######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : الهجرة والوصية ¶ المؤلف : لإمام محمد بن القاسم بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# auth: لإمام محمد بن القاسم بن إبراهيم عليهم السلام #META# cat: الأدعية والأخلاق والرقائق #META# bkid: 19 #META# الكتاب: الهجرة والوصية #META# bkord: 167 #META# idx: 1 #META# iso: الهجره والوصيه #META# comp: 1 #META# bk: الهجرة والوصية #META# max: 129 #META# المؤلف: لإمام محمد بن القاسم بن إبراهيم بن اسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | AUTO [مقدمة المؤلف] # وبه نستعين، الحمد لله رب العالمين، هادي من اهتدى من المهتدين، وولي رشد ~~من رشد من الراشدين، هو الله الذي دل على وحدانيته وربوبيته، بما أراهم من ~~شواهد آياته في أرضه وسماواته، وبما أظهر لهم في أنفسهم من آثار قدرته ~~بتقديره وتدبيره إياهم، وحكمته في تأليف خلق أعضائهم وأبدانهم، باطنها ~~وظاهرها، وما في ذلك وفي حواسهم الخمس، من أبصارهم التي بها يبصرون، ~~وشوامهم التي بها يميزون بين الأرياح الطيبة، والمشمومات المنتنة، وحاسة ~~الذوق من اللسان والفم، التي بها يميزون ويفهمون مذاق كل ما له طعم، وحاسة ~~السمع التي يدركون بها كل مسموع من الأصوات، ويفهمون ما فيه من ضر ونفع، ~~(والحاسة) الخامسة التي في جميع البدن، وهي حاسة اللمس اللامسة، التي بها ~~يوجد كل حر وبرد، ويابس ورطب، وخشن ولين، مع ما لا يحصى ولا يؤتى عليه بعدد. PageV01P018 # ومن آثار حكمته وتدبيره في جميع كل ما صنع ودبر من الإنسان وغير الإنسان، ~~وجميع ما في الأرض، برها وبحرها، من الدواب، والطير، والحيوان المختلفة في ~~صورها، وهيئاتها وتركيبها، وأغذيتها، وأصواتها، وظلها، وكل ما في السماوات ~~والأرض من الملائكة والجن والإنس وجميع الحيوان، والشمس، والقمر، والنجوم، ~~وما يحدث الله بجريها وطلوعها وأفولها من تغير الزمان، وما تدرك به الليالي ~~والأيام، من العدد والحساب، وإحاطة الفلك بذلك كله، ودوره على أعلاه ~~وأسفله، دائما لا يفتر طرفة عين، عند فكر من فكر ونظر، ولا في غفلة ~~الغافلين، وما في الحيوان في البر والبحر، من الإنسان، وغير الإنسان من ~~عجيب صنعته، أزواج الإناث والذكران، وتصريف نسولهم في الأرحام، وما يكون ~~منها يبيض في العش والأكنان، واختلاف أحوالها في الصور والهيئات والاعتدال ~~والألوان، التي إنما تحيط العقول والفكر إذا اجتهدت وتفرغت لإجالة التفهم ~~والنظر بقليل من كثير، وصغير من كبير ما يحيط به صانعها، الذي صنع كل عجيب ~~حكمة، فابتدع، فلا بد أن يفهم كل ناظر نظر ومفكر عاقل فكر أن لما ذكرنا من ~~المبتدعات مبتدع، إذ لا بد لكل موضوع مصنوع محدث ms01 من واضع، كما لا بد ~~باضطرار لكل مدبر من مدبر، وكما لا بد لكل مرفوع وإن لم نر من رفعه من ~~رافع، وكذلك كل مصور أو مبني وإن لم نر من صوره وبناه، فلا بد له من مصور ~~بان، وكذلك فلا بد للإنسان وغير الإنسان من الحيوان من خالق خلقهم، ومصور ~~صورهم، وتولى PageV01P019 صنعهم وتدبيرهم، وابتداعهم، وتصويرهم، وذلك فهو الله، الواحد الحكيم، الأول ~~قبل كل أول، والقديم الجواد الذي كل من فضل جوده، الرؤوف الرحيم الذي هو ~~أرحم وأرأف بجميع ما خلق من الوالد الرحيم بولده، بل رحمة الآباء والأمهات ~~من فضل رحمته، ولا بد لكل مدبر محكم مصرف من مدبر حكيم مصرف، وبلا شك فلا ~~بد لكل ما وجد مبتدعا محدثا مصورا مصنوعا مؤلفا، من مبتدع صانع محدث مؤلف ~~مصور بل قد شهدت فطر العقول عند كمال فطرتها قبل جولانها بالنظر وغوص الفكر ~~أنه رب كل الأشياء مما في الأرض وفي السماء، وولي صنعتها، وتلك في جميع ~~الناس وكل البشر سودانهم وحمرانهم من كل الأجناس معرفة طباع وفطرة، إذ لا ~~يحتاج معها إلى نظر وفكرة، وهو الله الذي لا تشبهه جميع الأشياء، ولا تشبهه ~~في شيء من صفاتها، لأنه لو أشبه شيئا من أجزائها أو كلها، للحق به ما يلحق ~~بها من صفاتها وأسمائها، حتى يكون بكثير مما وصفت به موصوفا إذ كان كل شبيه ~~لما يشبهه مثيلا، ولحاله أو ببعضها معروفا، والله تبارك وتعالى الواحد الحق ~~في الواحدانية، الأول الذي لا مثل له في القدم والسبق والأولية، البعيد من ~~شبه ما براء وفطر وصنع من البرية، بل هو الله الذي ليس كمثله شيء كما قال ~~سبحانه: {وهو السميع البصير}[الشورى:11]، وهو الله ذو القوة التي لا تبلغها ~~قوة، والقدرة العالية فوق قدرة كل قدير، كل من خلق سبحانه من خليقته فهم ~~مفطورون على معرفته بأبين PageV01P020 معرفة، أنه ليس له نظير ولا صفة، كما يعرف الأطفال بإلهام الله إياها، بغير ~~فهم ولا فكرة، بل بما ركب فيهم من غريزية الطباع ms02 والفطرة. # وكذلك يقال فيما قد اتفقت به الأخبار، وجاء في كثير من الآثار: (إن ~~الملائكة والجن والإنس والبهائم كلها والأطفال، مفطورون على معرفة الصانع ~~الإله البارئ ذي الجلال والإكرام) فللملائكة في المعرفة به وبجلاله وعظمته، ~~أفضل مما للجن والإنس، والبهائم في معرفتها بربوبيته خلاف معرفة ذوي العقول ~~المكلفين، وهي معرفة طباع وولوه غريزية، لا كمعرفة ذوي العقول الناطقين، ~~وكل بني آدم من أهل الإيمان والمشركين، فيثبتون الله صانعهم وصانع كل جميع ~~ما يرون، لا يشكون في ذلك جحودا لصانعهم ولا يمترون، وإن ضلوا بعبادة ~~الأوثان، وقد ذكر الله ذلك عن مشركي أهل الجاهلية في آي من القرآن إذ يقول ~~سبحانه:{ ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله}[ لقمان: 25]وقال: ~~{وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم ~~وكان الإنسان كفورا}[الإسراء: 67]، فهو الله الأول قبل كل أول، وهو الله ~~الآخر الباقي بعد كل ما خلق وجعل، وهو الله المعروف الظاهر في فطرة العقول ~~بأيقن الإيقان، وهو الله الباطن الخفي عن درك العيون، كما قال سبحانه: {هو ~~الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم} [الحديد: 3]. PageV01P021 # بسم الله الرحمن الرحيم # الحمد لله الحي القيوم ذي العظمة والجلال، الذي لم يزل ولا شيء غيره ولا ~~يزال، كان قبل كل خلق وزمان، ولا يزال إلى غير غاية ولا ميقات أوان، لا ~~يتبدل ولا يتغير، ولا يلم به عرض من الأعراض فيتحول، جل عن ذلك وتقدس من ~~ليس له نظير ولا مثيل، فاطر كل موجود، وليس محيط به شيء من الأشياء، جل ~~وعلا عن صفة المحدود، ذو البقاء والثبات والدوام، لا تجري عليه ولا تناله ~~ساعات الليالي والأيام. # وكيف يجري عليه أو يحيط به، من ليس بينه وبينه مشابهة ولا صلة، وما هو ~~سبحانه خلقه وصنعه، ولم يزل متقدما قبله، وإذ الليالي والأيام وما مضى وبقي ~~من الزمان، عدد حركات الفلك ودور الشمس والقمر والنهار علامته ظهور الشمس، ~~وجريها في السماء فوق الأرض، ووجودها. والليل فعلامته تغيب ms03 الشمس تحت الأرض ~~وفقدها، والشهر فهو قطع القمر للفلك ونزوله في جميع بروجه، فإذا أتى على ~~بروجه كلها بسيره وجريه ودوره فذلك شهر. # والسنة:هي نزول الشمس ودورها على جميع منازلها من الفلك، فإذا نزلت في ~~جميع منازل البروج وقطعت الفلك فذلك سنة، وبدور هذه النجوم وبالسنة والشهر ~~والليلة واليوم، يدبر الله سبحانه ما خلق. PageV01P022 # والزمان: فهو عدد حركات جري الشمس والقمر والفلك، وهذا العدد وقته حساب ~~القمر الذي وقته الله للإنسان وغير الإنسان، قال الله سبحانه: {وما يعمر من ~~معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير} [فاطر: 11]. # والكتاب هاهنا فهو: العلم من الله بما يعطي خلقه ويهب لهم من الأعمار، ~~فيكون معلوما عنده علما لا يتغير. # فشبهه الكتاب يثبت ثبات ما لا زيادة فيه ولا نقصان، كثبات ما رقم بالخط ~~من الحساب، تمثيلا من الله سبحانه لبيان علمه بما كتب، فهو في اللسان ~~العربي لا يحتمل غلطا ولا زيادة ولا نقصانا بعد تصحيحه ورقمه، ولا يتوهم من ~~يعقل أن الكتاب هاهنا خط من الخطوط، بل هو الأمر الثابت في علم الله ~~وحكمته، وقال تعالى: {الشمس والقمر بحسبان} [الرحمن:5]يريد بالحسبان: ~~الحساب، فليس شيء مما خلق الله تبارك وتعالى في الأرض ولا في السماء إلا ~~وهو يجري عليه الزمان من الإنسان وغير الإنسان، غير أن السماوات من ~~المخلوقات هي أبعد في الضعف والبلاء والآفات، لأن السماء أكرم بنية من ~~الأرض، وهكذا فضل الله بعض الخلق على بعض. PageV01P023 # وكذلك ما في الأرض أوهى(يابني): وأضعف مما في السماء السفلاء، وما في ~~السماء من نجومها وملائكتها أقوى وأبقى بتبقية الله مما في الأرض السفلاء ~~من الإنسان وغير الإنسان، قال الله تبارك وتعالى وهو يصف ضعف الإنسان وبدء ~~خلقه، ثم قوته في أوسط عمره، ورجوعه إلى الضعف والبلاء في آخر مدته وأيامه ~~{الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا ~~وشيبة يخلق ما يشاء} [الروم: 54] فسبحان خالق الأرض والسماء، الذي ليس ms04 ~~لغيره دوام ولا بقاء، كل ما سواه فإلى زوال وفناء، هو معمر المعمرين، ومفني ~~من مات وهلك من الميتين، لا تجري عليه سبحانه مدد الأزمنة والدهور، وهو ~~مدبر الخلق والأمور، وإليه المنقلب والمعاد والمصير. PageV01P024 # وبعد يابني وولدي: فهذه وصيتي لكم واختياري، حين كبرت سني وجربت الأمور ~~وأدبر عمري، وأشرفت على الرجوع إلى صانعي وإلهي وخالقي، وخفت أن يحول الموت ~~الذي لا بد منه لكل مخلوق بيني وبينكم، فتبقوا أغمارا جهلاء بما فيه رشدكم، ~~وألا تجدوا بعدي من يفهمكم ما فيه صلاحكم، في أموركم ومعايشكم، لما سترون ~~من اختلاف أخبار الناس عليكم في الأديان، ومصالح المعاش والآداب، وأخبار ~~البلدان، واختلاف الناس في هذا كله قليله وكثيره إنما هو باتباع أهوائهم، ~~واختلاف عقولهم وآرائهم، وما قبلوا من غي أو رشاد أو خطأ، والخطأ الغالب ~~عليهم من آبائهم، إذ حقت الفرقة لكم بالوفاة، وأن تبقوا بعدي بين قرابة ~~وعامة أكثرهم جفاة، وكنتم أحداث الأسنان، لم تخبروا حوادث الدهر والزمان، ~~ولم تفهموا أمور الناس واختلافهم في الأديان، ولا كيف التأني في المعائش ~~ومصالح الإنسان، وما يحسن من الأمور والأخلاق، ومواضع البلغ والإرفاق. # فرأيت يابني إن أضع لكم إن أبقاكم الله ما تحتاجون أعظم الحاجة في أصول ~~الدين طرفا، وأن أرسم لكم الصواب إن شاء الله تعالى، وبعون الله وهدايته، ~~في أمر معايشكم والإختيار لكم، ولمن لعل الله أن يهبكموه من نسل بعدكم. # ومن قبل وصيتي من ولد جدكم القاسم بن إبراهيم رحمة الله عليه يزول به ~~عنكم شكوك الحيرة، وتكفون به إن شاء الله في الإختيار والإعتبار، والإعتبار ~~طول الأمد في التجارب والخبرة ولم أضع لكم ما وضعت من وصيتي إياكم في هذا ~~الكتاب إلا بعد طلوعي في العمر على الستين سنة. PageV01P025 ### || AUTO [خبرته عليه السلام بالبلدان وطبائع أهلها] # وبعد والحمد لله ما أحطت بكثير مما لا يستغنى عن خبرته من أمر الدين ~~والدنيا، حتى أتيت فيه على أكثر ما يحتاج إليه في البحث والخبرة، وبعد أن ~~نظرت في كثير من علم العرب، وكثير ms05 من علم العجم، وبعد أن خبرت بالمحاضرة ~~وتخبرت بالمسألة أخبار كثير من البلدان والأمم، فمن الأمم من خبرته ~~بالمشاهدة والمعاينة والمجاورة والمساكنة، ومنهم من تخبرت عنه من يخبره ممن ~~يجاوره ويساكنه ممن أثق بخبره وفهمه وصدق حديثه، حتى كأني رأيتهم في ~~بلدانهم، وكأني عاينت جميع أمورهم وشأنهم، ومن البلدان ما رأيته عيانا، ~~وسكنته زمانا. # فأما الذين فهمت شأنهم وأديانهم وآدابهم وأخلاقهم، فالعرب من اليمن ومن ~~نزار، الأبرار منهم والفجار، والفرس، وأهل خراسان، والسند، والروم، ~~والسودان، فهؤلاء الأجناس والعرب منهم قد خبرتهم في بلدانهم وأوطانهم، ~~وفهمت ما هم عليه من مذاهبهم وأخلاقهم، فأما من سميت من أجناس العجم، فقد ~~خبرت بعضهم في بلدانهم، وفهمت كثيرا مما هم عليه في أرضهم من شأنهم. PageV01P026 # فمما سكنت وخبرت وتخبرت من أرض العجم، العراق أقمت به سنين ببغداد والبصرة ~~حينا وزمانا، ودخلت الأهواز ورأيت أهل كور كثيرة من أهل خراسان، وفهمت ~~برؤيتهم والأخبار عنهم ما هم عليه أو أكثره في بلدانهم من الأخلاق والشأن، ~~ودخلت بعض أرض السودان من البجة، وطرفا من مواضع الحبش. # وأما المغرب والبربر والتحرير([2]) والبحرين فإن أبي رحمه الله كان قد ~~أقام بمواضع من أرض المغرب دهرا، وسار إلى أقصاها أشهرا. # (والشام) وغيرها من بلدان الإسلام، فقد بحثت عنها بحثا شافيا حتى كنت ~~بالإستخبار عنها، وبالفتش والعناية وما كان لأبي عنها من الإختبار، فصرت عن ~~معاينتها مستغنيا مكتفيا، ولو كانت الخبرة والعلم في الأمور والبلدان لا ~~يكتفى فيها بصحيح الخبر والإستغناء في فهمها إلا بالعيان؛ لما فهم أحد ما ~~لم يعاين، ولا كان له بغائب إيقان، ولكثرة الأمم وبلدان العرب والعجم عن أن ~~تدرك بالعيان وتفهم، ولكن كل غائب يثبت عنه صحيح الخبر، فذلك يشفي فيه ~~ويدرك به منه مثل ما يدرك بالمعاينة والنظر. PageV01P027 # ولو لم يكن ما ذكرنا يدرك ويفهم إلا بالعيان؛ لقصر عن ذلك أطول عمر الإنسان ~~وسأنبئكم إن شاء الله تعالى عن كثير مما صح عندي من أخبار الأمم وشأنها ~~وأخبار كثيرة مجملة من أخبار بلدانها، إذا جاء ms06 وقت الإخبار عنه في مواضعه ~~([3])، فتمسكوا إن شاء الله بفهم ما أخبركم به، فإن في ذلك كفاية لكم ~~كافية، وخبرة قد كفيتكم تحصيلها شافية، فلست آلوكم تحصيلا لصحيح الأخبار، ~~وما لم يدرك مثله أو بعضه إلا بعد إختلاف أخبار الناس أو بعد عمر طويل ~~وأعمار. # فتفهموا إن شاء الله ولا قوة إلا بالله ما سأبينه لكم، والتوفيق والمعونة ~~من عند الله، تستغنوا بتحصيل ما حصلت لكم من الخبر، عن انتظار التجارب التي ~~لا يحصل لكم منها يقين الفهم إلا بعد طول العمر. # وأنا سأضرب لكم مثلا جامعا في قبول ما كفاكم الله خبرته حتى جمعته لكم في ~~آخر عمري معا، وذلك من المثل في وفيكم، وفيما ألقيه من محصول حقائق الأخبار ~~في الدين والدنيا إليكم. PageV01P028 # (مثل): رجل كان له ولد([4]) صغار جهال أغمار، يحتاجون إلى خبرة الأمور في ~~الدين والدنيا كثيرة واختبارهم لذلك يسلب بينه وبينهم مسافة بعيدة مسيرتها ~~ستون سنة، وكان أبوهم قد أخبرهم خبرها، ودخلها وعاين أكثرها فأخبرهم عنها، ~~وهو والدهم الذي لا شك في نصحه لهم، وعطفه بالرأفة والرحمة والرقة عليهم، ~~فرأى أن يفهمهم ما يحتاجون إلى فهمه، لما خشي أن لا يبلغوه ولا يحيطوا فيه ~~بمثل اختباره وعلمه، فشرح خبر تلك البلاد لهم، وعلم أن ما أحاط هو به مما ~~يحتاجون إليه ولا يستغنون عنه، لن يدركوه إلا في آخر أعمارهم التي شبهها ~~بمسافة البلد. # والبلد فمثل الأمور التي لا يستغنون عن خبرتها ولا يستغني عنها أحد، لأني ~~لم أفهم الأمور التي سأشرحها لكم إلا بعد طول التعمير، والمسافة إلى ~~الإحاطة بالتجارب التي لم أدركها إلا بعد التمييز من الفهم والنظر ستين سنة ~~أو نحوها. # فإنكم إن لم تكتفوا بما أخبرت وجربت وأردتم إختبار ذلك لأنفسكم، لم ~~تفهموا منه بعض ما فهمت إلا بعد أن تعمروا شبيها مما عمرت عند إخلاق جدتكم ~~إن الله عمركم وأخركم، وحينئذ لا يبقى إلا اليسير من أعماركم، فمن كان منكم ~~عقله صحيحا، يثبت ما في الأصل فسيعلم إن شاء الله ms07 أني لم آله إلا رحمة له ~~من الغلط نظرا ونصحا، بل لعلي أن أكون بسبقي لكم أقوى منكم فهما، وأحسن ~~تفقدا للأمور وتفهما، والله أسأل أن يهبكم ألبابا وعقولا وعلما. PageV01P029 # فخذوا يابني ما قد كفاكم الله به اختباره، واقبلوه وأقروه في العمل به من ~~قلوبكم قراره، والله أسأل لكم العون والرشاد، والتوفيق في أمور دينكم ~~ودنياكم للصواب والسداد، فإنه لا يجتهد لكم قريب ولا بعيد من بعدي في النصح ~~لكم والنظر والشفقة عليكم من الغلط إجتهادي، والله أسأل لي ولكم العون ~~بالرشد والتوفيق، ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت وهو رب العرش ~~الكريم، وصلى الله على محمد عبده ورسوله، وعلى الأبرار من ذريته وآله. PageV01P030 # فأول: ما أنا قائل لكم، وشاهد به معكم وقبلكم، أن الله ربي وربكم، وخالقي ~~وخالقكم ربنا ورب آبائنا الأولين، وأنه خالق السماوات والأرضين وما بينهما ~~من الخلق أجمعين، الذي أحياني وأحياكم بعد أن لم نكن شيئا، وهو الذي يميتني ~~ويميتكم سبحانه ولن يزال حيا، فأشهد وتشهدون ألا رب ولا إله غيره وأن إليه ~~منقلبي ومنقلبكم، ومعادنا ومعاد كل مخلوق ومصيره، وأنه إلهنا الذي خلقنا ~~وبرأنا وخلق قبلنا أمهاتنا وآبائنا، فعطفهم بالرأفة والرحمة علينا، فمن ~~إحسانه ونعمه ونعم الآباء وإحسانهم إلينا، وأشهد وتشهدون معا، أحياء وعند ~~الوفاة ويوم النشور أن محمدا رسول الله وخيرته ومصطفاه، وأنه قد بلغ رسالات ~~ربه، وصدع مجتهدا صابرا مجاهدا بتبليغ ما أمر به فلم يقصر في شيء من أمر ~~الله وطاعته ولم يزل مجتهدا مجدا في الله طول حياته، حتى صار إلى الله ~~راضيا مرضيا، مقدسا رفيعا عند الله زكيا، صلى