######OpenITI# #META# author: pseudo-Hermes Trismegistos #META# title: De castigatione animae #META# ed_info: Ed. ʿAbd al-Raḥmān Badawī (1955), al-Aflāṭūnīyah al-muḥdaṯah ʿind al-ʿarab, Cairo: Maktabat al-nahḍah al-miṣrīyah, pp. 53-116. #META# coll_id: tlg1286.perseus001.alpheios-text-ara1 #META#Header#End# ### | [chapter 0: Preface] # بسم الله الرحمن الرحيم ### ||| كتاب معاذلة النفس لأفلاطون وهو أربعة عشر فصلا # [رسالة منسوبة إلى هرمس الحكيم فى معاتبة النفس، وزجرها عن الأمور ~~السفلية، وحضها على طلب ما يلائمها ويشاكلها من الأمور العلوية، وقصوها عما ~~يؤذيها ويوبقها، وحثها على ما فيه استقامتها وصلاحها. وأوضح الدلائل ~~والبراهين على ما شرحه من ذلك. ولم يقتصر على سبر المعنى، بل أغرق فى كشفه ~~لكل أحد PageV01P053 بغير قصد تفسير ولا تنميق لفظ، بل بما يقوم فى العقول ~~والأفكار، ويقبله كل ذى لب صحيح. إذ كان ذلك مما يردع عن الانحطاط فى شغب ~~هذه الدنيا الفانية، والتمسك بحبال غرتها، ويرشد إلى أعمال الخير ويحض على ~~الإكثار منه وما يقرب من خالقها ويزلف لديه ويسكن نعيمه الذى لا زوال له ~~ولا انقضاء لمدته. # نفع الله به قارئه، وألهمه طاعته، ووفقه لمرضاته، بمنه وخفى لطفه. والشكر ~~لله كثيرا مستمرا]. ### | [chapter 1: 1] الفصل الأول # قال أفلاطون قدس الله روحه العزيز فى مخاطبته لنفسه: # يا نفس! تمثلى وتصورى ما أنا مورده لك من المعانى العقلية الموجودة وجودا ~~دائما. فما تصورته فقد عقلته واقتنيته وتيقنته كتيقنك أن الحى جنس لنوع ~~الإنسان، وأن المتنفس جنس لنوع الحى، وأن الجسم جنس لنوع المتنفس، وأن ~~الجوهر الأقصى جنس لنوع الجسم؛ وكتيقنك أيضا أن المستوى غير المعوج، وأن ~~الكل أعظم PageV01P054 من الجزء، وأن الماء يروى من العطش وأنه بارد رطب ~~بالطبع، وأن النار تحرق وتنضج وأنها حارة يابسة بالطبع — وكسائر ما قد ~~عقلته وشاهدته وشافهته فى عالم العقل وعالم الحس، وما خفى عنك يا نفس مما ~~أنا مبينه لك، فاستعملى فيه التمثل العقلى المتقن الصحيح البرىء ومن ~~الاختلاط والاختلاف، فإنه سيدلك ظاهر ما شاهدته على باطن ما خفى عنك، كما ~~استدل الناظر إلى الصورة الممثلة فى الحائط على وجود المصور لتلك الصورة ~~الممثلة، وكما استدل بما عاين من حركات يده على سرائر تخطيطها وتشكيلها على ~~لطائف ما كان قائما فى فكره ونفسه من جملة ذلك، يا نفس: فإنه قد يستعمل ~~التمثيل على سائر ms01 الأشياء بالآثار الموجودة عند غيبة المؤثرين لها، وأيضا ~~قد يستعمل التمثيل له فى الاعتبار والتعجب مما قد ورد ومما هو وارد لا ~~محالة بضروب الأمثال على غائب الأشياء وشاهدها. فاستعملى، يا نفس، التصور ~~والتمثل فى سائر الأشياء الموجودة عقلا وحسا. واعلمى أن الشىء الذاتى ~~بالحقيقة الأصلى التام النورى هو المفيد الحكم PageV01P055 اللطيفة ~~والتمييزات الشريفة والحياة الدائمة وسائر الأشياء التى هى جزئيات له لا ~~أجزاء، وهو كلى لها لا كلا. فاعتبرى ذلك يا نفس وتيقظى واحذرى الغفلة ~~والتوانى، واستعملى التهذب من أوساخ الطبيعة؛ واستعينى على ذلك بالخضوع ~~والرغبة والابتهال إلى ينبوع الخير ومظهره، وأصل العقل ومبدعه، ومفيد ~~الحياة والحكمة والجود التام والرحمة، تحيى بذلك يا نفس وتسعدى. # يا نفس! عن مبدع الأشياء ومبدئها ومنشئها — جل جلاله وتقدست أسماؤه — ~~صنعك وأبدعك وجعلك ذات التصور والتمثل: فأما التصور فتصورك الشىء على حقيقة ~~ما أبدعه مبدعه؛ وأما التمثل فتمثلك ما خفى عنك معناه من عالم العقل بما ~~شاهدته فى عالم الحس، مثلا بمثل، ومعنى بمعنى، كما أن تدل ذات الصورة ~~المطبوعة فى الشمع على معناها وحقيقتها فى الطابع، وكما تدل الصورة الممثلة ~~فى الطابع على معنى حقيقتها فى نفس ممثلها ومصورها؛ وكما يؤثر الماء فى ~~الرمل والطين معانى حركاته وتموجه. # فاكتفى منى يا نفس بحقيقة ما قد أوردته لك، واعلمى أن جميع ما أنت مشاهدة ~~له فى عالم الكون والفساد من الصور والصنع إنما هى تمثيلات وتشكيلات معان ~~هى فى عالم العقل بالحقيقة غير زائلة ولا بائدة. وما فى العالم الروحانى ~~فملاحظته بالمشاهدة PageV01P056 العقلية. فيجب على كل روحانى وجسمانى عند ~~بلوغه الكون الجزئى أن يتيقن بالعقل أنه حقيقة غير زائلة. وإنما يصور العقل ~~ذاته لذاته فى الهيولى، ثم ينظر بذاته إلى معانى ذاته وصورها فيلتذ بذلك ~~إعجابا منه بذاته، إذ اللذة العقلية هى مما يناله العقل من ذاته بذاته لا ~~بشىء خارج عنه، ولا بعرض عارض بل من ذاته لذاته. وهذه هى اللذة الحق ~~الدائمة الأبدية. # يا نفس! تيقنى واقتنى معرفة الأشياء بآنياتها وماهياتها ms02 ولا تحتفلى ~~بمعرفة كيفياتها وكمياتها، لأن المطلبين الأولين بسيطان أزليان ولا وسيط ~~بين النفس وبينهما، وأن المطلبين الآخرين مركبان زائلان زمانيان مكانيان. ~~واعلمى يا نفس أن علم التركيب لن ينفصل معك مجردا محمولا فى ذاتك عند ~~مفارقتك الحس. فخذى علم البسيط، وذرى علم المركب. # يا نفس! هذا جرم الأرض هو أثقل الأشياء كلها وذلك لرسوبه تحت سائر ~~الأشياء وطفو سائر الأشياء كلها عليه. ولذلك صار هذا الجرم فى الغاية ~~القصوى من الكثافة والجلافة والانحصار والكزازة وعدم النور والحياة. — ثم ~~يتلو هذا الجرم من الأشياء PageV01P057 جرم الماء وهو ألطف من الأرض وأصفى ~~وأشرف وأنور وأقرب إلى الحياة. ثم يتلو جرم الماء جرم الهواء، وهو ألطف من ~~الماء. ثم جرم النار الذى هو ألطف العناصر الأربعة وأشرفها وأشدها نورا. ثم ~~يتلو جرم النار جرم الفلك الذى هو صفو ما تحته والمخصوص بالشرف على سائر ~~الأجرام للطافته وإشفافه وشدة أنواره وحسن نظامه وترتيبه وقربه من الحياة ~~ومجاورته الأشياء الشريفة الحية العاقلة، وأنه متشكل بسيد الأشكال وأتمها ~~وأصحها الذى هو الشكل الكرى المدور، وأن سائر ما يحتوى عليه متشكل بشكله ~~كرة دون كرة على الترتيب الذى ينتهى إلى كرة الأرض. ثم التالى لجرم الفلك ~~الذى هو أقصى الأجرام كلها هو جوهر النفس المعطية الأفلاك الحركة النظامية ~~والأنوار الصافية الشريفة التى هى ألطف من سائر ما أحاطت به من الأشياء ~~واحتوت عليه. وذلك أن سائر ما تحتوى عليه أجسام وهى لا جسم ألبتة، وأن سائر ~~الأشياء ممادونها لا حياة له إلا بها، وأنها ذات الفكرة والإرادة والتمييز: ~~فما واصلته أظهرت فيه ذاتها على حقيقة قبوله فصار حيا، وما لم تواصله لم ~~يوجد له فكر ولا إرادة ولا حركة ولا تمييز. وما فقد شيئا من هذه الأشياء ~~فهو ميت لا محالة. والشىء التالى لجوهر النفس والعالى عليها والمحيط بها هو ~~العقل. وبحق إنه ألطف الموجودات وأشرفها وأعلاها منزلة، وإنه المرتب تحت ~~أفق الأزلى تبارك وتعالى والآخذ عنه بغير وسيط، والمفيد جميع ما تحته الشرف ~~والنور والحياة، ms03 وأنه الترجمان الأعظم والحاجب الأقرب. # فتأملى، يا نفس، هذا الترتيب وتيقنيه واعتقديه فإن هيئة الموجودات ~~ونظامها وترتيبها. PageV01P058 ### | [chapter 2: 2] الفصل الثانى # يا نفس! لا تذمى الدنيا وتقولى: هى دار خديعة ومصيدة وغرور، فإنها ليست ~~كذلك إلا عند ذوى العقول الناقصة ومن يعرض له الجهل والنسيان. ولو كانت دار ~~خديعة بالحقيقة لكان الإنسان منذ بدء ظهوره فيها إلى وقت خروجه منها لا ~~يشافه منها إلا نعيما ولذات وسرورا. ثم تأتيه المساءة حينئذ بغتة فتزيله عن ~~ذلك النعيم ويستحيل به ما كان فيه إلى خلاف ذلك. وليس الأمر فيها كذلك، بل ~~إنما يرى الإنسان ينشأ فى هذه الدنيا ويتربى بأحوال مختلفة لا نظام لها: ~~فيوما محزون، ويوما مسرور، ويوما متلذذ، ويوما متألم متوجع. والشىء إذا ~~أظهر لك جميع ما فى طبعه فقد أنصفك ونصحك؛ وإنما المخادع من كان فى طبعه ~~الخير والشر فأظهر لك الخير وأبطن الشر لوقت الفرصة والمكنة منك. ولست أرى ~~أحدا نال من هذه الدنيا فرصة إلا وأعقبه ذلك غصة وألما. وليس هذا شرط ~~المخادعة من قبل الدنيا، وإنما المخادعة من قبل الإنسان لنفسه، وذلك أن ~~الإنسان الناقص هو المخادع نفسه المهلك لها، لا الدنيا، لأن الدنيا قد ~~أظهرت له جميع ما فى طبعها من نعيم وبؤس. فاغتبط الإنسان PageV01P059 ~~الضعيف العقل بنعيمها واعتقده دائما وأنسى بؤسها وأهمله ثم يقول: خدعتنى ~~الدنيا! وأى خداع خدعته الدنيا! وإنما هو المخادع نفسه والمهلك لها. # يا نفس! لا تكن أخلاقك فى هذه الدنيا كأخلاق الصبى الذى لا عقل له: إن ~~أطعم ورفق به رضى وضحك؛ وإن شدد عليه بكى وغضب: فهو بينما يكون ضاحكا حتى ~~يكون باكيا، وبينما يكون راضيا حتى يكون غضبان. وليست هذه أخلاق العقل ~~الوحيد، بل أخلاق مشتركة مذمومة. # يا نفس! إنما رتبت الدنيا على هذه المعانى المختلفة التى هى خير وشر، ~~ونعيم وبؤس، وشدة ورخاء — تنبيها للنفس، وإيقاظا لها، ومثالات تعمل عليها ~~فتكتسب بذلك العقل المضىء المنير والعلم الثابت الذى هو الحكمة والمعرفة ~~بحقائق الأشياء، وإنما وردت إليها النفس لتعلم ms04 وتخبر. ومن ورد إلى محل من ~~المحال ليعلمه ويخبره ويعرف حاله ثم ترك العلم والبحث والاختيار وتشاغل ~~بالنعيم والتلذذ — فقد ضيع مطلبه ونسى أربه الذى قصد له. # وإنما شرحت لك يا نفس هذا الشرح لئلا تكونى فى رتبة الذامين للدنيا عند ~~سخطهم عليها، والمادحين لها عند رضاهم عنها، وليس هم بالحقيقة لا ذامين ولا ~~مادحين، بل هم تائهون ضالون قد أضاعوا طلبهم وأنسوا أربهم وذهب استعمالهم ~~آلاتهم باطلا PageV01P060 غير متحققين بعلم ولا مكتسبين لقنية. # يا نفس! إنما هذه الدنيا دار علم وبحث واختبار للمتأملين. فتأملى، يا ~~نفس، جميع معانيها وصورها وصنعها وتشكيلاتها المحسوسة السائلة الزائلة ~~البائدة الأعراض والأشخاص. واعلمى أنما هى مثالات الصور بالحقيقة والصور ~~الحقية والتشكيلات الحقية الدائمة الأبدية. # وبالجملة، يا نفس، فإنه ليس فى عالم العقل نوع إلا وشكله ظاهر فى كيان ~~جريان الطبيعة. وكذلك جميع ما هو موجود فى عالم الكون إنما هى دواع ~~ومثالات: