######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010735 #META# 000.BookURI :: #0285.IbnYazidMubarrad.Fadil #META# 010.AuthorAKA :: محمد بن يزيد المبرد #META# 010.AuthorNAME :: محمد بن يزيد المبرد، أبو العباس (المتوفى : 285هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 286 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الفاضل #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: البلاغة والفصاحة :: كتب الأدب #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الفاضل #META# 030.LibURI :: JK_010735 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # المقدمة # بسم الله الرحمن الرحيم وبه أستفتح # الحمد لله الذي افتتح بالحمد كتابه، وألهمه عباده، وجعله مستزيدا لهم من ~~فضله، وذريعة إلى ما قرب منه وأزلف، و صلى الله على محمد نبيه وخاتم رسله، ~~وصفوته من خلقه، وخيرته من عباده، صلاة تزلفه لديه، وتحظيه عنده، وسلم ~~تسليما. # إن الله عز وجل خلق خلقه لعبادته، وأمرهم بطاعته، ونهاهم عنا حرمه، ~~ووعدهم رحمته، وحذرهم عقابه، فكان أحسنهم طاعة له، وأشدهم تقربا منه، ~~وأبعدهم مما حرمه ونهى عنه العلماء، وذوو العقل والفضل من خلقه؛ فإنه يروى ~~أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله يعاقب العاقل بما لا يعاقب ~~به الجاهل " . ففضل الله جل اسمه ذكر العالم في زمانه على سائر نظرائه من ~~خلقه، وجعله قدوة لأهل عصره، وذكرا لمن يبقى بعده. # من ذلك ما يروى أن الأحنف بن قيس رأى الناس بالبصرة يقصدون الحسن البصري ~~في أمورهم، ويسألونه عن أحوال دينهم؛ فقال: كادت العلماء أن يكونوا أربابا؛ ~~وكل عز لم يوطد بعلم فإلى ذل يصير. # ويروى من غير وجه: سمعنا أن زيد بن ثابت أتى عبد الله بن عباس فتلقاه عبد ~~الله، وأخذ بركاب بغلته حتى نزل عنها، فلامه زيد على ما فعله، فقال: كذا ~~أمرنا رسول الله صلى الله عليه أن نفعل بعلمائنا. فقال له زيد: ادن مني، ~~فدنا منه، فقبل يده ثم قال: كذا أمرنا رسول الله صلى الله عليه أن نفعل ~~بأهل بيته. # وإنما سلك زيد في ذلك ما يروى أن رسول الله صلى الله عليه قال: " لا يحل ~~لأحد أن يقبل يد أحد إلا يد عالم أو يد رجل من أهل بيتي " . ويروى أنه قال: ~~" إذا كان يوم القيامة قيل للعابد قم فادخل الجنة، ويقال للعالم: قم فاشفع ~~" . وقال عليه السلام: " فضل العلم خير من فضل العمل " ؟ وقال الله جل ~~ثناؤه: " إنما يخشى الله من عباده العلماء " . فجعل - عز اسمه - العالمين ~~بحدوده هم الخائفين من عقابه، وأولياءه وأهل طاعته. # ثم أفضل العلم ما عمل به؛ وانتفع ms01 بثمرته، فإنه يقال: إن أبعدهم من الله ~~عالم لا ينتفع بعلمه. وقال بعض الحكماء: فلان أحوج إلى كذا من علم إلى عمل، ~~ومن قول إلى فعل، ومن قدرة إلى عفو؛ وعلى ذلك قول الشاعر: # لا خير في القول إلا الفعل يتبعه ... والفعل للقول ما أتبعته أدم # وقال سلمان: إنك لن تكون عالما حتى تكون به متعلما، ولن تكون بالعلم ~~عالما حتى تكون به عاملا. # ولكن الله - جل ذكره - لم يؤت عباده من العلم إلا قليلا، فمن لم يكن ~~نصيبه في ذلك القليل كالمحتوي على أكثره، ولم يكن أغلب الخصال عليه عقله، ~~وأشرف ما يعتقده عليه تقواه لم يعد فاضلا. وقال أمير المؤمنين عليه السلام: ~~" قيمة كل امرئ ما يحسن " . # وللعالم سقطات، وللمتقي هفوات. وكان ابن عمر يقول: إذا ترك العالم قول لا ~~أدري أصيبت مقاتله. # وقال علي رحمة الله عليه: يا بردها على الكبد من عالم يقول: لا أدري. # وأحسن ما روي في جبلة الإنسان التي جبل عليها كلام يروى عن علي رحمة الله ~~عليه؛ يشبه بكلام الأنبياء عليهم السلام، يصدق ذلك ما روي عنه أنه مسح يده ~~على بطنه، وقال: كنيف ملئ علما؛ أما والله لو طرحت لي وسادة لقضيت لأهل ~~التوراة بتوراتهم، ولأهل الإنجيل بإنجيلهم، ولأهل القرآن بقرآنهم. وكان ~~رسول الله صلى الله عليه يقول: " أنا مدينة العلم وعلي بابها " . وكان ~~كلامه في فطرة الإنسان كلام من قد عرف ذلك من نفسه، أو يقرؤه في كفه: وأعجب ~~ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة، وأضداد من خلافها، فإن سنح له ~~الرجاء أذله الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص، وإن ملكه اليأس قتله ~~الأسف، وإن عرض له الغضب استبد به الغيظ، وإن أسعد بالرضا نسي التحفظ، وإن ~~ناله الخوف شغله الحذر، وإن اتسع له الأمر استلبته الغرة، وإن أفاد مالا ~~أطغاه الغنى، وإن عارضته فاقة فضحه الجزع، وإن جهده الجوع قعد به الضعف، ~~وإن أفرط في الشبع كظته البطنة، فكل تقصير به مضر، وكل إفراط له مفسد. ms02 ~~PageV01P001 وأفضل ما قصد له من العلوم كتاب الله - جل ذكره - والمعرفة بما ~~حل فيه من حلاله وحرامه وأحكامه، وإعراب لفظه وتفسير غريبه. ويروى أن ~~المأمون أمر معلم الواثق - وقد سأله عما يعلمه إياه - أن يعلمه كتاب الله ~~جل اسمه، وأن يقرئه عهد أردشير، ويحفظه كتاب كليلة ودمنة. # وأفضل العلوم بعد علم اللغة وإعراب الكلام، فإن بذلك يقرأ القرآن، وعليه ~~تروى الأخبار والأشعار، وبه يزين المرء كتابه، ويحلي لفظه، قال الله عز ~~وجل: " بلسان عربي مبين " . قال الشاعر: # النحو يطلق من لسان الألكن ... والمرء تعظمه إذا لم يلحن # فإذا طلبت من العلوم أجلها ... فأجلها منها مقيم الألسن # وقال صلى الله عليه وسلم: " أعربوا في كلامكم تعربوا في كتاب الله " . # وقال عمر بن الخطاب رحمة الله عليه: تعلموا العربية تحرزوا المروءة. # ولحن رجل بين يدي سليمان بن عبد الملك بعد أن فاوضه فوجده عاقلا، فقال ~~سليمان: زيادة عقل على منطق هجنة، وزيادة منطق على عقل خدعة. وأحسن الأشياء ~~ما شاكل بعضه بعضا. # وكان الصدر الأول من أصحاب رسول الله صلى الله عليه يعربون طبعا، حتى ~~خالطهم العجم ففسدت ألسنتهم، وتغيرت لغاتهم. # ويروى أن عمر بن عبد العزيز رأى قوما من الفرس ينظرون في النحو فقال: لئن ~~أصلحتموه لأنتم أول من أفسده. # ويروى أن رجلا قال لبعض العلماء: أسألك عن شيء من الغريب، فقال: هو كلام ~~القوم، وإنما أنت وأمثالك فيه غرباء. # وذكر أن السبب الذي بني له أبواب النحو وعليه أصلت أصوله أن ابنة أبي ~~الأسود الدئلي قالت: يا أبت ما أشد الحر! قال: الحصباء بالرمضاء. قالت: ~~إنما تعجبت من شدته، قال: أو قد لحن الناس؟ فأخبر بذلك عليا - رحمة الله ~~عليه - فأعطاه أصولا بنى بها، وعمل بعده عليها، فأخذه عن أبي الأسود عنبسة ~~بن معدان المهري الذي يقال له عنبسة الفيل. # وأبو الأسود أول من نقد المصاحف. ثم أخذ النحو عن عنبسة ميمون الأقرن، ثم ~~أخذه عن ميمون عبد الله بن أبي إسحق الحضرمي الذي يقول فيه الفرزدق: # فلو كان عبد ms03 الله مولى هجوته ... ولكن عبد الله مولى مواليا # ثم أخذه عنه عيسى بن عمر، وأخذه عن عيسى الخليل بن أحمد الفرهودي، ثم ~~أخذه عن الخليل سيبويه - واسمع عمرو بن عثمان الحارثي - ثم أخذه عن سيبويه ~~الأخفش، وهو سعيد بن مسعدة المجاشعي. # وأفضل ما في الإنسان المعبر عن شأنه المبين لمعرفته لسانه، وقال الشاعر: # لسان الفتى نصف ونصف فؤاده ... فلم يبق إلا صورة اللحم والدم # وكائن ترى من صامت لك معجب ... زيادته أو نقصه في التكلم # وقال الآخر: # وما المرء إلا الأصغران لسانه ... ومعقوله والجسم خلق مصور # فإن طرة راقتك يوما فربما ... أمر مذاق العود والعود أخضر # وقال عمرو بن العاص: لسان المرء قطعة من عقله، وظنه قطعة من علمه. وقيل: ~~ما الإنسان لولا اللسان إلا بهيمة مهملة، أو صورة ممثلة. وقال علي رحمة ~~الله عليه: المرء مخبوء تحت لسانه. # وقال النمر بن تولب: # أعذني رب من حصر وعي ... ومن نفس أعالجها علاجا # وقال الآخر: # وما بي من عي ولا أنطق الخنا ... إذا جمع الأقوام في الخطب محفل # وقال أحيحة بن الجلاح: # والصمت أحسن بالفتى ... ما لم يكن عي يشينه # والقول ذو خطل إذا ... ما لم يكن لب يعينه # وبعد معرفة النحو علم الدين، والفقه والتفقه فيه، ومعرفة الحلال والحرام ~~منه. وقيل للحسين: ما المروءة؟ قال: الدين المتوسط. # وقال له رجل: علمني دينا وسوطا، لا ذاهبا فروطا، ولا ساقطا هبوطا. فقال: ~~نعم، خير الأمور أوساطها. وأنشد أبو عبيدة: # لا تذهبن في الأمور فرطا ... وكن من الناس جميعا وسطا PageV01P002 وعلى ~~قدر دين الرجل حسن منقلبه، وعلى حسب سريرته منزلته من ربه. وإنما يبين عن ~~الناس أعمالهم، ويلحقهم بالصلاح آثارهم - واعتمدنا تأليف هذا الكتاب، والحث ~~على طلب الأدب والترغيب فيه، والحض على الإكثار منه، فإن المستكثر من شيء، ~~إن لم يدرك آخره ولم يأت على غابره استكثر من الصواب، واستقل من الخطأ، ~~وتزين به عند الناس، واستتر به من لؤم الأصل، وإنما الإنسان بنفسه وابن ~~خبره. # وقالت عائشة: كل لؤم دونه شرف فالشرف ms04 أولى به، وكل شرف دونه لؤم فاللؤم ~~أولى به. # وقال الشاعر: # كن ابن من شئت واكتسب أدبا ... يغنيك محموده عن النسب # وكان بعض العلماء إذا سأل عن قال: أعصامي هو أم عظامي؟ أي أهو ممن يفخر ~~بآبائه وسلفه وبمن قد مضى من أهله، وهو خال مما كانوا فيه، أم هو بنفسه، ~~كما قال الشاعر: # نفس عصام سودت عصاما ... وعلمته الكر والإقداما # وجعلته ملكا هماما # وسنذكر في كتابنا هذا أبوابا من كلام العرب وبعض ما روى عنها، ونثرا من ~~أخبارها، ونفصل ذلك بأشعار وأخبار من قديم وحديث وما بينهما، ونقدم العذر ~~في تقصير إن وقع فيه أو خلل إن لزمه، فإنا ألفناه من غير خلوة به ولا تمييز ~~لما تضمنه، ونسأل الله توفيقه وحسن معونته، ونتوكل عليه ونسترشده، وبه ~~الحول والقوة. # باب في # فضل الشعر # بسم الله الرحمن الرحيم # حدثني أبو الفضل العباس بن الفرج الرياشي قال: روى لنا أشياخنا أن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم كان يستحسن الشعر ويستنشده من أهله، ويثيب عليه ~~قائله. ثم يروى أن شاعرا أنشده مدحا في الله ومدحا فيه، فأثابه على مدحه ~~لله ولم يثبه على مدحه له. # وكان يتمثل بقول طرفة: ويأتيك من لم تزود بالأخبار. لأن الشعر لم يجر قط ~~على لسانه. وقال يوما لأبي بكر رحمة الله عليه: كيف قال العباس بن مرداس: ~~أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟ فقال أبو بكر: يا رسول الله صلى ~~الله عليه: بين عيينة والأقرع. قال: أليس هما سواء! وكان يستحسن: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # وكان يقول: " إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا " . وكان حسان بن ~~ثابت شاعره. ويروى أنه أنشده في كلمة له يقول فيها: # لو لم تكن فيه آيات مبينة ... كانت بداهته تنبيك بالخبر # فأعجب بذلك، صلى الله عليه وسلم، وأثاب حسانا ودعا له. # ويروى أنه قيل لحسان بعد موت رسول الله عليه السلام: ما بالك لا ترثي ~~رسول الله عليه السلام؟ ms05 قال: لأني أستقل كل شيء يجيئني فيه. # وروى أبو عبيدة قال: كان ابن عباس يقول: إذا أشكل عليكم الشيء من القرآن ~~فارجعوا فيه إلى الشعر فإنه ديوان العرب. وكان يسأل عن القرآن فينشد الشعر. # وسئل عن الزنيم، فقال: هو الدعي الملصق، ألم تسمع إلى قول الشاعر: # زنيم تداعاه الرجال زيادة ... كما زيد في عرض الأديم الأكارع # وسئل عن قوله عز وجل: " والليل وما وسق " . قال: وما جمع، ألم تسمع إلى ~~قول الراجز: # إن لنا قلائصا حقائقا ... مستوسقات لو يجدن سائقا # وكان يفسر قوله: " فإذا هم بالساهرة " . قال: بالأرض، ألم تسمع إلى قول ~~أمية بن أبي الصلت الثقفي: # فذاك جزاء ما عملوا قديما ... وكل بعد ذلكم يدوم # وفيها لحم ساهرة وبحر ... وما فاهوا به لهم مقيم # وتحدث عمر بن شبة قال: بينما ابن عباس في المسجد الحرام وعنده ناس من ~~الخوارج وابن الأزرق يسائلونه إذ أقبل عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة فقال: ~~أنشدنا، فأنشده: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر ... غداة غد أم رائح فمهجر # حتى جاء على آخرها، فأقبل عليه ابن الأزرق فقال: تالله يا بن عباس، إنا ~~نضرب إليك أكباد الإبل عن أقاصي البلاد لنسألك عن الحلال والحرام فتتثاقل ~~علينا، ويأتيك مترف من مترفي قريش فينشدك: # رأت رجلا أيما إذا الشمس عارضت ... فيخزى وأما بالعشي فيخسر # فقال ابن عباس: ليس هكذا. قال: فكيف قال: فأنشده: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر PageV01P003 ~~فقال: ما أراك إلا وقد حفظت هذا البيت، قال: نعم! وإن شئت أن أنشدك القصيدة ~~كلها كما أنشدك أنشدتك، قال: نعم، فأنى أشاء، فأنشده القصيدة حتى جاء على ~~آخرها، ثم أقبل على عمر فقال: أنشد، فأنشده: # تشط غدا دار جيراننا # فقال ابن عباس: # وللدار بعد غد أبعد # فقال: كذا قلت! قال: كذا يكون - إن شاء الله - فاضطرب ابن أبي ربيعة ~~وخجل، فقال له ابن عباس: إنما عنيت أنك أنت قلته، قال: يا عم، فكيف علمت؟ ~~فقال: لا يكون بعد هذا إلا ذا. ms06 # ويروى أن أعرابيا سأله عن قول الشاعر: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا ... وما علم الإنسان إلا ليعلما # من الذي قاله؟ ومن عني به؟ قال: عمرو بن حممة الدوسي، قضى على العرب ~~ثلاثمائة سنة وهو ابن سبعين، فألزموه السادس من ولد ولده حيث كبر، فجعل ~~بينه وبينهم أمارة إذا اختلط أن يقرع له العصا ليرتدع. فذلك قول المتلمس: # لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه سمع كعب بن مالك بن أبي كعب الأنصاري ~~ينشد: # ألا هل أتى غسان عنا ودوننا ... من الأرض خرق غوله متتعتع # مجالدنا عن جذمنا كل فخمة ... مدربة فيها القوانس تلمع # فقال صلى الله عليه: " لا تقل عن جذمنا وقل عن ديننا " . فكان كعب يقرأ ~~كذلك ويفتخر بذلك، ويقول: ما أعان رسول الله صلى الله عليه أحدا في شعره ~~غيري. # وحدثني الرياشي في إسناد قال: لما دخل رسول الله صلى الله عليه المدينة ~~اجتمعت عليه الأنصار، وجعلوا يخبرونه عن أمورهم، قال: وأنشده حسان: # وقد أروح أمام الحي منتطقا ... بصارم مثل لون الملح قطاع # يدفع عني ذباب السيف سابغة ... موارة مثل مور النهي بالقاع # في فتية كسيوف الهند أوجههم ... لا ينكلون إذا ما ثوب الداعي # قال: ورسول الله صلى الله عليه يتبسم، فظن أن تبسمه لما يسمع من وصفه ما ~~هو عليه من جبنه. وذكر الزبير أن قومه كانوا يدفعون أن يكون جبانا، ولكنه ~~أقعده عن الحرب أن أكحله قد قطع، فذهب منه العمل في الحرب، وأنشد الزبير ~~قول حسان: # أضر بجسمي مر الدهور ... وخان قراع يدي الأكحل # وقد كنت أشهد وقع الحروب ... ويحمر في كفي المنصل # ورثنا من المجد أكرومة ... يورثها الآخر الأول # وحدثت عن الأصمعي قال: الدليل على أن حسانا لم يكن جبانا من الأصل أنه ~~كان يهاجي خلقا فلم يعيره أحد منهم. # وكان أبو بكر الصديق رحمة الله عليه - فيما يروى - شاعرا، وعمر شاعرا، ~~وعلي أشعر الثلاثة. وينشد لعلي عليه السلام: # فلو كنا إذا متنا تركنا ... لكان ms07 الموت راحة كل حي # ولكنا إذا متنا بعثنا ... فنسأل بعد ذا عن كل شي # وكانت عائشة رحمها الله تفسر قول رسول الله صلى الله عليه: " لأن يمتلئ ~~جوف أحدكم قيحا حتى يريه )من الورى( خير له من أن يمتلئ شعرا " . قالت: ~~يعني الهجاء منه. # وسمع أبو بكر يوما قول لبيد: # أخا لي أما كل شيء سألته ... فيعطي وأما كل ذنب فيغفر # فقال: ذاك رسول الله صلى الله عليه. # وحدثني الرياشي قال: أنشد منشد أبا بكر قول زهير في هرم بن سنان: # أن نعم معترك الجياع إذا ... خب السفير وسابئ الخمر # ولنعم حشو الدرع أنت إذا ... دعيت نزال ولج في الذعر # ومرهق النيران يحمد في ال ... لأواء غير ملعن القدر # وجعل أبو بكر رحمه الله يقول عند كل بيت: ذاك رسول الله، حتى أنشده: # والستر دون الفاحشات وما ... يلقاك دون الخير من ستر # أي يكون لك سترا دون الفاحشات من دون الخيرات. فقال: هكذا كان والله رسول ~~الله صلى الله عليه. ثم قال: أشعر شعرائكم زهير. # باب منه # قال محمد بن علي بن الحسين - صلوات الله عليهم: إن الله جل وعز - أدب ~~محمدا صلى الله عليه أحسن الأدب، فقال تبارك وتعالى: " خذ العفو وأمر ~~بالعرف وأعرض عن الجاهلين " . # فلما قبل عن ربه جل وعز، وعمل بما أمره به ربه أثنى عليه فقال: " وإنك ~~لعلى خلق عظيم " . PageV01P004 وقال صلى الله عليه: " أوصاني ربي بتسع ~~خصال: الإخلاص في السر والعلانية، والعدل في الرضا والغضب، والفضل في الفقر ~~والغنى، وأن أعفو عمن ظلمني، وأعطي من حرمني، وأصل من قطعني، وأن يكون نطقي ~~ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرا " . # وقال أنس بن مالك: لما قدم رسول الله صلى الله عليه المدينة جاءت بي أمي ~~إليه فقالت: يا رسول الله، هذا ابني جئتك به ليخدمك، فخدمته عشر سنين ما ~~سمعته قال أف قط، ولا قال في شيء فعلته: لم فعلته؟ ولا قال في شيء لم ~~أفعله: لم لم تفعله؟ فلما كانت السنة التي توفي رسول الله صلى ms08 الله عليه ~~جاءته أمي، فقالت: خادمك أنس تدعو الله له، فقال: " اللهم أطل عمره، وكثر ~~ولده وماله، واغفر له " . فقال أنس: قد دفنت من ولدي مائة إلا اثنين، أو ~~مائة واثنين، وغلتي تأتيني في السنة مرتين. وبلغ سنة مائة سنة وسنين بعد ~~ذلك لم يعده، وخلف من الولد عددا كالقبيلة الوافرة. قال أنس: وإني لأرجو ~~الله في الدعوة الرابعة. ولم يسأل صلى الله عليه الله عز وجل شيئا فمنعه. ~~ويروى أنه نظر إلى عصابة قادمة من الأعراب ولم يكن عنده في ذلك الوقت شيء ~~يقسمه بينهم، فتناوله بعضهم بما كرهه، فجاءوه فقالوا: يا رسول الله اقتصص ~~منا، فقال عليه السلام: " لا أفعل " . # وقال صلى الله عليه لوافد وفد عليه، فسأله عن شيء فكذبه: " أسألك ~~فتكذبني! لولا سخاء فيك ومقك الله عليه لشردت بك من وافد القوم " . # وقدم عليه علي بن أبي طالب رضوان الله عليه بأسراء، فأمر بقتلهم إلا ~~واحدا منهم، فقال علي: يا رسول الله، الرب واحد، والدين واحد، فما بال هذا ~~من بينهم؟ فقال: " إن جبريل أمرني عن الله تبارك وتعالى بترك هذا لسخاء فيه ~~شكره الله له " . # ولما دخل المدينة قال لبني سلمة: " من سيدكم؟ " قالوا: جد بن قيس، على ~~بخل فيه. فقال عليه السلام: " وأي داء أدوى من البخل؟ لا يسود البخيل، بل ~~سيدكم الأبيض الجعد عمرو بن الجموح " ويقال: " بشر بن البراء " . وجاء في ~~الحديث أن رجلا سأله عليه السلام أي الأعمال أفضل؟ قال: " حسن الخلق " . # وسئلت عائشة رحمة الله عليها عن خلق رسول الله صلى الله عليه فقالت: أو ~~ما تقرءون القرآن: " وإنك لعلى خلق عظيم " . # وقالت: كان رسول الله صلى الله عليه مع أصحابه فصنعت له طعاما، وصنعت له ~~حفصة طعاما، وسبقتني، فقلت لجاريتي: اذهبي فأكفئي قصعتها، فلحقتها وقد أهوت ~~أن تضعها بين يدي رسول الله صلى الله عليه فكفأتها؛ فانكسرت القصعة، وانتشر ~~الطعام، فجمعها رسول الله صلى الله عليه وما فيها من الطعام على نطع ~~فأكلوا، ثم بعثت قصعتي إلى حفصة فقلت: ms09 خذوا هذه ظرفا مكان ظرفكم فكلوا ما ~~فيها. قالت: فما رأيت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه. # وجاءه رجل فقال: يا رسول الله أوصني، فقال: " عليك بتقوى الله واليأس عما ~~في أيديهم، وإياك والطمع فإنه الفقر الحاضر، وإذا صليت فصل صلاة مودع وإياك ~~وما يعتذر فيه " . فقال: زدني، قال: " حسن الخلق وصلة الرحم يزيدان في ~~العمر " . وروى عنه أنه قال: " من أقال نادما يبيع أقال الله عثرته، ومن ~~سعى في حاجة أخيه كان الله معه " . وقال عليه السلام: " إن من الصدقة - أو ~~قال: من المعروف - لفضل لسانك تعبر به عن أخيك " . وقال عليه السلام: " لعن ~~الله المثلث " . قيل: وما المثلث؟ قال: " الذي يسعى بجاره إلى سلطانه، فقد ~~أهلك نفسه وجاره وسلطانه " . # وروى محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام قال: قال رسول الله عليه ~~السلام: " اهتبلوا عثرات الكرام " . يقول: اغتنموا أن يعثروا فتصفحوا عنهم. ~~وقال عليه السلام: " لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما " ~~. # وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنه قال: من أخذه الله بمعصيته في ~~الدنيا فالله أكرم من أن يعيدها عليه في الآخرة، ومن عفا عنه في الدنيا ~~فالله أكرم من أن يأخذه بها في الآخرة. فيقال إن هذا أحسن حديث روي في ~~الإسلام. PageV01P005 وروي أنه لما هم رسول الله صلى الله عليه بتزويج ~~فاطمة عليا رحمهما الله أمر بجمع المهاجرين والأنصار، ثم قال لعلي عليه ~~السلام: " تكلم خطيبا لنفسك " . فقال: الحمد الله حمدا يبلغه ويرتضيه، وصلى ~~الله على نبيه صلاة تزلفه وتحظيه، والنكاح مما أمر الله تعالى به، ~~واجتماعنا مما قدره الله وأذن فيه، وهذا محمد بن عبد الله رسول الله صلى ~~الله عليه زوجني ابنته فاطمة على خمسمائة درهم، وقد رضيت، فاسألوه واشهدوا. # ويروى أن أبا طالب خطب لتزويج رسول الله صلى الله عليه خديجة بنت خويلد ~~رحمها الله فقال: الحمد لله الذي جعلنا من زرع إبراهيم، ومن ذرية إسماعيل، ~~وجعل لنا بيتا محجوجا وحرما آمنا، وجعلنا الحكام ms10 على الناس في محلنا الذي ~~نحن فيه؛ ثم إن ابن أخي محمد بن عبد الله بن عبد المطلب لا يوزن برجل من ~~قريش إلا رجح به، ولا يقاس به شيء إلا عظم عنده، وإنه وإن كان في المال قل ~~فإن المال بعد رزق جار، وله في خديجة رغبة، ولها فيه تلك، والصداق ما ~~سألتموه عاجله وآجله من مالي، وله والله خطر عظيم، ونبأ شائع جسيم. # باب # نوادر من غريب ولغة # حدثني المازني قال حدثني الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: جاءت فقيم ~~تفايش بقبائلها، أي تفاخر، كما قال جرير: # ولا تفخروا إن الفياش بكم مزر # وحدثني الأصمعي قال: سيف قساسي: منسوب إلى معدن، وأنشدني لرجل يصف معولا: # أخضر من معدن ذي قساس ... كأنه في الحيد ذي الأضراس # يرمى به في البلد الدهاس # وأنشدني أبو عثمان: # لو عرضت لأيبلي قس ... أشعث في هيكله مندس # حن إليها كحنين الطس # جاء به على الأصل؛ وذلك أن أصله الطس، وإنما التاء بدل من السين، كما ~~قالوا: ستة؛ وأصله سدسة، وجمع السدس أسداس مبني عن أصله، والسدس مبني عن ~~ستة، والطست يجمع على طساس، ويصغر على طسيسة. # وأنشدني أبو عثمان المازني: # وما البتوت غير صوف بحت ... مصبوغة ألوانها بالزفت # فضم الزاي، كقولهم: الضعف والضعف، والفقر والفقر. # ويقال: قلوت الإبل إذا سقتها سوقا شديدا، ودلوتها إذا هونت عليها السير، ~~وأنشدني عن أبي زيد: # لا تقلواها وادلواها دلوا ... إن مع اليوم أخاه غدوا # وأخبرني الرياشي عن الأصمعي، يقال: حبض السهم إذا قصر عن الهدف ثم سقط، ~~وأنشد: # والنبل تهوي خطأ أو حبضا # وقال أبو زيد: حبض السهم إذا خرج عن الوتر فوقع بين يدي الرامي، والناقر: ~~السهم الذي يصيب الهدف ثم يسقط، والعاصد: المائل عن الهدف، والحابض: الذي ~~يقع قدام الرامي، والقاصر: الذي يقصر عن الهدف، والزالج: الذي يصيب الأرض ~~ثم يرتفع فيصيب الهدف، والمعظعظ: الذي يمر ملتويا غير مستقيم؛ وأنشدني ~~التوزي لعنترة: # وعظعظ ما أعد من السهام # ويقال: فوق له بسهم، وأفوق له بسهم إذا وضعه في ms11 الوتر. قال المازني: قال ~~أبو زيد: أصابه سهم غرب وسهم غرب؛ والغرب: الذي يأتيك من حيث لا تدري، فأما ~~سهم غرب فإذا رمي غيره فأصابه، والغرب: الذي يرمي غيره فأصابه هو. # يقال: خبرت الطعام إذا خلطته بدسم، وسمرته إذا أعريته من ذاك. قال رجل من ~~الأعراب لامرأته: عليك بهذا الطعام فاخبريه ولا تسمريه. والخبرة: الدسم، ~~والسمار: اللبن الرقيق، يقول: اجعلي فيه دسما ولا تجعلي فيه سمارا. والخبرة ~~أيضا: النصيب من الجزور وأنشد: # إذا ما جعلت العنز للقوم خبرة ... فشأنك إني عامد لشؤوني # أي إذا ما فرغت من طعام الضيف فافعلي ما شئت. # ويقال: الجاثي على ركبتيه، والجاذي على ركبتيه ورجليه قائما، وأنشد: # لقد طالما جربتني فوجدتني ... على مركب السوء المذلة جاذيا # وحدثني المازني عن أبي زيد قال: تقول العرب - وقد جرب ذلك فوجد - :الضب ~~لا يزيد على الإجذاع، والظبي لا يزيد على الإثناء. وتقول العرب: لا آتيك سن ~~الحسل جذعانا، وسن الظبي ثنيانا. PageV01P006 وقال: من كلامهم: " أحيا من ~~ضب " . وذكروا أنه يعيش ثلاثمائة سنة. ويقال: الضب أطول الدواب ذماء إذا ~~ذبح وأبقاه، يعنون أنه لا يموت سريعا. والذماء: النفس. ويقال: " أعق من ضب ~~" ، وزعموا أنه كان يأكل أولاده. # ويقال: هذا بحر لا يغطغط، ولا ينكش، ولا ينكف، ولا يفتح ولا يدرك غوره. # والغرب: كثرة الماء؛ يقال: غرب البحر إذا تدفق ماؤه. ويقال: غربت معدته ~~ورمضت وذربت إذا فسدت من امتلائها. # وكان يقال - وهو الجاري في كلامهم - : الأسودان: التمر والماء، ~~والأحمران: اللحم والنبيذ. وقالوا أيضا: الأحامرة: اللحم والنبيذ ~~والزعفران؛ وقال الأعشى: # إن الأحامرة الثلاثة أذهبت ... مالي وكنت بها قديما مولعا # الراح واللحم السمين وأطلي ... بالزعفران وقد أروح مولعا # ولقد شربت ثمانيا وثمانيا ... وثمان عشرة واثنتين وأربعا # والأبيضان: الشحم واللبن. وقيل: اللبن والماء. والأصرمان: الذئب والغراب. ~~والأهيمان: الجمل الهائج والسيل؛ وهما الأيهمان أيضا. والأيهم: الرجل الذي ~~لا عقل له ولا فهم، وهو الحجر الأسود الذي لا أثر فيه أيضا. والأيهم: الذي ~~لا علم به. واليهماء: الفلاة الملساء، وهي القرواح. وذهب منه الأطيبان: ms12 ~~الطعام والنكاح. ووقع في الأهيغين: أي في الأكل والنكاح. والأصفران: الورس ~~والزعفران. والحجران: الذهب والفضة، وهما الحبيبان. والفتيان: الليل ~~والنهار، وهما الملوان، والأجدان، والجديدان. والعصران: الغداة والعشي، ~~وهما القرتان والبردان والأبردان. والغاران: الفرج والفم، وكذلك الطرفان. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " إنه من حفظ طرفيه فله الجنة " . وذهب منه ~~الأبيضان: شبابه وشحمه. وجاء في الحديث: " لا صلاة لمدافع الأخبثين " ، ~~وهما البول والغائط. # وكانت أم الهيثم من أفصح من رأيت، وسمعتها تقول من كلامنا: لا ترضى ~~الشانئة إلا بجرزة. والشانئة: المبغضة، وهي التي لا ترضى ممن أبغضته إلا ~~باستئصال؛ ومنه قيل: سيف جراز للذي يقطع كل ما يمر به. ورجل جروز: إذا قعد ~~على الزاد فأفناه، وأنشدتني: # كانت عجوزا خبة جروزا ... تأكل في مقعدها قفيزا # تشرب حبا وتبول كوزا ... لا تنكحن بعدها عجوزا # ومنه الأرض الجروز التي تأكل نبتها فلا تدفع منه شيئا. # وسمعتها تقول: جاء فلان يضرب أصدريه وأزدريه وأسدريه، وينفض مذرويه، أي ~~هو فارغ، قال عنترة: # أحولي تنفض آستك مذرويها ... لتقتلني فهأنذا عمارا # باب # من الشعر # أنشدني المازني لعبد الله بن الدمينة الخثعمي: # ولما لحقنا بالحمول ودونها ... خميص الحشا توهي القميص عواتقه # قليل قذى العينين نعلم أنه ... هو الموت إن لم تلق عنا بوائقه # عرضنا فسلمنا فسلم كارها ... علينا وتبريح من الغيظ خانقه # فسايرته مقدار ميل وليتني ... بكرهي له ما دام حيا أرافقه # فلما رأت أن لا وصال وأنه ... مدى الصرم مضروب علينا سرداقه # رمتني بطرف لو كميا رمت به ... لبل نجيعا نحره وبنائقه # ولمع بعينيها كأن وميضه ... وميض الحيا تهدى لنجد شقائقه # وقال توبة بن الحمير في كلمة له: # لكل لقاء نلتقيه بشاشة ... وإن كان حولا كل يوم أزورها # وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... فقد رابني منها الغداة سفورها # وقد رابني منها صدود رأيته ... وإعراضها عن حاجتي وبسورها # ألا إن ليلى قد أجد بكورها ... وزمت غداة السبت للبين عيرها # فما أم سوداء المحاجر مطفل ... بأحسن منها مقلتين تديرها # وكنت إذا ما جئت قلت لها اسلمي ... فهل ms13 تر في قولي " اسلمي " ما يضيرها! # قوله: وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت؛ كان النساء إذا أنكحن أبرزن وجوههن ~~ليعلمن أن لا سبيل إليهن؛ وكذلك قال: # وقد رابني منها الغداة سفورها # وقال في هذه القصيدة: # وأشرف بالقور اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها # حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر العذاب مطيرها PageV01P007 ~~أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء دان بريرها # وقال آخر: # تعرضن مرمى الصيد ثم رمينني ... من النبل لا بالطائشات الخوالف # ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجبا للقاتلات الضعائف! # وللعين ملهى في التلاد ولم يقد ... هوى النفس شيء كاقتياد الطرائف # وقال آخر: # أروح ولم أحدث لليلى زيارة ... لبئس إذا راعي المودة والوصل # تراب لأهلي لا ولا نعمة لهم ... لشد إذا ما قد تعبدني أهلي # وقال الشمردل اليربوعي: # وما أنصفت ذلفاء أما دنوها ... فهجر وأما نأيها فيشوق # تباعد ممن واصلت وكأنها ... لآخر ممن لا تود صديق # يقول: لتنفي الريبة عن نفسها. # وقال آخر: # وأعرض حتى يحسب الناس أنما ... بي الهجر، لا ها الله! ما بي لك الهجر # ولكن أروض النفس أنظر هل لها ... إذا فقدت يوما أحبتها صبر # وقال آخر: # فإن كان هذا منك حقا فإنني ... أداوي الذي بيني وبينك بالهجر # ومنصرف عنك انصراف ابن حرة ... طوى وده والطي أبقى من النشر # وقال أعرابي فصيح: # أيا ربوة الربعين حييت ربوة ... على النأي منا واستهل بك الرعد # قضيت الغواني غير أن مودة ... لذلفاء ما قضيت آخرها بعد # فإن تدعي نجدا أدعه ومن به ... وإن تسكني نجدا فيا حبذا نجد # فرى نائبات الدهر بيني وبينها ... وصرف الليالي مثلما فرى البرد # إذا قيل يوم الوعد أدنى لقائنا ... فلا تعذليني أن أقول متى الوعد؟ # ولكثير: # وأنت التي حببت شغبا إلى بدا ... إلي وأوطاني بلاد سواهما # حللت بهذا مرة ثم مرة ... بهذا فطاب الواديان كلاهما # وأنشدني الرياشي لذي الرمة: # إذا ما امرؤ حاولن أن يقتتلنه ... بلا إحنة بين الصدور ولا ذحل # تبسمن عن نور الأقاحي في الثرى ... وفترن ms14 عن أبصار مكحولة نجل # وشففن عن أجياد غزلان رملة ... هجان فكان القتل أو شبه القتل # وإنا لنرضى حين نشكو بخلوة ... إليهن حاجات النفوس بلا بذل # وما الفقر أزرى عندهن بوصلنا ... ولكن جرت أخلاقهن على البخل # وأنشدني الرياشي لذي الرمة: # لعمري لوجه الأرض إذ أنتم به ... أشد اغتباطا بالأنيس وأخصب # من الأرض إذ فارقتموها وبدلت ... بكم غير من أهوى وللماء أعذب # وفي الركب جثماني ونفسي رهينة ... بزينب لم أذهب بها حيث أذهب # وأنشدني مسعود بن بشر بمعروف بن زريق: # ولست بناسيها عشية فتلت ... أناملها وارفض منها المدامع # وأترابها اللاتي يقلن اقتتلنه ... فما لنواه بعد ذا اليوم جامع # فقلت اقتلا اقتلا رفيقا وأجملا ... فعال امرئ يوما به الموت واقع # فقالت وبيت الله لا تقتلانه ... ولكن سلاه لي متى هو راجع # وقال الصمة بن عبد الله القشيري: # ألا من لقلب قد أصيبت مقاتله ... به غلة عادية ما تزايله # ومعتصب بالبين لم تستطع له ... كلاما ولم تصرم لبين حبائله # وقال آخر: # لو ان لك الدنيا وما عدلت بها ... سواها وليلى بائن عنك بينها # لكنت إلى ليلى فقيرا ولو جرت ... عليك تناعيم الحياة ولينها # وقال آخر: # لعلك يوما أن ترى أم واهب ... ويجمعنا من نخلتين طريقي # وتنضم أعناق المطي وبيننا ... لغى من حديث دون كل رفيق # وقال كثير: # رأيت وعيني قربتني لما ترى ... إليها وبعض العاشقين قتول # عيونا جلاها الكحل أما ضميرها ... فعف، وأما طرفها فجهول # فسلك العباس بن الأحنف هذا المعنى في شعره: # أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر # لا يضمر السوء إن طال الجلوس به ... عف اللسان ولكن فاسق النظر # وقال كثير: # رمتني على قرب بثينة بعدما ... تولى شبابي وارجحن شبابها PageV01P008 ~~بعينين لو أبدتهما ثم كلمت ... سحاب الثرى لاستهل سحابها # وأنشدني التوزي عن الأصمعي: # من ذا رسول ناصح فمبلغ ... عني علية غير قيل الكاذب # أني غرضت إلى تناصف وجهها ... غرض المحب إلى الحبيب الغائب # قال الأصمعي: سألت عيسى بن عمر عن التناصف فقال: هو أن تكون العينان مثل ~~الأنف في الحسن. ms15 قال ويقال: غرضت إلى لقائك وجعت وعطشت، وإني إليك لأصور، ~~وإلى إليك لملتاح، وإني لأجاد إلى لقائك. وقال: # وإني لأمضي الهم عنها تجملا ... وقلبي إلى أسماء عطشان جائع # وقال الأقرع بن معاذ: # سلام على من لا يمل حديثه ... وإن عاشرته النفس عصرا إلى عصر # وما الشمس يوم الدجن وافت فأشرقت ... وما البدر وافى تمه ليلة البدر # بأحسن منها بل تزيد ملاحة ... بذي السرح أو وادي المياه خيامها # إذا ابتسمت في الليل والليل مظلم ... أضاء دجى الليل البهيم ابتسامها # باب # نذكره في الجود والكرم # يروى من غير وجه: سمعنا أن عبيد الله بن العباس بن عبد المطلب كان يقال ~~له عبيد الله الجواد. حدثني علي بن القاسم الهاشمي قال: كانت سمات أربعة من ~~ولد العباس: عبد الله الحبر، وعبيد الله الجواد، ومعبد الشهيد، وقثم ~~الشبيه؛ وتأويل ذلك أن قثم بن العباس كان كثير المشابهة برسول الله صلى ~~الله عليه، وكان العباس يرقصه ويقول: # أبا قثم أيا قثم ... أيا شبيه ذي الكرم # شبيه ذي الأنف الأشم # صلى الله عليه. وحدثني المازني قال: قدم قوم على معاوية بالشام فقال: من ~~أفقه من خلفت بالمدينة؟ فقال: عبد الله بن العباس. قال: فأسخاهم؟ قال: عبيد ~~الله. قال: فأعبدهم؟ قال: معبد. ويروى أنه قيل لعبيد الله بن العباس: صف ~~لنا أنفسكم وبني أمية، قال: نحن أفصح وأسمح وأصبح، وبنو أمية أمكر وأنكر ~~وأغدر. وفي خبر آخر: نحن أمجد وأجود وأنجد. # ويروى أن مولى لبني أمية قال لمولى لبني هاشم: موالي أجود من مواليك، ~~فقال الهاشمي: بل موالي والله، فهلم فسل عشرة من مواليك وأنتم السلطان، ~~واسأل عشرة من موالي، فتحالفا وتعاقدا على ذلك، فانطلق الأموي فسأل عشرة من ~~مواليه، فأعطاه كل واحد عشرة آلاف، وانطلق الهاشمي إلى عبيد الله بن العباس ~~فسأله فأعطاه مائة ألف، وأتى الحسن بن علي فسأله فقال: سألت أحدا قبلي؟ ~~قال: نعم، عبيد الله بن العباس. فقال: لو بي بدأت لكفيتك أن تسأل غيري. ~~وأعطاه ثلاثين ومائة وألف. ثم أتى الحسين بن ms16 علي عليهما السلام. فسأله، ~~فقال: هل سألت أحدا قبلي؟ قال: نعم، أخاك الحسن فأعطاني ثلاثين ومائة ألف، ~~فقال الحسين: لا أتجاوز ما فعل سيدي، وأعطاه مثلها. قال: فانطلق الهاشمي من ~~ثلاثة بثلثمائة ألف وستين، وأتى الأموي من عشرة بعشرة آلاف، فانصرف مغلوبا ~~فردها على من أعطاه فقبلها، ورجع الهاشمي ليرد ما أخذه على من أعطاه، فكلهم ~~قالوا بعد أن أبوه قبولها: اذهب فألقها حيث شئت. # ويروى أن عبيد الله بن العباس خرج يريد معاوية ذات يوم فأصابه سماء، ونظر ~~إلى نويرة عن يمينه، فقال لغلامه: مل بنا إليه، فلما انتهى إذا رجل شيخ، ~~وإذا هيئة رثة ونعم مهازيل، فقال له الشيخ: انزل فنزل، ودخل الشيخ على ~~امرأته فقال: هبي لي عنزك حتى أقضي بها ذمام هذا الرجل، فقد توسمت فيه ~~الخير، فإن يكن من مضر فهو من بني عبد المطلب، وإن يكن من اليمن فهو من بني ~~آكل المرار. قالت: وقد عرفت حال صبيتي هاتين وأن معيشتهما منهما وهما ~~توءمتان، وأنا أتخوف عليهما الموت، قال: موتهما خير من اللؤم، فقبض على رجل ~~الشاة فاجترها إلى المذبح، وأخذ الشفرة بيمينه ثم قال: # قرينتي لا توقظي ابنتيه ... إن توقظا تنتحبا عليه # وتنزعا الشفرة من يديه ... أبغض بهذا وبذا لديه PageV01P009 ثم شحطها ~~وكشف عن جلدها، وقطعها أرباعا فقذفها في القدر، وصب عليها ماء وحفن عليها ~~من الملح، وجعل يحش تحتها حتى بلغت إناها، ثم ثرد في جفنة فعشاهم، ثم ~~غداهم، فأقام عنده يومين وليلتين، ثم أراد الرحيل فقال لغلامه: ارم إلى ~~الشيخ بما أخرجت من النفقة، فقال: سبحان الله! إنما ذبح لك شاة فكافئه ~~بمثلها خمس مرات، وهو بعد لا يعرفك. فقال: ويحك! إن هذا لم يملك من الدنيا ~~غير هذه الشاة فجاد بها؛ وإن يكن لا يعرفني فأنا أعرف نفسي، ارم بها إليه، ~~فقال: إنها أكثر من ذلك، قال: وإن كثرت. فرمى بها إليه - وكانت خمسمائة ~~دينار - ثم ارتحل فأتى معاوية فقضى حاجته وأكرمه، وأقبل راجعا إلى المدينة ~~حتى قرب من الشيخ، ms17 فقال لغلامه: يا مقسم، مل بنا ننظر إليه كيف حاله، فإذا ~~فناء رجل سري، وإذا نار ورماد ودخان عال وإبل كثيرة وغنم، ففرح بذلك، فقال ~~له: أتعرفني؟ قال: لا والله فمن أنت؟ قال: أنا أبو منزلك ليلة كذا، قال: ~~وإنك لهو! فجعل يقبل رأسه ثم قال: جعلني الله فداءك! قد قلت أبياتا فاسمعها ~~مني، فقال: # توسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت المرء من آل هاشم # وإلا فمن آل المرار فإنهم ... ملوك عظام من ملوك أعاظم # فقمت إلى عنز بقية أعنز ... فأذبحها فعل امرئ غير نادم # فعوضني منها غناي ولم تكن ... تساوي قليلا من قليل الدراهم # فقلت لعرسي في الخلاء وصبيتي ... أحقا أرى أم تلك أحلام نائم # فقالوا جميعا: لا بل الحق هذه ... تخب به الركبان وسط المواسم # بخمس مئين من دنانير عوضت ... من العنز ما جادت به كف حاتم # فضحك عبيد الله وقال: لما أعطيتنا أكثر مما أخذت، يا غلام أعطه مثلها. ~~فبلغت فعلته معاوية فقال: لله در عبيد الله! من أي بيضة خرج؟ وفي أي عش ~~درج؟ هذه لعمري من فعلاته. # ويروى من غير أن وجه: أن عبد الله بن جعفر - وكان من الأجواد المتقدمين - ~~خرج يريد الشأم، فألجأه المطر إلى أبيات، فإذا قبة حمراء بفنائها رجل ~~ينادي: الذرى الذرى! فأنخنا وحط عن رواحلنا، ثم أتى بجزور فنحرها، فبتنا في ~~شواء وقدير، وتحدث معنا هنيهة من الليل، ثم انصرف وأتى بجزور فنحرها، فقلنا ~~له: يرحمك الله! ما تريد بهذا وقد فضل ما فيه كفاية؟ فقال: كلوا رحمكم ~~الله! فإنا لا نطعم الضيف غابا. قال عبد الله: فدعوت بثوب وجعلت فيه ~~زعفرانا وصررت في كل طرف منه مائتي دينار، ثم بعثت به إلى أهله فقالوا: إنا ~~لا نقدر على أخذه إلا بإذنه، وسألته أن يقبله فأبى، فلما ارتحلنا وودعته ~~أمرت بالثوب، فألقي بين البيوت، قال: فإنا لنسير إذ لحقنا على فرس مشرعا ~~رمحه، قد احمرت عيناه فصاح بنا: أغنوا عني هذه، ونبذه إلينا وولى وهو يقول: # وإذا أخذت ثواب ما ms18 أعطيته ... فكفى بذاك لنائل تكديرا # وهذا يشبه ما حدثني به الرياشي من أن سليمان بن عبد الملك لما حج ونزل ~~الطائف هاربا من ومد مكة، قال له رجل من ثقيف: انزل علي، فقال: إنك لن ~~تطيقني، فقال: إني لأطيقك. فنزل عنده أياما، ثم ارتحل، فأمره بالخروج معه، ~~فقالت له امرأته: اخرج معه إلى مستقره، فقال: أعمل معه ماذا؟ أقول له أعطني ~~ثمن ما أكلته عندي! لا والله لا أفعل أبدا ويروى أن الحسن والحسين عليهما ~~السلام لاما عبد الله بن جعفر في إسهابه في إعطاء المال - وكانا من الجود ~~ما لا نهاية له - فقال: بأبي وأمي أنتما! إن الله عز وجل عودني أن يمدني ~~بماله، وعودته أن أفضل على خلقه، فأكره أن أقطع العادة فتنقطع عني المادة؛ ~~وهذا يشبه ما يروى عن رسول الله صلى الله عليه أنه قال: " الخلق عيال الله، ~~فأحبهم إليه أنفعهم لعياله " . # وفي عبد الله بن جعفر يقول القائل: # وما كنت إلا كالأغر ابن جعفر ... رأى المال لا يبقى فأبقى به حمدا # ويروى أن نصيبا امتدحه فأعطاه خيلا وإبلا ودنانير ودراهم وثيابا، فقال ~~أحد من حضر: أمثل هذا الأسود يعطى هذا المال؟ فقال: أما إنه لئن كان أسود ~~إن شعره لأبيض، وإن مدحه لعربي، ولقد استحق بما قال أكثر مما نال، وما الذي ~~أعطيناه؟ إنما أعطيناه مالا يفنى، وثيابا تبلى، ومطايا تنضى وأعطانا ثناء ~~يبقى، ومديحا يروى. PageV01P010 وهذا يشبه ما يروى عن معاوية أنه قال لرجل ~~من ولد قيس بن معد يكرب: ما أعطى أبوك الأعشى حين مدحه؟ فقال: ثيابا وإبلا ~~وأشياء أنسيتها، قال: لكنه أعطاه ما لا ينسى. # ويروى أن عبد الله بن الحسن قدم على أمير المؤمنين أبي العباس فسلم عليه ~~والمال في ذلك الوقت قليل - فلما انصرف بعث إليه بثلاثين ألف درهم وقال له: ~~أعلمت أن مثلي وهب لمثلك مثلها؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قدم عبد الله ~~بن جعفر على يزيد بن معاوية فسلم عليه. فلما انصرف وجه إليه بمائة ألف درهم ms19 ~~وقال للرسول: احفظ ما يقول، فرجع إليه فقال: قال: اقرأ عليه السلام. قال ~~يزيد: لم يرض ابن جعفر! اذهب إليه بمثلها، ففعل، فقال: قل له: وصلتك رحم. ~~قال أبو العباس: فاسق وهب لمسرف. # وحدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كان ابن هبيرة وهو أمير العراق يقسم ~~المال بين أصحابه ويقول: # لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة ... فليس ينقصها التبذير والسرف # فإن تولت فأحرى أن تجود بها ... فالشكر منها إذا ما أدبرت خلف # ومثل ذلك قول يحيى بن خالد البرمكي لبنيه: يا بني، إذا أقبلت الدنيا ~~عليكم فأعطوا منها فإنها لا تفنى، وإذا أدبرت عنكم فأعطوا منها فإنها لا ~~تبقى. وكان بعضهم يعطي العطايا السابقة ويفرق التفرقة الواسعة، وينشد: # أنت للمال إذا أمسكته ... فإذا أنفقته فالمال لك # ونظر الأحنف إلى درهم في يد رجل يقلبه، فقال: أما إنه ليس لك حتى يخرج عن ~~يديك. # ويروى عن يحيى بن خالد أنه كان يقول: لا يحسن بالملك أن تكون جائزته أقل ~~من ألف ألف، وجائزة وزيره أقل من خمسمائة ألف. وكان يعطي ويعتذر كما قال ~~يزيد المهلبي: # كم صغروا منهم والله يكلؤهم ... نعماء ما صغرت إلا لأن عظموا # ويروى أن المأمون قال لمحمد بن عباد المهلبي - وكان من أجود الناس: بلغني ~~يا محمد أنك تصب المال صبا، قال: يا أمير المؤمنين، حبس الموجود سوء الظن ~~بالمعبود. وكان رسول الله صلى الله عليه يقول: " الله يقول: ابن آدم يقول: ~~مالي مالي؛ مالك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو أعطيت ~~فأمضيت " . وقال عليه السلام: " خصلتان ليس فوقهما من الخير شيء: الإيمان ~~بالله عز وجل والنفع لعباده " . وقال عليه السلام: " من عظمت نعمة الله ~~عنده عظمت مؤونة الناس عليه، فمن لم يحتمل تلك المؤونة عرض تلك النعمة ~~للزوال " . وقال عبد الله بن العباس: ما رأيت رجلا لي عنده معروف إلا أضاء ~~ما بيني وبينه، وما رأيت رجلا أسأت إليه إلا أظلم ما بيني وبينه. ويروى عن ~~عيسى عليه السلام أنه قال: استكثروا من شيء ms20 لا تأكله النار، قيل: وما هو؟ ~~قال: المعروف. وكان ابن السماك يقول: العجب ممن يشتري المماليك بماله ولا ~~يشتري الأحرار بمعروفه. # وأنشد منشد عبد الله بن جعفر: # إن الصنيعة لا تكون صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع # فإذا صنعت صنيعة فاعمل بها ... لله أو لذوي القرابة أو دع # فقال: هذان البيتان يبخلان الناس، أمطر المعروف مطرا فإن أصاب الكرام ~~كانوا له أهلا، وإن أصاب اللئام كنت أهلا لما صنعت. وقال معن بن زائدة: ما ~~أتاني رجل في حاجة فرددته عنها إلا رأيت الغنى في قفاه. ويروى أن حكيم بن ~~حزام قال: ما أصبحت ذا صباح قط فرأيت ببابي طالب حاجة، أو مستعينا بي على ~~أمر قد ضاق به ذرعا إلا كان ذلك من النعم التي أحمد الله عليها، وإن أصبحت ~~ذا صباح ولم أر ذلك كان من المصائب التي أسأل الله الأجر عليها. وقيل لأبي ~~عبد الله جعفر بن محمد عليه السلام: لم حرم الله الربا؟ قال: لئلا يتمانع ~~الناس المعروف. وقال جعفر لسفيان الثوري: احفظ عني ثلاثا؛ إذا صنعت معروفا ~~فعجله فإن تعجيله تهنئته، وإذا فعلته وهو كبير فصغره فإن تصغيرك إياه أعظم ~~له، وإذا فعلته فاستره فإذا ظهر من غيرك كان أكبر لقدره، وأحسن في الناس. # وحدثني مسعود بن بشر قال: PageV01P011 كان الحجاج على عتوه وإسرافه على ~~نفسه جودا، وكان إذا ضحك واستغرب أتبع ذلك الاستغفار مرات. وكان يصعد ~~المنبر ملتفعا بمطرفه فما يسمع من كلامه إذا ابتدأ في الخطبة، ثم يتزيد حتى ~~يخرج يده عن مطرفه، ثم يصيح الصيحة يسمع بها أقصى من في المسجد، وكان يطعم ~~على ألف خوان جنبا مشويا وسمكة طرية وثريدة، وكان له ساقيان أحدهما يسقي ~~العسل والآخر يسقي الماء واللبن. وكان يطاف به في محفة يدور على الموائد ~~ويقول: يا أهل الشام مزقوا الخبز فإنه لا يعد عليكم، وكان يجلس على كل ~~مائدة عشرة رجال وذلك في كل يوم، وكان يقول: أرى الناس يتخلفون عن طعامي في ~~كل يوم! فقال له بعض ms21 من حضر: كأنهم يكرهون الحضور قبل أن يدعوا، قال: قد ~~جعلت رسولي إليهم في كل يوم الشمس إذا طلعت، فليحضروا. # وحدثني المازني قال: بلغني عن دهقان نهر تيرى، وكان الناس لا يرون نارا ~~ولا دخانا إلا في مطبخه لقيامه بشأنهم وتفقده لأحوالهم، فرأى يوما دخانا ~~فاستنكر ذلك، فمضى غلمانه يتحسسون فإذا امرأة وجدت وجعا في حلقها واتخذت ~~حسوا تحسوه، فأخبروه بذلك، فأمر أن يتخذ في مطبخه كل يوم كر من دقيق حسوا. # قال أبو العباس قد ذكرنا من هذا الباب بعض ما استحسناه ونمى إلينا، ونحن ~~نذكر بعقبه أشعارا تشاكل هذا الباب وتدخل في هذا النوع، وبالله الحول ~~والقوة. # باب من الشعر: # أنشدني أبو عثمان المازني: # وإنا لمشاءون بين رحالنا ... إلى الضيف منا لاحف ومنيم # فذو الحلم منا جاهل من ورائه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم # وقال آخر يصف ضيفا: # عوى في سواد الليل بعد اعتسافه ... لينبح كلب أو ليفزع نوم # فجاوبه مستسمع الصوت للقرى ... له مع إتيان المهيبين مطعم # يكاد إذا ما أبصر الضيف مقبلا ... يكلمه من حبه وهو أعجم # وقال أعرابي: # وعاو عوى شبه الجنون وما به ... جنون ولكن كيد أمر يحاوله # فأوقدت ناري فاستضاء بضوئها ... وأخرجت كلبي وهو في السجن داخله # فلما رآها كبر الله وحده ... وبشر قلبا كان جما بلابله # فلما أتاها قلت أهلا ومرحبا ... تقدم ولم أقعد إليه أسائله # فقمت إلى البرك الهجان أعودها ... بضربة حق لازم أنا فاعله # فجالت قليلا واتقتني بخيرها ... سناما، وأدناها من الشحم كاهله # فأطعمته من لحمها وسنامها ... شواء، وخير الخير ما كان عاجله # طعامين لا أسطيع بخلا عليهما ... جنى النحل والمغصوب تغلي مراجله # وقال آخر يصف ضيفا: # ومستنبح قال الصدى مثل قوله ... حضأت له نارا لها حطب جزل # وقمت إليه مسرعا فغنمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل # فأوسعني حمدا وأوسعته قرى ... وأرخص بحمد كان كاسبه الأكل # وقال أبو كدراء العجلي: # يا أم كدراء مهلا لا تلوميني ... إني كريم وإن اللوم يؤذيني # فإن بخلت فإن البخل مشترك ... وإن أجد ms22 أعط عفوا غير ممنون # ليست بباكية إبلي إذا فقدت ... صوتي ولا وارثي في الحي يبكيني # بنى البناة لنا مجدا ومكرمة ... لا كالبناء من الآجر والطين # وقال عتبة بن بجير: # سأقدح من قدري نصيبا لجارتي ... وإن كان ما فيها كفافا على أهلي # إذا أنت لم تشرك صديقك في الذي ... يكون قليلا لم تشاركه في الفضل # وعلى ذلك قول الآخر: # ليس جود الأقوام عن فضل مال ... إنما الجود للمقل المواسي # وكذلك قول العتبي: # ليس العطاء من الكثير سماحة ... حتى تجود وما لديك قليل # ومثل قول عتبة في شعره ووصفه سعة قدره وإيثاره جاره على أهله قول بعض ~~الأعراب: # وقدر إذا ما أنفض الناس أوفضت ... بأزفارها تومي إليها الأرامل # الزفر: الحمل، يقول: إذا قل مال الناس لم يبخل بما كان يقيمه للأضياف ~~المحتاجين إليه. وأوفضت أو وسعت، ويقال أسرعت. PageV01P012 وحدثني المازني ~~عن أبي زيد قال: وصفت امرأة من سعد امرأة فقالت: إنها للياء العنق، ممذاق ~~السقاء، منهاء القدر. # لياء العنق: كثيرة الالتفات إلى الأضياف. ممذاق السقاء؛ يقول: إذا قل ~~لبنها مذقته بالماء ليتسع على أضيافها، كما قال الشاعر: # نمدهم بالماء لا لهوانهم ... ولكن إذا ما قل شيء يوسع # ومنهاء القدر: أي تعجل إنزالها إلى أضيافها، ونظن أن قولها: منهاء القدر، ~~من نهئ اللحم إذا كان نيئا. # وقال خالد بن عبد الله الطائي، ويقال لحاتم الطائي: # وعاذلة قامت علي تلومني ... كأني إذا أعطيت مالي أضيمها # أعاذل إن الجود ليس بمهلكي ... ولا يخلد النفس الشحيحة لؤمها # وتذكر أخلاق الفتى وعظامه ... مغيبة في اللحد بال رميمها # ومن يبتدع خيما سوى خيم نفسه ... يدعه ويغلبه على النفس خيمها # وأنشد أبو زيد في قصيدة لحاتم أولها: # ألا أرقت عيني فبت أديرها # وإنا نهين المال من غير ضنة ... ولا يشتكينا في السنين ضريرها # إذا ما بخيل الناس هرت كلابه ... وشق على الضيف الغريب عقورها # فإني جبان الكلب بيتي موطأ ... جواد إذا ما النفس شح ضميرها # وإن كلابي قد أقرت وعودت ... قليل على من يعتريها هريرها # وأبرز قدري بالفناء قليلها ms23 ... يرى غير ممنون به وكثيرها # وليس على ناري حجاب يكنها ... لمقتبس ليلا ولكن أثيرها # فلا وأبيك ما يظل ابن جارتي ... يطوف حوالي قدرنا ما يطورها # وما تشتكيني جارتي غير أنني ... إذا غاب عنها بعلها لا أزورها # سيبلغها خيري ويرجع بعلها ... إليها ولم تسدل علي ستورها # وقال حاتم أيضا: # وإني لأستحيي حياء يشفني ... إذا القوم أمسوا مرملي الزاد جوعا # وإني لأستحيي أكيلي أن يرى ... مكان يدي من جانب الزاد أقرعا # أكف يدي من أن تنال أكفهم ... إذا نحن أهوينا لمطعمنا معا # أبيت خميص البطن مضطمر الحشى ... حياء أخاف اللوم أن أتضلعا # فإنك إن أعطيت بطنك سؤله ... وفرجك نالا منتهى الذم أجمعا # وحكى أبو عبيدة وغيره - والخبر مشهور، في ألفاظه اختلاف: أن حاتما الطائي ~~لما أقام في عنزة بأن قد فدى أسيرا لهم بنفسه، غاب الرجال مرة وبقي هو ~~والنساء، نيط لبعير لهم. فقلن له: قم فافصد هذه الناقة، وأخذ الشفرة ~~فنحرها، فلطمته امرأة منهن وسبته، فقال: لو غير ذات سوار لطمني، أي لو ~~لطمني رجل! فقلن: أمرناك بأن تفصد فنحرتها! فقال: هكذا فصدي أنه. # وحدثني المازني قال: سمعت العرب تقول: لو غير ذات سوار لطمني. ويقول ~~النحويون: لطمتني. فأخذت غير قول النحويين وتركت قول العرب. # وقال مالك بن أسماء: # قالت طريفة ما تبقي دراهمنا ... وما بنا سرف فيها ولا خرق # إنا إذا كثرت يوما دراهمنا ... ظلت إلى سبل المعروف تستبق # لا يألف الدرهم المنقوش صرتنا ... إلا لماما قليلا ثم ينطلق # حتى يصير إلى نذل يخلده ... يكاد من صره إياه يمزق # وقال أعرابي: ما أبالي أصررت على حجر أم صررت على دنانير إذا كنت لا ~~أنفقها. # وحدثني ابن عائشة عن بعض أشياخه قال: قال الأحنف بن قيس: بئس الرفيقان ~~الدراهم والدنانير فإنهما لا ينفعانك حتى يفارقاك. وأنشدني ابن عائشة: # عودت نفسي إذا ما الضيف نبهني ... عقر العشار على يسري وإعساري # وأترك الشيء أهواه ويعجبني ... أخشى عواقب ما فيه من العار # وقال بعض المتقدمين: # تغط بأثواب السخاء فإنني ... أرى كل عيب فالسخاء غطاؤه ms24 # وقارب إذا قاربت حرا فإنما ... يزين ويزري بالفتى قرناؤه # وأقلل إذا ما قلت قولا فإنه ... إذا قل قول المرء قل خطاؤه # إذا قل ماء الوجه قل حياؤه ... ولا خير في وجه إذا قل ماؤه # إذا قل مال المرء قل صديقه ... وضاقت عليه أرضه وسماؤه # إذا قل مال المرء لم يرض عقله ... بنوه ولم يغضب له أقرباؤه PageV01P013 ~~وأصبح لا يدري وإن كان حازما ... أقدامه خير له أم وراؤه # إذا المرء لم يختر صديقا لنفسه ... فناد به في الناس هذا جزاؤه # وقد أفضينا من هذا الباب إلى بعض ما قصدنا له مما يجانمس الباب المتقادم، ~~ونبتدئ بباب من معاني الشعر المستحسنة، وبالله الحول والقوة. # باب # أنشد منشد في صفة درع: # وكل ذيالة قضاء تحسبها ... نهيا بقاع علته الريح مشمول # تنفي السرى وجياد النبل تتركها ... من بين معتسف كسرا ومفلول # يقول: هذه الدرع سابغة الذيل، شبهها بغدير أصابته الشمال فاطرد ماؤه ~~وتجعد. والنهي، بالفتح: الغدير. ويقال: نهي بالكسر أيضا. وزعم الأصمعي أنه ~~سمي نهيا لأنه ينهى الماء أن يفيض عنه، وقال جرير: # فما ثغب باتت تصفقه الصبا ... بسراء نهي أتأقته الروائح # الثغب، مفتوح ساكن: الماء الصافي، وهو الذي لو وقع فيه دعموص لكدره. ~~وقوله: أتأقته، أي طردته كذا مرة، وكذا مرة، يقال: أتأقت الإناء وأترعته ~~وأدهقته أي ملأته. وفي المثل: " أنا تئق وأنت مئق فكيف نتفق " - يقول: أنا ~~سريع الغضب ممتلئ منه، وأنت مغيظ، فليس يقع بيننا اتفاق. وقوله: تنفي ~~السرى؛ وهو الصغار من النبل، يقال للواحدة سروة وسروة لضيق حلقها، وقوله: ~~وجياد النبل تتركها، أي تحطمها وتجعلها كسرا، معتسف، لأنه على غير قصد. قال ~~النمر بن تولب: # وقد رمى بسراه اليوم معتمدا ... في المنكبين وفي الساقين والرقبه # وأنشد رجل من قريش: # ولست بزميلة نأنأ ... خفي إذا ركب العود عودا # ولكنني أحمل المؤنسات ... إذا ما الرجال استخفوا الحديدا # قوله: إذا ركب العود عودا، أي إذا ركب السهام على القسي. والنأنأ: ~~الضعيف، مهموز مقصور. والمؤنسات من السلاح: السيف والرمح والقوس والترس. ~~وقوله: إذا ما ms25 الرجال استخفوا الحديد، أي في الحرب، يقول: إذا فزع الرجال ~~أو خافوا خف ما عليهم من السلاح وإن كان ثقيلا. # وأنشدني التوزي: # ورسم دار مقفر الجناب ... يزداد عمرانا من الخراب # يصف دارا تزداد عمرانا من الخراب بالموتى الذين يدفنون فيها. # وأنشدني المازني: # كأن تحت البطن منه أكلبا ... بيضا صغارا ينتهسن المنقبا # يصف فرسا يعدو، فإذا عدا ارتفعت قوائمه وبها تحجيل فصارت قرب بطنه، فشبه ~~تحجيله وتقليبه يديه ورجليه من شدة جريه من شدة جريه واقترابهما من بطنه ~~إذا رفعهما بكلاب بيض صغار ينتهسنه، فهو ينفر منها، وهو أشد لجريه. # وأنشد الأصمعي قول الشاعر، ولم نر تشبيها في بيت أحسن من هذا: # كأن مثار النقع فينا وفيهم ... وأسيافنا ليل تهاوى كواكبه # شبه الغبار بالليل، وشبه السيوف في الغبار بالكواكب المنفضة في الليل. ~~وأنشد: # يحملن أوعية السلاف كأنما ... يحملنها بأكارع النغران # شبه أغصان العنب وما يتشعب منها بأكارع النغران، هي عصافير. وقال آخر: # وحيات نربيها لتجدى ... علي قبورها بعد الممات # يعني دود القز. وقال ابن البراء الجعدي - ويقال للنابغة الجعدي: # أرار الله مخك في السلامى ... على من بالحنين تعولينا # فلست وإن حننت أشد شوقا ... ولكني أسر وتعلنينا # ويروى: أراني الله مخك. والرار والرير: المخ الرقيق الذائب. # وقال الأصمعي: آخر ما يبقى من المخ والسمن في الدابة في سلاماها وعينها، ~~فدعا عليها بالهزال والهلاك. # وقال الراجز: # لا يشتكين عملا ما أنقين ... ما دام مخ في السلامى أو عين # قال أبو زيد: السلامى: الفراسن وعصبها، والنقي. وقوله ما أنقين، أي ما ~~دام مخ فيهن. وقال آخر: # طلب الأبلق العقوق فلما ... لم ينله أراد بيض الأنوق # هذا مثل، يقول: طلب ما لا ينال ولا يكون، والأصل أن العقوق الحامل من ~~الخيل. والأبلق الذكر، والأنوق الرخم، وإنما يكون في أصعب المواضع على رؤوس ~~الجبال حيث لا يوصل إليه. وهو مثل قول الهذلي عديل بن الفرخ العجلي: # بيض الأنوق كسرهن ومن يرد ... بيض الأنوق فإنه يمعاقل PageV01P014 ~~والمعاقل: جمع معقل وهو الحرز، قال: وأنشدني المازني: # ومستأسد يندى كأن ms26 ذبابه ... أخو الخمر هاجت شوقه فتذكرا # المستأسد: النبات الملتف الكثير، يندى، من الندى، وأخو الخمر: الذي ~~يشربها. وهاجت: يعني الخمر، وشوقه، يعني الشارب. والمعنى أنه شبه صوت ~~الذباب في هذا العشب بصوت شارب قد سكر واشتاق إلى أهله فتغنى. وقال آخر: # وصاحب معجب في طول صحبته ... لا ينفع الدهر إلا وهو محموم # تأتيك في شدة الحمى منافعه ... وإن أفاق بدا في وجهه اللوم # يعني الفرج، ويكون للفرجين جميعا. قال وأنشدني التوزي: # رواحلنا ست ونحن ثلاثة ... نجنبهن الماء في كل منهل # يعني النعال. وقال الكميت: # ولما رأيت النسر عز ابن دأية ... وعشش في وكريه جاشت له نفسي # يقال للغراب ابن دأية، لأنه يقع على الدأية من ظهر البعير فينقرها. وإنما ~~يعني الشيب وغلبته على السواد، وعزني في الخطاب، أي كان أعز مني في ~~المخاطبة، قالت الخنساء: # كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا # أي من غلب سلب. وقوله: وعشش في وكريه، يعني بوكريه عارضيه ولحييه، فوجلت ~~نفسه لذلك. وأنشد الأصمعي: # قلن اتضعت فقالت لا، فقلن لها ... فكيف تقوين يا سلمى على الجمل # زعموا أن المؤدب من الإبل يقال له ضع ضع، فيطأطئ رأسه ليركب. يقول: وأنت ~~لو لم يفعلن هذا ما قدرت على ركوبه. واتضعت، افتعلت من الوضع. ومثله قول ~~جميل: # فلما دنت أولى الركاب تيممت ... إلى جؤجؤ جلس فقالت له ضع # يقول قصدت إلى نجيب قوي شديد فقالت له ذلك، وأنشد: # قد قلت للصباح والمهاجر ... إنا ورب القلص الضوامر # إنا: أي أعيينا، والأين: الإعياء، تقول آن يئين أينا إذا أعيا، وأنشد: # لنعم البيت بيت أبي دثار ... إذا ما خاف بعض القوم بعضا # يقول: إذا خاف بعض القوم بعض البعوض فبيت أبي دثار لا يخاف عليه ذلك فيه. ~~وبيت أبي دثار: الكلة. وأنشد: # يريع إليه العم حاجة واحد ... فآبوا بحاجات وليس بذي مال # يريع: يجتمع. إليه، يعني الكعبة، يريد أن الناس كلهم يسألون عند ذلك ~~الموضع المغفرة، فرجعوا وهم يرجون حسن الإجابة، وليس معهم مال حووه. ms27 وقال ~~آخر: # ما لك لا ترمي وأنت أنزع ... وهي ثلاث أذرع وإصبع # وهي إذا أنبضت فيها تسجع ... ترنم الثكلى أبت لا تهجع # قوله: أنزع؛ يريد أنزع من غيرك، وبعضهم يقول: أنزع. يقول: قد كبرت وصارت ~~بك نزعة، قال: وأجود ما تكون القسي ثلاث أذرع ونصف وثلاث أذرع. وإنما أخبر ~~عن جبنه فقال: ما لك لا ترمي وأنت أنزع في القوس من غيرك، وقوسك هذا حالها ~~في الجودة والتمام؟. وأنبضت: جذبت. وتسجع: ترنم. ويقال: خير القسي ما إذا ~~جذبت ترنمت، وأنشد: # تسمع بعد النزع والتوكير ... في سيتيها رنة الطنبور # قد أتينا من هذا الباب ببعض ما قصدنا له، وفسرنا ما أتينا به تفسيرا يغني ~~عن تشكل فيه أو مسألة عنه، ونرجع إلى باب أخبار وأشعار يشاكل بعضها بعضا، ~~وبالله الحول والقوة. # باب # حدثني مسعود بن بشر قال: قدم عمرو بن العاص مكة وفتيان قريش يتحدثون، ~~فلما رأوه رموه بأبصارهم، فعدل إليهم فقال: كأنكم كنتم في حديثنا، فقالوا: ~~نعم كنا نفضل بينك وبين أخيك، فقال: إن له علي أربعا؛ أمه ابنة هشام بن ~~المغيرة وأمي من قد علمتم، وكان أحب إلى أبي مني وقد عرفتم رأي الأب في ~~ابنه، وأسلم قبلي واستشهد وبقيت. وكان هشام بن المغيرة شريفا مسودا، وكان ~~الناس يؤرخون بالأمور العظام تحدث، مثل عام الفيل، وعام الرمادة، وموت هشام ~~بن المغيرة وفيه يقول القائل: # فأصبح بطن مكة مقشعرا ... كأن الأرض ليس بها هشام PageV01P015 وحدثني ~~مسعود بن بشر قال: كان عمرو بن العاص جيد الفطنة كثير الدهاء سريع الجواب ~~بليغ الكلام. ويروى أنه جعل لرجل ألف درهم على أن يسأل عمرا عن أمه - وكان ~~يطعن عليها - فأتاه وهو يومئذ أمير مصر، فقال: أصلح الله الأمير أردت أن ~~أعرف أم الأمير، فقال: نعم، امرأة من عنزة ثم من بني العنبر ثم من جلان، ~~اسمها ليلى وتعرف بالنابغة، اذهب فخذ جعلك. # وحدثني مسعود بن بشر في إسناد متصل قال: قال المنذر بن الجارود لعمرو: يا ~~أبا عبد الله، إنك أفضل الناس لولا ms28 أن أمك أمك، فقال: قد خطر هذا ببالي ~~البارحة والله، فأقبلت أقلبها على أحياء العرب ممن كنت أحب أن تكون فيهم ~~فلم يخطر لي عبد القيس ببال - يعني منذرا. # ومما يستحسن من سرعة الجواب وحضوره عند وقته ما يروى أن خالد بن صفوان ~~لقي الفرزدق - وكان دميما - وقد لبس ثيابا سرية، فقال له: يا أبا فراس ~~مرحبا بهذا الوجه الذي لو رآه صواحب يوسف لم يكبرنه ولم يقطعن أيديهن. فقال ~~الفرزدق: وأهلا ومرحبا بوجهك الذي لو رأته صاحبة موسى لم تقل لأبيها: " يا ~~أبت استأجره إن خير من استأجرت القوي الأمين " . # وحدثت أن شريكا النميري ساير عمر بن هبيرة وهو على بغلة، فجاوزت بغلته ~~برذون عمر، فقال له: اغضض من لجامها، فقال: إنها مكتوبة، فقال: ما أردت ~~ذلك، قال: ولا أنا أيضا أردته. ظن شريك أن عمر عنى بقوله: اغضض من لجامها ~~قول جرير: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # وعنى شريك بقوله: مكتوبة قوله: # لا تأمنن فزاريا خلوت به ... على قلوصك واكتبها بأسيار # أي اشددها. ويروى أن ابن ملجم قال لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه: إني ~~اشتريت سيفي هذا بألف، وسممته بألف، وسألت الله أن يقتل به شر خلقه. فقال: ~~قد أجاب الله دعوتك، يا حسن، إذا مت فاقتله بسيفه. # ويروى أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج بن يوسف: بسم الله الرحمن ~~الرحيم - أما بعد - فإنك سالم والسلام. فأشكل على الحجاج وأرق لذلك ليلته، ~~فقال له ابن هبيرة: ما يسهر الأمير؟ فقال: كتاب كتبه إلي أمير المؤمنين فيه ~~كذا، قال: فإن أعلمتك معناه فما لي عندك؟ قال: ولاية خراسان، فقرأ عليه ~~الكتاب، فقال عمر: أخذه من قول القائل: # يديرونني عن سالم وأديرهم ... وجلدة بين العين والأنف سالم # فولاه خراسان. # ويروى أن أبا دلامة الشاعر دخل على المنصور أو المهدي وعليه جبة فاخرة ~~فقال ما هذه الجبة يا أبا دلامة؟ فقال: هذه لا ألبسها إلا في كل موت خليفة، ~~قال: فأراني ميتا ms29 ولا أدري. # ويروى أن الحسين بن علي صلوات الله عليهما دخل على معاوية وهو في علة ~~غليظة فقال معاوية: ساندوني، ثم تمثل ببيت أبي ذؤيب: # وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع # فسلم الحسين وتمثل ببيت أبي ذؤيب: # وإذا المنية أنشبت أظفارها ... ألفيت كل تميمة لا تنفع # وكان معاوية مع حدة جوابه وصواب رأيه حليما جوادا، وكان يضيف إلى ذلك ~~شجاعة وحزما، ويروى أن عبد الرحمن بن خالد بن الوليد قال له: إني لأراك ~~تقدم أحيانا حتى أقول أشجع الناس، وأراك تحجم أحيانا حتى أقول أجبن الناس، ~~قال: إني أقدم ما كان الإقدام غنما، وأحجم ما كان الإحجام حزما، فأنا كما ~~قال القائل: # شجاع إذا ما أمكنتني فرصة ... وإن لم تكن لي فرصة فجبان # وكان المهلب يقول: الإقدام على الهلكة تضييع، كما أن الإحجام عن الفرصة ~~جبن. ويروى أن جرة هوت على رأس يزيد ابنه فلم يتوقها، فقال له المهلب: حفظت ~~الشجاعة من حيث ضيعت الحزم. ويروى عن أحد الحكماء قال: يجب على الرجل أن ~~يكون سخيا ولا يبلغ التبذير، وأن يكون حافظا ولا يبلغ البخل، وأن يكون ~~شجاعا ولا يبلغ التضييع، وأن يكون محترسا ولا يبلغ الجبن، وأن يكون ماضيا ~~ولا يبلغ القحة، وأن يكون قوالا ولا يبلغ الهذر، وأن يكون صموتا ولا يبلغ ~~العي، وأن يكون حليما ولا يبلغ الذل، وأن يكون منتصرا ولا يبلغ الظلم، وأن ~~يكون أنفا ولا يبلغ الزهو، وأن يكون حييا ولا يبلغ العجز. PageV01P016 ~~وحدثني مسعود بن بشر في إسناد ذكره قال: لما قال حسان بن ثابت في كلمة له ~~يعير الحارث بن هشام بن المغيرة - حيث فر يوم بدر عن أخيه أبي جهل ابن ~~هشام: # إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام # ترك الأحبة لم يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام # وقال الحارث يعتذر من فزارة: # الله يعلم ما تركت قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد # وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي # فصددت عنهم والأحبة ms30 فيهم ... طمعا لهم بعقاب يوم مفسد # وقال سعيد بن المسيب لرجل من قريش: من جاءكم بخبر الجمل؟ قال: عبد الرحمن ~~بن الحارث بن هشام، فقال سعيد: كان أبوه أول من جاء بخبر بدر. وفر الحارث ~~يوم بدر، وفر هشام أبوه يوم الفجار، وفر عبد الرحمن يوم الجمل. وأنشدني ~~التوزي لأبي ثور عمرو بن معد يكرب: # ولقد أرفع رجلي بها ... حذر الموت وإني لفرور # ولقد أعطفها كارهة ... حين للنفس من الموت هرير # كل ما ذلك مني خلق ... وبكل أنا في الروع جدير # ومثله قول زيد بن المهلهل: # أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا لم ينج إلا المكيس # ولست بذي كهرورة غير أنني ... إذا طلعت أولى المغيرة أعبس # ومنه قول أبي كعب الأنصاري: # ألا لا تقل عرسي على حين ساعة ... ألا فر عني مالك بن أبي كعب # أقاتل حتى لا أرى لي مقاتلا ... وأنجو إذا غم الجبان من الكرب # وقال آخر: # وماذا على مروان لو كنت خلفه ... رديفا على أقتاد أصهب بازل # ورفعت من رجلي ألتمس الذي ... وجدت على عهد القرون الأوائل # هذا رجل فر من حرب، فطلب إلى مروان هذا أن يردفه فأبى عليه، فعدا على ~~رجليه حتى أفلت. وإنما أراد قول وعلة الجرمي حين نجا يوم الكلاب على رجليه: # فدى لكما رجلي أمي وخالتي ... غداة الكلاب إذ تحز الدوابر # يقول: إنما فعلت ما كان يفعل من كان قبلي من القرون الأوائل. # ويروى أن رجلا من أهل الشام انهزم من حرب، فلقيه لاق فقال: ما الخبر؟ ~~قال: من صبر أخزاه الله، ومن انهزم نجاه الله. # باب # من الأخبار المستحسنة التي لا تدخل في جملة ما نقل منها ولا تشاكل ما ~~ذكرناه قبلها. حدثني العتبي في إسناد عن أبي خالد مولى عمرو بن عتبة قال ~~قال محمد بن عمرو بن عتبة: جاءت هذه الدولة - يعني دولة ولد العباس - وأنا ~~حديث السن متفرق الأموال خائف العيال، وكنت لا أنزل سكة من سكك البصرة إلا ~~شهر مكاني، فرأيت أن أقي عيالي بنفسي، ms31 قال أبو خالد: قال لي: موعدك غدا باب ~~الأمير سليمان بن علي، فبكرت فإذا به قد أقبل وعليه سراويل وشي، قد أسدلها ~~على قدميه، وطيلسان مطبق، فقلت في نفسي إنا لله! ما تصنع الحداثة بأهلها. ~~فلما دنا قلت: إن هذا اللباس ليس من لباس هذا اليوم. قال: صدقت والله ولكن ~~ليس عندي إلا ما هو أشهر منه، فلففت سراويله حتى بلغت بها ركبتيه، وأخذت ~~طيلسانه إلي وأعطيته طيلساني، ثم قلت: ادخل الآن، فدخل، فلبث شيئا ثم خرج ~~إلي ضاحكا، فقلت: ما كان بينك وبين الأمير؟ قال: مثلت بين يديه ولم يكن ~~رآني قبلها فقلت: أصلح الله الأمير! ساقني البلاء إليك، ودلني فضلك عليك، ~~فإما قبلتني غانما، وإما رددتني سالما. فقال: من أنت أعرفك؟ فانتسبت له، ~~فقال لي: اقعد يا بن أخي فتكلم غانما سالما. فجلست فقلت: أيها الأمير إن ~~هؤلاء الحرم اللواتي هن حرمكم بعدنا وأنتم فيهن شركاؤنا، وقد خفن لخوفنا، ~~ومن خاف خيف عليه. فقال: ما أجابني إلا بعبرته. فقال: بل يحقن الله دمك، ~~ويصون حرمك، ويجمع لك مالك، ولو أمكنني مثل ذلك في جميع أهلك لفعلت، فكن ~~مستترا كظاهر، واكتب إلي في حاجاتك. فقال: كان والله يكتب إلي كما يكتب ~~الرجل إلى أبيه أو عمه. قال: قلما قضى حديثه رددت إليه طيلسانه، فقال: مه! ~~فإن ثيابنا إذا فارقتنا لا ترجع إلينا. PageV01P017 ويروى أن مروان الجعدي ~~كتب إلى عبد الله بن علي: إني أظن أن هذا الأمر صائر إليكم، فإن كان ذلك ~~فاعلم أن حرمنا حرمكم والسلام. فكتب إليه عبد الله: إن الحق لنا في دمك، ~~والحق علينا في حرمك. # وحدثني علي بن القاسم الهاشمي قال: بينما الخيزران قاعدة ذات يوم قيل لها ~~إن ببابك امرأة حسناء، وعليها ثياب بذة تطلب الإذن عليك، وقد سئلت عن اسمها ~~فأبت أن تخبر به، فقالت لزينب بنت سليمان بن علي: ما ترين؟ فقالت: تدخل ~~فإنه لا بد من فائدة أو ثواب. فأذنت لها، فدخلت، فقالت: أنا مارية امرأة ~~مروان بن محمد الأموي، ms32 فقالت زينب: أأنت مارية؟ فلا حباك الله! والحمد لله ~~الذي أدال منك، أما تذكرين يا عدوة الله حيث أتاك عجائز قومي وأهل بيتي ~~يسألونك مسألة صاحبك في دم إبراهيم الإمام فوثبت عليهن وأسمعت ما أسمعت، ~~وأمرت بإخراجهن! قال: فضحكت مارية، فلا ينسى حسن ثغرها وعلو صوتها ~~بالقهقهة. ثم قالت أيا بنة عم، أي شيء أعجبك من صنع الله بي على العقوق حتى ~~أردت أن تتأسي بي! فهبيني أني فعلت بنساء قومك ما فعلت ثم ساقني الله خاضعة ~~ذليلة عريانة، فكان هذا مقدار شكرك لله على ما أولاك في. ثم ولت وقالت: ~~السلام عليكن، فقالت الخيزران: ليس هذا لك عافاك الله! علي استأذنت، وإياي ~~قصدت فارجعي! فقالت: نعم، وإن مما يردني الجوع والضر. فدعت الخيزران بالخلع ~~لها ثم قالت: افرشوا لها المقصورة الفلانية، وقالت: والله لا يفرق بيننا ~~إلا الموت، فما فرق بينهما إلا الموت. # ونمي إلي من ناحية زبير قال: اعترض رجل من بني أمية يحيى بن خالد ~~البرمكي، فقال: ما حاجتك؟ قال: حاجتي أن توصلني إلى أمير المؤمنين الرشيد - ~~وعرفه نفسه - فقال له: إن أمير المؤمنين يكره أهل هذا البيت، فإن كانت لك ~~حاجة كنت لك فيما تريده دون أمير المؤمنين، قال: ما بي حاجة إلى غيره، وهذه ~~حاجتي إليك. # فدخل إليه يحيى فصادفه طيب النفس، فقال: يا أمير المؤمنين إن لي حاجة، ~~فقال له: قل يا أبا علي، فأخبره بقصة الأموي. فقال: ما أكره ذلك، فأتي به ~~فسلم عليه ودعا فأحسن، ثم أنشأ يقول: # يا أمين الله إني قائل ... قول ذي رأي ودين وحسب # لكم الفضل علينا ولنا ... بكم الفضل على كل العرب # من يقل غير مقالي فلقد ... ضل في الحكم ضلالا وكذب # عبد شمس كان يتلو هاشما ... وهما بعد لأم ولأب # فصل الأرحام منا إنما ... عبد شمس عم عبد المطلب # فالقرابات شديد عقدها ... عقدها أوثق من عقد الكرب # قال الرشيد: إي والله! وأمر له بجائزة، فقبضها وخرج. قال يحيى: فخرجت ~~خلفه لأعطيه أنا أيضا فلم ألحقه. # ويروى ms33 أن حفصا الأموي - وكان هجاء لبني هاشم مطنبا في ذكر مثالبهم - لم ~~يشعر به عبد الله بن علي بن العباس إلا هو واقف على رأسه وهو لا يعرفه، ~~فقال له: من الرجل؟ قال: حفص الأموي، قال: أأنت الذي لم تزل مطنبا في هجاء ~~بني هاشم وثلبهم؟ فقال: ليس كل ما بلغك أيها الأمير حقا، ولكني الذي أقول: # وكانت أمية في ملكها ... تجور وتكثر عدوانها # فلما رأى الله أن قد طغت ... ولم يطق الناس طغيانها # رماها بسفاح آل الرسول ... فجد بكفيه أعيانها # فقال له: اجلس، فجلس، ثم دعا عبد الله بالطعام فتغدى معه، ثم نظر إلى عبد ~~الله وهو يسار خادما له، فخاف على نفسه، فقال: أيها الأمير، إني قد تحرمت ~~بطعامك فقال: ليس الأمر كما تظن، فجاءه الخادم بخمسمائة دينار، فصبها في ~~كمه وقال له: اخرج آمنا، ومن بالباب يتوقعون أن يخرج رأسه، فسألوه عن حاله ~~فقال: وهب لي الأمير ألف دينار: خمسمائة دينار ديني وخمسمائة في كمي. ~~PageV01P018 وهذه رسالة نذكرها، فإذا استحسنا ألفاظها، واستغربنا معانيها، ~~ووقفنا على إبلاغ عظاتها، وهي رسالة عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن ~~جعفر بن من الحبس إلى أبي مسلم: بسم الله الرحمن الرحيم من الأسير في يديه، ~~بغير ذنب إليه، ولا خلاف عليه. أما بعد؛ فإنك مستودع ودائع، ومولى صنائع، ~~فاذكر القصاص، واطلب الخلاص، وأنبه للفكر قلبك، واتق الله ربك، وآثر ما ~~يلقاك غدا على ما لا يلقاك أبدا، فإنك لاق ما سلفت، غير لاق ما خلفت، وفقك ~~الله لما ينجيك، وآتاك شكر ما يوليك. # فخلى سبيل إخوته. ومات عبد الله في السجن، فعاقب الله أبا مسلم ببغيه ~~وأسلمه بغدره، وأتاح له من قتله. # ويروى أن المنصور بعد قتله أبا مسلم خطب فقال بعد حمد الله والثناء عليه: ~~أيها الناس، لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية، ولا تسروا غش ~~الأئمة، فإنه من غش إمامه أظهر الله سريرته في فلتات لسانه، وسقطات أفعاله، ~~إنا لن نبخسكم حقكم، ولا نبخس الدين حقه ms34 عليكم، وأنه من نازعنا عروة هذا ~~القميص أوطأناه خبئ هذا العمل وأن أبا مسلم بايع لنا على أنه من نكث بنا ~~فقد حل ماله ودمه، ثم نكث بنا، فحكمنا عليه لأنفسنا حكمه على غيره لنا، ولم ~~يمنعنا رعاية الحق له من إقامة الحق عليه فيه، والسلام. وفي قتله يقول أبو ~~دلامة الأسدي: # أبا مجرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد # أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد الورد # باب # مراث بليغة # وعظات موجزة وأبيات مستحسنة # أنشدني أبو محمد التوزي عن أبي عبيدة لأخت عمرو ذي الكلب ترثيه في كلمة ~~وصفته فيها فأطنبت، وعددت فضائله فأكثرت، وذكرت عظم فقده ومبلغ قدره في ~~حياته وانحطاط كل فخر وذكر بعد موته، وهو: # يا من بمقتله زهى الدهر ... قد كان فيك تضاءل البدر # كنت المجير عليه تقهره ... فإذا سطوت فقد سطا القهر # وإذا سكت فإنها عدة ... وإذا نطقت تدفق البحر # وإذا نظرت إلى أخي عدم ... أثرى وزال