا للحرب، ثم خرجوا والأشرس أمامهم، حتى انتهوا إلى باب المدينة، ~~وأقبل أبو موسى في جميع الناس حتى وافوا الباب من خارج، وأقبل # PageV00P131 # الأشرس وأصحابه حتى أتوا الأحراس، فوضعوا فيهم السيف، وتداعى الناس، ~~وأسندوا ظهورهم إلى حائط السور، وأبو موسى وأصحابه ms098 يكبرون لتشتد بذلك ~~ظهورهم، وأفضى أصحاب الأشرس إلى الباب، فضربوا القفل حتى كسروه، وفتحوا ~~الباب، ودخل أبو موسى والمسلمون، فوضعوا فيهم السيوف، وهرب الهرمزان في ~~عظماء مرازبته حتى دخلوا الحصن الذي في جوف المدينة، وأخذ أبو موسى المدينة ~~بما فيها وحاصروا الهرمزان حتى فنى ما كان أعد في الحصن من الميرة، ثم سأل ~~الأمان، فقال أبو موسى: أو منك على حكم أمير المؤمنين. فرضي بذلك، وخرج ~~فيمن كان معه من أهل بيته ومرازبته إلى أبي موسى، فوجه به وبهم أبو موسى ~~إلى عمر رضي الله عنه، ووجه معه ثلاثمائة رجل، وأمر عليهم أنس بن مالك، ~~فساروا حتى انتهوا إلى ماء يقال له (السمينة) (1)، فأقبل أهل الماء ~~يمنعونهم من النزول خوفا من أن يفنوا ماءهم، فلما علموا أن أنسا صاحب القوم ~~جاءوهم، فنزلوا، فقال رجل من أصحاب أنس لأنس: أخبر أمير المؤمنين بما صنع ~~هؤلاء بنا، ليخرجوهم من هذا الماء. قال الهرمزان: وإن أراد مريد أن يحولهم ~~إلى مكان شر منه، هل كان يجده؟. # ثم ساروا حتى وافوا المدينة، فأتوا دار عمر، وقد زينوا الهرمزان بقبائه ~~(2) ومنطقته وسيفه وسواريه وتوأمتيه (3)، وكذلك من كان معه، لينظر عمر رضي ~~الله عنه إلى زي الملوك والمرازبة وهيئتهم، فكان من خبره ما هو مشهور. # وانصرف عمار بن ياسر فيمن كان معه من أصحابه إلى أوطانهم بالكوفة، وسار ~~أبو موسى من تستر، حتى أتوا السوس (4)، فحاصرها، فسأله مرزبانها أن يؤمنه ~~في ثمانين رجلا من أهل بيته وخاصة أصحابه، فأجابه إلى ذلك، فخرج إليه، فعد ~~ثمانين رجلا، ولم يعد نفسه فيهم فأمر أبو موسى به، فضربت عنقه، وأطلق ~~الثمانين الذين عدهم، ثم دخل المدينة، فغنم ما فيها، ثم بعث منجوف بن ثور ~~إلى # PageV00P132 # مهرجان قذق (1)، فافتتحها، ومعه السائب بن الأقرع، فانتهى السائب إلى قصر ~~الهرمزان صاحب تستر، وكان موطنه الصيمرة، فدخل القصر، وكان من المدينة على ~~ميل، فنظر في بعض البيوت إلى تمثال في الحائط ماد إصبعه مصوبها إلى الأرض، ~~فقال السائب (ما صوبت إصبع هذا التمثال ms099 إلى هذا المكان إلا لأمر، احفروا ~~هاهنا) فحفروا، فأصابوا سفطا (2)، كان للهرمزان مملوءا جوهرا، فاحتبس منه ~~السائب فص خاتم، وسرح بالباقي إلى أبي موسى، وأعلمه أنه أخذ منه فصا، فسأله ~~أن يهبه له، ففعل أبو موسى، ووجه بالسفط إلى عمر رضي الله عنه، فأرسل عمر ~~إلى الهرمزان، وقال: (هل تعرف هذا السفط؟) فقال: (نعم، أفقد منه فصا) قال ~~عمر: (إن صاحب المقسم استوهبه، فوهبه له أبو موسى)، فقال: # (إن صاحبكم لبصير بالجوهر). # ثم إن عمر ولى عثمان بن أبي العاص أرض البحرين، فلما بلغه فتح الأهواز ~~سار بمن كان معه حتى أوغل في أرض فارس، فنزل مكانا يسمى (توج) (3) فصيره ~~دار هجرة، وبنى مسجدا جامعا، فكان يحارب أهل أردشير، حتى غلب على طائفة من ~~أرضهم، وغلب على ناحية من بلاد سابور، وبلاد إصطخر، وأرجان، فمكث بذلك ~~حولا، ثم خلف أخاه الحكم بن أبي العاص على أصحابه ولحق بالمدينة. # وإن مرزبان فارس جمع جموعا عظيمة، وزحف إلى الحكم، فظفر به الحكم، فقتله، ~~و كان اسمه (سهرك). ### || (وقعة نهاوند) # ثم كانت وقعة نهاوند (4) سنة إحدى وعشرين (641 م)، وذلك أن ~~العجم لما قتلوا بجلولاء، وهرب يزدجرد، فصار بقم، ووجه رسله في البلدان ~~يستجيش، فغضب له أهل مملكته، فتحلبت (5) إليه الأعاجم من أقطار البلاد، # PageV00P133 # فأتاه أهل قومس، وطبرستان، وجرجان، ودنباوند، والري، وأصبهان، وهمذان، ~~والماهين، واجتمعت عنده جموع عظيمة، فولى أمرهم مردان شاه بن هرمز، ووجههم ~~إلى نهاوند. # وكتب عمار بن ياسر إلى عمر بن الخطاب بذلك، فخرج عمر بن الخطاب رضي الله ~~عنه، وبيده الكتاب حتى صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # (يا معشر العرب، إن الله أيدكم بالإسلام، وألف بينكم بعد الفرقة، وأغناكم ~~بعد الفاقة، وأظفركم في كل موطن لقيتم فيه عدوكم، فلم تفلوا، ولم تغلبوا، ~~وإن الشيطان قد جمع جموعا ليطفئ نور الله، وهذا كتاب عمار ابن ياسر، يذكر ~~أن أهل قومس وطبرستان ودنباوند وجرجان والري وأصبهان وقم وهمذان والماهين ~~وماسبذان قد أجفلوا (1) إلى ملكهم، ليسيروا إلى إخوانكم بالكوفة ms100 والبصرة ~~حتى يطردوهم من أرضهم، ويغزوكم في بلادكم، فأشيروا علي) . فتكلم طلحة بن ~~عبيد الله، فقال: (يا أمير المؤمنين، إن الأمور) قد حنكتك، وإن الدهور قد ~~جربتك، وأنت الوالي، فمرنا نطع، واستنهضنا ننهض). ثم تكلم عثمان بن عفان، ~~فقال: (يا أمير المؤمنين، اكتب إلى أهل الشام، فيسيروا من شامهم، وإلى أهل ~~اليمن، فيسيروا من يمنهم، وإلى أهل البصرة، فيسيروا من بصرتهم، وسر أنت ~~بأهل هذا الحرم حتى توافي الكوفة، وقد وافاك المسلمون من أقطار أرضهم وآفاق ~~بلادهم، فإنك إذا فعلت ذلك كنت أكثر منهم جمعا وأعز نفرا). # فقال المسلمون من كل ناحية (صدق عثمان)، فقال عمر لعلي رضي الله عنهما: # ما تقول أنت يا أبا الحسن؟)، فقال علي رضي الله عنه: (إنك إن أشخصت أهل ~~الشام من شامهم سارت الروم إلى ذراريهم، وإن سيرت أهل اليمن من يمنهم خلفت ~~الحبشة على أرضهم، وإن شخصت أنت من هذا الحرم انتقضت عليك # PageV00P134 # الأرض من أقطارها، حتى يكون ما تدع وراءك من العيالات أهم إليك مما ~~قدامك، وإن العجم إذا رأوك عيانا قالوا، هذا ملك العرب كلها، فكان أشد ~~لقتالهم، وأنا لم نقاتل الناس على عهد نبينا صلى الله عليه وسلم ولا بعده ~~بالكثرة، بل أكتب إلى أهل الشام أن يقيم منهم بشامهم الثلثان، ويشخص الثلث، ~~وكذلك إلى عمان، وكذلك سائر الأمصار والكور). # فقال عمر: الرأي الذي كنت رأيته، ولكني أحببت أن تتابعوني عليه، فكتب ~~بذلك إلى الأمصار، ثم قال: لأولين الحرب رجلا يكون غدا لأسنة القوم جزرا ~~(1). فولى الأمر النعمان بن مقرن المزني، وكان من خيار أصحاب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وكان على خراج كسكر، فدعا عمر السائب بن الأقرع، فدفع إليه ~~عهد النعمان بن مقرن، وقال له: إن قتل النعمان فولى الأمر حذيفة بن اليمان، ~~وإن قتل حذيفة فولى الأمر جرير بن عبد الله البجلي، وإن قتل جرير فالأمير ~~المغيرة ابن شعبة، وإن قتل المغيرة فالأمير الأشعث بن قيس. # وكتب إلى النعمان بن مقرن (أن قبلك رجلين هما فارسا ms101 العرب: عمرو بن معدي ~~كرب، وطليحة بن خويلد فشاورهما في الحرب، ولا تولهما شيئا من الأمر)، ثم ~~قال للسائب: إن أظفر الله المسلمين فتول أمر المغنم ولا ترفع إلي باطلا، ~~وإن يهلك ذلك الجيش فاذهب، فلا أرينك. # فسار السائب حتى ورد الكوفة ودفع إلى النعمان عهده، ووافت الأمداد، وخلف ~~أبو موسى بالبصرة ثلثي الناس، وسار بالثلث الآخر حتى وافى الكوفة، فتجهز ~~الناس، وساروا إلى نهاوند، فنزلوا بمكان يسمى (الإسفيذهان) (2) من مدينة ~~نهاوند على ثلاثة فراسخ، قرب قرية يقال لها (قديسجان)، وأقبلت الأعاجم ~~يقودها مردان شاه بن هرمزد، حتى عسكروا قريبا من عسكر المسلمين، وخندقوا ~~على أنفسهم، وأقام الفريقان بمكانهما، فقال النعمان لعمرو وطلحة: (ما ~~تريان؟ # PageV00P135 # فإن هؤلاء القوم قد أقاموا بمكانهم لا يخرجون منه، وأمدادهم تترى عليهم ~~كل يوم) فقال عمرو: (الرأي أن تشيع أن أمير المؤمنين توفي، ثم ترتحل بجميع ~~من معك، فإن القوم إذا بلغهم ذلك طلبونا فنقف لهم عند ذلك)، ففعل النعمان ~~ذلك، وتباشرت الأعاجم، وخرجوا في آثار المسلمين، حتى إذا قاربوهم وقفوا ~~لهم، ثم تزاحفوا، فاقتتلوا، فلم يسمع إلا وقع الحديد على الحديد، وكثرت ~~القتلى من الفريقين، وحال بينهما الليل، فانصرف كل فريق إلى معسكرهم، وبات ~~المسلمون لهم أنين من الجراح، ثم أصبحوا، وذلك يوم الأربعاء، فتزاحفوا، ~~واقتتلوا يومهم كله، وصبر الفريقان، ثم كان ذلك دأبهم يوم الخميس، وتزاحفوا ~~يوم الجمعة، وتواقفوا، وركب النعمان بن مقرن برذونا أشهب، ولبس ثيابا ~~بيضاء، وسار بين الصفوف، يذمر المسلمين، ويحضهم، وجعل ينتظر الساعة التي ~~كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقاتل فيها، ويستنزل النصر، وهي زوال ~~النهار، ومهب الرياح، وسار في الرايات يقول لهم (إني هاز لكم الراية ثلاثا، ~~فإن هززتها أول مرة فليشد كل رجل منكم حزام فرسه، وليستلم شكته، فإذا ~~هززتها الثانية فصوبوا رماحكم، وهزوا سيوفكم، فإذا هززتها الثالثة، فكبروا، ~~واحملوا، فإني حامل). # فلما زالت الشمس بأدنى صلوا ركعتين ركعتين، ووقف، ونظر الناس إلى الراية، ~~فلما هزها الثالثة كبروا، وحملوا، فانتقضت صفوف الأعاجم، وكان النعمان أول ~~قتيل، ms102 فحمله أخوه سويد بن مقرن إلى فسطاطه، فخلع ثيابه، فلبسها، وتقلد ~~سيفه، وركب فرسه، فلم يشك أكثر الناس أنه النعمان، وثبتوا، يقاتلون عدوهم، ~~ثم أنزل الله نصره، وانهزمت الأعاجم، فذهبت على وجوهها، حتى صاروا إلى قرية ~~من نهاوند على فرسخين، تسمى (دزيزيد) فنزلوها لأن حصن نهاوند لم يسعهم، ~~وأقبل حذيفة بن اليمان، وقد كان تولى الأمر بعد النعمان، حتى أناخ عليهم، ~~فحاصرهم بها. PageV00P136 # قال: وإنهم خرجوا ذات يوم مستعدين للحرب، فقاتلهم المسلمون، فانهزمت ~~الأعاجم، وانقطع عظيم من عظمائهم يسمى (دينار) فحال المسلمون بينه وبين ~~الدخول إلى الحصن، واتبعه رجل من عبس، يسمى (سماك بن عبيد) فقتل قوما كانوا ~~معه، واستسلم له الفارس، فاستأسره سماك، فقال لسماك: # (انطلق بي إلى أميركم، فإني صاحب هذه الكورة، لأصالحه على هذه الأرض، ~~وأفتح له باب الحصن)، فانطلق به إلى حذيفة، فصالحه حذيفة عليها، وكتب له ~~بذلك كتابا. # فأقبل دينار حتى وقف على باب حصن نهاوند، ونادى من فيه (افتحوا باب ~~الحصن، وانزلوا، فقد آمنكم الأمير، وصالحني على أرضكم). فنزلوا إليه، فبذلك ~~سميت (ماه دينار). وأقبل رجل من أشراف تلك البلاد إلى السائب بن الأقرع، ~~وكان على المغانم، فقال له (أتصالحني على ضياعي، وتؤمنني على أموالي، حتى ~~أدلك على كنز لا يدري ما قدره، فيكون خالصا لأميركم الأعظم، لأنه شئ لم ~~يؤخذ في الغنيمة). # وكان سبب هذا الكنز أن النخارجان الذي كان يوم القادسية أقبل بالمدد، ~~فألفى العجم قد انهزموا، فوقف، فقاتل حتى قتل، وكان من أعاظم الأعاجم، وكان ~~كريما على كسرى أبرويز، وكانت له امرأة من (أكمل) (1) النساء جمالا، وكانت ~~تختلف إلى كسرى، فبلغ النخارجان ذلك، فرفضها، فلم يقربها، وبلغ ذلك كسرى، ~~فقال يوما للنخارجان وقد دخل عليه مع العظماء والأشراف: (بلغني أن لك عينا ~~عذبة الماء، وأنك لا تشرب منها) فقال النخارجان أيها الملك، بلغني أن الأسد ~~ينتاب تلك العين، فاجتنبتها مخافة الأسد) فاستحلى كسرى جواب النخارجان، ~~وعجب من فطنته، فدخل دار نسائه، وكانت له ثلاثة آلاف امرأة لفراشه، فجمعهن ~~وأخذ ما كان ms103 عليهن من حلي، فجمعه، ودفعه إلى امرأة النخارجان، # PageV00P137 # ودعا بالصاغة، فاتخذوا للنخارجان تاجا من ذهب مكللا بالجوهر الثمين، ~~فتوجه به، فبقي ذلك التاج وتلك الحلي عند ولد بني المرأة، فلما وقعت الحرب ~~بناحيتهم ساروا به إلى قرية لأبيهم، سميت باسمه، يقال لها (الخوارجان) ~~وفيها بيت نار، فاقتلعوا الكانون (1) ودفنوا الحلي تحته، وأعادوا الكانون ~~كهيئته. # فقال له السائب: إن كنت صادقا فأنت آمن على أولادك وضياعك وأهلك وولدك، ~~فانطلق به حتى استخرجه في سفطين: أحدهما التاج، والآخر الحلي. # فلما قسم السائب الغنائم بين من حضر القتال، وفرغ حمل السفطين في خرجين ~~على ناقته، وقدم بهما على عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فكان من أمرهما ~~الخبر المشهور، اشتراهما عمرو بن الحارث بعطاء المقاتلة والذرية جميعا، ثم ~~حملهما إلى الحيرة فباع بفضل كثير، واعتقد بذلك أموالا بالعراق، وكان أول ~~قرشي اعتقد بالعراق، فقال عروة بن زيد الخيل يذكر أيامهم: # ألا طرقت رحلي وقد نام صحبتي * بإيوان سيرين المزخرف خلتي ولو شهدت يومي ~~جلولاء حربنا * ويوم نهاوند المهول استهلت إذا لرأت ضرب أمري غير خامل * ~~مجيد بطعن الرمح أروع مصلت ولما دعوا يا عروة بن مهلهل * ضربت جموع الفرس ~~حتى تولت دفعت عليهم رحلتي وفوارسي * وجردت سيفي فيهم ثم التي وكم من عدو ~~أشوس متمرد * عليه بخيلي في الهياج أظلت وكم كربة فرجتها وكريهة * شددت لها ~~أزري إلى أن تجلت وقد أضحت الدنيا لدي ذميمة * وسليت عنها النفس حتى تسلت ~~وأصبح همي في الجهاد ونيتي * فلله نفس أدبرت وتولت فلا ثروة الدنيا نريد ~~اكتسابها * إلا أنها عن وفرها قد تحلت وما ذا أرجى من كنوز جمعتها * وهذى ~~المنايا شرعا قد أظلت # PageV00P138 ### | (ولاية عثمان بن عفان) # وتوفي عمر بن الخطاب رضي الله عنه يوم الجمعة ~~لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، وكانت خلافته عشر سنين وستة ~~أشهر، واستخلف عثمان ابن عفان، فعزل عمار بن ياسر عن الكوفة، وولى الوليد ~~بن عقبة بن أبي معيط، وكان أخا عثمان لأمه، أمهما أروى بنت ms104 أم حكيم بن عبد ~~المطلب بن هاشم، وعزل أبا موسى الأشعري عن البصرة، وولاها عبد الله بن عامر ~~بن كريز، وكان ابن خال عثمان، وكان حدث السن، واستعمل عمرو بن العاص على ~~حرب مصر، واستعمل عبد الله بن أبي سرح على خراجها، وكان أخاه من الرضاعة، ~~ثم عزل عمرو بن العاص، وجمع الحرب والخراج لعبد الله بن أبي سرح. ### || (الفتوحات في عهد عثمان) # ثم كانت غزوة سابور من أرض فارس، وافتتاحها. ~~وأميرها عثمان بن أبي العاص، ثم كان فتح إفريقية سنة تسع وعشرين، وأميرها ~~عبد الله بن أبي سرح، ثم كان فتح قبرس، وأميرها معاوية بن أبي سفيان. # ثم إن أهل إصطخر نزعوا يدا من الطاعة، وقدمها يزدجرد الملك في جمع من ~~الأعاجم، فسار إليهم عثمان بن أبي العاص وعبد الله بن عامر، فكان الظفر ~~للمسلمين، وهرب يزدجرد نحو خراسان، فأتى مرو. فأخذ عامله بها، وكان اسمه ~~(ماهويه) بالأموال، وقد كان ماهويه صاهر خاقان ملك الأتراك، فلما تشدد عليه ~~أرسل إلى خاقان يعلمه ذلك، فأقبل خاقان في جنوده حتى عبر النهر مما يلي ~~آموية، ثم ركب المفازة حتى أتى مرو، ففتح له ماهويه أبوابها، وهرب يزدجرد ~~على رجليه وحده، فمشى مقدار فرسخين حتى انتهى في السحر إلى رحى فيها سراج ~~يتقد، فدخلها، وقال للطحان: (آوني عندك الليلة) قال الطحان: # أعطني أربعة دراهم، فإني أريد أن أدفعها إلى صاحب الرحا (1)، فناوله سيفه # PageV00P139 # ومنطقته، وقال: (هذا لك،) ففرش له الطحان كساءه، فنام يزدجرد لما ناله من ~~شدة التعب، فلما استثقل نوما قام إليه الطحان بمنقار الرحا، فقتله، وأخذ ~~سلبه (1)، وألقاه في النهر. # ولما أصبح الناس تداعوا، فأجلبوا على الأتراك من كل وجه، فخرج خاقان ~~منهزما حتى أوغل في المفازة، فطلبوا الملك فلم يجدوه، فخرجوا يقفون أثره ~~حتى انتهوا إليه، فوجدوه قتيلا مطروحا في الماء، وأصابوا بزته عند الطحان. # وذلك في السنة السادسة من خلافة عثمان، وهي سنة ثلاثين من التاريخ (2)، ~~فعند ذلك انقضى ملك فارس، وأرخوا عليه تاريخهم الذي يكتبون به اليوم. ms105 # وهرب ماهويه حتى نزل أبرشهر مخافة أن يقتله أهل مرو، فمات بها. # وسار عبد الله بن خازم السلمي إلى سرخس (3)، فافتتحها أيضا، وسار عبد ~~الله ابن عامر إلى كرمان وسجستان، فافتتحهما. ### | (بيعة علي بن أبي طالب) # ثم قتل (4) عثمان رضي الله عنه، فلما قتل بقي ~~الناس ثلاثة أيام بلا إمام، وكان الذي يصلي بالناس الغافقي، ثم بايع الناس ~~عليا رضي الله عنه، فقال: (أيها الناس، بايعتموني على ما بويع عليه من كان ~~قبلي، وإنما الخيار قبل أن تقع البيعة، فإذا وقعت فلا خيار، وإنما على ~~الإمام الاستقامة، وعلى الرعية التسليم، وإن هذه بيعة عامة، من ردها رغب عن ~~دين الإسلام، وإنها لم تكن فلتة). # ثم إن عليا رضي الله عنه أظهر أنه يريد السير إلى العراق، وكان على الشام ~~يومئذ معاوية بن أبي سفيان، وليها لعمر بن الخطاب سبعا، ووليها جميع ولاية ~~عثمان # PageV00P140 # رضي الله عنه اثنتي عشرة سنة، فواتاه الناس على السير إلا ثلاثة نفر: سعد ~~بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة الأنصاري. # وبعث علي رضي الله عنه عماله إلى الأمصار، فاستعمل عثمان بن حنيف على ~~البصرة، وعمارة بن حسان على الكوفة، وكانت له هجرة، واستعمل عبد الله ابن ~~عباس على جميع أرض اليمن، واستعمل قيس بن سعد بن عبادة على مصر، واستعمل ~~سهل بن حنيف على الشام. # فأما سهل فإنه لما انتهى إلى تبوك، وهي تخوم أرض الشام استقبله خيل ~~لمعاوية، فردوه، فانصرف إلى علي، فعلم علي رضي الله عنه عند ذلك أن معاوية ~~قد خالف، وأن أهل الشام بايعوه. # وحضر الموسم، فاستأذن الزبير وطلحة عليا في الحج، فأذن لهما، وقد كانت ~~عائشة أم المؤمنين خرجت قبل ذلك معتمرة، وعثمان محصور، وذلك قبل مقتله ~~بعشرين يوما، فلما قضت عمرتها أقامت، فوافاها الزبير وطلحة. # وكتب علي بن أبي طالب إلى معاوية (أما بعد، فقد بلغك الذي كان من مصاب ~~عثمان رضي الله عنه، واجتماع الناس علي ومبايعتهم لي، فأدخل في السلم أو ~~ائذن ms106 بحرب). وبعث الكتاب مع الحجاج بن غزية الأنصاري، فلما قدم على معاوية، ~~وأوصل كتاب علي إليه، فقرأه، فقال: (انصرف إلى صاحبك، فإن كتابي مع رسولي ~~على أثرك)، فانصرف الحجاج، وأمر معاوية بطومارين (1)، فوصل أحدهما بالآخر، ~~ولفا، ولم يكتب فيهما شيئا إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وكتب على العنوان ~~(من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب). # ثم بعث به مع رجل من عبس، له لسان وجسارة، فقدم العبسي على علي، فناوله ~~الكتاب، ففتحه، فلم ير فلم فيه شيئا، إلا بسم الله الرحمن الرحيم، وعند علي ~~وجوه الناس. # PageV00P141 # فقام العبسي، فقال: (أيها الناس، هل فيكم أحد من عبس؟) قالوا: # نعم. قال: فاسمعوا مني، وافهموا عني، أني قد خلفت بالشام خمسين ألف شيخ ~~خاضبي لحاهم بدموع أعينهم تحت قميص عثمان، رافعيه على أطراف الرماح، قد ~~عاهدوا الله ألا يشيموا (1) سيوفهم حتى يقتلوا قتلته، أو تلحق أرواحهم ~~بالله). # فقام إليه خالد بن زفر العبسي، فقال: بئس لعمر الله وافد الشام أنت، ~~أتخوف المهاجرين والأنصار بجنود أهل الشام وبكائهم على قميص عثمان، فوالله ~~ما هو بقميص يوسف ولا بحزن يعقوب، ولئن بكوا عليه بالشام، فقد خذلوه ~~بالعراق). # ثم إن المغيرة بن شعبة دخل على علي رضي الله عنه، فقال: (يا أمير ~~المؤمنين، إن لك حق الصحبة، فأقر معاوية على ما هو عليه من أمرة الشام، ~~وكذلك جميع عمال عثمان، حتى إذا أتتك طاعتهم وبيعتهم استبدلت حينئذ أو ~~تركت)، فقال علي رضي الله: (أنا ناظر في ذلك). # وخرج عنه المغيرة ثم عاد إليه من غد، فقال: (يا أمير المؤمنين، إني أشرت ~~أمس عليك برأي، فلما تدبرته عرفت خطاه، والرأي أن تعاجل معاوية وسائر عمال ~~عثمان بالعزل، لتعرف السامع المطيع من العاصي، فتكافئ كلا بجزائه) ثم قام، ~~فتلقاه ابن عباس داخلا، فقال لعلي رضي الله عنه: (فيم أتاك المغيرة؟) ~~فأخبره علي بما كان من مشورته بالأمس، وما أشار عليه بعد، فقال ابن عباس: # (أما أمس فإنه نصح لك، وأما اليوم فغشك.) وبلغ المغيرة ذلك، ms107 فقال: (صدق ~~ابن عباس، نصحت له، فلما رد نصحي بدلت قولي)، ولما خاض الناس في ذلك سار ~~المغيرة إلى مكة، فأقام بها ثلاثة أشهر، ثم انصرف إلى المدينة. # ثم إن عليا رضي الله عنه نادى في الناس بالتأهب للمسير إلى العراق، فدخل ~~عليه سعد بن أبي وقاص، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة، # PageV00P142 # فقال لهم: (قد بلغني عنكم هناة كرهتها لكم)، فقال سعد: (قد كان ما بلغك، ~~فأعطني سيفا يعرف المسلم من الكافر حتى أقاتل به معك). # وقال عبد الله بن عمر: (أنشدك الله أن تحملني على ما لا أعرف). # وقال محمد بن مسلمة: (إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن أقاتل ~~بسيفي ما قوتل به المشركون، فإذا قوتل أهل الصلاة ضربت به صخر أحد حتى ~~ينكسر، وقد كسرته بالأمس). ثم خرجوا من عنده. # ثم إن أسامة بن زيد دخل، فقال: (أعفني من الخروج معك في هذا الوجه، فإني ~~عاهدت الله ألا أقاتل من يشهد أن لا إله إلا الله) . وبلغ ذلك الأشتر، فدخل ~~على علي، فقال: (يا أمير المؤمنين، إنا وإن لم نكن من المهاجرين والأنصار، ~~فإنا من التابعين بإحسان، وإن القوم وإن كانوا أولى بما سبقونا إليه فليسوا ~~بأولى مما شركناهم فيه، وهذه بيعة عامة، الخارج منها طاعن مستعتب، فحض ~~هؤلاء الذين يريدون التخلف عنك باللسان، فإن أبوا فأدبهم بالحبس) فقال علي: ~~(بل أدعهم ورأيهم الذي هم عليه). # ولما هم علي رضي الله عنه بالمسير إلى العراق، اجتمع أشراف الأنصار، ~~فأقبلوا حتى دخلوا على علي، فتكلم عقبة بن عامر، وكان بدريا (1) فقال: (يا ~~أمير المؤمنين إن الذي يفوتك من الصلاة في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، والسعي بين قبره ومنبره أعظم مما ترجو من العراق، فإن كنت إنما تسير ~~لحرب الشام، فقد أقام عمر فينا، وكفاه سعد زحف القادسية، وأبو موسى زحف ~~الأهواز، وليس من هؤلاء رجل إلا ومثله معك، والرجال أشباه، والأيام دول)، ~~فقال علي (إن الأموال والرجال بالعراق، ولأهل ms108 الشام وثبة أحب أن أكون قريبا ~~منها). ونادى في الناس بالمسير، فخرج وخرج معه الناس. # PageV00P143 ### || (وقعة الجمل) (1) # قالوا: ولما قضى الزبير وطلحة وعائشة حجهم تآمروا في ~~مقتل عثمان، فقال الزبير وطلحة لعائشة: (إن أطعتنا طلبنا بدم عثمان). قالت: ~~(وممن تطلبون دمه؟)، قالا: (إنهم قوم معروفون، وإنهم بطانة علي ورؤساء ~~أصحابه، فاخرجي معنا حتى نأتي البصرة فيمن تبعنا من أهل الحجاز، وإن أهل ~~البصرة لو قد رأوك لكانوا جميعا يدا واحدة معك). فأجابتهم إلى الخروج، ~~فسارت والناس حولها يمينا وشمالا. # ولما فصل علي من المدينة نحو الكوفة بلغه خبر الزبير وطلحة وعائشة، فقال ~~لأصحابه: (إن هؤلاء القوم قد خرجوا يؤمون البصرة)، لما دبروه بينهم، فسيروا ~~بنا على أثرهم، لعلنا نلحقهم قبل موافاتهم، فإنهم لو قد وافوها لمال معهم ~~جميع أهلها)، قالوا: (سر بنا يا أمير المؤمنين). فسار حتى وافى ذا قار (2)، ~~فأتاه الخبر بموافاة القوم البصرة، ومبايعة أهل البصرة لهم إلا بني سعد، ~~فإنهم لم يدخلوا فيما دخل فيه الناس، وقالوا لأهل البصرة: (لا نكون معكم ~~ولا عليكم)، وقعد عنهم أيضا كعب بن سور في أهل بيته، حتى أتته عائشة في ~~منزله، فأجابها، وقال: (أكره ألا أجيب أمي)، وكان كعب على قضاء البصرة. # ولما انتهى الخبر إلى علي وجه هاشم بن عتبة بن أبي وقاص ليستنهض أهل ~~الكوفة، ثم أردفه بابنه الحسن وبعمار بن ياسر، فساروا حتى دخلوا الكوفة، ~~وأبو موسى يومئذ بالكوفة، وهو جالس في المسجد، والناس محتوشوه (3) # PageV00P144 # وهو يقول: (يا أهل الكوفة، أطيعوني تكونوا جرثومة (1) من جراثيم العرب، ~~يأوي إليكم المظلوم، ويأمن فيكم الخائف، أيها الناس، إن الفتنة إذا أقبلت ~~شبهت، وإذا أدبرت تبينت، وإن هذه الفتنة الباقرة (2) لا يدرى من أين تأتي، ~~ولا من أين تؤتى، شيموا سيوفكم، وانزعوا أسنة رماحكم، واقطعوا أوتار قسيكم، ~~والزموا قعور البيوت، أيها الناس، إن النائم في الفتنة خير من القائم، ~~والقائم خير من الساعي). # فانتهى الحسن بن علي وعمار رضي الله عنهما إلى المسجد الأعظم وقد اجتمع ~~عالم من الناس على أبي ms109 موسى، وهو يقول لهم هذا وأشباهه، فقال له الحسن: # (اخرج عن مسجدنا، وامض حيث شئت). ثم صعد الحسن المنبر، وعمار صعد معه، ~~فاستنفرا الناس، فقام حجر بن عدي الكندي، وكان من أفاضل أهل الكوفة فقال: ~~(انفروا خفافا وثقالا، رحمكم الله) فأجابه الناس من كل وجه: سمعا وطاعة ~~لأمير المؤمنين، نحن خارجون على اليسر العسر والشدة والرخاء. # فلما أصبحوا من الغد خرجوا مستعدين، فأحصاهم الحسن، فكانوا تسعة آلاف ~~وستمائة وخمسين رجلا، فوافوا عليا بذي قار قبل أن يرتحل. فلما هم بالمسير ~~غلس الصبح، ثم أمر مناديا، فنادى في الناس بالرحيل، فدنا منه الحسن، فقال: # (يا أبت أشرت عليك حين قتل عثمان وراح الناس إليك وغدوا، وسألوك أن تقوم ~~بهذا الأمر ألا تقبله حتى تأتيك طاعة جميع الناس في الآفاق، وأشرت عليك حين ~~بلغك خروج الزبير وطلحة بعائشة إلى البصرة أن ترجع إلى المدينة، فتقيم في ~~بيتك، وأشرت عليك حين حوصر عثمان أن تخرج من المدينة، فإن قتل قتل وأنت ~~غائب، فلم تقبل رأيي في شئ من ذلك). # PageV00P145 # فقال له علي: (أما انتظاري طاعة جميع الناس من جميع الآفاق، فإن البيعة ~~لا تكون إلا لمن حضر الحرمين من المهاجرين والأنصار، فإذا رضوا وسلموا وجب ~~على جميع الناس الرضا والتسليم، وأما رجوعي إلى بيتي والجلوس فيه، فإن ~~رجوعي لو رجعت كان غدرا بالأمة، ولم آمن أن تقع الفرقة، وتتصدع عصا هذه ~~الأمة، وأما خروجي حين حوصر عثمان فكيف أمكنني ذلك؟! # وقد كان الناس أحاطوا بي كما أحاطوا بعثمان، فاكفف يا بني عما أنا أعلم ~~به منك). # ثم سار بالناس، فلما دنا من البصرة كتب الكتائب، وعقد الألوية والرايات، ~~وجعلها سبع رايات، عقد لحمير وهمدان راية، وولى عليهم سعيد بن قيس ~~الهمداني، وعقد لمذحج والأشعريين راية، وولى عليهم زياد ابن النضر الحارثي، ~~ثم عقد لطيئ راية، وولى عليهم عدي بن حاتم، وعقد لقيس وعبس وذبيان راية، ~~وولى عليهم سعد بن مسعود الثقفي عم المختار بن أبي عبيد، وعقد لكندة ~~وحضرموت وقضاعة ومهرة راية، وولى ms110 عليهم حجر ابن عدي الكندي، وعقد للأزد ~~وبجيلة وخثعم وخزاعة راية، وولى عليهم مخنف بن سليم الأزدي، وعقد لبكر ~~وتغلب وأفناء ربيعة راية، وولى عليهم محدوج الذهلي، وعقد لسائر قريش ~~والأنصار وغيرهم من أهل الحجاز راية، وولى عليهم عبد الله بن عباس، فشهد ~~هؤلاء الجمل وصفين والنهر، وهم أسباع كذلك، وكان على الرجالة جندب بن زهير ~~الأزدي. # ولما بلغ طلحة والزبير ورود علي رضي الله عنه بالجيوش، وقد أقبل حتى نزل ~~(الخريبة) (1) فعباهم طلحة والزبير، وكتباهم كتائب، وعقدا الألوية، فجعلا ~~على الخيل محمد بن طلحة، وعلى الرجالة عبد الله بن الزبير، ودفعا اللواء ~~الأعظم إلى عبد الله بن حرام بن خويلد، ودفعا لواء الأزد إلى كعب بن سور، ~~وولياه الميمنة، ووليا قريشا وكنانة عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ووليا أمر # PageV00P146 # الميسرة عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو الذي قالت عائشة فيه: (وددت ~~لو قعدت في بيتي ولم أخرج في هذا الوجه لكان ذلك أحب إلي من عشرة أولاد، لو ~~رزقتهن من رسول الله صلى الله عليه على فضل عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ~~وعقله وزهده). ووليا على قيس مجاشع بن مسعود، وعلى تيم الرباب عمرو بن ~~يثربي، وعلى قيس والأنصار وثقيف عبد الله بن عامر بن كريز، وعلى خزاعة عبد ~~الله بن خلف الخزاعي، وعلى قضاعة عبد الرحمن بن جابر الراسبي، وعلى مذحج ~~الربيع بن زياد الحارثي، وعلى ربيعة عبد الله بن مالك. # قالوا: وأقام علي رضي الله عنه ثلاثة أيام يبعث رسله إلى أهل البصرة، ~~فيدعوهم إلى الرجوع إلى الطاعة والدخول في الجماعة، فلم يجد عند القوم ~~إجابة، فزحف نحوهم يوم الخميس لعشر مضين من جمادى الآخرة، وعلى ميمنته ~~الأشتر، وعلى ميسرته عمار بن ياسر، والراية العظمى في يد ابنه محمد بن ~~الحنفية، ثم سار نحو القوم حتى دنا بصفوفه من صفوفهم، فواقفهم من صلاة ~~الغداة إلى صلاة الظهر، يدعوهم ويناشدهم، وأهل البصرة وقوف تحت رايتهم، ~~وعائشة في هودجها أمام القوم. # قالوا: وإن الزبير لما علم ms111 أن عمارا مع علي رضي الله عنه ارتاب بما كان ~~فيه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحق مع عمار، وتقتلك الفئة ~~الباغية). # قالوا: ثم إن عليا دنا من صفوف أهل البصرة، وأرسل إلى الزبير يسأله، ~~ليدنو، فيكلمه بما يريد، وأقبل الزبير حتى دنا من علي رضي الله عنه، فوقفا ~~جميعا بين الصفين حتى اختلفت أعناق فرسيهما، فقال له علي: (ناشدتك الله يا ~~أبا عبد الله، هل تذكر يوما مررنا أنا وأنت برسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ويدي في يدك، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحبه؟، قلت: نعم، يا ~~رسول الله، فقال لك: أما إنك تقاتله، وأنت له ظالم...؟)، فقال الزبير: # (نعم، أنا ذاكر له). PageV00P147 # ثم انصرف علي إلى قومه، وقال لأصحابه: (احملوا على القوم، فقد أعذرنا ~~إليهم)، فحمل بعضهم على بعض، فاقتتلوا. بالقنا والسيوف. وأقبل الزبير حتى ~~دنا من ابنه عبد الله وبيده الراية العظمى، فقال: (يا بني، أنا منصرف)، ~~قال: (وكيف يا أبت؟)، قال: (ما لي في هذا الأمر من بصيرة، وقد اذكرني على ~~أمرا، قد كنت غفلت عنه، فانصرف يا بني معي)، فقال عبد الله: (والله لا أرجع ~~أو يحكم الله بيننا). فتركه الزبير، ومضى نحو البصرة ليتحمل منها، ويمضي ~~نحو الحجاز. ويقال: إن طلحة لما علم بانصراف الزبير هم أن ينصرف، فعلم ~~مروان بن الحكم ما يريده، فرماه بسهم، فوقع في ركبته، فنزف حتى مات. # وأقبل الزبير حتى دخل البصرة، وأمر غلمانه أن يتحملوا، فيلحقوا به، وخرج ~~من ناحية الخريبة، فمر بالأحنف بن قيس، وهو جالس بفناء داره، وحوله قومه، ~~وقد كانوا اعتزلوا الحرب، فقال الأحنف: (هذا الزبير، ولقد انصرف لأمر، فهل ~~فيكم من يأتينا بخبره؟)، فقال له عمرو بن جرموز: # (أنا آتيك بخبره). فركب فرسه، وتقلد سيفه، ومضى في أثره، وذلك قبل صلاة ~~الظهر، فلحقه، وقد خرج من دور البصرة، فقال له: (أبا عبد الله، ما الذي ~~تركت عليه القوم؟)، قال الزبير: (تركتهم، وبعضهم يضرب وجوه بعض بالسيف)، ~~قال: (فأين ms112 تريد؟)، قال: (انصرف لحال بالي، فما لي في هذا الأمر من بصيرة). ~~قال عمرو بن جرموز: (وأنا أيضا أريد الخريبة ، فسر بنا). فسارا حتى دنا وقت ~~الصلاة، فقال الزبير: (إن هذا وقت الصلاة، وأنا أريد أن أقضيها)، قال عمرو: ~~(وأنا أريد أن أقضيها)، قال الزبير: # (أنت مني في أمان، فهل أنا منك كذلك)، قال: (نعم). فنزلا جميعا، وقام ~~الزبير في الصلاة، فلما سجد حمل عليه عمرو بالسيف، فضربه حتى قتله، وأخذ ~~درعه وسيفه وفرسه، وأقبل حتى أتى عليا، وهو واقف، والناس PageV00P148 # يجتلدون بالسيوف، فألقى السلاح بين يديه، فلما نظر علي رضي الله عنه إلى ~~السيف، قال: (إن هذا السيف طالما فرج به صاحبه الكرب عن وجه رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، أبشر يا قاتل ابن صفية بالنار)، فقال عمرو: # (نقتل أعداءكم، وتبشروننا بالنار؟!). # قالوا: ثم إن عليا أمر ابنه محمد بن الحنفية، فقال: تقدم برايتك. وكان ~~معه الراية العظمى، فتقدم بها وقد لاث (1) أهل البصرة بعبد الله بن الزبير، ~~وقلدوه الأمر، فتقدم محمد بالراية، فاستقبله أهل البصرة بالقنا والسيوف، ~~فوقف بالراية، فتناولها منه علي رضي الله عنه، وحمل وحمل معه الناس، ثم ~~ناولها ابنه محمدا، واشتد القتال وحميت الحرب، وانكشف الناس عن الجمل، وقتل ~~كعب بن سور، وثبتت الأزد وضبة، فقاتلوا قتالا شديدا. # فلما رأى علي شدة صبر أهل البصرة جمع إليه حماة أصحابه، فقال: إن هؤلاء ~~القوم قد محكوا (2)، فاصدقوهم القتال، فخرج الأشتر وعدي بن حاتم وعمرو بن ~~الحمق وعمار بن ياسر في عددهم من أصحابهم، فقال عمرو بن يثربي لقومه، ~~وكانوا في ميمنة أهل البصرة (إن هؤلاء القوم الذين قد برزوا إليكم من أهل ~~العراق هم قتلة عثمان، فعليكم بهم)، وتقدم أمام قومه بني ضبة، فقاتل قتالا ~~شديدا، وكثرت النبل في الهودج، حتى صار كالقنفذ، وكان الجمل مجففا (3)، ~~والهودج مطبق بصفائح الحديد . وصبر الفريقان بعضهم لبعض حتى كثرت القتلى ~~وثار القتام، وطلت الألوية والرايات، وحمل على بنفسه، وقاتل حتى انثنى ~~سيفه، وخرج فارس أهل البصرة عمرو بن ms113 الأشرف، لا يخرج إليه أحد من أصحاب على ~~إلا قتله، وهو يرتجز، ويقول: # PageV00P149 # يا أمنا يا خير أم نعلم * والأم تغذو ولدها وترحم ألا ترين كم جواد يكلم ~~* وتختلي هامته والمعصم فخرج إليه من أهل الكوفة الحارث بن زهير الأزدي، ~~وكان من فرسان علي، فاختلفا ضربتين، فأوهط (1) كل منهما صاحبه، فخرا جميعا ~~صريعين، يفحصان (2) بأرجلهما حتى ماتا. # قالوا: وانكشف أهل البصرة انكشافه، وانتهى الأشتر إلى الجمل، وعبد الله ~~بن الزبير آخذ بخطامه، فرمى الأشتر بنفسه على عبد الله بن الزبير، فصار ~~تحته، فصاح عبد الله بن الزبير: (اقتلوني ومالكا)، فثاب إلى ابن الزبير ~~أصحابه. # فلما خاف الأشتر على نفسه قام عن عبد الله بن الزبير، وقاتل حتى خلص إلى ~~أصحابه، قد عار فرسه، فقال لهم: (ما أنجاني إلا قول ابن الزبير: اقتلوني ~~ومالكا، فلم يدر القوم من مالك، ولو قال اقتلوني والأشتر لقتلوني). # وقاتل عدي بن حاتم حتى فقئت إحدى عينيه، وقاتل عمرو بن الحمق، وكان من ~~عباد أهل الكوفة، ومعه النساك قتالا شديدا، فضرب بسيفه حتى انثنى، ثم انصرف ~~إلى أخيه رياح، فقال له رياح: (يا أخي، ما أحسن ما نصنع اليوم، أن كانت ~~الغلبة لنا). # قالوا: ولما رأى علي لوث أهل البصرة بالجمل، وانهم كلما كشفوا عنه عادوا، ~~فلاثوا به، قال لعمار وسعيد بن قيس وقيس بن سعد بن عبادة والأشتر وابن بديل ~~ومحمد بن أبي بكر وأشباههم من حماة أصحابه: (إن هؤلاء لا يزالون يقاتلون ما ~~دام هذا الجمل نصب أعينهم، ولو قد عقر فسقط لم تثبت له ثابتة)، فقصدوا بذوي ~~الجد من أصحابه قصد الجمل حتى كشفوا أهل البصرة عنه، وأفضى # PageV00P150 # إليه رجل من مراد الكوفة، يقال له (أعين بن ضبيعة)، فكشف عرقوبه بالسيف، ~~فسقط وله رغاء، فغرق في القتلى، و مال الهودج بعائشة، فقال علي لمحمد بن ~~أبي بكر: (تقدم إلى أختك)، فدنا محمد، فأدخل يده في الهودج، فنالت يده ثياب ~~عائشة، فقالت: (أنا لله، من أنت، ثكلتك أمك)، فقال (أنا أخوك محمد). # ونادى علي ms114 رضي الله عنه في أصحابه: لا تتبعوا موليا، ولا تجهزوا على جريح ~~، ولا تنتهبوا مالا، ومن ألقى سلاحه فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن). قال: ~~فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم والمتاع، فلا يعرض له أحد إلا ما ~~كان من السلاح الذي قاتلوا به، و الدواب التي حاربوا عليها، فقال له بعض ~~أصحابه: (يا أمير المؤمنين، كيف حل لنا قتالهم، ولم يحل لنا سبيهم ~~وأموالهم) فقال علي رضي الله عنه: (ليس على الموحدين سبي، ولا يغنم من ~~أموالهم إلا ما قاتلوا به وعليه، فدعوا مالا تعرفون، والزموا ما تؤمرون). # قال: وأمر علي محمد بن أبي بكر أن ينزل عائشة فأنزلها دار عبد الله بن ~~خلف الخزاعي، وكان عبد الله فيمن قتل ذلك اليوم، فنزلت عند امرأته صفية. # وقال علي رضي الله عنه لمحمد: (انظر هل وصل إلى أختك شئ؟) قال: (أصاب ~~ساعدها خدش سهم، دخل بين صفائح الحديد). # ودخل علي رضي الله عنه البصرة، فأتى مسجدها الأعظم، واجتمع الناس إليه، ~~فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه صلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ~~قال: (أما بعد، فإن الله ذو رحمة واسعة وعقاب أليم، فما ظنكم بي يا أهل ~~البصرة جند المرأة وأتباع البهيمة؟ رغا، فقاتلتم، وعقر، فانهزمتم، أخلاقكم ~~دقاق، وعهدكم شقاق، وماؤكم زعاق (1)، أرضكم قريبة من الماء، بعيدة من ~~السماء، # PageV00P151 # وأيم الله ليأتين عليها زمان لا يرى منها إلا شرفات مسجدها في البحر، مثل ~~جؤجؤ (1) السفينة، انصرفوا إلى منازلكم). ثم نزل، وانصرف إلى معسكره، وقال ~~لمحمد بن أبي بكر: (سر مع أختك حتى توصلها إلى المدينة، وعجل اللحوق بي ~~بالكوفة)، فقال: (أعفني من ذلك يا أمير المؤمنين)، فقال علي: (لا أعفيك ~~منه، ومالك بد). فسار بها حتى أوردها المدينة. # وشخص علي عن البصرة، واستعمل عليها عبد الله بن عباس، فلما انتهى إلى ~~المربد (2) التفت إلى البصرة، ثم قال: (الحمد لله الذي أخرجني من شر البقاع ~~ترابا، وأسرعها خرابا، وأقربها من الماء، وأبعدها من السماء. ثم سار، فلما ~~أشرف ms115 على الكوفة، قال: (ويحك يا كوفان، ما أطيب هواءك، وأغذى تربتك، الخارج ~~منك بذنب، والداخل إليك برحمة، لا تذهب الأيام والليالي، حتى يجئ إليك كل ~~مؤمن، ويبغض المقام بك كل فاجر، وتعمرين، حتى إن الرجل من أهلك ليبكر إلى ~~الجمعة فلا يلحقها من بعد المسافة). # قالوا: وكان مقدمه الكوفة يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من رجب سنة ~~ست وثلاثين، فقيل له: (يا أمير المؤمنين، أتنزل القصر؟)، قال: # (لا حاجة لي في نزوله، لأن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يبغضه، ولكني ~~نازل الرحبة)، ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فصلى ركعتين، ثم نزل الرحبة، ~~فقال الشني يحرض عليا على المسير إلى الشام: # قل لهذا الإمام قد خبت الحرب *، وتمت بذلك النعماء وفرغنا من حرب من نكث ~~العهد *، وبالشام حية صماء تنفث السم، ما لمن نهشته * فارمها قبل أن تعض ~~شفاء قالوا: وإن أول جمعة صلى بالكوفة خطب، فقال: (الحمد لله أحمده، # PageV00P152 # وأستعينه وأستهديه، وأومن به وأتوكل عليه، وأعوذ بالله من الضلالة ~~والردى، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، انتخبه لرسالته، ~~واختصه لتبليغ أمره، أكرم خلقه عليه، وأحبهم إليه، فبلغ رسالة ربه، ونصح ~~لأمته، وأدى الذي عليه صلى الله عليه وسلم، أوصيكم عباد الله بتقوى الله، ~~فإن تقوى الله خير ما تواصى به عباد الله، وأقربه لرضوان الله، وأفضله في ~~عواقب الأمور عند الله، وبتقوى الله أمرتم، وللإحسان خلقتم، فاحذروا من ~~الله ما حذركم من نفسه، فإنه حذر بأسا شديدا، واخشوا الله خشية ليست ~~بتعذير، واعملوا من غير رياء ولا سمعة، فإنه من عمل لغير الله وكله الله ~~إلى ما عمل، ومن عمل مخلصا له تولاه الله، وأعطاه أفضل نيته، وأشفقوا من ~~عذاب الله، فإنه لم يخلقكم عبثا، ولم يترك شيئا من أمركم سدى، قد سمي ~~آثاركم، وعلم أسراركم، وأحصى أعمالكم، وكتب آجالكم، فلا تغرنكم الدنيا، ~~فإنها غرارة لأهلها، ms116 والمغرور من اغتر بها، وإلى فناء ما هي، وأن الآخرة هي ~~دار القرار، نسأل الله منازل الشهداء، ومرافقة الأنبياء، ومعيشة السعداء، ~~فإنما نحن به وله). # ثم وجه عماله إلى البلدان، فاستعمل على المدائن وجوخى (1) كلها يزيد بن ~~قيس الأرحبي، وعلى الجبل وأصبهان محمد بن سليم، وعلى البهقباذات قرط بن ~~كعب، وعلى كسكر وحيزها قدامة بن عجلان الأزدي، وعلى بهرسير وإستانها عدي ~~ابن الحارث، وعلى إستان العالي حسان بن عبد الله البكري، وعلى إستان ~~الزوابي سعد (2) بن مسعود الثقفي، وعلى سجستان وحيزها ربعي بن كأس، وعلى ~~خراسان كلها خليد بن كأس. # PageV00P153 # فأما خليد بن كأس فإنه لما دنا من خراسان بلغه أن أهل نيسابور خلعوا يدا ~~من طاعة، وأنه قدمت عليهم بنت لكسرى من كابل، فمالوا معها، فقاتلهم خليد، ~~فهزمهم، وأخذ ابنة كسرى بأمان، وبعث بها إلى علي. فلما أدخلت عليه، قال ~~لها: (أتحبين أن أزوجك من ابني هذا؟) يعني الحسن، قالت: (لا أتزوج أحدا على ~~رأسه أحد، فإن أنت أحببت رضيت بك)، قال: (إني شيخ، وابني هذا من فضله كذا ~~وكذا)، قالت: (قد أعطيتك الجملة). فقام رجل من عظماء دهاقين العراق، يسمى ~~نرسى، فقال: (يا أمير المؤمنين، قد بلغك أني من سنخ (1) المملكة، وأنا ~~قرابتها، فزوجنيها) فقال: (هي أملك بنفسها)، ثم قال لها: (انطلقي حيث شئت، ~~وانكحي من أحببت، لا بأس عليك). # واستعمل على الموصل، ونصيبين، ودارا، وسنجار، وآمد، وميا فارقين، وهيت، ~~وعانات، وما غلب عليها من أرض الشام الأشتر، فسار إليها، فلقيه الضحاك بن ~~قيس الفهري، وكان عليها من قبل معاوية بن أبي سفيان، فاقتتلوا بين حران (2) ~~والرقة (3) بموضع يقال له المرج إلى وقت المساء. وبلغ ذلك معاوية، فأمد ~~الضحاك بعبد الرحمن بن خالد بن الوليد في خيل عظيمة، وبلغ ذلك الأشتر، ~~فانصرف إلى الموصل، فأقام بها يقاتل من أتاه من أجناد معاوية، ثم كانت وقعة ~~صفين. # PageV00P154 ### || (وقعة صفين) (1) # قالوا: وضربت الركبان إلى الشام بنعي عثمان، وتحريض ~~معاوية على الطلب بدمه، فبينا معاوية ذات يوم جالس إذ دخل عليه ms117 رجل، فقال: ~~(السلام عليك يا أمير المؤمنين، فقال معاوية: وعليك، من أنت، لله أبوك؟ # فقد روعتني بتسليمك علي بالخلافة قبل أن أنالها)، فقال: (أنا الحجاج بن ~~خزيمة بن الصمة)، قال: (ففيم قدمت؟)، قال: (قدمت قاصدا إليك بنعي عثمان)، ~~ثم أنشأ يقول: # إن بني عمك عبد المطلب * هم قتلوا شيخكم غير الكذب وأنت أولى الناس ~~بالوثب فثب * وسر مسير المحزئل (2) المتلئب قال: ثم إني كنت فيمن خرج مع ~~يزيد بن أسد لنصر عثمان، فلم نلحقه، فلقيت رجلا، ومعي الحارث بن زفر، ~~فسألناه عن الخبر، فأخبرنا بقتل عثمان، وزعم أنه ممن شايع على قتله، ~~فقتلناه، وإني أخبرك، أنك تقوى بدون ما يقوى به علي، لأن معك قوما لا ~~يقولون إذا سكت، ويسكتون إذا نطقت، ولا يسألون إذا أمرت، ومع علي قوم ~~يقولون إذا قال، ويسألون إذا سكت، فقليلك خير من كثيرة، وعلي لا يرضيه إلا ~~سخطك، ولا يرضى بالعراق دون الشام، وأنت ترضى بالشام دون العراق، فضاق ~~معاوية بما أتاه به الحجاج بن خزيمة ذرعا، وقال: # أتاني أمر فيه للناس غمه * وفيه بكاء للعيون طويل مصاب أمير المؤمنين، ~~وهذه * تكاد لها صم الجبال تزول فلله عينا من رأى مثل هالك * أصيب بلا ذحل ~~وذاك جليل (3) # PageV00P155 # تداعت عليه بالمدينة عصبة * فريقان، منهم قاتل وخذول دعاهم، فصموا عنه ~~عند دعائه * وذاك على ما في النفوس دليل سأنعى أبا عمرو بكل مثقف * وبيض ~~لها في الدارعين صليل تركتك للقوم الذين تظافروا * عليك، فماذا بعد ذاك ~~أقول فلست مقيما ما حييت ببلدة * أجر بها ذيلي وأنت قتيل وأما التي فيها ~~مودة بيننا * فليس إليها ما حييت سبيل سألقحها حربا عوانا ملحة * وإني بها ~~من عامنا لكفيل وكتب علي إلى جرير بن عبد الله البجلي، وكان عامل عثمان ~~بأرض الجبل مع زحر بن قيس الجعفي، يدعوه إلى البيعة له، فبايع وأخذ بيعة من ~~قبله، وسار حتى قدم الكوفة. # وكتب إلى الأشعث بن قيس بمثل ذلك، وكان مقيما بآذربيجان طول ولاية عثمان ~~بن عفان، وكانت ولايته مما عتب ms118 الناس فيه على عثمان، لأنه ولاه عند مصاهرته ~~إياه، وتزويج ابنة الأشعث من ابنه، ويقال إن الأشعث هو الذي افتتح عامة ~~آذربيجان، وكان له بها أثر ونصح واجتهاد، وكان كتابه إليه مع زياد بن مرحب، ~~فبايع لعلي، وسار حتى قدم عليه الكوفة. # وإن عليا أرسل جرير بن عبد الله إلى معاوية يدعوه إلى الدخول في طاعته، ~~والبيعة له، أو الإيذان بالحرب، فقال الأشتر: (ابعث غيره فإني لا آمن ~~مراهنته) فلم يلتفت إلى قول الأشتر. فسار جرير إلى معاوية بكتاب علي، فقدم ~~على معاوية، فألفاه وعنده وجوه أهل الشام، فناوله كتاب علي، وقال: (هذا ~~كتاب علي إليك، وإلى أهل الشام يدعوكم إلى الدخول في طاعته، فقد اجتمع له ~~الحرمان، والمصران، والحجازان، واليمن، والبحران، وعمان، واليمامة، ومصر، ~~وفارس، والجبل، وخراسان، ولم يبق إلا بلادكم هذه، وإن سال عليها واد من ~~أوديته غرقها). PageV00P156 # وفتح معاوية الكتاب فقرأه: بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير ~~المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، أما بعد فقد لزمك ومن قبلك من المسلمين ~~بيعتي، وأنا بالمدينة، وأنتم بالشام، لأنه بايعني الذين بايعوا أبا بكر ~~وعمر وعثمان رضي الله عنهم. # فليس للشاهد أن يختار، ولا للغائب أن يرد، وإنما الأمر في ذلك للمهاجرين ~~والأنصار، فإذا اجتمعوا على رجل مسلم، فسموه إماما، كان ذلك لله رضى، فإن ~~خرج من أمرهم أحد بطعن فيه أو رغبة عنه رد إلى ما خرج منه، فإن أبي قاتلوه ~~على اتباعه غير سبيل المؤمنين، وولاه الله ما تولى، ويصله جهنم وساءت ~~مصيرا، فادخل فيما دخل فيه المهاجرون والأنصار، فإن أحب الأمور فيك وفيمن ~~قبلك العافية، فإن قبلتها وإلا فائذن بحرب، وقد أكثرت في قتلة عثمان، فادخل ~~فيما دخل فيه الناس، ثم حاكم القوم إلي، أحملك وإياهم على ما في كتاب الله ~~وسنة نبيه، فأما تلك التي تريدها، فإنما هي خدعة الصبي عن الرضاع). # فجمع معاوية إليه أشراف أهل بيته، فاستشارهم في أمره، فقال أخوه عتبة بن ~~أبي سفيان: (استعن على أمرك بعمرو بن ms119 العاص) وكان مقيما في ضيعة له من حيز ~~فلسطين، قد اعتزل الفتنة. فكتب إليه معاوية (أنه قد كان من أمر علي في طلحة ~~والزبير وعائشة أم المؤمنين ما بلغك، وقد قدم علينا جرير بن عبد الله في ~~أخذنا ببيعة علي، فحبست نفسي عليك، فأقبل، أناظرك في ذلك، والسلام). # فسار ومعه ابناه عبد الله ومحمد حتى قدم على معاوية، وقد عرف حاجة معاوية ~~إليه، فقال له معاوية: (أبا عبد الله، طرقتنا في هذه الأيام ثلاثة أمور، ~~ليس فيها ورد ولا صدر)، قال: (وما هن؟) قال: (أما أولهن، فإن محمد بن أبي ~~حذيفة كسر السجن وهرب نحو مصر فيمن كان معه من أصحابه، وهو من أعدى الناس ~~لنا، وأما الثانية فإن قيصر الروم قد جمع الجنود ليخرج إلينا فيحاربنا على ~~الشام، وأما الثالثة فإن جريرا قدم رسولا لعلي بن أبي طالب يدعونا إلى ~~البيعة له أو إيذان بحرب). PageV00P157 # قال عمرو: (أما ابن أبي حذيفة فما يغمك من خروجه من سجنه في أصحابه، ~~فأرسل في طلبه الخيل، فإن قدرت عليه قدرت، وإن لم تقدر عليه لم يضرك، وأما ~~قيصر، فاكتب إليه تعلمه، أنك ترد عليه جميع من في يديك من أسارى الروم، ~~وتسأله الموادعة والمصالحة تجده سريعا إلى ذلك، راضيا بالعفو منك، وأما علي ~~بن أبي طالب فإن المسلمين لا يساوون بينك وبينه). # قال معاوية: (إنه مالأ على قتل عثمان، وأظهر الفتنة، وفرق الجماعة). # قال عمرو: (إنه وإن كان كذلك، فليست لك مثل سابقته وقرابته، ولكن ما لي ~~أن شايعتك على أمرك حتى تنال ما تريد؟). # قال: (حكمك). # قال عمرو: (اجعل لي مصر طعمة ما دامت لك ولاية). # فتلكأ معاوية، وقال: (يا عبد الله، لو شئت أن أخدعك خدعتك). # قال عمرو: (ما مثلي يخدع). # قال له معاوية: (ادن مني أسارك). # فدنا عمرو منه، فقال: (هذه خدعة، هل ترى في البيت غيري وغيرك) ثم قال: ~~(يا عبد الله، أما تعلم أن مصر مثل العراق؟). # قال عمرو: (غير أنها إنما تكون لي إذا كانت لك ms120 الدنيا، وإنما تكون لك إذا ~~غلبت عليا). # فتلكأ عليه، وانصرف عمرو إلى رحله، فقال عتبة لمعاوية: (أما ترضى أن ~~تشتري عمرا بمصر إن صفت لك قليتك (1) لا تغلب على الشام). # وقال معاوية: (بت عندنا ليلتك هذه)، فبات عتبة عنده، فلما أخذ معاوية ~~مضجعه أنشأ عتبة: # PageV00P158 # أيها المانع سيفا لم يهز * إنما ملت على خز وقز إنما أنت خروف ناعم * بين ~~ضرعين وصوف لم يجز نالك الخير، فخذ من درة * شخبة الأول، واترك ما عزز ~~واترك الحرص عليها ضنة * وأشبب النار لمقرور يكز إن مصرا لعلي أو لنا * ~~يغلب اليوم عليها من عجز وسمع معاوية ذلك، فلما أصبح بعث إلى عمرو، فأعطاه ~~ما سأل، وكتبا بينهما في ذلك كتابا، ثم إن معاوية استشار عمرا في أمره، ~~وقال ما ترى؟ # قال عمرو: إنه قد أتاك في هذه البيعة خبر أهل العراق من عند خير الناس، ~~ولست أرى لك أن تدعو أهل الشام إلى الخلافة، فإن ذلك خطر عظيم حتى تتقدم ~~قبل ذلك بالتوطين للأشراف منهم، وأشراب قلوبهم اليقين، بأن عليا مالأ على ~~قتل عثمان، واعلم أن رأس أهل الشام شرحبيل بن السمط الكندي، فأرسل إليه ~~ليأتيك، ثم وطن له الرجال على طريقه كله، يخبرونه بأن عليا قتل عثمان، ~~وليكونوا من أهل الرضا عنده، فإنها كلمة جامعة لك أهل الشام، وإن تعلق هذه ~~الكلمة بقلبه لم يخرجها شئ أبدا. # فدعا يزيد بن أسد، وبسر بن أبي أرطأة، وسفيان بن عمرو، ومخارق بن الحارث، ~~وحمزة بن مالك، وحابس بن سعد، وغير هؤلاء من أهل الرضا عند شرحبيل بن ~~السمط، فوطنهم له على طريقه، ثم كتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فكان يلقى ~~الرجل بعد الرجل من هؤلاء في طريقه، فيخبرونه أن عليا مالأ على قتل عثمان، ~~ثم أشربوا قلبه ذلك. # فلما دنا من دمشق أمر معاوية أشراف الشام باستقباله، فاستقبلوه، وأظهروا ~~تعظيمه، فكان كلما خلا برجل منهم ألقى إليه هذه الكلمة، فأقبل حتى دخل على ~~معاوية مغضبا، فقال: (أبى الناس إلا أن ابن أبي طالب ms121 قتل عثمان، والله لئن ~~بايعته لنخرجنك من الشام)، فقال معاوية: (ما كنت لأخالف أمركم، وإنما أنا ~~PageV00P159 # واحد منكم. قال: فأردد هذا الرجل إلى صاحبه - يعني - جريرا - فعلم عند ~~ذلك معاوية أن أهل الشام مع شرحبيل، فقال لشرحبيل: إن هذا الذي تهم به لا ~~يصلح ألا برضى العامة، فسر في مدائن الشام، فأعلمهم ما نحن عليه من الطلب ~~بثأر خليفتنا وبايعهم على النصرة والمعونة. # فسار شرحبيل يستقري مدن الشام، مدينة بعد مدينة، ويقول: (أيها الناس، إن ~~عليا قتل عثمان، وإنه غضب له قوم فلقيهم، فقتلهم، وغلب على أرضهم، ولم يبق ~~إلا هذه البلاد، وهو واضع سيفه على عاتقه، وخائض به غمرات الموت حتى ~~يأتيكم، ولا يجد أحدا أقوى على قتله من معاوية، فانهضوا أيها الناس بثأر ~~خليفتكم المظلوم. فأجابه الناس كلهم إلا نفرا من أهل حمص نساكا، فإنهم ~~قالوا (نلزم بيوتنا ومساجدنا، وأنتم أعلم). # فلما ذاق معاوية أهل الشام، وعرف مبايعتهم له قال لجرير (إلحق بصاحبك، ~~وأعلمه أني وأهل الشام لا نجيبه إلى البيعة)، ثم كتب إليه بأبيات كعب بن ~~جعيل: # أرى الشام تكره ملك العراق * وأهل العراق لهم كارهونا وكل لصاحبه مبغض * ~~يرى كل ما كان من ذاك دينا وقالوا علي إمام لنا * فقلنا رضينا ابن هند ~~رضينا وقالوا نرى أن تدينوا لنا * فقلنا لهم لا نرى أن ندينا وكل يسر بما ~~عنده * يرى غث ما في يديه سمينا وما في علي لمستعتب * مقال سوى ضمه ~~المحدثينا وليس براض ولا ساخط * ولا في النهاة ولا الآمرينا ولا هو ساء ولا ~~سره * ولا بد من بعد ذا أن يكونا فلما قرأ علي رضي الله عنه قال للنجاشي ~~أجب، فقال: # دعن معاوي ما لن يكونا * فقد حقق الله ما تحذرونا أتاكم علي بأهل العراق ~~* وأهل الحجاز فما تصنعونا PageV00P160 # يرون الطعان خلال العجاج * وضرب القوانس في النقع دينا هم هزموا الجمع ~~جمع الزبير * وطلحة والمعشر الناكثينا فإن يكره القوم ملك العراق * فقدما ~~رضينا الذي تكرهونا فقولوا لكعب أخي وائل * ومن جعل الغث يوما ms122 سمينا جعلتم ~~عليا وأشياعه * نظير ابن هند أما تستحونا ولما رجع جرير إلى علي كثر قول ~~الناس في التهمة له، واجتمع هو والأشتر عند علي، فقال الأشتر: (أما والله ~~يا أمير المؤمنين، لو أرسلتني فيما أرسلت فيه هذا لما أرخيت من خناق ~~معاوية، ولم أدع له بابا يرجو فتحه إلا سددته، ولا عجلته عن الفكرة)، قال ~~جرير: (فما يمنعك من إتيانهم؟!)، قال الأشتر: (الآن وقد أفسدتهم، والله ما ~~أحسبك أتيتهم إلا لتتخذ عندهم مودة، والدليل على ذلك كثرة ذكرك مساعدتهم ~~وتخويفنا بكثرة جموعهم، ولو أطاعني أمير المؤمنين لحبسك وأشباهك من أهل ~~الظنة محبسا لا يخرجون منه حتى يستتب هذا الأمر). فغضب جرير مما استقبله به ~~الأشتر، فخرج من الكوفة ليلا في أناس من أهل بيته، فلحق بقر قيسيا، وهي ~~كورة من كور الجزيرة، فأقام بها. # وغضب علي لخروجه عنه، فركب إلى داره، فأمر بمجلس له فأحرق، فخرج أبو زرعة ~~بن عمرو ابن عم جرير، فقال: (إن كان إنسان قد أجرم فإن في هذه الدار أناسا ~~كثيرا لم يجرموا إليك جرما، وقد روعتهم)، فقال علي: # (أستغفر الله). ثم خرج منها إلى دار لابن عم جرير، يقال له ثوير بن عامر، ~~وقد كان خرج معه، فشعث فيها شيئا، ثم انصرف. # قالوا: ولما فرغ علي رضي الله عنه من أصحاب الجمل خافه عبيد الله بن عمر ~~أن يقتله بالهرمزان، فخرج حتى لحق بمعاوية، فقال معاوية لعمرو: (قد أحيا ~~الله لنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه بقدوم عبيد الله ابنه علينا). قال: ~~PageV00P161 # فأراده معاوية على أن يقوم في الناس فيلزم عليا دم عثمان، فأبى، فاستخف ~~به معاوية، ثم أدناه بعد وقربه. # قالوا: ولما عزم أهل الشام على نصر معاوية، والقيام معه أقبل أبو مسلم ~~الخولاني، وكان من عباد أهل الشام، حتى قدم على معاوية، فدخل عليه في أناس ~~من العباد، فقال له: (يا معاوية قد بلغنا أنك تهم بمحاربة علي بن أبي طالب، ~~فكيف تناوئه (1) وليست لك سابقته؟)