######OpenITI# #META# author: pseudo-Plato #META# title: Liber quartorum #META# ed_info: Ed. ʿAbd al-Raḥmān Badawī (1955), al-Aflāṭūnīyah al-muḥdaṯah ʿind al-ʿarab, Cairo: Maktabat al-nahḍah al-miṣrīyah, pp. 119-239. #META# coll_id: tlg0059.perseus001.alpheios-text-ara1 #META#Header#End# ### | [book 1: 1-2] # بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| كتاب الروابيع لأفلاطون شرح أحمد بن الحسين بن بختار لثابت 〈بن قرة〉 ### ||| الرابوع الأول والثانى # قال ثابت بن قرة: # قلت لأبى العباس أحمد بن الحسين بن جهار بختار عند انقضاء كتاب «أنطوليقا»: ~~إنك بإنجاز وعدك لخليق! # قال أحمد: فيماذا تعنى يا ثابت؟ # قال ثابت: فيما تضمنت كشف غوامضه وتفسيره وتحقيق معناه من كتب ~~الشيخ أفلاطون. # قال أحمد: إنى لأعجب من حرصك على ذلك كأنك لم تقف على عواقب الأمور ~~فيما يصير إليه أمر الدهور! # قال ثابت: أشهد الواحد الحى ما حرصى حرص من يحب أن يلام عليه، لأنى ~~لست أريد منه عاجل النفع ولا نزر الطمع، بل ما يفتح لى بابا إلى الحق ويرشدنى إلى ~~سبل الرشاد. إذ قد وقفت من إشارتك أنه يحوى الكلام فى هذا النوع معانى ~~فلسفية حقيقية. # قال أحمد: إن كان ذلك كذلك، فبالواجب حرصك أن يشتد. إلا أنه لو كان ~~سؤالك عن عين الحق وما لا يخلط به سواه — لكان أولى. PageV01P119 # قال ثابت: قد علمت أيها الفيلسوف كون هذا العالم وأهله، وأنه لا يحتمل الحق ~~بكليته. فأنا أريد أن أسمع من الكلام ما يؤدى بعضه إلى الحق، وأرضى ببعضه بالطبع، ~~إذ كنت لنقصانى أعجز عن دفع قوى الطبيعة بأسرها. # قال أحمد: إنه ليسرنى أن أجد فى هذا العالم من يتكلم بمثل هذا الكلام أو يهتدى ~~إلى هذا النوع من السياسة. إذ كان العلم مرفوعا والرأى معدوما، والعالم وأهله قد عادوا ~~الحق وأهله ومعرفته حتى صاروا فيه معدومين ومما يضاده من الجهل والعمى مخصوصين. # قال ثابت: بعلمك أيها الفيلسوف اهتديت، ومن رأيك اقتبست، فحسنى لك ~~إذ كنت بك فيه اقتديت، وقبيحى لى إذ كنت عن سيرتك تعديت. وأما العالم وأهله ~~فكما وصفت، إلا أنك مصباحه المبين وشمسه المنير. وخليق لهذا الزمن أن يفتخر على سائر ~~الأزمان بك، إذ برزت سبقا على من مضى، واستحال فى الوهم كون من بك يتساوى. # قال أحمد: دعنى من الملق، فإنما بغيتى عالم ولم أخالف ms001 فيه من بسيرة الحق ~~عارف، إلا أنى مضطر إليه كتشبث الطبيعة بى، وأنا مبتهل إلى الله الحق أن يعيننى على ~~نيتى ويوفقنى لمرادى العقلى، لا المراد الطبيعى. # قال ثابت: لست الذى أحتاج أن أقف على السبب الذى منه اعتذرت، وما تكره ~~من نفسك فهو عند غيرك من الفلاسفة سيرة الحق؛ إلا أنك لما حويت الفضائل وأخذت ~~بأزمة الرشاد تستعظم اليسير من الخلل يكون منك. # قال أحمد: أليس يعسر عملى بالعلم، فكيف أستحق لشىء من المدح؟! # قال ثابت: ذلك كما قلت. وكيف لا يكون كذلك وعلمك ما لا يتناهى، وعملك ~~محدود بمحدود فى زمن محدود! # قال أحمد: إن فيما تطالب كشفه من العلم واسطة بين ما لا يتناهى وبين ما يتناهى. PageV01P120 # قال ثابت: أسألك أن تكشف لى عن هذا القول. # قال أحمد: لما كان فيه الإنباء عما لا يتناهى، وهو الأصل الذى كان من أجله البسيط ~~القابل لتركيب الذى يستحق اسم المتناهى، ثم الكلام فى المركب اللطيف والمجسم ~~— كان كل ذلك، أعنى علمه، ممكن فيه الارتقاء إلى العلو الذى هو محل الحق الذى ~~لا يتناهى والرجوع فيه إلى المركب الذى هو الطبع المتناهى. # قال ثابت: فأنا الجدير بمطالبتك بذلك وإبرامك فيه حتى أصل إلى مرادى منه. # قال أحمد: لو لم يكن فى إخراجى ذلك إلا ما يمتاز به المهرة من أهل هذا العلم من ~~الخداع المستأكلين بهذه الصناعة، لكان ذلك جليلا من الحظ. # قال ثابت: إن كان ذلك يخرج فيما تخرجه من هذه الكتب، كان لك المنة العظمى ~~واليد العليا على هذا العالم وأهله. # قال أحمد: إنى عازم على الإخراج فى فحوى بعض كلامى فى هذه الكتب لأشياء ~~نمتحن بها الممخرقين بهذه الصناعة. # قال ثابت: إن فعلت ذلك فما أولاك! # قال أحمد: إن الخداع والمخرقة مجانسا الطبيعة لا يزالان معها وفيها. وقد كان ~~الشيخ أفلاطون وضع فى كتابه المسمى «ديالغون» فى المقالة السابعة أشياء من هذا ~~النوع. ويقول فى بعض فصوله فى هذه المقالة أن ليس شىء من الخداع بأنفذ عند ms002 العوام ~~من ادعاء هذه الصناعة وأطماعهم فيها، إذ كان فى نيلها إدراك جميع لذات هذا العالم ~~PageV01P121 والمطلوبات فيه، فيبلغ من حرص الأنفس عليها ما يشغل ذوى الآراء العميقة عن التثبت ~~والتفتيش عن صحة الشىء وباطله، فكيف الخلو من العلم والصفر من الرأى! # وقد كان للشيخ أفلاطون تلميذ يسمى أومانيطس قد ولع بطلب هذه الصناعة وتشاغل ~~بها عن جميع العلوم؛ فكان أفلاطون يعظه ويدفعه عن مراده وما هو عليه. فكان ~~لا تزيده العظة إلا حرصا والدفع إلا ولوعا. وكان مما يدعى أنه يصحح عنده هذا العلم ~~والصناعة أنه قال: إنما رأيت الأشياء من الطبائع الأربع، ووجدت الحشائش والنبات منها، ~~ووجدت البذر القليل يبذر فى الأرض فيستحيل من الأرض إليه ما كان ملائما له، حتى ~~يصير من الشىء القليل الكثير. ووجدت الذهب والفضة وقد جانسا النبات فى الطبيعة، ~~وجب أن تكون زيادتهما ونماؤهما إذا دبرا كالنبات. # فقال أفلاطون حينئذ: إنك قد ركبت يا أومانيطس بيداء مضلة وأنت أعمى عن ~~مطلبك فليس يزيدك جولان الطلب إلا بعدا عن المراد. ولولا أنى قد رأيت من حرصك ~~على هذا العمل ما لا أشك معه أنك إنما تريد به الاستمكان من الطبيعة لكنت أرشدك ~~إليه، فيكون نيلك فى أقرب مدة. إلا أنك لما عدلت عن علم المخلص وسيرة الحق لم ~~لم يسعنى أن أعاونك على ضلالك. غير أن مشاكلة جوهرية الإنس توفقنى لك بعطفى عليك، ~~فأنا أبين لك فساد ما أنت عليه وإن لم أرشدك إلى صوابه. # أما ما ذكرت أن الحشائش والنبات من جنس الطبيعة، وأن الذهب والفضة وسائر ~~الجواهر أيضا كذلك، وأنه واجب أن يزدادا إذا دبرا كزيادة النبات — فيوجب قولك ~~هذا أن تكون زيادة الذهب ونماؤه فى معدنه وجوهره الذى هو الأرض. وكما أنك ~~لو ألقيت بذر النبات فى النار أو فى موضع غير مشاكل له لم يزد فيه ولم يستحل، ~~بل تفرق وبطل — كذلك الجواهر إذا ألقيتها فى معدنها لم يكن بالمستحيل أن تستحيل ~~إلى جوهرها. وإذا كانت من خلاف الموضع الذى ms003 يشاكلها بطل أن تنمو أو تزيد ~~PageV01P122 كما بطل ذلك فى النبات. — فقد بان لك — إن استيقظت من سنة الضلال — أن ~~قولك هذا فاسد واستدلالك هذا باطل. # فلم تردعه وصية الشيخ وما بين له، ودار بينهما كلام كثير، أدى ذلك إلى مفارقته ~~للشيخ وخرج إلى بلاد البابليين، ونزل على مصب الفرات يطلب وجود هذه الصنعة. ~~وزاد فى حرصه عليه منع الشيخ له عنه، وأراد أن يكون انصرافه إلى بلاد اليونانيين. وقد ~~أدرك ذلك لينفى عن نفسه ما نسب إليه من الاشتغال بالباطل والانهماك فى المحال. فلم ~~تزده الأيام إلا حيرة، ولا التفتيش إلا عمى. فلما يئس وانقطع رجاؤه انصرف إلى بلاد ~~اليونانيين خائبا خاسرا وقد نفذت أيامه وفاته الحظ الجليل من ملازمة أستاذه. # فلقيه أفلاطون فقال له كالهازئ به: هل أصبت مطلوبك يا أومانيطس؟ فقال: ~~أصبت أن مطلوبى من مطلبه غير موجود. # فقال أفلاطون: قد أصبت الموجود. # قال ثابت: أيها الفيلسوف! قد فت هذا الكلام فى عضدى ونقص من غرامى، ~~وأوهى من رأيى، إذ كنت أقدر قديما تقدير أومانيطس وأظن أنه الصواب. فأنا فى ~~هذا الوقت متحير، قد بطل عندى — ببطلان هذا الرأى — وجود علم هذه الصنعة. # قال أحمد: إنه لا ينبغى أن يصح عندك وجودها حقيقيا حتى يبطل عندك رأيك الأول ~~بطلانا لا تشك فيه. # قال ثابت: فأسألك بمن خصك بالفضائل إلا ما عجلت كشف غم هذه الحيرة عنى، ~~وألبستنى سرور الإيضاح وفرحة المطلوب والموجود. # قال أحمد: مما ينبغى أن تعلم يا ثابت: أن الاختيار والطبع متنافران متضادان، وأن ~~فعل الطبيعة مستحيل كونه بفعل الاختيار لتنافر الأصلين، أعنى الاختيار والطبع، فيكون ~~الذهب فى هذا العالم بالاختيار ككون الطبع له مستحيل، إلا أنا نخالف ذلك فندبره ~~تدبيرا يباعد الطبع وإن كان بعيدا قليلا. فإذا فعلنا ذلك دبرناه كتدبير الاختيار فى الأصل، ~~ثم رد البسيط بالتركيب إلى ما يراد من الجوهر. PageV01P123 # قال ثابت: إن رأيت أن تزيدنى بيانا، فعلت. # قال أحمد: وإنما وضع الحكيم فى كتبه هذه التحليلات والتكليسات والتفريقات ~~احتيالا منه ms004 للشىء أن يغيره عن تركيبه المطبوع عليه فيرده بسيطا كما كان فى البدء فينفذ ~~فيه حينئذ تدبير الاختيار كما نفذ فى البدء. # قال ثابت: وكيف ينفذ تدبير الاختيار فى البسيط ولا ينفذ فى المطبوع؟ ~~قال أحمد: لما أخبرتك من تنافرهما. # قال ثابت: ولم لا يتنافر البسيط أيضا؟ ~~قال أحمد: لأنه أقرب مشاكلة منه. # قال ثابت: وكيف يتهيأ لنا أن نرد الشىء بسيطا فى هذا العالم المطبوع المركب؟ # قال أحمد: قد قلت فى الفصل من كلامى المتقدم أنه يباعد عن الطبيعة وإن كان البعد ~~قليلا. فإنما أردت بهذا القول أنه لا يمكن أن يرد بسيطا كما كان الأصل، إلا أنه يحتال ~~فيه بلطيف التدبير وعلى أدق ما يمكن من الحيلة فى هذا العالم أن يقام الشىء الواحدى ~~الذات خلوا من الشوائب، أعنى من أضداده، فيكون إذا أقرب إلى البسيط من المطبوع ~~المركب — عمل الاختيار فيه، أقول إنه لا يمكن لأحد فى هذا العالم أن يقيم الشىء الواحدى ~~الذات... ... ... فهو البسيط حتى يكون الذى يخالطه من الشوائب القليل ~~الكمية الضعيف الأثر، فيكون أقساما — ينجح فيه الطالب لهذه الصناعة. # قال ثابت: قد فهمت هذا القول وقبلته قبول اضطرار. فخذ أيها الحكيم فى ~~تمام كلامك. # قال أحمد: إن أول ما أتكلم به المشورة على طالبى الحكمة المخالفين لسيرة البهائم أن ~~لا يقبلوا من أحد يدعى علم هذه الصناعة إلا من يرشد إلى ما أرشدت. # قال ثابت: فمثل لمن أشرت عليهم مثالا يقتدون به. # قال أحمد: هو قولى هذا الذى قلت إنه لا يمكن كون هذا الشىء إلا برده إلى البسيط. PageV01P124 # قال ثابت: قد صعبت هذه الصناعة وأوعرت الطريق إليها، هذا مع خساسة نتيجتها. # قال أحمد: وكيف ذلك يا ثابت؟ # قال ثابت: لأنه لا يتهيأ أن يرد الشىء بسيطا، إذ الغالب فيه الشىء الواحد، إلا بعد ~~مشقة النفس وكد الطلب. فإذا ركب أيضا كان الشىء القليل الذى يقل مقداره. # قال أحمد: بل يصح فى هذه الدرجة استدلال أومانيطس. فإنه إذا فعل قد مثلث ~~فإنه يمكن ms005 بعد ذلك أن يستحيل إليه من الأركان الأربعة ما جانسه فى الهيئة والشكل، ~~كما قد قلت مرارا إنه من الواجب أن يتصل الشكل بالشكل. وإنما أخطأ أومانيطس ~~لما أراد أن يزيد فى الشىء وهو مركب بالاستحالة إليه مركبا مثله، فهذا يستحيل ~~بفعل الاختيار. فأما البسيط فقابل شكله كما قدمت، ثم يدبر كتدبير البدء. # قال ثابت: فما ترى أن يكون الشىء المدبر؟ # قال أحمد: إذا كان أى شىء كان، رددته بسيطا، فليكن ما كان، لأن أكثر ~~اختلاف الأشياء إنما هو من أجل التركيب. وقول أفلاطون فى صدر هذا الرابوع الثانى ~~الذى أنا مخرجه يشهد بصحة ما قلت. وإنما طول كلامه لينبئ عن طبائع الأشياء وأنها ~~أسهل تدبيرا. # قال ثابت: وما قال أفلاطون؟ # قال أحمد: قال أفلاطون: إذا كانت الأشياء من جنس واحد أصلها، فإن ردت ~~ففى واحد. # قال أحمد: يريد الفيلسوف بهذا القول أن الأشياء الموجودة كلها من أصل واحد، ~~وإنما تغايرها من أجل تفاوت أجزائها، وأن كل شىء فيه من اختلاط الطبائع ما ليس فى ~~غيره، وأن تغايرها من أجل ذلك. فنقول: إنه إذا حل التركيب وفرق فإنه يرجع الشىء ~~كما كان فى الأصل، وهو الشىء الذى هو أصل الأشياء وجنس الأجناس. # قال أفلاطون: والمعرفة بالأجسام وكيفياتها وبدئها مما يسهل العمل. PageV01P125 # قال أحمد: يقول: إذا عرف الجسم وكيفيته وبدؤه الأصلى فإنه يعين العامل على ~~مراده، لأنه يكون بمعرفته أحرى على تدبيره وأعرف بالاحتيال فيه. # قال أفلاطون: الأجسام الصلبة صورة جاسية، واللطيفة ضعيفة إلا أنها غزيرة. # قال أحمد: يخبرك الفيلسوف أن الأجسام الصلبة، يعنى كالذهب وسائر ~~الأجسام التى تقاوم النار وغيره من الأركان، لا تبلغ من غزارتها ونفاذها ما يبلغ اللطيف، ~~أعنى الأعضاء وما شاكلها. ويقول إن اللطيف ضعيف يحتاج إلى التدبير اللطيف، لأنه ~~لا يثبت ثبات الأجساد الصلبة، إلا أن اللطيفة غزيرة سريعة النفاذ. # قال أفلاطون: وتحتاج أن تعلم لم ذلك كذلك، وليس إلا أن اللطيف طالب لموضعه. ~~قال أحد: أحسن الفيلسوف فى قوله هذا، فإنه يقول: تحتاج أن تعلم ms006 لم اللطيف ~~أضعف وأغزر، والكثيف أجسى وأقوى؛ ثم تحكم أنه لطلب الموضع. وإنما يريد أن ~~ما دبر من هذا العمل فإن المراد فيه أن يرد كما كان بدءا. فاللطيف أقرب إلى جنس البدء. ~~فإذا كان كذلك فإن طالب المحل البدء الذى هو العلو. فالتدبير يجب أن يكون أوفق، ~~والعامل يحتاج أن يكون أوفق ليضبط العمل لئلا يصل إلى الموضع الذى يطلبه فيفوت. ~~فأما الجاسى فكثيف طالب للسفل والعامل مستغن عن ضبطه. ف «القوة» فى كلام ~~الفيلسوف فى هذا الموضع: «الثبات» و«الضعف» «الفراق». # قال أفلاطون: وبعد أنواع من التدبير يكون الجاسى القوى كالغزير الضعيف. # قال أحمد: صدق الفيلسوف فى قوله هذا، لأنه لا يتهيأ أن ينفذ تدبيره فى الشىء ~~إلا بعد حله وتليينه. فالعضو مخصوص باللين وذلك معدوم فى الجسد إلا بعد المعالجة. ~~وأرى قوله هذا يوجب أن مستعمل العضو قد كفى بعض العمل، لأنه إذا كان تدبير الجسد ~~أول درجته كونه كالعضو، إلا أن أرسطاطاليس يذكر أن تدبير الجسد من أول العمل إلى ~~آخره أهون وهو أصبر من غيره. فيرى أرسطاطاليس أن الشىء لا يخلو أمره من الشوائب ~~كما قدمنا. فإذا كان كذلك فيكون أبدا معه، أعنى الجسد، من القوة الغريزية والتركيب ~~PageV01P126 الأصلى ما ليس مع العضو، فتكون هذه القوة والتركيب مقويا للجسد فى كل حالاته ~~إلى أن يبلغ. وأراه يصدق فى ذلك، ويدعى أن الشيخ أفلاطون موافق له وأنه ~~أخذه عنه. # قال أفلاطون: وقبل ذلك فأحوج ما كنت إليه معرفة كيفية التركيب. # قال أحمد: يقول إن الحاجة إلى معرفة التركيب وكيفيته شديدة. فذهب الفيلسوف ~~فى ذلك أنه إذا عرف التركيب وكيف يركب، فإنه يهتدى إلى حله ونفاذ التدبير. # قال أفلاطون: وبعد البسيط فهو المثلث، إلى إن قال: فدع قول المخالفين فى ~~ادعائهم المدور. # قال أحمد: إن أفلاطون وجد الأوائل يقولون إن أوائل الأشياء أوائل معقولة، وهو ~~الذى كان من أجله المحسوس البسيط، وهو الشىء القابل للتركيب، فبعض الأوائل يقول ~~إن البسيط شكله المدور لتشابه أجزائه؛ وأفلاطون يخالف هؤلاء ويقال: ms007 إن المدور ~~يكون ذا تخلخل لأن أقطاره لا تتلاصق بكليتها. فإذا كان كذلك فإنه يقع فيه الخلاء، ~~وذلك معدوم فى البسيط. ويقول إن البسيط الجزء الوهمى، ويحكم أن الجزء الوهمى الذى ~~لا يقبل التجزئ هو البسيط. ويقول إنه لا يقبل التجزئ لا لصغره، بل لأنه واحدى ~~الذات. فمحال أن يتجزأ إلا بدخيل يدخل عليه فيجزئه، فحينئذ 〈تقع〉 ~~فيه التجزئة، فأما أن يكون واحدى الذات فهو الجزء الذى لا تستحيل فيه التجزئة، وأفلاطون ~~يحيل فيه التجزئة فى هذا الشىء، لا لصغره وقلته، بل لأنه واحدى الذات. فتفهم ذلك ~~وأنصت لما يأتى من قول الفيلسوف فى هذه الكتب، فإنه فيه بيان لهذا على أشد ~~الاستقصاء إن شاء الله. # قال أفلاطون: وكيف يكون المدور بسيطا وقد دل على بطلان ذلك الشكل؟! PageV01P127 ~~قال أحمد: إن أفلاطون وضع فى كتاب «ديالغون» شكلا مركبا من المدورات. ~~يتبين من ذلك الشكل أنه لا يجتمع من المدورات إلا الجرم المتباعد الأجزاء، وله على ~~إبرخس رد فى الكتاب فى دعواه إن القسى الصغار من الدوائر الكبار 〈تكون〉 ~~خطوطا مستقيمة، وبين هناك أن الشىء المدور — وإن تجاوز فى القلة حد المحسوس إلى ~~المعقول — فلا يخلو من التقويس. وقد أخرج بطلميوس القلوذى أيضا فى كتابه الذى سماه ~~«المجسطى» رأى إبرخس فى القسى الصغار من الدوائر الكبار ووافقه على ذلك. ومن ~~وقف على ما أخرجه أفلاطون من الرد فإنه يصح عنده فساد قول مخالفيه. — ووجدت ~~اسطالينوس يحتج لبطلميوس: ذكر أنه ذهب فى قوله فى كتابه إلى ما يخالف إبرخس، ~~لا الشيخ، ويخرج لكلام بطلميوس وجها إن حمل على ذلك التأويل فقد اتفق مع ~~الفيلسوف. ولولا أن أكره الاشتغال به لأخرجته. # قال أفلاطون: والكتاب الموجود ب«إيليا» يدل على ما أمرنا بمعرفته. # قال أحمد: الكتاب الموجود ب«إيليا» يعنى به كتاب إقليدس. وأما أمر معرفته ~~فالتركيب. وهذا الكتاب، أعنى إقليدس، يوجد ب«إيليا» نحله إبلنيس النجار فنسب ~~إليه. وتفسير «إقليدس» إنما هو باليونانية: المفتاح. وليس يدرى من الذى ابتدعه. غير ~~أنه أخبرنى الذى أثق به أن ms008 ذلك من إلهام العلويين لمواليهم: وأما ما يدل عليه ذلك من ~~التركيب فمبتدأ القول فيه هو أن تمام العلم بالمعلوم، يعنى أنه لا يوصل إلى علم الشىء ~~إلا بمشاهدة الشىء. والقول الثانى أن النقطة هى التى لا جزء لها، فإنما ينبئ عن ذلك ~~البسيط الذى تقدم القول فيه: ثم يقول فى الخلط المتشابه وهو الذى يحيط بالجرم السكرى، ~~فنسبه إلى جنس النار الذى هو أقرب الأشياء إلى البسيط وأبعده من الطبيعة. ثم تكلم فى ~~فى أول الشكل المثلث فنسبه إلى الهواء لقربه من النار. ثم تكلم فى ذوى الأقطار فنسبه إلى ~~PageV01P128 الماء الذى هو دون الهواء. ثم تكلم فى المجسم فنسبه إلى الأرض الذى هو قعر ~~الطبيعة — وقد تكلم أسقولبيوس فى خطبته فقال إن النفس مربوطة فى الحيوان بالمثلثات، ~~يعنى أنه أقرب إلى البسيط من غيره من ذوى الأقطار والمجسم، فيكون إذن أولى بأن ~~يكون محلا للنفس. فكتابه كله ينبئ عن الشىء أنه من أصل واحد، وإنما يعتبره من ~~أجل التركيب. # قال أفلاطون: والأقطار والزوايا من التركيب. فما قل فيه فهو أقرب إلى البسيط. # قال أحمد: لما كانت الأقطار من التركيب، كان كل جرم أقل أقطارا أقرب إلى ~~البسيط. وتوجب هذه القضية أن المثلث أقرب إلى البسيط أيضا من المخمس والمسدس ~~وذوى الأقطار الكثيرة. فتفهم ذلك. # قال أفلاطون: فأما المدور فبسيط الطبيعة. # قال أحمد: يقول إن الجرم المدور هو بسيط الطبيعة، لأنه أقل الأجرام تفاوتا وأكثره ~~تشابها حتى لقد نسبه بعض الأوائل إلى البسيط الذى يقول أفلاطون إنه الشىء المعقول، ~~لا المحسوس. فتفقد إشارات الفيلسوف وكلامه واعلم أنه إذا قال: المثلث والمربع فى ~~الأجرام، فإنه ليس يعنى به المحسوس فقط، بل الذى لا يحس لقلته أو لطافته، لأن الهواء ~~الذى خص بالشكل المثلث ليس يحس فيه ذلك للطافته ودقة تركيبه. وكذلك فى سائر ~~الأجرام: منه ما ليس يتبين فيه ما قد خص به من الشكل الذى قد أخبر به الفيلسوف. ~~وإنما يتفهم كلامى هذا من قد تدرب فى قوانين المنطقيين ms009 وعرف مذاهب الحكماء وألفاظ ~~الفيلسوفين. فأما من كان خلوا من ذلك، فإنه لا ينبغى له الاشتغال بالنظر فيه، فإنه لا ينتج ~~له إلا الضجر به لبعده عن معرفته. # قال أفلاطون: واجعل هذه الأشكال مثالا، فرد كل شىء إلى الذى يستحيل ~~إليه حتى يرد الشىء بسيطا بالمراقى. # قال أحمد: ما أحسن ما قاله الفيلسوف وأبين صواب قوله! لأنه يأمرك أن تجعل ~~هذه الأشكال، يعنى به أشكال إقليدس، مثالا، فتنظر إلى ما يرد المثلث إذا أنت رددته ~~إلى الطبيعة، لأنه إذا كان كذلك فأنت ترده إلى ما تزاد فيه الأقطار. وإذا أرددته إلى ~~PageV01P129 البسيط نقصت من أقطاره حتى يتشابه. فيريد الفيلسوف أن تدبر الشىء حتى يرد الكثيف ~~إلى ما هو ألطف منه فلا يزال يزاد تدبيرا حتى يرتفع من حد الكثيف المطبوع إلى البسيط. ~~وإنما قوله: «المراقى» فإنه يعلم أنه لا يمكن فى الشىء أن يرد بسيطا فى تدبير واحد، بل ~~يدبر أبدا حتى يستحيل إلى ما هو ألطف منه. فشبه الفيلسوف هذا التدبير بالمراقى. # قال أفلاطون: وأنت مستغن بالنظر فى كتابى عن المعتاص. # قال أحمد: ما أكثر شفقة الفيلسوف على طالبى الحكمة! لأنه يقول فى هذا الفصل ~~إنك تستغنى بالنظر فى كتابه — يعنى به الثالث والرابع الذى قد بين فيه التحليلات ~~والتفريقات — عن الاستدلال بما يعتاص عليك، يعنى به: ما قد أخبر أنه يمكن أن ~~يستدل من أشكال إقليدس. # قال أفلاطون: وإنما يخبر بالمعتاص لا لإدراك الشىء، بل لإخراج لطيف من العلم ~~يكون به مسلك إلى الحق — إلى أن قال: أو الشواهد. # قال أحمد: يقول إنه ليس يخرج هذه الآراء العقلية لإدراك هذه الصنعة، بل ليظهر ~~لطيفا من العلم يكون هو المنبئ عن علل الأشياء ويرشد إلى ما فيه الخروج من حد ~~البهيمية. وقوله: «للشواهد» — يقول: إذا بينته ببعض الأشياء العقلية تكون شاهدة ~~بصحة ما ذكره قبل الامتحان. # قال أفلاطون: ونرجع فى هذا الوقت إلى ما هو أولى بجنس هذا الكتاب المقصود فيه ~~— إلى أن قال: وأقصد فى أول العمل إلى ms010 الجاسى لأن تدبيرك كذلك. # قال أحمد: لما تجاوز إلى الاستدلال بالأشياء العقلية والوهمية كان ذلك مرتفعا عن حد ~~هذه الصنعة. فنقول: إنى أرجع فى الكلام إلى ما يستحق جنس الصنعة. وقوله: «وأقصد ~~فى أول العمل إلى الجاسى فإن تدبيرك أيضا كذلك» — يعنى أن تدبيرك لا يكون ~~له عهد بالعمل فلا يبلغ أن تدبر الشىء المحتاج إلى التدبير اللطيف. PageV01P130 # قال أفلاطون: وتعلم ما الجاسى، وقد أنبأتك به. # قال أحمد: صدق الفيلسوف فى هذا لأنه قال: «قد أنبأتك به»، وقد أنبأ قبل أن ~~الجاسى من أجل قوة التركيب، وحكم أيضا أنه لا تتبين قوة لا تعرى منه مدة من ~~أيام التدبير. # قال أفلاطون: وإن قصدت إلى النقى من الكدر، واعلم أنه لا يعرف ذلك من جهة ~~ما يطفو أو يسفل. # قال أحمد: غرضه فى هذا القول أن يعرفنا النقى من الشىء الكدر، وبقول إنه ~~ليس ذلك من الشىء الذى يتسافل، ولا من الشىء الذى يطفو أو يرتفع. # قال أفلاطون: وإنما أكثر ذلك من أجل الانضمام والتخلخل. # قال أحمد: يقول إنما تتسفل أكثر الأشياء من أجل انضمام أجزائها. ثم إن الهواء ~~لا يداخله، وكل شىء كثر فيه الجزء الهوائى فإنه طالب للعلو لمجانسة الهواء، وكل جسم منضم ~~فطالب للسفل لأن الهواء لا يعينه على الارتفاع. # قال أفلاطون: فى هذا الباب خليق أن يستعمل. فأما الأعمال الجوانية فلا بد لك من ~~أن تحل ما تدبر. # قال أفلاطون: وإن استعملت فى العمل البرانى فلا تستعمل غير القحف وأنت تجده. # قال أحمد: إن عظم القحف عظم نقى. وهو أيضا مما يذكر جماعة من الأوائل أنه ~~أول عظم حدث فى الإنسان، وهو وعاء مسكن الفكر والعقل؛ وفيه أيضا لسان يجب ~~أن يستعان به خاصة فى البرانى. # قال أفلاطون: والدماغ محل للجزء الإلهى، إلا أنه سيال. PageV01P131 # قال أحمد: لولا أن الدماغ سيال رطب لما ارتبط به النفس مع طلبه لمحله. # قال أفلاطون: وهو أشبه الأعضاء تركيبا بما يراد. # قال أحمد: إن الأشياء التى تتجاور مدة من الزمان خليق ms011 أن تتشابه أجزاؤها ~~فى التركيب والهيئة. فالدماغ، لطول مجاورته النفس العقلى واختلاطه، وجب أن يتشابه به. ~~والنفس العقلى بسيط كما ذكرنا. # قال أفلاطون: وليس فى الأعضاء أسرع نموا وانفصالا منه. # قال أحمد: كما أن الشعر فى نهاية الغزارة، والدليل عليه طلبه لمفارقة الحيوان، كان ~~الدماغ لقبول لطيف الغذاء ثم تأدية ذلك فى الأعصاب المتشعبة منه — وجب أن ينسب ~~إلى ما نسبه. # قال أفلاطون: وكما أن الشعر الذى نسبته للغالب فيه اليبس، فالدماغ غالب، ~~والرطوبة، حتى صار يمنع النفس من كثير من أفعالها. # قال أحمد: قلت بدءا إن هذه الأشياء التى ينبغى أن تدبر لهذا العمل يجب أن تخرج ~~منها العوارض الفاسدة التى تخرج للشىء عن حد الاعتدال فى كل شىء من هذه الأشياء. ~~وكل شىء غلب عليه فهو يسهل جزءا من العمل ويصعب جزءا. ألا ترى أن الدماغ، ~~لما غلب فيه الرطوبة، أيسر تحليلا وأصعب تنقية وتفريقا؟ والشعر لما كان الغالب فيه ~~اليبس سهل تفريقه وتنقيته، وعسر تحليله. فكل هذه الأسباب العارضة نافعة فى نوع ~~ضارة فى غيره. فأنا ممثل لك فى كتابى هذا وفى غيره جنس الشىء وما يكون ~~منه؛ ثم أنت أعلم وما تختاره مما أنت أقدر على تدبيره؛ فقد يسهل على الرجل ما يعسر ~~على غيره. وقد سألنى «ثابت» فقال: ما بال الفيلسوف اختار الشعر الأسود وهو أولى ~~باليبس، من الأحمر الذى 〈هو〉 شعر أهل البلدان الشمالية؟ فقلت: إن الشعر الأحمر ~~وإن كان أكثر رطوبة فهو يقصر فى غزارته ونضجه عن الشعر الأسود. فرأى الفيلسوف ~~أن انتزاع الرطوبة منه أهون على العامل من تدبيره تدبير الطبيعة فى النضج والتبليغ به فى ~~PageV01P132 الغزارة ما تبلغه القوى الطبيعية. وأما قوله: «حتى صار يمنع النفس من كثير من أفعالها» — ~~فقد تقدم القول فيه. # قال أفلاطون: وعضو العين كبير اللطف إلا أنه رسم — إلى أن قال: وهو مع ذلك ~~متخوف منه الإعلال قبل أن يربط، إلا أنه مشارك للدماغ فى مجانسة النير. # قال أحمد: إنك تعرف بالحس صدق قول الفيلسوف فى ms012 العين: أما لطافته فلإدراكه ~~للألوان، والدسومة ظاهرة فيه أيضا بمعرفة أصحاب التشريح. والفيلسوف حذر جدا من ~~الأشياء الدهنة لأنها لا تكاد تقاوم النار، والجنس الدهنى كما قاله أرسطاليس واسطانيس ~~الطبيعيان، أعنى اليبس والرطوبة أنك إذا أضفته إلى النار كان رطبا، وإذا أضفته إلى ~~الماء كان يابسا، وقد أخرجت فى هذا النوع من القول ما يقنع فى كتابى «فى التركيب ~~والإضافات». وأحوج ما يكون إليه المنتحل لهذه الصنعة معرفة هذا الجنس من العلم. ~~واعلم أن هذه الطبائع اختلف تركيبها جدا حتى كادت كثرة أن لا يحاط بكليتها وماهيتها، ~~وصار كل شىء مخصوص بشىء معدوم فى غيره مما هو منسوب إلى طبعه. المثال: أن من ~~العقاقير ما يتفق فى الطبائع ويتفاوت فى كثير من العلم. فنحن مضطرون إذا أن نخبر عن ~~جنس كل شىء وما يخصه ويظهر من أثره إذا كنا غير واثقين بمن يأتى من بعدنا أن يبلغ ~~من رأيه أن يستدل من التركيب الأول على مجانسة الأشياء وكيفياتها والعلة فيما يخص ~~ويعم. فلهذا وضع الفيلسوف الكتاب الثالث والرابع الذى مثل فيه العمل. ولولا ذلك ~~لكان مستغنيا بما حكاه فى الفصل الأول من هذا الكتاب من الاستدلال بكتاب إقليدس ~~وقوله أيضا إن الأشياء اختلفت من جهة التركيب، وقوله إنه متخوف منه الإعلال قبل أن ~~يربط، فإن القوى المربوطة بهذا العضو لطيفة جدا، والعضو المربوط رخو والقوة تنحل ~~عنه بسرعة. # وقد وضع الفيلسوف أعمالا يمنع بها القوى الغريزية من مفارقة الشىء حتى يربطه ~~PageV01P133 بالذى يريد. فيخشى أن تكون هذه القوة التى فى هذا العضو للطافة القوة واسترخاء العضو ~~مفارقة قبل أن تستمكن منه. وأما مشاركته للدماغ فى مجانسة النير، وهو من الآراء المتفق ~~عليها جل الأوائل أن الذى يخص الشمس من الناس من الظاهر: العين، ومن ~~الباطن: الدماغ. # قال أفلاطون: وأنت من غيره فى العمل أحوج إليه، لأنه يولد مثله وغير ذلك مما ~~يستحيل عند الأكثر. # قال أحمد: إن هذا الكلام ليس من جنس هذا الكتاب، وقد تجاوزت أكثر ألفاظه ~~إلى ما ms013 ينبغى أن أخبر به. # قال أفلاطون: فلا تستعمله لأنك واجد ما قد ارتفع ثلاث درجات. # قال أحمد: إن اللحم عكر الطبيعة، والغالب عليه الرطوبة والتركيب المجسم فلا تستعمله ~~فإنك واجد ما قد ارتفع عنه ثلاث درجات، لأن اللحم استحالته إلى فوق عصب، ~~والعصب استحالته إلى فوق شعر. فالذى يقول إنك تجده هو الشعر — فتفهمه. # قال أفلاطون: والعصب دون الشعر، إلا أنه أرطب. # قال أحمد: إنه قد طال كلامى فى أن الأشياء الرطبة أسرع تحليلا، إلا أنها أبطأ ~~تنقية؛ فأنا مستغن عن إعادته. # قال أفلاطون: والأسنان تستحيل من العصب فى الجهتين: ففيه ما قد ارتفع عن ~~الشعر، وفيه ما انخفض. # قال أحمد: يعنى بالجهتين: الفوق والأسفل. وقوله: «إن فيه ما قد ارتفع عن الشعر وفيه ما قد ~~انخفض» — فإن الشعر مرتفع عن الأسنان فى اللطافة والنفاذ، متقاصر عنها فى قوة التركيب. # قال أفلاطون: فإن اضطررت إلى استعمالها فاستعمل الثنايا وما جاورها ودع الأضراس. # قال أحمد: لما صارت الأضراس أكثر تخلخلا صارت العوارض الفاسدة إليها أسرع ~~وفيها أنفذ منها فى الثنايا وما جاورها. فخليق أن تقصد إلى الثنايا لقلة العوارض الفاسدة ثم لما ~~هى مخصوصة به من ملاقاة الهواء الملطف لبعض الأجسام. PageV01P134 # قال أفلاطون: والثنايا خاصة لها بصيص يستدل منه على القوة المربوطة. # قال أحمد: إن البصيص غير المفارق دليل أن القوة المطلوبة فى هذا النوع قد ربطت ~~بالشىء ومازجته ممازجة يعسر فراقه. ومن الأشياء ما تكون القوى فيها غير محكمة الوثاق ~~فتنحل عن الشىء بسرعة. واعلم أن البصيص فى جميع الأشياء قوة طالبة لمفارقة الشىء ~~قد عسر عليها، أعنى القوة، فراق ذلك الشىء المخالط لها. # قال أفلاطون: وسائر الأعضاء السفلية فقسه إلى العلوية وتدبر. # قال أحمد: لما كان الفيلسوف قد أخبر عن أعضاء الرأس ما قد تقدم، استغنى عن ~~الكلام فى الجسد، إذ كان لا يخلو ما فى الجسد أن يكون له شبه ومشاكلة من ~~أعضاء الرأس. # قال أفلاطون: ولا بد من الكلام فى المخ، إذ هو مثلث قابل للجنس البسيط. ms014 # قال أحمد: ما أحسن هذا القول وأبين صوابه وأحرى أن تشتغل النفس بتفهمه! ولولا ~~أن الكلام فى تفسير هذا القول يطول طولا يمنع عن إخبار المقصود فى هذا الوقت، ~~لكنت أصرف أكثر همى إلى الإخبار بما تتبين به صحة هذا القول ويكشف عن غامضه، ~~وإن كنت قد أخرجت ذلك فى كثير من كتبى على غاية البيان والبرهان فلا أخلى هذا ~~الفصل من قول مختصر يتبين للناظر فيه معنى لفظ الفيلسوف: # اعلم أن جل الأوائل اتفقوا أن مسكن النفس العقلية الدماغ، وأنه كجرم المصباح فى ذلك ~~الموضع، فقد نفذ نوره فى الجسد؛ وأن العضو الغالب فيه النفاذ والمؤدى إلى سائر ~~الأعضاء القوة هو المخ، لأنه مثلث التركيب، وهو أقرب أعضاء الجسد مشاكلة للبسيط. # قال أفلاطون: لولا أنه سريع القبول للفساد، لكان ينبغى أن يعتمد — إلى أن ~~قال: فاستعمله إن أردت للمحمود وتحرز من المذموم. # قال أحمد: إن المخ كثير الدسم، والنار تسرع فيه جدا، وهو أيضا قليل الثبات مع ~~غير النار من الأجرام. فيقول الفيلسوف إن استعماله لقرب مشاكلة البسيط محمود، ولدسمه ~~PageV01P135 وسرعة تفرق أجزائه ضعيف، فيأمر أن نستعد لما يكف غائلة المذموم فيه لننتفع ~~بالمحمود منه. # قال أفلاطون: وعضو القلب من الجسد كعضو الدماغ من الرأس. # قال أحمد: لما كان هذان العضوان متشابهين فى محل النفس، وجب أن يتشابها ~~من حيث هما، لأن مسكن النفس العقلية الدماغ، ومسكن النفس الغضبية القلب. # قال أفلاطون: واجعل سائر الأعضاء الباطنة للآلة، فإنك محتاج إلى ذلك. # قال أحمد: يعنى بالأعضاء الباطنة أعضاء الجوف، ويأمر أن نجعل ذلك مما يصفى به ~~أو يحلل أو يعقد سائر الأعضاء المستعملة لهذا النوع من العمل. — المثال: أنك إن أردت ~~أن تحل عضوا من الأعضاء المتولدة من رطوبة أو برد: أن تجعل الرماد محيلا عليه ليكون ~~هو الذى ينفى البرد واليبس ويثبت ما يريد. # قال أفلاطون: ومعرفة طبائع هذه الأعضاء سهل — إلى أن قال: فإذا عرفت ~~فاستعملها لحاجتك. # قال أحمد: يقول إن أعضاء الجوف تسهل معرفة طبائعها، إذ قد ms015 وضعت فيه الأطباء ~~الكتب الكثيرة حتى استدل فى العلم بذلك العامة فضلا عن الفلاسفة. ويقول: إنك ~~إذا عرفت طبائعها أمكنك عند ذلك أن تكف بها أضدادها أين كانت. # قال أفلاطون: والعروق أيضا مجانسة للعصب — إلى أن قال: والشريانات أنجعها. # قال أحمد: يقول إن العروق هى أعصاب وإن خالفت صيغتها صيغة العصب. ~~والشريانات مخصوصة بمجاورة النفس الحيوانية، فلذلك حكم أنها أنجع. # قال أفلاطون: والأربع طبائع فهى أقرب، إلا أنها يداخل بعضها بعضا. PageV01P136 # قال أحمد: لولا أن الطبائع الغالب عليها اختلاط بعضها ببعض، لكان الواجب أن ~~تستعمل، إذ هى أقرب إلى البسيط من المتولدة منها، أعنى بذلك الأعضاء. # قال أفلاطون: فاستعمل العضو الغالب، ودع المختلط. # قال أحمد: يقول إن استعمالنا العضو الذى قد ظهر لنا أنه قد غلب فيه وعليه نوع أحد ~~الطبائع أحرى من استعمال ما لا يأمن فيه تفاوت الأخلاط. # قال أفلاطون: وإذا وجدت أحد هذه الأركان المركبة خلوة من أضدادها، فقد ~~فرغت من نصف العمل — إلى أن قال: ولا تجد فلا تطمع. # قال أحمد: يعنى بالأركان: المرتين والدم والبلغم. ونقول: إنا لو قدرنا على أخذها ~~مفردة من أضدادها، لكنا قد كفينا نصف العمل، وذلك لأن هذه الأعضاء المستعملة لها ~~تولدها من هذه الأركان، فيحتاج أن يرد العضو فى أول التدبير إلى الذى تولد منه ~~لنرده بالدرج إلى ما نريد، فوجدنا هذا الركن مفردا، فما يكفينا هذا التدبير الأول، فيوئسنا ~~الشيخ أفلاطون من وجود ذلك، ويأمرنا باستعمال العضو لشيئين: أحدهما أنه إذا رددنا ~~العضو إلى ما استحال منه فإنا قد مررنا على نوع من التدبير يكون الذى توقف على التدبير ~~الثانى. والسبب الآخر أنا إذا رددناه إلى ما استحال منه الركن فهو أنقى مما تجده من الأركان ~~الموجودة فى الإنسان. # قال أفلاطون: والرجيع والبول اختاره من اختاره للاستحالة، فدعه فإنه ثفل. # قال أحمد: غير أن البول والرجيع اختاره من اختاره لأنه قد غلب عليه الاستحالة. ~~وهذا النوع من العمل أكثر ما فيه الاستحالة من جنس إلى جنس. ويشير الشيخ أن ms016 ~~لا يستعمل، لأنه ثفل كثير العكر. # قال أفلاطون: وإن جعلته للغسل رجوت أن يكون منجعا. # قال أحمد: إن بعض منتحلى هذا العلم يسمى الرجيع والبول الصابون؛ فيريد ~~PageV01P137 الفيلسوف أن يجعلا — أعنى الرجيع والبول — مما يغسل به الشىء المستعمل للعمل، ~~وهو ينقى جدا لأسباب كثيرة منها: أنه وسخ يتعلق به جنسه، وأيضا فقد جرى فى أعضاء ~~الحيوان فأخذ من كل عضو قوة، وغير ذلك من أسباب يطول الكلام فى شرحها وبيان ~~ذلك فى الإبريز والفوش. — قال أحمد: لما كان الذهب مع صفائه ونقائه يتسافل، ~~والفوش من الأجسام — وإن كان فى نهاية الكدر — يطفو، أبان من ذلك أن الصافى ~~والكدر ليس من أجل السفل والطفو يعرف. # قال أفلاطون: وإنما يسهل علم ذلك من أجل ما يسرع إليه الفساد ومن أجل ~~ما يبطئ فيه. # قال أحمد: إن كل شىء كان كدرا ليس بنقى فإنه يسرع الفساد فيه والعفونات وتفرق ~~الأجزاء، من أجل أنه متفاوت متضاد فى نفسه؛ فيكون إذا القابل للفساد إذ كان من ~~شكله والواحدى الذات فمتفق غير قابل لما يضاده؛ فيعلمنا الفيلسوف أن نعرف ذلك من ~~هذا الباب. # قال أفلاطون: وهل النقى إلا الواحدى الذات، والكدر إلا المتفاوت؟! # قال أحمد: ما أحسن ما قاله الفيلسوف! لأن الجسم إنما استحق اسم الكدر إذا كان ~~مجموعا من أجزاء متضادة، فيكون أحد الأجزاء قد كدر ما يضاده؛ والنقى هو الواحدى ~~الذات الخلو من الشوائب. # قال أفلاطون: والنتن والقذارة أيضا من التفاوت. # قال أحمد: يريد الفيلسوف أن كل جسم ظهر فيه النتن أو كان مما يستقذر فإن ذلك ~~أيضا من تفاوت الأجزاء. # قال أفلاطون: وقد يكون النتن أيضا من مقدمات التلطيف. # قال أحمد: قوله إن النتن أيضا من مقدمات التلطيف تقف على صحته إذا استعملت ~~PageV01P138 ما قد حده لك فى أبواب التحليل والتعفين فى الكتاب الثالث والرابع، لأن هناك تعلم أن ~~أكثر النتن العرضى فى الأجسام إنما هو لارتفاع اللطيف منه. # قال أفلاطون: والرجيع أيضا وإن كان من تفل الأشياء وعكرها فنتنه أيضا من التلطيف. ms017 # قال أحمد: يقول إن الرجيع — وإن كان أيضا من عكر الأشياء وتفلها — فنتنه أيضا ~~من التلطيف، إذ اللطف منه، وذلك أن الغذاء فى الحيوان إذا عمل فيه القوى ~~الطبيعية ليجتذب لطائفه فإنه يظهر فيه النتن الذى يوجد فيه. وقد أخرجت فى كيفية النتن ~~والطيب مقالة بأسرها فى كتابى الذى بينت فيه اختلاط الأركان على أشد استقصاء. ~~فلنتجاوز ذلك إلى كلام الفيلسوف فى هذا الكتاب. # قال أفلاطون: ولا ينبغى أن أنيب إلى التهاتر إلا بعد بصيرة. # قال أحمد: إنه من لم يعرف كلام الفيلسوف ومعناه وقصده فى كل كلام يخيل إليه ~~أن الفيلسوف تناقض كلامه ويخالف البعض منه البعض. — من ذلك ما قد قدم فى هذه ~~الفصول فإنه جعل فى أول كلامه النتن دليل الكدر، ثم جعله أيضا فيما تلطف. وكان ~~فى كل كلامه محقا، لأنه ذهب فى كل قول إلى معنى صحيح. — وقد قال ثاوفرسطس ~~فى بعض مقالاته إن النتن إلى السفل من الكثافة، وإلى العلو من اللطافة؛ فيريد أفلاطون ~~أن لا يتسرع إلى قوله بالثلب والعضيهة، فإن لذلك معانى غامضة صحيحة. ومن عاب قول ~~الفيلسوف فإنما هو لنقصان علمه ومعرفته. وقوله: «إلا بعد بصيرة» فإنما قاله لأنه قد أمن ~~بعد البصيرة أن يعاب، إذ كان خلوا من العيب. # قال أفلاطون: ومما ينبغى أن تختار من الأعضاء: عضو جنس الأجناس وصورة الصور. # قال أحمد: يعنى بجنس الأجناس الإنسان، وكذلك صورة الصور. وذلك أن من ~~الأصول المتفق عليها أكثر الأوائل أن الإنسان هو المستولى قديما وحديثا على سائر ~~الحيوان، وهو أحكم الحيوان صورة وتركيبا. PageV01P139 # قال أفلاطون: وإذا كان مطلبك من جنس مصباحى العالم فبالحرى أن يقصد فيه ~~لما جانسهما. # قال أحمد: يعنى أنه إذا كان طلبك للذهب والفضة — وهما من جنسى الشمس ~~والقمر — وجب أن يكون ما تستعين به على ذلك ما كان من جنسهما، وكما جانس كل ~~كوكب من الكواكب نوعا من الحيوان، فالذى يخص الإنسان الشمس. وقد قال بعض ~~الأوائل: إن الشمس والقمر جميعا قد جانسا الإنسان. فالكواكب التى ms018 تخص ~~الذكران للشمس والتى تخص الإناث القمر. # قال أفلاطون: وهذا الجنس هو المخصوص، لأنا قد علمنا أنه لا يتم العمل إلا به. # قال أحمد: يعنى أن الإنسان هو المخصوص بالجزء البسيط المختار الذى هو النفس. ~~وقد أخبر فيما تقدم أن العمل لا يتم دون أن يرد الشىء بسيطا. # قال أفلاطون: ولو لم يكن إلا طول أيام المجاورة لوجب أن يقصده. # قال أحمد: يقول لو لم يجب أن يقصد إلى استعمال العضو من الإنسان فى هذا النوع ~~من العمل إلا لطول مجاورة النفس له مدة أيام الحياة، لكان مما ينبغى أن يعتمد. # قال أفلاطون: ونتكلم فى الأعضاء ونبدأ بالشعر، إذ هو مما قد علا الحيوان ~~وطلب مفارقته. # قال أحمد: إن الشعر لما صار فى الصفحة العليا من الإنسان وطلب مفارقته دل على ~~غزارته وقوته. # قال أفلاطون: ولولا أن يبس الهواء حل فيه، لكان أقرب إلى الاعتدال. # قال أحمد: إن من يتفلسف من الأطباء يقول إن الشعر عصب امتد حتى علا البشرة، ~~ويقول إن يبوسته من أجل الهواء المحيط، ويحتج فى ذلك بالتغاير الذى يحدث ~~PageV01P140 فى شعور أهل الأقاليم، لأن البلدان الشمالية ترطب فيها الشعور جدا، ولا نعدم فيه ~~أكثر اللون اللحمى الأحمر، والبلدان الجنوبية يتفلفل فيها الشعر حتى يكون كأنه قد ~~تشيط بالنار ويصير لونه نهاية فى السواد. # قال أفلاطون: فأول ما ينبغى أن يعرى مما خالطه من الهواء، ولا يكون ذلك دون أن يرطبه جدا. # قال أحمد: إن الشعر قد استمكن منه الجزء الهوائى مدة من الزمان حتى كاد لا يفارقه ~~إلا بتعب ومزاولة شديدة، ويريد أفلاطون أن يرطب ترطيبا ينافر ما فيه من اليبوسة ~~الهوائية حتى يعرى منه ويقرب من الاعتدال. # قال أفلاطون: والترطيب أيضا مما ينقى الجزء الدسم. # قال أحمد: إن أعظم ما يحتاج فيه فى تدبير الأعضاء نفى الدسومة، إذ هى وسخ ~~معين للنار على إحراق الشىء فى ترطيبه على السبيل الذى بينه الفيلسوف فى ذلك الكتاب؛ ~~فإنه يأتى فيه بالقول المقنع. # قال أفلاطون: والذى ينبغى أن ms019 يستعمل الأسود من الكامل — إلى أن قال: ~~الأبيض خارج عن الاعتدال. # قال أحمد: يقصد الفيلسوف فى هذا القول ويأمر أن يستعمل الأسود من الكامل ~~وهو شعر الرجل الذى قد قضى من عمره خمسا وعشرين سنة إلى ثلاثين سنة فإن الإنسان ~~فى هذا الوقت داخل فى تدبير الشمس، وهو مما قد أخبرت أن الاستعانة به فى هذا الجنس ~~منجح جدا. وقوله إن: «الأبيض خارج عن الاعتدال» فإن ذلك بين لمن قد سمع من ~~العلوم أدناها: أن الشعر إنما يبيض لعارض فاسد وهو الكيموس العفن الخارج عن ~~حد الاعتدال. PageV01P141 # قال أفلاطون: وأنفى فى تنقيته زوال قوته. # قال أحمد: إنه ليس شىء أنت أحوج إليه فى هذا العمل من استعمال ما أمرك به فى ~~هذا القول. وذلك أن من كان تدبيره فى تنقية ما تدبيرا غير مستقيم، فإنه ينتزع القوة ~~الفاعلة للعمل القوى مع ما ينتزعه من الوسخ والكدر. فنقول إن الفيلسوف يأمر أن ~~ينفى هذا الباب من الفعل. وقد أخرج فى الكتاب الرابع الحيل فى التحرز منه. وهذا القول ~~فليس من جنس هذا الرابوع، بل مما يجب أن يوضع فى الرابوع الثالث والرابع؛ إلا أن ~~الفيلسوف أخرجه من هذا الكتاب، فلم أجد بدا من إتباع رأيه فيه. # قال أفلاطون: وشعر الصحيح الطبع الكامل العقل أول ما استعمل. # قال أحمد: ينبغى أن تعلم أن كل شىء كان أقوم تركيبا وبعد عن العوارض الفاسدة ~~فإنك تكون فى تدبيره أنجح وعمله أسهل عليك. وقوله: «الكامل العقل» — فقد تقدم ~~القول فى ألفاظ الفيلسوف فى النفس العقلى، وأن أكثر اختياره لأعضاء الإنسان فى هذا ~~العمل من جميع الحيوان لمجاورة النفس العقلية لها، أعنى الأعضاء. فمراده الكامل العقل، ~~لعلمه أن الأثر الكامل من المؤثر القوى. وإذا كان قويا فمجاورة أيضا كذلك. # قال أفلاطون: وبعد هذا العضو فالجلد من الحيوان لا يعتمده. # قال أحمد: يقول: بعد هذا العضو — يعنى به الشعر — والعضو الثانى: الجلد، فهو ~~يأمر أن لا يستعمل بتة وأنت تجد إلى غيره سبيلا. — قال أحمد: إن مما ms020 تقدم من ~~ألفاظ الفيلسوف دليلا بينا أن هذا الشىء واجب كونه من جميع الأشياء، لكنه إنما ~~وضع الفيلسوف هذا الرابوع ليبين أنها أسهل عملا وأيسر تدبيرا، فيكون القصد إليه ~~ألا يرى أن الفيلسوف قد قال فى هذا العضو الذى هو الجلد: لا ينبغى أن يستعمل وأنت ~~تجد غيره، للعلل التى ذكرها. PageV01P142 # قال أفلاطون: والعظم شديد التركيب، يدخل عليك العناء الشديد فى تحليله — إلى ~~أن قال: هو فى البرانى أنجع. # قال أحمد: يقول إن العظام شديدة التركيب لا تنحل إلا بعد الجهد وعناء النفس. ~~وقوله: «إنه فى عمل البرانى أنجع»: فإن من الأعمال البرانية ما يكون العمل بالتكليس ~~والتفريق باليبس دون الحيل أعظم. # قال أفلاطون: والنبات فلو أحسنت استعماله لكان مما يسرع. # قال أحمد: غرضه فى هذا القول أن النبات هو أقرب إلى البسيط مما تقدم ذكره من ~~الأعضاء. ويقول إنه لا يبلغ من لطف تدبيرنا أن ندبر ذلك، إذ هو لطيف عسر الضبط. ~~وإنى قائل قولا أنت محتاج إلى تفهمه والعمل به فأنصت له: إن استحالة الأشياء على ثلاثة ~~أنوع: استحالة إلى فوق، واستحالة إلى الوسط، واستحالة إلى أسفل. فاستحالة الفوق أن ~~يستحيل الشىء إلى ما هو ألطف منه وأقرب إلى البسيط، واستحالة الوسط أن يستحيل ~~الشىء إلى ما يوازيه فى اللطافة والكثافة، واستحالة السفل أن يستحيل الشىء إلى ما هو ~~أكثف منه وأجسى. فتحتاج أن تدبر ذلك وتقف على كل شىء مما استحال وإلى ~~ما يستحيل إليه، وكيف يضبط قواه فى أوان الاستحالة ليكون الكاشف لك عن غلق ~~من العلم. # قال أفلاطون: والاستحالات يمكن الاستدلال منها على الطبائع. # قال أحمد: يقول إن الطبع إذا استحال منه ضده فإنه يتهيأ أن يعلم هل استحالته إلى ~~العلو أو إلى السفل ثم نتبين فنقول: استحالة الرطب إلى اليابس استحالة فوق، واستحالة ~~اليابس إلى الرطب استحالة أسفل، واستحالة الحر إلى البرد استحالة وسط. # قال أفلاطون: ويتجاوز الكلام إلى المجانسة وإن كانت كثيفة. # قال أحمد: يقول إنى أتجاوز الكلام إلى مجانس المطلوب به الأجسام، ms021 وخاصة الذهب ~~والفضة، ونحكم بكثافتهما. PageV01P143 # قال أفلاطون: وإن كنت ممن قد خرج من حد البهيمية، فإنك تستغنى بما كشفته ~~فى الأعضاء عن الإخبار بغير ذلك. # قال أحمد: يقول إنى قد بينت فى الأعضاء أن ما يختار لهذا العمل لأى سبب يختار، ~~وما العلة التى أوجبت اعتماد بعضها دون بعض، ونحكم أنه من كان له أدنى رأى وفطنة ~~استدل بما مثله فى الأعضاء بغيرها من الأجسام واستغنى عن تجريد الكلام فيه. # قال أفلاطون: وهذان الجسدان مما يشاكل المطلوب، إلا أنك تحتاج أن تتعنى ~~فى التحليل واللطافة. # قال أحمد: إذا كان المطلوب الذهب والفضة واستعمالهما للتشاكل خليق لأنهما جاسيان ~~ويحتاج فيهما إلى تدبير طويل بلطف. # قال أفلاطون: وأول الدرج من تدبيرهما أن يصيرا زئبقا. # قال أحمد: إن الزئبق حدث فيه نوع من التحليل بكون الذهب والفضة فى أول ~~ما يدبر بهذا العمل قائم كهيئة أعنى سيلانه، لأنى أقول إن الزئبق لطيف لأن طبعه الغريزى ~~رطب، وهو مما قد أكثرت القول فيه. فالذهب والفضة إذا دبرا فإنهما يكونان ظاهرى ~~السيلان باطنى الغزارة واللطف. # قال أفلاطون: والذهب خاصة قد حوى الجزء القوى من المطلوب الشمسى. # قال أحمد: إن الآراء مجتمعة أن الذهب من جوهر الشمس، وأن الفضة من جوهر ~~القمر، وقد تقدم كلامى فيما يجانس الشمس حين تكلمت فى الدماغ. # قال أفلاطون: والأجساد الباقية فما معنى استعمالها، وأنت مقتدر على ما هو أشد ~~تساويا؟! — إلى أن قال: فإن اضطررت إلى استعمالها فإنك محتاج أولا إلى أن تردها ~~مشاكلة للجسدين. # قال أحمد: إن الأجساد الباقية كالحديد والنحاس والرصاص وغير ذلك أشد تفاوتا ~~PageV01P144 من التركيب وأكثر عكرا من الذهب والفضة. واستعمال الذهب والفضة أنجع. — وقوله: ~~فإن اضطررت إلى استعمالها فإنك محتاج أن تردها إلى مشاكلة الجسدين، فإنه يعنى أن هذه ~~الأجساد تحتاج أن تدبر أولا حتى تصير فى النظافة وتساوى التركيب كالذهب، ثم تدبر ~~أيضا حتى تبلغ بها المبلغ الذى ينبغى. # قال أفلاطون: الذى تحتاج من ذلك اليسير، فلا تهتم. # قال أحمد: إن من سمع قول ms022 الفيلسوف الأول يخيل إليه أنه لا درك له فى طلب هذه ~~الصنعة إذ كان يحتاج فى العمل الذهب وهو الذى يطلب. فأراد الفيلسوف أن يخبر أن ~~الشىء اليسير إذا دبر يكون منه الكبير. # قال أفلاطون: واستعمل العقاقير والأحجار كما استعملت أعضاء الجوف. # قال أحمد: لعلك ذاكر قول الفيلسوف حيث أمرك أن تجعل أعضاء الجوف لتحليل ~~الأشياء وتنقيتها وإدخال ما تريد فيها. فيقول ويأمر أن تعتمد العقاقير والأحجار كالكحل ~~والمرقشيتا والزرانيخ والزاجات وما أشبه ذلك أيضا لتحليل الأشياء وتنقيتها وتفريق أجزائها. ~~إلا أنه يقول إنه لا يمكن العمل منها. فقد أخبرك أن الشىء إنما تغيره من أجل التركيب. ~~وإذا كان ذلك كذلك، فهو واجب كونه من كل الأشياء. إلا أن الفيلسوف لشفقته وضع ~~هذا الكتاب ليخبر أنها أسهل تدبيرا وأقرب مأخذا. # قال أفلاطون: الزرانيخ مخلخلة جدا، إلا أنها تسرع فى التفريق. # قال أحمد: إن كل مخلخل باليبس يحرق الشىء ويحلله؛ وذلك أن هذا النوع من ~~التفريق إنما هو تفرق الأجزاء؛ والتحليل الثابت هو الترطيب. وقد أخرج الفيلسوف فى ~~الكتاب الرابع الفرق بين حل الرطب وحل اليابس لما تكلم فى إذابة الأجساد ~~فيتحرى قوله هناك، فقد كشفت عن غامضه وبينت صوابه. # قال أفلاطون: واجعل هذه الأشياء أيضا للتوقى. PageV01P145 # قال أحمد: يقول: اجعل هذه الأشياء، يعنى بها الأحجار والزاجات، مما توقى بها ~~الشىء المدبر. المثال: إن الشىء المدبر لا يخلو من تعرضه للحار اليابس والبارد الرطب ~~وغير ذلك من الأركان، لأنك غير مستغن عن ذلك فى أبواب التحليل والتفريق. فجعل هذه ~~الأشياء مجاورة للشىء وقت العمل ليشتغل الركن بمضادتها، فلا يسرع فى فساد ~~الشىء. فإذا انقضى التدبير عملت فيما ينقيها منه، أعنى الأحجار والعقاقير عن الشىء المدبر. # قال أفلاطون: والبيض مجتمع — إلى أن قال: فهو حيوان بكليته. # قال أحمد: إن بعض تدبيرات الشىء كتدبير حضان الطير. فالبيض قد جمع قوى ~~الحيوانية، ويصير فى التدبير كالحيوان الكامل. # قال أفلاطون: وكما اجتمع فيه القوى، كذلك اجتمع فيه التفاوت والتضاد. # قال أحمد: لما صار كالحيوان الكامل، ms023 وجب أن يكون كذلك لأن الحيوان ~~كما اجتمع فيه القوى، كذلك اجتمع فيه التضاد والتفاوت. # قال أفلاطون: وهو فى أول العمل قوى، وفى وسطه رخو. # قال أحمد: إن الامتحان والتجربة توقفك أن البيض صبور فى أول العمل، وذلك ~~أنه مجتمع القوة. فإذا أخذ فى التحليل والتفريق، الذى سماه الفيلسوف وسط العمل، فإنه ~~هناك يظهر فيه ضعف، لأن أجزاءه تسرع فى التفريق لما قد أخبرت أنه قد حوى ~~أيضا للتفاوت. # قال أفلاطون: وقد أخبرت بما لا يخلو المكان من أخذه — إلى أن قال: فإن ~~أردت فاستدل. # قال أحمد: إن ما أخبر به الفيلسوف من هذه الأعضاء والأجساد لا يخلو بلد من ~~البلدان 〈من أن〉 يوجد فيه أحدها. فأراد الفيلسوف أن يقتصر على ما أخبر ولا يشغل ~~نفسه بتسمية كل شىء مفردا، لا سيما وقد أخبر بجنسه. ويقول بعد ذلك: إن أردت استعمال ~~ما لم ينص عليه فاستدل بما قد نص على طبعه وشكله. PageV01P146 # قال أفلاطون: معرفة هذه الأشياء من أبواب — إلى أن قال: من العمل يتبين. # قال أحمد: غرضه أن يوقفنا على ما يعرف به العضو والجسد إذا نحن رأيناه. ويقول ~~إنه من العمل يعرف لأنا إذا دبرنا بعض الأشياء فوجدنا للأثر خلاف ما يجب تحقق ~~أنه غير ذلك العضو الذى يراد. # قال أفلاطون: والأعضاء خاصة، فاستدل بالاشمئزاز — إلى أن قال: فالأجساد أظهر. # قال أحمد: يقول: إذا رأيت عضوا من الأعضاء لا تحقق عضو أى حيوان هو، ~~فإن عضو الإنسان تشمئز النفس منه، وتميز بذلك بين عضو الإنسان وسائر الأعضاء. ~~فأما الأجساد فتعرف ماهيتها سهل، لأنه قد اشترك فى العلم بذلك العوام. # قال أفلاطون: وقد أخرجت فيما بقى ما يقنع — إلى أن قال: وقد كنت مستغنيا عن ~~الإطناب، إلا أن النفس تجيش، فذو الفهم مكتف بالإشارة والغبى لا ينفعه الإطناب. # قال أحمد: إن الفيلسوف قد أخرج فى كتبه الباقية أسبابا يستدل بها على معرفة ~~العقاقير والأعضاء. وقوله: إنى كنت مستغنيا عن الإطناب — يعنى به الإخبار عن كل ~~عضو وجسد — يخبر أن ms024 النفس اضطرت إلى أن أخبر بما أخبر. ويقول إن ذا الفهم ~~مكتف بالإشارة، والجاهل لا يزيده التنبيه إلا عمى؛ ويخبر أن النفس هى التى اضطرته إلى ~~الإكثار. وصدق فى ذلك وقال الحق الذى لا يشوبه غيره. فلقد أرى من حرصى على ~~البيان والهداية إلى ما يسهل العمل ويقرب مأخذه حتى كأنى زعيم الطالب والضامن له صحة ~~الشىء حتى لوددت أنى شاهد كل طالب بعدى، فأعاونه على مراده. وليس شىء من لذات ~~هذا العالم بأوقع عندى من مساعدة طالب أى نوع كان من العلوم ومعاونته ~~على ما يلتمسه. PageV01P147 # وقد حذفت من هذا الكتاب ومن الكتاب الأول أشياء رأيت إخراجها فى الثالث ~~والرابع أجدى وأنفع للطالب. وهذا آخر ما أجرجه فى هذا الرابوع الثانى من أرابيع ~~أفلاطون. # تم الرابوع الثانى، ويتلوه الجزء الثالث من أرابيع أفلاطون، وهو المترجم ~~باسطوميناس. والحمد لله وحده. # ~~ PageV01P148 ### | [book 2: 3] الجزء الثالث من الرابوع لأفلاطون وهو الكتاب المترجم ب«اسطوميناس» # بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| الجزء الأول من الرابوع الثالث من أرابيع أفلاطون الحكيم # قال ثابت: قلت لأبى العباس: أيها الفيلسوف! قد فرغت من الكتاب الثانى ~~وانقطع كلامك فيه، وإنى عازم على أمر أخاف معه الانغماس فى الطبيعة. # قال أبو العباس: وما هو يا ثابت؟ # قال ثابت: مسألتك الكلام فيما يليه، وإنى خائف أن أكون أكلفك من ذلك ~~ما يشق، فأكون قد سعيت فى أمر يؤذى العدل إذ كنت هو، ومضاد العقل، كما قد ~~أخبرت، متسفل فى الطبيعة. # قال أبو العباس: لقد وضعت منى يا ثابت، أو مما تلتمسه، من حيث أردت الرفعة. ~~أما علمت أن كل شىء مقو لشكله: فإن كان مما يسأل عنه الحق فهو العدل. وبالواجب ~~أن يشاكل ما خفت أذاه. وإن غير ذلك، فبالأحرى أن يحيد عنه. وقد يعلم مخلص النسم ~~أن الكلام فى ذلك وما يجانسه يفرج عنى ترحاتى وتنبسط له نفسى وأستروح إليه عند ~~الضجر بما أقاسيه من مجاذبة الطبيعة. # قال ثابت: لست أخلو فى كل كلامك من نفيس من العلم تفيدنيه، أو غامض تكشفه. ms025 ~~وكل ما نتجه لى الطبع واكتسبته الفكرة ولم يكن اقتبسته منك، فإنه يظهر عواره عند ~~الامتحان والكشف. فأنا الجدير ألا أعتد بشىء إلا ما آخذه عن ألفاظك، أو آتاه على ~~PageV01P149 طول الأيام محاورتك. فتمم أيها الفيلسوف ما بدأت به من إلزامك نفسك ما تكثر به ~~شكر من يأتى بعدك. # قال أبو العباس: ارتفع يا ثابت وتشمر ودع ما كنت فيه إلى الآن، فإن الكلام فى ~~هذا الكتاب قد ارتفع عن الطبيعة وتجاوزها، فلا يلحقه إلا من كان كذلك. # قال ثابت: ما أرجو أن أنال ذلك إلا بك وبمعونتك. # قال أبو العباس: إنى أريد أن ألبسه قليلا وأخلطه بما يشاكل وأقر به من الطبيعة ليسهل ~~متناوله. فأما إن وافقت الفيلسوف فى مذهبه فيه فإنه قل من يفهمه. # قال ثابت: ما أولاك بكل جميل، إذ كانت شفقتك شفقة الأب الرحيم على ~~الولد البر! # قال أبو العباس: سأرتب هذه الكتب ترتيبا ينفع الطالب تفهمه ويروضه على ~~الرقى فيه: # إن الكتاب الأول فى الطبيعة، إذ كان التحرز هو من عمل الطبيعيين؛ # والكتاب الثانى فى سماء انفصال الطبيعة، إذ كان اختيار ما يخلص ويدبر؛ # والكتاب الثالث فى سماء النفس، إذ هو تدبير الطبيعة والحيل فى قلبها عن ماهيتها؛ # والكتاب الرابع هو سماء العقل إذ هو تدبر الكل ورد الطبيعة إلى البسيط ~~والبسيط إلى الطبيعة والتدبير المحصل والمشذب ومحتاج فيه أن يرتفع عن النفسانية فضلا عن ~~الطبيعة وحتى يشاكل مدبره الأرباب العلويين المحقين وإن شئت أيضا نسبتها إلى الأركان ~~فجعلت الكتاب الأول لركن الماء إذ هو قعر الطبيعة؛ والثانى لركن الأرض إذ هو مرتفع ~~عن الماء فى الطبيعة؛ الثالث: ركن الهواء، إذ هو مرتفع عن الأرض وهو الذى به وبتداخله ~~تستحيل الأركان؛ والرابع: لركن النار المستعلى على الأركان والمؤثر فيها. وأرتبها ترتيبا تاليا ~~فأجعل الكتاب الأول للطبائع المركبة، والثانى للطبائع المنفصلة، والثالث للطبائع المفردة، ~~والرابع للأثير البسيط. وأتمم الترتيبات أربعة على عدد الأركان: فأنسب الكتاب الأول ~~PageV01P150 إلى العقل الحسى، والثانى إلى الأثر الداعى إلى التمييز العقلى، ms026 والثالث إلى الفكرة الصحيحة ~~الهادية للحقائق، والرابع إلى ما ينتج هذه الآثار المقدمة وما يؤدى إليه. فإنما أحوجت ذلك ~~وكررت ليقتدى الطالب بسياسة نفسه وتدبيرها ليتهجم بعد وقد تعلم نوعا من التدبير، ~~لأن الأشياء بأشباهها تتم. فإذا كان الطالب بعد الشبيه ولم يرتق على المراقى التى حددت لم ~~يسلك السلوك المؤدى إلى المراد. # قال ثابت: إنك أيها الفيلسوف قد عظمت شأن هذه الكتب وفخمت أمرها مع ~~خساسة نتائجها عندك. # قال أحمد: أظنك تقدر أن ثمرة ذلك هو قلب تركيب الجواهر فقط. # قال ثابت: وهل السؤال والبحث إلا عن ذلك؟ وهل الغرض الأقصى إلا هو؟ # قال أبو العباس: كلا! إن أحسن ما يدرك من ذلك غير ذلك. # قال ثابت: فأنعم بالإخبار عما سواه، وصله بساير أياديك وأفضالك. # قال أبو العباس: كما هو البيان عن ذلك فكذلك هو عن غيره، حتى أكاد أن ~~أقول الكل. # قال ثابت: وهل مع البيان إدراك الفعل؟ # قال أبو العباس: من أحاط بمعرفته فإنه حينئذ المالك نفسه والمتولى على الشىء الذى ~~هو مربوط به، أعنى به الجسد، حتى متى شاء أقام فيه ومتى ما شاء رحل عنه، وإن شاء ~~عاد إليه. إنى يا ثابت لو كان غرضى حباؤك بما تظن لكنت أوجدك ذلك حسا وفعلا فى ~~أقرب مدة وأقل زمان يوجد فيه. وسأفعل ذلك وأبتدئ به حتى تعلم أنه لا يعتاص على. ~~ثم آخذ فى إتمام الكلام فى كشف كلام الفيلسوف. # قال ثابت: أنا بقولك واثق ثقة تغنينى عن العيان. # قال أبو العباس: بل هو أوكد. # قال ثابت: رأيك الأعلى وأمرك المطاع. # قال أبو العباس: موعدك بعد الشهر. PageV01P151 # قال ثابت: إذا تطول على. # قال أبو العباس: أو بعد الأسبوع. # قال ثابت: هو كالأول فى بعد المدة عندى. # قال أبو العباس: وهل هذا الأجل فى هذا النوع مما يستبطأ؟ # قال ثابت: إذا متعتنى بما فيه شفاء النفس فكذلك، إلا أنك لو لم تقطع الكلام ~~فيه، ثم كان يكون بعد العام لكان مما يستقرب، فإن جمعت إلى الفرحتين جميعا، ms027 لأن ~~يكون ذلك بكرم إحسانك! # قال أبو العباس: سأعجل لك الكلام بالبيان وأفى لك بالوعد. # قال ثابت: كل ما تأتيه فهو يقصر عنك مع علوه على الأشياء، ~~لا أقول غيره. # قال أبو العباس: فى تطويل هذا الكتاب وإخراج الكلام الغلق فيه — للفيلسوف ~~فيه أرب آخر لم أخبر به. # قال ثابت: وما هو؟ # قال أبو العباس: لا يدرك ذلك إلا المستأهل، لأن الذى يدرك ذلك من هذه الكتب ~~فبتفهمه لها، فإنه المستحق لعلمه ما هو أرفع منه. وسأقصر الخطب فى التجاوز إلى قول ~~الفيلسوف فى هذا الكتاب: # قال أفلاطون: إذا تممت الكلام وتفهم، فقد كسرت بعض مصائد الطبيعة ~~وبدا لك ما اعتد. # قال أحمد: إن أعظم مصائد الطبيعة وأشدها اختطافا الشره والقنية والحرص على ~~الإكثار، وفى إدراك ذلك ما يزيل ما ذكرت بكليته، لأن المتيقن أنه نال نهاية العناء ~~لا يعرج على شىء ولا يعبأ به. PageV01P152 # قال أفلاطون: وتنبهوا واعلموا أنكم تركبون خطة عظيمة إذ أنتم محتاجون أن ~~تقلبوا الماء نارا والنار ماء — إلى ما هو أدق. # قال أحمد: يقول لكم، معاشر الطالبين، غوامض العلوم وخفيات الأعمال: إن عليكم ~~الصعب الذى لا يستغنى عن التدبير الدقيق والرأى الكامل. ثم يمثل فيقول: إنه قلب ~~الماء نارا والنار ماء. وقوله: «إلى ما هو أدق» فإنه يعنى به رد الأركان إلى البسيط، ~~وذلك أرفع من التدبير الأول الذى هو قلب النار ماء. وإنما قال: النار والماء، لأنهما أبعد ~~الأركان شكلا. فأما العمل ففيه قلب تركيب كل الطبائع. # قال أفلاطون: والعمل الذى كان من غير المستحيل فوق القمر، تحته من ~~المستحيل يصعب. # قال أحمد: يعنى أن التدبير الذى هو القلب من العلة الأولى الذى لا يقبل الاستحالة فى ~~الموضع الذى هو كذلك. وإذا دام المستحيل فى نفسه فى موضع المستحيل الذى هو تحت ~~الفلك، مثل ذلك الفعل فبالواجب أن يتعب. # قال أفلاطون: وعند انتدابك فى العمل فاستعن فى التحليل بالقمر، وفى التصعيد بالشمس ~~— إلى أن قال: فإن أثرهما يظهر. # قال أحمد: الذى أنبأك به قول ms028 له فيه وفى سائر آرائه — مذهب أنا مخرج لك جمله، ~~فأبدأ ببعض ما أتى به بعض تلامذة الشيخ أفلاطون: فمنهم غلوقن فيقول: إن من رأى ~~الأوائل أن ما بين الاجتماع والاستقبال القوة للقمر، وبين الاستقبال والاجتماع القوة ~~للشمس. فكل أمر من الأمور التى يستولى عليها أحد هذين الكوكبين يكون الأثر ~~للكوكب فى أوان قوته واستيلائه أكثر. فيقول الفيلسوف إن الاختيار لأوان التحليل: ~~بعد الاجتماع، والتعقيد: بعد الاستقبال. — وقد تكلم فى هذا النوع تلامذة الشيخ ~~وأكثروا القول وخطأوا الفيلسوف فى رأيه هذا. وذلك أنهم رأوا أن القوة تنجذب إلى ~~العلو بعد الاجتماع أكثر منه بعد الاستقبال؛ واحتجوا فى ذلك بالمد والجزر وغير ذلك من ~~PageV01P153 القوى الطالبة للعلو، ويكون الحل فى أوان استيلاء جذب القوة خطأ لأنه يكون إذن ~~المعين على فوت القوة. وكل من رأى رأى أرسطوطاليس فيه أنه ذهب فى معنى قول ~~الفيلسوف أن يستعمل الحل فى الشتاء، وذلك لاستيلاء القمر على الزمان لارتفاعه خاصة ~~فى هذا الإقليم ثم مشاكلة الزمان له بالرطوبة والبرد، فيكون الزمان الرطب ~~أعون على الحل، ويكون العقد فى الصيف المستولى عليه الشمس بالارتفاع ومشاكلة طبع ~~الزمان. وليس شىء من هذه الأقاويل — وإن كانت لا تخلو من الصواب — بالمقنع ~~ولا قصد فيه عندى لمذهب الفيلسوف، لأن غلوقن يدخل على الفيلسوف ما قد عابه عليه ~~التلامذة. وقول أرسطوطاليس ليس يكذب قول الفيلسوف الذى يأتى بعد، لأن من ~~رأى الفيلسوف أن العمل يتم فى سنة شمسية، ويأمر بعقد الشىء وحله مرارا. فإذا كانوا قد ~~خطأوا الحل إلا فى الشتاء والعقد إلا فى الصيف، فكيف يتم العمل فى سنة؟! والواجب ~~على معتقد هذا الرأى أن ينتظر بالحل الشتاء، وبالعقد الصيف. والذى عندى فى ذلك ~~ما يشاكله من آراء الفيلسوف فى غير هذا النوع، وهو ما ليس من شكل هذا الكتاب. ~~إلا أن الأشياء يتعلق بعضها ببعض: فمن قد بخس الجزء فقد بخس الكمال. فرأى الفيلسوف ~~فى هذا القول إنما غرضه الاستعانة بالقوة الروحانية وتألف من أرواح هذين الكوكبين ~~ما ms029 يكون المعين. ألا ترى أنه يقول إن الأثر يظهر وليس يكلف مع ذلك العامل أن يقصد ~~فى التألف ما يقصده المتألف للالتماس أو الأعمال الجليلة، بل لافتقاره على الذخر التى تشاكلها ~~فى أوان استيلائها فى الأيام والساعات والابتهال إليها فى تيسير العمل وبيانه والتوفيق فيه، ~~فيكون أقل ما ينتج له هذا الفعل كف الغائلة إن منع المعاونة، لأن المتخوف من القمر فى ~~أوان الحل جذب القوة ويتخوف ذلك أيضا من الشمس فى أوان العقد. # قال أفلاطون: وإذا استعين بالعلوى كف السفلى. # قال أحمد: إن هذا القول مصدق لما أتيت به قبل. والأرواح السفلية، وإن لم تبلغ ~~من قوتها أن تجذب القوى كما تجذب العلوية، فإنها لا تخلو من الصور فى كل نوع من ~~الفعل. فيقول الفيلسوف إن من عاونته العلوية لم تضره السفلية. PageV01P154 # قال أفلاطون: وحل بين ما تتخوف غائلته وبين العمل بالسيد المانع. # قال أحمد: إن فى وقت من أوقات التدبير يكون المنابذ للعمل جنسا من الأرواح ~~لا يكون المنابذ فى غيره من الوقت. فيأمرنا أفلاطون أن نتعرف الجنس من الروح المضاد، ~~وفى أى وقت يضاد فيستعين عليه بتألف ما يضاده، ليكون هو الحائل بينه وبين العمل. # قال أفلاطون: والنارية تضاد وقت الإذابة، والأرضية وقت العقد، والمائية وقت الحل، ~~والهوائية فى التصعيد. # قال أحمد: إن الأرواح متعرضة لهذا النوع من العمل وباغية بالفساد، فتكون فى ~~سلكها أنفذ وعليه أقدر. # قال أفلاطون: وكما ينبغى أن يحرر العمل، كذلك ينبغى أن يحرر العامل والموضع ~~فإنه مطلوب. # قال أحمد: كما كان هذا النوع من العمل غرضا للفساد ومضادة الروحانيين، كذلك حال ~~العامل وموضع العمل فيجب أن يحترز أيضا ويحرز، أعنى به العامل وموضعه وعمله. # قال أفلاطون: فإذا أردت أن تعتبر فاعرف أهل لوديا. # قال أحمد: إن أهل لوديا الغالب عليهم طلب هذه الصناعة، وهم مع ذلك ~~كثيرا ما يلحقهم العاهات والآفات. وفى زماننا أيضا قل من يتعاطى هذه الصناعة إلا ~~نكب فى ماله أو بدنه أو وقع عليه اعتراض ومنع عن العمل، ms030 حتى قد نسبه أهل الزمان ~~إلى أعمال المدابير. ولقد رأيت واحدا من الناس تعاطى ذلك فخولط وكان العلة عند أهله ~~أن الأراييح فى التصعيد أفسدت دماغه؛ ولعله أن لا يكون صاعد شيئا قط، إلا أن الذى ~~لحقه كان من أجل ما قدمت القول مما حذره الفيلسوف. والواجب على طالب الحكمة ~~المحامى على نفسه وعمله أن يكون متمسكا مستظهرا لئلا ينفذ عليه تدبير مضاديه ومعاديه. # قال أفلاطون: ويقلد الكوكب المشرق بالغدوات مع الشمس عند الخروج إلى العالم. ~~فإن كان موافقا فهو من أعظم دلائل الإدراك. PageV01P155 # قال أحمد: عند الخروج إلى العالم إنما يعنى به عند الميلاد. فإذا كان أحد الكواكب ~~التى توافق هذا النوع من العمل مشرقا فى ميلاد طالب هذا العمل ولا سيما إذا كان فى ~~الحادى عشر، أو وسط السماء، أو يكون له اتصال بصاحب الطالع أو صاحب وسط السماء ~~أو يكون له حظ فى شهر العمل، فإنه من أحق ما يعتمده العامل فى نجاح طلبته. وأوفق ~~الكواكب لهذا النوع زحل، ثم المشترى، ثم عطارد، والشمس بالنهار موافق والقمر ~~بالليل. وأما الزهرة والمريخ فإنهما يضادان العمل، ولا يخلو العامل من أن يحتاج إلى الاستعانة ~~بهما فى عمل يعرض له لا يوافقه فيه معاونة غيرهما. وقد قلت مرارا إن جميع الأرواح ~~الفلكية والسفلية تضاد هذا النوع، لأن تولد ذلك، أعنى به الجواهر، إنما يكون بخارات ~~تجتمع وتتصاعد بحركة الأشخاص العلوية وقوى روحانيتها. فعند الأرواح أنها هى المولدة ~~لذلك، وأن الذى يروم ذلك إنما يعارضها فى أفعالها ويشاركها فيه. وما أخبرت به من ~~الكواكب التى توافق العمل فإنها أيضا تضاد لما قد أخبرت. وإنما قلت «توافق» بالقول ~~المرسل إذ هى أقل مضادة من غيرها لما أنا مخبر به. وإنما المشترى، فلأنه سعد، قلما ~~يضاد ويعاند، وعطارد من جنسه العلم والفطنة والتفتيش. # قال أفلاطون: إن يكن ذلك كذلك فكان ممسكا، كان أيضا. # قال أحمد: يقول إذا كان أحد هذه الكواكب الموافقة ليس له حظ فيما قدمنا ~~وكان هيلاجا ومخالطا للهيلاج، كان معاونا ms031 أيضا. وقوله: «ممسك» أراد به أن الهيلاج ~~ممسك الحياة. # قال أفلاطون: وتفقد الأوقات التى حدها هرمس فى كتاب «الأشنوطاس» من ~~اختيار الأوقات على منازل القمر فانته إلى ما حد. # قال أحمد: إن هذا الكتاب قد حكاه أرطوطاليس عن هرمس. وقد وقع عندى. ~~وجملة ذلك أنه أخرج فيه المنازل الثمانية والعشرين للقمر وأمر بالتقدم فى بعض الأمور إذا ~~PageV01P156 نزل القمر أحد المنازل ونهى عن بعض. فمن عدم من طلاب هذا العلم هذا الكتاب ~~فليكن ابتداؤه فى العمل والقمر فى الثريا أو النعائم أو بطن الحوت. وليتحرز من الزبانا ~~والدبران. ومن أفضل الأمور إفساد الكوكب المنصرف عنه القمر وصاحب ~~الطالع فى وقت العمل وإصلاح من يتصل به. # قال أفلاطون: وإذا أردت القصد فحل الرباط، ولا يكون ذلك دون أن يلين. # قال أحمد: يعلمنا الفيلسوف أن الواجب علينا فى بدء ما نقصد إلى العمل أن نفك ~~ارتباط الأشياء بعضها ببعض. وحكم أنه لا يكون ذلك دون تحلل الأشياء وتلينها بأن ~~يستولى عليها الجزء المائى فيكون أقدر على تفريقها، لأن التفريق من جنس الهوائية، يكون ~~للأجسام اليابسة الأرضية التى على مثلها يقدر العامل، لا يكاد الهواء أن ينفذ فيه. فإذا استولى ~~عليه الجزء المائى داخله الهواء، إذ هو مخالط له، أعنى الماء، فيسهل من التفريق ~~ما عسر قبل. # قال أفلاطون: والكيان أيضا يفعل ذلك، وبه يتم له. # قال أحمد: إن الكيان اسم لشىء من الأشياء، خصه أسماء كثيرة، وهو الشىء الذى ~~تسميه الروم طولطسا أى المدبر، وتسميه الأطباء الطبيعة المفردة المدبرة لسائر الطباع، ~~وهو الشىء الذى بقوته يحدث الكون والفساد وبه يكون النشوء. فيقول الفيلسوف إن ~~تدبيره فى تغيير الأشياء كما مثله لنا، لأنه يحيل فى العالم الأشياء من الرطوبة إلى ما يخالفها فى ~~الهيئة والتركيب. # قال أفلاطون: والتفريق بالمتضادين فى الطلب. # قال أحمد: إن هذه نقطة أخرجها الفيلسوف على آراء أصحاب الرواق، وهم يرون ~~التفريق فى طلب هذا النوع من العمل بالتحليل والتكليس جميعا فى شىء واحد ووقت ~~PageV01P157 واحد. فالتحليل بالماء، والتكليس بالنار ms032 الذى هو ضد الماء. فأما ما يعتقده تلامذته، ~~أعنى أفلاطون، فيحلون من الشىء شيئا بالرطوبة بقدر ما أمكن، ثم يحلون منه بالتكليس ~~ما أبقاه فيه الرطوبة. ولعمرى إن مذهب الفيلسوف الموافق لأصحاب الرواق أخف على ~~العامل وأسهل وأوفق للصواب، لأن الشىء المنتزع بالمضادين يكون أقرب إلى الاعتدال، ~~إذ كان ما ينتزع بالشىء الواحد بالواجب أن يغلب عليه ذلك الشىء وهو متنافر لغلبة ذلك ~~الشىء عليه. # قال أفلاطون: وليكن العامل مداخلا للعمل فى كل حالاته. # قال أحمد: إن هذا النوع من الأمر لا يقدر على امتثاله إلا الرجل الكامل البالغ ~~من العلم. وإذا كان بالمحل الذى يصلح لما أمر به الحكيم فإنه يستغنى عن الأكثر مما دل ~~عليه الفيلسوف وأرشد إليه، لأنه يكون إذا المتمكن من الشىء بوقوفه على ماهيته وتغييره ~~فى أحواله، لأن الفيلسوف يقول إنه يجب على العامل أن يكون مع العمل يمسه ما مسه ويصل ~~إليه ما يصل إليه. فإذا كان كذلك فبالجدير أن لا يغيب عنه ما يحتاج إلى معرفته. # قال أفلاطون: ولكأنى صاعد معه ومفارق. # قال أحمد: يقول كأنى مع الجزء الذى يصعد من العمل، والجزء الذى يبقى فيه، ~~والجزء الذى يفارقه. فاعلم ماهية الكل وكميته وكيفيته. # قال أفلاطون: وهل يعتاص ذلك، إذا كان الذى يجب أن يجاوز ذلك الشىء البسيط ~~المحتمل ذلك؟ # قال أحمد: يقول إنه لا يعسر أن يقيم العامل نفسه كأنه مع العمل، إذ كان ما يحتاج ~~أن يقيمه فيه علمه البسيط الذى يجب منه مداخلة الأشياء. # قال أفلاطون: فإذا كان النازلون على مصب ماء الفرات قد جاوزوا الأجسام الكثيفة ~~إلى النوع البسيط بالاستعانة بحركة الأشخاص العلوية فأدركوا ماهية حركاتها التى هى أسرع ~~الحركات، فبالواجب عليكم أن لا تعجزوا عن المطبوع المركب. PageV01P158 # قال أحمد: النازلون على مصب الفرات هم الكلدانيون العلماء بحساب النجوم والقضاء ~~بها؛ وهم أول من تكلم فى إخراج الضمير. فيريد الفيلسوف أنه إذا كان 〈من〉 غير ~~المعتاص أن يتجاوز علم الإنسان الجسم الكثيف العكر اللحمانى الذى هو ثفل الطبائع ~~فيصل ms033 إلى النفس البسيط فيقف على حركاتها ومرادها التى هى أسرع الحركات وألطفها، ~~إذا يستعان بعلم القضاء بحركة الأشخاص العلوية — كذلك يجب على المنتحل لهذا العمل ~~أن يستدل باستدلال الطبيعة، أعنى بها ما يجب أن يحدث فى شىء من الأشياء إذا عولج ~~بنوع من التدبير، فيكون وقوفه عليه فى أوان وقوع الشىء كوقوفه عليه وقد فرغ ~~من التدبير. # قال أفلاطون: وبالنفسانى ما يعلم الطبيعى، كما أن بالعقل ما يعرف النفسانى. ~~فأما العقل فمنعتنا الطبيعة عن الجولان فيه فضلا عن الإحاطة. # قال أحمد: إن هذا القول قد جمع فيه الفيلسوف علة البدء والانقضاء وماهية ذلك ~~والشىء الذى من أجله كانت الأشياء مما لا يستحق هذا الكتاب وصفه فيه لأنه يرتفع عنه. ~~إلا أنى مضطر أن أكشف منه ما أتم به بيان لفظ الفيلسوف. ولولا أن يظن بى أنى ~~جهلته، لكنت أحيد عنه وأتجاوزه إلى غيره؛ إلا أنى آتى بالاختصار دون التمام: # اعلم أن من آراء الأوائل المخصوصين بالعلم والفضائل أن الشىء الذى من أجله ~~كانت الأشياء إله لا يرى ولا يتحرك، وأن بإرادته كان العقل المميز، وبإرادة العقل ~~كانت النفس البسيطة، ومن أجل النفس كانت الطبائع المفردة التى تولدت منها المركبة؛ ~~ويرون أنه لا يعرف الشىء إلا بما فوقه: فالنفس فوق الطبيعة وبها تعرف الطبيعة، ~~والعقل فوق النفس وبه تعرف النفس، ويعرف العقل وما فوقه ويحيط به ذلك الإله الفرد ~~الذى قد بان استحالة الوقوف على ماهيته، إذ كان قد تقدم القول أنه لا يعرف الشىء إلا ~~PageV01P159 بما فوقه. فإذا كان أرفع ما فينا العقل، وهو تعالى فوقه، فبالواجب أن لا نقف على ماهيته ~~إلا باعتقاد وجود معرفة استدلال بما كان من أجله جل ثناؤه، لا بالإحاطة بمعرفة ماهيته. ~~— وقد قال الفيلسوف فى كتاب «ديالغون»: «إنى جلت السماوات الثلاثة: سماء الطبيعة ~~المركبة، وسماء المفردة، وسماء النفس — ليس هناك مسلك، وجذبتنى الطبيعة فانجذبت». ~~فهذا القول النفيس لم يضعه الفيلسوف استدلالا على هذا العلم، بل لمراده أن لا يخلى كلامه ~~من محضر للحق مخلص ms034 للقسم، وإرادته فى هذا النوع من العمل أن يعرف التدبير الأدون ~~بالتدبير الأعلى. # قال أفلاطون: والنفس أعون للطبيعة من العقل، كما أن العقل أعون للنفس ~~إلى أن قال: وذلك البعد الواقع. # قال أحمد: إذا كانت الطبيعة من أجل النفس، كما أن النفس من أجل العقل، ~~فالنفس بالطبيعة أولى لقرب مشاكلتها. فالواجب أن تعرف الطبيعة بالنفس، كما يجب أن ~~تعرف النفس بالعقل، لا سيما إذا فعلنا ذلك فإنما نبلغ ونرتفع إلى العلم بالمراقى، الذى هو تدبير ~~الفلاسفة ومذاهبهم. # وقد أخذ الفيلسوف من هذا الموضع فى القول الرفيع عن حد الطبيعة، فإن وافقته على ~~مذهبه فإنه لا ينتفع بقراءته إلا القليل من الناس. فالأصوب أن أقصد لما بقى من قوله ~~فى هذه الكتب. وإن احتجت أن أغير ألفاظه فآتى فيه بالمعانى فقط، فلست أريد بذلك ~~إلا الشرح والبيان. وقد قلت مرارا إنه ليس مرادى فيما ألزمته نفسى وأشغلت به فكرى ~~وأسهرت فيه ليلى وأتعبت نهارى. وقد عاب اسطالينوس — الرجل الفاضل — على ~~الفلاسفة فى استعمال الكلام الجزل، وقال بعد: إنه لو ذهب لنا الزمان — الذى يذهب فى ~~الوقوف على الكلام — فى تفهم الكلام والوقوف على معانيه — لكان أولى. وصدق ~~ونصح للمتعلمين والطالبين. وإن الفيلسوف قد أخرج كلامه الجزل مرسلا، فإن لم أرتبه ~~مراتب أقدم منه البعض على البعض، فإن ببعض ما أخرجه فى الكتاب الرابع فى هذا ~~PageV01P160 الكتاب، وأؤخر إخراج ما أخرجه فى هذا الكتاب وأخرجه فى الكتاب الرابع؛ ويكون ~~مرادى فى ذلك وفى ترك استعمال الكلام الجزل الغلق أن أقربه من الأفهام، ليشترك فى ~~العلم بذلك العامة فضلا عمن قد يفهم بعض آراء الأوائل ومذاهبهم. # وأبدأ بقول الفيلسوف فى التركيب، فإنه من لم يقف على العلة لم يقف على المعلول، ~~ومن لم يعرف السبب الذى حدث فى الشىء لم يقدر على إزالته: # قال أفلاطون: إذا كان المضاد مباعد مضاده، فبالخليق ألا يجتمع إلا بواسطة. # قال أحمد: إن الكلام مما يحتاج أن يتفهم ويصرف الرأى إلى الوقوف عليه ليدرك ~~علمه. وقد تكلم الأوائل ms035 فيه، وطال خطبهم فقالوا: إذا كانت الأضداد من شأنها التباعد ~~فالطبائع لم تزل مركبة على ما ترى، إذ من المحال أن تكون مفردة متضادة فتجتمع. ~~وهؤلاء شيعة برقلس ومن يقول بقدم العالم والتركيب. وأما أفلاطون والفوثاغوريون ~~فيقولون إن أوائل الطبائع طبائع مفردة وهى أربعة: الحر والبرد والرطوبة واليبوسة، ~~وأن الحر مضاد للبرد، واليبس مضاد للرطوبة. فاجتماع الحر والبرد بالواسطتين اللتين ~~هما اليبس والرطوبة؛ واجتماع الرطوبة واليبس بالواسطتين اللتين هما الحر والبرد، لأن ~~ما لا يضاد مجتمع من ذاته، إلا أن بدء الاجتماع اجتماع الحر مع اليبس فتولد منه ركن النار؛ ~~وليس الحر مضادا لليبس، فليس بالمستحيل أن يجتمعا من ذاتهما، ثم اجتمع الحر ~~والرطوبة أيضا، وليس كل واحد منهما مضادا لصاحبه فتولد منه ركن الهواء. ثم اجتمع ~~البرد واليبس وليس هما متضادين فتولد منه ركن الأرض. ثم اجتمع البرد والرطوبة فتولد ~~منهما ركن الماء. — فأما اجتماع الأركان وإن كان أحدهما يضاد الآخر فإنهما ~~يتضادان من إحدى الحاشيتين ويتسالمان من الأخرى، فليس يستحيل أن يجتمعا من ~~جهة التسالم، لأن الماء والنار يتضادان من طرفين والطرفان المتضادان مضادة للحر والبرد، ~~PageV01P161 واليبوسة للرطب؛ فالطرفان المتسالمان مسالمة الحر للرطوبة ومسالمة البرودة لليبس؛ وكذلك ~~سائر الأركان سبيلها هذا السبيل. فلينظر الطالب بعين حكمته: فينظر فى الابتداء وعلته، ~~وكيف تركب واجتمع ليسهل عليه الكثير من عمل التحليل والتفريق. # قال أفلاطون: وأصلح الوعاء والرباط ليكون مقتدرا على حفظ ما يحل. # قال أحمد: يقول الفيلسوف إنك محتاج إلى الوعاء الذى تحبس فيه ما تحل من العمل ~~وتربطه به لئلا يفوتك ويفارقك، لأن الشىء الذى قد صار فى نهاية اللطافة طالب للعلو ~~مفارق للسفل، وهو عسر الضبط جدا. فلهذا أمرك الفيلسوف أن تتقدم فيما تكف غائلته ~~عن نفسك. وقد وضع الفيلسوف فى ذلك أعمالا واحتال فيه بحيل: كان من حيله وأعماله ~~أنه كان يرد فى الشىء بعدما يخرجه عنه البعض ليكون ممسكا له. فإذا أراد استعماله فرقه ~~عنه وأخرجه منه، لأن الذى قد حدث عليه الافتراق وتعوده مسارع فى ms036 المرة الثانية إلى ~~ما يراد منه. # قال أفلاطون: وإن جعلت الرباط مساعدا كان بالجدير أن لا يداخل العمل ويركب ~~معه — إلى أن قال: تحفظه لتأمن شأن السفل. # 〈قال أحمد〉: يجب أن تخالف ما يراد فى العمل ضبطه لئلا يجتمع معه ويداخله ~~فيضعف عندما يحتاج إليه إخراجه عنه. فإن المراد أن يحفظه لئلا يفارق. وأما قوله: «تأمن ~~شأن السفل» فإن الآراء مجتمعة أن السفل فقير إلى العلو طالب لمخالطته والتشبث به. ~~وتكلموا فى السماد وما تولد من القوى التى تظهر بعده فى النبات ما أدى إلى البيان أن أكثر ~~نفع السماد لما قد خص به من تفاوت التركيب، وإنه من إعجاز الطبيعة. فليس كل ~~ما تولد من أجل ما يذهب إليه، بل لما تقدم من القول فى أن من شأن البالغ فى التفاوت ~~التشبث باللطيف لفقره إليه. فإذا تشبث به ضبطه وطلب اللطيف مفارقته إذ ينافره؛ فيظهر ~~بعد ذلك مفارقا له فى الثبات. هذا سوى ما يفارقه فى الظل وغير ذلك مما لا يحس. # قال أفلاطون: والسيال أوثق ما تربط به. PageV01P162 # قال أحمد: إنه قد تقدم القول فى أن الماء عكر الطبيعة. فإذا كان كذلك، فإنه أولى ~~الأركان بالتشبث والضبط. # قال أفلاطون: والآنية أيضا مما يسهل فيها الضبط إذا استعملها النحرير. # قال أحمد: إن هذه الآنية وعد الفيلسوف إخراج عملها فى الرابوع الأول، وهى الآنية ~~التى لا يحلها الماء ولا تذيبها النار. فيقول: إذا ضبط الحاذق العمل فى هذه الآنية من غير ~~دخيل يدخله عليه — تهيأ له. # قال أفلاطون: والآنية كعمل الإله لوعاء الجنس اللاهوتى الذى أخذ طينة فعجنها ~~وخلطها بالماء والنار، فصار الماء لا يحلها والنار لا تذيبها، وصار أولى الأشياء لضبط وعاء ~~الجزء اللاهوتى الطالب لمحله. # قال أحمد: إن من رأى الشيخ أفلاطون أن الأنفس لما سلكت من أجرام ~~السموات فوقعت فى الطبائع السفلية كان المتشبث بها من الطبائع ركن الرطوبة وهو ~~الضابط للنفس والمانع له عن أفعاله كمنع السحاب والضباب نور الشمس وضياءه، وأن الإله ~~الأول — جل ثناؤه ms037 — فرق بين أجزاء الرطوبة المتشبثة بالأنفس فكانت أجزاء ~~سيالة رخوة، فجعل لها الإله حينئذ بحكمته أوعية صلبة من جرم مخالط للنار والماء، لا النار ~~تذيبه ولا الماء يحله، وهو جوهر العظام الذى منه القحف وعاء الدماغ. فلما أن جعل الله ~~تعالى هذا الوعاء أراد منه أن يحله من رباطه فى أزمنة طويلة لئلا يلحق النفس فى مفارقته ~~ما ليس هو محتمل له، فيكون الداعى إلى انغماسه فى الطبيعة. فلما وجب أن يبقى الزمان ~~الطويل، فتح إليه الأبواب التى هى الحواس، ثم أوصل بذلك الجسد، ليكون الخادم له ~~والمعين على ما يقاسيه من مجاذبة الطبيعة ومنابذتها. ثم جعل فى هذا الجسد أعضاء التناسل ~~والأعضاء القابلة للأغذية وغير ذلك مما قد أخبرت العلة فيه فيه فى سائر كتبنا. وسنأتى فى هذه ~~الكتب ببعض ما يستدل به الأصيل الرأى. فقد وجب بوجوب هذا القول أن جميع ~~PageV01P163 أعضاء الإنسان خلق للنفس ومن أجله، وأن كل ذلك مطيع للنفس والنفس المستولية عليها. # قال أفلاطون: فانظروا إلى تدبير الإله ودقته وكيف تحل الأنفس مع قدرته؛ فاقتدوا ~~به وإن كنتم منقوصين ضعفاء! # قال أحمد: تدبر قول الفيلسوف هذا، وانظر إلى اجتهاده فيما يكشف لك وما يطلب ~~لك من المثال الذى يحفد فى علته والتقدير الذى تقتدى به! ألا ترى أن الإله ~~— عز وجل — مع إرادته لحل النفوس وقدرته على ذلك لا يعجل ولا يحمل على الشىء ~~ما ليس فى وسعه واحتماله؟ فالواجب على الرجل المحب للعلم والإدراك أن يقتدى فى الرفق ~~والتأنى بالكامل القدرة المتمكن من الأشياء، لا سيما وهو منقوص ضعيف كما وصفه ~~الفيلسوف؛ وفى امتثاله أمر الشيخ ما يجمع له الفضيلتين: الاقتداء بالله جل ثناؤه، ~~ونيل المراد. # قال أفلاطون: واجعل هذه الأعضاء أيضا دليلا، فإنما جعلت للتصفية والحل، ~~لا لغير ذلك — إلى أن قال: وإن جعلت أيضا للنفس فكذلك. # قال أحمد: يقول الفيلسوف ويأمر أن نجعل الآلات التى نصفى بها العمل كالأعضاء ~~التى فى الإنسان. ويقول إنما جعلت الأعضاء فى الإنسان ليفرق بها بين اللطيف ms038 والكثيف. # قال أفلاطون: وبالأعضاء ما قبل الشىء المتغاير وصار من الشىء مثله. ~~قال أحمد: إنه بين عند ذوى الألباب أن تولد المنى من استحالة الأغذية بنضج ~~الأعضاء لها وعملها فيها. فقد بان أن لعمل الأعضاء يستحيل من الشىء ما يخالفه فى ~~الهيئة والتركيب فيكون منه مثله أيضا، إذ من الحشائش والنبات والأغذية المعروفة فيها ~~الحركة وما يوجد فى الإنسان والحيوان يتولد الإنسان والحيوان، وبالأعضاء ما يكون من ~~الإنسان الإنسان، ومن الحيوان الحيوان. # قال أفلاطون: وكيف لا يكون كذلك، وقد جمع بين الماء والنار؟! PageV01P164 ~~قال أحمد: وهو بما أن النار التى يصف الفيلسوف هى نار المرارة، فإنها ~~ركن النار فى بدن الإنسان؛ والماء البلغم، وقد اجتمعا على نضج الغذاء وجذب قوته حتى ~~استحال منه ما استحال، فيقول الفيلسوف: إنه مما يحتاج فى العمل لأن من جمع بين الماء ~~والنار واستفعلهما وفعل بهما، فقد أدرك الجزء العظيم من أجزاء هذا العمل. # قال أفلاطون: وكما أن الثفل من الحيوان يستعان به فى ضبط القوى وجذبها ~~فواجب استعماله فى مثل ذلك — إلى أن قال: فهو يظهر كما تراه يظهر. # قال أحمد: إنه قد تقدم القول فى ذلك وتبين للعامة، فضلا عن العلماء، ما قاله ~~الفيلسوف فى السماد، لأن السماد يجذب القوى التى تظهر بعد فى النبات. فالثفل من ~~العمل كالسماد من الإنسان. والفيلسوف يأمر أن يفعل به كما نفعل بالسماد ليلحقنا من الرفق ~~فى ذلك ما يلحق مستعمل السماد. # قال أفلاطون: وجعل الإله عز وجل فينا جزء الشهوة للطعام ليكون مشغلا للروح ~~الطبيعى عن أذى النفس العقلى. كذلك يجب على العامل أن يلبس العمل فى أوان استعماله ~~ما يكون غرضا للاحتمال عنه. # قال أحمد: إن النفس الطبيعية إنما ربط بها الشهوة للأغذية والحاجة إليه ليكون ~~مشغلا لها عن منابذة النفس العقلية. فإذا منعت الغذاء، أعنى الطبيعة، كان داعيا إلى ~~مضادتها ومنابذتها الروح الحيوانية تضادا ومنابذة تؤدى إلى الخبال. وكذلك إذا كان العمل ~~فى أوان التكليس لم يكن لابسا جزءا قويا مقاوما، فإنه يخاف على ms039 العمل الفساد والدمار. # قال أفلاطون: والإناء المدور إنما جعل مدورا إقتداء بالسفل والعلو — إلى أن قال: ~~فهو أشبه الأشياء بما يراد توليده فيه، وبالشكل ما يتشكل الشىء. # قال أحمد: إن الآنية التى تحتاج فى هذا العمل يجب أن تكون مدورة الهيئة ليكون ~~PageV01P165 الفاعل ذلك مقتديا بالفلك وقحف الدماغ: وإذا كان الشىء المحتاج إليه الشىء البسيط ~~المتشابه الأجزاء فبالخليق أن يكون تولده فى الجسم المشاكل المتشابه البعض بالبعض. وقبل ~~ذلك ما أحوج الصنعة للآلة! وهى الآلة التى لا تحرقها النار ولا يحلها الماء لأنه المحتاج ~~إليه فى بدء العمل إذ كان الحامل للعمل وغيره مستغنى عنه فيه. فليعمد العامل إلى الطين ~~الذى قد عود الصبر على النار كالطين الهندى والمغربى أو المشرقى الذى هو الطين الصعيدى ~~الذى تتخذ منه بواتق الصاغة. فيجعل هذا الطين فى إنائه ويغمر بالماء ويصاعد الماء عنه ~~بالقرع ويكلس فى نار الزبل تكليسا قليلا لا يصل النار إلى أن يقيم الطين كالفخار، ~~بل يشويه بشوية ضعيفة — يفعل ذلك سبع مرار ليأنس من القوة الماسة والنارية ويكون ~~الماسك له هذه القوة فى رفق ليكون فى المرة السابعة كأنك لم تعالجه. ثم تطبخه طبخا جيدا ~~وتأخذ لكل مئة جزء من الطين ثلاثة أجزاء من الطلق الأجاجى وجزءا من الحصى ~~الأبيض الدجلى، يعنى النهرى، وربع جزء من المسحقونيا وهو إقليميا الزجاج فتجمعه وتطرح ~~عليه مثل ربع عشرة من عظام قحف الرأس، أعنى به رأس الذكر من الإنسان، ~~ومثل العظام نوشادر. ثم تعجن كل ذلك بالبول، واتركه على حالته تسعة أيام لا تزال ~~تطبخه وتغمره بالماء العذب وتغليه فيه حتى تنفى أكثر الملوحة عنه. فإذا فعلت به ذلك ~~فألق على كل مئة جزء منه جزءا من الخطمى الأبيض، واتخذ منه الأوانى التى أنا مرسم عملها ~~لك ثم أدخلها النار حتى تنضج وتصير فخارا مقاوما للنار. فما كان من هذه الأوانى للتكليس ~~فإنه يجزئ فى العمل. وما كان يجب أن يحل فيه الشىء ويصاعد بالرطوبة فليطل عليه ~~طلاء الغضار، ويكون الطلاء الصينى ms040 المعمول من السنبادى والرصاص القلمى ويستعمل ~~الآنيتين، أعنى أوانى التكليس والتحليل قبل العمل أياما فى غير العمل ليفارقه ما يفارقه ~~ويمرن على العمل. # وإنما إخراجى هذه الصفة بالرذل من القول لأن من شأنى فى مثله استعمال الألفاظ ~~PageV01P166 السهلة العامية التى يشترك فى العلم بها أفناء الناس، لأنه إذا كان المقصود فى وصف عمل ~~الشىء إدراك حقيقته، فبالواجب أن يقصد لما لا يعمى على المتعلم والصانع. فلولا أنى خالفت ~~الفيلسوف فى رأيه وأخرجت هذه الصفات على ما ترى وحدت عن الكلام الجزل الفخم، ~~لكان يقل من ينتفع به. وسأتمم كلامى بأسخف ما يتهيأ من الألفاظ، فليس مرادى ~~ذلك أظنه بقى إلا كشف الغامض وما يسهل على الطالب عمله وعلمه. ولولا أن من الأشياء ~~ما لا يجوز فيها الاختصار دون التمام ولا الإيماء دون التصريح — لكان كلامى يقصر. ~~إلا أنه العلم التام المحتاج منتحله إلى الوقوف على أكثر العلل الأبدية حتى أكاد أن أقول ~~الكل. وكيف لا يكون كذلك، وهو العمل الأبدى الذى كان من أجله ما ترى! وليس ~~يستغنى العامل، مع كثرة كلامى، عن استعمال قياس البعض على البعض ليكون بفعله ذلك ~~مستمكنا من العلم يعرف صدقه عن كذبه ويقف على ما يجب أن يهمله فيه وما لا يجوز تركه ~~بتة؛ فإنه إذا فعل ذلك وانفتق له الرأى سهل عليه مطلبه ومراده. وليعلم أن هذه الأشياء ~~كالمراقى، وأن الطالب كالسالك البيداء: الواجب عليه أن يهتدى فيها بالمقاييس التى يعرف ~~بها نهج الطريق. فإذا عدم المحجة وما يقيس به فالصواب له التثبت، لأنه لا يأمن أن ~~يكون سيره ذلك مما يبعده عن مقصده. كذلك العامل يجب عليه أن لا يركب شيئا ~~إلا وقد عرفه وعرف صوابه ليكون هو الذى يغلب العمل لا العمل يغلبه. وأنا مخرج ~~للفيلسوف لفظا يوجب وصفه فى هذا الموضع: # قال أفلاطون: ومن وقف على الاختلاف والتفاوت الذى يعرض للصباغين فحقيق أن ~~لا يستعظم ما يحدث عليه. # قال أحمد: إن من شاهد من أهل هذه الصناعة عمل الصباغين، لا ms041 يستعظم الخلل يقع ~~عليه فى عمله. فكثيرا ما يعالج الماهر فى صناعته صبغا من الأصباغ مرارا فيحدث عليه فى ~~بعض الأوقات التى يعالجه فيها ما يغيره عن مراده وهو لا يعرف السبب فى ذلك مع كثرة ~~معالجته للعمل وطول أيام مجاورته له. وقد يعمل الرجل الحبر دهره 〈و〉قلما ~~يتفق أن يخرج على لون واحد وعمل واحد، لأنه ربما خرج قتما، وربما كان الغالب عليه ~~اللون الشعاعى، وربما كان براقا لا صقال فيه، وربما كان صقيلا قتما — هذا ولا تعرف ~~PageV01P167 علته. فأما ما تعرف علته فالتحرز منه سهل. فإذا كان العمل القليل يحدث فيه من ~~التفاوت مع طول الاستعمال ما يحدث، فكيف يظن بالعمل اللطيف المتجاوز لعمل الإنس! ~~وإنما التفاوت الواقع فى الأصباغ والحبر من أجل الأمور المشتركة فيها: منها الزمان والهواء ~~والوقت والمستولى، من الفلك والطالع، ومن الروحانيين ما يقصر عن كف غائلته ~~مستعمل هذه الأصباغ: # قال أفلاطون: والكيان مع خفته واتصاله بالعلو ومداخلته للعمل فإنه لا يسلم عمله من ~~الخبال والفساد. # وقال أحمد: إن الكيان هو الشىء الذى أنبأتك به وأعلمك أنه الروح المغذى المدبر ~~للإنسان، ومنه تكون استحالة الأغذية وتوليد الحيوان وبه قوام الإنسان، وهو الجوهر ~~المخالط لكل ذلك — فترى ما يحدث فى أفعاله من الفساد والبطلان. فإذا كان ذلك ~~كذلك مع استمكانه ونفاذ قوته، فكيف يكون الإنسان المنقوص البطىء؟! # قال أفلاطون: واضبط الفساد من الأفقين إن يصل إلى العمل، وإلا فأكثر ليكون ~~ما يسلم لك على التنجيب. # قال أحمد: الأفقان: أفق العلو الذى هو الفلك، وأفق السفل الذى هو الأرض، ~~لأن الفساد واصل إلى جميع الأشياء من العلو والسفل والواسطة التى بينهما. فإذا قدر الإنسان ~~على منع الفساد من مأتاه فقد أمن من فساد ما يعالج، وإن عجز فالصواب له امتثال قول ~~الفيلسوف فى الإكثار من العمل كأنه يعمل أعمالا كثيرة فى مواضع شتى فى أوقات متفرقة ~~ليسلم له أخذ ذلك، فإنه من البعيد الكون فساد الكل، كما يستحيل أن تبطل كل ~~أفعال الكيان. # قال أفلاطون: والفساد ms042 العلوى من جهة تفاوت مواقع الأشخاص العلوية والسفلى ~~PageV01P168 مداخلة الأركان إياه على غير موافقة والمعالجة على غير سداد؛ وأشد ذلك تضاد المخالط ~~السريع الجوال. # قال أحمد: أما ما تقدم من قول الفيلسوف فهو واضح فى نفسه لا يحتاج إلى تفسير ~~ما خلا قوله: «السريع المخالط» يريد بها الروحانيات، وهى أشد الأشياء على العمل، ~~ومنها يكون أكثر الفساد. # قال أفلاطون: فإن لم تقدر أن ترضيها، فاستعن عليها ما هو أعلى منها ليكفها. # قال أحمد: إن من المحال أن تقدر على تألف جميع الروحانيات، أو تجمع فى التألف ~~بين المضاد والمنافر. وأولى الأمور أن يوالى العامل روحا قويا، فى قدرته منع من يخاف ~~منه فساد العمل. وأولى الأرواح بالتألف روحانيات الكوكبين العلويين: زحل والشمس، ~~أو روحانية الدولة والملة، أو الروحانية المتولدة من القران أو المستولية على الزمان. ولا يجمعن ~~فى تألفه بين اثنين، أعنى به كوكبين، أو روحين مختلفين، بل يقتصر على واحد فإنه أتم ~~لأمره وأسلم لإجابته. # قال أفلاطون: وليس يكون منه إذا تألف وأجاب منع المضاد فقط، ~~بل يسدد ويوفق. # قال أحمد: لا يخلو المتألف لروح من الأرواح أن يوفق للصواب فى جميع أعماله لاسيما ~~إذا كان المتولى للتأليف قويا. # قال أفلاطون: وأنت مستغن عما يحتاج إليه المتألف للالتباس. # قال أحمد: إن المتألف للالتباس يلحقه التعب الشديد والمؤن الكثيرة، ثم لا تسرع ~~الإجابة إليه كما تسرع إلى غيره ممن يتألف للاستعانة، لأن الالتباس أمر جليل عظيم، ليس ~~شىء من أمور العالم إلا بالمثابرة واللجاج والصبر والإلحاح والقيام بكل ما يقربه إلى من ~~يتألفه. ثم لا يتم له فى ذلك إلا فى القران الدال على الالتباس الواجب كونه فيه، وربما ~~حرمه ذلك ضعف مولده وفساد مواضع الكواكب فيه. PageV01P169 # قال أفلاطون: وكما يحتاج الداعى للالتباس 〈إلى〉 القرابين والدعوات والذبائح — ~~فالذى يدعو للمعاونة يجزيه الدخن والدعاء. # قال أحمد: إن الذى يتألف للالتباس يحتاج إلى قرابين وذبائح فى أيام معلومة، ويريد ~~أن يدعو مستوليه، ويهيئ له أجل ما يقدر عليه إذا دخل بعض حظوظه ms043 أو قارن أحد ~~البابانيه أو يكون له حظ فى اليوم أو الساعة. ويجب عليه مع ذلك أن يتغذى بغذاء ~~الكوكب ويلبس لباسه ولا يقرب مضاده، لأنه يلتمس من الشىء أن يتركب فيه ويخالطه. ~~فإذا خالف سيرته باعده ونافره. والداعى للمعاونة فى هذا العمل وفى غيره يكفيه أن يدخن ~~بدخنة توافق الكوكب وتسمى باسم روحانيته، ويبالغ فى الثناء ويلح فى دعائها وتشييداتها ~~والتضرع إليها. فروحانيات الشمس وزحل ما أنا مخبر به، وروحانية الملة والدولة إن لم ~~تقدر الوقوف على ماهيتها فتألف المجانس لها والمستولى عليها كاستيلاء زحل والزهرة على ~~هذه الدولة. وأنا مختصر لك عمل أسلاف هذه الكواكب، وأوقفك على ما يستغنى العامل ~~إذا عمله عن غيره من الأعمال. وأخرج أيضا دخن الكواكب، مع اسم روحانيته ~~لتقف عليه: ### ||| 〈زحل〉 # اعلم أن زحلا لاحظ له فى هذا العمل، وهو يعين على نفاذه إذ كان من جنسه. والذى ~~يجب أن تتألف من روحانياته الثمانية لهذا العمل روحانية بذيماس وتدخن له من عقاقيره ~~بالمقل، ومن الأعضاء دماغ السنانير. ### ||| المشترى # كوكب رطب سعد. لا يوافقه كل عمل فيه مشقة على النفس. وهو لا يعين العمل، ~~إلا أنه يكف الغائلة. وأولى روحانياته بالتألف روحانية دهاهوس. ويدخن له من عقاره ~~بالعنبر فقط دون العضو. PageV01P170 ### ||| المريخ # كوكب نحس شرير، لا يعين أحدا على رأى، ولا يرشد إلى صواب. إلا أنه ربما احتاج ~~العامل أن يسلطه على معاند وصاد للعمل؛ وينتفع به فى ذلك. وأولى روحانياته بالتأليف ~~لهذا الجنس من العمل روحانية مهنداس. ويدخن له من عقاره بالبيش ومن دماغ النمورة؛ ~~ويدخن له أيضا بالحرمل والخردل. ولا يدعى به فى موضع العمل لأنه لا يؤمن ~~أن يفسد العمل. ### ||| الشمس # الكوكب القوى المتمكن، الذى لا يتمكن من العمل إلا به ومعاونته، وهو المشاكل ~~للعمل إذ قد حوى الجزء البسيط المطلوب فى العمل؛ وليس يتم العمل إلا به، إذ كان ~~المستولى على العالم موافقا للعمل. ويجب على العامل أن لا يحيد معه إلى غيره، إذا لم يضطر. ~~ويجب أن تتألف من ms044 روحانياته للعمل روحانية أطميغاس وروحانية طهيغمالايس. — ~~ويحتاج الداعى لهذا الكوكب فقط، فى تألفه لهذا العمل ولغيره، أن يلبس الثياب الموافقة. ~~له، وهى الثياب الحمر المنسوجة بالذهب أو المطلية، يلبسها فى وقت الدعوة، ويدخن له بعقاره ~~الذى هو المسك، ومن الأعضاء دماغ الإنسان، ويدخن له أيضا بالقرنفل والكبابة والسعد ~~والميعة. وإن دعا غير هذا الكوكب فلا يخلى، مع دعائه غيره، تألفه والقيام بما يقربه منه. ~~والاضطرار الذى يقع فيحتاج أن يدعو غير هذا الكوكب هو أن يكون هذا الكوكب ~~فى أصل مولد الطالب مقابلا لطالعه أو لصاحب طالعه. ### ||| الزهرة # كوكب رطب بارد يميل إلى اللهو والبطالة، ويضاد العلم والنظر، وله استيلاء على الدولة ~~PageV01P171 والملة، وهو يكف إن لم يعن. وأكثر عمله فى منع الأمراض التى تعرض للطالب. ~~والذى يجب أن يتألف من روحانياته ديذاس. ويدخن له بالصندل والقسط والأشنة، ~~وبشحم كلى الضأن. وإنما خص هذا الكوكب بكف غوائل الأمراض لرطوبته ~~وسعادته. — وأكثر ما يعرض لصاحب هذا العمل يبس الدماغ، إذ ما يصعد من العمل ~~بداخله ويخالطه. ### ||| عطارد # كوكب ممتزج مختلط بالطبائع، متلازم خفيف سريع ذكى، وهو يفتخ غلق الأعمال ~~بذكائه وفطنته. وله فى مداخلة العمل الأثر الكامل. فإذا عاون أصلح، وإذا نافر وضاد ~~أفسد. وكما يرشد ويوفق، كذلك يخلط ويحير. فليكن عملك وعنايتك فى تألفه على قدر ~~ما أنبأتك من أثره. وله من الدخن الصموغ والكندر والكنه. وأنفذ روحانياته الثمانية ~~فى هذا النوع معودس وبرهانوس. ### ||| القمر # الكوكب السريع النافذ، الذى لا تتم جميع أمور العالم إلا به. وبتأثيره وحركته ~~تجرى جميع أمور العالم. وقد قال الحكيم فى بعض كتبه: وأصلح حال القمر الذى هو ~~القهرمان — يريد بذلك أن جميع أمور العالم به تنفذ، وتأثيرات الكواكب به تصل؛ ~~ولا يستغنى عنه وعن إصلاح موضعه وتألفه فى جميع الأعمال — فكيف فى هذا العمل ~~السريع إليه الآفات والغوائل؟! فتفقده مع تألفه، وتعرف موضعه واتصاله وانصرافه. ~~وله من الدخن الأبزار اليابسة، والورد، والبنفسج. وأخص روحانياته لهذا العمل دغاتوس. # *** # فهذه الأعمال والدخن مما يجلب تألف هذه ms045 الكواكب، ويكف غوائلها فتدبر الأمر ~~PageV01P172 وثابر على تألف ما يستغنى عنه، وحد عمن لا يضرك أن تحيد عنه. وليكن عملك فى ~~الكواكب البابانية على هذا القياس، وكذلك فى أهوية البلدان، وطلوع الأنوار ~~〈و〉تغير الزمان، أعنى بذلك أن تنسبها إلى أشكالها من العالم العلوى فتدبره ~~كما تدبر شكله من العالم العلوى. # قال أفلاطون: فليكن لك فى الأوانى وصنعتها نفاذ وحذق واقتد فيه بالمحيط بالكل. # قال أحمد: كل عمل من الأعمال يعمله النافذ الماهر فهو أصلح وأوفق من عمل الغبى ~~المغفل. فلهذا يشير الفيلسوف بأن يكون لك فى صناعة الأوانى نفاذ وحذق. ويعنى ~~ب«المحيط بالكل» الفلك فى تدويره. ويأمرك أن تكون جميع الأوانى المستطيلة وغيرها ~~لا تخلو من جنس التدوير، لأنه أبعد من التفاوت وأوفق للعمل. # قال أفلاطون: وإذا كان المراد من الشىء أن يكون فيه ما فى الأركان من الانحلال ~~والانضمام، فالواجب ما يجب أن يكون فى شكل المحيط بالأركان. # قال أحمد: إن هذا القول مؤكد لما تقدم. وقد أنبأتك مرارا أن بحركات الفلك ~~ما ينخل الأركان فيصير صفوها إلى العالم العلوى، وعكرها إلى القعر. فإذا كان يراد من ~~العمل ما يحدث من الأركان، فالخليق أن تدبر، أعنى به العمل فى المشاكل، بما ~~يحيط بالمركز. # قال أفلاطون: وإنما اضطررنا إلى استعمال المستطيل وغير ذلك من التدابير، إذ كنا ~~مقصورين عن تدبير الإله — جل وعز — وعاجزين عن نصب الأشخاص العلوية. # قال أحمد: إنه يقول إنما يضطر أن يحيد عن الشكل المحيط المدور فى أوانى العمل ~~ويتبعه بسائر الأعمال، إذ كان عاجزا عن تركيب مثل الأشخاص العلوية المحللة والميبسة ~~والمدبرة لما يحوى؛ فلما كان ذلك كذلك، اضطررنا إلى المستطيل من الإناء للعمل، لأنه ~~ربما لا يصفو الشىء إلا بأن تبعد مسافته إلى التصعيد — إلى غير ذلك مما يحدث فى العمل ~~PageV01P173 ويعرفه المدبر له. وفى الفلك أشخاص تصفى بأجرامها ما يبقى فى الشىء من الكدر بعد ~~الصعود، ومنها ما يمنع الصافى عن الهبوط ويهبط الكدر. # قال أفلاطون: وتحرز أن لا تكون الآنية رقيقة فتنكسر ms046 ويكون مع ذلك الفساد ~~سريع النفاذ. ولا يجب أن تبلغ بها فى غلظ الجرم ما يبطئ العمل. # قال أحمد: أولى الأشياء فى الأمور التوسط. وجميع الأوانى إذا رقق جرمها فإن ~~الكسر يسرع إليها والفساد إلى العمل سريع فيها. والثخين من الآنية يمنع القوى عن ~~الأثر؛ فيجب أن تكون متوسطة الصنعة ليعتدل الأمر فيها. # قال أفلاطون: وتفقد ما تحل فيما تحل، وهل هو ضار له أو موافق. # قال أحمد: إن المحلل للشىء مضطر أن تحلله برطوبة وحرارة لأنه لا ينحل الشىء ~~إلا بدخيل رطب يدخل عليه، ولا يداخل الرطب الشىء اليابس، خاصة إذا كان بينه ~~حاجز، إلا بحرارة توصل تلك الرطوبة إلى الجنس اليابس. فيقول الفيلسوف: أن تنظر ~~فيما يحل فيه العمل من الأشياء الرطبة ما هى، وهل هى موافقة للعمل، مصلحة له ~~أو ضارة مفسدة. # قال أفلاطون: والجنس من الحيوان، وإن كان سريعا فيما يراد، فإنه يعفن إذ كان ~~الجنس اللحمى. # قال أحمد: يعنى بالجنس من الحيوان الزبل والدم وغير ذلك مما يحل به أهل هذه ~~الصناعة العمل. فيقول إنه وإن كان سريعا لما قد بقى منه من القوة الحيوانية فهو عفن معفن ~~إذ كان 〈فى〉 الجنس اللحمى عفونة الطبائع. # قال أفلاطون: والزبل أشد عفونة والدم أشد تداخلا. # قال أحمد: إن الدم، وإن كان من عفونة الأركان، فقد حوى القوة النفسانية ~~PageV01P174 وهو مسكن للروح، والزبل ظاهر العفونة؛ فالزبل — لنقصان قوته — يعجز عن مثل ~~فعل الدم فى المداخلة. فقوة الزبل فى تحليله بالعفونة، وقوة الدم بالحرارة، وقرب العهد ~~بمجاورتها الروح. # قال أفلاطون: وفى الزبل، لفرط العفونة، قوى تطلب المفارقة؛ فبطلبها ذلك تداخل ~~العمل فتنجع. # قال أحمد: قد قلت بدءا وكثر كلامى فى كتبى فى هذه العلة وأعلمت محبى العمل أن ~~الزبل يجتذب القوى البرانية لفقره إليها، وبرهنت ذلك بما يحدث فى السماء والزرع، وأن ~~ما كان فيها من القوى طلب مفارقتها، إذ العفونة تفاوت التركيب ومفارقة الصفو. فيقول ~~الفيلسوف إن القوى الطالبة لمفارقة السماء تداخل العمل وتدبره فيكون منجعا. # قال أفلاطون: ms047 والدم يفرط فيدخل على العمل ما لا يشاكل فيفسد. # قال أحمد: لما كان الدم قريب العهد بمجاورة النفس كان جوالا نفاذا، فبفرط ~~جولانه وتداخله يدخل على العمل، مع ما يداخله من الصفو، الكدر، فيكون ذلك ~~الداعى إلى الفساد. # قال أفلاطون: فلا يستعمل الدم إلا فى الجاسى البطىء. # قال أحمد: إن من الأشياء ما يضعف حلها ويستحيل أن ينحل فى الزبل، فيضطر ~~العامل إلى أن يحله فى الدم، ولا يتم له حينئذ ما يريد أيضا حتى يستعين بالنار ويغلى الدم ~~غليانا شديدا. فإذا خاف أن يخرج عن حد الرطوبة أمده بالماء. فينهى الفيلسوف أن ~~يستعان بالدم إلا فيما لا يعمل فيه الزبل. # قال أفلاطون: وما كان يسهل حله، فارفعه عن الزبل إلى ما هو أرفع منه. # قال أحمد: كما حاد فى تحليل الأشياء الرخوة عن الدم، كذلك يأمر أن يستعان فى ~~حل ما لطف جدا بما هو ألطف من الزبل، كالماء الحار والخمر. # قال أفلاطون: والماء الحار وإن داخل لم يغير. # قال أحمد: قد يجب أن أتعلم أن الماء إذا فارق الشىء فلا يبقى فيه من جنسه ~~PageV01P175 إلا القليل الذى لا يحس، كما ترى ذلك عيانا فى الثياب التى ترطب وغير ذلك من الأشياء ~~التى يجاورها الماء. فإذا يبست فإنه لا يرى فيه من الجزء المائى ما يحس؛ فمداخلته ~~العمل كذلك. # قال أفلاطون: ولو كان يراد بالعمل الحل دون الإدراك لكان يستغنى بإدخال ~~الجزء المائى عليه. # قال أحمد: صدق الفيلسوف! فلولا يراد من تدبير العمل وإدخال القوى عليه دون ~~الترطيب، لكان يكتفى بأن يدخل عليه من الجزء المائى ما يقيمه فى السيلان كهيئته بعد ~~الحل. إلا أن المقصود تفريق الأجزاء فى أزمنة وساعات معلومة. # قال أفلاطون: والخمر بالإضافة إلى الماء كالدم إلى الزبل؛ إلا أن الماء خلو ~~من العفونة. # قال أحمد: إن الخمر إذا أضفته إلى الماء وجدته أكثر عملا منه بقدر تفاضل عمل الدم ~~على عمل الزبل؛ وهو أيضا — أعنى الخمر — يدخل فى العمل ما لا يجب أن يدخل، كما ms048 ~~يدخل الدم؛ فشبه الفيلسوف هذا التشبيه ثم قال: «إلا أن الماء خلو من العفونة» — أراد ~~به أنه لم يتشابها فى العفونة. # قال أفلاطون: والزبل والدم من الحيوان كالحيوان. # قال أحمد: إن هذين النوعين، أعنى به الزبل والدم من كل جنس، ~~يشاكل ما هو منه؛ فليكن قياسك على ذلك. # قال أفلاطون: إلا أن الزبل من الإنسان والسباع أشد عفونة وعكرا، إذ كان ~~تولده من العفن، فقد تردد. # قال أحمد: لما كان طعام الإنسان والسباع اللحوم المخصوصة بالعفونة وما شاكلها من ~~PageV01P176 الأغذية التى وإن لم تخص بالعفونة فهى رخوة، فبالواجب أن يكون الزبل من هذين الجنسين عفنا جدا لتردده فى العفونة. # قال أفلاطون: ولا تلتفت إلى قول أهل لوذيا فى ادعائهم أن النتن من مقدمات ~~التلطيف، فذلك على خلاف ما ذهبوا إليه. # قال أحمد: أهل لوذيا جماعة من مجاورى اليونانيين. وفى آرائهم أن النتن من مقدمات ~~التلطيف. ويحتجون فى ذلك بارتفاعه عما يحليه حتى صار يرتفع ويداخل حس الشم. ~~فيبطل الفيلسوف هذا الرأى ويعلم أن ذلك على خلاف ما ذهبوا إليه. # قال أفلاطون: وليس كل سريع صفوا، كما أنه ليس الحاد من رذلى الفعل بالصفو. # قال أحمد: يخبرك الفيلسوف أن غير الصفو يسرع أيضا. واستدل عليه بالأفعال: ~~فكثير من الأعمال السريعة مذمة لا تستحق اسم الصفو. # قال أفلاطون: ولا يخلو أيضا أن يحدث معه بحركته بعض الصفو، فيوافق قول القوم، ~~وإن كان منهم الرأى فيه غير صواب. # قال أحمد: إذا حدث فى الشىء الافتراق فإنه يفارقه العكر كما يفارقه الصفو، والنتن ~~إذا فارق الشىء فارق معه أيضا أجزاء الصفو، فتكون هذه الأفراق كالتلطيف، فيوافق ~~قول أهل لوذيا وإن كان رأيهم الخطأ. # قال أفلاطون: وفى الجملة إن ذلك الصفو بعده من التنافر إذ كان الواحدى الذات، ~~والنتن خلو من ذلك. PageV01P177 # قال أحمد: إذا كان دليل الصفو أن يكون خلوا من التنافر، والتنافر موجود فى النتن، ~~فالواجب أن لا ينسب إلى الصفو. # قال أفلاطون: وزبل الخيل، وإن بعد عمله، فهو سليم. # قال أحمد: كل ms049 ما كان من الأدوية والعقاقير بطىء العمل فصاحبه آمن منه. كذلك ~~زبل الخيل وإن كان غير مسرع فيما يراد منه فهو أقل هذه الأشياء فسادا لما يحوى. # قال أفلاطون: فتدبره فى الاحتراق. # قال أحمد: كل نوع من الزبل كزبل الغنم والبقر فإن ريحه عند الاحتراق يولد فى ~~الإنسان الأمراض الرديئة. وزبل الخيل قلما يضر. # قال أفلاطون: فإن أبطأ فى العمل فاحتجت أن تمده بما يعين، فافعل. # قال أحمد: يقول: إن كان يعسر نفاذه فيما قد دفن فيه، واحتجت أن ترش عليه الخمر ~~والماء الحار فافعل. # قال أفلاطون: وانظر! فإن كان الترتيب يقع من أجل الآنية، فاستدل. # قال أحمد: قد قلت مرارا إن حل الأشياء، وإن كانت بمجاورة الرطوبة تنحل، ~~فلا يستغنى عن أن يداخله بعض الجزء المائى ليكون المعين له على ما يراد منه، وأنه إذا عدم ~~فى الآنية التخلخل، فإنه لا ينفذ الجزء المائى ويعسر حل الشىء. فالرأى ما حده الفيلسوف ~~من الاستدلال بالإناء المنضم الأجزاء 〈إلى〉 الإناء المتخلخل ليصل. # قال أفلاطون: هذا إذا كان الشىء مما يستحيل أن يستقيم إلا بممازجة الماء. فأما غير ~~ذلك فهو أولى أن يمنع الماء من الوصول. # قال أحمد: إن من الأشياء ما الغالب فيه اليبس فذاك مستحيل حله إلا بإدخال الحر ~~والرطب؛ ومن الأشياء ما الغالب عليه البرد فذاك حرارة الزبل تحله، وإن لم يصل الماء. ~~فالفيلسوف يكره وصول الماء إلى المتاع إلا عن اضطرار. فإذا قدرت على إتمام العمل من غير ~~أن يصل الماء فعلت. PageV01P178 # قال أفلاطون: ومن الأشياء ما لا ينحل بتة دون أن يعالج قبل بالنار. # قال أحمد: ما انعقد من الأجسام فى الماء فإنه يستحيل أن ينحل بعد فى الماء، ~~إذ الماء علة العقد. فإذا عولج بالنار وانتزع منه العقد والانضمام الوافع من الماء فإنه بعد ~~ذلك يسهل حله. # قال أفلاطون: وليكن عملك كالمراقى يرتفع من الأرض إلى الماء، ومن الماء إلى الهواء، ~~ومن الهواء إلى النار. ثم صف بعد ذلك. # قال أحمد: إن هذا القول مما يستحق ms050 أن يوضع فى الكتاب الرابع. فإنه وإن كان ~~مما يحتاج إليه من يحل الأشياء فإنه تمام العمل. ولما وضعه الفيلسوف فى هذا الموضع فلا بد ~~من كشف غامضه. إن الماء وإن كان قعر الطبيعة فهو لسيلانه ولين تركيبه أسرع استحالة، ~~والأرض تستحيل إلى الماء إذا دبرت، والماء يستحيل هواء والهواء نارا والنار تنفرد، أعنى ~~الحرارة تنفرد عن اليبس. فإذا انفرد سهل أن يلحق بالصفو. فعلى هذا أمر الشيخ أن ~~يكون التدبير. # قال أفلاطون: والعلة فيما يأمر من الارتقاء التدريب. # قال أحمد: يقول: إنا ندبر الأرض حتى يلحق بالتدبير النار ليجرى عليه تدبير العمل ~~فنتدرب؛ ولولا ذلك لكان قصد الجنس النارى مما يغنى عن تدبير جنس الأرض حتى ~~يقام فى جنس النار. # قال أفلاطون: والعمل الكبير ضبط ما يحل. # قال أحمد: لولا ما قدمه الفيلسوف فى قوله لما كان مستحيلا إدراك هذه الصناعة على ~~ذى الجهل والعلماء. إلا أن هذا الاستمكان من ذلك الفعل العظيم الذى يتجاوز أفعال