فلذاته الكاذبة الزائلة تدل على اللذات الصادقة الدائمة، وصوره ~~المنحلة الزائلة السائلة الهالكة تدل على الصور الباقية الثابتة؛ وإن ~~اختلاف جميع ما فى الحس وزواله يدل على اتفاق جميع ما فى العقل وبقائه ~~وثباته. # فما دمت، يا نفس، فى عالم الطبيعة فلا تطلبى منه لذة ولا تتشاغلى بمحسوس ~~عن التعلم والتصور والتمثل والبحث والاستكشاف لجميع ما قصدت له من مطالبك ~~وآرابك لتكفى العودة والرجوع على اكتساب العلم. فإذا تشوقت يا نفس إلى ~~اللذات PageV01P061 والسرور الدائم فانزعى لباسك الكدر وتهذبى من أوزار ~~جسمك، وتنقى من الأشياء المخالفة لجوهرك. ثم صيرى إلى عالم اللذات الحقيقية ~~والسرور الدائم، والبسى حللك الذاتية، وتصورى بصورك الجوهرية الدائمة ~~الباقية التى أنت مشاهدة لتشكيلاتها ومثالات أنواعها وأنت فى عالم الكون ~~والفساد. # فتيقنى يا نفس جميع ما قد شرحته لك واعقليه. واعلمى يا نفس أن مهلكات ~~الأمور ثلاثة أجناس: أولها الشرك وسائر أنواعه، والظلم وسائر أنواعه، ~~والتلذذ وسائر أنواعه. ويجمع هذه الأجناس وسائر أنواعها كلها أصل واحد — ~~وهو حب الدنيا. فتحرزى، يا نفس، من الدنيا وأعرضى عنها، وانظرى إليها بعين ms05 ~~الخائف الوجل منها. وكونى منها كالطائر الذى عرف الفخ المنصوب وفطن له ~~فانحرف عنه وحذره. واعلمى يا نفسى أن تحرزك وهربك من جنس الشرك يذهب بك إلى ~~مرتبة التوحيد، وأن تحرزك من جنس الظلم يذهب بك إلى رتبة النور والصفاء ~~والتهذيب والتمحيض، وأن تحرزك من جنس التلذذ يريحك من مقاساة الخوف والحزن ~~والجهل والفقر. فتيقنى يا نفس حقيقة هذه المعانى، واعلمى صحتها تنجى وتسلمى ~~من الهلكة. # يا نفس! تأملى حكمة مبدع هذه الأشياء واعتبرى بها، واعلمى أن الإنسان لم ~~يخلق PageV01P062 لمعنى من المعانى إلا للعلم والعمل به، وكذلك الثمرة ~~الطيبة لم تخلق إلا للأكل. فكما أن عنقود العنب يبدأ وهو لا يصلح لشىء مما ~~يراد له، ثم ترد إليه المادة السائرة به إلى حد الحموضة العذبة فيكون حينئذ ~~يصلح لبعض ما يراد منه، لا لكله؛ ثم ترد إليه المادة السائرة به إلى حد ~~الكمال فى جميع المعانى التى لها يراد، فيتكامل حينئذ — فكذلك الإنسان ~~المحسوس يبدأ إلى عالمه وهو لا يصلح لشىء من المعانى التى تراد منه، ثم ترد ~~إليه المادة السائرة به إلى المعنى الذى به يصلح أن يكون متعلما، لا عالما. ~~فإذا ارتاض بهذه الرتبة وردت إليه المادة الكبرى الكاملة المكملة فتجعله ~~حينئذ عالما عاملا فيكمل حينئذ. وكذلك الإنسان المعقول إنما هو القوة ~~الآتية فى العضو الواردة مع المنى إلى الرحم ثم حينئذ ترد إليه القوة ~~المصورة التى يمكن أن تصوره بتوسط الأجرام الإلهية. فإذا صار عقلا بالقوة ~~ذا غضب وشهوة وردت إليه حينئذ القوة الثانية المتممة التى هى عقل بالفعل ~~فسارت به إلى حد الكمال فحينئذ تكون جميع أسبابه بالفعل بعد أن كانت فى ~~الابتداء: لا بالفعل، ولا بالقوة. ثم انتقل إلى مرتبة كان فيها بالقوة، ثم ~~ذهب من رتبة القوة إلى رتبة الفعل والكمال فصار حينئذ فاعلا كاملا، مصورا ~~متصورا، ممثلا PageV01P063 متمثلا. — واعلمى يا نفس أن التأمل لهذه المعانى ~~دليل على لطيف حكمة مبدع العالم جل جلاله وتقدست أسماؤه. # يا نفس! إن المبدع جل اسمه كالناطق ms06 الفائض بما عنده من المعانى والجواهر ~~كلها للمستمعين منه؛ وليس كل المستمعين يفهمون عن التكلم، بل منهم من يحتاج ~~إلى ترجمان يؤدى إليه ووسيط يتوسط بين الناطق والسامع، وذلك لضعف تصور ~~السامع عن فهم القول. ومن هو كذلك فهو أعجمى لا يفهم حاجته إلا بترجمان ~~يفسر له حقيقة القول. فلا تكونى، يا نفس، من الجواهر المحتاجة إلى الوسائط: ~~فإن الترجمان ربما خان فى تعبير الكلام، وغير القول وحرفه — فاخرجى يا نفس ~~من رتبة العجومية إلى رتبة الفصاحة، واقتنى، يا نفس، العلم قبل العمل، ~~ومعرفة الثمرة قبل غرس الشجرة، لتحققى بالقول الثبوت على العلم قبل العمل، ~~فإن لك فى ذلك راحة كبيرة وفائدة عظيمة. ### | [chapter 3: 3] الفصل الثالث # يا نفس! إن الأعراض الحالة فى الجوهر الكثيف عدمت الاتفاق، وأتت إلى ~~الاختلاف والمضادة، فتحرزى يا نفس منها وانحرفى عنها: فهى المعنى الذى ~~حذرته والخوف الذى خوفته. PageV01P064 # يا نفس! أنت وحيدة وهى متكاثرة، وأنت متفقة وهى مختلفة، وأنت ناصحة وهى ~~مخادعة، وأنت حق موجود وهى لا حقيقة لوجودها، وأنت خير دائم باق وهى زخارف ~~وتمويه مستحيل فان. فأعرضى يا نفس عنها واحذرى استبعادها إياك وقطعها لك ~~وخذلانها بك. فلا تخرجى يا نفس عن ذاتك الوحيدة الحقية الشريفة وتتبعى ~~تكاثرها واختلافها ومحالاتها وخساستها وعورها — فتضلى وتهلكى. # يا نفس! حتى متى أنت فقيرة هاربة من ضد إلى ضد؟ فتارة هاربة من الحر إلى ~~البرد، وتارة من البرد إلى الحر، وتارة من الجوع إلى الشبع، وتارة من الشبع ~~إلى الجوع — وكذلك فى سائر الأطعمة والروائح: إن أسرفت عليك الحلاوة افتقرت ~~إلى الملوحة، وإن أسرفت عليك الملوحة افتقرت إلى الحموضة، وكذلك فى جميع ~~المشمومات وجميع ما أنت مشاهدة له فى عالم الحس: فبينما أنت فقيرة إلى ~~المقتنيات، فإذا وصلت إليها اكتسبت الخوف عليها ما دامت معك، فإذا فارقتك ~~وفارقتها فقد زال عنك الخوف وأعقبك ذلك أحزانا وغموما؟ فانزعى يا نفس هذا ~~الشىء الذى أنت فيه ومشاهدة PageV01P065 به لهذه الأشياء، والذى أنت معه ~~واجدة لهذه الأمراض والآلام. ولا تأسى ms07 لمفارقة الأحزان والهموم والخوف ~~والفقر، ولا تكرهى مواصلة الغنى والأمن والسرور: فإنه من آثر الفقر على ~~الغنى، والخوف على الأمن، والذل على العز كان جاهلا، ومن جهل فقد ضل، ومن ~~ضل فقد هلك. # يا نفس! تيقنى أنك قد برزت عن أصل أنت فرعه؛ وأن الفرع — وإن جرى إلى ~~غاية البعد عن أصله، فإن بينه وبينه وصلة ورباطا، ولهذه الوصلة والرابطة ~~يستمد كل فرع من أصله كالشجرة المثمرة: فإن الثمرة وإن بعدت عن أصلها ~~المبدئ لها فإن بينها وبينه اتصالا ذاتيا به يكون استمدادها منه. ولو عدمت ~~ذلك الاتصال — بأن يقطع بينهما قاطع مما سواهما، فحال بين الأصل والفرع ~~وأوجب قطع المادة عن الفرع — لفسد فى حال وتلف. — فتصورى يا نفس هذا، ~~وتيقنيه، واعلمى أنك راجعة إلى مبدئك الذى هو أصلك؛ فتهذبى من أوساخ ~~الطبيعة وأوزارها المبطئة بك عن سرعة الرجوع إلى عالمك وأصلك. # يا نفس! هذا عالم الطبيعة وهو محل الفقر والخوف والذل والحزن، وهذا عالم ~~العقل وهو محل الغنى والأمن والعز والسرور. وقد شافهتهما جميعا وشاهدتهما، ~~فتخيرى PageV01P066 على خبرة منك، واعلمى أنك لابثة فى أيهما شئت غير ~~مدفوعة ولا ممنوعة. واعلمى أن من الممتنع أن يكون الإنسان فقيرا غنيا، ~~خائفا آمنا، عزيزا ذليلا، مسرورا حزينا. وإن كان هذا هكذا، فكذلك لا يمكن ~~أن يجمع الإنسان حب الدنيا وحب الآخرة، بل ذلك من باب الممتنع أشد ~~الامتناع. # يا نفس! إنه من نزع سلاحه وكف نفسه واستسلم لعدوه وجب أسره. ومن قاتل ~~بسلاحه وحمى نفسه ولم يستسلم لعدوه، وجب قتله. وأى نفس وردت إلى عالم ~~الطبيعة فلا بد لها أن تسلك إحدى هاتين الحالتين: إما القتل، وإما الأسر. ~~فمن اختار الأسر فقد اختار طول العذاب وهوان الاستعمال وذل العبودية. ومن ~~اختار القتل فقدمات عزيزا وكان موته حياة له واستراح من الأسر وهوانه وطول ذله. # يا نفس! متى نويت ترك الأفعال الخسيسة الدنيئة فاقصدى نبعها واجتنبيه وهو ~~حب الدنيا. ومتى نويت الأفعال الشريفة الإلهية فاقصدى أصلها واغرسيه وربيه، ~~وهو الزهد فى الدنيا؛ ms08 وليكن فعل ذلك بريئا من النفاق والتمويه. # يا نفس! لا تخرج بك شدة الحذر وإفراطه إلى حد الجبن فتعدمى الشجاعة ~~وشرفها، وتكتسبى الدناءة وخساستها. واعلمى أن كل شىء مستمد هو غير ذات، وإن ~~كان غير PageV01P067 ذات فمحتاج إلى المادة، وأن كل محتاج إلى المادة ~~فمادته متوالية به دائما طول مدته المقسومة له. فتيقنى يا نفس هذا، فإن لك ~~تحته راحة كبيرة وفائدة عظيمة. # يا نفس! تمسكى بالتدبير الجزئى على حسب الإمكان. فإن تدافعت بك الأمور ~~إلى جهات التدبير الكلى فارضى بذلك واطمئنى إليه، واعلمى أن بذلك يسقط عنك ~~ثقل الاهتمام والتكلف: كرجل تكلف مصباحا يستضىء به فى طول الليل وظلمته؛ ~~فلما طلعت الشمس استغنى عن المصباح وزال عنه ثقل التكلف. # يا نفس! لا تقترنى بدنيئات الأمور وخسائسها فتلزمك العادة بذلك وتكتسبى ~~طبعا مخالفا لطبعك، فتعدمى بالانصباب إليها الرجوع إلى وطنك. واعلمى أن ~~مبدع الأشياء — جل وعلا — هو أشرف الأشياء كلها. فاقترنى بشرائف الأشياء ~~لتقربى من بارئك بطريق المجانسة، واعلمى أن شرائف الأشياء منضافة إلى ~~شرائفها، وأن خسائس الأشياء منضافة إلى خسائسها. # يا نفس! تطالبين بالاستقرار وأنت فى عالم الكون؟! وأى استقرار يوجد فى ~~عالم الكون! إن الزق ما دام على ظهر الماء فلا قرار له ولا طمأنينة ألبتة. ~~وإن استقر وقتا ما، فإن ذلك بالعرض، ثم يعود الماء إلى اضطرابه وتموجه بما ~~على ظهره. وإنما يستقر ذلك الزق إذا أخرج من الماء وأعيد إلى الأرض التى هى ~~ينبوعه وأصله PageV01P068 المشاكلة له بالكثافة والثقل — فحينئذ يستقر به ~~القرار. وكذلك النفس ما دامت فى جريان الطبيعة فلا قرار لها ولا راحة ولا ~~طمأنينة لإتعابه إياها وخذلانه إياها وقطعه لها. فإذا عادت النفس إلى ~~ينبوعها وأصلها استقرت وظفرت بالراحة، واستراحت من شقاء الغربة وذلها. ### | [chapter 4: 4] الفصل الرابع # يا نفس! إن عالم الطبيعة صفو وكدر، فتجرعى كدره قبل صفوه. وكذلك ينبغى ~~لمن طلب السعادة أن يسوس نفسه هذه السياسة. واعلمى أن شرب الصفو بعد الكدر ~~خير من شرب الكدر بعد الصفو، فلا تغترى بأن ms09 فى عالم الطبيعة صفوا يوجد؛ فإن ~~وجد فيه صفو فليس هو بالحقيقة، لأن ما لا دوام له لا صفو فيه، بل كدر كله ~~وثقل. وإنما ضربت لك مثلا. فإن أردت الشىء الصافى الهنىء فاطلبيه فى غير ~~عالم الكون والفساد. فإنك إن طلبته فى معدنه وجدته، وإن طلبته فى غير