######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012226 #META# 000.BookURI :: #0300.MuallifMajhul.AkhbarDawlaCabbasiya #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: مؤلف أخبار الدولة العباسية - مجهول (المتوفى: ق 3هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: NOTGIVEN #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: أخبار الدولة العباسية وفيه أخبار العباس وولده #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: التاريخ #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012226 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12226 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12226 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: عبد العزيز الدوري، عبد الجبار المطلبي #META# 041.EdNUMBER :: NODATA #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الطليعة، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# # PageV00P000 ### |EDITOR| # مقدمة # 1- قبل حوالي عشرين سنة، عثرنا في مكتبة مدرسة أبي حنيفة، في الأعظمية، على ~~مخطوط دون عنوان. ويحوط صفحتي فاتحة المخطوط زخرف جميل، يتخلل أعلاه وأسفله ~~ما يلي: «كتاب فيه أخبار العباس وفضائله ومناقبه، وفضائل ولده ومناقبهم، ~~رضوان الله عليهم أجمعين» ، إلا أن وسط الصفحتين خال من الكتابة. والتعريف ~~بالمخطوط دون ذكر العنوان أمر يدعو للتساؤل خاصة حين يلاحظ محتواه. ومع ~~أننا نميل إلى أن عنوان الكتاب هو «أخبار الدولة العباسية» كما سنبين فيما ~~بعد، إلا أننا أبقينا «أخبار العباس وولده» كما جاء في التعريف وكما توحي ~~خطة الكتاب. # إن التعريف المذكور يشعر بأن الكتاب يتناول تاريخ الخلافة العباسية، إلا ~~أنه- كما وصل- ينتهي قبيل قيامها. فالمخطوط يتحدث عن العباس، وعبد الله بن ~~العباس، وعلي بن عبد الله، ومحمد بن علي، ثم عن إبراهيم الإمام ابن محمد بن ~~علي، ونهايته، وهرب أخيه أبي العباس إلى الكوفة قبيل دخول القوات ~~الخراسانية هذه المدينة. وحين يتناول المخطوط سيرة العباس بن عبد المطلب ~~وأولاده المذكورين، يجعل محور حديثه قضية الإمامة وموقف العباسيين منها ~~وتطلعهم إليها وعملهم في سبيلها. فهو في حقيقته تاريخ موسع للدعوة ~~العباسية. # وقد كتب المخطوط بخط نسخي حسن، ويقع في أربعمائة صفحة وثلاث # PageV01P007 # صفحات، من قياس 18- 25 سم، وتحوي كل صفحة منها خمسة عشر سطرا بمعدل 11- ~~12 كلمة في السطر الواحد. ولم يصلنا المخطوط كاملا، إذ تنقصه الأوراق ~~الأولى التي تحوي الديباجة وسيرة العباس إلى خبر وفاته. # وينتهي المخطوط بقائمتين: الأولى ب «تواريخ الخلفاء من بني أمية» ، ~~والثانية ب «تواريخ الخلفاء من بني العباس رضي الله عنهم» . وواضح أن ~~القائمتين ألحقنا بالكتاب، دون أن تكونا منه، إتماما للفائدة. ولكن القائمة ~~الثانية تدلنا على فترة نسخ المخطوط، ذلك أنها تقف عند «تاريخ خلافة الإمام ~~المتوكل على الله أبي [1] عبد الله محمد سنة ثلاثة وستين وسبعمائة ... وهو ~~الخليفة القوام بعصرنا» . وهذا يحدد زمن كتابة المخطوط بين 763- 779 ه/ ~~1362- 1377 م. # 2- # إن نسخة المخطوط الذي ننشره فريدة، وقد سبق لنا أن عرفنا به قبل ms001 عدة سنين ~~[2] . ثم نشر الأستاذ بطرس غريازنيويج قطعة مصورة من مخطوط بعنوان «نبذة من ~~كتاب التاريخ- للمؤلف المجهول من القرن الحادي عشر» مع ترجمة وتعليقات ~~بالروسية [3] ، ثم نشر المخطوط كله مصورا بعنوان «تاريخ الخلفاء للمؤلف ~~المجهول من القرن الحادي عشر» [4] . ويهمنا هذا الكتاب لصلته الوثيقة ~~بمخطوطنا، وللضوء الذي يلقيه على بعض مشكلاته. # ويتكون تاريخ الخلفاء من قسمين، يتناول القسم الأول منه تاريخ الخلفاء ~~الراشدين، ثم التاريخ الأموي. ويهمنا منه القسم الثاني، وهو ما نشر بعنوان ~~PageV01P008 # «نبذة من كتاب التاريخ» ، ويقع هذا القسم بين ص 475 (235 ب من المخطوط) ~~وص 592 (294 أمن المخطوط) من «تاريخ الخلفاء» ، ويختص بالعباسيين. يبدأ ~~المؤلف هذا القسم بالبسملة، ويقدم له بديباجة في فضائل الدولة العباسية، ثم ~~يعرف بصلته بالعباسيين، وهي صلة ولاء تعود إلى جده الأكبر (وثاب) ، والد ~~المقرئ يحيى بن وثاب، وكان مولى مكاتبا لعبد الله بن العباس [1] . وهذه ~~المقدمة تلفت النظر، إذ إن المؤلف اكتفى، حين تناول تاريخ الأمويين، بعنوان ~~بسيط وهو «خلافة بني أمية وبني مروان» ، وكأنه يشعرنا بأن القسم الخاص ~~بالعباسيين هو كتاب ثان، وهو ينعت هذا القسم مرة ب «أخبار الدولة المباركة ~~العباسية» [2] وأخرى ب «أخبار الدولة الهاشمية العباسية» [3] ، مما يوحي ~~بأن عنوانه هو «أخبار الدولة العباسية» . # ومع أن المؤلف يلتزم في هذا القسم ب «الإيجاز والاختصار» كما فعل في ~~القسم الأول [4] ، إلا أنه يضيف إلى ذلك بعدئذ أنه تجنب «التطويل بحديث ~~الأسانيد وذكر أسماء الرجال» [5] ، فيلمح إلى أنه يوجز مؤلفا بعينه، وأنه ~~لم يأخذ من «الكتب الكبار والمصنفات الأصول» [6] ، كما فعل في تاريخ ~~الراشدين والأمويين. وهو يعترف بذلك ضمنا في معرض حديثه عن أبي مسلم، إذ ~~يقول «وله أحاديث وحكايات جرت عليه بمرو ونسا ونيسابور والري، PageV01P009 # يشتمل عليها التاريخ الكبير وليس يحتملها هذا المختصر» [1] . ويتأكد هذا ~~الاستنتاج بمقارنة هذا القسم بمخطوطنا، إذ نرى أن المؤلف اعتمد على «أخبار ~~العباس وولده» وحده واختصره، ولكن عملية الاختصار لم تعد حذف الأسانيد وبعض ~~الروايات، وأما الباقي فأورده عادة بالنص. وهناك اختلافات بسيطة ms002 في بعض ~~التعابير أو الكلمات، لا ندري إن كانت من تصرف المؤلف أو من أثر النسخ، ~~ولكننا نرجح الاحتمال الثاني. وقد مر بنا أن المؤلف يسمي هذا القسم «أخبار ~~الدولة العباسية» في حين أن عنوان الكتاب هو «تاريخ الخلفاء» والفرق واضح ~~ومهم بين «أخبار» و «تاريخ» في علم التاريخ عند العرب. # إن ما ذكرنا يجعلنا نتساءل عن أصل مقدمة القسم الخاص بالعباسيين من ~~«تاريخ الخلفاء» - أهي ديباجة مؤلف هذا الكتاب، أم انها اقتباس لديباجة ~~«أخبار العباس وولده» شأن باقي الكتاب. ونحن نرجح الاحتمال الثاني، إذ إن ~~من يختصر كتابا بعينه لا يحتاج إلى توضيح لطبيعة الأخبار التي أخذها جملة ~~عن غيره. ويعزز هذا الرأي أن الديباجة تشير إلى حداثة الدولة العباسية حين ~~تنص «مع أن قرب العهد بها واتصال السماع خلفا عن سلف يحملان على زيادة ~~الشرح» [2] ، وهو قول يصدق على القرن الثالث الهجري، بالنسبة للكتابة ~~التاريخية، لأنه عصر جمع الروايات وتمحيصها على نطاق واسع من قبل الجيل ~~الأول من المؤرخين الكبار، كما فعل مؤلف «أخبار العباس وولده» ، ولكنه لا ~~يرد بالنسبة للقرن الخامس الهجري، وهو فترة كتابة تاريخ الخلفاء [3] . # 3- # وبضوء ما مر، فإننا نرجح أن عنوان المخطوط الذي ننشره هو PageV01P010 # «أخبار الدولة العباسية» . ونحن نلاحظ أن كلمة «دولة» هنا لا تعني ~~بالضرورة الكيان السياسي المفهوم، بل إن مؤلف «أخبار العباس وولده» ~~استعملها بمعنى «دعوة» إذ يقول: «إن إبراهيم الإمام بن محمد أوصى أبا ~~العباس عبد الله بن محمد بالقيام بالدولة، وأمره بالجد والحركة، وأن لا ~~يكون له بالحميمة لبث ولا عرجة حتى يتوجه إلى الكوفة» [1] . ويذكر الأزدي ~~أن عبد الله بن علي كان يشجع المسودة قبيل معركة الزاب قائلا: «إنها الدولة ~~التي لا يباريها أحد إلا صرعة الله» [2] ، ولا تعني كلمة «دولة» هنا إلا ~~«دعوة» أو حركة مباركة. وينسب الأزدي، في رواية، إلى مروان بن محمد قوله ~~لأحد قادته حين استهان بالمسودة: «دع عنك هذا، على ودي أن دولتهم لنا، وأن ~~عسكري معهم» [3] . وبصرف النظر عن قيمة الرواية، فإن ms003 كلمة «دولة» في هذا ~~النص تقرب في المعنى مما ذكر، وقد تعني «الدور» . # هذا إلى أن صاحب تاريخ الخلفاء يستعمل كلمة «دولة» مرادفة لكلمة «دعوة» ~~في أكثر من موضع [4] . # وهذا يعزز رأينا في أن عنوان الكتابة هو «أخبار الدولة العباسية» ، ما ~~دامت كلمة دولة تعني دعوة أو حركة. # 4- # إن عنوان المخطوط، ومقارنته بالقسم الثاني من «تاريخ الخلفاء» تدل على ~~أنه يبدأ بأخبار العباس بن عبد المطلب [5] . ولما كان المختصر- كما ~~PageV01P011 # ورد في تاريخ الخلفاء- يوازي ربع الأصل وهو «أخبار العباس وولده» ، فإن ~~المقارنة بينهما تعطينا فكرة عن الأوراق المفقودة من أول المخطوط. # ففي تاريخ الخلفاء تشغل ترجمة العباس أربع صفحات [1] ، وهذا يعني أن ~~«أخبار العباس وولده» ترجم للعباس بحوالي ست عشرة صفحة، بقي منها في ~~المخطوط ثلاث صفحات، وهذا يعني أن ما فقد يقع في حدود ثلاث عشرة صفحة. # أما نهاية المخطوط فتبدو مبتورة، ولكن الدلائل لا تؤكد ذلك. # فمقارنة المخطوط بتاريخ الخلفاء تضعف احتمال النقص، ذلك أن روايات ~~مخطوطنا تنتهي عند الصفحة 290 أس من تاريخ الخلفاء حيث يبدأ الخبر التالي ~~بالعبارة الآتية: «وروي من عدة وجوه أن أبا العباس.. إلخ» ، وهذا يعني أن ~~مختصر «أخبار العباس وولده» انتهى، وأن مؤلف تاريخ الخلفاء عاد إلى طريقته ~~في الأخذ من عدة مصادر. كما أن مؤلف «الأخبار» في حديثه عن تهيؤ مروان ~~لمواجهة المسودة يقول «وأقام يحشد يريد أن ينهض إلى الهاشمية، وقد أيقن ~~بزوال ملك بني أمية، حتى ظهر أبو العباس (رضي الله عنه) فإنه أول خلفاء بني ~~العباس..» [2] ، ولا محل للتعريف بأبي العباس لو تناول المؤلف تاريخ ~~الخلفاء العباسيين. هذا إلى أن إضافة قائمة بأسماء الخلفاء العباسيين، وهي ~~متأخرة، تؤكد أن المؤلف لم يتناول الخلفاء. ويبدو أن النسابين الأولين، مثل ~~ابن الكلبي، لم يتناولوا الخلفاء العباسيين في كتاباتهم، فابن الكلبي يقف ~~في «جمهرة النسب» عند أولاد علي بن عبد الله ولا يتناول أولاد محمد بن علي ~~[3] ، وباثنين منهم بدأت الخلافة العباسية، وهذا يجعل وقوف PageV01P012 # مخطوطنا- وهو موضوع في إطار كتب الأنساب- عند نهاية ms004 الدعوة أمرا مألوفا. ~~وحين نفحص القسم الأخير من مخطوطنا (ص 189 ب- 202 ب) نراه يبدأ في ص 189 ب، ~~بالبسملة، وأول عنوان يصادفنا هو «جود إبراهيم الإمام» ، وهو عنوان مكرر ~~ولا صلة له بالمحتوى، ويتبعه بمقتل إبراهيم الإمام، وولده، ووصيته لأبي ~~العباس وسير هذا ببعض أهله إلى الكوفة. # وهذا يشير إلى أن القسم الأخير هو إضافة إلى المسودة الأولى للكتاب تتم ~~أخبار إبراهيم الإمام حتى نهايته. # وهكذا فإننا نرجح أن المخطوط تام في آخره ولم يسقط منه شيء. # 5- # إن فقد الأوراق الأولى من المخطوط حرمنا كما يبدو من اسم المؤلف. # ولكن دراسة أسلوب الكتاب ومصادره تدل على أنه كتب في أواسط القرن الثالث ~~الهجري. فهو في الأساس كتاب أخبار يعنى بإيراد الأسانيد ويلتفت إلى اختلاف ~~الروايات. ومع أنه يراعي تسلسل النسب في إطاره إلا أنه لم يحافظ بدقة على ~~خط كتب الأنساب، إذ إنه لا يعنى إلا بالابن الأكبر. # كما أن الاهتمام الخاص بالإسناد يبين الأثر الواضح لمدرسة أهل الحديث في ~~الأسلوب. # وتتنوع مصادر معلومات الكتاب حسب طبيعة الموضوع، وتدل على جهد واسع في ~~جمع الروايات. فقد أخذ المؤلف جل معلوماته عن الدعوة من روايات شفوية [1] ، ~~وأخذ من مؤرخين سابقين ومعاصرين، وانفرد بإيراد وثائق ومعلومات هامة. # أخذ مؤلف «الأخبار» عن مؤلفين معروفين سبقوه- من إخباريين، مثل أبي مخنف ~~(ت، 157 ه/ 774 م) ، وعوانة بن الحكم (ت، 147 ه/ PageV01P013 # 819 م) ، والهيثم بن عدي (ت، 206- 7 ه/ 821- 2 م) ، والمدائني (ت، 235 ه/ ~~850 م) ، وعن مؤرخين كالواقدي (ت، 207 ه/ 823 م) ونسابين مثل هشام بن محمد ~~بن السائب الكلبي (ت، 204- 206 ه/ 819- 821 م) ، ومصعب الزبيري (ت، 235 ه/ ~~850 م) وغيرهم مثل محمد بن سلام (ت، 231 ه/ 845 م) . واتصل بمعاصرين وأخذ ~~عنهم مثل محمد بن شبة (ت، 262 ه/ 875 م) والعباس بن محمد الدوري (ت، 271 ه/ ~~881 م) ، والمبرد (ت، 285 ه/ 898 م) ، ومحمد بن يحيى بن جابر البلاذري (ت، ~~279 ه/ 293 ms005 م) . وقد أخذ روايات المعاصرين بأسانيدها، وخير مثل لذلك ما ~~رواه عن البلاذري فهو يعطي رواياته بإسناد متصل، ولذا تختلف سلسلة الإسناد ~~أحيانا عما جاء في كتاب أنساب الأشراف للبلاذري [1] ، أو يعطي إسنادا حين ~~لا يوجد إسناد في رواية أنساب الأشراف [2] ، أو يورد نصا يختلف لحد ما عن ~~النص الوارد في أنساب الأشراف [3] مما يدل على أنه روى عنه مباشرة. # وانفرد المؤلف بمعلومات عن بداية الدعوة (حتى سنة 100 ه) ، وعن بعض ~~أحداثها وأسرارها، كما أورد قوائم مفصلة بأسماء النقباء والدعاة في خراسان ~~ومراتبهم وتنظيماتهم. ويبدو أنه أخذها من الحلقات الداخلية لرجال الدعوة، ~~إذا استقى الكثير منها من رؤساء الدعوة ومن الدعاة البارزين فيها، مثل سالم ~~الأعمى عن ميسرة النبال [4] وبكير بن ماهان، وموسى السراج، PageV01P014 # وأبي مسلم الخراساني، وإبراهيم بن سلمة [1] . والظاهر أن أخباره عن نشاط ~~أبي مسلم في خراسان وعن نشاط المسودة العسكري بقيادة قحطبة وانتصاراتهم، ~~تعتمد على هذه المصادر وعلى أناس متصلين بالحلقة العباسية مثل أبي إسحاق بن ~~الفضل الهاشمي [2] ، كما أخذ بعض معلوماته عن أفراد من الأسرة العباسية مثل ~~عيسى بن عبد الله وعيسى بن موسى وعيسى بن علي وإبراهيم بن المهدي والرشيد ~~[3] . # وأعطى المؤلف صورة داخلية لطبيعة الدعوة وأحاديثها، وكشف عن جذور الغلو ~~فيها، مما لا يناسب العباسيين بعد مجيئهم للحكم، وهذا يجعل بعض محتويات ~~الكتاب أقرب إلى الوثيقة السرية منها إلى كتاب للجمهور. # وكل هذا يشير إلى صلة خاصة للمؤلف بالعباسيين وبأتباعهم، وهو أمر يذكرنا ~~بما جاء في مقدمة القسم الثاني من «تاريخ الخلفاء» ، حيث يوضح المؤلف صلة ~~الولاء التي تربطه بالعباسيين، وهي خير صلة للاطلاع على الروايات والأخبار ~~العباسية المباشرة. # 6- # إن مصادر كتابنا هذا، تجعلنا نحدد زمن تأليفه بأواسط القرن الثالث ~~الهجري. وحين ننظر إلى من كتب عن الدولة العباسية في هذا القرن [4] ، فإننا ~~نميل إلى نسبة الكتاب إلى محمد بن صالح بن مهران «ابن النطاح» (ت، 252 ه/ ~~868 م) [5] . ومع أن الإشارات إلى ابن النطاح تجعله أول من صنف كتابا في ~~PageV01P015 # أخبار ms006 الدولة [1] ، فإن هذا فيه نظر إذا تذكرنا كتاب الدولة للمدائني [2] ~~وكتاب الدولة للحسن بن ميمون النصري، خاصة وإن ابن النديم يذكر أن ابن ~~النطاح روى عن الحسن هذا [3] ، وربما كانت أهمية كتاب ابن النطاح سببا لهذه ~~الإشارات [4] . # ويدفعنا إلى هذا الافتراض عدة أمور. فابن النطاح مولى جعفر بن سليمان ابن ~~علي بن عبد الله بن عباس، وهذا الولاء يجعله على صلة وثيقة بأخبار ~~العباسيين [5] ، ويذكرنا بما جاء في مقدمة القسم الثاني من تاريخ الخلفاء. ~~وكان «ابن النطاح» إخباريا، ناسبا، راوية للسنن» ، وهي عين المؤهلات التي ~~يكشف عنها أسلوب «أخبار العباس وولده» [6] . وكان بين من روى عنهم ابن ~~النطاح الواقدي والمدائني [7] . هذا إلى أن عنوان كتابه هو «أخبار الدولة ~~العباسية» [8] وهو ما نراه عنوان كتابنا هذا. # ومع ذلك يتعذر البت في الموضوع، فنحن لم نجد معلومات عن أحفاد يحيى بن ~~وثاب لنرى إن كان لابن النطاح صلة نسب به. كما أننا لا نجد إشارة ~~PageV01P016 # إلى هذا الكتاب في المؤلفات التالية، مع أننا نرى بعض الشبه أحيانا. فابن ~~أبي الحديد يورد معلومات تماثل ما أورده كتابنا دون أن يذكر مصدره [1] . # والذهبي يورد نص عبارة كتابنا عن صلة أبي هاشم بمحمد بن علي [2] . وقد ~~عثرنا على إشارتين في التواريخ لابن النطاح. فالطبري روى عنه رواية أسطورية ~~عن بناء بغداد [3] . والأزدي ينسب إليه رواية عن أصل أبي مسلم [4] ولكنها ~~لا ترد في كتابنا. أما الأخبار الكثيرة الواردة في الأغاني برواية ابن ~~النطاح [5] فهي أدبية ولا تتصل بموضوع الكتاب هذا، ومع ذلك فإن أبا الفرج ~~الأصفهاني لا يشير إلى أي من مؤلفات ابن النطاح [6] ، ولعل ابن النطاح روى ~~أخبارا كثيرة خارج نطاق هذه المؤلفات. # 7- # إن ميول المؤلف عباسية واضحة، ولكن الكتاب لا يمثل النظرة العباسية في ~~فترة كتابته، بل يعطي النظرة العباسية في الفترة الأولى لدولتهم وخاصة ما ~~قبل أيام المهدي. وربما كان هذا سبب إغفال الحديث عن خداش الداعية العباسي ~~الذي يمثل خط الغلو في خراسان، والتوسع في أخبار تنكر محمد بن علي العباسي ms007 ~~له بعد مقتله وجهوده في معالجة إثارة المربكة في خراسان. # وقد يقال إن المؤلف أشار إلى التغيير الذي أحدثه المهدي وهو نسبة الإمامة ~~العباسية إلى العباس بن عبد المطلب والتخلي عن نسبتها إلى العهد من أبي ~~هاشم كما كان الحال قبله، ولكنها إشارة عابرة. كما أن المؤلف نسب للعباس ~~التبكير في PageV01P017 # اعتناق الإسلام، فاعتبر البداية في بيعة العقبة، وظهور إسلامه بعد بدر ~~[1] ، ولكنه- كما يبدو من المختصر- لا يورد من الحجج التي عرضت زمن المنصور ~~والمهدي في تأكيد أفضلية العباس وجدارته للإمامة إلا إشارة عابرة إلى أنه ~~عم النبي وصنو أبيه [2] . إننا نرى التأكيد في الكتاب على عبد الله بن ~~العباس، وعلى تبشيره بانتقال الملك لأولاده، إلا أن الصورة القوية له هي في ~~ظهوره بمظهر ممثل الهاشميين، يؤكد حقهم في الإمامة، ويعرض هذا الحق بجرأة ~~واندفاع، في محاورات طويلة مع الأمويين من جهة ومع الزبيريين من جهة أخرى. ~~وهذه النبرة الهاشمية (مقابل العباسية فيما بعد) تظهر في قول ينسب للرسول ~~في جماعة آل البيت وبحضور العباس يتنبأ فيه بانتقال الملك إلى العباسيين ~~ويوصي «اتقوا الله في عترتي أهل بيتي» [3] . # 8- # نخلص مما مر إلى أن عنوان الكتاب الذي ننشره هو «أخبار الدولة العباسية» ~~، وإن كلمة «دولة» هنا تعني «دعوة» أو «دور» . وينتسب المؤلف إلى العباسيين ~~بالولاء وهذا مكنه من الاطلاع على أخبار الدعوة العباسية وأسرارها من ~~رجالات الدعوة ومن بعض العباسيين، فانفرد بمعلومات ووثائق هامة. وقد كتب ~~الكتاب في أواسط القرن الثالث الهجري، في عصر ظهور المؤرخين الكبار وتوفر ~~روايات وأخبار تاريخية واسعة، مما مكن المؤلف من التوسع في أخبار الدعوة. ~~ومع أنه كتاب «أخبار» إلا أنه وضع في إطار النسب، واعتنى بالإسناد نتيجة ~~توسع أثر مدرسة الحديث. # وقد اقتصر الكتاب على أخبار الدعوة العباسية، وعرض وجهة العباسيين أثناء ~~الدعوة والفترة العباسية الأولى، وانتهى قبيل قيام الدولة العباسية. ثم ~~PageV01P018 # إن أسلوب الكتاب وفترة تأليفه وطبيعة أخباره من جهة، وما لدينا من ~~معلومات عن محمد بن صالح بن مهران «ابن النطاح» من جهة أخرى، ms008 تجعلنا نميل ~~إلى أن الكتاب لابن النطاح. # 9- # ولقد هدفنا إلى ضبط نص الكتاب، ولكن الاعتماد على مخطوط واحد يجعل ~~التحقيق غاية في الصعوبة، خاصة حين يكون الناسخ ضعيفا كما هو حال ناسخ ~~مخطوطنا. لذا رجعنا إلى تاريخ الخلفاء، إذ إن القسم الثاني منه بمثابة نص ~~ثان لبعض أقسام «أخبار العباس وولده» ، ومع ذلك يبقى القسم الأكبر من النص ~~معتمدا على مخطوطنا وحده. وهذا الوضع تطلب الرجوع إلى المصادر الأولية بحثا ~~عن الروايات والأخبار والأشعار الواردة فيها والتي جاءت في هذا الكتاب ~~لتقويم النص أو للتنبيه إلى الاختلاف في نص رواية جاءت في الحالين عن نفس ~~الراوي. إلا أننا في الوقت ذاته لم نرد أن نثقل الكتاب بالإضافات الكثيرة ~~واكتفينا، في بعض الأحيان، بالإشارة إلى الروايات في مظانها دون إيراد ~~النصوص. # إن «أخبار العباس وولده» يمثل جهدا مبكرا وأصيلا في جمع الروايات ~~والأخبار عن الدعوة العباسية كما يتبين من المصادر الواسعة لمعلوماته. ثم ~~إن عنايته بالإسناد، وقيمة مصادره، وغنى معلوماته وخطورتها، تضعه في منزلة ~~خاصة بين مؤرخي الدعوة العباسية إضافة إلى أنه أوسع مصدر عنها. # ويسرنا هنا أن نعرب عن شكرنا للأستاذ الدكتور إحسان عباس على ملاحظاته ~~القيمة في التحقيق، وللأستاذ الدكتور إبراهيم السامرائي على ملاحظات مفيدة ~~في تدقيق بعض الكلمات. # PageV01P019 # لقد استعملنا رموزا قليلة وهي: # ن. م. نفس المصدر. # كتاب التاريخ تاريخ الخلفاء، باعتناء غريازنيويج، موسكو 1967 الأخبار ~~أخبار العباس وولده. # ما بين قوسين كهذه للإضافات التي يتطلبها سياق الخبر. # ما بين قوسين كهذه [] للإضافات من مصدر آخر يروي نفس الخبر. # هذا ووضعنا أرقام صفحات المخطوط بين قوسين [] لتيسير الرجوع إليها. # عبد العزيز الدوري الجامعة الأردنية، حزيران 1970 # PageV01P020 ### | موت العباس بن عبد المطلب [1] رضي الله عنه # [3 ب] قال: دخل عثمان على العباس في مرضه الذي مات فيه فقال: # أوصني بما ينفعني به، وزودني، فقال: الزم ثلاث خصال [2] تصب بها ثلاث ~~عوام، فالخواص: ترك مصانعة الناس في الحق، وسلامة القلب، وحفظ اللسان، تصب ~~بها سرور الرعية، وسلامة الدين، ورضى الرب. ms009 # محمد بن عمر [3] قال: حدثنا يحيى بن العلاء عن عبد المجيد بن سهيل، عن ~~نملة بن أبي نملة عن أبيه قال: لما مات العباس بن عبد المطلب بعثت بنو هاشم ~~مؤذنا يؤذن أهل العوالي: رحم الله من شهد العباس، قال: # فحشد الناس ونزلوا من العوالي. # محمد [4] بن عمر قال: حدثني ابن أبي سبرة عن سعيد بن عبد الرحمن بن دويس ~~[5] عن عبد الرحمن بن يزيد بن حارثة، قال: جاءنا مؤذن يؤذننا [6] بموت ~~PageV01P021 # العباس بن عبد المطلب بقباء [1] على حمار، ثم جاءنا آخر على حمار، فقلت: # من الأول؟ فقال: مولى لبني هاشم، والثاني رسول عثمان بن عفان، فاستقرى ~~[2] قرى الأنصار قرية قرية حتى انتهى إلى السافلة [3] . فقلت وأتينا [4] ~~بني حارثة وما والاها، فحشد الناس فما غادرنا [5] النساء، فلما أتي به إلى ~~موضع الجنائز تضايق، فتقدموا [6] إلى البقيع، فقلت [7] ليتقدموا، فصلينا ~~عليه بالبقيع، وما رأيت مثل ذلك [[4] أ] الخروج على أحد من الناس قط وما ~~يستطيع أحد من الناس [أن] [8] يدنو إلى سريره وغلب عليه بنو هاشم، فلما ~~انتهوا إلى اللحد ازدحموا عليه، فأرى عثمان اعتزل، وبعث الشرط يضربون الناس ~~عن بني هاشم، حتى خلص بنو هاشم، وكانوا هم الذين نزلوا في حفرته ودلوه في ~~اللحد، ولقد رأيت على سريره برد حبرة قد تقطع من زحامهم. # محمد بن [9] عمر قال: حدثتني عبيدة بنت نائل [10] عن عائشة بنت سعد قالت: ~~جاءنا رسول عثمان ونحن بقصرنا على عشرة أميال من المدينة، PageV01P022 # أن العباس قد توفي، فنزل أبي ونزل سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، ونزل أبو ~~هريرة من الشجرة [1] ، قالت [2] عائشة: فجاءنا أبي بعد ذلك بيوم فقال: ما ~~قدرنا أن ندنو من سريره من كثرة الناس، غلبنا عليه، لقد كنت أحب حمله. # محمد بن [3] عمر قال: حدثني يعقوب بن محمد عن عبد الرحمن بن عبد الله بن ~~أبي صعصعة عن الحارث بن عبد الله بن كعب عن أم عمارة قالت: حضرنا- نساء ~~الأنصار- طرا جنازة العباس، وكنا أول من بكى عليه، ومعنا المهاجرات الأول ~~والمبايعات. ms010 # محمد [4] بن عمر قال: حدثنا ابن أبي سبرة عن عباس بن عبد الله بن معبد ~~[5] قال: لما مات العباس أرسل إليهم عثمان: إن رأيتم أحضر غسله فعلتم، ~~فأذنوا له فحضر، [4 ب] وكان جالسا ناحية من البيت، وغسله علي بن أبي طالب ~~وعبد الله وعبيد الله وقثم بنو العباس، وحدت [6] نساء بني هاشم سنة. # محمد بن عمر قال [7] : حدثني ابن أبي سبرة عن عبد المجيد بن سهيل عن ~~PageV01P023 # عيسى بن طلحة قال: رأيت عثمان يكبر على العباس بالبقيع، وما يقدر من لغط ~~[1] الناس، ولقد بلغ الناس الحشان [2] ، وما تخلف أحد من الرجال والنساء ~~والصبيان. # محمد بن [3] عمر قال: أخبرنا خالد بن القاسم البياضي، قال: أخبرني شعبة ~~مولى ابن عباس، [قال: سمعت ابن عباس] [4] يقول: كان العباس معتدل القامة ~~[5] وكان يخبرنا عن عبد المطلب أنه مات وهو أعدل قناة منه [6] . # وتوفي العباس يوم الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من رجب سنة اثنتين وثلاثين ~~في خلافة عثمان بن عفان وهو ابن ثمان وثمانين سنة ودفن بالبقيع في مقبرة ~~بني هاشم، رضي الله عنه [7] . PageV01P024 ### | أخبار عبد الله بن العباس [1] ودعاء النبي صلى الله عليه وسلم له # كان عبد الله يكنى أبا العباس. ولد في الشعب [2] قبل خروج بني هاشم منه، ~~وذلك قبل الهجرة بثلاث سنين [3] ، وتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ~~وعبد الله بن العباس ابن ثلاث عشرة سنة [4] . # سفيان بن عيينة [5 أ] عن عبد الله بن يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: أنا ~~ممن قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم في ضعفة أهله مع الثقل من مزدلفة إلى ~~منى [5] . ودعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اللهم أعطه الحكمة، ~~وعلمه التأويل، ورأى جبريل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: عسى ألا ~~تموت حتى تؤتى علما ويذهب بصرك [6] . وكان عمر يأذن له مع المهاجرين ويسأله ~~ويقول: غص غواص، PageV01P025 # وكان [1] إذا رآه مقبلا قال: أتاكم فتى الكهول، له لسان سئول، وقلب عقول. # أبو صالح عن ابن عباس قال: ms011 دعاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح رأسي ~~من مقدمه حتى انتهى إلى قدمي، ثم مسح ذؤابتي حتى انتهى إلى عقبي، ودعا لي ~~بالإيمان والحكمة فقال: اللهم إني أعيذه بك وذريته من الشيطان الرجيم [2] ، ~~فقال المسور بن مخرمة الزهري [3] في تصديق ذلك: # أدنى النبي ابن عباس وقال له ... قولا فقدس فيه الأهل والولد # والعلم والسلم كانا رأس دعوته ... ما مثل هذا بما يرجى له أحد # وقبلها دعوة كانت مباركة ... ثم الظهور بما فيهم وما ولدوا # كم دعوة سبقت فيهم مباركة ... فيها افتخار وفيها يكثر العدد # [5 ب] سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة قال: حدثنا عبد الله ابن عثمان بن ~~خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كنت في بيت خالتي ميمونة [4] فوضعت ~~لرسول الله صلى الله عليه وسلم طهورا فقال: من وضع هذا؟ # قالت ميمونة: عبد الله، قال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل [5] . ~~PageV01P026 # إسماعيل بن أبي أويس عن أخيه أبي بكر بن أبي أويس عن سليمان ابن بلال عن ~~عمرو بن أبي عمرو عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله عن عكرمة: أن النبي صلى ~~الله عليه وسلم قال: اللهم أعط ابن عباس الحكمة وعلمه التأويل. ساعدة بن ~~عبيد الله عن عكرمة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اللهم أعط ابن عباس ~~الحكمة وعلمه التأويل. ساعدة بن عبيد الله عن داود بن عطاء عن زيد بن أسلم ~~عن ابن عمر قال: دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن العباس: ~~اللهم بارك فيه وانشر منه. ساعدة بن عبيد الله المزني عن داود بن عطاء عن ~~موسى بن عبيدة الزيدي عن محمد بن عمرو بن عطاء العامري، من أنفسهم: إن رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم رأى ابن عباس يوما مقبلا فقال: اللهم إني أحب عبد ~~الله بن عباس فأحبه. ### || ومن أخبار عبد الله مع النبي صلى الله عليه وسلم # [6 أ] أبو ضمرة أنس بن عياض الليثي عن أبي طلحة ms012 عن عمر بن عبد الله مولى ~~غفرة: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أردف عبد الله PageV01P027 # ابن عباس فقال: يا غلام! ألا أعلمك كلمات ينفعك الله بهن؟ قال: # بلى يا رسول الله صلى الله عليك بأبي أنت وأمي، قال: احفظ الله تجده ~~أمامك، اذكر الله في الرخاء يذكرك في الشدة، إذا سألت فسل الله، وإذا ~~استعنت فاستعن بالله، جف القلم [1] بما هو كائن، فلو جهد الخلق على أن ~~ينفعوك بشيء لم يكتبه الله لك لم يقدروا عليه، ولو جهدوا على أن يضروك بشيء ~~لم يكتبه عليك لم يقدروا عليه، فعليك بالصدق في اليقين، وإن في الصبر على ~~ما تكره خيرا كثيرا، واعلم أن النصر مع الصبر وأن الفرج مع الكرب وأن مع ~~العسر يسرا [2] . ### || علم عبد الله # قال: كان يقال لعبد الله بن العباس حبر هذه الأمة لسعة علمه، وقد كان [3] ~~في صغره لزم عليا، وكان [4] يزقه العلم زقا. وقيل من أراد العلم والجود ~~والجمال فليأت دار العباس بن عبد المطلب يجد ذلك كله [5] . PageV01P028 # أبو أسامة عن زائدة عن سماك عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهم: ~~أنه كان يسمعهم يقولون: يكون في هذه الأمة اثنا عشر خليفة، قال ما أحمقكم! ~~إن بعد [6 ب] الاثني عشر ثلاثة منا: السفاح والمنصور والمهدي يسلمها إلى ~~الدجال [1] . قال أبو أسامة: وتأويل هذا عندي ولد المهدي يسلمونها إلى ~~الدجال. # أبو حامد المستملي قال: حدثنا أبو هشام محمد بن يزيد الرفاعي قال: # حدثنا يحيى ابن آدم، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن ~~عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: ما رأيت أعلم بالسنة، ولا أجلد رأيا، ~~ولا أثقب نظرا حين ينظر، من ابن عباس رضي الله عنهما، إن كان عمر ابن ~~الخطاب ليقول: قد طرأت علينا عضل [2] أقضية أنت لها ولأمثالها. # العنزي قال: حدثني علي بن إسماعيل قال: أخبرنا عمي إبراهيم ابن محمد قال: ~~حدثني شداد الحارثي قال: حدثني عبيد الله بن الحر العنبري عن ms013 أبي عرابة [3] ~~الهجيمي قال: كان ابن عباس يفطر الناس في شهر رمضان بالبصرة، فكان [4] لا ~~ينقلبون في كل ليلة أن يسمعوا فائدة في دين أو دنيا، فكانوا إذا فرغوا من ~~العشاء تكلم فأقل وأوجز، فقال لهم ليلة: ملاك PageV01P029 # أمركم الدين، وزينكم العلم، وحصون [1] أعراضكم الأدب، وعزكم الحلم، ~~وصلتكم الوفاء، وطولكم في الدنيا والآخرة المعروف، فاتقوا الله يجعل لكم من ~~أمركم يسرا. فقال رجل من القوم: يا أبا العباس من أشعر الناس؟ فإنا قد [7 ~~أ] تمارينا في ذلك منذ اليوم فكان [2] كل قوم يقول: شاعرنا، وأقبل عبد الله ~~على أبي الأسود [3] ، فقال: يا أبا الأسود من أشعر الناس؟ فقال أبو الأسود: ~~الذي يقول: # ولقد أغتدي يدافع ركني ... أجولي [4] ذو ميعة إضريج # مخلط مزيل معن مفن [5] ... منفح مطرح سبوح خروج [6] # سلهب شرجب كأن رماحا ... حملته وفي السراة دموج # تتعادى به قوائم لأم ... وحوام صم الحوافر عوج # مقبلات في الجري أو مدبرات ... بهوى طائع بهن يهيج # هذا الشعر لأبي داود الإيادي، وكان أبو الأسود يفضله. فقال ابن عباس: # إن شعراءكم قد قالوا فبلغ كل رجل منهم بعض ما أراد، ولو كانت لهم غاية ~~يستبقون إليها يجمعهم فيها طريق واحد، لعلمنا أيهم أسبق إلى تلك ~~PageV01P030 # الغاية، فإن يك قال، ولم [1] يقل عن رغبة ولا رهبة، فامرؤ القيس بن حجر. # العنزي قال: حدثنا علي بن سليمان النوفلي قال: حدثني أبي عن عبد الرحمن ~~بن أبي عبد الله ختن الفضل بن يسار أبي جعفر الأعرج القارئ قال: # حدثني أبو حسنة عن الحكم الأعرج وهو [7 ب] عمه قال: رأيت ابن عباس مدليا ~~رجليه في حوض زمزم فأتاه رجل فقال: يا ابن عباس إني رجل أصيب الصيد فأصمي ~~وأنمي، قال: كل ما أصميت ودع ما أنميت، يعني كل ما أقعصته وأنت تراه، وإذا ~~تحامل عنك برميته فمات وقد غاب عن عينيك فلا تأكل وهو الإنماء. وأنشد ابن ~~عباس: # ورأت معد حولها أسدا ... غير ان قد يصمي ولا ينمي [2] # قال: ثم أتاه رجل آخر فقال: يا بن ms014 عباس خبرنا عن يوم عاشوراء، قال: هو ~~اليوم التاسع من قبل إظماء الإبل يسمون يوم التاسع العشر. # العنزي قال: حدثنا الرياشي قال: دخل عبد الله بن صفوان الجمحي على عبد ~~الله بن الزبير فقال، أنت والله كما قال الشاعر [3] : # فإن تصبك من الأيام جائحة ... لا نبك منك على دنيا ولا دين PageV01P031 # فقال: وما ذاك ويحك؟ # قال: هذان ابنا عباس: أحدهما يفتي الناس في دينهم، والآخر يطعم الناس، ~~فماذا بقيا لك. فأرسل إليهما ابن الزبير فقال: إنكما [1] تريدان أن ترفعا ~~راية قد وضعها الله، ففرقا عنكما مراق العراق. فأرسل إليه عبد الله بن عباس ~~فقال: ويلك أي الرجلين [8 أ] نطرد عنا: # أطالب علم أم طالب دنيا؟ فبلغ الخبر أبا الطفيل [2] فقال أبياته [3] . # أخبرنا علي بن إبراهيم بن هاشم القمي عن أبيه عن الزبيري بإسناد له يرفعه ~~قال: بينا عمر جالس في جماعة من أصحابه، فتذاكروا الشعر، فقال: من أشعر ~~الناس؟ فاختلفوا، فدخل عبد الله بن عباس، فقال عمر: # قد جاءكم ابن بجدتها، وأعلم الناس. من أشعر الناس يا ابن عباس؟ قال: # زهير بن أبي سلمى المزني. قال: أنشدني من شعره، فأنشده: # لو كان يقعد فوق الشمس من كرم ... قوم بأحسابهم أو مجدهم قعدوا # قوم أبوهم سنان حين ينسبهم ... طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا [4] # فقال عمر: قاتله الله يا بن عباس، لقد قال كلاما حسنا ما كان ينبغي أن ~~يكون هذا الكلام إلا في أهل هذا البيت لقرابتهم من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم. فقال له ابن عباس: وفقك الله يا أمير المؤمنين فلم تزل موفقا. ~~PageV01P032 # فقال: يا ابن عباس أتدري ما منع الناس منكم؟ قال: ما أدري، قال: # كرهت قريش أن يولوكم هذا الأمر فتجخفون [1] على الناس جحفا، فنظرت قريش ~~لأنفسها فاختارت فوفقت فأصابت إن شاء الله. # فقال: يميط أمير المؤمنين عني الغضب ويسمع كلامي، فقال هات. # قال: أما قولك إن قريشا [8 ب] كرهت، فإن الله يقول: كرهوا ما أنزل الله ~~فأحبط أعمالهم 47: 9 [2] ، وأما قولك: إنها ms015 نظرت فاختارت، فإن الله نظر ~~فاختار من خير خلقه، فإن كانت قريش نظرت من حيث نظر الله فقد أصابت. قال: ~~فقال عمر: أبت قلوبكم يا بني هاشم [3] لنا إلا غشا لا يزول، وحقدا لا يحول. ~~قال: مهلا يا أمير المؤمنين، لا تنسب قلوب بني هاشم إلى الغش، فإن قلوب بني ~~هاشم من قلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، قوم أذهب الله عنهم الرجس ~~وطهرهم تطهيرا، وأما قولك: حقدا لا يحول، فكيف لا يحقد من غصب شيئه، ورآه ~~في يد غيره. قال: فقال: يا بن عباس اخرج عني، فلما خرج ناداه فقال له: # أما إني على ما كان منك لحقك لراع، فقال له: إن [4] لي عليك وعلى كل مؤمن ~~حقا، فمن عرفه فقد أصاب ومن لم يعرفه فحظه أخطأ. فقال عمر: لله در ابن ~~عباس، والله ما رأيته لاحى رجلا قط إلا خصمه [5] . PageV01P033 # قال: قال مجاهد: كان عبد الله بن عباس أمد الناس قامة وأعظمهم جفنة ~~وأوسعهم علما. # مفضل بن غسان عن أبيه عن رجل من بني تميم عن عبيد الله بن الحسن عن ~~المؤمل عن أبيه [1] قال: كان ابن عباس مثجا يتحدر غربا [2] ، وكان [9 أ] ~~أمير البصرة يعشي الناس في شهر رمضان، فلا ينقضي الشهر حتى يفقههم، وكان ~~إذا كانت [3] آخر ليلة من شهر رمضان يعظهم ويتكلم بكلام يردعهم ويقول: ملاك ~~أمركم الدين، وصلتكم الوفاء، وزينتكم العلم، وسلامتكم الحلم، وطولكم ~~المعروف، إن الله كلفكم الوسع فاتقوا [4] الله ما استطعتم. قال: فقام ~~أعرابي، فقال من أشعر الناس [5] أيها الأمير؟ قال: أفي أثر العظة؟ قل يا ~~أبا الأسود. قال: فقال أبو الأسود الدؤلي: أشعر الناس الذي يقول: # فإنك كالليل الذي هو مدركي ... وإن خلت أن المنتأى عنك واسع # قال: نابغة بني ذبيان. # قال: كان عبد الله بن عباس إذا أقبل قلت من أجمل الناس، وإذا PageV01P034 # تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس [1] . # قال أبو عبيدة: أتى [2] عمر بن أبي ربيعة لعبد الله بن عباس وهو في ms016 ~~المسجد فقال [3] : أمتع الله بك، إني قلت شعرا، فأحببت أن تعرفه لتشير علي ~~فيه، قال: أنشدني، فأنشده: # تشط غدا دار جيراننا # فقال ابن عباس: # وللدار بعد غد أبعد # فقال عمر: أسمعت أصلحك الله هذا الشعر من أحد؟ قال: لا ولكن كذا ينبغي أن ~~يكون [4] . قال: فإني كذا قلت، قال: فأنشدني، فأنشده حتى مر في الكلمة [5] ~~[9 ب] كلها، قال: أنت شاعر إذا شئت فقل. # وقال ابن عباس يوما: هل أحدث المغيري [6] شيئا؟ فجاءه حتى أنشده: # أمن آل نعم أنت غاد فمبكر # حتى بلغ قوله: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخصر # فقال له: أحسنت! أحسنت! فلما انصرف عمر، قال رجل من جلساء PageV01P035 # ابن عباس: أي إحسان هاهنا: # رأت رجلا أما إذا الشمس عارضت ... فيضحى وأما بالعشي فيخسر # فقال ابن عباس: أو هكذا قال؟ إنما قال فيخصر، فقد أحسن الوصف، ثم مر ابن ~~عباس في الكلمة إلى آخرها، وهي سبعون بيتا، ويقال: # مر من أولها إلى آخرها ثم [1] قلبها، حفظا لها في مجلس واحد. ### || خبر عبد الله بن عباس يوم الحكمين # قال، لما جعل أبو موسى وعمرو بن العاص حكمين، وأرادوا المسير إلى دومة ~~[2] الجندل، لقي عبد الله بن عباس أبا موسى، فقال: يا أبا موسى إن الناس ~~[3] لم يرضوا بك [4] لفضل لا تشارك فيه، ما أكثر أشباهك المقدمين قبلك من ~~المهاجرين والأنصار غير أن أهل الكوفة [10 أ] أبوا أن يرضوا [5] ، وايم ~~الله إني لأخاله [6] شرا لنا ولهم [7] ، إنك قد رميت [8] بداهية العرب ومن ~~حارب الله ورسوله، وليست في علي خصلة تحرم عليه الخلافة، وليست PageV01P036 # في معاوية خصلة تحل بها له الخلافة [1] . فإن تقذف بحقك على باطلة تدرك ~~حاجتك فيه [2] ، وإن تطمع [3] باطله في حقك يدرك حاجته فيك [4] . إذا أنت ~~لقيت عمرا فأعلمه أن معاوية طليق الإسلام، وأن أباه لعين رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وأنه ادعى الخلافة على غير مشورة [5] ، فإن صدقك، فعجل ~~خلعه، وإن كذبك فقد حرم عليك كلامه، فإن زعم أن عمر وعثمان ms017 استعملاه فقد ~~صدق. استعمله عمر، وعمر [6] الوالي عليه بمنزلة الطبيب من المريض يحميه ما ~~يشتهي، ويوجره [7] ما يكره، واستعمله عثمان برأي عمر وما أكثر من استعملا ~~لم يدعوا [8] ما ادعى معاوية، واعلم أن كل شيء يسرك من عمرو فينا فلما [9] ~~يسوءك أكثر، ومهما نسيت من شيء فلا تنسين [10] أن الذين بايعوا عليا هم ~~الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بويعوا عليه [11] . # وقال: قال ابن عباس لعلي رحمة الله عليهما ورضي عنهما: اجعلني السفير ~~بينك وبين معاوية في الحكمين، فو الله لأفتلن حبلا لا ينقطع وسطه، ولا ينبت ~~طرفاه. قال علي: لست من كيدك وكيد [10 ب] معاوية في شيء، والله لا أعطيه ~~إلا السيف حتى يدخل في الحق. قال ابن عباس: PageV01P037 # هو والله لا يعطيك إلا السيف حتى يغلب بباطله حقك. قال علي: وكيف ذلك؟ ~~قال: لأنك اليوم تطاع وتعصى غدا، وإنه يطاع فلا يعصى. فلما انتشر على [1] ~~علي أصحابه، وابن عباس بالبصرة، قال: لله در ابن عباس إنه لينظر إلى الغيب ~~من ستر رقيق. الجهني قال، شهدت الحكمين بدومة الجندل، وقد اعتزلت الفتنة في ~~ناس من القراء، فقال لي أصحابي: لو أتيت هذين الرجلين، فخبرت ما قبلهما، ~~ولمن يبايعان، وعلى من يجتمعان [2] ، وذلك بعد ما طال مقامهما، لا يعلم أحد ~~ما يريدان [3] ، وإلى من يدعوان [4] . فأتيت أبا موسى فوجدته على بغلة ~~بسرج، ووجدته شيخا خلقا عليه ثياب خلقان، فقلت له: صحبت رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، وكنت من صالحي أصحابه، وقد قاربت الآخرة فما بينك وبين الجنة ~~إلا كلمة محقة أو مبطلة، فانظر أين أنت غدا من الله. قال: أما إني سأدعو ~~إلى رجل لا يختلف فيه اثنان. فقلت: # أما هذا فقد أبان عما في نفسه، فلقيت عمرا، فقلت له مثل ذلك، فقال: # إليك عني، فلست من أهل المشاورة، والله ما ينفعك الحق ولا يضرك الباطل، ~~فإن الظلف لا يجري [5] مع الخف. فانصرفت وأنا أقول: يا لهذا الحي من قريش، ~~والله لكأنما [11 أ] أقفل على ms018 قلوبهم بأقفال حديد. PageV01P038 ### || خبر عبد الله يوم الخوارج # ويذكر أهل العلم [1] من غير وجه، أن عليا عليه السلام، لما عزم الخوارج ~~بالبيعة لعبد الله بن وهب الراسبي، وجه إليهم عبد الله بن العباس ليناظرهم، ~~فقال لهم: ما الذي نقمتم على أمير المؤمنين؟ قالوا [2] : كان للمؤمنين ~~أميرا، فلما حكم في دين الله، خرج من الإيمان، فليتب بعد إقراره بالكفر نعد ~~له. فقال ابن عباس: لا ينبغي لمؤمن لم يشب إيمانه شك أن يقر على نفسه ~~[بالكفر] [3] ، قالوا: إنه [4] حكم، قال: إن الله [5] أمرنا بالتحكيم في ~~قتل صيد، فقال: يحكم به ذوا عدل منكم 5: 95 [6] ، فكيف في إمامة قد أشكلت ~~على المسلمين؟ فقالوا: إنه [7] حكم عليه فلم يرض، فقال [8] : إن الحكومة ~~كالإمامة، ومتى [فسق الإمام] [9] وجبت معصيته، وكذلك الحكمان لما خالفا ~~نبذت أقاويلهما. فقال بعضهم لبعض: اجعلوا احتجاج قريش حجة عليهم [10] ، فإن ~~هذا من الذين قال الله تبارك وتعالى [فيهم] [11] : PageV01P039 # بل هم قوم خصمون 43: 58 [1] ، وقال جل ثناؤه: وتنذر به قوما لدا 19: 97 ~~[2] . # ثم إن [3] عليا عليه السلام جاء فناظرهم مناظرة [4] ابن عباس إياهم، فكان ~~فيما قال لهم: ألا تعلمون أن هؤلاء القوم لما رفعوا المصاحف قلت لكم هذه ~~مكيدة ووهن، وأنهم [11 ب] لو قصدوا إلى حكم المصاحف لم يأتوني، ثم سألوني ~~التحكيم، أفعلمتم أنه كان منكم أحد أكره لذلك مني؟ قالوا [5] : # نعم، قال: فهل علمتم أنكم استكرهتموني على ذلك حتى أجبتكم إليه، فاشترطت ~~أن حكمهما نافذ ما حكما بحكم الله [6] ، فمتى خالفاه فأنا وأنتم من [7] ذلك ~~براء، وأنتم تعلمون أن حكم الله لا يعدوني، قالوا: اللهم نعم، وفيهم في ذلك ~~[8] ابن الكواء، وهذا من قبل أن يذبحوا عبد الله [9] بن خباب، وإنما ذبحوه ~~في الفرقة الثالثة بكسكر [10] . فقالوا لعلي: حكمت في دين الله برأينا، ~~ونحن مقرون بأنا قد كفرنا، ونحن تائبون، فأقرر بمثل ما أقررنا به وتب ننهض ~~معك إلى الشام، فقال: أما تعلمون أن الله عز وجل قد أمرنا PageV01P040 # بالتحكيم في شقاق بين رجل وامرأته، فقال تعالى: فابعثوا حكما ms019 من أهله ~~وحكما من أهلها 4: 35 [1] ، وفي صيد أصيب [في الحرم] [2] كأرنب تساوي [3] ~~ربع درهم، فقال: يحكم به ذوا عدل منكم 5: 95 [4] . فقالوا: إن عمرا لما أبى ~~عليك أن تقول [5] «هذا كتاب [6] كتبه عبد الله علي أمير المؤمنين» ، محوت ~~اسمك من الخلافة وكتبت: «علي بن أبي طالب» ، فقد خلعت نفسك. # فقال لهم: لي برسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة، حيث أبي عليه سهيل ابن ~~عمرو [7] ، فقال: لو أقررت أنك رسول الله ما خالفتك، ولكني أقدمك لفضلك، ~~فاكتب: محمد بن عبد الله، فقال [12 أ] : يا علي امح رسول الله، فقلت: يا ~~رسول الله لا تسخو نفسي بمحو اسمك من النبوة، قال: فقفني عليه، قال فمحاه ~~بيده، ثم قال: اكتب: محمد بن عبد الله [8] ، ثم تبسم إلي، فقال: يا علي إنك ~~ستسام مثلها فتعطي. فرجع معه منهم ألفان من حروراء [9] ، وقد كانوا تجمعوا ~~بها، فقال لهم: ما نسميكم، ثم قال: # أنتم الحرورية لاجتماعكم بحروراء. PageV01P041 ### || أخبار عبد الله مع معاوية # ابن دأب ومعمر عن إدريس ومحمد بن إسحاق قال: قدم ابن عباس على معاوية ابن ~~أبي سفيان، وكان يلبس أدنى ثيابه ويخفض شأنه، لما كان يعرف من كراهية ~~معاوية لإظهار أمره، وكان معاوية يجفوه، فمكث عنده مقيما ما شاء الله. ثم ~~إن مروان بن الحكم كتب إلى معاوية، يخبره بمرض الحسن ابن علي، وأنه رأى أن ~~به السل [1] ، فكتب إليه معاوية: لا تغبني خبره يوما. # فكان يأتي خبره معاوية كل يوم. فقال رجل من قريش: إني لبالباب في اليوم ~~الذي جاء فيه نعي الحسن بن علي عليه السلام، إذ مر يزيد بن معاوية داخلا ~~على أبيه، فأدخلني، فما مر بباب إلا قالوا: مرحبا بابن أمير المؤمنين، حتى ~~انتهى إلى البيت الذي فيه معاوية، وإذا امرأته بنت قرظة [2] تعطره وتسرح ~~لحيته، فلما رأتنا امرأته [12 ب] ، قالت: وا سوأتاه، أتدخل علينا الرجال؟ # فقال لها: اسكتي، وإلا عزمت على أمير المؤمنين أن يتزوج أربع قرشيات كلهن ~~يأتين بغلام يبايع له بالخلافة. فقال لها ms020 معاوية: اسكتي، فلو عزم علي يزيد ~~لم أجد بدا من إنفاذ عزيمته، فقامت فلم تقدر على النهوض، حتى وضعت يدها على ~~الأرض، ثم ارتفعت، فلما ولت، قال معاوية: # ما كنا لنغيرها. قال يزيد: وما كنت لأعزم عليك، إنما قلت ما قلت لأذعرها. # فإنا كذلك إذ دخل شيخ طوال، كان على الصائفة، فسأله معاوية عن أمر الناس ~~والجند، فبينا نحن كذلك إذ دخل غلام معاوية، فقال: يا أمير PageV01P042 # المؤمنين بشراي، قال: وما ذلك، قال: في هذه الصحيفة ما تحب. قال: # لك بشراك، فدفعها إليه، ولما قرأها خر ساجدا، ثم رفع رأسه، فعرفنا السرور ~~في وجهه، فنعى الحسن بن علي، فبكى الشيخ وانتحب، ووضع يده على ... [1] ~~ينتحب، فقال له الغلام: اسكت أيها الشيخ، فقد شققت على أمير المؤمنين، هل ~~الحسن إلا أحد رجلين: إما منافق أراح الله منه، وإما بر فما عند الله خير ~~للأبرار. # ثم إن معاوية قال لحاجبه: ائذن للناس وأخر اذن ابن عباس. فلما أصبح ودخل ~~عليه الناس أذنوا لابن عباس، فسلم فقال معاوية: يا أبا العباس أما ترى ما ~~[13 أ] حدث بأهلك؟ قال: لا. قال: فإن أبا محمد قد توفي، فأعظم الله أجرك. ~~قال: إنا لله وإنا إليه راجعون، عند الله نحتسب مصيبتنا بالحسن عليه السلام ~~[2] فقد بلغتني سجدتك، وما أظن ذاك إلا لوفاته، أما والله لا يسد جسده ~~حفرتك، ولا يزيد انقضاء أجله في عمرك، ولطالما رزئنا بمن هو أعظم رزءا من ~~الحسن عليه السلام، ثم جبر الله. قال معاوية: كم أتى له؟ قال: شأنه أعظم من ~~أن يجهل مولده. قال: إني أحسبه قد ترك صبيانا صغارا [3] . قال: كلنا كان ~~صغيرا فكبر. قال معاوية: أصبحت سيد أهل بيتك يا أبا العباس. قال: أما ما ~~أبقى الله أبا عبد الله الحسين بن علي عليه السلام فلا [4] . قال: ثم نهض ~~وعيناه تدمع، فلما ولى قال معاوية: لله PageV01P043 # دره، والله ما هيجناه قط إلا وجدناه معدا [1] . فلما رجع ابن عباس إلى ~~رحله، جلس بفنائه، وجاءه الناس يعزونه، وجاءته خيل، ms021 كلما جاءه إنسان نزل ~~ووقف حتى جاءه يزيد بن معاوية، فأوسع له ابن عباس، فأبى أن يجلس إلا بين ~~يديه مجلس المعزي، فذكر الحسن عليه السلام في فضله وسابقته وقرابته، فأحسن ~~ذكره، وترحم عليه، ثم قام فركب، فأتبعه ابن عباس بصره فلما ولى قال: إذا ~~ذهب بنو حرب ذهب حلماء قريش [2] . # ثم إن ابن عباس دخل بعد ذلك بأيام على معاوية [13 ب] ، فقال له معاوية: ~~يا أبا العباس! هل ترى ما حدث في أهلك؟ قال: لا، قال: فإن أسامة بن زيد ~~هلك، ثم خرج. فلما كانت الجمعة، قال ابن عباس: يا غلام أعطني ثيابي، حتى ~~متى أصبر لهذا المنافق ينعى إلي أهل بيتي رجلا رجلا، فلبس ثيابه ثم اعتم ~~وتطيب بطيب كان يعرف به إذا ما وجد ريحه، فلما دخل المسجد قال أهل الشام: ~~ما يشبه هذا إلا الملائكة، من هذا؟ فلما صلى أسند إلى أسطوانة، فلم تبق في ~~المسجد حلقة إلا تقوضت إليه، فلم يسأل عن حلال ولا حرام ولا فقه ولا تفسير ~~قرآن ولا حديث جاهلية ولا إسلام إلا أنبأهم به. فافتقد معاوية يومئذ من كان ~~يدخل عليه، وقال لحاجبه: # أين الناس؟ قال: عند ابن عباس، فأخبره بخبره واجتماع الناس إليه، وانه لو ~~شاء أن يضربه بمائة ألف سيف فعل قبل الليل. فقال: نحن أظلم منه، حبسناه عن ~~أهله، ومنعناه حاجته، ونعينا إليه أحبته، انطلق يا غلام فادعه. فلما ~~PageV01P044 # أتاه الحاجب قال: إنا معشر بني عبد مناف إذا حضرت الصلاة لم نقم حتى تقضى ~~الصلاة، أصلي وآتيه إن شاء الله. فرجع فأخبره، فقال: صدق. # فلما صلى العصر دخل فقال: يا أبا العباس ادخل بيت المال فخذ حاجتك- وإنما ~~أراد أن يعلم الناس من أهل الشام أنه صاحب دنيا- فعرف ابن عباس [14 أ] ما ~~يريد، فقال: ليس ذاك لي ولا لك، فإن أذنت لي أن أعطي كل ذي حق حقه فعلت. ~~فقال: أقسمت عليك لما دخلت بيت المال وأخذت، فدخل فأخذ منه برنس خز، ثم خرج ~~فقال: يا أمير ms022 المؤمنين بقيت لي حاجة قال: وما هي؟ قال: علي عليه السلام، ~~قد عرفت فضله وسابقته وقرابته [1] ، قد كفاكه الموت، أحب ألا يشتم على ~~منابركم، قال: هيهات يا ابن عباس، هذا امر دين، أليس وأ ليس [2] فعل وفعل؟ ~~قال: أنت أعلم. # ثم خرج متوجها إلى المدينة منصرفا. # عبد الله بن زاهر [3] الكوفي عن محمد بن أبي عمير عن عمر بن أذينة عن ~~أبان بن أبي عياش عن سليم بن قيس الهلالي: أن معاوية لما ورد المدينة حاجا، ~~في خلافته استقبله أهل المدينة وهم قريش، فقال: ما فعلت الأنصار؟ فقيل: # إنهم محتاجون، لا دواب لهم. فقال معاوية: فأين نواضحهم؟ فقال قيس ابن سعد ~~بن عبادة: أحربناها [4] يوم بدر وأحد، وما بعدهما من مشاهد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم حين ضربوا أباك على الإسلام حتى ظهر أمر الله وهم كارهون، ~~فسكت معاوية، فقال قيس: أما إن رسول الله صلى PageV01P045 # الله عليه وسلم قد عهد إلينا أنا سنلقى بعده أثرة. فقال معاوية: فما ~~أمركم به؟ قال: أمرنا إن نصبر حتى نلقاه [14 ب] ، قال: فاصبروا حتى تلقوه. # ثم إن معاوية مر بحلق من قريش، فلما رأوه قاموا غير عبد الله بن عباس، ~~فقال: يا ابن عباس ما منعك من القيام كما قام أصحابك، ما ذاك إلا لموجدة، ~~إني قاتلتكم بصفين، فلا تجد من ذلك يا ابن عباس فإن ابن عمي عثمان قتل ~~مظلوما. قال ابن عباس: فعمر بن الخطاب قتل مظلوما، قال: إن عمر قتله كافر. ~~قال ابن عباس: فمن قتل عثمان؟ قال: المسلمون. قال: # فذاك أدحض لحجتك. قال: فإنا كتبنا إلى الأنصار ننهى عن ذكر مناقب علي ~~وأهل بيته، فكف لسانك. قال: أفتنهانا عن قراءة القرآن؟ قال: لا. # قال: أفتنهانا عن تأويله؟ قال: نعم. قال: أفنقرؤه ولا نسأل عما عنى؟ # قال: يسأل عن ذلك من يتأوله على غير ما تتأوله أنت وأهل بيتك. قال: إنما ~~أنزل القرآن على أهل بيتي فكيف أسأل عنه آل أبي سفيان؟ يا معاوية! أتنهانا ~~أن نعبد الله ms023 بالقرآن بما فيه من حلال أو حرام، فإن لم تسأل الأمة عن ذلك ~~حتى تعلم تهلك وتختلف. قال: اقرأوا القرآن وتأولوه ولا ترووا شيئا مما أنزل ~~الله فيكم وارووا ما سوى ذلك. قال: فإن في القرآن: يريدون أن يطفؤا نور ~~الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون 9: 32 [1] . # قال: يا ابن عباس! [15 أ] فاربع على نفسك، وكف عني لسانك، وإن كنت [2] لا ~~بد فاعلا فليكن ذلك سرا لا يسمعه أحد علانية، ثم PageV01P046 # رجع إلى منزله، وبعث إليه بمائة ألف درهم، ونادى منادي معاوية: أن برئت ~~الذمة ممن روى حديثا من مناقب علي وفضل أهل بيته. # دخل ابن عباس على معاوية وعنده جماعة من قريش فيهم عبد الله بن عمر، فلما ~~جلس، قال له معاوية: إنك يا ابن عباس لترمقني شزرا، كأني خالفت الحق أو ~~أتيت منكرا. قال ابن عباس: لا منكر أعظم من ذبحك الإسلام بشفرة الشرك، ~~واغتصابك ما ليس لك بحق اعتداء وظلما. # فقال معاوية: إنما ذبح الإسلام من قتل إمام الأمة، ونقض العهد، وخفر ~~الذمة، وقطع الرحم، ولم يرع الحرمة، وترك الناس حيارى في الظلمة. # قال ابن عباس: كان الإمام من سبق الناس إلى الإسلام طرا، وضرب خيشوم ~~الشرك بسيف الله جهرا، حتى انقاد له جماهير الشرك قهرا، وأدخلك وأباك فيه ~~قسرا، فكان ذلك الإمام حقا، لا من خالف الحق حمقا، ومزق الدين فصار محقا. ~~فقال معاوية: رفقا يا ابن عباس رفقا، فقد أتيت جهلا وخرقا، فو الله ما قلت ~~حقا، ولا تحريت في مقالك صدقا، فمهلا مهلا، لقد كان من [15 ب] ذكرته إماما ~~عادلا، وراعيا فاضلا، يسلك سبيلا مليء حلما وفهما، فوثبتم عليه حسدا، ~~وقتلتموه عدوانا وظلما. قال ابن عباس: # إنه اكتسب بجهده الآثام، وكايد بشكه الإسلام، وخالف السنة والأحكام، وجار ~~على الأنام، وسلط عليهم أولاد الطغام، فأخذه الله أخذ عزيز ذي انتقام. قال ~~معاوية: يا ابن عباس يحملك شدة الغضب على سوء الأدب حتى لتخل في الجواب، ~~وتحيد عن الصواب، ms024 تقعد في مجلسنا، تشتم فيه أسلافنا، وتعيب فيه كبراءنا، ~~وخيار أهلنا، ما ذنب معاوية إن كان علي خانه زمانه، وخذله أعوانه، وأخذوا ~~سلطانه، وقعدوا مكانه، أما معاوية فأعطي الدنيا فأمكنكم من خيرها، وباعدكم ~~من شرها، وكان لكم صفوها وحلوها، ولي كدرها ومرها. قال ابن عباس: ذنب ~~معاوية ركوبه الآثام، واستحلاله # PageV01P047 # الحرام، وقصده لظلم آل خير الأنام، ما رعى معاوية للنبوة حقها، ولا عرف ~~لهاشم فضلها وقوتها، وبنا أكرم الله معاوية فأهاننا، وبنا أعزه الله ~~فأهاننا، ثم ها هو ذا يصول بعزنا، ويسطو بسلطاننا ويأكل فيئنا، ويرتع في ~~ثروتنا [1] ، ثم يمتن علينا في إعلامنا إيانا بأنه لا يعتذر إلى الله [16 ~~أ] من ظلمنا. قال معاوية: يا ابن عباس إن افتخارك علينا بما لا [2] نقر لك ~~به إفك وزور، وتبجحك بما لا نشهد لك به هباء منثور، واتكال أبناء السوء على ~~سيادة الآباء ضعف وغرور، ونحن للورى أنجم وبحور، نفي بالنذور ونصل بالبدور، ~~وبساحتنا رحى السماحة تدور. قال ابن عباس: لئن قلت ذلك يا معاوية لطالما ~~أنكرتم ضوء البدور، وشعاع النور، وسميتم كتاب الله بيننا اسطورا، ومحمدا ~~صلى الله عليه وسلم ساحرا وصنبورا [3] ، ولقول القائل تلقفوها يا بني أمية ~~تلقف الكرة، لا بعث ولا نشور، وتغنموا نسيم هذا الروح فما بعده أوبة ولا ~~كرور [4] ، وكان لعمر الله القطب الذي عليه رحى الضلالة تدور. فغضب معاوية ~~وقال: يا ابن عباس اربع على نفسك ولا تقس يومك بأمسك، هيهات! صرح الحق عن ~~محضه [5] ، وزلق الباطل عن دحضه، أما إذا أبيت فأنا كنت أحق بالأمر من ابن ~~عمك. قال ابن عباس: ولم ذاك، وعلي كان مؤمنا وكنت كافرا، وكان مهاجرا وكنت ~~طليقا. قال: PageV01P048 # لا، ولكني ابن عم عثمان، قال: فإن ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~خير من ابن عم [1] عثمان. قال معاوية: إن عثمان كان خيرا من علي وأطيب. قال ~~ابن عباس [16 ب] : كلا، علي أزكى منه وأطهر، وأعرف في ملكوت السموات وأشهر، ~~أتقرن يا معاوية رجلا غاب عن بدر، ms025 ولم يشهد بيعة الرضوان، وفر يوم التقى ~~الجمعان، ابن مخنث قريش، الذي لم يسل سيفا، ولم يدفع عن نفسه ضيما، إلى ~~قريع العرب وفارسها، وسيف النبوة وحارسها، أكثرها علما، وأقدمها سلما، إذن ~~قسمة ضيزى أبا عبد الرحمن. قال معاوية: إن عثمان قتل مظلوما. قال ابن عباس: # فكان ماذا؟ فهذا إذن أحق بها منك، قتل أبوه قبل عثمان- يعني ابن عمر. # قال معاوية: إن هذا قتله مشرك، وعثمان قتله المؤمنون. قال ابن عباس: # فذاك أضعف لقولك وأدحض لحجتك، ليس من قتله المشركون كمن نحره المؤمنون. ~~فقال معاوية: ترى يا ابن عباس أن تصرف غرب لسانك وحدة نبالك إلى من دفعكم ~~عن سلطان النبوة وألبسكم ثوب المذلة وابتزكم سربال الكرامة، وصيركم تبعا ~~للأذناب بعد ما كنتم عز هامات لسادات، وتدع أمية، فإن خيرها لك حاضر، وشرها ~~عنك غائب. قال ابن عباس: # أما تيم وعدي فقد سلبونا سلطان نبينا صلى الله عليه وسلم، عدوا علينا ~~فظلمونا، وشفوا صدور أعداء النبوة منا، وأما بنو أمية فإنهم شتموا أحياءنا ~~ولعنوا موتانا، وجازوا حقوقنا، واجتمعوا على إخماد [17 أ] ذكرنا، وإطفاء ~~نورنا، فيأبى الله لذكرنا إلا علوا، ولنورنا إلا ضياء، والله للفريقين ~~بالمرصاد. # قال معاوية: ما نرى لكم علينا من فضل، ألسنا فروع دوحة [2] يجمعنا [3] ~~PageV01P049 # عبد مناف. قال ابن عباس: هيهات يا معاوية! حدت عن الصواب، وتركت الجواب، ~~بيننا وبينكم برزخ وحجاب، أنتم الحثالة، ونحن اللباب، ولشتان ما بين العبيد ~~والأرباب! أتجعل أمية كهاشم؟ إن هاشما كان صميما كريما، ولم يكن لئيما ولا ~~زنيما، أول من هشم الثريد وسن الرحلتين، وله يقول القائل [1] : # عمرو الذي هشم الثريد لقومه ... ورجال مكة مسنتون [2] عجاف # سفرين سنهما له ولقومه ... سفر الشتاء ورحلة الأصياف # قال معاوية لابن عباس: كيف رأيت صنع الله [3] بي وبأبي الحسن؟ # فقال ابن عباس: صنعا والله غير مختل [4] ، عجله إلى جنة لن تنالها، وأخرك ~~إلى دنيا كان أزالها [5] . فقال: وإنك لتحكم على الله؟ فقال: الله حكم بذلك ~~على نفسه: ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم ms026 الظالمون 5: 45 [6] . قال: ~~أما والله لو عاش أبو عمرو عثمان حتى يراني لرأى نعم ابن العم، فقال: والله ~~لو عاش لعلم أنك خذلته حين كانت النصرة له، ونصرته حين [17 ب] كانت النصرة ~~لك. قال: وما دخولك بين العصا ولحائها؟ قال: والله ما دخولي بينهما إلا ~~عليهما لا لهما، فدعني مما أكره أدعك من مثله، لأن تحسن فأجازي أحب إلي من ~~أن تسيء فأكافئ، ثم نهض [7] ، فأتبعه بصره وهو يقول: PageV01P050 # حصيد اللسان ذليق الكلام ... غير عيي ولا مسهب # يبذ الجياد بتقريبه ... ويأوي إلى حضر ملهب # أقبل معاوية يوما على بني هاشم فقال: إنكم تريدون أن تستحقوا الخلافة بما ~~استحققتم به النبوة، ولن يجتمعا لأحد، ولعمري إن حجتكم في الخلافة لمشبهة ~~على الناس، إنكم تقولون: نحن أهل نبي الله عليه السلام، فما بال خلافة ~~نبوته في غيرنا، فهذه شبهة لها تمويه، وإنما سميت الشبهة لأنها تشبه مسحة ~~من العدل. وأما الخلافة فقد تنقلت في أحياء قريش برضى العامة وبشورى ~~الخاصة، فلم تقل الناس: ليت بني هاشم، ولو أن بني هاشم ولوا كان خيرا لنا ~~في ديننا ودنيانا، فلا هم اجتمعوا عليكم، ولا هم إذا اجتمعوا على غيركم ~~تمنوكم، ولو زهدتم فيها أمس لم تقاتلوا عليها اليوم. وقد زعمتم أن لكم ملكا ~~هاشميا مهديا قائما، والمهدي [18 أ] عيسى بن مريم صلوات الله عليه، وهذا ~~الأمر في أيدينا حتى نسلمه إليه، ولعمري لئن ملكتموها ما ريح عاد وصاعقة ~~ثمود بأهلك للقوم منكم لهم، ثم سكت. فتكلم ابن عباس فحمد الله وأثنى عليه، ~~ثم قال: أما قولك: # نستحق الخلافة بالنبوة، فإذا لم نستحقها بالنبوة فبم إذن نستحقها؟ # وأما قولك: إن الخلافة والنبوة لا تجتمعان [1] لأحد فأين قول الله، فقد ~~آتينا آل إبراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما 4: 54 [2] . ونحن آل ~~إبراهيم صلى الله عليه وسلم، أمر الله فينا وفيهم واحد، والسنة لنا ولهم ~~جارية. وأما قولك: إن قولنا في الخلافة مشبه، فو الله لهو أضوأ من ضوء ~~القمر، وأنور من نور الشمس، وإنك ms027 لتعلم ذلك، ولكن تثني عطفيك PageV01P051 # وتصعر خديك، قتلنا [1] جدك وأخاك وخالك، وأسرنا قومك يوم بدر، فلا تبك ~~على أعظم بالية، وأرواح في النار، ولا تغضبن لدماء أحلها الشرك. وأما قولك: ~~الناس إن يجتمعوا علينا، فما حرموا منا أعظم مما حرمنا منهم، وكل امرئ إذا ~~حصل حاصله ثبت حقه وزال باطله. # وأما قولك: إنا زعمنا أن لنا [2] ملكا هاشميا ومهديا قائما، فالزعم في ~~كتاب الله شك، زعم الذين كفروا 64: 7 [3] ، ولكنا نشهد أن لنا ملكا وأن لنا ~~مهديا قائما يملأ الأرض عدلا، لا يملكون يوما [18 ب] إلا ملكنا يومين، ولا ~~شهرا إلا ملكنا شهرين، ولا حولا إلا ملكنا حولين. # وأما عيسى بن مريم صلوات الله عليه فإنه ينزل على الدجال، وأما ريح عاد ~~وصاعقة ثمود فكان ذلك عذابا، ملكنا رحمة، أزيدك أم قد كفاك، ثم أمسك. فقال ~~عبد الرحمن [4] بن خالد بن الوليد: # كنا نقول: ابن حرب أحلم الناس ... حتى تصلى ضحى نار ابن عباس # ماذا أراد إليه بعد تجربة ... منه وبعد جراح ما لها آس # يرجو سقاط امرئ لم يرج سقطته ... عند الخطاب له راج من الناس # أنحى الشفار التي ما إن يقوم [5] لها ... لحم وفي العظم منه ضربة الفاس # قد قرت العين والأقدار غالبة ... لما رأيت ابن هند ناكس الرأس # لا يرفع الطرف ذلا حين قرره ... بالحق هذا وما بالحق من باس PageV01P052 # الحسن بن عبد الله الوراق عن الهيثم عن ابن عباس، قال: حدثني الفضل ابن ~~الفضل قال: قال ابن عباس [1] : بينا أنا في المسجد أريد الدخول على معاوية ~~إذ جاء نعي الحسن بن علي، فكبر في البيت فكبر أهل الخضراء [2] ، وكبر أهل ~~المسجد، فسمعت تكبيره [فاختة بنت قرظة بن عبد عمرو بن نوفل] [3] بن عبد ~~مناف، امرأة معاوية، فقالت: سرك الله يا أمير المؤمنين! ما هذا الأمر الذي ~~كبرت له؟ قال: مات [19 أ] الحسن بن علي، قالت: إنا لله وإنا إليه راجعون، ~~ثم بكت وقالت: مات سيد المسلمين، وابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم. ms028 ~~قال: والله إن قلت ذاك إنه لكذلك، ولئن بكيت عليه إنه لذلك لأهل. # قال ابن عباس: فدخلت وقد بلغني الخبر فقال: هاهنا يا ابن عباس، هل علمت ~~أن الحسن بن علي صلوات الله عليه [توفي] [4] ، قلت: فلذلك كبرت؟ قال: نعم. ~~قلت: أما والله لئن مات قبلك ما ذاك بالذي ينفعك بعده، وما جثته بسادة ~~حفرتك، ولقد أصبنا بمن كان أفضل من الحسن ابن علي، بسيد المسلمين وإمام ~~المتقين ورسول رب العالمين، ثم جبر الله تلك العترة [5] ورفع تلك العثرة. ~~فقال يا ابن عباس: ما كلمتك قط إلا وجدتك معدا. # قال عبد الله بن صالح ورفع الحديث إلى عبد الله بن عباس قال: PageV01P053 # قدمت على معاوية وافدا وعنده وفود العرب، فأمر بسريره فوضع على قاعة ~~الدار، وأمر صاحب حرسه فقام على رأسه، وصف جند أهل الشام سماطين، ثم أذن ~~للوفود فدخلوا فدخلت، فأقبل علي فقال: يا ابن عباس إن بابي لكم لمفتوح، وإن ~~خيري لكم لممنوح [1] ، فلا يغلق بابي عنكم علة، ولا يقطع خيري عنكم كلالة ~~[2] . ترون أنكم أحق بما في يدي مني، وأنا أحق به منكم [3] ، وأعطيكم ~~العطية فتأخذونها [19 ب] متكارهين عليها، وتقولون أخذنا دون حقنا وقصر بنا ~~دون قدرنا [4] ، فصرت كالمسلوب والمسلوب لا حمد له [5] ، فبئست المنزلة ~~التي نزلت [6] منكم: أعطي فلا أشكر، وأمنع فلا أعذر، ونعم [7] المنزلة ~~نزلتم مني: إعطاء سائلكم وانصاف قائلكم [8] ، قل يا ابن عباس [9] . فحسر ~~ابن عباس عن ساعديه مغضبا، ثم PageV01P054 # قال: ما فتحت لنا بابك حتى قرعناه، ولا منحتنا خيرك حتى سألناه [1] ، ~~ولئن أغلقت دوننا بابك لنكفن أنفسنا عنك، ولئن منعتنا خيرك لله [2] أوسع ~~لنا منك [3] ، وأما هذا المال [4] فليس لك منه إلا ما لرجل من المسلمين ~~ولنا في كتاب الله حقان: حق في الغنيمة، وحق في الفيء [5] ، والغنيمة [6] ~~ما غلبنا عليها [7] ، والفيء ما جبيناه [8] ، فعلى أي وجه خرج إلينا [9] ~~أخذناه وحمدنا الله [10] ، ولعمري لولا ما لنا في هذا المال من حق، ما أتاك ~~منا آت [11] يحمله إليك خف أو حافر [12] ، أكفاك أم ms029 أزيدك؟ فقال معاوية: ~~كفاني، فخرج ابن عباس. # وأنشأ ابن أبي لهب يقول [13] : PageV01P055 # ألا أبلغ معاوية ابن حرب ... وكل الناس يعلم ما أقول [1] # لنا حقان: حق الخمس جار ... وحق قد أنار به الرسول [2] # فكل عطية وصلت إلينا ... وإن سحبت بخدعتها [3] الذيول # ففي حكم القران لنا مزيد ... على ما كان لا قال وقيل # [20 أ] أتأخذ حقنا وتحوز حمدا [4] ... وهذا ليس تقبله العقول # أتيح لك ابن عباس مجيبا ... كأن لسانه سيف صقيل [5] # سوى أن قال [6] قولا مستكينا: ... كفاك. كذلك [7] المرء الذليل # فأدركه الحياء وكف عنه ... وخطبهما إذا ذكرا جليل [8] # فلا تهج [9] ابن عباس مجيبا ... فإن لسانه سلس قئول # قال ابن عباس: وفدت على معاوية وقد قعد على سريره، وجمع بني أبيه ووفود ~~العرب عنده، فدخلت، فسلمت، فقعدت، فقال: يا ابن عباس، من الناس؟ فقلت: نحن. ~~فقال: فإذا غبتم؟ فقلت: فلا PageV01P056 # أحد. قال: ترى أني قعدت هذا المقعد بكم؟ قلت: فبمن قعدت؟ قال: # بمن كان مثل حرب بن أمية. قلت: من كفأ عليه إناءه وأجاره برداءيه؟ # قال: فغضب معاوية، فقال: وار شخصك عني شهرا فقد أمرنا لك [1] بصلتك، ~~وأضعفنا لك. قال: فاتكأ ابن عباس على يديه ليقوم فقال: ألا يسألني أحد ما ~~الذي أغضب معاوية؟ إنه لم يلتق أحد من رؤساء قريش في عقبة ولا مضيق إلا لم ~~يتقدمه حتى يجوزه، فالتقى حرب بن أمية مع رجل من بني تميم في عقبة، فتقدمه ~~التميمي فقال له حرب: أنا حرب بن أمية، فلم يلتفت إليه وجازه، فقال: موعدك ~~مكة. فبقي التميمي دهرا ثم أراد دخول [20 ب] مكة، فقال: من يجيرني من حرب؟ ~~فقالوا: عبد المطلب. # فقال: عبد المطلب أعظم قدرا من أن يجير على حرب، فأتى ليلا دار الزبير ~~[2] فدق عليه الباب، فقال الزبير للغيداق [3] أخيه: قد جاءنا رجل إما طالب ~~حاجة وإما طالب قرى وإما مستجير وقد أعطيناه ما أراد، قال: # فخرج عليه الزبير والغيداق، قال: فقال التميمي: # لاقيت حربا في الثنية مقبلا ... والصبح أبلج ضوءه للساري # فدعا بصوت واكتنى ليروعني ... ودعا ms030 بدعوة معلن وفخار # فتركته كالكلب ينبح وحده ... وأتيت قوم معالم ونجار # ليثا هزبرا يستجار بقربة ... رحب المباءة [4] مكرما للجار # ولقد حلفت بمكة وبزمزم ... والبيت ذي الأحجار والأستار: PageV01P057 # أن الزبير لما بغى من خوفه ... ما كبر الحجاج في الأمصار # فقال: تقدم فإنا لا نتقدم من نجيره، فتقدم التميمي فدخل المسجد [1] ، ~~فرآه حرب فقام إليه فلطمه، فحمل عليه الزبير بالسيف، فعدا حتى دخل دار عبد ~~المطلب، فقال: أجرني من الزبير، وكفأ عليه جفنة كان هاشم يطعم الناس فيها، ~~فقال: اخرج، فقال: كيف أخرج وتسعة من ولدك قد احتبوا بسيوفهم على الباب، ~~فألقى عليه رداء كان كساه سيف بن ذي [21 أ] يزن له طرتان خضراوان، فخرج ~~عليهم، فعلموا أنه قد أجاره فتفرقوا عنه. # أبو المنذر هشام بن محمد بن السائب قال: أخبرني أبي وعوانة بن الحكم ~~والشرقي بن [2] القطامي قالوا: لما قدم معاوية المدينة أتاه وجوه الناس، ~~ودخل عليه عبد الله بن الزبير، فقال له معاوية: ألا تعجب للحسن بن علي، أنه ~~لم يدخل [3] علي منذ قدمت المدينة، وأنا بها منذ ثلاث، قال: يا أمير ~~المؤمنين! دع عنك حسنا فإن مثلك ومثله كما قال الشماخ [4] : # أجامل أقواما حياء وقد أرى ... صدورهم تغلي علي مراضها [5] # والله لو شاء الحسن أن يضربك بمائة ألف سيف لفعل، ولأهل العراق أبر به من ~~أم الحوار بحوارها [6] . فقال معاوية: أتغريني به يا ابن الزبير! ~~PageV01P058 # والله لأقبلن عليه ولأصلن قرابته [1] ، فقال ابن الزبير: والله إني لمعه ~~في حلف الفضول، ولئن دعاني إلى نصرته لأجيبنه. فقال معاوية: # والله ما أنت وحلف الفضول، تنحر نفيا وترذل هزلا، كما قال أخو همدان: # إذا ما بعير قام حول رحله ... وإن هو أبقى ألحفوه مقطعا [2] # ثم إن الحسن دخل على معاوية في اليوم الرابع فقال: أما والله إني لأعلم ~~ما خلفك علي، أردت أن تقيم حتى أجيز الناس وأنفض ما في يدي ثم تأتيني فإن ~~أعطيتك [21 ب] أجحفت بي، وإن لم أعطك بخلتني قريش. # يا غلام! أحسب كل ما أعطينا أهل المدينة ms031 فمر للحسن بمثل جميعه وأنا ابن ~~هند. فقال الحسن: اشهدوا أني قد قبلته ووهبته الحاضرين وأنا ابن فاطمة، ثم ~~خرج الحسن. فارتحل معاوية، وأمر بالوفادة فوفد إليه عبد الله بن عباس وعبد ~~الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير، فاستأذنوا عليه والناس على الكراسي وهو ~~على سريره، فرحب وأدنى، فأجلس ابن عباس عن يمينه على سريره بينه وبين يزيد، ~~وأجلس عبد الله بن جعفر عن يساره، وأجلس ابن الزبير على كرسي مع الناس. ثم ~~إن معاوية أقبل على ابن الزبير فقال: # يا ابن الزبير! أتراني أنسيت إغراءك إياي ببني عمي بالمدينة، أما والله ~~ما نسيت، وإني لعارف بما أردت، فنكس ابن الزبير مليا ثم رفع رأسه وهو يقول: # نصحتك يا معاوية بن حرب ... وكان جزاء نصحي أن أذما PageV01P059 # وليس جزاء ذي نصح كريم ... لدى [1] أهل المكارم أن يغما # فقال معاوية: يا يزيد! أجبه، فقال يزيد: # غششت فأبعدن لغش صدر ... وأهل ذو النميمة أن يذما # ولو يا ابن الزبير ظللت يوما ... علينا قادرا لم تبق عظما # [22 أ] والله يا ابن الزبير! إنك لتنظر إلينا الشزر وتتنفس الصعداء، كأن ~~هذا الأمر كان دوننا فغصبناكه وغلبناك عليه، إنما كان هذا الأمر لنا أولا ~~ثم ثاب [2] إلينا آخرا، وأنت وأهل بيتك من ذلك في عزلة لا ترتفع [3] إليكم ~~المطامع، ولا تشير إليكم الأصابع، وأيم الله ما أراك يدعك غيك وبغيك حتى ~~تجشم رهقا وتصعد زلقا، ثم تهوي بك عشواء مطلخمة، عمياء مدلهمة، فهنالك تقع ~~الندامة، حيث لا تغني فتيلا. فقام ابن الزبير ماثلا فقال: يا معاوية! أجعلت ~~جوابي إلى ابنك، لو كان ابني حاضرا أجابه، فاسمعا معا: أما بعد، فإني أحمد ~~الله إليكما، وأسأله العون عليكما، ثم إني والله لأرجو ربي لطول عادته ~~عندي، وأياديه لدي، ألا أتجشم رهقا ولا أتصعد زلقا، وكيف يخاف ذلك من يصدع ~~بالحق ويقوم به، مع أني لست بالغر [4] الغمر وإني لكما قال الأول: # أناة وحلما وانتظارا بهم غدا ... وما أنا بالواني ولا الضرع الغمر # أظن صروف الدهر ms032 بيني وبينهم ... ستحملهم مني على مركب وعر PageV01P060 # أما ما ذكرت من هذا الشأن أنه لكم أولا، فإنما كان لرسول الله [22 ب] صلى ~~الله عليه وسلم لما اختصه الله برسالته واصطفاه على خلقه، دعا الناس إلى ~~طاعته، وكان أحب الناس إليه من أجاب وأناب، فدعانا ودعاكم، فأجبنا وأبيتم، ~~وأتينا وكرهتم، وسمعنا وصممتم، وأطعنا وعصيتم، وأسلمنا وكفرتم، كل ذلك نحن ~~في حزبه وأنتم في حربه، فأنا أولى به منك، لأن الله تعالى يقول: إن أولى ~~الناس بإبراهيم للذين اتبعوه 3: 68 [1] . ولي بعد هذا ما ليس لك، إن عمتي ~~خديجة زوجته وأم ولده، وإن عائشة أم المؤمنين خالتي، وإن جدتي صفية عمة ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهذا لي دونك. وأما قولك- إنه ثاب [2] إليكم ~~آخرا، فقد لعمري كان ذلك كذلك بطغامك، وإقدامك على غير مشورة من المسلمين، ~~ولا اجتماع من المهاجرين، فبهم غلبتم وتأمرتم واستكبرتم واستأثرتم، فلا ~~أنتم انصفتمونا، ولا هم نصرونا، فهنالك يا يزيد رأيت النظر الشزر، وسمعت ~~تنفس الصعداء، فلا تعجب يا بني فإنك لم تر عجبا، وستراه إن بقيت إن شاء ~~الله. فقال يزيد: ألا تراه يا أمير المؤمنين يوعدنا في وجوهنا! فقال ~~معاوية: # عزمة مني عليك لما صمت، إن الحلم عز، والجهل ذل، فمن حلم ظفر، ومن جهل ~~خسر، فالزم الطريق، ودع [23 أ] المضيق، يك ذلك خيرا لك في دنياك وآخرتك إن ~~شاء الله. ثم أقبل على ابن عباس فقال: # ألا ترى ما يجيء به هذا؟ فقال: يا أمير المؤمنين، ابن عمك، إن أحسن ~~فاقبل، وإن أساء فأجمل، وكن في ذلك كما قال الأول: # عودت كندة عادة فاصبر لها ... أحلم لجاهلها ورد سجالها PageV01P061 # فقال معاوية: يا ابن عباس! طول حلمي جرأه علي، فأنت الحاكم بيني وبينه. ~~فقال ابن عباس: إني لأحب أن تعفيني من هذه الحكومة، فقال: والله لتفعلن. ~~فقال ابن عباس: أما إذا أبيت إلا أن أفعل فسأفعل، وما توفيقي إلا بالله، ~~أراكما جميعا إنما احتججتما برسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا أحق بحق ms033 ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم منكما، لأني ابن عمه دونكما، وأنا المظلوم ~~فيما بينكما. فالتفت معاوية الى ابن جعفر فقال: أما تسمع لما يجيء به هؤلاء ~~منذ اليوم؟ فقال ابن جعفر: إن حلمك يأتي من وراء ذلك. فقال معاوية: صدق ~~فوك. وقطعوا الحديث وأخذوا في غيره. # أبو المنذر عن عوانة عن موسى بن عبد الملك أن معاوية بينا هو في مجلسه، ~~وقد حضره رجال من قريش منهم عبد الله بن عباس وغيره من بني هاشم، فأقبل ~~معاوية على القوم فقال: يا بني هاشم! لم تفخرون علينا؟ أليس الأب [23 ب] ~~واحدا والأم واحدة والدار واحدة؟ فقال ابن عباس: نفخر عليك بما أصبحت تفخر ~~به على سائر قريش، وتفخر به قريش على الأنصار، وتفخر به الأنصار على العرب، ~~وتفخر به العرب على العجم، برسول الله صلى الله عليه وسلم، بما لا تستطيع ~~له إنكارا ولا منه فرارا. فقال: يا ابن عباس! لقد أعطيت لسانا ذربا [1] ، ~~تكاد تغلب بباطلك حق سواك. فقال ابن عباس: إن الباطل لا يغلب الحق، فدع عنك ~~الحسد فبئس شعار الحسد. # فقال معاوية: صدقت، أما والله إني لأحبك لأربع مع مغفرتي لك أربعا، فأما ~~التي أحبك لهن: فقرابتك من رسول الله صلى الله عليه وسلم، و [الثانية] [2] ~~أنك من أسرتي وأهل بيتي من بني عبد مناف، والثالثة أنك PageV01P062 # لسان قريش وزعيمها، والرابعة أن أباك كان خلا لأبي، والتي غفرتها لك: # عدوك علي بصفين فيمن عدا، وخذلان [1] عثمان، وسعيك على عائشة فيمن سعى، ~~ونفيك أخي زيادا عني فيمن نفي [2] ، فضربت أنف هذا الأمر وعينه حتى استخرجت ~~مقتك [3] من كتاب الله عز وجل ومن قول الشاعر، فأما [4] ما وافق قول الشعر ~~فقول أخي ذبيان: # ولست بمستبق أخا لا تلمه ... على شعث أي الرجال المهذب # [24 أ] وقد قبلنا منك الأول وغفرنا لك الآخر، وكنا في ذلك كما قال الأول: # سأقبل ممن [قد] [5] أحب جميلة ... وأعفو له ما كان من غير ذلك # فقال ابن عباس: الحمد لله الذي أمر بحمده، ms034 ووعد عليه ثوابه، أحمده كثيرا ~~كما أنعم علينا كثيرا، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم. أما بعد، فإنك ذكرت أنك تحبني لقرابتي من رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وذلك الواجب عليك وعلى كل من آمن برسول [6] الله صلى الله ~~عليه وسلم، لأنه الأجر الذي سألكم رسول الله صلى الله عليه وسلم، على ما ~~أتاكم من الضياء [7] والبرهان المنير، PageV01P063 # فقال: قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى 42: 23 [1] فمن لم ~~يحب [2] رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد خاب وخزي وكبا وهو وحل محل ~~الأشقياء. # وأما قولك: إني من أسرتك وأهل بيتك فهو كذلك وإنما أردت صلة الرحم وهو من ~~فعل الأبرار المصطفين الأخيار، ولعمري إنك لوصول لرحمك مع ما كان منك فيما ~~لا تثريب عليك فيه اليوم. وأما قولك: إني لسان قريش، فإني لم أعط من ذلك ~~أمرا لم تعطه ولكنك قلت فيه لشرفك وفضلك، وقد قال الأول: # [24 ب] وكل كريم للكريم مفضل ... يراه له أهلا وإن كان أفضلا # وأما قولك: إن أبي كان خلا لأبيك فقد كان كذلك، وقد علمت ما كان من أبي ~~إليه يوم الفتح، وكان شاكرا كريما. وقد قال في ذلك الأول: # سأحفظ من آخى أبي في حياته ... وأحفظه من بعده في الأقارب [3] # ولست بمن لا يحفظ العهد واثقا ... ولا لي [4] عند النائبات بصاحب # وأما قولك في عدوي عليك بصفين، فو الله إن لو لم أفعل ذلك لكنت من شر ~~العالمين، أكانت نفسك تحدثك أني كنت أخذل ابن عمي أمير المؤمنين وسيد ~~المسلمين وقد حشد له المهاجرون والأنصار؟ لم يا معاوية، أضنا بنفسي أم شكا ~~في ديني أم جبنا عن سجيتي؟ والله لو فعلت ذلك لاختبأته PageV01P064 # في [1] وإن كنت قد عاتبتني عليه. وأما قولك في خذلان عثمان، فقد خذله من ~~هو أمس به رحما، وأبعد رحما مني، فلي في الأقربين والأبعدين أسوة، ولم أعد ~~عليه مع من عدا، بل كففت عنه كما كف أهل ms035 الحجاز. وأما قولك في عائشة فإن ~~الله أمرها أن تحتجب بسترها وتقر في بيتها، فلما عصت ربها، وخالفت نبيها، ~~صنعنا ما كان منا إليها. وأما قولك في نفيي أخاك [زيادا] [2] [25 أ] فإني ~~لم أنفه بل نفاه رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله: الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر، وإني من بعد هذا [3] لأحب ما يسرك في جميع أمرك. فقال عمرو بن ~~العاص: يا أمير المؤمنين! لا يخدعنك بلسانه فو الله ما أحبك طرفة عين قط، ~~وإنه لكما قال الأول: # قد كنت حلما في الحياة مرزءا ... وقد كنت لباس الرجال على غمر # فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين! إن عمرا قد دخل بين العظم واللحم، وبين ~~العصا واللحاء، وقد قال فليسمع، وقد وافق قرنا. يا عمرو! إني والله ما ~~أصبحت معتذرا إلى أحد من أن أكون شانيا لك قاليا، لأن الله قال لنبيه صلى ~~الله عليه وسلم: إن شانئك هو الأبتر 108: 3 [4] ، فأنت الأبتر من الدين ~~والدنيا، وأنت شانئ محمد وآل محمد في الجاهلية والإسلام، ووجدت الله يقول: # لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله 58: 22 ~~[5] ، PageV01P065 # فإنك والله لقد حاددت الله ورسوله، ولقد جهدت على رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم بجهدك، وأجلبت عليه بخيلك ورجلك، حتى غلبك الله على أمرك، وأوهن ~~قوتك ورد كيدك في نحرك، ثم عدت لعداوة أهل بيته من بعده، ليس بك في ذلك حب ~~معاوية ولا آل معاوية إلا العداوة لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، بالحسد ~~القديم [25 ب] لأبناء عبد مناف، والبغض لهم، وإنك وإياهم لكما قال الأول: # تعرض لي عمرو وعمرو خزاية ... تعرض ضبع القفر للأسد الورد # فما هو لي ندا فأشتم عرضه ... ولا هو لي عبد فأبطش بالعبد # فقال عمرو: اي والله. فقال معاوية: إنك لست من رجاله، فإن شئت فقل، وإن ~~كرهت فدع. # قال: كتب هرقل [1] إلى معاوية بن أبي سفيان يسأله عن الشيء، وعن لا شيء، ~~وعن دين لا يقبل الله غيره، وعن مفتاح الصلاة، ms036 وعن غرس الجنة، وعن صلاة كل ~~شيء، وعن أربعة فيهم الروح لم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء، وعن ~~رجل لا أب له، وعن رجل لا قوم له، وعن قبر جرى بصاحبه، وعن قوس قزح، وعن ~~بقعة طلعت عليها الشمس مرة لم تطلع عليها قبلها ولا بعدها، وعن ظاعن [2] لم ~~يظعن [2] قبلها ولا بعدها، وعن شجرة نبتت من غير ماء، وعن شيء يتنفس لا روح ~~فيه، وعن اليوم وأمس وغد وبعد غد ما أجزاؤها في الكلام، وعن البرق والرعد ~~وصوته، وعن المجرة، وعن محو القمر. فقيل لمعاوية: لست هناك، وإنك متى تخطىء ~~شيئا في كتابه يغتمز [3] فيك، فاكتب إلى ابن عباس، فكتب إليه PageV01P066 # بهن. فأجابه ابن عباس: أما الشيء فالماء، قال الله عز وجل: وجعلنا من ~~الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون 21: 30 [1] ، وأما لا شيء فالدنيا تبيد وتفنى، ~~وأما [26 أ] الدين الذي لا يقبل الله غيره من أحد فهو: «لا إله إلا الله» ، ~~وأما مفتاح الصلاة: «فالله أكبر» ، وأما غرس الجنة: «فلا حول ولا قوة إلا ~~بالله» ، وأما صلاة كل شيء: «فسبحان الله وبحمده» ، وأما الأربعة الذين ~~فيهم الروح لم يركضوا في أصلاب الرجال وأرحام النساء: فآدم وحواء وعصا موسى ~~والكبش الذي فدى الله به إسماعيل، وأما الرجل الذي لا أب له: فعيسى بن ~~مريم، وأما الرجل الذي لا قوم له: فآدم، وأما القبر الذي جرى بصاحبه: ~~فالحوت حيث سار بيونس في البحر، وأما قوس قزح: # فأمان الله لعباده من الغرق، وأما البقعة التي طلعت عليها الشمس مرة لم ~~تطلع عليها قبلها ولا بعدها: فالبحر حيث انفلق لبني إسرائيل، وأما الظاعن ~~[2] الذي ظعن مرة لم يظعن قبلها ولا بعدها: فجبل طور سيناء، كان بينه وبين ~~الأرض المقدسة أربع ليال، فلما عصت بنو إسرائيل أطاره الله بجناحين من نور ~~فيه ألوان العذاب فأظله عليهم وناداهم مناد: إن قبلتم التوراة كشفته عنكم ~~وإلا ألقيته عليكم، فأخذوا التوراة معتذرين، فرده الله إلى موضعه، فذلك ~~قوله عز وجل: وإذ نتقنا الجبل فوقهم ms037 كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم 7: 171 ~~[3] إلى آخر الآية، وأما الشجرة التي نبتت من غير [26 ب] ماء: فاليقطينة ~~التي نبتت على يونس، وأما الشيء الذي يتنفس ليس فيه روح «فالصبح إذا تنفس» ~~، وأما اليوم فعمل وغدا أجل وبعد غد أمل، وأما البرق: فمخاريق بأيدي ~~الملائكة تضرب بها السحاب، وأما الرعد: PageV01P067 # فاسم الملك الذي يسوق السحاب وصوته زجره، وأما المجرة: فأبواب السماء، ~~ومنها يفتح الله الأبواب، وأما المحو الذي في القمر، فقول الله جل وعز: ~~وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة 17: ~~12 [1] ، ولولا ذلك المحو لم يعرف الليل من النهار ولا النهار من الليل. # قال: فبعث بها معاوية إلى قيصر، وكتب إليه بجواب كتابه، فقال قيصر: ما ~~يعلم هذا إلا نبي أو رجل من أهل بيت نبي. قال: قال معاوية ذات يوم وعنده ~~ابن عباس: يا أبا العباس إنه قد ضربتني أمواج القرآن البارحة في آيتين لم ~~أعرف تأويلهما ففزعت إليك، قال: وما هما؟ قال: قوله وذا النون إذ ذهب ~~مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه 21: 87 [2] ، فقلت: سبحان الله أيظن نبي الله ~~ألا يقدر عليه وأنه يفوته إذا أراده، ما يظن هذا مؤمن، وقوله: حتى إذا ~~استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا 12: 110 [3] ، فقلت: سبحان ~~الله كيف هذا؟ أن ييأس الرسل من نصر الله [27 أ] ويظنون أنهم قد كذبهم ما ~~وعدهم، إن هاتين الآيتين لهما خبر من التأويل لا يعلمه أحد. # فقال ابن عباس: أما يونس فظن أن تبلغ خطيئته أن يقدر الله بها العذاب ~~عليه فلم يشك أن الله إذا أراده قدر عليه، فهو قول الله جل وعز فظن أن لن ~~نقدر عليه 21: 87. وأما قوله حتى إذا استيأس الرسل من إيمان قومهم وظنوا أن ~~من أعطاهم الرضا في العلانية قد كذبهم في السر وذلك لطول البلاء عليهم، ولم ~~يستيئس الرسل من نصر، ولم يظنوا أنه قد كذبهم ما وعدهم. فقال معاوية: # فرجت الكرب عني فرج الله عنك. فقال ابن ms038 عباس: فإن رجلا قام من عندي قرأ ~~علي قول الله عز وجل ويسئلونك عن المحيض قل هو أذى 2: 222 PageV01P068 # فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن 2: 222 (يعني يتوضأن) ~~[1] فإذا تطهرن [2] فأتوهن من حيث أمركم الله 2: 222 [3] ، فقلت له: إن دنت ~~بهذا التأويل كفرت إنما عنى الله حتى يطهرن من الدم فإذا تطهرن، يعني ~~بالماء، فأتوهن من حيث أمركم الله طاهرات غير حيض. فقال معاوية: إن قريشا ~~تغتبط بك، لا بل جميع العرب، لا بل أمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولولا ~~خفتك مع علي لعطفتني عليك العواطف. فقال في ذلك أيمن بن خريم الأسدي [4] ~~وكان شاعر بني أسد: # [27 ب] ما كان يعلم هذا العلم من أحد ... بعد النبي سوى الحبر ابن عباس # يستنبط العلم غضا من معادنه ... هذا اليقين وما بالحق من باس # دينوا بقول ابن عباس وحكمته ... إن المنافي منكم عالم الناس # كالقطب قطب الرحا في كل حادثة ... ام اللحام فمنه موضع الفاس # منذا يفرج عنكم كل معضلة ... إن صار رمسا مقيما بين أرماس # قال [5] : استأذن ابن عباس على معاوية فأذن له، فلما بصر به قال لسعيد ~~ابن العاص: لاسألن ابن عباس عن مسائل يعيا بها، وقد اختلفت فيها [6] بطون ~~PageV01P069 # قريش وأشراف العرب. فقال سعيد: مهلا يا أمير المؤمنين! فليس ابن عباس ~~يعيا بمسائلك. فلما جلس قال له معاوية: يا ابن عباس! ما تقول في أبي بكر؟ ~~[قال] [1] : كان والله للقرآن تاليا، وللشر قاليا، وعن المين نابيا، وعن ~~المنكر ناهيا، وعن الفحشاء ساهيا، وبدين [2] الله عارفا، ومن الله خائفا، ~~وعن الموبقات صادفا، وعن المحارم جانفا [3] ، فيخال [4] قلبه الدهر واجفا، ~~وبالليل قائما، وبالنهار صائما، ومن دنياه سالما، وعلى عدل البرية عازما، ~~وفي كل الأمور جازما، وبالمعروف آمرا، وعليه صابرا، وعن المهلكات [5] ~~زاجرا، وبنور الله ناظرا، ولنفسه في المصالح قاهرا، [28 أ] فاق أصحابه ورعا ~~وكفافا، وقناعة وعفافا، وسادهم زهدا وأمانة [6] ، وبرا وحياطة، فأعقب الله ~~من طعن فيه الشقاق إلى يوم التلاق [7] . قال: # فما تقول في عمر؟ قال: ms039 رحم الله أبا حفص، كان والله حليف الإسلام، وأبا ~~[8] الأيتام، ومحل الإيمان، ومنتهى الإحسان، وملاذ [9] الضعفاء ومعقل ~~الحنفاء، وكان للحق حصنا، وللناس عونا، قام بأمر [10] الله صابرا ~~PageV01P070 # محتسبا، حتى أظهر الله الدين، وفتح الديار [1] ، وذكر الله في الأقطار ~~والمنازل، وفي الضواحي والبقاع، وعلى التلال واليفاع، عند نقض [2] الحبى ~~وقورا، ولله في الرخاء والشدة شكورا، وله في كل وقت وأوان ذكورا، فأعقب ~~الله من [3] تنقصه الندامة [4] إلى يوم القيامة [5] . قال: فما تقول في ~~عثمان؟ قال: # رحم الله أبا عمرو، كان والله أكرم الحفدة، وأفضل البررة، هجادا ~~بالأسحار، كثير الدموع عند ذكر النار، دائم التذكرة فيما يعنيه بالليل ~~والنهار، نهاضا إلى كل مكرمة [6] ، سعاء إلى كل منجية، فرارا [7] من كل ~~موبقة، حييا عاش [8] ، وقتل [9] أبيا، صاحب جيش العسرة وختن النبي، فأعقب ~~الله من ثلبه اللعائن إلى يوم التغابن [10] . قال: فما تقول في علي؟ قال: # رحم الله أبا الحسن، كان والله علم [28 ب] الهدى، وكهف التقى، وبحر ~~الندى، ومأوى الورى، وطود النهى، ونورا للسفر في ظلم الدجى، وداعيا إلى ~~المحجة العظمى، ومستمسكا بالعروة الوثقى، وطاعنا إلى الغاية القصوى، وعالما ~~بما في الصحف الأولى، عاملا بطاعة الله الملك الأعلى، عالما بالتأويل ~~والذكرى، ومتعلقا بأسباب الهدى، وجانفا عن طرقات الردى، وساميا إلى المجد ~~والعلى، وقائما بالدين والتقوى، وتاركا للجور PageV01P071 # والأذى، وخير من آمن واتقى، وسيد من تقمص وارتدى، وأكرم من أخبت وسعى، ~~وأفضل من صام وصلى، وأخطب أهل الدنيا، وأفصح من شهد النجوى، سوى النبي ~~المصطفى، صاحب القبلتين فهل يساويه من بشر؟ وأبو السبطين فهل يوازيه أحد؟ ~~وزوج خير النسوان فهل يفوقه مخلوق؟ # كان والله للأشداء قتالا، ولهم في الحروب ختالا، وفي الهزاهز شغالا، لم ~~تر عين مثله، ولا ترى إلى يوم القيامة، فعلى من تنقصه لعنة الله والعباد، ~~إلى يوم التناد. قال: فما تقول في طلحة والزبير؟ قال: رحمهما الله، كانا ~~والله عفيفين، مسلمين، خيرين، برين، صادقين، فاضلين، طاهرين مطهرين، ~~شهيدين، عالمين بالله زلا زلة والله غافر ذلك لهما، [29 أ] للنصرة القديمة، ms040 ~~والصحبة الكريمة، والأفعال الجميلة، فأعقب الله من نالهما بسوء اللعنة، إلى ~~يوم الحسرة. قال: فما تقول في العباس؟ قال: رحم الله أبا الفضل، كان والله ~~صنو أبي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقرة عين صفي الله، سيد الأعمام، ~~ولهميم الأقوام، حوى أخلاق آبائه، وأحلام أجداده الأمجاد، له علم بالأمور، ~~قد زانه حلم، ونظر في العواقب وقد سدده فهم، كان دائبا يكتسب بسالة كل مهذب ~~صنديد، ويجتنب محالفة [1] كل رعديد، تلاشت الأحساب دون فخر عشيرته، وتباعدت ~~الأنساب عند ذكر فضيلته، صاحب البيت والسقاية، والمشعر والعلامة، ولم لا ~~يكون كذلك، وقد ساسه أكرم من هب ودب، عبد المطلب، وأكرم من مشى وركب. قال: ~~فقام إليه سراقة فقال: يا ابن عباس بم سميت قريش قريشا؟ قال: سألت عن علم ~~مخزون، وأدب مكنون، إنما سميت قريش قريشا: إن في البحر حوتا يسمى قريشا ~~يأكل الحيتان PageV01P072 # ولا يؤكل، ويعلوها ولا يعلى، فلذلك سميت قريش قريشا، ألم تسمع قول ~~الشاعر: # إن قريشا هي التي تسكن البحر ... بها سميت قريش قريشا [1] # سلطت بالعلو في لجة البحر ... على ساكن البحور جيوشا # [29 ب] يأكل الغث والسمين ولا يترك ... فيها لذي الجناحين ريشا # هكذا في البلاد حي قريش ... يأكلون البلاد أكلا كشيشا # ولهم آخر الزمان نبي ... يكثر القتل فيهم والخموشا # يملأ الأرض خيله ورجال ... يحسرون المطي حسرا كميشا # فقال معاوية: أشهد أنك كلماني قومك. فلما خرج ابن عباس قال معاوية لسعيد: ~~ما كلمته قط إلا رأيته مستعدا. # قال: لما قدم معاوية المدينة في أول مقدمه تلقاه الناس ولم يأته ابن ~~عباس، فلما دخل المسجد ومعه عمرو بن العاص، نظر إلى ابن عباس في ناحية ~~المسجد، وابن عمر قريب منه، فقال معاوية لعمرو: ألا تحرك ابن عباس؟ قال ~~عمرو: لا يا أمير المؤمنين، فإنه من قوم لم يفضحهم الله قط بألسنتهم، قال: ~~علي ذاك، قال: أنت أعلم. فأقبل معاوية مع عمرو حتى وقفا على ابن عباس، فقال ~~معاوية: يا ابن عباس! ما منعك أن تلقاني مع نظرائك من بني ms041 أبيك؟ قال: لم ~~يقض ذلك. قال: فلعل الذي كان بيني وبين ابن عمك منعك. قال: هو ذاك. قال ~~معاوية: فإن الله قد نصرني عليه لما علم من نيتي. قال: وما علم من نيتك يا ~~معاوية، أن آمن وكفرت، ونصر وخذلت، وقام وقعدت؟ قال: لا، ولكني لطلبي [30 ~~أ] بدم عثمان، PageV01P073 # وقال الله عز وجل ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا 17: 33 [1] . ~~قال: # أفبدم عثمان استحققت الخلافة؟ قال: نعم. قال ابن عباس: قد قتل أبو هذا- ~~يعني ابن عمر- وهو خير من صاحبك، وهذا خير منك، فهو أحق بالخلافة. قال: أبو ~~هذا قتله الكافرون، وإن صاحبي قتله المؤمنون. قال: فذاك والله أدحض لحجتك، ~~وأقل لعذرك. فانصرف وكأنه خاصي حمار. # قال [2] : أقبل معاوية يوما على بني هاشم، فقال: ألا تحدثوني عن ادعائكم ~~الخلافة من دون قريش، بم [3] تكون لكم؟ أبالرضا والجماعة عليكم دون ~~القرابة، أم للقرابة [4] دون الجماعة والرضا، أم بهما جميعا؟ [5] فإن كان ~~هذا الأمر بالجماعة والرضا دون القرابة، فلا أرى القرابة [6] أثبتت حقا ولا ~~ثبتت [7] ملكا. وإن كان بالقرابة دون الجماعة [والرضا] [8] ، فما منع ~~العباس وهو عم النبي صلى الله عليه وسلم، ووارثه، وساقي الحجيج وضامن ~~الأيتام أن يطلبها وقد ضمن [9] له أبو سفيان بني [10] عبد مناف؟ وإن كانت ~~الخلافة PageV01P074 # بالجماعة والرضا والقرابة جميعا، فإن القرابة خصلة من خصال الإمامة [لا ~~تكون الإمامة] [1] بها وحدها وأنتم تدعونها بها [2] ، ولكنا نقول: أحق قريش ~~من بسط الناس إليه أيديهم، ونقلوا إليه [30 ب] أقدامهم للرغبة، وطارت ~~أهواؤهم إليه للثقة، أو قاتل عليها بحقها فأدركها من وجهها، إن أمركم لأمر ~~تضيق به الصدور، إذا سئلتم عمن اجتمع عليه الناس من غيركم قلتم اجتمعوا على ~~حق، وإن [3] كانوا على الحق فقد أخرجكم الحق من دعواكم، انظروا فإن كان ~~القوم أخذوا حقكم فاطلبوهم [4] ، وإن كانوا أخذوا حقهم فسلموا لهم، فإنه لا ~~يسعكم [5] إن تروا لأنفسكم ما لا تراه الناس لكم. فتكلم ابن عباس فحمد الله ~~وأثنى عليه ثم قال: ندعي هذا الأمر بحق من لولا حقه ms042 لم تقعد أنت مقعدك هذا، ~~ونقول [6] : كان ترك الناس أن يرضوا بنا ويجتمعوا علينا حقا ضيعوه [7] ، ~~وحظا حرموه، وقد اجتمعوا على ذي فضل فضلوه [8] ، ولكل [9] ذي فضل حظه من ~~ارتفاع درجته وقرب وسيلته. فأما الذي منعنا [10] PageV01P075 # من طلب هذا الأمر بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم فعهد من رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم إلينا قبلناه بقبوله [1] ، ودنا بتأويله، ولو أردنا [2] ~~أن نأخذه على الوجه الذي نهانا عنه [لأخذناه] [3] أو [4] أعذرنا فيه، وما ~~[5] زدنا على أن أعفينا الناس من حقنا حين التووا علينا، فلا يعاب أحد بترك ~~حقه، إنما يعاب [31 أ] بطلب ما ليس له [6] . وأما أبو سفيان فأراد [7] ، ~~ولو طلبنا هذا الأمر لاستعنا به، وكل صواب نافع، ورد خطأ غير ضائر [8] ، ~~انتهت القضية إلى داود وسليمان فحصر عليها [9] داود وفهمها سليمان، فنفعت ~~سليمان ولم تضر داود [10] ، فأما القرابة فقد [11] نفعت المشرك وهي للمؤمن ~~أنفع [12] ، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب: قل: لا إله ~~إلا الله PageV01P076 # أشفع لك بها يوم القيامة، ولم [1] يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ليقول إلا ما يكون منه على علم، وليس ذلك لأحد من الناس لأن الله يقول ~~وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت ~~الآن، ولا الذين يموتون وهم كفار 4: 18 [2] ... إلى آخر الآية، ثم سكت، ~~فقال نواس [؟] [3] بن شبيب الفزاري وكان من وجوه قيس عيلان: # معاوي قد منيت بذي مطال ... عظيم القدر يحمل ما يقول # رمى فأصاب مقتلك ابن هند ... ومرمي ابن عباس قتيل # ويثني بعد أسهمه بوطء ... منافي ووطؤهم ثقيل # جهلت جوابه فيكون عذرا ... يقال له من الجهل الجهول # ألم تعلم بأن له جوابا ... ثقيلا لا ينوء به الفيول # [31 ب] وعلما تقصر العلياء عنه ... يخال به- إذا فاض- السيول # فلو خفت الجواب كففت عنه ... وهذا ما تضمنه العقول # نجوت ولم يكن [4] بين المخازي ... وبين ظهورها إلا قليل # فأولى ثم أولى ثم أولى ... ثلاثا إن أمركم جليل # فلا تهج ابن عباس ms043 مجيبا ... فإن لسانه سيف صقيل [5] # قال: وفد معاوية [6] بن عبد الله بن جعفر وعبد الله بن العباس على ~~PageV01P077 # معاوية ابن أبي سفيان، وكان معاوية بن عبد الله حدثا، فلما دخلا عليه رحب ~~بهما، وقرب مجلسهما، فأقاما عنده، وهذا بعد وفاة الحسن بن علي. قال: # فدخلا عليه ذات يوم وعنده عمرو بن العاص ومروان بن الحكم وعبد الرحمن ابن ~~أبي الحكم، والوليد بن عقبة بن أبي معيط، ورجالات من بني أمية ووجوه أهل ~~الشام. فلما أخذا مجلسهما، وقد كان معاوية قال لهم: دونكم هذا الغلام ~~فهجنوه فإنه حدث وليس يعرف عيوبكم ومساوئكم، وابن عباس فإنه سينصر ابن عمه، ~~ولكنكم إذا خجلتم صاحبه انكسر [1] عنكم. فجمع لهم الناس رجاء أن يكون أشد ~~لانكساره وأسرع لخجله، فلما أخذ القوم مجالسهم، قال عمرو: من الفتى [32 أ] ~~يا أمير المؤمنين؟ قال: # معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار. فقال عمرو: تناسلت والله بنو عبد ~~المطلب بعد ما ظننا أن قد أفنيناهم بصفين والمواطن، علونا والله عليكم يا ~~معاوية بن عبد الله بالأفعال السنية، والأكف السخية، والأنفس الأبية عند ~~الوغى، فليس لكم كفخرنا نحن السادة وأبناؤها. ثم قال مروان: أنعم يا أمير ~~المؤمنين إذا قدرت، واعف إذا مننت، وأجزل إذا أعطيت، فقد قعدوا بين يديك ~~قعود العبيد بين يدي مواليها، ما ظننتك يا ابن عبد الله تجسر على زيارة ~~أمير المؤمنين، وقد علمت ما لقي قومك منا، والغلبة لهم عند المخاطبة، ~~والقهر عند المبارزة، ولكن حداثتك حملتك على ذلك فنحن نعذرك. ثم قال الوليد ~~بن عقبة: لم تزل لنا الغلبة والرئاسة، وفينا الحماة والقادة، نصول في الحرب ~~ونفتدي الأسرى من القتل، لا ينكر ذلك منكركم، وإن كنت تعرف غير ذلك فتكلم ~~يا ابن عبد الله، وما أظنك تفعل لأنه لا يقوم باطلك لحقنا. فأراد ابن عباس ~~أن يتكلم، PageV01P078 # فأقسم عليه معاوية أن يخلي بينه وبين القوم، فكف، وبدره ابن عبد الله ~~فقال: يا ابن عم: # إذا اجتمعوا علي فخل عنهم ... وعن ليث مخالبه دوامي # [32 ms044 ب] ثم قال: أنا معاوية بن عبد الله بن جعفر الطيار في الجنة، الصحيح ~~الأديم، الواضح البرهان، آبائي من العرب مصاصها، وفي الحروب لهامها، ومن ~~الدين كاهلها وسنامها، نحن أهل بيت الرحمة ومعدن الحكمة. # زعمت يا عمرو أنكم أفنيتمونا بصفين والمواطن، كذبت. لقد ورد عمي بلادكم ~~فقتل مقاتلكم، فلما هم بالسبي رفعتم المصاحف، فمن عليكم بالعفو، وما كان ~~ينبغي يا عمرو أن تنطق وقد شغرت [1] برجليك وسط العجاجة كالعاهرة تطلب ~~فحلها، ثم تنطق في قريش فينبغي لك، هبلتك الهوابل، ألا تفاخرنا بعد ذلك. ~~أطمعت في حداثة سني فظننت ألا أبصر عيوبكم! لأنا أحفظ لها مني للقرآن. ثم ~~التفت إلى مروان فقال: ما ظننت الرخمة تنطق في محافل العقبان. هيهات يا ~~مروان! قصر خطوك، وضاق باعك عن مثل الشرف الأعلى، والمراتب الأولى، ~~والنجباء الذين نطقوا بتأويل القرآن وتنزيله، فتقاوم فروعهم، وتفاخر ~~آباءهم، أنت أذل حسبا وأوتح [2] نسبا، قد أطلقك عمي بعد ما أتي بك تقاد كما ~~يقاد الجمل المخشوش [3] ، فمن عليك سيد الأوصياء وأمير النقباء، ووصي ~~الأتقياء بالعفو، وأنى لك مثل رجالنا الذين كانوا جبال العز وأطواد [33 أ] ~~الفخر، يسطع نورهم فلا يخمد، ويقبل قولهم فلا ينفذ. نطحنكم في الحروب، ~~ونذروكم فيها ذرو الريح يابس الهشيم، نورد فلا تصدرون، ونصدر فلا توردون، ~~علونا عليكم PageV01P079 # بالنبوة، وبالمقال في الجاهلية، وآباؤنا القدماء [1] القراسية، فزعمت أنا ~~قد قعدنا قعود العبيد بين أيدي مواليها وكيف يكون ويلك الذنب [2] رأسا، ~~ضربكم عمي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورجال قومي، على حقيقة هذا الدين ~~والإقرار باليقين، ضربا أزال الهام عن مقيله وأثكل الأمهات أولادها، ~~فأدخلكم في الدين كرها، فلما قيض رسول الله صلى الله عليه وسلم، كنا ورثة ~~علمه وخزانة كتبه، فأمرنا الناس بالبيعة فبايعوا، ومنهم أبوك [3] ، لولا ~~ذلك ضاقت به الأرض ولم تنجه البحار [4] ، وكانت حاله حالك يوم الجمل، حيث ~~وليت غدرا [5] وجبنا، فضاق عليك الفضاء الواسع. فأنى أنت من آبائي القراسية ~~الكبار، أطلب مذودا وكن راعيا، فلست من رجالات بني أمية، ولم تبلغ ms045 فخر بني ~~عبد المطلب. ثم التفت إلى الوليد فقال: ما أنت يا وليد والكلام في قريش، ~~ادعيت والدا أنت أكبر سنا منه، وأبوك رجل من أهل صفورة [6] يقال له [33 ب] ~~فروخ، فأثبت نسبك في العرب، فلما استمكنت مما أردت صرت لا ترضى حتى تجاري ~~أبناء الأنبياء، وتذرع [7] في منطقك وتقول بالإفك والخنا، ما لك في العرب ~~أس فتبني عليه، ولا بنيت على أصل ثابت، فأنت كالمذبذب بين ذلك، لا إلى ~~هؤلاء ولا إلى هؤلاء، تبت يداك، عبت قوما لا يحل بساحتهم العار، ولا تجزي ~~بفنائهم الدناءة والذل، نجب بها ليل، سراة مذاويد، يا لها وجوها عفرت ~~بالثرى، ما أكرم فعالها PageV01P080 # في الدين، أنت بحرث الأرض وزجر الثيران أعرف وأبصر منك بنسبة بني هاشم ~~وبذكر [1] فعالهم، فلا تجر في ميادين مضمارهم فيهلك غبارهم فلست منهم. فقال ~~عبد الله بن عباس: حسبتموه أقطا فوجدتموه سما ناقعا، يرمي سوادكم بالحق ~~فيبهتكم، وترمونه فلا تنفذ سهامكم، إن بني هاشم صغيرهم ككبيركم، فتزخر ~~بحورهم، وتجمد بحوركم، لهم الرئاسة وإليهم السياسة، لهم النبوة، فخروا بها ~~عليكم آخر الأبد. فقال معاوية: إيها أبا العباس: فقد كفاك ابن عمك، فسكت. ~~وقاما فرجعا، فلما مضيا قال ابن عباس له: قد كنت حسبت أن تبقي [2] ، ~~فيلحقنا منك عار أن تكون بنو [3] أمية ناطقونا فضعفنا عن جوابهم. وقال ~~معاوية: فكيف [34 أ] وجدتني ورأيتني؟ قال: رأيتك أسدا باسلا، وسما ناقعا، ~~وصاعقة مبيرة، أرسلك الله عليهم. فلما خرجا [4] من عنده، قال لهم معاوية: ~~ما صنعتم شيئا، لقد قال فأفحمكم، ورماكم فلم يخطكم، فما دفعتم ضيما، ولا ~~أدليتم بحجة، يستن عليكم ويبذخ. فقال عمرو: والله ما بذخ علينا إلا مثل ~~الذي بذخ عليك، وما قال فينا إلا مثل الذي قال فيك، عاب أمية وأنت من ~~ذراها، ورفع رجال قومه حتى ألحقهم بالسماء. فقال معاوية: هم أهل بيت أعطوا ~~الفخر واللسان ولا يقام لمفاخرهم. # قال: قدم عبد الله بن عباس على معاوية فقال له: يا ابن عباس! إن لك عندي ~~قدرا لعظيم خطرك ms046 وشرفك، مع كريم منزلتك وعظيم حلمك، قد أردت مساءلتك ~~ومناظرتك في أمور قد أهمتني. قال: ما ذاك، لا يسؤك PageV01P081 # الله؟ قال: تخلف ابن عمك عن البيعة ليزيد- يعني الحسين بن علي عليهما ~~السلام- فأما ابن الزبير فكأني به قد هوي، وأما الحسين فإن له قرابة قريبة، ~~ونفسا حيية، وأحب ما سره وأبغض ما ضره. قال ابن عباس: # أما ابن الزبير فلا أدخل فيما بينكما، وأما الحسين فإنه قال وصدق وخفقت ~~النعال خلفه، وهو رجل لا يملأ جنانه شيء [34 ب] ، وإنك لتعلم أنه أتى أبا ~~بكر وهو على منبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخذ بردائه [1] فنتره ~~نترا [2] عنيفا ثم قال له: تنح عن مقام أبي. فقال أبو بكر: مقام أبيك لا ~~مقام ابن أبي قحافة. فلم يمنعه من ذلك صغر سنه، واجتماع الناس عليه وهيبتهم ~~له، فكيف يهابك اليوم، وقد اشتد عضده وأزره، وكبر زنده، ولكن سأقول له ولا ~~آلوه نفسي خيرا إن شاء الله. قال مروان: يا أمير المؤمنين! إني لأنهاك ~~كثيرا عن هذه الاستكانة، ابعث إليهما فإن بايعا وإلا فاضرب أعناقهما. فقال ~~ابن عباس: لو كنت في موضع معاوية ما أوصيت نفسك بما أشرت به على معاوية، ~~ولضاقت عليك إذن الأرض بما رحبت، ولو احتاج مع ذلك إلى نصرتك ما كانت نصرتك ~~إياه إلا نصرة أمة وكعاء، فهلا أوصيت بذلك نفسك غداة قدمت البصرة ورأيت ~~الحسرة وكانت عليك الدبرة، فعمدت إلى رجل من قريش بيعته في عنقك فرميته ~~بمشقصك فقتلته [3] ثم وليت هاربا غادرا، فأنت في كل ذلك تابع غير متبوع، لا ~~ترى نفسك للرئاسة موضعا، ولا يرونك لها أهلا، فإن كنت إنما أبغضت عليا ~~لقتله الوليد فقد قتله بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقتله رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم PageV01P082 # [35 أ] بأمر الله ويرغم الله أنف من كان راغما، ورأس من لم يدفع ذلك ~~والحجر. فقال عمرو: يا أمير المؤمنين: مروان شيخ من مشايخنا، يستقبله غلام ~~من بني هاشم بما استقبله، لا يرى لمجلسك ms047 وقارا، ولا يخاف منه حذارا. # فالتفت إليه ابن عباس فقال: يا عمرو عذر القراد فما بال الحلم [1] ، ~~والله إن رجلا في قريش ما كان [2] إلا سهما [3] جال بأيدي الرجال لحقيق ~~بالذلة، وإنك لمن لفقه [4] وممن ختم بغير السنة. فقال معاوية، اعتديت على ~~جليسي يا ابن عباس! قال: إنهما أسمعاني في ابن عمي ما كرهت، وهذا مجلس يحكى ~~عنا، وكرهت أن يحكى عني ما لا يجمل بمثلي. # قال: لما قدم المأمون العراق، كتب إلى الكوفة وإلى البصرة يسأل عمن يروي ~~له هذه الأربعة الأحاديث لجده عبد الله بن عباس ومعاوية بن أبي سفيان، فلم ~~يكن أحد يعرفها غير عبد الله بن صالح الأسدي الكوفي، فحمل إليه، فحدثه بها، ~~فولاه قضاء فارس حتى توفي بها. فأحدها: خبره الذي دخل إليه فنعى الحسن بن ~~علي وأسامة بن زيد، وقد كتب. والثاني: خبره مع ابن الزبير في مجلس معاوية، ~~وقد كتب. والثالث: عبد الله بن صالح يرفعه إلى ابن عباس قال: # قدمت على معاوية وعنده [35 ب] وفود العرب، فأذن للوفود فدخلوا عليه ودخلت ~~معهم، فتكلم معاوية فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم فإنه لم يخلق للدنيا ولم تخلق له، وأما أبو بكر فلم يردها ولم ~~ترده، وأما عمر فأرادته ولم يردها، وأما عثمان فأخذ منها وترك، وأما أنا ~~فمالت بي وملت بها، فأي امرئ إن [5] يكن المصير إلى النار، قل PageV01P083 # يا ابن عباس! قال ابن عباس: أقول خيرا، إن كنت تريد الدنيا فقد أمكنتك ~~ففي يديك ضرعها، وإن كنت تريد الآخرة فقد أمكنتك ففي يديك أسبابها، فإن ~~أردت الدنيا فارتضع وإن أردت الآخرة فارتدع، واعلم أنه ما نقصك من دنياك ~~وزادك في آخرتك خير لك مما نقصك من آخرتك وزادك في دنياك، فلا يغرنك من ~~آخرتك غار، ولا يسرنك من دنياك سار، ولعمري لقد حلبت الدنيا أشطرها ~~وأرضعتها مرة بعد مرة، وشربت صفوها، فانظر أي امرئ تكون غدا، فبكى معاوية ~~وأنشأ عبد الرحمن بن حسان [1] يقول: ms048 # قال ابن حرب مقالا مشفقا حذرا ... أرى الخروج من الدنيا إلى النار # [36 أ] واقتص [زهد] [2] أبي بكر وحق له ... الصديق ثاني رسول الله في ~~الغار # واقتص زهد أبي حفص وقد عرضت ... دنيا يقسم منها ألف قنطار # واقتص زهد أبي عمرو وقد سحبت ... له الذيول من الدنيا بآثار # وقال: مالت بي الدنيا وملت بها ... بئس المميل فيا لله من عار # قال ابن عباس المحمول حكمته ... قولا يعيه [3] ذوو [4] سمع وأبصار # قد أمكنتك فأما ما أردت فخذ ... والغب يعرف وردا بعد إصدار PageV01P084 ### || ومن أخباره مع يزيد بن معاوية # جعفر بن عبد الله بن العباس العلوي عن أبيه عن الحارث بن كعب عن مجاهد، ~~قال: بلغ يزيد بن معاوية أن ابن الزبير أخذ ابن عباس في أول أمر ابن ~~الزبير، فكتب يزيد إلى ابن عباس: أما بعد فقد بلغني أن الملحد ابن الزبير، ~~دعاك إلى نفسه [1] ، وعرض عليك الدخول في طاعته، لتكون على الباطل ظهيرا، ~~وفي المأثم شريكا، وأنك امتنعت هنالك من طاعته، واعتصمت ببيعتنا وفاء منك ~~لنا، وإقامتك بها طاعة الله وتثبيت ما عرفك الله من حقنا، فجزاك الله من ذي ~~رحم ما جزى الواصلين لأرحامهم، الموفين بعهدهم، ما أنس من الأشياء فلست ~~أنسى برك وتعجيل صلتك بما أنت أهله مني للطاعة [36 ب] والشرف والقرابة ~~برسول الله صلى الله عليه وسلم، فانظر من يطل عليك من سحرة الملحد ابن ~~الزبير بلسانه وزخرف مقاله، فأعلمهم حسن رأيك في طاعتي وتمسك ببيعتي فإنهم ~~لك أطوع، ومنك أسمع منهم للمحل الملحد [2] والسلام. فأجابه ابن عباس: # بسم الله الرحمن الرحيم، أما بعد، فإن كتابك أتاني تذكر فيه دعاء [3] ابن ~~الزبير إياي إلى نفسه، وامتناعي عليه للذي [4] دعاني إليه، فإن يك كذلك ~~فلست أنوي حباءك ولا كيدك ولا ودك، ولكن الله بالذي أنوي أعلم. # ذكرت أنك لست ناسيا بري وتعجيل صلتي، فاحبس عني أيها الإنسان PageV01P085 # صلتك، فإني حابس عنك ودي ونصرتي، ولعمري، ما تؤتينا من حقنا إلا القليل، ~~وإنك لتحبس عنا منه العريض الطويل. وسألتني ms049 أن أحث الناس إلى طاعتك وأخذلهم ~~عن ابن الزبير، فلا، ولا سرور ولا كيد ولا كرامة ولا حبور. كيف تسألني ~~نصرتك، وتحدوني على ودك، وقد قتلت حسينا عليه السلام، بفيك الكثكث ولك ~~الأثلب إذ تمنيك نفسك، العازب رأيك، وإنك لأنت الملعن المثبور. أتحسبني لا ~~أبا لك نسيت قتلك حسينا عليه السلام وفتيان بني عبد المطلب [37 أ] مصابيح ~~الدجى، ونجوم الأعلام، غادرتهم جنودك بأمرك مصرعين في صعيد واحد، في الدماء ~~مرملين، بالعراء مسلبين، لا مكفنين ولا موسدين، تسفي عليهم الرياح، وتغزوهم ~~الذئاب والسباع، وتنتابهم جوع [1] الضباع، حتى أتاح الله لهم قوما لم ~~يشركوا في دمائهم، وكفنوهم وأجنوهم [2] ، وبي والله وبهم جلست مجلسك، ~~وأعززت نفسك، وما أنس من الأشياء فلست أنسى تسلطك عليهم، فلست أنسى الدعي ~~[3] ابن الدعي ابن العاهرة الفاجرة، البعيد رحما، اللئيم أبا وأما، الذي في ~~ادعائه أبوك كسب العار والشنار والخزي والمذلة في الآخرة والأولى، والممات ~~والمحيا، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: الولد للفراش وللعاهر ~~الحجر، فقال أبوك: الولد لغير الفراش والعاهر لا يضره العهر، ويلحق به ولده ~~للبغي كما يلحق بالعفيف ولده للرشد، فقد أمات أبوك السنة جهلا، وأحيا البدع ~~والأحداث المضلة عمدا. وما أنس من الأشياء لست أنسى إطرادك الحسين بن علي ~~رحمة الله عليهما ورضوانه من حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حرم ~~الله، وتسريبك [4] إليه الرجال ليغتالوه، ودسيسك PageV01P086 # إليهم إن هو نذر بكم فبادروه، وقاتلوه، فما زلت بذلك وفي ذلك حتى أشخصته ~~من مكة [37 ب] إلى أرض العراق، فخرج منها خائفا يترقب، يزأر عليه [1] خيلك ~~ورجلك زئير الأسد، عداة منك لله ولرسوله ولأهل بيته. لعمر الله لقد كان أعز ~~أهل البطحاء قدما، وأعرف أهلها بها حديثا، وأطوع أهل الحرمين بالحرمين لو ~~نوى بهما مقاما، واستحل بهما قتالا، ولكنه كره أن يكون هو المرء تستحل [2] ~~به حرمة [3] البيت أو حرمة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكتبت إلى ابن ~~مرجانة بالخيل والرجال والأسنة والسيوف، وأمرته بمعاجلته وترك مطاولته ~~بالإلحاح ms050 عليه حتى يقتله ومن معه من بني عبد المطلب أهل البيت الذين أذهب ~~الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، فنحن أولئك لسنا كآبائك الجفاة [4] الأجلاف ~~أكباد الحمر، فطلب إليكم الحسين ابن علي عليه السلام الموادعة، وسألكم ~~الرجعة فأبيتم، واغتنمتم قلة أنصاره، وأردتم استئصاله وأهل بيته، فعدوتم ~~عليهم فقتلتموهم، كأنما قتلتم أهل بيت من ترك أو كابل، فلا شيء أعجب عندي ~~من طلبك ودي وقد قتلت بني أبي، وسيفك يقطر من دمي، وأنت أخيذ [5] ثأري، فإن ~~يشأ الله لا يطل [6] لديك دمي ولئن تطل [7] دمي وتعجزني بثأري وتسبقني فيه ~~في الدنيا، فقتلنا ما قتل به النبيون [38 أ] وأبناء النبيين، وطلت دماؤهم، ~~وكان الله لهم الموعد، وكفى بالله للمظلوم ناصرا ومن الظالمين منتقما، فلا ~~يعجبنك إن ظفرت بنا اليوم، فو الله لنظفرن بك يوما إن شاء الله. ذكرت وفائي ~~وما عرفني الله من PageV01P087 # حقك، فإن يك ذلك كذلك، فعمدا والله بايعت أباك وبايعتك من بعد أبيك، وإني ~~لأعلم أني وجميع ولد أبي أحق بهذا الأمر منكم، ولكنكم معشر قريش استأثرتم ~~علينا بسلطاننا حتى دفعتمونا عن حقنا، فبعدا لمن تحرى ظلمنا، واستغوى ~~السفهاء علينا حتى دفعنا عن [1] حقنا واستولى على الأمر دوننا، كما بعدت ~~ثمود وقوم هود وأصحاب مدين، ألا ومن أعجب الأعجاب عندي، وما عسيت أن أرى في ~~الدهر من عجب، حملك بنات عبد المطلب وأغيلمة صغارا من ولد أبيه إلى الشام، ~~كالسبي المجلوبة، ترى الناس أنك قد قهرتنا وأنك تمن علينا، ولعمري لئن كنت ~~تمسي وتصبح آمنا من جراحة يدي إني لأرجو أن أعظم جراحك من لساني ونقضي ~~وإبرامي، وإني لأرجو الا يمهلك الله بعد قتل أهل بيته صلى الله عليه وسلم ~~إلا قليلا، حتى يأخذك أخذا وبيلا، ويخرجك من الدنيا مذموما مخذولا، فاعتبر ~~لا أبا لك ما استطعت فقد والله [38 ب] زادك الله بما اقترفت، والسلام على ~~أهل طاعة الله. ### || أخبار عبد الله بن العباس مع عمرو بن العاص # ذكر [2] خالد القرشي عن أبيه قال: قام عمرو بن العاص ms051 في موسم من المواسم ~~فأطرى معاوية وتنقص بني هاشم وذكر مشاهده بصفين، فاجتمعت إليه قريش، وأقبل ~~عبد الله بن العباس على عمرو فقال: يا عمرو، إنك بعت دينك ونفسك من معاوية ~~بدنيا غيرك، فأعطيته ما في يديك ومناك ما في يد PageV01P088 # عدوه [1] ، وكان الذي أخذ منك فوق ما أعطاك [2] ، وكل راض بما أخذ وأعطى، ~~حتى إذا كانت مصر في يدك عيشك فيها بالعزل [3] والتنغيص، حتى لو أن نفسك في ~~يدك ألقيتها، وذكرت مشاهدك بصفين فو الله ما ثقلت علينا وطأتك، ولا نكتنا ~~حزتك [4] ، وإن كنت [5] لطويل اللسان قصير اليدين [6] ، آخر الخيل إذا ~~أقبلت وأوائلها [7] إذا أدبرت، جبان الجنان قصير العنان [8] ، لك يدان: يد ~~لا تبسطها إلى خير وأخرى لا تكفها [9] عن شر، ولسانان: لسان شر ولسان غرور ~~[10] ، ووجهان: وجه موحش ووجه مؤنس، ولعمري أن من باع دينه بدنيا غيره ~~لحقيق أن يطول حزنه وندمه على ما باع واشترى [11] . # أبو مخنف وعوانه، قالا [12] : حج عمرو [39 أ] بن العاص ذات مرة، فمر بعبد ~~الله بن عباس، فحسده مكانه، وما رأى من إجلال [13] الناس PageV01P089 # إياه وموقعه من قلوبهم، فقال له: يا ابن عباس! ما لك إذا رأيتني وليتني ~~القصرة، وكأن بين عينيك دبرة، وإذا كنت في ملأ من الناس كنت الهوهاة ~~الهمزة. فقال ابن عباس: لأنك من اللئام الفجرة، وقريش هم الكرام البررة، لا ~~ينطقون بباطل جهلوه، ولا يكتمون حقا علموه، وهم أعظم الناس أحلاما، وأظهرهم ~~[1] أعلاما. دخلت في قريش ولست منها، فأنت كالساقط من الفراشين [2] ، لا في ~~بني هاشم رحلك، ولا في [3] عبد شمس راحلتك، فأنت الأثيم الزنيم، الضال ~~المضل، حملك معاوية على رقاب الناس، فأنت تسطو بحلمه [4] وتسمو بكرمه. فقال ~~عمرو: أما والله يا ابن عباس، إني بك لمسرور فهل ينفعني ذلك عندك [5] ؟ ~~فقال ابن عباس: لا، حيث مال الحق ملنا وحيثما [6] سلك قصدنا. ### || ومن أخبار عبد الله بن عباس مع ابن الزبير # ذكر أبو الحسن المدائني عن أبي عمرو بن المبارك قال: قام ابن الزبير ذات ~~يوم خطيبا فحمد ms052 الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فإن بني هاشم سوميت ~~فأعنقت، وجوريت [7] فسبقت، وأيم الله لولا أنها أبقت بالنفوس [39 ب] قرحا ~~PageV01P090 # يقرفها [1] التذكر، لا يدملها إلا الجزاء كيلا بصاع وفاء، لما اتصل أحد ~~بعجاج أقدامها، ولا عد مثل أيامها، ولكنها أخذت بأزمة الفضائل وأبت أن ~~تعلقها كف متناول، أو يضرب فيها بسهم مخاصل [2] ، فجوذبت الأزمة على كرهها، ~~فتمطت بها تمطي الراتع في لجامه، والبازل في خطامه، فلما نظر الله إلى ~~أنوفها قد شمخت، وإلى شفاهها قد بذخت، استوقفها بإمرئ لو عرفوا لغيره فضله ~~كان مع أيديهم لهم باقي الدهر حربا، فعركهم كعرك السقاء وذللهم بعد إباء، ~~فذاقوا [3] غب الخطأ وطاعة السفهاء، فرغمت معاطسها وترعبلت [4] مجالسها، ~~فبعدا لمن أكل فريسته وحده، وجحد الشريك شركته، وإن مثلنا ومثلهم لكما قال ~~الأول: # كنا لأول ما خولته [5] سببا ... فصرت رأسا ومن آتاكه ذنبا # لا يبعد الله إلا آنفا عطست ... على المراغم سيمت خطة عجبا # لو أنها عرفت فضلا لذي رحم ... داني المحلة لم يبعد لها نسبا # أضحى لها عضدا تغني بها ويدا ... تنفي بها الذل إما أغضبت غضبا # فقام إليه ابن عباس فقال: مهلا يا ابن الزبير، لا تكن كالضبة [6] صالت ~~بحدها على ما لحقت من ولدها، لا تجعل ذرب [7] لسانك [40 أ] على من أنطقك، ~~وبلاغة قولك على من سددك، ولا تجن على نفسك جناية العنز PageV01P091 # الباحثة عن حتفها فيقل ناصرك، وتقطعك أواصرك، وتطيش سهامك، ويستوعر ~~مرامك، وأقبل قبل السفه الذي أنت متحير في دجنة طخيائه، وسواد ظلمائه، ولا ~~تظن بنفسك ظن الأحمق المرتاب، فإنما أنت غدا أو بعده أكيلة أضبع وذئاب، ~~كأني بما أصبحت تثق بنفسك قد أسلمك، وبمن أصبح يعدك النصر قد خذلك، فصرت ~~جزور أيسار، كل يضرب فيك بسهم فاز قدحه أو خاب، ولو رجع إليك عازب حلمك، ~~ونظرت في الأمور بفهمك، لعلمت أنه لا يبعدك من هاشم إلا نفسك، إن عبد ~~المطلب لجدك، وإن العباس لخالك، وإن صفية لأمك، وما القرح المعروف إلا ما ~~أبقى الدواء من ms053 الداء، وأيم الله أن لو وكلتم إلى رأيكم، وتركتم وضلال ~~أهوائكم، لقديما أبارتكم [1] الحتوف، وتلعبت بكم السيوف، ولكنكم كفرتم نعمة ~~من لطف بكم، وأنعلكم، ورفق في السياسة بكم، فاشكر الله يا ابن الزبير شكر ~~من لم يعجل عليه عجلة المبادر، حتى بقيت لهذا الموقف الذي أظهرت فيه حسكة ~~صدرك وهتكت به الحجاب من سترك بذكرك إنكارنا فضلك، فهل دفعناك [40 ب] عن حق ~~أوجبه الكتاب لك. تصفح كتاب الله واعرضه على قلبك فإن وجدت فيه لمهاجر في ~~الفيء على غيره من أهل الإسلام فضلا، بفريضة من رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أو من أبي بكر بسيرة، فها نحن قد أنكرنا وجحدنا حقك، وإلا يكن [2] ~~ذلك، فما موضع الإنكار إذن؟ لا والله يا ابن الزبير! ولكن أردت أن تكون ~~قيصرية كسروية، قبحا لرأيك وسفاهة لحلمك، أبعد الإسلام تستكثر من الدنيا ~~وترغب فيها وتناضل عنها، كالحائن [3] المثبور ما استبقى [4] في الله؟ أما ~~نائما PageV01P092 # ذكرت عند ما أنكر من أعمالنا، وكره من أفعالنا؟ فالعجب كل العجب لمن ~~ينسبنا إلى ما أصبح فيه، ويدعي علينا ما كان منه. كلا ليس ذلك كذلك، نحن ~~بالله أعرف، وله أخوف من أن نتعرض لسخطه بالتعدي عما أمر به، أو المقارفة ~~لما [1] نهى عنه، ولكنه تبارك وتعالى أراد أن يعظم لنا الأجر بما يلهمنا من ~~الصبر، ويوفقنا له من الشكر، ويحق القول على الظالمين، وسيعلم الذين ظلموا ~~أي منقلب ينقلبون، ثم تمثل فقال: # وهل هي إلا مدة سوف تنقضي ... ويرجع فينا الأمر والأنف راغم # قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبي [2] : قال عيسى بن طلحة: حضرت [41 أ] ~~من ابن عباس محضرا ما حضرته من قرشي قط، قال: كان مروان ابن الحكم يأذن ~~للناس بعد العصر، وكان ابن عباس يجلس على منبر رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم عند رأسه وابن [3] الزبير فيأتي فيجلس على وسادة عند رجليه، فحضرنا ~~عشية من ذلك، فإذا منبر عند رجل مروان مقابل الستر الذي عند رأسه، فجاء ابن ~~عباس فجلس مجلسه ms054 وجاء ابن الزبير فجلس، وأنصت مروان، وأنصت الناس، ونظرنا ~~إلى يدي ابن الزبير ترعد، فعرفنا أنه يريد أن يتكلم، فقال: إن أناسا قالوا: ~~إن بيعة أبي بكر كانت فلتة على غير تواطؤ، وإن أمر أبي بكر كان أعظم من أن ~~يقال له مثل هذا، ولعنة الله على من قاله، والله ما كان من أحد خيرا من أبي ~~بكر ولا أفضل سابقة، فأين الذين يقولون مثل هذا حين حضرت أبا بكر الوفاة ~~واستخلف عمر، فلم يكن إلا ما قال أبو بكر، ثم حضرت عمر الوفاة فألقى حظهم ~~PageV01P093 # في حظوظ وجدهم في جدود فأسقط الله حظهم وأدحض جدهم، وأخذ علمهم من كان ~~أولى بذلك منهم، حتى خرجوا عليه خروج اللصوص، فنالوا منه غرة فقتلوه، ثم ~~قتلهم الله بعد ذلك كل قتلة، وفرقهم تحت بطون الكواكب. فقال ابن عباس: على ~~رسلك أيها القائل في [41 ب] أبي بكر وعمر وعثمان، والله ما أنكرنا متقدم من ~~تقدم منهم وان كانوا خيرا فما نألو أن نقول [1] ، ولو تقدم متأخر لكان ~~أهله. ولولا أنك تذكر حظ غيرك وشرفه لعرفت كيف أجيبك، ولو أن من أولئك ~~متكلما لأخبرته عني وعنه خبر حاضر عن حاضر، لا خبر غائب عن غائب، ولكن ما ~~أنت وما لا عليك ولا لك؟ أقصر على حظ نفسك فإنه لك، وإن أحدا لن ينازعك، ~~إني وإياك من الأولين بمنزلة، وإن الثالث لي دونك، فتيم لتيم، وعدي لعدي، ~~وأمية لأمية [2] ، وإن يك في أسد [3] شيء فهو لك، والله لأنا أقرب بك عهدا ~~[وأبيض عندك يدا] [4] ممن أمسيت تظن [5] هذا عنده، وما أخلق ثوب صفية بعد ~~[6] . # العنزي [7] قال: حدثنا علي بن الحسين بن [8] البراء قال: حدثني عمي عبد ~~الله ابن محمد بن مسروق قال: حدثني أبو عبد الله الجحدري حمدان بن بانة عن ~~ابن PageV01P094 # دأب قال: تزوج عبد الله بن الزبير فاطمة [1] بنت منظور الفزارية، وكان ~~معها في سجف [2] ، فقال لها: هل تدرين [3] من معك في سجفك؟ قالت: نعم عبد ~~الله ابن الزبير. قال: ليس إلا ms055 [4] ؟ قالت: فما تريد؟ قال: أصبح والله من ~~معك الغداة في سجفك من هو [في] [5] قريش بمنزلة الرأس من [42 أ] الجسد، لا ~~بل بمنزلة العين [6] من الرأس. قالت: أما والله لو كان بعض بني هاشم [7] ~~هاهنا ما رضي بهذا. قال: فالطعام والشراب علي حرام إن أنا لم أحضرهم فنقول ~~هذا الكلام بين أيديهم فلا يستطيعون له ردا، ولا له إنكارا. # قالت: أما إنك لو أطعتني لم تفعل، وأنت وشأنك [8] أعلم. فخرج إلى المسجد ~~فإذا هو بجماعة من بني هاشم فيهم عبد الله بن عباس وعبد الله بن جعفر فسلم ~~عليهم، ثم قال: إني أحب أن تقوموا معي إلى المنزل، فلما دخل جاء بالطعام ~~فأكلوا، فلما فرغوا قال: إني كنت قبيل [9] مع صاحبة هذا السجف آنفا، فقلت ~~لها كذا وكذا، فما تقول أنت يا ابن عباس؟ قال: # أقول وأنا في منزلك، وقد تحرمنا بطعامك، فإن تشأ أن نقول قلنا، وإن تشأ ~~أن نمسك أمسكنا. قال: وما عسيت أن تقول يا ابن عباس؟ أليس أبي PageV01P095 # حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو ليس [1] جدي أبو بكر الصديق صديق ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ أو ليس خالتي حبيبة رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم أم المؤمنين؟ فقال له ابن عباس: قد ذكرت شرفا شريفا، وفخرا فاخرا، غير ~~أنك إنما بلغت مداه ونلت سناه بنا. قال: # وكيف ذاك؟ قال: لأني أولى بمن تفخر به منك. فقال له: وإن [42 ب] شئت ~~فاخرتك، إلى ما كان منك قبل أن يبعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم [2] ~~فقال ابن الزبير [3] : قد أنصف القارة من راماها [4] . # فقال ابن عباس: تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفرق فرقان قط ~~إلا كان في خيرهما [5] ، فقد فارقناكم من جدي قصي [6] ، إن قلت لا كفرت وإن ~~قلت نعم غلبت. فقال: لا، ولكن قد علم القوم أني سابق غير مسبوق، متبحبح [7] ~~في الشرف الأنيق، بين حواري وصديق، غير طليق ولا ابن طليق. # فقال ابن عباس: دسعت بجرتك ms056 [8] ، هاهنا كلام مردود من امرئ حسود، أما ما ~~ذكرت من الأسرة فإن تكن الأسرة لك دوني فهي لك علي، وإن تكن لي دونك فهي لي ~~عليك، والكثكث في يديك [9] ، وأما ما ذكرت من طليق PageV01P096 # فلعمري لقد ابتلي فصبر، وأنعم عليه فشكر، وما نكث بيعة بعد تأكيدها، ولا ~~كان جبانا ولا فرارا. فقال ابن الزبير: ويحك تعير الزبير بالجبن [1] . # فقال ابن عباس: والله لقد فر وما كر، وبايع فما بر، وحارب فما ضر، # وما كان إلا كالهجين أمامه ... جياد تجاري ناجيات فاجهدا # فأدرك منها مثل ما كان أهله ... وقصر عن جري الكرام وبلدا [2] # [43 أ] أحمد بن السري البزاز قال: حدثنا الرياشي قال: وقع إلى الحرمازي ~~[3] قرطاس [4] فيه أن ابن صفوان قال لابن الزبير: هذا عبد الله ابن عباس ~~يعلم الناس الفقه وهذا عبيد الله يطعم الناس فما تركا لك؟ فقال ابن عباس: ~~ويحك يا ابن الزبير! ما يأتينا إلا طالب دين أو طالب دنيا. # وقال أبو الطفيل عامر بن وائلة [5] : # لا در در الليالي كيف تضحكنا ... منها أحاديث أيام وتبكينا [6] # ومثل ما تحدث الأيام من غير ... وابن الزبير عن الدنيا يلهينا [7] # كنا نجيء ابن عباس فيقبسنا ... علما ويكسبنا خيرا [8] ويهدينا ~~PageV01P097 # ولا يزال عبيد الله مترعة ... جفانه مطعما [1] ضيفا ومسكينا # فأصبح الدين والدنيا بدارهما ... ننال من ذاك [2] ما شينا إذا شينا [3] # ولست فاعلمه بالأولى به نسبا ... يا ابن الزبير ومن أولى به دينا [4] # لن [5] يعطي الله من أخزى ببغضهم ... في الدين عزا ولا في الأرض تمكينا # العنزي قال: حدثنا الرياشي قال [6] : دخل عبد الله بن صفوان الجمحي على ~~عبد الله بن الزبير فقال: أنت والله كما قال الشاعر: # [43 ب] فإن تصبك من الأيام جائحة ... لا نبك منك على دنيا ولا دين # فقال: وما ذاك ويحك؟ فقال: هذان [7] ابنا عباس أحدهما يفتي الناس في ~~دينهم، والآخر يطعم الطعام، فماذا أبقيا لك! فأرسل إليهما، فقال: # إنكما تريدان أن ترفعا راية [قد وضعها الله] [8] ففرقا عنكما مراق ~~العراق. # فأرسل إليه عبد الله بن ms057 عباس: ويلك أي الرجلين نطرد عنا، طالب ~~PageV01P098 # [دنيا] [1] أم طالب علم؟ فبلغ الخبر أبا [2] الطفيل فقال أبياته. # ولما قام [3] عبد الله بن الزبير بمكة واشتد أمره فيها، وذلك لما هلك ~~يزيد بن معاوية ووقعت الفتن، أقبل محمد بن علي بن الحنفية وعبد الله بن ~~عباس بعد وقعة الحرة حتى أتيا مكة فعاذا بها، واعتزلا الفتنة. # فدعاهما عبد الله بن الزبير إلى بيعته، فقال له محمد وعبد الله: إنا لا ~~نبايع إلا من اجتمعت عليه الأمة، فإذا اجتمعت عليك الأمة بايعناك وكنا أمة ~~من الناس. فأبى عبد الله بن الزبير أن يتركهما حتى يبايعا فأبيا أن يبايعا ~~حتى تجتمع الأمة عليه بالبيعة، فأخذهما عبد الله فطرحهما في حجرة زمزم، ثم ~~قال: والله لا خرجتما حتى تبايعا فأبيا فحلف لئن لم يبايعا إلى ذلك الأجل ~~ليحرقنهما بالنار، فلما رأى عبد الله بن عباس ومحمد بن [44 أ] علي ذلك كتبا ~~إلى المختار بن أبي [4] عبيد يستغيثان به ويخبرانه بالذي قد نكبهما ابن ~~الزبير، وبعثا في ذلك أربعة نفر: الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير [5] وأبا ~~المعتمر وهاني بن قيس الهمداني، فقال لهم محمد بن علي: اكتموا الخبر، ~~وأخفوا نفوسكم، وأجلهم محمد بن علي ثلاثة عشر يوما ذاهبين وثلاثة عشر يوما ~~جائين. وقد كان عبد الله بن الزبير بعث عليهما، وهما بزمزم، حرسا لا يدعون ~~أحدا يدخل عليهما، ولا يدعون واحدا منهما يخرج، وأخذ ما وجد لمحمد بن علي ~~من مال بالمدينة، ومنع الناس أن يكلموه، وأن يدخلوا عليه. PageV01P099 # قال: فلما هدأت [1] العيون ونام ظالع الكلاب، دفع إليهم كتابا، وقال: # إني قد رمقت هؤلاء الحرس حتى دار بهم النوم، فاخرجوا حتى تركبوا رواحلهم ~~وتمضوا لوجوهكم، فإذا دخلتم مسجد الكوفة فادفعوا الكتاب إلى المختار بن أبي ~~[2] عبيد، فإن رأيتم منه ما تحبون حمدتم الله على ذلك، وإن رأيتم منه ~~تقصيرا فأعلموا الناس ما جاء بكم، والحال التي نحن عليها، فإنه مما يحرك ~~المؤمنين تقوية، وسينصرنا من لم نكن نطمع في نصرته. قال: فأقبلنا حتى ms058 دخلنا ~~على المختار، فلما قرأ الكتاب، دعا أصحابه وقرأ عليهم الكتاب [3] وكانت ~~نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن علي إلى المختار بن أبي [44 ب] عبيد ~~ومن قبله [4] من شيعتنا [5] أهل البيت. سلام عليكم، فإني أحمد إليكم الله ~~الذي لا إله إلا هو [6] . أما بعد، فإني أسأل الله أن يدخلنا [7] وإياكم ~~الجنة، وأن يصرف عنا وعنكم النار [8] ، فإني كتبت إليكم [9] وأنا وأهل بيتي ~~وبضعة عشر رجلا [10] PageV01P100 # محصورون لدى البيت الحرام الذي من دخله كان آمنا، وقد منعنا لين [1] ~~الطعام، وعذب الماء، وكلام الناس، ونهدد بالقتل والتحريق بالنار [2] ، وإني ~~أنشدكم بالله الذي يجزي بالإحسان إحسانا، ويتولى ثواب البر الخير أن ~~تخذلونا مرتين بين أظهركم من أهل بيت نبيكم، فتندموا ألا تكونوا نصرتموهم ~~ومنعتموهم، كما قتل الحسين وآل الحسين إلى جانبكم بالأمس وأخواته وبناته ~~ينظرن [3] إليهم، ثم لم تمنعوهم ولم تدفعوا عنهم، وأصبحتم على ألا تكونوا ~~فعلتم ذلك نادمين، ثم يا غوثا بالله، ثم يا غوثا [4] بالله، فإنا لا ندعو ~~إلى ظلم ولا إلى [5] قتال أحد، إنما نريد أن نسلم ويجتمع أمر الناس ~~والسلام. قال: فوثب جميع