الله عليه وعلى آله وسلم ~~تسليما، وزاده الله من زيادات كرماته تشريفا وتعظيما، وأشهد وتشهدون أن إلى ~~الله المنقلب والمصير، وأن الساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في ~~القبور. PageV01P031 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في توحيد الله وطاعته ] # فأول ما أنا موصيكم به حب الله وتقواه وطاعة خالقكم وبارئكم، الذي صنعكم ~~وفطركم، وصوركم فأحسن صوركم، خلقا من ms08 بعد خلق في ظلم الأرحام، كما قال الله ~~سبحانه وتعالى وهو يخبر عن خلق الإنسان: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من ~~طين(12)ثم جعلناه نطفة في قرار مكين(13)ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة ~~مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا ءاخر فتبارك ~~الله أحسن الخالقين(14)} [المؤمنون: 1214] فهكذا كما قال تبارك وتعالى ~~أنشأكم وقدركم، وفي هذه التارات والطبقات من التصوير نقلكم وصوركم، فهو ~~أولى بكم من آبائكم وأمهاتكم، إذ ليس للوالدين فيكم حجة غير الحركة التي ~~كانت بها النطفة في الرحم، ثم كان سبحانه هو الذي دبرها وصرفها وبلغها، حتى ~~أتم من خلقه ما أراد أن يتم، رأفة ورحمة وجودا وكرما، فوهبكم لآبائكم، ~~وابتداؤكم بخلقكم من غير حاجة منه إليكم، بل لما أراد من الإفضال والجود ~~عليكم، ثم لم تزالوا تقلبون في نعمه وفضله، وعطاياه وكرمه، صغارا وكبارا، ~~ليلا ونهارا، ومع كل نفس وطرفة عين، يعرفكم سبحانه في أول ما ذكرنا وآخره، ~~أنه ربكم ومالككم، ومدبركم ورازقكم، إذ ليس من نعمة أنعمها أب وأم عليكم ~~إلا وهي منه، لا صنع فيها لصانع ولا لوالد، غير أنه أجرى ذلك على يدي ~~الوالدين وأوصله إليكم، PageV01P032 والذي أوصل إليكم بالوالدين من النعم فنعمه فيما ظهر وبطن أكثر من ذلك ~~أضعافا وأعظم، إذ هي مع كل نفس ولمحة عين وطرفة، وفي كل نوم وهدوء، وعند كل ~~سكون وحركة ونعمة، كما قال تبارك وتعالى أكبر وأوفر وأدوم من أن تعد وتحصى، ~~قال الله سبحانه: {وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار} ~~[إبراهيم: 34]وقال: {ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك ~~فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك} [الإنفطار: 6 8 ]وقال جل وتقدس {قتل الإنسان ~~ما أكفره(17)من أي شيء خلقه(18)من نطفة خلقه فقدره(19)ثم السبيل يسره(20)ثم ~~أماته فأقبره(21)ثم إذا شاء أنشره(22)كلا لما يقض ما أمره(23)} [عبس: 17 ~~23] فذكر نعمة الصنع الأولى التي ابتدأ بها الإنسان طولا منه وامتنانا، ~~وتفضلا من خلقه له وصنعه إياه، ثم ثنى بذكر النعمة في طعامه ms09 الذي به غذاءه، ~~ومنه مادته وبه أدامه وأبقاه، فقال تبارك وتعالى: {فلينظر الإنسان إلى ~~طعامه(24)أنا صببنا الماء صبا(25)ثم شققنا الأرض شقا(26)فأنبتنا فيها ~~حبا(27)وعنبا وقضبا(28)وزيتونا ونخلا(29)وحدائق غلبا(30)وفاكهة ~~وأبا(31)متاعا لكم ولأنعامكم(32)} [عبس: 24 32] يعني سبحانه بلغة لكم في ~~الغذاء الذي به دوامكم في هذه الدنيا وبقاؤكم، وبلغة لأنعامكم، إذ ما أنزله ~~من السماء فصبه صبا هو الذي أنبت به ما ذكر أنه شق الأرض عنه شقا من الحب ~~والعنب. PageV01P033 # والحب: فهو الحبوب كلها، المتغذى بها من البر وغيره من الحبوب التي أنبتها ~~للعباد وكثرها، وبثها في البلاد، فلم يجعلها للمطيعين دون العاصين، بل من ~~بها على البشر كلهم أجمعين. # والقضب: فهو القضب المعروف الذي أنبته الله في الأرض كلها، وجعله غذاء ~~ومتعة لدواب أهلها. # والزيتون: فهو شجر الزيت الذي به يأتدمون. # والنخل: فمنه الرطب والتمر الذي يأكلون. # وحدائق غلبا: والحدائق هي الأرضون التي تضم الأشجار كلها، التي جعل الله ~~لبني آدم منافعها. # والغلب: من الحدائق فهي الملتفة العامرة القوية التي قد استغلبت ~~واغلولبت، فهي غلب قد تمت والتلفت وكملت. # والأب: فهو الأصول التي جعلها الله للبهائم والمواشي نابتة عند المطر ~~وبعده، وفي أوقات الجدب من الأشجار النابتة والأصول القوية الثابتة التي ~~بها قوام دوابهم وبهائمهم التي خولهم الله إياها وجعلها قوام معائشهم. # فمن أولى يابني أن يشكر أبدا، ويطاع في كل ما به أمر ممن أنشأنا وأنشأكم، ~~وخلقنا وخلقكم فصور، وعدل وركب الأبدان فسوى وقدر، وأحكم كلما خلق غاية ~~الإحكام بحكمته في جميع ما بطن وظهر ؟. PageV01P034 # فهو سبحانه أولى وأحق بنا من الآباء والأمهات؛ لأنه الصانع لنا المصور ~~المنعم علينا بجميع النعم الظاهرات والخفيات. # فأين وإلى أين المعدل عن إعظامه وإجلاله وشكره، فياويل لمن غفل عن اتباع ~~ما أمر، والانتهاء عما نهى، فنهانا عما لا يرضاه، وأمرنا بأداء ما يرضيه ~~فلهى، ساهيا عما يحق ويحب من تسبيحه، وخشيته وذكره. # فعليكم يابني أبدا ما بقيتم، وما بلغته قوتكم وما استطعتم باستشعار حبه، ~~والكلف بذكره في باطن ضمائركم، وخوفه ورهبته في علانيتكم وخفي سرائركم، ms10 وأن ~~يكون حياؤكم منه أكثر من حيائكم من أمهاتكم وآبائكم، ومحبتكم له أعظم ~~أضعافا لا يؤتى على عددها من محبتكم لأولادكم وأحبابكم. # فمن ذا وأين ذا الذي هو أولى بكم ومن جميع الخلق بالتقوى والطاعة، ~~والمودة والحب من الله الإله البر الرؤوف الرب الكريم، الذي يحتمل منا مالا ~~يحتمله أباؤنا البررة، ويحلم عنا مع وجوب عظيم حقه علينا فيما نفرط فيه من ~~طاعته وإغفالنا ذكره، ولولا فضله وحلمه ورأفته وكرمه، لما حلم عنا ولا ~~أخرنا طرفة عين، إذ خالفناه وعصيناه فيما عنه نهانا وبه أمرنا. PageV01P035 ### || AUTO فابدؤا يابني بطاعته وتقواه يكف الله بطاعته وخشيته كل من ~~يطيعه منكم ويخشاه جميع ما يهمه منكم من أمر آخرته ودنياه، فقد رأيتم كيف ~~كرم الله ورحمته، ولطفه وإحسانه ورأفته بجميع خلقه، مع معاصيهم وظلمهم ~~لأنفسهم، بإغفال عظيم ما يجب عليهم من واجب حقه، لا يقطع بذلك عنهم ما يتصل ~~بهم ليلا ونهارا من عطايا نعمه ورزقه، فاتقوا الله ربكم وبارئكم، ذا ~~الإحسان والنعم عليكم، معطي جميع النعم دقيقها وجليلها والخيرات كلها، ~~عباده وخلقه من أهل الأرض والسماوات، فلله سبحانه الدنيا والآخرة، ومنه ~~تعالى النعم فمنها الظاهرة والباطنة، فاتقوا الله فالوصية لكم يابني أفضل ~~وأجزل من كل نفيس وعظيم من العطية. # [معنى التقوى ] # فتقوى الله يابني فهي: الانتهاء عن كل ما حرم الله من جميع المعصية، ~~وطاعته، والمصير إليها، والإيثار لها والصبر عليها، والنجاة في الدنيا ~~والآخرة لها من كل عظيمة وبلية. PageV01P036 # ألا ترون يابني كيف يقول الله سبحانه لرسوله وهو يذكر ما الرسول عليه من ~~طاعته وحبه، فأمره أن يقول عنه تعالى لأتباعه أصحابه فيما كانوا يزعمون ~~أنهم عليه من حب الله، فقال الله لنبيه: {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ~~يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم} [آل عمران: 31] ثم أخبرهم ~~بالذي يتبعونه عليه، وما الحب لله الذي أمرهم به، فقال: {قل أطيعوا الله ~~والرسول}[آل عمران:32] فخبرهم تقدس ذكره أن من لم يطعه ويطع الرسول فقد ~~كفر، وأنه لا يحب إلا ms11 المطيع له ولرسوله. # يبين ما ذكرت لكم في آخر قول الله سبحانه هاهنا فآخره موصول منه سبحانه ~~في هذا الأمر بما قبله من القول، بين فيه أن الحب له طاعته وطاعة رسوله، ثم ~~قال سبحانه: {فإن تولوا}[آل عمران:32] يعني سبحانه فإن أعرضتم وتوليتم عن ~~طاعتي وطاعة رسولي التي بها أمرتم {فإن الله لا يحب الكافرين}[آل ~~عمران:32]. # فعليكم يابني: بطاعة الله وتقواه، وبغض وعداوة من عصاه، فتنجوا بإذن الله ~~يابني بطاعة الله من كل بلاء وشر، وتظفرون بالفوز والملك الباقي الأكبر، من ~~ثواب الله لمن أحبه الله بالطاعة، وتنجوا يابني بتقواه من عذاب النار ~~والخلد فيها، الذي حل بأهل المعصية ومن يتهاون بأمر الله فعصاه وخالفه. PageV01P037 ### || AUTO فحرموا على أنفسكم في أيامكم القصيرة ومدة حياتكم اليسيرة ما ~~حرم الله، واتقوه بالانتهاء عن معاصيه وعظائمها وكبائرها التي عظم، فإنه لم ~~يحرم سبحانه إلا خبيثا قبيحا، كتحريمه لحم الخنزير والميتة وحرم الدم ~~المسفوح، فأي خبيث أو ممقوت منتن غثيث، أخبث من الميتة والدم المنتن ~~المسفوح، وكذلك ما حرم من الخنزير لنتنه وقبحه، فهو أقبح من كل مقبوح، وقد ~~عوض بتحريم لحم الخنزير والميتة والدم، إحلال ما لا يحصى من لحوم الطير ~~والدواب والبهائم. # [وصيته عليه السلام في ترك الزنا] # وحرم سبحانه الزنا فإن الزنا يابني عند الله من أكبر الكبائر وأعظم ~~الفحشاء، لما في ذلك من فساد الأنساب وخراب الدنيا، والدخل في الأولاد ~~والأرحام، وبطلان ما حكم الله به في ذلك من الأحكام، فليس في الزنا إربة في ~~شهوة إلا وفي النكاح أفضل منها، بل في الزنا أعظم المعصية في مواقعة ~~الفاحشة العظمى الكبيرة التي أكد الله النهي عنها، وإنما يزني الزاني بمرأة ~~من النساء قد أحل الله بالنكاح أجمل منها جمالا، وأفضل منها حالا، وأكمل ~~فيما يتوق إليه الرجل من المرأة كمالا. # فلولم يحرم الله الزنا في كتبه جميعا، لكان في المعقول أنه لا يجوز ولا ~~يحسن ولا يصلح في معقول جميع البشر كلهم معا أن يأتي فاسق ظالم متعد في ~~حرمة ms12 غيره ما يكره أنه يؤتى إليه في امرأته وحرمته. PageV01P038 # كيف وقد حرم الله الزنا في جميع كتبه وأحكامه، وحرمته جميع رسله، فالحذر له ~~الحذر فإنه من أعظم ما نهى الله عنه وزجر، والبعد منه البعد في الكبير ~~والصغير، فإن الله وله الحمد قد عصم أباكم منه صغيرا وكبيرا، فلم يأت ولله ~~المنة عليه في ذلك زنا قط جهرة ولا سرا. # قال الله تبارك وتعالى في الزنا وتحريمه، والنهي عنه وتعظيمه: {ولا ~~تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا} [الإسراء:32] وقرن الزنا بالكبائر ~~والفواحش العظام الكبار، ووعد عليه وعليها الخلود في عذاب النار، فقال في ~~الزنا، وفيما وعد من العذاب عليه وعليها، وقرنه بالشرك وعبادة الأصنام وقتل ~~النفس التى نهى الله عنها الحرام، وهو يصف حال من نجى من عذاب النار، من ~~أوليائه وأهل طاعته الأبرار، وأن صفتهم وما به نجاهم الانتهاء عن هذه ~~المعاصي العظائم الكبار، فقال: {والذين لا يدعون مع الله إلها ءاخر ولا ~~يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثاما ~~يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانا} [الفرقان: 69] فحرم الله قتل ~~النفس إلا بالحق، وحرم قتلها ظلما، وأحله إذا كان المقتول كافرا ظالما، ولم ~~يحل الزنا في فقر ولا غنى، ولا أباحه قط سرا ولا علنا. PageV01P039 # فالحذر له الحذر والهرب منه الهرب، يابني فإن الله قد أغناكم عنه غنى ~~واسعا، موجودا بالنكاح لكرائم النساء، وجعل منه بدلا في كل ناحية وفج من ~~فجاج الدنيا، بالأزواج الحلال الحسان، بالمهور اليسيرة، والأثمان في ملك ~~اليمين القليلة، قال الله سبحانه وتعالى في صفة المؤمنين، وهو يخبر منهم عن ~~الناجين: {قد أفلح المؤمنون(1)الذين هم في صلاتهم خاشعون(2)والذين هم عن ~~اللغو معرضون(3)والذين هم للزكاة فاعلون(4)والذين هم لفروجهم حافظون(5)إلا ~~على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين(6)فمن ابتغى وراء ذلك ~~فأولئك هم العادون(7)والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون(8) والذين هم على ~~صلواتهم يحافظون(9)أولئك هم الوارثون(10)الذين يرثون الفردوس هم فيها ~~خالدون(11)} [المؤمنون: 1 11]. # فأخبر الله سبحانه وتعالى ms13 في هؤلاء الآيات أن من فعل فيها وفيما وصف منها ~~ما به أمر، وانتهى عما نهى عنه في هؤلاء الآيات وازدجر، كان عنه سبحانه ~~راضيا، وجعله للفردوس([5]) في جنات النعيم وارثا، وكان فيها باقيا مخلدا. PageV01P040 # فماذا يابني في هذه العشر الآيات من الوصايا من الله الشرائف الكريمات، فأي ~~وصايا لا تبلغها وصايا، قد أمرت بفضائل الخيرات والمكارم ونهت عن منكر جليل ~~من فاحش البلايا. # وكم يابني لسيدي وسيدكم، ومولاي ومولاكم، في كتابه من هذا القرآن العظيم ~~الذي نزل على نبيه من وصية ووصية جامعة واعظة بليغة، وعظات حكيمة نافعة، ~~فقفوا إذا قرأتموه على وصايا الله فيه الجامعة. PageV01P041 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في ترك اللواط] # تعرفوا إذا وقفتم وتفهمتم الأمور كلها الضارة والنافعة واحذروا يابني ~~عصمكم الله الخطيئة والفاحشة العظماء التي ليست خطية ولا فاحشة أعظم منها ~~فوق الأرض ولا تحت السماء، وهي الفاحشة الكبرى، وقد نهى الله عنها وزجر في ~~مواضع كثيرة من القرآن نهيا، وتحريما مؤكدا مكررا وهي من أنكر المنكر عند ~~من آمن وكفر، من كل أسود وأحمر، وهي إتيان الذكور، وذلك عند الله من أفحش ~~الكبائر والشرور، ولو لم ينزل الله من ذلك نهيا وتحريما؛ لكان ذلك في معقول ~~البشر والخلق كلهم جميعا جراما، وخروجا من المعقول كبير مضيعا قبيحا هائلا ~~منكرا أن يكون ذكرا يركب وينكح ذكر؛ لأن الذكران إنما خلقهم الله لمزاوجة ~~الإناث، لما في ذلك مما أراد الله سبحانه بالناس من النماء والتناسل ~~والكثرة والانبثاث، فاعلين لا مفعولا بهم، والفعل منهم إنما أحله الله لهم ~~في أزواجهم وملك أيمانهم، فقال تبارك وتعالى: {ياأيها الناس اتقوا ربكم ~~الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء ~~واتقوا الله} [النساء:1]. PageV01P042 # وقال في تحريم إتيان الذكور مرددا، وفيما عاقب به من فعل ذلك وما هو عليه ~~من سخطه لمن آتاه مؤكدا وهو يذكر عن نبيه لوط، وما كان من إنكاره على قومه ~~لهذا الذنب العظيم عند الله المسخوط {أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها ms14 من أحد ~~من العالمين إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون} ~~[الأعراف: 81] وقال: {أتأتون الذكران من العالمين وتذرون ما خلق لكم ربكم ~~من أزواجكم بل أنتم قوم عادون}[الشعراء:165-166]. # وقال سبحانه عن لوط صلى الله عليه وسلم، فيما كان ينهاهم عنه من الذنب ~~الأعظم المسخوط: {ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون أئنكم ~~لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم تجهلون} [النمل: 55]. وقال ~~سبحانه وهو يخبر عن تدميره لهم، وما عذبهم به من الخسف بهم، ورميهم ~~بالحجارة قبل الخسف، وما حل بهم من الدمار والحتف: {فلما جاء أمرنا جعلنا ~~عاليها سافلها وأمطرنا عليها حجارة من سجيل منضود مسومة عند ربك وما هي من ~~الظالمين ببعيد} [هود:82]. PageV01P043 ### || AUTO [ذكر ما جاء من الأخبار في اللواط وعقوبته ] # وفي الخبر الثابت الصحيح وما أنزل الله من الحجارة والعذاب الأليم: أن ~~ملكا من الملائكة أمر بقلع أرض قوم لوط سخطا من الله سبحانه عليهم، فيما ~~كانوا يأتون من عظيم الفاحشة، فقلع أرضهم بهم من أسفلها، وحملها بهم على ~~جناحه عند الصبح حتى أقلها، وأمر الله نبيه لوطا أن لا يلتفت إليهم لأن لا ~~يرى عقوبتهم وهولها، فيفزع صلى الله عليه وسلم ويذعر لما يرى بعذابهم من ~~الفضاعة والهول الأكبر. # وذلك أنه ذكر أن الملك لما قلع أرضهم بجناحه وهم فوقها، رماهم الله ~~بحجارة من سجيل وهو يقلبهم وأرضهم في الهوى. # ورموا في ما ذكر من الأخبار بشهب من النيران فأشعلتهم، وأخذتهم الحجارة ~~من السجيل فرضختهم، ثم قلب الملك حين علا بهم في الجو أرضهم فجعل عاليها ~~سافلها عقابا لهم. # فأي أمة بجرم أو ذنب ممن أهلك من الأمم دمروا بمثل هذا التدمير، وعذبوا ~~لشدة سخط الله عليهم بمثل هذا العذاب الهائل الكبير. # وكذلك ذكر عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام أنه أتي بذكرين ~~من الرجال أتيا الفاحشة من اللواط فأمر بهما فرفعا إلى أعلا سور حائط عال ~~ثم نكسا فطرحا إلى الأرض من فوق السور ms15 وأتبعا بالحجارة رميا، حكما منه عليه ~~السلام فيهما بمثل ما أمكنه بشبيه عقوبتهما بما فعل الله بقوم لوط في مثل ~~فعلهما وخطيئتهما. PageV01P044 ### || AUTO وجاء الخبر المنقول الثابت الصحيح عن الرسول صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: ((اقتلوا الفاعل والمفعول به)) ([6]) ولم يجعل لقتله ~~تأخيرا عنه، ولم يأمر فيه بضرب ولا حد من الحدود إلا القتل([7]) الحذر ~~يابني في الحداثة من أسنانكم والكبر لهذه الخطيئة العظمى والذنب الأكبر، ~~فإنه عند الله سبحانه من أكبر الكبائر وأنكر المنكر، فاحرسوا منها أنفسكم ~~وذراريكم، واحذروا أن يخلو بهم في صغرهم أحد ممن تجهلون خبرهم من جميع من ~~يأوي إليكم، حتى تكمل عقول أولادكم، ويفهموا ما حرم الله عليهم، وما في هذا ~~ومثله من عقوبة خالقهم وسخط بارئهم، لأن هذه العظيمة من الفواحش مما قد سلم ~~الله والدكم ولله المنة عليه صغيرا وكبيرا منها، فلم يأت ذكرا ولم يأته ذكر ~~ولله المنة عليه في ذلك الأكبر، وبالله عصمة من عصم وسلامة من سلم. # [ وصيته