البشر. ~~وسنأتى فى هذا الكتاب وفيما يليه بالآراء التى ترشد إلى ما يعين على ضبط الشىء إلا أنا ~~إن أخرجنا ذلك بالعبارة التامة الكلية، فلن نستطيع أن نأتى بالمحتاج إليه فى ذلك؛ ولا يستغنى ~~PageV01P179 العامل عن استعمال الرأى والفطنة؛ ولولا أن ذلك مما يتهيأ إخراجه مع تمثيل كل جزء من ~~العمل كأنى أتكلم فيه إذا مثلت صنعة الآنية وغير ذلك من أجزاء العمل لصرفت بعض ~~القول إلى الكلام فيه، إلا أن إخراجه بما ذكرت أولى وأصوب. — وأتقدم فى هذا ~~الكتاب بمشورة، وهو أن يكثر من العمل فاته وإن فاتت البعض استمكن من البعض. # قال أفلاطون: واعلم أنك تحتاج أن تنازل فى الضبط الأركان والعلو. # قال أحمد: إن الصفو طالب للعلو، والعلو يطلبه إذا كان من جنسه؛ والأركان أيضا ~~تخالط الصفو للافتقار إليه، كما قد أخبرت. # قال أفلاطون: وأشد الأوقات حاجة إلى الضبط أوان التصعيد والتكليس. # قال أحمد: قد يجب أن تعلم أن الحل من جنس الماء، وأن الطالب للسفر هو ~~يمنع من الارتفاع ms051 والتصعيد، والتكليس من جوهر النار والهواء، وهما الركنان الطالبان للعلو. # قال أفلاطون: و〈فى〉 التكليس ما ينفذ فى النار، وفى التصعيد الرطب مما ينفذ ~~فى الهواء. # قال أحمد: إن للمتخلص من الأجرام السفلية مسلكا فى الأجرام الموافقة لها: فالنار ~~من جنس التكليس، والهواء من جنس التصعيد الرطب. # قال أفلاطون: وإذا كان النيران فى المراكز العالية فإن الشىء سريع فى الذهاب. ~~— إلى أن قال: فأسقطهما. # قال أحمد: قد أنبأتك قبل أن من شأن النيرين جذب 〈الصفو〉. وهما إذا ~~كانا بالمحل الذى ذكره الفيلسوف أقدر على الفعل. فيأمرنا الفيلسوف بإسقاطهما عند ~~العمل، يعنى عند التحليل ليحرز العمل من الجذب المستمكن. # قال أفلاطون: وتعلم أن يكون إسقاطهما مما يضر. PageV01P180 # قال أحمد: الذى يضر من إسقاط النيرين فى العمل أن يكون لهما حظ فى الوقت الذى ~~يعالج فيه العمل فيكون الإسقاط مما يفسد الوقت. # قال أفلاطون: والتفريق صفو صاعد حقيق أن ينسب إلى جنس الروح، وصفو سيال ~~حقيق أن ينسب إلى جنس النفس، وجسد موات. # قال أحمد: لولا أنى إذا قصدت لكشف جميع ألفاظ الفيلسوف لطال الكلام وأشغل ~~عن المقصود، لكان كشف ذلك مما ينفع الناظر فى هذا الكتاب. فمما كنت أحتاج أن ~~أتكلم فيه وأطيل: الفرق بين الروح والنفس، وإخراج آراء الأوائل ومذاهبهم فيه. وإنى ~~وإن لم أخرج القول بكماله — فسأخبر عما لا يستغنى عنه طالب هذه الصناعة: # اعلم أن الأشياء صفو يصعد منه، وصفو يستنزل منه: ينسب الفيلسوف الصاعد إلى ~~جنس الروح إذ خص بهذا الاسم الجوهر المنفصل من الحيوان، وهو يشاكل الصاعد من ~~العمل؛ ونسب الصفو السائل إلى النفس، إذ المخصوص بهذا الاسم الجوهر المداخل للحيوان ~~الممتزج، فهو لامتزاجه مركب فى جسم سيال؛ ونسب الجسد المستخرج منه الصفو إلى ~~الموات، إذ هو كذلك. # قال أفلاطون: والجنس السيال أثبت من الصاعد. # قال أفلاطون: إن الشيئين وإن تساويا فى الصفو لكان المرتفع أولى بأن يفوت ~~العامل من السيال. فكيف وما صعد أصفى مما سال! # قال أحمد: يقول: لو تساويا فى الصفو، يعنى به المنسوب ms052 إلى الروح والمنسوب إلى ~~النفس، لكان جنس الروح أولى بأن يفارق السفل من السيال؛ فكيف والصاعد أصفى ~~من المستنزل! # قال أفلاطون: والصاعد مما كان فهو إلى البياض أقرب، والمستنزل تختلف ألوانه. # قال أحمد: قد دلك هذا الأثر أن الصاعد أصفى إذا كان يخصه اللون الواحد المنسوب ~~إلى الضياء، والمستنزل بخلاف ذلك. PageV01P181 # قال أفلاطون: والصاعد من اليابس أولى الأشياء به أن يكون كالدرمك، ~~ومن الرطب كلون المها. # قال أحمد: إن الصاعد من أى شىء كان إذا صعد كما يجب، فإنه يكون من اليابس ~~كالدرمك قد عدم فيه البريق لتخلخل الأجزاء؛ إذ الصاعد متخلخل؛ ويجب أن يكون ~~من الرطب كثير البريق والصفا، إذ هو سيال، وجوهر الماء صقيل. # قال أفلاطون: والسيال إذا كان له دافع من أسفل تصاعد فعاد التركيب. # قال أحمد: إن ما يسيل من العمل إذا كان له دافع يدفعه، أعنى به حرارة تصعد الشىء ~~فإنه يصعد أيضا ويخالط الجسم الذى فارقه فيعود العمل كما كان. # قال أفلاطون: فتحرر من ذلك واعمل أن يصل المنضج إلى العمل من جميع جهاته ~~بالسواء كما يصل إلى الآنية المعدية. # قال أحمد: أرى الفيلسوف لا يدع شيئا يمكن أن يعرض للعامل إلا حذره وأرشده ~~إلى ما يدفع الغائلة — من ذلك قوله هذا، لأن السيال إذا كان ينسب إلى الصفو فإنه إذا ~~لاقى فى الموضع الذى يسيل إليه حرارة مفرطة فإنه يفارق موضعه ويصاعد فيخالط الجزء الذى ~~فارقه؛ فلهذا أمر الفيلسوف أن تكون النار تصل إلى الآنية من كل جهاتها بالسواء، لئلا ~~تفرط على جزء من العمل دون الآخر؛ ويعنى بالآلة المعدية المعدة التى تنضج الأغذية ~~عند الإنسان. # قال أفلاطون: والسيال إذا كان يستحق العمل فإنه يكون كالدم العبيط. # قال أحمد: إنه يكون هذا اللون الذى ذكره الفيلسوف أكثر ما يكون فى البيض ~~والشعر؛ فأما الأجساد فيكون ما ينزل منها كلون النار، ويكون ما ينزل من الشعر أكثر ~~بصيصا مما ينزل من البيض، إلا أنه يخالطه سواد. # قال أفلاطون: والذى يصعد من الشعر يكون لونه ms053 مما يميل إلى الصفرة. PageV01P182 # قال أحمد: إن الشعر لما كان غزيرا كبير اللطف جذب معه فى التصعيد من جنس ~~السيال، فصار لونه أصفر بهذا السبب. # قال أفلاطون: ومما يجذب به الصفو أن يكون قليل التغير. # قال أحمد: كل ما كان صافيا فهو واحدى الذات، والواحدى الذات غير متغير. # قال أفلاطون: وآنية التصعيد مما يجب أن يداخل أحدهما الآخر — إلى أن قال: ~~فالداخل مما يجب أن يكون مثقوبا كهيئة المنخل. # قال أحمد: قد يجب أن أقصد فى هذا الموضع من الكتاب إلى ما عادتى أفعله فى مثله، ~~وهو أن أحيد عن إخراج ألفاظ الفيلسوف فيما كان هذا سبيله من العمل، وأتولى الإخبار ~~عنه ليسهل على الطالب إدراك ما يطلب. اعلم أنه يجب أن تكون أوانى التحليل مما مثله ~~الفيلسوف فيما تقدم من القول، ويكون أحدهما كهيئة القرعة المستطيلة مدورة الأسفل ~~مسنونة التقطيع، ويكون طولها قدر ذراعين وعرض أسفلها مقدار عظم الذراع؛ فهذه القرعة ~~الأولى التى يسميها اليونانيون السوكينا، أى المحيط. وتكون القرعة الثانية مثل نصف ~~القرعة الأولى فى هذا الطول والعرض، وتكون لهذه القرعة شفة منكسرة إلى برا. إذا ~~أنت أرسلت هذه القرعة فى القرعة الأولى وقعت الشفة على فم القرعة الأولى ~~فمنعت القرعة من أن تصل إلى أسفل؛ ثم ينصب على فم القرعة الأولى الإنبيق. وليكن ~~كل ذلك ملازما بعضه لبعض لئلا يفوت ما يخرج من العمل، وتكون قد ثقبت أسفل ~~القرعة الثانية بثقب صغار. فإذا أنت وضعت العمل فى القرعة الثانية ودليته فى القرعة الأولى ~~ونصبت عليه الإنبيق وشددت الوصل وأحكمته ووضعت بعد ذلك القرعة الأولى فى إناء ~~فخار كبير، بعد أن تلقى فى أسفل الإناء كهيئة المستوقد لئلا يلصق به من أسفل القرعة. ~~فيكون ما قد حذرناه الفيلسوف فى وصول النار إلى الجزء السائل، ثم يصب فى الإناء ~~الفخار الماء بقدر ما يحيط بالقرعة وينزل نحو الشبر من القرعة خارجا من الماء، وتكون ~~PageV01P183 أنبوبة الإنبيق قد أدخلت فى فم الإناء ملازمة؛ واستوثق من الوصل لئلا يفوت ~~الصاعد. أوقد ms054 تحته برفق وتأن، فإن المنسوب إلى الروح يصعد إلى الإنبيق: فإن كان ~~سيالا سال فى الإناء، وإن كان يابسا رقد فى حواشى الإنبيق. ويسيل المنسوب إلى النفس ~~من ذلك الثقب إلى أسفل القرعة ويبقى الجسد فى موضعه. # فهذا جملة أمر التفريق؛ وأخرجه الفيلسوف بكلام طويل هائل، فاختصرت ذلك ~~وأوجزته بكلام سهل عامى، لما رجوت فيه نفى الحيرة عن طالبى العلم. # قال أفلاطون: وليكن المنخل متضايقا لئلا تشترك النفس مع الجسد. # قال أحمد: إن الثقب الذى فى أسافل القرعة إذا لم يكن متضايقا فإنه يسيل من ~~الجسد أيضا كما يسيل النفس فيفسد التدبير، فلهذا يأمرك الفيلسوف بما يأمرك. # قال أفلاطون: وبعد الفراغ فإن خفت فى العمل الاختلاط فدبر كل واحد منها ~~كتدبير الأول. # قال أحمد: إن هذا الذى ذكره الفيلسوف، خفت الاختلاط أم تخفه، فلا بد ~~من استعماله لأنه لا بد أن تصعد ما لا يجب أن يصعد، وتنزل ما لا يجب أن ينزل، ويبقى ~~فى موضعه ما يجب فيه الصعود والنزول فإذا أنت رددت كل واحد منها، أعنى الصاعد ~~والنازل والثابت فى القرعة وعالجته كعلاجك أولا، استقام لك واستثبت. # قال أفلاطون: والآنية الزجاج فلولا ما يسرع إليه من الكسر لكان فيه مرفق لنفاذ ~~البصر فيه. # قال أحمد: إن هذه هذه الآنية التى علمنا الفيلسوف صنعها إن كانت مقاومة للماء والنار ~~فإنها تعمى على العامل، إذ كان البصر لا ينفذ فى جرمها والعامل يحتاج إلى ذلك ليقف على ~~صعود العمل ونزوله، وهل يجب أن يقطع النار أو يرتد. # قال أفلاطون: فإن قدرت على سياسة الصقيل فافعل واستظهر بالاستعمال للآخر. PageV01P184 # قال أحمد: من وثق من نفسه بالصبر على العمل والتوقى من الخرق وما فيه كسر ~~الآنية فاستعمل الزجاج الذى يسميه الفيلسوف الصقيل كان مما يؤيد رأيه إذ هو مستمكن ~~من النظر إلى العمل. على أن الفيلسوف قد أمر مع هذا بالآنية الأخرى، يعنى بها ما مثل ~~عملها قبل، كأنه يجعل بعض العمل فى الزجاج وبعضه فى الإناء الآخر ويكون ~~الوقود والتدبير على ms055 سنن واحد، فيستدل بما يراه فى الزجاج عليه وعلى الآخر، ويكون ~~مستظهرا بالإناء المكلس إن عرض للزجاج عارض. # قال أفلاطون: وإذا أنت رددت من الصفو على العكر استحال إليه. # قال أحمد: إن المطلوب من هذا العمل هو المعنى الذى ذكرناه فيما تقدم من كلام ~~الفيلسوف؛ وهو ما قد أشرت إليه فى كتابى هذا وفى غيره، وهو أن أوائل الأشياء أوائل ~~متشابهة والاختلاف من أجل التركيب. فإذا أقمت الشىء مقاربا لما كان فى البدء وأقام ~~كل ما جاوره وخالطه كهيئته فى التركيب — فيقول الفيلسوف إنك إن رددت ما قد صفى ~~بعض التصفية على العكر أحاله إلى الصفو، لما قد أخبرت. # قال أفلاطون: والتركيب وقع فى أزمنة ومداخلة فلا يبطل دون مداومة العمل. # قال أحمد: يحرضنا الفيلسوف على إعادة العمل مرارا ويوئسنا بقوله هذا من إدراك ~~المطلوب إلا بالعناء الشديد والتدبير النافذ. # قال أفلاطون: ولا يزال يفرق حتى يستيقن قيام كل واحد منهما بذاته — إلى أن ~~قال: فالتدبير له كتدبير الآلة. # قال أحمد: وإن المدبر العلوى لا يعيد الشىء حتى يصير فى هيئته الأولى — كذلك ~~يشير الفيلسوف أن يكون تدبير العمل كذلك. # قال أفلاطون: ومن دليل الصفو إذا أنت خلطته مع العكر أن لا يمازجه ~~بل يستحيل إليه. # قال أحمد: إن الشىء إذا صار بالمحل الذى وصفه الفيلسوف لا يخالط شيئا بتة، ~~بل يحيل إلى جوهره ما جاوره حتى يصيرا فى هيئة واحدة. PageV01P185 # قال أفلاطون: فهو كالنار، بل هو أقوى، إذ لا يبقى. # قال أحمد: قد نرى النار إذا وقع فى الخشب والنبات فإنه لا يأتى على كل أجزائه، ~~بل يبقى منه الرماد والفحم؛ والعمل لا يترك شيئا من الأشياء إلا أحاله بكليته. # قال أفلاطون: وترى فيه حركة روحانية لا تقبل الموت. # قال أحمد: إن الفساد والاضمحلال فى الشىء: من الشىء ما يكون كما ترى النار ~~الآكلة فى الخشب والعفونة فى التفاح. فالفساد إذا لم يكن من جنسه متمكن ممكن فيه فإنه ~~لا ينفذ فى الشىء ويستحيل منه تدبيره فيه. فهذا أحد ms056 الأسباب التى تمنع هذا الشىء من ~~قبول الفساد. # والسبب الثانى: أن فارق الصافى الكدر عنه مفارقة الصافى اسم الموت. فأما الشىء ~~الذى هو الحياة فإنه يستحيل منه قبول الموت. # قال أفلاطون: والتكليس بعد التصعيد مما يصفى — إلى أن قال: فإن شئت فاجمع، ~~وإن شئت فافرد. # قال أحمد: إنك إذا صاعدت الشىء ثم صاعدته أيضا من غير أن يكون بين التصعيدين ~~تكليس، فإنه قلما يغنى، وإنما يزيل هذا الشىء عن جهته، أعنى عن تركيبه، التصعيد ~~بعد التكليس، والتكليس بعد التصعيد. وجائز أن تفرد الثلاثة الأجناس التى يولدها لك ~~العمل الأول، فدبر كل واحد على حدة؛ وجائز أن تجمعها أيضا، والجمع أسهل، لأن ~~المفردات من هذه الثلاثة الأشياء الفساد إليها أسرع والتدبير لها أعسر. # قال أفلاطون: وإن كان فى العمل بعد التصعيدين أو الثلاثة قلة فالحق به من الشىء ~~غير المدبر فإنه يلحق به. # قال أحمد: لعلك قد سمعت فى بعض ألفاظ من ينتحل هذا العلم من الفلاسفة: ~~PageV01P186 «الخميرة» لأن من آرائهم أن الشىء وإن كان قد جرى عليه نصف التدبير فإنه ~~إذا خلط به من جنسه الأول تساوى معه فى النضج والإدراك. # قال أفلاطون: وهو إذا بلغ النهاية سم قاتل — إلى أن قال: إذ من عادته الجذب، ~~وخاصة المجانس. # قال أحمد: إن الشىء البالغ هو الجوهر البسيط الواحدى الذات: فهو يجذب كل ~~ما يشاكله. فإذا أكثر الإنسان النظر إليه أو داخل بعض الحواس ويكون الأكثر من ~~أجزائه من خارج متصلا به فإنه يجذب ويقتل الحيوان — هذه الدرجة مثل العامل من ~~روائح العمل فيجب أن يتحرز منه كل الاحتراز 〈أى〉 من مشام العامل فإنه إن ~~شمه قتله فيجب التحرز منه. والآلة الأولى التى ذكرها الفيلسوف هى أسلم من هذه، ~~وهى التفريق للغاية. # قال أفلاطون: وهذا فى بلوغه النهاية، فأما أن لو كان قبل استحالة تدبيره... # قال أحمد: إنه يظهر هذا الأثر منه وقد بلغ النهاية واستغنى العامل عن ملازمته. فأما ~~إن لو كان ذلك يظهر منه قبل، لهلك مدبره قبل أن يتم ms057 تدبيره. # قال أفلاطون: وهو إذا أكلته مقو للروح زائد فيما يثبته. # قال أحمد: قد يجب أن تعلم أن الضرر الواقع على الإنسان من هذا الشىء ليس من ~~أجل تضاده للروح، بل من أجل ملاءمته له. فإذا كان خارجا جذب؛ وإذا داخل ~~الإنسان لازم وقوى شكله الذى ناسبه. # قال أفلاطون: وهو أيضا يعمى إذا نظر إليه. فإذا اكتحل به قوى نور البصر — إلى ~~أن قال: وسائر الحواس أيضا كذلك. # قال أحمد: العلة فى هذا كالعلة فى الموت الذى تقدم كلامنا فيه. وليس كل الأطباء ~~PageV01P187 يوافقون على هذا الرأى، إلا أنه الصواب، وليست بنا حاجة إلى إشغال أنفسنا بذكر حجج ~~الموافق والمخالف فى هذا الأمر، والتجاوز إلى غيره أولى. # قال أفلاطون: والتصعيد الكامل أن يصير الشىء واحدا ثم يفرق بالمتجاوز ~~من الحرارة. # قال أحمد: إن أفلاطون يرى أنه إذا ثابر على التصعيد صارت الأجناس الثلاثة الجنس ~~الواحد الذى يختلف فى القوة ويتساوى فى التركيب؛ ثم فى رأيه أيضا أن تفرقه بالنار الشديدة ~~كنار الإذابة بالنفخ. فأما 〈ثاو〉 فروسطس وأرسطوطاليس وفيثاغورس فيخطئون هذا ~~من رأيه لأنهم يرون أن ما ذكر خلاف ما ذكر، إلا أنهم يقولون إن ذلك لا يتهيأ ~~لأحد ضبطه فى النار؛ والشيخ لا يلحقه العتب فى هذا لأنه كان واثقا بنفسه فى ضبط ~~العمل وتدبيره. وليس العجز والنقيصة فى غيره مما يلزمه. ويرى الفيلسوف أن ذلك إذا ~~خلا مما ذكره، وهو التفريق بالنار الشديدة، فإنه يوشك أن لا يقاوم النار بعد. ومن ~~رأى من خالف الفيلسوف فى قوله هذا أن التكليس بالنار الشديدة يغنى عن التفريق بمثل ~~هذه النار. # قال أفلاطون: والحمامات أيضا مما يعين على التفريق. # قال أحمد: إن العمل إذا خاف العامل منه أن لا يسرع فى التصعيد فإنه يتخذ له أتونا ~~كالحمام ويعلقه فيه فى أوانى زجاج أياما، ويكون تارة كنار الحمام. فإذا دبر هذا التدبير ~~أياما نضج وقبل فى قرب مدة تدبير التصعيد. # قال أفلاطون: واحذر أن يكون هذا التدبير مما يخيل. # قال أحمد: إنه ربما ms058 كان تدبير العامل ليس بالمستقيم، فيقع فى العمل فى مثل ~~هذا الأوان الدود، ويكون ذلك من قلة التعاهد. ولا يستعظمن أحد تخيل الديدان فى ~~العمل مما من شىء فيه رطوبة فأمد بحرارة أو برودة ألا يخيل فيه؛ وقد يخيل فى اليبس ~~والحر أيضا من ذلك ما أخبرنى به ثابت ما سمعه من بعض الموابذة الملازم لنار يبست ~~بأرمينية أنه تخيل فى النار ديدانا لونها كلون النار لها حركة؛ وأنها كانت إذا خرجت من ~~PageV01P188 النار بطلت حركتها. فأما الثلج فإنه كثيرا ما يرى ذلك فيه؛ والكيان إذا لان مسلكه ~~وقرب فى مكانه خيل. والحيلة فى كف هذه الغائلة حركة الإناء وضربه ليبطل عمل الكيان ~~فإنه إذا قوى فى موضع نقل إلى الموضع الآخر، فاحتاج أن يبتدئ أيضا، فلا يزال به ~~كذلك حتى يفرغ من العمل. # قال أفلاطون: وأكثر ما تعرض هذه الأشياء الحيوانية — إلى أن قال: ~~لقرب العهد. # قال أحمد: صدق الفيلسوف وتكلم بالحق، فإن هذا الشىء إذا كان من جنس الحيوان ~~فإنه أقرب إلى التخيل منه إذا كان من الأجساد القريبة العهد بالنمو. وقرب العهد بمجاورة ~~الكيان مما يمكن للكيان. # قال أفلاطون: وطحن العمل بعد التكليس مما يعين على الحل. # قال أحمد: إن الطحن يفرق الأجزاء فيسرع إليها الحل. وما كلس من العمل ربما ~~اجتمع فانضم أجزاؤه. # قال أفلاطون: والعمل الحل، كذلك النبات لا ينمو دون الحل. # قال أحمد: إن هذا الرأى من الفيلسوف تظهر صحته فى القمح، لأنه إذا بدأ فى النبات ~~ثم طحن وخبز كان متخلخل الأجزاء لا يكاد ينضم. # قال أفلاطون: اعلم أن النار الشديدة للغسل والخفيفة للتفريق. # قال أحمد: إن النار الشديدة لا تكاد تحلل، بل تضم الأجزاء بعضها إلى بعض. وإنما ~~التفريق يقع باللين من النار. # قال أفلاطون: فاعتبر ذلك بالعرق. # قال أحمد: إنه لا يسيل العرق الذى هو كنوع من التحلل إلا بالحرارة اللينة. # قال أفلاطون: ومن تمام الإدراك أن يكون العمل خلوا من الطعوم. PageV01P189 # قال أحمد: إن الطعوم من الطبائع المركبة، والعمل محتاج ms059 أن يخلو من التركيب. فإذا ~~كان فيه ما فى الطبائع فإنه لم ينفرد بعد. # قال أفلاطون: والبرانى يكفيه هذا المقدار. فأما الجوانى فينقى بالروحانيات. # قال أحمد: إن العمل البرانى يكتفى من التصفية بالحل والتصعيد؛ فأما الجوانى فلا يكتفى ~~بالتصفية دون أن يستعان بالروحانيات ليصفى تلطفها ما يعجز البشر عن فعله. # قال أفلاطون: والروحانيات سهل على الروح جذبه. فأما الجوانى فلا يتهيأ دون ~~لباس الروح جسدا. # قال أحمد: إن الشىء الروحانى لطيف: فمنه ما يكون ذا غائلة وسطوة، ويجب ~~أن ينقى العمل منه، والروح مقتدر على جذب الروحانية المفسدة. فأما ما كان من العلم ~~الجسدانى فلا يتهيأ للروح جذبه إلا بأن يكون لابسا جسدا من الأجساد يجذب به ما كان ~~من جنسه. # قال أفلاطون: وإذا أحطت بالعمل من لطائف العلو فإنه يكفى الضبط. # 〈قال أحمد〉: يعنى بلطائف العلو الروحانيات. وأنت إذا استعنت بها أحاطت ~~بالعمل فمنعت اللطائف من اللحاق بالعلو. # قال أفلاطون: وأحق المستعان به فى هذا العمل نجم البلاد. # قال أحمد: يعنى بنجم البلاد «المشترى» لأنه المخصوص ببلاد اليونانيين ~~وهو الكوكب المنجح فى كل أمر، الخير الطبع الذى لا يشوبه الشر. # قال أفلاطون: وتحرز فى ذلك من النيرين؛ فأما سوى ذلك فممكن منه المعاونة. # قال أحمد: إن من شأن النيرين الجذب. فإذا كان هذا طباعهما وفعلهما، فكيف ~~يعينان على منع ذلك؟! PageV01P190 ~~قال أفلاطون: وإن لم يصح عندك ما نقول فى المحيط فاستدل بالمبرسم وتدبير ~~الأطباء له. # قال أحمد: إن من شأن المبرسم فى الشتاء أن يحال بينه وبين الهواء البارد، ويكون ~~موضعه الموضع الدفىء إذ كان يجب أن يخرج ما قد علمت فيه من الحرارة المفرطة. فإذا كان ~~فى الهواء البارد انعكست الحرارة المفرطة إلى جسمه وكان وشيك الهلاك. وإذا كان المحيط ~~الهواء الدفئ فإنه تنحل منه الحرارة فيه. فأراد الفيلسوف بما مثل أن يصح عندنا أن مضاد ~~الشىء إذا أحاط بالشىء منعه عن مفارقة موضعه. # قال أفلاطون: والشىء إذا دبره الماهر فإنه يتألفه من غير أن يضاده. # قال أحمد: ms060 إن من شأن المحيط المضاد أن يفسد وإن منع عن مفارقة الموضع. فيقول ~~الفيلسوف إن الماهر يدبر العمل تدبيرا يستغنى أن يحيط به ما يضاده. # قال أفلاطون: وإن حاط أيضا فليحجز ليأمن الفساد. # قال أحمد: يعلم الحكيم أنه لا يستغنى عن إحاطة المضاد ليمنع من المفارقة، فيحتال لنا ~~بما هدانا إليه، وهو أن يحيط بالشىء مسالم، لا مشاكل، ثم يحيط بالمسالم المضاد ليكون ~~المسالم حاجزا بين المضاد وبين الشىء فيؤمن الفساد والفوت. # قال أفلاطون: والعمل أقل أيام تدبيره حول، يعنى دور النير الأعظم. # إلى أن قال: ويجب أن يكون الابتداء فيه الوقت الذى يعتقده الهند أن فيه ~~تحويل سنتهم. # قال أحمد: قد أعلمك أن العمل يحتاج العامل أن يقوم عليه سنة تامة، ويأمر أن ~~يكون الابتداء فيه الوقت الذى يعتقده الهند أن فيه تحويل سنة العالم، وهو حلول الشمس ~~أول الجدى. # قال أفلاطون: وإن الزمان يوافق جنس العمل. PageV01P191 # قال أحمد: إن أول تدبير العمل الحل وهو الرابع من أرباع السنة، أعنى به ما بين ~~نزول الشمس رأس الجدى إلى أن ينزل رأس الحمل، ربع يغلب فيه العضو المائى وتميل ~~الشمس إلى ناحية الجنوب، فيكون هذا الربع من أرباع السنة أوفق لما يراد حله من ~~غيره من الأرباع. # قال أفلاطون: ثم يكون الغالب من العمل فى كل ربع من الأرباع ما يوافق الربع. # قال أحمد: إذا كان الربع الشتوى مما يوافق الحل، فالربع الربيعى — وهو ما بين ~~نزول الشمس أول الحمل إلى أن ينزل برأس السرطان — مما يوافق التصعيد، إذ الزمان زمان ~~هوائى يصعد فيه الماء من أسافل الأشياء إلى أعاليها وتتفرق الأشياء فى أجناسها؛ ويكون ~~الربع الصيفى مما يثابر فيه على التكليس إذ الزمان زمان يبس لا يصلح فيه شىء كما يصلح ~~التكليس؛ ويكون الزمان الخريفى، وهو بين نزول الشمس أول الميزان إلى أن ينزل برأس ~~الجدى، مما يقصد لتفريق الشىء وتصفيته، إذ الزمان يعين على ذلك، كما يرى يقع فى النبات ~~والحشائش وورق الشجر الاضمحلال والبلى؛ وإنما قال الفيلسوف ms061 ما الغالب فى كل زمان ~~لأنه علم أن الشىء محتاج أن يدبر مرارا كثيرة، وعلم أن أكثر ما يلحق العمل فى إبطال ~~التدبير وهو الحل فى أربعين يوما، إذ هو الشىء الرطب الذى هو علة الإبطاء (افهم: ~~علة إبطاء العمل) — والربع نيف وتسعون يوما — فإذا كان إبطاء التدبير يلحق ~~فى أقل من نصف أيام الربع، فكيف يتهيأ للعامل ألا يخرج فى عمل كل ربع إلى غيره، ~~لاسيما وأبعد أيام التصعيد فى الأعمال الجوانية النهاية فى اللطافة أقل من الأسبوع. ~~فالفيلسوف لا يحظر أن يخرج العامل فى الربع الواحد من تدبير إلى غيره؛ إلا أنه يأمر أن ~~يكون الغالب فى الكل — كل زمان من العمل — شكل الزمان، لا يغفل سائر ~~العمل؛ وقوله الذى يأتى بعد محقق لما أقول. # قال أفلاطون: وإذا ارتفع لك جزء العمل فى أوانه — وهو الأوان المأخوذ من حركة ~~النير الأعظم — فجد فى غيره واستعن فيه بحركة النير الأصغر فإنه سريع ليرتفع لك العمل ~~PageV01P192 فى الزمان القريب — إلى أن قال: لئلا يفوتك مطلوبك ويقطعك عنه العارض لجنسك. # قال أحمد: يقول: إذا ارتفع لك فى ربع من الأرباع عمله فجد فى عمل الربع الآخر، ~~وليكن العمل والقمر فى البروج الموافقة كأنك إذا فرغت من الحل فى الربع الشتوى بدأت ~~فى غيره والقمر فى أول الحمل وأتممت ربع الشهر، وهو ما بين نزول القمر برأس الحمل إلى أن ~~ينزل برأس السرطان إلى آخر الميزان؛ وكذلك فى سائر الأرباع فليكن عملك فيه؛ كذلك ~~أقم القمر مقام الشمس ليسرع لك العمل فتأمن ما قد حذرك الفيلسوف من أن يقطعك عن ~~مطلوبك الموت العارض لجميع الخلق؛ وعملك يصعب فى أوله؛ فأما إذا جرى عليه التدبير ~~بعد التدبير سهل، فتفقد؛ ولا تفعل مع هذا فى الابتداء إلا بالاختيار وإصلاح مواضع ~~الكواكب؛ والعاقبة كما قد أمرتك لأنك محتاج إليه والعمل متعلق بعضه ببعض؛ وإذا ~~أغفلت الجزء بطل عليك الآخر. # فهذا آخر ما أخرجته فى هذا الرابوع من كلام الفيلسوف، وقد يعلم إله الحق أنى قد ms062 ~~بذلت الوسع فى كشفه حتى يحدث أن أخالف وأحيد عن مذهب الفيلسوف، إذ كان كلامه ~~الجزل الغلق كما قد اخترت، وتركت أكثر كلامه فيه، إذ كنت مستغنيا عنه بما تقدم من ~~كلامى فيه وفى الرابوع الأول والثانى، وما أعزم على إخراجه فى الرابوع الرابع، ~~إن شاء الله. # تم الرابوع الثالث من أرابيع أفلاطون ~~والحمد لله وحده # ~~ PageV01P193 ### | [book 3: 4] # ~~ # بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| الرابوع الرابع ترجمه اسطوميناس ~~وهو الكتاب الأول من الرابوع الرابع من أرابيع أفلاطون # قال ثابت: لما فرغ أبو العباس أحمد الحسين من تفسير الرابوع الثالث من أرابيع ~~أفلاطون — قلت له: أيها الفيلسوف المخصوص بكل فضيلة! إنك قد تكلفت من نقل هذه ~~الكتب المنسوبة إلى الشيخ أفلاطون فى هذا النوع من العلم، وتجشمت لى من اشتغالك ~~بها ما بهرنى وأيأسنى عن أداء بعض الحق فيه، ولو عريت من الكون والفساد وبقيت ~~دهر الدهور فى خدمتك وما يلزمنى لك. على أن ذلك الجزء مما قد أسديته إلى بدءا، وقليل ~~فيما أرجوه مستأنفا. فالباغى أداء حقك باغ مجازاتك وثناءك. ومحال ذلك إذ كنت قد ~~خصصت بما قد يحسن هذا للأنام من الابتداء إلى الانتهاء. ولقد تيقنت الفضل ~~على من قد تقدمنى من أئمة العلم بك وبما قد أتيته، فلا عتب لى على الفلك وحركاته ~~إذ كنت خلوا من الأمل والتمنى إلا فى دوام ما قد شملنى وتكامل لدى. فأنا أرغب إلى ~~إله الخلق أن يطيل لك البقاء، ويكمل لديك النعماء — فإنك قد أسديت — بإخراجك ~~غوامض هذه الكتب — إلى وإلى من بعدك من منتحلى هذا العلم اليد التى أتت باستتمامها ~~لديهم ولى بإخراجك غوامض هذه الكتب. فقد أخرجتهم بما كشفت من شبه الضلالة ~~وخلصتهم من خدع الطبيعة. فالحكمة توجب عليك أن لا تدع ما منحتهم به ابتداء دون ~~إتمامه، وشفقتك تمنعك من أن تدعنى والطالبين بعدك متأسفين حيارى فيما قد سبق الوعد ~~منك فيه. PageV01P194 # قال أحمد: قد استعفيتك مرارا من المدح الذى لا استحقه، ولا يجوز كون من ينسب ~~إليه مثله. وإنى مبتدئ ms063 فى تفسير ما سألت من الكتاب ليتم المعنى وأبلغ الغرض المقصود، ~~ولأخلى ما بذلت فيه من النقص وإن كنت لا أخلو من العجز. وأبدأ بقضايا الشيخ ~~فيثاغورس، فذلك مما يوضح الكثير مما يحتاج إليه: # قال فيثاغورس: النهاية كالبدء. # قال أحمد: من آراء الأوائل أن الشىء إذا بلغ نهاية التفاوت فى التركيب والتراكم ~~〈ف〉إن الحال الذى يحدث عليه بعد لا يمكن أن تكون إلا بما يرده إلى التفرق ~~والتساوى. فليعتقد منتحلو هذا العلم صحة هذا القول، فليس يجوز إدراكه ذلك إلا