######OpenITI# #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : شرح البالغ المدرك #META# cat: التوحيد وأصول الدين #META# bkid: 401 #META# الكتاب: شرح البالغ المدرك #META# bkord: 51 #META# iso: شرح البالغ المدرك #META# bk: شرح البالغ المدرك #META# max: 107 #META# DownloadSource: al-Maktaba al-Shamela al-Zaydiyya #META# DownloadDate: 2020-04-16 #META# ConversionDate: 2020-08-11 #META#Header#End# ### || AUTO [مقدمة المؤلف] # بسم الله الرحمن الرحيم # بالله تعالى أستعين وأتوكل. وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم. # الحمدلله الذي جعل العقول سرجا للمتوسمين، وحججا قاطعة للملحدين، وعصما ~~متينة للمتمسكين، وقسما مبينة للمكلفين، تخبو لها الأنوار الساطعة، وتربو ~~بها الأقطار الواسعة، تهدي الناظر بها طرائق النعمة، وتؤدي إلى المشاور بها ~~شرائف الحكمة، ومن أجل تلك الفوائد، معرفة بارئها القديم الواحد، التي عجزت ~~عن اقتناص كنهه بفحصها، ورجعت خاسئة في اقتماص من حرصها. # ولما اتصل بنا كلام في التوحيد للإمام الباسل، السيد الفاضل، أبي الحسين ~~يحيى بن الحسين وصله الله بأسنى الكرامات، وأحله من الجنة أعلى الدرجات، ~~تأملناه ناظرين، وتبيناه مستبصرين؛ فرأيناه مشتملا على جملة من التوحيد، ~~محتملا لشرحها بكلام مديد، يسهل منه ماتوعر على المتعلم، ويحصل ماتعذر علمه ~~على المتفهم، فيستغني بها الموحد المفتقر، ويقتني علمها إلى علمه المستكثر، ~~لأن الكتب المبسوطة في علم التوحيد كثيرة، والرتب المشروطة فيها كبيرة، ولم ~~نر تخليته من الشرح صوابا، ولاتعريته من المدح مثابا، فتوخينا فيه القصد، ~~وأبلينا فيه الجهد، مستعينين بالله على تحصيل المراد فيه، ومتوكلين عليه ~~للإصابة في معانيه، وسائلين فيه الصلاة على سيدنا محمد الوجيه، وعلى علي ~~والأئمة من بنيه.. PageV01P022 ### || AUTO [شرح كتاب البالغ المدرك] # قال الإمام الهادي إلى الحق يحيى بن الحسين عليه السلام: # (يجب على البالغ المدرك). # قوله: (يجب) أي يلزم المكلف المخاطب بالتكليف. والإلزام هو: الإيجاب، ~~لذلك يقال: أوجب عليه القاضي كذا وكذا، إذا حكم عليه بحكم. وقطع وفرض بمعنى ~~واحد. والمعنى: أوجب الله على البالغ. ودخل الألف واللام لاستغراق الجنس، ~~وتوجه الخطاب إلى البالغ والبالغة، ومن حقيقة اللفظ إذا ورد في شيء استغراق ~~جنسه، حتى يدل دليل على التبعيض، فيقتصر على ذلك. قال الله عز وجل: ?يا ~~أيها الناس اتقوا ربكم? [النساء:1] ، دخل في ذلك من عرف بالإنسانية بهذا ~~اللفظ، ولولا أمر من الله سبحانه خص فيه العقلاء لكان ذلك كذلك. # لأن العربية التي نزل القرآن بها، تنقسم في أصول الفقه على ثلاثة أوجه، ~~لايخرج شيء من ms01 الكلام المفيد عنها: # أحدها: الأمر. # الثاني: النهي. # الثالث: الخبر. # وماعدا ذلك من الأقسام راجع في المعنى إلى هذه الوجوه، لأن الوعد ~~والوعيد، والقسم والجحود، والنفي والإثبات وماشاكل ذلك راجع إلى الخبر، ~~لكنه يوصف بماذكرنا لزيادة فائدة، أو لضرب من الاختصاص، وأما السؤال والطلب ~~والدعاء، فإنه وماشاكله يرجع في المعنى إلى الأمر والنهي. PageV01P023 # وأما الاستخبار، فهو طلب من المخبر أن يخبر ويعرف، فهو إذا داخل في الأمر، ~~والخبر هو كل جملة من الكلام يصح فيها الصدق والكذب، فإن كان مخبره على ~~مايتناوله كان صدقا، وإن لم يكن على مايتناوله كان كذبا. # وصيغة الأمر هو قول القائل لغيره: إفعل. ولايكون الخبر خبرا إلا بالإرادة ~~، وكذلك الأمر، وهي إرادة إحداثه خبرا عما يتناوله. # وقد قلنا في أصول الفقه: إن الأمر إنما يكون أمرا بإرادة من المأمور به ~~فقط ، وماعداها من الإرادات يحتاج إليه لا ليكون أمرا، لأن إرادة إحداث ~~الأمر مما يشارك الأمر فيه غيره من الأفعال، ثم إرادة كونه أمرا لمن هو أمر ~~له مما يشارك الأمر فيه النهي، فليس الذي قلناه مخالفا لماحكيناه. # ومن ذلك: وجبت الشمس، ووجب الجدار. ووجب الحق، أي: وقع وحق، وانتفت ~~الشبهة بحقيقة المشاهدة، التي هي أجلا وأولى. # وقوله: (المدرك): الذي أدرك الحد الذي يتبين به عن سواه، وله في الفقه ~~ثلاث علامات، ليس هاهنا موضع ذكر عللها، وهي في شرح أصول الفقه مذكورة، ليس ~~في الكلام لها معنى يدخل، وإنما هو مدرك وقت تلزم فيه الأحكام، وهي كلمة ~~لغوية، وهي وقت الصلاح والشبيبة ، ولذلك قيل: أدركت الثمرة، إذا صلحت. # (على): من حروف الصفات. # (في بلاد الكفر وغيرها). # (في): من حروف الجر. PageV01P024 # (والبلاد): جمع بلد وهو المصر الذي يعمل فيه أهله، والكلام راجع على أهل ~~المصر، وقد يطلق الكلام على المجاز في اللغة جمادا كان أو حيوانا على ~~المجاز. # وأرض الكفر هي أرض الشرك الظاهر فيها، وأرض الإسلام هي أرضه الظاهر فيها، ~~ولاثالث يعلم عقلا، لظهور الأحكام هنالك، والأرض واحدة على الجملة. # وقوله: (وغيرها) هي ماخالف حكمها ms02 حكم ماسواها، فاقتضى التغاير حكما. # (أن ينظر إلى هذه الأعاجيب). # لم يقل عليه السلام: يجب عليه أولا أن يريد النظر ، لأن النظر لايكون ~~إلا بإرادة من الناظر، وذلك يؤدي إلى مالايتناهى ، والنظر هو المراد، لأن ~~حقيقة المريد أن يختص بحال؛ لاختصاصه بها يصح أن يقع منه الفعل، على بعض ~~الوجوه. # واعلم أن الإرادة لاتصح أن تتعلق على طريق التفصيل إلا بمراد واحد، ~~ولايصح أن يقال إنها تعلقت بمرادين، أحدهما المراد، والثاني نفسها، لأن هذا ~~يستحيل فيها، وكذلك القول في الكراهة. # والنظر، هو: التفكر في الأدلة الذي يقع عليه الثواب والعقاب ، على تقسيم ~~في النظر من جهة اللغة، فمنه: المشاهدة للأجسام، ومنه الانتظار، ومنه ~~التفكر، وهو الذي يعتمد عليه في هذا الباب أهل العدل والتوحيد. # (إلى) من حروف الجر والصفات. # (هذه): إشارة إلى شخص موجود مدرك محدود. PageV01P025 # (الأعاجيب): جمع لشيء يعجب منه المتفكر في الخلق العجيب والصنعة المحكمة ~~المتقنة، لمن تفكر ونظر نظرا صحيحا، ولايلزم في ذلك قول من زعم أن الناظر ~~طالب لشيء لم يحصل ، وهذا يستحيل في هذا الباب. # ثم قال: (المختلفات، المدركات بالحواس، من السماء والأرض، ومابث فيهما من ~~الحيوان، المجتلبة إلى أنفسها المنافع، النافرة عن المضار، أنها محدثة ~~لظهور الإحداث فيها). # يشتمل هذا الكلام على أن الجسم لايخلو من الأكوان، وهي أعراض يوجد عليها، ~~لا بقاء لها كالأجسام، فمنها: الألوان، والروائح ، والتأليف، والرطوبات، ~~والاعتقادات، والقدر، والعجز، والكلام، والشهوات، والنفور، والحرارات، ~~والبرودات، والفناء، والحياة، والموت، والاعتمادات ، والشبع، والجوع، ~~والعطش، والري، والبشر، والشهوة، ترجع إلى القادرين، وبعضها من فعل رب ~~العالمين، بل به يقال، وكذلك للمتعلمين، ليعرفوا هذه الأحوال، ويتيقنوها في ~~الاعتقاد والمقال، فرقا بين الأجسام والأعراض، وحدها أنها تعرض في الوجود، ~~ولايجب لها من الحكم في اللبث مايجب للأجسام، ولايصح أن تنتفي من الجسم مع ~~وجوده. والكلام في هذا الباب يتعلق بالأسماء دون المعاني، فاقتضى أن نسهل فيه. # وجملة مايجب أن نحصل في ذلك أن الأعراض ثلاثة أضرب فمنها: مايختص المحل، ~~ومنها مايختص بالحي ، ومنها ماينافي المحال، ولاتتعلق ms03 بحي ولامحل، ذكر أنها ~~تختلف في أنفسها، وتدرك في أسها بالحواس، خلافا لبعض أهل الكلام من ~~المعتزلة وغيرهم من العوام. # وكان الصاحب الجليل أبو القاسم إسماعيل بن عباد يقول: إذا اختلط الأسود ~~بالأبيض رئي كأنه أغبر. PageV01P026 # قال أبو هاشم : إن الجسم الأسود لو خالف غيره لمافيه من السواد، وفي غيره ~~من البياض، لوجب إذا صار هو أبيض بعد كونه أسود أن يخالف نفسه، ولو وجب ~~إذا اتفقا في اللون واختلفا في الطعم أن يكونا متفقين مختلفين وذلك فاسد. # والذي قاله عليه السلام أشهر في المشاهدة، وأبين لمن ترك طريق المعاندة. # وقوله: (المجتلبة إلى أنفسها المنافع، النافرة عن المضار): يعني ~~الحيوانات، وظهور الإحداث هو عجيب الصنعة في الحيوان، ومايطرأ عليه وعلى ~~الجماد من الزيادة والنقصان، وهل ينظر الناظر إلى الشيء وهو عالم به أو ~~جاهل له، وإنما يولد له النظر العلم بأحوال المنظور ونفي الجهل به، وبصانعه ~~القدير، ولابد أن يكون المكلف عالما بما كلف على جملة أو تفصيل، ليميزه ~~الله عن غيره، وإلا لم يحسن تكليفه، فصار تعريفه بما كلف بمنزلة الإقدار ~~عليه، والتمكين منه، في أنه لابد منه، وإلا قبح التكليف، ولا يخلو من ~~وجهين: إما أن يضطره أو يدله عليه، فلابد من حصول أحد الوجهين أو كليهما في ~~كل ما نراه حسنا، وقد علمنا باضطرار أن الظلم قبيح، وكلفنا بالامتناع منه، ~~وأن شكر النعمة واجب، ورد الوديعة كمثل ، وكلفنا الإقدام عليها، وعرفنا ~~مالنا من الفضل بالأخبار، فدلنا على فعله. # فأما ما عرفناه بالاستدلال مما يتعلق بفعل ما كلفناه بتفصيل كثير مما ~~ذكرنا جملته، وسائر الشرائع، وما يعلم قبحه وحسنه ووجوبه من جهة العقل ~~والشرع وتفصيل ذلك يكثر، وما أوردناه من الجملة يكفي فيه محصول الأدلة ~~والبيان، مما يمكن المكلف عند التفكر فيه أن يتوصل به إلى المعرفة بما دخل ~~تحتها التكليف. PageV01P027 # واللطف من الله واجب لابد منه؛ لأنه تعالى إذا قصد بالتكليف تعريض المكلف ~~للثواب، وعلم أنه لايتعرض الموصول إليه إلا عند أمر لولاه كان لايتعرض، فلو ~~لم ms04 يفعله لنقص ذلك الغرض الذي له كلف، كما أن أحدنا لو كان غرضه من زيد إذا ~~دعاه إلى طعامه أن يحضر فيأكل طعامه، أنه لايختار ذلك إلا عند اللطف في ~~المسألة، فلو لم يفعله لنقص ذلك الغرض الذي دعاه إلى طعامه، ويحل بإخلاله ~~بذلك محل أن يمنعه من نفس تناول الطعام، وكذلك لو لم يفعل تعالى اللطف الذي ~~ذكرنا، بمنزلة ألا يمكن العبد مما كلفه في قبح التكليف. # وبهذه الجملة أبطل قول الدهرية والملحدة الذين يضيفون صنع هذه العجائب ~~إلى الطبع، وإلى الكوكب، وثبت أن فاعلا لهذه الأعاجيب قادر قديم، واحد عالم ~~لايشبهها. # واعلم أن الملحدة والدهرية على فرقتين: فرقة نفت الصانع نفيا محضا ولم ~~تثبت للعالم ربا، وقد حكى الله تعالى قول هذه الفرقة، فقال سبحانه: ?ما هي ~~إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا وما يهلكنا إلا الدهر..? الآية [الجاثية:24]. # وفرقة ثانية أثبتت الصانع، وزعمت أنه فاعل فيما لم يزل، وأن العالم ظهر ~~منه كظهور ضياء الشمس من الشمس، وحر النار من النار، وهذا هو المحكي عن قوم ~~من الفلاسفة، والدلائل التي قدمناها تبطل هذا كله. # (معترفة بالعجز على أنفسها، أنها لم تصنع أنفسها، ولم تشاهد صنعتها، ~~وتعجز أن تصنع مثلها، وتعجز أن تصنع ضدها). PageV01P028 # اعترافها بالعجز هو: شهاداتها على أنفسها أنها تعجز عن تحسين ما استقبحت من ~~صورها، ولاتمتنع عن الزيادة والنقصان في أنفسها، ولاتملك لها ضرا ولانفعا ~~في جميع أمورها، ولاموتا ولاحياة ولانشورا، فثبت أن صانعها غير لها متقدم ~~عليها، وكيف شاهد صنعته معدوم؟ هذا مالا تختلج فيه الوهوم، ومن عجز عن ~~تحسين ما قبح منه عنده كيف يصنع مثله أو ضده، تشهد بذلك العقول. # (فلما شهدت العقول على أن هذا هكذا، ثبت أن لها مدبرا حكيما دبرها، ~~ومعتمدا اعتمدها، وقاصدا قصدها، ليس له شبيه ولامثيل). # تعالى من أوجد في المكلفين عقولا تشهد له بالأزلية، عند من استشهدها من ~~البرية، فلما صحت مفعوله، استدل بها على فاعلها، ومتى علم الشيء استغني عن ~~الدلالة عليه، وعلم العقول بالصانع من ms05 جهة الصنعة في حكمتها وتدبيرها ~~وتصويرها، واعتمادها، وقصدها، تشهد بحكيم مقدر، وقديم مدبر، قصدها ~~واعتمدها، لاتشبهه ولايشبهها، كمارأينا في الشاهد أن كل صانع لايشبه صنعته، ~~ولا الكاتب كتابته، وقد ثبت أن العالم كالبيت، أرض وسماء، وسقف مرفوع ، ~~ومهاد موضوع، النجوم في السماء كالقناديل في السقف، والنيرات كالشمعتين، ~~والأرض كقرار البيت والفراش الممهود، ومافيها من النبات كالفواكه المعدة، ~~وما فيها من الرياحين وأنواع الأنوار والزهرات، وأماكنها من الأرض كالروضة ~~من البيت ، وما فيها من معادن الذهب والفضة كالخزائن المخزونة في البيت، ~~والإنسان فيها كأرباب اليبوت الذين إليهم تدبيرها وسياستها، فيجب أن يكون ~~حال السماء والأرض في الحدوث واستحالة القدم، كالبيت الذي يشاهد في مفازة ~~أو برية إن لم نشاهد له فاعلا ولابانيا في أنا لانشك في حدوثه، وتجدده، ~~وكونه مبنيا بنيان قادر. PageV01P029 # وحدوث الحركات الفلكية بين لأنه لابد لها من أول، وما كان له أول فله آخر، ~~ويستحيل أن تكون له أزلية، ومتى استحال قدم الحركات، استحال قدم المتحركات؛ ~~لأنه لاجسم إلا متحرك أو ساكن، وحقيقة التحرك هو الانتقال من جهة إلى جهة، ~~وهذا لايكون إلا متجددا حادثا، وحقيقة الساكن لبثه لا للنفس مع جواز ~~انتقاله من موضعه، وقد نبه القرآن على ذلك، قال الله سبحانه: ?