عليه السلام في ترك الخمر وكل مسكر ] # وأحذركم يابني ثم أحذركم وأنذركم يابني عصمكم الله ثم أنذركم، الخطيئة ~~المحرمة في كتاب الله وهي باب إذا أدخله إبليس العبد طرحه دخوله في كل بلية ~~من مساخط الله، فإنها أم الخطايا وباب البلايا الذي يفضي بمن دخله إلى كل ~~شر، ويوقعه في كل فاحشة ومنكر. # وهذه الخطيئة التي حذرتكم فهي ما نهى الله عنه وحرمه من شرب المسكر فإن ~~الله لم يحرمه إلا لما فيه من الشرور، وما يحمل عليه ويصير إليه من شربها ~~من قبائح الأمور، فإن الله سبحانه قد بين العلة التي حرمها لها، وسماها ~~اسما جامعا. PageV01P045 # فافهم الله سبحانه واسمع من كان ذا فهم وعقل سامعا أن العلة التي حرم لها ~~الخمر، هي ما ذكر أنها تحمل عليه، ويصير إليه من شربها من قبائح الفعل ~~والمنكر فقال تعالى: {إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في ~~الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: ms16 91]. # فذكر تبارك وتعالى فعل الخمر، وما تحمل من شربها من قبائح الأمر عندما ~~يصير إليه من السكر، وما يوقع سكر الخمر بين من سكر بشربها من العداوة ~~والبغضاء والنسيان لذكره، وما يصد به السكر من سكر عن الصلاة لله والذكر. # فزعم من فسق من سفهاء هذه الأمة ومن جهل اللسان العربي من هذه العامة أن ~~الخمر إنما هي بما عمل من العنب، وليس ما قالوا في هذا بمعروف في اللسان ~~عند العرب، إنما الخمر في عربي اللسان، وما يفهم عند العرب في البيان، ما ~~خمر بالتعفين حتى أسكر، وقد يخرج اسم الخمر في اللسان أن يكون ما أفسد ~~العقل وخامر، فكل مخامر للعقل بالإسكار من الأشربة فهي خمر. # والمخامرة فهي المخالطة، وما خالط من الأشربة العقل بالإسكار وخامره فهو ~~خمر مخامر، وكذلك يفعل في المخامرة للعقل كل شراب مسكر، فما خامر وأسكر ~~العقل كمخامرة الخمر وإسكارها ففعل فعلها كان عند من فهم عن الله مثلها، ~~وإنما حرمت الخمر لمخامرتها للعقل بالإذهاب والسكر، وما تحمل عليه من الإثم ~~والشرور والمنكر. # ولا فرق بين إسكار الأنبذة والخمر، بل النبيذ أشد للعقل إذهابا ومخامرة ~~وإسكارا، فيما أخبرني به من شربهما جميعا ممن يدعي ملة الإسلام، وممن سألته ~~من النصارى، فكل هؤلاء يزعمون أن النبيذ إذا شربوه كان أشد في السكر من ~~خالص الخمر. # والنبيذ فيما يقولون أشد للعقل مخامرة بالفساد والسكر، وأحمل لمن شربه ~~على أبواب الفضائح والفجور والكفر. PageV01P046 ### || AUTO [ذكر ما جاء من الأخبار في تحريم الخمر وكل مسكر ] # وفي الخبر المنقول الذي لا شك فيه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((أنه حرم كلما أسكر قليله كتحريمه من كثيره، وأنه أقام الحد على من شرب ~~الخمر، وعلى الشارب لغيره من النبيذ نبيذ الفضيخ ([8]) والتمر)) فأجرى هذه ~~الأشربة كلها التي تسكر مجرى الخمر، لأن فعلها فعل واحد في المخامرة للعقل ~~بالإذهاب والسكر، وما تحمل عليه ويوقع فيه من شربها من الفجور والإثم والشر. # فأجمعوا جميعا أن رسول الله صلى الله عليه ms17 وآله وسلم قال: ((ما أسكر ~~كثيره فقليله حرام )) ([9]) وأنه صلى الله عليه وآله وسلم حد من شرب النبيذ ~~والخمر حدا واحدا. # وكذلك ذكرت العامة عن عمر بن الخطاب أنه كان يقول: (الخمر خمسة أشياء، من ~~العنب والتمر والبر والشعير والعسل )، فأجرى هذه الأشياء الخمسة إذا عمل ~~منها المسكر مجرى الخمر وسماها خمرا. # وقد أخبرنا غير مرة أن الخمر في اللسان العربي الشراب المخامر المخالط ~~للعقل للإفساد والسكر. # وذكر أن عمر بن الخطاب قال في ابنه عبيدالله بن عمر، بلغني أن عبيدالله ~~وأصحابا له شربوا شرابا لهم لأسألن عنه، فإن كان يسكر حددته وحددت أصحابه ~~حد الخمر، فسأل عنه عمر فأخبر أنهم شربوا شرابا يسكر، فلم يسأل عن الشراب ~~قليلا شربوا منه أو كثيرا وحد ابنه عبيدالله وأصحابه، ورأى الشراب إذا كان ~~يسكر خمرا. PageV01P047 # وأجمع أهل المدينة وفقهاؤهم وغيرهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~أتى برجل شرب مسكرا لم يذكروا أنه كان خمرا، فلما أيقن صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه شارب، وذلك أنهم ذكروا في الخبر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~أمر بالرجل أن يستنكه ويشم ريح الشراب منه، فلما أخبر صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن ريح الشراب موجود من الرجل، ثم لم يسأل رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أكثر من شربه أو أقل، وحكم عليه بأن يضرب حدا، ودعا بالسوط فأتي ~~بسوط يابس قاحل، وإنما كانت السياط حينئذ تعمل من جلود الإبل، فخشي رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم أن ضرب بذلك السوط أن يقتله، ولم يرد قتله ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وإنما أراد أن يؤدبه وينكله فقال: (( ائتوني بسوط ~~دون هذا )) فأتي بسوط ليس بالقاحل اليابس ولا بالمارن المفرط في اللين فأمر ~~بالرجل فحد وجلد في ظهره ثمانين. # فاحذروا يابني ثم احذروا شرب الكثير والقليل بل أقل القليل من كل شراب ~~أسكر، فإن الشراب المسكر باب كل بلية وفسق وفجور وشر. # ولا اختلاف بين هذه الأمة الخاصة منهم ms18 والعلماء والجهلة من العامة أن ~~السكر حرام، ثم ذكروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((ما أسكر ~~كثيره فقليله حرام)) وحرم الله الخمر التي تخامر العقل بالسكر. # وأجمعت الأمة على تحريم قليلها وكثيرها وما الخمر في الإسكار وما تحمل ~~عليه من المعاصي الكبار إلا كغيرها. PageV01P049 # وقد ذكرت علماء العامة والخاصة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم من ~~التغليظ في النهي عن شرب المسكر والتحريم لكل ما أسكر، فإنه قال صلى الله ~~عليه وآله وسلم في الشارب: ((إن شرب فاجلدوه، ثم إن عاد فاجلدوه، ثم إن عاد ~~فاجلدوه، فإن عاد فاضربوا عنقه))([10]) فأجراه صلى الله عليه وآله وسلم في ~~حكم الله وحكمه بعد ثلاث مرار وشرب الرابعة مجرى أهل الكفر والجحدان ~~والمعاندة، فأباح دمه ولم ير له حرمة المؤمن ولا من هو على الملة. # وروي عن النعمان بن بشير أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم: ((من الحنطة خمر، ومن الشعير خمر، ومن التمر خمر، ومن الزبيب خمر، ~~ومن العسل خمر)). # وروي عن علي عليه السلام أنه قال: (الخمر من خمسة أشياء من التمر والزبيب ~~والحنطة والشعير والعسل). # وروي عن عمر بن الخطاب أنه قام على المنبر بالمدينة فقال: (يا أيها الناس ~~نزل تحريم الخمر حين نزل وهي من خمسة أشياء من التمر والعنب والعسل والحنطة ~~والشعير والخمر ما خامر العقل ). # وروت العامة جميعا لا اختلاف بينهم عن عائشة عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((ما أسكر كثيره فقليله حرام)). # ورووا عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ~~((كل مسكر حرام)) ([11]). # وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من مات وهو مدمن ~~خمر لقي الله وهو كعابد وثن))([12]). PageV01P050 # وذكر عن مرثد بن عبدالله اليزني عن ديلم الحميري قال سألت رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فقلت يا رسول الله: إنا بأرض باردة نعالج فيها علاجا ~~شديدا، وإنا نتخذ شرابا من ms19 القمح نتقوى به على أعمالنا وعلى برد بلادنا، ~~فقال هل يسكر، قلت: نعم قال فاجتنبوه، ثم جئته من بين يديه فقلت له مثل ~~ذلك، فقال هل يسكر؟ قلت: نعم، قال: فلا تشربوه، قلت: يا رسول الله فإن ~~الناس غير تاركيه، قال: فإن لم يتركوه فاقتلوهم. # وروى ابن علية عن ليث عن نافع عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: ((كل مسكر حرام))، قال وقال ابن عمر كل مسكر خمر. # وروى لنا بعض المحدثين عن أبي بكر عن وكيع عن الأوزاعي عن أبي كثير أنه ~~قال سمعت أبا هريرة يقول سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: ~~((الخمر من هاتين الشجرتين العنبة والنخلة)). PageV01P051 # وحدثنا بعض المحدثين عن جعفر الرماني قال حدثنا علي بن قادم قال حدثنا ~~عبيدالله بن عمر القرشي الجزري قال حدثنا زهير قال حدثنا حميد الطويل عن ~~أنس عن أبي عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب وسهيل بن البيضاء أنهم كانوا في ~~نفر من أصحابهم في بيت أبي طلحة وأنس يسقيهم حتى كاد أن يأخذ فيهم الشراب، ~~قال فمر رجل من المسلمين، فقال ألا هل شعرتم أن الخمر قد حرمت، قالوا ~~فوالله ما قالوا حتى نتبين أو نعلم، قال فقالوا يا أنس كفيء ما بقي في ~~آنيتك، قال فهرقتها، فما عادوا فيها حتى لقوا الله، قال وإنما كان الشراب ~~من البسر والتمر، قال أنس هي كانت خمرنا يومئذ. # وحدثني بعض المحدثين، قال حدثنا جعفر الرماني قال حدثنا عبيدالله بن موسى ~~قال أخبرنا سفيان عن الأعمش عن محارب بن دثار عن جابر بن عبدالله الأنصاري ~~أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: ((الزبيب والتمر هي الخمر)). # حدثنا بعض المحدثين عن جبير بن عبد الواحد قال حدثنا عباد بن يعقوب قال ~~حدثنا خالد بن حيان الخراز عن زيد بن راشد عن الحسن عن أبي سعيد الخدري ~~قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((من شرب مسكرا نجس ونجست ~~صلاته أربعين ms20 يوما، فإن تاب تاب الله عليه فإن عاد الرابعة كان حقيقا على ~~الله أن يسقيه من طينة الخبال))([13]). PageV01P052 # قال خالد بن حيان عن زيد بن راشد عن الحسن عن أبي سعيد الخدري أن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم قال: مسكرا ولم يقل خمرا. ولكفى من الخبر في تحريم ~~الله من الأشربة لجميع السكر بقوله سبحانه في التنزيل، وهو يذكر النعمة ~~فيما أخرج لعباده من ثمر الشجر المأكول: {ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون ~~منه سكرا ورزقا حسنا} [النحل: 67] فقدم السكر وأعلم عباده أنه عنده من ~~المسخوط المنكر بكلام بليغ عند العرب يفهمونه من المقدم والمؤخر، لأن ذكر ~~المسكر في هذه الآية بعد ذكر النعمة في مأكول الثمر من الكلام المفهوم عند ~~العرب تقدم أو تأخر، كأنه عني سبحانه ومن ثمرات النخيل والأعناب رزقا حسنا، ~~تذكيرا لهم بالنعمة في حسن الرزق، ثم قال تتخذون منه سكرا، سخطا منه تعالى ~~بما يصرف الثمر إليه أهل الفسق من تهيئته مسكرا، إذ كان المسكر عند الله ~~مسخوطا منكرا، وإنما نزل القرآن باللغة العربية التي هي أبلغ عند العرب في ~~البيان، فيؤخر عن موضعه، ومعناه متقدم مع أول الكلام في مكانه، إذ كان أبلغ ~~في اتساق بلاغة اللسان، وما هو عند العرب أجود في تصريف نظم البيان، كقوله ~~سبحانه: {ولولا كلمة سبقت من ربك لكان لزاما وأجل مسمى}[طه:129] فآخر هذا ~~الكلام مع أوله، وإن كان قد دخل بينه نظم البلاغة وفرق بين فواصله، فإنما ~~أراد تبارك وتعالى: ولولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمى لكان لزاما. PageV01P053 # ففي هذا يابني ما نبهكم وكفاكم، فالحذر من قليل شرب المسكر وكثيره، لما هو ~~مسخوط محرم عند ربكم ومولاكم. # فالحذر يابني من المسكر قليله وكثيره، الحذر الحذر، فإنه حبالة إبليس ~~التي أوقع بها من لا نظر له لنفسه من الخاصة والعامة في كل منكر وفجور وشر، ~~ولو لم ينزل الله عنه نهيا ولا فيه تحريما لكان السكر والمسكر عند كل ذي لب ~~عاقل منكرا عظيما لما يصير إليه ms21 من شربه من فقد عقله، والإفتضاح بذهاب ~~فهمه وخبله، وكشف عورته والتمرغ في سلحه وبوله، مع ما هو أعظم من ذلك عظما، ~~من إتيان الفجور عند السكر الذي جعله الله مسخوطا عنده محرما. # فلم أعلم والحمد لله لكم أبا ولا جدا إلى علي عليه السلام أعلمه يشرب قط ~~نبيذا ولا مسكرا، بل كلهم يرى ذلك من أعظم الفواحش منكرا، ومن عظائمها ~~وكبارها فسقا وخبثا وشرا، تولاكم الله يابني بالإنتهاء والإزدجار والحذر ~~والإجتناب والإعتزال لكل ما أسخط خالقكم وربكم ذا الكبرياء والعزة والجلال، ~~وسلمكم الله مما قد عم أهل زمانكم ودهركم من الشرور والحيرة والخذلان ~~بارتكاب كبائر المعصية، وما يستبيحون بجهلهم وظلمهم لأنفسهم، وقلة يقينهم ~~بما حذرهم الله من عقابه من المنكرات والفواحش المهلكة المردية. PageV01P054 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في هجر المدن والقرى] # فليس النجاة لكم ولمن معكم إلا الهرب في البوادي والأودية والجبال منهم، ~~والتحبب إلى خالقكم بهجرتهم والبعد عنهم، فإن في مساكنتهم والاختلاط بهم، ~~فساد القلوب والخبال الأكبر، لما هم عليه وفيه من فعل كل فجور وفسق وشر، ~~إلا أقل القليل منهم. # فالهرب الهرب والبعد البعد عنهم، فإن المدن والقرى موضع اللؤم والشر ~~والبلايا، بما تجمع وتضم من شرار الناس والأوغاد، وما ينضم فيها ويأوي ~~إليها من أخلاط الأجناس، وسقاط شرارهم من كل بلاد فيها، وفيها سقاط الأمم، ~~ورذلات العرب والعجم، من حمران الأجناس وسودانهم المغتربين عن بلدانهم ~~وأوطانهم، والمختلفين في عقولهم وهمهم، وألوانهم ومذاهبهم، وأخلاقهم ~~ودياناتهم، فالحياء والإحتشام عندهم وبينهم مرفوض ومطروح، وكلهم فغريب عن ~~بلده وموضعه، لا يستحي من خنا ولا خزي أتاه وركبه ولا فضوح، ولكل جنس منهم ~~ضمته هذه القرى والمدن في بلده وأصله طباع وخلق، وهو عندهم كيس محمود، وعند ~~من يعقل همج قبيح، فلسودانهم في الطرب والزفن واللعب والمنازعة إلى ما يغلب ~~على طباعهم في بلادهم من الشرور وقبائح الأمور ما لا يبلغه في الطرب والزفن ~~واللعب نواهق الحمير، والحمران أجناسهم مذاهب أخرى كثيرة لا تحصى من كل شر ~~وبلاء، وفسق ومجون وخنا، ms22 من إتيان كثير منهم للذكور وشهوة من لا تشتهيه ~~الحمير، ولا البهائم الخنازير منها ولا غير الخنازير، من إتيان الذكران، ~~وهذا البلاء وهذه الفاحشة العظمى فيما بلغني فأصلها وبدؤها ومخرجها من أرض PageV01P055 العراق وفارس وخراسان، إلا من عصم الله من الأمم، أو من كفه وردعه عن ذلك ~~دين وورع وطباع كرم، مع ما تضم المدن والقرى من عساكر المتغلبة والسلاطين، ~~وما ينظم إلى العساكر ويأوي إليها من سقاط الناس والأجناس والشياطين، وما ~~في المدن والقرى من منكرات الفواحش والبلاء، واستجازتهم كبارهم وصغارهم ~~اللفظ بالفحش والخنا، فهو بين كبارهم وصغارهم عادة قد أجروا أنفسهم عليها ~~لا يستوحشون منها، ولا يعظمونها ولا يتناهون عنها. PageV01P056 # فالمنكرات بينهم لإكثارهم منها ولحاجتهم فيها معروفة، والقبائح لظهورها ~~بينهم لا يستوحشون منها بل هي مألوفة، والغالب على كل مكان عند القرى ~~والمدن السفساف والسفل الذين لا يستحيون من غي ولا ردى ولا من فضائح العمى، ~~يبولون ويتغوطون على أبوابهم وفي أفنيتهم ولا يطهرون ما يسكنون من بيوتهم، ~~ويكشفون في أفنيتهم وأزقتهم البول والخلاء ما أمروا به من ستر عوراتهم، فهم ~~كالبهائم التي لا تنطق ولا تعقل، وكل من لم يتنح عنهم ويبعد منهم فهو مشارك ~~لهم في سوء فعلهم، وآثم ظالم لنفسه في مجاورتهم والاختلاط بهم، لأن أقل ما ~~لله عليه إذا لم يمكنه الإنكار على من يسخطه سبحانه ويعصيه فلم يستطع منهم ~~من مساخط الله تبارك وتعالى أن يهاجر عنهم ويبعد عنهم في أوسع أرض الله ~~تبارك وتعالى، قال في تنزيله ووحيه، وما عهد فيه إلى عباده محذرا في تركهم ~~أمره ونهيه وهو يذكر من توفاه الملائكة ممن رضي من المستضعفين وغيرهم ~~بمجاورة أهل الظلم والمعصية: {إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا ~~فيم كنتم} [النساء:97]. PageV01P057 # فتفهموا يابني قول ملائكة الله ربكم لمن ظلم نفسه بمساكنة من فسق وعصى ربه، ~~فإنما عنى بقولهم {فيم كنتم}[النساء:97] أي ما فعلتم في أيام حياتكم فيما ~~أمرتم به من الإنكار على من جاهر بالمعصية خالقكم وربكم، فقال الظلمة ~~الخاسرون عند ms23 الندامة والحسرة وهم يعتذرون: {كنا مستضعفين في الأرض} ~~[النساء:97] فلم تكذبهم الملائكة فيما ذكروا من استضعافهم وضعفهم، وقالت ~~الملائكة لهم محتجين عليهم لربهم، مبكتين لهم موقعين على ما ارتكبوا من ~~عظيم ذنبهم في المجاورة والمساكنة، وترك الإنتقال عن أهل المعصية والمجاهرة ~~{ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}[النساء:97]. # ثم أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة الذين خاطبهم عندما توفتهم رسله من ~~الملائكة فذكر تعالى سخطه عليهم وحكمه فيهم فقال: {فأولئك مأواهم جهنم ~~وساءت مصيرا}[النساء:97] فلو لم ينزل الله نهيا عن مساكنة أهل المعصية، ~~لكان ينبغي لمن عقل أن يفر ويهرب بنفسه وولده وحرمه من مجامع الناس وقراهم ~~ومدنهم لظهور فساد الناس في المدن والقرى، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون ~~منكرا، وهم أظهر الناس فسقا، وألأمهم لؤما وأدقهم أخلاقا. PageV01P058 # فالكرم والكريم يابني في المدن والقرى عند