بعد أن ~~يصح عنده ما تقدم. # وقضية أخرى وهى قوله: لا يضبط الشىء إلا بما هو أجسى منه. # قال أحمد: ما أنفع هذا القول لطلاب هذا العلم والعمل، وأغناه لديهم! لأنهم ~~محتاجون إلى ضبط ما يدبرونه. فإذا لم يكن له محيط به أجسى منه فارق وفات. # وله قضية أخرى قوله: وقد يستغنى عما يضبط إذا بلغ مبلغا لا يكون فى المشاهد ~~ألطف منه. # قال أحمد: أنه إذا بلغ العمل نهاية التلطيف فإنه يبلغ مبلغا يكون الركنان اللطيفان، ~~أعنى بهما النار والهواء، كالإناء له لا يداخلهما ولا يداخلانه. فإذا كان كذلك فإنه الواجب ~~أن لا يسرعا إليه الفساد. # ولا يخلو كلام الشيخ أفلاطون فى كتابه من أن يأتى على المعانى التى قصد لها فيثاغورس؛ ~~فإخراجى قول فيثاغورس فى صدر كتاب الشيخ أفلاطون ليس لأن الشيخ أغفل بعض ~~PageV01P195 ما وجب، أو عجز عن إخبار المحتاج، بل للتأكيد، ولتتبين موافقتهما فى الرأى. وهذا ~~ما بدأ به أفلاطون فى هذا النوع: # قال أفلاطون: كما لم يخل الموضع من التفاوت والنقص، كذلك لا أضمن أن ~~يخلو من ذلك. # قال أحمد: يعنى بالموضع العالم؛ ويقول: إنى لا أضمن أن يجرى العمل فى مدته على ~~السداد والصواب، إذ هو فى الموضع الكبير العوارض والتفاوت. # قال أفلاطون: ولكن آمرك بالصبر على ما نويت والتحرز — إلى أن قال: فأشد ~~ما أخاف عليك تركيبك. # قال أحمد: يقول إن خوفه على ما يعرض للعامل فى نفسه وجسده أشد من خوفه ~~على ms064 العمل. # قال أفلاطون: فليكن حزمك وسياسة مركبك أبلغ من حزمك — فيما يدبر — إلى أن ~~قال: فلها تطلب. فأما إذا فارقت فقد نلت الغنى الذى لا يكون معه فقر. # قال أحمد: ما أبين صواب هذا القول وأظهر منفعته للعامل من العلماء! فإنما ~~يعنى بالمركب الجسد، وسماه مركبا للنفس، وإن كانت النفس غير محمولة لارتباطها ~~— أعنى النفس — بالجسد. فنقول: إن حاجتك إلى ما تطلب تكون وأنت مرتبط ~~بالجسد. فأما إذا فارقته وحللت فى تلك العوالم العالية المجردة من الطبيعة، فقد نلت الغنى ~~وعريت من الحاجة. # قال أفلاطون: فتحرز أن يداخلك شىء منه. وما لم نقو به، فقابله بضده. # قال أحمد: قد يجب على العاملين أن يتحرزوا من أن تداخل أجسادهم من بخارات ~~العمل ورائحته بسد الخياشيم والمنافذ التى فى الجسد. فما داخله بعد، مما لا يضبط فطر ~~ما طبعه، فيسكن بما يضاده كتدبير الأطباء. PageV01P196 # قال أفلاطون: وخاصة الإلهى فاحفظه فإنه يسرع إليه. # قال أحمد: العضو الإلهى الدماغ، إذ هو مسكن للجزء الإلهى التى هى النفس، ~~وإن ما دخل الخياشيم من البخارات واصل إلى العضلات المحيطة بالدماغ حتى يكاد أن يفسد ~~الحاد منه التركيب. وفى فساد تركيب هذا العضو بطلان الجسد. فلهذا خص الفيلسوف ~~هذا العضو بالحفظ دون سائر الأعضاء. # قال أفلاطون: وإذا وصل إلى العضلات فكان يابسا فإنه يسرع إلى الناظر الماء. # قال أحمد: من فعل الطبيعة أن يسرع الضد إلى الضد. وإذا غلب على الأعضاء. ~~والأعصاب المتصلة بالناظر اليبس، فإنه يسرع إليها الجزء الرطب المائى لمقابلة ما يضاد، ~~فيوشك ألا يسلم بصر العامل عند ذلك من الماء الذى يمنع النور من النفاذ. # قال أفلاطون: وربما بلغ على الاتفاق حلا فحل. ~~قال أحد: قد قلت بدءا إن الشىء، وإن اجتهد العامل فيه واستفرغ وسعه، فإنه ~~لا يبلغ به حتى يقيمه كالبسيط، إلا أنه ربما بلغ ذلك على الاتفاق. وهو حينئذ لا يضبط ~~بحيلة. وربما مر عند مفارقته فاتصل بنفس العامل فجذبه معه. فيريد أفلاطون بالحل حل ~~النفس من الجسد، إذ كان من ms065 آرائه أنها مربوطة. # قال أفلاطون: وإنى كنت أومأت فيما قدمت بأنه لا يوقف على الكون دون الإخبار. ~~والتصريح بالبدء وعلله. # قال أحمد: إن أفلاطون يضمن بهذا القول كشف السر العظيم من أسرار الفلاسفة ~~فلتنصت لما يخبر، ففى ذلك علم الابتداء والانقضاء. # قال أفلاطون: وأخبرك إلى حيث بلغت، ثم تقيس بالرأى الذى أفدت. # قال أحمد: إن أفلاطون يرى أنه قد أحاط بالطبيعى والنفسانى بالعقل، وأنه لم يتجاوز ~~PageV01P197 ذلك، أعنى بالعقل. وذلك بين فى كتابه المترجم ب«ديالغون» فإنه يقول فيه: «إنى جلت ~~السموات الثلاث: سماء الطبيعة، وسماء النفس، وسماء العقل — فلما رمت الخروج إلى ما هو ~~أرفع منعنى التركيب الطبيعى، وأنبأنى العقل أن ليس مسلك»: فيقول: إنى أخبر ~~بما أحطت به وأقيس ما لم أحط به بما أفادنيه الجولان والإحاطة بالسموات الثلاث. # قال أفلاطون: ولو كان مما يسلك لسلكت. # قال أحمد: إن أفلاطون يرى أنه إنما أمكنه الإحاطة بهذه السموات الثلاث لأنه قد ~~حوى من كل واحد منها الجزء؛ فيخبر أنه لو كان فيه ما وراء العقل لسلك إليه واخله. # قال أفلاطون: فمن النقص أتيت لا من التوانى. # قال أحمد: يقول: إن ما أتيت من عجزى عن تجاوز العقل بما قد نحسه، لا من ~~توان وتقصير. # قال أفلاطون: ولكن من القضايا المعقولة التى تكون عن مقدمات برهانية ~~أن السبب الأول للكون الثانى إله لا يرى ولا يتحرك ولا يلحقه نعت من نعوت الكون. ~~ومن أراد أن يعلم ذلك فسيثبت له إذا بسط الرأى المراتب العدلية البرهانية. # قال أحمد: إن هذا القول من الفيلسوف والرأى منه قد تحير فيه الأنام وأعتقد كل ~~جيل — عن تقليد دهرى وإيهام من الطبيعة — رأيا خالف فيه الآخر، وكون ذلك ~~واجب أعنى الاختلاف، لأن أنفس الأشياء فينا العقل، وهو دونه لا يدركه. والشيخ ~~أفلاطون لما عجز عن إدراك حقيقته استدل بالأثر على المؤثر بما أمكنه الاستدلال، لا بغير ~~ذلك. فكان من حيله أيضا فى إدراك ذلك جمع ما اعتقده الأوائل من الأمم الماضية قبله ~~وتبحر كل ذلك وتبيين ms066 فساد الفاسد وطلب العلة التى أوهمت ذلك ودعت إليه. ولم تزل ~~تلك حاله حتى أداه التفتيش إلى صحة ما اعتقده الفلاسفة قبله: منهم سقراط واسقولييوس ~~PageV01P198 وفرامنيدس. ومن رأى هؤلاء المخصوصين بكل فضيلة أن العلة التى من أجلها المشاهد. ~~إله لا يرى ولا يدركه شىء من الصفات، وذلك بين واجب أنه كذلك، إذ لا يمكن أن ~~يلحقه ما يلحق ما خالفه فى الأولية. ولقد نفى عنه الحكيم جميع الصفات التى يصفه بها ~~العوام، حتى لقد حظر أن يقال «قديم» إذ القدم فى الزمان وبالزمان؛ ونهى أيضا ~~أن يقال «عليم» إذ هذه الصفة تلحق الطبيعيين ومن يجوز عليه الجهل. — وكان مراده ~~أيضا فى نفى هذه الصفات أن لا يتوهم كون شىء معه بتة. وهذا القول يشهد بصحة ~~نسبته إليه. # قال أفلاطون: وإنما أثبته على الاضطرار من حيث كنت لأنى معترف بالعجز. # قال أحمد: يقول إنما أثبته كما أمكن عندى وكما يجوز أن أعلمه. فأما المعرفة من حيث ~~هو فمحال ذلك فى النفسانى العقلى؛ فدع المركب الطبيعى. # قال أفلاطون: ومعرفة الكون فمعتاص، من أجل ذلك لا يرجى الاتفاق فيه. # قال أحمد: يعنى بالكون العقل وما دونه. وللفلاسفة فيه اختلاف كبير يوازى ~~اختلاف العامة فيه. وسأخبر بالاختلاف الذى يقارب الصواب، ولا يخلو الحق من أن ~~يكون فى أحده: # أما الاسطخسيون فيقولون إن الخلق من العقل منقوض فنسبوا العقل إليه، وسموا ~~العقل الفاعل للنفس معقوله، لا على الانفصال. وأما فيثاغورس وشيعته فيقولون إنه أراد ~~فكان العقل. ونسبوا الإرادة إلى صفات الفعل ونفوها عن صفات الذات. — وأما ~~أفلاطون ومن تقدمه من أئمته فيرون أن الإرادة محيطة بالفعل، وأن الفعل المراد. هذا ~~PageV01P199 رأى أفلاطون ومن يأتم به، ما خلا اسقلبيوس فإنه يقدم على الإرادة، التى من ~~أجلها الفعل، مقدمات ويرتب ذلك ترتيبا يكون بين العقل وبين السبب الأول ما بين ~~العقل وقعر الطبيعة. وإنما أخرج فى هذا الكتاب الحكاية عن القوم وأضرب عن ~~البراهين والحجج التى احتج بها كل فريق منهم صفحا، إذ ليس ذلك من جنس ms067 الكتاب. ~~وإنما غرض الفيلسوف فى إخراج ما يولف به على حقيقة الكون والتركيب، لا غير ذلك. ~~فمن أراد أن يعرف ذلك بالبراهين والحجج والمقاييس فلينظر فى كتاب الفيلسوف ~~المنسوب إلى البيان والبرهان، وفى كتابى المترجم ب«الإيضاح»؛ فقد أخرجت ~~فى هذين الكتابين هذا السر العظيم من العلم الكبير المشتمل على العلوم بأصح ما تهيأ ~~وأوضح ما أمكن؛ ودققت الكلام وأخرجته مخرجا لا تلحقه الآراء اللطيفة إلا بمشقة ~~وصبر على التبحر. # قال أفلاطون: وإنى وإن عجزت عما أخبرت فمن الحق أن أقول إنى أحطت بما دون ~~ذلك حتى لم يغرب عنى ما أردت. # قال أحمد: كما اعترف بالعجز عن إدراك ما فوق العقل، فكذلك ادعى — ودعواه ~~الحق — أنه لم يفته ما أراد من علم ما دون ذلك. # قال أفلاطون: وتساوى عندى القريب والبعيد لما فى البعيد من السنن المستوى. # قال أحمد: يقول: تساوى عندى إدراك القريب التى هى الطبيعة، والبعيد الذى هو ~~العقل والنفس؛ إذ العقل والنفس يجريان على سداد وتساو، فيكون الرأى أضبط له، ~~والطبيعة وإن تفاوتت فقد جاورها وقرب منها. # قال أفلاطون: ومن أجل العقل والنفس. # قال أحمد: المسائل والمناطحات التى تقع فى كون العقل لا تقع فى كون النفس، ~~إذ العقل من أجل ما قدمنا. وللمناضلين أن يسألوا عن العلة التى أوجبت من العلة الأولى؛ ~~PageV01P200 وهذا الكون أعنى به العقل، إذ الأول كما أخبرت لا يليق به شىء من الصفات المعقولة. ~~فأما العقل فلاستحقاقه اسم التكوين جاز أن ينسب إليه الفعل الإرادة المعقولة، إذ الإرادة ~~من العلة الأولى غير معقولة، إذ هى — أعنى هذه الإرادة — فوق العقل، والعقل واجب ~~فيه الإدراك، والإدراك يكون بالحركة المعقولة، لا الحركة التى تكون فى الأجسام المحسوسة. ~~وإذ قد بينت الحركة المعقولة وجاز فى العقل الانفصال لما استحق من اسم التكوين، ~~وكانت الحركة من الصفات، والصفة لا تكون إلا لجوهر، جاز ثبات ما قدمنا كون ~~الجوهر المتحرك وهو النفس البسيط — هذا رأى اسقلبيوس. فأما أفلاطون فيقول إن ~~العقل لاستحقاقه اسم التكوين استحق اسم الحاجة ms068 وجاز عليه فاحتاج إلى مركب وحامل، ~~فجعل النفس ليكون حاملا له. وإنما أخبر من كل قول بالبعض منه وأومأ إلى الرأى فيه؛ ~~فأما إخراجه على جهته فيغمض ويختلط على الناظر فيه. # قال أفلاطون: فالعقل ما به أدركنا، والنفس ما به قدرنا. # قال أحمد: الإدراك والقدرة من صفات العقل والنفس. فالعقل يحوى الصفتين، أعنى ~~الإدراك والقدرة، ولا يجوز عليه أضداد هذه الصفات. والنفس خلو من الإدراك، جائز ~~عليه العجز. # قال أفلاطون: والعقل لا يداخل، والنفس بخلاف ذلك. # قال أحمد: إن الجزء الحساس فينا هى النفس؛ وظاهر أنه كثيرا ما تألم وتعترضها ~~العوارض؛ وذلك لا يكون إلا بمداخلة؛ و〈أما〉 العقل فإنه لا يشاركه فى ذاته ضد. ~~وقد اعترض الفوثوغوريون على الفيلسوف فى ذلك وقالوا إن الجهل والحمق فى العقل كالألم ~~فى النفس — فكان من جواب الفيلسوف لهم فى ذلك أن الجهل والحمق نفى العقل، وليس ~~الألم نفى النفس، ولا يداخل الإدراك العقلى العمى الجهلى، كما يداخل النفس الألم المؤذى. ~~ولا يجوز على النفس النفى كما يجوز على العقل، لأن نفى النفس الموت وبطلان البنية، ~~PageV01P201 وليس فى نفى العقل ذلك. وصحة هذا القول قد اشترك فيه العامة لظهوره ووضوحه ~~فضلا عن الفلاسفة، فقد يقولون للرجل: لا عقل له، ولا يقولون: لا روح له. # قال أفلاطون: واتخذ النفس لتدبره، ولا لحاجة. # قال أحمد: لما أخبر فيما تقدم من قوله إن العقل خلق النفس لتصيره مركبا، ومن ~~رأيه أن العقل مدبر غير محتاج، أراد أن يظهر رأيه فى ذلك ويعلمنا أن العقل لا يحتاج إلى ~~حامل كما تحتاج الطبيعة والأشياء المحسوسة. ولكن أخرج اسم المركب هناك على الاستعارة ~~ونسق الكلام. # قال أفلاطون: وكيف يكون ذلك، والنفس التى هى من أجل العقل غير محسوسة ~~بل معقولة؟! # قال أحمد: قد تعلم أن ما يحتاج إلى الحامل الجوهر المحسوس المركب. فالنفس التى هى ~~فعل العقل غير محسوسة، وهى حاملة لما تحتها، أعنى به الطبيعة. فكيف ترى ~~يكون العقل؟! # قال أفلاطون: والنفس ترى ولا ترى، وهى دائمة الحركة، ومن ms069 أجلها الطبيعة. # قال أحمد: قد اختلف العلماء أيضا فى هذه الدرجة، فقال فريق منهم إن الطبيعة ~~هى النفس المتراكمة فى التركيب. وقال فريق — وهم الجمهور وفيهم أفلاطون — إن النفس ~~اقتدت بالعقل فى الفعل. وأرادت أن تحدث أيضا فأحدثت الجوهر البسيط، وهو ينقص ~~فى الفضيلة عن النفس كنقصان النفس عن العقل. # قال أفلاطون: فالبسيط للطفه حساس. # قال أحمد: إن هذا الجوهر لما خلا من التركيب والتفاوت وكان مناسبا للنفس ~~مشاكلا له — وجب أن لا يخلو من الحس. # قال أفلاطون: وأول التركيب فريون. PageV01P202 # قال أحمد: هذا الجوهر لما كثر فيه الحركة والانتقال تكاثف فصار منه الجوهر الذى ~~يسميه الفلاسفة فريون؛ وهو أيضا حساس لطيف. # قال أفلاطون: ومن فريون الأثير؟ # قال أحمد: الأثير جوهر الضياء الخلو من الشوائب. وقد بلغ التركيب بهذا الجوهر فى ~~هذه الدرجة أن جعله محسوسا، لأن الضياء لون، واللون محسوس. # قال أفلاطون: ويتكون من الأثير الجوهر القابل للتفريق والاجتماع. # قال أحمد: إن الأثير للطفه وواحدية ذاته لم يمكن منه التداخل. فلما ازداد تركيبا. ~~حدث فيه الجزء القابل للاجتماع. إن أوائل الأشياء الجزء القابل للاجتماع والافتراق، ~~وسموه الهيولى؛ وزعموا أن جوهر الضياء متولد منه على التركيب. فلولا ظهور بطلان هذا ~~القول لكنت أجعل بعض نهارى للكلام فى نقضه لكنى قد كفيت ذلك بما أخبرت. ~~وكيف يجوز على رأى من الآراء أن التركيب يزيد الشىء صفاء، وأن الظلام العتم يتولد ~~منه النور المضىء؟! # قال أفلاطون: وليس بكليتها فى الدرجات تستحيل، بل البعض ويبقى الباقى كهيئته. # قال أحمد: يقول أن ليس كل جوهر بكليته يقبل التركيب ويستحيل، بل يحدث ~~ذلك على البعض دون البعض. كأنه يقول: إن فريون لم يستحل بكليته أثيرا، ولا الأثير ~~استحال بكليته الجوهر القابل للاجتماع والافتراق، بل استحال من كل واحد منها البعض ~~دون البعض، وبقى ما لم يستحل كهيئته. # قال أفلاطون: ومن الجوهر القابل تتولد فيه أجزاء هى أقل قليل الشىء المحسوس، ~~ولا تكاد تنقسم بالفعل لصغرها، وتنقسم بالقوة والعقل. ولى فيه كلام كثير فى كتبى على ms070 ~~أصحاب الطبائع. # 〈قال أحمد〉: فيرى أفلاطون الثلاثة الأجزاء إذا اجتمعت حدث منها ~~السطح، وإذا علا هذه الثلاثة الأجزاء ثلاثة أخرى حدث فيها الجرم العريض الطويل ~~PageV01P203 العميق. ويخالف ذلك أرسطوطاليس، وزعم أن السطح لا يكون إلا من أربعة أجزاء، ~~والجرم لا يكون إلا من ثمانية أجزاء. وذلك ما أنبأتك به من التركيب حتى بلغ هذا ~~الجوهر القابل للاجتماع والافتراق، وحدث بعد ذلك فيه هذه الأجزاء. إن الأجزاء التى ~~يعتقد الطبيعيون أنها لا تنقسم ولا يلحقها التجزىء بخلاف ما يعتقدون، إذ التركيب بعد ~~التركيب بلغ به هذا المبلغ، لكن استحال أن يتصور فى أوهام هؤلاء تجزئتها معقولا، ~~ولا محسوسا. # قال أفلاطون: فمن المثلثات المدورات التى كان منها الأجرام السماوية. # قال أحمد: إن الأجرام السماوية لما كانت متشابهة نسبوها إلى الجرم المدور، وإن ~~أفلاطون لما رأى أن تلك النقط والأجزاء لا تكاد تحس على الانفراد، وكان الجرم ~~المحسوس يكون من أجزاء ستة، إذ السطح من ثلاثة، ولا يكاد أن يكون المدور من هذا ~~العدد — نسب أوائل الأجرام إلى المثلثات، ونسب الأجرام السماوية إلى الدوائر المركبة ~~من المركبات. فمن اعتقد من تلامذة أفلاطون أن القوس الصغير من الدائرة الكبيرة خط ~~مستو، فإنه يذهب إلى أن ضلع الدائرة مركب من ضلع مثلث؛ ومن ذهب إلى أن القوس ~~من الدائرة لا يخلو من التقويس، وإن كان فى نهاية الصغر والدائرة فى نهاية العظم، فإنه ~~يعتقد أن ضلع الدائرة مركب من زوايا المثلث ونضع لذلك شكلا ليكون أقرب إلى فهم ~~الطالب. فنضع مثلث أ المركبة من الثلاثة الأجزاء فضلعها ب وزاويتها ج، فقد حدث فى ~~ب الخط المستوى المحسوس وعدم ذلك فى ج وذكر من اعتقد تركيب ~~ضلع الدائرة من الزوايا لا يتلاصق فى تركيب الدائرة إلا مقوسا. وقد ~~قال أرسطالينوس الرجل الذى نقل فى العالم كون مثله القول الصواب الذى ~~لا شك فيه، وهو أن الدائرة العظيمة كيف كان تركيبها من الضلع ومن الزاوية فقسيها ~~الصغار خطوط مستوية بالحس مقوسة بالعقل والقوة لأن الزاوية وإن كانت ms071 نقطة لا تنقسم ~~بالحس فهى تنقسم بالقوة والعقل. PageV01P204 # قال أفلاطون: وتشكل أشكالا متشابهة جملة متساوية إذ التركيب لم تبلغ به ~~حد التفاوت. # قال أحمد: إن الأجرام السماوية لقربها من البسيط ومشاكلتها له خلوة من العاهات التى ~~فى الطبائع السفلية فلا يسرع إليها الاضمحلال والفساد كما يسرع إلى السفلى. # قال أفلاطون: وأول المحسوسات ما نحسه بالعضو الأشرف إلى أن نبلغ به أن نحس ~~بالعضو الأرذل. # قال أحمد: العضو الأشرف عضو العين. وقد سبق من قولى فى هذا الكتاب أن ~~أول ما بلغ بالتركيب البسيط أن جعله محسوسا أقامته نورا مضيئا وهو ما نحسه بالعين. فلما ~~تمادى التركيب بلغ ما نحس باللمس وغير ذلك من الحواس. # قال أفلاطون: وبالتركيب والحركات السريعة تولد اليبس. # قال أحمد: إن من رأى أفلاطون أن اليبس بدء الطبائع وصفوها كما أن ~~الرطوبة قعر الطبيعة. # قال أفلاطون: وبالتركيب والحركات البطيئة تولد الرطوبة. # قال أحمد: إن هذا القول قد خرج تفسيره فيما تقدم من القول. # قال أفلاطون: ومن التركيب واليبس تولد الحرارة — إلى أن قال: ومن بالتركيب ~~والرطوبة تولد البرد. # قال أحمد: إن الحر أخو اليبس، والبرد أخو الرطوبة، فيقول الفيلسوف إن التركيب ~~الواقع واليبس تولد الحرارة، وبالرطوبة والتركيب تولد البرد. ولو قد أخرجت ما تكلم به ~~الفيلسوف مما يثبت كون الطبيعة وتولدها وفى توليد الجواهر على الدرجات ومناظرته ~~للمجادلين له — لطال الكلام واشتغل عن المقصود فى هذا الكتاب. ومن عادتى أن ~~لا استقصى فى كل كتاب إلا غرض الكتاب وأتجاوز سائره، وعلى أن غرض الفيلسوف ~~PageV01P205 فى الإخبار عن ذلك، أعنى به تولد أولية الأشياء والإخبار عما تركب كيف تركب، ~~ليكون المثال للعامل فيما يدبر من تركيب أو حل وغير ذلك. # قال أفلاطون: فتركبت الحرارة واليبس، واقتبسا من الضيائية اللون لقربها. # قال أحمد: إن الحرارة واليبس لما امتزجا تولد النار المحرق؛ ولطلب الحرارة العلو ~~وسرعة اليبس اقتبسا من جوهر الضياء ما ظهر فى لون النار واستعلى — أعنى النار — على ~~الطبائع المركبة. # قال أفلاطون: وتولد سائر الأركان أيضا بالممازجة، فصار ms072 العلوى المخصوص بالحر، ~~والسفلى المخصوص بالبرد. # قال أحمد: يعنى بالأركان النار والهواء والماء والأرض: فالنار والهواء المخصوصان ~~بالحر محلهما العلو، والماء والأرض المخصوصان بالبرد محلهما السفل. # قال أفلاطون: وبلغ تراكم التركيب أخلاط الأركان. # قال أحمد: إن الأركان، وإن كانت متضادة، فإنها تتمازج بتمازج لها. فالحر والبرد ~~متضادان يجمعهما اليبس والرطوبة؛ واليبس والرطوبة متضادان يجمعهما الحر والبرد. ~~فيقول الفيلسوف: إن هذا الاجتماع تراكم التركيب. # قال أفلاطون: فاجتماع المتضادين 〈يؤدى إلى〉 الاضمحلال والفساد. # 〈قال أحمد〉: الأشياء السفلية إذ كانت مركبة متضادة فالجزء منها يضاد الآخر ~~وينافره، والأجرام السماوية وإن كانت مركبة فهى واحدية الذات لم يبلغ بها التركيب ~~حد ما يتضاد، فلذلك طال ثباتها؛ وإن كانت لتركيبها وقبولها الأثر قابلة للتغيير والزوال. PageV01P206 # قال أفلاطون: وكلما ازداد تركيبا ازداد تفاوتا وعكرا وكان الفساد أسرع إليه إذ هو ~~المشاكل له. # قال أحمد: إن الفاسد فى ذاته يسرع إليه الفساد ويشاكله، والشكل طالب للشكل. # قال أحمد: مراده فى هذا القول ما قد أخبرت به فى قضايا فيثاغورس فلنتجاوز ما يأتى ~~من كلامه. # قال أفلاطون: والأجرام السماوية للتركيب شاكلت المضمحلة. # قال أحمد: يعنى بالمضمحلة الأجرام السفلية. والأجرام السماوية قد ينسب إليها فى ~~المشاكلة ويقع منها — أعنى السماوية، الأثر المشاكل للطبائع. فيخبر الفيلسوف أن هذا ~~الأثر والشكل من أجل التركيب. # قال أفلاطون: وكل ما كان منها أوفق للطبيعة فهو أبعد من البسيط. # قال أحمد: كل جرم من الأجرام السماوية كان كثير الأثر فى الطبيعة وعاون ~~الطبيعة على فعلها فبالواجب أن ذلك لبعده من البسيط وقربه من الطبيعة. # قال أفلاطون: وكما تفاضلت الأجرام السفلية ونقص تفاوت بعضها — كذلك كانت ~~الأجرام العلوية. # قال أحمد: إن الأجرام العلوية ازداد بعضها على بعض فى التركيب، إلا أنها لم تتضاد. ~~فما ازداد تركيبها صار المشاكل لها فى الأجرام السفلية ما هى فى قعر الطبيعة؛ وما قرب من ~~التساوى صار المشاكل لها من الأجرام السفلية لطائف الطبيعة. # قال أفلاطون: ومن أجل التركيب تفاوتت مراكز العلوية. # قال أحمد: يقول: من أجل التركيب حدث الاختلاف ms073 فى مراكز الكواكب، ~~فصار بعضها فوق بعض. # قال أفلاطون: فلما تزاوجت الطبائع تمكن منها كل مركب فيما وافقه. PageV01P207 # قال أحمد: يعنى بالطبائع المفردة وهو الحر المفرد والبرد المفرد واليبس المفرد والرطوبة ~~المفردة. فتولد من الحر واليبس النار، ومن الحر والرطوبة الهواء، ومن البرد والرطوبة الماء، ~~ومن اليبس والبرودة الأرض فيثبت كل منها فى الأماكن الموافقة لها. # قال أفلاطون: وطلب كل واحد منها الآخر بالتنافر. # قال أحمد: من رأى الأوائل أنه لما حدث الكون الركنى طلبت منافرة العلوية ~~وطلبت العلوية منافرتها، حتى كان من الأمر ما يخبرك به الشيخ أفلاطون. # قال أفلاطون: ولو خلى بين الطبائع لتولد من الأمر ما لا يتلافى. # قال أحمد: يقول: لو تركت الطبائع لتولد من الأمر ما لا يتلافى تراكم الفساد فيها، ~~حتى كان يبلغ من ذلك ما لا يتصور فى أوهامنا. # قال أفلاطون: ولكن الأنفس سلكت حتى بلغت أجرام السماوات ثم ما دون ~~ذلك ليمنع من الإفراط ويرد إلى الاتفاق. # قال أحمد: يعتقد أفلاطون ومن تقدمه من الأوائل أن النفس لما جذبت الجوهر ~~البسيط اقتداء منها بالعقل، أرادت الإمكان فى غيره، فوقع عليها المنع من العقل، فلم يكن ~~منها بعد ذلك جذب؛ وإن الطبيعة لما تفاوتت وبلغ بها الأمر إلى ما يشاهد لم تزدد ~~على طول الثبات — إذ ليس هناك زمان، إذ الزمان ما بين الحركات المعلومة — إلا تفاوتا ~~وتراكما، فسلكت إليهما الأنفس فمنعت التراكم فى الفساد. # قال أفلاطون: وسلكت إلى الأجرام السماوية فمنعت أن تحل محل السفلية ومنعت ~~السفلية عن الزيادة — إلى أن قال: فاستعان منها عليها. # قال أحمد: يعنى بالزيادة الزيادة فى الشر. وقوله: «استعان منها عليها» يريد أن ~~النفس منع بالطبع الطبع عن طباعه. PageV01P208 # قال أفلاطون: ووافى وقد اختلطت اختلاط مداخلة لا مجاورة. # قال أحمد: يعنى بالموافى النفس. والاختلاط عند الفلاسفة نوعان: اختلاط مجاورة، ~~واختلاط مداخله. فالاختلاط المجاور كاختلاط الخردل والسمسم، واختلاط المداخل ~~كاختلاط الخمر والماء، لأنه إذا اختلطا صار كل الماء فى كل الخمر، وكل الخمر فى كل الماء ~~بالتداخل، لأن ms074 الأجزاء فى هذين — أعنى بهما: الماء والخمر — سيالة لا تمنع من التداخل، ~~والسمسم والخردل وما أشبههما لا يقبلان التداخل لانضمام الأجزاء والتعقد. ~~فيقول الفيلسوف: إنه وافى النفس فوجد 〈أنه〉 قد اختلطت الأركان بالمداخلة اختلاطا ~~صار فى الجسم الواحد الأركان الأربعة. # قال أفلاطون: ولما وقعت فى هذا التهور العظيم لم يكن ينفذ منها الأثر كما ينفذ فى ~~عالمها — إلى أن وقعت فى الجرم السيال فبطل الأثر بكليته. # قال أحمد: يعنى بالتهور العظيم الطبيعة؛ ويقول إنه لما وقعت الأنفس فى الطبيعة ~~لم يكمل الأثر كما كانت مكملة فى عوالمها لاختلاطها بالمطبوع المركب. فلما خالطت الجرم ~~السيال، يعنى الرطوبة ، بطل منها الأثر بكليته. # قال أفلاطون: ومنع بطلان الأثر حدث عليها فى ذاتها ما لم تحس معه. # قال أحمد: إنه من البين عند العلماء بفعل الطبيعة أنه ليس ركن من الأركان أمنع ~~للنفس من فعلها — من الرطوبة. بيان ذلك فى التوليد: فإنه لاستيلاء الرطوبة عليه بطل ~~أثر النفس فيه، والرطوبة هى المانعة، إذا غلبت على الهواء المحيط، لضياء الشمس من ~~النفاذ؛ هذا مع قوة الشمس وغلبته حتى يرى فى شواطئ البحر وخاصة فى الأركيد، وهو ~~الموضع البعيد الغور، قد عدم ضوء الشمس عدما دائما. وقد يجب علينا مع ما نشاهد ~~تصديق الشيخ فى قوله. # قال أفلاطون: وكأن هذا الجرم مع ما يبطل من الأثر تعسر مفارقته. PageV01P209 # قال أحمد: بالحق قالت الأطباء إن الحياة بالرطوبة، والموت باليبس، لأنه متى ~~ما وجد فينا الجزء الرطب معتدلا فإنه يستحيل من النفس مفارقة الجسد كما قد أخبر به. ~~الفيلسوف. إلا أنى أقول إن فراق النفس الجسد بغلبة الرطوبة. بلى! قد يكون ذلك إذا ~~غلب حتى يسد المسام ويغلب على الأضداد فتقبل النفس منها فى أوان مجاذبتها لأضدادها ~~واشتغالها عن الضبط. # قال أفلاطون: فلما ارتبطت بالجسم السيال وعسر عليها المفارقة حدث التجبل. # قال أحمد: إن الأنفس لما مكثت مداخلة الطبيعة بطلت مفارقتها وتشبثت الطبيعة ~~بها — حدث عن ذلك بهذه المجاذبات الحيوان. # قال أفلاطون: وكان التجبل حينئذ؛ وإن كانت النفس ms075 المخالطة تجرى على غير سداد ~~لتكامل فساد الطبيعة. # قال أحمد: يقول إن الحيوان الذى تجبل قبل لم يثبت إلا القليل، إذ كان فساد ~~الطبيعة لا يكاد يقيمه، ولأن البنية لم تكن على سداد. # قال أفلاطون: وكان من هيئة التجبل أن تكون فى أجسام مستديرة مأخوذة شكلها ~~من الشىء السريع الحركة المشتاق بعضه إلى بعض. # قال أحمد: إن فيما يزعم الأوائل أن التجبل كان فى البدء أجراما مستديرة فكانت ~~لا تكاد تثبت لعدمها المثبتة لها كالأعضاء المغذية والمنفسة. أعنى بالسريع الحركة الفلك، ~~والمشتاق بعضه إلى بعض، فهو قول مجاز مشهور فى اليونانيين: تصوروا فى أوهامهم أن ~~الفلك إنما سرعته فى الدوران لطلب الجزء منه ما يليه فالكل طالب لا يدرك، وذلك كثير ~~فى كلام الشعراء. قال أوميرس الشاعر: «طلبتك طلب الأفق للأفق» — يعنى به ~~أفق السماء. PageV01P210 # قال أفلاطون: فدفع ما ارتبط من النفس إلى مضيق شديد وخص المخالط ~~بالألم الدائم. # قال أحمد: يريد 〈بقوله:〉 «ما ارتبط من النفس» أن يعلمنا أنه ليس كل ~~الأنفس ربطت، ولا كلها سلكت إلى الطبيعة. وقد تلت بدءا إن الاستحالات والتغاير ~~فى الدرجات حدث على كل نوع منها البعض دون الكل، وأن