######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : المجموعة الفاخرة (مجموع رسائل الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع)) ¶ المؤلف : الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين(ع) #META# auth: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# bkid: 73 #META# الكتاب: المجموعة الفاخرة (مجموع رسائل الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع)) #META# bkord: 111 #META# idx: 1 #META# iso: المجموعه الفاخره #META# comp: 1 #META# bk: المجموعة الفاخرة #META# max: 1042 #META# المؤلف: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين(ع) #META# inf: من أهم الكتب في أصول الدين المعتمدة عند آل البيت فيه من المسائل والمواضيع ما لا غنى عنه للعالم ولا للمتعلم حافل بالأدلة والبراهين النقلية والعقلية والمباحث العلمية والردود على معظم الشبهات فهو كتاب منقطع النظير . ملاحظات: هو مجموع رسائل وكتب الإمام الهادي إلى الحق عليه السلام في أصول الدين، تضمن: ¶ - كتاب البالغ المدرك ، وكتاب معرفة الله عز وجل من العدل والتوحيد ، وإثبات النبوة ¶ -كتاب التوحيد جواب مسألة الرجل من أهل قم. ¶ - جواب مسائل الحسين الطبري. ¶ - كتاب المنزلة بين المنزلتين. ¶ - كتاب تفسير العرش والكرسي. ¶ - كتاب أصول الدين، وجوابه لأهل صنعاء . ¶ - كتاب الرد على من زعم أن القرآن قد ذهب بعضه. ¶ - كتاب جواب مسائل ابنه المرتضى، ومسائل محمد بن عبيدالله، والرد على سليمان بن جرير في الرضاء والسخط، والموعظة عند آخر حروبه بنجران ودعوته إلى أحمد بن يحيى بن زيد. ¶ - كتاب القياس . ¶ - مسائل أبي القاسم الرازي . ¶ - كتاب خطايا الأنبياء . ¶ - كتاب الرد على المجبرة ، وعلى الحسن بن محمد بن الحنفية وغيرهم. #META# authinf: المؤلف: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ¶ ترجمة المؤلف: الإمام الأعظم الهادي إلى الحق يحي بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الرسي، أبو الحسين [245-298ه] أحد عظماء الفكر الإسلامي، وأعلام أئمة الآل، إمام مجتهد، مجاهد، عالم، فقيه، زاهد، نشأته في جبل الرس القريب من المدينة المنورة، دعوته في اليمن سنة 283ه، وبقى في جهاد وكفاح، حتى توفاه الله بصعده سنة 298ه، وأخباره كثيرة، ومناقبه وفضائله غزيرة، ومؤلفاته ومصنفاته شهيرة وفيرة، وهو أشهر من نار على علم. #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | الجزء الأول من كتاب الرد والاحتجاج على الحسن بن محمد بن الحنفية (4) ### || مقدمة # الحمدلله الذي علا على الأشياء بطوله، وتقدس عن مشابهة المخلوقين بحوله، ~~الذي علا فقدر، وقدر فقهر، وعصي فغفر، وأطيع فشكر، الذي لا مثل له فيساويه، ~~ولا ضد له فيناويه(1)، الذي لا تدركه الأبصار، ولا تجن منه الأستار، العالم ~~بما تجن قعور البحور، وما تكن جوانح الصدور، العالم بما سيكون سبحانه من ~~قبل أن يكون، اللطيف الخبير، السميع البصير، الجليل الحكيم(2)، الكريم ~~الرحيم، الذي دنا فنأى، ونأى سبحانه فدنا، رابع كل ثلاثة، وسادس كل خمسة، ~~الداني من الأشياء بغير ملامسة، المحيط بها من غير مخالطة، العالم بباطنها ~~من غير ممازجة، فعلمه بما تحت الأرضين(3) السفلى؛ كعلمه بما فوق السموات ~~العلى، الموجد للأشياء من غير شيء، وجاعل الروح في كل حي، خلق خلقه حين ~~أراده، وإذا شاء سبحانه أباده، بلا كلفة ولا اضطرار، ولا بتخيل ولا إضمار، ~~ولا حاجة منه إلى الأعوان(4)، إذا أراد إيجاد شيء كان بلا كلفة، البريء من ~~أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، الذي لم يلده والد ~~فيكون مولودا، ولم يلد ولدا فيكون لذلك(5) محدودا، الخالق غير المخلوق، ~~والرازق غير المرزوق، الذي بقدرته قامت السموات بغير عماد(6)، وفرش لعباده ~~الأرض ذات المهاد، فاستقلت الأقطار، وسجرت(7) البحار، وهطلت الأمطار، ونبتت ~~الأشجار، وجرت الأنهار، وأينعت الثمار. فالق الحب والنوى، ومالك الآخرة ~~والدنيا(8)، زارع كل ما يحرثون، ومنزل الماء الذي يشربون، وخالق النار التي ~~يورون(9)، محصي الأعمال، ومؤجل الآجال، ومجري الأرزاق، ومسبب الأرفاق، ~~الصادق في كل قول قوله، النافذ في كل شيء فعله، الذي أمر ونهى، فأمر ~~بالتقوى، وزهد في الدنيا، ونهى عن PageV01P274 العصيان، وحض(1) على الإحسان(2)، وخلق ثوابا، وجعل [عقابا] (3)، فاعد ~~للمطيعين الجنان، وأجج للعاصين النيران، {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم: 31]، قابل التوبة، مقيل العثرة، مجيب ~~الدعوة، الذي لا يغافص(4) من عصاه، ولا يخيب أبدا من رجاه، يقبل اليسير ~~الصغير، ويعطي عليه الكثير، الذي لم يزل قادرا ولا يزال، فسبحان ذي ms001 القدرة ~~والعز والجلال. # أحمده على نعمائه، وأعوذ به من بلوائه، واستجير به من نقمته(5)، وأستديمه ~~لنعمته(6)، الذي شملت خلائقه نعماؤه، وتظاهر عليهم إحسانه وآلاؤه، سائق كل ~~غنيمة وفضل، وكاشف كل عظيمة وأزل(7). # أشهد له سبحانه بالربوبية، وبالعدل والصدق والوحدانية. وأشهد أن لا إله ~~إلا الله وحده لا شريك له، مقلب القلوب، الغافر لمن تاب من موبقات الذنوب، ~~البريء المتعالي عن كل نصب ولغوب، البائن عن الصفات، فليست تحده ~~المقالات(8)، ولا تنقصه الساعات، ولا تعروه السنات، المحمود في كل الحالات. PageV01P275 # وأشهد أن محمدا عبده ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه، صلى الله عليه وعلى ~~آله، الداعي إليه، بعثه سبحانه بحجته، واستنقذ به من النار أهل طاعته، بعثه ~~في طامية طمياء(1)، ودياجير ظلمة(2) عمياء، وأهاويل فتنة دهماء(3)، فدمغ ~~فنيق الكفر والفساد(4)، وأنهج سبيل الحق والرشاد، وأدحض عبادة الأوثان، ~~وأخلص عبادة الرحمن، وصدع بأمر ربه، وأنفذ ما أمره به، ودعا إليه علانية ~~وسرا، وأمر بعبادته سبحانه جهرا، صابرا على التكذيب والأذى، داعيا لهم إلى ~~الخير والهدى، حتى قبضه الله إليه، وقد رضي عمله، وتقبل سعيه، وغفر ذنبه، ~~وشكر فعله، فصلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار الصادقين ~~الأبرار. # ثم نقول من بعد الحمد لله والثناء عليه، والصلاة على محمد صلى الله عليه ~~وعلى آله وسلم: # ............أما بعد ... # فإنه وقع إلينا كلام للحسن بن محمد بن الحنفية(5)، يؤكد فيه الجبر، ويشدد ~~في ذلك منه الأمر، ويزعم فيه أن الله سبحانه جبر العباد أجمعين؛ من ~~الملائكة المقربين، والأنبياء المرسلين، وجميع الثقلين، على كل الأعمال من ~~صالح أو فاسد أو طالح(6)؛ فرأينا أن نجيبه في ذلك، وننقض عليه ما جاء به من ~~المهالك، ونثبت عليه في ذلك كله لربنا وسيدنا وخالقنا ما هو أهله مما هو ~~عليه، وما لا يجوز لخلق عندالله أن يقول بغيره فيه، فاختصرنا له في قوله ~~الجواب، وتركنا خشية التطويل كثيرا من الأسباب. PageV01P276 # فلينظر من نظر في قولنا وقوله، وجوابنا لسؤاله، بلب حاضر، ورأي حي صادر؛ ~~يبن له الحق إن شاء ms002 الله، ويثبت في قلبه الصدق. والحمدلله رب العالمين، ~~وصلى الله على خير خلقه أجمعين، محمد خاتم النبيين، وعلى أهل بيته الطاهرين وسلم. ### || المسألة الأولى: # هل يستطيع الرسل ترك البلاغ والتغيير أم ألزموا ذلك # فكان أول ما سأل عنه أن قال: أخبرونا عن رسل الله من بني آدم، هل جعل ~~الله لهم السبيل والإستطاعة إلى ترك البلاغ ولو شاءوا لغيروا ما أمروا به ~~من تبليغ الوحي والعمل بالسنن؟ أو ألزموا على ذلك إلزاما، فلا يستطيعون على ~~تركه ولا الزيادة فيه ولا النقصان منه؟ # فإن قالوا: نعم، قد جعل الله لهم سبيلا واستطاعة لترك البلاغ؛ فلو شاءوا ~~لغيروا ما نزل إليهم من كتابه وحكمته؛ فقد دخلوا في أعظم مما كرهوا؛ حين ~~زعموا أن الرسل لو شاءوا لم يعبدوا الله بالتوحيد، ولم يعملوا له بطاعة، إذ ~~زعموا أنهم كانوا يقدرون على كتمان الوحي والسنن. # فيقال لهم: وأنتم الآن لا تدرون هل بلغت الرسل كل ما جاءهم من الوحي ~~والسنن أم لا؟ # فإن قالوا: نعم، تقدر الرسل على كتمان الوحي والسنن إذا أرادت ذلك؛ احتج ~~عليهم، وإن قالوا: لم تكن الرسل تقدر(1) على كتمان الوحي، ولا إبدال ~~الفرائض، ولا ترك البلاغ؛ لأن الله ألزمهم البلاغ إلزاما؛ فلا يقدرون على ~~تركه وكتمانه؛ فقد أجابوا، وفي ذلك نقض(2) لقولهم. # [جوابها]: # بسم الله الرحمن الرحيم # فكان أول ما سأل عنه أن قال: أخبرونا عن قولكم فيما نسأل(3) عنه، نبئونا ~~هل الأنبياء صلوات الله عليهم مستطيعون لعمل فعلين متضادين في حالين ~~مختلفين؟ PageV01P277 # وقولنا في ذلك، والله الموفق لكل رشد وخير، والدافع لكل سوء وضير، أن رسل ~~الله صلوات الله عليهم قد أدوا ما أمرهم الله بأدائه على ما أمرهم، لم ~~يشبهم في ذلك تقصير، ولم يتعلق عليهم في ذلك من التفريط(1) جليل ولا صغير، ~~وأنهم كانوا في ذلك كله لأمر الله مؤثرين، وعلى طاعته سبحانه مثابرين، وأن ~~الله سبحانه لم يكلفهم أداء الرسالة، حتى أوجد فيهم ما يحتاجون إليه من ~~الإستطاعة، ثم أمرهم بعد ونهاهم، وكلفهم من أداء ms003 الوحي ما كلفهم، فبلغوا ~~عنه ما به أمرهم، على اختيار منهم لذلك، وإيثار منهم لطاعته، وحياطة ~~لمرضاته، لم يكن منه جبر لهم على أدائه، ولا ادخال(2) لهم قسرا في تبليغه، ~~بل أمرهم بالتبليغ فبلغوا، وحثهم على الصبر فصبروا، فقال سبحانه: {يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالاته}[المائدة: ~~67]، فقال: بلغ ما أنزل إليك، ولو لم يكن التبليغ منه صلى الله عليه وآله ~~باستطاعة وتخير لم يقل له: (بلغ)؛ إذ الأمر لمن لا يقدر أن يفعل فعلا حتى ~~يدخل فيه ادخالا، ويقلب فيه تقليبا محال، لأن الفاعل هو المدخل لا المدخل، ~~والمقلب لا المقلب، فلم يأمر الله عز وجل أحدا بأمر إلا وهو يعلم أنه يقدر ~~على ضده، فحثه بأمره على طاعته، ونهاه عن معصيته، ألا تسمع كيف يقول: ~~{فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون}[الأحقاف: 35]، فأمره باحتذاء ما فعل من هو قبله من الرسل؛ من ~~الصبر على الأذى والتكذيب، والشتم والترهيب، ولو كان الله سبحانه هو المدخل ~~لهم في الصبر PageV01P278 ادخالا، ولم يكن منهم له افتعالا؛ لقال: صبرناك كما صبرناهم، ولم يقل: اصبر ~~كما صبر أولوا العزم من الرسل. وكيف يأمر ذو الحكمة والفضل، مأمورا بما ~~يعلم(1) أنه يفعله من الفعل؟ فجل الله عن ذلك، وتعالى عن أن يكون كذلك. فهل ~~سمعه من جهله سبحانه يأمر أحدا من خلقه أن يفعل شيئا مما هو من فعله، مما ~~يتولى إحداثه فيهم؟ ويقضي به تبارك وتعالى عليهم، مما ليس لهم فيه فعل ولا ~~افتعال، ولا تصرف باخراج ولا إدخال، مثل الموت والحياة وإيجاد السمع والبصر ~~والأفئدة؟ بل ذكر ذلك كله عن نفسه، وأضاف فعله إليه بأسره، فقال: {إنا نحن ~~نحيي ونميت وإلينا المصير} [ق: 43]، ولم يأمرهم بأن يموتوا، ولا بأن يحيوا. PageV01P279 # وقال سبحانه إخبارا عمن سلف، وتوقيفا واحتجاجا على من جاء بعدهم وخلف: ~~{ولقد مكناهم ms004 فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى ~~عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله ~~وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون} [ق:37]، فقال: جعلنا لهم، ولم يقل: اجعلوا، ~~ولا تجعلوا(1). ثم قال: فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من ~~شيء [إذ فعل السمع والأبصار والأفئدة](2). فأراد سبحانه منهم إذ فعل لهم ~~الأسماع أن يفعلوا هم الاستماع بها، فيستمعوا ما جاء به الرسول من أخبار ~~من هلك من قبلهم، وإنذار من أنذر ممن هو أشد منهم بطشا فلم يقبل الهدى ~~فأهلك. قال الله سبحانه: {وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا فنقبوا ~~في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو ~~شهيد} [الأحقاف: 26]. فأراد إذ فعل لهم سمعا أن يسمعوا به أخبار من نزل به ~~ما نزل فينتهوا، ويسمعوا لرسله ويطيعوا، ويسلموا للحق ويجيبوا. وكذلك إذ ~~فعل لهم أبصارا أراد أن يبصروا بها إلى ما خلق من السموات والأرض وأنفسهم ~~وما ذرأ وبث؛ فيعلموا أن لهذا خالقا ومدبرا فيؤمنوا. وكذلك الأفئدة أراد ~~بجعلها لهم إذ أوجدها فيهم أن يفكروا، ويدبروا فيعتبروا، ويميزوا ~~فيهتدوا. ولو كان سبحانه وتعالى عن ذلك المتولي لفعل أفعالهم لم يحتاجوا ~~إلى الإسماع والتبصير والتفكير(3)؛ إذ كان الله المتولي لإنفاذ ما ~~أرادوا(4)، والممضي دونهم لكل فعل منهم؛ ولم يقل عز وجل: {فما أغنى عنهم ~~سمعهم ولا PageV01P280 أبصارهم ولا أفئدتهم}، وكيف يستمعون إذا أسمعوا(1)، ويستبصرون إذا ~~أبصروا(2)، وينتفعون إذا فكروا؛ وهم لا ينالون ذلك ولا يقدرون عليه، وغيرهم ~~الفاعل له المصرف لهم فيه؟ # فتعالى من فعله غير فعل خلقه، ومن أمر عباده باتباع حقه. ألا تسمع كيف ~~قوله(3) سبحانه، وإخباره عن المؤمنين والفاسقين، فقال: {ماذا أنزل ربكم ~~قالوا خيرا} [النحل: 30]، وقال في الفاسقين: {ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير ~~الأولين} [النحل:24]، فمدح المؤمنين على ما قالوا من الصدق في رب العالمين، ~~وذم الفاسقين على قولهم الباطل في أحسن الخالقين. ms005 # ولو لم يكن العباد متخيرين، ولا مما أرادوا متمكنين، وكان الحامل لهم على ~~أفعالهم، المدخل لهم في كل أعمالهم رب العالمين؛ لكان هو القائل لما نزل من ~~الحق: (أساطير الأولين)، ولم يكونوا هم القائلون بما قالوا من قولهم، ~~والناطقون بما أنطقهم، [ولم يكونوا](4) عند العدل الجواد الرؤوف الرحيم ~~بالعباد بمذمومين، ولا عليه بمعاقبين. ففي أقل من ذلك حجة لذوي الإيمان(5) ~~المميزين. # *** # وأما ما قال: من أنهم إن كانوا صلوات الله عليهم قادرين على التبليغ ~~والترك، وكان تبليغهم اختيارا منهم للطاعة على المعصية، ولرضاه على سخطه؛ ~~فما يدريكم لعلهم قد تركوا وبدلوا، أو غيروا وخانوا، أو ستروا واجبا ~~وخالفوا؟. # قيل له: في ذلك من الحجة والحمد لله أبين البيان، وأنور القول والبرهان، ~~ألا تعلم(6) أيها السائل(7) أن الله سبحانه لا يزكي إلا زكيا رفيعا؟، ولا ~~يذكر بالطاعة إلا سامعا مطيعا؟، ولا بالأداء إلا مؤديا؟. PageV01P281 # وقد وجدنا الله سبحانه ذكر في توراته التي أنزلها على موسى بن عمران تبليغ ~~من بعثه من أنبيائه بوحيه؛ من نوح وإبراهيم وغيرهما، وأثنى عليهم بذلك، وحض ~~موسى(1)، صلوات الله عليه على الإقتداء بهم والإيثار لما آثروا من الطاعة ~~لربهم، ثم قص قصة موسى صلى الله عليه، وذكر فضله، [وتبليغه](2) وصبره ~~واجتهاده وفعله، في الإنجيل الذي انزل على عبده المسيح، المطهر من كل قبيح، ~~صلوات الله عليه. ثم قص قصة عيسى على محمد، وذكر له من قصته واجتهاده ~~وتبليغه وتبليغ غيره من الرسل؛ فقال: {وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل ~~إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من ~~بعدي اسمه أحمد} [الصف: 6]، فصدق بما جاء به موسى، وبشر بما أمر بالتبشير ~~به من البشير النذير، الرؤوف بالمؤمنين الرحيم، محمد الرسول الكريم. ثم ذكر ~~لنا في كتابه أن رسوله قد بلغ وأنذر، وأخبر أنه قد أدى كل ما يجب عليه؛ ~~فقال: {ما على الرسول إلا البلاغ المبين}[المائدة: 99]، وقال: {فتول عنهم ~~فما أنت بملوم} [الذاريات: 54]، ولو كان منه صلى الله عليه وآله ms006 غير ~~الاجتهاد لم يقل سبحانه: {فما أنت بملوم} فقد برأه الله من كل دنس ولوم. # فقد بطلت حجة من أراد الطعن على الأنبياء المهتدين، المؤدين لأمر الله ~~الخانعين(3)، بما قال عنهم وذكر فيهم رب السموات والأرضين. والحمدلله رب ~~العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين. تمت المسألة. ### || المسألة الثانية: عن إبليس # من أخطر المعصية على باله؟ ومن أين علم ما علم عن آدم وذريته؟ PageV01P282 # ثم أتبع هذه المسألة فقال: أخبرونا عن إبليس، ما أخطر المعصية على باله؟ أو ~~من أوقع التكبر(1) في نفسه؟. # فإن قالوا: نفسه أمرته بالمعصية، وهواه حمله على التكبر، فقل: فمن جعل ~~نفسه أمارة بالمعصية، وهواه حاملا له على التكبر؟. # فإن قالوا: الله، كان ذلك نقضا لقولهم. # ويقال لهم: فمن أعطاه علم الخديعة والمكر؟ آلله جعل ذلك في نفسه؟ أو شيء ~~جعله هو لنفسه؟ # فإن قالوا: الله جعل ذلك له؛ كان ذلك نقضا لقولهم. وإن قالوا: إن ذلك لم ~~يكن من الله عطاء ولا قسما؛ فقد دخل عليهم أعظم مما هربوا منه؛ حين زعموا ~~أن غير الله يجعل في خلقه مالم يرد الله أن يكون فيهم، فما أعظم هذا من ~~القول!! # وسلهم: من أين علم إبليس أن آدم يكون له ذرية، وأن الموت يقضي عليهم، ~~وأنه يكون بينهم(2) لله عباد مخلصون، وأنه يحتنكهم إلا قليلا منهم؟. # فإن قالوا: إن الله أعلمه ذلك؛ فقد نقض ذلك قولهم، وإن قالوا: إن إبليس ~~علمه من قبل نفسه، فقد زعموا أن إبليس يعلم الغيب، فسبحان الله العظيم!! # *** # جوابها(3) # وأما ما سأل عنه وقاله من أمر إبليس فقال: من أخطر المعصية على باله؟ ومن ~~أوقع التكبر والمكر والخديعة في نفسه؟ PageV01P283 # فإنا نقول في ذلك: إن الله أعطى إبليس من الفهم واللب ما يقدر به على ~~التمييز بين الأمور، ويعرف به الخيرات من الشرور، ويقف به على الصالح من ~~ذلك والطالح، وإنما أعطاه الله ذلك، وجعله وكل الخلق المتعبدين كذلك، لأن ~~يعرفوا [قوله](1) ويعرف ما افترض الله عليهم [وعليه](2)، فيتبع ذلك دون ~~غيره ويثابر عليه، ويعرف ms007 ما يسخط الله فيجتنبه ويتقيه، ويحاذر انتقامه فيه، ~~ولو لم يعطه وغيره ذلك لم يهتدوا أبدا إلى فعل خير ولا شر، ولا تخير طاعة، ~~ولا إيثار هوى، ولا اتباع تقوى، ولو كان [ذلك وكان] (3) الخلق كذلك؛ لكان ~~معنى الثواب ساقطا عنهم، ولما جرى أبدا عقاب عليهم، ولو لم يجر عقاب، ولم ~~ينل ثواب؛ لم يحتج إلى جنة ولا نار، ولما وقع تمييز بين فجار ولا أبرار، ~~وقد ميز الله ذلك فقال: {لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم ~~الفائزون}[الحشر: 20]، ولو كان ذلك كذلك، لكان معنى الملك والتمليك عندالله ~~سبحانه ساقطا هنالك، ولكنه سبحانه لما خلق الخلق لم يكن للخلق بد من عمل، ~~ولم يكن العمل كله لله رضى، ولا كله سخطا [طرا معا](4)، ولما كان من ~~الأعمال مرض لله ومسخط، لم يكن بد من الأمر بالعمل المرضي، والنهي عن العمل ~~المسخط، فلما كان ذلك كذلك لم يكن بد من الترغيب على العمل الصالح بالثواب، ~~والترهيب على العمل الطالح بالعقاب، فجعل(5)الجنان ترغيبا، والنيران ~~ترهيبا، وترهيب الشيء من الشيء الذي لا يستطيع أن يرهبه محال، كما أن ترغيب ~~الشيء فيما لا يقدر على أن يرغب فيه محال، فاحش من الفعال، ولا يكون ترغيب ~~إلا لمن يقدر على الرغبة، ولا ترهيب إلا لمن يقدر على الرهبة، ولا أمر ولا ~~نهي إلا لمن [يقدر على أن](6) يميز بين المأمور به والمنهي عنه، فجعل PageV01P284 الله وركب فيهم استطاعة وتمييزا، ليعرفوا رضاه فيتبعوه، ويفهموا سخطه ~~فيتجنبوه فيثيبهم أو يعاقبهم على ما يكون من أفعالهم باختيارهم، لأن ~~المثيب على فعله إنما هو مجاز لنفسه. ثم أمرهم عز وجل ونهاهم، ثم قال: {فمن ~~شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29]، ولو لم يعلم أن لهم(1) مشيئة ~~وتمييزا واقتدارا على الفعل والترك لم يقل: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر}. وقال سبحانه: {يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا} [مريم: ~~12]، ولو لم يكن فيه استطاعة مركبة قبل الأمر، ولم يكن قادرا على أخذ ~~الكتاب؛ لم يقل: خذ، ms008 وهو لا يقدر على الأخذ، لأن القائل للحجارة وما كان ~~مثلها يقال (2): مخطيء محيل في المقال، فتعالى الله عن ذلك. # وقال: {قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما ~~كانوا يكسبون} [الجاثية: 14]، ولو لم يكن المؤمنون يقدرون على الغفران لمن ~~أمروا بالمغفرة له لم يقل: يغفروا، وكان يحدث فيهم الغفران لأولئك فيغفروا، ~~ولم يكن ليأمرهم من الأمر بمالا يطيقون. PageV01P285 # وأعطى الله إبليس اللعين ما أعطاه من الفهم والتمييز لأن يطيعه ولا يعصيه، ~~وأراد أن يطيعه تخيرا وإيثارا لطاعته، فكانت هذه إرادة معها تمكين ~~واستطاعة، ولم يرد أن يطيعه قسرا، ولا أن يمنعه من المعصية جبرا، [فيكون ~~إبليس اللعين في ذلك غير محسن ولا مسيء. فلم يحل بينه وبين المعصية قسرا، ~~ولم يحمله على الطاعة جبرا] (1)، فمكنه وهداه، ثم أمره ونهاه، فرفض له ~~الويل تقواه، واتبع هواه، وكفر نعم ربه، وكره تنزيله وحكمه، فكان كما قال ~~الله سبحانه: {والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما ~~أنزل الله فأحبط أعمالهم} [محمد: 89]. فلو كانت الكراهة لما أنزل الله قضاء ~~له فيهم، وفعلا ادخله سبحانه عليهم؛ لكانت من الله لا منهم، ولكان الكاره ~~لتنزيله لاهم، ولكانوا ناجين من العقاب، وكانوا متصرفين في أمره في كل ~~الأسباب، وكذلك المهتدون، لو كان هو الذي فعل هداهم، وزادهم في تقواهم، لم ~~يقل: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17]، ولو كان ذلك كما ~~يقول الجاهلون، وينسب إلى الله الضالون؛ لكان من اهتدى، ومن كره وأبى، في ~~الأمر عندالله شرعا واحدا(2)؟ إذ كان كلهم في امره وقضائه له مطيعا، ~~متقلبا(3) متصرفا في إرادته سريعا. PageV01P286 # وأما قوله: من أين علم إبليس أن آدم يكون له ذرية؟ وأن الموت يقضي عليهم؟ ~~فإن جوابنا له في ذلك: أن الله أعلمه ملائكته، فسمعه إبليس من ملائكة الله ~~فيما كان يسترق من السمع، كما قالوا وحكى الله عنهم في قوله: {وأنا كنا ~~نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا} [الجن: 9]، ~~فكانوا قبل ms009 أن يبعث الله نبيه صلى الله عليه، ويكرمه بما أكرمه من الوحي ~~إليه يسترقون السمع، فلما أن بعثه الله حجبهم عن المقاعد التي كانوا ~~يقعدونها من السماء، ويسترقون من الملائكة الأخبار فيها؛ فيهبطون بها إلى ~~إخوانهم؛ من كهنة الإنس وأوليائهم، كما قال ذو المن والجلال(1): {وكذلك ~~جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا} [الأنعام: 113]، فلما أرسل الله رسوله بالوحي البالغ، والنور ~~الساطع؛ حجبهم عن علم شيء من أخبار السماء، لكيلا يسبقوا به ولا يلقوه(2) ~~إلى إخوانهم من كهنة أهل الدنيا، فقذفهم بما جعل لهم من النجوم شهبا رصدا، ~~فرماهم بالنجوم من السماء، ولم يكن قبل ذلك بشيء منها يرمى، فهيل لذلك أهل ~~الأرض والشياطين في الهواء(3)؛ فقالوا في ذلك كما أخبر الله به عنهم، وحكى ~~من قولهم: {وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا ~~رصدا وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن: 9]. PageV01P287 # فمن الملائكة علم إبليس أخبار آدم وذريته، ولو لم يعلم الله الملائكة بذلك ~~لم يعلمه إبليس ولا هم، كما لم يعلموا بما كتمهم من أسماء الأشياء التي ~~اعلمهم آدم بأسمائها، في وقت ما علمه الله أسماءها وكتم الملائكة إياها، ~~كما قال سبحانه: {وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال ~~أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا سبحانك لا علم لنا إلا ما ~~علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم بأسمائهم فلما أنبأهم ~~بأسمائهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السموات والأرض وأعلم ما تبدون وما ~~كنتم تكتمون}[البقرة: 31 33]، فأنبأهم حين أمره الله أن ينبئهم بأسماء من ~~كان قد خفي عنهم علمه من الأشياء، فعندما رأى إبليس اللعين الرجيم(1) تعليم ~~الله لآدم (2) وتعظيمه لقدره، وإسجاده الملائكة من أجله، ولما أظهر فيه من ~~عجائب تدبيره وصنعه؛ حسده على ذلك غاية الحسد، حتى أخرجه حسده لآدم إلى أن ~~كفر(3) بربه، وخالف فيما ترك من السجود عن أمره، ms010 ثم خشي أن يؤاخذه (4) الله ~~مغافصة على ذنبه، فطلب الإنظار والتأخير من ربه، فأنظره وأمهله الله إلى ~~يوم حشره. PageV01P288 # ولو حجب الله علم آدم وذريته عن الملائكة لم يكن ليعلمه إبليس ولا هم، وليس ~~إعلامه إياهم سبحانه بأنه سيجعل لآدم ذرية إلا كإعلامه من قبل إيجاده لآدم ~~بآدم؛ حين يقول عز وجل: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة} ~~[البقرة: 30]، وكما أعلمنا في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله، بما ~~يكون في دار الآخرة من الثواب والعقاب، والمجازاة بين العباد، وليس على ~~الله في ذلك من حجة كبيرة ولا صغيرة. # *** # وأما ما سأل عنه من استكبار إبليس، وقال: ممن هو؟ أمن الله؟ أم منه؟ أم ~~من غيره؟ فسبحان الله! ما أبين جهل من شك في هذا، أيتوهم أو يظن ذو عقل أن ~~الله ألزم إبليس التكبر والإجتراء عليه، فأدخله قسرا فيه، وهو يسمع إخبار ~~الله في ذلك عنه؟ وأنه نسب التكبر إليه، فقال سبحانه: {وإذ قلنا للملائكة ~~اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين} [البقرة: 34]، ~~فذكر أن الاستكبار والكفر من فعل إبليس الكافر المستكبر، ولو كان الله ~~أدخله في الاستكبار فاستكبر، وقضى عليه بالكفر فكفر؛ لم يقل فيه: وكان من ~~الكافرين. ولكان أصدق الصادقين يقول فيه: إنه أطوع المطيعين. وما كان من ~~استكبار إبليس فهو كاستكبار غيره من الناس، قال الله سبحانه: {ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تفسقون} [الأحقاف: 30]، ولو كان الكبر(1) والفسق من الله فيهم فعلا، وله ~~سبحانه عملا؛ لم يجزهم عذاب الهون على فعله الذي أدخلهم فيه، بل كان يثيبهم ~~عليه، ويكرمهم لديه. ### || المسألة الثالثة: PageV01P289 # في آدم هل شاء الله خلوده في الجنة أم خروجه منها؟ # ثم أتبع(1) ذلك الحسن بن محمد المسألة عن آدم عليه السلام وزوجته(2)، ~~فقال: خبرونا عن آدم وزوجته(3) حين أسكنهما الله الجنة، ما كانت محبة ms011 الله ~~ومشيئته لهما في دخولهما فيها؟ أخلودهما فيها وإقامتهما؟ أم في خروجهما ~~منها؟ فإن زعموا ان محبة الله ومشيئته كانت في خلودهما فقد كذبوا؛ لأن أهل ~~الجنة لا يموتون ولا يتوالدون ولا يمرضون ولا يجوعون ولا يخرجون، وقد قضى ~~الله الموت على خلقه جميعا، وقضى على آدم أن تكون له ذرية تكون منهم ~~الأنبياء والرسل والصديقون والمؤمنون والشهداء والكافرون، ثم قال: {فيها ~~تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} [الأعراف: 25]، وقال: {منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55]، وكيف يكون ما قالوا وقد ~~قضى الله القيامة والحساب والموازين والجنة والنار؟ سبحان الله! ما أعظم ~~هذا من قولهم، وإن قالوا: إن محبة الله ومشيئته كانت في خروج آدم وزوجته من ~~الجنة وهبوطهما إلى الأرض؛ فقد زعموا أنه لم يكن ليخرجهما من الجنة إلا ~~الخطيئة التي عملاها، والأكل من الشجرة التي نهيا عنها، فقد أقروا لله ~~بقدرته ونفاذ علمه، وفي ذلك نقض قولهم. # تمت مسألته (4). # [جوابها](5) PageV01P290 # وأما ما سأل عنه من إرادة الله في آدم وزوجته (1) حين أسكنهما الجنة، أكانت ~~إرادته خلودهما فيها؟ أم خروجهما عنها؟ وما توهم من هذه الجنة التي كان ~~فيها آدم وزوجته أنها جنة المأوى التي جعلها الله ثوابا للعاملين، ومقرا ~~دائما لعباده المؤمنين. # *** # فإنا نقول: إن الجنة التي كان فيها آدم وزوجته هي جنة من جنات(2) الدنيا ~~ذوات الأنهار، والغرف والأشجار، فسماها الله جنة، وهذا فموجود في لغة العرب ~~غير مفقود، تسمي ما كان من الضياع والبساتين ذا فواكه وأشجار وعيون جنانا، ~~أما سمعت إلى قول الله سبحانه، ما أبين نوره وبرهانه، وكيف حكى عن الأمم ~~الماضين، الفراعنة المتجبرين، حين يقول سبحانه: {كم تركوا من جنات وعيون ~~وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما آخرين} ~~[الدخان: 26]. # وقال: {ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله} [الكهف: ~~39]، فسمى الله ما كان من الأرضين على ذلك من الحالات، في قديم الدهر ~~وحديثه جنات (3). وإن آدم كان في موضع قد برأه الله له(4) من ms012 الأرض كريم، ~~شريف عظيم، خلقه فيه، وأجرى رزقه ومرافقه عليه. # وليس كما ظن الحسن بن محمد وقال، وتوهم من فاحش الظن والمقال؛ أن أهل ~~الجنة منها خارجون، وعنها منتقلون، وأن آدم وحواء كانا فيها ثم أخرجا، وليس ~~كذلك، بل هو كما قال رب العالمين، وأصدق الصادقين، فيمن صار إلى جنة المأوى ~~من عباده الصالحين: {خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ~~ربه} [البينة: 8]. PageV01P291 # وكما قال: {لايمسهم فيها نصب وما هم منها بمخرجين} [الحجرات: 48]، فأخبر أن ~~من دخل جنة المأوى، غير خارج منها أبدا، وأنه لن يذوق بعد دخوله إياها نصبا ~~ولا شقاء، وقال عز وجل إخبارا منه أنه لا يدخل الجنة إلا المطيعون المجازون ~~من العالمين، فقال: {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى ~~وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} [النازعات: ~~37]، فأخبر سبحانه أن الجنة لا يدخلها إلا من اتقى، وتقدم منه العمل ~~بالحسنى، فأولئك الذين تزلف لهم الجنة، قال الله تعالى: {وأزلفت الجنة ~~للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء ~~بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد} ~~[ق: 31]. # *** # وأما ما سأل عنه من قول الله: {فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون} ~~[الأعراف: 25]، ومن قوله: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة ~~أخرى} [طه: 55]، وما توهم من ذلك أن هذه الأرض التي خلق منها آدم هي أرض ~~الجنة وعرصتها،وأن كل العباد راجع إليها، فليس ذلك كما توهم ولا كما قال، ~~وإنما عنى الله بكل ما ذكر من هذه الأقوال؛ هذه الأرض التي منها خلقوا ~~وفيها يدفنون، ومن أجداثها يبعثون. قال الله تعالى: {ألم نجعل الأرض كفاتا ~~أحياء وأمواتا} [المرسلات: 25]، وقال سبحانه: {يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ~~ذلك حشر علينا يسير} [ق: 24]. # *** PageV01P292 # وأما ما سأل عنه فقال: ما كانت إرادة الله في آدم وزوجته؟ أيخلدان في ~~الجنة؟ أم أراد أن يخرجا منها، وأن يهبطا ms013 عنها؟ # فإنا نقول: إن إرادة الله في وقت خلق آدم وزوجته سكناهما في الجنة ~~ومقامهما، وإن ارادته وحكمه عندما كان من غفلتهما، واستزلال الشيطان لهما ~~حتى كان منهما ما كان من معصيتهما، لسبب الغفلة والنسيان لما عهد إليهما ~~ربهما، من اجتناب الشجرة التي عنها نهاهما؛ فطلبا البقاء والحياة ~~والاستزادة من العمل الصالح، ورجوا أن يخلدا ثم يزدادا طاعة لربهما، وتكثر ~~عبادتهما لخالقهما، فغوى(1) صلى الله عليه في الشجرة ناسيا، ولم يكن ذلك عن ~~مباينة لله بالعصيان، ولا عن قلة معرفة بما يجب للرحمن، قال الله تبارك ~~وتعالى: {فنسي ولم نجد له عزما} [طه: 115]. فلما أن كان ذلك منهما، أراد ~~الله أن يهبطهما من الجنة التي كان قد كفاهما فيها لباسهما وقوتهما، ~~فأخرجهما منها إلى غيرها من الأرض، وأبدلهما بالراحة تعبا، وبالكفاية ~~للمؤونة طلبا، وحرثا وزرعا. PageV01P293 # فكانت إرادته في وقت إيجادهما: الكفاية لهما، وفي وقت نسيانهما: ما حكم به ~~من إخراجهما، وإهباطهما منها إلى غيرها. والهبوط فهو القدوم من بلد إلى ~~بلد، تقول العرب: هبطنا من بلد كذا وكذا إلى بلد كذا وكذا، وهبطنا عليك ~~أرضك. وقال الله المتقدس الأعلى، فيمن كان مع عبده ونبيه موسى؛ ممن كان ~~ينزل عليه المن والسلوى، ويظلل بالغمام ويسقى زلال الماء، فطلبوا وسألوا ~~التبدل بذلك ما هو أقل وأدنى؛ فقالوا: {يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع ~~لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها ~~قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن لكم ما سألتم} ~~[البقرة: 61]، فقال: اهبطوا مصرا، أي أقدموا وانزلوا مصرا تجدوا فيه ما ~~سألتم من هذا الأدنى. # فأراد سبحانه أن يسكنها آدم أولا، ويخرجه منها آخرا، كما شاء أن يسكن ~~ذريته(1) الدنيا ثم يخرجهم منها إذا شاء إلى الآخرة. # وكما شاء وأراد أن يصلي له نبيه صلى الله عليه وآله إلى بيت المقدس، ثم ~~شاء أن ينقله عنه إلى ماهو أعظم، فينقله إلى بيته الحرام المكرم. PageV01P294 # وكما شاء سبحانه أن يفترض على ms014 أمة موسى من الفرائض المشددة، والأمور ~~المؤكدة، فافترض ذلك عليهم، ولم يرض منهم بسواه. من ذلك ما حرم عليهم من ~~المأكل من الشحوم اللذيذة وغيرها، وما حظر عليهم من صيد البحر في يوم ~~سبتهم، حتى كانت الحيتان يوم السبت تأتيهم وتظهر لهم، وتكثر عندهم وتشرع ~~قريبا منهم؛ امتحانا من الله لهم، فكانوا لله في تركها مطيعين، وكانوا عنده ~~على ذلك مكرمين، ثم عتوا من بعد ذلك وفسقوا، وخالفوا فتصيدوا، فأخذهم الله ~~بذنوبهم، فجعل منم القردة والخنازير، فقال سبحانه في ذلك: {واسألهم عن ~~القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا يفسقون} ~~[الأعراف: 163]. # ثم أراد الله التخفيف عن عباده؛ فبعث فيهم عيسى صلى الله عليه، فأحل لهم ~~بعض ما قد كان حرم عليهم. قال الله تعالى يخبر عما جاء به عيسى وقاله، مما ~~أمره الله به جل جلاله، حين يقول: {ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم وجئتكم ~~بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم فاعبدوه هذا صراط ~~مستقيم} [آل عمران: 50]. # ثم أراد التخفيف عنهم، والنقل لهم إلى أفضل الأديان، إلى دين أبيهم ~~إبراهيم، الأواه الحليم، فبعث محمدا صلى الله عليه وعلى أله بذلك، فصدع ~~بأمر ربه، وأنفذ ما أرسل به. # فكان(1) ذلك إرادة من بعد إرادة، ومتعبدا من بعد متعبد، فصرف (2) الله ~~فيه العباد، فتبارك الله ذو العزة والأياد(3). PageV01P295 # وكذلك حكم على من عصاه بالمعصية، فإن تاب حكم له بالطاعة، وإن عاد فعصى؛ ~~حكم عليه بما حكم على أهل الردى، فإن تاب وأناب، وعاد إلى الله وأجاب؛ حكم ~~له بالهدى والثواب. # فهذه أحكام من الله وإرادات، أراد الله سبحانه أن يتصرف في المخلوقين، ~~على قدر ما يكون منهم من العملين، فقال جل وعز: {من عمل صالحا فلنفسه ومن ~~أساء فعليها ثم إلى ربكم ترجعون} [فصلت: 46]. # *** # وأما ما ذكر من العلم، وأن العلم لا يخلو من أن يكون الله العالم بنفسه، ~~ويكون العلم ms015 من صفاته في ذاته لا صفته(1) لغيره، أو يكون العلم غيره. # فمن قال: إن العلم غيره؛ فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه؛ ~~لكان أحدهما قديما والآخر محدثا، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما ~~المحدث لصاحبه، فإن قال: إن العلم أحدث الخالق كفر، وإن قال إن الله أحدث ~~العلم؛ فقد زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم؛ ~~فضده لا شك ثابت وهو الجهل، تعالىالله عن ذلك علوا كبيرا. # وإن رجع هذا القائل الضال، إلى الحق من المقال؛ فقال في الله بالصدق، ~~تبارك وتعالى ذو الجلال، فقال: إنه العالم بنفسه، الذي لم يزل ولا يزال(2)، ~~وأنه الواحد ذو الإفضال(3)، وأنه لا علم ولا عالم سواه، وأنه الله الواحد ~~العالم؛ وجب عليه من بعد ذلك، أن يعلم ان كل ما نسبه إلى العلم فقد نسبه ~~إلى الله، وسواء قال: أدخله العلم في شيء؛ أو قال أدخله الله فيه، وحمله(4) ~~سبحانه عليه. # والله عز وجل فبريء من ظلم العباد، متقدس عن أفعالهم، فأفعالهم بائنة من ~~فعله، وأفعاله بائنة من أفعالهم، لم يحل بين أحد وبين طاعته، ولم يدخل أحدا ~~في معصيته. PageV01P296 # فعلم الله بما يكون من أفعال عباده فغير أعمالهم، ولم يضطرهم(1) إلى عمل في ~~حال من حالاتهم(2)، فالعلم بهم محيط، وهم يتصرفون فيه(3)، وينتقلون(4) من ~~معلوم إلى معلوم؛ بما ركب فيهم من الاستطاعة والقدرة، قد علم ممن عصاه أنه ~~سيعصى، وأن من تاب فقد علم أنه سيتوب، وإن عاد فقد علم أنه سيعود، وليس ~~علمه بأنه سيختار المعصية أدخله في العصيان، لأن ضده قد يكون من العبد وهو ~~التوبة والإحسان. فكيف يجوز على الواحد الرحمن(5) أن ينقل من عباده أحدا من ~~رضاه إلى سخطه؟ إذا لقد جبره على معصيته، ولو جبره عليها، إذا لما كان بد ~~للعبد من الدخول فيها، ولو دخل العبد فيما أدخله ربه فيه؛ لوجب له الثواب ~~عليه، ولكان لله من المطيعين، إذ هو جار على مشيئة رب ms016 العالمين، ولما كان ~~في الخلق عاص، ولكان الله عن كلهم راضيا، ولكان في القياس إبليس عندالله ~~مرضيا، إذ هو يحب أبدا ويدعو، إلى ما شاء الله لعباده ورضي، ولما ذمه الله ~~في التكبر والعصيان، إذ الحامل له والمدخل له فيه الرحمن، ولما قال: يا ~~إبليس {ما منعك أن لاتسجد إذ أمرتك} [الأعراف: 12] وهو يعلم أنه المانع له ~~من السجود. فتبارك الله عن ذلك الواحد المعبود. PageV01P297 # ألا ترى كيف يبرأ من أفعالهم، ويأمر بالمجاهدة لهم على اليسير من أعمالهم؟ ~~ولو كان المتولي لذلك فيهم؛ لما عابه سبحانه منهم، ولما حض عباده على تغيير ~~ما أحدث فيهم. ألا تسمع كيف يقول: {وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين} ~~[الحجرات: 9]؟ فقال: {اقتتلوا} فألزمهم الفعل، وقال: {فقاتلوا التي تبغي ~~حتى تفيء إلى أمر الله}، فأوجب على غيرهم من المؤمنين نصر المظلومين على ~~الظالمين، فلو كان على قول الجاهلين لكان قد ألزم المؤمنين قتال من لا يجب ~~قتاله، ومن تجب ولا يته، إذ أجاب الله في دعوته، وجرى له في طاعته، وبغى ~~على من أمره بالبغي عليه، ولو كان الله المحدث البغي في الفاعل له، لكان قد ~~أمر عباده بقتاله خصوصية(1) دون غيره، حتى يفيء هو ويرجع عن إرادته ~~ومشيئته، ولكان أيضا قتال عباده قتاله دونهم، فكان مقاتلا لنفسه على فعله، ~~إذ كان فعل المقاتل والمقاتل له فعلا واحدا. فتبارك الله المتقدس عن ظلم ~~العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، كما قال سبحانه: {وما ربك ~~بظلام للعبيد}. # والحمدلله الحميد، على ما خصنا به من التوحيد، ودلنا به من الدلالات؛ ~~فيما أبان من خلق الأرضين والسموات، وغيرهما من الآيات. تم الجواب.. ### || المسألة الرابعة: # عن النار وأهلها، هل الخير أراد بهم أم الشر؟ PageV01P298 # ثم أتبع ذلك المسألة(1) عن أهل النار وعن النار، فقال: خبرونا عن أهل ~~النار: ألخير أراد الله بهم فوضعها فيهم؟ أم ms017 الشر(2) أراد بهم؟ فإن قالوا: ~~الخير أراد بهم؛ فيقال لهم: وكيف ذلك، وقد جعلها وقد علم أنهم لا ينتفعون ~~بها، وأنها لا تكون إلا في مضرتهم. وإن زعموا أنه جعلها فيهم ليضرهم، انتقض ~~عليهم قولهم. تمت مسئلته. # جوابها(3) # وأما ما سأل عنه من أمر النار، وقال: لم خلقها الله الرحمن؟ الشر أراد ~~بخلقه لها(4) أم لإحسان؟ # فنقول: إن الله تبارك وتعالى، جعل النار في دار الدنيا؛ مزجرة لمن اهتدى؛ ~~لما فيها من التذكرة بالنار التي وعدها الله للكافرين في دار الآخرة. PageV01P299 # ولا شيء والحمدلله أبين نورا، ولا أظهر خبرا، من أن يكون خلق خلقا أراد ~~منهم أمرا وكره منهم ضده؛ فأمرهم بما أراده، ونهاهم عما سخطه، ثم خلق لهم ~~ثوابا، وأعد لهم عنده عقابا، ثم استدعاهم إلى الطاعة بالثواب، ونهاهم عن ~~المعصية بالعقاب، فعبد خوفا من عقابه، وأطيع طمعا فيما جعل من ثوابه، كما ~~قال تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون} [السجدة:16]، فجافوا لمخافته وطلب مرضاته منهم الجنوب، وطهروا ~~أنفسهم من الذنوب، وطيبوا منهم السرائر والقلوب، فأمنوا بالطاعة أنفسهم من ~~نحل(1) العاصين، واستوجبوا بذلك اسم المؤمنين، فكانوا كما قال فيهم ووصفهم ~~رب العالمين، حين يقول: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم ~~وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون ~~الصلاة ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ~~ومغفرة ورزق كريم} [الأنفال: 2]، فخافوا ربهم فاهتدوا، ومن عذابه نجوا. # فلما أعلم الله العباد أجمعين، أن الجنة مصير المؤمنين، وأن النار مقر ~~الفاسقين؛ حذر (2) أولوا الألباب النيران، فأعملوا أنفسهم في الفرار إلى ~~الرحمن، راغبين فيما رغبهم فيه من الجنان. PageV01P300 # فسبحان من لطف بعباده، بما جعل لهم من النار في بلاده، تخويفا وترهيبا، ~~ومنافع وتقوية وترغيبا، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة وإن ~~الله لسميع عليم} [الأنفال: 42]، ثم قال: {من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ~~ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} ms018 [الأنعام: 160]، وقال: ~~{فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7]، ~~فجعلها لهم في الدنيا مزجرة، وتخويفا وتحذيرا من نار الآخرة، مع مالهم فيها ~~في دار الدنيا، من المنافع التي لا تحصى، والمرافق الجمة التي لا تستقصى، ~~بها يطبخون ويخبزون، وبها من القر(1)يحترسون، وبها في ظلمات الليل(2) ~~يبصرون، وبها ينالون من الحديد ما ينالون؛ من تصريفه في أسبابهم، وتقويمه ~~لمعاشهم، من أدوات حرثهم وحفرهم، وغير ذلك من منافعهم، وبها مايعدون لأعداء ~~الله من السلاح (3)، من السيوف والدروع [وغير ذلك من السلاح] (4) التي ~~تقيهم بأسهم، كما قال سبحانه: {وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم} ~~[الأنبياء: 80]. # ألا ترى وتسمع كيف قال رب العالمين، حين يذكر ويذكر بآلائه (5) عباده ~~المتقين، فقال: {أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن ~~المنشئون نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين} [الواقعة: 71]، فجعلها الله ~~الواحد الأعلى، منفعة في الدنيا للخلق طرا، ونكالا في الآخرة لمن استأهلها ~~لا يفنى(6). PageV01P301 # ففي هذا والحمدلله من الجواب، ما أزاح من قلب ذي الشك التحير والإرتياب، ~~وثبت في إيجاد النار الحكمة لرب الأرباب. # تم جواب مسألته. ### || المسألة الخامسة: # هل يستطيع الإنسان أن يجهل مايعلم أم لايستطيع؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن المعرفة، فقال: هل يستطيعون أن يجهلوا ما جعلهم ~~الله به عارفين؟ أم لا يستطيعون؟ فإن قالوا: لا، فقد انتقض قولهم عليهم. ~~وإن قالوا: نعم، فقل: هل يستطيعون أن يجهلوا معرفة الله؛ فلا يعرفون أنه ~~خالق كل شيء ومصور كل شيء؟ فإن قالوا: هذه الفطرة، وليس يثاب أحد عليها، ~~فالخلق كلهم يعرفون أنه الله، فقل: هل يستطيعون أن يجهلوا الليل والنهار ~~والسماء والأرض والدنيا والآخرة والناس والخلق كلهم أن الله خلقهم كما شاء ~~وكيف شاء؟، فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا، والناس كلهم شهود على كذبهم، وإن ~~قالوا: لا، فقد تابعوك. # تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه، فقال: هل يستطيعون أن يجهلوا ما يعرفون؟ أو يعرفوا ما ~~يجهلون؟ فإن مسألته تخرج على ثلاثة معان، ونحن لها مفسرون، ولكلها ms019 إن شاء ~~الله مميزون. PageV01P302 # أولها: معرفة الخالق، وهي لا تدرك إلا بالعقل الصحيح والقلب النضيج. قال ~~الله سبحانه: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2]، وقال سبحانه: ~~{ليدبروا آياته وليتذكر أولوا الألباب} [ص: 29]، وقال: {إن في ذلك لذكرى ~~لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد} [ق: 37]، فإذا صح مركب اللب، وثبت ~~فهم القلب، ثم تدبر أمره جميع الخلق، وقصدوا في ذلك قصد الحق؛ تفرع لهم من ~~الألباب وجودة فكرهم وإنصافهم لعقولهم ما يدلهم على معرفة خالقهم، وقدرة ~~سيدهم ومالكهم، ودلهم ذلك على أن لما يرون من خلق أنفسهم واختلاف الليل ~~والنهار وتصريف الرياح وغير ذلك من الأشياء خالقا، ليس كمثله شيء، ولا ~~يشبهه من (1) ذلك كله شيء، ألا تسمع كيف يدل على نفسه، بما أبان من قدرته ~~في خلق سمواته وأرضه، وما بث فيهما كل أوان من صنعه، وينزل من السماء بقدر ~~من رزقه؟ فقال سبحانه: {إن في السموات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما ~~يبث من دآبة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من ~~السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون} ~~[الجاثية: 35]، فإذا صح للمخلوق لبه، وطاب له بالطاعة(2) قلبه، ثم فكر، وفي ~~أمره كله تدبر؛ بان له أمر خالقه، وثبت في صدره اقتدار مصوره. PageV01P303 # وأما المعنى الثاني: فما أمر الله العباد بعلمه، وحرم عليهم ما هم فيه من ~~جهله؛ من الحلال والحرام، والصلاة والزكاة والصيام، والحج إلى بيته والوقوف ~~بمشاعره العظام، وكل ما جاء به محمد عليه السلام، مما تعبد الله به العباد، ~~وألزمهم فيه الاجتهاد، وهذا فلا يعلم ولا يسمع، إلا بمخبر عن الله مستمع، ~~متكلم بالحق مناد، ولمن خالفه في ذلك معاد(1)، وكذلك وبذلك بعث الله ~~الأنبياء إلى عباده، ليؤدوا إليهم فرائضه وأمره، وينادوهم بذلك فيسمعوا، ~~ويعلموهم إياه فينتصحوا [فينجوا](2)، ولو لم يكلموهم به، ويسمعوهم إياه؛ لم ~~يقفوا على علم ذلك أبدا، ولم يعرفوا حدوده أصلا، فلم يكن في الفرائض لهم بد ~~من مبلغين، ومرسلين مبشرين ومنذرين، ففعل ms020 الله بهم كذلك، وبعث إليهم الرسل ~~بذلك؛ رحمة منه سبحانه لهم، وعائدة منه بفضله عليهم. # وأما المعنى الثالث: فهو ما أدرك وعلم بالتجربة؛ مما لم يكن ليدرك أبدا ~~إلا بها، ولا يصح لطالب إلا منها. من ذلك ما أدركه المتطببون(3) من علم ~~مايضر وما ينفع، وما يهيج وما يقمع، وما يقتل من السموم، وما يردع السم عن ~~السموم، وما يفسد العصب وما يجتلب بأكله العطب، وغير ذلك مما يطول ذكره، ~~ويعظم لو شرحناه أمره، مما لا يدرك أبدا، إلا بالتجربة أولا. # فمن هذه الثلاثة المعاني تصح المعارف كلها للعارفين، ويثبت الفهم ~~للمتفهمين. # وقد يجهل ذلك كله من شاء أن يجهله، كما يعرفه من شاء أن يعرفه، بأهون ~~الأمر، وألطف الخبر. # فأما التجربة فيجهلها من لم يجرب الأشياء. PageV01P304 # وأما الفهم والتمييز بالعقل؛ فقد يبطله شارب الخمر بشربه لخمره، فيزيل بذلك ~~ما ركب فيه من لبه. ومن ذلك رقاد الراقد إذا رقد؛ لم يعلم ممن يدخل إليه أو ~~يخرج عنه بأحد، والتبس عليه الليل والنهار، وعميت عنه بكليتها الأخبار، ~~حتى ربما استرقد ليلا فلا يعلم حتى يهجم عليه النهار، وربما رقد نهارا فلا ~~يعلم حتى يهجم عليه الظلام ويزول الإبصار. # فكيف يقول إن أحدا لا يقدر على جهل ما علم وعلم ما جهل بسبب يعلم، ولا ~~بحيلة تفهم؟ ألا ترى أن السكران يعلم في حال سلامة عقله؛ بما يشينه وينقصه ~~ويفضحه من عمله؟ حتى لو أعطي من يدعي المروءة منهم ورشي جزاء من الرشاء(1) ~~عظيما حين سلامة لبه على أن يكشف له ثوبا، أو يبدي من نفسه عيوبا؛ لم يكن ~~ليفعل، وإذا شرب وسكر لم يعلم له بسوآيه(2)، وجاءت وظهرت منه في نفسه ولها ~~الفضيحة والنكاية، فهل ذلك إلا من جهله [بما كان يعلم](3)، وقلة معرفته في ~~تلك الحال بما كان يعمل؟ أو ما رأى من علم علما، وروى رواية وحكما، من علم ~~علماء، وحكم حكماء؟ بل من أحكم القرآن، وتلا عن ظهر قلبه الفرقان؛ ثم ترك ~~قراءته دهرا؛ فجهل ونسي ما ms021 علم منه طرا؟ أو ما رأى من كان دهره جاهلا، وعن ~~كل خير وعلم غافلا، ثم انتبه لنفسه، وأنف من جهله؛ فتعلم فعلم، ونظر ففهم؟! PageV01P305 # وكل ما ذكرنا والحمدلله فنقض لكل ما عنه سال، وظن بذلك أنه قد أحال في ~~الكلام كل محال، ولم يعلم أنه في قوله قد أحال، وأخطأ في كل ما عنه سال، ~~وتعسف في مدلهمات ظلم المقال، فكشفنا عنه وعن غيره من الخلق؛ ممن يريد ~~ويقصد الحق؛ طخياء(1) ديجور جهله، وبينا له ماالتبس عليه من أمره؛ حين أقدم ~~بالقول فقال: هل يقدر إنسان، أو قدر قط ذو بيان؛ على أن يجهل ماعلم، أو ~~يعلم ما جهل، في حالة من الحالات، أو وقت من الأوقات؟ وزعم أن أحدا لا ~~يدخله في ذلك أبدا ارتياب، ولا يجهله بسبب من الأسباب، وقد وجدنا ذلك بخلاف ~~قوله، وعلمنا أن فعل ربه بخلاف فعله، لا ما نسب هو إلى ربه، وقلده سبحانه ~~ما ليس من صنعه [فعلها](2)، فعلمنا أن الإبصار؛ إلى ظلام الليل وإشراق ~~النهار؛ من فعل الإنسان، لا من فعل الرحمن. # ثم إن(3) المعرفة من العارف تفرعت من لبه، عند استعماله لفكره، واستخراجه ~~ما أمر باستخراجه من التمييز بعقله، وقد نجد المبصر بعينه يبصر إلى ما يحل ~~له ويحرم عليه، ولو كان البصر من الله لكان الله المدخل له فيه، الناظر ~~الباصر دون الإنسان إليه، تعالى عن ذلك رب العالمين، وتقدس عن مقال ~~الجاهلين. # تم جواب مسألته. ### || المسألة السادسة: # من خلق الكلام والنطق آلله أم الإنسان؟ PageV01P306 # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة؛ فقال: أخبرونا عن الناس، من أنطقهم؟ ~~والكلام من خلقه؟ فإن قالوا: الله؛ فقد انتقض قولهم، وذلك لأن الكلام يكون ~~فيه الصدق والكذب، والتوحيد والإشراك، وأعظم الكذب الشرك بالله، والتكذيب ~~والإفتراء عليه، وإن أنكروا أن يكون الله خلق المنطق والكلام؛ فذلك الكفر ~~والشرك بالله، والتكذيب بما جاء من عنده؛ فقل: خبرونا عن قول الله إذ قال ~~في كتابه: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل ms022 ~~شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} [فصلت: 21]. # تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه مما ضل فيه، ونسبه إلى الله وقال به من المنكر عليه؛ ~~فقال: خبرونا عن الناس من أنطقهم؟ وعن الكلام من خلقه؟ فنقول: إن الله ~~أنطقهم كما هداهم، وهداهم كما بصرهم، وبصرهم كما أسمعهم، وأسمعهم كما ~~أمشاهم، وأمشاهم كما أبطشهم، وأبطشهم كما أقامهم، وأقامهم كما أقعدهم، ~~وأقعدهم كما أشمهم، وأشمهم كما أنكحهم؛ فلم يكن منه في ذلك كله فعل غير خلق ~~الأداة(1)، خلق الرجل للمشي فمشى، وخلق الأذن للسمع فسمع، وخلق الأنف للشم ~~فشم، وخلق العين للنظر فنظر، وخلق الفرج للنكاح فنكح. فما ناله الإنسان من ~~تلك الأداه(2) فهو من فعله، وليس من فعل الله فعل عبده. الله خلق الفرج ~~امتنانا عليه به لينال به من الشهوة ما نال، وفعل العبد فهو النكاح. # فهل ترى الحسن بن محمد الوسن الجاهل يقول غير ذلك، أو يقدر على نقض حرف ~~مما شرحنا(3)، أو به قلنا أو احتججنا؟، والحمدلله الواحد الأعلى. PageV01P307 # وكذلك كان فعله سبحانه في إنطاقهم؛ خلق لهم الألسنة واللهوات، وما يكون به ~~الكلام من الآلات؛ ثم أمرهم أن يذكروه ويسبحوه، فقال سبحانه، وتعالى عن كل ~~شأن شأنه: {فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من ~~قبله لمن الضآلين} [البقرة: 198].وقال: {فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا ~~تكفرون}[البقرة: 152]. ونهاهم أن يقولوا عليه غير الحق فقال: {ولا تقولوا ~~على الله إلا الحق} [النساء: 171]، فجعل(1) لهم سبب القول فيه، ونسبه إليهم ~~ولم ينسبه إليه، وجعله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله عن افترائهم ~~عليه(2).ولو كان الكلام من فعله، وكان الناطق به على ألسنتهم، لكان هو ~~القائل في نفسه ما أنكره عليهم، من ذلك قول فرعون: {أنا ربكم الأعلى} ~~[النازعات: 24]، وقول الكافرين لكتاب رب العالمين: {أساطير الأولين} ~~[المؤمنون: 83]، و{هذا إفك قديم} [الأحقاف: 11]، ومن ذلك ما قالوا للأنبياء ~~المطهرين، صلوات الله وبركاته عليهم أجمعين، وما رموهم به من السحر ~~والجنون، قال الله تعالى: {كذلك ما أتى الذين من ms023 قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون} [الذاريات: 52]. أفترى الجاهل ~~المفتري، الظالم لنفسه الغوي، يقول: إن الله سبحانه كذب أنبياءه ورماهم؛ ~~بما قال الكافرون من السحر والجنون فيهم، وحمل(3) الكافرين على أن يسيئوا ~~بهم الظنون، وينسبوا إليهم الكذب والسحر والجنون؟ بل كيف ينطقهم بالتكذيب ~~لهم والافتراء عليهم، وهو يأمرهم بالطاعة لهم، ويعطيهم الجنان على الإيمان ~~بهم؟ فقال سبحانه: {سابقوا إلى مغفرة من PageV01P308 ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 21]. وقال: {والذين ~~آمنوا بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم ~~والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم} [الحديد: 19]، كذب ~~القائلون على الله بذلك، ووقعوا عنده في المهالك، فسبحان الرؤوف الرحيم، ~~العدل الجواد الكريم. # *** PageV01P309 # وأما ما سأل عنه مما التبس عليه، وتحير فيه لقلة العلم بالله فيه، من قول ~~الله سبحانه: {وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون} [فصلت: 21]، [هو جعل فينا](1)، ~~فتوهم أن معنى أنطقنا هو: تكلم علينا، وقال ما قلنا ربنا، وليس ذلك كذلك، ~~بل هو على ما شرحناه أولا. ومعنى (( أنطقنا الله ))؛ أي جعل فينا استطاعة ~~ننطق بها، وأذن لنا بالنطق فنطقنا، وشهدنا حينئذ بما علمنا. ولو كان الله ~~الذي فعل الكلام بعينه، وولي قوله بنفسه دون غيره؛ لقالت جلودهم: نطق الله ~~علينا فيكم، وشهد هو لا نحن عليكم، وتكلم علينا بما علم منكم. تعالى الله ~~عما يقول المبطلون، ويضيف إليه الملحدون. وليس انطاقه إياها في الآخرة، إلا ~~كانطاقه للألسنة في الدنيا والآخرة، وليس انطاقه للألسنة إلا كاسماعه ~~السمع، فلما جعل في السمع استطاعة على أن يسمع سمع، وكذلك العين واليد ~~والرجل. فالعين الله خلقها، والنظر إلى الأشياء فعل العبد واليد الله ~~خلقها، والإنسان يبطش بها. والرجل الله خلقها، والإنسان بها مشى. فمن الله ~~سبحانه خلق الأدوات وإيجاد الآلات في الأبدان، وما ms024 تفرع منها فمن أفعال ~~الإنسان، وذلك ولله الحمد ذو (2) المن بين الشأن؛ لمن عرف الله على حقيقة ~~العرفان. تم جواب مسألته. ### || المسألة السابعة: من خلق الحركات؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن الحركات، فقال: من خلقها؟ PageV01P310 # فإن قالوا: الله خلقها، كان ذلك نقضا لقولهم، وذلك أن كل عمل، من خير أو ~~شر، طاعة أو معصية، إنما يكون بالحركات. فإن(1) قالوا: إن الله لم يخلقها، ~~فقد أشركوا بالله، وذلك ابتلاء عمل(2)، لأنه لا يتم خلق الإنسان إلا ~~بالحركة. # تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه فقال: من خلق الحركات، اللواتي تكون من الخلق في ~~الحالات؟ فنقول: سبحان الله الرحيم العدل الجواد، البريء من أفعال العباد، ~~المقدس عن القضاء بالفساد، كما قال في نفسه ذو الأياد: {إن الله لا يأمر ~~بالفحشاء أتقولون على الله مالا تعلمون} [الأعراف: 28]. PageV01P311 # ثم نقول: إن بين أفعال الله وأفعال خلقه فرقا بينا (1)؛ وإنه واضح في ~~الخلق، عند من أراد معاني الحق، فأفعال الله متتابعات متلاحقات في كل شأن، ~~وأفعال المخلوقين، ذوي العجز المربوبين؛ فغير متلاحقات، بل هن عن التلاحق ~~عاجزات، وآخر أفعال الله بأولهن لاحق، وأولهن لآخرهن غير سابق؛ فأفعال ~~الخالق موجودات معلومات، ثابتات متجسمات، وأفعال الخلق فزائلات غير ~~موجودات، بل هن في كل الحالات معدومات (2)، وفي ذلك والحمدلله من البيان؛ ~~ما فرق عند ذوي العلم والإتقان، بين أفعال الخالق ذي البقاء والجلال، وبين ~~أفعال الخلق ذوي الفناء والزوال. # ألا ترى وتسمع كيف أكذب الله من نسب أفعال العباد إلى ربه؟ فأكذبه سبحانه ~~ونفاها عن نفسه، حين يقول: {وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون}؟ [الأعراف: 28]، وقال: {ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين} [الزمر: 60]. PageV01P312 # أفظن من جهل وعمي أن الله فعل كذبهم عليه؛ ثم رماهم به، وقال إنهم قالوه ~~فيه؟ فمن يا ويحه إذا الكذوب المبطل، الظالم المتعدي الغشوم المدغل (1)؟ من ~~قال وفعل؛ أم من ms025 لم يقل ولم يفعل؟ أما سمع الحسن بن محمد قول الجليل، وما ~~حكى في أوضح التنزيل، عمن ظلم وجار وأساء، وفعل فعلا ثم رمى به إلهه ~~واعتدى، ممن سلك مسلكه وتبعه، وشرع في ذلك مشرعه، فسن لقريش سنة اتبعتها، ~~واقتدى جميع العرب بها، فبحر لهم البحائر(2)، وسيب لهم السوائب(3)، ووصل ~~لهم الوصائل(4)، وحمى لهم الحام(5)، فكانوا على ذلك حتى ظهر الإسلام، ~~وأكرمهم الله بمحمد عليه السلام، فقال الله سبحانه في ذلك، ونفى عن نفسه ما ~~رموه به من ذلك، وألزمهم فعله، وبرأ منه تبارك وتعالى نفسه، فقال: {ما جعل ~~الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على ~~الله الكذب وأكثرهم لا يعقلون} [المائدة: 103]. أفترى الحسن بن محمد ومن ~~استجهله فقال بقوله وذهب مذهبه يقولون لله إذ نفى ذلك من فعلهم عن نفسه ~~بل أنت فعلته فيهم، وخلقته وركبته لديهم، وأدخلتهم فيه وقضيته عليهم؟ لقد ~~كذبوا إذا الرحمن العلي الأعلى، وصدقوا قريشا الجاهلية الجهلاء، وكفروا ~~بالله كفرا يقينا، واحتملوا بهتانا وإثما مبينا. # ففي هذا والحمدلله من الحجة كفاية، لمن كانت له بالحق من الحلق عناية. PageV01P313 # ومما يحتج به على الحسن بن محمد من المقال، ويدحض به قوله المحال، أن يقال ~~له: إذا كنت تزعم أن الله خلق هذه الحركات التي هي من أفعال العباد؛ من أخذ ~~وإعطاء، وحذو واحتذاء، ولبس وارتداء، وقول ومقال، وزور ومحال، فلا نشك نحن ~~ولا أنت ولا أحد علم شيئا أو فهم، أن قريشا بنت ب(نخلة) (1) العزى، وثقيفا ~~بالطائف اللات، فزينوهما بالجواهر والعقيان، ثم عبدوهما وجعلوهما قسما من ~~دون الله (( الرحمن ))(2)، ومن ذلك ما جعلت ونحتت، وأقامت ونصبت؛ على ~~الكعبة وفيها قريش من الأصنام، وما كانوا يجلون ويعظمون ويذبحون لهبل ~~وأشباهه عند بيت الله الحرام، فيقول الحسن بن محمد: إن الله تعالى بنى لهم ~~اللات والعزى، وأمرهم بعبادتهما والقسم دونه بهما، وإنه أقام لهم تلك ~~الأصنام، وأضل بها كل من ضل بها من الأنام، وعظمهن وذبح جل عن ذلك لهن، ~~وقرب ms026 تلك القرابين إليهن؟ لعمرو الحسن بن محمد وأتباعه، وأهل البدعة من ~~أشياعه، لو كان الله خلق وفعل أفعال الفاعلين؛ لكان العابد دون من عبدهن ~~لهن، فلذلك يلزم من قال ذلك بلا شك بهذا القول الكفر؛ إذ يقولون: إن الله ~~فاعل أفعال قريش دونها، وفاعل كل ما فعله من الفواحش غيرها، فلم يا ويحه ~~إذا بعث محمدا إليهم؛ يعيب ذلك عليهم؟! لقد بعثه إذا يعيب عليه فعله(3) ~~دونهم، ويبطل ما صنع، ويخفض ما رفع، (وقريش)(4) إذا كانت لله مطيعة، وفي ~~مرضاة خالقها ماضية سريعة فيما فعل، معظمة مجلة لما أجل، ومحمد لله في فعله ~~مضاد، وفي كل قضائه محآد. فلقد إذا هدم محمد صلى الله عليه وآله ما بنى ~~الرحمن، وعانده وخالف عليه في كل ما شاد(5) PageV01P314 . فهذا أكفر الكفر، وأعظم الفرية على الله والإمر. فسبحان من هو بريء من ~~عصيان كل عاص، وطغيان كل مفتر طاغ. # تم جواب مسألته. ### || المسألة الثامنة: هل أفعال العباد شيء؟ ومن خلقها؟ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن الأعمال، فقال: خبرونا عن الأعمال ~~التي عمل بها بنو آدم، أشيء هي؟ أم ليست شيئا؟.. فإن قالوا: بل هي شيء؛ ~~فقل: من خلق ذلك الشيء؟ فإن قالوا: الله خلقه؛ انتقض عليهم قولهم،! وإن ~~قالوا: ليس ذلك مخلوقا؛ كان ذلك شركا بالله وتكذيبا لكتابه، لأن الله ~~سبحانه خالق كل شيء؛ فقل لهم: ألم تعلموا أن أفعال بني آدم شيء؛ فإن قالوا: ~~نعم، فقل: والله خلقها؛ فإن قالوا: ليست بشيء! فقل لهم: فقد زعمتم أن الله ~~يثيب على غير شيء، ويعذب علىغير شيء، ويغضب من غير شيء، ويرضى من غير شيء، ~~ويدخل الجنة بغير شيء، ويدخل النار بغير شيء. # تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من أفعال العباد، فقال: أشيء هي أم غير شيء؟ وقال: إن ~~كانت شيئا فمن خلقها؟ وإن لم تكن شيئا فهل يعذب أو يثيب الله على غير شيء؟ . # فإنا نقول، وإلى الله سبحانه نؤول: إنها شيء وأشياء، وطاعة وعصيان، ~~وإساءة وإحسان، ألم ms027 تسمع الله سبحانه يقول: {لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السموات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغى للرحمن أن يتخذ ولدا} [مريم: 89 92]، فسمى تحرك ألسنتهم بما قالوا من ~~الكذب والافتراء شيئا، ثم أخبر بأن السموات لو كان فيهن من العقول والتمييز ~~ما فيكم؛ لانفطرن لإعظام ما جاء من قولكم. وكذلك لو أن الجبال كان فيها بعض ~~ما ركب من الفهم فيكم؛ لخرت لإعظام اجترائكم على الخالق بما به اجترأتم. PageV01P315 # وقال سبحانه: {وكل شيء فعلوه في الزبر} [القمر: 52]، فسمى أفعالهم شيئا، ~~فقد أوقع في الزبر، والزبر هي: الكتب. وقد قال ابن عباس: إن الزبر التي ذكر ~~الله أن أفعالهم فيها هي هذه الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه؛ من ~~التوراة والإنجيل، والفرقان الكريم الجليل. ونحن فنقول: إن الزبر هي: الكتب ~~التي ذكر الله في قوله: و{ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ ~~كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا} [الإسراء: 13 14]، وفي قوله: {هذا ~~كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون} [الجاثية: 29]. ~~فهذه التي ذكر الله من الكتب عنده، وأنه يظهرها يوم دينه وحشره؛ هي: الزبر ~~التي ذكر الله أن أفعالهم فيها، لا ما قال ابن عباس من أنها هي المنزلة على ~~أنبيائه، من توراته وإنجيله، وما نزل على محمد من فرقانه، ألا تسمع كيف ~~يقول: {وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير وكبير مستطر} [القمر: 52 53]، وهذه ~~الكتب المطهرة، من التوارة والإنجيل والفرقان المكرمة؛ ففيها بعض ما فعل ~~العباد، وكثير منها لم يقص خبره، ولم يذكر جل جلاله أمره، كما قال ذو العزة ~~والأياد، ورافع السماء وداحي الأرض ذات المهاد: {منهم من قصصنا عليك ومنهم ~~من لم نقصص عليك} [غافر: 78]، وقال: {نتلوا عليك من نبأ موسى وفرعون} ~~[القصص: 3]، يريد: نقص عليك بعض خبرهما، وما كان من محاورتهما وأمرهما. ~~وقال سبحانه في اهل الكهف، وما كان من سؤال قريش للنبي عنهم، فقال الله في ~~ذلك: {إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا ms028 عليهم بنيانا ربهم أعلم بهم ~~قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا سيقولون PageV01P316 ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة ~~وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم إلا ~~مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم أحدا } [الكهف: 21 22]. (وقال سبحانه: ~~{منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك} [الطور: 13]، وقال: {من نبأ ~~موسى وفرعون} [النحل: 89]) (1)، فأخبر نبيه صلى الله عليه وآله بما كان من ~~قول أهل بلدهم فيهم، وقص عليه قبل ذلك ما كان من فعلهم في أنفسهم رحمة الله ~~عليهم، واعتزالهم إلى الكهف، واخلاصهم لله دينهم(2)، ثم أمره بأن لا يماري ~~فيهم إلا مراء ظاهرا وكتمه عدتهم، ثم قال: {قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم ~~إلا قليل}، ففي كل ذلك يخبر(3) أنه لم يعلمه صلى الله عليه وآله، ولم يخبره ~~في كتابه من أخبار من مضى، وفات في قديم الدهر وانقضى؛ إلا باليسير من ~~القصص دون الكثير، ويدل على أن ما لم يقص عليه من أخبار الأمم الماضية، ~~والحقب الخالية(4)؛ أكثر مما قص وأعظم، وأطول وأطم، وكل ذلك فدليل؛ من الله ~~في واضح التنزيل؛ على أن ما ذكر الله من الزبر، التي فيها كل ما فعله ~~العباد مستطر؛ غير هذه الكتب التي ذكر فيها جزءا، وترك ولم يذكر بعضا، لأن ~~ما جمع فيه كل شيء؛ بخلاف ما جمع فيه بعض شيء؛ إذ نصف الشيء أو بعضه، خلاف ~~الشيء كله. PageV01P317 # فأما الكتب التي ذكرها الله في كتابه، ونزل فيها ما نزل من وحيه وقرآنه، ~~فهي ما أقسم به سبحانه حين يقسم فيقول: {والطور* وكتاب مسطور* في رق منشور} ~~[الطور: 13]، وقوله: {وأنزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء} [النحل: 89]، ~~وقوله: {إنه لقرآن كريم* في كتاب مكنون* لا يمسه إلا المطهرون} [الواقعة: ~~77 79]، وقال سبحانه فيما حكى عن مؤمني الجن إذ صرفهم إلى نبيه يستمعون منه ~~القرآن، فقال: {وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه ~~قالوا أنصتوا فلما قضي ms029 ولوا إلى قومهم منذرين* قالوا يا قومنا إنا سمعنا ~~كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم} [الأحقاف: 2930]. فهذا وما كان مثله في القرآن، من ذكر الكتاب ~~والكتب هو ما أوحى الله ونزل سبحانه، مما قص فيه من أخبار خلقه وما أراد، ~~وترك ما لم يرد من أخبار العباد. # ثم نقول من بعد شرحنا ما اراد الله في قوله: {وكل شيء فعلوه في الزبر} ~~: إن هذه الزبر، وإن الاستنساخ، وإن الكتاب الذي يخرج لهم فيه أخبارهم، وما ~~كان من أعمالهم؛ فهو كاللوح المحفوظ، واللوح والكتاب والزبر عند رب ~~الأرباب؛ فهو: العلم المعلوم، المحيط بالملك المفهوم، الذي لايزل شيء من ~~الأشياء عنه، ولا يخرج ولله الحمد منه، وهو علم الله، العالم بنفسه، ~~المتقدس عن شبه خلقه. وإنما يحتاج إلى كتاب المعلومات من يكل علمه(1) في ~~بعض الحالات، فأما رب الأرباب؛ فهو محيط بكل الأسباب. PageV01P318 # فكل ما عمل الخلق فهو في العلم مستطر، والمستطر فمعناه(1): معلوم مختبر، ~~يوقفهم في يوم حسابهم عليه، فيعرفونه طرا لديه، فلا يضل عن أفهامهم؛ بقدرة ~~الله شيء من أعمالهم، {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره} [الزلزلة: 78]،وقال: {ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا يظلم ربك أحدا} ~~[الكهف: 43]، وقال لقمان لابنه، وهو يعظه: {يا بني إنها إن تك مثقال حبة من ~~خردل فتكن في صخرة أو في السموات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف ~~خبير} [لقمان: 16]. # وقال في ذلك رب العالمين: {وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا ~~حاسبين} [الأنبياء: 47]، فأخبر أنهم يلاقون؛ كل ما كانوا يفعلون، وأن ذلك ~~كله، صغيره وكبيره؛ مثبت في الزبر عنده، وكل هذه الأسباب؛ تدل على أن الزبر ~~خلاف ما نزل من الكتاب. # *** # ثم قال: إن أثبتوا أن أفعال العباد شيء، فسلهم: من خلق ذلك الشيء؟ # فنحن بحمدالله نقول، وعليه منا المعمول: إن خالق كل شيء عامله، وعامله ~~ففاعله، قال سبحانه: {فتبارك الله أحسن الخالقين} ms030 [المؤمنون: 14]، فسمى ~~العاملين خالقين، وقال شاعر من فصحاء(2) العرب (3): # ولأنت تفري ما خلقت وبع... ض القوم يخلق ثم لا يفري # يريد: أنك (4) تتم ما دخلت فيه وصنعته، وتكمل كل ما قمت به وعملته، وغيرك ~~لا يصدر إذا أورد، وأنت تصدر حين تورد. PageV01P319 # وقد ترى من يفسد ويسرق، ويكذب ويفسق، فهل يقول الحسن بن محمد، في ذي الجلال ~~خالقه، أنه المتولى لذلك الفعل دون فاعله،؟ فيكون قد قال بخلاف قول ~~الله(1)، ورد في ذلك كله على الله؛ حين يقول: {أفرأيتم ماتحرثون* أأنتم ~~تزرعونه أم نحن الزارعون}[الواقعة: 63]، فميز بين الحرث والزرع، فجعل شق ~~الأرض وحرثها وتسويتها وبذرها لهم فعلا، وجعل إخراجه وفلق حبه وزرعه ~~وتقويته له فعلا؛ فقال سبحانه: {إن الله فالق الحب والنوى} [الأنعام: 95]، ~~وكذلك تقول العرب للغلام إذا أرادت له الخير والإكرام : زرعك الله زرعا ~~حسنا، تريد: بلغك وأنبتك نباتا حسنا، قال الله سبحانه: {فتقبلها ربها بقبول ~~حسن وأنبتها نباتا حسنا}[آل عمران: 37]، يريد أنشأها وكبرها وغذاها، فأحسن ~~بأرزاقه غذاءها. # وقد يكون من هذه الأشياء التي هي أفعال: الزنى وشرب الخمر وارتكاب ~~الرذائل(2)، فماذا يقول الجاهلون في هذه الأشياء، من فعلها عندهم؟ الخالق؟ ~~أم المخلوق؟ ومن أظهرها وأوجدها؟ الرب؟ أم المربوب؟ فتقدس وتعالى ذو الجلال ~~عما يقول المبطلون. # بل، ما يقول ويحه وويله من الله سبحانه وهوله(3) في هؤلاء المجوس الذين ~~أقاموا لأنفسهم نارا، وبنوا لها تعظيما وإجلالا دارا، ليلهم ونهارهم ~~يؤججونها ويوقدونها، وهم في ذلك من دون الله يعبدونها، أهم أجترأواعلى الله ~~فيما فعلوا؟ أم الله أدخلهم في عبادة ما عبدوا؟. PageV01P320 # فإن قال: بل فعله المجوس الأنجاس، وتعدى به على الله العصاة الأرجاس، فقد ~~أصاب الجواب، وأجاب في ذلك بالصواب، وإن قال: إن الله فعله وأدخلهم فيه، ~~وقسرهم على ذلك وأجبرهم(1) عليه؛ فقد زعم أنهم يصبحون ويمسون لله مطيعين، ~~وفي مرضاته سبحانه ساعين، إذ هم في قضائه وإرادته متصرفون، (وفيما أدخلهم ~~فيه داخلون، وعما صرفهم عنه من طاعته منصرفون)(2). # بل، فليخبرنا أهل هذه المقالة، من أهل المحاربة لله والضلالة، ما ms031 الذي ~~يجب عليهم، ويرضونه في أحبابهم وفيهم، إذا رأوا مجوسيا يشتم الرحمن؟ ~~التغيير عليه أم الإقساط إليه والإحسان؟ # فإن قالوا: بل يجب علينا(3) التغيير والنكير؛ إن نحن سمعنا شاتما يشتم ~~الرحمن اللطيف الخبير. # قيل لهم: لم ذاك، وأنتم تزعمون في أصل قولكم؛ أن الله الذي فعل أفعالكم ~~وأفعالهم دونكم؟ فيجب في قولكم أن الشاتم بريء من شتمه، وأن الله سبحانه ~~الشاتم دون المجوسي لنفسه؛ إذ زعمتم أن ذلك فعل الله دون مخلوقه وعبده، ~~فلئن كان عليه الله بذلك قضى؛ فما قضى إلا بما أراد سبحانه وارتضى، ~~أفتنكرون على المجوس المؤتمرين؛ بما(4) أراده منهم رب العالمين؟ لقد إذا ~~سخطتم من الله ما ارتضى، ورضيتم له من ذلك ما لم يرد ولم يشأ، بل الواجب في ~~ذلك على كلكم، إن كان القول في الله كقولكم؛ تكرمة المجوس والإحسان إليهم؛ ~~إذ قد قاموا لله بما قضى به عليهم، فهم لله في قولكم ومذهبكم مطيعون، ~~وأنتم ومن قال بقولكم لله سبحانه عاصون؛ إذ أنتم لما أراد منهم ولم ينكره ~~عليهم منكرون، وأنتم لهم ظالمون، وعليهم بالمنكر متحاملون. PageV01P321 # ففي قليل مما احتججنا به من عدل الله ما كفى، عن إعادة ما ذكرنا أولا، وشفى ~~والحمدلله عن التطويل وأغنى، غير أنا لا نجد بدا إذا كرر وسال، من أن نشرح ~~ونفسر كل ما يقوله من المقال، وإذا احتج بالمحال أبطلناه، وإذا عارض الحق ~~بالباطل دمغناه،(1) كما قال مولانا لا مولاه: {بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون} [الأنبياء: 18]، وقال في تولي ~~المحقين وخذلان المبطلين الضالين: {ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن ~~الكافرين لا مولى لهم} [محمد: 11]، يقول سبحانه: لا ولي ولا متولي، ولا ~~مرشد لهم ولا كافي. # تم جواب مسألته. ### || المسألة التاسعة: عن الآجال # ثم أتبع ذلك المسألة عن الآجال فقال: خبرونا عن الآجال، من وقتها؟ أموقته ~~هي؟ أم غير موقته؟ فإن قالوا: الله وقتها؛ فقد أجابوك، فقل: هل يستطيع أحد ~~أن يزيد فيها أو ينقص منها؛ إن شاء ms032 عجلها عن وقتها، وإن شاء أخرها؟ فإن ~~قالوا: لا، فقد انتقض عليهم قولهم، وإن قالوا: نعم، فقل لهم: فقد زعمتم أن ~~الناس يستطيعون أن يقدموا ما أخر الله، ويؤخروا ما قدم الله، وهذا هو ~~التكذيب لما جاء من عندالله، وذلك قوله: {ولن يؤخر الله نفسا إذا جاء أجلها ~~والله خبير بما تعملون} [المنافقون: 11]. تمت مسألته. # جوابها # أما ما سأل(2) عن الآجال فقال: هل يستطيع أحد أن ينقص منها، أو يتعدى ~~فيقطع ويتلف بعضها؟ وزعم أن ذلك لا يكون أبدا، ولا يقدر عليه أحد أصلا، ولا ~~ينال أحد على أحد تعديا. PageV01P322 # فقول أهل الحق أجمعين، والله سبحانه على ذلك المعين، أن الله وقت لعباده ~~آجالا، وضرب(1) لهم في أمورهم أمثالا، وجعل فيهم قدرة على أن يقتل بعضهم ~~بعضا، فمن شاء خاف ربه في كل حال واتقى، ومن شاء كفر وظلم وأساء، وجار في ~~فعله وخالف واعتدى. ألا تسمع كيف يقول رب العالمين؛ لجميع من أمره من ~~المأمورين: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} [الأنعام: 151]؟ ~~فنهاهم عن قتل النفس إذ علم أنهم عليه مقتدرون، وفي ذلك ولله الحمد ~~مطلقون وله مطيقون، ولو لم يعلم أنهم كذلك، ولا أنهم يقدرون على شيء من ~~ذلك؛ لما نهاهم عنه، ولا حذرهم منه؛ لأن نهي الإنسان عن الطيران؛ مستحيل في ~~اللغة واللسان، وعند كل من عرف البيان. PageV01P323 # ولقد فرق الله بين فعل عباده في ذلك وبين فعله، وبين سبحانه لهم كل أمرهم ~~من أمره، فقال سبحانه: {وجآءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه تحيد} [ق: ~~19]، فأخبر أن سكرة الموت، وورود ما ينتظر من الفوت؛ من الله لا من الخلق، ~~فصدق الله إن الموت يأتي بالحق، وينزل بما وعد من الصدق، فسمى ما كان منه ~~حقا وحكما، وما كان من عباده الظلمة عدوانا وظلما، ولو كانا من الله شرعا ~~سواء؛ لذكر الله أنهما منه جميعا حقا. وقال جل جلاله: {ولئن قتلتم في سبيل ~~الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون} [آل ms033 عمران: 157]، ففرق ~~بين القتل والموت، فكان القتل من عباده فعلا، والموت منه عز وجل حتما. ~~وقال: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا} [الإسراء: 33]، فقال: {قتل مظلوما} فأخبر بقوله: (( مظلوما )) أن ~~له قاتلا ظلوما عنيدا، {وما ربك بظلام للعبيد} [فصلت: 46]؛ فإن كان قتل ~~بأجله؛ فأين الظلم ممن قد استوفى كل أمله، وفنيت حياته، وجاءت وفاته، وفنيت ~~أرزاقه، وانقضت أرفاقه(1). فما يرى إذا ذو عقل للقاتل في مقتول(2) فعلا، ~~ولا عليه تعديا ولا قتلا، ولا جناية ولا ظلما، ولا يرى له حاكم عليه حكما، ~~أكثر من جرح إن كان جرحه، أو وكز إن كان وكزه؛ لأن قاتله ومفني أرزاقه، ~~ومبيد ايام حياته؛ هورب العالمين، في قول الجاهلين. ولو كان ذلك كذلك؛ لنجا ~~القاتل من المهالك، ولم يكن على من جرح إنسانا متعمدا(3) جرحا فقتله؛ أكثر ~~من أن يجرح جرحا مثله ويخلى، فإن مات منه مضى، وإن برئ منه فقد سلم ونجا، ~~وكذلك قال الله: {والجروح قصاص} [المائدة: 45]، فما معنى قوله: {النفس PageV01P324 بالنفس} عندهم؟ وماذا يقع عليه حقا ظنهم؟ أشيء سوى إخراج نفسه من جسده، كما ~~أتلف وأخرج نفس صاحبه بجرحه؟ ولو كان كما يقولون؛ لكان واجبا على الحكام إذ ~~يحكمون؛ أن يقتصوا منه لأولياء المقتول جرحا، ويخلوا عنه بعد ذلك ولا ~~يطلبون لنفسه تلفا ولا قتلا، فإن انقطع أمله وحان أجله مات، وإن لم يحن ~~أجله ونجا(1) من القتل والفوات؛ فيكون(2) قد اتوا على ما قال الله في قوله: ~~{والجروح قصاص}، لا، بل أراد سبحانه من ولي الأمر إخراج نفسه، وإتلاف روحه ~~وقطع عمره ليجد غب(3) ما اكتسب من فعله. # وقال سبحانه: {ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا}، فما هذا السلطان ~~الذي جعله الله لولي المقتول، عند من قال بهذا البهتان والزور من القول ~~المخبول(4)؟!. فلا يجدون بدا ولله الحمد من أن يقولوا: إنه ما جعل الله ~~له من القتل عليه، وأطلقه له فيه بجناية يديه؛ فله أن يقتله إن شاء، وإن ~~شاء ms034 أخذ الدية أو عفا. # ثم يقال لهم: هل جعل الله له سلطانا على ما يقدر إذا شاء عليه؛ ام على ما ~~لا يصير أبدا إليه؟ فإن قالوا: على ما يقدر عليه؛ فقد رجعوا عن مقالتهم، ~~وتابوا إلى الله من جهالتهم. وإن قالوا: على ما لا ينال؛ أبطلوا كتاب الله ~~ذي الجلال، ونسبوه سبحانه إلى الإستهزاء، وقول الزور في ذلك والردى. PageV01P325 # ثم يقال لهم: هل يقدر أحد من المخلوقين؛ على قتل أحد من المربوبين؛ وإن كان ~~لم ينقطع أجله، ولم يفن في ذلك أمله، ولم يبلغ المدى الذي جعله الله مداه، ~~وصيره له أجلا وجعله منتهاه؟ فإن قالوا: يقدر على ذلك منه؛ بما جعل الله من ~~الاستطاعة فيه؛ فقد تركوا قولهم وقالوا بالحق، ورجعوا وقالوا على خالقهم ~~سبحانه بالصدق، وإن هم قالوا بخلاف ذلك؛ فقد أبطلوا ما جعل الله لولي ~~المقتول من السلطان، وأكذبوا الله فيما أنزل من البرهان. PageV01P326 # وإن قالوا: نحن نقول إن السلطان هو قتله بما قتل، ولم يمكن الولي تركه ~~أبدا، لأنه إذا وجب السلطان فقد انقطعت حياته، وحلت وفاته؛ فلم يقدر(1) على ~~تخلية سبيله، ولا بد للولي من أن يقتله بقتيله. قيل لهم: فأين قول الله جل ~~جلاله، وتقدس عن أن يحويه قول أو يناله: {فمن عفى له من أخيه شيء} [البقرة: ~~178]، فما معنى عفي؟ وإن جحدوا القرآن وأبطلوه كفروا، وإن سلموا للحق ~~فقالوا: يمكنه العفو والصفح، وأن يتصدق بذلك ويهبه، ويأخذ الدية ويتركه، ~~قيل لهم: يا سبحان الله العظيم! ما أشد تناقض قولكم، وأفحش ما تجيئون(2) به ~~من مذهبكم ورأيكم!! ألستم تقولون في أصل مقالتكم أنه لا يوقف ولا يقدر ~~عليه، ولا ينال منه [ولا فيه القود](3) حتى ينقطع أجله، فحينئذ يقتله من ~~أطلق له قتله؟ وأنه إذا سلم إلى صاحبه فقد انقطع أجله، وذهبت أيامه، فكيف ~~إذا يقدر ولي القتيل على تركه والعفو عنه؟ وعلى تخلية سبيله يعيش ويأكل، ~~ويظل يمشي ويقعد، ويورد ويصدر، ويقبل ويدبر؛ وهو قد انقطع أجله، وذهبت ~~أيامه، وفنيت أرزاقه؟ أيقدر ms035 هذا على أن يعفو؛ والعفو يكون به للقاتل ~~الحياة، وتزول عنه الوفاة؟ فكيف يقدر على ذلك وقد انقطع عنه بزعمكم أجله، ~~وذهب عمله، وفني رزقه، وكتب الله عليه موته؟ كذب العادلون بالله وقالوا ~~ظلما، واستحقوا بذلك عند الله إثما، وجعلوا أمور الله كلها عبثا وهزؤا. PageV01P327 # ويقال لهم: ما تقولون في قول الله سبحانه: {ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك ~~بما عصوا وكانوا يعتدون} [البقرة: 61]، فسمى الله الجليل قتلهم لكل من ~~قتلوا من قتيل عصيانا، وذكره منهم جورا وعدوانا، فما قولكم في ذلك؟ وما ~~تدينون به وتعتقدون؟ أتقولون إن قتل الفاسقين لمن قتلوا من المؤمنين(1) كان ~~بأمر من رب العالمين، وقضاء منه على الكافرين؟ ولو كان ذلك كذلك لوجب لمن ~~أنفذ قضاء ربه؛ أجزل الثواب على فعله وأمره، وقد وعدهم الله على ذلك ~~النيران، وألزمهم في ذلك اسم العدوان، وهذا أعظم الكفر بالرحمن، وما لم يقل ~~به عليه الشيطان. # وإن قلتم: بل كان ذلك لمن فعله فعلا، ومنهم على المؤمنين اعتداء؛ انتقض ~~قولكم، ورجعتم إلى الحق في الله والصدق. # ويقال لهم: إذا(2) زعمتم أن الأجل انقطع بأمر الله، وأن الله جاء به، وأن ~~انقطاعه من عنده؛ فمن جاء بالقاتل حتى قتل المقتول؟ ألله جاء به وقضاه عليه ~~وأدخله فيه؟ أم إبليس أغواه وزين قتله لديه؟.. فإن زعمتم أن الله جاء بأجله ~~وبقاتله لينفذ ذلك من علم الله فيه؛ فقد زعمتم أن الله جاء بالظلم ~~والعدوان، وأدخل العبد في العصيان، فإن كان ذلك عندكم كذلك فعلام يعذب الله ~~الإنسان؟ إذ كان في قولكم الله جمعهما على العصيان، والظلم والبهتان. PageV01P328 # ويسألون فيقال لهم: ألستم تزعمون أنه لن تخرج نفس أحد، من حر ولا عبد؛ حتى ~~يأتي أجله، ويستوفي أمله وكل عمله؛ وذلك من الله زعمتم، فما تقولون في رجل ~~ضرب بسكين، ضربة واحدة في نحر عبد مسكين؛ فمات وأنتم تنظرون، فما الذي أوجب ~~الله عليكم من الشهادة؟ أتشهدون أنه قتله؟ أم تقولون: بل نشهد أنه(1) ~~وجأه(2) وجرحه، ولا ندري من قتله؟ أم تقولون: إن ms036 ربه الذي أتلفه؛ لأنه جاء ~~بأجله، ولو لم يأت بأجله لدامت حياته وطال عمره، ولم يكن الجرح ليرزأه(3)؟ ~~فهكذا تقولون؟ أم عليه بتا(4) بالقتل تشهدون؟ فإن شهدتم بالقتل أصبتم، وإن ~~قلتم غير ذلك أحلتم. وماذا تحكمون على هذا الذي رأيتموه؛ وجأ نحر المقتول ~~وفهمتموه؛ وقامت عليه بذلك شهود، وكلهم عند الإمام عدل محمود؟ أترون ~~وتحكمون بقتله (كما قتل)(5)؟ كما قال الله سبحانه: {النفس بالنفس} ~~[المائدة: 45]؟، أم تجرحونه جرحا مثله؛ فإن مات فذاك، وإن سلم تركتموه، ~~لعلمكم أن الذي قتل الأول هو مجيء أجله، وفناء أيامه وانقضاء أمله، وتخلون ~~عن هذا لما له من تأخير الأجل، وطول الرزق والأمل؟ لقد أبطلتم إذا حكم ~~ربكم، وفضحتم أنفسكم لأهل(6) ملتكم. # ويسألون أيضا عمن قتل نفسه بيده، أقتلها وهي حية في بقية من أجلها، أم ~~ميتة قد انقضى أجلها؟ فإن قالوا: قتلها وهي حية في أجلها؛ فقد أقروا أنه ~~كانت له بقية فقطعها بيده، قلت البقية أم كثرت. وإن قالوا: قتلها بعد أن ~~فني أجلها؛ فكل ما فني أجله فهو ميت لا شك عند فناء أجله، وقتل ميت ميتا محال. # فلله الحمد على ما هدى إليه من الحجة والمقال، وبه الحول في ذلك والقوة، ~~وله الجبروت والقدرة. PageV01P329 # ويقال لهم: ويحكم! قال الله سبحانه: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم} [الإسراء: 31]، وذلك أن المشركين كانوا يقتلون أولادهم خشية ~~الفاقة والعالة والفقر؛ فنهاهم الله عن ذلك، وأخبرهم أنه يرزقهم وإياهم كما ~~خلقهم، فكيف نهاهم عن قتل من قد جاء أجله وحان موته؟ وكيف يرزقهم وقد أفنى ~~بزعمكم أرزاقهم؛ بما جعل في قتل آبائهم لهم من انقطاع آجالهم؟ وكيف نهاهم ~~عن قتل من ليست له حياة، ولا بد أن تحل به الوفاة؟ فلقد أمرهم إذا أن يحيوا ~~من قد أمات، وأفنى أجله ففات. فأي قول أشنع من هذا القول في الله الكريم؟! ~~فسبحان الممهل الحكيم(1)!. PageV01P330 # وقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله: {وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة ~~فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا ms037 سجدوا فليكونوا من ورائكم ~~ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ود الذين ~~كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة} [النساء: ~~102]، أفتقولون إن الله سبحانه أمر نبيه أن يعبئ أصحابه فرقتين: فرقة تؤدي ~~معه صلاة الفريضة، وفرقة تحرس النبي وأصحابه وتلقى الكريهة؛ وليس في ذلك ~~منفعة ولا خير، ولا دفع ما يخاف من التلف والضير؛ من ميل العدو على ~~المؤمنين ميلة واحدة، فيكون في ذلك ما يخاف من الواقعة(1)؟ وأن ما أمر الله ~~به من الاحتذار والحذر غير نافع له ولا لأصحابه، وأن آجالهم إن كانت قد ~~جاءت قتلهم أعداؤهم، احترسوا أم لا، وإن لم تكن جاءت لم يقدروا عليهم، ولو ~~ألقوا بأيديهم إليهم. فهذا من قولكم أعظم التخطئة لربكم، وأجهل الجهل ~~لنبيكم، لقد أبطلتم إذا كتاب الرحمن، وقلتم شططا وبهتانا. PageV01P331 # ويقال للجهلة الضالين من المشبهين المجبرين(1): ما قولكم في قول ربكم، وما ~~مخرج ذلك عندكم، حين يقول سبحانه: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن ~~في الأرض} [الأنفال: 67 69]، ما أراد الله بهذا من قوله؟ أليس هذا عتاب منه ~~لرسوله؟ يخبره أنه لم يكن ينبغي له أن يأسرهم، ولا يطمع أصحابه في التشاغل ~~بأخذهم، دون الإثخان لهم بقتلهم، ثم قال سبحانه وجل جلاله وعز سلطانه: ~~{تريدون عرض الدنيا} [الأنفال: 67 69]، يريد بذلك ما أخذوه منهم وفيهم من ~~الفداء. ثم قال: {والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} [الأنفال: 67 69]، ~~يقول: والله يريد منكم الاجتهاد في أمر الآخرة وما يقربكم إليه، ويزيد في ~~كرامتكم لديه. ثم قال: {لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم} ~~[الأنفال: 67 69]، يقول: لولا حكم من الله سبق بالعفو عنكم؛ في وقت أسركم ~~وترككم الاستقصاء في قتل عدوكم؛ لمسكم فيما أخذتم من غنائمهم وفدائهم عذاب ~~عظيم، فتبارك الله الحليم الكريم. فأخبر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله ~~عليه وآله أنه قد فعل ما كان غيره أحب إلى الله وأرضى، ولم يتعمد صلى الله ~~عليه وآله لله ms038 في ذلك إسخاطا، بل لعله توهم أن الأسر في ذلك الوقت أنكأ، ~~وللكافرين أذل وأشقى، حتى أعلمه الله أن القتل في وقت قيام الحرب كان أنفع، ~~وعلى الإسلام وأهله بالخير أرجع. PageV01P332 # أفيقول الحسن بن محمد وأشياعه، ومن كان على الجهل من أتباعه؛ إن آجالهم ~~كانت قد جاءت فدفعها رسول الله صلى الله عليه وآله عنهم، فعاب الله عليه ما ~~فعل من دفع وفاتهم، وتأخير ما كان الله قد جاء به من حضور أجالهم؟ أم ~~يقولون إن آجالهم لم تأت ولم تحضر، وقد بقي لهم من الحياة زمان وأعصر، وإنه ~~قد كانت لهم مدة باقية، وأرزاق دارة غير فانية؛ فلم يستطع رسول الله صلى ~~الله عليه وآله أن يقطع مالم يقدر على قطعه من آجالهم، وأن يبيد ما قد بقي ~~من أعمارهم، فلامه الله إذ لم يفعل مالم يستطع، ويبيد ويقطع من ذلك ما لم ~~ينقطع، فلا بد أن يقولوا بأحد هذين المعنيين، وأن يتقلدوا وينتحلوا أحد ~~هذين القولين؛ فيكونوا بانتحال أحدهما كافرين، وفي دين الله سبحانه فاجرين، ~~أو يقولوا على الله ورسوله بالحق، فيقروا أن رسول الله صلى الله عليه وآله ~~ومن كان معه من الخلق كانوا يقدرون على قتلهم، والإثخان لهم وترك أسرهم، ~~فلامهم الله في ذلك إذ هفوا، وولهوا(1) فلم يفعلوا. تم جواب مسألته. ### || المسألة العاشرة: الأرزاق هل هي مقدرة، ومن قدرها؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن الأرزاق، فقال: أخبرونا عن الأرزاق، من قدرها؟ ~~ومقدرة(2) هي؟ أم غير مقدرة؟ ومقسومة هي؟ أم غير مقسومة؟. PageV01P333 # فإن قالوا: نعم، هي مقدرة ومقسومة؛ فقد انتقض قولهم، فقل لهم: فهل يستطيع ~~أحد أن يأخذ إلا رزقه؟ أو يأخذ إلا ما قسم الله له. (فإن قالوا: لا، فقد ~~انتقض قولهم، وإن قالوا: نعم، فقل: فكيف ذلك؟)(1) فإن قالوا: إن الله خلق ~~الأموال والأطعمة والأشربة فذلك رزقه، وبين لهم حلالها ومأخذها، فإن أخذوها ~~من باب الحلال كانت حلالا، وإن أخذوها من باب الحرام كانت حراما، فقل لهم: ~~أفهم يأخذون لأنفسهم ما شاءوا؟ فأيهم شاء ms039 أن يكون غنيا مكثرا كان؟ وأيهم ~~شاء ان يكون فقيرا معدما كان؟ فإن قالوا: نعم، كذبوا، لأن الناس كلهم حريص ~~أن يكون غنيا، وكاره أن يكون فقيرا، وقد قال الله سبحانه خلافا لقولهم: ~~{نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ~~ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمة ربك خير مما يجمعون} [الزخرف: 32]، وقال: ~~{والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ~~ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون} [النحل: 71]، في آي كثيرة ~~من كتاب الله سبحانه. # تمت مسألته. # [جوابها] PageV01P334 # وأما ما سأل عنه الجاهلون، وتوهم في الله المبطلون، أن الله الواحد الخلاق ~~حرم على عباده أرزاقا رزقهم إياها، وتفضل عليهم بها، فرزقهم رزقا وآتاهم، ~~ثم عاقبهم على ما أعطاهم، وأنه لا يأكل أحد ولا يلبس ولا ينتفع إلا بما ~~رزقه الله وآتاه، وصير إليه بما قدره له وأعطاه، فقالوا في ذلك بتجوير ~~الرحمن، ونسبوه إلى الظلم والعدوان؛ فقالوا: إنه يطعم ويرزق عباده طعاما، ~~ثم يكتبه عليهم حراما، فيوجب عليهم على قبول ما أعطاهم العقاب، ويحرمهم ~~بأخذ ما صير إليهم الثواب. وقد وجدناه سبحانه يكذبهم في قولهم، ويبين ذلك ~~لنا ولهم؛ بما قسم بين عباده من الأرزاق، ورفق عليهم من الأرفاق. من ذلك ما ~~حكم به من الغنائم والصدقات، وما جعل من ذلك لذوي المسكنة والفاقات، فقال ~~سبحانه: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم ~~وفي الرقاب} [التوبة: 60]الآية، فحكم بذلك، لمن سمى من أولئك، فحرمهم ذلك ~~الفاسقون، وأكله دونهم الظالمون، فشربوا به الخمور،وركبوا به الذكور، ~~وأظهروا به الفجور، وأصروا على معاصي الله إصرارا، وجاهروا الله بالمعصية ~~في ذلك جهارا، فأعد الله لهم على ذلك النيران، وحرمهم ثواب الجنان. PageV01P335 # وكيف يقول الحسن بن محمد ذو الغفلات، ومن تبعه من ذوي الجهالات: إن الله ~~سبحانه رزق هؤلاء الظالمين هذا،وقد حكم به في كتابه للفقراء والمساكين؟ ~~وقال الله سبحانه: {واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذوي ~~القربى واليتامى والمساكين ms040 وابن السبيل} [الأنفال: 41]، فحكم بذلك لنفسه ~~ولرسوله وقرابة نبيه، ومن سمى من اليتامى والمساكين وابن السبيل في تنزيله، ~~فاستأثر به الفاسقون عليهم، ولم ينفذوا ما جعل الله من ذلك لهم، بل دحروهم ~~دحرا، ونصبوا لهم دونه العداوة سرا وجهرا، وقد جعله الله لأوليائه رزقا، ~~وحكم لهم به حكما حقا، فغلب عليه الفاجرون وظلموهم فيه ظلما. قال سبحانه: ~~{ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى ~~والمساكين وابن السبيل كيلا يكون دولة بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد العقاب} [الحشر: 7]. # فكان الذي أتى به صلى الله عليه وآله؛ ما أنزل الله في وحيه من فرائضه، ~~وقسمه فيه في أوليائه من خلقه(1)، فخالف على ذلك الفاجرون، ورفضوا ما جاء ~~به خاتم النبيين؛ من الله رب السموات والأرض(2)، فجعلوه دولة بين أغنيائهم، ~~وحرموه من جعله الله له من فقرائهم، عماية وصمما، ومجاهرة لله وظلما، ~~فأخذوا ما جعل الله لغيرهم، وتعدوا ما حكم الله به فيهم. ولا يشك من كان ~~لبه سالما، وكان بأمر الله عالما، أنهم على ذلك معذبون، وأنهم على ~~مخالفته(3) فيه مسؤولون. PageV01P336 # فكيف يقول الحسن بن محمد: إن الله رزق هؤلاء الظالمين، المعتدين الفاسقين ~~رزقا؛ ثم صيره لهم، وسلمه في أيديهم؛ ثم يعذبهم عليه، ويحاسبهم فيه؟! أم ~~كيف يجترئ ويقول: إن الله رب العالمين، والسموات والأرضين(1)؛ جعله لمن حكم ~~له به من ضعفة المسلمين، ثم انتزعه منهم؛ فجعله رزقا للعناء(2) الفاسقين ~~دونهم؟ فكيف يكون ذلك والله سبحانه يقول: {كيلا يكون دولة بين الأغنياء ~~منكم}؟ أولم يسمع من ضل وغوي، فقال على خالقه بالقول الردي؛ الله سبحانه ~~كيف يقول في الوحي المذكور، في كتابه المنير المسطور: {إن الذين يأكلون ~~أموال اليتامى ظلما إنما يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا} [النساء: ~~61]، فعلم أن في خلقه من سيأكل أموال اليتامى عدوانا وظلما، فنهاهم عن ذلك ~~وحرمه عليهم، وحكم بعذاب السعير لمن استجاز ذلك فيهم. أفيقول المبطلون إن ~~الله سبحانه ms041 جعل أموال اليتامى؛ لمن نهاه عن أكلها رزقا، ثم نهاهم عن أكل ~~ما رزقهم وآتاهم؟! لقد قالوا على الله كذبا، وضلوا ضلالا بعيدا. PageV01P337 # ثم قال جل جلاله، وصدق في كل قوله مقاله: {يوصيكم الله في أولادكم للذكر ~~مثل حظ الأنثيين}، فحكم للأنثى بجزء وحكم للذكر بجزئين، ثم قال: {فإن كن ~~نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ولأبويه لكل ~~واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد وورثه أبواه ~~فلأمه الثلث} [النساء: 11]، فما يقول من ضل وعمي، وجار وشقي؛ إن وصي تعدى، ~~وفي المخالفة تردى، فحرم بتعديه الوالد، ومنع من ميراث أبيه الولد، وأخذ ~~ذلك فأكل به واكتسى، وشرب وتزوج ولها، هل يكون ذلك عندهم له من الله رزقا ~~رزقه إياه؛ وقد يسمعون حكم الله به للورثة دون من أخذه واصطفاه؟ فقد أبطلوا ~~بذلك حكم الرحمن، ونقضوا ما نزل سبحانه في الفرقان(1). وإن قالوا: بل أخذ ~~ما ليس له حقا، وأكل من ذلك ما لم يجعله الله له رزقا؛ كانوا في ذلك بالحق ~~قائلين، وعن قول الباطل والمنكر راجعين. PageV01P338 # ثم يقال لهم: ما تقولون فيمن غصب مالا فأخذه، وتعدى فيه وسرقه، فأكله حراما ~~وشربه، أتوجبون عليه الزكاة فيه؟ أم توجبون رده إلى صاحبه عليه؟ فقد يجب ~~عليكم في قياسكم وقولكم أن تقولوا: إنه رزق له رزقه الله إياه، وقدره له ~~وآتاه، ولولا ذلك لم يأخذه، ولم يقدر على أكله وشربه، ولا على الانتفاع به، ~~فإن كان كما تقولون وإليه تذهبون؛ أن كل ما غصبه غاصب، أو أخذه من المال ~~آخذ(1) غصبا، فهو من الله له بتقدير وعطاء ورزق(2)، فلن يجب عليه أبدا رده، ~~ولا أن ينازعه فيه ضده، بل هو أحق به من كل مستحق، وهو له ملك(3) بتمليك ~~الله له إياه وحق، فأمروه فليؤد ما أوجب الله؛ على أهل الأموال في الأموال ~~من الزكاة، والحج والإنفاق في سبيل الله، والافاضة على كل من سأله ورجاه. # ألا تسمعون كيف ms042 يقول الله ذو الجلال، وذو القوة والقدرة والمحال، حين ~~يقول: {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني ~~عن العالمين} [آل عمران: 97]، والسبيل فهو: الجدة(4) مع صحة الأبدان؛ من ~~مانعات حوادث الأزمان، فعند المقدرة والسلامة والأمان؛ يجب فرض الحج على كل ~~إنسان. وهذا في أصل قولكم، وما تذكرونه من رأيكم ؛ بما قد حوى وأخذ من ~~المال الحرام، مستطيع لحج بيت الله الحرام؛ قادر على ذلك بما أخذ من أخيه، ~~وأخرجه بالغصب والغلبة من يديه، إذ تزعمون أن كل ما أخذ وأكل وشرب ولبس فهو ~~رزق مقسوم، ومن الله جل جلاله عطاء لعباده معلوم. PageV01P339 # وقال الله سبحانه: {وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة} [البقرة: 4383، 110. ~~والنساء: 77. والنور: 56. والمزمل: 20]، فلا شك أن الزكاة تجب فيما رزق ~~الله العبيد من رزق إذا بلغ ما تجب فيه الزكاة وتقع، فليتصدق، وليقرض الله ~~قرضا حسنا مما في يديه، فإن الله يقول: {إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا ~~الله قرضا حسنا يضاعف لهم ولهم أجر كريم} [الحديد: 18]، ولن يقبل الله إلا ~~الحلال،ولن يضاعف إلا لمن أنفق مما ملك من الأموال. فإن كان هذا له من الله ~~عطاء فأمروه فلينفذ ما أمره الله به، وليؤد ما عليه فيه، وازجروا(1) عنه ~~المطالب له به؛ الذي أخذه غصبا من يديه، واستأثر به عليه(2). # وإن قلتم: لا يجب عليه فيما في يديه من هذا المال المغصوب حق، ولا يلزمه ~~فرض، وأوجبتم على أنفسكم أخذه من يده، ورده على صاحبه، وقلتم: لا يكون إلا ~~ذلك، والحق فكذلك؛ فقد أزلتم عنه ملك ما غصب، وحرمتم(3) عليه منه ما أكل، ~~وأقررتم أن ما أخذ من ذلك فأكله وشربه ليس له من الله رزقا، ولا نائلا ولا ~~عطاء، وأن عليكم أن تأخذوا ما في يديه من المال؛ فتردوه إلى من كان له من ~~الرجال، وتضمنوه ما أتلف منه، وتوجبوا عليه إن كان أخذه من دار، أو بيت او ~~حرز أو قرار؛ ما أوجب عليه الواحد الجبار؛ من القطع، فإنه يقول سبحانه: ~~{والسارق والسارقة ms043 فاقطعوا أيديهما} [المائدة: 38]. # فيا سبحان الله! ما أبين الحق وأنور الصدق، فلو كان الله رزقه ما أكل مما ~~سرق وغصب لما أوجب عليه أن يقطع الحاكم يده في أن أخذ ما أعطاه ربه وآتاه، ~~وأكل ما به غذاه، فسبحان البعيد من ذلك، الصادق في قوله، العدل في جميع ~~أموره وفعله. PageV01P340 # فإن هم من بعد ذلك سألونا فقالوا: هل يقدر أحد أن يأكل غير ما رزقه الله؟ # قيل لهم: إن مسألتكم هذه تخرج على معنيين، وتنصرف في وجهين: # فإن أردتم أن كل شيء مما بث الله وأخرج رزق للعباد، فكذلك لعمري هو؛ لأن ~~الله قد سماه في الجملة بذلك، فقال: {ونزلنا من السماء ماء مباركا ~~فأنبتنا به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد ~~وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} [ق: 9 11]، يقول سبحانه: أخرجنا به مالا ~~يخرج من الحب والأكل إلا بالماء. وقال: {أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه ~~أم نحن الزارعون} [الواقعة: 63]. وقال: {أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا ~~الأرض شقا فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة ~~وأبا متاعا لكم ولأنعامكم} [عبس: 25 32]، فقال: شققنا الأرض شقا، يريد ~~شققناها عن النبات الذي يخرج منها؛ من الحب والفواكه وغيره وفلقناها فلقا. ~~والأب: هو الحشيش والعشب؛ الذي تأكله الأنعام، وينبت في الأودية والجبال ~~والآكام، {متاعا لكم ولأنعامكم}، يقول: بلاغا لكم ولأنعامكم، إلى وقت ~~انقضاء آجالها وآجالكم، فرزقناكم فواكه وحبا، ورزقنا أنعامكم عضاها(1) ~~وأبا، فكل ما أخرج الله فقد سماه لأهله ومن يملكه رزقا، فهو رزق لمن أجاز ~~الله له أكله، وأحل له أخذه، وأمره عليه بشكره، فقال: {كلوا واشربوا من رزق ~~الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين} [البقرة: 6]، وقال: {يا أيها الذين آمنوا ~~كلوا من طيبات ما رزقناكم واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون} [البقرة: 172]، وقال: PageV01P341 # {فكلوا مما رزقكم الله حلالا طيبا واشكروا نعمة الله إن كنتم إياه تعبدون} ~~[النحل: 114]. فرزق ذو المن والسلطان والجبروت والبرهان كل عبد ما أحل له، ~~وأمره بأخذه، فأما ما ms044 نهاه عن أكله، وعذبه في قبضه؛ فليس ذلك لعمرهم من ~~رزقه، وكيف يجوز على ذي الجلال والجبروت أن يجعل لعباده رزقا وقوتا به ~~يعيشون، وفيه يتقلبون؛ ثم ينهاهم عن أخذ ما أعطاهم، وإليه ساقهم وهداهم؟ # فهذا والحمد لله لا يغبى، على من وهبه الله علما، وآتاه تمييزا ولبا. # والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين، وعلى أهل بيته ~~الطيبين. تم جواب مسألته. ### || المسألة الحادية عشرة: # العقول، هل هي مقسومة؟ وهل المعرفة فعل الله أو فعل الإنسان؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن العقول، فقال: خبرونا عن العقول، أمخلوقة هي أم ~~غير مخلوقة؟ فإن قالوا: مخلوقة، فقل: أمقسومة هي بين العباد أم غير مقسومة؟ ~~فإن قالوا: بل هي مقسومة، فقل: فأخبرونا من أين عرف بعض الناس الهدى فأخذ ~~به، وجهله بعضهم فتركه، وكلهم حريص علىالهدى كاره للضلالة، راغب في العلم ~~مبغض للجهالة، وقد زعمتم أن الله قد جعل سبيلهم واحدا، وعقولهم واستطاعتهم ~~واحدة، وهي حجة الله عليهم؟ # فإن قالوا: بتوفيق من الله، فقد أجابوا: وإن قالوا: أخذ هداه منهم من ~~أحب، وتركه منهم من اتبع هواه، وأطاع إبليس إلى دعائه، قيل لهم: فما صير ~~بعضهم تابعا لهواه؟ والعقول فيهم كاملة مستوية؟ فإن قالوا: بتوفيق من الله ~~وفق من شاء منهم، فقد أجابوا، وإن قالوا: فضل الله بعضهم على بعض فقد ~~صدقوا، وإن قالوا غير ذلك، فقد كذبوا، لأنه(1) لو كان الناس في العقول ~~سواء؛ ما كان من الناس جاهل وعاقل، وأحمق وحليم، ولسمي الجاهل عاقلا، ~~والعاقل جاهلا، ولكن(2) الأمر في هذا أبين من ذلك، ولكنهم قوم يجهلون. PageV01P342 # وإن قالوا ذلك من قبل الأدب والتعليم؛ فقل: لو كانت عقولهم مستوية؛ ما ~~احتاج بعضهم إلى بعض في أدب ولا تعليم. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما عنه سأل وقال، مما ألحد فيه من المقال، فقال: أخبرونا عن العقول ~~أمخلوقة هي مقسومة؟ أم غير مخلوقة ولا مقسومة؟ فنحن، والحمدلله، نقول: إن ~~الله خلق العقول وأوجدها فيهم، وجعلها حجة له عليهم، وسببها لهم سبحانه ~~وتعالى ms045 تسبيبا، وركبها فيهم احتجاجا عليهم تركيبا، فهي حجة الله العظيمة، ~~ونعمته على خلقه الكريمة، تدعو أبدا إلى الخير والهدى، وتنفي عن الخلق ~~الضلالة والردى، تدل على الخالق ذي الجلال، وتنفي عمن أراد الحق التكمه ~~والضلال، فهي أبدا لمن استعملها داعية إلى الإسلام، مخرجة له من حنادس(1) ~~دياجير الظلام، ثم قسمها سبحانه بين خلقه، ليدلهم على ما أوجب عليهم من ~~حقه، فأعطى كل من أوجب عليه أداء فريضة منها أكثر مما يحتاج إليه في أداء ~~ما افترض عليه، فليس منهي يجب عليه عقاب، ولا مأمور يجب له ثواب؛ إلا وقد ~~ركب الله فيه من العقل وقسم له وعليه أكثر من الحاجة في أداء مفترضه، وما ~~يخرجه بحمد الله إن استعمله من جهالته. ثم أمرهم باستعمال ما أعطاهم؛ من ~~الحجة المركبة فيهم، واخبرهم أنهم إن لم يستعملوها؛ لم يصلوا إلى علم ما ~~لعلمه أعطوها، فأمرهم أن يستعملوها فيفكروا، وينظروا ويميزوا ويتدبروا، ~~فإذا فكروا وميزوا بتلك الحجة التي لن يضل معها طول الأبد، إن أنصفها ~~بحمدالله من أحد، ولذلك ما قاله، جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: ~~{فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 9]، يقول: انظروا بأبصاركم، ثم دبروا ~~فاعتبروا بعقولكم، فيما ترون وتبصرون، هل له من خالق غير الله فيما ~~تعلمون؟! كما قال سبحانه: {أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون} ~~[الطور: 43]، وقال: {ولئن سألتهم من خلق PageV01P343 السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم} [الزخرف: 29]، وقال: {قل ~~أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله ~~يأتيكم بضياء أفلا تسمعون* قل أرأيتم إن جعل الله عليكم النهار سرمدا إلى ~~يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل تسكنون فيه أفلا تبصرون* ومن ~~رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون} ~~[القصص: 71 73]، ثم قال تنبيها لهم وحثا على استعمال العقول، ليصح لهم الحق ~~من القول إذا نظروا؛ وفيما ذكر الله مما أراهم وفطر لهم تفكروا، فقال الله ~~سبحانه: {حم* تنزيل الكتاب من ms046 الله العزيز الحكيم إن في السموات والأرض ~~لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون واختلاف الليل ~~والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف ~~الرياح آيات لقوم يعقلون} [الجاثية: 15]، فقال في أول السورة: لآيات لقوم ~~يؤمنون(1) يقول: يصدقون بما يرون، وينصفون العقل فيقبلون منه ما عليه يدلهم ~~حين يبصرون ويستبصرون، في الحق، ويستدلون على الله بما ذرأ من الخلق، ~~فيكونون بذلك مؤمنين، ولله بالخلق(2) والقدرة مقرين. ثم قال: {لقوم ~~يوقنون}، فأخبر أنه قد ذرأ وجعل لهم؛ من الدلالة عليه في خلق أنفسهم؛ ما ~~بأقل قليله على خالقهم يستدلون، وبأنه الله الذي لا إله إلا هو يوقنون. ثم ~~كرر الدلالة لهم والاحتجاج عليهم بذكر ما أنزل PageV01P344 من السماء من رزق، فأحيا لهم به الزروع، وفرع به في الأصول الفروع، ثم كرر ~~الاحتجاج والتوقيف لهم والتعريف؛ فذكر تصريف الرياح، وما يكون فيها وبها من ~~الألقاح، فقال: {وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون}، فتتابعت الآيات ~~متناسقات، بما فيهن من العبر والدلالات، حتى وصل(1) إلى قوم يعقلون، فأخبر ~~بذلك أن كل ما ذكر لا يعلم، ولا يخبر ولا يفهم؛ إلا بما ركب وجعل لهم فيه ~~من حجة العقل، فقال سبحانه احتجاجا عليهم، وتنبيها في ذلك كله لهم؛ بما ~~خلق، من الأبصار التي لا ينتفع بها في التذكرة إلا بالألباب، وحثا على ~~استعمال الألباب في كل الأسباب: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها ~~وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها ~~من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد منيب} [ق: 68]. يقول: توفيقا لهم ~~وتعريفا واحتجاجا على ذوي العقول. # وقال: {فاعتبروا يا أولي الأبصار} [الحشر: 2]، فخص بالأمر بالاعتبار ذوي ~~الأبصار. PageV01P345 # وقال سبحانه: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} [محمد: 24]، فنظر ~~قوم وفكروا، وعقولهم في ذلك انصفوا، فأبصروا واهتدوا، وعرفوا الحق فرشدوا. ~~وأنكر قوم وخالفوا؛ ما تفرع لهم من المعقول فجحدوا، فعاقبهم الله على ذلك ~~من فعلهم، وأضلوا أنفسهم بمكابرة عقولهم، ms047 وأبطلوا النظر، واتبعوا الخبر(1)، ~~فاتبعوا الهوى، وتركوا الهدى، وتعلقوا بالأخبار المنقولة الكاذبة، ورفضوا ~~ما فيهم من حجة الله الصادقة، فبذلك عندوا، وأنفسهم بالتخير منهم أهلكوا. ~~فليس للعباد على الخالق من حجة يحتجون بها، ولا متعلق ولا طلبة في ذلك ~~يطلبونها، بصرهم وهداهم، وركب فيهم ما كفاهم، وبعث إليهم المرسلين، مبشرين ~~لهم ومنذرين، فأمروهم ونهوهم؛ وعذابه حذروهم، وإلى ثوابه دعوهم، وأروهم ~~عجائب الآيات، واحتجوا عليهم بالدلالات، {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة وإن الله لسميع عليم} [الأنفال: 42]. # فهذا قولنا في ربنا، وشرحنا لما احتج به سبحانه علينا. # فإن قالوا وبما ندفعه إن شاء الله بحقنا تعلقوا: ألستم تزعمون، وبغير ~~شك تقولون: إن الله قسم العقول بين خلقه، وجعلها له حجة فيهم، نعمة أنعم ~~بها عليهم، وأيادي أكملها لديهم، ثم تقولون أنه افترض عليهم فروضا؛ فجعلها ~~عليهم كلهم شرعا سواء، إن أدوها أثيبوا، وإن تركوها عوقبوا، ثم تقولون ~~ونقول: إن ذلك لا ينال إلا بالعقول، وقد نرى اختلاف العقول في الناس ~~أجمعين، فنعلم أنهم فيها متفاضلون، وأن ليس هم فيها على القسمة متساوين؟ ~~فأين ما تحوطون من عدل رب العالمين، وقد ساوى بين عباده فيما افترض عليهم، ~~وجعل ذلك سبحانه سواء فيهم، ثم فضل بعضهم على بعض فيما لا ينال أداء ما فرض ~~من الطاعات، ولا يوصل إلى تمييز شيء من شيء إلا به من الآلات؛ من العقل ~~الرصين، والفهم المبين؟. PageV01P346 # قلنا لهم: قد سألتم، فاسمعوا ما به أجبتم، فكذلك بالعدل على الله نقول، وفي ~~كل أمر نا فبه سبحانه نحول، وسنبين لكم إن شاء الله الجواب، ونشرح لكم ما ~~تتكمهون(1) فيه من الارتياب، ونختصر ذلك لكم بما يقر في أفهامكم، ويثبت إن ~~كنتم للحق طالبين مريدين في ألبابكم، فنقول: إن الله تبارك وتعالى افترض ~~على خلقه فروضا، وأوجب عليهم سبحانه أمورا، ثم أعطاهم ما بأقل قليله ينال ~~أداء ذلك من الآلات، ويقتدر على أدائه متى قصد من الساعات، فجعل في أقلهم ~~عقلا من العقل ما ينال بأقل ms048 قليله تمييز ما أوجب الله عليه تمييزه، ~~والاحاطة بما أوجب عليه الإحاطة به من معرفته، والاقرار بوحدانيته، والأداء ~~لكل فرائضه، فساوى بين عباده فيما إليه يحتاجون، وله في فرائضه يستعملون، ~~ثم زاد بعد أن ساوى بينهم في الحجة؛ من شاء فضاعف له العطاء والكرامة، ~~وزاده في العقل والسلامة، كما زاد بعضهم بسطة في العلم والجسم، فليس لأحد ~~على الله في ذلك حجة، إذ قد أنالهم من ذلك أكثر من البغية، إلا أن يكون(2) ~~للمخلوقين عليه حجة؛ وفيما فضل به بعضهم على بعض من الجلد والطول والجمال ~~والهيئة، والكمال والبياض والفصاحة، فكل ما أدخلتم علينا(3) فيما فضل الله ~~به بعض الخلق على بعض من العقول، فواجب عليكم لنا أن تجيبونا به فيما بين ~~البياض والسواد والقصر والطول، حذو المثال بالمثال، ليس لكم والحمدلله عنه ~~تحرف ولا انتقال، إلا بأن ترجعوا إلى الصدق، فقد بان لكم والحمدلله الحق، ~~فاتقوا إملاء الشيطان وتسويله، واغواءه وتخييله، ولا تكونوا من الذين قال ~~الله فيهم: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى الشيطان ~~سول لهم وأملى لهم} [محمد: 25]. PageV01P347 # وسنضرب لكم بقوة الله وحوله في ذلك مثلا يبين لكم أموركم، ويخامر نور حقه ~~ضميركم وصدوركم: أرأيتم لو أن رجلا له بيتان من حشيش، وله غلامان(1)، فدفع ~~إلى أحد غلاميه شمعة واحدة متوقدة، ودفع إلى الآخر ثلاث شمعات، ثم قال ~~لهما: ليحرق كل واحد منكما بما معه ما في أحد هذين البيتين من الحشيش، فهل ~~ترون لصاحب الشمعة الواحدة، المتوقدة المتلهبة على مولاه حجة؛ في أن أعطى ~~صاحبه ثلاثا وأعطاه واحدة؛ فيقول لا والله؛ ما أقدر على أن أحرق بيتا من ~~حشيش بهذه الشمعة الواحدة، فأعطني ثلاثا مثل صاحبي وإلا فلا حيلة لي في ~~إحراقه. # وقد يعلم كل ذي عقل سوي، من رشيد أو غوي؛ أن الذي يكفي هذا الحشيش من هذه ~~الشمعة لفحة واحدة، وأنه ومن(2) معه ثلاث شمعات، وعشر، وواحدة(3) في القدرة ~~على إحراق ما أمر باحراقه، وانفاذ أمر سيده فيه (سواء)(4)، ms049 فهل تقولون ~~لسيده: كلفته وصاحبه إحراق بيتين؛ من حشيش متساويين، ثم كلفته إحراقه بشمعة ~~واحدة، وكلفت صاحبه إحراق بيته بثلاث؛ فأعطه ثلاثا وإلا فقد كلفته ما لا ~~يناله بهذه الواحدة ولا يطيقه؟ فأنت له في ذلك ظالم، وعليه بفعلك هذا ~~متحامل. # أم تقولون للعبد: أنت مخطيء في فعلك، جاهل في قولك، فأنت تنال بهذه من ~~حشيشك مثل ما ينال صاحبك بشمعاته في حشيشه، والأمر في قليل النار وكثيرها، ~~عند تأججها والتهابها سواء، لا حجة لك على مولاك؛ فيما كلفك وأعطاك؟ PageV01P348 # فكذلك ولله الحمد الأمر فيما أعطى الله العباد من حجته؛ فيما فضل به من ~~شاء من بعد ذلك من خليقته، فأما من سلب عقله من المجانين والأطفال، فلم ~~يوجب الله عليهم الأعمال، بل أزاح ذلك عنهم، ولم يوجبه عليهم. وحالهم في ~~وقتهم ذلك عند الله فحال لا يسألهم فيها عما افترض من الأعمال حتى يفيقوا، ~~ومما هم فيه يخرجوا، ويبلغ الأطفال من الفهم ما يصح لهم به التمييز، ~~ويخرجوا من حال الطفولية والصغر، إلى حال القوة والكبر. وفي ذلك ما قال ~~الرسول صلى الله عليه وآله: (( رفع القلم عن ثلاثة، عن النائم حتى يستيقظ، ~~وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يعقل )). # والحمدلله العدل في فعله، الرحيم بخلقه، الذي كلف يسيرا، وأعطى عليه ~~كثيرا. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثانية عشرة: # الإرادة، هل إذا أراد الله شيئا كان أم لا؟ # ثم اتبع ذلك المسألة عن الإرادة، فقال: أخبرونا عن الارادة، إذا أراد ~~الله شيئا، يكون؟ أولا يكون؟ فإنه قد قال: {فعال لما يريد} [هود: 107. ~~والبروج: 16]. # فإن قالوا: نعم، قيل لهم: وهل(1) أراد الله أن يدخل خلقه كلهم في الهدى؟ ~~فإن قالوا: نعم، قد أراد أن يدخلوا كلهم في الهدى على غير جبر منه ولا ~~إكراه، فيقال لهم: فهل دخلوا في الهدى كما أراد، على غير وجه الجبر منه لهم ~~والاكراه؟ تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من إرادة الله سبحانه، فقال: إذا أراد الله شيئا يكون؟ ~~أو لا؟ فإنه قد ms050 قال الله: {فعال لما يريد} [هود: 107، والبروج: 16]، فكذلك ~~قولنا في خالقنا، ومصورنا وبارئنا، ومميتنا ومحيينا، سبحانه وجل وتقدست ~~أسماؤه، كما قال في نفسه: {فعال لما يريد} فكل ما شاء أن يفعله سبحانه فعله. # ثم نقول، من بعد اثبات القدرة للرحمن، ونفي التشبيه والتجوير عنه في كل ~~ما شأن: إن الإرادة من الله على معنيين، نيرين عند من علمه الله وفهمه بينين. PageV01P349 # فأحدهما(1): إرادة حتم وجبر، والآخر(2): إرادة أمر، معها تمكين وتفويض. # فأما إرادة الحتم فهي: ما أراد من خلق السموات والأرض والجبال وما أنبت ~~من الأشجار {والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق مالا تعلمون} ~~[النحل: 8]، وما أراد سبحانه من قضاء الموت على خلقه، من جميع أهل سماواته ~~وأرضه والذهاب والفوت، فقال سبحانه: {كل نفس ذائقة الموت وإنما توفون ~~أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة ~~الدنيا إلا متاع الغرور} [آل عمران: 185]، وقال: {كل من عليها فان ويبقى ~~وجه ربك ذي الجلال والإكرام} [الرحمن: 26]، فأخبر بما حكم به على خلقه، ~~وبما ألزمهم في ذلك وأوجبه عليهم من حتمه؛ فقال: {قل الله يحييكم ثم يميتكم ~~ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا يعلمون} ~~[الجاثية: 26]، وقال لنبيه صلى الله عليه، إخبارا منه بما حتم عليه: {إنك ~~ميت وإنهم ميتون} [الزمر: 30]. # ومن ارادة الحتم التي أراد الله فعلها ففعلها؛ قوله: {ثم استوى إلى ~~السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين ~~فقضاهن سبع سموات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها} [فصلت: 1112]، فكان ~~قضاؤه فيهن؛ خلقه سبحانه لهن، حين أراد إيجادهن فأوجدهن وصورهن، وأوحى ما ~~شاء فيهن من أمرهن. PageV01P350 # ومن ذلك ما يقول الواحد الجبار، ذو الملكوت الغفار: {الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى ~~أجل مسمى} [الزمر: 42]، فذكر أن الموت منه، وأنه يقضي به ويبديه، فكان هذا ~~منه في خلقه إرادة حتم، ليس لأحد فيها منهم ms051 فعل. # ومن ذلك ما قال الله سبحانه: {ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد} [ق: 16]، فأراد خلقه فخلقه. وقال: {يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير} [الحجرات: 13]، فأخبر عن نفسه؛ بما أرد ~~أن يجعله منهم فجعله، وصوره وأوجده، كما قال: {إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون} [يس: 82]. PageV01P351 # وأما المعنى الآخر: فهو الإرادة التي معها تمكين، وهو قوله سبحانه: {وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا} [الإسراء: 23]، فكان قضاؤه في ~~ذلك سبحانه، ما أمر به من أن لا نعبد معه غيره، وما أمر به من البر ~~والإحسان إلى الوالدين، فأراد الله سبحانه من العباد ان يطيعوه، ويعملوا له ~~بما ركب فيهم وأحسن به إليهم من الإستطاعات، وما أعطاهم من الآلات(1)، ~~بالاختيار منهم لطاعته، والإيثار منهم لمرضاته، ليثيبهم على فعلهم، ~~ويعاقبهم على تركهم. ولو أراد منهم الطاعة جبرا، وصرفهم عن المعصية قسرا؛ ~~لكان كلهم جاريا في طاعته، تابعا لمرضاته، ولم يكن المذنب الشاسع، أولى ~~بالعقوبة من المهتدي الطائع، ولم يكن العامل بالطاعة، أحق بالثواب من عامل ~~المعصية؛ إذ كانا كلاهما أدخلا في عملهما إدخالا، واستعملا في إرادة الله ~~استعمالا. PageV01P352 # فتبارك الله عن ظلم العباد، وتقدس عن القضاء بالفساد، الذي لم يطع كرها(1)، ~~ولم يعص مغلوبا، بل أمر ونهى، وحذر وهدى، وعرف النجدين، وبين العملين، ثم ~~أعطى كل شيء خلقه، وأعد للمطيعين الثواب، وللعاصين العقاب. ثم قال سبحانه: ~~{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون}[آل ~~عمران: 102]، وقال: {يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي ~~نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ~~ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا} [النساء: 136]، فأمرهم سبحانه ~~بالإيمان، وحضهم علىالتقى والإحسان، ونهاهم عن الكفر والطغيان، وعن جميع ~~مالم يرد من العصيان، فقال سبحانه: {ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة ms052 وساء ~~سبيلا} [الإسراء: 32]، وقال: {ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق} ~~[الأنعام: 151]، وقال: {لا تأكلوا الربا} [آل عمران: 130]، وقال: {إن الذين ~~يأكلون أموال اليتامى ظلما..