معدنه ~~عدمته. وإن أنت عدمت طلبك وفاتك أربك، اقترنت بك الأحزان والفقر، وأعقبك ~~ذلك مرضا يؤديك إلى الموت من العيش العقلى والحياة الدائمة. # يا نفس! إن هذا المركب الذى قد ركبته فى هذا البحر العظيم إنما هو من ~~أمياه تجمد وبالعرض تركب. ويوشك أن تطلع عليه الشمس فينحل إلى عنصره ويتركك ~~جالسة على وجه الماء، إن أمكنك الجلوس: تطلبين مركبا ولا مركب تجدين إلا ما ~~اكتسبته من جودة السباحة وحسن التهدى. PageV01P069 # يا نفس! إن الماء الصافى النقى يؤدى البصر إلى سائر ما فى ذاته. وإذا ~~شابه الكدر والوسخ حجب النظر عن إدراك سرائر الأشياء المستكنة فيه، وكذلك ~~نور الشمس إذا أشرق على الأشياء كان النظر مدركا لها بالحقيقة. فإذا عرض ~~فيه البخارات والدخان والغبار حيل بين البصر وبين إدراكه تلك الأشياء. ~~وكذلك أنوار العقل اللطيفة الشريفة إذا امتزجت بالأشياء الجلفة الكثيفة ~~المظلمة كدرتها وأعاقتها عن إدراك ما فى ذاتها من الصور والأشكال، وأعدمتها ~~التصور العقلى. فحينئذ تبقى النفس فقيرة من مقتنياتها، جاهلة بمعلوماتها، ~~عادمة حسن التهدى إلى طريق نجاتها. # يا نفس! ليس الزهد فى الدار ترك تزويقها وإصلاحها مع الرضا بالمقام فيها. ~~وإنما الزهد التام الرضا بالتحول عنها، والاشتياق إلى النقلة منها. وكذلك ~~يا نفس: ليس الزهد فى عالم الطبيعة ترك لذاته وشهواته مع الرضا بالمقام ~~فيه. وإنما الزهد بالحقيقة شدة الشوق إلى مفارقته والراحة منه ومن معاندته ~~ومضادته واختلافه وظلمته. — فينبغة لك يا نفس أن تعتقدى الشوق إلى الموت ~~الطبيعى والرضا به؛ وتحاذرى الفشل عنه. فبالخوف منه تكون الهلكة، وبالتشوق ~~إليه تكون السلامة. أليس تعلمين يا نفس أن بالموت الطبيعى تنتقلين من الضيق ~~إلى السعة، ومن الفقر إلى الغنى، ومن ms10 الحزن إلى السرور، ومن الخوف إلى ~~الأمن، ومن التعب إلى الراحة، ومن الألم إلى اللذة، ومن المرض إلى ~~PageV01P070 الصحة، ومن الظلمة إلى النور؟ فلا تأسى يا نفس أن تسلبى حلل ~~الشر والشقاء، وتلبسى حلل الخير والبقاء، مع تيقنك حقيقة ذلك ومشافهتك إياه ~~ومشاهدتك له بذاتك الفاردة الوحيدة. # يا نفس! تطالبين بالإخوان والأصحاب فى عالم الكون، وقد علمت أن ذلك من ~~جنس الممتنع، وإنما يوجد ذلك فى عالم الروحانيين لانفراد ذواتهم وتمحضها ~~وصفائها. فإن أحببت ذلك فصيرى إلى هناك لتظفرى بمطلوباتك، ولا تطلبى فى ~~عالم الكون ما ليس فيه، لأن سكانه أسرى ومماليك. وأى أخوة لأسير، وأى عهد ~~لمملوك! فتيقنى ذلك، واعملى به، واعتقديه. # يا نفس! اعلمى وتيقنى أن كل فاقد تائه، وأن كل تائه هالك. فاحذرى أن ~~تقتنى ما تفقدينه فتتوهى وتهلكى. # يا نفس! ما أشد مفارقة الأحباب! وأشد من ذلك محبة كل مفارق! # يا نفس! إن أهل الدنيا مظلومون ظالمون، مغرورون غارون: ومن ذلك أنهم ~~يستقبلون النفس الواردة إلى دار الهموم والأحزان بالطرب والسرور، ويشيعونها ~~— إذا صدرت عنها — بالبكاء والعويل. وكفى بهذا، يا نفس، ظلما ومخالفة للحق ~~والعدل! # يا نفس! تيقنى وتفهمى بالاستقراء والتأمل، واعلمى أن أربعة أشياء هى ~~السبب PageV01P071 فى هلاكك لا محالة: وهى الجهل، والحزن، والفقر، والخوف. ~~فاعلمى يا نفس أن من بحث عن العلم عدم الجهل، ومن ترك المقتنيات الخارجة ~~عنه عدم الحزن، ومن عف عن الشهوات عدم الفقر، ومن تشوق إلى الموت الطبيعى ~~ورضى به عدم الخوف. # يا نفس! الجاهل لا يعلم الشىء حقيقة ألبتة. والمقتنى الأشياء الخارجة عنه ~~حزين طول دهره، والفقير إلى الشهوات الحيوانية فقير أبدا. والخائف من الموت ~~الطبيعى قد عدم حلاوة الأمن. فهل يكون أشقى من نفس جاهلة حزينة فقيرة ~~خائفة؟! # يا نفس! إنه لو تقررت لك رتبة الصبر على مضض العدم السائر بك إلى حد ~~الانفصال من الطبيعة — لعدمت الخوف مع الفقر جميعا. فاعتقدى يا نفس الصبر، ~~ولا تجمعى مع الحزن والأسر والغربة فقرا وخوفا فتهلكى. # يا نفس! إن الموت ms11 تحت الصبر والثبات عز، وإن الموت تحت الهزيمة والفشل ذل. # يا نفس! إن القتل إنما هو ساعة وتنقضى؛ ومقاساة ذل الأسر حال تطول؛ فارضى ~~بالقتل فى الطبيعة ولا ترضى بالأسر، فإن القتل فى الطبيعة هو الحياة ~~الدائمة، وإن الأسر فى الطبيعة هو الموت الدائم. # يا نفس! هذه رتب ثلاث — فكونى على أشرفها وأجملها: فأدناها رتبة رجل عالم ~~غير عامل، ومثل ذلك كرجل ذى سلاح لا شجاعة فيه. وما عسى يصنع الجبان ~~بالسلاح! والرتبة الثانية: رجل عامل غير عالم — وهو كرجل شجاع لا سلاح له — ~~PageV01P072 فكيف يلقى عدوه من لا سلاح معه! غير أن الشجاع على السلاح أقدر ~~من الجبان على الشجاعة. وكذلك عامل غير عالم أشرف من عالم غير عامل. ~~والرتبة الثالثة هى رجل عالم عامل: فهو كرجل ذى شجاعة وسلاح. وهذه ينبغى أن ~~تكون الرتبة الشريفة. # يا نفس! إن القمر نير ما دام يرد إليه نور الشمس. فإذا عرض له أن يحول ~~بينهما ظل الأرض انخسف وأظلم. فكذلك النفس نيرة مضيئة ما دام يرد إليها نور ~~العقل. فإذا توسطت أسباب الكون والفساد حيلانا بينهما عدمت النفس نورها ~~فانكسفت وأظلمت. وكما أنه ما دامت الأرض فى وسط العالم لن يعدم القمر ~~الخسوف، فكذلك النفس ما دامت ملازمة الطبيعة لن تعدم الظلمة والأذى. — فقد ~~تبين من هذا الشرح أن راحة النفس فى مفارقتها للطبيعة والتحول عن هذه ~~الدنيا عاجلا. ### | [chapter 5: 5] الفصل الخامس # يا نفس! إن العقل ليس هو شيئا غير التصور والتمثل. وأى نفس عدمت التصور ~~والتمثل فقدت ذاتها. ومن فقد ذاته فهو ميت. # يا نفس! إن التصور والتمثل هو العقل الذى هو الحياة الدائمة والتلذذ؛ ~~والتنعم بالدنيا هو الموت الدائم. فلا تؤثرى مزايلة الحياة الدائمة على ~~مفارقة الموت الدائم فتهلكى. PageV01P073 # يا نفس! ما بال سائر الجواهر الطبيعية غير العاقلة متحركة بالطبع إلى ~~عناصرها ومواضعها الخاصة بها؟ وبحق أن كل جوهر إنما شرفه وعزه أن يرجع إلى ~~عنصره ويكون بنبعه ومحله وأصله! # يا نفس! أليس سائر ما يتكون من التراب كالحجارة ms12 وغيرها يرجع متحللا إلى ~~التراب الذى هو أصله ونبعته، حتى إنه لو أخذ جزء من الأرض فعلى به على وجه ~~الأرض ثم خلى سبيله لعاد مسرعا بحركته الطبيعية إلى عنصره وأصله؟ وكذلك ~~سائر المياه تراها أبدا منحدرة بالطبع ذاهبة مجتازة إلى عنصرها الأعظم مالم ~~يعقها عائق — كسائر العيون التى تنضاف إلى الأنهار، وكسائر الأنهار التى ~~تنضاف إلى البحر الذى هو عنصر الماء. وكذلك كل شىء مما سوى ذلك كسيلان ~~النار إلى العلو راجعة إلى عنصرها الأعلى، وكسيلان الهواء راجعا إلى عنصره. ~~فإذا كانت هذه الأشياء التى ليس لها عقل ولا تمييز، وإنما حركتها حركة هيام ~~وطبع به يتحرك كل واحد منها إلى حيث شرفه وعزه وقوته، ويأبى الغربة والبعد ~~عن وطنه ومحله — فما بالك أنت، يا نفس، وأنت ذات العقل والتمييز، تأبين ~~الرجوع إلى وطنك وعنصرك الذى هو شرفك وعزك، وتكرهين ذلك وتحبين البعد عن ~~أصلك ونبعك، وتختارين اللبوث فى الأرض الغريبة، ومقاساة الذل والهوان؟! ~~فياليت شعرى! أبالطبع تختارين ذلك، أم بالعقل؟ فإن كان ذلك بالطبع فساوى ~~PageV01P074 الطبيعة فى أفعالها ورجوعها أمدا إلى عناصرها. وإن كان هذا منك ~~بالعقل والتمييز، فكيف يجوز للعاقل المميز أن يختار الغربة على الوطن، ومحل ~~الخساسة على محل الشرف، ومقاساة الذل والهوان على الراحة والعز والكرامة؟! ~~ومن حصل على هذه الرتبة فقد بان أنه لا يعد فى رتبة الطبيعيات ولا فى رتبة ~~العقليات. وما لم يكن من هذين الجنسين فليس بشىء ولا يعد فى الموجودات، بل ~~ينبغى أن يكون منفيا منها. — فتصورى يا نفس هذه المعانى، وارجعى بعقلك إلى ~~شرفك الأعلى ومحلك الأقصى. # يا نفس! إنى تأملت اللذات كلها فلم أجد ألذ من ثلاثة أشياء، وهى: الأمن، ~~والعلم، والغنى. ولكل واحد من هذه الأشياء أصل وينبوع يحركه: فمن طلب العلم ~~فليذهب إلى معنى التوحيد فإنه بالتوحيد تكون المعرفة والعلم والتحقيق، ~~وبالإشراك تكون النكرة والجهل والشك. ومن طلب الغنى فليذهب إلى رتبة ~~القنوع، فإنه حيث لا قنوع لا غنى. ومن طلب الأمن فليعتقد التمنى لمفارقة ~~عالم ms13 الطبيعة، وهو الموت الطبيعى. # يا نفس! مادمت فى عالم الكون فاحذرى حالين هما مهلكات للنفس فاحذريهما ~~وانحرفى عنهما انحراف الخائف الوجل منهما، وهما النساء والأشربة المسكرة. ~~يا نفس! إن الواقع فى مصيدة النساء كالطائر الواقع فى يد صبى لا عقل له، ~~فالصبى يلهو به ويلعب ويفرح بهجا مسرورا، والطائر فى خلال ذلك يتجرع غصص ~~الموت ويلقى أنواع العذاب. PageV01P075 وكذلك، يا نفس، ينبغى أن تحذرى ~~الشرب والسكر: فإن السكر يجعل النفس كالسفينة الجارية فى تيار الماء ~~وأمواجه وليس فيها ملاح ولا مدبر يدبرها. فكذلك النفس إذا فارقت العقل جرت ~~الطبيعة بها جريا هائما لا ترتيب له ولا نظام، فهلكت وتلفت. # يا نفس! إن الشىء الذى يأتيك علمه ثم يعاودك نسيانه فتيقنى أنه إنما ~~يأتيك علمه من خارج ذاتك بمادة تتوسط بينك وبين علم ذلك الشىء. فإذا عاودك ~~نسيانه فإنما ذلك من قبل ظلمة الجسد واختلافه وثقله واجتذابه إياك إلى ~~ذاته، وإعاقته لك بكثرة أضداده وتركيبه، فتعودين، يا نفس، ناسية لما قد كنت ~~ذكرته، وجاهلة لما قد كنت علمته. ومثل ذلك يا نفس كمثل البصر والمبصرات ~~والظلمة والنور، وذلك أن البصر يكون فى الظلمة وتكون المبصرات حاضرة بين ~~يديه فلا يراها ويضعف عن إدراكها. فإذا ورد إليه النور المضىء أعانه على ~~إدراك مبصراته ومحسوساته التى قد كانت قبل ذلك غائبة عنه، فكان ذلك النور ~~سائقا له إليها ومتمما له إدراكه إياها، وجاعلها فيه بالفعل بعد أن كانت ~~فيه بالقوة. فما دام البصر واحدا ذلك النور فهو واحد لمبصراته ومدرك لها. ~~فإذا فقد النور وعاودته الظلمة عاد إلى فقد جميع محسوساته. ولو دام له ~~النور أبدا لدام له الإدراك أبدا ما دام النور وعدم الظلمة. فإذا كان قد ~~اتضح لك، يا نفس، أن النور يأتى من قبل العقل، والظلمة تأتى من قبل الجسد، ~~فينبغى لك يا نفس ألا تأسفى على فراق الجسد لشدة إضراره بك وخذلانه إياك ~~وإعاقته لك عن إدراك معلوماتك الدائمة الحقيقية، بل ينبغى لك يا نفس أن ~~تأسى على مفارقتك ms14 عالم العقل النورى لكثرة منافعه لك ومساعدته PageV01P076 ~~إياك على نيل مطلوباتك. فانصرفى، يا نفس، عن الطبيعة زاهدة فيها، قالية ~~لها، خائفة منها حذرة من عواقبها، فازعة إلى عالم العقل الذى هو أصلك ونبعك ~~ومعدن شرفك وعزك — تحيى بذلك الحياة الدائمة، وتستكملى السعادة التامة ~~الكاملة. # يا نفس! حتى متى وإلى متى أنت فى عالم الكون تطوفين واردة وصادرة، وذاهبة ~~وراجعة؟! تتخذين القرناء والخلان فخليلا تتركين، وخليلا تصحبين. ليس من ~~خليل تصحبينه فيخشن لك منه جانب إلا ولان لك منه جانب معتقدا لك الغدر ~~والخذلان، وأنت معتقدة له الوفاء والمساعدة: يعتل فتصححينه، ويدنس ~~فتطهرينه: فهو دائما يقابلك بما فى جوهره وطبعه، وأنت دائما تقابلينه بما ~~فى جوهرك وطبعك. ثم يعقبك بعد هذا كله بالقطيعة الكلية والفراق القاطع على ~~غير جرم أجرمته، ولا ذنب جنيته ولا شر صنعته. فأنت فى كل حين متجرعة من ~~الفراق غصصا وفاقدة إلفا وخليلا، على غدرهم بك ووفائك لهم، وظلمهم إياك ~~وإنصافك إياهم. لا عن الآخرة بالأولى تزجرين، ولا بطول تجربتك واختبارك لهم ~~تتعظين وتعتبرين. فحتى متى، وإلى متى تصاحبين الأشرار الظالمين والخونة ~~الغادرين؟ أهذا جهل منك وعمى، أم تجاهل وتعام عن الصواب؟! ### | [chapter 6: 6] الفصل السادس # يا نفس! إنه لو شرب شارب من الماء شربة واحدة لقد كانت تلك الشربة ~~PageV01P077 تقرر فى نفسه المعرفة بطبيعة الماء كله، وإن اختبار الجزء من ~~الشىء الفارد لينبىء عن جميع كليته، وإن الناظر إلى كف من التراب فقد رأى ~~التراب كله، وإن اختلفت ألوان التراب فليس جوهره بمختلف ولا حده؛ وإن ~~المصاحب للقرناء الذين كلهم من طبيعة واحدة وجوهر واحد لعارف بأن أحدهم ~~لينبىء عن جميعهم والقليل منهم ينبىء عن كثيرهم. فاقتصرى يا نفس على هذا ~~الشرح، واكتفى به — توفقى للنجاة والسلامة. # يا نفس! إنى أرى كل شكل يحن إلى شكله، وكل نوع ينضاف إلى نوعه. فينبغى أن ~~تكونى بهذا المعنى عارفة. # يا نفس! أنت صافية فلا تصحبى كدرا، وأنت نيرة مضيئة فلا تصحبى مظلما، ~~وأنت حية ناطقة فلا تصحبى ميتا أبكم، ms15 وأنت عالمة عادلة فلا تصحبى جاهلا ~~جائرا، وأنت طاهرة نقية فلا تصحبى نجسا دنسا، وأنت متصرفة بالتمييز ~~والإرادة العقلية فلا تصحبى المتحرك حركة الهيام والالتباس والتشويش. فإن ~~أنت لم تتحققى شرحى هذا فأرينى كيف يكون الاتفاق من معانيك التى ذكرتها ~~بمعانى سواك؟! ومن المحال PageV01P078 يا نفس أن يثبت لك اجتماع المخالفين ~~فى معنى واحد. فثقى يا نفس بقولى، وارجعى إلى ما رسمته لك وحددته تجدى الحق ~~وتظفرى بالصواب. # يا نفس! ما أشغل الغريق فى الماء عن صيد السمك! وكذلك ساكن الدنيا: ما ~~أشغله عن مقتنياتها ولذاتها بخلاص نفسه إن فطن لسوء وقوعه فيها! يا نفس! ~~يكفيك وأنت فى عالم الحس ما تقاسينه من آلاتك وأضدادها وأوساخها، فلا تضيفى ~~إلى آلاتك شخصا آخر، فتكونى كالغريق المرتهن فى البحر قد حمل على عاتقه ~~حجرا؛ وما أرى أن غريقا ينحو من البحر مجردا بنفسه، فكيف إذا حمل على عاتقه ~~آخر غيره! # يا نفس! إن سلوك طريق النجاة من قبلك يكون بحسب ما تعرفينه وتختبرينه ~~وذلك أنه إن كانت معرفتك بالمحسوسات فقط، فإنه فى وقت انتقالك إلى ما علمته ~~تنتقلين، ونحوه تتجهين، وبه تغتبطين. وإن كانت معرفتك بالمعقولات وآثرتها ~~على غيرها، فنحوها تتجهين، وإليها تنتقلين، وبها تغتبطين. # يا نفس! هذه دار المحسوسات ودار المعقولات محضرة بين يديك، وكلاهما قد ~~خبرته وشافهته، فتخيرى أيهما شئت لا مدفوعة ولا ممنوعة، واذهبى إلى أحظاهما ~~عندك. فإن اخترت اللبوث فى دار الحسن فأقيمى على ما قد خبرته وعرفته. وإن ~~أحببت المصير إلى دار العقل فينبغى لك قبل الانفصال أن تتصورى معنى طريقك ~~وسلوكك إياه على PageV01P079 ترتيبه محلا بعد محل حتى تنتهى إلى محل ~~المستقر. — فإن كنت، يا نفس، ذاكرة لهذا الطريق فاحذرى أن يحول بينك وبينه ~~النسيان والخوف وقت الانفصال فتضلى وتتوهى. وإن كنت يا نفس ناسية لهذا ~~الطريق فتذكريه واستعينى على تذكره بوصف سالكيه وخابريه فإنهم أثمة الهدى ~~ومصابيح الدجى والأدلاء على المسلك الأعلى إلى الانتهاء. واعلمى يا نفس أن ~~كل شىء يذهب وينتقل إلى العلا ينبغى ms16 أن يكون خفيفا صافيا نقيا ليكون أسرع ~~لممره إلى غايته، وأن كل شىء يذهب نحو السفل ينبغى أن يكون ثقيلا كدرا، ~~وعلى حسب كدره وثقله تكون سرعة ممره إلى غايته. # يا نفس! إن الأصناف الشريفة ترد من عالمها إلى عالم الطبيعة ورود مختبر ~~له. فإذا استعملت الآلات التى تشافه بها الطعوم والروائح والمبصرات وجميع ~~الآلات العارضة فى الحس نسيت عالمها وجميع ما فيه وظنت أنه لا شىء غير ما ~~هى مشاهدته فى الحس فحينئذ تنسى عالم العقل وتعدم ذكره. فإذا زالت عن النوع ~~الناطق قيل إنها قد ماتت ومضت مع جريان الطبيعة. فمتى عادت إلى الكون ~~الأول، ثم ذكرت عالمها بعض الذكر قيل إنها قد حييت من مماتها وحينئذ تتعلق ~~بالمعنى الذى قد ذكرته مستكشفة له وباحثة عنه وعن جميع المعانى التى نسيتها ~~أولا. فكلما عقلت شيئا مما نسيته تجلى بصرها وقويت صحتها وفارقت مرضها. ~~وعند ذلك تدرك ببصر عقلها أن جميع ما هى مشاهدة له فى عالم الحس ~~PageV01P080 إنما هو خيالات أشياء، لا أشياء بالحقيقة. وظل الشىء هو ظل ~~الشىء بالحقيقة على وجه الأرض أو الماء. وإنما عرض للنفس مرابطة أشكال ~~الأنواع دون الأنواع عينها بنسيانها عالم العقل أولا عند ورودها إلى عالم ~~الحس. وبتأملها هذه المعانى وذكرها لها تكون صحتها من مرضها، وعقلها بعد ~~جهلها، فتذهب راجعة إلى تأمل المعانى الحقيقية والحياة الدائمة السرمدية. # يا نفس! تأملى قولى وافقهيه واعلمى أن العقل للنفس كالأب، والطبيعة ~~كالزوجة، وأن للنفس جهتين تميل إليها: فتارة تميل نحو العقل بالمناسبة ~~كالمناسبة التى بين الأب والابن، وهذا هو العقل الطبيعى الحقى؛ وتارة تميل ~~نحو الطبيعة كالعاشق الذى يعشق زوجته — وهذا هو العقل العرضى الزائل. ~~فتأملى، يا نفس، الرجل إذا خلا مع زوجته كيف تقابله بالمداعبة والضحك ~~والملق وتكلمه بألطف ما يكون من الكلام وأرقه. وليس ما تبدى من ظاهرها ~~كباطنها، لأنها إنما تفعل ذلك لتستعبده وتستعمله فى أغراضها وتشافه به ~~المهالك. فانظرى يا نفس إلى فعل الزوجة كيف تسقى العسل مخلوطا بسم قاتل ms17 ~~ردىء العاقبة. ثم تأملى، يا نفس، الرجل إذا خلا مع ولده كيف PageV01P081 ~~يقابله بالعتب والتوبيخ ويكلمه بأمر الكلام وأخشنه. وليس ظاهر ما يبدى من ~~ذلك كباطنه، لأنه إنما يريد بذلك تشريفه ومنفعته فى جميع حالاته. فانظرى يا ~~نفس إلى فعل الأب: كيف يسقى الدواء المر الكريه لولده مخلوطا بالصحة ~~والحياة وحسن العاقبة! فتفهمى يا نفس هذه المعانى: فما كان حقا فخذيه، وما ~~كان باطلا فدعيه واطرحيه. # يا نفس! إنما لك أخاطب، وإليك أشير، وإياك أريد! إنما الطبيعة زوجتك، ~~والعقل أبوك؛ وإن لطمة من أبيك خير لك من قبلة من زوجتك. # يا نفس! إنه لا بد لك من أبيك، لأنه لا شىء يقطع المناسبة بينك وبينه ~~ألبتة: لا الفرقة ولا الاجتماع ولا الغضب ولا الرضا، بل المناسبة ثابتة على ~~كل حال لا يمكن زوالها، لأنه قد يمكن أن يخلى الرجل زوجته فتنقطع علائقه ~~منها، ولا يمكنه أن ينتفى من أبيه ويأخذ له أبا غيره. # يا نفس! إنه بطاعتك للعقل تحيين وتشرفين، وبعصيانك إياه وطاعتك للطبيعة ~~تموتين وتنحسين. فتصورى يا نفس حقيقة هذه المعانى وتمثلى بها — توفقى ~~للسعادة وتستكملى الرشاد. PageV01P082 ### | [chapter 7: 7] الفصل السابع # يا نفس! حتى متى وإلى متى أنا سائق لك إلى طريق المنفعة والنجاة لى ولك ~~لا تنساقين، وأنت سائقة لى إلى طريق الهلكة والمضرة لى ولك فلا أنساق معك؟! ~~فإذا كان قد وجب هذا الخلف بينى وبينك فليس هاهنا يا نفس غير المفارقة. ~~فإذن نفترق يا نفس ويمضى كل واحد منا إلى حيث يهوى ويريد. # يا نفس! ما أنت منصفة ولا عادلة ولا عاقلة! أبوك مقبل عليك بتأديبه ~~ومعاتبته: النافعة لك عواقبها، اللذيذة ثمارها، وأنت معرضة عنه ومقبلة على ~~زوجتك وخداعها وطنزها ولطيف ملقها المثمر لك الأحزان والهموم، والمخافة ~~والفقر. # يا نفس! إنه إن فاتتك فرصة العمل بالصحة فى أوان العمل فاتتك حلاوة ~~الاستثمار والثواب على صالح الأعمال. فإن من لم يغرس الشجرة فى أوان الغرس، ~~لم يتلذذ بالثمرة عند إدراك الثمر: فتيقنى يا نفس قولى هذا وافهميه إن ms18 كنت ~~حية عاقلة. وإن كنت ميتة جاهلة، فما أبعد تيقنك إياه وفطنتك له! # يا نفس! إن الأصناف الشريفة إنما وردت إلى عالم الكون لتختبره. فلما ~~وردته وشافهت معانيه أنسيت عالمها العقلى وجهلت ذاتها الصورية. فمتى ~~استدركت ذكر ما أنسيته فقد صارت مشافهة للعالمين جميعا ومميزة بينهما ~~بالشرف والخساسة، PageV01P083 وملكت التخير أن تلبث عند أيهما آثرت. فإذا ~~أدركت ببصيرة عقلها علو المرتبة الشريفة على دنو المرتبة الخسيسة — فحينئذ ~~تؤثر الرجوع إلى ما ناسبها بالمعنى الذى هى به، وتنفصل مما قارنها بالعرض ~~ظاعنة عنه زاهدة فيه. — فتحققى بذلك يا نفس فإن لك تحته راحة كبيرة وفائدة ~~عظيمة وسعادة دائمة مضيئة. # يا نفس! إن المواعظ والتنبيه صقال النفوس من الصدأ، وإن المرآة الصدئة ~~بالعرض السريع الزوال يمكن للصيقل جلاؤها وإن المرآة التى قد قبلت الصدأ ~~بالعرض الثابت البطىء الزوال الخارج عن حد القوة إلى حد الفعل فقد صار لها ~~ذلك الصدأ طبعا ثانيا ثابتا مستحكما فلن ينجح فيه عمل الصيقل ولا يستخرج ~~الصدأ منها إلا بإعادتها إلى النار. وكذلك النفوس العرضية الكدر تنجلى ~~بالتنبيه والمواعظ فتذكر سالفات أمورها. فأما النفوس الطبيعية الكثيرة ~~الوسخ والكدر فليس يجلوها إلا دخولها إلى رتبة العذاب وطول لبوثها فيه ~~وترددها