######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : المجموعة الفاخرة (مجموع رسائل الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع)) ¶ المؤلف : الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين(ع) #META# auth: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 73 #META# الكتاب: المجموعة الفاخرة (مجموع رسائل الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع)) #META# bkord: 111 #META# idx: 1 #META# iso: المجموعه الفاخره #META# comp: 1 #META# bk: المجموعة الفاخرة #META# max: 1042 #META# المؤلف: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين(ع) #META# inf: من أهم الكتب في أصول الدين المعتمدة عند آل البيت فيه من المسائل والمواضيع ما لا غنى عنه للعالم ولا للمتعلم حافل بالأدلة والبراهين النقلية والعقلية والمباحث العلمية والردود على معظم الشبهات فهو كتاب منقطع النظير . ملاحظات: هو مجموع رسائل وكتب الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام في أصول الدين، تضمن: ¶ - كتاب البالغ المدرك ، وكتاب معرفة الله عز وجل من العدل والتوحيد ، وإثبات النبوة ¶ -كتاب التوحيد جواب مسألة الرجل من أهل قم. ¶ - جواب مسائل الحسين الطبري. ¶ - كتاب المنزلة بين المنزلتين. ¶ - كتاب تفسير العرش والكرسي. ¶ - كتاب أصول الدين، وجوابه لأهل صنعاء . ¶ - كتاب الرد على من زعم أن القرآن قد ذهب بعضه. ¶ - كتاب جواب مسائل ابنه المرتضى، ومسائل محمد بن عبيدالله، والرد على سليمان بن جرير في الرضاء والسخط، والموعظة عند آخر حروبه بنجران ودعوته إلى أحمد بن يحيى بن زيد. ¶ - كتاب القياس . ¶ - مسائل أبي القاسم الرازي . ¶ - كتاب خطايا الأنبياء . ¶ - كتاب الرد على المجبرة ، وعلى الحسن بن محمد بن الحنفية وغيرهم. #META# authinf: المؤلف: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ¶ ترجمة المؤلف: الإمام الأعظم الهادي إلى الحق يحي بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الرسي، أبو الحسين [245-298ه] أحد عظماء الفكر الإسلامي، وأعلام أئمة الآل، إمام مجتهد، مجاهد، عالم، فقيه، زاهد، نشأته في جبل الرس القريب من المدينة المنورة، دعوته في اليمن سنة 283ه، وبقى في جهاد وكفاح، حتى توفاه الله بصعده سنة 298ه، وأخباره كثيرة، ومناقبه وفضائله غزيرة، ومؤلفاته ومصنفاته شهيرة وفيرة، وهو أشهر من نار على علم. #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | ذكر خطايا الأنبياء # صلوات الله عليهم # مما سأله إبراهيم بن المحسن العلوي رحمة الله عليه (1) ### || [قصة آدم عليه السلام وإبليس وخطيئة آدم] # سئل الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين صلوات الله عليه عن قول الله تبارك ~~وتعالى: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس}[البقرة: 34، ~~الإسراء: 61، الكهف: 50، طه: 116] كيف كان السجود من الملائكة صلوات الله عليهم؟ # فقال: معنى {اسجدوا لآدم}؛ إنما أراد بذلك: أسجدوا من أجل (2) آدم؛ ~~تعظيما لخالقه؛ إذ خلقه من أضعف الأشياء وأقلها عنده، وهو الطين. فجاز أن ~~يقال: {اسجدوا لآدم}؛ لما أن كان السجود من أجل خلقه. PageV01P575 # وقوله: {فسجدوا إلا إبليس}، وإنما جاز أن يجعل إبليس معهم في الأمر وإن لم ~~يكن من جنسهم؛ إذ كان حاضرا لأمر الله لهم، فأمره بالسجود معهم، وإن لم يكن ~~جنسه جنسهم؛ لأن الملائكة صلوات الله عليهم إنما خلقوا من الريح والهواء، ~~وخلقت الجن كلها من مارج النار، ومارج النار فهو الذي يتقطع منها عند ~~توقدها وتأججها. # قلت: فما الدليل على أن إبليس من الجن؟ # قال: قول الله جل ذكره: {إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ~~ربه}[الكهف:50]. # قلت: فهل أمرت الجن كلها بالسجود، أم خص الله إبليس بذلك دونهم؟ # قال: لم يأمر الله سبحانه أحدا منهم إلا إبليس فقد أمره الله بالسجود دونهم. # قلت: أفمخصوصا كان بذلك دونهم؟ قال: نعم، كان مخصوصا بالأمر. # قلت: فعصيان آدم صلوات الله عليه في أكل الشجرة كيف كان ذلك منه، تعمدا ~~أم نسيانا؟ # فقال: قد أعلمك الله في كتابه، من قوله: {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ~~ولم نجد له عزما}[طه: 115]، يقول: لم نجد له عزما على أكلها، واعتمادها ~~بعينها. # ولكن سلني فقل لي: فإذا كان آدم في أكل الشجرة ناسيا فكيف وجبت عليه ~~العقوبة، وقد أجمعت الأمة على أنه إذا نسي الرجل فشرب في رمضان وهو ناس، أو ~~أكل وهو ناس، أو ترك صلاة حتى خرج وقتها وهو ناس، أو جامع امرأته في طمثها ~~وهو ناس، لم يجب عليه في ذلك ms01 عقوبة عند الله؟ فكيف يجب على آدم عليه السلام ~~العقوبة في أكل الشجرة ناسيا؟ PageV01P576 # فإن سألتني عن ذلك، قلت لك: إنما عوقب آدم صلوات الله عليه في استعجاله في ~~أكل الشجرة، وذلك أن الله سبحانه لما نهاه عن أكل الشجرة وهي البر وأمره ~~بالشعير ولم يحظرها عليه، فكان يأكل من شجرة الشعير وهي ورق، ولم تحمل ~~ثمرا، فلما صار فيها الحب والثمر أشكل عليه أمرها، فلم يدر أيهما نهي ~~عنه،فأتاه اللعين بخدعه وغروره، فقاسمه على ما ذكره الله في كتابه؛ فقال: ~~{ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من ~~الخالدين}[الأعراف: 20]، فاستعجل آدم فأكل من الشجرة، ولم ينتظر الوحي في ~~ذلك من عند الله، فعوقب في استعجاله في أكلها، وقلة صبره لانتظار أمر ربه. # قلت: فكيف كان كلام إبليس وخدعه إياه؟ هل كان تصور له جسما، ورآه عيانا؟ # فقال: إنما سمع آدم كلامه، ولم يره جسما. وقد رويت في ذلك روايات كذب ~~فيها من رواها، وكيف يقدر مخلوق أن يخلق نفسه على غير مركب خلقه، وفطرة ~~جاعله؟ هذا ما لا يثبت ولا يصح عند من عقل وعرف الحق. # قلت: فقد كان محمد النبي صلى الله عليه يخاطب جبريل، ويعاينه على عظيم ~~خلقه، وجسيم مركبه! PageV01P577 # فقال: إنما كان جبريل عليه السلام ينزل على محمد صلى الله عليه وآله وسلم ~~على صورة(1) لطيفة يقدر على رؤيتها وعيانها. وصح عندنا أن النبي محمدا عليه ~~السلام رأى جبريل في صورة (( دحية الكلبي (2) ))، وإنما ذلك خلق احدثه الله ~~فيه، وركبه عليه؛ لما علم من ضعف البشر، وأنهم لا يقدرون على النظر إلى خلق ~~الملائكة؛ لعظيم خلقهم، وجسيم مركبهم. فلما علم الله تبارك وتعالى من محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم ذلك ولم يكن جبريل عليه السلام يقدر على تحويل ~~صورته ومركبه من حال إلى حال؛ لضعف المخلوقين وعجزهم عن ذلك نقله الله ~~سبحانه على الحالة التي رآه محمد عليه السلام فيها، نظرا منه سبحانه لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم، وما ms02 فعله الله فليس من فعل خلقه. فلك في هذا ~~كفاية إن شاء الله. # قلت: فهل كان آدم صلى الله عليه طمع في الخلود؛ لما قاسمه (عليه)(3) ~~إبليس على النصح؟ قال: إنما كان ذلك منه صلوات الله عليه طمعا أن يبقى ~~لطاعة الله ولعبادته، فأراد أن يزداد بذلك قربة من ربه. # قلت: فما معنى قوله: {فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما}[طه: 121]؟ # قال معنى قوله: {بدت لهما سوآتهما}؛ فهو سوء فعلهما، لا كما يقول من جهل ~~العلم، وقال بالمحال: إن الله كشف عورة نبيه وهتكه. وكيف يجوز ذلك على الله ~~في أنبيائه؛ والله لا يحب أن يكشف عورة كافر به؟ فكيف يكشف عورة نبيه؟ PageV01P578 # قلت: فقوله (1): {ينزع عنهما لباسهما}[الأعراف: 27] فقال: قد اختلف في ذلك، ~~ورويت فيه روايات. وأصح ما في ذلك عندنا، والذي بلغنا عن نبينا صلى الله ~~عليه وآله وسلم أن لباسهما هو لباس التقوى والإيمان، لا ما يقول به ~~الجاهلون من أنه لباس ثياب، أو ورق من ورق الشجر. فهذا معنى قول الله: ~~{ينزع عنهما لباسهما}، وإنما أراد بذلك من قوله: {لباسهما} أي لباس التقوى، ~~بما سول ووسوس لهما من الكذب والمقاسمة التي سمعها منه. # قلت: فقوله: {وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة}[الأعراف: 22] قال: إنما ~~كانا في الجنة في ظلها وتحت أشجارها، فلما أخرجا منها(2) وأصابتهما الشمس ~~بحرها ورمضاء(3) الأرض، فأرادا أن يجعلا لهما موضعا يكون لهما فيه ظلال، ~~كما يفعله من خرج من منزله في سفر ونيته إلى غيره من البوادي وغيرها، فلا ~~يجد ظلالا(4) ولا مسكنا، فلا يجد بدا من أن يعرش عريشا يكنه، ويستره من ~~الحر، ويقيه من شدة البرد. فهذا معنى قوله: {يخصفان عليهما}. # قلت: فالجنة التي كانا فيها، أفي السماء كانت، أم في الأرض؟ # قال:هي جنة من جنان الدنيا، والعرب تسمي ما كان ذا ثمار وأنهار جنة. # قلت: فقوله: {اهبطوا منها جميعا}! # قال: ذلك جائز في لغة العرب ، ألا ترى أنك تقول: هبطنا نجران، وهبطنا ~~اليمن، ونريد أن نهبط الحجاز. فلما كان ذلك معروفا في اللغة؛ ms03 جاز أن يقول: ~~{اهبطوا منها}. # وسألته عن قول الله تبارك وتعالى: {فتلقى آدم من ربه كلمات فتاب ~~عليه}[البقرة: 37]، ما الكلمات التي تلقاها آدم من ربه؟ PageV01P579 # قال: قد اختلف فيها، والصحيح عندنا أن الكلمات: هو ما كان الله تبارك ~~وتعالى قد أعلمه؛ بخلق من سيخلقه من ذرية آدم ونسله، وأنه سيكون منهم مطيع ~~ومنهم عاص باختيارهم، وأنه سبحانه يقبل التوبة من تائبهم، إذا تاب وأصلح، ~~وأخلص التوبة وراجع. فلما كان منه ما كان من أكل الشجرة؛ ذكر ما كان الله ~~قد أعلمه من القبول للتوبة؛ فقالا {ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا ~~وترحمنا لنكونن من الخاسرين}.