######OpenITI# #META# comp: 1 #META# max: 71 #META# Shamela_short_metadata_record: #META# الكتاب : أجوبة علماء فزان. تحقيق النامي ¶ ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# comments: ترقيم الصفحات آلي غير موافق للمطبوع #META# ndata: المجموعة390FD8F0العجم. #META# bk: أجوبة علماء فزان. تحقيق النامي #META# bkord: 230 #META# archive: 1 #META# الكتاب: أجوبة علماء فزان. تحقيق النامي #META# cat: فقه #META# iso: اجوبه علماء فزان تحقيق النامي #META# bkid: 319 #META# ScrapeDate: 13-03-2020 #META# ScrapedFrom: ShamelaIbadiyya #META#Header#End# ### | CHECK أجوبة علماء فزان. تحقيق النامي # المجموعة الأولى # حققها وكتب مقدمتها: # الدكتور عمروخليفةالنامي # بسم الله الرحمان الرحيم # حول عنوان المخطوطة: # العنوان الذي اخترناه لهذه المخطوطة هو » أجوبة علماء فزان « هذه ~~المجموعة هي المجموعة الأولى. والمجموعة الثانية من هذه الأجوبة هي جوابات ~~وفتاوى الشيخ بكار بن محمد الفزاني. وستصدر في فصلة مستقلة بعد هذه التي ~~نصدرها اليوم. # ... وهذا العنوان أقرب شيء للدلالة على محتويات المخطوطة وطبيعتها، ~~العنوان الأصلي الذي يظهر في بداية هذه الأجوبة في المخطوطة البارونية ~~بجربة هو : جوابات جناو بن فتى المديوني إلى بعض أهل فزان . # وظاهر أن العنوان من وضع الناسخ لتمييز المحتوى المدرج في المخطوطة عما ~~سبقه من الأجوبة وهي أجوبة جابر بن زيد (¬1) . وقد كنا نحتفظ بهذا العنوان ~~لو كان يدل على محتوى المخطوطة، ولكنه لا يفنى بذلك فأجوبة جناو بن فتى هي ~~جزء من المخطوطة، وتوجد إلى جانبها أجوبة عبد القهار بن خلف، ثم تأتي أجوبة ~~بكار بن محمد الفزاني. وعند إعداد هذه الأجوبةوتحقيقها رأيت أن أجعلها ~~مجموعتين : # الأولى تحتوي أجوبة جنا و بن فتى و عبد القهار بن خلف ... # والثانية وتحتوي فتاوى وأجوبة بكار بن محمد الفزاني .... # وقد دفعني إلى هذا أن الشماخي عند كلامه عن هذه الأخيرة ذكر أنها نقلت من ~~كتاب له (¬2) فهي إذا جزء من كتاب، ومن ثم تختلف في بنائها وطبيعتها إلى حد ~~ما عن المجموعة الأولى التي تتميز بالإضافة إلى طبيعتها الفقهية العلمية، ~~بأنها رسائل إخوانية وعظية ......... PageV01P001 # وكذلك فإن هذه المجموعة الأولى قد حققتها من أصل واحد قديم، ولم أتمكن من ~~الحصول على نسخة أخرى منها مع طول البحث، بينما توفر لدي نسخة أخرى جيدة ~~لأجوبة بكار بن محمد الفزاني بخط المحقق الفاضل الشيخ عبد الله بن يحي ~~الباروني رحمه الله، ودفعني هذا إلى فصل مجموعة الشيخ بكار وإخراجها في جزء ~~مستقل مع دراسة تلائم طبيعتها وقيمتها الفقهية ... وبعد هذا الإيضاح البسيط ~~حول عنوان هذه المجموعة من الأجوبة ننتقل إلى الكلام عن محتواها. # تحتوي هذه المخطوطة على مجموعتين متداخلتين ms01 من الأجوبة الفقهية كتبها كل ~~من جناو بن فتى المديوني، وعبد القهار بن خالف. والكتاب الأول كتبه عبد ~~القهار بن خالف إلى أبي يوسف وريون بن الحسن وهو كالمقدمة للأجوبة الأخرى ~~التي وجهها جميعا إلى أبي يوسف، ما كتبه هو أو ما كتبه أبو الحسن جناو بن ~~فتى إلى عبد القهار وأبي يوسف وأبي بكر عتيق بن أسدين . # والجواب الثاني من جناو بن فتى المديوني إلى عبد القهار بن خالف، وهو كما ~~يظهر رد على كتاب وصل إليه من عبد القهار ... وفي هذا الكتاب يعظ جناو بن ~~فتى عبد القهار بن خلفويذكره ويحثه على تلاوة القرآن وتدبر آياته، ويعتذر ~~إليه عن عدم إمكان الجواب لأسباب منها: # » .... أنه تباعدت بنا وبك الدور، وتفرقت بنا وبك الأوطان فلا يمكن وصول ~~الكتاب أو الجواب إلا بعد أشهر (¬1) «. # وهو في هذا الجواب - يدعو عبد القهار إلى القدوم عليه » للمناظرة ~~والمذاكرةوالتفقه في الكتاب والسنة « ويقول له :» واعلم - يرحمك الله - أني ~~شديد الشوق إلى قدومك وإحداث العهد بك لعلك تستفيد من كتب أبي عبيدة -رحمه ~~الله- ، فإني أرجو أن تمكن اليوم إن شاء الله لعل الله يحي بك أهل هذه ~~الدعوة فتحي لهم آثار سلفهم المهتدين وتكون لهم منارا « (¬2) . PageV01P002 وترد في هذا الجواب إشارة إلى عالم من علماء ~~فزان المعاصرين لهما هو إدريس الفزاني -وهوعالم فقيه صاحب كتب وتآليف - وقد ~~ذكر جناو بن فتى في خطابه هذا أنه رد جوابه إليه. ثم طلب من عبد القهار بن ~~خلف أن يحضر كتب إدريس لمدارستها والنظر فيها : ».....فإن قدر لك النهوض ~~إلى ما قبلنا فليكن معك ما سننظر فيه من كتب أخينا إدريس أكرمه الله تعالى ~~وأعانه ووفقه بالتوبة والإزدياد مما طلب وجعل ذلك له في الله وله « (¬1) ~~وقال أيضا :» وقد رددت جواب كتابه وغيره « (¬2) وفي هذا إشارة صريحة إلى أن ~~كتابا قد كتب به إدريس الفزاني إلى جناو بن فتى وأنه قد رد جواب كتابه إليه. # ... ولكننا لا نجد رده على جواب إدريس في هذه المجموعة التي بين ms02 أيدينا - ~~ولعل المستقبل يكشف لنا عنه وعن غيره. # ... والكتاب الثالث من جناو بن فتى إلى أبى يوسف وريون بن الحسن .. وبعد ~~مقدمة تحتوي على مواعظ معبرة مؤثرة يوصيه فيها بالتقوى والقيام بالقسط ~~والعدل، ويؤكد فيها على التمسك بالحق والحكم بما أنزل الله ويعتذر فيها عن ~~نفسه اعتذار العلماء الأتقياء، يجب على أربعة عشر سؤالا من مسائل الأحكام ~~أجوبة طويلة مستفيضة، يعرض السؤال ملخصا أولا، ثم يندفع في الإجابة عليه ~~حتى إذا استوفى جوابه انتقل إلى غيره . # ... والجواب الرابع من جناو بن فتى أيضا إلى أبي بكر عتيق بن أسدين، وفي ~~هذا الجواب يدخل على المسائل بدون مقدمة على غير عادته. ونحن نرجح أن ~~الناسخ قد أسقط المقدمة من هذه الأجوبة واكتفى بالأسئلة وردودها. ويحتوي ~~هذا الجواب على أجوبة لأربع عشرة مسألة أخرى. # ... أما الجوابان الخامس والسادس فقد كتبهما عبد القهار بن خلف. كتب ~~الأول ردا على رجل من إخوانه، ولم يسمه، أرسل إليه يهنئه بزواجه من ربيبة ~~أبيه، ويستوضحه عن سبب عودته في فتياه وإباحته هذا الزواج بعد ما كان يقول ~~بكراهته. PageV01P003 ... وقد أجاب عبد القهار عن هذه المسألة في ~~رسالة مستفيضة يذكر فيها تفاصيل هذا الأمر وما اكتنفه، وأنه قد إستخار الله ~~تعالى في ذلك فخار له زواجها وبسط له أمرها ويسره، كل ذلك في تفصيل شيق ممتع. # ... أما الكتاب الآخر فهو من عبد القهار إلى أبي يوسف وريون بن الحسن. ~~ردا على كتاب بعث به إليه وريون يطلب إليه فيه أن يكون له عينا على قاضي ~~شباهة (سبها)، وأن يأخذ بنصيبه من أمور الإسلام. ويكشف جواب عبد القهار في ~~هذا الشأن عن صورة من صور التنزه والتحرج عن الدخول في أمور الناس عند فساد ~~الزمان. وقد برر موقف العزلة الذي ارتضاه بضعفه وتقدمه في العمر، عرض أمره ~~هذا في إطار من النصيحة الصادقة، والموعظة البالغة لنفسه ولوريون في أسلوب ~~مؤثر وجميل... # ... وإذا تأملنا مادة هذه الأجوبة وجدنا أنفسنا أمام نماذج رفيعة من ~~الفقه الحي الذي يرتبط بروح الدين ms03 الإسلامي الحنيف غضا طريا لم يشبه جمود ~~الشكل الذي ظهر على الفقه في عصوره المتأخرة، مما يؤكد تقدم هذه الأجوبة من ~~الناحية الزمنية. # ... وأنت تقرأ أجوبة هذين الشيخين على ما وجه إليهم من مسائل ومشاكل فتجد ~~نفسك مع كل منهما أمام فقيه مجتهد مصلح بمهمة قيام الحق وحصول التقوى مع ~~الوقوف عند حدود الحكم الصحيح الثابت. كل منهما ينبه إلى ذلك ويحث عليه مع ~~تمام الشفقة وكامل النصيحة للسائل، هذا مع تواضع جم، وإنابة وتسليم لله، ~~واهتمام باتباع أحكامه والتزام أوامره والإقتداء بسنة نبيه عليه الصلاة ~~والسلام. PageV01P004 # ... تلمس ذلك واضحا في توجيهات جناو بن فتى إلى وريون، فهو يقول له :» ~~ولا ينجيك من الله إلا الحكم بما أنزل الله « (¬1) . ويقول : » فلم يكن ~~الحكم إلى آراء الرجال - وقد أغناهم بما أنزل عن آراء الرجال (¬2) ..... ~~وهو في أجوبته إلى كل من كتب إليهم يحرج على سائليه أن يفتوا من قوله بغير ~~ما وافق كتاب الله وسنة رسوله، ويجعل الحكم إليهما وحدهما، ويطلب من ~~عبدالقهار أن يسقط من أجوبته ما خالف الكتاب والسنة، وذلك قوله في آخر ~~كتابه إلى عبد القهار :"ولم أجعلهم في حل من فتوى ما كتبت به إليهم إلا ما ~~وافق كتاب الله وسنة نبيه عليه السلام. فإن رأيت تطلع ذلك وتسقط منه ما ~~أرابك فافعل" (¬3) . # وهو لا يكاد يورد حكما في أجوبته هذه إلا مقترنا بدليله الناصع من الكتاب ~~أو السنة، بما يسوقه من آيات الكتاب الكريم أو أحاديث النبي صلى الله عليه ~~وسلم، وروايات المسلمينن وأحكام الخلفاء الراشدين المهديين، مع التأكيد على ~~امتثال أحكام ذلك الجيل الأول والإقتداء بسيرته. وما ذكرناه عن جناو بن فتى ~~هنا يصدق على زميله عبدالقهار بن خلف. # ويظهر أن مادة هذه الأجوبة ترجع في أصولها إلى تابع التابعين، ونحن لا ~~نجد ذكرا للفقهاء المقتدمين عدا جابر بن زيد وأبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة، ~~مما يجعلنا نفترض أن جناو بن فتى خاصة، ينتمي إلى طبقة حملة العلم من ~~إباضية المغرب الذين ذهبوا إلى ms04 البصرة من أطراف شتى من البلاد الإسلامية ~~لتلقي العلم عن إمام الإباضية بالبصرة أبي عبيدة مسلم بن أبي كريمة. PageV01P005 والمشهورون من هؤلاء ~~الطلبة الذين قصدوا أبا عبيدة من شمال إفريقيا لتلقي العلم هم عبدالرحمان ~~بن رستم، وأبو درار إسماعيل بن درار الغدامسي. وعاصم السدراتي، وأبو داود ~~القبلي (¬1) . وقد عرف هؤلاء في كتب السير الإباضية بحملة العلم. ولكن ~~المصادر الإباضية تذكر، غير هؤلاء، ابن مغطير الجناوي الذي رحل إلى البصرة ~~قبل هؤلاء وتتلمذ على أبي عبيدة في فترة مبكرة ورجع إلى الجبل وجلس للإفتاء ~~به قبل رجوع حملة العلم (¬2) . ونحن لا نستبعد، بل نرجح أن يكون هذا ~~الاتصال العلمي بالبصرة قد شمل غير هؤلاء، وفي فترات متلاحقة متتابعة - وأن ~~يكون إلى جانب حملة العلم الخمسة المشهورين الذين ساهموا في تأسيس الإمامة ~~الإباضية في طرابلس وتاهرت - غيرهم من المغمورين الذين شغلهم تلقي العلم ~~وتدريسه والقيام به، عن أمور السياسة والحكم، ولعل أن يكون جناو بن فتى ~~منهم - نستظهر لذلك بإشارته إلى كتب أبي عبيدة التي يدعو عبد القهار للحضور ~~إليهم للإستفادة منها - وإذا تأسس هذا الفرض، فإن هذه الأجوبة وهذه الطبقات ~~من العلماء تنتمي إلى تلك الفترة التاريخية المبكرة -أواخر القرن الثاني، ~~وأوائل القرن الثالث للهجرة - ونستأنس لذلك أيضا بترتيب الشماخي رحمه الله، ~~فقد جعل هؤلاء العلماء ضمن الطبقة الرابعة وهي طبقة الإمام عبد الوهاب بن ~~عبد الرحمن بن رستم (¬3) . # وهذا أشبه بحقائق التاريخ. فإن هذه الفترة قد شهدت إمتداد نفوذ الدولة ~~الإباضية وإتساعه مابين تاهرت إلى سرت مع كل المناطق الداخلية في المنطقة ~~الممتدة بين فزان والشريط الساحلي -وما يوازيها في المغرب الأوسط (¬4) . PageV01P006 ... غير أن ~~بعض الإشارات في هذه الأجوبة تشير إلى ضعف أمر الدولة الإباضية وضعف أهلها ~~والقائمين عليها في الشرق والغرب (¬1) ، وتذكر في موضع آخر » إن المسلمين ~~اليوم في كتمان « (¬2) والكتمان إصطلاح يعني عدم قيام الإمامة الظاهرة. وفي ~~هذا إشارة واضحة إلى تقلص نفوذ الإمامة عن هذه المناطق مما يرجح أنها تشير ~~إلى ما بعد وقعة » مانو « التي تضعضع ms05 بعدها بنيان الدولة الرسمية سنة 280 ه ... # وينبغي أن ننبه هنا إلى أن سقوط الإمامة لا يعني إنهيار المجتمعات ~~الإباضية معها، ولكن هذه المجتمعات ضلت متماسكة تربطها صلات وثيقة تعمل من ~~خلالها على المحافظة على كيانها الديني والعلمي والإجتماعي وإن لم تتمكن من ~~إقامة الإمامة بعد سقوط الدولة الرستمية - إلا أن مناطق كثيرة بسبب شحوطها ~~عن مراكز النفوذ لدول السواحل الإفريقية في الشمال - كانت تتمتع بواقع ~~سياسي فريد، تختار فيه من أهل الحل والعقد فيها من يقوم بإنفاذ الأحكام في ~~نطاق محدود -وقد كان هذا هو الحال في جبل نفوسة (¬3) ، ولعل دور وريون بن ~~الحسن في مناطق فزان - وعليه مدار أكثر هذه الأجوبة - لعل دوره كان من هذا ~~اللون. فقد وصفه الشماخي بأنه من القائمين بالأمر في فزان (¬4) وهذه هو ~~أقرب ما يمكن أن ينتهي إليه الدارس في تحديد المرحلة الزمنية لهذه الأجوبة. # وترد في كتب السير الإباضية إشارات تفيد وجود صلاة وثيقة بين جبل نفوسة ~~وبين فزان مما يدل على إرتباط فزان ودواخلها ببقية الجماعات الإباضية في ~~الجبل وغيره. PageV01P007 # فقد روى عن أبي خليل صال الدركلي، وقد عاش في النصف الأول من القرن ~~الثالث الهجري (¬1) ، أنه قال لتلاميذه :» إيتوا المجالس يا كسالى «، فقد ~~حضرها من حضرها ما بينه وبين قابس، وما بينه وبين فزان، حتى وقع عليه ~~السراق فجرحوه سبعة عشر جرحا فدخل في مغارة فمكث فيها أربعين يوما ما أكل ~~ولا شرب إلا ما رأى في منامه أنه أطعم وأسقي، فخرج وقد نضر بدنه نضرة لم ~~يرها قط » فظنوا أنه ذلك الرجل «. (¬2) # ويظهر من هذا النص أنه كانت للإباضية مناطق عامرة بحلقات الدرس ومجالس ~~العلم ما بين جبل نفوسة وقابس وما بين جبل نفوسة وفزان. # ويذكر الشيخ مقرن بن محمد البغطوري إجتماع مواكب الحج من إباضية المغرب ~~بعد منصرفهم من الحج، قال :» فكانوا يجتمعون أماسن ؛ أهل أفريقية وأهل جربة ~~وأهل طرابلس، وقد بلغنا أنهم يجتمعون في نحو ألف أو أقل أو أكثر لا يكون ~~المجلس بينهم إلا بالترجمان، ms06 فكانوا يجتمعون في الصحراء ما بينهم وبين فزان ~~.. « (¬3) وهذا بعد انقطاع الأمر من تاهرت (¬4) . وكذلك فإن صلة ثقافية ~~علمية متينة كانت تربط بين فزان ومناطق الإباضية الأخرى. فهذا أبو مرداس ~~عندما يذكر أمر الولاية يقول: » لا أعرف إلى هذا الإمام ؛ يعني عبد الوهاب ~~بن عبد الرحمن بن رستم، ووزيره، وهذا الفزاني ، ولم أره وأنما أعرفه بكتابه ~~؛ يعني عبد الخالق « (¬5) . PageV01P008 ~~ويذكر نفس المصدر أن أبا مرداس قد كاتب عبد الخالق يسأله أن يدعو الله ~~ليغيث الجبل، وأن يصف له دواء الريح وتحفظ لنا كتب السير جواب عبد الخالق ~~الذي يزخر بمعنى التوكل والإعتماد على الله والتسليم له سبحانه فيما يمتحن ~~به عباده من الشدة في الحياة أو المرض في البدن، وذلك قوله في جوابه لأبي ~~مرداس (¬1) : »إن دواء مرض الريح دواء الذنوب، فمثلك يا أبا مرداس لا يسأل ~~إلا عن دواء الذنوب « . # أما عن سؤاله أن يدعو الله أن يخلف على الناس فقد كتب له بهذه الآية ~~الكريمة :{ .... ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض، ولكن ينزل بقدر ~~ما يشاء }. (¬2) # ونص الدرجيني في » الطبقات « أكثر وضوحا في ذكر إعتماد إباضية الجبل على ~~فتوى عبدالخالق الفزاني خصوصا في أمر الدماء - ولعل هذا يكشف لنا عن ~~المكانة العظيمة التي يحتلها عبد الخالق الفزاني لدى زملائه من علماء ~~المذهب في الجبل إذا عرفنا أمر الدماء وخطرها وما ينبغي أن يتحلى به المفتي ~~في شأنها من شدة الورع وكمال التقوى وبلوغ الغاية القصوى في العلم. يقول ~~الدرجيني في الطبقات : » وكان أبو مرداس إذا نزلت عنده نازلة من مسائل ~~الدماء كتب بها إلى عبدالخالق الفزاني يستفيته فيكون العمل بما يجاوبه به، ~~وذلك لكونه يرى عبد الخالق أعلم أهل زمانه بالدماء وأحكامها « (¬3) . PageV01P009 وفي السير أن بعض الأشياخ ~~المتكلمين من أهل فزان بعث إلى عمروس بن فتح المساكني(متوفى سنة 280 ه) أن ~~يؤلف له كتابه كتابا في الأصول فكتب إليه الكتاب المعروف بالعمروسي. وكتب ~~له رسالة. فلما رآه الفزاني، وهو الذي وضع الكتابين المعروفين بأصول الكلام ~~قال:» ms07 النفوسي أقوى مني « (¬1) ولم ينبه البغطوري ولا الشماخي على اسم هذا ~~العالم المتكلم من فزان، وقد يكون عبدالخالق أو غيره . # وتحفظ لنا كتب » السير « إسم عالم آخر وهو عبد الحميد الفزاني الذي يقول ~~عنه الوسياني :» وهو عالم كبير من علماء أهل الدعوة وكان في بلاد السودان ~~مسيرة شهر من جبل نفوسة « (¬2) . ويذكر في الروايات أن أبا معروف ويار بن ~~جواد الويغوي عندما أصيب ببصره بعث إلى السيخ عبد الحميد فقال : أرسل لي ~~دواء العين، وكان جواب الشيخ عبد الحميد من جنس جواب عبدالخالق الذي ذكرناه ~~آنفا فقد قال حين بلغته رسالة أبي معروف :» عجبا لهذا الشيخ، أعطاه الله ~~شفاء الذنوب ثم يسأل ما يزيله عنه !! « (¬3) . # وعدا ما ذكرناه من النصوص التي تصور العلاقة العلمية بين جبل نفوسة ~~وفزان، فنحن لا نعلم تماما متى انقطعت هذه الصلة الثقافية ولا نجد ما ~~يعيننا على تصور مظاهر إتصالها. وقد جاء في بعض الروايات أن هذه الصلة كانت ~~قائمة حتى أواخر أيام أبي الربيع سليمان بن هارون الملوشائي (عاش خلال ~~الخمسين الأخيرة من المائة الرابعة للهجرة (¬4) . قال البغطوري في سير ~~مشائخ نفوسة :وقد جاءته الكتب من فزان بعدما كبر وضعف عن القراءة، فيقول : ~~ياليتني أدركتهم في شبيبتي، فيقرأ عليه واحد منهم، يعني طلبته، حتى يفتر ثم ~~يرجع الآخر فيدرس عليه إلى آخر الليل (¬5) . PageV01P010 # ويظهر مما تجمع لدينا من معلومات، أن هذا الإقليم لم يكن يتمتع ~~بالإستقرار الذي يعين على إزدهار الحياة العلمية والثقافية، بل على العكس ~~من ذلك، حيث الغارات وما يصحبها من نهب وقتل وتدمير كانت الطابع الذي يفرض ~~نفسه على الحياة في هذه البلاد. # وتحفظ لنا كتب " السير" هذه القصة عن أهل " تامزاوت " الذين تعرضوا ~~للغارة والقتل فأزعجوا عن بلدهم وغدروها فخلت منهم بعد عمرانها فقد روى عن" ~~أبي بحر الفزاني من أهل تامزاوت صلى بهم العيد بأربعمائة ثم صلى بهم العيد ~~المقبل بمائتين وقيل بمائة فلتفت إليهم بعدما فرغ فقال لهم : إنتقصتم يا ~~أهل تامزاوت فربي يعلم ماذا يحل عليكم. ثم ms08 صلى بهم العيد الثالث بخمسين ~~رجلا فالتفت إليهم فقال لهم مثل مقالته الأولى، ثم صلى بهم العيد الرابع ~~بثلاث وهو وإبنان معه، فلما فرغوا إلتفت إلى إبنيه فقال لهم : الرحيل. ~~فاشتغلوا بالرحيل ففاجأهم العدو فوجدهم على الرحيل فدخل إبناه في القتال ~~فقتلا فدخل العدو البلد فوجدوا أبا بحر فلم يجدوا ما يقتلون من الكبر " (¬1) . # فطابع الغارة والصراع قبل كان فيما يظهر هو الغالب على الحياة في هذه ~~المناطق في تلك الفترات، وهو ما نلمس ملامحه في هذه الأجوبة التي بين ~~أيدينا والتي تتعرض بعض المسائل إلى الموقف الصحيح من مثل هذا القتال، وما ~~ينبغي على المسلم في مثل تلك الحال. بل أن أحدها يصور لنا لونا من تلك ~~الوقائع وما يترتب عليها عند الحديث عن هزيمة واريون بن الحسن وإبراهيم بن ~~أسدين وورودهم على شباهة (سبها) من موقع هزيمتهم (تراغن) وما كان من خروج ~~الشيخ عبد القهار بن خلف عن سبها إلى زريعة. حيث الأمور - فيما يظهر - أكثر ~~استقرارا وأمنا (¬2) . # واعتمادا على المصادر الإباضية فإننا نستطيع أن نستخرج القائمة التالية ~~من أسماء المشائخ PageV01P011 والعلماء من أهل فزان. وأول هؤلاء هو ~~عبدالخالق الذي يقول عنه الشماخي : »كان في المنزلة العليا علما وعملا ~~وورعا وتقى « (¬1) . # وعبد الحميد الفزاني الذي قال عنه الوسياني " عالم كبير من علماء أهل ~~الدعوة " (¬2) وفي الرسالة المجهولة المؤلف التي تذكر أسماء بعض شيوخ ~~الوهبية نجد إسم أبي إسحاق إبراهيم بن زناد " (زياد ؟) الفزاني (¬3) ، ولا ~~نجد له ذكرا في كتب "السير". ثم انفرد الشماخي بإيراد بقية القائمة في سيره ~~" ؛ ومصدره فيما يظهر هو هذه الأجوبة التي ننشرها اليوم فهو لم يخرج عما ~~ورد فيها من أسماء. # قال: " ومن مشائخنا بفزان عبد القهار بن خلف رحمه الله، وكان عالما ورعا ~~مفتيا " (¬4) ثم أورد جل جوابه الذي يذكر فيه أمر عودته عن فتياه في مسألة ~~زواج الإبن بربيبة أبيه (¬5) . # ثم ذكر بعده وريون بالحسن بالمعجمة (وزيون) قال "وكان قائما هو وإبراهيم ~~بن أسدين أظن بفزان من أهل الدعوة " (¬6) . # ثم ذكر إدريس ms09 الفزاني، واورد إشارة جناو بن فتى الى كتبه عند دعوته لعبد ~~القهار للقراءة عليه (¬7) . وذكر معهم أبا الحسن جناو بن فتى - ولا وجه ~~لذكره بين علماء فزان، فهو كما سترى من المغرب الأوسط من قبيلة مديونه، ~~وموطنه هو موطن هذه القبيلة - وآخر من ذكرهم من المشائخ الشيخ بكار بن محمد ~~الفزاني قال : وأطلعت له على مسائل نقلت من كتابه (¬8) . PageV01P012 وواضح أن الشماخي في أصل مادته عن ~~هؤلاء الأشياخ، كان يعتمد على مادة تماثل محتويات هذه الأجوبة التي ننشرها ~~اليوم. وهكذا فإننا نجد أنفسنا محدودين في حدود المعلومات التي تقدمها لنا ~~هذه الرجالات والمواقع، وما يرد فيها من الأحداث والوقائع، ولا نستطيع أن ~~نعتمد فيما وراءها على أي شيء من المصادر المتوفرة لدينا. # وفي إطار هذه الحقيقة سنحاول أن نقدم هنا فكرة عن شخصيات هذه الأجوبة في ~~إطار ما تقدمه هذه الأجوبة من معلومات : # وهذه الأجوبة تتكون كما سبقت الإشارة من مجموعتين متداخلتين كتبهما علمان ~~متعاصران هما جناو بن فتى، وعبدالقهار بن خلف موجهة إلى مجموعة من الأشخاص ~~ردا على أسئلة محددة وردت منهم. PageV01P013 # والكاتبان وإن جمعتهما هذه الأجوبة في صعيد واحد، إلا أنهما من مكانين ~~متباعدين، نجد الإشارة إلى هذه في إعتذار جناو بن فتى في كتابه إلى ~~عبدالقهار بن خلف عن التقصير في رد جوابه في قوله :"مع أنه تباعدت بنا وبك ~~الدور، وتفرقت بنا وبك الأوطان، فلا يمكن وصول الكتاب أو الجواب إلا بعد ~~أشهر" (¬1) . ورغم معاصرة الكاتبين بعضهما للآخر جناو بن فتى فيما يظهر أسن ~~من عبدالقهار، وغالب الظن أنه أستاذه قد تتلمذ عليه في فترة سابقة، فهو هنا ~~في جوابه إليه بدعوة إلى الحضور إليه وإحداث العهد به للتعلم والإستفادة: " ~~أننا شديد الشوق إلى قدومك وإحداث العهد بك لعلك تستفيد من كتب أبي عبيدة ~~رحمه الله" (¬2) وأبو عبيدة المشار إليه هنا هو أبو عبيدة مسلم بن أبي ~~كريمة التميمي البصري من علماء القرن الثاني للهجرة، من التابعي وإمام ~~الإباضية بالبصرة بعد جابر بن زيد، وهو الذي ms10 تلقى عنه " حملة العلم " من ~~المغرب وغيره ولا يستبعد أن يكون جناو بن فتى من تلاميذه المباشرين الذين ~~رحلوا إلى البصرة وتلقوا عليه العلم. والذي يؤكد أن الإشارة هنا إلى أبي ~~عبيدة مسلم وليس إلى غيره هو ما أردف به جناو فتى عباراته بقوله: فإني أرجو ~~أن تمكن اليوم إن شاء الله لعل الله يحي بك هذه الدعوة فتحي لهم أثار سلفهم ~~المهتدين (¬3) ، وما تكون أثار هذا السلف غير كتب أبى عبيدة مسلم وما حفظه ~~عن جابر بن زيد وأساتذته من الصحابة رضوان الله عليهم ودونه في تلك الكتب ؟ ! # ويذكر جناو عن نفسه أنه في آخر مدته وأنه قد تقدم به العمر، وهو يقول في ~~نفس الكتاب :" وأنا أحب تعجيل ذلك منك، يعني قدومه عليه لأني على آخر أيامي ~~واقتراب أجلي وفناء مدتي وورودي على ما كنت أصدر عنه" (¬4) . PageV01P014 ثم يصف نفسه في موضع آخر بالبدوية ~~والبلوهة - وذلك من باب تواضع العلماء - فان في أجوبته - كما ترى - علم ~~عزيز وفكر منير ولغة عالية، وبيان رصين - إلا أن هذا النص على "بدويته يكشف ~~لنا عن جانب من حياة الرجل التي كانت - على طبيعة حياة البادية حياة ~~منتجعات متنقلة متصلة الترحال، وليست حياة الحاضرة المستقرة الثابتة. PageV01P015 # ونسبة هذا الشيخ في قبيلة "مديونة" البربرية. ونص على إسمه بهذا وضوح فهو ~~جناو بن فتى المديوني. وهذه القبيلة فرع من زناته، وهم من شعوب البربر ~~البتر، لقد أورد إبن خلدون نسب هذه القبيلة على الصورة التالية : مديونة ~~إبن فاتن بن تمصيت بن ضري بن زحيك بن مادغيس الأبتر (¬1) . وذكر إبن خلدون ~~أن ديار هذه القبيلة " المغرب الأوسط " (¬2) وفي موضع آخر قال : "وكانت ~~مواطن مديونة من قبائل البربر قبلة تاسالة (¬3) وفي موضع آخر يذكر أنهم ~~أخوة بني واسين، وقال : وربما يشهد بذلك جوار موطنهم .......... ما بين صا ~~وملوية" (¬4) فالمواطن الأصلية لهذه القبيلة كما يحددها إبن خلدون هي قبلة ~~تاسالة ما بين وادي صا (زا) وملوية في المغرب الأوسط. وفي نطاق هذه الرقعة ~~الواسعة من البلاد لا ms11 نستطيع أن نشير إلى المقر المحدد، أو إلى الموطن الذي ~~كان يعيش فيه جناو بن فتى الدماء لذهاب العلماء" (¬5) ، وقال أيضا :" وأما ~~أهل زماننا يقاتلون المفسدين بمن هو شر منهم وأكثر فسادا في الأرض وتنهب ~~الأموال وتحرق المنازل وكلاهما مفسدون ولا يكزن بعض المفسدين أحب إلى الله ~~من بعض" (¬6) وقال في موضع آخر المسلمون اليوم في كتمان، وإنما يجوز الدفع ~~لما لم يجدوا من دفعه بدا مثل نار أقبلت عليهم إن لم يطفوها عن أنفسهم ~~هلكوا (¬7) وقال :" وأهل هذا الزمان لا ينبغي الخروج معهم إلا أن يكون ~~خروجهم إلى جراد أو سمك فلا بأس أن تخرج معهم، وأما غير ذلك من خروج بعضهم ~~إلى بعض فاحذر، واهرب من الناس كهروبك من السبع" (¬8) . # ثم أضاف بعد ذلك :" ونفير أهل التوحيد إلى أهل التوحيد بأسباب تكون بينهم ~~فاحذر ثم احذر ..... PageV01P016 فإنكم أن تتركوا دما حلالا ~~خير من أن تفسكوا دما حراما وتكثروا سواد من سفكها" (¬1) . # والشكوى من إضطراب الزمان وفساد الناس ورقة الدين، وتفضيل العزلة عن هذا ~~المجتمع # وتجنب أهله والإشتغال بالنفس كل هذه المعاني التي رأيناها فيما تقدم من ~~أقوال أبي الحسن جناو بن فتى نجدها كذلك لدى زميله وتلميذه عبدالقهار بن ~~خلف. فهو يقول فيما كتب له إلى يوسف وريون بن الحسن ردا على كتاب طلب إليه ~~فيه أن يكون له عينا على قاضي شباهة (سبها) : " واعلم أني في معزل من هذا ~~وذلك لما أراه من عنايتي بما في بيتي واشتغالي به، ولقد أقيم ما شاء الله ~~وأنا غير عارف بما الناس فيه من الأمور إن شاء الله، ولو أن عندي ما يصلحني ~~في عيالي لطبعت على بابي ثم لم أخرج على بشر ولم يدخل علي حتى ألحق بالله، ~~إلا ما شاء الله من ذلك" (¬2) . ويقول في موضع آخر بعد هذا : وينبغي للعاقل ~~أن يكون بصيرا بأهل زمانه مقبلا على شأنه" (¬3) . ثم يختم رسالته بهذا ~~الدعاء " وأسأل الله أن يجعل غنائي في نفسي ويرزقني لزوم ما ينفعني والعمل ~~به. وترك ms12 ما لا يعنيني واجتنابه فإن ذلك عليه يسير " (¬4) . PageV01P017 ويجرنا هذا الحديث إلى الكلام على ~~عبدالقهار بن خلف، وكل ما يمكن أن نستخلصه عنه هنا أنه من العملماء ~~النابهين الذين يتمتعون بمكانة مرموقة بين أقرانهم علما وعملا. وهو فيما ~~يظهر من مواطنى مدينة (سبها) والتي وردت الاشارة اليها أكثر من مرة في ~~أجوبته-وظاهر الأمر أنه بربري الأصل، نستظهر لذلك بما ورد في رسالته من ~~أسماء، فهو يذكر عمته أخت أبيه باسم أميمة بنت الحباب، واسم أبيه خلف، وهذه ~~أسماء عربية صحيحة لا تشوبها عجمة، وهي خاصة تميزها عن بقية الأسماء التي ~~وردت في هذه الأجوبة، والتي تلتقي جميعا في عجمة بعضها مثل وريون ( وزيون ) ~~وجناو، وأسدين، ومصطار وعبيدس وعبدوس، ونحن لا نستبعد فرضية عربية ~~عبدالقهار فهناك إشارة صريحة في كتب الرحلات المتقدمة أن بعض مناطق فزان ~~مثل ودان وزويلة وغيرها كان يقطنها قبائل شتى من حضرميين وسهميين ووافدين ~~من الكوفة والبصرة وخراسان (¬1) . ونحن نرجح أن يكون عبدالقهار من هذه ~~الأسرة التي تنتمي في أصلها القديم إلى بعض القبائل العربية التي وفدت مع ~~جند الفتح في زحفهم المبكر إلى هذه الديار ... # ويبدو أن عبدالقهار كان يرتبط بصلة وثيقة بالشيخ جناو بن فتى والظاهر أن ~~جناو كان أستاذا لعبدالقهار، وكان يعقد عليه آمالا كبيرة في أن يحيي لقومه ~~آثار سلفهم المهتدين ويكون لهم منارا (¬2) . # وهو معنى يؤكده مرة أخرى عندما يقول له في جوابه : " فوددت لقياك ~~للمناظرة والمذاكرة والتفقه في الكتاب والسنة مع ما يرجى في المشاورة من ~~عزم الله لهم لأهل المشاورة في الدين من إرشادهم في أمورهم" (¬3) . وهذا ~~المعنى يؤكده أيضا مضمون رسالة إلى أبي الحسن وريون إلى عبدالقهار، حيث ~~يطلب إليه أن يأخذ بحضه من الإسلام وإلا يستغني عن أموره، ويطلب إليه أن ~~يكون له عينا على قاضي شباهة (سبها) وأن ما رأى منه من خير أو شر أعلمه ~~بذلك (¬4) . PageV01P018 ويظهر أن الرجل كان متقدما في العمر وكان ~~شديد الزهد، معرضا عن الدنيا غير مقبل عليها منصرفا إلى آخرته وما ms13 عناه من ~~أمر نفسه وعياله - ونقرأه يستشهد لضعفه بهذه الأبيات : (¬1) # أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا ....... # والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا ... # وهو رغم إعراضه عن المساهمة الفعالة في أمور الناس وشؤونهم العامة إلا ~~أنه لا يدخر خالص النصيحة عن سائله، يبلغ له في الموعظة والتحذير :"أوصيك ~~ونفسي بتقوى الله العظيم، والعمل لما أنت صائر إليه عن قليل ...." ثم يختتم ~~رسالته إليه بقوله :"ويقال : شر النسك نسك العجم، فاحذر على نفسك، والبربر ~~من العجم " (¬2) . # وننتقل إلى الحديث عن أبي يوسف وريون بن الحسن، وهو مدار هذه الأجوبة ~~ومحمر هذه المكاتبات، يكاتب هؤلاء الأشياخ ويسألهم الرأي والفتوى فيما يحدث ~~عليه من نوازل ويحل به من مشاكل، ويكتبون إليه بالأحكام والنصائح والمواعظ .... # والذي تعرفه عن وريون أقل مما نعرفه عن غيره من أشخاص هذه الأجوبة، وهو ~~عند الشماخي وزيون بالزاي المعجمة (¬3) ، وقد يكون هذا من تصحيف النساخ، ~~ولا يفيدنا الشماخي بأكثر مما عندنا في هذه المخطوطة عن هذا الشيخ. فهو عند ~~حديثه عن عبدالقهار يقول :"وكان كثير النصح لوزيون بن الحسن وكان قائما هو ~~وإبراهيم بن أسدين أظن بفزان من أهل الدعوة والله أعلم " (¬4) . PageV01P019 ولا شك أن الشماخي قد إستقى ~~معلوماته هذه من الجواب رقم "5" الذي يذكر فيه عبدالقهار خبر هزيمة وريون ~~عن تراغن وإنسحابه إلى سبها أو شباهة كما يسميها وهذا سياق القصة كما ~~يوردها عبدالقهار، ".....أنه لما جاء الخبر بالليل أن عساكر وريون وغيره قد ~~انهزمت من تراغن جائني الخبير بذلك، وهو عبد الله بن عبيدس الشباهي وكان لي ~~صديقا مصافيا وخليلا مواتيا، فأيقظني من نومتي وأنا مريض بمرضي، وقد كنت ~~مريضا قبل ذلك أربعة أيام، فذكر لي الخبير أن العساكر قد انهزمت وأن وريون ~~وإبراهيم بن أسدين قد جاء كلاهما مهزومين وقد نزلا في بيت أبي الرؤوس. فقلت ~~أكذلك الخبر ؟ قال : نعم. فقمت مبادرا واتكأت على رمحي فدخلت الدار التي ~~فيها وريون وإبراهيم فوقفت عليهما وأخذت منهما تصحيح الخبر ....." (¬1) . # فهذا النص يذكر ms14 بوضوح أن وريون هو قائد هذه العساكر فهي عساكر وريون. ~~ويذكر أيضا إبراهيم بن أسدين من كتب التاريخ والسير ذكرا لهذه المعركة، ومن ~~ثم فنحن لا نعرف شيئا عن الطرف المنتصر ولا عما آل إليه أمر وريون وإبراهيم ~~بعد هذه المعركة . # ولكننا نجد في الخطاب الآخر الذي وجهه عبد القادر إلى أبي يوسف وريون ~~إشارة إلى قيامه على أمور الحكم ومراقبة القضاة وتعيينهم فهو يقول :" أعلم ~~أن كتابك وصل إلي تذكر فيه أن أكون لك عينا على قاضي شباهة، وأن ما رأيت ~~منه من خير أو شر أعلمتك بذلك في سر. وقلت : وخذ بحضك من الإسلام ولا ~~تستغني عن أموره " (¬2) . # ولا تعرف عن هذا الكتاب هل كان قبل تلك الهزيمة أو بعدها إلا أن هذا النص ~~يكشف عن مكانة وريون التي تصوره في مركز المسؤولية، يطلب من هذا الشيخ أن ~~يوافيه بما يقيم به سيرة قاضي PageV01P020 " سبها " ( شباهة ) ويطلب إليه كذلك أن ~~يأخذ بحضه من الإسلام - ونفهم من هذا أنه يطلب إليه المشاركة في تحمل أعباء ~~الأمة ومسؤولياتها، وهذا ما جعل الشماخي يقدر أنه كان قائما بالأمر في فزان (¬1) . # وهناك العديد من الإشارات في أجوبة جناو بن فتى التي نستطيع أن نستنتج ~~منها أن وريون كان على مكانة هامة من المسؤولية، فهو يوصي بالقيام لله ~~بقسطه وعدله في بلاده وعباده، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإغاثة ~~الملهوف والقيام للمظلوم (¬2) . # وفي ثمانية أسئلة (¬3) من الجواب رقم "3" في هذه المجموعة نجد السؤال ~~يدور على مسائل تتصل بالسلطان وعلاقته برعيته وفي إثنين منها يشير وريون ~~إلى نفسه صراحة . # ففي السؤال رقم (8) يقول :" وعن قوم سفاكين الدماء الحرام والأموال ~~الحرام، فإذا انتهكوا ما حرم الله من ذلك هربوا إلى موضع لا يقدر عليه ~~ويبقى من إخوانهم معنا لأنهم آمنون من سطوتنا فإذا أردنا القيام إلى القوم ~~المفسدين خرجوا من غير علم منا إلى إخوانهم فيخبروهم بخروجنا إليهم ~~فيبتعدوا ويدخلوا الوعر، فما ترى لنا ؟ الخ ....." . # وفي السؤال رقم (13) يسأل وريون الشيخ جناو بن فتى :" وما ms15 تقول - رحمك ~~الله - في قوم من أهل الدعوة ولي عليهم الجبابرة وهم الحاكمون عليهم بما لا ~~يخفي عليك من الجور وما لا تستطاع له صفة، هل ترى لسلطان المسلمين أن ينهض ~~إلى أولئك الجبابرة ليزيلهم عنهم ويحول بينهم، أو يولي على أهل الدعوة ذلك ~~إلى سلطان المسلمين أو لم يطلبوه ؟ .... " فهو هنا يسأل عن واجب سلطان ~~المسلمين تجاه أهل الدعوة ممن وقعوا تحت سطوة الجبابرة، وهو وأن لم يشر إلى ~~نفسه صراحة إلا أن جواب الشيخ جناو إليه يكشف عن أن المعني هو وريون نفسه. ~~قال في جوابه :" أحب إلينا في ذلك السلامة لدينك، فإن السلامة لا يعدلها ~~شيء .... الخ" . PageV01P021 وهذه نصوص يساند بعضها ~~بعضا في تأكيد ما ذهب إليه الشماخي - رحمه الله - من أن وريون "كان قائما ~~بالأمر في فزان من أهل الدعوة ....... " (¬1) . # ونختتم هذه الجولة بالكلام عن أبي بكر عتيق بن أسدين - وهو صاحب أسئلة ~~الجواب رقم : (4). وهذا الجواب، على غير ما عليه الأمر في بقية الأجوبة، لا ~~مقدمة له، والراجح أن الناسخ قد أسقطها، واكتفى بالأسئلة وردودها. وهكذا ~~فقد فقدنا مادة كان يمكن أن تعطينا فكرة عن شخصية السائل ولو محدودة. # وترد الإشارة في جوابات عبدالقهار بن خلف إلى شخص آخر باسم إبراهيم بن ~~أسدين - رفيق وريون - ولا ندري هل تربطه صلة نسب مع أبي بكر عتيق بن أسدين ~~ولعلهم أن يكونا أخوين .... # الخلاصة أننا لا نعرف عن أبي بكر هذا شيئا غير ما يمكن أن نستخلصه من ~~طبيعة أسئلته. هي بين أن تكون أسئلة خاصة عن نوازل عرضت له شخصيا فعندئد ~~يمكن القطع به بحال. وأما أن يكون قاضيا أو فقيها مفتيا لجأ فيما استعصى ~~عليه من مسائل - كما هي العادة -إلى من هو أعلم منه، وهو جناو بن فتى، ~~ويستوضحه ويستفتيه. وفي كلا الحالتين فإن شخصية السائل ذات بال وخطر فيما ~~يبدو من تلك ألأسئلة. # بقيت مسألة أخرى، وهي أسماء بعض المواضع التي وردت الإشارة إليها في هذه ~~الأجوبة ونعنى بها هنا "شباهة"، و"زريعة"،و"تراغن". # أما ms16 "تراغن" فقد وردت الإشارة إليها عند ذكر هزيمة عساكر وريون (¬2) وقد ~~وردت خالية عن الأعجام عدا حرف النون هكذا : (تراعن) وواضح أنها بلدة ~~الحالية وتقع هذه البلدة جنوب مدينة " سبها" على بعد مئة وعشرين كيلومترا ~~تقريبا. PageV01P022 أما " رزيعة "، ~~وهي التي يذكرها عبدالقهار بن خلف عند الكلام على رحيله عن "سبها" ~~والإنتقال إليها بعد هزيمة وريون (¬1) ، فليس لدينا فيما بين يدينا من ~~المصادر ما يعيننا على تحديد موقعها، وقد تكون عن ضواحي سبها أو بعض القلاع ~~الحصينة المجاورة لها. # أما " شبهاهة" فقد وردت الإشارة إليها في أكثر من موضع في أجوبة ~~عبدالقهار بن خلف (¬2) ، وأورد النسبة إليها هكذا: "الشباهي" (¬3) ونحن ~~نرجح أن يكون " شباهة " هو الإسم الذي تطور عنه إسم " سبها " الحالي، وبعض ~~أهل الجنوب لا يزال ينطقها معجمة حتى اليوم فيقال "شبها" بالشين المعجمة ~~بدلا من السين (¬4) . ولا ندري متى بدأ ظهور إسم "سبها" ولعل الإسمين سارا ~~معا منذ البداية، وبقيا كذلك تصرفهما الألسن على ما يوافقها من نطق حرف ~~السين معجما أو مهملا ... ونجد إسم " سبها " يرد برسمه الحالي " سبها " في ~~بعض النصوص الإباضية القديمة، وبالتحديد عند أبي يعقوب يوسف بن إبراهيم ~~الوارجلاني ( المتوفى سنة : 570 ه ) فى قصيدته " الحجازية " التى يصف فيها ~~رحلته إلى الديار المقدسة لتأدية فريضة الحج. قال أبو يعقوب يصف طريقة لدى ~~مروره بفزان متجها إلى الحجاز (¬5) : # (33) جزى الله عنا "جرمة" وبلادها ... ... و"فزان" خيرا شاكرا غير كافر # (34) هم أوسعنا ما استطاعو بخيرهم ... ... وعافية جلت ومن تمر تامر # (35) وكانت" تبستو" منزلا نزلت به ... وراحت إلى "سبها" (¬6) و" سمنو"و "فاطر" # (36) وجازت على "زرديج" وهي مشيحة ... ... إلى "منزل العباد" ذات الفطائر # ( PageV01P023 # 37) وقد هرج "الهاروج " فيها سمانها ... ... ومرمرها "زرديج" كل المرامر ~~(38) فلما أنخناها إلى "قصر زلة" ... ... أنحنا إلى قوم همام مغاور. # إلى أخر الأبيات ...وهي قصيدة طويلة على جانب من الأهمية قد نفرغ ~~لدراستها وتحقيقها إذا يسر الله تعالى السبيل لذلك.....ولم يذكر أبو يعقوب ~~"سبها" سوى هذه المرة, ويظهر أن طريق عودته لم يكن عليها إذ أنه لم يذكرها ms17 ~~ضمن المواضع التي مر عليها في عودته..... # وصف المخطوطة: # ... يقع نص هذه "الأجوبة" ضمن "مجموع" حفظته الخزانة البارونية بالحشان- ~~جربة. وقد تفضل صاحبها الأستاذ يوسف محمد الباروني فأعارها لي ضمن مخطوطات ~~أخرى, وقد استخرجت نسخة مصورة عنها. ولا يفوتني هنا أن أعبرعن كامل الشكر ~~لهذا الأخ الكريم لحسن محافظته على هذه المجموعة القيمة من المخطوطات, ثم ~~لحسن تعاونه مع الباحثين والمهتمين بالدراسات الإباضية وما هيأه من وسائل ~~تيسر ذلك. # ويحتوي هذا "المجموع" على عدد من النصوص الإباضية الهامة منها أجوبة ~~الإمام جابر بن زيد, من كبار التابعين (توفي سنة 93ه/711م) وأجوبة منسوبة ~~للإمامين عبد الوهاب بن عبد الرحمان بن رستم, (توفي سنة 190ه/805م), وابنه ~~أفلح بن عبد الوهاب (توفي سنة 24 ه/854م).وقد وصفت محتويات هذه النصوص في ~~مقالة نشرت سنة 1970م. (¬1) # وتمثل" أجوبة علماء فزان" النص الثاني في هذا المجموع ,وتأتي بعد إنتهاء ~~جوابات جابر بن زيد مباشرة. وتقع في (28)صفحة ومسطرتها 25-26 سطرا للصفحة, ~~ومقاسها 15×21سم. أما خطها فمغربي قديم, ولا نعرف الناسخ ولا تاريخ النسخة. ~~ويبدأ نص الأجوبة بالسطرالسادس في الصفحة التي تنتهي فيها أجوبة جابر, وقد ~~جاء ترتيب العنوان هكذا: # بسم الله الرحمان الرحيم. صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. # جوابات جناو بن فتى المديوني # إلى بعض أهل فزان PageV01P024 ثم يبدأ الجواب الأول ... وقد كتب العنوان بحبر ~~أحمر, وكذلك بدايات الأجوبة, وميزت بدايات الأجوبة الأسئلة والردود عليها ~~بحبرأحمر على أول كل كلمة, وكتبت تلك الكلمات أحيانا بخط عريض ليميزها عن ~~بقية المخطوطة.... وتنتهي هذه الأجوبة بنهاية الجواب السادس:"ويقال : شر ~~النسك نسك العجم فاحذر على نفسك. والبربر من العجم". وتأتي بعد ذلك مباشرة ~~وفي نفس الصفحة النصوص المنقولة من " كتاب بكار بن محمد الفزاني". # ولم أعتمد ترتيب الصفحات الذي وجدته على هذا المجموع لاضطرابه وتعدده - ~~ورقمت كل نص من أول بدايته إلى نهايته على الصفحات وتظهر في هذا النص ~~المحقق, على يسار النص بالحاشية... # وكتب: # عمرو خليفة النامي # آن آربر : 5 جمادى الأول 1396ه . # 4 مايو ms18 1976م. # بسم الله الرحمان الرحيم .صلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم ~~جوابات جناو بن فتى المديوني # إلى بعض أهل فزان # "?" # لأبي يوسف وريون بن الحسن من عبد القهار بن خلف. سلام عليك. # فأنى أحمد الله الذي لا إله إلا هو. # . PageV01P025 # ... أما بعد أوصيك ونفسي بتقوى الله العظيم الذي يجازي بالطاعة والمعصية ~~ولا يظلم أحدا. يقول في كتابه :{ ومن يعمل من الصالحات وهو مومن فلا يخاف ~~ظلما ولا هضما } إلى قوله : { وصرفنا فيه من الوعيد }، يقول من عمل كذا فله ~~كذا، { لعلهم يتقون أو يحدث لهم ذكرا } (¬1) . { فمن يرد الله أن يهديه ~~يشرح صدره للإسلام } (¬2) فإن النور إذا دخل القلب انفسح وانشرح، ولذلك ~~علامة وهو التجافي عن دار الغرور، والإنابة إلى دار الخلود، والإستعداد ~~للموت قبل نزوله. { ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا كأنما يصعد في ~~السماء } (¬3) الآية. واعلم أن المتقين يعرفون [بها] (¬4) ، ولغيرهم كذلك. # قال جابر بن زيد رحمه الله :قلوب المؤمنين تغلى بالإيمان وقلوب المنافقين ~~تغلي بالنفاق. وقال جابر أيضا :يعرف إيمان الناس في أعمالهم. فأسأل الله أن ~~يزينا بالعلم ويكرمنا بالحلم ويجمعنا بالعافية ولا يجعل لأحد من الظالمين ~~علينا سبيلا إنه منان كريم. PageV01P026 ثم إن كتبها وردت علي [من ~~قبل] (¬1) أبي الحسن جناو بن فتى المريوني حفظه [الله] (¬2) جواب فيها إليك ~~وإلى غيرك كان قدم بها الحامل فنسيها في متاعه ومضى بها إلى مصر فردت من ~~مصر إلى زويلة ودفعت إلى رجل ودفعها إلى رجل من بني جلدين فقال له وصلها ~~إلى عبد القهار فوصلها إلي فنظرت في عنوانها [وفرزت] (¬3) لكل كتابه فنشرت ~~كتابي فقرأته فوجدت فيه أن أنظر فيها إن رأيت ذلك، فنشرتها وقرأتها /وعلمت ~~الذي كتب به إلى كل ذي جواب فرأيت [أن أبعث إليك] (¬4) بكتابه إلي # وتنظر فيه ثم ترده على عجل إن شاء الله. والسلام عليك ورحمة الله. # "?" # بسم الله الرحمان الرحيم صلى الله على محمد # لأبي سفيان عبد القهار بن خلف، من جناو بن فتى ؛ PageV01P027 ~~سلام عليك ورحمة ms19 الله وبركاته. أوصيك ونفسي بتقوى الله العظيم فإن في تقوى ~~الله النجاة من شر يتقى. وعليك بتلاوة القرآن والتفقه [فيه] (¬1) وتدبره ~~فإنه حياة القلوب من العمى والقسوة والران (¬2) ..يقول الله تبارك وتعالى : ~~{ بيانا لكل شيء وهدى ورحمة وشفاء لما في الصدور} (¬3) . فليس للقلوب ولا ~~لضيق الصدور دواء إلا في القرآن، به تلين القلوب وتنشرح الصدور وتنجلي ~~الغموة والران والظلمة عن القلوب. قال الله تعالى في الذين آمنوا إذا يتلى ~~عليهم : { قشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر ~~الله } (¬4) وقد نعتهم بمثل هذا في غير آي من القرآن مثل قوله: { إذا يتلى ~~عليهم يخرون للأذقان } الآية (¬5) ، ومثل قوله : { إذا تليت عليهم آياته ~~زادتهم إيمانا } (¬6) . ولكنه كما قال : { لتنذر من كان حيا } (¬7) يعني حي ~~(¬8) القلوب. .كقوله : { أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا } (¬9) . ~~وهو للقلوب (¬10) كالمطر للأرض، فالمطر يصيب الأرض وهي بقاع شتى، فالبقعة ~~الطيبة يخرج نباته بإذن ربها فتحيا بعد موتها، والسبخة لا يزيدها إلا ~~ملوحة. وهي كالماء للأشجار، والشجرة الطيبة تثمر ويزيدها في الخير (¬11) ، PageV01P028 # والحنظل لا يزيده إلا مرارة وريحها خبيث فقال تبارك وتعالى : { وننزل من ~~القرآن ما هو شفاء } (¬1) لمن اتبعه، { ولا يزيد الظالمين إلآ خسارا } (¬2) ~~لمقت الله إياهم فأضلهم وأعمى أبصارهم عن نوره فلا (¬3) .....وغاب عنهم ~~نورهم بالأقفال التي على قلوبهم والران والطبع فحال بينهم وبين نوره، ~~كالقمر إذا كان دونه سحاب غاب نوره عن الأبصار. وصارت القلوب في ظلمة ~~دمساء، بل { كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات ~~بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها } (¬4) . يقول: إن بصر له الحق لم ~~يبصره للأمواج التي تراكمت على قلبه في جوف مظلم مع الغمرة والران والطبع ~~فتراكم ذلك ركما فلا يصل إلى بصره/ إلى نور القرآن. وقلب المؤمن أبيض أزهر ~~نير : { كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد ~~من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية ولا غربية يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه ms20 ~~نار، نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء ويضرب الله الأمثال للناس والله ~~بكل شيء عليم } (¬5) . فالقلب في غلاف أبيض وشبه نوره بالكوكب الدري. PageV01P029 فالآن -رحمك الله- تفكر في عجائبه ~~وأمثاله يسطع في قلبك نوره وتدخل حلاوته قلبك فيكشف لك الغطاء عن أمور ~~الأخرة فتعاين باليقين كرامتها، لأن القرآن كرامة لمن تدبر آياته وتفكر ~~فيها، فإن الفكرة نور ومرآة للقلوب يميز بها الرشد من الغي والمنافع من ~~المضار، ولا يوجد ذلك إلا بالتقوى، والتقوى إنما هي في أداء الفرائض ~~واجتناب المحارم وتركها خوفا من المقام بين يدي الله تعالى وقمع الهوى خوفا ~~من الله ورغبة فيما عنده. # وذكرت-يرحمك الله -أتاني منك غير كتاب فلم تر جوابها، فما أبرئ نفسي من ~~التقصير في ذلك. فإنه يقال : رد الجواب حق على المؤمن كرد السلام. وما أعلم ~~أنه وصل إلي كتاب قبل هذا إلا واحد ولم يمكني الجواب من أوجه حتى ضاعت ~~وسقطت ولم أجد لها مسقطا ولا ملقطا. مع أنه تباعدت بنا وبك الدور، وتفرقت ~~بنا وبك الأوطان فلا يمكن وصول الكتاب أو الجواب إلا بعد أشهر. # واعلم -يرحمنا الله وإياك -أني شديد الشوق إلى قدومك وإحداث العهد بك ~~لعلك تستفيد من كتب أبي عبيدة رحمه الله، فإني أرجو أن تمكن اليوم إن شاء ~~الله لعل الله يحي بك أهل هذه الدعوة فتحي لهم آثار سلفهم المهتدين، وتكون ~~لهم منارا، فإن فضل العلم ما قد بلغنا أن خطوة من خطوات طالبه تعدل عبادة ~~ألف سنة قيامها وصيامها وحفته الملائكة بأجنحتها وصلى عليه طير السماء ~~وحيتان البحر ودواب الأرض. PageV01P030 # وأنا أحب تعجيل ذلك مني لأني على آخر أيامي واقتراب أجلي وفناء مدتي ~~وورودي على ما كنت أصدر عنه. فوددت لقياك للمناظرة والمذاكرة والتفقه في ~~الكتاب والسنة مع ما يرجى المشاورة من عزم الله لهم لأهل المشاورة في الدين ~~من إرشادهم في أمورهم. فإن قدر لك الله النهوض إلى ما قبلنا فليكن معك ما ~~سننظر فيه من كتب أخينا إدريس أكرمه الله الله تعالى ms21 وأعانه ووفقه بالتوبة ~~والإزدياد مما طلب، وجعل ذلك له في الله وله. وقد رددت/ جواب كتابه وغيره ~~على قصر علمي، وذلك لا ينبغي لمن علم من نفسه مثل الذي علمت من جفوة البدو ~~مع قلة العلم. ولم أجعلهم في حل من فتوى ما كتبت به إليهم إلا ما وافق كتاب ~~الله وسنة نبيه عليه السلام فإن رأيت تطلع ذلك وتسقط منه ما أرابك فافعل. ~~والسلام عليك ورحمة الله. # "?" # بسم الله الرحمان الرحيم # لأبي يوسف وريون بن الحسن، من جناو بن فتى... # عافانا الله وإياك من السوء برحمته، ونوصيك ونفسي بتقوى الله العظيم، ~~والقيام لله بقسطه وعدله في بلاده وعباده والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ~~وإغاثة الملهوف والقيام للمظلوم، فإن لله صلحاء وحفظة يزينون أمره ويعينون ~~طالبه، فمن كان الحق هواه وضمير قلبه كان الله وليه وناصره، فإنه يقال :خير ~~المؤمنين للمؤمنين أنفعهم للمؤمنين. # أتاني كتابك وفهمت ما سألت عنه. بعض ما سألت عن الأحكام، فاعلم -يرحمنا ~~الله وإياك- أن علمي يقصر عن ذلك مع بدويتي وبلوهتي وكرهت أن أمسك عنك ~~الجواب لمكانك مني مع ما يجب على المسلمين من معاونة الحق وأهله والقائمين به. PageV01P031 # واعلم أن من تقلد الحكم بين الناس فهو بين أمرين، إن أصاب فيه الحق ~~فبالحرا أن ينجو، وإن خطأ أخطأ طريق الجنة. ومن يكن في الدنيا ذليلا وضعيفا ~~خمولا كان أهون عليه في المعاد من أن يكون حكما شريفا (¬1) ، ومن إختار ~~الدنيا يخسر كليهما. وهذا زمان الخاصة، ينبغي للرجل أن ينكر من يعرف ولا ~~يتعرف إلى من يعرف. فإني أجبتك في بعض مسائلك بجهدي ومبلغ علمي فإن يكن ~~صواب فمن الله ورسوله، ولله المنة. وإن يكن خطأ فمني، والله ورسوله منه ~~أبرياء. ولا ينجيك من الله إلا الحكم بما أنزل الله فإنه قال: { ومن لم ~~يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } (¬2) و { الظالمون } (¬3) و{ ~~الفاسقون } (¬4) . وهذه الآية لم تنقطع من لدن آدم إلى يوم القيامة وهي في ~~كلامه، ألا تراه يقول : { إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ms22 ونور يحكم به ~~النبيئون } (¬5) إلى قوله : { وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله } (¬6) . ~~ثم قال لنبينامحمد صلى الله عليه وسلم : { وأن أحكم بينهم بما أنزل الله } ~~الآية (¬7) /فلم يكن الحكم إلى آراء الرجال، وقد أغناهم بما أنزل عن آراء ~~الرجال. اللهم سلمني وسلم مني. # ( PageV01P032 1) سألت عن رجل تزوج صبية لم تبلغ ~~وتزوج عليها إمرأة فطلب أبو الصبية أن يأخذ صداقها من زوجها، وادعى أنه دخل ~~عليها. فأنكر الزوج الدخول. فأثبت البينة أنه أقر بالدخول عليها ومعها خادم ~~لها، وأثبت أيضا البينة أنه رئي دخل باب الدار وأغلق عليه وهي دار أبويه ~~ولم يعاينوا الصبية معه. وقال الزوج : للدار أبواب شتى فعلى أيها أغلقت ~~بابا على إبنتك، وأرخيت عليها سترا؟ فأما باب الدار فليس بموضع يمكن ~~فيه[الخلوة] (¬1) أنا وابنتك فكيف الدخول عليها؟! وقلت: كيف بما يوجب على ~~الزوج الصداق كله رحمك الله ؟. PageV01P033 قال : إذا قامت البينة على ~~إقراره بالدخول عليها فجائز للحاكم أن يحكم عليها بالصداق، لأن الحاكم إنما ~~يحكم على المدعي عليه بأحد ثلاثة أوجه :إما البينة العادلة، أو ~~بالإقرارطائعا غير مكرها أو بالنكول عن اليمين. فإقراره بالدخول تصديق ~~للمدعي بالدخول، وشهادة منه على نفسه. قال الله تعالى: { وشهدوا على أنفسهم ~~أنهم كانوا كافرين } (¬1) وذلك لإقرارهم بالضلال. وقال تعالى لقوم : { ذلكم ~~قولكم بأفواهكم } (¬2) . فألزمهم ما قالوا وحكم به عليهم. وأما قولك أن ~~البينة شهدوا أنه أغلق باب الدار، وقول الآخر : للدار عدة أبواب، فإن قامت ~~البينة أنه خلا في بيت أو دار فأغلق بابا أو أرخى سترا أوجب الصداق. وأما ~~إن كان للبيت أو الدار أبواب شتى كلها مداخل مثل المسجد فليس في غلق الباب ~~دون الأبواب ما يحصن الرجل. ألا ترى إلى إمرأة العزيز حين خلت بمن شغفها ~~حبا لم تأمن على نفسها الداخل والناظر حتى أغلقت الأبواب وقالت، بعد ما ~~أغلقت الأبواب وتحصنت : { هيت لك. قال : معاذ الله } (¬3) . وذكر نعيم أهل ~~الجنة فقال : { مفتحة لهم الأبواب } (¬4) . وقال : { والملائكة يدخلون ~~عليهم من كل باب } (¬5) . فإذا قامت البينة أنه خلا بها ms23 وغلق الأبواب إن ~~كانت شتى أو أغلق بابا أو أرخى سترا للتي لها باب واحد فقد وجب له الصداق ~~إلا إن قالت : لم يمسني، فإنها تصدق في الذي لها من المهر فإنها تبطله ~~بإقرارها. وقالوا لا تصدق في القديم / الذي عليها من العدة. وإن كانت طفلة ~~فليس إقرارها ولا إنكارها بشيء إلى أن تبلغ. # ( PageV01P034 2) سألت إن طلب أبو الصبية إلى الزوج أن ~~يعتزل عن جميع ما أنحله لها وتكون عنده حتى تبلغ الصبية أو يأتي ببرهان ~~الدخول عليها. وقال الزوج : إن ابنتك صغيرة لم تبلغ فكيف تحول بيني وبين ما ~~أنحلتها ولم تعلم منها سخطا ولا رضى. أرأيت إن قال أبوها لزوجها صحح ما ~~نحلتها به حتى أعلمه فأنكر الزوج النحلة. فادعى الأب ستة أرؤس (¬1) فجحد ~~الزوج. فأثبت الأب أن الزوج أصدقها ستة أرؤس بذكر أسمائهم فكلفهم السلطان ~~معرفة الأشخاص فلم يقفوا على ذلك ولكنهم شهدوا على الأسماء وللزوج أيضا تلك ~~الأسماء في رقيقه. وقال الزوج لم أنحل إبنتك هذه الرقيق، ولكن أشتري هذه ~~الأسماء التي شهدت لها بها البينة ثم أدفعها له، كيف القول فيها؟ # قال :أما قول الأب اعتزل النحلة تكون عندي. فلا سبيل إلى أخذ الصداق إلا ~~بأحد الوجهين :إما أن يكون دخل بها فوجب صداقها بالمسيس. أو تكون قد بلغت ~~فأجازت النكاح، فقد وجب لها بالرضى والمال بيد الزوج فترضى. وهذه بمنزلة ~~البنت البالغ إذا عقد عليها الولي النكاح فلا سبيل له إلى الصداق حتى ~~يستأمرها، فإذا استأمرها ورضيت صار الحكم في مهرها إليها وزال حكم الولي في ~~المهر. وكذلك إذا كانت طفلة ولم يدخل بها فهي بمنزلة الغائبة ما لم تبلغ، ~~فإذا بلغت إستأمرها في نفسها، فإذا رضيت تمت العقدة ووجب الصداق، فإذا ~~أنكرت إنفسخ النكاح ولم يجب لها الصداق لأن الصداق والنكاح لا يثبتان (¬2) ~~إلا بعد الرضى. وهذه بمنزلة دين له أجل لا يجوز أخذه إلا بعد حلول الأجل. PageV01P035 وأما قولك إن الأب إدعى أن يقر ~~له بالنحلة فأنكر فأقام البينة أنه زوجها بستة ms24 أرؤس مسميات. والبينة لا ~~يعرفون الرقيق بأشخاصهم، وهذه المسميات في ملك الزوج حين تزوج. وقال الزوج ~~: أنا أشتري هذه الأسماء. قال :إذا كانت هذه الرقيق المسميات في ملك الزوج ~~يوم أصدقها إياهن فقد وجبن لها. ألا ترى أن الرجل تكون له أربع نسوة فيطلق ~~واحدة منهن بإسمها فأقامت المرأة البينة عليه بذلك أنها طالق وجازت عليه ~~البينة وإن لم تعرفها بشخصها. أولا ترى أنه لو كان له عبيد فقال أعتقت / ~~فلانا، سماه باسمه، فأقام العبد البينة بذلك أنه يعتق بشهادتهم وإن لم ~~يعرفوه بشخصه إلا أن يكون له عبدان أو ثلاثة على اسم واحد فإنهم يعتقون ~~عليه ويستسعي كل واحد منهم بما ينوبه، إن كانوا إثنين فنصف ثمنه أو ثلاثة ~~فثلث ثمنه وكذلك أيضا أن الرجل يبيع الدار أو الجنان فيحدها المشتري ~~بحدودها، وأشهدت له بذلك البينة أن الدار يحكم له بها إذا حددها بحدودها ~~وإن لم يعرفوها. وقوله :أنا أشتري له هذه الأسماء، وهي عنده فليس ذلك بحجة. ~~وقد تبين للمتوسمين لدده. يقول الله تبارك وتعالى : { إن في ذلك لآيات ~~للمتوسمين } (¬1) الذين يتوسمون الحق من الباطل. وقال الله تعالى : ~~{...أعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } (¬2) ، لأنهم ينظرون بنور ~~الله الذي شرح به صدورهم وأنار به قلوبهم. وقال: { ولتعرفنهم في لحن القول ~~.... } (¬3) والحق له منار يوزن بالعقول وتفهمه أهل الفطن. PageV01P036 ... (3) وقلت أرأيت إن شهدت البينة أن ~~رجلا باع لرجل جميع ماله أو أصدق جميع ماله لإمرأته فأخذ بموضع من ماله في ~~البيع أو الصداق فجحد البائع ذلك فكلف المدعي البينة فأثبت جميع ماله، وقال ~~الجاحد: أتيت على هذا الموضع ولم أخاصمك الجميع ما تقول في ذلك، يرحمك الله ~~؟ قال: إن كان المدعي قصد إلى شئ بعينه فادعى فيه وكلف البينة على ما ادعى ~~فأتى ببينة يشهدون له على ما لم يدع مع ما ادعى فلا أرى شهادتهم جائزة، ~~لأنهم شهدوا للمدعي على ما لم يدع. # وأما قولك: باع جميع ماله أو أصدق جميع ماله ولم تعرف البينة ما كان له ms25 ~~يومئذ من مال ولم يحط به علمهم، فإن الناس يستأنفون الأموال وربما يقع ~~الفسخ في جميع ما يملك إذا كان فيه ذهب أو فضة فلا يباع بالذهب والفضة. وإن ~~عرف وزن الذهب والفضة فوزنهما فجائز أن يبيع ذلك بالعروض. أما الصداق فجائز ~~أن يصدق لها جميع ما يملك قل أو كثر، محدود أو غير محدود. وهذا ليس كالبيوع ~~الذي يدخل فيه الفسخ والربا. والصداق ليس هو بمؤقت إنما هو على ما اتفقنا ~~عليه من قليل أو كثير ألا تسمع الله يقول: { وإن أردتم أستبدال زوج مكان ~~زوج وآتيتم إحداهن قنطارا ... } (¬1) والقنطار ألف دينار وخمسمائة دينار ~~ويكون في بعض الصداق أقل من ذلك أو أكثر / فليس فيه شيء مؤقت. وأما ما فيه ~~الذهب والفضة إذا معزولا معروفا بوزنه فجائز شراؤه بالذهب أو الفضة يدا بيد ~~أضعف أو لم يضاعف فيما يروى جابر بن زيد عن إبن عباس فإنما الربا عنده في ~~النسيئة . # (4) وعن رجل إدعى أنه أسلم إلى رجل دنانير في شعير وادعى عليه أيضا ~~دنانير وتمرا .فقال المدعي عليه: أما الشعير الذي تسألني إنما أسلمت لي ~~دنانير فيها كانت لك علي، فأنكر ذلك المدعي. ثم إن صاحب السلم سأله دنانيره ~~فأجابه المسلم إليه: إنما تسألني هذه الدنانير التي صيرتها علي شعيرا. ~~فأنكر ذلك رب السلم. PageV01P037 ما ترى إن كانت هذه دعوى مختلفة أو دعوى ~~واحدة ؟ ثم ادعى المسلم إليه على رب السلم أنه تبرأ بالسلم من جميع ما يدعي ~~قبله من دنانير وتمر أن قضيت لي هذا الشعير الأول الذي أراد فسادها وأثبت ~~على ذلك بينة. وإنما أراد بذلك المسلم إليه أن يبطل له دعواه في الدنانير ~~ببراءته وأراد أن يبطل له الشعير بقوله: إنما أسلمت إلي دنانير كانت لك قبلي. # قال: إذا أقر بما ادعى من الشعير وزعم أنها إنما صارت إليه من قبل السلم ~~فعليه البينة بما ادعى من الفسخ وإلا فيمين الطالب على ما أدى المسلم ~~إليهوأما قوله: تبرأت لك من الدنانير والتمر إذا قضيت لي الشعير ms26 فإذا قبض ~~الشعير ورجع فيما ترك فجائز له الرجوع فى الحكم لأنه أراد استخراج حقه، ~~بمنزلة من يقول للغريم: تركت من حقي لك كذا وكذا وإذا أعطيتني كذا وكذا، ~~فجائز له الرجوع فيما ترك قبل القبض إلا أن يقول له الغريم: بعد ذلك: بقي ~~لك كذا وكذا، فأنا أسعى لك فيه فيتركه عند ذلك بعدما اعترف له بحقه، فجائز ~~إذا عفا عن بعض حقه. وذلك أن الله يقول للزوج: { فنصف ما فرضتم } (¬1) إذا ~~طلق قبل أن يمس { إلا أن يعفون} (¬2) يعني أن تترك المرأة النصف الذي وجب ~~لها بعد الإنصاف والإعتراف لها بحقها فجائز تركها. وقوله: { أو يعفو الذي ~~بيده عقدة النكاح } (¬3) يعني الزوج يوفي الصداق كله فيعطي النصف الذي لم ~~يجب لها مع الذي وجب لها. وهذا كله من المعروف والفضل. وقال للزوج والمرأة: ~~{ ولا تنسوا الفضل بينكم } (¬4) وكل ما كان من الفضل والإحسان بعد الإعتراف ~~والإنصاف فجائز بين الناس. # ( PageV01P038 5) وعن رجل جاء بسارق الى السلطان ومعه ~~السرقة وزعم أنه سرق هدا الشيء من مال أخيه /أو من قريب له ولم يجيء صاحب ~~الشيء يطلبه ، أكان للسلطان أن يؤدبه أم لا؟ أو كان عبدا، هل ينبغي للسلطان ~~أدبه بغير محضر من سيده، وكم منتهى دلك العقوبة للسارق إذا سرق ما لا يجب ~~فيه القطع، أو ما يجب فيه القطع؟ PageV01P039 # قال : أما حد من حدود الله فلا يجوز لسلطان المسلمين تعطيله ولا تأخيره ~~في حر ولا فى عبد. وأما أدب فليس فيه شيء مؤقت، غير أنه يقال : من بلغ الحد ~~فى غير كنهه فعليه لعنة الله . وأدنى الحدود خمسون جلدة لقول الله تعالى فى ~~الإماء : { فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب } (¬1) . والتعزيز دون ~~الحد. وهو أكثر من الأدب ولا يبلغ به خمسون. والأدب أقل من ذلك، وإنما هو ~~على قدر الذنب والتمرد، فالمتمرد المعروف بالأذى ليس كمن عثر عثرتين أو ~~ثلاثا. وينبغي أن يعفى عن صاحب الزلة إذا لم يعرف له قبل دلك إلا هذه، ~~فالعفو عن هذا أحسن ms27 وأقرب للتقوى. والأدب عظة له ولغيره لكي لا يتمادى. ولا ~~يعرف له وقت، منه ثلاثا أو أربعة إلى عشرة أو إثني عشر، ومنه ما يحبس به ~~حتى تؤمن بوائقه، وهكذا باجتهاد النظر من أحكام لقطع الفساد وإصلاح العباد ~~ممن يغضب لله ويرضىلله، ويقول لله ويعمل لله مخلصا لا يريد بذلك علوا ولا ~~أن يهاب : { قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له } ~~(¬2) في شيء من عملي، وإنما أمرت أن أعبد الله مخلصا له ديني. { ألا لله ~~الدين الخالص } (¬3) . فأحسنوا نياتكم وضمائركم، وليكن العفو أكبر همتكم ~~وهواكم، لأن عمر قال : لأن أخطأ في العفو أحب من أن أخطأ في العقوبة. وقد ~~قال الله لأكرم الأمة : { خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين } (¬4) ~~وقال { فبما رحمة من الله لنت لهم } (¬5) فدله على مكارم الأخلاق ليشغل به ~~أمته فقال بعد ما أقام فيهم سنين وعرفوا أدبه وحاله : { لقد كان لكم في ~~رسول الله إسوة حسنة }. # ( PageV01P040 6) وعن السلطان إستعمل عاملا في بعض ~~الكور فرفض له نصف ما يجيء منها من العشر فعمل سنة فأخذ نصف العشر، ثم دارت ~~(¬1) السنة الثانية فوقف لهم حتى جمعوا ثمراتهم فعزل نصفها فوضعها في موضع ~~من غير أمر من الأمير الذي استعمله ثم قدم إلى واليه فاستعذر عنده فعذره ~~فقال له : بعد ما استعذرت فعذرناك (¬2) ، رد نصف صدقة المسلمين التي قبضتها ~~فوضعتها حيث تأمن ولم يحل عليك الحول، فليس لك فيها شيء. فقال له العامل : ~~إني عملت على /هذه الثمر فأحسنت فيها القيام حتى جمعت نصفي فإنها لي. فقال ~~السلطان : إغرم ما أهلكت من الثمر فإني لا أقبل لك فيها مقالا لأنك جمعتها ~~ولم تتم في عملي سنة بعد جمعها فحينئذ تستوجبها، فغرمه ثمن تلك الثمر. PageV01P041 # إنما الأمور على أساسها التي أسسها عليه نبي الله وأئمة الهدى من بعده ~~والتابعون لهم بإحسان وذلك أنه إذا كانت الإمامة عن شورى المسلمين وأتمروا ~~بينهم فاجتمعوا على رجل يرون أنه أفضل زمانه وأعلمهم بكتاب الله وسنة نبيه ~~وأورعهم وأشدهم ms28 إجتهادا وأكثرهم نصيحة فقدموه لإحياء كتاب الله وسنة نبيه ~~محمد عليه السلام ليحي الحق ويميت الباطل ويسلك منهاج أهل العدل في سيرتهم، ~~قال عمر بن الخطاب رحمه الله: ألا وإني تركت الإمام الذي من بعدي على مثل ~~المحجة إلا أن يتركها تارك. فأحسن الله له الجزاء، فإن بحسن سيرته ظهرت ~~فضائح المعتدين. فجائز لمثل هذا أن يستعمل العمال ويبعث الجباة ليأخذوا من ~~أهل الأموال ما أوجب الله عليه (¬1) في الحبوب والثمار والمواشي، فإذا ~~أخذوا ذلك من أهل الأموال كما جاءت به السنة، ووضعوها في أهلها كما أمرهم ~~إمام الهدى، فلا أعرف في ذلك شيئا مؤقتا، لأن هذه سعايته تطول وتقصر، ~~وأوقاتها مختلفة وبلدانها متفاوتة، غير أنه إذا قدم الساعي على ما استعاه ~~جمع صلحاء المسلمين وعلمائهم فشاورهم فيما يرضخ له من ذلك، فإذا عرفوا عدد ~~الأشهر والأيام التي غاب عن أهله وضيعته، وعلموا ما سعى عليه وما طاف به من ~~أهل البلد أعطوه من ذلك على قدر عناه ومؤنته باجتهاد النظر من غير محاباة ~~ولا إثرة، فيستسلم المعطي لذلك ويرضى إذ لم يتولى أموره والنظر فيها إلا ~~أهل الدين والنصيحة الناظرين لله ولأهل دينه. أما شيء مؤقت فلا أعرفه. وكل ~~من ائتمنته فلا تتهمه، ومن إتهمته فلا تأمنه، ولا سيما ما هو من الدين. لا ~~ينبغي أن يتولى القدوة فيها بالناس إلا أهل العلم والصلاح. PageV01P042 # والصلاة والزكاة مقرونتان في كل ملة. ألا تراه قال في إسماعيل : { وكان ~~يأمر أهله بالصلاة والزكاة } (¬1) وآخر أنبياء بني إسرائيل عيسى بن مريم، ~~فأول ما نطق به الإقرار بالعبودية لله ثم قال : { وأوصاني بالصلاة والزكاة ~~ما دمت حيا } (¬2) وقال : { وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ~~حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة .... } (¬3) الآية. ألا ترى إلى / حجة ~~المهاجرين يوم سقيفة بني ساعدة واحتجاجهم لأبي بكر الصديق حين قالوا : ~~إئتمنه رسول الله على الصلاة فنحن نأتمنه على الزكاة لأنها مقرونة بها. ~~والصلاة لا يؤم الناس إلا أقرأهم لكتاب الله وأعلمهم لسنة رسوله وأكثرهم ~~(¬4) صلاحا. وكذلك الزكاة ms29 لا يؤتمن على جبايتها إلا أهل الفضل في الدين ~~وذلك أن معتديها كمانعها، فلما كان معتديها إذا لم يعمل فيها بالسيرة صار ~~كمن منعها، فاتقوا الله ولا تولوا دينكم إلا أهل الرضى والقناعة. # (7) وعن السلطان طلب إلى مشائخ البلد وصلحائهم أن يجعلوا له من عشور ~~المسلمين وصدقاتهم شيئا. فجعلوا له ثلث العشر فاستقلل ذلك فلما رأوا لا ~~تقوم الأمور إلا بقيامه وأن لا يجد في نفسه، فرضوا له نصف العشر من الثمر ~~والشعير والصدقات فيصرفه حيث شاء. وبعد ذلك طلب من بعضهم أن يكون معه رجل ~~يقوم في ضيعته حتى يشغل بأمور الإسلام على أن يؤاجروه من النصف الباقي ~~ففعلوا له ذلك. وهل له ذلك ولهم فيه سعة ؟ PageV01P043 # قال : هذه مثل المسألة الأولى. وقد بلغنا أن عمر بن الخطاب رحمه الله قال ~~: أنزل نفسي وكل عامل لي من هذا المال بمنزلة ما ذكر من مال اليتيم : { من ~~كان غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل بالمعروف } (¬1) وذلك أنه ولي ~~الحرمين والشام والعراق وهما جناحا الدنيا مع اليمن. وقد إنتهت عساكره ~~بسبرة التي بين قابس وطرابلس، وفي قميصه وردائه رقاع مختلفة الألوان. فكيف ~~بمن ولي كرعة من كراع الأرض أن يشترط لنفسه أو يؤثرها على الرعية ؟ ومن قام ~~لله لم يطلب لعمله ثواب الدنيا. قالت الرسل : { يا قوم لا أسألكم عليه أجرا ~~إن أجري إلا على الذي فطرني .... } (¬2) وقال : { ولا يسألكم أموالكم .. } ~~(¬3) الآية. وقال : { أم تسألهم أجرا (على قيامك لهم بهذا الأمر) فهم من ~~مغرم مثقلون } (¬4) عن إجابته فلا يسرعوا إليها إذا كان ذلك لا يوجد إلا ~~ببذل المال، ومع أن الأمر اليوم قد رق وضعف وصار الرجال مثل النساء لا ~~يدفعون عن أنفسهم فكيف غيرهم ؟ والأمر قد شمل وهذه الدعوة قد طفئت مصابيحها ~~وذهبت أعلامها والقوام بها، وأعوانها والمعنيون بها في الشرق والغرب، ومن ~~صدق الله وحاسب نفسه إعتزال الناس وفر منهم فراره من السبع . وقد بلغنا أن ~~حذيفة بن اليمان / قال لإبنه : يا بني إنك في زمان الأشرار، وظهر فيه ms30 أهل ~~المنكر، وظهر فيه المجانين بجمعتهم، واستخفى فيه العلماء بعلمهم. فأخف ~~مكانك وابك على خطيئتك. وهذا يقوله والصحابة بوفرها. وهذا في أيام عثمان بن ~~عفان قبل فتنة الدار. وعائشة وأم سلمة نساء النبي عليه السلام في الحياة ~~وهن يقلن لعثمان : يا عثمان، تخلق ما في يدك ولم تخلق ثياب رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم . # ( PageV01P044 8) وعن قوم سفاكين الدماء ~~الحرام والأموال الحرام، فإذا انتهكوا ما حرم الله من ذلك هربوا إلى موضع ~~لا يقدر عليه ويبقى من إخوانهم معنا لأنهم آمنون من سطوتنا. فإذا أردنا ~~القيام إلى القوم المفسدين خرجوا من غير علم منا إلى إخوانهم فيخبروهم ~~بخروجنا إليهم فيبتعدوا ويدخلوا الوعر. فما ترى لنا ؟ أنأخذ الولي بالولي ~~منهم حتى يذعنوا إلى الحق، والقوم كلهم حميتهم وعصبيتهم واحدة ؟ PageV01P045 # قال : أما ما ذكرت من أمور الدماء والخروج في طلب من ذكرت فإن ذلك ~~يفوقني، وليس مثلي يسأل (¬1) عن ذلك. ولا أعلم اليوم أحدا تسخو نفسي أن ~~أسفك به الدماء لذهاب العلماء. وذلك أن النبي عليه السلام إنما ولي سيف ~~العرب المشركين، وولي بعده أبو بكر الصديق قتال أهل الردة، وولي عمر بن ~~الخطاب أهل الملل من أهل الذمة وغيرهم. وذلك أن الله بعث نبيه عليه السلام ~~بأربعة أسياف. و مات عليه [السلام] (¬2) وأبو بكر وعمر وهم الذين ولوا قتال ~~ثلاثة أسياف يطول بذكر تفسيرهم الكتاب، وذلك مفهوم من القرآن. وسيف أهل ~~القبلة فوليها علي بن أبي طالب مع صدر من خيار أصحاب رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم. فهو الذي سنها وسن السيرة فيها. وهو قوله : لولا أنا من كان يسن ~~قتال أهل القبلة ويسن السيرة فيها، لولا أنا من كان يقاتل عائشة وطلحة ~~والزبير ؟ فولي قتال الفئة الباغية. وكان إذا صاف العدو بعدما دعاهم إلى ~~كتاب الله وسنة نبيه فعاندوا ولم يذعنوا لحكم الله و رسوله، وكان علي يقول ~~لأصحابه : كفوا عن القوم حتى يبدؤوكم،فإن قتالهم بعدما يبدؤوكم حجة أخرى ~~لكم عليهم. ويقول : لا تطلبوا مدبرا ولا تجيزوا على جريح، ms31 ولا تمثلوا ~~بقتيل، ولا تدخلوا بيتا بغير إذن، لأن من وجب عليه القتل بالحد الذي أمر ~~الله به لم يكن للمسلمين سبيل على ماله وولده/ ولم يستحلوا منه ما كان ~~حراما قبل حدثه. وذلك أن القتل من الحدود ولا يقيم الحدود إلا الأئمة ~~العادلة. ولا يقاتل بالناس إلا من هو أولاهم بالله لتكون كلمة الله هي ~~العليا ليعلو الحق على الباطل، ولا يجترأ على الدماء التي حرم الله بالقرآن ~~بتحليلها بالقرآن بالحدث الذي جعل الله به سبيل على المجترحين. PageV01P046 اعتبر ذلك بالحدود، إذا وقعت شبهة زال الحد ~~لقوله [صلى الله عليه و سلم] (¬1) (إدرأو الحدود بالشبهات) (¬2) . فالدماء ~~أشد ما يكون من الحدود. ولقد يقال : لأن أترك دما حلالا أحب إلي من أن أسفك ~~دما حراما. ويقال : ما يزال الرجل في فسحة من دينه حتى يسفك الدم الحرام، ~~فإذا سفك الدم الحرام نزع ربعة الإسلام من عنقه. فما ظنك بقوله [تعالى] ~~(¬3) : {...من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض (¬4) فكأنما قتل الناس ~~جميعا } (¬5) من مطلع الشمس إلى مغربها لم يدع طفلا ولا مسلما ولا بدلا ~~(¬6) ، لأن البدلاء هم أوتاد الأرض بعد الأنبياء، بهم يصرف الله البلاء. ~~ألا ترى إلى بني إسرائيل حين قالوا لنبي لهم { ابعث لنا ملكا نقاتل في سبيل ~~الله } (¬7) لأن القتل من الحدود، ولا يقيم الحدود إلا الأئمة. فلم يروا ~~القتل إلا بإمام يقيم الحدود، ولم يتقدموا أن يؤمروا أميرا إلا من إختاره ~~نبي من أنبياء الله، لأنه أولاهم بالله وأعلمهم بمن يستحق ذلك. وليس لمؤمن ~~ولا مؤمنة الخيرة، إنما الخيرة لمن خلق الخلق، فهو يصطفي منهم ما يشاء، و{ ~~الله أعلم حيث يجعل رسالته } (¬8) ومن هو أفضل من عبيده، وأولى بالتقدمة ~~والقيام بأموره فقال لهم نبيهم على النصح لهم والرضى بإقامتهم على ما كانوا ~~عليه من الكتمان كي لا يجب عليهم الجهاد، ولا يقوموا به على حال ما كلفوا. ~~فقال : { هل عسيتم إن كتب عليكم القتال ألا تقاتلوا } (¬9) خاف إن وجب ~~عليهم الذي سألوا ألا يقوموا ms32 به فيهلكوا. { PageV01P047 قالوا : وما لنا ألا نقاتل في سبيل ~~الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا } (¬1) وذلك أن المجوس أخرجوهم من ~~فلسطين والأردن والشام. فتشجعوا - بزعمهم- على جهاد أعداء الله وعلى إنقاذ ~~أمره. قال تعالى : { فلما كتب عليهم القتال تولوا .... } الآية (¬2) ولم ~~يتقدموا على سفك الدماء إلا بمن اختاره نبي من أنبياء الله. وأن ذلك النبي ~~لم يتقدم أن يختار فرد الأمر إلى العالم بخلقهم / { وقال لهم نبيهم :إن ~~الله قد بعث لكم طالوت ملكا. قالوا أنى يكون له الملك علينا ونحن أحق ~~بالملك منه ولم يوت سعة من المال ... } (¬3) وذلك أن طالوت ليس من بيت ~~المملكة، وإنما الملوك في بيوتاتهم، أي يقولون :ليس من أهل ملك ولا بذي سعة ~~في المال { قال إن الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم } (¬4) . ~~وذلك أن الجسم يستعين به على عبادة الله، وعلمه دليل على الهدى وعلى ما ~~يرضى الله. وهذا دليل أنه ليس أحد يؤتى علما يفوقه به أهل زمانه إلا وهو ~~أفضلهم، والعلماء ورثة الأنبياء، ولا يكون خلفا منهم إلا أفضل من بقي منهم. ~~إلى قوله : { أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم } (¬5) والتابوت فيه آية ~~معجبة يطول ذكرها. وهم إذا صافوا العدو لم يتقدموا على القتال حتى يأذن ~~الله لهم. يقال إن السحابة تظل البقرة فيقوم في التابوت دوي فتحمل البقرة ~~فيحملوا معها فمن كان أمامها لم يرجع القهقري إلا قدما حتى يفتح الله لهم ~~أو يموتوا. { PageV01P048 فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله ~~مبتليكم بنهر فمن شرب منه فليس مني } (¬1) يقول : لا يصحبني وأنا منه بريء، ~~يختبرهم بذلك يميز المطيع لله المعظم لحرما ته من العاصي المنتهك لها ~~المتهاون بأمره. { فشربوا منه إلا قليلا منهم } (¬2) وهم يقال ثلاث مائة ~~ألف وثلاثة عشر ألفا فلم يجاوز النهر إلا بثلاث مائة وثلاثة عشر على عدة ~~أصحاب بدر، فلم ينج إلا رجل من كل ألف. وذلك بعضهم حين جاوزه بالقليل { لا ~~طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده } (¬3) فقال هل الشجاعة منهم، الموقنون بلقاء ~~الله ms33 فحكى الله مقالتهم : { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله ~~والله مع الصابرين } (¬4) فهزموا الجم الغفير والخلق الجليل وهم قلة قبل أن ~~ترجع الكثرة منهم لأن جالوت وجنوده أكثر من عامتهم بأضعاف . # وأما أهل زماننا يقاتلون المفسدين بمن هو شر منهم وأكثر فسادا في الأرض، ~~وتنهب الأموال وتحرق المنازل. وكلاهما مفسدون ولا يكون بعض المفسدين أحب ~~إلىالله من بعض. قال الله : { وما كنت متخذ المضلين عضدا } (¬5) وقال { أم ~~نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض } (¬6) والمفسدون ~~ليسوا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات لأنهم حزب الشيطان، والمصلحون في ~~الأرض حزب الله، وحزب الله هم المفلحون وحزب الشيطان هم الخاسرون . PageV01P049 وأما قولك :/أن يأخد الولي بالولي، فهذا أول ~~حكم وضعه إبليس في الأرض فيما بلغنا. وقد كفاك الله السؤال عن ذلك فقال : { ~~ولا تزر وازرة وزر أخرى } (¬1) وقد قال لعبد أثنى عليه ورضى حكمه { معاذ ~~الله أن نأخذ إلا من وجدنا متاعنا عنده } (¬2) هذا وقد بذلوا له أنفسهم ~~فأبى أن يقبلهم فكيف يجبرهم عن ذلك ؟ وقد قال رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم( لايؤخد الأب بجريرة إبنه ولا الإبن بجريرة أبيه ) (¬3) فاتقوا الله ~~واصبروا على دينكم، ولا تغيروا سيرة أسلافكم فإنه يقال : يأتي من الناس ~~زمان لا يبقى في أيديهم من دينهم إلا ما وافق دنياهم. والصبر نصف الإيمان. ~~قال الله : { إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور } (¬4) وإنما قالت الملائكة ~~لأهل الجنة { سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} (¬5) فعوا أنه بالصبر ~~ورثوا نعيما، وملكا دائما. # (9) وعن من يعين السلطان في بعض أموره، ولم يفرض له من الصدقات شيئا ترضى ~~به نفسه، وإن أعطاه السلطان شيئا يقول بقدرعناه، ولكن الرجل يقول عنائي ~~يستوجب أكثر من ذلك، أولا ترى أن يرفع ذلك إلى من ينظر فيما بينهما لا وكس ~~ولا شطط ، لأن السلطان عنده بخيل. # أو أرأيت إن رفع الرجل نفسه عن معونته، ولم ينقم عليه إلا ما أخبرتك عن ~~شحه عليه، ولم تفرض له فوجد في نفسه بذلك ms34 ويحسب ذلك رجلا (¬6) من سخرة ~~يسخره في إستعانته إياه. ويحتشم الرجل أن يرد عليه طلبته منه، هل يكون في ~~سعة من ذلك أن يرفع نفسه عن معونة السلطان إلا بشيء معلوم. # قال : إنما الصدقات لمن سماها الله. وأما من طلب الإجارة في معونته ~~للسلطان فلا نعلم هذا في شيء من سيرة من مضى ولا تحل الإجارة على القيام ~~بأمر الله . PageV01P050 وأما ما ذكرت من معونة السلطان، فإذا كان ~~من أهل العدل وأمر بالمعروف وستعان على الأمور التي تلزمه القيام بها فعلى ~~الرعية السمع والطاعة لمن دعا من الأئمة إلى ما هو لله رضى. وذلك أن الله ~~أمر بالتعاون على البر والتقوى، ونهى عن التعاون على الإثم والعدوان، وقال ~~تعالى : { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } (¬1) وأما ~~الإجارة في ذلك فهذا ما لا يجوز. وخذلان أئمة الهدى على الأمر بالمعروف ~~والنهي عن المنكر معصية. وقال الله تعالى : { وإن استنصروكم في الدين ~~فعليكم النصر } (¬2) # (10) وعن قوم لقوا قوما وهم عابروا سبيل في طلب عبد لهم هرب فقتلوهم ~~وغنموا أموالهم، والمقتولون تحت أمير معطل للأمور ولا يشتغل بإصلاح ~~الإسلام، فلم يشتغل بأمرهم ولم يطلب قتلهم حتى عزل فولي غيره ممن يطلب ~~إعزاز الإسلام وأهله فطلب (¬3) إليه أولياء المقتولين أن ينصفهم من ~~القاتلين وليس القاتلين برعية له والمقتولين رعية للأول ولهذا، فهل ترى له ~~أن يطلب ثاراتهم (¬4) وهم المفسدون اليوم، طلب ذلك أولياء المقتولين أو لم ~~يطلبوه ؟ PageV01P051 # قال: الناس كلهم عند سلطان العدل كأسنان المشط، لا فضل لأحد على الآخر، ~~إذا قام بأمر الله وإنفاذ أحكامه إذ لا حكم إلا لله، وإنما قام بقطع الشكية ~~عن الله، فالضعيف عنده قوي حتى يأخد له حقه، والقوي عنده ضعيف حتى ينصف منه ~~ويكون لذي الحق اسيرا. ويقال : من مشى مع مظلوم حتى يثبت له حقه ثبت الله ~~له قدميه يوم تزول الأقدام وليس في تقصير من قصر في إيصال الأحكام ما ~~يزيلها عمن وجبت عليه فليحكم فيما يستقبل بما أنزل الله. وأما من عفا عن ms35 ~~حقه فليس عليه أن يلجئه إلى الطلب لأن العفو مما أمر الله به، وهو إلى ~~التقوى أقرب. وكل ما ذكرت في مسائلك إنما ذلك في الظهور، وعلى أئمة ~~المسلمين إذا كانوا حكاما ظاهرين أن ينفدوا الأحكام في القريب والبعيد ~~والوضيع والشريف. والإمام الظاهر لا عذر له في تعطيل الأحكام ما دام في ~~أربعين رجلا فغن أنقص منهم واحد حل اللواء واعتزل الإمامة. قال عمر بن ~~الخطاب رحمه الله /إن كنت ولي الأمر فجد، وإن كنت خلوا فعليك بنفسك. # (11)وما تقول - رحمك الله - في أب أعطى جميع ماله لإبنه فباع الإبن ذلك ~~كله من ساعته أو من يومه أو بعد ذلك فطلب المشتري ذلك إلى الأب فقال الأب. ~~إنما أرضيت إبنى بكلام كان مني، هل ترى بيع الصبي يكون حيازة، والمال في يد ~~الأب حتى خاصمه المشتري ؟ PageV01P052 # فقال : لا يجوز لأحد أن يعطي ماله فيبقى حاسرا من المال فيجحف بنفسه. الا ~~ترى غلى قول الله تعالى وما أدب به نبيه فقال : { ولا تجعل يدك مغلولة إلى ~~عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسورا } (¬1) يعني حاسرا من المال، ~~فكما لا يجوز له أن يمسك يده عن النفقة في طاعة الله فكذا لا يجوز له أن ~~يعطي ماله كله، وإنما قال :" أنفقوا مما رزقناكم } (¬2) وقوله / : { والذين ~~إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما} (¬3) وقوله : { ولا ~~تؤتوا السفهاء أموالكم } (¬4) يعني بالسفهاء النساء والأولاد الصغار، فلا ~~يملكهم ماله فيفسدوه عليه،فعطية الأب قد خالف فيها أدب الله. و كل ما خولف ~~فيه السنة في السنة نقضه. وليس بيع الإبن بشيء لأن البيع عقوق لوالده في ~~شيء لم يمكنه الملك فيه بحيازة ولا بعطية تجوز وليس للإبن من عطية الأب ~~-إذا كان بالغا - إلا إذا حاز. وما لم يحز فليس بشيء. # (12) وما تقول في عطية رجل عمد إلى طريق الشارع فبنى أعمدة جنانه وفيه ~~أعمدة فهل ترى للسلطان أن يحرج ذلك أو حتى يرفع إليه ذلك كله ؟ # قال : الزقاق والطريق الناس فيه شرع ms36 سواء ليس لأحد أن يقطع منه دكانا ~~يجلس فيه ويجعل على حيطانها سقفا. وقد بلغنا أن أبا بكر الصديق رحمه الله ~~قال : من اقتطع من طريق المسلمين أو من أفنيتهم شبرا طوقه الله من سبع ~~أرضين يوم القيامة. ولا يجوز لسلطان المسلمين أن يدع حدثا في الإسلام رفع ~~إليه أو لم يرفع إليه، وعليه الإجتهاد في رعاية الإسلام وأهله وقد جاء في ~~الحديث :( من أحدث حدثا أو آوى محدثا فعليه لعنة الله ) (¬5) # ( PageV01P053 13) وما تقول -رحمك الله - في قوم من أهل ~~الدعوة ولي عليهم الجبابرة وهم الحاكمون عليهم بما لا يخفى عليك من الجور ~~وما لا يستطاع له الصفة، هل ترى لسلطان المسلمين أن ينهض إلى أولئك ~~الجبابرة ليزيلهم عنهم ويحول بينهم، أو يولي على أهل الدعوة ولاة ولا يقصد ~~إلى الجبابرة فأيما أحب إليك من ذلك ؟ طلب أهل الدعوة ذلك إلى السلطان ~~المسلمين أو لم يطلبوه ؟ # قال : أحب إلينا في ذلك السلامة لدينك، فإن السلامة لا يعدلها شيء ولا ~~يتكلف من الأمور ما تعجز عنه طاقته، فإن الأمر قد رق وضعف وعاد الإسلام ~~غريبا كما بدأ. # واعلم أن الظهور لم يستقم للمهاجرين والأنصار إلا ثلاث سنين وأشهر لأبي ~~بكر وعشر سنين لعمر بن الخطاب وصدرا من سني عثمان بن عفان، ثم صارت الأمور ~~بعد ذلك إلى ما قد علمت من الخبال والتنازع. فلم يزل الإسلام في نقصان بعد ~~كماله إلى أن عاد غريبا. واليوم قد كملت أشراط الساعة إلا ما بقي من الآيات ~~اللاتي لا ينفع معها العمل ولا قبول التوبة (¬1) . فلا تنتظر اليوم إلا تلك ~~العلامات ومجيء القيامة. فبادر نفسك والتمس السلامة قبل نزولها، فإنه بلغني ~~أن النبي عليه السلام /(لما بعث التقم صاحب الصور الصور ووضع فاه فقدم رجلا ~~وأخر أخرى ينتظر الأذن للأخرى ) (¬2) وقد قال تعالى : { فقد جاء أشراطها } ~~(¬3) وقال : { إقترب للناس حسابهم ... ... . }الآية (¬4) . # ( PageV01P054 14) وعن قوم أهل بغي وفساد غصبوا أرضا ~~لقوم من المسلمين ففسلوها (¬1) فشكا أهلها إلى وال من ولاة المسلمين، و لم ~~يكونوا له برعية. ms37 وإنما ولي عليهم جبار من الجبابرة. هل ينبغي لسلطان ~~المسلمين أن يقطع تلك النخيل التي اغتصبوها ؟ وإنما ذلك الغصب مشهور يشهد ~~بذلك أهل تلك البلدة الذين زعموا أنه غصب منهم وقد مضت سنون عدة في يد ~~الغاصبين. # قال : قد بينت في المسائل التي قبلها أن عليه نزع الحدث وتغيير المنكر ~~وقطع الشكية عن الله والقيام مع المظلوم. فإذا لم يفعل فلا طاعة له وهو ~~خليع بقول النبي عليه السلام :( وإنما أشهد الله على من وليناه شيئا من ~~أمور المسلمين قل أو كثر فلم يعدل فلا طاعة له وهو خليع مما وليناه) (¬2) . # وأما قولك : أن يقطع النخيل، فكلما غرس الغاصب أو زرع فليس له إلا زريعته ~~أو قيمة الأعواد التي غرس. وما نبت وأدرك فهو لصاحب الأرض. ألا ترى أن من ~~حرث أرضا محجورا عليها ليس له إلا زريعته التي زرع والزرع لصاحب الأرض وليس ~~لعرق الظالم حق. # وقولك :مضت سنون عدة، والحق لا يبطله عدد السنين. # والسلام عليك. # "?" # بسم الله الرحمان الرحيم # لأبي بكر عتيق بن أسدين من جناو بن فتى حفظه الله # (1) سألت عن رجل يدخله الشك في صلاته ووضوئه وفي الكلام وعندما يتكلم حتى ~~يكثر ذلك منه، هل ترى له يرحمك الله أن يمضي على ما هو فيه فإن قال في ~~نفسه لم يتم وضوءه أو صلاته. والرجل ترى منه الوسوسة حتى يخف أن تخرج صلاته ؟ PageV01P055 # قال :إن الشيطان للإنسان عدو مبين، وإنه يرصدكم عند كل عمل وقول. وقد ~~علمكم الله الذي ترجى به النجاة من وساوسه فقال : { من شر الوسواس الخناس" ~~(¬1) وذلك أنه يوسوس في قلب ابن آدم بخطرات لو جرى معها لأفسد عليه دينه ~~ودنياه نغص عليه العيش وكدر له الأمور وخلط عليه. فكثرة الذكر لله به يخنس ~~الشيطان، لأن ابن آدم إذا اهتم بخير وذكر الله ودعاه مخلصا سطع نور ذلك في ~~قلبه. فإذا سطع نور ذلك خنس الشيطان وهرب، لأنه إنما يوسوس مع الغفلة، ~~وإنما اليقظة والإنتباه والحذر، بذلك يخنس الشيطان ولا يطمع. قال ms38 الله ~~تعالى : { إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون } (¬2) فالرجل ~~إذا دخل في الوضوء فإنما ضميره ونيته أن لو تم ذلك كما أمر، وكذلك إذا دخل ~~في الصلاة فنيته وضميره تمامها. فإذا عارضه الشيطان بعدما فرغ بخطرات يشكك ~~عليه فعله ويلبس عليه أمره فليمض على ما استيقن عليه أمره ويلقي عن نفسه ما ~~أدخل عليه الشيطان من الشك. ولو كان في إعادته الوضوء والصلاة رشدا لم ~~يحمله على ذلك بل كان يحسن عليه فعله، ألا ترى إلى قول المسلمين فيمن أحس ~~من نفسه خروج الريح أنه إذا لم يسمع صوتا أو يجد ريحا أنه يمضي على وضوئه ~~أو صلاته إذا لم يكن على يقين من تقصيره. ألا ترى أن الحدود تدرأ بالشبهات ~~إذا لم يكن الأمر مجردا مشهورا. وما كان الله ليعذب على أمر قد أبهمه ولم ~~يبينه اعتبر ذلك بقول ابن عباس : كل ما شككت حتى لا تشك (¬3) . PageV01P056 ألا تراه أبطل الشك ~~حتى يكون على اليقين المجرد. ولو أطاع الناس الشيطان فيما يدخل عليهم من ~~الشكوك لأفسد عليهم دينهم ودنياهم ولم يصف لهم عمل. وقد بلغنا أن رجلا سأل ~~فقيها من المسلمين وذلك أنه وقع في نفسه أنه فارق امرأته وشك في ذلك، فوسوس ~~إليه الشيطان ألا يقيم على ريبة وأن يفارق امرأته فسأل عن ذلك فقال له ~~المسئول : طلق امرأتك(...) (¬1) فقال له : بماذا ؟ فقال له : يا لكع، أنا ~~آمرك أن تطلق امرأتك فتقول بماذا، والشيطان يأمرك أن تطلقها فتفعل ذلك! لو ~~جرى الناس معه لنغص عليهم حلالهم وخبث عليهم أنفسهم. # وقد بلغنا عن السلف أنهم قالوا : من كثرت أيمانه ولم يذكر حيث حنث أنهم ~~قالوا يكفر عن ما حفظ أيمانه و أما ما شك فيه فلا كفارة عليه فيه. ولولا أن ~~يطول الكتاب لشرحنا لك في مثل هذا كثيرا. وفيما ذكرنا كفاية فامض على ما ~~كان عليه ضميرك الأول فإذا تماديت على ذلك أيس منك فاقطع ذلك عن نفسك. قد ~~بلغنا أن النبي عليه السلام إذا ms39 اجتمع عليه أمران أخذ بأيسرهما (¬2) ، ~~والييسر أحب إلى الله، وقد قال الله لقوم : { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ~~} (¬3) فلم يعاقبهم إلا بالتمادي باليقين # ... (2) وذكرت في رجل بين ظهراني قوم يرون أن يجبروا الناس في الخروج إلى ~~المحاربة . فسرق له عبد فبلغ ذلك الأمير / فحشد من الناس رجالا كثيرا. هل ~~ترى لهذا الرجل الذي سرق عبده أن يخرج معهم ولا يعينهم على ما هم فيه بشيء ~~إلا أنه يتبعهم، فإذا نزلوا نزل وإذا ساروا سار وكف. PageV01P057 قال : لا أرى له صحبتهم، لأن من كثر سواد ~~قوم فهو منهم. والناس حزبان، حزب الله وحزب الشيطان. فكل حزب مفسد أو يتعدى ~~الحق إلى الباطل وليس قبله سيرة المسلمين وحالهم فهم من خيل إبليس ورجله ~~(¬1) لأنهم إذا ظفروا وغلبوا أفسدوا فكل مفسد، والمفسدان كلاهما سواء ليس ~~بعضهم أحب إلى الله من بعض، لأنهم كلهم مفسدون، والمؤمنون يصلحون في الأرض ~~ولا يفسدون. قال الله تعالى (¬2) : { أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن ~~الله على نصرهم لقدير } (¬3) ثم نعت المأذنون لهم فقال : { الذين إن مكناهم ~~في الأرض أقاموا الصلاة .... } (¬4) الآية يقول :إنما أذنت لهم في القتال ~~لأنهم إذا غلبوا قاموا بصلاح البلاد والعباد وإحياء الحق وإماتة الباطل ~~.وذلك أن طاعة الله غلت أيديهم عن ما لا يحل، وأما من أطلق يده ولم تغلها ~~الطاعة فهو مفسد فلا سبيل للمؤمن إلى عونه ولا إلى تكثير سواده. # ... (3) وأما قولك : هل يحرض قاضيهم على الخروج ؟ # إنما قال الله لنبيه { حرض المؤمنين على القتال } (¬5) فإذا لم يكن ممن ~~يجوز له القيام بأمر الله، فالمحرض إنما يثوره ليشعل ناره. فالكف والإعتزال ~~له أسلم. # (4) وأما قولك إذا أراد التوبة ....... PageV01P058 فليستغفر الله ويضمر ألا يعود، لأن ~~الرجل الذي حرض مالك بنفسه، ولو كان الأمر حاكما عليه للزمه الفعل، ولو كان ~~عبدا له أو طفلا له للزمه الفعل أيضا. فأما البالغ المالك لنفسه فأرجو أن ~~تسعه التوبة لأنه أمر بالمنكر إذ [أمر] (¬1) بالبسط من لا يجوز له البسط. ~~المسلمون اليوم في كتمان. وإنما يجوز الدفع لما ms40 لم يجدوا من دفعه بدا مثل ~~نار أقبلت عليهم إن لم يطفوها (¬2) عن أنفسهم هلكوا. # (5) وكيف ترى لي إن سرقت داري أو نزل اللصوص في خزائني فأخرج الأمير سرية ~~فخرجت معهم على وجه حفظ مالي أو دفاع اللصوص عن مالي بغير قتال، وإن كان ~~قتال خرجت بنفسي.... # قال : قد بينت لك المسألة الأولى الذي جاء في الحديث أن من كثر سواد قوم ~~فهو منهم (¬3) .قال الله تعالى ليتأسى به : { و ما كنت متخذ المضلين عضدا } ~~(¬4) . وجاء في الحديث (اعتبروا الناس بأخذانهم، فإنما يخاذن الرجل مثله) ~~(¬5) . يعني لا يصاحب الرجل إلا مثله الطالح مع الطالح والصالح مع الصالح. ~~وإنما تنزل الطير [ على أشباهها (¬6) ]/ وقد قال الله تعالى : { يا أيها ~~الذين آمنوا كونوا أنصار الله } (¬7) إلى قوله : { قال الحواريون نحن أنصار ~~الله } (¬8) . وأنصار الله يصلحون في الأرض ولا يفسدون، وأنصار الشيطان ~~يفسدون في الأرض ولا يصلحون. # (6) وأما قولك : ثارت الصيحة.. PageV01P059 وأهل هذا الزمان لا ينبغي الخروج معهم ~~إلا أن يكون خروجهم إلى جراد أو سمك فلا بأس أن تخرج معهم، وأما غير ذلك من ~~خروج بعضهم إلى بعض فاحذر واهرب من الناس كهروبك من السبع. ألا ترى إلى قول ~~حذيفة لابنه : يا بني إنك في زمان الأشرار وظهر فيه المجانين بحمقهم ~~واستخفى فيه العلماء بعلمهم فأخف مكانك وابك على خطيئتك. ألا تراه أمره ~~بالعزلة في ذلك الزمان والصحابة بوفرها. إلا أنه لم ولي أمور الناس من حاد ~~عن طريقه من كان قبله قال ابن مسعود : كن حلسا من أحلاس بيتك واعتزل الناس ~~وما هم فيه. ونفير أهل التوحيد إلى أهل التوحيد بأسباب تكون بينهم فاحذر ثم ~~احذر فإنكم أن تتركوا دما حلالا خير من أن تسفكوا دما حراما وتكثروا سواد ~~من سفكها. # (7) وكيف ترى في رجل وقع في بئر فمات فيها فأخرج من يومه ذلك والبئر ~~كثيرة الماء فتوضأ من ذلك الماء وصلى به وأسقاه بقوله. # قال: بلغنا أن زنجيا وقع في زمزم فأمر ابن عباس أن تسد عيونها وينزح ~~ماؤها كلها. ms41 فإن كان البئر تنزف فلينزحوا ماءها. وإن كانت لا تنزف فليرفعوا ~~منها أربعين دلوا إلى خمسين. # وأما قولك : توضأ منه رجل وسقى منه بقوله فإنه يقال عن الربيع بن حبيب : ~~إذا كان في الماء أربعين قلة بقلال هجر فلم ير بأسا إذا لم يتغير طعمه أو ~~لونه أو رائحته. وقلال هجر إنما هي حباب كبار. ولعلك رأيتها بمكة بمنى عند ~~السقاية بياعة الماء. # (8) فكيف ترى في رجل بين ظهراني قوم يدينون بملوكهم فيؤذنون، أفينبغي لنا ~~أن نصلي بأذانهم ولم نعلم أم الوقت قد حان، أو أذن رجل ليس بأمين ؟ PageV01P060 # قال : كان يقال :المؤذنون (¬1) أمناء، والأئمة ضمناء (¬2) . ويقال :إن ~~الصلاة وجه الإسلام وعمود الدين. فلا يأتمن المسلمون على دينهم إلا أهل ~~الرضا والقناعة. فإن علمت أنه يؤذن قبل الوقت في الظهر والعصر والمغرب ~~والعشاء فلا تثق به في أذانه إلا في وقت المغرب، فإنه لا يؤذن للمغرب قبل ~~غيوب الشمس. وأما صلاة الصبح فقد يجوز الأذان لما قبل طلوع الفجر/ ولذلك ~~يثوب المسلمون لما يعلمون للناس أنه قد انفجر الفجر وحلت الصلاة. # (9) وكيف ترى أن لم تعرف دخول الشتاء وخروج الصيف، أي وقت نصلي العصر في ذلك؟ # قال : وقت الأولى في الشتاء والصيف واحد. إنما هي إذا زالت الشمس وفاء ~~الفيء ودلوكها. وذلك أن ظل الشيء ما دام ينتقص فليس الوقت، فإذا امتد زائدا ~~فقد حان الوقت وهو وقت الظهر في الشتاء والصيف. فالزيادة إذا كانت مثل ظل ~~الشيء بعد الوقت فهو وقت العصر والظل إنما يمتد في الشتاء ثم يبدأ في ~~الزيادة وربما يقصر ثم يبدأ في الزيادة. وأما جملة قولهم إذا كانت الزيادة ~~أكثر من ظل الشيء مثليه وهو وقت العصر في الشتاء والصيف. # (10) وذكرت رجلا مات أبوه وترك ولدا صغيرا لا يعلم مال أبيه، ولأبيه عبد ~~غير مؤتمن فجعل العبد يريه ما ورث من النخل وغيرها من الأصول. أو للصبي عم ~~غير مؤتمن أيضا فجعل يخبر الصبي بقوله : هذا مال أبيك. وهذا إنما ورثناه، ~~أنا وأبيك من أبينا، ms42 فاقتسمنا هذا حظ أبيك. أو رجل قال له بعث لأبيك هذه ~~النخلة، والرجل غير مؤتمن فجاء من يدعي تلك النخلة، هل لي أن أحول بينه ~~وبينها ؟ PageV01P061 # قال : إن كان ذلك في يد العبد أو العم فأقروا له بذلك فجاء مدعيه فالبينة ~~على المدعي لأن الشيء في يد المقر لليتيم قبل ذلك. وإن كان ذلك في يد ~~غيرهم. يجوز ويبيع، فإنما هذا متهم. الشهادة على القاعد فيما ادعوا وليس ~~شهادة غير عدل بشيء. فإن شاء حلف المدعي عليه بالله الذي لا إله إلا هو أنه ~~ليس له فيما ادعى شيء بوجه من الوجوه. # (11) وذكرت رجلا إستأجر أجيرا فمات الرجل وبقي الأجير فأخذه الورثة فقال ~~لهم الأجير:ليس أنا مثل العبد حتى ترثوني. وقال له الورثة : إعمل لنا كما ~~وأجرك أبونا وإلا رد لنا ما إستأجرك به أبونا. هل للورثة أن يستعملوه أو ~~يجبره السلطان في عمل الورثة؟ # قال: ليس للورثة حق فيما ذكروا، ويأخذ الأجير حساب ما مضى، لأن الملك قد ~~زال عن الذي إستأجره. ولو قالوا :لا نستأجرك. جاز لهم ذلك، ولا يجبروا على ~~إتمام شرط الميت، فكذلك لا يجبر الأجير فلا يجوز لهم قبول الباطل ممن حكم ~~لهم به. # (12) وذكرت رجلا تفكر في أعمال العباد من المعاصي وعلم أن الله تعالى لا ~~يكره على شيء، فما الحكم في المعاصي التي يعملها العباد؟ PageV01P062 # قال : لا يقال لله تعالى فيما حكم كيف حكمك في هذا، وقد / حكم { أن لكل ~~نفس لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت } (¬1) . وقضى { أن ليس للإنسان إلا ما ~~سعى } (¬2) . ولا نرغم أن الله تعالى يجبر على الطاعة أو يجبر على المعصية. ~~ولا نرغم أن الله تعالى يعصى كرها، ولو لم يحب أن يعصى لما خلق إبليس. وما ~~شاء الله لا بد أن يكون. وما شاء ألا يكون لا يكون. ألا له الخلق والأمر في ~~الخلق. وقد سب قوما قبل أن يخلقوا وذمهم، وأثنى على قوم وهم لم يخلقوا. ألا ~~تراه ذكر نبيه عليه السلام وأثنى عليه بفعله في ms43 التوراة والإنجيل باسمه قبل ~~أن كون شخصه ونعت أصحابه باتباعهم فقال : { محمد رسول الله والذين معه ~~أشداء على الكفار } (¬3) إلى قوله : { ذلك مثلهم في التوراة } (¬4) يقول ~~هذا نعتهم في التوراة، وذكر نعتهم في الإنجيل وقال : { ومثلهم في الإنجيل } ~~(¬5) يقول نعتهم في الإنجيل { كزرع أخرج شطأه } (¬6) إلى آخر الآية. PageV01P063 وقال : { تبت يدا أبي لهب وتب } (¬1) ~~فكرر عليه الشتيمة والسورة مكتوبة في اللوح المحفوظ قبل أن يخلق آدم. وقال ~~: { وكل شيء أحصيناه في إمام مبين } (¬2) . يعني في اللوح المحفوظ. وأثنى ~~على النبي عليه السلام قبل كون شخصه فقال : { .. النبي الأمي الذي يجدونه ~~مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل } (¬3) . إلى قوله : { والأغلال التي ~~كانت عليهم " (¬4) . فنسب إليه الأمر والنهي قبل أن يخلق. وذم قوما (¬5) ~~فقال : { ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون } (¬6) . فنسبها إليهم قبل ~~أن يعملوها. والمسلمون يؤمنون بالقدر خيره وشره أنه من الله. وقال مسلموا ~~الجن : { وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا } (¬7) ~~. فالشر والخير لا يكون منهم إلا ما أراد الله من كونهما. # (13) وعن رجل قال : حرام لا أفعل، ففعل، ما عليه في ذلك ؟ # قال : الله أعلم. # (14) وعن رجل له على آخر دين، فلزمه، فاستأجر نفسه لرجل. # قال : إن كان الملزوم قد حكم عليه السلطان بالأداء فزعم أنه لا مال له ~~فلا سبيل له أن يستأجر نفسه حتى يقيم البينة أنه مفلس لا مال له، فعند ذلك ~~ينادي عليه السلطان بالإفلاس (¬8) كي يحذر الناس منه، ويخلي سبيله وسبيل ~~للغريم إلى لزومه، فلزوم المعسر ظلم، كما أن مطل الغني ظلم. قال الله تعالى ~~: { وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة } (¬9) . والحمد لله رب العالمين، ~~وصلى الله على نبينا محمد. # "?" # بسم الله الرحمان الرحيم PageV01P064 لأبي سفيان عبد القهار بن خلف حفظه ~~الله، من رجل من إخوانه السلام عليك ورحمة الله، وأوصيك ونفسي بتقوى الله. ~~كتابي إليك بعدما بلغني أنك تزوجت امرأة من قرابتك / وهي إبنة عمك. فالحمد ~~لله على ما هيأ لك من أمرها وكفاك الكثير ms44 من مهم أمورها. وهناك الله ~~كرامته، وألبسك عافيته وأسأل الله أن يذلل لك صعوبتها، ويرزقك منها الود ~~والذرية الطيبة، ويجعلها لك أنسا تسكن إليها، وعونا على دنياك بحسن ~~تدبيرها، ولا أحرمك الله من ذلك ما اختص به أولياءه فإن الرجل حسن جميل أن ~~تكون له زوجة أو ذرية طيبة. ولأن الرجل إذا تزوج فقد حصن نصف دينه، وما كان ~~له من ولد فهم قوة للإسلام. ولقد قال الله تعالى في أفضل خلقه : { ولقد ~~أرسلنا من قبلك رسلا وجعلنا لهم أزواجا وذرية } (¬1) فقد طال مكثك بلا ~~زوجة، وقد إستبطأنا ذلك منك ورجونا لك من الله - مع ذلك - التوفيق والسداد، ~~فتزوجتها على أحسن التزويج أمرت به الفقهاء من كفك عن الدخول في المهر ~~الثقيل وقد صدق الله ظنك به، وقديما كنا نسمع منك إذا نحن خاطبناك في هذا ~~الأمر وما أبطأت عنه من النكاح، تقول : # وأني لأرجو الله حتى كأنني أرى بجميل الظن ما الله صانع # ونحوه من القول. وكنت تقول : سيجعل الله بعد عسر يسرا. والحمد لله الذي ~~وفقك وهداك، وأسأل الله لنا ولك الثبات في الأمر والعزيمة على الرشاد. غير ~~أني أكلمك كلام سائل متثبت لا كلام عابث متعنت، إني كنت أسمعك تفتي في ~~مسائلك أن تزويج ربيبة الأب للإبن، أن ذلك مكروه، وكنت تذكر ذلك عن جابر بن ~~زيد رضي الله عنه. وقديما كانت عليك هذه الجارية أن تتزوجها فيمنعك ما قد ~~بلغك عن جابر. وقد كنت أسمع أيضا تفتي فيها بأرخص من هذا عن جابر. فأخبرني ~~بالذي حملك اليوم على تزويجها، وأخذت بقول غيره بعدما كنت أخذت بقول جابر. PageV01P065 قال : قد كان الذي قلت وذكرت كما هو، غير ~~أني أخبرك عن أمر جلا عني الغشاء وكشف عني الغطاء وأذهب عني الشك، إنه لما ~~جاء الخبر بالليل أن عساكر وريون وغيره انهزمت في "تراغن" (¬1) جاءني ~~الخبير بذلك وهو عبد الله بن عبيدس الشباهي، وكان لي صديقا مصافيا وخليلا ~~مواتيا فأيقظني من نومتي وأنا مريض بمرضي، وقد كنت مريضا ذلك ms45 أربعة أيام، ~~فذكر لي الخبر أن العساكر قد انهزمت، وأن وريون وإبراهيم بن أسدين قد جاءا ~~كلاهما مهزومين وقد نزلا في بيت أبي الروس. فقلت أكذلك الخبر؟ قال : نعم. ~~فقمت مبادرا واتكأت على رمحي فدخلت الدار التي فيها وريون و إبراهيم فوقفت ~~عليهما وأخذت منهما تصحيح الخبر، فرجعت / إلى داري فلقيت رجالا يقصدون ~~الدار دار أبي الروس للخبر. فقلت :إرجعوا فإن معي لكم الخبر، فعجزت قوتي عن ~~البلاغ إلى داري فاعتمدت على رجل من قرابتي حتى جئت داري واضطجعت على فراشي ~~فجعلت أقص الخبر عن القوم فبينما أنا كذلك إذ أتاني رجال من أهل "زريعة " ~~معهم مصطار بن عبدوس وغيره فقالوا : إن كانت لك طاقة بالثبوت على الحمار ~~فارحل بنا ساعتنا إلى "زريعة" : فقلت : بل إصبروا أطيق ذلك. فعملت على ~~الخروج إلى "زريعة " ساعتئذ بلا أن أستشير رجلا في ذلك. فخرجت حتى فصلت ~~خارجا من "شباهة "، وتفكرت في خرجتي من "شباهة " بلا مشورة مشير فألزمت ~~نفسي أمرا ثم هممت بالرجوع فخفت على ما معي من العبيد وغير ذلك. فرجعت إلى ~~نفسي وقلت : يا نفسي، خرجتك هذه إنما هي خرجة قضاها الله، وقد كنت أعرف أن ~~فيما قضى الله الخيرة كان ذلك فيما كرهت أو أحببت، فامض على ما قضى الله ~~وأحسن الظن بالله، فإن ما علمت فيما مضى أن الخيرة فيما قضى الله، والعلم ~~علم التجارب. PageV01P066 فمضيت أمامي حتى نزلت "زريعة " ليلا وأنا ~~مريض فبت بها بقية ليلتي فأصبحت من الغد فذكروا لي أمرها فقلت في نفسي : ~~أنا مشغول عما يقولون. فدأبوا على الكلام وأكثروا ورجعت إلى نفسي وقلت ألم ~~تختبري فيما مضى أن كل أمر سهلت عليك أسبابه وانفتحت لك أبوابه أن ذلك ~~الخير وفيه الخيرة، وأن فيما اختبرت أن كل أمر أغلق عليك أبوابه وضاق عليك ~~مذهبه وتعسرت عليك أسبابه في ترك ذلك الخيرة والخير، والعلم علم التجارب. ~~ثم رجعت إلى ربي فقلت:اللهم إنك ترى ما انفتح من أبواب هذه الجارية وسهل من ~~أسبابها، فإني أستخيرك بعلمك وأستقدرك ms46 بقدرتك وأسألك من فضلك العظيم، رب ~~إنك تعلم ولا أعلم وتقدر ولا أقدر وأنت علام الغيوب، أسألك أن تأخذ بناصيتي ~~في أمر هذه الجارية إلى خير ولا تكلني إلى نفسي ولا تذرني وهواي فأكون ~~مخطئا وأنت تعلم قدرها في نفسي إنه صغير وغايتي لو كانت الخيرة في تركها ~~وأنت تعلم كراهتي لها، غير أني فيما اختبرت أن كل أمر سهلت علي أسبابه ~~وانفتحت لي أبوابه أن فيه الخيرة والعلم علم التجارب فإن كانت لي فيه ~~الخيرة لديني ودنياي وآخرتي ومعيشتي وعاقبة أمري فيسرها لي. وإن لم تكن لي ~~فيه الخيرة فحل بيني وبينها وارزقني الإستسلام لأمرك والرضى بقضائك. وإن ~~كان منك / في هذا أمر يا رب فأرني ذلك في المنام وليكن على يد النبي عليه ~~السلام، وحفظني ما يقول رسول الله حتى لا أنساه. فدعوت بهذا كله أو بعامته ~~فنمت على شقي الأيسر، وإنما هي نومة أغلقت فيها عيني فرأيت النبي عليه ~~السلام قادما مع أربعة من الأولياء، أولياء الجارية، غير أنهم ليسوا ~~الأولياء الذين نعرف، فوقف عليهم واقفا بيني وبين هؤلاء الأولياء مقدار عشر ~~خطوات أو أقل وأنا خلفهم وخلفي مسجد مصلى العيد فقال لهم صلى الله عليه : ~~إن جبريل بعثني إليكم أن زوجوا فلانة لفلان، فذكر إسمي وإسمها وقعد صلى ~~الله عليه وسلم. وعلمت أني في رؤيا ووددت لو أنها طالت، وذلك وأنا في ~~المنام. PageV01P067 # واستيقظت من نومتي وحفظت كل ما رأيت كما ذكرته لك في كتابي حرفا حرفا. ~~فقلت في نفسي ونطق به لساني : ما بعد هذا من البصائر لقوم [يوقنون] (¬1) . ~~وقلت أيضا:اللهم إنك قلت : { وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحي الموتى. قال ~~أولم تؤمن؟ قال : بلى ولكن ليطمئن قلبي } (¬2) . اللهم زدني بيانا أو كما ~~قلت في دعائي. فنمت ولم أر شيئا. فقلت : ما بعد ما قد سبق من البيان والخبر ~~عن النبي عليه السلام من البصائر لقوم يوقنون، وإنما سألت الله أن يريني ~~النبي عليه السلام فزادني مع محمد جبريل عليه السلام. ومحمد وجبريل صلوات ms47 ~~الله عليهما هما صاحبا الوحي، وهما أمينا الله في وحيه، وهما أفضل خلقه. ~~والنبي يقول فيما بلغنا عنه :(من رآني في المنام فقد رآني فإن الشيطان لا ~~يتمثل بي ) (¬3) وأحسب أنه قال :( ولا بالكعبة ). فما كذبت فيما قصصته من ~~رؤياي. وما كذب رسول الله فيما جاء به عن جبريل، وما كذب واحد منا فيما جاء ~~به. كل جاء بالحق وقال به والحمد لله رب العالمين. PageV01P068 فلما رأيت هذا كله رجعت إلى ما كنت علمته قبل ذلك من ضيق طبيعة ~~الجارية، وسوء خلقها. وقلت:كيف لي بهذا ؟فجئت إلى عمة لي وهي عمة الجارية ~~يقال لها أميمة بنت الحباب فقلت لها:إني فيما خلا كنت أعرف هذه الجارية ~~ضيقة الطبيعة وحرجة الخليقة. فقالت:إنه قد اتسع ما كنت تعرفه ضيقا. وسألت ~~أختي أيضا بمثل ذلك فقالت مثل قول عمتي. فتزوجتها بعد ذلك بأيام ثم انقلبت ~~من "زريعة " إلى "شباهة " فأقمت ما شاء الله، ثم أتيت بها وأقامت معي ما ~~شاء الله ثم ابتنيت بها فظهر لي منها ضيق طبيعة وسوء خلق وصلافة منطق ~~بالفراء (¬1) من القول، والمنكر في المنطق، والزور في الشهادة / وقد قال ~~الله تعالى: { الذين يؤذون المؤمنين والمؤمنات بغير ما اكتسبوا فقد احتملوا ~~بهتانا وإثما مبينا } (¬2) . وقال: { إن الذين يرمون المحصنات الغافلات ~~المؤمنات لعنوا في الدنيا والآخرة ولهم عذاب عظيم. يوم تشهد عليهم ألسنتهم ~~وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون. يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون ~~أن الله هو الحق المبين } (¬3) . ونظرت في ضيق خلقها، وقلت في نفسي:كيف لي ~~بترك ما جاء به سبب عن النبي عليه السلام، وكيف لي بالدخول على ما قد علمت ~~من ضيق الطبيعة، وأنا أكره خلاف ما جاء فيه سبب عن النبي عليه السلام. ثم ~~رجعت إلى نفسي وقلت يا نفسي، إقصدي على العمل بما جاء النبي عليه السلام. ~~فإن وافقت طبيعتها ما جاء النبي فهو الرجاء وإن خالفت طبيعتها ذلك كان ما ~~كان. والنبي عليه السلام لم يضمن لي فيها حسن الخلق. PageV01P069 فتزوجتها إتباعا لما جاء من ms48 السبب عن ~~رسول الله وعن جبريل عليه السلام. غير أني أرجو مع ذلك - إن شاء الله - وإن ~~كثر فراؤها وقولها بالزور والمنكر على المؤمنات والمؤمنين، أن تصلح يوما من ~~الدهر أو تتوب من قولها وترجع عن مقالها فإن الله هو التواب الرحيم. # قال تعالى: { ثم تاب عليهم ليتوبوا إن الله هو التواب الرحيم } (¬1) فبدأ ~~بالتوبة من الله وقد قال: { وزكريا إذ نادى ربه رب لا تذرني فردا وأنت خير ~~الوارثين، فاستجبنا له ووهبنا له يحي وأصلحنا له زوجه.... } (¬2) فيقال - ~~والله أعلم - إنه كان في لسانها طول. وقال: { إنهم كانوا يسارعون في ~~الخيرات ويدعوننا رغبا ورهبا وكانوا لنا خاشعين } (¬3) . وقال: { والنجم ~~إذا هوى، ما ضل صاحبكم وما غوى، وما ينطق عن الهوى. إن هو إلا وحي يوحى. ~~علمه شديد القوى } (¬4) . الآيات. وأسأل التوفيق للصواب وخيرة الأسباب. فإن ~~الله هو الموفق للخير والمعين عليه، فأسأله أن يأخذ بنواصينا إلى الخير ~~ويبدينا إلى مراشد الأمور وأحبها إليه إنه جواد كريم. وصلى الله على محمد. # "?" # بسم الله الرحمان الرحيم # لأبي يوسف وريون بن الحسن من عبد القهار بن خلف # السلام عليك ورحمة الله. أوصيك ونفسي بتقوى الله العظيم، والعمل لما أنت ~~صائر إليه عن قليل. فأدم على ذلك حتى تلاقي عملك، إن يكن خيرا سرك، وإن يكن ~~شرا ساءك، واعلم ولا تغفل، فإنك إن تغفل لن يغفل عنك، وخذ حذرك وحاسب نفسك. ~~فإن المؤمن من يعلم أن ما قال الله كما قال، وهو من أحسن الناس معونة، ~~والمنافق يقول:سود الناس كثير وسيغفر لي ولا بأس، ويتمنى على الله الأماني. PageV01P070 إعلم أن كتبابك وصل إلي تذكر فيه أن ~~أكون لك عينا على قاضي "شباهة" وأن ما رأيت منه من خير أو من شر أعلمتك ~~بذلك في سر وقلت :/ وخذ بحظك من الإسلام ولا تستغني عن أموره فإن المؤمنين ~~يشد بعضهم بعضا كالبنيان، مع ما قلت من هذا أو نحوه. فقد قرأت كتابك ~~وفهمته. وأعلم أني في معزل من هذا وذلك لما أراه من عنايتي بما ms49 في بيتي ~~واشتغالي به. ولقد أقيم ما شاء الله وأنا غير عارف بم الناس فيه من الأمور ~~إن شاء الله. ولو أن عندي ما يصلحني في عيالي لطبعت على بابي ثم لم أخرج ~~على بشر ولم يدخل علي حتى ألحق بالله. إلا ما شاء الله من ذلك. وأنت طلبت ~~الشيء مني في غير موضعه، وأنا اليوم كما قال القائل: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير إن نفرا # والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح والمطرا # فكيف أتعرض لهذه المعاني مع ما أنا فيه من ضعف القدرة:وما عالم أمرا كمن ~~لا يجرب. وكفى بالمرء جهلا إن لم يعرف قدره. وينبغي للعاقل أن يكون بصيرا ~~بأهل زمانه، مقبلا على شأنه وسيأتي ما وصفت لك في صدر كتابي هذا، وبالله ~~التوفيق والصواب وأسأل الله أن يجعل غنائي في نفسي، ويرزقني لزوم ما ينفعني ~~والعمل به، وترك ما لا يعنيني واجتنابه. فإن ذلك عليه يسير، وما شيء عليه ~~بعزيز والسلام عليك ورحمة الله وصلى الله على النبي. # ويقال : شر النسك نسك العجم، فاحذر على نفسك، والبربر من العجم.إعلم أن ~~كتبابك وصل إلي تذكر فيه أن أكون لك عينا على قاضي "شباهة" وأن ما رأيت منه ~~من خير أو من شر أعلمتك بذلك في سر وقلت :/ وخذ بحظك من الإسلام ولا تستغني ~~عن أموره فإن المؤمنين يشد بعضهم بعضا كالبنيان، مع ما قلت من هذا أو نحوه. ~~فقد قرأت كتابك وفهمته. وأعلم أني في معزل من هذا وذلك لما أراه من عنايتي ~~بما في بيتي واشتغالي به. ولقد أقيم ما شاء الله وأنا غير عارف بم الناس ~~فيه من الأمور إن شاء الله. ولو أن عندي ما يصلحني في عيالي لطبعت على بابي ~~ثم لم أخرج على بشر ولم يدخل علي حتى ألحق بالله. إلا ما شاء الله من ذلك. ~~وأنت طلبت الشيء مني في غير موضعه، وأنا اليوم كما قال القائل: # أصبحت لا أحمل السلاح ولا أملك رأس البعير ~~إن نفرا ms50 # والذئب أخشاه إن مررت به وحدي وأخشى الرياح ~~والمطرا # فكيف أتعرض لهذه المعاني مع ما أنا فيه من ضعف القدرة:وما عالم أمرا كمن ~~لا يجرب. وكفى بالمرء جهلا إن لم يعرف قدره. وينبغي للعاقل أن يكون بصيرا ~~بأهل زمانه، مقبلا على شأنه وسيأتي ما وصفت لك في صدر كتابي هذا، وبالله ~~التوفيق والصواب وأسأل الله أن يجعل غنائي في نفسي، ويرزقني لزوم ما ينفعني ~~والعمل به، وترك ما لا يعنيني واجتنابه. فإن ذلك عليه يسير، وما شيء عليه ~~بعزيز والسلام عليك ورحمة الله وصلى الله على النبي. # ويقال : شر النسك نسك العجم، فاحذر على نفسك، والبربر من ~~العجم. # ----NO PAGE NO------ ms51