إليه. # يا نفس! كم يتردد الذهب الكثير الغش إلى النار قبل أن يصفو ويتهذب! ~~PageV01P084 وكم يدخل العود المعوج إلى النار ويقوم قبل أن يتقوم! وكم تعاد ~~الحنطة إلى الغرابيل قبل أن يهذب دغلها وغلثها! وكم تشافه النفوس الخبيئة ~~الصدئة بألوان العذاب قبل أن تستقيم وترجع! # يا نفس! إنه لا يمكن أحدا أن يعرف فضل حلاوة العسل على مرارة الصبر دون ~~أن يذوقهما جميعا ويعقلهما بالتمييز. وكذلك لا يمكن النفس أن تعرف فضل ~~حلاوة النعيم على مرارة العذاب دون أن تذوقهما جميعا وتعقلهما. # يا نفس! كم بين الخارج من شىء قد خبره وذاقه فزهد فيه، وبين الداخل إليه ~~الراغب فى أن يختبره ويذوقه! # يا نفس! إن المقاتل فى الحرب يتمنى الخروج منها لكرب القتال وثقل السلاح. ~~والذى لم يشاهد ms19 حربا قط يشتهى أن يلاقى الحرب ويذوقها. فإن قلت يا نفس إنك ~~قد وصلت إلى غايتك مما قد جربته — فارجعى الآن إلى نهايتك مما كنت فيه ~~ونسيته. # يا نفس! متى أردت الاعتبار الأكبر فانصرفى إلى تأمل الشىء الأبدى ~~الديمومة الأزلى الغاية، السرمدى المسافة — إذ لا حد لمسافة شىء سرمدى — ~~والذى هو مبدأ الأشياء PageV01P085 كلها عند ظهورها، ومفيضها عند دثورها، ~~الذى هو باسط الأشياء وقابضها، ومبدؤها ومعيدها، وواضعها ورافعها، ومنشئها ~~ومبدئها — كلا بعد كل، وفرعا بعد فرع. # يا نفس! تأملى الأشياء الجزئية كيف تضعف قواها عن الثبوت والديمومة فتدثر ~~عن كيانها وترجع إلى كلياتها — فكذلك الأشياء الكلية تضعف عن المساواة فى ~~الديمومة الأصل الفردى الأزلى فتدثر عن انحلال قواها وتناهى مددها دفعة ~~واحدة. وكذلك توجد الأشياء تارة بالفعل، وتارة بالقوة دائما سرمدا. # يا نفس! كم بين خليل يرزأك ويحسدك ويحوجك ويفقرك ويحزنك ويفزعك ويعميك ~~ويجهلك ويغشك ويكدرك! تتجهين للبصر فيعميك وتحاولين الرشاد فيطغيك. يفيدك ~~المقتنيات الزائلة البائدة التى لا حقيقة لها، ويمنيك الأمانى الكاذبة ~~الخسيسة التى لا وجود لها. فأنت يائسة أبدا محتاجة فقيرة خائفة حزينة ذليلة ~~مسكينة مظلمة صدئه مستعبدة. كلما أسعفته زاد فقرا، وكلما طهرته ازداد ~~نجاسة، وكلما صححته ازداد مرضا، وانتقاضا؛ تتوهمين دوام خلته وثباته وهو ~~مسرع بجريانه إلى تركك والذهاب عنك. وحينئذ يذيقك غصص الفراق وتوهان العقل. ~~وهذا كله يجرى عليك PageV01P086 بضلالتك ونقصك وعماك وجهلك. وكم بين هذا ~~الخليل يا نفس وبين خليل غيره تصحبينه: إن افتقرت أغناك، وإن ضللت هداك، ~~وإن جهلت علمك، إن عميت بصرك. لن يلزمك منه مؤونة ولا كلفة ولا اهتمام ولا ~~خدمة. وهو أبدا معك لا تذوقين لخلته انقطاعا، ولا لوجوده فقدا ولا فراقا. ~~كلما دمت معه اكتسبت من شرفه شرفا، ومن نوره نورا، ومن حياته حياة، ومن ~~علمه وبصيرته علما وبصيرة، ومن غناه وعزه غنى وعزا. يقنيك المقتنيات ~~الدائمة الأبدية، ويفيض عليك بالصلات الموجودة الحقية فأنت معه رابحة غير خاسرة. # فتمثلى هذا الخليل يا نفس واقترنى به وانضافى إليه وبه اتحدى! ms20 ### | [chapter 8: 8] الفصل الثامن # يا نفس! إن من كان له حبيب ففقده، ثم وجد مع فقده إياه عوضا منه وبديلا — ~~يوشك أن يسلاه وينساه، ولا سيما إذا كان الآتى أوفق وأحمد من الماضى. ومن ~~فقد حبيبا ثم لم يجد منه عوضا يوشك أن يطول حزنه وتعظم حسرته. ومن السياسة ~~يا نفس إن كان لك خليل أنت متحققة فقده وفراقه — أن ترتادى منه بديلا وعوضا ~~وتلتمسى لك صباحا قرينا. ومن الواجب أن يكون المستأنف أوفق وأحمد من ~~الماضى. فإن من فقد شيئا ثم وجد ما هو خير منه تحولت مصيبته نعمة، وحزنه ~~فرحا وسرورا. # يا نفس! من قبل مزايلتك عالم الكون والفساد تمكنى من مواصلتك عالم ~~PageV01P087 العقل. ومن قبل مفارقتك قرينك الغادر الدنىء الفانى تخيلى ~~فراقه وتمثيله، وتخلى عنه مهلا مهلا، واستقبلى مواصلة خليلك الآتى وأنسى به ~~وانضافى إليه مهلا مهلا. # يا نفس! أى أحد سكن منزلا فبغضه وأراد الخروج منه فينبغى له أن يرتاد ~~موضعا غيره قبل نقلته. فإن من انتقل من موضع ولم يعرف موضعا غيره ينتقل ~~إليه يوشك أن يبقى تائها مضطرا، والاضطرار يلجئه إلى أن يسكن حيث وجد على ~~غير ترتيب ولا اختيار، فلعله يسكن بالضرورة فى موضع شر من موضعه الأول ~~فيتنغص عيشه وتتكدر حياته. # يا نفس! إنه ما من أحد يسكن فى موضع إلا وهو يشتهى أن ينتقل منه إلى ما ~~هو أشرف من الأول وأوسع وأبهى. فما بالك يا نفس تؤثرين أن تسكنى فى المساكن ~~المظلمة الخربة الوحشية، وتتركين المساكن النيرة المضيئة الآنسة؟! فحتى متى ~~تكونين من عمار الخرابات الوحشية، وتكون منازلك الأولى الحقية معطلة منك ~~خالية؟! # يا نفس! تيقنى ما أقوله لك وتدبريه: إن كنت متحققة لشىء غير ما تدركينه ~~بالحواس الخمس فقد توجهت إلى طريق نجاتك. وإن كنت لم تتحققى شيئا من ~~الأشياء PageV01P088 إلا ما شاهدته ببصر الجسد وسمعه وذوقه وشمه ولمسه فأنت ~~إذن موقفة على طريق العطب ومقاساة العذاب. # يا نفس! إن حد التقى كلمة ينبغى أن تعقليها وتتيقنى معناها. فحد التقى ms21 أن ~~تتقى الأشياء الضارة لك. وكل شيئين يكون أحدهما ضارا للآخر فينبغى أن يكونا ~~مختلفين فى معناهما، لأن المضرة إنما تكون بالمخالفة، كما أن المنفعة إنما ~~تكون بالاتفاق. ومن اتقى الأشياء المضرة كان متقيا بالحقيقة؛ ومن واصل ~~الأشياء المضرة له مع الأشياء النافعة فقد صار لا متقيا بالحقيقة ألبتة: لا ~~لضار ولا لنافع. ومن واصل الأشياء الضارة له واتقى الأشياء النافعة له فقد ~~يقال له أيضا إنه غير متق إذا اتقى ما ينفعه وواصل ما يضره. وليس يوجد من ~~الموجودات شىء آخر يكون لا نافعا ولا ضارا. فإن آثرت يا نفس المنفعة فواصلى ~~الأشياء الموافقة لك فى معاييك، وإن آثرت المضرة فواصلى الأشياء المخالفة ~~لك فى معانيك. وإن آثرت الحيرة والتوهان والإشراك والشكوك فواصلى الأشياء ~~النافعة والأشياء الضارة جميعا. إذ لا تجدين حالا من الأحوال غير ما قد ~~رسمته لك. # فتيقنى يا نفس هذه المعانى: فإن كنت نيرة مضيئة فلا تشافهى الظلمة، وإن ~~كنت حية ناطقة فلا تشافهى الموتى البكم. وإن كنت عاقلة مميزة فلا تشافهى ~~الجهال والعميان. # يا نفس! تهدى إلى الشىء النافع لك باتفاقكما، وإلى الشىء الضار لك ~~باختلافكما PageV01P089 فى المعنى: فما كان نافعا فخذيه، وما كان ضارا لك ~~فاطرحيه واحذريه. # يا نفس! إذا عزمت على النقلة من مسكن أنت ساكنته فانتقلى إلى مسكن يكون ~~أشرف من المسكن الأول ليشتد سرورك بنقلتك، فإن من انتقل من بيت مظلم ضيق ~~خرب وحش إلى بيت مضىء نير رحب آنس يوشك أن يبقى مسرورا بنقلته، فرحا بحسن ~~عاقبته. # يا نفس! احذرى الخطأ فى السياسة فإن ثمرة الخطأ هى العذاب بعينه، لأن ~~الخطأ والزلل لا يثمران إلا خطأ وزللا وسوء عاقبة؛ وإن ثمرة الإصابة وحسن ~~التهدى هى النعيم بعينه، لأن الإصابة وحسن التهدى لا يثمران إلا إصابة وهدى ~~وحسن عاقبة. # يا نفس! إن من غرس النخل وأجاد فى خدمته أكل الرطب والتمر وحمد عاقبته. ~~ومن غرس الصفصاف والعليق عدم الثمر وذهبت خدمته وتعبه باطلا، وذم عاقبة ~~فعله. فتهدى يا نفس فى جميع ms22 أحوالك إلى أخذ ما هو نافع لك وترك ما هو ضار، ~~لتكونى من النفوس الموفقة الرشيدة المقترنة بالسعادة الأبدية الدائمة. # يا نفس! تيقنى ما أنا باسطه لك وممثله! فإنى اختبرت هذا العالم وبحثت عنه ~~فوجدت هيولاه على جهة الابتداء، لا على معنى اختبار: فكل ما لطف وشرف امتاز ~~إلى العلو، وكل ما تكاثف وخشن امتاز إلى السفل. ثم وجدت الحركة الفلكية ~~PageV01P090 تقسم هيولى هذا العالم على أربعة أصول، وهى: النار والهواء ~~والماء والأرض. وإننى اعتبرت هذه الأركان الأربعة فى حركاتها ومعانيها ~~فوجدتها تتحرك بالطبع حركة هيام وموت، لا حركة عقل وخبرة. وإنى وجدت أشياء ~~كائنة من هذه الأركان ذات حياة ونطق وعقل فعجبت كيف تكون الأشياء الميتة ~~الجاهلة أصولا للأشياء الحية العاقلة. ثم قلت: لعل هذه الأركان إذا امتزجت ~~فى أبدان الحيوان الناطق أحدثت فيها حياة وعقلا. ولكن كيف ينساغ فى العقل ~~أن يمتزج الميت بالميت فينتج من بينهما حى، أو يمتزج جهل بجهل فيكون من ~~بينهما عقل؟ — فدعتنى الضرورة حينئذ أن أقول إن هذا الشىء الحى العاقل هو ~~شىء ليس من هيولى هذا العالم، أعنى عالم الكون والفساد، بل من أشياء طارئة ~~غريبة واردة وصادرة، وأنه من الممتنع أن يكون الموت ينبوع الحياة، أو أن ~~يكون الجهل ينبوع العقل. فينبغى يا نفس أن تتيقنى أن هذا الشىء الحى العاقل ~~ليس هو من أركان هذا العالم، بل هو شىء آخر غيره، فابحثى عنه لتعرفيه، ~~واستكشفى حالة لتختبريه فبذلك تسعدين، وتستكملين عملك وكمالك. ### | [chapter 9: 9] الفصل التاسع # يا نفس! إن من أصعب الأشياء وأشدها امتناعا أن تعمل صناعة الصياغة بأداة ~~الفلاحة أو صنعة النجارة بأداة الخياطة. ولكل صنعة آلة لن يستوى عملها إلا ~~بها لا بغيرها. وإذا كان الإنسان عارفا بجميع الصنائع ويستعمل آلاتها جميعا ~~فقد ينبغى له PageV01P091 إذا أراد أن يعمل الخياطة أن يرمى من يده أداة ~~الفلاحة ويأخذ للخياطة آلاتها التى تصلح لها. وإذا أراد أن يعمل الفلاحة ~~رمى من يده آلة الخياطة وأخذ للفلاحة آلاتها التى تصلح لها. وكذلك ms23 يا نفس ~~ينبغى لمن أراد أن يدرك عمل الخير أن يترك من يده آلة الجهل والشر وهو حب ~~الدنيا والرغبة فيها. فمتى هممت يا نفس بطلب العلم والخير فدعى من يدك آلة ~~الشر، كما قد تقرر فى علمك أن الصنيعة لا تعمل إلا بآلاتها. وخذى للعلم ~~والخير آلاتهما فإنه متى عملتهما بآلاتهما عملا بغير تعب ولا نصب. ومتى كان ~~بيدك آلة الشر وأردت أن تعملى الخير، امتنع ذلك عليك وصعب، كما امتنع على ~~من كان بيده آلة الفلاحة فأراد أن يعمل بها الصياغة فطال تعبه ونصبه ولم ~~يتم له عمله. فتيقنى يا نفس هذا المعنى، واعلمى أن حب الدنيا والخير لا ~~يجتمعان فى قلب أبدا. فتصورى يا نفس حقيقة هذا وأدركيه ببصر عقلك. # يا نفس! إنه بالعلم الحقيقى تدركين ببصرك اتصالك