أو لم ينظروا ~~إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها ومالها من فروج? [ق: 6]. ضربنا ~~للمتعلم هذا مثلا ليقرب إلى فهمه معرفة حدوث العالم، وكررنا بهذا القول على ~~البراهمة في نفي الرسالة. # ومن هيأ دعوة في بيت بناه وهو حكيم أليس يبث دعاته إلى حضور مأدبته ~~وسنبين الكلام عليهم في غير هذا الموضع إن شاء الله تعالى. # فإذا ثبت حدوث السماء والأرض وما بينهما من الأجسام والأعراض بما ذكرنا ~~من الأدلة، وجب أن يكون لها محدث قديم، قادر، لأن الكتابة يستحيل حدوثها من ~~غير كاتب حي قادر، يتولى كتابة ذلك، فيجب مثل ذلك في حدوث العالم. # (إذ المثل جائز عليه ماجاز على مثله، من الانتقال والزوال ، والعجز، ~~والزيادة، والنقصان). # وقد تقدم شرح هذه الجملة فلامعنى لإعادتها. ms06 # (وأن بإحداثه إياها له المنة عليها) بالبقاء ، وكيف لاتكون المنة للمالك ~~على المملوك، وقد شاهدنا ذلك في السوقة والملوك، أعظم المنن خلق الإنسان ~~بشرا سويا، ورزقه إياه بكرة وعشيا، وتعريضه للثواب العظيم الجسيم، وتحذيره ~~من العذاب الأليم، بعد إزاحة العلة والسلامة، وتردد الدواعي والاستقامة، ~~ولطف من الله سبحانه بنصب الأدلة؛ لأن الغرض بالأدلة الوصول بها إلى ~~المعارف. PageV01P030 # واعلم أن في زيادة الأدلة ما يجوز أن يكون لطفا لمن قد استدل، دون من لم ~~يستدل ولم يعرف، من حيث يعلم من حاله أن تأثيره إنما يكون فيه دون العارض ~~عن الأدلة ، فهذا بمنزلة ما عرفناه من حال العالم العارف، أنه يتمكن من أن ~~يعرف عند ذلك من الشبه وحلها ، والأسئلة وجوابها، وما يكون مؤكدا لدلالتها ~~التي استدل بها، ما يجوز أن يعرفه غيره، وعند ذلك متى فكر فيما ذكرنا زاد ~~ذلك في بصيرته، والشرح لصدره، من حيث ثبت في العلوم أن بعضها يتعلق ببعض، ~~ولذلك نجد العالم المبرز أعلم بالمسألة الواحدة من غيره، وإن كان ذلك الغير ~~قد عرفها، من حيث علم هذا من سائر ما يتصل بها، ويتعلق علمها به مالا ~~يعرفها ذاك، وهذا ظاهر. # فإذا صحت هذه الجملة لم يمتنع أن يخص تعالى المؤمن المهتدي بهذا الوجه من ~~اللطف، لأنه لايصح كونه لطفا إلا له دون غيره، ولايوجب ذلك أن يكون تعالى ~~مانعا غيره من التمكين، أو من فعل ما كلف. # واعلم أنه قد يدخل في هذا الباب ما يورده تعالى على المكلف من الخواطر ~~والتنبيه. # (إذ كانت الرغبة منها في البقاء، ونفورها عن الفناء دالة على المنة عليها ~~ببقائها). PageV01P031 # هذا الكلام راجع إلى الحيوان العاقل المكلف، ولايدخل فيه النافر من الحيوان ~~غير المكلف، لعلة نذكرها في مجموع نكت هذا الكتاب وعيونه المستخرجة في ~~غيره، لغرض أفردناه نذكره فيما بعد إن شاء الله، لأن الرغبة في البقاء ~~لاتكون إلا مع كمال النعماء، وهي خلقة الله للعبد حيا لينفعه ، والمنفعة ~~الحسنة إذا قصد فاعلها وجه الإحسان فهي نعمة، منها مايكون ms07 لذة أو مؤديا إلى ~~لذة، وربما كان سرورا أو مؤديا إلى سرور، وربما كان دفعا لمضار وغموم أو ~~مؤديا إليها، وربما كان تمكينا من هذه الأمور، وربما كان مصححا لها، فجميع ~~ذلك يدخل في باب النعم، وكذلك الآلات، والقدر، والعقل، تعد نعما؛ لأنها ~~تمكن من النعم، وكذلك يعد التكليف نعمة؛ لأنه يمكن من النعم العظيمة، ولذلك ~~تعد الحياة والشهوة نعمة؛ لأنهما يصححان التنعم، ولذلك يعد المأكول وغيره ~~من المدركات، نعمة لأنها لذة ومتلذذ بها، فجميع أنواع النعم لاتخرج عما ~~ذكرنا، وإنما شرطنا أن تكون منفعة؛ لأن ما خرج عنه لايكون من النعم، لأنه ~~إذا كان قبيحا أو مضرة إذا كان من فعل العباد، والنظر في هذه الأسباب واجب ~~على الجملة. # وإنما قال عليه السلام: إن النظر واجب على الناظر في معرفة الله تعالى، ~~ولو لم يعلم وجوبها عليه قبل أن يفعلها؛ لأنه لو علم وجوبها عليه لكان قد ~~علمها، والعلم بالمعرفة نقيض لماهي معرفة له، فكان يعود الحال في النظر إلى ~~أنه يجب على من قد عرف الله تعالى نقيض سقوط وجوب النظر؛ لأن الغرض بوجوبه ~~أن يوصل به إلى هذه المعرفة بإيجاب النظر. # فإن قيل: أليس من قولكم: إنه تعالى لايجوز أن يكلف فعلا إلا والمكلف ~~يميزه من غيره، وإلا اقتضى التلبيس، وإذا لم يصح ذلك في المعرفة، فهلا قلتم ~~فيها: إنها ضرورة، أو قلتم فيها: إنها واقعة بالطبع، أو قلتم: إن العبد ~~لايقدر عليها، كما قاله من خالفكم في هذا الباب. PageV01P032 # قيل له: قد ثبت أن الواحد منا يقدر عليه، وعلى المعرفة من حيث تقع بحسب ~~أحواله، فكما يجب كون الحركات فعله، فكذلك النظر؛ ولأنه إذا قدر على الجهل ~~والاعتقاد المبتدأ فيجب أن يقدر على المعرفة؛ لأنها الاعتقاد إذا وقع على ~~وجه، والنظر يولد المعرفة، ويثبت أن القادر على السبب قادر على المسبب، وفي ~~هذا كلام. # وكذلك النفور من الحي القادر كما قلنا أولا عن الفناء، والفناء هنا كلمة ~~مجاز عند أهل العدل والتوحيد، دالة على الممتن عليها ms08 ببقائها، وكذلك البقاء ~~مجاز لاعلى الحقيقة، دلت على الممتن عليها أوضح دلالة، وأرجح مقالة، وإن ~~كانت غير ناطقة بذلك، بل الحكمة فيها تشهد، والنعمة التي عليها تتجدد، ترى وتوجد. # (وأن الممتن عليها ببقائها هو المنعم عليها بإحداثه إياها). # كما قد شرطنا أن خلقه تعالى للمكلف حيا لينفعه، وبينا وجه المنافع، أنه ~~نعمه ليوصله بذلك إلى سني النعم، ويجنبه عن محذور النقم، جل الله تعالى ~~العالم بمصالح عبيده، والقائم بأسباب وعده ووعيده. # (فإذا علم البالغ المدرك أن هذا هكذا، وجب عليه أن يشكر المنعم، فإذا علم ~~أن شكر المنعم عليه واجب، كان عليه أن يشكر المنعم عليه، وشكر المنعم عليه ~~هو الطاعة له). # وقد بين عليه السلام أن شكر المنعم هو الطاعة له، وهذه جملة لاتخرج عن ~~ثلاثة وجوه، وهي: اعتقاد، وقول، وفعل، مع الإصابة والاجتهاد. PageV01P033 # والاعتقاد : من أفعال القلوب، وهو مقدم على سائر الأفعال، وليس يعترض على ~~ذلك قول من يزعم أن النية غير العقد، فإنه يحتاج للعقد إلى نية ، وذلك محال ~~عندنا، وهو مأخوذ من: عقدت ونويت في اللغة اصطلاحا، وله في الكتاب مسرح ، ~~وفي اللغة مساغ، لأن بالعقول تدرك غوامض العلوم، وحقائق الأشياء، والمجتهد ~~في ذلك مصيب. # وقد قيل: إن الحق عند الله في واحد، من أخطأه هلك. وفي الاجتهادين إذا ~~اختلفا كلام ليس هذا موضعه، وإنما غرضنا شرح ما قاله يحيى بن الحسين عليه ~~السلام، في هذا الكتاب مذهبا وتعليلا، ولايلزم قول من قال: إن الشكر على ~~الشكر واجب. # وقد قال البستي في ذلك: # إذا كان شكري نعمة الله نعمة.... علي بها في مثلها يجب الشكر # فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله.... وإن طالت الأيام واتصل العمر # وشكر الله على أربعة أوجه: بالقلب، واللسان، والجوارح، تشترك في ذلك ~~باجتناب المعاصي وأداء الفرائض ، والفاسق لايكون شاكرا. PageV01P034 # وروي عن بعض الصالحين أنه سئل عن الشكر فقال: « الا تستعين بنعمة من نعمه ~~على معاصيه ». # فمن واجبات القلوب تعظيم الله، وذلك على قواعد مختلفة، ومعنى التعظيم أن ~~تشعر القلب أن يكون الله ms09 أعظم عندك من كل شيء، وعلى حسب الأمور الموجبة ~~للتعظيم، حتى يملأ القلب، فمن موجبات التعظيم: صفات الله تعالى العظمى ~~وأسماؤه الحسنى، مثل كونه تعالى الأول لا أول لوجوده، وكل موجود مفتقر إلى ~~قدرته، ولولا قدرته لم يوجد موجود؛ لأن كل موجود إما أن يكون من فعله ~~تعالى، أو من فعل عبيده. وكذلك كونه قادرا لذاته ، على ما تقدم ذكره. ومن ~~الأمور الموجبة للتعظيم التفكر في أفعاله، وضروب خلقه، ولهذا أمر الله ~~تعالى عباده بالتفكر، مثل قوله تعالى: ?قل انظروا ماذا في السموات والأرض? ~~[يونس: 101] إلى غير ذلك من الآيات. # وروي عن المسيح عليه السلام أنه سئل فقيل له: ياروح الله من أولياء الله ~~الذين لاخوف عليهم ولاهم يحزنون؟ فقال: « الذين نظروا إلى آجل الدنيا حين ~~نظر الناس إلى عاجلها ». # وهذا إنما يكون بالتفكر في حقائق الأمور، والنظر في أدلة الله تعالى التي ~~ركبها في العقول، وبعث بها الأنبياء والرسل. # وروي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: قال رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: « إن في جسد ابن آدم بضعة إذا صلحت صلح الجسد، وإذا فسدت ~~فسد الجسد، ألا وهي القلب ». # وروي عن أبي الزبير ، عن جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم قال: « قوام المرء عقله، ولادين لمن لاعقل له، ولاعقل لمن لادين له ». ~~يعني: لمن لم يعرف مقتضى العقول في الديانات. PageV01P035 # وروى الزهري عن جميع بن حارثة الأنصاري، عن عمه، عن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم أنه قال: « إنما يدرك الخير كله بالعقل، ولادين لمن لاعقل له ». # وروي عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « ماتم ~~دين إنسان قط حتى يتم عقله ». # وروى زيد بن أسلم ، عن أبيه ، عن عمر بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه ~~وآله وسلم قال: « ما اكتسب أحد قط مثل فضل العقل، يهدي صاحبه إلى هدى، ~~ويرده عن ردى، وما تم إيمان رجل ولا استقام دينه حتى يكمل عقله ms10 ». # وروى نافع ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~لاتعجبوا بإسلام امرء حتى تعرفوا كنه عقله ». # وروى معاوية بن قرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « الناس ~~يعملون ويعطون أجورهم على قدر عقولهم ». # وروي عن نافع، عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~إن الرجل يكون من أهل الصلاة والصوم والزكاة والحج، ومايجزى به يوم القيامة ~~إلا بقدر عقله ». # وروى الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وآله ~~وسلم أنه قال: « لكل شيء معدن، ومعدن التقوى قلوب العارفين ) ). PageV01P036 # فهذه الأخبار كلها تدل على أن الدرجة العظمى والمنزلة الكبرى في الدين ~~والتقوى للعلماء العارفين ، الذين يعرفون الحقائق، ويعملون بها ولايبلغ ~~العاقل درجة العقلاء في الدين إلا بمعرفة واجبات القلوب على التحقيق، ~~ومعرفة أحكام الله تعالى في كل فعل وترك، والعلم بما يفعل كيف يفعل وعلى أي ~~وجه يفعل، وما يترك كيف يترك؟ وعلى أي وجه يترك؟ ومتى يكون العبد معظما لله ~~تعالى، خائفا من عقابه وراجيا لثوابه؟ # كما قال عليه السلام: (وفي ذلك إيجاب الثواب والعقاب، ويعرف مراتب ~~التوبة). ومتى يعظم الندم ويقوى العزم، وهذا لايتم إلا بمعرفة من العقليات ~~والشرعيات، وما يرجع إلى هذين الفنين. # واعلم أنه دعانا إلى ذكر هذه الأخبار بنقل العامة وإن كان قد نقلها ~~عندنا من نثق به من أئمتنا عليهم السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ومشائخ أهل العدل والتوحيد إنكار فقهائهم حجج العقول، والرجوع إليها ~~في متشابه القرآن والأخبار، مثل داود الأصبهاني حيث يقول: بل على العقل ~~والعقول ومن تابعه من الحشوية، وقد قال فيه ابن دريد إلا أن كانت النسخة ~~أعجمية، لم تثبت الأبيات : # قال داود ذو الرقاعة والجهل.... بأن العقول ليست بحجة # ولعمري لعقله ذلك ال.... عقل فما أن يصاب فيه محجة # ثم أصحابه يعومون عوما.... في ضلال وفي عمى وسط لجه PageV01P037 وعلى هذا طائفة من أصحاب الحديث وعوام المتفقهة، ms11 ينكرون الاستدلال بالأدلة ~~العقلية، فأراد الله تعالى بإنزال هذه الآية أن يكشف لنا عن حاجتنا إلى ~~الفزع إلى العقل، ولهذا قوله: ?يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة ~~شيء عظيم..? الآية [الحج: 1] ، على أن المراد به العقلاء دون المجانين؛ لأن ~~العقل دل على أن المجنون لايكون مكلفا، إن كان الحكم الذي يدل عليه الظاهر ~~حكما شرعيا عرف به المراد باستدلال شرعي، من قياس، أو إجماع، أو خبر وارد، ~~وكذلك حكم الخبرين والقياسين إذا تنافيا في الحكم الشرعي؛ عرف المراد منهما ~~بضرب من الاستدلال، فإن تساويا من الوجوه كلها جاز ذلك عندنا ، وكان العالم ~~مخيرا يأخذ أيهما شاء. # ولهذا قال بعض مشائخنا بالتخيير بين المسح للرجل، واستيعابها غسلا، وذهب ~~إلى جميع ذلك الناصر للحق عليه السلام. وبين إفراد الإقامة وبين تثنيتها. ~~وبين رفع اليدين في تكبيرة الإحرام وتسكينهما. وذهب الهادي عليه السلام إلى ~~تسكينهما. وبين الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم والمخافتة. ولايخطأ من فعل ~~بأحدهما. # وقد جمع بعض أصحابنا بين المسح والغسل، وبين الرفع والتسكين، بأن يرفع ~~يديه ثم يرسلهما، ثم يلحق التكبيرة بعد أن يرسلهما. # ولايجوز إذا كان الحكم عقليا التخيير، ومن أصول الدين في التوحيد والعدل، ~~ولابد من أن يكون المراد أحدهما ويجب الرجوع إلى ما فى العقل، وربما كان ~~دليل موجب العلم من أدلة الشرع كالإجماع، وما شاكله، في أن المراد أحدهما. # وقد ذكرنا فيما تقدم أن التكليف على أربعة أضرب، ولم نستوف الكلام فيه ~~وهذا موضع استيفاء بسطه للمتعلم، والورع المتفهم. PageV01P038 # فمن ذلك التكليف في فعل شيء يجب فعله، وهذا على ثلاثة أقسام: قد يكون من ~~أفعال القلوب مثل العلم بالله تعالى، وبأنبيائه، وسائر أصول الدين. وكالعلم ~~بما يحتاج المكلف إليه من الفرائض والسنن. وقد يكون من أفعال اللسان كإظهار ~~الشهادتين، فإن إظهارهما واجب، والتفوه بهما فرض مرة واحدة، وما زاد على ~~ذلك لايلزم ولايجب، إلا عند خوف الاتهام في الشبهة عند من يقول بوجوبه. ~~وكذلك الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم. # وقد يجب ms12 باللسان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عند شروط تحصل، نذكرها: # أول شيء: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من فروض الكفايات، وفروض ~~الكفايات هو الذي إذا قام به واحد سقط عن الباقين، مثل الصلاة على الميت ~~ودفنه، وسد الثغور، والجهاد، وصلاة العيدين عند جماعة من الفقهاء ، وتعلم ~~الفقه للفتيا، والجلوس لتعليم الناس معالم الدين. # وهما واجبان على قدر الطاقة، إذا كان المعروف المتروك فرضا، فإن كان نفلا ~~كان الأمر به نفلا. وكل من رأى منكرا يرتكب، أو فرضا يترك، وجب عليه أن ~~يكره ذلك بقلبه كراهة شديدة، ويظهر ذلك من نفسه إن لم يكن معلوما منه، ~~ويأمر تارك الفرض بالقيام به، ومرتكب القبيح بالانتهاء عنه، فإن لم يتم ~~المراد بالملاينة، وإلا خاشنه، فإن تم بالمخاشنة، وإلا أخذ بالنهي عنه فعلا. # وشروطه: أن يعلم أن المتروك فرض، وليس من مسائل الاجتهاد التي يختلف ~~الفقهاء فيها، وأن يعلم أن المرتكب قبيح، وليس من مسائل الاجتهاد. # ومنها: أن يعلم أن لنهيه تأثيرا أويغلب في ظنه. # ومنها: أن يعلم أن نهيه لايؤدي إلى فساد أكثر مما ارتكب. PageV01P039 # والدليل على وجوبه قوله تعالى: ?ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون ~~بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون? [آل عمران: 104] ، وقال ~~تعالى: ?كانوا لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون? [المائدة: ~~79] ، وقال تعالى: ?وتعاونوا على البر والتقوى ولاتعاونوا على الإثم ~~والعدوان? [المائدة: 2]. # وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في خبر مشهور: « من رأى منكم ~~منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف ~~الإنكار ». # وليس على من رأى مجتهدا يعمل بمسألة من مسائل الاجتهاد أن ينكر عليه في ذلك. # (فلما تصرمت أعمار المطيعين ولم يثابوا، وتقضت آجال العاصين ولم ~~يعاقبوا). # (تصرمت): انقطعت أعمارهم، هذا مأخوذ من التعمير والعمارة، والمعنى: وقعت ~~الفرقة بين الروح والجسد إلى الوقت الذي يوافي الله بينهما، وهو قوله عز ~~وجل: ?وإذا النفوس زوجت? [التكوير: 7] ، وقد روي في ذلك أخبار ليس هذا موضع ذكرها. # (أعمار المطيعين): ms13 هم الذين عملوا بطاعة الله عز وجل، اعتقادا، وقولا، ~~وفعلا، على ما شرطنا من قبل ، حتى جاءهم الموت وهم على ذلك مستقيمون. # وقد روى المؤيد بالله رحمة الله عليه، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم أنه قال: « من كان آخر كلامه لاإله إلا الله دخل الجنة ». ~~ولابد على هذا أن يكون للاعتقاد أجر، وللأفعال أجر من جنس قول: لاإله إلا الله. # (ولم يثابوا): الثواب هو الجزاء على الفعل الحسن، وهو الإيمان، وهو اسم ~~لجميع الواجبات والطاعات، يعبر به عن ذلك وإن اختلف المطيعون لله بأحوالهم، ~~وهو يزيد وينقص، من حيث كانت الواجبات تزيد وتنقص. PageV01P040 # فإن قيل: أفيجوز أن يبلغ ثواب بعض المطيعين أن يكون مكفرا لعقاب بعض ~~الكبائر؟ # قيل له: قد ورد الشرع بما يدل على أن ذلك لايصح، من حيث علق به تعالى ~~الحد، على وجه الجزاء والنكال، فلم يخص مكلفا من مكلف، وكان يجوز من جهة ~~العقل خلاف ذلك، ولو عمر العمر الطويل لقد كان يجوز في ثوابه أن يزيد على ~~قدر عقاب هذه الكبيرة، لكنه قد ثبت بما ذكرنا أنه تعالى لايبقي أحد من هذا ~~القدر من المدة ، وهذا كما نقول: إن المؤمن لو عمر عمرا طويلا لبلغ قدر ~~ثوابه قدر ثواب الأنبياء صلوات الله عليهم لكن الدلالة قد دلت على خلاف ذلك ~~من حاله. # (وتقضت آجال العاصين ولم يعاقبوا)، العقاب: هو جزاء على فعل المعصية ، ~~وهو القبيح، وهو اسم لترك الواجبات واستباحة المحظورات، وإن اختلف العصاة ~~في أحوالهم قولا وفعلا. # فإن قيل: أفيجوز أن يدخل العاصي النار بذنب واحد يختم به عملا صالحا، ~~ويكون ذلك منه مع انقطاع العمر والخروج من الدنيا للموت، وإن عمل أعمال ~~المؤمنين قبل هذا الذنب الواحد في عمره؟ # اعلم أن شيوخ العدل اختلفوا في عقاب الكفار والعصاة، هل يجب من طريق ~~الحكمة، أم لا؟ فعند شيوخنا أن ذلك لايحسن ولايجب، بل يجوز من الله سبحانه ~~أن يغفر، لأن الغفران حقه، وهذا قبل ورود الشرع، فأما الآن فقد ms14 استقر ~~الشرع. وقد أجمع المسلمون على تعذيب أهل الكبائر، وتخليدهم في النار، ~~واختلفوا في الفساق. # وأما عند الهادي عليه السلام فلا خلاف بين من يروي عنه من اليحيوية ~~والقاسمية p> في تخليدهم في النار، وإحباط أعمالهم بذنب واحد. PageV01P041 # وكان قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد الهمداني نفع الله بصالح عمله يرى رأي ~~القاسم ويحيى عليهما السلام في ذلك، ويقول: إن المعصية من حقها أن تعظم ~~لعظم نعمة المعصي، كما تعظم حقوق الوالدين، إذا كانت نعمة عظيمة ، ولانعمة ~~تكون أعظم من نعمة الله تعالى، فيجب عظم معصيته. وقال: إن المعصية والطاعة ~~إذا تساويا فيجب أن يكون العقاب أعظم. # وقد قيل عن بعض من يرفع الحديث إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~لاتنظر إلى صغر الذنب، وانظر إلى عظم من عصيت ». # وقد يحسن ذم العاصي بالمعصية على الدوام، وإنما هذه المسألة تسأل عنها ~~الملحدة، فأما من صدق بالرسل فلا بد من أن يقر بما قلنا، والعقل قد دل على ذلك. # وطريق الحجة في تخليد الفساق في النار من الكتاب، قال تعالى: ?ومن يعص ~~الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها? [النساء: 14] ، ولاحجة لمن ~~قال: إن الفاسق لم يتعد كل الحد. # قوله: (وجب على قود التوحيد، واطراد الحكمة أن دارا غير هذه الدار يثاب ~~فيها المطيعون، ويعاقب فيها المسيئون). # (وجب): لزم. (على قود التوحيد): حقيقة. # اختلف شيوخ العدل في خلق العالم وإقامة التكليف هل كان يجب ذلك من طريق ~~الحكمة على الله، أم لا؟ فذهب شيوخنا رحمهم الله تعالى إلى أن ذلك كان حسنا ~~في الحكمة، ولم يكن واجبا، وإنما يجب على الله تعالى إذا أراد التكليف ~~إعطاء القدرة، والآلة، والعقل، وإقامة الدلالة، والإثابة عند القيام ~~بالطاعة. # وذهب بعض شيوخ العدل إلى أن التكليف وخلق العالم كان واجبا. PageV01P042 # (واطراد الحكمة): استمرار العالم على ما هو عليه من عوائد وفوائد ومصالح ~~بعضه في بعض، ومنافع بعضه من بعض، حكمة متقنة، وصنعة محكمة، لايعقلها إلا ~~العالمون، سبحان من دلنا به عليه، وعرفنا ms15 إياه فيه، ولطف بنا حتى علمنا ~~جميع معانيه بالعقل الذي أعطاناه، فاستعملناه على الوجه الذي أراده حتى ~~قصدناه. # وقد ورد السمع بتحقيق دار غير هذه الدار، كان العقل قد حكم بها لمن أطاع ~~ولم يعط أجره على الطاعة حتى فارق الدنيا، وهو منتظر للآخرة، وحكم بها لمن ~~عصاه ولم يعاقب على ما استباح من حمى المحارم، وإغماض المظالم، وفارق ~~الدنيا ولم يرز في نفسه لأجل ذلك، وبين الله تعالى ذلك في الوعد والوعيد، ~~?وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم ~~خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا ~~قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا ~~جاؤها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين? ~~[الزمر: 70 71] ، وفي القرآن كثير من نظائر هاتين الآيتين، على حقيقة دار ~~الآخرة، قوله: ?قل متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى ولايظلمون فتيلا? ~~[النساء: 49]. # (وهذه أمور أوجبتها الفطرة، واستحقت بالإيمان). # الأولى أن يكون قال [الإمام الهادي] عليه السلام: أوجبتها الفكرة. لأن ~~المتفكر في هذه الأمور لما نظر وتفكر علم أن هذا واجب على الله تعالى، وهو ~~مذهبه عليه السلام. PageV01P043 # ومعنى الفطرة هو ابتداع الأشياء الأولية، التي برأها الله أصولا للبرية، ~~وقد يجيء على هذا المعنى الفطر من الأصول لبعض الفروع، على مقتضى اللغة ~~العربية. وقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: « كل مولود يولد على الفطرة ». ~~وهو الأصل هاهنا الذي ركبه الله تعالى عليه من الطهارة. # (واستحقت بالإيمان) هذه التاء راجعة على دار الآخرة، التي استحق فيها ~~المؤمن الجنة بعمله الصالح، والإيمان هو ما ذكرنا أولا في هذا الفصل، فلا ~~وجه لإعادة ذكره هاهنا. # (وقليل من تقررت المعرفة في قلبه إلا باستقرار أولها، وشهادة بعضها على ~~بعض، وتضمين كل شيء منها ما قبله وبعده، واستطراد ذلك كله في العقول). # صدق عليه السلام، إن ms16 من تقررت المعرفة في قلبه قليل، لأن المعرفة عند أهل ~~النظر: سكون النفس إلى ما تعتقده وتعرفه لاعلى سبيل التقليد ولا الضرورة، ~~والمعلوم أن من شاهد جسما اقتضت مشاهدته له العلم به، وبهيئته على ماهو به، ~~فسكنت النفس إلى ذلك، وليس الظن يوجب العلم، ولا الشك ولا التقليد في ~~المعقولات. PageV01P044 # ثم استثنى عليه السلام: (إلا باستقرار أولها). (الهاء) راجعة على الأصول، ~~لا على المعرفة، لأن الأصول يشهد بعضها على بعض في الحدوث، وكذلك (يتضمن كل ~~شيء منها ما قبله وما بعده). يريد عليه السلام أنما لزم الفرع من الحدث، ~~لزم الأصل مثله. ثم قال مبينا لذلك ومنبها عليه: (واستطراد ذلك كله في ~~العقول). لأن هذا في العقل مطرد أنما لزم الولد في الحدوث لزم الوالد، ~~وكذلك الثمرة والورقة ما لزمها لزم أصل الشجرة في الزيادة والنقصان، قال ~~الله عز وجل: ?فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج? ~~[الحج: 5] ، عادة أجراها الحكيم، وشهادة أراناها الرحمن الرحيم، وأن الشيء ~~يعرف بالمشاهدة إذا أدرك بالبصر، وغيره علم على الوجه الذي هو عليه، ولولا ~~ذلك ما عرف، فهذا طريق معرفة الشيء المشاهد. # وماكان يعرف اضطرارا فإن ذلك يكون عند سبب في القلب على وجه لايمكن دفع ~~ذلك عن النفس، وقد يكون عند تقدم علم بأحوال المشاهدات، إما وصف بالحدوث ~~أوالقدم. والمعرفة: نور في قلوب العارفين. # أول الفصل الثاني في غير الأول. # (فلما كان ذلك كذلك). # يريد عليه السلام لما أن كانت المعرفة بالله لاتحصل إلا من قبل النظر ~~والاستدلال بالعالم المشاهد، ثم يقع التميز بالعقل، فهذا معنى قوله: فلما ~~أن كان ذلك كذلك. # (كان في ضرورة العقل الا سبيل له إلى علم كيفية الطاعة دون الخبر من عند ~~المنعم بكيفية الطاعة، إذ لايمكن الخبر من عند الله ملاقاة لله). PageV01P045 # (كان في ضرورة العقل): أي أن العقل الذي في العقلاء من خلق الله تعالى ~~ابتداء، وبه كمال النعماء كالشمس والنار والقمر والنجوم وسائر الأنوار حجة ~~من العزيز الجبار، ونعمة يتوصل بها ms17 إليه، ورحمة يستدل بها عليه، يستصبح ~~بنوره من ظلام الجهل من استصبح، ويستفتح به باب كل خير من استفتح. # واعلم أن العقل في اللغة مأخوذ من عقال البعير، وقد عقل الله الإنسان ~~المكلف به من جميع القبائح التي كرهها له تعالى. # (الا سبيل له إلى علم كيفية الطاعة). أي لاطريق إلى كيفية الطاعة ~~المشروعة التي لامدخل للعقل فيها، خلافا للباطنية ومن نحا نحوهم من ~~الملحدة، والبراهمة، والفلاسفة، والعقل يحكم بصحتها على مانبينه فيما بعد ~~إن شاء الله تعالى. # (دون الخبر من عند المنعم بكيفية الطاعة). وهذا رد على البراهمة، ومن ~~لايرى الوسائط ولايقول بها، وينفي أن يكون الله تعالى أرسل رسلا إلى ~~المكلفين، وأوضح لمن نظر وتفكر في الأدلة واعتبر، وهي: العقل، والكتاب، ~~والرسول، وإجماع من إجماعه حجة عليه وعلى غيره. (إذ لايكون الخبر من الله ~~ملاقاة لله)، والعقل يمنع من ذلك، ولانعرض على ما يقوله كلام البراهمة في ~~تجويز الخبر إلى الكل، ولنا في هذا عليهم حجة ليس هذا موضع ذكرها، لأنه لما ~~ثبت أمر بشيء وجب على الآمر تبيينه للمأمور وإزاحة علته، ولايكون إلا بواحد ~~مخصوص بأمر مخصوص، على صفة مخصوصة، ولو لم يكن كذلك لكان قوله تعالى: ~~?فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولاتكفرون? [البقرة: 152] ، يتناول من شكر ~~الشاكر ما تفوه به، وإن خالف شكر غيره، لما منع العقل من المشافهة، وثبت ~~ألابد من إيصال خبر مخصوص، إلى واحد من جنس المأمورين به، لأن ذلك أقرب إلى ~~التصديق، وأوجب على التحقيق من أن يكون صاحب الخبر من غير جنس المخبر، ~~ولايلزم على ذلك أن يقول المعترض: وما صح لجبريل وميكائيل وغيرهما من ~~الملائكة عليهم السلام من الله في الخبر يصح لغيرهم من رسل الأمم، وقد بينا ~~ذلك في كتاب (الرسالة). PageV01P046 # (فإذا علم أن الخبر لايمكن من الله مشافهة لله، علم أن خبر الطاعة لايمكن ~~إلا برسول من عند المنعم بائن من البشر في أعلامه وفعاله). # الكلام في إثبات النبوة في هذا الفصل أولى من الكلام في خبر الطاعة ~~المتصل ms18 إليه من عند المنعم ليثبت مراده تعالى، وكذلك الكلام في دلالة الصدق ~~أين يضعها الحكيم، لأنه يقبح من الحكيم أن يضع دلالة الصدق على أيدي ~~الكذابين، وأن يرسل رسالته مع المتهمين، وقد ثبت في العقل أن الشريعة من: ~~قول، وفعل، فرع لاتصح إلا بعد معرفة الشارع، والخبر الذي يأتي به الرسول ~~لايصح حتى يعلم الرسول ويعرف، ويتميز من غيره بصفة زائدة يبين بها عن الغير. # (فمن هاهنا لزم البالغ المدرك أن يعلم أن لله رسولا لامن قبل أخبار ~~الناقلين). # أن يعلم أن لله رسولا ليس بتواتر النقل والأخبار، في قيام الرسول ~~المختار، بل بالتحدي والدعاء، وإظهار المعجز حين أتى، والصبر على المحن ~~والبلاء، وفراق الأقارب والأوطان، وشقاق الصاحب والإخوان. # (فلما لم يجز إلا بعثة الرسل، وكانت الرسل من البشر، وفي مثل تركيب ~~المبعوث إليهم، وعبادا لله مثلهم، لم يجز تصديقهم على الله إلا بدلالة ~~بينة، وحجة قاطعة، يعلم الخلق بعجزهم عنها، أن الله تولى ذلك على أيديهم). # (فلما لم يجز). أي: لم يجب، لأن الجائز غير الواجب، وقد يعبر به عنه على ~~تعارف اللغة في مجاز الكلام. # (إلا بعثة الرسل). على مابينا أولا من أنه يجب على الله أن يبين لعباده ~~مراده من الطاعة، وينصب عليها دليلا على لسان واحد من جماعة. وهو قوله عليه ~~السلام: (وكانت الرسل من البشر، وفي مثل تركيب المبعوث إليهم)، لتكمل له ~~بذلك الحجة، ويبين لهم المحجة. # (وعبادا لله مثلهم). في الخلق والصورة، لئلا يقع التلبيس والشك، وتنتفي ~~الشبهة عنهم بمن هو مثلهم ومنهم. PageV01P047 # (ولم يجز تصديقهم على الله إلا بدلالة بينة، وحجة قاطعة يعلم الخلق بعجزهم ~~عنها أن الله تولى ذلك على أيديهم)، عجزوا عن الاتيان بمثل ما أتت به الرسل ~~من عند الله، ووقفوا وقوف الحسير في المدرجة ، ولم يقم لهم والحمدلله على ~~الرسل حجة. # (فجاءت الرسل بالآيات التي ليس في قوى الخلق المجيء بمثلها، فوجب تصديقهم ~~على الله بعد الحجة والبينات). # الآيات التي جاؤا بها مثل قلب العصا حية لموسى، وإحياء الموتى، ms19 وإبراء ~~الأكمه والأبرص لعيسى صلوات الله عليهما. ومثل: تكثير الماء لنبينا محمد ~~صلى الله عليه وآله وسلم تسليما، ومثل حنين الجذع، ومثل تكثير الطعام ~~اليسير حتى يشبع منه الجم الغفير والعدد الكثير، وغير ذلك مما لايسع كتابنا ~~شرح ذلك، من حديث مصارع أهل بدر، وحديث الاستسقاء، مع ادعائه النبوة قبل ~~إظهاره لهذه الأشياء، وقد اتفق المسلمون مع اختلاف مذاهبهم وتباعد ديارهم ~~وتضليل بعضهم بعضا على صحة ذلك. # فأجمعوا على أنه صلى الله عليه وآله وسلم وضع يده في ميضأة ففار الماء من ~~بين أصابعه (ص) حتى استقى منه وتوضأ ورووا منه جميعا أيضا. # وأنه كان يخطب إلى جنب جذع قبل أن ينصب المنبر، فلما نصب وتحول النبي صلى ~~الله عليه وآله وسلم، حن الجذع كما يحن الفصيل، حتى التزمه النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # ورووا أنه [صلى الله عليه وآله وسلم] يوم الخندق دعي إلى طعام يسير، فأكل ~~منه الجم الغفير، والعدد الكثير. PageV01P048 # ومن معجز نبيئنا صلى الله عليه وآله وسلم القرآن ، الذي لم تأت العرب بمثله ~~حين تحداهم أن يأتوا بسورة من مثله، مع فصاحتهم وشدة معارضتهم له، وتكذيبهم ~~واستخفافهم بحقه، فاستمر له ذلك مع كراهة العرب لما دعاهم إليه، وحدة ~~شوكتهم، وكثرة عددهم، وامتناعهم في مملكتهم، فلم يمنعه ذلك من تكرير القول ~~عليهم، وفيهم الفصاحة والبلاغة وكانوا يتفاخرون بها ويرونها من أشرف ~~المناقب، وأفخم المآثر، فكفوا عن معارضته، وأمسكوا عن مجاوبته عجزا، وكانوا ~~حراصا على توهين أمره، وإطفاء نوره، وتكذيبه في دعواه، ولم يمكنهم أن يأتوا ~~بسورة على فحواه؛ لأن ذلك كان أيسر عليهم من القتال، وسفك الدماء وأخذ ~~الأموال، فتعذر الإتيان بمثل القرآن على كافة العرب، فوجب بهذا أن القرآن ~~ليس منه صلى الله عليه وآله وسلم، ولا من إبداعه ، لأنه كان رجلا من العرب ~~يتكلم بلغتهم، ولايجوز أن يتكلم رجل بلغة أهل إقليم بما يبلغ ألف ورقة أو ~~أقل من ذلك، ثم يعجز أهل الإقليم عن معارضته بقدر ورقة واحدة، وإنما يظهر ~~فضل الفاضل بالجمل ms20 دون التفاصيل، ألاترى أن من ليس في درجة امرء القيس ~~والنابغة في الشعر، ولا في درجة قس بن ساعدة ، ولاسحبان بن وائل في الفصاحة ~~قد يتأتى منه فصول تشبه كلام هؤلاء، ويلتبس على السامعين من العلماء حاله، ~~حتى يظن أنه من كلامهم. # فثبت أن القرآن في نفسه آية معجزة، ودلالة غالبه قاهرة، وأن العرب عجزت ~~عنه؛ لأن في القرآن من الفصاحة مالايتأتى من البشر بلوغها، وأن الله تعالى ~~صرف هممهم عن المعارضة، وقهر طبائعهم ولزم دواعيهم عنه، فهو دلالة كافية، ~~ومعجزة شافية، ولهذا قال الله تعالى: ?أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب ~~يتلى عليهم? [العنكبوت: 51] ، وقال تعالى: ?