من في القصر يبكون ويضجون ويقولون للمختار: # سرحنا إليهم الساعة وعجل بنا [6] . قال: فو الله لو يأذن للناس كلهم ما ~~بقي معه منهم أحد. قال: فنادى في الناس بالصلاة جامعة، فاجتمع إليه الناس، ~~فحمد الله [45 أ] وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فإن هذا كتاب مهديكم وصريح ~~[7] أهل [8] بيت نبيكم صلى PageV01P101 # الله عليه وسلم [ومن معه من إخوانكم] [1] قد تركوا محظورا عليهم حظار ~~كزرب الغنم، فينتظرون القتل والحريق [2] بالنار في آناء الليل وأوقات [3] ~~النهار، ولست بأبي إسحاق إن لم أنصرهم نصرا مؤزرا، وإن لم أسرب [4] إليهم ~~الخيل في آثار الخيل، كالسيل يتلوه السيل، حتى يحل بابن الكاهلية [5] ~~الويل- وكانت أم العوام كاهلية [6] . ثم قال المختار: تجهز يا أبا عبد الله ~~الجدلي ثم سر، فإن قدرت أن تطير فطر، وقال لأبي المعتمر: اخرج أنت فعسكر ~~له. فخرج أبو عبد الله الجدلي فتبعه الناس يريدون ms059 أن يخرجوا معه، ونزل ~~المختار فدخل القصر وقال لأبي عبد الله الجدلي: تعجل في أهل القوة الساعة ~~الساعة، فخرج أبو عبد الله في نحو من سبعين راكبا. ودعا المختار الطفيل ابن ~~عامر ومحمد بن بشير وبعث معهما كتابا هذه نسخته [7] : # بسم الله الرحمن الرحيم للمهدي محمد بن علي من المختار بن أبي عبيد. سلام ~~عليك، فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فقد قرأت كتابك ~~رحمك الله PageV01P102 # وعفا عنك [1] ، وسيرت إليك الشيعة أرسالا يتبع بعضهم بعضا [2] وبالله ~~أفتأ أبعثهم إليك حتى [45 ب] املأ مكة على ابن الكاهلية خيلا ورجالا حتى ~~يعلم ابن الكاهلية أنك أعز منه وأكثر نفرا [3] . وقد [4] أتاك الغوث وجاءك ~~الغيث، وقد بعثت إليك مع ظبيان [5] بن عمارة أخي بني تميم بأربعمائة ألف ~~درهم [6] ، وسرحت إليك معه رجالا ينصرونك [7] ، ويحفظون المال حتى يؤدوه ~~إليك، وسرحت إليك أبا عبد الله الجدلي، وأمرته بالنجاء، والإغذاذ [8] حتى ~~يأتيك، وحبست من رسلك أبا المعتمر وأخا همدان لنجهز إليك معهما من شيعتك ~~أنصارا يقاتلون [9] عدوك، ويدفعون الظلم عنك [10] . فأبشر ثم ابشر ~~PageV01P103 # فقد أتاك الصمد [1] بفارس بهمة وسداد ثغر وفراج [2] غم وأخ نصور [3] ، وو ~~الله الذي لا إله إلا هو لولا أعلم أنه أعز لك ولشيعتك أن أبعث إليك الخيل ~~والرجال، وأقيم بهذه البلدة لسرت بنفسي حتى أقتل ابن الكاهلية، أو آتيك به ~~سلما، فاكتب إلينا برأيك وأمرك في كل حال، ما بدا لك، فإنما نحن شيعتك ~~وأنصارك والسلام عليك ورحمة الله. قال: فخرج الناس بعضهم في آثار بعض، وقد ~~بهذه الرسالة الطفيل بن عامر ومحمد بن بشير وأصحابه، ثم جاءهم أبو عبد الله ~~الجدلي، فأقبل حتى نزل بذات عرق [4] في سبعين راكبا فصلى بهم الظهر والعصر ~~حتى توافي الناس واستتم معه مائة وخمسون [46 أ] رجلا، فلما اجتمعوا صلى بهم ~~أبو عبد الله، ثم دخل مكة ومع أصحابه الخشب وكان المختار أمرهم بذلك، ~~فدخلوا الأبطح فسموا الخشبية من أجل ذلك. فدخل المسجد الحرام ومحمد بن علي ~~وعبد الله ms060 بن عباس وأهل بيته بزمزم وأولئك النفر الذين معه قد أعد لهم عبد ~~الله ابن الزبير الحطب ليحرقهم فيما يزعم بالنار، وقد قال بعض الناس إن ابن ~~الزبير أظهر ذلك لهم، أراد أن يرعبهم لكيما يبايعوه. وكان ابن الزبير قد ~~أعطى الله عهدا لئن مضت بهم الجمعة ولم يبايعوه أن ينفذ فيهم رأيه. # فدخل أبو عبد الله وأصحابه مكة ولم يمض من الأجل غير يومئذ، فعقلوا ~~رواحلهم بباب المسجد ثم شدوا على الحرس الذين وكلوا بهم فطردوهم، ثم وثبوا ~~على أعواد زمزم فكسروها، ثم دخلوا على ابن الحنفية يفدونه بآبائهم ~~PageV01P104 # وأمهاتهم وأهاليهم وأولادهم، ويقبلون رأسه ورجله ويقولون: خل بيننا وبين ~~ابن الزبير، فقال لهم ابن الحنفية: ويحكم إني لا أستحل القتال في الحرم [1] ~~. وخرج ابن الزبير في أصحابه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: العجب [2] كل ~~العجب من هؤلاء الخشبية السبئية الذين اغتروني يبغون حسينا كأني أنا قاتل ~~الحسين، والله لوددت أني قدرت على قتلة الحسين فقتلتهم [3] ، وأقبل على أبي ~~عبد الله الجدلي [وأصحابه] [4] فقال: تحسبون أني مخل [46 ب] سبيل هذا ~~المذمم- يعني ابن الحنفية- دون أن يبايع ويبايعوا! فقال له أبو عبد الله: # أي ورب الكعبة، لتخلين سبيله فلينزلن من مكة حيث يشاء، ومن الأمصار حيث ~~أحب [5] أو لنجالدنك بأسيافنا جلادا يرتاب فيه [6] المبطلون. فنظر ابن ~~الزبير وإذا أصحابه كثير قد كانوا يملئون المسجد، وإذا أولئك لا يتمون ~~مائتي رجل وهم على ذلك معصوصبون [7] مجتمعون، فعلم ابن الزبير أن لهم شوكة ~~وأن جماعتهم خشنة. فقال ابن الزبير: وما هؤلاء والله، إن هم إلا أكلة رأس، ~~لو أذنت لأصحابي ما مكثوا ساعة حتى تقطف رءوسهم، PageV01P105 # فقال صخر بن مالك المزني: إني لأرجو إن ذهب أولئك أن لا يوصل والله إليهم ~~قبل أن ترى فينا ما تحب [1] . قال فمكث القوم ثلاثة أيام صافا [2] بعضهم ~~لبعض في المسجد الحرام، والمعتمرون يمشون بينهم [3] في الصلح، فلما كان ~~اليوم الثالث قدم أبو المعتمر في مائة رجل، وهانئ بن قيس الهمداني في مائة ~~رجل، ونزل ظبيان ms061 [4] بن عمارة الأبطح في مائتين ومعه المال [5] ، ثم أقبلوا ~~جميعا حتى دخلوا المسجد يكبرون وينادون يا لثارات الحسين، يا لثارات ~~الحسين. فلما رأى ذلك أصحاب ابن الزبير خافوهم، ورأى ابن الحنفية أنه قد ~~امتنع فقال لأصحابه: اخرجوا بنا إلى الشعب، فخرجوا، ولم يقدر ابن الزبير ~~على حبسهم، فأقاموا [47 أ] بالشعب [6] . وبلغنا أن أبا عبد الله الجدلي لما ~~نزل بذات عرق كتب إلى ابن الحنفية يعلمه قدومه، فبعث إليه ابن الحنفية: إني ~~أكره أن تدخل الحرم بالسلاح، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد نهى عنه، ~~وأقبل أبو عبد الله في أصحابه معهم الخشب حتى دخلوا المسجد، وإنما سموا ~~الخشبية لذلك، فأخرجوا محمدا وعبد الله بن العباس وأصحابه من حظيرة زمزم، ~~وكانت بنو هاشم من أول النهار محصورين PageV01P106 # وآخره، ما منهم رجل إلا وقد أخذ بحقويه [1] رهط من قريش، متعوذون بهم. ~~قال ابن الحنفية: ما أمركم به صاحبكم، فأخرج إليه كتابين: في أحدهما أن ~~اضرب عنق عبد الله بن الزبير وعنق عبد الله بن صفوان وأبعث إلي برأسيهما، ~~فقال ابن الحنفية: فإن أنا لم أفعل ذلك ولم أدعكم فمه؟ # قال أبو عبد الله: أمرنا إن لم تفعل ذلك أن [2] نضع الكتاب تحت أرجلنا ~~ونسمع لك ونطيع. قال: وحج الناس في تلك السنة وهي سنة ست وستين على ثلاثة ~~منازل: محمد بن علي في أصحابه على حدة، وعبد الله بن الزبير في أصحابه على ~~حدة، ونجدة بن عامر الحروري في أصحابه على حدة. فلما أفاض الناس من عرفات ~~نزل محمد بن علي شعب علي بن أبي طالب، فأقام معه أبو عبد الله الجدلي في ~~الشعب مع أصحابه [47 ب] حتى قتل المختار، فلما بلغه قتله، سار حتى نزل ~~أيلة، فبعث ابن الزبير في طلبه ابنا للمنذر بن الزبير. قال: ولما قدم محمد ~~بن الحنفية أيلة بعث إليه عبد الملك بن مروان: # إن أحببت أن تقدم علينا فتدخل في أمرنا فلك ما لنا وعليك ما علينا، وإن ~~كرهت ذلك فسر حيث ms062 شئت وأحببت، فأقام بأيلة حتى قتل ابن الزبير، وانصرف إلى ~~مكة فأقام بشعب علي [3] . ثم إنه خرج وعبد الله بن عباس وجماعة من أهل ~~بيتهما إلى الطائف، فأقاموا بها، ومات عبد الله بن عباس، ورأوا ذلا وصغارا، ~~فمشى بعضهم إلى بعض فتذاكروا وصية ابن عباس إياهم فمشى بعضهم إلى علي بن ~~الحسين بن علي فذكروا ذلك له وأرادوه على الخروج من المدينة، فقال علي: يا ~~سبحان الله تأمرونني بالخروج من دار الهجرة إلى دار الأعراب، فأصير أعرابيا ~~بعد الهجرة، وتأمرونني بفراق قبر رسول PageV01P107 # الله صلى الله عليه وسلم ومسجده أغدو وأروح إليه والصلاة فيه تعدل بألف ~~صلاة، فانصرف القوم عنه وانطلق علي بن عبد الله بن عباس يرتاد ويطلب حتى ~~أتى رستاقا بين الشام والمدينة فاشترى فيه قرية يقال لها الحميمة [1] ~~فنزلها ونزلها ولده فكانوا بها، وقل قدومهم المدينة. أبو المنذر عن عوانة ~~والشعبي أن ابن [48 أ] عباس دخل المسجد وقد سار الحسين بن علي عليه السلام ~~إلى العراق فإذا هو بابن الزبير في جماعة من قريش قد استعلاهم بالكلام، ~~فجاء ابن عباس حتى ضرب بيده على عضد ابن الزبير ثم قال: أصبحت والله كما ~~قال الأول: # يا لك من حمرة بمعمر ... خلا لك الجو فبيضي واصفري # ونقري ما شئت أن تنقري [2] # خلت الحجاز من الحسين بن علي وأقبلت تهدر في جوانبها. فغضب ابن الزبير ~~فقال: والله إنك لترى أنك أحق بهذا الشأن من غيرك. فقال ابن عباس: إنما يرى ~~من كان في حال شك، وأنا من ذلك على اليقين. فقال ابن الزبير: وبأي شيء ~~استحق عندك أنكم أحق بهذا الشأن مني؟ فقال ابن عباس: لأنا أحق بحق من تدل ~~[3] بحقه أنت. يا ابن الزبير! وبأي شيء استحق عندك أنك أحق بها من سائر ~~العرب إلا بنا؟ فقال ابن الزبير: PageV01P108 # استحق عندي أني أحق بها منكم لشرفي عليكم قديما وحديثا. قال ابن عباس: ~~أفأنت أشرف أم من شرفت به؟ قال ابن الزبير: إن من شرفت به زادني شرفا إلى ms063 ~~شرف قد كان لي قديما. قال ابن عباس: فالزيادة أشرف أم المزيد عليه؟ فأطرق ~~طويلا ثم قال: بل الزيادة أشرف وأعرف من المزيد عليه. قال [48 ب] ابن عباس: ~~فالزيادة مني أو منك؟ قال: بل منك ولم أبعد. قال: صدقت فأيها كان أول؟ ~~فتكلم ابن أخي [1] ابن الزبير وفيه بعض الزهو فقال: ابن عباس [2] ! دعني من ~~لسانك هذا الذي تقلبه كيف شئت، والله لا تحبوننا يا بني هاشم. قال ابن ~~عباس: صدقت يا بني نحن أهل بيت نبي الله صلى الله عليه وسلم لا نحب من ~~أبغضه الله أبدا. فأخذ ابن الزبير نعله فعلا بها رأس ابن أخيه، وقال: ما ~~أنت والكلام لا أم لك، تنازع ابن عباس! فقال: لن يستحق الضرب من صدق، وإنما ~~يستحقه من مذق ومرق. قال ابن الزبير: يا ابن عباس! أما ينبغي لك أن تصفح عن ~~كلمة إلا أعددت لها جوابا. قال ابن عباس: إنما الصفح عمن أقر، فأما من هر ~~فلا. قال ابن الزبير: فأين الفضل إذن؟ قال: عندنا أهل البيت، لا نصرفه عن ~~أهله فنظلم، ولا نضعه في غير أهله فنندم. قال ابن الزبير: أولست من أهله؟ ~~قال: بلى إن نبذت الحسد ولزمت الجدد [3] . فانقضى حديثهم وقام القوم ~~فافترقوا. # أبو المنذر عن أبي مخنف والشرقي [4] وعوانة وأبي [5] مسكين قال: قال عبد ~~PageV01P109 # الله ابن الزبير وهو على المنبر بمكة يخطب الناس إذ أقبل ابن عباس، وقد ~~كف بصره: إن هاهنا رجلا قد أعمى الله قلبه كما أعمى بصره، يزعم أن المتعة ~~حلال من الله ورسوله وهي الزنا المحض [1] ، [49 أ] ويفتي الناس في القملة ~~والنملة، وقد حمل [2] بيت مال البصرة، وتركهم [3] يرضخون النوى، وكيف نلومه ~~[4] على ذلك، وقد قاتل أم المؤمنين، وحواري رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~ومن وقاه بيديه [5] . فقال ابن عباس: لقائده [6] سعيد ابن جبير، وهو مولى ~~لبني أسد بن خزيمة، وقال بعضهم بل كان عكرمة: # استقبل بي ابن الزبير، وارفع من صدري [7] ، ثم حسر عن ذراعيه فقال: # يا ابن الزبير، ms064 # إنا إذا ما فئة نلقاها ... نرد أولاها على أخراها # بالمشرفيات إذا [8] نغشاها ... ضربا إذا نحن تقلدناها # حتى تكون صرعا [9] دعواها ... قد أنصف القارة من راماها # يا ابن الزبير! أما العمى فإن الله تعالى يقول فإنها لا تعمى الأبصار 22: ~~46 PageV01P110 # ولكن تعمى القلوب التي في الصدور 22: 46 [1] ، وإنما كان يوم زوجت صفية ~~بنت عبد المطلب من العوام بن خويلد [2] . وأما فتياي في القملة والنملة فإن ~~فيهما حكمين لا تعلمهما [3] أنت ولا أصحابك. وأما قولك في المتعة فقد أحلها ~~الله عز وجل في كتابه إذ قال جل ثناؤه: # فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن فريضة 4: 24 [4] ، ولقد عمل بها على ~~عهد رسول الله صلى الله [49 ب] عليه وسلم، وما حدث نبي بعد رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم يحلل ويحرم، وإنك لمن متعة، فإذا نزلت عن منبرك فسل أمك ~~أسماء ابنة أبي بكر ذات النطاقين عن بردي عوسجة وهل أنت من متعة أم غير ذلك ~~[5] . وأما حملي مال البصرة فإنه مال كنا جبيناه فأعطينا كل ذي حق حقه، ~~وبقيت بقية هي دون حقنا في كتاب [6] الله فأخذناها بحقنا. وأما قتال عائشة ~~[7] فبنا سميت أم المؤمنين لا بك ولا بآبائك، فانطلق أبوك وخالك طلحة [8] ~~إلى حجاب مده الله عليها فهتكاه عنها وانجداها [9] يقاتلان دونها وصانا ~~حلائلهما [10] ، فو الله ما PageV01P111 # أنصفا رسول الله صلى الله عليه وسلم [1] إذ مدا على بناتهما ونسائهما ~~السجوف، وأبرزا زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم للحتوف ومقارعة السيوف ~~[2] . # وأما قتالنا إياكم فإن زبيرا لقيناه بالبصرة فقاتل فقتل [3] ، فإن كنا ~~لقيناكم زحفا كفارا [4] فقد كفرتم بفراركم من الزحف، وإن كنا مؤمنين فقد ~~كفرتم بقتالكم المؤمنين [5] ، فلا أراني أجد لأبيك مخرجا [6] ، وأيم الله ~~لولا مكان خديجة فينا وصفية فيكم ما تركت فيكم مهموزا إلا هشمته [7] . # فلما نزل ابن الزبير عن منبره أتى أمه فسألها عن بردي عوسجة، وعما قاله ~~ابن عباس فقالت: ألم أنهك عن ابن عباس وعن بني هاشم [50 أ] وأنهم كعم ~~الجواب إذا بدهوا، قال: بلى، ms065 فعصيتك، قالت [8] : يا بني احذر هذا الأعمى ~~الذي ما أطاقته الجن ولا الأنس، واعلم أن عنده فضائح قريش كلها وقومك، وصدق ~~والله إنك لمن متعة. وفي ذلك يقول ابن خريم بن فاتك الأسدي: # يا ابن الزبير لقد لاقيت بائقة ... من البوائق [9] فالطف لطف محتال # لقيته هاشميا طاب مغرسه ... في منبتيه كريم العم والخال [10] PageV01P112 # ما زال يقرع منك العظم مقتدرا ... على الجواب بصوت مسمع عال # حتى رأيتك مثل الكلب [1] منجحرا ... خلف الغبيط [2] وكنت البادئ العالي ~~[3] # إن ابن عباس المحمول [4] حكمته ... خير الأنام له حال من الحال # عيرته المتعة المتبوع سنتها ... وبالقتال وقد عيرت بالمال # لما رماك على رسل بأسهمه ... جرت [5] عليك كسوف الحال والبال # فاحتز مفصلك الأعلى بشفرته ... حزا وحيا بلا قيل ولا قال # واعلم بأنك إن حاولت نقصته ... عادت عليك مخاز [6] ذات أذيال # ينبشن والدك الأعلى ووالده ... والهاشميون حي غير أنذال [7] # أبو المنذر: عن أبي مخنف والشرقي وعوانة: أن معاوية بينا هو جالس على ~~سريره [50 ب] وعنده الناس إذ استأذن عليه ابن عباس وابن الزبير، فدخلا ~~وسلما ثم جلسا على كرسيين أحدهما تلقاء صاحبه. فأقبل معاوية على ابن الزبير ~~فقال له: عليك بابن [8] عباس تجده لك قرنا [9] ودعني من منازعتك إياي فربما ~~آذيتني [10] . فقال ابن الزبير: أقول يا ابن عباس؟ فقال: قل ما بدا لك. ~~قال: أيهما أولى بالمرء: اللب أم الأدب؟ قال ابن عباس: اللب حباء من الرب، ~~والأدب تكلف من القلب، فاللبيب من نظر في العواقب PageV01P113 # وأحكمته التجارب، والأديب من قبل من المرء الأريب. قال: صدقت، فأيهما أضر ~~بالمرء: الحسد أم النكد؟ قال ابن عباس: الحسد داعية النكد ودليلك على ذلك ~~أن إبليس حسد آدم فكان حسده نكدا على نفسه فصار لعينا بعد أن كان مكينا. ~~قال: صدقت، فأيهما أضر: الجهل أم قلة العقل؟ قال: لم ير جاهل [1] إلا من ~~قلة العقل، وإنما يدور الجهل على قلة العقل. قال: فأيهما أشين بذي الشرف: ~~أجبنه أم بخلة؟ قال: البخل شقاء والجبن بلاء، فالشقاء أدوم ضرورة على البدن ~~من ms066 البلاء، بخل غير البخيل، ولم تر بخيلا أنال جزيلا، ولم يبخل من أدى حق ~~الله في ماله. # قال: فأيهما أزين به: شجاعته في الحروب أم سخاؤه في الجدوب [2] ؟ قال: # السخاء إذا كان في حق الله أجمل والشجاعة في [51 أ] سبيل الله أفضل، ولم ~~يسخ من وضع سخاءه في غير موضعه، ولم يشجع من قاتل في غير تقوى ربه. قال: ~~فأيهما أشد على البدن: الغم أم الغضب؟ قال: مخرجهما واحد واللفظ مختلف، فمن ~~نازع من يقوى عليه أظهره فكان غضبا، وإذا نازع من لا يقوى عليه كتمه فكان ~~غما. قال: فأيهما أقبح: الكذب أم النميمة؟ # قال: الكذب ذل والنميمة لؤم [3] ، فمن كذب فجر، ومن نم سحر. قال: # فأيهما أعظم: السرقة أم الخيانة؟ قال: السرقة محاربة والخيانة مواربة، ~~فالسارق لئيم والخائن ذميم. قال: فأيهما أشين: الإسراف أم الإقتار؟ # قال: الإسراف من طينة السخاء غير أنه جاز الحق، وماذا بعد الحق إلا ~~الضلال، والإقتار من طينة البخل، والبخل أقبحهما. قال: فأيهما أفضل: # الحلم أم العلم؟ قال: الحلم من الكرم وحسن الخلق، والعلم من الدين، ~~PageV01P114 # فمن حلم ظفر، ومن علم حذر، فالحذر منجح، والحلم مفلح. قال: # صدقت في كل ما وصفت، وقد انقضت مسائلي. قال ابن عباس: فأسألك؟ # قال: لا. قال: وأبيك ما أنصفتني. قال: إني أخاف أن يشمت بي أو بك معاوية. ~~قال معاوية: لا وأبيك، ما بك الشماتة يا ابن الزبير، ولكن خشيت على نفسك إذ ~~همز بك غلام أبطحي هاشمي منافي لم تقعد به أعراقه ولم تشنه أخلاقه فهمزك ~~همز القناة [51 ب] لثقافها حتى اعتدل صعرك، واستقام له ميلك. قال ابن ~~الزبير: الحمد لله الذي لم [1] يمتني حتى رأيتك تفخر علي بفخر غيرك، أما ~~ابن عباس فجماله جمالي، وهو ابن خالي، وأيم الله لو كنت أنت المتكلم ~~لأفحمنك ولألجمنك لجاما تمج لشكيمه دما ثم تستمره علقما. فقال معاوية: ~~قاتلك الله يا ابن الزبير! ما أجرأك علينا، وأجبنك عن غيرنا، وإنك لكما قيل ~~[2] : # جهلا علينا وجبنا عن عدوكم ... لبئست الخلتان: ms067 الجهل والجبن # قال ابن الزبير عند ذلك: # إذا رأوا خلة طاروا بها فرحا ... مني وما علموا من صالح دفنوا [3] # قال ابن عباس: يا أمير المؤمنين إنما كلمت ابن عمي ولم أرد به بأسا، ولم ~~يرد بي، فأعفنا أنت مما تقول فإنك لا تدري إلى ما نؤول. # أبو المنذر عن أبي مسكين عن ابن إسحاق قال: لما أخرج [4] ابن الزبير، ~~PageV01P115 # ابن الحنفية إلى الطائف وطرده إليها، قام ابن عباس خطيبا فقال: أما بعد ~~فإن تعجبي لا ينقضي من انتزائك [1] على بني عبد المطلب تخرجهم من حرم الله ~~وأمنه، وهم أولى به منك وأوفر منه نصيبا، وهم القوم الذين علوت بنسبهم ~~ولولاهم لكنت كبعض من هو ملقى بالأبطح، أما والله يا ابن الزبير، إن عواقب ~~الظلم لترد [2] إلى فساد وندم. [52 أ] فقال ابن الزبير: # ما منك عجب [3] يا ابن عباس ولكن مني [4] حيث أتركك تنطق عندي ملء فيك. # فقال: والله ما نطقت عند وال قط من الولاة أخس عندي ولا أصغر حظا منك، قد ~~والله نطقت غلاما عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعند أبي بكر وهو ~~يتعجب لتوفيق الله إياي، ثم نطقت رجلا عند عمر وعثمان وعلي وهم يتعجبون ~~مني، وكل هؤلاء خير منك ومن أبيك وأبر وأزكى وأتقى وأنقى [5] . فقال ابن ~~الزبير: إنك لهاهنا، أما والله إن كنت لي ولأهل بيتي مبغضا، لقد كتمت بغضك ~~وبغض أهل بيتك مذ أربعون سنة. # فقال ابن عباس: أما والله ليبلغن ذاك بك إلى الخروج من الإيمان، ولقد ضرك ~~والله بغضي وآثمك، وكانت عواقب الضر فيه لك وعليك، إذ دعاك ذلك إلى ترك ~~الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في خطبتك [6] ، زعمت كيلا PageV01P116 # تطاولك [1] أعناق أهل بيتي، وتعاتب على ذلك فتقول: إن له أهل سوء. # فقال ابن الزبير: اخرج عني فلا أراك تمر بي، فقال: أنا والله فيك أزهد من ~~أن تراني أقربك. ### || ولد عبد الله بن العباس # علي بن عبد الله، كنيته أبو محمد، ولد ليلة قتل علي بن أبي ms068 طالب في شهر ~~رمضان [52 ب] سنة أربعين فسمي باسمه [2] ، وكان أصغر ولد عبد الله سنا، ~~وكان أجمل قرشي وأوسمه وأمرأه، وكان يقال له السجاد. # وسنفرد أخباره بعد انقضاء أخبار عبد الله بن عباس إن شاء الله. # والعباس بن عبد الله كان أكبر ولده وبه كان يكنى، وكان يقال له الأعنق، ~~وكان من أجمل ولده، وقد روى عنه ولا عقب له. ومحمد والفضل وعبد الرحمن ~~ولبابة وأمهم زرعة بنت مشرح بن معديكرب بن وليعة بن شرحبيل بن معاوية بن ~~حجر القرد [3] بن الحارث الولادة بن عمرو بن ثور ابن مرتع، واسمه عمرو بن ~~ثور وهو كندة [4] . ومشرح بن معديكرب أحد PageV01P117 # الملوك الأربعة وهم أربعة: مخوس وجمد ومشرح وأبضعة [1] ، ويقال سمي ~~الحارث بن عمرو الولادة لكثرة ولده. وللملوك الأربعة يقول صاحب [2] عكاظ: # أنشد بالله ملوكا أربعة ... من مشرح وجمد وأبضعه # وأسماء بنت عبد الله وأمها أم ولد. وكانت لبابة بنت عبد الله عند علي ابن ~~عبد الله بن جعفر، فولدت له محمدا وإسحاق وإبراهيم ويعقوب وإسماعيل وزينب ~~بني علي، ثم خلف عليها إسماعيل بن