######OpenITI# #META#Header#End# ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0006.png) ~~الحمد لله، وسلام على عباده الذين اصطفى. ~~قال الشيخ الإمام العارف : أبو سعيد: أحمد بن عيسى البغدادي الخراز، قدس ~~الله روحه، ونور ضريحه : ~~قلت لبعض العلماء : أخبرني عن الصدق: كيف هو? وما معناه ? وكيف ~~العمل به، حتى أعرفه? ~~فقال الصدق : اسم للمعاني كلها، وهو داخل فيها : ~~أتحب أن أجيب عن مسألتك جوابا مختصرا أجمله، أم أشرح لك العلم والعمل ~~بالأصول التي بها تقوم الفروع? ~~قلت: أريد الأمرين جميعا؛ ليكون ذلك علما لي، وفقها، ونصرة. ~~فقال : وفقت ، إن شاء الله ! ~~اعلم : أنه لا بد للمريد - المحقق في إيمانه، والمطالب لسلوك سبيل النجاة - ~~من معرفة ثلاثة أصول يعمل بها، فبذلك يقوي إيمانه، وتقوم حقائقه، وتثبت فروعه، ~~فتصفو، عند ذلك، الأعمال وتخلص، إن شاء الله: ~~فأولها : الإخلاص : ~~لقول الله، عز وجل: (فاعبد الله مخلصاله الدين)، (الا لله الدين ~~الخالص). ~~وقال تعالى : (فادعوا الله مخلصين له الدين). ~~وقال لمحمد صلى الله عليه وسلم (قل إن أمرت أن اعبد الله مخلصاله اللين). PageV01P006 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0007.png) ~~وقال: (ل الله أعبد لصا له بين). ~~وقال، جل ذكره: (واذكر في الكتب موسى إنم كان مخلصاوان رسولا تياف))[مريم : 51]. ~~ونحو هذا في القرآن كثير، وفي هذا مقنع. ~~ثم الصدق : ~~لقول الله، عز وجل : (يأيها الذينامنوا اتقوا الله وكونوا مع الصددقين) ~~[التوبة : 119]. ~~وقال تعالى : (فلو صحدقوا الله لكان خيرا لهم). ~~وقال تعالى : (ببال صدقوأما عاهدوا الله علته). ~~وقال تعالى : (وانكر في الكنب إشماعيل النه كان صادق الوعد). ~~وقال تعالى : (ليسل الصندقين عن صدقهم). ~~وقال تعالى : (والصندقين والصدقات)ب. ~~وهذا كثير في القرآن. ~~ثم الصبر : ~~لقول الله عز وجل : (يأيها الذيب ءامنوا أصبروا وصابروا) مران. ~~وقال تعالى : (ولهن صبرتم لهو خير للصابمن). ~~(وأصبر وما صبرك إلا بالله). ~~وقال تعالى : (وأصب لحلم ريك فانك بأعينن). ~~وقال تعالى : (وآصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا جيلا) ~~وقال تعالى: (وأصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغدوة والعشى يريدون وجمة) ~~[لهف2. ~~وقال تعالى : (واصبروأ إن اللهمع الصرين). ~~وقال تعالى : (وبشر الصابرين). ~~فجعل لهم الكرامة بالبشرى. ~~وهذا كثير ms01 مؤكد في القرآن. ~~وهذه ثلاثة أسام لمعان مختلفة، وهي داخلة في جميع الأعمال. PageV01P007 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0008.png) # ولا تتم الأعمال إلا بها فإذا فارقت الأعمال فسدت ولم تتم. # ولا يتم بعض هذه الأصول الثلاثة إلا ببعض، فمتى فقد أحدها تعطلت الأخر. # قال : فالإخلاص لا يتم إلا بالصدق فيه، والصبر عليه. # والصبر لا يتم إلا بالصدق فيه، والإخلاص فيه. # والصدق لا يتم إلا بالصبر عليه، والإخلاص فيه. # فأول الأعمال : هو الإخلاص. # فالفرض الواجب : أن تؤمن بالله، وتعلم وتقر وتشهد ألا إله إلا الله وحده لا ~~شريك له، وأنه : الأول، والآخر، والظاهر، والباطن، والخالق، والبارئ، ~~والمصور، والرزاق، والمحيي، والمميت، الذي إليه ترجع الأمور، وأن محمدا: ~~عبده، ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن النبيين: حق، وبالحق أدوا الرسالة، ~~وبالغوا في النصيحة، وأن الجنة حق، والبعث: حق، والمرد: إلى الله تعالى، يغفر ~~لمن يشاء، ويعذب من يشاء. # ويكون ذلك عقدك ظاهرا على لسانك، بلا شك ولا ريب، ساكنا قلبك مطمئنا ~~إلى ما صدقت به وأقررت . # وكذلك لا يعارضك - في كل ما جاء من عند الله على لسان نبيهصله لى الله عليه وسلم، - شك ~~في كل ما ذكره عن ربه، عز وجل، غير مخالف لما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، ~~وأنمة الهدى : الذين كانوا قدوة لمن جاء بعدهم من أهل الهداية، ثم التابعون من ~~بعدهم، ثم علماء كل عصر، متبعا للجماعة، مخلصا في ذلك لله وحده، لا تريد إلا ~~الله تعالى . ليتم إسلامك، وإيمانك، وتوحيدك. PageV01P008 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0009.png) # وهو الذي أمر الله تعالى به، حين يقول: # (فين كان رتحوا لقاءاريه فليعمل عملا عالحاولا يثرك بعبادة ريه تدا). # فمن شرح ذلك: أن يكون العبد يريد الله، عز وجل، بجميع أعماله وأفعاله، ~~وحركاته كلها ظاهرها وباطنها، لا يريد بها إلا الله وحده، قائما بعقله وعلمه على ~~نفسه وقلبه، راعيا لهمه، قاصدا إلى الله تعالى، بجميع أمره، لا يحب مدح أحد ولا ~~ثناءه، ولا يفرح بعمله - إذا اطلع عليه المخلوقون - فإن عارضه من ذلك شيء اتقاه ~~بالسرعة ms02 والكراهية، ولم يكن إليه، لكن إذا أثنى عليه أحد، حمد الله على ستره عليه ~~حين وفقه لخير رآه العباد عليه. # نعم ثم يخاف عند ذلك، من عمله الرديء، وسريرته القبيحة، التي خفيت على ~~الناس ولم تخف على الله، فأشفق من ذلك؛ وخاف أن تكون سريرته أقبح من علانيته. # فهكذا يروى في الحديث: # «السريرة إذا كانت أقبح من العلانية فذلك الجور، فإذا استوت السريرة والعلانية فذلك ~~العدل، وإذا فضلت السريرة على العلانية فذلك الفضل. # فالواجب على العبد : أن يخفي عمله جهده حتى لا يطلع عليه إلا الله تعالى، ~~فذلك أبلغ في رضا الله، عز وجل، وأعظم في تضعيف الثواب، وأقرب إلى السلامة؛ ~~وأوهن لكيد العدو، وأبعد من الآفات. # وروي عن سفيان الثوري، رحمه الله، أنه قال : ما أعبأ بما يظهر من عملي. PageV01P009 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0010.png) # ويروى في الحديث: # أن عمل السر يفضل على عمل العلانية سبعين ضعفا». # ويروى : «إن العبد ليعمل العمل في السر، فيدعه الشيطان عشرين سنة، ثم يدعوه إلى ~~أن يظهره، ويذكره، فينقل من ديوان السر إلى ديوان العلانية، فينقص من ثواب العمل ~~وفضله، ثم لا يزال يذكره بذكره أعماله، حتى يذكرها للناس، ويتحلى اطلاعهم عليها، ~~ويسكن إلى ثنائهم فيصير رثاء . # فهذه الأمور : ضد الإخلاص، وما ذكرنا: فهو من جملة الإخلاص الذي لا بد ~~للمخلوقين من معرفته والعمل به ولا يسعهم جهله، وتبقى الزيادة في الإخلاص مع ~~العبد إذا أحكم هذه الأصول . # قلت : ثم ماذا؟ . # قال : مما يمكن أن يذكر : أن يكون العبد لا يرجو إلا الله، ولا يخاف إلا الله، ~~ولا يتزين إلا لله، ولا يأخذه في الله لومة لائم، ولا يبالي، إذا وافق الأمر الذي فيه ~~محبة الله ورضاه، من سخطه . # وما بقي من ذكر غاية الإخلاص أكثر، وفي هذا بلاغ للمريدين السالكين ~~للطريق! . PageV01P010 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0011.png) ~~والصبر: اسم لمعان ظاهرة وباطنة، فأما الظاهرة فهي ثلاث: ~~فأولها : الصبر على أداء فرائض الله تعالى، على كل حال: في الشدة والرخاء، ~~والعافية والبلاء، طوعا وكرها. ~~ثم الصبر الثاني : هو الصبر عن ms03 كل ما نهى الله تعالى عنه، ومنع النفس من كل ~~ما مالت إليه بهواها مما ليس لله تعالى، فيه رضا، طوعا وكرها. ~~وهذان صبران في موطنين : هما فرض على العباد أن يعملوا بهما. ~~ثم الصبر الثالث: هو الصبر على النوافل، وأعمال البر، مما يقرب العبد إلى ~~الله تعالى : فيحمل نفسه على بلوغ الغاية منه للذي رجاه من ثواب الله، عز وجل. ~~وهكذا يروى، أن النبي صلى الله عليه وسلم فيما رواه عن ربه، عز وجل قال : ما تقرب إلي ~~عبدي بمثل ما افترضته عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه. ~~والصبر الرابع : هو الصبر على قبول الحق ممن جاءك به من الناس، ودعاك إليه ~~بالنصيحة، فيقبل منه، لأن الحق رسول من الله، جل ذكره إلى العباد، ولا يجوز لهم ~~رده . فمن ترك قبول الحق ورده فإنما يرد على الله تعالى أمره!. ~~وهذا ظاهر الصبر الواجب على الخلق الذي لا يسعهم جهله، ولا بد لهم منه. ~~وبقي شرح حقائق الصبر وغايته، الذي يكون مع الصابرين بعد إحكام هذا ~~الصبر الذي ذكرناه. ~~قلت : فالصبر : في نفسه، ما هو وما موجوده في القلب? ~~قال : الصبر : هو احتمال مكروه النفس . ~~وموجوده: إذا وقع بالنفس ما تكرهه تجرعت ذلك، وأنفت الجزع، وتركت ~~البث والشكوى، وكتمت ما نزل بها. PageV01P011 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0012.png) ~~لأنه يروى في الحديث : من بث فقد شكا». ~~ألم تسمحع الله تعالى، يقول: (والكظيي الغيظ والعافين عن الناس) ~~[آل عمران : 134]. ~~أفلا ترى : أنه كظم ما كره، وشق على نفسه احتماله، فصار صابرا? فإذا ~~أبدى الجزع وكافأ من أساء إليه، ولم يعف عمن أساء إليه: خرج من حد الصبر ~~على هذا القياس. ~~قلت : فبماذا يقوى الصابر على الصبر، وبماذا يتم له? ~~قال : يروى في الحديث: ~~إن الصبر على المكاره : من حسن اليقين . ~~ويروى : ~~إن الصبر: نصف الإيمان، اليقين: الإيمان كله. ~~وذلك : أن العبد لما آمن بالله تعالى، وصدق قوله في الذي وعده وتواعده، ~~قامت في قلبه الرغبة في ثواب الله تعالى، الذي وعده، ولزمت ms04 قلبه الخشية من عقاب ~~الله الذي تواعده، وصحت عند ذلك رغبته، وقامت عزيمته في طلب النجاة مما ~~يخافه، وهاجت آماله في الظفر بالذي يرجوه، فجد عنه ذلك في الطلب والهرب، ~~فسكن الخوف والرجاء قلبه! فركب عند ذلك مطية الصبر، وتجرع مرارته عند نزوله، ~~ومضى في إنفاذ العزائم، وحذر من نقصها، فوقع عليه اسم الصبر. PageV01P012 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0013.png) ~~والصدق اسم لمعاني كثيرة. ~~فأول الصدق: هو صدق العبد في الإنابة إلى الله تعالى، بالتوبة النصوح. ~~القول الله عز وجل: (يأيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا). ~~وقال تعالى : (وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمثون لعلكم تقلحو). ~~وقال تعالى : (لقد تاب الله على النبي والمهاجبين والأنصار). ~~فأول التوبة : هو الندم على ما كان من التفريط في أمر الله تعالى، ونهيه، ~~والعزيمة على ترك العود في شيء مما يكره الله، عز وجل، ودوام الاستغفار، ورد كل ~~مظلمة للعباد من ما لهم؛ والاعتراف لله تعالى؛ ولهم، ولزوم الخوف والحزن. ~~والإشفاق ألا تكون مصححا؛ والخوف أن لا تقبل توبتك ولا تأمن أن يكون قد رآك ~~الله تعالى ؛ على بعض ما يكره فمقتك. ~~وهكذا يروى عن الحسن البصري، رضي الله عنه، أنه قال: ما يؤمنني أن ~~يكون قد رآني على بعض ما يكره، فقال: اعمل ما شئت فلا غفرت? PageV01P013 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0014.png) ~~ويروى عنه أيضا أنه قال : أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. ~~وبلغني أن بعض العلماء لقي بعض الناس فقال له: تبت?. ~~قال : نعم. ~~قال : قبلت? . ~~قال : لا أدري. ~~قال اذهب فادر. ~~وقال : «يفنى حزن كل ثكلى وحزن التائب ما يفنى!1. ~~ومن صدق التوبة : ترك الأخدان والأصحاب الذين أعانوك على تضييع أمر ~~الله تعالى، والهرب منهم، وأن تتخذهم أعداء، أو يرجعوا إلى الله. ~~فهكذا قال الله عز وجل : (الأخلاء يومن بعضهم لبعض عدو إلا المتقي ~~[الزخرف : 67]. ~~ومن صدق التوبة : خروج المأثم من القلب، والحذر من خفايا التطلع إلى ذكر شيء ~~مما أنبت إلى الله منه قال الله عز وجل: (وذروا ظهر الإثم وباطنه). ~~واعلم أن المؤمن: ms05 كلما صحح، وكثر علمه بالله تعالى : دقت عليه التوبة أبدا، ألا ~~ترى أن النبي صلى الله عليه وسلم ول : إنه ليغان على قلبي، فأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة?. ~~فمن طهر قلبه من الآثام والأدناس، وسكنه النور: لم يخف عليه ما يدخل قلبه ~~من خفي الآفة، وما يلزمه من القسوة: من الهمة بالزلة قبل الفعل، فيتوب عند ذلك. PageV01P014 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0015.png) ~~قال الله عز وجل: (يآيها الذين أمنوا كونوا قومين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو ~~الولدين والأقربين ). ~~وقال تعالى في قصة يوسف، عليه السلام، حين يذكر عنه: (وما أبرئ نقسى إن ~~النقس لأمارة بالسوء إلا ما رحم رب). ~~وقال تعالى : (وأما من خاف مقام ريهه ونهى النفس عن المول فإن الجنة هى المأوى) ~~[النازعات: 40، 241. ~~وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أعدى عدو لك: نفسك التي بين جنبيك، ثم أهلك، ثم ~~ولدك، ثم الأقرب فالأقرب». ~~ويروى عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال : نفس إن قبقبها ونغمتها ذمته غدآ عند الله. ~~قيل له : وما هي? ~~قال : «أنفسكم التي بين جنبيكم. ~~فمن صفة الصادق في القصد إلى الله تعالى : أن يدعو نفسه إلى طاعة الله تعالى، ~~وطلب مرضاته، فإن أجابته حمد الله تعالى، وأحسن إليها. ~~فهكذا يروى عن أبي هريرة رضي الله عنه، أنهم رأوه يوطيء شيئا يفترشه. ~~فقيل له : ما هذا؟ PageV01P015 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0016.png) ~~قال : نفسي إن لم أحسن إليها لم تحملني. ~~وإن لم تجبه إلى ما يرضي الله، ورآها بطيئة، منعها محبوبها من العيش، ~~وخالفها عندما تهوى، وعاداها في الله، ولله، وشكاها إلى الله، حتى يصلحها له. ~~ولا يقيم على ذمها مع الإحسان إليها، وذكر عيوبها والذم لها، وما لا يرضاه ~~من فعلها، مع الإقامة معها على الذي تهواه من الفعل. ~~وهكذا : يروى عن بعض العلماء أنه قال : ~~«قد علمت أن من صلاح نفسي: علمي بفسادها. ~~وكفى بالمرء إثما: أن يعرف من نفسه عيبا لا يصلحه، وليس منتقلا من ذلك ~~إلى توبة. ~~وقال بعض العلماء: إن كنت ms06 صادقا في ذمك لنفسك: فإن ذمك غيرك بما فيك ~~فلا تغضب . ~~وإذا نازعتك نفسك إلى شيء من الشهوات، أو شغل قلبك في طلب شيء مما ~~حرم عليك وحل لك، فاتهمها تهمة من يريد صلاحها، وامنعها من ذلك منع من يريد ~~استعبادها، واحملها بالامتناع عن الملاذ على اللحوق بمن تقدمها. ~~فإن الذي نازعتك إليه : لا يخلو من أن يكون حراما تستحق به السخط، أو ~~حلالا، تستوجب به طول الوقوف على المسألة إذا مضى التاركون للحرام إجلالا له ~~وتعظيما له، ووقفوا عن الحلال للانكماش والمبادرة. ~~فاعمل في فطام نفسك عن الحالين جميعا، فإن من فطم نفسه عن الدنيا: كان ~~رضاعه من الآخرة؛ ومن اتخذ الآخرة أما: أحب برها والورود عليها. ~~وإذا رضي أبناء الدنيا بالدنيا أما؛ وبروها؛ وسعوا من أجلها، فارم المؤثرين ~~للدنيا من قلبك بالهجران، مع النصيحة لهم وتحذيرهم إياها. PageV01P016 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0017.png) # واحذر التخلف عن السابقين، وانظر في خاصة نفسك، وحث على ذلك ~~أصفياءك وبطائنك، فإن السابقين شمروا وشدوا المآزر، وكشفوا عن الرؤوس ~~والسوق، فاغتنموا الصحة، وبادروا في النشاط، ورعوا حق الله تعالى، وحذروا أن ~~يهتكوا سترا مما نهاهم عنه، وتحببوا إليه برفض ما أباح لهم أخذه، وتركوا الحرام ~~تعبدا، والحلال تقربا، وألفوا السهر والظمأ، وأنسوا إلى التبلغ والاجتزاء باليسير. PageV01P017 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0018.png) ~~قال الله عز وجل: (إن الشيطن لكعدر فاعدوه عدوا إنما يد عوا حزيه لكونوا من أص ~~السعير). ~~وقال جل وعز: (يبنيءادم لا يفننتكم الشيطن كنا أخرج ابوتكم من الجنة) ~~[الأعراف : 27]. ~~وقال تعالى: (وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل). ~~وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه : للملك لمة وللشيطان لمة: فلمة ~~الملك : إيعاذ بالخير، ولمة الشيطان: إيعاذ بالشر. ~~وقال في خبر آخر : «إن الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا ذكر الله خلس، وإذا ~~غفل وسوس»). ~~فاقطع مادته بالعزيمة على مخالفة هواك، وامنع نفسك من الإفراط PageV01P018 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0019.png) ~~والتشوف، فهما خير أعوانه عليك، وبهما يقوي كيده، وإذا اتبعتهما فأحضر عقلك ~~وعلمك الذي علمك الله تعالى، فقم بهما على ms07 نفسك، وراع قلبك وما يقع فيه، فما ~~كان من أجناس الخير والعلم فاتبعه، وما كان من جنس الباطل والهوى فانفه بالسرعة، ~~ولا تماد على الخطرة فتصير شهوة، ثم تصير الشهوة همة، ثم تصير الهمة فعلا. # واعلم أن عدوك : إبليس لا يغفل عنك في سكوت ولا كلام، ولا صلاة ولا ~~صيام، ولا بذل ولا منع، ولا سفر ولا حضر، ولا تفرد ولا خلطة، ولا في توقر ولا ~~عجلة، ولا في نظر ولا في غض بصر، ولا في كسل ولا في نشاط، ولا في ضحك، ~~ولا في بكاء، ولا في إخفاء ولا في إعلان، ولا حزن ولا فرح، ولا صحة ولا سقم، ~~ولا مسألة ولا جواب، ولا علم ولا جهل، ولا بعد ولا قرب، ولا حركة ولا ~~سكون، ولا توبة ولا إسرار. # ولن يألو جهدا في توهين عزمك، وفتور نيتك، وتأخير توبتك، ويسوف برك ~~وقتا إلى وقت، ويأمرك بتعجيل ما لا يضرك تأخيره، يريد بذلك قطعك من الخير، ثم ~~يذكرك في وقت شغلك بالبر والطاعة، الحوائج، ليقطعك عن خير أنت فيه. # وربما حبب إليك النقلة من بلد إلى بلد: يوهمك أن غير البلد الذي أنت فيه ~~أفضل، ليشغل قلبك، ويعطل مقامك بما يعقبك الندم إذا أنت فعلته. # فاحترس عن عدوك أشد الاحتراس وتحصن منه بالملجأ إلى الله، عز وجل، ~~فإنه: أمنع الحصون، وأقوى الأركان! فاجعل الله تعالى : كهفك وملجأك، واحذر ~~عدوك عند الغضب والحدة، فإنك، إن استقبلك في هيج الغضب، ذكر الله تعالى، ~~وعلمت أنه شاهدك، أطفأت بمراقبته نيران العز وتوقد الحمية، وأجللت من قد ~~علمت: أنه يراك من أن تحدث في غضبك ما تستحق به غضبه، فإن الشيطان يغنم ~~منك هيج الغضب وحمية الشهوة. # وأما حذرك إياه عند الحدة، فإنه يقال : إن الشيطان يقول: إن الحديد من العباد لن ~~نأيس منه، ولو كان يحي بدعائه الموتى، لأنه تأتي عليه ساعة يحتد، فنصير منه إلى ما نريد. # لومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم! PageV01P019 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0020.png) # فالصدق في الورع: هو الخروج ms08 من كل شبهة، والترك لكل ما اشتبه عليك من ~~الأمور. # فهكذا يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال : لا يكون العبد من المتقين حتى يدع ما لا ~~بأس به مخافة ما به بأس»(2) . # قل صلى الله عليه وسلم الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهات فمن ترك الشبهات ~~مخافة أن يقع في الحرام فقد استبرأ لعرضه»3 . # وقال ابن سيرين، رحمة الله عليه : ما في ديني شيء أيسر من الورع: كل ما ~~اشتبه علي تركته. # وقال الفضيل، رحمه الله، يقول الناس : الورع شديد : دع ما يريبك إلى ~~ما لا يريبك فخذ ما حل وطاب من الأشياء، وابذل المجهود في طلب الشيء ~~الصافي من الحلال. PageV01P020 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0021.png) ~~لأن الله عز وجل، قال : (يأيا الرسل كلوا من الطيبت واعملوا صالحا)ممنون. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم، لسعد رضي الله عنه : إن أردت أن يجيب الله تعالى دعاءك، ~~فكل الحلال». ~~وقالت عائشة، رضي الله عنها : يا رسول الله، من المؤمن ? قال : من إذا أمسى نظر ~~من أين قزصه». PageV01P021 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0022.png) # فالصدق في الحلال - إذا وجدته - : أن تأخذ منه ما لا بد منه على قدر معرفتك ~~بنفسك، وما يقيم ميلها، ولا تحمل عليها فوق طاقتها فتنقطع، ولا تصير معها إلى ما ~~تهواه من السرف، ولكن خذ ما يقيمك بلا تقتير ولا سرف، في الطعام، واللباس، ~~والمسكن، واحذر الفضول مخافة الحساب وطول الوقوف. # فهكذا يروى : أن رجلا قال لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه : يا أبا الحسن، ~~صف لنا الدنيا فقال : حلالها حساب، وحرامها عذاب أو عقاب . # فإذا كان العبد ضعيفا، ثم ملك الشيء الطيب، حبسه على نفسه وعلى من ~~يمون، فأنفق منه بالمعروف مخافة أن يكون، إذا أخرجه، لم يصبر، وجزع: فوقع في ~~ما هو أردى منه، فكان في حبسه إياه مزريا على نفسه من ادخاره، حين عدم من نفسه ~~الثقة بالله تعالى، والسكون إليه دون الشيء، فيكون كذلك حتى يقوى عزمه. # قلت : فكيف ملك الأنبياء، عليهم السلام، الأموال والضياع، مثل: ms09 داود، ~~وسليمان، وإبراهيم، وأيوب، ونظرائهم، ويوسف، عليه السلام، على خزائن ~~الأرض، ومحمدا صلى الله عليه وسلم، والصالحين من بعد ? # فقال : هذه مسألة كبيرة، وفيها كثير?. # اعلم أن الأنبياء، عليهم السلام، والعلماء، والصالحين من بعدهم، رضي الله ~~عنهم : أمناء الله تعالى، في أرضه على سره، وعلى أمره، ونهيه، وعلمه، وموضع ~~وديعته، والنصحاء له في خلقه وبريته، وهم الذين عقلوا عن الله تعالى، أمره ونهيه، ~~وفهموا لماذا خلقهم، وما أراد منهم، وإلى ما ندبهم? فوافقوه في محبته، ونزلوا في ~~الأمور عند مشيئته، ثم وقفوا عند ذلك مواقف العبيد الألباء، القابلين عن الله، ~~والحافظين لوصيته، وأصغوا إليه بآذان فهومهم الواعية، وقلوبهم الطاهرة، ولم ~~يتخلفوا عن ندبته، فسمعوا الله عز وجل يقول : # (مامثوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلك مستتلفين فيه) . PageV01P022 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0023.png) ~~ثم قال: (ثم جعلناكم خلايف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون) [يونس: 14]. ~~وقال تعالى: (لله ما في السموات وما فى الأرض)2 ~~وقال تعالى: (ألاله الخلق والأة). ~~فأيقن القوم: أنهم وأنفسهم لله تعالى، وكذلك ما خولهم وملكهم، فإنما هو ~~له، غير أنهم في دار اختبار وبلوى، وخلقوا للاختبار والبلوى في هذه الدار. ~~وهكذا يروى عن ابن الخطاب، رضي الله عنه، حين سمع : ~~(مل أق على الإنين حين من الدفر لم يكن شيتا مذكورا)لإان. ~~قال: يا ليتها تمت؟! يعني عمر، قبل قراءة : (إنا خلقنا الإنسن من نطفة أمشاج ~~نبتليه) : فهمهم، يقال في التفسير : عجز في التلاء عجزآ. ~~ومعنى قول عمر رضي الله عنه : (يا ليتها تمت) يعني : لم يخلق، حين سمع الله ~~تعالى، يقول: (لم يكن شينا مذكورا). ~~وذلك من معرفة عمر، رضي الله عنه، بواجب حق الله، وقدر أمره ونهيه، ~~وعجز العباد عن القيام به، وقيام الحجة لله تعالى عليهم، عند تقصيرهم، وما ~~تواعدهم به، إذا ضيعوا. ~~ويروى عن الحسن . رضي الله عنه أنه قال : إن الله تعالى، إنما أهبط آدم عليه السلام، ~~إلى الدنيا عقوبة، وجعلها سجنا له، حين أخرجه من جواره، وصيره إلى دار التعب والاختبار. PageV01P023 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0024.png) # فمن ملك ms10 - من أهل العمل عن الله تعالى، وأهل الصدق - شيئا من الدنيا: فهو ~~معتقد : أن الشيء لله جل وعز، لا له، إلا هو من طريق حق ما خوله الله تعالى، ~~وهو مبلى به، حتى يقوم بالحق فيه، لأن النعمة : بلاء حتى يقوم العبد بالشكر فيها، ~~ويستعين بها على طاعة الله تعالى . # وكذلك البلوى والضراء: هو اختبار وبلاء، حتى يصبر عليه، ويقوم بحق الله ~~تعالى، فيه. # وكذلك قال بعض الحكماء: العلم كله: بلاء حتى يعمل به» قال الله، عز وجل: ~~(الذى خلق الموت والحيوة لبلوكم). # وقال : (ولنبلوتكم حتى نعد المجنهدين منكم والصده ين ونبلوا لخباركر). # فالأنبياء، صلوات الله عليهم، والصالحون، من بعدهم، الذين أشعرهم الله: بأن ~~أبلاهم في الدنيا بالسعة، وخولهم: كانوا إلى الله، جل وعز، ساكنين، لا إلى الشيء، ~~وكانوا: خزانا لله، جل ذكره، في الشيء الذي ملكهم: ينفذونه في حقوق الله تعالى، غير ~~مقصرين، ولا مفرطين، ولا متوانين، ولا متأولين على الله التأويل، وكانوا غير متلذذين ~~بما ملكوا، ولا مشغولي القلوب بما ملكوا، ولا مستأثرين به دون عباد الله تعالى. # ومن ذلك ما روي عن سليمان بن داود، عليهما السلام، في ملكه، وما أباحه ~~الله، تعالى من الكرامة، حين يقول تعالى : # (هذا عطاؤنا فامنن أو أمي بغتر حساب). # قال أهل التفسير : لا حساب عليك في الآخرة، وإنما كان عطاء هينا، إكراما من ~~الله، عز وجل له. # فذكر العلماء : أن سليمان، عليه السلام: كان يطعم الأضياف الحواري النقي، ~~ويطعم عياله الخشكار، ويأكل هو الشعير. # وكذلك روى العلماء : أن إبراهيم الخليل، صلوات الله عليه: كان لا يأكل إلا ~~مع الضيف، فربما لا يأتيه ثلاثة أيام الضيف فيطويها، وربما كان يمشي الفرسخ، أو أقل ~~أو أكثر، تلقيا للضيف» . PageV01P024 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0025.png) # قال : وكان أيوب النبي صلى الله عليه وسلم، لا يسمع أحدا يحلف بالله تعالى، إلا رجع إلى منزله ~~فكفر عنه. # وروى العلماء: أن يوسف، عليه السلام: كان على خزائن الأرض، فكان لا ~~يشبع، فقيل له في ذلك، فقال : أخاف أن أشبع فأنسى الجياع. ms11 # ولقد روي : أن سليمان، عليه السلام : بينما هو ذات يوم، والريح تحمله، والطير ~~تظله، والجن والإنس معه، وعليه قميص جديد، فلصق ببدنه، فوجد اللذة، فسكنت الريح ~~ووضعته على الأرض». # فقال لها : مالك?. # فقالت : إنما أمرنا أن نطيعك ما أطعت الله. # اففكر في