[الأعراف: 23] فهذه الكلمات التي تلقاها آدم ~~من ربه صلوات الله عليه. ### || [قصة سليمان وخطيئته عليه السلام] # وسألته عن قول الله سبحانه: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم ~~أناب}[ص: 34]. PageV01P580 # فقال: معنى قوله: {فتنا سليمان}، يقول: امتحناه، وإنما كان ذلك من أجل ما ~~سألته ملكة سبأ؛ من طلبها حين طلبت منه قربانا تقرب به على ماكانت تفعل في ~~قديم أفعالها، فسألته صلى الله عليه أن يأذن لها في بقرة فلم يجبها، ثم ~~سألته شاة فكره ذلك عليها، ثم طيرا فأعلمها أن ذلك لا يحل لها، فوقعت في ~~صدرها جرادة؛ فقالت: فهذه الجرادة إئذن لي فيها، فتوهم وظن أنها مما لا إثم ~~عليها فيها؛ إذ كانت مما لا يقع عليه ذكاة، فسكت ولم يمنعها عن ذلك؛ فقطعت ~~رأس الجرادة وأضمرت أنها قربان. فلما خرج صلى الله عليه يريد أن يتطهر على ~~جانب البحر؛ نزع خاتمه من يده، وكان لا يتطهر حتى ينزع الخاتم من يده، وهذا ~~الواجب على كل متطهر، إذا أراد أن يتطهر من جنابة أو غيرها للصلاة، أن ينزع ~~خاتمه، أو يديره في إصبعه حتى يصل الماء إلى البشر(1) الذي يكون تحته، ~~وينقى من الدرن ما حوله. فلما نزع الخاتم ومضى لطهوره، خرج حوت من البحر ~~فابتلع الخاتم وذهب في البحر، فلما فرغ سليمان من طهوره؛ نظر إلى الموضع ~~الذي كان وضع فيه خاتمه ms04 فلم يجده، فعلم أن ذلك لسبب قد أحدثه، وأن الله ~~سبحانه أراد بذلك فتنته، فدعا الريح فلم تجبه، ثم دعا الطير فلم تجبه، ثم ~~دعا الجن فلم تجبه، لما ذهب عنه الخاتم، وإنما كان الخاتم سببا من الله ~~لملكه قد جعله الله فيه، وبه كان يطاع؛ فعلم سليمان أن العقوبة قد وقعت، ~~ووثب العفريت الملعون على سريره عند ذلك وهو ملكه، فكان يتكلم على شبه كلام ~~سليمان عليه السلام، وهو من وراء حجاب، لا يظهر ولا يرى له شخص، ودعا فلم ~~يجبه إلا الإنس، ومضى سليمان باكيا نادما على فعله، وجعل يتبع الصيادين على ~~سواحل البحر يخدمهم ويعينهم، وهم لا يعرفونه، ولا يعلمون أنه سليمان، فأقام ~~على ذلك وقتا اختلفت(2) فيه الرواة، فقال بعضهم: أقام أربعين يوما. وقال ~~آخرون: بل مكث PageV01P581 خمسين يوما. وقال قوم: سبعين يوما، وهذا أكثر ما قيل فيه؛ فجعل يتبعهم ~~ويعمل معهم، ويعطونه في كل يوم حوتين، فيبيع أحدهما فيشتري به خبزا، ويشوي ~~الآخر فيأكله. فلما علم الله منه التوبة والرجوع، والإنابة والخضوع؛ أراد ~~أن يرد عليه نعمته؛ فانصرف ذلك اليوم ومعه الحوتان (1) اللذان عمل بهما ~~يومه ذلك؛ فشق بطن أحدهما على ما كان يفعل، فإذا بالخاتم قد خرج من بطن ~~الحوت؛ فعرفه عند ذلك؛ فأخذه وشكر الله، وحمده على ما أولاه. ثم دعا الريح ~~فأجابته، وكان قد أبعد من بلده، فأمر الريح فاحتملته من ساعته إلى موضعه، ~~وهرب اللعين العفريت لما رآه، وقال(2) بعض الرواة: إنه كان حبسه، ورد الله ~~على نبيه ملكه، ورجع إليه ما كان الله قد أعطاه، فدعا الطير والريح والجن ~~فأجابته، ودامت نعمته. # قلت: فما الجسد (3) الذي ألقي على كرسيه، هل كان جسما يظهر ويرى؟ # قال: لا، إنما كان الذي يظهر إليهم منه ما يسمعون من كلامه، وكان مستترا ~~عنهم، فكانوا يظنون أنه سليمان. وإنما احتجب عنهم بسبب(4) أمره الله به، أو ~~فعل فعله من نفسه، فلو ظهر لهم لبان أمره عندهم، ولكن تمكن منهم بالتمويه ~~عليهم والمكر لهم. # قلت: فهل ms05 نال من الخدم منالا، أو وصل إليهم بسبب من الأسباب؟ # قال: معاذ الله أن يكون نال شيئا من ذلك أو فعله، غير الذي شرحته لك من ~~كلامه فقط. ### || [قصة يونس عليه السلام وخطيئته] # وسألته عن قول الله سبحانه: {وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر ~~عليه}[الأنبياء: 87]. PageV01P582 # فقال: أما ذو النون فهو يونس، والنون فهو الحوت. وأما قوله: {إذ ذهب ~~مغاضبا}؛ فإنما كان ذهابه غضبا على قومه، واستعجالا منه دون أمر ربه، لا ~~كما يقول الجهلة الكاذبون على أنبيائه ورسله صلوات الله عليهم؛ من قولهم: ~~إن يونس خرج مغاضبا لربه، وليس يجوز ذلك على أنبياء الله صلوات الله عليه، ~~وإنما كان ذلك كما ذكرت لك، من غضبه على قومه، ومفارقته لهم واستعجاله دون ~~أمر ربه، وهو قوله لمحمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم: {ولا تكن كصاحب ~~الحوت إذ نادى وهو مكظوم}[ن: 48] وهو يونس، يقول: لا تعجل كعجلته، واصبر ~~لأمري وطاعتي، ولا تستعجل كاستعجاله. فهذا معنى قوله: {إذ ذهب مغاضبا}. ~~وقوله: {فظن أن لن نقدر عليه}، أراد بذلك من قوله: {فظن} أي أفظن أن لن ~~نقدر عليه؟ وهذا على معنى الإستفهام. ولم يكن ظن ذلك صلى الله عليه. # وهذا مما احتججنا به في الألف التي تطرحها العرب وهي تحتاج إلى إثباتها، ~~وتثبتها في موضع وإن لم تحتج إليها، مثل قوله: {لا أقسم}، وإنما معناها ألا ~~أقسم، وقوله: {وعلى الذين يطيقونه}[البقرة: 184]، فطرح الألف (1) وهو ~~يريدها. ومن ذلك قول الشاعر: # نزلتم منزل الأضياف منا...