من الأنفس المرتبطة ~~خالطها كما يذكر الفيلسوف حميا الطبيعة فلقيت الألم الشديد والعذاب. # قال أفلاطون: فهنالك جاء العقل لاستنقاذ النفس فوجدها لا تكاد تستنقذ إلا فى ~~الزمان الطويل بالتدبير الذى نصفه. # قال أحمد: يقول إنه كان من ارتباط النفس بالطبيعة واستمكان الطبيعة منها أن استحال ~~استنقاذها إلا بالمعاناة والتدبير فى الزمن الطويل. # قال أفلاطون: فخص الجسم المستدير وأطاف به الشىء الحافظ له وفتح إليه الأبواب ~~ليوسع عليه، ثم جعل له المعاطف وما يغذيه وما يغذى المربوط به لتشتغل به عن مجاذبته، ~~فكان جسد الحيوان الأول جنس الأجناس وصورة الصور تتلوه. # قال أحمد: الجسم المستدير عضو الدماغ، والشىء الحافظ له القحف، والأبواب يريد ~~بها الحواس الخمس التى هى البصر والسمع والشم والذوق واللمس. فكل ذلك يفرج عن ~~النفس ويوسع عليه. ويعنى بالمعاطف الجسد؛ وما يغذيه ms076 فهو الكلام المقوى للنفس. ~~وما يغذى الطبيعة فالمطعم والمشرب الذى تشتغل به الطبيعة عن مجاذبة النفس؛ والحيوان ~~صورة الصور؛ وجنس الأجناس الإنسان. # قال أفلاطون: وأوصله بعد ذلك بالعالم العلوى ليكون هو المعين على تخلصه. # قال أحمد: إن العالم العلوى دائم التأثير فى الإنسان وواصل بسمته، أعنى الإنسان، ~~عند موته إلى الفلك،. فلا يزال الوصول حتى يرجع ما خرج من العالم العلوى إلى موضعه ~~PageV01P211 الجزء بعد الجزء؛ ولست أقول إن كل ما وصل إلى الفلك واصل إلى عالم العوالم، بل يصل ~~الصفو دون الشوائب. # قال أفلاطون: وأحدثت الطبيعة فيها أعضاء التناسل — إلى أن قال: وإن كان به ~~الفعل الخسيس الطبيعى فإنه يولد ما يحدث منه. # قال أحمد: يقول إن هذا العضو من أحداث الطبيعة؛ ويقول إنه وإن كان بهذا ~~العضو الفعل الرذل الطبيعى فإنه يتولد به الحيوان الذى يحدث منه القوى إلى العلو، فيكون ~~أحد الأسباب المؤدية إلى المراد. # قال أفلاطون: وسكن الموضع الأرفع وأبعد النفس حتى أقامه فى المعاطف فى عضو ~~نفيس كالشعلة أقامها على تدبير مخلص بها — إلى أن قال: فالطبيعة أيضا تحتال. # قال أحمد: الموضع الأرفع الدماغ مسكن العقل؛ وإنه لما صار الدماغ مسكن العقل ~~صار القلب مسكن النفس، والقلب كما ذكر الفيلسوف على صورة الشعلة مستغلظة الأسفل ~~مستدقة الأعلى، والدم يحويه أيضا على هذه الصورة؛ فأقام العقل فى هذا العضو مدبرا للنفس ~~معينا لها على التخلص. وقوله: إن الطبيعة تحتال فالطبيعة محتاجة تطلب النفس وتتشبث بها ~~وتحتال فيما تستمكن به منها. فكل أثر يكون من الإنسان يشاكل العقل فإنه معين للنفس ~~على التخلص، وما شاكل الطبيعة فإنه يزيد فى الانغماس. # قال أفلاطون: وتستفعل النفس الطبيعة، فما ضعف انقاد. # قال أحمد: كما يدبر العقل التدبيرات فى خلاص النفس، كذلك تحتال الطبيعة فى ~~التشبث بها. وإن كان غير مستحكم القوة أو كان قريب العهد بالخلاص من الطبيعة الحاسية ~~فإن الطبيعة يستفعلها الفعل المشاكل لتقوى بها على الربط. # قال أفلاطون: ودبر المدبر الحيوان بأن جعله متصلا بالعالم العلوى ليكون الحادث ms077 منه. # قال أحمد: إن الحيوان والنسم المربوطة قد اتصلت بالفلك، فلذلك تحركاته — أعنى ~~PageV01P212 الفلك — تؤثر فى الحيوان وهو دائب التأثير ويجذب من الحيوان والناس الذى هو النبات ~~وغير ذلك من الأجرام. # قال أفلاطون: فما كان من الجرم الأعلى موافقا للجرم السيال فإنه يعين الطبيعة على ~~فعلها، وما كان موافقا لليابس فبخلاف ذلك. # قال أحمد: قد تقدم من قولى فى هذا الكتاب وفى غيره فى الجرم السيال ما فيه المقنع ~~وأنبأت أنه قعر الطبيعة وأنه أشد الأجرام فى التشبث بالنفس وأن بغلبة اليبس أو تفاوت ~~الرطوبة فارق النفس الجسد. فيقول الفيلسوف إنه ما كان من الأجرام العلوية قد غلب ~~عليها اليبس فإنها لا تعين الطبيعة على فعلها؛ وما كان رطبا فإنه يعين جدا. وسأوضح ذلك ~~للطالب ليقف عليه، ويصح عنده أن العلماء بأحكام النجوم قد اعتقد كل واحد منهم عن ~~اختبار وامتحان أن بعض الكواكب المتحيرة سعد وبعضها نحس — من أن يعلم أكثرهم ~~العلة فى ذلك. والسعد عندهم: المشترى والزهرة والقمر؛ والنحس: زحل والمريخ والشمس ~~وبالحق ما اعتقدوا ذلك، إذ كان العالم دار الطبيعة وموضع التركيب؛ والسعد عند أهله ~~ما أعانهم على فعلهم وقيض إليهم مرادهم؛ والنحس ما كان بخلاف ذلك، فخصوا الأجرام ~~المخصوصة بالرطوبة إلى السعد، والأجرام اليابسة بالنحس، فوصلوا إلى معرفتها بالحقيقة ~~بالتجربة والسماع وإن لم يقفوا على العلة. فهذا ما بان فى الكواكب المتحيرة وهى البينة ~~التأثير. وسائر الفلك والأجرام فيه أيضا كذلك. ألا ترى أنه كان من منتهى رأى الأوائل ~~فى البابانية أنهم نسبوها إلى مزاج السبعة؟ فأما البروج فليس أن تخص كما تخص السبعة، ~~لأنه قد يقع فى البرج الواحد الدرج والكواكب المختلفة الطباع. فلذلك اضطر أصحاب ~~الأحكام إلى وضع الحدود والوجوه والدرج النيرة والمظلمة وغير ذلك مما يدل على الاختلاف ~~مما قد أخرجته فى كتبى فى هذا النوع على غاية الشرح. وقد أخرج بعض أصحاب الأحكام ~~الشمس فى قسمة السعود، وذلك لعلة أنا مخبر بها إن شاء الله: إن الشمس لما كثر فيه ~~الجوهر البسيط ms078 النير لم يصل إلى الأنفس منها من الأدنى ما يصل من زحل والمريخ لموافقة ~~هذا الجوهر، أعنى به البسيط، للأنفس. لكنه مع ذلك كثيرا ما يحرم وينحس. وأكثر ~~PageV01P213 تأثيره فى فساد الطبيعة بالجذب وسائر النحوس بالاضمحلال والآثار المؤلمة. والشمس أيضا ~~فلا يخلو من ذلك، إلا أنه يقل منه الأثر المؤلم؛ وعلى أن أكثر العلماء قد حكموا بنحوسته. ~~وقد تكون الرفعة والجلالة فى أنباء النحوس وليس ذلك كتأثير السعود، بل أن ~~تكون القادرة على الطبيعة، فتكون منها الآثار التى لا توافق الطباع، وإنما جلالها ~~لاستمكانها. وإنما يحيط بعلم ذلك من قد أحاط بعلل الكون وعرف مجارى الكلام ~~واستعارات الألفاظ عند الاضطرار وما يخرج من القول بالحقيقة أو المجاز. # قال أفلاطون: وما يجذبه العلو يجذبه منه المستولى عليه بقدر ما أمكن، ويرجع الباقى ~~إلى السفل. # قال أحمد: إن الفلك لما كان قريبا من الطبيعة قبل منها النقى وغير النقى. فما قبله ~~من النقى الخلو من الشوائب فإنه يجذبه منه البسيط، وما كان كدرا أو مركبا رده الفلك ~~إلى المركز ليجر فى علته التدبير هناك ثم يجذبه أيضا إذا نقص من تركيبه وتصفى. كذلك ~~يفعل دائبا حتى يعود الكل بالكون والدور كما كان بدءا. وكما يجذب الفلك يجذب منه، ~~ويجذب أيضا من الجاذب حتى ينتهى الجذب إلى العقل. # قال أفلاطون: والإنسان أكرم الحيوان وأقربه إلى البسيط — إلى أن قال: ~~وذلك من أجل 〈أن〉 العقل ضرب فسطاطه فى الجنس الحيوانى فى الإنسان فصار جنس ~~الأجناس وصورة الصور. # قال أفلاطون: وسائر الحيوان فلا يصير إلى الأثير إلا بأجرام أخر. # قال أحمد: يعتقد أفلاطون أنه يصل الإنسان، الذى مذهبه العدل، إلى الجوهر ~~النفيس العالى إذ قد شاكل الموضع بمذهبه وفعله، ويدفع أن يكون شىء من الحيوان ~~ينفذ إلى ذلك دون حلولها فى أشياء تردها إلى التساوى. # قال أفلاطون: وذلك أن الإنسان مميز مشاكل، وسائر الحيوان بهيمى منافر. PageV01P214 # قال أحمد: من رأى الأوائل أن فى الحيوان روحين بهيميين أحدهما منسوب إلى ~~العصب والحياة، والثانى إلى الشهوة؛ وأن ms079 الخوف يحدث عند ضعف الروحانية الغضبية. ~~فهذان الروحان لما خصا بعدا من العالم البسيط. فالإنسان قد حوى مع هذين ~~الجنسين — أعنى بهما الروحين — الجنس الفكرى العقلى. فهذا تفاضل وقرب من ~~مشاكلة البسيط. # قال أفلاطون: وليس المدبر يحل بالحيوان فقط، بل بسائر الأشياء أيضا — وقوله: ~~إنما يضطر إلى ذلك الجنس الرطب — يعنى إلى أن قال: فجنس الرطوبة يضطر إلى ذلك. # قال أحمد: يقول: إن رد الشىء إلى التساوى ليس بالحيوان فقط، بل بسائر الأجرام ~~أيضا. وقوله: «إنما يضطر إلى ذلك الجنس الرطب» — يعنى: إلى الحيوانية، لأنه ~~أى شىء استمكن فيه الرطوبة كان داعيا إلى تجبل الحيوان فيه. # قال أفلاطون: فما كان فى الصفحة العليا فهو أسرع إلى الوصول. وما كان فى التخوم ~~فربما وقع عليه المانع. # قال أحمد: يعنى بالصفحة العليا وجه الأرض والماء. فما كان بهذا المحل كان سريعا ~~إلى الوصول لمحاذاة الأجرام العلوية التى من شأنها الجذب. وما كان فى التخوم فإنه يقع ~~عليه المواقع الحائلة كالأجرام الصلبة المانعة من النفاذ وغير ذلك من العوارض. # قال أفلاطون: فلذلك نرى قد رسب فى التخوم الأشياء القريبة ~~من التساوى. # قال أحمد: يعنى بالأشياء الراسبة ما نجد فى تخوم الأرضين وفى المعادن من الجواهر ~~الصافية الموجود فيها البصيص المشاكل للبسيط. فيقول: إن ذلك الشىء إنما رسب هناك ~~لأن الأجرام الشديدة التركيب المانعة من أن تداخل منعتها عن النفاذ. وما أبين صحة ~~هذا القول! فإنا لا نكاد نجد معادن الجواهر إلا تحت الحجر الصلد المنضم الأجزاء، اللهم ~~PageV01P215 إلا ما يكسحه الجزء المائى السيلان فنراه فى الشواطئ وفى الرمال؛ وذلك إنما يكسحه ~~من وقت قد انعقد وانضم واستحال منه الانحلال. فأما الذى يكون بخارا، أو فى أجزائه ~~لطافة فإنه لا ينبته إلا الجرم الصلد الذى قد أخبرت. وقد يكون الحجر الذى يحوى الجوهر ~~هشا رخوا؛ وليس ذلك الجنس، أعنى به الحجر، يمنع الجوهر من النفاذ، بل الحجر الصلد ~~الذى يعلو هذا الحجر، لأن الذى يمنع من النفاذ إنما يمنع بأن لا يداخل متحجر. وهذا ms080 ~~الحجر الذى يحوى قد 〈...〉 ذلك كما يرى داخله. # قال أفلاطون: وبحركة الأشخاص العلوية ما تنحل هذه الأجرام. # قال أحمد: إن الأجرام العلوية تؤثر فى الشىء تأثيرا يحلها ويلطفها ثم يجذب ذلك لأنه ~~أقدر على تصفيته وهو رخو ليس بمنضم. # قال أفلاطون: والبخارات ترتفع من النجوم: فبعضها يثبت للحاجز، وبعضها للعكر. # قال أحمد: إن البخارات ترتفع فى التخوم بالتأثير المحيط فيثبت بعضها فيما يقرب من ~~الصفحة العليا بعلتين: إحداهما الحاجز الذى أخبرت؛ وأكثر ما يعرض ذلك للبخار. ~~اللطيف الكثير الصفو. والعلة الثانية: للعكر الذى يثبت الأشياء ويمنعها عن الارتفاع. # قال أفلاطون: ويثبت أيضا باستيلاء الرطوبة إذ هو القعر. # قال أحمد: قد يكون ذلك فى كثير من الجواهر، وأرى نبات الرصاص والزئبق ~~لاستيلاء الرطوبة، ونبات الكباريت والزاجات لكثرة العكر. # قال أفلاطون: والحديد: فجوهر الأرض، طال مجاورته. # قال أحمد: الحديد كما قال جوهر الأرض فلا يكاد يفارق؛ وهو مع ذلك كثير العكر ~~يابس؛ واليبس كما لا يتشبث كذلك لا يخلى عما قد يخالط فى الأوان الذى كان فى غير هذا ~~PageV01P216 الشكل، أعنى به أنه كان مستوليا عليه بعض الرطوبة، إلا بأن يدخل عليه دخيل ~~فيفارق حينئذ. # قال أفلاطون: وترى ما أثبته الحاجز بعيدا من الاضمحلال، إذ هو الحلو منه، ~~وما أثبته العكر متفاوتا فاسدا. # قال أحمد: إن الذهب والياقوت وإن كانت أجزاؤهما شديدة الانضمام فليس ذلك من ~~أجل التركيب وتراكمه، بل للازدحام فى طلب المخلص إذ كان ما بلغ مبلغهما وهما فى هيئة ~~البخار طالبا للعلو ولقرب عهدهما بالرد إلى التساوى، وصارا لا يقبلان الاضمحلال إذ تخليا ~~منه. والشىء الكثير العكر تسرع إليه المقاربة للفساد. ويجب للعامل أن يفرق بين هذا ~~التركيب — أعنى به تركيب الذهب والياقوت — والتركيب المتفاوت. # قال أفلاطون: ولها نسبة إلى الأجرام العلوية كما لسائر الأشياء: النامية منها والجماد. # قال أحمد: النامى عند الفلاسفة الحيوان والنبات؛ والجماد الأشياء الميتة الصلدة، ~~وللكل شكل من العلوى ينسب إليه: فنسب ذكران الإنس إلى الشمس، ~~والإناث إلى القمر؛ ونسبة الدواب والبهائم والطيور الكريمة التى ms081 تحسن ألوانها وأجسامها ~~إلى المشترى؛ ونسبة السباع الضارية إلى المريخ؛ ونسبة الوحوش الجبلية وبعض الطيور إلى ~~عطارد؛ ونسبة دواب الماء إلى الزهرة؛ ونسبة الحشرات والهوام وبعض الدواب إلى ~~زحل. وكذلك نسبوا كل جنس من الشجر إلى ما يشاكله ويوافقه؛ واختلفوا فى ذلك ~~وخالف بعضهم بعضا فى النسبة فى جميع الأشياء، أعنى بها النامى والموات، ولكل واحد ~~أصل يعمل عليه لم يخل من بعض الصواب وإن لم يدرك الحق. وقسمت هذه الجواهر ~~أيضا على السيارة: فنسبت بعض الناس الذهب إلى الشمس، ونسبه بعضهم إلى المشترى. ~~فأما الذى نسبه إلى الشمس فذهب إلى أن هذا الجوهر أجل الأجسام الذائبة وأكثر ضياء. ~~وحسنا، وأن الشمس بين الكواكب كالذهب بين سائر الأجساد. وبعضهم نسبه ~~— أعنى الذهب — إلى المشترى: فيقول: إن الشمس ليس من شأنه أن يثبت بل يجذب. ~~PageV01P217 والذهب قد خالف الشمس فى الطباع، إذ كان جوهر الشمس حارا يابسا، وجوهر الذهب ~~حارا لينا كطباع المشترى. ونسبوا الفضة إلى القمر، والحديد إلى زحل، والنحاس إلى ~~المريخ، والرصاص إلى الزهرة، والزئبق إلى عطارد. وفى الكل اختلاف كما فى الذهب ~~والشمس، وسأخبر به عند الحاجة إليه. واضطر من نسب الذهب إلى الشمس أن نسب ~~النحاس الأصفر إلى المشترى، وذلك خطأ، لأن صفرة النحاس الأصفر من دخيل خالطه. ~~— وقد أخرجت ذلك بكماله وعلله وتكلمت فيه بالكلام الواضح المستقصى فيما فسرته ~~من كلام فيثاغورس فى كتابه المترجم ب«اسطخس» وهو الأركان. فمن أراد أن يدرك ~~علم ذلك حتى لا يشذ عنه شىء منه فلينظر فى ذلك الكتاب. وقد أخرج فيثاغورس فى ~~ذلك الكتاب رأيا حسنا لطيفا لا يكاد يقف عليه إلا الماهر اللبيب، وذلك أنه نسب ~~الجواهر إلى الأجرام بالحقيقة ثم نظر إلى تأثير كل جرم، أعنى بها الكواكب. ثم طلب ~~الحالات التى تحدث عليها حتى ظهر من أحدهما تأثير الآخر وفعله فعرف علة هذه الحالات ~~والمزاجات وكيفيتها فى الفلك بالحركات والعوارض والانتقالات، فحكم بأن الجوهر السفلى ~~إذا حدث عليه الحدث المشاكل للعلة التى أقامت أحد الكواكب فى هيئة ms082 الآخر أنه يقيمه ~~فى هيئة الجوهر المشاكل للكوكب الآخر — المثال: أن الزهرة إذا حلت فى بعض البروج ~~الشريفة والمراكز العالية وقارنت أحد البابانية وحلت بالمحل الذى يوجب أن يؤثر تأثير ~~المشترى فعرف العالم العلل التى أحلت هذا الكوكب، أعنى به الزهرة، بهذا المحل حتى ~~أحاط بكيفيته وماهيته؛ ثم دبر الجوهر المنسوب إلى الزهرة حتى يحدث عليه ما حدث على ~~الزهرة حتى أقامه مقام المشترى، فإن الجوهر المنسوب إلى الزهرة يقوم مقام الجوهر المنسوب ~~إلى المشترى حتى يوازيه فى اللون والهيئة والأثر؛ وذلك على قدر التدبير وكماله. وهذا الفعل ~~والتدبير معتاص من إدراكه، لأنه استدلال بما لا يدرك بالحقيقة على عمل بعيد الغور. ~~وطلبه من غير هذه الجهة أسهل. # قال أفلاطون: وكيان الأرض ككيان الحيوان. # قال أحمد: إن فى تخوم الأرض فى الصفحة العليا القوى المدبرة كالقوة التى ~~فى الحيوان التى يسميها الأطباء «الكيان». PageV01P218 # قال أفلاطون: فهو يصفى ذائبا ويفرق كما تعرف ويغذى. # قال أحمد: هذا الكيان الأرضى يصفى وينقى بالنضج والتدبير المستقيم كما يأخذ ~~الكيان الحيوانى قوى الأغذية. # قال أفلاطون: فمن تدبيره أن يقلب الجرم الأرضى والمائى أجسادا مختلفة. # قال أحمد: إن هذا التدبير هو أن يفارق جرم الأرض أو الماء التركيب الذى من أجله ~~صار فى هذه الهيئة، فإذا تركب تركيبا مخالفا للتركيب الأول وتشكل بالشكل الذى ~~يوافق التركيب. # قال أفلاطون: وهذا التركيب الثانى ليس كالتركيب الذى كان بدءا، بل بدخيل ~~أو منع. # قال أحمد: التركيب الذى كان بدءا هو التركيب الذى يقبل من حد البسيط إلى حد ~~الطبيعة. وهذا التركيب الثانى عند الفيلسوف أن هذا الجرم لما فارق بعض التركيب ~~إنما أبطأه عن الذهاب إلى عالمه شيئان: أحدهما أن خالط فى ممره بعض الأشياء العكرة ~~الفاسدة التى ترسب وتسفل؛ والثانى الحاجز الذى قد تكلمت فيه، فما كان سببه ~~الاختلاط بغيره فإن الفساد يسرع إليه، إذ قد وجد مكانا وشكلا، لأن الشىء فيما يوافقه ~~ينفذ، وما كان بسبب الحاجز فإنه لا ينفذ فيه ما يزيله عن هيئته. # قال أفلاطون: ms083 والتركيب الذى بسبب الحاجز فأكثر التركيبات ثباتا — إلى أن قال: ~~فلا يستوى حتى يرجع إلى القعر. # قال أحمد: قد يجب أن تعلم أن الشىء المركب إنما يرده إلى التساوى التغاير والانتقال ~~من حالة إلى أخرى. فالجرم الشبيه بعضه ببعض المتفق الأجزاء كالذهب والياقوت لا يقبل ~~ما يغيره عن ذاته. وإذا كان كذلك فهو ثابت على حالته لا يزول عن هيئته. فهو لا يرد ~~إلى التساوى إلا برده إلى حد ما يقبل التغاير ويسرع فيه الفساد من أركان الطبيعة. فقد ~~PageV01P219 تضاعف فى رده إلى التساوى بالعمل إذ كان رده إلى حد الطبيعة المضمحلة يوازى رده ~~من حد الطبيعة إلى حد التساوى. # قال أفلاطون: فما كان استحالته من الماء كان صقيلا، وما كان من الأرض كان قابلا ~~للإذابة. # قال أحمد: الاستحالات يكون أكثرها من الماء والأرض بالنار والهواء، لأن الهواء ~~والنار الركنان الفاعلان، والماء والأرض الركنان اللذان يجرى عليهما أكثر الفعل. ~~فيقول الفيلسوف إن الجواهر الصقيلة كالياقوت والزبرجد والبجادى وغير ذلك من الجواهر ~~الصقيلة استحالتها من جوهر الماء جوهر صقيل راد الصورة. وهذه الجواهر أيضا كذلك ~~والجواهر القابلة للإذابة كالذهب والفضة والنحاس استحالتها من جوهر الأرض، فهى ~~مجانسة للنار من أحد الطرفين، فصارت أقبل لتدبيره، إذ كان النار أحد طرفيه اليبس، ~~والأرض أيضا كذلك، والماء والنار متنافران من الطرفين جميعا. # قال أفلاطون: وليس الاستحالة فى الأركان من هذين، بل بالاستيلاء. # قال أحمد: قد آن للطالب — بتكريرى القول فى علل الطبيعة — أن لا يخفى عليه ~~كلام الفيلسوف هذا. فمراده أن يعلمنا أنه ليس الاستحالات من الماء والأرض دون الهواء ~~والنار، إذ الأركان مداخلة بعضها لبعض. فما استحال من شىء فإنما يستحيل من الأربعة. ~~فإذا نحن قلنا: استحال من الماء أو من الأرض فإنما نعنى به الجزء الغالب عليه ~~الماء والأرض. # قال أفلاطون: فلا تزال الأركان كذلك تختلف وتتغاير وهى فى كل الحالات تنحل ~~منها الأجزاء. # قال أحمد: إن الجرم إذا انتقل من هيئة إلى هيئة فلا يخلو أن ينحل منه ~~الجزء الذى يصير ms084 إلى العالم العلوى، وإن كان ما يرسب أكثر. # قال أفلاطون: والمحصور المحاط به، وإن انحل منه القليل فإنه فى الزمان الطويل ~~يفنى — إلى أن قال: فكيف بالتدبير فى الكل دائما؟! PageV01P220 ~~قال أحمد: يقول إن الطبيعة محدودة. ولو أن ما ينحل منها إلى العوالم العالية فى اليوم ~~اقل قليل الأجزاء لكان من الواجب أن يصير الكل فى الزمان الطويل إلى العالم، ~~فكيف والتدبير من العالم العلوى فى الرد إلى التساوى دائم ثابت! # قال أفلاطون: وعلى ما يأتى بعد على ما وراء العقل، فلذاك بعدنا عن إدراكه. # قال أحمد: يقول إنه إذا رد الشىء كما كان بدءا فإن علم ما يأتى بعد لا يدرك، ~~إذ كان ما وراء العقل لا تدرك ماهيته وكيفية مراده. # قال أفلاطون: ولو كان ذلك إلى العقل وما دونه لطلبنا إدراكه. # قال أحمد: [ينفرد بالتدبير] لم يكن بالمعتاص إدراك علم ما يأتى بعد، إذ من وقف ~~على حقيقة الشىء يقف على الأثر منه فى كل وقت. إلا أن المحيط بالكل المدبر للكل ~~هو المدبر بما لا تدرك حقيقته وماهيته. وقد عارض الفوثاغوريون الفيلسوف فى هذه القضية ~~وتكلموا فى المستقبل من العلم، وأن كون هذا الحدث إن كان معقولا فبالواجب أن يوقف ~~عليه — هل تنبأنا أم لا؟ فكان من جواب الفيلسوف لهم أن قال إنه لا ينفرد بالتدبير، ~~إذ ذاك الشىء المعقول، وغير ذلك من الحجج والبراهين التى أنا متجاوزها إذ ليس لإخراجها ~~فى هذا الموضع وجه. ~~قال أفلاطول: وإنما ننبئ بالبدء والانقضاء لنقف على ماهية التدبير. # قال أحمد: يقول: قصصى للأمر الماضى والمستقبل أن أوقفك على التدبير وماهيته ~~فتكون فى تدبيرك كهذا. # قال أفلاطون: فلذلك نخبر بالجزء دون استقصاء. # قال أحمد: يقول: إنما أخبر من علل الأصل والانقضاء بالجزء الذى يكتفى به مدبر ~~العمل وأترك الاستقصاء الذى يحتاج فى التثبت عند الخصوم. PageV01P221 # قال أفلاطون: وإن كنت قد أخبرت بالعمل بما امتثلت فإنى أقصد أيضا بما يزيد ~~فى البيان. # قال 〈أحمد〉: يعتقد الفيلسوف أن فى الإخبار بما أخبر تمثيل ms085 العمل، فيقول: ~~إنى أخبر أيضا بما يزيد العامل بيانا وهداية. # قال أفلاطون: ويجب أن تعلم أنه لا ينحل المنضم الأجزاء إلا باستيلاء النار والماء. # قال أحمد: لما كان انضمام الأجزاء وشدة التركيب باستيلاء الجوهر الأرضى البطىء ~~وضعف الهوائى المخلخل للأجسام استحال من الهواء أن يداخله إلا بدخيل يدخله أو تدخل ~~أجزاؤه هناك. فالواجب أن يستولى عليه الجزء النارى والمائى، فإنه وإن كان قعر الطبيعة ~~فإنه قد بلغ مبلغا فى التفاوت أوجب الحال الذى يحدث عليه بعد الحال التى تقرب ~~من التساوى. # قال أفلاطون: وستقف عند الامتحان أنك لا تقدر على ما تريد إلا بما وصفت. # قال أحمد: إن التفريق الذى يجب أن تحدثه فى الشىء لا يكون إلا بعد أن تكلسه ~~أو تحله: فالتكليس بالجزء النارى، والتحليل بالجزء المائى. # قال أفلاطون: وإذا استولى فإنه يكون بعد ذلك للمائى أفضل. # قال أحمد: من الأجساد ما إذا كلست أسرع فيها الحل، ومنها ما لا ينحل ~~إلا بالحرارة والرطوبة. والحرارة أحد طرفى النار، والنار إذا داخل شأنه التخلخل ~~لأجزاء الشىء فيكون بعد ذلك للجزء المائى أقبل لما يداخله. # قال أفلاطون: فإن عملت بالنار اليابسة فإنك تلقى التعب فى الضبط وفى تفريق ~~جزئى الروح. # قال أحمد: إن كل ما كثر فيه وغلب عليه الجزء البسيط فإنه ينسب إلى الروح. ~~فما كان من هذا الشىء، أعنى به الغالب عليه البسيط فى نهاية ما يجب أن يكون من ~~الاستيلاء، فإنه يخصه اسم الروح، وهو الجزء الذى يكاد يتحرك بغير آلة. وكل ما كان ~~PageV01P222 دون ذلك، ولا سيما إذا خالط بعض الرطوبة، فإنه ينسب إلى النفس وهو دون الروح. ~~فيقول الفيلسوف إن العمل بالنار اليابسة يعسر مع ضبط الشىء، إذ كان النار كما ترى: ~~مفارق طالب للعلو. ويصعب أيضا إيجاد الجزء الذى يخصه اسم النفس، إذ ذاك إنما ينسب ~~ببعض الرطوبة. # قال أفلاطون: فإذا حللت بعد التكليس، إن كان يحتاج إلى ذلك، فدبر العمل ~~فى الإناء الذى وصف بدءا. # قال أحمد: إنما يقول: إذا حللت الشىء بعد ms086 التكليس إن كان محتاجا إليه، إذ من ~~الأعمال ما يستغنى فيها بالتعفين عن التكليس. وإذا أقمت الجزء كما يمكن فيه الافتراق ~~فلا عليك أن يخلو من التكليس، إذ المراد من التكليس فى هذه الدرجة أن يقيم الشىء ~~مقاما يقبل الافتراق. ويريد ب«الإناء» الإناء الذى وصف عمله فيما سلف، وهو الإناء ~~المداخل بعضه لبعض الذى يكون كهيئة القرعتين ويكون المداخل مثقوب الأسفل وفيه ~~تقع على باب المداخل له، وعليه الإناء كالإنبيق والمثقب، ويكون معمولا من الجسد الذى ~~مثله الفيلسوف. # قال أفلاطون: وإذا حللت بالحرارة والرطوبة فقد جانست الهواء المحلل وأخذت ~~بطرفى النار والماء. # قال أحمد: إن الجزء الذى يفرق قد غلب عليه — لانضمام أجزائه وجساوته — ~~الجوهر الأرضى فبضد الأرض ما يزايله عن ماهيته. فإذا استعنت بالحرارة والرطوبة فهو ~~جوهر الهواء المحلل للأجسام وأخذت بطرفى النار والماء، إذ الماء أحد طرفيه الرطوبة، ~~والنار أحد طرفيه الحرارة، وكل ذلك مما يعين على انقلاب الجزء الأرضى عن ماهيته. # قال أفلاطون: وإياك أن يبلغ التعفين حدا يؤذى. # قال أحمد: إذا تجاوز الشىء فى الحل المقدار فإنه ربما زاد فى التركيب، فيحذر ~~الفيلسوف 〈من〉 هذا الباب. PageV01P223 # قال أفلاطون: ودبر وارفق فى عملك ولا تطلب سرعة الفراغ فيؤدى ذلك إلى ~~أبعد البعد. # قال أحمد: إن أكثر منتحلى هذا العمل — لحرصهم على سرعة الإدراك — ربما ~~دبروا التدبير الثانى قبل انقضاء الأول — فذلك مما يفسد ويبعد العامل عن الإدراك. # قال أفلاطون: وهذا الفعل من أقوى ألم النفس. # قال أحمد: قد كاد الفيلسوف فى هذا الرأى أن يوافق السوفسطائيين؛ وذلك أنه يرى ~~أن الالتذاذ ألم للنفس، إذ كان طالب الشىء قبل وقته؛ والحزن أيضا فى النفس هو طلب ~~التخلص من الشىء قبل حينه. فطالب الشىء قبل حينه خارج من الاستواء؛ وما كان ~~كذلك فهو مؤلم للنفس. إلا أن جنس الفرح مركبه الدم، وجنس الحزن مركبه ~~السوداء أو البلغم المالح. وهذا الرأى ليس مما يجب أن يخرج فى هذا الموضع، إلا أنه ~~ما تمثل به الفيلسوف تكلمت به. # قال أفلاطون: وإذا ms087 رفقت ودبرت تدبير العلماء سيلت الجزء المخصوص بالنفس إلى ~~أسفل، وأصعدت المخصوص بالروح إلى العلو، وثبت المخصوص بالجسد فى موضعه. # قال أحمد: إنك إذا أدخلت العمل فى القرعة المثقوبة الأسفل، وأدخلت هذه القرعة ~~فى الأخرى، ووضعت المثقب الذى وصفت لك، ودبرت بالحرارة الخفيفة الرطبة ~~— لا حرارة الزبل — فإن ذلك يبطئ ولا يكاد ينفذ فيما يراد. وهو يعفن أيضا ويعكر، ~~بل الماء الحار سال الجزء الغالب عليه جوهر النفس مع الرطوبة. إذ قد أنبأت أنها ~~— أعنى الرطوبة — متشبثة بالنفس فتسيل فى الثقب وتتنخل ويصعد المخصوص بالروح ~~رطبا سيالا؛ إلا أنه يكاد يخالط الهواء للطافته ويبقى الجسد فى موضعه وقد نزع منه ~~القوى. فافهم ذلك! # قال أفلاطون: وإذا فرقت هذا التفريق يكون المخصوص باسم النفس مركبا بالرطوبة، ~~والمخصوص بالروح مركبا بالجزء الموافق للهواء، والجسد يابس قد غلب فيه جوهر الأرض. PageV01P224 # قال أحمد: إنى قد قلت فيما تقدم إنه من المستحيل أن تقيم الروح أو النفس فى دار ~~الطبيعة بذاتها دون أن تخالط ما يكون لها كالمركب. فإذا نحن قلنا: النفس أو الروح ~~فى هذا العمل فإننا نعنى به الجزء الذى قد غلب فيه وغلبه أحد الشيئين. فجزء النفس مركبه ~~الرطوبة لتشبثها به، ولما كان ما يركب مع الجزء النارى. فإن حصل مازجه الحد اللطيف ~~السيال المتقارب من جنس الهواء. # قال أفلاطون: فاصرف العناية إلى الاحتفاظ بالجزء المخصوص بالروح. # قال أحمد: لما كان النفس الرطوبة تضبطه والجسد ثابتا لجساوته — كان ما يجب ~~أن يحتال فى حفظه الجزء المخالط للجزء الهوائى، لئلا يختلط بشكله. # قال أفلاطون: وتحتاج أن تبالغ فى الافتراق جهدك حتى لا يبقى فى الجسد من القوى ~~الغريزية إلا ما لا يحس. # قال أحمد: كما تحتاج أن يقيم الشىء غالب فيه النفس والروح، كذلك تحتاج أن تفرد ~~الجسد حتى لا يشاركه