أكثر أهلها غير مرضي ولا ممدوح، ~~وذو الدناءة والبخل واللؤم عندهم مقبول مرضي غير معيب ولا مفضوح، وما ~~بالقرى والمدن في الكبار والصغار من منكرات المجون والشرور والفحشاء أكبر ~~وأعم وأظهر من أن يؤتى له على عدد وإحصاء، مع ما في القرى والمدن يابني من ~~فساد اللغة والكلام واللسان، واختلاط غثاء الناس من الحمران والسودان، تبرج ~~الحرم لفساد من بالقرى من العرب وسفساف العجم، فالغيرة من أهل المدن أو ~~أكثرهم على الحرم متروكة مطروحة، والحرم بتبرجها في الأسواق والطرق مفضوحة. # فأف يابني ثم أف لمن كان ذا حرية وكرم وأنف، سكن في هذا الدهر المدن ~~والقرى، ما دامت على مثل ما هي عليه من ذكرهم هذا من المنكرات التي ذكرنا ~~فيها والفحشاء، وما غلب على أهلها الكبار منهم والصغار والنساء من ~~الخنا([14]) والساس والفساد واللؤم والدناءة والنذلات والردى، فأين أنتم ~~يابني عن طاعة ربكم فيما أمركم به ودلكم عليه من المهاجرة وترك المجاورة ~~لمن يسخطه ويعصيه، والإمتثال لمسالك أهل الشرف من آبائكم وسلفكم وأولكم في ~~ترك المدن والقرى ومجاورة أهلها، والتنحي إلى البادية والإعتزال عن ~~سفساف([15]) القرى وغوغائها وسفلها. PageV01P059 ### || AUTO [ذكره عليه السلام هجرة والده ms24 القاسم عليه السلام ] # فأقرب من به في ذلك تقتدون وبفعله في الهجرة عن القرى والمدن تأنسون، ~~جدكم الأقرب أبي وأبوكم القاسم بن إبراهيم رضي الله عنه ورحمه، وقبل عزلته ~~وهجرته منه، وقد كان رحمه الله زمانا طويلا من عمره بالمدن مدن الحجاز ~~ومدينة مصر ساكنا داعيا إلى طاعة الله، فلما لم ير في أهل القرى والمدن إلى ~~طاعة الله ربه وحقه ومرضاته مستجيبا، ولم ير فيها إلا غرقا في الجهل ~~والمعاصي لا تائبا إلى ربه ولا منيبا، ورأى القرى والمدن أصل كل منكر ~~وضلال، وتجمع الفجار والفساق والأرذال الدناة والأفسال([16])، تبرأ إلى ~~الله منهم، وهاجر إلى البادية والجبال عنهم، فوفقه الله للصواب في ذلك ~~وأرشده، وأراه له الخيرة في دنياه وأسعده، فخلا بنفسه وأهله وولده، وجرى ~~حكمه عليهم وعلى من تحت يده، فصار نظرا واختيارا، بعد أن أحاط بالمدن ~~والقرى وأهلها اختبارا إلى بادية المدينة وجبالها، وتنحى عن المدينة ~~وأهلها وحل في جبل من باديتها يسمى قدسا([17])، فكان به حينا وكنا به معه ~~أطفالا صغارا، لا يعاين فسقا ولا فجورا ولا منكرا، ثم انتقل إلى (وادي ~~الرس) وجباله، فكان خاليا فيه بولده وعياله، ما أمرنا فيه من أمر أطعناه، ~~وما عرفنا في الدين من حق أو قول في الهدى والصواب قبلناه. PageV01P060 # ثم انتقل إلى فرع آخر من جبل يسمى (الأشعر)([18]) من جبال جهينة، بعد أن ~~أقام عمرا طويلا وسنين كثيرة في (وادي مزينة) فكان منه بجبل وفرع يدعى فرع ~~السور حتى توفي فيه رحمة الله عليه وقبض، وكان قد عاهد الله وأعطاه من نفسه ~~أن لا يسكن هو ولا أحد يطيعه من ولده ما بقي حيا مجامع الناس بين المدن ~~والقرى، لما ذكرت لكم يابني قبل هذا من قولي وفسرت، مما تجمع القرى والمدن ~~من أهل الفسق والفواحش والمنكر والردى، وما في أهل المدن والقرى والمدائن ~~من أهل الفسق والفواحش، من الجهل والمعاندة في الدين، وما بها وفي أهلها من ~~الفساد والمفسدين، وأهل المجاهرة بكبائر المعاصي والظلم المعتدين. PageV01P061 ### || AUTO [ذكره ms25 عليه السلام صفات البادية وأهلها ] # فجعل الله الروح والراحة في بدنه، وأعقبه سكنى البادية واعتزال الناس ~~العفاف والصلاح في أهله وولده، فأقام في البادية والجبال قبل وفاته نحوا من ~~أربعين سنة لم يخل فيها قط من لطائف الله وصنع الله، وسعة رزقه مع البعد ~~والتطهر عن شرار خلقه، في أطيب مساكن في تلك الأودية الطاهرة، والجبال ~~والبوادي الصحيحة البريئة من الوخامة التي تكون في المدن من الأرياح ~~المنتة، والسكك القذرة والأزقة والطرق التي فيها غير طاهرة، وأبخرة ~~الكرابيس([19]) والنجاسات المفسدة للجو والهوى المؤرثة للأمراض والوباء، بل ~~كنا معه رحمه الله في أطيب الغذاء مما يكون في البادية في أطيب المساكن ~~والمحال من أودية البوادي والفروع التي فيها من الجبال نتنسم صافي الهوى، ~~ونشرب أكثر مدة دهرنا ماء الغمام والسماء، وننال فيها بلطف الله طيب ~~الغذاء، مما يكون في البادية من سمين لحوم الماشية، وما جعل الله في ~~المواشي من أشربة اللبن الخالصة السائغة في أطيب الساحات طيبا، وأطهرها ~~طهارة، وأفسحها منظرة، وأصفاها هواء، وأقلها كدرا، لا يسمع خنا ولا يرى ~~فسقا ولا منكرا، ولا صوتا ملعونا، كبرا([20]) ولا وترا، مع قوم نختلط بهم ~~أحسن قوم جوارا، وحرمهم فأشد حرم الناس استتارا، من خير أبناء من العرب ~~وأهل البادية، أشكر قوم للمعروف شكرا، وآلفهم إلفا، وأحسنهم جوارا، ومن ~~جاورهم فاعتزلهم، وكف الأذى والمكروه عنهم، كثر ثناؤهم عليه، وشكرهم له، ~~وسلم منهم، وكانوا له إذا أحسن قليلا إليهم، وبث أقل المعروف فيهم كالخول ~~والأعوان، إذا استكفاهم بعض الأمور كفوه، وإن استعانهم على نائبة تنوبه ~~أعانوه. PageV01P062 ### || AUTO [ذكره عليه السلام صفات أهل المدن والقرى ] # وأهل القرى يابني وسفساف من في المدن من سكانها كلهم تجارهم وصناعهم ~~وغيرهم، وكذلك من اختلط بالأسواق والقرى من العرب وجاورهم، فهؤلاء كلهم ~~ليسوا بذوي حرية ولا ذمام، ولا يتخلقون بخلق من أخلاق الكرام، ولا يوفون ~~بموعد وعدوه، ولا يوجدون حق الجوار لمن جاوره، وإن استعانهم جارهم على ~~نائبة لم يعينوه، وإن وعدوه وعدا أخلفوه، وإن قالوا له قولا ms26 لم يصدقوه، ~~وكلما كان عليهم فيه أدنى كلفة وأقلها لم يكتلفوه، وليس للجار عندهم غير ~~الخداع له والمنافقة، فإنهم إذا لقوه تملقوا وإن استرفقهم بسلف أو رفق لم ~~يرفقوه، وكذلك كل من اختلط بالقرى من العرب فهو في اللؤم ودقة النظر وسوء ~~الأدب كأهل القرى والأسواق يتخلقون بأخلاقهم، ويفسدون بفسادهم. # فالبعد يابني عن أهل القرى والمدن لكم ولمن معكم خير من قربهم وأسلم لكم ~~في دينكم وفيما بين ربكم وبينكم، وليست العزلة عن المواضع التي تجمع أخلاط ~~الناس ويحيط بكم ما فيها من شرور الأشرار وما فيهم من الدنس والأنجاس ~~كالبوادي التي تتسع بأهلها وتضم من فيها من سكانها، كما تجمع القرى وتضم ~~وتخلط بين من فيها من رذالة أشرارها وسفلها، لأن كل ساكن في البادية فهو ~~وحده يمكنه أن يكون في عزلة وناحية. PageV01P063 # وسكان القرى متضامون في السكك والدور، مجتمعون يرى بعضهم ما في بعض من ~~الفساد والمنكر والشرور، يأنس بعضهم ببعض فيما يفعلون من منكرات الفجور، ثم ~~لا يجد من يسكن بينهم بدا من مضامتهم ورؤيتهم، ومعاينة فواحشهم وفسقهم، وما ~~يبتلى به من سوء جوارهم، ونذالة أخلاقهم، ولؤم كبارهم وصغارهم، واستحسانهم ~~بينهم للؤم الأخلاق، وقلة إنكارهم للدناءة والخنا، وما فيهم من فواحش الريب ~~والبلاء، أعظم وأكبر من أن يؤتى له على صفة أو يحصى، يتكلم سفاسفهم وأهل ~~أسواقهم، وأكبر كبارهم وصغارهم، بأفحش الفحش وأعور الكلام علانية جهارا، ~~فلا ترى أحدا منهم أنه يجب عليه أن يكون منه لما سمع من ذلك إنكارا، ~~فنساؤهم وأكثرهم في الأسواق متبرجات، وأكثر اللواتي لا يخرجن متطلعات من ~~الكوى والأجنحة غير مستحيات. PageV01P064 # فلم تروا يابني هذا ومثله ظهر في القرى وعم حتى لا ينكره منكر من أهل ~~القرى، ولا يحتشم منهم محتشم، فأنا أخبركم يابني لم كان هذا في القرى ~~والمدن بلا غلط ولا توهم، وذلك إنما هو لأن القرى والمدن تجمع وتضم من ~~رذالات الأجناس، وحشو سفساف الناس، وسقاط العجم وشرارهم، فيجتمعون ويختلطون ~~غرباء عن أوطانهم وبلدانهم، فمنهم من هو مملوك مرقوق، ms27 ومنهم من هو غير ~~مملوك وهو لئيم الأصل، قليل الحياء للمجون والدناءة والجفاء والمروق ~~والعتاوة والفسوق، فقد اختلطوا وماج بعضهم في بعض، حلوا بالشرور لقلة ~~الحياء، ولؤم الأمهات والآباء، ولأن بعضهم لا يعرف بعضا، جميع القرى في ~~الأرض ومن اختلط بهم، فمن كان له أصل أو نسب من قريش والعرب، أو من له حرية ~~نفس من العجم، أو من كرام أجناس الأمم، فلغلبة من ذكرنا من القرى من سقاط ~~الناس ورذالة الأمم والأجناس قد غمر هؤلاء في كثرتهم، وقلوا وصار العدد ~~والمال واليسر في الرذالة والسفل، وافتقد كل من له حرية، وقل عددهم، وصار ~~من له أصل ودين بين هؤلاء الذين ذكرنا قد خمل وذل، لأن الغلبة في الدنيا ~~الدنية وهذه الدار الأولى من الدنيا الدنية إنما هي للحشو الأكثر في العدد، ~~ولا سيما إذا لم يكن لسلاطين الحق والعدل على السفساف والرعاع بحكم الله يد. PageV01P065 # فالناس اليوم يابني في مدن القرى مختلطون، يموجون ويختلط بعضهم في بعض كما ~~تموج أمواج البحر بالماء، ليس فيهم ولا منهم محق يقوى عليهم، وأحكام الله ~~وآدابه في كتابه لا تنفذ فيهم، فقد اخلتط علية ([21]) من في المدن والقرى ~~بسفلهم، وطال اختلاطهم وثواهم بينهم حتى جروا على سيرتهم، وصاروا لا ~~يستقبحون قبيحا، ولا يرون دناءة ولا فاضحا فضوحا، والإلف للغلبة السفلة، ~~وصارت السفل لكثرتهم وغلبتهم قد رهقتهم الذلة، واحتاج هؤلاء الذين لهم أصول ~~وحرية إلى أولئك فكلهم في مذهبه وخلقه هالك. # قد استحسن من في القرى والمدن من بقايا كرام الناس ما يستحسن من غلب على ~~القرى والمدن من سفل الأجناس لغلبة الغوغاء والرذالة وسقاط الأمم والسفلة ~~على القرى وكثرة عددهم فيها، فقد غرق بينهم وخزي وذل وقل كل من آوى إليها ~~من أهل الدين والحسب، وكاد أن يبطل بل قد بطل كل ذي دين ونسب. # فالمهرب المهرب يابني من القرى والمدن، الهرب الهرب فلو لم تهربوا منها ~~وتباعدوا إلا لذل الأحرار وفقرهم بها، وأن السفساف من لا خطر له ولا دين قد ~~غلبوا ms28 وكثروا وحازوا جميع معايشها، فذكرهم بالقرى والمدن الذكر الرفيع ~~العالي، وفيهم اليسر والثروة والعدد والأموال، وتوارثوا مع ذلك الحيرة في ~~الدين والضلال، ممن كان قبلهم في القرون الخوال، من أهل الشرف في أخلاقهم، ~~والعلو في ولادتهم وأنسابهم، لأمور عرضت من حسد وضغائن حالت بينهم وبين ~~طاعة ربهم لا يمكننا شرحها كلها، ومن فهم فروعها فتدبرها فهم أصولها، فقد ~~اشتبه أهل الأرض في معصية الله ورسوله، ومخالفتهم لأنبيائه صلوات الله ~~عليهم وتنزيله، فكلهم أو أكثرهم ضال عن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه ~~وآله وسلم في مذهبه واعتقاده وقوله وفعله. PageV01P066 ### || AUTO [توجعه عليه السلام من زمانه لما فيه من البلاء والمنكر ] # فيا لها حسرة ! ويا لها مصيبة في الإسلام ما أعظمها وأجلها! ويا لها أمة ~~من العرب والعجم ما أغفلها عما أمرت به في كتاب ربها ! وما أبطلت من حدود ~~الله ونبذت من عهوده لحيرة جهلها، وما لبست عليها ظلمة بني أمية وغيرهم، ~~معاندة للإسلام لما كانت عليه ظلمة بني أمية من حيرة جهلها، وعداوة نبي ~~الله بجحودها وظلالها، فإنا لله وإنا إليه راجعون. # فقد أصبنا وغبنا بما لم يصب به أحد ولم يجتح مجتاح ولا مغبون، فأي مصيبة ~~يابني أو بلية أو جائحة نزلت بأحد أو رزية أصيب بها أحد فيما مضى من الدهر ~~وبقي أعظم من مصيبة من لم يطع خالقه فيخشاه ويتقي، فيقوم بما أمره الله به ~~من طاعته، ويؤثر رضاه بمباعدة أهل معصيته. # وإذ قد أصبحنا يابني وأصبحتم، وخلقنا في عصرنا هذا وخلقتم في هذا الوقت ~~والحين والزمان، الذي لم يكن في الدنيا عصر ولا زمن أوحش ولا أبلى ولا أهول ~~منه منذ خلق الله البشر والإنسان، بل لم يكن مثله منذ برأ الله البرية ~~الآدمية ولا الجان، وكل دهر أو زمان أو عصر أهله ومن خلق فيه أعظم بلية من ~~دهرنا، وما قد غلب وعم على أهل ملتنا من الجهل والضلال في الدين، إذ قد ~~صارت الخاصة والعامة في أرض الله وبلاده مفسدين، ولما أمر ms29 الله به رسوله في ~~كتابه وعلى لسان نبيه جاحدين، فأكثر الناس ضال تائه عن الله ورسوله وهو ~~يحسب أنه مهتدي، ناقض دينه الذي أمره الله به ورسوله وهو فرح ويعتدي، قد ~~رضي من دينه بالتمني على الله مع تقصيره لنجاة المخلصين الذين كانوا ~~بتقواهم وطاعتهم برحمة الله ورضوانه مخصوصين، فرجوا وأملوا إذ زعموا وجهلوا ~~وضلوا أن يكونوا من أهل الطاعة لله ولم يتقوه كما اتقوا، ولم يعملوا من ~~الصالحات كما عملوا، وغرهم الشيطان فأضلهم وأغواهم، إذ لبس عليهم علماء ~~السوء الراكنون إلى غرور دنياهم، فأغفلوا ونسوا ما قال ربهم ومولاهم لمن هو ~~خلافهم، ومن كان بعيدا من مثل PageV01P068 خطاياهم، ومن لم يركب ما ارتكب أهل هذا الزمان من كبائر الفواحش والعصيان، ~~إذ تمنوا في أيام الرسول ورجوا طرفا من الرجاء والأماني، فقال سبحانه لهم ~~على لسان نبيه منبها ومحذرا أن يتمنى متمن عليه مع المقام على الذنوب وترك ~~التوبة أن يكون لهم غافرا، فقال سبحانه في ذلك للمؤمنين وهو ينهاهم أن ~~يكونوا بأهل الكتاب من اليهود والنصارى في التمني على الله للمغفرة وعفوا ~~السيئات متشبهين، فنهاهم وحذرهم أن يكونوا لمثل ما يتمنون متمنين {ليس ~~بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله ~~وليا ولا نصيرا ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك ~~يدخلون الجنة ولا يظلمون نقيرا} [النساء: 124]، فلم يوجب الرحمة لأحد من ~~خلقه بالأماني، ولم يوجبها إلا لمن عمل الصالحات وآمن من كبائر العصيان. # كذلك قال أيضا سبحانه في موضع آخر من محكم كتابه وهو يذكر ما لهم من ~~الرحمة والغفران لمن كان ذا تقوى وإيمان {ورحمتي وسعت كل شيء فسأكتبها ~~للذين يتقون ويؤتون الزكاة} [الأعراف: 156] فأخبر سبحانه أن رحمته التي ~~وسعت كل شيء لا يكتبها إلا للمتقين. PageV01P069 # وقال تبارك وتعالى في موضع ثالث من محكم كتابه: {أم نجعل الذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار} [ص: 28]، ~~وحاشا الله العدل الحكيم أن يكون ms30 من عصاه وفجر في دينه كالمطيعين الأبرار، ~~وقال في موضع رابع في محكم كتابه، وهو يخبر عن حكمه الذي لا يحكم أبدا ~~بغيره بين عباده: {أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين ءامنوا ~~وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون} [الجاثية: 21] وما نزل ~~في القرآن من حكمه بالعقاب على أهل المعصية، وحكمه بالثواب والعفو لأهل ~~التقوى والطاعة أبين وأوضح، وأكثر وأظهر من أن يعمى عنه إلا من خدع نفسه ~~وغرها، ومات عقله وهلك ودمر. # وإنما يابني جرى هذا التبيين مني والكلام في هذا الموضع لأن لا تغلطوا في ~~مثل ما غلطت فيه من التمني على الله جهلة العوام. PageV01P070 ### || AUTO [عودته عليه السلام إلى ذكر الهجرة وما جاء فيها] # وسنعود إلى ما كنا فيه من اعتزال جماعة الناس في المدن والقرى والهجرة ~~إلى الله عنهم، والتقرب إليه بالبعد منهم، وسأذكر لكم يابني بعد ما ذكرت ~~لكم من تنزيل الله وما ذكرت فيه من قول ملائكته للمستضعفين الذين لم ~~يهاجروا عمن يشاقه ويعصيه أن يقولوا لمن هذه صفته ممن يتوفون {إن الذين ~~توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الأرض} ~~[النساء: 97] يعني الملائكة صلوات الله عليهم، بقولهم لمن يتوفون (فيم ~~كنتم) ماذا فعلتم فيما أمرتم به من إنكار المنكر، والأمر بالمعروف لمن ~~جاورتم {قالوا كنا مستضعفين في الأرض}[النساء:97] فلم تقل ملائكة الله ~~كذبتم، ولكنهم قالوا: {ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها}[النساء:97] ~~فاحتجت ملائكة الله على المتوفين الذين ساكنوا العاصين، بما كانوا مستضعفين ~~وعليه قادرين من الهجرة عن العصاة في أرض الله الواسعة، وأن يكونوا لهم غير ~~مجاورين، قال الله أحكم الحاكمين: {فأولئك مأواهم جهنم وساءت ~~مصيرا}[النساء:97] وقال تبارك وتعالى منبها دالا لعباده المؤمنين على ~~مجانبة العاصين، وأن يكونوا في بلاده الواسعة لعبادته معتزلين متوحدين ~~{ياعبادي الذين ءامنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} [العنكبوت:56]. PageV01P071 ### || AUTO [ذكر هجرة الأنبياء عليهم السلام ] # فلم يزل الأنبياء والصالحون منذ كانت الدنيا إذا بلغوا رسالات ربهم قومهم ~~فلم يتوبوا من خطاياهم ms31 يهاجرون عنهم ويتنحون. # فذكر الله عن خليله إبراهيم ورسوله، وإبراهيم في كرامته على الله وقدره ~~عند الله، وهو يذكر سبحانه مهاجرته من مدن قومه وقراهم، إذ أبوا عليه ما ~~بعثه الله به إليهم مما فيه رشدهم وهداهم، لأنه صلى الله عليه وآله وسلم ~~لما أيس منهم هاجر إليه تبارك وتعالى عنهم، فلما رآهم مقيمين على الأمر ~~المذموم عند الله المسخوط، وآمن له ابن أخيه لوط، قال إبراهيم عليه السلام: ~~{إني مهاجر إلى ربي إنه هو العزيز الحكيم} [العنكبوت:26]. PageV01P072 ### || AUTO [هجرة إبراهيم وابن أخيه لوط عليهما السلام] ### || AUTO وكانت هجرته صلى الله عليه وآله وسلم هو ولوط ابن أخيه إلى ~~البادية والجبال، لا إلى ما يجمع الناس ويضمهم من المدن والقرى التي تورث ~~الغفلة لمن