فعجلنا القرى أن تشتمونا # وإنما أراد أن لا تشتمونا، فطرح الألف واللام. ومثل هذا كثير في الكتاب، ~~وهو حروف الصفات. PageV01P583 # فلما صار يونس في السفينة، وركب أهلها واستقلت بهم، وطابت الريح لهم، أرسل ~~الله حوتا فحبس السفينة، فعلم القوم عند احتباسها أنها لم تحبس بهم إلا ~~بأمر من الله قد نزل بهم، فتشاور القوم بينهم، وتراجعوا القول في أمرهم وما ~~قد نزل بهم وأشفقوا، فقال لهم يونس: يا قوم أنا صاحب المعصية، وبسببي حبست ~~بكم السفينة، فإن أمكنكم ms06 أن تخرجوني إلى الساحل فافعلوا، وإن لم يمكنكم ذلك ~~فالقوني في البحر وامضوا؛ فقال بعضهم: هذا صاحبنا،وقد لزمنا من صحبته ما ~~يلزم الصاحب لصاحبه، وليس يشبهنا(1) أن نلقيه في البحر فيتلف فيه على ~~أيدينا ونسلم نحن، ولكن هلموا نستهم، فمن وقع عليه السهم ألقيناه في البحر، ~~فتساهم القوم فوقع السهم على يونس، ثم أعادوا ثانية فوقع عليه، ثم أعادوا ~~ثالثة فوقع السهم على يونس فرمى بنفسه، فالتقمه الحوت ومضى في البحر، وكان ~~يونس صلى الله عليه ينظر إلى عجائب البحر من بطن الحوت، وجرت سفينة القوم بهم. PageV01P584 # قال: ولبث يونس صلى الله عليه في بطن الحوت ما شاء الله من ذلك، فاستمط ~~شعره وجلده (1)، حتى بقي لحمة، ومنع الله منه الموت. فلما علم الله توبته، ~~وقد نادى بالتوبة: {أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من ~~الظالمين}[الأنبياء: 87] فاستجاب له، وتقبل توبته، ورحم فاقته، فأرسل ملكا ~~من الملائكة فساق ذلك الحوت إلى جزيرة من جزائر البحر، فألقى يونس من بطنه، ~~وقد ذهب شعره وجلده، وذهبت قوته، فرد الله جسمه على ما كان عليه أولا، من ~~تمام صورته، وحسن تقويمه، وأنبت الله له شجرة اليقطين وهي الدبا فكان ~~يأكلها، فلما اشتدت قوته، واطمأن من خوفه وإشفاقه، أرسله الله إلى قومه، ~~وكانوا في ثلاث قرى، فمضى إلى أول قرية فدعاهم إلى الله وإلى دينه، فأجابه ~~نصفهم أو أكثر من النصف، وعصاه الباقون، فسار بمن أطاعه إلى العصاة لأمره، ~~فحملهم عليهم وقاتلهم، فقتلهم وأبادهم، وسار إلى القرية الثانية فدعا ~~أهلها، واعذر إليهم وأنذرهم، فأجابه منهم طائفة، فحمل المطيع على العاصي ~~فقتلهم وأبادهم. ثم سار إلى القرية الثالثة وكانت أعظمها وأشدها بأسا ~~ومنعة، فدعاهم إلى الله، وأعذر إليهم، وأنذر وحذر ما حل بإخوانهم، فلم يجبه ~~منهم أحد، واستعصموا على كفرهم؛ فسار إليهم وخرجوا إليه، فحاربهم فلم يقدر ~~عليهم، فلما كان بعد وقت، وعلم الله منه الصبر على ما أمره به من طاعته، ~~والإعذار إلى خلقه؛ أمر الله جبريل صلى الله عليه فطرح بينهم نارا، ms07 ثم أرسل ~~الرياح فأذرت النار عليهم، وعلى منازلهم ورجالهم، فأحرقتهم جميعا ودمرتهم. # فهذا ما سألت عنه من خبر يونس عليه السلام. ### || [قصة أيوب عليه السلام] # وسألته عن قول أيوب صلى الله عليه: {إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب ~~وعذاب}[ص: 41]. # فقال: معنى قوله: {مسنى}؛ فهو ما كان من كلامه ووسوسته له. PageV01P585 # وذلك أن أيوب صلى الله عليه قد كان جعل ضيافة أضيافه إلى امرأته، فأتاه ~~إبليس اللعين فقال: يا أيوب إن امرأتك قد فضحتك اليوم في أضيافك، فأتاها ~~فقال: ما الذي حملك على أن تفضحيني في أضيافي؟ أقسم لأضربنك مائة ضربة ~~بالعصا. فلما هم بالذي أقسم به من ضربها؛ أتاه الملعون إبليس فقال: يا أيوب ~~سبحان الله، أيحل لك أن تضرب امرأة ضعيفة، لم تجرم جرما، ولم تأت قبيحا، ~~ولم تفعل أمرا تستحق به منك ضربا، وليس لها قوة على ضربة واحدة، فكيف مائة ~~ضربة، فلا تهلكها، وتأثم بربك في أمرها؟! فلما تركها وكف عنها(1) أتاه من ~~موضع آخر؛ فقال: يا أيوب سبحان الله كيف يحل لك أن تقعد عنها، وقد حلفت ~~لتضربنها، ولا ترجع عن يمينك، ولا تأثم بالله ربك؟! فلما رجع إليها ~~ليضربها(2)؛ أتاه بالوسوسة على مثل ما أتاه(3) أولا، فلم يزل يفعل كذلك حتى ~~دخله الغم، وعظم عليه الأمر؛ فانقلب على ظهره وجعل يفكر وينظر، وخالطه من ~~الوسوسة ما غلبه على أمره، فلم يزل كذلك حتى تقرح ظهره، ولزمه المرض ~~العظيم، واشتد به (4) الأمر، وتمادت به العلة، وذهبت ما شيته، وافترق ماله، ~~ومات أولاده، ومرضت المرأة من الغم والحزن. فلما رأى ذلك من كان معه في ~~المنزل؛ أخرجوه صلى الله عليه إلى ناحية منه على خط الطريق، وليس يقدر أن ~~يرفع يدا ولا رجلا، واشتد(5) به البلاء، وهو مع ذلك صابر محتسب. فلما كان ~~يوما (6) من الأيام مضى به نفر، فلما رأوه ونظروا إلى ما هو فيه من عظم ~~البلاء وشدة النتن؛ قالوا: والله لو كان هذا وليا لله لأجابه، ولكشف ضره، ~~ولما أصابه شيء من هذا؛ ms08 فلما سمع ذلك من قولهم: {نادى ربه أني مسني الشيطان ~~بنصب وعذاب}؛ فجاز أن يقول: مسني الشيطان، لما أن كان ذلك من PageV01P586 وسوسته، وكيده وسببه؛ فاستجاب الله له فقال: {اركض برجلك هذا مغتسل بارد ~~وشراب}[ص: 42]، ولم يقدر أن يرفع يدا ولا رجلا؛ فضرب بعقبه فانبثقت عليه ~~عين؛ ففارت(1) وارتفعت حتى كانت أكبر من جلسته، فجعلت تنسكب عليه وهو يغتسل ~~بمائها وهي تقلع عنه كل ميت، وتنقي عنه ما كان به من الأقذار، وتميط عنه ~~الأذى، وجعل يشرب منها ويخرج ما في جوفه من العلة، حتى نقي بدنه ورجع إلى ~~أفضل ما كان عليه أولا، وردالله عليه أهله وماله، وأمره أن يأخذ ضغثا فيضرب ~~المرأة كفارة اليمين التي حلف، فقال بعض الرواة: إنه أخذ من هذا الذي يكون ~~فيه التمر فجمع منه مائة غصن(2) فضربها به ضربة. وقال بعضهم: إنه ضربها به ~~ضربتين. واختلف في ذلك، غير أن الصحيح من ذلك أنه قد جمع ضغثا فضربها به. # قلت: فإبليس كيف كان إتيانه إلى أيوب صلى الله عليه؟ # قال: لم يره عيانا، وإنما سمع كلامه ولم ير شخصه. وقد قال بعض الجهلة: ~~إنه تصور له في صورة غير صورته، وليس ذلك كما قالوا، وكيف يقدر مخلوق أن ~~يغير خلقته، ويحول نفسه صورا مختلفة؟! وليس يقدر على ذلك إلا الله رب ~~العالمين، الذي خلق الصور والأجسام، ونقلها من حال إلى حال، فسبحان الله رب ~~العرش(3) عما يصفون، ولا إله إلا هو الرحمن الرحيم. ### || [قصة يوسف عليه السلام مع امرأة العزيز] # وسألته عن قول الله سبحانه في يوسف صلى الله عليه، من قوله: {ولقد همت به ~~وهم بها لولا أن رأى برهان ربه}[يوسف: 24]؛ كيف كان همها به؟ وكيف هم بها؟ # فقال: كان همها هي هم شهوة ومراودة، وكان همه بها هم طباع النفس ~~والتركيب. # ألا ترى أنك إذا رأيت شيئا حسنا أعجبك، وحسن في عينك، وإن لم تهم به ~~لتظلمه، وتأخذه غصبا من أهله؟ PageV01P587 # وكذلك إذا رأيت طعاما طيبا أولباسا حسنا أعجبك، وتمنيت أن ms09 يكون لك مثله، ~~وأنت لا تريد بإعجابك به أخذه، ولا أكله إلا على أحل ما يكون وأطيبه، ولم ~~ترد بقولك إنك تأكله أو تلبسه أو تنكحه إلا حلالا؟ # قلت: بلى. قال: فكذلك كان هم يوسف صلى الله عليه في زوجة الملك. # قلت: قد سمعنا بعض الرواة يذكر أنه منع يوسف عليه السلام من إتيانها انه ~~رأى يعقوب صلى الله عليه كأنه يزجره عنها ويخوفه. # قال: قد قيل فيه شبيه من ذلك، وليس القول فيه كذلك، وحاش لله أن ينسب ذلك ~~إلى نبي (من أنبياء)(1) الله. قلت: فقد كان يروى لنا ذلك بين الملأ، ويتحدث ~~به في المساجد. قال: قد ذكر ذلك، جل الله عن كل ما يقول فيه الملحدون، ~~وينسب إليه الضالون. وليس قولهم هذا في أنبياء الله، وروايتهم الكاذبة ~~عليهم؛ بأعظم من كذبهم وجرأتهم على الله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون ~~علوا كبيرا. ألا ترى كيف شبهوه بالأشياء من خلقه، وجعلوه جسما ذا أعضاء ~~وأجزاء مختلفة؟ فتعالى عن ذلك من ليس كمثله شيء. # ولقد ناظرت رجلا ممن ينتحل التشبيه؛ فألزمته أن يقول: إن الله مخلوق، أو ~~ينفي عنه التشبيه؛ فاختار أن يجعله مخلوقا وكره أن ينفي عنه التشبيه. فهذا ~~أعظم الأمور، وأقبح الأقاويل كلها. PageV01P588 # قلت: فالبرهان الذي رآه يوسف صلى الله عليه ما هو؟ قال: هو ما جعل الله فيه ~~من علمه، وخصه به من المعرفة به، والخوف في علانيته وسره. وإنما كان ذلك ~~ابتداء منها، ومراودة له على نفسه. كان من قولها له: أن يا يوسف إن لم ~~تأتني أتيت أنا إليك، فقال: معاذ الله من ذلك، فقامت فأرخت سترا كان على ~~باب البيت، وكان في البيت صنم لها تعبده من الذهب له عينان من ياقوتتين ~~حمراوين، فكانت تستحييه (1) وتعبده، فقال لها يوسف صلى الله عليه: لم أرخيت ~~هذا الستر؟ فقالت: إني خفت أن يراني(2) هذا الذي في البيت، فأرخيت الستر ~~حياء منه، وإجلالا له. فقال لها: فإذا كنت أنت تستحيين من صنم لا يبصر ولا ~~يسمع، ولا ms10 يضر ولا ينفع؛ فكيف لا أستحيي أنا من الذي خلقني وخلقك، وخلق هذا ~~الذي تخافين، ومنه تستحيين؟ بل أخاف وأستحيي الذي خلقني وخلقكم(3) وهو خالق ~~السموات والأرضين. ثم نهض منها هاربا بنفسه، فلحقته إلى باب الدار فقدت ~~قميصه، {وألفيا سيدها لدى الباب}، وهو زوجها الملك، وذلك أنهم كانوا يسمونه ~~السيد لموضعه عندهم، ورفعته فيهم، فقالت له: {ما جزاء من أراد بأهلك سوءا ~~إلا أن يسجن أو عذاب أليم قال} يوسف : {هي راودتني عن نفسي}[يوسف: 25 ~~26]، فتحير الملك واشتبه عليه الأمر، وكثر فيه القول. فذكر بعض الرواة أن ~~الذي حكم في ذلك صبي صغير كان في المهد، واختلف فيه، والذي صح عندنا في ذلك ~~أنه كان صبيا قد عقل، وهو من أبناء خمس سنين أو شبيه بها، فأتي به إلى ~~الملك فقال: {إن كان قميصه قد من قبل فصدقت} هي فيما ذكرت، من مراودته لها ~~عن نفسها، {وإن كان قميصه قد من دبر فكذبت} هي فيما ادعت، {وهو من ~~الصادقين} في قوله، ومراودتها له عن نفسه، فأتي بالقميص إلى الملك؛ PageV01P589 فنظر إليه فإذا هو مقدود من دبره؛ فقال: {إنه من كيدكن إن كيدكن ~~عظيم}[يوسف: 26 28]. ثم بدالهم من بعد ذلك فألقي في السجن، وكان في السجن ~~رجلان من خدم الملك؛ فلما كان من إعلامه لهما بتأويل رؤاياهما على الحقيقة ~~بعينها، فلما رأى الملك رؤياه؛ أتى أحد الرجلين إلى يوسف فقص عليه ذلك؛ ~~فأخبره بتأويله، فلما انتهى ذلك إلى الملك؛ بعث(1) إلى النسوة يسألهن عن ~~خبره؛ ف{قالت امرأة العزيز الآن حصحص الحق أنا راودته عن نفسه وإنه لمن ~~الصادقين} فيما تبرأ منه وأنكره؛ {ذلك ليعلم أني لم أخنه بالغيب وأن الله ~~لا يهدي كيد الخائنين وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي ~~إن ربي غفور رحيم}[يوسف: 51 53]. فهذا ما كان من خبره عليه السلام. ### || [قصة داود عليه السلام ومحنته] # وسألته عن قول الله سبحانه: {وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب} إلى ~~قوله: {فخر راكعا وأناب}[ص: 21 24]. PageV01P590 # فقال: ms11 هذا خبر من الله سبحانه عما نبه به نبيئه داود صلى الله عليه في ~~أمنيته من نكاح امرأة (( أوريا ))، وذلك أنه لما سمع الطير أشرف به الطير ~~على رأس جدار، فأشرف داود ينظر أين توجه الطير، فوقعت عينه على امرأة(1) (( ~~أوريا )) وهي حاسر؛ فرأى من جمالها ما رغبه فيها؛ فقال: لوددت أن هذه في ~~نسائي، ولم يكن منه غير هذا التمني. وكل ما يروى عليه صلى الله عليه من سوى ~~ذلك فهو باطل كذب، فلما أن تمناها نبهه الله عز وجل وعاتبه في السر، وقد ~~أعطاه أكثر من حاجته، فبعث إليه ملكين، فتمثلا له في صورة آدميين؛ فتسورا ~~عليه من المحراب وهو يصلي، فدخلا عليه ففزع منهما، وظن أنها داهية قد دهته، ~~وعدو قد هجم عليه في محرابه في وقت خلوته؛ فقالا له: {لا تخف خصمان بغى ~~بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط}[ص: 22]؛ ~~يريدان (2) {لا تشطط}، أي لا تمل إلى أحدنا فتشطط على الآخر. ومعنى {تشطط}؛ ~~فهو: تشدد على أحدنا في غير حق، {سواء الصراط} وسواء الصراط فهو: معتدله ~~ومستقيمه، ووسطه وقيمه. والصراط فهو: طريق الحق ها هنا وأوضحه. وكان لداود ~~صلى الله عليه تسع وتسعون منكحا من الحرائر والإماء، وكان لأوريا هذه ~~المرأة وحدها، فمثلا أنفسهما لداود بداود وأوريا، فقال أحدهما: {إن هذا أخي ~~له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها} ومعنى: {أكفلنيها} فهو: ~~أتبعنيها وردنيها إلى نعاجي، {وعزني في الخطاب}[ص: 23] يقول شطني في الطلب، ~~وألح في تمنيها وطلبها؛ وذلك أنها لم تكن تسقط من نفس داود من يوم رآها، ~~يتذكرها ويتمناها؛ فقال داود صلى الله عليه: {لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى ~~نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء PageV01P591 ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم}[ص: 24]؛ ~~فلما قال هذا لهما تغيبا من بين عينيه، فإذا به لا يبصرهما ولا يراهما، ~~فعلم عند ذلك الأمر كيف هو، وأنهما ملكان، وأن الله بعثهما إليه لينبهاه من ~~غفلته، ويقطعا عنه بذلك ms12 ما في قلبه؛ من كثرة تذكره مرأة (أوريا)(1) صاحبه، ~~فأيقن أنها فتنة من الله، والفتنة هاهنا فهي المحنة. ومعنى: {ظن داود أنما ~~فتناه}؛ فهو أيقن داود بذلك من الله، {فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب} إليه ~~من ذلك التمني والذكر لهذه المرأة، فلم يذكرها بعد ذلك اليوم حتى زوجه الله ~~إياها حين أراد تبارك وتعالى، بعد أن اختار لأوريا الشهادة فاستشهد وصارت ~~إليه، فمن بعد ذلك زوج الله داود مرأة أوريا، وبلغه أمله، وأعطاه في ذلك ~~أمنيته، فجاءه ذلك وليس في قلبه لها ذكر، ولا إرادة ولا تمن. # ولم يكن لداود صلى الله عليه في أوريا ولا قتله شيء مما يقول المبطلون؛ ~~من تقديمه في أول الحرب، ولا ما يذكرون من طلبه وتحيله في تلفه بوجه من ~~الوجوه، ولا معنى من المعاني، كذب العادلون بالله، وضل القائلون بالباطل في ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم. # فهذا تفسير الآية ومخرج معانيها. ### || [إبراهيم عليه السلام وآية إحياء الموتى] # وسألته عن قول إبراهيم صلوات الله عليه: {رب أرني كيف تحيي الموتى قال أو ~~لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي}[البقرة: 260]. PageV01P592 # قال: إنما أراد بذلك صلى الله عليه أرني آية، أزداد بها علما وبصيرة، وأعرف ~~سرعة الإجابة لي منك، حتى يثبت ذلك عندي، ويقر في قلبي معرفة من ذلك، فأمره ~~الله سبحانه أن يأخذ أربعة من الطير، وأن يجعل على كل جبل منهن جزء، ثم ~~أمره أن يدعوهن(1)، ليريه من عجيب قدرته، وشواهد حكمته؛ ما يزداد به معرفة ~~في دينه، ويثبت عنده علم ما سأل عنه من آيات ربه، فأراه الله ذلك فازداد ~~بصيرة وإيقانا، ومعرفة وبيانا. ### || [موسى عليه السلام وطلب النظر إلى ربه] # وسألته عن قول موسى صلى الله عليه: {رب أرني أنظر إليك}[الأعراف: 143]. PageV01P593 # قال: معنى قوله: {أرني أنظر إليك}؛ فهو: أرني آية من عظيم آياتك، أنظر بها ~~إلى قدرتك، وأزداد بها بصيرة في عظمتك وقدرتك، فقال: {لن تراني}، يقول: لن ~~تقدر على نظر شيء من عظيم الآيات؛ التي لو رأيتها لضعف جمسك، ولطف ms13 مركبك ~~ولأهلكتك، ولما قدرت على النظر إليها لعجزك وضعف مركبك، {ولكن انظر إلى} ~~هذا {الجبل}؛ الذي هو أعظم منك خلقا، وأكبر منك جسما؛ {فإن استقر مكانه} ~~إذا أريته بعض ما سألتني أن أريكه؛ {فسوف تراني}، يقول: فسوف ترى ما سألت ~~من عظيم الآية، ولن تقدر على ذلك أبدا، ولا تقوم له أصلا، {فلما تجلى ربه ~~للجبل جعله دكا}، معنى {تجلى ربه}؛ أي أظهر آيته، وأبان قدرته؛ جعله دكا، ~~{وخر موسى صعقا}؛ يقول: مغشيا ميتا؛ لما رأى من الهول العظيم الذي لا يقدر ~~على رؤيته لعجزه وضعفه؛ وإن كان الذي أظهره الله وأبانه (1) من لطيف آياته، ~~فجاز