} الآية[النساء: 10]، ومثل هذا في القرآن كثير. ~~ولله الحمد بأبين البيان . PageV01P353 # فأمرهم بما أراد من طاعته، ونهاهم سبحانه عن معصيته، ثم قال سبحانه، من بعد ~~أن أعطاهم من الاستطاعة ما أعطاهم، ثم أمرهم ونهاهم؛ فقال: {فمن يعمل مثقال ~~ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 8]، وقال: {من يعمل ~~سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا} [النساء: 123]، ثم قال ~~سبحانه: {فأما إن كان من المقربين* فروح وريحان وجنة نعيم* وأما إن كان من ~~أصحاب اليمين* فسلام لك من أصحاب اليمين* وأما إن كان من المكذبين الضالين* ~~فنزل من حميم* وتصلية جحيم* إن هذا لهو حق اليقين} [الواقعة: 88 95]. # ثم قال؛ من بعد إكمال الحجة عليهم واثباتها فيهم: {فمن شاء فليؤمن ومن ~~شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا} [الكهف: 29]. PageV01P354 # أفلا ترى كيف فرق بين ما كان منه فعلا، وبين ما أمر به العباد أمرا؟ فلم ~~يقل فيما حتم به عليهم حتما، وما كان منه عليهم قضاء وحكما؛ من الموت ولا ~~من الخلق: موتوا، ولا: لا تموتوا، ولا: اخلقوا، ولا: لا تخلقوا. ولم يقل ~~فيما أراده منهم فعلا بتخيير واختيار؛ لعظيم المنة والإختبار: كل من قضينا ~~عليه المعاصي عاص، كما قال: {كل من عليها فان} ولم يقل أمرنا وقضينا عليه ~~بالعصيان، كما قال: {إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير} [ق: 43]، بل أخبر ~~أنه من ذلك بريء، فقال: {إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون} [الأعراف: 28]، فتبارك الله الواحد الأعلى، الذي إذا أراد أن يفعل ~~شيئا كان بلا كلفة ولا إضمار، ولا تفكر ولا إظهار، ولا اضطراب، إذا أراده ~~أوجده، وإذا أوجده فقد أراده، فقضاؤه كاثن، وفعله من أفعال العباد بائن، ~~ليس ms053 له مثل ينال، ولا شبه تضرب له فيه الأمثال، وهو الواحد المتعال الصمد، ~~الواحد الأحد الذي {لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفؤا أحد} [الإخلاص: 3 4]. ~~تم جواب مسألته. ### || المسألة الثالثة عشرة: الطبع والختم PageV01P355 ثم اتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن الطبع والختم؛ فقال: أرأيتم من طبع ~~الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره، أهو ممن دعي إلى الإيمان، فيثاب على ~~أخذه، ويعاقب على تركه؟ فإن قالوا: نعم، فقل: وكيف يقبلون الإيمان وقد ختم ~~على قلوبهم، والله يقول: {سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون}[يس: ~~10]، فهل ضرهم الطبع والختم؟ أم نفعهم؟ أم لم يضرهم ولم ينفعهم؟ فإن قالوا: ~~إنما ختم على قلوبهم بكفرهم، فقل: هل ضرهم الطبع حين فعل بهم، وحال بينهم ~~وبين التوبة والدخول في الإيمان؟ فإن قالوا: لم يضرهم، ولو شاءوا آمنوا، ~~فالله قد كذبهم، واجترأوا على الرد على الله قوله، فقل: فتراهم حين طبع على ~~قلوبهم لم يقبلوا الإيمان؟، فإن قالوا: فإنهم لا يقدرون على الإيمان حتى ~~يفتح الله قلوبهم؛ فقد أقروا لله بقدرته، وانتقض عليهم قولهم، إذ زعموا أن ~~الختم قد ضرهم، وأنهم يعذبون على ما كان من تركهم الإيمان، وأخذهم بالكفر ~~بعد الختم، وعملهم بما لا يستطيعون تركه. تمت مسألته. # جوابها: # وأما ما سأل عنه من الطبع والختم من الله؛ فقال: أرأيتم من طبع الله على ~~قلبه، وختم على سمعه وبصره، أهو ممن دعي إلى الإيمان؛ فيثاب على أخذه ~~ويعاقب على تركه؟ فقولنا في ذلك على الله بالحق، إن الله لم يرد بذلك إذ ~~قاله أنه طبع على قلوبهم بطبع لا يقدرون على الفهم معه، ولا أنه ختم على ~~سمعهم ختما لا يقدرون معه على السمع والاستماع، وعلى البصر فلا يقدرون على ~~الإبصار والانطباع، وذلك فأبين الأمر وما لا ينكره من عقل. PageV01P356 # ألم تر وتسمع أن أهل الجاهلية كانوا أرصن عقولا وأعظم أحلاما وأكثر أفهاما ~~من أهل هذا الدهر؟ ولذلك قالت قريش للرسول فيما كان يعيب من آلهتهم، ويبين ~~لهم في ذلك ms054 من جهالتهم، فكانوا يقولون لعمه أبي طالب ومن قام معه دون رسول ~~الله صلى الله عليه من أهل بيته وقرابته: عاب آلهتنا، وسخف عقولنا، وأطاش ~~أحلامنا. فكانوا ذوي أحلام، وعقول جمة وأفهام، فكيف يكون من طبع على قلبه، ~~على ما قد يسمعون عنه من فهمه؟ وكذلك كانوا يستمعون إلى الرسول إذا قرأ ~~القرآن، ويقولون في قراءته كل قول، ويدبرون فيه التدبير(1)، ويسطرون فيما ~~جاء به الأساطير. # من ذلك ما كان يقول ويتبعونه عليه من القول منهم الوليد بن المغيرة، ~~اللعين، وكانوا له على كفره تابعين، حين تلا عليهم قول رب العالمين، فقال ~~ما حكى الله عنه في سورة (( نون )) حين يقول: {فلا تطع كل حلاف مهين* هماز ~~مشاء بنميم* مناع للخير معتد أثيم* عتل بعد ذلك زنيم* أن كان ذا مال ~~وبنين*إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين} [القلم: 10 15]. PageV01P357 # وكذلك كان يقول الوليد الملعون: {إن هذا إلا قول البشر}[المدثر: 35]، ~~ويقولون: {معلم مجنون} [المدثر: 35]،كما حكى الله في الكتاب المكنون، وقال ~~فيهم ربهم، وذكر عنهم ومنهم، فقال سبحانه: {أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول ~~مبين* ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون}[الدخان: 13]، ويسمعهم ما كان رسول ~~الله صلى الله عليه وآله يحاجهم به، ويقرأ القرآن عليهم، ويأمره الله ~~سبحانه بذلك فيهم؛ فيقول: {وأنذر عشيرتك الأقربين* واخفض جناحك لمن اتبعك ~~من المؤمنين}[الشعراء: 214]، وقال جل جلاله، وصدق في كل قول مقاله: {واصبر ~~على ما يقولون واهجرهم هجرا جميلا}[المزمل: 10]، وقال: {واصبر نفسك مع ~~الذين يدعون ربهم} [الكهف: 28]. وقال: {فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك ~~قبل طلوع الشمس وقبل غروبها} [طه: 130]. # فهل يقول أحد من ذوي العقول أن من كانت هذه حاله كان مختوما على سمعه، ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله يناجيه ويناديه؟ وهل يجوز على الرسول أن ~~ينادي ويناجي من سمعه مختوم؟ وكذلك كان نظرهم وإبصارهم فيما يأمرهم الله أن ~~يبصروه من السموات والأرض، إذ يقول: {أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف ~~بنيناها وزيناها ومالها من فروج} [ق: 6]، فهل يجوز على الله ms055 أن يأمر ~~بالإبصار من هو بالختم أعمى؟ فهذا مالا يجوز على ديان الآخرة والدنيا، ولن ~~يقدر أحد أن يقول إنهم كانوا عميانا لا يبصرون، وإنهم كانوا صما لا يسمعون. PageV01P358 # ومن ذلك ما قد بان منهم مما كانوا عليه من الكمال، والمعرفة والعقول ~~والتمييز في كل حال، فإن قالوا: إن الله طبع على قلوبهم وختم على سمعهم ~~وأبصارهم عما جاء به الرسول من الحكمة والقول فقط، وخلوا وما سوى ذلك؛ فقد ~~وقعوا في أعظم مما كرهوا من المهالك؛ إذ زعموا أن الله سبحانه ختم عن شيء ~~بعينه على سمعهم وأبصارهم فلا يبصرونه ولا يسمعونه، وطبع على قلوبهم فلا ~~يفقهونه ولا يميزونه، ثم أرسل نبيه صلى الله عليه وآله يدعوهم إلى مغالبته ~~ونفي ما فعل بهم، وركب فيهم وتغييره تعالى الله عن ذلك وازاحته عن ~~أنفسهم، إذ كان قد أرسله إليهم يدعوهم إلى الإيمان، والاهتداء والخير والبر ~~والإحسان، والطاعة له ولنبيه والاستماع لأمرهما، والعمل بالقول وباللسان ~~والضمير بطاعتهما؛ وقد علم أنهم لا يقدرون على ذلك، فنسب من قال بهذا؛ إلى ~~الله العبث والاستهزاء بنبيه صلى الله عليه وآله، وزعم أن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله أتاهم يدعوهم إلى المحال، ويأمرهم بالمغالبة والدفع لما فعل ~~فيهم ذو الجلال. PageV01P359 # ألا تسمع كيف قد أثبت لهم الفهم بما يقال لهم، والمعرفة بما يتلى عليهم؛ في ~~قوله سبحانه: {إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم} [محمد: 25]، فأخبر الله الواحد الجليل، فيما ~~أوحى ونزل من التنزيل؛ أن الهدى قد تبين لهم، وصح لديهم وثبت في قلوبهم، ~~ولولا سلامة القلوب من الختم الذي يذهب إليه الجاهلون، ويقول به على الله ~~سبحانه الظالمون، لم يثبت أبدا في قلوبهم الهدى، ولو لم يثبت لم يبن، ثم ~~أخبر الله ما سبب ارتدادهم في الطغيان، ومعصيتهم من بعد أن بين لهم ذلك ~~الرحمن؛ فقال: {الشيطان سول لهم وأملى لهم}، ولم يقل: الرحمن ردهم وأضلهم، ~~ثم أخبر بالسبب الذي كان عنهم؛ فتمكن إذ ms056 قالوه الشيطان منهم، فقال ~~سبحانه: {ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر ~~والله يعلم إسرارهم} [محمد: 26]. # ثم أخبر بما يصيرون عليه عند موتهم؛ من ضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم؛ ~~فقال: {فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} [محمد: 27]. ثم ~~أخبر لم فعل ذلك بهم، وحتم عليهم بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم؛ فقال: ~~{ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم} [محمد: 28]. ~~ثم قال: {أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر ~~الله عليهم وللكافرين أمثالها} [محمد: 10]. PageV01P360 # أفيظن أحد ممن وهب لبا، وتمييزا وعلما؛ أن الله سبحانه أوجب ما أوجب عليهم، ~~وذكر ما ذكره عنهم، وأمرهم بالمسير في الأرضين، والنظر في آثار الأولين؛ ~~ممن هلك بما هم عليه من الكفران؛ وبما يختارونه من الفجور والعصيان، ولم ~~يجعل لهم إلى ذلك سبيلا، ويركب إليهم فيه دليلا، وهم لا يقدرون على ذلك لما ~~قد فعله بهم من الختم على أسماعهم وأبصارهم، والطبع على قلوبهم التي بها ~~يعقلون، وبسلامته، يميزون ويفهمون؟ كذب العادلون بالله، والقائلون بالزور ~~على الله، بل سلم ذلك لهم، ووفره(1) لإكمال الحجة عليهم، ثم أمرهم ~~بالتسديد، وما ربك بظلام للعبيد. # ثم نذكر من بعد دفع هذه المهالك، ونشرح الصدق بما علمنا الله من ذلك؛ ~~فنقول: إن معنى الختم والطبع من الله تبارك وتعالى هو على معنى التمثيل ~~لهم، والتقريع واثبات الحجة عليهم، وتبيين ضلالتهم لهم، فيقول سبحانه: إن ~~امتناعكم من قول الرشد وقلة قبولكم له كمن طبع على قلبه، بما منعه من لبه، ~~وحرمه من تمييزه ونظره وجودة فهمه، وبما عدم من النظر، والغوصان في بحور ~~الفكر؛ من البهائم التي قد منعها الله من ذلك كله، إذ لم يجعل لها عقولا ~~تميز بها، فلما أن لم يجعل لها سبيلا إلى ما يناله البشر؛ من العقل والفهم ~~والتمييز والنظر؛ كان ذلك منه فيها فعلا، وكان منه طبعا على قلوبها؛ عما ~~فهمه من التمييز أربابها. # فمثلهم في قلة تفهمهم وإنصافهم لمعقولهم، وتركهم لرشدهم واتباعهم ms057 لغيهم؛ ~~بمن طبع على قلبه، وختم عن التمييز على سمعه وبصره، عن أن تعلم ما ~~يعلمون، أو تفهم ما يفهمون؛ من البهائم التي جعلت قلوبها على غير ما جعلت ~~قلوبهم من ذلك، وختم عليها فكانت بهائم سوائم كذلك. PageV01P361 # ألم تر كيف يقول ذو العزة والإنعام: {أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون} [الأعراف: 179]؟ وقال: {إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا} ~~[الفرقان: 44]، يقول: إذ أعطوا من الفهم والتمييز والنظر(1)، وجودة ~~التحرف(2) في غامض الفكر؛ مالم تعطه البهائم، وما قد حجبها عنه العزيز ~~العالم، وخلقها على غيره من الخلق، وصورها على ما قد يراه جميع الخلق، ~~فأبوا استعمال ما ركب فيهم، وأمتن الله به سبحانه عليهم، وتركوا النصفة ~~وأخذوا في المكابرة والمعاندة لربهم، والكفر لنعمة خالقهم، فكانوا لذلك ~~وفيه أضل من الأنعام، إذ تركوا ما لو علمته الأنعام وعرفته، وميزته وفهمته، ~~لقبلته ولسارعت إليه، ولدخلت بأجمعها فيه ثم لثابرت إلى الممات عليه. # فهذا والحمد لله قول لا ينكسر على من قال به بل يضح، وينير لذوي العقول ~~ويستبين ويصح. PageV01P362 # وقد يخرج ذلك على معنى آخر، فيكون على قدر علمه منهم بما سيكون من اختيارهم ~~للضلال، وإيثارهم للسفال(1)، وتركهم للهدى، وقلة رغبتهم في التقى، وأنهم ~~للعنتهم(2) وحميتهم، وشدة حسدهم لنبيهم؛ لايختارون ما جاء به من الله (برا ~~بهم) (3) وأنهم لا يطيعونه فيما دعاهم من حظهم إليه، وأنهم سيجاهرون ~~بالجرأة عليه، فلما أن علم الله منهم أنهم يختارون بما ركب فيهم من القدرة ~~والاستطاعة، وسلم لهم من الجوارح والآلة معصيته على طاعته، ومخالفته على ~~مرضاته، وأنهم يلقونه يوم الحشر كفارا كذلك، فختم لهم إذ قد علم (صيورة ~~أمرهم بذلك، فكان الختم منه علينا، إخبارا منه بما علم)(4) من غاية ~~أمرهم(5)، فختم عليها ولها؛ بما علم أنه يكون آخر اختيارها وعملها. وكذلك ~~قيل في محمد سيد المرسلين، إنه صلى الله عليه وآله خاتم النبيين، فسمي ~~خاتمهم إذ كان آخرهم، فلما أن علم الله آخر أعمالهم، وما عليه يكون فناء ~~آجالهم؛ ختم بذلك ms058 عليهم، ودعاهم به وذكره عنهم وفيهم، فكان ذلك العمل منهم ~~اختيارا، وكان ما قال الله فيهم منه إخبارا. PageV01P363 # وأما ما ذكر الله من الطبع على قلب من على قلبه طبع، فسنقول فيه بوجه من ~~قال به إن شاء الله أصاب، ووجده بينا نيرا في اللسان والإعراب، وهو ما تقول ~~به العرب لمن ذكر في ملأ من الناس عن إنسان شيئا مما يفعله ويكتسبه ويصنعه ~~من الردى والخنا: يا فلان، طبعت ويحك فلانا وأفسدته، وطرحته بما طبعته به ~~من أعينهم. فعلى ذلك يخرج الطبع من الله لقلوب الفاسقين، عند ملائكته ~~المقربين وأنبيائه المرسلين وعباده المؤمنين، فيكون طبعه لها عندهم؛ هو: ما ~~ذكر وأخبر به عنها من باطن أسرارها، وفاحش إضمارها(1) وفسادها، وقلة قبولها ~~للحق واهتدائها، وكفرها بربها وحسدها لنبيها، وبما فيها من الدغل والعداوة ~~لخاتم النبيين، والمشاقة لرب العالمين، والمنافقة للمؤمنين، والصد عن سبيل ~~أحكم الحاكمين، كما قال أصدق الصادقين: {إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط ~~أعمالهم} [محمد: 20]، فيكون ما قص عنهم من قصصهم، وأخبر به من الضلالة ~~عنهم، ومن الحيرة(2) والتكمه، والجهالة، والكفر والشقاق(3) والسفالة، وما ~~سماهم به من ذلك ودعاهم؛ طبعا(4) طبعهم به. # فهذا والحمد لله حجة فيما سأل عنه من الختم والطبع شافية، مجزية لمن أراد ~~الحق من جميع الناس كافية. والحمد لله على توفيقه، ونشكره على تسديده. PageV01P364 # وكذلك يقول المحقون، لا ما قال في الله المبطلون: إنه سبحانه ختم على ~~الأسماع فلا تسمع، وعلى الأبصار فلا تنفع، وأنه على قلوب الكافرين طبع، ثم ~~أمرهم بخلاف ما فعل بهم، وكلفهم فعل ما منه منعهم، وعنه سبحانه حجزهم، ثم ~~عذبهم على ترك مالا يقدرون على فعله؛ لما قد حجزهم عنه به من طبعه وختمه، ~~فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وخسر المبطلون خسرانا مبينا. تم جواب ~~مسألته. ### || المسألة الرابعة عشرة: # الزيادة في المرض في قلوب المنافقين # ثم اتبع ذلك المسألة عن الزيادة، فقال: خبرونا عن ms059 الزيادة، فإن الله ~~يقول: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين * ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون * في قلوبهم ~~مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} [البقرة: 8 10]، ~~وقوله لقوم: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين* فما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون* فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه} [التوبة: 76]، (ألستم تعلمون أن الله زاد هؤلاء(1) ~~مرضا، ومد آخرين في طغيانهم يعمهون، وأعقب قوما نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه)(2)؟ فإن قالوا: نعم، ولكنه صنع ذلك بهم عقوبة بذنوبهم، فيقال لهم: ~~فنعم، أفليسوا معذورين بما عملوا من معصيته حين فعل بهم ذلك؟ فإن قالوا: ~~لا، فقل: فقد دخلتم فيما عبتم؛ إذ زعمتم أن الله يعذب قوما على ما لم ~~يستطيعوا تركه، لأنه فعل ذلك بهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P365 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه، وتوهم فيه من التجوير له في فعله، ~~فقال: خبرونا عن الزيادة التي ذكرها الله سبحانه، وعظم عن كل شأن شأنه، حين ~~يقول سبحانه: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين* ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون* في قلوبهم ~~مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون}، وعن قول الله ~~سبحانه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من ~~الصالحين* فما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون* فأعقبهم نفاقا في ~~قلوبهم إلى يوم يلقونه}. # فسنجيب إن شاء الله في ذلك من الجواب؛ بما يقبله ذووا الإنصاف والألباب، ~~فنقول في ذلك على الله سبحانه بالصواب. PageV01P366 # فأما قوله سبحانه: {ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين} فهم المنافقون الذين كانوا يحتجرون من الرسول ومن المؤمنين ~~بانتحال الإيمان، وتلاوة ما أنزل الله من القرآن، وقلوبهم لذلك منكرة، وفي ~~دين الله فاجرة، وبه سبحانه كافرة، فهم يراءون بألسنتهم الرسول مخافة ms060 القتل ~~والتنكيل، وهم عن الله بضمائرهم حائدون، وللحق بينهم وفي سرائرهم معاندون. ~~ألا تسمع كيف يقول سبحانه فيهم، ويدل بصفاتهم عليهم، حين يقول: {وإذا لقوا ~~الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزؤن} [البقرة: 14]؟، وقال سبحانه يخبر عنهم بما هم فيه، وما يجتمعون في ~~خلواتهم من المشاقة عليه: {وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم ليحاجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون} [البقرة: 76]. PageV01P367 # ومن ذلك ما قال سبحانه في الأعراب: {قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن ~~قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم ~~من أعمالكم شيئا إن الله غفور رحيم} [الحجرات: 14]، ومن قولهم بألسنتهم ما ~~ليس في قلوبهم ما يقول الله سبحانه: {سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا ~~أموالنا وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} [الفتح: ~~11]، فأخبر الله عنهم بما كان من كذبهم فيما ذكروا أنه شغلهم، وأخبر ~~بنفاقهم وتوهيمهم ما أوهموا نبيه صلى الله عليه وآله من إحقاقهم؛ فيما ~~طلبوا منه من الاستغفار لهم، والصفح في ذلك عنهم، فأمره الله سبحانه أن ~~يخبرهم؛ أن استغفاره لهم غير دافع عقوبة الله عنهم؛ إذا أراد الله الانتقام ~~في ذلك منهم؛ فقال سبحانه: {قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا ~~أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا} [الفتح: 11]، ثم أخبر نبيه ~~صلى الله عليه وآله عن أمورهم؛ بما كانوا يتوهمون أنه قد غبي(1) عليه علمه ~~مما كانوا ظنوه وأجنوه في صدورهم؛ فقال ذو المعارج والجلال: {بل ظننتم أن ~~لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا} [الفتح: 12]، فأخبرهم سبحانه بما ظنوا من الظن ~~القبيح في الرسول والمؤمنين وتوهموا، وما زين في قلوبهم الشيطان من ذلك ~~وأملى، وأنهم كانوا في ذلك قوما بورا. PageV01P368 # وأما قوله جل جلاله، وتقدس عن (( أن )) يحويه قول ويشبهه شيء أو يناله: {في ~~قلوبهم ms061 مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون} فقد يخرج ~~على معنيين، وكلاهما إن شاء الله للحق مضاف(1). # فأما أحدهما فأن يكون المرض الذي في قلوبهم؛ هو الشك الذي هم فيه يلعبون، ~~من جحدانهم لما يرون من آيات ربهم، فقلوبهم لذلك مريضة، فلا يؤدون لله ~~سبحانه من فرائضه فريضة، فهم في شكهم ولعبهم يترددون، وفي خطيئاتهم ~~وطخياء(2) حيرتهم يعمهون، كما قال سبحانه: {بل هم في شك يلعبون}[الدخان 9]. # فقد تكون زيادة الله لهم من المرض الذي ذكر أنه في قلوبهم لشكهم وضلالهم؛ ~~هو بما يزيد نبيه صلى الله عليه وآله من الوحي والبرهان، وتنزيل ما نزل من ~~القرآن؛ الذي به مرضت قلوبهم، ومنه دويت(3) صدورهم، فكلما زاد الله منه ~~نبيه تبيانا وعلما، وخيرا وفضلا وحكما؛ ازداد لذلك مرض قلوبهم تراكما، ~~وزادهم الله بتنزيل الحق غيظا وغما. PageV01P369 # وقد يكون ذلك المرض حل في قلوبهم لشدة الحسد منهم لنبيهم صلى الله عليه، ~~على ما جعل الله من البركات واليمن في كل الحالات لديه، ولما خصه الله به ~~دونهم، وآثره(1) به سبحانه عليهم، من هبوط الملائكة نحوه، وما عظم به الله ~~له خطره وقدره، فجعله الله صفيا يوحي إليه، وينزل إليه وحيه بفرائضه عليه، ~~وما خصه به من أن جعل طاعته له طاعة، ومعصيته له معصية؛ فقال: {من يطع ~~الرسول فقد أطاع الله}[النساء: 8]، وقال: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول} [النساء: 59، ومحمد: 33]، وقال سبحانه: {ما آتاكم الرسول ~~فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا} [الحشر: 7]، وقال: {ومن يطع الله ورسوله ~~يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار} [الفتح: 17]. PageV01P370 # فلما أن رأت(1) قريش هذه الكرامات البينات النيرات التي لا يقدرون على ~~دفعها، ولا يأتون أبدا بمثلها؛ اشتد لذلك حسدها لرسول رب ~~العالمين،وعهدوا(2) عليه وعلى من معه من المؤمنين، فمنعه الله منهم، ورد ~~حسدهم وبغيهم في نحورهم، فنصبوا له المحاربة، وطالبوه(3) أشد المطالبة، ~~فردهم الله بغيظهم، كما قال سبحانه: {ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ~~ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا عزيزا} ms062 [الأحزاب: ~~25]، وذلك(4) حين تحزبت قريش والعرب، وطلبوا رسول الله صلى الله عليه وآله ~~غاية الطلب، فكفاه الله في ذلك اليوم والمسلمين، القتال بأخيه ووصيه علي بن ~~أبي طالب أفضل المستشهدين، فقتل عمرو بن عبد ود اللعين، وكان عماد المشركين ~~وفارس المتحزبين، فانهزم بقتله جميع الكافرين، وفل الله حد المبطلين، وأظهر ~~دعوة المحقين، ونصر رسوله خاتم النبيين، وكبت أعداءه المحادين. قال سبحانه: ~~{إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين من قبلهم وقد أنزلنا ~~آيات بينات وللكافرين عذاب مهين} [المجادلة: 5]، فلما أن أذلهم وهزمهم، ~~وكبتهم كما كبت الذين من قبلهم، تدارك الكبت في قلوبهم، وترادفت الحسرات في ~~صدورهم، ومرضت(5) لذلك وبه منهم القلوب، وأحاطت بهم(6)منهم الذنوب، فهم في ~~كل يوم يرون من نصر الله لنبيه ويسمعون عنه ما يزيدهم حسدا، ويحدث لهم به ~~في قلوبهم مرضا، حتى صدق الله رسوله الرؤيا بالحق التي كانت في غزوة ~~الحديبية، أراه وأكمل له من دخول مكة آمنا لا يخاف إرصادا، فنزل بالمشركين ~~من ذلك ما كانوا يخافون، وحقق الله لرسوله ما كانوا يحذرون، {ومن بغي عليه PageV01P371 لينصرنه الله إن الله لقوي عزيز}. # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين* فما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون* فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون}، فقد يمكن أن يكون الله سبحانه لما أن كذبوه وأخلفوه ~~خذلهم، ومن الإرشاد والتوفيق تركهم، فتكمهوا في ضلالهم، وارتكبوا القبيح من ~~أعمالهم، فأعقبهم كثرة ضلالهم، وعظيم اجترائهم على قول الزور والبهتان، ~~وارتكاب الضلال والعصيان؛ تماديا في ذلك حتى مردوا على الكذب والفساد، ~~والنفاق وقول المحال والإلحاد، فيجوز أن يقال: أعقبهم الله نفاقا إذ تركهم ~~من التوفيق؛ والتسديد والتحقيق؛ حتى غلب عليهم الهوى، ورفضوا الخير والهدى، ~~واستعملوا بينهم النفاق في كل أمرهم، فعادوا منافقين، وللرشد تاركين، ينافق ~~بعضهم بعضا، ويقرضه في الغيب له قرضا. PageV01P372 # وقد يكون الذي أعقبهم ms063 في قلوبهم النفاق هو فعلهم وكذبهم، وغدرهم في موعدهم ~~الذي أوجبوه لخالقهم، وذلك أن الكذب والردى؛ يجر بعضه بعضا، فلما أن كذبوا ~~فيما قالوا، ووعدوا خالقهم من أنفسهم فأخلفوا؛ كانوا لغيره فيما يعدون ~~أخلف، ولسواه سبحانه أكذب فكاذبوا بيناتهم، وأبطلوا بالزور قالاتهم، فدعت ~~حالة حالة، حتى تكمهوا في الغي والضلالة، ودعا ما كان منهم أولا من الكذب ~~والإخلاف؛ إلى قلة الصدق والإنصاف. فحل(1) بينهم التضاغن وذهب عنهم ~~الإئتلاف، فعاد كل منافق في قوله غير صادق، فكان الذي أعقبهم النفاق آخرا؛ ~~هو فعلهم للكذب والإخلاف أولا، فجر فعل الصغائر(2) إلى ارتكاب موبقات ~~الكبائر، حتى صار ذلك لهم عادات، وكان لهم وعليهم علامات؛ يعرفون بها دون ~~غيرهم ودلالات. فهذا أيضا معنى يصح في اللسان، ويعرفه من كان ذا بيان. ~~والحمدلله ذي الجلال والبرهان، والجبروت والقدرة والسلطان. PageV01P373 # وأما ما سأل عنه من معنى قول الله سبحانه: {إلى يوم يلقونه}، قد يمكن أن ~~يكون المعني باللقاء، هو الله الرحمن الأعلى، يريد بقوله، (( يلقونه ))، أي ~~يلقون حكمه ويعاينونه، وقد يكون الذي يلقى(1)، ما تقدم من علمهم ومضى، ~~فيعاينونه في الآخرة يوم الحساب، ويجدونه عند الله مثبتا في الكتاب، كما ~~قال سبحانه: {إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه ~~في إمام مبين} [يس: 12]، وقال: {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره* ومن يعمل ~~مثقال ذرة شرا يره} [الزلزلة: 7 8]، يقول سبحانه: يرى جزاءه، ويعاين ما ~~حكم عليه به، من الخير والثواب، العذاب والعقاب، فيكون لقاؤهم لأعمالهم، هو ~~توقيف الله لهم على القليل والكثير من أفعالهم، وما يكون منه سبحانه على ~~ذلك من جزائهم، فيلقى المحسنون ما وعدهم الله في إحسانهم من الثواب، ويلقى ~~المجرمون ما وعدهم من العقاب. تم جواب مسألته. ### || المسألة الخامسة عشرة: # ما فعل بعباده، هل يعذبهم عليه أم لا؟ PageV01P374 # ثم اتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن ما صنع الله بعباده، فقال: خبرونا ~~عما صنع الله بالعباد، هل يعذبهم عليه؟ فإن قالوا: لا، فقل: خبرونا عمن ~~زاده الله كفرا، ومده ms064 في طغيانه، وأعقبه النفاق في قلبه هل يعذبه عليه؟ فإن ~~قالوا: نعم، فقد دخلوا فيما يعيبون، وإن قالوا: لا. فقل: فقد زعمتم أن الله ~~لا يعذب من كان على الكفر، ولا يضر من كان عليه، وأنتم تزعمون أن الله إنما ~~صنع ذلك عقوبة لهم. وسلهم: هل استطاع هؤلاء الترك لما صنع الله بهم، ~~والخروج منه؟ فإن قالوا: لا، فقد أجابوا، وإن قالوا: نعم، فقد كذبوا بكتاب ~~الله، وخالفوا قول الله، إذ يقول: {فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه} [التوبة: 77]، (فإن قالوا: يقدرون على أن يصرفوا من النفاق قلوبهم ~~قبل أن يلقوه) (1)، فقول الله بزعمهم باطل، في قوله: {ختم الله على قلوبهم ~~وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم} [البقرة: 57]، تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه مماالتبس عليه، فتعسف بقول الزور فيه، فقال: أخبرونا، ~~وبما عندكم نبئونا؛ عن قول الله سبحانه: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون} ~~[الأنعام: 110]، وفيما صنع الله بالعباد تقولون؛ هل يعذبهم على ما فيه ~~أدخلهم وعليه جبرهم؟ PageV01P375 # فلعمري، لقد تقدم في ذلك الجواب، وقلنا فيه إن شاء الله بالصواب، ولا بد أن ~~نقول فيما سأل عنه في هذا الجواب، نأتي على شرحه إن (شاء الله بشرح شاف، ~~فنقول)(1): إن معنى قوله سبحانه: {ونذرهم في طغيانهم يعمهون}، هو تركه لهم ~~من توفيقه وتسديده، وعونه ولطفه وتأييده، لما خرجوا منه من طاعته، وارتكبوا ~~بطغيانهم من معصيته، فولى بعضهم بعضا، ولم يقم لهم سبحانه أمرا، كما قال ~~سبحانه:{وكذلك نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون} [الأنعام: 129]، ~~فلم يبرأ منهم سبحانه، ويكلهم إلى أنفسهم جل وعظم شأنه؛ إلا من بعد أن ~~تولوا، وكفروا وتعدوا، فاستوجبوا منه الخذلان، بما تمادوا فيه من الطغيان، ~~كما يستوجب الرشد والتوفيق بالطاعة منه المؤمنون، واستأهل بالاهتداء منه ~~والزيادة في الهدى المهتدون، كما قال أحكم الحاكمين وأصدق القائلين:{والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17]، فأخبر سبحانه أنه ولي ~~للمتقين، مجانب خاذل للفاسقين، وكذلك قال سبحانه رب العالمين: {ذلك بأن ~~الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ms065 مولى لهم} [محمد: 11]، يريد سبحانه ~~أنه ولي الذين آمنوا والمتولي في كل الأسباب لهم، وأنه الخاذل للكافرين ~~والتارك لتأييدهم، الرافض لتوفيقهم وتسديدهم، ألا ترى كيف يقول ويخبر ~~بتأبيده وصنعه وتسديده ولطفه للمؤمنين، وتخليته بين الكافرين وبين من ~~أطغاهم(2) من الطاغوت، والطواغيت فهم الذين أجابوهم إلى دعائهم، واتبعوهم ~~في أهوائهم؛ من مستجني الشياطين(3)، وأبالسة الإنس الملاعين؛ الذين أطغوهم ~~واستهووهم في الردى والطغيان، ومنوهم مع الإقامة على ذلك من الله الغفران، ~~قال الله سبحانه: {الله ولي الذين PageV01P376 آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم ~~من النور إلى الظلمات} [البقرة: 257]. # وأما ما قال وعنه سأل فقال: هل يعذب الله أحدا على فعل فعله به؟ أم هل ~~يقدر الخلق على الخروج مما أدخلهم جل جلاله فيه؟ # فقولنا في ذلك على الله بما تقدم من شرحنا له، من أن الله جل جلاله أعز ~~وأكرم وأرأف وأرحم وأجل وأحلم من أن يدخل عباده في سبب من الأسباب أراده ثم ~~يعذبهم عليه أو يعاقبهم فيه، إن هذا إذا لأجور الجور من الفعل، وإنه من ~~فاعله لأجهل الجهل، فلو كانت أفعاله لا تتم إلا بأفعالهم؛ لكانت حاله في ~~العجز كحالهم، ولكان مضطرا إلى خلقهم وإيجادهم، إذ لا يتم له فعل إلا ~~بأعمالهم، فخلقه إياهم(1) إذا نظرا منه لنفسه لا لهم؛ وضرورة الخالق إلى ~~الخلق في فعله، كضرورة الخلق إلى الخالق في أمره، فكل إلى غيره محتاج، وذلك ~~فبين على قياسهم(2) في المنهاج، ولو اشتبهت الحالات؛ لاشتبهت بلا شك ~~الذات(3)، فسبحان من بان عن خلقه فليس له حد ينال، ولا مثل يضرب له به ~~الأمثال، الذي بان من كل فعل فعله، وجل عن كل قول قوله. # وأما ما قال من قوله: هل يقدر الخلق على أن يخرجوا مما أدخلهم الله فيه ~~وصنعه بهم؟ فإن ادخال الله وصنعه بالعباد يكون على معنيين كليهما متضادين: # أحدهما: إدخال حكم وأمر وافتراض منه معه تمكين واختيار، لم يرد الله أن ~~يدخلهم فيه جبرا، بل أراد أن يدخلوا اختيارا، بما ms066 ركب فيهم وأعطاهم من ~~الآلات والاستطاعات، ليكمل لهم الثواب على الطاعات، ولو أدخل قوما في ~~الطاعة وأدخل آخرين في المعصية ثم أثاب وعاقب لكان على غير فعلهم عاقب ~~وأثاب، جل الله عن ذلك رب الأرباب، فهم قادرون على الخروج من هذا الفعل على ~~ما ذكرنا من تمكين الله الواحد الأعلى. PageV01P377 # وأما المعنى الثاني الذي أدخلهم فيه وصنعه بهم، فهو ما خلقهم عليه وصورهم ~~فيه من الخلقة، وقومهم عليه من الفطرة؛ من الأجسام، والعروق والعصب ~~والعظام، والأسماع والأبصار، وما عليه الجن من السرعة والذهاب في الهواء، ~~وما خلق عليه الآدميين من الثقل والجفاء(1)، فلا يقدر جني يزيح ما فيه من ~~الخفة فيثقل، ولا آدمي عن الثقل إلى الخفة أن يدخل(2)، وكذلك لا يقدرون على ~~الخروج من سواد إلى بياض، ولا من بياض إلى سواد، ولا من قصر إلى طول، ولا ~~من طول إلى قصر، فهذا ما لا يقدر عليه الخلق ولا ينالونه، وذلك أن الله ~~خلقهم وجبلهم عليه، فلم يزدادوا من محبوبه، ولم ينتقصوا من مكروهه. تم جواب ~~مسألته. ### || المسألة السادسة عشرة: # عن المقاتلين، هل يستطيعون ترك الاقتتال أم لا؟ PageV01P378 # ثم اتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قول الله سبحانه: {وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم} [الأنفال: 7]، أليس إنما يريد العير والغنيمة أو ~~المشركين وغلبتهم والنصر؟ فإن قالوا: نعم، فقل: هل كانوا يقدرون على أن لا ~~يقاتلوا ولا يخرجوا إلى القتال؟، فإن قالوا: نعم، فقد زعموا أنهم كانوا ~~يقدرون على أن يخلف الله وعده الذي وعده رسوله، وهذا قول عظيم يدخلهم في ~~أعظم مما كرهوا، (وإن زعموا أنهم لم يكونوا يقدرون على أن يخرجوا للقتال، ~~لا المؤمنون ولا الكافرون، فقد أقروا بما كرهوا)(1)، فإن الله قد أراد أن ~~يقاتل المؤمنون الكافرين، وأن يقاتل الكافرون المؤمنين، وأن الفريقين لم ~~يكونوا يستطيعون التخلف ولا الترك للقتال حتى ينجز الله وعده، ويعز ~~المؤمنين، ويذل الكافرين ويوهن كيدهم، وكذلك أراد الله بالفريقين (يوم ~~بدر)(2) جميعا، وقد كان فيما صنع الله بالفريقين يوم بدر ms067 بينة لنبيه ~~وبرهان، وذلك أن الله سبحانه لم يكل المؤمنين إلى ما زعم الجهال المكذبون ~~أن الله جعل في العباد استطاعة ثم وكلهم إليها، فلم يرض حتى أيدهم بنصره، ~~وأمدهم بملائكته، ثم آجرهم على صبرهم على البأس، وهو صبرهم، وأجرهم على ~~الثبات، وهو ثبتهم، وآجرهم على ائتلافهم(3) وهو ألف بينهم، وآجرهم على ~~صرامتهم وهو ربط على قلوبهم وآجرهم على ظفرهم وهو ألقى الرعب في قلوب ~~عدوهم(4)، وهذا كله خلاف لقولهم ورد عليهم. فجعل غلبة المؤمنين الكافرين ~~نصرا وعزا وتأييدا، وجعل غلبة الكافرين دولة بلاء(5) وإملاء، فأنزل في قتال ~~المؤمنين الكافرين بأحد: (حينئذ(6) إلى المشركين من المؤمنين )(7)، ~~{فأثابكم غما بغم} [آل عمران: 153]، أما الغم الأول فالهزيمة والقتل، وأما الغم PageV01P379 الآخر(1)، (فإشراف خيول الكفار على الجبل حتى أشرفوا عليهم فظنوا أنها ~~الهلكة)(2) قال الله تعالى: {لكيلا تحزنوا على ما فاتكم} [آل عمران: 153]، ~~من الغنيمة، {ولا ما أصابكم} [آل عمران: 153]، يعني من قتل من قتل من ~~إخوانكم، قال: {والله خبير بما تعملون} [آل عمران: 153]. # فإن قالوا: إن الله إنما فعل ذلك بذنوبهم ومعصيتهم، قيل: فإنه إنما عصى ~~منهم نفر يسير وهم الرماة، نحو من خمسين رجلا، فقد عم ذلك البلاء جميع ~~المسلمين(3)، حتى وصل إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم، فشج في وجهه ~~وكسرت رباعيته، وقد كان المسلمون يوم أحد سبعمائة أو يزيدون، فأخبر الله ~~أنه صنع ذلك بهم فأثابهم غما بغم، أفليس الله قد أراد أن يصيبهم ذلك بأيدي ~~الكافرين، ولأن ينهزموا، وأن يقتل من قتل منهم؟ ثم أخبر أيضا بما صنع بهم ~~بعد الذي كان منه إليهم من الغم، فقال: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء} [آل عمران: 154]، قال الله لنبيه: ~~{قل إن الأمر كله لله} [آل عمران: 154]، ثم قال: {يخفون في أنفسهم مالا ~~يبدون لك} [آل عمران: 154]، فأخبر عما أخفوا في أنفسهم، فقال: {يقولون لو ~~كان ms068 لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا} [آل عمران: 156]، يقولون: لو كنا في ~~بيوتنا ما أصابنا القتل، قال الله تكذيبا لهم: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز ~~الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154]، فأخبر أنه قد كتب ~~القتل على قوم قبل أن يقتلوا، PageV01P380 وجعل لهم مضاجع إليها يصيرون، ثم نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأن يظنوا ~~بالله كظنهم، فقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا ~~لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما ~~قتلوا ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون ~~بصير} [آل عمران: 156]. # وقال في غلبة الكافرين المؤمنين وهزيمة المؤمنين، فقال: {وتلك الأيام ~~نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب ~~الظالمين} [آل عمران: 140]، وقال: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن ~~الله وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} [آل عمران: 166]، في آي كثيرة، ~~يخبر أن الأمر كله منه، وهو يدبر أمر خلقه، ويصرفهم كيف يشاء. وأخبر أن ~~الذي أصاب المؤمنين يوم أحد إنما كان بإذن الله؛ من قتل الكافرين إياهم ~~وهزيمتهم لهم، حتى قتل منهم سبعون رجلا، وأنتم تزعمون أنه لم يأذن في ~~المعاصي وأنها لا تكون بإذنه، ولكن الإذن قد يكون على معنيين: أما أحدهما ~~فيكون أمرا منه يأمر به، والآخر يكون إذنا على وجه الإرادة، أنه أراد أن ~~يكون، لأنه فعال لما يريد، ثم قد عير الذين قالوا لإخوانهم: {إذا ضربوا في ~~الأرض أو كانوا غزا لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا} وكذبهم، وأخبر بما ~~قد سبق منه لهم وما قد كتبه عليهم، وعبر الذين قالوا: {لو كان لنا من الأمر ~~شيء ما قتلنا هاهنا} (فكذبهم الله بما قالوا من ذلك) (1). PageV01P381 # فلو تدبرتم كتاب الله وآمنتم بما فيه ما عارضتم أمور الله تعالى (ولاعبتم) ~~(1) ولفهمتم قضاءه، تردون عليه(2) برأيكم أمره، وتعقبون حكمه وتظلمون عدله، ~~تقولون إن فعل(3) بخلقه شيئا ثم عذبهم بما صنع بهم فقد ظلمهم، ms069 فسبحان الله ~~ما أعظم قولكم وأضعف رأيكم. # تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من القتال، فقال: هل أراد الله من المؤمنين أن يقاتلوا ~~الكافرين؟ ومن الكافرين أن يقاتلوا المؤمنين؟ أم أراده من المؤمنين دون ~~الكافرين؛ فبذلك ولله الشكر نقول، وإليه أمورنا تؤول، فنقول: إن الله شرع ~~حقا، وأوجب صدقا؛ فدعا إليه الناس، وكشف عنهم به الالتباس، ثم أوجب على ~~الخلق كلهم الدخول فيه والمقاتلة عليه، فكل من كان على ما شرعه الله تعالى ~~من الحق؛ فقد أراد الله منه مقاتلة من خالف عنه من الخلق، وإنما أراد ~~سبحانه من عباده؛ أن يقاتلوا على ما رضيه من دينه، فأما ما لم يرده من ~~أفعال الكافرين، ولم يشرعه ولم يرضه من عبادة أصنام المشركين؛ فكيف يريد من ~~أصحابه القتال عليه، وقد كرهه منهم، وذمهم على المقام فيه، ودعاهم إلى ~~الخروج منه؟ وقد علم كل من كان له علم، وآتاه الله شيئا من فهم الحكم(4)؛ ~~أن المشركين عن آلهتهم كانوا يدافعون، وعن دينهم يقاتلون، وعلى ما كان ~~آباؤهم من القتال يثابرون، فإن كان الله أراد منهم ذلك، وجعلهم فيه كذلك؛ ~~فقد ارتضاه، وعلى الأديان كلها اصطفاه، كما ارتضى الذي بعث به خاتم ~~النبيين، وأراده وأمر بالقتال عليه المؤمنين. # فإن قالوا: ارتضاه وأراده، وأمر بالقتال عليه عباده؛ كفروا بالرحمن، ~~وتابعوا قول الشيطان. PageV01P382 # وإن قالوا: بل سخطه وشنئه(1) وأمرهم لإشقائهم بالمقاتلة عليه؛ فقد ساووا ~~عنده بين ما ارتضاه؛ وبين ما سخطه وأباه، وهل يأمر بحياطة مالا يريد، إلا ~~الجاهل غير الرشيد؟ فإن كان حتم عليه بعمل الردى؛ لما أراد بهم بزعمهم من ~~الشقاء؛ فعلى ماذا يعذبهم ويشقيهم، وفي الحميم يصليهم؛ وهم له طائعون، وفي ~~إرادته منهم متصرفون؟! أهذا عندهم من صواب الحكيم، العدل في فعله(2) ~~الرحيم؟! بل هذا من فعال الجائرين(3)، وأعظم ما عاب سبحانه من اعتداء ~~الظالمين. فلا يجدون بدا من أن ينسبوا إلى الله التجهيل، والظلم والتعدي ~~والجور الجليل، أو يدخلوا في الحق، ويرجعوا إلى الصدق؛ فيقولوا: إن الله ~~أمر وأراد حياطة ms070 ما ارتضى، وكره ونهى عن حياطة ما لم يشأ. PageV01P383 # وأما ما ذكر من قول الله عز وجل: {وإذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم إنه عليم بذات ~~الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا} [الأنفال:43]، فقال وتوهم أن هذا الأمر المفعول الذي ~~يقضيه الله، هو قضاؤه على الفريقين بالقتال، والمزاحفة والاقتتال؛ وليس ذلك ~~ولله الحمد على ما قال، ولا على ما توهم من المحال؛ أن الله يقضي على ~~الكافرين بقتال المؤمنين، ولا أنه يقلل المؤمنين في أعين الكافرين؛ تشجيعا ~~منه لهم على قتال المؤمنين، وتأييدا بذلك لهم على المهتدين، ولكن قللهم في ~~أعينهم لكيلا يروهم بحالة الكثرة؛ مع ما في قلوبهم من هيبة الروعة؛(1) ~~فينهزموا ويذهبوا، ويرجعوا ولا يقاتلوا، فكان ذلك خذلانا لهم وخزيا عليهم. ~~وقللهم في أعين المؤمنين لكيلا يروهم على الكثرة التي كانوا عليها فيهابوا ~~ويخافوا، فقللهم في أعينهم تأييدا منه لهم، ومعونة وإحسانا إليهم. فأما ~~قوله: {ليقضي الله أمرا كان مفعولا}، فمعناه: ليقضي الله وعدا كان منجزا، ~~وهو ما وعد رسوله والمؤمنين من النصر إذا نصروه، والتسديد لهم إذا ~~قصدوه.ألا تسمع كيف يقول: {يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم} [محمد: 7]، ويقول: {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40]، ~~فقضى تبارك وتعالى لرسوله وللمؤمنين عند الالتقاء بما وعدهم من النصر، وفعل ~~لهم، ضمن فعاله من الأمر، وتغنيمهم ما وعدهم من إحدى الطائفتين: طائفة ~~الجيش، وطائفة العير، فغنمهم الله طائفة الجيش كما وعدهم من الأمر. وإنجاز ما وعد PageV01P384 المؤمنين من النصر على الكافرين؛ فهو الأمر الذي ذكر الله أنه كان مفعولا، ~~لا ما يتوهم أهل هذا القول الفاسد المخبول(1). # وأما قوله: {هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما ~~في الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم} ~~[الأنفال: 62]، فنصر الله رسوله، كما قال سبحانه: {إذ جعل الذين كفروا في ~~قلوبهم ms071 الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان بكل شيء عليما} [الفتح: ~~26]، فألف الله على ذلك بين المؤمنين، لا كما ظن الحسن بن محمد وأصحابه أهل ~~العمى، والقول بالردى؛ أن التأليف من الله كان بين الكافرين والمؤمنين في ~~القتال، وأنه ساق بعضهم إلى بعض جبرا حتى ألف بينهم للقتال، وهذا فأحول ~~المحال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ألا ترون كيف قال: {أيدك بنصره ~~وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم}، فرد اسم المضمر في الهاء والميم من: {قلوبهم} ~~على الاسم الظاهر من: {المؤمنين}، فسبحان أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين. PageV01P385 # وأما ما سأل عنه من قول الله تبارك وتعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين ~~أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} [الأنفال: 7]، وقال: لو لم ~~يخرج المشركون؛ أليس كان يبطل وعد الله لنبيه وللمؤمنين؟ فقولنا في ذلك: أن ~~الله سبحانه وعد نبيه كما قال إحدى الطائفتين: طائفة العير، وطائفة الجيش ~~المستعير، وأن الله لم يجبر الفاسقين على الخروج إلى قتال المؤمنين، بل عن ~~ذلك نهاهم، وإلى طاعته وطاعة رسوله دعاهم، فقال: {يا أيها الذين آمنوا ~~أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم تسمعون} [الأنفال: 20]، ونقول: لو ~~أطاعوا الله فيما أمرهم لم يخرجوا لمحاربة الحق ولم ينصبوا. PageV01P386 # فأما ما قال من أن ذلك لو كان؛ يبطل(1) وعد الله أهل الإيمان؛ الذي وعدهم ~~من الغنيمة والإحسان؛ فليس ذلك كما قال أهل الجهالة والعمى والضلال، ولكن ~~الله سبحانه علم انهم سيخرجون، وعلى الحق والمحقين سيبغون، فلما أن علم ما ~~يكون من اختيارهم؛ حكم بما علم منهم عليهم (مبشرا لنبيه وللمؤمنين، فقولنا ~~في ذلك إن الله سبحانه وعد رسوله صلى الله عليه وآله، بما سيسوق)(2) من ~~الغنيمة والنصر إليه، ولو علم منهم اختيار المقام لما وعد غنائمهم نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم(3)، فلما أن خرجوا، وعلى الله ورسوله أجلبوا، خذلهم ~~سبحانه وأخزاهم، وأذلهم وأرداهم، وألقى الرعب في قلوبهم، كما قال سبحانه: ~~{سنلقي في قلوب الذين ms072 كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا} ~~[آل عمران: 151]، فأرداهم ونصر المؤمنين، وأعز بتأييده الدين وكبت ~~الكافرين، فأبادهم بالسيف قتلا، وشتت أمرهم وجمعهم هزيمة وأسرا، وأنزل ~~الملائكة المقربين مددا للمؤمنين، وإعزازا للحق والمحقين، فزادهم قوة إلى ~~قوتهم، المركبة الثابتة فيهم. PageV01P387 # وأما ما سأل عنه وقال، وتوهم من المحال؛ في قول الله تبارك وتعالى: ~~{فأثابكم غما بغم}، وأن ذلك الغم: هو غمهم (يوم حنين) (1) حين أدال الله ~~المشركين على النبي والمؤمنين، فغلط وأخطأ في ذلك، ولم يكن ولله الحمد ~~كذلك، ولم يدل الله الكافرين على المؤمنين، لأن الإدالة هي معونة وتأييد، ~~ونصر وتسديد، ولن يقول(2) مؤمن بالله: إن الله نصر في ذلك اليوم أعداءه على ~~أوليائه، ولا نصر جيش أبي سفيان(3)، على جيش رسول الرحمن، صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولكن الله أراد بالمؤمنين المحنة والبلاء، حتى يعلم الله أهل ~~الصبر والإحتساب والتقى، ألا تسمع كيف قال الله: {ولنبلونكم حتى نعلم ~~المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31]، فنصرهم في أول الأمر ~~وأراهم ما يحبون؛ فخالفوا نبيه وعصوه؛ في تنحيهم عن باب الشعب الذي أوقفهم ~~عليه، وأمرهم أن يرموا من صار من المشركين إليه، فلما رأوا الهزيمة على ~~المشركين قد أقبلت، وتيقنوا أنها بهم قد حلت؛ طمعوا فيما يطمع فيه مثلهم من ~~الغنائم، ورجوا أن يكون شدهم على الكفار مع أصحابهم أصلح، وفي الأمر الذين ~~يراودون(4) أنجح، فزلوا وعصوا الرسول فيما أمرهم به من الثبوت على باب ~~الشعب، وكان ثباتهم عليه على المشركين أصعب، فلما أن تنحوا أمكن للكافرين ~~ما أرادوا، فظفروا من المسلمين ببعض ما أحبوا، ثم لاقوا من بعد ذلك من نصر ~~الله للحق ما كرهوا، فثبت الله من بعد ذلك المؤمنين، وغفر لأهل الخطيئة ~~المذنبين، وأنزل عليهم السكينة، وغشاهم النعاس أمنة منه، كما قال الله ~~سبحانه: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا يغشى طائفة منكم وطائفة قد ~~أهمتهم أنفسهم يظنون PageV01P388 بالله غير الحق ظن الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء}، قال الله ms073 ~~سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله: {قل إن الأمر كله لله}، ثم قال سبحانه ~~لنبيه: {يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك}، ثم أخبر عما أخفوا، وما من ~~المنكر أجنوا(1) فقال: {يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا}. ~~وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله حين أتته قريش ونزلوا بأحد، شاور ~~أصحابه فأشاروا عليه بأن يثبت في المدينة، فإن أقاموا أضربهم المقام حتى ~~ينصرفوا، وإن صاروا إلى المدينة فدخلوا ، قاتلهم بها الصغير والكبير ~~والنساء من فوق البيوت، فأراد ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله، ثم أشاروا ~~عليه من بعد بالخروج إليهم، فنهض فلبس لأمته(2) ثم خرج عليهم، فقالوا: يا ~~رسول الله قد رأينا رأيا، إنا لم نقاتل ببلدنا وبين دورنا أحدا إلا أظهرنا ~~الله عليه، وبلغنا فيه ما نريد، فأقم بنا مكاننا على رأينا الأول، فقال ~~رسول الله صلى الله عليه وآله، (( كان هذا أولا، إنه ليس لنبي إذا لبس ~~لأمته أن ينزعها حتى يقاتل عدوه ))، فخرج وخرج معه ألف من الناس، فلما فصل ~~من المدينة رجع عنه عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين في ثلثمائة من ~~الفاسقين، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله حتى لقي القوم، فكان من أمرهم ~~ما ذكرنا، ومن حالهم ما شرحنا، فذلك قولهم: {يقولون لو كان لنا من الأمر ~~شيء ما قتلنا هاهنا} يقولون: لو أطاعنا، أو كان الرأي إلينا؛ لكنا قد ثبتنا ~~في بلدنا حتى يدخلوا علينا فنقاتلهم، أو يرجعوا عنا فنتبعهم، فقال سبحانه: ~~{قل إن الأمر كله لله}، أي الأمر أمر نبيه الذي افترض عليكم طاعته، فليس ~~لأحد منكم سبيل إلى مخالفته؛ إلا بالكفر PageV01P389 والعصيان؛ للواحد العزيز الرحمن. ثم أعلاهم من بعد تلك السقطه(1)، وأنزل ~~عليهم الأمنه، ورد إليهم النصر وشد لهم ما ضعفوه من الأمر، وصرف عنهم ~~أعداءهم لم يدركوا(2) كل ما طلبوا وطمعوا به فيهم؛ من القوة والظهور عليهم. # وأما ما ضل فيه من قوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم ~~القتل ms074 إلى مضاجعهم}، فقال: إن الله كتب على الكافرين قتل المؤمنين، وكتب ~~على المؤمنين ظهور الكافرين وقتلهم إياهم، فتوهم أن الكتاب من الله هو حتم ~~وفعل فيهم، وقضاء كائن قضى به عليهم، ولو كان ذلك كما ظن الحسن بن محمد ~~لكان المشركون لله مطيعين، ولأمره وقضائه منفذين، ولم يكن عليهم في ذلك ~~إثم، ولا عند الله جرم، بل كانوا في ذلك مثابين، وعليه غير معاقبين، ولم ~~يكن المؤمنون بمثابين؛ إذ الله فعل بهم ذلك من القتل وقضاه عليهم، فكل في ~~الطاعة له سواء، تبارك عن ذلك العلي الأعلى. # فأما وجه الحق في ذلك، ومعنى قول الله سبحانه: {كتب عليهم}، فهو علم ~~منهم، لا أنه أكرههم ولا قضى عليهم، ولكن علم من يختار الخروج ولقاء ~~الأعداء، ومن يقتل عند التنازل(3) واللقاء. فعلمه وقع على اختيارهم وخروجهم ~~فخروجهم فعلهم لا فعله، وقتلهم فعل الكفار لا قضاؤه، فهم على خروجهم، ~~وقتالهم واجتهادهم مأجورون، وعند الله مستشهدون. والفسقة المشركون على ~~قتلهم معاقبون، وعند الله في الآخرة معذبون، فكل نال بفعله من الله ما ~~أوجبه عليه من الثواب والعقاب. والحمد لله رب الأرباب، والمجازي للخلق يوم ~~الحساب. PageV01P390 # وأما ماسأل عنه من قول الله سبحانه: {وتلك الأيام نداولها بين الناس}، فقال ~~بزعمه، وتوهم بجهله؛ أن الله يديل أهل الكفر والعصيان؛ على أهل الطاعة ~~والإيمان، وأنه أدال يوم أحد المشركين، على النبي ومن كان معه من المؤمنين؛ ~~فليس ذلك كما ذهب إليه، وسنشرح ذلك إن شاء الله تعالى ونرد بالحق قوله عليه. # فنقول: إن الله جل جلاله يديل المؤمنين على الكافرين، ولا يديل الكافرين ~~على المهتدين، وكذلك قال في يوم حنين: {ثم رددنا لكم الكرة عليهم} ~~[الإسراء: 6]، فكان برده الكرة للموحدين؛ هو المديل لهم على الكافرين، ولم ~~يقل في شيء من كتابه وما نزله من آياته؛ إنه أدال أهل الشرك والنفاق؛ على ~~أهل الدين والإحقاق. # فأما ما ذكر الله من المداولة بالأيام، بين جميع الأنام، فإن مداولته ~~للأيام هو إتيانه بالليل تارة وتارة بالنهار. # وما(1) يأتي به ويداول ms075 بين عباده وأرضه فيهما(2) من الأمطار؛ التي يحيى ~~بها الأرضين، ويعيش بها جميع العالمين، قال سبحانه: {ونزلنا من السماء ماء ~~مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد*والنخل باسقات لها طلع نضيد* رزقا ~~للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج} [ق: 9 11]، فسقى اليوم قوما هم ~~إلى السقي محتاجون، وسقى غدا آخرين. # وما يحدث في الأيام من الأرزاق للعباد، وإحياء ما شاء من البلاد. PageV01P391 # ومن المداولة الأيام(1) بين الأنام ما ينزل بهم من المصائب الهائلات، وما ~~يمن به عليهم من الآلاء والنعم السابغات(2). من ذلك ما يأخذ من الأقارب ~~والآباء، والأخوة والأبناء، وجماعة القربى، وما يهب عز وجل لمن يشاء من ~~الأولاد الذكور، وما يصرف ويدفع من الشرور. فهذه الأشياء كلها التي تكون في ~~لياليه سبحانه وأيامه؛ مداولة منه لا شك بين عباده. # فأما ما يظن الجهال، وأهل التكمه في الضلال؛ من أن معنى هذه الآية هو ~~إدالة الفاسقين؛ على الحق والمحقين، وأنه يمكن في الأرض للفاجرين، ويمهد ~~للفسقة العاصين، بما قد حرم عليهم، ولم يجعله بحمد الله لهم، بل شدده عليهم ~~غاية التشديد، في ترك مشاقة أهل الحق والتسديد، وأمر في ذلك بالاتباع لهم، ~~وترك الخلاف في جميع الأسباب عليهم، (فهذا كذب منهم على رب العالمين، وكيف ~~يجوز أن يديل ويمهد للعاصين)(3)، بل كيف يتوهم علىالرحمن الكريم، الواحد ذي ~~الجلال العظيم؛ أن يكون أدالهم، وأعطاهم ما عنه زجرهم ونهاهم؟ فتبارك ذو ~~السلطان المبين(4)؛ عن مقالة أهل الضلال الجاهلين. والحمد لله رب العالمين ~~وصلى الله على محمد وآله وسلم. تم جواب مسألته. ### || المسألة السابعة عشرة: # عن الإذن بالمعصية، هل يكون من الله أم لا يكون؟ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قول الله عز وجل: {وما أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله} [آل عمران: 166]؛ فقال: خبرونا عن الإذن ~~وإنكاركم أن يكون الله أذن في المعاصي. PageV01P392 # فقل: الإذن من الله على وجهين: فإذن إذن فيه أمر يأمر به، وإذن إذن فيه ~~إرادة منه أن يكون لما يشاء من أمره، وما كان ms076 من معصية فلا تكون إلا بإذنه، ~~(وكذلك أظنه)(1)، وذلك(2) إرادة منه، فإن قالوا: نعم؛ فقد أقروا بنفاذ أمره ~~وإرادته، وإن جحدوا وأنكروا، فإن الله قد كذبهم في كتابه؛ فقال للمؤمنين: ~~{وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله}، يعني بذلك ما أصابهم من القتل ~~والهزيمة، وإنما كان ذلك تأييدا للكافرين، فقد أذن الله للكافرين أن ~~ينالوهم بما أصابوهم من القتل والجراح والهزيمة، فإن زعموا أن إذن الله ~~أمره؛ فقد زعموا أن الله أمر بالمعاصي، وأمر المشركين أن يقتلوا المؤمنين، ~~وكل مأمور إذا فعل ما أمر به فهو مطيع وله عليه أجر، والكتاب يكذبهم. وإن ~~زعموا أن إذنه(3) على وجهين: على وجه الأمر، والآخر على وجه الإرادة، فقد ~~أقروا بالحق، وفي ذلك نقض لقولهم ورد عليهم، فقد زعموا أن الله يريد أن ~~يكون ما لا يأمر به ولا يرضاه. تمت مسألته. # جوابها PageV01P393 وأما ما قال، وعنه بجهالته سأل، من قول الله تبارك وتعالى: {وما أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله}، فقال: إن ذلك عنده من الله إذن للكافرين؛ فيما ~~نالوه من الرسول والمؤمنين؛ في يوم أحد من القتل، وما نالوا به حمزة رحمه ~~الله من المثل، وما نالوا به الرسول صلى الله عليه وآله من الجراح، وما ~~اجترأوا علىالله فيه وعليه؛ من هشم وجنته، وكسر رباعيته. فكيف يتوهم من كان ~~له عقل، أو فهم يبين به عن الجهل؛ أن الله أذن لأعدائه(1)، في فعل ذلك ~~بأوليائه؟ كذب من ظن ذلك وقال على الله بهتانا وزورا، وكانوا عنده سبحانه ~~قوما بورا. وكيف يأذن للفاسقين في القتل والسواية المؤمنين؛ وهم الخيرة ~~عنده من عباده أجمعين؟ بل الإذن منه للمؤمنين في قتل المشركين وقتالهم؛ حتى ~~يسلموا أو يفيئوا عن جهلهم وضلالهم، ألا تسمع كيف يقول سبحانه للمؤمنين: ~~{فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها} [محمد: 4]، ويقول: {قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة} [التوبة: 123]، ويقول سبحانه: ~~{فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم} [التوبة: ms077 5]؛ ففي كل ذلك يأمر المهتدين؛ ~~بقتال الضالين المضلين، وبقتل المحادين المشركين. PageV01P394 # فهل سمع الحسن بن محمد بشيء من كتاب الله سبحانه وأمره، وإذنه للمؤمنين ~~وزجره؛ أمرا منه للكافرين بقتال المؤمنين، أو حضا لهم على المسلمين؟ بل في ~~كل كتابه يأمر بقتال الكافرين، ويحض على محاربة الفاسقين. من ذلك قوله: ~~{قاتلوا المشركين كآفة} [التوبة: 36]، وقال ترغيبا في قتال الناكثين، ~~وتفضيلا للمؤمنين المجاهدين على جميع العالمين: {إن الله اشترى من المؤمنين ~~أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا ~~عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ~~ببيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم} [التوبة: 11]. فدل بما جعل ~~لهم من الجزاء، وأعد لهم على ذلك من كريم العطاء، أن ذلك من فعلهم له رضى. # ثم قال فيمن تعدى على المؤمنين، وخالف فيهم حكم رب العالمين: {إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق} ~~[البروج: 10]، فأخبر أنهم على ذلك عنده معذبون، فدل ذلك من فعل العدل ~~الرحيم؛ على أنهم كانوا له مخالفين، وفي تعديهم وفتنهم(1) له عاصين، وعلى ~~فعلهم لا فعله أوجب عليهم العذاب، ولو كان أذن لهم في ذلك لأجزل لهم عليه ~~الثواب. فسبحان الرؤوف الجواد، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ ~~الصواحب والأولاد، المتقدس عن الإذن بالفساد. # فليعلم من سمع قولنا من العالم أن الإذن من الله على معنيين: PageV01P395 # فأما أحدهما: فإذن أمر وإرادة، وحكم ومشيئة. وذلك قوله سبحانه: {وإذ تأذن ~~ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد} [إبراهيم: 7]، فهذا ~~معناه معنى حكم بالزيادة للشاكرين، وبالعذاب للكافرين. وكذلك قوله: {أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير} [الحج: 39]. # وأما المعنى الآخر: فإذن تخلية وإمهال(1) للعصاة فيما يكون منهم من ~~العصيان؛ فعلى ذلك يخرج معنى قول الله سبحانه: {وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله}، يعنى تعالى بتخلية الله لهم. # وكذلك قال سبحانه في هاروت وماروت ومن يتعلم منهما: {وما هم بضارين ms078 به من ~~أحد إلا بإذن الله} [البقرة: 102]، يريد سبحانه بتخلية الله لهم؛ لإثبات ~~الحجة عليهم، إذ قد مكنهم من العمل والفعل، ثم أمرهم بتقواهم، وبصرهم غيهم ~~وهداهم، وعن تعليم السحر وتعلمه نهاهم، فإن ائتمروا، وتعليم السحر وتعلمه ~~تركوا؛ أنيلوا الثواب، وإن أبوا، وما نهوا عنه تخيروا؛ وجب عليهم بفعلهم ~~العقاب، وحرموا بذلك من الله الثواب. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثامنة عشرة: عن التزيين بالإرادة لا بالأمر PageV01P396 ثم أتبع ذلك المسألة عن التزيين؛ فقال: خبرونا عن التزيين بالإرادة دون ~~الأمر، فإن أنكروا أن الله يزين لعباده دون أن يكون أمرا منه؛ فقد رد الله ~~عليهم قولهم؛ فقال في الأنعام: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم} [الأنعام: 108]، وقال في حم ~~السجده: {وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم} [فصلت: 25]. وقال في ~~النمل: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} [النمل: ~~4]. هذا كله تزيين إرادة؟ أو ليس إرادة؟. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه وقال، وتوهم من زور المقال(1)؛ من أن الله تباركت ~~أسماؤه، وعز بكريم ولايته أولياؤه؛ زين للكافرين أعمالهم تزيينا، وحسنها في ~~قلوبهم تحسينا، وأنه أراد بذلك منهم إقامتهم فيها، ومثابرتهم عليها، جل ~~الله عن ذلك، وتقدس عن أن يكون كذلك. واحتج في مقاله، وفيما ارتكب من ~~ضلاله، بقول الله سبحانه:{ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم}، فصدق الله تبارك وتعالى فيما قال، ~~وتقدس ذو الجبروت والجلال. PageV01P397 # فأما قوله تبارك وتعالى: {ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم}؛ فإن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام المخزومي لعنه ~~الله، وذلك أنه لقي أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فقال: ~~يا أبا طالب، إن ابن أخيك يشتم(1) آلهتنا، ويقع في أدياننا، واللات والعزى ~~لئن لم يكف عن شتمه آلهتنا لنشتمن إلهه، فأنزل الله في ذلك ما ms079 ذكر في أول ~~هذه الآية، تأديبا للمؤمنين، فأمرهم بالكف عن شتم أصنام المشركين، لكيلا ~~يجترئوا بغير علم على شتم رب العالمين. PageV01P398 # وأما ما احتج به الحسن بن محمد في الآيات المنزلات: آية النمل، وآية ~~الأنعام، وآية حم السجدة، وما ذكر فيهن ذو الجلال والإكرام، من قوله: ~~{زينا}، و{قيضنا}، فإن ذلك من الله هو الإمهال، وترك المغافصة لهم بقطع ~~الآجال، وما كان في ذلك منه لأهل الجهل من التبري منهم، والخذل منه سبحانه ~~لمن عشا عن ذكر ربه منهم، فلما أن أمهلوا، وعلى ماهم عليه من الشرك والكفر ~~تركوا، وبالعقوبات لم يعاجلوا، وأملي لهم ليرجعوا فتمادوا ولم ينيبوا، ~~ورأوا من إمهال الله وتأخيره لهم، وصرف ما عاجل به غيرهم؛ من القرون ~~الماضية، والأمم الخالية، من ثمود وعاد، وفرعون ذي الأوتاد، وقوم نوح وقوم ~~لوط، وأصحاب الرس والأيكة، وقوم تبع والمؤتفكة، وغير ذلك من القرون ~~المهلكة، فزادهم تأخير ذلك عنهم اجتراء وتكذيبا، ومجانة وافتراء ~~وتزيينا(1)، بصرف ذلك عنهم [مع] (2) ما هم عليه من أعمالهم، وفاحش قولهم ~~وأفعالهم. فكان إملاء الله لهم وتركهم ليرجعوا أو لتثبت الحجة عليهم، ~~وتنقطع المعذرة إليهم؛ هو الذين أطمعهم، وزين عملهم لهم، فجاز أن يقول: ~~(زينا لهم)؛ إذ قد تفضلنا وأمهلنا، وأحسنا في التأني بكم ورحمنا. وكذلك ~~تقول العرب لعبيدها، يقول الرجل لمملوكه، إذا تركه من العقوبة على ذنب من ~~بعد ذنب وتأني به، وعفى عنه وصفح؛ ليرجع ويصلح؛ فتمادى في العصيان، ولم ~~يشكر من سيده الإحسان؛ فيقول له سيده: أنا زينت لك، وأطمعتك فيما أنت فيه ~~إذ تركتك وتأنيت بك، ولم أؤاخذك ولم أعاجلك. # فهذا على مجاز الكلام، المعروف عند أهل الفصاحة والتمام. PageV01P399 # وأما الآية التي في حم السجدة فكذلك، ألله أوجد القرناء وخلقهم، ولم يجمع ~~بينهم وبين من أطاعهم، ولم يأمرهم بطاعتهم ولا اتباعهم، بل حضهم على ~~مخالفتهم، وأخبر بعداوتهم، ونهاهم عن اتباع الهوى؛ فقال: ({ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه} [الكهف: 28] وقال)(1): {ولا تطع كل حلاف ~~مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير ms080 معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم} [القلم: 10]. ~~وقال فيمن يأمر ويوسوس بالسوء من الشياطين: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا} [فاطر: 6]، فبين كل ما افترض وأمر به، فلم يترك لذي علة قبله متعلقا، ~~فكان تقييضه(2) لهم ما ذكر من القرناء؛ هو تخليته لهم وتبريه منهم، وترك ~~الدفع لنوازل الأسواء عنهم، وذلك فيما تقدم منهم من الكفر بربهم والشرك ~~بخالقهم. تم جواب مسألته. # وبتمامها تم الجزء الأول. والحمد لله كثيرا وصلواته على خير خلقه محمد ~~النبي وآله الطيبين وسلامه، وحسبنا الله وحده وكفى. ويتلوه الجزء الثاني من ~~مسائل الحسن بن محمد بن الحنفية في تثبيت الجبر والتشبيه، ورد الهادي إلى ~~الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم، عليه السلام، في نفي ذلك عن ~~الله سبحانه، وإثبات العدل والتوحيد وتصديق الوعد والوعيد. # الجزء الثاني # من مسائل محمد بن الحسن بن الحنفية ### || المسألة التاسعة عشرة: عن الجعل بالإرادة لا بالأمر PageV01P400 ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: {ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه} [الكهف: 57]، إلى آخر الآية، فقال: أخبرونا ~~عن الجعل بالإرادة دون الأمر، فإن أنكروا، فأخبرهم أن الله يقول: {ومن أظلم ~~ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة ~~أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} ~~[الكهف: 57]، وقال سبحانه: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم ~~مودة والله قدير والله غفور رحيم} [الممتحنة: 7]. في آيات كثيرة من الكتاب؛ ~~فيقال لهم: ما ذلك الذي جعل الله وهو كائن كما جعل؟ فإن قالوا: إنما ذلك ~~الدعاء، فقل: إن الدعاء قبل ذلك، فقد دعا العابد جميعا، وهذا شيء قد خص به ~~من يشاء من خلقه ولم يعمهم، لأنه إنما يهتدي من جعل الله في قلبه الهدى، ~~ولم يعمهم بالهدى. فإن قالوا: قد نعلم أن الله قد جعل الناس كلهم مهتدين، ~~ولا نقول إن الله قد جعلهم كفارا، فقل: إن الله يرد عليكم ms081 قولكم في كتابه، ~~فإنه قد قال: {قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب ~~عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء ~~السبيل} [المائدة: 60]. ألا ترى أن الله قد جعل منهم القردة والخنازير ~~[وعبد الطاغوت](1)؟ فإن زعموا أن الله إنما سماهم بذلك ونسبهم إليه، فقل: ~~فلذلك لم يجعلهم قردة وخنازير وإنما سماهم ونسبهم إليه. (2) PageV01P401 وإن أقروا أن الله جعلهم عبدة الطاغوت فذلك نقض لقولهم، وإن قالوا: إن الله ~~لم يجعلهم عبدة الطاغوت، كان ذلك تكذيبا منهم، فقل: فإن الله قد قال أيضا: ~~{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون}[الأنعام: 123]، ألا يرون أن الله يخبر أنه قد جعل في ~~كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها؟ فإن قالوا: إنه لم يجعلهم فيها ~~ليمكروا فيها؛ كان ذلك تكذيبا منهم، وإن أقروا كان ذلك نقضا لقولهم. # وقد قال الله لقوم فرعون: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة ~~لا ينصرون} [القصص: 41]، فإن قالوا: نعم؛ كان ذلك نقضا لقولهم، وإن قالوا: ~~لا، فقد كذبوا والله يقول: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين * والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 80 ~~81]، ألا ترى أن الناس هم غزلوا ونسجوا، وعملوا الدروع، واتخذوا المساكن ~~والبيوت، ثم نسب ذلك منه وإليه، وأخبر أنه خلقه؛ فمن به عليهم، وذلك أنه ~~أراده فكان ما أراد، ولم يأمر به. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: {إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} [الكهف: 57]. PageV01P402 # فتوهم وظن فقال: إن الله جعل على قلوبهم أكنة حتى لا يفقهوه(1) وفي آذانهم ~~وقرا، وأن ذلك من الله فعل بهم ليشقيهم، ms082 وليس ذلك لعمره كذلك، ولو كان الله ~~عز وجل الذي حجب قلوبهم وآذانهم عن ذلك؛ لم يبعث الرسل إليهم، ولم يحتج ~~ببرهانه(2) عليهم، وكانوا عنده في تركهم لذلك معذورين، وكانوا على ذلك ~~مثابين؛ إذ هم لما أرسل إليهم به غير مستطيعين، وقد قال الله سبحانه: {لا ~~يكلف الله نفسا إلا وسعها} [البقرة: 223286]، وقال: {لا يكلف الله نفسا إلا ~~ما آتاها} [الطلاق: 7]. فكيف يكلفهم الإئتمار(3)؛ وقد حجب قلوبهم عن ~~الاعتبار؟!، فتبارك الله العزيز الجبار. # بل معنى قوله جل جلاله ذلك؛ هو انكار عليهم لقولهم الذي قالوا، حين ~~دعاهم الرسول إلى الحق، وبين ما هم عليه من الباطل والفسق؛ فقالوا له ~~استهزاء وعبثا(4): {قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن ~~بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون} [فصلت: 5]، فقال الله سبحانه لنبيه ~~صلى الله عليه وآله يحكي قولهم، ويرد كذبهم عليهم؛ فقال: {إنا جعلنا}، يريد ~~سبحانه: إنا جعلنا على قلوبهم أكنة كما قالوا، وفي آذانهم وقرا كما ذكروا، ~~بل الزور في ذلك قالوا، وبالباطل تكلموا، فأراد بذلك معنى الإنكار عليهم، ~~والتكذيب لهم والتقريع بكذبهم، وتوقيف نبيه صلى الله عليه وآله على باطل ~~قولهم، وجليل ما أتوا به من محالهم؛ فقال: (( إنا ))، وهو يرد (( أئنا(5) ~~)))، فطرح الألف استخفافا لها، والقرآن فعربي، إلى النور والحق يهدي. PageV01P403 # والعرب تطرح الألف من كلامها(1) وهي تريدها، فيخرج لفظ الكلام لفظ إخبار ~~ونفي، وهو تقريع وإيجاب واستفهام. وتثبتها وهي لا تريدها؛ فيخرج لفظ شك، ~~ومعناه معنى خبر وإيجاب، في كل ما جاءت به من الأسباب. من ذلك قول الله ~~(سبحانه: {لا أقسم بيوم القيامة} [القيامة:1]، وقوله)(2):{لا أقسم بهذا ~~البلد * وأنت حل بهذا البلد} [البلد: 12]، فقال: لا أقسم؛ وإنما أراد: ألا ~~أقسم؛ فطرح الألف منها؛ فخرج لفظها لفظ نفي، وهي قسم وإيجاب. وقال في عبده ~~ونبيه يونس صلى الله عليه: {وأرسلناه إلى مائة ألف أو يزيدون} [الصافات: ~~147]، فقال: أو يزيدون، فأثبت الألف وهو لا يريدها؛ فخرج لفظ الكلام لفظ ~~شك، ومعناه معنى إيجاب وخبر، أراد سبحانه: وأرسلناه ms083 إلى مائة ألف ويزيدون ~~على مائة ألف. PageV01P404 # فأراد بقوله: {إنا جعلنا}؛ التقريع لهم، والتوقيف لنبيه على كذبهم، لا ما ~~يقول الجاهلون إنه أخبر عن فعله بهم. ألا ترى كيف يدل آخر الآية على أولها؛ ~~من قوله: {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا}، يقول: فإن كان الأمر ~~على ما يقولون، وكنا قد فعلنا بهم ما قد يذكرون؛ فلم أرسلناك تدعوهم إلى ~~الهدى، وتزحزحهم عن الردى، (فلن يهتدوا إذا أبدا، فقال: (( إذا أبدا ))، إن ~~كان الأمر على ما يقولون، وكنا قد فعلنا بهم ما يذكرون؛ فلم أرسلناك تدعوهم ~~إلى الهدى، وتزجرهم عن الردى) (1)وهم لو كانوا كذلك، وكنا فعلنا بهم شيئا ~~من ذلك؛ ثم دعوتهم إلى الهدى (2)، لم يطيقوا أن يهتدوا إذا أبدا. ألا تسمع ~~قوله: {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا}، (فقال: إذا) (3) يريد إن ~~كان ما يقولون علينا مما ذكروا أنه على أبصارهم وأسماعهم وقلوبهم فعلا ~~منا بهم؛ فلن يهتدوا إذا أبدا؛ إذ كنا منعناهم بذلك عن الاهتداء، فكيف ~~نرسلك إلى من لا يستطيع أن يهتدي، ولا يفلح ولا يقتدي؟ فهذا ما لا نفعله بك ~~ولا بهم، ولا نجيزه فيك ولا فيهم، ولا نراه حسنا من فاعل لو فعله من البشر. # وقد يمكن أن يكون الجعل من الله عز وجل للأكنة والوقر الذي ذكر؛ هو ~~الخذلان لهم وتركهم من التوفيق والتسديد، فلما تركوا من عون الله وتسديده ~~تكمهوا، وغووا وهلكوا، ومالت قلوبهم في أكنة الهوى؛ فأعقبهم ذلك شقاء ~~ووقرا. والوقر هاهنا هو ترك الاستماع للحق، وما يركبون من الفسق. PageV01P405 # وأما ما قال، وعنه سأل؛ من قول الله عز وجل: {عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم} [الممتحنة: 7]، فتوهم ~~أن الله جعل فيهم مودة قسرهم عليها، وأدخلهم جبرا فيها، وليس ذلك بحمدالله كذلك. # وتفسير هذه الآية فهو يخرج على معنيين، وكلاهما شاف، ومن التطويل كاف: # فأولهما: ما جعل الله للمؤمنين من الإذن، وأطلق لهم من البر والإقساط ~~والإحسان؛ إلى ms084 من كان على غير الإيمان؛ من المشركين الذين لم يقاتلوهم(1)، ~~ولم يخرجوهم من ديارهم، ولم يظاهروا على إخراجهم؛ فقال: {عسى الله أن يجعل ~~بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة}. ثم قال: {لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ~~يحب المقسطين} [الممتحنة: 8]. # فكان ما أطلق لهم من البر والإقساط؛ أول الرحمة منه لهم، وجعل المودة ~~بينهم؛ إذ قد أطلق لهم من الفعل ما يجتلب المودة، ويزرع المحبة؛ من اللطف ~~والبر؛ في العلانية والسر. فلما أن تباروا(2) وتنافعوا؛ جرت المحبة والمودة ~~للمؤمنين في قلوب الكافرين؛ لما ينفعونهم به، ويحسنون إليهم فيه(3). فكان ~~الإذن من الله عز وجل للمؤمنين، بما يجتلب المودة في الإقساط إلى الكافرين؛ ~~أفضل المنة منه على المحسنين. PageV01P406 # وقد تكون تلك المودة(1) هي ما في الإيمان من البركة واليمن، وما جعل الله ~~بين المؤمنين من المحبة، وافترض عليهم من التواد على الدين، وحكم به من ~~الأخوة بين المؤمنين؛ حين يقول: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم ~~واتقوا الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 10]. فكان كل من دخل فيما أمر بالدخول ~~فيه من الإيمان إذا دخل، وإلى الله سبحانه أقبل؛ سدده الله سبحانه ووفقه، ~~وحببه إليه من بعد إقباله إليه، وبغض إليه الكفران، كما قال الله الرحمن: ~~{واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله ~~حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان ~~أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7]، فكان كل من دخل في الإسلام، من جميع ~~الأنام؛ أخرجته بركة الإيمان من الحقد، والدغل والحسد؛ حتى يعود إلى ~~المؤاخاة على الحق، والقول في ذلك على الله بالصدق. فهذا ما لا ينكره ذو ~~عقل وتمييز. ألا تسمع كيف حكى الله عز وجل ذلك عنهم، وذكر لك قولهم؛ حين ~~كانوا يدخلون في الدين، ويتابعون المسلمين على اليقين، حين يقول: {والذين ~~جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا ~~تجعل في قلوبنا غلا ms085 للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم} [الحشر: 10]. فلما أن ~~دخلوا في الإيمان؛ صاروا عليه وفيه نعم الأخوان متحابين، متواصلين متواخين، ~~يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فكانوا كما قال الله جل جلاله: {الذين ~~إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن ~~المنكر ولله PageV01P407 عاقبة الأمور} [الحج: 41]. # وأما ما نسب الحسن بن محمد إلى الله جل ثناؤه من فاحش المقال، فزعم أن ~~الله جعل عبدة الطاغوت للطاغوت عابدين، وفيما أسخطه من ذلك أدخلهم مجبورين، ~~واحتج بما لم يعلم معناه؛ من تفسير القرآن ومنزل الفرقان، الذي لا يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم؛ فقال: قال الله في ذلك: {قل هل أنبئكم ~~بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل} [المائدة: ~~60]. فقال الحسن بن محمد: ألا ترى أنه قد جعل منهم القرة والخنازير وعبد ~~الطاغوت؟، وقال: إن أنكروا أن الله جعل منهم القردة والخنازير وعبدة ~~الطاغوت؛ فقد كذبوا الله، وإن أقروا فقد رجعوا عن قولهم. # ولم يا ويحه وويله! إن لم يتب من الله وغوله(1)؟!!، ألا تسمع كيف فرق ~~الله عز وجل بين فعله وفعل عبيده؟ ألا ترى أن مسخه لمن مسخ لم يكن لهم فيه ~~فعل، بل نزل بهم وهم له كارهون، وحل بهم وهم عليه مكرهون، وأن عبادة ~~الطاغوت كانت فيهم، وأنها بلا شك مقالتهم؟، فبين ما دخلوا فيه طائعين وله ~~متخيرين، وبين ما فعل بهم مجبورين وبه معاقبين؛ فرق عند ذي العلم؛ من أهل ~~المعرفة والحكم. # فنقول في ذلك: إن الله لم يأخذهم ولم يجعل منهم ما جعل من القردة ~~والخنازير، ومسخ منهم من مسخ من المذنبين؛ إلا بعد الإعذار والإنذار، مرارا ~~بعد مرار، فلما أبوا، وعموا عن أمره سبحانه وخالفوا؛ أخذوا بذنوبهم، فلم ~~يجدوا من دون الله وليا ولا نصيرا. PageV01P408 # وأما قوله: {وعبد الطاغوت}، فإن ذلك مردود على أول الآية، وهو مقدم في ~~المعنى، وكثير مثل ذلك على ما ms086 يكون على التقديم والتأخير، يعلمه من عباده ~~العالم الخبير، فمعناه: أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله ~~وغضب عليه وعبد الطاغوت، وجعل منهم القردة والخنازير، أراد أن من ~~عبدالطاغوت فهو شر من ذلك، فهذا موضع ما ظن من {عبد الطاغوت}. ألا ترى كيف ~~أهلك من كان كذلك؟ ومن اجترأ من الخلق كاجتراء أولئك؟. # وكذلك قولنا فيما توهم وذهب إليه، فأهلك وهلك ولله الحمد فيه، فقال: إن ~~الله جعل في المجرمين ذلك، وابتلاهم به وحملهم عليه، ثم احتج في ذلك من قول ~~الله عز وجل بما عليه لا له، فقال: قد قال الله فيما قلنا وبه تكلمنا: ~~{وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون}، فقال: ألا ترون أن الله قد جعل في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا فيها، فقد جعلهم مكارين(1)، وقضى به عليهم، وركبه فيهم. PageV01P409 # فقولنا في ذلك، أن جعل الله لهم؛ هو خلقه لهم، وتصويرهم في كل قرية كما صور ~~غيرهم. وأما قوله: (( ليمكروا ))، فإنما أراد الله سبحانه لأن لا يمكروا، ~~فطرح (لا) وهو يريدها استخفافا لها، والقرآن عربي بلسان العرب نزل، وهذا ~~تفعله العرب(1)، تطرح لا وهي تريدها، وتأتي بها وهي لا تريدها، فيخرج اللفظ ~~بخلاف المعنى، يخرج اللفظ لفظ نفي وهو إيجاب، ويخرج لفظ إيجاب وهو معنى ~~نفي، قال الله عز وجل: {لئلا يعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل ~~الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: ~~29]، فقال: {لئلا} فخرج لفظها لفظ نفي، ومعناها معنى إيجاب، فأتى ب(لا) وهو ~~لا يريدها، وإنما معناها: ليعلم أهل الكتاب. وقال: {إنما نملي لهم ليزدادوا ~~إثما ولهم عذاب مهين} [آل عمران: 178]، فخرج اللفظ لفظ إيجاب ومعناها نفي، ~~يريد سبحانه: لئلا يزدادوا إثما. # وقال الشاعر: # ما زال ذو الخيرات لا يقول ويصدق القول ولا يحول(2) # فقال: لا يقول، وإنما يريد:يقول، فأدخلها وهو لا يريدها، ووصل بها كلامه ~~ليتم له بيته استخفافا لها، ms087 وقال آخر: # بيوم جدود لا فضحتم أباكم... وحاربتم(3) والخيل تدمى شكيمها # فقال: لا فضحتم أباكم، وإنما يريد: فضحتم، فأدخلها وهو لا يريدها. # وقال آخر: # نزلتم منزل الأضياف منا... فعجلنا القرى أن تشتمونا(4) # فقال: أن تشتمونا، فخرج لفظها لفظ إيجاب في قوله: أن تشتمونا، ومعناها ~~معنى نفي، أراد: لأن لا تشتمونا. PageV01P410 # وأما ما قال وذكر، واحتج به مما لا يعرفه وسطر، فقال: قال الله في قوم ~~فرعون: {وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون} وادعى على ~~الله سبحانه أنه جعل من كان كذلك منهم كافرا، ومن كان منهم كافرا فاجرا، ~~وأنه طبعهم على ذلك، وفيه ركبهم وخلقهم. وليس ذلك، والحمدلله على ما ذكر، ~~ولا على ما قال وخبر. وهذا يخرج من الله على معنيين عدلين محققين: # أحدهما: أن يكون جعله لهم؛ هو ما أوجده منهم، وخلقه من أجسامهم، لا ما ~~ذهب إليه من فعل أفعالهم. # والمعنى الآخر: أن يكون ذو الجلال والإكرام حكم عليهم بما يكون منهم من ~~أعمالهم، ودعائهم إلى خلاف طاعته؛ من الكفر به والصد عن سبيله، وما كانوا ~~يفعلون ويجترئون به على الله، فكانت حال من يطيعهم على كفرهم، ويشركهم في ~~فعلهم، ويدعوهم إلى غيهم، عند الله كحالهم، فلما أن دعوا إلى ما يقرب إلى ~~النار؛ مما كان يفعله الفجار؛ كانوا أئمة يدعون إلى الجحيم، فحكم عليهم ~~بفعلهم العليم، ودعاهم وسماهم به الرحمن الرحيم، فكان دعاوه إياهم بذلك من ~~فعلهم، وتسميته لهم بما دعوا إليه إخوانهم من النار؛ جعلا في مجاز كلام ~~العرب، كما يجوز أن يقال لمن قال لصاحبه: يا حمار: جعلته ويحك حمارا، وإنما ~~يريد بذلك سميته لا خلقته. وكذلك إذا دعاه بالضلال؛ قيل: جعلته ضالا، إذ قد ~~سميته به. PageV01P411 # فأما ما قال وتوهم أنه إذا خرج في اللفظ شيء كان كذلك في المعنى، فقال: وقد ~~قال الله سبحانه: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا ومتاعا إلى حين*والله ms088 جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم}، فتوهم الحسن بن ~~محمد على الله تبارك وتعالى أنه الفاعل لكل ذلك، وليس ذلك والحمدلله كذلك. ~~وسنفسره إن شاء الله ونبينه، وبالحق نميزه. فنقول: إن معنى قوله جل جلاله: ~~{جعل لكم من بيوتكم سكنا}، هو كما قال سبحانه، هو الذي خلق الخشب والحجر، ~~والماء والمدر، هو دلهم على ذلك، وهم بنوا(1) وعملوا المساكن، وكل ما صنعوه ~~من الأماكن، وهو جعل وخلق الأنعام وجلودها، وهم عملوها بيوتا، ولو لم يخلق ~~الجلود لم يقدروا على عمل ما ذكر من البيوت، وكذلك لو لم يخلق الحجر، ~~والخشب والمدر؛ لم يبنوا بيوتا يسكنونها، ولا دورا يأوونها. وكذلك السرابيل ~~التي تقي الحر وقت الحر، وتقي القر وقت القر. وكذلك سرابيل البأس(2)، التي ~~تقي وتحرز من الناس(3)؛ فالله عز وجل أوجد حديدها، ودلهم على عملها، وهم ~~تولوا(4) فعلها وسردها(5) وتأليفها ونسجها. PageV01P412 # وأما ما ذكر من قول الله جل ثناؤه: {والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم ~~من الجبال أكنانا}؛ فكذلك فعل عز وجل، فهو المتولي لذلك لم يفعله غيره، وهو ~~جاعله، فجعل من الأكنان؛ وقاء أوقى من البنيان، وجعل من الظلال؛ لما خلق من ~~الأشجار وغيرها من الجبال؛ ما تبين فيه القدرة والمنة لذي الجلال. فما كان ~~من فعل العباد؛ فخلاف أفعال(1) ذي المنة والأياد، وما كان من فعل الرحمن، ~~فخلاف فعل الإنسان، لا كما قال المتكمهون الجهال: الله سبحانه والعبد سواء ~~في الأفعال، كذب المبطلون. تم جواب مسألته. ### || المسألة العشرون: الإغراء بالإرادة لا بالأمر # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة؛ فقال: خبرونا عن الإغراء بالارادة ~~دون الأمر، فإن الله يقول: {ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا ~~حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} ~~[المائدة: 14]، فسلهم: هل كان هؤلاء يستطيعون(2) أن يخرجوا مما صنع الله ~~بهم، وأن يتركوا العداوة بينهم؟ فإن قالوا: نعم؛ كذبوا كتاب الله، وإن ~~قالوا: لا، كان ms089 ذلك نقضا لقولهم.تمت مسألته. # جوابها PageV01P413 وأما ما سأل عنه من الإغراء بالارادة دون الأمر؛ فزعم أن الله جل ثناوه ~~يأمر بما لا يريد، ويريد من الأشياء ما لا يشاء كينونته، فأخطأ في قوله ~~وأمره، ونسب الجهالة في ذلك إلى ربه، ورضي فيه بما لا يرضاه في نفسه، ولا ~~يراه حسنا من أمته وعبده. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ألا ترى أن الأمر ~~بما لا يشاء من أجهل الجاهلين؟ وعن الحكمة من أبعد المبعدين؟ فكيف اجترأ ~~الحسن بن محمد على رب العالمين؛ فنسب إليه أشد ما يعاب به المربوبون؟ثم ~~احتج في قوله، وسطر أفحش القول في ربه؛ فقال: قال الله: {ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة}[المائدة: 14]، فقال: إن الله تبارك وتعالى أغرى ~~بينهم ولم يرد الإغراء، (ولم يأمر بالإغراء)(1)، وأدخلهم من ذلك فيما لم ~~يشأ. وليس ذلك كما توهم ولا كما قال، وأول الآية يدل على عدل الله في ذلك ~~حين أخبر؛ بما كان منهم وذكر؛ من الترك والرفض لما أمروا بأخذه، والأخذ لما ~~أمروا بتركه، فلما أن فعلوا من ذلك ما عنه نهوا؛ استأهلوا من الله سبحانه ~~الترك والخذلان؛ بما كان منهم لله من العصيان، فتركهم من الرشد والتوفيق ~~فضلوا، وعن الخير والصلاح في كل أمرهم عموا، والبر والتواصل تركوا، فغريت ~~بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة، ونشأ على ذلك خلف من بعد خلف، ~~فكان ذلك؛ بسبب خذلان الله لهم وسخطه عليهم لذلك(2)، فلما كان ذلك كذلك جاز ~~أن يقال: إن الله أغرى بينهم العداوة بكل(3) ضلال قالوا، فنسب المسيح منهم ~~قوم إلى أنه رب، ونسبه قوم آخرون إلى أنه ابن للرب، وقال آخرون بما قال في ~~نفسه أنه عبد الله، حين أخبر عنه بقوله، حين أشارت PageV01P414 إليه أمه، قال الله جل ثناؤه: {فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من كان في المهد ~~صبيا* قال إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبيا* وجعلني مباركا أينما كنت ~~وأوصاني بالصلاة ms090 والزكاة ما دمت حيا} [مريم: 2931]، فلما أن اختلفوا، وعلى ~~الحق لم يأتلفوا، كفر بعضهم بعضا، وبرئ فاسق من منافق، ومنافق من فاسق، ~~وخذلهم(1) الله فيه، ولعنهم سبحانه عليه، غريت بينهم العداوة والبغضاء إلى ~~يوم القيامة. فلما كان عز وجل الذي خذلهم فضلوا، وتركهم فهلكوا، قال: ~~{فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة}، وهذا ولله الحمد مشهور، ~~في اللسان معروف. تم جواب مسألته. ### || المسألة الحادية والعشرون: عن قول الله تعالى: {وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم..} # ثم أتبع ذلك المسألة؛ فقال: خبرونا عن قول الله: {وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24]، وذلك يوم ~~الحديبية، فسلهم: هل كان واحد من الفريقين يستطيع أن يبسط يده إلى أخيه، ~~والله عز وجل يخبر أنه قد كف بعضهم عن بعض بإرادة لا بأمر؟ فإن قالوا: نعم، ~~قد كانوا يستطيعون أن يقاتل بعضهم بعضا؛ كذبوا كتاب الله عز وجل، وإن ~~قالوا: لا؛ فهذا نقض لقولهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P415 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم} [الفتح: 24]، فقال: هل كان يستطيع ~~أحد أن يمد يده إلى عدوه، وقد كف الله سبحانه أيدي حزبه؛ من رسوله ~~والمؤمنين، عن حزب الشيطان الفاسقين، وأذن لرسوله وأطلق له مهادنة قريش ومن ~~معهم من المشركين؛ نظرا منه سبحانه للمؤمنين، ففعل ذلك رسول الله صلى الله ~~عليه وآله لما أن طلبته قريش منه، ولو لم يأذن الله له عز وجل في ذلك لم ~~يفعله، ولم يك ليرجع يوم الحديبية حتى يقاتلهم، وعلى الحق وبالحق ينازلهم، ~~ولقد أراد ذلك صلى الله عليه وآله، وبايع أصحابه على الموت فيه بيعة ثانية، ~~وهي البيعة التي ذكر الله عن المؤمنين ورضي بها عنهم، وأنزل السكينة عليهم، ~~وصرف القتال، وكف أيدي الكل من الرجال؛ بما أطلق لرسوله صلى الله عليه وآله ~~من اجابته لهم إلى ما طلبوا من المهادنة في ذلك العام، والرجوع عنهم ~~والدخول ms091 في السنة المقبلة إلى البيت الحرام، فأطلق له الرجوع عنهم والترك ~~لمقاتلتهم لما ذكر سبحانه، (فمن كان بمكة)(1) ممن كان بمكة من المؤمنين ~~والمؤمنات، لأن لا يطأوهم فيقتلوهم بغير علم، فتصيبهم منهم معرة عند الله ~~بالحكم. والمعرة ها هنا فهي الدية، لا ما قال غيرنا به فيها من الإثم، وكيف ~~يأثم من بر وكرم وقاتل على الحق كما ذكر الله عز وجل من خالفه من الخلق؛ ~~فقتل مؤمنا بغير علم ولا تعمد وهو إنما قتله وهو يحسبه كافرا، ويظنه في دين ~~الله فاجرا، فهو والحمدلله في ذلك غير آثم، ولا متعد في فعله ولا ظالم، ~~ولكنه مخطئ فعليه ما على مثله، وهو ما ذكر الله في قوله حين يقول: {ومن قتل ~~مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله} [النساء: 92]. وإنما جعل ~~عليه العتق والدية تعظيما لقتل المؤمن، وتشديدا على PageV01P416 المؤمنين في التثبت والتبيين(1) عند قتال الكافرين، كما قال سبحانه: {يا ~~أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة ~~فتصبحوا على ما فعلتم نادمين} [الحجرات: 6]. # وأما معنى قوله سبحانه: {من بعد أن أظفركم عليهم}، فهو الحكم لهم من الله ~~عز وجل بالنصر إذ نصروه. ومن ذلك ما قال ذو العزة والجلال: {يا أيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7]، ولا نصر يكون أكبر ~~من نصره لرسول الله صلى الله عليه وآله ومن معه من المؤمنين، فحكم الله ~~سبحانه لهم على أعدائه بالنصر إذا التقوا، وبالغلبة إن احتربوا، ألا تسمع ~~كيف يقول: {ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا} [الفتح: 23]، ~~يقول: حكم الله للمؤمنين بالنصر على الفاسقين، ولن تجد لما حكم به رب ~~العالمين للمؤمنين تبديلا. فهذا معنى الآية وتفسيرها، لا كما قال، من نسب ~~إلى الله جل ثناؤه فاحش المقال؛ من جبر العباد على الخير، وإدخالهم في كل ~~شر وضير. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثانية ms092 والعشرون: # عن غنائم الكافرين، وهل كانوا يستطيعون الإيمان حتى لا تؤخذ غنائمهم؟ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عما وعد الله جل ثناؤه رسوله ~~والمؤمنين من الغنائم الكثيرة التي قال: {تأخذونها}، هل كانت تلك الغنائم ~~التي وعدهم إياها تكون إلا من الكافرين؟ فإن قالوا: لا، فقل: فهل كان أولئك ~~الكافرون يستطيعون أن يؤمنوا حتى لا تحل غنائمهم ولا دماؤهم ولا أموالهم؟ ~~فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا قول الله عز وجل، وإن قالوا: لا، فذلك نقض ~~لقولهم. تمت مسألته. PageV01P417 # جوابها # وأما ما سأل عنه، وفيه تكلم وقال في الغنائم التي وعدها الله المؤمنين، ~~وأخبرهم أنهم يأخذونها من الكافرين، فقال الحسن بن محمد في ذلك: هل كان ~~الكافرون يستطيعون الإيمان؛ وهم لو آمنوا لم تحل غنائمهم؟، وهم لو لم تؤخذ ~~غنائمهم لم يتم وعد(1) الله لنبيه، فلا بد أن يثبتوا على كفرهم جبرا؛ حتى ~~تؤخذ منهم الغنائم قسرا. # فقولنا في ذلك، الحق لا قول المبطل الهالك: إن الله سبحانه علم من أهل ~~الغنائم قبل أن يعد نبيه غنائمهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم سيثبتون على ~~الكفر ويقاتلون، وأنهم لا يسمعون لله ورسوله ولا يطيعون، فوعده غنائمهم ~~والنصر عليهم؛ إذ علم أنهم لا يختارون الإيمان، ولا يطيعون الرحمن، وأنهم ~~يختارون الإقامة على الضلال والكفران، والمحادة لله ورسوله والعصيان، فلذلك ~~وعد المؤمنين غنائمهم، وأجاز لهم سبيهم، وأحل مقاتلتهم واسترقاق ذراريهم، ~~وذلك بما جنت أنفسهم عليهم. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثالثة والعشرون: # عن قول الله: {فكف أيديهم عنكم..} # ثم أتبع ذلك المسألة، عن قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} ~~[المائدة: 11]، وذلك أن ناسا من اليهود كانوا أرادوا قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله ونفر من أصحابه؛ فأخبر الله عز وجل رسوله وكف أيديهم عنه ~~وعن أصحابه، فسلهم: هل كانوا يستطيعون أن يبسطوا أيديهم عليهم؛ وقد كفها ~~الله عنهم؟ أم لا؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا قول الله جل ms093 ثناؤه، وإن ~~قالوا: لا؛ فذلك نقض لقولهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P418 وأما ما سأل عنه مما تحير فيه من قول الله عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا ~~اذكروا نعمة الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم عنكم} ~~[المائدة: 11]، فتوهم الحسن بن محمد أن الله عز وجل كف أيديهم عن رسول الله ~~صلى الله عليه وآله (ومن كان معه) (1) وعن أصحابه المؤمنين غصبا حتى لم يكن ~~لهم في ذلك حيلة، ولم يبسط أيديهم (( بالسواية )) (2) إليه، وأنه قبضها ~~عنهم قبضا ومنعهم منعا. PageV01P419 # وليس ذلك كما توهم، ولا هو على ما به تكلم، وسنشرح ذلك إن شاء الله، ونقول ~~فيه بالحق على الله، فنقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله، كان خرج إلى ~~يهود بني النضير في نفر من أصحابه وكان بنو النضير ينزلون قريبا من ~~المدينة ليستعينهم في ديتين وقعتا خطأ على بعض المسلمين؛ فلما أن أتاهم ~~رحبوا به وأدنوه(1)، وكل ما طلب منهم وعدوه، ثم تآمروا به وبأصحابه، وعزموا ~~على الغدر به وبمن معه من أعوانه(2)، فأهبط الله عز وجل بذلك جبريل صلى ~~الله عليه على رسوله(3) فاخبره به وأوقفه عليه، فنهض صلى الله عليه وآله ~~مسرعا هو ومن معه حتى رجعوا، ثم هيئوا(4) وخرجوا إليهم فقاتلوهم، وأقاموا ~~عشرين ليلة يحصرونهم في حصونهم، ثم نزلوا من بعد ذلك على حكم سعد بن معاذ، ~~وكان من كبار الأنصار، وذوي القدر منهم والأخطار، وكانوا يتكلمون إليه، ~~ويظنون لما كان بينه وبينهم في الجاهلية من المداناة والإحسان أنه ~~سيحابيهم ويحكم بما ينجيهم كلهم، فحكم بأن يقتل رجالهم، وتسبى ذراريهم ~~وحرمهم، وفي ذلك ما قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (( لقد حكمت فيهم ~~بحكم الله من فوق سبع سموات ))، ففعل ذلك بهم، وأخزاهم الله(5) وأهلكهم، ~~وأبادهم وقتلهم، فكان إعلام الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وآله بما ~~اجتمعوا عليه، وعزموا وصاروا فيه وإليه؛ كفا لأيديهم، ونقضا لعزيمتهم، ~~وإبطالا لتدبيرهم. فهذا معنى ما تحير فيه الحسن بن محمد من تفسير ms094 الآية، لا ~~ما قال به على الله عز وجل من البهتان، وما حمل من محكم القرآن على متشابه ~~القرآن. تم جواب مسألته. ### || المسألة الرابعة والعشرون: # عن قول الله لعيسى {وإذ كففت بني إسرائيل عنك..} PageV01P420 ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل لعيسى بن مريم وهو يذكر نعمة الله ~~عليه؛ فقال: {وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا ~~منهم إن هذا إلا سحر مبين} [المائدة: 110]، فهل كان لبني إسرائيل أن يبسطوا ~~أيديهم على عيسى عليه السلام؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا قول الله، وإن ~~قالوا: لا؛ فذلك نقض لقولهم. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من قول الله لعيسى بن مريم المسيح العبد الكريم: {وإذ ~~كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا إلا ~~سحر مبين}[المائدة: 110]، فقال: هل كانت بنو إسرائيل تقدر على أن تبسط ~~أيديها إليه، وقد كفها الله عنه وأنعم بذلك عليه؟ فقولنا في ذلك: أن الله ~~لم يكف أيديهم عنه جبرا، ولكنه ألقى في قلوبهم الهيبة له ولمن معه من ~~الحواريين، وأعلم نبيه صلى الله عليه بما يريدون منه وما يريدون فيه ~~فحذرهم، واستعد بمن معه لهم فخافوهم وحذروهم، فلاشى عزيمتهم، وأبطل في ذلك ~~إرادتهم، ومن على نبيه صلى الله عليه، بما ألقى له وللحق في قلوبهم من ~~الهيبة والمخافة، فرجعوا خائبين، ومما أرادوا مؤيسين، وأعز الله سبحانه ~~المؤمنين، وكبت الفاسقين. PageV01P421 # فهذا إن شاء الله معنى ما ذكر الله من كف أيديهم عن عيسى بن مريم صلى الله ~~عليه نبيهم(1)، والمظهر للحق فيهم، والمطلق(2) لهم بعض الذي حرم عليهم، ~~المبرئ لأكمههم(3) وأبرصهم، الشافي لسقيمهم، والمحيي لميتهم، والمنبي لهم ~~عما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، وتلك أعظم آيات ربهم وبراهين خالقهم، فلما ~~عتوا عن أمر خالقهم، قال حين ذلك نبيهم صلى الله عليه وسلم: {من أنصاري إلى ~~الله قال الحواريون نحن أنصار الله} وأعوانك وأنصارك وخدامك، فآمن معه من ~~بني إسرائيل الحواريون وكفر سائر الإسرائليين، فأيد الله المؤمنين، ms095 فأصبحوا ~~كما قال الله: {ظاهرين}، حين يقول عز وجل: {يا أيها الذين آمنوا كونوا ~~أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري إلى الله قال ~~الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت طائفة فأيدنا ~~الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14]. فهذا قولنا في رب ~~العالمين، لا كقول الجاهلين؛ الذين نسبوا إلى الله عز وجل أفعال العباد، ~~وقلدوه ما يكون في ذلك من الفساد. فتعالى الله الواحد الرحمن؛ عن زخرف ~~أقاويل الشيطان، المضاهين لمذاهب عبدة الأوثان، وما حكى فيهم الرحمن من ~~قولهم: {لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء...الاية} [النحل: 35]. تم ~~جواب مسألته. ### || المسألة الخامسة والعشرون: # عن الرعب، هل كان الكافرون يستطيعون الامتناع عنه؟ PageV01P422 # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب ~~بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا} [آل عمران: 151]، وقال في سورة ~~الحشر: {وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم الرعب} [الحشر: 2]، وقال: {وأنزل الذين ظاهروهم من أهل ~~الكتاب من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا} ~~[الأحزاب:26]، فأخبرونا عن الرعب الذي قذف الله في قلوب الكافرين، هل كانوا ~~يستطيعون أن يمتنعوا منه، وأن يصرفوه عن قلوبهم؟، فإن قالوا: لا؛ كان ذلك ~~نقضا لقولهم، وإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا كتاب الله، وزعموا أن العباد ~~يمتنعون من الله. وإن قالوا: إنما صنع الله ذلك بهم بكفرهم، فقل: ألستم ~~تعلمون أن الرعب شيء لطيف لا يراه الناس ولا يردونه ولا يمتنعون منه حين ~~يدخل في قلوبهم، فيوهن الله بذلك كيدهم، وينقض قولهم؟ فإن قالوا: نعم، فقل: ~~وكذلك أيضا التوفيق، شيء لطيف لا يراه العباد، يلقيه الله في قلوب ~~المؤمنين، وأمور الله كلها كذلك، من أراد به خيرا وفقه، وسدده وأرشده، وكان ~~ذلك عونا من الله لهم، ومن أراد به سوءا ثبطه وعوقه، وخذله وتركه وهواه، ~~ووكله إلى نفسه، فوكله إلى الضغف والهوان، والله غالب على أمره. ms096 تمت ~~مسألته. # جوابها PageV01P423 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا}، فإنا نقول: إن الرعب إنما ألقاه الله ~~جل ثناؤه في قلوبهم؛ نكالا وانتقاما منهم على كفرهم واشراكهم، ألا تسمع كيف ~~فسر آخر الآية أولها؛ فقال: {بما أشركوا بالله}، فكذلك الله سبحانه انتقم ~~منهم بما أشركوا وكفروا، وخذلهم وتركهم من التسديد والتوفيق فهلكوا ~~وتلاشوا، وعندوا فضلوا، وهانوا فتفرقوا؛ إذ وكلهم إلى الضعف من أنفسهم، ~~وإلى حولهم وقوتهم؛ فهانوا ورعبوا من القتال، ولقاء المؤمنين في تلك الحال. ~~فكان تركه(1) لهم بما قدموا من شركهم؛ رعبا داخلا في قلوبهم، مخامرا ~~لصدورهم. PageV01P424 # وأما ما ذكر من قول الله سبحانه في بني النضير من اليهود: {وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يآ أولي الأبصار}؛ ~~فكذلك فعل الله بهم. وذلك أنهم كانوا قد هادنوا الرسول عليه السلام، وخضعوا ~~لأهل دعوة الإيمان والإسلام، حتى كان يوم الأحزاب، فجاءت قريش ومن تحزب ~~معها من العرب؛ من اليمن ومضر، وأمدهم في ذلك يهود خيبر؛ يقاتلون الرسول ~~والمؤمنين، مع أعداء الله الفاسقين، فلما أتى يهود خيبر أرسلوا إلى يهود ~~بني النضير فوعدوهم أن يقاتلوا الرسول من ورائه إذا حميت الحرب بينه ~~وبينهم، فنزلت بنو عامر أحد(1) من فوق المؤمنين، ونزلت قريش بطن الوادي من ~~أسفل منهم، وكانت اليهود يهود خيبر قبل المسلمين(2) مما يلي الحرة، وبنو ~~النضير من وراء الرسول صلى الله عليه وآله، وفي ذلك ما يقول الله عز وجل: ~~{إذ جاءوكم من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ~~وتظنون بالله الظنونا * هنالك ابتلى المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا} ~~[الأحزاب: 1011]، فكان فيمن نزل أحد(3) من العرب رجل أشجعي(4) يحب الإيمان، ~~ويبغض أهل العدوان؛ فأفسد بين المشركين طرا، وذلك أنه أتى قريشا فقال لها: ~~إن العرب قد ظافرت محمدا عليكم، ووعدته المحاربة معه لكم، وآية ذلك ms097 أنهم لن ~~يبدأوه بالمحاربة، فخذوا حذركم، ولا تبدأوه حتى يقاتلوه قبلكم، ثم أتى ~~أصحابه وبني عمه وجماعة العرب؛ فقال: إن قريشا قد عاقدت محمدا عليكم، PageV01P425 وعلامة ذلك أنهم لن يبدأوه بالمحاربة قبلكم، فاعملوا لأنفسكم، ودبروا ~~أموركم، ولا تقاتلوا حتى ترسلوا إليهم فيقاتلوا قبلكم، فإن فعلوا وإلا ~~فاحذروا مكرهم، والحقوا وشيكا ببلدكم، ثم أتى يهود خيبر فقال: إن قريشا قد ~~عاقدت محمدا عليكم، وآية ذلك انها لا تبدأه بالمحاربة قبلكم، وأتى قريشا ~~فقال لها: إن اليهود قد ظافرت محمدا عليكم، وآية ذلك أنهم لا يبدأونه ~~بالمنابذة قبلكم، فطرح في قلوب كل لكل بلاء وحقدا، ومخافة وشحناء، فأقام كل ~~ينتظر أن يبدأ بالمحاربة غيره، فلما طال ذلك عليهم تراسلوا بينهم، يسأل كل ~~كلا؛ أن ينصب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حربا، وكلهم(1) يأمر ~~صاحبه أن يبدأ، فصح لذلك عندهم قول الأشجعي فتفرقوا، وفسدت قلوب بعضهم على ~~بعض، فرحلت العرب طرا راجعة إلى بلدها، وأرسل الله سبحانه الريح على قريش ~~واليهود، وأمد المؤمنين بالنصر منه والجنود، فلم يقم(2) لقريش خباء ولا ظل، ~~ولا تستوقد لهم نار إلا أطفأتها الريح وفرقتها وحرقتهم بها، فأقاموا ثلاثا ~~لا يختبزون ولا يصطلون(3)، فاشتد عليهم القر والجوع، ورماهم الله بالذل ~~فأزمعوا(4) على الرجوع، ورحلوا راجعين خاسرين، خائبين نادمين، وفي ذلك ما ~~يقول رب العالمين: {يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم ~~جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا} ~~[الأحزاب: 9]، فرجع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقاتل بني النضير؛ ~~إذ نقضوا عهده، وخالفوا أمره، فحاصرهم حتى جهدوا، فقالوا: يا محمد، خلنا ~~نخرج من البلد بما حملت إبلنا؛ التي في الحصن(5) معنا من متاعنا، ونخلي لك ~~الباقي ومالنا من الضياع، ونشرط ألا نخرج PageV01P426 بسلاح، ونترك الديار والنخل والقرى، فرضي رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بذلك، فخرجوا بإبلهم، عليها جيد(1) متاعهم، وتحف أبوابهم، فلما قلعوا ~~التحف تهدمت وجوه البيوت، وذلك تدبير منهم، ليخربوها عليهم، فكان أحدهم إذا ms098 ~~هدم لحاف بيته بطل البيت، ثم خرجوا على الإبل بالتحف، فذلك قول الله ~~سبحانه: {هو الذي أخرج الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ~~ظننتم أن يخرجوا وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم ~~يحتسبوا وقذف في قلوبهم الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين ~~فاعتبروا يا أولي الأبصار}، فخرجوا جالين(2)، ولنعمهم تاركين، وذلك قول ~~أصدق الصادقين: {ولولا أن كتب الله عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في ~~الآخرة عذاب النار} [الحشر: 3]، والتعذيب فهو القتل، فكان الرعب الذي قذفه ~~الله في قلوبهم؛ هو ماكان من خذلانه لهم حتى عمي عليهم رشدهم، وفاسدوا ~~إخوانهم، ودخل الفزع عند ذلك من النبي والمؤمنين في قلوبهم، وأيقنوا أنه ~~إذا علم بما كان من مظافرتهم عليه، وصاروا من الغدر به إليه؛ أنه لا ~~يتركهم، وأنه يقاتلهم على فعلهم، حتى يظهر الله عز وجل الحق، ويزهق الباطل ~~من الخلق. وهذا معنى القاء الله الرعب في قلوب الفاسقين؛ لما أرادوا من ~~هلاك المؤمنين. وكذلك كان فعله بأهل خيبر حتى أخذوا وأسروا، وقتلوا وسبوا. # فهذا قولنا في إلقاء الله الرعب في قلوب الفاسقين، لا ما ذهب إليه من ~~خالف المحقين، وعند من قول الصدق في رب العالمين. تم جواب مسألته. ### || المسألة السادسة والعشرون: # عن قول الله: {ولقد ذرأنا لجهم ..} PageV01P427 ثم أتبع ذلك المسألة عن الذرو بالإرادة فقال: خبرونا عن الذروبالإرادة، فإن ~~الله يقول: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ~~ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل ~~أولئك هم الغافلون} [الأعراف: 179]، فسلهم: هل يستطيع هؤلاء أن ينقلبوا عما ~~ذرأهم الله له؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا وزعموا أنهم يستطيعون أن يبدلوا ~~خلقهم وإرادة الله فيهم، وإن قالوا: لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: {ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا ms099 يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون}، فقال: هل يستطيع ~~أحد أن يخرج أو ينتقل مما ذرئ له؟ وتوهم بل قال: إن الله ذا الجلال ~~والإكرام خلق لجهنم قوما كافرين، ذرأهم وأوجدهم ابتداء فاسقين، وخلقهم ~~ضالين مضلين؛ لا ينفع فيهم دعاء، ولا يقدرون طول الزمان على الاهتداء(1)؛ ~~لما قد خلقوا له من الشقاء، فهم أبدا بفعل الفواحش مولعون، ولعمل الهدى غير ~~مطيقين، وأنهم على ذلك مجبولون، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P428 # فنقول في ذلك على الله بالحق، والله الموفق لكل خير وصدق؛ فنقول: إن معنى ~~الآية خلاف ما ذهب إليه الحسن بن محمد، وإن القول خلاف ما قال به فيه، بل ~~معناها على الصدق والمعاد، لعلم الله بما يكون من العباد، فقال: {ذرأنا}، ~~فأخبر عما سيكون في آخر الأمر، ويوم القيامة والحشر؛ من الذرو الثاني، لا ~~الذرو الأول الماضي. فكذلك الله رب العالمين، يذرأ لجهنم في يوم الدين؛ ~~جميع من مات على كفره من الكافرين، فيعذبهم على فعلهم، ويعاقبهم على ما ~~تقدم من كفرهم، كما قال الرحمن الرحيم، الرؤوف الكريم: {كل نفس بما كسبت ~~رهينة* إلا أصحاب اليمين* في جنات يتساءلون* عن المجرمين* ما سلككم في سقر* ~~قالوا لم نك من المصلين* ولم نك نطعم المسكين* وكنا نخوض مع الخائضين* وكنا ~~نكذب بيوم الدين* حتى أتانا اليقين* فما تنفعهم شفاعة الشافعين} [المدثر: 3848]. # فهذا معنى ما ذكر الله من الذرو في الكتاب، لا ما ذهب إليه الحسن بن محمد ~~ذو الشك والارتياب؛ من أن الله سبحانه خلق للنار خلقا تعمل بالمعاصي أبدا، ~~لا يقدرون على هدى ولا طاعة، في سنة ولا شهر ولا يوم ولا ساعة، وأن الله ~~سبحانه خلق للجنة أصحابا مجبولين لله على الطاعة في كل الأسباب. PageV01P429 # فيا عجبا من قولهم المحال! وكذبهم على الله في المقال! فأين ويحهم المعاصي ~~والطغيان(1)، ممن عمل بما ألزمه الله في كل شأن؟ بل كل مطيع، وفي مراد ~~الله(2) سريع؟ فإن كان ذلك من ms100 الله كذلك؛ فلم بعث الأنبياء إليهم يدعونهم؟ ~~وأوجب عليهم طاعتهم؟! وطاعة الأنبياء فهي العمل بطاعة الله، ومعصيتهم هي ~~المعصية(3) لله، قال الله سبحانه: {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ~~وأطيعوا الرسول} [النساء: 59، محمد: 33]، وقال: {ومن يطع الله ورسوله ندخله ~~جنات تجري من تحتها الأنهار} [النساء: 13، الفتح: 17]، وقال: {ومن يعص الله ~~ورسوله فإن له نار جهنم} [الجن: 23]، وقال: {يا أيها الناس اتقوا ربكم} ~~[النساء: 1، لقمان: 33]، وقال: {ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين} ~~[الذاريات: 50]، فأين الطاعة؛ ممن جبل على المعصية؟ وأين الفرار؛ ممن منعه ~~منه الجبار؟ وكيف لا يعصي الرسول والرحمن(4)؛ من قد حيل بينه وبين ~~الإحسان؟!. PageV01P430 # ومن ذلك قول إبراهيم صلى الله عليه لأبيه: {يا أبت إني قد جاءني من العلم ~~مالم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا * يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان ~~كان للرحمن عصيا} [مريم: 4243]، فماذا يقول الكاذبون(1)، وينسب إلى الله ~~وإلى نبيه الضالون؛ في هذا العلم الذي جاء إبراهيم؟ أتراه أتاه من العلم ~~إن كان الله قد خلق أباه للنار أن أباه يقدر أن يخرج إلى غير ما خلقه الله ~~له من النار حتى يصير إلى الجنان؟ أم يقولون إن العلم الذي جاء إبراهيم هو ~~أن أباه إن كان الله جل ثناؤه خلقه للشقاء، وحال بينه وبين الهدى يقدر ~~على مغالبة الرحيم، والخروج مما أعد له من الجحيم، والمصير إلى دار النعيم؟ ~~والله سبحانه لم يخلقه(2) لذلك، بل جبله على غيره، ومنعه من رشده؟ أم ~~تقولون في إبراهيم، الأواه الحليم، الصديق الكريم؛ أنه دعا أباه إلى ~~اتباعه، وضمن له ما ضمن من ارشاده، ونهاه عن عبادة الشيطان الرجيم، وأمره ~~بطاعة الرحمن الرحيم؛ وهو يعلم أن الله جل جلاله قد منعه من الخير، وأدخله ~~إدخالا في الشر والضير؟! فلقد إذا أمره بمغالبة ربه، وهجره واعتزله على غير ~~ذنبه(3). PageV01P431 # ثم يقال لهم: خبرونا؛ وعما نسألكم عنه أجيبونا: هل بعث الله جل ثناؤه نبيه ~~إلى الخلق طرا فإنه يقول: {وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا} ~~[سبأ: 28]، يدعوهم ms101 إلى طاعته، وينهاهم عن معصيته؟ أم بعثه إلى بعض ولم ~~يبعثه إلى بعض؟ فإن قالوا: بعثه إلى الخلق(1) طرا، فقل: فماذا دعاهم إليه؟ ~~فإن قالوا: إلى الثبات على ما هم عليه من الكفر كفروا، وإن قالوا: دعاهم ~~إلى الإيمان، قيل لهم: فهل يقدرون على ذلك من الشأن؛ وقد جبلوا على قولكم ~~على الكفران؟! فإن قالوا: نعم؛ تركوا قولهم، وإن قالوا: لا؛ جهلوا ربهم ~~ونبيهم؛ إذ زعموا أن الله سبحانه بعث نبيه يدعو إلى الخير والهدى؛ من لا ~~يقدر على الاهتداء، ومن قد حال الله عز وجل بينه وبين التقى، وهذا فأفحش ~~أفعال الظلمة الجهال، وما لا يجوز في الله ذي الجلال؛ أن يحول بين عبده ~~وبين طاعته؛ ثم يرسل إليه ويأمره بمرضاته؛ وقد أخرجه منها وأدخله في ضدها، ~~تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. تم جواب مسألته. ### || المسألة السابعة والعشرون: # عن قول الله: {ولا يزالون مختلفين..} PageV01P432 ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم} [هود: 118]، فيقال ~~لهم: خبرونا عن هؤلاء الذين قال الله: {ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم}، هل يستطيعون أن يكونوا على غير ما وصفهم الله به؟ وأن يتركوا ~~ما خلقهم له؟ فإن قالوا: لا يستطيعون؛ فقد أجابوا وصدقوا، وإن قالوا: نعم، ~~هم يستطيعون أن يكونوا على غير ما خلقهم؛ فقد كذبوا وخالفوا، وإن زعموا أن ~~الله جل ثناؤه إنما خلق أهل الإيمان للرحمة، فنحن نقبل منكم ونصدقكم إن ~~زعمتم أن الله جل ثناؤه خلق خلقا من خلقه خصهم بالرحمة، فلا يستطيعون أن ~~يكونوا على غير ما خلقهم، لأنه قد استثنى لهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P433 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم}، فإنا نقول: إن معنى قوله: ~~{ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة}؛ هو إخبار عن ms102 قدرته، ونفاذ ما شاء من ~~إرادته، فأخبر سبحانه أنه لو شاء أن يجعلهم أمة واحدة لجعلهم قسرا، ~~ولأدخلهم في طاعته جبرا، ولكنه لم يرد قسرهم على ذلك، ولم يرد أن يدخلهم في ~~الطاعة كذلك؛ للحكمة النيرة، والحجة الباهرة؛ ليثيب على عملهم المثابين، ~~ويعاقب على اجترامهم المعاقبين، لا ما يقول به المبطلون، ويذهب إليه ~~الجاهلون؛ من أنه لم يرد من العاصين الطاعة، ولم يكره من الفجرة المعصية، ~~وأنه لو أراد ذلك منهم لفعلوه، ولو شاء أن يعبدوه لعبدوه، وقالوا على الله ~~عز وجل الأقاويل الردية، وضاهوا في ذلك قول الجاهلية؛ حين قالوا: {لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم} [الزخرف: 20]، فقال سبحانه يكذبهم فيما وهموا من أنه ~~يريد عبادة أحد دونه وأنه لا يشاء أن يعبدوه: {مالهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون* أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون} [الزخرف: 21]، ثم ~~أخبرنا بما به عبدوا من يعبدون، ومن به في ذلك يقتدون؛ فقال: {بل قالوا إنا ~~وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون} [الزخرف: 22]، ثم أخبر نبيه ~~صلى الله عليه وآله بقول من كان قبلهم؛ ممن أهلك بمثل قولهم؛ فقال: {كذلك ~~ما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا ~~على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23]. فكيف يقول الجهال، وأهل الغي والضلال: إن ~~الله سبحانه يشاء من عباده أولهم الكفر؟ وقد يسمعون في ذلك قوله، PageV01P434 ويرون ما نزل بإخوانهم على قولهم من نكير قولهم(1)، أو لم يسمعوا الله ~~سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه يقول: {إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى ~~لعباده الكفر} [الزمر: 7]؟ فقال: {إن تكفروا}، فأخبر بذلك أن الكفر فعل ~~منهم ولهم، إذ نسبه سبحانه إليهم، وذكره عنهم، ثم قال: {ولا يرضى لعباده ~~الكفر}، فأخبر أنه لا يرضى ما كان من كفرهم، فكيف يقول الجاهلون في ربهم؛ ~~إنه قضى بما لم يرض لهم عليهم؟! فأكذبوا في ذلك رب الأرباب، وعاندوه في كل ~~الأسباب، فقالوا: إنه رضي بما قال سبحانه إنه لم ms103 يرضه، وقالوا: إنه سخط ما ~~قال إنه رضيه، فعاندوه في ذلك عنادا، وجاهروه بالمكابرة جهارا. ففي هذا ~~والحمدلله من البيان، ما يكفي عن ذكر غيره من الحجج والبرهان. PageV01P435 # وأما قوله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: {ولا يزالون مختلفين إلا من ~~رحم ربك ولذلك خلقهم}، فإنا نقول في ذلك بالحق المبين، على رب السموات ~~والأرضين؛ فنقول: إن معنى قوله: {ولا يزالون مختلفين}، أي لا يزال أهل الحق ~~لأهل الباطل مخالفين، وعليهم في باطلهم وفسقهم منكرين، {ولذلك خلقهم} رب ~~العالمين، وبه أمرهم سبحانه أكرم الأكرمين، فخلق جميع خلقه ليعبدوه لا ~~ليعصوه، وأمرهم أن يطيعوه ولا يخالفوه، وأن يجاهدو الكافرين كافة أجمعين؛ ~~حتى يفيئوا إلى طاعة رب العالمين. فخلقهم سبحانه لما شاء من ذلك، وشاء ما ~~أمرهم به، وأمرهم بما خلقهم له من طاعته، ومجاهدة أعدائه والنصر لأوليائه، ~~فقال سبحانه في ذلك: {وقاتلوا المشركين كافة} [التوبة: 36]. وقال: {قاتلوا ~~الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين} ~~[التوبة: 123]، وقال: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ~~تلقون إليهم بالمودة} [الممتحنة: 1]، وقال: {لا تجد قوما يؤمنون بالله ~~واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو ~~إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم ~~جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب ~~الله ألا إن حزب الله هم المفلحون} [المجادلة: 22]، ففي كل ذلك يأمر ~~المحقين بمخالفة المبطلين(1)، وبالبراءة والعداوة للفاسقين(2) PageV01P436 الناكثين، وبالتحاب والتواصل والتبار والتواخي على الدين. ومن ذلك ما يقول ~~جل جلاله أكرم الأكرمين: {إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا ~~الله لعلكم ترحمون} [الحجرات: 10]. # وقد قيل في قوله: {ولذلك خلقهم}: إنه مردود على ما ذكر من الرحمة، وكل ~~ذلك والحمدلله فجائز أن يقال به على ذي الجلال والقدرة، لا ما يقول ~~الضالون: إن الله عز وجل خلقهم للضلال والاختلاف، وركب فيهم العداوة وقلة ~~الائتلاف. وكيف يكون ذلك والله يأمر بقتال ms104 من بغى، وظلم وتجاهل وأساء، حتى ~~يفيء إلى البر والتقوى؟ وذلك قوله تبارك وتعالى: {وإن طائفتان من المؤمنين ~~اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى ~~تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين} [الحجرات: 9]. ففي هذا والحمدلله من الدلالة على ما قلنا، ما ~~أجزى وكفى. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثامنة والعشرون: # عن قول الله: {إن الإنسان خلق هلوعا..} PageV01P437 ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قول الله سبحانه: {إن الإنسان خلق ~~هلوعا}؛ فقال: خبرونا عن قول الله: {إن الإنسان خلق هلوعا* إذا مسه الشر ~~جزوعا* وإذا مسه الخير منوعا}. ثم استثنى أيضا؟ فقال: {إلا المصلين* الذين ~~هم على صلاتهم دائمون} [المعارج: 1921]، فيقال لهم: ألا ترون أن الله عز ~~وجل قد صنفهم صنفين: فمنهم من خلقه هلوعا جزوعا، ومنهم من لم يخلقه كذلك، ~~فأخبرونا: هل يستطيع هذا الذي خلقه هلوعا جزوعا منوعا أن يكون على غير ما ~~خلقه الله عليه؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد زعموا أن الناس يقدرون على أن يبدلوا ~~خلق الله الذي خلقهم عليه، وإن قالوا: لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. تمت ~~مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه، وتوهم أنه قد تعلق في شيء منه بحجة له؛ من قول الله: ~~{إن الإنسان خلق هلوعا* إذا مسه الشر جزوعا* وإذا مسه الخير منوعا إلا ~~المصلين* الذين هم على صلاتهم دائمون}؛ فقال: إن الله عز وجل قد صنفهم ~~صنفين، وخلقهم خلقين، فجعل منهم هلعين جزعين، وآخرين صابرين. ثم قال: هل ~~يقدر من خلقه الله هلوعا جزوعا منوعا؛ أن يكون محسنا قويا صبورا؟ PageV01P438 # فقولنا في ذلك إن شاء الله بما هو الحق، لا قول غيرنا؛ فنقول: إن الله جل ~~ثناؤه لم يجبرهم على جزعهم(1)، ولا أنه خلق هلعهم، ولا جعل في ذوي الصبر ~~والإحسان صبرهم، وإنما أخبر سبحانه عن ضعف بنية الإنسان، وأنه لا يحتمل ما ~~اشتد وصعب من الشأن، فدل بذلك من ضعف بنية الآدميين، ومن قوة غيرهم من ms105 ~~المخلوقين، واختلاف طبائع المربوبين، من الجان والملائكة المقربين؛ على ~~قدرة رب العالمين، وخالق السموات والأرضين. فاخبر سبحانه أنه خلق خلقه ~~أطوارا مختلفة، وجعل البنية فيهم غير مؤتلفة، فكلف كل صنف منهم دون ما ~~يطيقه أضعفهم، فكلف الملائكة المقربين؛ ما لم يكلف الجان أجمعين، وكلف ~~الإنسان؛ دون ما يطيق من الشأن، فكانت بنية الملائكة وطاقتهم؛ خلاف بنية ~~الجان وحالتهم، وكانت بنية الجان واقتدارهم؛ خلاف بنية الإنس واستطاعتهم، ~~وكذلك افتراق كل ما خلق رب العالمين، فكل ما خلقه فهو على تركيب رب ~~العالمين ليس فيه تفاوت، كما قال تبارك وتعالى: {ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور * ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسئا وهو حسير} [الملك: 34]، وكذلك كل شيء خلقه الله سبحانه من الأشياء، ~~وذلك كله فدليل على قدرة الرب الأعلى، وخالق الأرضين والسموات العلى. فأخبر ~~الله سبحانه عن بنية الإنسان بالضعف والسخافة(2)، ولم يكلفه في ذلك إلا دون ~~الطاقة؛ فلذلك ما قال سبحانه: {إن الإنسان خلق هلوعا* إذا مسه الشر جزوعا* ~~وإذا مسه الخير منوعا}، يقول: جعل على بنية لا تطيق الأمر الشديد، فهو ~~يهلع، ومن كل فادح يجزع. ثم قال: {إلا المصلين}، فأخبر أن من كان لله مطيعا ~~من المؤمنين؛ أصبر عند المحنة من الفاسقين، وأن المحنة لا يطيقها، ولا يقوم ~~من الناس PageV01P439 لها؛ إلا ذووا الإصطبار من عباده الصالحين. ثم أمر سبحانه نبيه والمؤمنين ~~بالصبر؛ فقال: {واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور} [لقمان: 17]. ~~وقال: {يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم ~~تفلحون} [آل عمران: 200]، فأمرهم بالصبر، وحضهم عليه في كل أمر، ونهى من ~~يطيق ويحتمل عن الوهن والعجز. فقال: {ولا تهنوا ولا تحزنوا} [آل عمران: ~~139]، وقال: {فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن ~~يتركم أعمالكم} [محمد: 35]. # ولو كان خلق الوهن وما كان من أفعالهم؛ لما كان جزع ولا هلع ولا صبر ولا ~~عدد(1) من أعمالهم، بل كان عمله سبحانه لا عملهم، وفعله ms106 كل ذلك لا فعلهم، ~~ولو كان ذلك فعل الرحمن؛ لما أثاب على صبره الإنسان. PageV01P440 # ألا تسمع كيف يقول ذو الجلال والقدرة والطول: {بلى إن تصبروا وتتقوا ~~ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين} [آل ~~عمران: 125]؟ وقال سبحانه: {والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات ~~والمتصدقين والمتصدقات والصائمين والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات ~~والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما} [الأحزاب: ~~35]، فضمن للصابرين على الجهاد النصر، وللعاملين المؤدين للفريضة المغفرة ~~والأجر. وقال سبحانه يحكي عن رسوله صلى الله عليه وآله ما قال لأبي بكر؛ إذ ~~هما في الغار من المشركين مختفيان؛ إذ هلع أبو بكر وحزن وجزع؛ فقال صلى ~~الله عليه وآله: {لا تحزن إن الله معنا} [التوبة: 40]، فنهاه عن الحزن، ولو ~~كان الهلع والحزن والجزع تركيبا في الإنسان؛ من الله الواحد ذي السلطان؛ ~~لما أمره الرسول صلى الله عليه وآله بتركه، ولما قدر على رفض ما كان فيه من ~~ربه؛ ولكان من هلع وجزع، عند الله كمن أطاع وصبر وسمع، إذ هما من الله فعل ~~في العالمين، وهم إن كان ذلك لله طرا مطيعون؛ إذ هم في كل ما صرفوا ~~متصرفون، ولو كان ذلك فعلا من الله فيهم، وكان على ذلك خلقهم؛ لم يلمهم، ~~ولم يعاقبهم على الجزع والجبن والإنهزام وتولية الأدبار؛ عند لقاء الفسقة ~~الأشرار، وذلك قوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا ~~تولوهم الأدبار* ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة ~~فقد باء بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير} [الأنفال: 16]، فكيف يوجب ~~الغضب عليهم، ويجعل النار PageV01P441 مأواهم؛ على فعل ما(1) عليه خلقهم وسواهم!؟ تعالى الله عن ذلك، وتقدس أن ~~يكون كذلك، بل ذلك فعل منهم، ولذلك رجع وباله عليهم، فمن كان لله مريدا صبر ~~عند المحنة، ومن كان عنه بعيدا هلع، وعند النوازل جزع، وإنما يكون ذلك على ~~قدر اليقين، والتسليم لله من المؤمنين. # ومن ذلك يوم حنين، حين انهزم المسلمون وجزعوا، وثبت مع رسول الله ms107 صلى ~~الله عليه وآله الذين ثبتوا(2)، ثم ناداهم الرسول فرجعوا. أفيقول الحسن بن ~~محمد: إن الله سبحانه خلقهم جزعا، فانهزموا لما خلقهم عليه من الجزع، ثم ~~ناداهم الرسول فاستحيوا منه فكروا، وعن خلق الله الذي خلقهم عليه غيروا، ~~فتركوا ما ركب الله فيهم من الجزع والجبن!؟ أم يقول: إن الله عز وجل خلقهم ~~في أول الأمر جزعا هلعا، ثم نقل خلقهم آخرا فجعلهم صبرا!؟ لقد ضل إذا ضلالا ~~بعيدا، وخسر خسرانا مبينا، بل ذلك منهم كله أوله وآخره، ولذلك أثيبوا على ~~الرجوع، ولو لم يرجعوا لعوقبوا على الذهاب والشسوع، فليفرق من عقل بين ما ~~أخبر الله سبحانه عنه، وبين ما فعله وجعله، فبينهما ولله الحمد فرق عند ذوي ~~العقول عظيم، وأمر واضح في اللسان بين جسيم. تم جواب مسألته. ### || المسألة التاسعة والعشرون: # عن الصم البكم، هل يستطيعون أن يقبلوا الهدى؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه حين يقول للمؤمنين: {ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون* إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون} [الأنفال: 21]، هل كان هؤلاء الذين ذكر يستطيعون أن يقبلوا ~~الهدى وأن يسمعوا المنفعة في دينهم؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا وجحدوا، وإن ~~قالوا: لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P442 وأما ما سأل عنه من قول الله: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون}، فتوهم أنهم كانوا لا يسمعون لصمم جعله الله سبحانه في آذانهم، أو ~~لسبب جعله حاجزا بين الهدى وبينهم، وليس ذلك والحمدلله كذلك، ولو كان الله ~~فعل ذلك بهم لما عاب صممهم، ولكان(1) أعذر لهم من أنفسهم، ولما بعث إليهم ~~المرسلين، ولا أمرهم باتباع المهتدين، وإنما أراد الله سبحانه بذلك حض ~~المؤمنين؛ على الطاعة لرب العالمين، والاستماع لسيد المرسلين، فقال ~~للمؤمنين: {ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون}، يقول: لا تكونوا ~~كالذين قالوا أطعنا بألسنتهم؛ وهم كاذبون في قلوبهم، بل قلوبهم منكرة لذلك ~~جاحدة له، يدارون(2) بالقول، خوفا من المؤمنين والرسول، ويكفرون من ورائه ~~بكل ms108 الدين والتنزيل، وهم الذين قال فيهم الرحمن الجليل: {وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن} ~~[البقرة: 14]، وقال: {يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم} [الفتح: 11]، وهم ~~الذين قال الله فيهم؛ من منافقي قريش والأعراب وغيرهم: {إذا جاءك المنافقون ~~قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين ~~لكاذبون} [المنافقون: 1]، فنهى المؤمنين عن مشابهة المنافقين، ولم يكن قوله ~~ما قال إخبارا منه بتركيب ماذمه منهم فيهم، ولو كان الله سبحانه فعله فيهم؛ ~~لما نهى المؤمنين عن ذلك إذ هو فعله لا فعلهم، فكيف ينهاهم عن أن يفعلوا ~~فعله؟ ولو جاز أن ينهاهم عن فعل ما فعله فيهم؛ لكانوا مقتدرين على أن ~~يفعلوا كفعله (ولو كانوا مقتدرين على أن يفعلوا كفعله)(3) PageV01P443 ، إذا لخلقوا كخلقه، ولو خلقوا كخلقه؛ لامتنعوا بلا شك مما يكرهون من ~~أفعاله، من موتهم وابتلائه إياهم بما يبتليهم به، ولتزيدوا(1) فيما آتاهم ~~مما يحبونه، فتعالى من هو على خلاف ذلك، والمتقدس عن أن يكون كذلك. # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {إن شر الدوآب عند الله الصم البكم ~~الذين لا يعقلون}، فقال: هل كان هؤلاء يقدرون على أن يقبلوا الهدى؟ أو أن ~~يسمعوا ما يدلون عليه من التقوى؟ فصدق الله سبحانه: {إن شر الدوآب عند الله ~~الصم البكم الذين لا يعقلون}(2)[الأنفال: 22].يقول: الذين لا يهتدون إن ~~هدوا، ولا يقبلون الحق إن دعوا، ولا ينتهون إذا نهوا، فضرب الله لهم ذلك ~~مثلا إذ كانوا في الضلال على هذه الحال، وهم في ذلك لقبول الحق ~~مطيقون(3)،وعلى اتباع الصدق مقتدرون، فلما أن تركوا ذلك شبههم الله بالصم ~~البكم الذين لا يعقلون؛ إذ تركوا فعل ما كانوا يطيقون. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثلاثون: # عن قول الله في المنافقين {ذهب الله بنورهم..} # ثم أتبع ذلك المسالة عما ضرب الله عز وجل للمنافقين عن المثل في قوله: ~~{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات ms109 لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون} [البقرة: 18]، فيقول: الا ~~يرون أن الله هو الذي ذهب بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون؟ فأخبرونا هل ~~كان هؤلاء يستطيعون سماع الهدى، وقد وصفهم الله سبحانه بالصمم؟ وهل كان لهم ~~أن يقبلوا الهدى؛ وقد وصفهم بالعمى؟ وهل كانوا ينتفعون بنور الهدى وقد ذهب ~~الله به؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا بكتاب الله وجحدوا بآياته، وإن قالوا: ~~لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P444 وأما ما سأل عنه من قول الله في المنافقين، وما ضرب لهم من المثل في قوله: ~~{مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون * صم بكم عمي فهم لا يرجعون}، فقال: ضرب مثلهم؛ ثم جهل ~~فقال: خلقهم وكفرهم، فرجع عن الحق الذي نطق به في أول كلامه حين يقول: ضرب ~~مثلا، ثم قال: هل يستطيعون سماع الهدى، وقد وصفهم الله جل ثناؤه بالصمم ~~والعمى؟ PageV01P445 # فقولنا في ذلك: إن الله جل وعلا لم يخلقهم كذلك، ولم يجعلهم عميا، ولا عن ~~سماع الخير والتقى صما، وأن الله تبارك وتعالى ضرب لهم هذا مثلا؛ فقال ~~سبحانه: إن هؤلاء الذين أتاهم الهدى، وكشف لهم عن الحق الغطاء؛ فأنار ~~لديهم، وثبت في صدورهم، وأيقنوا أنه من عند خالقهم، فكفروا بربهم، وخالفوا ~~أمر نبيهم، وآثروا ظلمتهم(1) على ما أضاء من الحق لهم، فتركهم الله وخذلهم، ~~ومثلهم؛ إذ تركواا تركوا حظهم، وما أنار من الحق عندهم؛ بمن استوقد نارا ~~فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم، فكان الذي شبهه بضوء النار هو الهدى ~~الذي أخرجه الله لهم، وامتن به عليهم؛ فتركوه ولم يتبعوه، ولم يستضيئوا ~~بنوره وناصبوه وعاندوه، لا ما يقول الحسن بن محمد أن الله سبحانه فعل ذلك ~~بهم، وجعلهم(2) عن استماع الحق صما وعميا، وعن قبول الصدق حاجزا، فجهل ~~الفرق بين المثل والفعل، وكيف يجعلهم الله كذلك، ويخلقهم على ذلك، ثم يرسل ~~إليهم نبيه يدعوهم إلى الهدى، ويخرجهم من الحيرة والعمى؛ وهم عن الخروج ms110 ~~ممنوعون، وعن الدخول في الحق مصروفون؟ فالله سبحانه إذا أرسله يدعوهم إلى ~~الخروج عما فيه أدخلهم، وعليه جل وعز عن ذلك حملهم(3)، فنسبوا في ذلك إلى ~~الله الاستهزاء، واللعب والإعماء(4)، والجهالة والخطأ، والظلم لعباده، ~~والفساد(5) في بلاده. # كذب القائلون على الله بذلك، وضلوا ضلالا بعيدا. تم جواب مسألته. ### || المسألة الحادية والثلاثون: # عن قوله تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} PageV01P446 ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله في الإملاء: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما ~~نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178]، فقال: ~~خبرونا عن قول الله: {ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم ~~إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين}، فقال: أخبرونا عن هؤلاء، ~~ألله أراد بهم في إملائه لهم ليزدادوا إثما، كما قال؟ فإن قالوا: نعم؛ نقض ~~ذلك(1) قولهم، وإن قالوا: لا؛ كذبوا. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من قول الله جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: {ولا ~~يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين}، فقال: إن الله أملى لهم ليزدادوا في الكفر والاجتراء ~~عليه، وليس ذلك كما قال، بل قوله أحول المحال، وسنشرح ذلك والقوة بالله ~~ونفسره، ونذكر ما أراد الله إن شاء الله به، فنقول: إن معنى إملائه لهم هو؛ ~~لأن لا يزدادوا إثما وليتوبوا ويرجعوا، ومن وسن ضلالتهم ينتبهوا(2)، لا ما ~~يقول أهل الجهالة؛ ممن تحير وتكمه في الضلالة: إن الله املى لهم كي يزدادوا ~~إثما، وضلالة واجتراء، وكيف يملي لهم كذلك؛ وقد نهاهم عن يسير ذلك؛ فقال: ~~{يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم} [الحجرات: ~~12]، فنهاهم عن يسير الإثم وقليله، فكيف يملي لهم ليزدادوا من عظيمه ~~وكثيره؟ PageV01P447 # فأما قوله: {ليزدادوا إثما}؛ فإنما أراد سبحانه لأن لا يزدادوا إثما؛ فطرح ~~(( لا )) وهو يريدها؛ فخرج لفظ الكلام لفظ إخبار ومعناه معنى نفي، والعرب ~~تطرحها وهي تريدها، وتثبتها وهي لا تريدها، قال الله سبحانه: ms111 {لئلا يعلم ~~أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 19]، فقال: (( لئلا ))؛ فأثبت (( لا ~~)) وهو لا يريدها، فخرج لفظ الكلام لفظ إيجاب، ومعناه معنى نفي، أراد الله ~~سبحانه ليعلم أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله، وهذا فموجود في ~~أشعارهم، مثبت في أخبارهم. # قال الشاعر: # نزلتم منزل الأضياف منا...فعجلنا القرى أن تشتمونا # فقال: فعجلنا القرى أن تشتمونا، وإنما معناه: فعجلنا القرى لأن لا ~~تشتمونا، فطرح (( لا )) وهو يريدها، فخرج لفظ الكلام بخلاف معناه. # وقال أخر: # ما زال ذو الخيرات(1) لا يقول... ويصدق القول ولا يحول # فقال: لا يقول، فأتى ب(( لا )) وهو لا يريدها، وإنما معناها: ما زال ذو ~~الخيرات يقول، فخرج اللفظ خلاف المعنى. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثانية والثلاثون: # عن من أغفل الله قلبه، هل أراد الله أن يطيعه؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل في الإغفال: {ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا} [الكهف: 28]، فقال: أخبرونا عن ~~هذا الذي أغفل الله قلبه عن ذكره، هل أراد الله أن يطيعه؟ فإن قالوا: نعم، ~~فقد كذبوا وجحدوا، وإن قالوا: لا، فقد نقض ذلك(2) قولهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P448 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا}، ~~فقال: خبرونا عن هذا الذي أغفل الله قلبه عن ذكره، هل أراد الله أن يطيعه؟ ~~فتوهم ويحه وغوله؛ إن لم يتب من الله وويله ، أن الله تبارك وتعالى أدخله ~~في الغفلة، وحال بينه بذلك وبين الطاعة، فليس كما توهم، ألا يسمع إلى قول ~~الله عز وجل: {واتبع هواه وكان أمره فرطا}؟ فأخبر سبحانه أنه متبع في ذلك ~~لهواه، ضال عن رشده تارك لهداه، ولو كان ذلك من الله لم يكن العبد متبعا ~~لنفسه هواء، بل كان داخلا لله فيما شاء وارتضى. # وسنفسر معنى الآية إن شاء الله، والقوة بالله وله، فنقول: إن الله ms112 تبارك ~~وتعالى نهى نبيه عن طاعة من أغفل قلبه ممن آثر هواه على هداه. # وأما معنى ما ذكر الله سبحانه من الإغفال؛ فقد يخرج على معنيين والحمد ~~لله شافيين كافيين: # أحدهما: الخذلان من الله، والترك لمن اتبع هواه، وآثره على طاعة مولاه، ~~فلما أن عصى، وضل وغوى، وترك ما دل عليه من الهدى؛ استوجب من الله الخذلان، ~~لما كان منه من الضلال والكفران، فغفل وضل وجهل؛ إذ لم يكن معه من الله ~~توفيق ولا ارشاد، فتسربل سربال(1) الغي والفساد. # وأما المعنى الآخر: فبين في لسان العرب موجود، معروف عند كلها محدود، وهو ~~أن يكون معنى قوله: {أغفلنا قلبه عن ذكرنا} أي تركناه من ذكرنا، والذكر فهو ~~التذكرة من الله والتنبيه والتسديد، والتعريف والهداية إلى الخير والتوفيق، ~~فيقول سبحانه: تركنا قلبه من تذكيرنا وعوننا وهدايتنا، بما أصر(2) عليه من ~~الإشراك بنا والاجتراء علينا، تقول العرب: يا فلان أغفلت فلانا، ويقول ~~القائل: لا تغفلني، أي تتركني، وتقول العرب: قم مني، أي قم عني، فتخلف بعض ~~حروف الصفات ببعض، وتقيم بعضها مقام بعض. PageV01P449 # قال الشاعر(1): # شربن بماء البحر ثم ترفعت...لدى لجج خضر لهن نئيج # فقال: لدى لجج، وإنما يريد: على لجج، فذكر السحاب ونشطها(2) وشربها من ~~البحار، واستقلالها بما فيها من الأمطار. وقال آخر: # أغفلت تغلب من معروفك الكاسي(3)... فخلت قلبك منهم مغضبا قاسي # (فقال: أغفلت تغلب من معروفك، أي تركتها من عطائك ونوالك، ومنتك وإفضالك، ~~ثم قال: فخلت قلبك منهم مغضبا قاسي) (4)، فقال: منهم، وإنما يريد: عليهم ~~مغضبا، فأقام حرف الصفة وهو(( من ))؛ مقام أختها وهي (( على ))، فأقام (( ~~منهم )) مقام (( عليهم ))، فهذا معنى الآية إن شاء الله ومخرجها، لا ما ~~توهم الجهال، على ذي المعالي والجلال؛ من الجبر لعباده والإضلال، والظلم ~~والتجبر(5) بالأغفال. تم جواب مسألته. ### || المسألة الثالثة والثلاثون: # عن قول الله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله في الأز(6)، فقال: خبرونا عن قول الله ~~سبحانه: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ms113 الكافرين تؤزهم أزا} [مريم: 83]، ~~فيقال لهم: هل أراد الله سبحانه أن يؤمن هؤلاء الذين أرسل عليهم الشياطين؟ ~~فإن قالوا: نعم؛ فقد كفروا(7) وجحدوا، وإن قالوا: لا؛ فقد نقض ذلك قولهم. ~~تمت مسألته. # جوابها PageV01P450 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه: {ألم تر أنا ~~أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا}، فقال: هل أراد الله من هؤلاء ~~الذين أرسل عليهم الشياطين تؤزهم أن يكونوا به من المؤمنين؟ وبما أنزل عز ~~وجل من المصدقين؟ وقد أرسل عليهم مردة الشياطين؟ فتوهم بجهله أن الله ~~أرسل الشياطين على الآدميين إرسالا، وجبرهم على تحييرهم وتضليلهم جبرا، ~~وأدخل الشياطين في إغوائهم قسرا، ليضلوهم عن الهدى، ويوقعوهم في الردى، وأن ~~ذلك كان من الله للشياطين أمرا وقضاء؛ قضى به عليهم(1) قسرا، وليس ذلك ~~بحمدالله كما قال، ولا على ما ذهب إليه من فاحش المقال، وكيف يرسل الشياطين ~~على عباده إرسالا، ويدخلها في الإغواء لهم إدخالا، ثم يعذبها عليه، ~~ويعاقبها فيه؟! ألا تسمع كيف يقول سبحانه: {لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم ~~أجمعين} [ص: 85]، فلم إن كان أرسله(2) عليهم إذا يعاقبه(3) على ما صنع ~~فيهم؟ بل هو على غير ما يقول في الرحمن؛ أهل الضلالة والطغيان. PageV01P451 # ثم نقول من بعد ذلك: إن معنى قوله سبحانه: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم}، هو: خلينا، ولم نحل بين أحد من بعد أن أمرنا ونهينا. وليس ~~إرساله للشياطين؛ إلا كإرساله للآدميين، فكل قد أمره بطاعته، ونهاه عن ~~معصيته، وجعل فيه ما يعبده به من استطاعته، ثم بصرهم وهداهم، ولم يحل بين ~~أحد وبين العمل، فمن عمل بالطاعة أثابه، ومن عمل بالمعصية عاقبه، ولم يخرج ~~أحدا من معصيته جبرا، ولم يدخله في طاعته قسرا، فكان ما أعطى من أعطى من ~~الجن والإنس(1) من الاستطاعات، وترك قسرهم على الطاعات؛ إرسالا وتخلية منه ~~لهم في الحالات، لا ما يقول به أهل الجهالات: {ليهلك من هلك عن بينة ويحيى ~~من حي عن بينة وإن الله لسميع عليم} [الأنفال: ms114 42]، فلما خذل الكافرين ~~بكفرهم، ولعنهم بجرأتهم(2)، وتبرأ منهم بعصيانهم؛ غريت(3) بهم الشياطين، ~~وسولت لهم وأملت، فاتبعوها ولم يعصوها ويبعدوها(4)، ولم يتذكروا عندما يطيف ~~بهم طائف الشيطان بل تكمهوا، وغووا وعموا، ولم يكونوا في ذلك عنده كالذين ~~اتقوا؛ فيفعلوا عند إلمام الشيطان بهم كما فعلوا. قال الله سبحانه: {إن ~~الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون} [الأعراف: ~~201]، يقول سبحانه: ذكروا ما نهاهم الله عنه من طاعته، وأمرهم به من ~~مخالفته واتخاذه عدوا؛ حين يقول: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما ~~يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير} [فاطر: 6]، فلما أن طاف بالمؤمنين، ~~ودعاهم إلى ما أجابه إليه من الكفر بالله الفاسقون؛ ذكروا الله، PageV01P452 وتذكروا أمره ونهيه، وما أمرهم به من طاعته، وحذرهم من معصيته، فأبصروا ~~الحق واجتنبوا اللعين(1) وعصوه، وفيما دعاهم إليه من العصيان خالفوه. ألا ~~تسمع كيف أثنى عليهم بذلك ربهم، وذكر عنهم سيدهم وخالقهم؛ حين يقول: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان} [الحجر: 42]، يقول سبحانه: إن عبادي المؤمنين، ~~وأوليائي المتقين؛ لا يجعلون لك عليهم سلطانا، ولا يطيعونك فيما تأمرهم به ~~من العصيان، بل يحترسون منك بطاعة الرحمن، وتلاوة القرآن، ويخالفونك(2) ~~صاغرا في كل شأن، فلا يجري (ولا يجوز) (3) لك عليهم سلطان، وليس تخليته ~~للشياطين؛ إلا كإذنه للساحرين؛ حين يقول: {وما هم بضآرين به من أحد إلا ~~بإذن الله}، فإذنه في ذلك تخليته، وترك الصرف لهم جبرا عن معصيته، والإدخال ~~لهم جبرا في طاعته. تم جواب مسألته. ### || المسألة الرابعة والثلاثون: # عن فرعون، هل كان يستطيع أن يقتل موسى حتى لا يرده الله إلى أمه؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه في موسى، وما وعد أمه أن يرده ~~إليها ويجعله من المرسلين؛ فقال خبرونا عن قول الله سبحانه: {وأوحينا إلى ~~أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا ~~رآدوه إليك وجاعلوه من المرسلين} [طه: 39]، هل كان فرعون يستطيع أن يقتل ~~موسى(4) حتى لا يرده الله إلى أمه، ولا ms115 يجعله من المرسلين؟ فإن قالوا: نعم، ~~كذبوا وجحدوا، وإن قالوا: لا، فقد نقض ذلك قولهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P453 وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل في موسى: {وأوحينا إلى أم موسى أن ~~أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين}، فقال: هل كان يستطيع فرعون أن يقتل موسى حتى لا يرده ~~الله إلى أمه ولا يجعله من المرسلين؟ فقال: إن الله أخرج فرعون من أكبر ~~المعاصي بعد الشرك به من قتله نبيه إخراجا، ومنعه من معصيته منعا، وقسره ~~على الخروج قسرا، ولو جاز أن يخرج عدوه من معاصيه قسرا؛ لكان قد أدخله في ~~ضدها من الطاعة جبرا، ولو كان يخرج العاصين؛ من المعاصي رب العالمين؛ لكان ~~عباده المؤمنون أولى بذلك، ولو أخرج عباده ومنعهم من معاصيه قسرا؛ لأدخلهم ~~في طاعته جبرا، ولو فعل ذلك بهم؛ لسقط معنى الأمر والنهي، ولكان(1) العامل ~~دونهم، الفاعل لأفعالهم، تعالى الله عن ذلك، لم يطع سبحانه مكرها، ولم يعص ~~جل جلاله مغلوبا. PageV01P454 # بل نقول في ذلك بالحق إن شاء الله؛ فنقول : إن الله لما أن علم أنه إذا ~~ألقى على موسى صلى الله عليه من المحبة التي ذكر أنه ألقاها عليه في قوله: ~~{وألقيت عليك محبة مني} [القصص: 7]، فلما القى عليه المحبة أحبته لذلك ~~امرأة فرعون، فسألت فرعون تركه؛ عندما هم به من قتله، حين تبين له ما كان ~~من فعله في صغره، فتركه لها، وصفح عنه لحب محبتها. واتباع سارها؛ فكان ذلك ~~نجاة لموسى مما هم به فيه فرعون، الكافر الملعون، فلما أن علم الله سبحانه ~~أن ذلك سيكون من اختيار فرعون، وأنه سيختار إجابة امرأته إلى ما طلبت من ~~ترك قتل نجي الله، حكم عليه بما علم من صيور أمره، فكان ما ألقى عليه من ~~المحبة منه سبحانه سببا لنجاته، فنجاه الله من فرعون، ورده(1) إلى أمه كي ~~تقر عينها ولا تحزن. فأخبر الله في ذلك ووعدها ما وعدها؛ لعلمه بما سيكون؛ ms116 ~~من امرأة فرعون؛ وطلبها في موسى، وإجابة فرعون لها، كما أخبر عما يكون يوم ~~الدين. فهذا معنى ما ذكر الله من ذلك إن شاء الله، لا ما قال الفاسقون، ~~وذهب إليه الضالون. تم جواب مسألته. ### || المسألة الخامسة والثلاثون: # عن قول الله: {وكذلك حقت كلمة ربك..}، وهل كان بنو آدم يستطيعون أن ~~يطيعوا الله جميعا؟ PageV01P455 # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار} [غافر: 6]، وقوله: {وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين} [هود:119]، وقوله: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها} ~~[السجدة: 13]، فقال أخبرونا عن بني آدم كلهم؛ هل كانوا يستطيعون أن يطيعوا ~~الله جميعا فلا يعصوه؟، ويعبدوه كلهم حتى لا يعبدوا غيره؟ فيوجب لهم الجنة ~~ويحرم عليهم النار فلا يدخلها أحد منهم؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا بكتاب ~~الله، وزعموا أنهم يقدرون على أن يبطلوا قول الله، تبارك وتعالى عن ذلك، ~~وإن قالوا: لا، لم يكونوا يستطيعون أن يطيعوا ولا يعبدوا، كان ذلك نقضا ~~لقولهم، وإبطالا لحجتهم. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {وكذلك حقت كلمة ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار}، فقال: خبرونا (عن قول الله: {وكذلك حقت كلمة ربك ~~على الذين كفروا أنهم أصحاب النار}، فقال) (1)، هل يستطيع هؤلاء أن يطيعوا، ~~وقد حق عليهم من الله القول والأمر، ووقع الحكم والخبر؟ فتوهم الحسن بن ~~محمد لقلة علمه(2) وكثرة جهله أن الله تبارك وتعالى حكم عليهم بما أدخلهم ~~فيه وجبلهم عليه، فظلم نفسه وكفر بربه(3). # وليس ذلك على ما قال، ولا على ما ذهب إليه من المحال، وسنفسر ذلك من قول ~~الله تبارك وتعالى فنقول: إن الكلمة التي حقت هي: حكمه على من كفر من الخلق ~~بالنيران، من الجنة والإنسان، فإن الله تبارك وتعالى علم بما سيكون منهم من ~~العصيان والإحسان، فأوجب للمحسنين الثواب، وعلى المذنبين(4) العقاب. PageV01P456 # فأما ما سأل عنه من قوله: هل كانوا يستطيعون أن يطيعوا الله جميعا فلا ~~يعصوه؟ ms117 فكذلك نقول: إنهم كانوا يستطيعون طاعته، كما يطيقون(1) معصيته، ~~ولكنهم افترقت بهم الأهواء، فمنهم من اختار الإيمان والتقوى، ومنهم من ~~اختار الضلالة والعمى، والله تبارك وتعالى إنما حكم بالنيران؛ على من اختار ~~من الثقلين العصيان، وكره ما أنزل الرحمن. فعلم الله وقع على اختيارهم، وما ~~يكون من أفعالهم، ولم يدخلهم في صغيرة، ولم يخرجهم من كبيرة، ولو علم أنه ~~إذا دعاهم، وبصرهم وهداهم؛ أجابوه بأسرهم، وأطاعوه في كل أمرهم؛ إذا لأخبر ~~بذلك عنهم، كما أخبر به عن بعضهم، وكذلك لو علم أنهم يختارون بأجمعهم ~~المعصية؛ لحكم بالنار عليهم كلهم، كما حكم على الذين كفروا منهم. # وأما قوله سبحانه: {ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين} فكذلك الله سبحانه، لو شاء أن يجبر ~~العباد على طاعته جبرا، ويخرجهم من معصيته قسرا؛ لفعل ذلك بهم، (ولو فعل ~~ذلك بهم) (2)، وحكم به عليهم؛ لم يكن ليوجد عقابا، ولا ليخلق ثوابا، ولكان ~~الناس كلهم مصروفين لا متصرفين، ومفعولا بهم لا فاعلين، ولكنه سبحانه أراد ~~أن لا يثيب ولا يعاقب إلا عاملا(3)، متخيرا مميزا، فأمر العباد ونهاهم، ~~وبصرهم وهداهم، وجعل فيهم استطاعات؛ ينالون بها المعاصي والطاعات، ليطيع ~~المطيع فيستأهل بعمله وتخيره(4) الثواب، ويعصى العاصي فيستوجب باكتسابه ~~العقاب. PageV01P457 # فأما قوله: {ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين}، فهو: ~~وجب وحق الحكم مني بما حكمت به، ومضى ووقع على(1) ما جعلته؛ من عقاب ~~المذنبين، وثواب المحسنين؛ من الجنة والناس أجمعين. فهذا معنى قوله سبحانه ~~لا ما قال المبطلون، ونسب إليه سبحانه الجاهلون؛ من ظلم العباد، والإدخال ~~لهم في الفساد. تم جواب مسألته. ### || المسألة السادسة والثلاثون: # عن الطاعة والإيمان، هل هما مما خص الله به بعض خلقه دون بعض؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 21]، فيقال لهم: ألستم تقرون ~~أنه قد فضل بعض خلقه على بعض في الدنيا والآخرة، وخص بذلك بعض ms118 خلقه دون ~~بعض؟ فإن قالوا: نعم؛ انتقض قولهم، و[ثبت] أن الطاعة والإيمان مما فضل الله ~~به [بعض] عباده، وخصهم به من رحمته، وإن قالوا: لا؛ فقد جحدوا بآيات الله ~~وكذبوا كتابه. تمت مسألته. # جوابها PageV01P458 وأما ما سأل عنه من قول الله جل جلاله: {انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا} [الإسراء: 21]، فقال: إن الله سبحانه فضل ~~قوما بأن أدخلهم في الإيمان؛ على قوم أدخلهم في الكفر والعصيان، فضل بذلك ~~وغوي، وهلك عند الله وشقي، ونسب إلىالله سبحانه من ذلك الجور والردى، ~~فتعالى وتقدس عن ذلك ربنا. وليس كما قال الجهال؛ من أهل السفاهة والضلال، ~~بل هو كما قال ذو الجلال؛ حين يقول: {يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور} [الشورى: 49]، وكما قال سبحانه لنبيه عليه السلام: {ولا تمدن عينيك ~~إلى ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا} [طه: 131]، ففضل بعضهم ~~على بعض بما وهب من الذكور، وبما يجعل ويوسع به من الأرزاق، ويمن به ويتفضل ~~على من يشاء من الأرفاق، وما يرزق من يشاء من الحسن والجمال، والمنطق ~~والتمام والكمال، فكم قد رأينا، وفهمنا وعاينا؛ من مولود يولد أعمى، وآخر ~~يكون ذا زيادة ونقصان، وآخر سوي غير زائد ولا ناقص، قد تمت عليه من الله ~~النعماء، وصرفت عنه وعن والديه فيه البلوى. فهذا وما كان مثله مما فضل الله ~~به بعضا على بعض؛ مما ليس فيه على الله حجة، يفعل من ذلك ما يشاء سبحانه ذو ~~الجلال والحكمة، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. PageV01P459 # وأما قوله: {وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا}، يقول: إن عطاءنا وامتناننا، ~~ومجازاتنا لأهل طاعتنا؛ في معادهم وآخرتهم على أعمالهم؛ أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا، على اجتهادهم في مرضاتنا، فمن كثر عمله بالخير كان عند الله في ~~الآخرة أكبر درجات ممن نقص عمله، وذلك قوله سبحانه: {من جاء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون} [الأنعام: ~~160]. تم جواب مسألته. ### || المسألة السابعة والثلاثون: # عن الطاعة والإيمان، ms119 هل هما مما خص الله به بعض خلقه دون بعض؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله تبارك وتعالى لإبليس: {إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين} [الحجر: 42]، وقال: {فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم* إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون* إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون} ~~[النحل: 99]، وقال إبليس: {لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم المخلصين} ~~[الحجر:39]، فقال(1): أخبرونا عن هذا السلطان، ما هو؟ فإن قالوا: هو ~~التخييل، فقل: فما أكثر ما لقي منه المؤمنون(2) وأطفالهم، وإن قالوا: هو ~~الدعاء. فقل: فهذا ما لا يدعو (3) به المؤمن والكافر والخلق كلهم، حتى عرض ~~للأنبياء فدعاهم والتمس فتنتهم، فدعاهم كلهم إلى المعصية، وإن قالوا: هو ~~التضليل، ولن يصل بذلك إلى عباد الله المؤمنين، لأن الله عصمهم، وهو الوكيل ~~عليهم؛ فقد أجابوا، ونقض ذلك قولهم. تمت مسألته. # جوابها PageV01P460 وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل لإبليس: {إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين}، ومن قوله: {إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون* إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون}. ~~وعن قول إبليس حين قال: {فبعزتك لأغوينهم أجمعين* إلا عبادك منهم ~~المخلصين}، فقال: ما هذا السلطان الذي ليس للشيطان على المؤمنين؟ فتوهم ~~لجهله، وسوء نظره وعلمه، أن الله تبارك وتعالى حال بين إبليس وبين بعض ~~العباد حولا، ومنعه من الوسوسة لهم منعا، وقسرهم عنه قسرا، وليس ذلك كما ~~قال، ألا تسمع ما ذكر الله عن آدم وزوجه، وكيف كانت وسوسته لهما حتى ~~أوقعهما فيه. وكذلك (اعترض لعيسى بن مريم حتى دحره، ولم يطمعه في شيء مما ~~ذكره، ولغيرهما من الأنبياء) (1) والمؤمنين، فلو منعه الله من أحد من ~~المؤمنين منعا، وقسره عن الوسوسة له قسرا، لكان ذلك لأبيهم آدم صلى الله ~~عليه، ولكنه سبحانه منعه من ذلك بالنهي له، والزجر عما هو عليه من إغوائه، ~~وعاقبه عليه، وأعد له النار والعذاب ms120 فيه، فقال: {لأملأن جهنم من الجنة ~~والناس أجمعين} [هود:119]. PageV01P461 # فأما السلطان الذي ذكر الله عز وجل أنه ليس له على المؤمنين؛ في قوله: {إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين}؛ فهو ما علم من ~~المؤمنين من طرده ودحره، وترك طاعته في وسوسته وأمره، وأنهم لا يجعلون له ~~عليهم سلطانا بشيء من الطاعة له من العصيان(1) لربهم، وأنهم لا يزالون ~~مؤثرين(2) لطاعة الرحمن، محترسين من الشيطان بتلاوة القرآن، والاعتصام بذي ~~الجلال المنان، فهم أبدا لله مراقبون، وفي طاعته ساعون، وللشيطان اللعين ~~معادون، كما أمرهم ربهم حين يقول: {إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه ~~عدوا}[فاطر:6]، وفي كل ما أمرهم به مخالفون، فأولئك هم المهتدون؛ الذين على ~~ربهم يتوكلون، فليس له على هؤلاء سلطان، وإنما سلطانه على الذين يتولونه ~~والذين هم به مشركون، وكذلك سلطانه على أوليائه، وهو دعاؤه لهم، وإغواؤه ~~إياهم، وقبولهم منه، ومثابرتهم عليه، فلما أن قبلوا منه ولم يعصوه؛ كانت ~~طاعتهم له السلطان له(3) عليهم إذ(4) أطاعوه، وفي دعائه اتبعوه. تم جواب ~~مسألته. ### || المسألة الثامنة والثلاثون: # هل يخص الله برحمته من يشاء من خلقه، أم هي عامة؟ PageV01P462 # ثم أتبع ذلك المسألة فقال: أخبرونا، هل يخص الله برحمته من يشاء من خلقه؟ ~~أم ليست له خاصة؟ وإنما هو أمر عام، فمن شاء ترك ومن شاء أخذ؟ فإن قالوا ~~ذلك فقد كذبوا، والله سبحانه يخبر بخلاف قولهم؛ إذ يقول لنبيه عليه السلام: ~~{ألم نشرح لك صدرك* ووضعنا عنك وزرك} [الإنشراح: 12]، وقال أيضا؛ لمن أراد ~~أن يخصه بالهدى من خلقه: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد ~~أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس ~~على الذين لا يؤمنون}[الأنعام: 125]، وقال أيضا: {أفمن شرح الله صدره ~~للإسلام فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال ~~مبين} [الزمر: 22]، فقال: أخبرونا عن الشرح، ما هو؟ أهو الهدى؟ أم هو ~~الدعاء؟؛ فإن قالوا: إنه الدعاء، زعموا أن كل كافر ms121 مشروح الصدر بالإسلام، ~~وأن الخلق كلهم جميعا قد شرحت صدورهم، لأنهم قد دعوا كلهم، وإن قالوا: هو ~~الهدى، الذي يمن به على من يشاء؛ فقد أجابوا. تمت مسألته. # جوابها # وأما ما سأل عنه فقال: أخبرونا هل يختص الله برحمته من يشاء من خلقه؟ أم ~~ليست له خاصة؟ # فإنا نقول كما قال الله سبحانه: {وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ~~واسع عليم* يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} [الحديد: 29]، ثم ~~نقول: إن اختصاص الله برحمته من يشاء من عباده يخرج على معنيين: PageV01P463 # فأما أحدهما: فهو مشيئته أن يزيد المهتدين هدى، ويزيد المؤمنين تقوى. وذلك ~~قوله سبحانه: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه} [التغابن:11]. وقوله سبحانه: {يآ ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم} [الحديد:28]، فشاء سبحانه أن ~~يزيد ويختص برحمته؛ من ثابر على طاعته، وسارع إلى مرضاته، كما شاء أن يخذل ~~من آثر هواه، وأسخط بفعله مولاه. # وأما المعنى الآخر: فهو ما يختص به من يشاء؛ من السلامة والإغناء، وصرف ~~المكاره والبلوى، فتبارك الله الواحد الأعلى. # فهذا ومثله معنى اختصاص الله بالرحمة لمن يشاء، لا ما يقول الفاسقون، ~~ويذهب إليه الضالون؛ من أن الله تبارك وتعالى؛ يخرج من المعصية عباده قسرا، ~~ويدخلهم في طاعته جبرا. PageV01P464 # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله: {ألم نشرح ~~لك صدرك* ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك}؛ فإنا نقول: إن الشرح من الله ~~لصدره؛ هو توفيقه وتسديده، وترغيبه بالهدى وتأييده، وتعليمه ما كان يجهله ~~وتفهيمه، فشرح الله بالإيمان صدره، ورفع بالوحي المنزل قدره. وأما الوزر ~~الذي وضعه الله عن ظهره؛ فهو ما يغفر له من ذنوبه. ومن الوزر ما كان منه من ~~الضلال عن الوحي والهدى، فوضعه الله سبحانه عنه بهداه له. ومما خصه الله ~~به(ما آتاه)(1)؛ من التبصرة(2) والزيادة في تقواه؛ فجعله من بعد أن كان ~~جاهلا عالما، ومن بعد أن كان ms122 متبعا متبعا. ومن ذلك ما وضع عنه من وزر الفقر ~~وضراه، وما متن به عليه من بعد العيلة(3) وأغناه، كما قال تباركت أسماؤه، ~~وعزت بكريم ولايته أولياؤه: {ووجدك عائلا فأغنى} [الضحى: 8]. وأما قوله ~~سبحانه: {الذي أنقض ظهرك}؛ فهو أوقره وفدحه، وغمه وكربه؛ من الضلال؛ عن ~~العمل برضى رب الجلال، فوضع الله عنه ثقل ذلك بما بصره وأوحى إليه، وفضله ~~وامتن به عليه. وليس ذلك الوزر حملا من الأحمال على ظهره، ولا وقرا أوقر ~~بحمله، وإنما ذلك على المثل، قال الشاعر(4): # حملت أمرا عظيما فاضطلعت به...جزاك عنا إله الخلق رضوانا PageV01P465 # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون} [الأنعام: 125]، فجوابنا في ذلك أن ~~الشرح من الله هو التوفيق والتسديد، والتبصير والتنبيه، وأن معنى قوله جل ~~جلاله: {يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء}، هو بما يدارك عليه من ~~الأمر والدعاء، وما أمر به عبده ورسوله ونزل عليه، فكلما زاد الله في إقامة ~~الحجة عليهم، والدعاء لهم وإظهار الحق لديهم؛ ازدادوا طغيانا وإثما، ~~وتماديا وعمى، فخذلهم الله لذلك وأرداهم، وأذلهم وأشقاهم، فعادت صدورهم؛ ~~لما فيها من الشك والبلاء، وما يخافون من ظهور الحق عليهم والهدى؛ ضيقة ~~حرجة كأنما تصعد في السماء. وإنما مثل الله ضيقها(1) بالتصعيد في السماء، ~~لأن التصعيد أشد الشدة وأعظم البلاء، ولذلك ما قال الله جل ثناؤه في الوليد ~~بن المغيرة المخزومي: {ذرني ومن خلقت وحيدا* وجعلت له مالا ممدودا* وبنين ~~شهودا* ومهدت له تمهيدا * ثم يطمع أن أزيد* كلا إنه كان لآياتنا عنيدا* ~~سأرهقه صعودا} [المدثر: 1117]، فلما أنعم الله عليه بما ذكر، فأبى وأعرض ~~واستكبر، وخالف وكفر؛ وعده الله إرهاق الصعود، وهو الأمر الصعب الشديد؛ من ~~العذاب في دار الآخرة بالنار وأغلال(2) الحديد، فلما أن كان الصعد الذي لا ~~تعرض فيه، ولا سهولة في حيله(3)، وأنه مصعد فيه أبدا، ms123 وكان أشد ما يلقى من ~~سلك سبيلا؛ ماشيا أو راكبا؛ مثل الله به لهم ما أعد من العذاب والبلاء. تم ~~جواب مسألته. ### || المسائل 39-43 PageV01P466 # ثم أتبع ذلك (الحسن بن محمد)(1) المسألة عن قول الله سبحانه في التأييد، ~~وذلك قوله لعيسى بن مريم: {وآتينا عيسى بن مريم البينات وأيدناه بروح ~~القدس} [البقرة: 87]، وقوله للمؤمنين: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين} [الصف: 14]، في آي كثيرة، فخص الله من يشاء من خلقه من ~~الأنبياء والمؤمنين، ألا ترى أن الله عز وجل لم يكلهم(2) إلى ما زعمتم أنه ~~جعله فيهم من الاستطاعة؟ وهي الحجة زعمتم على جميع خلقه، حتى جاءهم سوى ذلك ~~من أمره، فأيدهم به، فظهروا بتأييده، ورعب عدوهم فغلبوا برعبه، ونصرهم ~~فقهروا بنصره. # ثم قال فيما من به على المؤمنين، ويعلمهم ما صنع بهم مما لم يصنعه ~~بغيرهم، فقال: {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا مع ~~إيمانهم} [الفتح: 4]، وقال أيضا: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها} [الفتح: 26]،فلم يرض ~~لهم ما زعمتم بما جعل من الاستطاعة حتى جاءهم من أمره وعونه سوى ذلك. PageV01P467 # وقوله لرسوله: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا * إذا ~~لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا} [الإسراء: ~~7475]، وقوله لأصحاب الكهف: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى* وربطنا ~~على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه إلها ~~لقد قلنا إذا شططا} [الكهف: 14]، فلم يرض لهؤلاء ما جعل فيهم من الإستطاعة ~~التي زعمتم أنها حجة على خلقه، وأنه يحتج عليهم بما أخذوا أمره وركبوا ~~معصيته؛ حتى أتاهم من أمره ما بلغوا به ما يشاء من رحمته وهداه، وكذلك هو ~~يفعل ما يشاء سبحانه وبحمده، يضل من يشاء ولا يسأل عما يفعل والخلق يسألون. # وإن قالوا: أخبرونا عن الأعمال، أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ فأنتم تزعمون ~~أن الله خلقها؟ فإن قالوا: فكيف نسبها الله إلى خلقه، وجعلهم الذين ms124 عملوا ~~وتكلموا؟ فقولوا: ألا ترون أن الله عز وجل قد قال: {والله جعل لكم من ~~بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا} [النحل: 80]، وقال: {وجعل لكم ~~سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم} [النحل: 81]،وأنتم تعلمون أن الناس ~~هم الذين غزلوا ونسجوا السرابيل، وعملوا الدروع، وبنوا البيوت، واتخذوا ~~المظال(1)، وقد من علينا به، وأخبرنا أنه جعله، وذلك أنه ألهمنا بمنته(2) ~~أن غزلنا، وهو علمنا(3) ذلك، ونسجنا وعلمنا ما عملنا(4)، وأخبرنا أنه قد ~~جعله. فكذلك خلق ما عملنا من طاعة أو معصية ونحن عملناهما جميعا. PageV01P468 # وكذلك قال أيضا: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون} [إبراهيم: 24]. ألا ترون أن الله سبحانه خلق الثمرة ~~في الشجرة وأخرجها منها، ثم نسب الخروج منها إليها؟ وقال: {تؤتي أكلها كل ~~حين بإذن ربها} وكذلك أعمال العباد خلقها(1)؛ ثم نسبها إليهم، وأخبر أنهم ~~عملوها. # فإن قالوا: أخبرونا عن العباد، أمجبورون على الأعمال؛ من الإيمان والكفر، ~~والطاعة والمعصية؟ أم لا؟ فقل: منهم من هو مجبور على ذلك، ومنهم من هو غير ~~مجبور، فأما الذين جبروا على الطاعة فمنهم أهل مكة، افتتحها رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم قسرا، فأسلموا كرها، ولو لم يسلموا قتلهم، واستحل ~~دماءهم وأموالهم، فهذا وجه القسر والجبر. وأما الوجه الآخر فإن الله تبارك ~~وتعالى، قد قذف في قلوبهم الهدى، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم ~~قال: {أولئك هم الراشدون} [الحجرات: 7]، وقد قال في كتابه: {وله أسلم من في ~~السموات والأرض طوعا وكرها} [آل عمران: 83]. PageV01P469 # فإن قالوا: أخبرونا عن المشركين الذين لم يسلموا، أجبروا على الشرك؟ فيقال ~~لهم: إن المشركين لم يريدوا الإسلام فيجبروا على الشرك، ذلك لو أنهم أاردوا ~~الإيمان فأكرهوا على الشرك(1)، كما أراد المشركون الشرك ورضوا به؛ وأراد ~~الله أن يهديهم؛ فجبرهم على الهدى وهم كارهون. فإن قالوا: فإن لم يكونوا ~~مجبورين ولا مكرهين؛ فهل يستطيعون ترك الشرك وقبول الهدى؟ ms125 فقل: لا، إلا أن ~~يشاء الله، فإن قالوا: فكيف لا يكونون مجبورين؛ و[هم] لا يستطيعون أن ~~يتركوا شركهم؟ فقل: كذلك الله يفعل ما يشاء، يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، ~~فلا مضل لمن هدى، ولا هادي لمن يضل. تمت مسائل الحسن بن محمد كلها. # أجوبتها # وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: {وآتينا عيسى بن مريم البينات ~~وأيدناه بروح القدس}، وقوله للمؤمنين: {فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين}، وقوله: : {هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ~~ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم}، وقوله: {فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى ~~المؤمنين وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها}، فكذلك الله أحكم ~~الحاكمين، أتى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ببينات كل امر، وأيده بروح ~~القدس والنصر. PageV01P470 # وكذلك أيد عباده المؤمنين؛ على أعدائه الفاسقين، وذلك من الله فواجب ~~للمطيعين. ألا تسمع كيف يقول: {ولينصرن الله من ينصره} [الحج: 40]، وقوله: ~~{إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم} [محمد: 7]، وقوله: {والذين اهتدوا ~~زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17]؟ فكل من آمن بالله واتقى؛ فقد استوجب ~~من الله الزيادة بالنصر والهدى، وذلك من الله للمؤمنين فعطاء(1) وجزاء. فكل ~~من آمن بالله وأطاعه في أمره وجاهد أعداءه؛ فقد ذكر الله سبحانه أن يجازيه ~~على ذلك بما ذكر فيما سأل عنه في هذه الآيات؛ من التفضل بالمعونات. # * * * PageV01P471 # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا * إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا ~~نصيرا}، فإن الجواب في ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله لم يركن إليهم ~~بترخيص لهم في دينهم، ولا إسعاف لهم في شيء من أمرهم، ولا بتولي أحد منهم، ~~ولكنه صلى الله عليه وآله كان رحيما، رفيقا حليما، وصولا للأرحام كريما، ~~فكان صلى الله عليه وآله ربما رق(1) لهم، ومن العذاب الذي أعد لهم رحمهم، ~~فأنزل الله سبحانه عليه تحريم الرحمة لهم، فأمره والمؤمنين، بترك الرحمة ~~لأهل المعاصي الفاسقين، فقال: {يا أيها ms126 النبي جاهد الكفار والمنافقين واغلظ ~~عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير} [التوبة: 73]، وقال: {الزانية والزاني ~~فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم ~~تؤمنون بالله واليوم الآخر} [النور: 2]، فثبته الله بما أنزل عليه من ذلك. ~~فلما أن علم أن رحمتهم لله تسخط غلظ عليهم، واشتد قلبه عن الرحمة بهم، لما ~~أمره الله سبحانه فيهم، فكان ذلك تثبيتا منه له عن أن يركن إلى ما يدعوه ~~إليه الكرم والصلة للرحم من الرحمة، لا ما يقول الضالون على الله وعلى ~~رسوله من أنه كاد أن يركن إليهم، ويميل بالمحاباة في صفهم. ثم قال سبحانه: ~~{إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات}، يقول: لو رحمتهم، ورفقت من بعد ~~نهينا لك عن ذلك بهم؛ لكنت لنا من العاصين، وكنت عندنا على ذلك من ~~المعذبين. # *** PageV01P472 # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى* ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السموات والأرض لن ندعو من دونه ~~إلها لقد قلنا إذا شططا}، فآخر هذه الآية دليل على تفسير ما سأل عنه في ~~أولها، ألا تسمع منه كيف ذكر عنهم ما ذكر من الإيمان، والإخلاص لله الواحد ~~الرحمن؟ فلما أن آمنوا زادهم إيمانا، وكذلك يفعل الله بعباده المؤمنين، ألا ~~ترى كيف قال: {إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى* وربطنا على قلوبهم}؟ ~~فكذلك يفعل الله بمن آمن واتقى، كما يخذل من عند عن أمره وعصى، ولولا ما ~~ركب فيهم من الاستطاعة أولا؛ ما نالوا زيادة الله لهم في الهدى آخرا، ولكن ~~بما جعل فيهم من الاستطاعة ما(1) يقدرون على الطاعة والعصيان، فآثروا ~~الطاعة ورفضوا المعصية؛ فصاروا بذلك مؤمنين، فاستأهلوا من الله الزيادة في ~~كل خير، والدفع منه عنهم لكل ضير. ألا ترى كيف يقول: {إنهم فتية آمنوا ~~بربهم وزدناهم هدى}؟ يقول: لما أن عملوا الطاعة؛ بما فيهم من القدرة ~~والاستطاعة؛ زدناهم من الخير والكرامة. # ثم قال الحسن بن محمد: وكذلك الله يفعل ما يشاء، يضل من ms127 يشاء، ولا يسأل ~~عما يفعل والخلق يسألون، فتوهم ويحه! أن الله سبحانه يضل عن سبيل الرشاد؛ ~~قوما منعهم بالإضلال عن الرشاد. وكيف يكون ذلك وقد أمرهم بالاهتداء، وبعث ~~إليهم الأنبياء؛ يدعونهم إلى البر والتقوى، وهم لذلك غير مستطيعين، ولا ~~عليه مقتدرين، لقد إذا ظلمهم فيما إليه دعاهم؛ إذ عنه قد حجرهم وأغواهم. ~~فتبارك الله عن مقالة الجهال؛ من أهل الجبر والضلال. # * * * PageV01P473 # وأما ما تكلم وموه به فقال: إن سالونا عن أفعال العباد: مخلوقة هي؟ أم غير ~~مخلوقة؟ ثم قال: هي مخلوقة؛ إذ نسبها الله إليه، كما نسب غيرها من أفعالنا ~~إليه، من ذلك قوله: {والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا}، وقال: {وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم}، ~~والسرابيل والبيوت العباد يعملونها، وقد نسبها الله جل جلاله إليه، فكذلك ~~أعمالنا، هي منا وهي فعله فينا(1). # فجوابنا في ذلك: أنه بخلاف ما قال، وأنه قد أخطأ في القياس؛ إذ قاس أفعال ~~العباد التي هم فعلوها(2)، ومن بعد العدم أوجدوها؛ إلى ما فعلوا فيه؛ من ~~خرز الجلود، وعمل الحديد، ونسج الثياب التي الله تبارك وتعالى خلق أصلها، ~~وأوجد أولها وصورها، فلما أن كان الله سبحانه الذي أوجد ذلك كله؛ كان هو ~~الجاعل له في أصله، والممتن به على جميع خلقه، وأفعال العباد في ذلك فلم ~~يخلقها الله سبحانه، ولكن الله أوجد ما ذكر من أصولها، والعباد صنعوا ما ~~صنعوا فيها، وعملوا ما عملوا منها، فنسب الله إليه صنع ما أوجد من هذه ~~الأصول التي فرعت، وجعلت ونقلت. فبين هذا وبين أفعال العباد فرق عند من كان ~~له عقل. # هل(3) رأى أو سمع خلق في شيء من الكتاب المنزل، أن الله سبحانه ذكر أنه ~~فعل شيئا مما فعلوه؛ من الفجور والردى، وشرب الخمور وارتكاب الهوى؟ بل نسب ~~ذلك كله إلى فاعله، ونفاه سبحانه عن نفسه. PageV01P474 # فإن قالوا: إن الله سبحانه خلق الأدوات؛ التي تكون بها الأفعال في كل ~~الحالات؛ من الفروج والأيدي والألسن واللهوات، كما خلق ms128 الجلود والقطن، ~~والحديد والصوف، فنحن نقول إذ قد أوجد أصل أفعال العباد : إن منه أفعالهم، ~~كما نقول: إن السرابيل منه إذ أوجد أصولها. # قلنا لهم في ذلك: ليس هذا كذلك؛ لأن الله سبحانه أوجد الأصل الذي نقل ~~وصنع وعمل من هذه التي نسبها إليه من الجلود، والكرسف(1) والصوف والحديد، ~~والعباد فعلوا الحدث الذي صرفوها به وأحدثوه فيها، من عملها ونسجها، ~~وصناعتها وغزلها؛ بالأكف والأدوات التي جعلت لهم، والاستطاعة التي ركبت ~~فيهم، فالتأم في ذلك جلود وأيد وحركات، فكان الله عز وجل الخالق للأيدي ~~والجلود، وكان العباد الفاعلين للحركات، الصانعين لتلك المصنوعات. كذلك ~~الله سبحانه خلق الحجارة والطين؛ والعباد بنوا الدور، وشيدوا ما بنوا من ~~القصور، فاجتمعت في ذلك الحجارة والأكف العمالة(2) والحركات؛ التي دبرت لها ~~الحجارات، فكان الله جل ثناؤه خالق الأيدي والصخور، والعباد أحدثوا الحركات ~~وبنوا الدور. وأفعال الله سبحانه فكائنة عندما يريدها بلا تحيل ولا حركات، ~~ولا تأليف شيء إلى شيء بالأكف العاملات(3). # ففي هذا أبين الفرق بين أفعال المخلوقين، وبين أفعال رب العالمين، فما ~~كان من فعل الله فليس من أفعال العباد، وما كان من أفعال العباد فليس من ~~أفعال ذي العزة والأياد. # كذلك لو أن رجلا سرق صوفا؛ فنسجه سربالا وثوبا؛ لم يعذبه الله سبحانه على ~~حزم الصوف، ولا على ما قبضه به من اليد والكف، وإنما يعذبه على أخذه، وحوزه ~~عن ربه، واستئثاره عليه به، وما كان من انتفاعه به ولبسه، فعذبه سبحانه على ~~ما كان من حركاته وفعله، ولم يعذبه على ما خلق وصور من نفس المسروق وصورته. PageV01P475 # وكذلك يعذب الزاني على زناه، والزنى فهو الإيلاج، والحركة والإخراج، ولم ~~يكن الزنا إلا بالفرجين والحركة، فالفرجان فعل الله، والحركة والزنا، فعل ~~العبد ذي الفسالة والردى. فالله عز وجل يعذبه على زناه وإدخاله وإخراجه ~~وحركاته لا على ما خلقه له من الفرج. # فخلق الله الآلات، وما أنعم به على العباد من الأدوات؛ لينالوا بها ~~المنافع واللذات؛ من طريق ما أحل لهم، لا من وجه ما حرم ms129 عليهم، ثم أمرهم في ~~ذلك باجتناب المعصية، وحضهم على فعل الطاعة. # وأما ما عنه سأل، وفيه قال بالمحال، وقاس على مقاييس الضلال فقال، قال ~~الله تبارك وتعالى: {ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء * تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون}، فقال: ألا ترون أن الله خلق الثمرة في الشجرة ~~فأخرجها منها؟ ثم نسب الثمرة إليها؛ فقال: {تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها}؟ ~~فكذلك نقول: إن أعمال العباد الله سبحانه خلقها، والعباد عملوها، ثم نسبها ~~إليهم وأخبر أنهم عملوها. PageV01P476 # فقولنا في ذلك: إنه غالط في القياس، أو أراد معنى فأخطأ في مقاله، لأنه مثل ~~ما ليس بمأمور ولا منهي، فقاس فعل العباد فيما أوجدوه؛ بفعل الله الذي لم ~~يفعلوه، وإنما قياس الشجرة، وما أوجد الله سبحانه فيها من الثمرة؛ قياس ~~النافة والامرأة، الله سبحانه خلق الأولاد فيهما، وهما ولدتا. قال الله ~~سبحانه في امرأة عمران، وفيما نذرت مما في بطنها للرحمن؛ حين يقول: {فلما ~~وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى} ~~[آل عمران: 36]، فقال: {وضعتها}، فنسب الولد وما كان من تخليصها وتسليمها ~~في وضعها لها إليها، والله سبحانه الذي جعلها في بطنها، وأخرجها بقدرته ~~منها، ولولا إخراجه لها وتخليصه إياها؛ إذا لم تخلصها أبدا أمها. قال الله ~~عز وجل في ذلك: {يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيى الأرض بعد ~~موتها وكذلك تخرجون} [الروم: 19]، فلا شك أنه المخرج والمخلص للولد من ~~الظلمات الثلاث؛ من المشيمة(1)، والرحم، والبطن، قال الله سبحانه: {يخلقكم ~~في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلك الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون} [الزمر: 6]، وقال جل جلاله، عن أن يحويه قول أو ~~يناله: {ووصينا الإنسان بوالديه حسنا} [العنكبوت: 8]، فنسب إليهما ولادتهما ~~إياه، إذ كان الخارج منهما والمصور فيهما، والله سبحانه المصور له، والمقدر ~~تصويره وخلقه. فكذلك نسب إلى الشجرة إيتاء ms130 أكلها، وهو الخالق لها ولثمرها. PageV01P477 # فأما قياس أفعال العباد التي نهوا عنها وأمروا بها، وعوقبوا عليها وأثيبوا ~~بها؛ فليس هذا قياسها، وسنأتي به ونذكر إن شاء الله ما هو مثلها، فنقول لمن ~~قال: إن الله سبحانه خلق أفعال العباد وركبها فيهم، وأنطقهم بها وقضى بها ~~عليهم ثم نسبها إليهم: ما تقول إذا قلت ذلك، وكان الأمر عندك كذلك في ~~مشرك أشرك بالله وجحده؟ وفي قتل من قتل الأنبياء بغير حق؛ الذين قال الله ~~فيهم: {ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس} [آل ~~عمران: 21]؟ الله فعل ذلك فيهم؛ كما فعل غيره من أفعالهم؟ فإن قالوا: نعم، ~~الله فعله وخلقه، وقضاه وركبه؛ فقد زعموا أن الله عز وجل كفر بنفسه، وأمر ~~بالشرك به وقتل أنبيائه، وهذا فأكفر الكفر وأجهل الجهل بالرحمن، عند كل من ~~عرف الحق وكان ذا إيمان. وإن قال: لا، رجع عن قوله، (وتاب إلى ربه، وإن ~~قال: خلق(1) الطاعة وخلق بعض المعصية، ولم يفعل عظائم العصيان) (2) ولا ~~فوادح ما نأتي به من الكفران، قيل له: فلا نراك إلا وقد أثبت للعبد فعلا لا ~~محالة دون الرحمن، فإن جاز أن يكون من العبد فعل لم يخلقه الله ولم يفعله ~~جاز أن تكون له أفعال كثيرة، وأمور جمة غير يسيرة، والأمر في ذلك، فعلى ~~قولنا لا قولك، وشرحنا بحمد الله لا شرحك؛ لأنك قد أجمعت معنا على قولنا؛ ~~إذ قد أقررت لنا ببعض فعلنا، ونفيته عن خالقنا وربنا، ونحن لا نطمعك(3) في ~~قليل من ذلك ولا كثير، ولا ننسب إلى الله من أفعال عباده عظيما ولا حقيرا. ~~فهذا قياس ما إليه ذهب، لا ما ارتكب فيه من المحال والعطب. # *** PageV01P478 # ثم قال إن قال قائل: خبرونا عن العباد، أمجبورون على الأعمال(1)؛ من ~~الإيمان والكفر، والطاعة والمعصية والغدر؟ أم لا؟ فقل: منهم من هو مجبور ~~على ذلك، ومنهم من هو غير مجبور، فأما الذين أجبروا على الطاعة فمنهم أهل ~~مكة، افتتحها رسول الله صلى الله عليه وآله قسرا، فأسلموا لذلك ms131 كرها، ولو ~~لم يسلموا قتلهم، واستحل دماءهم وأموالهم، فهذا وجه القسر والجبر، وأما ~~الوجه الآخر، فإن الله قذف في قلوبهم الهدى، وحبب إليهم الإيمان، وكره ~~إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم قال: {أولئك هم الراشدون}، ثم قال: {وله ~~أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها وإليه ترجعون}[آل عمران: 83]. PageV01P479 # فردنا عليه فيما يقول أنا نقول: الحمد لله على ما رزقنا من العقول، والفهم ~~بما نقول، فيا ويح الحسن بن محمد! الجاهل، المتحير في أمره الغافل(1)، بينا ~~هو يقول(2): إن الله يجبر العباد؛ على الطاعة له والانقياد؛ إذ رجع فصرف ~~ذلك إلى الرسول، فيا ويح ذي الجهل! من نازعه في ذلك؟ أو من ذا الذي لم يكن ~~من أضداده قوله كذلك(3). أو لم يسمع قول الله سبحانه، وتعالى عن كل شأن ~~شأنه، فيمن أكرهته قريش على الكفر والعصيان، ودعته إلى الخروج من الحق ~~والإيمان، وصالت(4) عليه بصولتها، وأذاقته ما قدرت عليه من أليم عقوبتها، ~~حتى أعطاهم ما أرادوا بلسانه وقوله، وقلبه مخالف لما لفظ به من مقاله، ~~مطمئن بالإيمان، مخالف لدين أهل العصيان، فقال في ذلك الرحمن: {إلا من أكره ~~وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولم عذاب ~~عظيم} [النحل: 106]، وكان الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان؛ عمار بن ياسر ~~رحمة الله عليه، ذو المعرفة بالله والإيقان، فلا يشك مميز عاقل، ولا ينكر ~~ما قلنا به جاهل، من أن الخلق يكره بعضهم بعضا، على القول والفعل لما لا ~~يحب(5) ويرضى، وإن كان ضمير القلوب مخالفا للكلام، وهذا موجود في (لغة) (6) ~~جميع الأنام، فأما علم الضمير؛ فلا يطلع عليه إلا الواحد القدير. # *** PageV01P480 # ثم قال: إن معنى قوله سبحانه، وجل عن كل شأن شأنه: {وله أسلم من في السموات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون}، هو جبر منه لهم على إسلامهم، وإخراج لهم ~~من ضلالهم وكفرانهم؛ بالجبر والتحويل والقسر، واحتج في ذلك بقول الله ~~سبحانه: {وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان}، فلا تأويل معنى(1) الإسلام ~~من الخلق أصاب، ولا في معنى ما ms132 ذكر الله عز وجل من التحبيب والتكريه أجاب. # وإنما معنى قول الله سبحانه: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا ~~وكرها}، هو المعرفة به، والإقرار بربوبيته، وأنه الخالق غير مخلوق، والرازق ~~غير مرزوق، كما قال سبحانه: {ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض وسخر الشمس ~~والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون} [العنكبوت: 61]. فهذا معنى ما أراد الله ~~والله أعلم بقوله: {وله أسلم من في السموات والأرض طوعا وكرها}؛ لأن ~~الإسلام يخرج في اللغة على معنيين: # فأحدهما: الإقرار بفعل الفاعل والتسليم له، وترك المكابرة له في فعله، ~~والمعاندة له بالانكار لما يحدث من صنعه. # والمعنى الثاني: فهو الاستسلام لأمر الآمر، والإنفاذ لما حكم به، ~~والانقياد لجميع ما قيد إليه وصرف من الأفعال فيه. PageV01P481 # فعلى المعنى الأول ما يخرج(1) تفسير الآية، لا على المعنى الثاني الذي توهم ~~الحسن بن محمد أن عليه يخرج معناها، ولو كان ذلك كذلك، أو قارب شيئا من ~~ذلك؛ لكان جميع الخلق لله مطيعين، وفي أمره سبحانه متصرفين، طائعين كانوا ~~أو كارهين، ولو كان كما يقول هو ومن معه من الجاهلين؛ إذا لما وجد أنبياء ~~الله لله في الأرض عاصين، ولكان الله تبارك وتعالى بإكراهه لهم على طاعته، ~~وإدخالهم قسرا في مرضاته؛ مجتزيا مكتفيا عن نهيهم عن معصيته، ولما احتاج ~~الخلق إلى المرسلين، ولما حذرهم الله من حذر(2) من مردة الجن والعالمين. PageV01P482 # وأما قوله: {طوعا وكرها}، فالمطيع منهم في ذلك هو من أطاع الحجة المركبة ~~فيه، والشاهدة بالحق له وعليه؛ من اللب الذي ينال به التمييز بين كل شيئين، ~~ويثبت له به الرضى والسخط في الحالين، فمن أنصف لبه، وقبل ما أدى إليه ~~معقوله(1) من معرفة ربه؛ كان منصفا طائعا، متحريا للحق خاضعا. والمكره فهو ~~من كفر وتعدى، وكابر لبه وأبى، وعند عن الحق وأساء، حتى [إذا](2) أدركه ~~البلاء، واشتد عليه الشقاء، ونزلت به النوازل، واغتالته(3) في ذلك الغوائل؛ ~~رجع صاغرا إلى إنصاف لبه، ولجأ فيما ناله إلى ربه، واستسلم وأسلم له. كمن ~~ذكر ذو الجلال؛ ممن تعدى في الغي والمقال؛ ms133 حين يقول ويخبر عنهم، ويقص ما ~~كان من أخبارهم، حين يقول ويخبر عن فرعون فقال: {حتى إذا أدركه الغرق قال ~~آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنوا إسرائيل وأنا من المسلمين} [يونس: ~~90]. ومثل قوله: {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما ~~نجاهم إلى البر إذا هم يشركون} [العنكبوت: 65]. ومثل قوله: {وإذا مس الناس ~~ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون} [الروم: 33]. PageV01P483 # وأما معنى تحبيب الله عز وجل إلى العباد الإيمان، وتكريهه للكفر والفسوق ~~والعصيان، فهو بما جعل وحكم لمن آمن واتقى من الجنان، والنعيم والجزاء ~~والإحسان، وبما كان يريهم ويشرعه لديهم؛ من نصر المؤمنين والإظهار لحجتهم ~~والاعزاز لدينهم(1). والتكريه منه لما ذكر؛ فهو بما أوجب على فاعل ذلك من ~~العقوبات في الآخرة بالنيران، وفي الدنيا بالقتل والسبي والذل والخذلان، ~~فلما جعل ما جعل من الخير والثواب للمؤمنين، وأعد(2) وحكم بما حكم به من ~~العقاب على الكافرين؛ رغب الراغبون في الثواب وأحبوا(3) له الإيمان وآمنوا، ~~وهاب واتقى وخاف العقاب الخائفون فاتقوا، وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان ~~لخوف العقاب فاهتدوا، وزهد(4) أهل الكفر في كفرهم؛ لما يرون من ذلهم ~~وصغارهم، وظهور الحق والمحقين واعتلائهم؛ فتركوا الفسق(5)، ودخلوا في الحق. # فهذا إن شاء الله معنى ما ذكر من ذلك العلي الأعلى، لا ما قال وذهب إليه ~~أهل الإفك على الله وقالوا فيه من الجبر للمخلوقين على ما يكون من أفعالهم، ~~والادخال لهم بالقسر في فاحش أعمالهم؛ من الغي والفجور، والمنكرات والشرور، ~~والحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين. # *** # ثم قال: إن قال قائل: خبرونا عن المشركين الذين لم يسلموا، هل جبروا على ~~الشرك؟ قيل له: إن المشركين لم يريدوا الإسلام فيجبروا على الشرك، ذلك لو ~~أنهم أرادوا الإيمان فأكرهوا على الشرك، كما أراد المشركون الشرك ورضوا به؛ ~~وأراد الله جل ثناؤه أن يهديهم فجبرهم على الهدى وهم كارهون. ثم قال: فإن ~~قال قائل: فإن لم يكونوا مجبورين ولا مكرهين، ms134 فهل يستطيعون ترك الشرك وقبول ~~الهدى، فقل: لا، إن شاء الله. PageV01P484 # فزعم في آخر قوله أنهم لا يستطيعون ترك الشرك وقبول الهدى؛ فأبطل حجته ~~وقوله أولا، حين يقول: إنهم إنما يكونون مجبورين على الشرك لو أرادوا ~~الهدى؛ فمنعوا منه وأدخلوا في الردى، فأثبت بهذا القول لهم الفعل، وأقر ~~أنهم يقدرون على فعل مالا يريد الرحمن؛ حتى يجبرهم على غيره من الشأن؛ لأن ~~الإرادة والنية فعل لصاحبهما، ولذلك ما روي عن النبي صلى الله عليه وآله أن ~~صاحب النية يعطى بها ويثاب فيها وعليها. وإذا صح أن العباد يفعلون ويريدون ~~ما لا يشاء ربهم، حتى يجبرهم على غير ذلك من فعلهم؛ فقد بطل ما يخرصه الحسن ~~بن محمد من زخرف قوله، وثبت وصح ما يقول به أهل المعرفة بالله من العدل ~~بإقراره. # ثم زعم أن من لم يقدر على ترك الشرك والكفر بربه؛ غير مكره ولا مجبور على ~~ما هو فيه من فعله، وهذا فعين المحال، وأفحش ما يقال به من المقال، وإبطال ~~المعقول، والمكابرة لصحيح العقول. لأن من حيل بينه وبين القيام لسبب من ~~الأسباب؛ فقد جبر على القعود بلا شك ولا ارتياب. وكذلك من أوقدت له نار ثم ~~ألقي فيها، ومنع من التحرف عنها، وحيل بينه وبين الخروج منها؛ فقد جبر وجبل ~~على الإحتراق فيها. وكذلك الطائر إذا قص جناحاه الخافقان؛ فقد حيل بينه ~~وبين ما يريد من الطيران. وكذلك من لم يجعل فيه من الخلق استطاعة فعل؛ فقد ~~حيل بينه وبينه، لا يشك في ذلك عاقلان، ولا يختلف فيه جاهلان. # *** # وأما ما سأل عنه من قوله، وكذبه على ملائكة ربه؛ فقال: خبرونا عن ~~الاستطاعة التي تزعمون أن الله جل ثناؤه جعلها في عباده حجة عليهم، وأنها ~~مركبة فيهم ليعملوا أو يتركوا، هل جعلها في الملائكة المقربين أم لا؟ ثم ~~قال: فإن قالوا: نعم، قد جعلها فيهم، وامتن بها عليهم؛ فقولوا لهم: فأنتم ~~إذا لا تدرون عن الملائكة هل بلغت؟! أم لا؟ أم هل أدت ما أمرت بإدائه؟ أم ms135 ~~هل قصرت في شيء مما أمرت به؟ إذ تزعمون أنها قادرة على ما تهوى، تاركة لما تشاء. PageV01P485 # فقولنا في ذلك: إن الله سبحانه ركب الاستطاعة في عباده، وجعلها في جميع ~~خلقه المأمورين المميزين، ومنهم الملائكة المقربون صلوات الله عليهم، ثم ~~أمرهم ونهاهم؛ من بعد أن أوجد فيهم ما أوجده سبحانه في غيرهم؛ من الاستطاعة ~~الكاملة، والنعمة الشاملة، وأمرهم ونهاهم، ولولا ما ركب فيهم من الاستطاعة ~~لما جرى أمره عليهم. من ذلك قوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} ~~[البقرة: 34، الإسراء: 61، الكهف: 50، طه: 116]، فأمرهم بالسجود من أجله، ~~ولما رأوا مما ابتدع من جليل صنعه، ولعظيم ما فيه من قدرته، إذ خلقه من ~~طين؛ من صلصال من حمأ مسنون، والمسنون فهو ما داخله الأجون(1)، فأسن لذلك ~~وأجن وتغير؛ فصار لما فيه من الأجون حمأ (2) كما ذكر الله مسنونا، ثم صوره ~~رجلا، ثم نفخ فيه الروح فصار جسما متكلما، لحما وعروقا وعظاما ودما، يقبل ~~ويدبر، ويورد ويصدر، بعد أن كان طينا لازبا، فسجد الملائكة عليهم السلام، ~~لله المهيمن ذي الإنعام، من أجل ما أحدث في آدم صلى الله عليه من الخلق، ~~وجعله أبا لكل الخلق، فكانوا بإئتمارهم في ذلك لله مطيعين، وعليه مثابين، ~~ولأمر الله مؤدين، ولو لم يكن فيهم استطاعة، ولا ما يقدرون به على السجود ~~من الآلة؛ لم يأمرهم سبحانه بما لا يستطيعون، ولم يكلفهم العدل الجواد مالا ~~يطيقون، لأنه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين، وأعدل العادلين. وليس ما ذكر ~~المبطلون، وقال به في الله الضالون؛ من صفات الرحيم، ولا من فعال العزيز ~~العليم، لأن من أمر مأمورا بأن يفعل مفعولا لا يقدر على فعله؛ كان بلا شك ~~ظالما له في أمره، وكان قد كلفه في ذلك محالا، وكان له بذلك غاشما ظالما، ~~وليس الله بظلام للعبيد،كما قال في ذلك ذو الجلال الحميد(3):{وما ربك بظلام ~~للعبيد} [فصلت: 46]، PageV01P486 وقال سبحانه:{ولا يظلم ربك أحدا} [الكهف: 49]. # فيا سبحان الله !! ما أجهل من نسب ورضي لربه؛ مالا يرضاه وما لا ينسبه ~~إلى نفسه؛ من تكليف العباد ما ms136 لا يطاق، ثم رضي ذلك؛ ونسبه إلى الواحد ~~الخلاق، فكان كما قال الله جل جلاله وتقدست أسماؤه: {وإذا بشر أحدهم بما ~~ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم} [الزخرف: 17]، فأخبر سبحانه أنهم ~~كانوا ينسبون إلى الله اتخاذ البنات، ولا يرضون بهن لأنفسهم ولا يحبون ~~الإناث، بل إذا رزق أحدهم بما رضيه لربه؛ بانت الكراهية منه له في وجهه. ~~فشابهوهم في فعلهم، واحتذوا في ذلك بقولهم؛ فقالوا: إن الله يكلف عباده ما ~~لا يطيقون فعله، ويعاقبهم على ترك ما لم يقدرهم على صنعه، وهم ينفونه عن ~~أنفسهم، ويبرئون منه أخس(1) عبيدهم، فسبحان من أمهلهم، وتفضل بالإنظار لهم. # ثم قال: ما يدريكم إن كان الملائكة مستطيعين، ولما يشاءون من الأعمال ~~متخيرين، وعلى العمل والترك قادرين(2)؟ لعلهم قد تركوا بعض ما به أمروا، ~~وقصروا في أداء بعض الوحي، وفرطوا في نصر النبي والمؤمنين، وفي غير ذلك مما ~~أمرهم به رب العالمين. PageV01P487 # فقولنا في ذلك له: إنا علمنا براءتهم صلوات الله عليهم، وإنفاذهم لكل ما ~~أمرهم به ربهم على ما أمرهم به، غير مفرطين في شيء منه بقوله سبحانه ~~فيهم، وثنائه بما أثنى به عليهم؛ من ترك التفريط في أمره، والاستقصاء في كل ~~إرادته، والتقديس له والتسبيح في الليل والنهار، وذلك قول الواحد الجبار: ~~{وله من في السموات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون* ~~يسبحون الليل والنهار لا يفترون} [الأنبياء: 1920]. وفي ترك التفريط فيما ~~أمرهم به رب العالمين؛ ما يقول سبحانه في القرآن المبين: {حتى إذا جاء ~~أحدهم الموت توفته رسلنا وهم لا يفرطون} [الأنعام: 61]، ويقول تبارك وتعالى ~~فيهم، ويثني بما يعلم من أفعالهم عليهم؛ حين يقول: {يا أيها الذين آمنوا ~~قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا ~~يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم: 6]، وفي ذلك ما يقول ~~سبحانه ويحكي عن المبطلين؛ بما قالوا في الله رب العالمين، حين يقول: ~~{وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون* لا يسبقونه بالقول وهم ~~بأمره ms137 يعملون} [الأنبياء: 2627]، فوجدناه تبارك وتعالى يذكر الاجتهاد منهم ~~له عنهم، فقلنا فيهم بما قاله ربنا وربهم. فتعالى أصدق الصادقين؛ عن مقالة ~~الفسقة الجاهلين. PageV01P488 # ومن الدليل على معرفة إحقاقهم(1)، والوقوف على محض فعلهم واجتهادهم؛ تولي ~~الله لهم، ومعاداته لمن عاداهم. ألا تسمع كيف يقول، الواحد ذو الجلال ~~والطول: {من كان عدوا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين} [البقرة: 98]؟ فذكر سبحانه، وجل عن كل شأن شأنه؛ أنه عدو لمن ~~عاداهم، وإذا صحت العداوة والمناصاة منه لمن ناصاهم(2)؛ فقد ثبتت منه ~~الولاية بلا شك لمن والاهم. ألا تسمع كيف جعل من عاداهم فاجرا؟ وسماه في ~~واضح التنزيل كافرا؟ حين يقول في آخر الآية جل جلاله، عن أن يحويه قول أو ~~يناله: {فإن الله عدو للكافرين}، ولن يوالي أبدا من كان في أمره مقصرا، ولن ~~يشهد بالوفاء لمن كان عنده سبحانه غادرا. فبهذا ومثله من تنزيله؛ مما قد ~~ذكره وبينه في وحيه وقيله؛ شهدنا للملائكة المقربين؛ بالاجتهاد في الطاعة ~~لرب العالمين. # ثم قال تغليظا لمن كان معه على رأيه من أهل الجهالة، وذوي الحيرة والتكمه ~~والضلالة: يسأل من أثبت في الخلق(3) الاستطاعة، فيقال لهم: هل يثيب الله ~~خلقه على ما عملوا من الطاعة، مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه؟ (ثم قال) ~~(4): وهل يعاقبهم على ما عملوا به من معصيته؟. PageV01P489 # فبين بهذه الكلمات الآخرات في المعصية؛ على ما تكلم به في كلمات الطاعة؛ من ~~فظيع ما جاء به من الكفر في قوله، والتظليم لله ربه، وبين جهله لتباعه دون ~~غيرهم؛ ممن هو على خلاف رأيه ورأيهم؛ حين يقول: هل يثيب الله خلقه على ما ~~عملوا به من الطاعة مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه؟، ثم قال: وهل يعاقبهم ~~على ما عملوا به من المعصية؟ فبين(1) مسألته الثانية في المعصية، ولم يتمها ~~كما أتم المسألة في الطاعة، خوفا من أن يشهد وينطق على نفسه بالكفر ~~والفضيحة، وذلك أنه كان يجب عليه أن يتم الثانية كما أتم الأولى؛ فيقول: ~~وهل يعاقبهم على ms138 ما عملوا به من معصيته؛ مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه. ~~ولو كان ذلك في الله سبحانه كذلك؛ لكان الله عز وجل المدخل للعاصين في ~~المعصية، المكره لهم عليها، ولو كان ذلك كذلك، تعالى الله عن ذلك؛ لم يكن ~~في الخلق لله عاص، بل كان كلهم في أمر الله نافذا ماضيا، ولم يكن إبليس عند ~~الله بمذموم، ولا محمد صلى الله عليه وآله بمحمود، ولم تكن الملائكة ~~المقربون؛ بأحمد عند الله من مردة الشياطين، إذ كل لا سبيل له إلى غير ما ~~يفعل، ولا حيلة له من العمل في غير ما يعمل، لحتم الله وقضائه بذلك عليهم، ~~وإدخالهم بقضائه فيه، وحملهم وجبرهم وقسرهم عليه، فتعالى الله عما يشركون، ~~وتقدس عما يقول فيه المبطلون. ### |PARATEXT| # وفي (ب) و(ط): تمت(2) مسائل الحسن بن محمد بن الحنفية في تثبيت الجبر ~~والتشبيه والإلحاد، ورد الهادي إلى الحق أمير المؤمنين يحيى بن الحسين بن ~~القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي ~~طالب عليهم السلام، ونفى ذلك عن الله سبحانه، وإثبات العدل له والتوحيد، ~~وتصديق الوعد والوعيد، والحمدلله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم ~~النبيين وعلى آله الطيبين وسلم. PageV01P490 # قال في (ط): فرغ من تحريره في شهر جمادي الأولى من سنة إحدى وأربعين وألف (1). ms139