فيها ويأوي إليها من أهل الضلالات والجهل والمعاصي والخبال، ~~فهاجر بنفسه وابن أخيه وسارة زوجته ومماليكه ومن يجري حكمه عليه، حتى نزل ~~بالبادية من جبل بيت المقدس فتفرغ هناك خاليا بنفسه، ومن أطاعه ممن تحت ~~يديه، وصار إلى ذلك المكان من جبل بيت المقدس، وهو يؤمئذ جبل خال ليس فيه ~~قرية ولا عمران، منفردا معتزلا لأهل المنكر والفواحش والعصيان، فكان منه في ~~خلاء وبادية، اتخذ فيها حيوان الماشية من الغنم والحمير والإبل، فبارك الله ~~فيما اقتنى من ذلك وملكه وكثره. # [قصة إبراهيم ولوط عليهما السلام في هجرتهما] # فذكر في صحيح الخبر أنما اتخذ من ذلك نما وانتشر حتى صارت معه أقاطيع ~~كثيرة من الغنم، وفنون وعدة من الإبل، فكانت ثلاثمائة، وقال بعضهم ستمائة ~~من الإناث، والذكران، والحمير، واتخذ من الرقيق صلى الله عليه وآله وسلم ~~رجالا ونساء كانوا له خولا تحت يده، فعلمهم طاعة الله وعبادته فآثروا ~~أوامره وطاعته، فبارك الله في خوله ورقيقه، فتناسلوا حتى بلغوا مائتين في ~~عددهم، ملئوا محالهم الذي هو فيه صلى الله عليه وآله وسلم هو وهم من ~~باديتهم وبلدهم. PageV01P073 # واتخذ ابن أخيه لوط خولا وحيوانا من الماشية كثيرا، وحفر إبراهيم لكثرة ~~ماشيته بيارا شتى، ثم إنه كان بين حشمه وبين ms32 حشم لوط تضايق، لكثرة ما أنمى ~~الله لهم من الحيوان، فضاقت بهم المياه، فأوقع ضيق المياه بين الخول لكثرة ~~مواشيهم تنازعا، وكان هو وابن أخيه قد حفروا بيارا ومياها كثيرة في بوادي ~~الجبال وغور الأرض، يتقلبون فيها شتاء وصيفا، خالين بطاعة الله وتقواه، ~~سائحين بذكره وعبادته في تلك الخلوات والمحال الطاهرات. # فلما تنازع رعاته ورعاة ابن أخيه مما كثر من ماشية لوط ومواشيه، فقال ~~إبراهيم عليه السلام لابن أخيه قول الأنبياء الكرام: يا ابن أخي لا أحب أن ~~تقع الضغائن بين خولك وخولي، فانظر ما في أيدينا من المياه التي حفرنا ~~وبوادينا فاختر أي الناحيتين شئت، إن شئت فاختربوا دينا التي في غور ~~فلسطين، وإن شئت فاختر الجبال المقدسة التي نكون بها صائفين، فخيره صلى ~~الله عليه وآله وسلم أي البلدين شاء ومياههما ما كان منها جبليا أو غورا وسهلا. # فاختار لوط عليه السلام غور فلسطين ومياهها وسهلها وبواديها، فاعتزل فيها ~~فصار بخوله وماشيته إليها. PageV01P074 ### || AUTO [مقام إبراهيم عليه السلام في بيت المقدس وخروجه منه للدعوة ~~إلى ربه] ### || AUTO وأقام إبراهيم في جبل بيت المقدس، وكان ابن أخيه يغشاه بنفسه ~~ويتردد إليه، وفرقوا بين من كان معهم من الخول والرعاء لأن لا يقع بينهم من ~~التنازع والتضايق مثل ما يقع بين أهل الجهل والعمى. وكان يخرج صلى الله ~~عليه وآله وسلم داعيا إلى ربه فيما خوله الله من آفاق البلاد، فخرج قبل ~~مهاجرته من بلده ومولده وهي أرض خراسان (حران) والجزيرة إلى العراق، داعيا ~~إلى الله وإلى توحيده فحبسه نمرود ملك العراق زمانا، ثم خلصه الله. # [قصة إبراهيم عليه السلام مع فرعون مصر ] # وكان قد خرج بعد هجرته ومصيره بيت المقدس إلى أرض مصر داعيا إلى الله، ~~فهم به فرعون أن يقتله، فرأى في منامه ملكين نزلا من السماء قد مليا مابين ~~السماء والأرض ينهيانه ويزجرانه أن يعرض له، فاستيقظ فزعا وأرسل إلى ~~إبراهيم فأجازه وحباه وأعطاه وأهدى إليه هدايا كثيرة كانت فيها هاجر جارية ~~كانت عند فرعون من قبط ms33 مصر فوهبها إبراهيم زوجته (ابنة عمه سارة)، وكانت ~~سارة عاقرا لا تلد، فأقامت هاجر مملوكة لسارة زمانا حتى عجزت سارة، وارتفع ~~الحيض عنها وقعدت عن الولد، فكلمت إبراهيم في أن تهب له هاجر جاريتها، ~~وقالت لإبراهيم لعل الله أن يهب لك منها ولدا نبئيا، فوطي إبراهيم هاجر ~~جاريته فوهب الله منها إسماعيل صلى الله عليه فسرت سارة به وأحبته وربته ~~وتبنته، فشكر الله لها ما فعلت بإبراهيم، ووهبها من نفسها إسحاق بعد كبر ~~سنها وارتفاع حيضها. PageV01P075 ### || AUTO [قصة سارة مع هاجر] # فلما رأت سارة هبة الله لها في إسحاق أبغضت إسماعيل بعد حبه، وباعدته ~~وأمه بعد تقريبها وتقريبه، وألحت على إبراهيم بن عمها في تبعيد هاجر عنها، ~~وإبعاد إسماعيل ابنها، وقالت اخرج عني الأمة وولدها، وضربتها وآذتها، ~~وأساءت إليها بعد ما كانت عليه من إكرامها وإكرام ابنها. # فلما ألح البلاء منها على هاجر أخذت بيد ابنها إسماعيل، وتنحت وتغيبت عن ~~سارة، فلم تدر أين تذهب، وقعدت تبكي تحت بعض الشجر، فنزل عليها ملك من ~~السماء فقال: يا هاجر ياجارية سارة ما تصنعين هاهنا ؟ فشكت إليه ما تلقى ~~وابنها من سارة من الضرب والأذى، فقال لها الملك يا هاجر أمة سارة ارجعي ~~إلى مولاتك فتعبدي([22]) لها، واصبري على ما ينالك من أذاها، فإن الله جاعل ~~لك ولابنك فرجا ومخرجا، وجاعل ابنك هذا نبيئا، وواهب لك منه نسلا كثيرا لا ~~يحصى عددهم يكونون وحش الإنس، ويكون لهم نبأ وشأن، وتكون أيديهم مبسوطة ~~بالقوة والبأس على كل الأمم والأجناس. # وهذا من قصة إبراهيم وإسماعيل وسارة وهاجر مثبت في التوراة التي أنزلها ~~الله على موسى. PageV01P076 ### || AUTO [نزول إبراهيم عليه السلام بهاجر وإسماعيل إلى مكة وبناء ~~الكعبة والحرم ] # ثم إن الله أمر إبراهيم بإخراج هاجر وإسماعيل إلى مكة، ومكة يومئذ بادية، ~~خلاء وواد من أودية تهامة خواء ليس بها دار ولا بناء فأنزل إبراهيم إبنه ~~إسماعيل وهاجر في موضع الكعبة، وكان بمكة قوم من اليمن من جرهم، فأمر ~~إبراهيم ابنه إسماعيل أن يتزوج فيهم، فتزوج ms34 منهم امرأة ووهب الله منها ~~ولده، وكثر بمكة ذريته وعدده. # وبنى إبراهيم وإسماعيل صلى الله عليهما وآلهما كما ذكر الله الكعبة، ~~ورفعا منها القواعد من البيت، ودعا إبراهيم وإسماعيل لذريتهما كما ذكر الله ~~من الدعوة، وقال الله مخبرا في كتابه عن دعاء إبراهيم خليله لذرية إسماعيل ~~ابنه: {وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت ~~السميع العليم ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك} [البقرة: ~~227] إلى آخر الآية. # ووضع إبراهيم أعلام الحرم، وشرف الله إسماعيل بمكة حتى انتشر في البلاد ~~خبره، وعظم شرفه وقدره بما أظهر بأبيه وبه بمكة من أعلام النبوة، وما ظهر ~~بهما وعلى أيديهما بالبراهين البينة وبالحج، واستجابة الناس لإبراهيم إذ ~~أذن بالحج إليه، وألبس الله البيت الهيبة والعظمة عند كل من قدم ووفد عليه، ~~وجعل الحرم أمنا لا يخاف أحد فيه، فأمنت الوحوش النافرة حواليه، مع آيات ~~بينات قد ذكرها الله في القرآن، وبينها في تنزيله بأحسن البيان. PageV01P077 ### || AUTO [تكاثر ولد إسماعيل عليه السلام ] # فلبث ولد إسماعيل بمكة وحواليها وفي بواديها حتى ضاقت بهم لكثرتهم بوادي ~~الحجاز، وزحم بعضهم بعضا وكلما غزت([23]) قبيلة، زحمت ودفعت عنها الأخرى، ~~وانتشروا في البوادي والبراري حتى بلغوا في البوادي ما شرف على العجم، ~~العراق، وبلغوا من ناحية الشام ومصر واليمن، وأقصى ما يتصل بهذه البلدان من ~~البوادي والبراري، وصلحت مكة لخيارهم وأشرافهم، ولآبائهم وأبنائهم من قريش ~~وبني كنانة. # فلم يزالوا كذلك حتى أخرج الله النبي محمدا صلى الله عليه وآله وسلم وجاء ~~على يده بما جاء من النبوة والدين والخير والهدى. ### || AUTO ونشر الله ولد إسحاق عليه السلام بالشام، فكانوا بالبوادي ~~بالشام لا في القرى أصحاب ماشية وسير وسياحة في طلب ما يصلح مواشيهم من ~~المرعى، فأخرج الله منهم من أخرج وذكر في بني إسحاق من الأنبياء، فلم تزل ~~البوادي وما بعد من القرى في أول الزمان وآخره مساكن للرسل والأنبياء ~~والصالحين والأتقياء. # [ذكر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ms35 الهجرة] # وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد مهاجرته إلى المدينة من ~~ترغيبه عليه السلام في سكنى البادية والشعاب والأودية ما لا اختلاف على ~~رواية الناس فيه. # فذكر عن عائشة وغيرها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كان يتبدى ~~إلى أطراف المدينة وبواديها وتلاعها([24]) )). PageV01P078 # وكذلك روت العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كان إذا كان في ~~أيام الشتاء والمطر تبدى))، ثم قالت عائشة وغيرها إلى هذه التلاع والشعاب ~~إلى حول المدينة. # وقالوا: إنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يتبدأ إلى أطراف تراعها([25]) ~~ونواحي البادية حولها. # وذكروا في الخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول بعد مهاجرته، ~~وبعد إعزاز الله له وظهور حكمه وأمره، وهو يرغب من معه وحوله في التخلي ~~والتفرد، والاعتزال في الشعاب والبادية والتنحي : ((إن أغبط الناس عندي ~~لمؤمن في بطن واد من هذه الأودية، أو شعب من هذه الشعاب، يقيم الصلاة ويؤتي ~~الزكاة، حتى تأتيه الوفاة)). # هذا يابني قوله وترغيبه في اعتزال الناس في أيامه ومع ظهور حكمه، والناس ~~يومئذ هم الناس ليس فيهم الآفات والعاهات التي في البشر اليوم ولا الأدناس. # وذكر عنه صلى الله عليه وآله وسلم ما لا اختلاف بين العلماء الأخيار فيه ~~أنه قال عليه السلام: ((إذا كان المطر قيظا([26]) والولد غيظا([27]) وفاض ~~اللئام([28]) فيضا، وغيظ الكرام غيظا، فأعنز عفر([29]) في جبل وعر، خير من ~~ملك بني النضر))، وهذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفة أزمنة ~~تكون بعده، ومنها الزمان الذي نحن وأنتم يابني فيه. PageV01P079 # فقد لعمري فاض في زماننا وقبله بحين طويل اللئام فيضا، وغيظ الكرام غيظا ~~فأعنز عفر يابني كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جبل وعر خير ~~من ملك بني النضر، وبنو النضر يابني هم قريش، فأخبر صلى الله عليه وآله ~~وسلم أن الأعنز العفر، والسكنى بها في الجبل الوعر، خير لأهل التقوى والبر ~~من الاختلاط في مثل هذا الزمان وما ms36 أشبهه بأهل المنكر والشر. # ولم يزل عقاب الله يابني فيما مضى إنما يقع بالأمم في المدن والقرى، ~~وكذلك وعيد الله فإنما هو لهم، قال الله لا شريك له: {أفأمن أهل القرى أن ~~يأتيهم بأسنا بياتا وهم نائمون(97)أوأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم ~~يلعبون(98)أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون(99)} ~~[الأعراف: 98]. # وقال تبارك وتعالى: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم ~~موعدا} [الكهف: 59]، وقال تبارك وتعالى في موضع آخر وهو يذكر عذابه لأهل ~~القرى: {وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون} [الأعراف: ~~4]، وقال عز وجل في موضع رابع من كتابه: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة ~~وأنشأنا بعدها قوما ءاخرين} [الأنبياء: 11]. PageV01P080 # وذكر تعذيب الله لأهل القرى في مواضع كثيرة من القرآن لما لم يزل عليه أهل ~~القرى من كثرة الفساد فيهم والمنكر والعصيان. ### || AUTO ولم يكن أهل القرى يابني أكثر شرا ولا فسادا، ولا أشد الخلق ~~مخالفة عن الهدى ولا عنادا، منهم في زماننا ودهرنا هذا، مع ما في القرى ~~يابني من فساد اللسان وظهور العجمة واللكنة عن البيان. # [ما في أهل البادية من الصفات الحميدة ] # وأهل البادية فلو لم يكن فيهم مع ما يرغب به عاقل لبيب في أن يأوي إليهم ~~إلا لثباتهم في الكلام، وفصاحة ألسنتهم، وما هم عليه أكثر أهل البادية من ~~الإقتصار على أقل الكفاف في معيشتهم، والزهد في الدنيا الظاهر في لباسهم ~~وآنيتهم، والجود والسخاء بقليل ذات أيديهم، وبذلهم وكرمهم إذا نزل بهم حق ~~ينوبهم، أو آوى إليهم ضيف يأويهم، فالمقل منهم حينئذ في الجود بما في يده ~~كالمكثر، والفقير في الإجتهاد بما يمكن في أداء الحق الذي نزل به وإكرام ~~الضيف الذي حل بفنائه كالمؤسر، يؤثره عند ذلك على نفسه وعياله، ويبذل ويجود ~~بما لا يجود به القروي من ماله، هذا مع إقبال أهل البادية على شغلهم، ~~ومعائش أنفسهم وعيالهم، وافتراقهم في منازلهم ومحالهم. # فكل إنسان منهم يمكنه([30]) أن يكون وحده، وأن يحجز حرمته عن الفساد وولده. ms37 PageV01P081 # وهذا ما لا يمكن يابني في أهل القرى لأن أهل القرى لا يقدر بعضهم عن ~~الإعتزال عن بعض، لأنهم في سكك ودور وبناء، مع طيب البادية يابني وصحة ~~الأبدان فيها وغذائها، وطيب نسيم رياحها وصفاء هوائها ومائها، وما فرش الله ~~فيها فيما لا تبلغه فرش الملوك من رمالها وبطحائها التي ليست فيها ولا ~~قربها أنتان ولا أنجاس، ولا يغشاها ولا يقاربها من لا حياء له ممن في القرى ~~من غوغاء الناس. # ومع ما في البادية يابني من المناظر الحسنة من الشجر المختلف والنبات، ~~والدواب من الوحوش الهاملات، وخلوة القلب بالفكر فيما وضع الله لخلقه من ~~العبر والآيات، وما يرون فيها ويعاينون من الجبال التي نصبها الله الشوامخ ~~الراسيات، وما في أهلها وسكانها من فصيح الكلام واللغات، ومعرفة من جاورهم ~~بغريب العربية والبلاغات. PageV01P082 # مع ما في البادية يابني من إمكان اتخاذ المواشي ذوات الأرحام، من الإبل ~~والبقر والحمير والأغنام، التي لا يتكلف لشيء منها كلفة، ولا يؤتى لما جعل ~~الله فيها من المعايش والغناء عن الناس على صفة، تكون للرجل بالبادية ~~الناقة الواحدة فتصير نوقا كثيرة بالتناسل وإبلا، وتكون للرجل الشاة ~~الواحدة والشاتان والخمس شياه، فتعود بالتناسل في غير طويل من الزمان مالا ~~وأغناما كثيرة، لا يتكلف صاحبها لها علفا ولا مؤنة، وقد تكون له البقرة أو ~~الأتان من الحمير فيرزقه الله تناسلها ونتاجها حتى تصير مالا ذا عدد كثير، ~~والشاة الواحدة والناقة المفردة لا يقوى عليها ولا على علفها ومؤنتها في ~~مدينة ولا قرية، لما يلزم لها وفيها من الغرامة والنفقة الثقيلة، فليس لشيء ~~مما ذكرنا مما رفق الله ومن به على الإنسان من الإناث ذوات الأرحام ومتناسل ~~الحيوان، تناسل بالقرى والمدن ولا رعي ولا مكان. # والماشية يابني فيها وفي تناسلها ودرها وألبانها، وما يرفق الله عليكم من ~~أثمان جلوبتها وأسمانها معائش رائقة، وبلغ ومعونة من الله مباركة نافعة، ~~يكف الله بها وجوهكم عن بخلاء الناس ولئامهم، وأهل الدناءات والشح من ~~عوامهم، فإن لم يكن لكم مع الماشية في البادية ms38 شيء من البيار والمزارع ~~استغنى كل واحد إن شاء الله منكم وارتفق وانتفع. PageV01P083 ### || AUTO [ذكر إعتزال الأشراف من أسلافه عليه السلام وغيرهم للمدن ~~والقرى] # ولم يزل من مضى يابني من الأسلاف من قومكم في قديم الزمان، تكون لهم ~~البوادي ويتخذونها ويسكنونها في كل بلدة وبكل مكان، ولم يزل الأشراف قط ~~يتبوؤن البادية ويعتزلون عن القرى والمدن في الصحاري والبرية في كل ناحية. # فاعتزل في أول الدهر والناس حينئذ ناس في أكبر الشأن والأمر، بنو حسن ~~فتبدوا، أولهم زيد بن الحسن بن علي عليهم السلام في بادية من المدينة تسمى ~~البطحاء على أربعة أميال، فاحتفر بها بيارا، وبنى بها مساكن متباعدة بعضها ~~من بعض ودورا، فلم يزل بها بنو حسن بن زيد حتى فرقتهم منها هذه الفتن التي ~~وقعت بالحجاز فكانوا أصح قوم أبدانا، وأجلدهم جلدا وأظهرهم وأنظرهم ألوانا. # واتخذ يابني عمكم عبدالله بن الحسن فيما مضى من الدهر والزمن بادية لنفسه ~~وولده من سويقة([31]) وأكنافها وأوديتها وشعابها، فاحتفر بيارا وعينا ~~بالحزرة([32]) في قربها، فيها بنو عبدالله بن الحسن بن الحسن إلى اليوم، ~~وبعضهم قد اتسعوا وحلوا في بوادي ينبع والغور. PageV01P084 # فبنو عمكم بنو عبدالله بن الحسن يابني منذ نزلوا البادية، أكثر قومكم عددا، ~~وأجلدهم جلدا، وأوسعهم منازل وبلدا، وأكثرهم في معائشهم ارتفاقا بالمواشي ~~من الإبل والغنم، فأقربهم لمجاورتهم العرب إلى أخلاق الحرية والكرم، قد ~~دربتهم وخرجتهم البادية وأهلها، فجلدوا واشتدت أبدانهم في منازلهم إن ~~حضروا، وقووا على السفر إذا احتاجوا إلى أن يسافروا فهان وخف عليهم في ~~السفر سرى الليل، وكبارهم وصغارهم يركبون صعاب الرواحل وصعاب الخيل، رجال ~~ذووا رجلة، مخشوشنون بأدنى اللباس والغذاء مكتفون، قد زال عنهم بسكنى ~~البادية الإسترخاء، والتفكك والوهن والكسل، والكسح والتركك، لا يشبهون من ~~في المدينة وقربها من قومهم في لباس أولئك برقيق الثياب، وقلة صبرهم عن لين ~~الطعام وبارد الشراب، قد زال عنهم في البادية ما لزم أكثر الطالبيين ~~بالبادية ([33]) من قبيح الألقاب، ولا يعرفون ما يعرف أولئك بالمدينة من ~~اللعب بالحمام، لأن هؤلاء ms39 الذين بالبادية([34]) جيرانهم وأخدامهم العرب ~~الأحرار الكرام، ومن بالمدينة من آل أبي طالب فأخدانهم([35]) وجيرانهم ~~المولدون([36]) من السودان والسفل اللئام، فكل من هؤلاء وهؤلائك بمن نشأ ~~معه وجاوره مقتد متأس، فقد ترك من بالمدينة من العبيد والسفل، من جاورهم ~~وخادنهم من آل أبي طالب بهم في الدناءة والسقوط متشبها متمثلا بمذاهبهم ~~محتذيا. # ولآل الحسين بوادي العقيق