، فقال لهم معاوية: (لست أدعي ms123 أني مثله ~~في الفضل، ولكن تعلمون أن عثمان قتل مظلوما؟)، قالوا: # (نعم) (2)، قال: (فليدفع لنا قتلته حتى نسلم إليه هذا الأمر). قال أبو ~~مسلم: (فاكتب إليه هذا الأمر، حتى أنطلق أنا بكتابك)، فكتب: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب، ~~سلام عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإن الخليفة ~~عثمان قتل معك في المحلة، وأنت تسمع من داره الهيعة (3)، فلا تدفع عنه بقول ~~ولا بفعل، وأقسم بالله لو قمت في أمره مقاما صادقا، فنهنهت (4) عنه ما عدل ~~بك من قبلنا من الناس أحدا، وأخرى أنت بها ظنين، إيواؤك قتلته، فهم عضدك ~~ويدك وأنصارك وبطانتك، وبلغنا أنك تبتهل (5) من دمه، فإن كنت صادقا فأمكنا ~~من قتلته، نقتلهم به، ونحن أسرع الناس إليك، وإلا فليس لك ولا لأصحابك ~~عندنا إلا السيف، فوالله الذي لا إله غيره لنطلبن قتلة عثمان في البر ~~والبحر حتى نقتلهم أو تلحق أرواحنا بالله والسلام). # فسار أبو مسلم بكتابه حتى ورد الكوفة، فدخل على علي، فناوله الكتاب، فلما ~~قرأه تكلم أبو مسلم، فقال (يا أبا الحسن، إنك قد قمت بأمر، ووليته، # PageV00P162 # ووالله ما نحب أنه لغيرك أن أعطيت الحق من نفسك، إن عثمان رضي الله عنه ~~قتل مظلوما، فادفع إلينا قتلته، وأنت أميرنا، فإن خالفك أحد من الناس كانت ~~أيدينا لك ناصرة، وألسنتنا لك شاهدة، وكنت ذا عذر ومحجة)، فقال له علي: ~~(أغد علي بالغداة). وأمر به، فأنزل، وأكرم. # فلما كان من الغد دخل إلى علي وهو في المسجد، فإذا هو بزهاء عشرة آلاف ~~رجل، قد لبسوا السلاح، وهم ينادون: (كلنا قتلة عثمان)، فقال أبو مسلم لعلي: ~~(إني لأرى قوما ما لك معهم أمر، وأحسب أنه بلغهم الذي قدمت له، ففعلوا ذلك ~~خوفا من أن تدفعهم إلي). # قال علي: (إني ضربت أنف هذا الأمر وعينه، فلم أر يستقيم دفعهم إليك ولا ~~إلى غيرك، فاجلس حتى أكتب جواب كتابك). ثم كتب: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من ms124 عبد الله علي أمير المؤمنين إلى معاوية بن ~~أبي سفيان، أما بعد، فإن أخا خولان قدم علي بكتاب منك، تذكر فيه قطعي رحم ~~عثمان، وتأليبي الناس عليه، وما فعلت ذلك، غير أنه رحمه الله عتب الناس ~~عليه، فمن بين قاتل وخاذل، فجلست في بيتي، واعتزلت أمره، إلا أن تتجنى فتجن ~~ما بدا لك، فأما ما سألت من دفعي إليك قتلته، فإني لا أرى ذلك، لعلمي أنك ~~إنما تطلب ذلك ذريعة إلى ما تأمل، ومرقاة إلى ما ترجو، وما الطلب بدمه ~~تريد، ولعمري لئن لم تنزع عن غيك وشقاقك لينزل بك ما ينزل بالشاق العاصي ~~الباغي، والسلام). # وكتب إلى عمرو بن العاص: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عمرو بن ~~العاص، أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، صاحبها منهوم فيها، لا يصيب ~~منها شيئا إلا ازداد عليها حرصا، ولم يستغن بما نال عما لا يبلغ، ومن وراء ~~ذلك فراق ما جمع، والسعيد من أتعظ بغيره، فلا تحبط عملك بمجاراة معاوية في ~~باطله، فإنه سفه الحق واختار الباطل والسلام. PageV00P163 # فكتب إليه عمرو بن العاص: # (من عمرو بن العاص إلى علي بن أبي طالب، أما بعد، فإن الذي فيه صلاحنا ~~وألفة ذات بيننا أن تجيب إلى ما ندعوك إليه، من شورى تحملنا وإياك على ~~الحق، ويعذرنا الناس لها بالصدق والسلام). # قالوا: ولما أجمع علي على المسير إلى أهل الشام، وحضرت الجمعة صعد ~~المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: ~~(أيها الناس، سيروا إلى أعداء السنن والقرآن، سيروا إلى قتلة المهاجرين ~~والأنصار، سيروا إلى الجفاة الطغام الذين كان إسلامهم خوفا وكرها، سيروا ~~إلى المؤلفة قلوبهم ليكفوا عن المسلمين بأسهم). # فقام إليه رجل من فزارة، يسمى أربد، فقال: (أتريد أن تسير بنا إلى ~~إخواننا من أهل الشام فنقتلهم كما سرت بنا إلى إخواننا من أهل البصرة، ~~فقتلناهم؟ # كلا، ها الله، إذا لا نفعل ذلك). # فقام الأشتر، فقال: (أيها الناس، من لهذا؟) فهرب ms125 الفزاري وسعى شؤبوب (1) ~~من الناس في أثره، فلحقوه بالكناسة (2) فضربوه بنعالهم حتى سقط، ثم وطئوه ~~بأرجلهم حتى مات، فأخبر بذلك علي رضي الله عنه فقال: (قتيل عمية، لا يدرى ~~من قتله) فدفع ديته إلى أهله من بيت المال، وقال بعض شعراء بني تميم: # أعوذ بربي أن تكون منيتي * كما مات في سوق البراذين أربد تعاوره همدان ~~خصف نعالهم * إذا رفعت عنه يد وقعت يد وقام الأشتر، فقال: (يا أمير ~~المؤمنين، لا يؤيسنك من نصرتنا ما سمعت من هذا الخائن، إن جميع من ترى من ~~الناس شيعتك، لا يرغبون بأنفسهم عنك، # PageV00P164 # ولا يحبون البقاء بعدك، فسر بنا إلى أعدائك، فوالله ما ينجو من الموت من ~~خافه، ولا يعطي البقاء من أحبه، ولا يعيش بالأمل إلا المغرور). # فأجابه جل الناس إلى المسير، إلا أصحاب عبد الله بن مسعود، وعبيدة ~~السلماني، والربيع بن خثيم في نحو من أربعمائة رجل من القراء، فقالوا: (يا ~~أمير المؤمنين، قد شككنا في هذا القتال، مع معرفتنا فضلك، ولا غنى بك ولا ~~بالمسلمين عمن يقاتل المشركين، فولنا بعض هذه الثغور لنقاتل عن أهله). # فولاهم ثغر قزوين والري، وولى عليهم الربيع بن خثيم، وعقد له لواء، وكان ~~أول لواء عقد في الكوفة. # قالوا: وبلغ عليا أن حجر بن عدي وعمرو بن الحمق يظهران شتم معاوية، ولعن ~~أهل الشام، فأرسل إليهما أن كفا عما يبلغني عنكما. فأتياه، فقالا: # (يا أمير المؤمنين، ألسنا على الحق، وهم على الباطل؟)، قال: (بلى، ورب ~~الكعبة المسدنة)، قالوا: (فلم تمنعنا من شتمهم ولعنهم؟)، قال: # (كرهت لكم أن تكونوا شتامين لعانين، ولكن قولوا: (اللهم أحقن دماءنا ~~ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحق من ~~جهله، ويرعوي عن الغي من لجج به). # قالوا: ولما عزم علي رضي الله عنه على الشخوص أمر مناديا، فنادى بالخروج ~~إلى المعسكر بالنخيلة (1)، فخرج الناس مستعدين، واستخلف علي على الكوفة أبا ~~مسعود الأنصاري، وهو من السبعين الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليلة العقبة. وخرج علي ms126 رضي الله عنه إلى النخيلة، وأمامه عمار بن ياسر، ~~فأقام بالنخيلة معسكرا، وكتب إلى عماله بالقدوم عليه. # ولما انتهى كتابه إلى ابن عباس ندب الناس، وخطبهم، وكان أول من تكلم ~~الأحنف بن قيس، ثم قام خالد بن المعمر السدوسي، ثم قام عمرو بن مرحوم # PageV00P165 # العبدي، وكلهم أجاب، فخلف علي البصرة أبا الأسود الديلي، وسار بالناس حتى ~~قدم علي على بالنخيلة. # فلما اجتمع إلى علي قواصيه، وانضمت إليه أطرافه تهيأ للمسير من النخيلة، ~~ودعا زياد بن النضر وشريح بن هانئ، فعقد لكل واحد منهما على ستة آلاف فارس، ~~وقال: (ليسر كل واحد منكما منفردا عن صاحبه، فإن جمعتكما حرب، فأنت يا زياد ~~الأمير، واعلما أن مقدمة القوم عيونهم، وعيون المقدمة طلائعهم، فإياكما أن ~~تسأما عن توجيه الطلائع، ولا تسيرا بالكتائب والقبائل من لدن مسير كما إلى ~~نزولكما إلا بتعبية وحذر، وإذا نزلتم بعدو أو نزل بكم، فليكن معسكركم في ~~أشرف المواضع ليكون ذلك لكم حصنا حصينا، وإذا غشيكم الليل فحفوا عسكركم ~~بالرماح والترسة، وليليهم الرماة، وما أقمتم فكذلك فكونوا، لئلا يصاب منكم ~~غرة، واحرسا عسكركما بأنفسكما، ولا تذوقا نوما إلا غرارا ومضمضة، وليكن ~~عندي خبركما، فإني ولا شئ إلا ما شاء الله حثيث السير في إثركما، ولا ~~تقاتلا حتى تبدأ أو يأتيكما أمري إن شاء الله). # فلما كان اليوم الثالث من مخرجهما قام في أصحابه خطيبا، فقال: (يا أيها ~~الناس، نحن سائرون غدا في آثار مقدمتنا، فإياكم والتخلف، فقد خلفت مالك بن ~~حبيب اليربوعي، وجعلته على الساقة، وأمرته ألا يدع أحدا إلا ألحقه بنا) ~~فلما أصبح نادى في الناس بالرحيل، وسار، فلما انتهى إلى رسوم مدينة بابل، ~~قال لمن كان يسايره من أصحابه: (إن هذه مدينة قد خسف بها مرارا، فحركوا ~~خيلكم، وأرخوا أعنتها، حتى تجوزوا موضع المدينة، لعلنا ندرك العصر خارجا ~~منها). فحرك، وحركوا دوابهم، فخرج من حد المدينة وقد حضرت الصلاة، فنزل، ~~فصلى بالناس، ثم ركب، وسار حتى انتهى إلى دير كعب فجاوزه، وأتى ساباط ~~المدائن، فنزل فيه بالناس، ms127 وقد هيئت له فيه الأنزال. # . فلما أصبح ركب وركب الناس معه، وإنهم لثمانون ألف رجل، أو يزيدون، ~~PageV00P166 # سوى الأتباع والخدم، ثم سار حتى أتى مدينة الأنبار، فلما وافى المدائن ~~عقد لمعقل بن قيس في ثلاثة آلاف رجل، وأمره أن يسير على الموصل ونصيبين حتى ~~يوافيه بالرقة (1)، فسار حتى وافى حديثة الموصل، وهي إذ ذاك المصر، وإنما ~~بنى الموصل بعد ذلك مروان بن محمد. # فلما انتهى معقل إليها إذا هو بكبشين يتناطحان، ومع معقل رجل من خثعم ~~يزجر، فجعل الخثعمي يقول: (إيه، إيه،) فأقبل رجلان، فأخذ كل منهما كبشا، ~~فقاده وانطلق به. فقال الخثعمي لمعقل (لا تغلبون ولا تغلبون) فقال معقل: ~~(يكون خيرا، إن شاء الله). # ثم مضى حتى وافى عليا وقد نزل (البليخ) (2) فأقام ثلاثا، ثم أمر بجسر، ~~فعقد، وعبر الناس، ولما قطع علي رضي الله عنه الفرات أمر زياد بن النضر ~~وشريح ابن هانئ أن يسيرا أمامه، فسارا حتى انتهيا إلى مكان يدعى (سور ~~الروم) لقيهما أبو الأعور السلمي في خيل عظيمة من أهل الشام، فأرسلا إلى ~~علي يعلمانه ذلك. # فأمر علي الأشتر أن يسير إليهما، وجعله أميرا عليهما، فسار حتى وافى ~~القوم، فاقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض حتى جن عليهم الليل، وانسل أبو الأعور في ~~جوف الليل حتى أتى معاوية. # وأقبل معاوية بالخيل نحو صفين، وعلى مقدمته سفيان بن عمرو، وعلى ساقته ~~بسر (3) بن أبي أرطأة العامري، فأقبل سفيان بن عمرو، ومعه أبو الأعور، حتى ~~وافيا صفين، وهي قرية خراب من بناء الروم، منها إلى الفرات غلوه (4)، وعلى ~~شط الفرات مما يليها غيضة (5) ملتفة، فيها نزور طولها نحو من فرسخين، وليس ~~في ذينك الفرسخين طريق إلى الفرات إلا طريق واحد مفروش بالحجارة، # PageV00P167 # وسائر ذلك خلاف وغرب ملتف لا يسلك، وجميع الغيضة نزور ووحل إلا ذلك ~~الطريق الذي يأخذ من القرية إلى الفرات. # فأقبل سفيان بن عمرو وأبو الأعور حتى سبقا إلى موضع القرية، فنزلا هناك ~~مع ذلك الطريق، ووافاهما معاوية بجميع الفيلق، حتى نزل معهما، وعسكر مع ~~القرية، وأمر ms128 معاوية أبا الأعور أن يقف في عشرة آلاف من أهل الشام على طريق ~~الشريعة، فيمنع من أراد السلوك إلى الماء من أهل العراق. # وأقبل علي رضي الله عنه حتى وافى المكان، فصادف أهل الشام قد احتووا على ~~القرية والطريق، فأمر الناس، فنزلوا بالقرب من عسكر معاوية، وانطلق ~~السقاءون والغلمان إلى طريق الماء، فحال أبو الأعور بينهم وبينه. # وأخبر علي رضي الله عنه بذلك، فقال لصعصعة بن صوحان (إيت معاوية، فقل له، ~~إنا سرنا إليكم لنعذر قبل القتال، فإن قبلتم كانت العافية أحب إلينا، وأراك ~~قد حلت بيننا وبين الماء، فإن كان أعجب إليك أن ندع ما جئنا له، ونذر الناس ~~يقتتلون على الماء حتى يكون الغالب هو الشارب فعلنا. # فقال الوليد: (أمنعهم الماء كما منعوه أمير المؤمنين عثمان، اقتلهم عطشا، ~~قتلهم الله). # فقال معاوية لعمرو بن العاص: ما ترى؟. # قال: (أرى أن تخلي عن الماء، فإن القوم لن يعطشوا وأنت ريان). # فقال عبد الله بن أبي سرح، وكان أخا عثمان لأمه: (أمنعهم الماء إلى ~~الليل، لعلهم أن ينصرفوا إلى طرف الغيضة، فيكون انصرافهم هزيمة). # فقال صعصعة لمعاوية: (ما الذي ترى؟). # قال معاوية: ارجع، فسيأتيكم رأيي). فانصرف صعصعة إلى علي، فأخبره بذلك. # وظل أهل العراق يومهم ذلك وليلتهم بلا ماء إلا من كان ينصرف من الغلمان ~~إلى طرف الغيضة، فيمشي مقدار فرسخين، فيستقي، فغم عليا رضي الله عنه ~~PageV00P168 # أمر الناس غما شديدا، وضاق بما أصابهم من العطش ذرعا، فأتاه الأشعث بن ~~قيس فقال: يا (أمير المؤمنين، أيمنعنا القوم الماء وأنت فينا ومعنا سيوفنا؟ ~~ولني الزحف إليه، فوالله لا أرجع أو أموت، ومر الأشتر فلينضم إلي في خيله)، ~~فقال له علي: # (إيت في ذلك ما رأيت). فلما أصبح زاحف أبا الأعور، فاقتتلوا، وصدقهم ~~الأشتر والأشعث حتى نفيا أبا الأعور وأصحابه عن الشريعة، وصارت في أيديهما، ~~فقال عمرو بن العاص لمعاوية: (ما ظنك بالقوم اليوم إن منعوك الماء كما ~~منعتهم أمس؟، فقال معاوية: (دع ما مضى، (ما ظنك بعلي؟)، قال: (ظني أنه لا ms129 ~~يستحل منك ما استحللت منه، لأنه أتاك في غير أمر الماء). # ثم توادع الناس، وكف بعضهم عن بعض، وأمر علي ألا يمنع أهل الشام من ~~الماء، فكانوا يسقون جميعا، ويختلط بعضهم ببعض، ويدخل بعضهم في معسكر بعض، ~~فلا يعرض أحد من الفريقين لصاحبه إلا بخير، ورجوا أن يقع الصلح. # وأقبل عبيد الله بن عمر بن الخطاب حتى استأذن على علي، فأذن له، فدخل ~~عليه، فقال له علي: (أقتلت الهرمزان ظلما، وقد كان أسلم على يدي عمي ~~العباس، وفرض له أبوك في ألفين، وترجو أن تسلم مني؟). # فقال له عبيد الله: (الحمد لله الذي جعلك تطلبني بدم الهرمزان، وأنا ~~أطلبك بدم أمير المؤمنين عثمان). # فقال له علي: (ستجمعنا وإياك الحرب، فتعلم). # قال: فلم يزالوا يتراسلون شهري ربيع (1) وجمادى الأولى، ويفزعون فيما بين ~~ذلك، يزحف بعضهم إلى بعض، فيحجز بينهم القراء والصالحون، فيفترقون من غير # PageV00P169 # حرب حتى فزعوا في هذه الثلاثة الأشهر خمسا وثمانين فزعة، كل ذلك يحجز ~~بينهم القراء. # فلما انقضت جمادى الأولى بات علي رضي الله عنه يعبي أصحابه، ويكتب ~~كتائبه، وبعث إلى معاوية يؤذنه بحرب، فعبى معاوية أيضا أصحابه، وكتب كتائبه ~~. فلما أصبحوا تزاحفوا وتواقفوا تحت راياتهم في صفوفهم، ثم تحاجزوا، فلم ~~تكن حرب، وكانوا يكرهون أن يلتقوا بجميع الفيلقين مخافة الاستئصال، غير أنه ~~يخرج الجماعة من هؤلاء إلى الجماعة من أولئك، فيقتتلون بين العسكرين، ~~فكانوا كذلك حتى أهل هلال رجب، فأمسك الفريقان. # قالوا: وأقبل أبو الدرداء وأبو أمامة الباهلي حتى دخلا على معاوية، ~~فقالا: # (علام تقاتل عليا، وهو أحق بهذا الأمر منك؟). قال: (أقاتله على دم ~~عثمان). # قالا: (أو هو قتله؟). # قال: (آوى قتلته، فسلوه أن يسلم إلينا قتلته، وأنا أول من يبايعه من أهل ~~الشام). # فأقبلا إلى علي رضي الله عنه، فأخبراه بذلك. فاعتزل من عسكر علي زهاء ~~عشرين ألف رجل، فصاحوا: (نحن جميعا قتلنا عثمان). # فخرج أبو الدرداء وأبو أمامة فلحقا ببعض السواحل، ولم يشهدا شيئا من تلك ~~الحروب. # وإن معاوية بعث إلى شرحبيل بن السمط، ms130 وحبيب بن مسلمة، ومعن بن يزيد ابن ~~الأخنس، وقال: (انطلقوا إليه، وسلوه أن يسلم إلينا قتلة عثمان، ويتخلى مما ~~هو فيه حتى نجعلها شورى بين المسلمين، يختارون لأنفسهم من رضوا وأحبوا). # فأقبلوا حتى دخلوا على علي رضي الله عنه، فبدأ حبيب بن مسلمة، فتكلم ~~PageV00P170 # بما حمله معاوية، فقال له علي: (وما أنت وذاك، لا أم لك، فلست هناك؟!) ~~فقام حبيب مغضبا، فقال: (والله لتريني بحيث تكره)، قال شرحبيل: # (أفلا تسلم إلينا قتلة عثمان؟)، (قال علي: (إني لا أستطيع ذلك، وهم زهاء ~~عشرين ألف رجل)، فقاما عنه، فخرجا، قالوا: فمكث الناس كذلك إلى أن انسلخ ~~المحرم (1). # وفي ذلك يقول حابس بن سعد الطائي، وكان صاحب لواء طيئ مع معاوية: # فما بين المنايا غير سبع * بقين من المحرم أو ثمان ألم يعجبك أنا قد ~~هجمنا * وإياهم على الموت العيان أينهانا كتاب الله عنهم * ولا ينهاهم آي ~~القرآن فلما انسلخ المحرم بعث علي مناديا، فنادى في عسكر معاوية عند غروب ~~الشمس: (إنا أمسكنا لتنصرم الأشهر الحرم، وقد تصرمت، وإنا ننبذ إليكم على ~~سواء، إن الله لا يحب الخائنين). # فبات الفريقان يكتبون الكتائب، وقد أوقدوا النيران في العسكرين، فلما ~~أصبحوا تزاحفوا، وقد استعمل علي على الخيل عمار بن ياسر، وعلى الرجالة عبد ~~الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي، ودفع الراية العظمى إلى هاشم بن عتبة ~~المرقال، وجعل على الميمنة الأشعث بن قيس وعلى الميسرة عبد الله بن عباس، ~~وعلى رجالة الميمنة سليمان بن صرد، وعلى رجالة الميسرة الحارث بن مرة ~~العبدي، وجعل في القلب مضر، وفي الميمنة ربيعة، وفي الميسرة أهل اليمن، وضم ~~قريشا وأسدا وكنانة إلى عبد الله بن عباس، وضم كندة إلى الأشعث، وضم بكر ~~البصرة إلى الحضين (3) ابن المنذر، وضم تميم البصرة إلى الأحنف بن قيس، ~~وولى أمر خزاعة عمرو بن الحمق، وولى بكر الكوفة نعيم بن هبيرة، وولى سعد ~~رباب البصرة خارجة # PageV00P171 # ابن قدامة، وولى بجيلة رفاعة بن شداد، وولى ذهل الكوفة رويما الشيباني، ~~وولى حنظلة البصرة أعين بن ضبيعة، ms131 وجعل على قضاعة كلها عدي بن حاتم، وجعل ~~على لهازم الكوفة عبد الله بن بديل، وعلى تميم الكوفة عمير بن عطارد، وعلى ~~الأزد جندب بن زهير، وعلى ذهل البصرة خالد بن المعمر، وعلى حنظلة الكوفة ~~شبث ابن ربعي، وعلى همدان سعد بن قيس، وعلى لهازم البصرة خزيمة بن خازم، ~~وعلى سعد رباب الكوفة أبا صرمة، واسمه الطفيل، وعلى مذحج الأشتر، وعلى عبد ~~قيس الكوفة عبد الله بن الطفيل، وعلى عبد قيس البصرة عمرو بن حنظلة، وعلى ~~قيس البصرة شدادا الهلالي، وعلى اللفيف من القواصي القاسم بن حنظلة الجهني. # واستعمل معاوية على الخيل عبد الله بن عمرو بن العاص، وعلى الرجالة مسلم ~~ابن عقبة، لعنه الله، وعلى الميمنة عبيد الله بن عمر بن الخطاب، وعلى ~~الميسرة حبيب ابن مسلمة، ودفع اللواء الأعظم إلى عبد الرحمن بن خالد بن ~~الوليد، واستعمل على أهل دمشق الضحاك بن قيس، وعلى أهل حمص ذا الكلاع، وعلى ~~أهل قنسرين زفر بن الحارث، وعلى أهل الأردن سفيان بن عمرو، وعلى أهل فلسطين ~~مسلمة ابن خالد، وعلى رجالة دمشق بسر بن أبي أرطأة، وعلى رجالة حمص حوشبا ~~ذا ظليم، وعلى رجالة قنسرين طريف بن حابس، وعلى رجالة الأردن عبد الرحمن ~~القيني، وعلى رجالة فلسطين الحارث بن خالد الأزدي، وعلى قيس دمشق همام ابن ~~قبيصة، وعلى قيس حمص هلال بن أبي هبيرة، وعلى رجالة الميمنة حابس ابن ~~ربيعة، وعلى قضاعة دمشق حسان بن بجدل، وعلى قضاعة حمص عباد ابن يزيد، وعلى ~~كندة دمشق عبد الله بن جون السكسكي، وعلى كندة حمص يزيد بن هبيرة، وعلى ~~النمر بن قاسط يزيد بن أسد العجلي، وعلى حمير هانئ بن عمير، وعلى قضاعة ~~الأردن مخارق بن الحارث، وعلى لخم فلسطين نابل ابن قيس، وعلى همدان الأردن ~~حمزة بن مالك، وعلى غسان الأردن زيد بن الحارث، PageV00P172 # وعلى أهل القواصي القعقاع بن أبرهة، وعلى الخيل كلها عمرو بن العاص، وعلى ~~الرجالة كلها الضحاك بن قيس. # واصطف كل فريق منهم سبعة صفوف، صفين في الميمنة وصفين ms132 في الميسرة، وثلاثة ~~صفوف في القلب، فكان الفريقان أربعة عشر صفا، فوقفوا تحت راياتهم، لا ينطق ~~أحد منهم بكلمة، فخرج رجل من أهل العراق يسمى حجل بن أثال، وكان من فرسان ~~العرب، فوقف بين صفوف أهل العراق وأهل الشام، ثم نادى (هل من مبارز؟ وهو ~~متقنع بالحديد، فخرج إليه أبوه أثال، وكان من معدودي فرسان أهل الشام ~~متقنعا بالحديد، ولم يعلم واحد منهما من صاحبه، فتطاردا، والناس قد شخصت ~~أبصارهم، ينظرون، فطعن كل واحد منهما صاحبه، فلم يصنعا شيئا، لكمال ~~لأمتيهما، (1) فحمل الأب على الابن، فاحتضنه حتى أشاله (2) عن سرجه، فسقط ~~وسقط الأب عليه، فانكشفت وجوههما، فعرف كل واحد منهما صاحبه، فانصرفا إلى ~~عسكريهما، ثم تفرق الناس يومئذ، ولم يكن بينهما غير هذا. # فلما أصبحوا عادوا إلى مواقفهم، كما كانوا بالأمس، فخرج عتبة بن أبي ~~سفيان حتى وقف على فرسه بين الصفين، فدعا جعدة بن هبيرة بن أبي وهب القرشي، ~~ليخرج إليه، فأقبل جعدة حتى دنا من عتبة، فتجاريا ما هم فيه، وتقاولا حتى ~~أغضب جعدة عقبة، فتناوله عتبة بلسانه، فانصرفا مغضبين، وعبى كل منهما ~~لصاحبه كتيبة، فاقتتلوا بين الصفين، وأعين الناس إليهم، وباشر جعدة القتال، ~~فانهزم عتبة، وانصرف الفريقان لم يكن بينهم يومئذ إلا ذاك، فقال النجاشي ~~يذكر ما كان بينهما: # إن شتم الكريم يا عتب خطب * فاعلمنه من الخطوب عظيم أمه أم هانئ، وأبوه * ~~من لؤي بن غالب لصميم إنه للهبيرة بن أبي وهب *، أقرت بفضله مخزوم # PageV00P173 # وقال أيضا: # ما زلت تنظر في عطفيك أبهة * لا يرفع الطرف منك التيه والصلف لما رأيتهم ~~صبحا حسبتهم * أسد العرين حمى أشبالها الغرف (1) ناديت خيلك إذ عض السيوف ~~بها * عوجي إلي، فما عاجوا وما وقفوا هلا عطفت إلى قتلى مصرعة * منها ~~السكون ومنها الأزد والصدف قد كنت في منظر عن ذا ومستمع * يا عتب لولا سفاه ~~الرأي والترف قالوا (وخرج الأشعث في يوم من الأيام في خيل من إبطال أهل ~~العراق، فخرج إليه حبيب بن مسلمة في مثل ذلك من أهل ms133 الشام، فاقتتلوا بين ~~الصفين مليا حتى مضى جل النهار، ثم انصرفوا وقد انتصف بعضهم من بعض. # وخرج يوما آخر المرقال هاشم بن عتبة بن أبي وقاص في خيل، فخرج إليه أبو ~~الأعور السلمي في مثل ذلك، فاقتتلوا بين الصفين جل النهار. فلم يفر أحد عن ~~أحد. # وخرج يوما آخر عمار بن ياسر في خيل من أهل العراق، فخرج إليه عمرو بن ~~العاص في ذلك، ومعه شقة سوداء على قناة، فقال الناس: (هذا لواء عقده رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال علي رضي الله عنه: (أنا مخبركم بقصة هذا ~~اللواء: # هذا لواء عقده رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال: من يأخذه بحقه؟، فقال ~~عمرو: # وما حقه يا رسول الله؟ فقال: لا تفر به من كافر، ولا تقاتل به مسلما). ~~فقد فر به من الكافرين في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد قاتل به ~~المسلمين اليوم. فاقتتل عمرو وعمار ذلك اليوم كله، لم يول واحد منهما صاحبه ~~الدبر. # وخرج في يوم آخر محمد بن الحنفية، فخرج إليه عبيد الله بن عمر في مثل ~~عدده من أهل الشام، فقال عبيد الله لابن الحنفية: (أبرز لي) فقال محمد: # PageV00P174 # (نزال) قال: (وذاك). فنزلا جميعا عن فرسيهما، ونظر علي إليهما، فحرك فرسه ~~حتى دنا من محمد، ثم نزل، وقال لمحمد: (أمسك على فرسي) ففعل. # ومشى إلى عبيد الله، فولى عنه عبيد الله، وقال: (مالي في مبارزتك من ~~حاجة، إنما أردت ابنك) فقال محمد: (يا أبت (1)، لو تركتني أبارزه لرجوت أن ~~أقتله) قال: (لو بارزته لرجوت ذلك، وما كنت آمنا أن يقتلك). واقتتلت ~~خيلاهما إلى أنصاف النهار، ثم انصرفت، وكل غير غالب. # وخرج في يوم آخر عبد الله بن عباس في خيل من أهل العراق، فخرج إليه ~~الوليد بن عتبة في مثلها من أهل الشام، فقال الوليد: (يا ابن عباس، قطعتم ~~أرحامكم، وقتلتم إمامكم، ولم تدركوا ما أملتم)، فقال له ابن عباس: (دع عنك ~~الأساطير، وابرز إلي)، فأبى الوليد، وقاتل ابن عباس يومئذ ms134 بنفسه قتالا ~~شديد، ثم انصرفا منتصفين. # وخرج في يوم آخر عمرو بن العاص في خيل من أهل الشام، فخرج إليه سعد بن ~~قيس الهمداني في مثل ذلك من أهل العراق، وعمرو يرتجز: # لا تأمنن بعدها أبا حسن * طاحنة تدقكم دق الطحن إنا نمر الحرب إمرار ~~الرسن (2) فبدر ممن كان مع عمرو فتى من أهل الشام، يسمى حجر الشر، فدعا ~~للبراز، فبرز إليه حجر بن عدي، فاطعنا، فطعنه حجر الشر طعنة أذراه عن فرسه، ~~وحماة أصحابه، فانصرفا وقد جرحه السنان، فخرج إليه الحكم بن أزهر، وكان من ~~أشراف الكوفة، فاختلفا ضربتين، فضربه حجر الشر فقتله، ثم نادى (هل من ~~مبارز؟)، فبرز إليه ابن عم للحكم يسمى رفاعة بن طليق، فضربه حجر الشر ~~فقتله، فقال علي: (الحمد لله الذي قتل هذا مقتل عبد الله بن بديل). # وخرج في يوم آخر عبد الله بن بديل الخزاعي، وكان من أفاضل أصحاب علي # PageV00P175 # في خيل من أهل العراق، فخرج إليه أبو الأعور السلمي في مثل ذلك من أهل ~~الشام فاقتتلوا (1) هويا من النهار، فترك عبد الله أصحابه يعتركون في ~~مجالهم، وضرب فرسه حتى أحماه، ثم أرسله على أهل الشام، فشق جموعهم، لا يدنو ~~منه أحد إلا ضربه بالسيف حتى انتهى إلى الرابية التي كان معاوية عليها، ~~فقام أصحاب معاوية دونه، فقال معاوية: (ويحكم، إن الحديد لم يؤذن له في ~~هذا، فعليكم بالحجارة) فرث بالصخر حتى مات، فأقبل معاوية حتى وقف عليه، ~~فقال: (هذا كبش القوم) هذا كما قال الشاعر: # أخو الحرب إن عضت به الحرب عضها * وإن شمرت عن ساقها الحرب شمرا كليث ~~عرين بات يحمي عرينة * رمته المنايا قصدها فتقطرا قالوا: وكان فارس معاوية ~~الذي يبتهي به حريث مولاه، وكان يلبس بزة معاوية، ويستلئم سلاحه، ويركب ~~فرسه، ويحمل متشبها بمعاوية، فإذا حمل قال الناس: (هذا معاوية وقد كان ~~معاوية نهاه عن علي، وقال (اجتنبه، وضع رمحك حيث شئت). فخلا به عمرو، وقال: ~~(ما يمنعك من مبارزة علي ، وأنت له كفء؟)، قال: (نهاني مولاي عنه)، ms135 قال: ~~(وإني والله لأرجو إن بارزته أن تقتله، فتذهب بشرف ذلك). فلم يزل يزين له ~~ذلك حتى وقع في قلب حريث. # فلما أصبحوا خرج حريث حتى قام بين الصفين، وقال: (يا أبا الحسن، أبرز ~~إلي، أنا حريث)، فخرج إليه علي، فضربه، فقتله. # وبعث علي يوما من تلك الأيام إلى معاوية: (لم نقتل الناس بيني وبينك؟ # أبرز إلي، فأينا قتل صاحبه تولى الأمر). فقال معاوية لعمرو: (ما ترى؟) ~~قال: (قد أنصفك الرجل، فأبرز إليه)، فقال معاوية: (أتخدعني عن نفسي، ولم ~~أبرز إليه، ودوني عك والأشعرون). ثم قال: # PageV00P176 # ما للملوك وللبراز وإنما * حظ المبارز خطفه من باز ووجد من ذلك على عمرو، ~~فهجره أياما، فقال عمرو لمعاوية: (أنا خارج إلى علي غدا). # فلما أصبحوا بدر عمرو حتى وقف بين الصفين، وهو يرتجز: # شدا على شكتي لا تنكشف * يوم لهمدان ويوم للصدف ولتميم مثله أو تنحرف * ~~والربعيون لهم يوم عصف إذا مشيت مشية العود النطف * اطعنهم بكل خطي ثقف (1) ~~ثم نادى: (يا أبا الحسن، اخرج إلي، أنا عمرو بن العاص). فخرج إليه علي، ~~فتطاعنا، فلم يصنعا شيئا، فانتضى على سيفه، فحمل عليه، فلما أراد أن يجلله ~~رمى بنفسه عن فرسه، ورفع إحدى رجليه، فبدت عورته، فصرف على وجهه، وتركه. ~~وانصرف عمرو إلى معاوية، فقال له معاوية: (أحمد الله وسوداء استك يا عمرو). # قالوا: وخرج عبيد الله بن عمر بن الخطاب يوما من تلك الأيام، وكان من ~~فرسان العرب وإبطالها في خيل من أهل الشام، وخرج الأشتر في مثلها، فاشتدت ~~بينهما الحرب، فالتقى عبيد الله والأشتر، فحمل عبيد الله على الأشتر، وبدره ~~الأشتر يطعنه، فأخطأه، وأسرع الأشتر في أصحاب عبيد الله، فانصرف الفريقان، ~~وللأشتر الفضل. # وخرج يوما آخر عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وكان من معدودي رجال ~~معاوية، فخرج إليه عدي بن حاتم في مثلها، فاقتتلوا يومهم كله، ثم انصرفوا، ~~وكل غير غالب. # PageV00P177 # وخرج يوما ذو الكلاع في أربعة آلاف فارس من أهل الشام قد تبايعوا على ~~الموت، فحملوا على ربيعة، وكانوا في ms136 ميسرة علي، وعليهم عبد الله بن عباس، ~~فتصدعت جموع ربيعة، فناداهم خالد بن المعمر: (يا معشر ربيعة أسخطتم الله) ~~فثابوا إليه، فاشتد القتال حتى كثرت القتلى، ونادى عبيد الله بن عمر: (أنا ~~الطيب ابن الطيب، فسمعه عمار، فناداه: (بل أنت الخبيث ابن الطيب). # ثم حمل عبيد الله، وهو يرتجز: # أنا عبيد الله ينميني عمر * خير قريش من مضى ومن غبر غير رسول الله ~~والشيخ الأغر * أبطأ عن نصر ابن عفان مضر والربعيون، فلا اسقوا المطر فضرب ~~شمر بن الريان العجلي، فقتله، وكان من فرسان ربيعة. ### || (مقتل عبيد الله بن عمر بن الخطاب) # فلما أصبحوا خرج عبيد الله فيمن كان ~~معه بالأمس، وخرجت إليهم ربيعة، فاقتتلوا بين الصفين، وعبيد الله أمامهم ~~يضرب بسيفه، فحمل عليه حريث بن جابر الحنفي، فطعنه في لبته (1)، فقتله، وقد ~~اختلفوا في قتله، فقالت (2) همدان: # قتله هانئ بن الخطاب، وقال (ت) حضرموت: قتله مالك بن عمرو الحضرمي، وقالت ~~ربيعة: حريث بن جابر الحنفي، وهو المجمع عليه، فقال كعب بن جعيل يرثيه: # ألا إنما تبكي العيون لفارس * بصفين أجلت خيله وهو واقف فأضحى عبيد الله ~~بالقاع مسلما * تمج دما منه والعروق النوازف ينوء وتعلوه سبائب من دم * كما ~~لاح في جيب القميص الكفائف (3) وقد ضربت حول ابن عم نبينا * من الموت شهباء ~~المناكب شارف (4) # PageV00P178 # تموج ترى الرايات حمرا كأنها * إذا صوبت للطعن طير عواكف جزى الله قتلانا ~~بصفين خير ما * جزى عبادا غادرتها المواقف ### || (مقتل ذي الكلاع) # قالوا: وخرج ذو ~~الكلاع في يوم من تلك الأيام في كتيبة من أهل الشام من عك ولخم، فخرج إليه ~~عبد الله بن عباس في ربيعة، فالتقوا، ونادى رجل من مذحج العراق (يا آل ~~مذحج، خذموا (1)) فاعترضت مذحج عكا يضربون سوقهم بالسيوف، فيبركون. فنادى ~~ذو الكلاع.. يا آل عك، بروكا كبروك الإبل. # وحمل رجل من بكر بن وائل يسمى خندفا على ذي الكلاع، فضربه بالسيف على ~~عاتقه، فقد الدرع، وفري عاتقه، فخر ميتا، فلما قتل ذو الكلاع تمحكت عك، ~~وصبروا لعض السيوف، ms137 فلم يزالوا كذلك حتى أمسوا. # وكان أهل العراق وأهل الشام أيام صفين إذا انصرفوا من الحرب يدخل كل فريق ~~منهم في الفريق الآخر، فلا يعرض أحد لصاحبه، وكانوا يطلبون قتلاهم، ~~فيخرجونهم من المعركة، ويدفنونهم. # قالوا: وإن عليا رضي الله عنه أشاع أنه يخرج إلى أهل الشام بجميع الناس، ~~فيقاتلهم حتى يحكم الله بينه وبينهم، ففزع الناس لذلك فزعا شديدا، وقالوا: ~~(إنما كنا إلى اليوم تخرج الكتيبة إلى مثلها، فيقتتلون بين الجمعين، فإن ~~التقينا بجميع الفيلقين فهو فناء العرب). # وقام (على) في الناس خطيبا، فقال: (ألا إنكم ملاقو القوم غدا بجميع ~~الناس، فأطيلوا الليلة القيام، وأكثروا تلاوة القرآن، وسلوا الله الصبر ~~والعفو، والقوهم بالجد). # PageV00P179 # فقال كعب بن جعيل: # أصبحت الأمة في أمر عجب * والملك مجموع غدا لمن غلب أقول قولا صادقا غير ~~الكذب * أن غدا تهلك أعلام العرب واجتمع أهل الشام إلى معاوية، فعرضهم، ~~فنادى مناديه: (أين الجند المقدم؟) فخرج أهل حمص تحت راياتهم، وعليهم أبو ~~الأعور السلمي، ثم نادى: (أين أهل الأردن؟)، فخرجوا تحت راياتهم، وعليهم ~~زفر بن الحارث الكلابي، ثم نادى: (أين جند الأمير؟) فجاء أهل دمشق تحت ~~راياتهم، وعليهم الضحاك ابن قيس، فأطافوا بمعاوية، فعقد لعمرو بن العاص على ~~جميع الناس، وساروا حتى وقفوا بإزاء أهل العراق. # وقعد معاوية على منبر ينظر منه فوق رابية إلى الفريقين إذا اقتتلوا، ~~وأقبلت عك الشام، وقد عصبوا أنفسهم بالعمائم، وطرحوا بين أيديهم حجرا، ~~وقالوا: # لا نولي الدبر أو يولي معنا هذا الحجر)، فصفهم عمرو خمسة صفوف، ووقف ~~أمامهم يرتجز: # يا أيها الجيش الصليب الإيمان * قوموا قياما، فاستعينوا الرحمن (1) إني ~~أتاني خبر فأبكان * إن عليا قتل ابن عفان ردوا علينا شيخنا كما كان وأنشأ ~~رجل من أهل الشام يقول: # تبكي الكتيبة يوم جر حديدها * يوم الوغى جزعا على عثمانا يسلون حق الله ~~لا يعدونه * وسألتم لعلي السلطانا فأتوا ببينة بما تسلونه * هذا البيان، ~~فأحضروا البرهانا ولما أصبح علي رضي الله عنه غلس (2). بصلاة الفجر، ثم أمر ~~أصحابه، فخرجوا # PageV00P180 # تحت راياتهم، ثم جعل ms138 يدور على رايات أهل الشام، فيقول: (من هؤلاء؟) ~~فيسمون له، حتى إذا عرفهم، وعرف مراكزهم، قال لأزد الكوفة: # (اكفوني أزد الشام)، وقال لخثعم: (اكفوني خثعم)، فأمر كل قبيلة من أهل ~~العراق أن تكفيه أختها من أهل الشام، ثم أمرهم أن يحملوا من كل ناحية حملة ~~رجل واحد، فحملوا، وحمل علي رضي الله عنه على الجمع الذي كان فيه معاوية في ~~أهل الحجاز من قريش والأنصار وغيرهم، وكانوا زهاء اثني عشر ألف فارس، وعلى ~~إمامهم، وكبروا وكبر الناس تكبيرة ارتجت لها الأرض، فانتقضت صفوف أهل ~~الشام، واختلفت راياتهم، وانتهوا إلى معاوية، وهو جالس على منبره، معه عمرو ~~بن العاص، ينظران إلى الناس، فدعا بفرس ليركبه. # ثم إن أهل الشام تداعوا بعد جولتهم، وثابوا، ورجعوا على أهل العراق، وصبر ~~القوم بعضهم لبعض إلى أن حجز بينهم الليل، فقتل في ذلك اليوم أناس كثير من ~~أعلام العرب وأشرافهم، فلما أصبحوا دخل الناس بعضهم في بعض، يستخرجون ~~قتلاهم، فيدفنونهم يومهم ذلك كله. # ثم إن عليا قام في عشية ذلك اليوم في أصحابه فقال: (أيها الناس، اغدوا ~~على مصافكم، وازحفوا إلى عدوكم، وغضوا الأبصار، واخفضوا الأصوات، وأقلوا ~~الكلام، وأثبتوا، واذكروا الله كثيرا، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، ~~واصبروا، إن الله مع الصابرين). # وقام معاوية في أهل الشام، فقال: (أيها الناس، اصبروا وصابروا، ولا ~~تتخاذلوا لا تتواكلوا، فإنكم على حق، ولكم حجة، وإنما تقاتلون من سفك الدم ~~الحرام، فليس له في السماء عاذر). # وقام عمرو، فقال: (أيها الناس، قدموا المستلئمة وأخروا الحسر (1)، ~~وأعيرونا جماجمكم اليوم، فقد بلغ الحق مقطعة، وإنما هو ظالم أو مظلوم). # PageV00P181 # فبات الفريقان طول تلك الليلة يتعبون للحرب، ثم غدوا على مصافهم، وحمل ~~الفريقان بعضهم على بعض، وحمل حبيب بن مسلمة، وكان على ميسرة معاوية، على ~~ميمنة علي رضي الله عنه، فانكشفوا وجالوا جولة، ونظر علي إلى ذلك، فقال ~~لسهل بن حنيف: (انهض فيمن معك من أهل الحجاز حتى تعين أهل الميمنة، فمضى ~~سهل فيمن كان معه من أهل الحجاز نحو الميمنة، فاستقبلهم ms139 جموع أهل الشام، ~~فكشفوه ومن معه حتى انتهوا إلى علي، وهو في القلب، فجال القلب وفيه على ~~جولة، فلم يبق مع علي إلا أهل الحفاظ والنجدة، فحث علي فرسه نحو ميسرته، ~~وهم وقوف يقاتلون من بإزائهم من أهل الشام، وكانوا ربيعة. # قال زيد بن وهب: فإني لأنظر إلى علي، وهو يمر نحو ربيعة، ومعه بنوه: # الحسن والحسين ومحمد، وإن النبل ليمر بين أذنيه وعاتقه، وبنوه يقونه ~~بأنفسهم، فلما دنا علي من الميسرة، وفيها الأشتر، وقد وقفوا في وجوه أهل ~~الشام يجالدونهم، فناداه علي، وقال: (إيت هؤلاء المنهزمين، فقل: أين فراركم ~~من الموت الذي لم تعجزوه إلى الحياة التي لا تبقى لكم). # فدفع الأشتر فرسه، فعارض المنهزمين، فناداهم: (أيها الناس، إلي إلي، أنا ~~مالك بن الحارث) فلم يلتفتوا إليه، فظن أنه بالاستعراف، فقال: (أيها الناس ~~أنا الأشتر) فثابوا إليه، فزحف بهم نحو ميسرة أهل الشام. فقاتل بهم قتالا ~~شديدا حتى انكشف أهل الشام، وعادوا إلى مواقفهم الأولى. # ورتب الأشتر ميمنة علي رضي الله عنه والقلب مراتبهما قبل الجولة، فلما ~~عادوا إلى مواقفهم جعل على يسير في الصفوف ويؤنبهم على ما كان من جولتهم، ~~وذلك ما بين صلاة العصر والمغرب. # قال: ثم إن أهل الشام حملوا على تميم، وكانوا في الميمنة، فكشفوهم، ~~فناداهم زحر (1) بن نهشل: يا بني تميم، إلى أين؟ قالوا: (ألا ترى إلى ما قد ~~غشينا؟!) # PageV00P182 # فقال: (ويحكم، أ فرارا واعتذارا؟! إن لم تقاتلوا على الدين، فقاتلوا على ~~الأحساب، احملوا معي). فحمل وحملوا، فقاتل حتى قتل، وهو أمامهم، وحمل الناس ~~جميعا بعضهم على بعض، واقتتلوا حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، ثم تكادموا ~~(1) بالأفواه، وتحاثوا بالتراب، ثم تنادوا من كل جانب: (يا معشر العرب، من ~~للنساء والأولاد، الله الله في الحرمات). # وإن عليا رضي الله عنه لينغمس في القوم، فيضرب بسيفه حتى ينثني، ثم يخرج ~~متخضبا بالدم حتى يسوى له سيفه، ثم يرجع، فينغمس فيهم، وربيعة لا تترك جهدا ~~في القتال معه والصبر، وغابت الشمس، وقربوا من معاوية، فقال لعمرو: (ما ms140 ~~ترى؟) قال: (إن تخلي سرادقك). # فنزل معاوية عن المنبر الذي كان يكون عليه، وأخلى السرادق، وأقبلت ربيعة، ~~و إمامها علي رضي الله عنه حتى غشوا السرادق، فقطعوه، ثم انصرفوا، وبات علي ~~تلك الليلة في ربيعة. ### || (مقتل هاشم بن عتبة بن أبي وقاص المرقال) # فلما أصبح علي غادى (2) أهل ~~الشام القتال، ودفع رايته العظمى إلى هاشم بن عتبة، فقاتل بها نهاره كله، ~~فلما كان العشي انكشف أصحابه انكشافه، وثبت هاشم في أهل الحفاظ منهم ~~والنجدة، فحمل عليهم الحارث بن المنذر التنوخي، فطعنه طعنة جائفة (3)، فلم ~~ينته عن القتال، ووافاه رسول علي يأمره أن يقدم رايته، فقال للرسول: (انظر ~~إلى ما بي) فنظر إلى بطنه، فرآه منشقا، فرجع إلى علي، فأخبره، ولم يلبث ~~هاشم أن سقط، وجال أصحابه عنه، وتركوه بين القتلى، فلم يلبث أن مات. وحال ~~الليل بين الناس وبين القتال. # PageV00P183 # فلما أصبح علي غلس (1) بالصلاة، وزحف بجموعه نحو القوم على التعبية ~~الأولى، ودفع الراية إلى ابنه عبد الله بن هاشم بن عتبة، وتزاحف الفريقان ~~فاقتتلوا. فروي عن القعقاع الظفري أنه قال: (لقد سمعت في ذلك اليوم من ~~أصوات السيوف ما الرعد القاصف دونه) وعلي رضي الله عنه واقف ينظر إلى ذلك، ~~ويقول: (لا حول ولا قوة إلا بالله، والله المستعان، ربنا افتح بيننا وبين ~~قومنا بالحق، وأنت خير الفاتحين). # ثم حمل علي بنفسه على أهل الشام حتى غاب فيهم، فانصرف مخضبا بالدماء، فلم ~~يزالوا كذلك يومهم كله والليل حتى مضى ثلثه، وجرح علي خمس جراحات، ثلاث في ~~رأسه واثنتان في وجهه، ثم تفرقوا وغدوا على مصافهم، وعمرو بن العاص يقدم ~~أهل الشام، فحمل عبد الله بن جعفر ذو الجناحين في قريش والأنصار في وجه ~~عمرو فاقتتلوا، وحمل غلامان أخوان من الأنصار على جموع أهل الشام حتى ~~انتهيا إلى سرادق معاوية، فقتلا على باب السرادق، ودارت رحى الحرب إلى أن ~~ذهب ثلث الليل، ثم تحاجزوا، ولما أصبح الناس اختلط بعضهم ببعض، يستخرجون ~~قتلاهم، فيدفنونهم. # وكتب معاوية إلى علي: (أما بعد، فإني ms141 إنما أقاتلك على دم عثمان، ولم أر ~~المداهنة في أمره وإسلام حقه، فإن أدرك بثأري فيه فذاك، وإلا فالموت على ~~الحق أجمل من الحياة على الضيم، وإنما مثلي ومثل عثمان، كما قال المخارق: # فمهما تسل عن نصرتي السيد لا تجد * لدى الحرب بيت السيد عندي مذمما فكتب ~~إليه علي: (أما بعد، فإني عارض عليك ما عرض مخارق على بني فالج، حيث قال: # PageV00P184 # يا راكبا إما عرضت فبلغا * بني فالج حيث استقر قرارها هلموا إلينا لا ~~تكونوا كأنكم * بلاقع أرض طار عنها غبارها سليم بن منصور أناس أعزة وأرضهم ~~أرض كثير وبارها (1) فكتب إليه معاوية: إنا لم نزل للحرب قادة، وإنما مثلي ~~ومثلك ما قال أوس بن حجر: # إذا الحرب حلت ساحة الحي أظهرت * عيوب رجال يعجبونك في الأمن وللحرب ~~أقوام يحامون دونها * وكم قد ترى من ذي رواء ولا يغني ثم غدوا على الحرب، ~~وراية أهل الشام العظمى مع عبد الرحمن بن خالد ابن الوليد، وكان يحمل بها ~~فلا يلقاه شئ إلا هده، وكان من فرسان العرب، وكانت من أهل العراق جولة ~~شديدة، فنادى الناس الأشتر، وقالوا: (أما ترى اللواء أين قد بلغ؟)، فتناول ~~الأشتر لواء أهل العراق، فتقدم به، وهو يرتجز: # إني أنا الأشتر معروف الشتر * إني أنا الأفعى العراقي الذكر (2) فقاتل ~~أهل الشام حتى رد اللواء، وردهم على أعقابهم، ففي ذلك يقول النجاشي: # رأيت اللواء كظل العقاب * يقحمه الشامي الأخزر (3) دعونا له الكبش كبش ~~العراق * وقد خالط العسكر العسكر فرد اللواء على عقبه * وفاز بحظوتها ~~الأشتر ### || (مقتل حوشب ذي ظليم) # قالوا: وأخذ الراية جندب بن زهير، فخرج إليه ~~حوشب ذو ظليم، وكان من عظماء أهل الشام، وفرسانهم، فأخذ الراية وجعل يمضي ~~بها قدما، ويتكأ # PageV00P185 # في أهل العراق، فخرج إليه سليمان بن صرد، وكان من فرسان علي، فاقتتلوا، ~~فقتل حوشب، وجال أهل العراق جولة انتقضت صفوفهم، وانحاز أهل الحفاظ منهم مع ~~علي رضي الله عنه إلى ناحية أخرى يقاتلون، وأقبل عدي بن حاتم يطلب عليا في ~~موضعه الذي خلفه ms142 فيه، فلم يجده، فسأل عنه، فدل عليه، فأقبل إليه، فقال: # (يا أمير المؤمنين، أما إذ كنت حيا فالأمر أمم (1)، واعلم أني ما مشيت ~~إليك إلا على أشلاء القتلى، وما أبقى هذا اليوم لنا ولا لهم عميدا). # وكان أكثر من صبر في تلك الساعة مع علي وقاتل ربيعة، فقال علي رضي الله ~~عنه: (يا معشر ربيعة، أنتم درعي وسيفي) ثم ركب الفرس (2) الذي كان لرسول ~~الله صلى الله عليه وسلم - يسمى الريح - وجنب بين يديه بغلة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم الشهباء، وتعمم بعمامته صلى الله عليه وسلم السوداء، ثم أمر ~~مناديه، فنادى: (أيها الناس، من يشري نفسه لله؟) فانتدب له الناس، وانضموا ~~إليه، فأقبل بهم على أهل الشام حتى أزال راياتهم، وجالوا جولة قبيحة حتى ~~دعا معاوية بفرسه ليركبها، ثم نادى مناديه في أهل الشام: # (إلى أين أيها الناس؟ أثيبوا، فإن الحرب سجال فثاب إليه الناس، وكروا على ~~أهل العراق. # وقال معاوية لعمرو: قدم عك والأشعرين، فإنهم كانوا أول من انهزم في هذه ~~الجولة. فأتاهم عمرو، فبلغهم قول معاوية، فقال رئيسهم مسروق العكي: ~~(انتظروني حتى آتي معاوية) فأتاه، فقال: (افرض لقومي في ألفين ألفين، ومن ~~هلك منهم، فابن عمه مكانه)، قال: (ذلك لك)، فانصرف إلى قومه، فأعلمهم ذلك، ~~فتقدموا، فاضطربوا هم وهمدان بالسيوف اضطرابا شديدا، فأقسمت عك لا ترجع حتى ~~ترجع همدان، وأقسمت همدان على مثل ذلك. # فقال عمرو لمعاوية: (لقيت أسد أسدا، لم أر كاليوم قط.) فقال معاوية: (لو ~~أن معك حيا آخر كعك، ومع علي كهمدان لكان الفناء). # PageV00P186 # وكتب معاوية إلى علي: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من معاوية بن أبي سفيان إلى علي بن أبي طالب، ~~أما بعد، فإني أحسبك أن لو علمت وعلمنا، أن الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم ~~نجنها على أنفسنا، فإنا وإن كنا قد غلبنا على عقولنا، فقد بقي لنا منها ما ~~ينبغي أن نندم على ما مضى ونصلح ما بقي، فإنك لا ترجو من البقاء إلا ما ~~أرجو، ولا أخاف من ms143 القتل إلا ما تخاف، وقد والله رقت الأجناد، وتفانى ~~الرجال، ونحن بنو عبد مناف ليس لبعضنا على بعض فضل إلا ما يستذل به العزيز، ~~ولا يسترق به الحر، والسلام.) فكتب إليه علي رضي الله عنه: # (بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فقد أتاني كتابك، تذكر أنك لو علمت ~~وعلمنا أن الحرب تبلغ بك وبنا ما بلغت لم نجنها على أنفسنا، فاعلم أنك ~~وإيانا منها إلى غاية لم نبلغها بعد، وأما استواؤنا في الخوف والرجاء، فإنك ~~لست أمضى على الشك مني على اليقين، وليس أهل الشام بأحرص على الدنيا من أهل ~~العراق على الآخرة، وأما قولك أنا بنو عبد مناف، وليس لبعضنا على بعض فضل، ~~فليس كذلك، لأن أمية ليس كهاشم، ولا حربا كعبد المطلب، ولا أبا سفيان كأبي ~~طالب، ولا المهاجر كالطليق، وفي أيدينا فضل النبوة التي بها قتلنا العزيز، ~~ودان لنا بها الذليل). ثم إن عليا رضي الله عنه غلس بالصلاة صلاة الفجر، ~~وزحف بجموعه نحو أهل الشام، فوقف الفريقان تحت راياتهم، وخرج الأشتر على ~~فرس كميت ذنوب (1). # مقنعا بالحديد، وبيده الرمح، فحمل على أهل الشام، فاتبعه الناس، وكسر ~~فيهم ثلاثة أرماح، واضطرب الناس بالسيوف وعمد الحديد، وبرز رجل من أهل ~~الشام مقنعا بالحديد، ونادى: (يا أبا الحسن، ادن مني، أكلمك) فدنا منه علي # PageV00P187 # حتى اختلفت أعناق فرسيهما بين الصفين، فقال: (إن لك قدما في الإسلام ليس ~~لأحد، وهجرة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجهادا، فهل لك أن تحقن هذه ~~الدماء، وتؤخر هذه الحرب برجوعك إلى عراقك، ونرجع إلى شامنا الان تنظر ~~وننظر في أمرنا؟). # فقال علي: (يا هذا، إني قد ضربت أنف هذا الأمر وعينيه، فلم أجده يسعني ~~إلا القتال أو الكفر بما أنزل الله على محمد، إن الله لا يرضى من أوليائه ~~أن يعصى في الأرض، وهم سكوت، لا يأمرون بمعروف ولا ينهون عن منكر، فوجدت ~~القتال أهون من معالجة الأغلال في جهنم). # قال: فانصرف الشامي، وهو يسترجع، ثم اقتتلوا حتى تكسرت الرماح، وتقطعت ~~السيوف، ms144 وأظلمت الأرض من القتام (1)، وأصابهم البهر (2)، وبقي بعضهم ينظر ~~إلى بعض بهيرا. فتحاجزوا بالليل، وهو ليلة الهرير. ثم أصبحوا غداة هذه ~~الليلة، واختلط بعضهم ببعض يستخرجون قتلاهم ويدفنونهم. # ثم إن عليا قام من صبيحة ليلة الهرير في الناس خطيبا، فحمد الله وأثنى ~~عليه، ثم قال: (أيها الناس، إنه قد بلغ بكم وبعدوكم الأمر إلى ما ترون، ولم ~~يبق من القوم إلا آخر نفس، فتأهبوا رحمكم الله لمناجزة عدوكم غدا، حتى يحكم ~~الله بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين). # وبلغ ذلك معاوية، فقال لعمرو: (ما ترى، فإنما هو يومنا هذا وليلتنا ~~هذه؟)، فقال عمرو: (إني قد أعددت بحيلتي أمرا أخرته إلى هذا اليوم، فإن ~~قبلوه اختلفوا، وإن ردوه تفرقوا، قال معاوية: (وما هو؟) قال عمرو: (تدعوهم ~~إلى كتاب الله حكما بينك وبينهم، فإنك بالغ به حاجتك). فعلم معاوية أن ~~الأمر كما قال. # قالوا: وأن الأشعث بن قيس قال لقومه، وقد اجتمعوا إليه: (قد رأيتم ما كان ~~في اليوم الماضي من الحرب المبيرة (3). وأنا والله إن التقينا غدا، إنه ~~لبوار العرب وضيعة الحرمات). # PageV00P188 # قالوا: (فانطلقت العيون إلى معاوية بكلام الأشعث، فقال: صدق الأشعث، لئن ~~التقينا غدا ليميلن الروم على ذراري أهل الشام، وليميلن دهاقين فارس على ~~ذراري أهل العراق، وما يبصر هذا الأمر إلا ذوو الأحلام، اربطوا المصاحف على ~~أطراف القنا (1)). # قالوا: فربطت المصاحف، فأول ما ربط مصحف دمشق الأعظم، ربط على خمسة ~~أرماح، يحملها خمسة رجال، ثم ربط سائر المصاحف، جميع ما كان معهم، وأقبلوا ~~في الغلس، ونظر أهل العراق إلى أهل الشام قد أقبلوا، وأمامهم شبيه ~~بالرايات، فلم يدروا ما هو، حتى أضاء الصبح، فنظروا، فإذا هي المصاحف. # ثم قام الفضل بن أدهم أمام القلب، وشريح الجذامي أمام الميمنة، وورقاء ~~ابن المعمر أمام الميسرة، فنادوا: (يا معشر العرب، الله. الله في نسائكم ~~وأولادكم من فارس والروم غدا، فقد فنيتم، هذا كتاب الله بيننا وبينكم). ~~فقال علي رضي الله عنه: (ما الكتاب تريدون، ولكن المكر تحاولون). # ثم أقبل أبو الأعور السلمي على ms145 برذون أشهب، وعلى رأسه مصحف، وهو ينادي: ~~(يا أهل العراق، هذا كتاب الله حكما فيما بيننا وبينكم). # فلما سمع أهل العراق ذلك قام كردوس بن هانئ البكري، فقال: (يا أهل ~~العراق، لا يهدئكم ما ترون من رفع هذه المصاحف، فإنها مكيدة). ثم تكلم ~~سفيان بن ثور النكري (2)، فقال: (أيها الناس، أنا قد كنا بدأنا بدعاء أهل ~~الشام إلى كتاب الله، فردوا علينا، فاستحللنا قتالهم، فإن رددناه عليهم حل ~~لهم قتالنا، ولسنا نخاف أن يحيف الله علينا ولا رسوله). ثم قام خالد بن ~~المعمر، فقال لعلي: (يا أمير المؤمنين، ما البقاء إلا فيما دعا القوم إليه ~~إن رأيته، وإن لم تره فرأيك أفضل). ثم تكلم الحضين بن المنذر، فقال: أيها ~~الناس، إن لنا داعيا قد حمدنا ورده وصدره، وهو المأمون على ما فعل، فإن ~~قال: لا، قلنا: لا، وإن قال: نعم، قلنا: نعم). # PageV00P189 # فتكلم علي، وقال: (عباد الله، أنا أحرى من أجاب إلى كتاب الله، وكذلك ~~أنتم، غير أن القوم ليس يريدون بذلك إلا المكر، وقد عضتهم الحرب، والله، ~~لقد رفعوها وما رأيهم العمل بها، وليس يسعني مع ذلك أن ادعى إلى كتاب الله ~~فأبى، وكيف وإنما قاتلناهم ليدينوا بحكمه). # فقال الأشعث: (يا أمير المؤمنين نحن لك اليوم على ما كنا عليه لك أمس، ~~غير أن الرأي ما رأيت من أجابه القوم إلى كتاب الله حكما). فأما عدي بن ~~حاتم وعمرو بن الحمق فلم يهويا ذلك، ولم يشيروا على علي به. # ولما أجاب علي رضي الله عنه، قالوا له: (فابعث إلى الأشتر ليمسك عن الحرب ~~ويأتيك). وكان يقاتل في ناحية الميمنة، فقال علي ليزيد بن هانئ: (انطلق إلى ~~الأشتر، فمره أن يدع ما هو فيه، ويقبل)، فأتاه، فأبلغه، فقال: (ارجع إلى ~~أمير المؤمنين، فقل له إن الحرب قد اشتجرت بيني وبين أهل الناحية، فليس ~~يجوز أن انصرف). # فانصرف يزيد إلى علي، فأخبره بذلك، وعلت الأصوات من ناحية الأشتر، وثار ~~النقع (1)، فقال القوم لعلي، (والله ما نحسبك أمرته إلا بالقتال). فقال: ~~(كيف ms146 أمرته بذلك، ولم أساره سرا؟!) ثم قال ليزيد: (عد إلى الأشتر، فقل له. ~~أقبل، فإن الفتنة قد وقعت). فأتاه، فأخبره بذلك. # فقال الأشتر: (الرفع هذا المصاحف؟)، قال: (نعم). قال: (أما والله لقد ~~ظننت بها حين رفعت، أنها ستوقع اختلافا وفرقة). # فأقبل الأشتر حتى انتهى إليهم، فقال: (يا أهل الوهن الذل، أ حين علوتم ~~القوم تنكلون لرفع هذه المصاحف؟ أمهلوني فواقا (2))، قالوا: (لا ندخل معك ~~في خطيئتك)، قال: (ويحكم، كيف بكم وقد قتل خياركم وبقي أراذلكم، فمتى كنتم ~~محقين؟ أحين كنتم تقاتلون أم الآن حين أمسكتم؟ فما حال قتلاكم الذين # PageV00P190 # لا ننكرون فضلهم، أ في الجنة أم في النار؟). قالوا (: قاتلناهم في الله، ~~وندع قتالهم في الله). فقال: (يا أصحاب الجباة السود، كنا نظن أن صلاتكم ~~عبادة وشوق إلى الجنة، فنراكم قد فررتم إلى الدنيا، فقبحا لكم). فسبوه، ~~وسبهم، وضربوا وجه دابته بسياطهم، وضرب هو وجوه دوابهم بسوطه. وكان مسعر بن ~~فدكي وابن الكواء وطبقتهم من القراء الذين صاروا بعد خوارج كانوا من أشد ~~الناس في الإجابة إلى حكم المصحف. # وإن معاوية قام في أهل الشام، فقال: (أيها الناس، إن الحرب قد طالت بيننا ~~وبين هؤلاء القوم، وإن كل واحد منا يظن أنه على الحق وصاحبه على الباطل، ~~وإنا قد دعوناهم إلى كتاب الله والحكم به، فإن قبلوه، وإلا كنا قد أعذرنا ~~إليهم). # ثم كتب إلى علي: (أن أول من يحاسب على هذا القتال أنا وأنت، وأنا أدعوك ~~إلى حقن هذه الدماء وألفة الدين واطراح الضغائن، وأن يحكم بيني وبينك ~~حكمان، أحدهما من قبلي والآخر من قبلك، ما يجدانه مكتوبا مبينا في القرآن ~~يحكمان به، فأرض بحكم القرآن إن كنت من أهله). # فكتب إليه علي: (دعوت إلى حكم القرآن، وإني لأعلم أنك ليس حكمه تحاول، ~~وقد أجبنا القرآن إلى حكمه لا إياك، ومن لم يرض بحكم القرآن فقد ضل ضلالا ~~بعيدا). # وكتب إلى عمرو بن العاص: (أما بعد، فإن الدنيا مشغلة عن غيرها، ولم يصب ~~صاحبها منها شيئا إلا انفتح له ms147 بذلك حرص يزيده فيها رغبة، ولن يستغني ~~صاحبها بما نال منها عما لم ينله، ومن وراء ذلك فراق ما جمع، فلا تحبط عملك ~~بمجاراة معاوية على باطله، وإن لم تنته لم تضر بذلك إلا نفسك، والسلام). # فأجابه عمرو: (أما بعد، فإن الذي فيه صلاحنا وألفة ما بيننا الإنابة إلى ~~الحق، وقد جعلنا القرآن حكما بيننا وبينك لنرضى بحكمه، ويعذرنا الناس عند ~~المناجزة، والسلام). PageV00P191 # فكتب إليه علي: (أما بعد، فإن الذي أعجبك مما نازعتك نفسك إليه من طلب ~~الدنيا منقلب عنك، فلا تطمئن إليها، فإنها غرارة، ولو اعتبرت بما مضى ~~انتفعت بما بقي، والسلام). # فكتب إليه عمرو: (أما بعد، فقد أنصف من جعل القرآن حكما، فاصبر يا أبا ~~الحسن، فإنا غير منيليك إلا ما أنا لك القرآن، والسلام). # فاجتمع قراء أهل العراق وقراء أهل الشام، فقعدوا بين الصفين، ومعهم ~~المصحف يتدارسونه، فاجتمعوا على أن يحكموا حكمين، وانصرفوا. # فقال أهل الشام: (قد رضينا بعمرو). وقال الأشعث ومن كان معه من قراء أهل ~~العراق: (قد رضينا نحن بأبي موسى). # فقال لهم علي: (لست أثق برأي أبي موسى، ولا بحزمه، ولكن أجعل ذلك لعبد ~~الله بن عباس). # قالوا: (والله ما نفرق بينك وبين ابن عباس، وكأنك تريد أن تكون أنت ~~الحاكم، بل اجعله رجلا هو منك ومن معاوية سواء، ليس إلى أحد منكما بأدنى ~~منه إلى الآخر). # قال علي رضي الله عنه: (فلم ترضون لأهل الشام بابن العاص، وليس كذلك؟). ~~قالوا: (أولئك أعلم، إنما علينا أنفسنا). # قال: (فإني أجعل ذلك إلى الأشتر). # قال الأشعث: (وهل سعر هذه الحرب إلا الأشتر، وهل نحن إلا في حكم ~~الأشتر؟). # قال علي: (وما حكمه؟). # قال: (يضرب بعض وجوه بعض حتى يكون ما يريد الله). PageV00P192 # قال: (فقد أبيتم إلا أن تجعلوا أبا موسى). قالوا: (نعم). # قال: (فاصنعوا ما أحببتم). # قالوا: فأرسلوا رسولا إلى أبي موسى، وقد كان اعتزل الحرب، وأقام بعرض (1) ~~من أعراض الشام، فدخل عليه مولى له، فقال: (قد اصطلح الناس)، قال: (الحمد ~~لله رب العالمين). قال: (وقد ms148 جعلوك حكما). # قال: (إنا لله وإنا إليه راجعون). # فأقبل أبو موسى حتى دخل عسكر علي، فولوه الأمر، ورضوا به، فقبله. # فقال الأحنف بن قيس لعلي: (إنك قد منيت بحجر الأرض، وداهية العرب، وقد ~~عجمت أبا موسى، فوجدته كليل الشفرة، قريب العقر، وإنه لا يصلح لهذا الأمر ~~إلا رجل يدنو من صاحبه حتى يكون في كفه، ويبعد منه حتى يكون مكان النجم، ~~فإن شئت أن تجعلني حكما فافعل، وإلا فثانيا أو ثالثا، فإن قلت: إني لست من ~~أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فابعث رجلا من صحابته، واجعلني وزيرا ~~له ومشيرا). # فقال علي: (إن القوم قد أبوا أن يرضوا بغير أبي موسى، والله بالغ أمره). # قالوا: فقال أيمن بن خريم الأسدي من أهل الشام، وكان معتزلا للقوم: # لو كان للقوم رأي يهتدون به * بعد القضاء رموكم بابن عباس لكن رموكم بشيخ ~~من ذوي يمن * لم يدر ما ضرب أخماس لأسداس (2) # PageV00P193 # قالوا: وقد كان معاوية جعل لأيمن بن خريم ناحية من فلسطين على أن يبايعه، ~~فأبى، وقال: # لست بقاتل رجلا يصلي * على سلطان آخر من قريش له سلطانه وعلى إثمي * معاذ ~~الله من سفه وطيش أأقتل مسلما في غير حق * فليس بنافعي ما عشت عيشي ### || (وثيقة التحكيم) # قالوا: فاجتمع أهل العراق وأهل الشام وأتوا بكاتب، وقالوا: (اكتب ~~بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما تقاضى عليه أمير المؤمنين). فقال معاوية ~~(بئس الرجل أنا إن أقررت بأنه أمير المؤمنين ثم أقاتله. قال عمرو (بل اكتب ~~اسمه واسم أبيه). فقال الأحنف بن قيس: (يا أمير المؤمنين، لا تمح اسم أمره ~~المؤمنين، فإني أخاف إن محوتها لم ترجع إليك أبدا، ولا تجبهم إلى ذلك). # فقال علي: الله أكبر، سنة بسنة، أما والله لقد جرى على يدي نظير هذا - ~~يعني القضية يوم الحديبية (1)، وامتناع قريش أن يكتب محمد رسول الله، فقال ~~النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب، اكتب محمد بن عبد الله، فكتبوا. # (هذا ما تقاضى عليه علي بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان وشيعتهما ms149 فيما ~~تراضيا به من الحكم بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، قضية علي على ~~أهل العراق شاهدهم وغائبهم، وقضية معاوية على أهل الشام شاهدهم وغائبهم، ~~إنا تراضينا أن نقف عند حكم القرآن فيما يحكم من فاتحته إلى خاتمته، نحيي ~~ما أحيا، ونميت ما أمات، على ذلك تقاضيا وبه تراضيا، وإن عليا وشيعته رضوا ~~بعبد الله بن قيس ناظرا وحاكما، ورضي معاوية وشيعته بعمرو بن العاص ناظرا ~~وحاكما، على أن عليا ومعاوية أخذا على عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص عهد ~~الله وميثاقه، وذمته وذمة # PageV00P194 # رسوله أن يتخذا القرآن إماما، ولا يعدوا به إلى غيره في الحكم بما وجداه ~~فيه مسطورا، وما لم يجدا في الكتاب رداه إلى سنة رسول الله الجامعة، لا ~~يتعمدان لها خلافا، ولا يبغيان فيها بشبهة). # (وأخذ عبد الله بن قيس وعمرو بن العاص على علي ومعاوية عهد الله وميثاقه ~~بالرضى بما حكما به مما في كتاب الله وسنة نبيه، وليس لهما أن ينقضا ذلك، ~~ولا يخالفاه إلى غيره، وهما آمنان في حكومتهما على دمائهما وأموالهما ~~وأشعارهما وأبشارهما وأهاليهما وأولادهما ما لم يعدوا الحق، رضي به راض أو ~~سخطه ساخط، وإن الأمة أنصارهما على ما قضيا به من الحق مما هو في كتاب ~~الله، فإن توفي أحد الحكمين قبل انقضاء الحكومة، فلشيعته وأصحابه أن ~~يختاروا مكانه رجلا من أهل المعدلة والصلاح على ما كان عليه صاحبه من العهد ~~والميثاق، وإن مات أحد الأميرين قبل انقضاء الأجل المحدد في هذه القضية ~~فلشيعته أن يولوا مكانه رجلا يرضون عدله، وقد وقعت القضية بين الفريقين ~~والمفاوضة، ورفع السلاح، وقد وجبت القضية على ما سمينا في هذا الكتاب من ~~موقع الشرط على الأميرين والحكمين والفريقين، والله أقرب شهيد، وكفى به ~~شهيدا، فإن خالفا وتعديا فالأمة بريئة من حكمهما ولا عهد لهما ولا ذمة، ~~والناس آمنون على أنفسهم وأهاليهم وأولادهم إلى انقضاء الأجل، والسلاح ~~موضوعة والسبل آمنة، والغائب من الفريقين مثل الشاهد في الأمر، وللحكمين أن ~~ينزلا منزلا متوسطا ms150 عدلا بين أهل العراق وأهل الشام، ولا يحضرهما فيه إلا ~~من أحبا عن تراض منهما، والأجل إلى انقضاء شهر رمضان، فإن رأى الحكمان ~~تعجيل الحكومة عجلاها، وإن رأيا تأخيرها إلى آخر الأجل أخراها، فإن هما لم ~~يحكما بما في كتاب الله وسنة نبيه إلى انقضاء الأجل، فالفريقان على أمرهم ~~الأول في الحرب، وعلى الأمة عهد الله وميثاقه في هذا الأمر، وهم جميعا يد ~~واحدة على من أراد في هذا الأمر إلحادا أو ظلما أو خلافا). # (شهد على ما في هذا الكتاب الحسن والحسين ابنا علي بن أبي طالب، وعبد ~~الله ابن عباس، وعبد الله بن جعفر بن أبي طالب، والأشعث بن قيس، والأشتر) ~~PageV00P195 # ابن الحارث، وسعيد بن قيس، والحصين والطفيل ابنا الحارث بن عبد المطلب، ~~وأبو سعيد بن ربيعة الأنصاري، وعبد الله بن خباب بن الأرت، وسهل بن حنيف، ~~وأبو بشر بن عمر الأنصاري، وعوف بن الحارث بن عبد المطلب، ويزيد بن عبد ~~الله الأسلمي، وعقبة بن عامر الجهني، ورافع بن خديج الأنصاري، وعمرو بن ~~الحمق الخزاعي، والنعمان بن العجلان الأنصاري، وحجر بن عدي الكندي، ويزيد ~~بن حجية النكري، ومالك بن كعب الهمداني، وربيعة بن شرحبيل، والحارث بن ~~مالك، وحجر بن يزيد، وعلبة بن حجية. # ومن أهل الشام: حبيب بن مسلمة الفهري، وأبو الأعور السلمي، وبسر ابن ~~أرطأة القرشي، ومعاوية بن خديج الكندي، والمخارق بن الحارث، ومسلم ابن عمرو ~~السكسكي، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وحمزة بن مالك، وسبيع ابن يزيد ~~الحضرمي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعلقمة بن يزيد الكلبي، وخالد بن ~~الحصين السكسكي، وعلقمة بن يزيد الحضرمي، ويزيد بن أبجر العبسي، ومسروق بن ~~جبلة العكي، وبسر بن يزيد الحميري، وعبد الله بن عامر القرشي، وعتبة بن أبي ~~سفيان، ومحمد بن أبي سفيان، ومحمد بن عمرو بن العاص، وعمار بن الأحوص ~~الكلبي، ومسعدة بن عمرو العتبي، والصباح بن جلهمة الحميري، وعبد الرحمن بن ~~ذي الكلاع، وثمامة بن حوشب، وعلقمة بن حكم). # وكتب يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة ms151 بقيت من صفر سنة سبع وثلاثين). ### || (الخلاف بعد التحكيم) # وإن الأشعث أخذ الكتاب فقرأه على الفريقين، يمر به ~~على كل، راية راية، وقبيلة قبيلة، فيقرؤه عليهم، فمر برايات عنزة، وكان مع ~~علي منهم أربعة آلاف رجل، فلما قرأه عليهم قال أخوان منهم، اسمهما جعد ~~ومعدان: (لا حكم إلا لله) ثم شدا على أهل الشام، فقاتلا حتى قتلا، وهما أول ~~من حكم. PageV00P196 # ثم مر على رايات مراد، فقرأه عليهم، فقال صالح بن شقيق، وكان من أفاضلهم ~~(لا حكم إلا لله، وإن كره المشركون، ثم مر به على رايات بني راسب، فتنادوا ~~(لا يحكم الرجال في دين الله)، ثم مر به على رايات بني تميم، فقالوا مثل ~~ذلك، فقال عروة بن أدية: (أتحكمون في دين الله الرجال، فأين قتلانا يا ~~أشعث؟) ثم حمل بسيفه على الأشعث، فأخطأه، وأصاب السيف عجز دابته، فانصرف ~~الأشعث إلى قومه، فمشى إليه سادات تميم، فاعتذروا إليه، فقبل وصفح. # وأقبل سليمان بن صرد إلى على مضروبا في وجهه بالسيف، فقال: (يا أمير ~~المؤمنين، أما لو وجدت أعوانا ما كتبت هذه الصحيفة). وقام محرز بن خنيس بن ~~ضليع إلى علي، فقال: (يا أمير المؤمنين، أما إلى الرجوع عن هذا الكتاب ~~سبيل، فوالله إني لخائف أن يورثك ذلا؟). قال علي: (أبعد أن كتبناه ننقضه؟ ~~هذا لا يجوز) ثم إن عليا ومعاوية اتفقا على أن يكون مجتمع الحكمين بدومة ~~الجندل، وهو المنصف بين العراق والشام. ووجه علي مع أبي موسى شريح بن هانئ ~~في أربعة آلاف من خاصته، وصير عبد الله بن عباس على صلاتهم، وبعث معاوية مع ~~عمرو بن العاص أبا الأعور السلمي في مثل ذلك من أهل الشام. # فساروا من صفين حتى وافوا دومة الجندل، وانصرف علي بأصحابه حتى وافى ~~الكوفة، وانصرف معاوية بأصحابه حتى وافى دمشق، ينتظران ما يكون من أمر ~~الحكمين. # وكان علي إذا كتب إلى ابن عباس في أمر اجتمع إليه أصحابه، فقالوا: # (ما كتب إليك أمير المؤمنين؟) فيكتمهم، فيقولون: (لم كتمتنا؟ وإنما كتب ~~إليك في ms152 كذا وكذا)، فلا يزالون يزكنون (1) حتى يقفوا على ما كتب. # PageV00P197 # وتأتي كتب معاوية إلى عمرو بن العاص، فلا يأتيه أحد من أصحابه، يسأله عن ~~شئ من أمره. # قالوا: وكتب معاوية إلى عبد الله بن عمر بن الخطاب، وإلى عبد الله بن ~~الزبير، وإلى أبي الجهم بن حذيفة، وإلى عبد الرحمن بن عبد يغوث: (أما بعد، ~~فإن الحرب قد وضعت أوزارها، وصار هذان الرجلان إلى دومة الجندل، فاقدموا ~~عليهما إن كنتم قد اعتزلتم الحرب، فلم تدخلوا فيما دخل فيه الناس، لتشهدوا ~~ما يكون منهما، والسلام). فلما أتاهم كتابه ساروا جميعا إلى دومة الجندل، ~~فأقاموا ينتظرون ما يكون من الرجلين، وحضر معهم سعد بن أبي وقاص، وسار ~~المغيرة بن شعبة، وكان مقيما بالطائف لم يشهد شيئا من تلك الحروب حتى أتى ~~دومة الجندل، فأقام ينتظر ما يكون منهما، فلما طال مقامه سار من هناك حتى ~~أتى معاوية بدمشق، فقال له معاوية: (أشر على بما ترى)، فقال له المغيرة: ~~(لو أشرت عليك لقاتلت معك، ولكني قد أتيتك بخبر الرجلين). # قال: (وما خبرهما؟). # قال: (إني خلوت بأبي موسى لأبلو ما عنده، فقلت: (ما تقول فيمن اعتزل عن ~~هذا الأمر، وجلس في بيته كراهية للدماء؟)، فقال: (أولئك خيار الناس، خفت ~~ظهورهم من دماء إخوانهم، وبطونهم من أموالهم). # قال: (فخرجت من عنده، وأتيت عمرو بن العاص، فقلت: (يا أبا عبد الله، ما ~~تقول فيمن اعتزل هذه الحروب؟)، فقال: (أولئك شرار الناس، لم يعرفوا حقا، ~~ولم ينكروا باطلا). (وأنا أحسب أبا موسى خالعا صاحبه، وجاعلها) لرجل لم ~~يشهد، وأحسب هواه في عبد الله بن عمر بن الخطاب. وأما عمرو بن العاص فهو ~~صاحبك الذي عرفته، وأحسب سيطلبها لنفسه أو لابنه عبد الله، ولا أراه يظن ~~أنك أحق بهذا الأمر منه). فأقلق ذلك معاوية). PageV00P198 ### || (مداولة الحكمين) # قالوا: ثم إن عمرو بن العاص جعل يظهر تبجيل أبي موسى ~~وإجلاله، وتقديمه في الكلام وتوقيره، ويقول: (صحبت رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم قبلي، وأنت أكبر سنا مني). ثم اجتمعا ليتناظرا ms153 في الحكومة، فقال أبو ~~موسى: # (يا عمرو، هل لك فيما فيه صلاح الأمة ورضي الله؟). # قال: (وما هو؟). # قال: (نولي عبد الله بن عمر، فإنه لم يدخل نفسه في شئ من هذه الحروب). # قال له عمرو: (أين أنت من معاوية؟). # قال أبو موسى: (ما معاوية موضعا لها، ولا يستحقها بشئ من الأمور). # قال عمرو: (ألست تعلم أن عثمان قتل مظلوما؟). # قال: (بلى). # قال: (فإن معاوية ولى عثمان، وبيته بعد في قريش ما قد علمت، فإن قال ~~الناس: لم ولي الأمر وليست له سابقة؟ فإن لك في ذلك عذرا، تقول: إني وجدته ~~ولى عثمان، والله تعالى يقول: (ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا) وهو ~~مع هذا أخو أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أحد أصحابه). # قال أبو موسى: (اتق الله يا عمرو، أما ما ذكرت من شرف معاوية)، فلو كان ~~يستوجب بالشرف الخلافة، لكان أحق الناس بها أبرهة بن الصباح، فإنه من أبناء ~~ملوك اليمن التبابعة الذين ملكوا شرق الأرض وغربها، ثم أي شرف لمعاوية مع ~~علي بن أبي طالب؟، وأما قولك إن معاوية ولي عثمان، فأولى منه ابنه عمرو بن ~~عثمان، ولكن إن طاوعتني أحيينا سنة عمر بن الخطاب وذكره بتوليتنا ابنه عبد ~~الله الحبر (1)). # PageV00P199 # قال عمرو: (فما يمنعك من ابني عبد الله مع فضله وصلاحه وقديم هجرته ~~وصحبته؟). # فقال أبو موسى: (إن ابنك رجل صدق، ولكنك قد غمسته في هذه الحروب غمسا، ~~ولكن هلم نجعلها للطيب ابن الطيب عبد الله بن عمر). # قال عمرو: (يا أبا موسى، إنه لا يصلح لهذا الأمر إلا رجل له ضرسان، يأكل ~~بأحدهما، ويطعم بالآخر). # قال أبو موسى: (ويحك يا عمرو، إن المسلمين قد أسندوا إلينا أمرا بعد أن ~~تقارعوا بالسيوف وتشاكوا بالرماح، فلا نردهم في فتنة). # قال: (فما ترى؟). # قال: (أرى أن نخلع هذين الرجلين، عليا ومعاوية، ثم نجعلها شورى بين ~~المسلمين، يختارون لأنفسهم من أحبوا). # قال عمرو: (فقد رضيت بذلك، وهو الرأي الذي فيه صلاح الناس). # * * * قال: فافترقا ms154 على ذلك، وأقبل ابن عباس إلى أبي موسى، فخلا به، ~~وقال: # (ويحك يا أبا موسى، أحسب والله عمرا قد اختدعك، فإن كنتما قد اتفقتما على ~~شئ فقدمه قبلك ليتكلم، ثم تكلم بعده، فإن عمرا رجل غدار، ولست آمن أن يكون ~~قد أعطاك الرضى فيما بينك وبينه، فإذا قمت به في الناس خالفك)، قال أبو ~~موسى: (قد اتفقنا على أمر لا يكون لأحدنا على صاحبه فيه خلاف إن شاء الله) ### || (إعلان الحكم) # فلما أصبحوا من غد خرجوا إلى الناس، وهم مجتمعون في المسجد ~~الجامع، فقال أبو موسى لعمرو: # (أصعد المنبر، فتكلم). PageV00P200 # فقال عمرو: (ما كنت أتقدمك وأنت أفضل مني فضلا، وأقدم هجرة وسنا). # فبدأ أبو موسى، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: # (أيها الناس، إنا قد نظرنا فيما يجمع الله به ألفة هذه الأمة ويصلح ~~أمرها، فلم نر شيئا هو أبلغ في ذلك من خلع هذين الرجلين، علي ومعاوية، ~~وتصييرها شورى ليختار الناس لأنفسهم من رأوه لها أهلا، وإني قد خلعت عليا ~~ومعاوية، فاستقبلوا أمركم، وولوا عليكم من أحببتم) ثم نزل. # وصعد عمرو، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: # (إن هذا قد قال ما سمعتم، وخلع صاحبه، ألا وإني قد خلعت صاحبه كما خلعه، ~~وأثبت صاحبي معاوية، فإنه ولي أمير المؤمنين عثمان، والطالب بدمه، وأحق ~~الناس بمقامه). # فقال له أبو موسى: (مالك، لا وفقك الله، غدرت وفجرت، وإنما مثلك مثل ~~الكلب، إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث). # فقال له عمرو: (ومثلك كمثل الحمار يحمل أسفارا). # * * * وحمل شريح بن هانئ على عمرو فقنعه (1) بالسوط، وحجز الناس بينهما، ~~وكان شريح يقول: (ما ندمت على شئ قط كندامتي ألا أكون ضربته مكان السوط ~~بالسيف، أتى الدهر في ذلك بما أتى). # وانسل أبو موسى، فركب راحلته، وهرب، حتى لحق بمكة، فكان ابن عباس يقول: ~~(لحي الله أبا موسى، لقد نبهته فما انتبه، وحذرته بما صار إليه فما انحاش ~~(2). وكان أبو موسى يقول: (لقد حذرني ابن عباس غدر عمرو، فاطمأننت إليه، ~~ولم أظن ms155 أنه يؤثر شيئا على نصيحة المسلمين). # PageV00P201 ### || (مبايعة معاوية) # ثم انصرف عمرو وأهل الشام إلى معاوية، فسلموا عليه ~~بالخلافة. # وأقبل ابن عباس وشريح بن هانئ ومن كان معهما من أهل العراق إلى علي، ~~فأخبروه الخبر، فقام سعيد بن قيس الهمداني، فقال: (والله لو اجتمعنا على ~~الهدى ما زادنا على ما نحن عليه بصيرة). ثم تكلم عامة الناس بنحو من هذا. ### || (فتنة الخوارج) # قالوا: (ولما بلغ أهل العراق ما كان من أمر الحكمين لقيت ~~الخوارج بعضها بعضا، واتعدوا أن يجتمعوا عند عبد الله بن وهب الراسبي، ~~فاجتمع عنده عظماؤهم وعبادهم، فكان أول من تكلم منهم عبد الله بن وهب، فحمد ~~الله وأثنى عليه، ثم قال: (معاشر إخواني، إن متاع الدنيا قليل، وإن فراقها ~~وشيك، فاخرجوا بنا منكرين لهذه الحكومة، فإنه لا حكم إلا لله، وإن الله مع ~~الذين اتقوا والذين هم محسنون). # ثم تكلم حمزة بن سيار، فقال: (الرأي ما رأيتم، ومنهج الحق فيما قلتم، ~~فولوا أمركم رجلا منكم، فإنه لا بد لكم من قائد وسائس وراية تحفون بها، ~~وترجعون إليها). # فعرضوا الأمر على يزيد بن الحصين، وكان من عبادهم، فأبى أن يقبلها، ثم ~~عرضوها على ابن أبي أوفى العبسي، فأبى أن يقبلها، ثم عرضوها على عبد الله ~~ابن وهب الراسبي، فقال: (هاتوها، فوالله ما أقبلها رغبة في الدنيا، ولا ~~فرارا من الموت، ولكن أقبلها لما أرجو فيها من عظيم الأجر). ثم مد يده، ~~فقاموا إليه، فبايعوه، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: (أما بعد، فإن الله أخذ عهودنا ~~ومواثيقنا على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والقول بالحق والجهاد في ~~سبيله (إن الذين PageV00P202 # يضلون عن سبيل الله لهم عذاب شديد)، وقال الله عز وجل: (ومن لم يحكم بما ~~أنزل الله فأولئك هم الفاسقون)، وأشهد على أن أهل دعوتنا من أهل ديننا أن ~~قد اتبعوا الهوى ونبذوا حكم الكتاب وجاروا في الحكم، وأن جهادهم لحق، فأقسم ~~بمن تعنو له الوجوه وتخشع له الأبصار، ms156 لو لم أجد على قتالهم مساعدا ~~لقاتلتهم وحدي حتى ألقى ربي شهيدا). # فلما سمع ذلك عبد الله بن السخبر، وكان من أصحاب البرانس (1) استعبر ~~باكيا، ثم قال: (لحي الله امرء لا يكون تشريح ما بين عظمه ولحمه وعصبه أيسر ~~عنده من سخط الله عليه في لحظة يسعى بها على مقته، فكيف وإنما تريدون بذلك ~~وجه الله، يا إخوتي، تقربوا إلى الله ببغض من عصاه، واخرجوا إليهم، فاضربوا ~~وجوههم بالسيوف حتى يطاع الله يثبكم ثواب المطيعين العاملين بمرضاته، ~~القائمين بحقوقه، فإن تظفروا فالغنيمة والفتح، وأن تغلبوا فأي شئ أفضل من ~~المصير إلى رضوان الله وجنته) ثم افترقوا يومهم ذلك. # فلما كان من الغد أقبل عبد الله بن وهب الراسبي في نفر من أصحابه حتى دخل ~~على شريح بن أبي أوفى العبسي، وكان من عظمائهم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: (أما بعد، فإن هذين الحكمين قد حكما بغير ما أنزل الله، وقد كفر ~~إخواننا حين رضوا بهما، وحكموا الرجال في دينهم، ونحن على الشخوص من بين ~~أظهرهم، وقد أصبحنا والحمد لله ونحن على الحق من بين هذا الخلق). # فقال شريح: (أنذر أصحابك. وأعلمهم خروجك، ثم اخرج بنا على بركة الله حتى ~~نأتي المدائن، فننزلها، ونرسل إلى إخواننا الذين بالبصرة، فيقدموا علينا، ~~فتكون أيديهم مع أيدينا). # PageV00P203 # فقال يزيد بن حصين الطائي: (إنكم إن خرجتم بجماعتكم طلبتم، ولكن اخرجوا ~~فرادى مستخفين، فأما المدائن فإن بها من يمنع منها، ولكن توعدوا أن توافوا ~~جسر النهروان، فتقيموا هناك، وتكتبوا إلى إخوانكم من أهل البصرة أن يوافوكم ~~بها). قالوا: (هذا الرأي). فاتفقوا على ذلك، وأنذروا جميعا أصحابهم، ~~فاستعدوا للخروج فرادى، وكتبوا إلى من كان منهم بالبصرة (بسم الله الرحمن ~~الرحيم، من عبد الله بن وهب، ويزيد بن الحصين، وحر قوص بن زهير، وشريح ابن ~~أبي أوفى إلى من بلغه كتابنا بالبصرة من المؤمنين المسلمين، سلام عليكم، ~~فإنا نحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو، الذي جعل أحب عباده إليه أعملهم ~~بكتابه، وأقومهم بالحق في طاعته، ms157 وأشدهم اجتهادا في مرضاته، وأن أهل دعوتنا ~~حكموا الرجال في أمر الله، فحكموا بغير ما في كتاب الله ولا في سنة نبي ~~الله، فكفروا لذلك، وصدوا عن سواء السبيل، وقد نابذناهم على سواء، إن الله ~~لا يحب الخائنين، أما بعد، فقد اجتمعنا بجسر النهروان، فسيروا إلينا رحمكم ~~الله لتأخذوا نصيبكم من الأجر والثواب، وتأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، ~~وكتابنا هذا إليكم مع رجل من إخوانكم ذي أمانة ودين، فسلوه عما أحببتم، ~~واكتبوا إلينا بما رأيتم، والسلام). ثم وجهوا كتابهم مع عبد الله بن سعد ~~العبسي، فسار حتى البصرة، وأوصل الكتاب إلى أصحابه، فاجتمعوا فقرأوه، ثم ~~كتبوا إليهم بوشك موافاتهم. # ثم إن القوم خرجوا من الكوفة عباديد، الرجل والرجلين والثلاثة، وخرج يزيد ~~بن الحصين على بغلة يقود فرسا، وهو يتلو هذه الآية (1): (فخرج منها خائفا ~~يترقب، قال رب نجني من القوم الظالمين، ولما توجه تلقاء مدين، قال عسى ربي ~~أيهديني سواء السبيل). وسار حتى انتهى إلى السيب (2)، فاجتمع # PageV00P204 # إليه جمع كثير من أصحابه، وفيهم زيد بن عدي بن حاتم، فخرج عدي في طلب ~~ابنه حتى انتهى إلى المدائن، فلم يلحقه، فأتى سعد بن مسعود الثقفي، وكان ~~سعد عامل علي على المدائن، فأخذ حذره، وتحاماه القوم. # وخرج عبد الله بن وهب الراسبي في جوف الليل، والتأم إليه جميع أصحابه، ~~فصاروا جمعا كبيرا منهم، فأخذوا على الأنبار، وتبطنوا شط الفرات حتى عبروا ~~من قبل (دير العاقول) فاستقبله عدي بن حاتم، وهو منصرف إلى الكوفة، فأراد ~~عبد الله أخذه، فمنعه منه عمرو بن مالك النبهاني وبشير بن يزيد البولاني، ~~وكانا من رؤساء الخوارج، فاستخلف سعد بن مسعود على المدائن ابن أخيه، ~~المختار ابن أبي عبيد، وخرج في طلب عبد الله بن وهب وأصحابه، فلقيهم بكرخ ~~بغداد مع مغيب الشمس، وسعد في خمسمائة فارسي، والخوارج ثلاثون رجلا، ~~فتناوشوا ساعة، فقال أصحاب سعد لسعد: (أيها الأمير، ما تريد إلى قتال ~~هؤلاء، ولم يأتك فيهم أمر؟ خل سبيلهم، واكتب إلى أمير المؤمنين تعلمه ~~أمرهم)، فمضى وتركهم. # وسار ms158 عبد الله بن وهب، فمر ببغداد، وأخذ دهاقينها بالمعابر، وذلك قبل أن ~~تبنى بغداد، فأتاه الدهقان بها، فعبر إلى أرض (جوخى) ثم مضى من هناك حتى ~~انضم إلى أصحابه، وهم بنهروان، ووافاهم من كان على رأيهم من أهل البصرة، ~~وكانوا خمسمائة رجل. ### || (قتال الخوارج (2)) # وكان على البصرة يومئذ عبد الله بن العباس، فلما بلغه ~~خروجهم وجه في طلبهم أبا الأسود الديلي في ألف فارس، فلحقهم بجسر تستر، ~~وحال بينهم الليل، ففاتوه # PageV00P205 # وكانوا في جميع مسيرهم لا يلقون أحدا إلا قالوا له: (ما تقول في ~~الحكمين؟) فإن تبرأ منهما تركوه، وإن أبى قتلوه ثم أقبلوا حتى انتهوا إلى ~~دجلة، فعبروها من ناحية صريفين (1) حتى وافوا نهروان، فكتب إليهم علي رضي ~~الله عنه: (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى عبد ~~الله بن وهب الراسبي ويزيد بن الحصين ومن قبلهما، سلام عليكم، فإن الرجلين ~~اللذين ارتضيناهما للحكومة خالفا كتاب الله، واتبعا هواهما بغير هدى من ~~الله، فلما لم يعملا بالسنة ولم يحكما بالقرآن تبرأنا من حكمهما، ونحن على ~~أمرنا الأول، فأقبلوا إلي رحمكم الله، فإنا سائرون إلى عدونا وعدوكم، لنعود ~~لمحاربتهم حتى يحكم الله بيننا وبينهم، وهو خير الحاكمين). # فلما وصل إليهم كتابه، كتبوا إليه: (أما بعد، فإنك لم تغضب لربك، ولكن ~~غضبت لنفسك، فإن شهدت على نفسك أنك كفرت فيما كان من تحكيمك الحكمين، ~~واستأنفت التوبة والإيمان نظرنا فيما سألتنا من الرجوع إليك، وإن تكن ~~الأخرى، فإننا ننابذك على سواء، إن الله لا يهدي كيد الخائنين). # فلما قرأ علي كتابهم، يئس منهم، ورأى أن يدعهم على حالهم، ويسير إلى ~~الشام، ليعاود معاوية الحرب، فسار بالناس حتى عسكر بالنخيلة، وقال لأصحابه: # (تأهبوا للمسير إلى أهل الشام، فإني كاتب إلى جميع إخوانكم ليقدموا ~~عليكم، فإذا وافوا شخصنا إن شاء الله). ثم كتب كتابه إلى جميع عماله أن ~~يخلفوا خلفاءهم على أعمالهم، ويقدموا عليه، وكتب إلى عبد الله بن عباس، ~~وكان على البصرة: (أما بعد، فإنا قد عسكرنا بالنخيلة، وقد ms159 أزمعنا على ~~المسير إلى عدونا، إلى أهل الشام، فأشخص إلي فيمن قبلك حين يأتيك كتابي ~~والسلام). فقدم عليه عبد الله بن عباس في فرسان البصرة، وكانوا زهاء سبعة ~~آلاف رجل # PageV00P206 # فلما تهيأ للمسير أتاه عن الخوارج أخبار فظيعة، من قتلهم عبد الله بن ~~خباب وامرأته. # وذلك انهم لقوهما، فقالوا لهما: (أرضيتما بالحكمين؟) قالا: (نعم). ~~فقتلوهما، وقتلوا أم سنان الصيداوية، واعتراضهم الناس يقتلونهم. فلما بلغه ~~ذلك بعث إليهم الحارث بن مرة الفقعسي ليأتيه بخبرهم، فأخذوه، فقتلوه. # فلما بلغ الناس ذلك اجتمعوا إلى علي، فقالوا: (يا أمير المؤمنين، أتدع ~~هؤلاء على ضلالتهم وتسير، فيفسدوا في الأرض، ويعترضوا الناس بالسيف؟ سر ~~إليهم بالناس، وأدعهم إلى الرجوع إلى الطاعة والجماعة، فإن تابوا وقبلوا ~~فإن الله يحب التوابين، وإن أبوا فإذنهم بالحرب، فإذا أرحت الأمة منهم سرت ~~إلى الشام). # فنادى في الناس بالرحيل، وسار حتى ورد عليهم نهروان، فعسكر على فرسخ ~~منهم، وأرسل إليهم قيس بن سعد بن عبادة، وأبا أيوب الأنصاري، فأتياهم، ~~فقالا: (عباد الله، إنكم قد ارتكبتم أمرا عظيما باستعراضكم الناس تقتلونهم، ~~وشهادتكم علينا بالشرك، والشرك ظلم عظيم). # فأجابهما عبد الله بن السخبر، فقال: (إليكما عنا، فإن الحق قد أضاء لنا ~~كالصبح، ولسنا بمتابعيكم ولا راجعين إليكم، أو تأتوا بمثل عمر بن الخطاب). ~~فقال قيس بن سعد (ما نعرفه فينا إلا علي بن أبي طالب فهل تعرفونه فيكم)؟. ~~قالا: (لا). قال: # (فأنشدكم الله في أنفسكم أن تهلكوها، فإني أرى الفتنة قد دخلت قلوبكم). # ثم تكلم أبو أيوب بنحو هذا، فقالوا: (يا أبا أيوب، إنا إن بايعناكم اليوم ~~حكمتم غدا آخر). # قال: (فإنا ننشدكم الله أن تعجلوا فتنة العام مخافة ما نأتي به في قابل). ~~قالوا: (إليكما عنا، فقد نابذناكم على سواء. # فانصرفا إلى علي، فأخبراه حتى وقف عليهم بحيث يسمعون كلامه، فنادى: # (أيتها العصابة التي أخرجتها اللجاجة، وصدها عن الحق الهوى، فأصبحت ~~PageV00P207 # في لبس وخطأ، إني نذير لكم أن تتمادوا في ضلالتكم فتلفوا مصرعين من غير ~~بينة من ربكم ولا برهان، ألم تعلموا ms160 أني شرطت على الحكمين أن يحكما بما في ~~كتاب الله؟ وأخبرتكم أن طلب القوم الحكومة مكيدة، فلما أبيتم إلا الحكومة ~~شرطت عليهم أن يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فخالفا الكتاب ~~والسنة، وعملا بالهوى، فنبذنا أمرهما، ونحن على أمرنا الأول، فأين يتاه ~~بكم، ومن أين أتيتم؟). # فقالوا: (إنا كفرنا حين رضينا بالحكمين، وقد تبنا إلى الله من ذلك، فإن ~~تبت كما تبنا فنحن معك، وإلا فائذن بحرب، فإنا منابذوك على سواء). # فقال لهم علي: (أشهد على نفسي بالكفر..؟! لقد ضللت إذن وما أنا من ~~المهتدين). ثم قال: (ليخرج إلى رجل منكم ترضون به حتى أقول ويقول، فإن وجبت ~~على الحجة أقررت لكم وتبت إلى الله، وإن وجبت عليكم فاتقوا الذي مردكم ~~إليه). # فقالوا لعبد الله بن الكواء، وكان من كبرائهم: (أخرج إليه حتى تحاجه)، ~~فخرج إليه. # فقال علي: (هل رضيتم؟). # قالوا: (نعم). # قال: (اللهم اشهد، فكفى بك شهيدا). # فقال علي رضي الله عنه: (يا ابن الكواء، ما الذي نقمتم علي بعد رضاكم ~~بولايتي وجهادكم معي وطاعتكم لي؟ فهلا برئتم مني يوم الجمل؟). # قال ابن الكواء: (لم يكن هناك تحكيم). # فقال علي: يا ابن الكواء، أنا أهدى أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟). # قال ابن الكواء: (بل رسول الله صلى الله عليه وسلم). # قال: (فما سمعت قول الله عز وجل: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم، ~~ونساءنا ونساءكم، وأنفسنا وأنفسكم). # أكان الله يشك انهم هم الكاذبون؟). PageV00P208 # قال: (إن ذلك احتجاج عليهم، وأنت شككت في نفسك حين رضيت بالحكمين، فنحن ~~أحرى أن نشك فيك). # قال: (وإن الله تعالى يقول: فائتوا بكتاب من عند الله، هو أهدى منهما، ~~اتبعه). # قال ابن الكواء: (ذلك أيضا احتجاج منه عليهم). # فلم يزل علي عليه السلام يحاج ابن الكواء بهذا وشبهه، فقال ابن الكواء: # أنت صادق في جميع ما تقول، غير أنك كفرت حين حكمت الحكمين) قال علي: ~~(ويحك يا ابن الكواء، إني إنما حكمت أبا موسى وحده وحكم معاوية عمرا). # قال ابن الكواء: (فإن ms161 أبا موسى كان كافرا). # فقال علي: (ويحك، متى كفر، أحين بعثته أم حين حكم؟). # قال: (لا، بل حين حكم). # قال: (أفلا ترى أني إنما بعثته مسلما، فكفر في قولك بعد أن بعثته؟ # أرأيت لو أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث رجلا من المسلمين إلى أناس ~~من الكافرين، ليدعوهم إلى الله، فدعاهم إلى غيره، هل كان على رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم من ذلك شئ؟). # قال: (لا). # قال: (ويحك، فما كان علي أن ضل أبو موسى؟ أفيحل لكم بضلالة أبي موسى أن ~~تضعوا سيوفكم على عواتقكم فتعترضوا بها الناس؟). # فلما سمع عظماء الخوارج ذلك قالوا لابن الكواء: (انصرف ودع مخاطبة ~~الرجل). # فانصرف إلى أصحابه، وأبى القوم إلا التمادي في الغي. PageV00P209 # وأمر على بالنداء في الناس أن يأخذوا أهبة الحرب، ثم عبى جنوده، فولى ~~الميمنة حجر بن عدي، وولى الميسرة شبث بن ربعي، وولى الخيل أبا أيوب ~~الأنصاري، وولى الرجالة أبا قتادة. # واستعد الخوارج فجعلوا على ميمنتهم يزيد بن حصين، وعلى ميسرتهم شريح ابن ~~أبي أوفى العبسي - وكان من نساكهم - وعلى الرجالة حرقوص بن زهير، وعلى ~~الخيل كلها عبد الله بن وهب. # ورفع علي راية، وضم إليها ألفي رجل، ونادى: (من التجأ إلى هذه الراية فهو ~~آمن). # ثم تواقف الفريقان، فقال فروة بن نوفل الأشجعي - وكان من رؤساء الخوارج - ~~لأصحابه: (يا قوم، والله ما ندري، علام نقاتل عليا، وليست لنا في قتله حجة ~~ولا بيان، يا قوم، انصرفوا بنا حتى تنفذ لنا البصيرة في قتاله أو اتباعه). # فترك أصحابه في مواقفهم، ومضى في خمسمائة رجل حتى أتى إلى البندنيجين ~~(1)، وخرجت طائفة أخرى حتى لحقوا بالكوفة، واستأمن إلى الراية منهم ألف ~~رجل، فلم يبق مع عبد الله بن وهب إلا أقل من أربعة آلاف رجل. # فقال علي لأصحابه: (لا تبدؤوهم بالقتال حتى يبدؤوكم)، فتنادت الخوارج: # (لاحكم إلا الله، وإن كره المشركون). ثم شدوا على أصحاب علي شدة رجل ~~واحد، فلم تثبت خيل علي لشدتهم، وافترقت الخوارج فرقتين، فرقة أخذت نحو ms162 ~~الميمنة، وفرقة أخرى نحو الميسرة. # وعطف عليهم أصحاب علي، وحمل قيس بن معاوية البرجمي من أصحاب علي على شريح ~~بن أبي أوفى، فضربه بالسيف على ساقه، فأبانها، فجعل يقاتل برجل واحدة وهو ~~يقول: (الفحل يحمي شوله معقولا) (2)، فحمل عليه قيس ابن سعد فقتله، وقتلت ~~الخوارج كلها ربضة (3) واحدة. # PageV00P210 # قال: وأمر علي بمن كان منهم ذا رمق أن يدفعوا إلى عشائرهم، وأمر بأخذ ما ~~كان في معسكرهم من سلاح ودواب، فقسمه في أصحابه، وأمر بما سوى ذلك، فدفع ~~إلى وراثهم. # فلما أراد علي الانصراف من النهروان قام في أصحابه، فقال: (أيها الناس، ~~إن الله قد نصركم على المارقين، فتوجهوا من فوركم هذا إلى القاسطين) يعني ~~أهل الشام، فقام إليه رجال من أصحابه، فيهم الأشعث بن قيس، فقالوا: # (يا أمير المؤمنين، نفدت نبالنا، وكلت سيوفنا، ونصلت أسنة رماحنا، فارجع ~~بنا إلى مصرنا، لنستعد بأحسن عدتنا). # فرحل بالناس حتى نزل النخيلة، فعسكر بها، فأقاموا أياما، فجعلوا يتسللون ~~إلى الكوفة، فلم يبق معه في المعسكر إلا زهاء ألف رجل من الوجوه. # فلما رأى ذلك دخل الكوفة، فأقام بها، وسار فروة بن نوفل بمن كان معه إلى ~~حلوان، فجعل يجبي خراجها ويقسمه في أصحابه. ### || (نهاية علي بن أبي طالب) # قالوا ولما رأى علي رضي الله عنه تثاقل أصحابه ~~أهل الكوفة عن المسير معه إلى قتال أهل الشام، وانتهى إليه ورود خيل معاوية ~~الأنبار، وقتلهم مسلحة علي بها والغارة عليها، كتب كتابا، ودفعه إلى رجل، ~~وأمره أن يقرأه على الناس يوم الجمعة إذا فرغوا من الصلاة، وكانت نسخته: # (بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله علي أمير المؤمنين إلى شيعته من أهل ~~الكوفة، سلام عليكم، أما بعد، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة، من تركه ~~ألبسه الله الذلة وشمله بالصغار، وسيم الخسف وسيل (1) الضيم، وإني قد ~~دعوتكم إلى جهاد هؤلاء القوم ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وقلت لكم، اغزوهم ~~قبل أن يغزوكم، فما غزي قوم في عقر دارهم إلا ذلوا واجترأ عليهم عدوهم، هذا ~~أخو بني عامر ms163 قد ورد الأنبار، وقتل # PageV00P211 # ابن حسان البكري، وأزال مسالحكم عن مواضعها، وقتل منكم رجالا صالحين، وقد ~~بلغني انهم كانوا يدخلون بيت المرأة المسلمة والأخرى المعاهدة (1) فينزع ~~حجلها (2) من رجلها، وقلائدها من عنقها، وقد انصرفوا موفورين، ما كلم رجل ~~منهم كلما، فلو أن أحدا مات من هذا أسفا ما كان عندي ملوما، بل كان جديرا، ~~يا عجبا من أمر يميت القلوب، ويجتلب الهم ويسعر الأحزان من اجتماع القوم ~~على باطلهم، وتفرقكم عن حقكم، فبعدا لكم وسحقا، قد صرتم غرضا، ترمون ولا ~~ترمون، ويغار عليكم ولا تغيرون، ويعصى الله فترضون، إذا قلت لكم سيروا في ~~الشتاء قلتم كيف نغزو في هذا القر والصر (3) وإن قلت لكم سيروا في الصيف ~~قلتم حتى ينصرم عنا حمارة القيظ، وكل هذا فرار من الموت، فإذا كنتم من الحر ~~والقر تفرون فأنتم والله من السيف أفر، والذي نفسي بيده، ما من ذلك تهربون، ~~ولكن من السيف تحيدون، يا أشباه الرجال ولا رجال، ويا أحلام الأطفال وعقول ~~ربات الحجال، أما والله لوددت أن الله أخرجني من بين أظهركم وقبضني إلى ~~رحمته من بينكم، ووددت أن لم أركم ولم أعرفكم، فقد والله ملأتم صدري غيظا، ~~وجرعتموني الأمرين أنفاسا، وأفسدتم على رأيي بالعصيان والخذلان، حتى قالت ~~قريش: # إن ابن أبي طالب رجل شجاع، ولكن لا علم له بالحرب. لله أبوهم، هل كان ~~فيهم رجل أشد لها مراسا وأطول مقاساة مني؟ ولقد نهضت فيها وما بلغت ~~العشرين، وها أنا (ذا) اليوم قد جنفت الستين. لا، ولكن لا رأي لمن لا ~~يطاع). # فقام إليه الناس من كل ناحية، فقالوا: (سر بنا، فوالله لا يتخلف عنك إلا ~~ظنين). # فأمر الحارث الهمذاني بالنداء في الناس أن يصبحوا غدا في الرحبة (4)، ولا ~~يأتينا إلا صادق النية. # فلما أصبح صلى الغداة، وأقبل إلى الرحبة، فلم ير فيها إلا نحو من ~~ثلاثمائة PageV00P212 # رجل، فقال: (لو كانوا الوفا لكان لي فيهم رأي). # فمكث بعد ذلك يومين، باد حزنه، شديد كأبته. # فقام إليه حجر بن عدي، وسعيد بن قيس ms164 الهمداني، فقالا: (أجبر الناس على ~~المسير، وناد فيهم، فمن تخلف، فمر بمعاقبته). فأمر مناديا، فنادى في الناس: ~~(لا يتخلفن أحد)، وأمر معقل بن قيس أن يسير في الرساتيق (1) فلا يدع أحدا ~~من جنوده فيها إلا حشره. فلم ينصرف معقل بن قيس إلا بعد ما قتل علي رضي ~~الله عنه. ### || (مقتل علي بن أبي طالب) # قالوا: واجتمع في العام (2) الذي قتل فيه علي رضي ~~الله عنه بالموسم عبد الرحمن ابن ملجم المرادي، والنزال بن عامر، وعبد الله ~~بن مالك الصيداوي، وذلك بعد وقعة النهر بأشهر، فتذكروا ما فيه الناس من تلك ~~الحروب، فقال بعضهم لبعض: (ما الراحة إلا في قتل هؤلاء النفر الثلاثة: علي ~~بن أبي طالب، ومعاوية ابن أبي سفيان، وعمرو بن العاص). # فقال ابن ملجم: (على قتل علي). # وقال النزال: (وعلى قتل معاوية). وقال عبد الله: (وعلى قتل عمرو). # فاتعدوا لليلة واحدة، يقتلونهم فيها. # وأقبل عبد الرحمن حتى قدم الكوفة، فخطب إلى قطام ابنتها الرباب، وكانت ~~قطام ترى رأي الخوارج، وقد كان علي قتل أباها وأخاها وعمها يوم النهر، ~~فقالت لابن ملجم: # (لا أزوجك إلا على ثلاثة آلاف درهم، وعبد، وقينة، وقتل علي ابن أبي ~~طالب). # فأعطاها ذلك وأملكها). # PageV00P213 # وكان ابن ملجم يجلس في مجلس تيم الرباب من صلاة الغداة إلى ارتفاع ~~النهار، والقوم يفيضون في الكلام، وهو ساكت، لا يتكلم بكلمة، للذي أجمع ~~عليه من قتل علي. # فخرج ذات يوم إلى السوق متقلدا سيفه، فمرت به جنازة يشيعها أشراف العرب، ~~ومعها القسيسون يقرءون الإنجيل، فقال: (ويحكم، ما هذا؟) فقالوا: # (هذا أبجر بن جابر العجلي مات نصرانيا، وابنه حجار بن أبجر سيد بكر ابن ~~وائل، فاتبعها أشراف الناس لسؤدد ابنه، واتبعها النصارى لدينه). # فقال: (والله لولا أني أبقى نفسي لأمر هو أعظم عند الله من هذا ~~لاستعرضتهم بسيفي) فلما كانت تلك الليلة تقلد سيفه، وقد كان سمه، وقعد ~~مغلسا ينتظر أن يمر به علي رضي الله عنه مقبلا إلى المسجد لصلاة الغداة. # فبينا هو في ذلك إذ أقبل علي، ms165 وهو ينادي: (الصلاة أيها الناس) فقام إليه ~~ابن ملجم، فضربه بالسيف على رأسه، وأصاب طرف السيف الحائط، فثلم فيه، ودهش ~~ابن ملجم، فانكب لوجهه، وبدر السيف من يده، فاجتمع الناس، فأخذوه، فقال ~~الشاعر في ذلك: # ولم أر مهرا ساقه ذو سماحة * كمهر قطام من فصيح وأعجم ثلاثة آلاف وعبدا ~~وقينة * وضرب علي بالحسام المصمم فلا مهر أغلى من علي وإن غلا * ولا فتك ~~إلا دون فتك ابن ملجم وحمل علي رضي الله عنه إلى منزله، وأدخل عليه ابن ~~ملجم. # فقالت له أم كلثوم ابنة علي: (يا عدو الله، أقتلت أمير المؤمنين؟.) قال: ~~(لم أقتل أمير المؤمنين، ولكني قتلت أباك). # قالت: (أما والله إني لأرجو ألا يكون عليه بأس). # قال: (فعلام تبكين إذن؟ أما والله لقد سممت السيف شهرا، فإن اخلفني أبعده ~~الله). # فلم يمس علي رضي الله عنه يومه ذلك حتى مات رحمه الله ورضي عنه. ~~PageV00P214 ### || (القصاص) # فدعا عبد الله بن جعفر بابن ملجم، فقطع يديه ورجليه وسمل عينيه، ~~فجعل يقول: # (إنك يا ابن جعفر لتكحل عيني بملمول مض (1)). # ثم أمر بلسانه أن يخرج ليقطع، فجزع من ذلك. # فقال له ابن جعفر: # (قطعنا يديك ورجليك، وسملنا عينيك، فلم تجزع، فكيف تجزع من قطع لسانك؟). # قال: (إني ما جزعت من ذلك خوفا من الموت، ولكني جزعت أن أكون حيا في ~~الدنيا ساعة لا أذكر الله فيها)، ثم قطع لسانه، فمات. ### || (محاولة قتل معاوية) # وأقبل النزال بن عامر في تلك الليلة حتى قام خلف ~~معاوية وهو يصلي بالناس الغداة، ومعه خنجر، فوجأه به في إليته، وكان معاوية ~~عظيم الأليتين، فأخذ، فقال لمعاوية: (أهل قتلتك يا عدو الله؟). # فقال معاوية: (كلا، يا ابن أخي). # فأمر به معاوية، فقطعت يداه ورجلاه، ونزع لسانه، فمات. # ودعا بطبيب فأمره أن يقطع ما حول الوجأة من اللحم، خوفا من أن يكون ~~الخنجر مسموما. # فمن يومئذ اتخذت المقاصير في الجوامع، فكان لا يدخلها إلا ثقاته وأحراسه، ~~واتخذ أيضا من يومئذ حراس الليل، وكان إذا سجد بالناس جعل على ms166 رأسه عشرة من ~~ثقات أحراسه، يقومون من خلفه بالسيوف والعمد. ### || (محاولة قتل عمرو بن العاص) # وأما عبد الله بن مالك الصيداوي فإنه أتى ~~مصر، فلما كان في تلك الليلة قام # PageV00P215 # حيال المحراب، ومعه مشمل (1) قد اشتمل عليه بثيابه، فأصاب عمرا في تلك ~~الليلة مغس (2) في بطنه فأمر رجلا من بني عامر بن لؤي أن يخرج فيصلى ~~بالناس. # فتقدم مغلسا، فلم يشك عبد الله أنه عمرو، فلما سجد ضربه بالسيف من ورائه ~~فقتله، فقيل له: (إنك لم تقتل الأمير)، قال: (فما ذنبي، والله ما أردت ~~غيره). فأمر به عمرو فقتل. ### | (مبايعة الحسن بن علي) # قال: ودفن علي رضي الله عنه، وصلى عليه الحسن، ~~وكبر خمسا، فلا يعلم أحد أين دفن. # قالوا: ولما توفي علي رضي الله عنه خرج الحسن إلى المسجد الأعظم، فاجتمع ~~الناس إليه، فبايعوه، ثم خطب الناس، فقال: (أفعلتموها؟ قتلتم أمير ~~المؤمنين، أما والله لقد قتل في الليلة التي نزل فيها القرآن، ورفع فيها ~~الكتاب، وجف القلم، وفي الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران، وعرج فيها ~~بعيسى). ### || (زحف جيوش معاوية) # قالوا: ولما بلغ معاوية قتل علي تجهز، وقد أمامه عبد ~~الله بن عامر بن كريز، فأخذ على عين التمر (3)، ونزل الأنبار يريد المدائن، ~~وبلغ ذلك الحسن بن علي، وهو بالكوفة، فسار نحو المدائن لمحاربة عبد الله بن ~~عامر بن كريز، فلما انتهى إلى ساباط رأى من أصحابه فشلا وتواكلا عن الحرب، ~~فنزل ساباط، وقام فيهم خطيبا، ثم قال: (أيها الناس، إني قد أصبحت غير محتمل ~~على مسلم ضغينة، # PageV00P216 # وإني ناظر لكم كنظري لنفسي، وأرى رأيا فلا تردوا على رأيي، إن الذي ~~تكرهون من الجماعة أفضل مما تحبون من الفرقة، وأرى أكثركم قد نكل عن الحرب، ~~وفشل عن القتال، ولست أرى أن أحملكم على ما تكرهون). # فلما سمع أصحابه ذلك نظر بعضهم إلى بعض، فقال من كان معه ممن يرى رأي ~~الخوارج: (كفر الحسن كما كفر أبوه من قبله)، فشد عليه نفر منهم، فانتزعوا ~~مصلاه من تحته، وانتهبوا ثيابه ms167 حتى انتزعوا مطرفه (1) عن عاتقه، فدعا ~~بفرسه، فركبها، ونادى: (أين ربيعة وهمدان؟) فتبادروا إليه، ودفعوا عنه ~~القوم. # ثم ارتحل يريد المدائن، فكمن له رجل ممن يرى رأي الخوارج، يسمى الجراح بن ~~قبيصة من بني أسد بمظلم ساباط، فلما حاذاه الحسن قام إليه بمغول (2) فطعنه ~~في فخذه. # وحمل على الأسدي عبد الله بن خطل وعبد الله بن ظبيان، فقتلاه. # ومضى الحسن رضي الله عنه مثخنا حتى دخل المدائن، ونزل القصر الأبيض، ~~وعولج حتى برأ، واستعد للقاء ابن عامر. # وأقبل معاوية حتى وافى الأنبار، وبها قيس بن سعد بن عبادة من قبل الحسن، ~~فحاصره معاوية، وخرج الحسن فواقف عبد الله بن عامر، فنادى عبد الله بن ~~عامر: # (يا أهل العراق، إني لم أر القتال، وإنما أنا مقدمة معاوية، وقد وافى ~~الأنبار في جموع أهل الشام فاقرؤوا أبا محمد - يعني الحسن - مني السلام، ~~وقولوا له: أنشدك الله في نفسك وأنفس هذه الجماعة التي معك). # فلما سمع ذلك الناس انخذلوا وكرهوا القتال، وترك الحسن الحرب، وانصرف إلى ~~المدائن، وحاصره عبد الله بن عامر بها. # PageV00P217 ### | (مبايعة معاوية بالخلافة) # ولما رأى الحسن من أصحابه الفشل أرسل إلى عبد ~~الله بن عامر بشرائط اشترطها على معاوية على أن يسلم له الخلافة، وكانت ~~الشرائط: ألا يأخذ أحدا من أهل العراق بإحنة، وأن يؤمن الأسود والأحمر، ~~ويحتمل ما يكون من هفواتهم، ويجعل له خراج الأهواز مسلما في كل عام، ويحمل ~~إلى أخيه الحسين بن علي في كل عام ألفي ألف، ويفضل بني هاشم في العطاء ~~والصلات على بني عبد شمس. # فكتب عبد الله بن عامر بذلك إلى معاوية، فكتب معاوية جميع ذلك بخطه، ~~وختمه بخاتمه، وبذل عليه له العهود المركبة والأيمان المغلظة، وأشهد على ~~ذلك جميع رؤساء الشام، ووجه به إلى عبد الله بن عامر، فأوصله إلى الحسن رضي ~~الله عنه، فرضي به، وكتب إلى قيس بن سعد بالصلح، ويأمره بتسليم الأمر إلى ~~معاوية، والانصراف إلى المدائن. # فلما وصل الكتاب بذلك إلى قيس بن سعد قام في الناس، فقال: ms168 (أيها الناس، ~~اختاروا أحد الأمرين، القتال بلا إمام، أو الدخول في طاعة معاوية). # فاختاروا الدخول في طاعته معاوية. # فسار حتى وافى المدائن، وسار الحسن بالناس من المدائن حتى وافى الكوفة، ~~ووافاه معاوية بها، فالتقيا، فوكد عليه الحسن رضي الله عنه تلك الشروط ~~والأيمان. ثم سار الحسن بأهل بيته حتى وافى مدينة الرسول صلى الله عليه ~~وسلم. # وأخذ معاوية أهل الكوفة بالبيعة، فبايعوا، واستعمل عليهم المغيرة بن ~~شعبة، وسار منصرفا في جموعه إلى الشام، فمكث المغيرة بن شعبة على الكوفة من ~~قبل معاوية تسع سنين حتى مات بها. PageV00P218 ### || (زياد بن أبيه) # وكان زياد بن أبيه إنما يعرف بزياد بن عبيد، وكان عبيد ~~مملوكا لرجل من ثقيف، فتزوج سمية، وكانت أمه للحارث بن كلدة، فأعتقها، ~~فولدت له زيادا، فصار حرا، ونشأ غلاما لقنا ذهنا، عاقلا أديبا، فأخرجه ~~المغيرة بن شعبة معه إلى البصرة حين وليها من قبل عمر بن الخطاب، فاستكتبه ~~المغيرة. # فلما ولي علي بن أبي طالب ولى زيادا أرض فارس، فلما توجه إلى صفين كتب ~~معاوية إلى زياد يتوعده، فقام زياد في الناس، فقال: (إن ابن آكلة الأكباد ~~ورأس النفاق كتب إلي يتوعدني، وبيني وبينه ابن عم رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم في تسعين ألف مدجج من شيعته، أما والله لئن رامني ليجدني ضرابا ~~بالسيف). # فلما قتل علي، واستدف الأمر لمعاوية تحصن زياد بقلعة مدينة إصطخر، وكتب ~~معاوية له أمانا على أن يأتيه، فإن رضي ما يعطيه، وإلا رده إلى متحصنه بتلك ~~القلعة. # فسار إلى معاوية، وترقت به الأمور إلى أن ادعاه معاوية، وزعم للناس أنه ~~ابن أبي سفيان، وشهد له أبو مريم السلولي - وكان في الجاهلية خمارا بالطائف ~~- أن أبا سفيان وقع على سمية بعد ما كان الحارث أعتقها، وشهد رجل من بني ~~المصطلق، اسمه يزيد، أنه سمع أبا سفيان يقول: (إن زيادا من نطفة أقرها في ~~رحم أمه سمية، فتم ادعاؤه إياه. وكان في ذلك ما كان. # وأمر معاوية زيادا أن يسير إلى الكوفة إلى أن يرد ms169 عليه أمره، فسار زياد ~~حتى قدم الكوفة، وعليها المغيرة بن شعبة، فنزل دار سلمان بن ربيعة الباهلي، ~~ووافاه كتاب معاوية بولاية البصرة، فسار إليها. # فلما وافاها قصد المسجد الجامع، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: (إنه قد كانت بيني وبين قوم أحقاد، وقد جعلتها تحت قدمي، ولست أؤاخذ ~~أحدا PageV00P219 # بعداوة، ولا أهتك له قناعا حتى يبدي لي صفحته، فإذا أبداها لم أنظره، فمن ~~كان منكم محسنا فليزدد إحسانا، ومن كان منكم مسيئا فليقلع عن إساءته، ~~وأعينونا رحمكم الله بالسمع والطاعة). ثم نزل. # فلبث على البصرة حولين حتى مات المغيرة، فكتب إليه معاوية بولاية الكوفة ~~مع البصرة، فسار إليها. # * * * قالوا: وكان أول من لقي الحسن بن علي رضي الله عنه، فندمه على ما ~~صنع، ودعاه إلى رد الحرب حجر بن عدي، فقال له يا بن رسول الله، لوددت أني ~~مت قبل ما رأيت، أخرجتنا من العدل إلى الجور، فتركنا الحق الذي كنا عليه، ~~ودخلنا في الباطل الذي كنا نهرب منه، وأعطينا الدنية من أنفسنا، وقبلنا ~~الخسيسة التي لم تلق بنا). # فاشتد على الحسن رضي الله عنه كلام حجر، فقال له (إني رأيت هوى عظم الناس ~~في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحب أن أحملهم على ما يكرهون، فصالحت بقيا على ~~شيعتنا خاصة من القتل، فرأيت دفع هذه الحروب إلى يوم ما، فإن الله كل يوم ~~هو في شأن). # قال: فخرج من عنده، ودخل على الحسين رضي الله عنه مع عبيدة بن عمرو، ~~فقالا: (أبا عبد الله، شريتم الذل بالعز، وقبلتم القليل، وتركتم الكثير، ~~أطعنا اليوم، واعصنا الدهر، دع الحسن وما رأى من هذا الصلح، واجمع إليك ~~شيعتك من أهل الكوفة وغيرها، وولني وصاحبي هذه المقدمة، فلا يشعر ابن هند ~~إلا ونحن نقارعه بالسيوف). # فقال الحسين: (أنا قد بايعنا وعاهدنا، ولا سبيل إلى نقض بيعتنا). # وروي عن علي بن محمد بن بشير الهمداني، قال: خرجت أنا وسفيان ابن ليلى ~~حتى قدمنا على الحسن المدينة، فدخلنا عليه، وعنده المسيب بن نجبة ~~PageV00P220 # وعبد ms170 الله بن الوداك التميمي، وسراج بن مالك الخثعمي، فقلت: (السلام عليك ~~يا مذل المؤمنين)، قال: (وعليك السلام، اجلس، لست مذل المؤمنين، ولكني ~~معزهم، ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل عند ما رأيت من ~~تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال، ووالله لئن سرنا إليه بالجبال ~~والشجر ما كان بد من إفضاء هذا الأمر إليه). # قال: ثم خرجنا من عنده، ودخلنا على الحسين، فأخبرناه بما رد علينا، فقال: # (صدق أبو محمد، فليكن كل رجل منكم حلسا (1) من إحلاس بيته، ما دام هذا ~~الإنسان حيا). ### || (موت الحسن بن علي) # ثم إن الحسن رضي الله عنه اشتكى بالمدينة، فثقل، وكان ~~أخوه محمد بن الحنفية في ضيعة له، فأرسل إليه، فوافى، فدخل عليه، فجلس عن ~~يساره، والحسين عن يمينه، ففتح الحسن عينه، فرأهما، فقال للحسين: يا أخي، ~~أوصيك بمحمد أخيك خيرا، فإنه جلدة ما بين العينين) ثم قال: (يا محمد، وأنا ~~أوصيك بالحسين، كانفه ووازره). # ثم قال (ادفنوني مع جدي صلى الله عليك وسلم، فإن منعتم فالبقيع) (2) ثم ~~توفي، فمنع مروان أن يدفن مع النبي صلى الله عليه وسلم، فدفن في البقيع. # وبلغ أهل الكوفة وفاة الحسن، فاجتمع عظماؤهم فكتبوا إلى الحسين رضي الله ~~عنه يعزونه. # وكتب إليه جعدة بن هبيرة بن أبي وهب، وكان أمحضهم (3) حبا ومودة: (أما ~~بعد، فإن من قبلنا من شيعتك متطلعة أنفسهم إليك، لا يعدلون بك أحدا، وقد ~~كانوا عرفوا رأي الحسن أخيك في دفع الحرب، وعرفوك باللين لأوليائك، والغلظة ~~على أعدائك، والشدة في أمر الله، فإن كنت تحب أن تطلب هذا الأمر فاقدم ~~علينا، فقد وطنا أنفسنا على الموت معك) # PageV00P221 # فكتب إليهم: (أما أخي فأرجو أن يكون الله قد وفقه، وسدده فيما يأتي، وأما ~~أنا فليس رأيي اليوم ذلك، فالصقوا رحمكم الله بالأرض، واكمنوا في البيوت، ~~واحترسوا من الظنة ما دام معاوية حيا، فلن يحدث الله به حدثا وأنا حي، كتبت ~~إليكم برأيي والسلام). # وانتهى خبر وفاة الحسن إلى معاوية - كتب به إليه عامله على ms171 المدينة مروان ~~- فأرسل إلى ابن عباس، وكان عنده بالشام - قدم عليه وافدا - فدخل عليه، ~~فعزاه، وأظهر الشماتة بموته، فقال له ابن عباس: (لا تشمتن بموته، فوالله لا ~~تلبث بعده إلا قليلا). ### || (بين معاوية وعمرو بن العاص) # قالوا: وكتب معاوية إلى عمرو بن العاص، وهو ~~على مصر، قد قبضها بالشرط الذي اشترطه على معاوية: (أما بعد، فإن سؤال أهل ~~الحجاز، وزوار أهل العراق قد كثروا على، وليس عندي فضل من أعطيات الجنود، ~~فأعني بخراج مصر هذه السنة). # فكتب إليه عمرو: # معاوي إن تدركك نفس شحيحة * فما ورثتني مصر أمي ولا أبي وما نلتها عفوا ~~ولكن شرطتها * وقد دارت الحرب العوان على قطب ولولا دفاعي الأشعري وصحبه * ~~لألفيتها ترغو كراغية السقب (1) فلما رجع الجواب إلى معاوية تذمم، فلم ~~يعاوده في شئ من أمرها. # * * * # PageV00P222 # قالوا: وقد كان معاوية خلف على الكوفة حين شخص منها المغيرة بن شعبة، ~~فصعد المنبر يوم الجمعة ليخطب فحصبه حجر بن عدي، وكان من شيعة علي، في نفر ~~من أصحابه، فنزل مسرعا من المنبر، ودخل قصر الإمارة، وبعث إلى حجر بخمسة ~~آلاف درهم ترضاه بها. فقيل للمغيرة: (لم فعلت هذا، وفيه عليك وهن وغضاضة؟) ~~فقال: (قد قتلته بها). # فلما مات المغيرة وجمع معاوية لزياد الكوفة إلى البصرة، كان يقيم بالبصرة ~~ستة أشهر، وبالكوفة مثل ذلك، فخرج في بعض خرجاته إلى البصرة، وخلف على ~~الكوفة عمرو بن حريث العدوي، فصعد عمرو بن حريث ذات جمعة المنبر ليخطب، ~~وقعد له حجر بن عدي وأصحابه فحصبوه (1)، فنزل من المنبر، فدخل القصر، وأغلق ~~بابه. # وكتب إلى زياد يخبره بما صنع حجر وأصحابه، فركب زياد البريد حتى وافى ~~الكوفة، ودخل المسجد، وأخرج له سريره من القصر، فجلس عليه، فكان أول من دخل ~~عليه من أشراف الكوفة محمد بن الأشعث بن قيس، فسلم عليه بالإمرة. # فقال زياد: (لأسلم الله عليك، انطلق فأتني بابن عمك الساعة). # قال محمد بن الأشعث: (ما لي ولحجر، إنك لتعلم التباعد بيننا). # فقال له جرير بن عبد الله: (أنا آتيك بحجر ms172 أيها الأمير، على أن تجعل له ~~الأمان، وألا تعرض له حتى يلقى معاوية، فيرى فيه رأيه). قال: (قد فعلت). # فأقبل به إلى زياد، فأمر بحبسه، وأمر بطلب أصحابه الذين كانوا معه، فأتي ~~بهم، فوجههم جميعا إلى معاوية مع مائة رجل من الجند، فأنشأت أم (2) حجر ~~تقول: ترفع أيها القمر المنير * ترفع هل ترى حجرا يسير ألا يا حجر حجر بني ~~عدي * تلقتك البشارة والسرور وإن تهلك فكل عميد قوم * من الدنيا إلى هلك ~~يصير # PageV00P223 # وبعث زياد بثلاثة نفر من الشهود، ليشهدوا عنده بما فعل حجر وأصحابه، منهم ~~أبو بردة بن أبي موسى، وشريح بن هاني الحارثي، وأبو هنيدة (1) القيني. # فأتوا معاوية، وشهدوا عليهم بحصبهم عمرو بن حريث، فأمر معاوية بهم، ~~فقتلوا، فدخل مالك بن هبيرة على معاوية فقال: (يا أمير المؤمنين، أسأت في ~~قتلك هؤلاء النفر، ولم يكونوا أحدثوا ما استوجبوا به القتل). فقال معاوية: ~~(قد كنت هممت بالعفو عنهم إلا أن كتاب زياد ورد علي يعلمني انهم رؤساء ~~الفتنة، وأني متى قتلتهم اجتثثت الفتنة من أصلها) ولما قتل حجر بن عدي ~~وأصحابه استفظع أهل الكوفة ذلك استفظاعا شديدا، وكان حجر من عظماء أصحاب ~~علي، وقد كان علي أراد أن يوليه رياسة كندة، ويعزل الأشعث بن قيس، وكلاهما ~~من ولد الحارث بن عمروا آكل المرار (2)، فأبى حجر بن عدي أن يتولى الأمر ~~والأشعث حي. # فخرج نفر من أشراف أهل الكوفة إلى الحسين بن علي، فأخبروه الخبر، فاسترجع ~~وشق عليه، فأقام أولئك النفر يختلفون إلى الحسين بن علي، وعلى المدينة ~~يومئذ مروان بن الحكم، فترقى الخبر إليه، فكتب إلى معاوية يعلمه أن رجالا ~~من أهل العراق قدموا على الحسين بن علي رضي الله عنهما، وهم مقيمون عنده ~~يختلفون إليه، فاكتب إلي بالذي ترى. # فكتب إليه معاوية: (لا تعرض للحسين في شئ، فقد بايعنا، وليس بناقض بيعتنا ~~ولا مخفر ذمتنا). # وكتب إلى الحسين: (أما بعد، فقد انتهت إلى أمور عنك لست بها حريا، # PageV00P224 # لأن من أعطى صفقة يمينه جدير بالوفاء، فاعلم رحمك ms173 الله إني متى أنكرك ~~تستنكرني، ومتى تكدني أكدك، فلا يستفزنك السفهاء الذين يحبون الفتنة ~~والسلام). # فكتب إليه الحسين رضي الله عنه: (ما أريد حربك، ولا الخلاف عليك). # قالوا: ولم ير الحسن ولا الحسين طول حياة معاوية منه سوءا في أنفسهما ولا ~~مكروها، ولا قطع عنهما شيئا مما كان شرط لهما، ولا تغير لهما عن بر. # قالوا: ومكث زياد على المصرين أربع سنين، فحضرته الوفاة عند ما مضى من ~~خلافة معاوية ثلاث عشرة سنة، وذلك سنة ثلاث وخمسين. # فكتب إلى معاوية: (أما بعد، فإني كتبت إليك وأنا في آخر يوم من الدنيا ~~وأول يوم من الآخرة، وقد وليت الكوفة عبد الله بن خالد بن أسيد، ووليت ~~البصرة سمرة بن جندب الفزاري، والسلام) فقيل له: (لم تولي ابنك عبيد الله ~~أحد المصرين؟ وليس بدون واحد من هذين). # فقال: (إن يك فيه خير فسيسبق إلى ذلك عمه معاوية)، ثم مات، وصلى عليه ~~ابنه عبيد الله بن زياد، ودفن في مقابر قريش. # فتولى عبد الله بن خالد بن أسيد الكوفة ثمانية أشهر، وكتب معاوية إلى ~~عبيد الله بن زياد بولاية البصرة، وعزل عبد الله بن خالد عن الكوفة، ~~واستعمل عليها النعمان بن بشير الأنصاري. ### || (موت معاوية) # قالوا: ولما دخلت سنة ستين مرض معاوية مرضه الذي مات فيه، ~~فأرسل إلى ابنه يزيد، وكان غائبا عن مدينة دمشق، فلما أبطأ عليه دعا الضحاك ~~بن قيس PageV00P225 # الفهري، وكان على شرطه، ومسلم بن عقبة، وكان على حرسه، فقال لهما: # (أبلغا يزيد وصيتي، وأعلماه أني آمره في أهل الحجاز أن يكرم من قدم عليه ~~منهم، ويتعهد من غاب عنه من أشرافهم، فإنهم أصله، وإني آمره في أهل العراق ~~أن يرفق بهم ويداريهم ويتجاوز عن زلاتهم، وإني آمره في أهل الشام أن يجعلهم ~~عينيه وبطانته، وإلا يطيل حبسهم في غير شامهم، لئلا يجروا (1) على أخلاق ~~غيرهم. # وأعلماه أني لست أخاف عليه إلا أربعة رجال: الحسين بن علي، وعبد الله بن ~~عمر، وعبد الرحمن بن أبي بكر، وعبد الله بن الزبير. ms174 فأما الحسين ابن علي ~~فاحسب أهل العراق غير تاركيه حتى يخرجوه، فإن فعل، فظفرت به، فاصفح عنه، ~~وأما عبد الله بن عمر فإنه رجل قد وقذته العبادة، وليس بطالب للخلافة إلا ~~أن تأتيه عفوا، وأما عبد الرحمن بن أبي بكر فإنه ليس له في نفسه من النباهة ~~والذكر عند الناس ما يمكنه طلبها، ويحاول التماسها إلا أن تأتيه عفوا، وأما ~~الذي يجثم لك جثوم الأسد، ويراوغك روغان الثعلب، فإن أمكنته فرصة وثب فذاك ~~عبد الله بن الزبير، فإن فعل وظفرت به، فقطعه إربا إربا إلا أن يلتمس منك ~~صلحا، فإن فعل فاقبل منه، وأحقن دماء قومك بجهدك، وكف عاديتهم بنوالك، ~~وتغمدهم بحلمك). # ثم قدم عليه يزيد، فأعاد عليه هذه الوصية، ثم قضى. # فأقبل الضحاك بن قيس حتى أتى المسجد الأعظم، فصعد المنبر، ومعه أكفان ~~معاوية، فقال: (أيها الناس، إن معاوية بن أبي سفيان كان عبدا من عباد الله، ~~ملكه على عباده، فعاش بقدر ومات بأجل، وهذه أكفانه كما ترون، نحن مدرجوه ~~فيها ومدخلوه قبره، ومخلون بينه وبين ربه، فمن أحب منكم أن يشهد جنازته ~~فليحضر بعد صلاة الظهر. ثم نزل. # وتفرق الناس حتى إذا صلوا الظهر اجتمعوا وأصلحوا جهازه، وحملوه حتى ~~واروه. # PageV00P226 ### | (مبايعة يزيد) # وانصرف يزيد فدخل الجامع، ودعا الناس إلى البيعة، فبايعوه، ~~ثم انصرف إلى منزله. # ومات معاوية وعلى المدينة الوليد بن عتبة بن أبي سفيان، وعلى مكة يحيى بن ~~حكيم بن صفوان بن أمية، وعلى الكوفة النعمان بن بشير الأنصاري، وعلى البصرة ~~عبيد الله بن زياد. # فلم تكن ليزيد همة إلا بيعة هؤلاء الأربعة نفر، فكتب إلى الوليد بن عتبة ~~يأمره أن يأخذهم بالبيعة أخذا شديدا لا رخصة فيه، فلما ورد ذلك على الوليد ~~قطع به وخاف الفتنة، فبعث إلى مروان، وكان الذي بينهما متباعدا، فأتاه، ~~فأقرأه الوليد الكتاب واستشاره. # فقال له مروان: (أما عبد الله بن عمر وعبد الرحمن بن أبي بكر فلا تخافن ~~ناحيتهما، فليسا بطالبين شيئا من هذا الأمر، ولكن عليك بالحسين بن علي وعبد ms175 ~~الله بن الزبير، فابعث إليهما الساعة، فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما قبل ~~أن يعلن الخبر، فيثب كل واحد منهما ناحية، ويظهر الخلاف). # فقال الوليد لعبد الله بن عمرو بن عثمان، وكان حاضرا - وهو حينئذ غلام ~~حين راهق -: (انطلق يا بني إلى الحسين بن علي وعبد الله بن الزبير، ~~فادعهما). # فانطلق الغلام حتى أتى المسجد، فإذا هو بهما جالسين، فقال: (أجيبا ~~الأمير). # فقالا للغلام: (انطلق، فإنا صائران إليه على أثرك). فانطلق الغلام. # فقال ابن الزبير للحسين رضي الله عنه: (فيم تراه بعث إلينا في هذه ~~الساعة؟). # فقال الحسين: (أحسب معاوية قد مات، فبعث إلينا للبيعة). قال ابن الزبير: # (ما أظن غيره). وانصرفا إلى منازلهما. # * * * فأما الحسين فجمع نفرا من مواليه وغلمانه، ثم مشى نحو دار الإمارة، ~~وأمر فتيانه أن يجلسوا بالباب، فإن سمعوا صوته اقتحموا الدار. PageV00P227 # ودخل الحسين على الوليد، وعنده مروان، فجلس إلى جانب الوليد، فأقرأه ~~الوليد الكتاب، فقال الحسين: (إن مثلي لا يعطي بيعته سرا، وأنا طوع يديك، ~~فإذا جمعت الناس لذلك حضرت، وكنت واحدا منهم). # وكان الوليد رجلا يحب العافية، فقال للحسين: (فانصرف إذن حتى تأتينا مع ~~الناس)، فانصرف. # فقال مروان للوليد: (عصيتني، ووالله لا يمكنك من مثله أبدا). # قال الوليد: (ويحك، أتشير علي بقتل الحسين بن فاطمة بنت رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم وعليهما السلام؟ والله إن الذي يحاسب بدم الحسين يوم ~~القيامة لخفيف الميزان عند الله). # وتحرز ابن الزبير في منزله، وراوغ الوليد حتى إذا جن عليه الليل سار نحو ~~مكة، وتنكب الطريق الأعظم فأخذ على طريق الفرع. # ولما أصبح الوليد بلغه خبره، فوجه في أثره حبيب بن كوين في ثلاثين فارسا، ~~فلم يقعوا له على أثر، وشغلوا يومهم ذلك كله بطلب ابن الزبير. # فلما أمسوا، وأظلم الليل مضى الحسين رضي الله عنه أيضا نحو مكة، ومعه ~~أختاه: أم كلثوم، وزينب وولد أخيه، وإخوته أبو بكر، وجعفر، والعباس، وعامة ~~من كان بالمدينة من أهل بيته إلا أخاه محمد بن الحنفية، فإنه أقام. # وأما عبد الله ms176 بن عباس فقد كان خرج قبل ذلك بأيام إلى مكة. # وجعل الحسين رضي الله عنه يطوي المنازل، فاستقبله عبد الله بن مطيع، وهو ~~منصرف من مكة يريد المدينة، فقال له: (أين تريد؟). # قال الحسين: (أما الآن فمكة). قال (خار (1) الله لك، غير أني أحب أن أشير ~~عليك برأي). # قال الحسين (وما هو؟). # قال: إذا أتيت مكة فأردت الخروج منها إلى بلد من البلدان، فإياك والكوفة، ~~فإنها بلدة مشؤومة، بها قتل أبوك، وبها خذل أخوك، واغتيل بطعنة كادت # PageV00P228 # تأتي على نفسه، بل الزم الحرم، فإن أهل الحجاز لا يعدلون بك أحدا، ثم ادع ~~إليك شيعتك من كل أرض، فسيأتونك جميعا. # قال له الحسين: (يقضي الله ما أحب). # ثم أطلق عنانه، ومضى حتى وافى مكة، فنزل شعب علي، واختلف الناس إليه، ~~فكانوا يجتمعون عنده حلقا حلقا، وتركوا عبد الله بن الزبير، وكانوا قبل ذلك ~~يتحفلون إليه، فساء ذلك ابن الزبير، وعلم أن الناس لا يحفلون به والحسين ~~مقيم بالبلد، فكان يختلف إلى الحسين رضي الله عنه صباحا ومساء. # ثم إن يزيد عزل يحيى بن حكيم بن صفوان بن أمية. ### || (أهل الكوفة والحسين) # قالوا: ولما بلغ أهل الكوفة وفاة معاوية وخروج ~~الحسين بن علي إلى مكة اجتمع جماعة من الشيعة في منزل سليمان بن صرد، ~~واتفقوا على أن يكتبوا إلى الحسين يسألونه القدوم عليهم، ليسلموا الأمر ~~إليه، ويطردوا النعمان بن بشير، فكتبوا إليه بذلك، ثم وجهوا بالكتاب مع ~~عبيد الله بن سبيع الهمداني وعبد الله بن وداك السلمي، فوافوا الحسين رضي ~~الله عنه بمكة لعشر خلون من شهر رمضان، فأوصلوا الكتاب إليه. # ثم لم يمس الحسين يومه ذلك حتى ورد عليه بشر بن مسهر الصيداوي، وعبد ~~الرحمن بن عبيد الأرحبي، ومعهما خمسون كتابا من أشراف أهل الكوفة ورؤسائها، ~~كل كتاب منها من الرجلين والثلاثة والأربعة بمثل ذلك. # فلما أصبح وافاه هاني بن هاني السبيعي وسعيد بن عبد الله الخثعمي، ومعهما ~~أيضا نحو من خمسين كتابا. # فلما أمسى أيضا ذلك اليوم ورد عليه سعيد ms177 بن عبد الله الثقفي ومعه كتاب ~~واحد من شبث بن ربعي، وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث، وعروة بن قيس، وعمرو ~~ابن الحجاج، ومحمد بن عمير بن عطارد وكان (1) هؤلاء الرؤساء من أهل الكوفة ~~- فتتابعت عليه في أيام رسل أهل الكوفة (و) من الكتب ما ملأ منه خرجين (2). # PageV00P229 # فكتب الحسين إليهم جميعا كتابا واحدا، ودفعه إلى هانئ بن هانئ، وسعيد ابن ~~عبد الله، نسخته: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى من بلغه كتابي هذا، من ~~أوليائه وشيعته بالكوفة، سلام عليكم، أما بعد، فقد أتتني كتبكم، وفهمت ما ~~ذكرتم من محبتكم لقدومي عليكم، وإني باعث إليكم بأخي وابن عمي وثقتي من ~~أهلي (مسلم بن عقيل) ليعلم لي كنه أمركم، ويكتب إلي بما يتبين له من ~~اجتماعكم، فإن كان أمركم على ما أتتني به كتبكم، وأخبرتني به رسلكم أسرعت ~~القدوم عليكم إن شاء الله، والسلام). # وقد كان مسلم بن عقيل خرج معه من المدينة إلى مكة، فقال له الحسين عليه ~~السلام: (يا ابن عم، قد رأيت أن تسير إلى الكوفة، فتنظر ما اجتمع عليه رأي ~~أهلها، فإن كانوا على ما أتتني به كتبهم، فعجل علي بكتابك لأسرع القدوم ~~عليك، وإن تكن الأخرى، فعجل الانصراف). # فخرج مسلم على طريق المدينة ليلم بأهله، ثم استأجر دليلين من قيس، وسار، ~~فضلا ذات ليلة، فأصبحا، وقد تاها، واشتد عليهما العطش والحر، فانقطعا، فلم ~~يستطيعا المشي، فقالا لمسلم: (عليك بهذا السمت، فالزمه لعلك أن تنجو). # فتركهما مسلم ومن معه من خدمه بحشاشة الأنفس حتى أفضوا إلى طريق فلزموه، ~~حتى وردوا الماء، فأقام مسلم بذلك الماء. # وكتب إلى الحسين مع رسول استأجره من أهل ذلك الماء، يخبره خبره، وخبر ~~الدليلين، وما من الجهد، ويعلمه أنه قد تطير من الوجه الذي توجه له، ويسأله ~~أن يعفيه ويوجه غيره، ويخبره أنه مقيم بمنزله ذلك من بطن الحربث (1). # فسار الرسول حتى وافى مكة، وأوصل الكتاب إلى الحسين، فقرأه وكتب في ~~جوابه: (أما بعد، فقد ظننت أن الجبن قد ms178 قصر بك عما وجهتك به، فامض لما ~~أمرتك فإني غير معفيك، والسلام). # PageV00P230 ### || (مسلم في الكوفة) # فسار مسلم حتى وافى الكوفة، ونزل في الدار التي تعرف ~~بدار المختار بن أبي عبيدة، ثم عرفت اليوم بدار المسيب. # فكانت الشيعة تختلف إليه، فيقرأ عليهم كتاب الحسين، ففشا أمره بالكوفة ~~حتى بلغ ذلك النعمان بن بشير أميرها، فقال: (لا أقاتل إلا من قاتلني، ولا ~~أثب إلا على من وثب علي، ولا آخذ بالقرفة (1) والظنة، فمن أبدى صفحته ونكث ~~بيعته ضربته بسيفي ما ثبت قائمه في يدي، ولو لم أكن إلا وحدي). وكان يحب ~~العافية ويغتنم السلامة. # فكتب مسلم بن سعيد الحضرمي وعمارة بن عقبة - وكانا عيني يزيد بن معاوية ~~إلى يزيد يعلمانه قدوم مسلم بن عقيل الكوفة داعيا للحسين بن علي، وأنه قد ~~أفسد قلوب أهلها عليه، فإن يكن لك في سلطانك حاجة فبادر إليه من يقوم ~~بأمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فإن النعمان رجل ضعيف أو متضاعف، والسلام. # فلما ورد الكتاب على يزيد أمر بعهد، فكتب لعبيد الله بن زياد على الكوفة، ~~وأمره أن يبادر إلى الكوفة، فيطلب مسلم بن عقيل طلب الحرزة حتى يظفر به، ~~فيقتله، أو ينفيه عنهما، ودفع الكتاب إلى مسلم بن عمرو الباهلي أبي قتيبة ~~بن مسلم، وأمره بإغذاذ السير. فسار مسلم حتى وافى البصرة، وأوصل الكتاب إلى ~~عبيد الله بن زياد. # وقد كان الحسين بن علي رضي الله عنه كتب كتابا إلى شيعته من أهل البصرة ~~مع مولى له يسمى (سلمان) نسخته: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى مالك بن مسمع، والأحنف ~~ابن قيس، والمنذر بن الجارود، ومسعود بن عمرو، وقيس بن الهيثم، سلام عليكم، ~~أما بعد، فإني أدعوكم إلى إحياء معالم الحق وإماتة البدع، فإن تجيبوا ~~تهتدوا سبل الرشاد، والسلام). # فلما أتاهم هذا الكتاب كتموه جميعا إلا المنذر بن الجارود، فإنه أفشاه، ~~لتزويجه ابنته هندا من عبيد الله بن زياد، فأقبل حتى دخل عليه، فأخبره # PageV00P231 # بالكتاب، وحكى له ما فيه، فأمر عبيد الله ms179 بن زياد بطلب الرسول، فطلبوه، ~~فأتوه به، فضربت عنقه. # ثم أقبل حتى دخل المسجد الأعظم، فاجتمع له الناس، فقام، فقال: # (أنصف القارة (1) من راماها، يا أهل البصرة إن أمير المؤمنين قد ولاني مع ~~البصرة الكوفة، وأنا سائر إليها، وقد خلفت عليكم أخي عثمان بن زياد، فإياكم ~~والخلاف والإرجاف، فوالله الذي إله غيره، لئن بلغني عن رجل منكم خالف أو ~~أرجف لأقتلنه ووليه، ولآخذن الأدنى بالأقصى، والبرئ بالسقيم حتى تستقيموا، ~~وقد أعذر من أنذر). ثم نزل، وسار. # وخرج معه من أشراف أهل البصرة شريك بن الأعور والمنذر بن الجارود، فسار ~~حتى وافى الكوفة، فدخلها، وهو متلثم. # وقد كان الناس بالكوفة يتوقعون الحسين بن علي عليه السلام، وقدومه، فكان ~~لا يمر ابن زياد بجماعة إلا ظنوا أنه الحسين فيقومون له، ويدعون ويقولون: # (مرحبا بابن رسول الله قدمت خير مقدم). # فنظر ابن زياد من تباشيرهم بالحسين إلى ما ساءه، وأقبل حتى دخل المسجد ~~الأعظم، ونودي في الناس، فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم ~~قال: # (يا أهل الكوفة، إن أمير المؤمنين قد ولاني مصركم، وقسم فيئكم فيكم، ~~وأمرني بإنصاف مظلومكم، والإحسان إلى سامعكم ومطيعكم، والشدة على # PageV00P232 # عاصيكم ومريبكم، وأنا منته في ذلك إلى أمره، وأنا لمطيعكم كالوالد ~~الشفيق، ولمخالفكم كالسم النقيع، فلا يبقين أحد منكم إلا على نفسه). # ثم نزل، فأتى القصر، فنزله، وارتحل النعمان بن بشير نحو وطنه بالشام. # وبلغ مسلم بن عقيل قدوم عبيد الله بن زياد وانصراف النعمان، وما كان من ~~خطبة ابن زياد ووعيده، فخاف على نفسه. # فخرج من الدار التي كان فيها بعد عتمة حتى أتى دار هانئ بن ورقة المذحجي، ~~وكان من أشراف أهل الكوفة، فدخل داره الخارجة، فأرسل إليه وكان في دار ~~نسائه، يسأله الخروج إليه، فخرج إليه. # وقام مسلم، فسلم عليه، وقال: # (إني أتيتك لتجيرني وتضيفني). # فقال له هانئ: # (لقد كلفتني شططا بهذا الأمر، ولولا دخولك منزلي لأحببت أن تنصرف عني، ~~غير أنه قد لزمني ذمام لذلك). # فأدخله دار نسائه، وأفرد له ناحية منها. ms180 # وجعلت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ. # وكان هانئ بن عروة مواصلا لشريك بن الأعور البصري الذي قام مع ابن زياد، ~~وكان ذا شرف بالبصرة وخطر، فانطلق هانئ إليه حتى أتى به منزله، وأنزله مع ~~مسلم بن عقيل في الحجرة التي كان فيها. # وكان شريك من كبار الشيعة بالبصرة، فكان يحث هانئا على القيام بأمر مسلم، ~~وجعل مسلم يبايع من أتاه من أهل الكوفة، ويأخذ عليهم العهود والمواثيق ~~المؤكدة بالوفاء. # * * * PageV00P233 # ومرض شريك بن الأعور في منزل هانئ بن عروة مرضا شديدا، وبلغ ذلك عبيد ~~الله بن زياد، فأرسل إليه يعلمه أنه يأتيه عائدا. # فقال شريك لمسلم بن عقيل: (إنما غايتك وغاية شيعتك هلاك هذا الطاغية، وقد ~~أمكنك الله منه، هو صائر إلى ليعودني، فقم، فادخل الخزانة حتى إذا اطمأن ~~عندي، فاخرج إليه، فقاتله، ثم صر إلى قصر الإمارة، فاجلس فيه، فإنه لا ~~ينازعك فيه أحد من الناس، وإن رزقني الله العافية صرت إلى البصرة، فكفيتك ~~أمرها، وبايع لك أهلها). # فقال هانئ بن عروة: (ما أحب أن يقتل في داري ابن زياد). # فقال له شريك: (ولم؟ فوالله إن قتله لقربان إلى الله). # ثم قال شريك لمسلم: (لا تقصر في ذلك). # فبينما هم على ذلك إذ قيل لهم: (الأمير بالباب). # فدخل مسلم بن عقيل الخزانة، ودخل عبيد الله بن زياد على شريك، فسلم عليه، ~~وقال: # (ما الذي تجد وتشكو؟). # فلما طال سؤاله إياه استبطأ شريك خروج مسلم، وجعل يقول، ويسمع مسلما: # ما تنظرون بسلمى عند فرصتها * فقد وفى ودها، واستوسق الصرم (1) وجعل يردد ~~ذلك. # فقال ابن زياد لهانئ: (أيهجر؟) - يعني يهذي -. قال هانئ: (نعم، أصلح الله ~~الأمير، لم يزل هكذا منذ أصبح). # ثم قام عبيد الله وخرج، فخرج مسلم بن عقيل من الخزانة، فقال شريك: # (ما الذي منعك منه إلا الجبن والفشل؟). # PageV00P234 # قال مسلم: (منعني منه خلتان: إحداهما كراهية هانئ لققله في منزله، ~~والأخرى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم (إن الإيمان قيد الفتك، لا يفتك ~~مؤمن). # فقال شريك: (أما والله ms181 لو قتلته لاستقام لك أمرك، واستوسق لك سلطانك). # ولم يعش شريك بعد ذلك إلا أياما، حتى توفي، وشيع ابن زياد جنازته، وتقدم ~~فصلى عليه. # ولم يزل مسلم بن عقيل يأخذ البيعة من أهل الكوفة حتى بايعه منهم ثمانية ~~عشر ألف رجل في ستر ورفق. # * * * وخفي على عبيد الله بن زياد موضع مسلم بن عقيل، فقال لمولى له من ~~أهل الشام يسمى معقلا، وناوله ثلاثة آلاف درهم في كيس، وقال: (خذ هذا ~~المال، وانطلق، فالتمس مسلم بن عقيل، وتأت له بغاية التأتي). # فانطلق الرجل حتى دخل المسجد الأعظم، وجعل لا يدري كيف يتأتى الأمر ثم ~~إنه نظر إلى رجل يكثر الصلاة إلى سارية من سواري المسجد، فقال في نفسه: (إن ~~هؤلاء الشيعة يكثرون الصلاة، وأحسب هذا منهم). # فجلس الرجل حتى إذا انفتل من صلاته قام، فدنا منه، وجلس، فقال: # (جعلت فداك، إني رجل من أهل الشام، مولى لذي الكلاع، وقد أنعم الله على ~~بحب أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحب من أحبهم، ومعي هذه الثلاثة ~~الآلاف (1) درهم، أحب إيصالها إلى رجل منهم، بلغني أنه قدم هذا المصر داعية ~~للحسين بن علي عليه السلام، فهل تدلني عليه لأوصل هذا المال إليه؟ # ليستعين به على بعض أموره، ويضعه حيث أحب من شيعته). # قال له الرجل: وكيف قصدتني بالسؤال عن ذلك دون غيري ممن هو في المسجد؟). # PageV00P235 # قال: (لأني رأيت عليك سيما الخير، فرجوت أن تكون ممن يتولى أهل بيت رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم). # قال له الرجل: (ويحك، قد وقعت على بعينك، أنا رجل من إخوانك، واسمي مسلم ~~بن عوسجة، وقد سررت بك، وساءني ما كان من حسي قبلك، فإني رجل من شيعة أهل ~~هذا البيت، خوفا من هذا الطاغية ابن زياد، فأعطني ذمة الله وعهده أن تكتم ~~هذا عن جميع الناس). # فأعطاه من ذلك ما أراد. # فقال له مسلم بن عوسجة: (انصرف يومك هذا، فإن كان غد فائتني في منزلي حتى ~~أنطلق معك إلى صاحبنا - يعني مسلم بن ms182 عقيل - فأوصلك إليه). # فمضى الشامي، فبات ليلته، فلما أصبح غدا إلى مسلم بن عوسجة في منزله، ~~فانطلق به حتى أدخله إلى مسلم بن عقيل، فأخبره بأمره، ودفع إليه الشامي ذلك ~~المال، وبايعه. # فكان الشامي يغدو إلى مسلم بن عقيل، فلا يحجب عنه، فيكون نهاره كله عند، ~~فيتعرف جميع أخبارهم، فإذا أمسى وأظلم عليه الليل دخل على عبيد الله ابن ~~زياد، فأخبره بجميع قصصهم، وما قالوا وفعلوا في ذلك، وأعلمه نزول مسلم في ~~دار هانئ بن عروة. # * * * ثم إن محمد بن الأشعث وأسماء بن خارجة دخلا على ابن زياد مسلمين، ~~فقال لهما: # (ما فعل هانئ بن عروة؟). # فقالا: (أيها الأمير، إنه عليل منذ أيام). # فقال ابن زياد: (وكيف؟ وقد بلغني أنه يجلس على باب داره عامة نهاره، فما ~~يمنعه من إتياننا، وما يجب عليه من حق التسليم؟). # قالا: (سنعلمه ذلك، ونخبره باستبطائك إياه). PageV00P236 # فخرجا من عنده، وأقبلا حتى دخلا على هانئ بن عروة، فأخبراه بما قال لهما ~~ابن زياد، وما قالا له، ثم قالا له: # (أقسمنا عليك إلا قمت معنا إليه الساعة لتسل سخيمة (1) قلبه). # فدعا ببغلته، فركبها، ومضى معهما، حتى إذا دنا من قصر الإمارة خبثت نفسه. # فقال لهما: # (إن قلبي قد أوجس من هذا الرجل خيفة). # قالا: (ولم تحدث نفسك بالخوف وأنت برئ الساحة؟). # فمضى معهما حتى دخلوا على ابن زياد، فأنشأ ابن زياد يقول متمثلا: # أريد حياته ويريد قتلي عذيرك من خليلك من مراد قال هانئ: (وما ذاك أيها ~~الأمير؟) . قال ابن زياد: (وما يكون أعظم من مجيئك بمسلم بن عقيل، وإدخالك ~~إياه منزلك، وجمعك له الرجال ليبايعوه؟). # فقال هانئ: (ما فعلت، وما أعرف من هذا شيئا). # فدعا ابن زياد بالشامي، وقال: (يا غلام، ادع لي معقلا). # فدخل عليهم. # فقال ابن زياد لهانئ بن عروة: (أتعرف هذا؟). # فلما رآه علم أنه إنما كان عينا عليهم. # فقال هانئ: (أصدقك والله أيها الأمير، إني والله ما دعوت مسلم بن عقيل، ~~وما شعرت به). ثم قص عليه قصته على وجهها. # ثم ms183 قال: (فأما الآن فأنا مخرجة من داري لينطلق حيث يشاء، وأعطيك عهدا ~~وثيقا أن أرجع إليك). # PageV00P237 # قال ابن زياد: (لا والله، لا تفارقني حتى تأتيني به). # فقال هانئ: (أو يجمل بي أن أسلم ضيفي وجاري للقتل؟ والله لا أفعل ذلك ~~أبدا). # فاعترضه ابن زياد بالخيزرانة، فضرب وجهه، وهشم أنفه، وكسر حاجبه، وأمر ~~به، فأدخل بيتا. # وبلغ مذحجا أن ابن زياد قد قتل هانئا، فاجتمعوا بباب القصر، وصاحوا. # فقال ابن زياد لشريح القاضي - وكان عنده -: (ادخل إلى صاحبهم، فانظر ~~إليه، ثم اخرج إليهم، فأعلمهم أنه حي). ففعل. # فقال لهم سيدهم عمرو بن الحجاج: (أما إذ كان صاحبكم حيا فما يعجلكم ~~الفتنة؟ انصرفوا). فانصرفوا. # فلما علم ابن زياد انهم قد انصرفوا أمر بهانئ، فأتي به السوق، فضربت عنقه ~~هناك. # * * * ولما بلغ مسلم بن عقيل قتل هانئ بن عروة نادى فيمن كان بايعه، ~~فاجتمعوا، فعقد لعبد الرحمن بن كريز الكندي على كندة وربيعة، وعقد لمسلم بن ~~عوسجة على مذحج وأسد، وعقد لأبي ثمامة الصيداوي على تميم وهمدان، وعقد ~~للعباس بن جعدة بن هبيرة على قريش والأنصار، فتقدموا جميعا حتى أحاطوا ~~بالقصر، واتبعهم هو في بقية الناس. # وتحصن عبيد الله بن زياد في القصر مع من حضر مجلسه في ذلك اليوم من أشراف ~~أهل الكوفة والأعوان والشرط، وكانوا مقدار مائتي رجل، فقاموا على سور القصر ~~يرمون القوم بالمدر (1) والنشاب، ويمنعونهم من الدنو من القصر، فلم يزالوا ~~بذلك حتى أمسوا. # PageV00P238 # وقال عبيد الله بن زياد لمن كان عنده من أشراف أهل الكوفة: ليشرف كل رجل ~~منكم في ناحية من السور، فخوفوا القوم. # فأشرف كثير بن شهاب، ومحمد بن الأشعث، والقمقاع بن شور، وشبث ابن ربعي، ~~وحجار بن أبجر، وشمر بن ذي الجوشن، فتنادوا: (يا أهل الكوفة، اتقوا الله ~~ولا تستعجلوا الفتنة، ولا تشقوا عصا هذه الأمة، ولا توردوا على أنفسكم خيول ~~الشام، فقد ذقتموهم، وجربتم شوكتهم). # فلما سمع أصحاب مسلم مقالتهم فتروا بعض الفتور. # وكان الرجل من أهل الكوفة يأتي ابنه، وأخاه، وابن عمه فيقول: ms184 انصرف، فإن ~~الناس يكفونك. وتجئ المرأة إلى ابنها وزوجها وأخيها فتتعلق به حتى يرجع. # فصلى مسلم العشاء في المسجد، وما معه إلا زهاء ثلاثين رجلا. # فلما رأى ذلك مضى منصرفا ماشيا، ومشوا معه، فأخذ نحو كندة، فلما مضى ~~قليلا التفت فلم ير منهم أحدا، ولم يصب إنسانا يدله على الطريق، فمضى هائما ~~على وجهه في ظلمة الليل حتى دخل على كندة. # فإذا امرأة قائمة على باب دارها تنتظر ابنها - وكانت ممن خف مع مسلم - ~~فآوته وأدخلته بيتها، وجاء ابنها، فقال: من هذا في الدار؟ # فأعلمته، وأمرته بالكتمان. # * * * ثم إن ابن زياد لما فقد الأصوات ظن أن القوم دخلوا المسجد، فقال: ~~انظروا، هل ترون في المسجد أحدا؟ - وكان المسجد مع القصر -. # فنظروا فلم يروا أحدا، وجعلوا يشعلون (أطناب) القصب (1)، ثم يقذفون بها ~~في رحبة المسجد ليضئ لهم، فتبينوا، فلم يروا أحدا. # فقال ابن زياد: إن القوم قد خذلوا، وأسلموا مسلما. # وانصرفوا. # PageV00P239 # فخرج فيمن كان معه، وجلس في المسجد، ووضعت الشموع والقناديل، وأمر مناديا ~~فنادى بالكوفة (ألا برئت الذمة من رجل من العرفاء والشرط والحرس لم يحضر ~~المسجد). # فاجتمع الناس، ثم قال: (يا حصين بن نمير - وكان على الشرطة - ثكلتك أمك ~~إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، فإذا أصبحت فاستقر الدور، دارا، دارا، حتى ~~تقع عليه. # وصلى ابن زياد العشاء في المسجد، ثم دخل القصر. # فلما أصبح جلس للناس، فدخلوا عليه، ودخل في أوائلهم محمد بن الأشعث، ~~فأقعده معه على سريره. # وأقبل ابن تلك المرأة التي مسلم في بيتها إلى عبد الرحمن بن محمد بن ~~الأشعث - وهو حينئذ غلام حين راهق - فأخبره بمكان مسلم عنده. # فأقبل عبد الرحمن إلى أبيه محمد بن الأشعث، وهو جالس مع ابن زياد، فأسر ~~إليه الخبر. # فقال ابن زياد: (ما سار به ابنك؟ # قال: (أخبرني أن مسلم بن عقيل في بعض دورنا). # فقال: (انطلق، فأتني به الساعة). # وقال لعبيد بن حريث: (ابعث مائة رجل من قريش) وكره أن يبعث إليه غير قريش ~~من العصبية أن تقع. ms185 # فأقبلوا حتى أتوا الدار التي فيها مسلم بن عقيل، ففتحوها، فقاتلهم، فرمى، ~~فكسر فوه، وأخذ، فأتي ببغلة فركبها، وصاروا به إلى ابن زياد. ### || (قتل مسلم بن عقيل) # فلما أدخل عليه، وقد اكتنفه الجلاوزة قالوا له: (سلم ~~على الأمير). # قال: (إن كان الأمير يريد قتلي، فما أنتفع بسلام عليه، وإن كان لم يرد ~~فسيكثر عليه سلامي). PageV00P240 # قال ابن زياد: كأنك ترجو البقاء. # فقال له مسلم: فإن كنت مزمعا على قتلي، فدعني أوص إلى بعض من هاهنا من ~~قومي. # قال له: أوص بما شئت. # فنظر إلى عمر بن سعد بن أبي وقاص، فقال له: أخل معي في طرف هذا البيت حتى ~~أوصي إليك، فليس في القوم أقرب إلي ولا أولى بي منك. # فتنحى معه ناحية، فقال له: (أتقبل وصيتي؟ # قال: نعم. # قال مسلم: إن على هاهنا دينا، مقدار ألف درهم، فاقض عني، وإذا أنا قتلت ~~فاستوهب من ابن زياد جثتي لئلا يمثل بها، وابعث إلى الحسين بن علي رسولا ~~قاصدا من قبلك، يعلمه حالي، وما صرت إليه من غدر هؤلاء الذين يزعمون أنهم ~~شيعته، وأخبره بما كان من نكثهم بعد أن بايعني منهم ثمانية عشر ألف رجل، ~~لينصرف إلى حرم الله، فيقيم به، ولا يغتر بأهل الكوفة. # وقد كان مسلم كتب إلى الحسين أن يقدم ولا يلبث. # فقال له عمر بن سعد: لك على ذلك كله، وأنا به زعيم. # فانصرف إلى ابن زياد، فأخبره بكل ما أوصى به إليه مسلم. # فقال له ابن زياد: قد أسأت في أفشائك ما أسره إليك، وقد قيل (إنه لا ~~يخونك إلا الأمين، وربما ائتمنك الخائن). # وأمر ابن زياد بمسلم فرقى به إلى ظهر القصر، فأشرف به على الناس، وهم على ~~باب القصر مما يلي الرحبة، حتى إذا رأوه ضربت عنقه هناك، فسقط رأسه إلى ~~الرحبة، ثم أتبع الرأس بالجسد. # وكان الذي تولى ضرب عنقه أحمر بن بكير. PageV00P241 # وفي ذلك يقول عبد الرحمن بن الزبير الأسدي: # فإن كنت لا تدرين ما الموت فانظري * إلى هانئ في السوق ms186 وابن عقيل إلى بطل ~~قد هشم السيف أنفه * وآخر، يهوي من طمار، قتيل (1) أصابهما ريب الزمان، ~~فأصبحا * أحاديث من يسعى بكل سبيل ترى جسدا قد غير الموت لونه * ونضح دم قد ~~سال كل مسيل ثم بعث عبيد الله برؤوسهما إلى يزيد، وكتب إليه بالنبأ فيهما. # فكتب إليه يزيد: لم نعد الظن بك، وقد فعلت فعل الحازم الجليد، وقد سألت ~~رسوليك عن الأمر، ففرشاه لي، وهما كما ذكرت في النصح، وفضل الرأي، فاستوص ~~بهما. # وقد بلغني أن الحسين بن علي قد فصل من مكة متوجها إلى ما قبلك، فأدرك ~~العيون عليه، وضع الأرصاد على الطرق، وقم أفضل القيام، غير ألا تقاتل إلا ~~من قاتلك، واكتب إلي بالخبر في كل يوم. # وكان أنفذ الرأسين إليه مع هانئ بن أبي حية الهمداني، والزبير بن الأروج ~~التميمي. # وكان قتل مسلم بن عقيل يوم الثلاثاء لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ستين ~~(2)، وهي السنة التي مات فيها معاوية. # PageV00P242 ### || (خروج الحسين إلى الكوفة) # وخرج الحسين بن علي عليه السلام من مكة في ذلك ~~اليوم. # ثم إن ابن زياد وجه بالحصين بن نمير - وكان على شرطه - في أربعة آلاف ~~فارس من أهل الكوفة، وأمره أن يقيم بالقادسية (1) إلى القطقطانة (2)، فيمنع ~~من أراد النفوذ من ناحية الكوفة إلى الحجاز ألا من كان حاجا أو معتمرا ومن ~~لا يتهم بممالاة الحسين. # قالوا: ولما ورد كتاب مسلم بن عقيل على الحسين عليه السلام: # (أن الرائد لا يكذب أهله، وقد بايعني من أهل الكوفة ثمانية عشر ألف رجل، ~~فاقدم، فإن جميع الناس معك، ولا رأي لهم في آل أبي سفيان). # فلما عزم على الخروج، وأخذ في الجهاز بلغ ذلك عبد الله بن عباس، فأقبل ~~حتى دخل على الحسين، رضي الله عنه، فقال: # يا ابن عم، قد بلغني أنك تريد المسير إلى العراق. # قال الحسين: أنا على ذلك. # قال عبد الله: أعيذك بالله يا بن عم من ذلك. # قال الحسين: قد عزمت، ولا بد من المسير. # قال له عبد الله: أتسير إلى ms187 قوم طردوا أميرهم عنهم، وضبطوا بلادهم؟ فإن ~~كانوا فعلوا ذلك فسر إليهم، وإن كانوا إنما يدعونك إليهم، وأميرهم عليهم، ~~وعماله يجبونهم، فإنهم إنما يدعونك إلى الحرب، ولا آمنهم أن يخذلوك كما ~~خذلوا أباك وأخاك. # قال الحسين: يا بن عم، سأنظر فيما قلت. # PageV00P243 # وبلغ عبد الله بن الزبير ما يهم به الحسين، فأقبل حتى دخل عليه، فقال له: # لو أقمت بهذا الحرم، وبثثت رسلك في البلدان، وكتبت إلى شيعتك بالعراق أن ~~يقدموا عليك، فإذا قوي أمرك نفيت عمال يزيد عن هذا البلد، وعلي لك المكانفة ~~والمؤازرة، وإن عملت بمشورتي طلبت هذا الأمر بهذا الحرم، فإنه مجمع أهل ~~الآفاق، ومورد أهل الأقطار لم يعدمك بإذن الله إدراك ما تريد، ورجوت أن ~~تناله. # قالوا: ولما كان في اليوم الثالث عاد عبد الله بن عباس إلى الحسين، فقال ~~له: # - يا بن عم لا تقرب أهل الكوفة، فإنهم قوم غدرة، وأقم بهذه البلدة، فإنك ~~سيد أهلها، فإن أبيت فسر إلى أرض اليمن، فإن بها حصونا وشعابا، وهي أرض ~~طويلة عريضة، ولأبيك فيها شيعة، فتكون عن الناس في عزلة، وتبث دعاتك في ~~الآفاق، فإني أرجو إن فعلت ذلك أتاك الذي تحب في عافية. # قال الحسين عليه السلام: يا بن عم، والله إني لأعلم أنك ناصح مشفق، غير ~~أني قد عزمت على الخروج. # قال ابن عباس: فإن كنت لا محالة سائرا، فلا تخرج النساء والصبيان، فإني ~~لا آمن أن تقتل كما قتل ابن عفان، وصبيته ينظرون إليه. # قال الحسين: عم، ما أرى إلا الخروج بالأهل والولد. # فخرج ابن عباس من عند الحسين فمر بابن الزبير، وهو جالس، فقال له: # قرت عينك يا بن الزبير بخروج الحسين. # ثم تمثل: # خلالك الجو، فبيضي واصفري * ونقري، ما شئت أن تنقري قالوا: ولما خرج ~~الحسين من مكة اعترضه صاحب شرطة أميرها، عمرو بن سعيد ابن العاص في جماعة ~~من الجند، فقال: إن الأمير يأمرك بالانصراف، فانصرف، وإلا منعتك. # فامتنع عليه الحسين، وتدافع الفريقان، واضطربوا بالسياط. # وبلغ ذلك عمرو بن سعيد، فخاف ms188 أن يتفاقم الأمر، فأرسل إلى صاحب شرطه، ~~يأمره بالانصراف. PageV00P244 # قالوا (ولما فصل الحسين بن علي من مكة سائرا، وقد وصل إلى التنعيم (1) ~~لحق عيرا مقبلة من اليمن، عليهما ورس (2). وحناء، ينطلق به إلى يزيد بن ~~معاوية، فأخذها وما عليها. # وقال لأصحاب الإبل: من أحب منكم أن يسير معنا إلى العراق أوفيناه كراه، ~~وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من هاهنا أعطيناه من الكرى (3) بقدر ما ~~قطع من الأرض). # ففارقه قوم، ومضى معه آخرون. # ثم سار حتى إذا انتهى إلى الصفاح (4) لقيه هناك الفرزدق الشاعر مقبلا من ~~العراق، يريد مكة، فسلم على الحسين. # فقال له الحسين: كيف خلفت الناس بالعراق؟ # قال: خلفتهم، وقلوبهم معك، وسيوفهم عليك. # ثم ودعه. # ومضى الحسين عليه السلام حتى إذا صار ببطن الرمة (5) كتب إلى أهل الكوفة. # (بسم الله الرحمن الرحيم، من الحسين بن علي إلى إخوانه من المؤمنين ~~بالكوفة)، سلام عليكم، أما بعد، فإن كتاب مسلم بن عقيل ورد على باجتماعكم ~~لي، وتشوفكم إلى قدومي، وما أنتم عليه منطوون من نصرنا، والطلب بحقنا، ~~فأحسن الله لنا ولكم الصنيع، وأثابكم على ذلك بأفضل الذخر، وكتابي إليكم من ~~بطن الرمة، وأنا قادم عليكم، وحثيث السير إليكم، والسلام). # PageV00P245 # ثم بعث بالكتاب مع قيس بن مسهر، فسار حتى وافى القادسية (1). # فأخذه حصين بن نمير، وبعث به إلى ابن زياد، فلما أدخل عليه أغلظ لعبيد ~~الله، فأمر به أن يطرح من أعلى سور القصر إلى الرحبة، فطرح، فمات. # وسار الحسين عليه السلام من بطن الرمة (2)، فلقيه عبد الله بن مطيع، وهو ~~منصرف من العراق، فسلم على الحسين، وقال له: # بأبي أنت وأمي يا بن رسول الله، ما أخرجك من حرم الله وحرم جدك؟ # فقال: إن أهل الكوفة كتبوا إلي يسألونني أن أقدم عليهم لما رجوا من إحياء ~~معالم الحق، وإماتة البدع. # قال له ابن مطيع: أنشدك الله أن (لا) تأتي الكوفة، فوالله لئن أتيتها ~~لتقتلن. # فقال الحسين عليه السلام: (لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا). # ثم ودعه ومضى. # ثم سار ms189 حتى انتهى إلى زرود (3)، فنظر إلى فسطاط (4) مضروب، فسأل عنه، ~~فقيل له: هو لزهير بن القين. # وكان حاجا أقبل من مكة يريد الكوفة. # فأرسل إليه الحسين، أن القني أكلمك. # فأبى أن يلقاه. # وكانت مع زهير زوجته، فقالت له: سبحان الله، يبعث إليك ابن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم فلا تجيبه. # فقام يمشي إلى الحسين عليه السلام، فلم يلبث أن انصرف، وقد أشرق وجهه، # PageV00P246 # فأمر بفسطاطه فقلع، وضرب إلى لزق فسطاط الحسين. # ثم قال لامرأته: أنت طالق، فتقدمي مع أخيك حتى تصلي إلى منزلك، فإني قد ~~وطنت نفسي على الموت مع الحسين عليه السلام. # ثم قال لمن كان معه من أصحابه: من أحب منكم الشهادة فليقم، ومن كرهها ~~فليتقدم. # فلم يقم معه منهم أحد، وخرجوا مع المرأة وأخيها حتى لحقوا بالكوفة. # * * * قالوا: ولما رحل الحسين من زرود تلقاه رجل من بني أسد، فسأله عن ~~الخبر. # فقال: لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، ورأيت ~~الصبيان يجرون بأرجلهما. # فقال: إنا لله، وإنا إليه راجعون، عند الله نحتسب أنفسنا. # فقال له: أنشدك الله يا بن رسول الله في نفسك، وأنفس أهل بيتك، هؤلاء ~~الذين نراهم معك، انصرف إلى موضعك، ودع المسير إلى الكوفة، فوالله ما لك ~~بها ناصر. # فقال بنو عقيل - وكانوا معه -: ما لنا في العيش بعد أخينا مسلم حاجة، ~~ولسنا براجعين حتى نموت. # فقال الحسين: (فما خير في العيش بعد هؤلاء)، وسار. # فلما وافى زبالة (1) وافاه بها رسول محمد بن الأشعث، وعمر بن سعد بما كان ~~سأله مسلم أن يكتب به إليه من أمره، وخذلان أهل الكوفة إياه، بعد أن ~~بايعوه، وقد كان مسلم سأل محمد بن الأشعث ذلك. # PageV00P247 # فلما قرأ الكتاب استيقن بصحة الخبر، وأفظعه مسلم بن عقيل، وهانئ ابن ~~عروة. # ثم أخبره الرسول بقتل قيس بن مسهر رسوله الذي وجهه من بطن الرمة. # وقد كان صحبه قوم من منازل الطريق، فلما سمعوا خبر مسلم، وقد كانوا ظنوا ~~أنه يقدم على أنصار وعضد تفرقوا ms190 عنه، ولم يبق معه إلا خاصته. # فسار حتى انتهى إلى بطن العقيق (1)، فلقيه رجل من بني عكرمة، فسلم عليه، ~~وأخبره بتوطيد ابن زياد الخيل ما بين القادسية إلى العذيب (2) رصدا له. # ثم قال له: (انصرف بنفسي أنت، فوالله ما تسير إلا إلى الأسنة والسيوف، ~~ولا تتكلن على الذين كتبوا لك، فإن أولئك أول الناس مبادرة إلى حربك). # فقال له الحسين: (قد ناصحت وبالغت، فجزيت خيرا). # ثم سلم عليه، ومضى حتى نزل بشراة (3) بات بها، ثم ارتحل وسار. # فلما انتصف النهار، واشتدت الحر، وكان ذلك في القيظ، تراءت لهم الخيل. # فقال الحسين لزهير بن القين: # أما هاهنا مكان يلجأ إليه، أو شرف، نجعله خلف ظهورنا، ونستقبل القوم من ~~وجه واحد؟)). # قال له زهير: بلى، هذا جبل ذي جشم، يسره عنك، فمل بنا إليه، فإن سبقت ~~إليه فهو كما تحب. # فسار حتى سبق إليه، وجعل ذلك الجبل وراء ظهره. # PageV00P248 # وأقبلت الخيل، وكانوا ألف فارس مع الحر بن يزيد التميمي، ثم اليربوعي، ~~حتى إذا دنوا أمر الحسين عليه السلام فتيانه أن يستقبلوهم بالماء، فشربوا، ~~وتغمرت خيلهم، ثم جلسوا جميعا في ظل خيولهم، وأعنتها في أيديهم حتى إذا ~~حضرت الظهر قال الحسين عليه السلام للحر: أتصلي معنا، أم تصلي بأصحابك ~~وأصلي بأصحابي؟ # قال الحر: (بل نصلي جميعا بصلاتك). # فتقدم الحسين عليه السلام، فصلى بهم جميعا. # فلما انفتل من صلاته حول وجهه إلى القوم، ثم قال: # (أيها الناس، معذرة إلى الله، ثم إليكم، إني لم آتكم حتى أتتني كتبكم، ~~وقدمت على رسلكم، فإن أعطيتموني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم دخلنا ~~معكم مصركم، وإن تكن الأخرى انصرفت من حيث جئت). # فأسكت القوم، فلم يردوا عليه، حتى إذا جاء وقت العصر نادى مؤذن الحسين، ~~ثم أقام، وتقدم الحسين عليه السلام، فصلى بالفريقين، ثم انفتل إليهم، فأعاد ~~مثل القول الأول. # فقال الحر بن يزيد: (والله ما ندري ما هذه الكتب التي تذكر). # فقال الحسين عليه السلام: (ايتني بالخرجين (1) اللذين فيهما كتبهم). # فأتي بخرجين مملوءين كتبا، فنثرت بين ms191 يدي الحر وأصحابه، فقال له الحر: # (يا هذا، لسنا ممن كتب إليك شيئا من هذه الكتب، وقد أمرنا ألا نفارقك إذا ~~لقيناك أو نقدم بك الكوفة على الأمير عبيد الله بن زياد). # فقال الحسين عليه السلام: (الموت دون ذلك). # PageV00P249 # ثم أمر بأثقاله، فحملت، وأمر أصحابه، فركبوا، ثم ولى وجهه منصرفا نحو ~~الحجاز، فحال القوم بينه وبين ذلك. # فقال الحسين للحر: ما الذي تريد؟ # قال: أريد والله إن أنطلق بك إلى الأمير عبيد الله بن زياد. # قال الحسين: إذن والله أنابذك الحرب. # فلما كثر الجدال بينهما قال الحر: (إني لم أومر بقتالك، وإنما أمرت ألا ~~أفارقك، وقد رأيت رأيا فيه السلامة من حربك، وهو أن تجعل بيني وبينك طريقا، ~~لا تدخلك الكوفة، ولا تردك إلى الحجاز، تكون نصفا بيني وبينك حتى يأتينا ~~رأي الأمير). # قال الحسين: (فخذ هاهنا، فأخذ متياسرا من طريق العذيب (1)، ومن ذلك ~~المكان إلى العذيب ثمانية وثلاثون ميلا). # فسارا جميعا حتى انتهوا إلى عذيب الحمامات، فنزلوا جميعا، وكل فريق منهما ~~على غلوة (2) من الآخر. # * * * ثم ارتحل الحسين من موضعه ذلك متيامنا عن طريق الكوفة حتى انتهى ~~إلى قصر بني مقاتل، فنزلوا جميعا هناك، فنظر الحسين إلى فسطاط مضروب، فسأل ~~عنه، فأخبر أنه لعبيد الله بن الحر الجعفي، وكان من أشراف أهل الكوفة، ~~وفرسانهم. # فأرسل الحسين إليه بعض مواليه يأمره بالمصير إليه، فأتاه الرسول، فقال: # - هذا الحسين بن علي يسألك أن تصير إليه. # فقال عبيد الله: والله ما خرجت من الكوفة إلا لكثرة من رأيته خرج ~~لمحاربته # PageV00P250 # وخذلان شيعته، فعلمت أنه مقتول ولا أقدر على نصره، فلست أحب أن يراني ولا ~~أراه). # فانتعل الحسين حتى مشى، ودخل عليه قبته، ودعاه إلى نصرته. # فقال عبيد الله: (والله إني لأعلم أن من شايعك كان السعيد في الآخرة، ~~ولكن ما عسى أن أغنى عنك، ولم أخلف لك بالكوفة ناصرا، فأنشدك الله أن ~~تحملني علي هذه الخطة، فإن نفسي لم تسمح بعد بالموت، ولكن فرسي هذه ~~الملحقة، والله ما طلبت عليها شيئا قط ms192 إلا لحقته، و لا طلبني وأنا عليها ~~أحد قط إلا سبقته، فخذها، فهي لك). قال الحسين: (أما إذا رغبت بنفسك عنا ~~فلا حاجة لنا إلى فرسك). ### || (نهاية الحسين) # وسار الحسين عليه السلام من قصر بني مقاتل، ومعه الحر بن ~~يزيد، كلما أراد أن يميل نحو البادية منعه، حتى انتهى إلى المكان الذي يسمى ~~(كربلاء) (1) فمال قليلا متيامنا حتى انتهى إلى (نينوى) (2)، فإذا هو براكب ~~على نجيب، مقبل من القوم، فوقفوا جميعا ينتظرونه. # فلما انتهى إليهم سلم على الحر، ولم يسلم على الحسين. # ثم ناول الحر كتابا من عبيد الله بن زياد، فقرأه، فإذا فيه: # (أما بعد، فجعجع (3) بالحسين بن علي وأصحابه بالمكان الذي يوافيك كتابي، ~~ولا تحله إلا بالعراء على غير خمر (4) ولا ماء، وقد أمرت حامل كتابي هذا أن ~~يخبرني بما كان منك في ذلك، والسلام. # PageV00P251 # فقرأ الحر الكتاب ثم ناوله الحسين، وقال: # لا بد من إنفاذ الأمير عبيد الله بن زياد، فأنزل بهذا المكان، ولا تجعل ~~للأمير علي علة. # فقال الحسين عليه السلام (تقدم بنا قليلا إلى هذه القرية التي هي منا على ~~غلوة، وهي الغاضرية (1)) أو هذه الأخرى التي تسمى (السقبة) فنزل في ~~إحداهما. # قال الحر (إن الأمير كتب إلى أن أحلك على غير ماء، ولا بد من الانتهاء ~~إلى أمره. # فقال زهير بن القين للحسين: (بأبي وأمي يا ابن رسول الله، والله لو لم ~~يأتنا غير هؤلاء لكان لنا فيهم كفاية، فكيف بمن سيأتينا من غيرهم؟ فهلم بنا ~~نناجز هؤلاء، فإن قتال هؤلاء أيسر علينا من قتال من يأتينا من غيرهم). # قال الحسين عليه السلام: فإني أكره أن أبدأهم بقتال حتى يبدأوا. # فقال له زهير: فهاهنا قرية بالقرب منا على شط الفرات، وهي في عاقول (2) ~~حصينة، الفرات يحدق بها إلا من وجه واحد. # قال الحسين: وما اسم تلك القرية؟ # قال: العقر (3). # قال الحسين: نعوذ بالله من العقر. # فقال الحسين للحر: سر بنا قليلا، ثم ننزل. # فسار معه حتى أتوا كربلاء، فوقف الحر وأصحابه أمام الحسين ومنعوهم ms193 من ~~المسير، وقال: انزل بهذا المكان، فالفرات منك قريب. # قال الحسين: وما اسم هذا المكان؟ # PageV00P252 # قالوا له: كربلاء. # قال: ذات كرب وبلاء، ولقد مر أبي بهذا المكان عند مسيرة إلى صفين، وأنا ~~معه، فوقف، فسأل عنه، فأخبر باسمه، فقال: (هاهنا محط ركابهم، وهاهنا مهراق ~~دمائهم)، فسئل عن ذلك، فقال: (ثقل لآل بيت محمد، ينزلون هاهنا). # ثم أمر الحسين بأثقاله، فحطت بذلك المكان يوم الأربعاء غرة المحرم من سنة ~~إحدى وستين (1)، وقتل بعد ذلك بعشرة أيام، وكان قتله يوم عاشوراء. # فلما كان اليوم الثاني من نزوله كربلاء وافاه عمر بن سعد في أربعة آلاف ~~فارس. # وكانت قصة خروج عمر بن سعد، أن عبيد الله بن زياد ولاه الري وثغر دستبي ~~(2) والديلم، وكتب له عهدا عليها، فعسكر للمسير إليها، فحدث أمر الحسين، ~~فأمره ابن زياد أن يسير إلى محاربة الحسين، فإذا فرغ منه سار إلى ولايته. # فتلكأ عمر بن سعد على ابن زياد، وكره محاربة الحسين. # فقال له ابن زياد: (فأردد علينا عهدنا). # قال: (فأسير إذن). # فسار في أصحابه أولئك الذين ندبوا معه إلى الري ودستبي، حتى وافى الحسين، ~~وانضم إليه الحر بن يزيد فيمن معه. # ثم قال عمر بن سعد لقره بن سفيان الحنظلي (انطلق إلى الحسين، فسله ما ~~أقدمك). فأتاه، فأبلغه. # فقال الحسين: (أبلغه عني أن أهل هذا المصر كتبوا إلي يذكرون أن لا إمام ~~لهم، ويسألونني القدوم عليهم، فوثقت بهم، فغدروا بي، بعد أن بايعني منهم ~~ثمانية عشر ألف رجل، فلما دنوت، فعلمت غرور ما كتبوا به إلي أردت الانصراف ~~إلى حيث # PageV00P253 # منه أقبلت، فمنعني الحر بن يزيد، وسار حتى جعجع بي في هذا المكان، ولي بك ~~قرابة قريبة، ورحم ماسة، فأطلقني حتى انصرف. # فرجع قرة إلى عمر بن سعد بجواب الحسين بن علي. # فقال عمر: (الحمد لله، والله إني لأرجو أن أعفى من محاربة الحسين). # ثم كتب إلى ابن زياد يخبره بذلك. # فلما وصل كتابه إلى ابن زياد كتب إليه في جوابه: # (قد فهمت كتابك، فأعرض على الحسين ms194 البيعة ليزيد، فإذا بايع في جميع من ~~معه، فأعلمني ذلك ليأتيك رأيي). # فلما انتهى كتابه إلى عمر بن سعد قال: ما أحسب ابن زياد يريد العافية. # فأرسل عمر بن سعد بكتاب ابن زياد إلى الحسين، فقال الحسين للرسول: # (لا أجيب ابن زياد إلى ذلك أبدا، فهل هو إلا الموت، فمرحبا به). # فكتب عمر بن سعد إلى ابن زياد بذلك، فغضب، فخرج بجميع أصحابه إلى النخيلة ~~(1). # ثم وجه الحصين بن نمير، وحجار بن أبجر، وشبث بن ربعي، وشمر ابن ذي ~~الجوشن، ليعاونوا عمر بن سعد على أمره. # فأما شمر فنفذ لما وجهه له، وأما شبث فاعتل بمرض. # فقال له ابن زياد: أتتمارض؟ إن كنت في طاعتنا فاخرج إلى قتال عدونا. # فلما سمع شبث ذلك خرج، ووجه أيضا الحارث بن يزيد بن رويم. # قالوا: (وكان ابن زياد إذا وجه الرجل إلى قتال الحسين في الجمع الكثير، ~~يصلون إلى كربلاء، ولم يبق منهم إلا القليل، كانوا يكرهون قتال الحسين، ~~فيرتدعون، ويتخلفون. # فبعث ابن زياد سويد بن عبد الرحمن المنقري في خيل إلى الكوفة، وأمره أن ~~يطوف بها، فمن وجده قد تخلف أتاه به. # PageV00P254 # فبنيا هو يطوف في أحياء الكوفة إذ وجد رجلا من أهل الشام قد كان قدم ~~الكوفة في طلب ميراث له، فأرسل به إلى ابن زياد، فأمر به، فضربت عنقه. # فلما رأى الناس ذلك خرجوا. # قالوا: وورد كتاب ابن زياد على عمر بن سعد، أن أمنع الحسين وأصحابه ~~الماء، فلا يذوقوا منه حسوة (1) كما فعلوا بالتقي عثمان بن عفان. # فلما ورد على عمر بن سعد ذلك أمر عمرو بن الحجاج أن يسير في خمسمائة ~~راكب، فينيخ على الشريعة، ويحولوا بين الحسين وأصحابه، وبين الماء، وذلك ~~قبل مقتله بثلاثة أيام، فمكث أصحاب الحسين عطاشى. # قالوا: ولما اشتد بالحسين وأصحابه العطش أمر أخاه العباس بن علي - وكانت ~~أمه من بني عامر بن صعصعة - أن يمضي في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا، مع كل ~~رجل قربة حتى يأتوا الماء، فيحاربوا من حال بينهم وبينه. # فمضى ms195 العباس نحو الماء وأمامهم نافع بن هلال حتى دنوا من الشريعة، فمنعهم ~~عمرو بن الحجاج، فجالدهم العباس على الشريعة بمن معه حتى أزالوهم عنها، ~~واقتحم رجالة الحسين الماء، فملأوا قربهم، ووقف العباس في أصحابه يذبون ~~عنهم حتى أوصلوا الماء إلى عسكر الحسين. # * * * ثم إن ابن زياد كتب إلى عمر بن سعد: # أما بعد، فإني لم أبعثك إلى الحسين لتطاوله الأيام، ولا لتمنيه السلامة ~~والبقاء، ولا لتكون شفيعه إلي، فاعرض عليه، وعلى أصحابه النزول على حكمي، ~~فإن أجابوك فابعث به وبأصحابه إلي، وإن أبوا فازحف إليه، فإنه عاق شاق، فإن ~~لم تفعل فاعتزل جندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فإنا قد ~~أمرناك بأمرنا. # فنادى عمر بن سعد في أصحابه أن انهدوا إلى القوم. # PageV00P255 # فنهض إليهم عشية الخميس وليلة الجمعة لتسع ليال خلون من المحرم، فسألهم ~~الحسين تأخير الحرب إلى غد، فأجابوه. # قالوا: وأمر الحسين أصحابه أن يضموا مضاربهم بعضهم من بعض، ويكونوا أمام ~~البيوت، وأن يحفروا من وراء البيوت أخدودا، وأن يضرموا فيه حطبا وقصبا ~~كثيرا، لئلا يؤتوا من إدبار البيوت، فيدخلوها. # قالوا: ولما صلى عمر بن سعد الغداة نهد بأصحابه، وعلى ميمنته عمرو بن ~~الحجاج، وعلى ميسرته شمر بن ذي الجوشن - واسم شمر شرحبيل بن عمرو بن ~~معاوية، من آل الوحيد، من بني عامر بن صعصعة وعلى الخيل عروة بن قيس، وعلى ~~الرجالة شبث ابن ربعي، والراية بيد زيد مولى عمر بن سعد. # * * * وعبى الحسين عليه السلام أيضا أصحابه، وكانوا اثنين وثلاثين فارسا ~~وأربعين راجلا، فجعل زهير بن القين على ميمنته، وحبيب بن مظهر على ميسرته، ~~ودفع الراية إلى أخيه العباس بن علي، ثم وقف، ووقفوا معه أمام البيوت. # وانحاز الحر بن يزيد الذي كان جعجع بالحسين إلى الحسين، فقال له: (قد كان ~~مني الذي كان، وقد أتيتك مواسيا لك بنفسي، أفترى ذلك لي توبة مما كان مني؟. # قال الحسين: نعم، إنها لك توبة، فأبشر، فأنت الحر في الدنيا، وأنت الحر ~~في الآخرة، إن شاء الله. # قالوا: ms196 ونادى عمر بن سعد مولاه زيدا أن قدم الراية، فتقدم بها، وشبت ~~الحرب. # فلم يزل أصحاب الحسين يقاتلون ويقتلون، حتى لم يبق معه غير أهل بيته. # فكان أول من تقدم منهم، فقاتل علي بن الحسين، وهو علي الأكبر، فلم يزل ~~يقاتل حتى قتل، طعنه مرة بن منقذ العبدي، فصرعه، وأخذته السيوف فقتل. ~~PageV00P256 # ثم قتل عبد الله بن مسلم بن عقيل، رماه عمرو بن صبح الصيداوي، فصرعه. # ثم قتل عدي بن عبد الله بن جعفر الطيار، قتله عمرو بن نهشل التميمي. # ثم قتل عبد الرحمن بن عقيل بن أبي طالب، رماه عبد الله بن عروة الخثعمي ~~بسهم، فقتله. # ثم قتل محمد بن عقيل بن أبي طالب، رماه لقيط بن ناشر الجهني بسهم، فقتله. # ثم قتل القاسم بن الحسن بن علي بن أبي طالب، ضربه عمرو بن سعد بن مقبل ~~الأسدي. # ثم قتل أبو بكر بن الحسن بن علي، رماه عبد الله بن عقبة الغنوي بسهم، ~~فقتله. # قالوا: ولما رأى ذلك العباس بن علي قال لإخوته عبد الله، وجعفر، وعثمان، ~~بني علي، عليه وعليهم السلام، وأمهم جميعا أم البنين العامرية من آل ~~الوحيد: # (تقدموا، بنفسي أنتم، فحاموا عن سيدكم حتى تموتوا دونه). # فتقدموا جميعا. # فصاروا أمام الحسين عليه السلام، يقونه بوجوههم ونحورهم. # فحمل هانئ بن ثويب الحضرمي على عبد الله بن علي، فقتله. # ثم حمل على أخيه جعفر بن علي، فقتله أيضا. # ورمى يزيد الأصبحي عثمان بن علي بسهم، فقتله، ثم خرج إليه، فاحتز رأسه، ~~فأتى عمر بن سعد، فقال له: (أثبني). # فقال عمر: # عليك بأميرك - يعني عبيد الله بن زياد - فسله أن يثيبك . وبقي العباس بن ~~علي قائما أمام الحسين يقاتل دونه، ويميل معه حيث مال، حتى قتل، رحمة الله ~~عليه. PageV00P257 # وبقي الحسين وحده، فحمل عليه مالك بن بشر الكندي، فضربه بالسيف على رأسه، ~~وعليه برنس خز، فقطعه، وأفضى السيف إلى رأسه، فجرحه. # فألقى الحسين البرنس، ودعا بقلنسوة، فلبسها، ثم اعتم بعمامة، وجلس، فدعا ~~بصبي له صغير، فأجلسه في حجره، فرماه ms197 رجل من بني أسد، وهو في حجر الحسين ~~بمشقص (1)، فقتله. # وبقي الحسين عليه السلام مليا جالسا، ولو شاءوا إن يقتلوه قتلوه، غير أن ~~كل قبيلة كانت تتكل على غيرها، وتكره الإقدام على قتله. # وعطش الحسين، فدعا بقدح من ماء. # فلما وضعه في فيه رماه الحصين بن نمير بسهم، فدخل فمه، وحال بينه وبين ~~شرب الماء، فوضع القدح من يده. # ولما رأى القوم قد أحجموا عنه قام يتمشى على المسناة (2) نحو الفرات، ~~فحالوا بينه وبين الماء، فانصرف إلى موضعه الذي كان فيه. # فانتزع له رجل من القوم بسهم، فأثبته في عاتقه، فنزع عليه السلام السهم. # وضربه زرعة بن شريك التميمي بالسيف، اتقاه الحسين بيده، فأسرع السيف في ~~يده. # وحمل عليه سنان بن أوس النخعي، فطعنه، فسقط. # ونزل إليه حولي بن يزيد الأصبحي ليحز رأسه، فأرعدت يداه. # فنزل أخوه شبل بن يزيد، فاحتز رأسه، فدفعه إلى أخيه حولي. # ثم مال الناس على ذلك الورس الذي كان أخذه من العير، وإلى ما في المضارب، ~~فانتهبوه. # * * * # PageV00P258 # ولم ينج من أصحاب الحسين عليه السلام وولده وولد أخيه إلا ابناه، على ~~الأصغر، وكان قد راهق، وإلا عمر، وقد كان بلغ أربع سنين. # ولم يسلم من أصحابه إلا رجلان، أحدهما المرقع بن ثمامة الأسدي، بعث به ~~عمر بن سعد إلى ابن زياد فسيره إلى الربذة (1)، فلم يزل بها حتى هلك يزيد، ~~وهرب عبيد الله إلى الشام، فانصرف المرقع إلى الكوفة، والآخر مولى لرباب، ~~أم سكينة، أخذوه بعد قتل الحسين، فأرادوا ضرب عنقه، فقال لهم: (إني عبد ~~مملوك). فخلوا سبيله. # * * * وبعث عمر بن سعد برأس الحسين من ساعته إلى عبيد الله بن زياد مع ~~حولي ابن يزيد الأصبحي. # وأقام عمر بن سعد بكربلاء بعد مقتل الحسين يومين، ثم آذن في الناس ~~بالرحيل، وحملت الرؤوس على أطراف الرماح، وكانت اثنين وسبعين رأسا، جاءت ~~هوازن منها باثنين وعشرين رأسا، وجاءت تميم بسبعة عشر رأسا مع الحصين بن ~~نمير، وجاءت كندة بثلاثة عشر رأسا مع قيس بن الأشعث، وجاءت بنو أسد ms198 بستة ~~رؤوس مع هلال الأعور، وجاءت الأزد بخمس رؤوس مع عيهمة بن زهير، وجاءت ثقيف ~~باثني عشر رأسا مع الوليد بن عمرو. # وأمر عمر بن سعد بحمل نساء الحسين وأخواته وبناته وجواريه وحشمه في ~~المحامل المستورة على الإبل. وكانت بين وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~وبين قتل الحسين خمسون عاما. # قالوا: ولما أدخل رأس الحسين عليه السلام على ابن زياد فوضع بين يديه جعل ~~ابن زياد ينكت الخيزرانة ثنايا (2) الحسين، وعنده زيد بن أرقم، صاحب رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: # PageV00P259 # (مه، ارفع قضيبك عن هذه الثنايا، فلقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~يلثمها). # ثم خنقته العبرة، فبكى. # فقال له ابن زياد: (مم تبكي؟ أبكى الله عينيك، والله لولا أنك شيخ قد ~~خرفت لضربت عنقك). # قالوا: وكانت الرؤوس قد تقدم بها شمر بن ذي الجوشن أمام عمر بن سعد. # قالوا: واجتمع أهل الغاضرية فدفنوا أجساد القوم. # وروي عن حميد بن مسلم قال: كان عمر بن سعد لي صديقا، فأتيته عند منصرفه ~~من قتال الحسين، فسألته عن حاله، فقال: (لا تسأل عن حالي، فإنه ما رجع غائب ~~إلى منزله بشر مما رجعت به، قطعت القرابة القريبة، وارتكبت الأمر العظيم). # * * * قالوا: ثم إن ابن زياد جهز علي بن الحسين ومن كان معه من الحرم، ~~ووجه بهم إلى يزيد بن معاوية مع زحر بن قيس ومحقن بن ثعلبة، وشمر بن ذي ~~الجوشن. # فساروا حتى قدموا الشام، ودخلوا على يزيد بن معاوية بمدينة دمشق، وأدخل ~~معهم رأس الحسين، فرمى بين يديه. # ثم تكلم شمر بن ذي الجوشن، فقال: # (يا أمير المؤمنين، ورد علينا هذا في ثمانية عشر رجلا من أهل بيته، وستين ~~رجلا من شيعته، فصرنا إليهم، فسألناهم النزول على حكم أميرنا عبيد الله بن ~~زياد، أو القتال، فغدونا عليهم عند شروق الشمس، فأحطنا بهم من كل جانب، ~~فلما أخذت السيوف منهم مأخذها جعلوا يلوذون إلى غير وزر (1)، لوذان الحمام ~~من الصقور، فما كان إلا مقدار جزر (2) جزوز، ms199 أو نوم قائل (3) حتى أتينا على ~~آخرهم، فهاتيك # PageV00P260 # أجسادهم مجردة، وثيابهم مرملة، وخدودهم معفرة، تسفي عليهم الرياح، زوارهم ~~العقبان (1)، ووفودهم الرخم (2). # فلما سمع ذلك يزيد دمعت عينه وقال: # (ويحكم، قد كنت أرضى من طاعتكم بدون قتل الحسين، لعن الله ابن مرجان، أما ~~والله لو كنت صاحبه لعفوت عنه، رحم الله أبا عبد الله). # ثم تمثل: # نفلق هاما من رجال أعزة علينا، وهم كانوا أعق وأظلما * * * ثم أمر ~~بالذرية فأدخلوا دار نسائه. # وكان يزيد إذا حضر غذاؤه دعا علي بن الحسين وأخاه عمر فيأكلان معه، فقال ~~ذات يوم لعمر بن الحسين: # (هل تصارع ابني هذا؟) يعني خالدا، وكان من أقرانه. # فقال عمر: بل أعطني سيفا، وأعطه سيفا حتى أقاتله، فتنظر أينا أصبر. # فضمه يزيد إليه، وقال: (شنشنة أعرفها من أخزم (3)، هل تلد الحية إلا ~~حية). # قال: ثم أمر بتجهيزهم بأحسن جهاز، وقال لعلي بن الحسين: (انطلق مع نسائك ~~حتى تبلغهن وطنهن). # ووجه معه رجلا في ثلاثين فارسا، يسير أمامهم، وينزل حجرة عنهم، حتى انتهى ~~بهم إلى المدينة. # * * * # PageV00P261 # قالوا: وإن عبيد الله بن الحر ندم على تركه إجابة الحسين حين دعاه بقصر ~~بني مقاتل إلى نصرته، وقال: # فيالك حسرة ما دمت حيا * تردد بين حلقي والتراقي حسين حين يطلب بذل نصري ~~* على أهل العداوة والشقاق فما أنسى غداة يقول حزنا * أتتركني وتزمع ~~لانطلاق؟ # فلو فلق التلهف قلب حي * لهم القلب مني بانفلاق ثم مضى نحو أرض الجبل ~~مغاضبا لابن زياد، واتبعه أناس من صعاليك الكوفة. ### || (عبد الله بن الزبير) # قالوا: وإن ابن الزبير لما سار إلى مكة وخرج الحسين ~~عنها سائرا إلى الكوفة كان يقول: (إني في الطاعة، غير إني لا أبايع أحدا، ~~وأنا مستجير بالبيت الحرام). # فبعث إليه يزيد بن معاوية رجلا في عشرة نفر من حرسه، وقال: # (انطلق، فانظر ما عنده، فإن كان في الطاعة فخذه بالبيعة، وإن أبي فضع في ~~عنقه جامعة (1) وائتني به). # فلما قدم الحرسي عليه، وأخبره بما أتاه فيه تمثل ابن الزبير: # ما أن ألين لغير ms200 الحق أسأله حتى يلين لضرس الماضغ الحجر وقال للحرسي: ~~(انصرف إلى صاحبك، فأعلمه أنني لا أجيبه إلى شئ مما يسألني). # قال الحرسي: ألست في الطاعة؟ # قال: بلى، غير إني لا أمكنك من نفسي، ولا أكاد. # فانصرف الحرسي إلى يزيد، فأخبره بذلك. # PageV00P262 # فوجه يزيد بعشرة نفر من أشراف أهل الشام، فيهم النعمان بن بشير، وعبد ~~الله بن عضاة الأشعري - وكان له صلاح -، ومسلم بن عقبة - لعنه الله - فقال ~~لهم: # (انطلقوا، فأعيدوه إلى الطاعة والجماعة وأعلموه، أن أحب الأمور إلى ما ~~فيه السلامة). # فساروا حتى وافوا مكة، ودخلوا على ابن الزبير في المسجد، فدعوه إلى ~~الطاعة وسألوه البيعة. # فقال ابن الزبير لابن عضاة: # أتستحل قتالي في هذا الحرم؟ # قال: نعم، إن أنت لم تجب إلى طاعة أمير المؤمنين. # قال ابن الزبير: وتستحل قتل هذه الحمامة؟ وأشار إلى حمامة من حمام ~~المسجد. # فأخذ ابن عضاة قوسه، وفوق فيها سهما، فبوأه (1) نحو الحمامة، ثم قال: # يا حمامة، أتعصين أمير المؤمنين؟ # والتفت إلى ابن الزبير، وقال: (أما لو أنها قالت نعم لقتلتها). # وإن ابن الزبير خلا بنعمان بن بشير، فقال: أنشدك الله، أنا أفضل عندك أم ~~يزيد؟ # فقال: بل أنت. # فقال: فوالدي خير أم والده؟ # قال: بل والدك. # قال: فأمي خير أم أمه؟ # قال: بل أمك. # قال: فخالتي خير أم خالته؟ # قال: بل خالتك. # PageV00P263 # قال: فعمتي خير أم عمته؟ # قال: بل عمتك، أبوك الزبير، وأمك أسماء ابنة أبي بكر، وخالتك عائشة، ~~وعمتك خديجة بنت خويلد. # قال: أفتشير علي بمبايعة يزيد؟ # قال النعمان: (أما إذا استشرتني فلا أرى لك ذلك، ولست بعائد إليك بعد هذا ~~أبدا). # ثم إن القوم انصرفوا إلى الشام، فأعلموا يزيد أن ابن الزبير لم يجب إلى ~~شئ. # قال مسلم بن عقبة المري ليزيد: (يا أمير المؤمنين، إن ابن الزبير خلا ~~بالنعمان ابن بشير، فكلمه بشئ، لم ندر ما هو، وقد انصرف إليك بغير رأيه ~~الذي خرج من عندك). # ولما انصرف القوم من عند ابن الزبير جمع ابن الزبير إليه وجوه أهل تهامة ms201 ~~والحجاز، فدعاهم إلى بيعته، فبايعوه جميعا، وامتنع عليه عبد الله بن عباس، ~~ومحمد بن الحنفية. # وإن ابن الزبير أمر بطرد عمال يزيد من مكة والمدينة، وارتحل مروان من ~~المدينة بولده وأهل بيته حتى لحق بالشام. # * * * ولما انتهى إلى يزيد بن معاوية مبايعة أهل تهامة والحجاز لعبد الله ~~بن الزبير ندب له الحصين بن نمير السكوني، وحبيش بن دلجة القيني، وروح بن ~~زنباع الجذامي، وضم إلى كل واحد منهما جيشا، واستعمل عليهم جميعا مسلم بن ~~عقبة المري، وجعله أمير الأمراء، وشيعهم حتى بلغ ماء، يقال له (وبرة)، وهي ~~أقرب مياه الشام إلى الحجاز. # فلما ودعهم قال يا مسلم: # (لا تردن أهل الشام عن شئ يريدونه بعدوهم، واجعل طريقك إلى المدينة، فإن ~~حاربوك فحاربهم، فإن ظفرت بهم، فانهبها ثلاثة أيام). # ثم أنشأ يقول: PageV00P264 # أبلغ أبا بكر إذا الخيل انبرى * وسارت الخيل إلى وادي القرى (1) أجمع ~~سكران من الخمر ترى وذلك أن ابن الزبير كان يسمي يزيد (السكران). # ولما بلغ أهل المدينة وصول الجيش تأهبوا للحرب، فولت قريش عليها عبد الله ~~ابن مطيع العدوي، وولت الأنصار عليها عبد الله بن حنظلة الراهب - وهو غسيل ~~الملائكة - ثم خرجوا إلى الحرة، فعسكروا بها. # ففي ذلك يقول شاعرهم: # إن في الخندق المكلل بالمجد * لضربا يفور بالسنوات لست منا، وليس خالك ~~منا * يا مضيع الصلاة للشهوات ووافاهم الجيش، فقاتلوهم حتى كثرت القتلى. # وأقبلت طائفة من أهل الشام، فدخلوا المدينة من قبل بني حارثة، وهم الذين ~~قالوا إن (بيوتنا عورة) (2)، فلم يشعر القوم، وهم يقاتلون من يليهم، إلا ~~وأهل الشام يضربونهم من أدبارهم، فقتل عبد الله بن حنظلة أمير الأنصار، ~~وقتل عمرو بن حزم الأنصاري قاضي المدينة، واستباح أهل الشام المدينة ثلاثة ~~أيام بلياليها. # فلما كان اليوم الرابع جلس مسلم بن عقبة، فدعاهم إلى البيعة، فكان أول من ~~أتاه يزيد بن عبد الله بن ربيعة بن الأسود، وجدته أم سلمة زوج النبي صلى ~~الله عليه وسلم. # فقال له مسلم: (بايعني). # قال: (أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه صلى ms202 الله عليه وسلم) فقال مسلم (بل ~~بايع على أنكم فئ لأمير المؤمنين، يفعل في أموالكم وذراريكم ما يشاء). # فأبى أن يبايع على ذلك، فأمر به، فضربت عنقه. # PageV00P265 # ثم تقدم محمد بن أبي الجهم بن حذيفة العدوي، فقال له مسلم: # (أنت الذي وفدت على أمير المؤمنين، فأكرمك وحباك، فرجعت إلى المدينة تشهد ~~عليه بشرب الخمر، والله لا تشهد بشهادة زور أبدا، اضربوا عنقه). # فضربت عنقه. # ثم تقدم معقل بن سنان الأشجعي، وكان حليفا لبني هاشم، فقال له مسلم: # (أتذكر يوما مررت بي بطبرية (1)، فقلت لك، من أين أقبلت؟ فقلت، سرنا ~~شهرا، وأنضينا ظهرا، ورجعنا صفرا، وسنأتي المدينة فنخلع الفاسق يزيد بن ~~معاوية، ونبايع رجلا من أولاد المهاجرين؟ # فاعلم أني كنت آليت ذلك اليوم ألا أقدر عليك في موطن يمكنني فيه قتلك إلا ~~قتلتك، وقد أمكنني الله منك يا أحمق، ما أشجع والخلافة؟! فتعزل وتولي، ~~اضربوا عنقه). # ثم تقدم عمرو بن عثمان، فقال له: # (أنت الخبيث ابن الطيب، الذي إذا ظهر أهل الشام قلت أنا ابن عثمان بن ~~عفان، وإذا ظهر أهل الحجاز قلت أنا واحد منكم، وأنت في ذلك تبغي أمير ~~المؤمنين الغوائل، انتفوه). # فنتفت لحيته، حتى ما تركت فيها شعرة. # فقام إليه عبد الملك بن مروان، فاستوهبه، فوهبه له. # ثم أتاه علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، فأجلسه معه على ثيابه وفراشه، ~~وقال: # - إن أمير المؤمنين قد أوصاني بك. # فقال علي: (إني كنت لما فعل أهل المدينة كارها). # قال: (أجل). # ثم حمله على بغلة، وصرفه إلى منزله. # PageV00P266 # وبعث إلى علي بن عبد الله بن عباس ليؤتى به للبيعة، فأخرج من منزله، ~~فأقبلوا به. # فلقيه الحصين بن نمير، فانتزعه من يد الجلاوزة (1). # وكان الحصين من أخوال علي بن عبد الله. # فقال مسلم: (إني إنما بعثت إليه للبيعة، فائتني به). # فأرسل إليه الحصين، فجاء حتى بايع. # وأرسلت بنت الأشعث بن قيس، وكانت امرأة الحسين بن علي، إلى مسلم ابن عقبة ~~تعلمه أن منزلها انتهب، فأمر برد جميع ما أخذ لها. ms203 # ثم شخص بالجيش إلى مكة، وكتب إلى يزيد بما صنع بالمدينة، فتمثل يزيد. # ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل حين حكت بقباء بركها * ~~واستحر القتل في عبد الأشل فلما بلغ ابن عقبة هرشى (3) اعتل، واشتدت علته، ~~ونزل به الموت، فقال: # أسندوني. فأسند، فقال: # (إن أمير المؤمنين أمرني إن حدث بي في وجهي هذا حدث أن أستخلف الحصين ابن ~~نمير على الجيش، ولو كان الأمر إلى ما استخلفته، لأن من شأن اليمانية ~~الرقة، غير أني لا أعصي أمير المؤمنين). # ثم قال: (يا حصين، إذا وافيت مكة فناجز ابن الزبير الحرب من يومك، ولا ~~ترد أهل الشام عن شئ يريدونه بعدوهم، ولا تجعل إذنك وعاء لقريش فيخدعوك). # ثم مات، وكانت به الذبحة. # فتولى أمر الجيش الحصين بن نمير، فسار حتى وافى مكة. # وتحصن منه ابن الزبير في المسجد الحرام في جميع من كان معه، ونصب # PageV00P267 # الحصين المجانيق على جبل أبي قبيس (1)، وكانوا يرمون أهل المسجد. # * * * فبينا هم كذلك إذ ورد على الحصين بن نمير موت يزيد بن معاوية، ~~فأرسل إلى عبد الله بن الزبير: (أن الذي وجهنا لمحاربتك قد هلك، فهل لك في ~~الموادعة؟ # وتفتح لنا الأبواب، فنطوف بالبيت، ويختلط الناس بعضهم ببعض). # فقبل ذلك ابن الزبير، وأمر بأبواب المسجد، ففتحت، فجعل الحصين وأصحابه ~~يطوفون بالبيت. # فبينا الحصين يطوف بعد العشاء إذ استقبله ابن الزبير، فأخذ الحصين بيده، ~~فقال له سرا: # - هل لك في الخروج معي إلى الشام؟ فأدعو الناس إلى بيعتك، فإن أمرهم قد ~~مرج (2)، ولا أرى أحدا أحق بها اليوم منك، ولست أعصي هناك. # فاجتذب عبد الله بن الزبير يده من يده، وقال، وهو يجهر بقوله: (دون أن ~~أقتل بكل رجل من أهل الحجاز عشرة من أهل الشام). # فقال الحصين: لقد كذب من زعم أنك من دهاة العرب، أكلمك سرا، وتكلمني ~~علانية، وأدعوك إلى الخلافة وتدعوني إلى الحرب. # ثم انصرف في أصحابه إلى الشام، ومر بالمدينة، فبلغه انهم على محاربته ~~ثانيا. # فجمع إليه أهلها، وقال: (ما هذا ms204 الذي بلغني عنكم؟) فاعتذروا إليه، ~~وقالوا: # (ما هممنا بذلك). # وذكر أبو هارون العبدي، قال: رأيت أبا سعيد الخدري، ولحيته بيضاء، وقد خف ~~جانباها، وبقي وسطها، فقلت: (يا أبا سعيد، ما حال لحيتك؟) # PageV00P268 # فقال: (هذا فعل ظلمة أهل الشام يوم الحرة، دخلوا على بيتي، فانتهبوا ما ~~فيه حتى أخذوا قد حي الذي كنت أشرب فيه الماء، ثم خرجوا، ودخل على بعدهم ~~عشرة نفر، وأنا قائم أصلي، فطلبوا البيت، فلم يجدوا فيه شيئا، فأسفوا لذلك، ~~فاحتملوني من مصلاي، وضربوا بي الأرض، وأقبل كل رجل منهم على ما يليه من ~~لحيتي، فنتفه، فما ترى منها خفيفا فهو موضع النتف، وما تراه عافيا فهو ما ~~وقع في التراب، فلم يصلوا إليها، وسأدعها كما ترى حتى أوافي بها ربي). ### || (الخوارج) # قالوا: وفي سنة ثمانين تفاقم أمر الأزارقة الخوارج، وإنما سموا ~~أزارقة برئيسهم نافع بن الأزرق. # وكان أول خروجهم في أربعين رجلا، وفيهم من عظمائهم نافع بن الأزرق، وعطية ~~بن الأسود، وعبد الله بن صبار، وعبد الله بن إباض، وحنظلة بن بيهس، وعبيد ~~الله بن ماحوز، وذلك في سلطان يزيد. # وعلى البصرة يومئذ عبيد الله بن زياد، فوجه إليهم عبيد الله أسلم بن ~~ربيعة في ألفي فارس، فلحقهم بقرية من الأهواز تدعى (آسك) (1) مما يلي فارس، ~~فواقعهم، فقتلت الخوارج من أصحاب ابن ربيعة خمسين رجلا، فانهزم أسلم، فأنشأ ~~رجل من الخوارج يقول: # أألفا مؤمن منكم زعمتم * ويهزمكم بأسك أربعونا؟ # كذبتم، ليس ذاك كما زعمتم * ولكن الخوارج مؤمنونا هم الفئة القليلة قد ~~علمتم * على الفئة الكثيرة ينصرونا أطعتم أمر جبار عنيد * وما من طاعة ~~للظالمينا # PageV00P269 # فاغتاظ ابن زياد من ذلك، فكان لا يدع بالبصرة أحدا ممن يتهم برأي الخوارج ~~إلا قتله، حتى قتل بالتهمة والظنة تسعمائة رجل. # ولم يزل يتفاقم أمر الخوارج، ويتحلب إليهم من كان على رأيهم وهواهم من ~~أهل البصرة حتى كثروا بعد موت يزيد، وهرب عبيد الله بن زياد من العراق. # وخاف أهل البصرة الخوارج على أنفسهم، ولم يكن يومئذ عليهم سلطان، ~~فاجتمعوا على ms205 مسلم بن عبيس القرشي، ووجهوا معه خمسة آلاف فارس من إبطال ~~البصرة، فسار إليهم، فلحقهم بمكان يسمى (الدولاب) (1) فالتقوا واقتتلوا، ~~وصبر بعضهم لبعض، حتى تكسرت الرماح وتقطعت السيوف، وصاروا إلى المكادمة، ~~فقتل مسلم بن عبيس، وانهزم أصحابه. # فقال رجل من الأزد: # قد رمينا العدو إذ عظم الخطب * بذي الجود مسلم بن عبيس فانظروا غير مسلم ~~بن عبيس * فاطلبوه من حيث أين وليس (2) لو رموا بالمهلب بن أبي صفرة * ~~كانوا له كأكلة حيس (3) وكان المهلب يومئذ بخراسان على ولايتها. # فخاف أهل البصرة حين قتل مسلم بن عبيس خوفا شديدا من الخوارج، فاختاروا ~~عثمان بن معمر القرشي، وانتدب معه زهاء عشرة آلاف رجل من إبطالهم، فسار بهم ~~عثمان في طلب الخوارج، فلحقهم بفارس، فاقتتلوا، فقتل عثمان، وانهزم أصحابه. # * * * فكتب أهل البصرة إلى عبد الله بن الزبير يعلمونه أنه لا إمام لهم، ~~ويسألونه أن يوجه إليهم رجلا من قبله يتولى الأمر. # PageV00P270 # فوجه إليهم الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، فقدم البصرة، ~~وتولى الأمر بها، فدعا وجوه أهل البصرة، فاستشارهم في رجل يوليه حرب ~~الخوارج، فكلهم قالوا: (عليك بالمهلب بن أبي صفرة). # وقام رجل من أهل البصرة يعرف بابن عرادة، فأنشده: # مضى ابن عبيس مسلم لسبيله * فقام لها الشيخ الحجازي عثمان فأرعد من قبل ~~اللقاء ابن معمر * وأبرق، والبرق الحجازي خوان ولم ينك عثمان جناح بعوضة * ~~وأضحى عدو الدين مثل الذي كانوا وليس لها إلا المهلب إنه * ملئ بأمر الحرب، ~~شيخ له شأن إذا قيل من يحمي العراقين أومأت * إليه معد بالأكف، وقحطان فذاك ~~امرؤ إن يلقهم يطف نارهم * وليس لها إلا المهلب إنسان ### || (حرب المهلب مع الخوارج) # فقال الأحنف بن قيس للحارث بن عبد الله: أيها الأمير، اكتب إلى ~~أمير المؤمنين عبد الله بن الزبير، وسله أن يكتب إلى المهلب بأن يخلف على ~~خراسان رجلا، ويسير إلى الخوارج، فيتولى محاربتهم. فكتب. # فلما انتهى كتابه إلى عبد الله بن الزبير كتب إلى المهلب: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الله ms206 أمير المؤمنين إلى المهلب ~~بن أبي صفرة، أما بعد، فإن الحارث بن عبد الله كتب إلي يخبرني أن الأزارقة ~~المارقة قد سعرت نارها، وتفاقم أمرها، فرأيت أن أوليك قتالهم لما رجوت من ~~قيامك، فتكفي أهل مصرك شرهم، وتؤمن روعتهم، فخلف بخراسان من يقوم مقامك من ~~أهل بيتك، وسر حتى توافي البصرة، فتستعد منها بأفضل عدتك، وتخرج إليهم، ~~فإني أرجو أن ينصرك الله عليهم، والسلام). # فلما وصل كتابه إلى المهلب خلف على خراسان. PageV00P271 # وأقبل حتى وافى البصرة، فصعد على المنبر، وكان نزر الكلام وجيزة، فقال: # (أيها الناس، إنه قد غشيكم عدو جاحد، يسفك دماءكم، وينتهب أموالكم، فإن ~~أعطيتموني خصالا أسألكموها قمت لكم بحربهم، واستعنت بالله عليهم، وإلا كنت ~~كواحد منكم لمن تجتمعون عليه في أمركم). # قالوا: وما الذي تريد؟ # قال: انتخب منكم أوساطكم، لا الغني المثقل، ولا السبروت (1) المخف، وعلى ~~أن لي ما غلبت عليه من الأرض، وألا أخالف فيما أدبر من رأيي في حربهم، ~~وأترك ورأيي الذي أراه، وتدبيري الذي أدبره. # فناداه الناس: لك ذلك، وقد رضينا به. # فنزل من المنبر، وأتى منزله، وأمر بديوان الجند، فأحضر، فانتخب من أبطال ~~أهل البصرة عشرين ألف رجل، فيهم من الأزد ثمانية آلاف رجل، وبقيتهم من سائر ~~العرب، وولى ابنه المغيرة مقدمته في ثلاثة آلاف رجل. # وسار حتى أتى الخوارج، وهم (بنهر تستر) (2)، فواقعهم، فهزمهم، حتى بلغوا ~~الأهواز، فقال زياد الأعجم في ذلك: # جزى الله خيرا، والجزاء بكفه * أخا الأزد عنا ما أذب وأحربا ولما رأينا ~~الأمر قد جد جده * وإلا توارى دوننا الشمس كوكبا دعونا أبا غسان، فاستك ~~سمعه * وأحنف طأطأ رأسه، وتهيبا وكان ابن منجوف لكل عظيمة * فقصر عنها حبله ~~وتذبذبا فلما رأينا القوم قد كل حدهم * لدى حربهم فيها دعونا المهلبا # PageV00P272 # وأقام المهلب بالجسر بعد أن هزم الخوارج أربعين يوما، ثم ارتحل سائرا في ~~آثارهم. # فبلغ ذلك نافع بن الأزرق، فأقام بالأهواز حتى وافاه المهلب، فواقعهم ~~بمكان يسمى (بسلى) (1)، فقاتلهم يوما إلى الليل، وأصابته ضربة في وجهه، ~~أغمي عليه منها، ms207 فقال الناس (قتل الأمير)، فازدادوا لذلك حنقا وجدا، وقتلوا ~~من الخوارج بشرا كثيرا، وقتل رئيسهم نافع بن الأزرق، وانهزمت الخوارج نحو ~~فارس. # وبلغ أهل البصرة أن المهلب قتل، فرج المصر بأهله، وهم أميرهم الحارث ابن ~~أبي ربيعة أن يهرب، فكتب إليه رجل من بني يشكر: # أيا حار، يا ابن السادة الصيد، هب لنا * مقامك، لا ترحل ولم يأتك الخبر ~~فإن كان أودي بالمهلب يومه * فقد كسفت في أرضنا الشمس والقمر وما لك من بعد ~~المهلب عرجه * وما لك بالمصرين سمع ولا بصر فدونك، فالحق بالحجاز، ولا تقم ~~* ببلدتنا، إن المقام بها خطر وإن كان حيا كنت بالمصر آمنا * وكان بقاء ~~المرء فينا هو الظفر وقال رجل من بني سعد: # ألا كل ما يأتي من الأمر هين * علينا يسير عند فقد المهلب فإن يك قد أودي ~~فما نحن بعده * بأمنع من شاء عجاف لأذؤب (2) نعوذ بمن أرسى ثبيرا مكانه * ~~ومرسي حراء والقديد وكبكب (3) من الخبر الملقى على الحور خدرها * ويشجي به ~~ما بين بصرى ويثرب # PageV00P273 # فأقبل البشير إلى أهل البصرة بسلامة المهلب، فاستبشروا بذلك، واطمأنوا، ~~وأقام أميرها بعد أن هم بالهرب. # فقال رجل من بني ضبة: # إن ربا أنجى المهلب ذا الطول * لأهل أن تحمدوه كثيرا لا يزال المهلب بن ~~أبي صفرة * ما عاش بالعراق أميرا فإذا مات فالرجال نساء * ما يساوي من بعده ~~قطميرا (1) قد أمنا بك العدو على المصر * ووقرت منبرا وسريرا وقال رجل من ~~الخوارج في قتل نافع بن الأزرق: # شمت المهلب، والحوادث جمة * والشامتون بنافع بن الأزرق إن مات غير مداهن ~~في دينه * ومتى يمر بذكر نار يصعق والموت أمر لا محالة واقع * من لا يصبحه ~~نهارا يطرق فلئن منينا بالمهلب إنه * لأخو الحروب وليث أهل المشرق ولعله ~~يشجي بنا ولعلنا * نشجى به في كل ما قد نلتقي بالسمر نختطف النفوس ذوابلا * ~~وبكل أبيض صارم ذي رونق فيذيقنا في حربنا، ونذيقه * كل مقالته لصاحبه ذق ~~وبلغ عبد الله بن الزبير ما كان من عزم عامله بالبصرة على ms208 الهرب، فعزله، ~~وولى أخاه مصعبا، فسار مصعب حتى قدمها، وتولى أمر جميع العراقين، وفارس ~~والأهواز. # * * * # PageV00P274 # ولما قتل نافع بن الأزرق اجتمعت الخوارج، فولوا على أنفسهم عبد الله ابن ~~ماحور، وكان من نساكهم. # وبلغ ذلك المهلب، فسار من الأهواز في طلبهم حتى وافاهم بمدينة (سابور) من ~~أرض فارس، فالتقوا، فاقتتلوا، وانهزمت الخوارج في آخر النهار حتى انتهوا ~~إلى مكان يدعى (كركان) (2). # اتبعهم المهلب، فوافاهم، فالتقوا به في يوم شديد المطر، فقاتلهم، فهزمهم ~~، فأخذوا نحو كرمان (3). # فلم يزل المهلب يسير في طلبهم من بلد إلى بلد، ويواقعهم وقعة بعد وقعة ~~طول ما ملك عبد الله بن الزبير إلى مقتله، وخلوص الأمر لعبد الملك بن ~~مروان. # فلما استدف الأمر لعبد الملك، وولي الحجاج العراقين استبطأ المهلب في ~~استئصال الخوارج، وظن أنه يهوى مطاولتهم، فبعث إليه عبد الأعلى بن عبد الله ~~العامري، وعبد الرحمن بن سبرة، وقال لهما احملاه على مناجرة القوم وترك ~~مطاولتهم). # فقدما عليه، فأخبراه بما بعثا له، فقال لهما: # (أقيما حتى تعاينا ما نحن فيه، فإن الحجاج أتاه السماع فقبله، وأتاه ~~العيان فرده، وقد حملني على خلاف الرأي، وزعم أنه الشاهد وأنا الغائب) ثم ~~سار نحو الخوارج فلحقهم بأداني أرض كرمان، فواقعهم، وأمامه ابنه المفضل، ~~فقتل رئيس الخوارج عبد الله بن ماحور، وانهزموا حتى توسطوا أرض كرمان، ~~وولوا على أنفسهم رجلا من نساكهم، يسمى (قطري بن الفجاءة). # ثم إن المهلب انصرف إلى بلد سابور، فوافاهم يوم النحر، فخرج بالناس إلى ~~المصلى. # PageV00P275 # فبينا هو يخطب الناس على المنبر، وقد صلى بهم إذ أقبلت الخوارج، فقال: # سبحان الله، أ في مثل هذا اليوم يأتوننا؟ ما أبغض إلى المحاربة فيه، ولكن ~~الله تعالى يقول: الشهر الحرام بالشهر الحرام، والحرمات قصاص، فمن اعتدى ~~عليكم فاعتدوا عليه) (1). # ثم نزل عن المنبر، ونادى في أصحابه، فركبوا واستلاموا، واستقبلوا ~~الخوارج، فحملت عليهم الخوارج، وإمامهم عظيم منهم يسمى (عمرو القنا) وكان ~~من فرسانهم، وهو يرتجز: # نحن صبحناكم غداة النحر * بالخيل أمثال الوشيج تسرى (2) يقدمها عمرو ~~القنا في الفجر * إلى ms209 أناس لهجوا بالكفر اليوم أقضي في العدو نذري ثم ~~اقتتلوا، وصبر بعضهم لبعض وكثرت بينهم القتلى، فلم يزل كل فريق منهما على ~~مكانه حتى حال بينهم الليل، وانحازت الخوارج إلى كازرون (3). # وسار إليهم المهلب فواقعهم بكازرون، فأسرع المهلب في الخوارج، (فتفرقوا) ~~(4) في تلك الوقعة، وصاروا سيارة، وخرجوا إلى تخوم إصطخر، واتبعهم المهلب. # فتواقف الفريقان، وحمل بعضهم على بعض، وأمام الخوارج رجل يرتجز: # حتى متى يتبعنا المهلب * ليس لنا في الأرض منه مهرب لا السماء، أين أين ~~المذهب؟ # PageV00P276 # فلما سمع قطري ذلك بكى، ووطن نفسه على الموت، وباشر الحرب بنفسه، وهو ~~يرتجز: # حتى متى تخطئني الشهادة * والموت في أعناقنا قلادة ليس الفرار في الوغى ~~بعادة * يا رب زدني في التقى عبادة وفي الحياة بعدها زهادة فاقتتلوا يومهم ~~حتى حال بينهم الليل. # ومضى قطري في أصحابه نحو (جيرفت) (1)، وهم بالهرب إلى كرمان، فقال رجل من ~~أصحابه: # أيا قطري الخير إن كنت هاربا * ستلبسنا عارا وأنت مهاجر إذا قيل قد جاء ~~المهلب أسلمت * له شفتاك الفم، والقلب طائر فحتى متى هذا الفرار مخافة * ~~وأنت ولي، والمهلب كافر ولما رأت الخوارج نكول قطري عن الحرب، وما هم به من ~~الفرار خلعوه عنهم، وولوا عبد ربه وكان من نساكهم، فسار بهم إلى قومس (2)، ~~فأقام بها. ### || (المهلب والحجاج) # وإن الحجاج كتب إلى المهلب: # (أما بعد، فقد طاولت القوم وطاولوك، حتى ضروا بك ومرنوا على حربك، ولعمري ~~لو لم تطاولهم لا نحسم الداء وانفصم القرن، وما أنت والقوم سواء، إن # PageV00P277 # خلفك رجالا وأموالا، والقوم لا رجال عندهم ولا أموال، ولن يدركك الوجيف ~~(1) بالدبيب، ولا الجد بالتعذير، وقد بعثت إليك عبيد الله بن موهب، ليأخذك ~~بمناجزة القوم وترك مطاولتهم، والسلام). # فلما قدم عبيد الله بن موهب على المهلب بكتاب الحجاج كتب إليه في جوابه: # (أما بعد، فإنه أتاني من قبلك رجلان، لم أعطهما على الصدق ثمنا، ولم أحتج ~~مع العيان إلى التقدير، ولم يكذبا فيما أنبأك به من أمري وأمر عدوي، والحرب ~~لا يدركها إلا المكيث، ولا بد ms210 لها من فرجة يستريح فيها الغالب، ويحتال فيها ~~المغالب، ويحتال فيها المغلوب، فأما أن أنساهم وينسوني فهيهات من ذلك، ~~والقوم سدى، فإن طمعوا أقاموا، وإن يئسوا هربوا، فعلي في مقامهم القتال ~~والحرب، وفي هربهم الجد والطلب، وأنا إذا طاولتهم شاركتهم في رأيهم، وإذا ~~عاجلتهم شركوني في رأيي، فإن خليتني ورأيي فذاك داء محسوم وقرن مفصوم، وإن ~~عجلتني لم أطعك ولم أعصك، وكان وجهي إليك بإذن منك، وأنا أعوذ بالله من سخط ~~الأمراء ومقت الأئمة، والسلام. # فلما قرأ الحجاج كتابه كتب إلى المهلب: أني قد رددت الرأي إليك، فدبر ما ~~ترى، واعمل ما تريد). # فلما أتاه كتاب الحجاج بذلك نشط لطلب الخوارج. # وسار في طلبهم إلى أرض قومس فهربوا منه، فأتوا (جيرفت) وتحصنوا في مدينة ~~هناك، فخرج خلفهم، وحاصرهم في تلك المدينة حتى أكلوا خيلهم. # وأمر المهلب ابنه يزيد أن يقيم عليهم أياما، ثم يخلي لهم عن الباب، فإذا ~~خرجوا وأصحروا اتبعهم. # وتنحى المهلب فعسك على خمسة فراسخ، وأقام عليهم يزيد أياما، ثم خلى لهم ~~عن الباب، فخرجوا، واتبعهم المهلب. # PageV00P278 # فسار في طلبهم يومين حتى لحقهم، فوقفوا له، فاقتتلوا يوما كله، ثم غدوا ~~في اليوم الثاني على الحرب، فناداهم عبد ربه: (يا معشر المهاجرين، روحوا ~~بنا إلى الجنة، فإن القوم رائحون إلى النار). # فاطعنوا بالرماح حتى تكسرت، واضطربوا بالسيوف حتى تقطعت، ثم صاروا إلى ~~المعانقة، فترجل المهلب في حماته، وحمل عليهم، وهو يتلو قول الله عز وجل: ~~(وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله) (1). # فلم يزالوا يقتتلون حتى حال بينهم الليل، ثم غدوا على الحرب، وقد كسرت ~~الخوارج جفون سيوفهم، وحلقوا رؤوسهم، فاقتتلوا، فقتل عبد ربه، وجميع ~~إبطاله، ولم يبق إلا ضعفاؤهم، فدخلوا في عسكر المهلب، وانضم كل رجل إلى ~~عشيرته من أصحاب المهلب. # فنزل المهلب عن فرسه، وقال (الحمد لله الذي ردنا إلى الأمن، وكفانا مئونة ~~الحرب، وكفى أمر هذا العدو). # ووجه بشر بن مالك الحرسي إلى الحجاج يبشره بالفتح، وكتب معه كتاب الظفر. # فلما وصل الكتاب إلى الحجاج ms211 وجه به إلى عبد الملك، وقام بشر بن مالك، ~~فأنشأ يقول: # قد حسمنا داء الأزارقة الدهر *، فأضحوا طرا، كال ثمود بطعان الكماة في ~~ثغر القوم * وضرب يشيب رأس الوليد كلما شئت راعني قطري * فوق عبل الشوى أقب ~~عنود (2) معلما يضرب الكتيبة بالسيف *، وعمرو كالنار ذات الوقود # PageV00P279 # وكتب الحجاج إلى المهلب يأمره بالقدوم عليه. # فسار حتى قدم على الحجاج، فاستقبله الحجاج، وأظهر بره وإكرامه، وأمر له ~~بالجوائز والصلات، وأمر لولده - وكانوا سبعة - المغيرة، وحبيب، ويزيد، ~~والمفضل، ومدرك، ومحمد، وعبد الملك، وعبد الله، وأكرم أصحاب المهلب. ### || (قتل قطري بن الفجاءة) # ولحق قطري بالري، فوجه الحجاج سفيان بن الأبرد حتى ~~أتى الري، وعليها إسحاق بن محمد بن الأشعث، فركب معه في مائة فارس من جنده، ~~وسارا حتى لحقاه، وهو في مائة فارس بتخوم طبرستان، فنزل عن دابته، ونام ~~متوسدا يده، ثم استيقظ، وقال لعلج (1) من أهلها: ايتني بشربة من ماء. فأتاه ~~بالماء، ولحقه القوم، فقتلوه قبل أن يشرب ذلك الماء، واحتز رأسه، وأخذه ~~سفيان بن الأبرد، وانصرف إلى الحجاج، فرمى بالرأس بين يديه، فوجه الحجاج ~~بالرأس إلى عبد الملك). ### || (ولاية خراسان) # وأقام المهلب بعد انصرافه بالبصرة في منزله حتى وافاه ~~عهده من عند عبد الملك على خراسان، فسار إليها فمكث عليها خمس سنين، ثم ~~مات. # فجعل عبد الملك أمر خراسان إلى الحجاج، فأقر الحجاج عليها يزيد ابن ~~المهلب. # وكان يزيد أجمل ولد المهلب جمالا وأكملهم عقلا، وأفضلهم رأيا، وأذربهم ~~لسانا، وكان المهلب استخلفه عليها عند وفاته، فمكث عليها أعواما، ثم عزله ~~الحجاج، واستعمل عليها قتيبة بن مسلم، فافتتح كل ما وراء النهر، ولم يزل ~~هناك إلى أن هاج به أصحابه، فقتلوه. # * * * PageV00P280 # وأفضى الملك بعد ذلك إلى الوليد بن عبد الملك، ثم إلى سليمان بن عبد ~~الملك، فولى سليمان على العراق خالد بن عبد الله القسري، فولى خالد أخاه ~~أسد بن عبد الله خراسان، فلم يزل بها حتى ظهر فيها دعاة الإمام محمد بن علي ~~بن عبد الله بن عباس. ### || (العراق بعد موت يزيد) ms212 # قالوا، ومات يزيد بن معاوية، وعبيد الله بن زياد ~~بالبصرة، فكتب إليه الحارث بن عباد بن زياد بهذه الأبيات: # ألا يا عبيد الله قد مات من به * ملكت رقاب العالمين يزيد أتثبت للقوم ~~الذين وترتهم؟ * وذاك من الرأي الزنيق بعيد (1) ومالك غير الأزد جار فإنهم ~~* أجاروا أباك، والبلاد تميد فتعجب عبيد الله من رأي ابن أخيه، وكان ذا ~~رأي. # ثم إن عبيد الله دعا بمولى له يسمى مهران، وكان يعدل في الدهاء والأدب ~~والعقل بوردان غلام عمرو بن العاص، وهو الذي ينسب إليه البراذين المهرانية، ~~فقال يا مهران: # - إن أمير المؤمنين يزيد قد هلك، فما الرأي عندك؟ # - فقال مهران: أيها الأمير، إن الناس إن ملكوا أنفسهم لم يولوا عليهم ~~أحدا من ولد زياد، وإنما ملكتم الناس بمعاوية، ثم بيزيد، وقد هلكا، وإنك قد ~~وترت الناس، ولست آمن أن يثبوا بك، والرأي لك أن تستجير هذا الحي من الأزد، ~~فإنهم إن أجاروك منعوك، حتى يبلغوا بك مأمنك، والرأي أن تبعث إلى الحارث بن ~~قيس، فإنه سيد القوم، وهو لك محب، ولك عنده يد، فتخبره بموت يزيد، وتسأله ~~أن يجيرك. # PageV00P281 # فقال عبيد الله: أصبت الرأي يا مهران. # ثم بعث من ساعته إلى الحارث بن قيس، فأتاه فأخبره بموت يزيد، واستشاره، ~~فقال: # المستشار مؤتمن، فإن أردت المقام منعناك معاشر الأزد، وإن أردت الاستخفاء ~~اشتملنا عليك حتى يسكن عنك الطلب، ويخفى على الناس موضعك، ثم نوجه معك من ~~يبلغك مأمنك. # فقال عبيد الله: هذا أريد. # فقال له الحارث: فأنا أقيم عندك، إلى أن تمسي ويختلط الظلام، ثم أنطلق بك ~~إلى الحي. # فأقام الحارث عند عبيد الله. # فلما أمسى واختلط الظلام أمر عبيد الله أن توقد السرج في منزله ليلته ~~كلها، ليظن من يطلبه أنه في منزله، ثم قام فلبس ثيابه، واعتم بعمامته ~~وتلثم. # فقال له الحارث: (التلثم بالنهار ذل، وبالليل ريبة، فاحسر عن وجهك، وسر ~~خلفي، فإن المقدم وقاية للمؤخر)، فسار. # فقال للحارث: تخلل بنا فداك - أبي وأمي - الطرق، ولا تأخذ بنا طريقا ~~واحدا، ms213 فإني لا آمن أن يطلب أثري. # فقال الحارث: لا بأس عليك، إن شاء الله، فاطمأن. # ثم سارا هويا. # فقال للحارث: أين نحن؟. # قال: في بني مسلم. # قال: سلمنا إن شاء الله. # ثم سارا جميعا ساعة، فقال: أين نحن؟. # قال الحارث في بني ناجية. # قال: نجونا إن شاء الله. # ثم سارا حتى انتهيا إلى الأزد، وأقحم الحارث بعبيد الله دار مسعود بن ~~عمرو، PageV00P282 # وكان رئيس الأزد كلها بعد المهلب بن أبي صفرة، وكان المهلب في هذا الوقت ~~بخراسان بعد. # فقال الحارث لمسعود: يا ابن عم، هذا عبيد الله بن زياد، قد أجرته عليك ~~وعلى قومك. # قال مسعود: أهلكت قومك يا بن قيس، وعرضتنا لحرب جميع أهل البصرة، وقد كنا ~~أجرنا أباه من قبله فما كانت عنده مكافأة. # وكان سبب إجارتهم زيادا، أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، في خلافته ولى ~~زيادا البصرة عند خروجه إلى صفين، وإنما كان يعرف بزياد بن عبيد، فوجه ~~معاوية إلى البصرة عامر بن الحضرمي في جمع، فغلب على البصرة، وهرب منه ~~زياد، فلجأ إلى الأزد، فأجاروه، ومنعوه حتى ثاب الناس إلى زياد، واجتمعوا، ~~فطرد عامر بن الحضرمي عن البصرة، وأقام على عمله فيها. # * * * ثم إن مسعود بن عمرو أدخل عبيد الله دار نسائه، وأفرده في بيت من ~~بيوته، ووكل به امرأتين من خدمه، وجمع إليه قومه، فأعلمهم ذلك. # ولما أصبح الناس، واستحق عندهم الخبر أتوا داره، فاقتحموها ليقتلوه، فلم ~~يصادفوا فيها أحدا، فانطلقوا إلى الحبس، فكسروه، وأخرجوا من كان فيه، وبقي ~~أهل البصرة تسعة أيام بغير وال. # فاتفقوا على عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن ~~هاشم، فولوه أمرهم لصلاحه، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتولى ~~الأمر، وقام بالتدبير. # ولما أتى على عبيد الله أيام، وأمن الطلب، قال لمسعود بن عمرو، والحارث ~~بن قيس: إن الناس قد سكنوا، ويئسوا مني، فاعملا في إخراجي من البصرة لألحق ~~بالشام. PageV00P283 # فاكتريا له رجلا من بني يشكر أمينا هاديا بالطريق، ms214 وحملاه على ناقة مهرية ~~(1)، وقالا لليشكري: عليك به لا تفارقه حتى توصله إلى مأمنه بالشام. # فخرج، وخرجا معه مشيعين له في نفر من قومهما ثلاثة أيام، ثم ودعاه ~~وانصرفا. # قال اليشكري: فبينا نحن نسير ذات ليلة إذا استقبلنا عير وحاد يحدو فيها، ~~ويقول: # يا رب، رب الأرض والعباد العن زيادا، وبني زياد كم قتلوا من مسلم عباد جم ~~الصلاة خاشع الفؤاد يكابد الليل من السهاد فلما سمع عبيد الله ذلك فزع، ~~وقال: عرف مكاني. # فقلت: لا تخف، فليس كل من ذكرك يعلم موضعك. # ثم سرنا فأطرق طويلا، وهو على ناقته، فظننت أنه نائم، فناديته: يا نومان. # فقال: ما أنا بنائم، ولكني مفكر في أمر. # قلت: إني لأعلم الذي كنت مفكرا فيه. # فقال: هاته إذن. # قلت: ندمت على قتلك الحسين بن علي، وفكرت في بنائك القصر الأبيض بالبصرة، ~~وما أنفقت عليه من الأموال، ثم لم يقض لك التمتع به، وندمت على ما كان من ~~قتلك الخوارج من أهل البصرة بالظنة والتوهم. # قال عبيد: ما أصبت يا أخا بني يشكر شيئا مما كنت مفكرا فيه، أما قتلي ~~الحسين فإنه خرج على إمام وأمه مجتمعة، وكتب إلى الإمام يأمرني بقتله، فإن ~~كان ذلك خطأ كان لازما ليزيد، وأما بنائي القصر الأبيض، فما فكرتي ~~PageV00P284 # في قصر بنيته للإمام بأمره وماله، وأما قتلي من قتلت من الخوارج فقد ~~قتلهم قبلي من هو خير مني، علي بن أبي طالب رضي الله عنه. غير أني فكرت في ~~بني أبي، وأولادهم، فندمت على تركي إخراجهم من البصرة قبل وقوع ما وقع، ~~وفكرت في بيوت الأموال بالكوفة والبصرة ألا أكون فرقتها وبددتها في الناس ~~عندما ورد على من وفاه الخليفة، فكنت أكتسب بذلك حمدا في الناس وذكرا. # قلت: فما تريد أن تصنع الآن؟ # قال: إن وافيت دمشق، وقد اجتمع الناس على إمام دخلت فيما دخلوا فيه، وإن ~~لم يكونوا اجتمعوا على أحد كانوا غنما، قلبتها كيف شئت. ### | (خلافة مروان بن الحكم) # قال: فسرنا حتى دخلنا دمشق، والناس مختلفون، لم ms215 ~~يملكوا عليهم أحدا، وقد كان مروان بن الحكم هم باللحاق بعبد الله بن الزبير ~~ليبايعه، ويكون معه. # فدخل عبيد الله، وعنفه في ذلك، وقال: # - أنت سيد قومك، وأحق الناس بهذا الأمر، فمد يدك أبايعك. # فقال مروان: وما تبلغ بيعتك وحدك؟ اخرج إلى الناس وناظرهم في ذلك. # فخرج من عنده، ولقي جماعة بني أمية، فعنفهم في ذلك، وفي تخاذلهم، وحملهم ~~على بيعة مروان، فاجتمعوا، وبايعوه. # وتزوج مروان أم خالد بنت هاشم بن عتبة، التي كانت امرأة يزيد بن معاوية، ~~فلما تم لملك مروان بن الحكم تسعة أشهر قتلته امرأته أم خالد. # وذلك أن مروان نظر يوما إلى ابنها خالد بن يزيد بن معاوية، وهو غلام من ~~أبناء سبع سنين، يمشي مشية أنكرها، فقال له: ما هذه المشية يا بن الرطبة؟. # فشكا الغلام ذلك إلى أمه، فقالت له: إنه لا يقول بعد هذا. # فسقته السم، فلما أحس بالموت جمع بني أمية وأشراف أهل الشام، فبايع لابنه ~~عبد الملك. PageV00P285 ### | (خلافة عبد الملك بن مروان) # وامتنع عمرو بن سعيد من البيعة، ومات مروان، ~~وله ثلاث وستون سنة، ثم ملك عبد الملك بن مروان سنة ست وستين، فخرج عمرو بن ~~سعيد بن العاص عليه، فصار أهل الشام فرقتين: فرقة مع عبد الملك، وفرقة مع ~~عمرو بن سعيد. # فدخلت بنو أمية وأشراف أهل الشام بينهما حتى اصطلحا، على أن يكونا ~~مشتركين في الملك، وأن يكون مع كل عامل لعبد الملك شريك لعمرو بن سعيد، ~~وعلى أن اسم الخلافة لعبد الملك، فإن مات عبد الملك فالخليفة من بعده عمرو ~~بن سعيد، وكتبا فيما بينهما كتابا، وأشهدا عليه أشراف أهل الشام. # وكان روح بن زنباع من أخص الناس بعبد الملك بن مروان، فقال له، وقد خلا ~~به يوما: يا أمير المؤمنين، هل من رأيك الوفاء لعمرو؟ # قال: ويحك يا ابن زنباع، وهل اجتمع فحلان في هجمة قط إلا قتل أحدهما ~~صاحبه؟ # وكان عمرو بن سعيد رجلا معجبا بنفسه، متهاونا في أمره، مغترا بأعدائه. ### || (قتل عمرو بن سعيد بن ms216 العاص) # ثم إن عمرا دخل على عبد الملك يوما، وقد ~~استعد عبد الملك للغدر به، فأمر به، فأخذ، فأضجع، وذبح ذبحا، ولف في بساط. # وأحس أصحاب عمرو بذلك، وهم بالباب، فتنادوا، فأخذ عبد الملك خمسمائة صرة، ~~قد هيئت، وجعل في كل صرة ألفا درهم، فأمر بها، فأصعدت إلى أعلى القصر، ~~فألقيت إلى أصحاب عمرو بن سعيد مع رأس عمرو، فترك أصحابه الرأس ملقى، ~~وأخذوا المال، وتفرقوا. # فلما أصبح عبد الملك أخذ من أصحاب عمرو ومواليه خمسين رجلا، فضرب ~~أعناقهم، وهرب الباقون، فلحقوا بعبد الله بن الزبير. PageV00P286 # وفي ذلك يقول قائلهم: # غدرتم بعمرو يال مروان ضلة * ومثلكم يبني البيوت على الغدر فرحنا، وراح ~~الشامتون بقتله * كان على أكتافنا فلق الصخر وما كان عمرو عاجزا، غير أنه * ~~أتته المنايا بغتة، وهو لا يدري كان بني مروان إذ يقتلونه * بغاث من الطير ~~اجتمعن على صقر (1) قالوا: ولما خرج عبيد الله من البصرة شاع بها أن عبيد ~~الله كان عند الأزد، فأقبل رجل من الخوارج ليلا، فجلس لمسعود بن عمرو، فلما ~~خرج لصلاة الفجر، وثب عليه بسكين فقتله. # فاجتمعت الأزد، وقالوا: والله ما قتله إلا بنو تميم، ولنقتلن سيدهم ~~الأحنف بن قيس. # فقال الأحنف لقومه: إن الأزد قد اتهموكم في قتل صاحبهم، وقد استغنوا ~~بالظن عن اليقين، ولا بد من غرم عقله (2). # فجمعوا ألف ناقة، ووجهوا بها إلى الأزد - وكانت دية الملوك - فرضيت ~~الأزد، وكفوا. # وقوى أمر عبد الله بن الزبير، وأعطاه أهل الكوفة الطاعة. # فولى الكوفة عبد الله بن مطيع العدوي. # ووجه أخاه مصعب بن الزبير إلى البصرة، وأمر عبد الله بن مطيع بمكاتبته. # ووجه عماله إلى اليمن، والبحرين، وعمان، وسائر الحجاز. # ودانت لابن الزبير البلدان إلا الشام ومصر. فإن مروان بن الحكم كان ~~حماهما. # وانحلبت على ابن الزبير الأموال، فهدم الكعبة وجدد بناءها، وذلك في # PageV00P287 # سنة خمس وستين، ولف الحجر الأسود في حرير وجعله في تابوت وختم عليه، ~~واستودعه الحجبة مع جميع ما كان معلقا في الكعبة من ذهب وجوهر، ولما بناها ms217 ~~أدخل الحجر في البيت. # فلما قتل ابن الزبير نقضها الحجاج، وأعاد بناءها على ما كان، فهي على ذلك ~~إلى اليوم. ### || (الدعوة إلى العلويين) # قالوا: وإن المختار (1) بن أبي عبيد الثقفي جعل ~~يختلف بالكوفة إلى شيعة بني هاشم، ويختلفون إليه، فيدعوهم إلى الخروج معه ~~والطلب بدم الحسين، فاستجاب له بشر كثير، وكان أكثر من استجاب له همدان، ~~وقوم كثير من أبناء العجم الذين كانوا بالكوفة، ففرض لهم معاوية - وكانوا ~~يسمون الحمراء - وكان منهم بالكوفة زهاء عشرين ألف رجل. # وكان على الكوفة يومئذ من قبل عبد الله بن الزبير عبد الله بن مطيع، ~~فأرسل ابن مطيع إلى المختار: ما هذه الجماعات التي تغدو وتروح إليك؟ # فقال المختار: مريض، يعاد. # فلم يزل كذلك حتى قال له نصحاؤه: عليك بإبراهيم بن الأشتر، فاستمله إليك، ~~فإنه متى شايعك على أمر ظفرت به، وقضيت حاجتك. # فأرسل المختار إلى جماعة من أصحابه، فدخلوا عليه، وبيده صحيفة مختومة ~~بالرصاص. # فقال الشعبي: وكنت فيمن دخل عليه، فرأيت الرصاص أبيض يلوح، فظننت أنه ~~إنما ختم من الليل، فقال لنا: انطلقوا بنا حتى نأتي إبراهيم ابن الأشتر. # PageV00P288 # قال: فمضينا معه، وكنت أنا ويزيد بن أنس الأسدي، وأحمر بن سليط، وعبد ~~الله بن كامل، وأبو عمرة كيسان، مولى بجيلة، الذي يقول الناس: قد جاوره أبو ~~عمرة، وكان من بعد ذلك على شرط المختار. # قال الشعبي: فأتينا إبراهيم بن الأشتر، وهو جالس في صحن داره، فسلمنا ~~عليه، فتناول يد المختار، وأجلسه معه على مقعدة كان عليها. # وتكلم المختار وكان مفوها، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي صلى ~~الله عليه وسلم، ثم قال: # إن الله قد أكرمك، وأكرم أباك من قبلك بموالاة بني هاشم ونصرتهم، ومعرفة ~~فضلهم، وما أوجب الله من حقهم، وقد كتب إليك محمد بن علي بن أبي طالب - ~~يعني ابن الحنفية - هذا الكتاب بحضرة هؤلاء النفر الذين معي. # فقال القوم جميعا: نشهد أن هذا كتابه، رأيناه حين كتبه. # ثم ناوله، ففتحه وقرأه، فإذا فيه: # بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد ms218 بن علي إلى إبراهيم الأشتر، أما بعد فإن ~~المختار بن أبي عبيد على الطلب بدم الحسين، فساعده في ذلك، وآزره يثبك الله ~~ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة. # فلما قرأ إبراهيم بن الأشتر الكتاب قال للمختار: # سمعا وطاعة لمحمد بن علي، فقل ما بدا لك، وادع إلى ما شئت. # فقال المختار: أ تأتينا، أو نأتيك في أمرنا؟ # فقال إبراهيم: بل أنا آتيك كل يوم إلى منزلك. # قال الشعبي: فكان إبراهيم بن الأشتر يركب إلى المختار في كل يوم في نفر ~~من مواليه وخدمه. # قال الشعبي: ودخلتني وحشة من شهادة النفر الذين كانوا معي، على أنهم رأوا ~~PageV00P289 # محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب إلى إبراهيم بن الأشتر، فأتيتهم في ~~منزلهم رجلا رجلا، فقلت: # هل رأيت محمد بن الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟ # فكل يقول: نعم، وما أنكرت من ذلك؟ # فقلت في نفسي: إن لم استعملها من العجمي، يعني أبا عمرة، لم أطمع فيها من ~~غيره. # فأتيته في منزله، فقلت: # ما أخوفني من عاقبة أمرنا هذا أن ينصب الناس جميعا لنا، فهل شهدت محمد بن ~~الحنفية حين كتب ذلك الكتاب؟ # فقال: والله ما شهدته حين كتبه، غير أن أبا إسحاق - يعني المختار - عندنا ~~ثقة، وقد أتانا بعلامات من ابن الحنفية، فصدقناه. # قال الشعبي: فعرفت عند ذلك كذب المختار، وتمويهه، فخرجت من الكوفة حتى ~~لحقت بالحجاز، فلم أشهد من تلك المشاهد شيئا. # * * * قالوا: وكان على شرطة عبد الله بن مطيع بالكوفة إياس بن نضار ~~العجلي، وكان طريق إبراهيم بن الأشتر إذا ركب إلى المختار على باب داره، ~~فأرسل إلى إبراهيم: # أنه قد كثر اختلافك في هذا الطريق، فأقصر عن ذلك. # فأخبر إبراهيم المختار بما أرسل إليه إياس، فقال له المختار: (تجنب ذلك ~~الطريق، وخذ في غيره). ففعل. # وبلغ أياسا أن إبراهيم بن الأشتر لا يقلع عن إتيان المختار كل يوم، فأرسل ~~إليه: أن أمرك يريبني، فلا أرينك راكبا، ولا تبرحن منزلك، فأضرب عنقك. # فأخبر إبراهيم المختار بذلك. واستأذنه في قتله، فأذن له. # وإن ms219 إبراهيم ركب في جماعة من أهل بيته وما يليه، وجعل طريقه على مجلس ~~إياس، فقال له إياس: PageV00P290 # يا ابن الأشتر، أ لم آمرك ألا تبرح من منزلك؟ # فقال له إبراهيم: أنت والله - ما علمت - أحمق. # فقال للجلاوزة: نكسوه. # فانتضى إبراهيم سيفه، وشد على إياس، فضربه حتى قتله. ثم حمل على ~~الجلاوزة، فانحرفوا عنه، ومضى إبراهيم. # وبلغ عبد الله بن مطيع الخبر، فأمر بطلب إبراهيم، ووجه إلى منزله. # وبلغ ذلك المختار، فوجه إلى إبراهيم بمائة فارس، فلما وافوه حمل على ~~أصحاب ابن مطيع، فانهزموا عنه، فأقبل إبراهيم نحو دار الإمارة، ووافاه ~~المختار في سبعة آلاف فارس. # فتحصن ابن مطيع في القصر، وبعث إلى الحرس والجند. # فوافاه منهم نحو ثلاثة آلاف رجل، فنادى (يا لثارات الحسين) فوافاه زهاء ~~عشرة آلاف رجل ممن بايعه على الطلب بدم الحسين. # وفي ذلك يقول عبد الله بن همام: # وفي ليلة المختار ما يذهل الفتى * ويزويه عن رود الشباب شموع دعا، يا ~~لثارات الحسين فأقبلت * كتائب من همدان بعد هزيع ومن مذحج جاء الرئيس ابن ~~مالك * يقود جموعا أردفت بجموع ومن أسد وافى يزيد لنصره * بكل فتى ماضي ~~الجنان منيع وخرج ابن مطيع من القصر، واجتمع إليه الجنود، ونهد (2) إليه ~~المختار في أصحابه، وعلى مقدمته ابن الأشتر، فالتقوا، فاقتتلوا، فقتل من ~~أصحاب ابن مطيع بشر كثير، فانهزموا. # وبادر ابن مطيع إلى القصر، فتحصن فيه في طائفة من أصحابه، وأقبلت همدان ~~حتى تسلقوا القصر بالحبال من ناحية دار عمارة بن عقبة بن أبي معيط. # PageV00P291 # فلما رأى ابن مطيع ضعفه عن القوم سأل الأمان على نفسه ومن معه من أصحابه، ~~فأجابه المختار إلى ذلك، فأمنه. # فخرج ابن مطيع، وأظهر المختار إكرامه، وأمر له من بيت المال بمائة ألف ~~ألف درهم، وحفظ فيه قرابته من عمر بن الخطاب، وقال له: (ارحل إذا شئت). # * * * ثم إن المختار غلب على الكوفة ودانت له العراق وسائر البلاد إلا ~~الجزيرة والشام ومصر، فإن عبد الملك قد كان حماها، ووجه عماله في الآفاق. # فاستعمل عبد ms220 الرحمن بن سعيد بن قيس الهمداني على الموصل، ومحمد بن عثمان ~~التميمي على آذربيجان، وعبد الله بن الحارث أخا الأشتر على الماهين وهمذان، ~~ويزيد ابن معاوية البجلي على أصبهان وقم وأعمالها، وابن مالك البكراوي على ~~حلوان (1) وماسبذان، ويزيد بن أبي نجبة الفزاري على الري ودستبي، وزحر بن ~~قيس على جوخى. وفرق سائر البلدان على خاصته. # وولى الشرطة كيسان أبا عمرة، وأمره أن يجمع ألف رجل من الفعلة بالمعاول، ~~وتتتبع دور من خرج إلى قتال الحسين بن علي، فيهدمها. # وكان أبو عمرة بذلك عارفا، فجعل يدور بالكوفة على دورهم، فيهدم الدار في ~~لحظة، فمن خرج إليه منهم قتلة، حتى هدم دورا كثيرة، وقتل أناسا كثيرا، وجعل ~~يطلب ويستقصي، فمن ظفر به قتله، وجعل ماله وعطاءه لرجل من أبناء العجم ~~الذين كانوا معه. # ثم إن المختار عقد ليزيد بن أنس الأسدي في عشرين ألف رجل، وقواهم بالسلاح ~~والعدة، وولاه الجزيرة وما غلب عليه من أرض الشام. # فسار يزيد حتى نزل نصيبين. # PageV00P292 # وبلغ ذلك عبد الملك بن مروان، فخرج بأهل الشام فوافى نصيبين، وقاتل يزيد ~~ابن أنس، فهزمه، وقتل من أصحابه مقتلة عظيمة. # وبلغ المختار ذلك، فقال لإبراهيم بن الأشتر: # أيها الرجل، إنما هو أنا وأنت، فسر إليهم، فوالله لتقتلن الفاسق عبيد ~~الله ابن زياد، أو لتقتلن الحصين بن نمير، وليهزمن الله بك ذلك الجيش، ~~أخبرني بذلك من قرأ الكتاب، وعرف الملاحم. # قال إبراهيم: # ما أحسبك أيها الأمير بأحرص على قتال أهل الشام، ولا أحسن بصيرة في ذلك ~~مني، وأنا سائر. # فانتخب له المختار عشرين ألف رجل، وكان جلهم أبناء الفرس الذين كانوا ~~بالكوفة، ويسمون الحمراء. # وسار نحو الجزيرة، ورد من كان انهزم من أصحاب يزيد بن أنس، فصار في نحو ~~من ثلاثين ألف رجل. # وبلغ ذلك عبد الملك، فعقد للحصين بن نمير في فرسان أهل الشام، وكانوا ~~نحوا من أربعين ألفا، وفيهم عبيد الله بن زياد، وفيهم من قتلة الحسين: عمير ~~بن الحباب، وفرات بن سالم، ويزيد بن الحضين، وأناس سوى هؤلاء ms221 كثير. # فقال فرات لعمير: قد عرفت سوء ولاية بني مروان، وسوء رأيهم في قومنا من ~~قيس، ولئن خلص الأمر، وصفا لعبد الملك ليستأصلن قيسا، أو ليقصينهم، ونحن ~~منهم، فانصرف بنا لننظر ما حال إبراهيم بن الأشتر. # فلما جنهما الليل ركبا فرسيهما، وبينهما وبين عسكر إبراهيم أربعة فراسخ، ~~وكانا يمران بمسالح أهل الشام، فيقولون لهما: (من) (1) أنتما؟ فيقولان: ~~طليعة للأمير الحصين بن نمير. # فأقبلا حتى أتيا عسكر إبراهيم بن الأشتر، وقد أوقد النيران، وهو قائم ~~يعبي # PageV00P293 # أصحابه، وعليه قميص أصفر هروي (1)، وملاءة موردة متوشحا بها، متقلدا ~~سيفه. # فدنا منه عمير بن الحباب، فصار خلفه، وإبراهيم لا يأبه له، فاحتضنه من ~~ورائه، فما تحلحل (2) إبراهيم عن موضعه، غير أنه أمال رأسه، وقال: # من هذا؟ # قال: أنا عمير بن الحباب. # فأقبل بوجهه إليه، وقال: # - اجلس حتى أفرغ لك. # فتنحى عنه، وقعدا ممسكين بأعنة فرسيهما. # فقال عمير لصاحبه: هل رأيت رجلا أربط جأشا، وأشد قلبا من هذا؟ تراه تحلحل ~~من مكانه، أو اكترث لي، وأنا محتضنة من خلف. # فقال له صاحبه: ما رأيت مثله. # * * * فلما فرغ إبراهيم من تعبية أصحابه أتاهما، فجلس إليهما، ثم قال ~~لعمير: # ما أعملك إلى يا أبا المغلس؟ # قال عمير: لقد اشتد غمي مذ دخلت عسكرك، وذلك أني لم أسمع فيه كلاما عربيا ~~حتى انتهيت إليك، وإنما معك هؤلاء الأعاجم، وقد جاءك صناديد (3) أهل الشام ~~وإبطالهم، وهم زهاء أربعين ألف رجل، فكيف تلقاهم بمن معك؟ # فقال إبراهيم: # والله لو لم أجد إلا النمل لقاتلتهم بها، فكيف وما قوم أشد بصيرة في قتال ~~أهل الشام من هؤلاء الناس الذين تراهم معي؟ وإنما هم أولاد الأساورة من أهل # PageV00P294 # فارس، والمرازبة، وأنا ضارب الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من ~~عند الله. # قال عمير: إن قومي قيسا. إذا التقى الجبلان غدا في ميسرة أهل الشام فلا ~~تحفل بنا، فإنا منهزمون لنكسر الجيش بذلك، فإنا لا نحب ظهور بني مروان لسوء ~~صنيعهم إلينا معاشر قيس، وأنا إليك لأميل. # قال إبراهيم: وذاك. # ثم انصرفا إلى معسكرهما. ms222 # ولما أصبح الفريقان زحف بعضهم إلى بعض، فتواقفوا بمكان يدعى خازر (1) ~~فنادى إبراهيم بن الأشتر حماة عسكره (عليكم بالميسرة)، وفيها قيس. # فقال عمير بن الحباب لصاحبه: هذا وأبيك الحزم، لم يثق بقولنا وخاف مكرنا. # وصاح عمير بن الحباب في قيس، يا لثارات مرج راهط (2)، فنكسوا أعلامهم، ~~وانهزموا، فانكسر أهل الشام. # وحمل عليهم إبراهيم بن الأشتر، فأكثر فيهم القتل، وانهزم أهل الشام، ~~فأتبعهم إبراهيم يقتلهم إلى الليل، وقتل أميرهم الحصين بن نمير - وكان من ~~قتلة الحسين - وشرحبيل بن ذي الكلاع، وعظماء أهل الشام. # فلما وضعت الحرب أوزارها قال إبراهيم بن الأشتر: إني قتلت في الوقعة رجلا ~~من أهل الشام، كان يقاتل في أوائلهم قتالا شديدا، وهو يقول: (أنا الغلام ~~القرشي). فلما سقط شممت منه ريح المسك، فاطلبوه بين القتلى. # فطلب حتى أصابوه، فإذا هو عبيد الله بن زياد، فأمر به إبراهيم، فخر رأسه، ~~فوجه به إلى المختار، فوجه به المختار إلى محمد بن الحنفية. # واحتوى إبراهيم بن الأشتر على عسكر الشام، فغنم ما كان فيه. # PageV00P295 # فأتته هند ابنة أسماء بن خارجة الفزاري، امرأة عبيد الله بن زياد، ~~فأخبرته بانتهاب ما كان معها من مالها، فقال لها: # - كم ذهب لك؟ # قالت: قيمة خمسين ألف درهم. # فأمر لها بمائة ألف درهم، ووجه معها مائة فارس حتى أتوا بها أباها ~~البصرة. # ودخل عبيد الله بن عمرو الساعدي، وكان شاعرا على إبراهيم بن الأشتر، ~~فأنشده: # الله أعطاك المهابة والتقى * وأحل بيتك في العديد الأكثر وأقر عينك يوم ~~وقعة خازر * والخيل تعثر بالقنا المتكسر من ظالمين كفتهم آثامهم * تركوا ~~لعافية وطير حسر ما كان أجرأهم، جزاهم ربهم * شر الجزاء على ارتكاب المنكر ~~إني أتيتك إذ تناءى منزلي * وذممت إخوان الغنى من معشري وعلمت أنك لا تضيع ~~مدحتي * ومتى أكن بسبيل خير أشكر فهلم نحوي، من يمينك نفحة * إن الزمان ألح ~~يا ابن الأشتر فأعطاه عشرة آلاف درهم. # * * * وإن إبراهيم بن الأشتر أقام بالموصل، ووجه عماله إلى مدن الجزيرة، ~~فاستعمل إسماعيل بن زفر على قرقيسياء (1)، وحاتم بن ms223 النعمان الباهلي على ~~حران (2) والرها (3) # PageV00P296 # وسميساط (1)، وعمير بن الحباب السلمي على (كفرتوثا) (2)، والسفاح ابن ~~كردوس على سنجار (3)، وعبد الله بن مسلم على ميافارقين (4)، ومسلم ابن ~~ربيعة العقيلي علي آمد (5)، وسار هو إلى نصيبين، فأقام بها. # وأن المختار كتب إلى عبيد الله بن الحر الجعفي، وكان بناحية الجبل يتطرف ~~ويغير: (إنما خرجت غضبا للحسين، ونحن أيضا ممن غضب له، وقد تجردنا لنطلب ~~بثأره، فأعنا على ذلك). فلم يجبه عبيد الله إلى ذلك. # فركب المختار إلى داره بالكوفة فهدمها، وأمر بامرأته أم سلمة، ابنة عمر ~~الجعفي، فحبست في السجن، وانتهب جميع ما كان في منزله، وكان الذي تولى ذلك ~~عمرو بن سعيد بن قيس الهمداني. # وبلغ ذلك عبيد الله بن الحر، فقصد إلى ضيعة لعمرو بن سعيد بالماهين، ~~فأغار عليها، واستاق مواشيها، وأحرق زرعها، وقال: # وما ترك الكذاب من جل مالنا * ولا المرء من همدان غير شريد أ في الحق أن ~~يجتاح مالي كله * وتأمن عندي ضيعة ابن سعيد؟ # ثم اختار من إبطال أصحابه مائة فارس، فيهم محشر التميمي، ودلهم بن زياد ~~المرادي، وأحمر طئ، وخلف بقية أصحابه بالماهين. # وسار نحو الكوفة حتى انتهى إلى جسرها ليلا، فأمر بقوام الجسر، فكتفوا، ~~ووكل بهم رجلا من أصحابه، ثم عبر. # PageV00P297 # ودخل الكوفة، فلقيه أبو عمرة كيسان، وهو يعس بالكوفة، فقال: من أنتم؟ # قالوا: نحن أصحاب عبد الله بن كامل، أقبلنا إلى الأمير المختار. قال: ~~امضوا في حفظ الله. # فمضوا حتى انتهوا إلى السجن، فكسروه، فخرج كل من فيه، وحمل أم سلمة على ~~فرس، ووكل بها أربعين رجلا، وقدمها، ثم مضى. # وبلغ الخبر المختار، فأرسل راشدا مولى بجيلة في ثلاثة آلاف رجل، وعطف ~~عليهم أبو عمرة من ناحية بجيلة في ألف رجل. # وخرج عليهم عبد الله بن كامل من ناحية النخع في ألف رجل، فأحاطوا بهم. # فلم يزل عبيد الله يكشفهم، ويسير والحجارة تأخذه (هو) وأصحابه من سطوح ~~الكوفة حتى عبر الجسر، وقد قتل من أصحاب المختار مائة رجل، ولم يقتل من ~~أصحابه إلا أربعة ms224 نفر. # وسار عبيد الله حتى انتهى إلى (بانقيا) (1) فنزلوا، وداووا جروحهم، ~~وعلفوا دوابهم، وسقوها، ثم ركبوا، فلم يحلوا عقدها حتى انتهوا إلى (سورا) ~~(2) فأراحوا بها، ثم ساروا حتى أتوا المدائن، ثم لحق بأصحابه بالماهين. # ولما تجرد المختار لطلب قتلة الحسين هرب منه عمر بن سعد ومحمد بن الأشعث، ~~وهما كانا المتوليين للحرب يوم الحسين، وأتي بعبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، ~~وكان ممن حضر قتال الحسين، فقال له: # - يا عدو الله، أكنت ممن قاتل الحسين؟ # قال: لا، بل كنت ممن حضر، ولم يقاتل. # قال: كذبت، اضربوا عنقه. # فقال عبد الرحمن: ما يمكنك قتلي اليوم حتى تعطي الظفر على بني أمية، # PageV00P298 # ويصفو لك الشام، وتهدم مدينة دمشق حجرا حجرا، فتأخذني عند ذلك، فتصلبني ~~على شجرة بشاطئ نهر، كأني أنظر إليها الساعة. # فالتفت المختار إلى أصحابه (وقال): أما إن هذا الرجل عالم بالملاحم. ثم ~~أمر به إلى السجن. # فلما جن عليه الليل بعث إليه من أتاه به، فقال له: # - يا أخا خزاعة، أظرفا عند الموت؟ # فقال عبد الرحمن بن أبزى: أنشدك الله أيها الأمير أن أموت هاهنا ضيعة. # قال: فما جاء بك من الشام؟ # قال: بأربعة آلاف درهم لي على رجل من أهل الكوفة، أتيته متقاضيا. # فأمر له المختار بأربعة آلاف درهم، وقال له: إن أصبحت بالكوفة قتلتك. # فخرج من ليلته حتى لحق بالشام. # * * * ومكث المختار بذلك يطلب قتلة الحسين، وتجبى إليه الأموال من ~~السواد، والجبل، وأصبهان، والري، وآذربيجان، والجزيرة ثمانية عشر شهرا، ~~وقرب أبناء العجم، وفرض لهم ولأولادهم الأعطيات، وقرب مجالسهم، وباعد العرب ~~وأقصاهم، وحرمهم. فغضبوا من ذلك. # واجتمع أشرافهم فدخلوا عليه، فعاتبوه، فقال: لا يبعد الله غيركم، أكرمتكم ~~فشمختم بآنافكم، ووليتكم فكسرتم الخراج، وهؤلاء العجم أطوع لي منكم، وأوفى، ~~وأسرع إلى ما أريد. # قالوا: فدنت العرب، بعضها إلى بعض، وقالوا: هذا كذاب، يزعم أنه يوالي بني ~~هاشم، وإنما هو طالب دنيا. # فاجتمعت القبائل على محاربته، وصاروا في ثلاثة أمكنة، وولوا أمرهم رفاعة ~~ابن سوار، فاجتمعت كندة، والأزد، وبجيلة، والنخع، وخثعم، وقيس، ms225 PageV00P299 # وتيم الرباب في جبانة مراد (1)، واجتمعت ربيعة وتميم، فصاروا في جبانة ~~الحشاشين (2). # وأرسل المختار إلى همدان - وكانوا خاصته - واجتمع إليه أبناء العجم. # فقال لهم: ألا ترون ما يصنع هؤلاء؟ # قالوا: بلى. # قال: فإنهم لم يفعلوا ذلك إلا لتقديمي إياكم، فكونوا أحرارا كراما. # فحرضهم بذلك، وأخرجهم إلى ظهر الكوفة، فأحصاهم، فبلغوا أربعين ألف رجل. # وإن شمر بن ذي الجوشن، وعمر بن سعد، ومحمد بن الأشعث، وأخاه قيس بن ~~الأشعث قدموا الكوفة عند ما بلغهم خروج الناس على المختار وخلعهم طاعته، ~~وكانوا هرابا من المختار طول سلطانه، لأنهم كانوا الرؤساء في قتال الحسين، ~~فصاروا مع أهل الكوفة، وتولوا أمر الناس. # وتأهب الفريقان للحرب، واجتمع أهل الكوفة جميعا في جبانة الحشاشين، وزحف ~~المختار نحوهم، فاقتتلوا، فقتل بينهم بشر كثير، فنادى المختار: # يا معشر ربيعة، أ لم تبايعوني؟ فلم خرجتم علي؟ # قالت ربيعة: قد صدق المختار، فقد بايعناه وأعطيناه صفقة أيماننا، ~~فاعتزلوا، وقالوا: لا نكون على واحد من الفريقين. وثبت سائر القبائل، ~~فقاتلوا. # وإن أهل الكوفة انهزموا، وقد قتل منهم نحو خمسمائة رجل، وأسر منهم # PageV00P300 # مائتا رجل، فهرب أشراف الكوفة، فلحقوا بالبصرة، وبها مصعب بن الزبير، ~~فانضموا إليه. # * * * وبلغ المختار أن شبث بن ربعي، وعمرو بن الحجاج، ومحمد بن الأشعث مع ~~عمر بن سعد قد أخذوا طريق البصرة في أناس معهم من أشراف أهل الكوفة، فأرسل ~~في طلبهم رجلا من خاصته يسمى (أبا القلوص الشبامي) في جريدة خيل، فلحقهم ~~بناحية المذار، فواقعوه، وقاتلوه ساعة، ثم انهزموا، ووقع في يده عمر بن سعد ~~ونجا الباقون. # فأتي به المختار، فقال: الحمد لله الذي أمكن منك، والله لأشفين قلوب آل ~~محمد بسفك دمك، يا كيسان، اضرب عنقه. # فضرب عنقه. # وأخذ رأسه، فبعث به إلى المدينة، إلى محمد بن الحنفية. # وقال أعشى همدان، وكان من أهل الكوفة: # ولم أنس همدانا غداة تجوسنا * بأسيافها، لا أسقيت صوب هاضب (1) فقتل من ~~أشرافنا في محالهم * عصائب منهم أردفت بعصائب فكم من كمي قد أبارت سيوفهم * ~~إلى الله أشكو رزء تلك المصائب ms226 يقتلنا المختار في كل غائط * فيا لك دهر ~~مرصد بالعجائب وبلغ المختار أن شمر بن ذي الجوشن مقيم (بد ستميسان) (2) في ~~أناس من بني عامر بن صعصعة، يكرهون دخول البصرة لشماتة أهل البصرة بهم، ~~فأرسل المختار إليهم زربيا، مولى بجيلة، في مائة فارس على الخيل العتاق ~~(3)، فسار بهم بالحث # PageV00P301 # الشديد، فقطع أصحابه عنه إلا عشرة فوارس، فلحقهم وقد استعدوا له، فطعنه ~~شمر، فقتله، وانهزم أصحابه العشرة حتى لحق بهم الباقون، فطلبوا شمرا ~~وأصحابه، فلم يلحقوهم. # ومضى شمر حتى نزل قريبا من البصرة بمكان يدعى (سادماه) فأقام به . وأن ~~قيس بن الأشعث أنف من أن يأتي البصرة فيشمت به أهلها، فانصرف إلى الكوفة ~~مستجيرا بعبد الله بن كامل، وكان من أخص الناس عند المختار. # فأقبل عبد الله إلى المختار، فقال: أيها الأمير، إن قيس بن الأشعث قد ~~استجار بي وأجرته، فأنفذ جواري إياه. # فسكت عنه المختار مليا، وشغله بالحديث، ثم قال: أرني خاتمك، فناوله إياه، ~~فجعله في إصبعه طويلا. # ثم دعا أبا عمرة، فدفع إليه الخاتم، وقال له سرا: انطلق إلى امرأة عبد ~~الله بن كامل، فقل لها: هذا خاتم بعلك علامة، لتدخليني إلى قيس بن الأشعث، ~~فإني أريد مناظرته في بعض الأمور التي فيها خلاصه من المختار، فأدخلته ~~إليه. # فانتضى سيفه، فضرب عنقه، وأخذ رأسه، فأتى به المختار، فألقاه بين يديه. # فقال المختار: هذا بقطيفة الحسين. # وذلك أن قيس بن الأشعث أخذ قطيفة كانت للحسين حين قتل، فكان يسمى قيس ~~قطيفة). # فاسترجع عبد الله بن كامل، وقال للمختار: قتلت جاري وضيفي وصديقي في ~~الدهر؟ # قال له المختار: لله أبوك، اسكت، أ تستحل أن تجير قتله ابن بنت نبيك؟ # * * * PageV00P302 # ثم إن المختار دعا بالأسرى الذين أسرهم من أهل الكوفة في الوقعة التي ~~كانت بينه وبين أهل الكوفة، فجعل يضرب أعناقهم حتى انتهى إلى سراقة ~~البارقي، وكان فيهم، فقام بين يديه، وأنشأ يقول: # إلا من مبلغ المختار إنا * نزونا نزوة كانت علينا خرجنا لا نرى الإشراك ~~دينا * وكان خروجنا بطرا وحينا (1) ثم ms227 قال للمختار: أيها الأمير، لو أنكم ~~أنتم الذين قاتلتمونا لم تطمعوا فينا. # فقال له المختار: فمن قاتلكم؟ # قال سراقة: قاتلنا قوم بيض الوجوه على خيل شهب. # قال له المختار: تلك الملائكة، ويلك، أما إذ رأيتهم فقد وهبتك لهم. # ثم خلى سبيله، فهرب، فلحق بالبصرة، وأنشأ يقول: # ألا أبلغ أبا إسحاق أني * رأيت الشهب كمتا مصمتات (2) أرى عيني ما لم ~~ترأياه * كلانا عالم بالترهات كفرت بدينكم وبرئت منكم * ومن قتلاكم حتى ~~الممات وهرب أسماء بن خارجة الفزاري، وكان شيخ أهل الكوفة وسيدهم من ~~المختار خوفا على نفسه، فنزل على ماء لبني أسد يسمى ذروة: في نفر من مواليه ~~وأهل بيته فأقام به. # وهرب عمرو بن الحجاج، وكان من رؤساء قتلة الحسين، يريد البصرة، فخاف ~~الشماتة فعدل إلى سراف. # فقال له أهل الماء: ارحل عنا، فإنا لأنا من المختار، فارتجل عنهم، ~~فتلاوموا، وقالوا: قد أسأنا. # فركبت جماعة منهم في طلبه ليردوه، فلما رآهم من بعيد ظن أنهم من أصحاب # PageV00P303 # المختار، فسلك الرمل في مكان يدعى (البيضة) (1) وذلك في حمارة القيظ، وهي ~~فيما بين بلاد كلب وبلاد طيئ، فقال (2) فيها، فقتله ومن معه العطش. # ولم يزل أسماء مقيما بذروه (3) إلى أن قتل المختار، ودخل مصعب بن الزبير ~~الكوفة، فانصرف أسماء إلى منزله بالكوفة. # ولما تتبع المختار أهل الكوفة جعل عظماؤهم يتسللون هرابا إلى البصرة حتى ~~وافاها منهم مقدار عشرة آلاف رجل، وفيهم محمد بن الأشعث، فاجتمعوا، ودخلوا ~~على مصعب بن الزبير. # فتكلم محمد بن الأشعث، وقال: أيها الأمير، ما يمنعك من المسير لمحاربة ~~هذا الكذاب الذي قتل خيارنا، وهدم دورنا، وفرق جماعتنا، وحمل أبناء العجم ~~على رقابنا، وأباحهم أموالنا؟ سر إليه، فإنا جميعا معك، وكذلك من خلفنا ~~بالكوفة من العرب، هم أعوانك. # قال مصعب: يا ابن الأشعث، أنا عارف بكل ما ارتكبكم به، وليس يمنعني من ~~المسير إليه إلا غيبة فرسان أهل البصرة أشرافهم، فإنهم مع ابن عمك المهلب ~~ابن أبي صفرة في وجوه الأزارقة بناحية كرمان، غير أني قد رأيت رأيا. # قال: ms228 وما رأيت أيها الأمير؟ # قال: رأيت أن أكتب إلى المهلب، آمره أن يوادع الأزارقة، ويقبل إلي فيمن ~~معه، فإذا وافى تجهزنا لمحاربة المختار. # قال ابن الأشعث: نعم ما رأيت، فاكتب إليه، واجعلني الرسول. # فكتب مصعب بن الزبير إلى المهلب كتابا، يذكر له ما فيه أهل الكوفة من ~~القتل والحرب، ويفسر فيه أمر المختار. # فسار محمد بن الأشعث بكتابه حتى ورد كرمان، وأوصل الكتاب إلى المهلب، # PageV00P304 # وقال له: يا ابن عم، قد بلغك ما لقي أهل الكوفة من المختار، وقد كتب إليك ~~الأمير مصعب بما قد قرأته. # فكتب المهلب إلى قطري، وكان رئيس الأزارقة يومئذ، يسأله الموادعة إلى أجل ~~سماه، ويكتب بينهما كتابا في ذلك، ويضعان الحرب إلى ذلك الأجل. # فأجابه قطري إلى ذلك، وكتبا بينهما كتابا وجعلا الأجل ثمانية عشر شهرا. # وسار المهلب بمن معه حتى وافى البصرة، فوضع مصعب لأهل البصرة العطاء ~~وتهيأ للمسير. # وبلغ المختار ذلك فعقد لأحمر بن سليط في ستين ألف رجل من أصحابه، وأمره ~~أن يستقبل القوم، فيناجزهم الحرب. # فسار أحمر بن سليط في الجيوش حتى وافى المذار، وقد انصرف إليها شمر ابن ~~ذي الجوشن أنفه من أن يأتي البصرة هاربا، فيشمتوا به، فوجه أحمر بن سليط ~~إلى المكان الذي كان متحصنا فيه خمسين فارسا، وأمامهم نبطي (1) يدلهم على ~~الطريق، وذلك في ليلة مقمرة. # فلما أحس بهم دعا بفرسه فركبه، ركب من كان معه ليهربوا، فأدركهم القوم، ~~فقاتلوهم، فقتل شمر وجميع من كان معه، واحتزوا رؤوسهم، فأتوا بها أحمر ابن ~~سليط، فوجهها إلى المختار، فوجه المختار برأس شمر إلى محمد بن الحنفية ~~بالمدينة. # وسار مصعب بن الزبير بجماعة أهل البصرة نحو المذار، وتخلف عنه المنذر ابن ~~الجارود، وهرب منه نحو كرمان في جماعة من أهل بيته، ودعا لعبد الملك ابن ~~مروان. # PageV00P305 # وأقبل مصعب حتى وافى المذار (1)، وأمامه الأحنف بن قيس في تميم. # وزحف الفريقان، بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا، فانهزم أصحاب المختار، واستحر ~~القتال فيهم، ومضوا نحو الكوفة، واتبعهم مصعب يقتلهم في جميع طريقه، فلم ~~يفلت ms229 منهم إلا القليل. # فقال أعشى همدان في ذلك: # ألم يبلغك ما لقيت شبام (2) * وما لاقت عرينة بالمذار أتيح لهم بها ضرب ~~طلحق * وطعن بالمثقفة الحرار كان سحابة صعقت عليهم * فعمتهم هنالك بالدمار ~~وما أن ساءني ما كان منهم * لدى الإعسار مني واليسار ولكني فرحت وطاب نومي ~~* وقر لقتلهم مني قراري وإن مصعبا سار بالجيوش نحو الكوفة، فعبر دجلة، وخرج ~~إلى أرض كسكرة، ثم أخذ على حديثة الفجار، ثم أخذ على النجرانية حتى قارب ~~الكوفة. ### || (قتل المختار) # وبلغ المختار مقتل أصحابه، فنادى في بقية من كان معه من ~~جنوده، فقواهم بالأموال والسلاح، وسار بهم من الكوفة مستقبلا لمصعب بن ~~الزبير، فالتقوا بنهر البصريين، فاقتتلوا، فقتل من أصحاب المختار مقتلة ~~عظيمة، وقتل محمد بن الأشعث، وقتل عمر بن علي بن أبي طالب، عليهما السلام. # وذلك أنه قدم من الحجاز على المختار، فقال له المختار: # - هل معك كتاب محمد بن الحنفية؟ # PageV00P306 # فقال عمر: لا، ما معي كتابه. # فقال له: انطلق حيث شئت فلا خير لك عندي. # فخرج من عنده، وسار إلى مصعب، فاستقبله في بعض الطريق، فوصله بمائة ألف ~~درهم، وأقبل مع مصعب حتى حضر الوقعة، فقتل فيمن قتل من الناس. # وانهزم المختار حتى دخل الكوفة، وتبعه مصعب، فدخل في أثره، وتحصن المختار ~~في قصر الإمارة، فأقبل مصعب حتى أناخ عليه، وحاصره أربعين يوما. # ثم إن المختار قلق (بالحصار قلقا عظيما، فقال) (1) للسائب بن مالك ~~الأشعري، وكان من خاصته: # - أيها الشيخ، اخرج بنا نقاتل على أحسابنا لا على الدين. # فاسترجع السائب، وقال: يا أبا إسحاق، لقد ظن الناس أن قيامك بهذا الأمر ~~دينونة. # فقال المختار: لا، لعمري ما كان إلا لطلب دنيا، فإني رأيت عبد الملك ابن ~~مروان قد غلب على الشام، وعبد الله بن الزبير على الحجاز، ومصعبا على ~~البصرة، ونجدة الحروري على العروض (2)، وعبد الله بن خازم على خراسان، ولست ~~بدون واحد منهم، ولكن ما كنت أقدر على ما أردت إلا بالدعاء إلى الطلب بثأر ~~الحسين. # ثم قال: - يا غلام، علي ms230 بفرسي ولأمتي. # فأتي بدرعه، فتدرعها، وركب فرسه. # ثم قال: قبح الله العيش بعد ما أرى، يا بواب، افتح. # ففتح له الباب. # PageV00P307 # وخرج ومعه حماة أصحابه، فقاتل القوم قتالا شديدا، وانهزم أصحابه، ومضى هو ~~نحو القصر، وهو في حامية أصحابه، فدخل القصر من أصحابه ستة آلاف رجل، وبقي ~~مع المختار نحو من ثلاثمائة رجل، فأخذ أصحاب مصعب عليه باب القصر، فلجأ ~~المختار فيمن معه إلى حائط القصر، وأقبل يذمر أصحابه، ويحمل. # فلم يزل يقاتل حتى قتل أكثر من كان معه. # فحمل عليه أخوان من بني حنيفة من أصحاب المهلب، فضرباه بالسيف حتى سقط، ~~وبادرا إليه، فاحتزا رأسه، فأتيا به مصعبا، فأعطاهما ثلاثين ألف درهم. # فقال سويد بن أبي كاهل يذكر قتل المختار: # يا ليت شعري متى تغدو مخيسة (1) * منا فتبلغ أهل الموسم الخبرا أنا جزرنا ~~عن الكذاب هامته * من بعد طعن وضرب يكشف الخمرا ووجه مصعب برأس المختار إلى ~~عبد الله بن الزبير مع عبد الله بن عبد الرحمن. # قال عبد الله: فوافيت مكة بعد العشاء الآخرة، فأتيت المسجد، وعبد الله ~~ابن الزبير يصلي، قال: فجلست أنتظره، فلم يزل يصلي إلى وقت السحر، ثم انفتل ~~من صلاته، فدنوت منه، فناولته كتاب الفتح، فقرأه، وناوله غلامه، وقال: # - أمسكه معك. # فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا الرأس معي. # قال: فما تريد؟. # قلت: جائزتي. # قال: خذ الرأس الذي جئت به بجائزتك. # فتركته، وانصرفت. PageV00P308 ### || (سلطان عبد الله بن الزبير) # قالوا: ولما قتل المختار، واستتب الأمر لعبد ~~الله بن الزبير، أرسل إلى عبد الله ابن عباس ومحمد بن الحنفية: (أما أن ~~تبايعاني أو تخرجا من جواري). # فخرجا من مكة، فنزلا الطائف، وأقاما هناك. # وتوفي عبد الله بن عباس بالطائف، وصلى عليه محمد بن الحنفية. # وخرج محمد بن الحنفية حتى أتى أيلة (1)، وكتب إلى عبد الملك بن مروان، ~~يستأذنه في القدوم عليه، والنزول في جواره، فكتب إليه: وراءك أوسع لك، ولا ~~حاجة لي فيك. # فأقام محمد بن الحنفية عامه ذلك بأيلة، ثم توفي بها. # وقتل المختار، وإبراهيم بن ms231 الأشتر عامله على كورة الجزيرة، فكتب إلى مصعب ~~يسأله الأمان، وكتب إليه يأمره بالقدوم عليه، فقدم وبايعه، وفوض مصعب إليه ~~جميع أمره، وأظهر بره وألطافه، ولم تزل الستة الآلاف (2) الذين دخلوا القصر ~~متحصنين فيه شهرين، حتى نفد جميع ما كان المختار أعده فيه من الطعام، ~~فسألوا الأمان، فأبى مصعب أن يعطيهم الأمان إلا على حكمه. # فأرسلوا إليه: أنا ننزل على حكمك. # فنزلوا عند ما بلغ إليهم الجوع. # فضرب أعناقهم كلها، وكانوا ستة آلاف: ألفين من العرب، وأربعة آلاف من ~~العجم. # ودعا مصعب بامرأتي المختار، أم ثابت ابنة سمرة بن جندب، وعمرة بنت ~~النعمان بن بشير، فدعاهما إلى البراءة من المختار، فأما أم ثابت فإنها ~~تبرأت منه، وأبت عمرة أن تتبرأ منه. # فأمر بها مصعب، فأخرجت إلى الجبانة، فضربت عنقها. # PageV00P309 # فقال بعض الشعراء في ذلك: # أن من أعجب العجائب عندي * قتل بيضاء حرة عطبول (1) قتلوها بغير ذنب ~~سفاها * إن لله درها من قتيل كتب القتل والقتال علينا * وعلى المحصنات جر ~~الذيول وقال سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في ذلك: # ألم تعجب الأقوام من قتل حرة * من المخلصات الدين محمودة الأدب؟ # من الغافلات المؤمنات بريئة * من الزور والبهتان والشك والريب علينا كتاب ~~الله في القتل واجب * وهن الضعاف في الحجال وفي الحجب فقلت ولم أظلم، أعمرو ~~بن مالك * يقتل ظلما، لم يخالف ولم يرب ويسبقنا آل الزبير بوترنا * ونحن ~~حماة الناس في البارق الأشب (2) فإن تعقب الأيام منهم نجازهم * على حنق ~~بالقتل والأسر والحنب (3) ثم إن مصعب بن الزبير نزل القصر بالكوفة، واستعمل ~~العمال، وجبى الخراج، فولى البصرة عبيد الله بن معمر التيمي، ورد المهلب ~~إلى قتال الأزارقة. # قالوا: ولما صفا الأمر لعبد الله بن الزبير ودانت له البلدان إلا أرض ~~الشام، جمع عبد الملك بن مروان إخوته، وعظماء أهل بيته، فقال لهم: إن مصعب ~~بن الزبير قد قتل المختار، ودانت له أرض العراق، وسائر البلدان، ولست آمنه ~~أن يغزوكم في عقر بلادكم، وما من قوم غزوا في عقر ms232 دارهم إلا ذلوا، فما ~~ترون؟. # فتكلم بشر بن مروان، فقال: # يا أمير المؤمنين، أرى أن تجمع إليك أطرافك، وتستجيش جنودك، وتضم إليك ~~قواصيك، وتسير إليه، وتلف الخيل بالخيل، والرجال بالرجال، والنصر من عند ~~الله. # PageV00P310 # فقال القوم: هذا الرأي، فاعمل به، فإن بنا قوة ونهوضا. # فوجه رسله إلى كور الشام ليجتمع إليه، فاجتمع له جميع أجناد الشام، ثم ~~سار وقد احتشد، ولم ينزل. ### || (خضوع العراق لجند الشام) # وبلغ مصعب بن الزبير خروجه، فضم إليه أطرافه، ~~وجمع إليه قواصيه، واستعد، ثم خرج لمحاربته، فتوافى العسكران بدير الحانات، ~~فقال عدي بن زيد بن عدي، وكان مع عبد الملك: # لعمري لقد أصحرت خيلنا * بأكناف دجلة للمصعب (1) يجرون كل طويل الكعوب * ~~معتدل النصل والثعلب (2) بكل فتى واضح وجهه * كريم الضرائب (3) والمنصب ~~ولما نظر أصحاب مصعب إلى كثرة جموع عبد الملك تواكلوا، وشملهم الرعب، فقال ~~مصعب لعروة بن المغيرة، وهو يسايره: # ادن يا عرو أكلمك. # فدنا منه. # فقال: أخبرني عن الحسين، كيف صنع حين نزل به الأمر؟ # قال عروة: فجعلت أحدثه بحديث الحسين، وما عرض عليه ابن زياد من النزول ~~على حكمه، فأبى ذلك، وصبر للموت. # فضرب مصعب معرفة (4) دابته بالسوط، ثم قال: # فإن الألى بالطف (5) من آل هاشم * تأسوا فسنوا للكرام التأسيا وإن عبد ~~الملك كتب إلى رؤساء أصحاب مصعب يستميلهم إليه، ويعرض عليهم الدخول في ~~طاعته، ويبذل لهم على ذلك الأموال. # PageV00P311 # وكتب إلى إبراهيم بن الأشتر فيمن كتب. # فأقبل إبراهيم بالكتاب مختوما فناوله مصعبا، وقال: # - أيها الأمير، هذا كتاب الفاسق عبد الملك بن مروان. # قال له مصعب: فهلا قرأته. # قال: ما كنت لأفضه، ولا أقرأه إلا بعد قراءتك له. # ففضه مصعب، وإذا فيه: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى ~~إبراهيم ابن الأشتر، أما بعد، فإني أعلم أن تركك الدخول في طاعتي ليس إلا ~~عن معتبة، فلك الفرات وما سقى، فأنجز إلي فيمن أطاعك من قومك، والسلام). # فقال مصعب: فما يمنعك يا ابن النعمان؟ # قال: لو جعل لي ما ms233 بين المشرق إلى المغرب ما أعنت بني أمية على ولد صفية. # فقال مصعب: جزيت خيرا أبا النعمان. # فقال إبراهيم لمصعب: أيها الأمير، لست أشك أن عبد الملك قد كتب إلى عظماء ~~أصحابك بنحو مما كتب إلي، وانهم قد مالوا إليه، فائذن لي في حبسهم إلى ~~فراغك، فإن ظفرت مننت بهم على عشائرهم، وإن تكن الأخرى كنت قد أخذت بالحزم. # قال مصعب: إذن يحتجوا علي عند أمير المؤمنين. # فقال إبراهيم: أيها الأمير، لا أمير المؤمنين والله لك اليوم، وما هو إلا ~~الموت، فمت كريما. # فقال مصعب: يا أبا النعمان، إنما هو أنا وأنت فنقدم للموت. # قال إبراهيم: إذن، والله أفعل. # قال: ولما نزلوا بدير الجاثليق (1) باتوا ليلتهم. # PageV00P312 # فلما أصبحوا نظر إبراهيم بن الأشتر، فإذا القوم الذين اتهمهم قد ساروا ~~تلك الليلة، فلحقوا بعبد الملك بن مروان، فقال لمصعب: # - كيف رأيت رأيي؟. # ثم زحف بعضهم إلى بعض، فاقتتلوا، فاعتزلت ربيعة، وكانوا في ميمنة مصعب، ~~وقالوا لمصعب: لا نكون معك ولا عليك. # وثبت مع مصعب أهل الحفاظ، فقاتلوا، وإمامهم إبراهيم بن الأشتر، فقتل ~~إبراهيم. # فلما رأى مصعب ذلك، استمات، فترجل، وترجل معه حماة أصحابه، فقاتلوا حتى ~~قتل عامتهم، وانكشف الباقون عن مصعب. # فحمل عليه عبد الله بن ظبيان، فضربه من ورائه بالسيف، ولا يشعر به مصعب، ~~فخر صريعا، فنزل وأجهز عليه، واحتز رأسه. # فأتي به عبد الملك، فحزن عليه حزنا شديدا، وقال: متى تغدو قريش مثل مصعب؟ ~~وددت لو أنه قبل الصلح، وإني قاسمته مالي. # ولما قتل مصعب بن الزبير استأمن من بقي من أصحابه إلى عبد الملك، فآمنهم. # فقال عبد الله بن قيس الرقيات: # لقد ورد المصرين خزي وذلة * قتيل بدير الجاثليق مقيم فما صبرت في الحرب ~~بكر بن وائل * ولا ثبتت عند اللقاء تميم ولكنه ضاع الذمار فلم يكن * بها ~~عربي عند ذاك كريم وكان قتل مصعب يوم الخميس للنصف من جمادى الأولى سنة ~~اثنتين وسبعين (1). # فارتحل عبد الملك بالناس حتى دخل الكوفة، فدعاهم إلى البيعة، فبايعوه. # ثم جهز الجيوش إلى ms234 تهامة لمحاربة عبد الله بن الزبير، وولى الحرب قدامة ~~ابن مطعون، وأمره بالمسير. # . انصرف عبد الملك إلى الشام. # PageV00P313 ### || (مقتل عبد الله بن الزبير) # ثم وجه الحجاج بن يوسف لمحاربة عبد الله بن ~~الزبير، وعزل قدامة بن مظعون، فسار الحجاج حتى نزل الطائف، وأقام شهرا. # ثم كتب إلى عبد الملك: (إنك يا أمير المؤمنين متى تدع ابن الزبير يعمل ~~فكره، ويستجيش ويجمع أنصاره، وتثوب إليه فلالة كان في ذلك قوة له، فائذن في ~~معاجلته لي). # فأذن له. # فقال الحجاج لأصحابه: تجهزوا للحج. # وكان ذلك في أيام الموسم. # ثم سار من الطائف حتى دخل مكة، ونصب المنجنيق على أبي قبيس (1). # فقال الأقيشر الأسدي: # لم أر جيشا غر بالحج مثلنا * ولم أر جيشا مثلنا غير ما خرس دلفنا لبيت ~~الله نرمي ستوره * بأحجارنا زفن الولائد في العرس (2) دلفنا له يوم ~~الثلاثاء من منى * بجيش كصدر الفيل ليس بذي رأس فإلا ترحنا من ثقيف وملكها ~~* نصل لأيام السباسب والنحس (3) فطلبه الحاج، فهرب، وأناخ الحاج بابن ~~الزبير. # وتحصن منه ابن الزبير في المسجد. # واستعمل الحجاج على المنجنيق ابن خزيمة الخثعمي، فجعل يرمي أهل المسجد ~~ويقول: # خطاره مثل الفنيق الملبد نرمي بها عواذ أهل المسجد (4) # PageV00P314 # فلما اشتد على ابن الزبير وأصحابه الحصار، خرجت بنو سهم من بابهم، فقال ~~ابن الزبير: # فرت سلامان، وفرت النمر * وقد تكون معهم فلا تفر وجعل أهل الشام يدخلون ~~عليه المسجد، فيشد عليهم، فيخرجهم من المسجد حتى رمي بحجر، فأصاب جبهته، ~~فسقط لوجهه، ثم تحامل، فقام، وهو يقول: # فلسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا تقطر الدما ثم قال ~~لأصحابه: (أخرجوا إلي من بالباب، واحملوا، ولا يلهينكم طلبي، والسؤال عني، ~~فإني في الرعيل الأول). # فخرج، وخرجوا معه، فقاتل قتالا شديدا حتى قتل عامة من كانوا معه، وأحدقوا ~~به من كل جانب، فضربوه بأسيافهم حتى قتلوه. # فأمر به الحجاج، فصلب. # فمر به عبد الله بن عمر، فقال: # (رحمك الله أبا بكر، أما والله لقد كنت صواما قواما، غير أنك رفعت الدنيا ~~فوق ms235 قدرها، وليست لذلك بأهل، وإن أمة أنت شرها لأمة صدق). # وكان مقتل ابن الزبير يوم الثلاثاء لسبع عشرة ليلة خلت من جمادى الآخرة، ~~سنة ثلاث وسبعين. (1). # * * * ولما قتل عبد الله بن الزبير خرج أخوه عروة بن الزبير هاربا من ~~الحجاج حتى أتى الشام، فاستجار بعبد الملك بن مروان، فأجاره، وأظهر إكرامه، ~~وأقام عنده. # فكتب الحجاج إلى عبد الملك به أن أموال عبد الله بن الزبير عند أخيه ~~عروة، فرده إلي لأستخرجها منه. # فقال عبد الملك لبعض أحراسه: # - انطلق بعروة إلى الحجاج. # PageV00P315 # فقال عروة: # - يا بني مروان، ما ذل من قتلتموه، بل ذل من ملكتموه. # فتذمم عبد الملك، وخلى سبيل عروة. # وكتب إلى الحجاج: (إله عن عروة، فلن أسلطك عليه). # فأقام الحجاج بمكة حتى أقام للناس الحج. # وأمر بالكعبة فنقضت، وأعاد بناءها، وهو هذا البناء القائم اليوم. # وفي ذلك العام توفي عبد الله بن عمر، وله أربع وسبعون سنة. فدفن (بذي ~~طوى) (1) في مقبرة المهاجرين. # وكان يكنى (أبا عبد الرحمن). # وفيها مات أبو سعيد الخدري، واسمه سعد بن مالك. # وفيها مات رافع بن حديج، وله ست وثمانون سنة، وكان يكنى (أبا عبد الله). ### || (سك النقود العربية) # قالوا: وأمر عبد الملك بضرب الدراهم سنة ست وسبعين، ~~ثم أمر بعد ذلك بضرب الدنانير، وهو أول من ضربها في الإسلام. # وإنما كانت الدراهم والدنانير قبل ذلك مما ضربت العجم. # وفي تلك السنة مات جابر بن عبد الله، وله سبع وتسعون سنة. ### || (ابن الأشعث وفتنته) # ثم خرج عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث بن قيس على ~~الحجاج. # وكان سبب خروجه أنه دخل على الحجاج يوما، فقال له الحجاج: # - إنك لمنظراني. # قال عبد الرحمن: إي والله، ومخبراني. # وقام عبد الرحمن، فخرج. # PageV00P316 # فقال الحجاج لمن كان عنده: # - ما نظرت إلى هذا قط، إلا أشهيت أن أضرب عنقه. # وكان عامر الشعبي حاضرا. # وأن عبد الرحمن لما خرج قعد بالباب حتى خرج الشعبي، فقام عبد الرحمن ~~إليه. # فقال له: هل ذكرني الأمير بعد خروجي من عنده بشئ؟ # فقال الشعبي: ms236 أعطني عهدا وثيقا ألا يسمعه منك أحد. # فأعطاه ذلك. # فأخبره بما كان الحجاج قال فيه. # فقال عبد الرحمن: # - والله لأجهدن في قطع خيط رقبته. # ثم إن عبد الرحمن دب في عباد أهل الكوفة وقرائهم، فقال: # (أيها الناس، ألا ترون هذا الجبار - يعني الحجاج - وما يصنع بالناس؟ # ألا تغضبون لله؟ ألا ترون أن السنة قد أميتت، والأحكام قد عطلت، والمنكر ~~قد أعلن، والقتل قد فشا؟ أغضبوا لله، واخرجوا معي، فما يحل لكم السكوت). # فلم يزل يدب في الناس بهذا وشبهه حتى استجاب له القراء والعباد، وواعدهم ~~يوما يخرجون فيه. # فخرجوا على بكرة أبيهم، واتبعهم الناس، فساروا حتى نزلوا الأهواز، ثم ~~كتبوا إلى الحجاج: # خلع الملوك وسار تحت لوائه * شجر العرى وعراعر الأقوام (1) فأرسل الحجاج ~~كتابه إلى عبد الملك بن مروان . فكتب عبد الملك في جوابه: # وإني وإياهم كمن نبه القطا * ولو لم ينبه باتت الطير لا تسرى (2) إخال ~~صروف الدهر للحين منهم * ستحملهم مني على مركب وعر # PageV00P317 # قالوا: وأهديت لعبد الملك في ذلك اليوم جارية إفريقية، أهداها إليه موسى ~~ابن نصير، عامله على أرض المغرب، وكانت من أجمل نساء دهرها، فباتت عنده تلك ~~الليلة، فلم ينل منها شيئا أكثر من أن غمز كفها، وقال لها: إن دونك أمنية ~~المتمني. # قالت: فما يمنعك؟ # قال: يمنعني بيت مدحنا به، وهو: # قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم * دون النساء ولو باتت بأطهار فزعموا أنه مكث ~~سبعة أشهر لا يقرب امرأة حتى أتاه قتل عبد الرحمن بن محمد. # ثم إن الحجاج بعث أيوب بن القرية إلى عبد الرحمن بن محمد، وقال: # انطلق، فادفعه إلى الطاعة، وله الأمان على ما سلف من ذنبه. # فانطلق إليه ابن القرية، فدعاه، فأبلغ في الدعاء، فقال له عبد الرحمن: # - ويحك يا ابن القرية، أيحل لك طاعته مع ارتكابه العظائم، واستحلاله ~~المحارم؟ اتق الله يا ابن القرية، ووال عباد الله في البرية. # ولم يزل عبد الرحمن بابن القرية يختدعه حتى ترك ما أرسل فيه، وأقام مع ~~عبد الرحمن، فقال له عبد الرحمن: ms237 # إني أريد أن أكتب إلى الحجاج كتابا مسجعا، اعرفه فيه سوء فعاله، وأبصره ~~قبح سريرته، فأمله علي. # فقال أيوب: إن الحجاج يعرف ألفاظي. # قال: وما عليك، إني لأرجو أن نقتله عن قريب. # فأملى عليه، فكتب: # (بسم الله الرحمن الرحيم، من عبد الرحمن بن محمد، إلى الحجاج بن يوسف، ~~سلام على أهل طاعة الله، الذين يحكمون بما أنزل الله، ولا يسفكون دما ~~حراما، ولا يعطلون لله أحكاما، فإني أحمد الله الذي بعثني لمنازلتك، وقواني ~~على محاربتك PageV00P318 # حين تهتكت ستورك، وتحيرت أمورك، فأصبحت حيران تائها، لهفان لا تعرف حقا، ~~ولا تلائم صدقا، ولا ترتق فتقا، ولا تفتق رتقا، وطالما تطاولت فيما تناولت، ~~فصرت في الغي مذبذبا، وعلى الشرارة مركبا، فتدبر أمرك، وقس شبرك بفترك (1)، ~~فإنك مراق عراق (2)، ومعك عصابة فساق، جعلوك مثالهم، كحذوهم نعالهم، فاستعد ~~للأبطال بالسيوف والعوال (3)، فستذوق وبال أمرك، ويرجع عليك غيك، والسلام). # فلما قرأ الحجاج الكتاب عرف ألفاظ ابن القرية، وعلم أنه من إملائه. # فكتب إلى عبد الرحمن في جوابه. # (بسم الله الرحمن الرحيم، من الحجاج بن يوسف إلى عبد الرحمن بن الأشعث، ~~سلام على أهل التورع لا التبدع، فإني أحمد الله الذي حيرك بعد البصيرة، ~~فمرقت عن الطاعة، وخرجت عن الجماعة، فعسكرت في الكفر، وذهلت عن الشكر، فلا ~~تحمد الله في سراء، ولا تصبر لأمره في ضراء، قد أتاني كتابك بلفظات فاجر، ~~فاسق غادر، وسيمكن الله منه، ويهتك ستوره، أما بعد فهلم إلى فعل وفعال، ~~ومعانقة الأبطال بالبيض والعوال، فإن ذلك أحرى بك من قيل وقال، والسلام على ~~من اتبع الهدى، وخشي الله، واتقى). # وإن عبد الملك وجه إلى الحجاج عشرة آلاف رجل من فرسان أهل الشام لمحاربة ~~عبد الرحمن بن محمد. # فلما قدموا عليه تجهز، وسار نحو عبد الرحمن، فالتقوا بالأهواز، فاقتتلوا، ~~فانهزم عبد الرحمن، ومضى على وجهه، فمر على رجل من أصحابه مسلوب حاف، يمشي ~~ويعثر. # PageV00P319 # فأنشأ عبد الرحمن يقول: # منخرق الخفين يشكو الوجى * تنكئه أطراف مرو حداد (1) أخرجه الخذلان عن ~~أرضه * كذلك من يكره حر ms238 الجلاد إن كان في الموت له راحة * فالموت حتم في ~~رقاب العباد فقال الرجل: # - فهلا ثبت، فنقاتل معك. # فقال له عبد الرحمن: # - أو بمثلك تسد الثغور؟!. # ومضى عبد الرحمن حتى استجار بملك الأتراك، فأقام عنده. # فكتب عبد الملك إلى ملك الأتراك، يخبره بشقاق عبد الرحمن، وخلعه الطاعة، ~~وخروجه عليه، و يسأله أن يرده عليه. # فقال ملك الأتراك لطراخنته (2): # - إن ابن الأشعث هذا رجل مخالف للملوك، فلا ينبغي لي أن آويه، بل أبعث به ~~إلى ملكه، فيتولى من أمره ما أحب. # فوجه به مع مائة رجل من ثقاته، فأنزلوه في طريقه قصرا في قرية، فرقى إلى ~~ظهر القصر، ورمى بنفسه من السور، فمات. # وإن أيوب بن القرية أسر فيمن أسر من أصحاب عبد الرحمن، فأدخل به على ~~الحجاج. # فلما أدخل عليه، قال له: # - يا عدو الله، بعثتك رسولا إلى عبد الرحمن، فتركت ما بعثت له، وصرت ~~وزيرا ومشيرا، تصدر له الكتب، وتسجع له الكلام، وتدبر له الأمور. # PageV00P320 # فقال ابن القرية أصلح الله الأمير، كان شيطانا في مسك إنسان، استمالني ~~بسحره، وخلبني بلفظه، فكان اللسان ينطق بغير ما في القلب. # قال الحجاج: # كذبت يا ابن اللخناء (1)، بل كان قلبك منافقا، ولسانك مدامجا، ، فكتمت ~~أمرا أظهره الله، وأطعت فاسقا خذله الله، فما بقي من نعتك؟ # قال ابن القرية: ذهني جديد، وجوابي عتيد. # قال: كيف علمك بالأرض؟ # قال: ليسألني الأمير عما أحب. # قال: أخبرني عن الهند. # قال: بحرها در، وجبلها ياقوت، وشجرها عطر. # قال: فأخبرني عن مكران. # قال: ماؤها وشل (2)، وتمرها دقل (3)، وسهلها جبل، ولصها بطل، إن كثر ~~الجيش بها جاعوا، وإن قلوا ضاعوا. # قال: فخراسان. # قال: ماؤها جامد، وعدوها جاهد، بأسهم شديد، وشرهم عتيد، وخيرهم بعيد. # قال: فاليمن. # قال: أرض العرب، ومعدن الذهب. # قال: فعمان. # قال: حرها شديد، وصيدها موجود، وأهلها عبيد. # PageV00P321 # قال: فالبحرين. # قال: كناسة (1) بين مصرين، وجنة بين بحرين. # قال: فمكة. # قال: قوم ذوو جفاء، ومن سجيتهم الوفاء. # قال: فالمدينة. # قال: ذوو لطف وبر، وخير وشر. # قال: فالبصرة. # قال: حرها فادح، ms239 وماؤها مالح، وفيضها سائح. # قال: فالكوفة. # قال: جنة بين حماة وكنة (2)، العراق تحشد لها، والشام يدر عليها، سفلت عن ~~برد الشام، وارتفعت عن حر الحجاز. # قال: فالشام. قال: تلك عروس بين نسوة جلوس، تجلب إليها الأموال، وفيها ~~الضراغمة الأبطال. # قال له الحجاج: ثكلتك أمك، أنت المصدر الكتب لابن الأشعث، ألم تعلم أني ~~لا أصاحب على الشقاق، ولا أجامع على النفاق؟ # قال ابن القرية: استبقني أيها الأمير. # قال: لماذا؟ # قال: لنبوة بعد هفوة. # قال الحجاج: لا، بل لغدرة بعد نكثه، يا غلام، ناولني الحربة. # وقد أمسك ابن القرية أربعة رجال فلا يستطيع تحريكا، وهز الحجاج الحربة ~~ثلاثا. # PageV00P322 # فقال ابن القرية: اسمع مني ثلاث كلمات، تكن بعدي مثلا. # قال: هات. # قال: لكل جواد كبوة، ولكل حليم هفوة، ولكل شجاع نبوة. # فوضع الحجاج الحربة في ثندوة ابن القرية، ودفعها حتى خالطت جوفه، ثم ~~خضخضها (1)، وأخرجها، فاتبعها دم أسود. # فقال الحجاج: # هكذا تشخب أوداج الإبل. # وفحص ابن القرية برجليه وشخص بصره، وجعل الحجاج ينظر إليه حتى قضى. # فحمل في النطع (2). # فقال الحجاج: # لله درك يا ابن القرية، أي أدب فقدنا منك، وأي كلام رصين سمعنا منك. # * * * ودخل بعد ذلك أنس بن مالك. # فقال له الحجاج: # هيه يا أنس، يوما مع المختار، ويوما مع ابن الأشعث، جوال في الفتن، والله ~~لقد هممت أن أطحنك طحن الرحى بالثفال (3)، وأجعلك غرضا للنبال. # قال أنس: من يعني الأمير؟ أصلحه الله. # قال: إياك أعني، أسك الله سمعك. # فانصرف أنس إلى منزله، وكتب من ساعته إلى عبد الملك بن مروان: # (بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عبد الملك أمير المؤمنين من أنس بن ~~مالك، # PageV00P323 # أما بعد، فإن الحجاج قال لي نكرا، وأسمعني هجرا، ولم أكن لذلك أهلا، فخذ ~~على يديه، وأعدني عليه، والسلام). فلما قرأ عبد الملك كتاب أنس استشاط ~~غضبا، ثم كتب إليه . (هيه يا ابن يوسف، أردت أن تعلم رأي أمير المؤمنين في ~~أنس، فإن سوغك مضيت قدما، وإن لم يسوغك رجعت القهقرى، يا ابن المستفرمة ~~بعجم الزبيب ms240 (1)، أنسيت مكاسب آبائك بالطائف في حفر الآبار وسد السكور (2)، ~~وحمل الصخور على الظهور؟ أبلغ من جرأتك على أمير المؤمنين أن تعنت بأنس ابن ~~مالك، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم ست سنين، يطلعه على سره، ويفشي ~~إليه الأخبار التي كانت تأتيه عن ربه؟ فإذا أتاك كتابي هذا فامش إليه على ~~قدميك حتى تأخذ كتابه إلي بالرضى، والسلام). # فلما وصل كتاب عبد الملك إلى الحجاج قال لمن حوله من أصحابه: قوموا بنا ~~إلى أبي حمزة. فقام ماشيا. # ومضى معه أصحابه حتى أتى أنسا، فأقرأه كتاب عبد الملك إليه. # فقال أنس: جزى الله أمير المؤمنين خيرا، كذلك كان رجائي فيه. # قال له الحجاج: فإن لك العتبي، وأنا صائر إلى مسرتك، فاكتب إلى أمير ~~المؤمنين بالرضى. # فكتب إليه أنس بالرضى عنه. # ودفعه إلى الحجاج، فأنفذه الحجاج على البريد إلى عبد الملك. ### || [نهاية عبد الملك بن مروان] # قالوا: ولما حضرت عبد الملك الوفاة، وذلك في ~~سنة ست وثمانين أخذ البيعة # PageV00P324 # لابنه الوليد، وكان ولده: الوليد، وسليمان، ويزيد، وهشام، ومسلمة، ومحمد. # ثم قال للوليد: يا وليد، لا ألفينك إذا وضعتني في حفرتي أن تعصر عينيك ~~كالأمة الورهاء (1) بل ائتزر وشمر، والبس جلد النمر، وادع الناس إلى البيعة ~~ثانيا، فمن قال برأسه كذا، فقل بالسيف كذا. ووعك وعكا شديدا. # فلما أصبح جاء الوليد، فقام بباب المجلس، وهو غاص بالنساء، فقال: # كيف أصبح أمير المؤمنين؟ # قيل له: يرجى له العافية. # وسمع عبد الملك ذلك، فقال: # وكم سائل عنا يريد لنا الردى * وكم سائلات والدموع ذوارف ثم أمر بالنساء، ~~فخرجن. # وأذن لبني أمية فدخلوا عليه وفيهم خالد وعبد الله ابنا يزيد بن معاوية ~~فقال لهما: # يا بني يزيد، أتحبان أن أقيلكما بيعة الوليد؟ # قالا: معاذ الله، يا أمير المؤمنين. # قال: لو قلتما غير ذلك لأمرت بقتلكما على حالتي هذه. # ثم خرجوا عنه، واشتد وجعه، فتمثل ببيت أمية بن أبي الصلت: # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي * في قلال الجبال أرعي الوعولا فلم يمس يومه ~~ذلك حتى ms241 قضى. # وكان سلطانه إحدى وعشرين سنة وستة أشهر، وكان له يوم مات ثمان وخمسون ~~سنة، من ذلك سبع سنين، كان فيها محاربا لعبد الله بن الزبير، ثم صفا له ~~الملك بعد قتله ابن الزبير ثلاثة عشر سنة ونصفا. # PageV00P325 ### | [الوليد بن عبد الملك] # ولما انصرف الوليد من قبل أبيه قصد المسجد الأعظم، ~~واجتمع إليه الناس، فبايعوه. # وعقد لعمر بن عبد العزيز بن مروان على الحرمين. # فنزل المدينة، فدعا بعشرة نفر من أفاضل أهلها، منهم عروة بن الزبير، ~~وعبيد الله بن عتبة، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وأبو بكر ~~ابن سليمان بن أبي حثمة، وسليمان بن يسار، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد ~~الله، فاجتمعوا، فدخلوا عليه، فقال: # اعلموا أنني لست أقطع أمرا إلا برأيكم ومشورتكم، فأشيروا علي. # قالوا: نفعل أيها الأمير، جزيت على ما تنوي خير ما جزى مؤثر لمرضاة ربه. # ثم خرجوا. ### || [إصلاح الحرم النبوي] # ثم كتب الوليد إلى عمر بن عبد العزيز، أن يشتري ~~الدور التي حول مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيزيدها في المسجد، ~~ويجدد بناء المسجد. # وكتب إلى ملك الروم يعلمه ما هم به من ذلك، ويسأله أن يبعث إليه ما ~~استطاع من الفسيفساء (1) فوجه إليه منها أربعين وسقا (2). # فبعث به إلى عمر بن عبد العزيز، فهدم عمر المسجد، وزاد فيه، وبناه، وزينه ~~بالفسيفساء. # PageV00P326 ### || [فتح بخارى وسمرقند] # وكان على خراسان من قبل الحجاج قتيبة بن مسلم ~~الباهلي. # فكتب إليه الحجاج يأمره بعبور النهر - نهر بلخ -، وأن يفتح تلك البلاد. # فاستعد قتيبة، وسار في المفازة التي بين مدينة مرو وبين مدينة آموية، وهي ~~ذات رمال وغضي (1)، فصار إلى آموية، ثم عبر النهر وسار إلى بخاري. # وكان ملك تلك الأرضين يسمى (صول) وكان ملكه على جميع ما وراء النهر، ~~فلقيه الملك، فحاربه قتيبة، فهزمه، وهرب صول نحو الصغانيان. # فاحتوى قتيبة على بخارى وحيزها، فولى عليها رجلا. # وسار حتى وافى بلاد السغد (2)، فأناخ على مدينتها العظمى، وهي سمرقند، ~~فحاصرها أشهرا. # فوجه إليه دهقانها (3): إنك ms242 لو أقمت على مدينتي هذه عمرك لم تصل إليها، ~~لأنا نجد في كتب آبائنا، أنه لا يقدر عليها إلا رجل اسمه (بالان)، لست ~~إياه، فامض لشأنك. # فزعموا أن قتيبة احتال لما يئس من مكابرتها، فهيأ صناديق، وجعل لها ~~أبوابا من أسافلها، تغلق من داخل، وتفتح، وجعل في كل صندوق رجلا مستلئما، ~~معه سيفه، وأقفل أبوابها العليا. # ثم أرسل إلى الدهقان: (أما إذا كان هذا هكذا، فإني راحل عنك إلى ~~الصغانيان، وناحيتها، ومعي فضول أموال وسلاح، فوادعني، وأحرز هذه الصناديق ~~عندك إلى عودي إن سلمت. # فأجابه إلى ذلك، وتقدم قتيبة إلى الرجال أن يفتحوا أبواب الصناديق في جوف ~~الليل، فيخرجوا، ثم يصيروا إلى باب المدينة فيفتحوه. # وأمر الدهقان بالصناديق، فأدخلت المدينة. # PageV00P327 # فلما جن الليل، وهدأ الناس خرج الرجال مستلئمين، معهم السيوف، لا ~~يستقبلهم أحد إلا قتلوه، حتى أتوا باب المدينة، فقتلوا الحرس، وفتحوا ~~الباب. # ودخل قتيبة بالجيش، ووقعت الواعية، وهرب الدهقان في سرب (1)، فلحق ~~بالملك، وصارت سمرقند في قبضة قتيبة، فخلف عليها رجلا. # وسار حتى أتى الصغانيان، فهرب الملك منهم حتى صار في بلاد الترك، ووغل ~~فيها، وخلى المملكة لقتيبة. # فدخل قتيبة الصغانيان، ووجه عماله إلى كش (2) ونسف (3)، وافتتح جميع ما ~~وراء النهر، وجميع تخارستان، ولم يبق من خراسان شئ إلا افتتحه. # ولم يزل قتيبة بخراسان سنين حتى شغب عليه أجناده فقتلوه. # فاستعمل الوليد بن عبد الملك عليها الجراح بن عبد الله الحكمي. # وحج الوليد بن عبد الملك في سنة إحدى وتسعين، وقد فرغ عمر بن عبد العزيز ~~من بناء مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فدخله، وطاف به، ونظر إلى بنائه. # ولم يكن بقي في زمن الوليد من الصحابة إلا نفر يسير، منهم بالمدينة، سهل ~~ابن سعد الساعدي، وكان يكنى أبا العباس، توفي في آخر خلافة الوليد، وكان ~~يوم مات ابن مائة سنة، ومنهم جابر بن عبد الله. # وبالبصرة أنس بن مالك. # وبالكوفة عبد الله بن أبي أوفى. # وبالشام أبو أمامة الباهلي. ### || [موت الحجاج] # وفي السنة الخامسة من خلافة الوليد ms243 مات الحجاج بواسط، وله ~~أربع وخمسون سنة، وكانت إمرته على العراق عشرين سنة. # PageV00P328 # منها في خلافة عبد الملك خمس عشرة سنة، وفي خلافة الوليد خمس سنين. # وقد كان قتل سعيد بن جبير قبل موته بأربعين يوما. # قالوا: وكان يقول في طول مرضه إذا هجر: ما لي ولك يا ابن جبير؟ # وقتل ابن جبير وهو ابن تسع وأربعين سنة، وكان يكنى أبا عبد الله، وكان ~~ولاؤه لبني أمية. ### | [سليمان بن عبد الملك] # ولما تم للوليد بن عبد الملك تسع سنين وستة أشهر ~~حضرته الوفاة، فأسند الملك إلى أخيه سليمان بن عبد الملك. # فبويع سليمان في جمادي الآخرة سنة ست وتسعين، وسليمان يومئذ من أبناء سبع ~~وثلاثين سنة. # فملك سليمان سنتين وثمانية أشهر، ثم مرض مرضته التي مات فيها. # فلما ثقل كتب كتابا، وختمه، ولم يدر أحد ما كتب فيه، ثم قال لصاحب شرطه: # (أجمع إليك إخوتي، وعمومتي، وجميع أهل بيتي، وعظماء أجناد الشام، وأحملهم ~~على البيعة لمن سميت في هذا الكتاب، فمن أبى منهم أن يبايع، فاضرب عنقه)، ~~ففعل. # فلما اجتمعوا في المسجد أمرهم بما أمر به سليمان. # فقالوا: أخبرنا من هو؟ لنبايعه على بصيرة. # فقال: والله ما أدري من هو، وقد أمرني أن أضرب عنق من أبى. # قال رجاء بن حياة: فدخلت على سليمان، فأكببت عليه، وقلت: # يا أمير المؤمنين، من صاحب الكتاب الذي أمرتنا بمبايعته؟ # فقال: إن أخوي يزيد وهشاما لم يبلغا أن يؤتمنا على الأمة، فجعلتها للرجل ~~الصالح، عمر بن عبد العزيز، فإذا توفي عمر رجع الأمر إليهما. PageV00P329 # فخرج رجاء بن حياة، فأخبر يزيد وهشاما بذلك، فرضيا، وسلما، وبايعا، ثم ~~بايع بعدهما جميع الناس. # وكان أكبر ولده يومئذ محمد بن سليمان، فكانت له اثنتا عشرة سنة. # وجعل يقول، وهو يجود بنفسه: # إن بني صبية صيفيون * أفلح من كان له ربعيون وذكر عن الكلبي أنه قال: بعث ~~إلى سليمان بن عبد الملك، فدخلت عليه، وقد انتفخ سحري (1)، فسلمت عليه ~~بالخلافة، فرد علي السلام. # ثم أومأ إلي، فجلست، فسكت عني ms244 حتى إذا سكن جأشي، قال لي: # يا كلبي، إن ابني محمدا قرة عيني وثمرة قلبي، وقد رجوت أن يبلغ الله به ~~أفضل ما بلغ رجلا من أهل بيته، وقد وليتك تأديبه، فعلمه القرآن، وروه ~~الأشعار، فإن الشعر ديوان العرب، وفهمه أيام الناس، وخذه بعلم الفرائض، ~~وفهمه السنن، ولا تفتر عنه ليلا ونهارا، فإذا أخطأ بكلمة، أو زل بحرف، أو ~~هفا بقول، فلا تؤنبه بين يدي جلسائه، ولكن إذا خلا لك مجلسك، لئلا تمحكه، ~~(2) وإذا دخل عليه الناس للتسليم، فخذه بألطافهم وإظهار برهم، وإذا حياة ~~فليحيهم بأحسن منها، وأطيبا لمن حضر بمائدتكما الطعام، وأحمله على طلاقة ~~الوجه، وحسن البشر، وكظم الغيظ، وقلة القذر، والتثبت في المنطق، والوفاء ~~بالعهد، وتنكب الكذب، ولا يركبن فرسا مخذوفا (3)، ولا مهلوبا (4) ولا يركبن ~~بسرج صغير، فتبدو أليتاه منه). # قال: فلم يلبث سليمان بعد ذلك إلا قليلا حتى مات. # PageV00P330 ### | [عمر بن عبد العزيز] # وأسند الأمر إلى عمر بن عبد العزيز. # قالوا: فلما استخلف قعد للناس على الأرض. # فقيل له: لو أمرت ببساط يبسط لك، فتجلس، ويجلس الناس عليه كان ذلك أهيب ~~لك في قلوب الناس فتمثل: # قضى ما قضى فيما مضى، ثم لا ترى * له صبوة إحدى الليالي الغوابر ولولا ~~التقى من خشية الموت والردى * لعاصيت في حب الصبا كل زاجر وكان إذا جلس ~~للناس قال (بسم الله، وبالله، وصلى الله على رسول الله، أفرأيت إن متعناهم ~~سنين، ثم جاءهم ما كانوا يوعدون، ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون) (1). # ثم تمثل بهذه الأبيات: # نسر بما يبلى، ونشغل بالمنى * كما سر بالأحلام في النوم حالم نهارك يا ~~مغرور سهو وغفلة * وليلك نوم، والردى لك لازم وسعيك فيما سوف تكره غبة * ~~كذلك في الدنيا تعيش البهائم ثم نصب نفسه لرد المظالم. # وبدأ ببني أمية، وأخذ ما كان في أيديهم من الغصوب (2)، فردها على أهلها. # ودخل عليه أناس من خاصته، فقالوا: # يا أمير المؤمنين، ألا تخاف غوائل قومك؟. # فقال: أبيوم سوى يوم القيامة تخوفونني؟ فكل خوف أتقيه قبل يوم القيامة ms245 لا ~~وقيته. # فلما تم لخلافته سنتان وخمسة أشهر مات. # PageV00P331 ### | [يزيد بن عبد الملك] # وأفضى الأمر إلى يزيد بن عبد الملك في أول سنة مائة ~~وإحدى. # فولى المصرين أخاه مسلمة بن عبد الملك. # وكان مسلمة ذا عقل كامل وأدب فاضل، فاستعمل مسلمة على خراسان سعيد ابن ~~عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص بن أمية. ### || [ظهور الدعوة إلى العباسيين] # قالوا: وفي ذلك العام (1) توافدت الشيعة على ~~الإمام محمد بن علي بن عبد الله ابن عباس بن عبد المطلب بن هاشم، وكان ~~مستقره بأرض الشام، بمكان يسمى (الحميمة) وكان أول من قدم من الشيعة ميسرة ~~العبدي، وأبو عكرمة السراج، ومحمد بن خنيس، وحيان العطار. # فقدم هؤلاء عليه، فأرادوه على البيعة، وقالوا له: # (ابسط يدك لنبايعك على طلب هذا السلطان، لعل الله أن يحيي بك العدل، ~~ويميت بك الجور، فإن هذا وقت ذلك، وأوانه، والذي وجدناه مأثورا عن ~~علمائكم). # فقال لهم محمد بن علي: (هذا أوان ما نأمل ونرجو من ذلك، لانقضاء مائة من ~~التاريخ، فإنه لم تنقض مائة سنة على أمه قط إلا أظهر الله حق المحقين، ~~وأبطل باطل المبطلين، لقول الله جل اسمه (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية ~~[على عروشها، قال، إني يحيي هذه] (2) الله بعد موتها فأماته الله مائة عام، ~~ثم بعثه (3) فانطلقوا أيها النفر، فادعوا الناس في رفق وستر، فإني أرجو أن ~~يتمم الله أمركم، ويظهر دعوتكم، ولا قوة إلا بالله). # PageV00P332 # ثم وجه ميسرة العبدي، ومحمد بن خنيس إلى أرض العراق، ووجه أبا عكرمة ، و ~~حيان العطار إلى خراسان، وعلى خراسان يومئذ سعيد بن عبد العزيز بن الحكم ~~ابن أبي العاص. # فجعلا يسيران في أرض خراسان من كورة إلى أخرى، فيدعوان الناس إلى بيعة ~~محمد بن علي، ويزهدانهم في سلطان بني أمية لخبث سيرتهم، وعظيم جورهم ، ~~فاستجاب لهما بخراسان أناس كثير، وفشا بعض أمرهم وعلن. # فبلغ أمرهما سعيدا، فأرسل إليهم، فأتي بهم، فقال: # - من أنتم؟ # قالوا: نحن قوم تجار. # قال: فما هذا الذي يذكر عنكم؟ # قالوا: وما ms246 هو؟ # قال: أخبرنا أنكم جئتم دعاة لبني العباس. # قالوا: أيها الأمير، لنا في أنفسنا وتجارتنا شغل عن مثل هذا. # فأطلقهما. # فخرجا من عنده، يدوران كور خراسان ورساتيقها في عداد التجار، فيدعوان ~~الناس إلى الإمام محمد بن علي، فمكثا بذلك عامين. # ثم قدما على الإمام محمد بن علي بأرض الشام، فأخبراه أنهما قد غرسا ~~بخراسان غرسا يرجوان أن يثمر في أوانه، وألفياه قد ولد له أبو العباس ابنه. # فأمر بإخراجه إليهم، وقال: هذا صاحبكم. # فقبلوا أطرافه كلها. # وكان مع الجنيد بن عبد الرحمن عامل السند رجل من الشيعة، يسمى بكير ابن ~~ماهان، فانصرف إلى موطنه من الكوفة، وقد أصاب بأرض السند مالا كثيرا، فلقيه ~~ميسرة العبدي وابن خنيس، وأخبراه بأمرهما، وسألاه أن يدخل في الأمر معهما، ~~فأجابهما إليه، وقام معهما، وأنفق جميع ما استفاد بأرض السند من الأموال ~~بذلك السبب. PageV00P333 # ومات ميسرة بأرض العراق. # وكتب الإمام محمد بن علي إلى بكير بن ماهان، أن يقوم مقام ميسرة، وكان ~~بكير يكنى بأبي هاشم، وبها كان يعرف في الناس. # وكان رجلا مفوها، فقام بالدعاء، وتولى الدعوة بالعراقين، وكانت كتب ~~الإمام تأتيه، فيغسلها بالماء ويعجن بغسالتها الدقيق، ويأمر، فيختبز منه ~~قرص، فلا يبقى أحد من أهله وولده إلا أطعمه منه. # ثم إنه مرض مرضه الذي مات فيه، فأوصى إلى أبي سلمة الخلال، وكان أيضا من ~~كبار الشيعة. # وكتب إلى يعلمه ذلك. # فكتب محمد بن علي إلى أبي سلمة، فولاه الأمر، وأمره بالقيام بما كان يقوم ~~به أبو هاشم. # ثم كتب إلى أبي عكرمة وحيان، وكانا صاحبي الأمر بخراسان، يأمرهما أن ~~يكاتبا أبا سلمة، فدعاهما إلى الدخول معه في أمره، فأجاباه، ودخلا معه، ~~وكانفاه. # ثم إن يزيد بن عبد الملك عزل أخاه مسلمة عن العراق وخراسان، واستعمل ~~مكانه خالد بن عبد الله القسري، واستعمل خالد أسد بن عبد الله على خراسان، ~~فانتهى خبر أبي عكرمة، وحيان إلى أسد بن عبد الله، فأمر بطلبهما، فأخذا، ~~وأتي بهما، فضربت أعناقهما، وصلبا. # وبلغ ذلك محمد بن علي، فقال: ms247 الحمد لله الذي صحح هذه العلامة، وقد بقي من ~~شيعتي رجال سوف يفوزون بالشهادة. # فلما تم لملك يزيد بن عبد الملك أربع سنين وأشهر توفي بالبلقاء من أرض ~~دمشق. # وكانت وفاته سنة خمس ومائة، وله يوم مات ثمان وثلاثون سنة. PageV00P334 ### | [هشام بن عبد الملك] # ثم استخلف هشام بن عبد الملك، وهو ابن أربع وثلاثين ~~سنة. # فعزل أسد بن عبد الله عن خراسان، وولاها الجنيد بن عبد الرحمن، وكان رجلا ~~من اليمانية، ذا فضل وسخاء. # وهو الذي يقول فيه الشاعر: # ذهب الجود والجنيد جميعا * فعلى الجود والجنيد السلام * * * ولما قتل أبو ~~عكرمة وحيان وجه الإمام محمد بن علي إلى خراسان خمسة نفر من شيعته: سليمان ~~بن كثير، ومالك بن الهيثم، وموسى بن كعب، وخالد بن الهيثم، وطلحة بن زريق، ~~وأمرهم بكتمان أمرهم، وألا يفشوه إلى أحد إلا بعد أن يأخذوا عليه العهود ~~المؤكدة بالكتمان. # فساروا حتى أتوا خراسان، فكانوا يأتون كورة بعد كورة، فيدعون الناس سرا ~~إلى أهل بيت نبيهم، ويبغضون إليهم بني أمية، لما يظهر من جورهم واعتدائهم، ~~وركوبهم القبائح، حتى استجاب لهم بشر كثير في جميع كور خراسان. # وبلغ الجنيد أمرهم، فأمر بطلبهم، وأخذوا، وأتي بهم الجنيد. # فقال: يا فسقة، قد قدمتم هذه البلاد، فأفسدتم قلوب الناس على بني أمية، ~~ودعوتم إلى بني العباس. # فتكلم سليمان بن كثير، وقال: أيها الأمير، أتأذن لي في الكلام؟ # قال: تكلم قال: أنا وإياك كما قال الشاعر: # لو بغير الماء حلقي شرق * لاستغثت اليوم بالماء القراح نعلمك أيها ~~الأمير، إنا أناس من قومك اليمانية، وإن هؤلاء المضرية تعصبوا علينا، فرقوا ~~إليك فينا الزور والبهتان، لأنا كنا أشد الناس على قتيبة، فهم الآن يطلبون ~~بثأره بكل علة. PageV00P335 # فقال الجنيد لمن كان حوله من أصحابه: (ما ترون)؟. # فتكلم عبد الرحمن بن نعيم رئيس ربيعة، وكان من خاصته: # - نرى أن تمن بهم على قومك، فلعل الأمر كما يقولون. # فأمر بإطلاقهم. # فخرجوا، وكتبوا بقصتهم إلى الإمام. # فكتب إليهم: (أن هذا أقل ما لكم، فاكتموا أمركم، وترفقوا في ms248 دعوتكم). # فساروا من مدينة مرو إلى بخارى، ومن بخارى إلى سمرقند، ومن سمرقند إلى كش ~~ونسف، ثم عطفوا على الصغانيان، وجازوا منها إلى ختلان (1)، وانصرفوا إلى ~~مرو الروذ (2)، والطالقان (3)، وعطفوا إلى هراة (4)، وبوشنج، (5)، وجازوا ~~إلى سجستان. # فغرسوا في هذه البلدان غرسا كثيرا، وفشا أمرهم في جميع أقطار خراسان. # وبلغ ذلك الجنيد، فأسف على تركهم، ووجه في طلبهم، فلم يقدر عليهم. # فكتب إلى خالد بن عبد الله القسري، وكان على العراق، يعلمه انتشار خراسان ~~وما حدث فيها من الدعاة إلى محمد بن علي. # فكتب خالد بن عبد الله إلى هشام يعلمه بذلك. # فكتب إليه هشام، يأمره بالكتاب إلى الجنيد، ألا يرغب في الدماء، وأن يكف ~~عمن كف عنه، ويسكن الناس بجهده، وأن يطلب النفر الذين يدعون الناس حتى ~~يجدهم، فينفيهم. # PageV00P336 # فلما انتهى ذلك إلى الجنيد بعث رسله في أقطار خراسان. # وكتب إلى عماله في الكور يطلب القوم، فطلبوا، فلم يدرك لهم أثر. ### || [أبو مسلم الخراساني] # قالوا: وكان بدء أمر أبي مسلم أنه كان مملوكا ~~لعيسى، ومعقل، ابني إدريس، ابن عيسى العجليين، وكان مسكنهما بماه البصرة، ~~مما يلي أصبهان. # وكان أبو مسلم ولد عندهما، فنشأ غلاما، فهما، أديبا، ذهنا، فأحباه حتى ~~نزل منهما منزلة الولد. # وكانا يتوليان بني هاشم، ويكاتبان الإمام محمد بن علي، فمكثا بذلك ما شاء ~~الله. # ثم إن هشاما عزل خالد بن عبد الله القسري من العراق، وولى مكانه يوسف ابن ~~عمر الثقفي، فكان يوسف بن عمر لا يدع أحدا يعرف بموالاة بني هاشم، ومودة ~~أهل بيت رسول الله إلا بعث إليه، فحبسه عنده بواسط. # فبلغه أمر عيسى، ومعقل ابني إدريس، فأشخصهما، وحبسهما بواسط فيمن حبس من ~~الشيعة. # وكانا أخرجا معهما أبا مسلم فكان يخدمهما في الحبس. # وإن سليمان بن كثير، ومالك بن الهيثم، ولاهز بن قرط، وهم كانوا الدعاة ~~بخراسان قدموا للحج، وقدم معهم قحطبة بن شبيب، وكان ممن بايعهم، وشايعهم ~~على أمرهم، فجعلوا طريقهم على مدينة واسط، ودخلوا الحبس، فلقوا من كان فيه ~~من الشيعة، فرأوا أبا ms249 مسلم، فأعجبهم ما رأوا من هيئته، وفهمه، واستبصاره في ~~حب بني هاشم. # ونزل هؤلاء النفر بعض الفنادق بواسط، فكان أبو مسلم يختلف إليهم طول ~~مقامهم حتى أنس بهم، وأنسوا به، فسألوه عن أمره. PageV00P337 # فقال: إن أمي كانت أمه لعمير بن بطين العجلي، فوقع عليها، فحملت بي، ~~فباعها، وهي حامل، فاشتراها عيسى، ومعقل، ابنا إدريس، فولدت عندهما، فأنا ~~كهيئة المملوك لهما. # ثم إن النفر شخصوا من واسط، وأخذوا نحو مكة على طريق البصرة، فوصلوا إلى ~~مكة، وقد وافاها الإمام محمد بن علي حاجا، فلقوه، وسلموا عليه، وأخبروه بما ~~غرسوا به في جميع خراسان من الغرس، ثم أخبروه بممرهم بواسط، ودخولهم على ~~إخوانهم المحبسين بها. # ووصفوا له صفة أبي مسلم، وما رأوا من ذكاء عقله وفهمه، وحسن بصره، وجودة ~~ذهنه، وحسن منطقه. # فسألهم: أحر هو أم مملوك؟ # فقالوا: أما هو، فيزعم أنه ابن عمير بن بطين العجلي، وكانت قصته كيت ~~وكيت، ثم فسروا له ما حكي لهم من أمره. # فقال: إن الولد [تبع للأم، فإذا انصرفتم فاجعلوا] (1) ممركم بواسط، ~~فاشتروه، وابعثوا به إلى الحميمة (2) من أرض الشام، لأجعله الرسول فيما ~~بيني وبينكم، على أني أحسبكم لا تلقوني بعد عامي هذا، فإن حدث بي حدث ~~فصاحبكم ابني هذا - يعني إبراهيم - فاستوصوا به خيرا، فإني سأوصيه بكم ~~خيرا. # فانصرف القوم نحو خراسان، ومروا بواسط، ولقوا عيسى، ومعقل ابني إدريس، ~~فأخبروهما بحاجة الإمام إلى أبي مسلم، وسألوهما بيعة منهم. # فزعموا، أنهما وهباه له. # فوجه به القوم إلى الإمام، فلما رآه تفرس فيه الخير، ورجا أن يكون هو ~~القيم بالأمر، لعلامات رآها فيه، قد كانت بلغته. # فجعله الرسول فيما بينه وبينهم، فاختلف إليهم مرارا كثيرة. # PageV00P338 ### || [وفاة الإمام] # ثم توفي الإمام محمد بن علي، فقام بالأمر بعده ابنه ~~إبراهيم بن محمد، وكان أكبر ولده، فأمر أبا مسلم أن يسير إلى الدعاة ~~بالعراق، وخراسان، فيعلمهم وفاة الإمام، وقيامه بالأمر من بعده. # فسار حتى وافى العراق، ولقي أبا سلمة، ومن كان معه من الشيعة، فأخبرهم ~~بما أمره به. # ثم ms250 سار إلى خراسان ولقي الدعاة بها، فأخبرهم بذلك. # وبلغ وفاة الإمام جميع من بايع في أقطار خراسان، فسودوا ثيابهم حزنا ~~لمصابه، وتسلبا عليه. # وكان أول من سود منهم ثيابه حريش مولى خزاعة، وكان عظيم أهل نسا (1)، ثم ~~سودها من بعده قحطبة بن شبيب، ثم سود القوم جميعا، وكثرت الشيعة بخراسان ~~كلها، وعلن أمرهم. # وكتب يوسف بن عمر، وكان على العراقين، إلى هشام، يخبره بذلك، فكتب هشام ~~إلى يوسف، يأمره أن يبعث إليه رجلا، له علم بخراسان، ومعرفة بمن فيها من ~~قوادها، وجنودها. # وقد كان يوسف بن عمر عزل عنها الجنيد بن عبد الرحمن، واستعمل عليها جعفر ~~بن حنظلة البهراني. # فكتب جعفر إلى يوسف بن عمر مع عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي، يخبره ~~بتفاقم أمر المسودة بخراسان، وكثرة من أجاب الدعاة بها. # فلما أتاه كتاب هشام يأمره أن يوجه إليه رجلا، له علم بخراسان، حمل عبد ~~الكريم بن سليط إليه على البريد. # PageV00P339 # قال عبد الكريم: فسرت حتى وافيت دمشق، فدخلت على هشام، فسلمت عليه ~~بالخلافة. # فقال لي: من أنت؟ # قلت: أنا عبد الكريم بن سليط بن عطية الحنفي. # قال: كيف علمك بخراسان وأهلها؟ # قلت: أنا بها جد عالم. # ثم أخبرته أن وجهي كان منها بكتاب أميرها جعفر بن حنظلة البهراني إلى ~~يوسف بن عمر يخبره بما حدث فيها. # قال: إني أريد أن أولي أمرها رجلا من القواد، الذين هم مرتبون بها، فمن ~~ترى أن أولي أمرها منهم، وأيهم أقوم بها؟ # قال عبد الكريم: - وكان هواي في اليمانية - فقلت: # يا أمير المؤمنين، أين أنت من رجل من قوادها ذي حزم، وبأس، ومكيدة، وقوة، ~~ومكانفة من قومه؟ # قال: ومن هو؟ # قلت: جديع بن علي الأزدي المعروف بالكرماني. # قال: وكيف يسمى الكرماني؟ # قلت: ولد بكرمان، كان أبوه مع المهلب عند محاربته الأزارقة، فولد هذا ~~هناك. # قال: لا حاجة لي في اليمانية - وكان هشام يبغض اليمانية، وكذلك سائر بني ~~أمية -. # قلت: يا أمير المؤمنين، فأين أنت من المجرب البطل النافذ اللسن؟ # قال: ومن ms251 هو؟ # قلت: يحيى بن نعيم، المعروف بأبي الميلاء، وهو ابن أخي مصقلة بن هبيرة. # قال: لا حاجة لي فيه، لأن ربيعة لا تسد بها الثغور. PageV00P340 # فقلت: يا أمير المؤمنين، فعليك بالماجد اللبيب الأريب، الكامل الحسيب، ~~عقيل بن معقل الليثي. # قال، فكأنه هوية. # فقلت: إن اغتفرت منه هنه فيه. # قال: وما هي؟ # قلت: ليس بعفيف البطن والفرج. # قال: لا حاجة لي فيه. # قلت: فالكامل النافذ، الفارس المجرب، محسن بن مزاحم السلمي. # قال، فكأنه هوية، للمضرية. # قلت: إن اغتفرت هنه فيه. # قال: وما هي؟ # قلت: أكذب، ذي لهجة. # قال: لا حاجة لي فيه. # قلت: فذو الطاعة لكم، المتمسك بعهدكم، المقتدي بقدوتكم، يحيى بن الحضين ~~بن المنذر بن الحارث بن وعلة. # قال: ألم أخبرك أن ربيعة لا تسد بها الثغور؟ # قلت: فالكامل النافذ الشجاع البطل، قطن بن قتيبة بن مسلم. # قال: فمال إليه بالمضرية. # قلت: إن اغتفرت منه هنه. # قال: وما هي؟ # قلت: لا آمنه أن أفضى إليه السلطان أن يطلب جنود خراسان بدم أبيه قتيبة، ~~فإنهم جميعا تظافروا عليه. # قال: لا حاجة لي فيه. # قلت: فأين أنت من العفيف المجرب، الباسل المحنك، نصر بن سيار الليثي؟ ~~PageV00P341 # قال: فكأنه تفاءل به، ومال إليه، بالمضرية. # قلت: إن اغتفرت منه خصلة. # قال: وما هي؟ # قلت: ليست له بخراسان عشيرة من جنودها، وإنما يقوى على ولاية خراسان من ~~كانت له بها عشيرة من جنودها. # قال: فأي عشيرة أكثر مني، لا أبا لك، يا غلام؟ انطلق إلى الكتاب، فمرهم ~~بإنشاء عهده، وائتوني به. # فكتب له عهده، وأتى به. # فناولنيه، وقال: انطلق حتى توصله إليه. # ثم أمر أن أحمل على البريد. # فسرت حتى وافيت خراسان، فأتيته في منزله، فناولته العهد، فأمر لي بعشرة ~~آلاف درهم. # ثم تناول العهد، فانطلق إلى جعفر بن حنظلة، الأمير كان بها، فدخل عليه، ~~وهو جالس على سريره، فناوله العهد. # فلما قرأه أخذ بيد نصر، فرفعه حتى أجلسه معه على سريره، وقال: # سمعا وطاعة لأمير المؤمنين. # فقال له نصر: أبا خلف، السلطان سلطانك، فمر ms252 بأمرك. # ودعا له جعفر بن حنظلة، وسلم الأمر إليه. # وإن سليمان بن كثير، ولاهز بن قرط، ومالك بن الهيثم، وقحطبة ابن شبيب ~~أرادوا الحج، فخرجوا مع الحاج متنكرين حتى أتوا مكة، وقد وافاها في ذلك ~~العام إبراهيم بن محمد الإمام، فأخبروه بما اجتمع له الناس بخراسان. # وقد كانوا حملوا إليه ما بعثت به إليه الشيعة. # فقالوا: قد حملنا إليك مالا. # قال: وكم هو؟ PageV00P342 # قالوا: عشرة آلاف دينار، ومائتا ألف درهم. # فقال: سلموه إلى مولاي عروة، فدفعوه إليه. # فقال لهم إبراهيم: إني قد رأيت أن أولي الأمر هناك أبا مسلم، لما جربت من ~~عقله، وبلوت من أمانته، وأنا موجهة معكم، فاسمعوا له، وأطيعوا أمره، فإن ~~والدي - رحمة الله عليه - قد كان وصف لنا صفته، وقد رجوت أن يكون هو الذي ~~يسوق إلينا الملك، فعاونوه، وكانفوه، وانتهوا إلى رأيه، وأمره. # قالوا: سمعا وطاعة لك أيها الإمام. # فانصرفوا، وأبو مسلم معهم، حتى صاروا إلى خراسان، فتشمر أبو مسلم للدعاء، ~~وأخذ القوم بالبيعة، ووجه كل رجل من أصحابه إلى ناحية من خراسان، فكانوا ~~يدورون بها كورة كورة، وبلدا بلدا، في زي التجار. # فاتبعه عالم من الناس عظيم، فواعدهم لظهوره يوما سماه لهم، وولي على من ~~بايعه في كل كورة رجلا من أهلها، وتقدم إليهم بالاستعداد للخروج من ذلك ~~اليوم الذي سماه لهم حتى أجاب جميع أرض خراسان، سهلها وجبلها، وأقصاها ~~وأدناها. # وبلغ في ذلك ما لم يبلغه أصحابه من قبله، واستتب له الأمر على محبته، ~~وصار من أعظم الناس منزلا عند شيعته، حتى كانوا يتحالفون به، فلا يحنثون، ~~ويذكرونه، فلا يملون. # * * * وقد كان خالد بن عبد الله ولي العراقين عشر سنين، أربعا في خلافة ~~يزيد ابن عبد الملك، وستا في خلافة هشام. # فلما عزله هشام، وولى مكانه يوسف بن عمر حاسبه يوسف، فخرج عليه عشرة آلاف ~~درهم، قد كان وهبها للناس، وبذرها - وكان من أسخى العرب - فحبسه يوسف بن ~~عمر عنده في العراق. PageV00P343 # وكتب إلى هشام يتقاعد خالد بالمال الذي خرج عليه فكتب إليه ms253 هشام بالبسط ~~عليه (1). # فدعا به يوسف بن عمر وقال: # ما هذا التقاعد بمال السلطان يا ابن الكاهن؟ - يعني شق ابن صعب المعروف ~~بالكهانة وكان خالد بن عبد الله من ولده. # فقال له خالد بن عبد الله. # أتعيرني بشر في يا ابن الخمار؟ وإنما كان أبوك وجدك بالطائف أصحاب حانة. # وبلغ هشاما أن خالدا بذر ذلك المال في الناس، فكتب إلى يوسف يأمره ~~بإطلاقه، والكف عنه. # فلم يزل خالد مقيما بالكوفة حتى خرج زيد بن علي، بن الحسين، بن علي بن ~~أبي طالب عليهم السلام بالكوفة. # وكان خروجه في صفر سنة ثماني عشرة ومائة. # فسار إليه يوسف بن عمر، فالتقوا بالكناسة (2). # فانهزم أصحاب زيد، وخذلوه. # فأخذه يوسف بن عمر، فضرب عنقه. # وبعث برأسه إلى هشام، وصلب جسده بالكناسة. # وأن خالدا كتب إلى هشام يستأذنه في الخروج إلى طرسوس (3) غازيا متطوعا، ~~فأذن له هشام في ذلك، فسار حتى وافى طرسوس فأقام بها مرابطا. # PageV00P344 ### || [وقيعة بين خالد وهشام] # وإن رجلا من أهل العراق كان يتلصص، ويكنى أبا ~~المعرس، قدم من الكوفة نحو أرض الشام، في جماعة من لصوص الكوفة، حتى وافوا ~~مدينة دمشق، فكان إذا جنه الليل أشعل في ناحية من السوق النار، فإذا تصايح ~~الناس، واشتغلوا بإطفاء الحريق، أقبل في أصحابه إلى ناحية أخرى من السوق، ~~فكسر الأقفال، وأخذ ما قدر عليه، ثم هرب. # فدخل كلثوم بن عياض القسري على هشام، وكان معاديا لخالد بن عبد الله، وهو ~~ابن عمه، فقال لهشام: # يا أمير المؤمنين، إن هذا الحريق لم يكن بدمشق، وقد حدث، وما هو إلا عمل ~~محمد بن خالد بن عبد الله القسري وغلمانه. # فأمر هشام بطلب محمد بن خالد، فأتوه به، وبغلمان له، فأمر بحبسه، وحبس ~~غلمانه. # وبلغ ذلك خالدا، وهو بطرسوس، فسار حتى وافى دمشق، فنزل في داره بها، وغدا ~~عليه الناس مسلمين، حتى إذا اجتمعوا عنده قال: # (أيها الناس، خرجت غازيا بإذن هشام وأمره، فحبس ابني وغلماني، أيها ~~الناس، مالي ولهشام؟ والله ليكفن عني هشام - يسميه في كل ms254 مرة باسمه ولا ~~يقول أمير المؤمنين - أو لأدعون إلى عراقي الهوى، شامي الدار، حجازي الأصل، ~~إبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، ألا وإني قد أذنت لكم أن ~~تبلغوا هشاما). # وبلغ هشاما ذلك فقال: خرف أبو الهيثم، وأنا حري باحتماله، لقديم حرمته، ~~وعظيم حقه. # فأقام خالد بن عبد الله بمدينة دمشق عاتبا لهشام، مصارما له، لا يركب ~~إليه، ولا يعبأ به، وهشام في كل ذلك يحتمله، ويحلم عنه. PageV00P345 # وإن رجلا يسمى عبد الرحمن بن ثويب الكلبي دخل على خالد بن عبد الله، فسلم ~~عليه، وعنده نفر من أشراف أهل الشام، فقال له: # (يا أبا الهيثم، إني أحبك [لعشر خصال فيك يحبها (1) الله منك: كرمك، ~~وعفوك، ودينك، وعدلك، ورأفتك، ووقارك في مجلسك، ونجدتك، ووفاؤك، وصلتك ذوي ~~رحمك، وأدبك). # فأثنى عليه خالد، وقال له خيرا. # وبلغ هشاما ذلك فقال: # أبلغ من أمر الفاسق عبد الرحمن بن ثويب أن يصف خالدا بمحاسن لم تجتمع في ~~أحد من الخلفاء المؤتمنين على عباد الله وبلاده؟ # ثم أمر به، فأحسن أدبه، ونفى عن دمشق. # وبلغ ذلك خالدا، وعنده أناس من وجوه أهل الشام، فقال لهم: # (ألا تعجبون من صنيع هشام برجل ذكر مني خصالا؟ زعم أنه يحبني لها، فضربه ~~وطرده، وإن أعظم مما قال في عبد الرحمن بن ثويب قول عبد الله بن صيفي حين ~~قال له: يا أمير المؤمنين، أخليفتك في أهلك أحب إليك وآثر عندك أم رسولك؟). # قال هشام: بل خليفتي في أهلي. # قال: فأنت خليفة الله في أرضه وخلقه، ومحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليهم، فأنت أكرم على الله منه، فلم ينكر هذه المقالة من عبد الله بن صيفي، ~~وهي تضارع الكفر، ويغضب على عبد الرحمن بن ثويب، وينكر عليه ما وصفني به من ~~خصال، يحبها الله، فأحبني لها. # فلم يحفل هشام حين بلغه ذلك من قول خالد، ولم يؤاخذه بشئ من مقالته، فلما ~~تم لخلافة هشام تسع عشرة سنة وسبعة أشهر مرض مرضته التي مات، فأسند الخلافة ms255 ~~إلى ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك. # PageV00P346 ### | [الوليد بن يزيد] # فلما استخلف الوليد بن يزيد أمر صاحب شرطة سعيد بن ~~غيلان بأخذ خالد بالمال الذي عليه من بقايا خراج العراقين والبسط عليه، ~~وقال: (أسمعني صياحه). # فأقبل سعيد بن غيلان إلى خالد وهو في منزله، فأخرجه، فانطلق به إلى ~~السجن، فعذبه يومه ذلك بألوان العذاب، فلم يكلمه خالد بحرف. # وقال الأشعث بن القيني فيما نال خالدا: # ألا أن خيرا الناس نفسا ووالدا * أسير قريش عندها في السلاسل لعمري، لقد ~~أعمرتم السجن خالدا * وأوطأتموه وطأة المتثاقل فإن تحبسوا القسري لا تحبسوا ~~اسمه * ولا تحبسوا معروفه في القبائل وقدم يوسف بن عمر الثقفي بمال ~~العراقين على الوليد، فجلس الوليد للناس، وأذن لهم إذنا عاما. # فتكلم زياد بن عبد الرحمن الضمري، وكان معاندا لخالد، فقال: يا أمير ~~المؤمنين، على محاسبة خالد بخمسة آلاف ألف درهم، فسلمه إلي. # فأرسل الوليد إلى خالد - وهو في السجن - أن زياد بن عبد الرحمن قد أعطى ~~بمحاسبتك خمسة آلاف ألف درهم، فإن صححتها لنا، وإلا دفعناك إليه. # فأرسل له خالد: أن عهدي بالعرب لاتباع، وبالله لو سألتني أن أضمن لك هذا، ~~ورفع عود من الأرض، ما فعلت. # فلما رأى الوليد بن زيد تقاعد خالد بما عليه من المال أمر به، فسلم إلى ~~يوسف ابن عمر، وقال: انطلق به إلى العراق، وأستاذه جميع ما عليه من المال). ~~PageV00P347 # فحمله يوسف بن عمر معه إلى واسط (1)، فكان يخرجه كل يوم ويعذبه، ثم يرده ~~إلى الحبس، فأخرجه ذات يوم، وقال: ما هذا التقاعد يا ابن المائقة (2). # فقال له خالد: ما ذكرك الأمهات، لعنك الله؟ والله لا أكلمك بكلمة أبدا. # فغضب يوسف بن عمر من ذلك، فوضع على خالد المضرسة (3)، وجعل يعذبه بها حتى ~~قتله، فدفنه ليلا في عباءة كانت عليه. # فأنشأ الوليد بن يزيد: # ألم تهتج فتذكر الوصالا * وحبلا كان متصلا فزالا بلى، فالدمع منك له سجال ~~* كماء الغرب ينهمل انهمالا فدع عنك ادكارك آل سعدي * فنحن الأكثرون حصى ~~ومالا ونحن ms256 المالكون الناس قسرا * نسومهم المذلة والنكالا ونوردهم حياض ~~الخسف ذلا * وما نألوهم إلا خبالا (4) وطئنا الأشعرين بكل أرض * ولم يك ~~وطؤنا أن يستقالا وكندة والسكون قد استعاذوا * نسومهم المذلة والخبالا ~~شددنا ملكنا ببني نزار * وقومنا بهم من كان مالا وهذا خالد فينا قتيلا * ~~ألا منعوه إن كانوا رجالا ولو كانت بنو قحطان عربا * لما ذهبت صنائعه ضلالا ~~ولا تركوه مسلوبا أسيرا * نحمله سلاسلنا الثقالا ولكن المذلة ضعضعتهم * فلم ~~يجدوا لذلتهم مقالا فلما سمع من كان بأقطار الشام من اليمانية هذا الشعر ~~أنفوا أنفا شديدا، فاجتمعوا من مدن الشام، وساروا نحو الوليد بن يزيد. # PageV00P348 # وبلغ الوليد مسيرهم، فأمر بمحمد بن خالد بن عبد الله فحبس بدمشق. # وأقبلت اليمانية، وخرج إليهم الوليد بمضر مستعدا للحرب، فالتقوا، ~~واقتتلوا، وأثخنت اليمانية القتل في مضر، فانهزمت مضر، وأخذوا نحو دمشق، ~~ودخل الوليد قصره، فتحصن فيه. # وأقبلت اليمانية حتى دخلت دمشق، وأخرجوا محمد بن خالد من محبسه، ورأسوه ~~عليهم. # فأرسل محمد بن خالد إلى ابن عم الوليد بن يزيد، وهو يزيد بن الوليد بن ~~عبد الملك، فجاء به، فبايعوه جميعا، وأرسل إلى أشراف المضريين، فبايعوه ~~طوعا وكرها. # وخلعوا الوليد بن يزيد، فلبث مخلوعا أياما كثيرة، وهو خليع بني أمية. ### | [يزيد بن الوليد] # فقام يزيد بن الوليد بالخلافة، ووضع للناس العطاء، وفرق ~~في اليمانية الصلات والجوائز. # وأقبل محمد بن خالد إلى قصر الوليد بن يزيد، وأمر بالأوهاق (1)، فألقيت ~~في شرف القصر، وتسلقوا، فعلوه، ونادوا: (يا وليد، يا لوطي، يا شارب الخمر)، ~~ثم نزلوا إليه، فقتلوه. # واستدف (2) الملك ليزيد بن الوليد. # وإن محمد بن خالد وجه منصور بن جمهور في خيل إلى العراق، وأمره أن يقصد ~~إلى مدينة واسط، فيأخذ الناس بالبيعة ليزيد بن الوليد، فإذا بايعوا دعا ~~بيوسف بن عمر، فضرب عنقه. # PageV00P349 # فسار منصور بن جمهور، فبدأ بالكوفة وأخذهم بالبيعة ليزيد بن الوليد، فلما ~~بايعوا سار منها إلى واسط، فاجتمع إليه الناس، فبايعوا ليزيد، فلما فرغ دعا ~~بيوسف ابن عمر، فقال له: # أنت القاتل سيد العرب خالد ms257 بن عبد الله؟ # قال يوسف: كنت مأمورا، وما لي في ذلك من ذنب، فهل لك أن تعفيني من القتل، ~~وأعطيك ديتي عشرة آلاف درهم، فضحك منه، ثم حمله حتى أتى به محمد بن خالد ~~بالشام، فقال له محمد: # أما زعمك أني كنت مأمورا فقد صدقت، وقد قتلت قاتل أبي، وإنما أقتلك بعبده ~~غزوان، ثم قدمه، فضرب عنقه. # فملك يزيد بن الوليد ستة أشهر، ثم مات. ### | [إبراهيم بن الوليد] # وقام بالملك من بعده أخوه إبراهيم بن الوليد، فبايعه ~~الناس بالشام، وجميع الآفاق، وجعل ولي العهد من بعده عبد العزيز بن الحجاج ~~بن عبد الملك بن مروان واستعمل على العراق يزيد بن عمر بن هبيرة، فسار ابن ~~هبيرة حتى نزل المكان الذي إلى اليوم يسمى (قصر ابن هبيرة) وبنى فيه قصرا، ~~واتخذ ذلك المكان منزلا له ولجنوده. # قالوا: وإن المضرية تلاومت فيما كان من غلبة اليمانية عليها، وقتلهم ~~الخليفة الوليد بن يزيد، فدب بعضهم إلى بعض، واجتمعوا من أقطار الأرض ~~وساروا حتى وافوا مدينة حمص (1)، وبها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم، ~~وكان يومئذ شيخ بني أمية وكبيرهم، وكان ذا أدب كامل ورأى فاضل، فاستخرجوه # PageV00P350 # من داره، وبايعوه، وقالوا له: (أنت شيخ قومك وسيدهم، فاطلب بثأر ابن عمك ~~الوليد بن يزيد). # فاستعد مروان بجنوده في تميم، وقيس، وكنانة، وسائر قبائل مضر، وسار نحو ~~مدينة دمشق. # وبلغ ذلك إبراهيم بن الوليد، فتحصن في قصره. # ودخل مروان بن محمد دمشق، فأخذ إبراهيم بن الوليد وولي عهده عبد العزيز ~~ابن الحجاج فقتلهما، وهرب محمد بن خالد بن عبد الله القسري نحو العراق حتى ~~أتى الكوفة، فنزل في دار عمرو بن عامر البجلي، فاستخفى فيها، وعلى الكوفة ~~يومئذ زياد بن صالح الحارثي، عاملا ليزيد بن عمر بن هبيرة. ### | [مروان بن محمد] # واستدف الملك لمروان بن محمد، وأعطاه أهل البلدان ~~الطاعة، ثم إن العصبية وقعت بخراسان بين المضرية واليمانية. # وكان سبب ذلك، أن جديع بن علي المعروف بالكرماني كان سيد من بأرض خراسان ~~من اليمانية، وكان ms258 نصر بن سيار متعصبا على اليمانية، مبغضا لهم، فكان لا ~~يستعين بأحد منهم، وعادى أيضا ربيعة لميلها إلى اليمانية، فعاتبه الكرماني ~~في ذلك. # فقال له نصر: ما أنت وذاك؟ # قال الكرماني: إنما أريد بذلك صلاح أمرك، فإني أخاف أن تفسد عليك سلطانك، ~~وتحمل عليك عدوك هذا المطل، يعني المسودة (1). # قال له نصر: أنت شيخ قد خرفت. # فأسمعه الكرماني كلاما غليظا، فغضب نصر، وأمر بالكرماني إلى الحبس، فحبس ~~في القهندز، وهي القلعة العتيقة. # PageV00P351 # فغضب أحياء العرب للكرماني، فاعتزلوا نصر بن سيار، واجتمع إلى نصر ~~المضرية، فطابقوه وشايعوه. # وكان للكرماني مولى من أبناء العجم، ذو دهاء وتجربة، وكان يخدمه في ~~محبسه، وكان الكرماني رجلا ضخما عظيم الجثة، عريض ما بين المنكبين، فقال له ~~مولاه: # - أتوطن نفسك على الشدة والمخاطرة حتى أخرجك من الحبس؟ # قال له الكرماني: وكيف تخرجني؟ # قال: إني قد عينت على ثقب ضيق، يخرج منه ماء المطر إلى الفارقين، فوطن ~~نفسك على سلخ جلدك لضيق الثقب. # قال الكرماني: لا بد من الصبر، فاعمل ما أردت. # فخرج مولاه إلى اليمانية، فواطأهم، ووطنهم في طريقه، فلما جن الليل، ونام ~~الأحراس أقبل مولاه من خارج السور، فوقف له على باب الثقب، وأقبل الكرماني ~~حتى أدخل رأسه في الثقب، وبسط فيه يديه حتى نالت يداه كفى مولاه، فاجتذبه ~~اجتذابه شديدة، سلخ بها بعض جلده، ثم اجتذبه ثانية حتى انتهى به إلى النصف، ~~فإذا هو بحية في الثقب، فنادى الكرماني مولاه: # (بذبخت، مارمار) أي (حية قد عرضت)،، فقال لمولاه: (أمهلني ساعة، حتى ~~أفيق، ويسكن ما بي من وجع الانسلاخ). # فلما رجعت إلى الكرماني نفسه نزل من ذلك التل، وأتي بدابة ركبها حتى ~~انتهى إلى منزله، واجتمعت إليه الأزد، وسائر من بخراسان من اليمانية، ~~وانحازت ربيعة معهم. # وبلغ نصر بن سيار الخبر، فدعا بصاحب الحبس فضرب عنقه، وظن أن ذلك كان ~~بمواطاة منه. PageV00P352 # ثم قال لسلم بن أحوز المازني، وكان على شرطه: (انطلق إلى الكرماني)، ~~فأعلمه: أني لم أرد به مكروها، وإنما أردت تأديبه لما استقبلني ms259 به، ومرة أن ~~يصير إلي آمنا، لأناظره في بعض الأمر. # فصار سلم إليه، فإذا هو بمحمد بن المثنى الربعي جالسا على الباب في ~~سبعمائة رجل من ربيعة، فدخل عليه، فأبلغه الرسالة، فقال الكرماني: لا، ولا ~~كرامة، ما له عندي إلا السيف. # فأبلغ ذلك نصرا. # فأرسل نصر بعصمة بن عبد الله الأزدي، وكان من خاصته، فقال له: انطلق إلى ~~ابن عمك، فأمنه، ومرة أن يصير إلى آمنا، لأناظره في بعض ما قد دهمنا من هذا ~~العدو. # فقال الكرماني لعصمة، حين أبلغه رسالة نصر: (يا ابن الخبيثة، وما أنت ~~وذاك؟ # وقد ذكر لي عمك، إنك لغير أبيك الذي تنسب إليه، إنما تريد أن تتقرب إلى ~~ابن الأقطع - يعني نصرا - أما لو كنت صحيح النسب لم تفارق قومك، وتميل إلى ~~من لا رحم بينه وبينك). # فانصرف عصمة إلى نصر، وأبلغه قوله. # ثم إن الكرماني كتب إلى عمر بن إبراهيم، من ولد أبرهة بن الصباح، ملك ~~حمير، وكان آخر ملوكهم، وكان مستوطنا الكوفة، يسأله أن يوجه إليه بنسخة حلف ~~اليمن وربيعة، الذي كان بينهم في الجاهلية، ليحييه، ويجدده، وإنما أراد ~~بذلك أن يستدعي ربيعة إلى مكانفته. # فأرسل به إليه. # فجمع الكرماني إليه أشراف اليمن وعظماء ربيعة، وقرأ عليهم نسخة الحلف. # وكانت النسخة: # (بسم الله العلي الأعظم، الماجد المنعم، هذا ما احتلف عليه آل قحطان ~~وربيعة PageV00P353 # الإخوان، احتلفوا على السواء السوا، والأواصر والإخا، ما احتذى رجل حذا، ~~وما راح راكب واغتدى، يحمله الصغار عن الكبار، والأشرار عن الأخيار. آخر ~~الدهر والأبد، إلى انقضاء مدة الأمد، وانقراض الآباء والولد، حلف يوطأ ~~ويثب، ما طلع نجم وغرب، خلطوا عليه دماهم، عند ملك أرضاهم، خلطها بخمر ~~وسقاهم، جز من نوصيهم أشعارهم، وقلم عن أناملهم أظفارهم، فجمع ذلك في صر، ~~ودفنه تحت ماء غمر، في جوف قعر بحر آخر الدهر، لا سهو فيه ولا نسيان، ولا ~~غدر ولا خذلان، بعقد موكد شديد، إلى آخر الدهر الأبيد، ما دعا صبي أباه، ~~وما حلب عبد في أناة، تحمل عليه الحوامل، وتقبل ms260 عليه القوابل، ماحل بعد عام ~~قابل، عليه المحيا والممات، حتى ييبس الفرات، وكتب في الشهر الأصم (1) عند ~~ملك أخي ذمم، تبع بن ملكيكرب، معدن الفضل والحسب، عليهم جميعا كفل، وشهد ~~الله الأجل، الذي ما شاء فعل، عقله من عقل، وجهله من جهل). # فلما قرئ عليهم هذا الكتاب تواقفوا على أن ينصر بعضهم بعضا، ويكون أمرهم ~~واحدا. # فأرسل الكرماني إلى نصر: إن كنت تريد المحاربة فأبرز إلى خارج المدينة). # فنادى نصر في جنوده من مضر. # وخرج، فعسكر ناحية من الصحراء، وفعل الكرماني مثل ذلك. وخندق كل واحد ~~منهما في عسكره، ويسمى ذلك المكان إلى اليوم (الخندقين). # ووجه الكرماني محمد بن المثنى، وأبا الميلاء الربعيين، في ألف فارس، من ~~ربيعة، وأمرهما أن يتقدما إلى عسكر نصر بن سيار. # فأقبلا، حتى إذا قاربا عسكره قال نصر لابنه تميم: # - اخرج إلى القوم في ألف فارس من قيس وتميم. # PageV00P354 # فانتخب ألف فارس، ثم خرج، فالتقوا، واقتتلوا، وحمل محمد بن المثنى الربعي ~~على تميم بن نصر، فتضاربا بسيفيهما، فلم يصنع السيفان شيئا، لكمال ~~لأمتيهما، فلما رأى محمد بن المثنى ذلك حمل بنفسه على تميم، فعانقه، فسقطا ~~جميعا إلى الأرض، وصار محمد فوق تميم، فانحنى على حلقه بالسيف، فذبحه. # وقال نصر بن سيار يرثي ابنه تميما: # نفى عني العزاء وكنت جلدا * غداة جلي الفوارس عن تميم وما قصرت يداه عن ~~الأعادي * ولا أضحى بمنزلة اللئيم وفاء للخليفة وابتذالا * لمهجته يدافع عن ~~حريم فمن يك سائلا عني فإني * أنا الشيخ الغضنفر ذو الكليم نمتني من خزيمة ~~باذخات * بواسق ينتمين إلى صميم قالوا: فمكثوا بذلك عشرين شهرا، ينهض بعضهم ~~إلى بعض كل أيام، فيقتتلون هويا، ثم ينصرفون، وقد انتصف بعضهم من بعض. # * * * وشغلهم ذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه حتى قوي أمره، واشتد ركنه، ~~وعلن شأنه في جميع كور خراسان. # فقال عقيل بن معقل الليثي لنصر بن سيار: إن هذه العصبية قد تمادت بيننا ~~وبين هؤلاء القوم، وقد شغلتك عن جميع أعمالك، وضبط سلطانك، وقد أظلك هذا ~~العدو الكلب، ms261 فأنشدك الله أن تشأم (1) نفسك وعشيرتك، قارب هذا الشيخ - يعني ~~الكرماني - بعض المقاربة، فقد انتقض الأمر على الإمام مروان بن محمد. # فقال نصر: يا ابن عم، قد فهمت ما ذكرت، ولكن هذا الملاح قد ساعدته # PageV00P355 # عشيرته، وظافرتهم على أمرهم ربيعة، فقد عدا من أجل ذلك طوره، فلا ينوي ~~صلحا، ولا ينيب إلى أمان، فانطلق يا ابن عم إن شئت، فسله ذلك، وأعطه عني ما ~~أراد. # فمضى عقيل بن معقل حتى استأذن على الكرماني، فدخل فسلم. # ثم قال له: # - إنك شيخ العرب وسيدها بهذه الأرض، فأبق عليها، قد تمادت هذه العصبية ~~بيننا وبينكم، وقد قتل منا ومنكم ما لا يحصيه أحد، وقد أرسلني نصر إليك، ~~وجعل لك حكم الصبي على أبويه، على أن ترجع إلى طاعته، لتتآزرا على إطفاء ~~هذه النار المضطرمة في جميع كور خراسان، قبل أن يكاشفوا - يعني المسودة -. # قال الكرماني: قد فهمت ما ذكرت، وكنت كارها لهذا الأمر، فأبى ابن عمك - ~~يعني نصرا - إلا البذخ والتطاول حتى حبسني في سجنه، وبعثني على نفسه وقومه. # قال له عقيل: فما الذي عندك في إطفاء هذه النائرة (1)، وحقن هذه الدماء؟ # قال الكرماني: عندي من ذلك أن نعتزل أنا وهو الأمر، ونولي جميعا أمرنا ~~رجلا من ربيعة، فيقوم بالتدبير، ونساعده جميعا، ونتشمر لطلب هؤلاء المسودة ~~قبل أن يجتمعوا، فلا نقوى بهم، ولو أحلب عليهم معنا جميع العرب. # قال عقيل: إن هذا ما لا يرضى به الإمام مروان بن محمد، ولكن الأمير نصرا ~~يجعل الأمر لك، تولي من شئت، وتعزل من شئت، وتدبر في هؤلاء المسودة ما شئت، ~~ويتزوج إليك، وتتزوج إليه. # قال الكرماني: كيف يتزوج إلي. وليس لي بكفء؟ # قال عقيل: أتقول هذا لرجل له بيت كنانة؟ # PageV00P356 # قال الكرماني: لو كان من مصاص (1) كنانة ما فعلت، فكيف وهو ملصق فيهم؟ ~~فأما قولك، إنه يجعل الأمر إلى، أولى، وأعزل من أريد، فلا، ولا كرامة، أن ~~أكون تبعا له، أو أقاره على السلطان. # فانصرف عقيل إلى نصر، فقال: (إنك كنت بهذا الملاح أبصر مني). ms262 # ثم أخبره بما دار بينهما كله. # فكتب نصر بن سيار، إلى الإمام مروان بن محمد، يخبره بخروج الكرماني عليه، ~~ومحاربته إياه، واشتغاله بذلك عن طلب أبي مسلم وأصحابه، حتى قد عظم أمرهم، ~~وإن المحصي المقلل لهم يزعم، أنه قد بايعه مائتا ألف رجل، من أقطار خراسان، ~~فتدارك يا أمير المؤمنين أمرك، وابعث إلي بجنود من قبلك يقو بهم ركني، ~~واستعن بهم على محاربة من خالفني. # ثم كتب في أسفل كتابه: # أرى تحت الرماد وميض جمر * ويوشك أن يكون له ضرام فإن النار بالعودين ~~تذكى * وأن الشر مبدؤه كلام وقلت من التعجب، ليت شعري * أأيقاظ أمية أم ~~نيام؟ # فإن يقظت، فذاك بقاء ملك * وإن رقدت، فإني لا ألام فإن يك أصبحوا، وثووا ~~نياما * فقل قوموا، فقد حان القيام فلما وصل كتابه إلى مروان كتب إلى ~~معاوية بن الوليد، بن عبد الملك، وكان عامله على دمشق، ومروان حينئذ بمدينة ~~حمص، يأمره أن يكتب إلى عامله بالبلقاء (2)، أن يسير إلى الحميمة (3)، ~~فيأخذ إبراهيم بن محمد بن علي، فيشده وثاقا، ويرسل به إليه. # PageV00P357 # فأتى إبراهيم، وهو جالس في مسجده، فلف رأسه، وحمل إلى مروان، واتبعه من ~~أهل بيته عبد الله بن علي، وعيسى بن موسى بن علي، ونفر من مواليه. # فلما دخل على مروان قال له: ما هذه الجموع التي خرجت بخراسان تطلب لك ~~الخلافة؟ # قال له إبراهيم: ما لي بشئ من ذلك علم، فإن كنت إنما تريد التجني علينا ~~فدونك وما تريد. # ثم بسط لسانه على مروان، فأمر به، فحبس. # قال الهيثم: (فأخبرني أبو عبيدة، قال: كنت آتي إبراهيم في محبسه، ومعه ~~فيه عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فأسلم عليه، وأظل عامة نهاري عنده، ~~وربما جنني الليل عنده، فأبيت معه، فبينا أنا ذات ليلة عنده، وقد بت معه في ~~الحبس، فأنا نائم في سقيفة فيه، إذ قيل، مولى لمروان، فاستفتح الباب، ففتح ~~له، فدخل ومعه نحو من عشرين رجلا من موالي مروان، فلبثوا ساعة، ثم خرجوا، ~~ولم أسمع لأحد صوتا. # فلما ms263 أصبحت دخلت البيت لأسلم عليها، فإذا هما قتيلان، فظننت أنهما خنقا). # ولما قتل إبراهيم بن محمد خاف أخواه: أبو جعفر، وأبو العباس على أنفسهما، ~~فخرجا من الحميمة هاربين من العراق، ومعهما عبد الله، وإسماعيل، وعيسى، ~~وداود بنو علي بن عبد الله بن عباس، حتى قدموا الكوفة، ونزلوا على أبي سلمة ~~الداعي، الذي كان داعية أبيهما، محمد بن علي بأرض العراق. # فأنزلهم جميعا دار الوليد بن سعد، التي في بني أود، وألزمهم مساورا ~~القصاب، ويقطينا الأبزاري، وكانا من كبار الشيعة، وقد كانا لقيا محمد بن ~~علي في حياته، فأمرهما أن يعينا أبا سلمة على أمره. PageV00P358 # وكان أبو سلمة خلالا (1)، فكان إذا أمسوا أقبل مساور بشقة لحم، وأقبل أبو ~~سلمة بخل، وأقبل يقطين بالأبزار، فيطبخون، ويأكلون. # وفي ذلك يقول أبو جعفر: # لحم مساور، وخل أبي سلمة وأبزار يقطين، وطابت المرقة فلم يزل أبو العباس، ~~وأبو جعفر مستخفين بالكوفة إلى أن قدم قحطبة بن شبيب العراق. # * * * قالوا: وبلغ أبا مسلم قتل الإمام إبراهيم بن محمد، وهرب أبي ~~العباس، وأبي جعفر من الشام، واستخفاؤهما بالكوفة عند أبي سلمة. # فسار من خراسان حتى قدم الكوفة، ودخل عليهما، فعزاهما بأخيهما، إبراهيم ~~الإمام. # ثم قال لأبي العباس: مد يدك أبايعك. # فمد يده، فبايعه. # ثم سار إلى مكة. # ثم انصرف إليهما. # فتقدم إليه أبو العباس، ألا يدع بخراسان عربيا لا يدخل في أمره إلا ضرب ~~عنقه. # ثم انصرف أبو مسلم إلى خراسان، فجعل يدورها، كورة كورة، ورستاقا رستاقا، ~~فيواعدهم اليوم الذي يظهرون فيه، ويأمرهم بتهيئة السلاح والدواب لمن قدر. # قالوا: ولما أعيت نصر بن سيار الحيل في أمر الكرماني، وخاف أزوف أبي مسلم ~~كتب إلى مروان: # PageV00P359 # يا أيها الملك الواني بنصرته * قد آن للأمر أن يأتيك من كثب أضحت خراسان، ~~قد باضت صقورتها * وفرخت في نواحيها بلا رهب فإن يطرن، ولم يحتل لهن بها * ~~يلهبن نيران حرب أيما لهب فلما وصلت هذه الأبيات إلى مروان كتب إلى يزيد ~~[بن عمر بن هبيرة عامله] (1) على العراقين، يأمره أن ينتخب ms264 من جنوده اثنا ~~عشر رجلا، مع فرض يفرضه بالعراق من عرب الكوفة والبصرة، ويولي عليهم رجلا ~~حازما، يرضى عقله وإقدامه، ويوجه بهم إلى نصر بن سيار. # فكتب يزيد بن عمر بن هبيرة إلى مروان: (أن من معه من الجنود لا يفون ~~باثني عشر ألفا، ويعلمه أن فرض الشام أفضل من فرض العراق، لأن عرب العراق ~~ليست لهم نصيحة للخلفاء من بني أمية، وفي قلوبهم إحن). # ولما أبطأ عن نصر الغوث أعاد إلى مروان: # من مبلغ عني الإمام الذي * قام بأمر بين ساطع إني نذير لك من دولة * قام ~~بها ذو رحم قاطع والثوب أن أنهج فيه البلى * أعيى على ذي الحيلة الصانع كنا ~~نداريها، فقد مزقت * واتسع الخرق على الراقع فلم يجد عند مروان شيئا. ### || [ظهور دعوة أبي مسلم] # وحان الوقت الذي واعد فيه أبو مسلم مستجيبية، ~~فخرجوا جميعا في يوم واحد من جميع كور خراسان حتى وافوه، وقد سودوا ثيابهم، ~~تسليا على إبراهيم بن محمد بن علي بن عباس الذي قتله مروان، فكان أول من ~~ورد عليه من القواد، # PageV00P360 # وقد لبس السواد، أسيد بن عبد الله، ومقاتل بن حكيم، ومحقن بن غزوان، ~~والحريش مولى خزاعة، وتنادوا: محمد، يا منصور. يعنون محمد بن علي بن عبد ~~الله ابن عباس. وهو أول من قام بالأمر، وبث دعاته في الآفاق. # وانجفل الناس على أبي مسلم من هراة، وبوشنج، ومرو الروذ، والطالقان، ~~ومرو، ونسا، وأبيورد (1)، وطوس (2)، ونيسابور، وسرخس، وبلخ، والصغانيان، ~~والطخارستان، وختلان، وكش (3)، ونسف، فتوافوا جميعا مسودي الثيابا، وقد ~~سودوا أيضا أنصاف الخشب التي كانت معهم، وسموها (كافر كوبات) (4). # وأقبلوا فرسانا، وحمارة، ورجالة، يسوقون حميرهم ويزجرونها، هر مروان، ~~يسمونها مروان، ترغيما لمروان بن محمد، وكانوا زهاء مائة ألف رجل. # فلما بلغ نصر بن سيار ظهور أبي مسلم سقط في يديه، وخاف على نفسه، ولم ~~يأمن أن ينحاز الكرماني في اليمانية، والربعية إليهم، فيكون في ذلك ~~اصطلامه، فأراد أن يستعطف من كان مع الكرماني من ربيعة. # فكتب إليهم، وكانوا جميعا بمرو: # أبلغ ربيعة فكتب ms265 إليهم جميعا بمرو وإخوتها * أن يغضبوا قبل أن لا ينفع ~~الغضب ما بالكم تلحقون الحرب بينكم * كان أهل الحجا عن فعلكم غيب وتتركون ~~عدوا قد أظلكم * ممن تأشب، لا دين ولا حسب ليسوا إلى عرب منا، فنعرفهم * ~~ولا صميم الموالي، إن هم نسبوا قوما يدينون دينا ما سمعت به * عن الرسول، ~~ولا جاءت به الكتب # PageV00P361 # فمن يكن سائلي عن أصل دينهم * فإن دينهم أن تقتل العرب فلم تحفل ربيعة ~~بهذه الأبيات. # * * * وبلغ أبا العباس الإمام، وهو مستخف بالكوفة أن أبا مسلم لو أراد أن ~~يصطلم عسكر نصر والكرماني لفعل، غير أنه يدافع الحرب، فكتب إليه يؤنبه في ~~ذلك. # وكان أبو مسلم يحب أن يستميل أحد الرجلين، ليفصم به شوكة الآخر، فأرسل ~~إلى الكرماني، يسأله أن ينضم إليه، لينتقم له من نصر بن سيار، فعزم على ~~المسير إليه، وأقبل أبو مسلم في عساكره إلى أرض مرو، فعسكر على ستة فراسخ ~~من المدينة. # وخرج إليه الكرماني ليلا في نفر من قومه، فاستأمن لجميع أصحابه، فأمنهم ~~أبو مسلم، وأكرم الكرماني، فأقام معه، وشق ذلك على نصر بن سيار، وأيقن ~~بالهلكة. # فكتب إلى الكرماني يسأله الرجوع إليه، على أن يعتزلا، ويوليا الأمر رجلا ~~من ربيعة، يرضيانه، وهو الأمر الذي كان سأله إياه. # فأصغى الكرماني إلى ذلك، وتحمل ليلا من معسكر أبي مسلم، حتى انصرف إلى ~~معسكره، واسترسل الكرماني إلى نصر، فلما أصاب منه غرة دس عليه من قتله. # ويقال: بل وجه إليه نصر رجلا من قواده في ثلاثمائة فارس، فكمنوا له ليلا ~~عند منصرفه من معسكر أبي مسلم، فلما حاذاهم، وهو غافل عنهم، حملوا عليه، ~~فقتلوه. # وبلغ ذلك أبا مسلم فقال (لا يبعد الله غيره، لو صبر معنا لقمنا معه، ~~ونصرناه على عدوه). PageV00P362 # وقال نصر في ظفره بالكرماني: # لعمري، لقد كانت ربيعة ظافرت * عدوي بغدر حين خابت جدودها وقد غمزوا مني ~~قناة صليبه * شديدا على من رامها الكسر عودها وكنت لها حصنا، وكهفا، وجنة * ~~يؤول إلى، كهلها، ووليدها فمالوا إلى السوءات، ثم تعذروا * وهل ms266 يفعل ~~السوءات إلا مريدها؟ # فأوردت كرمانيها الموت عنوة * كذاك منايا الناس يدنو بعيدها قالوا: ولما ~~قتل الكرماني مضى ابنه على من خندقه إلى أبي مسلم، فسأله أن يطلب له بثأر ~~أبيه. # فأمر قحطبة بن شبيب أن يستعد، ويسير حتى ينيخ على نصر في خندقه، فينابذه ~~الحرب، أو ينيب إلى الطاعة. # فسار قحطبة، فبدأ بالمدينة، فدخلها، واستولى عليها، وأرسل إلى نصر يؤذنه ~~بالحرب. # فكتب نصر إلى أبي مسلم، يسأله الأمان، على أن يدخل معه في أمره، فأجابه ~~إلى ذلك، وأمر قحطبة أن يمسك عنه. # فلما أصاب نصر من قحطبة غفلة تحمل في حشمه وولده، وحاشيته ليلا، فخرج من ~~معسكره من غير أن يعلم أصحابه، وسار نحو العراق، وجعل طريقه على جرجان، ~~فأقام بها، فمرض فيها، فسار منها إلى ساوة (1)، فأقام بها أياما ثم توفي ~~بها. # فاستأمن جميع أصحابه وأصحاب الكرماني إلى أبي مسلم إلا أناسا كرهوا أمر ~~أبي مسلم، فساروا من مدينة مرو هرابا، حتى أتوا طوس، فأقاموا بها. # PageV00P363 # وإن أبا مسلم استولى على خراسان، واستعمل عماله عليها. # فكان أول من عقد له منهم زنباع بن النعمان، على سمرقند، وولى خالد بن ~~إبراهيم، على طخارستان، وولى محمد بن الأشعث، الطبسين (1)، ثم وجه أصحابه ~~إلى سائر تلك البلاد، وضم إلى قحطبة بن شبيب أبا عون، مقاتل بن حكيم العكي، ~~وخالد بن برمك، وحارثة بن خزيمة، وعبد الجبار بن نهيك، وجهور بن مراد ~~العجلي، والفضل بن سليمان، وعبد الله بن النعمان الطائي، وضم إلى كل واحد ~~من هؤلاء القواد صناديد الجنود وإبطالهم. # وأمر قحطبة أن يسير إلى طوس، فيلقى من قد اجتمع بها من جنود نصر بن سيار، ~~والكرماني، فيحاربهم حتى يطردهم عنها، ثم يتقدم، قدما قدما، حتى يرد ~~العراق. # فسار قحطبة حتى إذا دنا من طوس هرب أولئك الذين قد كانوا تجمعوا بها، ~~فتفرقوا، وسار قحطبة من طوس إلى جرجان، فافتتحها. # وسار منها إلى الري، فواقع عامل مروان عليها، فهزمه، ثم سار من الري إلى ~~أصبهان حتى وافاها، وبها عامر بن ضبارة، ms267 من قبل يزيد بن عمر، فهرب منه، ~~ودخلها قحطبة، واستولى عليها. # ثم سار حتى أتى نهاوند، وبها مالك بن أدهم الباهلي، فتحصن أياما، ثم ~~استأمن إلى قحطبة، فأمنه، فخرج إليه، وسار قحطبة حتى نزل حلوان، فأقام بها. # وكتب إلى أبي مسلم يعلمه خبره، وأن مروان بن محمد قد أقبل من الشام حتى ~~وافى الزابين فأقام بها في ثلاثين ألفا، وأن يزيد بن عمر بن هبيرة قد استعد ~~بواسط. # PageV00P364 # فأتاه كتاب أبي مسلم، يأمره أن يوجه أبا عون العكي في ثلاثين ألف فارس من ~~إبطال جنوده إلى مروان بن محمد بالزابين، فيحاربه، ويسير هو في بقية الجنود ~~إلى واسط، فيحارب يزيد بن عمر، ليشغله عن توجيه المدد إلى مروان. # ففعل قحطبة ذلك. # * * * وبلغ مروان فصول أبي عون إليه بالجيوش من حلوان فاستقبله، فالتقيا ~~بشهرزور، فاقتتلوا، فانهزم أهل الشام حتى صاروا إلى مدينة حران. # قال الهيثم: فحدثني إسماعيل بن عبد الله القسري، أخو خالد بن عبد الله ~~قال: # (دعاني مروان عند وصوله إلى حران، وكنت أخص الناس عنده، فقال لي: # (يا أبا هاشم) - وما كناني قبل ذلك -. فقلت: (لبيك يا أمير المؤمنين). # قال: (ترى ما قد نزل من الأمر، وأنت الموثوق برأيه، فما ترى؟). # قلت: (وعلام أجمعت يا أمير المؤمنين؟). # قال: (أجمعت على أن ارتحل بأهلي، وولدي، وخاصة أهل بيتي، ومن اتبعني من ~~أصحابي حتى أقطع الدرب، وأصير إلى ملك الروم، فاستوثق منه بالأمان، ولا ~~يزال يأتيني الخائف من أهل بيتي وجنودي حتى يكثف أمري، وأصيب قوة على ~~محاربة عدوي). # قال إسماعيل: وذلك، والله، كان الرأي له عندي، غير أني ذكرت سوء أثره في ~~قومي، ومعاداته إياهم، وتحامله عليهم، فصرفت الرأي عنه. # وقلت له: (يا أمير المؤمنين، أعيذك بالله، أن تحكم أهل الشرك في نفسك ~~وحرمك، لأن الروم لا وفاء لهم). # قال: فما الرأي عندك؟ # قلت: الرأي أن تقطع الفرات، وتستقري مدن الشام، مدينة مدينة، فإن لك بكل ~~مدينة صنائع ونصحاء، وتضمهم جميعا إليك، وتسير حتى تنزل ببلاد مصر، فهي ~~أكثر أهل ms268 الأرض مالا، وخيلا، ورجالا، فتجعل الشام أمامك، PageV00P365 # وإفريقية (1) خلفك، فإن رأيت ما تحب انصرفت إلى الشام، وإن تكن الأخرى ~~اتسع لك المهرب نحو إفريقية، فإنها أرض واسعة، نائية منفردة. # قال: صدقت، لعمري، وهو الرأي. # فسار من حران حتى قطع الفرات، وجعل يستقري مدن الشام، فيستنهضهم، فيروغون ~~عنه، ويهابون الحرب، فلم يسر معه منهم إلى قليل. # و سار أبو عون صاحب قحطبة في أثر مروان حتى انتهى إلى الشام، وقصد دمشق، ~~فقتل من أهلها مقتلة عظيمة، فيهم ثمانون رجلا من ولد مروان ابن الحكم. ### || [نهاية بني أمية] # ثم عبر الشام سائرا نحو مصر حتى وافاها، واستعد مروان ~~فيمن كان معه، من أهل الوفاء له، وكانوا نحوا من عشرين ألف رجل، وسار ~~مستقبلا أبا عون حتى التقى الفريقان، فاقتتلوا. # فلم يكن لأصحاب مروان ثبات، فقتل منهم خلق، وانهزم الباقون، فتبددوا، ~~وهرب مروان على طريق إفريقية، وطلبته الخيل، فحال بينها وبينه الليل، فعبر ~~مروان النيل في سفينة، فصار في الجانب الغربي، وكان منجما (2)، فقال ~~لغلامه: # - إني إن سلمت هذه الليلة رددت خيل خراسان على أعقابها حتى أبلغ خراسان. # ثم نزل، ودفع دابته إلى غلامه، وخلع درعه، فتوسدها، ونام لشدة ما قد كان ~~مر به من التعب، ولم يكن معه دليل يدله على الطريق، وخاف أن يوغل في تلك ~~المفاوز، فيضل. # PageV00P366 # وأقبل رجل من أصحاب أبي عون، يسمى (عامر بن إسماعيل) في طلب مروان، حتى ~~أتى المكان الذي عبر فيه مروان، فدعا بسفينة، فجلس فيها، وعبر، فانتهى به ~~السير إلى مروان، وهو مستثقل نوما، فضربه بالسيف حتى قتله. # قالوا: ولما بلغ محمد بن خالد بن عبد الله القسري، وكان مستترا بالكوفة ~~في بجيلة، موافاة قحطبة بن شبيب حلوان بجموع أهل خراسان جمع إليه نفرا من ~~أشراف قومه، ثم ظهر، ودعا لأبي العباس الإمام، فطلبه زياد بن صالح، عامل ~~يزيد بن عمر، فاجتمع إليه قومه، فمنعوه، وقاموا دونه. # وبلغ ذلك يزيد بن عمر بن هبيرة، فأمد زياد بن صالح بالرجال، واجتمع إلى ~~محمد جميع من ms269 كان بالكوفة من اليمانية والربعية، فهرب زياد بن صالح حتى لحق ~~بيزيد بن عمر بواسط. # وكتب محمد بن خالد إلى قحطبة، وهو بحلوان، يسأله أن يوليه أمر الكوفة، ~~ويبعث إليه عهده عليها، ففعل. # فأتى المسجد الأعظم في جمع كثير من اليمانية، وقد أظهروا السواد، وذلك ~~يوم عاشوراء من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة (1). # وقال محمد بن خالد فيما كان من قتلة الوليد بن يزيد بن عبد الملك: # قتلنا الفاسق المختال لما * أضاع الحق، واتبع الضلالا يقول لخالد ألا ~~حمته * بنو قحطان إن كانوا رجالا فكيف رأى غداة غدت عليه * كراديس يشبهها ~~الجبالا (2) ألا أبلغ بني مروان عني * بأن الملك قد أودي، فزالا وسار يزيد ~~بن عمر بن هبيرة إلى الكوفة يريد محمد بن خالد، فدخل محمد على # PageV00P367 # أبي سلمة الداعي، فأخبره بفصول ابن هبيرة نحوه، وتخوفه أن لا يقوى بكثرة ~~جموعه. # فقال له أبو سلمة: إنه قد كان منك من الدعاء إلى الإمام أبي العباس ما لا ~~ينساه لك، فلا تفسد ذلك بقتلك نفسك، ومن معك، ودع الكوفة، فإنها في يديك، ~~وسر بمن معك حتى تنضم إلى قحطبة. # قال محمد: لست بخارج من الكوفة حتى أبلي عذرا في محاربة ابن هبيرة. # فاستعد بمن كان معه بالكوفة من اليمن وربيعة، وسار مستقبلا لابن هبيرة ~~حتى التقى. # فنادى محمد بن خالد من كان مع ابن هبيرة من قومه: (تبا لكم، أنسيتم قتل ~~أبي خالد، وتحامل بني أمية عليكم، ومنعهم إياكم أعطياتكم؟ يا بني عم، قد ~~أزال الله ملك بني أمية، وأدال منهم، فانضموا إلى ابن عمكم، فإن هذا قحطبة ~~بحلوان في جموع أهل خراسان، وقد قتل مروان، فلم تقتلون أنفسكم؟ # وإن الأمير قحطبة قد ولاني الكوفة، وهذا عهدي عليها، فليكن لكم أثر في ~~هذه الدولة). # فلما سمعوا ذلك مالوا إليه جميعا، ولم يلق مع ابن هبيرة إلا قيس وتميم. # فلما رأى ذلك ولى منهزما بمن معه حتى وافى واسط، ووجه في نقل الميرة (1) ~~إليها ، واستعد للحصار. # وانصرف محمد بن خالد إلى الكوفة، ms270 فخطب الناس، ودعا لأبي العباس، وأخذ ~~بيعة أهل الكوفة. # وأقبل قحطبة من حلوان حتى وافى العراق، فنزل (دمما) (2) - وهي فيما بين ~~بغداد والأنبار - وذلك قبل أن تبنى بغداد، وإنما كانت قرية، يقوم بها سوق ~~في كل شهر مرة، فأقام معسكرا بها. # PageV00P368 # فقال علي بن سليمان الأزدي يذكر محمد بن خالد وسبقه إلى الدعاء إلى بني ~~هاشم: # يا حاديينا بالطريق قوما * بيعملات كالقسي رسما (1) تنجو بأحواز الفلاة ~~مقدما * إلى امرئ أكرم من تكرما محمد لما سما وأقدما * ثار بكوفان بها ~~معلما في عصبة تطلب أمرا مبرما * حتى علا منبرها معمما أكرم بما فاز به ~~وأعظما * إذ كان عنها الناس كلا نوما * * * وإن قحطبة عند مسيرة إلى العراق ~~استخلف على أرض الجبل يوسف بن عقيل الطائي، وأقبل ابن هبيرة حتى صار على ~~شاطئ الفرات الغربي، وهو في نحو من ثلاثين ألف رجل. # وأقبل قحطبة حتى نزل في الجانب الشرقي، فأقام ثلاثا، ثم نادى في جنوده، ~~أن أقحموا خيلكم الماء، فاقتحموها، وقحطبة أمام أصحابه. # ولما عبر أصحاب قحطبة قاتلهم ابن هبيرة، فلم يقم لهم، فانهزم حتى أتى ~~واسطا، فتحصن فيها، وفقد قحطبة بن شبيب فلم يدر أين ذهب. # ويزعم بعض الناس أن فرسه غاص به فغرق، وتولى أمر الناس ابنه الحسن ابن ~~قحطبة. # ولما تحصن ابن هبيرة بواسط خلف الحسن بن قحطبة عليه بعض قواده في عشرين ~~ألف رجل، وسار نحو الكوفة، وقد أخذها محمد بن خالد، فوافاها الحسن بن ~~قحطبة، وبها الإمام أبو العباس. # PageV00P369 ### | [مبايعة أبي العباس] # فأظهر أبا العباس، وأقبل به حتى دخل المسجد الأعظم، ~~واجتمع له الناس، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على نبيه، عليه ~~السلام، ثم ذكر انتهاك بني أمية المحارم، وهدمهم الكعبة، ونصبهم عليها ~~المجانيق، وما أبدعوا من خبيث السير، ثم نزل. # فأكثر الناس له من الدعاء، وأقبل نحو دار الإمارة، فنزلها. # وأمر الحسن بن قحطبة بالانصراف إلى واسط، والإناخة بيزيد بن عمر ابن ~~هبيرة. # فسار الحسن وحاصر يزيد أشهرا كثيرة. # قال الهيثم بن عدي: بويع ms271 لأبي العباس بالخلافة، و لأبي جعفر بولاية العهد ~~من بعده، في رجب، من سنة اثنتين وثلاثين ومائة (1). # فلما استدف لأبي العباس الإمرة ولى أبا سلمة الداعي جميع ما وراء بابه، ~~وجعله وزيره، وأسند إليه جميع أموره، فكان يسمى وزير آل محمد، فكان ينفذ ~~الأمور من غير مؤامرة. # وبلغ ذلك أبا مسلم وهو بخراسان، فدعا مروان الضبي، وكان أحد قواده، وقال ~~له: (انطلق إلى الكوفة، فأخرج أبا سلمة من عند الإمام أبي العباس، فاضرب ~~عنقه، وانصرف من ساعتك)، ففعل الضبي ذلك. # فقال الشاعر يرثي أبا سلمة: # إن الوزير وزير آل محمد أودي فمن يشناك كان وزيرا (2). # ثم إن الإمام أبا العباس رأى أن يوجه أخاه أبا جعفر المنصور إلى واسط، ~~ليتولى # PageV00P370 # محاربة ابن هبيرة، فوجهه، وكتب إلى الحسن بن قحطبة يعلمه أن العسكر ~~عسكره، و [أنه] أحب أن يكون أخوه المتولي للأمر. # فلما وافى أبو جعفر واسطا تحول الحسن بن قحطبة عن سرداقه، وخلاه بما فيه ~~له، فنزله أبو جعفر بحريمه وحشمه. # وكتب أبو جعفر إلى قواد يزيد بن عمر وأشراف من العرب، يستميلهم بالأطماع، ~~وينبههم على حظوظهم، ويعرفهم انصرام دولة بني أمية، فأجابوه جميعا. # وكان أول من أجابه وانحرف إليه زياد بن صالح الحارثي، وكان عامل ابن ~~هبيرة على الكوفة، وأخص أصحابه عنده، وقد كان ابن هبيرة ولاه حراسة مدينته ~~بالليل، ودفع إليه مفاتيح أبوابها. # * * * قال الهيثم: فحدثني أبي، قال: لما هم زياد باللحوق بأبي جعفر أرسل ~~إلى، وكان وصي أبي، فكنت أدعوه أبا وعما، وقد كان رسوله أتاني عند اختلاط ~~الظلام، يأمرني بالمصير إليه، فأتيته، فخلا بي، وقال: # (يا ابن أخي، إنك لست ممن أكتمه شيئا، وقد أتاني كتاب أبي جعفر، يدعوني ~~إلى اللحوق به، ويبذل لي على ذلك منزلة سنية، وأعلم في كتابه أنه راع ~~للخئولة وكانت أم أبي العباس حارثيه -. # قال والدي: (فقلت له، يا عم، إن لابن هبيرة أيادي جميلة، و أكره لك الغدر ~~به). # فقال: (يا ابن أخي، أنا من أشكر الناس له، غير أني ms272 لا أرى أن أقيم على ~~ملك، قد انقضت قواه، ووهت عراه، وأنا لابن هبيرة اليوم عند أبي جعفر أنفع ~~مني له هاهنا، وأرجو أن يصلح الله أمره بي وعلى يدي، فأقم عندي إلى وقت ~~خروجي لأسلم لك المفاتيح). # فأقمت عنده. # فلما مضى ثلث الليل أمر غلمانه، فحملوا أثقاله، وأسرجوا دوابه، ثم ركب، ~~PageV00P371 # وخرج من منزله، وأنا أمشي معه، حتى انتهى إلى باب المدينة الذي يلي دجلة، ~~وكانت المفاتيح معه، وأمر الأحراس أن يفتحوا الباب، وقال لهم: (أريد الخروج ~~لاستطلاع بعض الأمور، وأنا منصرف بعد ساعة). # ثم خرج، وأمرني بإغلاق الباب وأخذ المفاتيح. # فقال لي فيما بيني وبينه إذا أصبحت فانطلق بالمفاتيح حتى تدفعها إلى ابن ~~هبيرة من يدك إلى يده، أعلمه أني له هناك أفضل مني له هاهنا، ثم ودعني، ~~ومضى، وانصرفت إلى منزلي. # فلما أصبحت أتيت باب قصر الإمارة، فاستأذنت على ابن هبيرة. # فقال لي الحاجب: هو قاعد في مصلاه، لم يقم عنه. # قلت: أعلمه أني أتيته في مهم. # فأذن لي. # فدخلت، وهو قاعد في محرابه، وعليه كساء بركاني (1) معلم، فسلمت عليه ~~بالإمرة. # فرد السلام. # وقال: مهم. # فحدثته بأمر زياد بن صالح، فدمعت عيناه. # وقال: بمن تثق اليوم بعد زياد، وتوليتي إياه الكوفة، ووبري به؟ # فقلت: أيها الأمير: إن الله ربما جعل في الكره خيرا، وأرجو أن ينفعك الله ~~بمكانه هناك. # فقال: لا حول ولا قوة إلا بالله. # ثم قال: يا غلام، علي بطارق بن قدامة القسري. # فدخل عليه، وأنا جالس عنده، فدفع إليه تلك المفاتيح. # PageV00P372 # وقال: يا طارق، إني قد اخترتك لحراسة هذه المدينة على جميع أصحابك من ~~خاصتنا، فكن كنحو ثقتي بك. # * * * ولما طال على ابن هبيرة الحصار بعث إلى المنصور يسأله الأمان، ~~فأرسل إليه: # (إن أردت أن أؤمنك على حكم أمير المؤمنين أبي العباس فعلت). # فشاور ابن هبيرة نصحاءه، فأشاروا عليه أن يفعل. # فأرسل إلى أبي جعفر يعلمه: أني راض بذلك. # فكتب إليه أبو جعفر ذلك بخطه، وأشهد على نفسه بذلك القواد. # فخرج ابن هبيرة إلى ms273 أبي جعفر في نفر من بطانته، فدخل عليه، وهو في ~~سرادقه، وحول السرادق عشرة آلاف نفر من أهل خراسان مستلئمين في السلاح، ~~فأمر أبو جعفر بوسادة، فجلس عليها قليلا، ثم نهض، ودعي له بدابته، فركب، ~~وانصرف إلى منزله، وفتحت أبواب المدينة، ودخل الناس بعضهم في بعض. # قالوا: وأحصى ما في الخزائن من الأموال والسلاح، وما بقي من الطعام ~~والعلف الذي كان ابن هبيرة قد ادخر، وأعد للحصار، فكان المال ثلاثة آلاف ~~ألف درهم، ومن السلاح شئ كثير، وطعام ثلاثين ألف رجل، وعلف عشرين ألف رأس ~~من الدواب سنة. # وإن أبا جعفر كتب إلى أبي العباس يخبره بخروج ابن هبيرة على حكمه، ويسأله ~~أن يعلمه الذي يرى فيه. # فكتب أبو العباس: لا حكم لابن هبيرة عندي إلا السيف. # فلما انتهى الكتاب بذلك إلى أبي جعفر كتمه عن جميع الناس. # وقال لحاجبه: مر ابن هبيرة إذا ركب إلينا ألا يركب إلا في غلام واحد، ~~ويدع عنه هذه الجماعات. # فلما كان من غد ركب ابن هبيرة إلى أبي جعفر في موكب عظيم. PageV00P373 # فقال له سلام الحاجب: (أبا خالد، كأنك إنما تأتي ولي العهد مباهيا، ولا ~~تأتيه مسلما). # قال ابن هبيرة: إن كنتم كرهتم ذلك لم آتكم إلا في غلام واحد. # قال: فلا تأتنا إلا في [غلام] واحد، فإني لم أقل ذلك استخفافا بحقك، إلا ~~أن أهل خراسان ينكرون كثرة من يركب معك. # فكان ابن هبيرة بعد ذلك لا يأتيهم إلا في غلام واحد، فيدخل، ويسلم، ~~وينصرف. # * * * ثم إن أبا جعفر قال للحسن بن قحطبة: (أجمع إليك أبا بكر العقيلي، ~~والحوثرة بن سهل، ومحمد بن بنانة، وعبد الله بن بشر، وطارق بن قدامة، وسويد ~~بن الحارث المزني، وهؤلاء كانوا قواد يزيد بن عمر، فإذا اجتمعوا عندك فاضرب ~~أعناقهم، وائتني بخواتيمهم، ووجه حرسا يحرسون ابن هبيرة، لأنفذ فيه أمر ~~الإمام أبي العباس. # فانطلق الحسن بن قحطبة، فأنفذ أمره في أولئك، وأتاه بخواتيمهم. # قال: (فما نطق منهم أحد عند قتله، وما كان منه جزع ولا امتناع). ms274 # فلما كان في اليوم الثاني دعا أبو جعفر خازم بن خزيمة، وإبراهيم بن عقيل، ~~فقال لهما: (انطلقا في عشرة نفر من الحرس حتى تدخلا على ابن هبيرة ~~فتقتلاه). # فأقبلا حتى دخلا عليه عند طلوع الشمس، وهو جالس في مسجده في القصر مسند ~~ظهره إلى المحراب، ووجهه إلى رحبة القصر. # فلما نظر إليهم قال لحاجبه: (يا أبا عثمان، أحلف بالله أن في وجوه القوم ~~لشرا. # فمضى أبو عثمان مستقبلا لهم، وقال لهم: (ما تريدون؟). # فبعجه إبراهيم بن عقيل بالسيف، فقتله، وقام إبراهيم ابنه في وجوه القوم، ~~فقتل، ثم قام ابنه داود في وجوههم، فقتل، ثم قام كاتبه عمرو، فقتل. ~~PageV00P374 # وأقبلوا نحو ابن هبيرة، فلما دنوا منه حول وجهه إلى القبلة، وسجد، فضربوه ~~بأسيافهم حتى خمد. # ثم انصرفا إلى أبي جعفر، فأخبراه بذلك، فأمر أبو جعفر مناديا، فنادى ~~(أيها الناس، أنتم آمنون إلا الحكم بن عبد الملك بن بشر، ومحمد بن ذر، ~~وخالد ابن سلمة المخزومي. # قال الهيثم: فحدثني أبي قال: قال محمد بن ذر، فضاقت على الأرض برحبها، ~~فخرجت ليلا من مدينة واسط على قدمي، وأنا أقرأ آية الكرسي، فما عرض لي أحد ~~من الناس حتى نجوت، فلم أزل خائفا حتى استأمن لي زياد بن عبد الله من ~~الإمام أبي العباس، فآمنني. # قال وهرب الحكم بن عبد الملك إلى كسكر، فاستخفى بها). # وضاقت بخالد بن سلمة المخزومي الأرض، فأتى باب أبي جعفر المنصور ليلا، ~~فاستأمن له، فآمنه. # ثم نودي (أيها الناس، أنتم جميعا آمنون، يا أهل الشام، ألحقوا بشامكم، ~~ويا أهل الحجاز، ألحقوا بحجازكم، فسكن الناس، وآمنوا، واطمأنوا. # * * * واستعمل المنصور على واسط الهيثم بن زياد الخزاعي في خمسة آلاف من ~~أهل خراسان، ثم انصرف بسائر الناس حتى قدم على الإمام أبي العباس، وهو ~~بالحيرة. # ثم إن الإمام سار من الحيرة في جموعه حتى أتى الأنبار، فاستطابها، فابتنى ~~بها مدينة بأعلى المدينة عظيمة لنفسه وجموعه، وقسمها خططا بين أصحابه من ~~أهل خراسان، وبنى لنفسه في وسطها قصرا عاليا منيفا، فسكنه، وأقام بتلك ms275 ~~المدينة طول خلافته، وتسمى إلى اليوم مدينة أبي العباس. # ثم إن أبا العباس وجه أخاه أبا جعفر المنصور إلى خراسان، وأمره أن يأتي ~~PageV00P375 # أبا مسلم، فيناظره في بعض الأمور، ووجه معه ثلاثين رجلا من وجوه القواد، ~~وفيهم الحجاج بن أرطأة الفقيه، وإسحق بن الفضل الهاشمي. # * * * فلما قدم المنصور على أبي مسلم لم يبالغ أبو مسلم في بره وإكرامه، ~~ولم يظهر السرور التام بقدومه. # فانصرف إلى أبي العباس، وقال: (لست بخليفة ما دام أبو مسلم حيا، فاحتل ~~لقتله قبل أن يفسد عليك أمرك، فلقد رأيته وكأنه لا أحد فوقه، ومثله لا يؤمن ~~غدره ونكثه). # فقال أبو العباس: وكيف يمكن ذلك، ومعه أهل خراسان؟ وقد أشربت قلوبهم حبه، ~~واتباع أمره، وإيثار طاعته. # فقال أبو جعفر: فذاك والله أحرى أن لا تأمنه، فاحتل له. # فقال أبو العباس: يا أخي، اضرب عن هذا، ولا تعلمن رأيك في ذلك أحدا. وإن ~~أبا العباس قال ذات يوم للحجاج بن أرطأة، وقد خلا معه: ما تقول في أبي ~~مسلم؟ # فقال: يا أمير المؤمنين، إن الله تعالى يقول في كتابه: (لو كان فيهما ~~آلهة إلا الله لفسدتا). # قال أبو العباس: أمسك، فقد فهمت ما أردت. # ثم إن أبا مسلم وجه محمد بن الأشعث بن عبد الرحمن أميرا على فارس. # ورأى أبو العباس أن يستعمل عليها عمه عيسى بن علي، فعقد له عليها، وأمره ~~بالمسير إليها. # فلما قدم عيسى على محمد بن الأشعث أبى أن يسلم إليه. # فقال له عيسى: يا ابن الأشعث، أ لست في طاعة الإمام أبي العباس؟ # قال: بلى، غير أن أبا مسلم أمرني ألا أسلم العمل إلى أحد من الناس. ~~PageV00P376 # قال عيسى: فإنما أبو مسلم عبد الإمام، وإن الإمام لا يرضى أن يرد أمره . ~~قال محمد: دع عنك هذا، لست أسلم العمل إليك إلا بكتاب أبي مسلم. # فانصرف عيسى إلى أبي العباس، فأخبره ذلك، فكظم، وأمر عمه بالمقام عنده، ~~فأقام. # وإن أبا مسلم عقد للمغلس بن السري على أرض طخارستان حتى وافاها، فخرج ~~إليه منصور ms276 مستعدا للحرب، فالتقوا، فاقتتلوا، فكان الظفر للمغلس، وهرب ~~منصور في نفر من أصحابه حتى وقعوا في الرمال، فماتوا عطشا. # وأقام المغلس على باب بلاد السند. # * * * وإن أبا مسلم كتب إلى الإمام أبي العباس يستأذنه في القدوم عليه، ~~والمقام عنده إلى أوان الحج ليحج، فأذن له أبو العباس في ذلك، فسار أبو ~~مسلم حتى إذا قارب الإمام أمر أبو العباس جميع من كان معه بالحضرة من ~~القواد والأشراف أن يستقبلوه، فاستقبل بالكرامة، وترجل له الأشراف والقواد. # وأقبل حتى وافى مدينة أبي العباس، فأنزله معه في قصره، ولم يال جهده في ~~بره وإكرامه، حتى إذا حان وقت الحج استأذنه في الحج. # فقال له أبو العباس: لولا أن أخي أبا جعفر قد عزم على الحج لوليتك ~~الموسم، فكونا جميعا. # قال أبو مسلم: وذاك أحب إلي. # ثم خرجا. # فكان يرتحل أبو جعفر، وينزل أبو مسلم حتى وافيا مكة، فقضيا حجهما، ~~وانصرفا. PageV00P377 ### | [أبو جعفر المنصور] # فلما وصل أبو جعفر إلى (ذات عرق) في منصرفه أتاه نعي ~~الإمام [أبي العباس] (1)، فأقام بمكانه حتى وافاه أبو مسلم، فأخبره بوفاة ~~أبي العباس. # فخنقت أبا مسلم [العبرة] (1)، وقال: (رحم الله أمير المؤمنين، إنا لله ~~وإنا إليه راجعون). # فقال أبو جعفر: إني قد رأيت أن تخلف أثقالك ومن معك من جنودك على، ~~فيكونوا معي، وتركب أنت في عشرة نفر البريد حتى ترد الأنبار، فتضبط العسكر، ~~وتسكن الناس. # قال أبو مسلم: أفعل. # فركب في عشرة نفر من خاصته، وسار بالحث الشديد حتى وافى العراق، وانتهى ~~إلى مدينة أبي العباس بالأنبار، فوجد عيسى بن علي بن عبد الله بن عباس قد ~~دعا الناس إلى بيعته، وخلع ولاية العهد عن أبي جعفر. # فلما رأوا أبا مسلم مالوا معه، وتركوا عيسى. فلما وافى أبو جعفر اعتذر ~~إليه عيسى، وأعلمه أنه إنما أراد بذلك ضبط العسكر، وحفظ الخزائن، وبيوت ~~الأموال. # فقبل أبو جعفر منه ذلك، ولم يؤاخذه بما كان منه. # واجتمع الناس، وبايعوا المنصور أبا جعفر. # ثم أتاه انتقاض الشام، وقد كان أبو العباس استعمل ms277 عليها عمه عبد الله بن ~~علي، فلما بلغه وفاة أبي العباس دعا لنفسه، واستمال من كان معه من جنود ~~خراسان، فمالوا معه. # فلما بلغ أبا جعفر ذلك قال لأبي مسلم (أيها الرجل، إنما هو أنا أو أنت، ~~فإما أن تسير إلى الشام فتصلح أمرها، أو أسير أنا). # PageV00P378 # قال أبو مسلم، بل أسير أنا. # فاستعد، وسار في اثني عشر ألفا من إبطال جنود خراسان حتى إذا وافى الشام ~~انحاز إليه من كان بها من الجنود جميعهم، وبقي عبد الله بن علي وحده. # فعفا أبو مسلم عنه، ولم يؤاخذه بما كان منه. # وكانت خلافة أبي العباس أربع سنين وستة أشهر. # * * * وإن أبا جعفر عند مسير أبي مسلم نحو الشام وجه يقطين بن موسى في ~~أثر أبي مسلم، وقال: (إن تكن هناك غنائم فتول قبضها). # وبلغ ذلك أبا مسلم، فشق عليه، وقال: (إن أمير المؤمنين لم يأتمني على ما ~~هاهنا حتى استظهر على بأمين). ودخلته من ذلك وحشة شديدة. # ولما بلغ المنصور إصلاح الشام كره المقام بمدينة أبي العباس التي ~~بالأنبار، فسار بعسكره إلى المدائن، فنزل إلى المدينة التي تدعى (الرومية) ~~وهي من المدائن على فرسخ، وهي المدينة التي بناها كسرى أنوشروان، وأنزلها ~~السبي الذي سباه من بلاد الروم، فأقام المنصور بتلك المدينة. # وإن أبا مسلم انصرف فأخذ على الفرات حتى وافى العراق على الأنبار، وجاز ~~حتى وافى كرخ بغداد (1)، وهي إذ ذاك قرية، ثم عبر دجلة من بغداد، وأخذ طريق ~~خراسان، وترك طريق المدائن. # وبلغ ذلك أبا جعفر. # فكتب إلى أبي مسلم: أريد مناظرتك في أمور لم يحتملها الكتاب، فخلف عسكرك ~~حيث ينتهي إليك كتابي، فاقدم على. # فلم يلتفت أبو مسلم إلى كتاب المنصور، ولم يعبأ به. # وكان مع المنصور رجل من ولد جرير بن عبد الله البجلي، واسمه (جرير بن ~~يزيد بن عبد الله)، وكانت له خلابة، وتأت في الأمور، ومكيدة. # فقال له أبو جعفر: (اركب البريد حتى تلحق أبا مسلم، فتحاول رده إلي، # PageV00P379 # فإنه قد مضى مغاضبا، ولا آمن إفساده ms278 على، وتأت في رده بأفضل التأتي). # فسار الرجل حتى لحقه في بعض الطريق، وقد نزل بعض المنازل بعسكره، فدخل ~~عليه مضربه. # فقال: # (أيها الأمير، أجهدت نفسك، وأسهرت ليلك، وأتعبت نهارك في نصرة مواليك، ~~وأهل بيت نبيك حتى إذا استحكم لهم الأمر، وتوطد لهم السلطان، ونلت أمنيتك ~~فيهم تنصرف على هذه الحال، فما تقول الناس؟ ألا تعلم أن ذلك مطعنة عليك، ~~ومسبة، في حياتك، وبعد وفاتك؟). # فلم يزل به حتى عزم على الانصراف معه إلى المنصور، وخلف عسكره بمكانه ~~ذلك. # وسار منصرفا في ألف فارس من أفاضل من كان معه من جنود خراسان والقواد، ~~وقد كان أبو مسلم يقول: إن المنجمين أخبروني أن لا أقتل إلا بالروم. ### || [قتل أبي مسلم الخراساني] # حتى وافى أبا جعفر بالرومية، فدخل عليه، فقام ~~إليه أبو جعفر، وعانقه، وأظهر السرور بانصرافه. # وقال له: (كدت تمضي من قبل أن أراك، وأفضي إليك بما أريد، فقم، فضع عنك ~~ثيابك، وانزل حتى يذهب كلال السير عنك. # فخرج أبو مسلم إلى قصر قد أعد له. # ونزل أصحابه حوله. # فمكث ثلاثة أيام، يغدو كل يوم إلى أبي جعفر، فيدخل على دابته، حتى ينتهي ~~إلى باب المجلس الذي فيه الإمام، فينزل، ويدخل إليه، فيجلس عنده مليا، ~~فيتناظران في الأمور. # فلما كان في اليوم الرابع وطن له أبو جعفر عثمان بن نهيك، وكان على حرسه، ~~PageV00P380 # وشبث بن روح، وكان على شرطته، وأبا فلان بن عبد الله، وكان على الخيل، ~~وأمرهم أن يكمنوا في بيت إلى جنب المجلس الذي كان فيه. # وقال لهم: إذا أنا صفقت يدي ثلاثا فاخرجوا إلى أبي مسلم، فبضعوه. # وأمر الحاجب إذا دخل أبو مسلم أن يأخذ عنه سيفه. # وأقبل أبو مسلم، فدخل، وأخذ الحاجب سيفه. # فدخل مغضبا، وقال: # - يا أمير المؤمنين، فعل بي ما لم يفعل بي مثله قط، أخذ السيف من عاتقي. # قال أبو جعفر: ومن أخذه لعنه الله؟ اجلس، لا عليك. # فجلس، وعليه قباء أسود خز، ووضع له متكئا، ولم يكن في البيت غيرهما. # فقال أبو جعفر: ms279 # (ما أردت بمضيك نحو خراسان قبل لقائي؟) قال أبو مسلم: # (لأنك وجهت في أثري إلى الشام أمينا في إحصاء الغنائم، أما وثقت بي ~~فيها؟). # فأغلظ له أبو جعفر الكلام. # فقال: # (يا (أمير المؤمنين، أنسيت حسن بلائي، وفضل قيامي، وإتعابي نفسي ليلي ~~ونهاري؟ حتى سقت هذا السلطان إليكم). # قال أبو جعفر: # (يا ابن الخبيثة، والله لو قامت مقامك أمة سوداء لأغنت غناك، إنما تأتي ~~لك الأمور في ذلك بما أحب الله، من إظهار دعوتنا أهل البيت، ورد حقنا ~~إلينا، ولو كان ذلك بحولك وحيلتك وقوتك ما قطعت فتيلا، ألست يا ابن اللخناء ~~الذي كتبت إلي تخطب عمتي آمنة بنت علي بن عبد الله؟ وتزعم في كتابك أنك ابن ~~سليط ابن عبد الله بن عباس، لقد ارتقيت مرتقى صعبا). PageV00P381 # فقال أبو مسلم: # يا أمير المؤمنين، لا تدخل على نفسك الغم والغيظ بسببي، فإني أصغر قدرا ~~من أن أبلغ منك هذا. # فصفق أبو جعفر بكفيه ثلاثا، وخرج عليه القوم بالسيوف. # فلما رآهم أبو مسلم أيقن بالأمر، فقام إلى أبي جعفر، فتناول رجله ~~ليقبلها، فرفسه أبو جعفر برجله، فوقع ناحية، فأخذته السيوف. # فقال أبو مسلم. أما من سلاح يحامي به المرء عن نفسه. # فضربوه حتى خمد. # وأمر به أبو جعفر، فلف في بساط، ووضع ناحية من البيت. # * * * وقد كان أبو مسلم قبل دخوله على أبي جعفر قال لعيسى بن علي: (ادخل ~~معي إلى أمير المؤمنين، فإني أريد معاتبته في بعض الأمور). # فقال له عيسى: (تقدم فإني على أثرك). # فأقبل عيسى حتى دخل على أبي جعفر، فقال: # يا أمير المؤمنين، أين أبو مسلم؟ # قال أبو جعفر: (هاهو ذاك ملفوف في ذلك البساط). # قال عيسى: (أقتلته؟ أنا لله، فكيف تصنع بجنوده؟ وهؤلاء قد جعلوه ربا). # فأمر أبو جعفر فهيئت ألف صرة، في كل صرة ثلاثة آلاف درهم. # وأحس أصحاب أبي مسلم بالأمر، فصاحوا، وسلوا السيوف، فأمر أبو جعفر بتلك ~~الصرر، فقذفت إليهم مع رأس أبي مسلم. # وصعد عيسى بن علي إلى أعلى القصر، وقال: # يا أهل ms280 خراسان، إنما كان أبو مسلم عبدا من عبيد أمير المؤمنين، وجد عليه، ~~فقتله، فليفرخ روعكم، فإن أمير المؤمنين بالغ آمالكم). PageV00P382 # فترجل القوم وتناولوا تلك الصرر، كل واحد صرة، وترك الرأس مقذوفا. # ثم إن أبا جعفر وضع لأصحاب أبي مسلم العطاء، ووجه الأموال إلى عسكر أبي ~~مسلم حيت خلفه، فأسنى لهم العطاء، وكتب كتابا، فقرئ عليهم، يبسط فيه ~~آمالهم، وأجزل صلات القواد والأشراف منهم، فأرضاهم ذلك. # واستدفت الخلافة لأبي جعفر المنصور سنة ثمان وثلاثين ومائة (1)، فوجه ~~عماله إلى أقطار الأرض. ### || [مدينة بغداد] # وأن أبا جعفر أحب أن يبني لنفسه جنوده مدينة ليتخذها دار ~~المملكة. # فسار بنفسه يرتاد الأماكن حتى انتهى إلى بغداد، وهي إذ ذاك قرية يقوم بها ~~سوق في كل شهر، فأعجبه المكان، فخط لنفسه وحشمه ومواليه وولده وأهل بيته ~~المدينة، وسماها (مدينة السلام)، وبنى قصره وسطها إلى المسجد الأعظم. # ثم خط لجنوده حول المدينة، وجعل أهل كل بلد من خراسان في ناحية منها ~~منفردة، وأمر الناس بالبناء، ووسع عليهم في النفقات، وأمر، فحفر نهر الفرات ~~من ثمانية فراسخ، وفوهه النهر من دمما (2)، فأجرى إلى بغداد ليأتي فيه مواد ~~الشام والجزيرة، كما تأتي مواد الموصل وما اتصل بالموصل في دجلة، وكان ~~بناؤه إياها في سنة تسع وثلاثين ومائة (3). # ثم إن أبا جعفر حج بالناس سنة أربعين ومائة، وجعل منصرفه على مدينة ~~الرسول، فوضع لأهلها العطاء، فأسنى لهم في الرزق وفرق فيهم الجوائز. # ومضى نحو الشام قاصدا لبيت المقدس حتى وافاها، فأقام بها شهرا، ثم سار ~~إلى الرقة، فأقام بها بقية عامة ذلك، ثم سار من الرقة حتى وافى مدينة ~~السلام، فأقام بها حولا كاملا. # PageV00P383 ### || [الراوندية] # ثم سار منها سنة اثنتين وأربعين ومائة نحو البصرة حتى ~~وافاها، فبلغه أن الراوندية (1) تداعوا، وخرجوا يطلبون بثأر أبي مسلم، ~~وخلعوا الطاعة، فوجه إليهم خازم بن خزيمة، فقتلهم، وبددهم في الأرض، ثم عقد ~~لمعن بن زائدة من البصرة على اليمن، وأقام عامة ذلك بالبصرة. # وزعموا أن عمرو بن عبيد دخل إليه، فلما رآه أبو جعفر ms281 صافحه، وأجلسه إلى ~~جانبه، فتكلم عمرو، فقال: # يا أمير المؤمنين، إن الله قد أعطاك الدنيا بأسرها، فاشتر نفسك من الله ~~ببعضها، واعلم أن الله لا يرضى منك إلا بما ترضاه منه، فإنك لا ترضى من ~~الله إلا بأن يعدل عليك، وإن الله لا يرضى منك إلا بالعدل في رعيتك، يا ~~أمير المؤمنين، إن من وراء بابك نيرانا تأجح من الجور، وما يعمل من وراء ~~بابك بكتاب الله ولا بسنة رسول الله، يا أمير المؤمنين: ألم تر كيف فعل ربك ~~بعاد، إرم ذات العماد، حتى أتى على آخر السورة (2)، ثم قال: ولمن عمل والله ~~بمثل عملهم. # قالوا: فبكى أبو جعفر. فقال ابن مجالد: مه يا عمرو، قد شققت على أمير ~~المؤمنين منذ اليوم. # قال عمرو: من هذا يا أمير المؤمنين؟ # قال: هذا أخوك ابن مجالد. # قال عمرو: يا أمير المؤمنين ما أحد أعدى لك من ابن مجالد، أيطوي عنك ~~النصيحة، ويمنعك من ينصحك؟ وإنك لمبعوث وموقوف ومسئول عن مثاقيل الذر من ~~الخير والشر. # PageV00P384 # قال: فرمى أبو جعفر بخاتمه، وقال: # - قد وليتك ما وراء بابي، فادع أصحابك، فولهم. # قال: إن أصحابي لن يأتوك حتى يروك قد عملت بالعدل، كما قلت بالعدل. # ثم انصرف. # وسار أبو جعفر من البصرة سنة ثلاث وأربعين نحو الجبل حتى وافى مدينة ~~نهاوند، وقد كان بلغه طيبها، فأقام بها شهرا. # ثم انصرف حتى أتى المدائن، فأقام بها بقية عامة ذلك، وعقد منها لخزيمة ~~ابن خازم على جميع طبرستان، حتى إذا آن أوان الحج خرج منها حاجا سنة أربع ~~وأربعين ومائة، ونزل الربذة (1)، فلما قضى حجه انصرف، ولم يدخل المدينة. # وفي ذلك العام خرج عليه محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن ~~أبي طالب عليه السلام، الملقب بالنفس الزكية، فوجه إليه أبو جعفر عيسى بن ~~موسى بن علي في خيل، فقتل رحمه الله، وخرج أخوه إبراهيم بن عبد الله بن ~~الحسن ابن الحسن، فقتل رضوان الله عليهم. ### || [موت أبي جعفر المنصور] # وفي سنة ثمان وخمسين ms282 ومائة حج أبو جعفر، فنزل ~~الأبطح على بئر ميمون، فمرض بها، وتوفي غداة السبت، لست خلون من ذي الحجة. # فأقام الحج للناس في ذلك العام إبراهيم بن محمد بن يحيى بن محمد بن علي ~~بن عبد الله ابن عباس، وصلى على أبي جعفر عيسى بن موسى، فكانت خلافته عشرين ~~سنة، وتوفي وله ثلاث وستون سنة، ودفن بأعلى مكة. # PageV00P385 ### | [تولية محمد المهدي] # ثم بويع للمهدي بن المنصور يوم السبت لسبع عشرة ليلة ~~خلت من ذي الحجة (1)، وفي ذلك العام أمر المهدي باتخاذ المقاصير في جميع ~~مساجد الجماعات، ثم حج المهدي سنة ستين ومائة، فانصرف على المدينة، فأمر أن ~~يشتري ما حول المسجد من المنازل والدور، فيوسع به المسجد. # وفي سنة اثنتين وستين ومائة خرجت المحمرة بجرجان، فسار إليهم عمر بن ~~العلاء، ففرقهم. # وفي ذلك العام عقد المهدي ولاية العهد لابنه موسى الهادي، ومن بعده لابنه ~~الرشيد. # وفي سنة تسع وستين خرج موسى بن المهدي إلى جرجان، وخرج المهدي إلى ~~(ماسبذان) (2) فأقام بها متنزها. # ومات بها وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، وكانت خلافته عشر سنين وشهرا ونصفا. ### | [ولاية موسى الهادي] # وأتت الخلافة موسى الهادي، وهو بجرجان، وبويع بمدينة ~~السلام لثمان بقين من المحرم. # وفي ذلك العام خرج الحسين بن علي بن الحسن بالمدينة، وسار نحو مكة، فلقيه ~~عيسى بن موسى والعباس بن علي، فقتلاه. # وفي سنة سبعين ومائة توفي الإمام موسى بن المهدي بعيسياباذ (3) في النصف ~~من شهر ربيع الأول، وكان له يوم توفي أربع وعشرون سنة، وكانت خلافته سنة ~~وشهرا وأربعة وعشرين يوما. # PageV00P386 ### | [خلافة هارون الرشيد] # وفي ذلك العام استخلف هارون الرشيد، وحج، وانصرف ~~إلى المدينة، فوضع لأهلها العطاء، وأجزل لهم. # وأقبل إلى العراق فوافى الكوفة، وعقد لأبي العباس الطوسي على خراسان، ~~فلبث عليها عامين، ثم عزله. # واستعمل عليها محمد بن الأشعث. # وفي سنة أربع وسبعين ومائة وقعت العصبية بأرض الشام بين المضرية ~~واليمانية، فتحاربوا حتى قتل من الفريقين بشر كثير. # وحج الرشيد في ذلك العام بالناس ومعه ابناه محمد، وعبد ms283 الله، وكتب بينهما ~~كتابا بولاية العهد لمحمد، ومن بعده لعبد الله المأمون، وعلق الكتاب في جوف ~~الكعبة، ثم انصرف إلى مدينة السلام. # واستعمل على خراسان الغطريف بن عطاء. # * * * قال علي بن حمزة الكسائي: ولأني الرشيد تأديب محمد وعبد الله، فكنت ~~أشدد عليهما في الأدب، وآخذهما به أخذا شديدا، وبخاصة محمدا، فاتتني ذات ~~يوم خالصة جارية أم جعفر. # فقالت: يا كسائي، إن السيدة تقرأ عليك السلام، وتقول لك، حاجتي إليك أن ~~ترفق بابني محمد، فإنه ثمرة فؤادي وقرة عيني، وأنا أرق عليه رقة شديدة. # فقلت لخالصة: إن محمدا مرشح للخلافة بعد أبيه، ولا يجوز التقصير في ~~تأديبه. # فقالت خالصة: إن لرقة السيدة سببا، أنا مخبرتك به. # أنها في الليلة التي ولدته أريت في منامها كان أربع نسوة أقبلن إليه، ~~فاكتنفنه عن يمينه وشماله، وأمامه وورائه، فقالت التي بين يديه: (ملك قليل ~~العمر، ضيق الصدر، عظيم الكبر، واهي الأمر، كثير الوزر، شديد الغدر)، ~~PageV00P387 # وقالت التي من ورائه: (ملك قصاف، مبذر متلاف، قليل الإنصاف، كثير ~~الإسراف)، وقالت التي عن يمينه: (ملك ضخم، قليل الحلم، كثير الإثم، قطوع ~~للرحم)، وقالت التي عن يساره: (ملك غدار، كثير العثار ، سريع الدمار). ثم ~~بكت خالصة، وقالت: (يا كسائي، وهل يغني الحذر؟). # وذكر عن الأصمعي قال: دخلت على الرشيد، وكنت غبت عنه حولين بالبصرة، ~~فأومأ إلي بالجلوس قريبا منه، فجلست قليلا، ثم نهضت، فأومأ إلي أن اجلس، ~~فجلست، حتى خف الناس. # ثم قال لي: # - يا أصمعي، ألا تحب أن ترى محمدا وعبد الله؟ # قلت: بلى يا أمير المؤمنين، إني لأحب ذلك، وما أردت القيام إلا إليهما، ~~لأسلم عليهما. # قال: تكفي. # ثم قال: علي بمحمد وعبد الله. # فانطلق الرسول. # وقال: أجيبا أمير المؤمنين. # فأقبلا، كأنهما قمرا أفق، قد قاربا خطأهما، وضربا ببصرهما الأرض حتى وقفا ~~على أبيهما، فسلما عليه بالخلافة، وأومأ إليهما، فدنيا منه، فأجلس محمدا عن ~~يمينه، وعبد الله عن شماله. # ثم أمرني بمطارحتهما، فكنت لا ألقي عليهما شيئا من فنون الأدب إلا أجابا ~~فيه وأصابا. فقال: كيف ms284 ترى أدبهما؟ # قلت: يا أمير المؤمنين، ما رأيت مثلهما في ذكائهما وجودة ذهنهما، فأطال ~~الله بقاءهما، ورزق الأمة من رأفتهما ومعطفتهما. # فضمهما إلى صدره، وسبقته عبرته حتى تحدرت دموعه. PageV00P388 # ثم أذن لهما، حتى إذا نهضا وخرجا، قال: # - كيف بكم إذا ظهر تعاديهما وبدا تباغضهما، ووقع بأسهما بينهما حتى تسفك ~~الدماء، ويود كثير من الأحياء انهم كانوا موتى؟ # فقلت: يا أمير المؤمنين، هذا شئ قضى به المنجمون عند مولدهما، أو شئ ~~أثرته العلماء في أمرهما؟ # قال: بل شئ أثرته العلماء عن الأوصياء عن الأنبياء في أمرهما. # قالوا: فكان المأمون يقول في خلافته: (قد كان الرشيد سمع جميع ما جرى ~~بيننا من موسى بن جعفر بن محمد، فلذلك قال ما قال. # قال الأصمعي: وكان الرشيد يحب السمر، ويشتهي (أحاديث) (1) الناس، فكان ~~يرسل إلى إذا نشط لذلك، وجن عليه الليل، فأسامره، فأتيت ذات ليلة، ولم يكن ~~عنده أحد، فسامرته ساعة، ثم أطرق، وفكر، ثم قال: # يا غلام، علي بالعباسي - يعني الفضل بن الربيع -. # فحضر، ودخل، فأذن له بالجلوس. # فقال: يا عباسي، إني عنيت بتولية العهد، ومثبت الأمر في محمد وعبد الله، ~~وقد علمت أني إن وليت محمدا مع ركوبه هواه، وانهماكه في اللهو واللذات خلط ~~على الرعية، وضيع الأمر، حتى يطمع فيه الأقاصي من أهل البغي والمعاصي، وإن ~~صرفت الأمر إلى عبد الله ليسلكن بهم المحجة، وليصلحن المملكة، وإن فيه لحزم ~~المنصور وشجاعة المهدي، فما ترى؟ # قال الفضل: يا أمير المؤمنين، إن هذا أمر خطير عظيم، والزلة فيه لا ~~تستقال، وللكلام فيه مكان غير هذا. # فعلمت أنهما يحبان الخلوة، فقمت عنهما، وجلست ناحية من صحن الدار، فما ~~زالا يتناظران إلى أن أصبحا. # PageV00P389 # واتفق رأيهما على تولية محمد العهد، وتصيير عبد الله من بعده، وقسمه ~~الأموال والجنود بينهما، وأن يقيم محمد بدار الخلافة، ويتولى المأمون ~~خراسان. # فلما أصبح أمر بجميع القواد، فاجتمعوا إليه، فدعاهم إلى بيعة محمد، ومن ~~بعده إلى بيعة المأمون، فأجابوا إلى ذلك، وبايعوا. # وفي سنة ثمانين ومائة (1) عقد الرشيد لعلي بن ms285 عيسى بن ماهان على خراسان، ~~وفي ذلك العام خرج الرشيد إلى أرض الشام، وأخذ على الموصل، فلما وافاها أمر ~~بهدم مدينتها، وقد كانوا وثبوا بعاملة. # * * * وفي ذلك العام وثب أهل خراسان بعاملهم، فقتلوه، فأقام بالشام عامه ~~ذلك، ثم خرج حاجا، فلما انصرف قصد الأنبار، فنزل به بمدينة أبي العباس، وهي ~~من الأنبار على نصف فرسخ، وقد كان بقي بها جمع عظيم من أبناء أهل خراسان، ~~توالدوا بها حتى كثروا، فهم إلى الآن، فأقام بها شهرا، ثم توجه منها إلى ~~الرقة (2) فأقام بها شهرا. # وخرج منها غازيا إلى أرض الروم، فافتتح مدينة من مدنهم، تسمى (معصوف). ثم ~~انصرف إلى الرقة، فأقام بها بقية عامه ذلك. # فلما كان أوان الحج، حج، فقضى نسكه، وجعل منصرفه على الرقة، فأقام بها، ~~وولى يزيد بن مزيد أرمينية، ثم قدم من الرقة سنة أربع وثمانين ومائة حتى ~~وافى مدينة السلام، ونزل قصره بالرصافة (3)، وأخذ عماله بالبقايا، ثم سار ~~من مدينة السلام في سنة خمس وثمانين ومائة عائدا إلى الرقة، وقد كان ~~استطابها . فلما كان أوان الحج حج، فمر بالمدينة، فأعطاهم ثلاث أعطيات، ~~وأعطى أهل مكة عطاءين، ثم انصرف، فقصد الأنبار، فأقام بها شهرا، ثم انصرف ~~إلى مدينة السلام. # PageV00P390 # ثم عقد البيعة لابنه القاسم بعد محمد وعبد الله، وولاه الشام، فوجه ~~القاسم عليها عماله. # وحج الرشيد سنة ثمان وثمانين ومائة، وانصرف فنزل الحيرة (1)، فأقام بها ~~أياما، ثم دخل مدينة السلام. # وفي سنة تسع وثمانين سار إلى الري فأقام بها شهرا، ثم انصرف نحو مدينة ~~السلام، فضحى بقصر اللصوص (2)، ثم دخل بغداد، ولم ينزلها، ومضى حتى انتهى ~~إلى السالحين (3)، وهي من مدينة السلام على ثلاثة فراسخ، فبات بها ثم سار ~~عامدا للرقة حتى وافاها، وأمر عند ممره ببغداد بخشبة جعفر بن يحيى أن تحرق، ~~وأقام بالرقة بقية ذلك العام. # فلما دخلت سنة تسعين ومائة خرج غازيا لأرض الروم حتى أوغل فيها وانتهى ~~إلى هرقلة (4)، فافتتحها. # * * * وفي ذلك العام خرج رافع بن نصر بن سيار مغاضبا بأرض خراسان، وكان ms286 ~~سبب خروجه أن علي بن عيسى بن ماهان لما ولى خراسان أساء السيرة، وتحامل على ~~من كان بها من العرب، وأظهر الجور، فخرج عليه رافع، فواقعه وقعات، ثم انحاز ~~فيمن اتبعه من أهل خراسان، وكانوا زهاء ثلاثين ألف رجل في سمرقند، وأقام ~~بمدينتها. # وبلغ ذلك الرشيد، فعزل علي بن عيسى عنها، واستعمل عليها هرثمة بن أعين. # ثم انصرف الرشيد قافلا من الروم حتى نزل بمدينة السلام عامه ذلك، واستخلف ~~ابنه محمدا على دار المملكة، وخرج عامدا لأرض خراسان ليتولى حرب رافع ~~بنفسه. # ودخلت سنة اثنتين وتسعين ومائة وفيها خرجت (الخرمية) (5) بأرض الجبل # PageV00P391 # في المرة الأولى، فوجه إليهم محمد الأمين بعبد الله بن مالك الخزاعي، ~~فقتل منهم مقتلة عظيمة، وشرد بقيتهم في البلدان. # وسار الرشيد حتى وافى مدينة طوس (1)، فنزل في دار حميد الطوسي، ومرض بها ~~مرضا شديدا، فجمع له الأطباء يعالجونه، فقال: # إن الطبيب بطبه ودوائه * لا يستطيع دفاع محذور جرى ما للطبيب يموت بالداء ~~الذي * قد كان يشفي مثله فيما مضى فلما اشتد به الوجع قال للفضل بن الربيع: # يا عباسي، ما تقول الناس؟ # قال: # يقولون، إن شاني أمير المؤمنين قد مات. # فأمر أن يسرج له حمار ليركبه، ويخرج، فأسرج له، وحمل حتى وضع على السرج، ~~فاسترخت فخذاه ولم يستطع الثبوت. # فقال: أرى الناس قد صدقوا. # ثم توفي. # وذلك في سنة ثلاث وتسعين ومائة يوم السبت، لخمس ليال خلون من جمادى ~~الآخرة (2)، وكانت خلافته ثلاثا وعشرين سنة، وشهرا ونصفا. ### | [تولية محمد الأمين] # فأتت الخلافة محمدا الأمين ببغداد، يوم الخميس للنصف ~~من جمادى الآخرة، ونعاه للناس يوم الجمعة، ودعاهم إلى تجديد البيعة، ~~فبايعوا. # ووصل الخبر بوفاة الرشيد إلى المأمون، وهو بمدينة مرو، يوم الجمعة لثمان ~~خلون من الشهر، فركب إلى المسجد الأعظم، ونودي في الجنود وسائر الوجوه، ~~فاجتمعوا، وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي وآله، ثم ~~قال: # PageV00P392 # أيها الناس، أحسن الله عزاءنا وعزاءكم في الخليفة الماضي، صلوات الله ~~عليه، وبارك لنا ولكم في خليفتكم الحادث، مد الله ms287 في عمره. # ثم خنقته العبرة، فمسح عينه بسواده. # ثم قال: # - يا أهل خراسان، جددوا البيعة لإمامكم الأمين. # فبايعه الناس جميعا. # ولما أتت الخلافة محمدا، وبايعه الناس دخل عليه الشعراء، وفيهم الحسن ابن ~~هانئ (1)، فأنشدوه، وقام الحسن في آخرهم، فأنشده قوله: # إلا دارها بالماء حتى تلينها * فلن تكرم الصهباء حتى تهينها وحمراء قبل ~~المزج صفراء بعده * كان شعاع الشمس يلقاك دونها كان يواقيتا رواكد حولها * ~~وزرق سنانير تدير عيونها (2) لقد جلل الله الكرامة أمة * يكون أمير ~~المؤمنين أمينها حميت حماها بالقنابل والقنا * ووفرت دنياها عليها ودينها ~~يراك بنو المنصور أولاهم بها * وإن أظهروا غير الذي يكتمونها فوصلهم جميعا، ~~وفضله. # * * * ثم إن محمد الأمين دعا إسماعيل بن صبيح كاتب السر، فقال: # - ما الذي ترى يا ابن صبيح؟ # قال: أرى دولة مباركة، وخلافة مستقيمة، وأمرا مقبلا، فتمم الله ذلك لأمير ~~المؤمنين بأفضله وأجزله. # PageV00P393 # قال له محمد: إني لم أبغك قاصا، إنما أردت منك الرأي. # قال إسماعيل: إن رأى أمير المؤمنين أن يوضح لي الأمر لأشير عليه بمبلغ ~~رأيي ونصحي فعل. # قال: إني قد رأيت أن أعزل أخي عبد الله من خراسان، واستعمل عليها موسى ~~ابن أمير المؤمنين. # قال إسماعيل: أعيذك بالله يا أمير المؤمنين أن تنقض ما أسسه الرشيد، ~~ومهده، وشيد أركانه. # قال محمد: إن الرشيد موه عليه في أمر عبد الله بالزخرفة، ويحك يا بن ~~صبيح، إن عبد الملك بن مروان كان أحزم رأيا منك، حيث قال: (لا يجتمع فحلان ~~في هجمة إلا قتل أحدهما صاحبه). # قال إسماعيل: أما إذ كان هذا رأيك، فلا تجاهره، بل اكتب إليه، وأعلمه ~~حاجتك إليه بالحضرة، ليعينك على ما قلدك الله من أمر عباده وبلاده، فإذا ~~قدم عليك، وفرقت بينه وبين جنوده كسرت حده، وظفرت به، وصار رهنا في يديك، ~~فائت في أمره ما أردت. # قال محمد: أجدت يا ابن صبيح، وأصبت، هذا لعمري الرأي. # ثم كتب إليه يعلمه أن الذي قلده الله من أمر الخلافة والسياسة قد أثقله، ~~ويسأله أن يقدم عليه ليعينه على أموره، ms288 ويشير عليه بما فيه مصلحته، فإن ذلك ~~أعود على أمير المؤمنين من مقامه بخراسان، وأعمر للبلاد، وأدر للفئ، وأكبت ~~للعدو، وآمن للبيضة. # ثم وجه الكتاب مع العباس بن موسى، ومحمد بن عيسى، وصالح صاحب المصلى. # فساروا نحو خراسان، فاستقبلهم طاهر بن الحسين مقبلا من عند المأمون على ~~ولاية الري، حتى انتهوا إلى المأمون وهو بمدينة مرو، فدخلوا عليه، وأوصلوا ~~الكتاب إليه، وتكلموا. PageV00P394 # فذكروا حاجة أمير المؤمنين الأمين إليه، وما يرجو في قربه من بسط ~~المملكة، والقوة على العدو، فأبلغوا في مقالتهم. # وأمر المأمون بإنزالهم وإكرامهم. # ولما جن عليه الليل بعث إلى الفضل بن سهل، وكان أخص وزرائه عنده، وأوثقهم ~~في نفسه، وقد كان جرب منه وثاقة رأي وفضل حزم، فلما أتاه خلا به، وأقرأه ~~كتاب محمد، وأخبره بما تكلم به الوفد من أمر التحضيض على المسير إلى أخيه ~~ومعاونته على أمره. # قال الفضل: ما يريد بك خيرا، وما أرى لك إلا الامتناع عليه. # قال المأمون: فكيف يمكنني الامتناع عليه، والرجال والأموال معه، والناس ~~مع المال؟ # قال الفضل: أجلني ليلتي هذه لآتيك غدا بما أرى . قال له المأمون: امض في ~~حفظ الله . فانصرف الفضل بن سهل إلى منزله، وكان منجما، فنظر ليلته كلها في ~~حسابه ونجومه، وكان بها ماهرا. # فلما أصبح غدا على المأمون، فأخبره أنه يظهر على محمد ويغلبه، ويستولي ~~على الأمر. # فلما قال له ذلك، بعث إلى الوفد، فأحسن صلاتهم وجوائزهم، وسألهم أن ~~يحسنوا أمره عند الأمين، ويبسطوا من عذره. # وكتب معهم إليه: # (أما بعد، فإن الإمام الرشيد ولاني هذه الأرض على حين كلب من عدوها، ووهى ~~من سدها، وضعف من جنودها، ومتى أخللت بها، أو زلت عنها لم آمن انتقاض ~~الأمور فيها، وغلبة أعدائها عليها، بما يصل ضرره إلى أمير المؤمنين حيث هو، ~~فرأى أمير المؤمنين في أن لا ينقض ما أبرمه الإمام الرشيد). # وسار القوم بالكتاب حتى وافوا به الأمين، وأوصلوا الكتاب إليه. ~~PageV00P395 # فلما قرأه جمع القواد إليه، فقال لهم: # إني قد رأيت صرف أخي عبد الله ms289 عن خراسان، وتصييره معي ليعاونني، فلا غنى ~~بي عنه، فما ترون؟ # فأسكت القوم. # فتكلم خازم بن خزيمة، فقال: يا أمير المؤمنين، لا تحمل قوادك وجنودك على ~~الغدر فيغدروا بك، ولا يرون منك نقض العهد فينقضوا عهدك. # قال محمد: ولكن شيخ هذه الدولة علي بن عيسى بن ماهان لا يرى ما رأيت، بل ~~يرى أن يكون عبد الله معي ليؤازرني ويحمل عني ثقل ما أنا فيه بصدده. # ثم قال لعلي بن عيسى: إني قد رأيت أن تسير بالجيوش إلى خراسان، فتلي ~~أمرها من تحت يدي موسى بن أمير المؤمنين، فانتخب من الجنود والجيوش على ~~عينك. # ثم أمر بديوان الجند، فدفع إليه، فانتخب ستين ألف رجل من إبطال الجنود ~~وفرسانهم، ووضع لهم العطاء، وفرق فيهم السلاح، وأمره بالمسير. # فخرج بالجيوش، وركب معه محمد، فجعل يوصيه، ويقول: أكرم من هناك من قواد ~~خراسان، وضع عن أهل خراسان نصف الخراج، ولا تبق على أحد يشهر عليك سيفا، أو ~~يرمي عسكرك بسهم، ولا تدع عبد الله يقيم إلا ثلاثا من يوم تصل إليه، حتى ~~تشخصه إلى ما قبلي). # وقد كانت زبيدة تقدمت إلى علي بن عيسى، وكان إناها مودعا، فقالت له: # إن محمدا، وإن كان ابني وثمرة فؤادي، فإن لعبد الله من قلبي نصيبا وافرا ~~من المحبة، وأنا التي ربيته، وأنا أحنو عليه، فإياك أن يبدأه منك مكروه، أو ~~تسير أمامه، بل سر إذا سرت معه من ورائه، وإن دعاك فلبه، ولا تركب حتى يركب ~~قبلك، وخذ بركابه إذا ركب، وأظهر له الإجلال والإكرام). # ثم دفعت إليه قيدا من فضة وقالت: # إن استعصى عليك في الشخوص فقيده بهذا القيد). # وإن محمد انصرف عنه بعد أن أوعز إليه، و أوصاه بكل ما أراد. PageV00P396 # وسار علي بن عيسى بن ماهان حتى صار إلى حلوان، فاستقبله عير مقبلة من ~~الري، فسألهم عن خبر طاهر، فأخبروه أنه يستعد للحرب، فقال: وما طاهر؟ # ومن طاهر؟ ليس بينه وبين أخلاء الري إلا أن يبلغه أني جاوزت عتبة همذان. # ثم سار حتى ms290 خلف عتبة همذان وراءه، فاستقبله عير أخرى، فسألهم عن الخبر. # فقالوا: إن طاهرا قد وضع العطاء لأصحابه، وفرق فيهم السلاح، واستعد ~~للحرب. # فقال: في كم هو؟ # فقالوا: في زهاء عشرة آلاف رجل. # فأقبل الحسن بن علي بن عيسى على أبيه فقال: # - يا أبت، إن طاهرا لو أراد الهرب لم يقم بالري يوما واحدا. # فقال: يا بني، إنما تستعد الرجال لأقرانها، وإن طاهرا ليس عندي من الرجال ~~الذين يستعدون لمثلي، ويستعد له مثلي. # و ذكروا أن مشايخ بغداد قالوا: لم نر جيشا كان أظهر سلاحا، ولا أكمل عدة، ~~ولا أفره خيلا، ولا أنبل رجالا من جيش علي بن عيسى يوم خرج، إنما كانوا ~~نخبا. # وإن طاهر بن الحسين جمع إليه رؤساء أصحابه فاستشارهم في أمره، فأشاروا ~~عليه، أن يتحصن بمدينة الري، ويحارب القوم من فوق السور إلى أن يأتيه مدد ~~من المأمون. # فقال لهم: ويحكم، إني أبصر بالحرب منكم، إني متى تحصنت استضعفت نفسي، ~~ومال أهل المدينة إليه لقوته، وصاروا أشد على من عدوي، لخوفهم من علي ابن ~~عيسى، ولعله أن يستميل بعض من معي بالأطماع، والرأي إن ألف الخيل بالخيل، ~~والرجال بالرجال، والنصر من عند الله. # ثم نادى في جنوده بالخروج عن المدينة، وأن يعسكروا بموضع يقال له ~~(القلوصة). # فلما خرجوا عمد أهل الري إلى أبواب مدينتهم، فأغلقوها. PageV00P397 # فقال طاهر لأصحابه: يا قوم، اشتغلوا بمن أمامكم، ولا تلتفتوا إلى من ~~وراءكم، واعلموا أنه لا وزر لكم ولا ملجأ إلا سيوفكم ورماحكم، فاجعلوها ~~حصونكم. # وأقبل علي بن عيسى نحو القلوصة، فتواقف العسكران للحرب، والتقوا، فصدقهم ~~أصحاب طاهر الحملة. # فانتقضت تعبية علي بن عيسى، وكانت منهم جولة شديدة، فناداهم علي ابن ~~عيسى، وقال: # - أيها الناس، ثوبوا، واحملوا معي. # فرماه رجل من أصحاب طاهر، فأثبته، وبعد أن دنا منه، وتمكن رماه بنشابة ~~وقعت في صدره، فنفذت الدرع والسلاح حتى أفضت إلى جوفه، وخر مغشيا عليه ~~ميتا. # واستوت الهزيمة بأصحابه. # فما زال أصحاب طاهر يقتلونهم، وهم مولون حتى حال الليل بينهم، وغنموا ما ~~كان ms291 في معسكرهم من السلاح والأموال. # وبلغ ذلك محمدا، فعقد لعبد الرحمن الأبناوي في ثلاثين ألف رجل من ~~الأبناء، وتقدم إليهم، ألا يغتروا كاغترار علي بن عيسى، ولا يتهاونوا ~~كتهاونه. # فسار عبد الرحمن حتى وافى همذان. # وبلغ ذلك طاهرا، فتقدم، وسار نحوه، فالتقوا جميعا، فاقتتلوا شيئا من ~~قتال، فلم يكن لأصحاب عبد الرحمن ثبات، فانهزم، واتبعه أصحابه، فدخلوا ~~مدينة همذان، فتحصنوا فيها شهرا حتى نفد ما كان معهم من الزاد. # قال: فطلب عبد الرحمن الأبناوي الأمان له ولجميع أصحابه، فأعطاه طاهر ~~ذلك. # ففتح أبواب المدينة، ودخل الفريقان بعضهم في بعض. # وسار طاهر حتى هبط العقبة، فعسكر بناحية (أسد اباذ) (1). # PageV00P398 # ففكر عبد الرحمن، وقال: # كيف أعتذر إلى أمير المؤمنين؟ # فعبأ أصحابه. # فلما طلع الفجر زحف بأصحابه إلى طاهر، وهو غار، فوضع فيهم السيوف، فوقفت ~~طائفة من أصحاب طاهر رجالة، يذبون عن أصحابهم حتى ركبوا، واستعدوا، ثم ~~حملوا على عبد الرحمن وأصحابه، فأكثروا فيهم القتل. # فلما رأى ذلك عبد الرحمن ترجل في حماة أصحابه فقاتلوا حتى قتل عبد ~~الرحمن، وقتلوا معه. # * * * وبلغ ذلك محمدا، فسقط في يده، وبرز جنوده، فعقد لعبد الله الحرشي، ~~في خمسة آلاف رجل، وليحيى بن علي بن عيسى، في مثل ذلك، فسارا حتى وافيا ~~(قرميسين) (1). # وبلغ طاهرا ذلك، فسار نحوهما، فانهزما من غير قتال حتى رجعا إلى حلوان، ~~فأقاما هناك. # فزحف طاهر نحو حلوان، فانهزما حتى لحق ببغداد، وأقام طاهر بحلوان حتى ~~وافاه هرثمة بن أعين من عند المأمون، في ثلاثين ألف رجل من جنود خراسان، ~~فأخذ طاهر من حلوان نحو البصرة والأهواز. # وتقدم هرثمة إلى بغداد، فلم تقم لمحمد قائمة حتى قتل، وكان من أمره ما ~~كان. # وإن طاهر بن الحسين صعد من البصرة، وتقدم هرثمة حتى أحدقا ببغداد، وأحاطا ~~بمحمد الأمين، ونصبا المنجنيق على داره حتى ضاق محمد بذلك ذرعا. # وكان هرثمة بن أعين يحب صلاح حال محمد، والإبقاء على حشاشة نفسه، فأرسل # PageV00P399 # إليه محمد يسأله القيام بأمره، وإصلاح ما بينه وبين المأمون، على أن يخلع ~~نفسه ms292 عن الخلافة، ويسلم الأمر لأخيه. # فكتب إليه هرثمة: (قد كان ينبغي لك أن تدعو إلى ذلك قبل تفاقم الأمر، ~~فأما الآن فقد بلغ السيل الزبى، وشغل الحلي أهله أن يعار، ومع ذلك فإني ~~مجتهد في إصلاح أمرك، فصر إلي ليلا، لأكتب بصورة أمرك إلى أمير المؤمنين، ~~وآخذ لك عهدا وثيقا، ولست آلو جهدا ولا اجتهادا في كل ما عاد بصلاح حالك، ~~وقربك إلى أمير المؤمنين). # فلما سمع ذلك محمدا استشار نصحاءه ووزراءه، فأشاروا بذلك عليه، وطمعوا في ~~بقاء مهجته. # فلما جنه الليل ركب في جماعة من خاصته وثقاته وجواريه، يريد العبور إلى ~~هرثمة. # فأحس طاهر بن الحسين بالمراسلة التي جرت بينهما والموافقة التي اتفقا ~~عليها. # فلما أقبل محمد، وركب بمن معه الماء شد عليه طاهر، فأخذه ومن معه، ثم دعا ~~به في منزله، فاحتز رأسه، وأنفذه من ساعته إلى المأمون. وأقبل المأمون حتى ~~دخل مدينة السلام، وصفت له المملكة واستوسقت له الأمور. # وكان قتل محمد الأمين ليلة الأحد لخمس خلون من المحرم، سنة ثمان وتسعين ~~ومائة (2)، وقتل، وله ثمان وعشرون سنة، وكانت ولايته أربع سنين وثمانية ~~أشهر. ### | [الخليفة عبد الله المأمون] # وبويع المأمون، وهو عبد الله بن الرشيد، يوم ~~الاثنين لخمس بقين من المحرم سنة ثمان وتسعين ومائة. # PageV00P400 # وكان شهما، بعيد الهمة، أبي النفس، وكان نجم ولد العباس في العلم ~~والحكمة، وقد كان أخذ من جميع العلوم بقسط، وضرب فيها بسهم، وهو الذي ~~استخرج كتاب إقليدس من الروم، وأمر بترجمته وتفصيله، وعقد المجالس في ~~خلافته للمناظرة في الأديان والمقالات، وكان أستاذه فيها أبا الهذيل محمد ~~بن الهذيل العلاف. # ودخل بلاد الجزيرة والشام، فأقام بها مدة طويلة، ثم غزا الروم، وفتح ~~فتوحا كثيرة، وأبلى بلاء حسنا. # ثم توفى على نهر (البذندون) (1)، ودفن بطرسوس يوم الأربعاء لثمان خلون من ~~رجب سنة ثمان عشرة ومائتين (2). # وكانت ولايته عشرين سنة وخمسة أشهر وثلاثة عشر يوما، وقد كان بلغ من السن ~~تسعا وثلاثين سنة. # وقد كان بايع لابنه العباس بن المأمون بولاية العهد من بعده. ms293 وخلفه ~~بالعراق. ### | [ولاية محمد المعتصم] # فلما مات هو على نهر البذندون جمع أخوه أبو إسحاق ~~محمد بن هارون المعتصم بالله إليه وجوه القواد والأجناد، فدعاهم إلى بيعته، ~~فبايعوه. # فسار من طرسوس حتى وافى مدينة السلام، فدخلها، وخلع العباس بن المأمون ~~عنها، وغلبه عليها، وبايعه الناس بها. # وكان قدومه بغداد مستهل شهر رمضان سنة ثمان عشرة ومائتين، فأقام بها ~~سنتين، ثم مر بأتراكه إلى (سر من رأى) فابتناها، واتخذها دارا ومعسكرا. # PageV00P401 # وكانت في خلافته فتوحات لم تكن لأحد من الخلفاء الذين مضوا مثلها قبله. # فمنها فتح بابك، وأسره وقتله إياه، وصلبه، ومنها (مازيار) صاحب قلعة ~~طبرستان، فإنه تحصن في القلاع والجبال، فما زال به حتى أخذه، فقتله، وصلبه ~~إلى جنب بابك، ومنها جعفر الكردي، وقد كان أخرب البلاد وسبى الذراري، فوجه ~~الخيول في طلبه، ولم يزل به حتى أخذه وقتله، وصلبه إلى جنب بابك ومازيار، ~~ومن ذلك فتح (عمورية) وهي القسطنطينية الصغرى، والأخرى فتحها الله على ~~يديه. # * * * وكان ابتداء أمر بابك، أنه تحرك في آخر أيام المأمون وقد اختلف ~~الناس في نسبه ومذهبه، والذي صح عندنا، وثبت، أنه كان من ولد مطهر بن فاطمة ~~بنت أبي مسلم، هذه التي ينتسب إليها الفاطمية من الخرمية، لا إلى فاطمة بنت ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فنشأ بابك، والحبل مضطرب، والفتن متصلة، ~~فاستفتح أمره بقتل من حوله بالبذ، (1) وإخراب تك الأمصار والقرى التي ~~حواليه، لتصفو له البلاد، ويصعب مطلبه، وتشتد المئونة في التوصل إليه، ~~واشتدت شوكته، واستفحل أمره. # وقد كان المأمون وجه إليه حين اتصل به خبره عبد الله بن طاهر بن الحسين ~~في جيش عظيم. # فسار إليه، ونزل في طريقه الدينور (2)، في ظاهرها، في مكان يعرف إلى ~~يومنا هذا بقصر عبد الله بن طاهر، وهو كرم مشهور، ومكان مذكور. # ثم سار منها حتى وافى البذ، وقد عظم أمر بابك، وتهيبه الناس، فحاربوه، ~~فلم يقدروا عليه، ففض جمعهم، وقتل صناديدهم. # PageV00P402 # وكان ممن قتل في تلك الوقعة محمد بن حميد الطوسي. # وهو الذي رثاه ms294 أبو تمام بقصيدته التي يقول فيها: # كأن بني نبهان يوم وفاته * نجوم سماء خر من بينها البدر وفيها يقول: # فأثبت في مستنقع الموت رجله وقال لها من تحت أخمصك الحشر فلما أفضى الأمر ~~إلى أبي إسحاق المعتصم بالله لم تكن همته غيره، فأعد له الأموال والرجال، ~~وأخرج مولاه الأفشين حيدر بن كاوس، فسار الأفشين بالعساكر والجيوش حتى وافى ~~برزند (1)، فأقام بها حتى طاب الزمان، وانحسرت الثلوج عن الطرقات، ثم قدم ~~خليفته [يوباره] (2) وجعفر بن دينار، وهو المعروف بجعفر الخياط في جمع كثير ~~من الفرسان إلى الموضع الذي كان فيه معسكر، وأمرهما أن يحفرا خندقا حصينا، ~~فسارا حتى نزلا هناك، واحتفرا الخندق . فلما فرغا من حفر الخندق استخلف ~~الأفشين ببرزند المرزبان، مولى المعتصم في جماعة من القواد، وسار هو حتى ~~نزل الخندق، ووجه يوباره، وجعفر الخياط في جمع كثيف إلى رأس نهر كبير، ~~وأمرهما بحفر خندق آخر هناك فسارا حتى احتفراه. # فلما فرغا وافاهما الأفشين، ثم خلف في موضعه محمد بن خالد بخاراخذاه، ~~وشخص إلى درود (3)، في خمسة آلاف فارس وألفي راجل، ومعه ألف رجل من الفعلة ~~حتى نزل درود، واحتفر بها خندقا عظيما وبنى عليها سورا شاهقا، فكان بابك ~~وأصحابه يقفون على جبال شاهقة، فيشرفون منها على العسكر، ويولولون. # ثم ركب الأفشين يوم الثلاثاء لثلاث بقين من شعبان في تعبية، وحمل ~~المجانيق، وأمر بابك آذين أن يحصن تلا مشرفا على المدينة، ومعه ثلاثة آلاف ~~رجل، وقد كان احتفر حوله الآبار ليمنع الخيل منهم. # فانصرف الأفشين يوما إلى خندقه، ثم غدا عليه يوم الجمعة في غرة شهر ~~رمضان، # PageV00P403 # فنصب المجانيق والعرادات (1) على المدينة، وأحدقت القواد والرؤساء. # وأقبل بابك في أنجاد أصحابه، وعباهم، فقاتله (2) القواد قتالا شديدا إلى ~~العصر، ثم انصرفوا، وقد نكوا في أصحابه. # وأقام الأفشين ستة أيام، ثم ناهضه يوم الخميس لسبع ليال خلون من شهر ~~رمضان، واستعد له بابك، فوضع على البذ عجلا عظيما ليرسله إلى أصحاب ~~الأفشين. # ثم أرسل بابك رجلا يقال له (موسى الأقطع) إلى الأفشين، يسأله ms295 أن يخرج ~~إليه ليشافهه بما نفسه، فإن صار إلى مراده وإلا حاربه، فأجابه الأفشين إلى ~~ذلك، فخرج بابك حتى صار بالقرب من الأفشين في موضع بينهما واد. # فلما رأى الأفشين كفر له، فبسطه الأفشين، وأعلمه ما في الطاعة من السلامة ~~في الدنيا والآخرة، فلم يقبل ذلك. # فانصرف إلى موضعه، وأمر أصحابه بالحرب، فتسرعوا إلى ذلك، ودهدهوا (3) ~~العجل الذي كانوا أعدوه، فانكسر العجل، وثاب أصحاب الأفشين، فدفعوهم إلى ~~رأس الجبل. # وقد كان يوباره وجعفر الخياط وقفا بحذاء عبد الله أخي بابك، فحملا، وحمل ~~عليهم القواد من جميع النواحي، فقتلوهم قتلا ذريعا، وانهزموا حتى دخلوا ~~المدينة، فدخلوا خلفهم في طلبهم، وصارت الحرب في ميدان وسط المدينة. # وكانت حربا لم ير مثلها شدة، وقتلوا في الدور والبساتين، وهرب عبد الله ~~أخو بابك. # فلما رأى بابك أن العساكر قد أحدقت به، والمذاهب قد ضاقت عليه، وأن ~~أصحابه قد قتلوا وفلوا توجه إلى أرمينية، وسار حتى عبر نهر الرس متوجها إلى ~~الروم. # فلما عبر نهر الرس قصد نحوه سهل بن سنباط صاحب الناحية، وقد كان # PageV00P404 # الأفشين كتب إلى أصحاب تلك النواحي، وإلى الأكراد بأرمينية، والبطارقة ~~بأخذ الطرق عليه. # فوافاه سهل بن سنباط، وقد كان بابك غير لباسه، وبدل زيه، وشد الخرق على ~~رجليه، وركب بغلة بإكاف (1)، فأوقع به سهل بن سنباط، فأخذه أسيرا. # ووجه به إلى الأفشين، فاستوثق منه الأفشين، وكتب إلى المعتصم بالفتح، ~~واستأذنه في القدوم عليه، فأذن له، فسار حتى قدم عليه، ومعه بابك وأخوه، ~~فكان من قتل المعتصم لبابك وقطع يديه ورجليه وصلبه ما هو مشهور. # قالوا: ولما قدم الأفشين ومعه بابك أجلسه المعتصم على سرير أمامه، وعقد ~~التاج على رأسه. # وفي ذلك يقول إسحاق بن خلف الشاعر في قصيدته التي مدح فيها المعتصم ~~بالله: # ما غبت عن حرب تحرق نارها * بالبذ كنت هنا وأنت هناكا عزت بأفشين حسامك ~~أمة * والدين ممتسك به استمساكا لما أتاك ببابك توجته * وأحق من أضحى له ~~تاجاكا ثم إن أحمد بن أبي داود وجد على الأفشين ms296 لكلام بلغه عنه، فأشار على ~~المعتصم أن يجعل الجيش نصفين نصفا مع الأفشين، ونصفا مع أشناس، ففعل ~~المعتصم ذلك. # فوجد الأفشين منه، وطال حزنه، واشتد حقده. # فقال أحمد بن أبي داود للمعتصم: يا أمير المؤمنين إن أبا جعفر المنصور ~~استشار أنصح الناس عنده في أمر أبي مسلم، فكان من جوابه أن قال (يا أمير ~~المؤمنين إن الله تعالى يقول (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) فقال له ~~المنصور: # (حسبك)، ثم قتل أبا مسلم). # PageV00P405 # فقال له المعتصم: (أنت أيضا حسبك يا أبا عبد الله)، ثم وجه إلى الأفشين، ~~فقتله. # وزعموا، انهم كشفوا عنه فوجدوه غير مختون. # ومات المعتصم بالله يوم الخميس لإحدى عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول ~~سنة سبع وعشرين ومائتين (1)، وصلى عليه أبو عبد الله أحمد بن أبي داود، ~~وكان المعتصم أوصى إليه بالصلاة عليه، وكانت ولايته ثماني سنين وثمانية ~~أشهر وسبعة عشر يوما، وكان قد بلغ من السن تسعا وثلاثين سنة. # * * * وهذا آخر كتاب الأخبار الطوال على ما جمعه أبو حنيفة أحمد بن داود ~~الدينوري رحمه الله تعالى ورضي عنه. # PageV00P406 ms297