قل لئن اجتمعت الإنس والجن على ~~أن يأتوا بمثل هذا القرآن لايأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا? ~~[الإسراء: 88]. PageV01P049 # وقد أتى النبي صلى الله عليه وآله وسلم بنقيض العادة، ولايكون الناقض ~~للعادة إلا إلهيا سماويا. والموهم للعادة لابد فيه من ثلاثة أشياء: من تعلم ~~علم النجوم والتاريخات، والشعبذة وما جرى مجرى ذلك. # والثاني: إعداد الآلات لهذا الشأن، لأن أهل هذه الصناعة لايتأتى منهم ~~إظهار أعجوبة إلا بآلة. # والثالث: المواطأة بينه وبين غيره. # وهذه الأشياء لايجوز أن يتعاطاها رجل في عشرين سنة ثم لايظهر شيء ~~للناس، ولايوقف منه على جانب، فثبت أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لم ~~يكن متعاطيا لهذا الجنس من هذه العلوم، ولامعدا لشيء من هذه الآلات، ولا ~~مواطيا لغيره، وثبت أنما ظهر عليه لم يكن من جنس التمويه والشعبذة، وثبت ~~أيضا بما قد مضى أنه لابد من إظهار ما يكون حجة أو شبهة، فإذا بطل كون ما ~~أظهر شبهة، لم يبق إلا أنه أظهر حجة ناقضة للعادة، وأنه عليه السلام كان ~~صادقا فيما ادعاه. # (فمن أدرك أزمنتهم، وشاهدهم في عصورهم، وقامت عليه حجتهم؛ لزمه الإقرار ~~بهم، والتسليم لأمرهم، والقبول لماجاؤا به، والديانة لمادعوا إليه ، وسقط ~~عنه كثير من الكلفة في تمييز الأخبار ، وامتحان الناقلين). PageV01P050 # وقد صح عندنا وتواتر ذلك لدينا، أن قوما صدقوا محمدا صلى الله عليه وآله ms21 ~~وسلم فيما جاء به من عند الله، ممن أدرك زمانه، وشاهده في عصره، وقامت عليه ~~حجته وسلموا لأمره، وقبلوا ودانوا لدعوته، وهاجروا معه، وهجروا الآباء ~~والأولاد، وقوما كذبوا ونصبوا له الحرب فحاربهم بمن تبعه، حتى استقاموا ~~وأجابوا صاغرين، وندموا على ما كان منهم عندما انكشف لهم حال الدين، ~~وجاهدوا في الله رب العالمين كل من طعن في دين المسلمين، وشاع الإسلام، ~~واتسق النظام، وعرف الحلال والحرام، وذهب الاستقسام بالأزلام، وخبت حمية ~~الجاهلية، وكانت كلمة الله هي العليا وكانت الكلفة في تمييز الأخبار مع ~~نزول الوحي ساقطة، وامتحان الناقلين غير سائغ مع ظهور الواسطة. # (وبحسب ما قامت عليه الحجة كلفه الله الذب عن دينه، والقيام بحجته). # وأي ذب ذبوا عن الدين، لما تيقنوا وعرفوا حجة رب العالمين، فجزاهم الله ~~على ذلك عنا خيرا وأكمل لهم رحمة وأجرا، فلقد صبروا وآووا ونصروا، وأثنى ~~الله عليهم في كتابه، وخصهم برحمته وثوابه، فهم المهاجرون والأنصار، ~~والخلفاء والأوزار، رضي الله عنهم ورضوا عنه، وأعد لهم جنات النعيم. # (ومن تراخت به الأيام عن لقائهم، وكان في غير أعصارهم، كانت الحجة عليه ~~في معرفتهم، والقبول لماجاؤا به، والديانة لما دعوا إليه؛ تواتر الأخبار ~~التي في مثلها يمتنع الكذب ولايتهيأ بالاتفاق، ويكون سامعها مضطرا في فطرته ~~إلى أن ناقليها لايمكن مثلهم الكذب، ولا التواطؤ على مقالة، كقوم مختلفي ~~الأجناس، متبايني الديار، متقطعي الأسباب، متفاوتي اللقاء، متراخي الأزمنة، ~~ينقلون خبرا واحدا متسق النظام، محروسا من الغلط، محصنا من الوهم). # (من تراخت به الأيام عن لقائهم)، يعني: من امتدت به الأيام وهو مأخوذ من ~~الرخاء، وكذلك يقال: عيش راخ أي ممدود واسع. PageV01P051 # (وكان في غير أعصارهم)، الأعصار: جمع عصر، وهو وقت من الزمان. # (كانت الحجة عليه في معرفتهم)، معناه: أنه كان الواجب عليه أن يعرفهم من ~~طريق العلم لا من طريق المشاهدة، وأن يقبل ماجاء به لا على جهة التقليد، ~~ويدين الله بما دعوا إليه، والحجة في ذلك: (تواتر الأخبار التي في مثلها ~~يمتنع الكذب ولايتهيأ بالاتفاق) في مثلها الخبر ms22 إذا تواتر من ثقة إلى ثقة، ~~لأنا قد قلنا فيما تقدم أن حكما شرعيا عرف فيه المراد باستدلال شرعي من ~~قياس أو إجماع أو خبر وارد، وكل خبر عرف المراد منه بضرب من الاستدلال قضي ~~بصحته في مسائل الفقه مع النظر ، فأما في الأصول فلايقبل خبر الواحد، ~~ولايوجب العلم، لأن الأصول هي ما شهد لها العقل الذي هو حجة الله تعالى ~~العظمى، ودلالته الكبرى لايحتمل التعارض والنسخ، والتأويل، والصرف من وجه ~~إلى وجه، والاتساع، والمجاز. # وما اقتضاه سهل اللغة من خبر الواحد، وحكم به العقل مع النقل المتواتر صح ~~قبوله والعمل به في الفروع دون الأصول، فهذا الذي ذكره عليه السلام (يمتنع ~~من الكذب ولايتهيأ بالاتفاق)، أي: هذا الخبر الذي لايصح على هذه الصفة، لو ~~اتفق عليه جماعة لم يتهيأ على هذا الشرط الذي شرطناه في تواتر النقل. # (ويكون سامعها مضطرا في فطرته)، كامل العقل ممن لايعرف منه السهو ولا ~~الغلط، ضابطا ورعا عفيفا متدينا ، ينقل الخبر على وجهه عمن سمعه منه، يتحرى ~~الزيادة والنقصان فيه. # (إلى أن ناقليها لايمكن مثلهم الكذب، ولا التواطؤ على مقالة)، يعني من ~~أسند إليه من أخبره به ليصح سنده، ويدخل في نظام المسندين إلى رسول الله ~~صلى الله عليه وآله وسلم >. PageV01P052 # ثم شبههم عليه السلام بقوم (مختلفي الأجناس)، كعربي وعجمي، (متبايني ~~الديار)، كأهل الشام واليمن، وغيرهما من الجهات، (متفاوتي اللقاء)، متفاوت ~~لقاهم لبعد المسافة بينهم، ولكثرة الأخطار (متقطعي الأسباب)، ليس بينهم ~~قرابة ولا جوار ولاصحابة، (متراخي الأزمنة)، امتد الزمان بينهم، فمتقدم ~~ومتأخر، (ينقلون خبرا واحدا متسق النظام)، هو مثل ضربه بالخيط المنظوم به ~~الخرز، أي أن هذا الخبر متسق الرواة إلى الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ~~وإن لم يروه إلا واحد عن واحد على الشرط الذي شرطناه، (محروسا من الغلط)، ~~لايغلط الراوي فيه، (محصنا من الوهم) غير متوهم فيه. # (ولعله يخرج في مال أحدهم وبدنه لايعارضهم فيه معارض بتكذيب، قد كاد ولما ~~أن يكن عيانا ). # هذا الكلام فيه تقديم وتأخير، وترتيبه: قد كاد ms23 يخرج في مال أحدهم وبدنه ~~لايعارضهم فيه معارض بتكذيب، ولعله أن يكون عيانا. هذا أولى في الكلام، ~~وأبلغ في التمام، وأكثر اتساقا عند النظام الذي أشار إليه هذا الإمام عليه ~~السلام، لأن الراوي العدل يروي الخبر ولو خرج في نفسه وماله، وأشفى منه على ~~الهلكة من الظالم، وهو قوله عليه السلام: قد كاد ولما أن يكون عيانا، لأن ~~الأخبار المروية عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أربعة أقسام: # خبر متواتر من جهة اللفظ والمعنى، معلوم منهما جميعا، وذلك كالخبر المروي ~~في ركعتي الفجر في صلاة الفجر، وفي وجوب خمسة دراهم عند تمام النصاب. PageV01P053 # والقسم الثاني: متواتر من جهة اللفظ، والمعنى مختلف فيه، كقوله عليه ~~السلام: « من كنت مولاه فعلي مولاه » ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لانبي بعدي » ، فلفظ هذا الخبر منقول ~~متواتر، ومعناه مختلف فيه، فهذان القسمان يقبلان في أصول الدين وفروعه، ~~وهما كآية من القرآن في كونهما حجة، وإليهما أشار عليه السلام في جرح البدن ~~والمال من الراوي. # والقسم الثالث من الأخبار: هو الخبر المستفيض وهو الظاهر عند كثير من ~~الفقهاء. # والقسم الرابع: خبر الآحاد، فهذان القسمان يقبلان في الفقهيات والفروع، ~~ولايقبلان في الأصول. والذي يدل على أنهما يقبلان في الفروع إجماع الصحابة ~~على قبول خبر الواحد، كقبولهم خبر عبد الرحمن بن عوف في جزية المجوس ، ~~وكقبول خبر أبي بكر في إعطاء الجدة السدس ، ما روي في ذلك. وروي عن أمير ~~المؤمنين علي عليه السلام أنه قال: كنت إذا سمعت من رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم شيئا نفعني الله بما شاء ، فإذا سمعته من غيره حلفته فإن ~~حلف صدقته، وحدثني أبو بكر وصدق أبو بكر. # وكقبول خبر: حمل بن مالك في جنين المرأة ، وقبول هذا النوع ظاهر عندهم، ~~فصار هذا أصلا في قبول خبر الواحد في الفروع، ويدل على ذلك أيضا أن النبي ~~صلى الله عليه وآله وسلم كان يبعث السعاة والعمال إلى النواحي، ويأمرهم ~~بأخذ الصدقات ms24 وسائر الحقوق. PageV01P054 # ويدل عليه أيضا خبر معاذ بن جبل حين بعثه النبي صلى الله عليه وآله وسلم ~~واليا على اليمن وقال له: « بم تقضي » ؟ قال: بكتاب الله. قال: « فإن لم ~~تجد » ؟ قال: بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . قال: « فإن لم تجد ~~» ؟ قال: أجتهد رأيي. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « الحمدلله الذي ~~وفق رسول رسول الله لماوفق له رسول الله ». فدل هذا الخبر على مسائل من ~~أصول الفقه، منها: # قبول خبر الواحد، لقول معاذ: أقضي بسنة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فدل ذلك على أنه إذا أخبر أهل اليمن بسنة رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم جاز لهم قبولها. # ودل الخبر أيضا على أن الاجتهاد والقياس جائز. # ودل أيضا على أن الاجتهاد جائز في حياة رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، ولايجب عليه مراجعة النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلبا للنص على ~~المسألة. # ودل أيضا على أن غلبة الظن له حكم مع القدرة على العلم، لأن الغائب عنه ~~عليه السلام إذا رجع إليه ظفر بالنص الموجب للعلم، وجاز له مع ذلك أن يقتصر ~~على الاجتهاد. # والذي يدل على أن هذا الجنس من الأخبار لايقبل في الأصول، وجوب اعتبار ~~العلم فيما يتعلق بالأصل، وفساد اعتقاد الشيء مع تجويز خلافه، وخبر الواحد ~~لايوجب العلم، وإنما يحصل عنده غلبة الظن، والذي يدل على الفرق بين الأصول ~~والفروع التي تتعلق بالعبادات والتحليل والتحريم إجماع العلماء على قبول ~~قول الرسول إذا جاء بالهدية، وإن كانت جارية مملوكة، أو مالا عظيما، وكان ~~الرسول غير عدل، ولايحل مثل هذا في الأصول. PageV01P055 # (وقد تجيء بين ذلك أخبار بعضها مستحيل كونه في العقول، ويبعد أن يجيء ~~بمثلها رسول، لما فيها من الكذب والزور، ولن تجيء هذه الأخبار مجيء إجماع ~~أبدا، وإنما سبيلها الشذوذ، والغلط في التأويل، وفي معرفة مخرج الخاص من ~~العام، وفي معرفة المحكم من المتشابه). # وقد ذكرنا شروط الصحيح من الأخبار، وأما المستحيل من الأخبار، فكمثل ~~ماروت العامة ms25 من الأخبار المستحيلة في العقول كذبا وزورا على الرسول. # قالت الحشوية: إن معبودهم في صورة شاب أمرد. # ومثل مارووا أن الله تعالى أجرى الخيل فخلق نفسه من عرق الخيل. # ومثل مارووا: رمدت عين الرب فعادته الملائكة. # فهذا الضرب من دسيس الملحدة ووضعهم، فإنهم كانوا يقصدون الإفساد على ~~المسلمين بهذا الجنس. # وروي عن بعض الملحدة أن السلطان كان أمر بقتله، فقال: افعلوا ماشئتم فقد ~~حللت لكم الحرام، وحرمت عليكم الحلال، ودسست عليكم في أحاديثكم أربعة آلاف حديث. # وعلى هذا روي عن بعض كبار أصحاب الحديث أنه قال: نصف الأحاديث كذب. PageV01P056 # وروي عن عمر أنه كان ينكر على أبي هريرة كثرة الروايات عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، وقال: لتتركن الرواية عن رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم أو لأنفينك إلى جبال دوس. # وفيما روي مثل الشاذ والغلط في تأويله أنه يجاء بجهنم من مكان إلى مكان، ~~وأن الله على عرش، ويقولون العرش السرير. # ورووا أخبارا شاذة، في مثل ذلك، من المجيء، والنزول، والذهاب، والبعد، ~~والافتراق، والاستواء، والنظر، وخروج ناس من النار، وقد صاروا فحما وحمما. # وهو كما قال عليه السلام: (سبيلها الشذوذ والغلط في التأويل). # (وفي معرفة مخرج الخاص من العام) ما روي عنه صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~أصحابي كالنجوم ». # وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: « إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن ~~تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف الخبير نبأني ~~أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ». # عموم يحتاج إلى تخصيص، وجملة تحتاج إلى تفسير. « علي أقضاكم » « أبي ~~أقرؤكم ».. « أعرفكم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ».. « ما أقلت الغبراء ~~ولا أظلت الخضراء على ذي لهجة أصدق من أبي ذر الغفاري » ، وقوله صلى الله ~~عليه وآله وسلم: « يد الله مع الجماعة » ، ومن هذا القبيل من الأخبار كثير ~~لانأتي على شرحه في كتابنا هذا، ولانشرح تفصيل هذه الأخبار، لأنها مشروحة ~~عند أهل العدل والتوحيد، بخلاف من حملها على ظاهرها واحتج بها على مخالفه. ms26 PageV01P057 # (فمن هذه الأخبار ما هو في أصله منسوخ، ومنها ما هو في مخرجه عام، وفي ~~معناه خاص، ومنها متشابه يحتاج إلى بيان، ومنها ما حفظ أوله ونسي آخره، ~~ومنها ما روي مرسلا بلاحجة فيه، ولا تبيان لمتدبر به). # فبين عليه السلام أن الأخبار التي تحتاج إلى معرفة أحوالها وأحوال رواتها ~~على ستة أوجه عنده (ع). # فالمنسوخ، مثل خبر شاة سودة بنت زمعة، حيث روت: « هلا انتفعتم بإهابها ». # وروى غيرها: أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال قبل موته بشهر: « ~~لاتنتفعوا من الميتة بشيء ». ومثل هذا من الأخبار كثير. # ومنها ما هو في مخرجه عام وفي معناه خاص، مثل خبر أبي ذر. # ومنها: متشابه يحتاج إلى بيان، مثل قوله صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~لاتنتطح فيها عنزان ». # « ومن فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه » ، « من فارق ~~الجماعة مات ميتة جاهلية » ، « من سره أن يسكن بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة ». # وأما ما حفظ أوله ونسي آخره فكثير، ولقد قال أمير المؤمنين علي عليه ~~السلام في غير موضع واحد عند تقريره على من خالفه: حفظت ونسيتم، « ألا وإن ~~بليتكم قد عادت كهيئتها يوم بعث الله نبيه، والذي بعثه بالحق نبيا لتبلبلن ~~بلبلة ، ولتغربلن غربلة، ولتساطن سوط القدر ، حتى يعود أسفلكم أعلاكم، ~~وأعلاكم أسفلكم، وليسبقن سابقون كانوا قصروا، وليقصرن سابقون كانوا سبقوا ، ~~والله ماكتمت وشمة ، ولاكذبت كذبة، ولقد نبئت بهذا المقام قبل هذا اليوم ». PageV01P058 # وأما المرسل بغير حجة فهو ما قد ذكره أصحاب الحديث في كتبهم، وانتخبوا من ~~الأحاديث، فيما قد كتبوه في كتابين وسموها الصحيحين صحيح البخاري واسمه ~~محمد بن إسماعيل الجعفي البخاري، والثاني صحيح أبي الحسين مسلم بن الحجاج ~~القشيري، ورفضا باقي الأخبار غير ما في كتابيهما وسمياهما الصحيحين، ~~وجعلاهما على الأبواب لا على التراجم. # والفرق عندهم بين الأبواب والتراجم أن التراجم شرطها أن يقول المصنف: ذكر ~~ما روي عن فلان من الصحابة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويترجم ~~على هذا المسند فيقول: ذكر ms27 ما روى قيس بن أبي حازم عن فلان يعني أبا بكر، ~~فحينئذ يلزمه أن يخرج كلما روي عن قيس عن أبي بكر صحيحا كان أو سقيما. # فأما تصنيف الأبواب عندهم، فإنه يقول: ذكر ما صح وثبت عن رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم في أبواب الطهارة، والصلاة، أوغير ذلك من العبادات، ~~فعلى شرطهم لايبلغ عدد الأحاديث على ذلك عشرة آلاف حديث، فكيف يقال: لايبلغ ~~حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عشرة آلاف حديث، وقد رووا بالاتفاق ~~أنه روي عنه الحديث من أصحابه أربعة آلاف رجل وامرأة صحبوه نيفا وعشرين سنة ~~بمكة قبل الهجرة، وبالمدينة بعد الهجرة، حفظوا عنه أقواله، وأفعاله، ~~واجتهاده، وعبادته، وسيرته، ومغازيه، ومراحله، وخطبه، وملاعبته أهله، ~~وتأديبه فرسه، وكتبه إلى المسلمين والمشركين، وعهوده، ومواثيقه صلى الله ~~عليه وآله وسلم، وألحاظه، وألفاظه، وصفاته. PageV01P059 # فهذا سوى ما حفظوا عنه من أحكام الشريعة، وما سألوه من العبادات والحلال ~~والحرام، وتحاكموا فيه إليه، وقالوا: إنه كان يسير العنق، فإذا وجد فجوة ~~نص، وأنه كان يغط إذا نام ، وأنه مازح صبيا فقال: ياعمير ما فعل النغير، ~~ومازح عجوزا فقال: إن الجنة لايدخلها عجوز، وأنه كان صلى الله عليه وآله ~~وسلم يرفع الحسنين برجليه فيقول: حزقة حزقة ترق عين بقة، وأنه شرب وهو ~~قائم، وأنه بال وهو قائم من جرح كان بمأبضه، وأخبار كثيرة من هذا النوع ~~يطول شرحها. # (ومنها مادلس على الرواة في كتبهم). # ذكر عن الحاكم أبي عبد الله أنه كان يحفظ خمسمائة ألف حديث. # وكان أحمد بن حنبل يقول: صح من الحديث سبعمائة ألف حديث. # ذكر عن أبي زرعة ستمائة ألف حديث. # رووا أن إسحاق بن راهويه يملي سبعين ألف حديث حفظا. # وكان أبو العباس أحمد بن محمد بن سعيد الحافظ [ابن عقدة] يقول: أحفظ لأهل ~~البيت عليهم السلام ثلاثمائة ألف حديث. PageV01P060 # فمن التدليس ما اشتهر به ما رفع عن محمد بن سعيد ، عن حميد، عن أنس أن رسول ~~الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: « أنا خاتم ms28 الأنبياء لانبيء بعدي إلا أن ~~يشاء الله ». فقالوا: وضع هذا الاستثناء لما كان يدعو إليه من الإلحاد ~~والزندقة والدعوة إلى المتنبي، وقيل إنهما كانا شاعرين مشعبذين قتلهما خالد ~~بن عبد الله القسري وأحرقهما بالنار. # أخبرني إسماعيل بن أحمد الجرجاني، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا عمار ~~بن رجاء، عن سليمان بن حرب قال: دخلت على شيخ وهو يبكي، فقلت له: مايبكيك؟ ~~قال : وضعت أربعمائة حديث كذبا وجعلتهما في تاريخ الناس فلا أدري كيف أصنع. # ودخل غياث بن إبراهيم على المهدي، وكان يعجبه الحمام الطيار الذي يجيء من ~~البعد، فقال: بعد أن أسند حديثا يرويه عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~لاسبق إلى في خف، أو حافر، أو نصل، أو جناح ». وأمر له بعشرة آلاف درهم ~~فلما خرج قال المهدي: [أشهد أن قفاك قفا كذاب]. PageV01P061 # قال أخبرنا الزبير بن عبد الواحد الحافظ، قال: حدثنا إبراهيم بن عبد الواحد ~~البلدي، قال: سمعت جعفر بن محمد الطيالسي يقول: صلى أحمد بن حنبل ويحيى بن ~~معين في مسجد الرصافة، فقام بين أيديهما قاص فقال: حدثنا أحمد بن حنبل ~~ويحيى بن معين، قالا: حدثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، عن ~~أنس، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « من قال لا إله إلا ~~الله خلق الله من كل كلمة منها طيرا منقاره من ذهب، وريشه من مرجان.. »، ~~وأخذ في قصة نحوا من عشرين ورقة، فجعل أحمد بن حنبل ينظر إلى يحيى بن معين ~~ويحيى ينظر إلى أحمد، فقال: أنت حدثته بهذا، فقال: والله ماسمعت به إلا هذه ~~الساعة، قال: فسكتا جميعا حتى فرغ من قصصه، وأخذ قطاعه، ويجعل ينظر بقيتها، ~~فأومى إليه يحيى أن تعال، فجاء متوهما لنوال يحوزه، فقال له يحيى: من حدثك ~~بهذا الحديث؟ فقال: أحمد بن حنبل ويحيى بن معين. فقال: أنا يحيى بن معين ~~وهذا أحمد بن حنبل وماسمعنا بهذا قط في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم، فقال له: أنت يحيى بن معين؟ ms29 قال: نعم. قال: مازلت أسمع أن يحيى بن ~~معين أحمق حتى هذه الساعة. قال له يحيى: وكيف علمت أني أحمق؟ قال: كأنه ليس ~~في الدنيا يحيى بن معين وأحمد بن حنبل غيركما، كتبته عن سبعة عشر رجلا ~~أسماؤهم أحمد بن حنبل غير هذا، فوضع أحمد بن حنبل كمه على وجهه وقال: دعه ~~يقوم، فقام كالمستهزيء بهما. ومثل هذا كثير ممن يتسما بالحديث. PageV01P062 # (فيالله كيف حارت العقول). # روي عن أمير المؤمنين صلوات الله عليه أنه قال ذلك حين ضرب: يالله ~~للمسلمين. وذكر مثله عن عمر بن الخطاب حين طعن: يالله أنت للمسلمين. ولام ~~الله مفتوحة، ولام المسلمين مكسورة، وهذا من الفصيح، كيف يعجب منه لما صح ~~عنده هذا العلم من روايات الأخبار، كيف حارت عقولهم بعد استمرارها على ~~المحجة، رجعت إلى القهقرى ميلا إلى الدنيا وطمعا بخيالها ، لما يزخرفونه من ~~الكلام للعوام فالله المستعان. # (وقلدت الأتباع) # يعني قلد هؤلاء أهل هذه الأحاديث بعد علمهم بكذبهم على رسول الله صلى ~~الله عليه وآله وسلم، فمن المقلدة بعد العلم مالك بن أنس ، فقيه أهل الحجاز ~~بلا مدافعة، روى عن عبد الكريم البصري وغيره ممن قد عرف عنده بالجرح. # ثم الشافعي أيضا فقيه أهل الحجاز بعد مالك، روى عن إبراهيم بن محمد بن ~~يحيى الأسلمي ، وأبي داود سليمان بن عمرو النخعي ، وغيرهما، وهما من ~~المجروحين عنده، وكذلك أبو حنيفة فقيه أهل الكوفة روى عن جابر بن يزيد ~~الجعفي ، وأبي العطوف الجراح بن منهال الجزري ، وغيرهما من المجروحين عندهم. PageV01P063 # ثم من بعده أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم القاضي ، وأبو عبدالله محمد بن الحسن ~~الشيباني حدثا جميعا عن الحسن بن عمارة ، وعبد الله بن المحزور، وغيرهما، ~~[وهما] عندهم من المجروحين، وهل لرجل عالم أن يقلد رجلا قد عرفه بالجرأة ~~وقلة الورع، هل هذا إلا من الهوى؟ كما قال عليه السلام. # (وتقسمت الأهواء) # أي ذهب كل إلى ما يهوى، وفارق الجماعة على ما اشتهى، وسماه من تبعه من ~~العوام إماما، وكان مذهبا يذهب إليه من مال إليه ms30 تعصبا لأمور هذه الدنيا، ~~ورفضا لأهل الحق والأولياء. # وقد روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « ستفترق أمتي ~~على ثلاث وسبعين فرقة كلها هالكة إلا فرقة فإنها هي الناجية ». وقد زيد في ~~هذا الخبر ونقص منه. وقال قوم: >« ستفترق أمتي ثلاثا وسبعين فرقة كلها ~~ناجية إلا فرقة » واعتبروا أنه لايقال: أمة محمد ضالة في هوى. وقال قوم: من ~~هي الناجية يا رسول الله؟ فقال: « ما أنا عليه وأصحابي ». ووقف قوم عن هذا ~~الخبر ولم يصدقوه ولم يكذبوه. # وروى حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~لاتكونوا إمعة تقولوا إذا أحسن الناس أحسنا وإذا أساء الناس أسأنا ». PageV01P064 # وقد بين عليه السلام فساد التقليد، ولابد للعاقل من أن يكون على مذهب يشهد ~~له العقل والكتاب والسنة لينجو من تخاليط أهل الأهواء، وذلك ما ذهبت إليه ~~شيعة المعتزلة ومعتزلة الشيعة، الذين تمسكوا بمذهب أهل البيت عليهم السلام. # (وتفرقت الآراء) # وهذا لأهل الرأي لتفرقهم على أهوائهم بغير دليل وزعموا أن ذلك اجتهاد. # (ونبذ القرآن) # حيث قال عز من قائل: ?واعتصموا بحبل الله جميعا ولاتفرقوا? [آل عمران: 103]. # (وغيرت السنن) # غيرت أخبار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بكلام بدعة وتأويل خدعة. # (وبدلت الأحكام) # أي رفضت الأحكام التي يشهد بصحتها العقل. # روي أن أبا بكر كان على المنبر فسئل عن الكلالة، فقال: ما سمعت فيها ~~شيئا، وسأقول فيها برأيي فإن أصبت فالله وفقني، وإن أخطأت فالخطأ مني ومن ~~الشيطان، والله ورسوله منه بريئان، أراه ماخلا الوالد والولد. فلما ولي عمر ~~قال: إني لأستحيي من الله أن أرد قضاء قضى به أبو بكر. PageV01P065 # وكتب كاتب عمر عند عمر بن الخطاب: هذا ما أرى الله عمر. فقال عمر: امحه، ~~واكتب: هذا ما رأى عمر، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن غير صواب فمن عمر. # وهذا هو صريح الرأي وقطب يدور عليه كلام أهل الرأي. # وسئل ابن مسعود عن امرأة مات زوجها عنها، ولم يفرض لها صداقا، قال: ms31 أقول ~~فيها برأيي فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ~~ورسوله منه بريئان، لها مثل صداق امرأة من نسائها ولا وكس ولاشطط، ولها ~~الميراث وعليها العدة. # (وخولف التوحيد) # روي عن سليمان بن علي، عن أبيه، عن علي بن عبد الله بن عباس، قال: كنت ~~جالسا عند أبي فقال له رجل: يا أبا العباس، إن هاهنا قوما يزعمون أنهم أتوا ~~من قبل الله تعالى، وأن الله تعالى أجبرهم على المعاصي. فقال: لو علمت أن ~~هاهنا منهم أحد لقبضت على حلقه فعصرته حتى تزهق نفسه. # وقيل: إن أول من أظهر الجبر معاوية، روي أنه قام خطيبا بالشام، فقال: ~~إنما أنا خازن من خزان الله أعطي من أعطاه الله، وأمنع من منعه الله. فقام ~~إليه أبو ذر فقال: كذبت يا معاوية إنك لتعطي من منعه الله، وتمنع من أعطاه ~~الله. فقام عبادة بن الصامت فقال: صدق أبو ذر. فقام أبو الدرداء فقال: صدق ~~عباده. قال: ثم نزل عن المنبر وهو يقول: فنعم إذن فنعم إذن. PageV01P066 # وروي عن أبي سعيد الخدري، وعبد الله بن مسعود، وجابر بن عبد الله، وحذيفة ~~بن اليمان، وغيرهم كلهم عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « إذا ~~رأيتم معاوية يخطب على منبري فاضربوا عنقه ». # وروى محمد عن محمود بن لبيد أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: « ~~إن هذا سيريد الأمر بعدي يعني معاوية وأشار إليه فمن أدركه منكم وهو يريد ~~فليبقر بطنه ». قال الحسن : فلم يفعلوا فأذلهم الله تعالى. # روي عن شريك، عن ليث، عن طاووس، عن عبد الله بن عمر قال: تركت أبي يتهيأ ~~للمضي إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم فدخلت على رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم (فسمعته) يقول: « ليدخلن علي رجل يموت على غير ملتي » فرهبت ~~أن يكون أبي، فمازالت عيني إلى الطريق حتى دخل معاوية. # وروي أنه مات وفي عنقه صليب. # والقول بالعدل قول الأنبياء والرسل والسلف الصالح من هذه الأمة. # وروي ms32 عن الحسن أنه قال: إذا كان يوم القيامة دعي إبليس وقال الله: ماحملك ~~على الا تسجد لآدم فيقول: يا رب أنت حلت بيني وبين ذلك. فقال له: كذبت. ~~فيقول: إن لي شهودا، فينادى أين القدرية شهود إبليس وخصماء الرحمن، فتقوم ~~طوائف من هذه الأمة، فيخرج من أفواههم دخان أسود فيطبق وجوههم فتسود، وذلك ~~قول الله تعالى ?ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة? ~~[الزمر: 60]. # وهذا قول الصحابة والتابعين وإنما أخذوا ذلك من النبي صلى الله عليه وآله وسلم. PageV01P067 # وروى الخليل بن مرة عن أبي غالب عن أمامة قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: « إضمنوا لي ستا أضمن لكم الجنة: لاتظلموا عند قسمة مواريثكم، ~~ولاتغلوا غنائمكم، ولاتجبنوا عند قتال عدوكم، وامنعوا ظالمكم من مظلومكم، ~~وأنصفوا الناس من أنفسكم، ولاتحملوا على الله ذنوبكم ». # وروي عن مكحول، عن أبي هريرة أن رجلا من خثعم قام إلى النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم فقال: متى يرحم الله عبيده؟ قال: « مالم يعملوا بالمعاصي، ~~ثم يزعمون أنها من الله تعالى، فإذا فعلوا ذلك انتزعت منهم الرحمة انتزاعا ~~». قال الخثعمي: يا رسول الله أيضل الرجل وهو يقرأ القرآن؟ قال: « إذا قال ~~هذا القول طبع على قلبه ». # وروي عن ابن عباس، عن أنس بن مالك قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم يقول: « ماهلكت أمة قط حتى يكون الجبر قولهم ». # (وعاد الإسلام غريبا، والمؤمن وحيدا خائفا) # هنالك إذا ظهرت هذه البدع، صار المؤمن وحيدا خائفا، فلذلك ومن أجله انتشر ~~علم أبي حنيفة، وعلم الشافعي، ومالك، وخفي علم أهل البيت عليهم السلام ، ~~فلم ينتشر كما انتشر غيره مع كثرة الفضلاء منهم، وسبب ذلك أن معاوية ~~لماتغلب صير عداوة أمير المؤمنين عادة وسيرة، حتى كتب إلى أهل ولايته أن ~~اقتلوا من كان على دين علي وكذلك كتب إلى بعض ولاته: أن اضرب عنق حجر بن ~~عدي؛ لأنه لم يتبرأ من علي وأنكر سبه. فكانوا يلعنون عليا عليه السلام على ~~المنابر، ويدعونه أبا تراب ms33 ، حتى ولي عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه، فمنع ~~من ذلك وفي ذلك يقول كثير عزة : PageV01P068 # وليت فلم تشتم عليا ولم تخف .... بريا ولم تتبع سجبة مجرم # وقلت فصدقت الذي قلت بالذي .... فعلت فأضحى راضيا كل مسلم # ورد فدكا على محمد بن علي الباقر، وقال [كثير] أيضا في الكعبة: # طبت بيتا وطاب أهلوك أهلا .... أهل بيت النبي والإسلام # لعن الله من يسب عليا .... وحسينا من سوقه وإمام # يأمن الطير والوحش ولا .... يأمن أهل النبي عند المقام # وكان العالم يمنع من إظهار علمه. # وروي أن سفيان الثوري دخل على الصادق عليه السلام، فقال له جعفر: يا أبا ~~عبد الله أنت رجل مطلوب، وللسلطان علينا عيون فاخرج عنا غير مطرود. # وكان أصحاب أبي حنيفة إذا تكلموا بمسألة وكان فيها قول لعلي عليه السلام ~~قالوا: قال الشيخ. ولم يفصحوا باسمه خوفا من السلطان، فلما انقضى ملك بني ~~أمية في سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وصار الملك إلى بني العباس قويت ~~عداوتهم، فازدادت لأهل البيت والعلماء منهم، فكان الفضلاء يقتلون اقتداء ~~بفعل بني أمية في قتل أمير المؤمنين عليا عليه السلام. # وسم الحسن بن علي عليه السلام على يدي امرأته جعدة بنت الأشعث بن قيس، ~~فروي عنه أنه دخل الخلاء فقال: سقيت السم مرارا، وماسقيت مثل هذه المرة، ~~لقد مشت طائفة من كبدي. PageV01P069 # وخبر الحسين مشهور لايحتاج إلى ذكر، وكان ورد كتاب عبيد الله بن زياد أن ~~تواطي الخيل على ظهره. ففعل ذلك، وسيق أهله ونساؤه على الأقتاب إلى دمشق. # وطلب بعده زيد بن علي عليهما السلام وهو أحد الأئمة، حتى روي عن الزهري ~~وهو إمام أصحاب الحديث ، أنه قال: ذلك زيد بن علي ، فقتل وصلب وأحرق. وقتل ~~ابنه يحيى. # ثم قتل في أيام بني العباس النفس الزكية، وهو: محمد بن عبد الله أحد أئمة ~~الزيدية، ثم قتل بعده أخوه إبراهيم بن عبد الله، فكانوا بين مقتول ومطرود، ~~ومخف نفسه وكاتم نسبه، فكيف ينشر العلم والحال هذه. # وروي أن القاسم بن إبراهيم صلوات الله ms34 عليه وهو أحد أئمة الزيدية كان ~~متواريا أربعين سنة، ومازالت هذه حالهم إلى أن ذهبت دولة العباسية بظهور ~~الجيل والديلم. # هذا هو السبب في خفاء فضلهم وعلمهم، وكان سبب ظهور علم العامة، ولي أبو ~~يوسف القضاء من قبلهم، فانتشر علم أبي حنيفة، ثم ولي محمد بن الحسن ، ~~والحسن بن زياد ، فهذا معنى قوله عليه السلام: (والمؤمن وحيدا خائفا) لهذه العلة. # (فتسديدك اللهم وعونك) PageV01P070 سأل الله تعالى أن يسدده للقيام بالعدل والتوحيد، وأن يعينه على النهوض ~~بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولهذا الكلام في الأصول معان، منها: أن ~~العبد لايكون معانا بأن يمكن من الفعل فقط بالقدرة وغيرها، فإن ذلك لو صح ~~لوجب أن يوصف بأنه تعالى معين للبهائم والمجانين؛ كما يوصف أنه تعالى معين ~~للمكلف، ولوجب أن يوصف بأنه تعالى أعانه على الكفر إذا أقدره عليه؛ كما ~~يوصف بذلك إذا أقدره على الإيمان على بعض الوجوه، فعلم بذلك صحة ما قدمنا ~~في هذا، ولذلك توجب أن تكون معونة لأمر زائد على كونه تمكينا، وهو أن يقصد ~~تعالى بفعله أن يختار الممكن الطاعة، فمتى فعله على هذا الوجه وصف التمكين ~~بأنه معونة، ولولا ذلك لم يوصف بهذا الوجه، لأنه لم يرد بتمكينه وإزاحة ~~علله منه الكفر والمعاصي. # وعلى هذا تستعمل المعونة في الشاهد، لأنه من أعطى غيره سيفا وقصد أن ~~يجاهد في سبيل الله فقد أعانه على الجهاد، وإن كان يصلح أن يقتل به نفسه ~~والمسلمين فلايوصف بأنه أعانه على ذلك لهذه العلة، والتسديد كذلك. # (فإنا لم نؤت في تفرقنا من قبلك، ولا في اختلافنا من قدرك) # قد تقدم الكلام في القدرية شهود إبليس وخصماء الرحمن، فلا وجه لإعادته هاهنا. # (كذب المدعون ذلك فيك). # وقد كذبهم الله تعالى حيث قال: ?ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله ~~وجوههم مسودة? [الزمر: 60]. # (وهلك المفترون ذلك عليك). PageV01P071 # وأي هلاك هلكوا، وفي أي سبيل سلكوا، سبيل الشيطان عدو الرحمن. # (ونحن الشهود لك على خلقك). # وذلك قوله تعالى: ?يوم يقوم الأشهاد? [غافر: 51]. # (والناصبون لكل من اتهم ms35 قضاءك). # يريد عليه السلام اتهم أمرك، نحو إعلامك بمايكون، مثل قوله تعالى: ~~?وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب?، وهو من الذي يقع فيه التقديم ~~والتأخير، ?وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن ~~علوا كبيرا? [الإسراء: 4]، ?وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه? [الإسراء: 23] # (وجانب هداك). # وهو العقل ومامنحه وعرفه من الله وحكمته. # (وعند عن دينك). # أعرض عنه، ودين الله هو الإخلاص، قال الله تعالى: ?ألا لله الدين الخالص? ~~[الزمر: 3]. # (وأحال ذنبه عليك). # مثل قول داود ، ومن نحا نحوه من الحشوية، إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من ~~دون الله، ويحسبون أنهم مهتدون، وقال تعالى: ?قل هل أنبئكم بالأخسرين ~~أعمالا الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا? ~~[الكهف: 104]. PageV01P072 # (ونسب جوره إليك). # من قولهم قدرة الكفر لاتكون قدرة على الإيمان، وقدرة الفسق لاتكون قدرة ~~على الكفر. # (أو قاسك بمقدار، أو شبهك بمثال، وقد قطعت العذر بكتابك المنزل، وأكملت ~~دينك على لسان نبيك المرسل، محمد صلى الله عليه وآله وسلم. # أما بعد فإن الدين لماعفت آثاره، وانطمست أعلامه، واضمحلت أنباؤه، وسدت ~~مطالعه). # (أما بعد) قيل أن أول من تكلم بها أمير المؤمنين، وهما كلمتان جعلتا كلمة ~~واحدة في الخطب والرسائل، مماشاكلهما للفصاحة. (أما) للخبر، و(بعد) لما ~~وراء الغاية، والتقدير في هذا: إنا لما فرغنا من الفصل الأول أخبرنا عن ~~ابتداء فصل ثان (فإن الدين) عبارة عن الشريعة، (لما عفت آثاره) أي درست قال ~~الشاعر: # عفت الديار محلها فمقامها # (آثاره) وهي الأخبار، واحدها أثر، ومنه قيل: أخبار مأثورة عن الرسول صلى ~~الله عليه وآله وسلم، قال الله تعالى: ?إن هذا إلا سحر يؤثر? [المدثر: 24] ~~، وأصله من الأثر المعلوم برجلي الرجل في المحجة ، وقال أمير المؤمنين عليه ~~السلام داعيا على الخوارج: « لابقي منكم أثر ». أي مخبر، وهو الذي يروي ~~الحديث. (وانطمست أعلامه) هي: ماعلمت به الشيء ليتميز بعلمك عن غيره، وأصله ~~الحجز بين شيئين، والأنصاب في الطريق أعلام لها، والجبال أعلام، والأعلام ~~الرماح. وأصل الطمس من التغطية، قال الله تعالى: ms36 ?لطمسنا على أعينهم? [يس: 66]. PageV01P073 # (واضمحلت أنباؤه) واضمحل الشيء إذا انمحى وقل فصغر عما عهد. والأنباء هي ~~الأخبار الصحيحة. # (وسدت مطالعه) السد هو الشيء الحائل، والمطالع هي المراقي، شبه عليه ~~السلام الأئمة بهذه الأشياء، وأشار بها إليهم وإلى الناقلين عنهم، ثم بين ~~ذلك فقال: # (عندما فقد من أنصاره، والقائمين بحفظه وحياطته). # هذه الهاء راجعة إلى الدين وهو الشريعة، قال الله عز وجل: ?ألا لله الدين ~~الخالص? [الزمر: 3] ، والقائمين هم أنصار الدين، والقائمون بحفظه وحياطته ~~يحوطونه تشبيها بالذي يحفظ أهله وماله، وهذا أعظم وألزم من ذلك، ومنه سمي ~~الحائط حائطا وإن كان محوطا. # (نطق الكاظمون) # كاظموا أولياء الله بماقالوا في زمن أئمة الجور. # (وظهر المرصدون) # يعني من كان يرصد قيام أهل الباطل من العلماء الذين مالوا إلى دنياهم، ~~وخالفوا أهل البيت عليهم السلام في فتواهم، وغنموا الفرصة فجعلوا لهم ~~مذاهب، وقد روي عن بعضهم في ذلك الزمان أنه تمثل بقول أمير المؤمنين : ~~اغتنم الفرصة إما مرت فربما طلبتها فأعيت. والأمر إن أعيي عليك من أعلا ~~فاطلبه قبل فوته من أسفل. وأصل ذلك من الرصد، وهو القعود على الطريق لأخذ ~~أموال الناس وسفك دمائهم بغير حق. PageV01P074 # (ولله جل ذكره إلى كل رصد من الباطل طلائع من الحق). # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « خير الطلائع أربعمائة » وهي: عيون ~~الجيش، وأوائلهم، وذوو النجدة والشدة، والسبق إلى الشدائد، وطلائع الحق هم ~~أنصار الدين، يروون ماخفي على غيرهم من المقالات الردية، فسموا طلائع الحق، ~~سماهم بذلك عليه السلام. # (ومع كل داع إلى الضلال بينات من الهدى). # لم يرد عليه السلام أنه يدعو بدعوة الهدى والإرشاد، إنما دعا إلى الضلال، ~~وقد أعطاه الله العقل حجة من الضلال، وبينة للجهال، وإرشادا لهم من سبيل ~~المحال، فهذا معنى قوله: (ومع كل داع إلى الضلال بينات من الهدى). # (وإلى جنب طريق كل حيرة سبب واضح من الإرشاد، وفي كل شيء حجة قاطعة). # جنب الطريق هو: الطريق على وجه. (الحيرة)، عبارة عمن حار في الضلالة، ~~وتحير فيها. # (سبب واضح من ms37 الإرشاد)، كناية عن علماء أهل البيت عليهم السلام، وهو ~~مأخوذ من الحبل. # (وفي كل شيء حجة قاطعة) والشيء عند أهل الأصول هو أعم العموم. PageV01P075 # والشيء هو مايصح أن يعلم، ويخبر عنه أو يدل عليه، لأنه مادخل تحت هذا الحد ~~سمي بأنه شيء، وماخرج عن هذا الحد لايسمى شيئا، وقد يجري الكلام في لاشيء ~~على المجاز، ولاحقيقة له، ثم ينقسم إلى شيئين موجود ومعدوم، فلله في كل شيء ~~حجة قاطعة لمن نظر وتفكر، لا لمن قلد وأهمل. # (فأما رسل الله صلوات الله عليهم فقد قاموا بحجج البلاغ، وأدوا وظائف ~~الحقوق). # احتجوا على أهليهم ومن بعثوا إليه في أزمنتهم بما أعطاهم الله من حججه، ~~وأبان لهم من منهجه، وهي وظائف الحقوق، وهي لوازم الحقوق، وهي رواتب ~~الحقوق. # (وأبلغوا ماعليهم من فرض النصيحة، وأنفذوا شرائط الله عليهم في خلقه، ~~وأوقفوا العباد على سبيل النجاة، وسلكوا بهم مناهج السلامه). # (فرض النصيحة)، لم يدخروا عنهم شيئا ينفعهم في آخرتهم بماعلمهم الله ~~إياه، وكانوا يحتاجون إليه لدينهم ودنياهم. # (وشرائط الله) قوله: ?خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين? [الأعراف: ~~199] ، وكقوله تعالى: ?وقل لهم في أنفسهم قولا بليغا? [النساء: 63]. PageV01P076 # (وأوقفوا العباد على سبيل النجاة) هو جميع ما افترض الله عليهم، لأنه سبيل ~~لنجاتهم من النار. # (وسلكوا بهم على مناهج السلامة)، وهي طريق الجنة وهي السلامة. # (وحذروهم طرق الحيرة). # وهي مأخوذة من الضلالة، والرجوع إلى الباطل في كل مقالة. # (واحتملوا في جنب مرضاته الصبر في البأساء والضراء، صلوات الله عليهم ~~ورحمته وبركاته). # ولقد نقل إلينا من غير جهة ماكان عليه الأنبياء صلوات الله عليهم في ~~ابتداء دعائهم من المحن والبلاء من ظالمي أممهم، مالايحتمل ذكر بعضه هذا ~~الكتاب، وماصبروا عليه من الجهاد والقتل والعناد، ونبيئنا صلى الله عليه ~~وآله وسلم هو أشدهم بلاء، وأكثرهم عناء، على ماوصل إليه من أذى قومه ~~وعشيرته، حتى كتبوا بينهم كتابا على أسرته، وحرموا عليه البيع والشراء، ~~ومنعوهم بسببه مرافق الدنيا، مع ما اتصل إليه في نفسه من الأذى، ولما اتسع ~~نطاق الإسلام، ms38 واستمر بعد الهجرة منه النظام، عرضت عليه مفاتيح خزائن الأرض ~~فلم يقبلها، واختار ماهو عليه من ضيق الحال وقلة المال، لعلمه بالانتقال من ~~الدنيا والزوال. PageV01P077 # ولقد بلغنا أنه خرج هو وأمير المؤمنين صلوات الله عليهم إلى السوق ليشتري ~~قميصا ومعه اثني عشر درهما، فإذا هما بجارية سوداء على ظهر الطريق تبكي، ~~فقال لها مايبكيك؟ فقالت: يارسول الله أعطاني أهلي أربعة دراهم اشتري بها ~~حاجة ، فسقطت مني، فأخاف أن يضربوني، فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وآله ~~وسلم أربعة دراهم، ومضى إلى السوق وابتاع قميصا بأربعة دراهم، ولبسه وحمد ~~الله تعالى ثم انصرف، حتى إذا كان في بعض الطريق، فإذا سائلا يقول: من ~~كساني كساه الله من ثياب الجنة. قال: فخلع عليه رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم القميص. # ثم رجع إلى السوق، فابتاع بأربعة دراهم الباقية قميصا فلبسه وحمد الله ~~تعالى، وانصرف، فإذا السوداء قائمة تبكي، فقال لها: مالك أليس قد أعطيتك ~~أربعة دراهم؟ فقالت: بلى يارسول الله، ولكني احتبست عن أهلي، فأخاف أن ~~يضربوني. فقال: مري، ومضى معها حتى انتهى إلى أهلها، فلما قام على الباب ~~قال: « السلام عليكم ». فلم يردوا شيئا، وكان لاينصرف حتى يؤذن ثلاث مرات ، ~~فلما كان في الثالثة أجابوه، فقال: « فمامنعكم أن تردوا علي، وقد عرفتم ~~الصوت؟ » فقالوا: أحببنا أن نستكثر من سلامك. فقال لهم: هذه الجارية. ~~فقالوا له: هي حرة لممشاك، فانصرف صلى الله عليه وآله وسلم وهو يقول: « ~~تالله ما رأيت كاليوم، اثنا عشر درهما، كسى الله بها عاريا، وأعتق بها نسمة ». # (وفيما بين أزمنة الرسل فترات في مثلها يتحير الضلال، ويدفن الحق، ويغمض ~~البرهان، بتظافر الجبارين على أولياء الله وأهل طاعته). PageV01P078 # قوله عليه السلام: (وفيما بين أزمنة الرسل فترات)، هو الوقت الذي يكون بين ~~رسولين، وهو مأخوذ من السكون، كالوقت الذي بين موسى وعيسى، وبين عيسى ومحمد ~~صلوات الله عليهم، وليس تحير الضلال فيها إلا من وجهين: أحدهما تمسك أمة كل ~~نبي بماجاء به، غير مقرة ولامصدقة بنسخ شرائع الأنبياء أو ms39 بعضهم. والوجه ~~الثاني: إجابة دعوة نبيها مع تصديق الأول، وإجازة نسخ شريعة الأول بشريعة ~~الثاني، أو بعض منها. وفي أهل هذه المقالة من يوافق في جواز النسخ عقلا، ~~ويدعي المنع منه من حيث يدعى أن موسى صلى الله عليه قال: إن شريعته دائمة، ~~وأنها لاتنسخ. والذي يبطل هذا القول ظهور المعجز على من يدعي نسخ شريعته، ~~وقد عرفنا ذلك في رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فيعلم بذلك أنهم ~~مبطلون، لأحد وجهين: إما بالنقل، وإما بالتأويل؛ لأنه لايمتنع أن يكون ~~مراده صلى الله عليه وآله وسلم بأن شريعته دائمة إلى غاية، بل لابد من ذلك، ~~لأن التكليف منقطع، فإذا دلت هذه المعجزات الظاهرات على النبي صلى الله ~~عليه وآله وسلم على صدقه في نسخ الشريعة المتقدمة، علم بذلك قول الخصوص دون ~~عموم الأوقات. وقالت: إن ذلك يدل على البداء، وقالت البراهمة: إن ذلك ينقض ~~أدلة العقول، ولاتحسن بعثة الأنبياء عقلا. PageV01P079 # فأما قول اليهود: إن ذلك يدل على البداء، فخطأ، لأن ذلك يدل من هذا الباب ~~على أن البداء أن تأمر زيدا بفعل وتنهاه عنه في وقت واحد على وجه واحد، ~~فأما إذا تغايرت الأفعال والأوقات، فليس ذلك يدل على البداء، من حيث علم ~~تعالى مصالح المكلفين لما خلقهم عليه من الاختلاف، وكذلك اختلاف المصالح ~~لاختلاف الشرائع في الأعيان والأوقات والأفعال، وذلك بحسب قيام الدلالة، ~~وذلك جائز ولايعلم إلا بورود شرع من المكلف على يدي رسول الله صلى الله ~~عليه وآله وسلم. # (ويدفن الحق) أصله من واريت الشيء عن الإبصار وأخفيته، أي يخفيه قوم قد علموه. # (ويغمض البرهان)، مأخوذ من تغميض العينين، وهو مثل الأول، والبرهان هو ~~الحق الذي شرعه الله تعالى، وسماه بذلك برهانا لاهتداء الناس به، لم يشرط ~~عليه السلام في ذلك شرطا أنه لايكون ذلك الطول كذلك إلا بتظاهر الجبارين ~~على أولياء الله، وهم أهل الكبرة الذين جمعوا الأموال، واستعبدوا الرجال، ~~وهم أضداد الأنبياء عليهم السلام. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « ~~الكبرياء رداء الله ». PageV01P080 # (وأولياء ms40 الله هم أهل طاعته)، وكلمة: الولاء، على ثلاثة أوجه: الملك، ~~والمصافاة، والمصير إلى الغايات. # (وهناك يندب الشيطان ولاته) # (ندب): اختار، والمندوب إلى الشيء هو المختار له، (ولاته): من تولية ~~الإغواء والإفساد، والإصغاء إلى العناد ، وهذا من حسن الأمثال والعبارة. # (ويبث دعاته) # أي يفرق من يأمرهم بالإفساد، وهو مأخوذ من بث يبث بثا، والدعاة من يدعو إليه. # (وينصب حبائله) # وهو مأخوذ من الحبالة، والأشراك، واحدها شرك، وهو الحيل والمكر والخدع. # (ويدخل على الناس الشبهة، ويضطرهم إلى الحيرة). # و(الشبهة) مأخوذ من شبهه ومثله في فرعه وأصله، لايتخلص منها إلا المستعمل ~~لعقله، لأن العقل حصن من الشبهة، ومعقل يلجأ إليه عند الأحوال المضطربة، ~~(ويضطرهم إلى الحيرة)، معنى يضطرهم، أي: يغلب عليهم، فشبه عليه السلام ذلك ~~بالضر الذي هو من غير فعله. PageV01P081 # وقد ورد في الكلام أن الإنسان يضطر غيره إلى أمره ونهيه، لاعلى سبيل ~~الإكراه، وفيه مايكون كرها عليه، ولايصح ذلك من الشيطان، وعلى موجب القول ~~بالعدل والتوحيد إن دعاء الشيطان الخلق إلى المعاصي غير مدخل لهم فيها، لأن ~~دخولهم في المعاصي باختيارهم، والدعاء غير فعلهم، فإنما يحصل الإضطرارات، ~~أن يزين له شيئا ويرغبه فيه، ويكون القابل لذلك من قبل نفسه، ولامعنى لقول ~~من يقول إن الشيطان يدخل في صدر الإنسان ليوسوس له شيئا ويزينه له، وهذا من ~~المحال لتعذر ذلك في الشاهد، ومنع العقل من ذلك، ولايتأول قوله تعالى: ~~?يوسوس في صدور الناس? [الناس: 5] على ذلك، وإنما هذا خبر من الله عز وجل ~~وإعلام، ومثل يجري عند ذوي الأفهام، ومن يعرف العربية والكلام، لما كانت ~~الوسوسة في النفس، وكانت تقرب من الصدر، عبر بذلك للمجاورة والقرب، كما ~~ذهبت العرب في أقاويلها على ذلك. # (وليست فترة من الهدى، ولكنها فترة من الرسل والإرشاد، وفيها كتبه وحججه، ~~وبقايا من أهل العلم يحيون العلم ويحيون به) # قد ذكرنا شرح الفترة. (من الهدى والإرشاد)، يريد الهدى نصب الأدلة ~~ومايتوصل به المكلف إليها، وكذلك الإرشاد، وهو العقل، والكتاب، والسنة. # (ولكنها فترة من الرسل): زمان ليس فيه الرسول، ms41 و(فيه كتبه وحججه)، أي: ~~وعلم حججه. (وبقايا من أهل العلم)، هم أهل الشريعة من فقهاء الأمة وخلفاء ~~الأئمة وجلاء الظلمة. PageV01P082 # (بقايا) أي آخر أهل العلم، هم أهل الشريعة من فقهاء الأمة، ممن عرف جملة من ~~علم الأصول والفروع، وتفاصيل من هذين الفنين، واختلاف مذاهب الناس في ~~أديانهم ولغتهم، لاسيما اللغة العربية، فإنها أولى بالمعرفة، لمايتعلق ~~بمعرفتها من الأسماء والمعاني وفصل الخطاب، في الجاهلية والإسلام، وجميع ~~الأحكام والفرائض والسنن، والتقديم والتأخير، والإطناب والإسهاب، والحقائق، ~~والموجز في الخبر، والاستخبار، والأمر، والنهي، والخطب، والبلاغات، ~~والرسائل، والوسائل، والأمثال، والدعاء، والسؤال، والتمني، والجدال، ~~والإرشادات، والحكايات، وغير ذلك من العلوم التي يكون بها صلاح الأجسام، ~~وماعلمه يقتضي الزيادة في خدمة ذي الجلال والإكرام. # (يحيون العلم ويحيون به)، أما إحياؤهم للعلم فهو تعليمهم العلم غيرهم، ~~وإحياء كتبه التي تغيرها الأوقات، وأما حياتهم به فهو حياتهم من الجهل، ~~وعلمهم بماعلموه في كل معنى وفضل، فهم به أحياء وإن كانوا أمواتا عظاما ~~ورفاتا. # قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: « العلماء باقون ما بقي الدهر، ~~أعيانهم مفقوده، وأمثالهم في القلوب موجودة ». # (قد وجهوا لله رغبتهم). # من المقدم والمؤخر، أي أنهم قصدوا الله تعالى بأعمالهم، رغبة بالثواب ~~العظيم، الذي عملوه جزاء من ربهم. # (وامتحنهم الله بأهل دهرهم). # اختبر الله صبرهم على أذى أهل دهرهم ممن طغى وتجبر وعتا وكفر. PageV01P083 # (قد تمسكوا بنور كتابه، وعرفوا مواقع حججه، في كل بدعة حدثت، أو شبهة نزلت). # (تمسكوا بنور كتابه )، أي بعلم الكتاب من محكمه ومتشابهه، وتأويله ~~وتنزيله، وجميع وجوهه. # (وعرفوا