######OpenITI# #META# 000.SortField :: JK_010738 #META# 000.BookURI :: #0297.IbnDawudZahiri.Zahra #META# 010.AuthorAKA :: ابن داود الظاهري #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر محمد بن داود بن علي بن خلف الأصبهاني ثم البغدادي الظاهري (المتوفى : 297هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 297 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: الزهرة #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: كتب متنوعة #META# 022.BookVOLS :: NODATA #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: الزهرة #META# 030.LibURI :: JK_010738 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: NODATA #META# 031.LibURL :: NODATA #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: NODATA #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: NODATA #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # الباب الأول # من كثرت لحظاته دامت حسراته # قال بعض الحكماء رب حرب جنيت من لفظة ورب عشق غرس من لحظة وقال العتبي ~~أبو الغصن الأعرابي قال: خرجت حاجا فلما مررت بقباء تداعى الناس ألما ~~وقالوا قد أقبلت الصقيل فنظرت وإذا جارية كأن وجهها سيف صقيل فلما رميناها ~~بالحدق ألقت البرقع على وجهها فقلت يرحمك الله إنا سفر وفينا أجر فأمتعينا ~~بوجهك فانصاعت وأنا أرى الضحك في عينيها وهي تقول: # وكنت متى أرسلت طرفك رائدا ... لقلبك يوما أتبعتك المناظر # رأيت الذي لا تأكله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لامرأة من الأعراب: # أرى الحر لا يفنى ولم يفنه الألى ... أحينوا وقد كانوا على سالف الدهر # وكلهم قد خاله في فؤاده ... بأجمعه يحكون ذلك في الشعر # وما الحب إلا سمع أذن ونظرة ... ووجبة قلب عن حديث وعن ذكر # ولو كان شيء غيره فني الهوى ... وأبلاه من يهوى ولو كان من صخر # وقال آخر: # تعرضن مرمى الصيد ثم رمينا ... من النبل لا بالطائشات الخواطف # ضعائف يقتلن الرجال بلا دم ... فيا عجبا للقاتلات الضعائف # وللعين ملهى في التلاد ولم يقد ... هوى النفس شيئا كاقتياد الطرائف # وقال آخر: # وكم من فتى جلد يقاد لحينه ... بطرف مريض الناظرين كحيل # إذا ما الهوى منه تعزز جانب ... فما شئت من مقتولة وقتيل # وقال جرير بن عطية: # إن العيون التي في طرفها مرض ... قتلننا ثم لم يحيين قتلانا # يصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا # وقال جميل بن معمر العذري: # رمى الله في عيني بثينة بالقذى ... وفي الغر من أنيابها بالقوادح # رمتني بسهم ريشه الكحل لم يضر ... ظواهر جلدي فهو في القلب جارحي # أما معنى البيت الأول فقبيح أن يجعل في الغزل إن كان قصد في باطنه ما ~~يتبين في ظاهره وقد زعم بعض أهل الأدب أن قوله رمى الله في عيني بثينة ~~بالقذى إنما عنى به الرفيب وقوله. وفي الغر من أنيابها إنما عنى ms001 به سروات ~~قومها والقوادح الحجارة وقد عرضت هذا القول على أبي العباس أحمد بن يحيى ~~فأنكره وقال لم يعن ولم ير به بأسا العرب تقول قاتله الله فما أشجعه ولا ~~تريد بذلك سوءا. # وقال العديل بن الفرج العجلي: # يأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... فإذا عطلن فهن غير عواطل # وإذا جلين خدودهن أريننا ... حدق المها وأخذن نبل القاتل # فرمينا لا يستترن بجنة ... إلا الصبى وعلمن أين مقاتلي # يلبسن أردية الوقار لأهلها ... ويجر باطلهن حبل الباطل # وقال عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي: # سمعي وطرفي حليفا أعلى جسدي ... فكيف أصبر عن سمعي وعن بصري # لو طاوعاني على أن لا أطاوعها ... إذا لقضيت من أوطارها وطري # وقال يزيد بن سويد الضبعي: # بيض أوانس يلتاط العبير بها ... كف الفواحش عنها الأنس والخفر # ميل السوالف غيد لا يزال لها ... من القلوب إذا لاقينها جزر # وأنشدني بعض الكلابيين: # يا من بدائع حسن صورته ... تثني إليه أعنة الحدق # لي منك ما للناس كلهم ... نظر وتسليم على الطرق # لكنهم سعدوا بأمنهم ... وشقيت حين أراك بالفرق # وقال آخر: # دعا قلبه يوما هوى فأجابه ... فؤاد إذا يلقى المراض مريض # بمستأنسات بالحديث كأنها ... تهلل مزن برقهن وميض # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر: # طربت إلى حوراء آلفة الخدر ... هي البدر أو إن قلت أكمل من بدر # تراسلني باللحظ عند لقائها ... فتخلس قلبي عند ذلك من صدري # وقال عمرو بن الأيهم: PageV01P001 ويوم ارتحال الحي راعتك روعة ... فلم ~~تنسها من ذاك إلا على ذكر # رمتك بعيني فرقد ظل يتقي ... شآبيب قطر بين غصنين من سدر # وقال آخر: # قلبي إلى ما ضرني داعي ... يكثر أسقامي وأوجاعي # لقل ما أبقى على ما أرى ... أشك أن ينعاني الناعي # كيف احتراسي من عدوي إذا ... كان عدوي بين أضلاعي # ما أقتل اليأس لأهل الهوى ... لا سيما من بعد إطماع # وقال الطرماح: # فلما ادركناهن أبدين للهوى ... محاسن واستولين دون محاسن # ظعائن يستحدثن في كل بلدة ... رهينا ولا يحسن فك الرهائن # وقال العجيف العقيلي: # خليلي ما صبري على الزفرات ms002 ... وما طاقتي بالشوق والعبرات # تقطع نفسي كل يوم وليلة ... على إثر من قد فاتها حسرات # سقى ورعى الله الأوانس كالدمى ... إذا قمن جنح الليل منبهرات # دعون بحبات القلوب فأقبلت ... إليهن بالأهواء مبتدرات # وأنشدني أحمد بن يحيى الشيباني أبو العباس النحوي: # إذا هن ساقطن الأحاديث للفتى ... سقوط حصى المرجان من سلك ناظم # رمين فأنفذن القلوب ولا ترى ... دما مائرا إلا جوى في الحيازم # وخبرك الواشون ألا أحبكم ... بلى وستور البيت ذات المحارم # أصد وما الصد الذي تعلمينه ... بنا وبكم إلا جزع العلاقم # حياء وبقيا أن تشيع نميمة ... بنا وبكم أف لأهل النمائم # أما إنه لو كان غيرك أرقلت ... صعاد القنا بالراعفات اللهاذم # ولكن وبيت الله ما طل مسلما ... كغر الثنايا واضحات الملاغم # وإن دما لو تعلمين جنيته ... على الحي جاني مثله غير نائم # وقال عمر بن أبي ربيعة: # فلما تواقفنا وسلمت أقبلت ... وجوه زهاها الحسن أن تتقنعا # تبالهن بالعرفان لما عرفنني ... وقلن امرؤ باغ أضل وأوضعا # وقربن أسباب الهوى لمتيم ... يقيس ذراعا كلما قسن إصبعا # فقلت لمطريهن بالحسن إنما ... ضررت فهل تسطيع نفعا فتنفعا # وقال أيضا: # وكم من قتيل ما يباء به دم ... ومن غلق رهنا إذا لفه منى # ومن مالئ عينيه من شيء غيره ... إذا راح نحو الجمرة البيض كالدمى # أوانس يسلبن الحليم فؤاده ... فيا طول ما شوق ويا حسن مجتلى # مع الليل قصرا قد أضر بكفها ... ثلاث أسابيع تعد من الحصى # فلم أرى كالتجمير منظر ناظر ... ولا كليالي الحج أفتن ذا هوى # وقال آخر: # بوارح رحن من برح إلينا ... بأفئدة الرجال مبرحات # رمين حصى الجمار بخاضبات ... وأفئدة الرجال بصائبات # وقال ذو الرمة: # فما ظبية ترعى مساقط رملة ... كسا الواكف الغادي لها ورقا خضرا # بأحسن من مي عشية حاولت ... لتجعل صدعا في فؤادك أو عقرا # بوجه كقرن الشمس حر كأنما ... تهيج بهذا القلب لمحته وقرا # وعين كأن البابليين لبسا ... بقلبك منها يوم لاقيتها سحرا # وقال كثير بن عبد الرحمن: # أصابك نبل الحاجبية إنها ... إذا ما رمت لا يستبل كليمها # لقد ms003 غادرت في القلب مني أمانة ... وللعين عبرات سريع سجومها # فذوقي بما أجنيت عينا مشومة ... علي وقد يأتي على العين شومها # وقال آخر: # وتنال إذا نظرت إليك بطرفها ... ما لا ينال بحده النصل # وإذا نظرت إلى محاسن وجهها ... فلكل موضع نظرة قتل # ولقلبها حلم تصد به ... عن ذي الهوى ولطرفها جهل # وقال حبيب بن أوس الطائي: # يا جفونا سواهدا أعدمتها ... لذة النوم والرقاد جفون PageV01P002 إن لله ~~في العباد منايا ... سلطتها على القلوب عيون # وأنشدتني أم حمادة الهمدانية: # دار الهوى بعباد الله كلهم ... حتى إذا مر بي من بينهم وقفا # إني لأعجب من قلب يكلفكم ... وما يرى منكم برا ولا لطفا # لولا شقاوة جدي ما عرفتكم ... إن الشقي الذي يشقى بمن عرفا # وأنشدني أبو طاهر أحمد بن بشر الدمشقي: # رمتني وستر الله بيني وبينها ... عشية أحجار الكناس رميم # رميم التي قالت لجارات بيتها ... ضمنت لكم أن لا يزال يهيم # ألا رب يوم لو رمتني رميتها ... ولكن عهدي بالنضال قديم # وبلغني أن بثينة وعزة كانتا خاليتين تتحدثان إذ أقبل كثير فقالت بثينة ~~لعزة أتحبين أن أبين لك إن كان كثير فيما يظهره لك من المحبة غير صادق قالت ~~نعم قالت: أدخلي الخباء فتوارت عزة ودنا كثير حتى وقف على بثينة فسلم عليها ~~فقالت له ما تركت فيك عزة مستمتعا لأحد فقال كثير والله لو أن عزة أمة ~~لوهبتها لك قالت له بثينة إن كنت صادقا فاصنع في ذلك شعرا فأنشأ يقول: # رمتني على فوت بثينة بعد ما ... تولى شبابي وارجحن شبابها # بعينين نجلاوين لو رقرقتهما ... لنوء الثريا لاستهل سحابها # فبادرت عزة فكشفت الحجاب وقالت يا فاسق قد سمعت البيتين قال لها فاسمعي ~~الثالث قالت وما هو فأنشأ يقول: # ولكنما ترمين نفسا شقية ... لعزة منها صفوها ولبابها # وهذا الشعر وإن كان قبيحا لمناسبته الخيانة والغدر فهو حسن من ثبات حدة ~~الخاطر وسرعة الفكر. # وقال أبو عبادة البحتري: # نظرت قادرة أن ينكفي ... كل قلب في هواها بعلق # قال بطلا وأفال الرأي من ... لم يقل إن ms004 المنايا في الحدق # كان يكفي ميتا من ظمإ ... فضل ما أوبق ميتا من غرق # إن تكن محتسبا من قد ثوى ... لحمام فاحتسب من قد عشق # وقال القطامي وهو أحسن ما قيل في معناه: # وفي الخدور غمامات برقن لنا ... حتى تصيدننا من كل مصطاد # يقتلننا بحديث ليس يعلمه ... من يتقين ولا مكتومه باد # فهن يبدين من قول يصبن به ... مواقع الماء من ذي الغلة الصادي # قد ذكرنا من أقاويل الشعراء في الهوى أنه يقع ابتداؤه من النظر والسماع ~~ما في بعضه بلاغ ثم نحن إن شاء الله ذاكرون ما في ذلك الأمر الذي أوقعه ~~السماع والنظر ولم وقع وكيف وقع إذ قد صح كونه عند العامة وخفي سببه على ~~الخاصة أخبرنا أبو بكر محمد بن إسحاق الصاغاني قال حدثنا ابن أبي مريم قال ~~أخبرنا يحيى بن أيوب عن يحيى بن سعيد عن عمرة عن عائشة عن النبي صلى الله ~~عليه وسلم أنه قال: الأرواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر ~~منها اختلف. # وفي مثل ذلك يقول طرفة بن العبد: # تعارف أرواح الرجال إذا التقوا ... فمنهم عدو يتقى وخليل # وإن امرءا لم يعف يوما فكاهة ... لمن لم يرد سوءا بها لجهول # وزعم بعض المتفلسفين أن الله جل ثناؤه خلق كل روح مدورة الشكل على هيئة ~~الكرة ثم قطعها أيضا فجعل في كل جسد نصفا وكل جسد لقي الجسد الذي فيه النصف ~~الذي قطع من النصف الذي معه كان بينهما عشق للمناسبة القديمة وتتفاوت أحوال ~~الناس في ذلك على حسب رقة طبائعهم. # وقد قال جميل في ذلك: # تعلق روحي روحها قبل خلقنا ... ومن بعد ما كنا نطافا وفي المهد # فزاد كما زدنا فأصبح ناميا ... وليس إذا متنا بمنتقض العهد # ولكنه باق على كل حالة ... وزائرنا في ظلمة القبر واللحد # وفي نحوه يقول بعض أهل هذا العصر: # من كان يشجى بحب ما له سبب ... فإن عندي لما أشجى به سبب # حبيه طبع لنفسي لا يغيره ... كر الليالي ولا تودي به الحقب PageV01P003 ~~إن ms005 كان لا بد للعشاق من عطب ... ففي هوى مثله يستغنم العطب # وكتب بعض الظرفاء إلى أخ له إني صادقت منك جوهر نفسي فأنا غير محمود على ~~الانقياد إليك بغير زمام لأن النفس يتبع بعضها بعضا وحكي عن أفلاطون أنه ~~قال ما أدري ما الهوى غير أني أعلم أنه جنون إلاهي لا محمود ولا مذموم. # وقد قال بعض الشعراء في مثله: # إن المحبة أمرها عجب ... تلقى عليك وما لها سبب # ولقد أحسن الحسين بن مطير في قوله: # قضى الله يا سمراء مني لك الهوى ... بعزم فلم أمنع ولم أعطه عمدا # وكل أسير غير من قد ملكته ... مرجى لقتل أو لنعماء أو مفدى # وزعم بطليموس أن الصداقة والعداوة تكون على ثلاثة أضرب إما لاتفاق ~~الأرواح فلا يجد المرء بدا من أن يحب صاحبه وإما للمنفعة وإما لحزن وفرح ~~فأما اتفاق الأرواح فإنه يكون من كون الشمس والقمر في المولدين في برج واحد ~~ويتناظران من تثليث أو تسديس نظر مودة فإنه إذا كان كذلك كانا صاحبا ~~المولدين مطبوعين على مودة كل واحد منهما لصاحبه فأما اللذان تكون مودتهما ~~لحزن أو لفرح فإنه من أن يكون طالع مولديهما برجا واحدا ويتناظر طالعاهما ~~من تثليث أو تسديس وأما اللذان مودتهما للمنفعة فإن ذلك من أن يكون بينهما ~~سعادتاهما في مولديهما في برج واحد أو يتناظر السهمان من تثليث أو تسديس ~~فإن لك يدل على المولدين تكون منفعتهما من جهة واحدة وينتفع أحدهما بصاحبه ~~فتجلب المنفعة بينهما الصداقة أو تكون مضرتهما من جهة واحدة فيتفقان على ~~الحزن فيتوادان بذلك السبب ويقوي ذلك كله نظر السعود في وقت المواليد ~~ويضعفه نظر النحوس وقد ذكر بعض الشعراء الهوى فقسمه على نحو من هذا المعنى ~~فقال: # ثلاثة أحباب فحب علاقة ... وحب تملاق وحب هو القتل PageV01P004 وزعم ~~جالينوس أن المحبة قد تقع من العاقلين من باب تشاكلهما في العقل ولا تقع ~~بين الأحمقين من باب تشاكلهما في الحمق لأن العقل يجري على ترتيب فيجوز أن ~~يتفق فيه على طريق واحد ms006 والحمق لا يجري على ترتيب فلا يجوز أن يقع به اتفاق ~~بين اثنين وقال بعض المتطببتن إن العشق طمع يتولد في القلب وتجتمع إليه ~~مواد من الحرص مكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدة القلق وكثرة ~~الشهوة وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء ~~وانقلابها إلى السوداء ومن طغيان السوداء فساد الفكر ومع فساد الفكر تكون ~~العدامة ونقصان العقل ورجاء ما لا يكون وتمني ما لا يتم حتى يؤدي ذلك إلى ~~الجنون فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه وربما مات غما وربما نظر إلى معشوقه ~~فيموت فرحا أو أسفا وربما شهق شهقة فتختفي فيها روحه أربعا وعشرين ساعة ~~فيظنون أنه قد مات فيقبرونه وهو حي وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في ~~تامور قلبه وينضم عليها القلب فلا ينفرج حتى يموت وربما ارتاح وتشوق للنظر ~~أو رأى من يحب فجأة فتخرج نفسه فجأة دفعة واحدة وأنت ترى العاشق إذا سمع ~~بذكر من يحب كيف يهرب ويستحيل لونه وإن كان الأمر يجري على ما ذكر فإن زوال ~~المكروه عمن هذه حاله لا سبيل إليه بتدبير الآدميين ولا شفاء له إلا بلطف ~~يقع له من رب العالمين وذلك أن المكروه العارض من سبب قائم منفرد بنفسه ~~يتهيأ التلطف في إزالته بإزالة سببه فإذا وقع الشيئان وكل واحد منهما علة ~~لصاحبه لم يكن إلى زوال واحدة منهما سبيل فإذا كانت السوداء سببا لاتصال ~~الفكر وكان اتصال الفكر سببا لاحتراق الدم والصفراء وقلبها إلى تقوية ~~السوداء كلما قويت قوت الفكر والفكر كلما قوي قوى السوداء وهذا هو الداء ~~الذي يعجز عن معالجته الأطباء وقد زعم بعض المتصوفين أن الله جل ثناؤه إنما ~~امتحن الناس بالهوى ليأخذوا أنفسهم بطاعة من يهوونه وليشق عليهم سخطه ~~ويسرهم رضاؤه فيستدل بذلك على قدر طاعة الله عز وجل إذ كان لا مثل له ولا ~~نظير وهو خالقهم غير محتاج إليهم ورازقهم مبتدئا غير ممتن عليهم فإن أوجبوا ~~على أنفسهم طاعة من سواه كان هو تعالى أحرى بأن ms007 يتبع رضاه والكلام في ~~اعتبار ما حكيناه والإخبار عن جميعه بما يرضاه يكثر وربما استغني بالحكايات ~~عن التصريح بالاختبارات ونحن إن شاء الله نذكر بعقب هذا الباب مبلغ الهوى ~~من قلوب ذوي الألباب ونصف مراتبه وتصرفه وازدياده وتمكنه ونخبر باقتداره ~~على المقتدرين واستظهاره على المستظهرين وتلاعبه بقلوب المتفلسفين وتمالكه ~~على خواطر المستسلمين. # الباب الثاني # العقل عند الهوى أسير والشوق عليهما أمير # قال جالينوس العشق من فعل النفس وهي كامنة في الدماغ والقلب والكبد وفي ~~الدماغ ثلاثة مساكن التخييل وهو في مقدم الرأس والفكر وهو في وسطه والذكر ~~وهو في مؤخره وليس يكمل لأحد اسم عاشق إلا حتى إذا فارق من يعشقه لم يخل من ~~تخييله وفكره وذكره وقلبه وكبده فيمتنع عن الطعام والشراب باشتغال الكبد ~~ومن النوم باشتغال الدماغ والتخييل والذكر له والفكر فيه فيكون جميع مساكن ~~النفس قد اشتغلت به فمتى لم يشتغل به وقت الفراق لم يكن عاشقا فإذا لقيه ~~خلت هذه المساكن ولعمري لقد أحسن فيما وصف واحتج لما قال فانتصف غير أنه ~~ذكر حال العشق وحده وترك ذكر أحوال ما قبله وأحوال ما بعده وذلك أن الأحوال ~~التي تتولد عن السماع والنظر مختلفة في باب العظم والصغر ولها مراتب فأول ~~ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان ثم يقوى فيصير مودة والمودة سبب ~~الإرادة فمن ود إنسانا ود أن يكون له خلا ومن ود غرضا ود أن يكون له ملكا ~~ثم تقوى المودة فتصير محبة والمحبة سببا للطاعة. # وفي ذلك يقول محمد الوراق: # تعصي الإله وأنت تظهر حبه ... هذا محال في القياس بديع # لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن أحب مطيع # ثم تقوى المحبة فتصير خلة والخلة بين الآدميين أن تكون محبة أحدهما قد ~~تمكنت من صاحبه حتى أسقطت السرائر بينه وبينه فصار متخللا لسرائره ومطلعا ~~على ضمائره. PageV01P005 وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر: # فلا تهجر أخاك بغير ذنب ... فإن الهجر مفتاح السلو # إذا كتم الخليل أخاه سرا ... فما فضل الصديق على العدو ms008 # ويقال إن الخلة بين الآدميين مأخوذة من تخلل المودة بين اللحم والعظم ~~واختلاطهما بالمخ والدم وهذا المعنى غير مخالف للأول بل هو أوضح سبب له لأن ~~من حل من النفس هذا المحل لم يستبد عنه بأمر ولم يستظهر عليه بسر. # وقد أنشدنا لعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود في هذا النحو: # تغلغل حب عثمة في فؤادي ... فباديه مع الخافي يسير # تغلغل حيث لم يبلغ شراب ... ولا حزن ولم يبلغ سرور # ثم تقوى الخلة فتوجب الهوى والهوى اسم لانحطاط المحب في محاب المحبوب وفي ~~التوصل إليه بغير تمالك ولا ترتيب. # أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى: # وإن امرءا يهوي إليك ودونه ... من الأرض موماة وبيداء خيفق # لمحقوقة أن تستجيبي لصوته ... وإن تعلمي إن المعين موفق # ثم تقوى الحال فيصير عشقا والعاشق يمنعه من سرعة الانحطاط في هوى معشوقه ~~إشفاقه عليه وضنه به حتى أن إبقاءه عليه ليدعوه إلى مخالفته وترك الإقبال ~~عليه فمن الناس من يتوهم لهذه العلة أن الهوى أتم من العشق وليس الأمر كذلك ~~ثم يزداد العشق فيصير تتييما وهو أن تصير حال المعشوق مستوفية للعاشق فلا ~~يكون فيه معها فضل لغيرها ولا يزيد بقياسه شيئا إلا وجدته متكاملا فيها. # وفي مثل هذا المعنى يقول أبو الشيص: # وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي ... متأخر عنه ولا متقدم # أجد الملامة في هواك لذيذة ... حبا لذكرك فليلمني اللوم # أشبهت أعدائي فصرت أحبهم ... إذ كان حظي منك حظي منهم # وأهنتني فأهنت نفسي جاهدا ... ما من يهون عليك ممن أكرم # ولو لم يقل أبو الشيص في عمره بل لو لم يقل أحد من أهل عصره غير هذه ~~الأربعة الأبيات لكانوا مقصرين وإذا كانت كل خواطر العشاق فيما يتمناه ~~واقعة ممن يهواه على الأمر الذي يرضاه فهذه في المشاكلة الطبيعية التي لا ~~يفنيها مر الزمان ولا تزول إلا بزوال الإنسان وإذا صح هذا المذهب لم يعجب ~~من أن يميل الإنسان إلى الإنسان بخلة أو خلتين فإذا زالت العلة زال الهوى ms009 ~~فلا يزال المرابط متنقلا إلى أن يصادف من يجتمع فيه هواه فحينئذ يرضاه فلا ~~ينعطف عنه إلى أحد سواه. # ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى: # أيا زاعما أني له غير خالص ... وأني موقوف على كل قانص # كما أنت فانظر في وفائك خالصا ... تراه لمن يهواك أم غير خالص # فحينئذ فارجع بما تستحقه ... علي وطالبني إذا بالنقائص # سأعرض نفسي يمنة وشآمة ... على كل ثاو في البلاد شاخص # إلى أن أرى شكلا يصون مودتي ... فحينئذ أغلو على كل غائص # أمثلي يخون العهد عن غير حادث ... رماني إذا ربي بحتف مغافص # ثم يزداد التتييم فيصير ولها والوله هو الخروج عن حدود الترتيب والتعطل ~~عن أحوال التمييز حتى تراه يطلب ما لا يرضاه ويتمنى ما لا يهواه ثم لا ~~يحتذي مع ذلك مثالا ولا يستوطن حالا. # وقد قال حبيب بن أوس الطائي في نحو هذا: # ولهته العلى فليس يعد ال ... بؤس بؤسا ولا النعيم نعيما # والشوق تابع لكل واحدة من هذه الأحوال والمستحسن يشتاق إلى ما يستحسنه ~~على قدر محله من نفسه ثم كلما قويت الحال قوي معها الاشتياق فالحب وما ~~أشبهه يتهيأ كتمانه فإذا بلغت الاشتياق بطل الكتمان. # وفي مثل ذلك يقول يزيد بن الطثرية: # أعيب الذي أهوى وأطري جواريا ... يرين لها فضلا عليهن بينا # برغمي أطيل الصد عنها إذا بدت ... أحاذر أسماعا عليها وأعينا # فد غضبت أن قلت أن ليس حاجتي ... إليها وقالت لم يرد أن يحبنا ~~PageV01P006 وهل كنت إلا معمدا قانط الهوى ... أسر فلما قاده الشوق أعلنا # أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى ... فصادف قلبي خاليا فتمكنا # ولعمري إن هذا لمن نفيس الكلام غير أن في البيت ضعفا وذلك أنه جعل سبب ~~تمكن الهوى من قلبه أنه صادفه خاليا لم يسبقه إليه غيره وليست هذه من أحوال ~~أهل التمام إذ كل من صادف محلا لا يدافع عنه لم يتعذر عليه طريق التمكن ~~منه. # وقد قال بعض أهل هذا العصر: # وقد كان يسبي القلب في كل ليلة ... ثمانون بل تسعون نفسا ms010 وأرجح # يهيم بهذا ثم يعشق غيره ... ويسلاهم من فوره حين يصبح # وكان فؤادي صاحيا قبل حبكم ... وكان بحب الخلق يلهو ويمزح # فلما دعا قلبي هواك أجابه ... فلست أراه عن ودادك يبرح # رميت بهجر منك إن كنت كاذبا ... وإن كنت في الدنيا بغيرك أفرح # وإن كان شيء في البلاد بأسرها ... إذا غبت عن عيني عندي يملح # فإن شئت واصلني وإن شئت لم تصل ... فلست أرى قلبي لغيرك يصلح # فالمحبة ما دامت لهوا ونظرا فهي عذبة المبتدأ سريعة الانقضاء فإذا وقعت ~~مرتبة على التمام في المصافاة تعذرت قدرة القلب على هواه فحينئذ تضل أفهام ~~المتميزين وتبطل حيل المتفلسفين. # وفي نحو ذلك يقول بعض الظرفاء: # طوى شجنا في الصدر فالدمع ناشره ... فإن أنت لم تعذره فالشوق عاذره # هوى عذبت منه موارد بدره ... فلما نمى أعيت عليه مصادره # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى لامرأة من قيس: # وما كيس في الناس يحمد رأيه ... فيوجد إلا وهو في الحب أحمق # وما من فتى ما ذاق بؤس معيشة ... فيعشق إلا ذاقها حين يعشق # وقال عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير: # ورمى الهوى منا القلوب بأسهم ... رمي الكماة مقاتل الأعداء # ومن العجائب قتله لكرامنا ... وشدادنا بمكائد الضعفاء # وقال أبو دلف: # الحرب تضحك عن كري وإقدامي ... والخيل تعرف آثاري وأقدامي # سيفي مدامي وريحاني مثقفة ... وهمتي مقة التقصيم للهام # وقد تجرد لي بالحسن منفردا ... أمضى وأشجع مني يوم إقدامي # سلت لواحظه سيف السقام على ... جسمي فأصبح جسمي ربع أسقام # وقال آخر: # ألا قاتل الله الهوى كيف يقتل ... وكيف بأكباد المحبين يفعل # فلا تعذلني في هواي فإنني ... أرى سورة الأبطال في الحب تبطل # وقال آخر: # الحب يترك من أحب مدلها ... حيران أو يقضي عليه فيسرع # الحب أهونه شديد فادح ... يهن القوي من الرجال فيصرع # من كان ذا حزم وعزم في الهوى ... وشجاعة فالحب منه أشجع # وقال النابغة الذبياني: # لو أنها عرضت لأشمط راهب ... يدعو الإله صرورة متعبد # لرنا لبهجتها وحسن حديثها ... ولخاله رشدا وإن لم يرشد # أسع البلاد إذا ms011 أتيتك زائرا ... وإذا هجرتك ضاق عني مقعدي # وأنشدتني أعرابية بالبادية: # تبصر خليلي هل ترى بين وائش ... وبين أحي من ظعائن كالأثل # ظعائن يسلبن الفتى الغر عقله ... وذا الأهل حتى لا يبالي بالأهل # وقال آخر: # أروح ولم أحدث لليلى زيارة ... لبئس إذا راعي المودة والوصل # تراب لأهلي لا ولا نعمة لهم ... لشد إذن ما قد تعبدني أهلي # وقال ماني: # مكتئب ذو كبد حرى ... تبكي عليه مقلة عبرى # يرفع يمناه إلى ربه ... يدعو وفوق الكبد اليسرى # يبقى إذا كلمته باهتا ... ونفسه مما به سكرى # تحسبه مستمعا ناصتا ... وقلبه في أمة أخرى # وقال غيره وهو مجنون بني عامر: PageV01P007 وشغلت عن فهم الحديث سوى ... ~~ما كان فيك وحبكم شغلي # وأديم نحو محدثي نظري ... أن قد فهمت وعندكم عقلي # وقال آخر: # من كان لم يدر ما حب وصفت له ... إن كان في غفلة أو كان لم يجد # الحب أوله روع وآخره ... مثل الحرارة بين القلب والكبد # وقال الحسين بن مطير الأسدي وهو من جيد ما قيل في معناه: # قضى الله يا أسماء أن لست زائلا ... أحبك حتى يغمض العين مغمض # فحبك بلوى غير أن لا يسرني ... وإن كان بلوى أنني لك مبغض # إذا ما صرفت القلب في حب غيرها ... إذا حبها من دونه يتعرض # فيا ليتني أقرضت جلدا صبابتي ... وأقرضني صبرا على الشوق مقرض # أما قوله فحبك بلوى فكلام قبيح المعنى وذلك أنه كان صادقا في هواها ~~مختارا لها على ما سواها فقد أتى على نفسه إذ جعل اختياره مضرا بقلبه وإن ~~كان لم يدخل في الهوى مختارا وإنما وقع به اضطرارا فقد أخطأ إذ سمى ما هو ~~موجود في طبعه مفارق لنفسه باسم البلوى التي تعرض له وتنصرف عنه وأما ~~إخباره بأنه لا يسر بأن يكون مبغضا لها فكلام لو سكت عنه كان أولى أو أن ~~يكفه أنه مبتلى عند نفسه بهواها حتى يريد مع ذلك أن يكون مبغضا مائلا إلى ~~سواها غير أني أرجع إلى من ملكه الإشفاق وغلب على قلبه الاشتياق عذرا ms012 بأن ~~يظهر ما يضمر سواه ويتمنى لنفسه غير ما يهواه ألم يسمع الذي يقول: # من حبها أتمنى أن يلاقيني ... من نحو بلدتها ناع فينعاها # كيما أقول فراق لا التقاء له ... وتضمر النفس يأسا ثم تسلاها # وهذا لعمري سرف شديد وطريق الاعتذار لقائله بعيد وأقرب منه قول أبي ~~الوليد بن عبيد الطائي: # مقيم بأكناف المصلى تصيدني ... لأهل المصلى ظبية لا أصيدها # أريد لنفسي غيرها حين لا أرى ... مقاربة منها ونفسي تريدها # وهذا الكلام أيضا حسن الظاهر قبيح الباطن وذلك أنه يعبر عن صاحبته أنه ~~إنما يريدها ما دامت تواصله فإذا هجرته انصرف عنها قلبه إلا أنه وإن كان ~~مقصرا في هذا البيت فما قصر في قوله: # يهواك لا أن الغرام أطاعه ... حتما ولا أن السلو عصاه # متخير ألفاك خيرة نفسه ... ممن نآه الود أو أدناه # وهذا ضد قول أبي علي البصير: # لو تخيرت ما عشقت ولو مل ... كت أمري عرفت وجه الصواب # وأقبح من هذا القول الذي يقول: # إن الذي بعذابي ظل مفتخرا ... هل كنت إلا مليكا جار إذ قدرا # لولا الهوى لتحاربنا على قدر ... وإن أفق يوما ما فسوف ترى # هذا يتوعد محبوبه بالعقاب وهو أسير في يده يجري عليه حكمه وينفذ فيه فكيف ~~لو قد ملك نفسه وقدر على الإنصاف من خصمه هذه حال لا يخبر بها عن نفسه إلا ~~من قد غلب على عقله أو تحير في أمره وقد قال جميل في قريب من هذا المعنى ~~قولا مليحا وإن لم يكن معناه عندنا صحيحا وهو: # فيا رب حببني إليها وأعطني المو ... دة منها أنت تعطي وتمنع # وإلا فصبرني وإن كنت كارها ... فإني بها يا ذا المعارج مولع # وللمجنون ما هو أقبح منه: # فيا رب سو الحب بيني وبينها ... كفافا فلا يرجح لليلى ولا ليا # وإلا فبغضها إلي وأهلها ... تكن نعمة ذا العرش أهديتها ليا # وأنشدني أبو العباس محمد بن يزيد النحوي ليزيد بن الطثرية في ضد هذا ~~المعنى: # يقولون صبرا يا زيد إذا نأت ... ويا رب لا ترزق ms013 على حبها صبرا # فهذا يختار لنفسه البلاء ضنا بمحلها من الهوى ولعمري إن هذه لحال وكيدة ~~وإنها لو فارقته حتى يرى نفسه بعين الحرية من ملكها لانتقل عن رأيه وندم ~~على وفائه وقد حدثتني مريم الأسدية قالت سمعت امرأة عقيلية تقول وهي على ~~بعير لها تسير: # سقينا سلوة فسلا كلانا ... أراك الله نعمة من سقانا PageV01P008 قالت ~~مريم فسألتها عن خبالها فقالت كنت أهوى ابن عم لي ففطن بي بعض أهلي فسقوني ~~وإياه شيئا فسلا كل واحد منا عن صاحبه وهذه حال قل ما يقع مثلها وهي ألطف ~~محلا من كل ما ذكرناه وما نذكره بعدها لأنا إنما نصف من آثر المقام مع من ~~يهواه على السلو عنه والراحة من أذاه وهو بعد مقيم في هواه وصاحبة هذا ~~البيت قد سلت عن محبوبها وإنما تأسى على العشق لا على المعشوق وفي مثل هذا ~~المعنى يقول بعض الهذليين: # إذا ما سألتك وعدا تريح ... به مهجتي فأنا المستريح # فلا تعطني الوعد خوف السلو ... فإني على حسراتي شحيح # أحب إلي من الصبر عنك ... فؤاد قريح وقلب جريح # ولقد أحسن الوليد بن عبيد حيث يقول: # ويعجبني فقري إليك ولم يكن ... ليعجبني لولا محبتك الفقر # وما لي عذر في جحودك نعمة ... ولو كان لي عذر لما حسن العذر # وأحسن الذي يقول: # وما سرني أني خلي من الهوى ... على أن لي ما بين شرق إلى غرب # فإن كان هذا الحب ذنبي إليكم ... فلا غفر الرحمان ذلك من ذنب # وأحسن أيضا الذي يقول: # أحببت قلبي لما أحبكم ... وصار رأيي لرأيه تبعا # ورب قلب يقول صاحبه ... تعسا لقلبي فبئس ما صنعا # وأنشدني أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار لجميل بن معمر: # خليلي فيما عشتما هل رأيتما ... قتيلا بكى من حب قاتله قبلي # فلو تركت عقلي معي ما تبعتها ... ولكن طلابيها لما فات من عقلي # وهذا المعنى الذي في البيت الثاني داخل فيما عيناه من أن من أقبل على من ~~يهواه ما دام مفتقرا إليه فليست له في ذلك ms014 منة عليه وحدثني أبو العباس أحمد ~~بن يحيى النحوي عن أبي سعيد عن القروي قال حدثني أخي عمران بن موسى قال ~~أخبرني بعض أصحابنا أن المجنون لما تغول كان لا يؤخذ منه الشعر إلا أن يجلس ~~الرجل قريبا منه فينشد النسيب فيرتاح إليه فإذا سمع ذلك أنشد قال فجلس إلى ~~جنبه رجل فأنشده بيتا من النسيب فقال ما أحسن هذا ثم أنشده: # عجبت لذاك عروة كيف أضحى ... أحاديثا لقوم بعد قوم # وعروة مات موتا مستريحا ... وها أنذا أموت كل يوم # وأنشدني بعض الأدباء للمجنون أيضا: # أراني إذا صليت يممت نحوها ... أمامي وإن كان المصلى ورائيا # وما بي إشراك ولكن حبها ... مكان الشجى أعيا الطبيب المداويا # أصلي فما أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا # وما جئتها أبغي شفائي بنظرة ... فأبصرتها إلا انصرفت بدائيا # وأنشدني بعض الكتاب لنفسه: # ولي فؤاد إذا طال السقام به ... هام اشتياقا إلى لقيا معذبه # يفديك بالنفس صب لو يكون له ... أعز من نفسه شيء فداك به # الباب الثالث # من تداوى بدائه لم يصل إلى شفائه # قد ذكرنا في صدر هذا الكتاب أن أصل الهوى يتولد من النظر والسماع ثم ينمي ~~حالا بعد حال فإذا كان النظر الصاحي إلى الصورة التي يستحسنها طرفه مؤكدا ~~للمنظور إليه المحبة في قلبه كان نظر المحب بعد تمكن المحبة له أحرى أن ~~يغلبه على لبه ويزيده كربا على كربه ألا ترى أن من حم يومين متواليين كان ~~ألمه في الثاني من اليومين إذا تساوى مقدار الحميين أصعب إليه من أول ~~اليومين. # وفي مثل ذلك يقول حبيب بن أوس الطائي: # بعثن الهوى في قلب من ليس هائما ... فقل في فؤاد رعنه وهو هائم # وقال غيلان بن عقبة في نحو ذلك: # خليلي لما خفت أن تستفزني ... أحاديث نفسي بالهوى واهتمامها # تداويت من مي بتكليمة لها ... فما زاد إلا ضعف شوقي كلامها # وقال أيضا: # وكنت أرى من وجه مية لمحة ... فأبرق مغشيا علي مكانيا # وأسمع منها لفظة فكأنما ... يصيب بها سهم طريق ms015 فؤاديا PageV01P009 تطيلين ~~لياني وأنت ملية ... وأحسن يا ذات الوشاح التقاضيا # هي السحر إلا أن للسحر رقية ... وأني لا ألقى من الحب راقيا # وقال أيضا: # تحن إلى مي وقد شطت النوى ... وما كل هذا الحب غير غرام # ليالي مي موتة ثم نشرة ... لما ألمحت من نظرة وكلام # وقال آخر: # يقولون ليلى بالعراق مريضة ... فأقبلت من مصر إليها أعودها # فوالله ما أدري إذا أنا جئتها ... أأبرئها من دائها أم أزيدها # ولقد أحسن الطائي حيث يقول: # أمتعت طرفي يوم ذاك بنظرة ... لا تمتع الأرواح بالأجساد # وأنشدني أبو طاهر الدمشقي: # دوائي مكروهي ودائي محبتي ... فقد عيل صبري كيف بي أتقلب # فلا كمد يبلى ولا لك رحمة ... ولا عنك إقصار ولا عنك مذهب # وقال علي بن محمد العلوي: # كم نظرة منها شجيت لها ... قامت مقام الفقد للنظر # ولى بأوطاري ولست أرى ... عيشا يهش له بلا وطر # وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر: # نازعني من طرفه الوحيا ... وهم أن ينطق فاستحيا # جرد لي سيفين من لحظه ... أمات عن ذا وبذا أحيى # وقال الحسين بن الضحاك المعروف بالخليع: # وأتاني مفحم بغرته ... قلت له إذ خلوت محتشما # تحب بالله من يخصك بالحب ... فما قال لا ولا نعما # ثم تولى بمقلتي خجل ... أراد رد الجواب فاحتشما # فكنت كالمبتغي بحيلته برءا ... من السقم فابتدا سقما # وقال آخر: # تأملتها مغترة فكأنما ... رأيت بها من سنة البدر مطلعا # إذا ما ملأت العين منها ملأتها ... من الدمع حتى أنزف الدمع أجمعا # وقال آخر: # تمنيت من أهوى فلما لقيته ... بهت فلم أعمل لسانا ولا طرفا # فأغضيت إجلالا له ومهابة ... وحاولت أن يخفى الذي بي فلم يخفى # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لعلي بن الجهم لنفسه: # ولما بدت بين الوشاة كأنها ... عناق وداع يشتهى وهو يقتل # أيست من الدنيا فقلت لصاحبي ... لئن عجلت للموت أوحى وأعجل # وقال آخر: # أيها النائمون حولي هنيئا ... هكذا كنت حين كنت خليا # من رآني فلا يديمن لحظا ... وليكن من جليسه سامريا # وقال مسلم بن الوليد: # أديرا علي الكأس لا تشربا قبلي ms016 ... ولا تطلبا من عند قاتلي ذحلي # فما حزني أني أموت صبابة ... ولكن على من لا يحل لها قتلي # أحب التي صدت وقالت لتربها ... دعيه الثريا منه أقرب من وصلي # أماتت وأحيت مهجتي فهي عندها ... معلقة بين المواعيد والمطل # وما نلت منها طائلا غير أنني ... بشجو المعنين الأولى سلفوا قبلي # بلى ربما وكلت عيني بنظرة ... إليها تزيد القلب خبلا على خبل # وقال أيضا: # عرفت بها الأشجان وهي خلية ... من الحب لا وصل لديها ولا هجر # أراها فأطوي للنصيح عداوة ... وأحمد عقبى ما جنى النظر الشزر # فلا سيما العذال فيها ملامهم ... ألست إذا لاموا أبيت ولي عذر # شكوت فقالوا ضقت ذرعا بحبها ... متى تملك الشكوى إذا غلب الصبر # ألمت بنا في العائدات من أهلها ... فأذكت غليلا ما لديها به خبر # ولبعض أهل هذا العصر: # إذا كان اللقاء يزيد شوقا ... وكان فراق من أهوى يشوق # فليس إلى السلو وإن تمادى ... عتابك في الهوى أبدا طريق # ومن يك ذا سقام إن تداوى ... تزايد سقمه فمتى يفيق # وله أيضا: # إذا زار الحبيب أثار شوقا ... تفتت من حرارته العظام # ورواني بعينيه مداما ... تدين بسكر شاربها المدام # فوصل يكسب المشتاق سقما ... ونأي لا يقوم له قوام PageV01P010 فهل يصل ~~السقيم إلى شفاء ... إذا كان الدواء هو السقام # وله أيضا: # أغريتني بحياتي إذ غريت بها ... فصار طول بقائي بعض أعدائي # فكيف ينعش من أرداه ناعشه ... ومن يرى جسمه رأي الأطباء # أم كيف يبرأ قلبي من صبابته ... بطبكم ودوائي عندكم دائي # وله أيضا: # متى يا شفاء السقم سقمي منقضي ... إذا ما دواء كان للداء ممرضي # فهيهات ما هذا على ذا يقلع ... أجل لا ولكن مدة العمر تنقضي # وقال آخر: # ومختلس باللحظ ما لا يناله ... قريب بحال النازح المتباعد # وفي نظر الصادي إلى الماء حسرة ... إذا كان ممنوعا سبيل الموارد # وقال آخر: # خليلي أضحت حاجة لأخيكما ... بتوضح والحاجات يرجى بعيدها # فكيف طلابي حاجة لا ينالها ... بريدي ولا يجري إلي بريدها # فهل ينفع الحرانة الكبد أن ترى ... حياض القرى من دونها من ms017 يذودها # وهل ينفع العين الشقية بالبكا ... ذرى طامس الأعلام لا بل يزيدها # وقال مجنون بني عامر: # تداويت من ليلى بليلى من الهوى ... كما يتداوى شارب الخمر بالخمر # ألا زعمت ليلى بأن لا أحبها ... بلى والليالي العشر والشفع والوتر # إذا ذكرت يرتاح قلبي لذكرها ... كما انتفض العصفور من بلل القطر # وقال البحتري: # سقى الله أخلاقا من الدهر رطبة ... سقتنا الجوى إذ أبرق الحزن أبرق # ليال سرقناها من اللهو بعدما ... أضاء بإصباح من الشيب مفرق # تداويت من ليلى بليلى فما اشتفى ... بماء الربى من بات بالماء يشرق # وقال جميل: # فيا حسنها إذ يغسل الدمع كحلها ... وإذ هي تذري الدمع منها الأنامل # عشية قالت في العتاب قتلتني ... وقتلي بما قالت هناك تحاول # فقلت لها جودي فقالت مجيبة ... أللجد هذا منك أم أنت هازل # لقد جعل الليل القصير لنا بكم ... علي لروعات الهوى يتطاول # والأصل في هذا كله هو لامرئ القيس: # وما ذرفت عيناك إلا لتضربي ... بسهميك في أعشار قلب مقتل # وقال بشار بن برد: # مريضة ما بين الجوانح بالضنى ... وفيها دواء للعيون وداء # عتاب الفتى في كل يوم وليلة ... وتقويم أضغان النساء عناء # وقال عبيد بني حسحاس: # تجمعن من شتى ثلاثا وأربعا ... وواحدة حتى كملن ثمانيا # يعدن مريضا هن هيجن داءه ... ألا إنما بعض العوائد دائيا # وقال آخر: # كما تيقنت أن الحي قد رقدوا ... خطاك فوق رقاب الناس ما تجد # فلا بلغت الذي تشفي الغليل به ... ولا ظفرت ولا نالت يديك يد # وقال آخر: # إن الذين بخير كنت تذكرهم ... هم أهلكوك وعنهم كنت أنهاكا # لا تطلبن حياة عند غيرهم ... فليس يحييك إلا من توفاكا # فهذا البائس مع من قدمنا ذكره مع نظرائه قد صبر على مضاضة دائه مع علمه ~~بأنه زائد في دائه ولم ير أن ينعطف إلى سواه ولا طلب الراحة إلا من عند من ~~ابتلاه وهذا ضد الذي يقول: # ولما أبى إلا جماحا فؤاده ... ولم يسل عن ليلى بمال ولا أهل # تسلى بأخرى غيرها فإذا التي ... تسلى بها تغري بليلى ولا ms018 تسلي # وضد الذي يقول: # تسليت عن ذكر الحبيب بغيره ... وملت إليه بالمودة والذكر # فما زادني إلا اشتياقا وحرقة ... إليه ولم أملك سلوي ولا صبري # وما الحب إلا فرحة إن نكلتها ... بأخرى قرنت الضر منك إلى الضر # فلا تطف نار الحب بالحب طالبا ... سلوا فإن الجمر يسعر بالجمر ~~PageV01P011 وهذا وإن كان مخالفا لذلك في أنه جرب الأدوية على نفسه والتمس ~~الراحة في إلف غير إلفه فإنه موافق للذي يقدمه في التماسه من نحو الجهة ~~التي حدث عنها الداء في رجوع نفسه إلى وطنها وإقبالها بعد الانحراف على ~~سكنها. # وقال عبيد الراعي: # بني ولو نسى قد سئمنا جواركم ... وما جمعتنا نية قبلها معا # خليلان من شعبين شتى تجاورا ... قليلا وكنا بالتفرق أمتعا # أرى آل هند لا يبالي أميرهم ... على كبد المحزون أن تقطعا # وقال علي بن الجهم: # عيون المها بين الرصافة والجسر ... جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري # أعدن لي الشوق القديم ولم أكن ... سلوت ولكن زدن جمرا على جمر # وقلن لنا نحن الأهلة إنما ... تضيء لمن يسري بليل ولا تقري # فلا نيل إلا ما تزود ناظر ... ولا وصل إلا بالخيال الذي يسري # وقال آخر: # وقالوا لها هذا حبيبك معرضا ... فقالت ألا إعراضه أيسر الخطب # فما هو إلا نظرة بتبسم ... فتصطك رجلاه ويسقط للجنب # وقال أبو صخر الهذلي: # وإني لآتيها وفي النفس هجرها ... بياتا لأخرى الدهر ما طلع الفجر # فما هو إلا أن أراها فجاءة ... فأبهت لا عرف لدي ولا نكر # وأنسى الذي قد جئت كيما أقوله ... كما قد تنسي لب شاربها الخمر # وقال آخر: # وكيف يحب القلب من لا يحبه ... بلى قد تريد النفس من لا يريدها # وكنت إذا ما زرت ليلى بأرضها ... أرى الأرض تطوى لي ويدنو بعيدها # تحلل أحقادي إذا ما لقيتها ... وتنمي بلا جرم علي حقودها # أما قول تحلل أحقادي إذا ما لقيتها فهو كلام صحيح ولو أبدل اسم الحقد ~~بغيرها كان أحسن لأن الحقد لا يتولد إلا عن موجدة فتخفى في النفس ويظهر ~~غيرها ويرصد صاحبها ms019 بالمكافأة عنها وهذا كله محال بين المتحابين بين باب ~~الجد والهزل جميعا وقد ذكر الله تعالى جل ثناؤه في باب محبته للمؤمنين ~~دليلا على ما قلناه وذلك قوله عز وجل: )وقالت اليهود والنصارى نحن أبناء ~~الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق يغفر لمن يشاء ~~ويعذب من يشاء( فجعل جل ثناؤه مكافأتهم بالمعاقبة على ذنوبهم دليلا على ~~تكذيب دعواهم ونحو ذلك قوله تعالى: )قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يجيبكم ~~الله ويغفر لكم ذنوبكم( فضم جل وعز الذنوب إلى المحبة غير أن من أحسن في ~~بيتين وقصر في بيت كان محسنا معفيا على إساءته وأما قوله وتنمي بلا جرم علي ~~حقودها فتعتوره معان أحدها أن يكون ضنه بودها دعاه إلى سوء الظن بها فنسبها ~~أنها تضمر له حقدا ويمكن أن يكون عرف من خلائقها ما هو مغيب عنا. # الباب الرابع # ليس بلبيب من لم يصف ما به لطبيب # قال أنو شروان لبزرجمهر متى يكون العيي بليغا فقال إذا وصف هوى أو حبيبا ~~وقيل لبعض أهل هذا العصر متى يكون البليغ عييا فقال إذا سئل عما يتمناه أو ~~شكا ما به إلى من يهواه وقال: # ما يعلم الله أني مذ هويتكم ... أطيق إظهار ما ألقاه باللفظ # كم قد تحفظته حتى إذا نظرت ... عيني إليك أزالت هيبتي حفظي # وقال بعض الأدباء في مثل ذلك: # أفكر ما أقول إذا التقينا ... وأحكم دائبا حجج المقال # فترتعد الفرائص حين تبدو ... وأنطق حين أنطق بالمحال # وقال آخر: # أتيت مع الحداث ليلى فلم أقل ... وأخليت فاستعجمت عند خلائي # وجئت فلم أنطق وعدت فلم أحر ... جوابا كلا اليومين يوم عنائي # فيا عجبا ما أشبه اليأس بالغنى ... وإن لم يكونا عندنا بسواء # وهذا المعنى الذي ذكره ليس بمستنكر قد تمنع المحب هيبة المحبوب من النيل ~~الذي هو اللطف من الشكوى محلا في القلوب ألم تسمع الذي يقول: # محب قال مكتتما مناه ... وأسعده الحبيب على هواه PageV01P012 أضاع الخوف ~~أنفس ما يعاني ... وما عذر المضيع لما عناه ms020 # فأصبح لا يلوم بما جناه ... من التفريط إنسانا سواه # أسر ندامة الكسعي لما ... رأت عيناه ما صنعت يداه # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى: # وإني لأخشى أن أموت فجاءة ... وفي النفس حاجات إليك كما هيا # وإني لينسيني لقاؤك كلما ... لقيتك يوما أني أبثك ما بيا # وقالوا به داء عياء أصابه ... وقد علمت نفسي مكان دوائيا # فهذا يخبر أن لقاءها هو الذي يمنعه من شكوى ما يجده إلا أنه يشفق من ضرره ~~على نفسه ولا يبقي بكتمانه على غيره على أنه قد قصر عنه كثير من أهل هذا ~~العلم في قوله: إن لقاءها يحدث في قلبه حالا لم تكن قبل ذلك ظاهرة من نفسه ~~إذ لو كان الهوى قد استوفى منه حقه وتناهى به إلى غاية بعده لما كان اللقاء ~~يزيد شيئا ولا ينقصه. # كما قال يزيد بن الطثرية: # ولما تناهى الحب في القلب واردا ... أقام وسدت بعد عنه مصادره # فأي طبيب يبرئ الحب بعدما ... يسر به بطن الفؤاد وظاهره # وكما قال ذو الرمة: # وما زلت أطوي الشوق عن أم خالد ... وجاراتها حتى كأن لا أريدها # فما زال ينمي حب مية عندنا ... ويزداد حتى لم نجد ما نزيدها # ولقد أحسن حبيب بن أوس الطائي حيث يقول: # إذا أزهدتني في الهوى خيفة الردى ... جلت لي عن وجه يزهد في الزهد # فلا دمع ما لم يبد في إثره دم ... ولا وجد ما لم تعي عن صفة الوجد # وأحسن علي بن محمد العلوي الكوفي حيث يقول: # قالت عييت عن الشكوى فقلت لها ... جهد الشكاية أن أعيا عن الكلم # أشكو إلى الله قلبا لو كحلت به ... عينيك لاختضبت من حره بدم # لا تبرمي فاقد الدنيا وبهجتها ... وما يسر به منها بلا ولم # على أنه من طلب لآدمي مثله بما لم يطالب الله عباده فأخلق بأن يكون ظالما ~~وقد مدح الله تبارك وتعالى قوما فقال: )الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا( فلم يعبهم تعالى بأن كان ذكره ~~بحضرتهم وظهرا عليهم ms021 ما لم يمكن قبل موجودا منهم ومن أحسن ما قيل وأعرف من ~~الشعر في هذا المعنى: # تفديك نفسي لست أدري أيما ... أيامكم من أيها أشجاها # في حبكم شغل لقلبي شاغل ... عن كل نائبة يخاف رداها # ومن جيد ما قيل في نحو الفصل الأول: # جعلتك دنيائي فإن أنت لم تجد ... علي بوصل فالسلام على الدنيا # كتمتك ما ألقى لأنك مهجتي ... أخاف عليها أن تذوب من الشكوى # ولبعض أهل هذا الزمان في هذا المعنى: # بحرمة هذا الشهر لما نعشتني ... بعفوك إني قد عجزت عن العذر # فلو كنت تدري ما ألاقي من الهوى ... لساءك ما ألقى فليتك لا تدري # لأشقى بما ألقى وتبقى منعما ... خليا ونار الشوق تسعر في صدري # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى عن الزبير بن بكار عن ثابت بن الزبير عن ~~أبي العتاهية: # من لعبد أذله مولاه ... ما له شافع إليه سواه # يشتكي ما به إليه ويخشا ... ه ويرجوه مثل ما يخشاه # وهذه حال منقوضة لأن من منعه من شكوى ما يلقاه إشفاقه من موجدة من يهواه ~~فإنما أبقى على نفسه ومن امتنع من ذلك إشفاقا على قلب صاحبه فقد اعترض على ~~وجده التصنع إذ فعل ما يقدر على تركه. # وقال آخر: # الجسم ينقص والسقام يزيد ... والدار دانية وأنت بعيد # أشكوك أم أشكو إليك فإنه ... لا يستطيع سواهما المجهود # وقال الحسن بن هانئ: # لا والذي لا إله إلا هو ... ما خان أحبابنا وما تاهوا # ما علموا بالذي يجن لهم ... من طول شوق ولا دروا ما هو # وللفتح بن خاقان: PageV01P013 قدرت على نفسي فأزمعت قتلها ... على غير جد ~~منك والنفس تذهب # كعصفورة في كف طفل يسومها ... ورود حياض الموت والطفل يلعب # وقال الحسين بن الضحاك: # أيا من طرفه سحر ويا من ريقه خمر ... تجاسرت فكاشفتك لما غلب الصبر # وما أحسن في مثلك إن ينهتك الستر ... فإن عنفني الناس ففي وجهك لي عذر # وقال أيضا: # إن من أطول ليل أمدا ... ليل مشتاق تصابى فكتم # رب فظ القلب لا لين له ... لو ms022 رأى ما بك منه لرحم # وقال أيضا: # أكاتم وجدي وما ينكتم ... فمن لو شكيت إليه رحم # وإني على حسن ظني به ... لأحذر إن بحت أن يحتشم # وقد علم الناس أني له ... محب وأحسبه قد علم # ولي عند رؤيته نظرة ... تحقق ما ظنه المتهم # وقال المجنون: # فأنت الذي إن شئت أشقيت عيشي ... وإن شئت بعد الله أنعمت لياليا # وأنت الذي ما من صديق ولا عدا ... رأى نضو ما أبقيت إلا رثا ليا # وقال أبو نواس: # قالت ظلوم سمية الظلم ... ما لي رأيتك ناحل الجسم # يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموقع السهم # وقال أبو تمام: # والله لو تلقى الذي ألقى ... لحرجت أن تتجاوز الحقا # بي فوق ما تلقى بواحدها ... أم تراه لجنبه ملقى # وقال أبو صخر الهذلي: # بيد الذي شغف الفؤاد بكم ... تفريج ما ألقى من الهم # ما في الحياة إذا هيبت لنا ... خير ولا للعيش من طعم # ولما بقيت لتبقين جوى ... بين الجوانح مضرعا جسمي # فتيقني أن قد كلفت بكم ... ثم اصنعي ما شئت عن علم # وقال خليفة بن روح الأسدي: # قفي يا أميم القلب نقرأ تحية ... ونشكو الهوى ثم اصنعي ما بدا لك # فلو قلت طأ في النار أعلم أنه ... هوى لك أو مدن لنا من وصالك # لقدمت رجلي نحوها فوطئتها ... هدى منك لي أو هفوة من ضلالك # فلا تجعليني كامرئ إن وصلته ... أشاع وإن صرمته لم يبالك # وأنشدني ابن أبي طاهر: # قالت لقيت الذي لم يلقه أحد ... قلت الدليل على ذاك الذي أجد # أودعتني سقما لا أستقل به ... فليس ينفد حتى ينفد الأبد # وقال مضرس بن بطر الهلالي: # وكادت بلاد الله يا أم مالك ... بما رحبت يوما علي تضيق # أذود سواد الطرف عنك وما له ... إلى أحد إلا إليك طريق # ولو تعلمين العلم أيقنت أنني ... ورب الهدايا المشعرات صديق # سلي هل قلاني من عشير صحبته ... وهل ذم رحلي في الرفاق رفيق # وأنشدني آخر: # أمسيت لعابا وأمسى الهوى ... يلعب في روحي وجثماني # أشفق إن بحنا وإن لم أبح ms023 ... فالموت في سري وإعلاني # وأنشدني أبو الضياء لنفسه: # أنظر إلى ناظر قد شفه السهد ... واعطف على مهجة أودى بها الكمد # لا ذقت ما ذاقه من أنت مالكه ... ولا وجدت به مثل الذي يجد # أخفى هواك فنمته مدامعه ... والعين تعرب عما ضمت الكبد # فإن جحدت الذي قاساه بينهما ... فشاهداه عليك الخد والجسد # وقال أبو المنهال الأشجعي: # يا أم عمرو وخير القول أصدقه ... أوفي وأنت من الموفين بالذمم # أوفي وفاء كريم ذي محافظة ... وإن أبيت تقاضينا إلى حكم # عدل من الناس يرضي حين يبلغه ... أن كان حبلك أمسى واهي الرمم # فأعرضت ثم قالت وهي لاهية ... بعد التغضب قول المؤسف الأطم # إن تدع لي حكما عدلا أحكمه ... أنطق لديه بلا عي ولا بكم PageV01P014 مني ~~بأرضك شجو لست ناسيه ... لو بالحجاز هوى أيامك القدم # وكتب عبد الله بن الدمينة إلى أمامة: # وأنت التي كلفتني دلج السرى ... وجون القطا بالجلهتين جثوم # وأنت التي قطعت قلبي حزازة ... وفرقت قرح القلب فهو كليم # وأنت التي أحفظت قومي فكلهم ... بعيد الرضا داني الصدود كتوم # وكتبت إليه: # وأنت الذي أخلفتني ما وعدتني ... وأشمت بي من كان فيك يلوم # وأبرزتني للناس ثم تركتني ... لهم غرضا أرمى وأنت سليم # فلو أن قولا يكلم الجسم قد بدا ... بجسمي من قول الوشاة كلوم # وكتب بعض أهل الأدب إلى أخ له من أهل هذا العصر: # سيدي أنت قد أسأت بقولي ... سيدي أنت فارض عبدك عبدا # لا تلقى الدعاء مني بنكر ... فترى قاتلا لنفسي عمدا # فأجابه: # أنا بالرق في الهوى منك أولى ... وأرى ذاك يشهد الله مجدا # علم الله أنني منك راض ... أن تراني لعيد عبدك عبدا # وقال آخر: # يا موقد النار إلهابا على كبدي ... إليك أشكو الذي بي لا إلى أحد # إليك أشكو الذي بي من هواك فقد ... طلبت غيرك للشكوى فلم أجد # وقال بعض الأعراب: # إذا لمتها قالت عديم وإنما ... صمت فما جربت جودا ولا بخلا # بلى قلت هل ثم انصرفت ولم تعد ... فتستنكر الإعراض أو تعرف البذلا # أما هذه فقد قرعت صاحبها ms024 على تركه تقاضيها تقريعا يغري المغترين بشكوى كل ~~ما يجدونه وبالإلحاح على من يودونه في المطالبة بجميع ما يريدونه وهذه حال ~~من تحكم على مواردها تحكمت عليه مصادرها فيندم حيث لا تنفعه الندامة وهرب ~~إلى حيث لا تنفعه السلامة وكيف يتهيأ للنادم على إظهار ما في ضميره أن ~~يخفيه بعد إظهاره وقد كان جديرا أن يظهر منه بغلبات الحال في وقت حرصه على ~~أسراره والمحبوب كثيرا ما يطمع محبه في نفسه هذا الإطماع أو نحوه ليطلع على ~~حقيقة ما في ضميره وقلبه فإذا وثق بصحة الملك زالت عنه دواعي الشك فتراخى ~~حينئذ عن الاستعطاف تراخي المالكين وحصلت للناسي المظهر ما في ضميره ذلة ~~المملوكين ولم أجد فيما جريت إليه في هذا الفصل بأرزأ مني على من أظهر إلفه ~~على ما يجد من المحبة وإنما جريت إلى عيب من يدعوه إلى إظهار ما في نفسه ~~رجاء النوال من صاحبه ولعمري لقد قال حبيب بن أوس في هذا الباب ما يقرب من ~~جهة الصواب وهو قوله: # يا سقيم الجفون غير سقيم ... ومريب الألحاظ غير مريب # إن قلبي لكم لكالكبد الحر ... ى وقلبي لغيركم كالقلوب # لست أدلي بحرمة مستزيدا ... في وداد منكم ولا في نصيب # غير أن العليل ليس بمذمو ... م على شرح ما به للطبيب # لو رأينا التوكيد خطة عجز ... ما شفعنا الأذان بالتثويب # وهذا الذي وصف أيضا من الحال غير مستوعب لحد الكمال وذلك أن الكامل في ~~حاله هو الذي كان غرضه في إظهار إلفه على كل ما يلقى به أن يجعله مشاركا له ~~في علم ضمائره ومتحكما معه لا بل عليه في سرائره فلا يتحكم هو حينئذ على ~~خليله في أمر ولا يستظهر عليه بسر وكل من زال عن هذه الحال فزائل عن مرتبة ~~الكمال. # الباب الخامس # إذا صح الظفر وقعت الغير # أشعار هذا الباب من أولها إلى آخرها مضادة للأشعار التي قبلها لأن في ~~أشعار الباب الماضي تحريضا للمحب على إظهار محبوبه على ما له في نفسه ولوما ~~لمن ms025 كتم عن صاحبه ما يجده به وما يلقاه بسببه وأشعار هذا الباب إنما هي ~~تحريض على الكتمان وتحذير من الإعلان والعلة في هذا ما قدمنا ذكره من أن ~~المحبوب يستعطف محبه ليشرف على حقيقة ما في قلبه وليتمكن أيضا هواه من نفسه ~~فإذا وقع له اليقين استغنى عن التعرف وإذا حصل له الود استغنى عن التألف ~~فحينئذ يقع الغضب عن غير ذنب والإعراض من غير وجد لسكون القلب الواثق ~~واستظهار المعشوق على العاشق. PageV01P015 قال بشار بن برد: # أبكي الذي أذاقوني مودتهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا # واستنهضوني فلما قمت منتصبا ... بثقل ما حملوني ودهم قعدوا # لأخرجن من الدنيا وحبكم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد # ألقيت بيني وبين الحزن معرفة ... لا تنقضي أبدا أو ينقضي الأبد # وقال طلحة بن أبي بكر: # لا تظهرن مودة لحبيب ... فترى بعينيك منه كل عجيب # أظهرت يوما للحبيب مودتي ... فأخذت من هجرانه بنصيب # وقال جميل بن معمر: # إذا قلت ما بي يا بثينة قاتلي ... من الحب قالت ثابت ويزيد # وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به ... مع الناس قالت ذاك منك بعيد # فلا أنا مردود بما جئت طالبا ... ولا حبها فيما يبيد يبيد # إذا فكرت قالت قد أدركت وده ... وما ضرني بخلي ففيم أجود # يموت الهوى مني إذا ما لقيتها ... ويحيى إذا فارقتها فيعود # وقال ذو الرمة: # ولما شكوت الحب كيما تثيبني ... بوجدي قالت إنما أنت تمزح # دلالا وإبعادا علي وقد أرى ... ضمير الحشى قد كاد بالقلب ينزح # وقال آخر: # ولما شكوت الحب قالت أما ترى ... مكان الثريا وهو منك بعيد # فقلت لها إن الثريا وإن نأت ... يصوب مرارا نوؤها فيجود # وأنشدتني أم حمادة الهمدانية: # شكوت إليها الحب قالت كذبتني ... ألست أرى الأجلاد منك كواسيا # رويدك حتى يبتلي الشوق والهوى ... عظامك حتى يرتجعن بواديا # ويأخذك الوسواس من لوعة الهوى ... وتخرس حتى لا تجيب المناديا # وقال آخر: # أحين ملكتني أعرضت عني ... كأني قد قتلت لكم قتيلا # فهلا إذ هممت بصرم حبلي ... جعلت إلى التصبر لي سبيلا ms026 # وقال آخر: # أطعمتني فقلت أخذا بكفي ... ثم عادت من بعد ذاك بخلف # زعمت أنها تريد عفافا ... قلت ردي علي قلبي وعفي # وقال العباس بن الأحنف: # يا ويح من ختل الأحبة قلبه ... حتى إذا ظفروا به قتلوه # عزوا ومال به الهوى فأذله ... إن العزيز على الذليل يتيه # أنظر إلى جسد أضر به الهوى ... لولا تقلب طرفه دفنوه # من كان خلوا من تباريح الهوى ... فأنا الهوى وحليفه وأخوه # وقال أيضا: # أحرم منكم بما أقول وقد ... نال به العاشقون ما عشقوا # صرت كأني ذبالة نصبت ... تضيء للناس وهي تحترق # وأنشدنا أحمد بن يحيى الشيباني: # وما أنصفت ذلفاء أما دنوها ... فهجر وأما نأيها فيشوق # تباعد ممن واصلت وكأنها ... لآخر ممن لا تود صديق # وقال آخر: # وما أنصفت أما النساء فبغضت ... إلينا وأما بالنوال فضنت # دعتني بأسباب الهوى فاتبعتها ... حنينا فلما أقصدتني تولت # وقال المجنون: # أأدنيتني حتى إذا ما ملكتني ... بقول يحل العصم سهل الأباطح # تجافيت عني حين لا لي حيلة ... وخلفت ما خلفت بين الجوانح # وقال آخر: # دنت فعل ذي ود فلما تبعتها ... تولت وأبقت حاجتي في فؤاديا # فإن قلتم إنا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنا أسأنا التقاضيا # وقال ذو الرمة: # وتهجره إلا اختلاسا نهارها ... وكم من محب رهبة العين هاجر # إذا خشيت منه الصريمة أبرقت ... له برقة من خلب غير ماطر # وقال المجنون: # لعمر أبيها إنها لبخيلة ... ومن قول واش إنها لغضوب # رمتني عن قوس العداوة إنها ... إذا ما رأتني معرضا لخلوب # وقال أبو ذهيل: PageV01P016 أبعد الذي قد لج تتخذينني ... عدوا وقد ~~جرعتني السم منقعا # وشفعت من ينعى علي ولم أكن ... لأرجع من ينعى عليك مشفعا # فقالت وما همت برجع جوابنا ... بل أنت أبيت الدهر إلا تضرعا # فقلت لها ما كنت أول ذي هوى ... تحمل حملا فادحا فتوجعا # وقال آخر: # وقالت وصدت وجهها لتغيظني ... أبالصد تجزى أم على الذنب توصل # فقلت متى أذنبت قالت تريده ... فقلت فلم أفعل فقالت ستفعل # فقلت وهل أجزى بذنب لم آته ... ولكن ظفرتم بالمحبين فاقتلوا # وقال آخر: # شكوت ms027 فقالت كل هذا تبرما ... بحبي أراح الله قلبك من حبي # فلما كتمت الحب قالت لشد ما ... صبرت وما هذا بفعل شجي القلب # فشكواي تؤذيها وعتبي يسوؤها ... وتغضب من بعدي وتنفر من قربي # فيا قوم هل من حيلة تعرفونها ... أشيروا بها واستوجبوا الأجر في الصب # وأنشدني أعرابي بنجد: # ذكرتك إذا نام الخلي ولم أنم ... وإذ أنت في شغل بلهوك عن ذكري # وإذ أنت تثنين الكعاب بقصره ... وقلبي له لذع أحر من الجمر # فإن أنا لم أشكو الهوى قلت قد صحا ... وإن بحت فيه خفت أن يعلموا أمري # وليس خليلي بالمرجى ولا الذي ... إذا غبت عنه كان عونا على الدهر # ولكن خليلي من يصون مودتي ... ويحفظني إن كان من دون البحر # وأنشدني أحمد بن طاهر لنفسه: # ذهبت على صب شكا ألم الهوى ... كما ذهبت أرض وطئت ترابها # وكان يرجي نفع شكواه إذ شكا ... إليك فقد أمسى يخاف عقابها # وقال المؤمل: # شكوت وجدي إلى هند فما اكترثت ... يا قلبها أحديد أنت أم حجر # إذا مرضنا أتيناكم نعودكم ... وتذنبون فنأتيكم فنعتذر # وبلغني أن عبد الملك بن مروان جلس يوما للنظر في المظالم فرفعت إليه قصة ~~منسوبة إلى عمرو بن حارث وكان فيها: # علقت بأسباب المودة والهوى ... فلما حوت قلبي ثنت بصدود # فلو شئت يا ذا العرش حين خلقتني ... شقيا بمن أهواه غير سعيد # عطفت علي القلب منها برحمة ... وإن كان قلبا من صفا وحديد # فقل يا أمير المؤمنين فإنما ... تحكم والأحكام ذات حدود # فلما قرأها عبد الملك قلبها ثم وقع في ظهرها: # أرى الجور منها ظاهرا يا ابن حارث ... وما رأيها فيما أتت برشيد # أمن بعد ما صادت فؤادك واحتوت ... عليه ثنت وجه الهوى بصدود # فإن هي لم ترحم بكاك ولا حنت ... عليك فما منك الردى ببعيد # سأقضي عليها أن تجازي بودها ... أخا صبوة جارت عليه ودود # ولبعض أهل هذا العصر: # من لي بعطف أخ خلى الإخاء ورا ... ظهر ومن ثم مارى الروح في اللطف # حتى يصيرها إن خيرت تلفا ... وفرقة منه لم تختر ms028 سوى التلف # أغريت بيني وبين الدهر فاحتشدت ... بي الخطوب احتشاد المحنق الأسف # حتى إذا أنست نفسي بأنك لي ... واستعذبت طيب ذاك المشرب الأنف # أمكنت مني الليالي فانتصفن ومن ... يظلم ويمكن من الإنصاف ينتصف # يا قلب وصفك يغري من كلفت به ... فاكمد بكتمان ما تلقى ولا تصف # إن كنت لم تشج بالكتمان فاشج به ... أو كنت لم تعترف بالصرم فاعترف # قل لليالي ملكت الحكم فاحتكمي ... وللمصائب قد مكنت فانتصفي # وله أيضا: # يا منية القلب لو آماله انفسحت ... وحظ نفسي من ديني ودنيائي # قل لي تناسيت أم أنسيت ألفتنا ... أيام رأيك فينا غير ذا الرائي ~~PageV01P017 كانت لقلبي أهواء مفرقة ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي # فصار يحسدني من كنت أحسده ... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي # حتى إذا استيأس الحساد من دركي ... وقل أعدائي مذ قللت أكفائي # حميت طعم الكرى عيني فاهتجرا ... فصار طيب الكرى من بعض أعدائي # من خان هان وقلبي رائد أبدا ... ميلا إليك على هجري وإقصائي # لا بد لي منك فاصنع ما بدا لك بي ... فقد قدرت على قتلي وإحيائي # وأنشدني محمد بن الخطاب: # علمتني الإصدار والإيرادا ... فارفقي بي فقد ملكت القيادا # لا تقولي إذا نأيت سلا عن ... ا وإن زرتكم أراد البعادا # علميني الدنو منك إذا شئ ... ت وعنك البعاد ألق الرشادا # وقال الأعشى: # دار لقاتلة الغرانق ما بها ... إلا الوحوش خلت له وخلا لها # ظلت تسائل بالمتيم أهله ... وهي التي فعلت به أفعالها # وقال عمر بن أبي ربيعة: # دار التي صادت فؤادك إذ رمت ... بالخيف يوم التف أهل الموسم # فتجاهلت عما بنا ولقد رأت ... أن قد تخللت الفؤاد بأسهم # أرسلت جاريتي فقلت لها اذهبي ... فاشكي إليها ما لقيت وسلمي # قولي يقول تخوفي في عاشق ... صب بكم حتى الممات متيم # ويقول إني قد علمت بأنكم ... أصبحتم يا بشر أوجه ذي دم # فتبسمت عجبا وقالت قولة ... إلا فيعلمنا بما لم نعلم # عهدي به والله يغفر ذنبه ... فيما بدا لي هوى متقسم # قالت لها بل قد أردت بعاده ... لما علمت فإن ms029 بذلت فتممي # فهذا التجني والمباعدة أمتع من الإقرار والمواصلة لأن الوصل المتقدم ~~لوقوع العلم إن كان عن مودة صادقة لم يزده العلم بحقيقة الحال إلا توكيدا ~~وإن كان امتحانا وتعرفا لم تزده الثقة إلا وفاء وتعطفا وإن كان الذي تظهره ~~الثقة والإدلال نعمة لا يؤدى شكرها إذ كان دليلا على تمام الحال التي قصدها ~~ومنهم من يتظاهر عليه ثقلها فيضعف فؤاده عن حملها فتراه ينهى ويأمر ~~بالكتمان ومن قنع بهذه الحال كان انتفاعه قليلا وقلقه بتعرف حاله عند صاحبه ~~طويلا وليست تنال الرتب إلا بالتجاسر ولا تصح العلى إلا للمخاطر وربما نجت ~~الجبان قناعته وأهلكت الشجاع جسارته بلغني أن فتى من الأعراب يكنى امرء ~~القيس هوي فتاة من الحي فلما وقفت على ما لها عنده هجرته فأشفى على التلف ~~فلما بلغها ذلك جاءت فأخذت بعضادتي الباب وقالت كيف نجدك يا امرء القيس ~~فأنشأ يقول: # دنت وظلال الموت بيني وبينها ... وأدلت بوصل حين لا ينفع الوصل # ثم لم يلبث إلا يسيرا حتى مات فمن غلب عليه الجبن من مثل هذه الحال مال ~~إلى التستر والكتمان ومن طمع في مثل ما ذكرنا من حسن المجازاة بالعدل ~~والوصال مال إلى الإعلان وبلوغ الغاية في الوجهين جميعا شديد والتوسط أقرب ~~إلى السلامة لأن من لم تعلمه بما تنطوي له لم تلذ بما يبدو لك من وصله ~~والهجر الذي يتولد عن الثقة بالوداد خير من الوصال الذي يقع من غير اعتماد ~~ومن أطلعته على كل ما تضمره له لم تجد سبيلا إلى مكافاته على ما يتجدد لذلك ~~من إحسانه هذا إذا سلمت من الدالة المؤدية إلى التلف فخير الأمور لمن أطاقه ~~أن يظهر بعضا ويخفي بعضا ثم يظهر الازدياد حالا فحالا على أن الحال إذا ~~استغرقت صاحبها كان استعمال الاختيار فيها محالا. # ولقد أحسن العباس بن الأحنف حيث يقول: # من كان يزعم أن سيكتم حبه ... حتى يشكك فيه فهو كذوب # الحب أغلب للرجال بقهره ... من أن يرى للسر فيه نصيب # وإذا بدا سر اللبيب فإنه ms030 ... لم يبد إلا وهو مغلوب # إني لأبغض عاشقا متحفظا ... لم تتهمه أعين وقلوب # الباب السادس # التذلل للحبيب من شيم الأديب PageV01P018 قد ذكرنا أن تقصير المحبوب عن ~~مواصلة محبه وتراخيه عن إظهاره على كل ما له في قلبه إنما يتولدان عن وقوع ~~الثقة به فربما جهل المحب على نفسه فتوهم أن ذلك داخل في باب الخيانة ~~والغدر فكافى عليه بالانحراف والهجر فيجني على نفسه ما لا يتلافاه العذر ~~ولا يقاومه الصبر والحازم من صبر على مضاضة التدلل والتمس العز في استشعار ~~التذلل فحينئذ يتمكن من وداد محبوبه ويظفر من هواه بمطلوبه. # قال الحسن بن هانئ: # يا كثير النوح في الدمن ... لا عليها بل على السكن # سنة العشاق واحدة ... فإذا أحببت فاستكن # وقال معاذ ليلى: # عفا الله عني ليلى وإن سفكت دمي ... فإني وإن لم تجزني غير عاتب # عليها ولا مبد لليلى شكاية ... وقد يشتكى المشكي إلى كل صاحب # يقولون تب عن حب ليلى وذكرها ... وما خلتني عن حب ليلى بتائب # وقال عمر بن أبي ربيعة: # لست من ظالمتي منتصفا ... قبح الله محبا ينتصف # وفتاة أن تغب شمس الضحى ... فهي للناس من الشمس خلف # أجمع الناس على تفضيلها ... وهواهم في سواها مختلف # وقال المؤمل: # أمن فقد الحبيب عيناك تبكي ... نعم فقد الحبيب أشد فقد # براني الحب حتى صرت عبدا ... فقد أمسيت أرحم كل عبد # فأقسم لو هممت بمد قلبي ... إلى جوف السعير لقلت مدي # وقال أبو الوليد عبيد الطائي: # مني وصل ومنك هجر ... وفي ذل وفيك كبر # عذبني حبك المعني ... وغرني منك ما يغر # قد كنت حرا وأنت عبد ... فصرت عبدا وأنت حر # يا ظالما لي بغير جرم ... إليك من ظلمك المفر # أنت نعيمي وأنت بؤسي ... وقد يسوء الذي يسر # وقال آخر: # تسيء بنا هند ونحسن جهدنا ... فحتى متى هند تسيء ونحسن # وأجبن عن تقريع هند بذنبها ... ولو غير هند كان ما كنت أجبن # وأنشدني محمد بن الخطاب الكلابي قال أنشدني ماني لنفسه: # يزيدني ما استزدت من صلته ... وعن قليل يعود في ms031 هبته # لو حزت قطر السماء لانهملت ... علي ظلما سماء موجدته # كم زلة منه قد ظفرت بها ... فقام حبي له بمعذرته # تفني الليالي وعيده وأنا ... قريب عهد بسوء مملكته # وقال أبو تمام الطائي: # ظني به حسن لولا تجنيه ... وأنه ليس يرعى عهد حبيه # عمت محاسنه عني إساءته ... حتى لقد حسنت عندي مساويه # تاهت على صورة الأشياء صورته ... حتى إذا خضعت تاهت على التيه # لم تجتمع فرق الحسن التي افترقت ... عن يوسف الحسن حتى استجمعت فيه # وقال آخر: # مستقبل بالذي يهوى وإن كثرت ... منه الإساءة معذور بما صنعا # في وجهه شافع يمحو إساءته ... من القلوب وجيه حيث ما شفعا # وأنشدني بعض إخواننا: # يا من أراه أحق بي مني ... إن غبت عنك فلم تغب عني # أغفلتني لما اعتللت ولم ... يك ذاك منك يدور في ظني # وأمر ما ذاق امرؤ فهم ... ما جاءه من موضع الأمن # كن كيف شئت فما منحتكه ... صفو بلا كدر ولا من # وقال كثير: # أسيئي بنا أو أحسني لا ملولة ... لدينا ولا مقلية إن تقلت # أصاب الردى من كان يهوى لك الردى ... وجن اللواتي قلن عزة جنت # خليلي هذا رسم عزة فاعقلا ... قلوصيكما ثم ابكيا حيث حلت # وقال آخر: # إن الهوان هو الهوى نقض اسمه ... فإذا هويت فقد لقيت هوانا # وإذا هويت فقد تعبدك الهوى ... فاخضع لإلفك كائنا من كانا # وقال آخر: PageV01P019 صفحت برغمي عنك صفح ضرورة ... إليك وفي قلبي ندوب ~~من العتب # خضعت وما ذنبي إنما الحب عزني ... فأغضيت ضعفا عن معالجة الحب # وما ذاك بي فقر إليك منازع ... يذلل مني كل ممتنع صعب # إلى الله أشكو أن ودي مضيع ... وقلبي جميع عند مقتسم القلب # وقالت امرأة من الأعراب: # بنفسي وأهلي من لو اني أتيته ... على البحر فاستسقيته ما سقانيا # ومن لو رأى الأعداء ينتضلونني ... لهم غرضا يرمونني لرمانيا # ومن قد عصيت الناس فيه جماعة ... وصرمت خلاني له وجفانيا # فيا أخوي اللائمي على الهوى ... أعيذكما بالله من مثل ما بيا # سألتكما بالله لما جعلتما ... مكان الأذى واللوم أن ترثيا ms032 ليا # ولا تغفلا إن لامني ثم لائم ... ولو سخط الواشون أن تعذرانيا # فأقسم لو خيرت بين فراقه ... وبين أبي اخترت أن لا أبا ليا # ثكلت أبي إن كنت ذقت كريقه ... لشيء ولا ماء من المزن صافيا # وقال كثير: # وقائلة دع وصل عزة واتبع ... مودة أخرى وابلها كيف تصنع # أراك عليها في المودة زاريا ... وما نلت منها طائلا حيث تسمع # فقلت ذريني بئس ما قلت إنني ... على البخل منها لا على الجود أتبع # وقال البحتري: # أميل إليك عن ود قريب ... فتقصيني على النسب البعيد # فما ذنبي بأن كان ابن عمي ... سواك وكان عودك غير عودي # وفي عينيك ترجمة أراها ... تدل على الضغائن والحقود # وأخلاق عهدت اللين فيها ... غدت وكأنها زبر الحديد # وقد عاقدتني بخلاف هذا ... وقال الله أوفوا بالعقود # وما لي قوة تنهاك عني ... ولا آوي إلى ركن شديد # سأرحل عاتبا ويكون عتبي ... على غير التهدد والوعيد # وأحفظ منك ما ضيعت مني ... على رغم المكاشح والحسود # هذا الكلام وإن كان فيه شيء من التواضع والاستكانة فإن فيه ضربا من الضجر ~~الداعي إلى الخيانة لأن صاحبه لم يصبر على التذلل نفسه على ما صبر عليه من ~~بدأنا بذكره. # وفي نحو هذا المعنى قول الآخر: # فإن يك هذا منك جدا فإنني ... مداوي الذي بيني وبينك بالهجر # ومنصرف عنك انصراف ابن حرة ... طوى وده والطي أبقى على النشر # وفي مثله يقول البحتري: # وكنت أرى أن الصدود الذي مضى ... دلال فما إن كان إلا تجنبا # فوا أسفا حتام أسأل مانعا ... وآمن خوانا وأعتب مذنبا # سأثني فؤادي عنك أو أتبع الهوى ... إليك إن استعصى فؤادي أو أبى # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه في نحوه: # ما لي أقرب منك نفسي جاهدا ... وأراك مني جاهدا تتباعد # قدمت دون أخيك من هو دونه ... وعندت عنه وهو منك يعاند # أيأستني بعد الرجاء فمن ترى ... يرجوك بعدي أو عليك يحاسد # أم كيف يأمل منك يوما صالحا ... أحد ورأيك في رأي فاسد # وقال ابن حازم في نحو ذلك: # لا ترض عيشا ms033 على امتهان ... ولا ترد وصل ذي امتنان # أشد من عيلة وفقر ... إغضاء حر على هوان # إذا نبا منزل بحر ... فمن مكان إلى مكان # وهؤلاء كلهم ومن جرى في هذا القول مجراهم إنما يتضاجرون على خلانهم ~~لثقلهم إياهم عن عاداتهم ومنعهم إياهم ما استعبدوه من مواصلاتهم لتغلب ~~الحيرة على قلوبهم يحسبون أن انحرافهم عن أحبابهم أقل أذى عليهم من الصبر ~~لهم على محباتهم ولو قد أنفذوا ما عزموا عليه من الفراق والهجر لشاهدوا ما ~~يضطرهم إلى الرجوع بالصغر والتوسل إلى الصفح بالعذر ما لم يسمع الذي يقول: # مزحت بالهجر ولا علم لي ... أنك مشتاق إلى الهجر PageV01P020 فلا يضق ~~عفوك عن تائب ... تضيق عنه سعة العذر # وفي مثل ذلك يقول الآخر: # يا بيت خنساء الذي أتجنب ... ذهب الزمان وحبها لا يذهب # ما لي أحن إذا جمالك قربت ... وأصد عنك وأنت مني أقرب # لله درك هل لديك معول ... لمكلف أم هل لودك مطلب # وفي نحو ذلك يقول البحتري: # رحلت عنك رحيل المرء عن وطنه ... ورحلة السكن المشتاق عن سكنه # فإن تحملت صبرا عنك أو منيت ... نفسي به فهو صبر الطرف عن وسنه # ولبعض الأعراب في مثل ذلك: # وإني وإن لم آت ليلى وأهلها ... لباك على ليلى بكا ذي التمائم # بكا ليس بالنزر القليل ودائم ... كما الهجر من ليلى على الوصل دائم # هجرتك أياما بذي العمر إنني ... على هجر أيامي بذي العمر نادم # فلما مضت أيام ذي العمر وارتمى ... بي الهجر لامتني عليك اللوائم # وإني وذاك الهجر لو تعلمينه ... كماذية عن طفلها وهي رائم # ألم تعلمي أني أهيم بذكركم ... على حين لا يبقى على الوصل دائم # أظل أمني النفس إياي خاليا ... كما يتمنى بارد الماء صائم # ولقد أحسن العباس بن الأحنف حيث يقول: # لا بد للعاشق من وقفة ... تكون بين الوصل والصرم # حتى إذا الهجر تمادى به ... راجع من يهوى على رغم # وأحسن أيضا في قوله: # العاشقان كلاهما متعتب ... وكلاهما متذلل متغضب # صدت مراغمة وصد مراغما ... وكلاهما مما يعالج متعب # راجع أحبتك الذين هجرتهم ms034 ... إن المتيم قل ما يتجنب # إن الصدود إذا تمكن منكما ... دب السلو له فعز المطلب # ولبعض أهل هذا العصر: # يا مت قبلك طال الحزن والأسف ... وجاوز الشوق بي حد الذي أصف # قلبي إليك مع الهجران منعطف ... وأنت عني رخي البال منحرف # فإن تكن عن إخائي اليوم منصرفا ... فالله يعلم ما لي عنك منصرف # هبني اعترفت بأني لست ذا شغف ... ألم يكن كمدي أن لست أنتصف # كم قد كذبت على قلبي فكذبني ... طول الحنين وعين دمعها يكف # إن كنت يوما مقيلي زلة سلفت ... فالآن من قبل أن يغرى بي التلف # الله الله في نفسي فقد عطبت ... وليس في قيلها من شكرها خلف # قد ذلل الشوق قلبي فهو معترف ... إن التذلل في حكم الهوى شرف # فاعمل برأيك لا أدعوك معتديا ... ولا أقول لشيء قلته سرف # الباب السابع # من طال سروره قصرت شهوره # من صبر على الامتحان لمن يهواه على مثل ما ذكرناه كان خليقا أن يبلغ أقصى ~~مناه وأهل هذه الحال الذين يحمدون الهوى ويشكرونه ويصفون لذاذته للذين لا ~~يعرفونه ويزرون على عيش من لم يتطعم مذاقه ولم يتعبد باسترقاقه ألم تسمع ~~الذي يقول: # إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ... فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا # فما العيش إلا ما تلذ وتشتهي ... وإن لام ذو الشنآن فيه وفندا # تبعت الهوى جهدي فمن شاء لامني ... ومن شاء آسى في البكاء وأسعدا # والكميت أنصف من هذا حيث يقول: # ما ذاق بؤس معيشة ونعيمها ... فيما مضى أحد إذا لم يعشق # الحب فيه حلاوة ومرارة ... سائل بذلك من تطعم أو ذق # وقال القطامي: # ألا عللاني كل حي معلل ... ولا تعداني الشر والخير مقبل # فإنكما لا تدريان أما مضى ... من الدهر أم ما قد تأخر أطول # أنشد أبو تمام لنفسه: # أي شيء يكون أملح من ص ... ب أديب متيم بأديب # جاز حكمي في قلبه وهواه ... بعدما جاز حكمه في القلوب # كاد أن يكتب الهوى بين عينيه ... كتابا هذا حبيب حبيب PageV01P021 غير ~~أني لو كنت أعشق ms035 نفسي ... لتنغصت عشقها بالرقيب # فهؤلاء الذين قد سامحهم الدهر بصحابهم فاستطابوا المقام على حالهم ومن ~~وصل إلى شيء نفسه تقاصرت عليه الأيام وراصدته بمكروهات الشهور والأعوام. # قال جميل بن معمر: # يطول اليوم لا ألقاك فيه ... وحول نلتقي فيه قصير # وقالوا لا يضرك نأي شهر ... فقلت لصاحبي فلمن يضير # وقال آخر: # أقول لصاحبي والعيس تهوي ... بنا بين المنيفة والضمار # تمتع من شميم عرار نجد ... فما بعد العشية من عرار # ألا يا حبذا نفحات نجد ... وريا روضه بعد القطار # وأهلك إذ يحل القوم نجدا ... وأنت على زمانك غير زاري # شهور ينقضين وما علمنا ... بأنصاف لهن ولا سرار # وقال آخر: # ليالي أعطيت الصبابة مقودي ... تمر الليالي والشهور ولا أدري # مضى لي زمان لو أخير بينها ... وبين حياتي خاليا آخر الدهر # لقلت ذروني ساعة وكلاهما ... على غفلة الواشين ثم اقطعوا عمري # وقال أبو تمام لنفسه: # وفاتن الألحاظ والخد ... معتدل القامة والقد # صيرني عبدا له حسنه ... والطرف قد صيره عبدي # وقال بعض بني قشير: # لو أنك شاهدت الصبى يا ابن بوزل ... بجزع الغضا إذ واجهتنا عياطله # لأبصرت عيشا بعد سخط من النوى ... وبعد تنائي الدار حلوا شمائله # وقال الطائي: # لو كنت عندي أمس وهو معانقي ... ومدامعي تجري على خديه # وقد ارتوت من عبرتي وجناته ... وتنزهت شفتاي في شفتيه # لرأيت بكاء يهون على الهوى ... وتهون تخلية الدموع عليه # ورأيت أحسن من بكائي قوله ... هذا الفتى متعنت عينيه # وقال أيضا: # ظنك فيما أسره حكم ... أرضى به لي وطرفك الفهم # فيم سلوي وأنت بي كلف ... ليس بهذا تعاشر النعم # كيف وعيني إليك مسرعة ... فيك وقلبي عليك متهم # أظهرت من لوعة الهوى جزعا ... والصبر إلا عن الهوى كرم # وقال أيضا: # نعم الله فيك لا أسأل الل ... ه إليها نعمى سوى أن تدوما # ولو اني فعلت كنت كمن تس ... أله وهو قائم أن يقوما # وقال أيضا: # أيامنا مصقولة أطرافها ... بك والليالي كلها أسحار # هممي معلقة عليك رقابها ... معلولة إن الوفاء إسار # ومودتي لك لا تعار بلى إذا ... ما كان تأمور ms036 الفؤاد يعار # والناس غيرك ما تغير حبوتي ... لفراقهم هل أنجدوا أو غاروا # ولذاك شعري فيك قد سمعوا به ... سحر وأشعاري بهم إشعار # وقال علي بن محمد العلوي: # من قصر الليل إذا زرتني ... أبكي وتبكين من الطول # عدو عينيك وشانيهما ... أصبح مشغولا بمشغول # وقال أبو عبادة البحتري: # لوت بالسلام بنانا خضيبا ... ولحظا يشوق الفؤاد الطروبا # وزارت على عجل فاكتسى ... لزورتها أبرق الحزن طيبا # فكان العبير بها واشيا ... وجرس الحلي عليها رقيبا # ولم أنس ليلتنا في العناق ... ولف الصبا بقضيب قضيبا # كما أقبلت الريح في مرها ... فطورا خفوقا وطورا هبوبا # وقال أيضا: # تأبى المنازل أن تجيب ومن جوى ... يوم الديار دعوت غير مجيب # وقصار أيام به شرقت لنا ... حسناتها من كاشح ورقيب # سقي الغضا والنازليه وإن هم ... شبوه بين جوانح وقلوب # وله أيضا: # وأخ لبست العيش أخضر ناضرا ... بكريم عشرته وفضل إخائه # وضياء وجه لو تأمله امرؤ ... صادي الجوانح لارتوى من مائه PageV01P022 ~~فدع الهوى أو مت بدائك إن من ... شأن المتيم أن يموت بدائه # وله أيضا: # ألنت لي الأيام من بعد قسوة ... وعاتبت لي دهري المسيء فأعتبا # وألبستني النعمى التي غيرت أخي ... علي فأضحى نازح الود أجنبا # وقال آخر: # ولما خلونا واطمأنت بنا النوى ... وعاد لنا العيش الذي كنت أعرف # أخذت بكفي كفها فوضعتها ... على كبد من خشية البين ترجف # قال محمد بن نصير: # لا أظلم الليل ولا أدعي ... أن نجوم الليل ليست تغور # الليل ما شاءت فإن لم تزر ... طال وإن زارت فليلي قصير # وقال جميل: # تذكر منها القلب ما ليس ناسيا ... ملاحة قول يوم قالت ومعهدا # فإن كنت تهوى أو تريد لقاءنا ... على خلوة فاضرب لنا منك موعدا # فقلت ولم أملك سوابق عبرة ... أأحسن من هذا العشية مقعدا # فقالت أخاف الكاشحين وأتقي ... عيونا من الواشين حولي شهدا # وقال خالد الكاتب: # عشية حياني بورد كأنه ... خدود أضيفت بعضهن إلى بعض # وولى وفعل السكر في لحظاته ... كفعل نسيم الريح بالغصن الغض # وقال آخر: # وقصيرة الأيام ود جليسها ... لو نال مجلسها بفقد حميم ms037 # بيضاء من بقر الجواء كأنما ... حفن الحياة بها وداء سقيم # وقال عروة بن أذينة: # فذان يعنيهما للبين فرقته ... ولا يملان طول الدهر ما اجتمعا # مستقبلان نشاطا من شبابهما ... إذا دعا دعوة داعي الهوى سمعا # لا يعجبان بقول الناس عن عرض ... ويعجبان بما قالا وما صنعا # وقال العرجي: # لقيت به سر ينظرن موعدي ... وقدما وفت مني لهن المواعد # أمن العيون الرامقات ولم يكن ... لهن به عين سوى الصبح رائد # فبت صريعا بينهن كأنني ... أخو سقم تحنو عليه العوائد # يفديني طورا ويضممن تارة ... كما ضم مولودا إلى الصدر والد # لعمري إن أبدين لي الود إنني ... بهن وإن أخفيت وجدي لواجد # وقال البحتري: # وأهيف مأخوذ من النفس شكله ... ترى العين ما تحتاج أجمع فيه # ولم تنس نفسي ما سقيت بكفه ... من الراح إلا ما سقيت بفيه # أرى غفلة الأيام إعطاء مانع ... يصيبك أحيانا وحلم سفيه # وقال آخر: # وليل لم يقصره رقاد ... وقصره منادمة الحبيب # نعيم الحب أورق فيه حتى ... تناولنا جناه من قريب # ومجلس لذة لم نقو فيه ... على شكوى ولا عذر الذنوب # فلما لم نطق فيه كلاما ... تكلمت العيون عن القلوب # وأنشدتني ستيرة العصيبية: # بتنا بأطيب ليلة وألذها ... يا ليتها وصلت لنا بليال # حتى إذا ما الليل أشعل لونه ... بالصبح أو أودى على الإشغال # نادى مناد بالصلاة فراعنا ... ومضى جميع الليل غير نوال # فنهضن من حذر العيون هواربا ... نهض الهجان بدكدك منهال # ثم اطلعن كأنهن غمائم ... زمن الربيع هممن باستهلال # حتى دفعن إلى فتى جشمنه ... رد الكرى وتعسف الأهوال # وقال بعض أهل هذا العصر: # خليلي أغراني من الشوق والهوى ... وأخلط من ماء الشاربين بالخمر # فصدر على صدر ونحر على نحر ... وخد على خد وثغر على ثغر # يظل حسود القوم فينا مفكرا ... بخيل من المعشوق منا فلا يدري # وقال عمر بن أبي ربيعة: # وغضيض الطرف مكسال الضحى ... أحور المقلة كالريم الأغن # مر بي في بقر يحففنه ... مثل ما حف النصارى بالوثن PageV01P023 راعني ~~منظره لما بدا ... ربما ارتاع بالشيء الحسن # قلت من هذا فقالت ms038 بعض من ... فتن الله به فيمن فتن # بعض من كان ستيرا زمنا ... ثم أضحى فهواكم قد محن # قلت حقا قلت قالت قولة ... أورثت في القلب هما وحزن # قلت يا سيدتي عذبتني ... قالت اللهم عذبني إذن # أما هذه المخاطبة فقلما يقع ألطف منها لفظا ولا أجل منها موقعا ولو لم ~~يصبر المحب على امتحان إلفه إلا بسمع مثل هذا من لفظه لكان ذلك حظا جزيلا ~~ودركا جليلا فكيف وحال الصفاء إذا ابتدأت بين المتحابين بالمشاكلة الطبيعية ~~ثم اتصلت بالحراسة عن الأخلاق الدنيئة ثم عذبت بالرعايات الاختيارية بلغت ~~بهما الحال إلى حيث انقطعت بهم دونه الآمال وعلى أن الحزم لمن سومح بالوصال ~~ألا يرسل نفسه كل الإرسال فإن ذلك ربما دعا المحبوب إلى الملال وإن كان ~~مقيما على رعاية الحال. # ولقد أحسن الذي يقول: # عليك بإقلال الزيارة إنها ... تكون إذا دامت إلى الهجر مسلكا # فإني رأيت القطر يسأم دائما ... ويسأل بالأيدي إذا هو أمسكا # الباب الثامن # من كان ظريفا فليكن عفيفا # قال أبو بكر بن داود وحدثني أبي قال حدثنا سويد بن سعيد الحدثاني قال ~~حدثنا علي بن مسهر عن أبي يحيى الفتات عن مجاهد عن ابن عباس قال قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: من عشق فعف فكتمه فمات فهو شهيد ولو لم تكن عفة ~~المتحابين عن الأدناس وتحاميهما ما ينكر في عرف كافة الناس محرما في ~~الشرائع ولا مستقبحا في الطبائع لكان الواجب على كل واحد منهما تركه إبقاء ~~وده عند صاحبه وإبقاء على ود صاحبه عنده. # أنشدني أحمد بن يحيى عن زبير عن محمد بن إسحاق عن مؤمل بن طالوت من أهل ~~وادي القرى عن حمزة بن أبي ضيغم: # وبتنا خلاف الحي لا نحن منهم ... ولا نحن بالأعداء مختلطان # وبتنا يقينا ساقط الطل والندى ... من الليل بردا يمنة عطران # نذود بذكر الله عنا غوى الصبى ... إذا كاد قلبانا بنا يردان # ونصدر عن ري العفاف وربما ... سقينا عليك النفس بالرشفان # وأنشدتني أعرابية بالبادية: # ويوم كإبهام الحبارى لهوته ... بقعمة والواشون ms039 فيه تحرف # بلا حرج إلا كلام مودة ... علينا رقيبان التقى والتعفف # إذا ما تهممنا صددنا نفوسنا ... كما صد من بعد التهمم يوسف # وقال العباس بن الأحنف: # أتأذنون لصب في زيارتكم ... فعندكم شهوات السمع والبصر # لا يضمر السوء إن طال الجلوس به ... عف الضمير ولكن فاسق النظر # وأحسن من هذا قول عمر: # نظرت إليها بالمحصب من منى ... ولي نظر لولا التحرج عارم # فقلت أشمس أم مصابيح بيعة ... بدت لك خلف السجف أم أنت حالم # بعيدة مهوى القرط إما لنوفل ... أبوها وإما عبد شمس وهاشم # طلبنا الصبى حتى إذا ما أصبنه ... نزعنا وهن المسلمات الكرائم # ولبعض أهل هذا العصر: # أمولاي لم تبعد عليك مطالبي ... ولم تخش إن فكرت في فواتي # أمولاي لا أين المفر من الهوى ... فقل لي لم بادرت بالنقمات # أأنسيت عهدينا بواد معظم ... وليس بذي زرع سوى الحسنات # وأنت حرام حرمة الحج والهوى ... على العين إلا هفوة اللحظات # أخنتك كان العفو أولى بذي الهوى ... أم ابلغت زورا لم شفيت وشاتي # قال وبلغني عن الأصمعي أنه قال بينا أنا أطوف بالبيت إذا أنا بجارية ~~متعلقة بأستار الكعبة وهي تقول: # لن يقبل الله من معشوقة عملا ... يوما ووامقها غضبان مهجور # وكيف يأجرها في قتل عاشقها ... لكن عاشقها في ذاك مأجور PageV01P024 قال ~~فقلت لها يرحمك الله أفي مثل هذا الموضع تنشدين هذا فقالت إليك عني يا ~~عراقي لا رهقك فقلت لها وما الحب فقالت هيهات جل والله عن أن يحصى وخفي عن ~~أن يرى فهو كامن ككمون النار في حجرها إن قدحته ورى وإن تركته توارى ثم ~~أنشأت تقول: # إنس غرائر ما هممن بريبة ... كظباء مكة صيدهن حرام # يحسبن من لين الحديث فواسقا ... ويصدهن عن الخنا الإسلام # وقال أبو صخر الهذلي: # ولليلة منها تعود لنا ... في غير ما رفث ولا إثم # أهوى إلى نفسي ولو نزحت ... مما ملكت ومن بني سهم # وقال آخر: # فلما التقينا قالت الحكم فاحتكم ... سوى خصلة هيهات منك مرامها # فقلت معاذ الله من تلك خصلة ... تموت ويبقى وزرها وإثامها ms040 # فبت أثنيها علي كأنها ... من النوم سكرى وارفات عظامها # وقال مسعر بن كدام: # تفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإثم والعار # تبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار # وقال جرير: # كانت إذا أخذت لعيد زينة ... هش الفؤاد وليس فيها مطمع # تركت حوائم صاديات هيما ... منع الشفاء وطاب هذا المشرع # وقال عبيد الراعي: # نقارب أفنان الصبى ويردنا ... حياء إذا كدنا نلج فنجمح # حرائر ما يدرين ما سوء شيمة ... ويتركن ما يلحى عليه ويفضح # وقال ذو الرمة: # أرين الذي استودعن سوداء قلبه ... هوى مثل شك بالرماح النواجم # أولئك آجال الفتى إن أردنه ... بقتل وأسباب السقام الملازم # يقاربن حتى يطمع التابع الصبى ... وتهتز أحشاء القلوب الحوائم # إذا قال يا قد حل ديني قضينه ... أماني عند الزاهرات العوائم # وقال أيضا: # وإنا لنرضى حين نشكو بخلوة ... إليهن حاجات النفوس بلا بذل # وما الفقر أزرى عندهن بوصلنا ... ولكن جرت أخلاقهن على البخل # وأنشدني أعرابي ببلاد نجد: # وقد كنت ودعت النقا ليلة النقا ... بما ليس يبلي ثوب جدته الدهر # وما نلت شيئا غير أنك قلت لي ... سأرعاك فاحفظني فديتك يا بدر # سبتك بوجه كالصحيفة واضح ... وفي مقلتي وسنان في طرفه فتر # وفي مضحك عذب كأن رضابه ... نوار أقاحي يدجنها القطر # وما لي علم غير أني أظنه ... وما لي هلم غير ظني ولا خبر # وقال آخر: # فما نطفة من ماء مزن تنسمت ... رياح لأعلى متنه فهو قارس # بأطيب من فيها وما ذقت طعمه ... ولكنني فيما ترى العين فارس # وأنشدني أحمد بن يحيى النحوي لزينب بنت فروة: # وما طعم ماء أي ماء تقوله ... تحدر من غر طوال الذوائب # بمنعرج أو بطن واد تحدثت ... عليه رياح الصيف من كل جانب # نفت جرية الماء القذى عن متونه ... فما إن ترى فيه معابا لعائب # بأطيب ممن يقصر الطرف دونه ... تقى الله واستحياء بعض العواقب # وقال العديس الكناني: # جزى الله الوشاة جزاء سوء ... فإنهم بنا قد يولعونا # ولو لم نخش إلا الناس كانوا ... علينا في الإساءة ms041 هينينا # ولكنا نخاف الله حقا ... ونخشى الله إسلاما ودينا # ونستحيي ونرعى غيب جمل ... ونحن على المودة منطوينا # وقال آخر: # وأقصر طرفي دون جمل كرامة ... بجمل وللطرف الذي أنا قاصره # سقى الله بيتا لست آتي أهله ... وقلبي في البيت الذي أنا هاجره # وقال آخر: # تضوع مسكا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات # خرجن بفج رائحات عشية ... يلبين للرحمان معتمرات PageV01P025 يغطين أطراف ~~البنان من التقى ... ويخرجن بالأسحار مجتمرات # ولما رأت نكث النميري أعرضت ... وكن من ان يلقينه حذرات # وقال الحسن بن هانئ: # أحسن من زحف قبيلتين ... ومن تلاقي كتيبتين # ومن نزال بمرهفات ... بين مغاوير عسكرين # فمان قد أعملا رضاعا ... ومص ريق بشفتين # لم يطعما الغمض من نفار ... محادثين ملازمين # حتى إذا الصبح لاح قاما ... على وضوء مصليين # وقال آخر: # فما أنس مما قد رأيت وفاتني ... به الدهر مما كنت أعطى وأرزق # فلن أنس مسراها وسربا سرت به ... بغور النقا كادت له الأرض تشرق # إلى موعد منا ومنهن شاقنا ... إليه الأعادي والهوى المتشوق # فبتن جنوحا يشتكين ونشتكي ... إليهن لم يهبط لنا الأرض مرفق # عفائف لا يدنون منا لريبة ... ولا نحن مكروها من الأمر نرهق # فلما رأين الصبح لاح وصوتت ... كرائم طير لم تكن قبل تنطق # فما برحت حتى وددت بأنني ... بما في فؤادي من دم الجوف أشرق # وأعلنت الشكوى حصان غريرة ... تجود بماضي دمعها ثم تشهق # يظل الغيور أرغم الله أنفه ... على ملتقانا قائما يتحنق # وقال آخر: # ألا يا شفاء النفس لم تسعف النوى ... وتحيي فؤادا لا تنام سرائره # أثيبي فتى حققت قول عدوه ... عليه وقلت في الصديق معاذره # أحبك يا سلمى على غير ريبة ... وما خير حب لا تعف سرائره # ولبعض أهل هذا العصر: # لا تلزمني في رعي الهوى سرفا ... وما أوفيه إلا دون ما يجب # لو كنت شاهدنا والدار جامعة ... والشمل ملتئم والود مقترب # لا بل مساواة ودي وده بهوى ... كأنه نسب بل دونه النسب # مستأنسين بما تخفي ضمائرنا ... على العفاف ورعي الود نصطحب # فإن محا الشوق فرط ms042 الأنس أوحشنا ... أنس العواذل إن جدوا وإن لعبوا # فما ندافع بالهجران فهو على ... أن لا يزول هوانا مشفق حدب # عاينت منزلة في الظرف عالية ... ورتبة قصرت عن شأوها الرتب # في عفة نتحامى أن يلم بها ... سوء الظنون وأن تغتالها الريب # وقال آخر: # فلا بخل فيؤيس منك بخل ... ولا جود فينفع منك جود # شكونا ما علمت فما وليتم ... وباعدنا فما نفع الصدود # ونحسد أن نزوركم ونرضى ... بدون البذل لو رضي الحسود # وقال آخر: # ويخشون في ليلى علي ولم أنل ... مع العذل من ليلى حراما ولا حلا # سوى أن محا لو تشاء أقلها ... ولو تبتغي ظلا لكان لها ظلا # ألا حبذا أطلال ليلى على البلى ... وما بذلت لي من نوال وإن قلا # وما يتمادى العهد إلا تجددت ... مودتها عندي وإن زعمت أن لا # ولعمري إن هذا من نفيس الكلام قد جمع لفظا فصيحا ومعنى صحيحا غير أنه لم ~~يخبر بالعلة التي من أجلها لم ينل حراما ولا حلالا فيقضى له على حسب ذلك ~~لأن من منعه من إتيان المنكر عجزه عنه لم يشكر وإنما يستطرف ممن قدر على ما ~~يهواه فتعفف. # كما قال مسلم بن الوليد: # وما ذمي الأيام أن لست حامدا ... لعهد لياليها التي سلفت قبل # ألا رب يوم صادق العيش نلته ... بها ونداماي العفافة والبذل # وقال بعض أهل هذا العصر: # يا مت قبلك قد والله برح بي ... شوقي إليك فهل لي فيك من حظ # قلبي يغار على عيني إذا نظرت ... بقيا عليك فعا أروى من اللحظ ~~PageV01P026 فهذا يخبر أن صاحبه ونفاسته في صدره منعاه من الاستمتاع بالنظر ~~إلى شخصه وأكسباه الغيرة له على نفسه وله أيضا في باب التعظيم إلفه ~~والتقديم له على نفسه كلام إن لم يقبح من باب الإفراط والتكثير لم يسهل من ~~باب التساهل والتقصير وهو: # جعلت فداك إن صلحت فداء ... لنفسك نفس مثلي أو وقاءا # وكيف يجوز أن تفديك نفسي ... وليس محل نفسينا سواء # وبلغني أن أعرابيا خلا بصاحبته فقيل له ما كان بينكما فقال ما ms043 زال القمر ~~يزينها فلما غاب زينته فوضعت كفي على كفها فقالت مه لا تفسد فقلت والله ما ~~يرانا إلا الكواكب فقالت ويحك وأين مكوكبها قال فارفضضت والله عرقا ولم أعد ~~وبلغني أن العباس بن سهل الساعدي دخل على جميل وقد احتضر فقال له جميل ~~بلغنا أتظن رجلا عاش في الإسلام لم يزن ولم يسرق ولم يسفك دما حراما ناجيا ~~من هول يوم القيامة قال العباس فقلت أي والله فمن ذلك قال إني لأرجو أن ~~تكونه قال فتبسمت وقلت أبعد إتيانك بثينة عشرين سنة فقال إني في آخر يوم من ~~أيام الدنيا وأول يوم من أيام الآخرة فلا نالتني شفاعة محمد صلى الله عليه ~~وسلم إن كنت حدثت نفسي بحرام منها قط عما وراء ذلك قال ثم مات من يومه. # الباب التاسع # ليس من الظرف امتهان الحبيب بالوصف # من سامحته الأيام لمحابه ورزق حسن الوفاء والمساعدة من أحبابه ما يجب ~~عليه في حدود الظرف دون ما يجب عليه من رعاية حقوق الإلف أن يقابل نعم الله ~~عليه بما يوجب المزيد فيها لديه فإن لم يفعل ذلك فلا ينبغي له أن يتعرض ~~لأسباب المهالك وليعلم أن وصف ما في صاحبه من الخصال المرتضاة مغرى بمن ~~علمها بالمشاركة له في هواه ولقد أحسن الذي يقول: # ولست بواصف أبدا خليلا ... أعرضه لأهواء الرجال # وما بالي أشوق عين غيري ... إليه ودونه ستر الحجال # كأني آمن الشركاء فيه ... وآمن فيه أحداث الرمال # وأحسن أيضا الذي يقول: # أصونك أن أدل عليك وهما ... لأن الظن مفتاح الغيوب # وما قصر علي بن محمد العلوي حيث يقول: # ربما سرني صدودك عني ... وتنائيك وامتناعك مني # ذاك ألا أكون مفتاح غيري ... وإذا ما خلوت كنت التمني # وإذ قد دللنا على قبح وصف الخليل بما فيه من الخلق والخلق الجميل فلا ~~حاجة بنا إلى دلالة على قبح الوصف لما حمل عليه نفسه من المسامحة بصاحبه ~~والمسارعة إلى بلوغ محبته فإن المحبوب ربما دعته الرأفة بمحبه أو الإشفاق ~~عليه إلى أن يحمل نفسه على ms044 ما لا يوجبه حق الهوى عليه وعلى ما لم يوصله ~~صاحبه منه وأن يدعه أليه تحققا بالرعاية لمن يهواه وتظرفا بالسياسة له إلى ~~أكثر ما يتمناه وإن لم يقع ذلك إلا بالحمل على النفس والغض منها فإذا كان ~~وصف الخلقة التي لا يتهيأ نقلها ولا يعاب بها صاحبها ليس بجميل كان وصف ~~الخلائق التي قد سومح فيها أحرى أن يكون غير جميل. # ولعمري لقد أحسن جميل بن عبد الله بن معمر العذري حيث يقول: # هل الحائم العطشان مسقى بشربة ... من المزن تروي ما به فتريح # فقالت فنخشى إن سقيناك شربة ... تخبر أعدائي بها فتبوح # إذن فأباحتني المنايا وقادني ... إلى أجلي عضب السلاح سفوح # لبئس إذن مأوى الكريمة سرها ... وإني إذن من حبكم لصحيح # أما قوله لبئس مأوى الكريمة سرها فكلام حسن وأهله وإني إذا من حبكم لصحيح ~~فكلام قبيح أتراه إن صحا من حبها خبر الناس بسرها حتى يجعل عليه في كتمانه ~~إياه أنه مغرم بها. بلغني أن رجلا قام بحضرة معاوية فقال: قبح الله المجوس ~~بلغني أن أحدهم يتزوج بأمه والله لو أعطيت عشرة آلاف درهم أن أفعل ذلك ما ~~فعلته، فلما انصرف قال معاوية: ما له أسخن الله عينه أترى لو زيد على ذلك ~~كان يفعل، ولكن يتلقى هذا الكلام من جميل باليدين ويحمل على الرأس والعينين ~~إذا سمع كلام الشيخ امرئ القيس: # فلما دنوت تسديتها ... فثوبا نسيت وثوبا أجر PageV01P027 ولم يرنا كالئ ~~كاشح ... ولم يفش منا لذا البيت سر # وقد رابني قولها يا هناه ... ويحك ألحقت شرا بشر # فما أدري من أي أمريه أعجب أمن خشية في نفسه أم من جهله بأمره يفرح بأن ~~لم يرهم كاشح ولم يفش لهم في البيت سر وما عسى الكاشح لو رآهم إن كان يصنع ~~بهم هل كان يستطيع أن يشيع عليهم إلا بعض تشييعهم على أنفسهم. # ولعمري قد أحسن الذي يقول: # ما يبلغ الأعداء من جاهل ... ما يبلغ الجاهل من نفسه # فأما هذا النحو من الشعر فلست أنشط لذكره لا ms045 من شعر امرئ القيس ولا من ~~شعر غيره فهو فعل خارج عن حد الديانة والمروءة وما خرج عن حد هذين البابين ~~تعدى عيبه من فاعله إلى ناشره ومستحسنه وأما ما ذكرناه في الباب الثامن من ~~وصف اجتماع المحب مع محبوبه ومسامحته له فيما يحور محبوبه فهو لعمري معيب ~~ممن حكاه عن نفسه وعن صاحبه إلا أنه عيب لا ينهتك ستر المودة بمثله فمن أجل ~~ذلك سامحنا بذكره وإن كانت مرتبة الكمال موجبة لغيره وكذلك نتساهل إن شاء ~~الله في ذكر بعض ما وصفه المحبون من صور المحبوبين وإن كان فيه بعض الهجنة ~~بهم فإن فيه بعض المنفعة لغيرهم. # قال ذو الرمة: # لها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر # وعينان قال الله كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر # وقال معن بن أوس: # ظعائن من أوس ونعمان كالدمى ... حواضر لم يجزين عما ولا بعلا # أوانس يركضن المروط كأنما ... يطأن إذا استوسقن في جدد وحلا # وقال ابن مرداس: # وأهوت لتنتاش الرواق فلم تقم ... إليه ولكن طأطأته الولائد # قليلة لحم الناظرين يزينها ... شباب ومخفوض من العيش بارد # تناهى إلى لهو الحديث كأنها ... أخو سقم قد أسلمته العوائد # ترى القرط منها في فناه كأنه ... بمهلكة لولا العرى والمعاقد # وقال قيس بن الحطيم: # ولم أرها إلا ثلاثا على منى ... وعهدي بها عذراء ذات ذوائب # تبدت لنا كالشمس تحت غمامة ... بدا حاجب منها وضنت بحاجب # وقال محمد بن إبراهيم الأسدي: # وأصبح ما رجيت من أم واصل ... يقطع إلا حاجة سأقولها # رقود الضحى مبسامة لا يهمها ... صروف النوى تظعانها وحلولها # إذا ضحكت لم تنبسط وتبسمت ... حياء ويكفيها من الحلف قيلها # وقال الضحاك بن عقيل العامري: # بأشنب صاف تعرف النفس أنه ... وإن لم يذق حمش اللثاث عذاب # وكف كقنوان النقا لا يضيرها ... إذا أبرزت أن لا يكون خضاب # ومتنان يزدادان لينا إذا مشت ... كما اهتز من ماء السيول جناب # وقال محمد بن بشير الخارجي: # وترى مدامعها ترقرق مقلة ... سوداء ترغب عن سواد الأثمد # خود ms046 إذا كثر الحديث تعوذت ... بحمى الحياء وإن تكلم تقصد # وقال الركاض الزبيدي: # وما أثرت حبي على نومة الضحى ... لها مهنة يوما ولا باكرت طعما # ولا أنمأت يوما حديثا لجارة ... تعذر من إنمائه بعد ما ينمى # وقال صخر بن الجعد المحازي: # بنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب # ولم يعتذر عذر البري ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب # لقد ظلموا ذات الوشاح ولم يكن ... لنا من هوى ذات الوشاح نصيب # سقيت دم الحيات إن كنت بعدها ... محبا ولو عنفته لحبيب # وقال سويد بن أبي كاهل: # حرة تجلو شتيتا واضحا ... كشعاع البرق في الغيم سطع # تمنح المرآة لونا حسنا ... مثل قرن الشمس في الضحو طلع # وقال إبراهيم النظام: # هو البدر إلا أن فيه رقائقا ... من الحسن ليست في هلال ولا بدر ~~PageV01P028 وينظر في الوجه القبيح بحسنه ... فيكسوه حسنا باقيا آخر الدهر # وله أيضا: # رق فلو بزت سرابيله ... علقه الجو من اللطف # يجرحه اللحظ بتكراره ... ويشتكي الإيماء بالكف # وله أيضا: # نسى المحاسن في أجناس نوري ... صافي الضرائب روحيي # تمت على أبهى الصفات فلم ... يطلق لنا عن حد كيفي # أبدعه الخالق واختاره ... من مازج الأنوار علوي # فكل من أغرق في وصفه ... أصبح منسوبا إلى العي # وهذا البيت لا يتهيأ لأحد أن يتخطاه ولا يأتي بأجود من معناه وقد قال ~~جرير في هذا النحو فأحسن غير أنه حل آخر كلامه ما عقد فإذا ضم بعضه إلى بعض ~~فسد. # قال جرير: # ما استوصف الناس من شيء يروقهم ... إلا ترى أم عمرو فوق ما وصفوا # كأنها مزنة غراء رائحة ... أو درة لا يواري لونها الصدف # وقال علي بن العباس الرومي: # بأبي حسن وجهك اليوسفي ... يا كفي الهوى وفوق الكفي # فيه ورد ونرجس وعجيب ... اجتماع الربيع والخرفي # وقال حبيب بن أوس: # لم أنسها وصروف البين تظلمها ... ولا معول إلا الواكف السرب # أدنت نقابا على الخدين وانتسبت ... للناظرين بقد ليس ينتقب # وقال ذو الرمة: # أسيلة مجرى الدمع هيفاء طفلة ... رداح كإيماض البروق ابتسامها ms047 # كأن على فيها وما ذقت طعمه ... زجاجة خمر ضاق عنها مدامها # وقال أبو دلف العجلي: # نفسي التي لم أزل بالحب أعرفها ... تحيرت دون من أهوى أمانيها # شمس بدت لك في أثواب جارية ... الشمس تشبهها والبدر يحكيها # أطنبت مجتهدا في وصفها فلقد ... أفنى جميع صفاتي بعض ما فيها # وقال امرؤ القيس: # كأن المدام وصوب الغمام ... وريح الخزامى ونشر القطر # يعل به برد أنيابها ... إذا طرب الطائر المستحر # وقال يزيد بن الطثرية: # كأن مدامة من خمر دن ... تصب على ثناياها طروقا # ألذ الناس في الدنيا حديثا ... وأطيبه بعيد النوم ريقا # جعلت لك الفداء من المنايا ... وإن كلفتني ما لن أطيقا # وقال امرؤ القيس بن حجر: # خليلي مرا بي على أم جندب ... لتقضي حاجات الفؤاد المعذب # ألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب # وهذا معنى لم يسبقه إليه أحد قبله ولم يلحقه فيه من بعده وإنه لحسن اللفظ ~~مستوفي المعنى. # وقال أبو تمام: # كالخوط في القد والغزالة في البه ... جة وابن الغزال في غيده # وما حكاه ولا نعيم له ... في جيده لم حكاه في جيده # ولأبي تمام أيضا: # متصرف في الطرف باطن صدرها ... متفنن في الحسن ظاهر صدرها # تعطيك منطقها فتعلم أنه ... لحن عذوبته تمر بثغرها # وأظن حبل وصالها لمحبها ... أوهى وأضعف قوة من خصرها # وقال علي بن محمد العلوي الكوفي: # وهيفاء تلحظ عن شادن ... وتبسم عن زهر الأقحوان # وكالغصن بان وجدل العنان ... وميادة القضب الخيزران # ترى الشمس والبدر معناهما ... بها واحدا وهما معنيان # وقال آخر: # إذا احتجبت لم يكفك البدر فقدها ... وتكفيك ضوء البدر إن حجب البدر # وحسبك من خمر بقربك ريقها ... ووالله من ريقها حسبك الخمر # وقال آخر: # هي الخمر حسنا وهي كالخمر ريقها ... ورقة ذاك اللون في رقة الخمر # فقد جمعت فيها خمور ثلاثة ... وفي واحد سكر يزيد على السكر # وقال آخر: # وفي الغصن بيضاء العوارض طفلة ... مبتلة يصبي الحليم ابتسامها ~~PageV01P029 إذا سمتها التقبيل صدت وأعرضت ... صدود شموس الخيل ضل لجامها # وعضت على إبهامها حين أومأت ms048 ... أخاف العيون أن تهب نيامها # وقال الأحمر الطائي: # ألام على ليلى ولو أن هامتي ... تداوى بليلى بعد يأس لبلت # بذي أشر تجري به الراح أنهلت ... أخاك به بعد العشاء وعلت # وتبسم إيماض الغمامة إن سمت ... إليها عيون الناس حين استهلت # وقال حسان بن ثابت: # يا لقومي هل يقثل المرء مثلي ... واهن البطش والعظام سؤوم # شأنها العطر والفراش ويعلو ... ها لجين ولؤلؤ منظوم # لو يدب الحولي من ولد الذ ... ر عليها لأندبتها الكلوم # وهذا سرف شديد وهو مع ذلك مأخوذ من قول امرئ القيس: # من القاصرات الطرف لو أن محولا ... من الذر فوق الليت منها لأثرا # ولبعض أهل هذا العصر: # نظرت إليه نظرة مستهام ... فأثر ناظري في وجنتيه # فلاحظني وقد أثبت وجدا ... فأثر في الفؤاد بمقلتيه # وقال آخر: # فيك لي فتنتان لحظ ولفظ ... وعظاني لو كان ينفع وعظ # لك وجه كأنه رقة الماء ... وقلب كأنه الصخر فظ # أنت حظي فما يضرك لو كا ... ن لمن أنت حظه منك حظ # وقال الوليد بن عبيد الطائي: # ألمع برق سرى أم ضوء مصباح ... أم ابتسامتها بالمنظر الضاحي # يا بؤس نفس عليها جد آسفة ... وشجو قلب إليها جد مرتاح # تهتز مثل اهتزاز الغصن أتعبه ... مرور غيث من الوسمي سحاح # أرسلت شغلين من لفظ محاسنه ... تروي الضجيع ولحظ يسكر الصاحي # أثني عليك بأني لم أخف أحدا ... يلحي عليك وماذا يزعم اللاحي # ولقد أنصف غاية الإنصاف الذي يقول: # فما الشمس يوم الدجن وافت فأشرقت ... ولا البدر وافى أسعدا ليلة البدر # بأحسن منها بل تزيد ملاحة ... على ذاك أو رأي المحب فلا أدري # ومختار ما قالته الشعراء في وصف الخلق والأخلاق أكثر من أن تتضمنه ~~الأوراق وفيما ذكرنا منه بلاغ وعلى كل حال وصف الخلائق والأفعال اسهل من ~~وصف الخلقة بالجمال وكلاهما داخل في معنى الدلالة على الشركة في الأحباب ~~حسب ما تقدم ذكرنا في صدر هذا الكتاب. # الباب العاشر # سوء الظن من شدة الضن # قال الزبير بن بكار: قال جميل بن معمر: ما رأيت مصعبا يختال بالبلاط ms049 إلا ~~عرف على بثينة وهي بالحباب وبينهما مسيرة ثلاث. # وقال العباس بن الأحنف: # لم ألق ذا شجن يبوح بحبه ... إلا ظننتك ذلك المحبوبا # حذرا عليك وإنني بك واثق ... ألا ينال سواي منك نصيبا # ولبعض أهل هذا العصر: # أيا أملي هل في وفائك مطمع ... فأطلبه أم قد تناهت أواخره # فإن يك ما قد خفت حقا فلا تعد ... فلن يستوي موفي الفؤاد وعاذره # وإلا فلا تعتب علي فإنه ... إذا ظن قلب المرء ساءت خواطره # وله أيضا: # قسمت عليك الدهر نصفا تعتبا ... لفعلك في الماضي ونصفا ترقبا # إذا استيقنت نفسي بأن لست عاذرا ... لي الظن والإشفاق إلا تريبا # فقد والذي لو شاء غلب واحدا ... فروح قلبا آمنا متهيبا # شككت فلا أدري لفرط مودتي ... يبريك أمرضني يرينيك مذنبا # ولو كان قصدي منك وصلا أنا له ... لقد كنت لي أندى جنابا وأخصبا # لو ادنوا لأقللت العتاب ولم أزد ... على أن تراني في امتداحك مطنبا # ولكن بي ظنا أبى أن يقيمني ... لديك بما لا أرتضيه مصوبا # وله أيضا: # لقد جمعت أهواي بعد شتاتها ... صفاتك فانقاد الهوى لك أجمع # سوى خصلة ذكري رهين بذكرها ... فقلبي منها ما حييت مروع PageV01P030 ~~وحاشاك منها غير أن أخا الهوى ... بذكر الذي يخشى من الغدر مولع # وقال بشار بن برد: # كأن فؤاده كرة تنزى ... حذار البين لو نفع الحذار # يروعنا السرار بكل شيء ... مخافة أن يكون به السرار # وقال آخر: # وقد خفت حتى لو تطير حمامة ... رقيبا علينا أو طليعة معشر # فإن قيل خيرا قلت هذا خديعة ... وإن قيل شرا قلت حق فشمر # وقال آخر: # تركتني الوشاة نصب المشيرين ... وأحدوثة بكل مكان # لا أرى خاليين للسر إلا ... قلت ما يخلوان إلا لشاني # قال