أن يقول: {تجلى ربه}؛ لما كان ذلك من فعله وتدبيره، وأمره وإرادته. ~~وهو كقوله: {هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام}[البقرة: 210]؛ ~~يقول: تأتيهم الآيات، ومايريد أن يحل بهم من العذاب والنقم والآفات. وقوله: ~~{وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة}[القيامة: 22 23] فمعنى قوله: {ناضرة}؛ ~~يقول: نضرة مشرقة حسنة، وهذا معروف في اللغة والبيان، تقول العرب للرجل إذا ~~أرادت له خيرا: نضر الله وجهك، وقوله: {إلى ربها ناظرة}، أي ناظرة لثوابه، ~~وما يأتيهم من خيره وفوائده، ومن ذلك ما تقول العرب: قد نظر الله إلينا، ~~وقد نظر الله إلى بني فلان إذا أصابهم الخصب بعد الجدب، والرخاء بعد الشدة. ~~وإنما أراد بذلك أن الله قد رحمهم وأتاهم بالنعمة، {فلما أفاق} موسى صلى ~~الله عليه، {قال سبحانك تبت PageV01P594 إليك وأنا اول المؤمنين}[الأعراف :143]، يقول: لو ابتليتني وأريتني وأظهرت ~~لي من بعض ما سألتك، مما أهلكت به الجبال الراسية لما قام لها جسمي، ~~ولأهلكتني بقليلها، ولما احتمل ذلك لطيف خلقي، وضعف مركبي، أنظر إلى عظيم ~~ما ذهبت به الجبال الراسية، فلك الحمد على ما صرفت عني من ذلك، رحمة منك ~~بي، وتفضلا علي، وزيادة وإحسانا إلي. # فهذا معنى قوله: {أنظر إليك}، لا ما ذهب إليه من جهل وزعم أن الله يرى، ~~سبحانه وتعالى عن ذلك علوا كبيرا. كيف وهو يقول في كتابه: {لا تدركه ~~الأبصار وهو ms14 يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير}[الأنعام: 103]؟! ### || [آيات موسى التسع] # وسألته عن قول الله سبحانه: {ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات}[الإسراء: ~~101] ما الآيات التي آتاه الله؟ # فقال: العصى التي تلقف ما يأفكون. # ومنها: اليد البيضاء، وهو قوله: {ادخل يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير ~~سوء}[النمل: 12]. # ومنها: الكلام الذي سمعه من الشجرة. # ومنها: الكلام الذي سمعه من النار. # قلت: وما سمع منها؟ # قال: قول الله في كتابه: {فلما جاءها نودي أن بورك من في النار ومن حولها ~~وسبحان الله رب العالمين}[النمل: 8]. # قلت: فما معنى قوله: {أن بورك من في النار ومن حولها}؟ # قال: أما قوله: {من في النار}؛ فإنما أراد بذلك ما سمع من الكلام في ~~النار، وأما قوله: {ومن حولها}؛ فهو من حضر من الملائكة حول النار. # ومنها: الحجر التي كان يحملها على حماره من مكان إلى مكان، وكانت حجرا ~~ململمة لا صدع فيها، فكان إذا احتاج إلى الماء ضربها بالعصى، فانبجست ~~بالعيون، ثم يدفنها فيخرج الماء من كل جانب منها، فإذا استغنى هو وأصحابه ~~أخرجها؛ فرجعت على حالتها أولا ثم حملها معه. PageV01P595 # ومنها: البحر الذي ضربه بالعصى فانفلق، حتى سار في وسطه هو وأصحابه بأمر ~~الله سبحانه، حتى خرج آخر أصحابه، ودخل آخر أصحاب فرعون تبعا لموسى وقومه، ~~فأغرق الله فرعون وقومه، ونجى نبيه عليه السلام والمؤمنين. # ومنها: طور سيناء. # وقد قيل والله أعلم: إن من الآيات التي آتاه الله: الجراد، والقمل، ~~والضفادع، والدم، ولا ندري ما صحة ذلك، غير أن الصحيح ما ذكرت لك أولا، وهو ~~بين نير. ### || [معنى قوله: {والله خلقكم وما تعملون}] # وسألته عن قول الله سبحانه: {والله خلقكم وما تعملون} [الصافات: 96]. ~~قال: الذي عنى بذلك سبحانه فهي: الحجارة التي ينحتونها أصناما، ويعملونها ~~لهم آلهة، وما أشبه ذلك من الأنصاب التي يعبدونها. فهذا معنى: {وما ~~تعملون}، فالله خلقهم ومفعولهم، ولم يخلق سبحانه فعلهم، والمفعول(1) فهو: ~~الصنم الذي ينحتونه من الحجارة، وفعلهم فهو: الحركة التي كانت منهم، من ~~الرفع والوضع والنحت، فالله(2) خلق الحجر الذي عملوه صنما، ولم ms15 يخلق الفعل ~~الذي كان منهم في نحت الحجر. ### || [محمد صلى الله عليه وآله هل كان متعبدا قبل النبوة؟] PageV01P596 # وسألته صلوات الله عليه عن محمد صلى الله عليه، ما كان عمله قبل أن يتنبأ؟ ~~وهل كان على شريعة عيسى صلى الله عليه أم لا؟ فقال: سألت عن أمر محمد صلى ~~الله عليه وعلى آله وسلم، وإنما كان على ما كان عليه الأنبياء من قبله، منذ ~~خلق الله آدم إلى أن بعث الله محمدا صلى الله عليه؛ من الإقرار بالله، ~~والتوحيد له، والتعظيم، والإجلال، والمعرفة به، وبعدله ، وأنه ليس كمثله ~~شيء، وأنه خالق كل شيء سبحانه وتعالى، وكان مقرا بالأنبياء كلهم، غير جاحد ~~لنبوتهم. وكان صلى الله عليه ينظر ما يأتي به أهل الكتاب من عظيم محالهم، ~~وقبيح فعالهم؛ الذي ذكره الله سبحانه عنهم، وذمهم عليه، فكان ينكر فعلهم، ~~ويذم جرأتهم على ربهم، ولم يكن صلى الله عليه يقرأ التوراة ولا الإنجيل، ~~ولا يحسن ترجمتهما، وكان يعيب أفعال الذين يقرأونهما؛ لما يأتون به من ~~الأمر الذي لايرضاه الله، ويستنكره عقله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يكن ~~معهم على شريعتهم،وكان في أصل المعرفة بالله كمعرفة عيسى صلى الله عليهما، ~~مقرا