ببارئك ومناسبتك إياه ~~فتلتذى بذلك لذة الحق، وأنه بالجهل تعدمين ذلك وتنكرينه، وذلك بعماك وظلمتك ~~وخطئك وزللك فتتخيلى بالتوهم أنك من الأصناف الخسيسة وتلحقى بها فتقترنى ~~بألوان العذاب والآلام. # يا نفس! لتكن أغراضك كلها علم الحق. فإذا اقتنيته فانهضى وتزكى ~~PageV01P092 فى الفكر والتمييز دائما لتدركى بذلك الإصابة وتجرى عادتك ~~ويحتد بصرك ونورك، فتفعلين حينئذ فعل المصب البصير النير المهتدى، وتنسين ~~الجهل والعمى والخطأ فتتركينه وتعدمين بذلك فعل الجاهل الأعمى المخطئ. ~~فتدبرى هذا واعتبريه، فإن باعتبارك إياه تجدين حقيقته. # يا نفس! إن حد العذاب مشاهدة النفس ما اختلف وتغير، وإن حد النعيم مشاهدة ~~النفس ما اتفق ودام وثبت دائما. والبرهان على ذلك يا نفس ما تشاهدينه فى ~~عالم الحس: فإن أشد الناس جزعا وخوفا واستكانة من كان فى النعيم ثم عدمه ~~وانتقل إلى الشقاء. — فقد تبين يا نفس أن العذاب هو الاختلاف والتغير، وأن ~~النعيم هو الاتفاق والدوام. فإن أردت، يا نفس، الراحة من العذاب فانتقلى من ~~عالم الاختلاف والتغير إلى عالم الدوام والبقاء. # يا نفس! إن التجار ليس يظهرون بضائعهم ويزينونها ليراها العميان، لكن ~~ليراها ذوو الأبصار الصحيحة. وكذلك القصاص والمتكلمون إنما يتكلمون على ~~قوارع الطرق لا ليسمعهم الصم ms24 وإنما ليسمعهم ذوو الآذان السامعة الصحيحة. ~~كذلك الحكماء: ليس ينطقون بالحكمة ويشيرون بالمعانى إلى النفوس السالكة ~~رتبة الموت. وإنما يومئون بالحكمة ويشيرون إلى النفس السالكة رتبة الحياة؛ ~~وذلك أن النفوس السالكة رتبة الحياة هى نفوس واردة راغبة فى المعانى، لكن ~~النفوس السالكة رتبة الموت صادرة عنها PageV01P093 وزاهدة فيها — فتأملى يا ~~نفس هذا المعنى، واعلمى أن شتان بين الصادر والوارد، وبين الراغب والزاهد! # يا نفس! إن كرهت العقاب فاتقى الزلل واحذريه، وتجنبى الخطأ واطرحيه. وإن ~~آثرت الثواب فتهدى إلى الإصابة واعلمى أن مقاصد النفس فى جميع معانيها تكون ~~إلى حالين هما الخطأ والإصابة، وأنه لن يخلو الخطأ أن يثمر العقاب ~~والخسران، ولن تخلو الإصابة أن تثمر الثواب والربح. فإن لم يكن ذلك كذلك، ~~فليكن الخطأ يثمر الثواب، والإصابة تثمر العقاب. وهذا ما لا ينساغ فى ~~العقل، ولا يوجد فى مشاهدة الحس. فقد وجب ضرورة أن يكون الخطأ يثمر العقاب ~~بالحقيقة. # يا نفس! إنه بانصبابك إلى العقل يقوى ضوؤك فتدركين الإصابة ببصرك، ~~وبانحرافك عن العقل وانضيافك إلى الحس تعدمين النور العقلى، فتظلمين ~~وتضعفين فتقترنين بالخطأ بعماك وظلمتك. # يا نفس! إن الطبيب يأمر العليل أن لا يأكل ما يضره: فإن أطاعه أصاب ~~وأثمرت له الإصابة البرء والصحة؛ وإن عصاه أخطأ وأثمر له الخطأ السقم ~~والألم. # يا نفس! إن أردت أن تعرفى حال النفس بعد مفارقتها الجسد فانظرى إلى حالها ~~وهى PageV01P094 ملازمة له. فإن كانت موافقة للإصابة فإنه بعد مفارقتها ~~الجسد لن تؤديها عادتها بالإصابة إلا إلى الإصابة وحسن العاقبة والثواب. ~~وإن كانت مقارنة للخطأ فإن عادتها لن تؤديها إلا إلى الخطأ، والخطأ يثمر ~~لها العقاب والعمى وسوء المنقلب. فافهمى هذا. ### | [chapter 10: 10] الفصل العاشر # يا نفس: إنى لأتأمل حالك فيطول تعجبى منه! تظهرين بالقول أنك زاهدة فى ~~الشقاء والأحزان، وأنت بالفعل راغبة فيها وملازمة لها ومغابطة لأهلهما ~~عليهما. وتظهرين بالقول أنك راغبة فى النعيم والسرور، وأنت بالفعل زاهدة ~~فيهما ومنحرفة عنهما ومستوحشة من الطريق إليهما. وهذا، يا نفس، فعل مختلف، ~~والفعل المختلف لا يظهر ms25 إلا من فاعل ليس بفارد ولا متوحد بل فيه اشتراك ~~وتركيب، لأن الشىء الفارد لا يفعل إلا فعلا فاردا لا اختلاف فيه، والشىء ~~المختلط لا يفعل إلا فعلا مختلطا. فقد تبين الآن، يا نفس، أنك لم تتمحضى من ~~غشك، ولم تتهذبى من سوء مكتسباتك التى اكتسبتها فى سالفات أدوارك فقد تبقى ~~فيك جرب وصدأ هو السبب فى اختلاف ما يظهر من فعلك. فإن كان هذا الصدأ فيك ~~بالعرض السريع الزوال — فبادر PageV01P095 بالجلاء والصقال قبل أن يستحكم ~~فى ذاتك. وإن كان هذا الصدأ فيك مستحكما باقيا فعودى إلى النار فانسكبى ~~فيها لتخرجى منها صافية محضة. فإن المرآة ذات الجرب والصدأ الثابت لا ينجح ~~فيها الجلاء ولا ينقلع صدؤها إلا بالنار والسبك. — فإذا أنت تمحضت، يا نفس، ~~من جربك وصدئك فحينئذ يتحد فعلك بغير اشتراك ولا نفاق، فتكونين إما راغبة ~~فى الشقاء والأحزان بالحقيقة زاهدة فى النعيم والسرور بالحقيقة؛ وإما راغبة ~~فى النعيم والسرور بالحقيقة، زاهدة فى الأحزان والشقاء بالحقيقة. — فاعملى ~~يا نفس بهذه الوصية — توفقى للسعادة وترشدى إلى النجاة وتهتدى إلى الإصابة ~~فتستثمرى جميل الثواب وحسن العاقبة. # يا نفس! تيقنى أولا أن الموت الطبيعى ليس هو شيئا غير غيبة النفس عن ~~الجسد. فإذا تقرر هذا فى علمك فتمثلى أن الرجل الحكيم العالم هو حكيم عالم ~~عند حضوره، وهو حكيم عالم عند مغيبه، لن ينتقل عن حكمته وعلمه أيما توجه ~~وأينما سلك. فتنبهى يا نفس إلى هذا المعنى واقتنيه وتيقنى أيضا بأن غارس ~~شجرة الخير وغارس شجرة الشر مختلف بينهما، لأن شجرة الخير لا تثمر إلا خيرا ~~وشجرة الشر لا تثمر PageV01P096 إلا شرا. فإن لم يكن ذلك كذلك فشجرة الخير ~~إذن تثمر شرا وشجرة الشر تثمر خيرا. فإن كان هذا هكذا وكانت الشجرة تثمر ~~غير ما فى طبعها فقد ينبغى لغارس شجرة الكرم أن يستثمر منها البلوط ولغارس ~~شجرة البلوط أن يستثمر منها العنب. ولسنا نرى شجرة تثمر غير ما فى طبعها: ~~لأن شجرة الكرم لا تثمر إلا عنبا، وشجرة البلوط لا ms26 تثمر إلا بلوطا. فكيف ~~يكون، يا نفس، غارس شجرة الخير يستثمر غير الخير، وغارس شجرة الشر يستثمر ~~غير الشر؟! — فقد اتضح ضرورة وتبين حسا وعقلا أن الشىء لا يلد ويثمر إلا ~~نوعه وشكله. وإلا فمتى رأيت حمارا قط ينتج إنسانا، أو إنسانا ينتج فرسا! ~~فإن يكن يا نفس قد اتضح لك هذه المعانى فاطلبى العلم بحقائق الأشياء وافعلى ~~الخير واغرسى شجرته لينجلى بصرك فتستثمرى من عملك عملا، ومن فعلك الخير ~~خيرا، ومن استبصارك تبصرا ونورا وهداية — فتكتسبى بذلك المحل الأعلى، ~~وتستكملى السعادة الدائمة والراحة الأبدية. # يا نفس! تمثلى بالتوهم مفارقة الحواس الخمس ثم انظرى بعد ذلك هل أنت ~~مدركة شيئا غير ما كنت مدركة له بالحواس. فإن وجدت إدراك شىء غير ما كنت ~~مشاهدة له بالحواس، فقد آن رجوعك إلى وطنك ووقوعك على أربك. وذلك ~~PageV01P097 أن العقل إذا أراد إدراك شىء ما — أفرده مما سواه وانتزعه مما ~~قارنه ثم أدركه إدراكا فاردا بذاته الفاردة لأنه كما أن الحس لا يدرك شيئا ~~فاردا فكذلك العقل لا يدرك شيئا مركبا ولا يعلمه علما عقليا دون أن يفرد ~~معانيه ويميزها وينزع كل جنس منها فيجعله فاردا بذاته ثم حينئذ يدرك معانيه ~~كلها على الانفراد. — فقد تبين أن الحس الذى هو الشىء المركب يدرك ~~المركبات، وأن العقل الذى هو الفارد البسيط يدرك الأشياء البسيطة الفاردة. ~~فتأملى، يا نفس، كيف العقل كلما جرى مع التركيب فارق الفردانية وفارق أيضا ~~الإدراك الفردانى الذى هو إدراك الحق واللذة بالحق والعلم بالحق. وكلما رجع ~~متوجها نحو التوحيد وفارق التركيب والاشتراك أدرك الأشياء الفاردة الأبدية ~~وعدم الأشياء المركبة الزمنية. فقد تبين من هذا الشرح أن حياة النفس فى ~~مفارقتها عالم الطبيعة، وأن موتها وطول عذابها اللبوث فيه. ### | [chapter 11: 11] الفصل الحادى عشر # يا نفس! إن هذا عالم الطبيعة قد وردته واختبرته. فهل اختبرت منه شيئا غير ~~مبصرات موحشة ومسموعات مفزعة مبهته وطعوم مؤلمة مضجرة وروائح كريهة ~~PageV01P098 منتنة وملموسات نجسة دنسة؟ فلما وردت إلى هذه الأشياء اغتبطت ~~بها إعجابا وهوى وعشقا، ms27 ونسيت معانيك الذاتية الشريفة. فلما عرفت خطأك ~~وزللك أردت أن تشركى معك فى خطئك غيرك وتحيلى الذنب على سواك. هيهات! ~~هيهات! يا نفس! ليس الذنب إلا ذنب من جناه، وليس الخطأ إلا خطأ من أخطأه. ~~فتلافى يا نفس خطأك وزللك: فإنك كما وقعت فيما تكرهين بهواك وشهوتك، فكذلك ~~تتخلصين منه بهواك وشهوتك. # يا نفس! كل مكروه أصابك وأنت فى عالم الكون فتيقنى أن سببه وأصله هو من ~~قبلك ومن حيث خطؤك وزللك. ومتى تذكرت ذلك ذكرته وعرفته، ومتى ورد عليك وارد ~~من المكاره فلم تعرفى سببه وأصله فلا تحيليه على غيرك، بل اجعلى سببه وأصله ~~خطأك القديم الأول الذى قد نسيته، لأن من دخل إلى دار المصائب وأتاها ~~وأصابته مصيبة، فإن ذلك بخطئه إذ أتى إلى دار المصائب فدخلها وقد كان له بد ~~من دخولها. وأعظم من هذا كله أنه قد حذر منها فلم يحذر، وقد خوف منها فلم ~~يخف، ونصح فلم يقبل، واتبع هواه وشهوته. # يا نفس! أليس وأنت خارج السجن كنت تبصرين الأشياء وتسمعين الأخبار؛ فلما ~~دخلت إلى السجن خفى ذلك كله عنك وصرت مسجونة أسيرة تتشوقين إلى خبر ~~تسمعينه، وتتشوقين إلى علم تدركينه وتبصرينه؟ فما الذى حملك على دخولك ~~السجن؟ أليس هذا كله بخطئك؟ # يا نفس! قد كنت وأنت فى عالم الوحدة غنية مبصرة عالمة؛ تبصرين العوالم ~~كلها PageV01P099 محضرة بين يديك، وهى كلها صافية نيرة مضيئة مشفة وفى ~~أسفلها عالم الكون والفساد أسود مظلم وهو يلوح منها كما يلوح الحجر الأسود ~~من الماء الصافى. فقام لك أن تدخليه لتختبريه وتعلمى علمه. فلما عزمت على ~~ذلك خرجت عن رتبة التوحيد ونزلت إلى رتبة الاشتراك ومضيت مع الحركة تطلبين ~~ماهويتيه فصرت إلى عالم الكون، وكان مثلك فى خروجك من عالم الوحدة ورغبتك ~~وشرهك فى عالم المركبات كالطائر القاصد إلى الفخ ليسلبه حبته، فسلبه الفخ ~~المنصوب مهجته؛ أو كالسمكة التى فى الماء أرادت أن تبلع طعم الصياد فبلعها ~~الصياد فأنت يا نفس شافهت بنورك وصفائك عالم الظلمة ومازجته فأغشى نورك ms28 ~~وأظلمه وأعماك وأخفى عنك جميع معلوماتك وما كنت تبصرينه وبقيت أسيرة رهينة. ~~يا نفس! هذا كله بخطئك القديم. ولكن متى آثرت الرجوع يا نفس فاقصدى الأشياء ~~الضارة التى كانت لك فى الطبيعة فانسلخى منها وتنقى فإن نقاءك منها هو سبب ~~خلاصك ورجوعك. وإنى لأجمع لك هذه الأشياء كلها فى معنى واحد ليسهل عليك ~~علمها، فإن هذه الأشياء كلها يجمعها معنى واحد، وهو التلذذ الجسمانى: فكل ~~ما وجدته لذيذا بالجسد فاتركيه واحذريه، وكل ما وجدته لذيذا بالعقل فخذيه ~~واستعمليه. PageV01P100 # يا نفس! إن النار تطفأ ونار الشهوة لا تطفأ، والأوجاع تعرض للبدن ثم تزول ~~فيستراح منها وأوجاع الشهوة لا يستراح منها إلا أن تداويها بالعقل؛ ودواؤها ~~تركها واقتناء الصبر عنها، لأن حياة الشهوة مواصلتها، وموتها مقاطعتها ~~والصبر عنها. وقد ينبغى يا نفس أن تعلمى أن شهوات الدنيا ليست كلها فى ~~المآكل، بل فيها ما هو خارج عن المآكل، ولكن شهوات المآكل أضرها، وذلك أن ~~الجسد لا يشتهى الأشربة إلا بعد أن يشبع، ولا يشتهى النكاح إلا بعد أن ~~يشبع، وكذلك الكسوة وجميع المقتنيات الحاملة للنفس على ركوب المهالك ~~والمخاوف، المخرجة لها إلى الضعة والخساسة والدناءة. # يا نفس! إنى قد بصرتك فلا تتعامى؛ وقد صوبتك فلا تتخاطى — فتعظم حسرتك ~~ويتضاعف عذابك باتباعك هواك وشهواتك. # يا نفس! إن الأعمى إذا مشى ووقع فى جب، كان معذورا عند نفسه وعند غيره. ~~فأما البصير إذا أتى جبا وهو ببصره فألقى نفسه فيه بهواه وشهوته فأى عذر له ~~عند نفسه أو عند غيره! # يا نفس! ما أعظم حسرة الواقع فى المكروه بعلم وبصيرة، وما أشد عذابه! ~~ومعنى شدة عذابه علمه ومعرفته وفطنته إلى ما فعل بنفسه. فخذى يا نفس هذه ~~الوصايا واعملى بها — توفقى للسعادة وتفوزى بالنجاة. # يا نفس! إن من عف عن شهوات الدنيا عفت مصائب الدنيا عنه وخرج من الدنيا ~~سليما رابحا، وربحه قربه من الله. ومن أسرع إلى شهوات الدنيا أسرعت مصائب ~~PageV01P101 الدنيا إليه وخرج من الدنيا سقيما خاسرا، وخسرانه بعده من ~~الله. يا ms29 نفس! فعلى هذا الضرب من التجارة اتجرى، وبمثل هذه المعانى تدبرى ~~لتفوزى بحسن التوفيق والسداد، ويحدوك النور والتهدى إلى سبيل الرشاد. ### | [chapter 12: 12] الفصل الثانى عشر # يا نفس! إن من غرس شجرة الصبر أثمرت له الظفر وفاز بالغلبة؛ وإن أسعد ~~السعداء من سما إلى شىء فظفر به. ومن غرس شجرة الفشل أثمرت له الحرمان؛ وإن ~~أشقى الأشقياء من سما إلى شىء فحرمه. # يا نفس! اقترنى فى جميع مطلوباتك كلها بالصبر، فإن الصبر خلق النفس ~~الأشرف، وهو الذى به يكتسب الخير وتدرك السعادة. وإنى ممثل لك معانى عدة ~~فتحققى بها: إن النفس هى الطالبة وإن الخير هو المطلوب، والصبر هو المعنى ~~الذى ينبغى أن ينتصر به الطالب، والتوفيق هو المعنى الذى ينتصر به الخير ~~ويجود به. فإن اتصل الفعل من الطالب بالفعل من المطلوب وجبت الوصلة وتم ~~الانضياف. وإنما مثلت لك هذا المعنى لتعلمى أنه إنما تنال الأشياء كلها ~~بالصبر وأن الخير لا ينال إلا بالصبر. PageV01P102 # يا نفس! إن مرارة الصبر تثمر الحلاوة والراحة، وحلاوة العجل تثمر المرارة ~~والتعب. # يا نفس! اقتنى الصبر والثبات على عبادة إله واحد فهو أهنأ لعيشك وأعظم ~~لراحتك. واحذرى أن يحدوك الملل والضجر فتخرجى عن حد الوحدانية فتكثر آلهتك. ~~ومن كثرت آلهته كثرت خدمته واشتد تعبه ونصبه، وتوافرت همومه وتشعثت نفسه فهلك. # يا نفس! إن الضجر والملل مقرونان بالنفوس البهيمية، والصبر والثبات ~~مقرونان بالنفوس التامة الإنسانية. فلا يخرجك الضجر والملل عن حد الصبر ~~فتستريحى إلى اتخاذ الآلهة ثم تنقسمى بعبادتهم وخدمتهم فتتحمقى وتتحللى ~~فيطفأ نورك وتضعف قوتك ويذهب شرفك ويزول سلطانك. وهذا هو موتك فاحذريه ~~وانحرفى عن معانيه. # يا نفس! ينبغى أن تتيقنى معرفة ذاتك وما لها من المعانى والصور، ولا ~~تتوهى أن خارج ذاتك شيئا مما يجب أن تطلبى علمه، بل جميع معلوماتك كلها معك ~~وفيك، فلا تتوهى بطلبتك ما هو معك، فإن كثيرا من الناس يكون معه شىء وينسى ~~أنه معه فيطلبه خارجا عن ذاته ويتوه ثم يأتيه الذكر فيذكره ويجده مع نفسه ~~لا خارجا ms30 عنها. فتيقنى يا نفس أنه لا شىء من الأشياء المعلومة والموجودة ~~وجودا دائما أبديا خارج عنك البتة. وإنما الشىء PageV01P103 الخارج عنك هو ~~ما امتاز من كدرك وثقلك فى الابتداء الأول وهو الشىء القابل للأعراض الجارى ~~مع الكون. ولا شىء آخر يوجد ألبتة غير هذا. فارجعى، يا نفس، إلى ذاتك ~~فاطلبى جميع معلوماتك فيك لا خارجا عنك، ولا تخرجى عن ذاتك فترجعى إلى كدرك ~~تطلبين علم ما فيه فتقعى فى تيار الاختلاف وتتلاعب بك الأعراض كتلاعب البحر ~~الهائج بما فيه من السفن؛ ثم آخر أمرك أن لا تكسبى منه خيرا ولا شرا، ولا ~~يحصل معك منه علم. فثقى يا نفس بحقيقة هذا القول ولا تنسى الشىء الذى هو ~~معك وتمضين تطلبينه فى موضع آخر، فإن جميع ما ينبغى أن تعلمه النفس هو فى ~~النفس بلا غيار ولا غيرية من النفس، بل إنما يعرض (من) الحس الذى هو الجسد. # يا نفس! إن آلة الصانع إذا خلقت أو كانت منتقضة لا هندام لها، فما اقل ~~منفعته بها! وما أقل جدواها عليه! وتركها خير له من استعماله لها، ~~واستبداله بها أصلح من شحه عليها. # يا نفس! إنه ليجب على الصانع متى وجد الآلة المحمودة أن يعمل بها ويكد ~~ويحرص على الاكتساب وجمع الأموال. وإن الصانع إذا كثر ماله استغنى عن ~~العمل، وإذا استغنى باع آلته بالثمن البخس واستراح من الكد والتعب. PageV01P104 # يا نفس! تلطفى فى اتخاذ الآلة المحمودة فإذا وجدتها فأحسنى سياستها ~~بالعدل واطلبى الكد والاكتساب والاقتناء. فإذا نلت الغنى وكثر مالك فينبغى ~~أن تبيعى آلتك بأوكس الثمن، وفوزى بما اكتسبته، وانصرفى من محل الاكتساب. # يا نفس! افهمى عن قولى هذا بصحة منك فإن العليل بالمرة الصفراء لا يذوق ~~حلاوة العسل ولا يجد له لذة، بل الصحيح هو الذى يدرك لذته ويذوق حلاوته. ~~فكذلك ليس يتلذذ بكلام الحق إلا من يدرك ذوقه ويفطن لمعانيه بصحة من عقله. ~~فأما العقل المريض بالجهل والنسيان والحزن والتلدد والخوف — وهذه هى ~~الأمراض العقلية — فإن مرضه يعوقه ويمنعه عن ms31 ذوق الكلام والفطنة لمعانيه. # فتمثلى يا نفس هذه الوصية وتصوريها بالحقيقة. ### | [chapter 13: 13] الفصل الثالث عشر # يا نفس! ينبغى أن تعلمى وتتيقنى أن حد اللذة بالحقيقة هو ما لا يمل. ومتى ~~طلبت النفس، وهى فى عالم الطبيعة، لذة قد سمت إلى غير موجود، وطلبت ما ليس ~~يمكن. والدليل البين على هذا أن جميع ما تشافهه النفس فى هذه الدنيا مملول، ~~والمملول لا ينبغى أن يسمى لذة إذ كان حد اللذة ما لا يمل. أو ما تنظرين يا ~~نفس إلى أكثر أهل PageV01P105 الدنيا كيف يبحثون فى طلب اللذات ويتوهمون ~~أنها موجودة فى الدنيا وليس هى بموجودة. فتبينى أن الناس يطلبون فى الدنيا ~~ما ليس فيها. # يا نفس! تأملى نفوس الناس كيف يرد إلى معانى الدنيا كلها فتشافهها مشافهة ~~ذائق مختبر، ثم تصد عنها صدود قال ضجر. وليس أحد فى الدنيا براض بمنزلته ~~فيها، بل قال لها ضجر منها. وهذا من أوضح الدلائل على أن النفوس إنما تبحث ~~فى هذه الدنيا وتطلب منزلة توازى شرفها وتضاهى معانيها، فلا تصيب ذلك: فهى ~~مقبلة مدبرة تطلب ما ترتضيه. فمتى حصل فى النفس حقيقة هذا الشرح، اقتنت ~~الإياس وأزالت الطمع: من مطالبة اللذات، وهى فى عالم الكون. # يا نفس! كيف توجد فى الدنيا لذة، وكل رتبة تقف النفس عليها فى الدنيا ~~تحتاج إلى الصبر، والصبر مر المذاق، وكل شىء حلو إن خلطته بالمرارة فهو ~~يصير مرا. ومتى نفرت النفس من الصبر والتأدب به ثم ذهبت تطلب المعنى المرضى ~~لها حصلت على التوهان: تذوق هذا وتتركه، وتواصل هذا ثم تقطعه، وترغب فى هذا ~~ثم ترفضه. وهذا معنى قبيح وفعل خسيس وخلق دنىء. ومتى تأدبت النفس بالصبر ~~على أى رتبة كانت من رتب الدنيا فقد اقترنت بها مرارة الصبر. — فقد حصل من ~~هذا الشرح كله: إما PageV01P106 أن يكون الإنسان تائها ذواقا فيحصل على ~~رتبة الخساسة والدناءة، وإما أن يرضى برتبة صالحة من رتب الدنيا مع الصبر ~~عليها، فيحصل على مقاساة المرارة مدة مقامه فى عالم الطبيعة. ولأكل المرارة ms32 ~~مع اكتساب الشرف والعز خير من أكل الحلاوة مع اكتساب الخساسة والدناءة. # يا نفس! إن غرض الحق وقضاء العقل أن تكون الأشياء على ترتيبها الطبيعى ~~ثابتة. فإذا كانت كذلك فما أحسنها وأجملها وأعدلها! وذلك كالصانع الذى ~~ينبغى له أن يكون هو الذى يستعمل الآلة، لا الآلة تكون مستعملة له؛ ~~وكالفارس الذى ينبغى أن يكون هو مدبر الفرس ويجريه ويروضه، لا أن يكون ~~الفرس يدبر الفارس؛ وكالسلطان الذى يجب أن يكون هو مدبر الرعية والسائس ~~لها، لا أن تكون الرعية تدبره وتسوسه. فإذا جرت هذه الأشياء على كيانها ~~الطبيعى ظهر الحق والعدل الحسنان الجميلان. وإذا انعكست بالضد والخلاف ظهر ~~الشر والجور القبيحان الرديئان. # يا نفس! إن كان الجسد بالنفس يحيا وبها يبصر ويسمع ويشم ويذوق ويلمس، فقد ~~وجب ضرورة الإقرار بأن الجسد آلة النفس. ومن القبيح أن تكون الآلة تدبر ~~الصانع وتستبعده؛ فإن الصانع المدبر، لا الآلة، لأن الجاهل إذا اتخذ آلة ~~اشتغل بتزيينها وتزويقها وترفيهها — عن استعمالها والاكتساب بها ثم يحصل ~~على عبادته لها، فحينئذ ينقلب الحق باطلا، ويصير العدل جورا، والحسن الجميل ~~قبيحا سمجا، إذ يصير الحى البصير السميع العاقل الشريف عبد الميت الأعمى ~~الأصم الجاهل الخسيس. PageV01P107 # يا نفس! إن زمانا تدبر فيه الرعية السلطان لزمان معكوس، وقد وجبت الهلكة ~~على الجميع. وإذا وجب أن يكون الفرس يدبر الفارس فقد وجب هلاكها جميعا. ~~وإذا وجب أن يكون الجسد يدبر النفس فقد وجب هلاكها جميعا. # يا نفس! إن السياسة هى خلة لا تصلح لمخلوق ألبتة، وإنما هى محنة يمتحن ~~بها الناس: فإن امتحن بها العاقل الرشيد تبين من نفسه الضعف عن القيام ~~بتدبيرها فخضع وذل ورغب إلى سائس الكل وعلته، الفائض بالخير كله على ~~الطالبين إليه، فاكتسبت نفسه بانصبابها إلى الخير خيرا وبصيرة، فيهدى إلى ~~حسن السيرة والقصد إلى وجه الإصابة