أبو بكر واتصل بي أن ديك الجن قدم من سفر له فوجد جاريته وقد كان ~~يهواها عبد أخيه تسأله عن خبره لإبطاءة كان عينها فقتلها وقتل أمها وقال في ~~ذلك: # يا مهجة طلع الحمام عليها ... وجنى لها ثمر الردى بيديها # حكمت سيفي في مجال خناقها ... ومدامعي تجري على خديها ms050 # رويت من دمها الثرى ولطال ما ... روى الهوى شفتي من شفتيها # فوحق نعليها وما وطئ الحصى ... شيء أعز علي من نعليها # ما كان قتليها لأني لم أكن ... أبكي إذا سقط الذباب عليها # لكن بخلت على العيون بلحظها ... وأنفت من نظر العداة إليها # وله أيضا فيها: # أشفقت أن يرد الزمان بغدره ... أو أبتلى بعد الوصال بهجره # قمر أنا استخلصته من دجنة ... لبليتي وجلبته من خدره # فقتلته وبه علي كرامة ... ملء الحشا وله الفؤاد بأسره # عهدي به ميتا كأحسن نائم ... والدمع يجرح مقلتي في نحره # لو كان يدري الميت ماذا بعده ... بالحي منه بكى له في قبره # غصص الزمان تفيظ منها روحه ... وتكاد تنزع قلبه من صدره # وله أيضا فيها: # ليتني لم أكن لعطفك ملت ... وإلى ذلك الوصال وصلت # فالذي مني اشتملت عليه ... ألعار ما قد عليه اشتملت # قال ذو الجهل لم جهلت ولا أع ... لم أني حلمت حتى جهلت # لائم لي بجهله ولماذا ... أنا وحدي أحببت ثم قتلت # سوف آسى طول الحياة وأبكيك ... على ما فعلت لا ما فعلت # وهذا وإن سلم من أن يكون مغلوبا على عقله فظنه الظن الذي لا غاية بعده ~~وذلك أنه قد أيس من حبيبه بقتله له وهو غير نادم على فعله بل مصوب له وراجع ~~باللوم على نفسه فيما أتاه من الغدر. # وقال آخر: # يتعاتبان ويشكوان هواهما ... بمدامع جلت عن الهملان # يتهاجران بسوء ظن في الهوى ... ويقل صبرهما فيصطلحان # وقال آخر: # عجلت على الصديق بسوء ظن ... وعتب أموره في كل فن # وأقسم صادقا ما خنت عهدا ... ولست بخائن ما لم تخني # وما كان الذي استوحشت مني ... على المعنى الذي بلغت عني # وكنت إذا أتيتك كنت حسبي ... فلم يك في فضل للتمني # فهلا إذ عتبت بحثت عني ... ولم تمض الحكومة بالتجني # وقال البحتري: # أعظم الرزء أن تقدم قبلي ... ومن الرزء أن تؤخر بعدي # حذرا أن تكون إلفا لغيري ... إذ تفردت بالهوى فيك وحدي # وقال بشار: # نصبا لعينك لا ترى حسنا ... إلا رأيت به لها شبها # إني ms051 لأشفق أن أقدمها ... قبلي وأكره أن أؤخرها # وقال ماني: # جعلت عنان ودي في يديكا ... فلم أر ذاك ينفعني لديكا # وقد والله ضقت فليت ربي ... قضى أجلي علي ولا عليكا # فلم أر عاشقا لك قط مثلي ... أغار عليك من نظري إليكا # وقال: # وما في الأرض أشقى من محب ... وإن وجد الهوى عذب المذاق # تراه باكيا في كل حين ... مخافة فرقة أو لاشتياق # فيبكي إن نأوا شوقا إليهم ... ويبكي إن دنوا خوف الفراق PageV01P031 ~~فتسخن عينه عند التنائي ... وتسخن عينه عند التلاق # وهذه المكاره كلها أثمار تلك الملاذ التي قبلها وذلك أن من هوي إنسانا ~~فإنما قصاره حين يهواه أن يعيد نظره إليه فيروى من شخصه ويستمتع من لفظه ~~فإذا تهيأ ذلك له ازداد وجده به أضعافا على ما كان في قلبه ثم تدعوه نفسه ~~بعد ذلك إلى كثرة التلاقي والمواصلة وتنبسط للمسائلة والمشاورة وهو في كل ~~هذه الأحوال مشغول بحظوظ نفسه غير فارغ معها لصبابة غيره بل يحب أن يكون ~~إلفه سمحا بالمواصلة لمن علم أنه يوده ليكون ذلك سببا له إلى مواصلته ~~وتسهيلا له السبيل إلى معاشرته فإذا تمكن وده من نفس محبوبه فاستشعر الوفاء ~~له ودفع قياده إليه فلم يعترض شيء من أمره عليه لكسبه ذلك ضنا به وصيانة ~~له. # وفي مثل ذلك يقول بعض أهل هذا العصر: # إذا ازداد رعيا للهوى زدته هوى ... وضني به مقدار هذين يضعف # قفوه أمني زائد في تخوفي ... ولا حظ لي في أن يزول التخوف # فلا يتشاغل عاذل بنصيحتي ... فمثلي على إرشاده لا يوقف # ولا يرث لي في ذلتي وتواضعي ... فإني بهذا الذل أزهى وأشرف # فما ظنك بترادف حالين كل واحدة منهما سبب لصاحبتها متى يكون انقضاؤهما أم ~~كيف يتوهم زوالهما لا سيما وإحداهما قد كانت قوتها في نفسها منمية لها قبل ~~أن تبتدئ الأخرى في معونتها فإذا انتهت الحال إلى حيث وصفنا فرغ المحب ~~حينئذ من المطالبة بحظوظ نفسه وتشاغل بالمطالبة بحقوق إلفه فأنف له من ~~معاشرة غيره بل صانه وأشفق عليه من ms052 مخالطته هواه وعاد إلى ما كان يحسب له ~~به مكرمة من بره به فجعله عليه هجنة وأوهم نفسه أن ذلك الذي ناله غيره ~~ممنوع من كل من سأله ألم تسمع الذي يقول: # فلا تكثري قولا منحتك ودنا ... فقولك هذا في الفؤاد مريب # تعدين ما أوليتني منك نائلا ... وللقابس العجلان فيك نصيب # وفي نحو هذا المعنى يقول الآخر: # تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن ... عليك شجا تؤذيك حين تبين # وإن هي أعطتك الليان فإنها ... لآخر من خلانها ستلين # فحينئذ يظن المحب ما لا يخشاه ويتمنى ما لا يهواه ويفسد عليه أمر دينه ~~ودنياه وهذه حال الوله الذي ذكرناه. # وقال بعض الأدباء في نحو ذلك: # يسيء من كثرة الظن الظنون بها ... حتى يظن ظنونا ليس يخشاها # ومرتبة العشق التي هي في هذا الطريق إلى هذه المرتبة توجب على المحب طاعة ~~المحبوب في كل ما أحبه حتى لا يعصي له أمرا ولا يقبح له فعلا. # وفي مثل ذلك يقول بعضهم: # كل شيء منك في عيني حسن ... ونصيبي منك هم وحزن # ويقول الآخر: # صممت عن الأصوات من غير وقرة ... وإني لأدنى صوتها لسميع # شفيعي إليها قلبها إن تعتبت ... وقلبي لها فيما عتبت شفيع # وقد ظفرت مني بسمع وطاعة ... وكل محب سامع ومطيع # ويقول الآخر: # يقر بعيني ما يقر بعينها ... وأحسن شيء ما به العين قرت # كأني أنادي صخرة حين أعرضت ... من الصم لو تمشي بها العصم زلت # صفوحا فما تلقاك إلا بخيلة ... فمن مل منها ذلك الوصل ملت # وبلغني عن الحسن بن سهل الكاتب أنه قال: أما أنا فإذا أحببت إنسانا نظرت ~~إلى فعله ففعلت مثله فإنه إن أبغضني أبغض نفسه فإذا ابتدأ أهل العشق ~~يرتفعون عن هذه الحال تكشف لهم عوار هذه الأفعال حالا بعد حال. # ففي مثل ذلك يقول أبو عبادة البحتري: # يريبني الشيء تأتي به ... وأكبر قدرك أن أستريبا # وأكره أن أتمادى على ... سبيل اغترار فألقى شعوبا # ولا بد من لومة أنتحي ... عليك بها مخطئا أو مصيبا # سأصبر حتى ألاقي رضاك ms053 ... إما بعيدا وإما قريبا # أراقب رأيك حتى يصح ... وانظر عطفك حتى يثوبا # ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى: # بدأت بموعد ورجعت عنه ... وكنت أعد وعدك من عطائك PageV01P032 ولم تزل ~~الخواطر عنك تنبي ... بأنك لا تدوم على وفائك # فلو كانت عهودك لم تغير ... ولم يبد التكدر في صفائك # وفيت بما ابتدأت به ولكن ... أظنك قد ندمت على ابتدائك # فإن تك قد ندمت على اصطفائي ... فإني ما ندمت على اصطفائك # وإن تك لم تخن فلأي شيء ... تغير ما عهدنا من إخائك # وله أيضا في نحو ذلك: # أمنت عليك صرف الدهر حتى ... أناخ بغدره ما لم أحاذر # وجسرني وفاؤك لي إلى أن ... أذاقني الردى غب التجاسر # فجئتك شاكرا وأقل حقي ... إذا أحسنت أن ألقاك عاذر # وحسبك رتبة لك من صديق ... أتاك بعاتب في زي شاكر # ولغيره في نحوه أيضا: # وكذبت طرفي عنك والطرف صادق ... وأسمعت أذني منك ما ليس يسمع # فلا كمد يبلى ولا لك رحمة ... ولا عنك إقصار ولا فيك مطمع # ولم أسكن الأرض التي تسكنينها ... لئلا يقولوا صابر ليس يجزع # وربما ضعف الخارج عن حال العشق التي توجب طاعة المحبوب على المحب إلى ~~حالة الوله التي توجب الاعتراض عليه لفرط الميل منه إليه فيرجع من قريب ~~وينقاد صاغرا إلى كل ما يريده المحبوب. # وفي مثل ذلك يقول بعض أهل هذا العصر: # علام وقد أذبت القلب شوقا ... تصد وقد عزمت على ارتحال # ولم أك قبل ذاك أتيت ذنبا ... سوى أني نهيتك عن خصال # أردت بذاك أن تدعى رشيدا ... إذا افتضح المعارف بالمقال # وألا تبتلى بدنيء قوم ... فيكثر فيك من قيل وقال # فيسمعه المصادق والمعادي ... فتندم عند مفتخر الرجال # وما كل يصدق فيك قولي ... فكنت تكون فوق ذرى المعالي # فصن نفسا علي أعز مني ... وقاك السوء أهلي ثم مالي # وأيقن أنني لم آت ذنبا ... ودونك ما هويت من الفعال # تجدني راضيا بهواك طوعا ... لأمرك في الحرام وفي الحلال # فوالله العظيم لو ان قلبي ... عصاك هممت عنه بانتقال # أقلني تدخر في الحشر أجرا ms054 ... إذا احتاج المقيل إلى المقال # والعاشق ما دامت حال العشق مالكة يتوهم ألا غاية بعدها ولا رتبة فوقها ~~ويرى أن اعتراض المحب على محبوبه إنما هو من نقض حاله في قلبه وليس الأمر ~~بحيث علي بل هو بضده. # ولقد أحسن علي بن الرومي وقوله: # يا أخي أين ريع ذاك الإخاء ... أين ما كان بيننا من صفاء # أنت عيني وليس من حق عيني ... طبق أجفانها على الأقذاء # الباب الحادي عشر # من وفى الحبيب هان عليه الرقيب # وإنما يغلظ أمر الرقيب على من يمتحن بمفارقة الحبيب فأما من غلبه الفراق ~~وملكه الإشفاق وأذاع سره الاشتياق قل اكتراثه بمن يرتقبه بل سهل عليه ألا ~~يعاين من يحبه إذا وثق بقربه منه وأمن من إعراضه عنه وربما كانت غيبة ~~الحبيب أيسر من حضوره مع الرقيب وهذا شيء تختلف فيه الآراء على حسب غلبات ~~الأهواء. # قال ابن الدمينة: # يقولون قصر عن هواها فقد وعت ... ضغائن شبان عليك وشيب # وما إن تبالي سخط من لا تحبه ... إذا نصحت ممن تحب جيوب # وقال أبو تمام الطائي: # ما شئت من منطق أديب ... فيه ومن منظر أريب # لما رأى رقبة الأعادي ... على معنى به كئيب # جرد لي من هواه نصحا ... صار رقيبا على الرقيب # وقال أيضا: # من قطع ألفاظه توصيل مهلكتي ... ووصل ألحاظه تقطيع أنفاسي # رزقت رقة قلب منه نغصها ... منغص من رقيب قلبه قاسي # وقال بعض الفصحاء: # طلح ولكنا نرى الح ... يات رقطا في خلاله # يمنعننا أن نستظل ... من الهواجر في ظلاله # وقال الأخطل: PageV01P033 وليس القذى بالعود يسقط في الإنا ... ولا بذباب ~~خطبه أيسر الأمر # ولكن شخصا لا نسر بقربه ... رمتنا به الأزمان من حيث لا ندري # وأنشد أعرابي بالبادية: # أحقا عباد الله أن لست واردا ... مياه الحمى إلا علي رقيب # ولا آتيا وحدي ولا بجماعة ... من الناس إلا قيل ذاك مريب # أحب ظباء الواديين وإنني ... لمشتهر بالواديين غريب # أميم احفظي عهد الهوى لا يزل لنا ... عن النأي والهجران منك نصيب # ألا يا أميم القلب دام لك الغنا ms055 ... أما ساعة إلا عليك رقيب # وقال آخر: # صغير يصير بالا كثير مجرب ... أو آخر يرمي بالظنون أريب # وقال آخر: # وإني لآتي البيت أبغض أهله ... وأكثر هجر البيت وهو حبيب # تطيب لي الدنيا مرارا وإنها ... لتخبث حتى ما تكاد تطيب # وأعرض عن أشياء منك تريبني ... وأدعى إلى ما نابكم فأجيب # وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر: # حبيبي حبيب يكتم الناس أنه ... لنا حين ترمينا العيون حبيب # يباعدني في الملتقى وفؤاده ... وإن هو أبدى لي البعاد قريب # ويعرض عني والهوى منه مقبل ... إذا خاف عينا أو أشار رقيب # فتخرس منا ألسن حين نلتقي ... وتنطق منا أعين وقلوب # وله أيضا: # إذا ما التقينا والوشاة بمجلس ... فليس لنا رسل سوى الطرف بالطرف # فإن غفل الواشون فزت بنظرة ... وإن نظروا نحوي نظرت إلى السقف # أسارق مولاها السرور بقربها ... وأهجر أحيانا وفي هجرهم حتفي # وقال آخر: # إذا غفلوا عنا نطقنا بأعين ... مراض وإن خفنا نظرنا إلى الأرض # شكا بعضنا لما التقينا تسترا ... بأبصارنا ما في النفوس إلى بعض # وقال مسلم بن الوليد: # جعلنا علامات المودة بيننا ... دقائق لحظ هن أخفى من السحر # فأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر بالنظر الشزر # وأنشدنا ابن أبي طاهر لأبي تمام: # أزور محمدا وإذا التقينا ... تكلمت الضمائر في الصدور # فأرجع لم ألمه ولم يلمني ... وقد فهم الضمير من الضمير # وقال آخر: # إذا نحن خفنا الكاشحين فلم نطق ... كلاما تكلمنا بأعيننا سرا # فنقضي ولم يعلم بنا كل حاجة ... ولم نظهر الشكوى ولم نهتك السترا # ولو قذفت أحشاؤنا ما تضمنت ... من الوجد والبلوى إذن قذفت جمرا # صاحب هذا الشعر البائس مغتر بالزمان جاهل بصروف الأيام يتبرم بالرقيب مع ~~مشاهدة الحبيب وهو لا يعلم أن هذه الحال تتقاصر عنها الآمال وتنقطع دونها ~~الآجال ولكن من لم ينكبه الفراق ولا الهجر ولم يعترض إلى الخيانة والغدر ~~حسب أن الرقيب هو منتهى كيد الدهر وظن أنه قد امتحن بما لا يقوم له الصبر. # وقد قال بعض أهل هذا العصر: # لئن كان الرقيب بلاء قوم ms056 ... فما عندي أجل من الرقيب # حجاب الإلف أيسر من نواه ... وهجر الخل خير للأديب # ولا وأبيك ما عاينت شيئا ... أشد من الفراق على القلوب # وقال آخر: # أشارت بعينيها إشارة خائف ... حذار عيون الكاشحين فسلمت # فرد عليها الطرف مني سلامها ... وأوما إليها أسكني فتبسمت # وأومت إلى طرفي يقول لطرفها ... بنا فوق ما تلقى فأشجت وتيمت # فلو سئلت ألحاظنا عن قلوبنا ... إذن لاشتكت مما بها وتبرمت # وما هكذا إلا عيون ذوي الهوى ... إذا خافت الأعداء يوما تكلمت # وقال آخر: # وقفنا فلولا أننا راعنا الهوى ... لهتكنا عند الرقيب نحيب # وفي دون ما نلقاه من ألم الهوى ... تشق جيوب بل تشق قلوب PageV01P034 ~~ولما نظرنا بالرقيب ولحظه ... ولحظي على لحظ الرقيب رقيب # صددنا وكل قد طوى تحت صدره ... فؤادا له بين الضلوع وجيب # وقال آخر: # إذا ما التقينا والوشاة بمجلس ... فألسننا حرب وأعيننا سلم # وتحت مجاري الصدر منا مودة ... تطلع سرا حيث لا يذهب الوهم # وأنشد ابن أبي طاهر: # إذا خفنا من الرقباء عينا ... تكلمت العيون عن القلوب # وفي غمز الحواجب مستراح ... لحاجات المحب إلى الحبيب # وقال آخر: # ومراقبين يكاتمان هواهما ... جعلا الصدور لما تجن قبورا # يتلاحظان تلاحظا فكأنما ... يتناسخان من الجفون سطورا # وأنشد ابن أبي طاهر: # عرفت بالسلام عين الرقيب ... وأشارت بلحظ طرف مريب # وشكت لوعة النوى بجفون ... أعربت عن لسان قلب كئيب # رب طرف يكون أفصح من لف ... ظ وأبدى لمضمرات القلوب # وقال آخر: # وإذا التقينا والعيون روامق ... صمت اللسان وطرفها يتكلم # تشكو فأفهم ما تقول بطرفها ... ويرد طرفي مثل ذاك فتفهم # وأنشدني ابن أبي طاهر: # كتبت إلى الحبيب بكسر عيني ... كتابا ليس يقرأه سواه # فأخبرني تورد وجنتيه ... وكسر جفونه أن قد قراه # وأنشدني أيضا لنفسه: # لقد عرض بالحب ... كما عرضت بالحب # وكانت أعين رسلا ... مكان الرسل بالكتب # عيون تنقل الأسرار ... من قلب إلى قلب # وقال آخر: # إذا نظرت طرفي تكلم طرفها ... وجاوبه طرفي ونحن سكوت # فكم نظرة منها تخبر بالرضا ... وأخرى لها نفسي تكاد تموت # وأنشدني ابن أبي طاهر: # وملاحظ سرق السلام ms057 بطرفه ... حذر العيون ورقبة للحارس # راجعته بلسان طرف ناطق ... يخفي البيان على الرقيب الجالس # فتكلمت منا الضمائر بالذي ... نخفي وفاز مجالس بمجالس # وقال الطرماح: # كأن لم يرعك الظاعنون ببينهم ... بلى إن بين الظاعنين نزوع # يراقبن أبصار الغيارى بأعين ... حواذر ما تجري لهن دموع # وقال آخر: # أشارت بطرف العين خيفة أهلها ... إشارة محزون ولم تتكلم # فأيقنت أن الطرف قد قال مرحبا ... وأهلا وسهلا بالحبيب المتيم # وأنشدني ابن أبي طاهر: # ألاحظها خوف المراقب لحظة ... فأشكو بطرفي ما بقلبي من الوجد # فتفهمه عن لحظ عيني بقلبها ... فتومي بطرف العين أني على العهد # وله أيضا: # تحدثنا الأبصار ما في قلوبنا ... فنغنى بها عما يردد في الكتب # علاماتنا مكتوبة في جباهنا ... حبيبان موقوفان في سبل الحب # وقال آخر: # بنان يد تشير إلى بنان ... تجاوبنا وما يتكلمان # جرى الإيماء بينهما رسولا ... فأعرب وحيه المتناجيان # وأنشدني ابن أبي طاهر: # يكلمها طرفي فتومي بطرفها ... فتخبر عما في الضمير من الوجد # فإن نظر الواشون صدت وأعرضت ... وإن غفلوا قالت ألست على العهد # وقال بعض الأعراب: # فلما ادركنا راعهن مناديا ... كما راع خيلا من لجام صلاصله # فنازعننا وحيا خفيا كأنه ... جنى المجتني الريحان أمرع حاصله # بوحي لو ان العصم تسمع رجعه ... لقضقض من أعلى إبان حوافله # وأنشدنا ابن أبي طاهر: # ومني ومنها اثنان قلب ومقلة ... مريضان مغبوط وآخر يرحم # وطرفي لها عما بقلبي من الهوى ... إذا لم أطق شكوى إليها مترجم # وقال آخر: # يكلم طرفي طرفها حين نلتقي ... وإن كان فينا للعتاب صدود # فإن نحن صرنا للفراق تلاحظت ... لنا بهوانا أعين وخدود PageV01P035 فنحن ~~كأنا بالقلوب وذكرها ... إذا ما افترقنا حاضرون شهود # وقال الراعي: # يناجيننا والطرف دون حديثنا ... ويقضين حاجات وهن موازح # فلما تفرقنا شجين بعبرة ... وزودننا شوقا وهن فواضح # فويل امها من خلة لو تنكرت ... لأعدائنا أو صالحت من تصالح # وقال آخر: # قفي أخبريني ثم حكمك واجب ... علي إذا خبرت ما أنا سائل # متى أنا ناج يا قتول فأومأت ... بطرف كفى رجع الذي أنا قائل # وقال آخر: # ألا حبذا الدهنا ms058 وطيب ترابها ... وأرض خلاء يصدع الليل هامها # ونص المهاري بالعشيات والضحى ... إلى نفر وحي العيون كلامها # وأنشدني الفضل بن أبي طاهر: # إشارة أفواه وغمز حواجب ... وتكسير أجفان وكف تسلم # وألسننا معقودة عن شكاتنا ... وأبصارنا عنها الصبابات تفهم # وقال ابن الوليد عبيد الطائي: # يتبسمن من وراء حواشي الري ... ط عن برد أقحوان الثغور # ويساقطن والرقيب قريب ... لحظات يعلن سر الضمير # ضعف الدهر عن هواها وما الده ... ر على كل دولة بقدير # ليس في العاشقين أنقص حظا ... في التصابي من واصل مهجور # أما هذا الكلام فكلام متغطرس على الأيام وقد كان يقال عند الثقة بالأيام ~~تحذر الغير. # وقال إبراهيم النظام: # ونشكو بالعيون إذا التقينا ... فنفهمه ويعلم ما أردت # أقول بمقلتي أن مت شوقا ... فيوحي طرفه أن قد علمت # الباب الثاني عشر # من منع من كثير الوصال قنع بقليل النوال # قال ذو الرمة: # ألما بمي قبل أن تطرح النوى ... بنا مطرحا أو قبل بين يزيلها # ولو لم يكن إلا معرس ساعة ... قليلا فإني نافع لي قليلها # خليلي عدا حاجتي من هواكما ... ومن ذا يداوي النفس إلا خليلها # وقال أيضا: # وإني ليرضيني قليل نوالكم ... وإن كنت لا أرضى لكم بقليل # بحرمة ما قد كان بيني وبينكم ... من الود ألا عدتم بجميل # وقال جميل: # ويقلن إنك قد رضيت بباطل ... منها فهل لك في اعتزال الباطل # ولباطل ممن أحب حديثه ... أشهى إلي من البغيض الباذل # ولرب عارضة علينا وصلها ... بالجد تخلطه بقول الهازل # فأجبتها بالقول بعد تستر ... حبي بثينة عن وصالك شاغلي # لو كان في قلبي كقدر قلامة ... فضل وصلتك أو أتتك رسائلي # أما هذا فقد دلنا بغاية جهده على شدة تمكنها من قلبه وأخبرنا مع ذلك في ~~شعره أنه لو تهيأ خلاص شيء من حبه من يدها لصرفه إلى غيرها وهذه حال لا ~~ترضي أهل الوفاء ولا يستعملها أهل الصفاء. # وقال آخر: # وإني لأرضى منك يا ليل بالذي ... لو اخبره الواشي لقرت بلابله # بلى وبأن لا أستطيع وبالمنى ... وبالوعد حتى يسأم الوعد آمله # وبالنظرة العجلى ms059 وبالحول تنقضي ... أواخره لا تلتقي وأوائله # هذه لعمري قناعة شديدة تدل على أن وراءها ذلة وكيدة لأن من يتهيأ له من ~~يهواه لا يقنع بأن لا يراه وبأن يعده وعده إلا يطالبه بوفائه ولعمري إن هذه ~~الحال تقر عين المعادي وتسخن عين الموالي إلا أنه وإن كان قد بالغ في ~~القناعة فإنه قد التمس التعلل بالوعد وبتأميل اللقاء على البعد ومن قنع ~~بترك اللقاء وأقام على حال الوفاء كان أتم حالا. # كما قال أبو دلف العجلي: # إني وإن كنت لا أراك ولا ... أطمع في ذاك سائر الأبد # لقانع بالسلام يبلغني ... أشفي غليلا به من الكمد # وأدفع الهم بالسرور إذا ... أيقنت أنا جاران في بلد # ولبعض أهل هذا العصر: # أأيام هذا الدهر كم تعنفين بي ... كأن لم ترى قبلي معنى ولا بعدي ~~PageV01P036 نوالا كرجع الطرف أعجله القذى ... وضنا كضن الجفن بالأعين ~~الرمد # فمن يك مشتاقا إلى نجح موعد ... فها أنا مشتاق إلى خلف الوعد # فلا خلف إلا بعد توكيد موعد ... ولا وعد إلا عن صفاء من الود # وقد قذفت نفسي أجل حظوظها ... لديك وفقد الحظ جزوء من الفقد # وقال آخر: # أوجد على وجد وأنت بخيلة ... وقد زعموا أن لا يحب بخيل # بلى والذي حج الملبون بيته ... ويشفى الجوى بالنيل وهو قليل # وقال آخر: # يقر بعيني أن أرى من مكانه ... ذرى عقدات الأبرق المتقاود # وأن أرد الماء الذي وردت به ... سليمى إذا مل السرى كل واحد # فألصق أحشائي ببرد ترابه ... وإن كان مخلوطا بسم الأساود # وقال آخر: # يقر بعيني أن أرى كفة الغضا ... إذا ما بدت يوما لعيني قلالها # ولست وإن أحببت من يسكن الغضا ... بأول راج حاجة لا ينالها # وقال جميل: # قد مات قبلي أخو فهد وصاحبه ... مرقش واشتفى من عروة الكمد # إني لأحسب أو قد كدت أعلمه ... أن سوف توردني الحوض الذي وردوا # فما يضر امرءا أمسى وأنت له ... أن لا يكون من الدنيا له سند # وقال أيضا: # يكذب أقوال الوشاة صدودها ... ويجتازها عني كأن لا أريدها # وتحت مجاري الدمع ms060 منا مودة ... تلاحظ سرا لا ينادى وليدها # رفعت عن الدنيا المنى غير ودها ... فما أسأل الدنيا ولا أستزيدها # وقال أيضا: # من الخفرات البيض أخلص لونها ... تلاحي عدوا لم تجد ما يعيبها # فما مزنة بين السماكين أو مضت ... من النور ثم استعرضتها حبوبها # بأحسن منها يوم قالت وعندنا ... من الناس أوباش يخاف شغوبها # تعاييت فاستغنيت عنا بغيرنا ... إلى يوم يلقى كل نفس حسيبها # وددت ولا تغني الودادة أنها ... نصيبي من الدنيا وأني نصيبها # وقال آخر: # هل الله عاف عن ذنوب تسلفت ... أم الله إن لم يعف عنها يعيدها # وكنا إذا دانت بذلفاء نية ... رضينا بدنيانا فما نستزيدها # وقال أيضا: # عاتبة لم أغن عن وصلها ... يقتل في أجفانها السحر # إن نظرت قلت بها ذلة ... أو خطرت قلت بها كبر # أصبحت لا أطمع في وصلها ... حسبي أن يبقى لي الهجر # وقال آخر: # صدودك عني إذ أسأت يسرني ... ولم أر قبلي عاشقا سر بالصد # سررت به أني تيقنت أنما ... دعاك إليه رغبة منك في ودي # ولو كنت في زاهدا لم تبال بي ... ولكنما عتب المحب من الوجد # فيا فرحة لي إذ رأيتك عاتبا ... علي لذنب كان مني بلا عمد # وقال البحتري: # أخ لي لم تتصل نسبتي ... بقربى أبيه ولا أمه # تنكر حتى لأنكرته ... خلا أنني عارف باسمه # وما لي منه سوى رقة ... يراح بها الشعر من فهمه # كذا المسك ما فيه مستم ... تع لمتخذيه سوى شمه # وقال إبراهيم بن العباس: # مني الصبر ومنك اله ... جر فابلغ بي مداكا # بعدت همة عين ... طمعت في أن تراكا # أو ما حظ لعين ... أن ترى من قد يراكا # أو ترى من قد رأى من ... قد رأى من قد رآكا # وقال بعض الأعراب: # أيا جبلي نعمان قلبي إليكما ... مسر هوى مستأنس بلقاكما # كتمت جميع الناس وجدي عليكما ... وأضمرت في الأحشاء مني هواكما # دعا لكما قلبي الحنين وإنه ... ليؤنس عيني أن ترى من يراكما # وقال بعض الأعراب: # وإن الذي أرضى به من نوالها ... عليها وإن ضنت به ليسير PageV01P037 سلام ~~بعين ms061 أو سلام بحاجب ... إذا ما به لم تدر كيف تشير # وقال الأحوص بن محمد: # وقد جئت الطبيب لسقم نفسي ... ليشفيها الطبيب فما شفاها # وكنت إذا سمعت بأرض سعدي ... شفاني من سقامي أن أراها # فمن هذا الطبيب لسقم نفسي ... سوى سعدي إذا شحطت نواها # وقال أيضا: # أملام هل لمتيم تنويل ... أم قد صرمت وغال ودك غول # لا تصرميني من دلالك إنه ... حسن لدي وإن بخلت جميل # وقال البحتري: # ويحسن دلها والموت فيه ... وقد يستحسن السيف الصقيل # أقول أزيد من سقم فؤادي ... وهل يزداد من قتل قتيل # وقال آخر: # إن التي زعمت فؤادك ملها ... خلقت هواك كما خلقت هوى لها # حجبت تحيتها فقلت لصاحبي ... ما كان أكثرها لنا وأقلها # ولبعض أهل هذا العصر: # فإن تكن القلوب إذن تجازى ... وأسلك في الهوى سننا سويا # فما لي أهوى الثقلين جمعا ... عليك وأنت أكرمهم عليا # عمرت سنين أستحفي التصافي ... ولا أرضى من الوصل الرضيا # فلم تقلع صروف الدهر حتى ... حبست عن أن أجي أو أن أحيا # تبغض ما استطعت وعش سليما ... فأنت أحب مخلوق إليا # وقال أبو صخر الهذلي: # ويقر عيني وهي نازحة ... ما لا يقر يمين ذي الحلم # إني أرى وأظن أن سترى ... وضح النهار وعالي النجم # وهذه لعمري قناعة مفرطة في بابها وإن كانت مقصرة عن حال التمام لأن صاحب ~~هذه الحال يستجلب بعدا لنفسه نسيم الوصال وما قصر عن هذا النحو الذي يقول: # أتاني عنك سبك لي فسبي ... أليس جرى بفيك اسمي فحسبي # فسبي ما بدا لك أن تسبي ... فما ذا كله إلا لحبي # وقال آخر في هذا المعنى فما قصر: # تعاللت كي أشجى وما بك علة ... تريدين قتلي قد ظفرت بذلك # لئن ساءني أن نلتي بمساءة ... لقد سرني أني خطرت ببالك # وأنشدني أحمد بن يحيى أبو العباس: # يا أيها الراكب الغادي لطيته ... عرج أنبك عن بعض الذي أجد # ما عالج الناس من وجد ألم بهم ... إلا وجدت به فوق الذي وجدوا # حسبي رضاه وأني في مسرته ... ووده آخر الأيام أجتهد # ولعمري ms062 لقد أحسن الذي يقول ويقال أنه لأبي داود: # لا تنلني الرضا ولا تهو غيري ... فكفاني بذاك نيلا ورفقا # غايتي أن أراك حيا وأضحي ... آمنا أن تعير طرفك خلقا # ثم لا أستزيد منك ولا أط ... لب نيلا ولو تقطعت عشقا # ولبعض أهل هذا العصر في مثله: # أمرت ألا أتشكى الهوى ... وفعل ما تهواه مفروض # فلست أعدو حد ما قلته ... حسبي من التصريح تعريض # وكل هذه الأحوال ناقصة عن حد التمام على عجب أصحابها بها وافتخارهم ~~بذكرها وتوهمهم أن قد تهيأ لهم على أنفسهم ما لم يتهيأ لغيرهم من صبرها ~~لأحبابهم على الحظ اليسير من نوالهم وأتم من هؤلاء في الحال وأحسن صبرا على ~~قليل النوال بل على ترك جميعه من رضي من النيل بسلامة محبوبه وكان ذلك ~~نهاية مطلوبه. # وفي مثل ذلك يقول بعض أهل هذا العصر: # إلا تكن في الهوى أرويت من ظمإ ... ولا فككت من الأغلال مأسورا # لقد ذللت على محض الهوى لك لا ... لأجل ما كان مرجوا ومدخورا # فحسب نفسي عنا علمي بوضعها ... من الهوى وحسب أن كنت معذورا # فأين أذهب بل ماذا أريد من ال ... أيام أروي عليها الإفك والزورا # وأنت ذاك وقلبي ذا الذي ملكت ... هواه نسفك إكراها وتخييرا # لم يهوك القلب إن أظهرت أنت له ... برا فيسلاك إذ أظهرت تقصيرا ~~PageV01P038 ولم يكن باختيار لي فأتركه ... ولا اضطرار أتاه القلب مقهورا # لكنه من أمور الله ممتنع ... في الوصف قدره الرحمان تقديرا # لن يضبط العقل إلا ما يدبره ... ولن ترى في الهوى بالعقل تدبيرا # كن محسنا أو مسيئا وابق لي أبدا ... تكن لدي على الحالين مشكورا # الباب الثالث عشر # من حجب من الأحباب تذلل للحجاب # أصل الحجاب يكون من جهتين إما أن يقع من المحبوب اختيارا وإما أن يوقعه ~~غيره به اضطرارا فأما الاضطرار فقسم واحد وهو صون المحبوب عن المحجوب وأما ~~الاختيار فينقسم على ضروب فربما كان امتحانا للمحب من المحبوب وربما كان ~~خوفا عليه من الرقيب وربما كان استدعاء للزيادة في الحال وربما كان إشفاقا ms063 ~~على النفس من العذال وتصونا عن قبيح المقال وربما كان على جهة الضجر ~~والملال وهذا هو شر الأحوال وفي كل ذلك قد قالت الشعراء ونحن إن شاء الله ~~نذكر من ذلك بعض ما يتهيأ على حسب ما يحتمله العدد الذي شرطناه. # وأنشدني أبو الفضل أحمد بن أبي طاهر: # حجاب فإن تبدو فللدمع جولة ... يكون له من دون رؤيتها سترا # فإن غاض دمع العين أقبل كاشح ... يرد جفون العين قد ملئت ذعرا # ومن يشتري مني حياتي بميتة ... أبعه حياة يشتري بعدها قبرا # ومن يشتري عيني بعين صحيحة ... أزده على عيني قلبا أبى الصبرا # وقال عبد الله بن طاهر: # إن يمنعوني ممري نحو بابكم ... فسوف أنظر من بعد إلى الدار # لا يقدرون على منعي وإن جهدوا ... إذا مررت وتسليمي بإضمار # ما ضر جيرانكم والله يكلأهم ... لولا شقائي إقبالي وإدباري # وقال قيس بن ذريح: # فإن يحجبوها أو يحل دون وصلها ... مقالة واش أو وعيد أمير # فلن يحجبوا عيني من دائم البكا ... ولن يذهبوا ما قد أجن ضميري # وقال بعض الأعراب: # فإن يمنعوا ليلى وحسن حديثها ... فلن يمنعوا مني البكا والقوافيا # فهلا منعتم إذ منعتم كلامها ... خيالا يوافينا على النأي هاديا # وقال آخر: # لي إلى الريح حاجة إن قضتها ... كنت للريح ما حييت غلاما # حجبوها عن الرياح لأني ... قلت للريح بلغيها السلاما # وقال البحتري: # ويكفي الفتى من نصحه ووفائه ... تمنيه أن يردى ويسلم صاحبه # فلا تحسبا تركي الزيارة جفوة ... ولا سوء جاذبتني جواذبه # ومن لي بإذن حين أعدو إليكما ... ودونكما البرج المطل وحاجبه # وقال آخر: # خليلي ليس الهجر أن تشحط النوى ... بإلفين دهرا ثم يلتقيان # ولكنما الهجران أن تجمع النوى ... وأحصر عمن قد أرى ويراني # وقال البحتري: # فكم جئت طوع الشوق من بعد غاية ... إلى غير مشتاق وما ردني بشر # وما باله يأبى دخولي وقد أرى ... خروجي من أبوابه ويدي صفر # وقال أيضا: # إذا أتيتك إجلالا وتكرمة ... رجعت أحمل برا غير مقبول # فإن أردتك عرضت الرسول لما ... يخشى من الرد واستأذنت من ميل # وقال ms064 أبو تمام الطائي: # صبرا على المطل ما لم يتله الكذب ... فللخطوب إذا سامحتها عقب # ليس الحجاب بمقص عنك لي أملا ... إن السماء ترجى حين تحتجب # وقال ابن أبي طاهر: # حجبت وقد كنت لا أحجب ... وأبعدت عنك فما أقرب # وما لي ذنب سوى أنني ... إذا أغضبت لا أغضب # وأن ليس دونك لي مطلب ... ولا دون بابك لي مهرب # فليتك تبقى سليم المحل ... وتأذن إن شئت أو تحجب # وقال العرجي: # لقد أرسلت ليلى رسولا بأن أقم ... ولا تقربنا فالتجنب أمثل PageV01P039 ~~لعل العيون الرمقات لودنا ... تكذب عنا أو تنام فتغفل # أناس أمناهم فنموا حديثنا ... فلما كتمنا السر عنهم تقولوا # فما حفظوا العهد الذي كان بيننا ... ولا حين هموا بالقطيعة أجملوا # فقلت وقد ضاقت بلادي برحبها ... علي بما قد قيل والعين تهمل # سأجتنب الدار التي أنتم بها ... ولكن طرفي نحوها سوف يعمل # ألم تعلمي أني وهل ذاك نافعي ... لديك وما أخفي من الود أفضل # أرى مستقيم الطرف ما الطرف أمكم ... وإن رام طرفي غيركم فهو أحول # وقال آخر: # ألا طرقتنا آخر الليل زينب ... عليك سلام هل لما فات مطلب # وقالت تجنبنا ولا تقربننا ... فكيف وأنتم حاجتي أتجنب # وقال آخر: # الله يعلم ما تركي زيارتكم ... إلا مخافة أعدائي وحراسي # ولو قدرت على الإتيان جئتكم ... سبحا على الوجه أو مشيا على الرأس # وقال آخر: # عقيلية أما ملات إزارها ... فدعص وأما خصرها فثقيل # تقيظ بأكناف الحمى ويظلها ... بنعمان من وادي الأراك مقيل # أيا من كتمنا حبها لم نطع به ... عدوا ولم يؤمن عليه دخيل # ويا خلة النفس التي ليس دونها ... لنا من أخلاء الصفاء دخيل # أما من مقام نشتكي غربة النوى ... وخوف العدى فيه إليك سبيل # فديتك أعدائي كثير وشقتي ... بعيد وأشياعي إليك قليل # وكنت إذا ما جئت جئت بعلة ... فأفنيت علاتي فكيف أقول # فما كل يوم لي بأرضك حاجة ... ولا كل يوم لي إليك رسول # أليس قليلا نظرة إن نظرتها ... إليك وكل منك ليس قليل # وقال البحتري: # قدمت قدامي رجالا كلهم ... متخلف عن غايتي متقاعس # وأذلتني ms065 حتى لقد أشمت بي ... من كان يحسد منهم وينافس # أوعدتني يوم الخميس وقد مضى ... من بعد موعدك الخميس الخامس # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه: # إذا كنت لا تحفى بقربي ولا بعدي ... ولم تدر ما عندي وقد جل ما عندي # فهل أنت إن حكمت جودك منصف ... فما لي عليه غير جودك من معد # أبى الحق أن يخفى وأقضي ولا أرى ... بجودك يوما في سعيد ولا سعد # ويدفع في صدري حجابك بعدما ... أكون وما قبلي لأنس ولا بعدي # فما لي قد أبعدت عنك وطالما ... دعوت فلم تبعد نداك على بعدي # وأصبحت قد شوركت فيك ولم نزل ... كغصنين في ساق وسيفين في غمد # أللجد هذا منك أم أنت مازح ... فكم من مزاح عاد يوما إلى الجد # وليس دوام الشكر يوما بواجد ... لمن لم يدم منه الوفاء على العهد # ولبعض أهل هذا الزمان: # بعينيك ما ألقى إذا كنت حاضرا ... وإن غبت فالدنيا علي محابس # ففيم أرى نفسي لقى بفنائكم ... ولا من يدانيني لديكم مؤانس # أتحجبني أن قلت تحسد من بغى ... هواي ومن أحفى به وأوانس # أجل إن من يبغي هواك محسد ... عليك ومن يهوى هواه منافس # إذا لم أنافس في هواك ولم أغر ... عليك ففيمن ليت شعري أنافس # فلا تحتقر نفسي وأنت حبيبها ... فكل امرئ يصبو إلى من يجانس # وقال جرير: # قتلننا بعيون زانها مرض ... وفي المراض لنا شجو وتعذيب # حتى متى أنت مشغوف بغانية ... صب إليها طوال الدهر مكروب # قد تيم القلب حتى زاده خبلا ... من لا يكلم إلا وهو محجوب PageV01P040 ~~وأرى في هذه المقطوعة ومقطوعات قبلها ما يدل على ضجر من المحجوب وقلة صبر ~~منه على نازلات الخطوب ولعمري كان الضجر على ما لا يصلح منه الانتصار ولا ~~ينبسط عليه الاقتدار مهجنا لمظهره ومزريا بمستشعره فإن من تسامح له الزمان ~~وتغافلت عنه صروف الأيام فوقع في مرعى خصيب وظفر بما لم يأمله المحبوب ثم ~~عطفت عليه الأيام عطفة الحنق المغتاظ فاسترجعت ما أعطته واستردت ما أعارته ~~لغير معنف على الحيرة والتخليط ms066 والتأسف على ما قدم من التفريط. # وفي هذا المعنى يقول بعض أهل هذا العصر: # ألا من لقلب قد دعاه تجاسره ... وضاقت به بعد الورود مصادره # تغافل عنه الدهر فاغتر بالمنى ... فلما أضاع الحزم كرت عساكره # فأصبح كالمأسور طالت عداته ... عليه وذلت بعد عز عشائره # تجرت عليه النائبات فأصبحت ... بكل الردى غير الحمام تبادره # وقد كان صرف الدهر يقبل نحوه ... إذا جال في بحر من الفكر خاطره # وأنشدني أبو طاهر الدمشقي في نحو ذلك: # رب قوم قد غدوا في نعمة ... وعلا عز علا ثم بسق # سكت الدهر زمانا عنهم ... ثم أبكاهم دما حين نطق # وفي مثله يقول عدي بن زيد: # قد أرانا وأهلنا بخفير ... نحسب الدهر والسنين شهورا # فأمنا وغرنا ذاك حتى ... راعنا الدهر إذ أتانا مغيرا # إن للدهر صولة فاحذروها ... لا تبيتن قد أمنت الدهورا # قد ينام الفتى صحيحا فيردى ... ولقد بات آمنا مستورا # ولعمري قد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول: # أعوام وصل كان ينسي طولها ... ذكر النوى فكأنها أيام # ثم انبرت أيام هجر أردفت ... بجوى أسى فكأنها أعوام # ثم انقضت تلك السنين وأهلها ... وكأنهم وكأنها أحلام # وعلى أنه لا ينبغي للعاقل أن يفرط في الجزع من غير الأيام فإن الدهر حال ~~بعد حال وكما كان اتصال السرور ذريعة إلى وقوع المحذور فكذلك ربما كان وقوع ~~المكروه من أقوى الأسباب لرجوع المحاب ولقد أحسن كل الإحسان الذي يقول: # قد ينعم الله بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم # وقد قيل في ذم الحاجب والمحجوب أشياء لا تصلح من محب إلى محبوب غير أنا ~~نصل بذكر بعضها الباب لأنها وإن لم تكن داخلة في حقيقته فإنها غير خارجة من ~~جملته. # أنشدنا أبو الضياء لنفسه: # كل حجاب المرء نقص به ... وبعضه أقبح من بعضه # وحاجب المرء إذا اختاره ... لنفسه تاه على عرضه # وربما ذم على تيهه ... خليفة الرحمان في أرضه # وكم رأينا حاجبا تائها ... قد أبغض المحجوب من بغضه # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى: # لما رأيت أميرنا متهجما ... ودعت ms067 عرصة داره بسلام # ورفضت صفحته التي لم أرضها ... وأزلت عن رتب الدناة مقامي # ووجدت آبائي الذين تقدموا ... سنوا الإباء على الملوك أمامي # وقال أيضا أحمد بن يحيى: # سأترك هذا الباب ما دام إذنه ... على ما أرى حتى تلين قليلا # إذا لم نجد يوما إلى الإذن سلما ... وجدنا إلى ترك المجيء سبيلا # وقال البحتري: # ولما وقفنا بباب الوزير ... وقد رفع الستر أو جانبه # ظللنا نرجم فيك الظنون ... أحاجمه أنت أم حاجبه # وقال ابن عبدوس لنفسه: # قد أتيناك وإن كن ... ت بنا غير حقيق # وتوخيناك بالب ... ر على بعد الطريق # كلما جئناك قالوا ... نائم غير مفيق # لا أنام الله عيني ... ك وإن كنت صديقي # الباب الرابع عشر # من منع من الوصول اقتصر على الرسول PageV01P041 ذكروا أن جميلا وكثيرا ~~التقيا فقال جميل لكثير بأني أريد أن تصير إلى بثينة فتأخذ لي عليها موعدا، ~~فقال له: ويحك من عند عمها جئت وغاشية أهلها كثير قال له جميل: إن الحيلة ~~تأتي من وراء ذلك فقال له كثير: فأعطني علامة تعرفها قال جميل: آخر يوم ~~التقينا كنا في وادي الدوم فأصاب ثوبها شيء من ورق الشجر فغسلته فمضى كثير ~~إلى عمها فقال له: ما الذي ردك؟ فقال: أبيات صنعتها في عزة أحببت أن تسمعها ~~قال: وما هي؟ فأنشأ يقول: # أقول لها يا عز أرسل صاحبي ... على نأي دار والموكل مرسل # بأن تجعلي بيني وبينك موعدا ... وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل # أما تذكرين العهد يوم لقيتكم ... بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل # فلما سمعت ذلك بثينة قالت: إخسأ قال لها عمها: ما الذي أخسأت يا بثينة؟ ~~قالت: كلبا كان يعترينا ليلا وقد رأيته نهارا فانصرف كثير إلى جميل وعرفه ~~أنا قد ذكرت الليل فصر إليها. # وقال آخر: # إن التي أبصرتها ... سحرا تكلمني رسول # أدت إلي رسالة ... كادت لها نفسي تسيل # فلو ان أذنك بيننا ... حتى تسمع ما نقول # لرأيت ما استقبحته ... من فعلنا وهو الجميل # وقال آخر: # خليلي عوجا بارك الله فيكما ... وإن لم تكن أرضي لأرضكما ms068 قصدا # وقولا لها ليس الضلال اختيارنا ... ولكننا جزنا لنلقاكم عمدا # وقال آخر: # ألا يا نسيم الريح إن كنت هابطا ... بلاد سليمى فالتمس أن تكلما # لتقرا على ليلى السلام وأهلها ... وكن بعدها عن سائر الناس أعجما # وقال خليفة بن روح الأسدي: # ألا يا خليل النفس إن جئت أرضها ... فأنت لمشهور هناك رسول # فسل أم سلم هل محا عهدها الغنى ... ومال حوته بعدنا وخليل # وبالله سلها هل تطاول ليلها ... كما الليل إذ بانت علي طويل # وإن لساني باسم ليلى وذكرها ... إذا قلت تشبيها بها لذلول # وقال ابن أبي أمية: # أقول وقد أجد رحيل صحبي ... لخدني اهديا هديا جميلا # ألما قبل بينكما بسلمى ... فقولا أنت ضامنة قتيلا # رجا منك النوال فلم تنيلي ... وقد أورثته سقما طويلا # فإن وصلتكما سلمى فقولا ... نرى في الحق أن نصل الوصولا # وإن آنستما بخلا فلسنا ... بأول من رجا حرجا بخيلا # وقال المقدام بن ضيغم: # أخا الجن بلغها السلام فإنني ... من الإنس مزور الجنان كتوم # أخا الجم حال الناس بيني وبينها ... عدو ومستحيا علي كريم # وقال يزيد بن الطثرية: # ألما على ظلامة اليوم فانطقا ... بعذري لديها واذكراني تعجبا # وقولا إذا عدت ذنوبا كثيرة ... علي تجناها امرؤ ما تغببا # هبيه امرءا إما بريئا ظلمته ... وإما مسيئا تاب بعد وأعتبا # وقال أيضا: # أيا رفقة من أهل بصرى تحملت ... تؤم الحمى لقيت من رفقة رشدا # إذا ما بلغتم سالمين فبلغوا ... تحية من قد ظن أن لا يرى نجدا # وقولا تركنا الحارثي مكبلا ... بكبل الهوى من حبكم مضمرا وجدا # وقال عمر بن أبي ربيعة: # أرسلت أسماء في معتبة ... عتبتها وهي أحلى من عتب # إذ أتى منها رسول موهنا ... وجد الحي نياما فانقلب # ضرب الباب فلم يشعر به ... أحد يفتح عنه إذ ضرب # قال أيقاظ ولكن حاجة ... عرضت تكتم منا فاحتجب # ولهذا ردني فاجتهدت ... بيمين حلفت عند الغضب # أشهد الرحمان لا يجمعنا ... سقف بيت رحبا حتى وجب # قلت يا هند اعمدي لي نحوها ... واحلفي بالله كشاف الكرب # فأتتها طبة عالمة ... تخلط الجد مرارا باللعب ms069 PageV01P042 ترفع الصوت إذا ~~لانت لها ... وتراخى عند سورات الغضب # لم تزل تصرفها عن رأيها ... وتأناها برفق وأدب # فبلغني أن ابن أبي عتيق لما سمع هذا الشعر قال لعمر بن أبي ربيعة الناس ~~في طلب خليفة مثل قوادتك هذه منذ قتل عثمان بن عفان فما يقدرون عليه. # وقال أبو تمام الطائي: # أغنيت عني غناء الماء في الشرق ... وكنت منشئ وبل العارض الغدق # يا منة لك لولا ما أخففها ... به من الشكر لم تحمل ولم تطق # وقال أيضا في وصفه كتابا ورد عليه وأحسن: # فضضت ختامه فتبلجت لي ... غرائبه عن الخبر الجلي # وكان أجل في عيني وأبهى ... على كبدي من الزهر الندي # وأحسن موقعا مني وعندي ... من البشرى أتت بعد النعي # وضمن صدره ما لم تضمن ... صدور الغانيات من الحلي # وقال البحتري: # تناءت دار علوة بعد قرب ... فهل ركب يبلغها السلاما # وجدد طيفها عتبا علينا ... فما يعتادنا إلا لماما # وربة ليلة قد بت أسقى ... بكفيها وعينيها المداما # قطعنا الليل لثما واعتناقا ... وأفنيناه ضما والتزاما # وقال أيضا: # هل ركب مكة حاملون تحية ... تهدى إلينا من معنى مغرم # رد الجفون على كرى متبدد ... وحنى الضلوع على جوى متضرم # إن لم يبلغك الحجيج فلا رموا ... بالجمرتين ولا سقوا من زمزم # وقال زيادة بن زيد: # ألما بليلى يا خليلي فانظرا ... وما لم تلما بابها كان أكثرا # وعوجا المطايا طالما قد هجرتها ... عليها وإن كان المعرج أغبرا # متى يرها العجلان لا يثن طرفه ... إلى عينه حتى يحار ويحسرا # ولو خليت ليلى على الليل مظلما ... لجلت ظلام الليل ليلى فأقمرا # ولم أر ليلى بعد يوم لقيتها ... تكف دموع العين أن تتحدرا # فما بدد الهجران يا ليل بيننا ... وشحط النوى إلا الهوى والتذكرا # وكم دون ليلى بلدة مسبطرة ... وبيد ملاها العين حتى تحيرا # وقال نصيب: # خليلي زورا العامرية فانظرا ... أيبقى لديها الود أم يتقضب # وقولا لها إن يعتزلك فلا قلى ... ولكنه عن رقبة يتجنب # يرى دونكم من يتقي وهو إلف ... لكم وله من دونكم مترقب # فصد وما يسطيع صرمك ms070 إنه ... ولو صد رهن في حبالك منشب # وقال الأحوص: # إذا ما أتى من نحو أرضك راكب ... تعرضت واستخبرت والقلب موجع # فأبدا إذا استخبرت عمدا بغيرها ... ليخفى حديثي والمخادع يخدع # وأخفي إذا استخبرت أشياء كارها ... وفي النفس حاجات إليها تطلع # فسرك عندي في الفؤاد مكتم ... تضمنه مني ضمير وأضلع # إلى الله أشكو لا إلى الناس حاجتي ... ولا بد من شكوى حبيب يروع # ألا فارحمي من قد ذهبت بعقله ... فأمسى إليكم خاشعا يتضرع # إذا قلت هذا حين أسلو ذكرتها ... فظلت لها نفسي تتوق وتنزع # إن كان أحد من المرسلين إلى أحبابهم والسائلين عن أخبارهم معذورا فصاحب ~~هذا الشعر معذور لأنه قد احتاط جهد وكتم سره بحسب ما يمكنه وليس هذه حالة ~~تامة ولا في باب المراسلات حال تامة غير أن كل ما قل من الإظهار وانكتم من ~~الأسرار كان صاحبه أعذر ممن أفرط في إظهار حاله وائتمن الناس على أسراره. # وقال آخر: # أتتنا عيون من بلادك لم تجئ ... لنا ببيان منك ثم عيون # وإن من الخلان من تشحط النوى ... به وهو راع للوداد أمين # ومنهم كغيب العين أما لقاؤه ... فحلو وأما غيبه فخؤون # وقال آخر: # ألا أيها الركب اليمانون عرجوا ... علينا فقد أضحى هوانا يمانيا ~~PageV01P043 نسائلكم هل سال نعمان بعدنا ... وحب إلينا بطن نعمان واديا # عهدنا به صيدا غزيرا ومشربا ... به نقع القلب الذي كان صاديا # وأنشدني أعرابي بالبادية: # أيا رب أنت المستعان على نوى ... لعزة قد أزرى بجسمي حذارها # أسائل عنهم أهل مكة كلهم ... بحيث التقى حجاجها وتجارها # عسى خبر منها يصادف رفقة ... مخلفة أو حيث ترمى جمارها # ومعتمر في ركب عزة لم تكن ... له حاجة في الحج لولا اعتمارها # لئن عزفت يا عز نفسي عنكم ... لبعد أشد الوجد كان اصطبارها # ولبعض أهل هذا العصر: # أتذكر اليوم ما لاقيت من كمد ... أم قد كفاك رسولي بالذي ذكرا # هذا مقام فتى أقصاه مالكه ... فحاول الصبر حينا ثم ما صبرا # بينا يعدد أحقادا ويضمرها ... إذ قاده الشوق حتى جاء معتذرا # لم يجن ذنبا ms071 فيدري ما يمحصه ... ولا يرى أجلا للصفح منتظرا # والله والله لا تشمت أعاديه ... فالصفح أجمل بالمولى إذا قدرا # وقال سهيل بن عليل: # ألا أيها الركب المخبون هل لكم ... بأخت بني نهد نهية من عهد # أألقت عصاها فاستقر بها النوى ... بأرض بني قابوس أم ظعنت بعدي # وقال آخر: # بعثت رسولا فأضحى خليلا ... على الرغم مني فصبرا جميلا # وكنت الخليل وكان الرسول ... فأضحى خليلا وصرت الرسولا # كذا من يوجه في حاجة ... إلى من يحب رسولا نبيلا # وزعموا أن جارية أرسلت جاريتها برسالة إلى خليل كان لها فاتهمته بأنه ~~خمشها فكتب معتذرا من ذلك: # زعم الرسول بأنني خمشته ... كذب الرسول وفالق الأصباح # إن كنت خمشت الرسول فعافصت ... روحي أنامل قابض الأرواح # شغلي بحبك عن سواك وليس لي ... قلبان مشغول وآخر صاح # قلبي الذي لم يبق فيه هواكم ... فضلا لتخميش ولا لمزاح # الباب الخامس عشر # من أحبه أحبابه وشى به أترابه # مكايد الوشاة كلها تنقسم على ثلاثة أقسام فسعاية المتحابين إلى غيرهما ~~وسعاية المحب إلى محبوبه وسعاية المحبوب إلى محبه فهذه عند كثير من الأدباء ~~أضعف المكايد أثرا وليس الأمر كذلك ولا هو أيضا بضد ذلك ولكنه محتاج إلى ~~نقصان أما العشاق والمتيمون فلا يقبلون قول الوشاة بل لا يسمعونه لأن الثقة ~~منهم بأحبابهم ماحية لقول من وشى بهم وأما أهل الوله المدلهون فيقبلون ما ~~لا يسمعون فضلا عما يسمعون لما قدمنا من وصفهم وغلبة الظن على أنفسهم ونحن ~~نذكر إن شاء الله من كل ما قيل في ذلك طرفا. # وقال بعض الظرفاء: # ولما رأينا الكاشحين تتبعوا ... هوانا وأبدوا دوننا أعينا خزرا # جعلت وما بي من جفاء ولا قلى ... أزوركم يوما وأهجركم شهرا # ولو نظرت بين الجوانح والحشا ... رأت من كتاب الحب في كبدي سطرا # وقال الأحوص: # يا بيت عاتكة الذي أتعزل ... حذر العدى وبه الفؤاد موكل # أصبحت أمنحك الصدود وإنني ... قسما إليك مع الصدود لأميل # وتجنبي بيت الحبيب وذكره ... أرضي البغيض به حديث معضل # هل عيشنا بك في زمانك راجع ... فلقد تفحش بعدك ms072 المتعلل # ولو ان ما عالجت لين فؤاده ... فقسا استلين به للان الجندل # وقال معاذ ليلى: # إذا جئتها وسط النساء منحتها ... صدودا كأن النفس ليس تريدها # ولي نظرة بعد الصدود من الهوى ... كنظرة ولهى قد أميت وحيدها # وقال بعض الأعراب: # لعمر أبي المحصين أيام نلتقي ... لما لا نلاقيها من الدهر أكثر # يعدون يوما واحدا إن أتيتها ... وينسون ما كانت من الدهر تهجر # وقال آخر: PageV01P044 أمر مجنبا عن بيت ليلى ... ولم ألمم به وبه القليل # أمر مجنبا وهواي فيه ... وطرفي عنه منكسر كليل # وقلبي فيه محتبس فهل لي ... إلى قلبي ومالكه سبيل # أؤمل أن أعل بشرب ليلى ... ولم أنهل فكيف لي العلول # وقال جميل: # أتهجر هذا الربع أم أنت زائره ... وكيف يزار الربع قد بان عامره # رأيتك تأتي البيت تبغض أهله ... وقلبك في البيت الذي أنت هاجره # وقال الحسين بن مطير: # بنفسي من لا بد أني هاجره ... ومن أنا في الميسور والعسر ذاكره # ومن قد رماه الناس حتى اتقاهم ... ببغضي إلا ما تجن ضمائره # ومن ضن بالتسليم يوم فراقه ... علي ودمع العين تجري بوادره # ومن بان منا يوم بان وما درى ... أكنت أنا الموتور أم أنا واتره # وحال بنو العمات والعم دونه ... ونذر عدو لا تغب نذائره # أتجهر بيتا بالحجاز تكنفت ... جوانبه الأعداء أنت زائره # فإن آته لا أنج إلا بظنة ... وإن يأته غيري تصبني جرائره # وقال آخر: # ولم أر محزونين أجمل لوعة ... على نائبات الدهر مني ومن جمل # كلانا يذود النفس وهي حزينة ... ويضمر شوقا كالنوافذ بالنبل # وقال أبو القمقام الأسدي: # أعفراء كم من ميتة قد أذقتني ... وحزن ألج العين بالهملان # بلينا بهجران ولم ير مثلنا ... من الناس إنسانين مهتجران # أشد مصافاة وأبعد من قلى ... وأعصى لواش حين يكتنفان # وقال معاذ ليلى: # أهابك إجلالا وما بك قدرة ... علي ولكن ملء عين حبيبها # وما هجرتك النفس يا ليل إنها ... قليل ولا أن قل منك نصيبها # ولكنهم يا أملح الناس أكثروا ... بقول إذا ما جئت هذا حبيبها # أتضرب ليلى إن مررت بذي العصى ms073 ... وما ذنب ليلى إن طوى الأرض ذيبها # وقال عروة بن حزام: # تكنفني الواشون من كل جانب ... ولو كان واش واحد لكفاني # إذا ما جلسنا مجلسا نستلذه ... تواشوا بنا حتى أمل مكاني # ألا لعن الله الوشاة وقولهم ... فلانة أضحت خلة لفلان # ألا ليت كل اثنين بينهما هوى ... من الناس والأنعام يلتقيان # أناسية عفراء وصلي بعد ما ... جرى الدمع من عيني بالهملان # إذا رام قلبي هجرها حال دونها ... شفيعان من قلبي لها جدلان # إذا قلت لا قالا بلى ثم أصبحا ... جميعا على الرأي الذي يريان # وقال البحتري: # خليلي لا أسماء إلا ادكارها ... ولا دار من وهبين إلا طلولها # تمادى بها الهجر المبرح والنوى ... بمسمعها قال الوشاة وقيلها # وقد كثرت منا المعاصاة للصبى ... ولو أنها قلت لضر قليلها # هل الوجد إلا عبرة أستردها ... أو الحب إلا عثرة أستقيلها # وقال آخر: # خليلي إني اليوم شاك إليكما ... وهل تنفع الشكوى إلى من يزيدها # تفرق ألاف وجولان عبرة ... أظل بأطراف البنان أذودها # ولا يلبث الواشون أن يصدعوا العصا ... إذا لم يكن صلبا على البري عودها # وقال أبو علي البصير: # لقد قرع الواشي بأهون سعيه ... صفاة قديما أخطأتها القوارع # فأقلقني في ضعفه وهو ساكن ... وشرد عن عيني الكرى وهو هاجع # وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي ليزيد الغواني العجلي: # سرت عرض ذي قار إلينا وبطنه ... أحاديث للواشي بهن دبيب # أحاديث سداها شبيب ونارها ... وإن كان لم يسمع بهن شبيب # وقد يكذب الواشي فيسمع قوله ... ويصدق بعض القول وهو كذوب # وقال آخر: PageV01P045 فإن تك ليلى قد جفتني وطاوعت ... على صرم حبلي من ~~وشى وتكذبا # لقد باعدت نفسا عليها شفيقة ... وقلبا عصى فيها الحبيب المقربا # فلست وإن ليلى تولت بودها ... وأصبح باقي الوصل منها تقضبا # بمثن سوى عرف عليها ومشمت ... وشاة بها كانوا شهودا وعيبا # ولكنني لا بد أني قائل ... وذو اللب قوال إذا ما تعتبا # فلا مرحبا بالشامتين بهجرنا ... ولا زمن أمسى بنا قد تقلبا # وقال معاذ ليلى: # فلو كان واش باليمامة داره ... وداري بأعلى حضرموت اهتدى ms074 ليا # وماذا لهم لا أكثر الله خيرهم ... من الحظ في تصريم ليلى حباليا # وقال بعض الأعراب: # أما والراقصات بذات عرق ... ومن صلى بنعمان الأراك # لقد أضمرت حبك في فؤادي ... وما أضمرت حبا من سواك # أطعت الآمريك بصرم حبلي ... مريهم في أحبتهم بذاك # فإن هم طاوعوك فطاوعيهم ... وإن عاصوك فاعصي من عصاك # وقال ابن الدمينة: # ديار التي هاجرت عصرا وللهوى ... بقلبي إليها قائد ومهيب # لتسلم من قول الوشاة وإنني ... لهم حين يغتابونها لذنوب # أميم بقلبي من هواك زمانة ... وأنت لها لو تبذلين طبيب # أميم لقد غيبتني وأريتني ... بدائع أخلاق لهن ضروب # ولبعض أهل هذا العصر: # لئن رقد الواشي سرورا بما رأى ... وهان عليه أن يقر وأنصبا # لقد أسهر العينين مني صبابة ... وغادر قلبي مستهاما معذبا # عدمت الهوى إن كنت عاشرت وافيا ... سواك وقد طوفت شرقا ومغربا # فإن لم تدع ما لا أحب تظرفا ... ولا راعيا عهدي فدعه تحوبا # وأنشدني أحمد بن يحيى: # هجرت فلما أن هجرتك أصبحت ... بنا شمتا تلك العيون الكواشح # فلا يفرح الواشون بالهجر ربما ... أطال المحب الهجر والجيب ناصح # وتغدو النوى بين المحبين والهوى ... مع القلب مطوي عليه الجوانح # وأنشدتني منيرة العصبية: # ما كان ذاك الهجر مني عن قلى ... لا والذي رفع السما وبناها # إني ليثنيني الحياء وأنثني ... وأصد بعض مودتي استبقاها # وإذا المناضل لم يكن متثبتا ... يبقى مواقع نبله أفناها # وقال آخر: # وتحسب ليلى أنني إن هجرتها ... حذار الأعادي أنما بي هونها # ولكن ليلى لا تفي بأمانة ... فتحسب ليلى أنني سأخونها # وبي من هواها الدهر ما لو أبثه ... جماعة أعدائي بكت لي عيونها # وقال رجل من أزد: # فويحكما يا واشيي أم معمر ... لمن وإلى من جئتما تشيان # لعلكما إن تخبراني قليتها ... وأطعمتها عندي لها بهوان # بنفسي من لو أستطيع أتيته ... سريعا ومن لو يستطيع أتاني # ومن لو أراه عاتبا لفديته ... ومن لو رآني عاتبا لفداني # وقال الأقرع بن معاذ القشيري: # ألا أيها الواشي بليلى ألا ترى ... إلى من تشي بي أو بمن جئت واشيا # لعمر الذي لم ms075 يرض حتى أطيعه ... بليلى إذن لا يصبح الدهر راضيا # إذا نحن رمنا هجرها ضم حبها ... ضمير الحشا ضم الجناح الخوافيا # وقال آخر: # كأن عائبكم يبدي محاسنكم ... يأتي لينقصكم عندي فيغريني # ما فوق حبيك حب لست أعلمه ... فما يضرك ألا تستزيدي # وقال البحتري: # يملأ الواشي جناني ذعرا ... ويعنيني الحديث المختلق # حبها أو فرق من هجرها ... وصريح الحب ذل أو فرق # وقال حباب بن ملك العبشمي: # الحمد لله ما زال الوشاة بنا ... من غير مقلية حتى هجرناها # الحمد لله قد كنا ولو نزلت ... منا بأبعد من هذا لزرناها PageV01P046 ~~وقال قيس بن ذريح: # تكنفني الوشاة فأزعجوني ... فيا للناس للواشي المطاع # فأصبحت الغداة ألوم نفسي ... على أمر وليس بمستطاع # كمغبون يعض على يديه ... تبين غبنه بعد البياع # وقد عشنا نلذ الدهر حينا ... لو ان الدهر للإنسان راع # ولكن الجميع إلى زوال ... وأسباب الفراق لها دواعي # الباب السادس عشر # من لم يعاتب على الزلة فليس بحافظ للخلة # المعاتبة على الذنوب من المحب والمحبوب قد تجري على ضروب فمنها معاتبة ~~استتاب تقع على الارتياب ليزول الشك بما يجري فيها من الجواب ومعاتبة تقع ~~بعد اليقين يقصد بها العاتب إلى أن يعلم هل من ذلك الذنب عذر أم هو داخل في ~~باب الغدر ومنها معاتبة توقيف تجري على جهة التعنيف وهذه حال لا تكاد تجري ~~بين المتحابين إلا عند انقطاع الحال بينهما أو عند ضجرة شديدة تلحقهما أو ~~تلحق أحدهما وأحمد أحوال العتاب صيانة الحال عن أن يجري فيها شيء من ~~الاختلال بقيا على المذنب لا بقيا على المؤنب وترك جميع المعاتبة يدخل في ~~باب الإهمال والموقف على كل ذنب يوجب قطع المواصلة واتصال العتب. # قال الحسن بن هانئ: # منقطع عنك كان متصلا ... أو نازل بالفناء فارتحلا # قد كان في الحق أن يقال له ... ماذا دعاه إلى الذي فعلا # ما عدل الناس عنك لي أملا ... إلا ثناه الرجاء فاعتدلا # وقال آخر: # حي طيفا من الأحبة زارا ... بعد ما صرع الكرى السمارا # قال إنا كما عهدت ولكن ... شغل ms076 الحي أهله أن يعارا # ولبعض أهل هذا العصر: # يا أخي كم يكون هذا الجفاء ... كم تشفى بهجرك الأعداء # صار ذا الهجر لي غذاء ولكن ... ربما أتلف السقيم الغذاء # سيدي أنت أين ذاك الصفاء ... أين ذاك الهوى وذاك الوفاء # أنت ذاك الأخ القديم ولكن ... ليس هذا الإخاء ذاك الإخاء # لي ذنوب ولست أنكر فاغفر ... فالتجني على المقر اعتداء # لي حقوق أيضا عليك ولكن ... ذكر مثلي لمثل هذا جفاء # وقال البحتري: # وكنت إذا استبطأت ودك زرته ... بتفويف شعر كالرداء المحبر # عتاب بأطراف القوافي كأنه ... طعان بأطراف القنا المتكسر # وقال آخر: # فلا عيش كوصل بعد هجر ... ولا شيء ألذ من العتاب # تواقف عاشقان على ارتقاب ... أرادا الوصل من بعد اجتناب # فلا هذا يمل عتاب هذا ... ولا هذا يمل من الجواب # وقال آخر: # ألهف أبي لما أدمت لك الهوى ... وأصفيت حبي فيك والوجد ظاهر # وجاهرت فيك الناس حتى أضر بي ... مجاهرتي يا ويل فيمن أجاهر # وكنت كفيء الغصن بينا يظلني ... ويعجبني إذ زعزعته الأعاصر # فصار لغيري واستدارت ظلاله ... سواي وخلاني ولفح الهواجر # ولبعض أهل هذا العصر: # إذا اشتد ما ألقاه هون علتي ... رضاي بأن تحيى سليما وأسقما # فيا من يزيل الخوف عني وفاؤه ... بعهدي ومن لولاه لم أمس مغرما # أكان جميلا أن تراني مهملا ... وتسكت عن أمري ونهيي تبرما # سأرعاك إن أكرمتني أو أهنتني ... وحسبك نبلا أن تهين وتكرما # وإني لأستحيي من الله أن أرى ... ظلوما لإلفي أو أرى متظلما # سآخذ من نفسي لنفسك حقها ... وأصفح إن لم ترع عهدي تكرما # وما بي نفسي وحدها غير أنني ... أصون خليلي أن يجور ويظلما # ولو قيل لي اختر نيله أو صلاحه ... لآثرت أن يعصى هواي ويسلما # وقد كنت أولى بي من الشوق والهو ... ى وقد كنت أمضى في الضمير متمما # فما لي قد أبعدت حتى كأنني ... عدو وقد كنت الحبيب المقدما # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لنفسه: PageV01P047 يا سعد لم أذخر عليك مودة ~~... أنت المقر بها وأنت الجاحد # أشكيتني فشكوت لا متشاكيا ... وزعمت أني إذ شكوتك ms077 حاسد # ولئن حسدت عليك إنك للذي ... حسدت عليه أقارب وأباعد # وزعمت أني لائم لك عاتب ... وقصائدي بالذم فيك شواهد # لؤمت إذن مني الخلائق واعتدى ... بالحمد من هو قائم بي قاعد # أني أذمك يا سعيد وإنما بالمجد ... منك إذا فخرت أماجد # إن كان قلبك في مشترك الهوى ... فالقلب مني فيك قلب واحد # كن كيف شئت فإنني بك واثق ... ولئن ذممتك إنني لك حامد # وقال العرجي: # أقول لها والعين قد جاد غربها ... وقد كان فيها دمعها قد ترددا # أريتك إذ أعرضت عني كأنما ... تلاقين من حيات بيتان أسودا # أأسلاك عني النأي أم عاقك العدى ... وما افترقوا أم جئت صرمي تعمدا # ألم أك أعصي فيك أهل قرابتي ... وأرغم فيك الكاشح المتهددا # فقالت ضننت الوصل منك وللذي ... جشمت إلينا كان أدنى وأزهدا # لأشياء قد لاقيتها فيك لم يكن ... ليحصيها من من وصلا وعددا # وإعراضنا عنكم فغيري به بدا ... فلما أرادت عنك نفسي تجلدا # رجعت إلى نفسي فعادت بحلمها ... عليك فلم ترضي بصرمك حسدا # إذا أملوا وشك اهتجار فأخفقوا ... به اليوم فينا أملوا هجرنا غدا # فكن للذي تهوى وأغلظ على الذي ... قلاك وعوده الذي قد تعودا # ولا تحسبن صرم الصديق مروءة ... ولا مدركا بالصرم ما عشت سؤددا # وكتب بعض أهل هذا العصر إلى أخ له يستأذنه في شكره: # أتأذن لي يا مت قبلك في الشكر ... فأشكر أم تنهى فأغضي على صغر # وإني لمحتاج إن انت أذنت لي ... إلى العذر أيضا من مجاوزتي قدري # فما حق مثلي أن يرى لك شاكرا ... ولا مثل ما أوليت يشكر بالشعر # فرأيك فيمن لا يرى نفسه إذا ... عتبت عليها أهل شكر ولا عذر # فلم يأذن له في ذلك وكتب يعاتبه: # أفي العدل أن تنهى أخاك عن الشكر ... وينأى فلا ينهى عن النأي والهجر # أجل أن ذا عدل على الصب في الهوى ... إذا كان لا ينجيه منه سوى العذر # أيجمل في حق الجوار دع الهوى ... أن ابقى على ظهر العشاء إلى الفجر # أراعي نجوما لم أوكل برعيها ... وأذكي هوى في القلب ms078 أذكى من الجمر # وأنت أخ لي قادر أن تزيل ما ... أقاسيه لا تدري بما بي أو تدري # تبيت خلي القلب مما أجنه ... كما أنا خلو في هواك من الصبر # وإني أدري أن في الصبر راحة ... ولكن إنفاقي على الصبر من عمري # أراني إذا واصلت ساءتك عشرتي ... وإن غبت لم أخطر ببال ولا فكر # أحين تناهى الود واتصل الهوى ... وصرت شريكي في السريرة والجهر # مللت إخائي واطرحت مودتي ... وأقصيتني حتى تحيرت في أمري # وله أيضا: # جعلت فداك قد طال انعطافي ... إليك وأنت قاسي القلب جافي # وليس أخاك من يرعاك كرها ... ولا البادي بوصلك كالمكافي # فإن ترع الأمانة لا أضعها ... وإن لا ترع يوحشك انصرافي # يطول عليك أن تلقى خليلا ... تطول عليه أيام التصافي # مخافة أن يملك باجتماع ... فيرضى من نوالك بالكفاف # فإن يك ذا الصدود صدود عتب ... وأنت على المودة والتوافي # إذن فتلافني من قبل يأس ... يولد ما يجل عن التلافي # وإلا فاطرح ودي وأجمل ... بتعريض من التصريح كافي # متى يصل السقيم إلى شفاء ... إذا كان الضنى درك المعافي # وقال بعض الأعراب: PageV01P048 وأنبئت ليلى أرسلت بشفاعة ... إلي فهلا ~~نفس ليلى شفيعها # أأكرم من ليلى علي فتبتغي ... به الجاه أم كنت امرءا لا أطيعها # وقال الحسين بن الضحاك: # أما ناجاك بالنظر الصحيح ... وأن إليك من قلب قريح # فليتك حين تهجره ضرارا ... تمن عليه بالقتل المريح # بحسنك كان أول حسن ظني ... وما ينهاك حسنك عن قبيح # وما تنفك متهما لنصحي ... بنفسي نفس متهم النصيح # وقال آخر: # إلى كم يكون الصد في كل ساعة ... وكم لا تملين القطيعة والهجرا # رويدك إن الدهر فيه بلاغة ... لتفريق ذات البين فانتظري الدهرا # وقال يزيد بن الطثرية: # على حين صارمت الأخلاء كلهم ... إليك وأصفيت الهوى لك أجمعا # وزدتك أضعافا وغادرت في الحشا ... عظام البلايا باديات ورجعا # جزيتك فرض الود ثمت خلتني ... كذي الشك أدنى شكه فتطوعا # فلما تنازعنا سقاط حديثها ... غشاشا فلان الطرف منها فأطمعا # على إثر هجران وساعة خلوة ... من الناس نخشى غيبا أن تطلعا # الباب السابع ms079 عشر # من عاتب على كل ذنب أخاه فخليق أن يمله ويقلاه # أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى: # إذا أنت لم تستقبل الأمر لم تجد ... بكفيك في إدباره متعلقا # إذا أنت لم تترك أخاك وزلة ... إذا زلها أوشكتما أن تفرقا # وقال العرجي: # إذا أنت لم تغفر ذنوبا كثيرة ... تريبك لم يسلم لك الدهر صاحب # ومن لا يغمض عينه عن صديقه ... وعن بعض ما فيه يمت وهو عاتب # وقال آخر: # أردت لكي ما لا ترى لي زلة ... ومن ذا الذي يعطى الكمال فيكمل # ومن يسأل الأيام نأي صديقه ... وصرف الليالي يعط ما كان يسأل # هؤلاء الذين ذكرنا أشعارهم يخبرون عن أنفسهم أنهم إنما يتركون معاتبة ~~أحبابهم إشفاقا من تغيرهم لهم وانحرافهم عنهم فإن كان ما تركوا المعاتبة ~~عليه فعساه يرجع على أصحابهم فقد أساؤوا إذ لم ينبهوهم على موضعه وآثروا ~~منفعة أنفسهم على مصالح أحبتهم وإن لم يكن ذنبا ألا يتركوه فقد كان الأجمل ~~بإخوانهم ألا يذكروه بل كان من حق أحبابهم عليهم ألا يتوهموه فضلا عن أن ~~ينطقوا به لأوليائهم أو يجرونه على خواطر أعدائهم وسبيل مثل هذا أن يعترف ~~به المحبوب مبتدئا بذكره ومتنصلا من فعله فلا يصغي المحب ليفهمه ولا يوهم ~~صاحبه أنه خطر على وهمه. # ولقد أحسن غاية الإحسان الذي يقول: # ومعتذر فرط إشفاقه ... أضاق عليه الذي تمما # ولم يدر أن سبيل الإخاء ... أعظم من كل ما عظما # وبلغني أن الوضاح الكوفي كتب إلى علي بن محمد العلوي: # خطة في الذنوب والاعتذار ... ليس يعنى بها سوى الأحرار # ضقت ذرعا بها وقد كنت أشفي ... ت على الهلك من شفير هار # فتجاللت عن جزاء بسوء ... وترافعت عن طلاب بثار # ثم لم ترض لي بذلك حتى ... صنتني عن مذلة الاعتذار # ثم أوجبت لي على غير عقد ... حرمة المستجير بالمستجار # لم نر العفو منك يقدح في عر ... ضك لما عفوت بعد اقتدار # فأجابه علي بن محمد: # ليس جود الربيع راشف وجه الأ ... رض عن مبسم من الأنوار # لا ولا العاشقان ضمهما الشو ms080 ... ق على غاية الضنى في إزار # فهما ملصقان كالساعد البي ... ضاء عضضتها بضيق السوار # كأخ عهده وعهدي في الو ... د كعهد الأنواء والأمطار # رق معناهما فلم يلبسا الأي ... ام إلا على اقتراب المزار # لج في الاعتذار من شفق الوج ... د وأجللته عن الاعتذار # فأهل الصفاء هكذا يجب أن تجري أحوالهم في تركه ما كان من حقوق أنفسهم ~~والابتداء ببسط العذر لأحبتهم. PageV01P049 ولقد أحسن الذي يقول: # إذا شئت أن تدعى كريما مكرما ... حليما ظريفا ضاحكا فطنا حرا # إذا ما بدت من صاحب لك زلة ... فكن أنت محتالا لزلته عذرا # هذا فيما كان من الجنايات لا يعيد على المحبوب في نفسه ضررا ولا يبين على ~~غير المحب أثرا وأما ما كان معيدا على المحبوب عارا فلا بد من تنبهه عليه ~~اضطرارا وفي هذا المعنى لمخيس بن أرطاة التميمي: # عرضت نصيحة مني ليحيى ... فرد نصيحتي والنصح مر # وما بي أن أكون أعيب يحيى ... ويحيى طاهر الأخلاق بر # ولكن قد أتاني أن يحيى ... يقال عليه في نفعاء شر # فقلت له تجنب كل شيء ... يعاب عليك إن الحر حر # ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو: # نصحت لكم حذارا أن تعابوا ... فعاد علي نصحكم وبالا # فإن تك قد مللت فلا تخني ... وقل لي أن أجنبك الوصالا # فمن يطلب لصاحبه اختلالا ... لينقض عهده يدرك مقالا # ويمنعني الوفاء لكم بعهدي ... وحسن الظن أن أجد اختلالا # فتزدادون عندي كل وقت ... وأنقص عندكم حالا فحالا # سأصبر إن أطقت الصبر حتى ... تمل الهجر أو تهوى الوصالا # وقال بشار بن برد: # إذا كنت في كل الأمور معاتبا ... صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه # فعش واحدا أو صل صديقك إنه ... مقارف ذنب مرة ومجانبه # إذا أنت لم تشرب مرارا على القذى ... ظمئت وأي الناس تصفو مشاربه # وقال العرجي: # ذهب النهار وما يبوح بما به ... صب فقل إذا العتاب عتابه # الله يعلم ما تركت عتابه ... ألا يكون معي لذاك جوابه # لكن مخافة أن أصاحب صاحبا ... والصرم تنمي بالمرا أسبابه # وقال آخر: # ولا خير ms081 فيمن لا يوطن نفسه ... على نائبات الدهر حين تنوب # وفي الشك تفريط وفي الحزم قوة ... ويخطئ في الحدس الفتى ويصيب # ولست بمستبق صديقا ولا أخا ... إذا لم تعد الشيء وهو قريب # وقال الحسن بن هب: # دعوتك في الجلى وقد ضاق مصدري ... علي ورواني من السم موردي # فأصممت عني منك أذنا سميعة ... وقد قصدت لي النائبات بمرصد # فما ضاق عنك العذر عندي ولا نبا ... بعهدك ناب من مغيب ومشهد # وقلت زمانا قد نهى الناس كلهم ... عن البر نهي الموعد المتهدد # وأملت أياما تنوب ورجعة ... من الدهر يأتينا بها الله في غد # وقال عمر بن نجا: # منعت عطاءنا ولويت ديني ... وأعددت الخصومة للخصيم # فما لك إن لويت الدين عني ... معاقبة فيا لك من غريم # وقال مسلم بن الوليد: # إذا التقينا منعنا النوم أعيننا ... ولا نلائم نوما حين نفترق # أقر بالذنب مني لست أعرفه ... كيما أقول كما قالت فنتفق # وقال آخر: # أإن سمتني ذلا فعفت احتماله ... غضبت ومن يأت المذلة يعذر # فها أنا مسترضيك لا من جناية ... عليك ولكن من تجنيك فاعذر # ولبعض أهل هذا العصر: # زعمت بنفسي أنت أنك مغرم ... بذكري وأني عن وصالك مضرب # أعد نظرا فيما ادعيت ولا تحد ... لتعلم من منا الشقي المعذب # أمن يتجنى ثم ينكر ما جنى ... على إلفه أم من يقر ويعتب # ولو كنت تجزى بالذي تستحقه ... غضبت ولكني من الهجر أهرب # فأغضي على جمر الغضا خشية القلى ... ولولا الهوى ما ضاق عني مهرب # فحتام لا أنفك شوقا إلى الرضا ... أصدق من صدقي لديه مكذب # وما لي من ذنب إليك تعده ... علي سوى أن ليس لي عنك مذهب PageV01P050 وما ~~غرضي في أن أثبت حجة ... عليك وما لي غير عفوك مطلب # إليك مفري منك لا عن وسيلة ... إليك سوى أني بحبك متعب # فإن تأت ما أهوى فعبد نعشته ... وإن تكن الأخرى فعبدك مذنب # فرأيك فيمن أنت مالك رقه ... فقد حلت البلوى وطاب التجنب # وقال المؤمل: # شف المؤمل يوم الحيرة النظر ... ليت المؤمل لم يخلق له بصر # حسب ms082 المحبين في الدنيا عذابهم ... والله لا عذبتهم بعدها سقر # صف الأحبة ما لاقيت من سهر ... إن الأحبة لا يدرون ما السهر # لما رمت مقتلي قالت لجارتها ... إني قتلت قتيلا ما له خطر # قتلت شاعر هذا الحي من مضر ... الله يعلم ما ترضى بذا مضر # وإنما أقصدت قلبي بمقلتها ... ما كان قوس ولا سهم ولا وتر # أحببت من حبها قوما ذوي إحن ... بيني وبينهم النيران تستعر # إني لأصفح عنها حين تظلمني ... وكيف من نفسه الإنسان ينتصر # وقال آخر: # مسني من صدود إلفي ضر ... فبنات الفؤاد ما تستقر # مسني ضره فأوجع قلبي ... غير أني بذاك منه أسر # وقال آخر: # أيا سلمى دفعت إليك نفسي ... برئت إليك من نفسي بريت # وقالوا عذبتك فقلت كلا ... رضيت بمن يعذبني رضيت # وقال أبو تمام حبيب: # أسرفت في منعي وعادتك التي ... ملكت عنانك أن تجود فتسرفا # لم آل فيك تلطفا وتعسفا ... وتألفا وتحيفا وتعطفا # وأراك تدفع حرمتي فأظنني ... ثقلت غير مؤنب فأخفقا # وقال أيضا: # وجدت صريح الحزم والرأي لامرئ ... إذا ملكته الشمس أن يتحولا # فثقلت بالتخفيف عنك وبعضهم ... يخفف في الحاجات حتى يثقلا # وقال عمر بن أبي ربيعة: # بالله قولي له في غير معتبة ... ماذا أردت بطول المكث باليمن # إن كنت حاولت دنيا أو قنعت بها ... فما أصبت بترك الحج من ثمن # وقال الراعي: # وكم جشمنا إليكم سير مودية ... كأن أعلامها في أفقها القزع # حماء غبراء يخشى المدلون بها ... ريع الهداة بأرض أهلها شيع # فإن تجودوا فقد حاولت جودكم ... وإن تضنوا فلا لوم ولا فزع # وهذه أحوال كلها لطيفة ومطالبات جميلة وأشنع منها لفظا وأنقص من هذا ~~معنى. # قول البحتري: # لا تهتبل إغضاءتي إذ كنت قد ... أغضيت مشتملا على جمر الغضا # أغببت سيبك كي يجم وإنما ... غمد الحسام المشرفي لينتضى # وسكت إلا أن أعرض قائلا ... قولا وصرح جهده من عرضا # وفي هذا النحو لبعض أهل هذا الزمان: # يا عالما بالذي ألقى من الكرب ... إرفق بعينك لا تعطب فداك أبي # لا تغتنم صفح مطوي على كبد ... حرى وقلب ms083 بنار الشوق ملتهب # لو كنت مثلي لم تصبر على كمدي ... أو كنت مثلك لم أفعل كفعلك بي # إن كان ذا الهجر تأديبا فحسبك ما ... قدمت منه فقد بالغت في أدبي # وقد قال المتلمس ما يخرج قبحا وجفاء عن هذا الباب ولا يصلح أن يجري في ~~المخاطبة بين الأحباب وذلك قوله: # وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما # يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما # وذلك أنه يخبر أن الجناية قد أثرت في قلبه وولدت حقدا في نفسه وأن الذي ~~يمنعه من أن ينتقم خوفه من تزايد الألم وأنه على أن يعاقب إذا أمن العواقب ~~والمعاتبة بل المعاقبة أحسن من الإغضاء على مثل هذه الحال. # وفي نحو هذا المعنى يقول الوليد بن عبيد الطائي: PageV01P051 وإذا رجوت ~~ثنت رجاي شكية ... من عاتب في الحب غير معاتب # لو كان ذنبي غير حبك أنه ... ذنبي إليك لكنت أول تائب # أفلا ترى أنه يخبر أن الإغضاء على المعاتبة على الذنب مع مقام الضمير على ~~العتب يقطع الرجاء ويؤيس من الوفاء. # الباب الثامن عشر # بعد القلوب على قرب المزار # بعد القلوب على قرب المزار أشد من بعد الديار من الديار # الهجر على أربعة أضرب هجر ملال وهجر دلال وهجر مكافاة على الذنوب وهجر ~~يوجبه البغض المتمكن في القلوب فأما هجر الدلال فهو ألذ من كثير الوصال ~~وأما هجر الملال فيطلبه من الأيام والليالي إما بنأي الدار وإما بطول ~~الاهتجار. # وفي مثل ذلك يقول الشاعر: # لا تجزعن من هجر ذي ملة ... أظهر بعد الوصل هجرانا # يمل هذا مثل ما مل ذا ... فيرجع الوصل كما كانا # وأما الهجر الذي يتولد عن الذنب فالتوبة تخرجه عن القلب وأما الهجر الذي ~~يوجبه البغض الطبيعي فهو الذي لا دواء له وقد قال الجاحظ لكل شيء رفيق ~~ورفيق الموت الهجر وليس الأمر كما قال بل لكل شيء رفيق ورفيق الهجر الموت. # ألم تسمع قول ذي الرمة: ms084 # سألت ذوي الأهواء والناس كلهم ... وكل فتى دان وآخر ينزح # أتقرح أكباد المحبين كالذي ... أرى كبدي من حب مية تقرح # لئن كانت الدنيا علي كما أرى ... تباريح من مي فللموت أروح # وفي مثله يقول بعض أهل هذا العصر: # ما لي ألفت وجها غير ملتفت ... نحوي وأعطف قلبا غير منعطف # يغرى بهجري كما أغرى بألفته ... هذا لعمري وداد جد مختلف # حجبت عيني عن الدنيا ونضرتها ... شوقا وأبرزتها للحزن والأسف # إلا تكن تلفت نفسي عليك فقد ... أصبحت والله مشتاقا إلى التلف # وفي نحو ذلك يقول قيس بن الملوح: # فوالله ثم الله إني لدائب ... أفكر ما ذنبي إليها فأعجب # ووالله ما أدري علام صرمتني ... وأي أموري فيك يا ليل أركب # أأقطع حبل الوصل فالموت دونه ... أم اشرب كأسا منكم ليس تشرب # أم اهرب حتى لا أرى لي مجاورا ... أم افعل ماذا أم أبوح فأغلب # وإنهما يا ليل إن تفعلي بنا ... فآخر مهجور وأول معتب # وما قيل في هذا المعنى من الأشعار القديمة والمحدثة أكثر من أن يحيط به ~~كتاب فضلا عن أن يتضمنه باب. # وقال خالد الكاتب: # أراني ذليل النفس مذ أنت عاتب ... وأية نفس لا تذل على الهجر # يعاتب بعضي فيك بعضا وكله ... إليك وحب العفو يسمح بالعذر # وقال بعض الأعراب: # خليلي هل يستخبر الأثل والغضا ... وميث الربى من بطن نعمان والسدر # وهل يتقالى بعد ما كان صافيا ... خليلان بانا ليس بينهما وتر # نأت بهما دار النوى وتراقبا ... على الضغن حتى لج بينهما هجر # إذا رمت إلا ما عدا الدهر بيننا ... وبينك لم نلزمك ما صنع الدهر # وقال ذو الرمة: # ألا لا أرى مثلي يحن من الهوى ... ولا مثل هذا الشوق لا يتصرم # ولا مثل ما ألقى إذا الحي فارقوا ... على أثر الأظعان يلقاه مسلم # كفى حسرة في النفس يا مي أنني ... وإياك في الأحياء لا نتكلم # أدور حواليك البيوت كأنني ... إذا جئت عن إتيان بيتك محرم # وقال أيضا: # هوى لك لا ينفك يدعو كما دعا ... حماما بأجزاع العقيق حمام # إذا هملت ms085 عيني له قال صاحبي ... بمثلك هذا فتنة وغرام # علام وقد فارقت ميا وفارقت ... فمي على طول البكاء تلام # أطاعت بك الواشين حتى كأنما ... كلامك إياها عليك حرام # وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر قال: أنشدني أبو سعيد المخزومي: PageV01P052 ~~ثقي بجميل الصبر مني على الدهر ... ولا تثقي بالصبر مني على الهجر # فإني لصبار على ما ينوبني ... وحسبك أن الله أثنى على الصبر # ولست بنظار إلى جانب الغنى ... إذا كانت العلياء في جانب الفقر # وقال الوليد بن عبيد الطائي: # عذيري من الأيام رنقن مشربي ... ولقينني نحسا من الطير أشأما # وألبسنني سخط امرئ بت موهنا ... أرى سخطه ليلا مع الليل مظلما # تبلج عن بعض الرضا وانطوى على ... بقية عتب شارفت أن تصرما # إذا قلت يوما قد تجاوز حدها ... تلبث في أعقابها وتلوما # وأصيد إن نازعته الطرف رده ... كليلا وإن راجعته القول أحجما # ثناه العدى عني فأصبح معرضا ... ووهمه الواشون حتى توهما # ولو أنني وقرت شيبي وقاره ... وأجللت شعري فيك أن يتهضما # لأكبرت أن أومي إليك بإصبع ... تضرع أو أدني لمعذرة فما # وكان الذي يأتي به الدهر هينا ... علي ولو كان الحمام المقدما # ولكنني أعلي محلك أن أرى ... مدلا وأستحييك أن أتعظما # ولم أدر ما الذنب الذي سؤتني به ... فأقتل نفسي حسرة وتندما # وأنشدني أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله بن الأعرابي: # ألا أبلغ أخا قيس رسولا ... بأني لم أخنك فلا تخني # ولكني طويت الكشح لما ... رأيتك قد طويت الكشح عني # فلست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لواني # ولست بآمن أبدا خليلا ... على شيء إذا لم يأتمني # وصلتك ثم عاد الوصل أني ... قرعت ندامة من ذاك سني # فإن أعطف عليك بفضل حلم ... فما قلبي إليك بمطمئن # وقال العباس بن الأحنف: # لو كنت عاتبة لسكن عبرتي ... أملي رضاك وزرت غير مراقب # لكن مللت فلم تكن لي حيلة ... صد الملول خلاف صد العاتب # وقال آخر: # ومستوحش لم يمش في أرض غربة ... ولكنه ممن يود غريب # إذا رام كتمان الهوى نم دمعه ... فآه لمحزون ms086 جفاه طبيب # ألا أيها البيت الذي لا أزوره ... وهجرانه مني إليك ذنوب # هجرتك مشتاقا وزرتك خائفا ... ومني علي الدهر فيك رقيب # سلام على الدار التي لا أزورها ... وإن حلها شخص إلي حبيب # وقال أبو نواس: # غصصت منك بما لا يدفع الماء ... وصح هجرك حتى ما به داء # قد كان يقنعكم إذ كان رأيكم ... أن تهجروني من التصريح إيماء # وما جهلت مكان الآمريك بذا ... من الوشاة ولكن في فمي ماء # ما زلت أسمع حتى صرت ذاك بمن ... قامت قيامته والناس أحياء # وقال أيضا: # صليت من حبها نارين واحدة ... جوف الفؤاد وأخرى بين أحشائي # وقد منعت لساني أن يبوح به ... فما يعبر عني غير إيمائي # يا ويح أهلي أبلى بين أعينهم ... على الفراش ولا يدرون ما دائي # لو كان زهدك في الدنيا كزهدك في ... وصلي مشيت بلا شك على الماء # وبلغني عن سفيان بن عيينة أنه قال: بينا أنا بالكعبة إذ رأيت أبا السائب ~~المخزومي متعلقا بأستار الكعبة وهو يقول: # يا هجر كف عن الهوى ودع الهوى ... للعاشقين يطيب يا هجر # ماذا تريد من الذين جفونهم ... قرحى وحشو صدورهم جمر # وسوابق العبرات بين خدودهم ... درر تفيض كأنها القطر # متحيرين من الهوى ألوانهم ... مما تكن صدورهم صفر # قال: فقلت يا أبا السائب في مثل هذا الموضع تنشد مثل هذا؟ فقال: إليك عني ~~يا أبا محمد فوالله للدعاء لهم في مثل هذا الموضع أفضل من حجة وعمرة. # ولقد أحسن الفرزدق حيث يقول: PageV01P053 عزفت بأعشاش وما كدت تعزف ... ~~وأنكرت من حدراء ما كنت تعرف # ولج بك الهجران حتى كأنما ... ترى الموت في البيت الذي كنت تألف # وقال: # لئن كان في الهجران أجر لقد مضى ... لي الأجر في الهجران مذ سنتان # فوالله ما أدري أكل ذوي هوى ... على ما بنا أم نحن مبتليان # وقال الحارث بن خالد المخزومي: # إن يمس حبلك بعد طول تواصل ... خلقا وأصبح بيتكم مهجورا # فلقد أراني والجديد إلى بلى ... زمنا بوصلك راضيا مسرورا # كنت الهوى وأعز من وطئ الحصى ... عندي وكنت بذاك ms087 منك جديرا # وقال آخر: # وقال نساء لسن لي بنواصح ... ليعلمن ما أخفي ويعلمن ما أبدي # أأحببت ليلى جهد حبك كله ... لعمر أبي ليلى وزدت على الجهد # على ذاك ما يمحو لي الذنب عندها ... وتمحو دواعي حبها ذنبها عندي # ألا إن قرب الدار ليس بنافع ... وقلب الذي تهواه منك على البعد # ولبعض أهل هذا العصر: # لعمرك ما قرب الديار بنافع ... إذا لم يصل حبل الحبيب حبيب # وليس غريبا من تناءت دياره ... ولكن من يجفى فذاك غريب # ومن يغترب والإلف راع لعهده ... وإن جاوز السدين فهو قريب # وقال آخر: # لو كنت في بلد ونحن بغيره ... ما كان عندك في الجفاء مزيد # قرب المزار وأنت ناء لا يرى ... وإذا القريب جفاك فهو بعيد # وقال أبو تمام: # ونأى الهجر بالذي لا أسمي ... فأنا منه في القريب البعيد # ففراق أصابني من فراق ... وفراق أصابني من صدود # ليس من كان غائبا فقدته ال ... عين غيبا كالشاهد المفقود # وقال البحتري: # يسوؤك ألا عطف عند انعطافه ... ويشجيك ألا عدل عند اعتداله # فما حيلة المشتاق فيمن يشوقه ... إذا حال هذا الهجر دون احتياله # ولقد أحسن علي بن محمد العلوي في قوله: # هواك هو الدنيا ونيلك ملكها ... وهجرك مقرون بكل هوان # كذبتك ما قلت الذي أنت أهله ... بلى لم يجد ما فوق ذاك لساني # الباب التاسع عشر # ما عتب من اغتفر ولا أذنب من اعتذر # المعتذر لا ينفك من إحدى حالين إما أن يكون صادقا أو كاذبا فإن كان صادقا ~~فعذره مقبول وإن كان كاذبا فإنه لم يتجشم مضاضة الكذب في نفسه إلا لنفاسة ~~صاحبه في صدره ومن كان بهذه الحال قبل عذره بل وجب شكره. # وقد قال البحتري: # إقبل معاذير من يأتيك معتذرا ... إن بر عندك فيما قال أو فجرا # فقد أطاعك من يرضيك ظاهره ... وقد أجلك من يعصيك مستترا # ولبعض أهل هذا العصر: # أنت ابتدأت بميعادي فأوف به ... ولا تربص به صرف المقادير # ولا تكلني إلى عذر تزخرفه ... فالذنب أحسن من بعض المعاذير # وله أيضا: # إلى الله أشكو ms088 من بداني بوصله ... فلما حوى قلبي براه ببخله # سآجر نفسي عن تقاضيه راضيا ... إلى أن أراه ساخطا بعد فعله # وآخذ منه العفو ما دام باخلا ... وأنهى لساني أن يعود لعذله # فرب اعتذار قد تمنيت أنني ... خرست وأني لم أخاطب بمثله # وقال آخر: # م أجن ذنبا فإن زعمت بأن ... أتيت ذنبا فغير معتمد # قد تطرف الكف عين صاحبها ... فلا يرى قطعها من الرشد # وقال آخر: # ما أحسن العفو من القادر ... لا سيما عن غير ذي ناصر # إن كان لي ذنب ولا ذنب لي ... فما له غيرك من غافر # أعوذ بالود الذي بيننا ... أن تفسد الأول بالآخر # وقال آخر: # هبني أسأت وقد أتي ... ت بمثل ذنب أبي لهب # فأنا أتوب وما أسأ ... ت وكم أسأت فلم تتب # وقال آخر: PageV01P054 هبيني يا معذبتي أسأت ... وبالهجران قبلكم بدأت # فأين الفضل منك فدتك نفسي ... علي إذا أسأت كما أسأت # ولبعض أهل هذا العصر: # لجرمي عقاب والتجاوز ممكن ... وأولاهما إسعاف من صح صدقه # فإن لم تجاوز حسب ما تستحقه ... فلا تتجاوز حسب ما أستحقه # وله أيضا: # العذر يلحقه التحريف والكذب ... وليس في غير ما يرضيك لي أرب # وقد أسأت فبالنعمى التي سلفت ... لما مننت بعفو ما له سبب # وقال آخر: # لا والذي إن كذبت اليوم عذبني ... وإن صدقتكم فالله نجاني # ما قرت العين بالأبدال بعدكم ... ولا مجدت لذيذ العيش يغشاني # إني وجدت بكم ما لم يجد أحد ... جن بجن ولا إنس بإنسان # وقال البحتري: # أأنسى من يذكر فيه ألا ... شبيه له يعد ولا ضريب # وقد أكدى الصواب علي حتى ... وددت بأن شاني المصيب # فإن لا تحسب الحسنات منها ... لصاحبها فلا تحصى الذنوب # أتوب من الإساءة إن ألمت ... وأعرف من يسيء ولا يتوب # وقال أيضا: # الله يعلم والدنيا منغصة ... والعيش منتقل والدهر ذو دول # لأنت عندي وإن ساءت ظنونك بي ... أحظى من الأمن عند الخائف الوجل # ولعبيد بن طاهر: # إغتفر زلتي لتحرز فضل الشك ... ر مني ولا يفوتك أجري # لا تكلني إلى التوسل بالعذ ... ر لعلي ألا ms089 أقوم بعذري # وقال آخر: # فإن لا أكن للفضل أهلا فإنكم ... بفضلكم للعفو عن مذنب أهل # ففضلك أرجو لا البراءة إنه ... أبى الله إلا أن يكون لك الفضل # وقال محمد بن عبد الملك الزيات: # رفع الله عنك نائبة الده ... ر وحاشاك أن تكون عليلا # أشهد الله ما علمت وما ذا ... ك من العذر جائزا مقبولا # فاجعلن لي إلى التوسل بالعذ ... ر سبيلا إذ لم أجد لي سبيلا # فقديما ما جاد ذو الفضل بالصفح ... وما سامح الخليل الخليلا # وقال الحسين الخليع: # بنفسي حبيب لا يمل التعتبا ... إذا زدته في العذر زاد تعصبا # يطيل ضراري بامتحان صبابتي ... وقد علم المكنون منها المغيبا # فلست أناجي غيره مذ عرفته ... فأنظر إلا خائفا مترقبا # أيا من تجنى الذنب أعلم أنه ... على ثقة أن لست بالغيب مذنبا # أما لخضوعي من ضميرك شافع ... من السقم قد يشفي الملح المعذبا # أما اعتذاره بأنه لا يناجي غير صاحبه إلا خائفا مترقبا فقبيح جدا ولعمري ~~إن الإصرار على الغدر أصلح من التنصل بهذا العذر إذ من لم يكن عليه رقيب من ~~نفسه يصونها عن مكاره إلفه فلا درك في مودته. # وقد قال بعض أهل هذا العصر في هذا النحو: # كأن رقيبا منك يرعى خواطري ... وآخر يرعى ناظري ولساني # فما عاينت عيناي بعدك منظرا ... يسوؤك إلا قلت قد رمقاني # ولا بدرت في في بعدك مزحة ... لغيرك إلا قلت قد سمعاني # ولا خطرت من ذكر غيرك خطرة ... على القلب إلا عرجا بعنان # إذا ما تسلى الغايرون عن الهوى ... بشرب مدام أو سماع قيام # وجدت الذي يسلي سواي يشوقني ... إلى قربكم حتى أمل مكاني # وفتيان صدق قد سئمت لقاءهم ... وعففت طرفي عنهم ولساني # وما الزهد أسلى عنهم غير أنني ... أراك على كل الجهات تراني # وأتم من هذا قول مسلم بن الوليد: # رحلت مذ يوم نادوا بالرحيل على ... آثارهم ثم لم أنظر إلى أحد # أغضت عن الخلق عيني ما ترى حسنا ... في الناس حتى تراهم آخر الأبد # وقال آخر: # لأي شيء صددت عني ... يا بائنا ms090 بالعزاء مني PageV01P055 أكان مني فعال ~~سوء ... يحسن في مثله التجني # إن شفيعي إليك مني ... دموع عيني وحسن ظني # فبالذي ساقني ذليلا ... إليك ألا عفوت عني # وقال آخر: # كل يوم يقول لي لك ذنب ... يتجنى ولا يرى ذاك مني # فأنا الدهر في اعتذار إليه ... فإذا ما رضي فليس يهني # ربما جئته أسلفه العذ ... ر لبعض الذنوب خوف التجني # وقال علي بن الجهم: # عفا الله عنك ما حرمة ... أعوذ بعفوك أن أبعدا # ألم تر عبدا عدا طوره ... ومولى عفا ورشيدا هدى # ومفسد أمر تلافيته ... فعاد فأصلح ما أفسدا # أقلني أقالك من لم يزل ... يقيك ويصرف عنك الردى # لئن جل ذنب ولم أعتمده ... لأنت أجل وأعلى يدا # وقال البحتري: # يخوفني من سوء رأيك معشر ... ولا خوف إلا أن تجور وتظلما # أعيذك أن أخشاك من غير حادث ... أتيت ولا جرم إليك تقدما # أقر بما لم أجنه متنصلا ... إليك على أني إخالك ألوما # وقال أيضا: # وعتاب خل قد سمعت فلم أكن ... جلد الضمير على استماع ممضه # طاف الوشاة به فأحدث ظلمة ... في جوه ووعورة في أرضه # غضبان حمل إحنة لو حملت ... ثبج الصباح لثقلت من نهضه # مهلا فداك أخوك قد ألهيته ... عن لهوه وشغلته عن غمضه # خزيان أكبر أن تظن جناية ... في بسطه لصديقه أو قبضه # ماذا توهم أن يقول وقوله ... في نفسه ولسانه في عرضه # أنبوت عنك بزعمهم ومتى نبا ... في حالة بعض امرئ عن بعضه # وقال بعض أهل هذا العصر: # أخوك الذي أمسى بذكرك مغرما ... يتوب إليك اليوم مما تقدما # فإن لم تصله رغبة في وصاله ... ولم تك مشتاقا فصله تكرما # فقد والذي عافاك مما ابتلى به ... تندم لو أرضاك أن يتندما # وبالله ما كان الصدود الذي مضى ... ملالا ولا كان الجفاء تبرما # فلا تحربن بالغدر من صد مكرها ... وأظهر إعراضا وأبدى تجهما # فلم يلهه عنك السلو وإنما ... تأخر لما لم يجد متقدما # وقال آخر: # كحلت مقلتي بشوك القتاد ... لم أذق مذ حممت طعم الرقاد # يا أخي الباذل المودة والنا ... زل من مقلتي ms091 مكان السواد # منعتني عليك رقة قلبي ... من دخولي عليك في العواد # لو بأذني سمعت منك أنينا ... لتفقا مع الأنين فؤادي # وقال علي بن الجهم: # إن دون السؤال والاعتذار ... خطة صعبة على الأحرار # ليس جهلا بها توردها الح ... ر ولكن سوابق الأقدار # إرض للسائل الخضوع وللقا ... رف ذنبا مضاضة الاعتذار # وقال آخر: # هاجرتني ثم لا كلمتني أبدا ... إن كنت خنتك في حال من الحال # أو انتجيت نجيا في خيانتكم ... وخفت خطرتها مني على بال # فسوغيني المنى كيما أعيش بها ... ثم اطلقي البخل ما أطلقت آمالي # ولبعض أهل هذا العصر: # أتوب إليك من نقض العهود ... لتؤمن مقلتي من السهود # أسأت فلا تعنى بالدعاوى ... فها أنذا أقر بلا شهود # وقد كان الجحود علي سهلا ... ولكني أنفت من الجحود # فقل لي لا عدمتك من مسيء ... بما استحللت نقض عرى العهود # ألا يا نفس قد أخطأت فيما ... أتيت فإن نجوت فلا تعودي # فكم جان تجافى غير جهل ... فعاد فلم يذق طعم الهجود # وقال منصور النمري: # لعل له عذرا وأنت تلوم ... وكم لائم قد لام وهو مليم # أخ لك مشتاق تذكر خلة ... لها عنده ود فبات يهيم PageV01P056 سلام على أم ~~الوليد وذكرها ... وعهد لها لم ينس وهو قديم # الباب العشرون # إذا ظهر الغدر سهل الهجر # العلة في سهولة الهجر عند ظهور الغدر ضرب من المكروه وكل مكروه فبعد ~~النفس عنه خير لها من القرب منه وعلى أن نفس المحب إذا استيقنت بالغدر لم ~~ترض بمقاومة الهجر لأن في الهجر ضرب من التأديب وضرب من الانتقام والنفس ~~المرة لا تعبأ بمن غدر بها ولا تستصلحه بمعاتبة ولا ترصده بمعاقبة بل تخلي ~~فكرها عن ذكره وتصون خواطرها عن الخوض في أمره. # وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر: # يا قلب قد خان من كلفت به ... فخل عنك البكاء في أثره # شغلك بالفكر في تغيره ... أعظم مما لقيت من غيره # فارحل فمن لا يحل مورده ... يفض به صفوه إلى كدره # وارجع إلى الله في الأمور فلن ... تقدر أن ms092 تستجير من قدره # ومن الناس من تضعف قواه عن هذه الحال فلا يسأل عما يصير إليه من النكال ~~وكل ذلك على حسب التوفيق والخذلان نسأل الله خير عواقب الأمور ونستكفيه كل ~~مهم ومحذور. # وقال امرؤ القيس بن حجر: # إذا قلت هذا صاحب قد رضيته ... وقرت به العينان بدلت أخرا # وذلك أني لم أثق بمصاحب ... من الناس إلا خانني وتغيرا # وقال الأحوص: # أقول لما التقينا وهي صادفة ... عني ليهنك من تدنينه دوني # إني سأمنحك الهجران معتزما ... من غير بغض لعل الهجر يسليني # ومثنيا رجع أيام لنا سلفت ... سقيا ورعيا لذاك الدين من دين # وبلغني أن نصيبا أتى إلى صاحبته فدفع الباب ليدخل إليها فرأى عندها فتى ~~تحدثه فقالت له: ادخل يا أبا محجن فأنشأ يقول: # أراك طموح العين مذاقة الهوى ... لكل خليل منك وصل مطرف # متى تجمعي ردفين لا أك منهما ... فهبي بفرد لست ممن يردف # ثم ترك الباب ولن يسده وانصرف. # وقال أبو نواس: # ومظهرة لخلق الله عشقا ... وتلقى بالمحبة والسلام # أتيت فؤادها أشكو إليه ... فلم أخلص إليه من الزحام # فيا من ليس يقنعه خليل ... ولا ألفا خليل كل عام # أراك بقية من قوم موسى ... فهم لا يصبرون على طعام # وقال العباس بن الأحنف: # كتبت نلوم وتستريب زيارتي ... وتقول لست لنا كعهد العاهد # فأجبتها ومدامعي منهلة ... تجري على الخدين غير جوامد # يا عتب لم أهجركم لملالة ... حدثت ولا لمقال واش حاسد # لكنني جربتكم فوجدتكم ... لا تصبرون على طعام واحد # وقال القعقاع الأسدي: # أصارمة أم لا حبالك زينب ... وما بين صرم الحبل والوصل مذهب # بلى إن أرماقا ضعافا هي التي ... يغر بها النكس الدنيء ويكذب # وما أنا بالنكس الدنيء ولا أرى ... إذا رام صرمي ذو المودة أغضب # ولكنه ما دام دمت وإن يكن ... له مذهب عني يكن لي مذهب # سواه وخير الود ود تطوعت ... به النفس لا ود أتى وهو متعب # وقال بعض الأعراب: # أبيني أفي يمنى يديك جعلتني ... فأفرح أم صيرتني في شمالك # فإن كنت في اليمنى فيا ليت عيشتي ms093 ... وإن كنت في اليسرى فضل ضلالك # إذا لم تنالينا ورب محمد ... ولم ترفعي رأسا بنا لم نبالك # وقال عمر بن أبي ربيعة المخزومي: # أنا لا أبدا بغدر أبدا ... فإذا ما غدرت لم أترك # أتراني أقعد الليل لها ... ساهرا أطلب وصلا قد هلك # وهي فيما تشتهي لاهية ... مت إن دار بهذين الفلك # وقال آخر: # ومن شيمي أني إذا المرء ملني ... وأظهر إعراضا ومال إلى الهجر # أطلت له فيما يحب عنانه ... وتاركته في حسن يسر وفي ستر PageV01P057 فإن ~~عاد في وصلي رجعت لوصله ... وإن لم يرد أهملت ذاك إلى الحشر # وقال بعض أهل هذا العصر: # تخير من الإخوان من شئت واتخذ ... خليلا فإني ما أريد خليلا # أتوب إليك اليوم من كل توبة ... فقد هنت في عيني وكنت جليلا # إذا لم يجد إلفي عن الغدر مذهبا ... وجدت إلى حسن العزاء سبيلا # فوالله لا أرضيت داعية الهوى ... إليك ولا أغضبت فيك عذولا # وقال محمد بن عبد الملك الزيات: # رأيتك سمح البيع سهلا وإنما ... يغالي إذا ما ضن بالشيء بائعه # فأما الذي هانت بضائع بيعه ... فيوشك أن تبقي عليه بضائعه # هو الماء إن أجمعت طاب وروده ... ويفسد منه ما تباح شرائعه # وقال آخر: # أميطي الهوى عمن قلاك وعرضي ... لغيري به واسترزقي الله في ستر # فلو كنت لي كفا إذن لقطعتها ... ولو كنت لي أذنا رميتك بالوقر # ولو كنت لي عينا إذا لفقأتها ... ولو كنت لي قلبا نزعتك من صدري # وإني وإن حنت إليك ضمائري ... فما قدر حبي إن أذل له قدري # وقال عبد قيس بن خفاف البرجمي: # دار الهوى ولمن رآها داره ... أفراحل عنها كمن لم يرحل # فصل المواصل ما صفا لك وده ... واصرم حبال الخائن المتبدل # واحذر محل السوء لا تحلل به ... وإذا نبا بك منزل فتحول # وقال بعض الأعراب: # وإني لأستحيي من الله أن أرى ... رديفا لوصل أو علي رديف # وأن أرد الماء الموطأ طينه ... وأتبع ودا منك وهو ضعيف # وقال البحتري لنفسه: # تركتك للقوم الذين تركتني ... لهم وسلا الإلف المشوق عن الإلف ms094 # وقال لي الأعداء ما أنت صانع ... وليس يراني الله أنحت من جرف # ولما رأيت القرب يدوي اتصاله ... بعدت لعل البعد من ظالمي يشفي # وإني لأستبقي ودادك للتي ... تلم وأرضى منك دون الذي يكفي # وأسألك النصف احتجازا وربما ... أبيت فلم أسمح لغيرك بالنصف # وإني لمحسود عليك منافس ... وإن كنت أستبطي كثيرا وأستجفي # وأنشدني بعض أهل الأدب: # أنقذني سوء ما صنعت من الر ... ق فيا بردها على كبدي # فصرت عبدا للسوء فيك وما ... أحسن سوء قبلي إلى أحد # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر لعبيد الله بن عبد الله بن طاهر: # ألم تر أن المرء تذوي يمينه ... فيقطعها عمدا ليسلم سائره # فكيف تراه بعد يمناه صانعا ... بمن ليس منه حين تبدو سرائره # وقال أبو القمقام الأسدي: # ولما بدا لي منك ميل مع العدى ... علي ولم يحدث سواك بديل # صددت كما صد الرمي تطاولت ... به مدة الآجال فهو قتيل # وقال آخر: # وعزيت نفسا عن هواك كريمة ... على ما بها من لوعة وغليل # بكت ما بكت من شجوها ثم أعقبت ... بعرفان هجر من نوار طويل # فأصبحت من ميعادها مثل قابض ... على الماء لم يرجع يدا بقليل # وقال بعض الأعراب: # فإن تشبعي منا وتروى ملالة ... فنحن وبيت الله أروى وأشبع # وإن تجدي ما خلف ظهرك واسعا ... فما خلفنا من سائر الأرض أوسع # وإن تنقضي العهد الذي كان بيننا ... فنحن لما ضيعت أنسى وأضيع # وقال المتلمس: # قليتك فاقليني فلا وصل بيننا ... كذلك من يستغن يستغن صاحبه # خليل بدا لي النصح منه فلم أكن ... لأصرمه ما سوغ الماء شاربه # عصاني فما لاقى الرشاد وإنما ... تبين عن أمر الغوي عواقبه # وقال الحسين بن الضحاك: # ألا في سبيل الله ود بذلته ... لمن خانني ودي ولم يرع لي عهدا ~~PageV01P058 أباح حمى الميثاق والله بيننا ... فلم يبق للميثاق قبلا ولا ~~بعدا # فليتك لا تجزى بما أنت أهله ... وإن كنت قد أشرقتني بدمي حقدا # عدمتك من قلب أقام لغادر ... على العهد حتى كاد يقتلني وجدا # وقال أيضا: # تعزوا بيأس عن هواي فإنني ... إذا ms095 انصرفت نفسي فهيهات من ردي # أبى القلب إلا نبوة عن جميعكم ... كنبوتكم عني ففي السحق والبعد # إذا خنتكم بالغيب عهدي فما لكم ... تدلون إدلال المقيم على العهد # فكم من قتيل كان لي قبل فيكم ... فها أنذا فيكم نذير لمن بعدي # فوا أسفا من صبوة ضاع شكرها ... مضت سلفا في غير أجر ولا حمد # ولبعض أهل هذا العصر: # قصرت عليك النفس حتى توهمت ... بل استيقنت أن ليس غيرك مطلبا # فرامت بديلا منك لما جفوتها ... فحارت كأن لم يخلق الله منجبا # فإن تتفكر في انصرافي خائبا ... وغدرك تعلم أينا عاد أخيبا # كسبت ملاما واكتسبت بصيرة ... بأمرك فانظر أينا عاد مكسبا # سأشكر ذنب الدهر فيك ولم أكن ... على غير الأيام أشكر مذنبا # وله أيضا: # ما زلت أكذب فيك إرجاف العدى ... والغدر في عطفيك ليس بخاف # حتى حسرت لناظري عن سوءة ... أغنت أعاديكم عن الإرجاف # فظللت حين خبرتكم متعرضا ... عنكم بأوسط سورة الأعراف # فامضوا عليكم لعنة الله ارتعوا ... في صحبة الأوغاد والأجلاف # أما سلو المحب عمن غدر به فغير معيب عليه إذ ليس ذلك مفوضا إليه وإنما ~~يوجبه نفور النفس عمن خالف شكلها كما توجب المحبة سكون النفس إلى شيء شاكل ~~طبيعتها وأما تشنيعه بالغدر على محبوبه فإن ذلك لعمري قبيح وما على من سلا ~~عن إلفه أن يضمر ذلك في نفسه ولا يقص على غيره ما ظهر له من سوء فعله فإن ~~ظهر منه على ترك المواصلة عارض في ذلك بضرب من المجاملة. # كما فعل الذي يقول: # وقائل كيف تهاجرتما ... فقلت قولا فيه إنصاف # لم يك من شكلي فناكرته ... والناس أشكال وألاف # وكما قال الآخر: # أرى عرض الدنيا وكل مصيبة ... تهون إذا عنك الحوادث زلت # فإن سأل الواشون كيف هجرتها ... فقل نفس حر سليت فتسلت # الباب الحادي والعشرون # من راعه الفراق ملكه الاشتياق # الترويع بالفراق هو السهم الذي لا يعدل عن مقاتل العشاق من رمى به من ~~المحبوبين أصاب ومن دعي به من المحبين أجاب وربما ولعت نفوس العشاق محاذرة ~~وقوع الفراق عن ms096 غير سبب يوجبه إظهار الإشفاق وتلك حال لا يتهيأ معها وصال. # وفي نحو ذلك يقول الحسين بن الضحاك: # أباحني قربه ووسدني ... يمنى يديه وبات ملتزمي # فقلت لما استخفني فرحي ... أشوب عين اليقين بالتهم # أصبح مستثبتا نظري ... إخالني نائما ولم أنم # وللبحتري في مثله: # حبيب سرى في خيفة وعلى ذعر ... يجوب الدجى حتى التقينا على قدر # وشككت فيه من سرور خلته ... خيالا أتى في النوم من طيفه يسري # وعلى أن من العشاق من يتحاقر روعات الفراق وذلك إما لما ناله من مضاضة ~~هجر أو مواقعة غرر وإما لطغيان النفس ونشاطها وانبساطها في محابها ~~واستظهارها بغرة الجهل على أحبابها ولمن كان بهذه الخلل باب مفرد ووصف ~~مجرد. # وقال جميل بن معمر: # كفى حزنا للمرء ما عاش أنه ... ببين حبيب لا يزال يروع # فوا حزنا لو ينفع الحزن أهله ... ووا جزعا لو كان للنفس مجزع # فأي فؤاد لا يذوب بما أرى ... وأي عيون لا تجود فتدمع # وأنشد لأحمد بن أبي طاهر: # أذاهبة نفسي شعاعا فميت ... ومنصدع قبل انصداع النوى قلبي PageV01P059 ~~مخافة بين لا تلاقي بعده ... وشحط النوى بعد الزيارة والقرب # وقال آخر: # ظللت كأني خشية البين إذ جرى ... أخو جنة لا يستبل صريعها # إذا العين أفنت عبرة من سجامها ... بكتها بأخرى تستهل دموعها # وقال آخر: # خليلي من عليا هوازن لم أجد ... لنفسي من شحط النوى من يجيرها # غدا تمطر العينان من لوعة الهوى ... ويبدو من النفس الكتوم ضميرها # أيصبر عند البين قلبك أم له ... غدا طيرة لا يد أن سيطيرها # وقال الطائي: # يا بعد غاية دمع العين إن بعدوا ... هي الصبابة طول الدهر والسهد # قالوا الرحيل غدا لا شك قلت لهم ... اليوم أيقنت أن اسم الحمام غد # وقال أبو نواس: # طرحتم من الترحال أمرا فغمنا ... فلو قد فعلتم صبح الموت بعضنا # زعمتم بأن النأي يحزنكم نعم ... سيحزنكم علمي ولا مثل حزننا # تعالوا نقارعكم ليثبت عندنا ... من اشجى قلوبا أو من اسخن أعينا # أطال قصير الليل يا رحم عندكم ... فإن قصير الليل قد طال ms097 عندنا # ولا يعرف الليل الطويل وكربه ... من الناس إلا من ينجم أو أنا # وقال العرجي: # ما زلت من روعة البين الذي ذكروا ... أذري الدموع ومني يحفز النفس # كأنني حازم بالليل مرتهن ... ساهي الفؤاد وعليه الأمر ملتبس # وله أيضا: # غدا فاعلمي أني أشد صبابة ... وأحسن عند البين من غيرنا عهدا # نقطع إلا بالكتاب عتابنا ... سوى ذكرة لا أستطيع لها ردا # فقالت وأذرت دمعها لا بعدتم ... يعز علينا أن نرى لكم فقدا # غدا يكثر الباكون منا ومنكم ... وتزداد داري من دياركم بعدا # وله أيضا: # بلغ قريبة أن البين قد أفدا ... وأننا إن سلمنا رائحون غدا # كم بالحجاز وإن كنا نكاثرهم ... من الدموع وددنا لا نرى أبدا # ومات وجدا علينا ما يبوح به ... يحصي الليالي إذا غبنا لنا عددا # يا ليلة السبت قد زودتني سقما ... حتى الممات وحزنا صدع الكبدا # وقال غيره: # فراقك في غد وغدا قريب ... فوا كبدا من البين القريب # فيا صدر النهار إليك عني ... ويا شمس الأصائل لا تغيبي # وقال آخر: # خليلي غدا لا شك فيه مودع ... فوالله ما أدري به كيف أصنع # فإن لم أشيعه تقطعت حسرة ... ووا كبدا إن كنت فيمن أشيع # فيا يوم لا أدبرت هل لك محبس ... ويا غد لا أقبلت هل لك مدفع # وقال آخر: # يا صاحبي من الملام دعاني ... إن البلية فوق ما تصفان # زعمت بثينة أن رحلتها غدا ... لا مرحبا بغد فقد أبكاني # وقال أشجع السلمي: # غدا يتفرق أهل الهوى ... ويكثر باك ومسترجع # وتختلف الدار بالظاعنين ... فنونا تشت فلا تجمع # وتبقى الطلول ويفنى الهوى ... ويصنع ذو الشوق ما يصنع # فأنت تبكي وهم جيرة ... فكيف تكون إذا ودعوا # وقال ذو الرمة: # وقد كنت أبكي والنوى مطمئنة ... محاذرة من علم ما البين صانع # وأشفق من هجرانكم وتشفني ... مخافة وشك البين والشمل جامع # وأهجركم هجر البغيض وحبكم ... على كبدي منه شؤون صوادع # وقال آخر: # أخاف الفراق فأشتاقكم ... كأنا افترقنا ولم نفترق # فلا نبرح الدهر أو نشتفي ... وهل يشتفي أبدا من عشق # وقال العرجي: # فما أنس م ms098 الأشياء لا أنس موقفا ... لنا ولها بالسفح دون ثبير # ولا قولها وهنا وقد بل جيبها ... سوابق دمع ما يجف غزير PageV01P060 أأنت ~~الذي خيرت أنك باكر ... غداة غد أو رائح فمهجر # فقلت يسير بعض شهر أغيبه ... وما بعض يوم غيبه بيسير # أحين عصيت العاذلين إليكم ... ونازعت حبلي في هواك أميري # وباعدني فيك الأقارب كلهم ... وباح بما يخفي اللسان ضميري # فقلت لها قول امرئ شفه الهوى ... إليها ولو طال الزمان فقير # فما أنا إن شطت بي الدار أو دنت ... بي الدار عنكم فاعلمي بصبور # وقال آخر: # إذا ريع قلبي بالفراق تحدرت ... دموعي من وجد عليك دخيل # لعمري لموت يعتريني فجاءة ... أحب إلي من فراق خليل # وقال أيضا: # أيا كبدي حم الفراق ولم أجد ... لنفسي مما حاذرت من يجيرها # كأن فؤادي عظم ساق مهيضة ... عنيف مداويها بطيء جبورها # فإن عصبوها بالجبار توجعت ... وإن تركوها زاد صدعا نفورها # غدا تصبح الخود المليحة غربة ... تزار وتغشي لست ممن يزورها # وقال توبة بن الحمير: # كأن القلب ليلة قيل يغدى ... بليلى العامرية أو يراح # قطاة غرها شرك فباتت ... تجاذبه وقد علق الجناح # فلا في الليل نامت فاطمأنت ... ولا في الصبح كان لها براح # وقال آخر: # أبيت والهم تغشاني طوارقه ... من خوف روعة بين الظاعنين غدا # قد صدع القلب حزن لا ارتجاع له ... إذ الانصداع النية العمدا # وقال آخر: # قالوا يسيرون لا ساروا بلى وقفوا ... ولا استقلت بهم للبين أكوار # إذا تحمل من هام الفؤاد به ... فلا أبالي أقام الحي أم ساروا # وقال آخر: # ما زلت من حذر التفرق مشفقا ... لو كان أغنى ذلك الإشفاق # وترى المحب قرير عين بالهوى ... حتى ينغصه عليه فراق # وقال آخر: # روعت بالبين حتى ما أراع به ... وبالتفرق في أهلي وجيراني # لم يترك الدهر لي خدنا أسر به ... إلا اصطفاه ببين أو بهجران # وقال آخر: # يحن إذا خاف الفراق من اجلها ... حنين المرجي وجهة لا يريدها # وكائن ترى من صاحب حيل دونه ... ومتبع إلف نظرة لا يعيدها # ولبعض أهل هذا العصر: # على كبدي ms099 من خيفة البين لوعة ... يكاد لها قلبي أسى يتصدع # يخاف وقوع البين والشمل جامع ... فيبكي بعين دمعها متسرع # فلو كان مسرورا بما هو واقع ... كما هو مسرور بما يتوقع # لكان سواء برؤه وسقامه ... ولكن وشك البين أدهى وأوجع # وأكثر استظهار خوف الفراق إنما هو على المتيمين والعشاق الذين استغرقهم ~~الضعف بأحبابهم وجرت خلائق أحبتهم على نهاية محلهم فآمالهم مقصورة إلى ~~الحذر من زوالهم فأما من قد خرج عن حدود العشاق والمتيمين إلى مرتبة ~~المولهين فإن حذاره من الخيانة والغدر يشغله عن محاذرة الفراق والهجر. # وقال توبة بن الحمير: # قالت مخافة بيننا وبكت له ... والبين مبعوث على المتخوف # لو مات شيء من مخافة فرقة ... لأماتني للبين طول تخوفي # ملأ الهوى قلبي فضقت بحمله ... حتى نطقت به بغير تكلف PageV01P061 فليلى ~~الأخيلية عفا الله عنا وعنها إن كان ما حكاه لنا توبة عنها في البيت الثاني ~~حقا فإنها كانت جاهلة بأحوال العشاق غافلة عما تولده روعات الفراق ولعمري ~~إن من مراثيها في توبة بعد وفاته لدالة على أنها لم تتعلق من الهوى إلا ~~بأطرافه إذ لو كان الهوى قد بلغ بها أقصى الحال كانت حياتها بعد وفاة توبة ~~ضربا من المحال وما أحصي ما اتصل بي من أخبار من تخوف بمفارقة حبيبه فتلف ~~من ساعته ولقد اتصل بي خبر لم أسمع بأعجب منه وإن صاحبته وليلى الأخيلية ~~لفي الطرفين هذه عندها أنه لا يموت أحد من مخافة فرقة وتلك تلفت من جريان ~~خاطر بالفراق على قلبها من غير أن يؤدي ذلك إليه ناظرها ولا سمعها ذكر أبو ~~مالك الراوية أنه سمع الفرزدق يقول أبق غلامان لرجل من بني نهشل يقال له ~~الخضر قال فخرجت في طلبهما وأنا على ناقة لي عنساء أريد اليمامة فلما صرت ~~في ماء لبني حنيفة ارتفعت لي سحابة فرعدت وبرقت وأرخت عزاليها فعدلت إلى ~~بعض ديارهم وسألتهم القرى