عالما بأن كل ما جاء به موسى وعيسى حق صلى الله عليهم جميعا. ### || [تفسير: لاحول ولاقوة إلا بالله] # وسألته عن تفسير: {لا حول ولا قوة إلا بالله}. ### || [وتفسيرها] فهو: لا حول ولا محال، ولا إدبار ولا إقبال، إلا بالله. ومعنى ~~إلا بالله؛ فهو: إلا بتمكين عباده، وذلك الحول بما جعل فيهم من ~~الاستطاعة(1)، ولا مقدرة على شيء من الأشياء؛ إلا بما جعل الله من ذلك في ~~تلك الأعضاء، وأعطى خلقه في كل ذلك من الأدوات والأشياء؛ التي تكون فيهم ~~بها القوة والحول، وينالون بوجودها ما يحبون من فعل وطول. ### || [تفسير العرش والكرسي] # وسألته عن تفسير العرش والكرسي. PageV01P597 # فقال: معناهما واحد، وهو الملك الذي علا كل شيء ملكه واقتهاره، ألاتسمع كيف ~~يقول سبحانه، إن كل شيء من الأشياء، من الأرض والسماء؛ في عرشه ms16 وكرسيه؛ ~~فقال: {وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم} ~~[البقرة: 255]؟ فأخبر أن الكرسي الذي هو العرش واسع على السموات والأرض، ~~وإذ قد وسعهما بشهادة الله سبحانه فقد دخلتا فيه، وحازهما وأحاط بهما، فإذا ~~كان ذلك بقول الله سبحانه؛ فهما فيه لا هو فيهما، وهو المحيط بهما لا هما ~~المحيطان به. # وإذ قد كان ذلك كذلك فقد بطل ما يقول الملحدون، وزال ما يصف المشبهون، ~~وثبت ما يقول الموحدون؛ من أن العرش هو الملك، والإحاطة من الله سبحانه، ~~فنفاذ (1) الإرادة، ومضي المشية؛ في السموات والأرض وما فيهن، وأن ملكه ~~المحيط بهن وعليهن، والمحيط بهن فهو كرسيه وعرشه. ### || [الرجل يدعي معرفة ما يكفيه من العلم] # وسألته عن الرجل يقول: قد فهمت وعرفت ما افترض الله علي، فأنا أكتفي ~~باليسير، ولا أتعب نفسي بتعليم الكثير، وأنا أقوم بحلال الله وحرامه، فهذا ~~يجزيني عن طلب غيره من العلم. # الجواب في ذلك: أن الله عز وجل لم يغفر لأحد بالجهل، فالواجب عليه أن ~~يكون عمره كله في طلب الخروج من الجهل إلى العلم، وفي ذلك ما يقول رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم: (( اغد عالما، أو متعلما، ولاتكن الثالث(2) ~~فتهلك ))؛ يعني الممسك عن طلب العلم. ### || [تسليم الجباية للظالم قسرا مع عدم التمكن من الهجرة عن بلده] # وسألته عن رجل ساكن في بلدة وقد تولى أمر البلد سلطان ظالم، والسلطان ~~يقتضي (3) منه جباية بغير طيبة من نفسه، وهو يخاف إن خرج من البلد على نفسه التلف. PageV01P598 # الجواب في ذلك: إن كانت مخافته على نفسه مخافة أن يجوع في الأرض، أويعرى، ~~أو يتلف إذا خرج من تلك البلدة؛ فليس هذا له بعذر؛ لأن الله عز وجل يرزقه ~~في بلده وغيرها. # وإن كان يخاف أن يظفر به سلطان بلده فيقتله إن خرج، ولم تكن له حيلة في ~~الإنسلال عنه، وكان لا محالة واقعا في يده إن خرج؛ فله في ذلك العذر، ~~إلى(1) أن يأتيه الله عز وجل بفرج، وإن قدر وأمكنه أن لا يعمل ms17 عملا يأخذ ~~منه فيه السلطان فليفعل. ### || [معنى قوله تعالى: تؤتي الملك من تشاء.. الآية] # وسألته عن قول الله سبحانه: {تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء ~~وتعز من تشاء وتذل من تشاء} [آل عمران: 26]. # والملك ها هنا الذي يؤتيه من يشاء؛ فهو جبايات الدنيا وأموالها، والذين ~~يشاء أن يؤتيه إياهم؛ فهم: الأنبياء، ثم الأئمة من بعدهم، والذين يشاء أن ~~ينزعه منهم؛ فهم: أعداؤه؛ من جبابرة أرضه. ومعنى: {تؤتي الملك}؛ فهو: الحكم ~~بالملك لهم صلوات الله عليهم، فمن حكم الله له بالنبوة أو بالإمامة حكما، ~~وأوجب له الطاعة على الأمة باستحقاقه لذلك الموضع إيجابا؛ فقد أتاه الملك؛ ~~لأن الملك هو: الأمر والنهي، والجبايات والأموال التي تقبض، التي بها قوام ~~العساكر، واتخاذ الخيل، والرجال، والسلاح، من جميع أداة الملك، فمن أجاز ~~الله له قبض جبايات الأرض، وإقامة أحكامها وحدودها، وأوجب له الطاعة على ~~أهلها؛ فقد آتاه الله الملك حقا، أولئك هم السابقون بالخيرات صلوات الله ~~عليهم، ومن لم يحكم له بشيء من ذلك، ولم يجزه له، ولم يطلق يده، ولم يوجب ~~له الطاعة على أحد من خلقه، فقد نزع الله ملك أرضه منه، وأبعده عنه، أولئك ~~أعداؤه، وجبابرة أرضه، الحاكمون بغير حكمه، المغتصبون لما جعل الله سبحانه ~~لأوليائه المنفذين لما حكم به في خلقه وبلاده، أولئك يأكلون في بطونهم نارا ~~وسيصلون سعيرا. PageV01P599 # فسبحان من لم يقض بشيء من ذلك لأعدائه، ولم يؤثر غير أوليائه. # وفي نفي الحكم منه بشيء من ذلك لأعدائه، ما يقول لنبيه إبراهيم صلى الله ~~عليه: {لا ينال عهدي الظالمين}[البقرة: 124]، والعهد فهو: العقد بالإمامة، ~~والحكم لهم بالطاعة. ومعنى: {لا ينال عهدي الظالمين}؛ فهو: لا يبلغهم، ولا ~~يجيزهم (1). # روي عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (( اللوح علم الله، وكرسيه ~~علمه، اللوح علم الله الذي وسع كل شيء؛ مما كان(2) أو سيكون )). # تم ذلك والحمد لله وحده وصلواته على رسوله سيدنا محمد النبي وعلى آله ~~وسلم تسليما. # **** PageV01P600 ms18