######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي (ع) ¶ المؤلف : الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع) #META# auth: الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع) #META# cat: مجاميع أئمة أهل البيت #META# seal: #META# bkid: 76 #META# الكتاب: مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي (ع) #META# bkord: 102 #META# idx: 1 #META# iso: مجموع كتب ورسائل الامام الهادي ع #META# comp: 1 #META# bk: مجموع كتب ورسائل الإمام الهادي (ع) #META# max: 867 #META# المؤلف: الإمام الهادي يحيى بن الحسين (ع) #META# authinf: المؤلف: الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين ¶ ترجمة المؤلف: الإمام الأعظم الهادي إلى الحق يحي بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم الرسي، أبو الحسين [245-298ه] أحد عظماء الفكر الإسلامي، وأعلام أئمة الآل، إمام مجتهد، مجاهد، عالم، فقيه، زاهد، نشأته في جبل الرس القريب من المدينة المنورة، دعوته في اليمن سنة 283ه، وبقى في جهاد وكفاح، حتى توفاه الله بصعده سنة 298ه، وأخباره كثيرة، ومناقبه وفضائله غزيرة، ومؤلفاته ومصنفاته شهيرة وفيرة، وهو أشهر من نار على علم. #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### | كتاب الرد على الحسن بن محمد بن الحنفية # بسم الله الرحمن الرحيم PageV01P371 ### || مقدمة الكتاب # الحمد لله الذي علا على الأشياء بطوله، وتقدس عن مشابهة المخلوقين بحوله. ~~الذي علا فقدر، وقدر فقهر، وعصي فغفر، وأطيع فشكر. الذي لا مثل له فيساويه، ~~ولا ضد له فيناويه. الذي لا تدركه الأبصار، ولا تجن منه الأستار. العالم ~~بما تجن قعور البحور، وما تكن جوانح الصدور، العالم بما سيكون - سبحانه - ~~من قبل أن يكون. اللطيف الخبير، السميع البصير، الجليل الحكيم، الكريم ~~الرحيم. الذي دنا فنأى، ونأى سبحانه فدنا، رابع كل ثلاثة، وسادس كل خمسة، ~~الداني من الأشياء بغير ملامسة، المحيط بها من غير مخالطة، العالم بباطنها ~~من غير ممازجة، فعلمه بما تحت الأرضين السفلى كعلمه بما فوق السماوات ~~العلى. الموجد للأشياء من غير شيء، وجاعل الروح في كل حي. خلق خلقه حين ~~أراده، وإذا شاء سبحانه أباده، بلا كلفة ولا اضطرار، ولا بتخيل ولا إضمار، ~~ولا حاجة منه إلى الأعوان، إذا أراد إيجاد شيء كان، بلا كلفة. البريء من ~~أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب والأولاد، الذي لم يلده والد ~~فيكون مولودا، ولم يلد ولدا فيكون لذلك محدودا، الخالق غير مخلوق، والرازق ~~غير مرزوق. الذي بقدرته قامت السماوات بغير عماد، وفرش لعباده الأرض ذات ~~المهاد، فاستقلت الأقطار، وسجرت البحار، وهطلت الأمطار، ونبتت الأشجار، ~~وجرت الأنهار، وأينعت الثمار، فالق الحب والنوى، ومالك الآخرة والدنيا، ~~زارع كل ما يحرثون، ومنزل الماء الذي يشربون، وخالق النار التي يورون، محصي ~~الأعمال، ومؤجل الآجال، ومجري الأرزاق، ومسبب الأرفاق. الصادق في كل قول ~~قوله، النافذ في كل شيء فعله، الذي أمر ونهى، فأمر بالتقوى، وزهد في ~~الدنيا، ونهى عن العصيان، وحض على الإحسان، وخلق ثوابا وجعل عقابا، فأعد ~~للمطيعين الجنان، وأجج للعاصين النيران { ليجزي الذين أساؤوا بما عملوا ~~ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى } [النجم:31]، قابل التوبة، مقيل العثرة، مجيب PageV01P372 الدعوة، الذي لا يغافص من عصاه، ولا يخيب أبدا من رجاه، يقبل اليسير ~~الصغير، ويعطي عليه الكثير، الذي لم يزل قادرا ولا يزال، ms001 فسبحان ذي القدرة ~~والعز والجلال. # أحمده على نعمائه، وأعوذ به من بلوائه، وأستجير به من نقمته، وأستديمه ~~لنعمته، الذي شملت خلائقه نعماؤه، وتظاهر عليهم إحسانه وآلاؤه، سائق كل ~~غنيمة وفضل، وكاشف كل عظيمة وأزل. أشهد له سبحانه بالربوبية والعدل والصدق ~~والوحدانية، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، مقلب القلوب، ~~الغافر لمن تاب من موبقات الذنوب، البريء المتعالي عن كل نصب ولغوب، البائن ~~عن الصفات، فليست تحده القالات، ولا تنقصه الساعات، ولا تعروه السنات، ~~المحمود في كل الحالات. # وأشهد أن محمدا عبده، ورسوله إلى خلقه، وأمينه على وحيه، صلى الله عليه ~~وعلى آله، الداعي إليه، بعثه سبحانه بحجته، واستنقذ به من النار أهل طاعته، ~~بعثه في طامية طمياء، ودياجير مظلمة عمياء، وأهاويل فتنة دهماء، فدفع فنيق ~~الكفر والفساد، وأنهج سبيل الحق والرشاد، وأدحض عبادة الأوثان، وأخلص عبادة ~~الرحمن، وصدع بأمر ربه، وأنفذ ما أمره به، ودعا إليه علانية وسرا، وأمر ~~بعبادته سبحانه جهرا، صابرا على التكذيب والأذى، داعيا لهم إلى الخير ~~والهدى، حتى قبضه الله إليه، وقد رضي عمله، وتقبل سعيه، وغفر ذنبه، وشكر ~~فعله، فصلوات الله عليه وعلى أهل بيته الطيبين الأخيار، الصادقين الأبرار. # ثم نقول، بعد الحمد والثناء عليه، والصلاة على محمد صلى الله عليه وعلى ~~آله وسلم: # أما بعد.. PageV01P373 # فإنه وقع إلينا كلام الحسن بن محمد بن الحنفية، يؤكد فيه الجبر، ويشدد في ~~ذلك منه الأمر، ويزعم فيه أن الله سبحانه جبر العباد أجمعين، من الملائكة ~~المقربين، والأنبياء المرسلين، وجميع الثقلين، على كل الأعمال، من صالح أو ~~فاسد أو طالح، فرأينا أن نجيبه في ذلك، وننقض عليه ما جاء به من المهالك، ~~ونثبت عليه في ذلك كله، لربنا وسيدنا وخالقنا ما هو أهله مما هو عليه، وما ~~لا يجوز لخلق الله، أن يقول بغيره فيه، فاختصرنا له في قوله الجواب، وتركنا ~~- خشية التطويل - كثيرا من الأسباب. فلينظر من نظر في قولنا وقوله، وجوابنا ~~لسؤاله بلب حاضر، ورأي حي صادر، يبن له الحق إن شاء ms002 الله، ويثبت في قلبه ~~الصدق. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على خير خلقه أجمعين، محمد، خاتم ~~النبيين، وعلى أهل بيته الطاهرين وسلم. PageV01P374 ### || المسألة الأولى: عن استطاعة الرسل من بني آدم ترك البلاغ ~~وتغيير الوحي # فكان أول ما سأل عنه أن قال: أخبرونا عن رسل الله، من بني آدم، هل جعل ~~الله لهم السبيل والاستطاعة إلى ترك البلاغ؟ ولو شاءوا لغيروا ما أمروا به ~~من تبليغ الوحي والعمل بالسنن؟ أو ألزموا على ذلك إلزاما، فلا يستطيعون على ~~تركه ولا الزيادة فيه ولا النقصان منه؟ # فإن قالوا: نعم، قد جعل الله لهم سبيلا واستطاعة لترك البلاغ، فلوا شاءوا ~~لغيروا ما نزل إليهم من كتابه وحكمته؛ فقد دخلوا في أعظم مما كرهوا حين ~~زعموا أن الرسل لو شاءوا لم يعبدوا الله بالتوحيد، ولم يعملوا له بطاعة، إذ ~~زعموا أنهم كانوا يقدرون على كتمان الوحي والسنن. # فيقال لهم: وأنتم الآن لا تدرون هل بلغت الرسل كل ما جاءهم من الوحي ~~والسنن أم لا؟ # فإن قالوا: نعم، يقدر الرسل على كتمان الوحي والسنن إذا أرادت ذلك؛ احتج ~~عليهم. وإن قالوا: لم يكن الرسل يقدرون على كتمان الوحي ولا إبدال الفرائض ~~ولا ترك البلاغ، لأن الله ألزمهم البلاغ إلزاما، فلا يقدرون على تركه ~~وكتمانه؛ فقد أجابوا، وفي ذلك نقض لقولهم. # [جوابها:] # بسم الله الرحمن الرحيم # فكان أول ما سأل عنه، أن قال: أخبرونا عن قولكم فيما نسأل عنه، نبئونا، ~~هل الأنبياء صلوات الله عليهم، مستطيعون لعمل فعلين متضادين في حالين ~~مختلفين؟ PageV01P375 # وقولنا في ذلك، والله الموفق لكل رشد وخير، والدافع لكل سوء وضير: أن رسل ~~الله صلوات الله عليهم، قد أدوا ما أمرهم الله بأدائه، على ما أمرهم، لم ~~يشبهم في ذلك تقصير، ولم يتعلق عليهم في ذلك من التفريط جليل ولا صغير، ~~وأنهم كانوا في ذلك كله لأمر الله مؤثرين، وعلى طاعته سبحانه مثابرين، وأن ~~الله سبحانه لم يكلفهم أداء الرسالة حتى أوجد فيهم ما يحتاجون إليه من ~~الاستطاعة، ثم أمرهم بعد ونهاهم، وكلفهم ms003 من أداء الوحي ما كلفهم، فبلغوا ~~عنه ما به أمرهم على اختيار منهم لذلك، وإيثار منهم لطاعته، وحياطة ~~لمرضاته، لم يكن منه جبر لهم على أدائه، ولا إدخال لهم قسرا في تبليغه، بل ~~أمرهم بالتبليغ فبلغوا، وحثهم على الصبر فصبروا، فقال سبحانه: { يا أيها ~~الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته } [المائدة:67]، ~~فقال: { بلغ ما أنزل إليك{ ، ولو لم يكن التبليغ منه صلى الله عليه وآله، ~~باستطاعة وتخيير، لم يقل له: { بلغ{ ؛ إذ الأمر لمن لا يقدر أن يفعل فعلا حتى ~~يدخل فيه إدخالا، ويقلب فيه تقليبا محال؛ لأن الفاعل هو المدخل لا المدخل، ~~والمقلب لا المقلب. فلم يأمر الله عز وجل أحدا بأمر إلا وهو يعلم أنه يقدر ~~على ضده، فحثه بأمره على طاعته، ونهاه عن معصيته، ألا تسمع كيف يقول: ~~{ فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم كأنهم يوم يرون ما ~~يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار بلاغ فهل يهلك إلا القوم ~~الفاسقون } [الأحقاف:35]، فأمره باحتذاء ما فعل من هو قبله من الرسل، من ~~الصبر على الأذى والتكذيب، والشتم والترهيب، ولو كان الله سبحانه هو المدخل ~~لهم في الصبر إدخالا، ولم يكن منهم له افتعالا، لقال: صبرناك كما صبرناهم؛ ~~ولم يقل: { فاصبر كما صبر PageV01P376 أولوا العزم من الرسل{ . وكيف يأمر ذو الحكمة والفضل مأمورا بما يعلم أنه ~~يفعله من الفعل؟ فجل الله عن ذلك، وجل عن أن يكون كذلك. فهل سمعه من جهله ~~سبحانه يأمر أحدا من خلقه أن يفعل شيئا مما هو من فعله مما يتولى إحداثه ~~فيهم، ويقضي به تبارك وتعالى عليهم، مما ليس لهم فيه فعل، ولا افتعال، ولا ~~تصرف بإدخال ولا إخراج، مثل الموت والحياة، وإيجاد السمع والبصر والأفئدة؟! ~~بل ذكر ذلك كله عن نفسه، وأضاف فعله إليه بأسره، فقال: { إنا نحن نحيي ونميت ~~وإلينا المصير } [ق:43]، ولم يأمرهم أن يموتوا ولا بأن يحيوا. وقال سبحانه ~~إخبارا عمن سلف، وتوقيفا واحتجاجا على من جاء ms004 بعدهم وخلف: { ولقد مكناهم ~~فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ~~ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما ~~كانوا به يستهزئون } [الأحقاف:26]، فقال: { جعلنا لهم{ ، ولم يقل: اجعلوا ولا ~~تجعلوا. ثم قال: { فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء{ ، ~~فأراد سبحانه منهم إذ فعل لهم الأسماع أن يفعلوا هم الاستماع بها، فيستمعوا ~~ما جاء به الرسول من أخبار من هلك من قبلهم، وإنذار من أنذر ممن هو أشد ~~منهم بطشا فلم يقبل الهدى فأهلك، قال سبحانه: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم ~~أشد منهم بطشا فنقبوا في البلاد هل من محيص إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ~~أو ألقى السمع وهو شهيد } [ق:37]، فأراد إذ فعل لهم سمعا أن يسمعوا به أخبار ~~من نزل به ما نزل، فينتهوا، ويسمعوا لرسله ويطيعوا ويسلموا للحق ويجيبوا، ~~وكذلك إذ فعل لهم أبصارا أراد أن يبصروا بها إلى PageV01P377 ما خلق من السماوات والأرض وأنفسهم وما ذرأ وبث، فيعلموا أن لهذا خالقا ~~ومدبرا فيؤمنوا، وكذلك الأفئدة أراد بجعلها لهم إذ أوجدها فيهم أن يفكروا ~~ويدبروا فيعتبروا ويميزوا فيهتدوا، ولو كان سبحانه وتعالى عن ذلك المتولي ~~لفعل أفعالهم لم يحتاجوا إلى الإسماع والتبصير والتفكير، إذ كان الله ~~المتولي لإنفاذ ما أرادوا، والممضي دونهم لكل فعل منهم، ولم يقل عز وجل: ~~{ فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم{ ، وكيف يستمعون إذا أسمعوا، ~~ويستبصرون إذا أبصروا، وينتفعون إذا فكروا، وهم لا ينالون ذلك ولا يقدرون ~~عليه، وغيرهم الفاعل له المصرف لهم فيه؟ # فتعالى من فعله غير فعل خلقه، ومن أمر عباده باتباع حقه، ألا تسمع كيف ~~قوله سبحانه، وإخباره عن المؤمنين والفاسقين، فقال: { ماذا أنزل ربكم قالوا ~~خيرا } [النحل:30]، وقال في الفاسقين: { وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا ~~أساطير الأولين } [النحل:24]، فمدح المؤمنين على ما قالوا من الصدق في رب ~~العالمين، وذم الفاسقين على قولهم الباطل في أحسن ms005 الخالقين. ولو لم يكن ~~العباد متخيرين، ولا مما أرادوا متمكنين، وكان الحامل لهم على أفعالهم، ~~المدخل لهم في كل أعمالهم رب العالمين، لكان هو القائل لما نزل من الحق: ~~{ أساطير الأولين{ ، ولم يكن القائلون بما قالوا من قولهم، والناطقون بما ~~أنطقهم - عند العدل الجواد الرؤوف الرحيم بالعباد - بمذمومين، ولا عليه ~~بمعاقبين، ففي أقل من ذلك حجة لذوي الإيمان المميزين. # وأما ما قال: من أنهم إن كانوا صلوات الله عليهم، قادرين على التبليغ ~~والترك، وكان تبليغهم اختيارا منهم للطاعة على المعصية، ولرضاه على سخطه، ~~فما يدريكم لعلهم قد تركوا وبدلوا وغيروا وخانوا (أو ستروا واجبا) وخالفوا؟ PageV01P378 # قيل له: في ذلك من الحجة، والحمدلله، أبين البيان، وأنور القول والبرهان، ~~ألا تعلم أيها السائل أن الله سبحانه لا يزكي إلا زكيا رفيعا، ولا يذكر ~~بالطاعة إلا سامعا مطيعا ولا بالأداء إلا مؤديا. وقد وجدنا الله سبحانه ذكر ~~في توراته التي أنزلها على موسى بن عمران تبليغ من بعثه من أنبيائه بوحيه، ~~من نوح وإبراهيم وغيرهما، وأثنى عليهم بذلك، وحض موسى صلوات الله عليه على ~~الاقتداء بهم، والإيثار لما آثروا من الطاعة لربهم، ثم قص قصة موسى صلى ~~الله عليه، وذكر فضله وتبليغه وصبره واجتهاده، وفعله في الإنجيل الذي أنزله ~~على عبده المسيح، المطهر من كل قبيح، صلوات الله عليه، ثم قص قصة عيسى على ~~محمد، وذكر له قصته من اجتهاده وتبليغه، وتبليغ غيره من الرسل، فقال: { وإذ ~~قال عيسى ابن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي ~~من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد } [الصف: 6]، فصدق بما جاء ~~به موسى، وبشر بما أمر من التبشير به من البشير النذير، الرؤوف بالمؤمنين ~~الرحيم محمد الرسول الكريم، ثم ذكر لنا في كتابه أن رسوله قد بلغ وأنذر، ~~وأخبر أنه قد أدى كل ما يجب عليه، فقال: { ما على الرسول إلا البلاغ ~~المبين } [المائدة: 99]، وقال: { فتول عنهم فما أنت بملوم } [الذاريات: 54]، ولو ~~كان منه صلى الله عليه وآله غير ms006 الاجتهاد لم يقل سبحانه: { فما أنت بملوم{ ، ~~فقد برأه الله من كل دنس ولوم. # فقد بطلت حجة من أراد الطعن على الأنبياء المهتدين، المؤدين لأمر الله ~~الخانعين، بما قال عنهم وذكر فيهم رب السماوات والأرضين، والحمد لله وسلامه ~~على المرسلين. # (تمت المسألة) PageV01P379 ### || المسألة الثانية: من أخطر المعصية على بال إبليس وكيف علم ~~إبليس عن ذرية آدم؟ # ثم أتبع هذه المسألة، فقال: أخبرونا عن إبليس، ما أخطر المعصية على باله؟ ~~أو من أوقع التكبر في نفسه؟ # فإن قالوا: نفسه أمرته بالمعصية، وهواه حمله على التكبر. # فقل: من جعل نفسه أمارة بالمعصية، وهواه حاملا على التكبر؟ # فإن قالوا: الله؛ كان ذلك نقضا لقولهم. # ويقال لهم: فمن أعطاه علم الخديعة والمكر؟ آلله جعل ذلك في نفسه؟ أو شيء ~~جعله هو لنفسه؟ # فإن قالوا: الله جعل ذلك له؛ كان ذلك نقضا لقولهم. وإن قالوا: إن ذلك لم ~~يكن من الله عطاء ولا قسما؛ فقد دخل عليهم أعظم مما هربوا منه حين زعموا أن ~~غير الله يجعل في خلقه ما لم يرد الله أن يكون فيهم، فما أعظم هذا من ~~القول!! # وسلهم: من أين علم إبليس أن آدم يكون له ذرية، وأن الموت يقضي عليهم، ~~وأنه يكون بينهم لله عباد مخلصون، وأنه يحتنكهم إلا قليلا منهم؟ # فإن قالوا: إن الله علمه ذلك؛ فقد نقض ذلك قولهم. وإن قالوا: إن إبليس ~~علمه من قبل نفسه؛ فقد زعموا أن إبليس يعلم الغيب، فسبحان الله العظيم. # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه، وقاله من أمر إبليس فقال: من أخطر المعصية على باله؟ ~~ومن أوقع التكبر والمكر والخديعة في نفسه؟ PageV01P380 # فإنا نقول في ذلك: إن الله أعطى إبليس من الفهم واللب ما يقدر به على ~~التمييز بين الأمور، ويعرف به الخيرات من الشرور، ويقف به على الصالح من ~~ذلك والطالح. وإنما أعطاه الله ذلك، وجعله وكل الخلق المتعبدين كذلك لأن ~~يعرفوا قوله ويعرفوا ما افترض الله عليهم وعليه، فيتبع ذلك دون غيره، ~~ويثابر عليه، ويعرف ما يسخط الله فيتجنبه ويتقيه، ms007 ويحاذر انتقامه فيه. ولو ~~لم يعطه وغيره ذلك لم يهتدوا أبدا إلى فعل خير ولا شر، ولا تخير طاعة، ولا ~~إيثار هوى، ولا اتباع تقوى، ولو كان الخلق كذلك لكان معنى الثواب ساقطا ~~عنهم، ولما جرى أبدا عقاب عليهم، ولو لم يجر عقاب ولم ينل ثواب لم يحتج إلى ~~جنة ولا نار، ولما وقع تمييز بين فجار ولا أبرار، وقد ميز الله ذلك فقال: ~~{ لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون } [الحشر:20]، ~~ولو كان ذلك كذلك لكان معنى الملك والتمليك عند الله سبحانه ساقطا هنالك. ~~ولكنه سبحانه لما خلق الخلق لم يكن للخلق بد من عمل، ولم يكن العمل كله لله ~~رضا، ولا كله سخطا طرا معا، ولما كان من الأعمال مرض لله ومسخط، لم يكن بد ~~من الأمر بالعمل المرضي، والنهي عن العمل المسخط. فلما كان ذلك كذلك لم يكن ~~بد من الترغيب على العمل الصالح بالثواب، والترهيب على العمل الطالح ~~بالعقاب، فجعل الجنان ترغيبا، والنيران ترهيبا. وترهيب الشيء من الشيء الذي ~~لا يستطيع أن يرهبه محال، كما أن ترغيب الشيء فيما لا يقدر على أن يرغب فيه ~~فاحش من الفعال، ولا يكون ترغيب إلا لمن يقدر على الرغبة، ولا ترهيب إلا ~~لمن يقدر على الرهبة، ولا أمر ولا نهي إلا لمن يميز بين المأمور به والمنهي ~~عنه. فجعل الله وركب فيهم استطاعة وتمييزا، ليعرفوا رضاه فيتبعوه، ويفهموا ~~سخطه فيتجنبوه، فيثيبهم أو يعاقبهم على ما يكون من أفعالهم باختيارهم؛ لأن ~~المثيب على فعله إنما هو مجاز لنفسه، ثم أمرهم عز وجل PageV01P381 ونهاهم، ثم قال: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر } [الكهف:29]، ولو لم يعلم ~~أن له مشيئة وتمييزا واقتدارا على الفعل والترك لم يقل: { فمن شاء فليؤمن ~~ومن شاء فليكفر{ ، وقال سبحانه: { يا يحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم ~~صبيا } [مريم:12]، ولو لم يكن فيه استطاعة مركبة قبل الأمر، ولم يكن قادرا ~~على أخذ الكتاب، لم يقل { خذ{ ، وهو لا يقدر على الأخذ؛ لأن القائل للحجارة، ms008 ~~وما كان مثلها، يقال: مخطئ محيل في المقال، فتعالى الله عن ذلك. وقال: { قل ~~للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله ليجزي قوما بما كانوا ~~يكسبون } [الجاثية:14]، ولو لم يكن المؤمنون يقدرون على الغفران لمن أمروا ~~بالمغفرة له لم يقل: { يغفروا{ ، وكان يحدث فيهم الغفران لأولئك، فيغفروا، ~~ولم يكن ليأمرهم من الأمر بما لا يطيقون. PageV01P382 # وأعطى إبليس اللعين ما أعطاه من الفهم والتمييز لأن يطيعه ولا يعصيه، وأراد ~~أن يطيعه تخيرا وإيثارا لطاعته، فكانت هذه إرادة معها تمكين واستطاعة، ولم ~~يرد أن يطيعه قسرا، ولا أن يمنعه من المعصية جبرا، (فيكون إبليس اللعين في ~~ذلك غير محسن ولا مسيء فلم يحل بينه وبين المعصية قسرا، ولم يحمله على ~~الطاعة جبرا). فمكنه وهداه، ثم أمره ونهاه، فرفض - له الويل - تقواه، واتبع ~~هواه، وكفر نعم ربه، وكره تنزيله وحكمه، فكان كما قال الله سبحانه: { والذين ~~كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط ~~أعمالهم } [محمد:8]، فلو كانت الكراهة لما أنزل الله قضاء له فيهم، وفعلا ~~أدخله سبحانه عليهم، لكانت من الله، لا منهم، ولكان الكاره لتنزيله لا هم، ~~ولكانوا ناجين من العقاب، وكانوا متصرفين في أمره في كل الأسباب. وكذلك ~~المهتدون، لو كان هو الذي فعل هداهم، وزادهم في تقواهم، لم يقل: { والذين ~~اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم } [محمد:17]، ولو كان ذلك كما يقول الجاهلون، ~~وينسب إلى الله الضالون، لكان من اهتدى ومن كره وأبى في الأمر عند الله ~~شرعا واحدا، إذ كان كلهم في أمره وقضائه له مطيعا متقلبا متصرفا في إرادته سريعا. # وأما قوله: من أين علم إبليس أن آدم يكون له ذرية؟ وأن الموت يقضي عليهم؟ PageV01P383 # فإن جوابنا له في ذلك: أن الله أعلمه ملائكته، فسمعه إبليس من ملائكة الله ~~فيما كان يسترق من السمع كما قالوا وحكى الله عنهم في قوله: { وأنا كنا نقعد ~~منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا } [الجن:9]، فكانوا - قبل ~~أن يبعث الله نبيه صلى الله ms009 عليه وآله وسلم، ويكرمه بما أكرمه من الوحي ~~إليه - يسترقون السمع، فلما أن بعثه الله حجبهم عن المقاعد التي كانوا ~~يقعدونها من السماء ويسترقون من الملائكة الأخبار فيها، فيهبطون بها إلى ~~إخوانهم من كهنة الإنس وأوليائهم، كما قال ذو المن والجلال: { وكذلك جعلنا ~~لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ~~غرورا } [الأنعام:113]، فلما أرسل الله رسوله بالوحي البالغ، والنور الساطع ~~حجبهم عن علم شيء من أخبار السماء، لكيلا يسبقوا به ولا يفشوه إلى إخوانهم ~~من كهنة أهل الدنيا، فقذفهم بما جعل لهم من النجوم شهبا رصدا فرماهم ~~بالنجوم من السماء، ولم يكن قبل ذلك بشيء منها يرمى فهيل لذلك أهل الأرض ~~والشياطين في الهواء، فقالوا في ذلك كما أخبر الله به عنهم وحكى من قولهم: ~~{ وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا وأنا لا ~~ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } [الجن:9]، فمن الملائكة ~~علم إبليس أخبار آدم وذريته. ولو لم يعلم الله الملائكة بذلك لم يعلمه ~~إبليس ولا هم، كما لم يعلموا ما كتمهم من أسماء الأشياء التي أعلمهم آدم ~~بأسمائها في وقت ما علمه الله أسمائها وكتم الملائكة إياها، كما قال ~~سبحانه: { وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء ~~هؤلاء إن كنتم صادقين قالوا PageV01P384 سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم قال يا آدم أنبئهم ~~بأسمآئهم فلما أنبأهم بأسمآئهم قال ألم أقل لكم إني أعلم غيب السماوات ~~والأرض وأعلم ما تبدون وما كنتم تكتمون } [البقرة:3133]، فأنبأهم حين أمره ~~الله أن ينبئهم بأسمائهم ما كان قد غبي عنهم علمه من الأشياء، فعندما رأى ~~إبليس اللعين الرجس من كرامة الله لآدم وتعظيمه لقدره، وإسجاده الملائكة من ~~أجله، ولما أظهر فيه من عجائب تدبيره وصنعه، حسده على ذلك غاية الحسد حتى ~~أخرجه حسده لآدم (إلى الكفر) بربه، وخالف فيما ترك من السجود عن أمره، ثم ~~خشي أن يؤاخذه ms010 الله تعالى مغافصة على ذنبه، فطلب الإنظار والتأخير من ربه، ~~فأنظره وأمهله الله إلى يوم حشره. # ولو حجب الله علم آدم وذريته عن الملائكة لم يكن ليعلمه إبليس ولا هم. ~~وليس إعلامه إياهم سبحانه أنه سيجعل لآدم ذرية إلا كإعلامه - من قبل إيجاده ~~لآدم - بآدم حين يقول عز وجل: { وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض ~~خليفة } [البقرة:30]، وكما أعلمنا في كتابه على لسان نبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم، يما يكون في دار الآخرة من الثواب والعقاب والمجازاة بين العباد، ~~وليس على الله في ذلك من حجة كبيرة ولا صغيرة. # وأما ما سأل عنه من استكبار إبليس، وقال: ممن هو؟ أمن الله؟ أم منه؟ أم ~~من غيره؟ PageV01P385 # فسبحان الله! ما أبين جهل من شك في هذا! أيتوهم أو يظن ذو عقل أن الله ألزم ~~إبليس التكبر والاجتراء عليه فأدخله قسرا فيه؟ وهو يسمع إخبار الله في ذلك ~~عنه، وأنه نسب التكبر إليه، فقال سبحانه: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ~~فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبر وكان من الكافرين } [البقرة:34]، فذكر أن ~~الاستكبار والكفر من فعل إبليس الكافر المستكبر، ولو كان الله أدخله في ~~الاستكبار فاستكبر، وقضى عليه بالكفر فكفر، لم يقل فيه: { وكان من ~~الكافرين{ ، ولكان أصدق الصادقين يقول فيه: إنه أطوع المطيعين. وما كان من ~~استكبار إبليس فهو كاستكبار غيره من الناس، قال الله سبحانه: { ويوم يعرض ~~الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها ~~فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم ~~تفسقون } [الأحقاف:20]، ولو كان الكبر والفسق من الله فيهم فعلا، وله سبحانه ~~عملا، لم يجزهم عذاب الهون على فعله الذي أدخلهم فيه، بل كان يثيبهم عليه ~~ويكرمهم لديه. PageV01P386 ### || المسألة الثالثة: أكانت محبة الله ومشيئته في دخول آدم وزوجه ~~الجنة أم في خروجهما؟ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد، المسألة عن آدم عليه السلام، وزوجته، فقال: ~~خبرونا عن آدم وزوجته حين أسكنهما الله الجنة، أكانت محبة الله ومشيئته ms011 ~~لهما في دخولهما فيها، وإقامتهما أم في خروجهما منها؟ # فإن زعموا أن محبة الله ومشيئته كانت في خلودهما؛ فقد كذبوا، لأن أهل ~~الجنة لا يموتون ولا يتوالدون ولا يمرضون ولا يجوعون ولا يخرجون، وقد قضى ~~الله الموت على خلقه جميعا، وقضى على آدم أن تكون له ذرية تكون منهم ~~الأنبياء والرسل والصديقون والمؤمنون والشهداء والكافرون، ثم قال: { فيها ~~تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون } [الأعراف:25]، ثم قال: { منها خلقناكم ~~وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى } [طه:55]، وكيف يكون ما قالوا، وقد ~~قضىالله القيامة والحساب والموازين والجنة والنار، سبحان الله! ما أعظم هذا ~~من قولهم. # وإن قالوا: إن محبة الله ومشيئته كانت في خروج آدم وزوجته من الجنة ~~وهبوطهما إلى الأرض، فقد زعموا أنه لم يكن ليخرجهما من الجنة إلا الخطيئة ~~التي عملاها، والأكل من الشجرة التي نهيا عنها، فقد أقروا لله بقدرته ونفاذ ~~علمه، وفي ذلك نقض قولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P387 وأما ما سأل عنه من إرادة الله في آدم وزوجته حين أسكنهما الجنة، أكانت ~~إرادته خلودهما فيها؟ أم خروجهما عنها؟ وما توهم من هذه الجنة التي كان ~~فيها آدم وزوجته أنها جنة المأوى التي جعلها الله ثوابا للعاملين ومقرا ~~دائما لعباده المؤمنين، فإنا نقول: إن الجنة التي كان فيها آدم وزوجته هي ~~من جنات الدنيا ذوات الأنهار والغرف والأشجار فسماها الله جنة، وهذا فموجود ~~في لغة العرب غير مفقود، تسمى ما كان من الضياع والبساتين ذا فواكه وأشجار ~~وعيون جنانا. أما سمعت إلى قول الله، سبحانه ما أبين نوره وبرهانه، وكيف ~~حكى عن الأمم الماضين، الفراعنة المتجبرين، حين يقول سبحانه: { كم تركوا من ~~جنات وعيون وزروع ومقام كريم ونعمة كانوا فيها فاكهين كذلك وأورثناها قوما ~~آخرين } [الدخان:26]، وقال: { ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا ~~بالله } [الكهف:39]، فسمى الله ما كان من الأرضين على ذلك من الحالات في قديم ~~الدهر وحديثه جنات، وأن آدم كان في موضع قد بوأه الله إياه كريم شريف عظيم، ~~خلقه فيه ms012 وأجرى رزقه ومرافقه عليه، وليس كما ظن الحسن بن محمد، وتوهم من ~~فاحش الظن والمقال أن أهل الجنة منها خارجون وعنها منتقلون، وأن آدم وحواء ~~كانا فيها ثم أخرجا، وليس كذلك، بل هو كما قال رب العالمين، وأصدق الصادقين ~~فيمن صار إلى جنة المأوى من عباده الصالحين: { خالدين فيها أبدا رضي الله ~~عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه } [البينة:8]، وكما قال: { لا يمسهم فيها نصب ~~وما هم منها بمخرجين } [الحجر:48]، وأخبر أن من دخل جنة المأوى غير خارج منها ~~أبدا، وأنه لن يذوق بعد دخوله إياها نصبا ولا شقاء، وقال عز وجل إخبارا منه ~~أنه لا يدخل الجنة إلا المطيعون المجازون من العالمين، فقال: { فأما من طغى PageV01P388 وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس ~~عن الهوى فإن الجنة هي المأوى } [النازعات:37]، فأخبر سبحانه، أن الجنة لا ~~يدخلها إلا من اتقى وتقدم منه العمل بالحسنى، فأولئك الذين تزلف لهم الجنة، ~~قال الله تعالى: { وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد هذا ما توعدون لكل أواب ~~حفيظ من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ادخلوها بسلام ذلك يوم الخلود ~~لهم ما يشاؤون فيها ولدينا مزيد } [ق:31]. # وأما ما سأل عنه من قول الله: { فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون{ ، ~~ومن قوله: { منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى{ ، وما توهم ~~من ذلك أن هذه الأرض التي خلق منها آدم هي أرض الجنة وعرصتها، وأن كل ~~العباد راجع إليها، فليس ذلك كما توهم ولا كما قال، وإنما عنى الله بكل ما ~~ذكر من هذه الأقوال هذي الأرض التي منها خلقوا وفيها يدفنون ومن أجداثها ~~يبعثون، قال الله تعالى: { ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء ~~وأمواتا } [المرسلات:25]، وقال سبحانه: { يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر ~~علينا يسير } [ق:44]. # وأما ما سأل عنه، فقال: ما كانت إرادة الله في آدم وزوجته؟ أيخلدان في ~~الجنة؟ أم أراد أن يخرجا منها ويهبطا عنها؟ PageV01P389 # فإنا نقول: إن إرادة الله في وقت ms013 خلق آدم وزوجته سكناهما في الجنة ~~ومقامهما، وإن إرادته وحكمه عندما كان من غفلتهما واستزلال الشيطان لهما ~~حتى كان منهما ما كان من معصيتهما لسبب الغفلة والنسيان لما عهد إليهما ~~ربهما من اجتناب الشجرة التي عنها نهاهما - فطلبا البقاء والحياة ~~والاستزادة من العمل الصالح، ورجوا أن يخلدا، فيزدادا طاعة لربهما وتكثر ~~عبادتهما لخالقهما، فغوى صلى الله عليه، في الشجرة ناسيا، ولم يكن ذلك عن ~~مباينة لله بالعصيان، ولا عن قلة معرفة بما يجب للرحمن، قال الله تبارك ~~وتعالى: { فنسي ولم نجد له عزما } [طه:115] - فلما أن كان ذلك منهما أراد الله ~~أن يهبطهما من الجنة التي كان قد كفاهما فيها لباسهما وقوتهما، فأخرجهما ~~منها إلى غيرها من الأرض، وبدلهما بالراحة تعبا، وبالكفاية للمؤنة طلبا ~~وحرثا وزرعا. فكانت إرادته في وقت إيجادهما: الكفاية لهما، وفي وقت ~~نسيانهما: ما حكم به من إخراجهما وإهباطهما منها إلى غيرها. فالهبوط فهو ~~القدوم من بلد إلى بلد، تقول العرب: هبطنا من بلد كذا وكذا إلى بلد كذا ~~وكذا، وهبطنا عليك أرضك، وقال الله المتقدس الأعلى فيمن كان مع عبده ونبيه ~~موسى، ممن كان ينزل عليه المن والسلوى ويظلل بالغمام ويسقى زلال الماء، ~~فطلبوا وسألوا التبدل بذلك مما هو أقل وأدنى، فقالوا: { يا موسى لن نصبر على ~~طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثآئها وفومها ~~وعدسها وبصلها قال أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصرا فإن ~~لكم ما سألتم } [البقرة:61]، (فقال: اهبطوا مصرا، أي اقدموا وانزلوا مصر ~~تجدوا فيه ما سألتم) من هذه الأدنى. فأراد سبحانه أن يسكنها آدم أولا، ~~ويخرجه منها آخرا، كما شاء أن يسكن ذريته الدنيا ثم يخرجهم منها إذا شاء إلى PageV01P390 الآخرة، وكما شاء وأراد أن يصلي له نبيه صلى الله عليه وآله وسلم إلى بيت ~~المقدس، ثم شاء أن ينقله عنه إلى ما هو أعظم، فينقله إلى بيته الحرام ~~المكرم، كما شاء سبحانه أن يفترض على أمة موسى من الفرائض المشددة والأمور ~~المؤكدة، ms014 فافترض ذلك عليهم، ولم يرض منهم بسواه من ذلك ما حرم عليهم من ~~المآكل من الشحوم اللذيذة وغيرها، وما حظر عليهم من صيد البحر في يوم ~~سبتهم، حتى كانت الحيتان يوم السبت تأتيهم وتظهر لهم وتكثر عندهم وتشرع ~~قريبا منهم امتحانا من الله لهم، فكانوا لله في تركها مطيعين، وكانوا عنده ~~على ذلك مكرمين، ثم عتوا من بعد ذلك وفسقوا، وخالفوا فتصيدوا، فأخذهم الله ~~بذنوبهم فجعل منهم القردة والخنازير، فقال سبحانه في ذلك: { واسألهم عن ~~القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم ~~سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك نبلوهم بما كانوا ~~يفسقون } [الأعراف:163]، ثم أراد الله التخفيف عن عباده فبعث فيهم عيسى صلى ~~الله عليه، فأحل لهم بعض ما قد حرم عليهم، قال الله تعالى يخبرنا عما جاء ~~به عيسى وقاله مما أمره الله به جل جلاله حين يقول: { ولأحل لكم بعض الذي ~~حرم عليكم وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا الله وأطيعون إن الله ربي وربكم ~~فاعبدوه هذا صراط مستقيم } [آل عمران:50]، ثم أراد التخفيف عنهم، والنقل لهم ~~إلى أفضل الأديان، إلى دين أبيهم إبراهيم الأواه الحليم، فبعث محمدا صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك، فصدع بأمر ربه، وأنفذ ما أرسل به، فكان ذلك ~~إرادة من بعد إرادة، ومتعبدا من بعد متعبد، فصرف الله فيه العباد، فتبارك ~~الله ذو العزة والأياد. PageV01P391 # وكذلك حكم على من عصاه بالمعصية، فإن تاب حكم له بالطاعة، وإن عاد فعصى حكم ~~عليه بما حكم على أهل الردى، وإن تاب وأناب إلى الله وأجاب، حكم له بالهدى ~~والثواب. # فهذه أحكام من الله وإرادات، أراد الله سبحانه أن يتصرف في المخلوقين على ~~قدر ما يكون منهم من العملين، فقال جل وعز: { من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء ~~فعليها ثم إلى ربكم ترجعون } [فصلت:46]. # وأما ما ذكر من العلم، وأن العلم لا يخلوا من أن يكون الله العالم بنفسه ~~ويكون العلم من صفاته في ذاته لا صفته لغيره، أو يكون ms015 العلم غيره. فمن قال: ~~إن العلم غيره؛ فقد جعل مع الله سواه، ولو كان مع الله سواه، لكان أحدهما ~~قديما والآخر محدثا، فيجب على من قال بذلك أن يبين أيهما المحدث لصاحبه. ~~فإن قال: إن العلم أحدث الخالق؛، كفر. وإن قال: إن الله أحدث العلم؛ فقد ~~زعم أن الله كان غير عالم حتى أحدث العلم، ومتى لم يكن العلم فضده لا شك ~~ثابت وهو الجهل، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وإن رجع هذا القائل الضال ~~إلى الحق من المقال، فقال في الله بالصدق تبارك وتعالى ذو الجلال، فقال: ~~إنه العالم بنفسه الذي لم يزل ولا يزول، وإنه الواحد ذو الأفعال، وإنه لا ~~علم ولا عالم سواه، وإنه الله الواحد العالم؛ وجب عليه من بعد ذلك أن يعلم ~~أن كل ما نسبه إلى العلم فقد نسبه إلى الله، وسواء قال: أدخله العلم في ~~شيء؛ أو قال: أدخله الله فيه وحمله سبحانه عليه؛ فالله عز وجل بريء من ظلم ~~العباد، متقدس عن أفعالهم، فأفعالهم بائنة من فعله، وأفعاله بائنة من ~~أفعالهم، لم يحل بين أحد وبين طاعته، ولم يدخل أحدا في معصيته. فعلم الله ~~بما يكون من أفعال عباده فغير أعمالهم، ولم يضطرهم إلى عمل في حال من ~~حالاتهم، فالعلم بهم محيط فهم متصرفون فيه، وينتقلون من معلوم إلى معلوم ~~بما ركب فيهم من الاستطاعة والقدرة، قد علم ممن عصاه أنه سيعصي، وأن من تاب ~~فقد علم أنه سيتوب، وإن PageV01P392 عاد فقد علم أنه سيعود، وليس علمه بأنه سيختار المعصية أدخله في العصيان، ~~لأن ضده قد يكون من العبد وهو التوبة والإحسان، فكيف يجوز على الواحد ~~الرحمن أن ينقل من عباده أحدا من رضاه إلى سخطه، إذا لقد جبره على معصيته، ~~ولو جبره عليها إذا لما كان بد للعبد من الدخول فيها، ولو دخل العبد فيما ~~أدخلهربه فيه لوجب له الثواب عليه، ولكان لله من المطيعين، إذ هو جار على ~~مشيئة رب العالمين، ولما كان في الخلق عاص، ولكان الله عن ms016 كلهم راضيا، ~~ولكان في القياس إبليس عند الله مرضيا إذ هو يجب أن يدعوا إلى ما شاء الله ~~لعباده ورضي، ولما ذمه في التكبر والعصيان؛ إذ الحامل له والمدخل له فيه ~~الرحمن، ولما قال: { ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك{ وهو يعلم أنه المانع له من ~~السجود، فتبارك الله عن ذلك الواحد المعبود. PageV01P393 # ألا ترى كيف تبرأ من أفعالهم، ويأمر بالمجاهدة لهم على اليسير من أعمالهم، ~~ولو كان المتولي لذلك فيهم لما عابه سبحانه منهم، ولما حض عباده على تغيير ~~ما أحدث فيهم عليهم، ألا تسمع كيف يقول: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين } [الحجرات:9]، فقال: { اقتتلوا{ ، فألزمهم الفعل، وقال: { فقاتلوا ~~التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله{ ، فأوجب على غيرهم من المؤمنين نصر ~~المظلومين (على الظالمين)، فلو كان على قول الجاهلين، لكان قد ألزم ~~المؤمنين قتال من لا يجب قتاله، ومن تجب ولايته، إذ أجاب الله في دعوته، ~~وجرى له في طاعته، وبغى على من أمره بالبغي عليه، ولو كان الله المحدث ~~البغي في الفاعل له، لكان قد أمر عباده بقتاله حصرا فيه دون غيره حتى يفيء ~~هو ويرجع عن إرادته ومشيئته، ولكان أيضا قتال عباده قتاله دونهم، فكان ~~مقاتلا نفسه على فعله، إذ كان فعل المقاتل والمقاتل له فعلا واحدا، فتبارك ~~الله المتقدس عن ظلم العباد، المتعال عن اتخاذ الصواحب والأولاد، كما قال ~~سبحانه: { وما ربك بظلام للعبيد{ . # والحمد لله الحميد على ما خصنا به من التوحيد، ودلنا به من الدلالات فيما ~~أبان من خلق الأرضين والسماوات وغيرهما من الآيات. # تم الجواب PageV01P394 ### || المسألة الرابعة: هل أراد الله تعالى خيرا في خلق النار ؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن أهل النار وعن النار، فقال: خبرونا عن أهل النار ~~ألخير أراد الله بهم فوضعها فيهم؟ أم الشر أراد بهم؟ فإن قالوا: الخير أراد ~~بهم، فيقال لهم: وكيف ms017 ذلك، وقد جعلها وقد علم أنهم لا ينتفعون بها، وأنها ~~لا تكون إلا في مضرتهم، وإن زعموا أنه جعلها فيهم ليضرهم انتقض عليهم قولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من أمر النار، وقال: لم خلقها الله الرحمن؟ الشر أراد ~~بخلقه لها؟ أم الإحسان؟ PageV01P395 # فنقول: إن الله تبارك وتعالى، جعل النار في دار الدنيا مزجرة لمن اهتدى، ~~لما فيها من التذكرة بالنار التي وعدها الله للكافرين في دار الآخرة، ولا ~~شيء - والحمدلله - أبين نورا ولا أظهر خبرا من أن يكون خلق خلقا أراد منهم ~~أمرا وكره منهم ضده، وأمرهم بما أراده، ونهاهم عما سخطه، ثم خلق لهم ثوابا، ~~وأعد لهم عنده عقابا، ثم استدعاهم إلى الطاعة بالثواب، ونهاهم عن المعصية ~~بالعقاب، فعبد خوفا من عقابه، وأطيع طمعا فيما جعل من ثوابه، كما قال ~~تعالى: { تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ~~ينفقون } [السجدة:16]، فجافوا، لمخافته وطلب مرضاته، منهم الجنوب، وطهروا ~~أنفسهم من الذنوب، وطيبوا منهم السرائر والقلوب، فأمنوا بالطاعة أنفسهم من ~~نحل العاصين، واستوجبوا بذلك اسم المؤمنين، فكانوا كما قال فيهم ووصفهم رب ~~العالمين حين يقول: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا ~~تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون الذين يقيمون الصلاة ~~ومما رزقناهم ينفقون أولئك هم المؤمنون حقا لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق ~~كريم } [الأنفال:2]، فخافوا ربهم واهتدوا، ومن عذابه نجوا. فلما أعلم الله ~~العباد أجمعين أن الجنة مصير المؤمنين، وأن النار مقر الفاسقين، (ليحذر ~~أولوا الألباب النيران)، فأعملوا أنفسهم في الفرار إلى الرحمن، راغبين فيما ~~رغبهم فيه من الجنان، فسبحان من لطف بعباده بما جعل لهم من النار في بلاده، ~~تخويفا وترهيبا ومنافع وتقوية وترغيبا، { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة وإن الله لسميع عليم } [الأنفال:42]. ثم قال: { من جاء بالحسنة فله عشر PageV01P396 أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون } [الأنعام:160]، ~~وقال: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ms018 ذرة شرا ~~يره } [الزلزلة:9]، فجعلها لهم في الدنيا مزجرة وتخويفا وتحذيرا من نار ~~الآخرة، مع ما لهم فيها في دار الدنيا من المنافع التي لا تحصى، والمرافق ~~الجمة التي لا تستقصى، بها يطبخون ويخبزون، وبها من القر يحترسون، وبها في ~~ظلمات الليل يبصرون، وبها ينالون من الحديد ما ينالون من تصريفه في ~~أسبابهم، وتقويمه لمعاشهم من أدوات حرثهم وحفرهم، وغير ذلك من منافعهم، وما ~~يعدون لأعداء الله من السلاح، من السيوف والدروع التي تقيهم بأسهم، كما قال ~~سبحانه: { وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم } [الأنبياء:80]. # ألا ترى وتسمع كيف قال رب العالمين حين يذكر بالآية عباده المتقين، فقال: ~~{ أفرأيتم النار التي تورون أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشؤون نحن ~~جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين } [الواقعة:7173]، فجعلها الله الواحد الأعلى ~~منفعة في الدنيا للخلق طرا، ونكالا في الآخرة لمن استأهلها لا تفنى. # ففي هذا، والحمد لله من الجواب ما أزاح من لب ذي الشك التحير والارتياب، ~~وثبت في إيجاد النار، الحكمة لرب الأرباب. # تم جواب مسألته PageV01P397 ### || المسألة الخامسة: هل يستطيع الإنسان أن يجهل ما عرف؟ # ثم أتبع المسألة عن المعرفة، فقال: هل يستطيعون أن يجهلوا ما جعلهم الله ~~به عارفين؟ أم لا يستطيعون؟ # فإن قالوا: لا؛ فقد انتقض قولهم عليهم. وإن قالوا: نعم. فقل: هل يستطيعون ~~أن يجهلوا معرفة الله، فلا يعرفون أنه خالق كل شيء، ومصور كل شيء؟ فإن ~~قالوا: هذه الفطرة، وليس يثاب أحد عليها، فالخلق كلهم يعرفون أنه الله. ~~فقل: هل يستطيعون أن يجهلوا الليل والنهار والسماء والأرض والدنيا والآخرة ~~والناس والخلق كلهم أن الله خلقهم كما شاء وكيف شاء؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد ~~كذبوا، والناس كلهم شهود على كذبهم، وإن قالوا: لا؛ فقد تابعوك. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه، فقال: هل يستطيعون أن يجهلوا ما يعرفون؟ أو يعرفوا ما ~~يجهلون؟ فإن مسألته تخرج على ثلاثة معان، ونحن لها مفسرون، ولكلها إن شاء ~~الله مميزون: PageV01P398 # فأولها: معرفة الخالق، وهي فلن تدرك إلا بالعقل الصحيح، والقلب النضيج، ms019 قال ~~الله سبحانه: { فاعتبروا يا أولي الأبصار } [الحشر:2]، وقال سبحانه: { ليدبروا ~~آياته وليتذكر أولوا الألباب } [ص:29]، وقال: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له ~~قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } [ق:37]، فإذا صح مركب اللب، وثبت فهم القلب، ثم ~~تدبر أمره جميع الخلق، وقصدوا في ذلك قصد الحق تفرع لهم من الألباب وجودة ~~فكرهم وإنصافهم لعقولهم ما يدلهم على معرفة خالقهم، وقدرة سيدهم ومالكهم ~~ودلهم ذلك على أن لما يرون من خلق أنفسهم واختلاف الليل والنهار وتصريف ~~الرياح وغير ذلك من الأشياء خالقا، ليس كمثله شيء، ولا يشبهه من ذلك كله ~~شيء، ألا تسمع كيف يدل على نفسه بما أبان من قدرته في خلق سماواته وأرضه ~~وما بث فيهما كل أوان من صنعه، وينزل من السماء بقدر من رزقه، فقال سبحانه: ~~{ إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات ~~لقوم يوقنون واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا ~~به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون } [الجاثية:3]، فإذا صح ~~للمخلوق لبه وطاب له بالطاعة قلبه، ثم فكر وفي أمره كله تدبر، بان له أمر ~~خالقه، وثبت في صدره اقتدار مصوره. PageV01P399 # وأما المعنى الثاني: فما أمر الله العباد بعمله، وحرم عليهم ما هم فيه من ~~جهله، من الحلال والحرام، والصلاة والزكاة، والصيام والحج إلى بيته، ~~والوقوف بمشاعره العظام، وكل ما جاء به محمد عليه السلام، مما تعبد الله به ~~العباد، وألزمهم فيه الاجتهاد، وهذا فلا يعلم ولا يسمع إلا بمخبر عن الله ~~مسمع متكلم بالحق مناد، ولمن خالفه في ذلك معاد، وكذلك وبذلك بعث الله ~~الأنبياء إلى عباده ليؤدوا إليهم فرائضه وأمره، وينادوهم بذلك فيسمعوا، ~~ويعلموهم إياه فينتصحوا فينجوا، ولو لم يكلموهم به ويسمعوهم إياه لم يقفوا ~~على علم ذلك أبدا، ولم يعرفوا حدوده أصلا، فلم يكن في الفرائض لهم بد من ~~مبلغين، ومرسلين مبشرين ومنذرين، ففعل الله بهم كذلك، وبعث إليهم الرسل ~~بذلك، رحمة منه سبحانه لهم، وعائدة منه بفضله ms020 عليهم. # وأما المعنى الثالث: فهو ما أدرك وعلم بالتجربة مما لم يكن ليدرك أبدا ~~إلا بها، ولا يصح لطالب إلا منها، من ذلك ما أدركه المتطببون من علم ما يضر ~~وما ينفع، وما يهيج وما يقمع، وما يقتل من السموم وما يردع السم عن ~~المسموم، وما يفسد العصب، وما يجتلب بأكله العطب، وغير ذلك مما يطول ذكره، ~~ويعظم لو شرحناه أمره، مما لا يدرك أبدا إلا بالتجربة أولا. # فمن هذه الثلاثة المعاني تصح المعارف كلها للعارفين، ويثبت الفهم ~~للمتفهمين، وقد يجهل ذلك كله من شاء أن يجهله، كما يعرفه من شاء أن يعرفه ~~بأهون الأمر، وألطف الخبر. # فأما التجربة فيجهلها من لم يجرب الأشياء. وأما الفهم والتمييز بالعقل ~~فقد يبطله شارب الخمر بشربه الخمرة فيزيل بذلك ما ركب فيه من لبه، ومن ذلك ~~رقاد الراقد، إذا رقد لم يعلم ممن يدخل إليه أو يخرج عنه بأحد، والتبس عليه ~~الليل والنهار، وعميت عنه بكليتها الأخبار، حتى ربما استرقد ليلا فلا يعلم ~~حتى يهجم عليه النهار، وربما رقد نهارا فلا يعلم حتى يهجم عليه الظلام، ~~ويزول الإبصار. PageV01P400 # فكيف يقول أن أحدا لا يقدر على جهل ما علم ولا علم ما جهل لسبب يعلم ولا ~~بحيلة تفهم؟ ألا ترى أن السكران يعلم في حال سلامة عقله بما يشينه وينقصه ~~ويفضحه من عمله، حتى لو أعطى من يدعي المروءة منهم ورشى جزاء من الرشاء ~~عظيما، حين سلامة لبه، على أن يكشف له ثوبا أو يبدي من نفسه عيوبا لم يكن ~~ليفعل، وإذا شرب وسكر لم يعلم له بسواية، وجاءت وطهرت منه في نفسه، ولها ~~الفضيحة والنكاية، فهل ذلك إلا من جهله بما كان يعلم؟ وقلة معرفته في تلك ~~الحال بما كان يعمل؟ أو ما رأى من علم علما وروى رواية وحكما من علماء ~~وحكماء، بل من أحكم القرآن وتلا عن ظهر قلبه الفرقان، ثم ترك قراءته دهرا ~~فجهل ونسي ما علم منه طرا؟ أو ما رأى من كان دهره جاهلا وعن كل خير وعلم ms021 ~~غافلا، ثم انتبه لنفسه، وأنف من جهله فتعلم فعلم ونظر ففهم؟ # وكل ما ذكرنا والحمد لله فنقض لكل ما عنه سأل وظن بذلك أنه قد أحال في ~~الكلام كل محال، ولم يعلم أنه في قوله قد أحال وأخطأ في كل ما عنه سأل ~~وتعسف في مدلهمات ظلم المقال، وكشفنا عنه وعن غيره من الخلق ممن يريد ويقصد ~~الحق طخياء ديجور جهله، وبينا له ما التبس عليه من أمره حين أقدم بالقول، ~~فقال: هل يقدر إنسان أو قدر قط ذو بيان على أن يجهل ما علم أو يعلم ما جهل ~~في حالة من الحالات أو وقت من الأوقات، وزعم أن أحدا لا يدخله في ذلك أبدا ~~ارتياب، ولا يجهله بسبب من الأسباب، وقد وجدنا ذلك بخلاف قوله، وعلمنا أن ~~فعل ربه بخلاف فعله، لا ما نسب هو إلى ربه وقلده سبحانه ما ليس من صنعة، ~~فعلمنا أن الإبصار إلى ظلام الليل وإشراق النهار من فعل الإنسان لا من فعل ~~الرحمن. PageV01P401 # ثم إن المعرفة من العارف تفرعت من لبه عند استعماله لفكره، واستخراجه ما ~~أمر باستخراجه من التمييز بعقله، وقد نجد المبصر بعينه يبصر إلى ما يحل له ~~ويحرم عليه، ولو كان النظر من الله لكان الله المدخل له فيه، الناظر الباصر ~~دون الإنسان إليه، تعالى عن ذلك رب العالمين، وتقدس عن مقال الجاهلين. # تم جواب مسألته PageV01P402 ### || المسألة السادسة: من أنطق الناس ومن خلق الكلام؟ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة، فقال: أخبرونا عن الناس، من أنطقهم؟ ~~والكلام من خلقه؟ # فإن قالوا: الله؛ فقد انتقض قولهم، وذلك لأن الكلام يكون فيه الصدق ~~والكذب والتوحيد والإشراك، وأعظم الكذب الشرك بالله والتكذيب والافتراء ~~عليه؛ وإن أنكروا أن يكون الله خلق المنطق والكلام فذلك الكفر والشرك بالله ~~والتكذيب بما جاء به من عنده، فقل: خبرونا عن قول الله إذ قال في كتابه: ~~{ وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء وهو ~~خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } [فصلت:21]. # تمت مسألته # [جوابها:] ms022 # وأما ما سأل عنه مما ضل فيه ونسبه إلى الله وقال به من المنكر عليه، ~~فقال: خبرونا عن الناس من أنطقهم؟ وعن الكلام من خلقه؟ # فنقول: إن الله أنطقهم كما هداهم، وهداهم كما بصرهم، وبصرهم كما أسمعهم، ~~وأسمعهم كما مشاهم، وأمشاهم كما أبطشهم، وأبطشهم كما أقامهم، وأقامهم كما ~~أقعدهم، وأقعدهم كما أشمهم، وأشمهم كما أنكحهم، فلم يكن منه في ذلك كله فعل ~~غير خلق الأداة؛ خلق الرجل للمشي فمشى، وخلق الأذن للسمع فسمع، وخلق الأنف ~~للشم فشم، وخلق العين للنظر فنظر، وخلق الفرج للنكاح فنكح، فما ناله ~~الإنسان من تلك الأدوات فهو من فعله، وليس من فعل الله فعل عبده؛ الله خلق ~~الفرج امتنانا عليه به لينال به من الشهوة ما نال، وفعل العبد فهو النكاح. ~~فهل يرى الحسن بن محمد - الوسن الجاهل - بقول غير ذلك، أو يقدر على نقض حرف ~~مما شرحنا أو به قلنا واحتججنا والحمد لله الواحد الأعلى. PageV01P403 # وكذلك كان فعله سبحانه في إنطاقهم، خلق لهم الألسنة واللهوات، وما يكون به ~~الكلام من الآلات، ثم أمرهم أن يذكروه ويسبحوه، فقال سبحانه وتعالى عن كل ~~شأن شأنه: { فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من ~~قبله لمن الضآلين } [البقرة:198]، وقال: { فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا ~~تكفرون } [البقرة:152]، ونهاهم عن أن يقولوا عليه غير الحق، فقال: { ولا ~~تقولوا على الله إلا الحق } [النساء:171]، فجعل لهم سبب القول فيه، ونسبه ~~إليهم، ولم ينسبه إليه، وجعله - جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله - عن ~~افترائهم عليه، ولو كان الكلام من فعله، وكان الناطق به على ألسنتهم، لكان ~~هو القائل في نفسه ما أنكره عليهم، من ذلك قول فرعون: { أنا ربكم ~~الأعلى } [النازعات:24]، وقول الكافرين لكتاب رب العالمين: { أساطير ~~الأولين } [المؤمنون:83]، و{ هذا إفك قديم } [الأحقاف:11]، ومن ذلك ما قالوا ~~للأنبياء المطهرين صلوات الله وبركاته عليهم أجمعين، وما رموهم به من السحر ~~والجنون، قال الله تعالى: { كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ~~ساحر أو ms023 مجنون أتواصوا به بل هم قوم طاغون } [الذاريات:52]. أفترى الجاهل ~~المفتري، الظالم لنفسه الغوي، يقول: إن الله سبحانه كذب أنبياءه ورماهم بما ~~قال الكافرون من السحر والجنون فيهم، وحمل الكافرين على أن يسيئوا بهم ~~الظنون، وينسبوا إليهم الكذب والسحر والجنون؟! بل كيف ينطقهم بالتكذيب لهم ~~والافتراء عليهم، وهو يأمرهم بالطاعة لهم، ويعطيهم الجنان على الإيمان بهم؟ ~~فقال سبحانه: { سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض ~~أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ذلك فضل الله PageV01P404 يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } [الحديد:21]، وقال: { والذين آمنوا ~~بالله ورسله أولئك هم الصديقون والشهداء عند ربهم لهم أجرهم ونورهم والذين ~~كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب الجحيم } [الحديد:19]؛ كذب القائلون على ~~الله بذلك، ووقعوا عنده في المهالك، فسبحان الرؤوف الرحيم، العدل الجواد ~~الكريم. # وأما ما سأل عنه مما التبس عليه، وتحير فيه لقلة العلم بالله فيه، من ~~قوله سبحانه: { وقالوا لجلودهم لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق ~~كل شيء وهو خلقكم أول مرة وإليه ترجعون } [فصلت:21]، فتوهم أن معنى: { أنطقنا ~~الله{ هو: تكلم علينا وقال ما قلنا، وليس في ذلك كذلك، بل هو على ما شرحناه ~~أولا. ومعنى { أنطقنا الله{ : أي جعل فينا استطاعة ننطق بها، وأذن لنا بالنطق ~~فنطقنا، وشهدنا حينئذ بما علمنا. ولو كان الله الذي فعل الكلام بعينه، وولى ~~قوله بنفسه دون غيره، لقالت جلودهم: نطق الله علينا فيكم، وشهد هو لا نحن ~~عليكم، وتكلم علينا بما علم منكم؛ تعالى الله عما يقول المبطلون، ويضيف ~~إليه الملحدون. وليس إنطاقه إياها في الآخرة إلا كإنطاقه للألسنة في الدنيا ~~والآخرة، وليس إنطاقه للألسنة إلا كإسماعه السمع، فلما جعل في السمع ~~استطاعة على أن يسمع سمع. وكذلك العين واليد والرجل؛ والعين الله خلقها، ~~والنظر إلى الأشياء فعل العبد؛ واليد الله خلقها، والإنسان يبطش بها؛ ~~والرجل فالله خلقها، والإنسان بها مشى. فمن الله سبحانه خلق الأدوات وإيجاد ~~الآلات في الأبدان؛ وما تفرع منها فمن أفعال الإنسان، وذلك ولله الحمد ~~والمن فيين ms024 الشأن لمن عرف الله على حقيقة العرفان. # تم جواب مسألته PageV01P405 ### || المسألة السابعة: من خلق الحركات؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن الحركات، فقال: من خلقها؟ # فإن قالوا: الله خلقها؛ كان ذلك نقضا لقولهم، وذلك أن كل عمل من خير أو ~~شر، طاعة أو معصية، إنما يكون بالحركات. فإن قالوا: إن الله لم يخلقها؛ فقد ~~أشركوا بالله، وذلك ابتلاء عمل، لأنه لا يتم خلق الإنسان إلا بالحركة. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه فقال: من خلق الحركات اللواتي تكون من الخلق في الحالات؟ # فنقول: سبحان الله الرحيم، العدل الجواد، البريء من أفعال العباد، المقدس ~~عن القضاء بالفساد، كما قال في نفسه ذو الأياد: { إن الله لا يأمر بالفحشاء ~~أتقولون على الله ما لا تعلمون } [الأعراف:28]، ثم نقول: إن بين أفعال الله ~~وأفعال خلقه فرقا بينا، وأنه واضح في الخلق عند من أراد معاني الحق. فأفعال ~~الله متتابعات متلاحقات في كل شأن، وأفعال المخلوقين ذوي العجز المربوبين ~~فغير متلاحقات، بل هن عن التلاحق عاجزات، وآخر أفعال الله بأولهن لاحق، ~~وأولهن لآخرهن غير سابق. فأفعال الخالق موجودات معلومات، ثابتات متجسمات، ~~وأفعال الخلق فزائلات غير موجودات، بل هن في كل الحالات معدومات، وفي ذلك ~~والحمد لله من البيان ما فرق عند ذوي العلم والإتقان بين أفعال الخالق ذي ~~البقاء والجلال، وبين أفعال الخلق ذوي الفناء والزوال. PageV01P406 # ألا ترى وتسمع كيف أكذب الله من نسب أفعال العباد إلى ربه؟ فأكذبه سبحانه، ~~ونفاها عن نفسه، حين يقول: { وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا ~~والله أمرنا بها قل إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون{ ، وقال: { ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس ~~في جهنم مثوى للمتكبرين } [الزمر:60]، أفظن من جهل وعمي أن الله فعل كذبهم ~~عليه، ثم رماهم به وقال إنهم قالوه فيه؟ فمن يا ويحه إذا الكذوب المبطل، ~~الظالم المتعدي، الغشوم المدغل؟ من قال وفعل؟ أم من لم يقل ولم يفعل؟ أما ~~سمع الحسن بن محمد قول ms025 الجليل، وما حكى في أوضح التنزيل، عمن ظلم وجار ~~وأساء، وفعل فعلا ثم رمى به إلاهه واعتدى من قصي بن كلاب، ومن به اقتدى ممن ~~سلك مسلكه وتبعه، وشرع في ذلك مشرعه، فسن لقريش سنة اتبعتها، واقتدى جميع ~~العرب بها، فبحر لهم البحائر، وسيب لهم السوائب، ووصل لهم الوصائل، وحمى ~~لهم الحام، فكانوا على ذلك حتى ظهر الإسلام، وأكرمهم الله بمحمد عليه ~~السلام، فقال الله سبحانه في ذلك، ونفى عن نفسه ما رموه به من ذلك، وألزمهم ~~فعله، وبرأ منه تبارك وتعالى نفسه، فقال: { ما جعل الله من بحيرة ولا سآئبة ~~ولا وصيلة ولا حام ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب وأكثرهم لا ~~يعقلون } [المائدة:103]. # أفترى الحسن بن محمد، ومن استجهله فقال بقوله وذهب مذهبه، يقولون لله إذ ~~نفى ذلك من فعلهم عن نفسه: بل أنت فعلته فيهم وخلقته وركبته لديهم، ~~وأدخلتهم فيه، وقضيته عليهم؟ لقد كذبوا إذا الرحمن العلي الأعلى، وصدقوا ~~قريشا الجاهلية الجهلاء، وكفروا بالله كفرا يقينا، واحتملوا بهتانا وإثما مبينا. PageV01P407 # ففي هذا والحمد لله من الحجة كفاية لمن كانت له بالحق من الخلق عناية. # وممما نحتج به على الحسن بن محمد من المقال، وندحض به قوله المحال، أن ~~يقال له: إذا كنت تزعم أن الله خلق هذه الحركات التي هي من أفعال العباد، ~~من أخذ وإعطاء، وحذوا واحتذاء، ولبس وارتداء، وقول ومقال، وزور ومحال؛ فلا ~~نشك نحن ولا أنت ولا أحد علم شيئا أو فهم أن قريشا بنت بنخلة العزى، وثقيفا ~~بالطائف اللات، فزينوهما بالجواهر والعقيان، ثم عبدوهما وجعلوهما قسما من ~~دون الله الرحمن؛ ومن ذلك ما جعلت ونحتت وأقامت ونصبت على الكعبة وفيها ~~قريش من الأصنام، وما كانوا يجلون ويعظمون ويذبحون لهبل وأشباهه عند بيت ~~الله الحرام، فيقول الحسن بن محمد: إن الله تعالى بنى لهم اللات والعزى، ~~وأمرهم بعبادتهما، والقسم دونه بهما، وأنه أقام لهم تلك الأصنام، وأضل بها ~~كل من ضل بها من الأنام، وعظمهن وذبح - جل عن ذلك - لهن، وقرب تلك القرابين ms026 ~~إليهن؛ لعمر الحسن بن محمد وأتباعه وأهل البدعة من أشياعه، لو كان الله خلق ~~وفعل أفعال الفاعلين، لكان العابد دون من عبدهن لهن، فلذلك يلزم من قال ذلك ~~بلا شك بهذا القول الكفر، إذ يقولون: إن الله فاعل أفعال قريش دونها، وفاعل ~~كل ما فعله من الفواحش غيرها، فلم - يا ويحه! - إذا بعث محمدا إليهم يعيب ~~ذلك عليهم؟! لقد بعثه إذا يعيب عليه فعله دونهم، ويبطل ما صنع، ويخفض ما ~~رفع، وقريش إذا كانت لله مطيعة، وفي مرضاة خالقها ماضية سريعة فيما فعل، ~~معظمة محلة لما أحل، ومحمد لله في فعله مضاد، وفي كل قضائه محاد؛ فلقد إذا ~~هدم محمد صلى الله عليه وآله ما بنى الرحمن، وعانده وخالف عليه في كل ما ~~شأن، فهذا أكفر الكفر، وأعظم الفرية على الله والأمر، فسبحان من هو بريء من ~~عصيان كل عاص، وطغيان كل مفتر طاغ. # تم جواب مسألته PageV01P408 ### || المسألة الثامنة: هل الأعمال شيء أم أنها ليست شيئا؟ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن الأعمال، فقال: خبرونا عن الأعمال ~~التي عمل بها بنو آدم، أشيء هي؟ أم ليست شيئا؟ فإن قالوا: بل هي شيء. فقل: ~~من خلق ذلك الشيء؟ فإن قالوا: الله خلقه؛ انتقض عليهم قولهم. وإن قالوا: ~~ليس ذلك مخلوقا؛ كان ذلك شركا بالله، وتكذيبا لكتابه، لأن الله سبحانه خالق ~~كل شيء. فقل لهم: ألم تعلموا أن أفعال بني آدم شيء؟ فإن قالوا: نعم. فقل: ~~والله خلقها. فإن قالوا: ليست بشيء. فقل لهم: فقد زعمتم أن الله يثيب على ~~غير شيء، ويعذب على غير شيء، ويغضب من غير شيء، ويرضى من غير شيء، ويدخل ~~الجنة بغير شيء، ويدخل النار بغير شيء. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من أفعال العباد، فقال: أشيء هي أم غير شيء؟ وقال: إن ~~كانت شيئا فمن خلقها؟ وإن لم تكن شيئا فهل يعذب أو يثيب الله على غير شيء؟ # فإنا نقول، وإلى الله سبحانه نؤول: إنها شيء وأشياء، وطاعة وعصيان، ~~وإساءة وإحسان، ألم ms027 تسمع الله سبحانه يقول: { لقد جئتم شيئا إدا تكاد ~~السماوات يتفطرن منه وتنشق الأرض وتخر الجبال هدا أن دعوا للرحمن ولدا وما ~~ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدا } [مريم - 92:88]، فسمى تحرك ألسنتهم بما قالوا من ~~الكذب والافتراء شيئا، ثم أخبر بأن السماوات لو كان فيهن من العقول ~~والتمييز ما فيكم لانفطرن لإعظام ما جاء من قولكم، وكذلك لو أن الجبال كان ~~فيها بعض ما ركب (فيكم من الفهم) لخرت لإعظام اجترائكم على الخالق بما به ~~اجترأتم. وقال سبحانه: { وكل شيء فعلوه في الزبر } [القمر:52]، فسمى أفعالهم ~~شيئا، فقد أوقع في الزبر، والزبر فهي الكتب. # وقال ابن عباس: إن الزبر التي ذكر الله أن أفعالهم فيها هي هذه الكتب ~~التي أنزلها الله على أنبيائه من التوراة والإنجيل والفرقان الكريم الجليل. PageV01P409 # ونحن فنقول: إن الزبر هي الكتب التي ذكر الله في قوله: { ونخرج له يوم ~~القيامة كتابا يلقاه منشورا اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك ~~حسيبا } [الإسراء:13]، وفي قوله: { هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا ~~نستنسخ ما كنتم تعملون } [الجاثية:29]، فهذه التي ذكر الله من الكتب عنده، ~~وأنه يظهرها يوم دينه وحشره هي الزبر التي ذكر الله أن أفعالهم فيها، لا ما ~~قال ابن عباس من أنها هي المنزلة على أنبيائه، من توراته وإنجيله، وما نزل ~~على محمد من فرقانه، ألا تسمع كيف يقول: { وكل شيء فعلوه في الزبر وكل صغير ~~وكبير مستطر } [القمر:52،53]، وهذه الكتب المطهرة من التوراة والإنجيل ~~والفرقان المكرمة ففيها بعض ما فعل العباد، وكثير منها لم يقص خبره، ولم ~~يذكر جل جلاله أمره، كما قال ذو العزة والأياد، ورافع السماء وداحي الأرض ~~ذات المهاد: { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك } [غافر:78]، وقال: ~~{ نتلوا عليك من نبإ موسى وفرعون } [القصص:3]، يريد نقص عليك بعض خبرهما، وما ~~كان من محاورتهما وأمرهما، وقال سبحانه في أهل الكهف، وما كان من سؤال قريش ~~للنبي عنهم، فقال الله في ذلك: { إذ يتنازعون بينهم أمرهم فقالوا ابنوا ~~عليهم بنيانا ربهم ms028 أعلم بهم قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا ~~سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون ~~سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل فلا تمار فيهم ~~إلا مراء ظاهرا ولا تستفت فيهم منهم PageV01P410 أحدا } [الكهف:21،22]، وقال سبحانه: { منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص ~~عليك{ ، وقال: { من نبإ موسى وفرعون{ ، فأخبر نبيه صلى الله عليه وآله وسلم ~~بما كان من قول أهل بلدهم فيهم، وقص عليه قبل ذلك ما كان من فعلهم في ~~أنفسهم - رحمة الله عليهم - واعتزالهم إلى الكهف، وإخلاصهم لله دينهم، ثم ~~أمره بأن لا يماري فيهم إلا مراء ظاهرا، وكتمه عدتهم، ثم قال: { قل ربي أعلم ~~بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل{ ، ففي كل ذلك يخبر أنه لم يعلمه صلى الله عليه ~~وآله وسلم، ولم يخبره في كتابه من أخبار من مضى وفات في قديم الدهر وانقضى ~~إلا باليسير من القصص دون الكثير، ويدل على أن ما لم يقص عليه من أخبار ~~الأمم الماضية، والحقب الخالية أكثر مما قص، وأعظم وأطول وأطم، وكل ذلك ~~فدليل من الله في واضح التنزيل، على أن ما ذكر الله من الزبر التي فيها كل ~~ما فعله العباد مستطر غير هذه الكتب التي ذكر فيها جزءا وترك، ولم يذكر ~~بعضا؛ لأن ما جمع فيه كل شيء بخلاف ما جمع فيه بعض شيء، إذ نصف الشيء وبعضه ~~خلاف الشيء كله. PageV01P411 # فأما الكتب التي ذكرها الله في كتابه ونزل فيها ما نزل من وحيه وقرآنه، فهي ~~ما أقسم به سبحانه حين يقسم فيقول: { والطور وكتاب مسطور في رق ~~منشور } [الطور:1]، وقوله: { ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء } [النحل:89]، ~~وقال سبحانه فيما حكى عن مؤمني الجن إذ صرفهم إلى نبيه يستمعون من القرآن، ~~فقال: { وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا ~~أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا ~~أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه ms029 يهدي إلى الحق وإلى طريق ~~مستقيم } [الأحقاف:29]. فهذا وما كان مثله في القرآن من ذكر الكتاب والكتب ~~فهو ما أوحى الله ونزل سبحانه مما قص فيه من أخبار خلقه وما أراد، وترك ما ~~لم يرد من أخبار العباد. PageV01P412 # ثم نقول من بعد شرحنا ما أراد الله في قوله: { وكل شيء فعلوه في الزبر{ : إن ~~هذه الزبر، وإن الاستنساخ، وإن الكتاب الذي يخرج لهم فيه أخبارهم وما كان ~~من أعمالهم، فهو كاللوح المحفوظ، واللوح والكتاب والزبر عند رب الأرباب، ~~فهو العلم المعلوم، والمحيط بالملك المفهوم، الذي لا يزل شيء من الأشياء ~~عنه، ولا يخرج ولله الحمد منه، وهو علم الله العالم بنفسه، المتقدس عن شبه ~~خلقه. وإنما يحتاج إلى كتاب المعلومات من يكل علمه في بعض الحالات، فأما رب ~~الأرباب فهو محيط بكل الأسباب. فكل ما عمل الخلق فهو في العلم المستطر، أي ~~فمعناه: معلوم مختبر، يوقفهم في يوم حسابهم عليه فيعرفونه طرا لديه، فلا ~~يضل عن أفهامهم بقدرة الله شيء من أعمالهم، { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ~~ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } [الزلزلة:7]، وقال: { ووجدوا ما عملوا حاضرا ولا ~~يظلم ربك أحدا } [الكهف:49]، وقال لقمان لابنه وهو يعظه: { يا بني إنها إن تك ~~مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله ~~إن الله لطيف خبير } [لقمان:16]، وقال في ذلك رب العالمين: { وإن كان مثقال ~~حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين } [الأنبياء:47]، فأخبر أنهم يلاقون ~~كل ما كانوا يفعلون، وأن ذلك كله صغيره وكبيره مثبت في الزبر عنده، وكل هذه ~~الأسباب تدل على أن الزبر خلاف ما نزل من الكتاب. # ثم قال: إن أثبتوا أن أفعال العباد شيء، فسلهم: من خلق ذلك الشيء؟ # فنحن بحمدالله نقول، وعليه منا المعمول: إن خالق كل شيء عامله، وعامله ~~ففاعله، قال سبحانه: { فتبارك الله أحسن الخالقين } [المؤمنون:14]، فسمى ~~العاملين خالقين، وقال شاعر من فصحاء العرب: # ولأنت تفري ما خلقت وبع PageV01P413 ض القوم يخلق ms030 ثم لا يفري # يريد: أنك تتم ما دخلت فيه وصنعته، وتكمل كل ما قمت به وعملته، وغيرك لا ~~يصدر إذا أورد وأنت تصدر حين تورد. # وقد يرى من يفسد ويسرق ويكذب ويفسق، فهل يقول الحسن بن محمد في ذي الجلال ~~خالقه إنه المتولي لذلك الفعل دون فاعله؟ فيكون قد قال بخلاف قول الله، ورد ~~في ذلك كله على الله حين يقول: { أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون } [الواقعة:63]، فميز بين الحرث والزرع، فجعل شق الأرض وحرثها ~~وتسويتها وبذرها لهم فعلا، وجعل إخراجه وفلق حبه وزرعه وتقويته له فعلا، ~~فقال سبحانه: { إن الله فالق الحب والنوى } [الأنعام:95]، وكذلك تقول العرب ~~للغلام إذا أرادت له الخير والإكرام: زرعك الله زرعا حسنا؛ تريد: بلغك ~~وأنبتك نباتا حسنا، قال الله سبحانه: { فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها ~~نباتا حسنا } [آل عمران:37]، يريد أنشأها وكبرها وغذاها فأحسن بإرزاقه ~~غذاءها. # وقد يكون من هذه الأشياء - التي هي أفعال - الزنا وشرب الخمر وارتكاب ~~الرذائل، فماذا يقول الجاهلون في هذه الأشياء؟ من فعلها عندهم؟ الخالق؟ أم ~~المخلوق؟ ومن أظهرها وأوجدها الرب؟ أم المربوب؟ فتقدس وتعالى ذو الجلال عما ~~يقول المبطلون. # بل، ما يقول - ويحه وويله من الله سبحانه وعوله - في هؤلاء المجوس الذين ~~أقاموا لأنفسهم نارا وبنوا لها تعظيما وإجلالا دارا، ليلهم ونهارهم ~~يؤججونها ويوقدونها، وهم في ذلك من دون الله يعبدونها، أهم اجترأوا على ~~الله فيما فعلوا؟ أم الله أدخلهم في عبادة ما عبدوا؟ PageV01P414 # فإن قال: بل فعله المجوس الأنجاس، وتعدى به على الله العصاة الأرجاس؛ فقد ~~أصاب الجواب وأجاب في ذلك بالصواب. وإن قال: إن الله فعله، وأدخلهم فيه، ~~وقسرهم على ذلك، وأجبرهم عليه؛ فقد زعم أنهم يصبحون ويمسون لله مطيعين وفي ~~مرضاته سبحانه ساعين، إذ هم في قضائه وإرادته متصرفون، وفيما أدخلهم فيه ~~داخلون، وعما صرفهم عنه من طاعته منصرفون. # بل، فليخبرنا أهل هذه المقالة من أهل المحاربة لله والضلالة: ما الذي يجب ~~عليهم ويرضونه في أحبابهم وفيهم، إذا رأوا مجوسيا يشتم الله؟ التغيير ms031 عليه؟ ~~أم الإقساط إليه والإحسان؟ فإن قالوا: بل يجب عليه التغيير والنكير إن نحن ~~سمعنا شاتما يشتم الرحمن اللطيف الخبير. قيل لهم: لم ذاك، وأنتم تزعمون في ~~أصل قولكم، (أن الله الذي فعل أفعالكم وأفعالهم دونكم، فيجب في قولكم)، أن ~~الشاتم بريء من شتمه، وأن الله سبحانه الشاتم دون المجوسي لنفسه، إذ زعمتم ~~أن ذلك فعل الله دون مخلوقه وعبده. فلئن كان عليه الله بذلك قضى فما قضى ~~إلا بما أراد سبحانه وارتضى، أفتنكرون على المجوس المؤتمرين بما أراده منهم ~~رب العالمين؟! لقد إذا سخطتم من الله ما ارتضى، ورضيتم له من ذلك له ما لم ~~يرد ولم يشأ. بل الواجب في ذلك على كلكم - إن كان القول في الله كقولكم - ~~تكرمة المجوس والإحسان إليهم، إذ قد قاموا لله بما قضى به عليهم، فهم لله ~~في قولكم ومذهبكم مطيعون، وأنتم ومن قال بقولكم لله سبحانه عاصون، إذ أنتم ~~لما أراد منهم ولم ينكره عليهم منكرون، وأنتم لهم ظالمون، وعليهم بالمنكر ~~متحاملون. PageV01P415 # ففي قليل مما احتججنا به من عدل الله ما كفى عن إعادة ما ذكرنا أولا وشفى - ~~والحمد لله - عن التطويل وأغنى، غير أنا لا نجد بدا إذا كرر وسأل من أن ~~نشرح ونفسر كل ما يقوله من المقال، وإذا احتج بالمحال أبطلناه، وإذا عارض ~~الحق بالباطل دمغناه، كما قال مولانا لا مولاه: { بل نقذف بالحق على الباطل ~~فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون } [الأنبياء:18]، وقال في تولي ~~المحقين وخذلان المبطلين: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا ~~مولى لهم } [محمد:11]، يقول سبحانه: لا ولي ولا متولي، ولا مرشد لهم، ولا كافي. # تم جواب مسألته PageV01P416 ### || المسألة التاسعة: الآجال # ثم أتبع ذلك المسألة عن الآجال، فقال: خبرونا عن الآجال، من وقتها؟ ~~أموقتة هي أم غير موقتة؟ فإن قالوا: الله وقتها؛ فقد أجابوك. فقل: هل ~~يستطيع أحد أن يزيد فيها أو ينقص منها؟ إن شاء عجلها عن وقتها وإن شاء ~~أخرها؟ فإن قالوا: لا؛ فقد انتقض عليهم قولهم. ms032 وإن قالوا: نعم. فقل لهم: ~~فقد زعمتم أن الناس يستطيعون أن يقدموا ما أخر الله، ويؤخروا ما قدم الله، ~~وهذا هو التكذيب لما جاء من عند الله، وذلك قوله: { ولن يؤخر الله نفسا إذا ~~جاء أجلها والله خبير بما تعملون } [المنافقون:11]. # تمت مسألته # [جوابها:] # وسأل عن الآجال، فقال: هل يستطيع أحد أن ينقص منها أو يتعدى فيقطع ويتلف ~~بعضها؟ وزعم أن ذلك لا يكون أبدا ولا يقدر عليه أحد أصلا، ولا ينال أحد على ~~أحد تعديا. # فقول أهل الحق أجمعين، والله سبحانه على ذلك المعين: أن الله وقت لعباده ~~آجالا، وضرب لهم في أمورهم أمثالا، وجعل فيهم قدرة على أن يقتل بعضهم بعضا، ~~فمن شاء خاف ربه في كل حال واتقى، ومن شاء كفر وظلم وأساء، وجار في فعله ~~وخالف واعتدى. ألا تسمع كيف يقول رب العالمين لجميع من أمره من المأمورين: ~~{ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق } [الأنعام:151]، فنهاهم عن قتل ~~النفس، إذ علم أنهم عليه مقتدرون، وفي ذلك - ولله الحمد - مطلقون وله ~~مطيقون، ولو لم يعلم أنهم كذلك، ولا أنهم يقدرون على شيء من ذلك لما نهاهم ~~عنه ولا حذرهم منه؛ لأن نهي الإنسان عن الطيران مستحيل في اللغة واللسان، ~~وعند كل من عرف البيان. PageV01P417 # ولقد فرق الله بين فعل عباده في ذلك وبين فعله، وبين سبحانه لهم كل أمرهم ~~من أمره، فقال سبحانه: { وجاءت سكرة الموت بالحق ذلك ما كنت منه ~~تحيد } [ق:19]، فأخبر أن سكرة الموت، وورود ما ينتظر من الفوت من الله، لا من ~~الخلق، فصدق الله، إن الموت يأتي بالحق، وينزل بما وعد من الصدق. فسمى ما ~~كان منه حقا وحكما، وما كان من عباده الظلمة عدوانا وظلما، ولو كانا من ~~الله شرعا سواء، لذكر الله أنهما منه جميعا حقا. # وقال جل جلاله: { ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة ~~خير مما يجمعون } [آل عمران:157]، ففرق بين القتل والموت، فكان القتل من ~~عباده فعلا، والموت منه - عز وجل ms033 - حتما. # وقال: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان ~~منصورا } [الإسراء:33]، فقال: { قتل مظلوما{ ، فأخبر بقوله مظلوما أن له قاتلا ~~ظلوما عنيدا، { وما ربك بظلام للعبيد } [فصلت:46]. فإن كان قتل بأجله فأين ~~الظلم ممن قد استوفى كل أمله، وفنيت حياته، وجاءت وفاته، وفنيت أرزاقه، ~~وانقضت أرفاقه؟ فما يرى إذا ذو عقل للقاتل في مقتول فعلا، ولا عليه تعديا ~~ولا قتلا، ولا جناية ولا ظلما. ولا يرى له حاكم عليه حكما أكثر من جرح إن ~~كان جرحه؛ أو وكز إن كان وكزه؛ لأن قاتله ومفني أرزاقه ومبيد أيام حياته هو ~~رب العالمين في قول الجاهلين. ولو كان ذلك كذلك لنجا القاتل من المهالك، ~~ولم يكن على من جرح إنسانا متعمدا جرحا فقتله أكثر من أن يجرح جرحا مثله ~~ويخلى، فإن مات منه مضى، وإن بريء منه فقد سلم ونجا. PageV01P418 # وكذلك قال الله: { والجروح قصاص } [المائدة:45]، فما معنى قوله: { النفس ~~بالنفس{ عندهم، وماذا يقع عليه حقا ظنهم؟ أشيء سوى إخراج نفسه من جسده كما ~~أتلف وأخرج نفس صاحبه بجرحه؟ ولو كان كما يقولون لكان واجبا على الحكام إذ ~~يحكمون أن يقتصوا منه لأولياء المقتول جرحا، وخلوا عنه بعد ذلك، ولا يطلبون ~~لنفسه تلفا ولا قتلا، وإن انقطع أمله وحان أجله مات، وإن لم يحن أجله ونجا ~~من القتل والفوات، فيكون قد أتوا على ما قال الله في قوله: { والجروح قصاص{ . ~~لا! بل أراد سبحانه من ولي الأمر إخراج نفسه وإتلاف روحه وقطع عمره، ليجد ~~غب ما اكتسب من فعله. PageV01P419 # وقال سبحانه: { ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا{ ، فما هذا السلطان ~~الذي جعله الله لولي المقتول عند من قال بهذا البهتان والزور من القول ~~المخبول؟! فلا يجدون بدا ولله الحمد من أن يقولوا إنه ما جعل الله له من ~~القتل عليه وأطلقه له فيه بجناية يديه، فله أن يقتله إن شاء، وإن شاء أخذ ~~الدية أو عفى. ثم يقال لهم: هل جعل الله له سلطانا على ms034 ما يقدر إذا شاء ~~عليه أم على ما لا يصير أبدا إليه؟ فإن قالوا: على ما يقدر عليه؛ فقد رجعوا ~~عن مقالتهم، وتابوا إلى الله من جهالتهم. وإن قالوا: على ما لا ينال؛ ~~أبطلوا كتاب الله ذي الجلال ونسبوه سبحانه إلى الاستهزاء وقول الزور في ذلك ~~والردى. ثم يقال لهم: هل يقدر أحد من المخلوقين على قتل أحد من المربوبين، ~~وإن كان لم ينقطع أجله، ولم يفن في ذلك أمله، ولم يبلغ المدى الذي جعله ~~الله مداه وصيره له أجلا وجعله منتهاه؟ فإن قالوا: يقدر على ذلك منه بما ~~جعل الله من الاستطاعة فيه؛ فقد تركوا قولهم، وقالوا بالحق، ورجعوا وقالوا ~~على خالقهم سبحانه بالصدق. وإن هم قالوا بخلاف ذلك، فقد أبطلوا ما جعل الله ~~لولي المقتول من السلطان، وأكذبوا الله فيما أنزل من البرهان. وإن قالوا: ~~نحن نقول إن السلطان هو قتله بما قتل، ولم يمكن الولي تركه أبدا؛ لأنه إذا ~~وجب عليه السلطان فقد انقطعت حياته، وحلت وفاته، فلم يقدر على تخلية سبيله، ~~ولا بد للولي من أن يقتله بقتيله. قيل لهم: فأين قول الله جل جلاله وتقدس ~~عن أن يحويه قول أو يناله: { فمن عفي له من أخيه شيء } [البقرة:178]، فما معنى ~~{ عفي{ ؟ وإن جحدوا القرآن وأبطلوه كفروا، وإن سلموا للحق، فقالوا: يمكنه ~~العفو والصفح وأن يتصدق بذلك ويهبه ويأخذ الدية منه ويتركه. قيل لهم: يا ~~سبحان الله! ما أشد تناقض قولكم وأفحش ما تجيبون به من مذهبكم ورأيكم!! ~~ألستم تقولون في أصل مقالتكم إنه لا يوقف ولا يقدر عليه، ولا ينال PageV01P420 منه حتى ينقطع أجله فحينئذ يقتله من أطلق له قتله، وأنه إذا سلم إلى صاحبه ~~فقد انقطع أجله وذهبت أيامه، فكيف إذا يقدر ولي القتيل على تركه والعفو ~~عنه؟ وعلى تخلية سبيله يعيش ويأكل ويظل يمشي ويقعد ويورد ويصدر، ويقبل ~~ويدبر، وقد انقطع أجله وذهبت أيامه، وفنيت أرزاقه؟ أيقدر هذا على أن يعفو ~~والعفو يكون به للقاتل الحياة، وتزول عنه الوفاة؟ فكيف يقدر على ذلك ms035 وقد ~~انقطع عنه بزعمكم أجله، وذهب عمله وفني رزقه، وكتب الله عليه موته؟ كذب ~~العادلون بالله، وقالوا ظلما، واستحقوا بذلك عند الله إثما، وجعلوا أمور ~~الله كلها عبثا وهزؤا. # ويقال لهم: ما تقولون في قول الله سبحانه: { ويقتلون النبيين بغير الحق ~~ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون } [البقرة:61]، فسمى الله الجليل قتلهم لكل من ~~قتلوا من قتيل عصيانا، وذكره منهم جورا وعدوانا، فما قولكم في ذلك؟ وما ~~تدينون به وتعتقدون؟ أتقولون إن قتل الفاسقين لمن قتلوا من المؤمنين كان ~~بأمر من رب العالمين، وقضاء منه على الكافرين؟ ولو كان ذلك كذلك لوجب لمن ~~أنفذ قضاء ربه أجزل الثواب على فعله وأمره؛ وقد وعدهم الله على ذلك ~~النيران، وألزمهم في ذلك اسم العدوان، وهذا فأعظم الكفر بالرحمن، وما لم ~~يقل به عليه الشيطان. وإن قلتم: بل كان ذلك لمن فعله فعلا، ومنهم على ~~المؤمنين اعتداء؛ انتقض قولكم، ورجعتم إلى الحق في الله والصدق. # ويقال لهم: إذا زعمتم أن الأجل انقطع بأمر الله، وأن الله جاء به، وأن ~~انقطاعه من عنده، فمن جاء بالقاتل حتى قتل المقتول، الله جاء به وقضاه عليه ~~وأدخله فيه؟ أم إبليس أغواه وزين له قتله لديه؟ فإن زعمتم أن الله جاء ~~بأجله وبقاتله لينفذ ذلك من علم الله فيه؛ فقد زعمتم أن الله جاء بالظلم ~~والعدوان، وأدخل العبد في العصيان. فإن كان ذلك عندكم كذلك فعلام يعذب الله ~~الإنسان (إذ كان) في قولكم الله جمعهما على العصيان والظلم والبهتان. PageV01P421 # ويسألون فيقال: ألستم تزعمون أنه لن تخرج نفس من أحد، من حر ولا عبد، حتى ~~يأتي أجله ويستوفي أمله وكل عمله؟ وذلك من الله زعمتم. فما تقولون في رجل ~~ضرب السكين ضربة واحدة في نحر عبد مسكين، فمات وأنتم تنظرون، فما الذي أوجب ~~الله عليكم من الشهادة؟ أتشهدون أنه قتله؟ أم (تقولون: بل نشهد أنه وجأه ~~وجرحه، ولا ندري من قتله؟ أم تقولون: إن ربه الذي أتلفه؛ لأنه جاء بأجله، ~~ولو لم يأت أجله لدامت حياته، وطال عمره، ولم ms036 يكن الجرح ليرزأه؟ فهكذا ~~تقولون؟ أم عليه بتا بالقتل تشهدون؟ فإن شهدتهم بالقتل أصبتم؛ وإن قلتم غير ~~ذلك أحلتم. وماذا تحكمون على هذا الذي رأيتموه وجأ نحر المقتول، وفهمتموه ~~وقامت عليه بذلك شهود، وكلهم عند الإمام عدل محمود، أترون وتحكمون بقتله ~~كما قتل؟ كما قال الله سبحانه: { النفس بالنفس } [المائدة:45]، أم تجرحونه ~~جرحا مثله؟ فإن مات فذاك، وإن سلم تركتموه لعلمكم أن الذي قتل الأول هو ~~مجيء أجله وفناء أيامه، وانقضاء أمله، وتحلون عن هذا لما له من تأخير الأجل ~~وطول الرزق والأمل؛ لقد أبطلتم إذا حكم ربكم، وفضحتم أنفسكم لأهل ملتكم. # ويسألون، أيضا، عمن قتل نفسه بيده، أقتلها وهي حية في بقية من أجلها؟ أم ~~ميتة قد انقضى أجلها؟ فإن قالوا: قتلها وهي حية في أجلها، فقد أقروا أنه ~~كانت له بقية فقطعها بيده، قلت البقية أم كثرت. وإن قالوا: قتلها بعد أن ~~فني أجلها، فكل ما فني أجله فهو ميت لا شك عند فناء أجله، وقتل ميت ميتا ~~محال. فلله الحمد على ما هدى إليه من الحجة والمقال، وله الحول في ذلك ~~والقوة، وله الجبروت والقدرة. PageV01P422 # ويقال لهم: ويحكم! قال الله سبحانه: { ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن ~~نرزقهم وإياكم } [الإسراء:31]، وذلك أن المشركين كانوا يقتلون أولادهم خشية ~~الفاقة والعالة والفقر، فنهاهم الله عن ذلك، وأخبرهم أنه يرزقهم وإياهم كما ~~خلقهم، فكيف نهاهم عن قتل من قد جاء أجله وحان موته؟ وكيف يرزقهم وقد أفنى ~~بزعمكم أرزاقهم بما جعل من قتل آبائهم لهم من انقطاع آجالهم؟ وكيف نهاهم عن ~~قتل من ليست له حياة ولا بد أن تحل به الوفاة؟ فلقد أمرهم إذا أن يحيوا من ~~قد أمات وأفنى أجله ففات. فأي قول أشنع من هذا القول في الله الكريم؟! ~~فسبحان الممهل الحكيم! # وقال سبحانه لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: { وإذا كنت فيهم فأقمت لهم ~~الصلاة فلتقم طآئفة منهم معك وليأخذوا أسلحتهم فإذا سجدوا فليكونوا من ~~ورآئكم ولتأت طآئفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم ms037 ود ~~الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة ~~واحدة } [النساء:102]، أفتقولون إن الله سبحانه أمر نبيه أن يعبيء أصحابه ~~فرقتين، فرقة تؤدي معه صلاة الفريضة، وفرقة تحرس النبي وأصحابه وتلقى ~~الكريهة وليس في ذلك منفعة ولا خير، ولا دفع ما يخاف من التلف والضير من ~~ميل العدو على المؤمنين ميلة واحدة، فيكون في ذلك ما يخاف من الواقعة، وأن ~~ما أمر الله به من الاحتذار والحذر غير نافع له ولا لأصحابه، وأن آجالهم إن ~~كانت قد جاءت قتلهم أعداؤهم، احترسوا أم لا؛ وإن لم تكن جاءت لم يقدروا ~~عليهم، ولو ألقوا بأيديهم إليهم. فهذا من قولكم أعظم التخطئة لربكم، وأجهل ~~الجهل لنبيكم، لقد أبطلتم إذا كتاب الرحمن، وقلتم شططا وبهتانا. PageV01P423 # ويقال للجهلة الضالين من المشبهين المجبرين: ما قولكم في قول ربكم، وما ~~يخرج ذلك عندكم حين يقول سبحانه: { ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في ~~الأرض } [الأنفال:67]، ما أراد الله بهذا من قوله؟ أليس هذا عتاب منه لرسوله ~~يخبره أنه لم يكن ينبغي له أن يأسرهم ولا يطيع أصحابه في التشاغل بأخذهم ~~دون الإثخان لهم بقتلهم؟ ثم قال سبحانه وجل جلاله وعز سلطانه: { تريدون عرض ~~الدنيا } [الأنفال:67]، يريد بذلك ما أخذوه منهم وفيهم من الفداء، ثم قال: ~~{ والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم } [الأنفال:67]، يقول: والله يريد منكم ~~الاجتهاد في أمر الآخرة، وما يقربكم إليه ويزيد في كرامتكم لديه، ثم قال: ~~{ لولا كتاب من الله سبق لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم } [الأنفال:68]، يقول: ~~لولا حكم من الله سبق بالعفو عنكم في وقت أسركم وترككم الاستقصاء في قتل ~~عدوكم لمسكم فيما أخذتم من غنائمهم وفدائهم عذاب عظيم، فتبارك الله الحليم ~~الكريم. وأخبر الله تبارك وتعالى نبيه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قد فعل ~~ما كان غيره أحب إلى الله وأرضى. ولم يتعمد صلى الله عليه وآله وسلم لله في ~~ذلك إسخاطا بل لعله توهم أن الأسر في ذلك الوقت أنكأ للكافرين وأذل وأشقى ~~حتى ms038 أعلمه الله أن القتل في وقت قيام الحرب كان أنفع، وعلى الإسلام وأهله ~~بالخير أرجع. PageV01P424 # أفيقول الحسن بن محمد وأشياعه، ومن كان على الجهل من أتباعه: إن آجالهم ~~كانت قد جاءت فدفعها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عنهم، فعاب الله ~~عليه ما فعل من دفع وفاتهم وتأخير ما كان الله قد جاء به من حضور آجالهم؟ ~~أم يقولون: إن آجالهم لم تأت ولم تحضر، وقد بقي لهم من الحياة زمان وأعصر، ~~فإنه قد كانت لهم مدة باقية، وأرزاق دارة غير فانية، فلم يستطع رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم أن يقطع ما لم يقدر على قطعه من آجالهم، وأن يبيد ~~ما قد بقي من أعمارهم، فلامه الله إذ لم يفعل ما لم يستطع، ويبيد ويقطع من ~~ذلك ما لم ينقطع؟ فلا بد أن يقولوا بأحد هذين المعنيين أو يتقلدوا وينتحلوا ~~أحد هذين القولين، فيكونوا بانتحال أحدهما كافرين، وفي دين الله سبحانه ~~فاجرين؛ أو يقولوا على الله ورسوله بالحق، فيقروا أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم ومن كان معه من الخلق كانوا يقدرون على قتلهم والإثخان لهم ~~وترك أسرهم، ولامهم الله في ذلك إذ هفوا وولهوا ولم يفعلوا. # تم جواب مسألته PageV01P425 ### || المسألة العاشرة: هل الأرزاق مقسومة من عند الله؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن الأرزاق، فقال: أخبرونا عن الأرزاق، من قدرها؟ ~~ومقدرة هي؟ أم غير مقدرة؟ ومقسومة هي؟ أم غير مقسومة؟ # فإن قالوا: نعم، هي مقدرة ومقسومة؛ فقد انتقض قولهم. فقل لهم: فهل يستطيع ~~أحد أن يأخذ إلا رزقه؟ أو يأخذ إلا ما قسم الله له؟ (فإن قالوا: لا، فقد ~~انتقض قولهم، وإن قالوا: نعم، فقل: فكيف ذلك). فإن قالوا: إن الله خلق ~~الأموال والأطعمة والأشربة فذلك رزقه، وبين لهم حلالها ومأخذها، فإن أخذوها ~~من باب الحلال كانت حلالا، وإن أخذوها من باب الحرام كانت حراما. فقل لهم: ~~أفهم يأخذون لأنفسهم ما شاءوا؟ فأيهم شاء أن يكون غنيا مكثرا كان؟ وأيهم ~~شاء أن يكون فقيرا معدما ms039 كان؟ فإن قالوا: نعم؛ كذبوا لأن الناس كلهم حريص ~~أن يكون غنيا وكاره أن يكون فقيرا، وقد قال الله سبحانه خلافا لقولهم: { نحن ~~قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ ~~بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون } [الزخرف:32]، وقال: { والله فضل ~~بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برآدي رزقهم على ما ملكت أيمانهم ~~فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون } [النحل:71]، في آي كثيرة من كتاب الله ~~سبحانه. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P426 وأما ما سأل عنه الجاهلون، وتوهم في الله المبطلون أن الله الواحد الخلاق ~~حرم على عباده أرزاقا رزقهم إياها، وتفضل عليهم بها، فرزقهم رزقا وآتاهم ثم ~~عاقبهم على ما أعطاهم، وأنه لا يأكل أحد ولا يلبس ولا ينتفع إلا بما رزقه ~~الله وآتاه وصير إليه بما قدره له وأعطاه، فقالوا في ذلك بتجوير الرحمن ~~ونسبوه إلى الظلم والعدوان، فقالوا: إنه يطعم ويرزق عباده طعاما، ثم يكتبه ~~عليهم حراما، فيوجب عليهم على قبول ما أعطاهم العقاب، ويحرمهم بأخذ ما صير ~~إليهم الثواب. # وقد وجدناه سبحانه يكذبهم في قولهم، ويبين ذلك لنا ولهم بما قسم بين ~~عباده من الأرزاق، ورفق عليهم من الأرفاق، من ذلك ما حكم به في الغنائم، ~~والصدقات، وما جعل من ذلك لذوي المسكنة والفاقات، فقال سبحانه: { إنما ~~الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب{ %~% ~~الآية [التوبة:60]، فحكم بذلك لمن سمى من أولئك، فحرمهم ذلك الفاسقون، ~~وأكله دونهم الظالمون، فشربوا به الخمور، وركبوا به الذكور، وأظهروا به ~~الفجور، وأصروا على معاصي الله إصرارا، وجاهروا الله بالمعصية في ذلك ~~جهارا، فأعد الله لهم على ذلك النيران، وحرمهم ثواب الجنان. PageV01P427 # وكيف يقول الحسن بن محمد ذو الغفلات، ومن تبعه من ذوي الجهالات: إن الله ~~سبحانه رزق هؤلاء الظالمين هذا، وقد حكم به في كتابه للفقراء والمساكين، ~~وقال الله سبحانه: { واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل } [الأنفال:41]، فحكم بذلك لنفسه، ~~ولرسوله، وقرابة نبيه، ms040 ومن سمى من اليتامى والمساكين وابن السبيل في ~~تنزيله، فاستأثر به الفاسقون عليهم، ولم ينفذوا ما جعل الله من ذلك لهم، بل ~~دحروهم دحورا، ونصبوا لهم دونه العداوة سرا وجهرا، وقد جعله الله لأوليائه ~~رزقا، وحكم لهم به حكما حقا، فغلب عليه الفاجرون، وظلموهم فيه ظلما. # وقال سبحانه: { ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي ~~القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ~~وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتقوا الله إن الله شديد ~~العقاب } [الحشر:7]. فكان الذي أتى به صلى الله عليه وآله وسلم ما أنزل الله ~~في وحيه من فرائضه، وقسمه فيه في أوليائه من خلقه، فخالف على ذلك الفاجرون، ~~ورفضوا ما جاء به خاتم النبيين من الله رب السماوات والأرض، فجعلوه دولة ~~بين أغنيائهم، وحرموه من جعله الله له من فقرائهم، عماية وصمما، ومجاهرة ~~لله وظلما، فأخذوا ما جعل الله لغيرهم، وتعدوا ما حكم الله به فيهم. ولا ~~يشك من كان لبه سالما، وكان بأمر الله عالما أنهم على ذلك معذبون، وأنهم ~~على مخالفته فيه مسؤلون. PageV01P428 # فكيف يقول الحسن بن محمد: إن الله رزق هؤلاء الظالمين المعتدين الفاسقين ~~رزقا، ثم صيره لهم وسلمه في أيديهم، ثم يعذبهم عليه، ويحاسبهم فيه؟ أم كيف ~~يجتريء ويقول: إن الله رب العالمين والسماوات والأرض، جعله لمن حكم له به ~~من ضعفة المسلمين ثم انتزعه منهم فجعله رزقا للأغنياء الفاسقين دونهم؟ فكيف ~~يكون ذلك والله سبحانه يقول: { كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم{ ؟ أو لم ~~يسمع من ضل وغوى فقال على خالقه بالقول الردي الله سبحانه كيف يقول في ~~الوحي المذكور في كتابه المسطور: { إن الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما إنما ~~يأكلون في بطونهم نارا وسيصلون سعيرا } [النساء:10]، فعلم أن في خلقه من ~~سيأكل أموال اليتامى عدوانا وظلما فنهاهم عن ذلك، وحرمه عليهم، وحكم بعذاب ~~السعير لمن استجاز ذلك فيهم. أفيقول المبطلون إن الله سبحانه جعل أموال ~~اليتامى لمن نهاه عن ms041 أكلها رزقا، ثم نهاهم عن أكل ما رزقهم وآتاهم؟ لقد ~~قالوا على الله كذبا، وضلوا ضلالا بعيدا. PageV01P429 # ثم قال جل جلاله، وصدق في كل قول مقاله: { يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل ~~حظ الأنثيين } [النساء:11]، فحكم للأنثى بجزء وحكم للذكر بجزئين، ثم قال: ~~{ فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف ~~ولأبويه لكل واحد منهما السدس مما ترك إن كان له ولد فإن لم يكن له ولد ~~وورثه أبواه فلأمه الثلث{ . فما يقول من ضل وعمي، وحار وشقي إن وصي تعدى، ~~وفي المخالفة تردى، فحرم بتعديه الوالد، ومنع من ميراث أبيه الولد، وأخذ ~~ذلك فأكل به واكتسى وشرب، وتزوج ولهى، هل يكون ذلك عندهم له من الله رزقا ~~رزقه إياه؟ وقد يسمعون حكم الله به للورثة دون من أخذه واصطفاه. فقد أبطلوا ~~بذلك حكم الرحمن، ونقضوا ما نزل سبحانه في الفرقان. وإن قالوا: بل أخذ ما ~~ليس له حقا، وأكل من ذلك ما لم يجعله الله له رزقا؛ كانوا في ذلك بالحق ~~قائلين، وعن قول الباطل والمنكر راجعين. PageV01P430 # ثم يقال لهم: ما تقولون فيمن غصب مالا فأخذه، وتعدى فيه وسرقه، فأكله حراما ~~وشربه، أتوجبون عليه الزكاة فيه؟ أم توجبون رده إلى صاحبه عليه؟ فقد يجب ~~عليكم في قياسكم وقولكم أن تقولوا: إنه رزق له، رزقه الله إياه وقدره له، ~~ولولا ذلك لم يأخذه ولم يقدر على أكله وشربه، ولا على الانتفاع به. فإن كان ~~كما تقولون وإليه تذهبون أن كل ما غصب غاصب أو أخذه من المال آخذ غصبا، فهو ~~من الله له بتقدير وعطاء ورزق، فلن يجب عليه أبدا رده، ولا أن ينازعه فيه ~~ضده، بل هو أحق به من كل مستحق، وهو له ملك بتمليك الله له إياه وحق، ~~فأمروه فليؤد ما أوجب الله على أهل الأموال في الأموال من الزكاة والحج ~~والإنفاق في سبيل الله والإفاضة على كل من سأله ورجاه. ألا تسمعون كيف يقول ~~الله ذو الجلال وذو القوة والقدرة ms042 والمحال، حين يقول: { ولله على الناس حج ~~البيت من استطاع إليه سبيلا ومن كفر فإن الله غني عن العالمين } [آل ~~عمران:97] - والسبيل فهو الجدة مع صحة الأبدان من مانعات حوادث الأزمان - ~~فعند المقدرة والسلامة والأمان يجب فرض الحج على كل إنسان، وهذا في أصل ~~قولكم، وما تذكرونه من رأيكم بما قد حوى وأخذ من المال الحرام مستطيع لحج ~~بيت الله الحرام، قادر على ذلك بما أخذ من أخيه وأخرجه بالغصب والغلبة له ~~من يديه، إذ تزعمون أن كل ما أخذ وأكل وشرب ولبس فهو رزق مقسوم، ومن الله ~~جل جلاله عطاء لعباده معلوم. وقال الله سبحانه: { وأقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكاة } [البقرة:43]، فلا يشك أن الزكاة تجب فيما رزق الله العبيد من رزق ~~إذا بلغ ما تجب فيه الزكاة وتقع، فليتصدق وليقرض الله قرضا حسنا مما في ~~يديه، فإن الله يقول: { إن المصدقين والمصدقات وأقرضوا الله قرضا حسنا يضاعف ~~لهم ولهم أجر كريم } [الحديد:18] - ولن يقبل الله إلا الحلال، ولن يضاعف PageV01P431 إلا لمن أنفق مما ملك من الأموال - فإن كان هذا له من الله عطاء فأمروه ~~فلينفذ ما أمره الله به، وليؤد ما عليه فيه، وانهروا عنه المطالب له به، ~~الذي أخذه غصبا من يديه، واستأثر به عليه. # وإن قلتم: لا يجب عليه فيما في يديه من هذا المال المغصوب حق، ولا يلزمه ~~فرض؛ وأوجبتم على أنفسكم أخذه من يديه ورده على صاحبه؛ وقلتم: لا يكون إلا ~~ذلك، والحق كذلك؛ فقد أزلتم عنه ملك ما غصب، وحرمتم عليه منه ما أكل، ~~وأقررتم أن ما أخذ من ذلك فأكله وشربه ليس له من الله رزقا، ولا نائلا، ولا ~~عطاء، وأن عليكم أن تأخذوا ما في يديه من المال فتردوه إلى من كان له من ~~الرجال، وتضمنوه ما أتلف منه، وتوجبوا عليه إن كان أخذه من دار أو بيت أو ~~حرز أو قرار ما أوجب عليه الواحد الجبار من القطع، فإنه يقول سبحانه: ~~{ والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما } [المائدة:38]. فيا سبحان الله! ما أبين ms043 ~~الحق وأنور الصدق! فلو كان الله رزقه ما أكل مما سرق وغصب لما أوجب عليه أن ~~يقطع الحاكم يده في أن أخذ ما أعطاه ربه وآتاه، وأكل ما به غذاه. فسبحان ~~البعيد من ذلك، الصادق في قوله، العدل في جميع أموره وفعله. # فإن هم من بعد ذلك سألونا فقالوا: هل يقدر أحد أن يأكل غير ما رزقه ~~الله؟. قيل لهم: إن مسألتكم هذه تخرج على معنيين، وتنصرف في وجهين: PageV01P432 # فإن أردتم أن كل شيء مما بث الله وأخرج رزق العباد، فكذلك لعمري هو؛ لأن ~~الله قد سماه في الجملة بذلك، فقال: { ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا ~~به جنات وحب الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به ~~بلدة ميتا كذلك الخروج } [ق:1119]، يقول سبحانه: أخرجنا به ما لا يخرج من ~~الحب والأكل إلا بالماء. وقال: { أفرأيتم ما تحرثون أأنتم تزرعونه أم نحن ~~الزارعون } [الواقعة:63]، وقال: { أنا صببنا الماء صبا ثم شققنا الأرض شقا ~~فأنبتنا فيها حبا وعنبا وقضبا وزيتونا ونخلا وحدائق غلبا وفاكهة وأبا متاعا ~~لكم ولأنعامكم } [عبس:2532]، فقال: { شققنا الأرض شقا{ ، يريد شققناها عن ~~النبات الذي يخرج منها من الحب والفواكه وغيره، وفلقناها فلقا. والأب: فهو ~~الحشيش والعشب الذي تأكله الأنعام، وينبت في الأودية والجبال والآكام، ~~{ متاعا لكم ولأنعامكم{ ، يقول: بلاغا لكم ولأنعامكم إلى وقت انقضاء آجالها ~~وآجالكم، فرزقناكم فواكه وحبا، ورزقنا أنعامكم عضاها وأبا. فكل ما أخرج قد ~~سماه لأهله، ومن يملكه رزقا. فهو رزق لمن أجاز الله له أكله وأحل له أخذه ~~وأمره عليه بشكره، فقال: { كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض ~~مفسدين } [البقرة:6]، وقال: { يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم ~~واشكروا لله إن كنتم إياه تعبدون } [البقرة:172]، وقال: { فكلوا مما رزقكم ~~الله حلالا طيبا واشكروا نعمت الله إن كنتم إياه تعبدون } [النحل:114]. فرزق ~~ذو المن والسلطان والجبروت والبرهان كل PageV01P433 عبد ما أحل له وأمره بأخذه؛ فأما ما نهاه عن أكله وعذبه في قبضه فليس ذلك ~~لعمرهم من ms044 رزقه، وكيف يجوز على ذي الجلال والجبروت أن يجعل لعباده رزقا ~~وقوتا به يعيشون وفيه يتقلبون، ثم ينهاهم عن أخذ ما أعطاهم وإليه ساقهم ~~وهداهم. # فهذا، والحمد لله لا يغبى على من وهبه الله علما وآتاه تمييزا ولبا، ~~والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى أهل بيته ~~الطيبين. # تم جواب مسألته PageV01P434 ### || المسألة الحادية عشرة: تقسيم العقول بين الخلق # ثم أتبع ذلك المسألة عن العقول، فقال: خبرونا عن العقول أمخلوقة هي أم ~~غير مخلوقة؟ فإن قالوا: مخلوقة. فقل: أمقسومة هي بين العباد أم غير مقسومة؟ ~~فإن قالوا: بل هي مقسومة. فقل: فأخبرونا من أين عرف بعض الناس الهدى فأخذ ~~به، وجهله بعضهم فتركه، وكلهم حريص على الهدى كاره للضلالة، راغب في العلم، ~~مبغض للجهالة، وقد زعمتم أن الله قد جعل سبيلهم واحدا، وعقولهم واستطاعتهم ~~واحدة، وهي حجة الله عليهم؟ فإن قالوا: بتوفيق من الله؛ فقد أجابوا. وإن ~~قالوا: أخذ هداه منهم من أحب، وتركه منهم من اتبع هواه، وأطاع إبليس إلى ~~دعائه. قيل لهم: فما صير بعضهم تابعا لهواه، والعقول فيهم كاملة مستوية؟ ~~فإن قالوا: بتوفيق من الله وفق من شاء منهم؛ فقد أجابوا، وإن قالوا: فضل ~~الله بعضهم على بعض؛ فقد صدقوا، وإن قالوا غير ذلك فقد كذبوا؛ لأنه لو كان ~~الناس في العقول سواء، ما كان من الناس جاهل وعاقل، وأحمق وحليم، ولسمي ~~الجاهل عاقلا، والعاقل جاهلا، ولكن الأمر في هذا أبين من ذلك، ولكنهم قوم ~~يجهلون. وإن قالوا: ذلك من قبل الأدب والتعليم. فقل: لو كانت عقولهم ~~مستوية، ما احتاج بعضهم إلى بعض في أدب ولا تعليم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما عنه سأل وقال مما ألحد فيه من المقال، فقال: أخبرونا عن العقول ~~أمخلوقة هي أم مقسومة، أم غير مخلوقة ولا مقسومة؟ فنحن والحمدلله نقول: إن ~~الله خلق العقول وأوجدها فيهم، وجعلها حجة له عليهم، وسببها لهم سبحانه ~~وتعالى تسبيبا، وركبها فيهم احتجاجا عليهم تركيبا، فهي حجة الله العظيمة، ~~ونعمته على خلقه الكريمة، ms045 تدعو أبدا إلى الخير والهدى، وتنفي عن الخلق ~~الضلالة والردى، تدل على الخالق ذي الجلال، وتنفي عمن أراد الحق التكمه ~~والضلال، فهي أبدا لمن استعملها داعية إلى الإسلام، مخرجة له من حنادس ~~دياجير الظلام. PageV01P435 # ثم قسمها سبحانه بين خلقه ليدلهم على ما أوجب عليهم من حقه، فأعطى كل من ~~أوجب عليه أداء فريضة منها أكثر مما يحتاج إليه في أداء ما افترض عليه، ~~فليس منهي يجب عليه عقاب، ولا مأمور يجب له ثواب إلا وقد ركب الله فيه من ~~العقل، وقسم له وعليه أكثر من الحاجة في أداء مفترضه وما يخرجه بحمد الله ~~إن استعمله من جهالته. # ثم أمرهم باستعمال ما أعطاهم من الحجة المركبة فيهم، وأخبرهم أنهم إن لم ~~يستعملوها لم يصلوا إلى علم ما لعلمه أعطوها. فأمرهم أن يستعملوها فيفكروا، ~~وينظروا ويميزوا ويتدبروا. فإذا فكروا وميزوا بتلك الحجة التي لن يضل معها ~~طول الأبد إن أنصفها - بحمدالله - من أحد، ولذلك ما قاله جل جلاله عن أن ~~يحويه قول أو يناله: { فاعتبروا يا أولي الأبصار } [الحشر:2]، يقول: انظروا ~~بأبصاركم ثم دبروا فاعتبروا بعقولكم فيما ترون وتبصرون، هل له من خالق غير ~~الله فيما تعلمون؟ كما قال سبحانه: { أم لهم إله غير الله سبحان الله عما ~~يشركون{ وقال: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز ~~العليم } [الزخرف:9]، وقال: { قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمدا إلى ~~يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بضياء أفلا تسمعون قل أرأيتم إن جعل ~~الله عليكم النهار سرمدا إلى يوم القيامة من إله غير الله يأتيكم بليل ~~تسكنون فيه أفلا تبصرون ومن رحمته جعل لكم الليل والنهار لتسكنوا فيه ~~ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون } [القصص:7173]. ثم قال تنبيها لهم وحثا على ~~استعمال العقول، ليصح لهم الحق من القول إذا نظروا وفيما ذكر الله مما ~~أراهم وفطر لهم تفكروا، فقال الله سبحانه: PageV01P436 # { حم تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم إن في السماوات والأرض لآيات ~~للمؤمنين وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات ms046 لقوم يوقنون واختلاف الليل ~~والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف ~~الرياح آيات لقوم يعقلون } [الجاثية:15]، فقال في أول السورة: { لآيات ~~للمؤمنين{ يقول: يصدقون بما يرون وينصفون العقل، فيقبلون منه ما عليه يدلهم ~~حين يبصرون ويستبصرون في الحق، ويستدلون على الله بما ذرأ من الخلق فيكونون ~~بذلك مؤمنين، ولله بالخلق والقدرة مقرين؛ ثم قال: { لقوم يوقنون{ ، فأخبر أنه ~~قد ذرأ وجعل لهم من الدلالة عليه في خلق أنفسهم ما بأقل قليله على خالقهم ~~يستدلون، وبأنه الله الذي لا إله إلا هو يوقنون. ثم كرر الدلالة لهم ~~والاحتجاج عليهم بذكر ما أنزل من السماء من رزق فأحيا لهم به الزروع، وفرع ~~به في الأصول الفروع، ثم كرر الاحتجاج والتوقيف لهم والتعريف فذكر تصريف ~~الرياح، وما يكون فيها وبها من الألقاح، فقال: { وتصريف الرياح آيات لقوم ~~يعقلون{ ، فتتابعت الآيات متناسقات بما فيهن من العبر والدلالات حتى وصل إلى ~~قوم { يعقلون{ ، فأخبر بذلك أن كل ما ذكر لا يعلم ولا يخبر ولا يفهم إلا بما ~~ركب وجعل لهم فيه من حجة العقل، فقال سبحانه احتجاجا عليهم، وتنبيها في ذلك ~~كله لهم بما خلق لهم من الأبصار التي لا ينتفع بها في التذكرة إلا ~~بالألباب، وحثا على استعمال الألباب في كل الأسباب: { أفلم ينظروا إلى ~~السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج والأرض مددناها وألقينا ~~فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج تبصرة وذكرى لكل عبد PageV01P437 منيب } [ق:68]، يقول: توقيفا لهم، وتعريفا واحتجاجا على ذوي العقول، وقال: ~~{ فاعتبروا يا أولي الأبصار } [الحشر:2]، فحض بالأمر بالاعتبار ذوي الأبصار. # وقال سبحانه: { أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها } [محمد:24]، فنظر ~~قوم وفكروا، وعقولهم في ذلك أنصفوا، فأبصروا واهتدوا وعرفوا الحق فرشدوا، ~~وأنكر قوم وخالفوا ما تفرع لهم من المعقول فجحدوا، فعاقبهم الله على ذلك من ~~فعلهم، وأضلوا أنفسهم بمكابرة عقولهم، وأبطلوا النظر واتبعوا الجبر، ~~فاتبعوا الهوى، وتركوا الهدى، وتعلقوا بالأخبار المنقولة الكاذبة، ورفضوا ~~ما فيهم من ms047 حجة الله الصادقة، فبذلك عندوا، وأنفسهم بالتجبر منهم أهلكوا، ~~فليس للعباد على الخالق من حجة يحتجون بها، ولا متعلق ولا طلبة في ذلك ~~يطلبونها. بصرهم وهداهم، وركب فيهم ما كفاهم، وبعث إليهم المرسلين مبشرين ~~لهم ومنذرين، فأمروهم ونهوههم، وعذابه حذروهم، وإلى ثوابه دعوهم، وأروهم ~~عجائب الآيات، واحتجوا عليهم بالدلالات: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة وإن الله لسميع عليم } [الأنفال:42]. # فهذا قولنا في ربنا، وشرحنا لما احتج به سبحانه علينا. PageV01P438 # فإن قالوا وبما ندفعه - إن شاء الله بحقنا - تعلقوا: ألستم تزعمون، وبغير ~~شك تقولون: إن الله قسم العقول بين خلقه، وجعلها لهم حجة فيهم، نعمة أنعم ~~بها عليهم، وأيادي أكملها لديهم؛ ثم تقولون إنه افترض عليهم فروضا فجعلها ~~عليهم كلهم شرعا سواء، إن أدوها أثيبوا، وإن تركوها عوقبوا؛ ثم تقولون ~~ونقول: إن ذلك لا ينال إلا بالعقول، وقد نرى اختلاف العقول في الناس ~~أجمعين، فنعلم أنهم فيها متفاضلون، وأن ليس هم فيها على القسمة متساوين، ~~فأين ما تحوطون من عدل رب العالمين، وقد ساوى بين عباده فيما افترض عليهم، ~~وجعل ذلك سبحانه سواء فيهم، ثم فضل بعضهم على بعض فيما لاينال أداء ما فرض ~~من الطاعات، ولا يوصل إلى تمييز شيء من شيء إلا به من الآلات، من العقل ~~الرصين، والفهم المبين؟ # قلنا لهم: قد سألتم، فاسمعوا ما به أجبتم. فكذلك بالعدل على الله نقول، ~~وفي كل أمرنا فيه سبحانه نحول، وسنبين لكم إن شاء الله الجواب، ونشرح لكل ~~ما تتكمهون فيه من الارتياب، ونختصر ذلك لكم بما يقر في أفهامكم ويثبت، إن ~~كنتم للحق طالبين مريدين في ألبابكم. PageV01P439 # فنقول: إن الله تبارك وتعالى افترض على خلقه فروضا، وأوجب عليهم سبحانه ~~أمورا، ثم أعطاهم ما بأقل قليله ينال أداء ذلك من الآلات، ويقتدر على أدائه ~~متى قصد من الساعات. فجعل في أقلهم عقلا من العقل ما ينال بأقل قليله تمييز ~~ما أوجب الله عليه تمييزه، والإحاطة بما أوجب عليه الإحاطة به من معرفته، ~~والإقرار بوحدانيته، والأداء ms048 لكل فرائضه. فساوى بين عباده فيما إليه ~~يحتاجون، وله في فرائضه يستعملون، ثم زاد بعد أن ساوى بينهم في الحجة من ~~شاء فضاعف له العطاء والكرامة، وزاده في العقل والسلامة، كما زاد بعضهم ~~بسطة في العلم والجسم، فليس لأحد على الله في ذلك حجة، إذ قد أنالهم من ذلك ~~أكثر من البغية لئلا يكون للمخلوقين عليه حجة فيما فضل به بعضهم على بعض من ~~الجلد والطول والجمال والهيئة والكمال والبياض والفصاحة، فكل ما أدخلتم ~~علينا فيما فضل الله به بعض الخلق من العقول، فواجب عليكم لنا أن تجيبونا ~~به فيما بين البياض والسواد والقصر والطول حذو المثال بالمثال ليس لكم - ~~والحمدلله - عنه تحرف ولا انتقال إلا بأن ترجعوا إلى الصدق؛ فقد بان لكم - ~~والحمدلله - الحق، فاتقوا إملاء الشيطان وتسويله وإغوائه وتخييله، ولا ~~تكونوا من الذين قال الله فيهم: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما ~~تبين لهم الهدى الشيطان سول لهم وأملى لهم } [محمد:25]، وسنضرب لكم بقوة الله ~~وحوله في ذلك مثلا يبين لكم أموركم، ويخامر نور حقه ضميركم وصدوركم. PageV01P440 # أرأيتم رجلا له بيتان من حشيش، وله غلامان، فدفع إلى أحد غلاميه شمعة واحدة ~~متوقدة، ودفع إلى الآخر ثلاث شمعات، ثم قال لهما: ليحرق كل واحد بما معه ما ~~في أحد هذين البيتين من الحشيش، فهل ترون لصاحب الشمعة الواحدة المتوقدة ~~الملتهبة على مولاه حجة في أن أعطى صاحبه ثلاثا وأعطاه واحدة، فيقول: لا ~~والله ما أقدر أن أحرق بيتا من حشيش بهذه الشمعة الواحدة، فأعطني ثلاثا مثل ~~صاحبي، وإلا فلا حيلة لي في إحراقه؟ # وقد يعلم كل ذي عقل سوي من رشيد أو غوي، أن الذي يكفي هذا الحشيش من هذه ~~الشمعة لفحة واحدة، وأنه ومن معه ثلاث شمعات، وعشر واحد في القدرة على ~~إحراق ما أمر بإحراقه، وإنفاذ أمر سيده فيه، فهل تقولون لسيده: كلفته ~~وصاحبه إحراق بيتين من حشيش متساويين، ثم كلفته إحراقه بشمعة واحدة، وكلفت ~~صاحبه إحراق بيته بثلاث، فأعطه ثلاثا، وإلا فقد كلفته ما ms049 لا يناله بهذه ~~الواحدة ولا يطيقه، فأنت له في ذلك ظالم، وعليه بفعلك هذا متحامل. # أم تقولون للعبد: أنت مخطيء في فعلك، جاهل في قولك، فأنت تنال بهذه ~~الشمعة من حشيشك مثل ما ينال صاحبك بشمعاته في حشيشه، والأمر في قليل النار ~~وكثيرها عند تأججها والتهابها سواء، لا حجة لك على مولاك فيما كلفك وأعطاك. # فكذلك - والحمد لله - الأمر فيما أعطى الله العباد من حجته فيما فضل به ~~من شاء من بعد ذلك من خليقته. فأما من سلب عقله من المجانين والأطفال، فلم ~~يوجب الله عليهم الأعمال، بل أزاح عنهم ذلك، ولم يوجبه عليهم، وحالهم في ~~وقتهم ذلك عند الله فحال لا يسألهم فيها عما افترض من الأعمال حتى يفيقوا، ~~ومما هم فيه يخرجوا، ويبلغ الأطفال من الفهم ما يصح لهم به التمييز ويخرجوا ~~من حال الطفولية والصغر إلى حال القوة والكبر، وفي ذلك ما قال الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن ~~المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يعقل.)). PageV01P441 # والحمد لله العدل في فعله، الرحيم بخلقه، الذي كلف يسيرا، وأعطى عليه كثيرا. # تم جواب مسألته PageV01P442 ### || المسألة الثانية عشرة: نفوذ إرادة الله # ثم أتبع ذلك المسألة عن الإرادة، فقال: أخبرونا عن الإرادة إذا أراد الله ~~شيئا، يكون أو لا يكون؟ فإنه قد قال: { فعال لما يريد } [البروج:16]، فإن ~~قالوا: نعم، قيل لهم: وهل أراد الله أن يدخل خلقه كلهم في الهدى؟ فإن ~~قالوا: نعم، قد أراد أن يدخلوا كلهم في الهدى على غير جبر منه ولا إكراه. ~~فيقال لهم: فهل دخلوا في الهدى كما أراد على غير وجه الجبر منه لهم ~~والإكراه؟ # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من إرادة الله سبحانه، فقال: إذا أراد الله شيئا يكون؟ ~~أو لا؟ فإنه قد قال الله: { فعال لما يريد{ ، فكذلك قولنا في خالقنا ومصورنا ~~وبارئنا ومميتنا ومحيينا، سبحانه وجل وتقدست أسماؤه كما قال في نفسه: { فعال ~~لما يريد{ ، فكل ما شاء أن يفعله ms050 سبحانه فعله. # ثم نقول من بعد إثبات القدرة للرحمن ونفي التشبيه والتجوير عنه في كل ما ~~شاء: إن الإرادة من الله على معنيين نيرين - عند من علمه الله وفهمه - بينين: # فإحداهما: إرادة حتم وجبر، والأخرى: إرادة أمر، معها تمكين وتفويض. PageV01P443 # فأما إرادة الحتم فهي: ما أراد من خلق السماوات والأرض والجبال، وما أنبت ~~من الأشجار: { والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا ~~تعلمون } [النحل:8]، وما أراد سبحانه من قضاء الموت على خلقه من جميع أهل ~~سماواته وأرضه، والذهاب والفوت، فقال سبحانه: { كل نفس ذآئقة الموت وإنما ~~توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما ~~الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } [آل عمران:185]، وقال: { كل من عليها فان ~~ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } [الرحمن:26]، فأخبر بما حكم به على خلقه، ~~وبما ألزمهم في ذلك وأوجبه عليهم من حتمه، فقال: { قل الله يحييكم ثم يميتكم ~~ثم يجمعكم إلى يوم القيامة لا ريب فيه ولكن أكثر الناس لا ~~يعلمون } [الجاثية:26]، وقال لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم إخبارا منه بما ~~حتم عليه: { إنك ميت وإنهم ميتون } [الزمر:30]. # ومن إرادة الحتم التي أراد الله فعلها ففعلها قوله: { ثم استوى إلى السماء ~~وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين فقضاهن ~~سبع سماوات في يومين وأوحى في كل سماء أمرها } [فصلت:11،12]، فكان قضاؤه فيهن ~~خلقه سبحانه لهن حين أراد إيجادهن وصورهن، وأوحى ما شاء فيهن من أمرهن. PageV01P444 # ومن ذلك ما يقول الواحد الجبار ذو الملكوت الغفار: { الله يتوفى الأنفس حين ~~موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى ~~أجل مسمى } [الزمر:42]، فذكر أن الموت منه، وأنه يقضي به ويبديه، فكان هذا ~~منه إرادة حتم ليس لأحد فيها منهم فعل. # ومن ذلك ما قال الله سبحانه: { ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ~~ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } [ق:16]، فأراد خلقه فخلقه، وقال: { يا أيها ~~الناس إنا خلقناكم ms051 من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم ~~عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير } [الحجرات:13]، فأخبر عن نفسه بما أراد ~~أن يجعله منهم، فجعله وصوره وأوجده كما قال: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن ~~يقول له كن فيكون } [يس:82]. PageV01P445 # وأما المعنى الآخر: فهو الإرادة التي معها تمكين، وهو قوله سبحانه: { وقضى ~~ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا } [الإسراء:23]، فكان قضاؤه في ~~ذلك سبحانه ما أمر به من أن لا نعبد معه غيره، وما أمر به من البر والإحسان ~~إلى الوالدين، فأراد الله سبحانه من العباد أن يطيعوه ويعملوا له بما ركب ~~فيهم وأحسن به إليهم من الاستطاعات، وما أعطاهم من الآلات، بالاختيار منهم ~~لطاعته، والإيثار منهم لمرضاته، ليثيبهم على فعلهم، ويعاقبهم على تركهم. ~~ولو أراد منهم الطاعة جبرا، وصرفهم عن المعصية قسرا لكان كلهم جاريا في ~~طاعته تابعا لمرضاته، ولم يكن المذنب الشاسع أولى بالعقوبة من المهتدي ~~الطائع، ولم يكن العامل بالطاعة أحق من عامل المعصية، إذ كانا كلاهما أدخلا ~~في عملهما إدخالا، واستعملا في إرادة الله استعمالا، فتبارك الله عن ظلم ~~العباد، وتقدس عن القضاء بالفساد، الذي لم يطع كرها، ولم يعص مغلوبا، بل ~~أمر ونهى، وحذر وهدى، وعرف النجدين، وبين العملين، ثم أعطى كل شيء خلقه، ~~وأعد للميطعين الثواب، وللعاصين العقاب، ثم قال سبحانه: { يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون } [آل عمران:102]، ~~وقال: { يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ~~والكتاب الذي أنزل من قبل ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم ~~الآخر فقد ضل ضلالا بعيدا } [النساء:136]، فأمرهم سبحانه بالإيمان، وحضهم على ~~التقى والإحسان، ونهاهم عن الكفر والطغيان، وعن جميع ما لم يرد من العصيان، ~~فقال سبحانه: { ولا تقربوا الزنى انه كان فاحشة وساء سبيلا } [الإسراء:32]، ~~وقال: { ولا تقتلوا النفس التي PageV01P446 حرم الله إلا بالحق } [الأنعام:51،151]، ومثل هذا في القرآن كثير، وقال: { لا ~~تأكلوا الربا } [آل عمران:130]، وقال: { إن الذين يأكلون أموال ms052 اليتامى ~~ظلما } [النساء:10] %~% الآية، ولله الحمد بأبين البيان، فأمرهم بما أراد من ~~طاعته، ونهاهم سبحانه عن معصيته. # ثم قال سبحانه من بعد أن أعطاهم من الاستطاعة ما أعطاهم، ثم أمرهم ~~ونهاهم، فقال: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا ~~يره } [الزلزلة:7]، وقال: { من يعمل سوءا يجز به ولا يجد له من دون الله وليا ~~ولا نصيرا } [النساء:123]، ثم قال سبحانه: { فأما إن كان من المقربين فروح ~~وريحان وجنة نعيم وأما إن كان من أصحاب اليمين فسلام لك من أصحاب اليمين ~~وأما إن كان من المكذبين الضالين فنزل من حميم وتصلية جحيم إن هذا لهو حق ~~اليقين } [الواقعة:88-95]. # ثم قال من بعد إكمال الحجة عليهم وإثباتها فيهم: { فمن شاء فليؤمن ومن شاء ~~فليكفر إنا أعتدنا للظالمين نارا أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا ~~بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقا } [الكهف:29]. PageV01P447 # أفلا ترى كيف بين ما كان منه فعلا، وبين ما أمر به العباد أمرا؟ فلم يقل ~~فيما حتم به عليهم حتما، وما كان منه عليهم قضاء وحكما من الموت، ولا من ~~الخلق: موتوا؛ ولا: لا تموتوا؛ ولا: اخلقوا؛ ولا: لا تخلقوا. ولم يقل فيما ~~أراده منهم فعلا بتخيير واختيار لعظيم المنة والاختيار: كل من قضينا عليه ~~المعاصي عاص؛ كما قال: { كل من عليها فان{ ، ولم يقل: أمرنا وقضينا عليه ~~بالعصيان؛ كما قال: { إنا نحن نحيي ونميت وإلينا المصير } [ق:43]، بل أخبر أنه ~~من ذلك بريء، فقال: { إن الله لا يأمر بالفحشاء أتقولون على الله ما لا ~~تعلمون } [الأعراف:28]، فتبارك الله الواحد الأعلى الذي إذا أراد أن يفعل ~~شيئا كان بلا كلفة، ولا إضمار، ولا تفكر، ولا اضطراب، إذا أراده أوجده، ~~وإذا أوجده فقد أراده، فقضاؤه كائن، وفعله من أفعال العباد بائن، ليس له ~~مثل ينال، ولا شبه تضرب له فيه الأمثال، وهو الواحد المتعال، الصمد الواحد ~~الأحد الذي { لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد } [الإخلاص:3-4]. # تم جواب مسألته PageV01P448 ### || المسألة الثالثة عشرة: الطبع ms053 والختم # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن الطبع والختم، فقال: أرأيتم من طبع ~~الله على قلبه، وختم على سمعه وبصره، أهو ممن دعي إلى الإيمان، فيثاب على ~~أخذه ويعاقب على تركه؟ إن قالوا: نعم. فقل: وكيف يقبلون الإيمان وقد ختم ~~على قلوبهم، والله يقول: { سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا ~~يؤمنون } [يس:10]؟ هل ضرهم الطبع أو الختم؟ أم نفعهم؟ أم لم يضرهم ولم ~~ينفعهم؟ # فإن قالوا: إنما ختم على قلوبهم بكفرهم، فقل: هل ضرهم الطبع حين فعل بهم، ~~وحال بينهم وبين التوبة، والدخول في الإيمان؟ فإن قالوا: لم يضرهم ولو ~~ساءوا آمنوا فالله قد كذبهم واجتروا على الرد على الله قوله، فقل: فتراهم ~~حين طبع على قلوبهم حين لم يقبلوا الإيمان، فإن قالوا: فإنهم لا يقدرون على ~~الإيمان حتى يفتح الله قلوبهم فقد أقروا لله بقدرته، وانتقض عليهم قولهم؛ ~~إذ زعموا أن الختم قد ضرهم، وأنهم يعذبون على ما كان من تركهم الإيمان ~~وأخذهم بالكفر بعد الختم وعملهم بما لا يستطيعون تركه. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من الطبع والختم من الله، فقال: أرأيتم من طبع الله على ~~قلبه، وختم على سمعه وبصره، أهو ممن دعي إلى الإيمان فيثاب على أخذه ويعاقب ~~على تركه؟ فقولنا في ذلك على الله بالحق: PageV01P449 # أن الله لم يرد بذلك إذ قاله أنه طبع (على قلوبهم [طبعا] لا يقدرون على ~~الفهم معه، ولا أنه ختم على سمعهم ختما لا يقدرون على) السمع والاستماع، ~~وعلى البصر فلا يقدرون على الإبصار والانطباع، وذلك فأبين الأمر ولا ينكره ~~من عقل. ألم تر وتسمع أن الجاهلية كانوا أرصن عقولا، وأعظم أحلاما، وأكثر ~~أفهاما من أهل هذا الدهر؟ ولذلك قالت قريش للرسول فيما كان يعيب من آلهتهم ~~ويبين لهم في ذلك من جهالتهم، فكانوا يقولون لعمه أبي طالب، ومن قام معه ~~دون رسول الله صلى الله عليه وعلى أهل بيته وقرابته: عاب آلهتنا، وسخف ~~عقولنا، وأطاش أحلامنا؛ فكانوا ذوي أحلام وعقول جمة، وأفهام، فكيف يكون ms054 من ~~طبع على قلبه على ما قد يسمعون عنه من فهمه؟ وكذلك كانوا يستمعون إلى ~~الرسول إذا قرأ القرآن، ويقولون في قراءته كل قول، ويدبرون فيه التدبير، ~~ويسطرون فيما جاء به الأساطير. من ذلك ما كان يقول ويتبعونه عليه من القول ~~منهم الوليد بن المغيرة اللعين، وكانوا له على كفره تابعين، حين تلا عليهم ~~قول رب العالمين، فقال ما حكى الله عنه في سورة (نون) حين يقول: { ولا تطع ~~كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم أن ~~كان ذا مال وبنين إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين } [القلم:10-15]. ~~كذلك كان يقول الوليد الملعون: { إن هذا إلا قول البشر{ ، ويقولون: { معلم ~~مجنون{ ، كما حكى الله في الكتاب المكنون، وقال فيهم ربهم، وذكر عنهم ومنهم، ~~فقال سبحانه: { أنى لهم الذكرى وقد جاءهم رسول مبين ثم تولوا عنه وقالوا ~~معلم مجنون } [الدخان:13]، ويسمعهم ما كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ~~يحاججهم به، ويقرأ القرآن عليهم، ويأمره الله سبحانه بذلك فيهم، فيقول: ~~{ وأنذر عشيرتك PageV01P450 الأقربين واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين } [الشعراء:214]، وقال جل جلاله، ~~وصدق في كل قول مقاله: { واصبر على ما يقولون واهجرهم هجرا ~~جميلا } [المزمل:10]، وقال: { فاصبر على ما يقولون وسبح بحمد ربك قبل طلوع ~~الشمس وقبل غروبها } [طه:130]. # فهل يقول أحد من ذوي العقول إن من كانت هذه حاله كان مختوما على سمعه، ~~ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يناجيه ويناديه؟ وهل يجوز على الرسول ~~أن ينادي ويناجي من سمعه مختوم؟ # وكذلك كان نظرهم وأبصارهم فيما يأمرهم الله أن يبصروه من السماوات والأرض ~~إذ يقول: { أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من ~~فروج } [ق:6]، فهل يجوز على الله أن يأمر بالإبصار من هو بالختم أعمى؟ فهذا ~~لا يجوز على ديان الآخرة والدنيا، ولن يقدر أحد أن يقول إنهم كانوا عميانا ~~لا يبصرون، وإنهم كانوا صما لا يسمعون، ومن ذلك ما قد بان منهم ما كانوا ms055 ~~عليه من الكمال والمعرفة، والعقول والتمييز في كل حال. PageV01P451 # فإن قالوا: إن الله طبع على قلوبهم، وختم على سمعهم وأبصارهم عما جاء به ~~الرسول من الحكمة والقول فقط، وخلوا وما سوى ذلك؛ فقد وقعوا في أعظم مما ~~كرهوا من المهالك، إذ زعموا أن الله سبحانه ختم على سمعهم وأبصارهم، فلا ~~يبصرونه ولا يسمعونه، وطبع على قلوبهم فلا يفقهونه ولا يميزونه؛ ثم أرسل ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى مغالبته، ونفي ما فعل بهم ربهم ~~وركب فيهم، وتغييره - تعالى الله عن ذلك - وإزاحته عن أنفسهم؛ إذ كان قد ~~أرسله إليهم يدعوهم إلى الإيمان والاهتداء والخير والبر والإحسان، والطاعة ~~له ولنبيه والاستماع لأمرهما، والعمل بالقول وباللسان والضمير بطاعتهما، ~~وقد علم أنهم لا يقدرون على ذلك. فنسب، من قال بهذا، إلى الله العبث ~~والاستهزاء بنبيه صلى الله عليه وآله وسلم، وزعم أن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أتاهم يدعوهم إلى المحال، ويأمرهم بالمغالبة والدفع لما فعل ~~فيهم ذو الجلال. PageV01P452 # ألا تسمع كيف قد أثبت لهم الفهم بما يقال لهم، والمعرفة بما يتلى عليهم في ~~قوله سبحانه: { إن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى ~~الشيطان سول لهم وأملى لهم } [محمد:25]، فأخبر الله الواحد الجليل فيما أوحي ~~ونزل من التنزيل أن الهدى قد تبين لهم وصح لديهم وثبت في قلوبهم، ولولا ~~سلامة القلوب من الختم الذي يذهب إليه الجاهلون ويقول به على الله سبحانه ~~الظالمون، لم يثبت أبدا في قلوبهم الهدى، ولو لم يثبت لم يبن. ثم أخبر الله ~~ما سبب ارتدادهم في الطغيان ومعصيتهم من بعد أن بين لهم ذلك الرحمن، فقال: ~~{ الشيطان سول لهم وأملى لهم{ ، ولم يقل: الرحمن ردهم وأضلهم. ثم أخبر بالسبب ~~الذي كان عنهم، فتمكن إذ قالوه الشيطان منهم، فقال سبحانه: { ذلك بأنهم ~~قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم } [محمد:26]. PageV01P453 # ثم أخبر بما يصيرون إليه عند موتهم من ضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم، ~~فقال: { فكيف إذا ms056 توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم } [محمد:27]، ثم ~~أخبر لم فعل ذلك بهم، وحتم عليهم بضرب الملائكة لوجوههم وأدبارهم، فقال: ~~{ ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم } [محمد:28]، ثم ~~قال: { أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله ~~عليهم وللكافرين أمثالها } [محمد:10]؛ أفيظن أحد ممن وهب لبا وتمييزا وعلما ~~أن الله سبحانه أوجب ما أوجب عليهم، وذكر ما ذكره عنهم، وأمرهم بالسير في ~~الأرضين، والنظر في آثار الأولين ممن هلك بما هم عليه من الكفران، وبما ~~يختارونه من الفجور والعصيان، ولم يجعل لهم إلى ذلك سبيلا، ويركب إليهم فيه ~~دليلا، وهم لا يقدرون على ذلك لما قد فعله بهم من الختم على أسماعهم ~~وأبصارهم والطبع على قلوبهم التي بها يعقلون، وبسلامتها يميزون ويفهمون؟ ~~كذب العادلون بالله والقائلون الزور على الله؛ بل سلم ذلك لهم، ووفره ~~لإكمال الحجة عليهم، ثم أمرهم بالتسديد، { وما ربك بظلام للعبيد{ . # ثم نذكر من بعد دفع هذه المهالك، ونشرح الصدق بما علمنا الله من ذلك، فنقول: PageV01P454 # إن معنى الختم والطبع من الله تبارك وتعالى، هو على معنى التمثيل لهم ~~والتقريع، وإثبات الحجة عليهم، وتبيين ضلالتهم لهم. فيقول سبحانه: إن ~~امتناعكم من فعل الرشد، وقلة قبولكم له كمن طبع على قلبه - بما منعه من ~~لبه، وحرمه من تمييزه ونظره وجودة فهمه، وبما عدم من النظر والغوصان في ~~بحور الفكر - من البهائم التي قد منعها الله من ذلك كله، إذ لم يجعل لها ~~عقولا تميز بها. فلما أن لم يجعل لها سبيلا إلى ما يناله البشر من العقل ~~والفهم والتمييز والنظر، كان ذلك منه فيها فعلا، وكان منه طبعا على قلوبها ~~عما فهمه من التمييز أربابها. فمثلهم في قلة تفهمهم وإنصافهم لمعقولهم، ~~وتركهم لرشدهم، واتباعهم لغيهم بمن طبع على قلبه وختم عن التمييز على سمعه ~~وبصره، عن أن يعلم ما يعلمون، أو يفهم ما يفهمون من البهائم التي جعلت ~~قلوبها على غير ما جعلت قلوبهم من ذلك، وختم عليها فكانت بهائم ms057 سوائم كذلك. ~~ألم تر كيف يقول ذو العزة والإنعام: { أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم ~~الغافلون } [الأعراف:179]، وقال: { إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل ~~سبيلا } [الفرقان:44]، يقول: إذ أعطوا من الفهم والتمييز والنطق وجودة التحرف ~~في غامض الفكر ما لم تعطه البهائم، وما قد حجبها عنه العزيز العالم، وخلقها ~~على غيره من الخلق وصورها على ما قد يراه جميع الخلق، فأبوا استعمال ما ركب ~~فيهم، وامتن الله به سبحانه عليهم، وتركوا النصفة، وأخذوا في المكابرة ~~والمعاندة لربهم، الكفر لنعمة خالقهم، فكانوا لذلك وفيه أضل من الأنعام، إذ ~~تركوا ما لو علمته الأنعام وعرفته وميزته وفهمته لقبلته وتسارعت إليه، ~~ولدخلت بأجمعها فيه، ثم لثابرت إلى الممات عليه. فهذا والحمدلله قول لا ~~ينكسر على من قال به، بل يصح وينير لذوي العقول، ويستبين ويصح. PageV01P455 # وقد يخرج ذلك على معنى آخر، فيكون على قدر علمه منهم بما سيكون من اختيارهم ~~للضلال، وإيثارهم للسفال، وتركهم للهدى، وقلة رغبتهم في التقى، وأنهم ~~لعنتهم وحميتهم وشدة حسدهم لنبيهم، لا يختارون ما جاء به من الله برأيهم، ~~وأنهم لا يطيعونه فيما دعاهم من حظهم إليه، وأنهم سيجاهرون بالجرأة عليه؛ ~~فلما أن علم الله منهم أنهم يختارون - بما ركب فيهم من القدرة والاستطاعة ~~وسلم لهم من الجوارح والآلة - معصيته على طاعته، ومخالفة مرضاته، وأنهم ~~يلقونه يوم الحشر كفارا كذلك، فختم لهم، إذ قد علم من غاية أمرهم بذلك، ~~فختم عليها ولها بما علم أنه يكون آخر اختيارها وعملها. وكذلك قيل في محمد ~~سيد المرسلين إنه صلى الله عليه وآله وسلم خاتم النبيين فسمي خاتمهم إذ كان ~~آخرهم، فلما أن علم الله آخر أعمالهم وما عليه يكون فناء آجالهم، ختم بذلك ~~عليهم ودعاهم به، وذكره عنهم وفيهم، فكان ذلك العمل منهم اختيارا، وكان ما ~~قال الله فيهم منه إخبارا. PageV01P456 # وأما ما ذكر الله من الطبع على قلب من على قلبه طبع، فسنقول فيه بوجه، من ~~قال به إن شاء الله أصاب، ووجده بينا نيرا في اللسان والإعراب، ms058 وهو ما تقول ~~به العرب لمن ذكر في ملأ من الناس عن إنسان شيئا مما يفعله ويكتسبه ويصنعه ~~من الردى والخنا: يا فلان طبعت ويحك فلانا وأفسدته وطرحته بما طبعته به من ~~أعينهم. فعلى ذلك يخرج الطبع من الله لقلوب الفاسقين عند ملائكته المقربين ~~وأنبيائه المرسلين وعباده المؤمنين، فيكون طبعه لها عندهم هو ما ذكر وأخبر ~~به عنها من باطن إسرارها، وفاحش إضمارها وفسادها، وقلة قبولها للحق ~~واهتدائها، وكفرها لربها وحسدها لنبيها، وبما فيها من الدغل والعداوة لخاتم ~~النبيين والمشاقة لرب العالمين، والمنافقة للمؤمنين، والصد عن سبيل أحكم ~~الحاكمين، كما قال أصدق الصادقين: { إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ~~وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط ~~أعمالهم } [محمد:32]، فيكون ما قص عنهم من قصصهم وأخبر به من الضلالة عنهم ~~ومن الحيرة والتكمه والجهالة والكفر والشقاق والسفالة، وما سماهم به من ذلك ~~ودعاهم طبعا طبعهم به. فهذه - والحمدلله - حجة فيما سأل عنه من الختم ~~والطبع، شافيه مجزية لمن أراد الحق من جميع الناس كافية. والحمد لله على ~~توفيقه، ونشكره على تسديده، وكذلك يقول المحقون، لا ما قال في الله ~~المبطلون: إنه سبحانه ختم على الأسماع فلا تسمع، وعلى الأبصار فلا تنفع، ~~وأنه على قلوب الكافرين طبع، ثم أمرهم بخلاف ما فعل بهم، وكلفهم فعل ما منه ~~منعهم، وعنه سبحانه حجزهم، ثم عذبهم على ترك ما لا يقدرون على فعله لما قد ~~حجزهم عنه به من طبعه وختمه، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، وخسر المبطلون ~~خسرانا مبينا. # تم جواب مسألته PageV01P457 ### || المسألة الرابعة عشرة: معنى زيادة المرض من الله في قلب ~~الإنسان # ثم أتبع ذلك المسألة عن الزيادة، فقال: خبرونا عن الزيادة، فإن الله ~~يقول: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين يخادعون ~~الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض فزادهم ~~الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون } [البقرة:9]، وقوله لقوم: { ومنهم ~~من عاهد الله ms059 لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من ~~فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه } [التوبة:76]، (ألستم تعلمون أن الله زادها مرضا، ومد آخرين في ~~طغيانهم يعمهون، وأعقب قوما نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه؟) فإن قالوا: ~~نعم، ولكنه صنع ذلك بهم عقوبة بذنوبهم. فيقال لهم: فنعم، أفليسوا معذورين ~~بما عملوا من معصيته حين فعل بهم ذلك؟ فإن قالوا: لا. فقل: فقد دخلتم فيما ~~عبتم إذ زعمتم أن الله يعذب قوما على ما لم يستطيعوا تركه؛ لأنه فعل ذلك بهم. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P458 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه وتوهم فيه من التجوير له في فعله، ~~فقال: خبرونا عن الزيادة التي ذكرها الله سبحانه، وعظم عن كل شأن شأنه حين ~~يقول سبحانه: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين ~~يخادعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون في قلوبهم مرض ~~فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون{ ، وعن قول الله سبحانه: ~~{ ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما ~~آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم ~~يلقونه{ ، فسنجيب، إن شاء الله في ذلك من الجواب بما يقبله ذووا الإنصاف ~~والألباب، فنقول في ذلك على الله سبحانه بالصواب: PageV01P459 # فأما قوله سبحانه: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم ~~بمؤمنين{ ، فهم المنافقون الذين كانوا يحتجرون من الرسول ومن المؤمنين ~~بانتحال الإيمان وتلاوة ما أنزل من القرآن، وقلوبهم لذلك منكرة، وفي دين ~~الله فاجرة، وبه سبحانه كافرة. فهم يراءون بألسنتهم الرسول مخافة القتل ~~والتنكيل، وهم عن الله بضمائرهم حائدون، وللحق بينهم وفي سرائرهم معاندون، ~~ألا تسمع كيف يقول فيهم، ويدل بصفاتهم عليهم حين يقول: { وإذا لقوا الذين ~~آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون } [البقرة:14]، وقال سبحانه يخبر عنهم بما هم فيه وما ms060 يجتمعون في ~~خلواتهم من المشاقة عليه: { وإذا خلا بعضهم إلى بعض قالوا أتحدثونهم بما فتح ~~الله عليكم ليحآجوكم به عند ربكم أفلا تعقلون } [البقرة:76]، ومن ذلك ما قال ~~سبحانه في الأعراب: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ~~ولما يدخل الإيمان في قلوبكم وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلتكم من أعمالكم ~~شيئا إن الله غفور رحيم } [الحجرات:13]، ومن قولهم بألسنتهم ما ليس في قلوبهم ~~ما يقول الله سبحانه: { سيقول لك المخلفون من الأعراب شغلتنا أموالنا ~~وأهلونا فاستغفر لنا يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم } [الفتح:11]، فأخبر ~~الله عنهم بما كان من كذبهم فيما ذكروا أنه شغلهم، وأخبر بنفاقهم وتوهيمهم ~~ما وهموا نبيه صلى الله عليه وآله وسلم من إحقاقهم فيما طلبوا منه من ~~الاستغفار لهم والصفح في ذلك عنهم، فأمره الله سبحانه أن يخبرهم أن ~~استغفاره لهم غير دافع عقوبة الله عنهم إذا أراد الله PageV01P460 الانتقام في ذلك منهم، فقال سبحانه: { قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد ~~بكم ضرا أو أراد بكم نفعا بل كان الله بما تعملون خبيرا{ ، ثم أخبر نبيه صلى ~~الله عليه وآله وسلم من أمورهم بما كانوا يتوهمون أنه قد خفي عليه علمه مما ~~كانوا ظنوه وأجنوه في صدورهم، فقال ذو المعارج والجلال: { بل ظننتم أن لن ~~ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم أبدا وزين ذلك في قلوبكم وظننتم ظن ~~السوء وكنتم قوما بورا } [الفتح:12]، فأخبرهم سبحانه بما ظنوا من الظن القبيح ~~في الرسول والمؤمنين وتوهموا، وما زين في قلوبهم الشيطان من ذلك وأملى، ~~وأنهم كانوا في ذلك قوما بورا. # وأما قوله جل جلاله، وتقدس عن أن يحويه قول ويشبهه شيء أو يناله: { في ~~قلوبهم مرض فزادهم الله مرضا ولهم عذاب أليم بما كانوا يكذبون{ فقد تخرج ~~على معنيين وكلاهما إن شاء الله للحق مضاف. # فأما أحدهما: فأن يكون المرض الذي في قلوبهم هو الشك الذي هم فيه يلعبون ~~من جحدانهم لما يرون من آيات ربهم، فقلوبهم لذلك مريضة، فلا يؤدون لله ms061 ~~سبحانه من فرائضه فريضة، فهم في شكهم ولعبهم يترددون وفي خطيئاتهم وطغياء ~~حيرتهم يعمهون، كما قال سبحانه: { بل هم في شك يلعبون } [الدخان:9]، فقد تكون ~~زيادة الله لهم من المرض الذي ذكر أنه في قلوبهم لشكهم وضلالهم الذي به ~~مرضت قلوبهم ومنه دويت صدورهم، فكلما زاد الله منه نبيه تبيانا وعلما وفضلا ~~وحكما ازداد لذلك مرض قلوبهم تراكما، وزادهم الله بتنزيل الحق غيظا وغما. PageV01P461 # وقد يكون ذلك المرض حل في قلوبهم لشدة الحسد منهم لنبيهم صلى الله عليه ~~وآله وسلم على ما جعل الله من البركات واليمن في كل الحالات لديه، ولما خصه ~~الله به دونهم وآثره به سبحانه عليهم من هبوط الملائكة نحوه، وما عظم به ~~الله له خطره وقدره، فجعله الله له صفيا يوحي إليه وينزل إليه وحيه بفرائضه ~~عليه، وما خصه به من أن جعل طاعته له طاعة، ومعصيته له معصية، فقال: { من ~~يطع الرسول فقد أطاع الله } [النساء:8]، وقال: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا ~~الله وأطيعوا الرسول } [النساء:59]، وقال سبحانه: { ما آتاكم الرسول فخذوه وما ~~نهاكم عنه فانتهوا } [الحشر:7]، وقال: { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري ~~من تحتها الأنهار } [الفتح:17]. فلما أن رأت قريش هذه الكرامات البينات ~~النيرات التي لا يقدرون على دفعها ولا يأتون أبدا بمثلها، اشتد لذلك حسدها ~~لرسول رب العالمين، وعهدوا عليه وعلى من تبعه من المؤمنين؛ فمنعه الله ~~منهم، ورد حسدهم وبغيهم في نحورهم، فنصبوا له المحاربة وطالبوه أشد ~~المطالبة، فردهم الله بغيظهم، كما قال سبحانه: { ورد الله الذين كفروا ~~بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال وكان الله قويا ~~عزيزا } [الأحزاب:25]، وذلك حين تحزبت قريش والعرب وطلبوا رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم غاية الطلب، فكفاه الله في ذلك اليوم والمسلمين القتال ~~بأخيه ووصيه علي بن أبي طالب أفضل المستشهدين، فقتل عمرو بن عبد ود اللعين، ~~وكان عماد المشركين، وفارس المتحزبين، فانهزم بقتله جميع الكافرين، وفل ~~الله حد المبطلين، وأظهر دعوة المحقين، ونصر رسوله خاتم النبيين، وكبت ~~أعداءه ms062 المحادين، قال سبحانه: { إن الذين يحادون الله ورسوله كبتوا كما كبت الذين PageV01P462 من قبلهم وقد أنزلنا آيات بينات وللكافرين عذاب مهين } [المجادلة:5]، فلما أن ~~أذلهم وهزمهم، وكبتهم كما كبت الذين من قبلهم، تدارك الكبت في قلوبهم ~~وترادفت الحسرات في صدورهم ومرضت لذلك وبه منهم القلوب، وأحاطت به منهم ~~الذنوب، فهم في كل يوم يرون من نصر الله لنبيه، ويسمعون عنه ما يزيدهم ~~حسدا، ويحدث لهم في قلوبهم مرضا، حتى صدق الله رسوله الرؤيا بالحق التي ~~كانت في غزوة الحديبية، أراه وأكمل له من دخول مكة آمنا لا يخاف رصادا، ~~فنزل بالمشركين من ذلك ما كانوا يخافون، وحقق الله لرسوله ما كانوا يحذرون ~~ومن بغى عليه لينصرنه الله إن الله لقوي عزيز. # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من ~~فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم ~~معرضون فأعقبهم نفاقا في قلوبهم إلى يوم يلقونه بما أخلفوا الله ما وعدوه ~~وبما كانوا يكذبون{ ، فقد يمكن أن الله سبحانه لما أن كذبوه وأخلفوه خذلهم، ~~ومن الإرشاد والتوفيق تركهم، فتكمهوا في ضلالهم، وارتكبوا من أعمالهم، ~~فأعقبهم كثرة ضلالهم وعظيم اجترائهم على قول الزور والبهتان، وارتكاب ~~الضلال والعصيان تماديا في ذلك حتى مردوا على الكذب والفساد والنفاق، وقول ~~المحال والإلحاد، فيجوز أن يقال: أعقبهم الله نفاقا، إذ تركهم من التوفيق ~~والتسديد والتحقيق، حتى غلب عليهم الهوى، ورفضوا الخير والهدى، واستعملوا ~~بينهم النفاق في كل أمرهم، فعادوا منافقين وللرشد تاركين، ينافق بعضهم ~~بعضا، ويفرضه في الغيب له فرضا. PageV01P463 # وقد يكون الذي أعقبهم في قلوبهم النفاق هو فعلهم وكذبهم وغدرهم في موعدهم ~~الذي أوجبوه لخالقهم، وذلك أن الكذب والردى يجر بعضه بعضا، فلما أن كذبوا ~~فيما قالوا ووعدوا خالقهم من أنفسهم فأخفلوا، كانوا لغيره فيما يعدون أخلف، ~~ولسواه سبحانه أكذب، فكاذبوا بيناتهم وأبطلوا بالزور قالاتهم، فدعت حالة ~~حالة، حتى تكمهوا في الغي والضلالة، ودعا ما كان منهم أولا من الكذب ~~والإخلاف إلى قلة ms063 الصدق والإنصاف، فحل بينهم التضاغن وذهب عنهم الائتلاف، ~~فعاد كل منافق في قوله غير صادق. فكان الذي أعقبهم النفاق آخرا هو فعلهم ~~للكذب والإخلاف أولا، فجر فعل الصغائر إلى ارتكاب موبقات الكبائر حتى صار ~~ذلك لهم عادات، وكان لهم وعليهم علامات يعرفون بها دون غيرهم ودلالات. فهذا ~~أيضا معنى يصح في اللسان، ويعرفه من كان ذا بيان، والحمد لله ذي الجلال ~~والبرهان والجبروت والسلطان. # وأما ما سأل عنه من معنى قول الله سبحانه: { إلى يوم يلقونه{ : فقد يمكن أن ~~يكون المعني باللقاء هو الله الرحمن الأعلى، يريد بقوله: { يلقونه{ : أي ~~يلقون حكمه ويعاينوه. وقد يكون الذي يلقونه ما تقدم من عملهم ومضى، ~~فيعاينوه في الآخرة يوم الحساب، ويجدونه عند الله مثبتا في الكتاب، كما قال ~~سبحانه: { إنا نحن نحيي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في ~~إمام مبين } [يس:12]، وقال: { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة ~~شرا يره } [الزلزلة:7]، يقول سبحانه: يرى جزاءه، ويعاين ما حكم عليه به من ~~الخير والثواب والعذاب والعقاب، فيكون لقاؤهم لأعمالهم هو توقيف الله لهم ~~على القليل والكثير من أفعالهم، وما يكون منه سبحانه على ذلك من جزائهم؛ ~~فيلقى المحسنون ما وعدهم الله في إحسانهم من الثواب، ويلقى المجرمون ما ~~وعدهم من العقاب. # تم جواب مسألته PageV01P464 ### || المسألة الخامسة عشرة: هل يعذب الله عباده على ما صنعه فيهم؟ # ثم أتبع ذلك (الحسن بن محمد) المسألة عن ما صنع الله بعباده، فقال: ~~خبرونا عما صنع الله بالعباد، هل يعذبهم عليه؟ فإن قالوا: لا. فقل: خبرونا ~~عمن زاده الله كفرا، ومده في طغيانه، وأعقبه النفاق في قلبه هل يعذبه عليه؟ ~~فإن قالوا: نعم؛ فقد دخلوا فيما كانوا يعيبون، وإن قالوا: لا. فقل: فقد ~~زعمتم أن الله لا يعذب من كان على الكفر، ولا يضر من كان عليه، وأنتم ~~تزعمون أن الله إنما صنع ذلك عقوبة لهم. وسلهم: هل استطاع هؤلاء الترك لما ~~صنع الله بهم، والخروج منه؟ فإن قالوا: لا؛ فقد أجابوا، ms064 وإن قالوا: نعم؛ ~~فقد كذبوا بكتاب الله، وخالفوا قول الله إذ يقول: { فأعقبهم نفاقا في قلوبهم ~~إلى يوم يلقونه{ ، (فإن كانوا يقدرون على أن يصرفوا من النفاق قلوبهم قبل أن ~~يلقوه)، فقول الله بزعمهم باطل في قوله: { ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم ~~وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم } [البقرة:7]. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه مما التبس عليه، فتعسف بقول الزور فيه، فقال: أخبرونا ~~وبما عندكم نبئونا عن قول الله سبحانه: { ونذرهم في طغيانهم ~~يعمهون } [الأنعام:110]، وفيما صنع الله بالعباد، تقولون: هل يعذبهم على ما ~~فيه أدخلهم، وعليه جبرهم؟ # فلعمري، لقد تقدم في ذلك الجواب، وقلنا فيه إن شاء الله بالصواب، ولا بد ~~أن نقول فيما سأل عنه في هذا الجواب، نأتي على شرحه إن شاء الله بشرح شاف فنقول: PageV01P465 # إن معنى قوله سبحانه: { ونذرهم في طغيانهم يعمهون{ : هو تركه (لهم من) توفيقه ~~وتسديده وعونه ولطفه وتأييده، لما خرجوا من طاعته وارتكبوا بطغيانهم من ~~معصيته، فولى بعضهم بعضا، ولم يقم لهم سبحانه أمرا، كما قال سبحانه: { وكذلك ~~نولي بعض الظالمين بعضا بما كانوا يكسبون } [الأنعام:129]، فلم يبرأ سبحانه ~~منهم ويكلهم إلى أنفسهم جل وعظم شأنه إلا من بعد أن تولوا وكفروا وتعدوا ~~واستوجبوا منه الخذلان بما تمادوا فيه من الطغيان، كما يستوجب الرشد ~~والتوفيق بالطاعة منه المؤمنون ويستأهل بالاهتداء منه والزيادة في الهدى ~~المهتدون، كما قال أحكم الحاكمين، وأصدق القائلين: { والذين اهتدوا زادهم ~~هدى وآتاهم تقواهم } [محمد:17]، فأخبرنا سبحانه أنه ولي المتقين، مجانب خاذل ~~للفاسقين، وكذلك قال سبحانه رب العالمين: { ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا ~~وأن الكافرين لا مولى لهم } [محمد:11]، يريد سبحانه أنه ولي الذين آمنوا ~~والمتولي في كل الأسباب لهم، وأنه الخاذل للكافرين والتارك لتأييدهم، ~~الرافض لتوفيقهم وتسديدهم. ألا ترى كيف يقول ويخبر بتأييده وصنعه، وتسديده ~~ولطفه للمؤمنين، وتخليته بين المؤمنين والكافرين، وممن أطغاهم من الطاغوت ~~والطواغيت، فهم الذين أجابوهم إلى دعائهم واتبعوهم في أهوائهم من مستجيبي ~~الشيطان، وأبالسة الإنس الملاعين، الذين أطغوهم واستهووهم في ms065 الردى ~~والطغيان، ومنوهم مع الإقامة على ذلك من الله الغفران، قال الله سبحانه: ~~{ الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أوليآؤهم ~~الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات } [البقرة:257]. # وأما ما قال وعنه سأل فقال: هل يعذب الله أحدا على فعله به؟ أم يقدر ~~الخلق على الخروج مما أدخلهم جل جلاله فيه؟ PageV01P466 # فقولنا في ذلك على الله بما تقدم من شرحنا له، من أن الله جلا جلاله أعز ~~وأكرم وأرأف وأرحم وأحلم من أن يدخل عباده في سبب من الأسباب أراده، ثم ~~يعذبهم عليه ويعاقبهم فيه، إن هذا إلا جور من الفعل، وإنه من فاعله لأجهل ~~الجهل. فلو كانت أفعاله لا تتم إلا بأفعالهم لكانت حاله في العجز كحالهم، ~~ولكان مضطرا إلى خلقهم وإيجادهم، إذ لا يتم له فعل إلا بأعمالهم، فلقد ~~آتاهم إذا نظرا منه لنفسه لا لهم، وضرورة الخالق إلى الخلق في فعله كضرورة ~~الخلق إلى الخالق في أمره، فكل إلى غيره محتاج. وذلك فبين على قياسهم في ~~المنهاج، ولو اشتبهت الحالات لاشتبهت بلا شك الذات، فسبحان من بان عن خلقه ~~فليس له حد ينال، ولا مثل يضرب له به الأمثال، الذي بان من كل فعل فعله، ~~وجل عن كل قول قوله. # وأما ما قال من قوله: هل يقدر الخلق على أن يخرجوا مما أدخلهم الله فيه ~~وصنعه بهم؟ # فإن إدخال الله وصنعه بالعباد يكون على معنيين كليهما متضادين: # أحدهما: إدخال حكم وأمر وافتراض منه، معه تمكين واختيار، لم يرد الله أن ~~يدخلهم فيه جبرا، بل أراد أن يدخلوا اختيارا بما ركب فيهم وأعطاهم من ~~الآلات والاستطاعات ليكمل لهم الثواب على الطاعات، ولو أدخل قوما في ~~الطاعة، وأدخل آخرين في المعصية ثم أثاب وعاقب لكان على غير فعلهم عاقب ~~وأثاب، جل الله عن ذلك رب الأرباب، فهم قادرون على الخروج من هذا الفعل على ~~ما ذكرنا من تمكين الله الواحد الأعلى. PageV01P467 # وأما المعنى الثاني الذي أدخلهم فيه وصنعه بهم: فهو ما خلقهم عليه وصورهم ~~من ms066 الخلقة، وقومهم عليه من الفطرة من الأجسام والعروق والعصب والعظام ~~والأسماع والأبصار، وما عليه الجن من السرعة والذهاب في الهواء، وما خلق ~~عليه الآدميين من الثقل والخفاء، فلا يقدر جني يزيح ما فيه من الخفة فيثقل، ~~ولا آدمي عن الثقل إلى الخفة يرحل، وكذلك لا يقدرون على الخروج من سواد إلى ~~بياض، ولا من بياض إلى سواد، ولا من قصر إلى طول، ولا من طول إلى قصر. فهذا ~~ما لا يقدر عليه الخلق ولا ينالونه، وذلك أن الله خلقهم وجبلهم عليه، فلم ~~يزدادوا من محبوبه، ولم ينقصوا من مكروهه. # تم جواب مسألته PageV01P468 ### || المسألة السادسة عشرة: معنى قول الله تعالى: { وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين{ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قوله الله سبحانه: { وإذ يعدكم الله ~~إحدى الطائفتين أنها لكم } [الأنفال:7]، أليس إنما يريد العير والغنيمة أو ~~المشركين، وغلبتهم النصر؟ فإن قالوا: نعم. فقل: هل كانوا يقدرون على أن لا ~~يقاتلوا ولا يخرجوا إلى القتال؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد زعموا أنهم كانوا ~~يقدرون على أن يخلف الله وعده الذي وعده رسوله، وهذا قول عظيم يدخلهم في ~~أعظم مما كرهوا. (وإن زعموا أنهم لم يكونوا يقدرون على أن يخرجوا للقتال، ~~لا المؤمنون ولا الكافرون؛ أقروا بما كرهوا)، فإن الله قد أراد أن يقاتل ~~المؤمنون الكافرين، وأن يقاتل الكافرون المؤمنين، وأن الفريقين لم يكونوا ~~يستطيعون التخلف ولا الترك للقتال حتى ينجز الله وعده، ويعز المؤمنين، ويذل ~~الكافرين، ويوهن كيدهم، وكذلك أراد بالفريقين جميعا، وقد كان فيما صنع الله ~~بالفريقين يوم بدر بينة لنبيه وبرهان، وذلك أن الله سبحانه لم يكل المؤمنين ~~إلى ما زعم الجهال المكذبون أن الله جعل في العباد استطاعة ثم وكلهم إليها، ~~فلم يرض حتى أيدهم بنصره وأمدهم بملائكته ثم آجرهم على صبرهم على البأس، ~~وهو صبرهم؛ وآجرهم على الثبات، وهو ثبتهم؛ وآجرهم على ائتلافهم، وهو ألف ~~بينهم؛ وآجرهم على صرامتهم وهو ربط على قلوبهم؛ وآجرهم على ظفرهم، وهو ألقى ~~الرعب في قلوب عدوهم؛ وهذا كله خلاف ms067 لقولهم، ورد عليهم. فجعل غلبة المؤمنين ~~الكافرين نصرا وعزا وتأييدا، وجعل غلبة الكافرين دولة بلاء وإملاء، فأنزل ~~في قتال المؤمنين الكافرين بأحد: { فأثابكم غما بغم{ ، أما الغم الأول: ~~فالهزيمة والقتل؛ وأما الغم الآخر: (فإشراف خيل الكفار على الجبل حتى ~~أشرفوا عليهم فظنوا أنها الهلكة)؛ قال الله تعالى: { لكيلا تحزنوا على ما ~~فاتكم{ ، من الغنيمة PageV01P469 { ولا ما أصابكم{ يعني من قتل من إخوانكم، قال: { والله خبير بما تعملون } [آل ~~عمران:153]. فإن قالوا: إن الله إنما فعل بذنوبهم ومعصيتهم. قيل: فإنه إنما ~~عصى منهم نفر يسير وهم الرماة، نحو من خمسين رجلا، فقد عم ذلك البلاء جميع ~~المؤمنين حتى وصل إلى نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم فشج في وجهه، وكسرت ~~رباعيته، وقد كان المسلمون يوم أحد سبعمائة أو يزيدون. فأخبر الله أنه صنع ~~ذلك بهم فأثابهم غما بغم، أفليس الله قد أراد أن يصيبهم ذلك بأيدي ~~الكافرين، ولأن ينهزموا، وأن يقتل من قتل منهم، ثم أخبر أيضا بما صنع بهم ~~بعد الذي كان منه إليهم من الغم، فقال: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة ~~نعاسا يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن ~~الجاهلية يقولون هل لنا من الأمر من شيء } [آل عمران:154]، قال الله لنبيه: ~~{ قل إن الأمر كله لله } [آل عمران:154]، ثم قال: { يخفون في أنفسهم ما لا ~~يبدون لك{ ، فأخبر عما أخفوا في أنفسهم، فقال: { يقولون لو كان لنا من الأمر ~~شيء ما قتلنا هاهنا{ ، يقولون: لو كنا في بيوتنا ما أصابنا القتل، قال الله ~~تكذيبا لهم: { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى ~~مضاجعهم{ ، فأخبر أنه قد كتب القتل على قوم قبل أن يقتلوا، وجعل لهم مضاجع ~~إليها يصيرون، ثم نهى المؤمنين أن يكونوا مثلهم، وأن يظنوا بالله كظنهم، ~~فقال: { يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ~~ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا ليجعل الله ~~ذلك ms068 حسرة في PageV01P470 قلوبهم والله يحيي ويميت والله بما تعملون بصير } [آل عمران:155]، وقال في ~~غلبة الكافرين المؤمنين وهزيمة المؤمنين، فقال: { وتلك الأيام نداولها بين ~~الناس وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منكم شهداء والله لا يحب الظالمين } [آل ~~عمران:140]، وقال: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم ~~المؤمنين وليعلم الذين نافقوا } [آل عمران:166]، في آي كثيرة يخبر أن الأمر ~~كله منه، وهو يدبر أمر خلقه، ويصرفهم كيف يشاء، وأخبر أن الذي أصاب ~~المؤمنين يوم أحد إنما كان بإذن الله من قتل الكافرين إياهم وهزيمتهم لهم، ~~حتى قتل منهم سبعون رجلا، وأنتم تزعمون أنه لم يأذن في المعاصي، وأنها لا ~~تكون بإذنه، ولكن الإذن قد يكون على معنيين: أما أحدهما: فيكون أمرا منه ~~يأمر به، والآخر: يكون إذنا على وجه الإرادة، أنه أراد أن يكون؛ لأنه فعال ~~لما يريد. ثم قد عير الذين قالوا لإخوانهم: { إذا ضربوا في الأرض أو كانوا ~~غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا{ ، وكذبهم وأخبر بما قد سبق منه لهم ~~وما قد كتب عليهم، وعير الذين قالوا: { لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ~~هاهنا{ (فكذبهم الله لما قالوا من ذلك). # فلو تدبرتم كتاب الله وآمنتم بما فيه ما عارضتم أمور الله تعالى ولا ~~عبتم، ولفهمتم قضاءه، تردون عليهم برأيكم أمره، وتعقبون حكمه، وتظلمون ~~عدله، وتقولون إنه فعل بخلقه شيئا، ثم عذبهم عليه بما صنع بهم، فقد ظلمهم، ~~فسبحان الله ما أعظم قولكم وأضعف رأيكم. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P471 وأما ما سأل عنه من القتال، فقال: هل أراد الله من المؤمنين أن يقاتلوا ~~الكافرين؟ ومن الكافرين أن يقاتلوا المؤمنين؟ أم أراده من المؤمنين دون ~~الكافرين؟ فبذلك ولله الشكر نقول، وإليه أمورنا تؤول فنقول: # إن الله شرع حقا، (وأوجب صدقا، فدعا إليه الناس، وكشف عنهم به الالتباس، ~~ثم أوجب) على الخلق كلهم الدخول فيه والمقاتلة عليه، فكل من كان على ما ~~شرعه الله تعالى من الحق، فقد أراد الله منه مقاتلة من خالف عنه من الخلق. ms069 ~~وإنما أراد سبحانه من عباده أن يقاتلوا على ما رضيه من دينه، فأما ما لم ~~يرده من أفعال الكافرين، ولم يشرعه ولم يرضه من عبادة أصنام المشركين فكيف ~~يريد من أصحابه القتال عليه؟ وقد كرهه منهم، وذمهم على المقام فيه، ودعاهم ~~إلى الخروج منه. وقد علم كل من كان له علم، وآتاه الله شيئا من فهم الحكمة، ~~أن المشركين عن آلهتهم كانوا يدافعون، وعن دينهم يقاتلون، وعلى ما كان ~~آباؤهم من القتال يثابرون، فإن كان الله أراد منهم ذلك وجعلهم فيه كذلك، ~~فقد ارتضاه، وعلى الأديان كلها اصطفاه، كما ارتضى الذي بعث به خاتم النبيين ~~وأراده، وأمر بالقتال عليه المؤمنين. فإن قالوا: ارتضاه وأراده وأمر ~~بالقتال عليه عباده؛ كفروا بالرحمن وتابعوا قول الشيطان. وإن قالوا: بل ~~سخطه وشنيئه، وأمرهم لإشقائهم بالمقاتلة عليه؛ فقد سووا عنده بين ما ارتضاه ~~وبين ما سخطه وأباه. وهل يأمر بحياطة ما لا يريد إلا الجاهل غير الرشيد؟ ~~فإن كان حكم عليهم بعمل الردى لما أراد بهم بزعمهم من الشقاء، فعلى ماذا ~~يعذبهم ويشقيهم وفي الحميم يصليهم، وهم له طائعون، وفي إرادته منهم ~~متصرفون؟ أهذا عندهم من صواب الحكيم، العدل في فعله الرحيم؟ بل هذا من فعال ~~الجائرين، وأعظم ما عاب سبحانه من اعتداء الظالمين. فلا يجدون بدا من أن ~~ينسبوا إلى الله التجهيل، والظلم والتعدي، والجور الجليل، أو يدخلوا في ~~الحق ويرجعوا إلى الصدق، فيقولوا: إن الله أمر وأراد حياطة ما PageV01P472 ارتضى، وكره ونهى عن حياطة ما لم يشأ. # وأما ما ذكر من قول الله عز وجل: { إذ يريكهم الله في منامك قليلا ولو ~~أراكهم كثيرا لفشلتم ولتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم انه عليم بذات ~~الصدور وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم ليقضي ~~الله أمرا كان مفعولا } [الأنفال:43]، فقال وتوهم أن هذا الأمر المفعول الذي ~~يقضيه الله هو قضاؤه على الفريقين بالقتال والمزاحفة والاقتتال. وليس ذلك - ~~ولله الحمد - على ما قال، ولا على ما توهم من المحال، أن الله يقضي ms070 على ~~الكافرين بقتال المؤمنين، ولا أنه يقلل المؤمنين في أعين الكافرين تشجيعا ~~منه لهم على قتال المؤمنين وتأييدا بذلك لهم على المهتدين، ولكن قللهم في ~~أعينهم لكيلا يروهم بحالة الكثرة مع ما في قلوبهم من هيبة الروعة فيهزموا ~~ويذهبوا ويرجعوا ولا يقاتلوا، فكان ذلك خذلانا لهم وحربا عليهم، وقللهم في ~~أعين المؤمنين لكيلا يروهم على الكثرة التي كانوا عليها فيهابوا ويخافوا، ~~فقللهم في أعينهم تأييدا منه لهم، ومعونة وإحسانا إليهم. PageV01P473 # فأما قوله: { ليقضي الله أمرا كان مفعولا{ فمعناه: ليقضي الله وعدا كان ~~منجزا، وهو ما وعد رسوله والمؤمنين من النصر إذا نصروه، والتسديد لهم إذا ~~قصدوه. ألا تسمع كيف يقول: { يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ~~ويثبت أقدامكم } [محمد:7]، ويقول: { ولينصرن الله من ينصره } [الحج:40]، فقضى ~~تبارك وتعالى لرسوله وللمؤمنين عند الالتقاء بما وعدهم من النصر، وفعل لهم ~~بما ضمن فعله من الأمر، وتغنيمهم ما وعدهم من إحدى الطائفتين: طائفة الجيش، ~~وطائفة العير؛ فغنمهم الله طائفة الجيش كما وعدهم من الأمر، واتخاذ ما وعد ~~المؤمنين من النصر على الكافرين، فهو الأمر الذي ذكر الله أنه كان مفعولا، ~~لا ما يتوهم أهل هذا القول الفاسد المخذول. PageV01P474 # وأما قوله: { هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم لو أنفقت ما في ~~الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز ~~حكيم } [الأنفال:62]، فنصر الله رسوله كما قال سبحانه: { إذ جعل الذين كفروا ~~في قلوبهم الحمية حمية الجاهلية فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها وكان الله بكل شيء ~~عليما } [الفتح:26]، فألف الله على ذلك بين المؤمنين، لا كما ظن الحسن بن ~~محمد وأصحابه أهل العمى والقول بالردى: أن التأليف من الله كان بين ~~الكافرين والمؤمنين في القتال، وأنه ساق بعضهم إلى بعض جبرا حتى ألف بينهم ~~للقتال، وهذا فأحول المحال، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ألا ترون كيف ~~قال: { أيدك بنصره وبالمؤمنين{ ، و{ ألف بين قلوبهم{ ، فرد اسم المضمر ms071 في الهاء ~~والميم من (قلوبهم) على الاسم الظاهر من (المؤمنين)؟ فسبحان أرحم الراحمين، ~~وأكرم الأكرمين. # وأما ما سأل عنه من قول الله تبارك وتعالى: { وإذ يعدكم الله إحدى ~~الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم } [الأنفال:7]، وقال: ~~لو لم يخرج المشركون، أليس كان يبطل وعد الله لنبيه وللمؤمنين؟ PageV01P475 # فقولنا في ذلك: أن الله سبحانه وعد نبيه كما قال إحدى الطائفتين: طائفة ~~العير وطائفة الجيش المستعير؛ وأن الله لم يجبر الفاسقين على الخروج إلى ~~قتال المؤمنين، بل عن ذلك نهاهم، وإلى طاعته وطاعة رسوله دعاهم، فقال: { يا ~~أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا تولوا عنه وأنتم ~~تسمعون } [الأنفال:20]، ويقول: لو أطاعوا الله فيما أمرهم لم يخرجوا لمحاربة ~~الحق ولم ينصبوا. # فأما ما قال من أن ذلك لو كان لبطل وعد الله أهل الإيمان، الذي وعدهم من ~~الغنيمة والإحسان، فليس ذلك كما قال أهل الجهالة والعمى والضلال، ولكن الله ~~سبحانه علم أنهم سيخرجون، وعلى الحق والمحقين سيبغون، فلما أن علم ما يكون ~~من اختيارهم، حكم بما علم منهم عليهم، وبشر رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم بما سيسوق من الغنيمة والنصر إليه. ولو علم منهم اختيار المقام لما ~~وعد غنائمهم نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، فلما أن خرجوا وعلى الله ورسوله ~~أجلبوا خذلهم سبحانه وأخزاهم وأذلهم وأرداهم، وألقى الرعب في قلوبهم كما ~~قال سبحانه: { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل ~~به سلطانا } [آل عمران:151]، فأرداهم ونصر المؤمنين، وأعز بتأييده الدين، ~~وكبت الكافرين، فأبادهم بالسيف قتلا، وشتت أمرهم وجمعهم هزيمة وأسرا، وأنزل ~~الملائكة المقربين مددا للمؤمنين، وإعزازا للحق والمحقين، فزادهم قوة إلى ~~قوتهم المركبة الثابتة فيهم. PageV01P476 # وأما ما سأل عنه وقال وتوهم من المحال في قول الله تبارك وتعالى: { فأثابكم ~~غما بغم{ ، وذلك الغم هو غمهم (يوم حنين) حين أدال المشركين على النبي ~~والمؤمنين؛ فغلط وأخطأ في ذلك، ولم يكن ولله الحمد كذلك، ولم يدل الله ~~الكافرين على المؤمنين؛ لأن الإدالة ms072 هي معونة وتأييد ونصر وتسديد، ولم يقل ~~مؤمن بالله: إن الله نصر في ذلك اليوم أعداءه على أوليائه، ولا نصر جيش أبي ~~سفيان اللعين على جيش رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. ولكن الله أراد ~~بالمؤمنين المحنة والبلاء حتى يعلم الله أهل الصبر والاحتساب والتقى، ألا ~~تسمع كيف قال الله: { ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو ~~أخباركم } [محمد:31]. فنصرهم في أول الأمر وأراهم ما يحبون، فخالفوا نبيه ~~وعصوه في تنحيهم عن باب الشعب الذي أوقفهم عليه، وأمرهم أن يرموا من صار من ~~المشركين إليه، فلما رأوا الهزيمة على المشركين قد أقبلت، وتيقنوا أنها بهم ~~قد حلت، طمعوا فيما يطمع فيه مثلهم من الغنائم، ورجوا أن يكون شدهم على ~~الكفار مع أصحابهم أصلح، وفي الأمر الذي يراودون أنجح؛ فزلوا وعصوا الرسول ~~فيما أمرهم من الثبوت على باب الشعب، وكان ثباتهم عليه على المشركين أصعب. ~~فلما أن تنحوا أمكن للكافرين ما أرادوا، فظفروا من المسلمين ببعض ما أحبوا، ~~ثم لاقوا من بعد ذلك من نصر الله للحق ما كرهوا، فثبت الله من بعد ذلك ~~المؤمنين، وغفر لأهل الخطيئة المذنبين، وأنزل عليهم السكينة، وغشاهم النعاس ~~أمنة منه، كما قال الله سبحانه: { ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا ~~يغشى طآئفة منكم وطآئفة قد أهمتهم أنفسهم يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ~~يقولون هل لنا من الأمر من شيء{ ، قال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم: { قل إن PageV01P477 الأمر كله لله{ ، ثم قال سبحانه لنبيه: { يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك{ ، ~~ثم أخبر عما أخفوا، وما من المنكر أجنوا، فقال: { يقولون لو كان لنا من ~~الأمر شيء ما قتلنا هاهنا{ . # وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أتته قريش، ونزلوا بأحد ~~شاور أصحابه فأشاروا عليه بأن يثبت في المدينة، فإن أقاموا أضر بهم المقام ~~حتى ينصرفوا، وإن صاروا إلى المدينة فدخلوا، قاتلهم بها الصغير والكبير ~~والنساء من فوق البيوت. فأراد ذلك رسول الله صلى الله ms073 عليه وآله وسلم، ثم ~~أشاروا عليه من بعد بالخروج إليهم، فنهض فلبس لامته، ثم خرج عليهم، فقالوا: ~~يا رسول الله، قد رأينا رأيا، إنا لم نقاتل ببلدنا وبين دورنا أحدا إلا ~~أظهرنا الله عليه وبلغنا فيه ما نريد، فأقم بنا مكاننا على رأينا الأول. ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((كان هذا أولا، إنه ليس لنبي إذا ~~لبس لامته أن ينزعها حتى يقاتل عدوه.)). فخرج وخرج معه ألف من الناس، فلما ~~فصل من المدينة رجع عنه عبدالله بن أبي سلول رأس المنافقين، في ثلثمائة من ~~الفاسقين، ومضى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حتى لقي القوم، فكان من ~~أمرهم ما ذكرنا، ومن حالهم ما شرحنا، فذلك قولهم: { لو كان لنا من الأمر شيء ~~ما قتلنا هاهنا{ ، يقولون: لو أطاعنا أو كان الرأي إلينا لكنا قد ثبتنا في ~~بلدنا حتى يدخلوا علينا فنقاتلهم أو يرجعوا عنا فنتبعهم، فقال سبحانه: { قل ~~إن الأمر كله لله{ ، أي الأمر أمر نبيه الذي افترض عليكم طاعته، فليس لأحد ~~منكم سبيل إلى مخالفته إلا بالكفر والعصيان للواحد العزيز الرحمن، ثم ~~أعلاهم من بعد تلك السقطة، وأنزل عليهم الأمنة، ورد إليهم النصر، وشد لهم ~~ما أضعفوه من الأمر، وصرف عنهم أعداءهم لأن يدركوا كل ما طلبوا أو طمعوا به ~~فيهم من القوة والظهور عليهم. PageV01P478 # وأما ما ضل فيه من قوله: { قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل ~~إلى مضاجعهم{ ، فقال: إن الله كتب على الكافرين قتل المؤمنين، وكتب على ~~المؤمنين ظهور الكافرين، وقتلهم إياهم؛ فتوهم أن الكتاب من الله هو حتم، ~~وفعل فيهم وقضاء كائن قضى به عليهم. ولو كان ذلك كما ظن الحسن بن محمد لكان ~~المشركون لله مطيعين، ولأمره وقضائه منفذين، ولم يكن عليهم في ذلك إثم، ولا ~~عند الله جرم، بل كانوا في ذلك مثابين وعليه غير معاقبين، ولم يكن المؤمنون ~~بمثابين إذ الله فعل بهم ذلك من القتل وقضاه عليهم، وكل في الطاعة له سواء، ~~تبارك عن ms074 ذلك العلي الأعلى. # فأما وجه الحق في ذلك، ومعنى قول الله سبحانه: { كتب عليهم{ ، هو علم منهم ~~لا أنه أكرههم ولا قضى عليهم، ولكن علم من يختار الخروج ولقاء الأعداء، ومن ~~يقتل عند التنازل واللقاء، فعلمه وقع على اختيارهم، فخروجهم فعلهم لا فعله، ~~وقتلهم فعل الكفار لا قضاؤه، فهم على خروجهم وقتالهم واجتهادهم مأجورون، ~~وعند الله مستشهدون، والفسقة المشركون على قتلهم معاقبون، وعند الله في ~~الآخرة معذبون، فكل نال بفعله من الله ما أوجبه عليه من الثواب والعقاب، ~~والحمدلله رب الأرباب، والمجازي للخلق يوم الحساب. # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { وتلك الأيام نداولها بين الناس{ ، ~~فقال بزعمه، وتوهم بجهله: أن الله يديل أهل الكفر والعصيان على أهل الطاعة ~~والإيمان، وأنه أدال يوم أحد المشركين على النبي ومن كان معه من المؤمنين؛ ~~فليس ذلك كما ذهب إليه، وسنشرح ذلك إن شاء الله تعالى، ونرد بالحق قوله عليه. PageV01P479 # فنقول: إن الله جل جلاله يديل المؤمنين على الكافرين، ولا يديل الكافرين ~~على المهتدين، كذلك قال في يوم حنين: { ثم رددنا لكم الكرة ~~عليهم } [الإسراء:6]، فكان برده الكرة للموحدين هو المديل لهم على الكافرين، ~~ولم يقل في شيء من كتابه وما نزله من آياته إنه أدال أهل الشرك والنفاق على ~~أهل الدين والإحقاق. # فأما ما ذكر الله من المداولة بالأيام بين جميع الأنام، فإن مداولته ~~للأيام هو إتيانه بالليل تارة وتارة بالنهار، وأما ما يأتي ويداول بين ~~عباده وأرضه فيهما من الأمطار التي يحيي بها الأرضين ويعيش بها جميع ~~العالمين، قال سبحانه: { ونزلنا من السماء ماء مباركا فأنبتنا به جنات وحب ~~الحصيد والنخل باسقات لها طلع نضيد رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك ~~الخروج } [ق:9-11]، فسقى اليوم قوما هم إلى السقي محتاجون، وسقى غدا آخرين، ~~وما يحدث في الأيام من الأرزاق للعباد وإحياء ما شاء من البلاد، وبالمداولة ~~بالأيام بين الأنام ما نزل بهم من المصائب الهائلات، وما يمن به عليهم من ~~الآلاء والنعم السابغات، من ذلك ما يأخذ من ms075 الأقارب والآباء والإخوة ~~والأبناء وجماعة القربى، وما يهب عز وجل لمن يشاء من الأولاد الذكور، وما ~~يصرف ويدفع من الشرور، فهذه الأشياء كلها التي تكون في لياليه سبحانه ~~وأيامه مداولة منه لا شك بين عباده. فأما ما يظن الجهال، وأهل التكمه في ~~الضلال من أن معنى هذه الآية هو إدالة الفاسقين على الحق والمحقين، وأنه ~~يمكن في الأرض للفاجرين، ويمهد للفسقة العاصين بما قد حرم عليهم، ولم يجعله ~~- بحمدالله - لهم، بل شدده عليهم غاية التشديد في ترك مشاقة أهل الحق ~~والتسديد، وأمر في ذلك بالاتباع لهم، وترك الخلاف في جميع الأسباب عليهم، ~~(فهذا كذب منهم على رب العالمين، وكيف يجوز أن يديل ويمهد للعاصين)، بل كيف ~~يتوهم على PageV01P480 الرحمن الكريم الواحد ذي الجلال العظيم أن يكون أدالهم وأعطاهم ما عنه ~~زجرهم ونهاهم؟ فتبارك ذو السلطان المبين عن مقالة أهل الضلال الجاهلين. ~~(والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله وسلم). # تم جواب مسألته PageV01P481 ### || المسألة السابعة عشرة: معنى قول الله: { وما أصابكم يوم التقى ~~الجمعان فبإذن الله{ ، ومعنى الإذن فيها # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قول الله عز وجل: { وما أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله } [آل عمران:166]، فقال: خبرونا عن الإذن وإنكاركم ~~أن يكون الله أذن في المعاصي. فقل: الإذن من الله على وجهين: فإذن أذن فيه ~~أمر يأمر به؛ وإذن أذن فيه إرادة منه أن يكون لما يشاء من أمره. وما كان من ~~معصية فلا تكون إلا بإذنه - وكذلك أظنه - وذلك إرادة منه. فإن قالوا: نعم؛ ~~فقد أقروا بنفاذ أمره وإرادته، وإن جحدوا وأنكروا، فإن الله قد أكذبهم في ~~كتابه، فقال للمؤمنين: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله{ ، يعني ~~بذلك ما أصابهم من القتل والهزيمة. وإنما كان ذلك تأييدا للكافرين، فقد أذن ~~الله للكافرين أن ينالوهم بما أصابوهم من القتل والجراح والهزيمة. فإن ~~زعموا أن إذن الله أمره، فقد زعموا أن الله أمر بالمعاصي، وأمر المشركين أن ~~يقتلوا المؤمنين، وكل مأمور إذا فعل ما ms076 أمر به فهو مطيع وله عليه أجر، ~~والكتاب يكذبهم، وإن زعموا أن إرادته على وجهين: على وجه الأمر، والآخر على ~~وجه الإرادة، فقد أقروا بالحق، وفي ذلك نقض لقولهم ورد عليهم، فقد زعموا أن ~~الله يريد أن يكون ما لا يأمر به ولا يرضاه. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P482 وأما ما قال، وعنه بجهالته سأل، من قول الله تبارك وتعالى: { وما أصابكم يوم ~~التقى الجمعان فبإذن الله{ ، فقال: إن ذلك عنده من الله إذن للكافرين فيما ~~نالوه من الرسول والمؤمنين في يوم أحد من القتل، وما نالوا به حمزة رحمه ~~الله من المثل، وما نالوا به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم من الجراح، ~~وما اجترؤا على الله فيه وعليه من هشم وجنته وكسر رباعيته؛ فكيف يتوهم من ~~كان له عقل وفهم يبين به عن الجهل أن الله أذن لأعدائه في فعل ذلك ~~بأوليائه؟ كذب من ظن ذلك وقال على الله بهتانا وزورا، وكانوا عنده سبحانه ~~قوما بورا، وكيف يأذن للفاسقين في القتل والسواية إلى المؤمنين وهم الخيرة ~~عنده من عباده أجمعين، بل الإذن منه للمؤمنين في قتل المشركين وقتالهم حتى ~~يسلموا أو يفيئوا عن جهلهم وضلالهم، ألا تسمع كيف يقول سبحانه للمؤمنين: ~~{ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما ~~منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها } [محمد:4]، ويقول: { قاتلوا الذين ~~يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة } [التوبة:123]، ويقول سبحانه: { فاقتلوا ~~المشركين حيث وجدتموهم } [التوبة:5]، ففي كل ذلك يأمر المهتدين بقتال الضالين ~~المضلين وبقتل المحادين المشركين. فهل سمع الحسن بن محمد بشيء من كتاب الله ~~سبحانه وأمره وإذنه للمؤمنين؟ وزجره أمرا منه للكافرين بقتال المؤمنين أو ~~حضا لهم على المسلمين؟ بل في كل كتابه يأمر بقتال الكافرين ويحض على محاربة ~~الفاسقين، ومن ذلك قوله: { قاتلوا المشركين كآفة } [التوبة:36]، وقال ترغيبا ~~في قتال الناكثين، (وتفضيلا للمؤمنين المجاهدين على جميع العالمين): { إن ~~الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن PageV01P483 لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا ms077 عليه حقا في التوراة ~~والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به ~~وذلك هو الفوز العظيم } [التوبة:111]، فدل بما جعل لهم من الجزاء، وأعد لهم ~~على ذلك من كريم العطاء أن ذلك من فعلهم له رضى. # ثم قال فيمن تعدى على المؤمنين، وخالف فيهم حكم رب العالمين: { إن الذين ~~فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب ~~الحريق } [البروج:10]، فأخبر أنهم على ذلك عنده معذبون، فدل ذلك من فعل العدل ~~الرحيم على أنهم كانوا له مخالفين، وفي تعديهم وقتلهم له عاصين، وعلى فعلهم ~~لا فعله أوجب عليهم العذاب، ولو كان أذن لهم في ذلك لأجزل لهم عليه الثواب، ~~فسبحان الرؤوف الجواد، البريء من أفعال العباد، المتعالي عن اتخاذ الصواحب ~~والأولاد، المتقدس عن الإذن بالفساد. # فليعلم من سمع قولنا من العالم أن الإذن من الله على معنيين: # فأما أحدهما: فإذن أمر وإرادة وحكم ومشيئة، وذلك قوله سبحانه: { وإذ تأذن ~~ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد } [إبراهيم:7]، فهذا ~~معناه معنى حكم بالزيادة للشاكرين، وبالعذاب للكافرين، وكذلك قوله: { أذن ~~للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير } [الحج:39]. PageV01P484 # وأما المعنى الآخر: فإذن تخلية وإمهال للعصاة فيما يكون منهم من العصيان، ~~فعلى ذلك يخرج معنى قول الله سبحانه: { وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن ~~الله{ يعني تعالى بتخلية الله لهم، وكذلك قال سبحانه في هاروت وماروت، ومن ~~يتعلم منهما: { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن الله } [البقرة:102]، يريد ~~سبحانه بتخلية الله لهم لإثبات الحجة عليهم، إذ قد مكنهم من العمل والفعل، ~~ثم أمرهم بتقواهم وبصرهم عنهم وهداهم، وعن تعليم السحر وتعلمه نهاهم، فإن ~~ائتمروا، وتعليم السحر وتعلمه تركوا، أنيلوا الثواب، وإن أبوا، وما نهوا ~~عنه تخيروا، أوجب عليهم بفعلهم العقاب، وحرموا بذلك من الله الثواب. # تم جواب مسألته PageV01P485 ### || المسألة الثامنة عشرة: تزيين الله لعباده # ثم أتبع ذلك المسألة عن التزيين، فقال: خبرونا عن التزيين بالإرادة دون ~~الأمر، فإن أنكروا أن الله ms078 يزين لعباده دون أن يكون أمرا منه، فقد رد الله ~~عليهم قولهم، فقال في الأنعام: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا ~~الله عدوا بغير علم كذلك زينا لكل أمة عملهم } [الأنعام:108]، وقال في آخر ~~السجدة: { وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم } [فصلت:25]، وقال في ~~النمل: { إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم ~~يعمهون } [النمل:4]، هذا كله تزيين إرادة؟ أو ليس إرادة ؟ # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه وقال، وتوهم من زور المحال، من أن الله تباركت أسماؤه، ~~وعزت بكريم ولايته أولياؤه، زين للكافرين أعمالهم تزيينا، وحسنها في قلوبهم ~~تحسينا، وأنه أراد بذلك منهم إقامتهم فيها، ومثابرتهم عليها، جل الله عن ~~ذلك وتقدس عن أن يكون كذلك، واحتج في مقاله، وفيما ارتكب من ضلاله بقول ~~الله سبحانه: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير ~~علم كذلك زينا لكل أمة عملهم{ ، فصدق الله تبارك وتعالى فيما قال، وتقدس ذو ~~الجبروت والجلال. PageV01P486 # فأما قوله تبارك وتعالى: { ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله ~~عدوا بغير علم{ ، فإن هذه الآية نزلت في أبي جهل بن هشام المخزومي لعنه ~~الله؛ وذلك أنه لقي أبا طالب عم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ~~يا أبا طالب إن ابن أخيك يشتم آلهتنا، ويقع في أدياننا. واللات والعزى لئن ~~لم يكف عن شتمه آلهتنا لنشتمن إلهه. فأنزل الله في ذلك ما ذكر في أول هذه ~~الآية، تأديبا للمؤمنين، فأمرهم بالكف عن شتم أصنام المشركين لكيلا يجترئوا ~~بغير علم على شتم رب العالمين. PageV01P487 # وأما ما احتج به الحسن بن محمد في الآيات المنزلات آية النمل، وآية ~~الأنعام، وآية حم السجدة، وما ذكر فيهن ذو الجلال والإكرام من قوله: ~~{ زينا{ ، و{ قيضنا{ ، فإن ذلك من الله هو الإمهال، وترك المغافصة لهم بقطع ~~الآجال، وما كان في ذلك منه لأهل الجهل من التبري منهم والخذل منه سبحانه ~~لمن عشا عن ذكر ربه منهم. فلما أن أمهلوا، ms079 وعلى ما هم عليه من الشرك والكفر ~~تركوا، وبالعقوبات لم يعاجلوا، وأملى لهم ليرجعوا، فتمادوا، ولم ينيبوا، ~~ورأوا من إمهال الله وتأخيره لهم، وصرف ما عاجل به غيرهم من القرون الماضية ~~والأمم الخالية من ثمود وعاد وفرعون ذي الأوتاد، وقوم نوح، وقوم لوط، ~~وأصحاب الرس، والأيكة، وقوم تبع، والمؤتفكة، وغير ذلك من القرون المهلكة؛ ~~فزادهم تأخير ذلك عنهم - اجتراء وتكذيبا، ومجانة وافتراء وترتيبا بصرف ذلك ~~عنهم - ما هم عليه من أعمالهم وفاحش قولهم وأفعالهم. فكان إملاء الله لهم، ~~وتركهم ليرجعوا أو لتثبت الحجة عليهم، وتنقطع المعذرة إليهم، هو الذي ~~أطعمهم وزين عملهم لهم فجاز أن يقول: { زينا لهم{ ، إذ قد تفضلنا وأمهلنا ~~وأحسنا في التأني بكم ورحمنا، وكذلك تقول العرب لعبيدها، يقول الرجل ~~لمملوكه إذا تركه من العقوبة على ذنب من بعد ذنب، وتأنى به وعفا عنه وصفح ~~ليرجع ويصلح فتمادى في العصيان، ولم يشكر من سيده الإحسان، فيقول له سيده: ~~أنا زينت لك وأطمعتك فيما أنت فيه إذ تركتك وتأنيت بك، ولم آخذك ولم ~~أعاجلك. فهذا على مجاز الكلام المعروف عند أهل الفصاحة والتمام. PageV01P488 # وأما الآية التي في حم السجدة، فكذلك، الله أوجد القرناء وخلقهم، ولم يجمع ~~بينهم وبين من أطاعهم، ولم يأمرهم بطاعتهم، ولا اتباعهم، بل حضهم على ~~مخالفتهم، وأخبر بعداوتهم، ونهاهم عن اتباع الهوى، فقال: { ولا تطع من ~~أغفلنا قلبه عن ذكرنا } [الكهف:28]، { ولا تطع كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم ~~مناع للخير معتد أثيم عتل بعد ذلك زنيم } [القلم:10]، وقال فيمن يأمر ويوسوس ~~بالسوء من الشياطين: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } [فاطر:6]، فبين كل ~~ما افترض وأمر به، فلم يترك لذي علة قبله متعلقا، فكان تقييضه لهم ما ذكر ~~من القرناء هو تخليته لهم وتبرئه منهم، وترك الدفع لنوازل الأسواء عنهم، ~~وذلك فيما تقدم عنهم من الكفر بربهم والشرك بخالقهم. # تم جواب مسألته # وبتمامها تم الجزء الأول؛ والحمد لله كثيرا، وصلواته على خير خلقه محمد ~~النبي وآله الطيبين وسلامه، (وحسبنا الله وحده وكفى). ويتلوه الجزء ms080 الثاني ~~من مسائل الحسن بن محمد بن الحنفية، في تثبيت الجبر والتشبيه، ورد الهادي ~~إلى الحق يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم عليه السلام في نفي ذلك عن ~~الله سبحانه، وإثبات العدل والتوحيد، وتصديق الوعد والوعيد. # بسم الله الرحمن الرحيم # (وبه نستعين) PageV01P489 ### || المسألة التاسعة عشرة: الفرق بين الجعل التشريعي والجعل ~~التكويني # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ~~فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه{ %~% إلى آخر الآية، فقال: أخبرونا عن الجعل ~~بالإرادة دون الأمر؛ فإن أنكروا، فأخبرهم أن الله يقول: { ومن أظلم ممن ذكر ~~بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن ~~يفقهوه وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا ~~أبدا } [الكهف:57]، وقال سبحانه: { عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم ~~منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم } [الممتحنة]، وفي آيات كثيرة من ~~الكتاب، فيقال لهم: ما ذلك الذي جعل الله، وهو كائن كما جعل؟ فإن قالوا: ~~إنما ذلك الدعاء. فقلنا: إن الدعاء قبل ذلك، فقد دعا العباد جميعا، وهذا ~~شيء قد خص به من يشاء من خلقه، ولم يعمهم؛ لأنه إنما يهتدي من جعل الله في ~~قلبه الهدى ولم يعمهم بالهدى. فإن قالوا: قد نعلم أن الله قد جعل الناس ~~كلهم مهتدين، ولا نقول إن الله قد جعلهم كفارا. فقل: إن الله يرد عليكم ~~قولكم في كتابه، فإنه قد قال: { قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من ~~لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر ~~مكانا وأضل عن سواء السبيل } [المائدة:60]، ألا ترى أن الله قد جعل منهم ~~القردة والخنازير؟ فإن زعموا أن الله إنما سماهم بذلك ونسبهم إليه، وإن ~~أقروا أن الله جعلهم عبدة الطاغوت؛ فذلك نقض قولهم. وإن قالوا: إن الله لم ~~يجعلهم عبدة الطاغوت؛ كان ذلك تكذيبا منهم، فقل: فإن الله قد قال أيضا: PageV01P490 # { وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ms081 ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون } [الأنعام:123]، ألا يرون أن الله يخبر أنه قد جعل في كل ~~قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها؟ فإن قالوا: إنه لم يجعلهم فيها ليمكروا ~~فيها؛ كان ذلك تكذيبا منهم، وإن أقروا كان ذلك نقضا لقولهم. # وقد قال الله لقوم فرعون: { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة ~~لا ينصرون } [القصص:41]، فإن قالوا: نعم؛ كان ذلك نقضا لقولهم، وإن قالوا: ~~لا؛ فقد كذبوا، والله يقول: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من ~~جلود الأنعام بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها ~~وأشعارها أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من ~~الجبال أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم ~~بأسكم } [النحل:80-81]، ألا ترى أن الناس هم غزلوا ونسجوا، وعملوا الدروع ~~واتخذوا المساكن والبيوت، ثم نسب ذلك منه وإليه، وأخبر أنه خلقه، فمن به ~~عليهم، وذلك أنه أراده، فكان ما أراده ولم يأمر به. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P491 وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: { إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه ~~وفي آذانهم وقرا وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا{ ، فتوهم وظن، ~~فقال: إن الله جعل على قلوبهم أكنة حتى لا يفقهوه، وفي آذانهم وقرا، وأن ~~ذلك من الله فعل بهم ليشقيهم؛ وليس ذلك - لعمره - كذلك، ولو كان الله عز ~~وجل الذي حجب قلوبهم وآذانهم عن ذلك لم يبعث الرسل إليهم، ولم يحتج ببرهانه ~~عليهم، وكانوا عنده في تركهم لذلك معذورين، وكانوا على ذلك مثابين، إذ هم ~~لما أرسل إليهم به غير مستطيعين، وقد قال الله سبحانه: { لا يكلف الله نفسا ~~إلا وسعها } [البقرة:233]، وقال: { لا يكلف الله نفسا إلا ما ~~آتاها } [الطلاق:7]، فكيف يكلفهم الائتمار وقد حجب قلوبهم عن الاعتبار؟ ~~فتبارك الله العزيز الجبار. PageV01P492 # بل معنى قوله جل جلاله ذلك: هو إنكار لقولهم الذي قالوا حين دعاهم الرسول ~~إلى الحق وبين ما هم عليه من الباطل والفسق، فقالوا له استهزاء وعبثا: ms082 ~~{ قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب ~~فاعمل إننا عاملون } [فصلت:5]، فقال الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله ~~وسلم يحكي قولهم، ويرد كذبهم عليهم، فقال: { إنا جعلنا{ ، يريد سبحانه: إنا ~~جعلنا على قلوبهم أكنة كما قالوا، وفي آذانهم وقرا كما ذكروا، بل الزور في ~~ذلك قالوا، وبالباطل تكلموا؛ فأراد بذلك معنى الإنكار عليهم والتكذيب لهم ~~والتقريع بكذبهم، وتوقيف نبيه صلى الله عليه وآله وسلم على باطل قولهم، ~~وجليل ما أتوا به من محالهم، فقال: { إنا{ ، وهو يريد: أئنا؛ فطرح الألف ~~استخفافا لها. والقرآن فعربي - إلى النور والحق يهدي - والعرب تطرح الألف ~~من كلامها وهي تريدها، فيخرج لفظ الكلام إخبار ونفي، وهو تقريع وإيجاب ~~واستفهام؛ وتثبتها وهي لا تريدها، فيخرج لفظ الكلام لفظ شك، ومعناه معنى ~~خبر وإيجاب في كل ما جاءت به من الأسباب. من ذلك قول الله سبحانه: { لا أقسم ~~بهذا البلد وأنت حل بهذا البلد } [البلد:1،2]، فقال: { لا أقسم{ ، وإنما أراد: ~~ألا أقسم؛ فطرح الألف منها، فخرج لفظها لفظ نفي، وهي قسم وإيجاب. وقال في ~~عبده ونبيه يونس صلى الله عليه: { وأرسلناه إلى مئة ألف أو يزيدون ~~} [الصافات:147]، فقال: أو يزيدون؛ فأثبت الألف وهو لا يريدها، فخرج لفظ ~~الكلام لفظ شك، ومعناه معنى إيجاب وخبر، أراد سبحانه: وأرسلناه إلى مائة ~~ألف، ويزيدون على مائة ألف. PageV01P493 # فأراد بقوله: { إنا جعلنا{ التقريع لهم، والتوقيف لنبيه على كذبهم، لا ما ~~يقول الجاهلون إنه أخبر عن فعله بهم. ألا ترى كيف يدل آخر الآية على أولها، ~~من قوله: { وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا{ ، يقول: فإن كان الأمر ~~على ما يقولون وكنا قد فعلنا بهم ما قد يذكرون فلم أرسلناك تدعوهم إلى ~~الهدى (وتزحزحهم عن الردى، وهم لو كانوا كذلك، وكنا فعلنا بهم شيئا من ذلك، ~~ثم دعوتهم إلى الهداية) لم يطيقوا أن يهتدوا إذا أبدا. ألا تسمع قوله: { وإن ~~تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا{ فقال: { إذا{ يريد: إن كان ما ms083 يقولون ~~علينا مما ذكروا أنه على أبصارهم وأسماعهم وقلوبهم فعلا منا بهم، فلن ~~يهتدوا إذا أبدا إن كنا منعناهم بذلك عن الاهتداء، فكيف نرسلك إلى من لا ~~يستطيع أن يهتدي، ولا يفلح ولا يقتدي؟ فهذا ما لا نفعله بك ولا بهم، ولا ~~نجيزه فيك ولا فيهم، ولا نراه حسنا من فاعل لو فعله من البشر. # وقد يمكن أن يكون الجعل من الله عز وجل للأكنة والوقر الذي ذكر هو ~~الخذلان لهم وتركهم من التوفيق والتسديد، فلما تركوا من عون الله وتسديده ~~تكمهوا وغووا وهلكوا، ومالت قلوبهم في أكنة الهوى، فأعقبهم ذلك شقاء ووقرا، ~~فالوقر هاهنا هو ترك الاستماع للحق وما يركبون من الفسق. # وأما ما قال وعنه سأل من قول الله عز وجل: { عسى الله أن يجعل بينكم وبين ~~الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم{ ، فتوهم أن الله جعل ~~فيهم مودة قسرهم عليها، وأدخلهم جبرا فيها، وليس ذلك بحمدالله كذلك. وتفسير ~~هذه الآية فهو يخرج على معنيين، وكلاهما شاف، ومن التطويل كاف: PageV01P494 # فأولهما: ما جعل الله للمؤمنين من الإذن وأطلق لهم من البر والإقساط ~~والإحسان إلى من كان على غير الإيمان من المشركين، الذين لم يقاتلوهم ولم ~~يخرجوهم من ديارهم ولم يظاهروا على إخراجهم، فقال: { عسى الله أن يجعل بينكم ~~وبين الذين عاديتم منهم مودة{ ، ثم قال: { لا ينهاكم الله عن الذين لم ~~يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله ~~يحب المقسطين } [الممتحنة:8]، فكان ما أطلق لهم من البر والإقساط أول الرحمة ~~منه لهم، وجعل المودة بينهم؛ إذ قد أطلق لهم من الفعل ما يجلب المودة ويزرع ~~المحبة، من اللطف والبر، في العلانية والسر. فلما أن تباروا وتنافعوا، جرت ~~المحبة والمودة للمؤمنين في قلوب الكافرين لما ينفعونهم به ويحسنون إليهم ~~فيه، فكان الإذن من الله عز وجل للمؤمنين بما يجتلب المودة في الإقساط إلى ~~الكافرين أفضل المنة منه على المحسنين. PageV01P495 # وقد تكون تلك المودة هي ما في الإيمان من البركة واليمن، ms084 وما جعل الله بين ~~المؤمنين من المحبة وافترض عليهم من التواد على الدين وحكم به من الإخوة ~~بين المؤمنين حيث يقول: { إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا ~~الله لعلكم ترحمون } [الحجرات:10]، فكان كل من دخل فيما أمر بالدخول فيه من ~~الإيمان إذا دخل وإلى الله سبحانه أقبل سدده الله سبحانه ووفقه وحببه إليه ~~من بعد إقباله إليه، وبغض إليه الكفر كما قال الرحمن: { واعلموا أن فيكم ~~رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان ~~وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم ~~الراشدون } [الحجرات:7]، فكان كل من دخل في الإسلام من جميع الأنام أخرجته ~~بركة الإيمان من الحق والدغل والحسد حتى يعود إلى المؤاخاة على الحق، ~~والقول في ذلك على الله بالصدق، فهذا ما لا ينكره ذو عقل وتمييز. ألا تسمع ~~كيف حكى الله عز وجل لك عنهم، وذكر لك قولهم، حين كانوا يدخلون في الدين، ~~ويتابعون المسلمين على اليقين، حين يقول: { والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ~~ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا ~~للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم } [الحشر:10]، فلما أن دخلوا في الإيمان ~~صاروا عليه وفيه نعم الإخوان، متحابين متواصلين متواخين، يأمرون بالمعروف ~~وينهون عن المنكر، فكانوا كما قال الله جل جلاله: { الذين إن مكناهم في ~~الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله ~~عاقبة الأمور } [الحج:41]. PageV01P496 # وأما ما نسب الحسن بن محمد إلى الله جل ثناؤه من فاحش المقال، فزعم أن الله ~~جعل عبدة الطاغوت للطاغوت عابدين، وفيما أسخطه من ذلك أدخلهم مجبورين، ~~واحتج بما لم يعلم معناه من تفسير القرآن ومنزل الفرقان الذي لا يعلم ~~تأويله إلا الله والراسخون في العلم، فقال: قال الله في ذلك: { قل هل أنبئكم ~~بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة ~~والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل{ ، فقال الحسن ~~بن محمد: الا ms085 ترى أنه قد جعل منهم القردة والخنازير ومن يعبد الطاغوت؟ ~~وقال: إن أنكروا أن الله جعل منهم القردة والخنازير وعبدة الطاغوت، فقد ~~كذبوا الله؛ وإن أقروا، فقد رجعوا عن قولهم. ولم يا ويحه وويله إن لم يتب ~~من الله وغوله؟ ألا تسمع كيف فرق الله عز وجل بين فعله وفعل عبيده؟ ألا ترى ~~أن مسخه لمن مسخ لم يكن لهم فيه فعل بل نزل بهم وهم له كارهون، وحل بهم وهم ~~عليه مكرهون، وأن عبادة الطاغوت كانت منهم، وأنها بلا شك مقالتهم؟ فبين ما ~~دخلوا فيه طائعين وله متخيرين، وبين ما فعل بهم مجبورين وبه معاقبين فرق ~~عند ذي العلم من أهل المعرفة والحكم. # فنقول في ذلك: إن الله لم يأخذهم ولم يجعل منهم ما جعل من القردة ~~والخنازير، ومسخ منهم من مسخ من المذنبين إلا بعد الإعذار والإنذار مرارا ~~بعد مرار، فلما أبوا وعموا عن أمره سبحانه، وخالفوا أخذوا بذنوبهم، فلم ~~يجدوا من دون الله وليا ولا نصيرا. PageV01P497 # وأما قوله: { وعبد الطاغوت{ ، فإن ذلك مردود على أول الآية، وهو مقدم في ~~المعنى، وكثير مثل ذلك على ما يكون على التقديم والتأخير، يعلمه من عباده ~~العالم الخبير، فمعناه: أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله ~~وغضب عليه وعبد الطاغوت، وجعل منهم القردة والخنازير؛ أراد أن من عبد ~~الطاغوت فهو شر من ذلك، فهذا موضع ما ظن من { عبد الطاغوت{ ، ألا ترى كيف ~~أهلك من كان كذلك؟ ومن اجترأ من الخلق كاجتراء أولئك. # وكذلك قولنا فيما توهم وذهب إليه، فأهلك وهلك، ولله الحمد فيه، فقال: إن ~~الله جعل في المجرمين ذلك وابتلاهم به وحملهم عليه؛ ثم احتج في ذلك من قول ~~الله عز وجل - بما عليه لا له - فقال: قد قال الله فيما قلنا وبه تكلمنا: ~~{ وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها وما يمكرون إلا ~~بأنفسهم وما يشعرون{ ، فقال: ألا ترون أن الله قد جعل في كل قرية أكابر ~~مجرميها ليمكروا فيها، فقد جعلهم مكارين، ms086 وقضى به عليهم، وركبه فيهم. PageV01P498 # فقولنا في ذلك: أن جعل الله لهم هو خلقه لهم، وتصويرهم في كل قرية كما صور ~~غيرهم. وأما قوله: { ليمكروا{ ، فإنما أراد الله سبحانه: لأن لا يمكروا؛ فطرح ~~(لا) وهو يريدها استخفافا لها، والقرآن فبلسان العرب نزل، وهذا تفعله العرب ~~تطرح (لا) وهي تريدها، وتأتي بها وهي لا تريدها، فيخرج اللفظ بخلاف المعنى؛ ~~يخرج اللفظ لفظ نفي وهو إيجاب، ويخرج لفظ إيجاب وهو معنى نفي، قال الله عز ~~وجل: { لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد ~~الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم } [الحديد:29]، فقال: { لئلا{ ، فخرج ~~لفظها لفظ نفي ومعناها معنى إيجاب، فأتى ب(لا) وهو لا يريدها، وإنما ~~معناها: ليعلم أهل الكتاب. وقال: { إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب ~~مهين } [آل عمران: 178]، فخرج اللفظ لفظ إيجاب ومعناها نفي، يريد سبحانه: ~~لئلا يزدادوا إثما. # وقال الشاعر: # ما زال ذو الخيرات لا يقول %~% ويصدق القول ولا يحول # فقال: لا يقول؛ وإنما يريد: يقول؛ فأدخلها وهو لا يريدها، ووصل بها كلامه ~~ليتم له بيته استخفافا لها. وقال آخر: # بيوم جدود لا فضحتم أباكم %~% وسالمتموا والخيل يدمى شكيمها # فقال: لا فضحتم أباكم؛ وإنما يريد: فضحتم؛ فأدخلها وهو لا يريدها. وقال آخر: # نزلتم منزل الأضياف منا %~% فعجلنا القرى أن تشتمونا # فقال: أن تشتمونا؛ فخرج لفظها لفظ إيجاب في قوله: أن تشتمونا؛ ومعناها ~~معنى نفي، أراد: لأن لا تشتمونا. PageV01P499 # وأما ما قال وذكر، واحتج به مما لا يعرفه وسطر، فقال: قال الله في قوم ~~فرعون: { وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون{ ، وادعى على ~~الله سبحانه أنه جعل من كان كذلك منهم كافرا، ومن كان منهم كافرا فاجرا، ~~وأنه طبعهم على ذلك، وفيه ركبهم وخلقهم، وليس ذلك والحمد لله على ما ذكر، ~~ولا على ما قال وخبر، وهذا يخرج من الله على معنيين عدلين محققين: # أحدهما: أن يكون جعله لهم هو ما أوجده منهم وخلقه من أجسامهم، لا ما ms087 ذهب ~~إليه من فعل أفعالهم. # والمعنى الآخر: أن يكون ذو الجلال والإكرام حكم عليهم بما يكون منهم من ~~أعمالهم ودعائهم إلى خلاف طاعته من الكفر به والصد عن سبيله، وما كانوا ~~يفعلون ويجترئون به على الله، فكانت حال من يطيعهم على كفرهم ويشركهم في ~~فعلهم، ويدعوهم إلى غيهم عند الله كحالهم. فلما أن دعوا إلى ما يقرب إلى ~~النار مما كان يفعله الفجار، كانوا أئمة يدعون إلى الجحيم، فحكم عليهم ~~بفعلهم العليم، ودعاهم وسماهم به الرحمن الرحيم، فكان دعاؤه إياهم بذلك من ~~فعلهم، وتسمية لهم بما دعوا إليه إخوانهم من النار، جعلا في مجاز كلام ~~العرب، كما يجوز أن يقال لمن قال لصاحبه يا حمار: جعلته ويحك حمارا؛ وإنما ~~يراد بذلك تسميته لا خلقه، وكذلك إذا دعاه بالضلال، قيل: جعلته ضالا، إذ قد ~~سميته به. PageV01P500 # فأما ما قال وتوهم أنه إذا خرج في اللفظ شيء كان كذلك في المعنى، فقال: وقد ~~قال الله سبحانه: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام ~~بيوتا تستخفونها يوم ظعنكم ويوم إقامتكم ومن أصوافها وأوبارها وأشعارها ~~أثاثا ومتاعا إلى حين والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال ~~أكنانا وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم{ ، فتوهم الحسن بن ~~محمد على الله تبارك وتعالى أنه الفاعل لكل ذلك، وليس ذلك والحمد لله كذلك، ~~وسنفسره إن شاء الله ونبينه وبالحق نميزه. فنقول: إن معنى قوله جل جلاله: ~~{ جعل لكم من بيوتكم سكنا{ هو كما قال سبحانه: هو الذي خلق الخشب والحجر ~~والماء والمدر، هو دلهم على ذلك، وهم بنوا وعملوا المساكن وكل ما صنعوه من ~~الأماكن؛ وهو جعل وخلق الأنعام وجلودها، وهم عملوها بيوتا. ولو لم يخلق ~~الجلود لم يقدروا على عمل ما ذكر من البيوت؛ وكذلك لو لم يخلق الحجر والخشب ~~والمدر لم يبنوا بيوتا يسكنونها ولا دورا يأوونها. وكذلك السرابيل التي تقي ~~الحر وقت الحر، وتقي القر وقت القر، وكذلك السرابيل اللباس التي تقي وتحرس ~~من البأس، ms088 فالله عز وجل أوجد حديدها ودلهم على عملها، وهم يتولون فعلها ~~وسردها وتأليفها ونسجها. PageV01P501 # وأما ما ذكر من قول الله جل ثناؤه: { والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم ~~من الجبال أكنانا{ ، فكذلك فعل عز وجل، فهو المتولي لذلك، لم يفعله غيره، ~~وهو جاعله، فجعل من الأكنان وقاء أوفى من البنيان؛ وجعل من الظلال لما خلق ~~من الأشجار وغيرها من الجبال ما تبين فيه القدرة والمنة لذي الجلال. فما ~~كان من فعل العباد فخلاف أفعال ذي المنة والأياد؛ وما كان من فعل الرحمن ~~فخلاف فعل الإنسان، لا كما يقول المتكمهون الجهال: الله سبحانه والعبيد ~~سواء في الأفعال، كذب المبطلون. # تم جواب مسألته PageV01P502 ### || المسألة العشرون: معنى إغراء الله تعالى بين خلقه في قوله ~~تعالى: { فأغرينا بينهم العداوة{ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة، فقال: خبرونا عن الإغراء بالإرادة ~~دون الأمر، فإن الله يقول: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا ~~حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة } [المائدة:14]، فسلهم: هل كان هؤلاء يستطيعون أن يخرجوا مما صنع ~~الله بهم، وأن يتركوا العداوة بينهم؟ فإن قالوا: نعم، كذبوا كتاب الله؛ وإن ~~قالوا: لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P503 وأما ما سأل عنه من الإغراء بالإرادة دون الأمر، فزعم أن الله جل ثناؤه ~~يأمر بما لا يريد، ويريد من الأشياء ما لا يشاء كينونته، فأخطأ في قوله ~~وأمره، ونسب الجهالة في ذلك إلى ربه، ورضي فيه بما لا يرضاه في نفسه، ولا ~~يراه حسنا من أمته وعبده، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. ألا ترى أن الآمر ~~بما لا يشاء من أجهل الجاهلين؟ وعن الحكمة من أبعد المبعدين؟ فكيف اجترأ ~~الحسن بن محمد على رب العالمين، فنسب إليه أشد ما يعاب به المربوبون؟ ثم ~~احتج في قوله، وسطر أفحش القول في ربه، فقال: قال الله: { ومن الذين قالوا ~~إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة ~~والبغضاء إلى يوم القيامة{ ms089 ، فقال: إن الله تبارك وتعالى أغرى بينهم ولم يرد ~~الإغراء، ولم يأمر بالإغراء، وأدخلهم من ذلك فيما لم يشأ. وليس ذلك كما ~~قال، وأول الآية يدل على عدل الله في ذلك حين أخبر بما كان منهم، وذكر من ~~الترك والرفض لما أمروا بأخذه، والأخذ لما أمروا بتركه، فلما أن فعلوا من ~~ذلك ما عنه نهوا، استأهلوا من الله سبحانه الترك والخذلان بما كان منهم لله ~~من العصيان، فتركهم من الرشد والتوفيق فضلوا، وعن الخير والصلاح في كل ~~أمرهم عموا، والبر والتواصل تركوا، فغريت بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة، ونشأ على ذلك خلف من بعد خلف، فكان ذلك لسبب خذلان الله لهم وسخطه ~~عليهم لذلك، فلما كان ذلك كذلك جاز أن يقال: إن الله أغرى بينهم العداوة، ~~وبكل ضلال قالوا، فنسب المسيح منهم قوم إلى أنه رب، ونسبه قوم آخرون إلى ~~أنه ابن للرب، وقال آخرون بما قال في نفسه إنه عبد الله حين أخبر عنه بقوله ~~حين أشارت إليه أمه، قال الله جل ثناؤه: { فأشارت إليه قالوا كيف نكلم من ~~كان في المهد صبيا قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني PageV01P504 نبيا وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت ~~حيا } [مريم:29]، فلما أن اختلفوا وعلى الحق لم يأتلفوا، كفر بعضهم بعضا، ~~وبريء فاسق من منافق، ومنافق من فاسق، وخذلهم الله فيه، ولعنهم سبحانه ~~عليه، غريت بينهم العداوة إلى يوم القيامة، فلما كان عز وجل الذي خذلهم ~~فضلوا، وتركهم فهلكوا، قال: { فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم ~~القيامة{ ، وهذا ولله الحمد في اللسان معروف. # تم جواب مسألته PageV01P505 ### || المسألة الحادية والعشرون: معنى قول الله تعالى: { وهو الذي كف ~~أيديهم عنكم %~% { # ثم أتبع ذلك المسألة، فقال: خبرونا عن قول الله: { وهو الذي كف أيديهم ~~عنكم وأيديكم عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم } [الفتح:24]، وذلك يوم ~~الحديبية؛ فسلهم: هل كان واحد من الفريقين يستطيع أن يبسط يده إلى أخيه، ~~والله عز وجل يخبر أنه قد كف بعضهم عن ms090 بعض بإرادة لا بأمر؟ فإن قالوا: نعم، ~~قد كانوا يستطيعون أن يقاتل بعضهم بعضا؛ كذبوا كتاب الله عز وجل. وإن ~~قالوا: لا؛ فهذا نقض لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P506 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { وهو الذي كف أيديهم عنكم وأيديكم ~~عنهم ببطن مكة من بعد أن أظفركم عليهم{ ، فقال: هل كان يستطيع أحد أن يمد ~~يده إلى عدوه، وقد كف الله سبحانه أيدي حزبه من رسوله والمؤمنين عن حزب ~~الشيطان الفاسقين، وأذن لرسوله وأطلق له مهادنة قريش، ومن معهم من المشركين ~~نظرا منه سبحانه للمؤمنين، ففعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ~~لما أن طلبته قريش منه، ولو لم يأذن الله له عز وجل في ذلك لم يفعله، ولم ~~يك ليرجع يوم الحديبية حتى يقاتلهم، وعلى الحق وبالحق ينازلهم، ولقد أراد ~~ذلك صلى الله عليه وآله وسلم، وبايع أصحابه على الموت فيه بيعة ثانية، وهي ~~البيعة التي ذكر الله عن المؤمنين ورضي بها عنهم، وأنزل السكينة عليهم وصرف ~~القتال وكف أيدي الكل من الرجال بما أطلق لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم ~~من إجابته لهم إلى ما طلبوا من المهادنة في ذلك العام، والرجوع عنهم، ~~والدخول في السنة المقبلة إلى البيت الحرام. فأطلق له الرجوع عنهم والترك ~~لمقاتلتهم لما ذكر سبحانه، فمن كان بمكة ممن كان مكة من المؤمنين والمؤمنات ~~لأن لا يطأوهم فيقتلوهم بغير علم فيصيبهم منهم معرة عند الله بالحكم، ~~والمعرة هاهنا فهي الدية لا ما قال غيرنا به فيها من الإثم. وكيف يأثم من ~~بر وكرم وقاتل على الحق - كما ذكر الله عز وجل - من خالفه من الخلق فقتل ~~مؤمنا بغير علم ولا تعمد؟ وهو فإنما قتله وهو يحسبه كافرا، ويظنه في دين ~~الله فاجرا؟ فهو والحمد لله في ذلك غير آثم ولا متعمد في فعله ولا ظالم، ~~ولكنه مخطئ فعليه ما على مثله، وهو ما ذكر الله في قوله حين يقول: { ومن قتل ~~مؤمنا خطئا فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلى أهله ms091 } [النساء:92]، وإنما جعل ~~عليه العتق والدية تعظيما لقتل المؤمن وتشديدا على المؤمنين في التثبت ~~والتبين عن قتال PageV01P507 الكافرين، كما قال سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ ~~فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين } [الحجرات:6]. # وأما معنى قوله سبحانه: { من بعد أن أظفركم عليهم{ ، فهو الحكم لهم من الله ~~عز وجل بالنصر إذ نصروه. ومن ذلك ما قال ذو العز والجلال: { يا أيها الذين ~~آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم } [محمد:7]، ولا نصر يكون أكبر من ~~نصره لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن معه من المؤمنين، فحكم الله ~~سبحانه لهم على أعدائه بالنصر إذا التقوا، وبالغلبة إن احتربوا، ألا تسمع ~~كيف يقول: { ولو قاتلكم الذين كفروا لولوا الأدبار ثم لا يجدون وليا ولا ~~نصيرا سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا } [الفتح:23]، ~~يقول: حكم الله للمؤمنين بالنصر على الفاسقين، ولن تجد لما حكم به رب ~~العالمين للمؤمنين تبديلا، فهذا معنى الآية وتفسيرها لا كما قال من نسب إلى ~~الله جل ثناؤه فاحش المقال من جبر العباد على الخير، وإدخالهم قسرا في كل ~~شر وضير. # تم جواب مسألته PageV01P508 ### || المسألة الثانية والعشرون: عن ما وعد الله تعالى من الغنائم # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عما وعد الله جل ثناؤه رسوله ~~والمؤمنين من الغنائم الكثيرة التي قال: { تأخذونها{ ، هل كانت تلك الغنائم ~~التي وعدهم إياها تكون إلا من الكافرين؟ فإن قالوا: لا. فقل: فهل كان أولئك ~~الكافرون يستطيعون أن يؤمنوا حتى لا تحل غنائمهم ولا دماؤهم ولا أموالهم؟ ~~فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا قول الله عز وجل. وإن قالوا: لا؛ فذلك نقض ~~لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه، وفيه تكلم وقال في الغنائم التي وعدها الله المؤمنين، ~~وأخبرهم أنهم يأخذونها من الكافرين، فقال الحسن بن محمد في ذلك: هل كان ~~الكافرون يستطيعون الإيمان وهم لو آمنوا لم تحل غنائمهم؟ وهم لو لم تؤخذ ~~غنائمهم (لم يتم) ms092 وعد الله لنبيه، فلا بد أن يثبتوا على كفرهم جبرا حتى ~~تؤخذ منهم الغنائم قسرا. # فقولنا في ذلك الحق لا قول المبطل الهالك: إن الله سبحانه علم من أهل ~~الغنائم قبل أن يعد نبيه غنائمهم أنهم لا يؤمنون، وأنهم سيثبتون على الكفر ~~ويقاتلون، وأنهم لا يسمعون لله ورسوله ولا يطيعون، فوعده غنائمهم والنصر ~~عليهم إذ علم أنهم لا يختارون الإيمان ولا يطيعون الرحمن، وأنهم يختارون ~~الإقامة على الضلال والكفران، (والمحادة لله ورسوله والعصيان، فلذلك وعد ~~المؤمنين غنائمهم، وأجاز لهم) سبيهم، وأحل مقاتلتهم واسترقاق ذراريهم، وذلك ~~بما جنت أنفسهم عليهم. # تم جواب مسألته PageV01P509 ### || المسألة الثالثة والعشرون: معنى قول الله تعالى: { فكف أيديهم عنكم{ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل: { يا أيها الذين آمنوا اذكروا ~~نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم ~~عنكم } [المائدة:11]، وذلك أن ناسا من اليهود كانوا أرادوا قتل رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم ونفر معه من أصحابه، فأخبر الله عز وجل رسوله وكف ~~أيديهم عنه وعن أصحابه، فسلهم: هل كانوا يستطيعون أن يبسطوا أيديهم عليهم، ~~وقد كفها الله عنهم؟ أم لا؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا قول الله جل ثناؤه. ~~وإن قالوا: لا؛ فذلك نقض لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه (مما تحير فيه) من قول الله عز وجل: { يا أيها الذين ~~آمنوا اذكروا نعمت الله عليكم إذ هم قوم أن يبسطوا إليكم أيديهم فكف أيديهم ~~عنكم { ، فتوهم الحسن بن محمد أن الله عز وجل كف أيديهم عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وعن أصحابه المؤمنين غصبا، حتى لم يكن لهم في ذلك ~~حيلة، ولم يبسط أيديهم بالسواية إليه، وأنه قبضها عنهم قبضا، ومنعهم منعا، ~~وليس ذلك كما توهم ولا هو على ما به تكلم، وسنشرح ذلك إن شاء الله ونقول ~~فيه بالحق على الله. PageV01P510 # فنقول: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان خرج إلى يهود بني النضير ~~في نفر من أصحابه ms093 - وكان بنو النضير ينزلون قريبا من المدينة - ليستعينهم ~~في ديتين وقعتا خطأ على بعض المسلمين. فلما أن أتاهم رحبوا به وأدنوه، وكل ~~ما طلب منهم وعدوه، ثم تآمروا به وبأصحابه، وعزموا على الغدر به وبمن معه ~~من أعوانه، فأهبط الله عز وجل بذلك جبريل صلى الله عليه وعلى رسوله فأخبره ~~به وأوقفه عليه، فنهض صلى الله عليه وآله وسلم مسرعا هو ومن معه حتى رجعوا، ~~ثم هيئوا وخرجوا إليهم يقاتلونهم، وأقاموا عشرين ليلة يحصرونهم في حصونهم، ~~ثم نزلوا من بعد ذلك على حكم سعد بن معاذ، وكان من كبار الأنصار، وذوي ~~القدر منهم والأخطار، وكانوا يتكلمون إليه، ويظنون لما كان بينه وبينهم في ~~الجاهلية من المداناة والإحسان أنه سيحابيهم ويحكم بما ينجيهم كلهم، فحكم ~~بأن تقتل رجالهم وتسبى ذراريهم وحرمهم وفي ذلك ما قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: ((لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.))، ففعل ذلك ~~بهم، وأخزاهم الله وأهلكهم، وأبادهم وقتلهم، فكان إعلام الله عز وجل لنبيه ~~صلى الله عليه وآله وسلم بما اجتمعوا عليه وعزموا وصاروا فيه إليه كفا ~~لأيديهم ونقضا لعزيمتهم وإبطالا لتدبيرهم. فهذا معنى ما تحير فيه الحسن بن ~~محمد من تفسير الآية، لا ما قال به على الله عز وجل من البهتان، وما حمل من ~~محكم القرآن على متشابه القرآن. # تم جواب مسألته PageV01P511 ### || المسألة الرابعة والعشرون: معنى قوله تعالى: { وإذ كففت بني ~~إسرائيل عنك{ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل لعيسى بن مريم، وهو يذكر نعمة ~~الله عليه، فقال: { وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات فقال الذين ~~كفروا منهم إن هذا إلا سحر مبين } [المائدة:110]، فهل كان لبني إسرائيل أن ~~يبسطوا أيديهم على عيسى عليه السلام؟ فإن قالوا: نعم، فقد كذبوا قول الله، ~~وإن قالوا: لا، فذلك نقض لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل لعيسى بن مريم المسيح العبد الكريم: ~~{ وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم ms094 بالبينات فقال الذين كفروا منهم إن هذا ~~إلا سحر مبين{ ، فقال: هل كانت بنو إسرائيل تقدر على أن تبسط أيديها إليه، ~~وقد كفها الله عنه، وأنعم بذلك عليه؟ PageV01P512 # فقولنا في ذلك: إن الله لم يكف أيديهم عنه جبرا، ولكنه ألقى في قلوبهم ~~الهيبة له ولمن معه من الحواريين، وأعلم نبيه صلى الله عليه بما يريدون منه ~~وما يريدون فيه، فحذرهم واستعد بمن معه لهم، فخافوهم وحذروهم فلاشى عزيمتهم ~~وأبطل في ذلك إرادتهم، ومن على نبيه صلى الله عليه بما ألقى له وللحق في ~~قلوبهم من الهيبة والمخافة، فرجعوا خائبين، ومما أرادوا مؤيسين، وأعز الله ~~سبحانه المؤمنين، وكبت الفاسقين. فهذا إن شاء الله معنى ما ذكر الله من كف ~~أيديهم عن عيسى بن مريم صلى الله عليه بينهم، والمظهر للحق فيهم، والمطلق ~~لهم بعض الذي حرم عليهم، المبرئ لأكمههم وأبرصهم، الشافي لسقيمهم، والمحيي ~~لميتهم، والمنبي لهم عما يأكلون ويدخرون في بيوتهم، (وتلك فأعظم) آيات ربهم ~~وبراهين خالقهم، فلما عتوا عن أمر خالقهم، قال حين ذلك نبيهم صلى الله عليه ~~وسلم: { من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله{ ، وأعوانك وأنصارك ~~وخدامك، فآمن معه من بني إسرائيل الحواريون، وكفر سائر الإسرائيليين، فأيد ~~الله المؤمنين فأصبحوا كما قال الله: { ظاهرين{ ، حين يقول عز وجل: { يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا أنصار الله كما قال عيسى ابن مريم للحواريين من أنصاري ~~إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله فآمنت طائفة من بني إسرائيل وكفرت ~~طائفة فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ظاهرين } [الصف:14]، فهذا قولنا ~~في رب العالمين، لا كقول الجاهلين الذين نسبوا إلى الله عز وجل أفعال ~~العباد، وقلدوه ما يكون في ذلك من الفساد، فتعالى الله الواحد الرحمن عن ~~زخرف أقاويل الشيطان، المضاهين لمذاهب عبدة الأوثان، وما حكى فيهم الرحمن ~~من قولهم: { لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء } [النحل:35] %~% PageV01P513 # الآية. # تم جواب مسألته PageV01P514 ### || المسألة الخامسة والعشرون: معنى إلقاء الرعب وقذفه # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: { سنلقي ms095 في قلوب الذين كفروا ~~الرعب بما أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا } [آل عمران:151]، وقال في سورة ~~الحشر: { وظنوا أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا ~~وقذف في قلوبهم الرعب } [الحشر:2]، وقال: { وأنزل الذين ظاهروهم من أهل الكتاب ~~من صياصيهم وقذف في قلوبهم الرعب فريقا تقتلون وتأسرون فريقا } [الأحزاب:26]، ~~فأخبرونا عن الرعب الذي قذف الله في قلوب الكافرين، هل كانوا يستطيعون أن ~~يمتنعوا منه، وأن يصرفوه عن قلوبهم؟ فإن قالوا: لا، كان ذلك نقضا لقولهم. ~~وإن قالوا: نعم، فقد كذبوا كتاب الله، وزعموا أن العباد يمتنعون من الله. ~~وإن قالوا: إنما صنع الله ذلك بهم بكفرهم. فقل: ألستم تعلمون أن الرعب شيء ~~لطيف لا يراه الناس، ولا يردونه، ولا يمتنعون منه حين يدخل في قلوبهم، ~~فيوهن الله بذلك كيدهم، وينقض قولهم؟ فإن قالوا: نعم. فقل: وكذلك أيضا ~~التوفيق، شيء لطيف لا يراه العباد، يلقيه الله في قلوب المؤمنين، وأمور ~~الله كلها كذلك، من أراد به خيرا وفقه وسدده وأرشده، وكان ذلك عونا من الله ~~لهم، ومن أراد به سوءا ثبطه وعوقه وخذله وتركه وهواه، ووكله إلى نفسه؛ ~~فوكله إلى الضعف والهوان، والله غالب على أمره. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P515 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { سنلقي في قلوب الذين كفروا الرعب بما ~~أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا{ ، فإنا نقول: إن الرعب إنما ألقاه الله ~~جل ثناؤه في قلوبهم نكالا وانتقاما منهم على كفرهم وإشراكهم، ألا تسمع كيف ~~فسر آخر الآية أولها، فقال: { بما أشركوا بالله{ ، فكذلك الله سبحانه انتقم ~~منهم بما أشركوا وكفروا وخذلهم وتركهم من التسديد والتوفيق، فهلكوا ~~وتلاشوا؛ وعندوا فضلوا، وهانوا فتفرقوا، إذ وكلهم إلى الضعف من أنفسهم، ~~وإلى حولهم وقوتهم؛ فهانوا ورعبوا من القتال ولقاء المؤمنين في تلك الحال، ~~فكان تركهم لهم بما قدموا من شركهم رعبا داخلا في قلوبهم مخامرا لصدورهم. PageV01P516 # وأما ما ذكر من قول الله سبحانه في بني النضير من اليهود: { وظنوا أنهم ~~مانعتهم حصونهم من ms096 الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار{ ، ~~فكذلك فعل الله بهم، وذلك أنهم كانوا قد هادنوا الرسول عليه السلام، وخضعوا ~~لأهل دعوة الإيمان والإسلام، حتى كان يوم الأحزاب فجاءت قريش ومن تحزب معها ~~من العرب من اليمن ومضر، وأمدهم في ذلك يهود خيبر يقاتلون الرسول والمؤمنين ~~مع أعداء الله الفاسقين، فلما أتى يهود خيبر أرسلوا إلى يهود بني النضير ~~فوعدوهم أن يقاتلوا الرسول من ورائه إذا حميت الحرب بينه وبينهم، فنزلت بنو ~~عامر أحد من فوق المؤمنين، ونزلت قريش بطن الوادي من أسفل منهم، وكانت ~~اليهود - يهود خيبرر - قبل المسلمين مما يلي الحرة، وبنو النضير من وراء ~~الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وفي ذلك ما يقول الله عز وجل: { إذ جاؤوكم ~~من فوقكم ومن أسفل منكم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر وتظنون ~~بالله الظنونا هنالك ابتلي المؤمنون وزلزلوا زلزالا شديدا } [الأحزاب:10]، ~~فكان فيمن نزل أحد من العرب رجل أشجعي يحب الإيمان ويبغض أهل العدوان، ~~فأفسد بين المشركين طرا، وذلك أنه أتى قريشا فقال لها: إن العرب قد ظاهرت ~~محمدا عليكم، ووعدته المحاربة معه لكم، وآية ذلك أنهم لن يبدأوه بالمحاربة، ~~فخذوا حذركم ولا تبدأوه حتى يقاتلوه قبلكم. ثم أتى أصحابه وبني عمه وجماعة ~~العرب، فقال: إن قريشا قد عاقدت محمدا عليكم، وعلامة ذلك أنهم لن يبدأوه ~~بالمحاربة قبلكم فاعملوا لأنفسكم ودبروا أموركم، ولا تقاتلوا حتى ترسلوا ~~إليهم فيقاتلوا قبلكم، فإن فعلوا وإلا فاحذروا مكرهم والحقوا وشيكا PageV01P517 ببلدكم. ثم أتى يهود خيب رر، فقال: إن قريشا قد عاقدت محمدا عليكم، وآية ~~ذلك أنها لا تبدأه بالمحاربة قبلكم، وأتى قريشا، فقال لها: إن اليهود قد ~~ظاهرت محمدا عليكم، وآية ذلك أنهم لا يبدأونه بالمنابذة قبلكم. فطرح في ~~قلوب كل لكل بلاء وحقدا ومخافة وشحناء، فأقام كل ينتظر أن يبدأ بالمحاربة ~~غيره، فلما طال ذلك عليهم وتراسلوا بينهم يسأل كل كلا أن ينصب لرسول الله ~~صلى الله عليه ms097 وآله وسلم حربا، وكلهم يأمر صاحبه أن يبدأ، فصح لذلك عندهم ~~قول الأشجعي، فتفرقوا، وفسدت قلوب بعضهم على بعض، فرحلت العرب طرا راجعة ~~إلى بلدها، وأرسل الله سبحانه الريح على قريش واليهود، وأمد المؤمنين ~~بالنصر منه، والجنود، فلم يقم لقريش خباء ولا ظل، ولا يستوقد لهم نار إلا ~~أطفأتها الريح وفرقتها (وحرقتهم بها)، فأقاموا ثلاثا لا يختبزون ولا ~~يصطلون، فاشتد عليهم القر والجوع، ورماهم الله بالذل، فأزمعوا على الرجوع، ~~ورحلوا راجعين وخاسرين خائبين نادمين، وفي ذلك ما يقول رب العالمين: { يا ~~أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ~~ريحا وجنودا لم تروها وكان الله بما تعملون بصيرا } [الأحزاب:9]، فرجع رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم فقاتل بني النضير، إذ نقضوا عهده، وخالفوا ~~أمره فحاصرهم حتى جهدوا، فقالوا: يا محمد، خلنا نخرج من البلد بما حملت ~~إبلنا التي في الحضرة معنا من متاعنا ونخلي لك الباقي وما لنا من الضياع، ~~وبشرط ألا نخرج بسلاح، ونترك الديار والنخل والقرى. فرضي رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم بذلك، فخرجوا بإبلهم عليها جيد متاعهم وتحف أثوابهم، ~~فلما قلعوا التحف تهدمت وجوه البيوت، وذلك تدبير منهم ليخربوها عليهم، فكان ~~أحدهم إذا هدم لحاف بيته بطل البيت، ثم خرجوا على الإبل بالتحف، فذلك قول ~~الله سبحانه: { هو الذي أخرج PageV01P518 الذين كفروا من أهل الكتاب من ديارهم لأول الحشر ما ظننتم أن يخرجوا وظنوا ~~أنهم مانعتهم حصونهم من الله فأتاهم الله من حيث لم يحتسبوا وقذف في قلوبهم ~~الرعب يخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين فاعتبروا يا أولي الأبصار{ ، ~~فخرجوا جالين، ولنعمهم تاركين، وذلك قول أصدق الصادقين: { ولولا أن كتب الله ~~عليهم الجلاء لعذبهم في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب النار } [الحشر:3]، ~~والتعذيب فهو القتل. فكان الرعب الذي قذفه الله في قلوبهم هو ما كان من ~~خذلانه لهم حتى عمي عليهم رشدهم، وفاسدوا إخوانهم، ودخل الفزع عند ذلك من ~~النبي والمؤمنين في قلوبهم، وأيقنوا أنه إذا علم بما كان من مظاهرتهم ms098 عليه ~~وصاروا من الغدر به إليه أنه لا يتركهم وأنه يقاتلهم على فعلهم حتى يظهر ~~الله عز وجل الحق، ويزهق الباطل من الخلق، وهذا معنى إلقاء الله الرعب في ~~قلوب الفاسقين لما أرادوا من هلاك المؤمنين. وكذلك كان فعله بأهل خيبر حتى ~~أخذوا وأسروا وقتلوا وسبوا، فهذا قولنا في إلقاء الله الرعب في قلوب ~~الفاسقين، لا ما ذهب إليه من خالف المحقين، وعند من قول الصدق في رب ~~العالمين. # تم جواب مسألته PageV01P519 ### || المسألة السادسة والعشرون: معنى قوله تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم{ # ثم أتبع ذلك المسألة عن الذرو بالإرادة، فقال: خبرونا عن الذرو بالإرادة، ~~فإن الله يقول: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون ~~بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم ~~أضل أولئك هم الغافلون } [الأعراف:179]، فسلهم: هل يستطيع هؤلاء أن ينقلبوا ~~عما ذرأهم الله له؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا، وزعموا أنهم يستطيعون أن ~~يبدلوا خلقهم وإرادة الله فيهم. وإن قالوا: لا؛ كان نقضا لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن ~~والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا ~~يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون{ ، فقال: هل يستطيع ~~أحد أن يخرج أو ينتقل مما ذريء له وتوهم، بل قال: إن الله ذو الجلال ~~والإكرام خلق لجهنم قوما كافرين ذرأهم وأوجدهم ابتداء فاسقين، وخلقهم ضالين ~~مضلين، لا ينفع فيهم دعاء، ولا يقدرون طول الزمان على الاهتداء؛ لما قد ~~خلقووا له من الشقاء، فهم أبدا بفعل الفواحش مولعون، ولعمل الهدى غير ~~مطيقين، وأنهم على ذلك مجبولون، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. PageV01P520 # فنقول في ذلك على الله بالحق، والله الموفق لكل خير وصدق، فنقول: إن معنى ~~الآية خلاف ما ذهب إليه الحسن بن محمد، وإن القول خلاف ما قال به فيه؛ بل ~~معناه على الصدق والمعاد، لعلم الله ms099 بما يكون من العباد، فقال: { ذرأنا{ ، ~~فأخبر عما سيكون في آخر الأمر ويوم القيامة والحشر من الذرو الثاني لا ~~الذرو الأول الماضي، فكذلك الله رب العالمين يذرأ لجهنم في يوم الدين جميع ~~من مات على كفره من الكافرين فيعذبهم على فعلهم ويعاقبهم على ما تقدم من ~~كفرهم، كما قال الرحمن الرحيم الرؤوف الكريم: { كل نفس بما كسبت رهينة إلا ~~أصحاب اليمين في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر قالوا لم نك من ~~المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين ~~حتى أتانا اليقين فما تنفعهم شفاعة الشافعين } [المدثر:42]. # فهذا معنى ما ذكر الله من الذرو في الكتاب، لا ما ذهب إليه الحسن بن محمد ~~ذو الشك والارتياب، من أن الله سبحانه خلق للنار خلقا تعمل بالمعاصي أبدا، ~~لا يقدرون على هدى ولا طاعة في سنة ولا شهر ولا يوم ولا ساعة، وأن الله ~~سبحانه خلق للجنة أصحابا مجبولين لله على الطاعة في كل الأسباب. PageV01P521 # فيا عجبا من قولهم المحال! وكذبهم على الله في المقال! فأين - ويحهم - ~~المعاصي والطغيان ممن عمل بما ألزمه الله في كل شأن؟ بل كل مطيع، وفي مراد ~~الله سريع؟ فإن كان ذلك من الله كذلك، فلم بعث الأنبياء إليهم يدعونهم؟ ~~وأوجب عليهم طاعتهم؟! وطاعة الأنبياء فهي العمل بطاعة الله، ومعصيتهم فهي ~~المعصية لله، فقال الله سبحانه: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا ~~الرسول } [النساء:59]، وقال: { ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها ~~الأنهار } [النساء:13]، وقال: { ومن يعص الله ورسوله فإن له نار ~~جهنم } [الجن:23]، وقال: { يا أيها الناس اتقوا ربكم } [النسا:1]، وقال: { ففروا ~~إلى الله إني لكم منه نذير مبين } [الذاريات:50]، فأين الطاعة ممن جبل على ~~المعصية؟ وأين الفرار ممن منعه منه الجبار؟ وكيف لا يعصى الرسول والرحمن ~~الرحيم من قد حيل بينه وبين الإحسان !؟ PageV01P522 # ومن ذلك قول إبراهيم صلى الله عليه لأبيه: { يا أبت إني قد جاءني من العلم ~~ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا ms100 سويا يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان ~~للرحمن عصيا } [مريم:42،43]، فماذا يقول الكافرون وينسب إلى الله وإلى نبيه ~~الضالون في هذا العلم الذي جاء إبراهيم؟ أتراه أتاه من العلم - إن كان الله ~~قد خلق أباه للنار - أن أباه يقدر أن يخرج إلى غير ما خلقه الله له من ~~النار حتى يصير إلى الجنان؟ أم يقولون إن العلم الذي جاء إبراهيم هو أن ~~أباه - إن كان الله جل ثناؤه خلقه للشقاء، وحال بينه وبين الهدى - يقدر على ~~مغالبة الرحيم، والخروج مما أعد له من الجحيم، والمصير إلى دار النعيم؟ ~~والله سبحانه لم يخلقه لذلك، بل جبله على غيره ومنعه من رشده؟ أم تقولون في ~~إبراهيم - الأواه الحليم الصديق الكريم - إنه دعا أباه إلى اتباعه وضمن له ~~ما ضمن من إرشاده، ونهاه عن عبادة الشيطان الرجيم، وأمره بطاعة الرحمن ~~الرحيم، وهو يعلم أن الله جل جلاله قد منعه من الخير، وأدخله إدخالا في ~~الشر والضير؟! فلقد إذا أمره بمغالبة ربه، وهجره واعتزله على غير ذنبه. PageV01P523 # ثم يقال لهم: خبرونا، وعما نسألكم عنه أجيبونا: هل بعث الله جل ثناؤه نبيه ~~إلى الخلق طرا - فإنه يقول: { وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ~~ونذيرا } [سبأ:28] - يدعوهم إلى طاعته وينهاهم عن معصيته، أم بعثه إلى بعض ~~ولم يبعثه إلى بعض؟ فإن قالوا: بعثه إلى الخلق طرا. فقل: فما دعاهم إليه؟ ~~فإن قالوا: إلى الثبات على ما هم عليه من الكفر؛ كفروا. وإن قالوا: دعاهم ~~إلى الإيمان. قيل لهم: فهل يقدرون على ذلك من الشأن؟ وقد جبلوا على قولكم ~~على الكفران؟! فإن قالوا: نعم؛ تركوا قولهم. وإن قالوا: لا؛ جهلوا ربهم ~~ونبيهم، إذ زعموا أن الله سبحانه بعث نبيه يدعو إلى الخير والهدى من لا ~~يقدر على الاهتداء، ومن قد حال الله بينه وبين التقى، وهذا فأفحش أفعال ~~الظلمة الجهال، وما لايجوز في الله ذي الجلال، أن يحول بين عبده وبين ~~طاعته، ثم يرسل إليه ويأمره بمرضاته، وقد أخرجه منها وأدخله في ضدها، تعالى ~~الله ms101 عن ذلك علوا كبيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا. # تم جواب مسألته PageV01P524 ### || المسألة السابعة والعشرون: معنى قوله تعالى: { ولو شاء ربك لجعل ~~الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين{ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة ~~واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } [هود:118]، فيقال ~~لهم: خبرونا عن هؤلاء الذين قال الله: { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم{ ، هل يستطيعون أن يكونوا على غير ما وصفهم الله به؟ وأن يتركوا ~~ما خلقهم له؟ فإن قالوا: لا يستطيعون؛ فقد أجابوا وصدقوا. وإن قالوا: نعم، ~~هم يستطيعون أن يكونوا على غير ما خلقهم؛ فقد كذبوا وخالفوا. وإن زعموا أن ~~الله جل ثناؤه إنما خلق أهل الإيمان للرحمة، فنحن نقبل منكم ونصدقكم إن ~~زعمتم أن الله جل ثناؤه خلق خلقا من خلقه خصهم بالرحمة، فلا يستطيعون أن ~~يكونوا على غير ما خلقهم؛ لأنه قد استثنى لهم. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P525 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ~~ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم{ فإنا نقول: إن معنى قوله: ~~{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة{ هو إخبار عن قدرته وإنفاذ ما شاء من ~~إرادته. فأخبر سبحانه: أنه لو شاء أن يجعلهم أمة واحدة لجعلهم قسرا، ~~ولأدخلهم في طاعته جبرا، ولكنه لم يرد قسرهم على ذلك، ولم يرد أن يدخلهم في ~~الطاعة كذلك، للحكمة النيرة، والحجة الباهرة، ليثيب على عملهم المثابين، ~~ويعاقب على اجترامهم المعاقبين، لا ما يقول به المبطلون ويذهب إليه ~~الجاهلون من أنه لم يرد من العاصين الطاعة، ولم يكره من الفجرة المعصية، ~~وأنه لو أراد ذلك منهم لفعلوه، ولو شاء أن يعبدوه لعبدوه، وقالوا على الله ~~عز وجل الأقاويل الردية، وضاهوا في ذلك قول الجاهلية حين قالوا: { لو شاء ~~الرحمن ما عبدناهم } [الزخرف:20]، وقال سبحانه يكذبهم فيما وهموا من أنه يريد ~~عبادة أحد دونه، أو أنه لا يشاء أن ms102 يعبدوه: { ما لهم بذلك من علم إن هم إلا ~~يخرصون أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون } [الزخرف:21]، ثم أخبر بما ~~به عبدوا من يعبدون، ومن به في ذلك يقتدون، فقال: { بل قالوا إنا وجدنا ~~آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون } [الزخرف:22]، ثم أخبر نبيه صلى الله ~~عليه وآله وسلم بقول من كان قبلهم ممن أهلك بمثل قولهم، فقال: { وكذلك ما ~~أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة ~~وإنا على آثارهم مقتدون } [الزخرف:23]، فكيف يقول الجهال، وأهل الغي والضلال ~~إن الله سبحانه يشاء من عباده، أو لهم، الكفر، وقد يسمعون في ذلك قوله، ~~ويرون ما نزل بإخوانهم PageV01P526 على قولهم من نكير قولهم؟ أو لم يسمعوا الله سبحانه يقول: { إن تكفروا فإن ~~الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر } [الزمر:7]، فقال: { إن تكفروا{ ، فأخبر ~~بذلك أن الكفر فعل منهم ولهم، إذ نسبه سبحانه إليهم، وذكره عنهم، ثم قال: ~~{ لا يرضى لعباده الكفر{ فأخبر أنه لا يرضى ما كان من كفرهم. فكيف يقول ~~الجاهلون في ربهم إنه قضى بما لم يرض لهم عليهم؟! فأكذبوا في ذلك رب ~~الأرباب وعاندوه في كل الأسباب، فقالوا: إنه رضي بما قال سبحانه إنه لم ~~يرضه، وقالوا: إنه سخط ما قال إنه رضيه فعاندوه في ذلك عنادا، وجاهروه ~~بالمكابرة جهارا ففي هذا والحمد لله من البيان ما يكفي عن ذكر غيره من ~~الحجج والبرهان. PageV01P527 # وأما قوله جل جلاله: { ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم{ ، ~~فإنا نقول في ذلك بالحق المبين على رب السماوات والأرضين، فنقول: إن معنى ~~قوله: { ولا يزالون مختلفين{ ، أي لا يزال أهل الحق لأهل الباطل مخالفين ~~وعليهم في باطلهم وفسقهم منكرين، { ولذلك خلقهم{ رب العالمين، وبه أمرهم ~~سبحانه أكرم الأكرمين، فخلق جميع خلقه ليعبدوه لا ليعصوه، وأمرهم أن يطيعوه ~~ولا يخالفوه، وأن يجاهدوا الكافرين كافة أجمعين حتى يفيئوا إلى طاعة رب ~~العالمين، فخلقهم سبحانه لما شاء من ذلك وشاء ما أمرهم ms103 به، وأمرهم بما ~~خلقهم له من طاعته ومجاهدة أعدائه والنصر لأوليائه، فقال سبحانه في ذلك: ~~{ وقاتلوا المشركين كآفة } [التوبة:36]، وقال: { قاتلوا الذين يلونكم من الكفار ~~وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين } [التوبة:123]، وقال: { يا ~~أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم ~~بالمودة } [الممتحنة:1]، وقال: { لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر ~~يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو ~~عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من ~~تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن ~~حزب الله هم المفلحون } [المجادلة:22]، ففي كل ذلك يأمر المحقين بمخالفة ~~المبطلين، وبالبراءة والعداوة للفاسقين الناكثين، وبالتحاب والتواصل ~~والتبار والتواخي على الدين، ومن ذلك ما يقول جل جلاله أكرم الأكرمين: ~~{ إنما المؤمنون PageV01P528 إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون } [الحجرات:10]. وقد قيل ~~في قوله: { ولذلك خلقهم{ إنه مردود على ما ذكر من الرحمة، وكل ذلك والحمد ~~لله فجائز أن يقال به على ذي الجلال والقدرة، لا ما يقول الضالون: إن الله ~~عز وجل خلقهم للضلال والاختلاف، وركب فيهم العداوة وقلة الائتلاف. وكيف ~~يكون ذلك والله يأمر بقتال من بغى وظلم وتجاهل وأساء حتى يفيء إلى البر ~~والتقوى، وذلك قوله تبارك وتعالى: { وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا ~~فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى ~~أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب ~~المقسطين } [الحجرات:9]، ففي هذا والحمد لله من الدلالة على ما قلنا ما أجزى وكفى. # تم جواب مسألته PageV01P529 ### || المسألة الثامنة والعشرون: معنى قوله تعالى: { إن الإنسان خلق هلوعا{ # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قول الله سبحانه: { إن الإنسان خلق ~~هلوعا{ ، فقال: خبرونا عن قول الله: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر ~~جزوعا وإذا مسه الخير منوعا{ ، ثم استثنى أيضا فقال: { إلا المصلين الذين هم ~~على صلاتهم دائمون } [المعارج:19]، فيقال لهم: ms104 ألا ترون أن الله عز وجل قد ~~صنفهم صنفين، فمنهم من خلقه هلوعا جزوعا، ومنهم من لم يخلقه كذلك، ~~فأخبرونا: هل يستطيع هذا الذي خلقه هلوعا جزوعا منوعا أن يكون على غير ما ~~خلقه الله عليه؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد زعموا أن الناس يقدرون على أن يبدلوا ~~خلق الله الذي خلقهم عليه، وإن قالوا: لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه، وتوهم أنه قد تعلق في شيء منه بحجة له من قول الله: { إن ~~الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين ~~الذين هم على صلاتهم دائمون{ ، فقال: إن الله عز وجل قد صنفهم صنفين وخلقهم ~~خلقين، فجعل منهم هلعين جزعين، وآخرين صابرين، ثم قال: هل يقدر من خلقه ~~الله هلوعا جزوعا منوعا أن يكون محسنا قويا صبورا؟ فقولنا في ذلك إن شاء ~~الله بما هو الحق لا قول غيرنا. PageV01P530 # فنقول: إن الله جل ثناؤه لم يخبر عن فعله، ولا أنه خلق هلعهم، ولا جعل في ~~ذي الصبر والإحسان صبرهم، وإنما أخبر سبحانه عن ضعف بنية الإنسان، وأنه لا ~~يحتمل ما اشتد وصعب من الشان، فدل بذلك من ضعف بنية الآدميين، ومن قوة ~~غيرهم من المخلوقين واختلاف طبائع المربوبين من الجان والملائكة المقربين ~~على قدرة رب العالمين، وخالق السماوات والأرضين، وأخبر سبحانه أنه خلق خلقه ~~أطوارا مختلفة، وجعل البنية فيهم غير مؤتلفة، فكلف كل صنف منهم دون ما ~~يطيقه أضعفهم، فكلف الملائكة المقربين ما لم يكلف الجان أجمعين، (وكلف ~~الإنسان دون) ما يطيق من الشأن. فكانت بنية الملائكة وطاقتهم خلاف بنية ~~الجان وحالتهم، وكانت بنية الجان واقتدارهم خلاف بنية الإنس واستطاعتهم، ~~وكذلك افتراق كل ما خلق رب العالمين، فكل ما خلقه فهو على تركيب رب ~~العالمين ليس فيه تفاوت، كما قال تبارك وتعالى: { ما ترى في خلق الرحمن من ~~تفاوت فارجع البصر هل ترى من فطور ثم ارجع البصر كرتين ينقلب إليك البصر ~~خاسأ وهو حسير } [الملك:3،4]، وكذلك كل شيء ms105 خلقه سبحانه من الأشياء، وذلك كله ~~فدليل على قدرة الرب الأعلى، وخالق الأرضين والسماوات العلى. فأخبر الله ~~سبحانه عن بنية الإنسان بالضعف والسحاقة، ولم يكلفه في ذلك إلا دون الطاقة، ~~فلذلك ما قال سبحانه: { إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعا وإذا مسه ~~الخير منوعا{ ، يقول: جعل على بنية لا تطيق الأمر الشديد، فهو يهلع، ومن كل ~~فادح يجزع، ثم قال: { إلا المصلين{ ، وأخبر أن من كان لله مطيعا من المؤمنين ~~أصبر عند المحنة من الفاسقين، وأن المحنة لا يطيق لها ولا يقوم لها من ~~الناس إلا ذوو الاصطبار من عباده الصالحين، وأمر سبحانه نبيه والمؤمنين ~~بالصبر، فقال: { واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم PageV01P531 الأمور } [لقمان:17]، وقال: { يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا ~~واتقوا الله لعلكم تفلحون } [آل عمران:200]، فأمرهم بالصبر وحضهم عليه في كل ~~أمر، ونهى من يطيق ويحتمل عن الوهن والعجز، فقال: { ولا تهنوا ولا ~~تحزنوا } [آل عمران:139]، وقال: { فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون ~~والله معكم ولن يتركم أعمالكم } [محمد:35]. # ولو كان خلق الوهن وما كان من أفعالهم لما كان جزع ولا هلع ولا صبر، ولا ~~عدد من أعمالهم، بل كان عمله سبحانه، لا عملهم، وفعله كل ذلك لا فعلهم. # ولو كان ذلك فعل الرحمن لما أثاب على صبره الإنسان. ألا تسمع كيف يقول ذو ~~الجلال والقدرة والطول: { بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ~~ربكم بخمسة آلاف من الملآئكة مسومين } [آل عمران:125]، وقال سبحانه: ~~{ والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات والمتصدقين والمتصدقات والصائمين ~~والصائمات والحافظين فروجهم والحافظات والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد ~~الله لهم مغفرة وأجرا عظيما } [الأحزاب:35]، فضمن للصابرين على الجهاد النصر، ~~وللعاملين المؤدين للفريضة المغفرة والأجر. PageV01P532 # وقال سبحانه يحكي عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم ما قال لأبي بكر إذ هما ~~في الغار من المشركين مختفيان، إذ هلع أبو بكر وحزن وجزع، فقال صلى الله ~~عليه وآله وسلم: { لا تحزن إن الله معنا } [التوبة:40]، فنهاه عن الحزن. ولو ms106 ~~كان الهلع والحزن والجزع تركيبا في الإنسان من الله الواحد ذي السلطان، لما ~~أمره الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بتركه، ولما قدر على رفض ما كان فيه ~~من ربه، ولكان من هلع وجزع عند الله كمن أطاع وصبر وسمع، إذ هما من الله ~~فعل في العالمين، وهم - إن كان ذلك - طرا مطيعون، إذ هم في كل ما صرفوا ~~متصرفون. # ولو كان ذلك فعلا من الله فيهم، وكان على ذلك خلقهم لم يلمهم ولم يعاقبهم ~~على الجزع والجبن، والانهزام وتولية الأدبار، عند لقاء الفسقة الأشرار، ~~وذلك قوله: { يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم الذين كفروا زحفا فلا تولوهم ~~الأدبار ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال أو متحيزا إلى فئة فقد باء ~~بغضب من الله ومأواه جهنم وبئس المصير } [الأنفال:16]، فكيف يوجب الغضب عليهم ~~ويجعل النار مأواهم على فعل ما عليه خلقهم وسواهم؟! تعالى الله عن ذلك ~~وتقدس أن يكون كذلك، بل ذلك فعل منهم، ولذلك رجع وباله عليهم، فمن كان لله ~~مريدا صبر عند المحنة، ومن كان عنه بعيدا هلع، وعند النوازل جزع، وإنما ~~يكون ذلك على قدر اليقين والتسليم لله من المؤمنين. PageV01P533 # ومن ذلك يوم حنين حين انهزم المسلمون وجزعوا، وثبت مع رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم الذين ثبتوا، ثم ناداهم الرسول فرجعوا، أفيقول الحسن بن ~~محمد: إن الله سبحانه خلقهم جزعا، فانهزموا لما خلقهم عليه من الجزع، ثم ~~ناداهم الرسول فاستحيوا منه، فكروا، وعن خلق الله الذي خلقهم عليه غيروا، ~~فتركوا ما ركب الله فيهم من الجزع والجبن؟! أم يقول: إن الله عز وجل خلقهم ~~في أول الأمر جزعا هلعا، ثم نقل خلقهم آخر، فجعلهم صبرا؟! لقد ضل إذا ضلالا ~~بعيدا، وخسر خسرانا مبينا، بل ذلك منهم كله أوله وآخره، ولذلك أثيبوا على ~~الرجوع، ولو لم يرجعوا لعوقبوا على الذهاب والشسوع. فليفرق من عقل بين ما ~~أخبر الله سبحانه عنه، وبين ما فعله وجعله، فبينهما ولله الحمد فرق عند ذوي ~~العقول عظيم، وأمر واضح في ms107 اللسان بين جسيم. # تم جواب مسألته PageV01P534 ### || المسألة التاسعة والعشرون: معنى قوله تعالى: { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون{ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه حين يقول للمؤمنين: { ولا تكونوا ~~كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين ~~لا يعقلون } [الأنفال:21]، هل كان هؤلاء الذين ذكر يستطيعون أن يقبلوا الهدى، ~~وأن يسمعوا المنفعة في دينهم؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا وجحدوا. وإن ~~قالوا: لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P535 وأما ما سأل عنه من قول الله: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا ~~يسمعون{ ، فتوهم أنهم كانوا لا يسمعون لصمم جعله الله سبحانه في آذانهم، أو ~~لسبب جعله حاجزا بين الهدى وبينهم، وليس ذلك - والحمد لله - كذلك. ولو كان ~~الله فعل ذلك بهم لما عاب صممهم، ولكان أعذر لهم من أنفسهم، ولما بعث إليهم ~~المرسلين، ولا أمرهم باتباع المهتدين. وإنما أراد الله سبحانه بذلك حض ~~المؤمنين على الطاعة لرب العالمين، والاستماع لسيد المرسلين، فقال ~~للمؤمنين: { ولا تكونوا كالذين قالوا سمعنا وهم لا يسمعون{ ، يقول: لا تكونوا ~~كالذين قالوا: أطعنا بألسنتهم وهم كاذبون في قلوبهم، بل قلوبهم منكرة لذلك ~~جاحدة له، يدارون بالقول خوفا من المؤمنين والرسول، ويكفرون من ورائه بكل ~~الدين والتنزيل، وهم الذين قال فيهم الرحمن الجليل: { وإذا لقوا الذين آمنوا ~~قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن ~~مستهزئون } [البقرة:14]، وقال: { يقولون بألسنتهم ما ليس في ~~قلوبهم } [الفتح:11]، وهم الذين قال الله فيهم من منافقي قريش والأعراب ~~وغيرهم: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك ~~لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } [المنافقون:1]، فنهى المؤمنين عن ~~مشابهة المنافقين، ولم يكن قوله ما قال إخبارا منه بتركيب ما ذمه منهم ~~فيهم. ولو كان الله سبحانه فعله فيهم لما نهى المؤمنين عن ذلك، إذ هو فعله ~~لا فعلهم، فكيف ينهاهم عن أن يفعلوا ms108 فعله، ولو جاز أن ينهاهم عن فعل ما ~~فعله فيهم لكانوا مقتدرين على أن يفعلوا كفعله، إذا لخلقوا كخلقه، ولو ~~خلقوا كخلقه لامتنعوا بلا شك مما يكرهون من أفعاله، من موتهم وابتلائه ~~إياهم بما يبتليهم به، وليزيدوا فيما PageV01P536 آتاهم مما يحبونه، فتعالى من هو على خلاف ذلك، والمتقدس عن أن يكون كذلك. # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { إن شر الدواب عند الله الصم البكم ~~الذين لا يعقلون{ ، فقال: هل كان هؤلاء يقدرون على أن يقبلوا الهدى؟ أو أن ~~يسمعوا ما يدلون عليه منه؟ فصدق الله سبحانه: { إن شر الدواب عند الله الصم ~~البكم الذين لا يعقلون } [الأنفال:22]، يقول: الذين لا يهتدون إن هدوا، ولا ~~يقبلون الحق إن دعوا، ولا ينتهون إذا نهوا، فضرب الله لهم ذلك مثلا إذ ~~كانوا في الضلال على هذه الحال، وهم في ذلك لقبول الحق مطيعون، وعلى اتباع ~~الصدق مقتدرون، فلما أن تركوا ذلك شبههم بالصم البكم الذين لا يعقلون إذ ~~تركوا فعل ما كانوا يطيقون. # تم جواب مسألته PageV01P537 ### || المسألة الثلاثون: معنى قوله تعالى: { صم بكم عمي فهم لا ~~يرجعون{ # ثم أتبع ذلك المسألة عما ضرب الله عز وجل للمنافقين من المثل في قوله: ~~{ مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم ~~في ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون } [البقرة:18]، فنقول: ألا يرن ~~أن الله هو الذي ذهب بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون؟ فأخبرونا هل كان ~~هؤلاء يستطيعون سماع الهدى، وقد وصفهم الله سبحانه بالصمم؟ وهل كان لهم أن ~~يقبلوا الهدى وقد وصفهم الله سبحانه بالعمى؟ وهل كانوا ينتفعون بنور الهدى، ~~وقد ذهب الله به؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا بكتاب الله وجحدوا بآياته. وإن ~~قالوا: لا؛ كان ذلك نقضا لقولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله في المنافقين، وما ضرب لهم من المثل في ~~قوله: { مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم ~~وتركهم في ms109 ظلمات لا يبصرون صم بكم عمي فهم لا يرجعون{ ، فقال: ضرب مثلهم؛ ثم ~~جهل فقال: خلقهم وكفرهم؛ فرجع عن الحق الذي نطق به في أول كلامه حين يقول: ~~ضرب مثلا. ثم قال: هل يستطيعون سماع الهدى، وقد وصفهم الله جل ثناؤه بالصمم ~~والعمى؟ PageV01P538 # فقولنا في ذلك: إن الله جل وعلا، لم يخلقهم كذلك، ولم يجعلهم عميا، ولا عن ~~سماع الخير والتقى صما. وإن الله تبارك وتعالى ضرب لهم هذا مثلا، فقال ~~سبحانه: إن هؤلاء الذين أتاهم الهدى، وكشف لهم عن الحق الغطاء فأنار لديهم، ~~وثبت في صدورهم، وأيقنوا أنه من عند خالقهم، فكفروا بربهم، وخالفوا أمر ~~نبيهم، وآثروا ظلمتهم على ما أضاء من الحق لهم، فتركهم الله وخذلهم، ومثلهم ~~إذ تركوا حظهم، وما أنار من الحق عندهم بمن استوقد نارا، فلما أضاءت ما ~~حوله ذهب الله بنورهم. فكان الذي شبهه بضوء النار هو الهدى الذي أخرجه الله ~~لهم، وامتن به عليهم، فتركوه ولم يتبعوه، ولم يستضيئوا بنوره وناصبوه ~~وعاندوه، لا ما يقول الحسن بن محمد أن الله سبحانه فعل ذلك بهم، وجعلهم عن ~~استماع الحق صما وعميا، وعن قبول الصدق حاجزا، فجهل الفرق بين المثل ~~والفعل. وكيف يجعلهم الله كذلك، ويخلقهم على ذلك، ثم يرسل إليهم نبيه ~~يدعوهم إلى الهدى ويخرجهم من الحيرة والعمى، وهم عن الخروج ممنوعون، وعن ~~الدخول في الحق مصروفون؟ فالله سبحانه إذا أرسله يدعوهم إلى الخروج عما فيه ~~أدخلهم وعليه - جل وعز عن ذلك - جبلهم!! فنسبوا في ذلك إلى الله الاستهزاء ~~واللعب والإعماء والجهالة والخطأ والظلم لعباده، والفساد في بلاده!، كذب ~~القائلون على الله بذلك، وضلوا ضلالا بعيدا. # تم جواب مسألته PageV01P539 ### || المسألة الحادية والثلاثون: معنى قوله تعالى: { إنما نملي لهم ~~ليزدادوا إثما { # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله في الإملاء: { ولا يحسبن الذين كفروا ~~أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما } [آل عمران:178]؛ ~~فقال: خبرونا عن قول الله: { ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير ~~لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ms110 ولهم عذاب مهين{ ، فقال: أخبرونا عن ~~هؤلاء، ألله أراد بهم في إملائه لهم ليزدادوا إثما، كما قال؟ فإن قالوا: ~~نعم؛ نقض ذلك قولهم. وإن قالوا: لا؛ كذبوا. # تمت المسألة # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله جل جلاله عن أن يحويه قول أو يناله: { ولا ~~يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ~~ولهم عذاب مهين{ ، فقال: إن الله أملى لهم ليزدادوا في الكفر والاجتراء ~~عليه، وليس ذلك كما قال، بل قوله أحول المحال، وسنشرح ذلك والقوة بالله ~~ونفسره، ونذكر ما أراد الله إن شاء الله به. # فنقول: إن معنى إملائه لهم هو لأن لا يزدادوا إثما وليتوبوا ويرجعوا، ومن ~~وسن ضلالتهم ينتهوا، لا ما يقول أهل الجهالة ممن تحير وتكمه في الضلالة: إن ~~الله أملى لهم كي يزدادوا إثما وضلالة واجتراء. وكيف يملي لهم كذلك، وقد ~~نهاهم عن يسير ذلك، فقال: { يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن ~~بعض الظن إثم } [الحجرات:12]، فنهاهم عن يسير الإثم وقليله، فكيف يملي لهم ~~ليزدادوا من عظيمه وكثيره؟ PageV01P540 # فأما قوله: { ليزدادوا إثما{ ، فإنما أراد سبحانه: لأن لا يزدادوا إثما؛ فطرح ~~(لا) وهو يريدها، فخرج لفظ الكلام لفظ إخبار، ومعناه معنى نفي، والعرب ~~تطرحها، وهي تريدها، وتثبتها وهي لا تريدها، قال الله سبحانه: { لئلا يعلم ~~أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يؤتيه من ~~يشاء والله ذو الفضل العظيم } [الحديد:29]، فقال: { لئلا{ ، فأثبت (لا) وهو لا ~~يريدها، فخرج لفظ الكلام لفظ إيجاب، ومعناه معنى نفي، أراد سبحانه: ليعلم ~~أهل الكتاب أن لا يقدرون على شيء من فضل الله. وهذا فموجود في أشعارهم مثبت ~~في أخبارهم. قال الشاعر: # فعجلنا القرى أن تشتمونا # نزلتم منزل الأضياف منا # فقال: فعجلنا القرى أن تشتمونا، وإنما معناه: فعجلنا القرى لأن لا ~~تشتمونا؛ فطرح (لا) وهو يريدها، فخرج لفظ الكلام بخلاف معناه، وقال آخر: # ويصدق القول ولا يحول # ما زال ذو الخيرات لا يقول # فقال: لا ms111 يقول؛ فأتى ب(لا) وهو لا يريدها، ولأن معناها: ما زال ذو ~~الخيرات يقول؛ فخرج اللفظ خلاف المعنى. # تم جواب مسألته PageV01P541 ### || المسألة الثانية والثلاثون: معنى قوله تعالى { أغفلنا قلبه{ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله عز وجل في الإغفال: { ولا تطع من أغفلنا ~~قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا } [الكهف:28]، فقال: أخبرونا عن هذا ~~الذي أغفل الله قلبه عن ذكره، هل أراد الله أن يطيعه؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد ~~كذبوا وجحدوا. وإن قالوا: لا؛ فقد نقض ذلك قولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا{ ، ~~فقال: خبرونا عن هذا الذي أغفل الله قلبه عن ذكره هل أراد الله أن يطيعه؟ ~~فتوهم - ويله وغوله إن لم يتب من الله ويحه!! - أن الله تبارك وتعالى أدخله ~~في الغفلة، وحال بينه بذلك وبين الطاعة، فليس كما توهم. ألا يسمع إلى قول ~~الله عز وجل: { واتبع هواه وكان أمره فرطا{ ، فأخبر سبحانه أنه متبع في ذلك ~~لهواه ضال عن رشده، تارك لهداه، ولو كان ذلك من الله لم يكن العبد متبعا ~~لنفسه هواه، بل كان داخلا لله فيما شاء وارتضى، وسنفسر معنى الآية إن شاء ~~الله، والقوة بالله وله. إن الله تبارك وتعالى نهى نبيه عن طاعة من أغفل ~~قلبه ممن آثر هواه على هداه. وأما معنى ما ذكر الله سبحانه من الإغفال، فقد ~~يخرج على معنيين، والحمد لله شافيين كافيين: # أحدهما: الخذلان من الله والترك لمن اتبع هواه وآثره على طاعة مولاه، ~~فلما أن عصى وضل وغوى، وترك ما دل عليه من الهدى استوجب من الله الخذلان، ~~لما كان فيه من الضلال والكفران، فغفل وضل وجهل إذ لم يكن معه من الله ~~توفيق ولا إرشاد، فتسربل سربال الغي والفساد. PageV01P542 # وأما المعنى الآخر: فبين في لسان العرب موجود، معروف عن كلها محدود، وهو أن ~~يكون معنى قوله: { أغفلنا قلبه عن ذكرنا{ ، أي تركناه من ذكرنا، والذكر فهو ~~التذكرة من الله، والتنبيه ms112 والتسديد، والتعريف والهداية إلى الخير ~~والتوفيق. فيقول سبحانه: تركنا قلبه من تذكيرنا وعوننا وهدايتنا بما أصر ~~عليه من الإشراك بنا، واجترأ علينا. تقول العرب: يا فلان أغفلت فلانا، ~~ويقول القائل: لا تغفلني؛ أي تتركني. وتقول العرب: قم مني، أي قم عني، ~~فتخلف بعض حروف الصفات ببعض، وتقيم بعضها مقام بعض. # قال الشاعر: # شربن بماء البحر ثم ترفعت %~% لدى لجج خضر لهن نئيج # فقال: لدى لجج؛ وإنما يريد: على لجج. فذكر السحاب وشربها من البحار ~~واستقلالها بما فيها من الأمطار. وقال آخر: # أغفلت تغلب من معروفك الكاسي %~% فخلت قلبك منهم مغضبا قاسي # فقال: أغفلت تغلب من معروفك؛ أي تركتها من عطائك ونوالك ومنتك وأوصالك. ~~ثم قال: فخلت قلبك منهم مغضبا قاسي؛ فقال: منهم؛ وإنما يريد: عليهم مغضبا. ~~فأقام حرف الصفة وهو (من) مقام أختها، وهي (على) ، فأقام (منهم) مقام ~~(عليهم)، فهذا معنى الآية إن شاء الله ومخرجها، لا ما توهم الجهال على ذي ~~المعالي والجلال من الجبر لعباده والإضلال والظلم والتجبر بالإغفال. # تم جواب مسألته PageV01P543 ### || المسألة الثالثة والثلاثون: معنى قوله تعالى: { أنا أرسلنا ~~الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا{ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله في الأز، فقال: خبرونا عن قول الله ~~سبحانه: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا } [مريم:83]، ~~فيقال لهم: هل أراد الله سبحانه أن يؤمن هؤلاء الذين أرسل عليهم الشياطين؟ ~~فإن قالوا: نعم؛ فقد كفروا وجحدوا، وإن قالوا: لا؛ فقد نقض ذلك قولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا{ ، فقال: هل أراد الله من هؤلاء الذين أرسل عليهم ~~الشياطين تأزهم أن يكونوا به من المؤمنين؟ وبما أنزل عز وجل من المصدقين؟ ~~وقد أرسل عليهم مردة الشياطين؟! فتوهم بجهله أن الله أرسل الشياطين على ~~الآدميين إرسالا، وجبرهم على تحييرهم وتضليلهم جبرا، وأدخل الشياطين في ~~إغوائهم قسرا، ليضلوهم عن الهدى، ويوقعوهم في الردى، وأن ذلك كان من الله ~~للشياطين أمرا وقضاء قضى به ms113 عليهم قسرا. وليس ذلك كما قال، ولا على ما ذهب ~~إليه من فاحش المقال. وكيف يرسل الشياطين على عباده إرسالا، ويدخلها في ~~الإغواء لهم إدخالا، ثم يعذبها عليه، ويعاقبها فيه؟! ألا تسمع كيف يقول ~~سبحانه: { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } [ص:85]، فلم إن كان أرسله ~~عليهم إذا يعاقبه على ما صنع فيهم؟ بل هو على غير ما يقول في الرحمن أهل ~~الضلالة والطغيان. PageV01P544 # ثم نقول من بعد ذلك: إن معنى قوله سبحانه: { ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على ~~الكافرين تؤزهم أزا{ ، هو: خلينا ولم نحل بين أحد من بعد أن أمرنا ونهينا. ~~وليس إرساله للشياطين إلا كإرساله للآدميين، فكل قد أمره بطاعته ونهاه عن ~~معصيته، وجعل فيه ما يعبده به من استطاعته، ثم بصرهم وهداهم ولم يحل بين ~~أحد وبين العمل، فمن عمل بالطاعة أثابه، ومن عمل بالمعصية عاقبه، ولم يخرج ~~أحدا من معصيته جبرا، ولم يدخله في طاعته قسرا. فكان ما أعطى من الجن ~~والإنس من الاستطاعات وترك قسرهم على الطاعات إرسالا وتخلية منه لهم في ~~الحالات، لا ما يقول به أهل الجهالات، { ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي ~~عن بينة وإن الله لسميع عليم } [الأنفال:42]. فلما أخذل الكافرين بكفرهم، ~~ولعنهم بجرائمهم، وتبرأ منهم بعصيانهم، غويت بهم الشياطين، وسولت لهم فأملت ~~فاتبعوها، ولم يعصوها ويبعدوها، ولم يتذكروا عندما يطيف بهم طائف الشيطان، ~~بل تكمهوا وغووا وعموا. ولم يكونوا في ذلك عنده كالذين اتقوا عند إلمام ~~الشيطان بهم كما فعلوا، قال الله سبحانه: { إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من ~~الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } [الأعراف:201]، يقول سبحانه: ذكروا ما نهاهم ~~الله عنه من طاعته، وأمرهم به من مخالفته، واتخاذه عدوا حين يقول: { إن ~~الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب ~~السعير } [فاطر:6]، فلما أن طاف بالمؤمنين ودعاهم إلى ما أجابه إليه من الكفر ~~بالله الفاسقون، ذكروا الله وتذكروا أمره ونهيه، وما أمرهم به من طاعته ~~وحذرهم من معصيته، فأبصروا الحق واجتنبوا ms114 اللعين وعصوه، وفيما دعاهم إليه ~~من العصيان خالفوه. ألا تسمع كيف أثنى عليهم بذلك ربهم، وذكر عنهم سيدهم ~~وخالقهم حين يقول: PageV01P545 # { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [الحجر:42]، يقول سبحانه: إن عبادي المؤمنين، ~~وأوليائي المتقين لا يجعلون لك عليهم سلطانا، ولا يطيعونك فيما تأمرهم به ~~من العصيان، بل يحترسون منك بطاعة الرحمن، وتلاوة القرآن، ويخلفونك صاغرا ~~في كل شأن، فلا يجري ولا يجوز لك عليهم سلطان. وليس تخليته للشياطين إلا ~~كإذنه للساحرين حين يقول: { وما هم بضآرين به من أحد إلا بإذن ~~الله } [البقرة:102]، فإذنه في ذلك تخليته وترك الصرف لهم جبرا عن معصيته، ~~والإدخال لهم جبرا في طاعته. # تم جواب مسألته PageV01P546 ### || المسألة الرابعة والثلاثون: هل كان فرعون يستطيع قتل موسى ~~صلوات الله وسلامه عليه؟ # ثم أتبع ذلك المسألة (عن قول الله سبحانه) في موسى، وما وعد أمه أن يرده ~~إليها، ويجعله من المرسلين، فقال: خبرونا عن قول الله سبحانه: { وأوحينا إلى ~~أم موسى أن أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا ~~رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين } [القصص:7]، هل كان فرعون يستطيع أن يقتل ~~موسى حتى لا يرده الله إلى أمه ولا يجعله من المرسلين؟ فإن قالوا: نعم؛ ~~كذبوا وجحدوا؛ وإن قالوا: لا؛ فقد نقض ذلك قولهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل في موسى: { وأوحينا إلى أم موسى أن ~~أرضعيه فإذا خفت عليه فألقيه في اليم ولا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك ~~وجاعلوه من المرسلين{ ، فقال: هل كان يستطيع فرعون أن يقتل موسى حتى لا يرده ~~إلى أمه ولا يجعله من المرسلين؟ فقال: إن الله أخرج فرعون من أكبر المعاصي ~~بعد الشرك به من قتله نبيه إخراجا، ومنعه من معصيته منعا، وقسره على الخروج ~~قسرا. ولو جاز أن يخرج عدوه من معاصيه قسرا، لكان قد أدخله في ضدها من ~~الطاعة جبرا، ولو كان يخرج العاصين من معاصي رب العالمين لكان عباده ~~المؤمنون أولى بذلك، ولو أخرج عباده ms115 ومنعهم من معاصيه قسرا لأدخلهم في ~~طاعته جبرا، ولو فعل ذلك بهم لسقط معنى الأمر والنهي، ولكان العامل دونهم، ~~الفاعل لأفعالهم، تعالى الله عن ذلك؛ ولم يطع سبحانه مكرها، ولم يعص جل ~~جلاله مغلوبا، بل نقول في ذلك بالحق إن شاء الله. PageV01P547 # فنقول: إن الله لما أن علم أنه إذ ألقى على موسى صلى الله عليه من المحبة ~~التي ذكر أنه ألقاها عليه في قوله: { وألقيت عليك محبة مني } [طه:39]، فلما ~~ألقى عليه المحبة أحبته لذلك امرأة فرعون، فسألت فرعون تركه عندما هم به من ~~قتله حين تبين له ما كان من فعله في صغره، فتركه لها، وصفح عنه بحب محبتها ~~واتباع شأوها، فكان ذلك نجاة لموسى مما هم به فيه فرعون الكافر الملعون، ~~فلما أن علم الله سبحانه أن ذلك سيكون من اختيار فرعون، وأنه سيختار إجابة ~~امرأته إلى ما طلبت من ترك قتل نبي الله، حكم عليه بما علم من صيور أمره، ~~فكان ما ألقى عليه من المحبة منه سبحانه سببا لنجاته، فنجاه الله من فرعون ~~ورده إلى أمه كي تقر عينها ولا تحزن. فأخبر الله في ذلك، ووعدها ما وعدها، ~~لعلمه بما سيكون من امرأة فرعون وطلبها في موسى، وإجابة فرعون لها كما أخبر ~~عما يكون يوم الدين، فهذا معنى ما ذكر الله من ذلك إن شاء الله، لا ما قاله ~~الفاسقون، وذهب إليه الضالون. # تم جواب مسألته PageV01P548 ### || المسألة الخامسة والثلاثون: معنى قوله تعالى: { وكذلك حقت كلمت ~~ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار{ وهل كان في قدرة جميع العباد أن ~~يطيعوا الله ولا يعصوه؟ # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: { وكذلك حقت كلمت ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار } [غافر:6]، وقوله: { وتمت كلمة ربك لأملأن جهنم من ~~الجنة والناس أجمعين{ ، وقوله: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } [السجدة:13]، ~~فقال: أخبرونا عن بني آدم كلهم، هل كانوا يستطيعون أن يطيعوا الله جميعا ~~فلا يعصوه؟ ويعبده كلهم حتى لا يعبدوا غيره؟ فيوجب لهم الجنة، ويحرم ms116 عليهم ~~النار، فلا يدخلها أحد منهم؟ فإن قالوا: نعم؛ فقد كذبوا بكتاب الله، وزعموا ~~أنهم يقدرون على أن يبطلوا قول الله تبارك وتعالى عن ذلك. وإن قالوا: لا، ~~لم يكونوا يستطيعون أن يطيعوا ولا يعبدوا؛ كان ذلك نقضا لقولهم، وإبطالا ~~لحجتهم. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { وكذلك حقت كلمت ربك على الذين ~~كفروا أنهم أصحاب النار{ ، فقال: خبرونا عن قول الله: { وكذلك حقت كلمت ربك ~~على الذين كفروا أنهم أصحاب النار{ ، فقال: هل يستطيع هؤلاء أن يطيعوا، وقد ~~حق عليهم من الله القول والأمر، ووقع الحكم والجبر؟ فتوهم الحسن بن محمد ~~لقلة علمه وكثرة جهله أن الله تبارك وتعالى حكم عليهم بما أدخلهم فيه ~~وجبلهم عليه، فظلم ربه وكفر نفسه، وليس ذلك على ما قال، ولا على ما ذهب ~~إليه من المحال، وسنفسر ذلك من قول الله تبارك وتعالى. PageV01P549 # فنقول: إن الكلمة التي حقت هي حكمه على من كفر من الخلق بالنيران، من الجنة ~~والإنسان. فإن الله تبارك وتعالى، علم بما سيكون منهم من العصيان والإحسان، ~~فأوجب للمحسنين الثواب، وعلى المذنبين العقاب. # فأما ما سأل عنه من قوله: هل كانوا يستطيعون أن يطيعوا الله جميعا فلا ~~يعصوه؟ فكذلك نقول: إنهم كانوا يستطيعون طاعته، كما يطيقون معصيته، ولكنهم ~~افترقت بهم الأهواء، فمنهم من اختار الإيمان والتقوى، ومنهم من اختار ~~الضلالة والعمى، والله تبارك وتعالى فإنما حكم بالنيران على من اختار من ~~الثقلين العصيان، أو كره ما أنزل الرحمن، فعلم الله وقع على اختيارهم وما ~~يكون من أفعالهم، ولم يدخلهم في صغيرة، ولم يخرجهم من كبيرة، ولو علم أنه ~~إذا دعاهم وبصرهم وهداهم أجابوه باسرهم وأطاعوه في كل أمرهم، إذا لأخبر ~~بذلك عنهم، كما أخبر به عن بعضهم، وكذلك لو علم أنهم يختارون بأجمعهم ~~المعصية، لحكم عليهم بالنار كما حكم على الذين كفروا منهم. # وأما قوله سبحانه: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني ~~لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين{ ، فكذلك الله سبحانه ms117 لو شاء أن يجبر ~~العباد على طاعته جبرا، ويخرجهم من معصيته قسرا؛ لفعل ذلك بهم، ولو فعل ذلك ~~بهم، وحكم به عليهم لم يكن ليوجد نارا، ولا ليخلق ثوابا، ولكان الناس كلهم ~~مصروفين لا متصرفين، ومفعولا بهم لا فاعلين، ولكنه سبحانه أراد أن لا يثيب ~~ولا يعاقب إلا عاقلا متخيرا مميزا، فأمر العباد ونهاهم وبصرهم وهداهم، وجعل ~~منهم استطاعات ينالون بها المعاصي والطاعات، ليطيع المطيع فيستأهل بعمله ~~وتخيره الثواب، ويعصي العاصي فيستوجب باكتسابه العقاب. PageV01P550 # فأما قوله: { ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين{ ، فهو: ~~وجب وحق الحكم مني بما حكمت به ومضى ووقع عليه ما جعلته من عقاب المذنبين، ~~وثواب المحسنين من الجنة والناس أجمعين. فهذا معنى قوله سبحانه، لا ما قال ~~المبطلون، ونسب إليه سبحانه الجاهلون، من ظلم العباد، والإدخال لهم في ~~الفساد. # تم جواب مسألته PageV01P551 ### || المسألة السادسة والثلاثون: في تفضيل بعض الخلق على بعض # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله سبحانه: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا } [الإسراء:21]، فيقال لهم: ألستم تقرون أنه ~~قد فضل بعض خلقه على بعض في الدنيا والآخرة وخصهم؟ وخص بذلك بعض خلقه دون ~~بعض؟ فإن قالوا: نعم؛ انتقض قولهم، فإن الطاعة والإيمان مما فضل الله به ~~عباده وخصهم به من رحمته. وإن قالوا: لا؛ فقد جحدوا بآيات الله وكذبوا كتابه. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه من قول الله جل جلاله: { انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض ~~وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا{ ، فقال: إن الله سبحانه فضل قوما - بأن ~~أدخلهم في الإيمان - على قوم أدخلهم في الكفر والعصيان؛ فضل بذلك وغوي، ~~وهلك عند الله وشقى، ونسب إلى الله سبحانه من ذلك الجور والردى، فتعالى ~~وتقدس عن ذلك ربنا. وليس كما قال الجهال من أهل السفاهة والضلال، بل هو كما ~~قال ذو الجلال حين يقول: { يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء ~~الذكور } [الشورى:49]، وكما قال سبحانه لنبيه عليه السلام: { ولا تمدن عينيك ~~إلى ms118 ما متعنا به أزواجا منهم زهرة الحياة الدنيا } [طه:131]، ففضل بعضهم على ~~بعض بما وهب من الذكور، وبما يجعل ويوسع به من الأرزاق، ويمن به ويتفضل على ~~من يشاء من الأرفاق، وما يرزق من يشاء من الحسن والجمال والمنطق والكمال، ~~وكم قد رأينا وفهمنا وعاينا من مولود يولد أعمى، وآخر يكون ذا زيادة ~~ونقصان، وآخر سوي غير زائد ولا ناقص، قد تمت عليه من الله النعماء، وصرفت ~~عنه وعن والديه فيه البلوى. فهذا وما كان مثله مما فضل الله به بعضا على ~~بعض مما ليس لهم فيه على الله حجة يفعل من ذلك ما يشاء سبحانه ذو الجلال ~~والحكمة، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. PageV01P552 # وأما قوله: { وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا{ ، يقول: إن إعطاءنا وامتنانا ~~ومجازاتنا لأهل طاعتنا في معادهم وآخرتهم على أعمالهم أكبر درجات وأكبر ~~تفضيلا، على اجتهادهم في مرضاتنا، فمن كثر عمله بالخير كان عند الله في ~~الآخرة أكبر درجات ممن نقص عمله، وذلك قوله سبحانه: { من جاء بالحسنة فله ~~عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا ~~يظلمون } [الأنعام:160]. # تم جواب مسألته PageV01P553 ### || المسألة السابعة والثلاثون: في سلطان الشيطان # ثم أتبع ذلك المسألة عن قول الله تبارك وتعالى لإبليس: { إن عبادي ليس لك ~~عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين } [الحجرات:42]، وقال: { فإذا قرأت ~~القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به ~~مشركون } [النحل:99]، وقال إبليس: { لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم ~~المخلصين } [الحجر:39]، فقال: أخبرونا عن هذا السلطان، ما هو؟ فإن قالوا: هو ~~التخييل؛ فقل: فما أكثر ما لقي منه المؤمنون وأطفالهم. وإن قالوا: هو ~~الدعاء؛ فقل: فهذا ما (لا يدعوا) به المؤمن والكافر، والخلق كلهم حتى عرض ~~للأنبياء فدعاهم، والتمس فتنتهم، فدعاهم كلهم إلى المعصية. وإن قالوا: هو ~~التضليل، ولن يصل بذلك إلى عباد الله المؤمنين لأن الله عصمهم، وهو الوكيل ~~عليهم؛ فقد أجابوا، ونقض ذلك قولهم. ms119 # تمت مسألته # [جوابها:] PageV01P554 وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل لإبليس: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ~~إلا من اتبعك من الغاوين{ ، ومن قوله: { إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا ~~وعلى ربهم يتوكلون إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون{ ، ~~وعن قول إبليس حين قال: { فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين{ ، ~~فقال: ما هذا السلطان الذي ليس للشيطان على المؤمنين؟ فتوهم لجهله وسوء ~~نظره وعلمه أن الله تبارك وتعالى، حال بين إبليس وبين بعض العباد حولا، ~~ومنعه من الوسوسة لهم منعا، وقسرهم عنه قسرا، وليس ذلك كما قال. ألا تسمع ~~ما ذكر الله عن آدم وزوجه، وكيف كانت وسوسته لهما حتى أوقعهما فيه، وكذلك ~~(اعترض لعيسى بن مريم حتى دحره ولم يطمعه في شيء مما ذكره، ولغيرهما من ~~الأنبياء) والمؤمنين. فلو منعه الله من أحد من المؤمنين منعا، وقسره عن ~~الوسوسة له قسرا، لكان ذلك لأبيهم آدم صلى الله عليه، ولكنه سبحانه منعه من ~~ذلك بالنهي له، والزجر عما هو عليه من إغوائه، وعاقبه عليه، وأعد له النار ~~والعذاب فيه، فقال: { لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين } [هود:119]. PageV01P555 # فأما السلطان الذي ذكر الله عز وجل أنه ليس له على المؤمنين في قوله: { إن ~~عبادي ليس لك عليهم سلطان إلا من اتبعك من الغاوين{ ، فهو ما علم من ~~المؤمنين من طرده ودحره، وترك طاعته في وسوسته وأمره، وأنهم لا يجعلون له ~~عليهم سلطانا بشيء من الطاعة له من العصيان لربهم، وأنهم لا يزالون مؤثرين ~~لطاعة الرحمن محترسين من الشيطان بتلاوة القرآن والاعتصام بذي الجلال ~~المنان، فهم أبدا لله مراقبون، وفي طاعته ساعون، وللشيطان اللعين معادون ~~كما أمرهم ربهم حين يقول: { إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا } [فاطر:6]، وفي ~~كل ما أمرهم به مخالفون، فأولئك هم المهتدون الذين على ربهم يتوكلون، فليس ~~له على هؤلاء سلطان، وإنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون، ~~وكذلك سلطانه على أوليائه، وهو دعاؤه لهم وإغوائه إياهم، وقبولهم منه، ms120 ~~ومثابرتهم عليه، فلما أن قبلوا منه ولم يعصوه كانت طاعتهم له السلطان عليهم ~~إذ أطاعوه وفي دعائه اتبعوه. # تم جواب مسألته PageV01P556 ### || المسألة الثامنة والثلاثون: في اختصاص الله رحمته لبعض خلقه ~~ومعنى شرح الصدر # ثم أتبع ذلك المسألة، فقال: أخبرونا هل يخص الله برحمته من يشاء من خلقه؟ ~~أم ليست له خاصة؟ وإنما هو أمر عام، فمن شاء ترك ومن شاء أخذ؟ فإن قالوا ~~ذلك؛ فقد كذبوا، والله سبحانه يخبر بخلاف قولهم إذ يقول لنبيه عليه السلام: ~~{ ألم نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك } [الشرح:1-2]، وقال أيضا لمن أراد أن ~~يخصه بالهدى من خلقه: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن ~~يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على ~~الذين لا يؤمنون } [الأنعام:152]، وقال أيضا: { أفمن شرح الله صدره للإسلام ~~فهو على نور من ربه فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله أولئك في ضلال ~~مبين } [الزمر:22]، فقال: أخبرونا عن الشرح، ما هو؟ أهو الهدى؟ أم هو الدعاء؟ ~~فإن قالوا: إنه الدعاء؛ زعموا أن كل كافر مشروح الصدر بالإسلام، وأن الخلق ~~كلهم جميعا قد شرحت صدورهم؛ لأنهم قد دعوا كلهم. وإن قالوا: هو الهدى الذي ~~يمن الله به على من يشاء من عباده؛ فقد أجابوا. # تمت مسألته # [جوابها:] # وأما ما سأل عنه، فقال: أخبرونا هل يختص الله برحمته من يشاء من خلقه؟ أم ~~ليست له خاصة؟ فإنا نقول كما قال الله سبحانه: { وأن الفضل بيد الله يؤتيه ~~من يشاء والله ذو الفضل العظيم } [الحديد:29]، ثم نقول: إن اختصاص الله ~~برحمته من يشاء من عباده يخرج على معنيين: PageV01P557 # فأما أحدهما: فهو مشيئته أن يزيد المهتدين هدى، ويزيد المؤمنين تقوى، وذلك ~~قوله سبحانه: { ومن يؤمن بالله يهد قلبه } [التغابن:11]، وقوله سبحانه: { يا ~~أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم ~~نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم } [الحديد:28]، فشاء سبحانه أن يزيد ~~ويختص برحمته من ثابر على طاعته، ms121 وسارع إلى مرضاته، كما شاء أن يخذل من آثر ~~هواه وأسخط بفعله مولاه. # وأما المعنى الآخر: فهو ما يختص به من يشاء من السلامة والإغناء، وصرف ~~المكاره والبلوى. # فتبارك الله الواحد الأعلى، فهذا ومثله معنى اختصاص الله بالرحمة لمن ~~يشاء، لا ما يقول الفاسقون، ويذهب إليه الضالون من أن الله تبارك وتعالى ~~يخرج من المعصية عباده قسرا، ويدخلهم في طاعته جبرا. PageV01P558 # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم: { ألم ~~نشرح لك صدرك ووضعنا عنك وزرك الذي أنقض ظهرك{ ، فإنا نقول: إن الشرح من ~~الله لصدره هو توفيقه وتسديده وترغيبه بالهدى وتأييده، وتعليمه ما كان ~~يجهله وتفهيمه. فشرح الله بالإيمان صدره، ورفع بالوحي المنزل قدره. وأما ~~الوزر الذي وضعه الله عن ظهره، فهوا ما يغفر له من ذنوبه، ومن الوزر ما كان ~~منه من الضلال عن الوحي والهدى، فوضعه الله سبحانه عنه بهداه له، ومما خصه ~~الله به من النصرة والزيادة في تقواه، فجعله من بعد أن كان جاهلا عالما، ~~ومن بعد أن كان متبعا متبعا، ومن ذلك ما وضع عنه من وزر الفقر وضرائه، وما ~~امتن به عليه من بعد العيلة وأغناه، كما قال تباركت أسماؤه: { ووجدك عائلا ~~فأغنى } [الضحى:8]. وأما قوله سبحانه: { الذي أنقض ظهرك{ ، فهو أوقره وفدحه ~~وغمه وكربه من الضلال عن العمل برضى رب الجلال، فوضع الله عنه ثقل ذلك بما ~~بصره، وأوحى إليه وفضله وامتن به عليه، وليس ذلك الوزر حملا من الأحمال على ~~ظهر، ولا وقرا وقر بحمله، وإنما ذلك على المثل، قال الشاعر: # حملت أمرا عظيما فاضطلعت به %~% جزاك عنا إله الخلق رضوانا PageV01P559 وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره ~~للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء كذلك ~~يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون } [الأنعام:125]، فجوابنا في ذلك: أن ~~الشرح من الله هو التوفيق والتسديد، والتبصير والتنبيه، وأن معنى قوله جل ~~جلاله: ms122 { يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في السماء{ ، هو بما يدارك عليه من ~~الأمر والدعاء، وما أمر به عبده ورسوله ونزل عليه، فكلما زاد الله في إقامة ~~الحجة عليهم والدعاء لهم، وإظهار الحق لديهم ازدادوا طغيانا وإثما وتماديا ~~وعمى، فخذلهم الله لذلك وأرداهم وأذلهم وأشقاهم، فعادت صدورهم لما فيها من ~~الشك والبلاء وما يخافون من ظهور الحق عليهم والهدى، ضيقة حرجة، كأنما تصعد ~~في السماء. وإنما مثل الله ضيقها بالتصعيد في السماء؛ لأن التصعيد أشد ~~الشدة، وأعظم البلاء، ولذلك ما قال الله جل ثناؤه في الوليد بن المغيرة ~~المخزومي: { ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا ومهدت له ~~تمهيدا ثم يطمع أن أزيد كلا انه كان لآياتنا عنيدا سأرهقه ~~صعودا } [المدثر:11-17]، فلما أنعم الله عليه بما ذكر، فأبى وأعرض واستكبر، ~~وخالف وكفر، وعده الله إرهاق الصعود، وهو الأمر الصعب الشديد من العذاب في ~~دار الآخرة بالنار والأغلال الحديد، فلما كان الصعد الذي لا تعرض فيه، ولا ~~سهولة في حيله، وأنه مصعد فيه أبدا، وكان أشد ما يلقى من سلك سبيلا ماشيا ~~أو راكبا؛ مثل الله لهم ما أعد من العذاب والبلاء. # تم جواب مسألته PageV01P560 ### || المسألة التاسعة والثلاثون: في حاجة العباد إلى تأييد الله تعالى # ثم أتبع ذلك الحسن بن محمد المسألة عن قول الله سبحانه في التأييد، وذلك ~~قوله لعيسى بن مريم: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح ~~القدس } [البقرة:87]، وقوله للمؤمنين: { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم فأصبحوا ~~ظاهرين } [الصف:14]، في آي كثيرة، فخص الله من يشاء من خلقه من الأنبياء ~~والمؤمنين: ألا ترى أن الله عز وجل لم يكلهم إلى ما زعمتم أنه جعل فيهم من ~~الاستطاعة؟ وهي الحجة زعمتم على جميع خلقه، حتى جاءهم سوى ذلك من أمره، ~~فأيدهم به، فظهروا بتأييده، ورعب عدوهم، فغلبوا برعبه، ونصرهم فقهروا ~~بنصره، ثم قال فيما من به على المؤمنين، ويعلمهم ما صنع بهم مما لم يصنعه ~~بغيرهم، فقال: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيمانا ms123 مع ~~إيمانهم } [الفتح:4]، وقال أيضا: { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها } [الفتح:26]، فلم يرض لهم ما ~~زعمتم بما جعل من الاستطاعة حتى جاءهم من أمره وعونه سوى ذلك، وقوله ~~لرسوله: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف ~~الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا } [الإسراء:74،75]، وقوله ~~لأصحاب الكهف: { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ ~~قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا ~~شططا } [الكهف:14]، فلم يرض لهؤلاء ما جعل فيهم من الاستطاعة التي زعمتم أنها ~~حجة على خلقه، وأنه يحتج عليهم بما أخذوا PageV01P561 أمره وركبوا معصيته حتى أتاهم من أمره ما بلغوا به ما يشاء من رحمته وهداه. ~~وكذلك هو يفعل ما يشاء سبحانه وبحمده، يضل من يشاء، ولا يسأل عما يفعل ~~والخلق يسألون. # جواب المسألة التاسعة والثلاثين: # وأما ما سأل عنه من قول الله عز وجل: { وآتينا عيسى ابن مريم البينات ~~وأيدناه بروح القدس{ ، وقوله للمؤمنين: { فأيدنا الذين آمنوا على عدوهم ~~فأصبحوا ظاهرين{ ، وقوله: { هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا ~~إيمانا مع إيمانهم{ ، وقوله: { فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين ~~وألزمهم كلمة التقوى وكانوا أحق بها وأهلها{ ، فكذلك الله أحكم الحاكمين آتى ~~نبيه صلى الله عليه وآله وسلم بينات كل أمر، وأيده بروح القدس والنصر، ~~وكذلك أيد عباده المؤمنين على أعدائه الفاسقين، وذلك من الله فواجب ~~للمطيعين. # ألا تسمع كيف يقول: { ولينصرن الله من ينصره } [الحج:40]، وقوله: { إن تنصروا ~~الله ينصركم ويثبت أقدامكم } [محمد:7]، وقوله: { والذين اهتدوا زادهم هدى ~~وآتاهم تقواهم } [محمد:17]، فكل من آمن بالله واتقى، فقد استوجب من الله ~~الزيادة بالنصر والهدى، وذلك من الله للمؤمنين فعطاء وجزاء، فكل من آمن ~~بالله وأطاعه في أمره وجاهد أعداءه، فقد ذكر الله سبحانه أنه يجازيه على ~~ذلك بما ذكر فيما سأل عنه في هذه الآيات من التفضيل بالمعونات. PageV01P562 # وأما ما سأل ms124 عنه من قول الله سبحانه: { ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم ~~شيئا قليلا إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا{ ، ~~فإن الجواب في ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يركن إليهم ~~بترخيص لهم في دينهم، ولا إسعاف لهم في شيء من أمرهم، ولا بتولي أحد منهم، ~~ولكنه صلى الله عليه وآله وسلم كان رحيما رفيقا حليما وصولا للأرحام كريما. ~~كان صلى الله عليه وآله وسلم ربما رق لهم من العذاب الذي أعد لهم ربهم، ~~رحمة بهم، فأنزل الله سبحانه عليه تحريم الرحمة لهم، فأمره والمؤمنين بترك ~~الرحمة لأهل المعاصي الفاسقين، فقال: { يا أيها النبي جاهد الكفار ~~والمنافقين واغلظ عليهم ومأواهم جهنم وبئس المصير } [التوبة:73]، وقال: ~~{ الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في ~~دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر } [النور:2]، فثبته الله بما ~~أنزل عليه من ذلك. # فلما أن علم أن رحمتهم لله تسخط غلظ عليهم، واشتد قلبه عن الرحمة بهم لما ~~أمره الله سبحانه فيهم، فكان ذلك تثبيتا منه له عن أن يركن إلى ما يدعوه ~~إليه الكرم والصلة للرحم من الرحمة، لا ما يقول الضالون على الله وعلى ~~رسوله من أنه كاد أن يركن إليهم ويميل بالمحاباة في صفهم، ثم قال سبحانه: ~~{ إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات{ ، يقول: لو رحمتهم ورفقت من بعد نهينا ~~لك عن ذلك بهم، لكنت لنا من العاصين، وكنت عندنا على ذلك من المعذبين. PageV01P563 # وأما ما سأل عنه من قول الله سبحانه: { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى ~~وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من ~~دونه إلها لقد قلنا إذا شططا{ ، فآخر هذه الآية دليل على تفسير ما سأل عنه ~~في أولها، ألا تسمع منه كيف ذكر عنهم ما ذكر من الإيمان والإخلاص لله ~~الواحد الرحمن، فلما أن آمنوا زادهم إيمانا، وكذلك يفعل الله بعباده ~~المؤمنين، ألا ترى كيف قال: ms125 { إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى وربطنا على ~~قلوبهم{ ، فكذلك يفعل الله بمن آمن واتقى، كما يخذل من عند عن أمره وعصى. ~~ولولا ما ركب فيهم من الاستطاعة (أولا ما نالوا زيادة الله لهم في الهدى ~~آخرا، ولكن بما جعل فيهم من الاستطاعة ما يقدرون) على الطاعة والعصيان، ~~فآثروا الطاعة ورفضوا المعصية، فصاروا بذلك مؤمنين، فاستأهلوا من الله ~~الزيادة في كل خير، والدفع منه عنهم لكل ضير. ألا ترى كيف يقول: { إنهم فتية ~~آمنوا بربهم وزدناهم هدى{ ، يقول: لما أن عملوا الطاعة بما فيهم من القدرة ~~والاستطاعة زدناهم من الخير والكرامة. # ثم قال الحسن بن محمد: وكذلك الله يفعل ما يشاء، يضل من يشاء، ولا يسأل ~~عما يفعل، والخلق يسألون، فتوهم - ويحه - أن الله سبحانه يضل عن سبيل ~~الرشاد قوما منعهم بالإضلال عن الرشاد، (وكيف يكون ذلك، وقد أمرهم ~~بالاهتداء)، وبعث إليهم الأنبياء يدعونهم إلى البر والتقوى، وهم لذلك غير ~~مستطيعين، ولا عليه مقتدرين، لقد إذا ظلمهم فيما إليه دعاهم، إذ عنه قد ~~حجرهم وأغواهم، فتبارك الله عن مقالة الجهال من أهل الجبر والضلال. PageV01P564 ### || المسألة الأربعون: هل خلق الله أفعال العباد؟ # وإن قالوا: أخبرونا عن الأعمال، أمخلوقة هي أم غير مخلوقة؟ فأنتم تزعمون ~~أن الله خلقها؟ فإن قالوا: كيف نسبها الله إلى خلقه، وجعلهم الذين عملوا ~~وتكلموا؟ فقولوا: ألا ترون أن الله عز وجل قد قال: { والله جعل لكم من ~~بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود الأنعام بيوتا{ ، وقال: { وجعل لكم سرابيل ~~تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم } [النحل:80]، وأنتم تعلمون أن الناس هم ~~الذين غزلوا ونسجوا السرابيل، وعملوا الدروع، وبنوا البيوت، واتخذوا ~~المظال، وقد من علينا به، وأخبرنا أنه جعله، وذلك أنه ألهمنا بمنته أن ~~غزلنا، وهو علمنا ذلك، ونسجنا وعملنا ما عملنا، وأخبرنا أنه قد جعله؛ فكذلك ~~خلق ما عملنا من طاعة أو معصية، ونحن عملناها جميعا. وكذلك قال أيضا: { ألم ~~تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء ~~تؤتي أكلها كل حين ms126 بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم ~~يتذكرون } [إبراهيم:24]، ألا ترون أن الله سبحانه خلق الثمرة في الشجرة، ~~وأخرجها منها، ونسب الخروج منها إليها، وقال: { تؤتي أكلها كل حين بإذن ~~ربها{ ؟ وكذلك أعمال العباد، خلقها ثم نسبها إليهم، وأخبر أنهم عملوها. # جواب المسألة الأربعون: PageV01P565 # وأما ما تكلم وموه به، فقال: إن سألونا عن أفعال العباد: مخلوقة هي؟ أم غير ~~مخلوقة؟ ثم قال: هي مخلوقة إذ نسبها الله إليه كما نسب غيرها من أفعالنا ~~إليه، من ذلك قوله: { والله جعل لكم من بيوتكم سكنا وجعل لكم من جلود ~~الأنعام بيوتا{ ، وقال: { وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم{ ، ~~والسرابيل والبيوت فالعباد يعملونها، وقد نسبها الله جل جلاله إليه، فكذلك ~~أعمالنا هي منا، وهي فعله فينا. # فجوابنا في ذلك: أنه بخلاف ما قال، وأنه قد أخطأ في القياس إذ قاس أفعال ~~العباد التي هم فاعلوها، ومن بعد العدم أوجدوها إلى ما فعلوا فيه من خرز ~~الجلود، وعمل الحديد ونسج الثياب التي الله تبارك وتعالى خلق أصلها، وأوجد ~~أولها وصورها. فلما أن كان الله سبحانه الذي أوجد ذلك كله كان هو الجاعل له ~~في أصله والممتن به على جميع خلقه. وأفعال العباد في ذلك فلم يخلقها الله ~~سبحانه، ولكن الله أوجد ما ذكر من أصولها، والعباد صنعوا ما صنعوا فيها، ~~وعملوا ما عملوا منها، فنسب إليه صنع ما أوجد من هذه الأصول التي قد فرغت ~~وجعلت ونقلت. فبين هذا، وبين أفعال العباد فرق عند من كان له عقل. # هل رأى أو سمع خلق في شيء من الكتاب المنزل، أن الله سبحانه ذكر أنه فعل ~~شيئا مما فعلوه من الفجور والردى، وشرب الخمور، وارتكاب الهوى؟ بل نسب ذلك ~~كله إلى فاعله، ونفاه سبحانه عن نفسه. # فإن قالوا: إن الله سبحانه خلق الأدوات التي تكون بها الأفعال في كل ~~الحالات؛ من الفروج والأيدي والألسن واللهوات، كما خلق الجلود والقطن ~~والحديد والصوف؛ فنحن نقول: إذ قد أوجد أصل أفعال العباد، أن منه أفعالهم، ~~كما نقول ms127 إن السرابيل منه إذ أوجد أصولها. PageV01P566 # قلنا لهم في ذلك: ليس هذا كذلك؛ لأن الله سبحانه أوجد الأصل الذي نقل وصنع ~~وعمل من هذه التي نسبها إليه من الجلود والكرسف والصوف والحديد، والعباد ~~فعلوا الحدث الذي صرفوها به وأحدثوه فيها، من عملها ونسجها وصناعتها وغزلها ~~بالأكف والأدوات التي جعلت لهم، والاستطاعة التي ركبت فيهم، فالتأم في ذلك ~~جلود وأيد وحركات. فكان الله عز وجل الخالق للأيدي والجلود، وكان العباد ~~الفاعلين للحركات، الصانعين لتلك المصنوعات. كذلك الله سبحانه خلق الحجارة ~~والطين، والعباد بنوا الدور وشيدوا ما بنوا من القصور، فاجتمعت في ذلك ~~الحجارة والأكف العمالة، والحركات التي دبرت لها الحجارات، فكان الله جل ~~ثناؤه خالق الأيدي والصخور، والعباد أحدثوا الحركات وبنوا الدور. وأفعال ~~الله سبحانه فكائنة عندما يريدها بلا تخيل، ولا حركات، ولا تأليف شيء إلى ~~شيء بالأكف العمالات. ففي هذا أبين الفرق بين أفعال المخلوقين وبين أفعال ~~رب العالمين، فما كان من فعل الله فليس من أفعال العباد، وما كان من أفعال ~~العباد، فليس من أفعال ذي العزة والأياد. # كذلك لو أن رجلا سرق صوفا فنسجه سربالا وثوبا، لم يعذبه الله سبحانه على ~~جرم الصوف، ولا على ما قبضه به من اليد والكف، وإنما يعذبه على أخذه وحوزه ~~عن ربه، واستئثاره عليه به، وما كان من انتفاعه به ولبسه، فعذبه سبحانه على ~~ما كان من حركاته وفعله، ولم يعذبه على ما خلق وصور من نفس المسروق وصورته. PageV01P567 # وكذلك يعذب الزاني على زناه، والزنا هو: الإيلاج والحركة، والإخراج، ولم ~~يكن الزنا إلا بالفرجين والحركة، فالفرجان فعل الله، والحركة والزنا فعل ~~العبد ذي الفسالة والردى. فالله عز وجل يعذبه على زناه وإدخاله وإخراجه ~~وحركاته، لا على ما خلقه له من الفرج. فخلق الله الآلات وما أنعم به على ~~العبد من الأدوات لينالوا به المنافع واللذات من طريق ما أحل لهم لا من وجه ~~ما حرم عليهم، ثم أمرهم في ذلك باجتناب المعصية وحضهم على فعل الطاعة. # وأما ما سأل عنه وفيه قال ms128 بالمحال، وقاس على مقاييس الضلال، فقال: قال ~~الله تبارك وتعالى: { ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ~~ثابت وفرعها في السماء تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال ~~للناس لعلهم يتذكرون{ ، فقال: ألا ترون أن الله خلق الثمرة في الشجرة ~~فأخرجها منها؟ ثم نسب الثمرة إليها فقال: { تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها{ ؟ ~~فكذلك نقول: إن أعمال العباد الله سبحانه خلقها، والعباد عملوها، ثم نسبها ~~إليهم، وأخبر أنهم عملوها. PageV01P568 # فقولنا في ذلك: إنه غالط في القياس، أو أراد معنى فأخطأ في مقاله؛ لأنه مثل ~~ما ليس بمأمور ولا منهي فقاس فعل العباد فيما أوجدوه بفعل الله الذي لم ~~يفعلوه. وإنما قياس الشجرة وما أوجد الله سبحانه فيها من الثمرة قياس ~~الناقة والامرأة؛ الله سبحانه خلق الأولاد فيهما، وهما ولدتا، قال الله ~~سبحانه في امرأة عمران وفيما نذرت مما في بطنها للرحمن حين يقول: { فلما ~~وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر ~~كالأنثى } [آل عمران:36]، فقال: { وضعتها{ ، فنسب الولد، وما كان من تخليصها ~~وتسليمها في وضعها لها إليها، والله سبحانه الذي جعلها في بطنها، وأخرجها ~~بقدرته منها، ولولا إخراجه لها وتخليصه إياها إذا لم تخلصها أبدا أمها. قال ~~الله عز وجل في ذلك: { يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ويحيي الأرض ~~بعد موتها وكذلك تخرجون } [الروم:19]، فلا يشك أنه المخرج والمخلص للولد من ~~الظلمات الثلاث من: المشيمة، والرحم، والبطن، قال الله سبحانه: { يخلقكم في ~~بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث ذلكم الله ربكم له الملك لا ~~إله إلا هو فأنى تصرفون } [الزمر:6]. وقال جل جلاله عن أن يحويه قول أو ~~يناله: { ووصينا الإنسان بوالديه حسنا } [العنكبوت:8]، فنسب إليهما ولادتهما ~~إياه، إذ كان الخارج منهما والمصور فيهما، والله سبحانه المصور له والمقدر ~~تصويره وخلقه. فكذلك نسب إلى الشجرة إيتاء أكلها، وهو الخالق لها ولثمرها. PageV01P569 # فأما قياس أفعال العباد التي نهوا عنها، وأمروا بها، وعوقبوا عليها، ~~وأثيبوا ms129 بها، فليس هذا قياسها، وسنأتي به ونذكر إن شاء الله ما هو مثلها. ~~فنقول لمن قال: إن الله سبحانه خلق أفعال العباد وركبها فيهم، وأنطقهم وقضى ~~بها عليهم، ثم نسبها إليهم: ما تقول إذا قلت ذلك، وكان الأمر عندك كذلك، في ~~مشرك أشرك بالله وجحده؟ وفي قتل من قتل الأنبياء بغير حق؟ الذين قال الله ~~فيهم: { ويقتلون النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس } [آل ~~عمران:21]، آلله فعل ذلك بهم كما فعل غيره من أفعالهم؟ فإن قالوا: نعم، ~~الله فعله وخلقه وقضاه وركبه، فقد زعموا أن الله عز وجل كفر بنفسه، وأمر ~~بالشرك به، وقتل أنبياءه؛ وهذا فأكفر الكفر، وأجهل الجهل بالرحمن عز وجل، ~~عند كل من عرف الحق وكان ذا إيمان. وإن قال: لا؛ رجع عن قوله، (وتاب إلى ~~ربه. وإن قال: فعل الطاعة وخلق بعض المعصية ولم يفعل عظائم العصيان)، ولا ~~فوادح ما تأتي به من الكفران. قيل له: فلا نراك إلا قد أثبت للعبد فعلا لا ~~محالة دون الرحمن، فإن جاز أن يكون من العبد فعل لم يخلقه الله ولم يفعله ~~جاز أن تكون له أفعال كثيرة، وأمور جمة غير يسيرة، والأمر في ذلك فعلى ~~قولنا لا على قولك، وشرحنا بحمد الله لا شرحك، لأنك قد أجمعت معنا على ~~قولنا إذ قد أقررت لنا ببعض فعلنا ونفيته عن خالقنا وربنا، ونحن لا نطيعك ~~في قليل من ذلك ولا كثير، ولا ننسب إلى الله من أفعال عباده عظيما ولا ~~حقيرا، فهذا قياس ما إليه ذهب، لا ما ارتكب فيه من المحال والعطب. PageV01P570 ### || المسألة الحادية والأربعون: هل العباد مجبورون على الأعمال؟ # فإن قالوا: أخبرونا عن العباد، أمجبورون على الأعمال، من الإيمان والكفر ~~والمعصية؟ أم لا؟ فقل: منهم من هو مجبور على ذلك، ومنهم من هو غير مجبور. ~~فأما الذين جبروا على الطاعة فمنهم أهل مكة، افتتحها رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم قسرا، فأسلموا كرها، ولو لم يسلموا قتلهم، واستحل دماءهم ~~وأموالهم؛ فهذا وجه القسر والجبر. ms130 وأما الوجه الآخر: فإن الله تبارك وتعالى ~~قد قذف في قلوبهم الهدى، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم قال: ~~{ أولئك هم الراشدون } [الحجرات:7]، وقد قال في كتابه: { وله أسلم من في ~~السماوات والأرض طوعا وكرها } [آل عمران:83]. # فإن قالوا: أخبرونا عن المشركين الذين لم يسلموا، أجبروا على الشرك؟ ~~فيقال لهم: إن المشركين لم يريدوا الإسلام، فيجبروا على الشرك؛ ذلك أنهم لو ~~أرادوا الإيمان فأكرهوا على الشرك [لكانوا مجبورين]؛ كما [لو] أراد ~~المشركون الشرك ورضوا به، وأراد الله أن يهديهم فجبرهم على الهدى وهم ~~كارهون. فإن قالوا: فإن لم يكونوا مجبورين ولا مكرهين، فهل يستطيعون ترك ~~الشرك وقبول الهدى؟ فقل: لا؛ إلا أن يشاء الله. فإن قالوا: فكيف لا يكونون ~~مجبورين، ولا يستطيعون أن يتركوا شركهم؟ فقل: كذلك الله يفعل ما يشاء، يهدي ~~من يشاء، ويضل من يشاء، فلا مضل لمن هدى، ولا هادي لمن يضل. # جواب المسألة الحادية والأربعين: PageV01P571 # ثم قال: إن قال قائل: خبرونا عن العباد، أمجبورون على الأعمال من الإيمان ~~والكفر والطاعة والمعصية والغدر؟ أم لا؟ فقل: منهم من هو مجبور على الطاعة ~~فهم أهل مكة، افتتحها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قسرا، فأسلموا ~~لذلك كرها، ولو لم يسلموا قتلهم واستحل دماءهم وأموالهم، فهذا وجه القسر ~~والجبر، وأما الوجه الآخر: فإن الله قذف في قلوبهم الهدى، وحبب إليهم ~~الإيمان، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، ثم قال: { أولئك هم الراشدون{ ، ~~ثم قال: { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون{ . PageV01P572 # فردنا عليه فيما يقول، أنا نقول: الحمد لله على ما رزقنا من العقول، والفهم ~~بما نقول، فيا ويح الحسن بن محمد! الجاهل المجبر في أمره الغافل، بينا ~~يقول: إن الله يجبر العباد على الطاعة له والانقياد؛ إذ رجع فصرف ذلك إلى ~~الرسول، فيا ويح ذي الجهل! من نازعه في ذلك؟ (أو من ذا الذي لم يكن من ~~أضداده قوله لذلك). ألا يسمع قول الله سبحانه وتعالى عن كل شأن شأنه فيمن ~~أكرهته قريش على الكفر ms131 والعصيان، ودعته إلى الخروج من الحق والإيمان، وصالت ~~عليه بصولتها، وأذاقته ما قدرت عليه من أليم عقوبتها، حتى أعطاهم ما أرادوا ~~بلسانه وقوله وقلبه مخالف لما لفظ به من مقاله، مطمئن بالإيمان، مخالف لدين ~~أهل العصيان، فقال في ذلك الرحمن: { إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ولكن ~~من شرح بالكفر صدرا فعليهم غضب من الله ولهم عذاب عظيم } [النحل:106]، وكان ~~الذي أكره وقلبه مطمئن بالإيمان عمار بن ياسر (رحمة الله عليه)، ذو المعرفة ~~بالله والإيمان. فلا يشك مميز عاقل، ولا ينكر ما قلنا به جاهل، من أن الخلق ~~يكره بعضهم بعضا على القول والفعل لما لا يحب ويرضى، وإن كان ضمير القلوب ~~مخالفا للكلام، وهذا فموجود في لغة جميع الأنام، فأما علم الضمير فلا يطلع ~~عليه إلا الواحد القدير. PageV01P573 # ثم قال: إن معنى قوله سبحانه وجل عن كل شأن شأنه: { وله أسلم من في السماوات ~~والأرض طوعا وكرها وإليه يرجعون{ ، هو جبر منه لهم على إسلامهم، وإخراج لهم ~~من ضلالهم وكفرانهم بالجبر والتحويل والقسر، واحتج في ذلك بقول الله ~~سبحانه: { وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان{ ؛ فلا تأويل معنى الإسلام من ~~الخلق أصاب، ولا في معنى ما ذكر الله عز وجل من التحبيب والتكريه أجاب. ~~وإنما معنى قول الله سبحانه: { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها{ ، ~~هو: المعرفة به والإقرار بربوبيته، وأنه الخالق غير مخلوق، والرازق غير ~~مرزوق، كما قال سبحانه: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس ~~والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون } [العنكبوت:61]، فهذا معنى ما أراد الله - ~~والله أعلم - بقوله: { وله أسلم من في السماوات والأرض طوعا وكرها{ ، لأن ~~الإسلام يخرج في اللغة على معنيين: # [فأحدهما]: الإقرار بفعل الفاعل، والتسليم له، وترك المكابرة له في فعله، ~~والمعاندة له بالإنكار لما يحدث من صنعه. # والمعنى الثاني: فهو الاستسلام لأمر الآمر، والإنفاذ لما حكم به ~~والانقياد لجميع ما قيد إليه، وصرف من الأفعال فيه. PageV01P574 # فعلى المعنى الأول يخرج تفسير الآية، لا على المعنى الثاني، الذي توهم ~~الحسن بن ms132 محمد أن عليه يخرج معناها، ولو كان ذلك كذلك، أو قارب شيئا من ذلك ~~لكان جميع الخلق لله مطيعين، وفي أمره سبحانه متصرفين، طائعين كانوا أو ~~كارهين، ولو كان كما يقول هو ومن معه من الجاهلين إذا لما وجد أنبياء الله ~~لله في الأرض عاصين، ولكان الله تبارك وتعالى بإكراهه لهم على طاعته ~~وإدخالهم قسرا في مرضاته مجتزئا مكفيا عن نهيهم عن معصيته، ولما احتاج ~~الخلق إلى المرسلين، ولما حذرهم الله ما حذر من مردة الجن والعالمين. # وأما قوله: { طوعا وكرها{ ، فالمطيع منهم في ذلك هو من أطاع الحجة المركبة ~~فيه، والشاهدة بالحق له وعليه، من اللب الذي ينال به التمييز بين كل شيئين، ~~ويثبت له به الرضى والسخط في الحالين، فمن أنصف لبه، وقبل ما أدى إليه ~~معقوله من معرفة ربه، كان منصفا طائعا، متحريا للحق خاضعا. والمكره فهو من ~~كفر وتعدى، وكابر لبه وأبى، وعند عن الحق وأساء، حتى أدركه البلاء، واشتد ~~عليه الشقاء، ونزلت به النوازل، واغتال لبه في ذلك الغوائل، ورجع صاغرا إلى ~~إنصاف لبه، ولجأ فيما ناله إلى ربه، واستسلم وأسلم له كما ذكر ذو الجلال ~~ممن تعدى في الغي والمقال حين يقول، ويخبر عنهم ويقص ما كان من أخبارهم، ~~حين يقول ويخبر عن فرعون حين يقول، فقال: { حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت ~~أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين } [يونس:90]، ومثل ~~قوله: { فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر ~~إذا هم يشركون } [العنكبوت:65]، ومثل قوله: { وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم ~~منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم ~~يشركون } [الروم:33]. PageV01P575 # أما معنى تحبيب الله عز وجل إلى العباد الإيمان، وتكريهه للكفر والفسوق ~~والعصيان، فهو بما جعل وحكم لمن آمن واتقى من الجنان والنعيم والجزاء ~~والإحسان، وبما كان يريهم ويشرعهلديهم من نصر المؤمنين، والإظهار لحجتهم، ~~والإعزاز لدينهم، والتكريه منه لما ذكر، فهوا بما أوجب على فاعل ذلك من ~~العقوبات ms133 في الآخرة بالنيران، وفي الدنيا بالقتل والسبي والذل والخذلان. ~~فلما جعل ما جعل من الثواب للمؤمنين، وما أعد وحكم بما حكم به من العقاب ~~على الكافرين، رغب الراغبون في الثواب، وأوجبوا له الإيمان وآمنوا، وهاب ~~واتقى وخاف العقاب الخائفون، فاتقوا وكرهوا الكفر والفسوق والعصيان لخوف ~~العقاب فاهتدوا، وزهد أهل الكفر في كفرهم، لما يرون من ذلهم وصغارهم، وظهور ~~الحق والمحقين واعتلائهم، فتركوا الفسوق ودخلوا في الحق، فهذا إن شاء الله ~~معنى ما ذكر من ذلك العلي الأعلى، لا ما قال وذهب إليه أهل الإفك على الله، ~~وقالوا فيه من الجبر للمخلوقين على ما يكون من أفعالهم والإدخال لهم بالقسر ~~في فاحش أعمالهم من (الغي) والفجور والمنكرات والشرور، والحمد لله رب ~~العالمين، والعاقبة للمتقين، وسلام على المرسلين. PageV01P576 # ثم قال: إن قال قائل: خبرونا عن المشركين الذين لم يسلموا، هل جبروا على ~~الشرك؟ قيل له: إن المشركين لم يريدوا الإسلام فيجبروا على الشرك، وذلك لو ~~أنهم أرادوا الإيمان وأكرهوا على الشرك، كما أراد المشركون الشرك ورضوا به، ~~وأراد الله جل ثناؤه أن يهديهم فجبرهم على الهدى وهم كارهون، ثم قال: فإن ~~قال قائل: فإن لم يكونوا مجبورين ولا مكرهين، فهل يستطيعون ترك الشرك وقبول ~~الهدى، فقل: لا، إلا إن شاء الله؛ فزعم في آخر قوله أنهم لا يستطيعون ترك ~~الشرك وقبول الهدى، فأبطل حجته وقوله أولا حين يقول: إنهم إنما يكونوا ~~مجبورين على الشرك لو أرادوا الهدى فمنعوا منه وأدخلوا في الردى، فأثبت هذا ~~القول لهم الفعل، وأقر أنهم يقدرون على فعل ما لا يريد الرحمن حتى يجبرهم ~~على غيره من الشأن؛ لأن الإرادة والنية فعل لصاحبهما، ولذلك ما روي عن ~~النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن صاحب النية يعطي ويثاب فيها وعليها. ~~وإذا صح أن العباد يفعلون ويريدون ما لا يشاء ربهم حتى يجبرهم على غير ذلك ~~من فعلهم، فقد بطل ما يخرصه الحسن بن محمد من زخرف قوله، وثبت وصح ما يقول ~~به أهل المعرفة بالله من العدل بإقراره. ms134 # ثم زعم أن من لم يقدر على ترك الشرك والكفر بربه غير مكره ولا مجبور على ~~ما هو فيه من فعله، وهذا فعين المحال، وأفحش ما يقال به من المقال، وإبطال ~~المعقول، والمكابرة لصحيح العقول؛ لأن من حيل بينه وبين القيام لسبب من ~~الأسباب، فقد جبر على القعود بلا شك ولا ارتياب. وكذلك من أوقدت له نار ثم ~~ألقي فيها، ومنع من التحرف عنها، وحيل بينه وبين الخروج منها، فقد جبر وجبل ~~على الاحتراق فيها. وكذلك الطير إذا قص جناحاه الخافقان، فقد حيل بينه وبين ~~ما يريد من الطيران. وكذلك من لم يجعل فيه من الخلق استطاعة فعل، فقد حيل ~~بينه وبينه، لا يشك في ذلك عاقلان، ولا يختلف فيه جاهلان. PageV01P577 ### || المسألة الثانية والأربعون: هل كلف الله الملائكة؟ # وأما ما سأل عنه من قوله، وكذبه على ملائكة ربه، فقال: خبرونا عن ~~الاستطاعة التي تزعمون أن الله جل ثناؤه جعلها في عباده حجة عليهم، وأنها ~~مركبة فيهم ليعملوا أو يتركوا، هل جعلها في الملائكة المقربين؟ أم لا؟ ثم ~~قال: فإن قالوا: نعم قد جعلها فيهم، وامتن بها عليهم، فقولوا لهم: فأنتم ~~إذا لا تدرون عن الملائكة هل بلغت؟! أم لا؟ أم هل أدت ما أمرت بأدائه؟ أم ~~هل قصرت في شيء مما أمرت به؟ إذ تزعمون أنها قادرة على ما تهوى، تاركة لما تشاء. # [جوابها] PageV01P578 فقولنا في ذلك: إن الله سبحانه ركب الاستطاعة في عباده وجعلها في جميع خلقه ~~المأمورين المميزين، ومنهم الملائكة المقربون صلوات الله عليهم. ثم أمرهم ~~ونهاهم من بعد أن أوجد فيهم ما أوجده سبحانه في غيرهم من الاستطاعة ~~الكاملة، والنعمة الشاملة، وأمرهم ونهاهم، ولولا ما ركب فيهم من الاستطاعة ~~لما جرى أمره عليهم، من ذلك قوله: { وإذ قلنا للملائكة اسجدوا ~~لآدم } [البقرة:34]، فأمرهم بالسجود من أجله، ولما رأوا ما ابتدع من جليل ~~صنعه، ولعظيم ما فيه من قدرته، إذ خلقه من طين من صلصال من حمأ مسنون. ~~والمسنون فهو ما داخله الأجون فأسن لذلك وأجن وتغير، فصار ms135 لما فيه من ~~الأجون حمأ، كما ذكر الله مسنونا، ثم صوره رجلا، ثم نفخ فيه الروح، فصار ~~جسما متكلما، لحما وعروقا وعظاما ودما، يقبل ويدبر، ويورد ويصدر، بعد أن ~~كان طينا لازبا. فسجد الملائكة - عليهم السلام - لله المهيمن ذي الإنعام من ~~أجل ما أحدث في آدم صلى الله عليه من الخلق وجعله أبا لكل الخلق. فكانوا ~~بائتمارهم في ذلك لله مطيعين، وعليه مثابين، ولأمر الله مؤدين. ولو لم يكن ~~فيهم استطاعة، ولا ما يقدرون به على السجود من الآلة، لم يأمرهم سبحانه بما ~~لا يستطيعون، ولم يكلفهم العدل الجواد ما لا يطيقون؛ لأنه أرحم الراحمين، ~~وأكرم الأكرمين، وأعدل العادلين. وليس ما ذكر المبطلون، وقال به الضالون من ~~صفات الرحيم، ولا من أفعال العزيز العليم؛ لأن من أمر مأمورا بأن يفعل ~~مفعولا لا يقدر على فعله، كان بلا شك ظالما له في أمره، وكان قد كلفه في ~~ذلك محالا، وكان له بذلك غاشما ظالما، وليس الله بظلام للعبيد، كما قال في ~~ذلك ذو الجلال الحميد: { وما ربك بظلام للعبيد } [فصلت:46]، وقال سبحانه: { ولا ~~يظلم ربك أحدا } [الكهف:49]، فيا سبحان الله!! ما أجهل من نسب ورضي لربه ما ~~لا يرضاه وما لا ينسبه إلى نفسه من تكليف العباد ما لا يطاق، PageV01P579 ثم رضي ذلك ونسبه إلى الواحد الخلاق، فكان كما قال الله جل جلاله، وتقدست ~~أسماؤه: { وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو ~~كظيم } [الزخرف:17]، فأخبر سبحانه أنهم كانوا ينسبون إلى الله اتخاذ البنات، ~~ولا يرضون بهن لأنفسهم، ولا يحبون الإناث، بل إذا رزق أحدهم بما رضيه لربه ~~بانت الكراهية منه في وجهه؛ فشابهوهم في فعلهم، واحتذوا في ذلك بقولهم، ~~فقالوا: إن الله يكلف عباده ما لا يطيقون فعله، ويعاقبهم على ترك ما لم ~~يقدرهم على صنعه، وهم ينفونه عن أنفسهم، ويبرءون منه أخس عبيدهم، فسبحان من ~~أمهلهم، وتفضل بالإنظار لهم. # ثم قال: ما يدريكم أن الملائكة مستطيعون، لما يشاءون من الأعمال متخيرون، ~~وعلى العمل والترك قادرون؟ لعلهم ms136 قد تركوا بعض ما به أمروا، وقصروا في أداء ~~بعض الوحي، وفرطوا في نصر النبي والمؤمنين، وفي غير ذلك مما أمرهم به رب ~~العالمين. PageV01P580 # فقولنا في ذلك له: إنا علمنا براءتهم صلوات الله عليهم وإنفاذهم لكل ما ~~أمرهم به ربهم على ما أمرهم به، غير مفرطين في شيء منه؛ لقوله فيهم سبحانه، ~~وثنائه بما أنثى عليهم من ترك التفريط في أمره والاستقصاء في كل إرادته، ~~والتقديس له والتسبيح الليل والنهار، وذلك فقول الواحد الجبار: { له من في ~~السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون يسبحون الليل ~~والنهار لا يفترون } [الأنبياء:20]، وفي ترك التفريط فيما أمرهم به رب ~~العالمين، ما يقول سبحانه في القرآن المبين: { حتى إذا جاء أحدكم الموت ~~توفته رسلنا وهم لا يفرطون } [الأنعام:61]، ويقول تبارك وتعالى فيهم، ويثني ~~بما يعلم من أفعالهم عليهم، حين يقول: { يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم ~~وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة عليها ملائكة غلاظ شداد لا يعصون الله ~~ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون } [التحريم:6]، وفي ذلك ما يقول سبحانه، ويحكي عن ~~المبطلين بما قالوا في الله رب العالمين، حين يقول: { وقالوا اتخذ الرحمن ~~ولدا سبحانه بل عباد مكرمون لا يسبقونه بالقول وهم بأمره ~~يعملون } [الأنبياء:26]، فوجدناه تبارك وتعالى يذكر الاجتهاد منهم له عنهم، ~~فقلنا فيهم بما قاله ربنا وربهم، فتعالى أصدق الصادقين عن مقالة الفسقة ~~الجاهلين. PageV01P581 # ومن الدليل على معرفة حقائقهم والوقوف على محض فعلهم واجتهادهم، تولي الله ~~لهم ومعاداته لمن عاداهم. ألا تسمع كيف يقول الواحد ذو الجلال والطول: { من ~~كان عدوا لله وملآئكته ورسله وجبريل وميكال فإن الله عدو ~~للكافرين } [البقرة:98]، فذكر سبحانه وجل عن كل شأن شأنه أنه عدو لمن عاداهم، ~~وإذا صحت العداوة والمقاضاة منه لمن ناضاهم فقد ثبتت منه الولاية بلا شك ~~لمن والاهم، ألا تسمع كيف جعل من عاداهم فاجرا؟ وسماه في واضح التنزيل ~~كافرا؟ حين يقول في آخر الآية جل جلاله، عن أن يحويه قول أو يناله: { فإن ~~الله عدو للكافرين{ ، ولن يوالي ms137 أبدا من كان في أمره مقصرا، ولن يشهد ~~بالوفاء لمن كان عنده سبحانه غادرا، فبهذا ومثله من تنزيله مما قد ذكره ~~وبينه في وحيه وقيله، شهدنا للملائكة المقربين بالاجتهاد في الطاعة لرب ~~العالمين. PageV01P582 ### || المسألة الثالثة والأربعون: هل يثيب الله عباده على ما أجبروا عليه؟ # ثم قال تغليظا لمن كان معه على رأيه من أهل الجهالة، وذوي الحيرة والتكمه ~~والضلالة: نسأل من أثبت في الخلق الاستطاعة، فيقال لهم: هل يثيب الله خلقه ~~على ما عملوا من الطاعة، مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه؟ (ثم قال): وهل ~~يعاقبهم على ما عملوا به من معصيته؟ # فبين بهذه الكلمات الآخرات في المعصية - على ما تكلم به في كلمات الطاعة ~~- من فظيع ما جاء به من الكفر في قوله، والتظليم لله ربه. وبين جهله لتباعه ~~دون غيرهم ممن هو على خلاف رأيه ورأيهم، حين يقول: هل يثيب الله خلقه على ~~ما عملوا به من الطاعة مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه؟ ثم قال: وهل ~~يعاقبهم على ما عملوا به من المعصية؟ فبين مسألته الثانية في المعصية، ولم ~~يتمها، كما أتم المسألة في الطاعة، خوفا من أن يشهد وينطق على نفسه بالكفر ~~والفضيحة، وذلك أنه كان يجب عليه أن يتم الثانية كما أتم الأولى، فيقول: ~~وهل يعاقبهم على ما عملوا به من معصيته مما لم يجعل لهم السبيل إلى تركه؟ ~~ولو كان ذلك في الله سبحانه كذلك لكان الله سبحانه المدخل للعاصين في ~~المعصية، المكره لهمعليها، ولو كان ذلك كذلك تعالى الله عن ذلك لم يكن في ~~الخلق لله عاص، بل كان كلهم في أمر الله نافذا ماضيا، ولم يكن إبليس عند ~~الله بمذموم، ولا محمد صلى الله عليه وآله بمحمود، ولم تكن الملائكة ~~المقربون بأحمد عند الله من مردة الشياطين، إذ كل لا سبيل له إلى غير ما ~~يفعل، ولا حيلة له من العمل في غير ما يعمل، لحتم الله وقضائه بذلك عليهم، ~~وإدخالهم بقضائه فيه، وحملهم وجبرهم وقسرهم عليه، فتعالى الله عما ms138 يشركون، ~~وتقدس عما يقول المبطلون. PageV01P583 # (تمت مسائل الحسن بن محمد بن الحنفية في تثبيت الجبر والتشبيه والإلحادورد ~~الهادي إلى الحق - أمير المؤمنين يحيى بن الحسين بن القاسم بن إبراهيم بن ~~إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عليهم السلام - ~~عليه، ونفى ذلك عن الله سبحانه، وإثبات العدل والتوحيد، وتصديق الوعد ~~والوعيد)، (والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد خاتم النبيين وعلى ~~آله الطيبين وسلم) PageV01P584 ms139