فأجابوا فدخلت الدار وأنخت الناقة وجلست تحت ~~ظلالهم من جريد النخل وفي الدار جويرية سوداء إذ دخلت الدار جارية كأنها ~~فلقة ms100 قمر وكأن عينيها كوكبان دريان فسألت السوداء لمن هذه العنساء فقالت ~~لضيفكم هذا فعدلت إلي فقالت السلام عليك فقلت وعليك السلام فقالت لي من ~~الرجل فقلت من بني حنظلة فقالت من أي بني حنظلة قلت من بني نهشل قالت فأنت ~~الذي يقول فيك الفرزدق: # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتا دعائمه أعز وأطول # بيتا زرارة محتب بفنائه ... ومجاشع وأبو الفوارس نهشل # قال قلت نعم فتبسمت وقالت فإن ابن الخطفى جرير هدم عليه بيته هو الذي ~~يقول: # أخزى الذي رفع السماء مجاشعا ... وبنى بناءك بالحضيض الأسفل # بيتا يحمم قينكم بفنائه ... دنس مقاعده خبيث المدخل # قال فأعجبتني فلما رأت ذلك في وجهي قالت إلى أين تؤم قلت اليمامة قال ~~فتنفست الصعداء ثم قالت ها هي تلك أمامك ثم أنشأت تقول: # تذكرني بلادا خير أهلي ... بها أهل المروءة والكرامة # ألا فسقى المليك أجش صوب ... يدر بسحه تلك اليمامة # وحيى بالسلام أبا نجيد ... فأهل للتحية والسلامة # قال فأنست بها فقلت أذات خدن أم ذات بعل فأنشأت تقول: # إذا رقد الخلي فإن عمرا ... تؤرقه الهموم إلى الصباح # تقطع قلبه الذكرى وقلبي ... فلا هو بالخلي ولا بصاح # سقى الله اليمامة دار قوم ... بها عمرو يحن إلى الرواح # قال فقلت لها من عمرو فأنشأت تقول: # فإن تك ذا قبول إن عمرا ... هو القمر المضيء لمستنير # وما لي بالتبعل مستراح ... ولو رد التبعل لي أسيري # قال ثم سكتت سكتة كأنها تستمع إلى كلامي ثم تهافتت وأنشأت تقول: # يخيل لي أبا عمرو بن كعب ... كأنك قد حملت على سرير # فإن يك هكذا يا عمرو إني ... مبكرة عليك إلى القبور # قال ثم شهقت فماتت فقلت لهم من هذه قالوا هذه عقيلة بنت الضحاك بن ~~النعمان بن المنذر بن ماء السماء قلت ومن عمرو هذا قالوا ابن عمها قال ~~فارتحلت من عندهم فدخلت اليمامة فسألت عن عمرو فإذا به قد دفن في ذلك الوقت ~~من ذلك اليوم. # الباب الثاني والعشرون # قل من سلا إلا غلبه الهوى # من كان سلوه تابعا ms101 لظفره بما من أجله كان ابتداء محبته فإن الهجر والفراق ~~لا يعيدان له هوى ولا يتبعان على ضميره أسى ومن كانت طبيعته بمشاكلة طبيعته ~~فسلا لضجرة لحقته من مخالفة محبوبه أو من تعذر بعض مطلوبه أو لتأذ بحاجب أو ~~رقيب أو لملال من سعاية واش أو عذول فإن أدنى عارض يطيف به من فراق أو هجر ~~أو من مخافة خيانة أو غدر يعيد عليه قلق الإشفاق ويرده بعد السلو إلى مواقف ~~العشاق وربما ألم بمن هذه صفته في المنام طائف من خيال فرده إلى أتم ما كان ~~عليه من الحال. # وقال البحتري: PageV01P062 لي خليل قد لج في الصرم جدا ... وأعاد الصدود ~~منه وأبدى # ذو فنون يريك في كل يوم ... خلقا من جفائه مستجدا # يتأبى منعا وينعم إسعا ... فا ويدنو وصلا ويبعد صدا # أغتدي راضيا وقد بت غضبا ... ن وأمسي مولى وأصبح عبدا # أتراني مستبدلا بك ما عش ... ت بديلا أو واجدا منك ندا # حاش لله أنت أفتن ألحا ... ظا وأحلى شكلا وأملح قدا # أما هذا الشعر فمن أضعف شيء أعرف وذلك أن صاحبه إنما استحسن صورة وقدا ~~فمتى تغير حسنها أو رأى ما هو أحسن في عينه منها اتبعه وتركها على أنه مع ~~افتقاره إلى خليله وعدمه لشكله ونظيره منتقلا في هواه فمرة يتسخط ومرة ~~يترضاه حتى يمسي مولى ويصبح عبدا وهذه حال خسيسة فإن كان لا بد للمحب من ~~التباعد عن المحبوب فليكن ذلك ظاهرا في الأفعال غير معتقد في القلوب. # كما قال عبد الله بن أبي الشيص: # إن لم أرى بفناء بيتك واقفا ... فالقلب محتبس عليه وواقف # هذي الجفون فضمنيهن الهوى ... وثقي بهن فإنهن عفائف # لا يكتحلن من الخدود بزهرة ... حتى تعطف بي إليك عواطف # أنت التي غمر الضمائر حبها ... فلها التليد من الهوى والطارف # وكأن لي قلبين عندك واحد ... دان وآخر عن ديارك عازف # وكما قال البحتري: # الدار تعلم أن دمعي لم يغض ... فأروح حامل منة من مسعد # ما كان لي جلد فيودي إنما ... أودى غداة الظاعنين ms102 تجلدي # وكما قال بعض أهل هذا العصر: # لقد باعدت عنك أخا شقيقا ... عليك فلا يغرك حسن صبري # فلو جمع الأنام لكنت فردا ... أحبهم إلي بكل سعر # فلا تحسب رعاك الله أني ... غدرت ولا هممت لكم بغدر # فوالله العظيم لو ان قلبي ... أحب سواك لم أسكنه صدري # وأعظم ما ألاقي منك أني ... أدوم على الوفاء ولست تدري # وهذا أتم من قول بشار: # أهم بأن أقول وددت أني ... سلوت فما يطاوعني لساني # لأن بشارا خبر أنه قد هم ثم امتنع ومن لم يرد أن يقدر أتم ممن أراد ذلك ~~فلم يقدر وأنقص من بشار في هذه الحال. # أبو المنيع الحضرمي حيث يقول: # ألم ترني أزمعت صرما وهجرة ... لليلى فلم أسطع صدودا ولا هجرا # وما مر يوم دونها إن هجرتها ... ولا ساعة إلا أجد لها ذكرا # فيا عجبا من وصلي الحبل كي يرى ... جديدا وقد أمست علائقه بترا # فإن تصبحي بعد التجاوز والهوى ... صددت فقد غادرت في كبدي عقرا # والأحوص بن محمد حيث يقول: # أدعو إلى هجرها قلبي فيتبعني ... حتى لقد قلت هذا صادق نزعا # قد زاده كلفا بالحب أن منعت ... أحب شيء إلى الإنسان ما منعا # وكم دني لها قد صرت أتبعه ... ولو صحا القلب عنها كان لي تبعا # ومحمد بن بشير حيث يقول: # ولقد أردت الصبر عنك فعاقني ... علق بقلبي من هواك قديم # يبقى على حدث الزمان وريبه ... وعلى جفائك إنه لكريم # وذو الرمة حيث يقول: # إذا قلت أسلو عنك ما مي لم يزل ... محل لداري من ديارك ناكس # فكيف بمي لا توآتيك دارها ... ولا أنت طاوي الكشح عنها فيائس # وللبحتري: # وإذا هممت بوصل غيرك ردني ... وله عليك وشافع لك أول # وأعز ثم أزل ذلة عاشق ... والحب فيه تعزز وتذلل # ولبعض أهل هذا العصر في هذا النحو وإن لم يكن على ذلك التمام في باب ~~النقصان: # أيا حالفا أني على العهد ناكث ... تأكد رعاك الله أنك حانث # تجنيت مذ عامين ذنبا لم اجنه ... عليك وهذا العام قد تم ثالث # إذا عرضت ms103 نفسي فقمت بسلوة ... أما ذاك إشفاق قديم وحادث PageV01P063 تسحب ~~على صرف الليالي ولا ترع ... فجرمك منسي وحبك لابث # وكل أذى تأتيه كيما تملني ... فذاك على ألا أملك باعث # وقال الحسين بن الضحاك: # كأني إذا فارقت شخصك ساعة ... لفقدك بين العالمين غريب # وقد رمت أسباب السلو فخانني ... ضمير عليه من هواك رقيب # فما لي إلى ما تشتهين مسارع ... وفعلك مما لا أحب قريب # أغرك صفحي عن ذنوب كثيرة ... وغضي على أشياء منك تريب # كأن لم يكن في الناس قبلي متيم ... ولم يك في الدنيا سواك حبيب # إلى الله أشكو إذ ذكرت فلم يكن ... بشكواي من عطف الحبيب نصيب # وقال محرز العكلي: # يظل فؤادي شاخصا من مكانه ... وراء الغواني مستهاما متيما # إذا قلت مات الشوق منه تنسمت ... له أريحيات الصبى فتنسما # وقال آخر: # لعمرك ما يدري غني بن مالك ... لعل الهوى بعد التجلد قاتله # وما تحدث الأيام والدهر لم تزل ... لليلى كثيرات الهوى وقلائله # وقال قيس بن ذريح: # وإني وإن أزمعت عنها تجلدا ... على العهد فيما بيننا لمقيم # إلى الله أشكو فقد لبنى كما شكا ... إلى الله فقد الوالدين يتيم # ولبعض أهل هذا العصر: # أبى لي الوفاء دوام الجفا ... وحل الحنين عديم العزا # قعدت إلى الوصل مستعطفا ... وقد كنت قبل شديد الإبا # وإني لفي طول كتم الهوى ... وستريه عنك بفرط الجفا # كمن ينفخ البوق مستخفيا ... ويضرب بالطبل تحت الكسا # فيا قلب ويحك كن حازما ... إذا تاه رام سبيل النجا # ولا تك ذا عزمة جاهلا ... إذا ما اعتدى لج في الاعتدا # فسل الحقود برعي العهود ... وداو الجفاء برعي الوفا # فأوجع من حمل عتب الصفا ... زوال الصفاء وقطع الإخا # فسامح هواك وكن مدنفا ... أحب الدواء لحب الشفا # وأنشدني أحمد بن يحيى لمجنون بني عامر: # وداع دعا إذ نحن بالخيف من منى ... فهيج أطراب الفؤاد وما يدري # دعا باسم ليلى غيرها فكأنما ... أطار بليلى طائرا كان في صدري # وزادني غيره: # عرضت على قلبي العزاء فقال لي ... من الآن فاجزع لا أغرك بالصبر # فهذا على كل ms104 حال أقرب إلى درجة الكمال لأنه إنما يخبر أن اشتياقه ظهر بعد ~~أن كان كامنا وأنه عرض على قلبه العزاء فأبى عليه إلا الوفاء وظهور الشوق ~~بعد كمونه أحسن من رجوع العشق بعد سكونه وفي هذا المعنى الذي اخترناه. # يقول امرؤ القيس: # سما لك شوق بعد ما كان أقصرا ... وحلت سليمى بطن خبت فعرعرا # كنانية باتت وفي الصدر ودها ... مجاورة النعمان والحي يعمرا # وفي ضده هذا المعنى الذي ذممناه بقول الملتمس: # صبا من بعد سلوته فؤادي ... وأسمح للقرينة بالقياد # كأني شارب يوم استقلوا ... وحث بهم إلى الموماة حادي # عقارا عتقت في الدن حتى ... كأن حبابها حدق الجراد # وقال البحتري: # عناني من صدودك ما عناني ... وعاودني هواك كما بداني # وذكرني التباعد ظل عيش ... لهونا فيه أيام التداني # ألام على هوى الحسناء ظلما ... وقلبي في يد الحسناء عاني # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لزياد بن منقذ: # لا حبذا أنت يا صنعاء من بلد ... ولا شعوب هوى منا ولا نقم # وحبذا حيث تمسي الريح باردة ... وادي أشي وفتيان به هضم # ألموسعون إذا ما جر غيرهم ... على العشيرة والكافون ما جرموا # لم ألق بعدهم قوما فأخبرهم ... إلا يزيدهم حبا إلي هم # مخدمون ثقال في مجالسهم ... وفي الرجال إذا صاحبتهم خدم PageV01P064 وقال ~~امرؤ القيس: # تأوبني دائي القديم فغلسا ... أحاذر أن يزدادني فأنكسا # ولم يرم الدار الكئيب فشعشعا ... كأني أنادي أو أكلم أخرسا # فلو أن الدار فيها كعهدهم ... وجدت مقيلا فيهم ومعرسا # فلا تنكريني إنني أنا جاركم ... ليالي حل الحي غولا فألعسا # وقال آخر: # وقد كنت قبل اليوم أحسب أنني ... ذلول لأيام الفراق أريب # فأشرفت يوما للوداع فشاقني ... وذو الشوق في أعلى اليفاع طروب # فما برحت نفسي تساقط أنفسا ... وتجمد روحي مرة وتذوب # وقال بشار: # إرجع إلى سكن تعز به ... أفد الزمان وأنت منفرد # نرجو غدا وغد كحاملة ... في الحي لا يدرون ما تلد # وقال أبو تمام: # ألبين جرعني نقيع الحنظل ... والبين أثكلني وإن لم أثكل # ما حسرتي أن كدت أتلف إنما ... حسرات نفسي ms105 أنني لم أفعل # كم منزل في الأرض يألفه الفتى ... وحنينه أبدا لأول منزل # نقل فؤادك حيث شئت من الهوى ... ما الحب إلا للحبيب الأول # وقال زرعة الجعدي: # إذا ما التقينا بعد شحط من النوى ... تعرض بخل بيننا متتابع # أهاب وأستحيي فلست بقائل ... صليني ولا معروفها لي نافع # رمت عين من تهوى بعين خلية ... وأخرى إلينا بالمودة طائع # إذا الموت نسى حب ليلى فإنه ... إذا راجعت نفسي الحياة لراجع # وقال الوليد بن عبيد الطائي: # أحبب إلي بطيف سعدى الآتي ... وطروقه في أعجب الأوقات # أنى اهتديت لمحرمين تصوبوا ... لسفوح مكة من ربى عرفات # ذكرتنا عهد الشآم وعيشنا ... بين القنان السود فالهضبات # إذ أنت شكل موافق ومخالف ... والدهر فيك ممانع ومؤات # أبني عبيد شد ما احترقت لكم ... كبدي وفاضت فيكم عبراتي # ألقى مكارمكم شجى لي بعدكم ... وأرى سوابق دمعكم حسراتي # لم تحدث الأيام لي بدلا بكم ... أيهات من بدل بكم أيهات # وقال آخر: # إذا قيل أن النأي يسليك ذكرها ... ألم خيال من أميمة يسعف # فمن لامني في أن أهيم بذكرها ... تكلف من وجد بها ما أكلف # فإذا كان طيف الخيال يرد الهوى على من قد سلاه ويذكر عهد الصبا من قد ~~تناساه فما ظنك بحضور الفراق والهجران ومقاساة الاستبدال بالإخوان هذه ~~أحوال لا يقاومها الجفاء ولا يعارضها العزاء غير أن من كان سلوه سلو ~~استغناء لم يكترث لورود شيء من هذه الأشياء. # الباب الثالث والعشرون # من غلبه هواه على الصبر # من غلبه هواه على الصبر صبر لمن يهواه على الغدر # هذه الحال ليست جارية على الترتيب فيقع لصاحبها عذر أو تأنيب لأنها حال ~~قد تجاوزت حد العشق برضى المحب بكل فعل المحبوب وهو صاح عنها فأوقع له ~~اختياره الرضى بها والمحبة معها ثم تبعتها أشياء من غير جنسها إلا أنها ~~ليست هتكا لحجاب المودة فاجتمعت معها وهذه حال وقعت بالمحبوب بعد أن وقع ~~الرضى من محبة بخلافها ثم وقع السخط منه بحدوثها والتباعد من صاحبها ثم ~~عرضت الحيرة التي لا تمييز معها فردته ms106 بالصغر إلى ما لا يرضاه وصيرته على ~~ما كان قبل وقوعه يخشاه وبين الرضى الاختياري وبين الرضى الاضطراري بون ~~بعيد. # قال ذو الرمة: # أجدك قد ودعت مية إذ نأت ... فولى بقايا الحب إلا أمينها # وإني لطاو سرها موضع الحشا ... كمون الثرى في عهدة يستبينها # لئن زوجت مي خنيسا لطال ما ... بغى منذر ميا خليلا يهينها # تزينك إن جردتها من ثيابها ... وأنت إذا جردت يوما تشينها # ولما أتاني أن ميا تزوجت ... خنيسا بكى سهل المعى وحزونها PageV01P065 ~~فيا نفس ذلي بعد مي وسامحي ... فقد سامحت مي وذل قرينها # وقال عمر بن نجا: # أتى البخل دون الجود من أم واصل ... وضن علينا بالعطاء ضنينها # فلله دري يوم مالت مودتي ... إليها ولم ترجع إلي يمينها # وما خنتها إن الخيانة كاسمها ... ولا نصحت نفسي لنفس تخونها # مددت حبالا منك حتى تقطعت ... إلي وما خان الحبال متينها # فكيف أشعت السر أم واصل ... وما أخلص الأسرار إلا أمينها # وقال آخر: # أكر إلى ليلى وأحسب أنني ... كريم على ليلى وغيري كريمها # فأصبحت قد أجمعت هجرا لبيتها ... وفي العين من ليلى قذى ما يريمها # لئن آثرت بالود أهل بلادها ... على نازح من أرضها لا يريمها # وما يستوي من لا يرى غير لمة ... ومن هو عندها لا يريمها # وقال بعض الأعراب: # شكوت إلى رفيقي الذي بي ... فجاءاني وقد جمعا دواء # وجاءا بالطبيب ليكوياني ... وما أبغي عدمتهما اكتواء # فلو ذهبا إلى ليلى فشاءت ... لأهدت لي من السقم الشفاء # تقول نعم سأقضي ثم تلوي ... ولا تنوي وإن قدرت قضاء # أصارمة حبال الوصل ليلى ... لأخضع يدعي دوني ولاء # ومؤثرة الرجال علي ليلى ... ولم أؤثر على ليلى النساء # ولو كانت تسوس البحر ليلى ... صدرنا عن شرائعه ظماء # فمرا صاحبي بدار ليلى ... جعلت لها وإن بخلت فداء # أريتك إن منعت كلام ليلى ... أتمنعني على ليلى البكاء # ولبعض أهل هذا العصر: # وتزعم للواشين أني فاسد ... عليك وأني لست مما عهدتني # وما فسدت لي يشهد الله نية ... ولكنما استفسدتني فأتهمتني # غدرت بعهدي عامدا وأخفتني ... فخفت ولو آمنتني ms107 لأتمنتني # إلى الله أشكو لا إليك فطالما ... شكوت الذي ألقى إليك فزدتني # وله أيضا: # أفوض أسبابي إلى الله كلها ... وأقنع بالمقدور فيها وأرتضي # واسمح بالتفويض حتى إذا انتهى ... ضميري إلى ما بيننا لم أفوض # وبالله لو خيرت بينك غادرا ... وبين كلا الملكين تخيير مقتض # رضيتك حظا منهما غير أنني ... بهذا الذي ترضاه لي غير مرتض # وله أيضا: # أبت غلبات الشوق إلا تقربا ... إليك ونأي العذل إلا تجنبا # علي رقيب منك خال بمهجتي ... إذا أنا سهلت اطراحك صعبا # فها أنذا وقف عليك مجرب ... إذا ما نبا بي مركب رمت مركبا # وما كان صدي عنك صد ملالة ... ولا كان إقبالي عليك تطربا # ولا كان ذاك العذل إلا نصيحة ... ولا ذلك الإغضاء إلا تهيبا # ولا الهجر إلا فرط من ولا الرضى ... بلا سبب إلا اشتياقا معذبا # ومن يمنع العذب الزلال ويمتنع ... من الشرب من سؤر الكلاب تغضبا # خليق إذا لم يستطع شرب غيره ... وخاف المنايا أن يذل فيشربا # إذا المرء لم يقدر له ما يريده ... أراد الذي يقضى له شاء أم أبى # وأنشد أعرابي ببلاد نجد: # فيا عجبا من صوني الود في الحشا ... لمن هو فيما قد بدا لي واتر # ومن طلبي بالود ثأري ولم يكن ... ليدرك تبلا بالمودة ثائر # فيا عجبا مني ومنها تضيعني ... وأحفظها هذا اختلاف السرائر # ويا عجبا كيف اتفقنا فناصح ... مصر ومطوي على الغش غادر # وقال البحتري: # مغترب الدار إن أرضه أجد ... مسافة النجم دون مغتربه # راجعته القول في ملاطفة ... أهرب من صدقه إلى كذبه # وقال آخر: # سأعرض بالشك دون اليقين ... حتى أحسن غير الحسن # وأقنع إذ خنتني معلنا ... بقولك في السر لي لم أخن PageV01P066 وقال مسلم ~~بن الوليد: # سلوت وإن قال العواذل لا يسلو ... وأقسمت لا يرقى إلى سمعي العذل # أجارتنا ما في فراقك راحة ... ولكن جرى قول فأنت به بسل # أما واغتيال الدهر خلة بيننا ... لقد غال إلفا ساكنا بهم الشمل # فما بي إلى مستطرف العيش وحشة ... وإن كنت لا مال لدي ولا أهل # تتالى بك الأمر ms108 الذي تكرهينه ... إلى الحلم بالعتبى وقد سبق الجهل # عليك سلام من أخ كان صاحبا ... به تنزل الشكوى ويحتمل الثقل # إذا تم حال وهو غاية من بكى ... حلا بعدك العيش الذي قلت لا يحلو # وهذا كلام يستغني قارئه بقراءته عن التنبيه على تناقضه واستحالته ولا عذر ~~في ذلك إلا غلبة الحيرة على قائله وفي دون هذه الحال ما يذهل العقول ويطيش ~~الألباب وليس العجب ممن أخطأ في هذا وإنما العجب ممن أصاب. # وقال علي بن محمد العلوي: # ليالي يألفك الغانيات ... وكن وكنت صغيرا صغارا # وقد كنت تملك ألحاظهن ... فصرن يعرنك لحظا معارا # فأصبحن أعقبن بعد الوداد ... بعادا وبعد السكون النفارا # لا غرني غرر الحادثات ... وقد كنت أوسعهن اغترارا # وقال البحتري: # أخفي هوى في الضلوع وأظهر ... وألام في كمد عليك وأعذر # وأراك خنت على النوى من لم يخن ... عهد الهوى وهجرت من لا يهجر # وطلبت منك مودة لم أعطها ... إن المعنى طالب لا يظفر # هل دين علوة يستطاع فيقتضى ... أو ظلم علوة يستفيق فيقصر # وقال أيضا: # تمادى بها وجدي وملك وصلها ... خلي الحشا في وصلها جد زاهد # وما الناس إلا واجد غير مالك ... لما يبتغي أو مالك غير واجد # سقى الغيث أكتاف الحمى من محلة ... إلى الحقف من رمل اللوى المتقاود # وقال آخر: # طلبت أخا محضا صحيحا مسلما ... نقيا من الآفات في كل موسم # لأمنحه ودي فلم أدرك الذي ... طلبت ومن لي بالصحيح لمسلم # وقال الأحوص: # قد ودعتك وداع الصارم القالي ... نعم وداع بناء غير إذلال # وعاد ما ودعتني من مودتها ... بعد المواثيق كالجاري من الآل # فقلت لما أتاني أنها خترت ... وطاوعت قول أعدائي وعذالي # إن تصرم الحبل أو ترض الوشاة بنا ... أو تمس قد رضيت منا بأبدال # فقد أراها وما تبغي بنا بدلا ... ولا تطيع بنا في سالف الحال # أبقى لها الدهر من ودي الذي عهدت ... أمرين لم يبرحا مني على بال # شوقا إليها إذا بتت مناسبها ... يوما وأبصرت منها رسم أطلال # وحفظ ما استودعت عندي وقد زعمت ... أن ليس يحسن ms109 حفظ السر أمثالي # إن كان يسلي فؤادي ما أتيت به ... فلا رجعت إلى أهلي ولا مالي # جهدا لأعلمها الود الذي عهدت ... عندي وأكدت أقوالا بأقوال # وقال أيضا: # متى ما تحلي من ذرى الأرض تلعة ... أزرك ويكثر حيث كنت ترددي # وإن كدت شوقا موهنا وذكرتها ... لأرجع بالروحاء عودي على بدي # وقلت لعيني قد شقيت بذكرها ... فجودي بماء المقلتين أو اجمدي # أجدك تنسى أم عمرو وذكرها ... شعارك دون الثوب في كل مرقد # فإن تتبعها تغض عينا على القذى ... وإن تجتنبها بعد ما نلت تكمد # أما من دعته الضرورة إلى الصبر على من غدر به فلا مدخل لنا في أمره وأما ~~من يتمنى لإلفه أن يميل إلى حب غيره ليكون ذلك عاطفا له عليه وداعيا له إلى ~~وصله فهو من الحمق في محل قل ما يتهيأ مثله وما أحسب من هذه صفته يكون إلا ~~داخلا في جملة من وقعت لهم المحاب لتنفيذ ضرب من الشهوات. # وقال بعض المحدثين: PageV01P067 ولما بدا لي أنها ما تحبني ... وأن فؤادي ~~ليس عنها بمنسلي # تمنيت أن تهوى سواي لعلها ... تذوق حرارات الهوى فترق لي # وأحس من هذا ومن كل ما تقدمه قول الآخر: # والله لا نظرت عيني إليك ولا ... سالت مساربها شوقا إليك دما # إلا رياء لدفع القول عنك ولا ... نازعتك الدهر إلا مكرها كلما # إن كنت خنت فلم أضمر خيانتكم ... والله يأخذ ممن خان أو ظلما # سماحة لمحب خان صاحبه ... ما خان قط محب يعرف الكرما # هذا البائس قد ألزم نفسه قطيعة من غدر به وصبرها على المكروه كله إلا أنه ~~مع ذلك غير مضيع لما في ذمته من رعاية صاحبه بنفي الظنون عنه وهذا أكثر ما ~~يمكن من الرعاية أو أتم ما يتهيأ من الصيانة لمن بادر بالخيانة ولمن ضيع ~~حقوق الأمانة ومن منع نفسه من طاعة الاشتياق وهو بعد مقيم تحت راية الإشفاق ~~فقد قدر على أمر عظيم وظفر بحظ جسيم. # وقال جميل: # أتوني فقالوا يا جميل تبدلت ... بثينة أبدالا فقلت لعلها # وعل حبالا كنت ms110 أحكمت عقدها ... أتيح لها واش رفيق فحلها # وحدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال: حدثنا عبد الملك بن شبيب ~~قال: حدثنا مشيختنا قال: بينما الحكم بن عمر الغفاري صاحب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يسير بخراسان في بعض البلاد وهو واليها إذ سمع في بعض ~~غياطلها رجلا يغني بهذين البيتين: # تعز بصبر لا وجدك لا ترى ... بوادي الحصى أخرى الليالي الغوابر # كأن فؤادي من تذكره الحمى ... وأهل الحمى يهفو به ريش طائر # فوقف وقال علي بالرجل فأتي به فقال ويحك ما أنت؟ قال رجل من أهل نجد من ~~بني عامر كنت في الدهر من بني عامر فقال: هل لك في الحمى؟ فقال ما لي إلى ~~ذلك سبيل ولي بالبلاد أهل وولد قال فإني أحمل معك أهلك وولدك قال فكيف ~~بالمعاش لا حاجة لي في هذا قال ما من ذلك بد وأمر به أن يحمل قال فاضطرب في ~~أيديهم حتى مات وهذا من أعجب ما سمعت في معناه ولا أعرف لهذا الرجل عذرا في ~~الفرار من الموضع الذي يهواه إلا أن يكون قد اتصل به عن محبوبه من الغدر ما ~~لا تنبسط على مثله يد الصبر فكان المقام على الفراق والتجلد على دواعي ~~الاشتياق أهون عليه من مشاهدة ما لا طاقة له به عند التلاق. # الباب الرابع والعشرون # من تجلد على النوى فقد تعرض للبلا # اجتراء العشاق على المبادرة إلى الفراق يكون إما لنفي أقوال الوشاة عنهم ~~وعن أنفسهم وإما لضجرة تلحقهم من مكروه يقع بهم وإما لنشاط في النفس وزهد ~~ليحقها لقوة الظفر بما قد حصل لها فترى نفسها أجل من محبوبها لأنها مالكة ~~ولا شيء في العالم يعدله وهو وإن كان مالكا لها فإنها لا ترى نفسها في حد ~~ما يفتخر بملكه فهي لهذه العلة تتكبر عليه. # ولبعض أهل هذا العصر: # أصول به تيها عليه فمن رأى ... من الناس قبلي عاشقا يتصلف # إذا خفت منه الغدر أبى توافيا ... يزول به خوفي ويبقى التخوف # وربما أعرض العاشق عن ms111 المعشوق إما من جهة الامتحان للصبر وإما لتجديد ~~حاله عند محبوبه وكثيرا ما يجري الأمر في ذلك على ضد تقديره. # وفي هذا النحو يقول بعض أهل هذا العصر: # ألا يا قومي للهوى المتزايد ... وطول اشتياق الراحل المتباعد # رحلت لكي أحظى إذا أبت قادما ... فأوردني الترحال سوء الموارد # كأني لديغ حار عن كنه دائه ... طبيب فداواه بسم الأساود # فمال مع الداء القديم دواؤه ... فيا لك من داء طريف وتالد # وقال أبو تمام: # هي البدر يغنيها تودد وجهها ... إلى كل من لاقت وإن لم تودد # على أنني لم أحو وفرا مجمعا ... ففزت به إلا بشمل مبدد # ولم تعطني الأيام نوما مسكنا ... ألذ به إلا بنوم مشرد # وطول مقام المرء في الحي مخلق ... لديباجتيه فاغترب تتجدد PageV01P068 ~~فإني رأيت الشمس زيدت محبة ... إلى الناس أن ليست عليهم بسرمد # وله أيضا: # أقلبي قد أضاق بكاك ذرعي ... وما ضاقت بنازلة ذراعي # أآلفة النحيب كم افتراق ... ألم فكان داعية اجتماع # وليست فرحة الأوبات إلا ... لموقوف على ترح الوداع # وقال زهير بن أبي سلمى: # لعمرك والخطوب معبرات ... وفي طول المعاشرة التقالي # لقد باليت مظعن أم أوفى ... ولكن أم أوفى لا تبالي # وقال آخر: # وأعرض حتى يحسب الناس إنما ... بي الهجر لا والله ما بي لك الهجر # ولكن أروض النفس أنظر هل لها ... إذا فارقت يوما أحبتها صبر # وقال آخر: # سأرفض ما يخاف علي منه ... وأترك ما هويت لما خشيت # لسان المرء ينبي عن نجاه ... وعي المرء يستره السكوت # وقال آخر: # وكنت كذي داء وأنت دواؤه ... فهبني لدائي إذ منعت شفائيا # شفائي أن تختصني بكراهة ... وتدرأ عني الكاشحين الأعاديا # فإلا تنلني من يديك كرامة ... أول وأصبح من قرى الشآم خاليا # وأرضى بأخرى قد تبدلت إنني ... إذا ساءني واد تبدلت واديا # وإلف صبرت النفس عنه وقد أرى ... غداة فراق الحي ألا تلاقيا # وقد قادني الجيران حبا وقدتهم ... وفارقت حتى ما تحن جماليا # وقال آخر: # وفارقت حتى ما أبالي من النوى ... وإن بان جيران علي كرام # فقد جعلت نفسي على النأي ms112 تنطوي ... وعيني على فقد الحبيب تنام # وقال عمر بن أبي ربيعة: # وكم من خلة أعرضت عنها ... لغير قلى وكنت بها ضنينا # أردت فراقها فصددت عنها ... ولو جن الفؤاد بها جنونا # وقال عمر بن نجا: # تقطع منها الود إلا بقية ... وحال الهوى عما تريد فأبعدا # فأصبح هذا النأي شيئا كرهته ... عسى أن ترى ما تكره النفس أرشدا # ولم أر منها غير مقعد ساعة ... به اختبلت عقلي فيا لك مقعدا # وقال أبو تمام: # تصدت وحبل البين مستحصد شزر ... وقد سهل التوديع ما وعر الهجر # بكته بما أبكته أيام صدرها ... خلي وما يخلو له من هوى صدر # وقالت أتنسى البدر قلت تجلدا ... إذا الشمس لن تغرب فلا طلع البدر # فأبدت حنانا من دموع نظامها ... على الخد إلا أن صائغها الشفر # وما الدمع ثان عزمتي ولو انها ... سقى خدها من كل عين لها شفر # وقال آخر: # إذا ما أراد الغزو لم يثن همه ... حصان عليها نظم در يزينها # نهته فلم تر النهي عاقه ... بكت فبكى مما عناها قطينها # وأنشدني أحمد بن يحيى النحوي: # لم أنس يوم الرحيل عبرتها ... وطرفها في دموعها غرق # وقولها والركاب واقفة ... تتركني هكذا وتنطلق # وقل من اجترأ هذا الضرب من الاجتراء وحمل نفسه على هذه الفظاظة والجفاء ~~إلا كان سريع الندم على صنيعه شديد الأسف على تصنيعه فكان كالذي يقول معنفا ~~لنفسه وموبخا لها عند ما نزل به: # بكيت دما حتى القيامة والحشر ... ولا زلت مغلوب العزيمة والصبر # أتظعن طوع النفس عمن تحبه ... وتبكي كما يبكي المفارق عن صغر # أقم لا تسر والهم عنك بمعزل ... ودمعك باق في جفونك لا يجري # وكالذي يقول: # أتظعن عن حبيبك ثم تبكي ... عليه فمن دعاك إلى الفراق # كأنك لم تذق للبين طعما ... فتعلم أنه مر المذاق # أقم وانعم بطول القرب منه ... ولا تظعن وتكتب باشتياق # فما اعتاض المفارق من حبيب ... ولو يعطى الشآم مع العراق # وقال يزيد بن الطثرية: PageV01P069 أتبكي على ليلى ونفسك باعدت ... مزارك ~~من ليلى وشعباكما معا # وما حسنا أن تأتي الصرم ms113 طائعا ... وتجزع أن داعي الصبابة أسمعا # قفا ودعا نجدا ومن حل بالحمى ... وقل لنجد عندنا أن يودعا # وأذكر أيام الحمى ثم ألتوي ... على كبدي من خشية أن تصدعا # وليست عشيات الحمى برواجع ... عليك ولكن خل عينيك تدمعا # وقال أبو تمام: # أصغى إلى البين مغترا فلا جرما ... إن النوى أسأرت في عقله لمما # أصمني سرهم أيام فرقتهم ... هل كنت تعرف شيئا يورث الصمما # نأى فظلت لوشك البين مقلته ... تبدي نجيعا ويبدي جسمه سقما # أظله البين حتى أنه رجل ... لو مات من شغله بالبين ما علما # وقال علي بن الجهم: # يا رحمتا للغريب في البلد النا ... زح ماذا بنفسه صنعا # فارق أحبابه فنا انتفعوا ... بالعيش من بعده ولا انتفعا # وقال المجنون: # فإن ترجع الأيام بيني وبينها ... بذي الأثل صيفا مثل صيفي ومربعي # أشد بأعناق النوى بعد هذه ... مرائر إن جاذبتها لم تقطع # وقال زياد بن أبي زياد: # أطعت بها قول الوشاة فلا أرى ال ... وشاة انتهوا عنا ولا الدهر اعتبا # فلا تك كالناسي الخليل إذا دنت ... به الدار والباكي إذا ما تغيبا # وقال هدبة بن خشرم: # ألا يا لقومي للنوائب والدهر ... وللمرء يردي نفسه وهو لا يدري # ألا ليت شعري هل إلى أم معمر ... على ما لقينا من ثناء ومن هجر # تباريح يلقاها الفؤاد صبابة ... إليها وذكراها على حين لا ذكر # فيا قلب لم يألف كإلفك آلف ... ويا حبها لم يغر شيء كما تغري # وما عندها للمستهام فؤاده ... بها إن ألمت من جزاء ومن شكر # وقال آخر: # بكرت عليك فهيجت وجدا ... بسرى الرياح وأذكرت نجدا # أتحن من شوق إذا ذكرت ... نجد وأنت تركتها عمدا # وقال آخر: # ألا هل إلى ليلى قبيل منيتي ... سبيل وهل للناجعين رجوع # إلى الله أشكو نية شقت العصا ... هي اليوم شتى وهي أمس جميع # لعمرك إني يوم جرعاء مالك ... لعاص لأمر العاذلين مضيع # مضى زمن والناس يستشفعون بي ... فهل لي إلى ليلى الغداة شفيع # ندمت على ما كان مني ندامة ... كما ندم المغبون حين يبيع # فقدتك من قلب ms114 شجاع فإنني ... نهيتك عن هذا وأنت جميع # وقربت لي غير القريب وأشرفت ... هناك ثنايا ما لهن طلوع # وقال الوليد بن عبيد الطائي: # قل للرياح إذا جريت فبلغي ... كبدي نسيما من جناب نسيم # أخدعت عنك وأنت بدر خادع ... لليل عن ظلم به وغيوم # وظلمت نفسي جاهدا في ظلمها ... فاسمع مقالة ظالم مظلوم # كرم الزمان ولمت فيك ولا أرى ... عجبا سوى كرم الزمان ولومي # لا كان حبي أين كان وأنت لي ... ملك وعهدي منك غير ذميم # الآن أطمع في الوصال ودوننا ... عين الرقيب وباب إبراهيم # وقال الأحوص: # فوا ندمي إذ لم أعج إذ تقول لي ... تقدم فشيعنا إلى ضحوة الغد # فأصبحت مما كان بيني وبينها ... سوى ذكرها كالقابض الماء باليد # وقال الحسين بن مطير الأسدي: # لقد كنت جلدا قبل أن توقد النوى ... على كبدي نارا بطيئا خمودها # وقد كنت أرجو أن تموت صبابتي ... إذا قدمت أيامها وعهودها # فقد جعلت في حبة القلب والحشا ... عهود الهوى تولى بشوق يعيدها # وقال آخر: # هممت بفرقة والموت فيها ... كأنك حتف نفسك تستثير # فلا تجسر على أمر قوي ... عليك فربما هلك الجسور PageV01P070 وقال قيس بن ~~ذريح: # وخبرتني يا قلب أنك صابر ... على الهجر من لبنى فسوف تذوق # فمت كمدا أو عش سقيما فإنما ... تكلفني ما لا أراك تطيق # وقال عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود: # فيا من لنفس لا تموت فينقضي ... عناها ولا تحيى حياة لها طعم # فذق هجرها قد كنت تزعم أنه ... رشاد ألا يا ربما كذب الزعم # وقال ابن الدمينة: # وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد # بكل تداوينا فلم يشف ما بنا ... على ذاك قرب الدار خير من البعد # وقال آخر: # وأكثر ما في النفس أني صرمتها ... ولم يتحول حبها عن فؤاديا # طلبنا دواء الحب عصرا فلم نجد ... من الحب إلا من يحب مداويا # الباب الخامس والعشرون # في الوداع قبل الفراق بلاغ إلى وقت التلاق # فعل الوداع وتركه نقص كله ممن قدر أن يرد الفراق عن ms115 نفسه وذلك إن الحزم ~~لأهل الهوى ألا يبسطوا على أرواحهم يد النوى فإن عذاب الهوى مع حضور ~~المحبوب ينغص العيش ويبرح القلوب فكيف إذا تحكم فيه سلطان الفراق وأمدت ~~صاحبه الفكر بخواطر الإشفاق والتهبت في الضمير لوعات الاشتياق حينئذ تسكب ~~العبرات وتتمكن الحسرات. # وقال حبيب بن أوس الطائي: # أما الهوى فهو العذاب فإن جرت ... فيه النوى فأليم كل أليم # فإن كان لا بد من فراق فلا يكن إلا بعد تشييع ووداع بلغني عن محمد بن ~~سيرين أنه قال إن كان لا بد من قيد فليكن مجليا. # وفي هذا المعنى يقول بعض أهل هذا العصر: # تمتع من حبيبك بالوداع ... فما بعد الفراق من اجتماع # فكم جرعن من هجر وغدر ... ومن حال ارتفاع واتضاع # وكم كاس أمر من المنايا ... شربت فلم يضق عنها ذراعي # فلم أر في الذي قاسيت شيئا ... أشد من الفراق بلا وداع # تعالى الله كل مواصلات ... وإن طالت تؤول إلى انقطاع # واختيارات العشاق تفاوت في أمر الوداع تفاوتا شديدا فبعضهم مسارع إلى ~~الفراق تغنما للوداع فمنهم الذي يقول: # من يكن يكره الفراق فإني ... أشتهيه لموضع التسليم # إن فيه عناقة لوداع ... وانتظاري عناقة لقدوم # ومنهم الذي يقول: # لست ممن يذم يوم الفراق ... وله منة على العشاق # إن فيه اعتناقة لوداع ... وانتظار اعتناق يوم التلاق # وقال البحتري في هذا المعنى وله في ضده وما منهما إلا مختار في بابه: # فأحسن بنا والدمع بالدمع واشج ... يمازجه والخد بالخد ملصق # وقد ضمنا وشك التلاقي ولفنا ... عناق على أعناقنا ثم ضيق # فلم تر إلا مخبرا عن صبابة ... بشكوى وإلا عبرة تترقرق # ومن قبل قبل التشاكي وبعده ... نكاد بها من شدة اللثم نشرق # فلو فهم الناس التلاقي وحسنه ... لحبب من أجل التلاقي التفرق # ومنهم من يصبر على الفراق ويتعمد التخلف عن الوداع إشفاقا من مضاضة وعجزا ~~عن معاتبة ساعته. # فمنهم البحتري حيث يقول: # الله جارك في انطلاقك ... تلقاء شآمك أو عراقك # لا تعذلني في خروجي ... يوم سرت ولم ألاقك # إني عرفت مواقفا ... للبين تسفح غرب ms116 ماقك # وعرفت ما يلقى المود ... ع عند ضمك واعتناقك # وعلمت أن لقاءنا ... سبب اشتياقي واشتياقك # وتركت ذاك تعمدا ... وخرجت أهرب من فراقك # وحكى أبو سليمان عن ابن الأعرابي أنه قال قلت لعمار بن عقيل بن بلال بن ~~جرير ما كان أبوك صانعا حيث يقول: # لو كنت أعلم أن آخر عهدكم ... يوم الفراق فعلت ما لم أفعل PageV01P071 ~~قال فما يهمني إن قال كان يقلع عينيه ولا يرى أحبابه الظاعنين فمن يقع به ~~الفراق اضطرارا ويترك هو الوداع اختيارا فهو أحسن حالا ممن يضطر إلى ~~الأمرين جميعا فإن اجتماع الهجر والفراق يتلف مهجة المشتاق. # وفي مثل ذلك يقول البحتري: # عدتنا عوادي الحب عنها وزادنا ... بها كلفا أن الوداع على عتب # ولي ظمأ لا يملك الماء دفعه ... إلى نهلة من ريقها الخصر العذب # وفي نحوه يقول أبو تمام: # أنأيا واجتنابا أي صبر ... مع البلوى يعرس بين ذين # ألم يقنعك فيه الهجر حتى ... جمعت لقلبه هجرا ببين # وعلى أن من المحبوبين من يدعوه حضور الفراق إلى الحرص على التوديع ~~والتلاق فيكون وقوع النوى سببا لاستخراج ما في نفسه من الضغن. # فمن ذلك قول أبي تمام: # أعرضت برهة فلما أحست ... بالنوى أعرضت عن الإعراض # نظرت فالتفت منها إلى أح ... لى سواد رأيته في بياض # ومنه قول الآخر: # ألم تر قيس كلها أن عزها ... غداة غد عن داره الدهر ظاعن # هنالك جادت بالدموع موانع ال ... عيون وسلت بالفراق الضغائن # وقال آخر: # عشية أدعو مسعدي فلم أجد ... إلى حر ما ألقى من الشوق مسعدا # عشية زموا للفراق جمالهم ... فلم تر إلا واضعا في يدي يدا # وقال آخر: # فلا أنس م الأشياء لا أنس قولها ... وأدمعها يذرين حشو المكاحل # تمتع بذا اليوم القصير فإنه ... رهين بأيام الشهور الأطاول # وقال آخر: # أقول لمقلتي لما التقينا ... وقد شرقت مآقيها بماء # خذي لي اليوم من نظر بحظ ... فسوف توكلين إلى البكاء # وقال آخر: # أقول له يوم ودعته ... وكل بعبرته مبلس # لئن رجعت عنك أجسامنا ... لقد سافرت معك الأنفس # وأنشدنا أحمد بن ms117 يحيى: # إن الظعائن يوم جو سويقة ... أبكين عند فراقهن عيونا # غيضن من عبراتهن وقلن لي ... ماذا لقيت من الهوى ولقينا # وقال جرير: # ودع أمامة حان منك رحيل ... إن الوداع لمن تحب قليل # تلك القلوب صواديا تيمتها ... وأرى الشفاء وما إليه سبيل # أعذرت في طلب النوال إليكم ... لو كان من ملك النوال نبيل # وقال ذو الرمة: # لعمرك إني يوم جرعاء مالك ... لشوقي منقاد الجنيبة تابع # فأخذ الهوى فوق الحلاقيم مخرس ... لنا إذ نحيا أن نسلم مانع # فلما عرفنا آية البين بغتة ... وهذا النوى بين الخليطين قاطع # لحقنا وراجعنا الحمول وإنما ... تقضي ديانات الوداع المراجع # فلما تلاحقنا ولا مثل ما بنا ... من الوجد لا تنقض منه الأضالع # غدون فأحسن الوداع فلم نقل ... كما قلن إلا أن تشير الأصابع # وخالسن تبساما إلينا كأنما ... تصيب به حب القلوب القوارع # وقال الحسين بن الضحاك: # هلا رحمت تلدد المشتاق ... ومننت قبل فراقه بتلاقي # نفسي الفداء لخائف مترقب ... جعل الوداع إشارة بعناق # إذ لا جواب لمفحم متحير ... إلا الدموع تصان بالإطلاق # وقال عبيد الله بن الصمة: # ولم أر مثل العامرية قبلها ... ولا بعدها يوم التقينا مودعا # شكوت إليها فيضة الحي بالحشا ... وخشية شمل الحي أن يتصدعا # فما راجعتنا غير صمت وإنه ... تكاد له الأحشاء أن تتقطعا # لقد خفت أن لا تقنع النفس دونها ... بشيء من الدنيا وإن كان مقنعا # وأعذل فيها النفس إذا حيل دونها ... وتأبى إليها النفس إلا تطلعا # وقال الطرماح: # كأن لم يرعك الظاعنون ببينهم ... بلى مثل فقد الظاعنين يروع PageV01P072 ~~يراقبن أبصار الغيارى بأعين ... عواذر ما تجري لهن دموع # وقال البحتري: # وقفنا والعيون مثقلات ... يغالب طرفها نظر كليل # نهته رقبة الواشين حتى ... تعلق لا يفيض ولا يسيل # وقال قيس بن الحدادية الخزاعي: # أجدك إن نعم نأت أنت جازع ... وقد قربت أو أن ذلك نافع # وحسبي من نأي ثلاثة أشهر ... ومن جزع إن زاد شوقك رابع # وقالت وعيناها تفيضان بالبكا ... بأهلي خبرني متى أنت راجع # فقلت لها تالله يدري مسافر ... إذا أضمرته الأرض ما الله صانع ms118 # وقال آخر: # راعك البين والمحب يراع ... حين قالوا تشتت وانصداع # لست أنسى مقالها يوم ولت ... وقصارى المشيعين الوداع # وقال آخر: # ليس شيء من الفراق إذا كا ... ن أخو الحب والها كلفا # أحرق من وقفة المشيع للقل ... ب يريد الوداع منصرفا # وقال طريح: # يا ليت شعري عن الحي الذين غدوا ... هل بعد فرقتهم للشمل مجتمع # أتبعتهم مقلة جادت بأدمعها ... والقلب مني على آثارهم قطع # فكل ما كنت أخشى قد فجعت به ... فليس لي من فراق مرة جزع # وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: # تقضت لبانات وجد رحيل ... ولم يشف من أهل الصفاء غليل # ومدت كفوف للوداع فصافحت ... وكادت عيون للفراق تسيل # ولا بد للإلفين من يوم لوعة ... إذا ما خليل بان عنه خليل # وكم من دم قد طل يوم تحملت ... أوانس لا يودى لهن قتيل # غداة جعلت الصبر شيئا نسيته ... وأعولت لو أجدى علي عويل # وقال آخر: # تفرق أهلي من مقيم وظاعن ... فلله دري أي أهلي أتبع # أقام الألى لا أستطيع فراقهم ... وبان الألى قلبي بهم يتقطع # بعيني تلك العير حتى تجاوزت ... وحتى أتى من دونها الخبت أجمع # وأعرض من رضوى مع الليل دامس ... هضاب ترد الطرف عمن تشيع # وقال البحتري: # قد أرتك الدموع يوم تولت ... ظعن الحي ما وراء الدموع # عبرات ملء الجفون مرتها ... حرق للفراق ملء الضلوع # إن يثب وادع الضمير فعندي ... نصب من عشية التوديع # فرقة لم تدع لعيني محب ... نظرا بالعقيق غير الربوع # وقال أيضا: # رحلوا فأية عبرة لم تسكب ... أسفا وأي عزيمة لم تغلب # لو كنت شاهدنا وما صنع الهوى ... بقلوبنا لحسدت من لم يحبب # وقال أيضا: # منزل هاج لي الصبابة والشو ... ق قريني وساء ذاك قرينا # وتود القلوب يوم استقلت ... ظعن الحي أن تكون عيونا # فاتركاني فما أطيع عذولا ... واخذلاني فما أريد معينا # وقال أبو تمام: # لا أظلم النأي قد كانت خلائقها ... من قبل وشك النوى عندي نوى قذفا # ودع فؤادك توديع الفراق فما ... أراه من سفر التوديع منصرفا # وقال آخر: # لم أنس إذ قالت غداة ms119 النوى ... ودمعها منحدر واكف # لأنت أحلى من لذيذ الكرى ... ومن أمان ناله خائف # وقال البحتري: # وانثنت وجهة الفراق فأرسل ... ت إليها عينا عليها تجود # نظرة خلفها الدموع عجالا ... تتمارى ودونها التسهيد # أترى فائتا يرجى ويوما ... مثل يومي برامتين يعود # وقال بعض الظاهريين: # قفي ودعينا قبل أن تصدع النوى ... بوصلك شملا لم يكن متصدعا # ولا تجمعي هجرا علي وفرقة ... فما جمعا قبلي على عاشق معا # الباب السادس والعشرون # ما خلق الفراق إلا لتعذيب العشاق # أما الفراق فمستغن ببشاعة اسمه عن الإغراق في وصفه. PageV01P073 ولقد ~~أحسن حبيب بن أوس الطائي في قوله: # أخ لي لو اعطيت المنى باسم فقده ... بلا فقده كانت به ثمنا بخسا # فلو أن نفسي ألف نفس لما انثنت ... يد البين أو تودي بآخرها نفسا # وقد اختلف العشاق في التفصيل والفراق فمن أهل الهوى من يعظم شأن الهجر ~~على شأن النوى وينشد محتجا لذلك: # وأنقذها من غمرة الموت أنه ... صدود فراق لا صدود تعمد # فأجرى لها الإشفاق دمعا موردا ... من الدم يجري فوق خد مورد # وأكثر أهل هذا الشأن يغلبون شأن النوى على شأن الهجر بل يغلبونه على كل ~~مكروه من الأمر غير الخيانة والغدر. # ولقد أحسن أبو تمام حبيب بن أوس الطائي حيث يقول: # وكان عزيزا أن بيني وبينكم ... حجابا فقد أصبحت منكم على شهر # وأبكاهما للعين والله إنني ... أحاذر أن لا نلتقي آخر الدهر # وكم دوننا من مهمه متنازح ... ومن جبل وعر ومن بلد قفر # وما زلت أرضى من خليلي بهجره ... فأحسب أن لا داء أدوى من الهجر # إلى أن رمانا دهرنا بتفرق ... فأيقنت أن البين قاصمة الظهر # ونحن نقول الآن الفرقان بين الفراق والهجران الذي يعظم عندي أمر الهجر ~~إنما هو منسبة ما بينه وبين الغدر لأن الهجر إذا خرج عن أن يكون عقابا على ~~ذنب أو تذللا بإظهار تجن أو عتب أو مراقبة لواش أو مللا من العذل فلا معذر ~~له غير الغدر والخيانة وترك المقام للهوى بحق الرعاية فهذا أصعب أسباب ~~الهجر ومما ينقص ms120 من صعوبته ويكف من عاديته أنه إذا جرى هذا المجرى لحق ~~المقصود به ضرب من الغيظ لقبح ما صنع به عن غير سبب موجب له وليس شخص ~~المحبوب بناء عن نظره فيتمالك عنه من إزعاج الشوق بفكره ما يذهب بغيظه ~~ويلين من قلبه ومع الفراق زوال ذلك كله لأن غيبة الشخص عن الناظر مزيلة لكل ~~غيظ وغافرة لكل ذنب وذاهبة بكل عجب يتداخل المحبوب والمحب فالنفوس تذل ~~للفراق وتنقاد معه لدواعي الإشفاق والاشتياق فهذا مقدار ما يتسهل لنا من ~~وصفهما ويجوز أن نقطع به من الحكم بينهما. # قال ابن ميادة: # سل الله صبرا واعترف بفراق ... عسى بعد بين أن يكون تلاقي # ألا ليتني قبل الفراق وبعده ... سقاني بكأس للمنية ساقي # وقال آخر: # فوا حسرتا لم أقض منكم لبانة ... ولم أتمتع بالجوار وبالقرب # وفرق بيني في المسير وبينكم ... فها أنذا قاض على إثركم نحبي # وقال آخر: # ألا من لقلب معرض للنوائب ... رمته خطوب الدهر من كل جانب # تبين يوم البين أن اعتزامه ع ... لى الصبر من إحدى الظنون الكواذب # وقال آخر: # من كان لم يذق الهوى أو ذاقه ... فلقد أخذت من الهوى بنصيب # فرأيت أن أشد كل بلية ... قضيت على أحد فراق حبيب # وقال أبو تمام: # لو كان في البين إذ بانوا لهم دعة ... لكان بينهم من أعظم الخطر # فكيف والبين موصول به تعب ... يكلف البيد في الإدلاج والبكر # لو أن ما تبتليني الحادثات به ... يكون بالماء لم يشرب من الكدر # لو كان بالعيس ما بي يوم رحلتهم ... أعيت على السائق الحادي فلم تسر # كأن أيدي مطاياهم إذا وخدت ... يقعن في حر وجهي أو على بصري # وقال ابن الدمينة: # إلى الله أشكو مضمرات من الهوى ... طواهن طول النأي طي الصحائف # أقام بنحو الماء قلبي وباعدت ... بسائر جثماني قلاص الغلائف # وقال معاذ ليلى العقبلي: # أقام فريق من أناس تودهم ... بذات الشرى عندي وبان فريق # بحاجة محزون ثبات فؤاده ... رهين ببيضات الحجال صديق # تحملن أن هبت لهن عشية ... جنوب وأن لاحت لهن بروق ms121 # فواكبدي أكوى عليها وإنها ... مخافة هيضات النوى لخفوق # وقال المعلوط: PageV01P074 دعوت ربي دعائي فاستجاب له ... كما دعا ربه ~~نوح وأيوب # أن ينزع الداء من قلبي ويجعله ... في قلب سلمى وحمل الداء تعطيب # ليبرئ الله قلبا من صبابته ... فلا أحن إذا حن المطاريب # قلبي بنجد وأجلادي تهامية ... ما بعد هذا من التعذيب تعذيب # وقال جران العود ومن الناس من يرويه لذي الرمة: # أيا كبدي كادت عشية غرب ... من الوجد إثر الظاعنين تصدع # عشية ما فيمن أقام بغرب ... مقام ولا فيمن مضى متسرع # عشية ما لي حيلة غير أنني ... بلفظ الحصى والخط في الدار مولع # أخط وأمحو كل خط خططته ... بكفي والغربان في الدار وقع # كأن سنانا فارسيا أصابني ... على كبدي بل لوعة الحب أوجع # وما يرجع الشوق الزمان الذي مضى ... ولا للفتى في دمنة الدار مجزع # فما كان مشؤوما لنا طائر الهوى ... ولا ذل للبين الفؤاد المروع # وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر لطفيل الغنوي: # وما أنا بالمستنكر البين إنني ... بذي لطف الجيران قدما مفجع # جدير به من كل حي لقيتهم ... إذا أنس عزوا علي تصدعوا # وقال آخر: # أما الرحيل فحين جد ترحلت ... مهج النفوس له عن الأجساد # من لم يمت والبين يصدع شمله ... لم يدر كيف تفتت الأكباد # وقال إسحاق الموصلي: # إقر السلام على الذلفاء إذ شحطت ... وقل لها قد أذقت القلب ما خافا # فما وجدت إلى إلف فجعت به ... وجدي عليك وقد فارقت ألافا # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر: # خليلي إني لم أجد برد مشرب ... ولا طعم نوم مذ نأت أم حاجب # وما زال مذ لم يلقها القلب صاديا ... وإن كان يسقى من لذيذ المشارب # وقال آخر: # أحجاج بيت الله في أي هودج ... وفي أي خدر من خدوركم قلبي # أأبقى أسير الحب في أرض غربة ... وحاديكم يحدو بقلبي مع الركب # وقال الحسين الخليع: # بنفسي حبيب أم مكة مكرها ... يعالج مستورا من الحزن والألم # كلانا وحيد لا يسر بمؤنس ... من الناس حتى تنقضي الأشهر الحرم # أحن إلى شهر المحرم ليته ... غداة ms122 غد قد كان أو بان فانصرم # ألام على شغلي بمن أنا شغله ... إذا طاف أو أصغى إلى الركن فاستلم # سترنا بظهر الغيب ما كان بيننا ... ونحفظ عهدينا على رغم من رغم # وقال ذو الرمة: # أراح فريق جيرتك الجمالا ... كأنهم يريدون انتقالا # فكدت أموت من حزن عليهم ... ولم أر صاحب الأظعان آلا # ومية في الظعائن وهي شكت ... سواد القلب فاقتتل اقتتالا # ولم أر مثلها نظرا وعينا ... ولا أم الغزال ولا الغزالا # هي السقم الذي لا برء منه ... وبرء السقم لو بذلت نوالا # وقال معقل بن عيسى أخو أبي الدلف: # لعمري لئن قرت بقربك أعين ... لقد سخنت بالقرب منك عيون # فسر أو أقم وقف عليك مودتي ... مكانك من قلبي عليك مصون # وقال إسحاق بن إبراهيم الموصلي: # راحوا ورحنا على آثارهم أصلا ... محملين من الأثقال أوقارا # كأن أنفسنا لم ترتحل معنا ... أو سرن في أول الحي الذي سارا # وقال آخر: # عجل الفراق بما كرهت وطالما ... كان الفراق بما كرهت عجولا # وأرى التي هام الفؤاد بذكرها ... أصبحت منها فارغا مشغولا # وقال آخر: # بنفسي من أمسي وأضحي لنأيه ... وشوقي إليه في عناء وفي كرب # فإن يرتحل جسمي مع الركب مكرها ... يقم عندها قلبي وأمضي بلا قلب # ولبعض أهل هذا العصر: PageV01P075 وكنت أرى أن قد تناهى بي الهوى ... إلى ~~غاية ما بعدها لي مذهب # فلما تفرقنا تذكرت ما مضى ... فأيقنت أني إنما كنت ألعب # فقد والذي لو شاء لم يخلق النوى ... عرضت فما أدري إلى أين أذهب # وقال آخر: # وأخلت فشطت عن مقامي وخانني ... وما ... من ضنى الموت لا تخلي # لقد غادرتني لا صحيحا لصحتي ... ولا راجيا برا ولا مدركا تبلي # وقال آخر: # أغار علينا الدهر حتى كأنما ... يطالبنا الدهر المغير بأوتار # بتشتيت ألاف وتغريب منزل ... وتفريق إخوان وتقليب أوطار # وقد علم الدهر الخؤون بأنني ... أصول عليه صولة الأسد الضاري # وقال علي بن محمد العلوي الكوفي: # ولقد نظرت إلى الفراق ولم أجد ... للموت لو فقد الفراق سبيلا # يا ساعة البين انبري فكأنما ... واصلت ساعات القيامة طولا ms123 # وقال الطائي: # يوم الفراق لقد خلقت طويلا ... لم تبق لي صبرا ولا معقولا # لو حار من قاد المنية لم يرد ... إلا الفراق على النفوس دليلا # قالوا الرحيل فما شككت بأنها ... نفسي عن الدنيا تريد رحيلا # الصبر أجمل غير أن تلذذا ... في الحب أحرى أن يكون جميلا # أتظنني أجد السبيل إلى العزا ... وجد الحمام إذا إلي سبيلا # رد الجموح الصعب أسهل مطلبا ... من رد دمع قد أراد مسيلا # وقال أبو تمام: # نوى كانقضاض النجم كانت نتيجة ... من الهزل يوما إن هزل الهوى جد # فلا تحسبا هندا لها الغدر وحدها ... سجية نفس كل غانية هند # وكم تحت أوراق الصبابة من فتى ... من القوم حر دمعه للهوى عبد # محمد يا ابن الهيثم انقلبت بنا ... نوى خطأ في عقبها لوعة عمد # وحقد من الأيام وهي قديرة ... وشر السجايا قدرة حازها حقد # وقال علي بن محمد العلوي: # أتبعتهم نفسا تدمى مسالكه ... كأنه من حمى الأحشاء مقدود # ما زلت أعرف أيامي وأنكرها ... حتى انبرت وهي لا بيض ولا سود # خاضت بي الشك حتى قال قائلها ... لا القرب قرب ولا التبعيد تبعيد # وقال آخر: # لعمري لئن شطت بعتمة دارها ... لقد كنت من وشك الفراق أليح # أروح بهم ثم أغدو بمثله ... وتحسب أني في الثياب صحيح # وقال آخر: # سنح الهوى فكتمت نفسي حاجة ... بلغ التجلد ذو العزاء الصابر # نهوى الخليط وإن أقمنا بعده ... إن المقيم مكلف بالسائر # وقال آخر: # وفي الجيرة الغادين من بطن وجرة ... غزال أحم المقلتين ربيب # فلا تحسبي أن الغريب الذي نأى ... ولكن من تنأين عنه غريب # وقال آخر: # تركت بقلبي من فراقك لوعة ... ستتلف ما أبقى وداعك من نفسي # أروح وأغدو مستكينا كأنني ... أراقب حتفي حين أصبح أو أمسي # الباب السابع والعشرون # من غاب قرينه كثر حنينه # من شأن من غاب عن خليله أن تناله حيرة في جميع أموره يصحو عنها ويرجع ~~إليه تمييزه فمن كان المتناول له من تلك الحيرة والآخذ بعنانه من تلك ~~الغمرة داع من غلبات الاشتياق وناه عن المقام في ms124 قبضة الفراق لم يتمالك عن ~~أحبابه وقتا من الأوقات ولم يتشاغل عنهم بضرب من اللذات ومن كان الآخذ بيده ~~من تلك الغمرات والمتخلص بخواطره من تلك السكرات ضربا من الاشتغال بغير تلك ~~الحال سلا على مر الأيام والليالي وما دام في تلك الحيرة فهو متشاغل بتذكر ~~من فارقه والشوق والحنين إلى من خلفه ألم تسمع الذي يقول: # وإن امرءا في بلدة نصف قلبه ... ونصف بأخرى غيرها لصبور # وددت من الشوق المبرح أنني ... أعار جناحي طائر فأطير PageV01P076 فما من ~~نعيم العيش بعدك لذة ... ولا لسرور لست فيه سرور # والذي يقول: # بأكناف الحجاز هوى دفين ... يؤرقني إذا هدت العيون # أحن إلى الحجاز وساكنيه ... حنين الإلف فارقه القرين # وأبكي حين ترقد كل عين ... بكاء بين زفرته أنين # وقال آخر: # ذكرتك ذكرى هائم بك تنتهي ... إليك أمانيه وإن لم يكن وصل # وليست بذكرى ساعة بعد ساعة ... ولكنها موصولة ما لها فصل # وقال أبو عطاء السندي: # ذكرتك والخطي يخطر بيننا ... وقد نهكت منا المثقفة السمر # فوالله ما أدري وإني لصادق ... أداء عناني من ودادك أم سحر # فإن يك سحرا فاعذريني على الهوى ... وإن يك داء غيره فلك العذر # وقال آخر: # ألا يا لقومي للصبابة والذكر ... وللقدر الساري إليك ولا تدري # وللشيء تنساه وتذكر غيره ... وللشيء لا تنساه إلا على ذكر # وقال آخر: # دعاك ضمان الله يا أم مالك ... ولله أن يشفين أغنى وأوسع # يذكرنيك الخير والشر والذي ... أخاف وأرجو والذي أتوقع # وقال مسلم بن الوليد: # يذكرنيك البخل والجود والعلى ... وقيل الخنا والحلم والعلم والجهل # فألقاك عن مكروهها متنزها ... وألقاك في محمودها ولك الفضل # وقال آخر: # ذكرت به من لن أبالي بذكره ... تفرق شعب في النوى متزايل # وإن امرءا بالشام أكثر أهله ... وبطنان ليس الشوق عنه بغافل # وقال آخر: # وذكرت هندا والمطايا تعتلي ... بالقوم قد قطعوا العقيق وأنجدوا # بعد الطريق فبات يقسم أمره ... أيجود بالعبرات أم يتجلد # ولقد حبست على البعاد فزادني ... طول البعاد حرارة لا تبرد # وقال معاذ ليلى: # ذكرتك حيث استأمن الوحش والتقت ... رفاق ms125 من الآفاق شتى شعوبها # وعند الحطيم قد ذكرتك ذكرة ... أرى أن نفسي سوف يأتيك حوبها # دعا المحرمون الله يستغفرونه ... بمكة يوما أن تمحى ذنوبها # فناديت أن يا رب أول سئلتي ... لنفسي ليلى ثم أنت حسيبها # فإن أعط ليلى في حياتي لا يتب ... إلى الله عبد توبة لا أتوبها # وقال آخر: # لقد زادني الحجاج شوقا إليكم ... وما كنت قبل اليوم للحج قاليا # وما نظرت عيني إلى شخص قادم ... من الحج إلا بل دمعي ردائيا # وقال آخر: # فما وجدت كوجدي أم سقب ... أضاعته فرجعت الحنينا # ولا شمطاء لم تترك شفاها ... لها من تسعة إلا حنينا # وقال بعض الأعراب: # وما وجد أعرابية قذفت بها ... نوى غربة من حيث لم تك طلت # تمنت أحاليب الرعاء وخيمة ... بنجد فلم يقدر لها ما تمنت # إذا ذكرت ماء العضاه وطيبه ... وبرد الحصى من نحو نجد أرنت # بأعظم من وجد بريا وجدته ... غداة غدونا غربة واطمأنت # فإن يك هذا آخر العهد منهم ... فهذا الذي كنا ظننا وظنت # وقال الحسين الخليع: # يا من شغلت بهجره ووصاله ... همم المنى ونسيت يوم معادي # والله ما التقت الجفون بطرفة ... إلا وذكرك خاطر بفؤادي # وقال ذو الرمة: # إذا خطرت من ذكر مية خطرة ... على القلب كادت في فؤادك تجرح # على حين راهقت الثلاثين وارعوت ... لداتي وكاد الحلم بالجهل يرجح # ذكرتك أن مرت بنا أم شادن ... أمام المطايا تشرئب وتسنح # رأتنا كأنا عامدون لقصدها ... به فهي تدنو تارة وتزحزح # هي الشبه أعطافا وجيدا ومقلة ... ومية أبهى بعد منها وأملح # وأنشدتني أعرابية بالبادية: PageV01P077 هل الشوق إلا مثل ما أتكلف ... ~~أبين وعيني ما تني الدهر تذرف # تذكرت بيتا من نعيمة والنوى ... قريب وقد كان الذي أتخوف # فقد ظن هذا القلب أن ليس ناظرا ... إلى وجهها ما كذب الله خندف # فيا قلب صبرا واعترافا بما قضى ... لك الله إن الحر بالصبر يعرف # تجلد وأجمل واصطبر وازجر الأسى ... لعل النوى يوما بنعمة تسعف # عسى دارها أن ترعوي بعد بعدها ... عليك وتلقاها كما كنت تعزف # وقال آخر: # هل الشوق ms126 إلا أن يحن غريب ... وأن يستطيل العهد وهو قريب # ليالي يدعوني الصبى فأجيبه ... وللشوق داع مسمع ومجيب # وقائلة ما بال لونك شاحبا ... وأهون ما بي أن يكون شحوب # فقلت لها في الصدر مني بلابل ... تقطع أنفاسي لها وتذوب # وقال بعض الأعراب: # ولو أن ما ألقى وما بي من الهوى ... بأرعن ركناه صفا وحديد # تفطر من وجد وذاب حديده ... وأمسى تراه العين وهو عميد # ثلاثون يوما كل يوم وليلة ... أموت وأحيا إن ذا لشديد # وقال آخر: # أصابني بعدك ضر الهوى ... ومسني كرب وإقلاق # ويعلم الله بحسبي به ... أني إلى وجهك مشتاق # وقال آخر: # أحن إلى ليلى وقد شطت النوى ... بليلى كما حن اليراع المثقب # يقولون ليلى عذبتك بحبها ... ألا حبذا ذاك الحبيب المعذب # وقال آخر: # أحن إلى أرض الحجاز وحاجتي ... خيام بنجد دونها الطرف يقصر # وما نظري من نحو نجد بنافعي ... أجل لا ولكني على ذاك أنظر # أفي كل يوم نظرة ثم عبرة ... بعينيك يجري ماءها يتحدر # متى يستريح القلب إما مجاور ... حزين وإما نازح يتذكر # ولبعض أهل هذا العصر: # كفى حزنا ألا أعاين بقعة ... من الأرض إلا زدت شوقا إليكم # وإني متى ما طاب لي خفض عيشة ... تذكرت أياما مضت لي لديكم # فنغص تذكاري لها طيب عيشتي ... فقلت سيفنى ذا فيأسى عليكم # وقال آخر: # لئن درست أسباب ما كان بيننا ... من الوصل ما شوقي إليك بدارس # ولا أنا من أن يجمع الله بيننا ... على جمل ما كنا عليه بيائس # وقال آخر: # خليلي لا تستسلما وادعوا الذي ... له كل أمر أن يصوب ربيع # حيا لبلاد طير المحل أهلها ... وجبرا لعظم في شظناه صدوع # عسى أن يحل الحي جرعاء وابل ... وعل النوى بالظاعنين تريع # أفي كل عام زفرة مستجدة ... تضمنها مني حشى وضلوع # وقال أبو تمام: # إذا بنت لم أحزن لفقد مفارق ... سواك ولم أفرح بقرب مقيم # فيا ليتني أفديك من غربة النوى ... بكل خليل واصل وحميم # وقال آخر: # إذا كنت لا يسليك عمن تحبه ... فراق ولا يشفيك طول تلاق # فهل أنت ms127 إلا مستعير حشاشة ... بمهجة نفس آذنت بفراق # وقال يزيد بن الطثرية: # ولما رأيت البشر قد حال دونهم ... ووافت بنات الصدر يهوين نزعا # تلفت نحو الحي حتى رأيتني ... وجعت من الإصغاء ليتا وأخدعا # وقال ابن الدمينة: # حننت لذكرى من أميمة وارعوى ... لها من قديمات الهوى كل سالف # حنينا ولوعات يفضن لها سوى ... بوادر غربات الدموع الذوارف # وقال بعض الأعراب: # فلا تشرفن رأس اليفاع فإنني ... لدى الشوق من رأس اليفاع قدير # إذا شرف المحزون بشرا رأيته ... يسكن أحشاء تكاد تطير # وقال الحسين بن مطير: # إذا ارتحلت من ساحل البحر رفقة ... مشرقة هاج الفؤاد ارتحالها ~~PageV01P078 فإن لا يصاحبها يتبع بأعين ... سريع برقراق الدموع اكتحالها # وقال أيضا: # أحن ويثنيني الهوى نحو يثرب ... ويزداد شوقي كل ممسى وشارق # كذاك الهوى يزري بمن كان عاشقا ... ونول الهوى يحنو على كل عاشق # وقال آخر: # فما سرت من ميل ولا بت ليلة ... من الدهر إلا اعتادني لك طائف # وكم من بديل قد وجدنا وطوفة ... فتأبى علي النفس تلك الطوائف # وقال زيادة بن زيد: # تذكر عن شحط أميمة فارعوى ... لها بعد إقصار وطول نكوب # وإن امرءا قد جرب الدهر لم يخف ... تقلب عصريه لغير لبيب # هل الدهر والأيام إلا كما أرى ... رزية مال أو فراق حبيب # ولبعض أهل هذا العصر: # إلى الله أشكو عبرة قد أظلت ... ونفسا إذا ما عزها الشوق ذلت # تحن إلى أرض الحجاز ودونها ... تنائف لو تسري بها الريح ضلت # وإني بها لو لا أماني تغرها ... وقد أرجفت هوج المطايا وكلت # أأمنع من وادي زبالة شربة ... وقد نهلت منه الكلاب وعلت # سقى الله رمل القاع والقاع فاللوى ... فقد عطفت نفسي إليه وحنت # وأسقى لوى جبلي زرود ومربخا ... سحائب لا يلقى الظما ما أظلت # هممت فلم أربع على الفكر لحظة ... وقد كان حظ النفس أن لو تأنت # وأصبحت لهفانا على ما أضعته ... كذاك يكون الرأي ما لم يثبت # الباب الثامن والعشرون # من لم يلحق بالحمول بكى على الطلول # إذا كان صحو المفارق لأحبابه من التحنن الذي ذكرناه ms128 بقلبه داعيا له قبل ~~هواه ندم على مقامه بعد مضي أحبابه أو على اجترائه على السفر وأحبته مقيمون ~~في الحضر فاستقبح صنيعه وتلافى تصنيعه فإن كان المحب هو المسافر عن حبيبه. # كان كالذي يقول: # بينما هن من بلاكث فالقا ... ع سراعا والعيس تهوي هويا # خطرت خطرة على القلب وهنا ... من هواها فما استطعت مضيا # قلت لبيك إذ دعاني لك الشو ... ق وللحاديين كدا المطيا # وكما قال عبيد الراعي: # دعاني الهوى من أم وبر ودونها ... ثلاثة أخماس فديتك داعيا # فعجنا لذكراها وتشبيه صوتها ... قلاصا بمجهول الفلاة صواديا # بغبراء محراف يبيت دليلها ... مشيحا عليها للفراقد راعيا # وإن كان المحبوب المسافر والمحب هو المتخلف عن إلفه تعسف ركوب المهالك في ~~اللحاق. # كما قال العرجي: # كم قد عصيت إليك من متنصح ... داني القرابة أو وعيد أعادي # وتنوفة غبراء أرمي عرضها ... شوقا إليك بلا هداية هادي # وقال: # قل لهادي المطي يرفق قليلا ... يجعل العيس سيرهن ذميلا # لا تقفها على السبيل ودعها ... يهدها شوق من عليها السبيلا # وقال: # أما الديار فقلما لبثوا بها ... بعد اشتياق العيس والركبان # وضعوا سياط الشوق في أعناقها ... حتى وردن بهم على الأوطان # وقال: # ويوم كتنور الطواهي سحرنه ... وألقين فيه الجزل حتى تضرما # قذفت بنفسي في أجيج سمومه ... وبالعيس حتى بل مشفرها دما # أؤمل أن ألقى من الناس عالما ... بأخباركم أو أن ألم مسلما # وأنشدني بعض أعراب البادية: # بانت أنيس فما بالقلب معقول ... ولا على الجيرة الغادين تعويل # حتى شددت برحلي قبل برذعتي ... والقلب مختبل واللب متبول # ثم اعتورت على نضوي ليلحقني ... أخرى الحمول الغوادي وهو معقول # وقال الراعي: # بان الأحبة بالعهد الذي عهدوا ... فلا تمالك عن أرض لها عمدوا # حتى إذا حالت الأرجاء دونهم ... أرجاء ترمد كل الطرف أو بعدوا ~~PageV01P079 لولا المخاوف والأوصاب قد قطعت ... عرض الفلاة بنا المهرية ~~الأجد # ولئن كان أفرط في الإحسان في البيت الأول لقد أفرط في الإساءة في البيت ~~الآخر ولولا أن قوله فلا تمالك عن أرض لها عمدوا من أحسن الكلام لفظا وأصحه ~~معنى وأليقه ms129 بما قصدناه لأضربنا عن ذكره لقباحة ما عقب به وما المخاوف ~~والأوصاب حتى يعتذر بها في التخلف عن الأحباب لقد بلغني أن بشر بن مروان ~~كان في معسكر له بظهر البصرة فنادى بكثرة انصراف الجند من العسكر إلى ~~المدينة فنادى مناديه من وجد بالبصرة من الجند سمرت كفه بمسمار وكان في ~~العسكر فتى يألف خلة له بالبصرة فكتب إليها. # لولا مخافة بشر أو عقوبته وأن يسمر في كفي بمسمار إذن لعطلت ثغري ثم ~~زرتكم إن المحب إذا ما اشتاق زوار. # فكتبت إليه: # ليس المحب الذي يخشى العقاب ولو ... كانت عقوبته في كية النار # إن المحب الذي لا عيش ينفعه ... أو يستقر ومن يهواه في الدار # فلما قرأ الأبيات دخل البصرة فأخذه صاحب الحرس فجاء به إلى بشر بن مروان ~~فقال له بشر ألم تسمع النداء قال بلى قال فما حملك على مخالفته قال هذه ~~الأبيات ودفعها إلى بشر فلما قرأها أمر مناديه فنادى من أحب المقام في ~~العسكر فليقم ومن أحب دخول البصرة فليدخل. # وقال آخر: # فلو حشدوا بالإنس والجن دونها ... لأن يمنعوني أن أجيء لجيت # ولو خلط السم الذعاف بريقه ... لسقيت منه نهلة فرويت # ولبعض أهل هذا العصر: # سقى الله رمل القاع وبلا وديمة ... لتحي به تلك الرسوم الدوارس # أشوقا إلى نجد ودون لقائها ... أهاويل يخشى قطعها وبسابس # على أن عبد الشوق ليست تهوله ... حزون الفيافي والليالي الدوامس # بما حبلت فلتأتني من بلائها ... فليس لما يقضي به الله حابس # وله أيضا: # دعاني الشوق والركبان قد هجدوا ... والشمس في آخر الجوزاء تتقد # والقيظ محتدم والروح منصرم ... والرأي مختلف والحتف مطرد # والبيد مغبرة الأرجاء مقفرة ... كأن أعلامها في الآل ترتعد # فظلت طوعا لداعي الشوق أوقظهم ... وعل أكثرهم ساهون ما رقدوا # حتى إذا قلت شدوا قال بعضهم ... قد جن هذا فخلوا عنه وابتعدوا # يذرون ما وجدوا من حر يومهم ... وقت النزول ولا يدرون ما أجد # حر الفراق إذا ما الهجر ساعده ... حر تخص به الأحشاء والكبد # وقال أبو دهبل: # أأترك ليلى ليس ms130 بيني وبينها ... سوى ليلة إني إذا لصبور # هبوني امرءا منكم أضل بعيره ... له ذمة إن الذمام كبير # وللصاحب المتروك أعظم ذمة ... على صاحب من أن يضل بعير # عفا الله عن ليلى الغداة فإنها ... إذا وليت حكما علي تجور # وأنشدني أعرابي ببلاد نجد: # فلو أن شرق الشمس بيني وبينها ... وأهلي وراء الغرب حيث تغيب # لداورت قطع الأرض بيني وبينها ... وقال الهوى لي إنه لقريب # ولبعض أهل هذا العصر: # يا من تجاوز حد السمع والبصر ... ومن يفوق ضياء الشمس والقمر # لو كنت تعلم ما ألقى من السهر ... وما أقاسي من الأشجان والفكر # وما تضمن قلبي من هواك إذا ... لما رثيت لجسمي من أذى المطر # أنى يضر ندى الأمطار ذا كبد ... حرى وقلب بنار الشوق مستعر # لو كان دونك بحر الصين معترضا ... لخلت ذاك سرابا دارس الأثر # ولو أذنت وفيما بيننا سقر ... لهون الشوق خوض النار في سقر # لا تكذبن فما حال تضمنها ... قلب المشوق توازي حال منتظر # وقال بعض الأسديين: # فإن تدعي نجدا ندعه ومن به ... وإن تسكني نجدا فيا حبذا نجد PageV01P080 ~~وإن كان يوم الوعد يوم لقائنا ... فلا تعذلاني أن أقول متى الوعد # وقال نوال: # وإن ترتبع ريا بغور تهامة ... نقم عندها أو تترك البر ننجد # وإن حاربت ريا نحارب وإن تدن ... ندن دينها لا عيب للمتودد # وقال امرؤ القيس بن حجر: # وأصبحت ودعت الصبى غير أنني ... أراقب خلات من العيش أربعا # فمنهن نص العيس والليل دامس ... ييممن مجهولا من الأرض بلقعا # خوارج من برية نحو قرية ... يجددن وصلا أو يقربن مطمعا # وقال ذو الرمة: # تذكرت ميا بعد ما حال دونها ... سهوب ترامى بالمراسيل بيدها # إذا لامعات البيد أعرضن دونها ... تقارب لي من حب مي بعيدها # وقال ضابي بن الحارث بن أرطاة البرجمي: # وكم دون سلمى من فلاة كأنما ... تجلل أعلاها ملاء مفصلا # محقفة لا يهتدي لسبيلها ... من القوم إلا من مضى وتوكلا # يهال بها ركب الفلاة من الردى ... ومن خوف حاديهم وما قد تحملا # قطعت إلى معروفها منكراتها ... إذا الآل ms131 بالبيد البسابس هرولا # وقال جميل بن معمر: # ألا أيها العشاق ويحكم هبوا ... أسائلكم هل يقتل الرجل الحب # ألا رب ركب قد رفعت وجيفهم ... إليك ولولا أنت لم يوجف الركب # لها النظرة الأولى عليهم وبسطة ... وإن كرت الأبصار كان لها العقب # وقال جرير: # لشتان يوم بين سجف وكلة ... ومر المطايا تغتدي وتروح # نقيس بقيات النطاف على الحصى ... وهن على طي الحيازيم جنح # ويوم من الجوزاء مستوقد الحصى ... تكاد صياصي العين فيه تصيح # شديد اللظى حامي الوديقة ريحه ... أشد لظى من شمسه حين يصمح # نصبت له وجهي وحرفا كأنها ... من الجهد والإسآد قرم ملوح # وقال علي بن محمد العلوي: # هذا وحرف إذا ماتت مفاصله ... عن راكب وصلت أكفاله بيد # يهماء لا يتخطاها الدليل سرى ... إلا وناظره بالنجم معقود # جاوزتها والردى رحب معالمه ... فيها ومسلكها بالخوف مسدود # ولبعض أهل هذا العصر: # كم دون أرضك من واد ومن علم ... كأن أعلاه بالأفلاك منتسج # ومن مروج كظهر الترس مظلمة ... كأن حصبائها تحت الدجى سبج # حتى إذا الشمس لاحت في سباسبها ... حسبت أعلامها في الآل تختلج # وكم فلاة يفوت الطرف آخرها ... للجن بالليل في أقطارها وهج # يهماء غبراء لا يدري الدليل بها ... في أي أرجائها يرجى له الفرج # قطعتها بابن حرف ضامر قطم ... صلب المناسم في إرقاله هوج # شوقا إليك ولولا ما أكابده ... لكان لي في بلاد الله منفرج # فإن تجد لي فمحقوق بذاك وإن ... تبخل علي فلا لوم ولا حرج # قوله فمحقوق بذاك يعني أنت محقوق بالفضل ليس تجشمي ما وصفته لك أوجب ذلك ~~لي عليك بذلك على أنه أراد بذلك قوله وإن تبخل علي فلا لوم ولا حرج لأنه لو ~~كان حقا له كان ظالمه حرجا فعلى هذا التفسير يصير معنى الكلام صحيحا ولو ~~قصد ذلك المعنى الآخر كان خطأ قبيحا. # وقال آخر: # أقول لصاحبي بأرض نجد ... وجد مسيرنا ودنا الطروق # أرى قلبي سينقطع اشتياقا ... وأحزانا وما انقطع الطريق # وقال آخر: # لما وردت التغلب ... ية عند منصرف الرفاق # وشممت من أرض الحجا ... ز نسيم ms132 أرواح العراق # أيقنت لي ولمن أح ... ب بجمع شمل واتفاق # وقال القعقاع الذهلي: # خليلي ما من ليلة تسريانها ... من الدهر إلا نفست عنكما كربا # أليس يزيد السير عن كل ليلة ... ويزداد يوم من أحبتنا قربا PageV01P081 ~~إذا الجبل النائي حواك مقيله ... جعلنا علينا أن نجاوره نحبا # فما ذكرت عندي لها من سمية ... فتملك عيني من مدامعها غربا # من شأن من قصد لقاء أحبابه أن تتطاول عليه الطريق عند اقترابه ويلحقه ~~حينئذ من الضجر مع قربه منه أضعاف ما ناله إذ كان متباعدا عنه. # وفي ذلك يقول الموصلي: # طربت إلى الأصيبية الصغار ... وهاجك منهم قرب المزار # وأبرح ما يكون الشوق يوما ... إذا دنت الديار من الديار # فهذا لعمري قول حق غير أنه لم يخبر بعلته. # ولقد أحسن الذي يقول في نحوه: # هل الحب إلا زفرة بعد عبرة ... وحر على الأحشاء ليس له برد # وفيض دموع العين يا مي كلما ... بدا علم من أرضكم لم يكن يبدو # وقد ذكر عمر بن أبي ربيعة هذا المعنى فجوده أنشدني له أبو العباس أحمد بن ~~يحيى: # خليلي ما بال المطايا كأنما ... نراها على الأدبار بالقوم تنكص # وقد أتعب الحادي سراهن وانثنى ... بهن فما بالراجعات مقلص # وقد قطعت أعناقهن صبابة ... فأنفسها مما يلاقين شخص # يزدن بنا قربا فيزداد شوقنا ... إذا ازداد طول العهد والبعد ينقص # أفلا ترى إلى إيضاحه أن العلة في تزايد شوقه إنما هي تطاول مدة وأنه كلما ~~قطع جزء من الطريق فقرب المقصود زاد في مدة المفارقة وقت فزاد الاشتياق على ~~حسب تزايد مدة الفراق على أن عمر قد أوضح أشياء وأغفل شيئا من أن تطاول ~~المدة يزيد في الشوق مع تقارب الشقة ولم يذكر أن قوة الرجاء لسرعة اللقاء ~~من أقوى الأسباب في تقوية الشوق عند الاقتراب. # الباب التاسع والعشرون # من قصر عن مصاحبة الجار لم تنفعه مسائلة الدار # حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال حدثنا أبو سعيد قال حدثنا ~~الهروي قال حدثنا موسى بن جعفر بن كثير قال كان المجنون ms133 لما أصابه ما أصابه ~~يخرج فإذا أتى الشام قال لهم أين أرض بني عامر فقالوا له وأين أنت من أرض ~~بني عامر وقف عند جبل يقال له التوباد ثم أنشد: # وأجهشت للتوباد لما رأيته ... وهلل للرحمان حين رآني # وأذريت دمع العين لما رأيته ... ونادى بأعلى صوته فدعاني # وقلت له أين الذين عهدتهم ... حواليك في عيش وخير زمان # فقال مضوا واستودعوني بلادهم ... ومن ذا الذي يبقى على الحدثان # وإني لأبكي اليوم من حذري غدا ... فراقك والحيان مؤتلفان # سجالا وتهتانا ووبلا وديمة ... وسحا وتسجاما وينهملان # قال ثم يمضي حتى يأتي العراق فيقول مثل ذلك ثم يأتي اليمن فيقول مثل ذلك. # وقال الوليد بن عبيد الطائي: # ذاك وادي الأراك فاحبس قليلا ... مقصرا من صبابة أو مطيلا # قف مشوقا أو مسعدا أو حزينا ... أو معينا أو عاذرا أو عذولا # إن بين الكثيب فالجزع فالآ ... رام ربعا لآل هند محيلا # أبلت الريح والروائح والأ ... يام منه معالما وطلولا # وخلاف الجميل قولك للذا ... كر عهد الأحباب صبرا جميلا # لا تلمه على مواصلة الدم ... ع ولؤم لوم الخليل الخليلا # لم يكن يومنا طويلا بنعما ... ن ولكن كان البكاء طويلا # وقال يحيى بن منصور: # أما يستفيق القلب إلا انبرى له ... توهم دار من سعاد ومربع # أخادع عن عرفانها العين إنها ... متى تثبت الأطلال عيني تدمع # عهدنا بها وحشا عليها براقع ... وهذي وحوش حسر لم تبرقع # وقال ذو الرمة: # أإن ترسمت من خرقاء منزلة ... ماء الصبابة من عينيك مسجوم # منازل الحي إذ لا الدار نازحة ... بالأصفياء وإذ لا العيش مذموم # تعتادني زفرات حين أذكرها ... تكاد تنقد منهن الحيازيم # وقال أيضا: PageV01P082 كأن ديار الحي بالزرق حلقة ... من الأرض أو ~~مكتوبة بمداد # إذا قلت تعفو لاح منها مهيج ... علي الهوى من طارف وتلاد # وما أنا في دار لمي عرفتها ... بجلد ولا عيني بها بجماد # إذا قلت بعد الجهد يا مي نلتقي ... عدتني بكره أن أراك عوادي # ودوية مثل السماء اعتسفتها ... وقد صبغ الليل الحصى بسواد # أما تشبيهه رسوم الدار بالحلقة من ms134 الأرض فهذا إحسان في معناه وإعراب في ~~لفظه وما أساء في تشبيهها بالكتابة بالمداد غير أن هذا مسبوق إليه فالمعيد ~~لذكره غير ملوم فيه ولا محمود عليه وأما إخباره بأنها تهيج هواه وادكاره ~~فهو أيضا معنى غير مبتدع إلا أنه يدل على ضعف في الحال ونقص في الجزع ويشهد ~~بما قلناه اعتذاره إلى من يهواه ومن تركه القصد إلى لقائه بأنه إذا عزم على ~~ذلك عداه عنه مكروه من أشغاله وكل هذه الأوصاف تدل على قصور حاله. # ولقد قال البحتري في أكثر هذه الأحوال فأحسن فيما قال فمن ذلك قوله: # دمن كمثل طرائق الوشي انجلت ... لمعاتهن من الرداء المنهج # يضعفن عن إذكارنا عهد الصبى ... أو أن يهجن صبابة لم تهتج # ولرب دهر قد تبسم ضاحكا ... عن طرتي زمن بهن مدبج # من قبل داعية الفراق ورحلة ... منعت مغازلة الغزال الأدعج # لأكلفن العيس أبعد غاية ... يجري إليها خائف أو مرتج # وله أيضا: # لا تقف بي على الديار فإني ... لست من أربع ورسم محيل # في بكاء على الأحبة شغل ... لأخي الحب عن بكاء الطلول # على أنه قد نقض أيضا على نفسه هذا المعنى الذي استحسناه بقوله: # أين أهل القباب بالأجرع الفر ... د تولوا لا أين أهل القباب # سقم دون أعين ذات سقم ... وعذاب دون الثنايا العذاب # وكمثل الأحباب لو يعلم العا ... ذل عندي منازل الأحباب # فهو يوهمنا في الأبيات الأول أن الصبابة قد ملكت هممه وأفكاره وتناولت ~~خواطره وادكاره حتى لم تدع فيه فضلا لعارض يهيجه ولا لمنزل يذكره وأن شغله ~~بالتفرد بالبكاء على إلفه يمنعه من التشاغل بالوقوف على منزله وهو في هذه ~~الأبيات لا يرضى أن يجعل البكاء على الدار لضروب من ضروب الادكار برغم أن ~~موقعها في فؤاده كموقع من كان فيها من أحبابه وهذا أفرط في التفاوت ~~والمناقضات غير أن من تكلم على قدر الأوقات وجرى مع أحكام الهوى على حسب ~~الغايات غدر بل تحيل في قوله فضلا عن أن يخالف مذهبا إلى غيره. # ولقد أنصف الذي يقول: # لعمرك ms135 ما أبكي على الدار إذ خلت ... ولكن لأهل الدار إذ ودعوا الدارا # تولوا فولى العيش من بعد غبطة ... وأبقوا بقلبي من تذكرهم نارا # وقال ذو الرمة: # بجرعائها من ساكن الحي ملعب ... وآري أفراس كجرثومة النمل # كأن لم يكنها الحي إذ أنت مرة ... بها ميت الأهواء مجتمع الشمل # بكيت على مي بها إذ عرفتها ... وهجت الهوى حتى بكى القوم من أجلي # فظلوا ومنهم دمعه غالب له ... وآخر يثني عبرة العين بالهمل # وهل هملان العين راجع ما مضى ... من الوجد أو مدنيك يا مي من أهلي # ألا لا أبالي الموت إن كان قبله ... لقاء لمي وارتجاع من الوصل # وقال أيضا: # قف العيس في أطلال مية فاسأل ... رسوما كأخلاق الرداء المسلسل # أظن الذي يجدي عليك سؤالها ... دموعا كتبذير الجمان المفصل # وكائن تخطت ناقتي من مفازة ... ومن نائم عن ليلة متزمل # وقال ذو الرمة: # وقفت على ربع لمية ناقتي ... فما زلت أبكي عنده وأخاطبه # وأسقيه حتى كاد مما أبثه ... تكلمني أحجاره وملاعبه PageV01P083 ألا لا ~~أرى مثل الهوى داء مسلم ... كريم ولا مثل الهوى ليم صاحبه # وقال أيضا: # أمنزلتي مي سلام عليكما ... هل الأزمن اللاتي مضين رواجع # وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى ... ثلاث الأثافي والديار البلاقع # توهمتها يوما فقلت لصاحبي ... وليس بها إلا الظباء الخواضع # قف العيس تنظر نظرة في ديارها ... وهل ذاك من داء الصبابة نافع # فقال أما تغشى لمية منزلا ... من الدهر إلا قلت هل أنت رابع # وقال أبو تمام: # أو ما رأيت منازل ابنة مالك ... رسمت له كيف الزفير رسومها # وكأنما ألقى عصاه بها البلى ... من شقة قذف فليس يريمها # والحادثات وإن أصابك بؤسها ... فهو الذي أنباك كيف نعيمها # فلقبل أظهر صقل سيف إثره ... فبدا وهذبت القلوب همومها # وقال البحتري: # أمحلتي سلمى بكاظمة اسلما ... وتعلما أن الجوى ما هجتما # أبكيكما دمعا ولو أني على ... قدر الجوى أبكي بكيتكما دما # طللا أكفكف فيه دمعا معربا ... بجوى وأقرأ منه خطا أعجما # تأبى رباه أن تجيب ولم يكن ... مستخبرا ليجيب حتى يفهما # وقال أيضا: ms136 # يا يوم عرج بل وراءك يا غد ... قد أجمعوا بينا وأنت الموعد # في كل يوم دمنة من حبهم ... تقوي وربع بعدهم يتأبد # دمن تقاضاهن أعلام البلى ... هوج الرياح الباديات العود # حتى فنين وما البقاء لواحد ... والدهر في أطرافه يتردد # وقال أبو تمام: # ديار هراقت كل عين شحيحة ... وأوطأت الأحزان كل حشى جلد # فعوجا صدور الأرحبي وأسهلا ... بذاك الكثيب السهل والعلم الفرد # فلا تسألاني عن هوي طعمتما ... جواه فليس الوجد إلا من الوجد # وقال البحتري لنفسه: # لا دمنة بلوى خبت ولا طلل ... يرد قولا على ذي لوعة يسل # إن عن دمعك في إثر الرسوم فلم ... يصب عليها فعندي مدمع ذلل # هل أنت يوما معيري نظرة فترى ... في رمل يبرين عيرا سيرها رمل # شبوا النوى بحداة ما لها وطن ... إلا النوى وجمال ما لها عقل # وقال ذو الرمة: # يقول بالزرق صحبي إذ وقفت بهم ... في دار مية استسقي لها المطرا # لو كان قلبك من صخر لصدعه ... هيج الديار لك الأحزان والذكرا # وزفرة تعتريني كلما ذكرت ... مي له أو نحا من نحوها البصرا # ما زلت أطرد في آثارهم نظري ... والشوق يقتاد في ذي الحاجة النظرا # وقال أيضا: # عرفت لها دارا فأبصر صاحبي ... صحيفة وجهي قد تغير حالها # فقلت لنفسي من حياء رددته ... إليها وقد بل الجفون بلالها # أمن أجل دار طير البين أهلها ... أيادي سبا بعدي وطال احتيالها # فؤادك مبثوث عليك شجونه ... وعينك يعصي عاذليك انهمالها # وقال الراعي: # ألا أيها الربع الخلاء مشاربه ... أشر للفتى من أين صار حبائبه # فلما رأينا أنما هو منزل ... وموقد نار قلما عاد حاطبه # مضيت على شأني بمرة مخرج ... عن الشأو ذي شغب على من يحاربه # ولبعض أهل هذا العصر: # أتهجر من تحب وأنت جار ... وتطلبهم وقد بعد المزار # وتسكن بعد نأيهم اشتياقا ... وتسأل في المنازل أين ساروا # تركت سؤالهم وهم جميع ... وترجو أن تخبرك الديار # فأنت كمشتري أثر بعين ... فقلبك بالصبابة مستطار # فنفسك لم ولا تلم المطايا ... ومت أسفا فقد حق الحذار # سمعت بنأيهم وظللت حيا ... فقدتك ms137 كيف يهنيك القرار PageV01P084 إذا ما ~~الصب أسلمه صدود ... إلى بين فمهجته جبار # تباعد من هويت وأنت دان ... فلا تتعب فليس لك اعتذار # إذا ما بان من تهوى فولى ... ولج بك الهوى فالصبر عار # وله أيضا: # أمر على المنزل كالغريب ... أسائل من لقيت عن الحبيب # وما يغني الوقوف على الأثافي ... ونؤي الدار عن دنف كئيب # حبست بها المطي فلم تجبني ... ولم ترحم بلا شك نحيبي # فقلت لها سكوتك ذا عجيب ... وأعجب من سكوتك أن تجيبي # شكوت إلى الديار فما شفتني ... بلى شاقت إلى وجه الحبيب # فمن ينجي العليل من المنايا ... إذا كان البلاء من الطبيب # الباب الثلاثون # من منع من البراح تشوق بالرياح # كل متشوق من العشاق بنسيم ريح أو لمعان برق أو سجع حمام فهو ناقص عن حال ~~التمام من جهتين إحداهما قلة صبره على فقد صاحبه حتى يحتاج أن يرى ما يشوقه ~~بذكره والأخرى أن من كانت هذه صفته فإن الصبابة لم تتمالك على قلبه فتشغله ~~عن أن يتشوق بشيء يلم به غير أن الشوق بما ذكرناه إنما يقصر بأهله عن درجة ~~الكمال وليس بمدخل لهم في جملة الموصوفين بالنقص والإخلال ومن مختار ما قيل ~~في الشوق بالرياح. # قول ذي الرمة: # إذا هبت الأرياح من نحو جانب ... به أهل مي هاج شوقي هبوبها # هوى تذرف العينان منه وإنما ... هوى كل نفس حيث حل حبيبها # وقال آخر: # وقد عاودتنا الريح منها بنفحة ... على كبد من طيب أرواحها برد # عديني بنفسي أنت وعدا فربما ... جلا كربة المكروب عن قلبه الوعد # فقد بت لا قوم ولا كبليتي ... ولا مثل وجدي في الشفا بكم وجد # وقال مجنون بني عامر: # أيا جبلي نعمان بالله خليا ... طريق الصبا يخلص إلي نسيمها # أجد بردها أو تشف مني حرارة ... على كبد لم يبق إلا صميمها # فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت ... على نفس مغموم تجلت غيومها # وقال ابن الدمينة: # وقد جعلت ريا الجنوب إذا جرت ... على ضعفها تبدا لنا وتطيب # جنوب بريا من أميمة تغتدي ... حجازية علوية ms138 وتؤوب # وقالت وجيهة بنت أوس الضبية: # فلو أن ريحا بلغت وحي مرسل ... حفي لناجيت الجنوب على النقب # فقلت لها أدي إليهم تحيتي ... ولا تخلطيها طال سعدك بالترب # فإني إذا هبت شمال سألتها ... هل ازداد صداح النميرة من قرب # وقال يزيد بن الطثرية: # إذا ما الريح نحو الأثل هبت ... وجدت الريح طيبة جنوبا # فماذا يمنع الأرواح تسري ... بريا أم عمرو أن تطيبا # أليست أعطيت في حسن خلق ... كما شاءت وجنبت العيوبا # وقال آخر: # خليلي من سكان مران هاجني ... سكون الجنوب مرة وابتسامها # فإن تسألاني ما دوائي فإنني ... بمنزلة أعيى الطبيب سقامها # وقال صخر الحرمازي: # لعمرك ما ميعاد عينيك بالبكا ... بداراء إلا أن تهب جنوب # أعاشر في داراء من لا أحبه ... وبالرمل مهجور إلي حبيب # وقال آخر: # عليك سلام الله أما قلوبنا ... فمرضى وأما ودنا فصحيح # وإني لأستسقي بكل سحابة ... تمر بها من نحو أرضك ريح # قال آخر: # هوى صاحبي ريح الشمال إذا جرت ... وأهوى لنفسي أن تهب جنوب # وما ذاك إلا أنها حين تنتهي ... تناهى وفيها من أميمة طيب # فويلي من العذال ما يتركونني ... بغمي أما في العاذلين لبيب # يقولون لو عزيت قلبك لارعوى ... فقلت وهل للعاشقين قلوب # وقال مهدي بن الملوح: # إذا الريح من نحو الحبيب تنسمت ... وجدت لرياها على كبدي بردا ~~PageV01P085 على كبد قد كاد يبدي بها الجوى ... صدوعا وبعض القوم يحسبني ~~جلدا # وقال آخر: # تمر الصبا بساكن ذي الغضا ... فيصدع قلبي أن يهب هبوبها # قريبة عهد بالحبيب وإنما ... هوى كل نفس حيث كان حبيبها # وقال الجويرية: # يصحح أوصابي على النأي والهوى ... مهيج الصبا من نحوها حين تنفح # وما اعترضت للركب أدماء حرة ... من العين إلا ظلت العين تسفح # وعاتبة عندي لها قلت أقصري ... فغيرك خير منك قولا وأنصح # وقال الورد بن الورد العجلي: # أمغتربا أصبحت في دار مهرة ... ألا كل نجدي هناك غريب # إذا هب علوي الرياح وجدتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب # ألا حبذا الإصعاد لو تستطيعه ... ولكن أجل لا ما أقام عسيب # فإن مر ركب مصعدون فقلبه ms139 ... مع المصعدين الرائحين جنيب # سل الريح إن هبت جنوبا ضعيفة ... متى عهدها بالدير زير حبيب # متى عهدها بالموقلات وحبذا ... شواكل ذاك العيش حين يطيب # ولا خير في الدنيا إذا أنت لم تزر ... حبيبا ولم يطرب إليك حبيب # وقال آخر: # ألا ليت شعري هل يعودن ما مضى ... ليالي عيش الأصفياء رطيب # وهل عائد قبل الممات فراجع ... على عهده دهر إلي حبيب # وإني لتحييني الصبا وتميتني ... إذا ما جرت بعد الشمال جنوب # وتبرد نفسي بل تعيش حشاشتي ... شمال بها بعد الهدو هبوب # وأرتاح للبرق اليماني كأنني ... له حين يجري في السماء نسيب # وقال ابن الدمينة: # ألا لا أحب السير إلا مصعدا ... ولا الريح إلا أن تهب جنوب # إذا هب علوي الرياح وجدتني ... كأني لعلوي الرياح نسيب # وقال آخر: # إذا هبت الأرواح من نحو أرضهم ... وجدت لرياها إذا ما جرت بردا # ومن يلبس الدنيا ونعمى ويختلف ... عليه جديداها يجدا له فقدا # وقال ابن الدمينة: # فيا حسرات النفس من غربة النوى ... إذا قسمتها نية وشعوب # ومن خطرات تعتريني وزفرة ... لها بين جلدي والعظام دبيب # وقد جعلت ريا الجنوب إذا جرت ... على طيبها تبدا لنا وتطيب # جنوب بريا من أميمة تغتدي ... حجازية علوية وتؤوب # وقال هدبة بن خشرم: # ألا ليت الرياح مسخرات ... لحاجتنا تراوح أو تؤب # فتبلغنا الشمال إذا أتتنا ... وتبلغ أهلنا عنا الجنوب # ولبعض أهل هذا العصر في هذا المعنى: # مباشرة النسيم لشخص إلفي ... أشد علي من فقد الحبيب # نأى عني الحبيب فصار قلبي ... يغار على الصبا وعلى الجنوب # ولو يسطيع ما درجت دبور ... إذن ونهى الشمال عن الجنوب # خليلي من نواك أخذت حظي ... فهل لي في نوالك من نصيب # نفيت من الهوى إن كان قلبي ... دعى ودا كودك في المغيب # وقال حميد بن ثور: # يهش لنجدي الرياح كأنه ... أخو كربة داني الإسار طليق # فيا طيب رياها وبرد نسيمها ... إذا حان من حامي النهار طروق # وقال جرير: # يا حبذا جبل الريان من جبل ... وحبذا ساكن الريان من كانا # وحبذا نفحات من يمانية ... تأتيك من ms140 قبل الريان أحيانا # وقال آخر: # إذا هب علوي الرياح وجدتني ... يهش لعلوي الرياح فؤاديا # فإن هبت الريح الصبا هيجت لنا ... دواعي حزن لم يجدن مداويا # وما هبت الريح الصحيحة موهنا ... من الليل إلا بت للريح ضاويا # وإلا علتني عبرة ثم زفرة ... وإلا تداعى القلب مني تداعيا # وقالت امرأة من مرة: PageV01P086 ألا خليا برد الجنوب فإنه ... يداوي ~~فؤادي من هواه نسيمها # وكيف تداوي الريح شوقا مماطلا ... وعينا طويلا للدموع سجومها # وقال آخر: # حسبت الغضا يشفي هيامي فلم أجد ... شميم الغضا يشفي هيام فؤاديا # بلى لو أتتنا الريح تدلج موهنا ... بريح الخزامى كان أشفى لما بيا # وقال الوقاف وهو الورد بن الورد الجعدي: # إذا تركت وحشية نجد لم يكن ... لعينيك مما يشكوان طبيب # إذا راح ركب مصعدون فقلبه ... مع المصعدين الرائحين جنيب # وكانت رياح الشام تبغض مرة ... فقد جعلت تلك الرياح تطيب # وقد كان علوي الرياح أحبها ... إلينا فقد دارت هناك جنوب # وقال آخر: # ألا حبذا يوم تهب به الصبا ... لنا وعشيات تدانت غيومها # بنعمان إذ أهلي بنعمان جيرة ... ليالي إذ يرضى بدار مقيمها # وقال كلاب بن عقبة: # بأهلي ونفسي من تجنبت داره ... ومن لا أرى لي من زيارته بدا # ومن ردني إذ جئت زائر بيته ... ولو زار بيتي ما أهين ولا ردا # ومن لا تهب الريح من شق أرضه ... فتبلغني إلا وجدت لها بردا # وقال آخر: # ما هبت الريح من تلقاء أرضكم ... إلا وجدت لها بردا على كبدي # ولا تنسمت أخرى أستفيق لها ... إلا وجدت خيالا منك بالرصد # وقال ابن الدمينة: # يمانية هبت بليل فأرقت ... حشاشة نفس قد تعنى طبيبها # أبيني إذا استخبرت هل تحفظ الهوى ... أميمة أم هل عاد بعدي رقيبها # وقال الورد بن الورد العبسي: # ألا ليت أن الريح في ذات بيننا ... رسول فتطوي بيننا بلدا قفرا # فتخبرها ماذا لقينا من الهوى ... وتخبرنا عنها علانية جهرا # وقال آخر: # ألا يا جبال الغور خلين بيننا ... وبين الصبا يخرج علينا سنينها # فقد طال ما حالت ذراكن بيننا ... وبين ذرى نجد فما ms141 نستبينها # وقال طريح بن إسماعيل: # هل الريح من صب مقيم مريحة ... على الظاعن النائي سلام المسلم # وكيف تناسى من تجدد ذكره ... نسيم الرياح للصبا المتنسم # وقالت العيوق بنت مسعود: # إذا هبت الأرواح زادت صبابة ... علي وبرحا في فؤادي هبوبها # ألا ليت أن الريح ما حل أهلنا ... بصحراء نجد لا تهب جنوبها # وآلت يمينا لا تهب شمالها ... ولا نكبا إلا صبا نستطيبها # وقال آخر: # ألا حبذا ريح الألا إذا جرت ... برياه هبات الرياح الجنائب # وإني لمعذور إلى الشوق كلما ... بدا لي من نخل الصباح النصائب # وقال آخر: # هل الريح أو برق اليمامة مخبر ... ضمائر حاج لا أطيق لها ذكرا # سليمى سقاها الله حيث تصرفت ... بها غربات الدار عن دارنا القطرا # إذا درجت ريح الصبا وتنسمت ... تعرفت من نجد وساكنه نشرا # تقرف قرح القلب بعد اندماله ... فهيج دمعا لا جمودا ولا نذرا # الباب الحادي والثلاثون # في لوامع البروق أنس للمستوحش المشوق # حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي قال حدثنا عبد الله بن شيب قال ~~حدثنا مروان بن أبي بكرة قال حدثني محمد بن إبراهيم الليثي قال حدثني محمد ~~بن معن الغفاري قال اقتحمت السنة ودخل المدينة ناس من الأعراب منهم صرة من ~~كلاب وكانوا يدعون عامهم ذلك الجراف قال فأبرقوا ليلة في النجد وغدوت عليهم ~~فإذا غلام منهم قد عاد جلدا وعظما ضيعة ومرضا وضمانة حب وإذا هو قد رفع ~~عقيرته بأبيات والها من الليل: # ألا يا سنا برق على فلك الحمى ... ليهنك من برق علي كريم # لمعت اقتداء الطير والقوم هجع ... فهيجت أسقاما وأنت سليم PageV01P087 ~~فبت بحد المرفقين أشيمه ... كأني لبرق بالستار حميم # فهل من معير طرف عين جلية ... فإنسان عين العامري كليم # وفي قلبه البرق الملالي رمية ... بذكر الحمى وهنا تكاد تهيم # قال فقلت له ففي دون ما بك يفحم عن الشعر فقال صدقت ولكن البرق أنطقني ثم ~~ما لبث يومه ذلك حتى مات. # وقال آخر: # أقول لبوابين والسجن مغلق ... وطال علي الليل ما تريان # فقالا نرى برقا يلوح ms142 وما الذي ... يشوقك من برق يلوح يمان # فقلت افتحا لي الباب أجلس إليكما ... لعلي أرى البرق الذي تريان # فقالوا أمرنا بالوثاق وما لنا ... بمعصية السلطان فيك يدان # ألا ليت شعري وهو مما يهمني ... متى أنا والصهال ملتقيان # وأنشدني أحمد بن يحيى: # أكلما لمعت بالغور بارقة ... هفا إليها جناحا قلبك الخفق # إن كنت مثلتها من كل رابعة ... للشمس والبدر أو للمنظر الأنق # لتصبحن قتيلا طل مصرعه ... من طعنة في الحشا مكتومة العلق # وقال الأحوص: # أصاح ألم تحزنك ريح مريضة ... وبرق تلالا بالعقيقين لامع # فإن غريب الدار مم يشوقه ... نسيم الرياح والبروق اللوامع # ومن دون ما أسمو بطرفي لأرضهم ... مفاوز مغبر من التيه واسع # فأبدت كثيرا نظرتي من صبابتي ... وأكثر منه ما تجن الأضالع # أهم لأنسى ذكرها ويشوقني ... رفاق إلى أهل الحجاز نوازع # وقالت رامة بنت الشماخ: # ألام على نجد ومن تك داره ... بنجد يهجه الشوق شيء يرايعه # تهجه جنوب حين تبدو بنشرها ... يمانية والبرق إذ لاح لامعه # وقالت امرأة من طي: # إذا ما صبير المزن أومض برقه ... ببغداد لم تبلج بعيني بوارقه # ولكن متى ما تبد منه مخيلة ... بنجد فذاك البرق لا بد شائقه # وقالت الخنساء: # أمبتدر قلبي إن العين آنست ... سنا بارق بالنجد غير تهامي # فليت سماكيا يطير ربابه ... يقاد إلى أهل الغضا بزمام # فيشرب منه جحوش ويشيمه ... بعيني قطامي أغر شآمي # فأقسم أني قد وجدت لجحوش ... إذا جاء والمستأذنون نيام # فإن كنت من أهل الحجاز فلا تلح ... وإن كنت نجديا فلح بسلام # فأهل الحجاز معشر ما أحبهم ... وأهل الغضا قوم علي كرام # وقال عبد الرحمن بن دارة: # نظرت ودور من نصيبين دوننا ... كأن غريبات العيون بها رمد # لكيما أرى البرق الذي أومضت به ... ذرى المزن علويا وكيف لنا يبدو # وإني ونجدا كالقريبين قطعا ... قوى من جبال لم يشد لها عقد # وقال أبو القمقام الأسدي: # خليلي طال الليل واشتغل القذى ... بعيني واستأنست برقا يمانيا # خليلي إلا تبكيا لأخيكما ... . . ما بي أقل . . # وقال آخر: # أرقت وهاجني البرق البعيد ... أريد لكي يعود ms143 فلا يعود # أريد لكي أزور بلاد ليلى ... فأما غير ذاك فلا أريد # علي ألية إن كنت أدري ... أينقص حب ليلى أم يزيد # ولبعض أهل هذا العصر: # أرقت لبرق من تهامة خافق ... كأن سنا إيماضه قلب عاشق # يلوح فأزداد اشتياقا وما أرى ... يشوقني لولاك من ضوء بارق # متى تدنو لا يملك لي الشوق لوعة ... وإن تنأى عني فالتوهم شائقي # فرأيك في عبد إليك مفره ... لتنعشه بالوصل قبل العوائق # وأنشدني أبو طاهر الدمشقي: # أعني على بارق ناصب ... خفي كلمحك بالحاجب # كأن تألقه في السماء ... يدا كاتب أو يدا حاسب # وقال علي بن محمد العلوي: # شجاك الوميض ولذع المضيض ... بنار الهوى وببرق يماني PageV01P088 كأن ~~تألقه في السماء ... رجع حساب خفيف البنان # كأني لم أدر أن الردى ... لهتك ستور الضنى قد رآني # أخلاي أحفيكم طائعا ... وأنتم منى النفس دون الأماني # ولكن يد الدهر رهن بما ... سيرمى بأسهمه الفرقدان # عسى الدهر أن يثن لي عطفه ... بعطف الهوى وبعيش ليان # وقال البحتري: # خيال ملم أو حبيب مسلم ... وبرق تجلى أو حريق مضرم # تقيض لي من حيث لا أعلم النوى ... ويسري إلي الشوق من حيث أعلم # وقال النابغة: # أرقت وأصحابي هجوع بربوة ... لبرق تلالا في تهامة لامع # فأبدى هموما من هموم أجلها ... وأكثر منها ما تجن الأضالع # وقال آخر: # أرقت لبرق آخر الليل يلمع ... سرى دائبا فيما نهب ونهجع # سرى كاحتساء الطير والليل ضارب ... بأرواقه والصبح قد كاد يسطع # وقال آخر: # بدا البرق من نحو الحجز فشاقني ... وكل حجازي له البرق شائق # سرى مثل نبض العرق والليل دونه ... وأعلام نجد كلها والأسالق # وقال دعبل: # ما زلت أكلأ برقا في جوانبه ... كطرفة العين تخبو ثم تختطف # برق تجاسر من خفان لامعه ... يقضي الصبابة من قلبي وينصرف # وقال آخر: # شبهت في أخريات الليل من رجب ... برقا أتتنا به الجوزاء شؤبوبا # صنجا بصنائعه الأوتار قد نصبت ... بين السماء وبين الأرض مضروبا # وقال آخر: # أضاء البرق ليلة أذرعات ... هوى لا يستطيع له طلابا # هوى بتهامة وهوى بنجد ... فأي هواك تترك حين ms144 آبا # وقال كثير: # أهاجك برق آخر الليل واصب ... تضمنه فرش الحيا فالمسارب # تألق واحمومى وخيم في الربى ... أحم الذرى ذو هيدب متراكب # إذا حركته الريح أرزم جانب ... بلا هرق منه وأومض جانب # كما أومضت بالعين ثم تبسمت ... جريع بدا منها جبين وحاجب # يصح الندى لا يذكر السير أهله ... ولا يرجع الماشي به وهو جادب # وقال آخر: # وأرتاح للبرق اليماني كأنني ... له حين يجري في السماء نسيب # ولي كبد حرى بما قد تضمنت ... عليه وعين بالدموع سكوب # أصعد أنفاسا حنينا ولوعة ... كما حن مقصور اليدين قضيب # وقال أبو هلال الأسدي: # أشاقتك البوارق والجنوب ... ومن عالي الرياح لها هبوب # أتتك بنفحة من ريح نجد ... تضوع والعرار بها مشوب # وشمت البارقات فقلت جادت ... حيال القاع أو مطر القلوب # وقال محمد بن عبد الله الفقعسي: # أقول لقمقام بن زيد أما ترى ... سنا البرق يبدو للعيون النواظر # فإن تبكي للبرق الذي هيج الهوى ... أعنك وإن تصبر فلست بصابر # سقى الله حيا بين صارة والحمى ... حمى فيد صوب العاجنات المواطر # أمين واد الله من كان منهم ... إليهم ووقاه حمام المقادر # وقال بعض العامريين: # عدمت جدارا يمنع البرق أن يرى ... مع الليل علويا تطير شقائقه # وسقيا لذاك البرق لو أستطيعه ... ولكن عدمنا نية ما توافقه # وقال آخر: # أعني على برق أريك وميضه ... تضيء دجنات الظلام لوامعه # إذا اكتحلت عينا محب بضوئه ... تجافت به حتى الصباح مضاجعه # فبات وسادي ساعد قل لحمه ... عن العظم حتى كاد تبدو أشاجعه # وقال آخر: # نفى النوم عني فالفؤاد كئيب ... نوائب هم ما تزال تنوب # وما جزعا من خشية الموت أخضلت ... دموعي ولكن الغريب غريب # وإني لأرعى النجم حتى كأنني ... على كل نجم في السماء رقيب PageV01P089 ~~ولبعض أهل هذا العصر: # أراعك برق في دجى الليل لامع ... أجل كل ما يلقاه ذو الشوق رائع # أألآن تخشى البرق والإلف حاضر ... فكيف إذا ما لاح والإلف شاسع # وهاجت رياح زدن ذا الشوق صبوة ... وباكرت الأيك الحمام السواجع # وعاشرت أقواما فلم تلق فيهم ... خليلك فاستعصت عليك المدامع ms145 # وأصبحت لا تروي من الشعر إذ نأى ... هواك وبات الشعر للناس واسع # سوى قول غيلان بن عقبة نادما ... هل الأزمن اللاتي مضين رواجع # هناك تمنى أن عينيك لم تكن ... وأنك لم ترحل وإلفك رابع # فكل الذي تلقى يسوؤك إن دنا ... ودل الذي تلقى إذا بان فاجع # فيا ويك لا تسرع إلى البين إنه ... هو الموت فاحذر غب ما أنت صانع # وله أيضا: # أمن أجل سار في دجى الليل لامع ... جفوت حذار البين لين المضاجع # علام تخاف البين والبين راحة ... إذا كان قرب الدار ليس بنافع # إذا لم تزل ممن تحب مروعا ... بغدر فإن الهجر ليس برائع # الباب الثاني والثلاثون # في تلهب النيران أنس للمدنف الحيران # أنشدني أبو طاهر الدمشقي قال أنشدني محمد بن الوليد الحيدري من أهل ~~فلسطين: # رأيت بجرم عذرة ضوء نار ... تلألأ وهي نازحة المكان # فشبه صاحباي بها سهيلا ... فقلت تبينا ما تبصران # أنار أوقدت فتنوراها ... بدت لكما أم البرق اليماني # وكيف ودونها الفلجات تبدو ... وكيف وأنتما لا ترفعان # كأن الريح تصدع من سناها ... بنائق جنة من أرجوان # وقال جامع الكلابي: # وإني لنار أوقدت بين ذي الغضا ... على ما بعيني من قذى لبصير # أضاءت لنا وحشية غير أنها ... مع الإنس ترعى ما رعوا وتسير # وقال جميل بن معمر: # أكذبت طرفي أم رأيت بذي الغضا ... لبثنة نارا فارفعوا أيها الركب # إلى ضوء نار ما تبوخ كأنها ... من البعد والإقواء جيب لها نقب # وقال كثير: # رأيت وأصحابي بأيلة موهنا ... وقد عاد نجم الفرقد المتصوب # لعزة نارا ما تبوخ كأنها ... إذا ما رمقناها من البعد كوكب # وقال آخر: # يا موقدا ناري يذكيها ويخمدها ... قر الشتاء بأرواح وأمطار # قم فاصطل النار من قلبي مضرمة ... بالشوق تغن يا موقد النار # ويا أخا الذود قد طال الظماء بها ... لم تدر ما الري من جدب وإقفار # رد بالعطاش على عيني ومحجرها ... تروي العطاش بدمع واكف جاري # وقال آخر: # يا موقد النار بالزناد ... وطالب الجمر في الرماد # دع عنك شكا وخذ يقينا ... واقتبس النار من فؤادي ms146 # وقال الشماخ: # وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت ... لقد رابني منها الغداة سفورها # وأشرف بالغور اليفاع لعلني ... أرى نار ليلى أو يراني بصيرها # حمامة بطن الواديين ترنمي ... سقاك من الغر العذاب مطيرها # أبيني لنا لا زال ريشك ناعما ... ولا زلت في خضراء دان بريرها # وقال الأحوص بن محمد: # ضوء نار بدا لعينيك أم ش ... بت بذي الأثل من سلامة نار # تلك دار الغضا وحسا وقد يأ ... لفها المجتدون والزوار # أصبحت دمنة تلوح بمتن ... تعتفيها الرياح والأمطار # وكذاك الزمان يذهب بال ... ناس وتبقى الديار والآثار # وقال آخر: # يا موقد النار بالصحراء من عمق ... قم فاصطلي من فؤاد هائم قلق # النار تطفى وبرد القر يخمدها ... ونار قلبي لا تطفى من الحرق # وقال بعض الأعراب: PageV01P090 أنار بدت يا عبد من ساكن الغضا ... مع ~~الليل أم برق تلألأ ناصب # فأحبب بتلك النار والموقد الذي ... له عند جرعاء النميرة حاطب # لمن ضوء نار بالبطاح كأنها ... من الوحش بيضاء اللبان سلوب # إذا صدعتها الريح بان بضوئها ... من الأثل فرع يابس ورطيب # يراها فيرجوها وليس بآيس ... وفيها عن القصد المبين نكوب # فأما على طلاب بان فساعة ... وأما على ذي حاجة فقريب # وقال آخر: # ونار كسحر العود ترفع ضوءها ... مع الليل هبات الرياح الصوارد # أحيد بأيدي العيس عن قصد دارها ... وقلبي إليها بالمودة قاصد # وقال آخر: # وطيبة قالت أوقد النار عله ... يراها مضل قد سرى فيؤوب # لها موقد من أهلها وكأنه ... إذا أوقدت ليلا أغن غضوب # وقال ربيعة بن ثابت: # لمن ضوء نار قابلت أعين الركب ... تشب بلدن العود والمندل الرطب # فقلت لقد آنست نارا كأنها ... صفا كوكب لاحت فحن لها قلبي # وقال ابن الدمينة: # بدت نار أم العمرو بين حوائل ... وبين اللوى كالبرق داني المعان # فيا حبذا من ضوء برق بدا لنا ... ويا حبذا من موقد ودخان # بدت نارها يا ملح من هي ناره ... ويا حبذا من مصطلى ومكان # وقال آخر: # ألا ليت أن الطل يطفئ نارنا ... فيقبسني من نار وجناء قابس # وماذا عليهم لو تصلى بضوءها ms147 ... على النأي مشبوح الذراعبن بائس # وقال ابن مقيل: # إذا الناس قالوا كيف أنت وقد بدا ... ضمير الذي بي قلت للناس صالح # إذا قيل من دهماء حيرت أنها ... من الجن لم يوقد لنا النار قادح # وكيف ولا نار لدهماء أوقدت ... قريبا ولا كلب من الليل نابح # وإني ألحاني على أن أحبها ... رجال تقويهم قلوب صحائح # ولو أن ما ألقى من الشوق والهوى ... لأهلك مال لم تسعه المسارح # وقال امرؤ القيس: # تنورتها من أذرعات وأهلها ... بيثرب أدنى دارها نظر عال # نظرت إليها والنجوم كأنها ... مصابيح رهبان تشب لقفال # فقالت سباك الله إنك فاضحي ... ألست ترى السمار والناس أحوالي # فقلت يمين الله أبرح قاعدا ... ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي # فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال # فصرنا إلى الحسنى ورق كلامنا ... ورضت فذلت صعبة أي إذلال # حلفت لها بالله حلفة فاجر ... لناموا فما إن من حديث ولا صال # سموت إليها بعدما نام أهلها ... سمو حباب الماء حالا على حال # فأصبحت معشوقا وأصبح بعلها ... عليه القتام سيئ الظن والبال # أما البيت الأول فهو نهاية لا يتهيأ مجاوزتها بل لا تتمكن مقاربتها لأنه ~~ذكر أنه تخيل نارها من المدينة وهو بالشام فساقه الشوق إليها من أجل ذلك ~~وقد بلغني أن أعرابيا ذكر صاحبة له فقال إني لأذكرها وبيني وبينها عقبة ~~طائر وأجد من ذكرها ريح المسك ويقال أن عقبة الطائر مئة فرسخ فهذا لعمري ~~مقارب لبيت امرئ القيس ولذلك عليه فضل السابق على المسبوق وفضل النظم على ~~المنثور وفضل الطاعة لاشتياقه وانقياده معه إلى إلفه الذي شاقه غير أنه عقب ~~ذلك بما عف على حسنه ومحا موضع الفخر له به. # وقال الأحوص: # صاح هل أبصرت بالخب ... تين من أسماء نارا # موهنا شبت لعيني ... ك فلم توقد نهارا # كتلالي البرق في العا ... رض ذي المزن استطارا # أذكرتني الوصل من سل ... مى وأياما قصارا # لم تثب بالوصل سلمى ... جارها إذ كان جارا # عاشقا أفنى طوال الد ... هر خوفا واستتارا PageV01P091 وقال أيضا: # رأيت لها نارا تشب ms148 ودونها ... بواطن من ذي رجرج وظواهر # فخفضت قلبي بعدما قلت إنه ... إلى نارها من عاصف الشوق طائر # فقلت لعمرو تلك يا عمرو دارها ... تشب بها نار فهل أنت ناظر # تقادم مني العهد حتى كأنني ... تذكرتها من طول ما مر هاجر # وفي مثل ما جربت منذ صحبتني ... عذرت أيا يحيى لو انك عاذر # كريم يميت السر حتى كأنه ... عم بنواحي أمرها وهو خابر # إذا قلت أنساها وأخلق ذكرها ... تنثت بذكراها هموم نوافر # وقال أيضا: # أمن خليدة وهنا شبت النار ... ودونها من ظلام الليل أستار # باتت تشب وبتنا الليل نرقبها ... تعنى قلوب بها مرضى وأبصار # يا حبذا تلك من نار وموقدها ... وأهلنا باللوى إذ نحن أجوار # خليد لا تبعدي ما عنك إقصار ... وإن بخلت وإن شطت بك الدار # فما أبالي إذا أمسيت جارتنا ... مقيمة هل أقام الناس أم ساروا # لو دب حولي ذر تحت مدرعها ... أضحى بها من دبيب الذر آثار # وقال أيضا: # يا موقد النار بالعلياء من إضم ... أوقد فقد هجت شوقا غير منصرم # يا موقد النار أوقدها فإن لها ... سنا يهيج فؤاد العاشق السدم # نار أضاء سناها إذ تشب لنا ... سعدية دلها يشفي من السقم # ولائم لامني فيها فقلت له ... قد شف جسمي الذي ألقى بها ودمي # فما طربت لشجو كنت تأمله ... ولا تأملت تلك الدار من أمم # وقال آخر: # كأن فؤادي في يد علقت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه # وأشفق من وشك الفراق وإنني ... أظن لمحمول عليه فراكبه # نظرت ودوني السحق من نخل بارق ... بنظرة سامي الطرف حجن مخالبه # لأبصر نارا بالجواء ودونها ... مسيرة شهر لا يعرس راكبه # فوالله ما أدري أغالبني الهوى ... إلى أهل تلك الأرض أم أنا غالبه # فإن أستطع أغلب وإن يغلب الهوى ... فمثل الذي لاقيت يغلب صاحبه # وقال آخر: # أحقا عباد الله أن لست رائيا ... أميمة إن حاضرت أو كنت باديا # ولا مبصرا بالأجرع الفرد نارها ... ولا ثانيا يمنى يديها وساديا # ولا قائلا تقضي الديون فإنها ... ديون غريم ما أساء التقاضيا # ولبعض أهل هذا ms149 العصر: # أرقت لنار بالطليحة أوقدت ... تراءت للحظ العين ثم تسترت # علت وخبت ثم انجلت وتطاولت ... على هضبات الرمل ثم تخفضت # فلم يخب شوقي إذ خبت بل تلهبت ... صبابة قلبي بالهوى لما تلهبت # وما رد عنها الطرف بعد مكانها ... ولكن دموع العين لما تهللت # ذكرت بها الدهر الذي ليس عائدا ... وما نسيت أيامه بل تنسيت # فما أنصفت أذكت هوى حين أذكيت ... ولم تطف نيران الهوى حين أطفئت # الباب الثالث والثلاثون # في نوح الحمام أنس للمنفرد المستهام # ذكروا أن مجنون بني عامر رقد ليلة تحت شجرة فانتبه بتغريد طائر فأنشأ: # لقد هتفت في جنح ليل حمامة ... على فنن تدعو وإني لنائم # فقلت اعتذارا عند ذاك وإنني ... لنفسي فيما قد رأيت للائم # أأزعم أني عاشق ذو صبابة ... بليلى ولا أبكي وتبكي الحمائم # كذبت وبيت الله لو كنت عاشقا ... لما سبقني بالبكاء الحمائم # وقال شقيق بن سليك الأسدي: # ولم أبك حتى هيجتني حمامة ... بعبن الحمام الورق فاستخرجت وجدي # فقد هيجت مني حمامة أيكة ... من الوجد شوقا كنت أكتمه جهدي PageV01P092 ~~تنادي هذيلا فوق أخضر ناعم ... غذاه ربيع باكر في ثرى جعد # فقلت تعالي نبك من ذكر ما خلا ... ونذكر منه ما نسر وما نبدي # فإن تسعديني نبك عبرتنا معا ... وإلا فإني سوف أسفحها وحدي # وهذه حال ناقصة منها في المحبة من ليست له حال تبة جحدر الفقعسي حيث ~~يقول: # وكنت قد اندملت فهاج شوقي ... بكاء حمامتين تجاوبان # تجاوبتا بلحن أعجمي ... على غصنين من غرب وبان # افتراه إن سلا عمن يهواه لم يبق له في قلبه أثر من حبه ولا خاطر شارد من ~~ذكره يعيد هواه على فكره فيعطف قلبه عليه إذ لم يستطع أن يرد وجده إليه حتى ~~يكون نوح الحمام أقوى شيئا في رد قلبه إلى أحبابه من كان السبب في تعذيبه ~~نوح الحمام كان السبب في تبعيده أضعف نوائب الأيام ولكن أبا صخر الهذلي قال ~~قولا لا يهجن من ابتدعه ولا يقال على من انتخبه وهو: # وليس المعنى بالذي لا يهجنه ... إلى الشوق ms150 إلا الهاتفات السواجع # ولا بالذي إن صد يوم خليله ... يقول ويبدي الصبر إني لجازع # ولكنه سقم الجوى ومطاله ... وموت الجفا ثم الشؤون الدوامع # رشاشا وتهتانا ووبلا وديمة ... كذلك تبدي ما تجن الأضالع # وقال آخر: # ألا يا حمامات اللوى عدن عودة ... فإني إلى أصواتكن حزين # فعدن فلما عدن كدن يمتنني ... وكدت بأسراري لهن أبين # ولم تر عيني قبلهن حمائما ... بكين ولم تدمع لهن عيون # وقال آخر: # يا طائرين على غصن أنا لكما ... من أنصح الناس لا أبغي به ثمنا # كونا إذا طرتما زوجا إخالكما ... لا تأمنان إذا أفردتما حزنا # هذا أنا لا على غيري أدلكما ... لاقيت جهدا بتركي الإلف والوطنا # وقال آخر: # ألا يا حمام الأيك إلفك حاضر ... وعودك مياد ففيم تنوح # أفق لا تنح من غير شيء فإنني ... بكيت زمانا والفؤاد صحيح # وقال آخر: # دعاني الهوى والشوق لما ترنمت ... على الأيك من بين الغصون طروب # تجاوبها ورق يرعن لصوتها ... وكل لكل مسعد ومجيب # ألا يا حمام الأيك ما لك باكيا ... أفارقت إلفا أم جفاك حبيب # وقال آخر: # ألام على فيض الدموع وإنني ... بفيض الدموع الجاريات جدير # أيبكي حمام الأيك من فقد إلفه ... وأحبس دمعي إنني لصبور # وقال بعض الأعراب: # ألا قاتل الله الحمامات غدوة ... على الفرع ماذا هيجت حين غنت # تغنت غناء أعجميا فهيجت ... هواي الذي كانت ضلوعي أجنت # نظرت بصحراء البريدين نظرة ... حجازية لو جن طرف لجنت # ولو هملت عين دما من صبابة ... إذا هملت عيني دما وأهمت # وقال ابن الدمينة: # ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد ... لقد زادني مسراك وجدا على جد # أإن هتفت ورقاء في رونق الضحى ... على غصن غض النبات من الرند # بكيت كما يبكي الوليد ولم يكن ... جليدا وأبديت الذي كنت لا تبدي # وقال ناقد بن عطارد العبشمي: # ويثني الشوق حين أقول يخبو ... بكاء حمامة فيلج حينا # مطوقة الجناح إذا استقلت ... على فنن سمعت لها رنينا # يميل بها ويرفعها مرارا ... ويسعف صوتها قلبا حزينا # كأن بنحرها والجيد منها ... إذا ما أمكنت للناظرينا # مخطا ms151 كان من قلم لطيف ... فخط بجيدها والنحر نوتا # وقال نبهان العبشمي: # أحقا يا حمامة بطن قو ... بهذا الوجد أنك تصدقينا # غلبتك يا حمامة بطن قو ... وقبلك ما غلبت الهائمينا # غلبتك في البكاء بأن ليلي ... أواصله وأنك تهجعينا # وأني أشتكي فأقول حقا ... وأنك تشتكين فتكذبينا PageV01P093 وأنك أجرأ ~~الأحياء طرا ... على سفك الدماء وتسلمينا # وقال أبو تمام الطائي: # أتضعضعت عبرات عينك إذ دعت ... ورقاء حين تضعضع الإظلام # لا تنشجن لها فإن بكاءها ... ضحك وإن بكاءك استغرام # هن الحمام فإن كسرت عيافة ... من حائهن فإنهن حمام # وقال البحتري: # ما لخضر ينحن في القضب الخض ... ر على كل صاحب مفقود # عاطلات بل حاليات يردد ... ن الشجى في قلائد وعقود # زذنني صبوة وذكرنني عه ... دا قديما من ناقض للعهود # ما يريد الحمام في كل واد ... من عميد صب بغير عميد # كلما أخمدت له نار شوق ... هجنها بالبكاء والتغريد # وقال بعض الأعراب: # إلى الله أشكو مقلة أريحية ... وقلبا متى يعرض له الشوق يرجف # ونفسا تمنى مخرجا من وعائها ... إذا سمعت صوت الحمامة تهتف # وقال يزيد بن الطثرية: # وأسلمني الباكون إلا حمامة ... مطوقة قد صانعت ما أصانع # إذا نحن أنفدنا الدموع عشية ... فموعدنا قرن من الشمس طالع # وقال بعض الأدباء: # ناحت مطوقة بباب الطاق ... فجرت سوابق دمعك المهراق # حنت إلى أرض الحجاز بحرقة ... تشجي فؤاد الهائم المشتاق # إن الحمائم لم تزل بحنينها ... قدما تبكي أعين العشاق # كانت تفرخ بالأراك وربما ... سكنت بنجد في فروع الساق # فأتى الفراق بها العراق فأصبحت ... بعد الأراك تنوح في الأسواق # فتبعتها لما سمعت حنينها ... وعلى الحمامة جدت بالإطلاق # بي مثل ما بك يا حمامة فاسألي ... من فك أسرك أن يفك وثاقي # وقال بعض الأعراب: # صدوح الضحى هياجة اللحن لم تزل ... قيود الهوى تهدى لها وتقودها # جزوع جمود العين دائمة البكا ... وكيف بكا ذي مقلة وجمودها # مطوقة لم تطرب العين فضة ... عليها ولم يعطل من الحلي جيدها # وقال آخر: # مطوقة لا تفتح الفم بالذي ... تقول وقد هاجت لي الشوق أجمعا # تؤلف أحزانا تفرقن ms152 بالهوى ... إذا وافقت شعب الفؤاد تصدعا # دعت ساق حر بالمراويح وانتحت ... لها الريح في واد فراخ فأسرعا # وحق لمصبوب الحشا بيد الهوى ... إذا حن باك أن يحن ويجزعا # وقال آخر: # ألا هل إلى قمرية في حمائم ... بنخلة أو بالمرجتين سبيل # فتلبسني قمرية من جناحها ... وذلك نيل للمحب قليل # مطوقة طوقا ترى لفصوصه ... روائع ياقوت لهن فصول # وقال آخر: # رويدك يا قمري لست بمضمر ... من الشوق إلا دون ما أنا مضمر # ليكفك أن القلب منذ تنكرت ... أمامة من معروفها متنكر # سقى الله أياما خلت ولياليا ... فلم يبق إلا عهدها والتذكر # لئن كانت الدنيا عنتنا إساءة ... لما أحسنت في سالف الدهر أكثر # وقال بعض العقيليين: # لقد هاج لي شوقا وما كنت ساليا ... ولا كنت لو رمت اصطبارا لأصبرا # حمامة واد هيجت بعد هجعة ... حمائم ورقا مسعدا أو معذرا # كأن حمام الواديين ودومة ... نوائح قامت إذا دجى الليل حسرا # محلاة طوق ليس تخشى انقضابه ... إذا هم أن يهوي تبدل آخرا # دعت فوق ساق دعوة وتناولت ... بها صحرا على بديل لتحذرا # وإن هذا لمن نفيس الكلام قد اشتمل على لفظ فصيح ومعنى صحيح ألا ترى إلى ~~احترازه من أن يتوهم سامع كلامه أن الحمام أعاد له الشوق بعد سلوته أو رد ~~عليه ما كان ذهب من صبوته ثم ما عقب به بعد ذلك من الجزالة السهلة والرقة ~~المستحسنة. # ولقد أحسن الذي يقول: PageV01P094 وقبلي أبكى كل من كان ذا هوى ... هتوف ~~البواكي والديار البلاقع # وهن على الأطلال من كل جانب ... نوائح ما تخضل منها المدامع # مزبرجة الأعناق نمر ظهورها ... مخطمة بالدر خضر روائع # ومن قطع الياقوت صيغت عقودها ... خواضب بالحناء منها الأصابع # وأحسن أيضا الذي يقول: # وقد كدت يوم الحزن لما ترنمت ... هتوف الضحى محزونة بالترنم # أموت لمبكاها أسى إن لوعتي ... ووجدي بسعدى قاتل لي فاعلم # فلو قبل مبكاها بكيت صبابة ... بسعدى شفيت النفس قبل التندم # ولكن بكت قبلي فهيج لي البكا ... هواها فقلت الفضل للمتقدم # وقال حميد بن ثور: # وما هاج هذا الشوق إلا ms153 حمامة ... دعت ساق حر نوحة وترنما # بكت شجو ثكلى قد أصيب حميمها ... مخافة بين يترك الحبل أجذما # فلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيا شاقه صوت أعجما # وقال آخر: # يهيج علي الشوق نوح حمامة ... دعت شجوها في إثر إلف تشوقا # دعت فبكت عينا محب لصوتها ... وفاض لها ماء الهوى فترقرقا # يلذ بها الرائي جناحا مولجا ... ومتنا سماويا من اللون أزرقا # خفضت إليها القلب حتى تشربت ... حلاوتها أحشاؤه فتشوقا # أقول لها نوحي أعنك ولم أكن ... لأسعد بالأمس الحمام المطوقا # ولبعض أهل هذا العصر: # أرى نوح الحمام يشوق قوما ... وفي نوح الحمائم لي عزاء # إذا بكت الحمائم وهي وحش ... وأزعجها التفرق والجفاء # فما جزع الأنيس من التصابي ... إذا امتنع التزاور واللقاء # الباب الرابع والثلاثون # من امتحن بالمفارقة والهجر اشتغل فكره بالعيافة والزجر # سبيل كل مشغوف بشيء ما كان أن يحذر عليه ما دام في قبضته ويرجو رجوعه إذا ~~خرج عن يده فالمحب ما دام مقيما مع محبوبه فخواطره موقوفة على الحذر عليه ~~من الزوال وفكره مرتهنة بالخوف من تغير الحال فإذا فارق محبوبه وافتقد ~~مطلوبه اشتغلت خواطره بتأميل أوبته كاشتغالها بمحاذرة فرقته إذ هو غير خال ~~من الأحوال فتراه حينئذ يتيامن بالسوانح حسب تشاؤمه بالبوارح وقد قالت ~~الشعراء في كل ذلك ونحن إن شاء الله نذكر من أقاويلهم حسب ما يحتمله الباب ~~إذ كنا غير متجاوزين لما شرطناه في صدر الكتاب. # قال عبد الله بن قيس الرقيات: # بشر الظبي والغراب بسعدى ... مرحبا بالذي يقول الغراب # قال لي إن خير سعدى قريب ... قد أنى أن يكون منه اقتراب # قلت أنى تكون سعدى قريبا ... وعليها الحصون والأبواب # حبذا الريم والوشاحان والقص ... ر الذي لا تناله الأسباب # فعسى أن يؤتى الله أمرا ... ليس في غيه علينا ارتقاب # وقال آخر: # نعب الغراب برؤية الأحباب ... فلذاك صرت أليف كل غراب # لا شك ريشك إذ نعبت بقربهم ... وسقيت مزن صبيب كل سحاب # وسكنت بين حدائق في جنة ... محفوفة بالنخل والأعناب # وقال الراعي: # جرى يوم رحنا عامدين لأهلها ms154 ... عقاب فقال القوم مر سنيح # وكر رجال منهم وتراجعوا ... فقلت لهم طير إلي بريح # عقاب بأعقاب من الدار بعدما ... مضت نية تقصي المحب طروح # وقالوا نراه هدهدا فوق بانة ... هدى وبيان والطريق تلوح # وقالوا دم دامت مودة بيننا ... ودام لنا صفو صفاه صريح # وقال جران العود: # جرى يوم جئنا بالجمال نزفها ... عقاب وشحاج من البين يبرح # فأما العقاب فهو منها عقوبة ... وأما الغراب فالغريب المطرح PageV01P095 ~~أفلا ترى إلى تقارب ما بين هذين التأويلين الراعي لأنه كان مفارقا لأحبابه ~~وجرى العقاب بالأعقاب من الدار ورجوع الحال إلى ما يهوى لضعف المخاوف من ~~المفارق وقوة الآمال وهذا لأنه كان مقيما مع أحبته وجرى العقاب بالعقوبة من ~~صاحبته فهذا كله شاهد لما قد ذكرناه. # وقال جحدر الفقعسي: # تغنى الطائران ببين سعدى ... على غصنين من غرب وبان # فقلت لصاحبي وكنت أحرى ... بزجر الطير ماذا تخبران # فقالا الدار جامعة بسعدى ... فقلت بل انتما متمنيان # وكان البان أن بانت سليمى ... وفي الغرب اغتراب غير داني # إذا جاوزتما سعفات حجر ... وأكناف اليمامة فانعياني # وقال آخر: # رأيت غرابا واقعا فوق بانة ... يشرشر أعلى ريشه ويطائره # فقلت لو اني لو أشار زجرته ... بنفسي للنهدي هل أنت زاجره # فقال غراب باغتراب من النوى ... وفي البان بين من حبيب تجاوره # فما أعيف النهدي لا در دره ... وأزجره للطير لا عز ناصره # وقال عروة بن حزام: # ألا يا غرابي دمنة الدار بينا ... أبالصرم من عفراء تنتحبان # فإن كان حقا ما تقولان فانهضا ... بلحمي إلى وكريكما فكلاني # ولا يدرين الناس ما كان ميتتي ... ولا يأكلن الطير ما تذران # فعفراء أصفى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني # وقال قيس بن ذريح: # ألا يا غراب البين قد طرت بالذي ... أحاذر من لبنى فهل أنت واقع # أتبكي على لبنى وأنت تركتها ... فقد ذهبت لبنى فما أنت صانع # وطار غراب البين وانشقت العصا ... بلبنى كما شق الأديم الصوانع # وقال آخر: # ألا يا غرابي دار أسماء بشرا ... بخير وطيرا بعدنا اليوم أوقعا # فقد كنتما والله حين نعبتما ms155 ... كداع دعا بالبين عدوى فأسمعا # ولا وجد إلا دون وجد وجدته ... غدا إذ وجدنا عرصة الدار بلقعا # وقال آخر: # جرى نازح من آل زينب عدوة ... أمام المطايا أعور العين أعصب # وأسحم شحاج على غصن بانة ... مقدد أطراف الجناحين بنعب # فلا طار إلا في النواهض بعدها ... غراب وبات الطير في الحبل يضرب # وقال الضحاك الخفاجي: # ألا يزجر الألاف والناشط الفردا ... بلى باللوى بعدا له إذ جرى بعدا # جرى بانحلال الشوق في داخل الحشا ... ومستعجم لا يستطيع له ردا # وقال ثوابة بن زيات الأسدي: # ألا يا غرابي بين ظمياء طالما ... تعرضتما لي تنزعان شجاكما # فيا لكما من طائرين شجيتما ... بشحط النوى حتى يطول جواكما # وقال عدي بن زيد: # دعا صرد يوما على عود شوحط ... وصاح بذات البين منها غرابها # فقلت أتصريدا وشحطا وغربة ... وبينا فهذا بينها واغترابها # وقال قيس بن ذريح: # ألا يا غراب البين لونك شاحب ... وأنت بلوعات الفراق جدير # فإن كان حقا ما تقول فأصبحت ... همومك شتى بثهن كثير # ودرت بأعداء حبيبك فيهم ... كما قد تراني بالعدو أدور # وقال جميل بن معمر: # ألا يا غراب البين فيم تصيح ... فصوتك مشني إلي قبيح # وكل غداة لا أبا لك تنتحي ... إلي فتلقاني وأنت مشيح # تحدثني أن لست لاقي نعمة ... بعدت ولا أمسى لديك نصيح # فإن لم تهجني ذات يوم فإنه ... سيكفيك ورقاء السراة صدوح # وقال أبو ذؤيب الهذلي: # أبالصرم من أسماء خبرك الذي ... جرى بيننا يوم استقلت ركابها # زجرت لها طير الشمال فإن تصب ... هواك الذي تهوى يصبك اجتنابها # عصاني إليها القلب أني لأمره ... سميع فما أدري أرشد طلابها PageV01P096 ~~فقلت لقلبي يا لك الخير إنما ... يدليك للموت الصريح اجتنابها # وقال جرير: # بان الخليط برامتين فودعوا ... أو كلما رفعوا لبين تجزع # أن الشواحج بالضحى هيجنني ... في دار زينب والحمام الوقع # نعب الغراب فقلت بين عاجل ... وجرى به الصرد الغداة الألمع # وقال آخر: # ألا يا غراب البين ما لك كلما ... ذكرت لبينى طرت لي عن شماليا # أعندك علم الغيب أم أنت مخبري ... بحق عن ms156 الأمر الذي قد بداليا # فلا حملت رجلاك عشا لبيضة ... ولا زال ريش من جناحك باليا # وقال بعض الأعراب: # ألا يا غراب البين هل أنت بائعي ... جناحيك أم مستبدلا بهما بردي # فما زلت أبكي عنده وأبثه ... من الشوق حتى جاءني فبكا عندي # وقال آخر: # كذبت غراب البين ما أنت واجد ... بإلف وما شوقي وشوقك واحد # زعمت لحاك الله أنك مدنف ... فهل لك في دعواك ويحك شاهد # يترجم ما يخفي المحب دموعه ... ودمعي منصب ودمعك جامد # فكيف هوانا واحدا وفصاحتي ... تصرح عن وجدي ولفظك جاحد # وقال آخر: # فأول طير حين رحنا عشية ... جنوب أصيلانا وقد جنح العصر # فقلت جنوب باجتنابك أهلها ... ونفح الصبا تلك الصبابة والهجر # وقال غراب باغتراب من النوى ... وقطع القوى تلك العيافة والزجر # وقال المرقش السدوسي: # ولقد غدوت وكنت لا ... أغدو على واق وحاتم # فإذا الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم # وكذاك لا خير ولا ... شر على أحد بدائم # وقال الحارث بن سمر الحنفي: # ولست بمشفق من ضر نجم ... ولا أرجو المنافع في النجوم # وما نعب الغراب لنا بيمن ... وما نعب الغراب لنا بشوم # ولكن ما أراد الله أمضى ... كذلك قدرة الرؤوف الرحيم # ولبعض أهل هذا العصر: # أيا قلب لا تجزع من البين واصطبر ... فلست لما يقضى عليك بدافع # توكل على الرحمان إن كنت مؤمنا ... يجرك ودعني من نحوس الطوالع # فكل الذي قد قدر الله واقع ... وما لم يقدره فليس بواقع # وقال جهم بن عبد الرحمن الأسدي: # ألم تر أن العائفين ولو حوت ... لك الطير عما في غد عميان # يظنان ظنا مرة يخطئانه ... وأخرى على بعض الذي يصفان # قضى الله ألا يعلم الغيب غيره ... ففي أي أمر الله تمتريان # وقال عروة بن الورد: # تقول سليمى لو أقمت بسرنا ... ولم تدر أني للمقام أطوف # أرى أم حسان الغداة تلومني ... تخوفني الأقدار والله أخوف # لعل الذي خوفتنا من أمامنا ... يصادفه من أهلنا المتخوف # وقال الكميت: # وما أنا ممن يزجر الطير همه ... أصاح غراب أم تعرض ثعلب # ولا السانحات البارحات عشية ... أمر سليم ms157 القلب أم مر أعضب # وقال مجنون بني عامر: # ألا يا غرابا صاح من نحو أرضها ... أفق لا أفقت الدهر من صيحان # ولا كنت من ريب الحوادث سالما ... جناحاك إن أزمعت بالطيران # وقال آخر: # أمن أجل غربان تصايحن غدوة ... ببين حبيب ماء عينيك يسفح # ألا يا غراب البين لا صحت بعدها ... وأمكن من أوداج خلفك مذبح # وقال آخر: # كأني غداة البين إذ صاح شاحج ... من الطير مشني الصياح لعين # سليم رماه الحزن أما نهاره ... فغشي وأما ليله فأنين # وقال آخر: # يا طائري بين سعدى لو أبثكما ... نجي نفسي وحاجاتي وأسراري # لم تفجعاني ببين تنبعان به ... ولم تحقا به وجدي واحذاري # وقال آخر: PageV01P097 وكاد غداة سار الحي يبدي ... ضمير القلب تشحاج ~~الغراب # غدا بي شامتا وغدوت صبا ... يريني ما به وأريه ما بي # يضاحكني فيضحك حين أبكي ... كذلك دابه أبدا ودابي # فلو أن الغراب يرق يوما ... لرق لطول وجدي واكتئابي # لعل الدهر يقلب حالتيه ... فإن الدهر حول ذو انقلاب # فيقلقه اشتياق وارتياح ... ويوحشه اغتراب كاغترابي # الباب الخامس والثلاثون # في حنين البعير المفارق أنس لكل صب وامق # قال مرة بن عقيل: # لعمري لقد هاجت علي حمامة ... قلوص العباديين ليلة حلت # تعدت لها والليل ملق رواقه ... فجاوبنها حتى مللن وملت # وقال تميم بن كميل الأسدي: # يحن قعودي بعدما كمل السرى ... بنخلة والضمر الحراجيج ضمر # يحن إلى ورد الحشاشة بعدما ... ترامى به خرق من البيد أغبر # وبات يجوب البيد والليل مائل ... يثنى لتعريس يحن وأزفر # وبي مثل ما يلقى من الشوق والهوى ... على أنني أخفي الذي بي وأظهر # فقلت له لما رأيت الذي به ... كلانا إلى ورد الحشاشة أصور # فليت الذي ينسى تذكر إلفه ... وسربا بأحواض الحشاشة ينحر # وقال أيضا: # يحن قعودي ذو الحياط صبابة ... بمكة وهنا من تذكره نجدا # تذكر نجدا موهنا بعدما انطوت ... ثميلته وازداد عن إلفه بعدا # تذكر نجدا حاديا بعد قادم ... ولا يلبث الشوقان أن يصدعا الكبدا # فقلت له قد هجت بي شاعف الهوى ... أصاب حمام الموت أضعفنا وجدا # وقال آخر: ms158 # أيضرب جون أن تحن غريبة ... وما ذنب جون أن تحن الأباعر # يقولون لا تنظر وتلك بلية ... بلى كل ذي عينين لا بد ناظر # وقال آخر: # باتت تشوقني برجع حنينها ... وأزيدها شوقا برجع حنيني # نضوين مقترنين بين تهامة ... طويا الضلوع على جوى مكنون # لو خبرت عني القلوص لخبرت ... عن مستقر صبابة المحزون # وقال عروة بن حزام: # هوى ناقتي خلفي وقدامي الهوى ... وإني وإياها لمختلفان # فلو تركتني ناقتي من حنينها ... وما بي من وجد إذن لكفاني # فإن تحملي شوقي وشوقك تثقلي ... وما لك بالحمل الثقيل يدان # وقال آخر: # تحن قلوصي نحو نجد وقد أرى ... بعيني أني لست موردها نجدا # ولا واردا أمواه أجبلة الحمى ... وإن زهقت نفسي على وردها جهدا # وقال النجاشي: # رأت ناقتي ماء الفرات وذوقه ... أمر من السم الذعاف وأمقرا # وريعت من العاقول لما رأت به ... صياح النبيط والسفين المقيرا # وحنت حنينا موجعا هيجت به ... فؤادا إلى أن يدرك الربو أصورا # فقلت لها بعض الحنين فإن بي ... كوجدك إلا إنني كنت أصبرا # وقال آخر: # حنت وما عقلت فكيف إذا بكى ... شوقا يلام على البكا من يعقل # ذكرت قرى نجد فأقلقها الهوى ... وقرى العراق وليلهن الأطول # وكأنما يجنى لها ولركبها ... بنطاف دجلة والفرات الحنظل # وتمر من لجج السراب موارقا ... والخرق أغبر والقتام مجلل # فغدت وأيدي الصبح تلمع في الدجى ... كالبيض تغمد تارة وتسلل # وقال جرير: # أرى ناقتي تشكو طروقا وشاقها ... وميض إلى ذات السلاسل لامع # فقلت لها حني رويدا فإنني ... إلى أهل نجد من تهامة نازع # فلما رأت أن لا قفول وإنما ... لها من هواها ما تجن الأضالع # تمطت لمجدول طويل فطالعت ... وماذا من البرق اليماني تطالع # وقال آخر: # وحنت قلوصي آخر الليل حنة ... فيا روعة ما راع قلبي حنينها PageV01P098 ~~سعت في عقاليها ولاح لعينها ... سنا بارق وهنا فجن جنونها # فما برحت حتى ارعوينا لصوتها ... وحتى انبرى منا المعين يعينها # تحن إلى أهل الحجاز صبابة ... وقد بت من أهل الحجاز قرينها # فيا رب أطلق قيدها وجريرها ... فقد راعني بالمسجدين حنينها # وقال ms159 آخر: # أزاد الله نقيك في السلامى ... على من بالحنين تعولينا # فلست وإن حننت أشد وجدا ... ولكني أسر وتعلنينا # وبي مثل الذي بك غير أني ... أجل عن العقال وتعقلينا # وقالت امرأة من دارم: # ألا أيها البكر الأناني إنني ... وإياك في كلب لمغتريان # تحن وأبكي إن ذا لبلية ... وإنا على البلوى لمصطلحان # فمن يك لم يغرض فإني وناقتي ... جميعا إلى أهل الحمى غرضان # تحن فتبدي ما بها من صبابة ... وأخفي الذي لولا المنى لعصاني # وقال آخر: # كتموا غداة البين رحلتهم ... فعرفتها بخواطر القلب # فتبعتهم وظننت أن بعدوا ... وإذا هم منا على قرب # ما زال هادي الشوق يرشدني ... حتى لحقت بأول الركب # ظلت مطاياهم تلاحظنا ... ودموعها سكبا على سكب # أتخالها عشقت فهن إذا ... شركاؤنا وأبيك في الحب # وقال الأحوص: # تذكر سلمى بعدما حال دونها ... من النأي ما يسلي فهل أنت صابر # فأنت إلى سلمى تحن صبابة ... كما حن ألاف المطي السواجر # وما كنت أدري قبلها أن ذا الهوى ... يزيد اشتياقا أن تحن الأباعر # ألا حبذا سلمى الفؤاد وحبذا ... زيارتها لو يستطاع التزاور # لقد بخلت بالود حتى كأنها ... خليل صفاء غيبته المقابر # فإن أك قد ودعتها وهجرتها ... فما عن تقال كان ذاك التهاجر # ألا ليت أنا لم نكن قبل جيرة ... جميعا ألا ليت دام التجاور # سيلقى لها في الصدر من مضمر الحشا ... سريرة ود يوم تبلى السرائر # وقد قالت الشعراء أيضا في تفضيل ما بين حنينهم وحنين الإبل في تشاؤمهم ~~بها وتطيرهم منها أشعارا كثيرة فمما ذكروه في وصف حنينهم وحنينها. # قول ثعلبة بن أوس الكلابي: # وما عود يحن ببطن نجد ... مغالى الشوق مضطمر قليلا # إلى واد تذكر عدوتيه ... أسن به وكان به فصيلا # فبدل مشربا من ذاك ملحا ... وظمأ بعد قصرته طويلا # يحن إلى الجنائب هيجته ... ضحيا أو هببن له أصيلا # بأكثر غلة مني وجهدا ... على إضماري الهجر الطويلا # وقال أيضا: # وما ذو شقة يقضي حنينا ... بنجد كان مغتربا مريعا # يمارس راعيا لا لين فيه ... وقيدا قد أضر به وجيعا # إذا ما البرق ms160 لاح له سناه ... حجازيا سمعت له سجيعا # وأنشدني أعرابي بالبادية: # خليلي جمجمت الهوى وكتمته ... زمانا فقد أضحى بجسمي باديا # كما جمجمت وجناء قد طال حبسها ... وأكثر فيها الناظرون التماديا # فلما استبانوا ما بها جعلوا لها ... سوى مربع الألاف قيدا وراعيا # وقال آخر: # لعمرك ما خوص العيون شوارق ... روائم أظآر عطفن على سقب # يغذينه لو يستطعن ارتشفنه ... إذا استفنه يزددن نكبا على نكب # بأوجد مني يوم ولت حمولهم ... وقد طلعت أولى الركاب من النقب # وأنشدني أعرابي ببلاد نجد: # متى تظعني يا مي من دار جبرتي ... أمت والهوى برح على من يطالبه # أكن مثل ذي الألاف شد وظيفه ... إلى يده الأخرى وولى صواحبه # تبارين أظلافا وقارب خطوه ... عن الذود تفنيدا وهن حبائبه PageV01P099 ~~إذا حن لم يسمع رجيع حنينه ... فلا القيد منحل ولا هو قاضبه # وقال عروة بن أذينة: # وتفرقوا بعد الجميع لنية ... لا بد أن يتفرق الجيران # لا تصبر الإبل الجلاد تفرقت ... حتى تحن ويصبر الإنسان # ومما ذكروا في التطير منها والكراهية لها قول عوف الراهب: # غلط الذين رأيتهم بجهالة ... يلحون كلهم غرابا ينعق # ما الذنب إلا للأباعر أنها ... مما يشت جميعهم ويفرق # إن الغراب بيمنه تدني النوى ... وتشت بالشمل الشتيت الأينق # وقال أبو الشيص في مثل ذلك: # ما فرق الأحباب بع ... د الله إلا الإبل # والناس يلحون غرا ... ب البين لما جهلوا # وما على ظهر غرا ... ب البين تمطى الرحل # ولا إذا صاح في ال ... ديار احتملوا # وما غراب البين إلا ... ناقة أو جمل # وقال آخر: # ما المنايا إلا المطايا وما فر ... ق شيء تفريقها الأحبابا # ظل حاديهم يسوق بقلبي ... ويرى أنه يسوق الركابا # ولبعض أهل هذا العصر: # ولما أتونا بالمطايا وقربوا ... محامل لم تشدد عليها قيودها # تيممتكم عمدا لأحظى بلحظة ... لعلي إن فارقتكم لا أعيدها # فلم أنس إذ قيدت رحل مطيتي ... وقلت لحادي الذود لم لا تقودها # كأنك لم تعلم بأن رب لحظة ... تفوتك لا تدري متى تستفيدها # فلو لم تكن تهوى الفراق نحرتها ... ولم تلتمس عمدا لها من يقودها ms161 # فيا عجبا مني ومن صبر مهجتي ... علي وقد أعيت على من يكيدها # أضن بها عمن يرى الملك دونها ... وأبذلها طوعا لمن لا يريدها # الباب السادس والثلاثون # من فاته الوصال نعشه الخيال # قد تقدم قولنا في عيب من خلف خليله أو تخلف عنه في وقته أو عن اللحوق به ~~على حسب طاقته ثم وكدنا عيب من لم يرض حتى أقر بأن المشوق له إلى إلفه عارض ~~غير متمكن له من نفسه وأصحاب هذا الباب الذي نحن في أوله يلحقهم ذلك العيب ~~كله ويزدادون معه لوما على مسامحتهم أنفسهم في التلذذ برقادهم وأخلاؤهم ~~ظاعنون عن بلادهم ومن الصوفية من لا يقنع لهم بما ألحقناه من العيب بهم حتى ~~يقولوا إن النوم لو كان مانعا لهم لكان تخصيصهم إياه بأنه يريهم أحبتهم ~~نقصا بينا في مودتهم فإن الحال إذا تمكنت لم تفترق الروحان وإن افترق ~~الشخصان فالمحب المشاهد لصاحبه على كل حال مستغن عن الاستعانة على إحضاره ~~برؤية الخيال ومن طرائف ما قيل في الخيال وأدله على ضعف قائله في الحال. # قول ذي الرمة: # فيا مي هل يجزى بكائي بمثله ... مرارا وأنفاسي عليك الزوافر # وإن لامني يا مي من دون صحبتي ... لك الدهر من أحدوثة النفس ذاكر # وأن لا ينال الركب يا مي وقفة ... من الليل إلا اعتادني لك زائر # فهذا أحسن الله جزاءه لم يرض بالعيب الذي ذكرناه حتى طالب محبوبه بأن ~~يجازيه على تخييله إياه في منامه ثم لم يقنعه أن يجازى بمثل بكائه مرارا ~~فأما اعتذاره بأنه لا يرقد إلا اعتاده منها زائر فقد يتهيأ أن يخفف جرمه ~~فيه فضرب من المعاذر فيقال إنه إنما عنى أنه لا ينفك خاطره من ذكرها فإذا ~~رقد رأى خيالها بقلبه لشدة غلبته في حال اليقظة على فكره وأما ما ذكره سوى ~~ذلك من المحالات فإنه ينبو عن مراتب الاعتذارات وقد قال قيس بن الملوح ما ~~إن لم يكن موفيا على حد الكمال فإنه إلى الجليلة من الأحوال وهو: # وإني لأستسقي وما بي عطشة ms162 ... لعل خيالا منك يلقى خياليا # وأخرج من بين الجلوس لعلني ... أحدث نفسي عنك في السر خاليا PageV01P100 ~~فهذا البائس إذا تناعس وليس بناعس ليتعلل بخيالها إذا فاته ما يؤمله من ~~وصالها فنحن نشهد له بالتمام في هذه الحال ولا ندري ما الذي يوجب له الغيبة ~~عن إلفه حتى اضطره إلى التعلل بطيفه فنعلم أين منه ذلك تماما أم يوجب عليه ~~ملاما. # وما قصر أيضا الحسين بن وهب حيث يقول: # أرقت وكيف لي بالنوم كيفا ... فألقى من حبيب النفس طيفا # أقول لها متى وتقول حتى ... وتمطلني الهوى بنعم وسوفا # ولولا فرط إشفاقي عليها ... غدوت محكما وشهرت سيفا # ولكني إذا فكرت فيها ... نهتني النفس إشفاقا وخوفا # ومن مليح ما يدخل في هذا الباب وإن كان مشهورا في الناس: # فقلت لها بخلت علي يقظى ... فجودي في المنام لمستهام # فقالت لي وصرت تنام أيضا ... وتطمع أن تواصل في المنام # ولبعض أهل هذا العصر: # جعلت فداك لم يخطر ببالي ... حضور البين إلا مذ ليالي # فقد وهواك زادني اشتياقا ... على شوقي نواك وأنت قالي # وأكد ذاك أني مذ ليال ... سهرت فلم يزر طيف الخيال # فبت على الفراش كأن قلبي ... يقلبه هواك على المقالي # وكان الطيف يكشف بعض ما بي ... ولست تراه يطرقني بحال # فقل لي بالذي أصفاك ودي ... أأنت نهيت طيفك عن وصالي # أم السهر الذي ألزمتنيه ... نفى عني الخيال فلا أبالي # ولبعض أهل الأدب: # أعاد علي الله يوم وصالك ... وأخطرني قبل الممات ببالك # يضاعف ما بي أنني لك وامق ... أمير بما تهوى ولست كذلك # منعت جفوني أن تنام قريرة ... ولو نمت أرضاني طروق خيالك # وحللت عهدي في الهوى وتركتني ... أعقد ما حللته من حبالك # ومن مختار ما قالت الشعراء في الخيال على تقصير قائله عن بلوغ درج ~~الكمال: # أسرت لعينك ليلى بعد مغفاها ... يا حبذا بعد نوم العين مسراها # فقلت حييت من طيف ألم بنا ... إن كنت تمثالها أو كنت إياها # وقال العرجي: # وقد كنت أرجو أن نأيك راحة ... ولم أدر أن الطيف إن نمت طالبي ms163 # فوالله لا ينكى محب بمثلها ... وإن كان مكروها فراق الحبائب # وأنشدني أعرابي بالبادية: # حلمت أقر الله عيني أنني ... أرى أم لهو القلب فيمن أجاور # فلما انتبهنا بالخيال الذي سرى ... إذا صوت جن والنجوم الزواهر # فعدت لكيما أن تعود فلم تعد ... وعاودني منها الذي قد أحاذر # وقال بعض الأعراب وكان محبوسا في سجن الطائف: # فأنى اهتدت تسري وأنى تخلصت ... إلي وباب السجن بالعتل موثق # عجبت لمسراها وسرب سرت به بع ... يد الكرى كادت له الأرض تشرق # فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم ... لشيء ولا أني من الموت أفرق # ولكن ما بي من هواك ضمانة ... كما كنت ألقى منك إذ أنا مطلق # فأما الهوى مني إليك فطائح ... يمان ولكني بمكة موثق # ألمت فحيت ثم قامت فودعت ... فكادت عليها مهجة النفس تزهق # فما برحت حتى وددت بأنني ... بما في فؤادي من دم الجوف أشرق # وقال الأقرع القشيري: # ألمت فحياها فهب فحلقت ... مع النجم رؤيا في المنام كذوب # لقد شغفتني أم عمرو وبغضت ... إلي نساء ما لهن ذنوب # وأنشدتني ستيرة العصيبية: # ألم خيال طيبة أجنبيا ... فحيا الركب دوني والمطيا # لما حييتهم يا طيف دوني ... وأنت أحبهم شخصا إليا # ألم بنا فسلم ثم ولى ... على الهجاد تسليما خفيا # فلما أن كشفت غطاء رأسي ... إذا أنا لا أرى إلا النضيا # وأينقنا الثلاث ملقيات ... على متن الطريق وصاحبيا PageV01P101 وزرقا ~~بالجفير منشبات ... وشوحطة ترن ومشرفيا # فكلفنا سراها أن رحلنا ... وأحثثنا الأمير العامريا # وأنشدني أعرابي ببلاد نجد: # ألا طرقت جمل وبيني وبينها ... مهامه أمرات وداوية قفر # فقلت لها كيف اهتديت لصاحب ... ونضو طواه السير ممساهما وعر # فقالت أمنت الدهر ألا تحبني ... فقلت عداني النأي والأعين الخزر # على أنني أهواك ما هبت الصبا ... وما سكنت سلمى وأكنافها العفر # وما هتفت يوما لإلف حمامة ... على بانة أفنانها عطف خضر # فدومي على العهد الذي كان بيننا ... فما يبتغى مني ولا منك لي عذر # وقال الحسين بن الضحاك: # سقيا لزور من طيف محتجب ... عاتبته في المنام فاعتذرا # فزال حقد الضمير عن سكن ... يسخطني رائحا ms164 ومبتكرا # رضيت من عذر من أقام على الذن ... ب بطيف ألم معتذرا # وقال الرقاد بن المنذر الضبي: # ألا طرقت أسماء والليل دامس ... فأحبب بها من طارق حين يطرق # وما طرقت إلا لتحدث ذكرة ... وتحكم وصلا بيننا كاد يخلق # وقال أبو تمام الطائي: # عادك الزور ليلة الرمل من رم ... لة بين الحمى وبين المطالي # قم فما زارك الخيال ولك ... نك بالفكر زرت طيف الخيال # وقال البحتري: # وليلة هومنا على العيس أرسلت ... بطيف خيال يشبه الحق باطله # فلولا بياض الصبح طال تشبثي ... بعطفي غزال بت وهنا أغازله # وكم من يد لليل عندي حميدة ... وللصبح من خطب تذم غوائله # وقال أيضا: # مثالك من طيف الخيال المعاود ... ألم بنا من أفقه المتباعد # يحيي هجودا ميتين من الكرى ... وما نفع إهداء السلام لهاجد # وقال أيضا: # إذا نسيت هوى ليلى أشاد به ... طيف سرى في سواد الليل إذ جنحا # دنا إلي على بعد فأرقني ... حتى تبلج وجه الصبح فاتضحا # عجبت منه تخطى القاع من إضم ... وجاوز الرمل من خبت وما برحا # وقال أبو تمام: # إستزارته فكرتي في المنام ... فأتاني في خفية واكتتام # فالليالي أحفى بقلبي إذا ما ... جرحته النوى من الأيام # يا لها ليلة تنزهت الأر ... واح فيها سرا من الأجسام # مجلس لم يكن لنا فيه عيب ... غير أنا في دعوة الأحلام # وقال عمر بن ربيعة المرقش: # أمن بنت عجلان الخيال المبرح ... ألم ورحلي ساقط متزحزح # فلما انتبهنا بالخيال وراعني ... إذا هو رحلي والبلاد توضح # ولكنه زور يوقظ نائما ... ويحدث أشجانا بقلبك تجرح # بكل مبيت يعترينا ومنزل ... فلو أنها إذ تدلج الليل تصبح # فولت وقد بثت تباريح ما ترى ... ووجدي بها من قبل ذلك أبرح # وقال عبادة الطائي: # أما وهواك حلفة ذي اجتهاد ... يعد الغي فيك من الرشاد # لقد أذكى فراقك نار وجدي ... وعرف بين عيني والسهاد # وما ناديتني للشوق إلا ... عجلت به فلبيت المنادي # وهجر القرب منها كان أشهى ... إلى المشتاق من وصل البعاد # وقال أيضا: # وإني وإن ضنت علي بودها ... لأرتاح منها للخيال المؤرق ms165 # يعز على الواشين لو يعلمونها ... ليال لنا نزدار فيها ونلتقي # فكم غلة للشوق أطفأت حرها ... بطيف متى يطرق دجى الليل يطرق # أضم عليه جفن عيني تعلقا ... به عند إجلاء النعاس المرفق # وقال أيضا: # دعا عبرتي تجري على الجور والقصد ... أظن نسيما قارف الهجر من بعدي # خلا ناظري من طيفه بعد شخصه ... فيا عجبا للدهر فقدا على فقد PageV01P102 ~~خليلي هل من نظرة توصلانها ... إلى وجنات ينتسبن إلى الورد # وقد كاد هذا القلب ينقد دونه ... إذا اهتز في قرب من العين أو بعد # فلو تمكن الشكوى لخبرك البكا ... حقيقة ما عندي وإن جل ما عندي # وقال أيضا: # أنسيم هل للدهر وعد صادق ... فيما يؤمله المحب الوامق # ما لي فقدتك في المنام ولم يزل ... عون المشوق إذا جفاه الشائق # أمنعت أنت من الزيارة رقبة ... منهم فهل منع الخيال الطارق # الآن جاز بنا الهوى مقداره ... في أهله وعلمت أني عاشق # ولبعض أهل هذا العصر: # وقد كنت لا أرضى من النيل بالرضا ... وأقبل ما فوق الرضى متلوما # فلما تفرقنا وشطت بنا النوى ... قنعت بطيف منك يأتي مسلما # فساعفني وهنا خيالك في الكرى ... فزار وحيا ثم قام فسلما # بنفسي وأهلي من خيال ألم بي ... فداوى سقامي ثم بان فأسقما # فواحسرتا لم أدر أنى اهتدى لنا ... ولم أدر إذ ولى إلى أين يمما # رعاه ضمان الله في كل حالة ... وإن ذرفت عيني لفرقته دما # الباب السابع والثلاثون # من منع من النظر استأنس بالأثر # قال بعض الأعراب: # أيا شجرات الوابشيات إنني ... لكن على مر الزمان صديق # ولو لم تجاوركن أسماء لم يصل ... إليكن من قلبي الغداة فريق # يميل الهوى بي نحوكن وقد أرى ... بعيني ما لي نحوكن طريق # فلو كنت أهدي الغيث أو كنت واليا ... على الماء لم تعطش لكن عروق # وقال آخر: # يا سرحة الدوح أين الحي واكبدي ... لهفا تذوب وبيت الله من حسر # ها أنت عجماء عما قد سئلت فما ... بال المنازل لم تنطق ولم تحر # يا قاتل الله غادات قرعن لنا ... حب القلوب بما استودعن ms166 من حور # عنت لنا وعيون من براقعها ... مكنونة مقل الغزلان والبقر # بالله يا ظبيات القاع قلن لنا ... ليلاي منكن أم ليلى من البشر # يا ما أميلح غزلانا شدن لها ... هو لباي بين الضال والسمر # وقال بعض الأعراب: # ألا هل إلى شم الخزامى ونظرة ... إلى قرقرى قبل الممات سبيل # أيا أثلات القاع من بطن توضح ... حنيني إلى أفيائكن طويل # ويا أثلات القاع قد مل صحبتي ... سراي فهل في ظلكن مقيل # ويا أثلات القاع قلبي معلق ... بكن وجدوى خيركن قليل # ويا أثلات القاع ظاهر ما بدا ... بجسمي على ما في الفؤاد دليل # وقال بشر بن هذيل العبسي: # فيا طلحتي لوذان لا زال فيكما ... لمن يبتغي ظليكما فننان # وإن كنتما قد هجتما لوعة الهوى ... ودانيتما ما ليس بالمتدان # وقال آخر: # تجرم أهلوها لئن كنت مشعرا ... جنوبا بها يا طول هذا التجرم # وما لي من ذنب إليهم علمته ... سوى أنني قد قلت يا سرحة اسلمي # بلى فاسلمي ثم اسلمي ثمت اسلمي ... ثلاث تحيات وإن لم تكلمي # وقال حميد بن ثور: # أبى الله إلا أن سرحة مالك ... على كل آفاق العضاه تروق # نمى النبت حتى نال أفنانها العلى ... وفي الماء أصل ثابت وعروق # فيا طيب رياها ويا برد ظلها ... إذا حان من شمس النهار زروق # وهل أنا إن عللت نفسي بسرحة ... من السرح موجود علي طريق # حمى ظلها شكس الخليقة خائف ... عليها غرام الطائفين شفيق # فلا الظل منها بالضحى نستطيعه ... ولا الفيء منها في العشي نذوق # وقال آخر: # أيا نخلتي أول سقى الأصل منكما ... مهيج الربى والمدجنات رواكما # ويا نخلتي أول إذا هبت الصبا ... وأمسيت مقرورا ذكرت ذراكما PageV01P103 ~~ويا نخلتي أول بليت وأنتما ... جديدان كالبردين طاب شذاكما # وقال خلف بن روح الأسدي: # أيا نخلتي بطن العقيق أمانعي ... جنى النخل والبين انتظاري جناكما # لقد خفت ألا تنفعاني بطائل ... ويكتب في الدنيا لغيري جداكما # وقال بعض الأعراب: # أيا من لعين لا ترى قلل الحمى ... ولا جبل الأوسال إلا استهلت # لجوج إذا لجت بكي إذا بكت ... بكت فأدقت ms167 في البكا وأجلت # نعمنا زمانا باللوى ثم أصبحت ... براق اللوى من أهلها قد تخلت # ألا قاتل الله اللوى من محلة ... وقاتل دنيانا بها كيف ولت # وقال آخر: # إقرأ على الوشل السلام وقل له ... كل المشارب مذ هجرت ذميم # سقيا لظلك بالعشي وبالضحى ... ولبرد مائك والمياه حميم # لو كنت أقدر منع مائك لم يذق ... ما في قلاتك ما حييت لئيم # وقال آخر: # ألا حبذا أعطان فلجة بالضحى ... وخيم ذرى في جلهتيها المنصب # يقولون ملح ماء فلجة آجن ... أجل هو مملوح إلى النفس طيب # وقال ابن الدمينة: # خليلي روحا بالهجين فسلما ... على الخيم أو مرا بذي العشرات # وقيلا بنا في ظلهن ورمينا ... ذراهن رمي المحرم الجمرات # وقولا لمن لاقيتما يا هديتما ... أحثا لنا في الطواف من بكرات # قلائص فيهن التي كبر همها ... أنين وتذري الدمع بالزفرات # ولبعض بني كلاب: # ألا حبذا الماء الذي قابل الحمى ... ويا حبذا من أجل ظمياء حاصره # ولو سألت ظمياء يوما بوجهها ... سحاب الثريا لاستهلت مواطره # وقال آخر: # يقر بعيني أن أرى بمكانه ... سهيلا كطرف الأخدر المتشاوس # وأن أشرف القارات من أيسر الحمى ... فتبدو والأنضاء حوص خوامس # ذكرتك ذكرى مثلها صدع الحشا ... بتو وأخرى مثلها يوم حابس # ويوم تعالت بي السفينة وارتمى ... بي البحر في آذيه المتلاطس # وقال ورد الهلالي: # سقى الله نجدا من ربيع ومصيف ... وماذا ترجي من ربيع سقى نجدا # بلى إنه قد كان للبيض مرة ... وللعيش والفتيان منزلة حمدا # وقال آخر: # ألا حبذا الدهنا وطيب ترابها ... وأرض خلاء يصدع الليل هامها # ونص المهاري بالعشيات والضحى ... إلى بقر وحي العيون كلامها # وقال آخر: # خليلي إني واقف فمسلم ... على ..... خالط اللحم والدما # ولو زال هضب الرمل عن سكناته ... ليممت من وجد به حيث يمما # ولو نطقت ضمر الجبال لعاشق ... حزين لحيانا إذا وتكلما # وقال آخر: # سلم على قطن إن كنت لاقيه ... سلام من كان يهوى مرة قطنا # أحبه والذي أرسى قواعده ... حبا إذا ظهرت آياته بطنا # يا ليتنا لا نريم الدهر ساحته ... أو كان إن نحن سرنا ms168 غربة معنا # وقال جرير: # ألا حي رهبى ثم حي المطاليا ... فقد كان مأنوسا فأصبح خاليا # ألا أيها الوادي الذي ضم سيله ... إلينا نوى ظمياء حييت واديا # نظرت برهبى والظعائن باللوى ... فطارت برهبى شعبة من فؤاديا # وقال آخر: # أيا نخلتي شرق العذاب هل انتما ... إذا احتمل الجيران محتملان # تفرق ألاف كثير وأنتما ... مقيمان ينبو عنكما الحدثان # كأنكما قدام جيش طليعة ... على حاضر الروحاء مرتبيان # وقال آخر: # ألا حبذا نجد وطيب ترابها ... وغلظة دنيا أهل نجد ولينها # نظرت بأعلى الجلهتين فلم أجد ... سوى من سهيل لمحة أستبينها # فكذبت طرف العين ثم رددته ... فراجع نفسي بعد شك يقينها PageV01P104 وقال ~~آخر: # بليت بلى البرد اليماني ولا أرى ... جنانا ولا أكناف ذروة تخلق # ألوي حيازيمي بهن صبابة ... كما تتلوى الحية المتسرق # وقال آخر: # أيا سروتي وادي العقيق سقيتما ... حيا غضة الأنفاس طيبة الورد # ترويتما مج الندى وتغلغلت ... عروقكما تحت الندى في ثرى جعد # ولا يهنأن ظلاكما إن تباعدت ... بي الدار من يرجو ظلالكما بعدي # وقال آخر: # تذكرني خزاما كل أرض ... من الأرضين حل بها خزام # بهذا الزاد يحيى كل صب ... فليت الزاد كان هو الحمام # وقال آخر: # تحن إلى الرمل اليماني صبابة ... وهذا لعمري لو قنعت كثيب # فأين الأراك الدوح والسدر والغضا ... ومستخبر عمن تحب قريب # هناك يغنينا الحمام ونجتني ... جنى النخل يحلولي لنا ويطيب # وقال آخر: # أقمنا مكرهين بها فلما ... ألفناها خرجنا كارهين # وما حب البلاد بنا ولكن ... أمر العيش فرقة من هوينا # وقال ورد بن عبد الرحمن الأسدي: # أيا كبدي ماذا ألاقي من الهوى ... إذا الرس في آل السراب بدا ليا # ضمنت الهوى للرس في مضمر الحشا ... ولم يضمر الرس الغداة الهوى ليا # أعد الليالي ليلة بعد ليلة ... للقيان لاه لا يعد اللياليا # وقال آخر: # أرى كل أرض دمنتها وإن مضت ... لها حجج يزداد طيبا ترابها # ألم تعلمن يا رب أن رب دعوة ... دعوتك فيها مخلصا لو أجابها # لعمر أبي ليلى لئن هي أصبحت ... بوادي القرى ما ضر غيري اغترابها # وقال آخر: # أما ms169 والذي حج الملبون بيته ... سلاما ومولى كل باق وهالك # ورب القلاص الحوص تدمى أنوفها ... بنخلة والساعون حول المناسك # لقد صرت آتي الأرض ما يستفزني ... لها الشوق لولا أنها من ديارك # لئن قطع اليأس الحنين فإنه ... رقوء لإذراف الدموع السوافك # ولبعض أهل هذا العصر: # سقى الله رمل القاع في النخلات ... فذاك الكثيب الفرد في السمرات # فقبر العبادي الذي دون مربخ ... فمربخ والغدران فالهضبات # فجبلي زرود فالطليحة فاللوى ... فإن لها عندي يدا وهنات # ولم يبق من لذاتها غير ذكرة ... تقطع نفسي عندها حسرات # لقصر على وادي زبالة مشرف ... أكفكف في أكنافه عبراتي # أحب إلى نفسي وأشقى لشجوها ... وأولى بها من هذه القريات # عسى الله لا تيأس سيأذن عاجلا ... بنصرة مظلوم وفك عناة # وترضى قلوب قد تواتر سخطها ... علي فعادتني بغير ترات # الباب الثامن والثلاثون # من حجب عن الأثر تعلل بالذكر # قال القمقام الأسدي: # ألا ليت شعري هل ترى تذكرينني ... فذكرك في الدنيا إلي حبيب # وهل لي نصيب في فؤادك ثابت ... كما لك عندي في الفؤاد نصيب # رأينا نفوسا هيما طال حبسها ... على غير جرم ما لهن ذنوب # يحمن حيام الهيم لم تلق ساقيا ... أثاب النفوس الحيمات مثيب # فلست بمتروك فاشرب شربة ... ولا النفس عما لا تنال تطيب # وقال حميد بن ثور: # فلا يبعد الله الشباب وقولها ... إذا ما صبونا صبوة ستتوب # ليالي سمع الغانيات وطرفها ... إلي وإذ ريحي لهن جنوب # وأرضى بقول الناس أنت مهون ... علينا وإذ غصن الشباب رطيب # وقال النابغة الجعدي: # تذكرت والذكرى تضر بذي الهوى ... ومن حاجة المحزون أن يتذكرا # نداماي عند المنذر بن محرق ... أرى اليوم منهم ظاهر الأرض مقفرا # وقال متمم بن نويرة: PageV01P105 وكنا كندماني جذيمة حقبة ... من الدهر ~~حتى قيل لن يتصدعا # فلما تفرقنا كأني ومالكا ... لطول اجتماع لم نقم ليلة معا # فإن تكن الأيام فرقن بيننا ... فقد بان محمودا أخي يوم ودعا # وقال عدي بن زيد: # فإن أمسيت مكتئبا حزينا ... كثير الهم يشهدني الحذار # فقد بدلت ذاك بنعم بال ... وأيام لياليها قصار # وأنشدني أحمد بن ms170 أبي طاهر قال أنشدنا أبو تمام لنفسه: # ألا إن صدري من غرامي بلاقع ... عشية شاقتني الديار البلاقع # لئن كان أمسى شمل وحشك جامعا ... لقد كان لي شمل بأنسك جامع # أسيء على الدهر الثناء فقد قضى ... علي بجور صرفه المتتابع # وقال حميد بن ثور: # قضى الله في بعض المكاره للفتى ... رشادا وفي بعض الهوى ما يحاذر # شربنا بثعبان من الطود بردها ... شفاء لغم وهي داء مخامر # ليالي دنيانا علينا رحيبة ... وإذ عامر في أول الدهر عامر # وقد كنت في بعض الصبابة أتقي ... وأخشى علينا أن تدور الدوائر # وأعلم أني إن تغطيت مرة ... من الدهر مكشوف غطائي فناظر # وقال أيضا: # خليلي إن دام هم النفوس ... عليها ثلاث ليال قتل # على أن شيئا سمعنا به ... يسمى السرور مضى ما فعل # وقال البحتري: # عيش لنا بالأبرقين تأبدت ... أيامه وتجددت ذكراه # والعيش ما فارقته فذكرته ... لهفا وليس العيش ما تنساه # وقال محمد بن عبيد الأزدي: # فلما قضينا عصمة من حديثنا ... وقد فاض من بعد الحديث المدامع # جرى بيننا منا رسيس يزيدنا ... سقاما إذا ما استيقنته المسامع # كأن لم تجاورنا أميم ولم تقم ... بفيض الحمى إذ أنت بالعيش قانع # فهل مثل أيام تسلفن بالحمى ... عوائد أو عيش الستارين واقع # وقال قيس بن ذريح: # فإن تكن الدنيا بليلى تقلبت ... علي وللدنيا بطون وأظهر # فقد كان فيها للأمانة موضع ... وللكف مرتاد وللعين منظر # وللهائم الظمآن ري بريقها ... وللدنف المشتاق خمر مسكر # قال أبو العباس محمد بن يزيد النحوي فقلنا له فما الذي بقي بعد ما وصفت ~~قال بقيت الموافقة. # وقال البحتري: # كان الوصال بعيد هجر منقض ... زمن اللوى وقبيل بين آفد # ما كان إلا لفتة من ناظر ... عجل بها أو نهلة من وارد # ولبعض أهل هذا العصر: # رعى الله دهرا فات لم أقض حقه ... وقد كنت طبا بالأمور مجربا # ليالي ما كانت رياحك شمألا ... علي ولا كانت بروقك خلبا # ليالي وفيت الهوى فوق حقه ... وفاء وظرفا صادقا وتأدبا # فلم أر ودا عاد ذنبا وقد مضت ... له حقب يشجى ms171 بذكراه من صبا # ولم أر سهما هتك الدرع وانتهى ... إلى القلب قدما ثم قصر أو نبا # ولا عذر للصمصام إن بلغ الحشا ... وكل ولم يثلم له العظم مضربا # ولا لجواد سابق الريح سالما ... وقام فأعيا بل تقطر أو كبا # فأنى بعذر في اطراحي وجفوتي ... ونقض عهود أكدت زمن الصبا # إذا عوقب الجاني على قدر جرمه ... فتعنيفه بعد العقاب من الربا # وقال ابن ميادة: # ألا يا لقومي للهوى والتذكر ... وعين قذى إنسانها أم جحدر # فلم تر عيني مثل قلبي لم يطر ... ولا كضلوعي فوقه لم تكسر # وقال الطرماح: # عرفت لسلمى رسم دار تخالها ... ملاعب جن أو كتابا منمنما # وعهدي بسلمى والشباب كأنه ... عسيب نمى في ريه فتقوما PageV01P106 يعض ~~سواراها جلانا لو أنها ... إذا بلغا الكفين أن يتقدما # وقال الحسن بن وهب: # الدمع من عيني أخيك غزير ... في ليله ونهاره محدور # ذكر يجول بها الضمير كأنما ... يذكى بها تحت الفؤاد سعير # وقال علي بن محمد العلوي: # شآك الزمان بكر الزمان ... وأفناك من كره كل فان # إساءة دهرك محفوفة ... بما لم يكن للصبى في ضمان # ليالي لا يشبع الناظرا ... ن ما قابلاك ولا يرويان # ليالي لم يكتسي العارضا ... ن شيبا ولم يقصص الشاربان # فإن يك هذا الزمان انقضى ... وبدلت أخباره بالعيان # فلا بالقلى تتناسى الصبى ... ولا بالرضا رضي العاذلان # ونازلة كنت من حدها ... على غزر مثل حد السنان # ومن نكبات خطوب الزمان ... ألاحظها بجنان الجبان # ألا هل سبيل إلى نظرة ... بكوفان يحيى بها الناظران # وهل أدنون من وجوه نأت ... وهن من النفس دون الدواني # أناس هم الأنس دون الأنيس ... وجنات عيشك دون الجنان # وله أيضا: # واها لأيام الشبا ... ب وما لبسن من الزخارف # وزوالهن بما عرف ... ت من المناكر والمعارف # أيام ذكرك في دوا ... وين الصبى صدر الصحائف # وقف النعيم عن الصبا ... وزللت عن تلك الموقف # وقال البحتري: # أرسوم دار أم سطور كتاب ... ذهبت بشاشتها مع الأحقاب # يجتاز زائرها بغير لبانة ... ويرد سائلها بغير جواب # ولربما كان الزمان محببا ... فنبا بمن فيها من ms172 الأحباب # أيام عود الدهر أخضر والهوى ... ترب لبيض ظبائها الأتراب # لو تسعفين وما سألت مشقة ... لعدلت حر جوى ببرد رضاب # ولئن شكوت ظماي إنك للتي ... قدما جعلت من السراب شرابي # وعتبت من حبيك حتى إنني ... أخشى ملامك أن أبثك ما بي # وقال أيضا: # سقى الله عهدا من أناس تصرمت ... مودتهم إلا التوهم والذكر # وفاء من الأيام رجع حدوجهم ... كما أن تشريد الزمان بهم غدر # هل العيش إلا أن تساعفنا النوى ... بوصل سعاد أو يساعدنا الدهر # على أنها ما عندها لمواصل ... وصال ولا عنها لمصطبر صبر # إذا ما نهى الناهي فلج بي الهوى ... أصاخت إلى الواشي فلج بها الهجر # ويوم تثنت للوداع وسلمت ... بعينين موصول بلحظهما السحر # توهمتها ألوى بأجفانها الكرى ... كرى النوم أو مالت بأعظمها الخمر # وقال المرار الفقعسي: # ألا ذكراني يا خليلي ما مضى ... من العيش إذ لم يبق إلا تذكري # وإذ لاهتزاز العيش بالركب لذة ... وإذ كل شرب بارد لم يكدر # وإذ أنت لم تشعر بعين سخينة ... بكت من فراق لكن الآن فاشعر # وقال أبو صخر الهذلي: # وإني لتعروني لذكراك رعشة ... كما انتفض العصفور بلله القطر # عجبت لسعي الدهر بيني وبينها ... فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر # أما والذي أبكى وأضحك والذي ... أمات وأحيى والذي أمره الأمر # لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى ... أليفين منها ما يروعهما الذعر # هجرتك حتى قلت لا أعرف القلى ... وزرتك حتى قلت ليس له صبر # فيا هجر ليلى قد بلغت بي المدى ... وزدت على ما لم يكن يبلغ الهجر # وقال السري بن مغيث النوفلي: # ألا هل مقيتي الله في أن ذكرتها ... وهن بأعلى ذات عرق خواضع # سحيرا وأصحابي يلبون بعدما ... بدا وجه مشهور من الصبح ساطع PageV01P107 ~~تمضوا هداكم رب موسى فإنني ... منيخ فباك بكية ثم رافع # وبين الصفا والركن نادمت صحبتي ... بذكراك والعواد ساع وراكع # وفي جوف بيت الله جمجمت زفرة ... عليها وظلت تستهل المدامع # ومن نفر عند التنبه جئتهم ... وكلهم من خشية الله خاشع # فقلت لهم هل تعلمون من الجوى ... دواء فقالوا ms173 أنت في النار واقع # فقلت لهم هل تعلمون بما الذي ... أرجي ولا ما الله بالعبد صانع # أيجعلني في النار ربي وحبها ... على كبدي منه شؤون صوادع # الباب التاسع والثلاثون # مسامرة الأوهام والأماني سبب لتمام العجز والتواني # قال حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال حدثني أبو العالية قال حدثني حباب ~~القشيري قال لما ملك الوليد بن يزيد بعث إلى ابن ميادة وكان معجبا بشعره ~~فألزمه بابه فاشتاق الشيخ لما طال مقامه فقال: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بحرة ليلى حيث ربتني أهلي # بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وقطعن عني حيث أدركني عقلي # فإن كنت عن تلك المواطن حابسي ... فأيسر علي الرزق واجمع إذا شملي # قال فلما سمع شعره كتب إلى مصدق كلب أن يعطيه مئة ناقة دهماء جعادا. # وقال ابن ميادة: # ألا ليت شعري هل يحلن أهلها ... وأهلك روضات ببطن اللوى خضرا # وهل تأتين الريح تدرج موهنا ... برياك تعروني بها بلدا قفرا # بريح خزامى الرمل بات معانقا ... فروع الأقاحي تهضب الطل والقطرا # ألا ليتني ألقاك يا أم جحدر ... قريبا فأما الصبر عنك فلا صبرا # ألا لا تلظي الستر يا أم جحدر ... كفى بذرى الأعلام من دوننا سترا # وأنشدني أحمد بن يحيى: # قالت أميمة ما لجسمك شاحبا ... وجد بقلبي يا أميم براني # لله صاحبي الذي نبأته ... وشكوت حبك عنده فكواني # ظن المكاوي مخرجات حرارة ... بين الضلوع ودونها هيماني # يا للرجال أما رأى ما شفني ... أفلا بذكرك والمنى داواني # وقال كثير: # وددت وما تغني الودادة أنني ... بما في ضمير الحاجبية عالم # فإن كان خيرا سرني وعلمته ... وإن كان شرا لم تلمني اللوائم # وما ذكرتك النفس إلا تفرقت ... فريقين منها عاذر لي ولائم # وقال البحتري: # منى النفس في أسماء لو تستطيعها ... بها وجدها من غادة وولوعها # عجبت لها تبدي القلى وأودها ... وللنفس تعصيني هوى وأطيعها # وقال آخر: # وددت بأن الناس كلهم أنا ... وأني فداء للذي أنا عاشقه # وأني إذا صاحبت للعرض من غد ... إلى الله جيرانا هناك أوافقه # فإما إلى جنات عدن ms174 نكن معا ... وإما إلى نار ففيها أرافقه # وقال كثير: # يود بأن يمسي سقيما لعلها ... إذا سمعت عنه بشكوى تراسله # ويرتاح للمعروف في طلب العلى ... لتحمد يوما عند ليلى شمائله # فلو كنت في كبل وبحت بعولتي ... إليه ألانت جمة لي سلاسله # ويدرك غيري عند غيرك حظه ... بشعري ويعييني به ما أحاوله # فلا هانت الأشعار بعدي وبعدكم ... محبا ومات الشعر بعدي وقائله # وقال آخر: # تمنيت في عرض الأماني وربما ... تمنى الفتى أمنية لن ينالها # لو اني وسعدى جار بيت حبائبا ... فتعلم حالي ثم أعلم حالها # وقال عمر بن أبي ربيعة: # يا ليتني قد أجزت الحبل دونكم ... حبل المعرف أو جاورت ذا عشر # إن الثواء بأرض لا أراك بها ... فاستيقنيه ثواء حق ذي كدر # وما مللت ولكن زاد حبكم ... وما ذكرتك إلا ظلت كالسدر PageV01P108 أذري ~~الدموع كذي سقم يخامره ... وما يخامر من سقم سوى الذكر # كم قد ذكرتك لو أجزى بذكركم ... يا أشبه الناس كل الناس بالقمر # إني لأجذل أن أمشي مقابله ... حبا لرؤية من أحببت في الصور # ولبعض أهل هذا العصر: # زبالة لا هم اسقها ثم روها ... وقلت لها أضعاف ذي الدعوات # ألا هل إلى نجد وماء بقاعها ... سبيل وأرواح بها عطرات # وهل لي إلى تلك الطليحة عودة ... على مثل تلك الحال قبل وفاتي # فأشرب من ماء السماء فأرتوي ... وأرعى مع الغزلان في الفلوات # وألصق أحشائي برمل زبالة ... وآنس بالظلمان والظبيات # وقال بعض الأعراب: # يا ليت شعري وليت أصبحت حرجا ... هل أهبطن بلادا ما بها دور # ألا سبيل إلى نجد وساكنها ... أم لا بنجد حبيب الأهل مهجور # لقد تبدلت من نجد وساكنه ... أرضا بها الديك يزقو والسنانير # وقال آخر: # ليت شعري وأين مني ليت ... إن ليتا وإن لوا عناء # أي ساع سعى ليقطع حبلي ... حين لاحت للصالح الجوزاء # واستكن العصفور كرها مع الض ... ب وأوفى في عوده الحرباء # وأما أهل قرية أنكروني ... عرفتني الدوية الملساء # عرفت ليلها الطويل وليلي ... إن ليل المحزون فيه عناء # وقال آخر: # عسى الله يا ظلام أن يعقب ms175 الهوى ... فتلقى كما قد كنت فيك لقيت # وتنهي فتزدادي إلي صبابة ... كما ازددت في حبيك حين نهيت # ألم تعلمي يا ريقة الوصل أنني ... شربت بصاب بعدكم فرويت # وإني لخير قد تداويت بعدكم ... بهجر لكم من حبكم فبريت # وقال آخر: # ألا ليتني لا أطلب الدهر حاجة ... ولا بغية إلا عليك طريقها # فيا حبذا من منظر لو تناله ... عذاب الثنايا أم عمرو وريقها # وقال آخر: # إذا كلمتني وكحلت عيني ... بعينك فامنعي ما شئت مني # إذا ازدحمت همومي في فؤادي ... طلبت لها المخارج بالتمني # وقال آخر: # ألا ليت بعد الموت أنشر نشرة ... فأنظر ما شمطاء صانعة بعدي # أترعى وصال العهد بيني وبينها ... فذلك ظني أم تغير عن عهدي # وقال العباس بن الأحنف # تمنى رجال ما أحبوا وإنما ... تمنيت أن أشكو إليها وتسمعا # أرى كل معشوقين غيري وغيرها ... قد استعذبا طعم الهوى وتمتعا # وإني وإياها على حد رقبة ... وتفريق شمل لم نبت ليلة معا # وإني لأنهى النفس عنها ولم تكن ... بشيء من الدنيا سواها لتقنعا # وقال جميل: # ألا ليتنا نحيى جميعا وإن نمت ... يجاور في الموتى ضريحي ضريحها # فما أنا في طول الحياة براغب ... إذا قيل قد سوي عليها صفيحها # أظل نهاري مستهاما ونلتقي ... مع الليل روحي في المنام وروحها # وقال أبو بكر عبد الرحمن الزهري: # ولما نزلنا منزلا طله الندى ... أنيقا وبستانا من النور حاليا # أجد لنا طيب المكان وحسنه ... منى فتمنينا فكنت الأمانيا # وقال مزاحم العقيلي: # وددت على ما كان من شرف الفتى ... وجهل الأماني أن ما شئت تفعل # فترجع أيام مضين بنعمة ... علينا وهل يثنى من العيش أول # وقال جرير: # أؤمل أن ألاقي آل ليلى ... كما يرجو أخو السنة الربيعا # فلست بنائم إلا بهم ... ولا مستيقظا إلا مروعا # وقال آخر: # فما مس جنبي الأرض إلا ذكرتها ... وإلا وجدت ريحها في ثيابيا # فيا رب إن كانت عروض هي المنى ... فزني بعينيها كما زنتها ليا # وقال سعد ذلفاء: PageV01P109 فليت ابن أوس حين يأتيه أهلها ... يخاصمهم ~~أهلي قضاني لها عبدا # فتربطني ذلفاء في شق ms176 بيتها ... إلى الطنب الأقصى فتوسعني جلدا # فأضحك منها إذا تقول نساؤها ... لك الويل يا ذلفاء لا تقتلي سعدا # وقال عروة بن حزام: # كأن قطاة علقت بجناحها ... على كبدي من شدة الخفقان # ألا ليتنا نحيى جميعا وليتنا ... إذا نحن متنا ضمنا كفنان # ألا ليتنا عفراء من غير ريبة ... بعيران نرعى القفر مؤتلفان # وإني لأهوى الحشر إذ قيل إنني ... وعفراء يوم الحشر ملتقيان # وقال آخر: # ألا من لهم بت وحدي أكابده ... ومن يك ذا هم يبت وهو عامده # تذكرت بطن الحبر يا ليتني به ... إذا اعتم بيتا متنه وأجالده # وقال الأحوص: # إني لآمل أن تدنو وإن بعدت ... والشيء يؤمل أن يدنو وإن بعدا # أبغضت كل بلاد كنت آلفها ... فما ألائم إلا أرضها بلدا # يا للرجال لمقتول بلا ترة ... لا يأخذون له عقلا ولا قودا # إن قربت لم يفق عنها وإن بعدت ... تقطعت نفسه من حبها قددا # ما تذكر الدهر لي سعدى وإن نزحت ... إلا ترقرق ماء العين فاطردا # ولا قرأت كتابا منك يبلغني ... إلا تنفست من وجد بكم صعدا # وقد بدت لي من سعدى معاتبة ... أمسى وأضحى بها جدي وما سعدا # ولو أعاتب ذا حقد قتلت له ... نفسا معاتبتي إياك ما حقدا # وقال النميري: # ألا هل إلى نص النواعج بالضحى ... وشم الخزامى بالعشي سبيل # بلاد بها أمسى الهوى غير أنني ... أميل مع المقدار حيث يميل # وقال أبو القمقام الفقعسي: # يقر بعيني أن أرى رملة الغضا ... إذا ما بدت يوما لعيني قلالها # ولست وإن أحببت من يسكن الغضا ... بأول راج حاجة لا ينالها # وقال أيضا: # تبدل هذا السدر أهلا وليتني ... أرى السدر بعدي كيف كانت بدائله # فعهدي به عذب الجنى ناعم الذرى ... تطيب وتندى بالعشي أصائله # كما لو وشى بالسدر واش رددته ... كئيبا ولم تملح لدي شمائله # وقال آخر: # ألا هل إلى إلمامة قبل موتنا ... سبيل وهل للنازحين رجوع # وهل لعيون قد بكين إلى الفلا ... وأبكين حتى ما لهن دموع # يحاذرن إن لا يرتجعن إلى الفلا ... وإن لا يراع الشمل وهو جميع # الباب ms177 الأربعون # من قصر نومه طال ليله # أما هؤلاء الذين ترجمنا هذا الباب بذكرهم فهم على كل الأحوال أعذر ممن ~~كان قبلهم على أن فراغهم لوصف ما بدا لهم هجنة بهم ودلالة على ضعف أحوالهم ~~وقال الطائي وما أظن أنه احترز به من هذا اللوم الذي يلحق غيره فألزم نفسه ~~أكثر ما حذره وذلك قوله: # لست أدري أطال ليلي أم لا ... كيف يدري بذاك من يتقلا # لو تفرغت في استطالة ليلي ... ولرعي النجوم كنت مخلا # فهو وإن كانت جهالته بحاله دالة على قوة اشتغاله فإن علمه بالعلة التي ~~أوجبت جهله بها ضرب من الفلسفة التي لا يصلح أن يعلمها إلا متخل من هذه ~~الحالة كلها ففر من شيء ووقع في أعظم منه ألا ترى أن البهائم تجد ألم ما ~~ينالها وتظهر التأذي به وليس يعلم أن الاشتغال بالألم يمنع من وصفه إلا أهل ~~الفلسفة والحكم والتكلف إذا دخل في شيء نبه على موضعه وترجم عن ضمير متحلله ~~ولسنا قادرين على ذكر حال تامة عن أحد من الشعراء في هذا الباب لأن كل واصف ~~بوصفه أدل الأشياء على ضعفه فأهل التمام إذن سكوت عن الوصف مستغرقون في ~~غمراته مشتغلون به عن صفاته ولكنا نذكر عن أهل الضعف المستطيعين لترتيب ~~الوصف أحسن ما يحضرنا من أقاويلهم وما زادوا فيه على أمثالهم ونظرائهم. # قال النابغة الذبياني: PageV01P110 كليني لهم يا أميمة ناصب ... وليل ~~أقاسيه بطيء الكواكب # وصدر أراح الليل غارب همه ... يضاعف فيه الحزن من كل جانب # تقاعس حتى قلت ليس بمنقض ... وليس الذي يرعى النجوم بآيب # وقال عبيد الراعي: # كأن بلادهن سماء ليل ... تكشف عن كواكبها الغيوم # مللت بها الثواء وأرقتني ... هموم ما تنام ولا تنيم # أبيت بها أراعي كل نجم ... وشر رعاية العين النجوم # وقال سويد بن أبي كاهل: # وأبيت الليل ما أرقده ... وبعيني إذا النجم طلع # فإذا ما قلت ليلي قد مضى ... عطف الأول منه فرجع # يسحب الليل نجوما ظلعا ... فتواليها بطيئات التبع # وقال جرير: # أتى دون هذا اليوم هم فاسهرا ... أراعي ms178 نجوما تاليات وغورا # أقول لها من أجله ليس طولها ... كطول الليالي ليت صبحك نورا # وقال أبو تمام: # أفنى وليلي ليس يفنى آخره ... هاتا موارده فأين مصادره # نامت عيون الشامتين تيقنا ... أن ليس يهجع والهموم تسامره # لا شيء ضائر عاشق فإذا نأى ... عنه الحبيب فكل شيء ضائره # وقال كثير: # ولي منك أيام إذا تشحط النوى ... طوال وليلات تزول نجومها # إذا سمت نفسي هجرها واجتنابها ... رأت غمرات الموت فيما أسومها # وذكروا أن علي بن الجهم لما طعن في برية حلب قال لغلامه في أول الليل ~~أطلع النجم أم لا؟ فقال له غلامه هذا بعد وقت العشاء فأنشأ يقول: # هل زيد في الليل ليل ... أم سال بالصبح سيل # ذكرت أهل دجيل ... وأين مني دجيل # ثم مات من ليلته. # وقال البحتري: # مغاني سليمى بالعقيق ودونها ... أجد الشجى إخلاقها ودثورها # وألحقني بالشيب في عقر داره ... مناقل في عرض الشباب أسيرها # مضت في سواد الرأس أولى بطالتي ... فدعني يصاحب وخط رأسي أخيرها # وأطريت لي بغداد إطراء مادح ... وهذي لياليها فكيف شهورها # وقال أيضا: # أنبيك عن عيني وطول سهادها ... ووحدة نفسي بالأسى وانفرادها # وأن الهموم اعتدن بعدك مضجعي ... وأنت التي وكلتني باعتيادها # خليلي إني ذاكر عهد خلة ... تولت ولم أذمم حميد ودادها # فواعجبا ما كان أقصر دهرها ... لدي وأدنى قربها من بعادها # وكنت أرى أن الردى قبل بينها ... وأن افتقاد العيش قبل افتقادها # بنفسي من عاديت من أجل فقده ... بلادي ولولا فقده لم أعادها # وقال أبو تمام: # رأيت في النوم أن الصلح قد فسدا ... وأن مولاي بعد القرب قد بعدا # لم لم أمت جزعا لم لم أمت أسفا ... لم لم أمت حزنا لم لم أمت كمدا # قد كدت أحلف لولا أنه سرف ... أن لا أذوق رقادا بعده أبدا # فهذا قد زادنا رتبة على ما عنى لأنه لم يدع النوم شوقا إلى من يهواه ثم ~~رأى في النوم ما قد وصف وهو يزعم أن تركه إياه مع ذلك سرف ولو جعل امتناعه ~~من ترك النوم شوقا إلى رؤية ms179 الطيف فقال قد كدت أحلف لولا الطيف مجتهدا ألا ~~أذوق رقادا بعده أبدا كان أعذر على كل حال وإن دخل ذلك ضروب من الاختلال ~~منها أنه نام أولا حتى رأى ما رأى، ومنها أنه لم يتهيأ له ترك النوم إلا ~~بيمين على نفسه، ومنها أنه مع ذلك لم يحلف أيضا وإنما أرجف باليمين. # وقال أيضا: # لا نمت عينا ولا لقيت عافية ... وكان حظك بعد الليلة الأرقا # أنمت لا نمت في خير ولا دعة ... حتى أتى أجل الميعاد فانطلقا PageV01P111 ~~فهذا عافانا الله وإياه ألوم في هذا النوم من كل ما لمناه لأن الإنسان يشغل ~~قلبه بمجيء خادمه من حاجة لا قدر لها في قلبه فيشغله ذلك عن نومه فكيف لمن ~~يعده من يهواه بزيارة فينام عن موعده. # وقال البحتري: # أنظر إلى ناظر قد شفه السهد ... واعطف على مهجة أودى بها الكمد # لا ذقت ما ذاقه من أنت مالكه ... ولا وجدت به مثل الذي يجد # أخفى هواك فنمته مدامعه ... والعين تعرب عما ضمت الكبد # فإن جحدت الذي قاساه بينهما ... فشاهداه عليك الخد والجسد # وأنشدني محمد بن الخطاب الكلابي لنفسه: # أرقت وحالفت لين الوساد ... ولم يسعد ولذت بالمهاد # وباتت والسرور لها ضجيع ... يجنبها مجانبة الرقاد # وبت ومرهفات الشوق تفري ... بها عنق الكرى يد السهاد # فكم تروي بأدمعنا خدودا ... لنا جرحى وأنفسنا صواد # وقال آخر: # تطاول أيامي ولليل أطول ... ولام على حبي أميمة عذل # يلومون صبا أضرع الحب جسمه ... وما ضرهم لو لم يلوموا وأجملوا # وقال آخر: # قد كان يكفيك ما بالحسم من سقم ... لم زدتني سهرا لا مسك السهر # عين مؤرقة والجسم مختبل ... والقلب بينهما تخلو به الفكر # يا حارمي لذة الدنيا وبهجتها ... قد كان يقنعني من وجهك النظر # ولبعض أهل هذا العصر: # يا مانعا مقلتي من لذة الوسن ... روحي تقيك من الأسواء والحزن # والله لا سكنت روحي إلى سكن ... إلا إليك ولا حنت إلى وطن # ولن أقول ولو أضنى الهوى كبدي ... ردا لقولك لي قد خنت لم أخن # هبني غريبا ألام اليوم ms180 فيك ألم ... أكن حقيقا بأن أعدى على الزمن # فلا تدع رعي ما قد كنت تعلمه ... مني يقينا وتهجرني على الظنن # فلم تزل مذ عرفت الحب في كبدي ... أحب والله من روحي إلى بدني # وتوهم هؤلاء بمنع أحبتهم إياهم النوم وإن كان مسقطا عنهم لائمة النوام ~~فإنه موجب عليهم ضربا من الملام لأن في الحال يرون سهرهم بالفكر في أحبتهم ~~نعمة لا يعرف قدرها فضلا عن أن يؤدى شكرها. # ولقد أحسن الذي يقول: # يا نسيم الروض في السحر ... وشبيه الشمس والقمر # إن من أسهرت ليلته ... لقرير العين بالسهر # على أنه غير مأمون على صاحب هذا الشعر أن يكون السهر الذي مدحه هو السهر ~~مع إلفه لا السهر بالفكرة في أمره ومن أبلغ ما قيل في طول الليل. # قول خالد الكاتب: # رقدت فلم ترث للساهر ... وليل المحب بلا آخر # ولم تدر بعد ذهاب الرقا ... د ما صنع الدمع بالناظر # ولقد أكثر الناس في استطالة الليل وأصح ما قيل فيه معنى. # قول بشار: # لم يطل ليلي ولكن لم أنم ... ونفى عني الكرى طيف ألم # وإذا قلت لها جودي لنا ... خرجت بالصمت عن لا ونعم # وأنشدني أبو الفضل بن أبي طاهر قال أنشدني أبو دعامة علي بن زيد لخليل بن ~~هشام: # يقولون طال الليل والليل لم يطل ... ولكن من يهوى من الهم يسهر # وكم ليلة طالت علي بهجركم ... وأخرى تليها نلتقي فهي تقصر # ولا أعلم أحدا استطال الليل ممن خبر بعلة استطالته ولا ممن لم يخبرها شرح ~~السبب المضجر من الليل ما هو غير الطرماح حيث يقول: # ألا أيها الليل الطويل ألا اصبح ... بصبح وما الإصباح فيها بأروح # على أن للعينين في الصبح راحة ... بطرحهما طرفيهما كل مطرح # وهذا قول امرئ القيس: # ألا أيها الليل الطويل ألا انجلي ... بصبح وما الإصباح فيك بأمثل ~~PageV01P112 إلا أن امرء القيس لم يقل لم صار النهار وإن لم يكن أمثل من ~~الليل والقلوب إليه أميل منها إلى الليل كما بينه الطرماح ومن سرق معنى ~~فزاد فيه احتمل له ms181 جرم سرقته لموضع زيادته ومن أحسن ما قيل في ترك النوم ~~قول مسلم بن الوليد: # لما التقينا افترعنا في تعاتبنا ... من الحديث ومن لذاته العذرا # قالت أأقررت بالإجرام قلت نعم ... إن كان جرم على الإقرار مغتفرا # لم تغمض العين مذ علقت حبكم ... إلا إذا خالستها عينك النظرا # ولقد أحسن بشار بن برد حيث يقول: # كأن جفونه سملت بشوك ... فليس لنومه فيها قرار # جفت عيني عن التغميض حتى ... كأن جفونها عنها قصار # أقول وليلتي تزداد طولا ... أما لليل بعدهم نهار # وقال آخر: # وعين لنا من ذكر صعبة واكف ... إذا غاضها كانت سريعا جمومها # تنام قريرات العيون وبينها ... وبين حجابيها قذى لا يريمها # وقال آخر: # لعل جفونا فرق البين بينها ... وبين الكرى تحظى بطعم رقاد # ويحسر دمع ما يزال كأنه ... على الخد منهلا تدافع واد # كأن السواري والغوادي تكلفت ... له بسواري أدمع وغوادي # وقال آخر: # إذا زينت بالدر يوما فإنها ... تزينه والدر ليس يزينها # أبيت طوال الدهر أبكي لذكرها ... بعين محب ما تلاقى جفونها # وأقطع أيامي بهم وفكرة ... أعلل نفسا قد براني حنينها # وأحفظها في الغيب حتى كأنني ... حلفت لها بالله أن لا أخونها # وقال جرير: # ألا حي الديار بسعد إني ... أحب لحب فاطمة الديارا # أراد الظاعنون ليحزنوني ... فهاجوا صدع قلبي فاستطارا # أبيت الليل أرقب كل نجم ... تعرض حيث أنجد أو أغارا # يهيم فؤاده والعين تلقى ... من العبرات جولا وانحدارا # وقال أيضا: # نام الخلي وما رقدت لحبكم ... ليل التمام تأرقا وسهودا # وإذا رجوت بأن تقربك النوى ... كان القريب لما رجوت بعيدا # وقال الراعي: # كفاني مقاساة الكرى وكفيته ... كلاء النجوم والنعاس معانقه # فبات يريه عرسه و..... ... وبت أراعي النجم أين مخافقه # وقال امرؤ القيس: # أعني على الأشجان والذكرات ... يبتن على ذي الهم معتكرات # ظللت ردائي فوق رأسي قاعدا ... أعد الحصى ما تنقضي عبراتي # بليل التمام أو وصلن بمثله ... مقايسة أيامها نكرات # وأنشدتني أعرابية بالبادية: # أرقت وطالت ليلتي بأبان ... لبرق سرى بعد الهدو يماني # فيا عم عم السوء فرقت بيننا ... ونحن جميعا شملنا متداني ms182 # وقال محمد بن عبد الملك الزيات: # كتبت على فص لخاتمها ... من مل من أحبابه رقدا # فكتبت في فصي ليبلغها ... من نام لم يشعر بمن سهدا # قالت يعارضني بخاتمه ... والله لا كلمته أبدا # وقال آخر: # ولي مقلة عهدها بالمنام ... بعيد وبالدمع عهد قريب # يحار إذا زاد طرفي المنام ... كما حار في الحي ضيف غريب # الباب الحادي والأربعون # من غلب عزاه كثر بكاه # أما أهل هذا الباب فقد انفردوا بأمر يقوم لهم ببعض العذر على أن ذلك ~~الأمر الذي يعذرهم هو بعينه يدل على نقيصتهم فأما جهته المحمودة فهي وصف ~~الحال بالدمع لا يمكن فيها من التصنع ما يمكن في الصفات بالألسن وأما جهته ~~المذمومة وهي أن امتناع الدمع من الجريان أول على تظاهر ألم الأشجان لعلة ~~سنذكرها في الباب الثاني ولا نألو إن شاء الله أن نذكر من هذا الباب أحسن ~~ما قيل فيه على النقص الذي يلحق قائليه ثم نذكر الحال التامة في الباب الذي ~~يليه. # أنشدني أبو عبادة البحتري لنفسه: PageV01P113 لعمر الرسوم الدارسات لقد ~~جرت ... بريا سعاد وهي طيبة العرف # بكينا فمن دمع يمازجه دم ... هناك ومن دمع نجود به صرف # وقال أبو تمام الطائي: # لا عذر للصب أن يفني الحياء ولا ... للدمع بعد مضي الحي أن يقفا # حتى يطل بماء سافح ودم ... في الربع يحسب من عينيه قد رعفا # وقال آخر: # وبت من الأحزان قد أسفر الضحى ... وفي كبدي من جمرهن حريق # مزجت دما بالدمع حتى كأنما ... يذاب بعيني لؤلؤ وعقيق # وقال أحمد بن أبي طاهر: # دموع فيضهن مع الدماء ... كما وردت حاشية الرداء # أريح إلى الدموع الوجد مني ... إذا ما عزني حسن العزاء # ملامك ليس من عينيك دمعي ... ولا بحشاك أسقامي ودائي # وقال آخر: # فما زال يشكو الحب حتى كأنما ... تنفس من أحشائه أو تكلما # ويبكي فأبكي رحمة لبكائه ... إذا ما بكى دمعا بكيت له دما # وقال آخر: # وقفنا وثالثنا عبرة ... فيشكو إلي وأشكو إليه # وولى يخوض دموعا جري ... ن من مقلتي ومن مقلتيه # ويستودع الله ما ms183 في يدي ... وأستودع الله ما في يديه # وقال آخر: # يقول وقد أبكى البكاء بمقلتي ... ندوبا ألا داويت عينيك بالكحل # فقلت رأيت الكحل يشغل قدره ... من العين قدرا لم يكن عنك في شغل # وقال آخر: # محب بكت عيناه من حب قاتل ... فيا قاتلا يبكي عليه قتيل # خليل جفاني كان روحي لروحه ... خليلا وهل يجفو الخليل خليل # وقال آخر: # وما شنتا خرقاء واهيتا الكلى ... سقى بهما ساق ولم يتبللا # بأضيع من عينيك للماء كلما ... توسمت برقا أو توهمت منزلا # وقال أبو حية النميري: # لعينيك يوم البين أسرع واكفا ... من الفنن الممطور وهو مروح # إذا قلت يفنى ماؤها اليوم أصبحت ... غدا وهي ريا الماقيين نضوح # وقال جران العود: # أبيت كأن العين أفنان سدرة ... إذا ما بدا من آخر الليل تنطف # أراقب لمحا من سهيل كأنه ... إذا ما بدا من آخر الليل يطرف # وقال ابن هرمة: # استبق دمعك لا يودي البكاء به ... واكفف بوادر من عينيك تستبق # ليس الشؤون وإن جادت بباقية ... ولا الجفون على هذا ولا الحدق # وقال آخر: # ومما شجاني أنها يوم ودعت ... تولت وماء العين في الجفن حائر # فلما أعادت من بعيد بنظرة ... إلي التفاتا أسلمته المحاجر # وقال ابن ميادة: # ألا من لعين لا ترى صائبا ولا ... ترى وادي الطرفاء إلا استهلت # بماء لو ان المزن جادت بمثله ... رضينا بما جادت به حين ولت # وللعين فيضات إذا ما ذكرتها ... وللصدر بلبال إذا العين كلت # وقال الطائي: # لو قيل سل تعط المنى أن لو درى ... مولاه في الخلوات كيف بكاؤه # مطر من العبرات خدي أرضه ... حتى الصباح ومقلتي سماؤه # وقال ابن قوفا: # سيدي أنت لم أقل سيدي أن ... ت لمخلوق سواك والصب عبد # كبد رطبة تذوب من الوج ... د وخد فيه من الدمع خد # وقال آخر: # نظرت كأني من وراء زجاجة ... إلى الدار من ماء الصبابة أنظر # فعيناي طورا تغرقان من البكا ... فأغشى وطورا تحسران فأبصر # وهذا مأخوذ من قول ذي الرمة: # لعمرك إني يوم جرعاء مالك ... لذو عبرة كلا تفيض وتخنق ms184 # وإنسان عيني يحسر الماء مرة ... فيبدو وأحيانا يجم فيغرق # وقال ابن هرمة: # كأن عيني إذ ولت حمولهم ... عنا جناحا حمام صادفا مطرا # أو لؤلؤ سلس في عقد جارية ... خرقاء نازعها الولدان فانتثرا # وقال آخر: PageV01P114 تكاد أخرى دموعي من تسرعها ... تفيض قبل الألى أن ~~ينحدرن معا # وغاض عنها كثيرا راجعا حذرا ... ولن ترى قاتلا كالدمع إن رجعا # وقال أبو نواس: # يا قمرا أبصرت في مأتم ... يندب شجوا بين أتراب # تبكي فتذري الدر من عينها ... وتلطم الورد بعناب # وقال أيضا: # تقول غداة البين عند وداعها ... لي الكبد الحرى فسر ولك الصبرا # وقد سبقتها عبرة فدموعها ... على خدها بيض وفي نحرها صفر # وقال بعض الأعراب: # عشي وداع قبحت من عشية ... ولكنها لا قبحت من مودع # كأن انحدار الدمع منها تعده ... لها ذات سلك قيل عدي وأسرعي # وقال ابن الدمينة: # أفي كل يوم أنت رام بلادها ... بعينين إنساناهما غرقان # إذا اغرورقت عيناي قال صحابتي ... لقد أولعت عيناك بالهملان # ألا فاحملاني بارك الله فيكما ... إلى حاضر الروحاء ثم ذراني # وقال الركاض الزبيري: # فيا من لعين قد أضر بها البكا ... فهل حاولت من طول ما سجمت تعمى # وقلب كئيب لا يزال كأنما ... يقلب في أعراضه ميسم محمى # وقال البحتري: # دنت فدنا هجرانها فإذا نأت ... غدا وصلها المطلوب أنأى وأسحقا # وما ربما بل كلما عن ذكرها ... بكيت فأبكيت الحمام المطوقا # وقال آخر: # عرج بذي سلم ففيه المنزل ... ليقول صب ما أراد ويفعل # سارت مقدمة الدموع وخلفت ... حرقا توقد في الحشا ما ترحل # إن الفراق كما علمت فخلني ... ومدامعا تسع الفراق وتفضل # إلا يكن صبر جميل فالهوى ... نشوان يجمل فيه ما لا يجمل # ولبعض أهل هذا العصر: # ولما وقفنا للوداع وبيننا ... أحاديث يعيي الحاسبين عديدها # تبادر دمعي فانصرفت تهضني ... إلى عبرتي بقيا عليك أذودها # فما أشبهت عيناي إلا سحابة ... دنا صربها واستعجلتها رعودها # فما زال زجر الرعد يحدو سحابها ... فتبدو وأرواح الشمال تحيدها # فما أقلعت حتى بكت فتضاحكت ... رياض الربى فاخضر بالعشب عودها # وهل تتلافى ذات عقد جمانها ms185 ... إذا انسل من سلك النظام فريدها # فقال رفيقي ما للونك حائلا ... وعينيك ما يعدو جفونك جودها # فأغضيت عن رد الجواب تبلدا ... وخير قلوب العاشقين بليدها # وقال البحتري: # لعمر المغاني يوم صحراء أرثد ... لقد هيجت وجدا على ذي توجد # منازل أمست للرياح منازلا ... تردد منها بين نؤي ورمدد # شجت صاحبي أطلالها فتهللت ... مدامعه فيها وما قلت أسعد # وقلت لدار المالكية عبرة ... من الشوق لم تملك بصبر فتردد # سقتها الغوادي حيث حلت ديارها ... على أنها لم تشف ذا الغلة الصدي # تزيدين هجرا كلما ازددت صبوة ... طلابا لأن أردى فها أنذا رد # وقال الحسين بن الضحاك: # هبوني أغض إذا ما بدت ... وأملك طرفي فلا أنظر # فكيف انتصاري إذا ما الدموع ... نطقن فبحن بما أضمر # وقال آخر: # ألا أيها الباكون من ألم الهوى ... أظنكم أدركتم بذنوب # تعالوا ندافع جهدنا عن قلوبنا ... فنوشك أن نبقى بغير قلوب # وقال البحتري: # أعرضت حتى خلت أني ظالم ... وعتبت حتى قلت إني مذنب # سأعد ما ألقى فإن كذبتني ... فسلي الدموع فإنها لا تكذب # وقال آخر: # قالوا تصنع بالبكاء فقلت هل ... يبكي الشجي لغير ما في قلبه # ولقد ألفت الدمع حتى ربما ... جرت الجفون به ولم أعلم به # وقال آخر: # وغائب الروح شاهد البدن ... يبكي بعين قليلة الوسن PageV01P115 يبكي ~~عليها بها مخافة أن ... تقرنه والظلام في قرن # وقال البحتري: # هل أنت من حب ليلى آخذ بيدي ... أو ناصر لي على التعذيب والسهد # وهل دموع أفاض الحزن ريقها ... تدني من البعد أو تشفي من الكمد # قد بات مستعبرا من كان مصطبرا ... وعاد ذا جزع من كان ذا جلد # إن أسخط الهجر لا أرجع إلى بدل ... منه وإن أطلب السلوان لا أجد # وقال الأعشى: # وفاضت دموعي فظل الشؤون ... إما وكيفا وإما انحدارا # كما أسلم السلك من نظمه ... لآلئ منحدرات صغارا # وقال آخر: # ولو أن دمعي لم يفض لتقطعت ... نبات فؤادي حين تذكر من وجدي # وقد صرمتني إذ تيقن قلبها ... بأن لست عنها بالصبور ولا الجلد # فيا ليتني والله مت ولم أكن ... فتحت ms186 لها بالدمع بابا من الصد # وقال آخر: # أعيني ما لي كلما بت ليلة ... بأرض فضاء كان دمعي قراكما # أعيني لام الله من لام فيكما ... محبا وآذى من يريد أذاكما # أعيني صبرا أعقباني حلاوة ... فقد خفت من طول البكاء عماكما # ألا قد أرى والله أن قد قذيتما ... بمن لا يبالي أن يطول قذاكما # أجدكما لا تذكرا زمنا مضى ... بصنعاء لا بل جنباني نداكما # وأنشدتني مريم الأسدية: # أعيني من كحل الطبيب تداويا ... فلا كحل بعد اليوم يشفي قذاكما # أعيني كفا الدمع لا تشمتا بنا ... عدوا ولا يحزن صديقا بكاكما # الباب الثاني والأربعون # نحول الجسد من دلائل الكمد # أما الدلالة على صحة هذا القول من جهة الطب فهي إن الحرارة المتولدة من ~~الحزن تنحاز إلى القلب من سائر أعضاء البدن ثم تتصاعد إلى الدماغ فتتولد ~~بخارات ردية فإن طاقتها الطبيعة بالقوة الغريزية أذابت تلك البخارات الردية ~~فأجرتها دموعا وربما أضر كثرة جريانها بالمجاري فأدماها فجرى الدم مجرى ~~الدمع وهكذا تذيب تلك القوى البخارات المتولدة في الدماغ في كمون الحرارة ~~لما يعرض للرأس من حر وبرد فتجريه من الأنف زكاما فتذهب غائلته ولو لم تذبه ~~وتجره من الأنف صار كيموسا غليظا ومادة منصبة إلى بعض الأعضاء الرئيسية ~~فحينئذ تتلف أو تولد علة غليظة فكذلك الدموع إن لم تطق تذويبها القوى ~~الطبيعية واشتغلت عنها بمدافعة ما هو أخوف على النفس منها صارت تلك ~~البخارات كيموسا غليظا فولد أمرا عظيما وإما أن يستقر في الدماغ فيفسد ما ~~جمع فيبطل الذكر ويفسد الفكر ويهيج التخييلات المستحيلات وذلك هو الجنون ~~بعينه وربما فسدت منه كرة أو كرتين فيفسد بفسادها ما كان مستقيما بصلاحها ~~وشرح ذلك يطول وليس من جنس ما ابتدأناه فيجب علينا أن نشرح منه ما أجملناه ~~وربما انحدر ذلك الكيموس عن الدماغ إلى القلب فهتك بعض الحجب أو جميعها ~~وكان منه حينئذ التلف لا محالة والله أعلم وربما انحدر إلى الكبد فمنع شهوة ~~الطعام والشراب فحينئذ يكون نحول الجسم وضعف القوة ولقد أصاب كل الإصابة ~~على ms187 الإصابة حيث يقول: # عجائب الحب لا تفنى وأولها ... ممن تحب بتكذيب وإنكار # ماء المدامع نار الشوق تحدره ... فهل سمعت بماء فاض من نار # لأن هذا هو الذي قدمنا ذكره من أن الحرارات هي المولدة لتلك البخارات ~~التي يحدث الدمع منها بإذابة الحرارة الغريزية لها وقد ذكرت الشعراء جملا ~~من أن فيض الدمع أروح من كمونه ولم يدلوا على سبب ذلك ولا أحسبهم وقفوا ~~عليه ومن أقربهم وصفا له الذي يقول: # كتمت الهوى حتى بدا كتمانه ... وفاض فنمته علي المدامع # ولو لم يفض دمعي لعاد إلى الحشا ... فقطع ما تحنى عليه الأضالع # وقال بعض الأعراب: # يقولون لا تنزف دموعك بالبكا ... فقلت وهل للعاشقين دموع # لئن كان أبقى لي التشوق قطرة ... لهن إذن من عاشق لمضيع PageV01P116 أظن ~~دموع العين تذهب باطنا ... إلى القلب حتى انصاع وهو صديع # وقال عمرو بن متبعة الرقاشي: # تضيق جفون العين عن عبراتها ... فتفسحها بعد التجلد والصبر # وغصة صدر أظهرتها فرفهت ... حرارة حزن في الجوانح والصدر # وقال آخر: # سأبكي وما لي عبرة من معول ... لديك وما لي غير حبك من جرم # لعل انسكاب الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي الفؤاد من السقم # وظني أن لا يذهب الحزن بالبكا ... عليك وأن أزداد كلما على كلم # وقال ذو الرمة: # فوالله ما أدري أجولان عبرة ... تجود بها العينان أحرى أم الصبر # وفي هملان العين من غصة الهوى ... رواح وفي الصبر الجلادة والأجر # وقال الفرزدق: # ألم تر أني يوم حر سويقة ... بكيت فنادتني هنيدة ماليا # خليل دعا والرمل بيني وبينه ... فأسمعني سقيا لذلك داعيا # وكان جوابي أن بكيت صبابة ... وفديت من لو يستطيع فدانيا # وقلت لها إن البكاء لراحة ... به يشتفي من ظن أن لا تلاقيا # وقال ذو الرمة: # أمن حذر الهجران قلبك يجمح ... كأن فلوا بين حضنيك يرمح # أمنزلتي مي سلام عليكما ... على النأي والنائي يود وينصح # وإن كنتما قد هجتما راجع الهوى ... لذي الشوق حتى ظلت العين تفسح # أجل عبرة كادت لفرقان منزل ... لمية لو لم تسهل العين تذبح ms188 # وقال أيضا: # خليلي عوجا من صدور الرواحل ... بجمهور حزوى فأبكيا في المنازل # لعل انحدار الدمع يعقب راحة ... من الوجد أو يشفي نجي البلابل # دعاني وما داعي الهوى من بلادها ... إذا ما نأت خرقاء عني بغافل # وما يوم خرقاء الذي فيه نلتقي ... بنحس على عيني ولا متطاول # وإني لأنحي الطرف من نحو غيرها ... حياء ولو طاوعته لم يعادل # إذا قلت ودع وصل خرقاء واجتنب ... زيارتها تخلق حبال الوسائل # أبت ذكر عودن أحشاء قلبه ... خفوقا وقضات الهوى في المفاصل # ولقد أحسن سابق اليزيدي في قوله: # وقد رابني من فعل عيني أنها ... إذا ذكرت سعدى اعتراني جمودها # وفي الدمع لو جادت به العين شاهد ... عليها فلم يشهد لنفسي شهودها # ولبعض أهل هذا العصر: # يا من إذا صد لم أظهر له جزعا ... لا تحسبني على الهجران ذا جلد # ما يمنع الدمع أن تجري غواربه ... إلا شماتة من قد كان ذا حسد # فيض الدموع وإن تمت بوادرها ... أشفى لمن عالج البلوى من الكمد # وقال آخر: # نزفت دمعي وأزمعت الرحيل غدا ... فكيف أبكي ودمع العين منزوف # واسوأتي من عيون العاشقين غدا ... إذا رحلت ودمع العين مكفوف # هذا البائس يعتذر من ذهاب دموعه ولو عرف علة ذهابها لكان محتاجا إلى ~~الاعتذار لو دامت من دوامها. # وأحسن من هذا قول قيس بن ذريح: # تشوقني ذكرى إذا ما ذكرتها ... وكم عرض أرض دونها وسماء # ومن عبرات تعتريني أكفها ... ومن زفرات ما لهن فناء # ومن قولها إن القوى قد تقطعت ... وهل لقوى لا تستجد بقاء # ومن أنها باتت ولم تدر ما الذي ... لها عندنا من خلة وصفاء # ومن أريحيات الصبى عند ذكرها ... ولمات شوق ما بهن خفاء # فلا حب حتى يلصق العظم بالحشا ... ولا وجد حتى لا يكون بكاء # وقد لطف أبو تمام في هذا المعنى حيث يقول: # وإذا فقدت أخا ولم تفقد له ... دمعا ولا صبرا فلست بفاقد # أفلا ترى إلى إزرائه على الدمع وتقصيره بأهله وإخباره أن من قويت حاله ~~انقطع دمعه ونحل جسمه. # ولقد أحسن الذي يقول: ms189 # قدك فلا دمع ولا صبر ... ربع الهوى من أهله قفر PageV01P117 عمر الفتى في ~~كل لذاته ... فإن نأت عنه فلا عمر # وقال محمد العلوي: # أبقى الهوى منه جسما كالهواء ضنى ... لقد تنسم منه وهو مفؤود # أنست بالذكر منها والسهاد له ... أعجب به من مسيء وهو مورود # وقال قيس بن الملوح: # فأنت التي إن شئت أشقيت عيشتي ... وإن شئت بعد الله أنعمت باليا # وأنت التي ما من صديق ولا عدى ... رأى نضو ما أبقيت إلا رثى ليا # وقال البحتري: # ألا هل أتاها بالمغيب سلامي ... وهل خبرت وجدي بها وغرامي # وهل علمت أني ضنيت وأنها ... شفائي من داء الضنى وسقامي # فداؤك ما أبقيت مني فإنه ... حشاشة جسم في نحول عظامي # وقال ماني: # ها أنا ذا يسقطني للبلى ... عن فرشتي أنفاس عوادي # لو يحسد السلك على دقة ... حقا لأمسى بعض حسادي # وقال أيضا: # ومدنف زاد في النحول من ال ... وجد إلى مثل دقة الألف # يشارك الطير في النحيب ولا ... يشركه في النحول والقصف # وقال أيضا: # أما تريني ناحل الجسم ... أصير من هم إلى هم # أنقل من ثوب إلى دونه ... حتى كأني بدن الكم # ولقد أحسن الذي يقول: # غابوا فأضحى بدني بعدهم ... لا تبصر العين له فيا # بادى وجه إتلافهم ... إذا رأوني بعدهم حيا # واخجلتا منهم ومن قولهم ... ما ضرك الفقد لنا شيا # وقال آخر: # شعر ميت أتاك عن لفظ حي ... صار بين الحياة والموت وقفا # قد برته حوادث الدهر حتى ... كاد عن أعين الحوادث يخفى # وقال عمر بن أبي ربيعة: # إرحمي مغرما بحبك لاقى ... من جوى الحب والصبابة جهدا # قد براه وشفه الحب حتى ... صار مما به عظاما وجلدا # وأنشدني بعض الأدباء: # لم يبق إلا نفس خافت ... ومقلة إنسانها باهت # ومغرم توقد أحشاؤه ... بالنار إلا أنه ساكت # لم يبق في أعضاله مفصل ... إلا وفيه سقم ثابت # ولبعض أهل هذا العصر: # يعيرني الواشي بأن لست مدنفا ... كما هو من فرط الصبابة مدنف # فيا كاشحا قد جاء في زي ناصح ... تشاغل بغيري لست ممن يعرف # ولا ms190 تلحني فيمن أحب فإنني ... أضن به مما تظن وأشغف # سلوه فإني لا أكلم واشيا ... أيدري بمن يلحي وفيمن يعنف # وقال مجنون بني عامر: # يا دار ليلى بسقط الحي قد درست ... إلا الثمام وإلا موقد النار # أبلى عظامك بعد اللحم ذكرهما ... كما تتبع قدح الشوحط الباري # فبين صاحب هذا الكلام وصاحب الكلام الذي قبله بون بعيد وتفاوت شديد ويزعم ~~أن تزايد الحال توجب له نفي الهزال وهذا لم يرض لنفسه بنحول اللحم حتى أضاف ~~إليه نحول العظم. # ولبعض أهل هذا العصر: # أهيم بذكر الكرخ مني صبابة ... وما بي إلا حب من حل بالكرخ # تجرعت كأسا من صدود محمد ... فقد أوهنت عظمي وجازت على المخ # فلست أبالي بالردى بعد فقده ... وهل يجزع المذبوح من ألم السلخ # وقال آخر: # قالت ظلوم سمية الظلم ... إني رأيتك ناحل الجسم # يا من رمى قلبي فأقصده ... أنت الخبير بموضع السهم # وقال أبو العتاهية: # أخلاي بي شجو وليس بكم شجو ... وكل امرئ مما بصاحبه خلو # رأيت الهوى جمر الغضا غير أنه ... على كل حال عند صاحبه حلو # وقال جرير: # أتنسى يوم حومل والدخول ... وموقفنا على الطلل المحيل # وقالت قد نحلت وشبت بعدي ... بحق الشيب بعدك والنحول # وقال آخر: # تقول وقد كتبت دقيق خطي ... إليها لم تجنبت الجليلا PageV01P118 فقلت لها ~~نحلت وصار خطي ... مساعدة لصاحبه نحيلا # وقال آخر: # إنا من الحي أقبلنا نؤمكم ... أنضاء شوق على أنضاء أسفار # والصب لا بد أن يبدي صبابته ... إذا تبدل غير الدار بالدار # وهذا مأخوذ من قول امرئ القيس: # أكل الوجيف لحومهم ولحومها ... فأتوك أنضاء على أنضاء # وقال الأحوص: # نفى نومي وأسهرني غليل ... وهم هاجه حزن طويل # وقالوا قد نحلت وكنت جلدا ... وأيسر ما منيت به النحول # فإن يكن العويل يرد شيئا ... فقد أعولت إن نفع العويل # وكانت لا يلائمها مبيت ... عليها إن عتبت ولا مقيل # وكنا في الصفاء كماء مزن ... تشاب به معتقة شمول # وأعجل عن سؤال الركب صحبي ... وأكره أن يقال لهم أقيلوا # فقد أصبحت بعدك لا أبالي ... أسار الركب أم ms191 طال النزول # فمن يك بالقفول قرير عين ... فما أمسيت يعجبني القفول # كأنك لم تلاق الدهر يوما ... خليلا حين يفردك الخليل # فصبرا للحوادث كل حي ... سبيل الهالكين له سبيل # الباب الثالث والأربعون # طريق الصبر بعيد وكتمان الحب شديد # كان يقال سرك أسيرك فإذا تكلمت به صرت أسيره وأما إفشاء من يحب سره إلى ~~محبوبه فقد تقدم القول فيه بما في بعضه بلاغ وأما اطلاع سائر الناس على وجد ~~المحب بالمحبوب فهو خطأ من وجوه أولها تعرض المحبوب لما لا يحب من القالات ~~والتشنيعات ثم تعرض المحب نفسه للسعاية والارتقاب له وإنما يوصى بهذه ~~الوصية من أمر سره إليه فأما من قد أخرجت الحال زمام السر من يديه فلا ذنب ~~له ولا لوم عليه وأما أسرار المحبوب عند المحب مثل مواعيده له وزيارته إياه ~~ومساعدته له على ما يهواه وما يجري بينهما من المعاتبات بل من سرائر ~~المخاصمات فإن غالبات الوجد لا توجب إفشائه بل توجب صونه وإخفائه ولن يشيع ~~مثل ما وصفنا إلا ضعيف في الحال جدا فكتمان هذا أبين وجوبا من أن نزيد ~~القول فيه توكيدا وإفشاء المحبة وحدها إلى غير المحبوب فواجب على من أطاق ~~كتمها ألا يظهرها ومن عجز فخارج عن باب المنع والوجوب ومن ضاق صدره عن سره ~~فلم يلم غيره على نشره وإن كان في الحقيقة ملوما لأن للمرء أن يتطوع بإظهار ~~سره وعلى المستودع أن لا يظهر سر مستودعه. # ولبعض الأدباء في ذلك: # إذا ضاق صدر المرء عن سر نفسه ... فصدر الذي يستودع السر أضيق # ورب فتى يجفو كرائم ماله ... ويرعى سوام الأبعدين فيشفق # وقال يزيد بن الطثرية: # ومستخبر عنها ليعلم ما الذي ... لها في فؤادي غير أني أحاذره # وردت به عمياء منها ولم أكن ... إذا ما وشى واش بليلى أناظره # وقال آخر: # كريم يميت السر حتى كأنه ... إذا استخبروه عن حديثك جاهله # رعى سركم في مضمر القلب والحشا ... حفيظ عليكم لا تخاف غوائله # وأكتم نفسي بعض سري تكرما ... إذا ما أضاع السر في السر ms192 جاهله # ومستسقطي بالجد والهزل قد نبت ... على كل حال عن صفاتي معاوله # تسقطني عنكم فأخلفت ظنه ... وذو اللب قد يعيي الرجال تحاوله # فما رام حتى عاد شكا يقينه ... وأخلفه مني الذي كان يامله # وقال آخر: # قد جرر الناس أذيال الظنون بنا ... وفرق الناس فينا ظنهم فرقا # فجاهل ينتحي بالظن غيركم ... وصادق ليس يدري أنه صدقا # وقال بعض الأعراب: # وإني لأستحييك أن أطلق الهوى ... وأن لا تعدى خلسة اللحظات # سأطوي الهوى تحت الحشا طي نازح ... قضى وطرا إن لم تبح عبراتي # وأصبر للهجران حتى يملني ... وأدفع عنك السوء بالشبهات # وقال آخر: PageV01P119 وما وجد ملواح من الهيم خليت ... عن الماء حتى ~~جوفها متصلصل # تحوم وتغشاها العصي وحولها ... أقاطيع أنعام تعل وتنهل # بأكثر مني غلة وتعطفا ... إلى الورد إلا أنني أتجمل # وقال ابن الدمينة: # وكنا كريمي معشر حم بيننا ... تصاف فصناه بحسن صوان # سيبقى فلا يفنى ويخفى فلا يرى ... وما علموا من أمرنا ببيان # وقال ذو الرمة: # فما زلت أطوي النفس حتى كأنها ... بذي الرمث لم تخطر على قلب ذاكر # حياء وإشفاقا من الركب أن يروا ... دليلا على مستودعات السرائر # ولعمري إن هذه الحال لجميلة بين أهل الصفاء غير أنها من الأعداء أحسن ~~منها من الأولياء إذ ليس عجيبا أن يكتم الولي سر وليه كما يعجب من كتمان ~~العدو سر عدوه. # وقد قال بعض أهل هذا العصر في هذا النحو: # وإني وإن شاعت لديك سرائري ... فإن الذي استودعتني غير شائع # أبى الله لي إلا الوفاء لكل من ... رعى لي عهدي أو أضاع ودائعي # فكن آمنا من أن أذيع بسركم ... فما سر أعدائي لدي بذائع # وما أنا ممدوحا بحفظ وديعة ... أقل حقوق الناس حفظ الودائع # وقال آخر: # لعمرك ما استودعت سري وسرها ... سوانا حذارا أن تضيع السرائر # ولا خاطبتها مقلتاي بلحظة ... فتعرف نجوانا العيون النواظر # ولكن جعلت الوهم بيني وبينها ... رسولا فأدني ما تجن الضمائر # أصون الهوى بقيا عليه من العد ... ى مخافة أن يغرى بذكراه ذاكر # وقال آخر: # تواقف معشوقان من غير موعد ms193 ... وغيب عن نجواهما كل كاشح # وكلت جفون العين عن حمل مائها ... فما ملكت فيض الدموع السوافح # وإني لأطوي السر عن كل صاحب ... وإن كان للأسرار عدل الجوانح # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى لعمر بن أبي ربيعة: # جرى ناصح بالود بيني وبينها ... فقربني يوم الحصاب إلى قتلي # فلما تواقفنا عرفت الذي بها ... كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل # فسلمت فاستأنست خيفة أن يرى ... عدو مكاني أو يرى كاشح فعلي # فقالت وألقت جانب الستر إنما ... معي فتكلم غير ذي رقبة أهلي # فقلت لها ما بي لكم من ضراعة ... ولكن سري ليس يحمله مثلي # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر: # ألا حبذا حبي وأرض يحلها ... وثوب عليها في الثياب رقيق # وفي القلب من حبي الذي ما درى به ... عدو ولم يظهر عليه صديق # وقال آخر: # خشيت لساني أن يكون خؤونا ... فأودعته قلبي فكان أمينا # وقلت ليخفى دون عيني وناظري ... أيا حركاتي كن فيه سكونا # فما إن رأت عيني لعيني قطرة ... ولا سمعت أذني لفي أنينا # لقد أحسنت أحشاي تربية الهوى ... فها هو ذا كهلا وكان جنينا # ولم أر قلبا خاليا أودع الهوى ... فدان له حتى اصطفاه قرينا # وقال ابن ميادة: # وإني لما استودعت يا أم مالك ... على قدم من عهده لكتوم # وإني على الشوق الذي أنا داخل ... إذا باح أصحاب الهوى لضموم # وقال آخر: # وحب كأطباق البحار كتمته ... مع القلب لم يعلم به من ألاطف # وإني أكم السر حتى أرده ... سليم الصفا لم تمتهنه الزعانف # وأخفي من الوجد الذي ما لو انه ... يشيع لحر الموطنات الألايف ~~PageV01P120 وإن البيت الثالث من هذه الأبيات ليس من الكلام الذي لا يقع ~~مثله في الندرات ولئن كان صادقا فيما قال إنه من صون إلفه لعلى حال توجب له ~~غلبة الوفاء بعهده والرعاية لوده إن امرءا يثق من وجده بأن الإشاعة لذكره ~~تدعو المستوطن الآلف إلى مفارقة الوطنين وطن روحه ووطن جسمه ثم يترك ذلك ~~ويتجشم مضاضة الكتمان في قلبه على الإشارة بذكر إلفه بما عساه غير مؤد ms194 إلى ~~ضرره لشديد الإبقاء على إلفه ولمتمكن القدر على نفسه لأن من ملكه الشوق ~~ملكا صحيحا عجز لأن لا يكون سره تصريحا على أن صاحبنا قد عرض تعريضا مليحا ~~بذكره لموضع إقامة قلبه إذ هو بلا شك موضع إلفه وإني لأستطرف قول نبهان ~~العبشمي: # أما والله ثم الله حقا ... يمينا ثم أتبعها يمينا # لقد نزلت أمامة من فؤادي ... تلاعا ما أبحن ولا رعينا # أظل وما أبث الناس أمري ... ولا يخفى الذي بي فاعلمينا # أذود النفس عن ليلى وإني ... ليعصيني شواجر قد صدينا # يرين مشاربا ويذدن عنها ... ويكثرن الصدود وما روينا # فهو أعزه الله لم يرض بتسمية واحدة حتى سمى اثنتين سمى التي هو مقبل ~~عليها والتي هو يجب الانصراف عنها ثم لا يسكت مع ما جناه حتى يمتن بأنه ~~يكاتم هواه ليت شعري ما الذي بقي عليه أن يخبر به بعد وصفه لمحل من يهواه ~~من قلبه وإخباره في الشعر باسمه ولولا أن هذا باب لا يحتمل لمن ذكرت حاله ~~فيه ما يحتمل لمن ذكر في الباب الذي يليه لصفحنا عن هذا وأضعافه. # ولعمري لقد أحسن الذي يقول: # رماني بها قلبي فلم يخط مقتلي ... ولم يك من يرمي تصاب مقاتله # فإن مت فابكوني قتيلا بطرفها ... قتيل عدو حاضر ما يزايله # شكى وكنى عمن أحب ولم يبح ... بأكثر من هذا الذي هو قائله # وإن أحق الناس أن يكثر البكا ... عليه قتيل ليس يعرف قاتله # وأحسن مسلم بن الوليد في قوله: # عندي وعندك علم ما عندي ... من ضر ما أخفي وما أبدي # لا أشتكي ما بي إليك ولو ... نطقت به العبرات في خدي # وجدي عليك أراه يقنعني ... من وصف ما ألقى من الوجد # فإذا اصطبرت على السكوت فلم ... أنطق فمما بي من الوجد # وأحسن الذي يقول: # وإني لأغضي الطرف عنك تجملا ... وقلبي إلى أشياء عطشان جائع # فلا يسمعن سري وسرك ثالث ... ألا كل سر جاوز اثنين شائع # وأحسن سوار بن المضرب حيث يقول: # إني سأستر ما ذو العقل ساتره ... من حاجة وأميت ms195 السر كتمانا # وحاجة دون أخرى قد بدأت بها ... جعلتها للتي أخفيت عنوانا # إني كأني أرى من لا حياء له ... ولا أمانة وسط الناس عريانا # وقال كثير: # وقد زعمت أني تغيرت بعدها ... ومن ذا الذي يا عز لا يتغير # تغير جسمي والخليقة كالذي ... عهدت ولم يخبر بسرك مخبر # وقال ذو الرحل لقمان بن توبة القشيري: # خليلي سيرا فاسألا أم عاصم ... لنا عن بقيات العهود القدائم # ألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... بذكرك هداء على النأي هائم # وإني على الهجران يا أم عاصم ... أدوم على عهد الخليل المكارم # إذا السر عندي من خليل تضمنت ... به النفس لم يعلم به الدهر عالم # ترى بين أحناء الفؤاد وضمه ... إلى القلب أحناء الضلوع الكواتم # وقال الحسين بن الضحاك: # أيا من سروري به شقوة ... ومن صفو عيشي به أكدر # تجنيت تطلب لما مللت ... علي الذنوب ولا تقدر # وماذا يضرك من شهرتي ... إذا كان سرك لا يشهر # أمني تخاف انتشار الحديث ... وحظي في ستره أوفر # ولو لم يكن في بقيا عليك ... نظرت لروحي كما تنظر # وقال بشار بن برد: # كتمت عواذلي ما في فؤادي ... وقلت لهم ليتهم البعيد PageV01P121 ففاضت ~~عبرة أشفقت منها ... تسيل كأن وابلها الفريد # فقالت قد بكيت فقلت كلا ... وهل يبكي من الشوق الجليد # ولكني أصاب سواد عيني ... عويد قذى له طرف حديد # فقالوا ما لدمعتها سواء ... أكلتي مقلتيك أصاب عود # فقبل دموع عينك خبرتنا ... بما جمجمت زفرتك الصعود # وقال آخر: # شيعتهم فاسترابوني فقلت لهم ... إني بعثت مع الأجمال أحدوها # قالوا فما نفس يعلو كذا صعدا ... أم ما لعينك ما ترقا مآقيها # قلت التنفس للآداب نحوكم ... وماء عيني جار من قذى فيها # وأنشدتني ستيرة العصيبية: # ونادى بالترحل بعض صحبي ... فرحت ومقلتي غرقى بماها # فراحوا والشقي له ديون ... وأشيا من حوائج ما قضاها # فأرخيت العمامة دون صحبي ... على عيني وقلت جرى قذاها # وما لي حاجة إلا ببكر ... وما ذنبي على أحد سواها # فقالوا من ضراري كيف بكر ... وكيف تراك ترجو أن تراها # فقلت الله حم فراق ms196 بكر ... فأرجو أن يحم لنا لقاها # ولبعض أهل هذا العصر: # وكم ليلة قد بت أرقب صبحها ... وأنجمها في الجو ما تتزحزح # ويمناي فوق القلب تبرد حرة ... ويسراي تحت الخد والعين تسفح # فأصبحت مجهودا عميدا من الهوى ... وقد كاد قلبي بالصبابة يطفح # وما علم الواشون فضلا عن العدى ... بسر وما مثلي بسرك بفصح # فإن كان هذا القول عذرا قبلته ... وإن كان تعذيرا فمثلك يصفح # الباب الرابع والأربعون # من غلب صبره ظهر سره # ذكروا أن سكينة بنت الحسين ركبت في جواريها فمرت بعروة بن أذينة الليثي ~~وهو يغني فقالت لجواريها: من الشيخ؟ قالوا: عروة فعدلت نحوه ثم قالت: يا ~~أبا التمام أنت تزعم أنك لم تعشق قط وأنت تقول: # قالت وأبثثتها وجدي فبحت به ... قد كنت عندي تحت الستر فاستتر # ألست تبصر من حولي فقلت لها ... غطى هواك وما ألقى على بصري # كل من ترى حولي من جواري أحرار إن كان خرج هذا الكلام من قلب سليم قط. # وقال آخر: # وإن أخفي حب الحاجبي فطالما ... وإن أبده يوما فقد غلب الصبر # أقول وعيني تستهل بمائها ... أما لي في هذا وأمثاله أجر # وقال أبو ذؤيب الهذلي: # وعيرها الواشون أني أحبها ... وتلك شكاة ظاهر عنك عارها # فإن أعتذر منها فإني مكذب ... وإن تعتذر يردد عليها اعتذارها # وقال الضحاك بن عقيل: # يقولون مجنون بسمراء مولع ... ألا حبذا جن بها وولوع # وما زلت أخفي حب سمراء منهم ... وتعلم نفسي أنه سيشيع # ولا خير في حب يكون كأنه ... شغاف أجنته حشا وضلوع # وقال الحسين بن وهب: # قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي ... فبدا منه غير ما كنت أبدي # فخلعت العذار فليعلم الناس ... بأني إياك أصفي بودي # وأنشدني أحمد بن يحيى: # ولي كبد مقروحة من يبيعني ... بها كبدا ليست بذات قروح # أباها علي الناس لا يشترونها ... ومن يشتري ذا علة بصحيح # وقال معاذ ليلى: # وما زلت أعلو حب ليلى فلم يزل ... بي النقض والإبرام حتى علانيا # وأشهد عند الله أني أحبها ... فهذا لها عندي فما عندها ليا # قضى الله ms197 بالمعروف منها لغيرنا ... وبالشوق منها والتصابي قضى ليا # فلو كنت أعمى أخبط الأرض بالعصا ... أصم فنادتني أحببت المناديا # خليلي إلا تبكيا لي أستعن ... خليلا إذا أنفدت دمعي بكى ليا # وأنشدني أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لامرأة من خثعم: # وإن تسألوني من أحب فإنني ... أحب وبيت الله كعب بن طارق PageV01P122 أحب ~~الفتى الجعد السلولي والعصا ... من النبع هياها لضرب المفارق # وقال أبو العتاهية: # قال لي أحمد ولم يدر ما بي ... أتحب الغداة عتبة حقا # فتنفست ثم قلت نعم ح ... با جرى في العظام عرقا فعرقا # وقال آخر: # وقال نساء لسن لي بنواصح ... ليعلمن ما أخفي ويعلمن ما أبدي # أأحببت ليلى جهد حبك كله ... لعمر أبي ليلى وزدت على الجهد # على ذاك ما يمحو لي الذنب عندها ... وتمحو دواعي حبها ذنبها عندي # ولبعض أهل هذا العصر: # أرى كل مرتاب يخاف خياله ... كأن عيون العالمين تراقبه # يكاد لفرط الخوف يبدي ضميره ... لكل امرئ تخشى عليه عواقبه # علي بواد من يخاف اغتيابه ... تبت لديها في الأنام مناقبه # فإياكما يا صاحبي ومشهدا ... تنسيكما ما سر منه عواقبه # وإياكما والذنب ترتكبانه ... وإن كان في الأحيان يعذر راكبه # فما كل معذور حقيقا بعذره ... ولا كل معذول تعيب معايبه # وقال الحطيئة: # أكل الناس يكتم حب هند ... وما يخفى بذلك من خفي # وما لك غير نظار إليها ... كما نظر الفقير إلى الغني # وقال الأحوص: # لقد سلا كل صب أو قضى وطرا ... وما سلوت وما قضيت أوطاري # أضمرت ذاك زمانا ثم بحت به ... فزادني سقما بوحي وإضماري # أخفيت في العرف هذا النكر ذلكم ... فصرح الوجد عن عرفي وإنكاري # وهذا لعمري من حسن الكلام ونفيسه ألا ترى إلى إخباره عن اجتهاده في كتم ~~ما في قلبه حتى صرح الوجد به من غير قصد له ولا اختيار منه وهذه هي الحال ~~التامة من جهتين إحداهما أن يكون المحب مؤثرا الإسرار على الإعلان والأخرى ~~أن يكون الوجد تملكه ملكا يزول معه الكتمان فيكون ضابطا لنفسه مؤثرا لكتمان ~~سر ما دام ms198 التمييز معه إلى أن يغلبه من الوجد ما لا يستطيع أن يدفعه. # ولقد أحسن البحتري غاية الإحسان حيث يقول: # نصرت لها الشوق اللجوج بأدمع ... تلاحقن في أعقاب وصل تصرما # وتيمني أن الجوى غير مقصر ... وأن الحمى وصف لمن حل بالحمى # أؤلف نفسا قد أعيدت على الهوى ... شعاعا وقلبا في الغواني مقسما # لقد أخذ الركبان أمس وغادروا ... حديثين منا ظاهرا ومكتما # وما كان بادي الحب منا ومنكم ... ليخفى ولا سر التلاقي ليعلما # أفلا ترى إلى حسن قسمته لما خفي وما ظهر من سره فأعلمك أن ما به من غلبات ~~الوجد أخرجها الشوق عن يده فظهرت لمن بحضرته وأن ما استودعه من السرائر ~~التي كانت بينه وبين إلفه لم يكن ليطلع عليها غيره وهذا هو الذي أطريناه ~~ومدحنا من فعله في الباب الماضي من وجوب ظهور الحال وحدها واستخفاء ما ~~بعدها والعلة في ذلك أن مكتوم الحب يظهره الدمع ومكنون ما جرى من المحبين ~~لا يظهره غير النطق والناس قادرون على حبس ألسنتهم وعاجزون عن حبس دمعهم ~~سيما إذا ملكهم اشتياق أو جد بهم فراق. # ولقد أحسن الذي يقول: # يا حسرتا قد فقد العمر ... وليس لي عن مالكي صبر # وكم أداري الناس عن قصتي ... وليس لي عن مالكي سر # يا رب قد عذبتني بالهوى ... طفلا وكهلا فلك الشكر # وقال جرير: # وما زال عني قائد الشوق والهوى ... وذكرك حتى كاد يبدو ويفصح # أصون الهوى من خشية أن تعرها ... عيون وأعداء من القوم كشح # فما برح الوجد الذي قد تلبست ... به النفس حتى كاد لي الشوق يذبح # وقال العرجي: # إذا رمت كتمانا لوجدك حرشت ... عليك العدى عين بسرك تنطق # لها شاهد من دمعها كلما وفى ... جرى شاهد من دمعها يترقرق # وقال يزيد بن الطثرية: PageV01P123 جرى واكف العينين بالديمة السكب ... ~~وراجعني من ذكر ما قد مضى حبي # وأبدى الهوى ما كنت أخفي من العدى ... وجن لتذكار الصبى مرة قلبي # متى يرسل المشفي إن الناس محلوا ... عيونا لأكناف المدينة فالهضب # أمت كمدا أو أضن حتى يغيثني ms199 ... مغيث بسيب من نداهن أو قرب # حنا الحائم الصادي إليها وخليت ... قلوب فما يقدرون منها على شرب # جعلن الهوى داء علينا وما لنا ... إليهن إذا أوردننا الداء من ذنب # وقال آخر: # ولما رأى ألا سبيل وأنه ... هو البين مقصورا عليه الأضالع # تهتك عن أسرار قلب وأسجمت ... مدامع عين بينها السر ضائع # وقال العباس بن الأحنف: # أمسى بكاك على هواك دليلا ... فازجر دموعك عن أن تفيض همولا # دار الجليس عن الدموع فإن بدت ... فانظر إلى أفق السماء طويلا # وقال آخر: # بين الجوانح منك قلب خافق ... ولسان دمعك عن ضميرك ناطق # إجهر بحبك طالما أسررته ... وإذا استتر الحب مات العاشق # وقال آخر: # لولا تحدر دمعي حين تذكر لي ... لم يعلم الناس من سري بمكتوم # فما احتيالي بعين غير راقية ... تبكي بدمعين مذروف ومسجوم # نمت علي فأبدت ما استترت به ... وقد يكون ستيرا غير مذموم # وقال أبو حفص الشطرنجي: # وقالت بحت بالأسرار عني ... وما هذا بفعل أخي الكريمة # فقلت لها فدتك النفس نمت ... بما لاقيت مقلتي المشومة # فألقت نفسها ضحكا وقالت ... قد ارتفع الحديث عن النميمة # ولقد أحسن ابن قنبر حيث يقول: # خذيني بما يجني لساني واصفحي ... لنا عن جنايات الدموع البوارد # فقد شهرتني مرة بعد مرة ... فأبدت برغمي خافيات سرائري # ولو أن عيني طاوعتني لاختفى ... علي الهوى أخرى الليالي الغوابر # ولكنها تبدي إذا ما ذكرتكم ... بفيض مآقيها خبايا الضمائر # وقال أحمد بن أبي قين: # ولما أبت عيناي أن تسترا الهوى ... وأن تقفا فيض الدموع السواكب # تثاءبت كيلا ينكر الدمع منكر ... ولكن قليل ما بقاء التثاؤب # أعرضتماني للندي ونمتما ... علي لبئس الصاحبان لصاحب # وقال النابغة: # طوى كشحا خليلك والجناحا ... لبين منك يوم غدا وراحا # فيا لك حاجة في صدر صب ... رأى الأظعان باكرة فباحا # وقال البحتري: # يا أخا الأزد ما حفظت الإخاء ... لمحب وما ذكرت الوفاء # عذلا يترك الحنين أنينا ... في هوى يترك الدموع دماء # كيف أغدو من الصبابة خلوا ... بعدما راحت الديار خلاء # حجبوها حتى بدت لفراق ... كان داء لعاشق ودواء # أضحك ms200 البين يوم ذاك وأبكى ... كل ذي صبوة وسر وساء # فجعلنا الوداع فيه سلاما ... وجعلنا الفراق فيه لقاء # ووشت بي إلى الوشاة دموع ال ... عين حتى حسبتها أعداء # قد كثر الناس في شكاية الدمع وخبروا بأنه من أشد الأشياء دلالة على ~~السرور بما امتنع بضروب من الصنائع إما لفرط جفاف في الدماغ يحتمل ما ورد ~~عليه من البخارات فلا ينحدر عنه حتى يكثر كثرة غالبة وربما امتنع لشدة ~~الكمد حسب ما ذكرناه بديا وللهوى دلالات تتبين في الزفرات واللون والنظر ~~والإرشادات لا تكاد تفتقد وجدها ومفتقدها أيضا يراها وإن لم يعرف لها شبيها ~~عند تلاقي المتحابين. # أنشدنا أحمد بن أبي طاهر: # تكلم عما في الصدور عيوننا ... وتفقه عنا أعين وحواجب # فمن قال إن الحب يخفى لذي الهوى ... إذا ما رأى أحبابه فهو كاذب # ولبعض أهل هذا العصر: PageV01P124 لا خير في عاشق يخفي صبابته ... بالقول ~~والشوق من زفراته بادي # يخفي هواه وما يخفى على أحد ... حتى على العيس والركبان والحادي # وقال مسلم بن الوليد: # أما الجميع فزايلوك لنية ... فمتى تراهم راجعين قفولا # تالله ما علم السرور ولا الكرى ... أن الفراق من اللقاء أديلا # فإذا زجرت القلب عاد وجيبه ... وإذا حبست الدمع فاض همولا # وإذا رجعت إلى الهوى بعث الهوى ... نفسا يكون على الضمير دليلا # ولبعض أهل هذا العصر: # هبوني أخفيت الذي بي من الهوى ... ألم يك عن ما بي ضمير مترجما # وما زلت أستحيي من الناس أن أرى ... ظلوما لإلفي أو أرى متظلما # وبالله ما حلت الغداة عن الذي ... عهدت ولكن كنت إذ ذاك منعما # وقد ذاب قلبي اليوم شوقا وصبوة ... إليك وما ترثي لقلبي منهما # فلا تتعجب إن تظلمت محوجا ... فقد حان للمظلوم أن يتظلما # وقال آخر: # لو كنت أظهر ما أكاتمكم به ... هل كنت إلا مخبرا بودادي # أفليس في نظري تأمل بائن ... ينبيك عما في ضمير فؤادي # فهذه الجهات كلها تنم الهوى على أهله وتدل مشاهدتها على موضعه وربما كان ~~إفراط التحفظ دالا على هوى التحفظ لأن التصنع الشديد يخرج ms201 عند العادة فيوقع ~~التهمة بمن استعمله لقد سمعت فتى من أهل الأدب يقول لآخر من أهل الهوى وقد ~~أفرط في احتشامه وحاذر أن يطلع على شيء من حاله قد والله بلغ مني ما أراه ~~بك على أنه ما يظهر لي من حالك إلا كتمانك لأمرك. # ولبعض أهل هذا العصر في نحو ذلك: # أريتني النجم يجري بالنهار فلا ... فرقا أرى بين إصباحي وإمسائي # أخفيت حبك حتى قد ضنيت به ... فصار يظهر ما أخفيه إخفائي # الباب الخامس والأربعون # من لم يقع له الهوى باكتساب لم ينزجر بالعتاب # العلة في ذلك أن المعاتبة إنما هي توقيف على مواضع المصلحة وتبين لما في ~~الحال التي بقي عليها المعاتب من المنقصة فمن كان أصل هواه اختيارا لنفسه ~~فتبين موضع النقص في اختياره رجع إلى قول عذاله ومن وقع هواه مضطرا بغلبة ~~إلى الانقياد لإلفه لم يعلق العذل بسمعه لأن العذل يأتيه من غير جهته ~~والشيء لا يوجب زواله إلا ضد ما أوجب ثباته فكما أن الهوى الاختياري يضاده ~~التوقيف على مواضع الحال فيوجب على صاحبه أن يختار إزالته فكذلك الهوى ~~الاضطراري لا يزايله إلا اضطرار يضاده والهوى الاختياري أيضا على ضعفه لا ~~تمحوه ضروريته ولا تعارض في تركه لأنها تجيء من غير جهته وهو لا يزول إلا ~~بزوال الجهة التي أوجبته إذ محال أن يكون شيء علة لشيء فيزول المعلول ~~والعلة قائمة. # ولقد أحسن عمر بن ضبيعة الرقاشي حيث يقول: # قضى الله حب المالكية فاصطبر ... عليه فقد تجري الأمور على قدر # ألا فليقل من شاء ما شاء إنما ... يلام الفتى فيما استطاع من الأمر # وللبحتري في نحو ذلك: # للحب عهد في فؤادي لم يخن ... منه السلو وذمة لم تخفر # لا أبتغي بدلا بسلمى خلة ... فلتقترب بالوصل أو فلتهجر # وقال يحيى بن منصور: # يلومك فيها اللائمون كأنني ... لأمر الوشاة مستقيد مسلم # وإني أرى العين التي لا تنيمها ... إذا جعلت عين الوشاة تنوم # فها أنا متروك وبثي فإنه ... شتيت به أهواؤه متقسم # ولقد أحسن أبو تمام حيث ms202 يقول: # ألم ترني خليت عيني وشانها ... ولم أحفل الدنيا ولا حدثانها # لقد خوفتني النائبات صروفها ... ولو آمنتني ما قبلت أمانها # عنان من اللذات قد كان في يدي ... فلما مضى الإلف استردت عنانها # يقولون هل يبكي الفتى لخريدة ... متى ما أراد اعتاض عشرا مكانها ~~PageV01P125 وهل يستعيض المرء من خمس كفه ... ولو صاغ من حر اللجين بنانها # وأنشدني أحمد بن يحيى: # لا تلحيا في حب ظبية هائما ... أمسى بظبية هائما مشغولا # هيمان يعطش بالفرات لحبها ... ويزيده برد الشباب غليلا # وقال آخر: # فكاد يعتبني في غير فاحشة ... بعض اتباع الهوى والمشرب الألف # يا أيها العاذل الراجي لأعتبه ... ماذا تراك من التلوام تعترف # أفي الصبى لمتني أنت الفداء له ... وهل عصى لك من لذاته خلف # إذا ذممت الصبى يوما فلا ترني ... ممن يطيعك أو يرضى بما تصف # إن القلوب إذا نياتها اختلفت ... فلا تكاد على الأضغان تأتلف # وأنشدني أحمد بن يحيى: # وقد علمت سمراء أن حديثها ... فجيع كما ماء السماء فجيع # إذا أمرتك العاذلات بصرمها ... هفت كبد مما يقلن صديع # وزادني غيره: # وكيف أطيع العاذلات وحبها ... يورقني والعاذلات هجوع # وقال أبو صخر الهذلي: # أرقت ونام عني من يلوم ... ولكن لم تنم عني الهموم # كأني من تذكرها ألاقي ... أذى ما أظلم الليل البهيم # سليم مل منه أقربوه ... وعطله المداوي والحميم # يلومك في مودتها رجال ... لو انهم بدائك لم يلوموا # قلوبهم وأنفسهم صحاح ... وقلبك من تذكرها سقيم # فأنت وإن لحاك الناس فيها ... جميع الناس تعصي أو تلوم # وقال الضحاك بن عقيل الخفاجي: # لقد لامني فيها رجال وقد أرى ... مكان نساء قد ملئن لها حقدا # يخبروني أني سفيه فزادني ... مقالة من قد قال لي ولها وجدا # على حبها فازددت ضعفا ولم أكن ... أرى قبل عندي غير ما استسلفت ودا # وهذا لعمري من أحسن الكلام وجيده وإن كان في البيت الأخير غلط يسير لأنه ~~زعم أن من ملامهم فيها زاده ضعفا من محبتها والعذل لا يزيد المحبة ولا ~~ينقصها ولكن النفس إذا اشتد ضنها فغري العذل بمسامعها عارضها ms203 ضرب من ~~الإشفاق على حال من عوتبت في محبته وخشيت أن يكون العذل مزيلا له عن مرتبته ~~وكان تحريك خاطرة الضن بذلك زائدة في القلق ومهيجة للفكر فيتوهم صاحبها أن ~~محبته قد تزايدت وما تزايدت ولا تناقصت وهذا الغلط لم يجر على صاحب هذه ~~الأبيات وحده بل قد جرى على من قبله وبعده. # وقال معاذ ليلى في نحو ذلك: # يقر بعيني قربها ويزيدني ... بها عجبا من كان عندي يعيبها # وكم قائل قد قال تب فعصيته ... وتلك لعمري توبة لا أتوبها # فيا نفس صبرا لست والله فاعلمي ... بأول نفس غاب عنها حبيبها # وقال عمر بن يحيى الطائي: # قال العواذل لي أينقص حبها ... لا بل على رغم الوشاة يزيد # تأبى قرابة بيننا ومودة ... ولها علي مواثق وعهود # طوين في حجج مضين سوالف ... حذار الوشاة فنقضهن شديد # وإذا تعرض زاجر عن حبها ... قلنا عليك صفائح ولحود # وقالت وجيهة بنت أوس: # وعاذلة تغدو علي تلومني ... على الشوق لم تمح الصبابة من قلبي # فما لي إن أحببت أرض عشيرتي ... وأحببت طرفاء القصيبة من ذنب # وقال مالك بن حارث الهذلي: # يقول العاذلات أكل يوم ... لسربة مالك عنق شناح # وقد خرجت نفوسهم فماتوا ... على إخوانهم وهم صحاح # ولست مقصرا ما ساف مالي ... ولو عرضت للبتي الرماح # فلوموا ما بدا لكم فإني ... سأعتبكم إذا انفسخ المراح # وقال جرير: # إذا ما نمت هان عليك ليلي ... وليل الطارقات من الهموم # إذا ما لمتني وعذرت نفسي ... فلومي ما بدا لك أن تلومي # وقال القعقاع: PageV01P126 خليلي مرا بي قليلا لتؤجرا ... وأن تكسبا خيرا ~~من الحمد والأجر # فقالا اتق الله العلي فإنما ... تصليك أسباب الهوى لهب الجمر # فقلت أطيعاني فليس عليكما ... حسابي إذا لاقيت ربي ولا وزري # علي الذي أجني وليس عليكما ... وربي أولى بالتجوز والغفر # أتحرقني يا رب إن عجت عوجة ... على رخصة الأطراف طيبة النشر # أما العذل الذي يقع ابتداء فليس على النفس منه من المؤونة كما عليها من ~~عذل من أملت عنده من المعونة ولقد كسب هذا البائس على نفسه ms204 تعبا كاسرا ~~لمنقلبه ومسقطا لهمته باستدعائه المساعدة من ذكر قصته ومن هذا وأشباهه ~~كرهنا للمحب الاطلاع على أسراره ولكن متى غلب على أمره لم يلم على إفشاء ~~سره. # ولقد أحسن أبو تمام الطائي حيث يقول: # فحواك عين على نجواك يا مذل ... حتام لا يتقضى قولك الخطل # وإن أسمج من تشكو إليه هوى ... من كان أحسن شيء عنده العذل # وقال يزيد بن الطثرية: # تذكرت ذات الخال من فرط حبها ... ضحى والقلاص اليعملات بنا تخدي # فما ملكت عيناي حين ذكرتها ... دموعهما حتى انحدرن على خدي # فأنبني صحبي وقالوا أمن هوى ... بكيت ولو كانوا هم وجدوا وجدي # وقالوا لقد كنا نعدك مرة ... جليدا وما هذا بفعل فتى جلد # ألا لا تلوموني فلست وإن نأت ... بمنصرم عنها هواي ولا ودي # ألم تعلما أن الرعابيب لم تزل ... مفاتين قبلي للكهول وللمرد # فإن أغولا تكتب عليكم غوايتي ... أجل لا وإن أرشد فليس لكم رشدي # وإن لذات الخال يا صلح زلفة ... ومنزلة ما نالها أحد غيري # وقال أيضا: # ألا يا خليلي الذين تواصيا ... بي اللوم إلا أن أطيع وأسمعا # قفا فانظرا لا بد من رجع نظرة ... يمانية شتى بها القوم أو معا # لمغتصب قد عزه القوم أمره ... يكف حياء عبرة أن تطلعا # فإن كنتم ترجون أن تصرفوا الهوى ... بيهما ويروى في السراب فينقعا # فردوا هبوب الريح أو غيروا الهوى ... إذا حل ألواذ الحشا فتمنعا # وقال ذو الرمة: # أعاذل قد أكثرت من قيل قائل ... وعيب على ذي اللب لوم العواذل # أعاذل قد جربت في الدهر ما كفى ... ونظرت في أعقاب حق وباطل # فما الدهر من خرقاء إلا كما أرى ... حنين وتذارف الدموع الهواطل # وقال عدي بن زيد: # وعاذلة هبت بليل تلومني ... فلما غلت في اللوم قلت لها اقصري # أعاذل قد أطنبت غير مصيبة ... فإن كنت في غي فنفسك فارشدي # أعاذل إن الجهل من لذة الفتى ... وإن المنايا للرجال بمرصد # كفى حزنا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي # وأنشدني أحمد بن يحيى لجميل بن معمر: # يقولون مهلا يا ms205 جميل وإنني ... لأقسم ما بي عن بثينة من مهل # أحلما فقبل اليوم كان أوانه ... أم اخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل # وقال آخر: # تقول العاذلات تعز عنها ... وداو غليل قلبك بالسلو # وكيف ونظرة منها اختلاسا ... ألذ من الشماتة بالعدو # وقال الطائي: # أذكت عليك شهاب نار في الحشا ... بالعذل وهنا أخت آل شهاب # عذلا شبيها بالجنون كأنما ... قرأت به الورهاء نصف كتاب # وقال البحتري: # طفقت تلوم ولات حين ملامه ... لا عند كرته ولا إحجامه # لم يرو من ماء الشباب ولا انجلت ... ذهبية الصبوات عن أيامه # وقال آخر: # من أجلك ظل العائدات يلمنني ... ويزعمن أني في طلابك عاني PageV01P127 ~~ويرفدنني نصحا زعمن وإنه ... لفي حرج من لامني ونهاني # وقال آخر: # أتراني تاركا بالله ... ما أقوى لما أهوى # أنا أشهد أن الحب ... من قلبي إذن دعوى # وذكروا أن العتبي حبس ابنا له في بيت لما ظهر على أنه عاشق ليكون الحبس ~~رادعا له ففتح الباب عنه بعد مدة فوجده قد كتب على الحائط: # أتظن ويحك أنني أبلى ... وأطيع في الهوى عقلا # ومد الحرف الأخير مع استدارة حائط البيت أجمع فلما نظر أبوه إلى ذلك يئس ~~منه فخلى سبيله. # وقال آخر: # يلومك فيها اللائمون نصاحة ... فليت الهوى باللائمين مكانيا # لو ان الهوى عن حب ليلى أطاعني ... أطعت ولكن الهوى قد عصانيا # وهذا الكلام لا يكون إلا عن حال ضعيفة أو بعقب ضجرة شديدة لأن صاحبه لم ~~يرض بالتبرم من هواه حتى ضم إلى ذلك تمني انصراف الحال إلى سواه وأحسن من ~~هذا قولا وأجمل منه فعلا الذي يقول: # تشكى المحبون الصبابة ليتني ... تحملت ما يلقون من بينهم وحدي # وكانت لنفسي لذة الحب كلها ... فلم يلقها قبلي محب ولا بعدي # وأحسن مجنون بني عامر حيث يقول: # وقالوا لو تشاء سلوت عنها ... فقلت لهم فإني لا أشاء # لها حب تمكن من فؤادي ... فليس له وإن زجر انتهاء # وقال آخر: # يقولون لي اصبر وائتجر قلت طالما ... صبرت ولكن لا أرى الصبر ينفع # فيا ليت أجري كان قسم بينهم ... ومن ms206 دوني الصمان فالخبت أجمع # ولبعض أهل هذا العصر: # يعاتبني أناس في التصابي ... بألباب وأفئدة صحاح # إذا اختلط الظلام وهم سكارى ... بكاسات الرقاد إلى الصباح # ولي سكر يجنبني رقادي ... فما أدري الغدو من الرواح # أما لي في بلاد الله باب ... يؤديني إلى سبل النجاح # بلى في الأرض متسع عريض ... ولكن قد منعت من البراح # وما يغني العقاب عيان صيد ... إذا كان العقاب بلا جناح # الباب السادس والأربعون # من قدم هواه قوي أساه # من كان أول ما وقع به من أسباب المحبة استحسانا ثم ينمي على الترتيب الذي ~~وصفناه حالا فحالا حتى ينتهي إلى بعض الأحوال الصعاب التي ذكرناها كان ~~زوالها إن زال بطيئا ومن عشق بأول النظر سلا مع أول الظفر فإن لم يظفر بمن ~~يهواه سلا إذا تعذر عليه ما يتمناه فإذا وقع الهوى بأول نظر ثم ارتقى صاحبه ~~ارتقاء بغير ترتيب حتى صار مدلها بمن يهواه قبل أن تطول معاشرته كان بقاء ~~ذلك الهوى يسيرا وهكذا كل شيء في العالم إن اعتبرته وجدت ما ارتقى إلى هذه ~~الغاية القصوى بغير ترتيب انحط انحطاطا طويلا ولعمري لقد أحسن الذي يقول: # وما كان حبيها لأول نظرة ... ولا غمرة من صبوة فتجلت # ولكنها الدنيا تولت فما الذي ... يعزي عن الدنيا إذا ما تولت # وقال الحسين بن وهب في هذا المعنى فأحسن: # أرى كل يوم لوعة أستجدها ... ونفسا يعنيها هواها وجهدها # وصبوة قلب كان هولا بديها ... فعادت على الأيام قد جد جدها # وقال آخر: # شوقي إليك على الأيام يزداد ... والقلب بعدك للأحزان منقاد # يا لهف نفسي على إلف فجعت به ... كأن أيامه في الحسن أعياد # وقال آخر: # وإني وإياها لكالخمر والغنى ... متى تستطع منها الزيادة تزدد # إذا ازددت منها زدت وجدا بقربها ... فكيف احتراسي من هوى متجدد # وقال كثير: # يلومك في ليلى وعقلك عندها ... رجال ولم تذهب لهم بعقول # وما زلت من ليلى لدن طر شاربي ... إلى اليوم كالملقى بكل سبيل # وقال بعض الأعراب: # سقى الله من حبي له كل ليلة ... ويوم على ms207 مر السنين يزيد PageV01P128 جرى ~~حبها والدهر في طلقيهما ... فضعضع ركن الدهر وهو جليد # وقال أبو تمام: # هوى كان خلسا إن من أبرد الهوى ... هوى جلت في أفنائه وهو خامل # ولن تنظم العقد الكعاب لزينة ... كما انتظم الشمل الشتيت الشمائل # وقد تألف العين الدجى وهو قيدها ... ويرجى شفاء السم والسم قاتل # وقال مجنون بني عامر: # فلو كان حبي آل ليلى كحادث ... إلى وقت يوم قد تقضت همومها # ولكن حبي آل ليلى فدائم ... وأقتل أدواء الرجال قديمها # وقال كثير: # تعلق ناشئا من حب سلمى ... هوى سكن الفؤاد فما يزول # فلم تذهل مودتها غلاما ... وقد ينسى ويطرف الملول # وأدركك المشيب على هواها ... فلا شيب نهاك ولا ذهول # وقال جميل: # علقت الهوى منها وليدا فلم يزل ... إلى اليوم ينمي حبها ويزيد # وأفنيت عمري بانتظاري نوالها ... وأبليت فيها الدهر وهو جديد # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بوادي القرى إني إذن لسعيد # لكل حديث عندهن بشاشة ... وكل قتيل بينهن شهيد # وقال آخر: # لي حبيب ينعى إلي رجائي ... كلما خلت قلبه لي يلين # للمنى عند ذكره في ضميري ... حركات كأنهن سكون # انتظاري له على حادث الده ... ر قديم إن انظرتني المنون # يا هوان الدنيا علي إذا ما ... كنت فيها ممن عليك يهون # وقال آخر: # وقفت لليلى بعد عشرين حجة ... بمنزلة فانهلت العين تدمع # وأمرض قلبي حبها وطلابها ... فيا لعدي دعوة كيف أصنع # وأتبع ليلى حيث سارت وخيمت ... وما الناس إلا آلف ومودع # كأن زماما في الفؤاد معلق ... تقود به حيث استمرت وأتبع # وقال مجنون بني عامر: # تمر الليالي والشهور ولا أرى ... ولوعي بها يزداد إلا تماديا # قضاها لغيري وابتلاني بحبها ... فهلا بشيء غير ليلى ابتلانيا # وقال مسلم بن الوليد: # أعاود ما قدمته من رجائها ... إذا عاودت بالناس فيها المطامع # وما زينتها العين لي عن لجاجة ... ولكن جرى فيها الهوى وهو طائع # وقال البحتري: # تجنبت ليلى أن يلج بك الهوى ... وهيهات كان الحب قبل التجنب # فلو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض منكب # لظل ms208 صدى رمسي وإن كنت رمة ... لصوت صدى ليلى يهش ويطرب # ألا إنما غادرت يا أم مالك ... صدى أينما تذهب الريح يذهب # لقد عشت من ليلى زمانا أحبها ... أخا الموت إذ بعض المحبين يكذب # وقال آخر: # فلو كنت أدري أنما كان كائن ... وأن جديد الوصل قد جد غابره # تعزيت قبل اليوم حتى يكون لي ... صريمة أمر تستمر مرائره # وقال عروة بن حزام: # ألفنا الهوى واستحكم الحب بيننا ... وليدين ما مرت لنا سنتان # فذقنا رخاء العيش عشرين حجة ... أليفين ما نرتاع للحدثان # جعلت لعراف اليمامة حكمه ... وعراف حجر إن هما شفياني # فما تركا من حيلة يعلمانها ... ولا رقية إلا بها رقياني # فقالا شفاك الله والله ما لنا ... بما حملت منك الضلوع يدان # وقال أيضا # وآخر عهد لي بعفراء أنها ... تريك بنانا كفهن خضيب # عشية لا عفراء منك بعيدة ... فتسلى ولا عفراء منك قريب # وقال آخر: # عشية لا خلفي مقر ولا الهوى ... أمامي ولا وجدي كوجد غريب # وكل محب قد سلا غير أنني ... غريب الهوى يا ويح كل غريب # وقال ابن هرمة: # أرى الدهر ينسيني أحاديث جمة ... أتت من صديق أو عدو يشيعها PageV01P129 ~~ولم ينسنيها الدهر إلا وذكرها ... بحيث تحنت دون نفسي ضلوعها # وإن لم يكن منها لنا غير ذكرة ... وقول لعل الدهر يوما يريعها # فقد أحرزت مني فؤادا متيما ... وعينا عليها لا تجف دموعها # أتنسين أيامي وأيامك التي ... إذا ذكرتها النفس كادت تذيعها # وقال آخر: # أحبك أصنافا من الحب لم أجد ... لها مثلا في سائر الناس يعرف # فمنهن حب للمحب ورحمة ... لمعرفتي منه بما يتكلف # ومنهن أن لا يخطر الدهر ذكركم ... على القلب إلا كادت النفس تتلف # وحب بدا بالجسم واللون ظاهر ... وحب الذي نفسي من الروح ألطف # وحب هو الداء العياء بعينه ... له ذكر تعدو علي فأدنف # فلا أنا منه مستريح فميت ... ولا هو على ما قد حييت مخفف # وقال هدبة بن خشرم: # تذكر حبا كان في ميعة الصبى ... ووجدا بها بعد المشيب معقبا # إذا كاد ينساها الفؤاد ذكرتها ... فيا لك ms209 قد عنى الفؤاد وعذبا # ضنى من هواها مستكنا كأنه ... خليع قداح لم يجد متنشبا # بعينيك زال الحي منها لنية ... قذوف تشوق الآلف المتطربا # وقد طالما علقت ليلى معمدا ... وليدا إلى أن صار رأسك أشيبا # رأيتك من ليلى كذي الداء لم يجد ... طبيبا يداوي ما به فتطببا # فلما اشتفى مما به عل طبه ... على نفسه من طول ما كان جربا # وأنشدنا أحمد بن يحيى لذي الرمة: # أيا مي إن الحب حبان منهما ... قديم وحب حين شبت شبائبه # إذا اجتمعا قال القديم غلبته ... وقال الذي من بعده أنا غالبه # وأخبرنا أبو العباس علي ابن الأعرابي أن مية قالت اللهم لا تقض بينهما. # وقال بشار: # بكيت من الداء داء الهوى ... إليها وأن ليس لي مسعد # وقد وعدت صفدا في غد ... وقد وعدت ثم لا تصفد # وإني على طول إخلافها ... لأرجو الوفاء ولا أحقد # إذا أخلف اليوم ظني بها ... يكون لنا في غد موعد # صبرت على طول أيامها ... حفاظا وصبر الفتى أعود # وما ضر يوم بداء الهوى ... محبا إذا ما شفاه الغد # سوى شوق عيني إلى وجهها ... وإني إذا فارقت أكمد # فهؤلاء البائسون قد صيروا على أحبتهم إما طائعين وإما كارهين فإن كانوا ~~طائعين فهو أحمد ممن يتلاعب وينتقل في كل ساعة عن إلفه إلى سواه وإن كانوا ~~كارهين فإن السبب الذي اضطرهم إلى المقام على ما يؤلمهم ويمنعهم عن ~~الانتقال إلى ما يختارونه لو لم يكن سببا أملك بهم منهم ما عليهم فهم على ~~كل الجهات أتم في الحال ممن جعل هواه ضربا من الإشغال ينفرد له إذا نشط ~~ويتركه إذا كسل كالذين قدمنا وصفهم في صدر هذا الكتاب من أنهم لم يرتقوا في ~~المحبة على من انتهى بل صعدوا بأول نظرة إلى ذروتها فكما كان ارتقاؤهم ~~سريعا كان انحطاطهم قريبا. # فمنهم الوليد بن عبيد الطائي حيث يقول: # نظرة ردت الهوى الشرق غربا ... وأمالت نهج الدموع الجواري # ما ظننت الأهواء قبلك تمحى ... من صدور العشاق محو الديار # كان يحلو هذا الهوى فأراه ... عاد ms210 مرا والسكر قبل الخمار # وإذا ما تنكرت لي بلاد ... أو خليل فإنني بالخيار # وله أيضا: # أتى دونها نأي البلاد ونصنا ... سواهم خيل كالأعنة ضمر # ولما خطونا دجلة انصرم الهوى ... فلم تبق إلا لفتة المتذكر # وخاطر شوق ما يزال يهيجنا ... لبادين من أهل الشآم وحضر # ولأبي نواس في نحو ذلك: # ألا قل لأخلائي ... ومن همت بهم وجدا # ومن كانوا موالي ... ومن كنت لهم عبدا # شربنا ماء بغداد ... فأنساكم جدا PageV01P130 فلا ترعوا لنا عهدا ... فما ~~نرعى لكم عهدا # وأنشدنا أحمد بن أبي طاهر لإبراهيم بن العباس في نحو ذلك: # بقلبي عن هوى البيض انصراف ... ويعجبني من السمر انعطاف # فإن أنصفن في ودي وإلا ... فليس علي من قلبي خلاف # وقال جرير: # هوى بتهامة وهوى بنجد ... فقتلني التهائم والنجود # أخالد قد هويتك بعد هند ... فشيبني الخوالد والهنود # والأصل البين في ذلك قول عمر بن أبي ربيعة: # لقد جلبتك العين أول نظرة ... وأعطيت مني يا ابن عم قبولا # فأصبحت هما للفؤاد وحسرة ... وظلا من الدنيا علي ظليلا # ولغيره في مثله: # يا راميا ليس يدري ما الذي فعلا ... إحبس عليك فإن السم قد قتلا # أصبت أسود قلبي إذ رميت فلا ... شلت يمينك لم صيرتني مثلا # فأخلق بمن يسقمه أول داء أن يشفيه أول دواء # الباب السابع والأربعون # من شابت ذوائبه جفاه حبائبه # بلغني عن بعض الأكاسرة أنه قال كنت أظن أني إذا شبت زهدت في النساء فلم ~~أزل مغموما بذلك ولم أدر أني إذا شبت كنت أنا فيهن اشد زهدا ولعمري إن من ~~قرب من آخر عمره لجدير أن يصرف همته إلى ما يعيد عليه نفعا في آخرته ~~ويتشاغل بأحكام الدار التي يصير إليها عن أسباب الدار التي ينتقل عنها فإن ~~لم يقع ذلك له اختيارا وقع أكثره به اضطرارا. # أنشدنا أحمد بن يحيى النحوي: # قعد الشيب بي عن اللذات ... ورماني بجفوة الفتيات # فإذا رمت ستره بخضاب ... فضحته طلائع الناصلات # ما رأيت الخضاب إلا سرابا ... غرني لمعه بأرض فلاة # فإذا ما دعا إلى الكأس داع ... قلت ms211 ما للكبير والنشوات # لست بعد المشيب ألتذ بالعي ... ش فدعني وغصة العبرات # إن فقد الشباب أنزلني بع ... دك دار الهموم والحسرات # ورماني بحادث الشيب دهر ... قارعتني أيامه عن حياتي # وقال آخر: # في كل يوم أرى بيضاء قد طلعت ... كأنها أنبتت في ناظر البصر # لئن حجبتك بالمقراض عن بصري ... لما حجبتك عن همي وعن فكري # وأنشدني البحتري لنفسه: # ثنت طرفها دون المشيب ومن يشب ... فكل الغواني عنه مثنية الطرف # وجن الهوى فيها عشية أعرضت ... بناظرتي ريم وسالفتي خشف # وأفلج براق يروح رضابه ... حراما على التقبيل بسلا على الرشف # وقال علي بن العباس الرومي: # هي الأعين النجل التي أنت تشتكي ... مواقعها في القلب والرأس أسود # فما لك تأسى الآن لما رأيتها ... وقد جعلت مرمى سواك تعمد # كذلك تلك النبل من قصدت له ... ومن نكبت عنه من القوم مقصد # وعزاك عن ليل الشباب معاشر ... فقالوا نهار الشيب أهدى وأرشد # وكل نهار المرء أهدى لسعيه ... ولكن ظل الليل أندى وأبرد # وفقد الشباب الموت يوجد طعمه ... صراحا وطعم الموت بالموت يفقد # أرى الدهر أجرى ليله ونهاره ... بعدل فلا هذا ولا ذاك سرمد # وجار على ليل الشباب فضامه ... نهار مشيب سرمد ليس ينفد # وقال ابن حازم: # لا حين صبر فخل الدمع ينهمل ... فقد الشباب بيوم المرء متصل # كفاك بالشيب ذنبا عند غانية ... وبالشباب شفيعا أيها الرجل # لا تكذبن فما الدنيا بأجمعها ... من الشباب بيوم واحد بدل # رب عيش لنا برامة رطب ... وليال فيها طوال قصار # قبل أن يقبل المشيب وتبدو ... هفوات الشباب في إدبار # كل عذر من كل ذنب ولكن ... أعوز العذر من بياض العذار # وقال جميل بن معمر: # تقول بثينة لما رأت ... فنونا من الشعر الأحمر PageV01P131 كبرت جميل ~~وأودى الشباب ... فقلت بثين ألا فاقصري # أتنسين أيامنا باللوى ... وأيامنا بذوي الأجفر # وإذ لمتي كجناح الغرا ... ب تطلى بالمسك والعنبر # قريبان مربعنا واحد ... فكيف كبرت ولم تكبري # وهذا تعريض مليح بل هو تعبير لها صريح لأنه قد ذكر أنهما كانا قرينين ~~ومحال أن يكبر واحد ويصغر واحد ms212 فهو قد عيرها كما عيرته وقد يحتمل أن يكون ~~لم يرد تعييرها وإنما أراد أن السبب الذي ظهر له ليس من كبره وإنما هو ~~لأهوال ما يمر به وأحسن من قوله لفظا وأوضح معنى. # قول البحتري: # عيرتني بالشيب وهي بدته ... في عذاري بالصد والاجتناب # لا تريه عارا فما هو بال ... شيب ولكنه جلاء الشباب # وبياض البازي أصدق حسنا ... إن تأملت من سواد الغراب # وقال محمد بن أبي حازم: # نظرت إلي بعين من لم يعذل ... لما تمكن طرفها من مقلتي # لما أضاءت بالمشيب مفارقي ... صدت صدود مفارق متجمل # فجعلت أطلب وصلها بتذلل ... والشيب يغمزها بألا تفعلي # وقال أشجع: # فإن تضع الأيام لي من متونها ... فقد حملتني فوق كاهلها الصعب # وموت الفتى خير له من حياته ... إذا كان ذا حالين يصبو ولا يصبي # وقال أبو الشيص: # خلع الصبى عن منكبيه مشيب ... وطوى الذوائب رأسه المخضوب # ما كان أنضر عيشه وأغضه ... أيام فضل ردائه مسحوب # وقال الحسين بن الضحاك: # تذكر من غراته ما تذكرا ... وأعول أيام الشباب فأكثرا # وما برحت عاداته مستقرة ... ولكن أجل الشيب عنها ووقرا # يهم ويستحيي تقارب خطوه ... فيترك هم النفس في الصدر مضمرا # ولم يبق فيه إذ تأمل شخصه ... شفيع إلى الحسناء إلا تنكرا # ألا لا أرى في العيش للمرء متعة ... إذا ما شباب المرء ولى فأدبرا # وقال أبو تمام: # شاب رأسي وما رأيت مشيب الر ... أس إلا من فضل شيب الفؤاد # وكذاك القلوب في كل بؤس ... ونعيم طلائع الأجساد # طال إنكاري البياض وإن عم ... رت شيئا أنكرت لون السواد # زارني شخصه بطلعة ضيم ... عمرت مجلسي من العواد # وقال أيضا # كل داء يرجى الدواء له ... إلا الفظيعين ميتة ومشيبا # يا نسيب الثغام ذنبك أبقى ... حسناتي عند الحسان ذنوبا # ولئن عبن ما رأين لقد أن ... كرن مستنكرا وعبن معيبا # لو رأى الله أن للشيب ظرفا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبا # وقال إبراهيم بن هرمة: # ألا إن سلمى اليوم جدت قوى الحبل ... وأرضت بك الأعداء من غير ما ذحل # فإن تبكها ms213 يوما تبك بعولة ... على لطف في جنب سلمى ولا بذل # سوى أن رأين الشيب أبيض واضحا ... كأن الذي بي لم ينل أحدا قبلي # وقال أيضا # في الشيب زجر له لو كان ينزجر ... وبالغ منه لولا أنه حجر # إبيض وأحمر من فوديه وارتجعت ... جلية الصبح ما قد أغفل السحر # وللفتى مهلة في الحب واسعة ... ما لم يمت في نواحي رأسه الشعر # قالت مشيب وعشق رحت بينهما ... وذاك في ذاك ذنب ليس يغتفر # وقال أيضا # يقولون هل بعد الثلاثين ملعب ... فقلت وهل قبل الثلاثين ملعب # لقد جل قدر الشيب إن كنت كلما ... بدت شيبة يعرى من اللهو مركب # وهذا لعمري من حسن الكلام وفصيحه ومن أحسن ما أعرف في التجلد على الشيب ~~قول محمد بن عبد الملك: # وعائب عابني بشيب ... لم يأل لما ألم وقته # فقل لمن عابني بشيبي ... يا عائب الشيب لا بلغته PageV01P132 ولبعض أهل ~~هذا العصر: # وقائلة قد كان عذرك واسعا ... ليالي كان الشعر في الرأس أسودا # فقلت لها والدمع جار كأنه ... نظام تعدى سلكه متبددا # لئن كان هذا الشيب غرك فاعلمي ... بأني صحبت الشيب مذ كنت أمردا # أبالشيب ينهى عن مساعدة الهوى ... ولولا الهوى ما كنت للشيب مسعدا # وقال علي بن العباس الرومي: # يا بياض المشيب سودت وجهي ... عند بيض الوجوه سود القرون # فلعمري لأخفينك جهدي ... عن عياني وعن عيان العيون # ولعمري لأتركنك لا تض ... حك في رأس آسف محزون # بسواد فيه بياض لوجهي ... وسواد لوجهك الملعون # وقال البحتري # يفاوت من تأليف شعبي وشعبها ... تناهي شبابي وابتداء شبابها # عسى بك أن تدنو من الوصل بعدما ... تباعدت من أسبابه وعسى بها # ولم أرتض الدنيا أوان مجيئها ... فكيف ارتضائيها أوان ذهابها # وقال أيضا # وأضللت حلمي فالتفت إلى الصبى ... سفاها وقد جزت الشباب مراحلا # فلله أيام الشباب وحسن ما ... فعلن بنا لو لم يكن قلائلا # وقال أبو الشيص: # أبقى الزمان به ندوب عضاض ... ورمى سواد قرونه ببياض # نفرت به كأس النديم فأعرضت ... عنه الكواعب أيما إعراض # ولربما جعلت محاسن وجهه ... لجفونها غرضا ms214 من الأغراض # أيام أفراس الشباب جوامح ... تأبى أعنتها على الرواض # وقال الطائي: # غرة بهمة ألا إنما كن ... ت أغرا أيام كنت بهيما # دقة في الحياة تدعى جلالا ... مثل ما سمي اللديغ سليما # وقال البحتري # عذلتنا في عشقها أم عمرو ... هل سمعتم بالعاذل المعشوق # ورأت لمة ألم بها الشيب ... فريعت من ظلمة في شروق # ولعمري لولا الأقاحي لأبصر ... ت أنيق الرياض غير أنيق # وسواد العيون لو لم يحسن ... ببياض ما كان بالموموق # أي ليل يبهى بغير نجوم ... أو سحاب تندى بغير بروق # وقال عمر بن أبي ربيعة: # رأتني خضيب الرأس شمرت مئزري ... وقد عهدتني أسود الرأس مسدلا # فقالت لأخرى عندها تعرفينه ... أليس به قالت بلى ما تبدلا # سوى أنه قد لاحت الشمس لونه ... وفارق أشياع الصبى وتنقلا # ولاح قتير في مفارق رأسه ... إذا غفلت عنه الخواضب أنصلا # وكان الشباب الغض كالغيم خيلت ... سماوته إذ هبت الريح فانجلى # وقال منصور النمري: # ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شبابا ليس يرتجع # بان الشباب وفاتني بشرته ... صروف دهر على الأيام لي تبع # تعجبت أن رأت أسراب دمعته ... في حلية الخد أجراها حشى وجع # أصبحت لم تطعمي كل الشباب ولم ... تشجي بغصته فالعذر لا يقع # الباب الثامن والأربعون # من يئس ممن يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه PageV01P133 العلة في ذلك أن ~~اليأس هو مفارقة النفس للرجاء التي كانت تعتاض به من حال الصفات وتتماسك ~~بمسامرته من سطوة الفراق الذي منيت بمشاهدته فأول روعات اليأس تلقى القلب ~~وهو غير مستعد لمقاومتها ولا مصاب بمشاهدتها فتجرحه دفعة واحدة عادة إلى ~~غير عادة والروعة الثانية ترد على القلب وقد ذللته لها الروعة الأولة ~~فللثانية ألم المعاودة وليس لها ألم وفقد العادة والروعة الأولة فيها ~~مشاهدة المكروه ومفارقة ما تعودت من المحبوب فإن هي لم تتلف وفيها مكروهان ~~لم تتلف الثانية وليس فيها إلا أحدهما وكذلك كل روعة يجلبها الفكر والتذكر ~~هي أهون من التي قبلها لأن المتقدمة قد انذرت بها ووطأت المواضع لها حتى ~~ينحل ذلك ms215 أجمع من النفس حالا بعد حال لأن دوام الروعات إنما يكون بتنازع ~~المخاوف والآمال فإذا وقع اليأس زال الخوف بوقوع المخوف وانقطع الأمل بذهاب ~~المأمول. # ولعمري لقد أحسن البحتري حيث يقول: # حنيني إلى ذاك القليب ولوعتي ... عليه وقلت لوعتي وحنيني # خلا أملي من يوسف بن محمد ... وأوحش فكري بعده وظنوني # وكانت يدي شلت ونفسي تخونت ... ودنياي بانت يوم بان وديني # فوا أسفي ألا أكون شهدته ... فجاشت شمالي عنده ويميني # فإذا بقيت الخواطر بغير محرك يزعجها تحللت مضاضة ذلك الألم الذي نزل بها ~~ألا ترى أن الحريق إذا صب عليه الماء أفسد الماء موضعا وأفسدت النار آخر ~~..... قائمين فإذا ذهبا جميعا بقي من تأثير النار يبس وحرارات ومن تأثير ~~الماء برد ورطوبات ثم تحللا جميعا على مر الأوقات والعلة في قتل روعة اليأس ~~الأولة أن القلب يحمى بورود المكاره عليه وسبيل سائر البدن أن يمد القلب ~~بمثل ما فيه من حر أو برد فإذا كثر ذلك انهتك حجاب القلب فكان التلف حينئذ ~~لأن القلب لا يصل إليه ألم نية غير الألم الفكرة إلا أتلف صاحبه والعامة ~~تقول شهق فلان فلا تصدعت مرارته ولعمري إن المرارة لتحمى ولو زادت حرارتها ~~لانصدعت ولو انصدعت لأتلفت ولكن إلى أن تحمل المرارة حمى تصدعها يكون قد ~~حمي القلب وتصدع بل تقطع ومثل ذلك لو أن قدرا من شمع وقار ثم صب فيها ماء ~~ثم أوقد تحتها النار فلعمري إن النار تذيب القار وإن القار إذا ذاب انصب ~~الماء غير أن قبل ذوب القار يكون انحلال الشمع وتليفة النار فكذلك القلب ~~ينهتك حجابه بالحرارة المنحازة إليه قبل انهتاك الحرارة بحين طويل وتظن ~~العامة بل كثير من الخاصة أن الزفير سبب التلف وليس الأمر كذلك بل هو إذا ~~أراد الله عز وجل سبب لدفع التلف وذلك أن القلب إذا أفرط الحمي عليه اجتلبت ~~له القوى الغريزية روحا تدفع مضرة ذلك عنه فتجلبه له من نسيم الهوى الخارج ~~عنه فربما جاء من النسيم ما يدفع مضرة تلك الحرارة ms216 فيكون زفير ولا يكون تلف ~~وربما ضعف النسيم المجتلب وحمي في المجاري لشدة ما يلقاه من الحرارات فيعجز ~~برده عن دفع مضرة الحرارة المحيطة بالقلب فتهتك الحرارة الحجاب ويكون التلف ~~فلأنهم يرون التلف على أثر الزفرة يرون أنه قد وقع من أجلها وهو في الحقيقة ~~إنما وقع من أجل ضدها وقد تقتل أيضا أول مفاجأة الفرح الغالب بإفراط بردها ~~كما تقتل أول مفاجأة الحزن بإفراط حرها لأنه ينحاز إلى القلب من سائر ~~الأعضاء برد لا تفي به حرارة الغريزية فيجمد دم القلب ويحدث التلف ولا يكون ~~معه زفير ولا شهيق لأن النفس لا تجتلب الحرارة من خارج البدن كما تجتلب ~~البرودة وقولهم أقر الله عينك وأسخن الله عين فلان إنما هو لأن دمعة الحزن ~~حارة ودمعة الفرح باردة وكل واحدة من الفرح والحزن إذا استوطن النفس أنست ~~بمجاورته قليلا حتى يصير كالخلق المعتاد لها وكالطبع القائم بها ومن جيد ما ~~قيل في باب التسلي عمن يئس منه: # هي الشمس مسكنها في السماء ... فعز الفؤاد عزاء جميلا # فلن تستطيع إليها الصعود ... ولن تستطيع إليك النزولا # وقال امرؤ القيس: # عيناك دمعهما سجال ... كأن شأنيهما أوشال PageV01P134 من ذكر ليلى وأين ~~ليلى ... وخير ما نلت ما ينال # أنشدني أحمد بن يحيى لأم الضحاك المحاربية: # سألت المحبين الذين تحملوا ... تباريح هذا الحب في سالف الدهر # فقلت لهم ما يذهب الحب بعدما ... تبوأ ما بين الجوانح والصدر # فقالوا شفاء الحب يزيله ... من آخر أو نأي طويل على هجر # أو اليأس حتى تذهل النفس بعدما ... رجت طمعا واليأس عونا على الصبر # وقال آخر: # فيا رب إن أهلك ولم ترو هامتي ... بليلى أمت لا قبر أعطش من قبري # وإن أك عن ليلى سلوت فإنما ... تسليت عن يأس ولم أسل عن صبر # وإن يك عن ليلى غنى وتخلد ... فرب غنى نفس قريب من الفقر # وقال كثير: # وإني لآتيكم وإني لراجع ... بغير الجوى من عندكم لم أزود # إذا دبران منك يوما لقيته ... أؤمل أن ألقاك بعد بأسعد # فإن يسل عنك ms217 القلب أو يدع الصبى ... فباليأس يسلو عنك لا بالتجلد # وقال علي بن محمد العلوي: # كان يبكيني الغناء سرورا ... فأراني أبكي له اليوم حزنا # آه من خطرة الكبير إذا ما ... خطر اليأس دون ما يتمنى # وقال البحتري # أرجو عواطف من ليلى ويؤيسني ... دوام ليلى على الهجر الذي تلدا # ولم يعدني لها طيف فيفجأني ... إلا على أبرح الوجد الذي عهدا # وقال أيضا # يرجو مقارنة الحبيب ودونه ... وجد يبرح بالمهاري القود # ومتى يساعدنا الوصال ودهرنا ... يومان يوم نوى ويوم صدود # واليأس إحدى الراحتين ولن ترى ... تعبا كظن الخائب المكدود # ولبعض أهل هذا العصر: # سأكفيك نفسي لا كفاية غادر ... ولا سامعا عذلا ولا متعتبا # ولكن يأسا لم ير الناس مثله ... وصبرا على مر المقادير منصبا # وفي دون ما بلغته بل رأيته ... بلاغ ولكن لا أرى عنك مذهبا # وله أيضا: # حاولت أمرا فلم يجر القضاء به ... ولا أرى أحدا يعدى على القدر # فقد صبرت لأمر الله محتسبا ... واليأس من أشبه الأشياء بالظفر # فالحمد لله شكرا لا شريك له ... ما أولع الدهر والأيام بالغير # وقال البحتري # عزيت نفسي ببرد اليأس بعدهم ... وما تعزيت من صبر ولا جلد # إن النوى والهوى شيئان ما اجتمعا ... فخليا أحدا يصبو إلى أحد # وقال أيضا # محلتنا والعيش غض نباته ... وأفنية الأيام خضر ظلالها # وليلى على العهد الذي كان لم تغل ... نواها ولا حالت إلى الصد حالها # وكنت أرجي وصلها عند هجرها ... فقد بان مني هجرها ووصالها # ولا قرب إلا أن يعاود ذكرها ... ولا وصل إلا أن يطيف خيالها # وقال الأحوص: # تذكرت أياما مضين من الصبى ... وهيهات هيهات إليك رجوعها # تؤمل نعمى أن تريع بها النوى ... ألا حبذا نعمى وسوف تريعها # لعمري لراعتني نوائح غدوة ... فصدع قلبي بالفراق جميعها # فظلت كأني خشية البين إذ أنا ... أخو جنة لا يستبل صريعها # وقال آخر: # أما والله غير قلى لليلى ... ولكن يا له يأسا مبينا # لقد جعلت دواوين الغواني ... سوى ديوان حبك يمحينا # وقال بشار بن برد: # أحب بأن أكون على بيان ... وأخشى أن أموت ms218 من البيان # فقد أصبحت لا فرحا بدنيا ... ولا مستنكرا دار الهوان # يقلبني الهوى ظهرا لبطن ... فما يخفى على أحد يراني # وقال ذو الرمة: # أفي كل أطلال بها منك جنة ... كما جن مقرون الوظيفين نازع PageV01P135 ~~ولا بد من مي وقد حيل دونها ... فما أنت فيما بين هاتين صانع # أمستوجب أجر الصبور فكاظم ... على الوجد أم مبدي الضمير فجازع # وقال مجنون بني عامر: # فيا قلب مت حزنا ولا تك جازعا ... فإن جزوع القوم ليس بخالد # هويت فتاة نيلها الخلد فالتمس ... سبيلا إلى ما لست يوما بواجد # أحن إلى نجد وإني ليائس ... طوال الليالي من قفول إلى نجد # وإنك لا ليلى ولا نجد فاعترف ... بهجر إلى يوم القيامة والوعد # وقال آخر: # خلت عن ثرى نجد فما طاب بعدها ... ولو راجعت نجدا لطاب إذن نجد # هو اليأس من ليلى على أن حبها ... مقيم المراسي لم يزل عندنا بعد # وقال آخر: # ألا لا أحب السير إلا مصعدا ... ولا البرق إلا أن يلوح يمانيا # على مثل ليلى يقتل المرء نفسه ... وإن كنت عن ليلى على الناي طاويا # ولبعض أهل هذا العصر: # يقول أبعد اليأس تبكي صبابة ... فقلت وهل قبل الإياس بكاء # أبكي على من لست أرجو ارتجاعه ... وأبكي على أن لا يكون رجاء # وقال آخر: # يقولون عن ليلى عييت وإنما ... بي اليأس عن ليلى وليس بي الصبر # فيا حبذا ليلى إذ الدهر صالح ... وسقيا لليلى بعدما خبث الدهر # وإني لأهواها وإني لآيس ... هوى وإياس كيف ضمهما الصدر # وهذا من أحسن ما مر ويمر لأنه قد جمع لفظا لطيفا ومعنى مليحا هذا البائس ~~قد علم أن اليأس لا يكون معه هوى لأحد من الناس فأظهر التعجب منه لأنه خارج ~~عن عادته ووجد في قلبه بقايا من الحزن لألم الفراق وليس هو هوى قائم ولكنه ~~تأثير الاحتراق يزول حالا بعد حال إذ لم يدركه غليل الإشفاق ولم تحركه ~~غلبات الاشتياق فظن لشدة مضاضته أن الهوى بعد مقيم في قلبه. # وقال آخر: # نظرت وأصحابي بنجد غدية ... لأبصرهم أم هل ms219 أرى في مطمعا # بنظرة مشتاق رأى اليأس والهوى ... جميعا فعزى نفسه ثم رجعا # شربت حرارات الفراق فلم أجد ... كمثلك مشروبا أمر وأوجعا # وقاسيت تفريق الجميع فلم يدع ... تفرق ألافي لعيني مطعما # وأنشدني أحمد بن يحيى عن زيد بن بكار لرجل من بني أسد: # وكنت إذا اشتفيت بريح نجد ... وماء البير من غلل شفاها # فلما أن رأيت بها أمورا ... تقادم وهلها وبدا ثآها # عرجت على المنازل غير بغض ... وأسمح علو نفسك عن هواها # وساقتك المقادر والليالي ... إلى أن لا تراك ولا تراها # ولبعض أهل هذا العصر: # أمنت عليك الدهر والدهر غادر ... وسكنت قلبي عنك والقلب نافر # وما ذاك عن إلف تخيرت وصله ... عليك ولا أني بعهدك غادر # ولكن صرف الدهر قد عجل الردى ... وأيأسني من أن تدور الدوائر # فلست أرجيه ولست أخافه ... وهل يرتجي ذو اللب ما لا يحاذر # إذا بلغ المكروه بي غاية المدى ... فأهون ما تجري إليه المقادر # تناسيت أيام الصفاء التي مضت ... لديك على أني لها الدهر ذاكر # أثبت قلبي عنك والود ثابت ... وهل تصبر الأحشاء والحزن صابر # إلى الله أشكو لا إليك فإنه ... على رد أيام الصفاء لقادر # وقال العتبي: # فيا ويح قلب عذب العين بالبكا ... على كل شفر من مدامعها غرب # ويا ويح مشتاق محا اليأس ما رجا ... لحرقته شرق وليس لها غرب # وقال ذو الرمة: # تحن إلى مي كما حن نازع ... دعاه الهوى فارتد من قيده قصرا # ولا مي إلا أن تزور بمشرق ... أو الزرق من أطلالها دمنا قفرا # وأنشدني أبو طاهر الدمشقي لبعض الأعراب: PageV01P136 أظن اليوم آخر عهد ~~نجد ... ألا فاقرأ على نجد سلاما # فربتما سكنت بحر نجد ... وربتما ركبت بها السواما # وربتما رأيت لأهل نجد ... على العلات أخلاقا كراما # وإني للمكلف حب نجد ... وإني للمسر بها السقاما # فهؤلاء الذين ذكروا أشعارهم قد سلوا على أول روعات اليأس فمنهم من تشاغل ~~بإظهار الحنين تجملا للناس ومنهم من صرح بالسلو عن نفسه ومنهم من اشتغل ~~بمعالجة ما بقي من الهوى في قلبه ونحن الآن نذكر ms220 طرفا من أخبار من تمكنت ~~الروعة الأولى من نفسه وتظاهر سلطانه على قلبه فبلغ إلى ما لا يمكن منه ~~تلاف ولا ينفع فيه استعطاف حدثني أبو طاهر الدمشقي قال حدثنا حامد بن يحيى ~~النجلي قال حدثنا سفيان قال حدثنا عبد الملك بن نوفل بن مساحق عن رجل من ~~مزينة يقال له ابن عاصم عن أبيه قال بعثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~سرية وقال إن رأيتم مسجدا أو سمعتم مؤذنا فلا تقتلوا أحدا وإنا قد لقينا ~~قوما فأسرناهم ورأى نسوة وهو في ذمته فدنا إلى هؤلاء أفض إليهن فدنا إلى ~~امرأة منهن فقال أسلمي حبيش قبل نفاذ العيش. # أرأيت إذ طالبتكم فوجدتم ... بحلية أو ألفيتكم بالخوانق # ألم يك حقا أن ينول عاشق ... تكلف إدلاج السرى والودائق # فلا ذنب لي قد قلت إذ أهلنا معا ... أثيبي بود قبل إحدى الصفائق # أثيبي بود قبل أن تشحط النوى ... وينأى الأمير بالحبيب المفارق # قال فقالت وأنت فحييت عشرا وتسعا وترا وثمانيا تترا قال ثم قدمناه فضربنا ~~عنقه فنزلت إليه امرأة تخصه فأكبت عليه فما زالت تحن عليه حتى ماتت وقال ~~الجاحظ ذكرت لأمير المؤمنين المتوكل لتأديب بعض ولده فلما رآني استشبع ~~منظري فأمر لي بعشرة آلاف وصرفني فخرجت من عنده فلقيت محمد بن إبراهيم وهو ~~يريد الانحدار إلى مدينة السلام فعرض علي الخروج معه وقرب حراقته ونصب ~~ستارته وأمر بالغناء فاندفعت عوادة له فغنت: # كل يوم قطيعة وعتاب ... ينقضي دهرنا ونحن غضاب # ليت شعري أنا خصصت بهذا ... دون ذا الخلق أم كذا الأحباب # ثم سكتت وأمر طنبورية فغنت: # وا رحمتا للعاشقينا ... ما إن أرى لهم معينا # كم يهجرون ويضربون ... ويقطعون فيصبرونا # فقالت لها العوادة فيصنعون ماذا؟ قالت ويصنعون هكذا وضربت بيدها إلى ~~الستارة فهتكتها وبرزت كأنها فلقة قمر فزجت نفسها إلى الماء قال وعلى رأس ~~محمد غلام يضاهيها في الجمال وبيده مذبة فلما رأى ما صنعت ألقى المذبة من ~~يده وأتى الموضع فنظر إليها وهي تمر بين الماء فأنشأ يقول: # أنت التي ms221 غرقتني ... بعد القضا لو تعلمينا # وزج بنفسه في أثرها فأدار الملاح الحراقة فإذا بهما معتنقان ثم غاصا فلم ~~يريا فهال ذلك محمدا واستفظعه وقال لي أبا عمرو ولتحدثني بحديث يسليني عن ~~فعل هذين وإلا ألحقتك بهما قال فحضرني خبر سليمان بن عبد الملك وقد قعد ~~للمظالم وعرضت عليه القصص فمرت به قصة فيها إن رأى أمير المؤمنين أعزه الله ~~أن يخرج إلي جاريته فلانة حتى تغنيني ثلاثة أصوات فعل فاغتاظ سليمان وأمر ~~من يخرج إليه فيأتيه برأسه واسترجع وأتبع الرسول برسول آخر يأمره أن يدخل ~~إليه فلما وقف بين يديه قال له ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال الثقة بحملك ~~والاتكال على عفوك فأمره بالقعود حتى إذا لم يبق من بني أمية أحد إلا خرج ~~فأمر فأخرجت الجارية ومعها عودها ثم قال قل لها غني فقال لها الفتى غني: # أفاطم مهلا بعض هذا التدلل ... وإن كنت قد أزمعت هجري فاجملي # فغنته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فشربه ثم قال له قل قال غني: # تألق البرق نجديا فقلت له ... يا أيها البرق إني عنك مشغول # فغنته فقال له سليمان قل قال تأمر لي برطل فأتي برطل فشربه ثم قال له قل ~~قال غني: # حبذا رجعها إليها يديها ... في يدي درعها تحل الإزارا PageV01P137 فغنته ~~فقال له قل قال تأمر لي برطل فأتي برطل فما استتم شربه حتى وثب فصعد على ~~قبة لسليمان فرمى بنفسه على دماغه فقال سليمان إنا لله وإنا إليه راجعون ~~أتراه الأحمق الجاهل ظن أني أخرج الجارية إليه وأردها إلى ملكي يا غلمان ~~خذوا بيدها فانطلقوا بها إلى أهله إن كان له أهل وإلا فبيعوها وتصدقوا عنه ~~فلما انطلقوا بها نظرت إلى حفرة في دار سليمان قد أعدت للمطر فجذبت نفسها ~~من أيديهم وأنشأت تقول: # من مات عشقا فليمت هكذا ... لا خير في الحب بلا موت # وزجت بنفسها على دماغها فماتت فسري عن محمد وأحسن صلتي وذكر لنا أن محمدا ~~بن حميد الطوسي كان جالسا ms222 مع ندمانه يوما فغنت جارية له وراء الستارة: # يا قمر القصر متى تطلع ... أشقى وغيري بك مستمتع # إن كان ربي قد قضى كل ذا ... منك على رأسي فما أصنع # قال وعلى رأس محمد غلام بيده قدح يسقيه فرمى بالقدح من يده وقال تصنعين ~~هكذا ورمى بنفسه من الدار إلى الدجلة فهتكت الجارية الستارة ثم رمت بنفسها ~~على أثره فنزل الغاصة خلفها فلم يجدوا واحدا منهما فقطع محمد الشرب وقام من ~~مجلسه وأخبار هذا الباب أكثر من أن يتضمنها مثل هذا الكتاب غير أنا اقتصرنا ~~منها على ما يكون معه مضربين عنها ولا مكترثين بها ولقد كادت شهرتها له ~~لتمنعنا عن ذكرها غير أنها كانت شاهدا لما قدمناه وأحببنا أن يؤيد بذكرها ~~على ما شرطناه. # الباب التاسع والأربعون # لا يعرف المقيم على العهد إلا عند فراق أو صد # من شأن من كان مجاورا لأحبائه وسامحته الأيام ببلوغ محابه أن يصرف خواطره ~~إليهم وان لا يؤثر صحبة أحد غيرهم عليهم بل الجاري من عادة أهل الأدب إذا ~~أقبل عليهم يستثقلون أن يظهروا له المودة بل يعتقدونها في الحقيقة فإذا ~~كانت هذه حال أهل الأدب مع من يعاشرهم من غير الأحباب كان أحبابهم أحرى أن ~~يغلبوا على قلوبهم وإنما يبين الصادق في هواه إذا فارقه أو صد عنه من يهواه ~~فأقام حينئذ عليه ولم ينتقل إلى ما سواه. # أنشدني أحمد بن يحيى النحوي لعمر بن أبي ربيعة: # يقولون إني لست أصدق في الهوى ... وإني لا أرعاك حين أغيب # فما بال طرفي عف عما تساقطت ... له أنفس من معشر وقلوب # عشية لا يستنكر القوم إن رأوا ... سفاه الحجى ممن يقال لبيب # ولا نظرة من عاشق إن مضت له ... بعين الصبى كسلى القيام لعوب # يروح يرجو أن تحط ذنوبه ... فراح وقد عادت عليه ذنوب # وما الشك أسلاني ولكن لذي الهوى ... على العين مني في الفؤاد رقيب # ولقد أحسن ذو الرمة حيث يقول: # إذا غير النأي المحبين لم أجد ... رسيس الهوى من حب مية يبرح # تصرف ms223 أهواء القلوب ولا أرى ... نصيبك من قلبي لغيرك يمنح # أرى الحب بالهجران يمحى فيمتحي ... وحبك مما يستجد ويذبح # أبين وشكوى بالنهار شديدة ... علي وما يأتي به الليل أبرح # هي البرء والأسقام والهم ذكرها ... وموت الهوى لولا التنائي المبرح # إذا قلت تدنو مية اغبر دونها ... فياف لطرف العين فيهن مطرح # فلا القرب يبدي من هواها ملالة ... ولا حبها إن تنزح الدار ينزح # وقال أيضا # هواك الذي ينهاض بعد اندماله ... كما هاض حاد متعب صاحب الكسر # إذا قلت قد ودعته رجعت به ... شجون وأذكار تردد في الصدر # وإن قلت يسلو حب مية قلبه ... أبى حبها إلا بقاء على الهجر # وقال أيضا # يزيد التنائي وصل خرقاء جدة ... إذا خان أرماث الحبال وصولها # لقد أشربت نفسي لمي مودة ... تقضى الليالي وهي باق وسيلها # وقال أيضا # فلم يبق مما كان بيني وبينها ... من الوصل إلا ما تجن الجوانح ~~PageV01P138 أصيداء هل قيظ الرمادة راجع ... لياليه أو أيامهن الصوالح # سواء عليك اليوم انصاعت النوى ... بصيداء أم أنحى لك السيف ذابح # إذا لم تزرها من قريب تناولت ... بنا دار صيداء القلاص الطلائح # وقال أيضا # ولم تنسني ميا نوى ذات غربة ... شطون ولا المستطرفات الأوانس # إذا قلت أسلو عنك يا مي لم يزل ... محل لدار من ديارك ناكس # فكيف بمي لا تؤاتيك دارها ... ولا أنت طاوي الكشح منها فيائس # وقال هدبة بن خشرم: # يجد النأي ذكرك في فؤادي ... إذا وهلت على النأي القلوب # وقد علمت سليمى أن عودي ... على الأحداث ذو وتد صليب # عسى الكرب الذي أمسيت فيه ... يكون وراءه فرج قريب # وقال آخر: # وإني وإسماعيل يوم افتراقنا ... لكالجفن يوم الروع زايله النصل # فإن أغشى قوما بعده أو أزرهم ... فكالوحش يدنيها من الأنس المحل # وقال العرجي: # ألا أيها الربع الذي بان أهله ... فأمسى قفارا موحشا غير آهل # هل انت مجيب أين أهلك ذا هوى ... وأنت خبير إن نطقت لسائل # وأي بلاد الله حلوا فإنني ... على العهد راع للحبيب المزايل # وقال الحسين بن الضحاك: # لشتان إشفاقي عليك وقسوة ... أطلت بها ms224 شجو الفؤاد على العمد # وما حلت للهجران عن حال صبوة ... إليك ولكن حال جسمي عن العهد # وقال الحسحاس الأسدي: # فما بيضة بات الظليم يحفها ... ويرفع عنها جؤجؤا متجافيا # ويكشف عنها وهي بيضاء ظله ... وقد راجعت قرنا من الشمس ضاحيا # بأحسن منها يوم قالت أرائح ... مع الركب أم ثاو لدينا لياليا # فإن تبق لا تملك وإن تضح عاديا ... تزود وترجع عن عميرة واقيا # وقال تأبط شرا: # ألم تشل اليوم الحمول البواكر ... بلى فاعترف صبرا فهل أنت صابر # وشاقتك هند يوم فارق أهلها ... بها أسفا إن الخطوب تغادر # فإن تصرميني أو تسيئي لعشرتي ... فإني لصرام القرين معاشر # وقال أبو ذؤيب الهذلي: # فإن وصلت حبل الصفاء ندم لها ... وإن صرمته فانصرف عن تجامل # لعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفنائه بالأصائل # وفيك التي لا يبرح القلب حبها ... وأذكرها ما أرزمت أم حائل # وحتى يؤوب الفارطان كلاهما ... وينشر في الهلكى كليب لوائل # وقال زهير: # تأوبني ذكر الأحبة بعدما ... هجعت ودوني قلة الحزن والرمل # وكل محب يحدث النأي بعده ... سلو فؤاد غير حبك ما يسلو # وقال جميل بن معمر: # وما أحدث النأي المفرق بيننا ... سلوا ولا طول اجتماع تقاليا # كأن لم يكن بين إذا كان بعده ... تلاق ولكن ما إخال تلاقيا # وقال عروة بن حزام: # فوالله لا أنساك ما هبت الصبا ... وما أعقبتها في البحار جنوب # ولست أرى نفسي على طول نأيكم ... وبعدك مني ما حييت تطيب # فأول ذكري أنت في كل مصبح ... وآخر ذكري عند كل غروب # فوا كبدا أضحت قريحا كأنما ... تلذعها بالكي كف طبيب # وقال آخر: # لا والذي عمد الحجاج كعبته ... فهم سراع إلى مرضاته وفق # لا تذهل النفس عن ليلى وإن ذهلت ... ما دام للهضب هضب الغاية البرق # وقال البحتري # تقضى الصبى إلا خيالا يعودني ... به ذو دلال أحور الطرف فاتره # فيذكرني الوصل القديم وليلة ... لدى سمرات الجزع إذ نام سامره # وعهدا أبينا فيه إلا تباينا ... فلا أنا ناسيه ولا هو ذاكره PageV01P139 ~~إذا التهبت في لحظ عينيه غضبة ... رأيت المنايا ms225 في النفوس تؤامره # وقال الضحاك بن عقيل: # أسمراء إن اليأس مسل ذوي الهوى ... ونأيك عندي زاد قلبي بكم وجدا # أرى حرجا ما نلت من ود غيركم ... ونافلة ما نلت من ودكم رشدا # وقال الهذلي: # وإني على أن قد تجشمت هجرها ... لما ضمنتني أم عمرو لضامن # يوافيك منها طارق كل ليلة ... حبيب كما وافى الغريم المداين # وقال ابن الدمينة: # وإني لأستحييك حتى كأنما ... علي بظهر الغيب منك رقيب # حذار القلى والصرم منك وإنني ... على العهد ما داومتني لصليب # فيا حسرات النفس من غربة النوى ... إذا اقتسمتها نية وشعوب # ومن خطرات تعتريني وزفرة ... لها بين جلدي والعظام دبيب # أما هذا فقد أحسن في البيت الأول وبرد في البيت الثاني إذ جعل علته في ~~الوفاء لها حذار قلاها وصرمها وعلى أنه لم يرض أيضا بذلك حتى جعل مداومته ~~عليها متصلة بمداومتها عليه لا غير وهذه حال مفرطة الخساسة متناهية ~~القباحة. # ولبعض أهل هذا العصر: # يا غارس الحب بين القلب والكبد ... هتكت بالهجر بين الصبر والجلد # إذا دعا اليأس قلبي عنك قال له ... حسن الرجاء فلم يصدر ولم يرد # يا من نقوم مقام الموت فرقته ... ومن يحل محل الروح من جسدي # فقد جاوز الشوق بي أقصى مراتبه ... فإن طلبت مزيدا منه لم أجد # والله لا ألفت نفسي سواك ولو ... فرقت بالهجر بين الروح والجسد # إن توف لي لا أرد ما دمت لي بدلا ... وإن تعزيت لم أركن إلى أحد # وقال آخر: # أهجرا وقيدا واشتياقا وغربة ... وهجر حبيب إن ذا لعظيم # وإن امرءا دامت مواثيق عهده ... على مثل ما قاسيته لكريم # وقال معاذ ليلى: # وللنفس ساعات تهش لذكرها ... فتحيى وساعات لها تستكينها # فإن تك ليلى استودعتني أمانة ... فلا وأبي ليلى إذا لا أخونها # وقال المؤمل: # لسنا بسالين إن سلوا أبدا ... عنهم ولا صابرين إن صبروا # نحن إذا في الجفاء مثلهم ... إذا هجرناهم كما هجروا # إن يقطعونا فطالما وصلوا ... وإن يغيبوا فربما حضروا # وقال البحتري # ألام على هواك وليس عدلا ... إذا أحببت مثلك أن ألاما # أعيدي ms226 في نظرة مستثيب ... توخى الهجر أو كره الأثاما # تري كبدا محرقة وعينا ... مؤرقة وقلبا مستهاما # لئن أضحت محلتنا عراقا ... مشرقة وحلتها شآما # فلم أحدث لها إلا ودادا ... ولم أزدد بها إلا غراما # وقال أيضا # هجرتنا عن غير جرم نوار ... ولديها الحاجات والأوطار # وأقامت بجو بطياس حتى ... كثر الليل دونها والنهار # إن جرى بيننا وبينك هجر ... وتناءت منا ومنك الديار # فالغليل الذي علمت مقيم ... والدموع التي عهدت غزار # وقال مجنون بني عامر: # وتعذب لي من غيرها فأعافها ... مشارب فيها مقنع لو أريدها # وأمنحها أقصى هواي وإنني ... على ثقة من أن حظي صدودها # وقال نصيب: # أصدت غداة الجزع ذي الطلح زينب ... تقطع منها حبلها أم تقضب # وقد عبثت فيما مضى وهي خلة ... صديق لنا أو ذاك ما كنت أحسب # ترى عجبا في غبطة أن نزورها ... ونحن بها منها أسر وأعجب # وفي الركب جثماني ونفسي رهينة ... لزينب لم أذهب بها حين أذهب # فبانت ولا ينسيكها النأي إنها ... على نأيها نصب لقلبك منصب # وقال آخر: # حلفت لها بما نحت قريش ... يمينا والسوانح يوم جمع PageV01P140 لأنت على ~~التنائي فاعلميه ... أحب إلي من بصري وسمعي # الباب الخمسون # قليل الوفاء بعد الوفاة أجل من كثيره وقت الحياة # الوفاء اسم للثبات على الشرائط فكل من عقد على نفسه أو عقد عليه غيره ممن ~~يلزمه عقده شيئا فثبت عليه ولم يزل عنه سمي موفيا وكل من شرط على نفسه شرطا ~~وزال عنه للزوال سمي غادرا وليس يسمى موفيا من فعل فعلا جميلا لم يشرط على ~~نفسه فعله ولا شرطه عليه من يلزمه شرطه ولا يسمى غادرا من فعل فعلا قبيحا ~~لم يجب عليه تركه ولا شرط عليه من يحب شرطه فالمحبوب يكون موفيا لمحبه ~~ويكون غادرا بعهده والمحب لا يكون موفيا ولا غادرا لأن محبته قائدة له إلى ~~محاب إلفه فيما يصلح الانقياد إلى مثله فهو يأتي طاعته بطبعه لا وفاء بشرط ~~لزمه وكل من لم يصلح أن يسمى موفيا لم يصلح أن يسمى غادرا وإنما يصلح أن ~~يكون ms227 المحبوب موفيا وغادرا لأنه يأتي ما يأتيه مختارا ويشرط لإلفه الشرائط ~~على نفسه فيفعل ما ضمن أو يتركه فيكون موفيا أو غادرا بفعله أو تركه وهذا ~~الذي ذكرناه من أن المحب لا يكون موفيا ولا غادرا إنما هو ما دامت محبته ~~قائمة فأما إذا زالت المحبة بسلو عارض أو بوفاة المحبوب فالمحب حينئذ يكون ~~موفيا غادرا. # قالت امرأة من عامر بن صبعة: # وإني لأستحييه والترب بيننا ... كما كنت أستحييه حين يراني # أهابك إجلالا وإن كنت في الثرى ... لوجهك يوما إن يسؤك مكاني # ويروى عن هذه المرأة أنها زارت قبر زوجها وعليها حلي وثياب مصبغة فالتزمت ~~القبر ثم أنشأت تقول: # يا صاحب القبر يا من كان ينعم بي ... عيشا ويكثر في الدنيا مؤاتاتي # نسيت ما كنت من قربي تحب وما ... قد كان يلهيك من ترجيع أصواتي # أزور قبرك في حلي وفي حلل ... كأنني لست من أهل المصيبات # فمن رآني من حزني مفجعة ... طويلة الحزن في زوار أموات # فبينما هي ملتزمة القبر إذ شهقت شهقة فماتت وليس موت هذه المرأة بعد وفاة ~~زوجها بمدة نقضا لما قدمنا ذكره في الباب الذي ذكرنا فيه أن من يئس ممن ~~يهواه فلم يلتفت من وقته سلاه لما قدمنا في ذلك من البرهان وأرينا فيه من ~~الأمثال ونحن نقول الآن من فجأه الحزن دفعة واحدة من غير مقدمة حتى يمضي ~~عليه مدة خوف جوى ولا حذار طبيعي لم يستنكر منه أن يزول تمييزه فلا يفهم ما ~~نزل به حتى تمضي عليه مدة متطاولة فربما انحلت سكرته إلى إفاقة سلو مريح ~~وربما انحلت بوقوع تلف صحيح وعلى أن الضنين المشفق العالم بنوب الزمان ~~والمستعد لخطوب الأيام قد يلحقه بمفاجأة المكروه ما يزيل تمييزه ويبطل ~~تدبيره وينسيه ما كان ذاكرا له ولمعترفاته وهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه ~~ناله من وفاة النبي صلى الله عليه وسلم ما لا خفاء به على الخاصة ولا على ~~كثير من العامة من انتضائه سيفه وقوله إن رسول الله لا يموت وليقومن ms228 ~~فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم حتى قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه إن الله ~~جل وعز يقول )إنك ميت وإنهم ميتون( قال عمر رضي الله عنه فكأني لم أسمعه ~~إلا يومئذ ويروى عن إبان تغلب أنه قال بينا أنا في بعض الفلوات في طلب ذود ~~ضالة إذ بصرت بجارية أعشى إشراق وجهها بصري فقالت لي مالي أراك مدلها قلت ~~في طلب ذود لي ضالة قالت هل أدلك على من يعلم علمهن فإن شاء ردهن عليك فقلت ~~نعم بأبي أنت مسرعا قالت إن الذي أعطاكهن هو الذي أخذهن فاسأله من طريق ~~اليقين لا من طريق الاختيار فلما رأيت حسن منظرها وحلاوة منطقها قلت هل لك ~~من زوج؟ قالت كان فدعي فعاد إلى ما منه خلق فأجاب فقلت فهل لك من زوج لا ~~تخشى بوائقه ولا تذم خلائقه؟ فأطرقت مليا وعيناها تهملان بالدموع ثم أنشأت ~~تقول: # كنا كغصنين في أرض غذاؤهما ... ماء الجداول في روضات جنات # وكان عاهدني إن خانني زمن ... ألا يضاجع أنثى بعد مثواتي PageV01P141 ~~وكنت عاهدته أيضا فعاجله ... ريب المنون قريبا مذ سنيات # فاردع عنانك عمن ليس يخلبها ... عن الوفاء خلاب بالتحيات # ويروى عن الأصمعي أنه قال دخلت فإذا أنا بامرأة تنوح على قبر وهي مسفرة ~~فلما رأتني غطت وجهها ثم كشفته فقالت: # لا صنت وجها كنت صائنه ... يوما ووجهك في الثرى يبلى # يا عصمتي في النائبات ويا ... ركني القوي ويا يدي اليمنى # وقال آخر: # وقائلة لما رأتني مدلها ... أناديك تارات وأبكيك تارات # لقد كنت جلدا للرزيات قبلها ... فقلت لها ليست كإحدى الرزيات # أصاب بك الدهر الرزية واشتفى ... بيومك من أيام لهوي ولذاتي # وقالت ليلى الأخيلية ترثي توبة بن الحمير: # وأقسمت أبكي بعد توبة هالكا ... وأحفل من دارت عليه الدوائر # لعمرك ما بالموت عار على الفتى ... إذا لم تصبه في الحياة المعاير # ولا الحي مما يحدث الدهر معتب ... ولا الميت إن لم يصبر الحي ناشر # وما أحد حيا وإن كان ناجيا ... بأخلد ممن غيبته المقابر # وكل شباب أو جديد ms229 إلى بلى ... وكل امرئ يوما إلى الله صائر # وذكروا أنها دخلت على الحجاج بن يوسف يوما فقال لها بلغني أنك مررت على ~~قبر توبة فعدلت عنه فوالله ما وفيت له ولو كان مكانك ما عدل عن قبرك فقلت ~~أصلح الله الأمير إن لي عذرا قال وما هو قالت إني سمعته يقول: # ولو أن ليلى الأخيلية سلمت ... علي وفوقي تربة وصفائح # لسلمت تسليم البشاشة أو زقا ... إليها صدى من جانب القبر صائح # وكان معي نسوة قد سمعن قوله فكرهت أن أمر بهن على قبره فلا يكون ما قال ~~فأكون قد كذبته فاستحسن الحجاج ذلك منها وأمر بقضاء حوائجها. # وقال آخر: # دعوتك يا علي فلم تجبني ... فردت دعوتي يأسا عليا # بموتك بانت اللذات عني ... وكانت حية إذ كنت حيا # فيا أسفي عليك وطول شوقي ... إليك لو ان ذاك يرد شيا # وقال البحتري # سقى الله الجزيرة لا لشيء ... سوى أن يرتوي ذاك القليب # نصيبي كان من دنياي ولى ... فلا الدنيا تحس ولا النصيب # تولى العيش إذ ولى التصابي ... ومات الحب إذ مات الحبيب # وقال أيضا # بنا أنت من مجفوة لم تعتب ... ومعذورة في هجرها لم تؤنب # ونازحة والدار منها قريبة ... وما قرب ثاو في التراب مغيب # وقال جرير: # لولا الحياء لعادني استعبار ... ولزرت قبرك والحبيب يزار # كانت إذا هجر الضجيع فراشها ... صين الحديث وعفت الأسرار # لا يلبث القرناء أن يتفرقوا ... ليل يكر عليهم ونهار # وقال أبو نواس: # طوى الموت ما بيني وبين محمد ... وليس لما تطوي المنية ناشر # لئن عمرت دور بمن لا أحبه ... لقد عمرت ممن حب المقابر # وكنت عليه أحذر الموت وحده ... فلم يبق لي شيء عليه أحاذر # وقال آخر: # كتب السواد لناظري ... تبكي عليك وناظر # من شاء بعدك فليمت ... فعليك كنت أحاذر # وقال أشجع: # لئن أنا لم أدرك من الموت ثاريا ... ولم أشف قرحا داميا من فؤاديا # لتختر مني الحادثات وحسرتي ... بأحمد في سوداء قلبي كما هيا # لقد أفسد الدنيا علي فراقه ... وكدر منها كل ما كان صافيا # وأذكر ألا ms230 نلتقي فكأنما ... أعالج أنفاس المنايا القواضيا # ويمنعني من لذة العيش أنني ... أراك إذا فارقت لهوا ترانيا # وأنشدني أحمد بن طاهر قال: أنشدنا أبو تمام لنفسه: # هو الدهر لا يشوي وهن المصائب ... وأكثر آمال النفوس كواذب PageV01P142 ~~وقلت أخي قالوا أخ من قرابة ... فقلت نعم إن الشكول أقارب # نسيبي في رأي وعزم ومذهب ... وإن باعدتنا في الأصول المناسب # كأن لم يقل يوما كأن فتنثني ... إلى قوله الأسماع وهي رواغب # ولم أتجهم ريب دهري برأيه ... فلم يجتمع لي رأيه والنوائب # عجبت لصبري بعده وهو ميت ... وكنت امرءا أبكي دما وهو غائب # على أنها الأيام قد صرن كلها ... عجائب حتى ليس فيها عجائب # وأنشدني أبو طاهر الدمشقي للحسين بن وهب: # سقى بالموصل القبر الغريبا ... سحائب ينتحبن لنا نحيبا # فإن تراب ذاك القبر يحوي ... حبيبا كان لي يدعى حبيبا # فقدنا منك علقا كان يدني ... إلينا البر والنسب القريبا # فلما بنت نكرت الليالي ... قريب الناس والأقصى الغريبا # وأبدى الدهر قبح صحيفتيه ... ووجها كالحا جهما قطوبا # فأحر بأن يطيب الموت فيه ... وأحر بعيشه ألا يطيبا # وقال علي بن محمد العلوي: # من لي بمثلك يا روح الحياة ويا ... يمنى يدي وقد شلت من العضد # من لي بمثلك أرعاه لحادثة ... تشكى إليه ولا تشكى إلى أحد # قد ذقت أنواع ثكل أنت أبلغها ... من القلوب وأخناها على الجلد # فاليوم لم يبق شيء أستريح له ... إلا تفتت أحشائي من الكمد # قل للردى لا يغادر بعده أحدا ... وللمنية من أحببت فاعتمدي # إن السرور تقضى يوم فارقني ... وآذن العيش بالتكدير والنكد # وقال محمد بن مناذر يرثي صاحبه عبد المجيد بن عبد الوهاب الثقفي: # كل حي لاقي الحمام فمودي ... ما لحي مؤمل من خلود # لا تهاب المنون خلقا ولا تب ... قي على والد ولا مولود # فلو ان الأيام يخلدن شيئا ... لعلاه أخلدن عبد المجيد # ويح أيد حثت عليه وأيد ... غيبته ما غيبت في الصعيد # إن عبد المجيد يوم تولى ... هد ركنا ما كان بالمهدود # هد ركني عبد المجيد وقد كن ... ت بركن أنوء منه ms231 شديد # حين تمت آدابه وتردى ... برداء من الشباب جديد # وسمت نحوه العيون وما كا ... ن عليه لزائد من مزيد # فإذا ما ذكرته عرضت لي ... غصة في اللهى وحبل الوريد # وكأني أدعوه وهو قريب ... حين أدعوه من مكان بعيد # فلئن صار لا يجيب لقد كا ... ن سميعا هشا إذا هو نودي # كان لي عصمة فأودى به الده ... ر فيا حسرة الفريد الوحيد # يا فتى كان للمقامات زينا ... لا أراه في المشهد المشهود # لهف نفسي ألا أراك وهل عن ... دك لي إن دعوت من مردود # خنتك الود لم أمت كمدا بع ... دك إني عليك حق جليد # لو فدى الحي ميتا لفدت نف ... سك نفسي بطارفي وتليدي # ولئن كنت لم أمت من جوى الحز ... ن عليه لأبلغن مجهودي # لأقيمن مأتما كنجوم اللي ... ل غرا يلطمن حر الخدود # موجعات يبكين للكبد الح ... رى عليه وللفؤاد العميد # ولبعض أهل هذا العصر: # أمثل الذي ألقى يقاومه صبر ... فأصبر أم مثلي ينهنهه الزجر # لئن كنت غرا بالذي قد لقيته ... لفي فقد تمييزي يحق لي الأجر # تقضت صباباتي إليه وقصرت ... ظنوني به بل ليس ظن ولا ذكر # وكف رجائي فاطمأنت مخافتي ... فلم يبق لي إلا التأسف والفكر # فما لي رجاء غير قرب منيتي ... ولا خوف إلا أن يطول بي العمر # ولو لم يحل أسر المنية بينه ... وبيني لم أحفل بما صنع الدهر PageV01P143 ~~فليت المنايا وحدها سمحت به ... ونازعنيه البين والهجر والغدر # وبلغني أن جميلا لما حضرته الوفاة قال: من يأخذ ناقتي هذه وما عليها ~~ويأتي ماء بني فلان فينشد عنده هذين البيتين؟ فقال له بعض من حضره: أنا، ~~فأنشده: # ذكر النعي وما كنا بجميل ... وثوى بمصر ثواء غير قفول # غدر الزمان بفارس ذي بهمة ... ثبت إذا جعل اللواء يزول # فلما قضى حياته أتى الرجل الماء الذي وصف له فأنشد البيتين عنده فخرجت ~~بثينة ناشرة شعرها شاقة جيبها لاطمة وجهها وهي تقول: يا أيها الناعي بفيك ~~الحجر أما والله لئن كذبتني لقد فضحتني ولئن كنت صدقتني لقد قتلتني ثم ms232 ~~أنشأت تقول: # وإن سلوي عن جميل لساعة ... من الدهر ما جاءت ولا حان حينها # سواء علينا يا جميل بن معمر ... إذا مت بأساء الحياة ولينها # ويقال أنها لم تقل شعرا غيره وذكروا أن عروة بن حزام لما انصرف من عند ~~عفراء ابنة عقال فتوفي وجدا بها وصبابة إليها مر به ركب فعرفوه فلما انتهوا ~~إلى منزل عفراء صاح صائح منهم: # ألا أيها القصر المغفل أهله ... نعينا إليكم عروة بن حزام # ففهمت صوته ففزعت وأشرفت فقالت: # ألا أيها الركب المخبون ويحكم ... بحق نعيتم عروة بن حزام # فأجابها رجل من القوم: # نعم قد تركناه بأرض بعيدة ... مقيما بها في سبسب وأكام # فقالت لهم: # فإن كان حقا ما تقولون فاعلموا ... بأن قد نعيتم بدر كل ظلام # فلا لقي الفتيان بعدك لذة ... ولا رجعوا من غيبة بسلام # ولا وضعت أنثى تماما بمثله ... ولا فرحت من بعده بغلام # ولا لا بلغتم حيث وجهتم له ... ونغصتم لذات طل طعام # ثم سألتهم أين دفنوه فأخبروها فسارت إلى قبره فلما قاربته قالت: أنزلوني ~~فإني أريد قضاء حاجة فأنزلوها فانسلت إلى القبر فانكبت عليه فما راعهم إلا ~~صوتها فلما سمعوه بادروا إليها فإذا هي ممدودة على القبر قد خرجت نفسها ~~فدفنوها إلى جنبه. # تم القول ولله الحمد والمنة والصلاة على رسول الله. PageV01P144 قد وفينا ~~بحمد الله من التشبيب بكل ما ضمناه على حسن الترتيب الذي قدمناه فأفردنا له ~~خمسين بابا ووفينا كل باب مائة بيت مع ما دخل فيها من توابع الأبيات وشواهد ~~الاحتجاجات ولو لم يدخل في الباب من الشعر إلا ما يواطئ ترجمته مفردا من كل ~~ما يتصل به لجاء أكثر الأشعار متبترا ولبقي عامة الكلام مستوحشا لأن البيت ~~يقتضي الأبيات والكلام يطلب الاحتجاجات وليس حسنا أن يذكر البيت لمعنى فيه ~~يشاكل الباب وتفرد سائر معانيه المتعلقة بالبيت الذي يليه مما ينتظم معها ~~وينبه على صحتها وحسنها على أنه لو لزمنا أن لا نضمن الباب إلا ما يطابق ~~لفظه مفردا مما يقتضيه ويتصل به ألزمنا تفصيل المصراع ms233 من المصراع الذي لا ~~يشاكله حتى لا يكون في البيت كلمة تقتضي معنى ليس الباب موجبا له لأن في ~~أشعار بلغاء العرب الذي يتضمن أوله معنى ويتضمن آخره غيره إذ البلاغة ~~الصحيحة والمخاطبة الفصيحة في جمع المعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة وربما ~~تضمن المصراع المتأخر ضد ما يتضمنه المصراع المتقدم ولو فعلنا ذلك لخرج ~~كتابنا عن حد العلوم المستعملة والآداب المستحسنة إلى حد الجهالات المطربة ~~والنوادر المضحكة ولخرجت الأبيات لتقطع نظامها وبتر كلامها عن باب الأشعار ~~فإذا كان الاختيار والاضطرار معا يمنعان من أن لا ندخل في باب إلا ما توجبه ~~ترجمته المتقدمة له إذا فلا بد من إدخال البيت مع البيت يزاوجه ومع ~~الاحتجاج يطابقه وإن كان مما لو أفرد في نفسه لكان البيت غنيا عن ذكره ~~والذي منعني أن أجعل أبيات كل باب مائة كاملة في خاصية معناه سوى ما يتصل ~~به مما يدخل في معنى سواه شيئان أحدهما أني لو فعلت ذلك لم أضبطه إلا ~~بتحليل المقطوعات بل بانتخاب كل واحد من الأبيات وفي ذلك ما قدمنا ذكره من ~~تهجين الكتاب وتقبيح الأبواب والآخر أن الأبواب حينئذ كانت تكون بغير عدد ~~محصور ولا حد مقصور وإنما عمدنا أن يكون الكتاب مائة باب بمائة بيت فيشتمل ~~طرفاه على عشرة آلاف بيت وللمحافظة على ذلك والمراعاة لتمام الشرط فيه أعدت ~~فيما ذكرته من سرقات الشعراء خمسة أبيات فقد مرت في أبواب الغزل تكون قصاصا ~~من الخمسة الأبيات التي في الرسالة المقدمة في صدر الكتاب فنحن لأن لا يخرج ~~العدد عن حد ما قصدناه أعدنا أبياتا قصاصا عن الأبيات ليست محسوبة في باب ~~وإنما هي متمثل بها في عروض الخطاب فلو سامحنا في أن تكون الاحتجاجات ~~والأبيات المتعلقات بما يشاكل الباب من الأبيات غير داخلات في العدد ~~لاستحالت التسوية بين الأبواب ولفسد ترتيب الكتاب. PageV01P145 ونحن الآن ~~إن شاء الله وقد أتينا على الخمسين الماضية من الأبواب مبتدئون في الخمسين ~~الباقية من الكتاب فأول ما نشرع فيه من ذلك ما قيل في ms234 تعظيم أمر الله عز ~~وجل والتنبيه على قدرته والدلالة على آلائه والتحذير من سطوته ثم تعقب ذلك ~~ما قيل في رسوله صلى الله عليه وسلم ثم نتبع ذلك ما قيل في المختارين من ~~أهل بيته رحمة الله عليهم وصلواته ثم ننسق إلى آخرها على أحق الترتيب بها ~~حسب ما تبلغه أفهامنا ويومي إليه اختيارنا وإنما قدمت أبواب الغزل منها ~~دينا ودنيا ومما هو أدعى إلى مصالح النفس وأدخل في باب التقوى لأن مذهب ~~الشعراء أن تجعل التشبيب في صدر كلامها مقدمة لما تحاوله في خطابها حتى أن ~~الشعر الذي لا تشبيب له ليلقب بالحصا وتسمى القصيدة منه البتراء وإن قائلها ~~ليخرج عند أهل العلم بالأشعار عند عمل يدخل فيه الموصوفون بالاقتدار ~~والمنسوبون إلى حسن الاختيار فأحببت أن لا أخرج في تأليف الشعر عن مذهب ~~الشعراء دليلا عما ضمنت من رعاية حقوق المشاكلة ولم يصلح إذا انقضى ذكر ~~التشبيب بالغزل أن أقدم على أمر الله عز وجل أمرا ولا أرسم بين يدي الأشعار ~~الدالة على عظمته شعرا ولم أجد أحدا من الشعراء اتسع في هذا النحو اتساع ~~أمية بن أبي الصلت على أنه لم يسلم فيعظم الإسلام في قلبه ما لا تعظمه ~~إقامته على كفره وأشعار أهل الجاهلية في هذا المعنى وما كان شكله أولى أن ~~يقدم من أشعار الإسلاميين لا لسبقهم في الزمان ولا لتقدمهم في الأسنان ولكن ~~لأن إقرار الخصم بدعوى خصمه أقطع للجدل من ادعاء المرء حقا لنفسه وإن أقام ~~البينة بصحة قوله ونحن نقدم إن شاء الله ولا قوة إلا بالله ما نختاره من ~~شعر أمية وأصحابه والداخلين معه في بابه وإن لم يبلغوه فقد رموا غرضه ~~فقاربوه. # يتلوه الباب الحادي والخمسون ذكر ما قاله أمية ونظراؤه في تعظيم أمر الله ~~جل ثناؤه والحمد لله رب العالمين والصلاة على رسوله محمد وآله أجمعين. # بلغ هذا الكتاب المبارك تصحيحا ومقابلة مع نسخة أصله على حسب الجهد ~~والطاقة فصح ووافق في ذي قعدة سنة ثمان عشرة وسبع مائة من ms235 الهجرة النبوية. # كتب مقابلة مع المملوك محمد بن أبي المقاتل أحمد بن فهد بن أبي الفداء ~~إسماعيل بن إبراهيم الحمى أيده الله تعالى. # الباب الحادي والخمسون # ذكر # ما قاله أمية ونظراؤه في تعظيم الله جل شأنه # وقال أمية بن أبي الصلت: # ألا كل شيء هالك غير ربنا ... ولله ميراث الذي كان فانيا # وإن يك شيئا خالدا ومعمرا ... تأمل تجد من فوقه الله باقيا # له ما رأت عين البصير وفوقه ... سماء الإله فوق ست ثمانيا # إلى أن يفوت المرء رحمة ربه ... ولو كان تحت الأرض سبعين واديا # وقال أيضا: # ويوم موعدهم أن يخرجوا زمرا ... يوم التغابن إذ لا ينفع الحذر # وحوسبوا بالذي لم يحصه أحد ... منهم وفي مثل ذاك اليوم معتبر # فمنهم فرح راض بمبعثه ... وآخرون عصوا مأواهم سقر # يقول خزانها ما كان غيكم ... ألم يكن جاءكم من ربكم نذر # قالوا بلى فأطعنا سادة بطروا ... وغرنا طول هذا العيش والعمر # فذاك محبسهم لا يبرحون به ... طول المقام وإن ضجوا وإن صبروا # قال امكثوا في عذاب النار ما لكم ... إلا السلاسل والأغلال والسقر # وآخرون على الأعراف قد طمعوا ... بجنة حفها الرمان والخضر # يسقون فيها بكأس لذة أنف ... صفراء لا ...... فيها ولا سكر # مزاجها سلسبيل ماؤها غدق ... عذب المذاقة لا ملح ولا كدر # كائن خلت فيهم من أمة ظلمت ... قد كان جاءهم من قبلهم نذر # فأهلكوا بعذاب خص دابرهم ... فما استطاعوا له صرفا ولا انتصروا # فصدقوا بلقاء الله ربكم ... ولا يصدنكم عن ذكره البطر # وقال أيضا: # لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ... فلا شيء أعلى منك جدا ولا مجد # مليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد PageV01P146 ولا ~~بشر يسمو إليه بطرفه ... ودون حجاب النور خلق مؤيد # ملائكة أقدامهم تحت أرضه ... وأعناقهم فوق السموات صعد # فمن حامل إحدى قوائم عرشه ... بأيد ولولا ذاك كلوا وبلدوا # قيام على الأقدام عانين تحته ... فرائصهم من شدة الخوف ترعد # فهم عند رب ينظرون لأمره ... يصيخون بالأسماع للوحي ركد # أميناه روح القدس جبريل منهما ... وميكال ذي الروح القوي ms236 المسدد # ملائكة لا يفترون عبادة ... كروبية منهم ركوع وسجد # فساجدهم لا يرفع الدهر رأسه ... يعظم ربا فوقه ويمجد # وراكعهم يحنو له الظهر خاشعا ... يردد آلاء الإله ويحمد # ومنهم ملف في جناحيه رأسه ... يكاد لذكرى ربه يتفصد # وحراس أبواب السموات دونه ... قيام لديه بالمقاليد رصد # ودون كثيف الملك في غامض الهوى ... ملائكة تنحط فيه وتصعد # وبين طباق الأرض تحت بطونها ... ملائكة بالأمر فيها تردد # فسبحان من لا يقدر الخلق قدره ... ومن هو فوق العرش فرد موحد # وأنى يكون الخلق كالخالق الذي ... يدوم ويبقى والخليقة تنفذ # وليس لمخلوق على الخلق جذه ... ومن ذا على مر الحوادث يخلد # فيفنى ولا يبقى سوى القاهر الذي ... يميت ويحيي دائما ليس يهمد # تسبحه الطير الكوامن في الخفى ... وإذ هي في جو السماء تصعد # ألا أيها القلب المقيم على الهوى ... إلى أي هذا الدهر منك التصدد # ألا إنما الدنيا بلاغ وبلغة ... وبينا الفتى فيها مهيب مسود # إذا انقلبت عنه وزال نعيمها ... وأصبح من ترب القبور يوسد # وفارق روحا كان بين حياته ... وجاور موتى ماله متبدد # فأي فتى قبلي رأيتم مخلدا ... له في قديم الدهر ما يتزود # ولن تسلم الدنيا وإن ضن أهلها ... بصحبتها والدهر قد يتجدد # ألست ترى فيما مضى لك عبرة ... فمه لا تكن يا قلب أعمى تلدد # فقد جاء ما لا ريب فيه من الهدى ... وليس يرد الحق إلا مفند # فكن خائفا للموت والبعث بعده ... ولا تك فيمن غره اليوم أو غد # فإنك في دنيا غرور لأهلها ... وفيها عدو كاشح الصدر يوقد # من الحقد نيران العداوة بيننا ... لأن قال ربي للملائكة اسجدوا # لآدم لما كمل الله حقه ... فخروا له طوعا سجودا وكددوا # وقال عدو الله للكبر والشقا ... لطين على نار السموم فسودوا # فأخرجه العصيان من خير منزل ... فذاك الذي في سالف الدهر يحقد # علينا ولا نالوا خبالا وحيلة ... لنوردها نارا عليها سيورد # جحيما تلظى لا يقتر ساعة ... ولا الحر منها آخر الدهر يبرد # فما لك في الشيطان والنار أسوة ... إذا ما صليت النار بل أنت ms237 أبعد # هو القائد الداعي إلى النار لابثا ... ليوردنا منها ويتورد # فما لك في عذر وطاعة فاسق ... وما لك في نار صليت بها يد # وقال أيضا: # الحمد لله الذي لم يتخذ ... ولدا وقدر خلقه تقديرا # وأعوذ بالله العلي مكانه ... ذي العرش لم أعلم سواه مجيرا # من حر نار لا يفتر عنهم ... وهنا أعدت للظلوم مصيرا # فيها السلاسل والعذاب لمن طغى ... يدعون منها حسرة وثبورا # لا يسمعن حسيسها يا ربنا ... يوما نغيط شهقة وزفيرا # قد تأمرون القسط في أعمالهم ... لا يظلمون لذي الحساب نقيرا # فاغفر لي اللهم ذنبي كله ... أما أبيتك يوم ذاك فقيرا # وقال أيضا: # لك الحمد والمن رب العبا ... د وأنت المليك وأنت الحكم # أمرت بالإنسان من نطفة ... تخلق في البطن بعد الرحم # وإني أدين لكم إنكم ... سيصدقكم ربكم ما زعم # ولستم بأحسن صنعا ولا ... أشد قوى صلب من أدم PageV01P147 مصانع لقمان قد ~~نالها ... لها ثلب طامحات المجم # إذا ما دخلت محاريبهم ... رأيت نصاراهم كالنعم # خلا وقد كان أربابها ... عتاق الوجوه حسان اللحم # ملوكا على أنهم سوقة ... ولا يدهم كظباء السلم # فغير ذلك ريب المنون ... والمرء ليس له مال يحتكم # وقال زهير بن أبي سلمى: # واعلم ما في اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم # فلا تكتمن الله ما في نفوسكم ... ليخفى ومهما يكتم الله يعلم # يؤخر فيوضع في كتاب فيدخر ... ليوم الحساب أو يعجل فينقم # وقال عدي بن زيد: # أين كسرى خير الملوك وأبو سا ... سان أم أين قبله سابور # وبنو الأصفر الكرام ملوك الر ... وم لم يبق منهم مذكور # وأخو الخضر إذ بناه وإذ ... دجلة تجبى إليه والخابور # لم يهبه ريب المنون فباد ... الملك عنه فبابه مهجور # ثم أضحوا كأنهم ورق جف ... فألوت به الصبا والدبور # وقال لبيد بن ربيعة: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكل نعيم لا محالة زائل # وكل أناس سوف يدخل بينهم ... دويهية تصفر منها الأنامل # إذا المرء أسرى ليلة خال أنه ... قضى عملا والمرء ما عاش عامل # فقولا له ms238 إن كان يعقل أمره ... ألما يعظك الدهر أمك هابل # حدثنا إسماعيل بن إسحاق قال: حدثنا عمرو بن مرزوق قال: أخبرنا شعبة بن ~~عبد الملك بن عمير عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه: إن أصدق بيت قاله الشاعر: # ألا كل شيء ما خلا الله باطل # وقال ابن أبي عيينة: # ما راح يوم على حي ولا ابتكرا ... إلا رأى عبرة فيه إن اعتبرا # ولا أتت ساعة في الدهر فانصرفت ... حتى تؤثر في قوم لها أثرا # إن الليالي والأيام إن سئلت ... عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا # وقال آخر: # أيا عجبا كيف يعصى الإله ... أم كيف يجحده الجاحد # ولله في كل تحريكة ... وفي كل تسكينة شاهد # وفي كل حال له آية ... تدل على أنه واحد # وقال أبو العتاهية: # سبحان ذي الملكوت أية ليلة ... مخضت صبيحته بيوم الموقف # لو أن عينا وهمتها نفسها ... يوم الحساب ممثلا لم يطرف # وإن هذا لمن أحسن كلام قيل في باب التخويف بلاغة في الوعظ وسلامة في ~~اللفظ. وقد قال أبو نواس في باب الأطماع فقارب في هذا المعنى في الجودة وإن ~~كان في الحقيقة ضده وهو قوله: # ساءك الدهر بشيء ... وبما سرك أكثر # يا كثير الذنب عفو ... الله من ذنبك أكبر # ولقد أحسن الذي يقول: # لعمرك ما يدري الفتى كيف يتقي ... نوائب هذا الدهر أم كيف يحذر # فمن كان ذا عذر لديك وحجة ... فعذري إقراري بأن ليس أعذر # ومن أحسن ما أعرف في هذا المعنى قول محمود الوراق: # إذا كان شكري نعمة الله نعمة ... علي له في مثلها يجب الشكر # وكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر # فأما ما ذكرناه في هذا الباب من الأشعار الإسلامية فلا حاجة بنا إلى ~~الاحتجاج به، ولا إلى الاعتذار منه. وأما ما حكيناه من الأشعار الجاهلية ~~ففيها لعمري عبرة لمن اعتبر، وعظة لمن تذكر وتدبر. PageV01P148 ولأمية بن ~~أبي الصلت خاصة ليس لغيره من الشعراء عامة، وإن في تبينه الله عز وجل ما ms239 ~~نبهه عليه وتعريفه إياه ما عرفه من عظمته، ودله عليه من قدرته، ثم في ~~خذلانه له عن الانقياد إلى طاعته، والرجوع إلى شريعته، لدليلا بينا على أنه ~~ليس لمخلوق مع الخالق أمر ولا اختيار، جل الله عما يقول الملحدون إن في شعر ~~أمية طعنا على الدين من قبل أنه مواطن لبعض ما في القرآن، وموافق لكثير مما ~~في شريعة الإسلام. قالوا: فهذا يدل على أن القرآن منه أجدر. ومن معانيه ~~استخرج الله عز وجل تعالى عن قولهم علوا كبيرا. ولو ساعدهم التوفيق على فهم ~~ما اعتقدوه، بل لو صدفهم الحياء عن قبح ما انتحلوه، ولاستحيوا عن ذكر ما ~~ذكر أمية بن أبي الصلت، وإن كان جاهليا فقد أدرك الإسلام، ومدح النبي - صلى ~~الله عليه - وذلك موجود في شعره، ومفهوم عند أهل الخبرة به. وكيف يتوهم ~~لبيب أو يستخبر لبيب أن يهجر عليه عقله أو يحمل نفسه بدعوى ما يتهيأ تكذيبه ~~فيه بأهون السعي من مخالفته، أم كيف يظن بالنبي - صلى الله عليه - أنه يأخذ ~~المعاني من أمية وأمية يشهد بتصديقه، ويقر بكتابه، ويعزل نفسه عن التأخر ~~بالدخول في ملته، وذلك موجود فيما ذكرناه من شعره وما لم نذكره. # وسنذكر بعض ما مدح به أمية النبي - صلى الله عليه - في بابه إن شاء الله ~~ولا قوة إلا بالله. # الباب الثاني والخمسون # ما مدح به أمية النبي # صلى الله عليه وسلم وما استشهد وأنشد بين يديه # حدثنا أحمد بن عبيد بن ناصح قال: حدثنا علي بن محمد المدائني قال: حدثنا ~~محمد بن عبد الله بن أخي الزهري بن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن سعد ~~بن أبي وقاص قال: قدم وفد ربيعة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ~~فسألهم عن قس بن ساعدة الإيادي وكان نازلا فيهم: ما فعل؟ فقالوا: هلك يا ~~رسول الله، فقال: والله لقد رأيته يوما بعكاظ وهو على جمل له أحمر وهو يخطب ~~الناس وهو يقول: أيها الناس اجتمعوا واسمعوا واسمعوا وعوا: من عاش مات، ms240 ومن ~~مات فات، وكل ما هو آت آت، ما لي أرى الناس يذهبون فلا يرجعون، أرضوا ~~بالإقامة فأقاموا، أم تركوا فناموا، إن في السماء لخبرا، وإن في الأرض ~~لعبرا، ليل موضوع، وسقف مرفوع، وبحار لا تفور، ونجوم تمور، ثم بحور، أقسم ~~قس قسما بالله وما أتم، إن لله دينا هو أرضى من دين نحن عليه، ثم تكلم ~~بأبيات شعر ما أدري ما هي؟ فقال أبو بكر: أنا شاهد ذلك يا نبي الله فقال: ~~أنشدها، فأنشأ أبو بكر - رضي الله عنه - يقول: # في الذاهبين الأولين ... من القرون لنا بصائر # لما رأيت مواردا ... للموت ليس لها مصادر # ورأيت قومي نحوها ... يسعى الأكابر والأصاغر # لا يرجع الماضي إليك ... ولا من الباقين غابر # أيقنت أني لا محالة ... حيث صار القوم صائر # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لعائشة: " يا حميراء ما فعلت ~~أبياتك " ؟ قالت: فكنت أقول: يا رسول الله قال الشاعر: # ارفع ضعيفك لا يحل بك ضعفه ... يوما فتدركه العواقب قد نما # يجزيك أو يثني عليك وإن من ... أثنى عليك بما فعلت فقد جزا # قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: نعم يا عائشة إذا جمع الله ~~الخلائق يوم القيامة قال لعبد من عبيده: " عبدي صنع إليك معروفا فهل شكرته؟ ~~فيقول: يا رب علمت أنه منك فشكرت لك، فيقول: لم تشكرني إذا لم تشكر من ~~أجريت ذلك علي يديه " . # ومع هذه الأبيات: # إن الكريم إذا أردت وصاله ... لم تلف حبلي واهيا رث القوى # أرعى أمانته وأحفظ عهده ... جهدي فيأتي بعد ذلك ما أتى # وروي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنشدته عائشة الأربعة الأبيات ~~فقال: قال لي جبريل - عليه السلام - : من آويته خيرا فذلك فقد كافى. # وروي في بعض الأخبار أن ضرار بن الأزور الأسدي أتى رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فأسلم وقال: # تركت الخمور وضرب القداح ... واللهو تضربه وابتهالا # وكزي المخبر في عمره ... وشدي عن المشركين القتالا # فيا رب لا أعتبر صفقتي ... فقد بعت أهلي ومالي بدالا ms241 PageV01P149 فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما غبنت صفقتك يا ضرار. # وروي أن النابغة الجعدي أنشد النبي - صلى الله عليه وسلم - : # بلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا # فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إلى أين؟ قال: إلى الجنة بك يا رسول ~~الله. قال: لا يفضض الله فاك. # وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا ينشد: # إني امرؤ حميري حين تنسبني ... لا من ربيعة آبائي ولا مضر # فقال: ذاك أبعد من الله ورسوله والوجه في هذا والله أعلم أن افتخاره بأنه ~~لا من ربيعة ولا من مضر هو الذي أوجب له الذم والتباعد من الله عز وجل ~~ورسوله عليه السلام لا أن كونه من حمير موجب لذلك. # والذي يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم أنشده واستنشده أكثر من ذاك. وقد ~~روي عن ابن الشريد عن أبيه قال: استنشدني النبي صلى الله عليه وسلم فأنشدته ~~مائة قافية لامية فقال: إن كان ليسلم ماذا كان قد أنشد النبي صلى الله عليه ~~وسلم من شعر رجل واحد مقدار ما حددناه نحن للباب فكيف يتهيء لنا استيعاب ما ~~استنشده وما مدح به في باب غير أن الاستقصاء أصلح من طلب الغاية بالتطويل ~~والإكثار ونحن الآن نذكر طرفا مما مدح به رسول الله صلى الله عليه وسلم وما ~~رثي به بعد وفاته. وقال أبو بكر الصديق رحمة الله عليه يرثي رسول الله صلى ~~الله عليه: # أمست تأوبني هموم جمة ... مثل الصخور قد أمست هدت الجسدا # ليت القيامة قامت عند مهلكه ... كي لا نرى بعده مالا ولا ولدا # وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه يرثيه: # ما زلت مذ وضع الفراش لجسمه ... وثوى مريضا خائفا أتوقع # شفقا عليه أن يزول مكانه ... عنا فنبقى بعده نتفجع # نفسي فداؤك من لنا في أمرنا ... أمن نشاوره إذا نتوجع # وإذا تحل بنا الحوادث من لنا ... بالوحي من رب سميع نسمع # وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه يرثيه: # أمن بعد تكفيني النبي ودفنه ms242 ... بأثوابه آسى على هالك نوى # رزينا رسول الله فينا فلن نرى ... بذلك عدلا ما حيينا من الردى # وكان لنا كالحصن من دون أهله ... لهم معقل فينا حريز من العدى # وكنا برؤياه نرى النور والهدى ... صباح مساء راح فينا أو اغتدى # فقد غشيتنا ظلمة بعد موته ... نهارا فقد زادت على ظلمة الدجى # فيا خير من صم الجوانح والحشا ... ويا خير ميت ضمه الترب والثرى # كأن أمور الناس بعدك ضمنت ... سفينة نوح البحر والبحر قد سما # فضاق فضاء الأرض عنهم برحبه ... لفقد رسول الله إذ قيل قد قضى # فقد نزلت بالمسلمين مصيبة ... كصدع الصفا لا شعب للصدع في الصفا # فإن يستقل الناس تلك مصيبة ... ولن يجبر العظم الكسير إذا وهى # وفي كل وقت للصلاة يهيجه ... بلال ويدعو باسمه كلما دعا # ويطلب أقوام مواريث هالك ... ولله ميراث النبوة والهدى # وقال علي بن أبي طالب عليه السلام: # ألا طرق الناعي بليل فراعني ... وأرقني لما استقل مناديا # فقلت له لما رأيت الذي أتى ... أغير رسول الله إن كنت ناعيا # فحقق ما أشفقت منه ولم تبل ... وكان خليلي غريا وجماليا # فوالله ما أنساك أحمد ما مشت ... بي العيس في أرض وجاوزت واديا # وكنت متى أهبط من الأرض تلعة ... أرى أثرا منه جديدا وباليا # شديد جرى في الصدر نهد مصدر ... هو الموت مغدوا عليه وغاديا # وقالت صفية بنت عبد المطلب ترثيه عليه السلام: # طال ليلي أسعدنني أخواتي ... ليس ميتي كسائر الأموات # ليس ميتي من مات في النا ... س ولا كان مثله في الحياة # طال ليلي لنكبة قطعتني ... لا أرى مثلها من النكبات # وقالت صفية: # ما لعيني لا تجودان ريا ... قد رزينا خير البرية حيا # يوم نادى إلى الصلاة بلال ... فبكينا بعد النداء مليا # كل يوم أصبحت فيه ثقيلا ... لا ترد الجواب منك إليا # لم أجد قبلها ولست بلاق ... بعدها غصة أمر عليا PageV01P150 وحمان الشيخ ~~منحدر في عار ... ضيه كالمسك فاح ذكيا # وهي في الصدر قد تساق حثيثا ... ومن الوقت عند ذاك هويا # ليت يومي يكون قبلك يوما ms243 ... أنضج القلب للحرارة كيا # خلقا عاليا ودينا كريما ... وصراطا تهدي به مستويا # وسراجا يهدي الظلام منيرا ... ونبيا مسودا عربيا # حازما عازما حليما كريما ... عايدا بالنوال برا تقيا # إن يوما أتى عليك ليوم ... كدرت شمسه وكان جليا # فعليك السلام منا ومن ربك ... بالروح بكرة وعشيا # وقال أبو سفيان بن الحارث: # أرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول # فقد عظمت مصيبته وجلت ... عشية قيل قد قبض الرسول # فكل الناس منقطعين فيها ... كأن الناس ليس لهم حويل # كأن الناس إذ فقدوه عميا ... أضر بلب حارمهم عليل # نبي كان يجلو الشك عنا ... بما يوحى إليه وما يقول # ويهدينا فلا نخشى ضلالا ... علينا والرسول لنا دليل # يخبرنا بظهر الغيب عما ... يكون فلا يجور ولا يحول # ولم تر مثله في الناس حيا ... وليس له من الموتى عديل # أفاطم إن جزعت فذاك عذرا ... وإن لم تجزعي فهو السبيل # فعودي بالعزاء فإن فيه ... ثواب الله والفصل الجزيل # وقولي في أبيك ولا تملي ... وهل يخزي بفعل أبيك قيل # فقبر أبيك سيد كل قبر ... وفيه سيد الناس الرسول # وقال كعب بن مالك: # ونائحة حرى تحرق بالبكا ... وتلطم منها خدها والمقلدا # على هالك بعد النبي محمد ... ولو عقلت لم تبك إلا محمدا # فجعنا بخير الناس حيا وميتا ... وأدناه من أهل السموات مقعدا # وأعظمه فقدا على كل مسلم ... وأعظمهم في الناس كلهم يدا # إذا كان منه القول كان موفقا ... وإن كان حيا كان نورا مجددا # وقد وازنت أخلاقه المجد والتقى ... فلن تلقه إلا رشيدا ومرشدا # وقال عمرو بن سالم الخزاعي: # لعمري لئن جادت دموعي بالبكا ... لمحقوقة أن تستهل وتدمعا # أبا حفص إن الأمر جل عن البكا ... غداة نعى الناعي النبي فأسمعا # فلم أر يوما كان أعظم حادثا ... ولم أر يوما كان أكثر موجعا # فوالله لا أنساك ما دمت ذاكرا ... لشيء وما قلبت كفا وإصبعا # إذا ذكرت نفسي فراق محمد ... تهيج حزني عند ذلك أجمعا # وقال الزبرقان بن بدر: # آليت لا آسي على هالك ... بعد نبي الله خير الأنام # بعد ms244 النبي كان لنا هاديا ... من حيرة كانت وبدر الظلام # يا مبلغ الأخيار عن ربه ... فينا ويا محيي ليل التمام # فاستأثر الله به إذ وفى ... أيامه عند حضور الحمام # وأي قوم أدركوا غبطة ... دامت لهم من آل حام وسام # وقال حسان بن ثابت: # إن الرزية لا رزية مثلها ... ميت بطيبة مثله لم يفقد # فلقد أصيب جميع أمته به ... من كان مولودا ومن لم يولد # والناس كلهم لما قد عالهم ... ترجو شفاعته بذاك المشهد # حتى الخليل أبوه في أشياعه ... ونجيه موسى النبي المهتدي # متواضعين لربهم بفعالهم ... تلك الفضيلة واجتماع السؤدد # يا خير من شد المطية نحوه ... وفد لحاجته تروح وتغتدي # أنت الذي استنقذتنا من حفرة ... من يهو فيها من قواه يبعد # وهديتنا بعد الضلالة والردى ... فهدى الإله إلى السبيل الرشد # فجزاك عنا الله خير جزئه ... بمقام محمود المقام مسود # وقال أمية يمدح رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي أبيات اخترناها، وقد ~~ذكرنا بعض القصيدة في الباب الماضي وإنما أردنا هذه الأبيات من هذا الباب ~~لندل على جهل من حكينا قوله في الباب الذي قبله: # محمدا أرسله بالهدى ... فعاش غنيا ولم يهتضم # عطاء من الله أعطيته ... وخص به الله أهل الحرم # وقد علموا أنه خيرهم ... وفي بيتهم ذي الندى والكرم PageV01P151 نبي ~~الهدى طيب صادق ... رحيم رؤوف بوصل الرحم # به ختم الله من قبله ... ومن بعده من نبي ختم # يموت كما مات من قد مضى ... يرد إلى الله باري النسم # مع الأنبياء في جنان الخلود ... هم أهلها غير حل القسم # وقال حسان بن ثابت: # هجوت محمدا فأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء # فإن أبي ووالده وعرضي ... لعرض محمد منكم وقاء # وقال الله قد أرسلت عبدا ... يقول الحق ارتفع البلاء # أتهجوه ولست له بكفء ... فشركما لخيركما الفداء # وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظا وأصحه معنى ولا أعرف بعده في الأنصاف ~~غاية، ولا أقل منه في الاختصار نهاية. ومن أشبه شيء به قصة عبد الله ابن ~~رواحه حين تظلمت اليهود من خرصه عليهم بخيبر ms245 فقال: إن شئتم أخذتموه بخرصي، ~~وأعطيتموني ما يجب، وإن شئتم أخذتموه بما خرصته وقاسمتكم فأعطيتكم حقكم منه ~~على ذلك. فقالت اليهود: هذا والله الحق، بهذا قامت السموات. وهذا المعنى ~~الذي اختاره حسان رحمه الله في مدح النبي صلى الله عليه وسلم وهو الاختيار ~~في مثله، لأن من استعار وصفه بغاية ما يستحقه، والاقتصار من مدحه على ما لا ~~يتهيأ للخصم دفعه أولى من غيره، وبما عسى أن يمدح النبي صلى الله عليه ~~فيكون مستوعبا لفضله، ومقارنا لوضعه. وكل ما مدح فإنما يجري إلى منتهى ~~عمله. وفضله صلى الله عليه، يحل عن أن تدركه الخواطر والأفكار ويكبر عن أن ~~تحيط بجمعه الروايات والأخبار صلى الله عليه وعلى أصحابه وآله المنتجبين ~~صلاة تبلغه رضاه، وتتجاوز به إلى أن يقصر عنه مناه. وعليه وعليهم السلام ~~ورحمة الله. # الباب الثالث والخمسون # ذكر # ما قاله شعراء الإسلام في أهل بيت النبي # عليه السلام. # قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب يرثي عمه حمزة بن عبد المطلب رضي الله ~~عنهما: # أتاني أن هندا خل ضخم ... دعت دركا وبشرت الهنودا # فإن تفخر بحمزة يوم ولى ... مع الشهداء محتسبا شهيدا # فإنا قد قتلنا يوم بدر ... أبا جهل وعتبة والوليدا # وشيبة قد تركنا يوم أحد ... على أثوابه علقا حشيدا # وثوى من جهنم شر دار ... عليه ولم يحد عنها محيدا # فما سيان من هو في جحيم ... يكون شرابه فيها صديدا # ومن هو في الجنان يدر فيها ... عليه الرزق مغتبطا حميدا # وقال أمير المؤمنين علي أيضا يرثيه رضي الله عنهما: # رأيت المشركين بغوا علينا ... ولجوا في الرديدة والضلال # وقالوا نحن أكثر إذ تقونا ... غداة الروع بالأسل النهال # فإن يبغوا ويفتخروا علينا ... بحمزة فهو في الغرف العوالي # فقد أودى بعتبة يوم بدر ... وقد أبلى وجاهد غير آل # وقد غادرت كبشهم جهارا ... بحمد الله طلحة في المجال # فخر لوجهه ورفعت عنه ... رقي الحد جود بالصقال # وقال حسان بن ثابت يرثيه رضي الله عنهما: # هل تعرف الدار عفا رسمها ... بعدك صوب المسبل الهاطل # سألتها ms246 عن ذاك فاستعجمت ... لم تدر ما مرجوعة السائل # دع عنك دارا قد عفا رسمها ... وابك على حمزة ذي النائل # واللابس الخيل إذا أحجمت ... كالليث في غاباته الباسل # أبيض في الذروة من هاشم ... لم يمردون الحق بالباطل # مال شهيدا بين أسيافكم ... شلت يدا وحشي من قاتل # أظلمت الأرض لفقدانه ... واسود لون القمر الناصل # صلى عليك الله في جنة ... عالية مكرمة الداخل # كنا نرى حمزة ذخرا لنا ... من كل أمر نالنا نازل # وكان في الإسلام ذا تدراء ... لم يك بالواني ولا الخاذل # لا تفرحي يا هند واستحملي ... دمعا وأذري عبرة الثاكل # وابكي على شيبة إذ قطه ... بالسيف تحت الرهج الكاهل # إذ مال في مشيخة منكم ... في كل عات قلبه جاهل # نقلتم حمزة في عصبة ... تمشون تحت الحلق الفاصل PageV01P152 غداة جبريل ~~وزيرا له ... نعم وزير الفارس الحامل # وقال حسان يرثي جعفرا ومن قتل معه - رضي الله عنهم - : # تأوبني هم بيثرب أعسر ... وهم إذا ما نوم الناس مسهر # لذكرى حبيب هيجت لك عبرة ... سفوحا وأسباب البكاء التذكر # فلا يبعدن الله قتلى تتابعوا ... بمؤتة منهم ذو الجناحين جعفر # غداة مضى بالمؤمنين يقودهم ... إلى الموت ميمون النقيبة أزهر # فطاعن حتى مال في غير موسد ... لمعترك فيه القنا يتكسر # وكنا نرى في جعفر ومحمد ... وقارا وأمرا حازما حين يأمر # وما زال في الإسلام من آل هاشم ... دعائم عز لا يرام ومفخر # وهم جبل الإسلام والناس حولهم ... ركام إلى طود يروق ويقهر # بهاليل منهم جعفر وابن أمة ... علي ومنهم أحمد المتخير # وحمزة والعباس منهم ومنهم ... عقيل وماء العود من حيث يعصر # بهم تقدح اللأواء في كل معرك ... عماس إذا ما ضاق بالناس مصدر # وقال آخر: # أحب عليا وأبناءه ... ولا أصرف الحب عن جعفر # وحمزة مني له شعبة ... من الحب صادقة المكسر # وفاز أبو الفضل عم الر ... سول بالحب مني وبالأوفر # عرانين زندهم ثاقب ... وعودهم طيب المكسر # إذا انتسبوا نسبوا في القد ... يم إلى العز والعدد الأكثر # كفاك بهم وبأبنائهم ... لدينك في الناس من معشر # أحبهم للذي خصهم ... إله ms247 السموات بالكوثر # وقال آخر: # هل لقريش كلها صادقا ... والحق من جاوزه أبطلا # إن تعرفوا فضل بني هاشم ... نعرف لكم فضلا وإلا فلا # إن قلتم بالمصطفى فضلنا ... فقدرهم قبلكم أولا # فأيهم أولى به منكم ... بذلك الحكم أتى منزلا # وقال دعبل بن علي: # مدارس آيات خلت من تلاوة ... ومنزل وحي مقفر العرصات # لآل رسول الله بالخيف من منى ... وبالبيت والتجمير والعرفات # ديار علي والحسين وجعفر ... وحمزة والسجاد ذي الثفنات # قفا نسأل الدار التي خف أهلها ... متى عهدها بالصوم والصلوات # وابن الأولى شطت بهم غربة النوى ... أفانين في الآفاق مفترقات # بنفسي أنتم من كهول وفتية ... لفك عناة أو لحمل ديات # أحب قصي الرحم من أجل حبكم ... وأهجر فيكم زوجتي وبناتي # وما الناس إلا غاضب ومكذب ... ومضطغن ذو حنة وترات # ويروى أن زينب بنت علي بن أبي طالب يوم قتل الحسين أخرجت رأسها من الخباء ~~فقالت: # ماذا تقولون إن قال النبي لكم ... ماذا فعلتم وأنتم آخر الأمم # بعترتي وبأهلي عند مفتقدي ... منهم أسارى ومنهم ضرجوا بدم # ما كان هذا جزائي إذ نصحت لكم ... أن تخلفوني بشر في ذوي رحمي # وقال سليمان بن قتة مولى بني مدكور يوم الحسين رضي الله عنه: # مررت على أبيات آل محمد ... فلم أرها كعهدها يوم حلت # فلا يبعد الله الديار وأهلها ... وإن أصبحت من أهلها قد تخلت # وكانوا رجاء ثم عادوا رزية ... لقد عظمت تلك الرزايا وحلت # وإن قتيل الطف من آل هاشم ... أذل رقاب المسلمين فذلت # وقال منصور بن سلمة: # بنو بني الله يغدون في ... خوف ويغدو الناس في أمن # أمنهم ذا وهم جهرة ... من بين هذا الأنس والجن # لو أنهم أولاد فرعون أو ... هامان ما زادوا وهم ظبي # نالت علي بن أبي طالب ... منهم يد لم تدر ما تجني # من يك ذا ضغن على والد ... بطالب الأولاد بالطعن # أحقاد بدر طالبتها العدى ... من أهل بيت الرجس واللعن # لا يبعد الله ثوى عصبة ... من هاشم أفناهم المفتي # ما قتلوا إلا وقد اغدرت ... أيديهم بالضرب والطعن # وقال أيضا: PageV01P153 ولد ms248 النبي ومن أحبهم ... يتطامنون مخافة القتل # أمن النصارى واليهود وهم ... من أمة التوحيد في الأزل # وقال أيضا: # أريق دم الحسين ولم يراعوا ... وفي الأحياء أموات العقول # ألا يأبى جبينك من جبين ... جرى دمه على خد أسيل # فؤادك والسلو فإن قلبي ... سبايا إن تعود إلى ذهول # وقد شرقت رماح بني زياد ... تروى من دماء بني الرسول # أنشدني محمد بن الخطاب لنفسه في أمير المؤمنين علي رضي الله عنه: # هو الذي أودى وليدا ... في الوغى وشيبه جرعه # أنشدني محمد قال: أنشدني بعض النصارى لنفسه: # عدي وتيم لا أحاول ذكرها ... بسوء ولكنني محب لهاشم # وهل يعتريني في علي ورهطه ... إذا لم أخف في الله لومة لائم # يقولون ما بال النصارى تحبه ... وأهل النهى من مغرب وأعاجم # فقلت لهم إني لأحسب حبه ... طواه إلهي في صدور البهائم # ولم نذكر شعر النصارى في أهل بيت رسول الله صلى الله عليه افتقارا إليه ~~ولا اتكالا في فضائلهم عليه، ولكن أردنا أن ننبه على من قصدهم من أهل ملتهم ~~الذي أوجبه عليه لهم في قوله تبارك وتعالى في محكم كتابه: )قل لا أسألكم ~~عليه أجرا إلا المودة في القربى( ولو أن الله جل ثناؤه أجاز سفك دمائهم ~~رضوان الله عليهم، واعتقاد عداوتهم نصا في محكم التنزيل مكان ما أنزله في ~~الحض على مودتهم لما زاد المعاندون على ما فعلوا بهم بل قد أنزل الله في ~~قتل المشركين، فما أتتك من حريمهم، ولا سبي نسائهم، ولا ذبح أطفالهم ولا ~~قتل ساداتهم، ولا شردوا عن أوطانهم، ولا أخيفوا في مأمنهم ولا استفرع ~~المجهود في مكارههم. وقد فعل ذلك كله بآل رسول الله صلى الله عليه، ولعمري ~~ما رجع ضرر ذلك إلا على من فعله، ولا احتقب الوزر فيه إلا الذي ارتكبه. ~~وعند الله المجازاة للمظلومين، والانتصاف لهم من المعتدين، وسيعلم الذين ~~ظلموا أي منقلب ينقلبون. # وذكروا أنه لما وجه معاوية زيد بن أرطأة في طلب شيعة علي بن أبي طالب ~~عليه السلام. هرب منه عبيد الله بن العباس فوجد ms249 ابنين له صغارا فقتلهما، ~~ففي ذلك تقول أمهما: # يا من أحس بنيي اللذين هما ... كالدرتين تشظى عنهما الصدف # يا من أحس بنيي اللذين هما ... سمعي وقلبي فقلبي اليوم مختطف # نبئت بسرا وما صدقت ما زعموا ... من قولهم ومن الأمر الذي اقترفوا # أنحى على ودجي ابني مرهفة ... مشحوذة وكذاك الظلم والسرف # من ذا رأى أنني حرى مفجعة ... على صبيين ضاعا إذ مضى السلف # ثم اجتمع بسر وعبد الله عند معاوية بعد ذلك فقال له عبيد الله: أهو الشيخ ~~قاتل الصبيين، والله لوددت أن الأرض أخرجتني عندك. قال: فقد أخرجتك الساعة ~~فمه. فقال: والله لو أن معي سيفي، فقال: هاك سيفك وأهوى بيده ليناوله سيفه ~~فقال له معاوية: أف لك من شيخ. ما أجهلك تجيء إلى رجل قد قتلت ابنه فتعطيه ~~سيفك كأنك لم تعرف أكباد بني هاشم، أما والله لو بدأ بك ثم لثنى بي. فقال ~~عبيد الله لمعاوية: لا والله لبدأت بك ثم لثنيت به، وقال إبراهيم ابن عبد ~~الله بن الحسين يرثي أخاه محمد بن عبد الله عندما قتله عيسى بن موسى بن ~~محمد في المعركة: # أبا المنازل يا خير الفوارس من ... يفجع بمثلك في الدنيا فقد فجعا # الله يعلم أني لو خشيتهم ... وأوجس القلب من خوف لهم فزعا # لم يقتلوه ولم تسلم أخي لهم ... حتى نعيش جميعا أو نموت معا # ولبعض المحدثين يخاطب بعض قتلة الطالبيين: # قتلت أعز من ركب المطايا ... وجئتك أستلينك بالكلام # وعز علي أن ألقاك إلا ... وفيما بيننا حد الحسام # ولكن الجناح إذا أصيبت ... قوادمه ترف على الأكام # الباب الرابع والخمسون # مراثي الملوك والسادات # وأهل الفضل والرئاسات PageV01P154 حدثني أبو العباس أحمد بن يحيى قال: ~~حدثني محمد بن الفضل بن العباس قال: خرج الغريض ومعبد حتى إذا كانا على ~~الثنية الذي تشرف بهم على مكة فقال الغريض لمعبد: لك كل من كان بها من أهل ~~المدينة فاندفع يغني راكبا نحو المدينة: # يا راكبا نحو المدينة جرة ... أجدا تنازع حلقة وزماما # أقرأ على أهل البقيع من أمري ms250 ... عمد على أهل البقيع سلاما # كم غيبوا فيه كريما ماجدا ... كهلا ومقتبل الشباب غلاما # ونفيسة في أهلها مزكوة ... جمعت صباحة جثة وثماما # فسمعت البكاء من سطوح مكة من ها هنا ومن ها هنا من كان بها أم كان من أهل ~~المدينة. فاندفع يتغنى: # أسعداني بعبرة أسراب ... من دموع كثيرة التسكاب # إن أهل الخضاب قد تركوني ... موزعا مولعا بأهل الخضاب # سكنوا الجزع جزع بنت أبي مو ... سى إلى النخل من صفي السياب # سكنوا بعد غبطة ورجاء ... وسرور بالعيش تحت التراب # كم بذاك الحجون من حي صدق ... وكهول أعفة وشباب # فارقوني وقد علمت يقينا ... ما لمن مات ميتة من إياب # أهل بيت تتابعوا للمنايا ... ما على الموت بعدهم من عتاب # فلي اليوم بعدهم وعليهم ... صرت فردا وملني أصحابي # قال: فما بقيت دار إلا سمعنا فيها الصراخ يصرخون حتى اصطبحوا. # وقال زهير بن أبي سلمى يرثي النعمان بن المنذر بن ماء السماء، وكان سبب ~~زوال ملكه فيما بلغنا أنه قتل عدي بن زيد العبادي، وكان النعمان قد ضم زيد ~~بن عدي إلى بعض أصحاب كسرى، فنشأ زيد ولم يزل يتوصل إلى كسرى حتى استكتبه ~~فقال زيد لكسرى: لم يبق على الملك إلا أن يتزوج إلى العرب فقال لكسرى وهل ~~يأتي على ذلك أحد؟ فقال: أيها الملك إن العرب يشق عليها أن يتزوج إليها غير ~~عربي، ولكن النعمان عاملك، فلو كتبت إليه في ذلك. فكتب إليه، فكتب النعمان ~~يدعو الملك للزواج من بنات عمه اللاتي كأنهن المها ويخطب ....... فقال كسرى ~~لزيد: ما يقول النعمان؟ فقال: يقول على الملك ببنات عمه اللاتي يتشبهن ~~بالبقر، وأوهمه أن هذا على جهة العيب والبغيضة. فغضب كسرى، وكتب إليه يأمره ~~بالقدوم عليه. فجزع النعمان من ذلك، وخاف أن يكون إشخاصه إياه لمكروه يريده ~~به، فجمع أقاربه وعشائره وشاورهم في أمره فقال له ذوو الرأي منهم: لا طاقة ~~له بمغالبته وعصيانه ونحن بين يديك، فأجمع على الشخوص إليه. فلما كان ~~بساباط تلقاه زيد بن عدي. فقال له: انج نعيم. يصغره ms251 بذلك ويحقره. فقال له: ~~أنت تقول هذا يا زيد، والله لئن رجعت لألحقنك بأبيك، فقال: انج نعيم فوالله ~~لقد ضربت لك أخية لا يقطعها إلا المهر الأرن، فسار حتى أتى كسرى، فوجه به ~~إلى خانقين فيقال انه لم يزل محبوسا حتى هلك. ويقال أنه كان في محبسه يسأل ~~زيدا الصفح عن جرمه والسعي في تخليصه فيقول صار فلم يرجع، فإما أن يرده ~~وإما أن يلحق به، ففي أمر النعم يقول زهير: # أراني إذا ما شئت لاقيت آية ... تذكرني بعض الذي كنت ناسيا # ألم تر للنعمان كان بنجوة ... من الشر لو أن أمرا كان ناجيا # فغير عنه ملك عشرين حجة ... من الدهر يوما واحدا كان عاديا # فلم أر مسلوبا له مثل ملكه ... أقل صديقا كافيا ومواسيا # رأيتهم لم يشركوا بنفوسهم ... منيته لما رأوا أنها هيا # سوى أن حيا من رواحة حافظوا ... وكانوا زمانا يكرهون المجازيا # فقال لهم خيرا وأثنى عليهم ... وودعهم توديع أن لا تلاقيا # وقال الذبياني: # لا يهنئ الناس ما يرعون من كلأ ... وما يسوقون من أهل ومن مال # بعد ابن عاتكة الثاوي ببلقعة ... أمسى ببلدة لا عم ولا خال # حسب الخليلين نأي الأرض بينهما ... هذا عليها وهذا تحتها بال # وقال رجل من طي: # لعمري لقد أردوك غير مؤمل ... ولا معلق باب السماحة بالعذر # سأبكيك لا مستبقيا فيض عبرة ... ولا طالبا بالصبر عاقبة الصبر # وقال آخر: PageV01P155 فتى كان مكراما لنفس كريمة ... مهيبا لدنيا غير ~~مأمونة العذر # وكان لأحداث المنايا ذخيرة ... فليس لها من بعده اليوم من ذخر # وقال الخريمي: # وما شاب حتى شاد للمجد بيته ... وحتى اكتسى ثوبي جمال وسؤدد # لذكراك أحلى في الفؤاد وفي الحشا ... من الشهد بالعذب الزلال المبرد # على أن بين السحر والنحر جمرة ... متى ما أهيجها بذكراك توقد # فقدتك فقد الطفل أما حفية ... على صرع منه وحدثان مولد # دعاها فلما استجمعت من دعائه ... أجال على ثدي لأخرى مجدد # فأنكره فارتاع يلمس أمه ... وبات له ليل السليم المسهد # وقال مطيع بن أياس: # أقول للموت حين نازله ... والموت ms252 مقدامه على البهم # لو قد تدبرت ما صنعت به ... عضضت كفا عليه من ندم # فاذهب بما شئت إذ ذهبت به ... ما بعد يحيى للرزء من ألم # وقال آخر: # أودى محمد المؤمل والذي ... شلت بمصرعه يد المعروف # من بعد ما أفنى المنى بكماله ... وحوى فضيلة فعل كل شريف # قتلته عين العجب نيط بها العمى ... والدهر يأتي كرة بصروف # أمسى يكبد نفسه فكأنه ... قمر تغشاه الدجى بكسوف # ومشى البلى في جسمه فكأنه ... ورد قطيف مؤذن بحفوف # لو شئت لا شئت العزاء لنبهت ... بالوجد عني لوعتي ونحوفي # بأبي أهنت علي كل رزية ... وأطلت في كدر الحياة وقوفي # وقال آخر: # لهفي عليك للهفة من خائف ... كنت المجير لها وليس مجير # أما القبور فلا تزال أنيسة ... بجوار قبرك والديار قبور # جلت مصيبته فعم مصابه ... والناس كلهم به مأجور # والناس مأتمهم عليه واحد ... في كل دار رنة وزفير # تجري عليك دموع من لم توله ... خيرا لأنك بالثناء جدير # ردت مكارمه عليه حياته ... وكأنه من نشرها منشور # وقد أخذ الطائي في هذا المعنى بلطف في قوله أنشدنا أحمد بن أبي طاهر عنه: # محمد بن حميد أخلقت رممه ... هريق ماء المعالي مذ هريق دمه # رأيته بنجاد السيف محتبيا ... في اليوم كالبدر حلت وجهه ظلمه # في روضة قد علا ساحاتها زهرا ... أيقنت بعد انتباهي أنها نعمه # فقلت والدمع من حزن ومن فرح ... في النوم قد أخذ الخدين منسجمه # ألم تمت يا شقيق الجود مذ زمن ... فقال لي لم تمت من لم يمت كرمه # وقال آخر: # مضى فمضت عيني به كل لذة ... تقر بها عيناي وانقطعا معا # دفعنا بك الأقدار حتى إذا أتت ... تريدك لم نسطع لها عنك مدفعا # وقال آخر: # غدا ناعيك يوم غدا بخطب ... يبث الشيب في رأس الوليد # وتقعد قائما يشجى حشاه ... ويطلق للقيام حبى القعود # وأضحت خشعا منه نزار ... مركبة الرواجب في الخدود # وقال معن بن زائدة في يزيد بن عمرو بن هبيرة: # ألا إن عينا لم تجد يوم واسط ... عليك بما في دمعها لجمود # لفقد ms253 أخ كان الإخاء إخاءه ... إذا عد أو خان الودود ودود # على ذكر قيس الخافقين وخندف ... أغر له الغر الكرام وفود # فلم أنسه إذ خندق الموت حوله ... عليه من الحتف المطل حدود # فقيل له اقذف بالحياة وانجها ... وثابا له طوع الفراق حدود # فقاتل حتى أعذر الحي منهم ... وقام له بالعذر ثم شهود # وفل الحسام العضب الأسمر الذي ... بناه وظل الطرف وهو تليد # كأنك لم تبعد على متعهد ... بلى كل من تحت التراب فقيد # وقال آخر: # لعمرك ما الرزية فقد مال ... ولا شاة تموت ولا بعير # ولكن الرزية فقد ميت ... يموت لموته بشر كثير # وقال: PageV01P156 عليك سلام الله قيس بن عاصم ... ورحمته ما شاء أن ~~يترحما # تحية من ألبسته منك نعمة ... إذا زار عن شحط بلادك سلما # فما كان قيس هلكه هلك واحد ... ولكنه بنيان قوم تهدما # وقال آخر: # أحقا عباد الله أن لست رائيا ... عمارة طول الدهر إلا توهما # فأقسم ما حشمته من ملمة ... تؤود كرام القوم إلا تجشما # ولا قلت مهلا وهو غضبان قد علا ... من الغيظ وسط القوم إلا تبسما # وقال النمر بن تولب: # أبا خالد ما كان أدهى مصيبة ... أصابت معدا يوم أصبحت ثاويا # لعمري لئن شر الأعادي فأظهروا ... شماتا لقد مروا بربعك خاليا # فإن تك أفنته الليالي وأوشكت ... فإن له مجدا سيفنى اللياليا # وقال آخر وأحسبه لبيدا: # لعمري لئن كان المخبر صادقا ... لقد رزئت في سالف الدهر جعفر # أخا كان أما كل شيء سألته ... فيعطي وأما كل ذنب فيعفر # وقال حارثة بن بدر يرثي زيادا: # صلى الإله على قبر وطهره ... عند الثوية يسفى فوقه المور # زفت إليه قريش نعش سيدها ... فالجود والحزم فيه اليوم مقبور # أبا المغيرة والدنيا مفجعة ... وإن من غر بالدنيا لمغرور # قد كان عندك للمعروف معرفة ... وكان عندك للنكراء تنكير # وكنت تسعى وتعطي المال من سعة ... إن كان بابك أضحى وهو مهجور # والناس بعدك قد خفت حلومهم ... كأنما نفخت فيها الأعاصير # وقال آخر يرثي معن بن زائدة: # ألما على معن فقولا لقبره ... سقيت العوادي ms254 مربعا ثم مربعا # أحين ثوى معن ثوى الجود والندى ... وأصبح عرنين المكارم أجدعا # أيا قبر معن أنت أول حفرة ... من الأرض خطت للسماحة مضجعا # ويا قبر معن كيف واريت جوده ... وقد كان منه البر والبحر مترعا # بلى قد وسعت الجود والجود ميت ... ولو كان حيا ضقت حتى تصدعا # فتى عيش في معروفه بعد موته ... كما السيل أضحى بعد مجراه مرتعا # وقال آخر: # تولى سعيد حين لم يبق مشرق ... ولا مغرب إلا له فيه مادح # كأن لم يمت حي سواك ولم يقم ... على أحد إلا عليك النوائح # لئن حسنت فيك المراثي وذكرها ... لقد حسنت من قبل فيك المدائح # وقال إبراهيم بن هشام يرثي عمرو بن جري: # ولو كان البكاء يرد حقا ... على قدر الرزايا بالعباد # لكان بكاك بعد أبي حوي ... يقل ولو جرى بدم الفؤاد # مضى وأقام ما دجت الليالي ... له مجد يجل عن المقاد # وقال آخر: # فلله جاري اللذان هما ... قريبين مني والمزار بعيد # مقيمان بالبيداء لا يبرحانها ... ولا يسألان الركب أين تريد # هما تركا عيني لا ماء فيهما ... وشكا فؤاد القلب وهو عميد # وبلغنا أنه كان سبب موت مروان بن عبد الملك أنه وقع بينه وبين أخيه ~~سليمان فقال يا ابن من تلحن أمه ففتح فاه ليجيبه وإلى جانبه عمر بن عبد ~~العزيز فأمسك عليه فيه، ورد كلمته وقال: يا أبا عبد الملك أخوك وابن أبيك ~~وله السن عليك، فقال أبا حفص قتلتني، قال: وما صنعت بك؟ قال: رددت في جوفي ~~أحر من الجمر، ومال لجنبه فمات وفيه يقول جرير يخاطب أخاه لأمه يزيد بن عبد ~~الملك: # أبا خالد فارقت مروان عن رضى ... وكان يزين الأرض أن تنزلا معا # نسير فلا مروان للحي إن شتوا ... ولا الركب إن أمسوا مخفين جوعا # الباب الخامس والخمسون # نوح الأهل والإخوان على من فقدوه من الشجعان # أنشد أحمد بن أبي طاهر عن أبي تمام: # كذا فليجل الخطب وليفدح الأمر ... وليس لعين لم يفض ماؤه عذر # إلا في سبيل الله من عطلت له ... فجاج ms255 سبيل الله وانثغر الثغر # فتى كل ما فاضت عيون قبيلة ... دما ضحكت عنه الأحاديث والذكر PageV01P157 ~~فتى مات بين الضرب والطعن ميتة ... تقوم مقام النصر إن فاته النصر # وما مات حتى مات مضرب سيفه ... من الضرب واعتلت عليه القنا السمر # وقد كان قرب الموت سهلا فرده ... إليه الحفاظ المر والخلق الوعر # ونفس تعاف العار حتى كأنه ... هو الكفر يوم الروع أو دونه الكفر # فأثبت في مستنقع الموت رجله ... وقال لها من تحت أخمصك الحشر # كأن بني نبهان يوم وفاته ... نجوم سماء خر من بينها البدر # وأنى لهم صبر عليه وقد مضى ... إلى الموت حتى استشهدا هو والصبر # فتى كان عذب الروح لا من غضاضة ... ولكن كبرا أن يكون به كبر # فتى سلبته الخيل وهو حمى لها ... وبزته نار الحرب وهو لها جمر # وقد كانت البيض المآثر في الوغى ... بواتر فهي الآن من بعده بتر # لئن أبغض الدهر الخؤون لفقده ... لعهدي به ممن يحب به الدهر # لئن غدرت في الروع أيامه به ... لما زالت الأيام شيمتها الغدر # لئن ألبست فيه المنية طيئا ... لما عريت منه تميم ولا بكر # كذلك ما ننفك تفقد هالكا ... يشاركنا في فقده البدو والحضر # ثوى في الثرى من كان يحيا به الثرى ... ويغمر صرف الدهر نائله الغمر # مضى طاهر الأثواب لم يبق روضة ... غداة ثوى إلا اشتهت أنها قبر # عليك سلام الله وقفا فإنني ... رأيت الكريم الحر ليس له عمر # وقالت امرأة من كندة في أخوتها: # أبو أن يفروا والقنا في نحورهم ... فماتوا وأطراف القنا تقطر الدما # ولو أنهم فروا لكانوا أعزة ... ولكن رأوا صبرا على الموت أكرما # هوت أمهم ماذا بهم يوم صرعوا ... بجيشان من أسباب مجد تصرما # أنشدنا أحمد لأبي تمام: # بأبي وغير أبي وذاك قليل ... ثاو عليه ثرى النياح مهيل # خذلته أسرته كأن سراتهم ... جهلوا بأن الخاذل المخذول # أكلال أشلال الفوارس بالقنا ... أضحى بهن وشلوه مكلول # كفي فقتل محمد لي شاهد ... إن العزيز مع القضاء ذليل # أنسى أبا نصر نسيت إذن يدي ... في حيث ينتصر ms256 الفتى وينيل # هيهات لا يأتي الزمان بمثله ... إن الزمان بمثله لبخيل # للسيف بعدك حرقة وعويل ... وعليك من وجد التليد غليل # إن طال يومك في الوغى فلقد ترى ... فيه ويوم الهام منك طويل # يا يوم قحطبة لقد أبقيت لي ... حرقا أرى أيامها ستطول # ليث لو أن الليث قام مقامه ... لانصاع وهو يراعة إجفيل # لما رأى جمعا قليلا في الوغى ... وأولو الحفاظ من القليل قليل # لاقى الكريهة وهو مغمد روعه ... فيها ولكن سيفه مسلول # ومشى إلى الموت الزؤام كأنما ... هو من سهولته عليه دخيل # ما زال ذاك الصبر وهو عليكم ... بالموت في ظل السيوف كفيل # مستبسلون كأنما مهجاتكم ... ليست لكم إلا غداة تسيل # ألفوا المنايا والقتيل لديهم ... من أن يخلي العيش وهو قتيل # إن كان ريب الدهر أثكلنيكم ... فالدهر أيضا ميت مثكول # وأنشدني بعض الأدباء: # أيا شجر الخابور مالك مورقا ... كأنك لم تجزع على ابن طريف # فتى لا يحب الزاد إلا من التقى ... ولا المال إلا من قنا وسيوف # وأنشدني ابن أبي طاهر لأبي تمام: # لو فر سيف من العيوق منطلقا ... ما كان إلا على هاماتهم يقع # يود أعداؤهم لو أنهم قتلوا ... وأنهم صنعوا مثل الذي صنعوا # ويضحك الدهر منهم عن غطارفة ... كأن أيامهم من حسنها جمع # من لم يعاين أبا نصر وقاتله ... فما رأى ضيغما في شدقها سبع # فيم الشماتة إعلانا بأسد وغى ... أفناهم الصبر إذ أبقاكم الجزع ~~PageV01P158 لا غرو إن قتلوا صبرا وإن جزعوا ... والقتل للصبر في حكم الفتى ~~جزع # وقالت الخنساء ترثي أخاها صخرا: # ألا ما لعينك أم ما لها ... لقد أخضل الدمع سربالها # فأقسمت أأسى على هالك ... وأسأل باكية ما لها # وخيل تكدس مشى الوعو ... ل نازلت بالسيف أبطالها # بمعترك بينهم ضيق ... تجر المنية أذيالها # تقابلها فإذا أدبرت ... بللت من الطعن أكفالها # ومحصنة من بنات الملو ... ك قعقعت بالرمح خلخالها # فإن تك مرة أودت به ... فقد كان يكثر تقتالها # أنشدنا أحمد بن أبي طاهر لأبي تمام قالت الخنساء: # اذهب فلا يبعدنك الله من رجل ... تراك ضيم وطلاب بأوتار ms257 # قد كنت تحمل قلبا ليس مؤتسيا ... مركبا من نصاب غير خوار # مثل السنان كضوء البدر صورته ... جلد المريرة حر وابن أحرار # فسوف أبكيك ما ناحت مطوقة ... وما أضاء نجوم الليل للساري # أبلغ خفافا وعوفا غير مقصرة ... عميمة من نداء غير أسرار # شدوا المآزر حتى تستقاد لكم ... وشمروا إنها أيام تشمار # وأبكى فتى البأس لاقته منيته ... وكل نفس إلى وقت ومقدار # كأنهم يوم راموه بجمعهم ... راموا الشكيمة من ذي لبدة ضار # متى تفرجت الآلاف عن رجل ... ماض على الهول هاد غير مختار # تجيش منه فويق الثدي من يده ... معايد من نجيع الجوف فوار # لو منكم كان فينا لم ينل أبدا ... حتى تلاقوا أمورا ذات آثار # أعني الذين إليهم كان منزلة ... هل تعلمون ذمام الضيف والجار # خفاف بن ندبة وعوف هذان اللذان عاتبتهما من الفرسان المعدودين وكانا مع ~~صخر فهربا عنه، وقد أدرك خفافا الإسلام فأسلم، وشعر الخنساء هذا من أجود ~~الشعر لفظا وأحسنه معنى، ألا ترى إلى اعتذارها من قتله أنه لم يقتله رجل ~~مثله، وإنما تفرجت الألف عنه وحده، ثم أبى معاينتها من فزعته واستنهاضها ~~الشجعان لاستغاثة النسوان، وقد كانت الخنساء من أحسن أهل زمانها، ثم رزئت ~~أخاها معاوية ثم عمرو، فلم تزل تبكيه وتحسن القول في مراثيه حتى رزئت أخاها ~~صخرا بعده، قد رزئتها المصايب، وهذبت شعرها النوائب، وقل من ناله من الجزع ~~مثل ما نالها، لقد بلغني أن أخوتها أن استعدوا عليها عمر بن الخطاب رضي ~~الله عنه: لا تبكي عليه فإنه من أهل النار. قالت ذلك أعظم لحزني عليه، ~~وبلغني عن عمر رضي الله عنه، أنه قال: دعوها فكل ذي شجو تبكي شجوه وهذا ~~الذي اعتذرت به لأخيها من قبله هو من أحسن ما تهيأ الاعتذار به اعتذرت ~~بالمقدار الذي لا شيء يجاوز مثله، ولا أحد يخرج عن قبضته ثم لم تقتصر عليه ~~وحده حتى وضعت كثرة المؤازرين على قبله. # وما قصر أبو تمام فيما ذكرناه، وما نذكره إن شاء الله من اعتذاره لمن ~~يرثيه ...... للقتل ...... للصبر ms258 على الفرار من اللقاء، والجزع عند معاينة ~~الأكفاء، وأحسب أن أبا تمام كان معجبا بهذا المعنى الذي قد وقع له فلذلك ~~كان كثيرا ما يردده. وأنشدني أحمد بن أبي طاهر: # إن ينتخل حدثان الموت أنفسكم ... ويسلم الناس بين السر والعطن # فالماء ليس عجيبا أن أعذبه ... يفنى ويمتد عمر الآجن الآسن # رزء على طيء ألقى كلاكله ... لا بل على أزد لا بل على اليمن # لم يثكلوا ليث حرب مثل محطبة ... من بعد قحطبة في سالف الزمن # إلا تكن صهرت عن منظر حسن ... منه فقد صدرت عن مسمع حسن # رأى المنايا خيالات النفوس ولم ... تسكن سوى المنية العليا إلى سكن # لو لم يمت بين أطراف الرماح إذا ... لمات لو لم يمت من شدة الحزن ~~PageV01P159 أما صدر الكلام فحسن، وأما البيت الأخير ففيه إفراط شديد، ~~ومعنى ليس بالعذب، ولا بالشديد، وذلك أن الشجاع إنما يؤثر الموت على الفرار ~~خوفا لما يلحقه من العار، فإنما إيثاره قتل الأعداء له على قتله لهم، ~~وظفرهم به وبقومه على ظفره بهم وبقومهم. فهذا يخرج عن حد الشجاعة، ويدخل في ~~حد الرقاعة، وليس ينبغي لكل من تمكن من معنى، وتسهل له نظمه أن ينظمه في ~~شعره، ويحتمل ما يدخل فيه من المجال، رغبة في التوفيق في الحال، وطلب ~~التوسط والاعتدال، خير على كل حال، لأنه لا يخرج عن حد التقصير والإخلال، ~~ولا يبلغ بصاحبه إلى درجة المحال. # قالت بنت بدر ترثي الزبير بن العوام: # غد ابن جرموز بفارس بهمة ... يوم اللقاء وكان غير معرد # يا عمرو لو نبهته لوجدته ... لا طائشا رعش الجنان ولا اليد # ثكلتك أمك إن قتلت لمسلما ... حلت عليك عقوبة المتعمد # وكان قتل الزبير فيما بلغنا أنه لما انصرف عن البصرة تبعه ابن جرموز فعطف ~~عليه الزبير فقال له: نشدتك بالله فكف عنه، فلما جاوزه تبعه فلما عطف عليه ~~الزبير رحمه الله ناشده فكف عنه، فلما صار على قريب من فرسخين من البصرة ~~نام فضربه بن جرموز مغتالا، فقال: ما له قاتله الله يذكرني بالله ms259 ثم ينساه ~~فأخذ رأسه وصار به إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فقال للآذن ائذن له، ~~وبشره بالنار، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: بشر قاتل ابن ~~صفية بالنار فقال ابن جرموز: # أتيت عليا برأس الزبير ... وقد كنت أرجو به الزلفة # فبشر بالنار قبل العيا ... ن فبئس بشارة ذي التحفة # فسيان عندي رأس الزبير ... وضرطة عنز بذي الجحفة # أنشدنا ابن أبي طاهر: # دموع أجابت داعي الحزن هجع ... توصل منا عن قلوب تقطع # عفاء على الدنيا طويل فإنها ... تفرق من حيث ابتدت تتجمع # ولما قضى ثوب الحياة وأوقعت ... به نائبات الموت ما يتوقع # غدا ليس يدري كيف يصنع معدم ... درى دمعه من وجده كيف يصنع # وقمنا فقلنا بعد أن أفرد الثوى ... به ما يقال للسحابة تقلع # ألم تك ترعانا من الدهر إن سطا ... وتحفظ من آمالنا ما نضيع # وتربط جأشا والكماة قلوبهم ... تزعزع خوفا من فتى يتزعزع # فأنطق فيه حامد وهو مفحم ... وأفحم فيه حاسد وهو مصقع # وقال البحتري: # قبور بأطراف الثغور كأنها ... مواقعها منها مواقع أنجم # حتوف أصابتها الحتوف وأسهم ... من الموت كر الموت فيها بأسهم # ترى البيض لم تعرفهم حيث واجهت ... وجوههم في المأزق المتجهم # بلى أن حد السيف أعذر صاحب ... وأكفر من نالته نعمة منعم # الباب السادس والخمسون # ذكر # النوح على من مات من الأبناء والقرابات # ذكروا أن النبي صلى الله عليه وسلم، لما قتل النضر بن الحارث بن كلدة ~~جاءت أخته فعلقت بزمام راحلته صلى الله عليه وأنشأت تقول: # يا راكبا إن الأثيل مظنة ... من صبح خامسة وأنت موفق # بلغ به ميتا بأن تحية ... ما إن تزال به النجائب تخفق # مني إليه وعبرة مسفوحة ... جادت لمائحها وأخرى تخنق # هل يسمعن النضر إن ناديته ... إن كان يسمع ميت لا ينطق # ظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق # النضر أقرب ما أخذت قرابة ... وأحقهم إن كان عتق يعتق # ما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق # فيقال أن النبي ms260 صلى الله عليه قال: لو سمعت هذا قبل أن أقتله ما قتلته، ~~وليس هذا مستنكر من أخلاقه. وذكروا أن أبا بكر الصديق رحمه الله صلى الصبح ~~يوما فلما انفتل قام متمم بن نويرة في مؤخر الناس، وكان رجلا أعور ذميما ~~فاتكى على سية قوسه ثم قال: # نعم القتيل إذا الرياح تناوحت ... خلف البيوت قتلت يا ابن الأزور ~~PageV01P160 أدعوته بالله ثم غررته ... لو هو دعاك بربه لم يغرر # وأومأ إلى أبي بكر فقال أبو بكر: والله ما دعوته، ولا غدرت به. ثم بكى ~~متمم وانخرط على سية قوسه حتى دمعت عينه العوراء. ثم أتم شعره فقال: # لا يمسك العوراء تحت ثيابه ... حلو شمائله عفيف المئزر # ولنعم حشو الدرع كنت وحاسرا ... ولنعم مأوى الطارق المتنور # فقال له عمر: لوددت أنك رثيت أخي بمثل هذا. فقال يا أبا حفص: لو لم أعلم ~~أن أخي صار حيث ما صار أخوك ما رثيته: يعني أن أخا عمر مات شهيدا فقال عمر: ~~ما عزاني أحد عن أخي بمثل تعزيته. وذكروا أن متمم بن نويرة كان لا يمر ~~بقبر، ولا يذكر الموت بحضرته إلا قال: يا مالك ثم فاضت عبرته ففي ذلك يقول: # وقالوا أتبكي كل قبر رأيته ... لقبر ثوى بين اللوى فالدكادك # فقلت لهم إن الأسى يبعث البكا ... ذروني فهذا كله قبر مالك # وقال دريد بن الصمة يرثي أخاه: # أمرتهم أمري بمنعرج اللوى ... ولم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... غوايتهم وأنني غير مهتد # فما أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد # وقلت لهم طنوا بألفي مقاتل ... سرابهم في الفارسي المسرد # دعاني أخي والخيل بيني وبينه ... فلما دعاني لم يجدني بقعدد # فجئت إليه والرماح تنوشه ... كوقع الصياصي في النسيج الممدد # وكنت كذات البو ريعت فأقبلت ... إلى قطع من جلد سقب مقدد # فطاعنت عنه الخيل حتى تنهنهت ... وحتى علاني حالك اللون أسود # فنادوا وقالوا أردت الخيل فارسا ... فقلت أعبد الله ذلكم الردي # فإن يك عبد الله خلى مكانه ms261 ... فما كان وقافا ولا طائش اليد # قليل التشكي للمصيبات حافظ ... من اليوم أعقاب الأحاديث في غد # وقالت الخنساء في أخيها: # وقد كنت أستعفي الإله إذا اشتكى ... من الأجر لي فيه وإن عظم الأجر # وأجزع أن تنأى به بين أهله ... فكيف ببين صار معتاده الحشر # وقالت أيضا: # يا صخر بنت فهاجني تذكاري ... شأنيك عاش بذلة وصغار # كنا نعد لك المدائح كلها ... فاليوم صرت تناح في الأشعار # وقال أيضا: # ألا يا صخر إن أبكيت عيني ... فقد أضحكتني دهرا طويلا # بكيتك في نساء معولات ... وكنت أحق من أبدى العويلا # دفعت بك الجليل وأنت حي ... فمن ذا يدفع الخطب الجليلا # إذا قبح البكاء على قتيل ... رأيت بكاءك الحسن الجميلا # ولما مات عاصم بن عمر بن عبد العزيز جزع عليه أخوه عبد الله فرثاه فقال: # فإن تك أحزان وفائض عبرة ... أثرن دما من داخل الجوف منقعا # تجرعتما في عاصم واحتسبتها ... لأعظم منها ما احتسى وتجرعا # فليت المنايا كن صادفن غيره ... فعشنا جميعا أو ذهبن بنا معا # وقال ربيع الأسدي يرثي أخاه: # كأني وصيفي شقيقي لم نقل ... لموقد نار آخر الليل أوقد # فلو أنها إحدى يدي رزئتها ... ولكن يدي بانت على إثرها يدي # وقال آخر في أخ له قتل: # زعموا قتلت وعندهم عذر ... كذبوا وقبرك ما له عذر # والله لو بك لم أدع أحدا ... إلا قتلت لفاتني الوتر # قال العتبي من ولد عتبة بن أبي سفيان، وكان من رواة أخبار الجاهلية ~~والإسلام ومات له بنون فرثاهم مرات كثيرة منها: # أضحت بخدي الدموع رسوم ... أسفا عليك وفي الفؤاد كلوم # والصبر يحمد في المصائب كلها ... إلا عليك فإنه مذموم # ما واحد في ستة أسكنتهم ... حفرا تقسم بينهم ورجوم # لولا معالم رسمهن لما اهتدى ... لحميمه بين القبور حميم # وقال أيضا: # أما يزجر الدهر عني المنونا ... يبقي البنات ويفني البنونا # وكنت أبا ستة كالبدو ... رقد فقأوا أعين الحاسدينا PageV01P161 فمروا على ~~حادثات الزما ... ن كمر الدراهم بالناقدينا # وما زال ذلك دأب الزما ... ن حتى أماتهم أجمعينا # وحتى بكى لي حسادهم ... وقد ms262 أقرحوا بالدموع الجفونا # وحسبك من حادث بامرئ ... ترى حاسديه له راحمينا # فمن كان يسليه مر السنين ... فحزني تجدده لي السنونا # وقال محمد بن حسان الضبي: # هيئ لأحمد في الثرى بيت ... وخلا له من أهله بيت # وكأن مولده ويوم وفاته ... صوت دعا فأجابه صوت # ومات ابن لأرطاة بن سهية من غطفان، فأقام على قبره حولا يأتيه كل غداة ~~فيقول: يا عمرو إن أقمت حتى أصبح هل أنت غاد معي. وينصرف، فلما كان عند رأس ~~الحول انصرف عن قبره وأنشأ يقول: # وقفت على قبر ابن ليلى ولم يكن ... وقوفي عليه غير مبكى ومجزع # هل أنت ابن ليلى إن نظرتك ليلة ... من القوم أو غاد غداة غد معي # وذكروا أن خالد بن الوليد قتل رجلا من بني عذرة يقال له فطن بن شريع، ~~فأقبلت أمه فقالت: # ألا تلك المسرة لا تدوم ... ولا يبقى على الدهر النعيم # ولا يبقى على الحدثان عقر ... بشاهقة لها أم رؤوم # وقالت أيضا: # يا جامعا جامع الأحشاء والكبد ... يا ليت أمك لم تولد ولم تلد # ثم انكبت عليه وشهقت وماتت. # وقالت امرأة ترثي ابنها: # لا يبعد الله فتيانا رزئتهم ... بانوا لوقت مناياهم وقد بعدوا # أمست قبورهم شتى وتجمعهم ... حوض المنايا ولم يجمعهم بلد # ميت بمصر وميت بالعراق ... وميت بالحجاز منايا بينهم بدد # دعوا من المجد أحيانا إلى أجل ... حتى إذا أكملت أطمارهم وردوا # كانت لهم همم فرقن بينهم ... إذا القعاديد عن أمثالهم قعدوا # بذل الجميل وتفريج الجليل ... وإعطاء الجزيل إذا لم يعطه أحد # وقال آخر: # لقد شمت الأعداء بي وتنكرت ... عيون أراها بعد هلك أبي عمرو # تجرى علي الدهر لما فقدته ... ولو كان حيا لاجترأت على الدهر # أسكان بطن الأرض لو يقبل الفدا ... فدينا وأعطينا بكم ساكن الظهر # وقاسمني دهري بني بحكمه ... فلما ترقى شطره مال في شطري # فأضحوا ديونا للمنايا ومن يكن ... عليه لها دين قضاه إلى العسر # كأنهم لم يعرف الدهر غيرهم ... فثكل على ثكل وقبر جدا قبر # وكنت به أكنى فأصبحت كلما ... كنيت به فاضت دموعي ms263 على نحري # ألا ليت أمي لم تلدني وليتني ... سبقتك إذ كنا إلى غاية نجري # وقال بعض الشعراء يرثي ابنا له مفقودا: # فلو صارفونا الناس قبلي بينهم ... أتيح له موت فأضمره قبر # إذن لصبرت النفس ثم احتسبته ... وفي الصبر لله المثوبة والأجر # ولكن طوت عني المقادير علمه ... فما لي به منذ انثنى شخصه خبر # أموت فيسلى أم حياة فترتجى ... أبر أتى من دون مثواه أو بحر # فرحمتك اللهم قد بلغ الأسى ... نهاية مجهودي فقد غلب الصبر # وقال الفضل بن العباس الكاتب: # نفسي فداء فقيد خفف المؤنا ... طول الحياة وعند الطعن إذ طعنا # فما حمينا له زادا يزوده ... ولا كفلنا له نعشا ولا كفنا # مضى على وجهه لا عن مراغمة ... تشجيه منا وإلا استدعت له الإحنا # قد كنت تذكر أن الأمر مقترب ... في سفرة لم تزل منها تحذرنا # فليت شعري أمقتولا ثويت بها ... أو في عراض الردى أمسيت مرتهنا # يقربنك لأم الأرض أكلة ... لم يبق فيه لنا روحا ولا بدنا # أودى الزمان بعباس وخلفني ... من بعده كمدا حيران مرتهنا # كأنني واله اغتيل واحدها ... فليس تألف من ثكل به وطنا # فإن تضمنه ربي إليه فما ... أحصي السوالف من نعماه والمننا # وفي نحو ذلك وهو من نفس الكلام: # ليت شعري ضلة ... أي شيء قتلك # أعدو لم تخف ... ه أم رصيد ختلك PageV01P162 طاف يبغي نجوة ... من هلاك ~~فهلك # كل شيء قاتل ... حين تلقى أجلك # والمنايا رصد ... للفتى حيث سلك # أي شيء حسن ... في فتى لم يك لك # الباب السابع والخمسون # ذكر # من جزع فاحتاج إلى تعزية أوليائه # ومن رزق الصبر فاستغنى بحسن عزائه # حدثنا القاضي إبراهيم بن عيسى الزهري قال، وحدثنا محمد بن عاصم صاحب ~~الحانات قال: حدثنا سليمان بن عمرو وأبو داود النخعي عن مهاجر بن الشامي عن ~~عبد الرحيم بن غنم عن معاذ بن جبل قال: مات ابن لي فكتب إلي رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. من محمد رسول الله إلى معاذ بن جبل سلام عليك، فإني أحمد ~~إليك الله الذي لا ms264 إله إلا هو. أما بعد، فعظم الله لك الأجر، وألهمك الصبر، ~~ورزقنا وإياك الشكر، ثم أن أنفسنا وأموالنا وأهالينا وأولادنا مواهب لله ~~الهينة ...... المستودعة متعك به في غبطة وسرور، وقبضه أجر كبير إن صبرت ~~واحتسبت، فلا تجمعن عليك يا معاذ أن يحيط جزعك أجرك فتندم على ما فاتك، فلو ~~قدمت على ثواب مصيبتك عرفت أن المصيبة قد قصرت عنه، واعلم أن الجزع لا يرد ~~ميتا، ولا يدفع حزنا، فليذهب أسفك ما هو نازل بك، فكان قدر السلام. لولا ما ~~تقدم من ضماننا أن نضمن كل باب مائة بيت من الشعر لاستغنينا بهذه التعزية ~~وحدها عن كل ما كان من جنسها لأنها بحمد الله مستغنية عما يوجدها، دالة على ~~قبح ما يخالفها. وما عسى أن نذكر بعدها، هل تركت لقائل مقالا أو ضمنت ~~أقطارها زللا واختلالا معاذ الله هي أحسن كمالا، وأتم جمالا من أن يحبسها ~~التوكيد أو ينوء بها التأييد، وأنها لموجبة على من عقلها أن يعتد المصيبة ~~نعمة، وأن يرى الجزع منها نعمة، ولقد أصاب أبو تمام الطائي بعض الإصابة في ~~قوله، وإن كان سمع هذه التعزية وكسا شعره بعض معانيها فقد أحسن في فعله حيث ~~يقول: # لله در بني خليف معشرا ... أي امرء فجعوا به ولربما # فجعوا بذي الحسب التليد فأصبحوا ... لا ملبسين ولا ضعافا رخما # حتى كأن عدوهم مما يرى ... من صبرهم حسب المصيبة أنعما # وممن عزى نفسه فأحسن تعزيتها، وكفى أولياءه مداراتها، ومؤونة التشاغل بها ~~ابن سبيل معبد البجلي حيث يقول: # وهون عني بعض وجدي أنني ... رأيت المنايا تغتدي وتنوب # وأني رأيت الناس أفنى كرامهم ... حوادث ذل العالمين نصيب # وما نحن إلا منهم غير أننا ... إلى أجل ندعى له فنجيب # ولقد أحسن الذي يقول: # وهون وجدي إنما هو كائن ... أمامي وإني وارد اليوم أو غد # وهون وجدي إنني لم أقل له ... كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي # وقال عبد الصمد يرثي عمرو بن سعيد بن سلم: # تولى أبو عمرو فقلت له عمرو ... كفانا طلوع البدر غيبوبة ms265 البدر # وكنا عليه نحذر الدهر وحده ... فلم يبق ما يخشى عليه من الدهر # وهون وجدي أن من عاش بعده ... ملاقي الذي لاقى وإن مد في العمر # وهون وجدي إنني لا أرى امرء ... من الناس إلا وهو مغض على وتر # وكانت تعم الناس نعماء كفه ... فعموا عليه بالمصيبة والأجر # وما قصرت الخنساء حيث تقول: # ولو لا كثرة الباكين حولي ... على إخوانهم لقتلت نفسي # وما يبكون مثل أخي ولكن ... أعزي النفس عنه بالتأسي # وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظا، وأحسنه اختصارا، وأشده استيفاء لأجل ~~معنى، وذلك أنها وكدت جزعها عليه بإخبارها أنه لا مانع لها من قتل نفسها ~~إلا كثرة نظائرها، ثم أفردت قتيلها من جملة قتلى غيرها فشبهت نفسها ~~بأنفسهم، ورفعت قتيلها عن قتلاهم، وقد أحسن الذي يقول، وإن كان دون ذلك: # ولا تجزعي يا أم زيد وفاته ... ستأتي المنايا كل حاف وذي نعل # فلولا الأسى ما بت في الحبس ليلة ... ولكن إذا ما شئت جاوبني مثلي # وقال الحسن بن عبيد الربيعي في أخيه جبار: # وطيب نفسي عن خليلي أنني ... إذا شئت لاقيت امرء يتلهف # جرينا لما حال الحوادث بينه ... وبين الأحباء الذي كان يألف PageV01P163 ~~أجدك لا تنسى ولا أنت ذاكرا ... خليلك إلا ارفضت العين تذرف # ولقد أحسن الذي يقول: # عز من ظن أن يفوت المنايا ... والمنايا قلائد الأعناق # إنما عجلت سهام المنايا ... فالذي أخرت سريع اللحاق # قلت للفرقدين والليل ملق ... سود أكنافه على الآفاق # أبقيا ما بقيتما فسيرمى ... بين شخصيكما بسهم الفراق # وقال آخر: # لعمري لقد راعت أمامة طلعتي ... وإن ثوابي عندها لقليل # يقول أراه غره لاهيا به ... وذلك خطب لو علمت جليل # فلا تحسبي أني تناسيت عهده ... ولكن صبري يا عميم جميل # وقال آخر: # بأبي وأمي من عبأت حنوطه ... بيدي ومن بوأته لحدا # فارقته لا أشتكي لفراقه ... وخلقت يوم خلقت جلدا # ولأبي العتاهية: # قدم العهد وأسلاني الزمن ... إن في القبر لمسلى والكفن # وكما تبلى وجوه في الثوى ... فكذا يبلى عليهن الحزن # وقال آخر في ابن له: # أجارتنا لا تجزعي ms266 وأنيبي ... أتاني من الموت المطل نصيبي # عجبت لإسراع المنية نحوه ... وما كان لو كليته بعجيب # يؤمل عيشا في حياة ذميمة ... أضرت بأبدان لنا وقلوب # وما خير عيش لا يزال مقرعا ... بفوت نعيم أو بموت حبيب # لعمري لقد دافعت يوم محمد ... لو أن المنايا ترعوي لطبيب # وقال أعرابي وقتل أخوه ابنا له، فقدم ليقتاد منه، فلما أهوى بالسيف ارتعد ~~زنده فألقى السيف وعفا عنه وقال: # أقول للنفس تأنيبا وتعزية ... إحدى يدي أصابتني ولم ترد # كلاهما خلف من فقد صاحبه ... هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي # وقال أبو خراش: # حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا ... خراش وبعض الشر أهون من بعض # على أنها تعفو الكلوم وأنها ... توكل بالأدنى وإن جل ما مضى # فوالله لا أنسى قتيلا رزئته ... فجانب قوسي ما مشيت على الأرض # ولم أدر من ألقى عليه رداءه ... على أنه قد شل عن ماجد محض # وقال هشام أخو ذي الرمة: # تسليت عن أوفى بغيلان بعده ... عزاء وجفن العين بالدمع مترع # ولم تنسني وفى المصائب بعده ... ولكن نكأ القرح بالقرح أوجع # وقال آخر: # فكان سنان من هريم خليقة ... وحصنا وأمرا سالما يتعتب # كواكب دجن كلما انقض كوكب ... بدا وانجلت عنه الدجنة كوكب # وقال أوس بن حجر وكان فيما ذكر أبو عبيدة شاعر مضر حتى نشأ زهير والنابغة ~~فوضعا منه ولكنه شاعر تميم غير مدافع: # أيتها النفس اجملي طمعا ... إن الذي تحذرين قد وقعا # إن الذي جمع السماحة والنجدة ... والبأس والندى جمعا # وهذا أتم في الحال مما ذكرناه قبله أنه تسلى عن منيته بغيره لأن هذا جعل ~~الناس وحده سببا لتسلية نفسه وأولئك جعلوا حياة الباقي سببا للتسلي عن ~~المضي. وهذا يعتوره حالان من النقصان أحدهما تقصير بالماضي إذ كان من بعده ~~يسلي فقده، ويسد موضعه. والثاني تقصير القائل بنفسه إذ جعلها غير منقادة له ~~في التسلي عن من يئست منه إلا بإقامة عوض ينوب عنه. وقال رجل لعمر بن عبد ~~العزيز عند وفاة ابنه عبد الملك: # تعز أمير المؤمنين فإنه ... لما قد ms267 ترى يغذي الصغير ويولد # هل ابنك إلا من سلالة آدم ... لكل على حوض المنية مورد # ولما قتل بسر بن أرطاة عمرو بن أراكة جزع عليه أخوه عبد الملك: # لعمري لئن أتبعت عينيك ما مضى ... به الدهر أو ساق الحمام إلى القبر # لتستنفدن ماء الشؤون بأسره ... ولو كنت تمريهن من لجج البحر # تبين فإن كان البكا رد هالكا ... على أحد فاجهد بكاك على عمرو # ولا تبك ميتا بعد ميت أجنه ... علي وعباس وآل أبي بكر # وقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: # ترى المرء يبكيه إذا مات قبله ... وموت الذي يبكي عليه قريب PageV01P164 ~~يود الفتى المال الكثير وإنما ... لنفس الفتى مما ينال نصيب # وقال آخر: # لا تكره المكروه عند نزوله ... إن العواقب لم تزل متباينة # كم من يد لا يستقل بشكرها ... لله في ظل المكاره كامنة # وقال آخر يعزي رجلا عن أبيه: # اصبر لكل مصيبة وتجلد ... واعلم بأن المرء غير مخلد # وإذا ذكرت محمدا ومصابه ... فاذكر مصابك بالنبي محمد # وبلغني أن رجلا عزى يحيى عن حرمة له فقال: أيها الوزير تقديم الحرم من ~~النعم وتمثل: # تعز إذا رزئت فخير درع ... تسربل للمصائب درع صبر # ولم أر نعمة شملت كريما ... كعورة مسلم سترت بقبر # وقال بعض الطاهريين: # لكل أبي أنثى إذا ما ترعرعت ... ثلاثة أصهار إذا ذكر الصهر # فأم تراعيها وبعل يصونها ... وقبر يواريها وخيرهم القبر # وقال البحتري: # أتبكي من لا ينازل بالسي ... ف مشيحا ولا يهز اللواء # لسن من زينة الحياة كعهد الله ... منها الأموال والأبناء # وتلقت إلى القبائل فانطر ... أمهات ينسبن أم آباء # ولعمري العجز عندي إلا ... أن يبين الرجال تبكي النساء # وقال يزيد بن الحكم الثقفي: # فإن تحتسب تؤجر وإن تبكه تكن ... كباكية لم يحيى ميتا بكاؤها # ومن سر حظي مسلم من مصيبة ... بكاء وأحزان قليل جداؤها # وذكر لنا أن محمد بن عبد الملك الزيات كانت له جارية وكان بها ضنينا وكان ~~له منها ابن يقال له عمرو، فماتت وابنه صغير فقال فيها: # ألا من رأى الطفل المفارق ms268 أمه ... بعيد الكرى عيناه تنسكبان # ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبة ... ولا يأتسي بالناس والحدثان # رأى كل أم وابنها غير أمه ... يبيتان تحت الليل ينتجيان # يرن بصوت مض قلبي نشيجه ... وسح دموع ثرة الهملان # فلا تلحياني إن بكيت فإنما ... أداوي بهذا الدمع ما تريان # وهذا لعمري اعتذار من شدة الجزع ينكأ قلوب اللائمين وسلى عيون الشامتين ~~ويخرج المعزين إلى التعزية، وتستغرب معانيه، ويستجاد شعره ويستعذب لفظه على ~~معاره ...... قول ماوية بن مرة امرأة كليب تشتكي ما بها من قتل أخيها ~~لزوجها: # يا قتيلا قوض الدهر به ... سقف بيتي جميعا من عل # هدم البيت الذي استحدثته ... وبدا في هدم بيتي الأول # يا نسائي دونكن اليوم قد ... خصني الدهر برزء معضل # حضني قتل كليب بلظى ... من ورائي ولظى مستقبلي # ليس من يبكي ليومين كمن ... إنما يبكي ليوم مقبل # درك الثائر شافيه وفي ... دركي ثأري ثكل الثكل # قتل جساس على وجدي به ... قاطع ظهري ومفن أجلي # لو بعين فديت عين سوى ... أختها فانفقأت لم أحفل # إن تكن أخت امرئ ليمت على ... شفق منها عليه فافعل # جل عندي فعل جساس فيا ... حسرتي عما انجلى أو ينجلي # إنني قاتلة مقتولة ... ولعل الله أن يرتاح لي # وقال آخر: # تمنى ابنتاي أن يعيش أبوهما ... وهل أنا إلا من ربيعة أو مضر # وباكيتان تندبان لعاقل ... أخا ثقة لا عين منها ولا أثر # وقوما فقولا بالذي قد علمتما ... ولا تخمشا وجها ولا تحلقا شعر # وقولا هو المرء الذي لا خليله ... أضاع ولا خان الوفاء ولا غدر # إلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولا كاملا فقد اعتذر # وهذا من الكلام السائر اللفظ المستعمل المعنى إذ ليس ترى ميتا وإن جل ~~رزؤه وعظم فقده يبكي عليه إلا في الندرات، فأما النياحة والاجتماعات فلا ~~يراها إلا قبل الحول، وليس يستحسن من أهل المصائب مراعاة الحزن والإفراط في ~~باب الجزع، وليس يحسن أيضا التحقق بقسوة القلب وقلة الجزع من فقد المحبوب ~~كالذي يقول: # يبكى علينا ولا نبكي على أحد ... لنحن أغلظ ms269 أكبادا من الإبل PageV01P165 ~~ولكن بين الطرفين واسطة عادلة، فيها رقة تشاكل طباع المؤمنين، وحسن تجلد ~~يشبه أخلاق المتقين، فقد روي عن النبي صلى الله عليه أنه بكى على ابنه ~~إبراهيم وقال: لو نفع الحزن حزنا عليك حزنا هو أشد من هذا وأنا عليك يا ~~إبراهيم لمحزونون، تدمع العين، ويحرق القلب، ولا نقول ما يسخط الرب. # الباب الثامن والخمسون # ذكر # التزهيد فيما يفنى والترغيب فيما يبقى # بلغنا أن أمية بن أبي الصلت أغمي عليه في مرضه الذي مات فيه، فأفاق وهو ~~يقول: لبيكما لبيكما هأنذا لديكما، لا ثري فأعتذر ولا ذو قوة فأنتصر. ثم ~~أغمي عليه ثم أفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما لا مال لي يفتديني ولا عشيرة ~~تحميني، ثم قال: # ليتني كنت قبل ما قد بدا لي ... في قلال الجبال أرعى الوعولا # كل عيش وإن تطاول يوما ... صائر مره إلى أن يزولا # فاجعل الموت نصب عينيك واحذر ... غولة الدهر إن للدهر غولا # أنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي لنافع بن لقيط القفعسي: # اذهب إليك فليس يعلم عالم ... من أين يجمع خطه المكتوب # يسعى ويأمل والمنية خلفه ... يوفي الأكام بها عليه رقيب # يسعى الفتى لينال أقصى سعيه ... هيهات ذاك ودون ذاك خطوب # لا الموت محتقر الصغير فعادل ... عنه ولا كبر الكبير مهيب # فلئن بليت لقد عبرت كأنني ... غصن تفيأه الرياح رطيب # وكذاك حقا من يعمر يبله ... كر الزمان عليه والتقليب # حتى تعود إلى البلى وكأنه ... بالكف أفوق ناصل مغصوب # مرط الفداد فليس فيه مصنع ... لا الريش ينفعه ولا التعقيب # وقال لبيد: # المرء يأمل أن يعيش وطول عيش ما يضره # تفنى بشاشته ويبقى حلو العيش مره # وتصرف الحالات حتى لا يرى شيئا يسره # كم شامتا بي إن هلكت وقائلا لله دره # وقال أيضا: # بلينا وما تبلى النجوم الطوالع ... ويبقى الخيال بعدنا والمصانع # وما الناس إلا كالديار وأهلها ... بها يوم حلوها ونغدو بلاقع # وما المرء إلا كالشهاب وضوؤه ... يحور رمادا بعد إذ هو ساطع # وما المال والأهلون إلا ودائع ... ولا بد يوما ms270 أن ترد الودائع # أخبر أخبار القرون التي مضت ... أؤود كأني كلما قمت راكع # أليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحنى عليه الأضالع # فأصبحت مثل السيف أخلق جفنه ... تقادم عهد القين والنصل قاطع # أعاذل ما يدريك إلا تظننا ... إذا رحل السفار من هو راجع # وذكر ابن الأعرابي أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: ما في شعر العرب ~~أحكم من شعر بعض العابدين: # لقد غرت الدنيا رجالا فأصبحوا ... بمنزلة ما بعدها متحول # فساخط أمر لا يبدل غيره ... وراض بأمر غيره سيبدل # وبالغ أمر كان يأمل دونه ... ومختلج من دون ما كان يأمل # وقال آخر: # يا موت ما أقساك من نازل ... تنزل بالمرء على رغمه # تستخرج العذراء من خدرها ... وتأخذ الواحد من أمه # وقال الفرزدق: # أخاف وراء القبر إن لم يعافني ... أشد من القبر التهابا وأضيقا # لقد خاب من أولاد آدم من مشى ... إلى النار مغلول القلادة أزرقا # وقال الخليل بن أحمد: # وقبلك داوى الطبيب المريض ... فعاش المريض ومات الطبيب # فكن مستعدا لداعي الفنا ... فإن الذي هو آت قريب # وقال التستري: # ويل لمن لم يرحم الله ... ومن تكون النار مثواه # يا غفلتي من كل يوم مضى ... يذكرني الموت وأنساه # كأنما قد قيل في مجلس ... قد كنت آتيه وأغشاه # صار البشيري إلى ربه ... يرحمنا الله وإياه # وقال محمود الوراق: # بقيت مالك ميراثا لوارثه ... فليت شعري ما بقى لك المال # القوم بعدك في حال يسرهم ... فكيف بعدهم حالت بك الحال PageV01P166 ملوا ~~البكاء فما يبكيك من أحد ... واستحكم القيل في الميراث والقال # ألهتهم عنك دنيا أقبلت لهم ... وأدبرت عنك والأيام أحوال # وقيل للمؤيد مات الملك فقال: كان أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه ~~أمس، فأخذه أبو العتاهية فقال: # بكيتك يا أخي بدموع عيني ... فما أغنى البكاء عليك شيا # وكانت في حياتك لي عظات ... وأنت اليوم أوعظ منك حيا # وقال أبو نواس: # أية نار قدح القادح ... وأي حكم بلغ المازح # لله در الشيب من واعظ ... وناصح لو قبل الناصح # أغد فما في ms271 الشيب أغلوطة ... ورح بما أنت له رائح # من يتق الله فذاك الذي ... سيق له المتجر الرابح # لا يجتلي الحوراء في خدرها ... إلا فتى ميزانه راجح # فاسم بعينيك إلى نسوة ... مهورهن العمل الصالح # وقال أيضا: # إذا امتحن الدنيا لبيب تكشفت ... له عن عدو في ثياب صديق # وما الناس إلا هالك وابن هالك ... وذو نسب في الهالكين عريق # وقال أبو دؤاد الإيادي: # وكل حصن وإن طالت سلامته ... يوما ستدركه النكباء والحوب # كل امرئ بلقاء الموت مرتهن ... كأنه غرض للموت منصوب # وقال حاتم طي: # وما أهل طود مكفهر حصونه ... من الموت إلا مثل من حل بالصحر # وما دارع إلا كآخر حاسر ... وما مقتر إلا كآخر ذي وفر # تنوط لنا حب الحياة نفوسنا ... ويسري إلينا الموت من حيث لا ندري # وقال آخر: # لعمرك ما الدنيا بدار إقامة ... ولو عقلوا كانوا جميعا على رجل # فما تبحث الساعات إلا عن البلى ... ولا تنطوي الأيام إلا على ثكل # وقال مضرس بن ربعي: # وما هي إلا ليلة ثم يومها ... وحول إلى حول وشهر إلى شهر # منايا يقربن الصحيح من البلى ... ويدنين ذا الجسم الصحيح من القبر # ويتركن أزواج الغيور لغيره ... ويقسمن ما يحوي الشحيح من الوفر # وقال آخر: # وما أهل الحياة لنا بأهل ... ولا دار الفناء لنا بدار # وما أموالنا إلا عوار ... سيأخذها المعير من المعار # وقال آخر: # وما الدنيا لصاحبها بدار ... وما حظ البنان من الخضاب # غناء عن مؤمله قليل ... دنو اللامعات من السراب # وما أدري وإن سافرت يوما ... على رجع الظنون متى إيابي # وقال أبو بكر العرزمي: # نراع إذا الجنائز قابلتنا ... ونسكن حين تخفى ذاهبات # كروعة ثلة لمغار سبع ... فلما غاب عادت راتعات # وقال آخر: # اسمع فقد آذنك الصوت ... إن لم تبادر فهو الفوت # نل كلما شئت وعش آمنا ... آخر هذا كله الموت # وهذا مأخوذ من قول النابغة: # وعمرو بن دهمان الهنيدة عاشها ... وتسعين عاما ثم قوم فانصاتا # فعاد سواد الرأس بعد بياضه ... وعاجله شرخ الشباب الذي فاتا # وعاجله حلم أصيل وقوة ... ولكنه من بعد ذا ms272 كله ماتا # وذكر عن الأصمعي أنه قال: أصبت حفرا حول الحيرة فإذا فيه رجل عليه حلتان ~~وإذا عند رأسه لوح مكتوب فيه أنا عبد بن حيان بن بقيلة: # حلبت الدهر أشطره حياتي ... ونلت من المنى فوق المزيد # وكافحت الأمور وكافحتني ... ولم أخضع لمعضلة كؤود # وكدت أنال في الشرف الثريا ... ولكن لا سبيل إلى الخلود # وقال آخر: # استعدي يا نفس للموت واسعي ... لنجاة فالحازم المستعد # قد تبينت أنه ليس للحي خل ... ود ولا من الموت بد # أي ملك في الأرض أو أي حظ ... لامرئ حظه من الأرض خلد # كيف يهوى امرء لذاذة أيا ... م عليه الأنفاس فيها تعد # ولعمري لقد طرف إسماعيل بن جعفر حيث يقول: # أصبحت الدنيا لنا عبرة ... والحمد لله على ذالكا # اجتمع الناس على ذمها ... وما نرى منهم لها تاركا PageV01P167 الباب ~~التاسع والخمسون # ذكر # أشعار الظرفاء من الملوك والخلفاء # قال أبو بكر الصديق رحمه الله: # لما رأيت نبينا متحملا ... وضاقت علي بعرضهن الدور # يا ليتني من قبل مهلك صاحبي ... غيبت في جدث علي صخور # فلتحدثن بدائع من بعده ... تعيا بهن جوانح وصدور # وقال أيضا رضي الله عنه: # علل النفس بالكفاف وإلا ... طلبت منك فوق ما يكفيها # ما لما قد مضى ولا للذي لم ... يأت من لذة لمستحليها # إنما أنت طول عمرك ما عمر ... ت للساعة التي أنت فيها # وقال معاوية: # سرحت بطالتي وأرحت حلمي ... وفي على تحلمي اعتراض # على أني اجتنبت إذا دعتني ... إلى حاجاتها الحدق المراض # وقال الوليد بن يزيد: # شاع شعري في سليمى وظهر ... ورواه كل بدو وحضر # وتهادته الجواري بينها ... وتغنين به حتى انتشر # لو علمنا لسليمى أثرا ... لسجدنا ألف ألف للأثر # وقال المهدي: # من العين واقفة عبرة ... فلا هي تجود ولا تقطر # ومن تحت أحشائه لوعة ... إليك بها كبد تزفر # فيا راميا في حشا نفسه ... بسهم الفراق وما يشعر # ببغداد ينزل من قد هويت ... وأنت غدا مربع منكر # وقال الرشيد: # ملك الثلاث الآنسات عناني ... وجللن في قلبي بكل مكان # ما لي تطاوعني البرية كلها ms273 ... وأطيعهن وهن من عصياني # ما ذاك إلا أن سلطان الهوى ... وبه قوين أعز من سلطاني # وذكروا أن الفضل بن الربيع اشتكى شكاة، فكتب إليه الرشيد: أطال الله مدتك ~~وأدام عافيتك، ما منعني من المسير إليك إلا التطير من عيادتك واعذر أخاك ~~فوالله ما جفاك ولا قلاك ولا استبدل بك سواك، وفيك أقول: # أعزز علي بأن تبيت عليلا ... أو أن يحل بك السقام نزيلا # ولقد سألت فأبت عنك بغصة ... إذ قيل أوعك أو أحس عليلا # فوددت أني مالك لسلامتي ... فأعيركاها بكرة وأصيلا # هذا أخ لك يشتكي إذ تشتكي ... وكذا الخليل إذا أحب خليلا # وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابنا له: # نأى آخر الأيام عنك حبيب ... فللعين سح دائم وغروب # يؤوب إلى أوطانه كل غائب ... وأحمد في الغياب ليس يؤوب # تبدل دارا غير داري وجيرة ... سواي وأحداث الزمان تنوب # أقام بها مستوطنا غير أنه ... على طول أيام المقام غريب # قليل من الأيام لم ترو ناظري ... بها منه حتى أغفلته شعوب # كطل سحاب لم يقم غير ساعة ... إلى أن أطاحته وطاح جنوب # أو الشمس لما من غمام تحسرت ... مساء وقد ولت وحان غروب # وكان نصيب العين من كل لذة ... فأضحى وما للعين منه نصيب # وكانت يدي ملأى به ثم أصبحت ... بعدل إلهي وهي منه سليب # فأصبحت مجنونا كئيبا كأنني ... علي لمن ألقى الغداة ذنوب # سأبكيك ما أبقت دموعي والبكا ... بعيني ماء يا بني يجيب # وما لاح نجم أو تغنت حمامة ... وما اخضر في فرع الأراك قضيب # وأضمر إن أنفذت دمعي لوعة ... عليك بها تحت الضلوع وجيب # فما لي إلا الموت بعدك راحة ... وليس لنا في العيش بعدك طيب # قصمت حياتي بعد ما هد منكبي ... أخوك ورأسي قد علاه مشيب # وإني وإن قدمت قبلي لعالم ... بأني وإن أبطأت منك قريب # وإن صباحا نلتقي في مسائه ... صباح إلى قلبي الغداة حبيب # وقال إبراهيم يعتذر إلى المأمون في عقد البيعة في غيبته وادعائه الخلافة ~~لنفسه: # والله يعلم ما أقول فإنه ... جهد الألية من حنيف راكع # ما ms274 إن عصيتك والغواة تمدني ... أسبابها إلا بنية طائع # فعلوت حتى لم يكن عن مثله ... عفو ولم يشفع لديك بشافع PageV01P168 إلا ~~العلو عن العقوبة بعدما ... ظفرت يداك بمستكين خاضع # ورحمت أطفالا كأفراخ القطا ... وحنين والهة كقوس النازع # نفسي فداؤك إن تضل معاذري ... وألوذ منك بفضل حلم واسع # وقال المأمون حين أخذ إبراهيم: # لما رأيت الذنوب جلت ... عن المجازاة بالعقاب # جعلت فيه العقاب عفوا ... أقصى من الضرب للرقاب # ذكروا أن المأمون أرسل غلاما له إلى جارية يهواها فأبطأ عليه، فلما أقبل ~~أنشأ يقول: # بعثتك مشتاقا ففزت بنظرة ... وأبطأت حتى قد أسأت بك الظنا # ومازحت من أهوى وكنت مقربا ... فيا ليت شعري عن لقائك ما أغنى # وأمرحت طرفا في محاسن وجهها ... ومتعت باستمتاع نغمتها أذنا # أرى أثرا منها بعينك بينا ... لقد سرقت عيناك من حسنها حسنا # وقال المأمون أيضا: # أرى ماء وبي عطش شديد ... ولكن لا سبيل إلى الورود # أما يكفيك أنك تملكيني ... وأن الناس كلهم عبيدي # وقال المتوكل: # جزعت للحب والحمى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي # من كان يشغله عن إلفه وجع ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي # وما أمل حبيبي ليتني أبدا ... مع الحبيب ويا ليت الحبيب معي # هذه مائة بيت من أشعار الخلفاء، ولو شئنا أن نختار من شعر واحد منهم مائة ~~بيت لم يكن ذلك متعذرا، غير أنا لم نحب أن نزيد على ما شرطناه ولا نغير ~~الرسم عما ابتدأناه. # وقال النجاشي يفضل عليا على معاوية: # نعم الفتى أنت لولا أن بينكما ... كما يفاضل نور الشمس والقمر # إني امرؤ قل ما أثني على أحد ... حتى أرى بعض ما يأتي وما يذر # لا تحمدن امرءا حتى تجربه ... ولا تذمن من لم يبله الخبر # ومما قيل في الجود. قال أبو تمام: # لئن جحدتك ما أوليت من حسن ... إني لفي اللؤم أحظى منك في اللوم # أنسى ابتسامك والألوان كاسفة ... تبسم الصبح في داج من الظلم # رددت رونق وجهي في صحيفته ... رد الصقال بهاء الصارم الخذم # وما أبالي وخير القول أصدقه ms275 ... حقنت لي ماء وجهي أم حقنت دمي # وقال أيضا: # ولو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمله الناظر # لمثلته لك حتى تراه ... فتعلم أني امرؤ شاكر # قال: وأنشدني أحمد بن يحيى: # قد نزلنا به نريد قراه ... فانثنى يحمد الصيام فصمنا # ثم أمسى يواتر الصوم حتى ... بلغ الجوع جهدنا فارتحلنا # وأنشدنا: # فتى لرغيفه شنف وقرط ... ومرسلتان من خرز وشذر # ودون رغيفه قلع الثنايا ... وحرب مثل وقعة يوم بدر # وإن ذكر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر # وقال: # أرى ضيفك في الدار ... وكرب الجوع يغشاه # على خبزك مكت ... وب سيكفيكهم الله # وقال دعبل: # يا تارك البيت من الضيف ... وهارب منه من الخوف # الضيف قد جاء بزاد له ... فراجع فكن ضيفا على الضيف # وقال آخر: # حملت على أعور أعرج ... فلا للركوب ولا للثمن # حملت على زمن شاعر ... فسوف تكافا بشعر زمن # أبا الفضل غرما وذما معا ... فما كنت ترجو بهذا الغبن # وقال أبو الشمقمق: # طعامك في السحاب إذا سعينا ... وماؤك عند منقطع التراب # وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خوف مرزئة الذباب # وقال آخر: # عذرك عندي بك مبسوط ... والذنب عن مثلك محطوط # ليس بمسخوط فعال امرئ ... كل الذي يفعل مسخوط # قد كان حظا لك مسترجحا ... لو كان في أمرك تخليط # ؟؟الباب الستون # إني أرى من له قنوع ... يعذل من نال ما تمنى # والرزق يأتي بلا عناء ... وربما فات من تعنى # وقال أبو دلف: PageV01P169 إن نفسي كريمة تألف الص ... بر إذا ما تغيرت ~~حالاتي # لو دعتني إلى الدناة حياتي ... يا بن عيسى هانت علي وفاتي # إنما تحمد السخايا من الأح ... رار عند النوائب المعضلات # كل حي يبقى على الصبر ف ... ي اليسر وصبر الكريم في النائبات # أنشدني بعض أهل الأدب: # لا تكثري لم أرم يا ويك في الطلب ... أي البلاد وأي الأرض لم أجب # هذا وفي خلال كلها سبب ... إلى الغنى غير أن الرزق لم يجب # لا أتهم الله في رزقي فما صرفت ... عني المكاسب إلا حرفة الأدب # ومن الباب الخامس والسبعين ذكر ms276 من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه. # وقال المتلمس: # تحلم عن الأدنين واستبق ودهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما # وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من دره فتقوما # فلو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما # وما كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما # يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما # فلما أفاد الكف بالكف لم يجد ... له دركا في أن تبينا فأحجما # فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ... مساغا لنابيه الشجاع فلمما # وقال وعلة الجرمي: # ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوي من سفاهته كسري # أعود على ذي الجهل والذنب منهم ... بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري # ألم تعلموا أني تخاف غرامتي ... وأن قناتي لا تلين على الكسر # وقال آخر: # إن كنت لا ترهب ذمي لما ... تعرف من صفحي عن الجاهل # فاخش سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنى القائل # فسامع السوء مشربه ... ومطعم الأكلة كالآكل # مقالة السوء إلى أهلها ... أسرع من منحدر السائل # ومن دعا الناس إلى عيبه ... ذموه بالحق وبالباطل # وقال: # توخ من الطرق أوساطها ... وعد عن الجانب المشتبه # وسمعك صن عن سماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه # وقال لبيد بن ربيعة: # ستذكركم منا نفوس وأعين ... ذوارف لم تضنن بدمع غروبها # وهل يعدون بين الحبيب فراقه ... نعم ذل نفس أن يبين حبيبها # رأيت عذاب الماء إن حيل دونها ... كفاك لما لا بد منه شريبها # وقال آخر: # وتجزع نفس المرء من شد مرة ... فيسمع ألفا مثلها ثم يصبر # فلا تعذراني إن أسيء فإنما ... شرار الرجال من يسيء ثم يعذر # وقال ابن أوس المزني: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تعدو المنية أول # وإني لأرجو دائم العهد لم أحل ... إن أبزاك خطب أو نبا بك منزل # أحارب من حاربت من ذي عداوة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل # وإن سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليقبل يوم منك آخر مقبل # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كفيك تبذل # إذا أنت لم ms277 تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل # ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل # وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن دار القلى متحول # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم يكن ... إليه بوجه آخر الدهر تقبل # أخبرني محمد بن الخطاب أن فتى من الأعراب خطب لبنت عم له وكان معسرا فأبى ~~عمه أن يزوجه فكتب إلى ابنة عمه هذه الأبيات: # يا هذه كم يكون اللوم والفند ... لا تعذلي رجلا أثوابه قدد # إن أمس منفردا فالبدر منفرد ... والليث منفرد والسيف منفرد # أو كنت أنكرت طمريه وقد خلقا ... فالبحر من فوقه الأقذاء والزبد # إن كان صرف الليالي رث بزته ... فبين ثوبيه منها ضيغم لبد PageV01P170 ~~قال: فدخلت بالأبيات على أبيها فقال: ما أريد بذلك صداق غيرها فزوجه إياها. # وفي الباب الستين ما جاء في ذم المزاح وكثرة الكلام، أخبرني أحمد بن عبيد ~~ورجل من العرب قال: خرجت في بعض ليالي الظلم فإذا أنا بجارية كأنها صنم، ~~فراودتها عن نفسها، فقالت: يا هذا ما لك زاجر من عقل إذا لم يكن لك ناه من ~~دين. فقلت: والله ما ترانا إلا الكواكب. قالت: وأين مكوكبها؟ فأخجلني ~~كلامها فقلت: إنما كنت أمزح. فأنشأت تقول: # فإياك إياك المزاح فإنه ... يجري عليك الطفل والرجل النذلا # ويذهب ماء الوجه بعد بهائه ... ويورث بعد العز صاحبه الذلا # وقال بعض الحكماء: لكل شيء بدء، وبدء العداوة المزاح. وكتب عمر بن عبد ~~العزيز رحمه الله إلى عماله: امنعوا الناس من المزاح فإنه يذهب المروءة ~~ويوغر الصدر. وقال بعض الشعراء: # مازح أخاك إذا أراد مزاحا ... وتوق منه في المزاح جماحا # فلربما مزح الصديق بمزحة ... كانت لباب عداوة مفتاحا # وقال بعض الشعراء: # إمحض مودتك الكريم فإنما ... مرعى ذوي الأحساب كل كريم # فأخا الشراف من الرجال مروءة ... والموت خير من إخاء لئيم # وقال يحيى بن أكثم القاضي: # وقارن إذا قارنت حرا فإنما ... يزين ويزري بالفتى قرناؤه # إذا المرء لم يختر صديقا لنفسه ... فناد في السوق ms278 هذا جزاؤه # وأنشدني منشد: # طلبت امرءا محضا صحيحا مسلما ... نقيا من الآفات في كل موسم # لأمنحه ودي فلم أدرك الذي ... طلبت ومن لي بالصحيح المسلم # فلما بدا لي أنني لست مدركا ... من الناس إلا بالمريض المسقم # صبرت ومن يصبر يجد غب صبره ... ألذ وأحلا من جنا النحل في الفم # ومن لا يطب نفسا ويستبق صاحبا ... ويغفر لأهل الود يصرم ويصرم # وأنشدني الحسن بن عليل الغنوي: # الق بالبشر من لقيت من الن ... اس جميعا ولاقهم بالطلاقة # تجن منهم به ثمار عجيب ... طيب طعمه لذيذ المذاقة # ودع التيه والعبوس عن الن ... اس فإن العبوس رأس الحماقة # وكان يقال: لا تهذر في منطقك ولا تخبر بذات نفسك ولا تغتر بعدوك ولا تفرط ~~في حب صديقك، واعلم أن شر الأخلاق ملالة الصاحب وتقريب المتباعد. وأنشدني ~~أحمد بن يحيى الكندي: # وكن معدنا للحلم واصفح عن الأذى ... فإنك راء ما عملت وسامع # وبلغني أن أبا نواس قال هذه الأبيات على البديهة في الوقت الذي كان فيه ~~محمد الأمين أمير المؤمنين، وذلك أنه ركب الحراقات إلى الشماسية فاصطفت له ~~الخيل والرجال على شاطئ دجلة وحملت معه المطابخ والخزائن، وكان ركوبه حراقة ~~تمثال أسد فما رأى الناس منظرا كان أحسن من ذلك المنظر والسير، وركب أبو ~~نواس معه وكان يومئذ ينادمه فقال: # سخر الله للأمين مطايا ... لم تسخر لصاحب المحراب # وإذا ما ركابه سرن برا ... سار في الماء راكبا ليث غاب # أسد باسط ذراعيه يعدو ... وافر الشدق كالح الأنياب # عجب الناس إذ رأوك على ص ... ورة ليث تمر مر السحاب # سبحوا إذ رأوك سرت عليه ... كيف لو أبصروك فوق العقاب # بارك الله للأمين وأبقا ... ه وأبقى له رداء الشباب # ملك تقصر المدائح عنه ... هاشمي موفق للصواب # قال: وبلغني أن أبا نواس حضر يوما مجلس محمد فورد على محمد كتاب العمال ~~يخبر أن رجلا من الشراة، ويصف شدة شوكته وقوة أمره فقال لبشر خادمه وكان ~~يحبه: ينبغي أن توجه أبا نواس إلى هناك يريد الشاري. وأظهر لأبي نواس جدا ms279 ~~وكان مزاحا، وأمر أن تراح علته فيما يحتاج إليه من المال والسلاح وقال ~~لبشر: انظر ما يرد عليك من أبي نواس في هذا الباب فاعرضه علي. فلما انصرف ~~أبو نواس كتب إلى بشر الخادم بهذه الأبيات: # يا بشر ما لي وللسلاح ولل ... حرب ونجمي في اللهو والطرب # لا تنفرني فإنني رجل ... أكع عند اللقاء والطلب PageV01P171 وليس لي همة ~~سوى طلبي ... أي الفريقين خير للهرب # وإن رأيت الشراة قد قربوا ... ألجمت مهري من جانب الذنب # ولست أيضا فلا أغركما ... أفرق بين العنان واللبب # ولست أدري ما الساعدان من ال ... ترس ولا بيضة من اليلب # والركض فوق الفراش منتطحا ... فإنني فيه فارس العرب # فأوصلها بشر إلى الأمير فلما قرأها استطار ضحكا ثم دعا به فأحسن صلته. # الباب الحادي والستون # ذكر # من فضل على نظرائه ومدح بحسن رأيه # حدثني حمدان بن علي الوراق قال: حدثنا أبو بكر قال: حدثنا شيخ لنا قال: ~~أخبرنا مخالد عن عامر قال: سئلت أو سئل ابن عباس: أي الناس كان أول إسلاما؟ ~~قال: أما سمعت قول حسان بن ثابت: # إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا # خير البرية أتقاها وأعدلها ... إلا النبي وأوفاها بما حملا # الثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا # وقال زهير: # إن البخيل ملوم حيث كان ول ... كن الجواد على علاته هرم # هو الجواد الذي يعطيك نائله ... عفوا فيظلم أحيانا فيضطلم # وقال الحطيئة: # أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا ... وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا # وإن قال مولاهم على أي حالة ... من الأمر ردوا فضل أحلامكم ردوا # وإن كانت النعماء فيهم جزوا بها ... وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا # يسوسون أحلاما بعيدا أناتها ... وإن غضبوا جاء الحفيظة والحد # أقلوا عليهم لا أبا لأبيكم ... من اللوم أو سدوا المكان الذي سدوا # وقد لامني أبناء سعد وأسرفت ... وما قلت إلا بالذي علمت سعد # وقال الأخطل: # بهم عن الجهل عن قول الخنا خرس ... وإن ألمت به مكروهة صبروا # شمس العداوة حتى ms280 يستفاد لهم ... وأعظم الناس أحلاما إذا قدروا # وقال محمد بن زياد الحارثي: # تخالهم صما عن الجهل والخنا ... وخرسا عن الفحشاء عند التهاجر # ومرضى إذا لاقوا حياء وعفة ... وعند الحفاظ كالليوث الخوادر # لهم ذل إنصاف وأنس تواضع ... بهم ولهم ذلت رقاب المعاشر # كأن بهم وصما يخافون عاره ... وما وصمهم إلا اتقاء المعاير # وقال آخر: # إن كنت تطلب صفوة من عيشة ... فاجعل محلك بين آل زياد # تحلل بقوم من أمية سادة ... زهر الوجوه أعفة أنجاد # الموطئين بجارهم أكتافهم ... والجاعلين لهم صدور النادي # وقال كثير: # شهدت ابن ليلى في مواطن قد خلت ... يزيد بها ذا الحلم حلما حضورها # فلا هاجرات القول يؤثرن عنده ... ولا كلمات النصح ملقى مشيرها # ترى القوم يخفون المواعظ عنده ... وينذرهم عور الكلام نذيرها # وقال معن بن أوس: # وما بلغت كف امرئ متناول ... من المجد إلا حيث ما نلت أطول # ولا بلغ المهدون نحوك مدحة ... ولا أطنبوا إلا الذي فيك أفضل # وقال أبو دهبل: # نزر الكلام من الحياء تخاله ... سقما وليس بجسمه سقم # عقم النساء فما يلدن بشبهه ... إن النساء بمثله عقم # وقال مروان بن أبي حفصة لمعن بن زائدة: # تشابه يوماه علي فأشكلا ... فما نحن ندري أي يوميه أفضل # أيوم نداه أم يوم بأسه ... وما منهما إلا أغر محجل # وقال الحسين بن مطير: # له يوم بؤس فيه للناس أبؤس ... ويوم نعيم فيه للناس أنعم # فيمطر يوم الجود في كفه الندى ... ويمطر يوم البأس من كفه الدم # فلو أن يوم الجود خلى يمينه ... على الأرض لم يصبح على الأرض معدم # ولو أن يوم البأس خلى شماله ... على الأرض لم يصبح على الأرض محرم # وقال أبو دهبل: # ما زلت للعفو في الذنوب وإط ... لاق لعان بجرمه غلق PageV01P172 حتى تمنى ~~البراة أنهم ... عندك أمسوا في القد والحلق # وقال آخر: # ولقد ترى ناديهم فكأنه ... طوق المجرة نظرة وتماما # أمراء غير مؤمرين ترى لهم ... أمرا وهم من هيبة إعظاما # وقال ابن هرمة: # له لحظات في حوافي سريره ... إذا كرها فيها عقاب ونائل # فأم الذي ms281 آمنت آمنة الردى ... وأم الذي حاولت بالثكل ثاكل # إذا ما أتى شيئا مضى كالذي أتى ... وما قال إني فاعل فهو فاعل # كريم له وجهان وجه لدى الرضا ... أسيل ووجه للكريهة باسل # وقال آخر: # إذا انتدى واحتبى بالسيف دان له ... شوس الرجال خضوع الجرب للطالي # كأنما الطير منهم فوق هامتهم ... لا خوف ظلم ولكن خوف إجلال # وقال ابن الخياط في مالك بن أنس: # يأبى الجواب فما يراجع هيبة ... والسائلون نواكس الأذقان # هذا التقي وعز سلطان الغنى ... فهو المطاع وليس ذا سلطان # وقال آخر: # كأنك مطلع في القلوب ... إذا ما تناجت بأسرارها # وقوفك تحت ظلال القنا ... أقام الخلافة في دارها # وقال محمد بن بشير الخارجي: # يا أيها المتمني أن يكون فتى ... مثل ابن ليلى لقد خلى لك السبلا # أعدد نظائر أخلاق عددن له ... هل سب في رجل أو سب أو بخلا # وقال ربيعة الرقي: # لشتان ما بين اليزيدين في الورى ... يزيد سليم والأغر ابن حاتم # فلا يحسب التمتام أني هجوته ... ولكنني فضلت أهل المكارم # وقال آخر: # يا أخا العرف إذا ع ... ز إلى العرف الطريق # وأخا الموتى إذا ل ... م يبق للموتى صديق # وقال آخر: # كريم له نفسان نفس يلينها ... ليدفع عن سلطانها سنن الكبر # إذا نازعته نفسه عظم قدرها ... دعاه إلى تصغيرها عظم القدر # وقال آخر: # لئن كنت محتاجا إلى الحلم إنني ... إلى الجهل في بعض الأحايين أحوج # ولي فرس للحلم بالحلم ملجم ... ولي فرس للجهل بالجهل مسرج # فمن شاء تقويمي فإني مقوم ... ومن شاء تعويجي فإني معوج # وقال آخر: # كريم يغض الطرف فضل حيائه ... ويدنو وأطراف الرماح دوان # وكالسيف إن لاينته لان متنه ... وحداه إن خاشنته خشنان # وقال بعض بني ثعل: # تلمظ السيف من شوق إلى أنس ... فالموت يلحظ والأقدار تنتظر # أظله منك حتف قد تجلله ... حتى تؤاصر فيه رأيك القدر # أمضى من السيف إلا عند قدرته ... وليس للسيف عفو حين يقتدر # وقال البحتري: # خرق إذا بلغ الزمان فناءه ... نكصت عواقبه على الأعقاب # نصر السماح على البلاد ولم يقف ... دون ms282 المكارم وقفة المرتاب # ولئن طلبت شبيهه إني إذا ... لمكلف طلب المحال ركابي # وقال أيضا: # لا يكفهر إذا انحاز الوقار به ... ولا تطيش نواحيه إذا مزحا # حنت إلى السؤدد العلياء نهضته ... ولو يوازن رضوى حلمه رجحا # وقال أيضا: # إذا انساب في تدبير رأي ترادفت ... له فطن ينجحن في كل مطلب # خفي مدب الكيد بين أناته ... تسرع جهل الطائش المتوثب # وقال أيضا: # رزين إذا ما القوم خفت حلومهم ... وقور إذا ما حادث الدهر أجلبا # فتى لا يضيع وجه حزم ولم يبت ... يلاحظ أعجاز الأمور تعقبا # إذا هم لم يقعد به العجز مقعدا ... وإن كف لم يذهب به الخرق مذهبا # وما نقم الحساد إلا ضلالة ... لديك وفعلا أريحيا مهذبا # وقال أيضا: # له فكر بين الغيوب يديرها ... إذا ما انتهى منها فهن مقالده # صواعق إن لو ألق من تلك بعضها ... على يذبل لانقض أو ذاب جامده ~~PageV01P173 غمام حيا ما تستريح بروقه ... وعارض موت ما تقيل رواعده # وعمر بن معدي إن ذهبت تهيجه ... وأوس بن سعدى إن ذهبت تكايده # تظل المنايا والعطايا قرائنا ... لعاف يرجيه وغاو يعانده # له بدع في الجود تدعو عذوله ... عليه إلى استحسانها فتباعده # وقال أيضا: # لولا علي بن مر لاستتم لنا ... خلف من العيش فيه الصاب والصبر # ألح جودا ولم يضرر سحائبه ... وربما ظن عند الحاجة المطر # لا يتعب النائل المبذول همته ... وكيف يتعب عين الناظر النظر # مواهب ما تجشمنا السؤال لها ... إن الغمام قليب ليس يحتقر # يهاب فينا وما في لحظه شزر ... وسط الندي وما في خده صعر # إذا ارتقى في أعالي الرأي لاح له ... ما في الغيوب التي تخفى فتستتر # ومصعد في هضاب المجد يطلعها ... كأنه لسكون الجأش منحدر # ما زال يسبق حتى قال حاسده ... له الطريق إلى العلياء مختصر # نهيت حساده عنه وقلت لهم ... السيل بالليل لا يبقى ولا يذر # كفوا وإلا كففتم مضمري أسفا ... إذا تنمر في أقدامه النمر # ألوى إذا شابك الأعداء كفهم ... حتى يروح وفي أظفاره الظفر # واللؤم أن تدخلوا في حد سخطته ... علما بأن ms283 سوف يعفو حين يقتدر # وقال أيضا: # عزمات يصبن ناجية الخط ... ب ولو كان من وراء حجاب # يتوقدن والكواكب مطفاة ... ويقطعن والسيوف نوابي # ترك الخفض للدنيء وقاس ... صعبة من صعوب تلك الروابي # سام للمجد فاشتراه وقد با ... ت عليه مزايدا للسحاب # واحد القصد طرفه في ارتفاع ... من سمو وكفه في انصباب # صنتني عن معاند لا أسمي ... أولوهم إلا غداة سباب # وقد ذكرنا في هذا الباب طرفا من الأخلاق المحمودة مجملا، ونحن نذكر إن ~~شاء الله ما بقي من ذلك مفصلا، فنفرد لكل باب منه ما يشاكله ومن شأن كثير ~~من الشعراء أن يفرطوا فيما يصفونه وليس ذلك بمحمود في خلائق الكرماء ولا ~~مستحسن من أفعال الشعراء إلا من أسرف في الحفظ كان مقترا ومن أسرف في ~~الشجاعة كان متهورا، كما أن من أسرف في الجد عد جبانا، ومن تجاوز حد الحلم ~~كان مستدلا، كما أن من تعدى الانتصار عد خرقا، ومن أفرط في قلة الكلام كان ~~مستجهلا، كما أن من أفرط في الإطراء كان مهذارا. والتأديب بتأديب الله عز ~~وجل وأدب رسوله صلى الله عليه وسلم هو الطريق الذي من سلكه اهتدى، والوجه ~~الذي من قصده آمن من بوائق الردى. قال الله يمدح قوما: )والذين إذا أنفقوا ~~لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما(. # أخبرنا الحارث بن أبي أسامة عن العباس بن الفضل عن أبي عبد الله التميمي ~~قال: أخبرني الحسين بن عبد الله قال: حدثني من سمع النابغة الجعدي يقول: ~~أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنشدته، فذكر أبياتا وحكى كلاما بعدها، ~~قال: فلما أنشدته: # ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا # ولا خير في جهل إذا لم يكن له ... حلوم إذا ما أورد الأمر أصدرا # قال النبي صلى الله عليه: " لا يفضض الله فاك " . # الباب الثاني والستون # ذكر # من سود في حداثته وقدم في بلاغته # أنشدني أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: # لعمرك إني يوم فيد لمعتل ... بما ساء أعدائي على ms284 كثرة الدخر # أمارس عن نفس علي كريمة ... موطنة عند النوائب للصبر # وما زلت أعلو القول حتى لو أنني ... أجوبه في الصخر لانجاب الصخر # وما زلت مذ كنت ابن عشرين حجة ... أواري عدوي أو أقوم على ثغر # ويوم يود المرء لو غص قبله ... بمرأى المنايا قد شددت لها أزري # لابن بيض في هذا المعنى: # بلغت لعشر مضت من سني ... ك ما يبلغ السيد الأشيب PageV01P174 فهمك منها ~~جسام الأمو ... ر وهم لداتك أن يلعبوا # وجدت فقلت ألا سائل ... فيعطى وهل راغب يرغب # فمنك العطية للسائلين ... وممن ينوبك أن يطلب # وأنك في أدب ما نشأت ... فنعم لعمرك ما أدبوا # أتيناك في حاجة فاقضها ... وقل مرحبا يجب المرحب # وألا تكلنا إلى معشر ... متى يعدوا عدة يكذبوا # وقال البحتري: # لا تنظرن إلى الفياض من صغر ... في السن وانظر إلى المجد الذي شادا # إن النجوم نجوم الليل أصغرها ... في العين أذهبها في الجو إصعادا # وقالت الخنساء: # أعيني جودا ولا تجمدا ... أما تبكيان لصخر الندى # ألا تبكيان الجريء الجميل ... ألا تبكيان الفتى السيدا # رفيع العماد طويل النجا ... د ساد عشيرته أمردا # إذا القوم مدوا بأيديهم ... إلى المجد مد إليه يدا # فنال الذي فوق أيديهم ... من المجد حتى نما مصعدا # يكلفه القوم ما عالهم ... وإن كان أصغرهم مولدا # ترى المجد يهوي إلى بيته ... يرى أفضل الكسب أن يحمدا # وقال آخر يرثي العديل بن الفرخ: # فما ولدت مثل العديل حليلة ... قديما ولا مستحدثات الحلائل # وما زال مذ شد الإزار بوسطه ... يفتح للأبواب بكر بن وائل # وقال الفرزدق: # وتبكي على السيوب بكر بن وائل ... وينهى عن ابني مسمع من بكاهما # غلامان شبا في الحروب وأدركا ... كرام المساعي قبل فصل لحاهما # ولو كان حيا مالك وابن مالك ... إذا أوقدوا نارين يعلو سناهما # وقال آخر: # ولو أن معشرا كبني صريم ... تلفهم التهائم والنجود # أجل جلالة وأعز فقدا ... وأقضى للحقوق وهم قعود # وأكثر ناشئا مخراق حرب ... يعين على السيادة أو يسود # وقال آخر: # حديث السن عاب أبوه عنه ... ففاض به الزلازل والحروب # جدير ms285 أن يعادي الخيل منه ... على حجباتها بدم صبيب # وقال آخر: # رأيت أبا الوليد غداة جمع ... به شيب وما فقد الشبابا # ولكن تحت ذاك الشيب حزم ... إذا ما ظن أعرض أو أصابا # وقال آخر: # بكى صاحبي لما رأى الموت فوقه ... مظلا كإظلال السحاب إذا اكفهر # فقلت له صبرا خليلي فإنما ... يكون غدا حسن الثناء لمن صبر # فما أخر الإحجام يوما معجلا ... ولا عجل الإقدام ما أخر القدر # فنبهته سهم الفؤاد كأنه ... صفيحة هندي قضى حقه ذكر # وكر حفاظا خشية العار بعدما ... رأى الموت معروفا على منهج الفكر # غلام رماه الله بالخير ناشئا ... له سيمياء لا تشق على البصر # كأن الثريا علقت في جبينه ... وفي نحره الشعرى وفي خده القمر # إذا قيلت العوراء أغضى كأنه ... ذليل بلا ذل ولو شاء لانتصر # ولبعضهم في عبد الله بن الزبير: # تبين فيه ميسم العز والنهى ... وليدا يفدى بين أيدي القوابل # فلما تردى بالحمائل وانتحى ... بصرت بأطراف الرماح الذوابل # تيقنت الأعداء أن سنانه ... يطيل جنين الأمهات الثواكل # وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي لكروس بن يزيد الطائي: # رأتني من لبسي المشيب فأملت ... غنائي فكوني آملا خير آمل # لئن فرحت بي معقل عند شيبتي ... لقد فرحت بي بين أيدي القوابل # أهل به لما استهل بصوته ... حسان الوجوه لينات الأنامل # وقال أبو تمام الطائي: # لهفي على تلك المشاهد فيهما ... لو أمهلت حتى تكون شمائلا # إن الهلال إذا رأيت نموه ... أيقنت أن سيكون بدرا كاملا # وقال البحتري: # غريب السجايا ما تزال عقولنا ... مدلهة في خلة من خلاله # عناه الحجى عن عنفوان شبابه ... فأقبل كهلا قبل حين اكتهاله PageV01P175 ~~وثقت بنعماه ولم تجتمع بها ... يدي ورأيت النجح قبل سؤاله # وتعلم أن السيف يكفيك حده ... مكاثرة الأقران قبل استلاله # أبا حسن أنشأت في أفق الندى ... لنا كرما آمالنا في ظلاله # مضى منك وسمي فجد بوليه ... وعود من نعماك فضل نواله # وقال أيضا: # فتى لم ينكبه الشباب على الحجى ... ولم ينس عهد اللهو والشيب شامله # إذا سؤدد أدنى له مد ms286 همة ... إلى سؤدد نائي المحل يزاوله # توقع أن يحتلها درج العلى ... كما انتظرت أوب الهلال منازله # وقال آخر: # فقدناك فقدان الحياة وأقبلت ... تلاحظنا خزرا إلينا والقبائل # ولو أنك المرجو منا لأصبحت ... أعالي الدنا منها وهن أسافل # رددنا إليه الأمر طوعا ولم نقل ... له في الذي يأتيه ما أنت فاعل # به جمع الشمل الشتيت وفرقت ... عباديد في القوم اللهى والنوافل # ومن ير جدوى يوسف بن محمد ... ير اليم لم يجمع جناييه ساحل # أغر إذا عدت مناقب فعله ... توهمت أن الحق منهن باطل # تطاطا حدود الزور تحت سكوته ... وتنتظر الأسماع ما هو قائل # وقد حققت فيه الظنون وصدقت ... على ما حكت من قبل هذا الدلائل # ولا عجب أن رجم الغيب عالم ... فقبل الغيوب ما تكون المخايل # وقال أبو تمام الطائي: # مقاماتنا وقف على الحلم والحجى ... وأمردنا كهل وأشيبنا حبر # فأعجب به يهدي إلى الموت نحره ... وأعجب منه كيف يبقى له نحر # يشيعه أبناء موت على الوغى ... يشيعهم صبر يشيعهم نصر # بخيل لزيد الخيل فيها فوارس ... إذا نطقوا في مجلس خرس الدهر # وقال آخر: # تعلم فليس المرء يخلق عالما ... وليس أخو علم كمن هو جاهل # وإن كبير القوم لا علم عنده ... صغيرا إذا التفت عليه المحافل # وقال قيس بن عاصم: # خطباء حين يقوم قائلهم ... بيض الوجوه مصاقع لسن # لا يفطنون لعيب جارهم ... وهم بحسن جوارهم فطن # ولبعضهم في عبد الله بن عباس رحمة الله عليه: # إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا ترى بينها فصلا # كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي أرب في القول جدا ولا هزلا # وقال آخر وهو حسان بن ثابت: # وقد كنا نقول إذا رأينا ... لذي جسم يعد وذي بيان # كأنك أيها المعطى بيانا ... وجسما من بني عبد المدان # وقال آخر: # وأحلام عاد لا نخاف جليسهم ... وإن نطق العوراء غرب لسان # إذا حدثوا لم تخش سوء استماعهم ... وإن حدثوا لذوا بحسن بيان # وقال البحتري: # صارم العزم حاضر الحزم ساري ال ... فكر ثبت المقام صلب العود # دق فهما ms287 وجل حلما فأرضى ال ... له فينا والواثق بن الرشيد # واستوى الناس فالقريب قريب ... عنده والبعيد غير بعيد # لا يميل الهوى به حين يمضي ال ... أمر بين المقل والمورود # في نظام من الأمور جميل ماش ... ك امرؤ أنه نظام فريد # مشرق في جوانب السمع ما يخل ... قه عوده على المستعيد # ومعان لو فصلتها القوافي ... هجنت شعر جرول ولبيد # جزن مستعمل الكلام اختيارا ... وتجنبن ظلمة التعقيد # وركبن اللفظ القريب فأدرك ... ن به غاية المراد البعيد # وأرى الخلق مجمعين على فض ... لك ما بين سيد ومسود # عرف العاملون فضلك بالعل ... م وقال الجهال بالتقليد # وقال أيضا: # حكم يسابحها خلال بنانه ... متدفقا وقليبه في قلبه # كالروض مؤتلقا بحمرة نوره ... وبياض زهرته وخضرة عشبه PageV01P176 أنه قد ~~خرج هذا الرجل أعني محمد بن عبد الله بن الحسن فقال إني قلت أبياتا فاحفظها ~~عني: # أرى الناس في أمر سحيل فلا نزل ... على حذر حتى ترى الأمر مبرما # فإنك لا تسطيع رد الذي مضى ... من القول عن زلاته فارق الفما # وكائن ترى من وافر العرض سالم ... وآخر أردى نفسه فتكلما # الباب الثالث والستون # ذكر # التفضيل بالإحسان والمدح بشرف الأنساب # وقال زهير بن أبي سلمى المزني: # على مكثريهم حق من يعتريهم ... وعند المقلين السماحة والبذل # وما كان من خير أتوه فإنما ... يقدمهم آباء آبائهم قبل # وهل ينبت الخطي إلا وشيجه ... وينبت إلا في منابتها النخل # سعى بعدهم قوم لكي يدركوهم ... فلم يفعلوا ولم يلاقوا ولم يألوا # وقال آخر: # إن يسألوا الخير يعطوه وإن جهدوا ... فالجهد يخرج منهم طيب إخبار # هينون لينون أيسار ذوو كرم ... سواس مكرمة أبناء أيار # لا ينطقون عن الفحشاء إن نطقوا ... ولا يمارون إن ماروا بإكثار # من تلق منهم تقل لاقيت سيدهم ... مثل النجوم التي يسري بها الساري # وقال المسيب بن علس: # يبيت الملوك على عتبها ... وشيبان إن غضبت تعتب # وكالراح بالماء أحلامهم ... وأخلاقهم منهما أعذب # وكالمسك ترب مقاماتهم ... وترب قبورهم أطيب # وقال بعض العبديين وتروى لزهير: # لو كان يقعد فوق الشمس من أحد ... قوم لمجدهم ms288 أو جودهم قعدوا # قوم أبوهم سنان حين تنسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا # إنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا ... غر بهاليل في أعناقهم صيد # محسدون على ما كان من نعم ... لا ينزع الله منهم ما له حسدوا # وقال أعشى همدان في خالد بن ورقاء: # رأيت ثناء الناس بالغيب طيبا ... وقالوا فلان ماجد وابن ماجد # فإن يك عتاب مضى لسبيله ... فما مات من أبقى له مثل خالد # وقال حسان بن ثابت: # بيض الوجوه كريمة أنسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول # يعشون حتى ما تهر كلابهم ... لا يسألون عن السواد المقبل # وقال الحطيئة: # هم المتحفزون على المنايا ... بمال الجار ذلك والوفاء # هم القوم الذين إذا ألمت ... من الأيام مظلمة أضاؤا # إذا نزل الشتاء بجار قوم ... تجنب جار بيتهم الشتاء # فابقوا لا أبا لكم عليهم ... فإن ملامة المولى شقاء # فإن سعاته لكم سعاة ... وإن نماءهم لكم نماء # وإن أباهم الأدنى أبوكم ... وإن صدورهم لكم براء # وإن بلاءهم ما قد علمتم ... على الأيام إن نفع البلاء # وثغر لا يقام به كفوكم ... ولم يك دونهم لكم كفاء # بجمهور يحار الطرف فيه ... يظل معظلا فيه الفضاء # وقال أيضا: # إذا قيل أي الناس أوفى قبيلة ... وأكرم يوما لا توارى كواكبه # فإن بني عمرو بن لأم أرومة ... علت يوم صعب لا تنال مراقبه # أضاءت لهم أحسابهم ووجوههم ... دجى الليل حتى نظم الجزع ثاقبه # وقال آخر: # هم الغر الوجوه بني سنان ... لو أنك تستضيء بهم أضاءوا # هم حلوا من الشرف المعلى ... ومن حسب العشيرة حيث شاءوا # فلو أن السماء دنت لمجد ... ومكرمة دنت لهم السماء # وقال آخر: # وكم فيهم من سيد وابن سيد ... وفي بعقد الجار حين يفارقه # يكاد الغمام الغر يرعد إن رأى ... وجوه بني لأم وينهل بارقه # وقال أبو دهبل الجمحي: # إن البيوت معادن فنجاره ... ذهب وكل بيوته ضخم # متهلل بنعم ولا متباعد ... سيان منه الوفر والعدم # وقال العجير السلولي: # وإن ابن عمي لابن زيد وأمه ... لبلال أيدي خلة الشول بالدم PageV01P177 ~~طلوع الثنايا بالمطايا وسابق ... إلى ms289 غاية من يبتدرها يقدم # من النفر المدلين في كل حجة ... لمستحمد في جولة الرأي محكم # جديرون ألا يذكرون بريبة ... ولا يغرمون الدهر ما لم تغرم # وقال آخر: # هو السابق التالي أبوه كما تلى ... أبوه أباه سيد وابن سيد # كأن على عرنينه وجبينه ... شعاعين لاجى من شمال وفرقد # وقال آخر: # بنى آباؤه للمجد بيتا ... توارثه كريم عن كريم # فما اتكل القديم على حديث ... ولا اتكل الحديث على قديم # وقال الفرزدق: # على عهد ذي القرنين كانت سيوفكم ... عمائم هامات الرجال البطارق # أغر ترى سيما التقى بجبينه ... إذا ما غدا والمسك فوق المفارق # وقال أيضا: # رأيت الناس قد خافوك حتى ... خشوك كخشية الناس السحابا # فليس بزايل للحرب منهم ... شهاب يطفئون به شهابا # وقال مروان بن أبي حفصة: # ما كل جارهم الثواء ولا قلى ... يوما جوار بني حنيفة جار # إن الذي سمك السماء بنى لنا ... مجدا تقطع دونه الأبصار # وقال عبد الله بن الزبير الأسدي: # إذا مات ابن خارجة بن حصن ... فلا مطرت على الأرض السماء # ولا جاء البشير بغنم جيش ... ولا حملت على الطهر النساء # فيوم منك خير من رجال ... كثير حولهم نعم وشاء # فبورك في بنيك وفي أبيهم ... إذا عدوا ونحن لك الفداء # وقال آخر: # إن قوما منهم عمير وأش ... باه عمير ومنهم لسفاح # لجديرون بالوفاء إذا صاح ... أهل النجدة السلاح للسلاح # وقال ابن أذينة الكناني: # إذا قريش تولى أمر صاحبها ... فاستيقنن بأن لا خير في أحد # رهط النبي وأولى الناس منزلة ... بكل خير وأثرى الناس في العدد # وقال القطامي: # أما قريش فلن تلقاهم أبدا ... إلا وهم خير من يحفى وينتعل # إلا وهم جبل الله التي قصرت ... عنه الجبال فما وازى به جبل # وقال آخر: # آل الرسول خيار الناس كلهم ... وخير آل رسول الله هارون # رضيت حكمك لا أبغي به بدلا ... لأن حكمك بالتوفيق مقرون # وقال علي بن الجهم: # أغير كتاب الله تبغون شاهدا ... لكم يا بني العباس بالعسر واليسر # كفاكم بأن الله فوض أمره ... إليكم وأوصى أن أطيعوا أولي الأمر # ومن ms290 أرسل الله العباد وسبله ... سوى جنب ذي القربى القريبة من أجر # ومن كان مجهول المكان فإنما ... منازلكم بين الحجون إلى الحجر # وقال البحتري: # وإذا أبو الفضل استعار سجية ... للمكرمات فمن أبي يعقوب # لا يحتذي خلق القصي ولا يرى ... متشبها في سؤدد بغريب # شرف تتابع كابر عن كابر ... كالرمح أنبوبا على أنبوب # وأرى النجابة لا تكون لماهر ... لنجيب قوم ليس بابن نجيب # أعيا خطوب الدهر حتى لفها ... والدهر سلك حوادث وخطوب # دان على أيدي العفاة وشاسع ... عن كل ند في الندى وضريب # كالبدر أفرط في العلو وضوؤه ... للعصبة السارين جد قريب # وقال أيضا: # جمال الليالي في بقائك فليدم ... بقاؤك في عمر عليهن زائد # ملكت به ود العدى وأجد لي ... أواصر قربى في الرجال الأباعد # وإن بطلت مسعاه مجد بعيدة ... ينلها بجد أريحيي ووالد # كما مدت الكف المضاف بنانها ... إلى عضد في المكرمات وساعد # ولم أر أمثال الرجال تفاوتت ... إلى الفضل حتى عد ألف بواحد # ولا خير في أخلاقه غير أنه ... غريب الأسى فيها قليل المساعد # مكارم هن الغيظ بات غليله ... يضرم في صدر الحسود المكايد # ولن تستبين الدهر موضع نعمة ... إذا أنت لم تدلل عليها بحاسد # وقال أيضا: # لكم بيت الأعاجم حين يبنى ... ومفتخر المرازبة العظام # يلومك في الندى من لم يورث ... علا الشرف الذي عنه تحامي PageV01P178 وكم ~~من سؤدد غلست فيه ... ولم يرفع عن النفر النيام # وقال أيضا: # نبهت من نبهان مجدا لم يزل ... قدما لمحمود الفعال رفيعا # ولئن تبينت العلى لهم لما ان ... فكوا أصولا للعلى وفروعا # قوم إذا لبسوا الدروع لموقف ... لبستهم الأعراض فيه دروعا # في معرك ضنك تخال به القنا ... بين الضلوع إذا انحنين ضلوعا # كنت السبيل إلى الردى إذ كنت في ... قبض النفوس إلى الحمام شفيعا # وقال أيضا: # ينسيك جود الغيث جودهم إذا ... عثرت أكفهم بعام مجدب # حتى لو أن المجد خير في الورى ... نسبا لأصبح ينتمي في تغلب # ملك له في كل يوم كريهة ... إقدام عز واعتزام مجرب # وتراه في ظلم الوغى فتخاله ... قمرا يشد ms291 على الرجال بكوكب # إني أتيتك طالبا فبسطت من ... أملي وطلت بجود كفك مطلبي # وغدوت خير حياطة مني على ... نفسي وأرأف بي هنالك من أبي # أعطيتني حتى حسبت جزيل ما ... أعطيتنيه وديعة لم توهب # ولقد أحسن الذي يقول: # لو أن كفك لم تجد لمؤمل ... لكفاه عاجل وجهك المتهلل # ولو أن مجدك لم يكن متقادما ... أغناك آخر سؤدد عن أول # الباب الرابع والستون # ذكر # من قدم بجسارته ومدح بشجاعته # وقال الأعشى: # وأبصرت بيضا بالأكف صوارما ... تزايل منهن الرقاب الكواهل # مضاربها من طول ما ضربوا بها ... ومن عض هام الدارعين بواجل # وقال المخبل بن السبيع العنبري: # وكم من أمير قد فككتم قيوده ... وسهل دم هرقتموه على سحل # إذا ما لقوا أقرانهم قتلوهم ... وإن قتلوا لم يقشعروا من القتل # وقال معلى الطائي: # مشت الهوينى في العدو سيوفه ... حتى عرفن مسالك الأرواح # سخطت جماجمهم على أجسادهم ... فتبدلت سخطا صدور رماح # وقال أبو نواس: # وإذا مج الفنا علقا ... وتراءى الموت في صوره # راح في ثني مفاضته ... أسد تدمى شبا ظفره # تتأبى الطير غزوته ... ثقة بالشبع من جزره # وقال مسلم بن الوليد الأنصاري: # سد الثغور يزيد بعدما انفرجت ... بقائم السيف لا بالختل والحيل # موف على مهج في يوم ذي رهج ... كأنه أجل يسعى إلى أمل # ينال بالرفق ما يعيا الرجال به ... كالموت مستعجلا يأتي على مهل # وقال أيضا: # لو أن قوما يخلقون منية ... بنفوسهم كانوا بني جبريلا # قوم إذا هجر الهجير من الوغى ... جعلوا الجماجم للسيوف مقيلا # وأنشدني محمد بن الخطاب الكلابي لغيره: # عددت أيامك المحجلة الغر ... فأعيت وخيرها عدها # وما انتضيت السيوف يوم وغى ... إلا وفي الهام طلت تغمدها # وقال آخر: # يضحي على المجد مأمونا إذا اشتجرت ... سمر القنا وعلى الأرواح متهما # قد فصلت راحتاه من حفيظته ... فخيل من شدة التعبيس مبتسما # لم يطغ قوم وإن كانوا ذوي رحم ... إلا رأى السيف أدنى منهم زحما # مشت قلوب رجال في صدورهم ... لما رأوك تمشي نحوهم قدما # أنظرتهم عزمات لو رميت بها ... يوم الكريهة ركن الدهر لانهدما # إذا ms292 هم نكصو كانت لهم عقلا ... وإن هم حجموا كانت لهم لجما # حتى انتهكت بحد السيف أنفسهم ... جزاء ما انتهكوا من قبلك الحرما # أضحكت منهم ضباع الجو ضاحية ... بعد العبوس وأبكيت السيوف دما # لما مخضت الأماني التي اختلفوا ... عادت هموما وكانت قبلها همما # وقال آخر: # لا تدعون نوح بن عمرو دعوة ... للخطب إلا أن يكون جليلا # ثبت المقام يرى القبيلة واحدا ... ويرى فيحسبه القبيل قبيلا # وقال آخر: # شهدته والمنايا غير دافعة ... والمجد يوجد والأرواح تفتقد # يكاد حين يلاقي القرن من حنق ... قبل السنان على حوبائه يرد PageV01P179 ~~لا يوم أكبر منه منظرا حسنا ... والمشرفية في هاماتهم تخد # أنهبت أرواحه الأرماح إذ شرعت ... ما أن ترد لغيب الدهر عنه يد # كأنها وهي في الأوداج والغة ... وفي الكلى تجد الغيظ الذي نجد # من كل أزرق نظار بلا نظر ... إلى المقاتل ما في متنه أود # كأنه كان ترب الحب مذ زمن ... فليس يعجزه قلب ولا كبد # إن ابن يوسف نجى الثغر من سنة ... أعوام يوسف عيش عندها رغد # فأفخر فما من سماء للندى رفعت ... إلا وأفعالك الحسنى لها عمد # واعذر حسودك فيما قد خصصت به ... إن العلى حسن في مثلها الحسد # وقال البحتري: # ركوب لأثباج المتالف عالم ... بأن المعالي دونهن المهالك # مطل على الروح المنيع كأنه ... لصرف المنايا في النفوس مشارك # فما تترك الأيام من هو آخذ ... ولا تأخذ الأيام من هو تارك # متى يأتك المقدار لا تدع هالكا ... ولكن زمان غال مثلك هالك # وقال أيضا: # وقد جربوا بالأمس منك عزيمة ... فضلت بها السيف الحسام المجربا # غداة لقيت الميث والليث مخدر ... يجرد نابا للقاء ومخلبا # فلم أر ضرغامين أصدق منكما ... عراكا إذا الهيابة النكس كذبا # هزبر مشى يبغي هزبرا وأغلب ... من القوم يغشى باسل الوجه أغلبا # أدل بشغب ثم هالته صولة ... رآك لها أمضى جنابا وأشعبا # حملت عليه السيف لا عزمك انثنى ... ولا يدك ارتدت ولا حده نبا # وكنت متى تجمع يمينك تهتك ال ... ضريبة أو لا تبق للسيف مضربا # فاحجم لما لم يجد فيك ms293 مطمعا ... وأقدم لما لم يجد عنك مهربا # فلم يغله إن كر نحوك مقبلا ... ولم ينجه أن حاد عنك منكبا # وقال أيضا: # مدبر حرب لم يبت عند غيره ... ولم يسر في أحشائه وهل الرعب # يقلقله شوق إلى القرن معجل ... لذي الطعن حتى تستريح إلى الضرب # أضاءت لنا الدنيا به بعد ظلمة ... وأجلت لنا الأيام عن خلق رطب # وما زال عبد الله يكسي شمائلا ... يقمن مقام الروض في ناضر العشب # فتى يتعالى بالتواضع جاهدا ... ويعجب من أهل المخيلة والعجب # أمنت به حد الزمان ففله ... وقد يثلم العضب المهند في العضب # فلم أمل إلا من مودته يدي ... ولا قلت إلا من مواهبه حسبي # وقال النابغة الذبياني: # يصونون أجسادا قديما نعيمها ... بخالصة الأردان خضر المناكب # ولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب # ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب # فهم يتساقون المنية بينهم ... بأيديهم بيض رقاق المضارب # إذا استنزلوا عنهن للطعن أرقلوا ... إلى الضرب أرقال الجمال المصاعب # قال وأنشدني أحمد بن أبي طاهر قال أنشدني أبو تمام: # يمدون بالبيض القواطع أيديا ... وهن سواء والسيوف القواطع # إذا أسروا لم يأسر البغي عفوهم ... ولم يمس عان منهم وهو كانع # إذا أطلقوا عنه جوامع كيده ... تيقن أن المن أيضا جوامع # الباب الخامس والستون # ذكر # من وصف بصباحته ومدح بسماحته # قال النابغة الذبياني: # ألم تر أن الله أعطاك سورة ... ترى كل ملك دونها يتذبذب # بأنك شمس والملوك كواكب ... إذا ما بدت لم يبد منهن كوكب # وقال زياد الأعجم: # تراه إذا ما جئته متهللا ... كأنك معطيه الذي أنت سائله # كريم إذا ما جئت للعرف طالبا ... حباك بما تحنو عليه أنامله # ولو لم يكن في كفه غير نفسه ... لجاد بها فليتق الله سائله # وقال الحطيئة فيما أرى: # تزور امرأ يؤتى على الحمد ما له ... ولم يعط أثمان المحامد تحمد ~~PageV01P180 يرى البخل لا يبقى على المرء ماله ... ويعلم أن الشح غير مخلد # كسوب ومتلاف إذا ما سألته ... تهلل واهتز اهتزاز المهند # متى تأته ms294 تعشو إلى ضوء ناره ... تجد خير نار عندها خير موقد # وقال أبو العتاهية: # إن المطايا تشتكيك لأنها ... قطعت إليك سباسيبا ورمالا # فإذا وردن بنا وردن مخفة ... وإذا صدرن بنا صدرن ثقالا # وقال آخر: # راح السري وراح الجود يتبعه ... وإنما الناس مذموم ومحمود # من كان يضمن للسؤال حاجتهم ... ومن يقول إذا أعطاهم عودوا # وقال آخر: # قد زينوا أحسابهم بسماحهم ... لا خير في حسب بغير سماح # أموالهم مبذولة ونفوسهم ... للموت عند مجالس الأرواح # وقال آخر: # أناس بما أفنوا من المال أحرزوا ... محامد ما يبقى من الحمد والأجر # رأوا أن دنياهم تبيد فأنزلوا ... نفوسهم منها بمنزلة السفر # وقال آخر: # نزلت على آل المهلب شاتيا ... بعيدا عن الأوطان في زمن محل # فما زال بي إكرامهم وافتقادهم ... وألطافهم حتى حسبتهم أهلي # البحتري: # جاد حتى أفنى السؤال فلما ... باد منا السؤال جاد ابتداء # فهو يعطي جزلا ويثني عليه ... ثم يعطي على الثناء جزاء # وقال علي بن العباس الرومي: # لا يبذل الرفد حين يبذله ... كمشتري الحمد أو كمعتاضه # بل يفعل العرف حين يفعله ... لجوهر العرف لا لأعواضه # الباب السادس والستون # ذكر # من أسدى المعروف إليه فشكره وأظهر ما عليه # ذكروا أن القطامي كان يهجو قيسا فأسره زفر بن الحارث فامتن عليه وأمر له ~~بمائة من الإبل فامتدحه بعد ذلك بأشعار كثيرة منها قوله: # من مبلغ زفر القيسي مدحته ... عن القطامي قولا غير إفناد # إني وإن كان قومي ليس بينهم ... وبين قومك إلا ضربة الهادي # مثن عليك بما استبقيت معرفه ... وقد تعرض مني مقبل بادي # إذ يعتريك رجال يبتغون دمي ... ولو أطعتهم أبكيت عوادي # وقال ذو الرمة: # لولا اختياري أبا حفص وطاعته ... كاد الهوى من غداة البين يعتزم # له علي أياد لست أكفرها ... فإنما الكفر أن لا تشكر النعم # إذا هبطت بلادا لا أراك بها ... تجهمتني وحالت دوننا الظلم # أغر أروع بهلول أخي ثقة ... حلاحل من يراه اللين والكرم # يريد ذا الشيب منه شيبه كرما ... ويستبين فتاهم حين يحتلم # وقال محمد بن سعيد السعدي: # سأشكر عمروا إن تراخت ms295 منيتي ... أيادي لم تمنن وإن هي جلت # فتى غير محجوب الندى عن صديقه ... ولا مظهر الشكوى إذا النعل زلت # رأى خلة من حيث يخفى مكانها ... وكانت قذى عينيه حتى تجلت # وقال آخر: # شكرتك إن الشكر حظ من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي # فأحييت لي ذكرى ومن كان خاملا ... ولكن بعض الذكر أنبه من بعض # وقال آخر: # فلو كان للشكر شخص يبين ... إذا ما تأمله الناظر # لمثلته لك حتى تراه ... فتعلم أني امرؤ شاكر # وهذا الكلام حسن إن ترك على جملته، وقبيح إن كشف عن حقيقته، وذلك أن ~~صاحبه لم يقصد بشكره، وإلى أن يؤدي الحق الذي لزمه في نفسه وإنما قصد إلى ~~أن ولي النعمة يشكره وفي إظهار الشكر خلال كثيرة كل واحدة منها أجل من هذه ~~الخلة قدرا، وأجمل منها ذكرا، على أن هذه وإن كان غيرها أحسن في الحقيقة ~~منها فإنه لاعنا بالمنعم عليه عنها لئلا يقع عنده. أن إمساكه قصد منه إلى ~~كفران نعمته، فيمنعه ذلك من معاودة الأنعام عليه، وعلى مثله كما قال عنترة ~~العبسي: # نبئت عمرو غير شاكر نعمتي ... والكفر مجنية لشكر المنعم PageV01P181 وقد ~~غلط قوم من المتفلسفين غلطا دخلوا به في جملة جهال المتكبرين فزعموا أن ~~إظهار الشكر وتلقيه بالقبول قبيحان وأنهما جميعا يدلان من الشاكر والمشكور ~~على صغر النفس، ونقصان الهمة. وليس الأمر كذلك بل تركه يدل على كفران ~~النعمة، والاستكبار عن قبوله يدل على قلة الفهم، وضعف الروية، إذ الله جل ~~ثناؤه وهو خالق الخلق بتفضله وموفق من شاء منهم لطاعته ويسمي نفسه تبارك ~~وتعالى شاكرا فإذا جاز أن يكون الله تبارك وتعالى شاكرا لمن أطاعه على ~~طاعته إياه وهو الموفق لها وخالق القدرة على فعلها فكيف ينكر على من ابتدأه ~~مخلوق مثله بنعمه أن يظهرها وأن يشكر لموليه إياها على فعلها وإذا كان الله ~~جل ثناؤه يحض على شكر نفسه ويقبله من خلقه فكيف ينساغ للمخلوق أن يأباه ~~ويترفع عن قبوله ولقد أحسن الذي يقول: # ولو كان يستغني عن ms296 الشكر ماجد ... لعزة ملك أو علو مكان # لما ندب الله العباد لشكره ... فقال اشكروني أيها الثقلان # الباب السابع والستون # ذكر # ما يجعل من الاستبطاء مقدمة بين يدي الهجاء # حدثني أبو سعيد عبد الرحمن بن محمد بن حبيب الحارثي قال: حدثنا وهب يعني ~~ابن جرير عن جويرية، حدثنا نافع أنه كان تحت منبر ابن الزبير، يوم دعا إلى ~~نفسه، وحدثني أن أبا حرة الأسلمي صاحب العبا، كان رجلا من الموالي شاعرا ~~شجاعا مقاتلا فقام إليه فقال: يا ابن الزبير ما سفكنا الدماء، ولا قاتلنا ~~الناس إلا في ملكك، قال: فمن تبغون سواي؟ قال: فهل انتظرت حتى نكون نحن ~~ندعوك ففارقه ثم أنشأ يقول: # إن الموالي أمست وهي عاتبة ... على الخليفة تشكو الجوع والحربا # ماذا علينا وماذا كان يرزؤنا ... أي الملوك على ما حوله غلبا # نعاهد الله عهدا لا نخيس به ... لا نسأل الدهر شورى بعدما ذهبا # وذكروا أن رجلا من بني ضبة دخل على عبد الملك بن مروان فقال: السلام ~~عليك: # والله ما ندري إذا ما فاتنا ... طلب إليك من الذي نتطلب # ولقد طلبنا في البلاد فلم نجد ... أحدا سواك إلى المكارم ينسب # فاصبر لغادتك التي عودتنا ... أو لا فأرشدنا إلى من نذهب # قال: لا أجد. وأمر له بألف دينار وانصرف. فلما حال عليه الحول رجع وهو ~~يقول: # يؤوب الذي يأتي من العرف أنه ... إذا فعل المعروف زاد وتمما # وليس كبان حين تمم مثلها ... تتبعه بالنقص حتى تهدما # فأمر له بألفي دينار فانصرف. ولقد أحسن الذي يقول وهو يزيد بن محمد ~~المهلبي: # رأى الناس فوق المجد مقدار مجدكم ... فقد سألوكم فوق ما كان يسأل # بلغت الذي قد كنت أملت فيكم ... وإن كنت لم أبلغ لكم ما أؤمل # وما لي حق واجب غير أنني ... إليكم بكم في حاجتي أتوسل # وقال آخر: # ومن يك مفتاحا لخير يريده ... فإنك قفل يا سعيد بن خالد # أبيت فلا تعطي ولا أنت مانع ... كأنك منها بين سخن وبارد # وقال إبراهيم بن العباس الكاتب: # إن امرءا ضن بمعروفه ms297 ... عني لمبذول له عذري # ما أنا بالراغب في عرفه ... إذ كان لا يرغب في شكري # وأنشدنا أحمد بن طاهر لنفسه: # طوى شيما كانت تروح وتغتدي ... وسائل من أعيت عليه وسائله # فيا عارضا للعرف أقلع مزنه ... ويا واردا للسيل جفت مسايله # ولكنني أطوي الحسام إذا مضى ... وإن كان يوم الروع غيري حامله # وأثني على جيحان إن غاض ماؤه ... وإن كان ذودا غير ذودي ناهله # وله أيضا: # ما ماء كفك إن جادت وإن بخلت ... من ماء وجهي وإن أفنيته عوض # إني بأيسر ما أدنيت منبسط ... كذا بأيسر ما أقصيت منقبض # من أشتكي وإلى من أعتري وندى ... من أجتدي كل أمر فيك منتقض # مودة ذهب أثمارها شبه ... وهمه جوهر معروفها عرض # وله أيضا: # نأيت فلا مال حويت ولم أقم ... فأمتع إذ فجعت بالمال والأهل # بخلت على عرضي بما فيه صونه ... رجاء اجتناء الجود من شجر البخل ~~PageV01P182 عصيت شبا عزمي لطامة حيرة ... دعتني إلى أن أفتح القفل بالقفل # عدات كريعان السراب إذا جرى ... تنسر عن منع وتطوى على مطل # فلو شاء من لو شاء لم يثن أمره ... لصير فضل المال عند ذوي الفضل # ولو أنني أعطيت يأسي نصيبه ... إذن لأخذت الدهر من مأخذ سهل # ولم يك ما جرعت نفسي من الأسى ... ولم يك ما جرعت قومي من الثكل # وله أيضا: # فأين قصائد لي فيك تأبى ... وتأنف أن أهان وأن أذالا # من السحر الحلال لمجتنيه ... ولم أر مثله سحرا حلالا # وله أيضا: # ما أملي فيك بالضعيف ولا ... ظني في نجمه بمكذوب # ولا قبولي ما كنت جدت به ... علي بالأمس خلسة الذيب # أقل إخوانك الحميد غنى ... وأكثر الماء غير مشروب # لي أمل دائم الوقوف على ... منتظر من جداك مرقوب # وهمة ما تزال حائمة ... حول رواق عليك مضروب # فكيف ألجأتني إلى الأمد الأب ... عد من يوسف بن يعقوب # المانعي اليأس من بخالته ... والموسعي من عدات عرقوب # لست على غرة بمشتمل ... ولا إلى مطمع بمنسوب # ولا لمثلي في القول منك رضا ... والقول في المجد غير محسوب # أما نوال ms298 يدنيك من مدحي ... أو اعتذار يكفيك تأنيبي # وقال علي بن الجهم: # أطاهر إني عن خراسان راحل ... ومستخبر عنها فما أنا قائل # أأشكوك أم أثني عليك وإنما ... تخيرت أدته إليك المحافل # ومن أحسن ما قيل في الاستيطاء لعطاء وألطفه معنى قول البحتري: # أعاتب إخواني ولست ألومهم ... مكافحة أن الملوم الملوم # وما أنت بالثاني عنانا عن العلى ... ولا أنا بالخل الذي يتجرم # سأحمل نفسي عنك حمل مجامل ... وأكرمها إن كانت النفس تكرم # وأبعد حتى تعرض الأرض بيننا ... ويمسي التلاقي وهو غيب مرجم # عليك السلام أقصر الوصل فانطوى ... واجمع توديعا أخوك المسلم # وما منع الفتح بن خاقان نيله ... ولكنها الأقدار تعطي وتحرم # خلا أن بابا ربما التاث دونه ... ووجها طليقا ربما يتجهم # سحاب خطاني جوده وهو مسبل ... وبحر عداني فيضه وهو مفعم # وبدر أضاء البدر شرقا ومغربا ... وموضع رجلي منه أسود مظلم # أأشكو نداه بعدما وسع الورى ... ومن ذا يذم الغيث إلا مذمم # وله أيضا: # أمرت بأن أقيم على انتظار ... لرأيك أنه الرأي الأصيل # وراقبت الرسول وقلت يأتي ... بتبيان فما جاء الرسول # فليس بغير أمرك لي مقام ... ولا عن غير إذنك لي رحيل # وقد أوقفت عزمي والمطايا ... فقل شيئا لأفعل ما تقول # وقال أيضا: # إذا محاسني اللاتي أدل بها ... كانت ذنوبي فقل لي كيف أعتذر # أهز بالشعر أقواما ذوي وسن ... لو أنهم ضربوا بالسيف ما شعروا # علي نحت القوافي من مقاطعها ... وما علي إذا لم تفهم البقر # أبعد عشرين شهرا لا جدا فيرى ... به انصراف ولا وعد فينتظر # وله أيضا: # رأيتك تهوى اقتناء المديح ... وتجهل مقدار إيجابه # وكيف ترجي وصولا إلي ... ه ولم تتوصل بأسبابه # لئن كنت أنحله الأكرمي ... ن فما أنت أول أربابه # وأن أتطلب به نائلا ... فلست مليا بأطلابه # وأن أتصدق به حسبة ... فإن المساكين أولى به # وقال أيضا: # وعدت برذونا فرددتني ... إليك حتى قام برذوني # منيتي الأدهم من بعدما ... فجعتني بالأشهب الجون # إن يكذب الميعاد تظلم وإن ... يصدق فبرذون ببرذون # الباب الثامن والستون # ذكر # من هجي بفعله وعير ببخله PageV01P183 البخلاء ms299 على ضروب فبعضهم أقبح من ~~بعض فمنهم من يبخل على غيره بما هو محتاج إليه لمصلحة نفسه، ومنهم من يبخل ~~بما هو مستغن عنه، ومنهم من يبخل بمال غيره وقد جرى على البحتري نوع من ~~البخل طريف. # بلغني أن بعض الكتاب عاتبه على احتشامه فاستقرض منه عشرين دينارا فمنعه ~~فقال في ذلك: # إن انبسطنا ردنا عن رادتنا ... أو احتشمنا فعدل موشك المضض # ما ضر ملتمس الجدوى إذا لحظت ... عيناه عندكم إخفاق مقترض # وحدثني أبو بكر بن أبي خيثمة قال: حدثني سليمان بن أبي صالح بن مسلم قال: ~~كان شريك بن عبد الله على قضاء الكوفة فخرج يتلقى الخيزران فبلغ قرية يقال ~~لها شاهي وأبطأت الخيزران فأقام ثلاثا ينتظرها فيبس خبزه فجعل يبله بالماء ~~ويأكل فقال العلاء بن المنهال الغنوي: # فما لك موضعا في كل يوم ... تلقى من يحج من النساء # مقيم في قرى شاهي ثلاثا ... بلا زاد سوى كسر وماء # قال سليمان فعزله يعني شريكا موسى بن المهدي، فقال موسى بن عيسى لشريك: ~~يا أبا عبد الله عزلوك عن القضاء ما رأينا قاضيا عزل قال: هم الملوك يعزلون ~~ويخلفون. # وقال أيضا: # في كل يوم وقفة بفنائه ... تخزي الشريف وردة عن بابه # أسمع لغضبان تثبت ساعة ... فبداك قبل هجائه بعتابه # تالله يسهر في مديحك ليله ... متململا وتنام دون ثوابه # يعرض أن أباه خلع. وقال أوس بن حجر: # هممت بباع ثم قصرت دونه ... كما تنهض الرجزاء شد عقالها # وإن كثيرا أن تكلف مفرقا ... من القول أعلا سورة لا تنالها # وقال الأعشى: # أعلقم قد حكمتني فوجدتني ... بكم عالما على الخصومة غائصا # كلا أبويكم كان فرعا دعامة ... ولكنهم زادوا وأصبحت ناقصا # تبيتون في المشتى ملاء بطونكم ... وجاراتكم شعثا يبتن خمائصا # وقال الخليل بن أحمد: # كفاك لن تخلقا للندى ... ولم يك بخلهما بدعه # فكف ثلاثة آلافها ... وتسعمئيها لها شرعه # وكف عن الخير مقبوضة ... كما قبضت مائة تسعه # وأنشدنا أبو العباس: # فتى لرغيفه شنف وقرط ... ومرسلتان من خزر وشذر # ودون رغيفه لمس الثريا ... وحرب مثل وقعة ms300 يوم بدر # وإن ذكر الرغيف بكى عليه ... بكا الخنساء إذ فجعت بصخر # وأنشدنا أيضا: # أرى ضيفك في الدار ... وكرب الموت يغشاه # على خبزك مكتوب ... سيكفيكهم الله # وقال دعبل: # يا تارك الدار على الضيف ... وهاربا منها من الخوف # ضيفك قد جاء بزاد له ... فارجع وكن ضيفا على الضيف # وقال آخر: # قد كنت أحسب أن الخبز فاكهة ... حتى مررت على أوفى بن منصور # يا حابس الروث في أعفاج بغلته ... خوفا على الحب من لقط العصافير # وقال أبو الشمقمق: # طعامك في السحاب إذا التقينا ... وماؤك عند منقطع التراب # وما روحتنا لتذب عنا ... ولكن خفت مرزئة الذباب # وقال آخر: # نوالك دونه خرط القتاد ... وخبزك كالثريا في البعاد # ترى الإصلاح صومك لا لنسك ... وكسرك للرغيف من الفساد # ولو أبصرت ضيفك في منام ... لحرمت المنام إلى التناد # وما أهجوك أنك كفء شعري ... ولكني هجوتك للكساد # وبلغني أن علي بن العباس الرومي مدح ابن المدبر بأبيات فلما طال تردده في ~~اقتضاء ثوابها دفع لحاجب إليه الأبيات وقال: يقول لك امتدح بها من شئت ~~فاعتزل عن الباب فكتب إليه هذه الأبيات وأنفذها إليه: # رددت علي شعري بعد مطل ... وقد دنست ملبه الجديدا # وقلت امدح به من شئت غيري ... ومن ذا يقبل المد الرديدا # ولا سيما إذا أعبقت فيه ... فحازيك اللواتي لن تبيدا # وهل للحي في أثواب ميت ... لبوس بعدما امتلأت صديدا # وقال علي بن الجهم: # جمعت أمرين ضل الحزم بينهما ... تيه الملوك وأفعال المماليك PageV01P184 ~~أردت شكرا بلا من ومرزأة ... لقد سلكت سبيلا غير مسلوك # وقال أبو تمام: # عياش إنك للئيم وإنني ... إذ صرت موضع مطلبي للئيم # السحت أعذب من نوالك مطمعا ... والمهل والغسلين والزقوم # لما بدا لي في صميمك ما بدا ... بل لم يصب لك لا أصيب صميم # جددت في ذميك حبل قصائد ... جالت به الدنيا وأنت مقيم # وقال أيضا: # ليسودن بقاع وجهك منطقي ... أضعاف ما سودت وجه قصيدي # وليفضحنك في المحافل كلها ... صدري كما فضحت يداك ورودي # وله أيضا: # توهم آجل الطمع المغيتي ... تيقن عاجل اليأس المنيل ms301 # فأجدى موقفي بنداك جدوى ... وقوف الصب في الطلل المحيل # وكنت أعز عزا من قنوع ... يعوضه صفوح من ملول # فصرت أذل من معنى دقيق ... به فقر إلى ذهن جليل # فما أدري عماي عن ارتيادي ... دهاني أم عماك عن الجميل # ذخرتك للجزيل وأنت لغو ... ظلمتك لست من أهل الجزيل # رويدك إن لؤمك سوف يجلو ... لك الظلماء عن حزن طويل # وأقلل إن كبرك سوف يصلى ... بنيراني أقل من القليل # مرارات المقام عليك تعفو ... فتذهب في حلاوات الرحيل # وله أيضا: # أضحوا بمستن سيل الذم وارتفعت ... أموالهم في هضاب المطل والعلل # من كل أظمى الثرى والأرض قد نهلت ... ومقشعر الذرى والشمس في الحمل # وأخرس الجود تلقى الدهر سائله ... كأنه واقف منه على طلل # وله أيضا: # ستعلم يا عياش إن كنت تعلم ... فتندم إن خلاك جهلك تندم # وقفت عليك الذم حتى كأنما ... لديك الغنى أو ليس في الأرض درهم # وكفكفت عنك الذم حتى كأنما ... أجارك مجد أو كأني مفحم # فلما بدا لي منك لؤم تحفه ... حر مية ينشق عنها التبظرم # تركتك ما إن في أديمك ظاهر ... ولا باطن إلا ولي فيه ميسم # وأيسر من تسآلك العي والعمى ... وأعذب من إحسانك القيح والدم # رأيتك من مال وجود ومحتد ... لأعدم من أن يستريشك معدم # وما لي أهجو حضرموت كأنهم ... أضاعوا ذمامي أو كأنك منهم # وقال البحتري: # خطب المديح فقلت خل طريقه ... ليجوز عنك فلست من أكفائه # وقد انتمى فانظر إلى أخلاقه ... صفحا ولا تنظر إلى آبائه # أعطى القليل وذاك مبلغ قدره ... ثم استرد وذاك مبلغ رائه # ولبعض بني أسد: # وما جاءني من خالد غير خمسة ... وما خمسة من خالد بقليل # ثقيل على ظهر الجواد إذا غدا ... وليس على أعدائه بثقيل # وقال الأخطل: # ما زال فينا رباط الخيل معلمة ... وفي كليب رباط الذل والعار # قوم إذا استنبح الأضياف كلبهم ... قالوا لأمهم بولي على النار # وقال أبو تمام الطائي: # أتطمع أن تعد كريم قوم ... وبابك لا يطيف به كريم # كمن جعل الحضيض له مهادا ... ويزعم أن أخوته النجوم # فما أنت ms302 اللئيم أبا ولكن ... زمان سدت فيه هو اللئيم # وقال البحتري: # وأكثر ما لسائلهم لديهم ... إذا ما جاء قولهم تعود # ووعد ليس يعرف من عبوس ان ... قباضهم أوعد أم وعيد # وقال أيضا: # لو صافحوا المزن ما ابتلت أناملهم ... ولو يخوضون بحر الصين ما غرقوا # جفوا من اللؤم حتى لو بدا لهم ... ضوء السنا في سواد الليل لاحترقوا # الباب التاسع والستون # ذكر # من هجي بالفرار من اللقاء # والجزع من مواقعة الأعداء وأول بابه # قال حسان بن ثابت يعير الحارث بن هشام بفراره وتسليمه من معه: # إن كنت كاذبة الذي حدثتني ... فنجوت منجى الحارث بن هشام # ترك الأحبة أن يقاتل دونهم ... ونجا برأس طمرة ولجام # وقال الحارث بن هشام معتذرا من ذلك: PageV01P185 الله يعلم ما تركت ~~قتالهم ... حتى علوا فرسي بأشقر مزبد # وعلمت أني إن أقاتل واحدا ... أقتل ولا يضرر عدوي مشهدي # فصددت عنهم والأحبة فيهم ... رصدا لهم بعقاب يوم مرصد # ومن العجائب أن يعير حسان أحدا بالفرار من اللقاء، ومكانه من الجبن ~~المكان الذي لا يجهله من روى الأشعار، وعلم طرفا من الأخبار. # وبلغني أنه كان يهاجي قيس بن الخطيم وكان فيما هجاه به قوله: # فلا تجزعن يا قيس وأربع فإنما ... قصاراك أن تلقى فألقى محمدا # فلما بلغ هذا البيت قيسا قال: هذا حسان بن ثابت. قالوا: نعم، قال: لم يكن ~~هذا كلامه يوم انهزم من أول السطح إلى آخره، ومن آخره إلى أوله. # وقال جرير يعير الفرزدق بنبو السيف عن قطع العلج الذي ضربه: # بسيف أبي رعوان سيف مجاشع ... ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم # ضربت به عند الأمام فأرعشت ... يداك وقالوا مرهف غير صارم # فقال الفرزدق يجيبه ويعتذر من ذلك: # فهل ضربة الرومي جاعلة لكم ... أبا عن كليب أو أبا مثل دارم # فلا نقتل الأسرى ولكن نفكهم ... إذا أثقل الأعناق حمل المغارم # وقال أيضا: # وما نبا السيف من جبن ولا دهش ... عند الأمام ولكن أخر القدر # ولو ضربت على عمد مقلده ... لخر جثمانه ما فوقه شعر # وما يعجل نفسا قبل ms303 ميتتها ... جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر # وقال أيضا: # فإن يك سيف خان أو قدر أبى ... لتأخير نفس حتفها غير شاهد # وقال الطرماح: # لا عز نصر امرئ أمسى له فرس ... على تميم يريد النصر من أحد # لو كان ورد تميم ثم قيل لها ... حوض النبي عليه الأزد لم ترد # لو أنزل الله وحيا أن يعذبها ... إن لم تعد لقتال الأزد لم تعد # وقال أيضا: # نبئت تيما محتذي حرب طيئ ... تباركت يا رب الخطوب الأوائل # وما خلقت تيم وزيد مناتها ... وضبة إلا بعد خلق القبائل # لقد زادني حبا إلي تقبضي ... بغيض إلى كل امرئ غير طائل # إذا ما رآني قطع الطرف بينه ... وبيني فعل العارف المتجاهل # ملأت عليه الأرض حتى كأنها ... من الضيق في عينيه كفة حابل # وقال آخر: # لحا الله أهزلنا جاره ... وأسمننا حين نشتو فصالا # والأمنا عند غب اللقا ... ء إذا ما دعوتك عما وخالا # وأجبنا أسوة في اللقا ... ء إذا ما السيوف علون القلالا # وقال الفرزدق: # كأني على ذي الطبي عين بصيرة ... مفقدة أو منظر هو ناظره # يحاذر حتى يحسب الناس كلهم ... من الظن لا تخفى عليهم سرائره # وقال آخر: # كأن بلاد الله وهي عريضة ... على الخائف المطلوب كفة حابل # يؤدي إليه أن كل ثنية ... تيممها ترميه منها بقاتل # وقال آخر: # أسد علي وفي الحروب نعامة ... ربداء تفزع من صفير الصافر # هلا برزت إلى الغزالة في الوغى ... بل كان قلبك في جناحي طائر # صدعت غزالة قلبه بفوارس ... تركت مناظره كأمس الدابر # وقال آخر: # جهلا علينا وجبنا عن عدوكم ... لبئست الخلتان الجهل والجبن # إذا رأوا خلة طاروا بها فرحا ... مني وما علموا من صالح دفنوا # وقال أبو تمام: # لو لم تراجعهم لراجعهم ... ما في صدورهم من الأوجال # قد أترعت منها الجوانح رهبة ... بطلت لديها سورة الأبطال # لم يكس شخص فيئه حتى رمى ... وقت الزوال نعيمهم بزوال # برزت بهم هفوات علمهم وقد ... يردي الجمال تعسف الجمال # وكأنما احتالت عليه نفسه ... إذ لم تنله حيلة المحتال # ترك الأحبة ساليا لا ناسيا ... عذر ms304 النسي خلاف عذر السالي # ما زال مغلوب العزيمة سادرا ... حتى غدا في القيد والأغلال PageV01P186 ~~لا كعب أسفل موضعا من كعبه ... مع أنه عن كل كعب عال # سام كأن العز يجذب ضيعه ... وسموه من ذلة وسفال # متفرغ أبدا وليس بفارغ ... من لا سبيل له إلى الأشغال # وقال أيضا: # أعطى بكلتا يديه ثم قيل له ... هذا أبو دلف العجلي قد دلفا # جيران تحسب أن النقع من دهش ... طورا ...... # تركت أجفانه مغموضة أبدا ... ذلا يمكن عينيه ولا وطفا # برق إذا رق غيث بات مختطفا ... للطرف أصبح للهامات مختطفا # وللبحتري: # وقد شاغب الإسلام خمسين حجة ... فلا الخوف ناهيه ولا الحلم زاجره # ولما التقى الجمعان لم تجتمع له ... يداه ولم ينبت على البيض أطره # فجاء مجيء العير قادته حيرة ... إلى أهرت الشدقين تدمى أظافره # ومن كان في استسلامه لائما له ... فإني على ما كان من ذاك عاذره # وكيف يفوت الليث في قيد لحظه ... وكان على شهرين هم يحاصره # فإن أدركته بالعراق نية ... فقاتله عند الخليفة آسره # بتدبيرك الميمون أعلى مكيدة ... وكلت عليه سمره وبواتره # وظنك سر لو تكلف ظنه ... دجا الليل عنا لم تسعه ضمائره # الباب السبعون # ذكر # من هجي بقبح خلقته وعيب بسوء خليقته # أنشدني بعض أهل الأدب في أبي يعلى الكاتب: # نعمة الله لا تعاب ولكن ... ربما استقبحت على أقوام # لا يليق الغنى بوجه أبي يعلى ... لا ولا نور بهجة الإسلام # وسخ الثوب والقلانس والبر ... ذون والوجه والقفا والغلام # لا تمسوا دواته فتصيبوا ... من دماء الحسين في الأقلام # وقال آخر: # خنازير ناموا عن المكرمات ... فقام بهم قائم لم ينم # فيا قبحهم في الذي ملكوا ... ويا حسنهم في زوال النعم # وقال آخر: # لست أدري ما أسمي رجلا ... قل منه ملحه حتى ملح # فهو كالقرد إذا استقبحته ... زاد في عينيك حسنا ما قبح # وقال آخر: # يا من تبرمت الدنيا بطلعته ... كما تبرمت الأجفان بالسهد # يمشي على الأرض مختالا فأحسبه ... من بغض طلعته يمشي على الكبد # لو كان للخلق جزء من سماحته ... لم يقدم الموت إشفاقا ms305 على أحد # وقال آذرست المعلم: # لنا صاحب مولع بالمراء ... كثير الجدال قليل الصواب # ألج لجاجا من الخنفساء ... وأزهى إذا ما مشى من غراب # وقال محمد بن حازم الباهلي: # يطول بقربك اليوم القصير ... ويرحل إن مررت بنا السرور # لقاؤك للمبكر فأل سوء ... ووجهك أربعاء لا تدور # وقال آخر: # عذرك عندي بك مبسوط ... والذنب عن مثلك محطوط # ليس بمسخوط فعال امرئ ... كل الذي يفعل مسخوط # قد كان حظا لك مسترجحا ... لو كان في أمرك تخليط # وأنشدني أحمد بن أبي طاهر: # ويوم كنار الشوق في القلب حره ... على أنه منه أحر وأرقد # ظللت به عند المبرد قائظا ... فما زلت في ألفاظه أتبرد # وقال آخر: # رأيتك قائلا للشاة فري ... وللذئب العشا قبل الرواح # وللركب المعرى لا تناموا ... وللص الوجا قبل الصباح # وقال آخر يصف شناعة أبي جهل: # وشاعر يهتك من عرضه ... أضعاف ما يهتك من عرضي # عجبت لما جاءني شعره ... وبعضه يسخر من بعض # ومن خبيث الهجاء قول الآخر: # أحسن ما في خالد وجه ... فقس على الغائب بالشاهد # ومثله: # قبحت مناظرهم فحين خبرتهم ... حسنت مناظرهم بقبح المخبر # وقال الحطيئة يهجو ابنته: # تنحي فاجلسي مني بعيدا ... أراح الله منك العالمينا # حياتك ما علمت حياة سوء ... وموتك قد يسر الصالحينا # أغربالا إذا استودعت سرا ... وكانونا على المتحدثينا PageV01P187 وقال ~~أعرابي يهجو أباه، وذلك أنه دخل على كسرى، فلما نظر إلى حسن مقاصيره وبهاء ~~مملكته أنشأ يقول: # لكسرى كان أعقل من تميم ... ليالي فر من بلد الضباب # فأسكن أهله ببلاد رحب ... وأشجار وأنهار عذاب # فصار بنو أبيه بها ملوكا ... وصرن نحن أشباه الكلاب # فلا رحم الإله هدى تميم ... لقد أزرى بنا في كل باب # وقال آخر يمدح أباه ويهجو نفسه: # ورثنا المجد عن آباء صدق ... أسأنا في ديارهم الصنيعا # إذا البيت الرفيع تعاورته ... بناة السوء أوشك أن يضيعا # وقال آخر: # أبوك أب حر وأمك حرة ... وهل يلد الحران غير نجيب # فلا يعجبن الناس منك ومنهما ... فما خبث من فضة بعجيب # الباب الحادي والسبعون # ذكر # من هجي بأصله دون ms306 ما يظهر من فضله # أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن أبي عبد الله بن الأعرابي قال: تمثل ~~عبد الملك بن مروان لمسلمة بن عبد الملك وكان في خيله فسبق وكان ابن أمة ~~والشعر لعبد القيس: # نهيتكم أن تحملوا هجناءكم ... على خيلكم يوم الرهان فتدركوا # فتضعف ساقاه ويفتر كفه ... وتحذر فخذاه فلا يتحرك # وما يستوي المرءان هذا ابن حرة ... وهذا ابن أخرى ظهرها متشرك # وأدركنه خالاته فحولنه ... ألا إن عرق السوء لا بد مدرك # قال: فقال مسلمة، والشعر لمسكين الحنظلي: # وكائن ترى فينا من ابن سبية ... إذا التقت الخيلان يطعنها شزرا # فما زادها فينا السباء مذلة ... ولا خبزت خبزا ولا طبخت قدرا # ولكن خلطناها بخبز نسائنا ... فجاءت بهم بيضا وجوههم زهرا # وقال أبو تمام: # إذا افتخرت يوما تميم بقوسها ... فخارا على ما وطنت من مناقب # فأنتم بذي قار أمالت سيوفكم ... عروش الذين استوهبوا قوس حاجب # مناع لأقوام متى تقرنونها ... محاسن أقوام تكن كالمعايب # وقال الطرماح: # تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا ... ولو سلكت طرق المكارم ضلت # أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى ... رجال المخازي عن تميم تجلت # ذبحنا فسمينا فحل ذبيحنا ... وما ذبحت يوما تميم فسمت # ولو أن برغوثا على ظهر قملة ... يكر على ضيفي تميم لولت # وقال جرير: # ويقضى الأمر حين تغيب تيم ... ولا يستأذنون وهم شهود # وإنك لو رأيت عبيد تيم ... وتيما قلت إنهم العبيد # وقال آخر: # ولا عدمت امرءا هالتك هيبته ... حتى حسبت المنايا تسبق الأجلا # ولا أسنة قوم أرشدوك بها ... سبل الفرار فلم تعدل بها السبلا # وقال الأعشى أو الراعي: # إلى الله أشكو أنني كنت نائما ... فقام سلولي فبال على رجلي # فقلت لأصحابي اقطعوها فإنني ... كريم وإني غير مدخلها رحلي # وقال عميرة بن جعيل: # كسا الله حيى تغلب ابنة وائل ... من اللؤم أظفارا بطيئا نصولها # فما بهم أن لا يكونوا طروقة ... كراما ولكن غيرتها فحولها # إذا رحلوا عن دار عز تقاولوا ... عليها وردوا وفدهم يستقيلها # وقال آخر: # وليسوا لعمرو غير تأثيل نسبة ... ولكن عمروا غيبته المقابر ms307 # إذا عيروا قالوا مقادير قدرت ... وما العار إلا أن تجود المقادر # وقال زيد بن الحكم الكلابي: # دفعناكم بالقول حتى بطرتم ... وبالراح حتى كان دفع الأصابع # فلما رأينا جهلكم غير منته ... وما غاب من أحلامكم غير راجع # مسسنا من الإباء شيئا وكلنا ... إلى حسب في قومه غير واضع # فلما بلغنا الأمهات وجدتم ... بني عمكم كانوا كرام المضاجع # وقال آخر: # فإن من غاية حرص الفتى ... طلابه المعروف في باهله # كبيرهم وغد ومولودهم ... تلعنه من لؤمه القابله # وقال جميل: PageV01P188 أبوك حباب سارق الضيف برده ... وجدي يا حجاج فارس ~~شمرا # بنو الصالحين الصالحون ومن يكن ... بأباء سوء تلقهم حيث سيرا # فإن تغضبوا من قسمة الله حظكم ... فلله إذ لم يرضكم كان أبصرا # وقال الخزرجي: # أيزيد أنك لم تزل بمذلة ... حتى لففت أباك في الأكفان # فاشكر بلاء الموت عندك إنه ... أودى بلؤم الحي في شيبان # وقال أبو نواس: # الحمد لله هذا أعجب العجب ... الهيثم بن عدي صار في العرب # إذا نسبت عديا في نبي ثكل ... فقدم الدال قبل العين في النسب # وقال آخر: # نطقت بنو أسد ولم تتطهر ... وتكلمت سرا ولما تجهر # وابن الحباب صليبة زعموا هم ... ومن المحال صليبة من أشقر # وقال آخر: # أيها المدعي سليما سفاها ... لست منها ولا قلامة ظفر # إنما أنت في سليم كواو ... ألحقت في الهجاء ظلما بعمرو # وقال آخر: # لو أن موتى تميم كلهم نشروا ... فأثبتوك لقيل الأمر مصنوع # إن الجديد إذا ما زيد في خلق ... تبين الناس أن الثوب مرقوع # وقال مخلد الموصلي: # أنظر إليه وإلى حمقه ... كيف تطايا وهو منشور # ويلك من ألقاك في دعوة ... قلبك منها الدهر مذعور # لو ذكرت طي على فرسخ ... أظلم في ناظرك النور # وقال بشر بن شبيب: # إذا ما بدا عمرو بدت منه خلقة ... تدل على مكنونه حين يقبل # بياض خراسان ولكنة فارس ... ورقة رومي وشعر مفلفل # وقال مسلم: # أما الهجاء فدق عرضك دونه ... والمدح فيك كما علمت جليل # فاذهب فأنت طليق عرضك أنه ... عرض عززت به وأنت ذليل # وقال محمد بن ms308 حماد: # أجارتنا بان الخليط فأبشري ... فما العيش إلا أن يبين خليط # أعاتبه في عرضه ليصونه ... ولا علم لي أن الأمير لقيط # وقال آخر: # لا خير في صاعد فأذكره ... والخير يأتيك من يدي عمر # ليس له ما خلا اسمه نسب ... كأنه آدم أبو البشر # وقال علي بن الجهم: # بني ميتم هل تدرون ما الخبر ... وكيف يستر أمر ليس ينستر # حاجيتكم من أبوكم يا بني عصب ... شتى ولكنما للعاهر الحجر # قد كان شيخكم شيخا له خطر ... لكن أمكم في أمرها نظر # ولم تكن أمكم والله يحفظها ... محجوبة دونها الأحراس والستر # كانت مغنية الفتيان إن شربوا ... وغير ممنوعة منهم إذا سكروا # وقال أبو الموق المديني: # لم يته قط على النا ... س شريف يا أبا سعد # فته ما شئت إذ أنت ... بلا أصل ولا جد # وإذ حظك في النس ... بة بين الحر والعبد # وإذ قاذفك المفحش ... في أمن من الحد # وقال البحتري: # لرددت العتاب عليك حتى ... سئمت وآخر الود العتاب # وهان عليك سخطي حين تغدو ... بعرض ليس تأكله الكلاب # وهل يشفي السباب من ابن لؤم ... دنيء ليس يؤلمه السباب # وأنشدني محمد بن المرزبان لنفسه: # أي نغل لزينة وزواني ... علقته يد الهجاء هجاني # كل من رام لي هجاء وقذفا ... بكتاب يبديه أو بلسان # فاللواتي عليه حرمهن الله ... في سورة النساء زوان PageV01P189 قال أبو ~~بكر: قد كنت أكره أن أضمن هذا الكتاب شيئا من القذف، أو أشوبه بضرب من ~~السفه والسخف، أو أذكر فيه هجاء لقبيلة يجب على كافة المسلمين صونها، أو ~~لرجل يكون سبيله في وجوب صيانته سبيلها، ولولا ذلك لكان في نقائض جرير ~~والفرزدق وحدهما أو في قصيدتي الكميت ودعبل وحدهما، أو في أشعار الحكمي ~~وضربائه دون من تقدمهم ما يملأ هذا الباب، بل ما يفي بجميع هذا الكتاب من ~~أنواع التهاجي والتفاخر، ولولا أن معاني هذه الثلاثة الأبيات من المعاني ~~المفردات التي لا يكاد يقع مثلها سلاسة لفظ، واستيفاء معنى. وأنها مع ذلك ~~ليس فيها ذكر لأحد باسمه ولا نسب له بقبيلته، فيشترك ms309 فيها هو وغيره ما ~~ذكرتها. ونحن الآن إن شاء الله إذ أتينا في أبواب الهجاء من الأشعار بما ~~فيه بلاغ. مبتدئون بأبواب الفخار. # الباب الثاني والسبعون # ذكر # من فخر بحسبه وامتدح بنسبه # قال امرؤ القيس: # إنا وإن أحسابنا كرمت ... لسنا على الأحساب نتكل # نبني كما كانت أوائلنا ... تبني ونفعل مثل ما فعلوا # وقال آخر: # عادوا مروءتنا فضلل سعيهم ... ولكل بيت مروءة أعداء # لسنا إذا ذكر الفعال كمعشر ... أزرى بفعل أبيهم الأبناء # وقال رجل من بني نهشل: # إنا بنو نهشل لا ندعي لأب ... عنه ولا هو بالأبناء يشرينا # إن تبتدر غاية يوما لمكرمة ... تلق السوابق منا والمصلينا # وليس يهلك منا سيد أبدا ... إلا افتلينا غلاما سيدا فينا # إنا لمن معشر أفنى أوائلهم ... قول الكماة ألا أين المحامونا # لو كان في الألف منا واحد فدعوا ... من فارس خالهم إياه يعنونا # ولا تراهم وإن جلت مصيبتهم ... مع البكاة على من مات يبكونا # إنا لنرخص يوم الروع أنفسنا ... ولو نسام بها في الأمن أغلينا # بيض مفارقنا تغلي مراجلنا ... نأسوا بأموالنا آثار أيدينا # وقال السموأل بن عادياء أو عبد الرحمن القيني أو عبد الملك الحارثي ~~المعروف باللجلاج: # تعيرنا أنا قليل عديدنا ... فقلت لها إن الكرام قليل # وما ضرنا أنا قليل وجارنا ... عزيز وجار الأكرمين ذليل # وما قل من كانت بقاياه مثلنا ... شباب تسامى للعلى وكهول # لنا جبل يحتله من نجيره ... منيف يرد الطرف وهو كليل # رسا أصله تحت الثرى وسما به ... إلى النجم فرع لا ينال طويل # وما مات منا ميت حتف أنفه ... ولا طل منا حيث كان قتيل # تسيل على حد السيوف دماؤنا ... وليست على غير الحديد تسيل # ونحن أناس لا نرى القتل سبة ... إذا ما رأته عامر وسلول # يقرب حب الموت آجالنا لنا ... وتكرهه آجالهم فتطول # وننكر إن شئنا على الناس قولهم ... ولا ينكرون القول حين نقول # إذا سيد منا خلا قام سيد ... قؤول بما قال الكرام فعول # وما أخمدت نار لنا دون طارق ... ولا ذمنا في النازلين نزيل # وأسيافنا في كل شرق ms310 ومغرب ... بها من قراع الدارعين فلول # معودة ألا تسلى نضالها ... فتغمد حتى يستباح قبيل # إذا المرء لم يدنس من اللؤم عرضه ... فكل راء يرتديه جميل # وإن هو لم يحمل على النفس ضيمها ... فليس إلى حسن الثناء سبيل # وقال لقيط بن زرارة: # وإني من القوم الذين عرفتهم ... إذا مات منهم سيد قام صاحب # نجوم سماء كلما غاب كوكب ... بدا كوكب تأوي إليه الكواكب # وقال الخريمي في نحوه: # بقية أقمار من الغر لو خبت ... لظلت معد في الدجى تتسكع # إذا قمر منها تغور أو خبا ... بدا قمر في جانب الأفق يلمع # وقال البعيث بن حريث: # دعاني يزيد بعد ما ساء ظنه ... وعيسى وقد كانا على حد منكب PageV01P190 ~~وقد علما أن العشيرة كلها ... سوى محضري من خاذلين وغيب # وكنت أنا الحامي حقيقة وائل ... كما كان يحمي عن حقائقها أبي # وقال آخر: # أنا إذا مالت دواعي الهوى ... وأنصت السامع للقائل # واضطرب القوم بأحسابهم ... نقضي بحق عادل فاصل # لا نجعل الباطل حقا ولا ... نعرض دون الحق بالباطل # نخاف أن تسفه أحلامنا ... فنخمل الدهر مع الخامل # وقال أوس بن مغراء: # وكل من تبع الإسلام تابعنا ... وكل من خالف الإسلام يخشانا # ولا ترى معشرا نبكي لميتهم ... إذا تولى وهم يبكون موتانا # يستأذنون فإن تأذن لقائلهم ... ينطق وإن ننه يسكت جريانا # لا تطلع الشمس إلا عند أولنا ... ولا تغيب إلا عند أخرانا # وقال قيس بن عاصم: # إني امرؤ ما يعتري خلقي ... دنس يغيره ولا أفن # من منقر في بيت مكرمة ... والفرع ينبت حوله الغصن # وقال زبان بن سيار الفزاري: # أبي حمل الألف الذي جر حارث ... على قومه إذ غاب عنها رجالها # ولسنا كقوم محدثين سيادة ... يرى مالها ولا يحس فعالها # مساعيهم مقصورة في بيوتهم ... ومسعاتنا ذبيان طرا عيالها # وللأسلع بن فضاض الطهوي: # فداء لقومي كل معشر حارم ... طريد ومخذول بما جر مسلم # هم ألجموا الخصم الذي يستفزني ... وهم قصموا حجلي وهم حقنوا دمي # بأيد يفرجن المضيق وألسن ... سلاط وجمع ذي زهاء عرمرم # وقال جرير: # أبونا خليل الله والله ms311 ربنا ... رضينا بما أعطى المليك وقدرا # لنا قبلة الله التي يفتدى بها ... فأورثنا ملكا وعزا معمرا # ومنا سليمان الذي سأل ربه ... فأعطاه بنيانا وملكا مسخرا # ويعقوب منا زاده الله بسطة ... وكان ابن يعقوب نبيا مصورا # وموسى وعيسى والذي خر ساجدا ... فأنبت زرعا دمع عينيه أخضرا # وتجمعنا والغر أولاد سارة ... أب لا نبالي بعده من تعذرا # وأبناء إسحاق الليوث إذا غدوا ... محاميل قود يلبسون السنورا # فيوما سرابيل الحديد عليهم ... ويوما ترى عصبا وخزا منيرا # إذا افتخروا عدا الصبهبذ منهم ... وكسرى وسابور الهمام وقيصرا # وكان كتاب الله فينا نبوة ... وكانوا باصطخر الملوك وتسترا # وقال أيضا: # مضر أبي وأبو الملوك فهل لكم ... يا خزر تغلب من أب كأبينا # إن الذي حرم الخلافة تغلبا ... جعل النبوة والخلافة فينا # هذا ابن عمي في دمشق خليفة ... لو شئت ساقكم إلي قطينا # وقال دعبل: # تطهر من أفاضلنا رجال ... وحب الله للمتطهرينا # وأنزل آية إن قاتلوهم ... يعذبهم بأيديكم فنونا # فإن قلتم رسول الله منا ... فإن محمدا للمسلمينا # وقال إسحاق الموصلي: # إذا مضر الحمراء كانت أرومتي ... وقام بنصري خازم وابن خازم # عطست بأنفي شامخا وتناولت ... يداي الثريا قاعدا غير قائم # وقال أبو دلف: # أنا ابن السابقين إلى المعالي ... ولو أني سكت لما خفيت # وعلمني أبي قتل الأعادي ... وضراني بهم حتى ضريت # تجن لأرض أن أدعى باسمي ... وتنهد الجبال إذا كنيت # قال أبو بكر: قد مضى عظم هذا الباب، ولم نقض فيه لأحد من آل رسول الله ~~صلى الله عليه، من الافتخار، ولم نؤخر ذكرهم، لأن غيرهم كان أحق بالتقدمة ~~منهم، غير أنا أحببنا أن نختم الكتاب بذكرهم، ونقطع بالقضية لهم على غيرهم ~~ونحن الآن نذكر قليلا من كثير ما لهم إذ كان فضلهم أبين من أن يحتاج إلى ~~توكيده بشعرهم، أو بشعر غيرهم، والحمد لله على ذلك. # قال علي بن أبي طالب رضوان الله عليه: # محمد النبي أخي وصهري ... وحمزة سيد الشهداء عمي # وجعفر الذي يضحي ويمسي ... يطير مع الملائكة ابن أمي PageV01P191 وبنت ~~محمد سكني وعرسي ... مسوط لحمها بدمي ms312 ولحمي # وسبطا أحمد ابناي منها ... فأيكم له سهم كسهمي # سبقتكم إلى الإسلام طرا ... غلاما ما بلغت أوان حلمي # وأوجب لي ولايته عليكم ... رسول الله يوم غدير خم # وقال هارون الرشيد: # ما الفخر أني إمام الناس كلهم ... فخري بنفسي وآبائي من السلف # والعقل والفضل في مجدي وفي نطقي ... وما تكامل في خلقي من الشرف # وقال علي بن محمد العلوي: # إني وقومي في أنساب قومهم ... كمسجد الخيف في بحبوحة الخيف # ما علق السيف منا بابن عاشرة ... إلا وهمته أمضى من السيف # وله أيضا: # لقد فاخرتنا من قريش عصابة ... بمد رؤوس بل بمد الأصابع # فلما تنازعنا القضاء قضى لنا ... عليهم بما تهوى نداء الصوامع # وله أيضا: # إذا ما علا الأعواد منا ابن حرة ... فأسفر عن بدر ولاحظ عن صفر # رأيت عدو الدين أخنع كاسفا ... وذا الدين والإسلام منبلج الصدر # لنا سيدا هادي الأنام أبوة ... وساداتنا هم في المواقف والحشر # وما عالنت كف بإنكار فضلنا ... من الناس إلا وهي مذعنة السر # وإنا أناس ما تزال نفوسنا ... محبسة بين المكارم والفخر # وله أيضا: # وإن بكم يا آل أحمد أشرقت ... وجوه قريش لا يوجه من الفخر # أناس هم عدل القران ومأ ... لف البيان وأصحاب الحكومة في بدر # ومازهم الجبار منهم بخلة ... يراها ذوو الأقدار ناهية القدر # أباح لكم إرساخ كل مصدق ... ونزه عنه أوجه النفر الزهر # فأعطاهم الخمس الذي فضلوا به ... بآية ذي القربى على العسر واليسر # وقال وأنذر أقربيك فخلصت ... بنو هاشم قرباه دون بني فهر # إذا قلتم منا الرسول فقولهم ... أبونا رسول الله فخر على فخر # وآخاهم مثلا بمثل فأصبحت ... أخوته كالشمس ضمت إلى البدر # فآخى عليا دونكم وآصاره ... لكم علما بين الهداية والكفر # الباب الثالث والسبعون # ذكر # ما للشعراء من الافتخار بالسخاء # قال حاتم بن عبد الله الطائي: # أماوي قد طال التجنب والهجر ... وقد عذرتني في طلابكم العذر # أماوي إن المال غاد ورائح ... ويبقى من المال الأحاديث والذكر # أماوي إني لا أقول لسائل ... إذا جاء يوما حل في مالنا نذر # أماوي إما مانع ms313 فمبين ... وإما عطاء لا ينهنهه الزجر # أماوي إن يصبح صداي بقفرة ... من الأرض لا مال لدي ولا خمر # تري أن ما أهلكت لم يك ضرني ... وأن يدي مما بخلت به صفر # وقد علم الأقوام لو أن حاتما ... أراد ثراء المال كان له وفر # وأني لا آلو بمالي صنيعة ... فأوله زاد وآخره ذخر # يفك به العاني ويؤكل طيبا ... وما إن تعريه القداح ولا الخمر # ولا أظلم ابن العم إن كان إخوتي ... شهودا وقد أودى بإخوته الدهر # عنينا زمانا بالتصعلك والغنى ... وكلا سقاناه بكأسيهما الدهر # فما زادنا بغيا على ذي قرابة ... غنانا ولا أزرى بأحسابنا الفقر # وقال آخر: # ذريني أكن للمال ربا ولا يكن ... لي المال ربي تحمدي غيه غدا # أريني جوادا مات هزلا لعلني ... أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا # وقال آخر: # فلسنا نناجي غيرنا في أمورنا ... ولا نتقي ما تتقى في الذي يقضي # غنينا بعز الله لا عز غيره ... عن الناس لما احتاج بعض إلى بعض # وقال الحكم الأسدي: # وأعسر أحيانا فتشتد عسرتي ... فأدرك ميسور الغنى ومعي عرضي # وأقضي على نفسي إذا الأمر نابني ... وفي الناس من يقضى عليه ولا يقضي # وقال ابن حازم: PageV01P192 للناس مال ولي مالان مالهما ... إذا تحارس ~~أهل المال حراس # مالي الرضا بالذي أصبحت أملكه ... ومالي اليأس مما يملك الناس # وقال آخر: # إني أرى من له قنوع ... يعدل من نال أو تعنى # والرزق يأتي بلا عناء ... وربما فات ما تمنى # وقال آخر: # ويمنعني وسوء الحال ليل ... فأكثر ما أقول بك استعنت # ويسألني صديقي كيف حالي ... فأوهمه الغنى ولقد جهدت # ولولا أن أذكر الموت يسلي ... عن الدنيا ولذتها أسفت # وأعظم من نزول الموت أني ... أدان بما كسبت وما اكتسبت # وقال آخر: # ناري ونار الجار واحدة ... وإليه قبلي تنزل القدر # ما ضر جار لي مجاورني ... ألا يكون لبابه ستر # وقال جعفر بن أبي طالب: # يا ليت للناس رسما في وجوههم ... تبين أخلاقهم فيه إذا اجتمعوا # وليت رزق أناس مثل نائلهم ... قوتا بقوت وتوسيعا إذا اتسعوا # وليت ذا الفحش ms314 لاقى فاحشا أبدا ... وذا التحكم أهل الحلم فارتدعوا # وليت من يمنع المعروف يحرمه ... حتى يذوق أناس مثل ما صنعوا # وقال كعب بن زهير: # وعاذلة تخشى الردى أن يصيبني ... تروح وتغدو بالملامة والهشم # تقول هلكنا إن هلكت وإنما ... على الله أرزاق العباد كما زعم # فإني أحب الخلد لو أستطيعه ... وكالخلد عندي أن أموت ولم ألم # وقال عروة بن الورد: # إني امرؤ عافي إنائي شركة ... وأنت امرؤ عافي إنائك واحد # أتهزأ مني إن سمنت وأن ترى ... بجسمي شحوب الحق والحق جاهد # أقسم جسمي في جسوم كثيرة ... وأحسو قراح الماء والماء بارد # وقال ابن البرصاء: # ولست بذي فضل وإن كنت نلته ... على الحي حتى لا تضر وتنفعا # أمن أجل أن لم تلق عزا كعزنا ... وتستجلب الأدنى إذا خاب أودعا # غضضت بأطراف البنان نفاسة ... على المجد حتى لم تدع لك إصبعا # وقال بشر بن المغيرة: # جفاني الأمير والمغيرة قد جفا ... وأمسى يزيد لي قد ازور حاجبه # وكلهم قد نال شبعا لبطنه ... وشبع الفتى لؤم إذا جاع صاحبه # فيا عم مهلا واتخذني لنوبة ... تنوب فإن الدهر جم نوائبه # أنا السيف إلا أن للسيف نبوة ... ومثلي لا تنبو عليك مضاربه # وقال آخر: # فيا بنت عبد الله وابنة مالك ... ويا بنت ذي البردين والفرس الورد # إذا ما صنعت الزاد فالتمسي له ... أكيلا فإني لست آكله وحدي # أخا طارقا أو جار بيت فإنني ... أخاف ذميمات الأحاديث من بعدي # وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا ... وما في إلا تلك من شيم العبد # وقال عبد الله بن سبرة: # شتان عندي من أصيب ببلدة ... يهوى إلي ومن أصيب مجاوري # إن المصاب إذا أصيب ببلدة ... يهوى إلي كجار بيتي الحاضر # قالت هوازن والخطوب كثيرة ... ما ذنب قومك في القتيل الزائر # فكفيت قومك عقله ووديته ... وسننت ذلك سنة في عامر # وقال عبد العزيز بن زرارة: # لقد علمت أم الحويرث أنني ... إذا نزل الأضياف غير ذميم # فإن لا أكن عين الشجاع فإنني ... أرد سنان الرمح غير سليم # وإن لا أكن عين الجواد فإنني ... على ms315 المال في الظلماء غير لئيم # وقال بعض بني عجل: # إذا كنت ذا حظ من المال فالتمس ... به الأجر وارفع ذكر من في المقابر # وإن كثير المال يفنى وفضله ... كظل مقيل الشمس عند الهواجر # وقال آخر: # وإنا لمشاؤون بين رجالنا ... إلى الضيف منا ملحف ومنيم # فذو الحلم منا جاهل دون ضيفه ... وذو الجهل منا عن أذاه حليم # وقال آخر: # إذا نحن قلنا صدق القول فعلنا ... وكم قائل يكذبه الفعل # وقال آخر: PageV01P193 ألا ترين وقد قطعتني عذلا ... ماذا من البعد بين ~~البخل والجود # ألا يكن ورق يوما أجود بها ... للمعتفين فإني لين عودي # لن يعدم المبتغي للخير يسألني ... إما نوالي وإما حسن مردودي # وقال آخر: # ومستنبح قبل الهدو دعوته ... بشقراء مثل الفجر ذاك وقودها # فقلت له أهلا وسهلا ومرحبا ... بطارق نار محمد من يرودها # فإن شئت آويناك في الحي مكرما ... وإن شئت بلغناك أرضا تريدها # وقال آخر: # ومستنبح قال الصدي مثل قوله ... رفعت له نارا لها حطب جزل # وقمت إليه مسرعا فكتمته ... مخافة قومي أن يفوزوا به قبل # وداويته من سوء ما فعل الطوي ... بتعجيل ما ضم المزادة والرحل # وأوسعني حمدا وأوسعته قرى ... فارتج بحمد كان كاسبه الأكل # وقال آخر: # ومستنبح تهوى مساقط رأسه ... إلى كل شخص وهو للسمع أصور # يصفقه أنف من الريح بارد ... ونكباء ليل من جمادى وصرصر # حبيب إلى كلب الكريم مناخه ... بغيض إلى الكوماء والكلب أبصر # خطأت له ناري فأبصر ضوءها ... وما كان لولا خطأة النار يبصر # دعته بغر اسم هلم إلى القرى ... فأسرع يبوع الأرض والنار تزهر # فلما أضاءت شخصه قلت مرحبا ... رشدت وللصالين بالنار أبشروا # وقمت بنصل السيف والبرك جاهد ... لها زورة والموت في السيف ينظر # فأغضضته الطولى سناما وخيرها ... ولاء وخير الخير ما يتخير # وقال آخر: # أجلك قوم حين صرت إلى الغنى ... وكل غني في العيون جليل # وليس الغنى إلا غنى زين الفتى ... عشية يقري أو غداة ينيل # وقال آخر: # رمى الفقر بالفتيان حتى كأنهم ... بأقطار آفاق البلاد نجوم # وإن امرءا لم يفقر العام بيته ms316 ... ولم يتخدد لحمه للئيم # وقال الخريمي: # وإني لسهل الوجه للمبتغي القرى ... وإن فنائي للقرى لرحيب # أضاحك ضيفي قبل إنزال رحله ... ليخصب عندي والمحل جديب # وما الخصب للأضياف أن يكثر القرى ... ولكنما وجه الكريم خصيب # وقال الحسين بن رجاء بن أبي الضحاك: # قد يصبر الحر على السيف ... ويأنف الصبر على الحيف # ويؤثر الموت على حالة ... يعجز فيها عن قرى الضيف # وقال آخر: # الليل يا غلام ليل قر ... والريح يا موقد فيها صر # فأجج النار لمن يمر ... إن جلبت ضيفا فأنت حر # قال علي بن الجهم في كلب أهداه إلى بعض إخوانه يوصيه به: # أوصيك خيرا به فإن ل ... ه سجية لا أزال أحمدها # يدل ضيفي علي في غسق ... الليل إذا النار نام موقدها # وقال علي بن محمد العلوي: # يسترسل الضيف في أبياتنا أنسا ... فليس يعلم خلق أينا الضيف # والسيف إن قسته يوما بنا شبها ... في الروع لم يدر عزما أينا السيف # قال أبو بكر محمد بن داود: وهذا أحسن ما قيل في معناه، على أن الافتخار ~~كله عندي يقبح، وأقبحه الافتخار بالسخاء خاصة، لأن الأجمل بأهل الكرم أن ~~تنشر عنهم فضائلهم، وأن يعترفوا هم بالتقصير على أنفسهم، فإن استقلالهم ~~لمعروفهم الذي يستكثره غيرهم دل على كرم طباعهم من الشحح بما صنعوا من ~~معروف إلى غيرهم حتى إن ذكر مكارمهم بحضرتهم غير جميل من مادحيهم وتلقيهم ~~إياه بالقبول غير محمود من فعلهم. وليس يجمل الافتخار في حال من الأحوال ~~إلا بمن كفر نعمه، ونسب إلى غير ما يستحقه، فيحسن منه حينئذ الاعتذار لنفسه ~~بما ينفي عنه ما قرب به كالذي يقول: # يعيرني بالدين قومي وإنما ... ديوني في أشياء تكسبهم حمدا # وعلى كل حال فالافتخار بالسخاء أجمل من الافتخار بضده، كما افتخر الذي ~~يقول في شعره: # وإنا لنجفو الضيف من غير عسرة ... مخافة أن يعزى بنا فيعود PageV01P194 ~~ولو كان هذا الشاعر صرف همته إلى ذكر مكرمة عن نفسه هذا الصرف قد أبر على ~~كل من ذكرنا شعره. # الباب الرابع والسبعون # ذكر # من أظهر ms317 الجزع من الفقر # وقنع به، وافتخر بالصبر # قال حطان بن المعلى: # أنزلني الدهر على حكمه ... من شاهق عال إلى خفض # وغالني الدهر بوفر الغنى ... فليس لي مال سوى عرضي # أبكاني الدهر ويا ربما ... أضحكني الدهر بما يرضي # لولا بنيات كزغب القطا ... رددن من بعض إلى بعض # لكان لي مضطرب واسع ... في الأرض ذات الطول والعرض # وإنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض # وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى النحوي: # والله لولا صبية صغار ... وجوههم كأنها أقمار # تجمعهم من العتيك دار ... درادق ليس لهم دثار # بالليل إلا أن تشب نار ... لما رآني ملك جبار # ببابه ما سطع النهار # وقال آخر: # لولا أميمة لم أجزع من العدم ... ولم أقاس الدجى في حندس الظلم # وزادني رغبة في العيش معرفتي ... ذل اليتيمة يجفوها ذوو الرحم # أحاذر الفقر يوما أن يلم بها ... فيكشف الستر عن لحم على وضم # تهوى حياتي وأهوى موتها شغفا ... والموت أكرم نزال على الحرم # وأنشدنا أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: # إلى الله أشكو بالمدينة حاجة ... وبالشام أخرى كيف تلتقيان # سأعمل نص العيس حتى يكفني ... غنى المال يوما أو غنى الحدثان # وقال نهيك بن أساف: # أم نهيك ارفعي الظن صاعدا ... ولا تيأسي أن يثري اليوم بائس # سيكفيك سيري في البلاد وبغيتي ... وبعل التي لم يحظ في البيت جالس # سأكسب ملا أو تبيتن ليلة ... لصدرك من وجد علي وساوس # ومن يكسب المال الممنع بالقنا ... يعش مثريا أو يود فيما يمارس # وقال آخر: # فما طلب المعيشة بالتمني ... ولكن الق دلوك في الدلاء # تجيء بملئها يوما ويوما ... تجيء بحمأة وقليل ماء # وقال آخر: # فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا يسار أو تموت فتعذرا # ولا ترض من عيش بدون ولا تنم ... وكيف ينام الليل من كان مقترا # وأجود من هذه المعاني قول الآخر: # إذا ذهبت نفسي لدنيا أصبتها ... فقد ذهبت نفسي وقد ذهب الثمن # لها تطلب الدنيا فإن أنا بعتها ... بشيء من الدنيا فذلكم الغبن # قال محمود الوراق: # بخلت وليس البخل مني سجية ms318 ... ولكن رأيت الفقر شر سبيل # لموت الفتى خير من البخل للفتى ... وللبخل خير من سؤال بخيل # وأحسن من ذا قولا وهو في ضد معناه الذي يقول: # إن القناعة عز دائم وغنى ... والذل والفقر في ذي الحرص والطمع # لا يمنعنك من عود بعارفة ... خوف الخصاصة أو كفران مصطنع # فهؤلاء الذين وصفنا حالهم في صدر هذا الباب إنما دعاهم إلى بذل أنفسهم في ~~طلب المال الخوف على عيالهم، ولم يريدوا بذلك مباهاة لغيرهم، ولا مكاثرة ~~لهم بأموالهم فهم لعمري أعذر ممن بذل نفسه، واستعمل جاهه، وانصب جسمه في ~~طلب ما لم تدفعه الضرورة إلى طلبه، ويكسب مالا فقرنه إلى كسب كما قال امرؤ ~~القيس، وهو من جيد كلامه، وهو من الأمثال السائرة من شعره وإن كان غير ~~محمود المعنى في حقيقته: # فلو أن ما أسعى لأدنى معيشة ... كفاني ولم أطلب قليلا من المال # ولكنما أسعى لمجد مؤثل ... وقد يدرك المجد المؤثل أمثالي # وما المرء ما دامت حشاشة نفسه ... بمدرك أطراف الخطوب ولا آل # وكما قال أيضا: # بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه ... وأيقن أنا لاحقان بقيصرا # فقلت له لا تبك عينك إنما ... نحاول ملكا أو نموت فنعذرا # وكما قال يزيد بن خذاق: # ذريني أسير في البلاد لعلني ... أصيب غنى فيه لذي الحق محمل PageV01P195 ~~فإن نحن لم نملك دفاعا لحادث ... تلم به الأيام فالصبر أجمل # أليس كثيرا أن تلم ملمة ... وليس علينا في الحقوق معول # وكما قال أبو نواس: # تقول التي من بيتها خف مركبي ... يعز علينا أن نراك تسير # أما دون مصر للفتى متطلب ... بلى إن أسباب الغنى لكثير # فقلت لها واستعجلتها بوادر ... جرت فجرى في جريهن عبير # ذريني أكثر حاسديك برحلة ... إلى بلد فيه الخصيب أمير # وقال آخر: # سأبغي الغنى إما جليس خليفة ... نقوم سواء أو مخيف سبيل # لنخمس مال الله من كل فاجر ... وذي بطنة للطيبات أكول # وكما قال الأحمر بن سالم: # مقل رأى الإقلال عارا فلم يزل ... يجوب بلاد الله حتى تمولا # ولم ينهه عما أراد مهابة ... ولكن مضى ms319 قدما وما كان مبسلا # فلما أفاد المال جاد بفضله ... على كل من يرجو نداه مؤملا # فأعطى جزيلا من أراد عطاءه ... وذو البخل مذموم يرى البخل أفضلا # قال أبو بكر: وإن هذه الأشعار لفي غاية من جزالة اللفظ، وتوسط من جودة ~~المعنى، ولم نعب قائليها، لأنهم أساؤوا فيها، وإنما أردنا منهم أن تكون ~~رغبتهم في بذلها للمكاسب تأميلا للرفعة بها في العواقب، إذ قد استسلفوا ~~مذلة السؤال، وليسوا على ثقة مما أملوه من علو الحال، ونحن الآن نذكر إن ~~شاء الله من أثر القناعة والصبر، وتجشم مضاضة الإقتار والفقر. # أنشدني بعض أهل الأدب عن الرياشي لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه: # دليلك أن الفقر خير من الغنى ... وأن القليل المال خير من المثري # لقاؤك مخلوقا عصى الله بالغنى ... ولم تر مخلوقا عصى الله بالفقر # وأحسن الذي يقول: # ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله ... عوضا ولو نال الغنى بسؤال # وإذا النوال مع السؤال وزنته ... رجح السؤال وخف كل نوال # وقال بشر الضبعي: # إذا قل مالي لا ألوم ذوي الغنى ... ولا يتحنى للحوادث جانبي # ولست إذا ما أحدث الدهر نكبة ... بأخضع ولاج بيوت الأقارب # وقال أيضا: # إذا قل مالي أو أصبت بنكبة ... قدحت حياتي عفة وتكرما # وأعرض عن ذي المال حتى يقال لي ... قد أحدث هذا نخوة وتبرما # وما بي جفاء عن صديق ولا أخ ... ولكنها حال إذا كنت معدما # وقال ابن أذينة: # لقد علمت لو أن العلم ينفعني ... أن الذي هو رزقي سوف يأتيني # أسعى له فيعنيني تطلبه ... ولو قعدت أتاني لا يغنيني # وقال آخر: # وإن صفحة المعروف ضنت بوجهه ... بدا لك من معروفنا وجهه السهل # وما زال مذ كنا ملوكا وسوقة ... يموت بنا جور ويحيا عدل # وقال آخر: # ملأت يدي من الدنيا مرارا ... فما طمع العواذل في اقتصادي # ولا وجبت علي زكاة مال ... وهل تجب الزكاة على جواد # وقال آخر: # لقد علم الساري طروقا برحله ... وباغي الندى ما اللؤم لي بقرين # ومختبط يسعى إلي برحله ... فلم أفد منه صرمتي بيميني # فنفسك ms320 ول اللوم عاذل وانطحي ... برأسك أركان الصفا وذريني # وقال آخر: # وإني امرؤ ما تستفيق دراهمي ... على الكف إلا عابرات سبيل # أحكم فيها الحق حتى أذلها ... إذا ذاد عنه الحق كل بخيل # وقال أبو دلف: # إن نفسا كريمة تألف الصب ... ر إذا ما تغيرت حالاتي # لو دعتني إلى الدناة حياتي ... يا ابن عيسى هانت علي حياتي # إنما يحمد السجايا من الأح ... رار عند النوائب المعضلات # كل حي يقوى على الصبر في الس ... ر وصبر الكريم في النائبات # وأنشدني بعض أهل الأدب: # لا تكثري لم أقصر ويك في الطلب ... أي البلاد وأي الأرض لم أجب ~~PageV01P196 هذا وفي خلال كلها سبب ... إلى الغنى غير أن الرزق لم يجب # لا أتهم الله في رزقي فما صرفت ... عني المكاسب إلا حرفة الأدب # قال أبو العبر: # ليس لي مال سوى كرمي ... فيه أمن لي من العدم # لا أقول الله يظلمني ... كيف أشكو غير متهم # قنعت نفسي بما رزقت ... وتمطت في العلى هممي # ولبست الصبر سابغة ... فهي من قرني إلى قدمي # فإذا ما الدهر عاتبني ... لم يجدني كافر النعم # وقال آخر: # إذا سد باب عنك من دون حاجة ... فدعه لأخرى لين لك بابها # فإن قراب البطن يكفيك ملؤه ... ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها # وقال آخر: # الدهر لا يبقى على حالة ... لكنه يقبل أو يدبر # فإن تلقاك بمكروهة ... فاصبر فإن الدهر لا يصبر # وقال بعض الكلابيين: # فإني لصوان لنفسي وإنني ... على الهول أحيانا بها لرجوم # وفرق بين الحي بلوي مشتت ... ومحتمل من ظاعن ومقيم # وأقحاط أقوام كأن وليدها ... وإن كان حي الوالدين يتيم # قال بعض الأعراب: # إذا مت فابكيني بثنتين لا يقل ... كذبت وشر الباكيات كذوبها # بعفة نفس حين يذكر مطمع ... وعزتها إن كان أمر يريبها # وإن قلت سمح في الندى لا تكذبي ... فأما تقى نفسي فربي حسيبها # وأخبرني محمد بن الخطاب الكلابي أن فتى من الأعراب خطب ابنة عم له وكان ~~معسرا، وأبى عمه أن يزوجه فكتب إلى ابنة عمه هذه الأبيات: # يا هذه كم يكون اللوم والفند ms321 ... لا تعذلي رجلا أثوابه قدد # إن يمس منفردا فالبدر منفرد ... والليث منفرد والسيف منفرد # أو كنت أنكرت طمريه وقد خلقا ... فالبحر من فوقه الأقذار والزبد # إن كان صرف الليالي رث بزته ... فبين ثوبيه منها ضيغم لبد # قال: فدخلت بالأبيات على أبيها فقال لها: ما أريد لك صداقا غيرها، فدعاه ~~فزوجه إياها. # الباب الخامس والسبعون # ذكر # من افتخر لنفسه بالإغضاء عن خصمه # قال المتلمس: # تحلم عن الأدنين واستبق منهم ... ولن تستطيع الحلم حتى تحلما # وكنا إذا الجبار صعر خده ... أقمنا له من ميله فتقوما # فلو غير أخوالي أرادوا نقيصتي ... جعلت لهم فوق العرانين ميسما # وهل كنت إلا مثل قاطع كفه ... بكف له أخرى فأصبح أجذما # يداه أصابت هذه حتف هذه ... فلم تجد الأخرى عليها مقدما # فلما أقاد الكف بالكف لم يكن ... له درك في أن تبينا فأحجما # فأطرق إطراق الشجاع ولو رأى ... مساغا لنابيه الشجاع لصمما # وقال آخر: # قومي هم قتلوا أميم أخي ... فإذا رميت أصابني سهمي # فلئن عفوت لأعفون جللا ... ولئن ضربت لأوهنن عظمي # وقال آخر: # وذي خطل في القول يحسب أنه ... مصيب فما يلمم به فهو قائله # عبأت له حلما وأكرمت غيره ... وأعرضت عنه وهو باد مقاتله # وقال وعلة بن الحرث الجرمي: # ما بال من أسعى لأجبر عظمه ... حفاظا وينوي من سفاهته كسري # أعود على ذي الجهل والذنب منهم ... بحلمي ولو عاقبت غرقهم بحري # أناة وحلما وانتظارا لهم غدا ... فما أنا بالواني ولا الضرع الغمر # ألم تعلموا أني تخاف غرامتي ... وأن قناتي لا تلين على الكسر # وقال ابن صريم الجرمي: # أرد الكتيبة مغلولة ... وقد تركت لي أحسابها # ولست إذا كنت في جانب ... أذم العشيرة مغتابها # ولكن أطاوع ساداتها ... ولا أتعلم ألقابها # وقال آخر: # وإنا لنعطي الضيم من لا نضيمه ... يقر ونأبى نخوة المتظلم # أناة وحلما ثم كان لقاؤها ... رهينا بيوم كاسف الشمس مظلم # وقال آخر: # إن كنت لا ترهب ذمي لما ... تعلم من صفحي عن الجاهل PageV01P197 فاخش ~~سكوتي إذ أنا منصت ... فيك لمسموع خنا القائل # فسامع السوء مشير به ms322 ... ومطعم المأكول كالآكل # مقالة السوء إلى أهله ... أسرع من منحدر سائل # ومن دعا الناس إلى ذمه ... ذموه بالحق وبالباطل # وفي نحوه: # فإن أنا لم آمر ولم أنه قائلا ... ضحكت له كيما يلج ويستشري # وفي نحوه: # بني تميم ألا كفوا سفيهكم ... إن السفيه إذا لم ينه مأمور # وفي نحوه يقول عمار بن ياسر: # توخ من الطرق أوساطها ... وعد عن الجانب المشتبه # وسمعك صن عن سماع القبي ... ح كصون اللسان عن اللفظ به # فإنك عند استماع القبيح ... شريك لقائله فانتبه # قال لقيط بن زراة: # أغركم أني بأحسن شيمة ... بصير وأني بالفواحش أخرق # وإنك قد شاتمتني فقهرتني ... هنيئا مريئا أنت بالشر أحذق # وقال طرفة: # وكلام سيئ قد وقرت ... أذني عنه وما بي من صمم # فتصافحت لكيما لا يرى ... جاهل أني كما كان زعم # قال لبيد، وهذه تعرف للكميت: # ستذكرنا منكم نفوس وأعين ... ذوارف لم تضنن بدمع غروبها # وهل يعدون بين الحبيب فراقه ... نعم داء نفس أن يبين حبيبها # رأيت عذاب الماء أن حيل دونها ... كفاك لما لا بد منه شريبها # وإن لم تكن إلا الأسنة مركب ... فلا رأي للمحمول إلا ركوبها # تعاتبني في النصح فهر بن مالك ... ولم تدر ما يخفي الضمير عيوبها # ولو مات من نصح لقوم أخوهم ... لقد لقيتني بالمنايا شعوبها # أطيب نفسي عن لؤي بن غالب ... وهيهات مني ثم هيهات طيبها # أبوها أبي الأدنى وأمي أمها ... فمن أين رابتني وكيف أريبها # ألا بأبي فهر وأمي ومالك ... وإن كثرت عندي وفي ذنوبها # قال معاوية بن أبي سفيان: # إذا لم أعد بالحلم مني عليكم ... فمن ذا الذي بعدي يؤمل للحلم # خذيها هنيئا واذكري فعل ماجد ... حباك على حرب العداوة بالسلم # ولبعض الأعراب: # وأغضي عن العوراء حتى يقال لي ... بأذني وقر عندها حين أطرق # وعندي جواب حاضر لو أردته ... من الصاب في فيه أمر وأعلق # حياء وإكراما لعرضي أصونه ... وما خير عرض لا يزال يمزق # إذا بعت عرضي لم يذم مهذبا ... وآخذ مذموما به اللؤم ملصق # إذا بعته منه أخذت ندامة ... وخسران بيع ms323 إذ على الكف يصفق # وقال آخر: # وإني لأعطي المال من ليس سائلا ... وأصفح عن بادي السفاه سليم # وأحمي ذمام المرء أعلم أنني ... عليه بظهر الغيب غير كريم # وقال آخر: # فلو بي بدأتم قبل من قد دعوتم ... لفرجتها وحدي ولو بلغت جهدي # إذا المرء ذو القربى وذو الرحم أجحفت ... به سنة سلت مصيبته حقدي # ولبعض الأعراب: # قومي إذا فرطت منهم بوادرهم ... لا يقرعون عليها السن من ندم # منا العفاف ومنا العفو عائدة ... إنا كذلك عوادون بالنعم # إنا إذا ما قدرنا واستعيد لنا ... فالعفو فيما نرى أدني إلى الكرم # ولأبي هلال الأسدي: # دع عنك مولى السوء والدهر إنه ... سيكفيكه أيامه ونوائبه # ويلقى عدوا من سواك يرده ... إليك فتلقاه وقد لان جانبه # وقال آخر: # وتجزع نفس المرء من سب مرة ... فيسمع ألفا مثلها ثم يصبر # فلا تعذراني أن أسيء فإنما ... شرار الرجال من يسيء ويعذر # وقال آخر: # يا أيهاذا الشاتمي ظالما ... والظلم مردود على الشاتم # أرحم من يبكي بشتمي ومن ... أولى بأن يرحم من آثم # ولمحمود الوراق: # إني شكرت لظالمي ظلمي ... وغفرت ذاك له على علمي # ورأيته أسدى إلي يدا ... لما أبان بجهله حلمي PageV01P198 ما زال يظلمني ~~وأنصفه ... حتى بكيت له من الظلم # وقال آخر: # وليس يتم الحلم للمرء راضيا ... إذا هو عند السخط لم يتحلم # كما لا يتم الجود للمرء موسرا ... إذا هو عند العسر لم يتجشم # وقال معن بن أوس المزني: # لعمرك ما أدري وإني لأوجل ... على أينا تغدو المنية أول # وإني أخوك الدائم العهد لم أحل ... إن آذاك خصم أو نبا بك منزل # أحارب من حاربت من ذي قرابة ... وأحبس مالي إن غرمت فأعقل # وإن سؤتني يوما صفحت إلى غد ... ليعقب يوما منك آخر مقبل # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران إن كان يعقل # ويركب حد السيف من أن تضيمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف مزحل # وفي الناس إن رثت حبالك واصل ... وفي الأرض عن ms324 دار القلى متحول # إذا انصرفت نفسي عن الشيء لم تكد ... إليه بشيء آخر الدهر تقبل # وقال آخر: # بلاء ليس يشبهه بلاء ... عداوة غير ذي حسب ودين # يبيحك منه عرضا لم يصنه ... ويرتع منك في عرض مصون # وقال أبو الدلف: # إذا نطق السفيه فلا تجبه ... فخير من إجابته السكوت # سكت عن السفيه وظن أني ... عييت عن الجواب وما عييت # سفيه القوم يشتمني فيحظى ... ولو دمه سفكت لما حظيت # أنشدني البحتري لنفسه: # دعاني إلى قول الخنى واستماعه ... أبو نهشل بعد المودة والحلف # وأخطرني للشاتمين ولم أكن ... لأشتم إلا بالتكذب والعرف # فما ثلموا مجدي ولا فتلوا يدي ... ولا ضعضعوا عزي ولا زعزعوا كهفي # ولما تبارينا فررت من الخنى ... بأشياخ صدق لم يفروا من الزحف # وإن جديرا أن تبيت ركائبي ... بديمومة تسفي بها الريح ما تسفي # وأجبن عن تعريض عرضي لجاهل ... وإن كنت في الإقدام أطعن في الصف # وإني لئيم إن تركت لأسرتي ... أوابد تبقى في القراطيس والصحف # وقال آخر: # وإني لأقصي المرء عن غير بغضة ... وأدني أخا البغضاء مني على عمد # ليحدث ودا بعد بغضاء أو أرى ... له مصرعا يردي به الله من يردي # وقائل هذه الأبيات غير داخل في باب الصفح عن المجرمين بل هو داخل في باب ~~انتظار الفرصة لمعاقبة المذنبين، وليس ذلك لعيب في كل الحالان إذ في ~~الأحوال ما يكون الصفح عن المجرم جرما عظيما، وفسادا كثيرا، لأن العقاب على ~~ثلاثة أضرب، فعقاب يدخل في باب التشفي، وعقاب يدخل في باب التأديب، وعقاب ~~يدخل في باب الحدود. وإنما يصلح الصفح فيما يدخل في باب التشفي وحده. نحو ~~ما قدمنا في صدر هذا الباب ذكره، ولا يصلح في النوعين المذكورين بعده. فأما ~~ترك العقاب الداخل في باب التأديب فداع إلى فساد التدبير، وعائد بالضرر على ~~المعفو عنه وفي نحو ذلك يقول أبو تمام: # كانت لكم أخلاقه معسولة ... فتركتموها وهي ملح علقم # فقسا لتزدجروا ومن يك حازما ... فليقس أحيانا على من يرحم # وأخافكم كي تغمدوا أسيافكم ... إن الدم المغتر يحبسه الدم ms325 # وندمتم ولو استطاع على جوى ... أحشائكم لوقاكم أن تندموا # على أنه ينبغي للمعاقب التأديب ألا يزيد على مقدار الاستحقاق فيدخل في ~~باب الظلم كما قال أشجع: # منعت مهابتك النفوس حديثها ... بالأمر تكرهه وإن لم تعلم # لا يصلح السلطان إلا شدة ... تغشى البريء بفضل ذنب المجرم # وأما ترك العقاب الذي يدخل في باب الحدود فمعصية لله عز وجل، ومن أعظم ~~الجهل طلب المكارم بالدخول في باب المحارم كما بلغنا عن عبد الملك بن مروان ~~أنه أراد قطع يد رجل سرق فكتب إليه من الحبس: # يدي يا أمير المؤمنين أعيذها ... بعفوك أن تلقى مكانا يشينها # ولا خير في الدنيا وكانت حبيبة ... إذا ما شمالي فارقتها يمينها ~~PageV01P199 فأبى إلا قطعها، فدخلت عليه أمه فقالت يا أمير المؤمنين: واحدي ~~وكاسبي. فقال: بئس الكاسب كاسبك، وهذا حد من حدود الله لا أعطله. فقالت: يا ~~أمير المؤمنين: اجعله من الذنوب التي يستغفر الله منها، فعفا عنه. وهذا ~~الفعل لا يسمى عفوا، لأن العفو إنما هو ترك المرء ماله وترك مال غيره مما ~~قد جعل هو القيم عليه باستيفائه. فهو بباب التصنيع والإثم أشبه منه بباب ~~العفو والحلم. # الباب السادس والسبعون # ذكر # الافتخار بالشجاعة والانتصار # أخبرنا الحارث بن أبي أسامة: أن العباس بن الفضل حدثهم قال: حدثنا محمد ~~بن عبد الله التميمي قال: حدثنا الحسين بن عبد الله. قال: حدثني من سمع ~~النابغة الجعدي يقول: أتيت النبي صلى الله عليه فأنشدته قولي: # وإنا لقوم لا نعود خيلنا ... إذا ما التقينا أن نحيد وننفرا # وتنكر يوم الروع ألوان خيلنا ... من الطعن حتى نحسب الجون أشقرا # فليس بمعروف لنا أن نردها ... صحاحا ولا مستنكرا أن تعقرا # وقال عنترة: # لما رآني قد نزلت أريده ... أبدى نواجذه لغير تبسم # فطعنته بالرمح ثم علوته ... بمهند صافي الحديدة مخذم # فشككت بالرمح الطويل ثيابه ... ليس الكريم على القنا بمحرم # ولقد شفى نفسي وأبرأ سقمها ... قيل الفوارس ويك عنتر أقدم # إذ يتقون بي الأسنة لم أصح ... عنها ولكني تضايق مقدم # يدعون عنتر والرماح كأنها ... أشطان ms326 بئر في لبان الأدهم # وله أيضا: # بكرت تخوفي الحتوف كأنني ... أمسيت عن غرض الحتوف بمعزل # فأجبتها أن المنية منهل ... لا بد أن أسقى بذاك المنهل # فاقني حياءك لا أبا لك واعلمي ... أني امرؤ سأموت إن لم أقتل # وقال خفاف حين قتل مالك بن حباب الشمخي معاوية بن عمرو السلمي: # إن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدا على عيني تيممت مالكا # وقفت على علوى وقد خام صحبتي ... لأبني مجدا أو لأثأر هالكا # أقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافا إنني أنا ذلكا # وقال العباس بن عبد المطلب: # أبا طالب لا ترض بالنصف منهم ... وإن أنصفوا حتى تعق وتظلما # أبى قومنا أن ينصفونا فأنصفت ... قواطع في أيماننا تقطر الدما # إذا خالطت هام الرجال رأيتها ... كبيض نعام في الوغى قد تحطما # تركناهم لا يستحلون بعدنا ... لذي رحم يوما من الناس محرما # وقال آخر: # إذا ظلمت حكامنا وولاتنا ... خصمناهم بالمرهفات الصوارم # سيوف كأن الموت حالف حدها ... مشطبة تفري متون الجماجم # إذا ما انتضيناها ليوم كريهة ... ضربنا بها ما استمسكت في القوائم # وقال أبو سفيان بن الحارث: # نحن وردنا بطن سلع عليكم ... بأسيافنا والخيل تدمى نحورها # تركنا بني النجار تعوي كلابهم ... غداة تولت واستمر مريرها # ونحن تركنا الخزرجي مجدلا ... تمج حياة النفس منه زفيرها # تركناه لما غادرته رماحنا ... ولم يبق منه غير عين يديرها # وقال قيس بن الخطيم: # ثأرت عديا والخطيم فلم أضع ... وصية أشياخ جعلت إزاءها # طعنت ابن عبد القيس طعنة ثائر ... لها نفذ لولا الشعاع أضاءها # ملكت بها كفي فانهرت فتقها ... يرى قائما من دونها ما وراءها # يهون علي أن ترد جراحها ... عيون الأواسي إذ حمدت بلاءها # وكنت امرءا لا أسمع الدهر سبة ... أسب بها إلا كشفت غطاءها # متى يأت هذا الدهر لا يبق حاجة ... لنفسي إلا قد قضيت قضاءها # وذكروا أن معاوية ركب فرسه عازما للهرب. قال: فذكرت أبياتا لعمرو ابن ~~الإطنابة فوقفت وهي قوله: # أبت لي عفتي وأبى بلائي ... وأخذي الحمد بالثمن الربيح # وإجشامي على المكروه نفسي ... وضربي هامة البطل المشيح ms327 PageV01P200 وقولي ~~كلما جشأت وجاشت ... مكانك تحمدي أو تستريحي # وقال كعب بن مالك: # نصل السيوف إذا قصرن بخطونا ... قدما ونلحقها إذا لم تلحق # ما حل بالأعداء مثل لقائنا ... يوم النجاح ويومنا بالخندق # وقال مالك بن عوف النصري: # وإذا شكا مهري إلي حرارة ... عند اختلاف الطعن قلت له اقدم # إني بنفسي في الحروب لتاجر ... تلك التجارة لا انتقاد الدرهم # وقال ربيعة بن مقروم الضبي: # ولقد شهدت الخيل يوم طرادها ... بسليم أوظفة القوائم هيكل # ودعوا نزال فكنت أول نازل ... وعلام أركبه إذا لم أنزل # وقال سعد بن ناشب: # سأغسل عني العار بالسيف جالبا ... علي قضاء الله ما كان جالبا # وأذهل عن داري وأجعل هدمها ... لعرضي من نطق المذمة حاجبا # ويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا # فإن تهدموا بالغدر داري فإنها ... تراث كريم ما يبالي العواقبا # أخي غمرات لا يزيد على الذي ... يهم به من مقطع الأمر صاحبا # إذا هم لم تردع عزيمة همه ... ولم يأت ما يأتي من الأمر هائبا # إذا هم ألقى بين عينيه عزمه ... ونكب عن ذكر العواقب جانبا # وقال أيضا: # وإن أسيافنا بيض مهندة ... بتر لآثارها في هامهم جدد # وإن هويتم سللناها وقد غبرت ... دهرا وهام بني بكر لها غمد # وقال علي بن محمد العلوي: # وإنا لتصبح أسيافنا ... إذا ما انتصبن بيوم سفوك # منابرهن بطون الأكف ... وإغمادهن رؤوس الملوك # وقال جعفر بن علبه الحارثي: # إذا ما ابتدرنا مأزقا فرجت لنا ... بأيماننا بيض جلتها الصياقل # لهم صدر سيفي يوم صحراء سحبل ... ولي منه ما ضمت عليه الأنامل # ولم ندر إن جضنا من الموت جيضة ... متى العمر باق والمدى متطاول # وقال أيضا: # ولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها # نقاسمهم أسيافنا شر قسمة ... ففينا غواشيها وفيهم صدورها # وقال موسى بن جابر الحنفي: # ولما نأت عنا العشيرة كلها ... أنخنا فحالفنا السيوف على الدهر # فما أسلمتنا عند يوم كريهة ... ولا نحن أغضبنا الجفون على وتر # وقال أيضا: # وإنا لوقافون بالثغرة التي ... يخاف رداها والنفوس تطلع ms328 # وإنا لنعطي المشرفية حقها ... فتقطع في أيماننا وتقطع # وقال الراعي: # وللحق فينا خصلتان فمنهما ... ذلول وأخرى صعبة للمظالم # وإنا لقوم نشتري بنفوسنا ... ديار المنايا رغبة في المكارم # وقال الراعي: # يمسي ضجيع خريدة ومضاجعي ... عضب رقيق الشفرتين حسام # والحرب حرفتنا وبئست حرفة ... إلا لمن هو في الوغى مقدام # نعري السيوف فلا تزال عرية ... حتى تكون جفونهن إلهام # والموت يسبقنا إلى أعدائنا ... تهفو به الرايات والأعلام # وقال آخر: # تأخرت أستبقي الحياة فلم أجد ... لنفسي بقاء مثل أن أتقدما # إذا المرء لم يخش المكاره أوشكت ... حبال الهوينى بالقنا أن تجذما # وقال آخر: # فلا توعدونا بالمناصل إننا ... حظينا وأدركنا المنى بالمناصل # قديما ضربنا الدارعين وأنتم ... مشاغيل في تصريف ماء الجداول # وقال معبد بن علقمة: # فقل لزهير إن شتمت سراتنا ... فلسنا بشتامين للمتشتم # ولكننا نأبى الظلام ونعتصي ... بكل رقيق الشفرتين مصمم # وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ... ونشتم بالأفعال لا بالتشتم # وقال أبو عطاء السندي: # وفارس في غمار الموت منغمس ... إذا تألى على مكروهه صدقا # غشيته وهو في جأواء باسلة ... عضبا أصاب سواد القلب فانفلقا # بضربة لم تكن مني مخالسة ... ولا تعجلتها جبنا ولا فرقا # وقال آخر: PageV01P201 يقول أخي لا تنتضي السيف واغتنم ... من الليث عنا ~~بالطريق تعرضا # فقلت وقد سد الطريق بوجهه ... وقابلني وجها من الليث أعرضا # أموت وسيفي مغمد في قرابه ... ويوجد بعدي مغمدا غير منتضى # فلم طال حملي نصله وقرابه ... إذا أنا لم أضرب به من تعرضا # وقال عبد العزيز بن أرطاة الكلابي: # فلم ولدتني أم عمرو وشددت ... علي حذار الموت خيط التمائم # إذا أنا لم أخلف لها من رجالها ... رجالا ولم أدفع ظلامة ظالم # قال علي بن يحيى الأميني: # لقد طال حملي الرمح حتى كأنه ... على فرسي غصن من الدوح نابت # يطول لساني في العشيرة مصلحا ... على أنه يوم الكريهة صامت # أنشدني محمد بن الخطاب الكلابي: # دع الهوى والهجر في النار ... وكل بكاء على الدار # ما الفخر إلا للكريم الوفي ... في جحفل للموت جرار # والنار لا العار فكن سيدا ... فر من العار إلى ms329 النار # قال أبو الحسن يحيى بن عمر العلوي يوم قتل: # هوان الحياة وهول الممات ... وكلا أراه طعاما وبيلا # فألا يكن غير إحداهما ... فسيروا إلى الموت سيرا جميلا # ولا تهلكوا وبكم منة ... كفى بالحوادث للمرء غولا # قال علي بن محمد العلوي: # إذا اللئيم مط حاجبيه ... وذاد عن حريم درهميه # فأقذف عنان اللؤم في يديه ... وأغد إلى السيف وشفرتيه # فاستنزل الرزق بمضربيه ... إن قعد الدهر فقم عليه # ولعلي أيضا: # قلبي نظير الجبل الصعب ... وهمتي أوسع من قلبي # فاستخر الله وخذ مرهفا ... وافتك بأهل الشرق والغرب # ولا تمت إن حضرت ميتة ... حتى تميت السيف بالضرب # الباب السابع والسبعون # ذكر # ما للشعراء في التحذير والإغراء # حدثني إسماعيل بن إسحاق القاضي قال: حدثنا إبراهيم بن بشار قال: حدثنا ~~سفيان بن عمر بن دينار، وأبو أيوب عن عكرمة وداود بن سابور وابن جريج عن ~~مجاهد قالا: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم حلف من خزاعة فذكر صدرا من ~~خبر فتح مكة فيه، ودخل النبي صلى الله عليه وسلم من كداء، وقال: اللهم اضرب ~~على أسماعهم وعلى أبصارهم فلا يشعرون بنا حتى نهجم عليهم. فأنشأ حسان بن ~~ثابت الأنصاري يقول: # عدمتم خيلنا إن لم تروها ... تثير النقع موعدها كداء # تظل جيادنا متمطرات ... تلطمهن بالخمر النساء # قال سفيان: فلقد كانت المرأة ترد وجه الفرس بخمارها عن بابها. # قال عدي بن زيد العبادي يحرض ابنه على من حبسه: # ألا هبلتك أمك عمرو بعدي ... أتقعد لا تريم ولا تصول # ألم يحزنك أن أباك عان ... وأنت مغيب غالتك غول # تغنيك ابنة القين بن جسر ... وفي كلب وتضحكك الشمول # فلو كنت الأسير ولا تكنه ... إذا علمت معد ما أقول # فإن أهلك فقد أبليت قومي ... بلاء كله حسن جميل # وقال لقيط بن معبد الأيادي: # يا قوم إن لكم من إرث والدكم ... مجدا قد أشفقت أن يودي وينقطعا # ما لي أراكم نياما في بلهنية ... وقد ترون شهاب الحرب قد لمعا # ألا تخافون قوما لا أبا لكم ... أمسوا لديكم كأرسال الدبا شرعا # لا تجمعوا ms330 المال للأعداء إنهم ... إن يظهروا يحتووكم والتلاد معا # ماذا يرد عليكم عز أولكم ... إن ضاع آخره أو ذل فاتضعا # قال أبو طالب: # خذوا حظكم من سلمنا إن حربنا ... إذا ضرستنا الحرب نار تسعر # وإنا وإياكم على كل حالة ... كمثلان بل أنتم إلى الصلح أفقر # وله أيضا: # كذبتم وبيت الله يقتل أحمد ... ولما نناضل دونه ونقاتل # ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل # قال النابغة الجعدي: # فأبلغ عقالا إن غاية داحس ... بكفيك فاستأخر بها أو تقدم # تجير علينا وائل بدمائنا ... كأنك مما نال أشياعنا عمي PageV01P202 فإن ~~كليبا كان أكثر ناظرا ... وأيسر جرما منك ضرج بالدم # رمى ضرع ناب فاستمر بطعنة ... كحاشية البرد اليماني المسهم # وقال زفر بن الحارث: # أفي الحكم إما بحدل وابن بحدل ... فيحيا وأما ابن الزبير فيقتل # كذبتم وبيت الله لا تقتلونه ... ولما يكن يوم أغر محجل # ولما يكن للمشرفية فوقكم ... شعاع كقرن الشمس حين ترحل # وقال الأشتر: # بقيت وفري وانحرفت عن العلى ... ولقيت أضيافي بوجه عبوس # إن لم أشن على ابن حرب غارة ... لم تخل يوما من نهاب نفوس # خيلا دراكا كالسعالى شزبا ... تعدو ببيض في الكريهة شوس # حمي الحديد عليهم فكأنهم ... لمعان برق أو بريق شموس # وقال الفضل بن العباس: # مهلا بني عمنا عن نحت أثلتنا ... مهلا بني عمنا مهلا موالينا # الله يعلم أنا لا نحبكم ... ولا نلومكم ألا تحبونا # وقال آخر: # لا تنصروا اللات إن الله مهلكها ... وكيف ينصركم من ليس ينتصر # إن الرسول متى يحلل بساحتكم ... يظعن وليس بها من أهلها بشر # قال يزيد بن الحكم ليزيد بن المهلب: # أبا خالد قد هجت حربا مريرة ... وقد شمرت حرب عوان فشمر # فإن بني مروان قد زال ملكهم ... فإن كنت لم تشعر بذلك فأشعر # فقال: ما شعرت. فقال: # فعش ملكا أو مت كريما وإن تمت ... وسيفك مشهور بكفك تعذر # قال الأخطل: # بني أمية إني ناصح لكم ... فلا يبيتن فيكم آمنا زفر # مفترشا كافتراش الكلب كلكله ... لشدة كائن فيها له جزر # قال عطية الكلبي: # يا ثابت بن ms331 نعيم هل بكم ثور ... أم بعد عامك هذا تطلب الإحن # كم من أخ لك أو مولى فجعت به ... من الوقيعة لم ينشر له كفن # ومن يمانية بيضاء موجعة ... ما إن يسوغ لها ماء ولا لبن # أنائم أنت أم مغض على مضض ... كلا وأنت على الأحساب تؤتمن # قال محرز بن المكعبر: # أبلغ عديا حيث صارت بها النوى ... فليس لدهر الطالبين فناء # كسالى إذا لاقيتهم غير منطق ... يلهى به المحروب وهو عناء # وإني لأرجوكم على بطء سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء # أخبر من لاقيت إن قد وفيتم ... ولو شئت قال المخبرون أساءوا # فهلا سعيتم سعي أسرة مازن ... وهل كفلائي في الحروب سواء # لهم أذرع باد نواشر لحمها ... وبعض الرجال في الحروب غثاء # كأن دنانيرا على قسماتهم ... وإن كان قد شف الوجوه لقاء # قال أوس بن بكر: # عصاني قومي والرشاد الذي به ... أمرت ومن يعص المحرب يندم # فصبرا بني بكر على الموت إنني ... أرى عارضا ينهل بالموت والدم # ولا تجزعوا مما جنته أكفكم ... ولا تندموا ماذا يحين التندم # أقيموا صدور الخيل للموت ساعة ... وموتوا كراما لا تبوؤا بمأثم # قال إسماعيل بن عبد الله أبو مريم يحذر بني أمية من بني العباس: # أرى خلل الرماد وميض جمر ... أحاذر أن يكون له ضرام # فإن النار بالعودين تذكى ... وإن الحرب أولها الكلام # فإن لم تطفئوها تجن حربا ... مشمرة يشيب لها الغلام # نأيتم عن بلاد عز فيها ... لئام الناس واهتضم الكرام # أقول من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام # قال سديف يحرض المنصور: # اقصهم أيها الخليفة واقطع ... عنك بالسيف شأفة الأرجاس # خوفها أظهر المودة منهم ... وبها منكم كحد المواسي # فلقد ساءني وساء سوائي ... قربهم من نمارق وكراسي # قال أبو عاصم الأسلمي يحرض بني العباس على بني أمية: # إياكم أن يقول الناس قد قدروا ... عليهم ثم ما ضروا ولا نفعوا # إياكم أن تلينوا عند ذلهم ... فذلك الذل فيه الصاب والسلع # كانوا عداة فلما شب جمعهم ... منوا إليك بالأرحام التي قطعوا PageV01P203 ~~أليس في مائتي عام لكم عبر ms332 ... يسقونكم جرعا من بعدها جرع # هيهات لا بد أن يوفوا بصاعهم ... صاعا وأن يحصدوا غير الذي زرعوا # وقال آخر: # لا تقبلوا عقلا وأموا بغارة ... إلى عبد شمس بين دومة فالهضب # وهزوا صدور المشرفي كأنما ... يقعن بهام القوم في حنظل رطب # قال طريح بن إسماعيل: # لا تأمنن امرءا أسلمت مهجته ... غيظا وإن قلت أن الجرح يندمل # واقبل جميل الذي يبدي وجازيه ... وليحرسنك من أفعاله الوجل # وقال آخر: # لا أصلح الله حالي إن أمرتكم ... بالصلح حتى تصيبوا آل شداد # قوم أصابوكم في غير مظلمة ... إلا لقيل وقال الظالم العادي # أو تجعلوا مضر الحمراء دونهم ... أو تخرجوهم من أحداد وأحداد # حتى يقال لواد كان مسكنهم ... قد كنت تسكن حينا أيها الوادي # وقال آخر: # ظلمتم فاصبروا للظلم إنا ... سنصبر إنها الحسب الكريم # وشر الجازعين إذا أصيبت ... قوادم ريشه الجزع الظلوم # وكنا قاعدين أقمتمونا ... على حقد فقد قمنا فقوموا # قال آخر: # أتظن يا إدريس أنك مفلت ... كيد ابن أغلب أو يقيك فرار # فليدركنك أو تحل ببلدة ... لا يهتدي فيها إليك نهار # إن السيوف إذا انتضاها سخطه ... طالت وتقصر دونها الأعمار # ملك كأن الموت يتبع قوله ... حتى يقال تطيعه الأقدار # قال آخر: # وأقدم على الأمر الذي إن تلاقه ... يرحك بموت أو يدانيك من ظفر # فما قدم الأقدام موتا مؤخرا ... ولا يدفع التأخير ما قدم الحذر # قال رويشد الطائي: # يا أيها الراكب المزجي مطيته ... سائل بني أسد ما هذه الصوت # وقل لهم بادروا بالعذر والتمسوا ... أمرا ينجيكم إني أنا الموت # إن تذنبوا ثم لا يعتب سراتكم ... فما علي بذنب منكم فوت # قال البحتري: # نهيتك عن تعرض عرض حر ... فإن الذم من شأن الذميم # وقلت توق محتملا بودي ... على الأضعان بالحلم الكريم # فما خرق السفيه وإن تعدى ... بأبلغ فيك من رفق الحليم # متى أخرجت ذا كرم تخطى ... إليك ببعض أخلاق اللئيم # ومما يدخل في باب التهاون بالتوعيد والاحتقار بالإنذار والتهدد ما بلغنا ~~أن عبد الله بن العباس كان يتمثل إذا رأى عبد الله بن الزبير به: # أطل حمل ms333 الشناءة لي وبغضي ... بجهدك وانظرن من ذا تضير # فما بيديك خير أرتجيه ... وغير صدودك الخطب الكبير # إذا أبصرتني أعرضت عني ... كأن الشمس من قلبي تدور # قال الأعشى في نحو ذلك: # يزيد بغض الطرف دوني كأنما ... زوى بين عينيه علي المحاجم # فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ... ولا تلقني إلا وأنفك راغم # قال آخر: # وإذا قلت ويك للكلب وأخسأ ... لحظتني عيناك لحظة تهمه # أترى أنني حسبتك كلبا ... أنت عندي من أبعد الناس همه # وفي نحوه يقول جرير: # زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا ... أبشر بطول سلامة يا مربع # وفي مثله: # أو كلما طن الذباب زجرته ... إن الذباب إذا على كريم # وفي مثله: # نبئت كلبا هاب شتمي له ... ينبحني من موضع نائي # لو كنت من شيء هجوناك أو ... نثبت للسامع والرائي # فعد عن شتمي فإني امرؤ ... حلمني قلة أكفائي # قال آخر: # عادات طي في بني أسد ... ري القنا وخضاب كل حسام # لا تكثرن جزعا فإني واثق ... برماحنا وعواقب الأيام # فلو لم نعرف قبيلة هذا القائل، ومقصده من غير شعره لم ندر أطيئ المهجوون ~~أم هم الممدحون، وكذلك الحال في بني أسد. # قال آخر: # وما لي ذنب عند قيس علمته ... سوى أنني من رهط بكر بن وائل # من الوائليين الذين سيوفهم ... مجردة في كل حق وباطل # قال آخر: PageV01P204 رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على ~~سفوان # تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا الخيل جالت في القنا المتداني # تلاقوا جيادا تعرفوا كيف صبركم ... على ما جنت فيكم يد الحدثان # مقاديم وصالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان # قال أبو علي البصير: # لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم # ولكن البلاد إذا اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم # وفي نحو ذلك: # خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن الشقاء تفردي بالسؤدد # قال الأخطل لشقيق بن ثور: # وما جذع سوء خرق السوس جوفه ... لما حملته وائل بمطيق # فقال شقيق: يا ms334 أبا مالك ما تحسن أن تهجو، ولا تمدح. أردت أن تهجوني ~~فمدحتني، وزدتني ما لم أطمع فيه من بني تغلب خاصة فجعلت وائل كلها. # قال مفروق بن عمرو الشيباني: # ولرب أبطال لقيت بمثلهم ... فسقيتهم كأس الردى وسقيت # فلأطلبن المجد غير مقصر ... إن مت مت وإن حييت حييت # قال زفر بن الحارث: # وكنا حسبنا كل سوداء تمرة ... ليالي لاقينا جذام وحميرا # فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # قال عبد الوهاب بن الصباح: # أراك في العسر تجزيني وفي العدم ... وفي الحديث من الأيام والقدم # وقست حالك في الفقر القديم بما ... أصبحت في ظلمه من واسع النعم # فما رأيتك في حال تكون بها ... أدنى إلى كل خير منك في العدم # فلا عدمت وإن لم تهو منزلة ... تدنيك حالتها من صالح الشيم # وبلغنا أن الزبرقان بن بدر استعدى عمر بن الخطاب على الحطيئة فقال: إنه ~~قد هجاني. قال: وما قال لك؟ قال: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي # فقال عمر: أما ترضى أن تكون طاعما كاسيا؟ قال: لا والله لولا الإسلام ~~لأنكرتني. قال: ما أعلمه هجاك، ولكن أدعو ابن القريعة. فلما جاءه حسان. قال ~~له عمر: أهجاه؟ قال: لا. ولكنه سلح عليه.. فقال عمر للحطيئة: لأحبسنك أو ~~لتكفن عن إعراض المسلمين. قال أمير المؤمنين: لكل مقام مقال. قال: وإنك ~~لتهددني فحبسه. فكتب إليه من الحبس: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الحواصل لا ماء ولا شجر # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فارحم عليك سلام الله يا عمر # نفسي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داوية يعمى لها الخبر # فلما قرأها عمر رق له، فخلى سبيله. وبيت الحطيئة وإن كان غيره أشد إفصاحا ~~بالهجاء منه فإن معه ما يوضح عن مراد صاحبه ويزيل توهم المدح فيه وهو: # ما كان ذنب بغيض أن رأى رجلا ... ذا حاجة عاش في مستوعر شاس # ملوا قراه وهزته كلابهم ... وجرحوه بأنياب وأضراس # لما ms335 بدا لي منكم خبث أنفسكم ... ولم يكن لجراحي فيكم آسي # أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للحر كالياس # وروي أن عمر بن الخطاب رحمه الله، أنه لما سمع قول النجاشي في بني ~~العجلان: # إذا الله عادى أهل لؤم ودقة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل # قبيلة لا يغدرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل # قال: يسرني أن ابن الخطاب كذلك، فلما سمع: # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدر الوراد عن كل منهل # قال: ما أحب كل هذه الذلة. # ومع هذين البيتين ما يوضح أنها هجاء صحيح غير مشبه لشيء من المديح مع ~~البيت الأول وهو قوله: # أولئك أخوال اليتيم وأسرة ... الهجين ورهط الخائن المتبدل # تعاف الكلاب الضاريات لحومهم ... ويأكلن من كلب وعوف ونهشل # وما سمي العجلان إلا لقولهم ... خذ القعب واحلب أيها العبد واعجل # قال رجل من بني العنبر: PageV01P205 لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... ~~بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة أن ذو لوثة لانا # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... لم يرهبوه زرافات ووحدانا # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا # كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا # قال آخر: # عند الملوك مصائر ومنافع ... وأرى البرامك لا تضر وتنفع # وإذ نكرت من امرئ أعرافه ... وطباعه فانظر إلى ما يصنع # قال المثلم بن رياح بن ظالم: # تصيح الردينيات فينا وفيكم ... صياح بنات الماء أصبحن جوعا # خلطنا البيوت بالبيوت فأصبحوا ... بني عمنا من يرمهم يرمنا معا # قال آخر: # بكره سراتنا يا آل عمرو ... نعاديكم بمرهفة النصال # لها لون من الهامات كاب ... وإن كانت تحادث بالصقال # نعديهن يوم الروع عنكم ... وإن كانت مثلمة النصال # ونبكي حين نذكركم عليكم ... ونقتلكم كأنا لا نبالي # قال القتال الكلابي: # نشدت زيادا والمقامة بيننا ... وذكرته ms336 أرحام سعد وهيثم # فلما رأيت أنه غير منته ... أملت له كفي بلدن مقوم # فلما رأيت أنني قد قتلته ... ندمت عليه أي ساعة مندم # قال قيس بن زهير: # شفيت النفس من حمل بن بدر ... وسيفي من حذيفة قد شفاني # فإن أك قد بردت بهم غليلي ... فلم أقطع بهم إلا بناني # قال الشميذر الحارثي: # بني عمنا لا تذكروا الشعر بعدما ... دفنتم بصحراء الغمير القوافيا # فليس كمن كنتم تصيبون سلمة ... فيقبل ضيم أو يحكم قاضيا # ولكن حكم السيف فيكم مسلط ... فيرضى إذا ما أصبح السيف راضيا # وقد ساءني ما جرت الحرب بيننا ... بني عمنا لو كان أمرا مدانيا # فإن قلتم أنا ظلمنا فلم نكن ... ظلمنا ولكنا أسأنا التقاضيا # قال البحتري: # أسأت لأخوالي ربيعة إذ عفت ... مصانعها منها وأقوت ربوعها # بكرهي إن كانت خلاء ديارها ... ووحشا مغانيها وشتى جميعها # إذا اقترفوا عن وقعة جمعتهم ... لأخرى دماء ما يطل نجيعها # تذم الفتاة الرود شيمة زوجها ... إذا بات دون الثأر وهو ضجيعها # حمية شغب جاهلي وعزة ... كليبية أعيا الرجال خضوعها # وفرسان هيجاء تجيش صدورها ... بأحقادها حتى تضيق ذروعها # نقتل من وتر أعز نفوسها ... عليها بأيدي ما تكاد تطيعها # إذا احتربت يوما تعاصت دماؤها ... تذكرت القربى ففاضت دموعها # شواجر أرماح تقطع بينهم ... شواجر أرواح كلوم قطوعها # قال أيضا: # فضل الخلائف بالخلافة واقف ... في الرتبة العليا وفضلك أفضل # أوفيت عاشرهم فإن ندبوا إلى ... كرم وإحسان فأنت الأول # فهذا إن شاء إنسان يصير به إلى نهاية المدح، وشاء آخر أن يصرفه إلى غاية ~~الذم، وجد كل امرئ منهم مقالا. أي مديح أبلغ من أن يكون ماضي من الخلفاء ~~دون الممدوح بهذا القول. وأي ذم أوكد حجة على المرء من تشريفه على آبائه ~~وأجداده والأخبار بأنه نجم من بينهم، مخالف في السؤدد لجماعتهم. وهذا النوع ~~من الحلم غير مشاكل لما قدمناه في الباب المتقدم، لأن ذلك الحلم إنما وقع ~~من فاعله رغبة منه في المكارم. وهذا الحلم إنما وقع احتقارا للمخاصم، ~~وكلاهما جميل من فاعله إذا كان ذلك يدل على ms337 كرم الطبع، وهذا يدل على جلالة ~~القدر. # الباب الثامن والسبعون # ذكر # ما جاء في صفات البحر والفلوات # قال: # ألا هل للهموم من انفراج ... وهل لي من ركوب البحر ناج # أكل عشية زوراء تهوي ... بنا في مظلم الغمرات ساجي PageV01P206 كأن قواذف ~~التيار منها ... نعاج ترتمين إلى نعاج # يشق الماء كلكلها ملحا ... على سح من الملح الأجاج # قال أعرابي أغراه الأسود بن بلال في البحر: # أقول وقد راح السفين ملجما ... وقد بعدت بعد التقرب صور # وقد عصفت للموج ريح اضطرابه ... وللبحر من تحت السفين هدير # ألا ليت أني والعطاء صعالك ... وحظي حظوظ في الزمام وكور # فلله رأي قادني لسفينة ... وأخضر موار السراب يمور # ترى متنه سهلا إذا الريح أقلعت ... وإن عصفت فالسهل منه وعور # فيابن بلال للضلال دعوتني ... وما كان مثلي في الضلال يسير # لئن وقعت رجلاي في الأرض مرة ... وكان لأصحاب السفين كرور # وسلمت من موج كأن متونه ... حراء بدت أركانه وثبير # ليعرض اسمي عند ذي العرض خلفة ... وذلك إن حاض الإياب يسير # وقال أبو الشيص: # وبحر يحار الطرف فيه قطعته ... بمهنوءة في غير عر ولا حرب # مقيلة لا تشتكي الأين والوجا ... ولا تشتكي عض النسوع ولا الدأب # يشق حباب الماء سرعة جريها ... إذا ما تفرى عن مناكبها الحبب # إذا اعتلجت والريح في بطن لجة ... رأيت عجاج الموت من خوفها يثب # ترامى بها الخلجان من كل جانب ... إلى متن مغبر المسافة منجذب # قال أحمد بن أبي طاهر: # إلى أبي أحمد أعملت راحلتي ... لا تشتكي الأين من حل ولا رحل # تسري بملتطم الأمواج تحسبه ... من هوله جبلا يعلو على جبل # كأن راكبها إذ جد مرتحلا ... بالسير منها مقيم غير مرتحل # لجامها في يد النوتي من دبر ... مقوم زيغها والميل من قبل # ما زال سائقها يجري على مهل ... جريا يفوت اجتهاد الخيل والإبل # حتى تناهت إلى حيث انتهى شرف ... الدنيا وأشرف باغيها على الأمل # وله أيضا: # مخضرمة الجنبين صادقة السرى ... يراقب فيها الركب من لا يراقبه # تكاد نفوس القوم تجري بجريها ... إذا غالبت ms338 من موجها ما تغالبه # نصف حباب الماء عن جنباتها ... إذا البحر جاشت بالسفين غواربه # قال أبو بكر: هذه بلغة فيما جاء في الشعر من صفات المراكب والبحار، ولم ~~نمل في ذلك إلى الإطالة لئلا يضيق الباب عما يحتاج إليه وإلى ذكره من صفات ~~المفاوز، لأن شعر العرب بصفات البوادي والقفار أحذق منهم بوصف البحار ~~والسفائن. إذ بالفلوات يولدون، وفي طرقها يسلكون ثم نحن الآن مبتدئون ~~بإتمام الباب بما يحضر من صفات البوادي والفلوات يتهيأ ذلك إذا لم نتجاوز ~~العدد الذي شرطناه إلا قليلا من كثير، ومن كان مقصده في هذا الباب التذكرة ~~قنع بالسير. # قال المتلمس الضبعي: # كم دون مية من داوية قذف ... ومن فلاة بها تستودع العيس # ومن ذرى علم ناء مسافته ... كأنه في حباب الماء مغموس # جاوزته بأمون ذات معجمة ... تنجو بكلكلها والرأس معكوس # وقال امرؤ القيس: # وداوية لا يهتدى لفلاتها ... بعرفان أعلام ولا ضوء كوكب # تلافيتها والبوم يدعو بها الصدى ... وقد ألبست إفراطها ثني غيهب # بمجفرة جسر كأن قتودها ... على أبلق الكشحين ليس بمغرب # وله أيضا: # فدعها وسل الهم عنك بجسرة ... ذمول إذا صام النهار وهجرا # تقطع غيطانا كأن متونها ... إذا أظهرت تكسى ملاء منشرا # قال الأعشى: # رب خرق من دونها يخرس السف ... ر وميل يفضي إلى أميال # وسقاء يولي على تأق المل ... ء وسير ومستقى أوشال # وادلاج بعد المنام وتهجي ... ر وقف وسبسب ورمال # وقليب آجن كأن من الري ... ش بأرجائه سقوط نصال # قد تعاللتها على نكظ المي ... ط وقد خب لامعات الآل # فوق ديمومة تميل بالسف ... ر قفار إلا من الآجال # وإذا ما الضلال خيف وكان ال ... ورد خمسا يرجونه عن ليال PageV01P207 ~~واستحث المغيرون من القو ... م وكان النطاف ما في العزالي # مرحت حرة كقنطرة الروم ... ي تفري الهجير بالإرقال # تقطع الأمعز المكوكب وخدا ... بنواج سريعة الإيغال # وله أيضا: # وجزور أيسار دعوت إلى الندى ... ونياط مقفرة أخاف ضلالها # يهماء مقفرة رفعت لعرضها ... طرفي لأقدر بينها أميالها # بجلالة سرح كأن بغرزها ... هرا إذا انتعل المطي ظلالها ms339 # وله أيضا: # ويهماء قفر تخرج العين وسطها ... وتلقى بها بيض النعام ترائكا # يقول بها ذو قوة القوم إذ دنا ... لصاحبه إذ خاف منها المهالكا # لك الويل أفش الطرف بالعين حولنا ... على حذر واستبق ما في سقائكا # وخرق مخوف قد قطعت بجسرة ... إذا الجبس أعيي أن يروم المسالكا # قال المرار الفقعسي: # إذا نظر القوم ما ميلها ... رأى القوم دوية كالسماء # كأن قلوب أدلائها ... معلقة بقرون الظباء # يظل الشجاع الشديد الجنان ... محافظة معصما بالدعاء # إذا هو أنكر أسماءها ... وغنى وحق له بالغناء # وخلى الركاب وأهوالها ... وأسلمهن بتيه مواء # له نظرتان فمرفوعة ... وأخرى تلاحظ ما في السقاء # وثالثة بعد طول الص ... مات إلي وفي صوته كالبكاء # فقلت التزم عند ظهر القعود ... جزى الله مثلك شر الجزاء # قال الراعي: # وكم جشمنا إليكم من مؤدية ... كأن أعلامها في آلها القزع # حماء غبراء يخشى المدلجون بها ... زيغ الهداة بأرض أهلها شيع # فإن تجودوا فقد حاولت جودكم ... وإن تضنوا فلا لوم ولا قذع # قال ذو الرمة: # كم دون مية من خرق ومن علم ... كأنه لامع عريان مسلوب # ومن ملمعة غبراء مظلمة ... سرابها بالشعاف الغبر معصوب # كأن حرباءها في كل هاجرة ... ذو شيبة من رجال الهند مصلوب # قال ابن هرمة: # وهاجرة تنجي عن الصب جاره ... قطعت حشاها بالمغربدة الصهب # إليك ومسود من الليل دامس ... إذا انتزع النوم العمي من الركب # ومما يشاكل هذا في وصف غلبة النوم على السفار قول أبي نواس: # قوم تساقوا على الأكوار بينهم ... كأس الكرى فانتشى المشفي والساقي # كأن هامهم والنوم واضعها ... على المناكب لم يعقد بأعناق # قال عمر بن أبي ربيعة: # وماء بموماة دليل أنيسه ... بسابس لم يحدث بها الصيف محضر # به مبتنى للعنكبوت كأنه ... على شرف الأرحام خام منشر # وردت وما أدري وما بعد موردي ... من الليل أو ما قد مضى منه أكثر # وطافت به مقلاة أرض كأنها ... إذا التفتت مجنونة حين تنظر # تنازعني حرصا على الماء رأسها ... ومن دون ما تهوى قليب معور # محاولة للورد لولا زمامها ... وجذبي لها كادت مرارا ms340 تكسر # فلما رأيت الصبر منها وأنني ... ببلدة أرض ليس فيها مقصر # قصرت لها من جانب الحوض مستقى ... صغيرا كقيد الشبر بل هو أصغر # ولا دلو إلا القعب كان رشاؤه ... إلى الماء نسع والجديل المضفر # فسافت دما عافت وما صد شربها ... عن الري مطروق من الماء أكدر # قال: # نأت دار ليلى فشط المزا ... ر فعيناك لا تطعمان الكرى # وأضحت ببغداد في منزل ... له شرفات دوين السما # ومن دونها بلد نازح ... يجيب بها البوم رجع الصدى # ومن منهل آجن ماؤه ... شدى لا يعاج به قد طمى # وكم دون بيتك من صفصف ... ومن أسد خادر في وغى # ومن حنش لا يجيب الرقا ... ة أرقش ذي حمة كالرشا # الباب التاسع والسبعون # ذكر # ما يختار من القول في صفات الإبل والخيل # أنشدني عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري لزهير بن أبي سلمى: # كأن الرحل منها فوق صعل ... من الظلمان جؤجؤه هواء PageV01P208 أصك مصلم ~~الأذنين أجنى ... له بالسي تنوم وآء # أذلك أم أقب البطن جأب ... عليه من عقيقته عفاء # وقال القطامي: # يمشين رهوا فلا الإعجاز خاذلة ... ولا الصدور على الإعجاز تتكل # فهن معتدلات والحصى رمض ... والريح ساكنة والظل معتدل # يتبعن سامية العينين يحسبها ... مجنونة وترى ما لا ترى الإبل # وقال كعب بن زهير: # حرف أخوها أبوها من مهجنة ... وعمها خالها قوداء شمليل # تحفي التراب بأظلاف ثمانية ... بأربع وقعها في الأرض تحليل # ولخلف الأحمر يصف الفرس: # رحب الفروج كأن قنطرة ... حيث التقى في الصلب أضلعه # مستقبل وجه الشمال لها ... زجل على روقيه تقرعه # وكأنما جهدت أليته ... ألا تمس الأرض أربعه # وهذا مأخوذ من قول الأعشى: # ما زلت أرمقهم وآملهم ... حتى أجدوا السير فامتنعوا # بجلالة أجد مداخلة ... ما إن تكاد خفافها تقع # وللحطيئة: # ترى بين لحييها إذا ما ترغمت ... لعابا كبيت العنكبوت الممدد # وتشرب في القعب الصغير وإن تقد ... بمشفرها يوما إلى الليل تنقد # وإن نظرت يوما بمؤخر عينها ... إلى علم بالغور قالت له ابعد # وللشماخ: # فسل الهم عنك بذات لوث ... عذافرة مضبرة أمون # إذا بلغتني وحملت ms341 رحلي ... عرابة فاشرقي بدم الوتين # فلعمري ما أنصفها ولا أحسن صحبتها إذ جعل مكافأتها على تبليغها إياه ~~لمنيته أن يفجعها بمهجتها. ولعمري لأحسن منه قول الحسن بن هانئ حيث يقول: # أقول لناقتي إذ بلغتني ... لقد أصبحت عندي باليمين # فلم أجعلك للغربان نهبا ... ولم أقل اشرقي بدم الوتين # قال الراعي: # وذات هباب صموت السرى ... بأعطافها العرق الأصفر # وهي إذا قام في غرزها ... كمثل السفينة أو أوقر # قال ذو الرمة: # تصغي إذا شدها بالرحل جانحة ... حتى إذا ما استوى في غرزها تبب # يعلو الحزون بها عمدا ليتبعها ... شبه الضرار فما يزري بها التعب # لشامة بن الغدير: # كأن يديها إذا أرقلت ... وقد جرن ثم اهتدين السبيلا # يدا سابح خر في غمرة ... قد أدركه الموت إلا قليلا # ولآخر: # إذا بركت خوت على ثفناتها ... مجافية صلبا كقنطرة الجسر # كأن يديها حين تجري صفورها ... طريدان والرجلان طالبتا وتر # تجوب بها الظلماء عين كأنها ... زجاجة شرب غير ملأى ولا صفر # تناسى طلاب السامرية إذ نأت ... بأسحج مرقال الضحى قلق الضفر # ومن جيد ما قيل في جياد الخيل قول أبي دؤاد: # وقد أغتدي في بياض الصبا ... ح وإعجاز ليل مولي الذنب # بطرف ينازعني مرسنا ... سلوف المقادة محض النسب # إذا قيد قحم من قاده ... وولى علابيه واجلعب # كظهر الرديني بين الأكف جر ... ى في الأنابيب ثم اضطرب # ومن المختار قول امرئ القيس: # مكر مفر مقبل مدبر معا ... كجلمود صخر حطه السيل من عل # كميت يزل اللبد عن حال متنه ... كما زلت الصفواء بالمتنزل # على الذيل جياش كأن اهتزامه ... إذا جاش فيه حميمه غلي مرجل # مسح إذا ما السابحات على الونى ... أثرن الغبار بالكديد المركل # يزل الغلام الخف عن صهواته ... ويلوي بأثواب العنيف المثقل # درير كخذروف الوليد أمره ... تتابع كفيه بخيط موصل # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # ضليع إذا استدبرته سد فرجة ... بضاف فويق الأرض ليس بأعزل # كأن سراته لدى البيت قائما ... مداك عروس أو صراية حنظل # كأن دماء الهاديات بنحره ... عصارة حناء بشيب مرجل # قال ms342 أبي بن أبي سلمى بن ربيعة بن ريان: PageV01P209 سبوح إذا اعترمت في ~~العنا ... ن مروح ململة كالحجر # ولو طار ذو حافر قبلها ... لطارت ولكنه لم يطر # قال الرقاد بن المنذر الضبي: # إذا المهرة الشقراء أركب ظهرها ... فشب الإله الحرب بين القبائل # وأوقد نارا بينهم بضرامها ... لها وهج للمصطلي غير طائل # فدى لفتى ألقى إلي برأسها ... تلادي وأهلي من طريف وجامل # قال أبو البيداء الأعرابي أو خلف أو ابن جهم المازني: # ألم ترني أغتدي في الصبا ... ح بأجرد كالسيد عبل الشوى # كأن بمنكبه إذ جرى ... جناحا يقلبه في الهوى # طويل الذراعين أطمى الكعو ... ب ناتي الحماتين عاري النسا # له كفل أيد مشرف ... وأعمدة لا تشكى الوجى # له تسعة طلن من بعد أن ... قصرن له تسعة في الشوى # يعني عنقه وخديه وبطنه وذراعيه وفخذيه وذنبه، هذه كلها يستحب طولها ومما ~~يستحب قصره أربعة: أرساغه ووظيفا يديه وعسيبه وساقاه. # وسبع عرين وسبع كسين ... وخمس رواء وخمس ظما # سبعة عرين: الخدان والجبهة والوجه والقوائم، وسبع كسين: الفخذان وحماتاه ~~ووركاه وحصيرا جنبه. # وسبع غلاظ وسبع رقا ... ق وصهوة عير ومتن خظا # وسبع بعدن وسبع قرب ... ن منا فما فيه عيب يرى # دقيق الثمان عريض الثما ... ن شديد الصفاق شديد المطا # الثمان الدقاق: عرقوباه وقلبه ومنكباه، وأذناه. والثمان العراض: الجبهة ~~والمحزم والصدر والصهوة والفخذان والوظيفان. # وفيه من الطير خمس فمن ... رأى فرسا مثله يقتنى # غرابان فوق قطاة له ... ونسر ويعسوبه قد بدا # جعلنا له من خيار اللقا ... ح خمسا مجاليج كوم الذرى # ويؤثر بالزاد دون العيا ... ل فكل مسير به يقتفى # فقاظ صنيعا فلما شتا ... أخذناه بالقود حتى انطوى # قال أنيف بن جبلة الضبي: # أما إذا استقبلته فكأنه ... في العين جذع من أوال مشذب # وإذا عرضت له استوت أقياده ... وكأنه مستدبر متصوب # ولعلي بن جبلة: # وأذعر الربرب عن أطفاله ... بأعوجي دلفي المنتهب # كأنه من مرح العدو به ... مستنفر لروعة أو ملتهب # مطرد يرتج من أقطاره ... كالماء جالت فيه ريح فاضطرب # تحسبه أقعد في استقباله ... حتى إذا ms343 استدبرته قلت أكب # وهو على إرهافه وطيه ... يقصر عنه المحزمان واللبب # تقول فيه جنب إذا انتحى ... وهو كمتن القدح ما فيه جنب # يخطو على عوج تناهبن الثرى ... لم تتواكل عن شظى ولا عصب # تحسبها بائنة إذا خطت ... كأنما وظيفه على نكب # يرتابه الصيد فرادينا به ... أوابد الوحش فأجدى واكتسب # ينحط في الحرب يباري ظله ... ويعرق الأحقب في شوط الخبب # إذا تبطنا به صدفه ... وإن بطنى فوقه العين كذب # لا يبلغ الجهد به راكبه ... ويبلغ الرمح به حيث طلب # قال آخر: # في كل منبت شعرة من جسمه ... خط ينمقه الحسام المخذم # ما يدرك الأبصار أدنى جريه ... حتى يفوت الرمح وهو مقدم # وكأنما عقد النجوم بطرفه ... وكأنه بعرى المجرة ملجم # وللبحتري: # وأغرني الزمن البهيم محجل ... قد رحت منه على أغر محجل # كالهيكل المبني إلا أنه ... في الحسن جاء كصورة في هيكل # تتوهم الجوزاء في أرساغه ... والبدر غرة وجهه المتهلل # هزج الصهيل كأن في نغماته ... نبرات معبد في الثقيل الأول # ملأ العيون فإن بدا أعطيته ... نظر المحب إلى الحبيب المقبل # وقال أيضا: # وعريض أعلى المتن لو عليته ... بالزئبق المنهال لم يترجرج # جذلان تحسده الجياد إذا مشى ... عبا بأحسن حلة لم تنسج # خفيت مواقع وطئه فلو أنه ... يجري برملة عالج لم يرهج # وله أيضا: PageV01P210 أما الجواد فقد بلونا يومه ... وكفى بيوم مخبرا عن ~~عامه # جارى الجياد فطار عن أوهامه ... سبقا وكاد يطير عن أوهامه # جذلان تلطمه جوانب غرة ... جاءت مجيء البدر عند تمامه # واسود ثم صفت لعيني ناظر ... جنباته وأضاء في إظلامه # يختال في استعراضه ويكب في ... استدباره ويشب في استقدامه # فكأن فارسه وراء قذاله ... ردف فلست تراه من قدامه # لانت معاطفه فخيل أنه ... للخيزران مناشب بعظامه # وكأن صهلته إذا استغلى بها ... رعد تقعقع في ازدحام غمامه # الباب الثمانون # ذكر # الوحوش التي تصاد والجوارح التي تصطاد # قال امرؤ القيس: # وقد أغتدي والطير في وكراتها ... لغيث من الوسمي رائده خال # تحاماه أطراف الرماح تحاميا ... وجاد عليه كل أسحم هطال # بعجلزة قد أترز الغزو لحمها ... كميت ms344 كأنها هراوة منوال # ذعرت بها سربا نقيا جلوده ... وأكرعه وشي البرود من الخال # فخر لروقيه وأمضيت مقدما ... طوال القرى والروق أخنس ذيال # وعاديت منه بين ثور ونعجة ... وكان عداء الوحش مني على بال # كأني بفتخاء الجناحين لقوة ... طلوب من العقبان طأطأت شملال # كأن قلوب الطير رطبا ويابسا ... لدى وكرها العناب والحشف البالي # وله أيضا: # فعن لنا سرب كأن نعاجه ... عذارى دوار في ملاء مذيل # فأدبرن كالجزع المفصل بينه ... بجيد معم في العشيرة مخول # فألحقه بالهاديات ودونه ... جواحرها في صرة لم تزيل # فعادى عداء بين ثور ونعجة ... دراكا ولم ينضح بماء فيغسل # فظل طهاة اللحم من بين منضج ... صفيف شواء أو قدير معجل # ورحنا يكاد الطرف يقصر دونه ... متى ما ترق العين فيه تسهل # فبات عليه سرجه ولجامه ... وبات بعيني قائما غير مرسل # قال الأخطل: # هل تعرف اليوم من ماوية الطللا ... تحملت أنسه منه وما احتملا # فما به غير موشي أكارعه ... إذا أحس بشخص نابئ مثلا # ما زال في حقف أرطاة يلوذ بها ... إذا أحس مسيلا تحته انتقلا # كأنما القطر مرجان يساقطه ... إذا علا الروق والمتنين والكفلا # يشلي سلوقية غضفا إذا اندفعت ... حاكى جديلة في الآثار أو ثعلا # مكلبين إذا اصطادوا كأنهم ... يسقونها بدماء الأيد العسلا # فانصاع كالكوكب الدري جرده ... غيث تقسع عنه طالما هطلا # كأنهن وقد سربلن من علق ... يغشين موقد نار يقذف الشعلا # إذا أتاهن مظلوم عكفن به ... عكف الفوارس خافوا الدارع البطلا # قال أبو البيداء الأعرابي: # مطوقة كسيت زينة ... بدعوة نوح لها إذ دعا # فلم أر باكية مثلها ... تبكي ودمعتها لا ترى # أضلت فريخا فطافت به ... وقد علقته حبال الردى # فلما بدا اليأس منه بكت ... عليه وماذا يرد البكا # وقد صاده ضرم ملجم ... خفوق الجناح حثيث النجا # وحت بمخلبه قارتا ... على خطمه من دماء القطا # فآنسن سرب قطا قارب ... جبى منهل لم تهجه الدلى # وصعد في الجو ثم استدا ... ر طار حثيثا إذا ما انصمى # يبارين وردا فلم يرعو ... ين على ما تذكر أو ما دنا # به رفقة ms345 من قطا وارد ... وأخرى صوادر عنه روا # فملأن أسقية لم تشد ... بخرز وقد شد منها العرا # فأقعص منهن كدرية ... ومزق حيزومها والحشى # فطار وغادر أشباهها ... تطير الحتوف بها والضنا # قال أبو نواس: # سود المآقي صفر الحمالق ... كأنما يصفرن في ملاعق # صرصرة الأقلام في المهارق ... غاديتها قبل الصباح الفائق # وقال أيضا: PageV01P211 أنعت كلبا أهله في كده ... قد سعدت حدودهم بجده # فكل خير عندهم من عنده ... يظل مولاه له كعبده # يبيت أدنى صاحب من مهده ... وإن غدا جلله ببرده # تلذ منه العين حسن قده ... يا لك من كلب نسيج وحده # وقال أيضا: # لما تبدى الصبح من حجابه ... كطلعة الأشمط من جلبابه # هجنا بكلب طال ما هجنا به ... ينتسف المقود من جذابه # تراه في الحضر إذا ماها به ... يكاد أن يخرج من إهابه # وقال أيضا: # قد أغتدي والصبح مشهور ... قد طلعت منه التباشير # بمخطف الأيطل في خطمه ... طوى وفي شدقيه تأخير # كأنه سهم إلى غاية ... أو كوكب في الأرض محدودر # رحنا به تنفخ أعطافه ... وهو بما أولاه مشكور # وقال أيضا: # قد أغتدي في فلق الصباح ... بمصعم يرجر في سراح # مؤيد بالنصر والنجاح ... فهو كميش ذرب السلاح # يفتر عن مثل شبا الرماح ... يطير في الجو بلا جناح # قال أيضا: # قد أغتدي والشمس في حجابها ... مستورة لم تبد من جلبابها # بفهدة بورك في حلابها ... شقيا لها وللذي غدا بها # كأنما النمرة في أقرابها ... رقم ديابح على أثوابها # فخطفت الكشحين في اضطرابها ... كأنها القناة في انتصابها # والحية الرقطاء في انسكابها ... وسرعة العقاب في انسيابها # فأبصرت من حيث يممنا بها ... عفر الظباء وهي في أسرابها # فأقبلت تمرح في جذابها ... حتى إذا ما أكثرت رمى بها # فلو ترى الفهدة في التهابها ... في نأيها عنهن واقترابها # تكاد أن تخرج من إهابها ... فالويل منهن لمن يصلى بها # قال أيضا: # وقانص محتفز دميم ... كدري لون أغبر شيتم # فلا عن الحيلة بالسؤوم ... أسرع من لحظة طرف بوم # فلا عن الحيلة بالسؤوم ... أسمع من ذي لبدة صميم # إذا اجتلا عالية النميم ... كأنما يلهب ms346 من جحيم # الباب الحادي والثمانون # ذكر # ما جاء في الشعر من صفات الخمر PageV01P212 قال أبو بكر: قد أكثر الشعراء ~~المتقدمون والمتأخرون في مدح الخمر وذمها، وفي وصف طيبها ورقتها، ولم يقل ~~أحد في ذمها ولا في مدحها إلا دون ما تستحقه هي في هذه الدار من الذم في ~~الغاية، وهي في الدار الآخرة من المدح في النهاية، فأما فضلها في تلك الدار ~~فيغني عن الإطناب فيه ما ذكره الله جل وعلا في كتابه من تحبيب الجنة بها، ~~وبما شاكلها إلى أوليائه، وأما ذمها في هذه الدار فإنها توقع العداوة ~~والبغضاء، وتدعو إلى الإثم والفحشاء، وتشغل عن أداء المفترضات، وتجرئ عن ~~ارتكاب المحرمات. ولو لم يكن في ذمها غير نهي الله جل وعز عن شربها لكان ~~مغنيا عن غيره. فكيف وقد بين الله جل وعلا من قبيح أفعالها ما يدعو ذوو ~~التمييز، وإن لم تكن محرمة إلى اجتنابها فلعل بعض الخلفاء أن يغلب على عقله ~~سكرة الأهواء. فيقول كيف تكون محرمة مذمومة وممدوحة، وعينها واحدة، ولم ~~تأتي الشريعة بتحريمها. فيقال له: الخمر المذمومة في هذه الدار غير الخمر ~~الممدوحة في تلك الدار، لأن أصحاب تلك الدار لا يصدعون عنها، ولا ينزفون ~~منها، وتلك لا توقع العداوة والبغضاء، ولا تصد عن ذكر الله وعن فرضه. وهذه ~~الخمر تفعل جميع ذلك، فلهذه العلل صارت الخمر في الدنيا مذمومة، وفي الآخرة ~~ممدوحة. ولقد أحسن نصيب في قوله، وقد سامه بعض بني مروان شربها فقال: يا ~~أمير المؤمنين. إنه لم يدنني منك جمالي، ولا نسبي، وإنما أدناني منك عقلي ~~ولساني. فنشدتك الله أن تدخل علي ما يسلبنيهما فأعفاه حينئذ من شربها. ومما ~~في الخمر من المقابح التي يعتد بها من لا يفهم من المدائح أنها تنفي ~~الأحزان، وتشجع الجبان، وتسهل على البخلاء الدخول في جملة الأسخياء. ولو لم ~~يكن في الخمر عيب غير هذا لكفى، لأن الذي توجبه الخمر من هذا الفعل إنما هو ~~بزوال التمييز، ونقصان العقل، فإن جاء في تلك العمرات فعل يشبه ms347 أفعال ~~السادات لم يكن فاعله محمودا، ولا كان ذلك الفعل إليه منسوبا، لأنه يندم ~~عليه، ويعتذر منه بأن عقله لو كان حاضرا لنهاه عنه، وإن جاء في تلك الحال ~~ما يخرج عن حد الاعتدال، وكان ذلك مما يتعذر تلافيه، ويصعب طريق العذر فيه، ~~كما أنها تشجع الجبناء، وتسمح البخلاء، فإنها تسفه الحلماء، وتسخف العقلاء، ~~وقد كان صنف من القدماء يتركون الخمر والزنا تكرما، وإن لم يكن ذلك في ~~ملتهم محرما. ولقد أحسن زهير حيث يقول: # غدوت عليه غدوة فوجدته ... قعودا لديه بالصريم عواذله # يفدينه طورا وطورا يلمنه ... وأعيا فما يدرين أين مخاتله # فاعرض منه عن كريم مرزء ... غلوب على الأمر الذي هو فاعله # أخي ثقة لا تهلك الخمر ماله ... ولكنه قد يهلك المال نائله # فهذا أحسن من قول طرفة: # أسد غيل فإذا ما شربوا ... وهبوا كل أمون وطمر # ثم راحوا عبق المسك بهم ... يلحفون الأرض هداب الأزر # وفي هذا النحو يقول حسان بن ثابت: # نوليها الملامة والمنايا ... إذا ما كان مغث أو لحاء # ونشربها فتتركنا ملوكا ... وأسدا ما ينهنها اللقاء # وهذا قبيح كله لأنهم صيروا سبب السماحة والشجاعة زوال التمييز والمعرفة. ~~وصاحب هذه الحال والمجنون سواء بمنزلة، لأنه يأتي الشيء بغير معرفة، وأمثل ~~من هذا قول عنترة: # فإذا شربت فإنني مستهلك ... مالي وعرضي وافر لم يكلم # وإذا صحوت فما أقصر عن ندى ... وكما علمت شمائلي وتكرمي # وأحسن من هذا قول البحتري: # وما زلت خلا للندامى إذا انتشوا ... وراحوا بدورا يستحثون أنجما # تكرمت من قبل الكؤوس عليهم ... فما اسطعن أن يحدثن فيك تكرما # ولسنا مع ما ذكرنا من عيبها ندع أن نذكر طرفا من الأشعار المستحسنة في ~~وصفها فإنها وإن لم تكن موضعا للمدح لما قدمناه من ذمها، فقد يحسن المصيب ~~في وصفها ضربا من الإحسان، إما لحسن تشبيه، أو لمعنى يخترعه ويعرف به كما ~~قال الأعشى: # وكأس شربت على لذة ... وأخرى تداويت منها بها # لكي يعلم الناس أني امرؤ ... أتيت المعيشة من بابها # قال أبو نواس: PageV01P213 دع عنك لومي فإن ms348 اللوم إغراء ... وداوني بالتي ~~كانت هي الداء # صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها ... لو مسها حجر مسته سراء # قال الأعشى: # إذا قلت غني الشرب قامت بمزهر ... يكاد إذا دارت به الكف ينطق # وساق إذا شئنا كميش بمسعر ... وصفراء مرنان إذا ما تصعق # تريك القذى من دونها وهي فوقه ... إذا ذاقها من ذاقها يتمطق # وقال آخر: # وصرعة مخمور دفعت بقرقف ... وقد صرعتني قبل ذلك قرقف # فقام يداوي صرعتي متعطفا ... وكنت عليه قبلها أتعطف # نموت ونحيا تارة بعد تارة ... وتخلفنا أيدي المدام وتتلف # إذا ما تسلفنا من الكأس سكرة ... تقاضى الكرى منا الذي نتسلف # وقال: # وكأس يكون الماء حين يمسها ... قذى ثم يعلوه بجثمان طائر # إذا دب فيها الماء قارن صعبه ... جموحا عليه سهلة في الحناجر # قال مسلم: # سل ليلة الخيف هل قصرت آخرها ... بالراح قرب نسيم الخرد الغيد # شججتها بلعاب المزن فاعتدلت ... نسجين من بين محلول ومعقود # قال أبو نواس: # قامت بإبريقها والليل معتكر ... فلاح من وجهها في البيت لألاء # فأفرغت من فم الإبريق صافية ... كأنما أخذها للعين إغفاء # رقت من الماء حتى ما يلائمها ... لطافة وجفا عن شكلها الماء # فلو مزجت بها نورا لمازجها ... حتى تولد أنوار وأضواء # وقد أكثر الشعراء في تفضيل رقة الخمر على رقة الماء، وليس الأمر على ما ~~يقدرونه، وذلك أن الخمر متولدة من جوهر الماء، ومحال أن يكون جزء من الشيء ~~أرق من كل شيء. ولن يكون بعضه أرق من بعض، والعلة التي دعت إلى توهم الخمر ~~أنها أرق من الماء هي أن الماء إذا صب عليها تكدر صفاؤه، ونقصت رقتها، وذلك ~~لأن الماء لا يتهيأ للآدميين تخليصه من الكدورة الحالة به، والأجسام ~~الممازجة له، وإن جهدوا بقوتهم في تصفيته كما تصفى أعواد الكرم في اجتذابها ~~إياه إلى ثمارها بلطيف قواها التي ركبها الله عز وجل بحكمته فيها، فهي بتلك ~~اللطافة تجتذب صفوة، وتجفو عن رقة مسالكها كدره، فيخلص لها الماء وحده، ~~فإذا مزجت بعد ذلك بالماء الممزوج بغيره تبين أن الأول أصفى منه. # قال أبو ms349 نواس: # يا شقيق النفس من حكم ... نمت عن عيني ولم أنم # فاسقني البكر التي اختمرت ... بخمار الشيب في الرحم # مع شباب سادة نجب ... أخذوا اللذات عن أمم # فتمشت في مفاصلهم ... كتمشي البرء في السقم # وقال أيضا: # لا تبك ليلى ولا تطرب إلى هند ... واشرب على الورد من حمراء كالورد # كأسا إذا انحدرت من حلق شاربها ... أغنتك حمرتها في العين والخد # فالخمر ياقوتة والكأس لؤلؤة ... من كف لؤلؤة ممشوقة القد # تسقيك من عينها خمرا ومن يدها ... خمرا فما لك من سكرين من بد # لي نشوتان وللندمان واحدة ... شيء خصصت به من بينهم وحدي # قال أيضا: # اسقني يا ابن أذين ... من سلاف الزرجون # عتقت في الدن حتى ... هي في رقة ديني # ولعمري لقد بالغ في الصفة، وإن دينه لفي نهاية الرقة، ولقد أحسن في قوله: # وليس للهم إلا شرب صافية ... كأنها دمعة من عين مهجور # وإنما تكامل صفاء دمع المهجور لأنه لا يكتحل، فدمعه صرف غير متكدر. وقال ~~في نحو ذلك الحسين بن الضحاك: # حتى إذا أسندت في البيت واحتضرت ... عند الشروق ببسامين أكفاء # فضت خواتمها في نعت واصفها ... عن مثل رقرقة في جفن مرهاء # وقال: # ما زلت أشرب روح الدن في لطف ... وأستقي دمه من جوف مجروح # حتى صدرت ولي روحان في جسد ... والدن مطرح جسم بلا روح # وقال الطائي: # أفيكم فتى حي فيخبرني عني ... بما شربت مشروبة الراح من ذهني # تورد روح المرء من كل وجهة ... وتدخل فيه كيف شاءت بلا أذن # قال إسحاق الموصلي: PageV01P214 وصافية تغشي العيون رقيقة ... رهينة عام ~~في الدنان وعام # أدرنا بها الكأس الروية موهنا ... من الليل حتى انجاب كل ظلام # فما ذر قرن الشمس حتى كأننا ... من العي نحكي أحمد بن هشام # وقال آخر: # ما العيش إلا في جنون الصبا ... فإن تولى فجنون المدام # راح إذا ما الشيخ والى بها ... خمسا تردى برداء الغلام # قال آخر: # كأن أباريق المدام لديهم ... ظباء بأعلى الرقمتين قيام # وقد شربوا حتى كأن رقابهم ... من اللين لم يخلق لهن عظام ms350 # وقال آخر: # وصفراء قبل المزج بيضاء بعده ... كأن شعاع الشمس يلقاك دونها # ترى العين تستعفيك من لمعانها ... وتحسر حتى ما تقل جفونها # وقال أبو نواس: # ترى حيث ما كانت من البيت مشرقا ... وما لم تكن فيه من البيت مغربا # إذا عب فيها شارب الخمر خلته ... يقبل في داج من الليل كوكبا # قال ديك الجن: # فاصرف بوجهك صرف الماء يومك ذا ... حتى ترى قائما منها ومنصرفا # فقام مختلفا كالظبي ملتفتا ... والبدر مطلعا والغصن منعطفا # رقت غلالة خديه فلو رميا ... باللحظ أو بالمنى هما بأن يكفا # كأن قافا أديرت فوق وجنته ... واختط كاتبها من فوقها ألفا # فاستل راحا كبيض رافقت جحفا ... خلائقا أو كنار صادفت سعفا # صفراء أو قل ما اصفرت فأنت ترى ... ذوبا من التبر رصوا فوقه صدفا # ولم أزل من ثلاث واثنتين ومن ... خمس وعشر وما استعلى وما لطفا # وأمتري ودق سمطي لؤلؤ برد ... عذب وأرشف ثغرا قط ما رشفا # حتى حسبت أنوشروان من خولي ... وخلت أن نديمي عاشر الخلفا # قال الأخطل: # إذا ما نديمي علني ثم علني ... ثلاث زجاجات لهن هدير # خرجت أجر الذيل حتى كأنني ... عليك أمير المؤمنين أمير # قال الطائي: # صبحته بسلافة صبحتها ... بسلافة الخلطاء والندماء # بمدامة تغدو المنى لكؤوسها ... خولا على السراء والضراء # راح إذا ما الراح كان مطيها ... كانت مطايا الشوق في الأحشاء # صعبت وراض المزج سيئ خلقها ... فتعلمت من حسن خلق الماء # خرقاء يلعب بالعقول حبابها ... كتلاعب الأفعال بالأسماء # وضعيفة فإذا أصابت فرصة ... قتلت كذلك قدرة الضعفاء # جهمية الأوصاف إلا أنهم ... قد لقبوها جوهر الأشياء # وقال البحتري: # فاشرب على زهر الرياض يشوبه ... زهر الخدود وزهرة الصهباء # من قهوة تنسي الهموم وتبعث ال ... شوق الذي قد ضل في الأحشاء # يخفي الزجاجة لونها فكأنها ... في الكف قائمة بغير إناء # يسقيكها رشأ يكود يروها ... سكري بفترة مقلة حوراء # يسعى بها وبمثلها من طرفه ... عودا وإبداء على الندماء # قال أبو نواس: # تخيرت والنجوم وقف ... لم يتمكن بها المدار # حتى إذا غاب كل ذام ... وخلص السر والنجار # آلت إلى ms351 جوهر كطيف ... عيان موجوده ضمار # لا ينزل الليل حيث حلت ... فدهر شرابها نهار # حتى لو استودعت سرارا ... لم يخف في ضوئها السرار # كأن في كأسها سرابا ... يجلبه المهمه القفار # قال البحتري: # لنا في الدهر آمال طوال ... نرجيها وأعمار قصار # وأهون بالخطوب على خليع ... على اللذات ليس له عذار # فأخر يومه سكر تجلى ... غيابته وأوله خمار # ويوم بالمطيرة أمطرتنا ... سماء صوب وابلها عقار # أقمنا أكلنا أكل استلاب ... هناك وشربنا شرب بدار # تنازعنا المدامة وهي صرف ... وأعجلنا الطوابخ وهي نار # ولم يك ذاك سخفا غير أني ... رأيت الشرب سخفهم الوقار PageV01P215 رضينا ~~من مخارق وابن خير ... بصوت الأثل إذ متع النهار # تزعزعه الشمال وقد توافى ... على أنفاسها قطر صغار # غداة دجنة للغيث فيها ... خلال الروض حج واعتمار # كأن الريح والمطر المناجي ... خواطرها عتاب واعتذار # الباب الثاني والثمانون # ذكر # آداب المجالسات وحسن المنادات # حدثنا العباس بن أحمد الدوري قال: حدثنا يحيى بن معين قال: حدثنا حجاج بن ~~محمد الأعور قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي زياد عن هشام بن عروة قال: رأيت ~~ربيعة بن عباد وهو يحدث أبي، وأبي يسأله قال: إن ابن عفان رضي الله عنه كان ~~أغزانا في غزوة، فمررنا فيها على معاوية، وقد كان وجد علينا في شيء بلغه من ~~أمرنا في غزاتنا تلك، فدخلنا إليه، فجعلنا نعتذر إليه، ونكذب ما بلغه، وجعل ~~يوافقنا على بعض ذلك، ويؤنبنا فيه، ثم قام رجل فقال: أصلح الله الأمير، إنا ~~مكذوب علينا، فلينظر الأمير في أمرنا، فإن كنا أبرياء غفر لنا ذلك، وإن كان ~~لنا ذنب عفاه عنا. فقال معاوية: فكذاك إذا، ثم قال الرجل: إن كنت لم أذنب ~~فلا تظلمنني، وإن كنت ذا ذنب فسوف أتوب، ثم أقبل في وجوه القوم حيث جلس ~~معاوية فقال: # ولا تنس قربان الأمير شفاعة ... لكل امرئ فيما أفاد نصيب # قال: فقبل منا معاوية، وصنع إلينا معروفا. # ومن جيد ما قيل في حسن المساعدة قول دريد بن الصمة وقد أغار وأخوه في نفر ~~من قومهم على نعم لقيس، ms352 فاستاقوها، فلما كانوا في بعض الطريق، ترك عبد الله ~~بن الصمة فقال له أخوه دريد: ليس هذا منزلنا، إن قيسا غير نائمة عن ~~أموالها. فقال: والله لا أبرح حتى آكل وأعلف وأشرب، فبينا هم كذلك إذ رأوا ~~غبرة، فقالوا لرقيبهم: ما ترى؟ فقال: أرى خيلا كالعقبان، عليها فوارس ~~كالصبيان، فقال: تلك فزارة ولا بأس. ثم رأوا غبرة فقالوا: ما ترى؟ فقال: ~~أرى خيلا كأن قوائمها تنقلع من الصخر، قال: تلك عبس والموت. فلم يلبثوا أن ~~خالطتهم الخيل، فصاح صائح: أودى فارس، فنظروا فإذا هو عبد الله بن الصمة، ~~فقال دريد في ذلك شعرا طويلا، قد ذكرنا طرفا منه في بعض أبواب المراثي، ومع ~~ذلك يقول في مساعدته أخاه على الرأي الذي لا يرضاه: # أمرتهم أمري بمنقطع اللوى ... فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد # فلما عصوني كنت منهم وقد أرى ... ضلالتهم وأنني غير مهتدي # وهل أنا إلا من غزية إن غوت ... غويت وإن ترشد غزية أرشد # قال آخر: # أخوك الذي إن قمت بالسيف عامدا ... لتضربه لم يستغشك في غد # ولو جئت تبغي كفه لتبينها ... لبادر إشفاقا عليك من الردي # يرى أنه في الود وان مقصر ... على أنه قد زاد فيه على الجهد # وفيما بلغنا أن العباس بن عبد المطلب أوصى ابنه عبد الله حين اصطفاه عمر ~~بن الخطاب أن قال له: يا بني. إن هذا الرجل قد قدمك على غيرك، فاحفظ عني ~~ثلاثا: لا تجري عليك كذبا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا تفشين له سرا. # ومن جيد ما قيل في السر قول النابغة: # لعمرك إن وشاة الرجا ... ل لا يتركون أديما صحيحا # فلا تفش سرك إلا إليك ... فإن لكل نصيح نصيحا # قال آخر: # وفتيان صدق لست أطلع بعضهم ... على سر بعض غير أني جماعها # يبيتون شتى في البلاد وسرهم ... إلى صخرة صماء أعيا انصداعها # قال آخر: # سأكتمه سري وأحفظ سره ... ولا غرني أني عليه كريم # حلين فينسى أو جهول يضيعه ... وما الناس إلا جاهل وحليم # قال آخر: # لا تسألي الناس ما ms353 مالي وما ورقي ... وسائلي الناس ما وقعي وما خلقي # أعطي السنان غداة الروع حصته ... وعامل الرمح أرويه من العلق # وأطعن الطعنة النجلاء عن عرض ... وأحفظ السر فيه ضربة العنق # قال قيس بن الخطيم: # وإن ضيع الأقوام سرا فإنني ... كتوم لأسرار العشير أمين # يكون لهم عندي إذا ما ضمنته ... مكان بسوداء الفؤاد كمين PageV01P216 سلي ~~من نديمي في الندامى ومألفي ... ومن هو لي عند الصفاء خدين # قال آخر: # خير إخوانك المشارك في المر ... وأين الشريك في المر أينا # ذاك مثل العقبان إن مسه الن ... ار جلاه لغلام وازداد زينا # لا يني شاهدا بسرك ما ... دمت وإن غبت كان أذنا وعينا # وقال: # وكنت إذا الصديق أراد غيظي ... وأشرقني على حنق بريقي # غفرت ذنوبه وكظمت غيظي ... مخافة أن أكون بلا صديق # وقال آخر: # وأخوك الذي إن سرك الآمر سره ... وإن ناب أمر ظل وهو حزين # يقرب من قربت من ذي مودة ... ويقصي الذي أقصيته ويهين # وقال آخر: # علي لإخواني رقيب من الصفا ... تبيد الليالي وهو ليس يبيد # يذكرنيهم في مغيب ومسهد ... فسيان منهم غائب وشهيد # وإني لأستحيي أخي أن أبره ... قريبا وأن أجفوه وهو بعيد # قال إبراهيم ابن العباس: # أميل مع الصديق على ابن أمي ... وأحذر للصديق من الشقيق # وإن أبصرتني حرا مطاعا ... فإنك واجدي عبد الصديق # أفرق بين معروفي ومني ... وأجمع بين مالي والحقوق # وقال الصلتان العبدي: # إذا ما أخي يوما تولى بوده ... وأنكرت منه بعض ما كنت أعرف # عطفت عليه بالمودة إنني ... على مدبر الإخوان بالبر أعطف # ولست وإن ولى بود على الذي ... بذلت له من صفو ودي آسف # فأغفر منه ذنبه لاصطناعه ... وأستر منه بعض ما يتكشف # فإغضاؤك العينين عن عيب صاحب ... لعمرك أبقى للإخاء وأشرف # قال الطائي: # ذو الود مني وذو القربى بمنزلة ... وأخوتي أسوة عندي وإخواني # عصابة جاورت آدابهم أدبي ... فهم وإن فرقوا في الأرض جيراني # أرواحنا في مكان واحد وغدت ... أبداننا بشآم أو خراسان # قال معن بن أوس المزني: # إذا أنت لم تنصف أخاك وجدته ... على طرف الهجران ms354 إن كان يعقل # وتركب حد السيف من أن تضمه ... إذا لم يكن عن شفرة السيف معدل # ستقطع في الدنيا إذا ما قطعتني ... يمينك فانظر أي كف تبدل # قال أبو نهشل حميد بن عبد الحميد الطوسي: # عدلت عن الرحاب إلى المضيق ... وزرت البيت من غير الطريق # وتظلم عند طاعتك الموالي ... وليس الظلم من فعل الصديق # تجود بفضل عفوك للأقاصي ... وتمنعه من الخل الشفيق # وتحملني وأنت شقيق نفسي ... على هول الصواعق والحريق # وتعرض حاجتي فتعد فيها ... شفيعا غير منطقك الرقيق # تقدم سوء ظنك بي وتنسى ... محافظتي على وجب الحقوق # أما والراقصات بذات عرق ... ورب الركن والبيت العتيق # لقد أطلعت لي تهما أراها ... ستحملني على مضض العقوق # وأحسب ها هنا عتبا وسخطا ... ولست لسخط عبدك بالمطيق # قال محمد بن حازم: # من يخبرك بسب عن أخ ... فهو الشاتم لا من شتمك # ذاك أمر لم يواجهك به ... إنما اللوم على من أعلمك # إن ذا اللؤم إذا أكرمته ... حسب الإكرام حقا لزمك # قال آخر: # إذا كنت لا يرضيك عن من توده ... سوى جمع ما تهوى فأنت المفند # خذ العفو ممن قد رضيت إخاءه ... وحسبك منه أن يصح التودد # قال آخر: # في انقباض وحشمة فإذا ... لاقيت أهل الوفاء والكرم # أرسلت نفسي على سجيتها ... وقلت ما شئت غير محتشم # قال آخر: # خذي العفو مني تستديمي مودتي ... ولا تنطقي في سورتي حين أغضب # فإني رأيت الحب في القلب والأذى ... إذا اجتمعا لم يلبث الحب يذهب # قال الحسين بن مطير: # ونفسك أكرم عن نفوس كثيرة ... فما بك نفس بعدها تستعيرها # وما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ... ولكنه خيم الرجال وخيرها # قال زهير: PageV01P217 وليس لمن يركب الهول بغية ... وليس لأمر حطه الله ~~حامل # إذا أنت لم تعرض عن الجهل والخنا ... أصبت حليما أو أصابك جاهل # قال عدي بن زيد: # كفى زاجرا للمرء أيام دهره ... تروح له بالواعظات وتغتدي # فنفسك فاحفظها من الغي والردى ... متى تغوها تغو الذي بك يقتدي # وإن كانت النعماء عندك لامرئ ... كفاك بها فاحد المطالب وازدد # وللبخلة ms355 الأولى لمن كان باخلا ... أعف ومن يبخل يلم ويزهد # إذا ما امرؤ لم يرج منك هوادة ... فلا ترجها منه ولا دفع مشهد # وعد سواه القوم واعلم بأنه ... متى ما يبن في اليوم يصرمك في الغد # إذا أنت فاكهت الرجال فلا تلع ... وقل مثل ما قالوا ولا تتزيد # عن المرء لا تسأل وابصر قرينه ... فإن القرين بالمقارن يقتدي # وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ... على المرء من وقع الحسام المهند # وفي كثرة الأيدي عن الظلم زاجر ... إذا حضرت أيدي الرجال المشهد # قال آخر: # إذا أنت أعطيت القليل فلا تكن ... ل مستقلا عن طريق التجبر # ولا من طريق المن مستكثرا لما ... فعلت وأنت المرء غير مقصر # وعد للذي أوليته العرف مرة ... بعائد فضل منك غير مكدر # ولا تستعض منه ثناء فترجعا ... سواء ويبقى الفضل كالمتحير # قال آخر: # دار الصديق إذا استشاط تغيظا ... فالغيظ يخرج كامن الأحقاد # ولربما كان التغضب باحثا ... لمثالب الآباء والأجداد # قال سعيد بن وهب: # لا خير في الشرب إلا مع أخي ثقة ... إن سر غنى وإن غنيته طربا # يعطيك صمتا إذا حدثته وإذا ما ... شربت حيا وإن خالطته شربا # قال آخر: # أرى للخمر حقا لا أراه ... لغير الراح إلا للنديم # هو القطب الذي دارت عليه ... رحى اللذات في الزمن القديم # قال آخر: # ألم تعلمي يا سلم أني موكل ... بما سر ندماني في العسر واليسر # وأني لم أبسط لساني ولا يدي ... لوجه نديمي حين فندني سكري # قال آخر: # ليس من شأنه إذا دارت ال ... كأس فأزرى إدمانها بالحلوم # قول ما يسخط النديم وإن ... أسخطه عند ذاك قول النديم # قال آخر: # ورضيع راضعت في كبر الس ... ن وأضحى أخا لدي مطاعا # لم يكن بيننا رضاع ولكن ... صيرت بيننا المدام رضاعا # قال يحيى بن زياد: # ولست له في فضلة الكأس قائلا ... لأصرفه عنها تحس وقد آبى # ولكن أحييه وأكرم وجهه ... وأشرب ما أبقى وأسقيه ما اشتهى # قال حميد بن عبد الحميد الطوسي لبعض من استأذن عليه وهو في النبيذ: # إن كنت ترضى بالسواء ms356 وبالتي ... تدع الصحيح من الرجال سقيما # فادخل على حجر الحداق ترى لها ... فضلا أبان خلائقا وجسوما # متفضلين مقددين قد أسندوا ... زقا أمق وبربطا مختوما # قال آخر: # أعيذك من ركبة بالعشي ... تحط وتهدم قدر النبيل # فإما رجعت بذل الحجا ... ب وإما حللت محل الثقيل # الباب الخامس والثمانون # ذكر # ما قيل في ذم الإخوان وشكاية الزمان # حدثنا محمد بن سلمة الواسطي قال: حدثنا يزيد بن هارون ومحمد بن حرب قالا: ~~حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عروة عن ~~عائشة قال: كانت عائشة من أفصح الناس وأقولهم لشعر لبيد. قالت: قال لبيد في ~~الجاهلية: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم ... وبقيت في خلف كجلد الأجرب # يتأكلون ملاذة وخيانة ... ويعاب قائلهم وإن لم يشغب # قالت عائشة: وكيف بلبيد لو أدرك زماننا هذا، قال عروة: فكيف بعائشة لو ~~أدركت ما نحن فيه اليوم. قال هشام: كيف بأبي لو أدرك ما نحن فيه اليوم. ~~PageV01P218 حدثنا أبو البحتري عبد الله بن محمد بن شاكر قال: حدثنا محمد ~~بن جعفر الأحمر قال: كنا يوما عند أبي نعيم فتذاكرنا حديث عائشة حيث ذكرت ~~شعر لبيد: # ذهب الذين يعاش في أكنافهم # قال: فأنشدنا أبو نعيم: # ذهب الناس فاستقلوا وصرنا ... خلفا في أراذل النسناس # في أناس تعدهم في عديد ... فإذا فتشوا فليس بناس # كلما جئت أبتغي النيل منهم ... بدروني قبل السؤال بياس # وبكوا لي حتى تمنيت أني ... مفلت عند ذاك رأس براس # قال آخر: # ذهب الرجال المقتدى بفعالهم ... والمنكرون لكل أمر منكر # وبقيت في خلف يزين بعضهم ... بعضا ليدفع معور عن معور # ولطفيل بن أسود المحاربي: # أشاقك ربع بالستار قديم ... أقام وما من حل فيه مقيم # لإقحاط أعوام كأن وليدها ... وإن كان حي الوالدين يتيم # قال آخر: # أخ بيني وبين الدهر ... صاحب أينا غلبا # صديقي ما استقام فإن ... نبا دهر علي نبا # وثبت على الزمان به ... فعاد به وقد وثبا # ولو عاد الزمان أخا ... لعاد به أخا حدبا # قال ابن طوعة الفزاري: # فلو ms357 أن قومي أكرموني وأتأقوا ... سجالا بها أسقي الذين أساجل # كففت الأذى ما عشت عن حلمائهم ... وناضلت عن أحسابهم من يناضل # ولكن قومي عزهم سفهاؤهم ... عن الأمر حتى ليس للأمر حامل # تظوهر بالعدوان واختيل بالغنى ... وشورك في الرأي الرجال الأماثل # قال آخر: # إني ابتليت بمعشر ... نوكى أخفهم ثقيل # قوم إذا جالستهم ... صدئت لقربهم العقول # قوم حضور غيب الأذ ... هان ليس لها قبول # لا يفهمون حديثهم ... ويحل عنهم ما أقول # فهم كثير بي وأع ... لم أنني بهم قليل # قال عمرو بن قميئة: # رمتني بنات الدهر من حيث لا أرى ... فكيف بمن يرمى وليس يرام # فلو أنها نبل إذا لاتقيتها ... ولكنما أرمى بغير سهام # وأفنى وما أفني من الدهر ليلة ... ولم يغن ما أفنيت سلك نظام # وأهلكني تأميل يوم وليلة ... وتأميل عام بعد ذاك وعام # وللبحتري: # لنا في كل يوم أصدقاء ... تعود عدى وحالات تجول # وما فقد الجميل لقرب عهد ... فيسأل عنه بل نسي الجميل # ولإبراهيم بن العباس: # وكنت أخي بإخاء الزما ... ن فلما نبا صرت حربا عوانا # وكنت أعدك للنائبا ... ت فقد صرت أطلب منه الأمانا # وكنت أذم إليك الزما ... ن فقد صرت أحمد فيك الزمانا # وقال إبراهيم بن العباس أيضا: # أخ كنت أوى منه عند ادكاره ... إلى ظل أيام من العز باذخ # جرت نوب الأيام بيني وبينه ... فأقلعن منا عن ظلوم وصارخ # فإني وإعدادي لدهري محمدا ... كملتمس إطفاء نار بنافخ # وذكر لنا عن نعيم بن حماد أنه قال: بلغنا أن سهما وجد على عهد تبع ملقى ~~في واد مكتوب عليه بيتان من شعر، فترجم فإذا هو: # ألا هل إلى أبيات شيخ بذي اللوى ... لوى الرمل فاصدقني النفوس تعاد # بلاد بها كنا وكنا نحلها ... إذا الناس ناس والبلاد بلاد # قال فنظرنا، فإذا السهم منذ سقط إلى أن وجد ألف عام. # قال إبراهيم بن العباس: # نعم الزمان زماني ... الشأن في الخلان # ممن رماني لما ... رأى الزمان رماني # ومن ذخرت لنفسي ... فعاد ذخر الزمان # وقيل لي خذ أمانا ... من أعظم الحدثان # لما التمست أمانا ms358 ... إلا من الإخوان # وأنشدنا أبو طاهر الدمشقي: # إذا مجلس الأنصار خف من أهله ... وأقفر من أهل الصفاء المثلم # فما الناس بالناس الذين عهدتهم ... ولا الدار بالدار التي كنت تعلم # ولآخر: # جرت رحم بيني وبين منازل ... سواء كما يستنزل الدين طالبه PageV01P219 ~~فربيته حتى إذا كان شيظما ... يكاد يساوي غارب الفحل غاربه # تعمد حقي ظالما ولوى يدي ... لوى يده الله الذي هو غالبه # قال علي بن جبلة: # جمعت له جمع امرئ ذي مودة ... وحطت عليه الود من كل جانب # وأصفيته مني هوى لا يشوبه ... خلاف ولا يبليه طول التجارب # فلما زهاه الفضل وامتد شأوه ... وأصبح في الإخوان جم ...... # رماني بسهم كنت قبل أريشه ... وودع مني صاحبا أي صاحب # قال أبو هشام: # لولا القديم وحرمة مرعية ... لقطعت ما بيني وبين هشام # لا حرمة الأدب القديم يصونها ... وأراه يدفع حرمة الإسلام # فكأنما كانت مودتنا له ... وإخاؤنا حلما من الأحلام # قال آخر: # تعالى الله ما قرب ... بعض الناس من بعض # قال آخر: # هموم أناس في أمور كثيرة ... وهمي من الدنيا خليل مساعد # نكون كروح بين جسمين فرقا ... فجسما هما جسمان والروح واحد # وقال آخر: # رب قد ملني من كنت أحسبه ... إن مت مات معي صبرا وإسعادا # فراحة بخلاص أو بعاجلة ... من المنايا نغير العمر إنفادا # أنشدني أحمد بن أبي طاهر: # وصديق لا عيب فيه إذا ... فتش إلا اغتيابه للصديق # إن يلاحظك فالشفيق وإن ... غبت فسبع عليك غير شفيق # قال آخر: # يا صاح في قلبه البغضاء راكدة ... فالنفس تكتمها والعين تبديها # والعين تعرف في عيني محدثها ... إن كان من حزبها أو من أعاديها # قال آخر: # إني وإن بني بكر على خلق ... عما قليل أراه سوف ينكشف # يزملون جنين الضغن بينهم ... والضغن أشوه أو في وجهه كلف # إن كاتموا بالقلى عمت عيونهم ... والعين تظهر ما في القلب أو تصف # قال آخر: # تخذتكم درعا وترسا لتدفعوا ... نبال العدى عني فكنتم نصالها # وقد كنت أرجو منكم خير ناصر ... على حين خذلان اليمين شمالها # فإن أنتم لم تحفظوا لمودتي ... ذماما ms359 فكونوا لا عليها ولا لها # قفوا وقفة المعذور عني بمعزل ... وخلوا نبالي والعدى ونبالها # قال آخر: # ألا أيها الدهر الذي قد مللته ... لتخليطه هلا مللت حياتي # فقد وجلال الله حييت دائبا ... إلي على حب الحياة وفاتي # قال آخر: # كسالى إذا لاقيتهم غير منطق ... يعل بها المحزون وهو عناء # وإني لأرجوكم على بطئ سعيكم ... كما في بطون الحاملات رجاء # أخبر من لاقيت إن قد وفيتم ... ولو شئت قال المخبرون أساءوا # فهلا سعيتم أسرة مازن ... وهل كل حي في الوفاء سواء # قال آخر: # من الأخلاء من أمست مودته ... مع الزمان إذا ما خاف أو عتبا # إذا وترت امرءا فاحذر عداوته ... من يزرع الشوك لا يحصد به عنبا # قال آخر: # وموارب يخفي ضغائنه ... حسن الثياب وعرضه خلق # فتوق خلة كل ذي ملق ... متلون وانظر بمن تثق # قال آخر: # لكل امرئ شكل من الناس مثله ... فأكثرهم شكلا أقلهم عقلا # وكل أناس آلفون لشكلهم ... فأكثرهم عقلا أقلهم شكلا # لأن الكثير العقل ليس بواحد ... له في شريح حين تعقده عدلا # وكل سفيه طائش إن فقدته ... وجدت له في كل ناحية مثلا # قال آخر: # وصاحب كان لي وكنت له ... أشفق من والد على ولد # كنا كساق سعت بنا قدم ... أو كذراع نيطت إلى عضد # حتى إذا استرفدت يدي يده ... كنت كمسترفد يد الأسد # قال آخر: # فأنت أخي ما لم تكن لي حاجة ... فإن أعرضت أيقنت أن لا أخا ليا # فلا زاد ما بيني وبينك بعدما ... عرفتك في الحاجات إلا تنائيا # فعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عيب السخط تبدي المساويا ~~PageV01P220 وهذا لعمري من أحسن الكلام لفظا وأجوده معنى، وأنه لسهل المأخذ ~~قريب من الحق وقد ذكرنا في هذا الباب والذي قبله من مدح الزمان، وذمه، ~~ومساوئ الإخوان ومحاسنهم، ومن وصف وفائهم وتغيرهم ما يدل ذوي الخواطر ~~الصحيحة على أن الفريقين جميعا معا غير مصيبين للحقيقة إذ الزمان لم يعر من ~~سداد وفساد، ولم يخل من أهل وفاء ورعاية، ومن أهل غدر وخيانة. فمن سامحه ~~الزمان بما ms360 يهواه ويثبت له الإخوان على الخلق الذي يرضاه، مدح زمانه، وحمد ~~إخوانه. ومن جرى عليه الأمر بخلاف ذلك، صرف الأمر فيه إلى فساد الزمان، ~~وغدر الإخوان، على أن منهم من يذم إخوانه، ويعذر زمانه. ألم تسمع الذي ~~يقول: # أرى حللا تصان على رجال ... وأعراضا تهان فلا تصان # يقولون الزمان به فساد ... وهم فسدوا وما فسد الزمان # قال آخر: # إن الجديدين في طول اختلافهما ... لا يفسدان ولكن يفسد الناس # فلا يغرنك أضغان مزملة ... قد يضرب الدبر الرامي بإحلاس # من يفعل الخير لا يعدم جوازيه ... لا يذهب العرف بين الله والناس # وأنصف من هؤلاء كلهم الذي يقول: # وأعيب العيب بعد الشرك تعرفه ... في كل نفس عماها عن مساويها # عرفانها بعيوب الناس تبصره ... فيهم وليس ترى العيب الذي فيها # يا عائب الناس قد أصبحت متهما ... إذ عبت منهم أمورا أنت آتيها # كالملبس الناس من عري وعورته ... للناس بادية ما إن يواريها # الباب السادس والثمانون # ذكر # من ارتجل شعرا # لم يقدم له قبل ذلك فكرا # حدثنا أبو العباس أحمد بن يحيى قال: حدثني عبد الله بن شبيب قال: حدثني ~~حفص بن الأروع الطائي قال: كنت أسير في بلاط طي، فرأيت جارية تسوق أعنزا ~~لها فقلت: يا جارية، أي البلاد أحب إليك، فقالت: # أحب بلاد الله ما بين منعج ... إلي وسلمى أن يصوب سحابها # بلاد بها حل الشباب تمائمي ... وأطيب أرض مس جلدي ترابها # وأنشدتني أم الجحاف الطائية ببلاط طي: # بلاد بها أدركت جدي ووالدي ... وأطيب أرض مس جلدي ترابها # وذكر أن جميلا وكثيرا وعمر بن أبي ربيعة اجتمعوا يوما عند عبد الملك ابن ~~مروان، فأوقرت ناقة ورقاء، ثم قال: ليقل كل واحد منكم أبياتا في الغزل، ~~فأيكم كان قوله أحسن فهي له، قال جميل: # حلفت يمينا يا بثينة صادقا ... فإن كنت فيها كاذبا فعميت # حلفت لها والبدن تدمى نحورها ... لقد شقيت نفسي بها وعنيت # ولو أن جلدا غير جلدك مسني ... وباشرني تحت اللحاف شريت # ولو أن داعي الموت يدعو جنازتي ... بمنطقكم في الناطقين حييت ms361 # وقال كثير: # بأبي وأمي أنت من معشوقة ... فطن العدو لها فغير حالها # وسعى إلي بعيب غرة نسوة ... جعل الإله خدودهن نعالها # ولو أن عزة خاصمت شمس الضحى ... في الحسن عند موفق لقضى لها # وقال عمر بن أبي ربيعة: # ألا ليت أني حين تدنو جنازتي ... شممت الذي ما بين عينيك والفم # وليت طهوري كان ريقك كله ... وليت حنوطي من مشاشك والدم # وليت سليمى في المنام ضجيعتي ... أعانقها في جنة أو جهنم # فقال عبد الملك: يا صاحب جهنم دونك الناقة بما عليها، وذكروا أن عبد ~~الملك ابن مروان جمع بين جرير والفرزدق، وأمر بناقة فأوقرت، وقال: أيكما ~~أقام الناقة ببيت من شعر فهي له. فقال الفرزدق: # أنيخها ما بدا لي ثم أبعثها ... كأنها نقنق يهوى بصحراء # فلم تقم الناقة فقال جرير: # أنيخها ما بدا لي ثم أبعثها ... ترخي المشافر واللحيين إرخاء # وزجر الناقة بآخر البيت، فوثبت، فدفعها عبد الملك إليه. # واجتمعا أيضا فقال جرير: # أنا القطران والشعراء جربى ... وفي القطران للجرب الشفاء # فقال الفرزدق: # فإن تك أنت قطرانا فإني ... أنا الطاعون ليس له دواء # فقال جرير: # أنا الموت الذي لا بد منه ... وليس لهارب منه نجاء PageV01P221 وحدثني ~~أبو طالب الدمشقي بإسناد ذكره: أن الفرزدق وجريرا اصطحبا، فعطف جرير ناقته ~~ليبول، وتخلف، وحنت ناقة الفرزدق فقال: # علام تلفتين وأنت تحتي ... وخير الناس كلهم أمامي # متى تأتي الرصافة تستريحي ... من الأدلاج والدبر الدوامي # ثم قال: كأنك يا ابن المراغة قد تسمع بهذين البيتين فقال: # تلفت إنها من تحت قين ... برأس الكير والفأس الكهام # متى تأتي الرصافة تخز فيها ... كخزيك في المواسم كل عام # فلحقهم جرير فقال: الروية يا أبا حرزة، ما سمعت ما قال أخوك أبو فراس ~~فأنشده البيتين، فأطرق جرير ثم جاء بالبيتين فقال راويتهما لعنكما الله من ~~شيطانين يعلم كل واحد منكما ما في نفس صاحبه. # وبلغني أن الفرزدق مر وهو شارب بامرأة فتعقل في سراويله، فالتفتت المرأة ~~إلى أخرى فقالت: انظري هذا الشيخ، كيف يتعقل في سراويله، فالتفت إليهما ~~فقال: # وأنت ms362 لو باكرت مشمولة ... صهباء مثل الفرس الأشقر # رحت وفي رجليك عقالة ... وقد بدا هنك من المئزر # وبلغني عن بعض أهل الأدب أنه قال: كنت عند عمارة، فدخل ابن عتبة فقال: ~~ألا أعجبكم، قلنا: بلى، قال: أنه مرت بي الساعة امرأة وكانت منتقبة، فلما ~~دنت مني حدرت خمارها لأنظر إليها فرأيتها فاستبشعت خلقتها، فقطبت وجهي ~~فقالت: يا شيخ، ألا يعجبك الملاح، قلت: بلى، ثم قلت: # ويعجبني الملاح وكل دل ... ولكن لا أراك من الملاح # ولكن المليحة مثل بدر ... إذا سفرت وأنت من القباح # فخجلت وانصرفت. وذكر أن الحجاج جلس للمعزين لما مات ابنه وأخوه، وكان بين ~~موتهما جمعة، ووضع بين يديه مرآة، وولى الناس ظهره، وقعد في مجلسه فكان ~~ينظر إلى ما يصنعون، فدخل الفرزدق، فلما نظر إلى فعل الحجاج ضحك، فلما رأى ~~الحجاج ذلك منه، قال: أتضحك، وقد هلك المحمدان، فأنشأ الفرزدق يقول: # لئن جزع الحجاج ما من مصيبة ... تكون لمحزون أجل وأوجعا # من المصطفى والمصطفى من خيارهم ... خليله إذ باتا جميعا فودعا # أخا كان أغنى أعين الأرض كلها ... وأغنى ابنه أهل العراقين أجمعا # جناحا عقاب فارقاه كلاهما ... ولو نزعا من غيره لتضعضعا # سميا نبي الله سماهما به ... أب لم يكن عند النوائب أخضعا # قال إسحاق الموصلي: كان قتادة بن معرب اليشكري وزياد الأعجم عند المغيرة ~~بن المهلب، فتهاجيا، فأمر المغيرة فوجي عنق قتادة ومزقت عليه ثيابه: # لعمرك ما الديباج خرقت وحده ... ولكنما خرقت جلد المهلب # فما شان عرض المرء غير قصيدة ... يسار بها في كل شرق ومغرب # وإن يدي رهن لكم بقصيدة ... تكون عليكم كالحريق المهلب # وكان عبد الله بن العباس يمر في بعض الطريق وهو معتمد على بعض ولده فلقيه ~~قوم فلحظوه فأنشأ ابنه يقول: # نظروا إليك بأعين محمرة ... نظر التيوس إلى شفار الجازر # خزر العيون منكسي أبصارهم ... نظر الذليل إلى العزيز القاهر # أحياؤهم عار على موتاهم ... والميتون فضيحة للغابر # وبلغني عن عنان جارية الناطفي أن مولاها ضربها فبكت، وحضرها بعض الشعراء ~~فقال: # بكت عنان فجرى دمعها ... كلؤلؤ ms363 ينسل من خيطه # فقالت من وقتها: # كذاك من يضربها ظالما ... تجف يمناه على سوطه # وحدثني محمد بن الخطاب الكلابي، قال: حدثت عن إسحاق بن إبراهيم الموصلي ~~قال: قدم علينا أعرابي فجالسناه فقال: دعا القتال الكلابي رجل يدعى أبا ~~سفيان إلى وليمة فانتظره من غده فلم يأت رسوله فأنشأ القتال يقول: # وإن أبا سفيان ليس بمولم ... بخير فهابي فقرة من حوارك # قال فقلت: أتحب أن أزيدك بيتا، قال: نعم، فأنشدته: # فبيتك خير من بيوت كثيرة ... وقدرك خير من وليمة جارك # فقال الأعرابي: والله لقد أتيت بها بعد ما تعرف الورد، وأنك لمن طراز ما ~~رأيت بالعراق مثله، وما يلام الملوك على اصطفائهم لك، وإدنائهم إياك، ولو ~~كان الشباب يشترى لاشتريته لك بثمن. PageV01P222 وقف أعرابي على الحسين بن ~~علي رضوان الله عليه في المسجد الحرام وحوله حلقة فقال لبعض جلسائه: من هذا ~~الرجل، فقال: الحسين بن علي، فقال إياه أردت، فقال: وما تصنع به يا أعرابي ~~فقال: بلغني أنهم أهل بيت حكمة، وأنهم يتكلمون فيعربون في كلامهم وإني قد ~~قطعت بوادي وقفارا، وأودية، وجئت لأطارحه الكلام، وأسأله عن عويص العربية ~~فقال له: إن كنت جئت لهذا فابدأ بذلك الشاب، وأومأ بيده إلى الحسين بن علي، ~~فوقف عليه الأعرابي، فسلم، فرد السلام ثم قال: ما حاجتك يا أعرابي، فقال: ~~إني قد جئتك من الهرقل والجعلل والأيتم والهيهم فتبسم الحسين وقال: يا ~~أعرابي لقد تكلمت بكلام لا يعقله إلا العالمون. قال الأعرابي: وأقول أكثر ~~من هذا فهل أنت مجيبي على قدر ذلك فقال الحسين: قل ما شئت، فإني مجيبك عنه، ~~فقال الأعرابي: أنا بدوي، وأكثر مقالاتي الشعر، وهو ديوان العرب، فقال له ~~الحسين: قل ما شئت فإني مجيبك عنه فأنشأ الأعرابي يقول: # هفا قلبي للهو ... وقد ودع شرخيه # وقد كان أنيق ال ... غصن جراري ذيليه # علالات ولذات ... فيا سقيا لعصريه # فلما عمم الشيب ... من الرأس بطاقيه # وأمسي قد عنا ... ني منذ تجداد خضابيه # تسليت عن اللهو ... وألقيت بعاعيه # وفي الدهر أعاجيب ... لمن يلبس حاليه ms364 # فلم يعلم ذوو رأي ... أصيل فيه رأييه # لألفى عبرة منه ... له في كر يوميه # فقال الحسين: قد قلت فأحسنت، فاسمع مني فقال: # فما ربع شجاني ق ... د محا آيات رسميه # ومور حرجف تترى ... على تلبيد نؤييه # رأى مثعنجر الود ... ق يجود من خلاليه # وقد أحمد برقاه ... فلا ذم لرعديه # وقد جلجل رعداه ... فلا ذم لبرقيه # ثجيج الرعد ثجاج ... إذا أرخى نطاقيه # فأضحى دارسا قفرا ... ليبنونة أهليه # فقال الأعرابي: تالله ما رأيت كاليوم مثل هذا الغلام، وأغرب منه كلاما، ~~ولا أذرب منه لسانا، ولا أفصح منه منطقا، فالتفت إليه الحسين فقال: يا ~~أعرابي: # هذا غلام كرم الرح ... من بالتطهير جديه # كساه القمر القمقام ... من نور سنائيه # ولو أعذر طماح ... فضحنا عن عذاريه # وقد أرضيت عن شعري ... وقومت عروضيه # فقال الأعرابي: بارك الله فيكما، فوالله لقد أتيتكما وأنا مبغض لكما، ~~وانصرفت وأنا محب لكما، راض عنكما، فجزاكما الله عني خيرا ثم انصرف. # وبلغني أن الحارث بن حلزة اليشكري اعتمد على سية قوسه حتى نفذت في كفه، ~~وهو لا يشعر بذلك، لاشتغال فكره، حتى فرغ من ارتجال القصيدة التي يقول ~~فيها: # آذنتنا ببينها أسماء ... رب ثاو يمل منه الثواء # بعد عهد لها ببرقة شما ... ء فأدنى ديارها الخلصاء # لا أرى من عهدت فيها فأبكي ... أهل ودي وما يرد البكاء # أوقدت نارها بجنبي حر ... ورات فأيهات منها الصباء # غير أني قد أستعين على ال ... هم إذا خف بالثوي النجاء # وتعاليت فاستعنت بجلمود أم ... ور فيها لناج نجاء # أتلاقي بها الهواجر إذ ك ... ل ابن هم بلية عمياء # وفعلنا بكم كما قدر الله ... وما أن للحائنين دماء # وزعمتم أن كل من ضرب ال ... عير موال لها وأنى الولاء # مثلهم يخرج الجموع من ال ... غلاق لا رأفة ولا إبقاء # وثمانون من تميم بأيديهم ... رماح صدورهن القضاء # لا يقيم العزيز بالبلد السوء ... ولا ينفع الخلي الخلاء # جمعوا أمرهم بليل فلما ... أصبحوا أصبحت لهو غوغاء # فحملناهم بطعن كما تنهز ... في جمة الطوي الدلاء # وثنيناهم بضرب كما يخرج ... من ms365 خربة المزاد الماء # ورقدنا ببيت غسان فالمنذر ... كرها إذ لا تكال الدماء # مثلهم تخرج النصيحة لل ... قوم فلاة من دونها أفلاء # إذ رفعنا الجمال من سعف البحر ... ين سيرا حتى تناهى القضاء # وهزمنا جموع أم قطام ... وله فارسية خضراء PageV01P223 ثم ملنا على تميم ~~فأحرمنا ... وفينا من كل حي إماء # وأكلنا بذلك الناس حتى ... ملك المنذر بن ماء السماء # ملك أضلع البرية ما يو ... جد فيه لما لديه كفاء # أيها الشانئ المرقش عنا ... عند عمرو فما له إبقاء # لا تهنا بما فرشت فإنا ... طال ما قد وشى بنا الأعداء # فبقينا على الشناءة تنمي ... نا حدود أعزة قعساء # في أبيات عدة من هذه القصيدة فيها تمام الباب، تركناها لشهرتها. # وهذه القصيدة وإن كانت من السبع الجارية على ألسن الصبيان والمبتدئين، ~~فلم يمنع ذلك من ذكرنا للأدباء والمتأدبين، وإنما غرضنا من هذا الباب أن ~~نذكر ما ارتجل من الأشعار التي لم تجر رياضتها في الادكار، فإذا أضربنا عن ~~ذكرها، وهي من خير ما ذكرناه، كان غلطا في التأليف، وهجنة على صاحب ~~التصنيف، وعلى أنا لم نرسم منها إلا قليلا من كثير، ولم ندع ما تركناه منها ~~رغبة عنها، غير أن الباب لا يسعه. ولعلي بن جبلة قصيدة ارتجلها بحضرة أبي ~~دلف من وقته، وذلك أنه دخل عليه في الشعراء، ولم يكن أعد له من نحو ما ~~أعدوه، وهي التي يقول فيها: # ريعت لمنشور على مفرقة ... ذم لها عهد الصبا حين انتسب # أشرقن في أسود أزرين به ... كان دجاه لهوى البيض سبب # فنازل لم يبتهج بقربه ... وذاهب ألقى جوى حين ذهب # كان الشباب لمة أبهى بها ... وصاحبا حرا عزيز المصطحب # إذ أنا أجري سادرا في غيه ... لا أعتب الدهر إذا الدهر عتب # أبعد شأو اللهو في أترابه ... وأقصد الخود وراء المحتجب # ثم انقضى ذاك كأن لم تغنه ... وكل مغنى فإلى يوم عطب # فحمل الدهر ابن عيسى قاسما ... ينهض به أبلج فراج الكرب # تكاد تبدي الأرض ما تضمره ... إذا تداعت خيله هلا وهب # ويستهل أملا ms366 وخيفة ... بينهما إذا استهل أو خطب # يا زهرة الدنيا ويا باب الندى ... ويا مجير الرعب من يوم الرهب # خذها امتحانا من مليء بالثنا ... لكنه غير مليء بالنشب # وفي هذه القصيدة أبيات في وصف الفرس مقدمة على أكثر ما في نحوها، وقد ~~ذكرناها في بابها، فكرهنا إعادتها. وعلي بن جبلة هذا هو المعروف بالعكوك، ~~وهو جيد الذكر، مستعذب الشعر، حسن البديهة والروية. # وبلغني أن أبا دلف قال له: إنما تحسن أن تمدح، ولا تحسن أن تهجو. فقال ~~له: الهجاء هدم، والمدح بناء، ومن يحسن البناء، يحسن الهدم، فلم يقبل ~~القاسم ذلك منه فقال: # أبا دلف يا أكذب الناس كلهم ... سواي فإني في مديحك أكذب # فقال له: ويلك، أسمع هذا منك، قال: لا، قال: فلا تسمعه أحدا. # الباب السابع والثمانون # ذكر # الشعر الذي يستظرف لخروجه عن حد ما يعرف # هذا شعر لا يعجم منه شيء البتة. # احمد إلهك واعلم ما دعاك له ... وسارع الدهر واعمل أو دع العملا # المرء للأمل الممدود مأكله ... والله مد لأهل المدة الأملا # عد العداوة للإسلام وارم له ... دار المهالك واعمد معمدا سهلا # واعدل لدى الحكم عدلا لا مرد له ... ودم دوام هداة كلهم عدلا # ومثله: # أسل هما وأحمد الله ودع ... كل ما أورد هما وأرح # ودع الحرص لأهل الحرص لا ... عد للحرص ولا أهل المرح # وعدو عاد سلما مصلحا ... صل ودع ما كر دهر أو رمح # واسمح الدهر واكرم مسلما ... حصل السر له كل المدح # طمع المرء حمام مهلك ... كلما أطعمه أمر ألح # أصلح الله لك المال من ال ... حال ما أصلحه الله صلح # ومثله: # ارع الوداد لأهل ودك كلهم ... وأودهم رأس الصلاح محدد # واحمل لأهل الود كل ملمة ... واعمل كما عمل الودود الأسعد # والله مورد ما أراد محله ... ملك له كرم العلا والسؤدد # ملك هو المحمود طهر ملكه ... كرم وحلم وهو عال أوحد # ولبعض أهل هذا العصر: # لو سامح الدهر أو لو ساعد العمر ... لم أرع عهدا سواك الدهر يا عمر ~~PageV01P224 أصدر هموما أطال الورد موردها ms367 ... لولا مواردها لم أدر ما ~~السهر # وهذا شعر يعجم كله: # غشيت جفني قذى في بيت ضيف بني ... شيخ فشيبني تشبيب نبتين # يشفني بين ظبي ينثني غنجا ... غذى بخفض غذى تفنين شيخين # ظبي غضيض نظيف ينثني خنث ... يفتن في جبتي خز بخفين # ومثله: # خضبت شيبي بشب ... في بيت بنت شبيب # وزينتني غضيض ... بثني خز قشيب # ومثله: # في بيت ذي نشب فتنت بزينب ... فبقيت في شغف فضنت زينب # زينب بذي شنب يضيء فشفني ... فجننت في شغفي فزينب تغضب # وهذا شعر تعجم صدور أبياته، ولا تعجم أعجازها: # يبيتني في شغف شفني ... صدوده أحور حلو الكلام # تبيت في بث شجى تبتغي ... مرام وصل ساهر للمرام # ضنت بشيئين ببين شجى ... وهامل سح كسح الرهام # بين خفي قذفت زينب ... أسرارها ما صاح داع حمام # وهذا شعر تعجم منه كلمة ولا تعجم منه كلمة: # ظبي له غنج ودل شجى ... مطوح بين هموم تشيب # يبيت معمودا ببث له ... في الصدر تشفيف وهم يذيب # تضيفت رحلك في مدرع ... ثني ومرط ذي احمرار قشيب # فبت مسرورا بضيف له ... غنج وملح ذي دلال خضيب # وهذا شعر يعجم منه حرف ولا يعجم منه حرف: # ريم يميس شويدن ... ليلي إذا يدنو قصير # قد زانه ضعف أخل به ... فليس به نكير # ومثله: # قد فاز عندي رجل قد يرى ... دجاجة يا فوز مشويه # ومثله: # يهيم بقلبك شوق سنح ... فلج لشوقك غرب سفح # وهذا شعر يعجم منه حرفان، ولا يعجم منه حرفان: # مر زيد وغزال بي إلى شهرين مر ... فتعرفناه فيما يزدرينا من خطر # وهذا شعر تعجم منه ثلاثة أحرف ولا تعجم منه ثلاثة أحرف: # ما رزينا كعب شيئا كان في ... دار زنباع اختيار ويقف # وهذا شعر أوائل أبياته مثل قوافيه منقلبة: # راز بالهجران صبري ... ظالما بالهجر زار # راع قلبي فهو ساه ... من رداء الحب عار # راش بالهجران نبلا ... فرماني حين شار # راح باللوم فقلنا ... بعض هذا اللوم حار # وهذا شعر يقرأ من أوله إلى آخره، ومن آخره إلى أوله: # أراهن نادمنه ليل لهو ... وهل ليلهن ms368 مدان نهارا # ومثله: # هارون حمال لأعبائه ... هياب عال لامح نوره # وهذا بيت قد جمع الحروف كلها: # صف خلق خود كمثل الشمس إذ بزغت ... يحظى الضجيع بها نجلاء معطار # ومثله: # هلا سكنت بذي ضغث فقد رغموا ... شخصت تطلب ظبيا راح مجتازا # ومثله: # اصبر على حفظ خضر واستشر فطنا ... وزج همك في بغداذ منثملا # وهذا شعر ليس فيه حرف منفرد: # كنت في مجلس عيش ... منعم ثم مقيم # فيه قصف معجب ... ثم بخفض ابن حكيم # وفيما ليس منه حرف موصول لبعض أهل هذا العصر: # أزور زرزورا زوارا ورد ... زورا وزرزورا إذا سارا # أراد زادا وأرى زاده ... أراده داود إذا زارا # دع زورة إن زرت زارت إذا ... واردع إذا أزرت إزرارا # هذا شعر إن شئت جعلته قصيدة، وإن شئت جعلته ثلاث قصائد: # يا فتى الجود والندا ... يا عمادي يا ابن ليث يا ذا الجناب المريع # أنجزن منك موعدا ... لا تكن صاحب ريث فداك كل الجميع # ولقد قال لي الندا ... أنت يا ذا الجود غيث معا لحسن الصنيع # اعتمد لي محمدا ... حين تكدي كل غيث أعنيك يا ابن الربيع # وهذا شعر مضمن بعضه ببعض وإن أدرجته كان كلاما: # يا ذا الذي في الحب يلحى أما ... والله لو حملت منه كما # حملت من حب رخيم لما ... لمت على الحب فدعني وما # أطلب أني لست أدري لما ... قتلت إلا أنني بينما # أنا ببعض القصر في بعض ما ... أطلب في قصرهم إذ رمى # قلبي غزال بسهام فما ... أخطأ بالسهم ولكنما PageV01P225 عيناه سهمان له ~~كلما ... أراد قتلي بهما تسلما # وهذه أبيات تصلح أن تكون كل كلمة منها متقدمة لصواحبها، وهذا مثالها: # على الفضل من الجود علامات مبينات # مبينات علامات من الجود على الفضل # من الجود على الفضل مبينات علامات # علامات مبينات على الفضل من الجود # بسعود لا بنحس خير طير ليزيد # خير طير ليزيد بسعود لا بنحس # لا بنحس خير طير ليزيد بسعود # ليزيد بسعود لا بنحس خير طير # وكتب بعض أهل هذا العصر إلى أخ له رسالة في ms369 حشو كلامها بيتين من شعر قد ~~بينا حروف الشعر ليسهل استخراجه: بسم الله الرحمن الرحيم أطال الله بقاك ~~وأدام عزك ونعماك وجعلني من المحذور دونك يا سيدي جعلت فداك لا ترضى لأخيك ~~بل لعبدك أن يبقى أبدا على حال قد أيست منه أولياءه وأشمت به أعداءه. وبعد ~~ذا فأنا معترف بذنبي وحق مؤثر الإقرار على الإنكار، وأن لا يعاقب لذنب ~~جناه، ولو عرفت ما تنكره لم أعذر والله ما تأمره في كلما يعود علي ضرره ~~فضلا عما يعود علي نفعه، فقد برح والله بي هجرك، وأنا لا أكون لعفوك أهلا ~~لكثرة جناياتي، فأضفه إلى قديم صفحك عن إساءتي هذا نالني على أني والله ما ~~أسخطك قط إلا مبتغيا رضاك ولا أظهرت الجفاء إلا وأنا ملتمس منه موافقة ~~هواك، وقد أزال إعراضك اصطباري، وأفنى تجنبك اعتذاري، فلا ضرر الآن عما ~~كان، فقد - وعزيز حياتك - عيل والصبر، فما لفظي إلا بذكرك، ولا أجزع إلا من ~~هجرك، فانظر لعبدك الصبر والجلدا، ضعف من أن يقوم بجفائك أو يعتاض بها ~~وصلك. فاصفح جعلت فداك عن عبدك، فإنه أولى بك والسلام. # وهذا شعر فيه اسم يستخرج من أوائل الأبيات: # آه من البارق الذي لمعا ... لم يدر ماذا بمهجتي صنعا # حكم فيها البلى فها أنذا ... مكتئب ما أفارق الجزعا # مذ لاح لي في السحاب أذكرني ... توريد خد من الجبا لمعا # دل على كنهه كذي فطن ... تفريقه فانتهره مجتمعا # وقال: # فآخر الترس له أول ... وثالث الدرع له آخر # وخامس الساعد ثان له ... ورابع السيف له دابر # وهذا بيت فيه أحد عشر صادا: # صاف الصديق وأصفه صفو الصفا ... واخصص صديقك بالصداقة تخصص # وهذا بيت فيه إحدى عشرة حاء: # تنحنح روح حين حاد بحاجب ... وزحزح روح حاجيا فتزحزحا # وبلغني أن رجلا أنشد الرياشي أو غيره: # ما للنوى جد النوى قطع النوى ... بالبين بين ميامني وشمالي # فقال: هو لعمري بيت حسن، غير أنه لو طرح بين يدي الشاة لأكلته، لأن فيه ~~كيلجة نوى. # وهذه أبيات مرجعة: # يا بدني للفراق مت ms370 كمدا ... مت كمدا للفراق يا بدني # فارقني من هويت واحزنا ... واحزنا من هويت فارقني # كلمني بالشهيق من جزع ... من جزع بالشهيق كلمني # عانقني كالقضيب معتدلا ... معتدلا كالقضيب عانقني # تتركني كالغريب يا سكني ... يا سكني كالغريب تتركني # يحفظني الله فيك قلت له ... قلت له الله فيك يحفظني # وبلغني أن محمدا بن زبيدة قال لأبي نواس: قد أكثرت علي وأنا ملق عليك ~~شيئا، فنفيت من هارون، لئن لم تجزه لأقتلنك وأستريح.. قال: وما هو يا أمير ~~المؤمنين، قال: قل شعرا بلا قافية فقال: # ولقد قلت للمليحة قولي ... من بعيد لمن يحبك مه حكاية قبله # فأشارت بمعصم ثم قالت ... من بعيد خلاف قولي ماه حكاية لا # فتنفست ساعة ثم إني ... قلت للبغل عند ذلك راه حكاية عد # وهذا شعر فيه بالزنجية: حدثني أبو الحسن محمد بن الخطاب الكلابي، عن محمد ~~بن مزرع البصري، قال: مررت ببطن مكة، ومعي صاحب لي، فرأيت على ركية ينشد ~~شعرا بعضه أعجمي، وبعضه عربي، فقلت: يا أسود ما تقول؟ فأنشد: # ألا يا لائمي في حب ريم ... أفق من بعض لومك لا اهتديتا # أتأمرني بهجري بعض نفسي ... معاذ الله أفعل ما اشتهيتا # أحب لحبها الثقلين طرا ... وبكعة والبلين ودمع ليتا # فكائن والبكان ودوعينا ... وشكعة والندفت وعرريتا PageV01P226 فقلت يا ~~حبشي ما هذه الأسماء، قال: دمن لنا بالحبشة كنا نعتادها لنزهتنا. قال: قلت ~~أحسبك كلفا، قال: نعم، قلت: بمن، قال: بمن إن وقفت رأيته، قال: فطلعت سوداء ~~على عنقها جرة، فمتح لها فيها، وقال: ها هي، قال: قلت: أراك عاقلا فما تصنع ~~ها هنا. قال: أنا وقفت على قبر فلان وقد سماه، وهو يعرف بعض الملوك، أرش ~~عليه الماء، فأنا أبرد من فوق، وربك يسخن من أسفل، أرأيت أحمق من هؤلاء ~~يغالبون ربهم. # وهذا شعر فيه بالفارسية: # وقائل قال لي فأفحمني ... يا هائم القلب ما ترى رشدك # قلبك هذا كم أنت تاركه ... عند الذي ليس قلبه عتدك # يا كور شنيئم وكور دل وشوح ... روي بنا اندكا تدك # وهذا شعر فيه بالرومية ms371 وهو لأبي نواس: # حبذا قولها وقد لحظتني ... من وراء السرير بو سانيس # قلت ما قول أي شيئ ... ين والأعز شك فإنني قاقوسي # فإذا ما فعلت ذاك فعندي ... لقطينا نعم ومليار يس # الباب الثامن والثمانون # ذكر # ما جاء من الأشعار محتملا للهجاء والافتخار # أخبرنا الحارث بن أسامة عن زيد بن هارون قال: أخبرنا عبد الملك بن قدامة ~~قال عمر بن شعيب عن أبيه عن جده قال: كانت أم عبد الله بن عمرو بن العاص ~~وأمه ريطة بنت منبه بن الحجاج وكانت تلطف برسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~فأتاها ذات يوم فقال لها كيف أنت يا أم عبد الله قالت بخير وعبد الله رجل ~~قد ترك الدنيا فقال له أبوه يوم صفين اخرج فقاتل فقال يا أبتي كيف تأمرني ~~أن أخرج فأقاتل وكان من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قد سمعت. ~~فقال: نشدتك الله أتعلم أن آخر ما كان من عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~إليك أخذ بيدك فوضعها في يدي فقال: أطع عمرو بن العاص، قال فإني آمرك أن ~~تقاتل فخرج فقاتل فلما وضعت الحرب أوزارها أنشأ عمرو بن العاص يقول فذكر ~~أبياتا بعدها، وقال عبد الله بن عمر: # ولو شهدت جمل مقامي ومشهدي ... بصفين يوما شاب منها الذوائب # وعشية جا أهل العراق كأنهم ... سحاب ربيع رفعته الجنائب # وجئناهم تردى كأن خيولنا ... من البحر مد موجه متراكب # فدارت رحانا فاستدارت رحاهم ... شداة النهار ما تزل المناكب # إذا قلت قد ولوا سراعا بدت لنا ... كتائب منهم وارجحنت كتائب # فقالوا لنا إنا نرى أن تبايعوا ... عليا فقالوا بل نرى أن نضارب # قال أبو بكر قائل هذا الشعر قد أجاد تأليفه وأحكم ترصيفه غير أنه لم ~~يعلمنا بقوله أقصد إلى ذم أعدائه أم مدحهم وكذلك لم يتبين أمر الضيف الذين ~~هو منهم لأنه لم يحرز ذما ولا مدحا لهم ولغيرهم وقال: # فلم أر حيا صابروا مثل صبرنا ... ولا كافحوا مثل الذين نكافح # إذا شئت لاقاني كمي مدجج ... على ms372 أعوجي بالطعان مسامح # وأقبل صفانا وفي عارضيهما ... جني ترى فيه البروق اللوامح # إذا أقبلوا في السابغات حسبتهم ... سيولا إذا جاشت بهن الأباطح # كأن القنا الخطي فينا وفيهم ... شواطن بئر هيجتها المواتح # وثم فرقنا بالرماح ولم يكن ... هنالك في جمع الفريقين رامح # ودرنا كما دارت على قطبها الرحى ... ودارت على هام الرجال الصفائح # فقلت عيون حين دارت رحاهم ... لما قطرت من خشية الموت طامح # وقال زفر بن الحارث: # وكنا حسبنا كل بيضاء شحمة ... ليالي لاقينا جذام وحميرا # فلما قرعنا النبع بالنبع بعضه ... ببعض أبت عيدانه أن تكسرا # سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ... ولكنهم كانوا على الموت أصبرا # وبلغنا أن الزبرقان بن بدر استعدى عمر بن الخطاب على الحطيئة فقال أنه ~~هجاني. قال وما قال لك؟ قال: قال: # دع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي ~~PageV01P227 قال له عمر: ما ترضى أن تكون طاعما كاسيا. قال له: والله لولا ~~الإسلام لأنكرتني، قال ما أعلمه هجاك ولكن ادع ابن الفريعة بعني حسانا. ~~فلما جاءه حسان قال له عمر أهجاه قال لا يا أمير المؤمنين ولكنه سلح عليه. ~~قال فقال عمر للحطيئة: لأحسبنك أو لتكفن عن أعراض المسلمين قال يا أمير ~~المؤمنين لكل مقام مقال. قال وإنك لتهددني فحبسه فلما حبسه كتب إليه: # ماذا تقول لأفراخ بذي مرخ ... زغب الشوارب لا ماء ولا شجر # ألقيت كاسبهم في قعر مظلمة ... فارحم عليك سلام الله يا عمر # نفسي فداؤك كم بيني وبينهم ... من عرض داوية يعمى بها الخبر # قال: فلما قرأها عمر رق له وخلى سبيله. وبيت الحطيئة وإن كان غيره أشد ~~إيضاحا بالهجاء منه، فإن معه ما يوضح عن مراد صاحبه ويزيل توهم المديح فيه ~~عن سامعه وهو: # ما كان ذنب بغيض لا أبا لكم ... في يابس جاء يحدو آخر الناس # ملوا قراه وهرته كلابهم ... وقطعوه بأنياب وأضراس # لما بدا لي منكم خبث أنفسكم ... ولم يكن لجراحي منكم آسي # أزمعت يأسا مبينا من نوالكم ... ولن ترى طاردا للمرء كالياس # ويرى أن عمر بن الخطاب ms373 رضي الله عنه لما سمع: # وقبيلة لا يغدرون بجارهم ... ولا يظلمون الناس حبة جرول # قال وما تستوي أن ابن الخطاب كذلك فلما سمع: # ولا يردون الماء إلا عشية ... إذا صدروا الوراد عن كل منهل # قال ما أحب كل هذه الذلة، ومع هذين البيتين ما يوضح على أنهما هجاء صحيح ~~غير مشبه بشيء من المديح وهو: # أولئك أخوال اللئيم وأسرة ال ... هجين ورهط الخائن المتبدل # إذا الله عادى أهل لؤم وشرة ... فعادى بني القعقاع رهط ابن مقبل # وقال رجل من بني العنبر: # لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا # إذا لقام بنصري معشر خشن ... عند الحفيظة إن ذو لوثة لانا # قوم إذا الشر أبدى ناجذيه لهم ... طاروا إليه زرافات ووحدانا # لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا # لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا # يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا # كأن ربك لم يخلق بخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا # وقال البحتري: # فضل الخلائف في الخلائف واقف ... في الرتبة العليا وفضلك أفضل # أوفيت عاشرهم فإن يدنوا إلى ... كرم وإحسان فأنت الأول # فهذا إن شاء إنسان يصير به إلى غاية المدح، وإن شاء آخر أن يصرفه إلى ~~غاية الذم، وجد كل امرئ منهم مقالا. أي مدح أبلغ من أن يكون كل ما دين من ~~الخلفاء دون الممدوح بهذا القول. وأي ذنب أوكد حجة على المرء من تشريفه على ~~آبائه وأجداده والأخيار بأنه نجم من بينهم، مخالفا لسؤددهم كما قال ~~لجماعتهم. # وقال آخر: # عادات طي في بني أسد ... ري القنا وخضاب كل حسام # لا تكثري جزعا فإني واثق ... يوم جنا وعواقب الأيام # فمن لم يعرف قبيلة هذا القائل، ومقصده من غير شعره لم يدر أطيئ المهجوون ~~أم هم الممدحون، وذلك الحال في بني أسد أيضا. وقال أبو علي البصير: # لعمر أبيك ما نسب المعلى ... إلى كرم وفي الدنيا كريم # ولكن البلاد إذا ms374 اقشعرت ... وصوح نبتها رعي الهشيم # قال آخر: # رويد بني شيبان بعض وعيدكم ... تلاقوا غدا خيلي على صفوان # تلاقوا جيادا لا تحيد عن الوغى ... إذا الخيل جالت في القنا متدان # تلاقوهم فتعرفوا كيف صبرهم ... إذا ما جنت منه يد الحدثان # مقاديم وصالون في الروع خطوهم ... بكل رقيق الشفرتين يمان # إذا استنجدوا لم يسألوا من دعاهم ... لأية حرب أم بأي مكان # وفي نحو ذلك قال الأخطل لشقيق بن ثور: # خلت الديار فسدت غير مسود ... ومن العناء تفردي بالسؤدد # وقال آخر: PageV01P228 وما جذع سوء خرق السوس جوفه ... لما حملته وائل ~~بمطيق # فقال شقيق: يا أبا مالك: ما تحسن أن تهجو، ولا تمدح، أردت أن تهجوني، ~~فجعلت وائلا كلها تحملني أمرها فسكت. # الباب التاسع والثمانون # ذكر # ما جاء في الشعر من معنى مستور # لا يفهمه سامعه إلا بتفسير. # قال الشاعر: # ومستخذل يدعو الصباح وقد رأى ... عرانين مشهور من الصبح أبلقا # إلى غير هيجا أصبحت غير أنه ... دجا فوقه ليل التمام فأطرقا # وقال آخر: # أبا زرارة لا تبعد فكل فتى ... يوما رهين صفيحات وأعواد # إني وإياكم حتى يصاب به ... منكم ثمانية في ثوب حداد # هذا من الحداد، يقال أحدت المرأة، وحدت المعنى واحد. قال يزيد ابن خذاق: # وإذا أضاء لك الطريق وأنهجت ... منه المسالك والهدى يعدي # أنهجت: بينت. وأنهج الثوب: أخلق، ويعدي: يعين، ومنه أعداني السلطان على ~~فلان، أي أعانني عليه. يقول: أضاء الطريق وبينه لك، يعمل على أمرك، ويدلك ~~على قصدك. # وقال القطامي: # زمان الجاهلية كل حي ... أبونا من فصيلتهم لماعا # لماع: طرائق. الواحد: لمعة. والفصيلة: فخذ الرجل الذي هو منها. وقال جعيل ~~الفهمي الهمداني: # وربعي نحرت على حوار ... بحمد ثلاثة من بعد حين # فراحوا حامدين ورحن بحا ... ولم أحفل بهزهزة الحنين # الربعي: الذي ولدته الناقة في الربيع، وثلاث: يعني نوقا كان يرتضع ولد ~~الناقة منهن وثلاثة أضياف، فراحوا حامدين، وراح النوق بحا من شدة الحنين ~~لفقد ولد الناقة. # وقال آخر: # لما نزلنا حاضر المدينه ... بعد سباق عصبة مبينة # صرنا إلى جارية مكينه ... ذات ms375 سرور عينها سخينه # فباكرتها جفنة بطينه ... لحم جزور عندها سمينه # الجارية: عين ماء تجري، ومكينة من الأرض، ذات سرور: تسر واردها، وسخينة: ~~ماؤها، وسمينة: مسمونة بالسمن. # وقال آخر: # لقد حزمت راحلتي غدوا ... لأحملها وتحملني وزادي # فما عديت دونك عيث واد ... فأخطى في لياليه اعتيادي # حزمت وزممت بمعنى، وراحلته: بغلته، فحملها وتحمله وإياه من موضع قريب فلم ~~يعتد بطول سفره. # وأنشدنا أبو العباس أحمد بن يحيى عن ابن الأعرابي: # ليهنئ تراثي لأمري غير ذلة ... صنابر أحدان لهن حفيف # سريعات موت ريثات إفاقة ... إذا ما حملن حملهن خفيف # قال: أراد سهاما، صنابر: دقاقا، وأحدان: أفراد. سريعات موت: يمتن من رمي ~~بهن، لا يفيق، منهن سريعا، وحملهن خفيف على من يحملهن. # وقال آخر في مثل ذلك: # فما شيء يزيد على ذراع ... له في الرأس أجنحة ثلاث # يطير بها وليس هناك روح ... فتركبه الذكورة والإناث # إذا أرسلته ولى سريعا ... وليس به إذا سقط انبعاث # وقال آخر: # وداوية جرداء جداء خيمت ... بهاء هبوب الصيف من كل جانب # أنخت بها الوجناء من غير فترة ... ليثنين عبدا بين آت وذاهب # جرداء: لا ينبت قمحها، وجداء: لا ماء فيها، والوجناء في قول الأصمعي: ~~الناقة الغليظة شبهت بالوجين، وهو الغليظ من الأرض، وفي قول أبي عمرو، وهي ~~غليظة الوجين لا يثنين ركعتين، وآتين الليل والنهار. # وقال الثمال بن قطيف: # وقد أخرجت من دوركم ذات أعين ... مطوقة الأعناق ملس الحقائب # مخرقة الآذان نهل وجوهها ... حسان المجال لينات المضارب # فروع الشوى صفر الصياصي كأنها ... شيوخ من الأعراب حمر العصائب # يعني الديكة. # وقال آخر: # أبصرت جارية في بطنها رجل ... في فخذه جمل في ظهره قتب # الجارية: السفينة، في بطنها رجل، في فخذه جمل. يعني في قبيلته، في ظهر ~~الجمل قتب. # وقال آخر: # وسرب ملاح قد رأيت وجوهه ... أناث أدانيه ذكورا أواخره # وسرب ملاح: يعني الثغر. وإناث أدانيه: يعني الثنيين والنابين والناجذين ~~مؤنثان: وما خلف ذلك مذكر. # وقال مسكين بن علي الحنظلي: # أصبحت عاذلتي معتلة ... قرمت بل هي وحمى للصخب PageV01P229 أصبحت تتفل في ms376 ~~شحم الذرى ... وتعد اللوم دارا ينتهب # لا تلمها إنها من نسوة ... ملحها موضوعة فوق الركب # الوحمى: التي تشتهي شيئا، فشبه شهوتها للصخب بذلك، وتتفل في شحم الذرى، ~~أي تعود الإبل. وتعد اللوم درا: أي تحرص عليه كما تحرص على نهب الدر، ~~وملحها موضوعة فوق الركب، حكي عن ابن الأعرابي عن الأصمعي أنه قال: إنها ~~زنجية، والملح: السمن قال: سمنها في عجيزتها، ويقال: ملح الغلام وحلم: إذا ~~سمن بمعنى واحد. # ومنه قول أوس: # إلى سنة جرذانها لم تحلم # وقال آخر: # رب شيخ رأيته صار كلبا ... ثم من ساعتين صار غزالا # رب ثور رأيت في حجر نمل ... وقطاة تحمل الأثقالا # صار غزالا من قول الله عز وجل فصرن إليك، أي فاضممهن إليك، يقول: ضم إليه ~~كلبا ثم ضم إليه غزالا في ساعتين، وثور: دابة، شبه القرادة، رآه في حجر ~~نمل. وقطاة: يعني التي مع القتب تشبه البكرة وتشد عليها الحبال. # وقال آخر: # أكلت دجاجتين وديكتان ... كما أكل المفضل ديكتان # يريد دجاج تين وديك تين المرأتين أيضا كما قال المفضل ديك تان من التناء. # وقال آخر: # شربنا فأدلجنا وكانت ركابنا ... يسرن بنا في غير بر ولا بحر # مطايا يقربن البعيد وإنما ... يقربن أشلاء الكريم من القبر # وقال آخر: # فما مقبلات مديبرات ...... ... مفرقة الأسماء واللون واحد # يصادف في إعراضهن حلاوة ... ومنهن مرات وسخن وبارد # يصف الأيام في إعراضهن من المكروه والمحبوب. # وأنشدني أحمد بن يحيى في صفة البرغوث: # يؤرقني حدب صغار أذلة ... وإن الذي يؤذيه لذليل # إذا ما قتلناهن أضعفن كثرة ... علينا ولا ينعى لهن قتيل # وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز: # حملت أمرا عظيما فاصطبرت له ... وقمت فيه بأمر الله يا عمرا # فالشمس كاسفة ليست بطالعة ... تبكي عليك نجوم الليل والقمرا # يعني الشمس ليست بكاسفة نجوم الليل ولا القمر وقد تبكي عليك بين فعل ~~الشمس ومفعولها. # وقال آخر: # ألا لا تصل لاتصل ... حرام عليك فلا تفعل # فإن المصلي إلى ربه ... من النار في الدرك الأسفل # الصلا: الدرك ومنه للفرس الذي يجيء تالي ms377 السابق المصلى فكأنه ينهاه عن ~~إتيان جاريته في الدبر في مصلاها وليس هذا في النار المصلي. # وقال آخر: # إنني شيخ كبير ... كافر بالله سيري # أنت ربي وإلهي ... رازق الطفل الصغير # كافر: مغطى بالله. سيري: ابتدأه. # الباب التسعون # ذكر # المعاني الظاهرة والأمثال السائرة # قال طرفة بن العبد: # ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود # فيقال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتمثل بقوله: ويأتيك من لم تزود ~~بالأخبار. وروي عن ابن عباس أنه قال: " ويأتيك بالأخبار من لم تزود " كلمة ~~نبي، وحكى لنا أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يتمثل: # تنفك تسمع ما بقيت بهالك حتى تكونه # والمرء قد يرجو الرجاء مغيبا والموت دونه # العباس بن محمد بن عثمان بن محمد قال: كان عمر ينشد هذا البيت: # قد طفق الناس تعلوهم أكارعهم ... وعتق الطير تعلوه العصافير # وحكي عن عثمان رضي الله عنه أنه تمثل: # فلو كنت مأكولا فكن أنت آكلي ... وإلا فأدركني وإلا أمزق # عن ابن سيرين عن عبيدة أنه قال: إن علي بن أبي طالب عليه السلام إذا أعطى ~~فرأى ابن ملجم قال: # أريد حياته ويريد قتلي ... عذيرك من خيلك من مراد # وبلغني أن الحسين بن علي عليهما السلام دخل على معاوية وهو عليل فتشدد ~~معاوية وجلس وأنشأ يتمثل ببيت له: # وتجلدي للشامتين أريهم ... أني لريب الدهر لا أتضعضع # ويروى أن يزيد بن معاوية تمثل يوم الحرة بقول ابن الزبعرى: # ليت أشياخي ببدر شهدوا ... جزع الخزرج من وقع الأسل # وبلغني أن عبد الملك بن مروان تمثل: # أظن صروف الدهر بيني وبينكم ... ستحملهم مني على مركب وعر PageV01P230 ~~وإني وإياهم كمن نبه القطا ... ولو لم ينبه باتت الطير لا تسري # عن عروة عن عائشة قالت: وعك أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم حين ~~قدموا المدينة وعكا شديدا قالت: فاستأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في ~~زيارة أبي ومولاه بلال وعامر بن فهيرة قالت: فدخلت على أبي بكر فذكرت ~~الحديث ثم قالت: أتيت بلالا ms378 فوجدته يهذي وهو يقول: # ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة ... بفخ وحولي أذخر وجليل # وهل أردن يوما مياه تجنة ... وهل يبدون لي شامة وطفيل # اللهم العن عتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وأبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن ~~هشام كما أخرجونا من مكة. فرجعت إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالذي رأيت ~~فقال: " اللهم حبب إلينا المدينة كما حببت إلينا مكة وبارك لنا فيها كما ~~باركت لنا في مكة وبارك لنا في صاعنا ومدنا وانقل وباءنا عنا إلى مهيعة " . # وقال زهير: # ومن يغترب يحسب عدوا صديقه ... ومن لا يكرم نفسه لم يكرم # ومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتقي الشتم يشتم # ومن لا يذد عن حوضه بسلاحه ... يهدم ومن لا يظلم الناس لا يظلم # ويقال أن عمرو بن معد يكرب كان يعد من الشجعان فلما قال: # إذا لم تستطع شيئا فدعه ... وجاوزه إلى ما تستطيع # عد حينئذ من الشعراء. # وقال آخر: # أيذهب يوم واحد إن أسأته ... بصالح أيامي وحسن بلائيا # وقد ينبت الدنيا عن دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا # قال القطامي: # قد يدرك المتأني بعض حاجته ... وقد يكون مع المستعجل الزلل # والناس من يلق خيرا قائلون له ... ما يشتهي ولأم المخطئ الهبل # وذكر أن بعض البصريين ممن لم يعرف بقول الشاعر ولا روايته سمع ليلة من ~~الليالي ينشد: # يا راقد الليل مسرورا بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارك # فلما أصبح وجده قد أصيب، لا يعرف سببه، ولا من أصابه. # وقال آخر: # من لم يخف صولة الليالي ... أثر في وجهه الغبار # من لم يؤدبه والداه ... أدبه الليل والنهار # وقال الخليل بن أحمد: # عش ما بدا لك قصرك الموت ... لا مهرب منه ولا فوت # ولرب محمود صنائعه ... أودى فمات الذكر والصوت # وقال سعيد بن حميد: # أحسنت ظنك بالأيام إذ حسنت ... ولم تخف شر ما يأتي به القدر # وسالمتك الليالي فاغتررت بها ... وحين تصفو الليالي تحدث الغير # وقال آخر: # من تحلى بغير ما هو فيه ... فضحته شواهد ms379 الامتحان # وأخو العلم تعرف العين منه ... حركات من غير لفظ لسان # وقال ربيعة الرقي: # إذا المرء لم يطلب معاشا لنفسه ... شكا الفقر أو لام الصديق فأكثرا # فسر في بلاد الله والتمس الغنى ... تعش ذا فساد أو تموت فتعذرا # الباب الحادي والتسعون # ذكر # ما اشتبهت معانيه واتفقت أعجازه وقوافيه # قال أبو بكر: قد جاء في شعر شعراء الجاهلية والإسلام ما يوافق بعضها بعضا ~~فمنها ما يتفق في المعنى دون اللفظ ومنها ما يتفق في المعنى واللفظ، فمن ~~ذلك ما يقوي أسباب التهمة فيكاد العالم يقنع بأن المتأخر قد سرقه من ~~المتقدم، مثل ما وقع في شعر امرئ القيس من شعر أبي دؤاد الإيادي فتقع ~~التهمة قوية بامرئ القيس لا رواية أبي دؤاد، وكذلك يقوي التهمة بزهير فيما ~~وقع من شعر مشبها لشعر أوس بن حجر، لأنه روايته، والإسلاميون أيضا كذلك ~~تتأكد التهمة على الرجل إذا كان رواية لرجل فوجد في شعره ما يشبه شعره ~~ككثير وجميل ومن جرى مجراهما ممن يكون الباب بتسميته. ومن لم يكن رواية ~~شاعر بعينه إلا أنه علامة، وبالرواية مشهور، لم يعذر محرما لا يعرف الأخبار ~~ولا يروي الأشعار، ونحن نقدم في هذا الباب ما يشاكل ترجمته ثم نعود على ما ~~تبقى من السرقات بعد ذلك فنذكره بعد الفراغ إن شاء الله، وقال امرؤ القيس: # فقالت ولن يبخل عليك ويعتلل ... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب # وهذا يشاكل قول طرفة بن العبد: PageV01P231 أجدك إن ضنت عليك بودها ... ~~جزعت وإن يكشف غرامك تدرب # ولست أتعجل القضاء بينهما لأن عمرا واحدا يجمعهما فلسنا نعلم أيهما أشعر ~~من صاحبه وقال امرؤ القيس: # كبكر المقناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير محلل # وهذا يشبه قول طفيل الغنوي: # هجان المقاناة البياض بصفرة ... عقيلة جو عازب لم يحلل # وهذا والأول سواء لأنهما كانا في عصر واحد. وقال زهير بن أبي سلمى: # لدى أسد شاكي السلاح مقاذف ... له لبد أظفاره لم تقلم # وهذا مأخوذ من قول أوس بن حجر: # لعمرك إني والأخاليف هؤلاء ... لفي حقبة ms380 أظفارها لم تقلم # وقال زهير: # فلما عرفت الدار قلت لربعها ... ألا أنعم صباحا أيها الربع واسلم # وهذا يشبه قول المسيب بن علس: # ألا أنعم صباحا أيها الربع واسلم ... تحية محزون وإن لم تكلم # وهما جميعا متهمان بقول امرئ القيس: # ألا أنعم صباحا أيها الربع وانطق ... وحدث حديث الحي إن شئت واصدق # وقال سالم بن وابصة: # ترى الوفود من الآفاق قد حفلوا ... والمبتغون إلى أبوابه طرقا # وقال النابغة الجعدي: # حتى إذا أغلقت وخالفها ... متسربل أدما على الصدر # فأصاب غرتها ولو شعرت ... حدبت عليه بضيق وعر # حتى تحدر من منازلها ... أصلا بسبع ضوائن وفر # وهذا مأخوذ من قول المسيب بن علس: # وغدت بمسرفها وخالفها ... متسربل أدما على الصدر # فأصاب ما حذرت ولو علمت ... حدبت عليه بضيق وعر # حتى تحدر من عوازبه ... أصلا بسيح ضوائن وفر # وقال النابغة الجعدي: # ومولى جفت عنه الموالي كأنما ... إلى الناس مطلي به القار أجرب # وهذا مأخوذ من قول النابغة الذبياني: # فلا تتركني بالوعيد كأنني ... إلى الناس مطلي به القار أجرب # وقال الأخطل: # غراء فرعاء مصقول عوارضها ... كأنها أحول العينين مكحول # وهذا مأخوذ من قول الأعشى: # غراء فرعاء مصقول عواضها ... يمشي الهوينى كما تمشي الوجى الوجل # قال أبو بكر: قد ذكرنا من الأشعار فيما سلف من هذا الباب ما استعير له ~~كلام من غيره واخترع له كلام في نفسه على ترتيب، وقال بشار: # العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الملامة # وهذا مأخوذ من قول الصلتان الفهمي: # العبد يقرع بالعصا ... والحر تكفيه الإشارة # قال أبو بكر: وبلغنا أن الفرزدق مر بجميل وهو ينشد: # ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا ... وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا # فقال الفرزدق: أنت لا تحتاج إلى هذا البيت وأنا محتاج إليه لأني أهجو ~~الرجال وأمدحهم فاتركه لي فتركه له وهذا من أحسن أفعال الفرزدق المحكية عنه ~~لأنه إنما استوهب هذا البيت ولم يغضب عليه والهبة على كل حال خير من ~~السرقة. وبلغني عن ابن سلام عن كرد بن البصري أن عريفهم عوف بن ثعلبة علق ms381 ~~على الفرزدق فقال: يا عدو الله سرقتنا قول صاحبنا الأعلم العبدي حيث يقول: # إذا اغبر آفاق السماء وكشفت ... كسور بيوت الحي حمراء حرجف # وجاء قريع الشول قبل إفالها ... رفيقا وكانت خلفه وهي وقف # وباشر راعيها الصقيع كأنه ... على سروات النيب قطن مندف # وقاتل كلب الحي عن نار أهله ... ليربض فيها والصلا متكرف # وبلغني أن الفرزدق وقف على الشمردل اليربوعي وهو ينشد: # وما بين من لم يعط سمعا وطاعة ... وبين تميم غير خز الحلاقم # فقال الفرزدق: لتتركنه أو أتركن عرضك فقال: خذه لا بارك الله فيك فأخذه ~~وتبع الفرزدق: # لو أن جميع الناس كانوا بتلعة ... وجئت بجدي ظالم وابن ظالم # لظلت رقاب الناس خاضعة له ... سجودا على أقدامنا بالجماجم # فقال الفرزدق: وددت بأني سبقت إلى هذين البيتين، قيل له: كيف تقول: # بجدي دارم وابن دارم # أدخلهما بعد موته # الباب الثاني والتسعون PageV01P232 ذكر # ما اتفقت قوافيه واتفقت حدوده ومعانيه # قال امرؤ القيس بن حجر الكندي: # وقد أغتدي والطير في وكراتها ... بمنجرد قيد الأوابد هيكل # وله أيضا: # وقد أغتدي والطير في وكراتها ... لغيث من الوسمي رائده خال # وهذا المعنى مأخوذ من قول أبي دؤاد الإيادي: # وقد أغتدي والطير في وكناتها ... بمنجرد حاف السبيب عتيق # وقال امرؤ القيس: # عيناك دمعهما سجال ... كأن شأنيهما أوشال # أو جدول في ظلال نخل ... للماء من تحته مجال # وهكذا قول عبيد بن الأبرص: # عيناك دمعهما سروب ... كأن شأنيهما شعيب # أو جدول في ظلال نخل ... للماء من تحته قسيب # وقال امرؤ القيس: # وقوفا بها صحبي علي مطهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجمل # وهذا كقول طرفة: # وقوفا بها صحبي علي مطهم ... يقولون لا تهلك أسى وتجلد # وقال زهير: # تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... تحملن بالعلياء من فوق جرثم # علون بأنماط عتاق وكلة ... وراد الحواشي لونها لون عندم # وهذا مأخوذ من قول امرئ القيس: # تبصر خليلي هل ترى من ظعائن ... ملكنا صحيا بين حزمي شعبعب # علون بإنطاكية فوق عقمة ... كجرمة نخل أو كجنة يثرب # وقال طرفة: # فلولا ثلاث هن من عيشة ms382 الفتى ... وجدك لم أحفل متى قام عودي # فمنهن سبقي العاذلات بشربة ... كميت متى ما تمل بالماء تزبد # وقال الحطيئة: # ندمت ندامة الكسعي لما ... شربت وصابني سهم بن عمرو # وهذا مأخوذ من قول عدي بن أوس لعدي بن زيد العبادي: # ندمت ندامة الكسعي لما ... رأت عيناه ما فعلت يداه # وقد أخذه الفرزدق وقال: # ندمت ندامة الكسعي لما ... غدت مني مطلقة نوار # وبيت الكسعي هذا الذي ضربت به الأمثال: # ندمت ندامة لو أن نفسي ... تطاوعني إذا لقتلت خمسي # وقال كثير: # قامت تودعنا والعين ساكنة ... كأن إنسانها في لجة غرق # ثم استدلت على أرجاء مقلتها ... مبادر خلسات الطرف تستبق # كأنه حين جد الماقيان به ... در تسلل من أسلاكه نسق # وهذا مأخوذ من قول جميل: # قامت تودعنا والعين ساكبة ... إنسانها بقضيض الدمع مكتحل # ثم استدار على أرجاء ساحته ... حتى تبادر منها دمعها الهمل # كأنه حين جد الماقيان به ... در تقطع منه السلك منسجل # وقال علي بن أبي عاصية السلمي: # إليك بمدحتي يا خير آل ... رسول الله من ولد الرجال # ستأتيك المدائح من رجال ... كما بلغت إلى العرض النبال # وهذا مأخوذ من قول أبي المعافى: # إليك بمدحتي يا خير آل ... رسول الله من ولد النساء # ستأتيك المدائح من رجال ... وما كف أصابعها سواء # الباب الثالث والتسعون # ذكر # ما استعارته الشعراء من القرآن # وما نقلته إلى أشعارها من سائر المعاني فأول فصل نذكره من ذلك ما استعاره ~~الرجل من شعر شاعر غيره. # قال أبو دؤاد الإيادي: # وهاد تقدم لا عيب فيه ... كالجذع شذب عنه الكرب # فأخذه امرؤ القيس: # له جوجوء حشر كأن لجامه ... تعالى به في رأس جذع مشذب # وقال أبو زياد: # ترى جارنا آمنا وسطنا ... يروح بعقد قوي السبب # إذا ما عقدنا له ذمة ... شددنا العناج وعقد الكرب # فأخذه الحطيئة: # قوم إذا عقدوا عقدا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا # وقال طرفة: # إذا القوم قالوا من فتى خلت أنني ... عنيت فلم أنكل ولم أتبلد # فأخذه الراعي فقال: # إذا ما قيل أين حماة ثغر ... فنحن بدعوة ms383 الداعي عنينا # فأخذه بشامة بن حرى: PageV01P233 لو كان في الألف منهم واحد ... فدعوا من ~~فارس خالهم إياه يعنونا # قال امرؤ القيس: # يضيء الفراش وجهها لضجيعها ... كمصباح زيت في قناديل ذبال # فأخذه النابغة فقال: # وتخالها في البيت إذ فاجأتها ... قد كان محجوبا سراج الموقد # ولم يصنع النابغة في هذه السرقة قليلا ولا كثيرا إلا أنه لم يزد في ~~المعنى ولا نقص فليست له فضيلة الاختصار ولا فضيلة التوكيد بل عليه فضيلة ~~السابق على المسبوق وعليه تبديل لفظ مستحسن إلى لفظ مستحسن. # وقال امرؤ القيس: # سأكسب مالا أو تقوم نوائح ... يقل بها قطر الدموع على قبري # وقال عمرو بن قميئة: # ودعوت ربي بالسلامة جاهدا ... ليعينني فإذا السلامة داء # فأخذه حميد بن ثور: # أرى بصري قد رابني بعد صحة ... وحسبك داء أن تصح وتسلما # وقال علقمة بن عبدة: # يجود بنفس لا يجاد بمثلها ... فأنت بها يوم اللقاء خصيب # فأخذه مسلم بن الوليد: # يجود بالنفس إذ ضن الجواد بها ... والجود بالنفس أقصى غاية الجود # قال الأحوص: # إني إذا افتخر الرجال رأيتني ... كالشمس لا تخفى بكل مكان # فأخذه ابن هرمة: # إذا خفي القوم الكرام رأيتني ... مقارن شمس في المجرة أو بدر # الفصل الثاني ما استعاره الشعراء من الأمثال الجارية على ألسن البلغاء ~~ومن الأمثال السائرة # قولهم من عز بز وللخنساء في نحو ذلك: # كأن لم يكونوا حمى يتقى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا # ومنها قولهم: يداك أوكتا وفوك نفخ. أخذه الكميت فقال: # قه لجواب ما قلتم وأوكت ... أكفكم على ما تنفخونا # ومنها قولهم مكره أخوك لا بطل أخذه الكميت فقال: # لم يدر إلا ارتجال الظن واصفه ... أمكره هو في الهيجاء أو بطل # الفصل الثالث ما استعانت به الشعراء من كلام الله تعالى # قال الله عز وجل )إذا زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت الأرض( فأدخلته الخنساء ~~فقالت: # أبعد ابن عمرو من آل الشريد ... حلت به الأرض أثقالها # فخر الشوامخ من فقده ... وزلزلت الأرض زلزالها # وقال الله عز وجل )أولى لك فأولى( فأخذته الخنساء في هذه ms384 القصيدة: # هممت بنفسي بعض الهموم ... فأولى لنفسي أولى لها # وقال جل ثناؤه )بل عجبت ويسخرون( فأخذ الكميت هذا المعنى: # يعيبونني من جبنهم وضلالهم ... على حبكم بل يسخرون وأعجب # وقال جل ثناؤه )فخرج منها خائفا يترقب( فأخذه الكميت فقال: # ألم ترني من حب آل محمد ... أروح وأغدو خائفا أترقب # وقال الله عز وجل )أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها( فأخذه ~~الكميت فقال: # ألم يتدبر آيه فتدله ... على ترك ما يأتي أم القلب مقفل # وقال الله عز وجل )يحسبون كل صيحة عليهم وهم العدو( فأخذه جرير فقال: # لا زلت تحسب كل شيء بعدهم ... خيلا تكر عليهم ورجالا # الباب الرابع والتسعون # ذكر # الخطأ في القول والأوزان # دون الخطأ في الإعراب والمعاني # فمن عيوب الشعراء المساندة والأكفاء والمزاحفة والأقواء والتضمين ~~والإيطاء والخرم. فأما المساندة فهي اختلاف الإعراب في أرداف القوافي مثل ~~قول عمرو بن كلثوم: # إذا وضعت على الأبطال يوما ... رأيت لها جلود القوم جونا # كأن غضونهن متون غدر ... تصفقها الرياح إذا جرينا # فحرك الردف من البيت الأول وسكنه في البيت الثاني، وسبيل هذا الشعر أن ~~يشاكل أرداف قوافيه في الإعراب ولا يضر أن يكون بعض أردافه ياء وبعضها واوا ~~ولا يجوز الألف بحال. وقال منصور النمري: # ما كان ولى أحمد واليا ... على علي فتولوا عليه # هل في رسول الله من أسوة ... له يقتدي القوم بما سن فيه # وزعم قوم أن الإجارة أن تكون القوافي مقيدة فتختلف الأرداف كقول امرئ ~~القيس: # لا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر PageV01P234 تميم بن مر ~~وأشياعها ... وكندة حولي جميعا صبر # أفلا ترى أن الفاء التي هي تردف قافية البيت الأول مكسورة والفاء التي هي ~~ردف قافية البيت مرفوعة فلو اتفقت هذه الأرداف كان أحسن لأن الحركة بالحركة ~~أشبه من الحركة بالسكون وإذا اختلفت فالعيب في اختلافهما أيسر في اختلاف ما ~~ذكرنا قبلها. # وأما الإكفاء فمن العلماء من يقول هو اختلاف القوافي وذلك أبعد مما قبله ~~من الصواب وأولى بالترك والاجتناب لأن ما قبح اختلاف إعرابه ms385 تضاعف القبح في ~~اختلاف ألفاظه، وأنشدتني الهمدانية أعرابية رأيتها بالبادية: # ألا ليت شعري عنك يا منتهى المنى ... إذا بنت بالأعداء خزرا عيونها # أترعين لي عهدا كما أنا حافظ ... لعهدك أم خان الثريا رقيبها # وقال آخر يصف الجراد: # أباح الحمى هند إن نفلت به ... يمانية زرق بعيد مسيرها # إذا ارتحلت عن منزل غادرت به ... ردايا نعاج بالتراب ظعينها # وهذا هو مختلف القوافي لأن ياء القافية إنما هي الحرف الذي يلحقه ~~الإعراب، فالإعراب ربما كان ياء وربما كان واوا فلا تغترر بحرف تراه آخر ~~البيت فربما بين القافية وبين آخر البيت حرف وربما كان من الشعر ما يحتاج ~~قافية كل بيت منه إلى أربعة أحرف لوازم لا بد منها وإلا لم يكن شعرا، فمن ~~ذلك قول لبيد: # عفت الديار محلها فمقامها ... بمنى تأبد غولها فرجامها # فالألف التي قبل الميم ردف القافية والردف إذا كان ألفا لم يصلح أن ينوب ~~غيرها كما إذا كان الردف ياء أو واوا نابت عنها صاحبتها، والميم هي القافية ~~لأن الإعراب يقع ولا بد من الألف الأخير وإلا جاء بعض القوافي مذكرا وبعضها ~~مؤنثا وبعضها مضموما وهذا لا يصلح بحال فكذلك لم يجز أن يكون في هذه ~~الأبيات التي ذكرناها ما يأتي قبل الهاء منه راء ولا يأتي قبلها منه ذال من ~~قبل إن ما قيل الهاء هو حرف القافية ولا بد للشاعر من لزوم الميم، وقد جاء ~~في الشعر ما هو أقبح من هذا كله فذلك أن هذه الأنواع التي ذكرناها إنما هي ~~عيوب يفهمها من يعلمها ويديرها والذي نحن إن شاء الله ذاكروه نفسه على عينة ~~كل من سمعه: # قبحت من سالفة ومن صدغ ... كأنها كشية ضب في صقع # وقال آخر: # يا رب جعد فيهم لو تدرين ... يضرب ضرب السبط المقاديم # وبلغني عن الخليل بن أحمد أنه كان يسمي هذا إجازة وإذا صفح عن هؤلاء ~~الفصحاء المطبوعين فما معنى إنكاره على من حدث من المتكلفين. # وبلغني أن رجلا جاء إلى دعبل بن علي ليلا فقال له: ms386 قد صنعت شعرا لم ~~يتقدمني فيه أحد إلا النابغة وأمثاله ولا تحسنن أن تقول مثله قال هو ~~فأنشده: # إن ذا الحب سقم ... ليس ينهيه القرار # ونجا من كان لا يع ... شق من ذل المخازي # قال دعبل: فقلت له ويحك قافية البيت الأول راء وقافية البيت الثاني زاي، ~~قال: فقال لا تتعظ فيفطنوا، قال: فقلت له فالأول مرفوع القافية والثاني ~~مخفوض القافية. قال: فقال لي انظر إلى حمقه أنا آمره لا ينقط وهو يشكل. # وأما المزاحفة فمثل قول امرئ القيس الكندي: # وتعرف فيه من أبيه شمائلا ... ومن خاله ومن يزيد ومن حجر # سماحة ذا وبر ذا ووفاء ذا ... ونائل ذا إذا صحا وإذا سكر # وهذان البيتان يقول كثير من الرواة أن امرأ القيس لم يقل خيرا منهما ولا ~~قال أحد مثلها في معناهما، فأما الأول منهما ففي المصراع الثاني فيه نقصان، ~~وأما البيت الثاني فمصراعاهما ناقصان. وقال زهير: # من الأكرمين منصبا وضريبة ... إذا ما شتا تأوي إليه الأرامل # إذا نهبوا نهبا يكون عطاؤه ... صفايا المخاض والعشار المطافل # وقال زهير أيضا: # متى يشتجر قوم يقل سرواتهم ... هم بيننا فهم رضا وهم عدل # فرحت بما أخبرت عن نسبيكما ... وكانا امرأين كل شأنهما يعلو # وأما الإقواء فزعم أبو عمرو انه اختلاف الإعراب في القوافي. قال النابغة ~~الذبياني: # زعم البوارح أن رحلتنا غدا ... وبذاك خبرنا الغراب الأسود PageV01P235 لا ~~مرحبا بغد ولا أهلا به ... إذ كان تفريق الأحبة في غد # فيقال أنه لم يعلم، حتى غني بحضرته فوقف حينئذ على عيبه، قال النابغة ~~أيضا: # قالت بنو عامر خالوا بني أسد ... يا بؤس للحرب ضرارا لأقوام # وفي هذه القصيدة يقول: # تبدو كواكبه والشمس طالعة ... لا النور نور ولا الإظلام إظلام # وقال بشر بن أبي حازم: # ألا ظعنت لنيتها أرام ... وكل وصال غانية رمام # وفي هذه القصيدة يقول: # وكانوا قومنا فبغوا علينا ... فسقناهم إلى البلد الشآمي # وإنما يتساهل في اختلاف إعراب القوافي إذا كان بعضها مرفوعا وبعضها ~~مخفوضا، فأما النصب فلا يصلح معه غيره البتة لا في شعر ms387 جاهلي ولا غيره، ~~وأما قول جرير: # برئت إلى عرينة من عرين # فهذا إنما بناه على الوقف ولو أعربه لفسد الشعر فاختار أن ينقص من عروضه ~~حرفا لا يضره على أن يتم العروض فيفسد شعره. وقد زعم غير أبي عمرو أن اللحن ~~في القوافي إنما هو الإكفاء والإقواء هو نقصان حرف من فاضلة البيت وإنما ~~سميت الإقواء لأنه نقص من عروضه قوة. ويقال: أقوى فلان الحبل إذا جعل إحدى ~~قواه أغلظ من الأخرى، وأما التضمين فهو أن يكون محتاجا إلى ثانية فلا يفهم ~~معناه حتى يسمع ما يليه. # قال بشر بن أبي حازم: # فسائل تميما وأشياعها ... وسائل هوازن عنا إذا ما # لقيناهم كيف نقضيهم ... كما تستخف الجنوب الجهاما # وقال شبيب: # ألم تراني أدركتني حفيظتي ... فدافعت عن أنساب مرة بعدما # تناسى الجديد إن الحياء وشمرت ... فصول الثياب فاختلين المجذما # وفي ذلك يقول الآخر وهو الشعر الجاري على ألسن الخاصة والعامة: # اشدد حيازيمك للموت ... فإن الموت لاقيكا # ولا تجزع من الموت ... إذا حل بناديكا # فزاد في الوزن " اشدد " وهي كلمة فيها أربعة حروف لا تحتاج عروض الشعر ~~إلى واحد منها. # قالت الخنساء: # قذى بعينك أم بالعين عوار ... أم أوحشت إذ خلت من أهلها الدار # تبكي لصخر هي العبرى وقد ثكلت ... ودونه من جديد الترب أسفار # فزادت في البيت الأول الهاء لا تحتاج العروض إليها. # الباب الخامس والتسعون # ذكر # من استدل بأشعاره على سوء اختياره # أول ما نذكره إن شاء الله في هذا الباب ما جاء في الشعر من معنى قبيح ~~ولفظ غير عذب ولا فصيح. # قال امرؤ القيس: # إذا لم تكن إبل فمعزى ... كأن قرون جلتها العصي # إذا ما قام حالبها أرنت ... كأن الحي بينهم نعي # فيملأ بيتنا أقطا وسمنا ... وحسبك من غنى شبع وري # وإن هذه لقناعة تدل على ضعة ورقاعة، لأن من اقتصر ورضي من المطالب بما ~~يملأ به بطنه وأضرب عن المكارم صفحا، فقد دل على نقصان همة وإيضاع رتبة، ~~وإن الشاعر ليهجو عدوه بما مدح هذا به نفسه فيكون ms388 بالغا في ذمه. # قال حسان بن ثابت: # إني رأيت من المكارم حسبكم ... أن تلبسوا خز الثياب وتشبعوا # فإذا تذوكرت المكارم مرة ... في مجلس أنتم به فتقنعوا # على أن حسان بن ثابت لم يبلغ به في هجائه ما بلغه امرؤ القيس بنفسه في ~~افتخاره لأن امرأ القيس قنع بالشبع والري وحسانا هجاهم باقتصارهم على خز ~~الثياب مع الطعام والشراب. # وقال امرؤ القيس: # فللزجر ألهوب وللساق درة ... وللسوط منه وقع أخرج مهذب # وهذا مما يعاب على قائله لأنه يدل على استحثاث شديد وذلك إما لعجز الفارس ~~وإما لنقصان نفس الفرس. # وقال امرؤ القيس: # وأركب في الروع خيفانة ... كسا وجهها سعف منتشر # لها ذنب مثل ذيل العرو ... س تسد به فرجها من دبر # وهذا مما يعاب عليه لأن كثرة شعر الناصية معدود في عيوب الخيل فكان ~~السكوت عن ذكره أولى من الافتخار لها به. والذنب لا يسد الفرج إلا من دبر ~~وكان هذا حشو في الكلام لا عيب في ذكره. # وبلغني أن رجلا جاء إلى بعض العلماء فقال له: إني صنعت شعرا فأريد عرضه ~~عليك فقال: هاته. فأنشأ يقول: PageV01P236 إن جسمي سل من غير مرض ... ~~وفؤادي لجوى الحزن غرض # فقال: أحسنت ثم ماذا؟ قال: # كجراب كان فيه جبن ... دخل الفأر عليه فقرض # فازداد عقله واستضحك من شعره. وأنشدني بعض النحويين قال: أنشدني رجل ~~لنفسه: # وجارية رومية صقلبية ... معتقة مما تعتق بابل # له أيطلا ظبي وساقا نعامة ... وإرخاء سرحان وتقريب تتفل # وقد ذكرنا في هذين الفصلين طرفا من سوء الاختيار في نظم المعاني والألفاظ ~~في الأشعار، ونحن - إن شاء الله - نذكر الآن في هذا الفصل الثالث طرفا من ~~الشعر الجيد الصنعة، الملحق بقائله ضربا من الضعة فمن ذلك قول الفرزدق: # دفعن إلي لم يطمثن قبلي ... وهن اصح من بيض النعام # فبتن على اليدين مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام # وبلغني أن عبد الملك قال له: لآخذنك باعترافك بالزنا على نفسك فقال: يا ~~أمير المؤمنين يمنعك من ذلك أنه كتاب الله قال: وما هي؟ قال: والشعراء ms389 ~~يتبعهم الغاوون ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون. ~~فصفح عنه. # وقال آخر: # وإني لأستحيي من الله أن أرى ... أجرر حبلا ليس فيه بعير # وأن أسأل المرء اللئيم بعيره ... وبعران ربي في البلاد كثير # عوى الذئب فاستأنست للذئب إذ عوى ... وصوت إنسان فكدت أطير # يرى الله أني للأنيس لشانئ ... وتبغضهم لي مقلة وضمير # وقال براقة الهمداني: # متى تجمع القلب الذكي وصارما ... وأنفا جميعا تجتنبك المظالم # ومن يكسب المال الممنع بالقنا ... يعش ماجدا أو تخترمه المخارم # كأن حريما إذ رجا أن يردها ... ويذهب مالي يا ابنة القين حالم # كذبتم وبيت الله لا تأخذونها ... مراغمة ما دام للسيف قائم # الباب السادس والتسعون # ذكر # تشبيهات ما بقي من الموصوفات # وقد ذكرنا من صفات البحار والفلوات والخمور وآلات الصيد وسائر الدواب ~~فيما قدمناه من الأبواب ما في بعضه بلاغة للمتأدبين، وكفاية للمفتشين، ونحن ~~الآن نذكر - إن شاء الله - ضروبا من التشبيهات لأنواع من الموصوفات التي لو ~~أفردنا كل موصوف منها في باب لما احتمله عدد أبواب الكتاب ولدخلنا في باب ~~التطويل والإكثار إن لم نعجز عنه ما نحفظه من الشعار وسيستبين كل - إن شاء ~~الله - في جران العود وحدها أن لو أفرد كل مشبه فيها بباب لم يصلح بناؤه ~~على ترتيب هذا الكتاب. # قال امرؤ القيس: # ديمة هطلاء فيها وطف ... طبق الأرض تحرى وتدر # وترى الشجراء من ريقها ... كرؤوس قطعت فيها الخمر # ساعة ثم انتحاها وابل ... ساقط الأكتاف واه منهمر # وقال عبيد بن الأبرص وتروى لأوس بن حجر: # دان مسف فويق الأرض هيدبه ... يكاد يدفعه من قام بالراح # فمن بنجوته كمن بعقوته ... والمستكن كمن يمشي بقرواح # كأن فيه إذا ما الرعد فجره ... دهما مطافيل قد همت بأرشاح # وقال ذو الرمة: # وهاجرة حرها واقد ... نصبت لحاجتها حاجبي # تلوذ من الشمس أطلاؤها ... لياذ الغريم من الطالب # وتسجد للشمس حرباؤها ... كما يسجد القس للراهب # وقال آخر: # يوم من الزمهرير مقرور ... عليه جيب الضباب مزرور # كأنما حشو جوه إبر ... وروضة حشوها قوارير # وشمسه ms390 حرة مخدرة ... ليس لها من ضيائه نور # وقال جران العود النميري: # ذكرت الصبا فانهلت العين تذرف ... وراجعك الشوق الذي كنت تعرف # وكان فؤادي قد صحا ثم هاجني ... حمائم ورق بالمدينة هتف # لحقنا وقد كان اللغام كأنه ... بلحي المهارى والخراطيم كرسف # وما ألحقتنا العيس حتى تناضلت ... بنا وتلانا الأخر المتخلف # وكان الهجان الأرحبي كأنه ... تراكبه جون من الجهد أكلف # وفي الحي ميلاء الخمار كأنها ... مهاة بهجل من أديم تعطف PageV01P237 ~~شموس الصبا والأنس محفوظة الحشا ... قتول الهوى لو كانت الدار تسعف # كأن ثناياها العذاب وريقها ... ونشوة فيها خالطتهن قرقف # تهيم جليد القوم حتى كأنه ... دوى يئست منه العوائد مدنف # وقالت لنا والعيس صعر من البرى ... وأخفافها بالجندل الصم تقذف # حمدت لنا حتى تمناك بعضنا ... وأنت امرؤ يعروك حمد وتعرف # وفيك إذا لاقيتنا عجرفية ... مرارا ولا نستيع من يتعجرف # تميل بك الدنيا ويغلبك الهوى ... كما مال خوار القنا المتقصف # فموعدك الشط الذي بين أهلنا ... وأهلك حتى تسمع الديك يهتف # وتكفيك آثار لنا حين نلتقي ... ذيول نعفيها بهن ومطرف # ومسحب ريط فوق ذاك ويمنة ... تسوق الحصا منها حواشي رفرف # فتصبح لم يشعر بنا غير أننا ... على كل ظن يحلفون وتحلف # فبتنا قعودا والقلوب كأنها ... قطا شرع إلا شراك مما تخوف # ولما رأين الصبح بادرن ضوءه ... دبيب قطا البطحاء أو هن أقطف # وأدركن أعجازا من الليل بعدما ... أقام الصلاة العابد المتحنف # وما أبن حتى قلن يا ليت أننا ... تراب وليت الأرض بالناس تخسف # فإن ننج من هذي ولم يشعروا بنا ... فقد كان بعض الخير يدنو فيصرف # وقال عبد بني الحسحاس: # كأن الثريا علقت فوق نحرها ... وجمر الغضا هبت له الريح ذاكيا # وجيد كجيد الريم ليس بعاطل ... من الدر والياقوت والشذر حاليا # فأقبلن يحفظن الجنان كأنما ... قتلن قتيلا أو أتين الدواهيا # وأصبحن صرعى في البيوت كأنما ... شربن مداما ما يجبن المناديا # وقال الحسين بن مطير: # أين إخواننا على الأحساء ... أين جيراننا على الدهناء # فارقونا والأرض ملبسة نو ... ر الأقاحي تجاد بالأنواء # كل يوم عن أقحوان جديد ms391 ... تضحك الأرض من بكاء السماء # وقال البحتري: # يا من رأى البركة الحسناء رؤيتها ... والآنسات إذا لاحت مغانيها # كأنما الفضة البيضاء سائلة ... من السبائك تجري في مجاريها # فحاجب الشمس أحيانا يضاحكها ... وريق الغيث أحيانا يباكيها # إذا النجوم تراءت في جوانبها ... ليلا حسبت سماء ركبت فيها # كأنها حين لجت في تدفقها ... يد الخليفة لما سال واديها # الباب السابع والتسعون # ذكر # ما لا يصلح أن يعرى منه الكتاب ولا يحتمل # الشعبي قال: أرسل مروان إلى أيمن بن خريم ألا تعيننا على ما نحن فيه؟ ~~قال: إن أبي وعمي شهدا بدرا وإنهما عهدا إلي أن لا أقاتل أحدا شهد أن لا ~~إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإن أنت حبيتني ببراءة من النار قاتلت ~~معك. قال: لا حاجة لنا في معونتك فخرج وهو يقول: # فلست بقاتل رجل يصلي ... على سلطان آخر من قريش # له سلطانه وعلي إثمي ... معاذ الله من سفه ومن طيش # محمد بن إسحاق عن من حدثه قال: كان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي أسر ~~يوم بدر فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا محمد إنه ذو بنات وحاجة وليس ~~بمكة أحد يعرفني وقد عرفت حاجتي فحقن رسول الله صلى الله عليه وسلم دمه ~~فأعتقه وخلى سبيله، وعاهده أن لا يعين عليه بيد ولا لسان، فامتدح نبي الله ~~صلى الله عليه وسلم حين عفا عنه فقال: # ألا أبلغا عني الرسول محمدا ... بأنك حق والحليم رشيد # فإن الذي حاربته لمحارب ... وإن الذي سالمته لسعيد # قال ابن المبارك ورادني غيره: # ولم أنس منك العفو يوم أسرتني ... ولكن حتى ما يبين شديد # وبلغني أن راكبا من البصرة مر بجرير فقال له جرير: ما وراءك؟ قال: ورائي ~~موت الفرزدق. وكان كل واحد من جرير والفرزدق قد جعل على نفسه أن يهجو صاحبه ~~إن مات قبله فقال جرير: PageV01P238 مات الفرزدق بعدما جدعته ... ليت ~~الفرزدق كان عاش قليلا # ثم قال: والله لا أزيد عليه شيئا. فأنشأ يقول: # فجعنا بحمال الديات ابن غالب ... وحامي تميم عرضها ms392 والمراجم # بكيناك حدثان الفراق وإنما ... بكيناك إذ نابت أمور العظائم # فلا حملت بعد الفرزدق حامل ... ولا شد أنساع المطي الرواسم # وقال أيضا: # فلا حملت بعد الفرزدق حرة ... ولا ذات بعل من نفاس تعلت # هو الواحد المحمود والراتق الذي ... إذا النعل يوما بالعشيرة زلت # ثم قال: إنه والله ما تصاول فحلان فمات أحدهما إلا كان الآخر سريع ~~اللحاق، فما لبث جرير إلا يسيرا حتى هلك. # وبلغني أن خالد بن عبد الله القسري عرض سجنه فعرض عليه يزيد البلخي فقال ~~له: يزيد. قال: لبيك أيها الأمير، قال: محبوس أنت. قال: نعم. قال: في أي ~~شيء؟ قال: في تهمة. قال: تعود إلى ما اتهمت به إن أطلقتك؟ قال: لا فأطلقه، ~~وكان عاشقا لجارية من جواري الحي. فأخذوه أولياء الجارية ليلا فقدموه إلى ~~خالد وقالوا: سارق. فقال: أسرقت يا يزيد وبالأمس أطلقتك؟ قال: نعم أيها ~~الأمير، وكره أن يصرح بالقصة فتفضح صاحبته وينالها أهلها ببعض ما تكره، ~~فقال خالد لأولياء الجارية: أحضروا رجال الحي حتى تقطع يده بحضرتهم. فكتب ~~أخو يزيد إلى خالد شعرا: # أخالد قد والله وطئت غشوة ... وما العاشق المسكين فينا بسارق # أقر بما لم يأته العبد إنه ... رأى القطيع خيرا من فضيحة عاتق # ولولا الذي قد خفت من قطع كفه ... لألفيت في أمر الهوى غير ناطق # إذا بدت الغايات في السبق للعلى ... فأنت ابن عبد الله أول سابق # وبعث بالكتاب إلى خالد، فلما قرأ الأبيات أحضر أولياء الجارية فقال: ~~زوجوا يزيدا فتاتكم. قالوا: ظهر عليه ما ظهر فلا. فقال: لتزوجونه طائعين أو ~~كارهين. فزوجوه ونفذ خالد المهر من عنده وجمع بينهما. # الباب الثامن والتسعون # ذكر # ما للنساء من المختار في جميع صنوف الأشعار # أنشدني بعض أهل الأدب لفاطمة بنت رسول الله صلى الله عليهما: # قد كنت ذات حمية ما عشت لي ... أمشي البراح وأنت كنت جناحي # فاليوم أخضع للضعيف وأتقي ... منه وأدفع ظالمي بالراح # وإذا دعت قمرية شجنا لها ... ليلا على فنن بكيت صباحي # وأنشدني أيضا لها صلوات الله عليها وعلى ms393 أبيها وبعلها وبنيها: # قد كان بعدك أنباء وهنبثة ... لو كنت شاهدها لم تكثر الخطب # إنا فقدناك فقد الأرض وابلها ... فاحتل لقومك فأشهدهم ولا تغب # أبدى رجال لنا فحوى صدورهم ... لما حجبت وحالت دونك الكثب # تجهمتنا رجال فاستخف بنا ... مذ غبت عنا وكل الخير قد غصبوا # سيعلم المتولي ظلم حامينا ... يوم القيامة أني كيف أنقلب # وقالت أسماء بنت أبي بكر في قتل ابنها عبد الله بن الزبير: # ليس لله محرم بعد قوم ... قتلوا بين زمزم والمقام # قتلتهم جفاة عل ولحم ... وصلا وحمير وجذام # وتزوج رجل من همدان ابنة عم له، فلم يلبث أن ضرب عليه التعب إلى أذربيجان ~~فأصاب بها خيرا، فاستعاد بها جارية وفرسا، فسمى الفرس الورد والجارية حبابة ~~ثم قفل، فأتاه ابن عم له فقال: ما يمنعك من القفول؟ فقال: أخشى ابنة عمي أن ~~تحول بيني وبين هذه الجارية وقد هويتها، وأنشأ يقول: # ألا لا أبالي اليوم ما فعلت هند ... إذا بقيت عندي حبابة والورد # شديد نياط المنكبين إذا جرى ... وبيضاء مثل الريم زينها العقد # فهذا لأيام الهياج وهذه ... بموضع حاجاتي إذا انصرف الجند # فبلغها الشعر فكتبت إليه: # لعمري لئن شطت بعثمان داره ... وأضحى غنيا بالحبابة والورد # ألا فأقره منا السلام وقل له ... غنينا بفتان غطارفة مرد # إذا شاء منهم ناشئ مد كفه ... إلى كفل ريان لو كعثب نهد # إذا رجع الجند الذي أنت فيهم ... وزادك رب الناس بعدا على بعد ~~PageV01P239 فلما وصلت أبياتها إليه باع الجارية، وأقبل مسرعا فوجدها ~~معتكفة في مسجدها وصلاتها فقال: يا هند فعلت ما قلن. قالت: الله أجل في ~~عيني وأعظم من أن أرتكب المأثم ولكنه كيف وجدت طعم الغيرة فإنك عطتني ~~فعطتك. # الباب التاسع والتسعون # ذكر # ما سمع من الأشعار ولم يظهر قائله للأبصار # أبو جعفر محمد بن علي قال: دخل سواد بن قارب السدوسي على عمر بن الخطاب ~~فقال: نشدتك الله يا سواد هل تحسن اليوم من كهانتك شيئا؟ فقال: سبحان الله ~~والله ما استقبلت أحدا من جلسائك بمثل الذي استقبلتني به. ms394 فقال: سبحان الله ~~يا سواد ما كنا فيه من شركنا أعظم ما كنت عليه من كهانتك، والله يا سواد ~~لقد بلغني عنك حديث إنه لعجب قال: أي والله لعجب من العجب. قال: فحدثنيه. ~~قال: كنت كاهنا في الجاهلية، فبينا أنا ذات ليلة إذ أتاني نجي فضربني برجله ~~وقال: يا سواد اسمع اسمع أقل لك. قلت: هات. فقال: # عجبت للجن وأنجاسها ... ورحلها العيس بأحلاسها # نبغ إلى مكة نبغي الهدى ... ما مؤمنوها مثل أرجاسها # فارحل إلى الصفوة من هاشم ... واسم بعينيك إلى رأسها # قال: فنمت ولم أحفل بقوله شيئا، فلما كانت الليلة الثانية أتاني فضربني ~~برجله وقال: يا سواد بن قارب اسمع أقل لك قلت: هات فقال: # عجبت للجن وتطلابها ... ورحلها العيس بأقتابها # تهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما صادف الجن ككذابها # قال: فحرك قوله مني شيئا، ونمت فلما كانت الليلة الثالثة أتاني فضربني ~~برجله وقال: يا سواد أتفعل أم لا؟ قال: قلت ولم ذاك؟ قال: قد ظهر بمكة بني ~~يدعو إلى عبادة ربه فالحق به اسمع ما أقول. قال: قلت: هات. قال: # عجبت للجن وأخبارها ... ورحلها العيس بأكوارها # تهوى إلى مكة تبغي الهدى ... ما مؤمنوها مثل كفارها # فارحل إلى الصفوة من هاشم ... بين روابيها وأحجارها # قال: فعلمت أن الله عز وجل قد أراد بي خيرا فقمت إلى بردة لي ففتقتها ~~ووضعت رجلي في عرر ركاب الناقة ثم أقبلت إلى النبي صلى الله عليه وسلم، ~~فعرض علي الإسلام فأسلمت وأخبرته بالخبر فقال: " إذا اجتمع الناس فأخبرهم " ~~، فلما اجتمع الناس قمت فقلت: # أتاني نجي بعد هدء ورقدة ... ولم يك فيما قد تلوت بكاذب # ثلاث ليال قوله كل ليلة ... أتاك رسول من لؤي بن غالب # فشمرت عن ذيلي الإزار وأدلجت ... بي الذعلب الوجناء غبر السباسب # فأعلم أن الله لا رب غيره ... وأنك مأمون على كل غائب # وأنك أدنى المرسلين وسيلة ... إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايب # فمرنا بما يأتيك يا خير مرسل ... وإن كان فيما حال شيب الذوائب # فكن لي شفيعا يوم لا ذو ms395 شفاعة ... سواك بمغن عن سواد بن قارب # قال: فسر المسلمون بذلك. فقال عمر: هل تحسنن اليوم منها شيئا؟ قال: أما ~~مذ علمني الله القرآن فلا. وفي حديث أم معبد الطويل أن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم حين خرج من مكة مهاجرا إلى المدينة فذكر كلاما كثيرا فيه، فأصبح ~~صوت بمكة عال، يسمعون ولا يدرون من قائله وهو يقول: # جزى الله رب الناس خير جزائه ... رفيقين حلا خيمتي أم معبد # هما نزلاها بالهدى واهتدت به ... فقد فاز من أمسى رفيق محمد # فيا لقصي ما زوى الله عنكم ... به من فعال لا يجازى وسؤدد # ليهنئ بني كعب مقام فتاتهم ... ومقعدها للمؤمنين بمرصد # سلوا أختكم عن شاتها وإنائها ... فإنكم إن تسألوا الشاة تشهد # فلما سمع حسان بهتاف الهاتف قال يجاوبه: # لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم ... وقدس من يسري إليهم ويغتدي # ترحل عن قوم فضلت عقولهم ... وحل على قوم بنور مجدد # هداهم به بعد الضلالة ربهم ... وأرشدهم من يتبع الحق يرشد # نبي يرى نا لا يرى الناس حوله ... ويتلو كتاب الله في كل مسجد # وذكر عن ابن عيينة عن أبي نجيح عن مجاهد عن ابن عباس قال: لما قتل هابيل ~~قابيل قال آدم عليه السلام: PageV01P240 تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه ~~الأرض مغبر قبيح # تغير كل ذي طعم ولون ... وقل بشاشة الوجه المليح # فأجابه إبليس لعنه الله: # تنح عن البلاد وساكنيها ... ففي الخلد ضاق بك الفسيح # وكنت بها وزوجك في رجاء ... وكنت من أذى الدنيا مريح # فما انفكت مكايدتي ومكري ... إلى أن فاتك الثمن الربيح # قال: بكت الجن على عمر ثلاثة أيام يسمع الناس أصواتهن في طرقات المدينة ~~وقالت: # ليبكي على الإسلام منن كان باكيا ... فقد أوشكوا هلكا وما قدم العهد # وأدبرت الدنيا وأدبر أهلها ... وقد ملها من كان يؤمن بالوعد # ونظر رجل فإذا هاتف يقول: # كذاك الزمان وتكراره ... ومر الليالي وطول القدم # يشيب الصغير ويفني الكبير ... وينأى الشباب ويبدي الهرم # الباب المائة وهو الخاتمة # ذكر # ما جاء في الأراجيز من المختار مفردا ms396 على جملة الأشعار # عن البراء بن عازب قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حفر ~~الخندق ينقل معنا التراب وهو يقول: # والله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا # فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا # والمشركون قد بغوا علينا # عن رجاء قال: قلت للبراء: يا أبا عمارة أوليتم عن النبي صلى الله عليه ~~وآله يوم حنين. قال: أما أنا فاشهد أن رسول الله صلى الله عليه لم يتول ~~يومئذ ولكن هوازن لما رشقتنا بالنبل ولى سرعان الناس ولقد سمعته يقول: # أنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب # الأسود بن قيس قال: سمعت جندبا قال: بينا رسول الله عليه السلام يمشي إذ ~~أصيب إصبعه فدميت: # هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت # وقالت عائشة: سمعت رسول الله صلى الله عليه قال: قال حسان: # هجوت محمدا برا تقيا ... رسول الله شيمته الوفاء # فإن أعرضتم عنا اعتمرنا ... وكان الفتح وانكشف الغطاء # وإلا فاصبروا لجلاد يوم ... يعز الله فيه من يشاء # ومن يهجو رسول الله منكم ... ويمدح وينصره سواء # أتهجوه ولست له بكفؤ ... فشركما لخيركما الفداء # عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: " إن من الشعر لحكما ~~وإن من البيان لسحرا " . # هذا آخر الكتاب والحمد لله رب العالمين وصلواته على خير خلقه أجمعين ~~سيدنا وسيد الأولين والآخرين محمد النبي وآله الطاهرين. # وافق فراغه يوم الثلاثاء خامس عشر شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين. ~~PageV01P241 ms397