والنجاة من الخطأ بحسن التوفيق. فتكون ~~هذه النفس تشرب من ينبوع الخير والعدل، ثم تفيض بما فيها على من تشتمله ~~سياستها. فبذلك يكون ظهور العدل والخير وسعادة السائس والمسوس. ms33 — وأما ~~الجاهل فإنه إذا امتحن بالسياسة سره ذلك وأبهجه، ورأى أن فى قوته وطبعه ما ~~يقوم بهاو بأضعافها. فحينئذ يتهاون بها وبتدبيرها، وينصرف بجميع قوته إلى ~~التلذذ والتنعم المثمرين الجهل والعمى والزلل والخطأ؛ فتكون تلك النفس تشرب ~~من ينبوع الشر والجور، ثم تفيض بما فيها على من هو تحت سياستها، فيكون بذلك ~~ظهور الشر والجور وهلكة السائس والمسوس. PageV01P108 يا نفس! إذا دخلت عالم ~~الأحلام فلا تغتبطى به، ولا بمشاهدته ولا تتحققيه وإلا صرت عند اليقظة ضحكة ~~ومسخرة وملهاة. # يا نفس! إن عالم الكون والفساد هو عالم الأحلام، فينبغى أن تتمثلى أن ~~النائم الحالم فيه إنما هو نائم نوما ثانيا وحالم حلما ثانيا. فإذا استيقظ ~~فإنما هو نائم انتبه من نومه العرضى ورجع إلى نومه الطبيعى: كرجل أبيض ~~اللون بالطبع عرض له الخجل فاحمر لونه ثم رجع بسرعة إلى لونه الطبيعى. وكلا ~~اللونين يؤول إلى زوال، غير أن حمرة الخجل هى عرض سريع الزوال ويسمى حالا، ~~واللون الطبيعى هو عرض ثابت يزول بزوال الطبع. — فعلى هذا القياس قياس ~~النائم الحالم فى عالم الطبيعة: إنما هو نائم ينام وحالم يحلم، أعنى أنه فى ~~الدنيا نائم بالعرض الثابت؛ ثم يعرض له النوم بالعرض الغير ثابت: فكأنه ~~إنما اكتسب نوما على نوم، فإذا انتبه فإنما انتبه من نوم إلى نوم. # يا نفس! تيقنى قولى هذا، واعلمى أنما أنت فى هذه الدنيا راقدة، وأن جميع ~~ما أنت مشاهدة له فيها إنما هو أحلام. وكما أنه يعرض لك النوم الذى هو ~~بالعرض السريع الزوال فتنامين وتحلمين، فإذا زال ذلك العرض انسلخت من جميع ~~الأشياء التى كنت مشاهدة لها انسلاخا كليا ورجعت إلى مشاهدة الأشياء ~~الطبيعية التى هى بالعرض الثابت والتى أنت بها أشد تحقيقا منك بتلك الأشياء ~~التى هى بالعرض السريع الزوال. فكذلك إذا استيقظت من نومك الطبيعى الذى هو ~~الدنيا ورجعت إلى اليقظة الحقيقية التى هى عالم العقل، PageV01P109 فإنك ~~إنما ترجعين إلى معان وأشياء أنت بها أشد تحقيقا منك بما كنت مشاهدة له فى ~~رقدتك ms34 فى عالم الطبيعة، ويكون معناك فى هذا كمعناك الذى كان يعرض لك وأنت ~~فى الدنيا، أعنى أحلامك فيها. ### | [chapter 14: 14] الفصل الرابع عشر # يا نفس! إنما أحلام الدنيا ليست بشىء حق بالإضافة إلى أسباب الدنيا. ~~وكذلك أسباب الدنيا ليست بشىء حق بالإضافة إلى عالم العقل الذى هو الشىء ~~الحق والمحل الحق. وإنما شرحت لك يا نفس هذه المعانى لئلا تغتبطى بمشاهداتك ~~التى فى عالم الحس، فتكونى كالذى نام فرأى فى منامه أشياء حسنة مبهجة أنيسة ~~فركن إليها. فلما استيقظ حزن وجزع على مفارقته تلك الأشياء التى رآها فى ~~نومه نعما، حتى إنه بضعف عقله وقلة علمه يعود إلى النوم شوقا منه إلى ~~الأشياء التى رآها فى نومه. فإن كان هذا، يا نفس، قد اتضح لك، فاعلمى أن ~~النفس إذا كانت فى عالم الكون مشاهدة لنعيمه ولذاته وسروره، فإنها مهما ~~تفارقه تألم لذلك أشد الألم وتجزع له أشد الجزع. وبالحقيقة إنما تعود إليه ~~تطلب تلك الأشياء التى كانت تشاهدها — شوقا إليها واغتباطا بها. ومتى كانت ~~النفس فى عالم الكون مشاهدة لبؤسه وأحزانه وضيقته فإنها مهما تفارقه تجد ~~لمفارقته أعظم PageV01P110 اللذة وأكمل السرور والراحة. وبحق إنه لو رأى ~~نائم فى منامه كأنه مشاهد الأشياء كلها سمجة وحشة مؤذية، ثم استيقظ من نومه ~~ذلك، لوجد عند استيقاظه أعظم اللذة وأتم السرور والراحة لمفارقته تلك ~~المعانى التى شاهدها فى نومه. نعم! ويكره أن يعود إلى النوم استيحاشا وفزعا ~~من تلك المكاره التى رآها. # يا نفس! متى أعطتك الدنيا شيئا فلا تأخذيه منها، فإنها ربما تطربك لتضحكك ~~قليلا وتبكيك كثيرا. وهذا الفعل منها إنما هو بالطبع، لا بالتكلف. ولن يقدر ~~الشىء الطبيعى أن يكون غير ما هو. فأما النفس فلأنها حية عاقلة مميزة فلها ~~الاستطاعة على أن تنخدع وعلى أن لا تنخدع. فإذا شافهت أفعال المخادع لها ثم ~~انحرفت عن خداعه وحذرته فقد نجت من سوء العاقبة. وإذا قبلت المخادعة ~~والمحال فإنما ذلك بهواها وشهواتها. وكما أنه يمكنها أن تقبل الخداع، فكذلك ~~يمكنها أن لا تقبل ms35 ذلك: فهى مالكة الاستطاعة إن شاءت تحرزت من الهلكة، وإن ~~شاءت دخلتها. — فانظرى يا نفس إلى هذه الوصايا، وتدبرى بها، لتفوزى بالنجاة ~~إلى دار البقاء ومحل النور والصفاء، مع السادة الأخيار والأنبياء الأبرار. # يا نفس! خذى من الأشياء ما عرفته وعرفه الجميع؛ ودعى ما أنكرته وأنكره ~~PageV01P111 الجميع. وقد عرفت أنت والجماعة أن النار حارة محرقة مضيئة، وأن ~~الماء بارد رطب سيال يروى من العطش، وقد عرفت أن كل الشىء أكثر من جزئه، ~~وأن المستوى غير المعوج وقد عرفت أن الطوبى هو الحظ الشريف السنى، وأن ~~الويل هو الحظ الخسيس الدنى. وقد علمت أن المرغوب فيه حبيب الراغب، وأن ~~المزهود فيه بغيض الزاهد: فإن كان فراق الحبيب شرا ومصيبة وفراق البغيض ~~خيرا ونعمة، وإن كانت الدنيا مفارقة بالحقيقة وبغير ذلك — فقد وجب الويل ~~لمحبيها والطوبى لمبغضيها. # يا نفس! انفصلى من الطبيعة بوهمك، ثم انظرى: هل تجدين شيئا غير ذاتك ~~وكونها؟ فإذا نعت ذاتك فقولى: هى الجوهر الصورى المصور المحرك المتحرك الحى ~~العاقل المميز المتهجس إلى معانى إرادته ومطلوباته، ذو الأخلاق الشريفة ~~الخيرة التى هى العدل والحكمة والجود والرحمة. فإذا نعت ذاتك بهذه المعانى، ~~وكانت لك ذاتية طبيعية — فقد لزمك الإقرار بأنك أنت الشىء الحى اللطيف ~~المدبر. فإن سموت إلى نعت كدرك هل تجدين له نعتا ذاتيا أو صفة دون أن ~~تستعيرى له النعوت والصفات، PageV01P112 فتنعتيه بالمعانى التى هى غيره. ~~أفليس قد لزمك الإقرار بأن شيئا لا نعت له ذاتيا ولا صفة هو شىء ميت موضوع ~~للاستعمال بطبعه؟! — ومما ينبغى أن تفهمى أن النفس إنما تفعل فى الطبيعة ~~معانى ما تفعله العلة الأولى فيها. فمتى تمثلت، يا نفس، هذا المعنى الموجود ~~فى الحس وجدته هو الترتيب السلطانى بعينه. # يا نفس! تأملى هذا المثل! فإما أن تضحكى منه تعجبا، أو تعتبرى منه تخوفا: ~~فلو أن طائرين من نوع واحد ربطا جميعا فى رباط واحد وتركا فيه لعظم عذابهما ~~وبعدت الراحة منهما. وإن فرحة كل واحد منهما وراحته انفصاله من الآخر. فإذا ~~كان طائران ms36 هما نوع واحد وشكل واحد ربطا جميعا فأعقبهما الرباط أنواع ~~العذاب، فكيف إذا ربطت أشياء مخالفة بعضها فى الشكل والمعنى كحمل ربط مع ~~ذئب، أو ثور ربط مع سبع، أو حى ربط مع ميت؟! أم هل يكون أشقى من عالم ربط ~~مع جاهل؟! — يا نفس! إن كانت راحة الحمل أن ينحل من مرابطة الذئب، وراحة ~~الثور أن ينحل من مرابطة السبع، وراحة الحى أن ينحل من مرابطة الميت، وراحة ~~العالم أن ينحل من مرابطة الجاهل — فإن كنت يا نفس، تقرين بحقيقة هذا ~~المعنى فقد PageV01P113 انجلت الغشاوة عن بصرك؛ وإن كنت منكرة لذلك ~~فاستعملى الأدوية المزيلة العمى عن الأبصار، والأخلاق المخرجة من الظلام ~~إلى الأنوار. # يا نفس! تأملى جوهرك واعتبريه، واعلمى أن جوهر النفس جوهر عال شريف — ~~وذلك بمناسبتها جميع العوالم وحلولها بكل محل، وأنها تنسب فى بعض الأحايين ~~إلى عالم الطبيعة فتكون إنسانية مشاهدة للمحسوسات، مشافهة للمآكل والمشارب ~~وجميع معانى الطبيعة، وتارة تنسب إلى عالمها الأخص بها نفسا حاسة محسة ~~مستعملة محركة متهجسة ذات استبحاث وتأمل واختبار وإرادة. فهذه المعانى هى ~~معانى النفس، وهى الحياة المنبثة فى جميع ما احتوت عليه ملكوت النفس. وتارة ~~تنسب إلى عالم العقل فتكون منتزعة الصور عن الهيولى، مدركة البسائط الأولى، ~~مميزة متصورة عاقلة لجميع المعانى الفاردة البسيطة. وتارة تنسب إلى العالم ~~الإلهى فتكون بالغة الخير والجود آمرة بهما، خالية من الشر والجور ناهية ~~عنهما، حكيمة الأفعال متقنة الأعمال. ومن أوضح الدلائل على أن النفس تناسب ~~العلة الأولى ما هو موجود فى خلقها من أنها PageV01P114 تسمو إلى الإحاطة ~~بجميع الأشياء التى يحتوى عليها الملكوت العظمى، وأنها لن تلفى مستقرة ~~راضية تامة الرضا دون أن تبلغ العالم العقلى بجميع ما فيه، فحينئذ تلفى ~~النفس غير طالبة شيئا قارة مستقرة تامة الرضا. ومن استعمل الإفرار فى ذاته ~~توجد له حقيقة ذلك. # يا نفس! ما يكون أشقى منك وأعظم حسرة وقد أصبحت فى محل الأعاجم وحيدة ~~فريدة: تبثين إليهم الشكوى بلفظك فلا يفهمونه، ويبثون إليك من لفظهم ما ms37 لا ~~تفهمينه. ومتى قارن الشىء خلافه فهو مهجور موهون مشغول عن ذاته بذات غيره. # يا نفس! ما أعظم حسراتك إذ تنطقين فلا تجدين سامعا، وتبثين الشكوى فلا ~~تجدين راحما. فياليت شعرى! ماذا عزاء من أصبح غريبا عن وطنه، نائيا عن ~~معدنه، بعيدا عن أصله ونبعته، قد أوبقه هواه وشارف استثمار زلله وخطئه، ~~محمولا على مركب الغرور والشهوة، مقترنا بمذلة اللهو والتلذذ، ساهيا فى ~~PageV01P115 طربه، موقوفا على عطبه. فليعلم الراكب فى لجة البحر فى المراكب ~~المزخرفة المزجية عند تحللها وذوبها أنه إنما صاحب من خذله، واستسلم إلى من ~~غره وخدعه، فيالها من حسرة ما أعظمها لمغرور بحبيب خائن وقرين خاذل! # يا نفس! من غرس طيبا أكل طيبا، ومن غرس خبيثا أكل خبيثا، وإن ثمرة العمل ~~الصالح كأصلها، وثمرة العمل الردىء كأصلها. وقليل من العلم مع العمل به ~~أنفع من كثير من العلم مع قلة العمل به. # فرحم الله من علم وعمل وعلم وقرأ وفهم وفهم، ووصل وأوصل، وكان وسيطا ~~بالحق، ناطقا بالصدق، مقترنا بالتوفيق. # ][ تم كتاب معاذلة النفس، والحمد لواهب العقل والصور، والصلاة على ~~أنبيائه وأوليائه؛ وخصص بالصلاة محمدا وآله الطاهرين — فى العشر الأول من ~~ذى القعدة الشريفة فى تاريخ سنة أربع وستين وألف، بمدينة القسطنطينية ~~المحمية، عمرها الله، تعالى عن الأفهام ][ PageV01P116 ~~ ms38