والعريض في البوادي والخلوات. PageV01P085 # ولآل جعفر بوادي الفرش([37]) وبوادي الغور فلكل بطن منهم بوادي ومعتزلات، ~~ولهم منازل في البوادي والخلوات. # ولآل عثمان باديتان، وادي بدر وبلد يسمى دعان([38]) . # ولآل عمر بادية الخلائق والحمراء. # ولآل أبي بكر بوادي ثمر والأجار. # ولآل طلحة بواد. # ولبني مخزوم وتيم بوادي حول مكة. # ولبني عامر من قريش وفهر بواد كثيرة. # وكان يقال لا يتم شرف قوم من الأشراف حتى تكون لهم بادية. # ولم يزل يابني كل من يتمعض([39]) ويأنف ويتمرأ ([40]) وإن لم يكن ذا دين ~~من بطون أشراف قريش إلا ولهم بادية، بل لكل بطن منهم بواد ومعتزلات، ومنازل ~~في البوادي وخلوات. PageV01P086 ### || AUTO [ذكره عليه السلام عداوة أهل مكة والمدينة لأهل البيت عليهم ~~السلام وتحذيره أبنائه من سكانها] # واعلموا يابني أنكم لو لم تعتزلوا المدن في هذا الزمان والقرى، إلا لغلبة ~~عداوتكم وعداوة آبائكم على سكان المدن وما هم عليه جميعا من مخالفتكم ~~ومخالفة أسلافكم في الرأي والتدبير، ولا أعلم في أهل المدن كلهم أشد لكم ~~بغضا ومقتا وعداوة من أهل قصبة المدينة ومكة، ففيهم أصل عداوتكم وبغضائكم، ~~وأهلها الذين علموا أهل الآفاق التدين بخلاف دينكم وآرائكم، ولا تسكنوا في ~~هذا الزمان قصبة المدينة ولا مكة، وعليكم ما بقيتم بسكنى ما حول المدينة من ~~البادية، والمجاورة في بوادي الحجاز من أهل الكفاف والعفاف من العرب في ~~البوادي، ولا تختلطوا ولا تجاورا من العرب أهل اللصوصية والفتنة، ولا ~~تكثروا دخول مكة والمدينة إلا لزيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، أو لحج بيت الله الحرام، أو لأخذ حاجة تحتاجون إليها من الأسواق أو ~~لفتنة هائجة مخوفة غالبة تخافون ms40 معها انقطاع الميرة والطعام، فإن كان عندكم ~~ذخيرة، وكانت عندكم بلغة ونفقة وميرة، ففي البادية من الأودية والجبال ~~والفروع والمحال في شواهق الجبال ما يعزكم عند كل فتنة إن شاء الله تعالى. # وكذلك فلا تسكنوا مدن العراق ولا مدينة الكوفة فإنهم قد صاروا إلى غاية ~~العداوة والنفاق، وليس لكم بلد ولا لأولادكم أتقى من بوادي الحجاز تولاكم ~~الله بالتوفيق والرشاد في الدين والدنيا وسكنى البلاد. PageV01P087 # واعلموا يابني أن ذكر البلاد وأخبارها، وذكر الأمم والأجناس وأمورها، سأشرح ~~([41]) لكم إن شاء الله منه ما قد ذكرت لكم في أول كتابي هذا إني سأشرحه ~~وأبين لكم فيه بالخبرة والتجربة ما قد كفيتكم المؤنة فيه، فأوضح لكم إن شاء ~~الله ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، عليه توكلت لي ولكم وفيه وهو رب ~~العرش الكريم. # وإنما دعاني هاهنا إلى ذكر البادية ما عرض في وصيتي لكم من ذكر الهجرة عن ~~جماعات المدن والقرى والفجرة الغاوية، فلما أعلمتكم أنه لا مهرب منهم ولا ~~هجرة إلى الله عنهم إلا إلى البادية تعزلكم عند كل فتنة، وما هو أسلم عند ~~الفتن من القرى والمدن، لأن أهل الفتنه إنما يطلبون الغنائم والنهوب في ~~أماكن القرى وطرقها، والناس فلا يطلبون من اعتزل في أودية البوادي وجبالها ~~الصعبة الرواسي، ولذلك وضعت لكم ووصفت لكم تفضيل البوادي وما فيها من ~~المرفق والعزلة عن أهل العداوة لربكم ولكم. PageV01P088 ### || AUTO [عودته عليه السلام إلى الوصية بطاعة الله] # وسأعود إن شاء الله تعالى إلى ما ابتدأت به من وصيتكم بطاعة الله خالقكم ~~وربكم، وحذر معصية بارئكم وإلهكم، والآن آخذ من وصيتكم في إتمام النسق ~~الأول، حتى إن شاء الله وسلم وأعان ووفق وفهم، آتي لكم على صفة ما تحتاجون ~~إليه، وإلى تمييز ما تعملون إن شاء الله تعالى عليه، في معرفة البلدان ومن ~~حولكم من الأمم والأجناس، وبعض ما تحتاجون إليه إن شاء الله لأنفسكم، ومن ~~وهبه الله لكم من أولادكم وأهلكم وحشمكم، وما لا تستغنون عنه من الرأي في ~~سياسة حرمكم وخدمكم، فتفهموا ms41 إن شاء الله بإقبال وصيتي، واقبلوا ما قد صفيت ~~لكم اختياره من تجربتي، فلا شك إن شاء الله تعالى عندكم وعند غيركم في أني ~~لم آلكم تسديدا ونصحا، وتفهيما لما أوصيكم به وإيضاحا لذلك وشرحا. # وسأوصيكم وأنبئكم يابني ببعض ما أوصى الله به ونبيه عليه في الكتاب من ~~صالح العمل وجميل الأخلاق والآداب، فإنه لا وصية في كل حين أحسن من وصية ~~الله تعالى، ولا تعليم ولا تنبيه لجميل خلق ولا أدب أحسن ولا أفضل من تعليم ~~الله وتفهيمه. PageV01P089 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في ترك الكذب] # فمما نهاكم الله عنه وزجر: الكذب في القول والشهادة والخبر، فلا تقولوا ~~يابني زورا ولا كذبا ولا تخبروا خبرا باطلا، فإن الله يمقت الباطل والكذب ~~وقوله، ولا يجب ولا يهدي أهله، يقول الله في كتابه وهو يذكر ما يحل بمن كذب ~~من سخطه وعقابه: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 28]، وقال ~~سبحانه: {إنما يفتري الكذب الذين لا يؤمنون بآيات الله وأولئك هم الكاذبون} ~~[النحل: 105]، وقال سبحانه وهو ينهى عن الكذب وشهادة الزور، وهو يصف عباده ~~الناجين، ويخبر سبحانه وهو ينهى عن الكذب أحد كبائر الذنوب التي يعذب عليها ~~المعذبين: {والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما} [الفرقان: ~~72] ولكفى بقول الله: {إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب} [غافر: 28] نهيا ~~عن الكذب لمن كان ذا عقل من أولي الألباب، فلو لم ينزل الله عن ذلك نهيا ~~لكان الكذب منكرا، قولا كان الكذب أو شهادة أو خبرا، ولكان ينبغي أن يتركه ~~من كان ذا نسب وحسب حرا. # وقد قال جدكم القاسم بن إبراهيم رحمة الله عليه في النهي عن الكذب شعرا، ~~فقال رضي الله عنه: # ما لكريم النصاب والكذب .... ذاك فعال اللئام في الحسب # لو أعطي الحر أن يفه كذبا .... ملك جميع الملوك من عرب # ما رضي الحر أن يميل به .... لزعمة من زعائم الكذب # والزور أمر قلاه خالقنا .... وذمه في منزل الكتب # والعبد إلف له يقلبه .... يميل منه في ms42 كل منقلب # يكذب إما لرغبة طمعا .... أو رهبة للمجون واللعب # أعيذ نفسي ومن ولدت ومن .... أحببت من قول كل مكتذب PageV01P090 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في ترك كثرة الضحك والمزاح] # فإياكم يابني ثم إياكم: وكثرة الضحك والمزاح، فإن الإفراط في ذلك مما لا ~~يفعله أهل المروءة والعقل والصلاح، وكثرة الضحك والمزاح فإن ذلك لا يوجد ~~ولا يكون إلا في أهل السخافة وقلة الدين لا فيمن اتقى وأصلح، ولم يزل ~~الصالحون من الرسل والأنبياء وذوي الديانة من أهل المروءة والتقاء، يقل ~~مزاحهم ولعبهم وفرحهم وطربهم، وإنما يعرف أهل اللب والعقل والصلاح والرزانة ~~والوقار والخشوع بترك اللعب وكثرة الفرح والطرب والمزاح. # وقد ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أكثر ضحكه أن تبدوا ~~ناجذاه، والناجذان فهما ما يلي النابين من الأضراس، وذلك هو التبسم لا غير ~~في مفهوم جميع الناس. # وكانت تقول العرب في قديم الزمان: أن بني هاشم كانوا يعرفون بقلة ~~الإنهماك في الضحك، وإن ضحكهم كان يكون تبسما تنزها منهم عن القهقهة في ~~ضحكهم وتكرما، حتى اختلطوا بأهل المزح من الأجناس وقاربوا بالحضانة ~~والولادة سفساف الناس، فانهمكوا في دهركم هذا مفرطين في سرف المزح والضحك، ~~وانهتك به في مروءته من آل أبي طالب وغيرهم من انهتك. # فإياكم يابني ثم إياكم، والتمقت بكثرة المزح والفرح والضحك عند خالقكم ~~وإلهكم ومولاكم، فإنه سبحانه يقول في كتابه فيما أدب به عباده من كريم آداب ~~ابتداء منه بالاستحسان والرضى، قول قوم قارون لقارون فيما مضى {إذ قال له ~~قومه لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين}[القصص:76] وقال في موضع آخر من كتابه ~~ذاما للمرحين: {ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال ~~طولا} [الإسراء:37]. PageV01P091 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في ترك السرقة وأداء الأمانة] # وأما يابني ما كره الله من السرق والخيانة وترك أداء الأمانة، فقد كان ~~هذا في الجاهلية عند أهلها من الكفار مذموما، وكان من فعله في الجاهلية ~~لئيما معاقبا مقيتا ملوما، ثم حكم الله في السارق بقطع ms43 يده لسخطه عليه، ~~فقال فيما نزل على نبيه من كتابه: {والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء ~~بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم} [المائدة: 38]، وقال مؤكدا لأمره ~~في أداء الأمانة إلى أهلها مرغبا في تكرمة تأدية الأمانة وفعلها {إن الله ~~يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها} [النساء:58]. # فوالله يابني إنه ليستحسن من الرجل الكافر والعجمي الخبيث المحتقر أداء ~~الأمانة إذا استؤمن عليها، فكيف بالمستأمن من ذوي الشرف والحسب، ألا يؤدي ~~أمانته إلى من وثق به واسترسل إليه فيها، ولقد ذكر الله أداء الأمانة عن ~~بعض كفرة أهل الكتاب منبها بذلك لذوي الورع في الدين والألباب، فقال ~~سبحانه: {ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه ~~بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما} [آل عمران:75] ذما منه سبحانه ~~لمن ترك أداء الأمانة وإن كان كافرا، وأداء الرجل يابني لأمانته فمن صيانته ~~لنفسه وتكرمته لها، ولم تزل الخيانة مذمومة مسخوطة في جميع الأديان والأمم كلها. PageV01P092 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في الصدق في القول والوعد] # وأوصيكم يابني بالصدق في الوعد والأخبار، فإن الصدق عند الله من كرم صالح ~~الأبرار، وقد أمر الله بالصدق في مواضع كثيرة من القرآن وحلا به ووصف أهل ~~الصلاح والإيمان، فقال: {إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ~~والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات} [الأحزاب: 35] فجعل سبحانه الصدق ~~صفة لصالح الرجال والنساء، ودليلا على الإسلام والإيمان من أشرف الصفات، ~~وجعل الصدق للإسلام والإيمان علامة ثانية من العلامات، وقال تعالى أيضا وهو ~~يصف حدود صفات من رضي عنه من أهل التقوى: {الذين يقولون ربنا إننا ءامنا ~~فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار(16)الصابرين والصادقين والقانتين ~~والمنفقين والمستغفرين بالأسحار(17)} [آل عمران: 17] فجعل الصدق سبحانه ~~والصبر والقنوت وهو الدعاء من الداعي قائما لله، والإنفاق فيما رزق وترك ~~البخل من صفات المتقين الأبرار. # وقد ذكر الله الصدق بالرضا منه والوصية منه به، وكرر ذلك تكرار بعد ~~تكرار، وذكر صدق الوعد فريضة، وجعله من فاضل الأعمال الصالحة، التي مدح بها ~~إسماعيل نبيه ms44 صلى الله عليه، فقال تبارك وتعالى: {واذكر في الكتاب إسماعيل ~~إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا} [مريم: 54]، فكان صدق الوعد مما رضي ~~به عن إسماعيل نبيه صلى الله عليه وآله وجعله له مدحا شريفا سنيا. PageV01P094 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في العمل بوصايا القرآن] # ولكفاكم يابني بوصايا الله في القرآن أدبا ووصايا، فإن الله تبارك وتعالى ~~قد أمر عباده في كتابه من صواب الرشد والحكمة بما هو أفضل مما وهبهم الله ~~من العطايا، ففيه فانظروا، ومنه فاقبلوا وبنوره فاستنيروا، وما أمرتم به في ~~الكتاب أن تفعلوه فافعلوا، فليس خير يبتغى إلا والقرآن به آمر، ولا شر يتقى ~~إلا وكتاب الله عنه ناه زاجر. # قال الله سبحانه وتعالى: {واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين ~~إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب ~~والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا} [النساء: 36]. # فما هذا يابني في هذه الآية من جوامع الوصايا بالخير والمعروف والكرم، إذ ~~بدأ في وصايا هذه الآية بأوجب الحقوق، وبين حق الخالق وعبادة الله وترك ~~الإشراك به، إذ حقه الواجب الأعظم، ثم ثنى تبارك وتعالى بعد ذكر عبادته ~~وإيجاب عظيم حقه بالوصية بحق من حقه بعده، من أوجب حقوق خلقه، بحق الوالدين ~~الذين منهما خلق الولد، وهما اللذان ربياه صغيرا، وغذواه برزق الله، وكانا ~~في الشفقة عليه والمحبة له والإحسان إليه على ما لا يبلغه بعد الله غيرهما ~~أحد، ثم وصى في هذه الآية سبحانه بالرأفة والرحمة، والصلة بعد الوالدين ~~والإحسان إليهما إلى ذوي الرحم الأقربين، والإحسان إلى ذوي القربى فهو ~~العطف عليهم كما قلنا بالرأفة والرحمة والصلة لمحتاجهم ومضطرهم بالعطية ~~والهبة، والصبر على ما لا تخلوا القربى منه بالحسد والنفاسة على القريب إذا ~~بان عليهم بفضل أو رياسة، أو كان في بلغ الدنيا أكثر قليلا منهم سعة وجدة، ~~فلا يخلون حينئذ من تنقصه وعيبه والوقيعة فيه، وحينئذ يجب الصبر منه على ~~ذلك للقربى والصفح عنهم، وترك مكافأتهم، وذلك ms45 الإحسان الذي فرض الله لهم عليه. PageV01P095 # واليتامى فقد أوصى الله في هذه الآية بهم والإحسان إليهم والرحمة لهم، مما ~~بلوا به من الصغر من فقد والديهم. # ثم أوصى سبحانه في هذه الآية بالمساكين، وهم ذوا العسرة والفقر الشديد، ~~والسؤال المحتاجون فأمر بالإحسان إليهم، والإحسان فهو نفعهم وما يتصدق به عليهم. # ثم أوصى الله سبحانه بابن السبيل، وهو المسافر الغريب، الضعيف الذليل، ~~الذي قد تغرب عن وطنه وبلده، وانقطع به في بلغه وزاده، وقلة ذات يده، فأمر ~~تعالى بالإحسان إليه، والإحسان فهو الدفع عنه إلى ابن السبيل فهو ضيافته ~~ورفده، حتى يخرج من غربته وتضمه بلده. # ثم أوصى تبارك وتعالى بحفظ الجار ذي القربى في النسب وقريب الجوار، وأوصى ~~أيضا بالجار الجنب وهو المتنحي منزله إلى الجار الأجنبي، والأجنبي فهو ~~المتنحي عن ذي القرابة والنسب، والإحسان عما يغمه ويؤذيه، واحتمال بعض ~~خطاياه أوحسده، مالم يصل إلى ما يسخط الله تعالى فيركب كبائر معاصيه. # ثم أوصى تبارك وتعالى بحفظ الصحبة من صاحب الجنب، وهو المصاحب في السفر ~~الأجنبي الذي ليس منزله منك بقريب، وليس بينك وبينه معرفة ولا قرابة، فأوجب ~~سبحانه له حقا بالرفاقة والصحابة. PageV01P097 # ثم أوصى سبحانه في هذه الآية بوصية شريفة عنده مكرمة، من الإحسان إلى ~~المماليك العبيد الذين خولهم من يملكهم، والمملوك فهو إنسان كمالكه، وإن ~~كان الله قد جعلهم سخرة لهم، والإحسان إليهم فهو أن لا يقصر في النفقة ~~عليهم عما يغنيهم ويكفيهم، وأن يكسو في البرد والقر ما يدفيهم، وأن يكسو في ~~الصيف ما يواريهم، ويتجاوز لهم إلا في حد من حدود الله، يغفر ذنوبهم، ولا ~~يفرط الفرط الشديد المسرف في شتمهم وسبهم، فإن غلبوا بالمجانة والمعصية ~~فبيعهم أصلح وأسلم، وأشبه بالإحسان وأكرم من تعذيبهم وضربهم، إلا أن يرجو ~~المالك أن ينفع فيهم تأديبهم، فيؤدبهم ويعاقبهم عقابا وسطا، ولا يصير من ~~أدبهم إلى أدب مسرف مفرط ويكون لله سخطا. # ولكن بما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في المماليك من الخبر، ~~دلالة على رضى الله ms46 سبحانه في الرفق بالمماليك لمن فهم ونظر. # فإنه قد صح في منقول الآثار وما لا شك فيه عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم من الأخبار أنه أوصى في مرضه ونزول موته، فقال نظرا لأمته: ~~((أوصيكم بالضعيفين المرأة والمملوك)) ([42]). # وذكر أيضا عنه في الوصية بالمماليك أنه قال للأحرار وهو يوصيهم بما ملكت ~~أيديهم، ويعلمهم أن من يملكون بشر كهم يؤذيهم ما يؤذيهم، فقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((أرقاكم أرقاكم لم يخلقوا من حجر ولم ينحتوا من شجر، ~~أطعموهم مما تأكلون وألبسوهم مما تلبسون، ولا تكلفوهم ما لا ~~يطيقون))([43]). PageV01P098 # فقال الله سبحانه في آخر هذه الآية والوصية: {إن الله لا يحب من كان مختالا ~~فخورا} [النساء:36] والله سبحانه لا يحب ولا يرضى للإنسان الضعيف الفاني ~~التكبر والإختيال. لأنه وضع الإنسان في الدنيا موضع الوهن والصغار، ~~والإنحطاط في كل حال. # فكم يابني في هذه الآية من وصية حكيمة، ومصالح للناس رضية كريمة، وقال ~~الله سبحانه وهو يوصي من هو به رؤف رحيم من هذا الإنسان: {إن الله يأمر ~~بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم ~~لعلكم تذكرون} [النحل: 90] فكم في القرآن الحكيم وتنزيل الله الكريم من ~~موعظة شافية كافية لقوم يعقلون، ففيه يابني فانظروا، وبنوره في ظلمة حيرة ~~دهركم فاستنيروا، ففيه الدلالة إلى كل رشد وخير، جعلكم الله ممن اهتدى في ~~ظلم هذا الدهر وحيرته بضياء كتاب الله المبين. PageV01P099 # ولكفاكم يابني بنهي الله عز وجل عن كل شر ومنكر ترغيبا منه تعالى في كل خير ~~وبر، بقوله سبحانه: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره} [الزلزلة:7،8] فلا أقل ولا أصغر لو كان عند الله سبحانه من الخير ~~والشر في حكمه شيء لصغره وحقارته يسقط ويحتقر من مثاقيل الذر، ولكفى في ~~النهي