نفسه: من أين أتى? فذكر، فراجع، فحملته الريح» . # ولقد روي : أن الريح كانت تضعه في اليوم مرات، من هذا وأشباهه!!. # فالقوم: كانوا خارجين من ملكهم في ملكهم، ناعمين بذكر الله وعبادته، غير ~~ساكنين إلى ما ملكوا، ولا يستوحشون من فقده إن فقدوه، ولا يفرحون بالشيء، ولا ~~يحتاجون إلى العلاج والمجاهدة في إخراجه. # قال الله تعالى للنبي صلى الله عليه وسلم (أولئك الذين هدى الله فبهدهم اقتدة). # وهذا النبي صلى الله عليه وسلم:بينما جبريل، عليه السلام، عنده، إذ تغير جبريل، فإذا ملك قد ~~نزل من السماء لم ينزل قط، فقال جبريل عليه السلام: خشيت أنه نزل في بأمر، فجاء إلى ~~النبيل لى الله عليه وسلم، بالسلام من عند الله عز وجل، وقال له : هذه مفاتيح خزائن الأرض، تسير معك ~~ذهبا وفضة، مع البقاء فيها إلى يوم القيامة، ولا تنقصك مما لك عند الله شيئا، فلم يختر ~~النبي صلى الله عليه وسلم، ذلك، وقال : أجوع مرة وأشبع مرة. # وعد ذلك من الله، عز وجل، بلوى واختبارا، ولم يره من الله، تعالى، ~~اختيارا، ولو كان من الله، تعالى، اختيارا: لقبله، ولكنه علم أن محبة الله، تعالى: ~~في الترك للدنيا والإعراض عن زينتها وبهجتها. # وبذلك أدبه الله، تعالى، حين قال تعالى : (ولا تمدن عينيك إلى ما متنابه أزواجا متهم ~~زهرة الحيواة الدنيا لنفتنهم نيه) . # ويروى عنهل لى الله عليه وسلم: أنه لبس حلة لها علم، فطرحها، وقال : كادت تلهيني ~~أعلامها - أو قال الهتني أعلامها - خذوها وأتوني بأنبجانية. PageV01P025 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0026.png) ~~وكذلك روي : أنه صنع له خاتم ذهب ليختم به الكتب، إلى من أمره الله تعالى ~~بإنذاره، فلبسه، ثم طرحه من يده، وقال لأصحابه: إليه نظرة وإليكم نظرة . ~~وكذلك روي: أنل لى الله عليه ms12 وسلم، غير شراك نعله، فجعل مكانه جديدا فقال: ردوا ~~الشراك الأول» . ~~وكذلك: كل قلب طاهر صاف، قد أشرف على الآخرة، وعرف قيام الله، ~~تعالى، عليه : يفزع من خفايا السكون إلى الدنيا، والتحلي بشيء منها. ~~ومثل هذا في الأخبار كثير، والعاقل الفطن تكفية الإشارة إليه بالشيء. ~~وهذا : أصحاب محمدال صلى الله عليه وسلم، حين حثهم على الصدقة، جاء أبو بكر بماله كله، ~~لأنه كان أقوى القوم، فقال له النبي صل ل،ى الله عليه وسلم، ما خلفت لعيالك?. ~~قال : الله ورسوله، ولي عند الله مزيد. ~~أفلا ترى أبا بكر، رضي الله عنه، إنما كان سكونا إلى الله، تعالى، لا إلى ~~الشيء، ولم يكن لشيء عنده قدر، وكان ما عند الله عنده أسر?!. ~~فحين رأى موضع الحق لم يخلف منه شيئا، وقال: خلفت الله ورسوله. ~~ثم جاء عمر، رضي الله عنه، بنصف ماله، فقال النبي ل لى الله عليه وسلم، ما خلفت لعيالك?. ~~قال : نصف ما لي، ولله عندي مزيد. ~~فقد أعطى نصف ماله، ويقول: ولله عندي. ~~ثم عثمان، رضي الله عنه، يجهز جيش العسرة كله بجميع ما يحتاج إليه، ~~ويحفر بئر(5) رومة. ~~أفلا ترى : أن القوم، إنما كانوا معدين الشيء لله تعالى? ! ~~ومما يدل على صدق قولنا : أن القوم كانوا خارجين مما ملكوا وهو في أيديهم، ~~يعدونه لله عز وجل. ~~وقد روي عن النبيصلى الله عليهوسلم ن قال : نا معاشر الأنبياء لا نورث، وما خلفناه صدقة. PageV01P026 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0027.png) ~~أفلا ترى أنهم في حياتهم: لم يضنوا بالشيء عن الله، عز وجل?!. ~~وكذلك لم يورثوه، وخلفوه لله: عز وجل، كما كان في أيديهم لله، تعالى؛ لم ~~يحدثوا فيه، ولم يخولوه من بعدهم أحدا. ~~وإن هذا: لبلاغ لمن عقل عن الله تعالى وأنصف من نفسه. ~~وهذا: أئمة الهدى بعد رسول الله ل لى الله عليه وسلم: أبو بكر، رضي الله عنه حين ملك ~~الأمر، وجاءته الدنيا راغمة من حلها، لم يرفع بها رأسا، ولم يتصنع، وكان عليه ~~كساء يخلله، وكان يدعى : ذا الخلالين. ~~وهذا: عمر ms13 بن الخطاب، رضي الله عنه، حين جاءته الدنيا راغمة، من حلها، ~~وكان طعامه : الخبز والزيت، وفي ثوبه بضع عشرة رقعة: بعضها من أدم، وقد فتحت ~~عليه كنوز كسرى وقيصر. ~~وهذا عثمان، رضي الله عنه، كأنه واحد من عبيده، في اللباس والزي !! ~~ولقد روي عنه: أنه رؤي خارجا من بستان له، وعلى عنقه حزمة من حطب، ~~فقيل له في ذلك؛ فقال: ~~أردت أن أنظر نفسي : هل تأبى?. ~~أفلا ترى : أنه كان غير غافل عن نفسه، وتعاهدها ورياضتها?. ~~وهذا: علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، في الخلافة، قد اشترى إزارا بأربعة ~~دراهم، واشترى قميصا بخمسة دراهم، فكان في كمه طول، فتقدم إلى خراز، ~~فأخذ الشفرة، فقطع الكم مع أطراف أصابعه، وهو يفرق الدنيا يمنة ويسرة!. ~~وهذا: الزبير، رضي الله عنه، يخلف، حين مات، من الدين مائتي ألف أو ~~أكثر، كل ذلك من الجود والسخاء والبذل ! PageV01P027 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0028.png) # وهذا طلحة بن عبيد الله، رضي الله عنه، يعطي حلي أهله لمن سأله!! # فهذا: يدل على أن القوم كانوا، كما قال الله عز وجل، حين أمرهم، فقال: ~~(وأنفقوا مما جعلك مستغلفين فية ). # ولا يستحي عبد من عبيد الله من أهل زماننا هذا، عندما ملك من الشبهات ~~التي علم الله، تعالى، كيف هي، ومن أين هي، وكيف قدرها في قلبه، وإيثاره ~~لها، وسكونه إليها دون الله، عز وجل، وما لا يحصى من عيبه، في تقلبه في ذلك ~~واشتغاله بذلك؟ . # حتى أن أحدهم ليزعم: أنه يملك كما ملك من مضى، ويحتج بهم في اتباع ~~هواه مع إقامته على خلاف سنة القوم. # بل الاعتراف لله، تعالى، بالتقصير من العبد الغافل: أقرب إلى النجاة، وسؤاله ~~الله، عز وجل : أن يبلغه ما بلغ بالقوم. # وبالله التوفيق!. PageV01P028 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0029.png) ~~ولقد فضح الله تعالى، الدنيا، وسماها بأسماء لم يسمها أحد. ~~فقال، تبارك وتعالى: (اعلموا أنما الحيوة الدنيا لعب ولقو وزينة وتفاخر بينكم...) ~~[الحديد: 20] الآية. ~~أفلا يستحي من يعقل عن الله، تعالى، أن يراه ساكنا إلى اللهو، واللعب، في ~~دار الغرور. ~~قلت ms14 : الدنيا في نفسها، ما هي?. ~~قال : اتفق البصراء من الحكماء على أن الدنيا: هي النفس وما هويت. ~~والحجة في ذلك : أن الله، عز وجل، قال: (زين للناس حب الشهوات من النساء ~~والبنين والقنلطير المقنطرة من الذهب والففة والخيل المسومة والأنغكم والحرت ذلكك متع ~~الحيوة الدنيا) ال عمران:14]. ~~فهذه الأمور التي ذكرها الله، عز وجل، هي : من هوى النفس ولذتها، وبها ~~تلهو عن الآخرة وذكرها. ~~فإذا ترك العبد ما تهواه النفس ترك الدنيا. ~~ألا ترى : أن العبد قد يكون فقيرا لا شيء له، وهو يتمنى الدنيا، ويهوى ~~مجناها، وينوي أن لو أمكنه منها ما يريد، لتمتع بذلك ونال لذته?. ~~فهو عند الله، تعالى، من الراغبين على قدر همته، إلا أنه أقل حسابا ممن نالها ~~واستمتع بها. ~~فأول درجات الزهد : هو الزهد في اتباع هوى النفس، فإذا هانت على المرء ~~نفسه : لم يبال على أي حال أمسى وأصبح، إذا وافق محبة الله، تعالى، عند ذلك، ~~على مخالفة نفسه، ومنعها من محبوبها : من الشهوات واللذات والراحات، ومقارنة PageV01P029 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0030.png) ~~الأحباء والأخدان والأصحاب من أهل الغفلة، ومن كان منهم غويا على ذلك الأمر ~~الذي يريده العبد، فإن آفة العبد : صحبة من يريد ما يريد. ~~ثم أخذ البلغة : من الطعام، والشراب، واللباس، والمنزل، والنوم، والكلام، ~~والنطق، والاستماع، وترك التمني لشيء من الدنيا، والحذر من تحليها. ~~لأن النبي صلي ل،ى الله عليه وسلم، قال : الدنيا خضرة حلوة. ~~فيتوهم العبد فناءها؛ فيقصر فيها أمله، مع توقع الموت، والتشوف إلى الآخرة، ~~والشوق إلى النزول في دار بقائها، والعمل في ذلك!. ~~ولذلك يخلع الراحة من القلب: بدوام الفكرة، ومن البدن: بدوام الخدمة. ~~فهذا أول درجات الزهد. ~~وقال سفيان الثوري، رحمه الله تعالى، ووكيع بن الجراح، وأحمد بن ~~حنبل، وغيرهم؛ رحمهم الله تعالى : إن الزهد في الدنيا: قصر الآمال. ~~وهذا يدل على ما قالت الحكماء؛ لأنه من قصر أمله: لم ينعم، وكانت الغفلة ~~منه بعيدة . PageV01P030 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0031.png) ~~وقالت طائفة من الناس : الزاهد في الدنيا: هو الراغب في الآخرة، الذي قد ms15 جعلها ~~نصب عينه، كأنه يرى عقابها وثوابها، فهو عازف عن الدنيا» . ~~وهكذا يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال لحارثة: كيف أصبحت يا حارثة. ~~قال : مؤمنا حقا يا رسول الله. ~~فقال النبي ل صلى الله عليه ولم :وما حقيقة إيمانك?. ~~قال : عرفت نفسي عن الدنيا، فأظمأت لذلك نهاري، وأسهرت ليلي، وكأني أنظر ~~إلى عرس ربي بارزا؛ وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتناغمون، وإلى أهل النار يتعاوون. ~~فقال النبي لى الله عليه وسلم،: مؤمن نور الله قلبه، عرفت فالزم. ~~وقال بعض العلماء: الزهد : خروج قيمة الأشياء من القلب. ~~والزهد في الدنيا: يدق جدا ويخفى، ولكل عبد على قدر علمه بالله، تعالى، زهد: ~~فمن نفى الرغبة في الدنيا عن قلبه، شيئا بعد شيء، يرى غاية الزهد، ومن توانى ~~عن نفسه، ولم يخالفها عند هواها: لم يعزف عن الدنيا، ولم يشرف على الآخرة. ~~قال بعض العلماء: الزاهد في الدنيا حقا: لا يذم الدنيا، ولا يمدحها، ولا يفرح ~~بها إذا أقبلت، ولا يحزن عليها إذا أدبرت. ~~قال أبو سعيد، رحمه الله تعالى : قال بعض البدلاء، رحمهم الله تعالى : لا ~~يكون زاهدا مستكمل الزهد، أو يستوي عنده الحجارة والذهب، ولا يستوي الحجارة ~~والذهب حتى يكون معه من الله، تعالى، آية، فتحول الحجارة ذهبا، فعندما تخرج ~~قيمة الأشياء من قلبه. ~~وسمعته يقول : لم يستو الحجارة والذهب، عند أحد من الصحابة، رضي الله ~~عنهم، بعد رسول الله صل لى الله عليه وسلم، إلا عند أبي بكر رضي الله عنه!. ~~قلت : فعلى أي معنى زهد الزاهدون?!. ~~قال : على معان شتى: ~~فمنهم: من زهد لفراغ القلب من الشغل، وجعل همه كله في طاعة الله، تعالى، ~~وذكره، وخدمته، فكفاه الله عند ذلك. ~~فهكذا : روي عن النبي صلى الله عليه وسلم آن قال : من جعل الهم هما واحدا كفاه الله سائر ~~همومه». PageV01P031 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0032.png) ~~وقال عيسى، عليه السلام : بحق أقول لكم: إن حب الدنيا رأس كل خطينة، وفي ~~المال داء كبير. ~~قالوا: يا روح الله، ما داؤه?. ~~قال : لا يعطى ms16 حقه. ~~قالوا: فإن أعطي حقه. ~~قال : يكون فيه فخر وخيلاء. ~~قالوا: فإن لم يكن فيه فخر ولا خيلاء. ~~قال : يشغله استصلاحه عن ذكر الله». ~~ومنهم من زهد لخفة الظهر، وسرعة الممر على الصراط، إذا حبس أصحاب ~~الأثقال للسؤال. ~~فهكذا روي عن النبي ل لى الله عليه وسلم، أنه قال : عرض علي أصحابي، ففقدت عبد الرحمن ~~ابن عوف1 - أو قال احتبس علي - فقلت : ما بطأك علي?. ~~قال : لم أزل أحاسب بعذل مكثرة مالي، حتى جرى مني من العرق ما لو وردت عليه ~~سبعون من الإبل عطاشا، قد أكلت حمضا(2) لصدرت عنه رواء»!(3). ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم من غير طريق أنه قال : الأكثرون هم : الأقلون يوم القيامة، إلا من ~~قال بالمال : هكذا وهكذا، عن يمينه وعن شماله، ومن بين يديه ومن خلفه، بين عباد الله. PageV01P032 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0033.png) # قا لى الله عليه وسلم:ما من غني ولا فقير إلا ود يوم القيامة أن الله، تعالى، كان جعل رزقه في ~~الدنيا قوتا». # وروى أبو ذر عن النبي ل صلى الله عليه وسلم، أنه قال : ما يسرني : أن لي مثل أحد ذهبا، ~~أنفقه في سبيل الله تعالى، تأتي على ثالثة، يكون منه عندي شيء، إلا دينار أرصدة ~~لدين»3. # ومنهم: من زهد رغبة في الجنة، واشتياقا إليها، فسلي عن الدنيا وعن لذاتها، ~~حتى طال به الشوق إلى ثواب الله، تعالى، الذي دعاه إليه، ووصفه له، عز وجل. # وروي في الحديث: أن الله جل ذكره يقول : وأما الزاهدون في الدنيا: فإني ~~أبيحهم الجنة. # وقال بعض العلماء : لا تحسن قراءة إلا بزهد ! # وأعلى درجات الذين زهدوا في الدنيا: هم الذين وافقوا الله، تعالى، في ~~محبته، فكانوا عبيدا عقلاء عن الله، عز وجل، أكياسا، محبين، سمعوا الله، جل ~~ذكره: ذم الدنيا، ووضع من قدرها، ولم يرضها دارا لأوليائه، استحيوا من الله، عز ~~وجل، أن يراهم راكنين إلى شيء ذمه ولم يرضه، وجعلوا ذلك على أنفسهم فرضا، ~~لم يبتغوا عليه من الله عز وجل، جزاء، ولكن وافقوا الله ms17 في محبته كرما، والله لا ~~يضيع أجر من أحسن عملا. # فأهل الموافقة لله تعالى في الأمور: هم أعقل العبيد، وأرفعهم عند الله قدرآ. PageV01P033 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0034.png) ~~وهكذا روى أبي الدرداء، رضي الله عنه، أنه قال : يا حبذا نوم الأكياس ~~وافطارهم! ! كيف غنموا سهر الحمقى وصيامهم?! ولمثقال ذرة من صاحب تقوى ويقين: ~~أوزن عند الله من أمثال الجبال من أعمال المغترين» . ~~وفي هذا بلاغ لمن عقل عن الله، عز وجل. ~~وبالله التوفيق. ~~وروي عن عمر بن عبد العزيز2 ، رضي الله عنه : أنه نظر إلى شاب مصفر فقال ~~له : لما هذا الصفار يا غلام ?. ~~قال : أسقام وأمراض يا أمير المؤمنين?. ~~قال : لتصدقني! ~~قال : أسقام وأمراض. ~~قال : لتخبرني!. ~~قال : يا أمير المؤمنين، عزفت نفسي عن الدنيا: فاستوى عندي حجرها وذهبها، ~~وكأني أنظر إلى أهل الجنة في الجنة يتزاورون، وأهل النار في النار يتعاوون!. ~~فقال له عمر : أنى لك هذا يا غلام?. ~~قال : إتق الله يفرغ عليك العلم إفراغا. PageV01P034 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0035.png) # إنه لما قصر بنا عن علم ما عملنا تركنا العمل بما علمنا، ولو عملنا ببعض ما ~~علمنا لورثنا علما لا تقوم له أبداننا. # وروي عن أبي بكر الصديق، رضي الله عنه: أنه استسقى، فأتي بإناء فلما ~~قربه إلى فيه وذاقه نحاه، ثم بكى، فقيل له في ذلك. # فقال : رأيت رسول الله صل لى الله عليه وسلم، ذات يوم وهو يدفع بيديه كأن شيئا يقع، لا أرى ~~شيئا، فقلت : يا رسول الله، أراك تدفع بيديك ولا أرى شيئا!! فقال : نعم، تلك الدنيا ~~تمثلت لي في زينتها فقلت : إليك عني! فقالت : إن تنج مني فلن ينجو مني من بعدك! . # قال أبو بكر رضي الله عنه: «فأخاف أن تكون أدركتني. # قال : وكان في الإناء الذي شرب أبو بكر، رضي الله عنه، منه : ماء وعسل، فبكى ~~إشفاقا من ذلك». # ويروى في بعض الحديث: أن أصحاب محمدا صلى الله عليه وسلم: لم يأكلوا تلذذا، ولم ~~يلبسوا تنعما. # وفي رواية : «أن أصحاب محمدا صلى الله عليه وسلم، الذين اتسعوا في ms18 الدنيا من بعده - حين ~~فتحت عليهم من حلها - أنهم بكوا من ذلك، وأشفقوا، وقالوا: نخاف أن تكون عجلت لنا ~~حسناتنا» . # فليتق الله عبد، ولينصف من نفسه، وليلزم منهاج من مضى، وليعترف ~~بالتقصير، ويسأل الله الإقالة!. PageV01P035 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0036.png) ~~قال الله عز وجل: (فليتوكل المؤمنون)ما6. ~~وقال تعالى : (وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين). ~~وقال تعالى: (الله إن الله يحب المتولين) عمران: ]. ~~وروي عن النبيل صلى الله عليه وسلم أنه قال : يدخل الجنة من أمتي سبعون الفا بغير حساب، ~~وهم : الذين لا يتطيرون، ولا يكتوون ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون. ~~وقال عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم : الو توكلتم على الله خق ~~توكله : لرزقكم كما يرزق الطير: تغدو(3) خماصا وتروح(2 بطانا»(5) . ~~وقال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه : العز والغنى: يجولان في طلب التوكل، ~~فإذا أصاباه أوطنا». ~~فالتوكل - في نفسه وموجوده في القلب - : هو التصديق لله، عز وجل، ~~والاعتماد عليه، والسكون إليه، والطمأنينة إليه في كل ما ضمن، وإخراج الهم من PageV01P036 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0037.png) ~~القلب بأمور الدنيا والرزق، وكل أمر تكفل الله به، والعلم بأن كل ما احتاج إليه العبلد ~~من أمر الدنيا والآخرة : فالله مالكه والقائم به، لا يوصله إليه غيره، ولا يمنعه غيره معع ~~خروج الرغبة والرهبة والخوف من القلب ممن سوى الله، تعالى، والثقة به والعلمم ~~الخالص، واليقين الثابت: أن يد الله المبسوطة إليه، الموفية له من كل ما طلب؛ فاللا ~~يصل إليه معروف إلا من بعد أمره، ولا يناله مكره إلا من بعد إذنه ! # وهكذا روي عن الفضيل، أنه قال : المتوكل على الله، الواثق به : لا يتهمه، وللا ~~يخاف خذلانه. # وكذلك المتوكل على الله : إذا ملكه الله تعالى شيئا من أمر الدنيا وفضل عنده،، ~~لم يدخره لغد إلا بالنية أن الشيء إنما هو لله، وموقوف لحقوق الله، وهو خازن منن ~~خزان الله، فإذا رأى موضع الحاجة سارع إلى الإخراج والبذل والمؤاساة، وكان في ~~الذي يملك وإخوانه سواء. # وإنما يجب ذلك عليه لأهل الستر ms19 خاصة، والقرابة، وأهل التقوى، ثم لعاهم ~~المسلمين، إذا رآهم على حال ضرورة غير نقص حالهم. # وروي عن النبي لي صلى الله عليه وسلم، أنه قال : ليس الزهادة في الدنيا بتحريم الحلال، وللا ~~بإضاعة المال، ولكن الزهد في الدنيا: أن تكون بما في يد الله أوثق منك بما في يدك، واذتا ~~أصابتك مصيبة كنت بثوابها : أفرح منك بها لو بقيت عنك». # وقال بلال، رضي الله عنه : جنت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعي تمر فقال : ما هذا?. # فقلت: شيء ادخرته لإفطارك. # فقال: أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا، أما خشيت أن يكون له بخار في ~~جهنم؟»(3). PageV01P037 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0038.png) ~~ويروى عن عائشة، رضي الله عنها، أنها قالت: «إني لست كأسماء - يعني أختها - إن ~~أسماء لا ترفع شيئا لغد، وأنا أجمع الشيء إلى الشيء . ~~وروي عن عائشة أيضا، رضي الله عنها : أنها فرقت الدراهم، وهي ترفع درعها، ~~فقالت لها خادمتها : ألا أبقيت درهما للحم؟ قالت: أفلا ذكرتني!». ~~وروت عائشة، رضي الله عنها، عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه بات في مرضه الذي قبض ~~فيه شبيها بالقلق، فلما أصبح قال : ما فعلت الذهيبة)? - وكان قيمتها ستة وخمسين ~~درهما - فقال : أخرجيها، فما ظن محمد بربه لو لقيه وهذه عنده?!. ~~وروي عن مسروق(2، رحمة الله عليه، أنه قال : «أوثق ما أكون بالله إذا قالت ~~الخادم : ليس عندنا شيء!1 . ~~قلت : فالتوكل على الله تعالى : بإلأسباب أو بقطع الأسباب? ~~قال : بقطع أكثر الأسباب، وتتخطى إلى المسبب، فتسكن إليه. ~~قلت : وهل يتداوى المتوكل، أو يتعالج? ~~قال : الأمر في هذا على معان ثلاثة : وقد خص تبارك وتعالى بترك الدواء ~~والأسباب طائفة، لقول النبيل صلى الله عليه وسلم : يدخل الجنة من أمتي سبعون ألفا بلا حساب، وهم ~~الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، وعلى ربهم يتوكلون!. ~~وقال النبي صلى الله عليه وسلم :ما توكل من اكتوى واسترقى! ~~وقال صل ل،ى الله عليه وسلم: :من ردته الطيرة فقد قارن الشرك. PageV01P038 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0039.png) # وقد أمر النبي ص لى الله عليه ms20 ولم بالدواء، والرقي، وأمر بالرقية، وقطع لأبي بن ~~كعب2، رضي الله عنه، عرقا. # فهذا على معاني قول المغيرة بن شعبة: لم يتوكل من اكتوى واسترقى: من ~~هؤلاء السبعين ألفا، الذين خصهم النبي لي صلى الله عليه وسلم، كذلك فسره بعض العلماء. # وما كان من سوى ذلك : فمباح لهم من سائر الناس، وهو غير ناقص من، ~~توكلهم، إذا كان معهم العلم والمعرفة، وكان نظرهم إلى رب الداء والدواء، إن شاءه ~~أن ينفع بالدواء، وإن شاء أن يضر. # وقد يطلب شفاءه بالدواء فيكون فيه سقمه، وقد مات غير إنسان من الدواء، ~~وقطع العرق، ولما طلب الشفاء، وقد يرجو منفعته في الشيء فتكون فيه مضرته، وقد. ~~يخاف الضرر من شيء، فتكون فيه المنفعة. # فالصادق: واثق، متوكل على ربه، فإنما توكل عليه، حين علم أنه حسبه من، ~~جميع خلقه، فلم يجد فقد شيء منعه الله، لأن الله حسبه، وهو بالغ أمره. PageV01P039 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0040.png) ~~قلت : فمن قال؛ أتوكل على الله لأثفى? ~~قال : لا يخلو هذا القول من معنيين : ~~معنى : أن يكفيه مؤنة الجزع والهلع، لا أنه يتحول عنه شيء قد قدره الله عليه ~~أن ينزل به، بالتوكل. ~~فهذا : قولنا وقول من أثبت القدر. ~~ومن قال : إنه يكفيه ما استكفاه لا محالة مثل قوله : لا يأكلني السبع لتوكلي، والذي ~~يأتيني بطلب يأتيني بلا طلب، فالتوكل يدفع عني إذا استكفيته كل مؤنة كنت أخافها، ~~فليس يعجبنا هذا القول؛ لأن المتوكل: قد يكفى وقد لا يكفى وتوكله غير ناقص. ~~قلت : مثل ماذا؟ اشرح لي من ذلك شيئا. ~~قال : نعم، حيث ذبحت يحيى بن زكرياء : امرأة جبارة في طشت(1، ألم يكن ~~متوكلا؟! ~~وحين نشر زكرياء، صلوات الله عليه، بالمنشار ألم يكن متوكلا?! ~~وكذلك الأنبياء؛ عليهم السلام، قتلوا ونيل منهم المكروه، وهم أقوى الخلق ~~يقينا وأصدقه. ~~وهذا محمده لى الله عليه وسلم، حين هرب إلى الغار هو وأبو بكر، رضي الله عنه، فاختبأوا ~~يه، وحين كسر المشركون رباعيته لى الله عليه وسلم، وأدموا وجهه ألم يكن متوكلا ?. ~~أفلا ترى أن ms21 التوكل إنما هو: الاعتماد على الله، عز وجل، والسكون إليه، ثم ~~التسليم بعد ذلك لأمره، يفعل ما يشاء ? ! ~~وهكذا: روي عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه: (ومن يتوكل على الله فهو ~~حسبه إن الله بلع أمره) قال: قاض أمره: (قد جعل الله لكل شى وقدرا) ~~[الطلاق : 3]. ~~قال : أجلا ومنتهى ينتهي إليه العبد، وليس المتوكل بالذي يقول: تقضى حاجتي . ~~فهذا تفسير ابن مسعود، رضي الله عنه: يخبر أن المتوكل على الله: هو الذي ~~يلجأ إلى الله، تعالى، ويعلم: أنه لا يتم شيء إلا من قبل الله، تعالى، الذي يعطي ~~ويمنع بقدرته . PageV01P040 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0041.png) ~~باب الصدق في التوكل على الله عز وجل، # فالمتوكل على الله، تعالى : لا يستوحش في حالة المنع، ولا يستجلب بالمتوكل ~~الإعطاء؛ لأن الحرص: لا يعطى ولا يمنع، والله، جل وعز: مانع ومعطي. # وقد يغطى العبد الشيء بلا توكل، ويمنع وهو متوكل. # فقد يرى المجوسي، والكافر، والجاحد، والفاجر، المضيع لأمر الله، عز ~~وجل، الذي لا صدق له ولا يقين، فقد يرى هازلون: يكفرون، وتقضى لهم ~~الحوائج، والمتوكل الصادق الموقن: لا تقضى له حاجة، حتى يموت ضراء وهزلاء! # وإنما التوكل: ترك السكون إلى أسباب الدنيا، ونفي الطمع من المخلوقين، ~~والإياس منهم، حين علم المتوكل : أنه صائر إلى المعلوم، فرضي بالله، تعالى، وعلم ~~أنه لا يدرك بالتوكل: تعجيل ما أخر الله، تعالى، ولا تأخير ما عجل، ولكنه اكتسب ~~إسقاط الهلع والجزع، واستراح من عذاب الحرص، وراض نفسه بأدب العلم ~~والمعرفة وقال: ما قدر سيكون، وما يكون فهو آت. # وكذلك قال بعض الحكماء: انتقم من حرصك بالقنوع، كما تنتقم من عدوك ~~بالقصاص. # وقال بعض الصحابة، رضوان الله عليهم : «دخلت على النبي لى الله عليه وسلم، وفي البيت ~~تمرة غابرة فقال : خذها، لو لم تأتها لأتتك!». # حدثنا محمد بن يعقوب، قال : حدثنا أحمد بن حنبل، قال؛ حدثنا مروان بن ~~معاوية قال : حدثنا المعلى، عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال : «أفدي PageV01P041 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0042.png) ~~إلى النبي صلى الله عليه وسلم، لوائر ms22 فأطعم خادما طائرا، فلما كان من الغد أتيته به فقال: الم انهك أن ~~تخبأ رزقا لغد؟»