غيره. ولما علم الفيلسوف أنا لا نكاد أن نخلى الجسد من هذه ~~القوى، أجاز ما لا يحس. # قال أفلاطون: وتعرف ذلك بالانقطاع وذهاب البهاء. # قال أحمد: إن من أعظم الدليل أن ms088 الشىء الذى قد خلا مما كان فيه أنه إذا عولج ~~بالعلاج الذى كان يستخرج به ما كان فيه لم يخرج منه. وأيضا فإن الشىء اللطيف المساوى ~~إذا كان مخالطا للجاسى أحدث فيه وميضا وبهاء وحسنا. وإذا فارقه عدم كل ذلك فيه ~~إذ كان من أجله كان؛ وأنا أرى رأيا فى هذا النوع من العمل ليس هو من آراء الفيلسوف، ~~وهو أن كل شىء ضعفت الحرارة والرطوبة عن استخراجه فى زمان ما، فإن الحرارة واليبس ~~تخرجه أو بعضه فى القليل من الزمان لأنه قد أتى عليه التدبير المحلل الملطف فصيره موافقا له ~~فى اللطف. فإذا ألقى الركن الحاد السريع، الذى هو النار، أظهر ما كان فيه وأحدث فيه ~~PageV01P225 تفريقا؛ فيجب على العامل أن يلقى القليل من هذا الجسد على النار، فإن دخن أو رأى فيه ~~أنه يفارقه شىء من الأشياء، رده إلى التدبير وصير عليه حتى يبلغ مبلغا يصلح ~~معه العمل. # قال أفلاطون: وإنما وضعنا ذلك فى الحول، وأوفينا الأزمنة الأعمال لتتسع فى الوقت. # قال أحمد: لعلك ذاكر ما أمرك به ومثله لك فيما سلف من القول: أن ~~يكون تدبيرك للحل فى الزمان الموافق له. وكذلك التفريق والتكليس وغير ذلك من ~~أنواع العمل. فنفس لك فى الأجل، ووسع عليك فى الوقت ليكون تدبيرك برفق. # قال أفلاطون: ويجب أن تحتال فى هذه الأجزاء حتى تكون مقاومة للأركان. # قال أحمد: إن هذه الأجزاء المفرقة تحتاج فى تدبيرها إلى المعالجة بالأركان، وخاصة ~~النار. فإذا لم تكن مقاومة، فارقت وبطلت. فيأمرنا الشيخ أن نحتال فى ذلك. # قال أفلاطون: وإنما لا يقاوم الشىء الشىء لتفاوت أو شكل. # قال أحمد: كل شىء لا يقاوم النار فإنما يكون لعلة شيئين: أحدهما أن يكون ضعيفا ~~متفاوتا مختلف الذات فيسرع إليه الفساد؛ والثانى أن يكون مشاكلا للنار فتسرع فيه. ~~فالواجب أن يعرى العمل من هذين الجنسين. # قال أفلاطون: وأشد ما أخاف على السائل — إلى أن قال: فهو دسم. # قال أحمد: يعنى بالسائل النفس. وفى الرطوبة التى فى النفس دهنية يسرع ms089 معها فى ~~النفس النار، وهى شىء قد أعيا الأوائل فيه التدبير، لأن هذه الدهينة عسر استخراجها. ~~فأصغ لما يأتى من قول الفيلسوف بعد هذا فإنه يدلك على الحيلة فيه. # قال أفلاطون: فدبر الثانى مرارا كتدبير الأول حتى يتم التدبير. # قال أحمد: يريد بالأول وضع العمل فى القرعة والتفريق؛ ويريد بالثانى أن يدبر ~~النفس والروح كل واحد على حدة كتدبير العمل الأول مرارا حتى يبلغ التدبير فى التفريق ~~نهايته، لأن النفس إذ دبرتها كتدبير الأول لا يخلو من أن يبقى فى موضع الجسد بعض، ~~ويصعد منه ما يوافق الروح أيضا. PageV01P226 # قال أفلاطون: فالحق كل وقت البعض بالبعض. # قال أحمد: يأمرك أن تلحق ما يصعد من النفس بالروح الأول، وما يبقى فى موضع ~~الجسد بالجسد الأول؛ وكذلك يكون عملك بالروح الأول والجسد الأول حتى يخلص لك ~~الكل ويستقيم لك فيه التدبير. # قال أفلاطون: واستخرج الدهنية ببعض الجسد، أو استخرج المراد بالجسد؛ ثم ~~استخرجه أيضا. # قال أحمد: إن النفس إذا رددته على الجسد لم يخل أن يفيض على بعض أجزائه. فإن ~~دبرته تدبيرا يبقى فيه الجزء الأشرف ويخلى عن الأخس، فقد دبرت لأنك قادر بعد ذلك ~~على استخراج الجزء الأشرف من الجسد. وإن دبرته تدبيرا يفيض على الأخس ويخلى عن ~~الأشرف فقد دبرته التدبير التام، لأنك قد نلت المراد وتسهل عليك بعد ذلك تطهير ~~الجسد. واعلم أن الذى يبقى من النفس بعد استخراج الدهن إنما هو صبغ نفسانى ومركبه ~~النفس، وهو لا يكاد يثبت، لأن من شأن اليبس أن يخلى عما يخالطه. والتدبير فى شأنه ~~بعد هذا ما يأمر به الفيلسوف فى قوله هذا. # قال أفلاطون: وأثبته حينئذ بالرطوبة الروحانية، فهو إذا لقى الركن فارق ولم يجذب ~~معه المربوط به. # قال أحمد: يعنى بالرطوبة الروحانية الرطوبة التى فى الروح الصاعد؛ وليست هذه ~~الرطوبة التى فى النفس، لأن هذه الرطوبة كالطل الذى يلتقط الهواء، فضلا عن ~~الأركان. والرطوبة التى فى النفس كالدهن الذى لا يكاد يفارق الشىء عند ملاقاة ~~الأركان. وإذا فارق الركن وباعده ms090 جذب معه الشىء المخالط. وهذه الرطوبة الروحانية تضبط ~~النفس وقتما تحتاج إلى ضبطه. فإذا أردت أن تفارقه فارقته بأهون التدبير؛ والدهنية بخلاف ~~ذلك كما مثلت. وسأمثل مثالا يكون الرائد فى معرفة الطالب: لو أن ثوبا غمس فى الماء، ~~ثم قابله بعض الحرارة النارية أو الهوائية لفارقه الرطوبة وبقى الثوب على حالته. ~~PageV01P227 ولو غمس فى الدهن، ما كان يفارقه بالحرارة النارية والهوائية دون أن يبطل الثوب. والسبيل ~~فى النفس هذا السبيل — فتفهم ! — ولا يكاد يفارق الثوب الدهن إلا بالرطوبة وملاقاة ~~بعض الأركان اليابسة؛ وهو شبيه بما دبرناه فى أمر النفس. # قال أفلاطون: والجسد إذا أفردته فاحمل عليه الحرارة واليبس لتنقيه جدا، يعنى النار. # قال أحمد: يأمر أن نبالغ فى تكليس الجسد بعد إفراده ليبقى ويصفو ويخرج فضوله ~~وما كان فى نهاية التفاوت. وإنما يأمر أن يفعل ذلك بعد الإفراد لأن الجسد إذا كان ~~مخالطا للشىء المتفاوت للروح والنفس، فارق النار وتفرق؛ إذ النفس والروح من طبعهما ~~الذهاب والفراق. فإذا خالطا الجسد فارقاه بافتراقهما. # قال أفلاطون: والجسد بعد التكليس الشديد لا يكون منه التشبث بالنفس والروح ~~كما كان. # قال أحمد: إن الحاجة إلى الشىء الذى أخبر به الفيلسوف أنه فى الجسد، من ترك ~~التشبث، شديدة. وذلك العمل هو رد الشىء إلى أقرب مشاكلة للبسيط. وإذا كان ~~كذلك فإنه لا يثبت فى دار الطبيعة إلا بمركب يركبه. فإذا حل الجسد بهذا المحل كان ~~مثبتا للشىء من غير أن يداخله ويخالطه. والتفاوت والتركيب أكثر ما يكونا ~~بالمداخلة والمخالطة. # قال أفلاطون: وإنما صار لا يقبله لأن التدبير قد أحله بالمحل الذى يقبل الأثر من ~~الشىء الضعيف. فكيف من النار؟! — إلى أن قال: فغيره عن التركيب الأول ~~فلم يجانس. # قال أحمد: إن الشىء المدبر تلطف أجزاؤه فيسرع فيه التأثير. فالنار إذا لقى الجسد ~~المدبر أثر فيه تأثيرا يغيره عن ماهيته الأولى فلا يكاد يجانس ما كان فارقه من الروح والنفس. # قال أفلاطون: والواجب أن يكون فى أول التفريق الجسد أغبر قتما، والنفس أحمر ~~PageV01P228 براقا، والروح أبيض ms091 يكاد من لطافته أن يعرى من اللون — إلى أن قال: فإذا أكمل ~~فيه التدبير فإنه يتساوى. # قال أحمد: إن أول ما يظهر من أثر التفريق ظهور اللون الذى يخص الشىء. فالنفس، ~~لما كان الأغلب فيه الدهنية والحرارة، وجب أن تظهر فيه الحمرة؛ والروح، لما ارتفع من ~~النفس، صار لونه اللون المضىء المخالف للألوان، وهو اللون الصقيل؛ والجسد، لما كان ~~ثفلا وكان من جنس الأرض، وجب أن يظهر فيه وعليه لون الأرض. على أنه قد يجب ~~أن يظهر فيه السواد أيضا لاحتراقه بانتزاع القوى منه. فإذا رددت ... ... ما تهيأ ~~منها إلى التساوى. # قال أفلاطون: والجسد يكون فى بدء التكليس أغبر؛ فإذا دبر صار أبيض صافيا. # قال أحمد: إن الجسد إذا كلسته التكليس التام عرى عن مجانسة الأرضية أيضا، فصار ~~لونه اللون المقارب للبسيط وهو البياض. # قال أفلاطون: ويكون النفس أيضا كذلك — إلى أن قال: فالروح قد كان ~~مقاربا قبل. # قال أحمد: يرجع لون النفس أيضا عند التصفية إلى لون البياض المقارب للبسيط. وقوله: ~~«إن الروح كان مقاربا قبل» فإن الروح لونه فى أول التفريق 〈يكون〉 مقاربا ~~للون الذى يحدث فى الكل عند تمام التدبير. # قال أفلاطون: وعند تكليس الجسد فاطبخ الروح والنفس. # قال أحمد: إنما يراد بتكليس الجسد التنقية. والروح والنفس، لما استحال فيهما هذا ~~النوع من العمل، احتيل فيهما بالطبخ. # قال أفلاطون: فاطبخ فى الحمام الهوائى — إلى أن قال: فأدم عليه التدبير ~~نهاية بحران القمر. كما أنه يجب أن يديم التكليس بحران القمر الأوسط. PageV01P229 # قال أحمد: الحمام الهوائى الحمام الرطب، ويجب أن يكون كهيئة الحمام وفى مقدار ~~حرارته ويكون العمل قد أودع القناديل المعلقة فى الحمام، ونهاية بحران القمر ووسطه. فقد ~~أخرج ذلك أبقراط الطبيب فى كتابه المترجم ب«اليسابيع» على غاية الشرح؛ وأنبأ ~~هناك أن نهاية البحران فى الأمراض الجادة ثمانية وعشرون يوما دور القمر، والوسط من ~~البحران فى هذه الأمراض — أعنى بها الحادة — سبعة أيام انتقال القمر من ربع إلى ربع. ~~فأما بحرانات الأمراض المزمنة ففى تسعين يوما وفى ms092 العام، إذ ذلك مأخوذ من مدار الشمس ~~فيأمر الشيخ أفلاطون أن يدام التدبير على العمل المطبوخ ثمانية وعشرين يوما، وعلى العمل ~~المكلس سبعة أيام دائبا. # قال أفلاطون: واحمل على الجسد وارفق باللطيف، وانظر أن لا يداخلهما ما يكون ~~فيه بعض الفساد. # قال أحمد: يجب أن يكون تكليس الجسد بالنار الجزل، ويكون فى آنية معمولة من ~~طين البواتق، وينقل فى كل أربعة وعشرين ساعة من آنية إلى آنية أخرى، لأن الآنية ~~لا تصبر على النار مدة أيام التكليس، ويكون الطبخ فى أوانى زجاج مسدودة الأفواه بسد ~~الحكماء وطينهم المعمول من الصاروج والحطمى. ولا يلصق إليها من الحرارة إلا بالمقدار ~~الذى يصبر جسد الإنسان عليه. ويخلى الحمام فى كل أربع وعشرين ساعة من الرطوبة دون ~~الحرارة مقدار ساعة واحدة، وتفتح فم الأوانى حتى يخرج الفضول إلى القصد فى الطبخ ~~لاستخراجها. ثم تعيد السد. وتحذر ما حذرك الفيلسوف وهو: أن يداخل الشىء ما يفسده. ~~ويجب أن تعلم أن التكليس إنما يخاف أن يداخله الرماد فيثبت فيه منه البعض إذ ~~هو مقارب له. فأما الحرارة فلا تثبت بعد انقطاعها عنه: وأما المطبوخ فالذى يجب أن ~~لا تداخله الرطوبة — فتفهم هذا الباب. PageV01P230 # قال أفلاطون: وبعد التكليس والطبخ فردهما على الانفراد إلى التصعيد — إلى أن قال: ~~فكل واحد بما يشاكله. فإن تفاوت فاعلم أنك قد غلطت، فتدارك خطأك. # قال أحمد: قوله بما يشاكله — يريد به أن يصعد الكلس بالأثال والمطبوخ بالقرع. ~~وهذا التصعيد متحان العمل، وذلك أن الجسد إن صعد منه فى هذه الدرجة شىء فهو الدليل ~~على الفساد فى التدبير وذلك أن الغرض فيه أن يعرى مما يصعد ويفارق. والروح والنفس ~~إن بقى منهما ما لا يصعد، ويتفاضل البعض على البعض، فهو دليل الفساد أيضا، إذ العمل ~~الأكبر أن يقاما خلوين من الشوائب والعكر متشابهى الأجرام واحدى الذات. # قال أفلاطون: فإن رأيت العمل فى التصعيد غير مشاكل فدبره أيضا، لأن تدبيره ~~أنجع من تدبير غيره. # قال أحمد: يقول إذا صاعدت المكلس والمطبوخ فوجدتهما على غير ms093 السداد فردهما ~~إلى العمل. والتدبير أيسر من الابتداء فى غيره. # قال أفلاطون: وليكن تدبيرك فى الكل تدبير الآلة فى الجرم المحيط. # قال أحمد: يعنى بالجرم المحيط «الفلك»، ويعنى بالتدبير فيه «الاستحالات» التى ~~تكون نتيجتها رد الشىء إلى عالم العوالم. ألا ترى النبات وينابيع الماء والحيوان كيف ~~تستحيل ويرتفع منها اللطيف ويتحفظ منها الكثيف برد الشىء إلى شكله فى أوانه، ~~والتدبير مع ذلك، أعنى به انخفاضها دائما فيها. فلو لم يظهر التدبير إلا فى الجرم ~~السيال الذى هو الماء لكفى ودل على المراد. فإنا نرى الماء يخرج من الينابيع والأجرام ~~الأرضية، وهو حينئذ البسيط أغلب عليه منه وقد بقى على وجه الأرض مدة فيجذبه حر ~~الهواء من وجه الأرض ومن الحيوان والنبات، فيسيل بعد ما يفيض منه بعض التساوى ~~إلى أسفل، ثم يرتفع أيضا ويدبر بالتدبير الأول. ومما يصحح هذا القول البحر: لما كان الماء ~~راكدا فيه والتدبير دائما فى الجذب منه صار العكر الغالب عليه. ولولا ما ينصب فيه من ~~ماء الينابيع وما يرده الهواء إليه لصار بحاله من العكر والتفاوت، لا يتكون معها فيه الحيوان. ~~لكن المدبرين من تدبيرهم رد اللطيف على الكثيف ليسهلوا به رد الكثيف إلى التساوى ~~فالمقتدى بسيرة الإله ميسر له المراد فى عمله. PageV01P231 # قال أفلاطون: ومن الفيثاغوريين من يعتقد تفصيل العمل على أنواع، فلا يلتفت ~~إلى ذلك فإنما ينجع فيما يرده إلى التساوى، لا ما يفرده عن أركان الطبائع. # قال أحمد: إن من الأوائل وأهل الزمان من يكون تدبيره أن يفصل الشىء على سبعة ~~فصول وما فوق ذلك من العدد. ولقد سمعت 〈من〉 بعض منتحلى هذا العلم من أهل ~~الزمان أنه فصل من الشعر أنواعا كثيرة يشبه كل نوع منها ببعض الأملاح والجواهر ~~كالنوشادر والمرقشيثا والزاجات. فيقول الفيلسوف إن ذلك غير نافع إذ كان المراد رد ~~الشىء إلى التساوى، لا تفرد الأركان. # قال أفلاطون: ويصعب عليك العمل فى الرد إلى البسيط. فأما 〈فى〉 الابتداء ~~الثانى فإن الطبيعة هى المعاونة لك. # قال أحمد: إن هذا القول ms094 من الفيلسوف كاشف عما يخبر فيه الكثير من منتحلى هذا ~~العلم، وذلك أنه يختلط عليهم الرأى فيه، فيرون أن التدبير فى الابتداء الثانى يصعب ~~كصعوبة العمل فى الرد إلى مشاكلة البسيط. فيرى الفيلسوف خلاف هذا الرأى. ورأيه ~~الصواب، لأنه إنما صعب التدبير فى الرد إلى التساوى لأنه عمل فى دار الطبيعة مضاد ~~للطبيعة. فأما الابتداء الثانى فالطبيعة مشاكلة لقربها منه. # قال أفلاطون: وإذا أقمت كل نوع من أجزاء العمل على ما يجب أن تقيمه فرد ~~الروح على الجسد وصاعده فإنه يصعد. # قال أحمد: إن الروح إذا رددته على الجسد بعد التدبير إذا صاعدته صعد الجسد معه، ~~لا بالتشبث، بل بقوة الروح لأن الروح حينئذ يحمل ما قرب منه، فكيف ما جاوره! وهذا ~~التصعيد يجب أن يكون بالحرارة اليابسة المشاكلة للروح. فأما إن أودعته الرطوبة فإنه يفارق ~~الروح بكلية العمل ويبقى الجسد. وهذا من أعظم الدليل أن الصعود ليس من أجل التشبث. # قال أفلاطون: وما يصعد عند ذلك جوال رجراج غير مخالط للأركان. # قال أحمد: إن هذين الجنسين إذا رد بعضهما على بعض وصعدا فإنه يكون تركيبهما ~~لا كتركيب الطبيعة ويقومان كهيئة الزئبق لا يخالطان شيئا من الأركان إلا بعد مشقة. PageV01P232 # قال أفلاطون: فرد عليهما بعد ذلك المخصوص بالنفس — إلى أن قال: فإنهما يمتزجان. # قال أحمد: إن الفس للطفها تخالطهما لا اختلاط مداخله، بل اختلاط تقوم ~~البعض بالبعض. # قال أفلاطون: والنفس قيد الروح، كما أن الجسد قيد النفس. # قال أحمد: إن هذا الشىء إذا رد إلى التساوى لا يكاد يثبت فى دار الطبيعة. وهذه ~~الثلاثة الأقسام — أعنى بها: المخصوص باسم الروح والمخصوص باسم النفس ~~والمخصوص باسم الجسد؛ فإنه وإن كان قد رد كل واحد إلى التساوى فألطفها وأغزرها ~~الروح، ثم النفس، ثم الجسد. فالنفس تضبط الروح، كما أن الجسد يضبط النفس. # قال أفلاطون: وليس القيد كقيد الطبيعة، بل كالمركب. # قال أحمد: إنى قد أخبرت فيما تقدم أن الاختلاط الذى يقع بعد لا يقع فيه من ~~التشبث ما يقع فى تركيب الطبيعة، ms095 لأن تركيب الطبيعة يداخله الأضداد، وهذا ~~تركيب بائتلاف. # قال أفلاطون: وإذا بقى مدة من الزمان فإنه يغلب فيه الأقوى حتى يحل الكل. # قال أحمد: قد آن للطالب، مع تكريرى القول، أن يقف على ذلك من غير هذا ~~الإخبار. وذلك أن من القضايا المعقولة فى هذا الكتاب وفى غيره من الكتب أن الأشياء ~~واحدية الأصل؛ وأن كل ما جاور شيئا أو خالطه استحال الأضعف إلى الأقوى. فلما ~~كان التدبير قد أتى على الجسد حتى لطفه وصيره قابلا، والروح والنفس أيضا كذلك، ~~وجب أن تستحيل النفس روحا، والجسد — بالمرقاة التى هى النفس — روحا أيضا إذا ~~أحكمها تساويا من الثلاثة الدرج وقد وجد ما يقبله ويشاكله. # قال أفلاطون: وهو إذا استمكن من القيد لا يثبت — إلى أن قال: فزاوجه حتى ~~يولد مثله. # قال أحمد: إن الروح إذا أحال الجسد والنفس جميعا حتى يقوما كهيئته فإنه لا يثبت ~~PageV01P233 فى دار الطبيعة دون أن يشغله. وشغله أن تزاوجه من الجسد الذى منه دبرت فى البدء فإنه ~~يشتغل بقلبه عن ماهيته إلى ذاته عن الذهاب. # قال أفلاطون: فيلحقك مع الضبط كفاية المؤونة فى العود إلى العمل. # قال أحمد: من المستفيض عند منتحلى هذا العمل أن من دبر العمل مرة واحدة فإنه ~~مستغن عن العود إلى العمل. فيرى من لم يتدرب فى العلوم العلوية أن ذلك إنما هو أن ~~الشىء القليل يقلب الكثير من الجسد عن ماهيته إلى المراد باقتصاره على ما دبر مدة زمانه؛ ~~وذلك بخلاف هذا. وهو ما أخبرنا به الفيلسوف، لأن الروح إذا أحال الجسد والنفس ~~حتى يقوما كهيئته إذا جمع بينه وبين الجسد الذى كان منه بدء العمل فإنه لا يزال يؤثر فيه ~~حتى يقلبه عن ماهيته إلى ذاته حتى يقيمه كهيئته. فالعامل مستغن بهذا العمل من الروح ~~عن العود؛ وكذلك الفادح نارا مستغن عن الزناد ما بقى عنده النار. # قال أفلاطون: ويتبرم بكثرته حتى يضطر إلى التخلية عنه فى كل مدة. # قال أحمد: إن هذا الشىء إذا أحال مثله أو غيره من ms096 الجسد الذى كان منه، كان زائدا ~~فى كميته. فلا تزال الزيادة تنتهى إلى حد يتبرم بها العامل فيضطر إلى تخلية بعضها إذ قد ~~استغنى بالقليل الذى يبقيه، سيما وهو يعلم أن الزمان يبلغ به فى الزيادة إلى ما يريد، إذ هو ~~كالشريرة من النار فى الفعل. # قال أفلاطون: ولا تزاوجه بما تريد أن تحيله إليه إلا بما كان منه فى البدء — إلى أن ~~قال: فإن فعلت ذلك صار إكسيرا للذى تزاوجه؛ ولذلك قد فات أكثر العاملين مرادهم ~~بعد الفراغ من العمل بما بخسوا من الوقوف على هذا السر. # قال أحمد: إن هذا الفصل من كلام الفيلسوف السر الأعظم من أسرار الفلسفة فى ~~هذا النوع، وهو الذى يتم به للعامل ما يريده. ولقد أنظر فى كتب من تقدم ~~الفيلسوف أفلاطون من العلماء بهذا النوع من العلم فأجد الكل قد أومأ إلى جميع ما يحتاج ~~إليه فى العمل، إن لم يكن بالتصريح فبالإشارة — ما خلا هذا السر العظيم. وأنا أرى أن ~~من فاته هذا السر ثم قبل ما تقدم من القول فى أنواع هذا العلم فليس قبوله ذلك بمعرفة ~~PageV01P234 ولا علمه بحقيقة، لأن بمعرفته هذا السر يجب أن يصح عنده كون مراده؛ وإذا غبى عنه ~~هذا السر فخصمه يدحضه ويفلجه فى بطلان ما يدعيه. فلو أن قائلا قال: قد قبلت قولك ~~فى كل ما تدعيه من الكلام فى أولية الأشياء وواحدية ذاتها فى الأصل وتغايرها بعد ذلك ~~من أجل التركيب فما حجتك بعد فى قلبه الفضة ذهبا والنحاس فضة وغير ذلك من الأجساد ~~السخيفة عند أهل العلم إلى هذين الجسدين الكريمين عندهم — فكيف لا يقلب الذهب ~~والفضة إلى الأجساد السخيفة؟ وهل الذهب والفضة إلا من الطبائع المركبة، فكيف ~~شاكلهما القريب من البسيط؟ — لكان قد ألزمه الحجة وأبطل عليه الرأى إن لم يدفعه عن ~~نفسه ورأيه بما قد أنبأنا به الفيلسوف فى هذا القول. وسأتولى جواب هذا الخصم، إذ فيه ~~الكشف عن قول الفيلسوف وهو أنى أقول: إنا لم ندع فى العمل مشاكلة ms097 بينه وبين ~~الذهب والفضة ولا مضادة، إذ الشىء إنما هو شكل البسيط؛ وإنما عمله قلب الأشياء عن ~~ماهيتها. فلو ألقيته على الفضة أو على الذهب أو سائر الأجساد، ما كان يحيل الجسد ~~إلى جسد غيره، بل كان يميله إلى طبعه. بلى! إذا ألقى الجسد الملقى عليه الإكسير على ~~جسد آخر قلبه إلى جنسه. والمثال لذلك أن يلقى بعض العمل على الفضة فلا يغيره عن ~~ماهيته دون أن تحدث فيه قوة فتقوى على قلب الشىء، إذ ليس هو — أعنى به ~~العمل — بينه وبين سائر الأجساد من المشاكلة ما ليس له مع الآخر. فإذا ألقيت ~~هذه الفضة المعمولة على سائر الأجساد اقلبها فضة إذ قد صارت إكسيرا ثانيا مشاكلا ~~لجوهرية الفضة. وكذلك إن ألقيته — أعنى العمل على النحاس — صار هذا النحاس قالبا ~~لسائر الأجساد إلى جوهرية النحاس. ولذلك قال الفيلسوف وأمر أن يكون ما يشغل به ~~العمل عن الذهاب الشىء الذى دبر منه العمل، فإنه لقرب عهد العمل بمثل تركيبه وشكله ~~يحيله بكليته حتى يقيمه كهيئته. فأما أن يكون ما يشغله به عن الذهاب ما لا يجانسه فإنه ~~لا يقوى على كل الاستحالة والقلب فيه، فيصير ذلك الشىء إكسيرا لنفسه: إن كان نحاسا ~~كان الشىء الذى يقلب الذهب والفضة وسائر الأجساد نحاسا؛ وإن كان فضة كان ~~PageV01P235 الشىء الذى يقلب الأجساد فضة — وكذلك سائر الأجساد هذا سبيلها. وذلك أن الشىء ~~— أعنى به ال عمل — إذا داخل الجسد الذى يخالفه فى البدء أحدث فيه شكله الذى هو ~~قلب الأشياء ولم يقدر على نهاية استحالته؛ فيكون حينئذ الجسد الذى قد خالط العمل ~~قد حوى مع القوة على الاستحالة والقلب إلى طبعه فى أوان جسدانيته. فهو يقلب ~~الأشياء بالقوة التى ألبسته إياه العمل، ويكون قلبه إياه إلى ذاته لما قد بقى فيه من ~~قوة الطبع الجسدانى. # وقول الفيلسوف: إن من الناس من عمل وفرغ وحزم المراد — فإن ذلك إنما أتى ~~من جملة هذا الفعل. وذلك أن الذى قد فرغ من العمل إذا ألقاه على بعض الأجساد ms098 فلم ~~يظهر له فيه ما يريده وجهل أن الواجب إلقاؤه على الجسد الذى يريد أن يتولد له مثله، ثم يلقيه ~~بعد ذلك على سائر الأجساد — فقد يحس عند الفراغ من العمل نيل غرضه. # قال أفلاطون: واجعل ما تلقيه من العمل القليل على الكثير حتى لا يبلغ به إلا حد ~~الإكسيرية لنفسه دون ما سواه. # قال أحمد: إنك إن ألقيت الكثير من العمل على القليل من الجسد فربما غلب العمل ~~بكثرته على الجسد فنقله من حد الإكسيرية لجوهره إلى شكله فى كل الجهات، فيصير المحل ~~الذى لا يكون بينه وبين الأجساد مشاكلة فلا يولد له حينئذ جنسه. # قال أفلاطون: وما فاتك بالرأى يوشك أن لا يفوتك بالامتحان. # قال أحمد: من لم يؤده الرأى إلى مراده والوقوف على ما يقصد إليه فإن الامتحان ~~يرده إلى ذلك. # قال أفلاطون: واعلم أنك قد نلت الأمر العظيم بما ولدت، لأنه على السبيل الذى ~~رتبنا مقو لكل شىء ومولد له. # قال أحمد: عظم الفيلسوف هذا الأمر وفخمه؛ وليس تعظيمه إياه لما يدرك به من ~~PageV01P236 متاع الدنيا فى تولد هذين الجسدين — أعنى بهما الذهب والفضة — بل لما قد أدرك من ~~العمل الموازى لعمل العلويين ثم ما يقدر به من تولد الأعضاء الساقطة فى الحيوان وإصلاح ~~الحواس الفاسدة والأعضاء، إذ هو إذا جمع بينه وبين شىء من الأعضاء أو أحد الحواس ~~فإنه حينئذ يولد فى أى عضو تريد، إذا دبرته بالتدبير الذى قد مثله لك الفيلسوف. # قال أفلاطون: وإنك إن ألقيت القليل منه على الجسد الكبير فإنه حينئذ يصير فى ~~مدة من الزمان، ذرورا أنت مستغن عن ضبطه. # قال أحمد: إن ألقيت شيئا من العمل على جسد من الأجساد وكان القليل على الكثير ~~فإنه إذا استمكن مثله يقلب الجسد ذرورا، لونه لون الجسد الذى ألقيته عليه. وهذا الذرور. ~~إكسير يقلب جنسه. ولقد رأيت ذرورا يقلب الفضة ذهبا أوضح عندى أنه ليس من عمل ~~أهل الزمان، بل شىء بقى من عمل تلامذة أفلاطون. وربما وقع القليل منه فى يد ms099 بعض ~~المخادعين فيعرضه على من يريد أن يستفزه ويعلمه أن ذلك من عمله حتى يصل منه ~~إلى ما يريد. # قال أفلاطون: وقد مثلت لك ما يستغنى به ذو الرأى، ولا ينتفع بأضعافه الخلو منه. # قال أحمد: إن فى دون ما أخرجه الفيلسوف فى هذه الكتب ما يكتفى به من كان ~~له فى الفلسفة أدنى حظ. ولو أطال الكلام مدة أيامه وكرر القول وبذل المجهود منه فى إفهامه ~~ذلك الخلو من الرأى ما قدر عليه، إذ من المستحيل قبول الشكل إلا شكله. # قال أفلاطون: وهو الحيلة فى تولد الرأى فى الخلو منه — إلى أن قال: إذ من شأنه ~~أن يقوى شكله. # قال أحمد: إن الرأى الصواب من جنس البسيط والعمل يولده فى الإنسان ويقويه ~~فيه، وهو مقو للروح إذا دبر كالإكسير. فأما ما قبل ذلك فهو كما قدمت جاذب. # قال أفلاطون: واليواقيت والجواهر فتدبير بطىء — إلى أن قال: فاللحمانى ~~سبيلها سبيل الحيوان. PageV01P237 # قال أحمد: إن الفيلسوف قد تكلم فى هذا الكتاب فى أنواع الجواهر واليواقيت. ~~إلا أنى حذفت ذلك من هذا الكتاب وأخرجته فى كتابه فى الجواهر، لعلمى أن من أدرك ~~عمل الأجساد ونفذ تدبيره فيها، فإنه لا يخفى عليه الاحتيال فى الجواهر؛ وقوله: «اللحمانى» ~~إنما يعنى به الجوهر اللحمانى الذى هو اللؤلؤ، ويذكر أنه يجب أن يحتال فى توليدها كما يحتال ~~فى توليد الحيوان، إذ هو من جنسه. # قال أفلاطون: واعلم أن التفاوت إذا رددته إلى ما هو أشد تساويا منه فإنه يكون له ~~الثفل الكثير. # قال أحمد: إن الذهب والفضة أشد تساويا من سائر الأجساد، وهى أقل عكرا. ~~فإذا ألقيت أكسير الذهب والفضة على سائر الأجساد فإنما يقلب الصافى ويرد أكثرها ثفلا ~~كهيئة الرماد. # قال أفلاطون: ومن علم غرضنا فى المقصود وسار بسيرته فقد أدرك واستغنى. # قال أحمد: أجل ! من علم ذلك فقد أدرك واستغنى عنه. وكان الشيخ أفلاطون فى ~~سيرته، إذ هو عند ذلك طالب للتخلص. # قال أفلاطون: ومن علم علم أن بعض قولنا من مصائد الطبيعة. # قال ms100 أحمد: لولا أن الفيلسوف غطى هذا القول — فلا يسعنى أن أخالف مذهبه ~~وسيرته — لكنت أكشف من ذلك ما يقمع الطبيعة وينافرها. إلا أن الفيلسوف لخوفه ~~من هرب الطبيعة احتال فيها بحيل الحكماء، وسار فى مجاذبتها بسيرة الرحماء. # قال أفلاطون: فهو مصباح الحكيم يسير به كالنور الساطع. وأما أبناء الطبيعة فيخبطون ~~فى بيداء مظلمة لا يتبين لهم المصباح وقد خلوا منه. PageV01P238 # قال أحمد: سبيل هذا القول ما تقدم من القول الذى يجب أن أتبع فيه أثر الفيلسوف. ~~وهو آخر كلام الفيلسوف فى هذه الكتب. # *** # ويعلم واهب الحياة الأبدية أن غرضى كان فى تفسيرى كلام الفيلسوف فى هذه ~~الكتب غرض الفيلسوف فيه. وقد تجاوزت الكثير من كلامه صفحا للاستغناء عنه بما ~~أخرجت. وكل رأى تكلم به الفيلسوف فى أحد كتبه ثم أعاده فى الآخر — احتياطا منه ~~للطالب — فإنى حذفته اجتنابا من الإطالة الداعية إلى الغلط، ولم 〈يكن〉 ذلك ~~إلا بمقدار من الكشف كان من فهمه مستحقا لإدراكه؛ ولولا قلة ثقتنا بالزمان وأهله ~~لأخرجنا الأعمال التى نقلت بأهون السعى للأجساد، فيتوفر منها حظ الطالب. لكنه ~~لما مال أهل الزمان إلى الطبيعة وما يوفر عليهم ما يليهم وحادوا عن طلب السرور الأبدى ~~والفرح التام — لم يسعنا إعانتهم على ذلك. # وأنا أسأل الله المدبر للكل أن يجعل ثوابى فى إخراجى ذلك مخرجا يضمنه ~~الفيلسوف فى العاقبة لمن كان مدة أيام حياته قائما على العدل. # ][ تم الرابوع الرابع من أرابيع أفلاطون. وتم به الكتاب. والحمد لله وحده ][ PageV01P239 ~~ ms101