بلحظك الفقر # وإذا رقدت فأنت منتبه ... وإذا بدوت فوجهك البدر # والله لو بك لم أدع أحدا ... إلا قتلت لفاتني الوتر # ما زال يحسد بطن أرضك ظهرها ... إذا تم أمرك واستوى القدر # حتى حللت ببطنها فتقدست ... فاليوم يحسد بطنها الظهر # وهذا من أحسن المعاني وألطفها، ولها فيه أيضا كلمة أولها: # سألت بعمرو أخي صحبه ... فأوحشني حين هابوا السؤالا # وقالوا تركناه في غارة ... بآية ما قد ورثنا النبالا # أتيح له نمرا أجبل ... فنالا لعمرك منه منالا # فأقسم يا عمرو لو نبهاك ... إذن نبها منك داء عضالا # إذن نبها ليث عريسة ... مفيدا مفيتا نفوسا ومالا # وكان سببه وفاته أن النمر وثب عليه فقتله. وفي هذه القصيدة من حر الكلام ~~وصادق المدح قولها: # وخرق تجاوزت مجهوله ... بوجناء حرف تشكى الكلالا # فكنت النهار به شمسه ... وكنت دجى الليل فيه الهلالا # فما بلغت مدحتي لامرئ ... يزم الكماة ويعطي النوالا # وينزل في غمرات الحروب ... إذا كره المحجمون النزالا # ومما اخترناه منها قولها: # وخوف وردت وثغر سددت ... وعلج شددت عليه ms35 الحبالا # ومال حويت وخيل حميت ... وضيف قريت يخاف الوكالا # وأبراد عصب وخطية ... بنيت لقومك منها الظلالا # وقالت امرأة من بني أسد ترثي ابنها: # لنعم الفتى أضحى بأكناف حائل ... قرى للصفيح الأبيض والأسل السمر # لعمري لقد أرديت غير مزند ... ولا مغلق باب السماحة بالعذر # فتى لم يزل مذ شد عقد إزاره ... مشيد معال أو مقيما على ثغر # فتى لم يكذب فعله نادباته ... بما قلن فيه لا ولا المادح المطري # أرادوا ليخفوا قبره عن عدوه ... فطيب تراب القبر دل على القبر # فيقال إن هذا أرثى بيت قالته العرب. # وقال أحد المحسنين أيضا: # وأخ رماني الدهر فيه بفقده ... فالوجد من قلبي عليه دخيل PageV01P019 ~~هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل # وقال آخر: # هاتوا فتى يكفي مقام محمد ... هيهات ذلك واحد لا يوجد # وهذا من الأبيات النادرة، وكذلك سبيلنا فيما نحكيه في كتابنا. # وقال: # جلت صنيعته فعم مصابه ... فالناس فيه كلهم مأجور # فالناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير # تجري عليك دموع من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير # ويشاكل هذا الباب قول عمارة بن عقيل لخالد بن يزيد بن مزيد: # أرى الناس طرا حامدين لخالد ... وما كلهم أفضت إليه صنائعه # ولن يترك الأقوام أن يحمدوا الفتى ... إذا كرمت أعراقه وطبائعه # فتى أمعنت ضراؤه في عدوه ... وخصت وعمت في الصديق منافعه # وأنشدني عمارة بيتين لجرير يرثي بهما أخويه عمرا وحكيما: # خليلي كم من زفرة قد رددتها ... ومن ظلمة وارت علي ضحى حجرا # إذا ما دعا قوم علي أخاهم ... دعوت فلم أسمع حكيما ولا عمرا # وحدثني الرياشي في إسناد ذكره قال قال عمر بن الخطاب للخنساء: ما أقرح ~~مآقي عينيك؟ قالت: بكائي على السادات من مضر. قال: يا خنساء، إنهم في ~~النار. قالت: ذلك أطول لعويلي. # ويروى أنها قالت: كنت أبكي لصخر على الحياة وأنا أبكي له اليوم من النار. # وهذا نظير ما يروى أن عمر بن الخطاب رحمة الله عليه - قال لمتمم بن نويرة ~~حين سمعه ينشد في أخيه مالك: ms36 # لا يمسك العوراء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر # ولنعم حشو الدرع كنت وحاسرا ... ولنعم مأوى الطارق المتنور # لوددت أنك رثيت أخي بما رثيت به أخاك، فقال له: يا أبا حفص، لو أعلم أن ~~أخي صار حيث صار أخوك ما رثيته؛ يقول: إن أخاه قتل شهيدا. فقال عمر: ما ~~عزاني أحد بمثل تعزيته. وفي حديث آخر أنه رثى زيد بن الخطاب فلم يجد، فقال ~~عمر: لم أرك رثيت زيدا كما رثيت مالكافقال: إنه والله يحركني لمالك ما لا ~~يحركني لزيد. # وأنشدني الرياشي لعبد الله بن عمر بن عبد العزيز في عاصم بن عمر أخيه: # لئن تك أحزان وفائض عبرة ... أمرن نجيعا من دم الجوف منقعا # تجرعتها في عاصم واحتسيتها ... لأعظم منها ما احتسى وتجرعا # فليت المنايا كن صادفن غيره ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا # وقال إبراهيم بن عبد الله بن حسن بن حسن يرثي أخاه محمدا: # أبا المنازل يا عبر الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا # الله يعلم أني لو خشيتهم ... أو أوجس القلب من خوف لهم فزعا # لم يقتلوك ولم أسلم أخي لهم ... حتى نعيش جميعا أو نموت معا # قال: وكان قتله في المعركة عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله بن ~~عباس وهو الذي قتل أخاه - ويروى أنه قال: ما استغفرت الله قط من قتلهما. # وأنشدني الرياشي لابن ميادة في رياح بن عثمان بن حيان المري وقتل معه ~~محمد بن عبد الله بن حسن: # أمرتك يا رياح بأمر حزم ... فقلت هشيمة من آل نجد # نهيتك عن رجال من قريش ... على محبوكة الأصلاب جرد # ووجدا ما وجدت على رياح ... وما أغنيت شيئا غير وجدي # ويروى لعلي بن أبي طالب صلوات الله عليه بيتان في النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وهما: # فوالله لا أنساك أحمد ما مشت ... بي العيس في أرض وجاوزت واديا # وإني متى أهبط من الأرض تلعة ... أجد أثرا منها جديدا وعافيا # ويروى أنه لما مات أخو الحسن البصري أجهش عليه بالبكاء، ms37 فقال له رجل: ~~وأنت يا أبا سعيد تبكي؟ فقال: لقد بكى يعقوب على يوسف حتى ابيضت عيناه فما ~~عيره الله بذلك. وقال رسول الله صلى الله عليه: " ما كان من العين والقلب ~~فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن القسوة والشيطان " . # ويروى أن عبيد الله بن العباس كان عاملا لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه ~~على اليمن، فخرج إلى علي واستخلف على صنعاء عمرو بن أراكة الثقفي، فوجه ~~إليه معاوية بسر بن أرطاة، فقتل عمرو بن أراكة، فجزع عليه أخوه عبد الله ~~فقال أبوه في كلمة له: PageV01P020 وقلت لعبد الله إذ جد باكيا ... حزينا ~~وماء العين منحدر يجري # لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى ... به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر # لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمريهن من ثبج البحر # تأمل فإن كان البكا رد هالكا ... على أحد فاجهد بكاء على عمرو # ولا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر # وكان بسر قتل خلقا باليمن - يقول بعضهم - حتى أخاض الخيل في الدماء. وكان ~~فيمن قتل طفلان لعبيد الله بن العباس أخذهما من المكتب، فروى أنه قتلهما ~~وهما يقولان: يا عم لا نعود. وأما الرواية الفاشية التي كأنها إجماع فإنه ~~أخذهما من تحت ذيل أمهما - وهي امرأة من بني الحارث بن كعب - ففي ذلك تقول ~~لما خرج بهما من عندها: # ألا من بين الأخوي ... ن أمهما هي الثكلى # تسائل من رأى ابنيها ... وتستبغي فما تبغى # وقالت أيضا: # يا من أحس بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف # يا من أحس بنيي اللذين هما ... قلبي وطرفي فقلبي اليوم مختطف # يا من أحس بنيي اللذين هما ... مخ العظام فمخي اليوم مزدهف # نبئت بسرا وما صدقت ما ذكروا ... من قولهم ومن الإفك الذي اقترفوا # أنحى على ودجي شبلي مرهفة ... من الشفار، كذلك البغي يقترف # ويروى أن عمر بن الخطاب عزى أبا بكر رحمة الله عليهما عن طفل له فقال: ~~عوضك الله منه ما عوضه منك، فإن ms38 الطفل يعوض من أبويه الجنة. وقال رسول الله ~~صلى الله عليه: " إن الطفل لا يزال محبنطئا على باب الجنة يقول: لا أدخل ~~الجنة حتى يدخل أبواي " . # وقال العتبي يرثي بنيه - وكانوا ستة توالوا موتا: # يا ستة أودعتهم حفر البلى ... لخدودهم عفر الجبوب وساد # منعوا جفوني أن يصافح بعضها ... بعضا فهن وإن قربن بعاد # لم تبق عين أسعدت ذا عبرة ... إلا بكت حتى أبكي بكى الحساد # وله أيضا فيهم: # وكنت أبا ستة كالبدو ... ر فقد فقئوا أعين الحاسدينا # فمروا على حادثات المنون ... كمر الدراهم بالناقدينا # فألقين هذا إلى ضارح ... وألقين هذا إلى لاحدينا # فما زال ذلك دأب الزما ... ن حتى أبادهم أجمعينا # وحتى بكى لي حسادهم ... وقد اتعبوا بالدموع العيونا # وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا # فمن كان يسليه مر السنين ... فحزني يجدده لي السنونا # وقال مسلم بن الوليد يرثي أخاه في كلمة له: # وإني وإسماعيل يوم فراقه ... لكالغمد يوم الروع فارقه النصل # فإن آت قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من القنص المحل # قال أبو العباس: قصدنا فيما نحكيه في كتابنا هذا حسن الاختيار وكثرة ~~الاختصار، وذكر ما يستغنى به عن غيره، ويقنع بمثله عن نظيره، وإنما نذكر في ~~كل باب أحسن ما روي لنا فيه، وأطرف ما نمى إلينا منه. ولو ذهبنا نستقصي آخر ~~هذا الباب لمد بنا الحديث وطال بنا القول. والحمد لله رب العالمين. # باب # نذكره ونشرح فيه بعض أخبار المعمرين وأشعار العرب المحدثين في ذم الشيب ~~وفقد الشباب، ومدح من مدح شيبه وذم من ذمه، ووصف إسراعه إليه وتغييره إياه ~~على كثرة ذلك وتفاوته، ونفضل ما نحكيه من ذلك، ولم اخترنا ما اخترناه. ~~وبالله الحول والقوة. # حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كان ربيعة بن نزار يحمل أخاه مضر على عنقه ~~ويقول: اللهم بلغ به، وكان أكبر منه بنحو من خمسين سنة. # وحدثني الرياشي عن الأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد ذهب ~~منه المأكل والمشرب والنكاح: هل تشتهي أن تموت؟ قال: ms39 لا، فقيل له: فما ~~تشتهي؟ قال: أشتهي أن أعيش وأسمع الأعاجيب. # وأنشدني الرياشي لعلي بن الغدير الغنوي: # وهلك الفتى ألا يراح إلى الندى ... وألا يرى شيئا عجيبا فيعجبا ~~PageV01P021 وحدثني الرياشي عن أبي عمرو بن العلاء قال: قيل لشيخ قد بلغ ~~ثلاثين ومائتي سنة: كيف رأيت عيشك؟ قال: عشت مائة سنة لا أصدع، وأصابني في ~~الثلاثين والمائة ما يصيب الناس. # وحدثني الرياشي قال: سمعت الأصمعي يقول قال أبو عمرو: عاش المستوغر ابن ~~ربيعة بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تيم عشرين وثلاثمائة سنة. وزعموا أن ~~سعدا تناسلت في شيبه. وسمعت ابن العجاج قال: مر المستوغر بن ربيعة يقود ابن ~~ابنه بعكاظ، فقيل: من ذا؟ قال: ابن ابني، قالوا: وما رأينا كاليوم في الكذب ~~مثلك قط، لو كنت المستوغر ما زاد، قال: فأنا المستوغر. وفي حديث آخر: فلما ~~رأوه يقوده ظنوا أنه أبوه فقالوا: ارفق به فطالما رفق بك، فقال: إنه ابن ~~ابني. # ويروى من غير وجه أن معاوية قال لجلسائه: أشتهي أن أرى رجلا قد لقي ~~الناس، وسمع الأعاجيب، ورأى من كان قبلنا يحدثنا عن زمانه، وأين زماننا مما ~~مر عليه. فقيل له: ذاك رجل بحضرموت، فأتي به، فأقبل عليه فقال له: ما اسمك؟ ~~قال: أمد، قال: ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من السن؟ قال: ~~ثلاثمائة وستون سنة، قال: كذبت، وتشاغل عنه بغيره. ثم أقبل عليه فقال له: ~~ما اسمك؟ قال: أمد، قال: ابن من؟ قال: ابن أبد، قال: كم أتى عليك من ~~السنين؟ قال: ثلاثمائة وستون سنة، قال: فحدثنا عما رأيت من الأزمنة؛ أين ~~زماننا منها؟ قال: وكيف تسأل رجلا يكذب؟ قال: أحببت أن أعرف مقدار عقلك، ~~قال: يوم شبيه بيوم، وليلة شبيهة بليلة، ولد مولود، ووالد مفقود، فلولا من ~~يولد لم يبق على ظهرها أحد، ولولا من يموت لم يسعهم بلد، قال: ما كانت ~~صناعتك؟ قال: كنت تاجرا. قال: فما بلغت في تجارتك؟ قال: كنت لا أشتري غبنا، ~~ولا أرد ريحا، قال: ms40 سلني حاجتك، قال: أسألك أن تدخلني الجنة، قال: ليس ذلك ~~إلي، قال: فأسألك أن ترد إلي شبابي، قال: ولا ذاك إلي. قال: فلست أرى بيدك ~~شيئا من أمور الدنيا والآخرة، قال: هو والله ذاك، قال: فارددني من حيث جئت، ~~ففعل به ذلك. # ويروى أنه مكتوب في الحكمة: من بلغ السبعين اشتكى من غير علة. وأنشدت عن ~~الزبير: # أرجي شبابا بعد تسعين حجة ... لهني لا في مطمع لطموع # وقال آخر: # هزئت أسماء مني وقالت ... أنت يا بن الموصلي كبير # ورأت شيبا علاني فصدت ... وابن ستين بشيب جدير # وقال أحد المحسنين، وهو النمر بن تولب: # كانت قناتي لا تلين لغامز ... فألانها الإصباح والإمساء # ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليصحني فإذا السلامة داء # وقال بعض الأعراب: # وللكبير رثيات أربع ... الركبتان والنسا والأخدع # ولا يزال رأسه يصدع ... وكل شيء بعد ذاك ييجع # وقال الهيثم بن عدي: لقي رجل الهيثم بن الأسود فقال له: كيف تجدك يا أبا ~~العريان؟ قال: أجدني صالحا، وأصبحت على ذاك قد ابيض مني ما كنت أحب أن ~~يسود، واسود مني ما أحب أن يبيض، واشتد مني ما كنت أحب أن يلين، ولان مني ~~ما كنت أحب أن يشتد، ثم قال: # إني سأنيبك بآيات الكبر ... تقارب المشي وضعف في البصر # وقلة النوم إذا الليل اعتكر ... وقلة الطعم إذا الزاد حضر # وتركي الحسناء في قبل الطهر ... وكثرة النسيان فيما يدكر # والناس يبلون كما يبلى الشجر ... فهذه أعلام آيات الكبر # وقال أعرابي: # لا بارك الله على وجه الكبر ... فإنه يأمر للمرء بشر # وخبث ريح وبياض في الشعر # وقال آخر: # إني وإن أفنى الزمان نحضي ... وأسرعت أيامه في نقضي # بمنحفات وأمور تمضي ... حتى حنت طولي وضمت عرضي # وابتزني بعضي وأبقى بعضي ... وقصرت رجلاي دون الأرض # وهم أهل ثقتي برفضي ... ينفع حبي ويضر بغضي # وقال آخر: # قد صرت يا عمرو كأني نقص ... تسور الشيب وخف النحض # وصار قدام قيامي نهض ... وصار لا يحمل بعضي بعض # يقول: تسور الشيب وأنا غافل، أي كما يفعل اللص، أي تقحم. ms41 وقوله: قدام ~~قيامي نهض. يقول: إذا أردت أن أقوم نؤت أولا ثم استقللت، أي صرت كبيرا لا ~~أستقل بنهضتين ولا ثلاث. PageV01P022 وحدثني التوزي قال: رأى رجل من العرب ~~بنيه يركبون الخيل باقتدار، فأعجبه ذلك منهم، فحاول مثل ذلك مرة أو مرتين، ~~فأعجزه الوثوب، فقال: من سره بنوه ساءته نفسه. وقال بعضهم: # يموت مني كل يوم شي ... وأنا في ذاك صحيح حي # وكم عسى ما قد يدوم الفي ... وآخر الداء العياء الكي # وحدثني الرياشي - ولا أحفظ عمن حدثنيه - قال: دخل أبو الأسود الدئلي على ~~عبيد الله بن زياد فقال يهزأ به: يا أبا الأسود، لو علقت عليك تميمة! فإنك ~~جميل الوجه، فقال أبو الأسود: # أفنى الشباب الذي أفنيت جدته ... مر الجديدين من آت ومنطلق # لم يتركا لي في طول اختلافهما ... شيئا يخاف عليه لذعة الحدق # وأنشد: # من يشتري شيخين مني بفتى ... إن الشيوخ فيهم كل أذى # قال أبو العباس: كانت العرب تذكر الشيب في أشعارها إما مدحا وإما ذما، ~~وشعرهم في ذمه أكثر منه في مدحه. ويروى أنه قيل: ما بال شعركم في الشيب ~~أحسن أشعاركم في سائر أقوالكم؟ قالوا: لأنا نقوله وقلوبنا قرحة. # وقال يونس النحوي: ما بكت العرب على شيء بكاءها على الشباب، وما بلغت كنه ~~ما يستحق، ويروى أن بعضهم رأى يوما شيبة في رأسه فقال: شر بديل وخير مبدول. ~~وقال ابن قيس الرقيات: # رأت بي شيبة في الرأ ... س مني ما أغيبها # فقالت: أين قيس ذا؟ ... وبعض الشيب يعجبها # أي تتعجب منه، ليس أنها معجبة به. وأنشدني أبو العالية: # يا رب بيضاء على مهشمه ... أعجبها أكل البعير الينمه # بيضاء: امرأة. ومهشمة: موضع، أعجبها أي تعجبت منه، كما قال الجعدي يصف ~~ثورا: # فأراه صورة تعجبه # وقال النمر بن تولب: # لعمري لقد أنكرت نفسي ورابني ... خلائق منها لم تكن من شمائلي # مطاوعتي من كنت لست أطيعه ... وأني أرى بثي عن اللهو شاغلي # وبدل رأسي الشيب بعد سواده ... فأصبحت ذا شغل وأقصر باطلي # وأصبحت قد أعرضن عني وسؤنني ... وأخلفنني عهد ms42 الخليل المماطل # ألا إن شيب الرأس ليس بآفة ... تضيرك إلا في النساء الجواهل # وحدثني الرياشي قال: تزوج عبد الله بن عامر بأم كلثوم بنت معاوية، فنظر ~~إلى وجهه في المرآة مع وجهها فرأى شيبة في لحيته، فقال لها: أيتها المرأة، ~~الحقي بأهلك، فلما جاءت إلى أبيها قال لها: لعلك أسأت عشرة زوجك، قالت: لا ~~والله يا أمير المؤمنين، ما أدري لم طلقني؟ فوجه إليه معاوية فأحضره: فقال: ~~ما أنكرت من أهلك؟ قال: لا شيء والله يا أمير المؤمنين، إلا أني نظرت إلى ~~وجهي ووجهها في المرآة، فرأيت شيئا قد ظهر بي، فكرهت أن يفسد شبابها معي، ~~فطلقتها لتتمتع بالأزواج. # وقال جرير في كلمة له: # يا قل خير الغواني كيف رعن به ... فشربه وشل فيهن تصريد # أعرضن من شمط في الرأس مشتعل ... فهن عني إذ أبصرنني حيد # قد كن يعهدن مني مضحكا حسنا ... ومفرقا حسرت عنه العناقيد # فهن ينشدن مني بعض معرفة ... وهن بالود لا بخل ولا جود # قد كان عهدي حديثا فاستبد به ... والعهد متبع ما فيه منشود # فقلن لا أنت بعل يستقاد له ... ولا الشباب الذي قد فات مردود # كأنما باتت الصردان تنتفه ... حتى تطاير عنه طيره السود # هل الشباب الذي قد فات مردود ... أم هل دواء يرد الشيب موجود # لن يرجع الشيب شبانا ولن يجدوا ... عدل الشباب لهم ما أورق العود # إن الشباب لمحمود بشاشته ... والشيب منصرف عنه ومصدود # وأنشدني مسعود بن بشر: # قعد الشيب بي عن اللذات ... ورماني بجفوة القينات # فإذا رمت ستره بخصاب ... فضحته طلائع الناصلات # ما رأيت الشباب إلا سرابا ... غرني لمعه بأرض فلاة # فإذا ما دعاك للكأس داع ... قيل ما للكبير والنشوات # لست بعد الشباب ألتذ بالعي ... ش فدعني بغصة العبرات # إن فقد الشباب أنزلني بع ... دك دار الهموم والحسرات # ورماني بحادث الدهر شيب ... قارعتني أيامه عن حياتي PageV01P023 وقال ~~الطائي: # أرى ألفات قد كتبن على راسي ... بأقلام شيب في صحائف أنقاسي # فإن تسأليني من يخط كتابها ... فكف الليالي تستمد بأنفاسي # جرت في قلوب الغانيات ms43 لشقوتي ... قشعريرة من بعد لين وإيناس # وقد كنت أجري في حشاهن مرة ... مجاري معين الماء في قضب الآس # وقال أبو العتاهية في مثل قوله: # فكف الليالي تستمد بأنفاسي # الشيب كره وكره أن يفارقني ... أعجب بشيء على البغضاء مودود # يمضي الشباب وقد يأتي له خلف ... والشيب يذهب مفقودا بمفقود # ومثله قول الآخر وهو علي بن محمد العلوي: # لعمرك للمشيب علي مما ... فقدت من الشباب أشد فوتا # تمليت الشباب فصار شيبا ... وأبليت المشيب فصار موتا # وقال الحسن: الشباب الصحة، والسلطان المال، والعز الغنى عن الناس. ~~وأنشدني مسعود بن بشر في مدح الشيب لكثير في عبد الملك بن مروان: # رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشبابا # ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما ظن أمرض أو أصابا # وقال إبراهيم بن المهدي: # بقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب! # لقد جل قدر الشيب إن كان كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب # وقال آخر: # ألقى عصاه وأرخى من عمامته ... وقال ضيف فقلت الشيب قال أجل # فقلت أخطأت دار الحي قال ألا ... تمت لك الأربعون الحول ثم نزل # لله شيب رمى قلبي بلوعته ... كأنما اعتم منه مفرقي بجبل # وأنشد إسحاق: # كان الشباب كخضاب فنصل ... واختاره الشيب محلا فنزل # فأزعج الشيب الشباب فارتحل ... والشيب داء قاتل وإن مطل # ولأبي العتاهية: # يا خاضب الشيب بالحناء تستره ... سل المليك له سترا من النار # لن يرحل الشيب عن دار ألم بها ... حتى يرحل عنها صاحب الدار # وكان الخضاب يستحب. وقد خضب أبو عبد الله الحسين بن علي صلوات الله ~~عليهما. ويروى أن قائلا قال للرضي: أأخضب؟ قال: نعم، بالحناء والخطر، ثم ~~قال: أما علمت أن لك في ذلك أجرا؟ قال: وكيف؟ قال: ألا تعلم أنها تحب أن ~~ترى منك مثل الذي تحب أن ترى منها؟ لقد خرج نساء من العفة ما أخرجهن إلا ~~قلة هيئة أزواجهن لهن. قال: وأنشد: # الشيب زهد فيك من تصل ... ولقد جفا بك بعده الغزل # ولذاك ما قالت لجارتها ms44 ... هيهات شيخ بعدنا الرجل # قولي له يختار بي بدلا ... من حيث شاء فلي به بدل # وقال آخر: # رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر # وكن إذا أبصرنني أو سمعن بي ... سعين فرقعن الكوى بالمحاجر # وقال محمد بن عبد الملك الزيات يشتكي مصابه ويذكر فجيعته ويبكي على ~~زمانه: # عريت من الشباب وكنت غضا ... كما يعرى من الورق القضيب # ونحت على الشباب بدمع عيني ... فما نفع البكاء ولا النحيب # فيا أسفا أسفت على شباب ... نفاه الشيب والرأس الخضيب # ألا ليت الشباب يعود يوما ... فأخبره بما فعل المشيب # باب # شعر وغريب ولغة # حدثني المازني عن أبي زيد الأنصاري قال: سمعت العرب تقول في أسماء ~~الدواهي: لقيت منه البرحين والبرحين والفتكرين والفتكرين. قال: وحكيت لي ~~الفتكرين ولم أسمعها من العرب، وأنشد: # قد كلفت راعيها الفتكرين ... إضمامة من ذودنا الثلاثين # ولقيت منه الدهارس، واحدها دهرس، وهي الدواهي. وقال الكلبي: الدهاريس، ~~قال المتلمس: # حنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... بسل حرام ألا تلك الدهاريس # وقال أبو زيد: البسل الحرام، والبسل الحلال، وهو عندهم من الأضداد، قال ~~ابن همام السلولي للنعمان بن بشير الأنصاري: # زيادتنا نعمان لا تحرمننا ... تق الله فينا والكتاب الذي تتلو ~~PageV01P024 أيثبت ما زدتم وتلقى زيادتي ... دمي إن أحلت هذه لكم بسل # يقول: حلال. # وأنشد أبو زيد لضمرة بن ضمرة النهشلي، وكان في الجاهلية من الفتاك: # بكرت تلومك بعد وهن في الندى ... بسل عليك ملامتي وعتابي # أأصرها وبني عمي ساغب ... فكفاك من إبة علي وعاب # يقال في كل شيء عجل به: في أي وقت بكر به، ويقال: بكرت على فلان عشية ~~أمس، أي في أول أوقات العشي، ليس البكرة للغداة، ألا ترى إلى قوله: بعد ~~وهن، أي بعد ساعة من الليل، ومنه سميت الباكورة. وقوله: ومن إبة علي. يقال ~~أوبت إبة أي استحييت واحتشمت، وكذلك اتأبت من الشيء. وأوأبت الرجل أحشمته. # ويقال لطعام الفجأة: طعام ذو توبة، أي ذو حشمة. ويقال: لقيت منه الذربين ~~والذربيا، والأقورين والأقوريات. ولقيت منه بنات برح، وبني ms45 برح، وبنات بئس، ~~وبني بئس، وبنات أودك، ولقيت منه الأمرين، ولقيت منه بنات طبق، يعني ~~الداهية، وأم الربيق على وريق وعلى أريق، وأنشد: # إني رأيت العنز يمنع ربها ... من أن يضيح جارها بالسنبس # وهي الداهية. والقناذع: الدواهي، وأنشد: # ومن لا يورع نفسه تتبع الخنا ... ومن يتبع الجرباء يغش القناذعا # ولقيت منه الزبير، وهي الداهية، وأنشد: # فلاقوا من آل الزبير الزبيرا # وأنشد: # إذا تمطين على القياقي ... لاقين منها أذني عناق # والقياقي: واحدها قيقاءة، وهو ما ارتفع من الأرض، وأذني عناق، يريد شرا ~~وداهية. ولقيت منه الدقارير، واحدتها دقرارة. ولقيت منه صلا من الأصلال، ~~وصمة من الصممم، يريد الداهية. ويقال للداهية حول قلب. ومما تمثل به معاوية ~~عند موته: # الحول القلب الأريب وهل ... يدفع صرف المنية الحيل # والدرخمين الداهية. # وحدثني التوزي قال: سألت الأصمعي عن الدرفس والدرفسة فقال: هو الجمل ~~الشديد، وأنشد للعجاج: # كم قد حسرنا من علاة عنس ... كبداء كالقوس وأخرى جلس # درفسة أو بازل درفس # وكان الأصمعي لا يعرف الدرفس في بيت عبد الله بن قيس الرقيات وهو يمدح ~~عبد العزيز بن مروان: # تكنه خرقة الدرفس من الشمس ... كليث يفرج الأجما # فقال: الدرفس البعير، وما له ها هنا موضع، ولو كان إلي لقلت: تكنه خرقة ~~الدمقس، يعني الحرير. # وقال أبو العباس: وإنما الدرفس اسم لواء للعجم حملوه يوم القادسية لرستم ~~يقال له بالعجمية: درفش كابيان، فأعربه عبد الله بن قيس فقال: الدرفس. # وحدثني التوزي قال: صحف الأصمعي في بيت الحطيئة مرة فلم نسمع تصحيفا أحسن ~~منه، وهو: # أغررتني وزعمت أن ... ك لا تني بالضيف تأمر # أي لا تني تأمر بالضيف؛ تأمر بإكرامه وحسن قراه، والشعر: # أغررتني وزعمت أنك لابن بالصيف تامر # أي كثير اللبن والتمر. ويقال: شاة لبنة وغنم لبان ولبن ولبن. ويقال: كم ~~لبن غنمك؟ وكم رسلها؟ قال: إنه إنما قيل: كم لبن غنمك، أي كم فيها مما ~~يحلب، وفلان لابن وتامر إذا كان لبن وتمر، وتمرت القوم ولبنتهم ألبنهم لبنا ~~وقد ألبن الرجل: كثر لبنه، وتمرته فأنا أتمره. ms46 ولم نقصد فيما نذكره في هذا ~~الفصل طعنا على الأصمعي، ولا دفعا لعلمه، وكذلك غيره، ولكن الشيء يذكر ~~بالشيء، والحديث يجر الحديث. # حدثني التوزي عن أبي عبيدة قال: أنشدني المفضل: # وإذا ألم خيالها طرقت ... عيني فماء شؤونها سجم # وإنما طرفت فصحف، وهي للمخبل السعدي. # وقال الأصمعي: هي لطرفة، وأولها: # ذكر الرباب وذكرها سقم # وأخبرني التوزي عن أبي عبيدة أن المفضل أنشد بيت أوس بن حجر: # وذات هدم عار نواشرها ... تصمت بالماء تولبا جذعا # وإنما هو جدعا. والجدع السيئ الغذاء، ويقال جدعته وأجدعته: أسأت غذاءه. ~~ويقال للسيئ الغذاء الجحن والقتين، ويقال للذي قد أحسن غذاؤه مسرهف ومعذلج ~~ومخرفج، والتولب: الصغير. والأهدام: خلقان الثياب. PageV01P025 وحدثني ~~التوزي قال: أنشد المفضل قول اليشكري: # وكنت زمينا جار بيت وصاحبا ... ولكن قيسا في مسامعه صمم # وأخبرني أبو عبيدة والأصمعي قالا: إنما هو زميتا أي قريبا. # وأخبرني الأصمعي وأصحابنا أن المفضل أنشد قول البرجمي: # أفاطم إني هالك فتبيني ... ولا تجزعي كل النساء يتيم # وقال المفضل: امرأة يتيم إذا مات زوجها، وغلام يتيم مات أبوه، واليتم في ~~البهائم موت الأم. قال الأصمعي: وإنما هو: كل النساء تئيم أي تصير أيما ~~والأيم: التي لا زوج لها بكرا كانت أم ثيبا، والأيم عند العامة: الثيب. # وأخبرني الشيباني قال: سألت المفضل عن قول متمم بن نويرة: # لعمري وما دهري بتأبين هالك ... ولا جزع مما أصاب فأوجعا # ما التأبين؟ قال: لا أدري. والتأبين: ندبة الميت، وقال أبو زيد: أبنت ~~الميت تأبينا إذا بكيته بعد موته. # وحدثني الرياشي عن الأصمعي قال: ناظرني المفضل عند عيسى بن جعفر فأخطأ أو ~~صحف، فجعل يصيح ويشغب، فقلت له: أصب، وليكن كلامك كلام النمل، لو صحت إلى ~~النشور ما نفعك. # وحدثني التوزي قال: شهدت الأصمعي فقرأ عليه رجل: ما في بعيري هاتة فجوزها ~~له، ومضى الرجل، فرددت على الرجل فقلت: إنما هي هانة، والهانة الشحم، فسكت ~~الأصمعي وما أجابني بحرف. # قال: وشهدته أيضا - وقرأ عليه رجل: ما سمعنا العام قابة - قال الأصمعي: ~~يريد صوت الرعد، من القبيب، ms47 فقلت له: إنما قابة قطرة من المطر، يقال: ما ~~سمعنا العام قابة، أي قطرة مطر - وكان كيسان، وابن أبي يحيى الغنوي حاضرين ~~فوافقاني - فسكت الأصمعي. # وحدثني عن أبي عمرو الشيباني قال: كنا بالرقة فأنشد الأصمعي: # عننا باطلا وظلما كما تع ... نز عن حجرة الربيض الظباء # فقلت له: تعتر من العتيرة. والشعر للحارث بن حلزة، وأصل ذلك أن العرب ~~كانوا إذا بلغت إبل الرجل ألفا فقئوا عين الفحل لتدفع العين عنها، فهو ~~المفقأ يا فتى، وإذا زادت على الألف فقئوا العين الأخرى، فهو المعمى. وفي ~~ذلك يقول قائلهم: # فقأت لها عين الفحيل تعيفا # ومن نذورهم: إذا بلغت إبلي كذا ذبحت كذا وكذا شاة، ثم يقولون الظباء شاء، ~~فيذبحون مكان الشاة ظبية مما يصيدون، ويسمونها العتيرة، وحق ذلك أن يكون في ~~رجب، فذلك قول الحارث بن حلزة: عننا باطلا ... البيت. # باب # نذكره من باب إحالتهم بالذنب على غير المذنب. فمن ذلك أنهم كانوا إذا ~~امتنعت البقر من ورود الماء ضربوا الثور حتى يرد وترد بوروده، ففي ذلك يقول ~~أنس بن مدرك الخثعمي: # إني وقتلي سليكا ثم أعقله ... كالثور يضرب لما عافت البقر # وقال عوف بن عطية بن الخرع: # تمنت طيئ جهلا وجبنا ... وقد خاليتهم فأبوا خلائي # هجوني أن هجرت جبال سلمى ... كضرب الثور للبقر الظماء # ويدخل في هذا الباب قصة صحر التي يضرب بها المثل، وهي صحر بنت لقمان بن ~~عاد، وكان لقمان تزوج عدة نساء كلهن قد خانته في نفسه، فقتلهن، فلما قتل ~~أخراهن ونزل من الجبل كانت صحر انته أول من لقيه، فقتلها، وقال: وأنت أيضا ~~امرأة، فضرب بها المثل؛ قال خفاف بن ندبة: # وعباس يدب لي المنايا ... وما أذنبت إلا ذنب صحر # وقال عروة بن أذينة: # أتجعل تهياما بليلى إذا نأت ... وهجرا لها ظلما كما ظلمت صحر # قد ذكرنا من هذا الباب صدرا نخاف على قارئه الملال إن أطلناه، ونحذر من ~~ضجر يلحقه إن أسهبنا فيه، ويكفي من القلادة ما أحاط بالعنق. ونعود إلى ~~الأخبار، والأشعار يشبه بعضها بعضا، ms48 وبالله التوفيق. # باب # الحلم والأناة # يروى أن معاوية بن أبي سفيان كان أكثر الناس حلما، وأوسعهم عفوا، وأشدهم ~~إغضاء عمن نابذه، وأحسنهم احتمالا لمن عازه وعانده. # فمن ذلك أن لاج أغلظ له في الكلام، فقيل له: يا أمير المؤمنين، أتحلم عن ~~هذا وقد قال ما قال؟ قال معاوية: ما كنت لأحول بين الناي وبين ألسنتهم ما ~~لم يحولوا بيننا وبين ملكنا. PageV01P026 ويروى أن أبا الجهم الأموي قال: ~~لقد بت ليلة بأسرها قلقا أفكر في حلم معاوية فيذهب عني وسني، قال: وغدوت ~~عليه وأنا مجمع لقاءه بما أرجو أن يطيشه، فدخلت عليه، وقد كان عنده رجل ~~أغضبه بأشياء لقيه بها، فقلت في نفسي: ظفرت به؛ فسلمت عليه، فرد علي جوابا ~~ضعيفا، فقلت: يا بن هند، أبلغ بك الأمر إلى أن أسلم عليك فترد علي مثل هذا ~~الرد! والله لقد رأيت أمك وهي شابة ناهد، وأنا إذ ذاك أطلب الفجور، فعرضت ~~علي نفسها فأبيتها، فقال: يا أبا الجهم، أما أنك لو نكحتها لنكحت حصانا ~~كريمة، ولكنت أهلا لها. قال أبو الجهم: فوقعت على رجليه أقبلهما، وأقول: # نقلبه لنخبر حالتيه ... فيكشف عنهما كرما ولينا # نميل على جوانبه كأنا ... نميل إذا نميل على أبينا # فقام معاوية فدخل إلى حجرة له فدعا بأبي الجهم فقال له: يا أبا الجهم، ~~إياك وإغضاب الملوك، فإن لهم غضبا كغضب الصبيان، وبطشا كبطش الأسد. يا ~~غلام، أعطه ثلاثين ألف درهم، وليحملها معه ثلاثة من العبيد، فخرج من بين ~~يديه ومعه تلك الصلة. # ويروى أنه كان يقول: إذا لم يكن الملك حليما استفزه الشيء اليسير الذي ~~يندم عليه، وإذا لم يكن شجاعا لم يخفه عدوه، وإذا كان شحيحا لم يكن له خاصة ~~ولا مناصح، وإذا لم يكن صدوقا لم يطمع في رأيه. # وحدثني العتبي قال: قيل لمعاوية: ما النبل؟ قال: مؤاخاة الأكفاء، ومداجاة ~~الأعداء، فقيل له: وما المروءة؟ قال: الحلم عند الغضب، والعفو عند القدرة. # ويروى أنه لما ورد عليه خبر علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه صعد المنبر ms49 ~~فقال: الحمد لله الذي أدالنا من عدونا، ورد إلينا من زماننا، فقام إليه رجل ~~من أهل الشام، فقال: ما ذاك من كرامتك على الله يا معاوية، فقال له عمرو بن ~~العاص: اسكت يا جاهل، فوالله لأنت أنذل أهل الشام وأقطعهم عن الكلام، فتمثل ~~معاوية: # إني أرى الحلم محمودا مغبته ... والجهل أفنى من الأقوام أقواما # ونظر يوما إلى يزيد ابنه يضرب غلاما له، فقال: يا يزيد، أتضرب من لا ~~يمتنع منك! والله لقد حالت القدرة بيني وبين أولي الترات. # ويروى من ناحية زبير قال: حدثني مبارك الطبري قال: سمعت أبا عبيد الله ~~يقول: سمعت المنصور يقول للمهدي: يا أبا عبد الله، الخليفة لا يصلحه إلا ~~التقوى، والسلطان لا يصلحه إلا الطاعة، والرعية لا يصلحها إلا العدل، وأولى ~~الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة، وأنقص الناس عقلا من ظلم من هو دونه، ~~وأنشد: # وأحلام عاد لا يخاف جليسهم ... إذا نطق العوراء غرب لسان # إذا حدثوا لم يخش سوء استماعهم ... وإن حدثوا أدوا بحسن بيان # وقال عمر بن عبد العزيز: ثلاث من كن فيه فقد كمل: من إذا غضب لم يخرجه ~~غضبه من الحق، وإذا رضي لم يدخله رضاه في الباطل، وإذا قدر عفا وكف. # ويروى أن وفودا دخلت عليه، فتحفز فتى منهم للكلام، فقال عمر: كبروا، أي ~~ليتكلم أكبركم، فقال الفتى: إن قريشا ليرى فيها من هو أسن منك. فأطرق عمر ~~ثم قال: تكلم يا فتى. # وقال الشعبي: ما رأيت رجلا أفهم إذا حدث، ولا أنصت إذا حدث، ولا أحلم إذا ~~خولف من عبد الملك. # وقال المدائني: شتم رجل المهلب بن أبي صفرة فلم يردد عليه، فقيل له: لم ~~حلمت عنه؟ قال: لم أعرف مساويه، وكرهت أن أبهته بما ليس فيه. وشتم رجل فقال ~~الرجل لشاتمه: يا هذا، ما ستر الله عليك من عورتي أكثر، وأنشد: # لن يدرك المجد أقوام وإن كرموا ... حتى يذلوا وإن عزوا لأقوام # أو يشتموا فترى الألوان مشرقة ... لا صفح ذل ولكن صفح أحلام # وكان يقال: العقوبة ألأم حالات ms50 ذوي القدرة. وقال جعفر بن محمد: لأن أندم ~~على العفو أحب إلي من أن أندم على العقوبة. وقال أمير المؤمنين عليه ~~السلام: أول ما عوض الحليم من حلمه أن الناس أنصاره. وأنشد الشعبي: # ليست الأحلام في حال الرضا ... إنما الأحلام في حال الغضب # وقال الأخطل في بني أمية: # صم عن الجهل عن قول الخنا خرس ... وإن ألمت بهم مكروهة صبروا # شمس العداوة حتى يستقاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # وقال حاتم الطائي: PageV01P027 تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... فلن ~~تستطيع الحلم حتى تحلما # إذا شئت نازيت امرأ السوء ما نزا ... إليك ولاطمت اللئيم الملطما # وقال محمد بن زياد الحارثي: # تخالهم للحلم صما عن الخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر # ومرضى إذا لاقوا حياء وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الخوادر # لهم ذل إنصاف وأنس تواضع ... بهم ولهم ذلت رقاب المعاشر # كأن بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقاء المعابر # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إياكم ومشارة الناس؛ فإن المعاير ~~تدفن الغرة وتظهر العرة " . وأنشد: # وإني ليثنيني عن الجهل والخنا ... وعن شتم ذي القربى خلائق أربع # حياء وإيمان ودين وأنني ... حليم ومثلي لا يضر وينفع # وقال رجل من بني حنيفة يرثي أخاه: # لقد وارى المقابر من شريك ... كثير تكرم وقليل عاب # به كما نصول على الأعادي ... وننقض مرة القوم الغضاب # صموت في المجالس غير عي ... جدير حين ينطق بالصواب # كثير الحلم لا طبع عيي ... ولا فحاشة نزق السباب # قوله: صموت في المجالس غير عي، نظير قول ابن كناسة في إبراهيم بن أدهم ~~الغنوي: # رأيتك لا يغنيك ما دونه الغنى ... وقد كان يغنى دون ذاك ابن أدهما # يشيع الغنى إن ناله وكأنما ... يلاقي به البأساء عيسى بن مريما # أخاف الهوى حتى تجنبه الهوى ... كما اجتنب الجاني الدم الطالب الدما # وأكثر ما تلقاه في القوم صامتا ... وإن قال بد القائلين فأفحما # وقال آخر: # إني ليمنعني من ظلم ذي رحم ... لب أصيل وحلم غير ذي وصم # إن لان لنت وإن دبت عقاربه ... ملأت ms51 كفيه من عفو ومن كرم # ويروى أن الأحنف كان حليما وقورا عالما فقيها، وكانت الملوك ترجع إلى ~~رأيه وتعمل بقوله. وذكروا أن ختنا له أراد أن يستفز حلمه فقال: ملأتنا ~~ابنتك البارحة من دمائها؛ فقال: نعم إنها من نسوة يخبأن ذلك لأزواجهن؛ ~~فقال: إني حملت على نفسي البارحة في جماعها؛ فقال: ما زوجناك إلا لذلك. ~~وكان يقول: ما نازعني أحد إلا أخذت عليه بإحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له ~~قدره، وإن كان دوني رفعت نفسي عنه، وإن كان مثلي تفضلت عليه. ويروى أن ~~معاوية قال له: يا أحنف، أأنت صاحبنا يوم صفين، والمخذول عن أمير المؤمنين؟ ~~فقال الأحنف: والله يا معاوية إن القلوب التي أبغضناك بها يومئذ لفي ~~صدورنا، وإن سيوفنا التي قاتلناك بها لعلى عواتقنا، ولئن دنوت إلينا شبرا ~~من خير لندنون إليك ذراعا من عذر، ولئن شئت ليصفون لك ودنا بفضل حلمك عنا. ~~قال: قد شئت. وروى زبير عن رجاله قال: دخلت على معاوية موجدة على يزيد، ~~فأرق لذلك ليلته، فلما أصبح بعث إلى الأحنف فقال له: كيف رضاك عن ولدك؟ - ~~أو ما تقول في الولد؟ - قال الأحنف: فقلت في نفسي: ما سألني أمير المؤمنين ~~عن هذا إلا لموجدة دخلته على يزيد، فحضرني كلام لو كنت روأت فيه سنة كنت قد ~~أجدت، فقلت: يا أمير المؤمنين: هم ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن لهم أرض ~~ذليلة، وسماء ظليلة، وبهم نصول ونصل إلى كل حيلة، فإن سألوك فأعطهم، وإن ~~غضبوا فأرضهم، يمحضوك ودهم، ويلطفوك جهدهم، ولا تكن عليهم قفلا لا تعطيهم ~~إلا نزرا فيملوا حياتك ويكرهوا قربك. فقال: لله در الأحنف! لقد دخلت علي ~~وإني لمن أشد الناس موجدة على يزيد، فلقد سللت سخيمة قلبي؛ يا غلام، اذهب ~~إلى يزيد فقل له: إن أمير المؤمنين يقرأ عليك السلام ويقول لك: قد أمرنا لك ~~بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب، فأرسل من يقبض مالك، فأتاه الرسول فأعلمه، ~~فقال: من كان عند أمير المؤمنين؟ فقال: الأحنف؛ فقال: لا جرم! لأقاسمنه ~~الجائزة، فوجه ms52 برسول يأتيه بالمال ورسول يأتيه بالأحنف. فقال: يا أبا بحر: ~~كيف كان رضا أمير المؤمنين؟ فأخبره: فقاسمه الجائزة، وأمر له بمائة ألف ~~ومائة ثوب. PageV01P028 وحدثني الرياشي قال: دخل عقيل بن أبي طالب على ~~معاوية - وكان من أحضر الناس جوابا - فقال له معاوية: يا عقيل، ما حال عمك ~~أبي لهب؟ وأين مكانه من النار؟ فقال: إذا أنت دخلتها فخذ على يسارك؛ فستجده ~~مفترشا عمتك حمالة الحطب؛ فأطرق معاوية. # ويروى أنه قال له يوما: أيما خير لك: أنا أم علي؟ فقال: ذاك خير لديني، ~~وأنت خير لدنياي. وكان يسبغ جائزته إذا وفد عليه. # وحدثني الزيادي قال: لما بنى معاوية الخضيراء دخل إليها ومعه عمرو بن ~~العاص، فأخذ يفتح بابا بابا، ويقول: هذا اتخذناه لكذا، وهذا بنيناه لكذا، ~~فرأى في بعض الأبنية غلاما يفجر بجارية من جواريه، فقال: وهذا اتخذناه ~~ليفجر فيه غلماننا بجوارينا، وحلم عن الغلام والجارية ولم يعاقبهما. # ويروى أن كسرى أنو شروان لما قتل بزرجمهر بعث إلى ابنته، فلما بعث إليها ~~غطت رأسها، فقالت: هيبتي لك في وفاته، كهيبتي لك في حياته، وكذا كنت أفعل؛ ~~فقال: اخطبوها لي، فقالت: انظروا إلى ملك يقتل وزيرا لا يجد له عوضا، ويصير ~~بينه وبين فراشه موتورة بأبيها! فدعا بجوهر فحشا به فاها. # ويروى أن رجلا قال للرشيد: أني أريد أن أعظك وأغلظ لك في القول، فقال ~~الرشيد: يا هذا ليس ذلك لك، قد بعث الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، ~~فأمره أن يقول له قولا لينا. # باب # الشكر للصنائع # يروى من غير وجه سمعنا أن علي بن أبي طالب رضوان الله عليه قال: لا ~~يزهدنك في المعروف من لا يشكرك عليه، فقد شكرك عليه من لم يستمتع منك بشيء، ~~وقد يدرك من شكر الشاكر أكثر مما أضاع منه الكافر. وكان من دعائه: الحمد ~~لله أحمد ومعترفا بالتقصير في شكره، وأستغفره طامعا في عفوه، وأتوكل عليه ~~فاقة إلى كفايته. وكان يقول: لا تكونن كمن يعجز عن شكر ما أوتي، ويطلب ms53 ~~المزيد، يأمر الناس بما لا يأتي، يحب الصالحين ولا يعمل بأعمالهم، ويكره ~~المسيئين وهو منهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ولا يدعها في حياته. وجاء في ~~الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز وجل ليحمد العبد ~~إذا قال الحمد لله " ، فلذلك قال محمود الوراق في هذا المعنى: # إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر # فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر # إذا مس بالسراء عم سرورها ... وإن مس بالضراء أعقبها الأجر # وما منهما إلا له فيه نعمة ... تضيق بها الأوهام والبر والبحر # فهذا معنى لطيف؛ يعني أن الله عز وجل لا يحمد إلا بتوفيق يجب أن يحمد على ~~توفيقه، ثم وجب في الحمد الثاني ما وجب في الحمد الأول، ثم إلى ما لا ~~نهاية. # ويروى في الخبر أن داود عليه السلام قال: إلهي كيف لي أن أشكرك وأنا لا ~~أصل إلى شكرك إلا بنعمتك! فأوحى الله عز وجل إليه: أن يا داود، ألست تعلم ~~أن الذي بك من النعم هو مني! قال: بلى يا رب، قال: فإني أرضى بذلك منك ~~شكرا. # فلو كان يستغني عن الشكر ماجد ... لعزة مجد أو علو مكان # لما أمر الله العباد بشكره ... فقال اشكروا لي أيها الثقلان # وكان يقال: كثرة الامتنان من النعم تهدم الصنيعة وتكدر المعروف. وكان ~~يقال: من كفر النعمة كتمانها من المنعم عليه، ومن تكديرها إظهارها من ~~المنعم. فعلى المنعم أن لا يمتن، وعلى المنعم عليه أن لا يكفر، وأنشد: # زاد معروفك عندي عظما ... أنه عندك مستور حقير # تتناساه كأن لم تأته ... وهو عند الله مشكور كبير # وقال آخر: # لأشكرنك معروفا هممت به ... إن اهتمامك بالمعروف معروف # ولا ألومك إن لم يمضه قدر ... فالشيء بالقدر المجلوب مصروف # وكان معاوية يقول: من هم بالمعروف ثم عجز عنه فقد وجب شكره، ويروى عن ~~سليمان التيمي أنه قال: إن الله أنعم على العباد بقدر قدرته، وكلفهم من ~~الشكر بقدر طاقتهم. وشكر أعرابي رجلا ms54 أولاه جميلا فقال له: لا ابتلاك الله ~~ببلاء يعجز عنه صبرك، وأنعم عليك بنعمة يعجز عنها شكرك. وكان عمر بن عبد ~~العزيز يقول: قيدوا النعم بالشكر، والعلم بالكتابة. وقالت هند بنة المهلب: ~~اغتنموا شكر النعمة قبل زوالها. وقال محمود الوراق: PageV01P029 أعارك ماله ~~لتقوم فيه ... بطاعته وتقضي فضل حقه # فسلم تشكره نعمته ولكن ... قويت على معاصيه برزقه # تجاهره بها عودا وبدءا ... وتستخفي بها من شر خلقه # وقال بعض الظرفاء: # وزهدني في كل خير فعلته ... إلى الناس ما جربت من قلة الشكر # إذا أنت لم تنظر لنفسك حظها ... أحاطت بك الأشياء من حيث لا تدري # وكان الناس يحبون أن يحمدوا على ما أولوا، وأن يظهروا الشكر لهم على ما ~~قدموا، وأن يكون ذلك في غير وجوههم. ويروى أن أعرابيا دخل على هشام بن عبد ~~الملك فأثنى عليه، فقال: إنا لا نحب أن نمدح في وجوهنا، قال: لست أمدحك، ~~ولكني أحمد الله فيك، وأنشد: # شكري كفعلك فانظر في عواقبه ... تعرف بفضلك ما عندي من الشكر # وقال آخر: # فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمله الناظر # لمثلته لك حتى تراه ... فتعلم أني امرؤ شاكر # وقال آخر: # كنت أثني على معاوية الأو ... سي قبل العطاء خير الثناء # فأراني بعد البلاء تناهي ... ت وخير الثناء بعد البلاء # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " قال لي جبرائيل عليه ~~السلام: من أسديت إليه معروفا فكافأ فذاك، ومن عجز عن ذلك فأثنى فقد كافأ " ~~. وأنشد: # ثمن الصنيعة شكر صاحبها ... والشكر شيء ما له ثمن # وقال آخر: # ولا يشترى الحمد أمنية ... ولا يشترى الحمد بالمقصر # ولكنه يشترى غاليا ... فمن يعط أثمانه يشتر # ومن يعتطفه على مئزر ... فنعم الرداء على مئزر # ويروى أن عبد الله بن العباس - وكان من الأجواد - أمر لسائل سأله بعشرة ~~آلاف درهم، فصبت في حجره فتخرق ثوبه، فبكى، فقال له: أعلى قميصك تبكي؟ ~~فقال: لا والله ولكن على ما يأكل التراب منك، فقال: شكرك أحسن من صنيعتنا، ~~يا غلام أعطه مثلها. ويروى عن ms55 بعض الحكماء أنه قال: من شكر استحق الإحسان، ~~ومن أحسن استحق الشكر. ولقد أحسن أبو نواس حيث يقول في كلمة له: # أنت امرؤ طوقتني مننا ... أوهت قوى شكري فقد ضعفا # لا تسدين إلي عارفة ... حتى أقوم بشكر ما سلفا # وقال آخر: # سأشكر عمرا ما تراخت منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الغنى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # رأى خلتي من حيث يخفى مكانها ... فكانت قذى عينيه حتى تجلت # إذا استقبلت منه المودة أقبلت ... وإن غمزت منه القناة اكفهرت # وقال آخر: # شكرتك إن الشكر مني سجية ... وما كل من أوليته نعمة يقضي # ونبهت من ذكري وما كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # وقال آخر: # جلت أياديك عن الذكر ... فحار في معقولها شكري # ما تنقضي منك يد ثيب ... حتى تثني بيد بكر # فالشكر في عرفك مستهلك ... كقطرة في لجة البحر # لم يعف معروفك عندي ولا ... يعفو إلى المبعث والحشر # وشكر أعرابي رجلا فقال: ذاك من شجر لا يخلف ثمره، ومن ماء لا يخاف كدره. ~~وشكر آخر رجلا فقال: الحمد لله على توفيقه إياك في إعطائي، وعلى توفيقه ~~إياي في مسألة مثلك، أعاشك الله صالحا. وقال بعض الحكماء: الشكر بالغ ما ~~بلغ أدق من الصنيعة كائنة ما كانت؛ لأن الشكر فرع من فروع الصنيعة، ولها ~~وعنها كان، ولولا الصنيعة لم يكن شكر. # قد أردنا أن نصل كتابنا بما شرطناه على أنفسنا من ذكر ما ينتفع به من ~~يأخذه عنا، وينشره من ينسبه إلينا، وقد أتينا منه بعض ما أردنا وقصدنا، ~~وكرهنا الإطالة، وخفنا على قارئه السآمة، وأشفقنا أن يبلغ به حد المجاوزة؛ ~~فإن الإكثار سرف، كما أن التقصير عجز. ويروى عن بعض الحكماء أنه قال: من ~~أطال الحديث عرض أصحابه للسآمة وسوء الاستماع. # ونحن خاتمو كتابنا هذا بباب يشتمل على فنون من الآداب، ويتضمن بعض ما ~~نستحسنه من الأخبار والأشعار التي يشاكل بعضها بعضا، ونضيف إلى ذلك من ~~العظات الموجزة، والأمثال السائرة، والأشعار الموزونة. ms56 وبالله الحول ~~والقوة. # باب يشتمل على فصول # فصل في الحسد PageV01P030 حدثني التوزي قال: قال معاوية بن أبي سفيان: كل ~~إنسان أقدر أن أرضيه إلا حاسد نعمة فإنه لا يرضيه إلا زوالها. وقال عمر بن ~~عبد العزيز: ما رأيت ظالما أشبه بمظلوم من حاسد، غم دائم، ونفس متتابع. ~~وكان يقال: الحاسد إذا رأى نعمة بهت، وإذا رأى مصيبة شمت. وكان يقال: من ~~علامات الحسود أن يتملق الرجل إذا حضر، ويغتابه إذا غاب، ويشمت بالمصيبة ~~إذا نزلت. وكان يقال: ستة لا تخطئهم الكآبة: فقير حديث عهد بغنى، ومكثر ~~يخاف على ماله التلف، والحسود، والحقود، وطالب مرتبة فوق قدره، وخليط أهل ~~أدب غير أديب. وقال بعض الحكماء لبنيه: إياكم والحسد فإنه يبين فيكم ما لا ~~يبين على عدوكم. وقال معاوية: ليس في خلال الشر خلة أعدل من الحسد فإنه ~~يقتل الحاسد قبل أن يصل إلى المحسود. وقال ابن المقفع: الحسد خلق دنيء، ومن ~~دناءته أنه يبدأ بالأقرب فالأقرب # حسدوا النعمة لما ظهرت ... فرموها بأباطيل الكلم # وإذا ما الله أسدى نعمة ... لم يضره قول حساد النعم # ومن الدعاء: اللهم إني أعوذ بك من الكمد، ومن الانطواء على الحسد، ومن ~~صاحب لا يقيل عثرة، ولا يقبل معذرة، ومن صديق يمدح في المحيا ويغمز في ~~القفا، ومن جار مؤذ، وولد عاق، وأمة خائنة، وعبد آبق، وعاقر غيرى. وكان ~~يقال: لا يوجد العجول محمودا، ولا الغضوب مسرورا، ولا الحر حريصا، ولا ~~الكريم حسودا، ولا الشره غنيا، ولا الملول ذا إخوان. # فصل في كتمان السر # أنشدني بعض أصحابنا: # إذا أنت لم تحفظ لنفسك سرها ... فسرك عند الناس أفشى وأضيع # وقال آخر: # ليس سري يجاوز الدهر قلبي ... كل سر يجاوز القلب فاش # وحدثني الرياشي قال: يروى أن عثمان بن عنبسة بن أبي سفيان أسر إلى معاوية ~~سرا، فأتى أباه عنبسة فقال: إن معاوية أسر إلي سرا، فأحدثك به؟ قال: لا، ~~قال: ولم؟ قال: لأن الرجل إذا كتم سره كان الأمر إليه، وإذا أذاعه فالأمر ~~عليه، ولا تجعلن نفسك مملوكا ms57 بعد أن كنت حرا، قال: أفيدخل هذا بين الأب ~~وابنه؟ قال: لا يا بني، ولكن أكره أن تذلل لسانك بإفشاء السر، قال فأتى ~~معاوية فذكر ذلك له، فقال: أعتقك أخي من رق الخطأ، وأنشد: # دست إلي رسولا لا تكن عجلا ... واحذر هديت وأمر الحازم الحذر # إني رأيت رجالا من ذوي رحم ... هم العدو بظهر الغيب قد نذروا # إن يقتلوك كفاك القتل قادره ... والله جارك مما يزمع النفر # فالسر يكتمه الخلان بينهما ... وكل سر عدا الخلين منتشر # وقال قيس بن الخطيم: # فإن ضيع الإخوان سري فإنني ... كتوم لأسرار الصديق أمين # يكون له عندي إذا ما اتهمته ... مكان بسوداء الفؤاد مكين # وقال بعض المحدثين: # لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذارا أن تضيع السرائر # ولا لاحظتها مقلتاي بلحظة ... فتفهم نجوانا العيون النواظر # ولكن جعلت الوهم بيني وبينها ... كلاما فأدى ما تجن الضمائر # وقال آخر: # ولا تخبر بسرك بل أمته ... وصير في حشاك له حجابا # فما استودعت مثل النفس سرا ... ولا أغلقت مثل الصدر بابا # وقال العباس بن الأحنف: # أيا من سروري به شقوة ... ومن صفو عيشي به أكدر # أظنك جربتني بالصدود ... د عمدا لتعلم هل أصبر # أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر # ولو لم أصنه لبقيا عليك ... نظرت لنفسي كما تنظر # فصل آخر في تفضيل الكبير PageV01P031 حدثني الرياشي أن بني عبد الملك بن ~~مروان كانوا إذا انصرفوا من دار أبيهم مضوا مع أكبرهم حتى يشيعوه، فإذا ~~فارقوه مضى الباقون مع أسنهم حتى يرجع آخرهم وحده. ويروى عن رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم أنه قال: " حق كبير الإخوة على إخوته كحق الوالد على ولده " ~~. ويروى في الحديث أن يعقوب لما دخل على يوسف تقدم يوسف أباه في المشية، ~~فأوحى الله: يا يوسف تقدمت أباك في المشية، جعلت عقوبتك ألا يخرج من نسلك ~~نبي. ويروى أن غلاما يقال له ذر احتضر فحضر أبوه فقال وهو بين يديه يجود ~~بنفسه: ذر، لئن مت لما في موتك علينا غضاضة، ولئن عشت لما بنا ms58 إلى غير الله ~~حاجة. فلما مات وقف على قبره ثم قال: اللهم إني قد غفرت لذر ما قصر فيه من ~~واجب حقي، فاغفر له ما قصر فيه من واجب حقك، فلما انصرف من قبره سئل كيف ~~كانت عشرته معك؟ فقال: ما مشى معي في ليل قط إلا كان أمامي، ولا في نهار ~~إلا كان ورائي، ولا ارتقى سقفا كنت تحته. # ويروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للحسن والحسين: " هما سيدا ~~شباب أهل الجنة، وأبوهما خير منهما " . ويروى أنه قيل لعلي بن الحسين: إنك ~~أبر الناس وأتقاهم، فما بالك لا تأكل مع والدتك في صحفة واحدة؟ فقال: أكره ~~أن تقع عينها على لقمة فأحاول أخذها وأنا لا أعلم فأكون قد عققتها. ويروى ~~أن عليا كان أبر الناس وأتقاهم، وكان إذا سافر كتم نسبه، وستر وجهه، فقيل ~~له في ذلك فقال: أكره أن آخذ برسول الله مالا أعطى مثله. وكان يقول: ما ~~أكلت بنسبتي من رسول الله درهما قط. # وحدثني الرياشي قال: قال سعيد بن المسيب: كنت وأنا صغير ألعب مع علي بن ~~الحسين عليه السلام بالمداحي، فكان إذا غلبني ركبني وإذا غلبته يقول: أتركب ~~ابن رسول الله عليه السلام. والمداحي أصلها من الدحو، وهو المر السهل، وهي ~~المواضع التي تنتضل بها العرب بينهم، لأنهم يرمون بالواحدة فتقع موضعا ثم ~~تمر مرا سهلا حتى تدخل في الحفرة. وحدثني أصحابنا جميعا عن الأصمعي قال: ~~قلت لابن أقيصر: ما خير الخيل؟ قال: الذي إذا استدبرته حبا، وإن استقبلته ~~أقعى، وإن استعرضته استوى، وإذا عدا دحا، وإذا مشى ردى، قلت: وما الرديان؟ ~~قال: مشي الحمار بين آريه ومتمعكه. وقالت الأنصار: فقدنا صدقة السر مذ مات ~~علي بن الحسين صلوات الله عليه. # وحدثني مسعود بن بشر قال: قال طاوس: رأيت علي بن الحسين ساجدا في المسجد ~~بمكة، فقلت: رجل من آل النبي عليه السلام، أمضي فأصلي خلفه، فمضيت فدنوت ~~منه، فسمعته يقول: " عبدك بفنائك، فقيرك بفنائك، مسكينك بفنائك " ، ~~فتعلمتهن فما دعوت بها في ms59 كرب قط إلا فرج عني. # وحدثني التوزي عمن حدثه قال: قال علي بن الحسين: لقد ابيضت عينا يعقوب من ~~أقل مما نالني؛ وذلك أنه فقد واحدا من اثني عشر، وأنا رأيت ثلاثة عشر من ~~لحمتي قتلوا بين يدي. # وروي عن جابر بن سليمان الأنصاري عن عمه عثمان بن صفوان الأنصاري قال: ~~خرجنا في جنازة علي بن الحسين رحمة الله عليهما، فتبعتنا ناقته تخط الأرض ~~بزمامها، فلما صلينا عليه ودفناه أقبلت تحن وتتردد وتريد قبره، فأوسعنا ~~لها، فجاءت حتى بركت عليه وجعلت تفحص بكركرتها وتحن، فوالله ما بقي أحد إلا ~~بكى وانتحب، وقال: وبلغنا أنه حج عليها ثماني عشرة حجة أو تسع عشرة حجة لم ~~يقرعها بعصا. # وكان يقال لعلي بن الحسين: ذو الخيرتين، لأن أمه كانت ابنة يزدجرد؛ ~~وتأويل ذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن الله عز ولجل من ~~خلقه خيرتين: من العرب قريش، ومن العجم فارس " . وكان الأصمعي يحدث أن ابنة ~~يزدجرد جاءت علي بن أبي طالب في مائة وصيفة، فقال علي: أكرموها فإنها حديثة ~~عهد بنعمة فقال لها: تزوجي بالحسين ابني، فقالت: بل أتزوجك أنت، فقال لها: ~~الحسين شاب، وهو أحق بالتزويج مني، فقالت: مثلي لا يملكه من يملك. وزعم عمر ~~بن الخطاب أنه ليس أحد أذكى من أولاد السراري، لأن لهم عز العرب وتدبير ~~العجم. ويقال لولد السرية الهجين، وهو الذي أمه أمة وأبوه عربي شريف. ~~وأنشدني الرياشي: # إن أولاد السراري ... كثروا يا رب فينا # رب أدخلني بلادا ... لا أرى فيها هجينا # فصل آخر PageV01P032 حدثني مسعود بن بشر في إسناد متصل قال: اجتمع ~~الفرزدق وجرير والأخطل والبعيث بباب بشر بن مروان بالكوفة، فدخل عليه داخل ~~فأخبره بمكانهم، وأعلمه أنه لم ير مثلهم بباب ملك قط، فأذن للفرزدق ثم ~~لجرير ثم للأخطل، وأمسك عن البعيث، فقال له الرجل: إن البعيث معهم، فقال: ~~إنه ليس كهؤلاء، ثم أذن للبعيث، فلما دخل مثل بين يديه فقال: أيها الأمير، ~~إن الناس قد تحدثوا بالباب أنك أذنت لهؤلاء ms60 لفضل رأيته لهم علي، قال: أو ما ~~تعلم ذاك؟ قال: لا والله ولا الله يعلمه، قال: فأنشدني، قال: أو أخبرك من ~~معايبهم بما تستغني به عن الإنشاد، فقال: هات، قال: أما هذا القرد - يعني ~~الفرزدق - فقد قال في هجائه ابن المراغة - يعني جريرا - : # فمالك بيت الزبرقان وظله ... ولا لك بيت عند قيس بن عاصم # بأي رشاء يا جرير وماتح ... تدليت في تلك البحور الخضارم # فجعله تدلى عليهم، وإنما أتاهم من تحتهم لو كان يعقل. وأما هذا - يعني ~~ابن المراغة - فقال في هجائه هذا القرد يعني الفرزدق: # لقومي أحمى للحقيقة منكم ... وأضرب للجبار والنقع ساطع # وأوثق عند المرهقات عشية ... لحاقا إذا ما جرد السيف لامع # فجعل نساءه قد أردفن وفضحهن ووثقن باللحاق. وأما هذا الكافر - يعني ~~الأخطل - فقال في وقعة نجا منها أسيرا، وأقر على نفسه وقومه بالذل: # لقد أوقع الجحاف بالبشر وقعة ... إلى الله منها المشتكى والمعول # فوصله يومئذ وحرمهم. فحلف جرير أنه لم يقل: وأوثق عند المردفات، وإنما ~~قال: عند المرهقات. والشيء يذكر بالشيء، أنشدني مسعود بن بشر لأحمد أخي ~~أشجع السلمي يمدح نصر بن شبث: # لله سيف في يدي نصر ... في متنه ماء الردى يجري # أوقع نصر بالسواجير ما ... لم يوقع الجحاف بالبشر # أبكى بني بكر على تغلب ... وتغلبا أبكى على بكر # وقيل لبشر بن مروان: أيما أشعر، جرير أم الفرزدق أم الأخطل؟ فقال: والله ~~ما كان الأخطل مثلهما، ولكن أبت ربيعة إلا أن تجعله ثالثا، قال: أجرير أم ~~الفرزدق؟ فقال: إن جريرا سلك أساليب من الشعر لم يسلكها الفرزدق، ولقد ماتت ~~النوار وكانوا ينوحون عليها بشعر جرير. وكان الأصمعي يقول: قال أبو عمرو بن ~~العلاء: الأخطل ثم الفرزدق ثم جرير، وكان أبو عبيدة يقول بمثل قول أبي ~~عمرو. ويروى أن الفرزدق قال للنوار: أنا أشعر أم جرير؟ قالت: إنك لشاعر وإن ~~جريرا والله لشاعر، قال لها: أتقسمين على جرير! قالت: إنه والله غلبك على ~~حلوه وشاركك في مره. وسئل ابن دأب عن جرير والفرزدق فقال: الفرزدق أشعر ms61 ~~عامة وجرير أشعر خاصة. وسئل يونس بن حبيب عنهما فقال أبو عبيدة للسائل: أنا ~~أخبرك عنه، الفرزدق أشعر. قال يونس: ما شهدت مشهدا قط ذكرا فاتفق أهل ذلك ~~المجلس على أحدهما. # وحدث أبو عبد الله محمد بن سلام الجمحي قال: رأيت أعرابيا من بني أسيد ~~أعجبني ظرفه وروايته، فقلت: أيهما أشعر عندك؟ فقال: بيوت الشعر أربعة: فخر ~~ومدح وهجاء ونسيب، وفي كلها غلب جرير، فالفخر قوله: # إذا غضبت عليك بنو تميم ... حسبت الناس كلهم غضابا # والمدح قوله: # ألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح # والهجاء قوله: # فغض الطرف إنك من نمير ... فلا كعبا بلغت ولا كلابا # والنسيب قوله: # إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # وقال أبو عبد الله: والنسيب عندي قوله: # ولما التقى الحيان ألقيت العصا ... ومات الهوى لما أصيبت مقاتله ~~PageV01P033 فقلت للأسيدي: والله لقد أوجعكم - يعني في الهجاء - ، فقال: يا ~~أحمق أو ذاك يمنعه من أن يكون شاعرا! ويروى أن الفرزدق كان حسن التدين ~~محمود السيرة، وأنه كان إذا ضحك فاستغرب في الضحك التفت كأنه يخاطب ملكيه، ~~فقال: أما والله لأسمعنكما خيرا: لا إله إلا الله والحمد لله وأستغفر الله. ~~ويروى أنه اجتمع هو والحسن البصري في جنازة فقال الفرزدق للحسن: يا أبا ~~سعيد، أتدري ما يقول الناس؟ قال: لا، قال: يقولون اجتمع في هذه الجنازة خير ~~الناس وشر الناس، فقال الحسن: كلا لست بخيرهم ولست بشرهم، ولكن ما أعددت ~~لهذا الموضع؟ قال: شهادة أن لا إله إلا الله منذ سبعين سنة، فقال الحسن: ~~خذها والله من غير فقيه، ثم أنشأ الفرزدق يقول: # أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من القبر التهابا وأضيقا # إن قادني نحو القيامة قائد ... عنيف وسواق يسوق الفرزدقا # لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا # يقاد إلى نار الجحيم مسربلا ... سرابيل قطران لباسا ممزقا # إذا شربوا فيها الصديد رأيتهم ... يذوبون من حر الجحيم تحرقا # فلما مات الفرزدق رؤي في المنام فقيل: ما ms62 صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي، ~~فقيل: بماذا؟ قال: بالكلمة التي نازعنيها الحسن على شفير القبر. ويروى أن ~~أبا هريرة قال له: إني أرى لك قدمين لطيفين فانظر أن تجعل لهما موضعا لطيفا ~~يوم القيامة، ومهما صنعت من شيء فلا تقنط من رحمة الله. # وحدثني الرياشي قال: هجا الفرزدق ابن هبيرة لما ولي فقال: # أمير المؤمنين وأنت بر ... بذاك ولست بالطبع الحريص # أأطمعت العراق ورافديه ... فزاريا أحد يد القميص # ولم يك قبلها راعي مخاض ... ليأمنه على وركي قلوص # تفيهق في العراق أبو المثنى ... وعلم قومه أكل الخبيص # فبينما ابن هبيرة قاعد ينظر وجهه في المرآة قالت له الجارية: أصلح الله ~~الأمير، قد قدم أمير آخر، فقال: لا إله إلا الله، هكذا تقوم الساعة، وكان ~~القادم خالد بن عبد الله القسري، فأراد خالد أن يعذب ابن هبيرة، فقال ابن ~~هبيرة: أنشدك الله أن تستن في سنة هي تستن فيك غدا، إن القوم الذي ولوك هم ~~القوم الذين عزلوني، فقال: لا حاجة لي في عذابك، فحبسه. وكان لابن هبيرة ~~مولى من الدهاة، فنقب من داره إلى حبس ابن هبيرة، وهرب به إلى مسلمة بن عبد ~~الملك، فاستجار به، فدخل مسلمة على أخيه يزيد أو هشام، فقال: يا أمير ~~المؤمنين إن لي حاجة - وكانت تقضى في كل يوم ثلاث حوائج - فقال: نعم كل ~~حاجة لك مقضية ما خلا ابن هبيرة، فقال: ما عودني أمير المؤمنين أن يستثني ~~علي، فلم يزل به حتى أجابه. وقدم خالد بن عبد الله فأمر مسلمة بتلقيه، وكان ~~فيمن تلقاه ابن هبيرة، فقال خالد: يابن هبيرة أإباق كإباق الأمة! فقال ابن ~~هبيرة: أنوم كنوم العبد! وفي ذلك يقول الفرزدق: # ولما رأيت الأرض قد سد ظهرها ... ولم يبق إلا بطنها لك مخرجا # دعوت الذي ناداه يونس بعد ما ... ثوى في ثلاث مظلمات ففرجا # خرجت ولم يمنن عليك طلاقة ... سوى ربذ التقريب من آل أعوجا # فأصبحت تحت الأرض قد سرت سيرة ... وما سار سار مثلها حين أدلجا # فقال ابن هبيرة: ما ms63 رأيت أكرم من الفرزدق، هجاني أميرا ومدحني أسيرا. # فصل آخر في الفصاحة # حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: قلت لعيسى بن عمر: أنا أفصح من معد بن ~~عدنان: قال لي: تجاوزت، فأنا أفصح منك، فقلت له: كيف ينشد هذا البيت: # قد كن يكنن الوجوه تسترا ... فالآن حين بدأن للنظار # أو بدين؟ فقال لي: بدأن، فقلت له: لم تصب، لأنه يقال بدا يبدو، وبدأ ~~الشيء يبدؤه إذا أنشأه واستأنفه، والصواب: حين بدون. # وحدثني هارون بن عبد الله المهلبي قال: حدثني نصر بن علي بن عبد الله عن ~~أبيه - وكان أبوه قرين سيبويه - قال سمعت الخليل بن أحمد يقول: أفصح الناس ~~أزد السراة. PageV01P034 وحدثني هارون عن نصر بن علي عن الأصمعي قال: سمعت ~~أبا عمرو بن العلاء يقول: أفصح الناس سافلة قريش وعالية تميم، قال: وكنا ~~نسمع أصحابنا يقولون: أفصح الناس تميم وقيس وأزد السراة وبنو عذرة. # وحدثني علي بن القاسم الهاشمي قال: رأيت قوما من أزد السراة لم أر أفصح ~~منهم، وكانوا يلبسون الثياب المصبغة، قلت لأحدهم: ما حملك على لبس المصبغ؟ ~~قال: ابتغاء الحسن. # وحدثني علي بن القاسم عن أبي قلابة الجرمي قال: رأيت قوما من بني الحارث ~~بن كعب لم أر أفصح منهم. وفي الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد ~~عليه الوفود فأقرأ الأخماس كل خمس على لغته فكان أعرب القوم تميم. وعنه ~~عليه السلام أن عمر بن الخطاب قال له: ما رأيت أفصح منك، قال: " بيد أني من ~~قريش ونشأت في بني بكر بن سعد بن هوازن " . ويروى غير " بيد أني " ، " من ~~أجل أني " . قال أبو العباس: وكل عربي لم تتغير لغته فصبح على مذهب قومه، ~~وإنما يقال: بنو فلان أفصح من بني فلان، أي أشبه بلغة القرآن ولغة قريش، ~~على أن القرآن نزل بكل لغات العرب. ويروى عن ابن عباس أنه قال: كنت لا أدري ~~ما الفتاح حتى سمعت ابنة ذي يزن تقول لخصم لها: هلم فاتحني، أي حاكمني، ~~فعلمت أن الحاكم الفتاح. وكنت لا ms64 أدري ما " فاطر السماوات " حتى سمعت ~~أعرابيا ينازع في بئر فقال: أنا فطرتها، يريد أنشأتها. # وكان أبو محلم من أفصح من رأيت لسانا، وحدثني قال: جئت يونس بن حبيب ~~النحوي فسألته عن هذا الحديث: " خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة " فقال: ~~هذا من لغاتكم يا بني سعد، ويقال: خير المال نتاج أو زرع، فأنشدته: # لهفي على شاة أبي السباق ... عتيقة من غنم عتاق # مرغوسة مأمورة معناق ... تحلب رسلا طيب المذاق # فكتبه يونس على ذراعيه وقال: إنك لجياء بالخير. قال أبو محلم: المرغوسة ~~النامية، وأنشد للعجاج: # إمام رغس في نصاب رغس ... من نسل مروان قريع الإنس # وابنة عباس قريع عبس # وحدثني عن الأصمعي قال: رأيت امرأة من بني تميم لم أر أفصح منها، فسمعتها ~~تدعو على أخرى وتقول: إن كنت كاذبة فحلبت قاعدة. قال: رعية الغنم عندهم ضعة ~~فإنها تتمنى لها ذلك. # وحدثني الزيادي قال: قالت امرأة: مررت بالبادية فرأيت أبياتا، فقصدتها ~~فقامت امرأة هنالك، وإذا نسوة يتضاحكن، فقلت: ما يضحككن؟ قلن: هذه التي ~~توارت مي صاحبة ذي الرمة. قالت: فقلت: فقد والله كنت أشتهي أن أراها، فالآن ~~لا أبرح حتى أراها، فدعونها فلم تجبهن، فأقسمن عليها فخرجت وهي تقول: شهرني ~~غيلان شهره الله. فلم أكبرها حين رأيتها، فلما تكلمت ورأيت فصاحتها علمت أن ~~ذا الرمة قصر في وصفها. # وحدثني علي بن القاسم قال: قلت لأعرابي فصيح: ما معنى قولهم في المثل: " ~~كاد العروس أن تكون أميرا " لم كاد ذاك؟ قال: لأن الأكفاء يخدمونها في تلك ~~الحال. ومن أمثالهم - روى ذلك أبو عبيدة - أن إبليس تصور لابنة الخس فقال ~~لها: أسألك أو تسألينني؟ فقالت له: سل، قال لها: كاد، فقالت: كاد النعام أن ~~يطير، فقال لها: كاد، قالت: كاد المنتعل أن يكون راكبا. قال لها: كاد، ~~قالت: كاد العروس أن يكون أميرا. ثم قال لها: سليني، قالت: عجبت، قال: من ~~الحجارة لا يشيب صغيرها ولا يهرم كبيرها، قالت: عجبت، قال: من السبخة لا ~~يجف ثراها ولا ينبت مرعاها، قالت: عجبت، قال: ms65 من حرك لا يبلغ حفره، ولا ~~يدرك قعره، قالت: اعزب عليك لعنة الله. ويروى أن ابنة الخس كانت بليغة ~~فصيحة. # وحدث محمد بن سلام عن يونس النحوي قال: النحويون يغلطون في ثلاثة أشياء؛ ~~يقولون في نكاح أم خارجة: " خطب " فتقول: " نكح " ، وإنما هو نكح، ويقولون: ~~ابنة الخس، وإنما هو الأخس، مثل الأرز، ويقولون: " ليس لحاقن رأي " ، وإنما ~~هو ذهن. ويقال: رجل خس ورجال أخس، من الخسة. # وحدثني المازني وغيره قال: أم خارجة امرأة ولدت زهاء عشرين حيا من العرب، ~~وآخر من نكحها عمرو بن تميم، وذلك أنه أتاها فسبق أهلها الذين أرادوا أن ~~يمنعوه منها مثل ما يسبق الراكب الراجل، فقال لها: خطب، قالت: نكح، في قول ~~يونس فجاءوها فوجدوها قد تزوجت. # فصل آخر في الجمال PageV01P035 يروى عن ابن كناسة قال: الجمال في الأنف، ~~والحسن في العينين، والملاحة في الفم. وقال ابن عباس وقد سئل عنه المحدثين ~~كذا وعن بني أمية فقال: نحن أصبح وأسمح وأفصح، وقال آخر: # يروى حديث عن نبي الهدى ... يحكيه عن أسلافنا حاملوه # أن رسول الله في مجلس ... قال وقد حف به حاضروه # إذا سألتم أحدا حاجة ... فالتمسوها من صباح الوجوه # وكان يقال: إن الجمال كان من قريش في ثلاثة: مصعب بن الزبير، وطلحة بن ~~عبيد الله، وعمرو بن سعيد بن العاص، إلا أن ابن الرقيات قال لما أنشد عبد ~~الملك: # يعتقد التاج فوق مفرقه ... على جبين كأنه الذهب # فقال: أما مصعب بن الزبير فتقول فيه: # إنما مصعب شهاب من الل ... ه تجلت عن وجهه الظلماء # ويروى أنه كان يقال له الديباج. وكان يقال: لم ير أزواج قط أحسن من ~~ثلاثة: عائشة بنت طلحة ومصعب بن الزبير، ولبابة بنت عبد الله والوليد بن ~~عتبة، وجعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس. ويروى أن لبابة قالت: ما نظرت ~~وجهي قط في مرآة ونظرت معي امرأة إلا رحمتها من حسن وجهي؛ حتى تزوجت الوليد ~~بن عتبة فنظر معي في المرآة فرحمت نفسي من حسن وجهه. ويروى عن ابن ms66 عباس ~~رحمة الله عليه قال: قدم الوليد بن عتبة المدينة فكأن وجهه ورقة مصحف، وكأن ~~منطقه نظم خرز، فلم يبق بها راجل إلا حمله، ولا فقير إلا أعطاه. وذكر ~~النسابون أن لبابة بنت عبد الله بن عباس كانت عند عباس بن علي بن أبي طالب ~~فولدت له عبيد الله بن العباس، ثم قتل عنها مع الحسين بن علي صلوات الله ~~عليهما، فتزوجها الوليد بن عتبة وهو يومئذ أمير المدينة ومكة، فولدت له ~~القاسم بن الوليد، وهلك عنها الوليد، فتزوجها زيد بن حسن بن علي بن أبي ~~طالب عليهم السلام. # ويروى أن عبد الله بن جعفر والحسين بن علي وعبد الله بن عمر ومصعب بن ~~الزبير وجهوا بحبى المدنية إلى أربع نسوة تخطبهن لهم: عائشة بنت طلحة ~~وسكينة بنت الحسين، وأم البنين، وامرأة ذهب عني اسمها، فأتتهن حبى وأعلمتهن ~~بما قصدت له، فكل قال ما فيمن ذكرت أحد يرغب عنه، قالت لهن: ولكن بيني ~~وبينكن شريطة، قلن: وما هي؟ قالت: تمشي كل واحدة منكن بين يدي متجردة. ~~فأبين عليها، فأدلت عائشة بنت طلحة بما عندها من الجمال، فتجردت ومشت. فلما ~~رجعت حبى إليهم أعلمتهم بما رجعت به منهن ومن عائشة، فقالوا: كيف رأيتها ~~حين تجردت؟ قالت: مشت فما بقيت في بدنها شحمة إلا تحركت، فتزوجها مصعب بن ~~الزبير، فشرطت عليه ألا تستر وجهها عن أحد، وقالت: لا أخفي ما رزقنيه الله ~~من الجمال. # وقال الهيثم بن عدي: أخبرنا يونس بن إسحاق قال: كان الجمال من أهل الكوفة ~~في ثلاثة نفر: الأشعث بن قيس الكندي، وعدي بن حاتم الطائي، وجرير بن عبد ~~الله البجلي، فدخلت مأدبة في السبيع فرأيت هؤلاء الثلاثة، فما رأيت بيض ~~نعام ولا طريدة ظبي ولا تمثالا إلا وما رأيت من هؤلاء الثلاثة أحسن. وقال ~~الهيثم: وكل أعور. قال يونس: فأما الأشعث بن قيس فأصيبت عينه يوم اليرموك، ~~وأما عدي بن حاتم فأصيبت عينه يوم الجمل، وأما جرير فأصيبت عينه بهمذان. # فصل آخر PageV01P036 حدثني الرياشي عن الأصمعي قال: كانت ms67 أم البنين بنت ~~يزيد بن معاوية عند عبد الملك بن مروان، وكانت من أحسن الناس وجها وأتمهم ~~خلقا، ويروى أنه وقع بينها وبينه هجرة في أمر الدخول إليها، فمنعته من ذلك، ~~فعسر عليه رضاها، فشكا أمره إلى خريم، فضمن له أن ترضى عنه، وضمن له عبد ~~الملك قضاء جميع ما يسأله إن وقع ذلك، فمضى خريم إلى بابها وشق جيبه وجعل ~~التراب على رأسه، فسئل عن خبره فذكر أن أحد ابنيه وثب على أخيه ليضربه ~~فقتله إما عمدا أو خطأ، فبلغ الخبر عبد الملك فحكم بقتل القاتل، فذهب منه ~~ابنان، وهو بتأديب ابنه أحق، وذكر لها حرمته بيزيد وبها، فأرسلت إليه تعلمه ~~أنها مغاضبة لعبد الملك، فازداد عويلا وبكاء، فرحمته، وأرسلت بخادم يتعرف ~~خبر عبد الملك، فسر وسري عنه، وأقبلت أم البنين تتهادى بين وصائفها حتى ~~تمثلت بين يديه، ثم قالت له: ما كان من حقك أن أبتدئك بالكلام، ولكن جور ~~حكمك حملني على ذلك، لم حكمت بقتل ابن خريم، لأنه قتل أخاه؟ أليس أبوه أحق ~~بتأديب ابنه منك؟ ففطن عبد الملك للحيلة، فقال لها: إني لا أمكن رعاياي من ~~أن يقتل بعضها بعضا، قالت: فهبه لي، قال: فادخلي البيت، فدخلت، وألقي ~~الستر، قال خريم فجئت عبد الملك فقلت: كأني بها قد قالت كذا، قال: نعم ~~وألقى الستر، قال خريم: الوعد، قال: فما حاجتك؟ قال: تقطعني كذا، قال: نعم ~~أفعل، وتثبت ابني في العطاء، قال: أفعل، وقضى حاجته. # وحدثني مسعود بن بشر أن عبد الملك وجه بخادم له إلى أم البنين يسألها أن ~~تصير إليه، فأخذت في زينتها، وطال اختلاف الخادم إليه، فبصرت به عثامة ~~جارية عبد الملك، فسألته عن خبره، فأعلمها انتظار عبد الملك لأم البنين ~~واحتباسها عنه، فقالت له: إن أديت إليه ما أقول فلك عشرة آلاف درهم، فقالت: ~~قل له: " أما من استغنى فأنت له تصدى وما عليك ألا يزكى، وأما من جاءك يسعى ~~وهو يخشى فأنت عنه تلهى " فأخبر الخادم عبد الملك، فأرسل إليها وخلا بها ms68 ~~دون أم البنين. # وتحدث عمر بن شبة عن رجاله أن علية بنت المهدي كانت من أحسن النساء وجها ~~وأتمهن خلقا وأسهلهن شعرا، ولم يكن فيها عيب غير سعة في جبينها، فاتخذت ~~العصائب من الجوهر وغيره، واستعملها الناس بعدها. وكانت تحب خادما للرشيد ~~يقال له طل، فبلغه الخبر، فحلف عليها ألا تسمي باسمه، فقرأت يوما: " فإن لم ~~يصبها وابل " فالذي نهاها عنه أمير المؤمنين " والله بما تعملون بصير " . ~~فبلغه ذلك فقال: أبت إلا ظرفا وكانت تحب خادما له يقال له رشأ، فصحفت اسمه ~~وقالت فيه: # وجد الفؤاد بزينبا ... وجدا شديدا متعبا # فجعلت زينب سترة ... وكتمت أمرا معجبا # ويقال إنها مشت على ميزاب طوله عشرون ذراعا وكتبت إلى الخادم: # قد كان ما حملته زمنا ... يا طل من كلف بكم يكفي # حتى أتيتك زائرا عتما ... أمشي على حتف إلى حتف # ويروى أن المتوكل بالقصر منع طلا من الدخول لأجلها فقالت في ذلك: # متى يلتقي من ليس يرجى خروجه ... وليس لمن تهوى إليه دخول # ويروى سبيل. # عسى الله أن يرتاح منه برحمة ... فيشفى جوى من مدنف وعويل # ولها في الرشيد: # سلام على من يرد سلامي ... ومن لا يراني موضعا لكلام # وماذا عليه أن يرد مسلما ... إذا كان يقضي بالسلام ذمامي # ويروى أنها إذا وعظت وخوفت ما ينالها من نكير الرشيد إن صح عنده خبرها ~~أنشدت: # تالله أترك مهجتي تبلى ... وأطبع رأيك في الهوى عقلا # ثم تقول: قال النبي صلى الله عليه وسلم: " حبك الشيء يعمي ويصم " . # وعلى ذلك ما يروى عن أحد الحكماء أنه قال: الهوى يقظان والرأي نائم. ~~وأنشد لمحمود الوراق: # هواك ولا تكذب عليك أمير ... وأنت رهين في يديه أسير # يسومك عصيانا وأنت تطيعه ... وطاعته عار عليك كثير # ويروى عن بزر جمهر أنه قال: الهوى غالب والمغلوب مستعبد. # وكان عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه يقول: جاهدوا أهواءكم كما تجاهدوا ~~أعداءكم. # ويروى لهشام بن عبد الملك ولم يقل غيره: PageV01P037 إذا أنت لم تعص ~~الهوى قادك الهوى ... إلى بعض ما فيه عليك ms69 مقال # وقال معاوية: لولا يزيد لأبصرت رشدي. وقال معاوية: لا رأي لذي هوى. وقال ~~أمير المؤمنين علي عليه السلام: إنما أخشى عليكم الهوى. وقالوا: أصبر الناس ~~من كان رأيه رادا لهواه. وقالوا: إنما سمي الهوى لأنه يهوي بصاحبه. وأنشد ~~لبعض المحدثين: # تراني تاركا بالل ... ه ما أهوى لما تهوى # أنا أعلم أن الحب ... من قلبي إذا دعوى # وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " حبب إلي النساء والطيب وجعلت قرة ~~عيني في الصلاة " . وقال بعض الأعراب: إني لأعشق الرزق وإنه ليبغضني. وقال ~~محمد بن واسع: ما بقي شيء أهواه، وألذه إلا الصلاة. # كمل كتاب فاضل كذا المبرد، والحمد لله الموجب الشاكرين مزيدا كما هو ~~أهله، والصلاة على نبيه محمد وآله الطيبين الطاهرين وأصحابه الفاضلين " ~~والسلام على من اتبع الهدى " . PageV01P038 ms70