عما حرم الله من الحرام بقوله ونهيه في آخر سورة الأنعام لنبيه، {قل ~~تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا ولا ~~تقتلوا أولادكم من إملاق ms47 نحن نرزقكم وإياهم ولا تقربوا الفواحش ما ظهر منها ~~وما بطن ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ذلكم وصاكم به لعلكم ~~تعقلون(151)ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا ~~الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ~~ذا قربى وبعهد الله أوفوا ذلكم وصاكم به لعلكم تذكرون(152)} ~~[الأنعام:151152]. PageV01P100 # والفحشاء يابني التي نهى الله عنها فهو كل فاحش من القبيح مستنكر، وذلك ~~فيما قد ألهم الله معرفته كل غوي وبر، وليس يفعل أحد شيئا صغر ولا كبر من ~~الفحشاء والقبيح، إلا وقد ركب في طباعه وألهم معرفة ذلك كل أبيض وأسود، ~~أعجمي وفصيح، ألا تستمعون لقول الله تبارك وتعالى: {ونفس وما ~~سواها(7)فألهمها فجورها وتقواها(8)قد أفلح من زكاها(9)وقد خاب من ~~دساها(10)} [الشمس: 7 10] فركب الله يابني كل نفس ومعقولها قبل ما عملت من ~~عملها معرفة ألهمها إياها، تفهم بها ما تأتي من برها وإثمها، وكذلك الفواحش ~~كلها والنفس لما تفعل منها منكرة، وكذلك إذا اتقت وبرت فقد ألهمت النفس ~~وعرفت الأعمال الصالحة البرة، وفيما ذكر الله سبحانه من النهي في القرآن عن ~~المنكر والفحشاء والعصيان، ما أغنى وكفى عن تفسيرنا له بالبيان. # وسأعود يابني إن شاء الله إلى ذكر جمل أوصيكم بما أوصى الله به فيها من ~~الطاعة وفعلكم لها وأثرتكم إياها هي الغنائم الكبرى في الدنيا، وبها النجاة ~~عند الله، والظفر بثواب الله، وحسن جزائه في الدار الأخرى. # وسأذكر لكم يابني من ذلك إن شاء الله جملا مختصرة إن عملتم بها رجوت أن ~~يكون فيها نجاتكم عند المعاد إلى الله في الدار الآخرة. PageV01P101 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في توحيد الله واعتقاد وما يليق بجلاله ~~وعظمته] # فأول إن شاء الله ذلك ذكر بارئكم وخالقكم وربكم، والفكرة في وحدانيته ~~وجلاله وعظمته وأن لا تتوهموه مشبها لشيء من خلقه وبريته، ولا مثلا ولا ~~مشاكلا لشيء مما خلق في أرضه وسماواته، وأن تعلموا إذا فكرتم فجالت بكم ~~الفكر في جميع ما يدرك العقل والحواس، ms48 ويحيط به مما ظهر أوغاب أفهام ~~الأولين والآخرين من الناس، من كل حيوان حي من ملك مقرب، أو نبي مرسل، أو ~~شمس منيرة، أو نور من الأنوار مضي، أو معظم مشرق مستحسن بهي، أرضيا كان ذلك ~~أو سماويا تجول به في قلوبكم فكرة، أو تهموه في دنيا أو آخره، أن تعلموا أن ~~ربكم وإلهكم وصانعكم وصانع كل شيء خلاف لهذا كله، وأنه غير مشبه لشيء من ~~الأشياء كلها التي خلق في سماواته وأرضه، وأن حقيقة الإيمان به أنه هو الله ~~الذي هو خلاف الأشياء كلها، لا يشاكله ولا يشابهه شيء مما في السموات ~~العلى، ولا مما في أرضها وسفلها. PageV01P102 # وحقيقة الإيمان به أبدا، والصواب والحمد لله فيها والهدى، أنه خلاف ما ~~أدركته العقول أو خطر بالبال في الكرم والعظمة والكبرياء والجلال، حقيقة ~~اليقين في المعرفة أنه لا يدرك بحيطة ولا تحديد، ولا تمثيل ولا صفة، وكيف ~~يوصف من لا تدركه العقول، ولا الفكر ولا الحواس، ومن تعالى وجل عن شبه أهل ~~السماء من الملائكة، وتقدس وعلا عن أن يشبه الأنوار ذات البهاء المضيئة، ~~وحاش لله أن يشبه أو يماثل الإنسان الذي هو من الصور الأرضية، بل هو سبحانه ~~الواحد الحق في الوحدانية، والذي لا تدركه الأبصار، ولا يوصف بحدود ولا ~~أقطار، ولا تقاس عظمته وجلاله وقدرته بشبه ولا مقدار، أعظم من كل شيء عظمته ~~عظما، وأكرم من تدركه الأوهام أو تناله الفكر كرما، كل كبير معه صغير، وكل ~~معظم عند ذكره حقير. # فإلهكم يابني وربكم فسبحوا واذكروا وحبه والوله إليه فاستشعروا، ونعمه ~~عليكم فافهموها وإن لم تحصوها واشكروا، وشكركم له وحمدكم فإنما هو بالطاعة ~~والعمل الصالح، لا بالإقرار واللسان، بل بالركوع والسجود والتسليم لأمره ~~والخضوع، والفكرة فيما أبدى من حججه وآياته، وما أراكم من برهان ربوبيته في ~~أرضه وسماواته، فاسمعوا لإلهكم العظيم، وبارئكم الكريم وأطيعوه، واخشوا من ~~خالقكم الرؤوف الرحيم بكم واخضعوا، واحمدوه بألسنتكم وسبحوه، واسجدوا له ~~واركعوا، فإنما حمده وشكره عبادته وطاعته، وذكره واتباع ما يحب ويرضيه، ~~واجتناب كلما ms49 نهى عنه من سخطه ومعاصيه، ومولاة أوليائه ومحبة أحبائه من ~~رسله، وأنبيائه، ومعاداة أعدائه والإيمان به وبملائكته والتصديق برسله وكتبه. PageV01P103 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في الصلاة] # وبعد الإعتقاد منكم يابني بالإيقان والإيمان فخذوا أنفسكم بما أمركم به ~~من تطهير الأعضاء والأبدان، فإذا توضأتم فاسبغوا الوضوء حتى تنظفوا ما ~~أمرتم به من كل عضو. # واعلموا أن الوضوء هو التطهر الأصغر، وأن أجل منه في الطهارة والأكبر ~~([44]) التطهر والتنظف من كبائر المعاصي، وأن ذلك هو الباب الأكبر الذي من ~~دخله صار إلى النجاة. # واعلموا يابني أن الصلاة إنما وضعت وفرضت لذكر الله تعالى والثناء عليه، ~~والفكرة في جلاله وعظمته وما يقرب إليه، فمن كان حظه من صلاته القعود ~~والقيام، ولم يكن مفكرا في صلاته بالذكر لجلال ربه وعظمته وما يقرب إليه، ~~وما أنعم به عليه من عظيم نعمه، وما وعد من كريم الثواب في طاعته، وما خوفه ~~به من أليم عذابه على معصيته، فمن لم يكن هكذا فهو ساه في صلواته، وإنما ~~وضعت الصلاة لذكر الله، قال الله سبحانه وتعالى: {أقم الصلاة لذكري} [طه: ~~14] وقال عز وجل: {فويل للمصلين(4) الذين هم عن صلاتهم ساهون(5)} [الماعون: ~~5]، والسهو عنها فهو السهو عن ذكر الله تعالى فيها، والإقبال بالفكر والقلب عليها. # فافهموا يابني رحمكم الله قول ربكم ودلالته لعباده وخلقه، على ما في ~~الصلاة والركوع والسجود من رضاه وتعظيم حقه، إذ يقول سبحانه لنبيه وهو ~~يرغبه في الصلاة ويدعوه إليها، ويخبره عن الفضائل في الصلاة وما جعل فيها، ~~{وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر} ~~[العنكبوت: 45]. PageV01P104 # والصلاة يابني فهي السجود والركوع، والخضوع لله والخشوع، وتمامها وقوامها ~~ونظامها ذكر الله فيها، وإقبال القلب لذكره فيها، ألا ترون كيف يقول الله ~~عز وجل: {ولذكر الله أكبر} [العنكبوت:45]والصلاة فلها موقع كريم عند الله، ~~وهي في جميع الأديان عند أهلها مما يقرب إلى الله تعالى. # وقد رغب فيها يابني في مواضع كثيرة من القرآن، وأمر نبيه صلى الله عليه ~~وآله وسلم من يتبعه من أهل ms50 الإيمان، وقال تعالى منبها لنبيه وأوليائه لما ~~في الصلاة من المعونة لهم على تفريج غمومهم وكروبهم، مع ما فيها من القربة ~~إليه ورضاه {واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين} ~~[البقرة: 45] وكبرها يابني الذي ذكر الله هاهنا فهو ثقلها على أهل القسوة ~~واللهو الغافلين، فلا تدعوا يابني الأخذ بحضكم منها، والإستكثار من ~~نوافلها، وقلة الغفلة عنها، فإن فيها الروح والفرج من الغموم، وكيف لا تكون ~~كذلك وإنما أقيمت وتفرغ فيها لذكر الله الكريم، وأي شغل من الأشغال أو عمل ~~من الأعمال أشرف شرفا وأجل قدرا من عمل يشتغل العبد فيه من الدنيا ودنسها، ~~ويقبل في صلاته على الخضوع لله صامدا لخالقه وربه ذاكرا. PageV01P106 # فهي كما جاء أنه كان في الأذان الأول([45]) النداء بها (حي على خير العمل) ~~وهو خير ما أقبل عليه الإنسان وبه اشتغل، قال الله سبحانه الحكيم العليم، ~~وهو يدعو إلى الصلاة والركوع والسجود أبناء خليله ونبيه إسماعيل: {ياأيها ~~الذين ءامنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم ~~تفلحون(77)وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من ~~حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل} [الحج:77 78] فدلهم ~~اختصاصا لحبه سبحانه لأبيهم إبراهيم وإسماعيل على عمل من أعمال البر يحبه ~~ويرضاه سماه عبادة وخيرا وفلاحا. # ألا ترون يابني كيف يقول {اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير ~~لعلكم تفلحون}[الحج:77] ولكفى بهؤلاء الكلمات في هذه الآية دليلا على فضل ~~الصلاة والفلاح. # يابني في جميع القرآن فهو الربح والأرباح، فما سمعتم في القرآن قد أفلح، ~~فمعناه قد ربح أو أربح، والمفلحون فهم الرابحون. PageV01P107 # وفي الصلاة يابني وفضلها ورضوان الله عمن فعلها من أهلها ما بدا الله بها ~~في صفة المؤمنين، وجعلها أول فريضة على المسلمين، وقدمها قبل غيرها في ~~شرائع الدين، ألا ترون أن الكافر المشرك إذا تاب من شركه وأسلم، كان أول ما ~~يؤمر به أن يبتديه الصلاة لربه وبارئه، قال الله لا شريك له وهو يقدم ~~الصلاة في منزل القرآن، عند ذكره وصفته لأعمال ms51 أهل الإيمان: {قد أفلح ~~المؤمنون(1)الذين هم في صلاتهم خاشعون(2)والذين هم عن اللغو ~~معرضون(3)والذين هم للزكاة فاعلون(4)والذين هم لفروجهم حافظون(5)إلا على ~~أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين(6)فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك ~~هم العادون(7)والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون(8) والذين هم على صلواتهم ~~يحافظون(9)} [المؤمنون: 1 9] فذكر سبحانه صفات المؤمنين التي كانوا بها ~~عنده في الآخرة ناجين، فبدأ فيها بالصلاة عند ذكر أولها، ثم ختم بالمحافظة ~~عليها عند صفاتهم في آخرها. # فتفهموا يابني وفقكم الله في هذه الآيات ما ذكر الله سبحانه من هذه ~~الأعمال. PageV01P108 # فتفهموا يابني وفقكم الله في هذه الآيات ما ذكر الله سبحانه من هذه الأعمال ~~الصالحات التي ورثهم بها الفردوس، وهي ستة أعمال من الحسنات، فقد كفاكم ~~الله الدلالة على النجاة بها إن فعلتموها نجوتم وفزتم بجميع الخيرات، وما ~~ذكر الله به الصلاة من فضلها فهو في آيات لا نحصيها من القرآن، ولا نأتي ~~هاهنا على ذكرها كلها. # وذكر يابني عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يرغب في كثرة ~~الركوع والسجود لله ويدعو إليه، ويقول:((الصلاة خير موضوع فمن شاء استكثر ~~ومن شاء أقل))([46]). # وذكر أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر من نوافل الصلاة ليلا ونهارا، ~~ويقول: عليه السلام: (( جعلت قرة عيني في الصلاة)). # وذكر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه: كان من كثرة صلاته ونوافله ليلا ~~ونهارا يصلي حتى ورمت قدماه، فقيل يا نبي الله ما يحملك على هذا وقد غفر ~~الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر، فقال عليه السلام: (( أفلا أكون عبدا ~~شكورا)) ([47]). # فالصلاة يابني الصلاة الصلاة فإن فيها فرج غموم قلوبكم، وأنس وحشتكم، ~~ورضوان ربكم، فلا تغفلوا ما بقيتم عنها، واستكثروا ما استطعتم منها، فقد ~~ذكر أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان لكثرة رغبته فيها، يكثر ~~الصلاة في ليله ونهاره كثيرا، وأنه كان يلزم ذلك مقيما ومسافرا، حتى أنه ~~كان ليصلي نوافله على ظهر دابته يركع ويسجد، ويكبر ويتشهد حيث توجهت ~~الدابة. PageV01P109 # وذكر أنه ms52 صلى الله عليه وآله وسلم كان يقول: ((إن أغبط الناس عندي لمؤمن ~~ببطن واد من هذه الأودية أو شعب من هذه الشعاب يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة ~~حتى تأتيه الوفاة)). # وقال الله تبارك وتعالى لنبيه مرغبا له ولمن تبعه في التقرب بالصلاة ~~إليه، وأخبره أن الصلاة حسنات يذهبن السيئات، فتفهموا قوله تعالى تعلموا ~~أنها من كرائم القربات لديه، إذ يقول سبحانه لنبيه: {وأقم الصلاة طرفي ~~النهار وزلفا من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين}[هود: ~~114] وذكر تبارك وتعالى ما يرضى في الصلاة ويحب بقوله تعالى عند ذكر الكافر ~~الناهي عن الصلاة: {كلا لا تطعه واسجد واقترب} [العلق:19]، وقال تبارك ~~وتعالى: {قد أفلح من تزكى(14)وذكر اسم ربه فصلى(15)بل تؤثرون الحياة ~~الدنيا(16)والآخرة خير وأبقى(17)إن هذا لفي الصحف الأولى(18)صحف إبراهيم ~~وموسى(19)}[الأعلى: 14 19]، وذكر الصلاة فدل على فضلها عند مدحه لإسماعيل ~~نبيه وابن خليله صلى الله عليه حين أخبر أنه كان صادق الوعد وكان رسولا ~~نبيا، وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة وكان عند ربه مرضيا، وقال تبارك ~~وتعالى لنبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم مسليا له عن الرغبة في الدنيا، ~~وأمره له بما هو أنفع وأربح وأكبر من الدنيا كلها قدرا من الصبر على PageV01P110 الصلاة التي تقرب بها من الله، إذ هي أعظم ثوابا من جميع الدنيا وزهرتها ~~التي يمد إليها الإنسان عينيه، قال عز وجل: {ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا ~~به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا لنفتنهم فيه ورزق ربك خير ~~وأبقى(131)وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها لا نسألك رزقا نحن نرزقك ~~والعاقبة للتقوى(132)} [طه: 131 132]، فرغب الله نبيه يابني في الصلاة ~~ونهاه أن يمد عينيه إلى ما متع به المغرور زهرة دنياه، وأخبره بما أعد في ~~الآخرة من الرزق الباقي لأوليائه، ودله على ما يناله به ويعطاه من التقرب ~~إليه بالصلاة والصبر عليها، وأمر أهله منها بما يرضيه، فقال: {وأمر أهلك ~~بالصلاة واصطبر عليها}[طه:132]، وأعلمه أن رضاه في التقرب إليه بالصلاة له، ~~وأنه يرزقه ولا يحتاج إلى رزق فيسأله جل عن ms53 ذلك من يطعم ولا يطعم الله ~~البعيد من شبه خلقه العلي الأكرم. PageV01P111 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في ذكر الله ] # وعليكم يابني بذكر خالقكم وبارئكم فإن ذلك مما يحق له سبحانه عليكم، ~~وذكركم له بالليل والنهار، فعمل صالح لم يزل من أعمال الأبرار، ومن الأولى ~~بأن يذكر ولا ينسى، وأن يثنى عليه ويسبح في الصباح والمساء ممن خلقكم ~~وفطركم بعد إذ لم تكونوا شيئا، ومن لولاه تبارك وتعالى ما كان أحد منكم ~~حيا، ومن يغذوكم في كل حين برزقه ونعمه، ويجود عليكم بفضله وكرمه، فنعمه ~~عليكم تروح وتغدوا متصلة، فمن أولى منه جل جلاله سبحانه بأن لا تكون أنفسكم ~~عن ذكره غافلة، فاحمدوه وكبروه وسبحوه فأكثروا ذكره بالغدو والآصال، فإن ~~ذكره وتسبيحه وتكبيره من صالح الأعمال، فإن([48]) يقول سبحانه لعباده ~~المؤمنين، وهو يأمرهم أن يكونوا له من الذاكرين، إذ لا يرضى لعباده أن ~~يكونوا عصاة كافرين، بل الذي يرضى لهم أن يشكروه وهو أشكر الشاكرين، فقال ~~سبحانه لعباده المؤمنين: {ياأيها الذين ءامنوا اذكروا الله ذكرا ~~كثيرا(41)وسبحوه بكرة وأصيلا(42)}[الأحزاب:42]، وقال تبارك وتعالى: ~~{فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون}[البقرة: 152]، وقال سبحانه في ~~الذكر وأمر عباده به في السفر والحضر وبعد إفاضتهم من عرفات، وبعد الوقوف ~~له يوم الحج الأكبر: {فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام ~~واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين(198) ثم PageV01P112 أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم(199)فإذا قضيتم ~~مناسككم فاذكروا الله كذكركم ءاباءكم أو أشد ذكرا} [البقرة: 198 200] ~~فأمرهم تبارك وتعالى بعد قضاء مناسكهم بذكره وأن لا يدعوا ذكره في سائر ~~سببهم وأن يكثروا من ذكره كما يكثرون أو أشد من ذكر آبائهم، وأمها تهم، ~~وقال تبارك وتعالى يابني، وهو يأمر عباده بعد الصلاة له بذكره على كل حال ~~من أحوالهم، قياما وقعودا وعلى جنوبهم {فإذا قضيتم الصلاة فاذكروا الله ~~قياما وقعودا وعلى جنوبكم فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة إن الصلاة كانت على ~~المؤمنين كتابا موقوتا}[النساء: 103]، وقال سبحانه لنبيه صلى الله عليه ms54 ~~وآله وسلم وهو يأمره بتسبيحه وتكبيره في علانيته وسره: {واذكر ربك في نفسك ~~تضرعا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال} [الأعراف:205]، فأمره ~~تبارك وتعالى بذكره على كل حال. # وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((من قال سبحان الله ~~والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر كتب الله له بها عشر حسنات ومحى ~~عنه عشر سيئات))([49]). PageV01P113 # وذكر عن علي عليه السلام من وجوه كثيرة حديث مشهور معروف عند أهل البيت ~~عليهم السلام والعامة، وقد سمعته غير مرة أن عليا عليه السلام قال لفاطمة ~~عليها الرضوان إن الطحن واختدامك نفسك قد جهدك فلو أتيت أباك فسألتيه خادما ~~فقالت فانطلق معي، قال فأتيا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فذكرت له ~~فقال: (( ألا أدلكما على عمل خير لكما من ذلك تسبحان الله إذا أويتما إلى ~~فراشكما ثلاثا وثلاثين، وتحمدانه ثلاثا