مواقع حججه)، وهو معرفتهم بمواقع الحجج بما يحتاجون إليه إذا ~~سألهم أهل الإلحاد، الذين قال فيهم [أمير المؤمنين] صلوات الله عليه: « ~~وبقي رجال غض أبصارهم ذكر المرجع، وأراق دموعهم خوف المحشر، فهم بين شريد ~~ناد، وخائف مقموع ، وساكت مكعوم ، وداع مخلص، وثكلان موجع، قد أخملتهم ~~التقية، وشملتهم الذلة، فهم في بحر أجاج، أفواههم ضامرة، وقلوبهم قرحة، قد ~~وعظوا حتى ملوا، وقهروا حتى ذلوا، وقتلوا حتى قلوا ». # (في كل بدعة حدثت) أي أحدث المبتدعون. # (أوشبهة ms42 نزلت) أي تمويه بشبهة، وقد قدمنا الكلام في الشبهة. # قال أمير المؤمنين صلوات الله عليه: « وإنما سميت الشبهة شبهة لأنها تشبه ~~الحق، فأما أولياء الله فضياؤهم فيها اليقين، ودليلهم سمت الهدى، وأما ~~أعداء الله فدعاؤهم الضلال، ودليلهم العمى ». # (نزلت)، أي اتصلت من مشبه بها على مثال الحق. PageV01P084 # (فهم من الناس في أذى وجهد، ومن الله سبحانه في كلءة وحفظ). # أذى الناس لهم قلة المبالاة بهم، والاحتقار لهم، والإغماض لحقهم، وليسوا ~~بالناس الذين قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلا على المثال الذي شبههم ~~به، وهو: « الهمج الرعاع »، وهو ذباب الكنيف، بل صغير الحيوان، وقد أجهدوا ~~أنفسهم في تذكيرهم ووعظهم، وفي الانتزاح عنهم والهرب منهم، والله عز وجل ~~يكلؤهم ويحفظهم من سطوتهم، واستباح المحظور منهم، حتى يعلم أن ذلك زيادة ~~فيما يدلهم عليه، ويكثر علمهم لديه، فهذا معنى قوله: (وهم من الله في كلاءة وحفظ). # ثم قال عليه السلام في وصفهم وقلة عددهم: (فهم الأقلون عددا، والأعظمون ~~عند الله قدرا). # ثم قال عليه السلام: (ولن تخلو أمة من مغتال لها، مفرق لجماعتها، وآخر ~~داع إلى هداها وصلاحها). # فداع إلى الهدى والصلاح، يجمع شمل الأمة بالوعظ والتذكير، والأمر ~~والتحذير، والجد والتشمير، وداع بمايفرق هذه الجماعة، ويصد عن سبيل الطاعة، ~~فداع الهدى والصلاح: (ممن نظر فاعتدلت فطرته، وصفت طبيعته). # هذا فيه تقديم وتأخير وإشارة وضمير، معناه ممن اعتدلت فطرته، أي: خلقه، ~~وصفت طبيعته التي طبعه الله عليها، لما نظر بفكره، فوقع له بذلك النظر علم ~~بأحواله التي طبعه الله عليها، وفطره من أصولها، وقدره بعد حصولها. PageV01P085 # (وكان نظره بعين النصيحة لنفسه). # نصح نفسه لمانظر في الأدلة، وهي عين النصيحة أي: نفسها في كل مايصلحه ~~من أمر دينه ودنياه، فعبر عن الشيء بعينه، طبع ركبت عليه الأجسام، وصنع ~~لحكيم على مايستدل به على الله أهل العقول والأفهام، لما في ذلك من الصلاح ~~للعباد والبلاد، وانتزاح التشبيه والإلحاد، حججه دالة عليه ومحجة مسلوكة إليه. # (قد ملك عقله الحكم على هواه). # جعل العقل منه ملكا، ms43 وهواه مملوكا، فكان حاكما عليه بمايجب عنده إذا خرج ~~عن الطريق الحسنة إلى مدرجة القبيح، فسبح فيها مع كل ريح. # والهوى، من القصد، ولايخلو أن يقصد الحسن أو القبيح، والاعتقاد السقيم أو ~~الصحيح، مع انقياده للعقل، أو مكابرته له بالجهل، وهو الذي أشار إليه وعناه. # (وقيد شهواته بآسار الذل تحت سلطان الحكمة). # فسلطان الحكمة هو العقل، وهو مقيد للشهوات. # (بآسار الذل) مأخوذ من الحبل الذي تربط به يد الأسير، وهو المستولى عليه ~~في الحرب والمظفور به، فشبه ذلك كذلك، وباعث الشهوات الهوى المردي، والنوى ~~المكدي، فصار الهوى بحكم العقل ذليلا فما أراه إلى الحق سبيلا، ورده عن ~~جماحه، وصده عن صلاحه. PageV01P086 # (فأسلمه ذلك إلى مباشرة اليقين بربه). # يعني لماملك العقل على هواه، باشر اليقين بالله، حتى لم يختلجه الشك عن ~~محجة اليقين ، وصعد به إلى درجة المتقين. # (فاستلان مااستوعر منه المترفون، واستأنس إلى مااستوحش منه الجاهلون ). # سهل العقل عليه من معرفة الله ما استوعر على المترفين، الذين قعدوا عن ~~النهوض في محجة العارفين. واللين مأخوذ من السهولة. والوعر مأخوذ من ~~الحزونة ، أي: بان له نهج اليقين فسلكه، وعمي عليه مدرج المترفين فتركه ، ~~والترف مأخوذ من ترك العناء في الأشياء وأخذها بالتقليد في الأمور عند ~~الدعاء، فاستأنس إلى ما استوحش منه الجاهلون من القيام والعناء وقلة ~~الإتكال على الأولياء، والمبالاة بالبحث والركون إلى التقليد. # (وصحب الدنيا أيام حياته، وقلبه معلق بالمحل الأعلى، لاتعتريه سآمة ~~ولافتور من طلب ما أمل من عيش مقيم). # أقام عمره في الدنيا وقلبه في محل الكرامة متعلق، وإلى منزل السلامة ~~متشوق، وأي محل عال ومنزل ذي بال دل عليه العالم المقيت فاستدل عليه الآم ~~الخريت ، لم يقطع نشاطه سآمة ولافتور، ولاقطع نياطه ندامة ولاغرور، حتى أخذ ~~في طلب العيش المقيم، ورغب فيما رغب الله فيه من النعيم. # (قد أيقن بالخلف فجاد بالعطية). # أي أيقن أن المستقرض منه وفي، وأنه بسني العوض ملي. PageV01P087 # (دله الله فاستدل منه، وخاطبه ففهم عنه، وأرشده لأبين الجواد، فقبل منه ~~أحسن الإرشاد). # نعم ms44 الدليل الذي لايجور، والوكيل في جميع الأمور، أوضح للمستدلين عليه ~~الدلالة، وأفصح للراغبين إليه في المقالة، فأمنوا من الزلل في المداحض ، ~~لماعلموا بالسنن والفرائض. # (وخاطبه ففهم عنه) لما قصد به إفهامه، واعتمد بمايدريه أعلامه، لطفا منه ~~له بالبيان، وعطفا عليه بآجل الإحسان، وهو خلقه حيا لينفعه إذا عمل بطاعته رفعه. # (وأرشده لأبين الجواد فقبل منه أحسن الإرشاد)، بين له جادة الحق من ~~الشريعة، فتوخاها بقبول منه لتلك الذريعة، لم يشرد عن الله شرود البعير، ~~ولا نأى بجانبه عند مجيء النذر. # (طيبة نفسه بكلما بذل في جنب الله). # قطع بسلاح الصبر سلطان البخل، فطابت نفسه بنفس البذل في جنب الله في ~~طاعته، وقد قيل: جنب الله: أمير المؤمنين ، وذلك غير خارج من طاعة رب ~~العالمين. # (هجم على اليقين). # أي باشر اليقين بعزم المتقين، فسكنت عنه نفرة المستوحشين. # (وأنس بالتقوى، فضمنت له النجاة). PageV01P088 # فإن لم يأنس ، بالتقوى حتى صبر على البلاء وقيده عن شهوات الدنيا، وكان ~~الله تعالى ضامنا له النجاة من سلطان الشهوات. # (وخرج من غمرات الشكوك إلى روح الاستيقان). # قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « البلاء للمؤمن كالشكال للدابة ~~والعقال للبعير ». وليس خروجه من غمرات الشكوك إلى روح الاستيقان، إلا بعلم ~~يطرد به عنه الجهل، وحلم يسعده عليه العقل. والغمرة مأخوذة من الكثرة، ~~والروح مأخوذ من طلب الرائحة. # (فأقام الدنيا مقامها الذي أقامها الله عليه، فاستهان بالعاجلة، وآثر ~~العاقبة، ومهد لطول المنقلب). # قال الله تعالى: ?إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار? ~~[غافر: 39] وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: « الدنيا سجن المؤمن وجنة ~~الكافر ». عرف أن الدنيا ممرها إلى خير أو شر، فصبر على سجن نفسه فيها مدة ~~قصيرة، واستهان بما فيها من عاجل لايدوم، لينال في العاقبة أجلا يدوم، ~~مؤثرا لخير العاقبة بعلمه، فصبره على ماينزل من مضض دهره. # (ومهد لطول المنقلب). مهد وطأته مأخوذ من الوطاء. طول المنقلب حيث طاب ~~المقيل، والمنقلب في النعيم والظل الظليل. PageV01P089 # (ولن يعدم أن يكون في الخلق من ms45 قد استبهم عن الفهم، وولج في مضائق الحيرة، ~~أعمى حيران يدعو إلى العمى، ويقول: اعتزل البدع، وفيها اضطجع، ويقول اجتنب ~~الشبهات وفيها وقع). # ولعمرك أن كونه يكون في المكلفين من هو في منزلة البهيمة عند العارفين، ~~لماقصر في طلب العلم، وكفر بجهله صحيح الفهم، ودخل حيث لامخرج به منه إلا ~~بالعقل الرصين، والعلم المبين، أعمى عن الحق وبصره صحيح، حيران في مضيق ~~الجهل ووراءه فسيح، وهو مع ماهو عليه يدعو غيره إليه، ويقول أعتزل البدع، ~~وفيها وقع، لم يعتزل غير ذوي الألباب، ومن عنده علم الكتاب، واضطجع في ~~ظلمات الباطل، ووقع في شبهات المسائل، وهو متبع لآثار أوليه، مقتد بآبائه ~~وذويه، وطئ على آثار من تقدمه من آبائه، وأخذ بسيرة قومه وأوليائه. # (أكثر ماعنده تقليد أسلافه، وائتمار أكابره، والإنسان على ماجرت عليه ~~تربيته، والإلف إلى ماسبق إلى اعتقاده، ضنين بفراق عادته). # أصل التربية مأخوذ من الزيادة من وقت الولادة في هذا الموضع، ولزوم ~~العادة، ومن سبق إلى اعتقاد شيء رسخ فيه ولم يخرج عن قلبه وفيه، إلا بحد ~~يستأصله، أو بخل يفصله، مع لطيف الأغذية، وشريف الأدوية، من مراهم الأطباء ~~ومياسم العلماء، إن نظروا بعقول صافية، وأمروا بفصول شافية، بلغت القلوب عن ~~عوائدها، وتقلب الحيوان عن مصائدها ، حتى يسمح بالمظنون ويجنح عن الرأي ~~المأفون. PageV01P090 # (لم يقسم التفتيش قلبه). # أي لم يشغل قلبه تفتيش الأمور، التي معرفتها سبب كل سرور. # (ولم يختر طرق البحث فكره). # ولو اختار فكره طرق البحث، لسلم فيها من كل حزن ووعث. # (ولم تميزه المناظرة). # أي لم تفرق بينه وبين غيره. # (ولم يعتوره الاحتجاج). # أي لم يتناوله الاحتجاج، ولايروح منه أهل اللجاج. # (ولم يتنسم روائح اليقين). # مثل ضربه عليه السلام، وعبارة يعرفها من اطلع على فنون الكلام، فيمن أخذ ~~في هذه المحجة ، وبعد في هذه الدرجة. # (ولانظر في العلل التي معرفتها نهاية الاستبصار). PageV01P091 # يريد النظر في خلق الأجسام التي معرفتها على ماهي عليه تدل على ذي الجلال ~~والإكرام، لأن معرفتها على الحقيقة نهاية الاستبصار، والنظر في العلل ms46 يولد ~~العلم بالله تعالى لمن فهم وعقل، وهي على ثلاثة أضرب: جسم، وعرض، وجوهر ~~متحيز مشاهد. والجوهر: جزء يتركب منه الجسم، وذلك يوجب التبعيض، وله حظ في ~~المسافة، فلذلك يدخل من قبيل الجسم عنده، ويستغنى بالعبارة عنه بالجوهر، ~~والعرض غير مشاهد عنده ومتحيز، ولايتجزأ ولا له حظ من المسافة، بل له حكم ~~في الوجود. # والعلة في تسمية الجسم جسما من اللغة، هو تجسمه وتشخصه وبيانه. # والعلة في تسمية الجوهر جوهرا، هو [كونه] في اللغة أصل الشيء، وشخصه. # والعلة في تسمية العرض عرضا في اللغة هو اعتراضه في الأوهام، وخروجه عن ~~حدود الجواهر والأجسام، لأن كل اصطلاح جرى ممن يتكلم بلغة مخصوصة، وكان ~~أقرب إلى الموضوع في تلك اللغة، فهو أولى، وماقالته شيوخ المعتزلة في ~~الأسماء الشرعية فتشبيهها باللغة، والحجة عليهم في الجوهر من حيث قالوا ~~بأجمعهم ووافقوا معتزلة الزيدية أن الجوهر مدرك بحاسة العين، ولم يصح عليه ~~اللمس، هذا قولهم، فهذه العلل لابد للمكلف من معرفتها على جملة أو تفصيل، ~~وإلا لم يكن من الناظرين. PageV01P092 # (متوسد غمرة الاختلاف وحيرة الفرقة). # وتوسد الاختلاف هو مثل ضربه عليه السلام فيمن توسد وسادة لينام عليها، ~~كذلك هذا نام على الاختلاف، وهو يظن أنه مع أهل الاتفاق والائتلاف، نفد ~~عمره، وحار في مذهب الفرقة دهره. # (غفل عن تمييز الأمور). # أي لهى عن معرفة الأجسام والأعراض، وسهى سهو أهل العلل والأمراض، وقد ~~يقال لمن هذه حاله: عقل عقل ولا لب له ولاعقل على المجاز لاعلى الحقيقة؛ ~~لأنه لو كان كذلك نسب إلى طريقة البله ونسب مافيه إلى الله إلى الوله. # (فهو عقيم القلب عن لقاح الهدى). # شبهه بالعقيم الذي لايولد، ولايلقح أحدا فلايولد ولدا لفساد طبيعته، أو ~~لاعتقاد شريعته، وإن كان الله عز وجل من ذلك بريئا، وكان بنا برا حفيا، ~~لماتفضل به علينا من المصالح، وأنزل إلينا من المنادح ، مما ينسب إليه من ~~العقوب، ويومئ لديه من فساد القلوب، وهو مأخوذ من لقاح النخلة ولقاح الفحل، ~~ولقاح الهدى هو ماقال النبي صلى الله عليه ms47 وآله وسلم: « إن القلوب تلقح ~~بعضها بعضا الحكمة، فجالسوا أهل الحكمة ». PageV01P093 # (ظمآن إلى مرشد يحسن تبصرته ، ويريه الحق من وجوهه، وأنه ليس على يقين مما ~~اعتقد، والظن مستول على قلبه، والشبهة مشتملة على لبه، قد سرى فيه داؤه، ~~واشتبه عليه دواؤه ، متردد في حيرته، متزود من ثمرة نتاج إرادته، كثير ~~الاحتياط، قليل النشاط، اعتقد مذهبا عن أهل التقليد والظن، قد وقف بين ~~الصدق والتقليد، استولى على عقيدته ولم يوقن بصدق تجربته، فالشبهة ترد عليه ~~بالظنون، وتفد إليه بمالايكون، حتى سرت فيه أدواء الجهالات، وسئمت عنه ~~أطباء المقالات، فتردى في ظلام الحيرة وانيا، وتزود من ثمرة نتاج إرادته ~~فانيا، لايبلغ منزلا ولايقع موئلا، جرى بالاختلاط من لم يكن إلى النظر كثير ~~النشاط [فالحيرة ثمرته، نتاج إرادته الاختلاط] ، ولكل أمر سبب، والعلل ~~كثيرة، والأسباب متفاوتة، مجتمعة ومفترقة، لايميزها إلا من وطيء أوائل ~~الأمور التي يهجم بها على معرفتها). # إشارة منه عليه السلام إلى سبب مبين، وعلة من جميع العلل تبين، والأسباب ~~متفاوتة ومجتمعة ومفترقة، وذلك السبب هو يقع للحيوان، وتلك العلة عائدة ~~عليه في كل زمان، عللها الرحمن وسببها لهدى الإنسان، وإن تفاوتت الأسباب في ~~الاجتماع والافتراق، واختلفت العلل في الخلق والأرزاق، فليس يميزها إلا من ~~وطئ أوائل الأمور. # (التي يهجم بها على معرفتها) أي: إن لهذه الأشياء أصولا لاتعرف بالحدس ، ~~ولاتكشف إلا بالمعرفة عن اللبس، وليس يفوز بتلك المعرفة إلا من كان على هذه الصفة. # (ولكل شيء منها حد متى تعدي أسلم متعديه إلى الهلكة، لأنه جاز الحدود ~~المضروبة له). PageV01P094 # ومن عرف الحد لم يجهل المحدود ووقف على تلك الأعلام، وقوف الخائف من ~~الاقتحام، في لجج المهالك العظام، فلم يكن متعديا لحد مضروب، ولامترديا في ~~ظلمات الغيوب. # (فواجب على كل بالغ عاقل أن ينظر في نجاته). # وهذا يؤكد ماقاله عليه السلام في أول الكتاب: (يجب على البالغ المدرك)، ~~وقد ذكرنا الواجب وشرحناه شرحا مستقصى هنالك، فلا وجه لإعادته هاهنا، وكذلك ~~تقسيم النظر وتحذير من لم ينظر من الخطر، لأنه يؤديه إلى ms48 السلامة، ويسلكه ~~في سبيل الاستقامة. # ولفظة النظر مشتركة يراد بها هاهنا التفكر، ويحتمل أن يكون التأمل ~~والبحث، وهو من فعل الناظر، لأنه يمكنه أن يختار ضده، لأنه قادر على ذلك، ~~ولايجوز أن يضطره الله تعالى إلى النظر ، بل يجوز منه تعالى تنبيهه عليه، ~~لأنه لو لم ينبهه عليه كان إغراء له، وتكليفا لمالايطاق، وتلك طريق نجاته، ~~وسبب سلامته من عذابه. # (ولن ينتفع ناظر بنظره إلا بسلامة قلبه من الزيغ، وطهارته من الهوى، ~~وبراءته من ألف العادة التي عليها جرى، والقصد بإرادته ونيته إلى العدل ~~والنصفة). # لن ينتفع متفكر بتفكره حتى يكون سليما من الزيغ، وهو الميل عن الحق إلى ~~الباطل، ومتطهرا من درن الهوى القائد له إلى حب هذه الدنيا، التي قال فيها ~~رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «حب الدنيا رأس كل خطيئة ». PageV01P095 # وسنبين بعد الفراغ من شرح هذا الكتاب شروطا تتعلق به من جهة أخبار الرسول ~~صلى الله عليه وآله وسلم، ونختم الكتاب بها. ولايقول أحد هي خارجة من شرح ~~هذا الكتاب، بل هي فيه وشرح لشروط الهادي عليه السلام المجلة لمعاينة. # (وبراءته من ألف العادة التي عليها جرى) يكون القلب مبرأ من كل عادة له ~~تقدمت من طريق الجهل، التي كان عليها، والغفلة التي آل إليها. # (والقصد بإرادته ونيته إلى العدل والنصفة)، القصد هو اعتماده بإرادته ~~ونيته، وهذه ثلاث كلمات بمعنى واحد، وإن كانت العبارة فارقة بينها على ~~مقتضى اللغة إلى العدل في لفظه ولحظه وحركته وعونه لينتظمه ذلك، والنصفة في ~~كل مايتعلق به في نفسه وغيره. # (وإعطائه كل أمر من الأمور بقسطه، والحكم عليه بقدره). # أي يعطي كل شيء من ذلك حقه من نفسه، ويحكم على ذلك الأمر بقدره، ولايكون ~~جائرا في الحكم ولاسائرا في الظلم. # (وأخذ نفسه بالوظائف المؤدية له إلى النجاة). # أي يمرن نفسه على فعل الطاعة المؤدية له إلى النجاة من العذاب. PageV01P096 # (وحراسة قلبه من الأمور المسلمة له إلى الضلال). # وتلك الأمور هي: الجهل، والهوى، وإصغاء القلب إلى شهوات الدنيا، فمن حرس ms49 ~~نفسه منها نجا؛ لأنها تسلمه إلى الضلال. # (والحائلة بينه وبين حسن الاصطفاء، وإصابة الصواب، وترك التقليد). # وهذا على مجاز الكلام، وإن كانت لاتعقل شيئا، بل أنه إذا اختار هذه ~~الأشياء وفعلها بالقصد والنية والميل إليها بالكلية، قيل ذلك مجاز لاحقيقة، ~~لأنه لايكون مصطفى حتى يصفو، ويكون مصيبا بنيته ومنبيا على جماع جهله، ~~ويترك التقليد، ويعتمد على النظر والتقييد، قال بعض أهل النحلة فيما يتسمى ~~بالتصوف، وكان ممن يظهر التقشف، وروي أنه الصاحب إسماعيل بن عباد : # ولست أنحل هذا الإسم غير فتى # صفي فصوفي حتى لقب الصوفي # (ويكون طالبا لقيام الحجة). # أي أن يكون ناظرا، أي منتظر الإمام، حتى يقوم في الأمر بالمعروف والنهي ~~عن المنكر. # (لازما لمنازل القرآن، متمسكا به، مؤثرا له على ماسواه ملتمسا للهدى فيه). # معناه أن يكون الإمام مؤثرا له على ماسواه من الأنام. PageV01P097 # (فلن يعدم الهدى من قصده ). # أي لن يعدم الهدى من قصد الإمام اللازم لمنازل القرآن، لأنه له ترجمان، ~~فمن سأله نجا، ومن اتبعه اهتدى. # (لأن الله جل ذكره ضمن لمن اتبع هداه الا يضل في الدنيا ولا يشقى في ~~الآخرة). # نعم الضمين الله لمن اتبع هداه، الا يضل عن طريقة الأبرار، ولايزل فيشقى ~~في الآخرة مع أهل النار. # (وبمثل هذه الشروط يستبان البرهان، ويستشف الغامض من الصواب، وتستبان ~~دقائق العلوم). # وشرح الشروط نختم الكتاب بذكرها، والشروط هي علامة مؤثرة لها حكم شرعي ~~عقلي، لايخرج عنها من شرطت عليه، ولها مساغ في اللغة مأخوذ من شرط الحجام. # (يستبان البرهان) أي يعرف الحق بها وعليها. # (ويستشف الغامض من الصواب)، أي يلحظ بالاجتهاد، وهو مأخوذ من الشف، وهو ~~الثوب الرقيق الذي بعد على الغير مبلغه من الصواب الذي أصبت به الحق. # (ويستخرج دقايق العلوم) أي يطلع على مادق من العلوم العقلية والشرعية. # (ويهجم على مباشرة اليقين بربه). # أي يطل على مايوقن به على حقيقة الربوبية. PageV01P098 # (فيهتك الشكوك عن قلبه). # بعلم الحق يقطع بذلك أسباب الشك عن قلبه. # (ويؤيد بنيته). # أي يعان على ذلك بخاطر في نيته ms50 ينبهه من سنة غفلته. # (ويصعد في درجات اليقين بربه). # رقا في الملكوت، لما صفى عقله نظر في قدرة الحي الذي لايموت، فاعترف ~~بالعبودية، لما انكشف له حقائق الربوبية بصعوده في درجات اليقين إلى عليين. # (أولئك أهل العقول الراجحة والفطن الصحيحة، والأراء السليمة). # هم الذين عقلوا عن أمر الله ونهيه، فرجحت عقولهم، وصحت فطنتهم، من مرض ~~الجهل، وسلمت آراءهم من الفساد والحيل. # (أولئك بقية الله في خلقه، وأحباؤه من عباده، وخلصاؤه من بريته، أوتاد ~~أرضه، ومعادن دينه). # أي أبقى الله ذكرهم في خلقه أحياء وأمواتا، كما قال أمير المؤمنين: # « العلماء باقون مابقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة ». PageV01P099 # (وأحباؤه من عباده)، هذه الصفة لاتليق بالله تعالى في الحب والبغض إلا على ~~سبيل المجاز، وإن كان قد ورد به السمع، فلامساغ له في العقل. # (وخلصاؤه من بريته) لم يستخلصهم حتى خلصوا، ولم يستصفيهم حتى صفوا، خلصوا ~~من الذنوب، وصفوا من كدر العيوب، فنالوا بهذه الصفة من الله تعالى القرب ~~والمعرفة، ونيل الكرامة والزلفة. # (من بريته) من برأه الله وذرأه اسم لذلك سماه، وبينه لنا ففهمنا معناه. # (وأوتاد أرضه) أحدهم شبيه بالوتد من الجبال التي تشد الأرض من الزوال، ~~فهم للخلق أوتاد، ولهم أعماد، لايزولون ماوجدوا، ولايخلون مافقدوا. (ومعادن ~~دينه) أحسن من معادن الجواهر، وأزين من كل رائق للعيون فاخر، معادن الدين، ~~وسدنة علم رب العالمين، وسلالة النبيئين، وأئمة المؤمنين صلوات الله عليهم ~~أجمعين. # انتهينا إلى شرح الشروط التي تقتضيها الجملة التي أوردها عليه السلام في ~~ذكر مايكون عليها من المؤمنين ذوي الاستنباط لغامض العلم بالعقل الرصين، ~~والاحتياط لنجاة المؤمنين، ومن يكون حجة في زمانه على الأمة بعد النبيئين ~~والأئمة، من يلجأ إليه في الفتوى ويلجأ إليه في الدين والدنيا. PageV01P100 # وكان أبو العباس أحمد بن إبراهيم الحسني رحمه الله تعالى يذهب إلى أن ~~الفتوى لاتحل إلا لمن قد عرف طرفا من الأصول والفروع، وعرف المسائل التي ~~اختلف فيها الأئمة والفقهاء من العامة، وعرف مسائل الاجتهاد، ويكون عالما ~~بجملة من اللغة العربية وحقائقها، ms51 ومجازها، والأسماء اللغوية، والشرعية، ~~والعرفية، وماالذي يجوز أن يراد بالعبارة الواحدة، وماالذي لايجوز أن يراد، ~~ويعرف هل يجوز أن يكون في القرآن مجاز، ومتى يحمل الخطاب من الله على ~~المجاز، ومتى يحمل على الحقيقة والمجاز معا، ومتى يدخل التعارض في ~~الكلامين، وكذلك في الاجتهادين، وما يتصل بهذا الجنس من طرف من علم النحو ~~والإعراب، ومافي الفقه من الخاص والعام، وماحقيقتها، ويعرف مقتضى العموم، ~~ويعرف ماالذي يقتضي ظاهر الأمر والنهي، وإذا تعارض الظاهران وكانا يفيدان ~~حكما شرعيا كيف يكون الحكم فيهما؟ ومايتصل بهذا الباب من أصول الدين، حتى ~~يعلم مايجوز على الله ومالايجوز، ولايحمل ظاهر القرآن على خلاف مادلت عليه ~~العقول، فإن هذا قد ضل فيه كثير من الأمم، وزلت عنده أقدام من جهله وظلم، ~~ولم نقل ذلك ولم نشرط هذا الشرط من أولئك، ولاشدد بهذا التشديد إلا نهيا ~~للأمة من التقليد، وزجرا لمن يفتي بالتوهم من الكتب في شواذ المسائل ، ~~وحظرا على غير من يعلم غير طائل، فليتق الله تعالى من سمح في هذه الطريقة، ~~وأفتى في العلم على غير حقيقة. PageV01P101 # وأما قوله عليه السلام : (فأما أحكامهم فماكان جميعا منها حقا فإنه يقر ~~وماكان باطلا ينقض) يعني أحكام أهل البغي إذا صارت في يد من حكم لهم بها، ~~وظهر الإمام عليهم فاستولى على بلادهم، فإذا رفع إليه حكمهم فعل ذلك، فإما ~~أن يولي قضاة المخالفين، ويجعل أحكام الشريعة إلى غير أهل الدين، فهذا ~~مالايحل له أن يفعله في المسلمين، لأن هذا يكون تشريفا لهم وإلزاما، ورفعا ~~لمنزلتهم وإعظاما، وعليه أن يعزلهم عن القضاء، ويهينهم على قدر مايرى، ~~ليكون ذلك أقرب إلى الولاء والبراء، حتى يسلس له في قياده، ويعرف منه ~~الرجوع عن فساد اعتقاده. # ولقد علمنا في زماننا ورأينا ونقل عن غير واحد إلينا من هؤلاء الشافعية ~~والحنفية من التنقير في الفروع والإمعان في الاستدلالات فيها والتضليل ~~لبعضهم بعضا، والتشديد في ذلك، مع إجماعهم أن بعضهم لايرى الصلاة خلف من ~~علم منه خلافا في ذلك، مع إجماعهم أن الفروع أهون ms52 مأخذا وأبعد من المآثم، ~~والأصول هي تقتضي التشديد، فقالوا فيمن اشترى عشرين بيضة ووجدوا فيها بيضة ~~مذرة قولا بسيطا. وقالوا فيمن اشترى شاة فوجدها مصراة، فأوردوا فيها من ~~المسائل ماملأ الأوراق، وتجاوز الإسهاب والإغراق، فإذا جاءوا إلى مسائل ~~الأصول وذكروا أدلتها وبيان مانبه الله على عظمته ووحدانيته، وعلى البعث ~~والنشور، وعلى صدق النبيئين والمرسلين، وعلى إثبات معجزاتهم وآياتهم، ~~وجدتهم خرسا لاينطقون إلا همسا. PageV01P102 # ولو سألت عراقيا فقلت: لم قال أصحاب أبي حنيفة في رجل صلى الظهر خمسا كذا ~~وكذا، وكيف يكون الظهر خمسا والظهر في الشريعة أربع ركعات لاخمس؟ فقال: ~~فقرر وأورد فحرر، وثبت فيه الحمية والأبية والعصبية. # وكذلك إن سألت الشافعية لم قال المزني في أول كتابه: « هذا ما اختصرت من ~~علم الشافعي ». والعلم هو الذي في القلب، وكيف يختصر مافي القلب؟ ولم قال ~~بعد ذلك مع إعلانه نهيه عن تقليده وتقليد غيره : وقد جوز الشافعي تقليد ~~الصحابة في رسالته القديمة، وقال: إذا اختلفوا أخذ بقول الأئمة فيهم، أو ~~بقول أعلمهم. ورجحه على القياس، وقال في موضع: قلدته تقليدا لعثمان. # وكيف يرضى بهذا عاقل يريد الله واليوم الآخر وإنما يرضى بهذا من يتسوق به ~~عند العوام، ويبتغي به جاها عند الطغام، ولقد ذم الله تعالى من لم يقم ~~بالحجة والجدال، وغفل غفول ربات الحجال ?أو من ينشأ في الحلية وهو في ~~الخصام غير مبين? [الزخرف: 18]. # وقال عز من قائل: ?وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى تلك ~~أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين? [البقرة: 111] ونظايرها من ~~القرآن كثير. # وقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « العلماء ورثة الأنبياء، إن ~~الأنبياء لم يورثوا دينارا ولادرهما وإنما ورثوا العلم فمن أخذ منه فقد أخذ ~~بحظ وافر ». PageV01P103 # وقد بعث الله النبي صلى الله عليه وآله وسلم ليعلم الناس الخير فقال ~~سبحانه: ?هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ~~ويعلمهم الكتاب والحكمة? [الجمعة: 2]. # فمن كان عالما وعلم ماعنده فهو خليفة رسول الله صلى الله ms53 عليه وآله وسلم، ~~ولهذا روي عن المسيح أنه قال: « من علم وعمل وعلم دعي عظيما في ملكوت ~~السموات ». # ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « ثلاثة لايستخف بحقهم إلا ~~منافق بين النفاق: الإمام المقسط، وذو الشيبة في الإسلام، ومعلم الخير ». # وإذا علم العاقل أن شيئا يدنيه من الواجبات وترك المعاصي وغلب على ظنه، ~~ويكون قلبه عند ذلك أدنى إلى ماذكرناه وأقرب، تمكن من فعله وجب عليه، ~~كمقامه وخروجه إلى محله، كان أقرب إلى فعل الواجبات، وترك المعاصي، وأمكنه ~~إليها، وجب عليه كذلك، وصار فرضا لازما، لأن ماقرب من واجب أوترك قبيح فهو ~~واجب، وكذلك الصناعات أو معاشرة القرباء ومجالسة الأولياء والأصفياء. # وروي عن شهر بن حوشب عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله صلى الله عليه ~~وآله وسلم: « من تعلم العلم ليباهي به ويماري به السفهاء، ويماري به في ~~المجالس لم يرح رائحة الجنة ». PageV01P104 # وفي بعض الأخبار: « يؤمر بالعالم الفاسق إلى النار قبل عبدة الأوثان ». ~~وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « لايدخل الجنة من في قلبه ~~من الكبر وزن حبة من خردل ». # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « إذا كان يوم ~~القيامة فأول من يدعى برجل جمع القرآن، فيقول الله له: عبدي ألم أعلمك ~~ماأنزلت على رسولي؟ فيقول: بلى يارب. فيقول: ماذا عملت فيما علمت؟ فيقول: ~~يارب كنت أقوم الليل وأصوم النهار. فيقول الله تعالى: كذبت بل أردت أن ~~يقال: فلان قارئ، وقد قيل. إذهب فليس لك اليوم عندنا شيء. ثم يدعى بصاحب ~~المال فيقول الله عز وجل: عبدي ألم أنعم عليك، ألم أفضل عليك، ألم أوسع ~~عليك؟ فيقول: بلى يارب. فيقول: فماعملت فيما آتيتك؟ فيقول: يارب كنت أصل ~~الرحم والصديق وأفضل. فيقول الله تعالى: كذبت، بل أردت أن يقال: إن فلانا ~~جواد، فقد قيل. إذهب فليس لك عندنا شيء. ويؤتى بالمقتول فيقول الله تعالى: ~~عبدي فيما قتلت؟ فيقول: يارب فيك وفي سبيلك. فيقول: كذبت بل أردت أن ms54 يقال ~~فلان جريء، فقد قيل. إذهب فليس لك عندنا شيء ». # قال أبو هريرة: ثم ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يده على ركبتيه ~~فقال: يا أبا هريرة أولئك الثلاثة أول خلق الله تعالى تسعر بهم النار. PageV01P105 # والعالم من أهل البيت عليهم السلام مع ظهور ورعه وفقهه أولى من نقلت عنه ~~الأخبار، ولايبعد ذلك من علماء شيعتهم على هذا الشرط، لأن مأخذ الشريعة ~~منهم أولى، لقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « إني تارك فيكم ما إن ~~تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبدا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، إن اللطيف ~~الخبير نبأني أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض ». # وروى أيضا في الخبر الظاهر أنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: « مثل أهل ~~بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا ومن تخلف عنها غرق وهوى ». # وقال في أمير المؤمنين عليه السلام خاصة: « من أحب أن يتمسك بقضيب ~~الياقوت الأحمر الذي غرسه الله تعالى في جنات عدن فليتمسك بحب علي » عليه ~~السلام. # ومثل ذلك كثير يطول شرحه، قد رواه المخالف والموافق. # وروي عن جابر الأنصاري أنه سئل عن علي عليه السلام فقال: ذلك خير البشر. # وأما الحسن والحسين فهما أبناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كانت ~~الصحابة يدعوهما بذلك. # وروي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: « كل بني بنت ينتمون ~~إلى أبيهم غير ابني فاطمة فأنا أبوهما وعصبتهما ». # وقال فيهما: « الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة وأبوهما خير منهما » ~~وهذا يقتضي أنهما سيدا المتقين والعابدين والزاهدين والعالمين، لأن أهل ~~الجنة من المكلفين هذه صفاتهم، وروى أيضا: « الحسن والحسين إمامان قاما أو ~~قعدا ». PageV01P106 # وروي أيضا عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: « من ~~أحبهما في الجنة ومن أبغضهما في النار ». # وروي عن أبي هريرة أيضا قال: نظر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى ~~علي وفاطمة والحسن والحسين فقال: « أنا حرب لمن حاربهم وسلم لمن سالمهم ». # هذا ms55 آخر ماانتهينا إليه في هذا الفصل الذي شرطناه من الأخبار، وملنا إلى ~~الاختصار لأنها عند أهل الأحاديث كثيرة، وفي كتب العلم جمة غفيرة، ولايسعها ~~كثير الأوراق، ولا هذا موضع المت بها والإغراق، لأمر في كتابنا هذا أشرنا ~~إليه، ولعذر من استيفائها في فضلهم وقفنا لديه، وإلى الله سبحانه نرغب في ~~الثواب إنه كريم وهاب. # اللهم إليك تقربت بشرح الكلام، رجاء لمايحصل لي منك عليه من الثواب ~~والإنعام، وصرفت همتي فيه عن أيادي الأنام، واعتمدتك ليوم فقري ياذا الجلال ~~والإكرام، فاغفر لي جميع الأثام، وتقبل مني ما أردت به وجهك في هذا المقام، ~~وماعملت فيه من خطأ أو زلل أو خالطني مالايرضيك مني فيه عند العمل، فتغمده ~~بعفوك، والطف لي بالعون على أداء شكرك، والانتباه في أوقات الغفلة لذكرك، ~~وصل على نبيك الأمين وأهله الطيبين الأخيار وسلم تسليما. # تم وكمل وانتهى شرح البالغ المدرك بعون الله ولطفه وتوفيقه وإعانته فله ~~الحمد كثيرا بكرة وأصيلا حمدا دائما سرمدا لايحصى وله الشكر على ذلك والفضل ~~على ماهنالك وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى عترته الطاهرين ~~السابقين والمقتصدين والحمدلله رب العالمين. PageV01P107 ms56