1). # فهذا ما لا يسع الناس جهله من التوكل، وغاية التوكل : أجل من ذلك. PageV01P042 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0043.png) ~~قال الله تعالى : (وإيلى فاتقون) (وإياى فارهبون). ~~وقال تعالى: (فلا تخشوا الناس وآخشون). ~~وقال تعالى؛ (يافون ربهم من فوقهم). ~~وقال تعالى: (كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماوا). ~~وقال تعالى : (ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكر شهودا إذتفيضون فيه) .. ~~وقال تعالى: (يعلم ما في أنفسكم فأخذروه). ~~وقال النبي ل صلى الله عليه وسلم: خف الله كأنك تراه. ~~قال ذلك لابن عباس(2 رضي الله عنه. ~~فالذي يهيج الخوف حتى يسكن القلب : هو دوام المراقبة لله عز وجل، في السر ~~والعلانية؛ وذلك لعلمك بأن الله، تعالى، يراك ولا يخفى عليه شيء من حركاتك ~~ظاهرا وباطنا. ~~فعند ذلك يجل مقامه عليك في كل حركة ظاهرة وباطنة، وتحذر أن يرى بقلبك ~~شيئا مما لا يحبه ولا يرضاه بالوقوف منك على همك، إذا كان يعلم ما في نفسك. ~~فمن ألزم قلبه في الحركات كلها: أن الله تعالى، يراه: رجع عن كل ما يكره ~~بعون الله، فطهر قلبه واستنار، وسكنه الخوف، ودام حذره من الله؛ فكان مشفقا في PageV01P043 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0044.png) ~~جميع الأحوال، وعظم أمر الله تعالى، في قلبه، فلم تأخذه في الله لومة لاثم، وقل ~~وصغر من دون الله في عينه ممن ضيع أمر الله. # وذكر الخوف يطول، وهذه الأصول التي من استعملها تؤديه إلى الحقائق. # فهذا ظاهر الخوف وما بقي من صفته أكثر. PageV01P044 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0045.png) ~~يروى عن النبيل ل،ى الله عليه وسلم، أنه قال : الحياء: من الإيمان. ~~وروي عهنل صلى الله عليه وسلم، أنه قال : الحياء خير كله. PageV01P045 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0046.png) ~~وقال صلى الله عليه وسلم:استحيوا من الله حق الحياء، من استحيا من الله حق الحياء، فليحفظ الرأس ~~وما حوى، والبطن وما وعى، وليذكر المقابر والبلى، ومن أراه الآخرة ترك زينة الدنيا. ~~وقال النبي ل،ى الله عليه وسلم: استح من الله كما تستحي من ms23 رجل صالح من قومك. ~~وقال رجل يا رسول الله : لما نبدي من عوراتنا وما نذر?1 . ~~قال : «استر عورتك إلا من أهلك وما ملكت يمينك. ~~قال : فأحدنا يكون خاليا . ~~قال : «فالله أحق أن يستحى منه»3. ~~وكان أبو بكر، رضي الله، إذا ذهب إلى الخلاء يغطي رأسه ويقول : إني ~~لأستحي من ربي. ~~وهذه أخبار تدل كلها على قرب الله، عز وجل، من القوم، لأن المستحي من ~~الله تعالى، يرى اطلاع الله تعالى، عليه، ومشاهدته له في جميع الأحوال. ~~قلت: فما الذي يهيج الحياء ? ~~قال : ثلاث خصال : ~~الأولى تفكيرك في: ~~دوام إحسان الله تعالى إليك مع تضييع الشكر منك، ومع دوام إساءتك ~~وتفريطك. ~~والثانية: أن تعلم أنك بعين الله، عز وجل؛ في منقلبك ومثواك. PageV01P046 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0047.png) ~~والثالثة : ذكرك لوقوفك بين يدي الله، عز وجل، ومساءلته إياك عن الصغير والكبير. ~~قلت : فما الذي يشيد الحياء ويقويه? ~~قال : الخوف لله، عز وجل، عند الهوى الخاطر الواقع في القلب! فيفزع القلب، ~~ويستوحش عندما يعلم أن الله تعالى، يرى ما فيه فيثبت الحياء من الله، فإذا دام على ذلك زاد ~~الحياء وقوي. ~~قلت : فالذي يولد الحياء ما هو؟ ~~قال : الفزع من أن يكون الله تعالى، عنه معرضا وله ماقتا، ولفعله غير راض. ~~قلت : فما الغالب على قلب المستحي من ربه? ~~قال : إجلال رؤية من يراه، فحينئذ يهاب الله، عز وجل، ويستحي منه. ~~قال أبو سعيد، رحمه الله تعالى : سمعت بعض المريدين سأل بعض أهل المعرفة. ~~قال : ما علامة هيبة الله في قلب العارف بالله? ~~قال : إذا استوى عنده الأفعى والذباب. ~~قلت : فبم يضعف الحياء? ~~قال : بترك المحاسبة وترك الورع. ~~قلت : فكيف أحوال المستحي في نفسه? ~~قال: طول الخشوع ودوام الإخبات، وتنكس الرأس، وانحصار الطرف، ~~وقلة النظر إلى السماء، وكلال اللسان عن كثير من الكلام، والفزع من التكشف في ~~الخلاء، وترك العبث والضحك، والحياء عند إتيان ما أباحه الله، فكيف بذكر عارض، ~~مما نهى الله تعالى عنه? ~~والناس يتفاوتون في الحياء على قدر قرب الله تعالى، منهم وقربهم ms24 منه. PageV01P047 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0048.png) ~~قال الله عز وجل: ( ولقذ كرمنا بني م ادم وحملناهم فى الر والبحر ورنقنهم من الطئبات ~~وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا)). ~~وقال تعالى : (وإن تعمدوا نقمت الله لا تحصوما)]. ~~وقال : (اذكروا نعمتي التي أنعمت عليك) و. ~~فإذا أفاق العبد من الغفلة، فكر ونظر إلى نعم الله تعالى، عليه، وتكاملها قديما ~~وحديثا. ~~فأما نعمه القديمة: فذكره لك قبل أن تك شيئا، وما خصك به من توحيده، ~~والإيمان به، والمعرفة له، فأجرى باسمك القلم في اللوح المحفوظ مسلما؛ ثم أهلك ~~القرون السالفة، وجعلك في شرذمة من المؤمنين ناجية، حتى أخرجك في خير ~~أمة، وأكرم دين، ومن أمة حبيبه: محمدا صلى الله عليه وسلم، ثم هداك للسنة، واستعملك بالشريعة ~~وباعدك من الزيغ والأهواء، ثم رباك، وكلأك، وغذاك، حتى وجبت عليك الأحكام. ~~فأغفلت نعمته، وفرطت في حفظ وصيته، وركبت هواك من عمرك حينا، وفي ~~كل ذاك لا يكافئك بإساءتك، بل يسترك، ويحلم عنك، وينظرك. ~~ثم عطف عليك بعد ذلك، بعدما كنت شرودا فأيقظك من الغفلة، وعرفك ما ~~اتك من حظك من طاعتك، فوهب لك الإنابة إليه، وأجلسك على طيب مرضاته. ~~فوجب عليك الآن شكر بعد شكر!! فأي نعماه تحصي. وعلى أيها تشكر? ~~ولا بد من معرفة الشكر، ومباشرته. ~~والشكر على ثلاثة وجوه: ~~شكر القلب، وشكر اللسان، وشكر البدن. PageV01P048 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0049.png) ~~فأما شكر القلب: فهو أن تعلم أن النعم من الله وحده لا من غيره. ~~وأما شكر اللسان: فالحمد والثناء عليه، ونشر آلائه، وذكر إحسانه . ~~وأما شكر البدن : فلا تستعمل جارحة - أصحها الله تعالى وأحسن خلقها - في ~~معصية، بل تطيع الله تعالى، بها ~~وكذلك كل ما خولك وملكك من الدنيا جعلته عونا لك على طاعته، ولم تحوله ~~في باطل، ولم تنفقه في سرف، ثم تبذل لله عز وجل ذكره وعز جده، الخدمة، ~~وتعطيه الجهد من نفسك. ~~وهكذا يروى عن النبي ل صلى الله عليه وسلم :أنه قام حتى تورمت قدماه ? فقيل له : يا رسول الله ما ~~هذا التعب? أليس قد غفر ms25 الله لك??». ~~قال : «أفلا أكون عبدا شكورا»2). ~~وقال الله، عز وجل: (اعملواءال داود شترا). ~~وقال تعالى : (لين تكرتو لأزيدنكة) . ~~فإذا بلغ العبد من الشكر لله، عز وجل، غاية، انقطع فنظر، فإذا شكره نعمة PageV01P049 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0050.png) ~~من الله تعالى ، تحتاج إلى أن يشكر الله تعالى، عليها، إذ جعله من الشاكرين، ~~فعمل عند ذلك في شكر الشكر!! ثم كاد يتحير؛ فتواترت عليه من الله تعالى، ~~الألطاف بالبر والكرامات . # وبلغنا أنه فيما ناجى به موسى، عليه السلام، ربه، عز وجل، قال: يا رب ~~أمرتني بالشكر على نعمتك، وإنما شكري إياك نعمة من نعمك!. # فأوحى الله إليه : لقد علمت العلم، إذ علمت أن ذاك مني فقد شكرتني. # وقال عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه : ذكر النعمة شكر ما، فدلت النعم ~~على محبة المنعم! PageV01P050 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0051.png) ~~وقد أجمع الحكماء أنها تستخرج من ذكر النعم. ~~وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النبي لى الله عليه وسلم أنه قال : «أحبوا الله لم ~~يغذوكم من نعمه، وأحبوني لحب الله، وأحبوا أهل بيتي لحبي ~~وقال الله، عز وجل: (والذينءامنوا أشدحبا لله). ~~وبلغني أن الله، عز وجل، أوحى إلى عيسى، عليه السلام : يا عيسى بحق أقول ~~لك: إني أحب إلى عبدي المؤمن من نفسه التي بين جنبيه. ~~وبلغنا عن الحسن البصري، رضي الله عنه: أن ناسا قالوا، على عهد رسول الله، ~~ه عله:ول يا رسول الله إنا نحب ربنا حبا شديدا فجعل الله تعالى لمحبته علما وأنزل، عز وجل: ~~(قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله) عمران:. ~~فمن صدق المحبة : اتباع الرسول صل لى الله عليه وسلم، في هديه، وزهده وأخلاقه، والتأسي ~~به في الأمور، والإعراض عن الدنيا وزهرتها وبهجتها، فإن الله، عز وجل جعل ~~محمدل صلى الله عليه وسلم، علما ودليلا وحجة على أمته. ~~ومن صدق المحبة لله تعالى، وإيثار محبة الله، عز وجل، في جميع الأمور على ~~نفسك وهواك، وأن تبدأ في الأمور كلها بأمره قبل أمر نفسك. ~~وبلغنا أن موسى، عليه السلام، قال ms26 : يا رب أوصني. ~~قال الله، عز وجل: أوصيك بي. ~~قال : يا رب كيف توصيني بك؟ ~~قال : لا يعرض لك أمران! أحدهما لي، والآخر لنفسك، إلا آثرت محبتي على هواك. PageV01P051 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0052.png) # فالمحب لله : قد جعل ذكر الله تعالى، بقلبه ولسانه، فرضا على نفسه، فهو ~~يتفرغ من الغفلة ويستغفر منها، وكذلك جوارحه : إنما هي وقف لخدمة من أحبه. # فهو: غير ساه، ولا لاه، وإنما همه: أن يرضي من أحبه، فقد بذل المجهود في ~~موافقته : في أداء فرائضه، واجتناب مناهيه، فهو متزين له بكل طاقته حذرا من أن يأتي ~~عليه أمر يسقطه من عين من أحبه . # وهكذا روى النبي ل ل،ى الله عليه وسلم، من غير طريق، أنه قال : يقول الله، عز وجل: ما تقرب ~~إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته، ~~كنت له : سمعا، وبصرا، ويدا، ومؤيدا : دعاني فأجبته، ونصح لي فنصحت له. # فعلامة المحب: الموافقة للمحبوب، والتجاري مع طرقاته في كل الأمور، ~~والتقرب إليه بكل حيلة، والهرب من كل ما لا يعنيه على مذهبه. # قلت : فالمحبة على قدر النعم ? # قال : المحبة بدؤها: من ذكر النعم، ثم على قدر المنعم: على قدر ما يستحق؛ ~~لأن المحب لله تعالى يحب الله تعالى - عند النعم، وعند فقدها، وعلى كل حال - حبا ~~صحيحا، منعه، أو أعطاه، أو ابتلاه، أو عافاه، فالمحبة لازمة لقلبه، على حالة ~~واحدة، في العقد، ثم هي إلى الزيادة أقرب. # ولو كانت على قدر النعم، لنقصت المحبة إذا نقصت النعم، في وقت الشدائد ~~ووقوع البلاء لكن المحب لله تعالى، الذي وله عقله بربه، واشتغل برضاه فكان في ~~شكره لله وذكره حيران، كأنه ليست نعمة على أحد إلا وهي عليه، وهو مشغول بحبه لله، ~~عز وجل، عن كل الخلق، وقد أسقطت المحبة لله تعالى، عن قلبه، الكبر، والغل، ~~والحسد، والبغي، وكثيرا مما يعنيه من أمر الدنيا من مصلحة، فكيف يذكر مالا يعنيه ?! # قال بعض الحكماء : من أعطى من المحبة شيئا فلم يعط مثله ms27 من الخشية: فهو ~~مخدوع: # وروي عن الفضيل بن عياض، رحمه الله تعالى، أنه قال: الحب أفضل من ~~الخوف . # وحدثنا إسماعيل بن محمد قال: حدثني زهير البصري قال: لقيت شعوانة، ~~فقالت لي : ما أحسن طريقتك! إلا أنك تنكر المحبة ! PageV01P052 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0053.png) ~~قلت : ما أنكرها؟ ~~فقالت لي : تحب ربك؟ # فقلت : نعم. ~~قالت: فكيف تخاف ألا يحبك وأنت تحبه? ! ~~قلت: أنا أحبه لما أولاني وما نداني من معرفته ونعمه، ولي ذنوب أخاف أن ~~لا يحبني لما كسبت: ~~فغشي عليها، ثم أفاقت فقالت: زه ! ~~قال أبو سعيد، رحمه الله تعالى : ما أحسن ما قال هذا الرجل! هذا كلام ~~صحيح!! ~~قال أبو سعيد، قدس الله روحه: قال رجل من رفعاء البدلاء: من يحب الله كثير ~~الشأن فيمن يحبه الله. ~~وبالله التوفيق. ~~وفي هذا بلاغ لمن أعانه الله، تعالى، وسدده، وما بقي من صفات المحبين أكثرا! PageV01P053 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0054.png) ~~قال الله، عز وجل: (فلا وريك لا يؤمنون حت يحكموك فيما شجر بينهم ثملا ~~يحجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليم). ~~قال بعض العلماء، رحمهم الله تعالى: ما شهد الله تعالى، لهم بالإيمان، حين ~~لم يرضوا بحكم نبيه، فكيف إذا لم يرضوا بحكمه، عز وجل?! ~~قلت : فما علامة الرضا في القلب، وما موجوده ? ! ~~قال : سرور القلب بمر القضاء. ~~وقال بعضهم: الرضا: تلقي المصائب بالرجاء والبشر. ~~وروي عن أنس بن مالك، رضي الله عنه، أنه قال: كنت خادم النبي صلصلى الله عليه وسلم، ما قال ~~ي لشيء قط : لم فعلت، أو ألا فعلت! إنما كان يقول: كذا قضى، وكذا قدر. ~~وروي عن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، أنه قال : ما أبالي على ما أصبحت ~~وما أمسيت على ما أحب أو على ما أكره، لأني لا أدري أيهما خير لي. ~~وقال عمر أيضا : لو أن الصبر والشكر بعيران لي ما أبالي على أيهما ركبت. ~~فهذا يدلك على الرضا من قول عمر، رضي الله عنه، لأن الصبر : لا يكون إلا ~~على ما يكره والشكر : لا يكون إلا على ما ms28 يحب فقال: لا أبالي أيهما وقع لي، وذلك ~~لاستواء الحالين عنده. ~~ويروى عن عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، أنه قال : حبذا المكروهات، ~~وأيم الله، ما هو إلا الغنى والفقر، وإن حق كل واحد منهما لواجب: إن كان الغنى، فإن فيه ~~العطف، وإن كان الفقر، فإن فيه الصبر. PageV01P054 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0055.png) # وقال عمر بن عبد العزيز، رضي الله عنه : أصبحت ومالي في الأمور من اختيار. # وقال بعضهم: ومالي من النعم سوى مواقع القدر في، كائنا ما كان، وكان قد ~~سقي السم، فقيل له : تعالج، فقال: لو علمت أن شفائي: في أن أمس أنفي أو أذني ~~ما فعلت . # وقال النبي ص ل،ى الله عليه وسلم، ابن مسعود، رضي الله عنه : يا بن أم عبد لا يكثز همك، ما ~~يقدر يكن، وما ترزق تأكله. # وقال النبي لي صلى الله عليه وسلم، في قصة طويلة لابن عباس، رضي الله عنهما : فإن استطعت ~~أن تعمل لله بالرضا في اليقين، وإلا ففي الصبر على ما تكره: خير كبير . # أفلا ترى أنل لى الله عليه وسلم، دعاه إلى أعلى الحالين. # وقال بعض الحكماء: إذا استتم في العبد الزهد والتوكل، والمحبة، واليقين، ~~والحياء، صح له الرضا. # وهو عندنا كما قال، وإلا فهو مع الناس، أوقات وخطرات على قدر إيمانهم، ~~ثم يعودون إلى الصبر. # وقال بعضهم: الرضا قليل، ومعول المؤمن: الصبر. # فقلت : اشرح لي قول الحكيم : الراضي يتلقى المصائب بالبشر والسرور. # قال : إن العبد، لما صدق في محبته، وقعت بينه وبين الله، تعالى، المفاوضة ~~والتسليم، فزالت عن قلبه التهم، وسكن إلى حسن اختيار من أحبه، ونزل في حسن ~~تدبيره وذاق طعم الوجود به، فامتلأ قلبه فرحا ونعيما وسرورا، فغلب ذلك ألم ~~المصائب والمكروه والبلوى، فصار اسم البلوى عليه معلقا، فيستخرج منه إذا نزل به ~~أمور كبيرة، فتارة يتنعم بعلمه به، إذا علم أنه يراه في البلوى، وتارة يعلم أنه ذكره، ~~فابتلاه، ولم يغفل عنه، على عظم قدره أن يولي من أمره ما فيه الصلاح، فيراه تارة ~~يشكو إليه ms29 شكوى المحب إلى حبيبه، وتارة يئن إليه؛ وتارة يطمع أن يراه راضيا عنه. # فهكذا قال، جل ذكره: (يايها النقس المطمينة ارجى إلى رب راضية مفية) ~~[الفجر : 27، 28]. PageV01P055 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0056.png) # فالرضا: تعجله العقلاء عن الله، عز وجل، في الدنيا قبل الآخرة، فخرجوا من ~~الرضا إلى الرضا. ~~وهكذا قال، عز وجل: (رض الله عنهم ورضواعنه واعد لم جنت) ~~الآية. # فقد ذكرنا بعض صفات الراضين من ظاهر ما أمكن أن يذكر مثله في كتاب، وما ~~بقي من صفاتهم أكثر. # وبالله التوفيق. PageV01P056 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0057.png) ~~روي عن النبي لى الله عليه وسلم، انه كان يقول في دعائه : اللهم إني أسألك لذة العيش بعد ~~الموت، والنظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك.. ~~وروي عن أبي الدرداء، رضي الله عنه، أنه كان يقول : أحب الموت اشتياقا إلى ربي. ~~وروي عن حذيفة، رضي الله عنه، أنه قال عند الموت: حبيب جاء على ~~فاقة(!! لا أفلح من ندم. ~~وروي عن شهر بن حوشب5)، رضي الله عنه، أنه قال : «أخذت معاذ، رضي الله PageV01P057 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0058.png) ~~عنه، قرحة في حلقه، فقال اخنق خنقك، فوعزتك إني أحبك». # وكان علي بن سهل المدائني، رحمه الله، يقوم إذا هدأت العيون، فينادي ~~بصوت له محزون : يا من اشتغلت قلوب خلقه عنه بما يعقبهم عند لقائه ندما، ويا من ~~سهت قلوب عباده عن الاشتياق إليه، إذ كانت أياديه إليهم قبل معرفتهم به ثم يبكي حتى ~~تبكي لبكائه جيرته، ثم ينادي : ليت شعري سيدي إلى متى تحبسني! ابعثني سيدي إلى ~~حسن وعدك، وأنت العليم أن الشوق قد برح بي، وطال علي الانتظار» ثم يخر مغشيا ~~عليه ، فلا يزال كذلك حتى يحرك لصلاة الصبح . # وكان الحارث بن عمير، رحمه الله، يقول إذا أصبح: أصبحت ونفسي وقلبي ~~مصر على حبك سيدي، ومشتاق إلى لقائك! فعجل بذلك قبل أن يأتيني سواد الليل، ~~فإذا أمسى قال مثل ذلك، فلم يزل على مثل هذا الحال ستين سنة. # فالمشتاق إلى الله، تعالى : هو المتبرم بالدنيا والبقاء فيها، وهو محب للموت ~~وانقضاء المدة والأجل. # ومن علامته ms30 التوحش من الخلق، ولزوم العزلة والانفراد بالوحدة، ومن ~~شأنه : القلق، والحنين؛ والحزن، والنحيب، والكمد، والغصة المنكسرة في ~~الصدر بشدة الشغف والكلف والهذيان بذكر المحبوب، والارتياح إليه، والفكرة ~~الصافية بهيجان الهمة، وجولان الروح في الغيوب، لطلب اللقاء والبهت، ~~والدهش، والحيرة، عند توهم الظفر بالأمل من المأمول، ونسيان حظه من الدنيا PageV01P058 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0059.png) ~~والآخرة، إلا رؤية من هو إليه مشتاق، نعم، ثم يعارضه الآن الخوف الذي هو ~~الخوف أنه لا يصل إلى محبوبه، ويخاف أن يقطع به دونه، ويحال بينه وبينه، ~~ويحجب عنه، ثم يخاف أن تحدث حادثة، إذ كان في دار البلوى، فقد طالت عليه ~~الأيام والليالي إلى أن يخرج من الدنيا سالما على الأمر الذي يرضي مولاه. # فهذا بعض ما يمكن ذكره من صفات المشتاقين، وما بقي من نعتهم أكثر. # وبالله التوفيق. PageV01P059 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0060.png) # قال بعض الحكماء: الأنس بالله، جل ثناؤه: أرق وأعذب من الشوق، لأن ~~المشتاق : كان بينه وبين الله، تعالى، مسافة خفيفة، لعلة شوقه، والمستأنس: أقرب ~~من الله، عز وجل. # وهكذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، حين أتاه جبريل، عليه السلام، في صورة رجل، ~~فسأله عن الإسلام والإيمان، ثم سأله عن الإحسان، فقال له النبي لى الله عليه وسلم : أن تعبد الله ~~كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، فقال له : صدقت!. # وروي عن النبي لى الله عليه وسلم، إن قال لابن عمر، رضي الله عنه : اعبد الله كانك ~~تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك. PageV01P060 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0061.png) ~~وإنما دله على قرب الله، عز وجل، وقيامه عليه، ومن قرب الله، تعالى، ~~تستخرج حقائق الأمور في كل مقام. ~~فمن كان مقامه: الخوف، أدركه من قرب الله، تعالى - حين علم أنه يراه - ~~الحذر، والفرق، والخشية. ~~ومن كان مقامه : المحبة، أدركه من حقائق قرب الله تعالى، حين علم أنه يراه ~~الفرح، والسرور، والنعيم، والمسارعة، في طلب رضاه والقربة ليراه منافسا راغبا، ~~يريد القربة إليه، والمبالغة في محبته. ~~والصابر في وقت بلواه ومصيبته وما يتحمله لسيده: مما يقربه من ms31 ثوابه، حين ~~سمع الله، عز وجل، يقول: (إن الله مع الصابين). ~~وقال، تعالى: (واصبر لحكم ريك فإنك بأعيننا). ~~سهل عليه عند ذلك معالجة الصبر واحتمال مؤنته. ~~وكذلك أهل كل مقام: عبدوا الله تعالى، على القربة: وذلك حين أيقنوا، وهم ~~الذين لا يكادون يصلون ولا يرجعون. ~~وأما العامة من الناس: فإنهم عملوا على ما انتهى إليه من الأمر والنهي، على ~~رجاء ضعيف فخلطوا ولم يحققوا! ~~فمن صدق الأنس : ما يروى عن عروة بن الزبير(3، رحمة الله عليه: أنه خطب ~~إلى عبد الله بن عمر، رضي الله عنهما، ابنته؛ وهو يطوف ببيت الله الحرام، فلم يجبه PageV01P061 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0062.png) ~~ابن عمر، ولم يرد عليه جوابا، ثم لقيه عبد الله بعد ذلك، فقال له : إنك كلمتني في ~~الطواف، ونحن نتخيل الله بين أعيننا. # فالمستأنس : كأنه ينظر إلى ما اشتاق إليه المشتاق: # ويروى عن عبد الواحد بن زيد البصري، رحمه الله تعالى، أنه قال لأبي عاصم ~~الشأمي، رضي الله عنه ورحمه: أما تشتاق إلى الله تعالى? # قال : لا، إنما تشتاق إلى غائب؛ فإذا كان الغائب شاهدا فإلى من تشتاق؟» فقال عبد ~~الواحد : سقط الشوق: # وروي عن داود الطائي، رحمه الله تعالى - وكان من المسلمين الذين أجمعوا ~~على صدقه وعدالته - قال أيضا : إنما تشتاق الغائب. # قال بعض العلماء، رحمه الله: وإنما قالوا: هذا من حقائق الوجود لقرب الله، ~~عز وجل، كأنهم معه، إذ كان معهم شاهدا لا يغيب، وذلك من الله تعالى، تسكين ~~وتطمين ورحمة وراحة، عجلها لهم في الدنيا، وإلا فما الذي وصل إليهم من الله، عز ~~وجل، من قربه؟ ! # فمن علامة المستأنس بالله تعالى، وبقربه: أن يكون واجدا لذكر الله عز وجل، ~~في قلبه، واجدا لقربه منه : لا يفقده على كل حال، وفي كل وقت وكل موطن، ~~ويكون الله، عز وجل وقربه السابق إليه قبل الأشياء، وذلك إذا سكن قلبه نور قرب ~~الله تعالى، منه فبه ينظر إلى الأشياء، وبه يستدل على الأشياء. # وهكذا يروى عن عامر بن عبد الله، رضي الله عنه، أنه ms32 قال : ما نظرت إلى شيء ~~قط إلا كان الله تعالى، أقرب إلي منه. # ومن صفات المستأنس: أن يكون متبرما بالأهل والخليقة كلهم، مستعذبا ~~للخلوة والوحدة، ويكون في البيت المظلم متبرما بالمصباح إذا رآه، بل يجيف بابه ~~ويسبل ستره ويواحد قلبه، ويألف مليكه، فيكون به أنيسآ، وبمناجاته متنعما، ويكون PageV01P062 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0063.png) ~~متفرغا من طارق يطرقه فينغص عليه خلوته، ثم تراه مستوحشا من ضوء الشمس إذا ~~دخل عليه في صلاته، ويتثاقل تلقاء الخلق، ويملهم، ويكون لقاؤهم ومجالستهم عليه ~~غراما وخسارا، فإذا جنه الليل، ونامت العيون وهدأت الحركات، وسكنت حواس ~~الأشياء، خلا عند ذلك ببثه، فهاج شجوه، وتصاعدت أنفاسه، وطال أنينه، ~~وتنجز الموعود من مأموله، وما قد غذاه من فوائده وألطافه، فظفر عند ذلك ببعض ~~سؤله، وقضى بعض أوطاره. # وكذلك المستأنس: تذهب عنه الوحشة في المواطن التي يفزع فيها الناس، ~~فيستوي عنده العمران والخراب، والقفار، والجماعة والوحدة، وذلك للذي ~~استولى عليه : من قرب الله عز وجل، وعذوبة ذكره؛ ويغلب ما سواه: من العوارض ~~الظاهرة والباطنة. # فهذا ظاهر الأنس الذي يمكن أن يذكره، وما بقي من مقامات الأنس أكثر وأعز ~~من أن يكون في كتاب، إلا أن يجري منه شيء عند المذاكرة مع أهله. # وبالله التوفيق. # واعلم أيها السائل عن الصدق وشرحه : أن الذي ذكرته لك: إنما هو ظاهر ~~لصدق، والصبر، والإخلاص الذي لا يسع الناس جهله، ولا ترك العمل به؛ خاصة ~~المريدين من الناس، الطالبين لسلوك سبيل النجاة. # ومن الناس : من لا يكون له عند الله تعالى، إلا هذا العلم الظاهر والعمل ~~الظاهر، فيفعل في ذلك ويصدق فيه، فيؤديه ذلك إلى رحمة الله تعالى، ونوابه، وله ~~عند الله خير كثير . # ومن الناس : من يصدق في هذه المقامات التي ذكرناها وأكثر، فيؤديه ذلك في ~~عاجل الدنيا إلى المقام الرفيع، والعلم بالله، والمقام الشريف، فيصير إلى الروح ~~والراحة، والنعمة بمعرفة الله، عز وجل، والظفر بقرب الله تعالى، والوصول إلى ~~المنزلة الشريفة، التي يدق وصفها وشرحها. # وقال بعض العلماء بالله، تعالى: إن الله يكرم أولياءه بكرامة ms33 لا يطلع عليها ~~العباد، لا في الدنيا ولا في الآخرة. PageV01P063 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0064.png) # 63 ~~ألم تسمع لقول الله، عز وجل: (فلا تعلم نقي ما أخفى لهم من قرة أعين):. ~~ويقال في الحديث : «فيعطون ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على ~~قلب بشر»1) . ~~وهكذا : كل قوم على أقدارهم. ~~ومنهم : من لا تنقضي كرامته: من ثواب الله تعالى، ومن النعيم في الجنان، ~~منهم من لا تنقضي كرامته من الله تعالى، والزيادة: من بره والنظر إليه. ~~وقد صح الخبر عن النبي صللى الله عليه وسلم، انه قال : إن أدنى أهل الجنة منزلة : من ينظر في ~~ملكه ألفي عام يرى أقصاه كما يرى أدناه»2 . ~~ومنهم: من ينظر إلى وجه الله، جل وعز، كل يوم مرتين. ~~ومحال أن يكون هؤلاء سواء، أو كان علمهم في الدنيا سواء. ~~قال جل ذكره : (ولقد فضلنا بعض النيعن على بض). ~~فلم يقع التفضل على الخلق إلا بفضل علمهم بالله تعالى والمعرفة به، ثم على ~~قدر هذا الأنس : تفاوتوا في الدنيا والآخرة. ~~وبالله التوفيق. ~~قلت : فهل يصير العبد إلى حال يفقد مطالبة الصدق من نفسه، ويسقطه عنه ~~مؤنة الأعمال، وأثقال الإخلاص، ومؤنة الصبر، ويكون عاملا بالصدق: فأخذ مما ~~ذكرت وأكثر بلا اشتغال ولا تعب؟ ~~قال : نعم، ألم تسمع الحديث الذي يروى : إن الجنة حفت بالمكاره وحفت النار ~~بالشهوات»(3) . ~~ويروى في خبر آخر : «إن الحق : ثقيل مريء، وان الباطل: خفيف وبيء»(4). ~~والنفس : مجبولة بحب هذه الدار والسكون إليها، وحب الدعة والراحة فيها. ~~أما الحق، واتباعه، والعمل به، والصدق، وأخلاقه: فذلك كله هو: خلاف ~~محبوب النفس . ~~فإذا عقل العبد عن الله تعالى وفهم ما دعاه إليه: من العزوف، عن هذه الدار ~~لفانية، والرغبة في الدار الباقية، حمل عند ذلك نفسه على احتمال المكاره : من PageV01P064 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0065.png) ~~ركوب طريق الصدق، وعزم على بذل المجهود، وصبر لله تعالى، وكابد نفسه، ~~واستعان بالله تعالى : فنظر الله تعالى، إليه راغبا فيما لديه، حريصا على أن يرضيه، ~~وعاد عليه عند ذلك بلطفه وعونه، فسهل عليه ms34 العسير : مما استصعب من نفسه، ~~وأبدله بالمرارة حلاوة، وبالثقل خفة، وبالخشونة لينا ودعة، فسهل عليه قيام الليل، ~~وصارت المناجاة لله تعالى، والخلوة بخدمته له : نعيما بعد شدة المكابدة، وصار ~~الصيام، والظمأ في الهواجر: خفيفا عليه، حين ذاق عذوبة ما رجا من روح الله ~~تعالى، وحسن عاقبته. # وكذلك : تبدلت وسهلت : الأخلاق، والأحوال، عليه، حين قام له من كل مقام ~~عاناه وكابده لله تعالى، التماس رضاه عوض مكانه من الخير، فتغيرت عند ذلك ~~أخلاقه، وانتقل طبعه، وهدأت نفسه، وانتعش عقله، وسكنه نور الحق فألفه، ونفر ~~عنه الهوى وطفئت ظلمته، فصار، عند ذلك الصدق وأخلاقه: طبعا له، لا يحسن ~~غيره، ولا يألف إلا إياه، ولا يسكن إلى غيره، واكتنفته العصمة من ربه. # فضعف عند ذلك كيد عدوه، وصار مغلوبا، حين ماتت دواعيه : من الباطل، ~~وكل سلاحه، بموت الهوى وانقياد النفس، حين تخلقت بأخلاق المرحومين. # قال الله، جل ذكره، حين أخبر عن يوسف، عليه السلام: (إن النفس لأمارة ~~بالشوء إلا ما رحم رة). # فأنفس الأنبياء والصديقين، عليهم السلام: مرحومة، وكذلك كل مؤمن على ~~حسب قوة إيمانه، فسقطت، عند ذلك، عن العبد، معاناة الصدق، وثقل العمل به، ~~فصار عاملا بالصدق الذي ذكرناه، وأكثر بأضعاف كثيرة بلا مؤنة، بل صار ذلك نعيما ~~وغذاء، إن تركه توحش من تركه وتفزع من فقده، فصار الصدق وأخلاقه : صفة له، ~~لا يحسن غيرها، حتى كأنه لم يزل كذلك. # ومصداق ذلك في الكتاب والسنة : موجود. # قال الله تعالى: (والذين جاهدوا فين لنهدينهم شبلنأ وان الله لمع المحسنين ~~[العنكبوت: 69]. # وقال، عز وجل: (وعدالله الذين امنوا منكر وعحلوا الصد احات لستظلننهر في الأرض كما PageV01P065 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0066.png) ~~استخلف الذيب من قبلهم وليمكنن لم دينهم اللك آرتنن ف ماثبدله فن مقد خوفهم أمن يعبدونن ~~لا يشركون بي شيئا). # وقال عز وجل: (وثريد أن نين على الذيب أتتضعثواف ألأزض ونتمنهم أبتة رغعلهم ~~الورثين ونمكتن لم في الأنض) لصص: 5،]. # وقال عز وجل: (وحعتنا مهم أبمة يدون يأترناننا صب)، ~~أي : عن الدنيا. # وإنما أردنا أن نثبت المجاهدة للنفوس، ms35 وبذل الجهد في الصدق. # ثم إن المعونة من الله: تأتي من بعد ذلك، والحجة في ذلك: قائمة في السنن. # قال ابن عباس، رضي الله عنهما، في تفسير سورة «طه» قال : معنى «طه»: يا ~~رجل، بلسان الحبشية : (ما أنزلنا عليك القرم ان لتشق) قال : لتعنى به. # أفلا ترى : أنه حين قال لى الله عليه وسلم، له، عز وجل، شكرا، حتى تورمت قدماه شكرا ~~لله تعالى، فأمره بالهدوء? # وقد روي : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يتعبد في جبل حراء الشهر وأكثر. # وكذلك يروى : أن النبي صلى الله عليه وسلم، كان يحرس ويحفظ من عدوه، حتى نزلت هذه ~~الآية : (والله يعصمك من الناس) [المائدة : فنحى الحرس تصديقا لقول الله، ~~عز وجل، حين ذكره له: أن يعصمه، فأيقن وسكن، ه عليه وسل # وكذلك المؤمنون: يأتيهم اليقين بعد الضعف، وكذلك انني ل، الله عليه وسلم كان يخرج ~~الى الغار بالجبل الذي يقال له : ثور ويختبيء هو وأيو يكر انصديق، رضي الله عنه، ~~ثم يخرجان إلى المدينة هاربين في السر. # وهذا: إنما كان وقت البلوى من الله تعاثى، زه: وو كن، عمه، لتسلام، في مقام ~~الصبر والمجاهدة، ثم من بعد ما صار إلى المديتة، عنيء تلذاء، تعروء قريش يوم ~~وقعة أحد، فتقتل أصحابه، وتكسر رباعيته عئيه اتسوام، ويدمى وجهه PageV01P066 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0067.png) ~~أفلا ترى : أن الهوى والمحنة : لازمة له، وللمؤمنين: طالبة لهم? # ثم إنه لى الله عليه وسلم يخرج هو وأصحابه، فيهل ويسوق الهدى، يريد العمرة ~~فتمنعه قريش من دخول مكة، حتى اضطرب الناس، فأحل بالموضع الذي يسمى ~~الحديبية، ورجع، ولم يدخل الحرم!! # ثم انظر الآن؛ حين انقضت مدة البلاء، وجاء النصر : كيف دخل مكله لى الله عليه سل ~~فقتل، وأمن من شاء، ثم بشر عندها بالمغفرة، فأنزل الله، عز وجل: (إنا فتحنالك فتعا ~~مبينا ليغفر لك اللهما تقدم من ذنك وما تأخر) ،! الآية. ~~وهذا موسى، عليه السلام، ومنزلنه عند الله؛ فانظر إلى عظيم بلائه، حين ~~حملت به أمه، كيف ذبحت النساء، وقتل الولدان، في ms36 طلب موسى، عليه السلام! ~~فرجع بلاؤه على الخليقة. # ثم أخبر الله، عز وجل، عنه فقال : (فاصبح فى المدية خايفا يترقب). # وقال: (إت الملا يأتمرون يل ليقتلوك فاخرج إن لك من التصحين فزج منها خايفا يترقب قال ~~رت نحنى من القوم الظالمين). # ثم انظر أيها المريد، الطالب للوصول إلى كرامة الله، عز وجل، بالتواني ~~والتفريط، ألم يبلغك: أن موسى، عليه السلام: لم يصل إلى امرأته، حتى رعى ~~الغنم، وخدم عشر سنين، ثم أرسله الله تعالى، وكلمه، وأظهر برهانه ?! # فقال : (لا تخافا إنني معكما أسمع وارى)] # فحين قال لهما : لا تخافا» هل خافا ?! ألم يجعل لهما آية في عصا، فظهرا على ~~كيد السحرة، وهزما الجيوش، ثم أداله الله تعالى، من أعدائه، وأغرقهم أجمعين?! # وهذا يوسف، عليه السلام، حين أخبر الله تعالى، عنه : أنه يلقى في الجب، ثم PageV01P067 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0068.png) ~~يباع بثمن بخس : دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين، ثم لم يفارقه البلاء، حتى ~~فتن بامرأة العزيز، وسجن السنين الكثيرة. ~~ثم انظر: كيف أداله الله، تعالى، على إخوته، ثم أخرجهم الله تعالى، فأظهر ~~برهانه، وجعله على خزائن الأرض. ~~وكذلك الأنبياء الذين ذكرهم الله، عز وجل؛ عليهم السلام. ~~وفي هذا: بلاغ لمن فهم عن الله، عز وجل، وعن العلماء الأدلاء على ~~الطريق إلى الله، عز وجل!! ~~وهذا: عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وما روي عنه : أنه ما سلك طريقا قط ~~إلا سلك الشيطان طريقا غيرها، وقال : «إن الشيطان ليفر من جبين عمر» وقد كان ~~بالأمس، من اللات والعزى : في أمور ترضي الشيطان ! ~~فانظر : كيف أخلص لله تعالى، وصدق: إن كان منه : العدو وباطله. ~~وروى عن ثابت البناني، رحمة الله عليه، أنه قال : كابدت القرآن عشرين سنة، ~~وتنعمت به عشرين سنة . ~~وقال بعض الحكماء: إن القوم: لم يزالوا يمضون الصبر حتى صار عسلا. ~~وقال بعض الحكماء : إن دون كل بر: عقبة، فمن تجشم( ركوبها: أفضت به ~~إلى الراحة، ومن هاله ركوب العقبة فلم يرقها) : بقي مكانه!. ~~قلت : فلا بد من هذه البلوى والاختبار? ~~قال ms37 : لا بد منه : لكل عبد رفيع القدر عند الله، عز وجل، من أهل المعرفة ~~بالله، عز وجل. ~~وقد صح الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم: أنه سئل : من أشد الناس بلاء? قال : الأنبياء، ثم PageV01P068 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0069.png) ~~الصالحون، ثم، الأمثل، فالأمثل. # يبتلى العبد حسب دينه : فإن كان في إيمانه قوة شدد عليه البلاء، وإن كان في ~~إيمانه ضعف خفف عليه البلاء. # فالأنبياء، عليهم السلام: بادأهم الحق، عز وجل، بكرامة الرسالة، وبشرهم ~~بالنبوة، ثم حمل عليهم البلاء، فاحتملوا البلاء، بقدر الكرامة التي أكرمهم بها، حتى ~~راضهم2 بالبلاء، وتفقهوا فيه، وبه صبروا لله، عز وجل، حتى نصروا. # والمؤمنون: قامت لهم الرغبة في ثواب الله، عز وجل، الذي وعدهم، والرهبة من ~~عقابه الذي به تواعدهم، فصبروا لله تعالى، وأخلصوا وصدقوا، فشكر الله تعالى، لهم ~~ذلك، وأظهر برهانهم على الخليقة، فجعلهم علماء يقتدى بهم، وأسكن اليقين قلوبهم. # ثم إن المؤمنين، بعد ذلك على وجهين: # فمنهم : من يبدؤه الله تعالى، بالنعمة والمنة والموهبة، فيهب له الإنابة، ويحبب ~~إليه البر، ويسهل عليه الطاعة، ويبدأه بالمنن الكثيرة. # فإذا تمكن الروح في قلبه، واستعذب الأعمال الصالحة، حمل عليه، بعد ذلك ~~البلاء، والاختبار، والمصائب، والضراء، والعسر، والشدة نعم. # ثم تؤخذ منه الحلاوة التي كان يجدها، والنشاط في البر، فتثقل عليه الطاعة بعد ~~خفتها، ويجد المرارة بعد الحلاوة، والكسل بعد النشاط، والكدر بعد الصفاء، وذلك ~~لعلة البلوى والاختبار، فتعتريه الفترة(. # فإن جاهد الآن وصبر واحتمل المكروه، صار إلى حد الراحة والبلوغ، وأضعف ~~له البر ظاهرا وباطنا! # وهكذا يروى في الحديث: إن لكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنة( : فقد ~~نجا، ومن كانت فترته إلى بدعة : فقد هلك . PageV01P069 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0070.png) # 69 # وقال أبو بكر الصديق، رضي الله عنه : طوبى لمن مات في النأناة بدء الإسلام وشرته. # ويروى في الحديث : إن الله، عز وجل، يأمر جبريل، عليه السلام، فيقول: اقبض ~~علاوة الطاعة من قلب عبدي، فإن تأسف عليها فردها عليه وزده، وإلا فدعه! # ويروى في حديث آخر : إن الله، عز وجل، ms38 يقول: إن أدنى ما أصنع بالعالم إذا ~~كن إلى الدنيا : أن أنزع حلاوة مناجاته إياي من صدره، وأن أدعه في الدنيا حيران. # وفي خبر آخر : إن العبد إذا ركن إلى الدنيا، بعد العلم والمعرفة، والعلم بالبصيرة، ~~يقول الله، عز وجل، لجبريل عليه السلام: أنزع حلاوة مناجاته إياي من صدره، وأعطه من ~~الدنيا مقصما يشتغل به عني. # أما العبد الثاني : فإنه يبدأ بالصدق، والأعمال الصالحة؛ وأخلاق الصدق، ثم ~~يعمل في ذلك ما شاء الله، عز وجل، فتأتيه الكرامة بعد ذلك، فيعطيه الله تعالى، ما ~~لم يرجه ويحتسبه : # وهكذا عامة البدلاء: لا تأتيهم الآيات والكرامات إلا من بعد العمل وبذل ~~الجهد، وأكثر ما لم يحتسبوا: ما أتاهم الله تعالى، به، حين بدأهم الله، عز وجل به. # ومنهم: من اطلع على القوم وقيل له : إنك منهم، فعمل بعد أن أخبر بذلك. # ومنهم: من يعرف نفسه ولا يعرف غيره. # ومنهم : من يعرف الجميع بأسمائهم وقبائلهم. # فإن كنت، أيها السائل عن الصدق وشرح الطريق: قد عملت في الصدق ما ~~كرته لك من العلم، وباشرت هذه المنازل، ونزلت هذه المراحل، وقطعت هذه ~~الأسباب التي ذكرناها، فأفضيت منها إلى الراحة والسكون والطمأنينة، فأنت محاط ~~بالعصمة، وماض على سبيل الاستقامة والمحجة البيضاء، التي توردك على الله، عز ~~وجل، فهنيئا لك، وبارك الله فيك، فأنت من أمرك على بصيرة. # فإن كنت : قد باشرت الصدق، وعملت في كل مقام البر بقدر طاقتك وما أذن ~~الله تعالى، لك، وعاينت الأمور، فعسى أن يكون الله قد رآك، وقد أبليت فيما بينك ~~وبينه، عذرا لرغبتك في التقرب إليه، فصح إليه افتقارك، حين علمت أنه لا بد لك ~~منه؛ فألقيت كنفك بين يديه، فعسى أن يكون قد رآك في بعض الأوقات إليه قاصدا ~~راغبا، بنية صحيحة وعزم صادق، علم أنك: لا تمل ولا تبرح من التعرض له دون ~~بلوغ مناك، فجاد لك ببره، وأعطاك بعض الأمل منه، بل جذب قلبك إليه جذبة، PageV01P070 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0071.png) ~~فأسكنه اليقين، وأشرف به على الآخرة، فسهل عليك عند ذلك ms39 العسير، وألان لك من ~~نفسك الصعب الذلول، ثم اختصر بك الطريق إليه، فقر قرارك؛ وقامت حياتك، ~~وطاب عيشك. # فبذلك تعرف السيد الكريم، الذي لا تنقصه المواهب، ولا ينفد نائله، لأنه البر ~~الرحيم، الذي تسمى : الشكور! ! # فيا عجبا كل عجب، وعجب كل متعجب، ولا عجب، إذ كان السيد الكريم: ~~يفعل ما يريد. # ولكن موضع العجب: يلزم العبيد من شكره لعبيده، الأمر الذي بدأهم به، ~~ودلهم عليه، واستعملهم به، وحفظ عليهم، ثم أحبهم عليه، ونسبه إليهم فعلا، ثم ~~كتبه لهم في المقبول، ثم أثنى به عليهم بما وعدهم عليه الجزاء!! # فهذا البر الآن من الكريم: لا نقف عليه العباد، بل نحير فيه العقول! # هيهات أيها السائل المريد!! استيقظ من طول هذه الرقدة، إنما هذه أسماء ~~علقها عليهم: أنهم فاعلون، وأمور نسبها إليهم، وما أظنها إلا له، والتوفيق به، ~~والصنعة منه، في صنعته التي تفرد بإنشائها وإبدائها لما شاء وهو: الفعال لما يريد، ~~الذي يصيب برحمته من يشاء!! # والعقلاء عن الله، عز وجل، من عباده: يتلقون الأمور على هذا الوصف ~~والشرح، ويرجعون في الأشياء إليه، ويرونها منه سبحانه، لأنه كان بدأها، وعليه ~~تمامها، فهو القائم بها، وإليه مرجعها !! # و(لله الأممر من قبل ومن بعد). # (آلا له الخلق والأم تبارك الله رب العالمين). # وأما الضعفاء من الخلق، فإنهم يرون لأنفسهم ها هنا فعلا، هيهات، إذا صدقوا ~~وأخلصوا، طلبوا الجزاء من الله، عز وجل، على ذلك، وذلك: مبلغهم من العلم، ~~ولهم عند الله تعالى خير كبير. # وأذكر لك مقاما آخر، فاعرض نفسك، وغيرك عليه: ممن تراه من العبيد، يشير ~~إلى المعرفة والعلم، والسكون إلى الله، عز وجل. # فإن كنت قد شربت بكأس المعرفة بالله تعالى، فأطلعك الله، بصفاء اليقين، ~~على ما سبق لك عنده في القديم، حين أرادك قبل أن تريده وكان لك عالما قبل أن PageV01P071 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0072.png) ~~تعرفه، وذكرك قبل أن تذكره، وأحبك قبل أن تحبه، فهاج منك الآن، الشكر له على ~~أياديه، فألزمت قلبك المحبة على أياديه، فآثرته، وارتاحت روحك إليه، فألفت قربه، ms40 ~~فصرت الآن إليه تأوي، وفي قربه تسكن، فهو لا يغيب عنك ولا تفقده، ذاهبا ~~وجائيا، وقائما وقاعدآ، ويقظانا وراقدا، وعلى كل حال. # أما سمعت ما يذكر عن النبيصلي صلى الله عليه وسلم، حين يقول: # «تنام عيناي ولا ينام قلبي»1. # وكذلك المؤمنون على أقدارهم. # فما أعظم شأنك أيها العبد وأجل خطبك، إذ كان السيد الكريم الكبير المتعال الغني ~~الحميد، ذكرك ذكرا بعد ذكر، فخصك، فأجزل لك العطية، إذ دلك على محبته فآثرته، ~~فكان هو بغيتك ومرادك، ومنتهى رغبتك، وليس منك شيء تملكه للعباد، ولكنها: ~~موهبة، وهي : أول أعلام الوصول إلى الراحة: يكون الله: مراد العباد لا غيره. # ومن علامة ذلك : أن يكون هو الحافظ عليك، ما استودع قلبك من ذكره ~~ومودته، وأوجدك من قربه، وتعطف عليك ببره، فسامحك الآن، فسقطت عنك ~~حركات الطلب للظفر أو التقرب، إلا حركة تهيج منك الآن: شكرا له على أياديه، ~~وإيجابا لحقه وألفة له غيره، والتنعم بمناجاته، ولذة خدمته، وما أراد فيك: من ~~تعبدة بمشيئته، ليريك موضع قذرته، واختلاف أحكامه عليك لتفقه عنه، وأنت في ~~ذلك: واجد لقربه، وغير متشاغل بحركاتك، ولا طالب منه عليها جزاء وثوابا، كما ~~أراد العباد الزهاد، ولكن تعمل لله تعالى، حبا وكرما، لأنه خلقك كرما، واشتعملت ~~بأخلاق الݣرماء. # وبالله التوفيق: # وهذا الآن : جواب لك آخر، على مسألتك، حين قلت : هل يصير العبد إلى ~~حال يفقد مطالبة الصدق من نفسه ? وهي علامة الواصلين، فافهمها. # أما علمت، أيها المريد: أن الورع والزهد، والصبر، والتوكل، والخوف، ~~والرجاء، والمراقبة، والحياء، والمحبة، والشوق، والأنس، والصدق في المواطن، PageV01P072 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0073.png) ~~والإخلاص فيها، وكل خلق حسن جميل : إنما هي منازل نزلها العمال لله، عز وجل، ~~م ارتحلوا منها إلى غيرها، حتى وصلوا إلى المنى: من قزب سيدهم?!!. # فما أنت، وذكر المنزل الذي نزلته، حتى أوصلك إلى يغنيك، إن كنت واصلا ~~ظافرا ببعض حظك من مطلوبك؟! فأنت كأنك مشاهده. # فعليه الآن، فازدذ إقبالا، وإليه فأدم النظر وأصغ إليه بالآذان الواعية، فإنه أقرب ~~إليك منك إلى نفسك، فما أنت الآن ms41 وذكر الصدق?! وإنما هو منزل من منازل الطالبين. # وبعد، فإن كان قد فتح لك الباب الذي كان بينك وبينه مغلقا، وكشف عن ~~قلبك الستر الذي كان عليه مرخى، فأوجدك قربه، ولاطفك ببعض التأنس، فعساك أن ~~تكون : قد صرت إلى بعض سؤلك، فقر قرارك. # وإن كنت وغيرك من الطالبين: إنما فقدت وجود مطالبة الصدق، وما أشبهه : من ~~الأمور من وجودك لقزب الله، عز وجل، والتشاغل به، فثلك بغية العارفين بالله، عز وجل. # وكذلك فافهمها من نفسك ومن غيرك، ولا تنخدعن لنفسك من حظك من ربك. # واعلم: أن الواصلين إلى الله، عز وجل، وأهل القرب منه، الذين قد ذاقوا طعم ~~محبة الله تعالى، بالحقيقة، وظفروا بحظهم من مليكهم: فمن صفاتهم: أن الورع، ~~والزهد، والصبر؛ والإخلاص، والصدق؛ والتوكل، والشقة، والمحبة، والشوق، ~~والأنس، والأخلاق الجميلة، وما لم يكن يمكن أن يوصف من أخلاقهم، وما استوطنوه: ~~من البر، والكرم، فذلك كله: معهم، وساكن في طبعهم، ومخفي في سرائرهم، لا ~~يحسنون غيره، لأنه غذاؤهم وعادتهم، لأنهم فرضوا ذلك على أنفسهم فرضا، وعملوا فيه ~~حتى ألفوه، فلم يكن عليهم بعد الوصول كلفة في إتيانه والعمل به، إذا حل وقت كل ~~حال، لأن ذلك غذاؤهم، كما ليس لهم في أداء الفرائض ثقل ولا علاج. # وذلك لما غلب على قلوبهم: من الإيثار لله، عز وجل، والقرب منه، فهم ~~عاملون به بلا مؤونة، بل بلا تشاغل بالأعمال الظاهرة، لأن الخدمة والأعمال ~~الظاهرة: إنما تقع على ظاهر الجوارح. # فافهم هذا الموضوع، والقلوب بعد ذلك ذاهلة، بل هي بالله مشغولة للذي ~~استولى عليها: من قرب الله، عز وجل، والمحبة لله، والشوق إليه، والرهبة منه، ~~والتعظيم له؛ والإجلال. # فافهم أيها المريد : ما ألقيت إليك وتدبره، تجده بينا معروفا، إن شاء الله تعالى. PageV01P073 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0074.png) # فأحضر الآن عقلك، واجمع همك، ولا تسمع العلم وأنت عازب الفهم عن ~~الذي يلقى إليك، فلا عذر لك الآن بعد العلم والبيان، بل قد تأكدت عليك الحجة، ~~فاعمل في التخلص إلى الله، عز وجل، لعلك تتخلص، فتقر عينك بمعرفته ms42 في هذه ~~الدار عاجلا قبل الآجل . # نعم، ثم يدوم حزنك، ويشتد كربك، وتزداد كل حال: كنت تجدها: أضعاف ~~ما كنت تجدها قبل المعرفة والوصول. # ومصداق ذلك في كتاب الله، عز وجل، وسنة نبيصل لى الله عليه وسلم ال الله عز وجل: ~~(إنما يخشى الله من عباده العلموا)طر. # وقال النب ل لى الله عليه وسلم : أنا أعلمكم بالله وأشدكم له خشية. # وقال ل لى الله عليه وسلم لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا ولخرجتم إلى ~~الصعدات، تجأرون(3 إلى الله PageV01P074 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0075.png) ~~وعلى حسب ذلك كا ن صلى الله عليه وسلم ~~وكذلك العارف بالله، القريب من الأشياء، الموفق في كل حال يحل فيها بما ~~يكون فيها : بخلاف غيره من لناس. ~~ثم على هذا القياس، وفي هذا بلاغ لمن فهم وتدبر. ~~وبالله التوفيق. ~~قلت : متى يألف العبد أحكام مولاه، ويسكن في تدبيره واختياره?. ~~قال : الناس في هذا: على مقامين، فافهم: ~~فمن كان منهم: إنما يألف أحكام مولاه، ليقوم بأمره الذي يوصله إلى ثوابه، ~~فذلك حسن، وفيه خير كبير، إلا أن صاحبه: يقوم ويقع، ويصبر مرة ويجزع أخرى، ~~ويرضى ويسخط، ويعبر ويراجع الأمر، فذلك: يؤديه إلى ثواب الله ورحمته، إلا أنه ~~معنى في شدة ومكابدة. ~~وإنما يألف العبد أحكام مولاه، ويستعذب بلواه، ويسكن في حسن تدبيره ~~واختياره بالكلية بلا تلكؤ من نفسه: إذا كان العبد: آلفا لمولاه ولذكره، وهو له ~~محب واد، وبه راض، وعنه راض. ~~فهل يكون، أيها السائل، على المحب مؤونة فيما حكم عليه محبوبه ? كيف? ~~وإنما يتلقى ذلك بالسرور والنعيم!!. ~~هكذا قال في الخبر : حتى يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة. ~~وقال في خبر آخر : غنية الصديقين : ما زوي عنهم من الدنيا. ~~وروي عن الله، عز وجل، في بعض ما أنزل من كتبه: أنه قال: «معشر ~~المتوجهين إلي بحبي، ما يضركم ما نابكم من الدنيا، إذا كنت لكم حصنا، وما يضركم من ~~عاداكم إذا كنت لكم سلما؟!» . ~~فمن كان مع الله، عز وجل، بهذه الأحوال في المواطن، كيف يكون إلا ms43 على ~~نحو ما ذكرناه!!. ~~ولقد قال بعض العلماء بالله تعالى، وأهل القرب منه : إن القوم الذين ذكرنا ~~بعض أحوالهم : لا يرضون من أنفسهم أن تكون تقاوم الأمور عند حلولها، والأحداث ~~عند نوازلها، حتى تتمكن من قلوبهم، فيحتاجون أن يصبروا عليها أو يرضوا بها، بل ~~الصبر والرضا لهم: تابع مضاف، لأنهم طالبوا من أنفسهم: صحة الشغل بالله تعالى، PageV01P075 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0076.png) ~~والانفراد به فلم يرضوا، عند ذلك : أن تكون الأمور النازلة بهم: تقاوم ذكر الله ~~تعالى، حتى تساويه: (والله غالب على أمره). # وبعد، فإنهم: عبيد محكوم عليهم، وإن أقل القليل في الأوقات: ليملكهم، ~~حتى يقروا لله تعالى، بالضعف ويسألوه العون، فلا تعجب، إذا بدا لك من أحد منهم ~~شيء من ذلك، فهذا النبي ل صلى الله عليه وسلم، قول : إني بشر، اللهم من دعوت عليه فاجعل دعائي ~~عليه : رحمة». # وسمعت بعض العلماء بالله، عز وجل، يقول : إن من شدة اتصال العبد بمولاه، ~~ووجده به، ونزوله في قربه لا يحد طعم اختلاف الأحكام، بل يكون معه النظر الخفي ~~إليها، حتى كأنها على غيره أو بغيره : نازلة. # فهذا : غاية من التلقي للأحكام، فافهم هذا الموضوع وتدبره، فإنه: يؤديك إلى ~~علم السكون إلى الله، عز وجل، إن شاء الله. # وإنما يكون السكون إلى الله تعالى، والطمأنينة: على قدر القرب من القلب. # ومن شرح السكون إلى الله تعالى، فقد حس الأشياء من القلب وسكون دواعي ~~الهم، وهدوء الضمير مع الله وإلى الله تعالى!. # فعند ذلك : تكون الأمور من الدنيا والآخرة، وأعمال البر والطاعة: طالبة للعبد ~~ولاحقة به، وإليه محتاجة وإليه واصلة، بل إليه موصولة، لأنه عزف عنها واستغنى ~~بمالكها فوصلت إليه. # قال الله، عز وجل: (اليس الله بكافي عبدة). # وبلغنا : أن الله، عز وجل، أوحى إلى عيسى، عليه السلام: أنزلني منك ~~كهمك، واجعلني ذخرا لك في معادك . # وروي عن النبي ل صلى الله عليه وسلم، من غير طريق أنه قال : من جعل الهم هما واحدا كفاه الله ~~سائر همومه»(1). # وروي عن الفضيل بن عياض، رحمه الله، ms44 أنه قال : «ما عجبت من عبادة ملك ~~مقرب ولا نبي مرسل إذ كان الله عز وجل قواهم على ذلك. # وهكذا من ذكرناه من القوم وصفاتهم. # فمن نظر إلى عبيد الله تعالى، بنفسه وقياسه، وبأنفسهم ما يشبههم: فهم عنده: ~~في موضع النقص أبدآ. PageV01P076 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0077.png) # فإذا نظر إليهم بالله، عز وجل، وبقوته وتدبيره: فمما يعجب?. # وبالله التوفيق. # مسألة تدل على ما ذكرنا، قلت : فما تقول في عبد كان لا يتكلم، ولا يتحرك، ~~ولا يعمل عملا، إلا طولب عليه في ذلك ووجد النقصان ? ولحقته الفترة والقسوة في ~~أوقات نيله وأكله وشربه، وكذلك في جميع أحواله، ثم صار إلى حال يتكلم ويتحرك ~~في الأمور؛ ويقبض ويبسط، ويأكل ويشرب، ولا يستوحش، ولا يجد مطالبة، ولا ~~يرى نقصا كما كان يراه قبل؟. # فقال : هذه مسألة حسنة فافهمها، فما أحوج المريدين العمال إليها. # اعلم إن المريد الطالب للصدق: فهو عامل في جميع أموره بالمراقبة لله، عز ~~وجل: بالقيام على قلبه، وهمه وجوارحه، بالمحاسبة: # فهو : جامع لهمه حذرا من أن يدخل في همه ما لا يعنيه، حذرا من الغفلة. # فالحركات، في ظاهر جوارحه بجوارحه: تنقصه، والهمم الداخلة عليه في قلبه: ~~تكدر همه، فهو عند ذلك يتفرغ من الحركات التي ذكرت، وإن كانت في حق وبحق، ~~وذلك لما غلب على قلبه: من محبته: أن يكون ذكره: دائما، وهمه: واحدا. # فإذا دام على ذلك : تفطن قلبه، وصفت فكرته، وسكن النور قلبه وقرب من الله ~~تعالى، فغلب على قلبه وهمه!. # فعند ذلك : يتكلم، والقلب يغلي بالذكر لله، عز وجل وقد كمنت في ~~سويداء2 قلبه. محبة الله تعالى، فهي لازمة للضمير لا تفارقه. # فمن شأنه في سرائره: أن يكون ناعما بالمخاطبة لله الخفية، والمطالعة الشجية ~~والمحادثة الشهية. # وهكذا يكون في أكله، وشربه، ونومه، وكل حركاته، لأن قرب الله تعالى، إذا ~~تمكن في قلب العبد: غلب على ما سواه : من باطن عوارض الهمم، وظاهر حركات ~~الجوارح، فعندها يكون العبد ذاهبا وجائيا، وآخذا ومعطيا، والغالب عليه هم ما قد ~~ملك ضميره من محبة ms45 الله عز وجل وقربه. # ألم تر نفسك، أيها المريد: كيف تملك قلبك أحيانا هم من أمر الدنيا، فيسلبك عن ~~كل شيء، حتى يكدر عليك العيش، فتكون ساهيا إلا عن ذلك، حتى تفقد النوم?!. PageV01P077 ![image file](./0286AbuSacidKharraz.KitabSidq_0078.png) # 77 ~~فأمر الله، عز وجل : أحرى عند العقلاء وأولى. ~~فعندما ذكرنا صحبت العبد من الله، عز وجل، العصمة، فكان محفوظا من ~~النقصان. ~~فافهم أيها السائل : ما يلقى إليك، وتدبره؛ بنفعك إن شاء الله تعالى. ~~وبعد، فاعرض ما ذكرت لك على ما سألت عنه؛ فإن أجزاك، وكان ما فقدت ~~وما وجدت من جنس ما ذكرت، فاشكر الله تعالى يزيدك. ولا يخفى على العلماء ما ~~يحدث عندك، فليس بين المريد ومعلمه رئاء، إن شاء الله تعالى، وأنى بمؤدب بصير ~~جهبذ(1) في زماننا هذا. ~~وبالله التوفيق. # *** ~~تم كتاب: الصدق للشيخ العارف: أبي سعيد الخراز، رحمه الله، ونفع ~~بأنفاسه، وسلم عليه سلاما طيبا مباركا فيه. ~~والحمد لله وصلواته: على محمد، وآله، وصحبه، وسلم تسليما كثيرا. ~~كتبه العبد الضعيف الفقير: إسماعيل بن سودكين، رفق الله به، وأخذ بيده، ~~ررحمه، ورحم والديه، وجميع المسلمين. ~~وحسبنا الله ونعم الوكيل. PageV01P078 ms46