وثلاثين، وتكبرانه أربعا وثلاثين ~~فتلكما مائة على اللسان وألف في الميزان)) ([50])، قال علي عليه السلام فما ~~تركتهن منذ سمعتهن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بعد كل صلاة فريضة ~~وعند كل نوم، فقال له رجل ولا ليلة صفين يا أمير المؤمنين فقال ولا ليلة صفين. # وذكر يابني عن جدكم الحسن بن علي عليهما السلام حديث معروف عنه قال سمعه ~~عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( من صلى صلاة الصبح ~~ثم جلس يذكر الله إلى أن تطلع الشمس كان له سترا وحجابا من النار)) ([51]). PageV01P114 # واذكروا قول الله سبحانه وهو يرغب في الذكر ويدعو إليه عباده المؤمنين ~~ونبيه خاتم النبيين صلى الله عليه وآله وسلم: {واذكر ربك في نفسك تضرعا ~~وخيفة ودون الجهر من القول بالغدو والآصال}[الأعراف: 205]، وقال سبحانه وهو ~~يأمر نبيه وعباده أن يكونوا له مسبحين {وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمس وقبل ~~الغروب(39) ومن الليل فسبحه وأدبار السجود(40)}[ق:39]، يعني تبارك وتعالى ~~أدبار الصلاة عند الفراغ منها، وقال لنبيه عليه السلام {فسبحان الله حين ~~تمسون وحين تصبحون(17)وله الحمد في ms55 السموات والأرض وعشيا وحين تظهرون(18)} ~~[الروم: 17 18]، PageV01P115 ### || AUTO [قصة سليمان عليه السلام وأمره بضرب أعناق الخيل] # وقال وهو يخبر عن نبيه سليمان صلى الله عليه وسلم، ويذكر ما كان عليه من ~~ذكر ربه وتسبيحه قبل توار الشمس بالحجاب، وهو سقوط عين الشمس، وقد عرض عليه ~~ما أعطاه الله من أجناس الخيل الفاضلة الجياد، والعرب تسمي الخيل خير، ~~فشغله صلى الله عليه وسلم العجب بفضل ما أعطاه الله من أجناس الخيل عن ~~تسبيحه كل عشية يذكر الله حتى توارت الشمس بالحجاب، فأمر حين أغفله العجب ~~بها والنظر إليها عن تسبيح الله وذكره يوم عرضت عليه ساعة من العشي حتى ذهب ~~وقت تسبيحه برد الخيل عليه آسفا على غفلته بالنظر إليها والعجب بها حتى ~~توارت بالحجاب، يعني الشمس، فردت الخيل عليه، فأمر بضرب أعناقها ومسحها ~~بالسوق وعرقبتها، قال الله سبحانه {فطفق مسحا بالسوق والأعناق}[ص: 33]، ~~والمسح الضرب بالسيف لأعناقها، وسوقها قطعها بالسيوف أسفا إذ شغلته عن ذكر ~~الله، لأن ثواب تسبيحة واحدة أكبر وأفضل من الخيل أسفا على فوات تسبيحه ~~ساعة واحدة. # وقال الله وهو يثني على المؤمنين والمؤمنات بالذكر له في الأوقات: ~~{والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} [الأحزاب: 35]. # فلا تدعوا يابني تعاهد الذكر لله، والتسبيح بالبكر والعشيات قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها. PageV01P116 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في الحج] ### || AUTO والحج فقد علمتم ما جاء فيه من الثواب، وأنه قيل أن أقل ما ~~للحاج الخالص النية فيه من عظيم ثواب الله، وأنه يخلف عليه نفقته، ويخلف ~~بالحفظ له في أهله ومهمه وولده، حتى يرجع من سفره لحجته، وأن الحجة ~~المبرورة ليس جزاؤها إلا الجنة، وأن الحج والعمرة ينفيان الفقر كما ينفي ~~الكير خبث الحديد، فلا تدعوه ما أمكنكم إن شاء الله تعالى. # [وصيته عليه السلام في الصدقة] # والصدقة فقد رغب الله فيها ودل عباده المؤمنين عليها، فقال في صفة ما ~~يرضى عن المؤمنين والمؤمنات {والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات ~~والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم ~~مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: 35]. PageV01P117 ### || AUTO [وصيته ms56 عليه السلام في صلة الرحم] # وصلة الرحم والتغافل عما يكون من ذوي الأرحام من الظلم فمن وجه البر ~~والخير، وفي ذلك من الأجر وثواب الله الكبير مالا يخفى على ذوي الألباب ~~والتفكير، قال الله عز وجل: {واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله ~~كان عليكم رقيبا}[النساء: 1] وقال: {والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ~~ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب}[الرعد: 21]، وقال تبارك ~~وتعالى:{وبالوالدين إحسانا وبذي القربى واليتامى والمساكين والجار ذي ~~القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ~~أيمانكم}[النساء:36]، فإذا أوصى الله به في هذه الآية من الوصايا التي ~~ترضيه، ويثيب عليها الثواب العظيم الكبير، وبر الأرحام وصلتها مما يعمر ~~الله به الديار، ويزاد به في البقاء والأعمار، فلا تزهدوا في البر لذوي ~~أرحامكم والصلة، فإن ذلك من أبواب البر عند الله العظام الفاضلة. PageV01P118 # ولا بد يابني من أن يكون في القرابة وذوي الرحم بعض من يحسد ويقطع ويظلم، ~~فإذا كان ذلك من أحد منكم، ولم يكن في الدين فاسقا ولا سفيها عاهرا فاجرا، ~~فصلوا القاطع وإن قطع، واحملوا عنه وإن آذاكم وجهل وظلم، فإن ذلك من ~~الإحسان عند الله والله مع المحسنين، والصبر على ذلك عنهم من الكرم والحلم ~~الذي وصف الله به المؤمنين، قال الله تعالى في دفع السيئة بالحسنة: {ادفع ~~بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم}[فصلت: 34]، وهذا ~~في الأبعدين وفي الناس أجمعين، فكيف في ذوي الرحم الأقربين. # واعلموا يابني أنه لا بد أن يكون بين ذوي الأرحام من الشيطان والنزعات ~~وبعض ما يسمع منهم مما يؤذي النفوس في بعض الأوقات، فمن صبر لذلك حين أحرقه ~~الأذى فتغافل وكظم حتى يهدأ الغضب ويطفأ، كان محمودا عند الله محسنا ~~وبالحلم والصبر بعد مغتبطا، وكان المحسن عند الله معانا، قال الله سبحانه: ~~{إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون} [النحل: 128]. # وذكر عن رسول الله صلى الله عليه وآله المتقين أنه قال: ((ليس الواصل من ~~يصل من وصله، إنما الواصل من يصل من ms57 قطعه))([52]). PageV01P119 # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عمه، وابن أبيه وأمه، والناصر ~~لله وله ولدينه علي بن أبي طالب رحمة الله عليه: ((يا علي ألا أدلك على ~~أكرم الأخلاق وأحبها إلى الله، قال بلى يا نبي الله، قال: تصل من قطعك ~~وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك)) ([53])، ولم يصل أحد الرحم ويعفو منها عمن ~~أساء وظلم، إلا طال بإذن الله عمره وكثر رزقه ووسع الله له، فلا تزهدوا في ~~صلة الأرحام، فإن ذلك من الإيمان والإسلام، وأخلاق ذوي المروءة والحلم ~~وأفعال الكرام. PageV01P120 # ومن قطع يابني من ذوي رحمه من قطعه كان قاطعا مثله وشريك في ظلمه، فمن صبر ~~على غيظ قطيعة ذوي رحم كان عند الله محسنا مأجورا، ولما أمره الله به من ~~صلة الرحم مؤتمرا مشكورا، وكان الله بعونه معه وله معينا، لأن الله عز وجل ~~يقول: {إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون}[النحل:128]، وقال الله ~~سبحانه وهو يصف المؤمنين، ويخبر عن ما لهم من الثواب والفوز يوم الدين ~~{والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء ~~الحساب(21)والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما ~~رزقناهم سرا وعلانية ويدرءون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار(22)جنات ~~عدن يدخلونها ومن صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم ~~من كل باب(23)سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار(24)}[الرعد:21،24]، ~~فبدأ تبارك وتعالى في صفة عباده المؤمنين بالصلة لما أمر الله به أن يوصل، ~~والذي أمر الله به أن يوصل فهو ذو الرحم، والرحم الواجب عند الله صلتها، ثم ~~ذكر من بعد الصلة للرحم ما يرضى من الصبر ابتغاء وجهه سبحانه على المكاره، ~~والكظم على الغيظ، والإنفاق سرا وعلانية، وأن يدرؤا بالحسنة PageV01P121 السيئة من ذوي الرحم وغيره، فلا يجازوا من أساء بإساءته، ثم أخبر تعالى أن ~~لهم عقبى الدار وهو ثوابه جل جلاله للأبرار فقال: {جنات عدن يدخلونها ومن ~~صلح من ءابائهم وأزواجهم وذرياتهم}[الرعد:23]، فأخبر أنه لا يلحق بهم مع ~~رضاه عنهم من الآباء والأزواج ms58 والذرية إلا من عمل من الصلاح والصالحات مثل ~~عملهم، ثم أخبر عن الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل وهي صلة الرحم، أن ~~عليهم بقطيعة الرحم والفساد في الأرض اللعنة، ولهم سوء الدار، وهو عذاب ~~النار نعوذ بالله ونستجيره منها، ونسأله العون على ما يبعدنا من تقواه عنها. PageV01P122 # فعليكم يابني بما أمر الله به أن يوصل من صلة الرحم، والصبر على ما لا بد ~~أن يرى من قطيعة بعضهم بالإحتمال والحلم ترشدوا، وبذلك تسعدوا، وتعانوا ~~عليهم وتوفقوا وتسددوا، فلستم تجازون معصية من عصى الله بقطيعتكم مثل طاعة ~~الله في صلته، والتزين بالبر والحلم عمن أفرط منهم في قطيعته، وتوقي ما ~~يقولون به على قطيعتكم من المعاصي والدناءة والعيوب، ولزوم العفاف والصلاح، ~~واجتناب الكبائر من الذنوب، فإن الناس ليسوا عنهم وعنكم بغافلين، وسيبين ~~لكم إذا فعلتم ما أمرتكم به من الحلم والصلة للرحم أنكم لهم في الفضل ~~والخير فائتون، ولا تختلطوا بهم بالإنهماك اختلاط من يغفل الحذر والتحرز، ~~ولا تنقبضوا عنهم من انقباض من تكبر عليهم، ولا تعززوا فاستعملوا الصبر ~~لهم، والإعراض عنهم عندما لا بد أن يكون من نزغات الشيطان بالحسد، وذلك في ~~القرابة قديما وحديثا ما لا يخلو منه أحد. PageV01P123 ### || AUTO [وصيته عليه السلام في سياسة النساء] # وهذا ما أصنع لكم يابني من الرأي الذي جربت من سياسية النساء الحرائر ~~منهم والإماء وما ينبغي أن يجربن([54]) عليه ويفعل في أمرهن، لأنهن في ~~آدابهن وعقولهن وأخلاقهن قد تنكرن وتغيرن في زمانهن هذا ودهرهن. # فخيرتهن يابني ذوات العفاف والدين، ومن اختار منهن ذوات العفة والصلاح ~~والدين فهو الرابح الراشد غير الخاسر ولا المغبون، ومن مال منهم إلى - ~~الحسن والجمال - وإن لم يكن لمن كان منهن حسن جميل ولا صلاح في دينها، ~~وتحجب وصيانة عند أوليائها، واستقامة في مذاهبهم في الصلاح والأدب والدين ~~والحجاب، كان خاسرا مغبونا، وبدى له من أخلاقهن في الدين والأخلاق ما لم ~~يزل معه نادما محزونا. # فينبغي لمن أراد تزويج الحرائر أن يتثبت تثبتا شديدا في المساءلة ms59 عن ~~صلاحهن، ودينهن، وسيرة أوليائهن، ورجالهن من الآباء والإخوة، ونسائهن ذوات ~~القرابة لهن، فإن كانوا أهل عفاف ومروءة وطهارة، وحجاب لحرمهم فسيرة نسائهم ~~([55]) في أنفسهن لا تشكوا كسيرة رجالهن وأوليائهن، وإن كانوا أعفاء صلحاء ~~فالنساء لا يكدن يكن إلا على سيرة أوليائهن ورجالهن، وإن كان أولياؤهن ~~الغالب عليهم وعلى نسائهم سوء السيرة وترك التحجب، فاحذروا يابني الدخول ~~فيهن والتزوج لهن، فإن الغالب عليهن ما يغلب على رجالهن، إن كان شرا فشرا، ~~وإن كان خيرا فخيرا. PageV01P124 # فمن أراد منكم يابني خطبة امرأة تذكر بجمال أو غنى، فليسأل عن وليها ~~وعفافه، ومذهبه في دينه وصلاحه، فإن كان ذا عفاف وصلاح، ومقالة في دينه ~~بالهدى والصواب، وكان لحرمته ذا صيانة بها، وكانت المرأة التي هو وليها ذات ~~عقل وجمال، وحمد في دينها بالثناء عليها في الصيانة لنفسها، واستقامة ~~الأحوال، ففيها لمن رغب منكم الرغبة، ورجوت بإذن الله أن تحمدوا بالدخول في ~~تزوجها العاقبة، وأن تروا منها المحبة أكثر. # ثم استخارة الله قبل خطبتها والدخول في ملاكها مرارا كثيرة، وكان توكلكم ~~في أمرها على الدعاء إلى الله في الإقدام على تزويجها بالخيرة. # وقد ذكر عن رسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((تتزوج المرأة على ~~جمالها وعلى حسبها ومالها وتتزوج على دينها)) ([56])، ثم قال نبي الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم: (( فعليك بذات الدين تربت يداك، يعني عليه السلام فإن ~~فاتت ذات الدين، وآثرت عليها ذات الحسب والجمال والمال خسرت في دينك ~~ودنياك، فعليك يابني بذات الدين فإن جمعت مع الدين حسبا أو جمالا أو مالا ~~ففيها بلا شك الرغبة بالحق اليقين. PageV01P125 # واعلموا يابني أن سياسة النساء الحرائر منهن والإماء إنما هي على ما يجربن ~~عليه أول ما يدخلن بيوتهن، ونظرن إلى من يملكهن بإجراءهن على الحجاب ~~والصيانة، وساسهن بحوز الدواخل عليهن جرين له على ذلك ما دامت بينه وبينهن ~~الصحابة، وحذرن في ذلك خلاف ما أجراهن عليه، وإن هو أراهن سهولة عند دخول ~~الدواخل عليهن اغتررن فيه وأجرينه على إدخال من لا ms60 يفهمه، ولا يحيط بغيبه ~~من حشم أهلهن وجاراتهن، وموالياتهن اللواتي متى سهل لهن إدخال مثل ما ذكرنا ~~كان حريا أن يكون ذلك داعيا إلى فسادهن عليه، ولم يأمن أن يكون منهن ~~المفسدات للمرأة والمصغرات عندها جميل ما يفعل، والمحسنات عندها ما لا يحسن ~~ولا يجمل. # فرأس سياسة النساء حرائرهن والإماء شدة الضبط والحجاب، وأن لا يؤذن لهن ~~في إدخال من لا يفهمون سرها ولا يأمنون إفسادها وشرها. # يابني وقد ذكر عن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ((النساء عي ~~وعورات فاستروا عيهن بالسكوت وعوراتهن بالبيوت)) ([57]) يريد سترهن بالبيوت ~~الحجاب لهن عن الدواخل، وإلزامهن بالحجاب الصموت. PageV01P126 # واعلموا يابني أن المرأة وإن حجبها زوجها غاية الحجاب، فربما غفل الزوج عن ~~المملوك المحقور عنده اتكالا على ذلته وأنه يفرق منه ويخافه ويهابه، فيدعوه ~~الإسترسال بمحقرة العبد والاتكال على ذلة المملوك وهيبته له بالملكة والرق ~~أن يدخله على حرمه وامرأته، حتى يأنس بهن ويألفهن، ويأنسن به، وهو ذكر من ~~الذكران، وقد ركب الله في طبع الإناث الصغو إلى الذكور، فيقع في غفلته عن ~~الحذر للوغد والعبد ومحقرته له ما يكره من الأمور. # وكم وكم من امرأة شريفة جميلة حسينة قد دعاها دخول الوغد ومحقرته وألفه ~~وإقباله عليها وإدباره إلى أعظم الريبة. # فلا يدخلن على ما تحجبون من نسائكم وحرمكم من تحتقرون من أوغاد العبيد، ~~فإن ذلك إن فعلتموه لم يؤمن أن يسهل عليهن من محادثتهن لهم، وأنسهم بهن مما ~~يدعوهن إلى المحذور المشقي الهائل الشديد. # فاحجبوا يابني عن نسائكم وحرمكم ذكران الرقيق المحقور منهم والغوي ~~والرشيد، الفحول منهم والخصيان، فهم لا يؤمنون على داهية ولا فحشاء ولا ~~عدوان، وإنما المرأة على ما جعلت عليه من وهنها وضعفها، ووليها ما لم تتق ~~الله صاغية إلى الرجال لميلها وإلفها. # ولذلك ما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((أنه نهى الرجل عن ~~الخلوة مع امرأة)) ([58])، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: ((ثالثهما ~~الشيطان))، والغالب على الرجال والنساء الميل من الذكر والأنثى، ms61 والصغو من ~~الأنثى إلى الذكر إلا من عصمه الله بالخشية والتقوى والبر. PageV01P127 # فاحذروا يابني، الحذر الحذر كل الحذر من أن تدخلوا أبدا على الحرم رجلا كان ~~خصيا أو فحلا، قبيحا كان أو وضيا صبيحا، وكم عسى أن يتردد ويدخل ويحادث ~~ويألف حتى لا يؤمن منه ما لا يخاف ولا يتوهم ولا يعرف، فإن عصم الله من ~~يدخل عليه من النساء بالطهارة والخوف لله والتقوى، لم يؤمن إذا كثر دخول ~~المماليك عليهن أن يظن بهن من السوء ما لم يكن فيهن ولا منهن، وأقل ما في ~~دخول المماليك على النساء ما لا يجوز ولا يحتمله غيور من وقوع أبصار ~~المماليك على محاسنهن وصور أبدانهن، وأن يصفوا لمن لا يدخل من شرار الناس ~~صفتهن، وهذا مالا يحتمله أهل الغيرة والأنف، فمكروه فيما بقي من الدهور وسلف. # وتعرفوا يابني عند نسائكم وحرمكم بالغيرة والتغلظ والتشدد في الحجاب، ~~وانهوهن عن كثرة القيام بالليل ورفع الأصوات، ومروهن بالتحجب والتستر وخفض ~~الصوت، فإن في الغفلة عما حذرتكم ما خير به الموت، ولا تطمعوا أحدا من ~~مماليككم وجيرانكم في التقرب من أبواب دوركم، ولا حيث يسمعون أصوات حرمكم، ~~فإن هذا رأس السياسة للنساء حرائرهن والإماء، فمن تراخى في الحجاب وتقريب ~~المماليك والأصحاب من بيوت الحرم وأبوابهن، لم يؤمن من أن يتولد من غفلته ~~ما ذكرت فيهن من الفضائح. PageV01P128 # والذي أمرتكم به هو الذي لم يزل عليه كل غيور من الرجال وصالح، حاطكم الله ~~تعالى وحاط لكم، وحفظكم وحفظ عليكم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي ~~العظيم، ولا تطمعوا النساء في زيارة القرائب، فربما جاء من الغفلة عن ذلك ~~وتسهيله بعض المكاره والمصائب([59]). # تم الكتاب والحمد لله المنعم الوهاب # ([59]) - تم لنا بحمد الله تعالى قراءة هذا الكتاب الجليل على سيدنا ~~ومولانا الإمام الحجة/ مجدالدين بن محمد بن منصور المؤيدي أيده الله تعالى ~~وأطال بقاه، والحمد لله أولا وآخرا، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أهل ~~بيته الطيبين الطاهرين. # علي بن مجدالدين بن محمد المؤيدي، إسماعيل بن مجدالدين ms62 بن محمد المؤيدي، ~~وكتب/ إبراهيم بن مجدالدين بن محمد المؤيدي؛ وفقه الله تعالى. PageV01P129 ms63