طلحة بن عبيد الله، فولدت له أم يعقوب، ~~ثم فارقها فتزوجها محمد [3] بن عبيد الله بن العباس. وكانت أسماء بنت عبد ~~الله عند [53 أ] عبد الله بن عبيد الله بن العباس فولدت له حسنا وحسينا [4] ~~. PageV01P118 ### || ومن أخبار عبد الله بن العباس المنثورة # قال: ذكر علي بن أبي طالب رضوان الله عليه عند عبد الله بن العباس فقال: ~~عقم النساء أن يأتين [1] مثله، بالله ما رأيت رئيسا مجربا قط يوزن موزنه ~~[2] . لقد رأيته بصفين وهو على فرس له كأن عينيه سراجا سليط [3] ، عليه ~~عمامة بيضاء مصقولة، وهو يقف على شرذمة شرذمة، يحمشهم ويحضهم، قال: فوقف ~~علي وهو [4] في كثف [5] من المسلمين فقال: # معاشر [6] المسلمين! استشعروا الخشية، وتجلببوا السكينة، واخفضوا ~~الأصوات، وأقلقوا [7] السيوف في الأغماد قبل السلة [8] ، والحظوا الخزر، ~~واطعنوا الشزر، ونافحوا بالظبا، وصلوا السيوف بالخطا، والنبل بالقنا [9] ، ~~واطووا عن الحياة كشحا [10] ، وامشوا إلى الموت مشية [11] سجحا، وإياكم ms069 ~~والفرار فإنه عار في الأعقاب ونار يوم الحساب، واعلموا أنكم بعين الله ~~PageV01P119 # مع ابن عم رسول الله، وعليكم بهذا السواد الأعظم والرواق المطنب فاضربوا ~~ثبجه فإن الشيطان في كسره [1] نافج [2] خصييه [3] مفترش [ذراعيه] [4] قد ~~قدم للوثبة يدا وأخر للنكوص رجلا، فصمدا صمدا حتى يتجلى [5] لكم الحق وأنتم ~~الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم. # [53 ب] مصعب بن عبد الله قال: قال العباس لعبد الله: إني أرى هذا الرجل- ~~يعني عمر- قد أدناك وأكرمك فاحفظ عني ثلاثا: لا يجربن عليك كذبا، ولا تفشين ~~له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا. # محمد بن سلام عن محمد بن القاسم الهاشمي قال: قال العباس لابنه عبد الله: ~~يا بني أنت أعلم مني وأنا أفقه منك، إن هذا الرجل يدنيك- يعني عمر بن ~~الخطاب- فاحفظ عني ثلاثا: لا تفشين له سرا، ولا تغتابن عنده أحدا، ولا ~~يطلعن منك على كذبة [6] . # محمد بن سلام قال: سعى ساع إلى ابن عباس برجل فقال: إن شئت نظرنا فيما ~~قلت، فإن كنت كاذبا عاقبناك، وإن كنت صادقا مقتناك، وإن أحببت أقلناك، قال: ~~هذه. # أحمد بن محمد بن حرب قال: قال عبد الله بن عباس لرجل من جلسائه: دع ما لا ~~يعنيك فإنه فضل، ولا تكلم بما يعنيك في غير موضعه، PageV01P120 # فرب متكلم بما يعنيه في غير موضعه قد عنت، ولا تمار سفيها ولا حليما فإن ~~الحليم يغلبك، وإن السفيه يؤذيك [1] ، واذكر أخاك بما تحب أن يذكرك به، ~~ودعه مما تحب أن يدعك منه [2] ، واعمل عمل من يرى أنه مجزي بالإحسان مأخوذ ~~بالإجرام. # سفيان بن عيينة عن عبيد الله بن أبي يزيد قال: سمعت ابن عباس يقول: # كنت [54 أ] أنا وأمي من المستضعفين، كانت أمي من النساء وكنت أنا من ~~الصبيان. # يحيى بن محمد عن إسحاق بن محمد المسيبي [3] عن عبد الرحمن بن أبي الزناد ~~عن الأعرج عن عبد الرحمن بن حسان عن أبيه حسان بن ثابت قال: بدت لنا معشر ~~الأنصار إلى الوالي حاجة، وكان الذي طلبنا أمرا صعبا، فمشينا إليه برجال من ms070 ~~قريش وغيرهم فكلموه وذكروا له وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بنا فذكر ~~صعوبة الأمر، فعاوده القوم وخرجوا وألح عليه ابن عباس فو الله ما وجد بدا ~~من قضاء حاجتنا. فخرجنا حتى دخلنا المسجد فإذا القوم فيه أندية، فقال حسان: ~~فصحت وأنا أسمعهم: إنه والله أولاكم بها، إنها والله صبابة النبوة، ووراثة ~~أحمد صلى الله عليه وسلم، وتهذيب أعراقه، وانتزاع شبه طبائعه، فقال القوم: ~~أجمل يا حسان، فقال ابن عباس: صدقوا أجمل، فأنشأ حسان يمدح ابن عباس: # إذا ما ابن عباس بدا لك وجهه ... رأيت له في كل مجمعة فضلا # إذا قال لم يترك مقالا لقائل ... بملتقطات لا يرى بينها فصلا PageV01P121 # كفى وشفى ما في النفوس فلم يدع ... لذي رأيه في القول جدا ولا هزلا # سموت إلى العليا بغير مشقة ... فنلت ذراها لا جبانا ولا وغلا # [54 ب] فقال الوالي: والله ما أراد بالجبان والوغل غيري، والله بيني ~~وبينه. # وقال عبد الله بن عباس: لا يزهدنك [1] في المعروف كفر من كفره فإنه يشكرك ~~عليه من لم تصطنعه إليه. # وقال ابن عباس: ألعب ابنك سبعا، واستكفه سبعا، وأصحبه نفسك سبعا، يتبين ~~لك أثقة هو في المحيا والممات أم لا. # أبو عبد الله محمد بن يحيى الأزدي قال: حدثنا الحسين بن محمد المروزي ~~قال: حدثنا سليمان بن عمر عن رشدين بن كريب عن ابن عباس قال: # ثلاثة لا أكافئهم: رجل ضاق بي مجلس فأوسع لي، ورجل ظمآن فسقاني، ورجل ~~اغبرت قدماه في الاختلاف إلي، ورابع لا أقدر على مكافأته فإنه رجل حزبه [2] ~~أمر فبات ساهرا فلما أصبح لم يجد لحاجته غيري [3] . # وقال ابن عباس: إني لأستحي من الرجل يطأ بساطي ثلاث مرات لا يرى عليه أثر ~~من أثري. # أحمد بن عبد الرحمن بن الفضل قال: حدثنا الحسن بن محمد بن أعين الحداني ~~قال: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن محمد بن مروان قال: قال عامر ابن مسعود: ~~كنا جلوسا في مجلس عند الكعبة إذ مر بنا بريد ينعى معاوية PageV01P122 # [فقلت لأصحابي: ms071 قوموا إلى ابن عباس، وهو يومئذ بمكة وقد كف بصره، فنكون ~~أول من يخبره هذا الخبر فنسمع ما يقول. فقمنا واستأذنا عليه، ودخلنا وإذا ~~بين يديه خوان ولما يوضع الخبز، فسلمنا وقلنا: هل أتاك الخبر يا أبا ~~العباس؟ قال: وما هو؟ قلنا: بريد نعى معاوية] [1] ، قال [2] : # ارفع خوانك يا غلام، ثم ظل واجما، مطأطئ الرأس لا يتكلم طويلا، ثم [55 أ] ~~رفع رأسه فقال: # جبل تزعزع ثم مال بركنه ... في البحر لارتقت عليه الأبحر # اللهم فإنك أوسع لمعاوية، أما والله ما كان مثل من كان قبله، وما بعده ~~مثله، وإن ابنه هذا لمن صالحي أهل بيته لقومه، ما نحن وبنو عمنا إلا كعضوي ~~[3] لقمان، قتل صاحبنا غيرهم فأغرينا بهم وقتل صاحبهم غيرنا فأغروا بنا. ~~أما والله ما أغراهم بنا إلا أنهم لم يجدوا مثلنا، وقد قال الأول: ألطمك ~~أني لا أجد مثلك، فاتقوا الله يا معشر فتيان قريش، ولا تقولوا: جد بني ~~أمية، ذهب لعمر الله جدهم، وبقيت بقية هي أطول مما مضى، الزموا منازلكم، ~~وأدوا بيعتكم، قرب خوانك يا غلام. # فإنا لنتغدى [4] إذ جاء رسول أمير مكة فقال: إن الأمير يدعوك إلى البيعة، ~~فقال: ما تصنعون برجل قد ذهب منه ما تخافون؟ قل له: افرغ مما عندك، فإذا ~~سهل المشي إليك أتيتك فصنعت ما تريد. فلما خرج الرسول قلنا: # يا أبا العباس! أتبايع يزيد وهو يشرب الخمر؟ قال: أين ما قلت لكم ~~PageV01P123 # آنفا؟ أنكم تستمعون [1] ولا تعون، كم من شارب الخمر [2] وشر منه لم ~~يشربها، ستبايعونه على ما أراد حتى يصلب مصلوب قريش. فرجع الرسول فقال [3] ~~: # لا بد من أن تأتيه، فقال: يا نوار [55 ب] هاتي ثيابي إلا بد، وما تصنعون ~~برجل قد ذهب منه ما تخافون؟ امتنعوا مما قد أظلكم، صبحكم أو مساكم يذلكم. ~~ثم قام وقمنا معه حتى أتى الأمير فبايعه وبايعنا [4] . # قال: قدم ركب من بني عبد الله بن بلال بن عامر البصرة، فبلغ ذلك عبد الله ~~بن العباس وهو يومئذ عامل علي بن أبي ms072 طالب على البصرة، فأرسل إليهم فأتوه ~~فقال: ما منعكم من النزول على ابن أختكم- وكانوا أخواله-؟ # فقالوا: نزلنا في بني هلال، وكرهنا جماعة الناس وغم الأزقة، وأحببنا، ~~فسحة هذا الظهر نسرح فيه. قال: إذن لا تبعدوا من أن يأتيكم القرى، فكانت ~~الجفان تغدو عليهم وتروح بألوان الطعام، فقال ابن المنتخب الهلالي: # إن ابن عباس وجود يمينه ... كفى كل معتل قرانا وباخل # وأرحلنا عنه ولم ينأ خيره ... ولا غاله عن برنا أم غائل # تروح وتغدو كل يوم جفانه ... بكل سديف التي للجوع قاتل # الحسن بن علي العنزي قال: حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس الشامي قال: # حدثنا أبو عمر العمري حفص بن عمر- مولى لبني عامر من قريش بصري- قال: ~~حدثني هشيم قال: حدثني خالد بن معدان عن زيد [5] بن علي بن الحسين ~~PageV01P124 # ابن [56 أ] علي قال: قال طلحة بن عبيد الله: يا ابن عباس هل لك في ~~المناحبة على أن تعدل [1] عنا النبي صلى الله عليه وسلم. فتحاكما إلى كعب ~~الأحبار فقال كعب: أنتم معشر قريش أعرف بأنسابكم، إلا أنا نجد في الكتب أن ~~الله تبارك وتعالى لم يبعث نبيا قط إلا من خير من هو منه، فقضى لابن عباس ~~على طلحة. قال أبو عمرو فقلت لهشيم: ما المناحبة؟ قال: # المفاخرة. # قال: لما عمي عبد الله بن عباس عزاه الناس عن عينيه فقال: لو هنئت بثواب ~~الله عليهما لكف وجدي عليهما ولقام الصبر لي مقام العزاء للذي أرجو من ثواب ~~من أخذهما. وقال: لما فرغ علي رحمة الله عليه ورضوانه من قتال أهل البصرة ~~بعث [2] ابن عباس إلى عائشة رضي الله عنها وهي في ذكر شيء خلف الستر [3] ~~فأتاها ابن عباس فاستأذن في الدخول فلم تأذن له، فدخل من غير إذن فلم تطرح ~~له شيئا يقعد عليه، فأخذ وسادة فجلس عليها. # فقالت: أخطأت السنة يا ابن عباس، دخلت علينا من غير إذن وجلست على ~~مقرمتنا [4] من غير أمرنا. فقال: ما أنت والسنة نحن علمناك وأباك السنة، ~~ونحن أولى بها منك، والله ما ms073 هو بيتك، وإنما بيتك الذي خلفك فيه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم فخرجت منه ظالمة لنفسك فأوردت من بنيك ممن أطاعك [56 ب] ~~موارد الهلكة، ولو كنت في بيتك الذي خلفك فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~لم ندخله إلا بإذنك، إن أمير المؤمنين PageV01P125 # يأمرك بتعجيل الرحلة إلى المدينة وقلة العرجة. قالت: أردت عمر بن الخطاب؟ ~~قال: علي والله أمير المؤمنين وإن تربدت [1] فيه وجوه، وأرغمت فيه أنوف [2] ~~، والله إن كان إباؤك لعظيم الشؤم، ظاهر النكد، وما كان مقدار طاعتك إلا ~~مقدار حلب شاة، حتى صرت تأمرين فلا تطاعين، وتدعين فلا تجابين، وما مثلك ~~إلا كما قال أخو بني أسد: # ما زال يهدي [3] والهواجر بيننا ... شتم الصديق وكثرة الألقاب # حتى تركت كأن صوتك فيهم ... في كل ناحية طنين ذباب [4] # فانتحبت حتى سمع حنينها [5] من وراء الستر، ثم قالت [5] : والله ما في ~~الأرض بلدة أبغض إلي من بلدة أنتم بها معاشر بني هاشم. فقال: والله ما ذاك ~~يدنا عندك وعند أبيك، لقد جعلنا أباك صديقا وهو ابن أبي قحافة، وجعلناك ~~للمؤمنين أما وأنت ابنة أم رومان. قالت: أتمنون علي برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم؟ قال: إي والله أمن [6] عليك بما لو كان فيك قلامة منه مننت به ~~على الخلق، وإنما نحن دمه ولحمه وأنت حشية من تسع حشايا PageV01P126 # خلفهن [57 أ] رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما أنت بأطولهن طولا ~~ولا أنضرهن عودا. فانصرف ابن عباس وأخبر عليا بالذي جرى فقال: أنا كنت سديد ~~الرأي حيث أرسلتك إليها. # العباس بن محمد بن حاتم الدوري يقول: أفادني أبو بكر الأعين هذا الحديث، ~~حدثنا هشام بن زيد العسكري في قطعية الربيع، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مالك ~~بن معول عن وائل بن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: دخلت أنا وأبي علي ~~النبي صلى الله عليه وسلم فلما خرجنا من عنده قلت لأبي: أما رأيت أنت الرجل ~~الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم؟ # ما رأيت ms074 رجلا أحسن وجها منه، فقال لي: هو كان أحسن وجها أو النبي صلى ~~الله عليه وسلم؟ قلت: هو. قال: فارجع بنا إليه، فرجعنا فدخلنا عليه، فقال ~~أبي: يا رسول الله! أين الرجل الذي كان معك؟ زعم عبد الله أنه كان أحسن ~~وجها منك. قال: يا عبد الله! ورأيته؟ قلت: نعم. # قال [1] : أما إن ذلك جبريل، إنه لما أقبلتما قال لي: يا محمد! من هذا ~~الغلام؟ قلت: هذا ابن عمي، هذا عبد الله بن عباس، قال: أما إنه لمخيل ~~للخير، قلت: يا روح الله! ادع له، قال: اللهم اجعل منه كثيرا طيبا [2] . ~~قال: كان عبد الله بن عباس إذا أقبل قلت من أجمل الناس، وإذا PageV01P127 # تكلم قلت من أفصح الناس، وإذا أفتى قلت من أعلم الناس [1] . وقال ابن [57 ~~ب] عباس: لجليسي علي ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، ~~وأصغي إليه إذا حدث [2] . # أبو المنذر عن أبيه عن سعيد [3] بن جبير قال: قلت لابن عباس: إن الناس قد ~~أكثروا عليك في المتعة، وعاتبك بنو أمية وآل الزبير حتى قالت الشعراء. قال: ~~وما قالت؟ قلت: قالت:- # أقول للشيخ لما طال مجلسه ... يا صاح هل لك في فتيا ابن عباس # اقصد لها رخصة الأطراف ناعمة ... تكون مثواك حتى يصدر الناس [4] # فشق ذلك عليه وأمر مناديه أن ينادي: ألا إن المتعة حرام كلحم الميتة ولحم ~~الخنزير، ولا تحل إلا لمضطر. # أبو المنذر عن أبي مسكين قال: قال ابن عباس: إني لأماشي عمر في سكة من ~~سكك المدينة فقال لي: يا ابن عباس! ما أظن صاحبك إلا مظلوما. # فقلت في نفسي: والله لا يسبقني بها، فقلت له: فاردد [5] ظلامته، فانتزع ~~يده من يدي، ومضى وهو يهمهم ساعة، ثم وقف فلحقته فقال: يا ابن PageV01P128 # عباس! ما أظنهم منعهم من صاحبك إلا أنهم استصغروه. فقلت في نفسي: هذه شر ~~من الأخرى، فقلت: والله ما استصغره الله ورسوله حين أمره أن يأخذ سورة ~~براءة من أبي بكر. # وقال عمر لعبد الله بن عباس: أتدري ما ms075 منع الناس من ابن عمك أن [58 أ] ~~يولوه هذا الأمر؟ قال: ما أدري، قال عمر: لحداثة سنه. # قال: فقد كان يوم بدر أحدثهم سنا، يقدمونه في المؤازرة ويؤخرونه في ~~الإمامة. # حدثنا أبو عمر، وأحمد بن عبد الله يرفعه، قال: مر عمر بعلي عليه السلام ~~وهو يحدث الناس عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: إلى أين يا أمير ~~المؤمنين؟ فقال: أريد الحديقة- يعني بستانا له-. فقال: أأونسك بابن عباس؟ ~~فقال عمر: إذن أوحشك منه. فقال علي عليه السلام: # إني أوثرك به على نفسي، قم يا ابن عباس فحدثه. فقام إليه وسايره، فقال ~~عمر: ما أكمل صاحبكم هذا لولا، فقال عبد الله لولا ماذا؟ فقال عمر: لولا ~~حداثة سنه وكلفه بأهل بيته وبغض قريش له. فقال عبد الله بن عباس: أتأذن لي ~~في الجواب؟ فقال عمر: هات. فقال: أما حداثة سنه فما استحدث من جعله الله ~~لنبيه أخا وللمسلمين وليا، وأما كلفه بأهل بيته فما ولي فآثر أهل بيته على ~~رضاء الله، وأما بغض قريش له فعلى من تنقم؟ أعلى الله حين بعث فيهم نبيا، ~~أم على نبيه حين أدى فيهم الرسالة، أم على علي حين قاتلهم في سبيل الله؟ ~~فقال عمر: يا ابن عباس! أنت تغرف من بحر وتنحت من صخر [1] . PageV01P129 ### || وصية عبد الله بن عباس عند موته [58 ب] رحمة الله عليه ورضوانه # قال عمارة بن حمزة: لما حضرت عبد الله بن عباس الوفاة أوصى عليا ابنه ~~فقال: يا بني! إن أفضل ما أوصيك به تقوى الله الذي هو دعامة الأمر وبه يقوم ~~الدين والدنيا، ومن بعد ذلك فاعلم يا بني أن الناس قد أصبحوا إلا قليلا في ~~عمى من أمرهم يضرب بعضهم بعضا على دنيا فانية قد نعاها الله إليهم، وقد ~~سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لجدك: هذا الأمر كائن في ولدك عند ~~زواله [1] عن بني أمية، فمن ولي منهم أمر الأمة فليتق الله، وليعمل بالحق، ~~وليقتد برسول الله صلى الله عليه وسلم فإن ms076 أحق الناس باتباع أثره أمسهم به ~~رحما، وليست الحجاز لكم بدار بعدي فإذا أنت واريتني فالمم شعث أهلك والحق ~~بالشام فإن لبني أمية أكلا لا بد أن يستوفوه، وهم وإن كانوا على ضلالتهم ~~وعتوهم أرأف بك وبأهلك من آل الزبير للرحم التي بينك وبينهم، وتوق حركات ~~[2] بني عمك من بني علي بن أبي طالب وأوص بذلك ولدك فإن لهم حركات [2] يقتل ~~الشاخص فيها. # وهلك عبد الله بن عباس رضي الله عنهما وصلى عليه محمد بن الحنفية فلما ~~دفن قال: مات [59 أ] رباني هذه الأمة [3] . PageV01P130 # محمد بن يوسف بن يعقوب الهاشمي قال: حدثني عبد الله بن عبد الرحمن ابن ~~عيسى قال: حدثني سليمان بن عيسى بن موسى عن عيسى بن موسى بن محمد بن علي عن ~~أبي عبد الله محمد بن علي قال: لما حضرت عبد الله بن العباس الوفاة قال له ~~أبو محمد علي بن عبد الله: بأي الرجلين تأمرني أن ألحق؟ - يعني عبد الملك ~~بن مروان وعبد الله بن الزبير-. قال: يا بني الحق بابن عمك عبد الملك فإنه ~~أقرب وأخلق للإمارة [1] ، ودع ابن الزبير فإياك وإياه، فإني رأيته لا يعرف ~~صديقه من عدوه، ومن يكن كذلك لم يتم أمره ولم يصف له، إن عبد الملك مشى ~~القدمية [2] وإن ابن الزبير مشى القهقرى، وتمثل: # بنونا: بنو أبنائنا، وبناتنا: ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد # وقال: # يا بني إذا أتيت الشام فخيرك عبد الملك المنازل، فانزل الجبال بالشراة، ~~فإن الملك إذا تحول عن بني أمية تحول إلى رجل من أهل الشراة من أكبر أهل ~~بيت في الناس، من أكثر حي في الناس- يعني أكثر في الشرف- وأنتم أولئك. فلما ~~توفي عبد الله افترق علي والعباس ابنا عبد الله فلحق العباس بمصعب بن ~~الزبير، وانتهى علي في عبد الملك إلى قول أبيه [59 ب] ، فلما قدم عليه خيره ~~المنازل، فاختار الشراة، وأكرمه، وعرف له حقه، وسأله عن أخيه العباس فقال: ~~أتى العباس [العراق] [3] لحاجة له، فقال: لا بل اختار مصعبا، أما إني إن ~~ظفرت ms077 به عرفت حقه PageV01P131 # ووصلت قرابته ولم اعتد عليه بذلك. وسأل مصعب العباس عن علي فقال: أتى ~~الشام لحاجة، فقال: بل اختار عبد الملك أما إني إن ظفرت به عرفت حقه ووصلت ~~قرابته ولم أنسها له [1] . ### || موت عبد الله بن عباس رحمه الله # حدث محمد بن الضحاك عن داود بن عطا مولى المزنيين عن موسى ابن عقبة عن ~~مجاهد أن عبد الله بن العباس مات بالطائف فصلى عليه ابن الحنفية فأقبل طائر ~~أبيض فدخل في أكفانه، فما خرج منها حتى دفن معه [2] ، فلما سوي عليه التراب ~~قال محمد بن الحنفية: مات والله اليوم حبر هذه الأمة. # سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: لما مات عبد الله بن العباس قال ~~محمد بن علي: مات رباني هذه الأمة. # أبو المنذر عن أبيه عن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عن أبيه ~~قال: حدثني عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم ~~أخبره أنه إذا قبض سقى الله [60 أ] قبره سحابة بيضاء قدر القبر، فتصب ماءها ~~حتى ترويه ثلاثا ثم تقشع. فلما دفن سمعوا صوتا: # يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية 89: 27- 28 الآية [3] ~~، PageV01P132 # وأتى طائر أبيض فدخل قبره، وأصابه ذلك المطر كما جاء عنه صلى الله عليه ~~وسلم. # سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: توفي عبد الله بن عباس بالطائف سنة ~~ثمان وستين [1] وهو ابن إحدى وسبعين سنة، وكان يصفر لحيته. # وحدث علي بن المغيرة عن هشام بن محمد بن السائب قال: صلى محمد ابن علي ~~على عبد الله بن عباس وكبر عليه أربعا وضرب على قبره فسطاطا. PageV01P133 ### | أخبار علي بن عبد الله بن العباس [1] # ولد علي بن عبد الله ليلة قتل علي بن أبي طالب في شهر رمضان سنة أربعين ~~فسمي باسمه، وكان أصغر ولد عبد الله سنا، وكان أجمل قرشي وأوسمه، وكان يكنى ~~أبا محمد، ويقال له: السجاد. ويقال: سمي باسم علي بن أبي طالب ms078 وكني بكنيته، ~~أبا [2] الحسن، فقال له عبد الملك بن مروان: لا والله ما أحتمل لك الاسم ~~والكنية جميعا فغير أحدهما، فغير كنيته فصيرها أبا محمد، وكان أصغر ولد ~~أبيه سنا وكان جميلا وسيما. # وروي [3] عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه افتقد عبد الله بن عباس في ~~وقت صلاة الظهر فقال لأصحابه: ما بال [60 ب] أبي العباس لم يحضر؟ # فقالوا: ولد له مولود. فلما صلى قال: امضوا بنا إليه، فأتاه فهنأه فقال: # شكرت الواهب، وبورك لك في الموهوب، ما سميته؟ فقال: أو يجوز أن أسميه حتى ~~تسميه؟ فأخرج إليه فأخذه فحنكه ودعا له ثم رده إليه وقال: # خذ إليك أبا الأملاك، قد سميته عليا، وكنيته أبا الحسن. فلما قام [4] ~~PageV01P134 # معاوية قال لابن عباس: ليس لكم اسمه وكنيته، قد كنيته أبا محمد، فجرت ~~عليه. ### || صفة علي بن عبد الله # معن بن عيسى قال: حدثني عطاف بن خالد الوابضي قال: رأيت علي بن عبد الله ~~يصبغ بالسواد. الفضل بن دكين قال: حدثنا هشيم [1] بن هشام عن [2] أبي ساسان ~~[3] عن أبي المغيرة قال: إن كنا لنطلب لعلي ابن عبد الله الخف فما نجده حتى ~~نصنعه له صنعة، والنعل فما نجدها حتى نصنعها له صنعة، وإن كان ليغضب فنعرف ~~ذلك فيه بينا، وإن كان ليصلي في اليوم والليلة ألف ركعة. # أبو قلابة قال: حدثني نصر بن قديد أبو صفوان القديدي قال: حدثني إسحاق بن ~~عيسى بن علي بن عبد الله عن أبيه قال: بينا نحن نطوف مع أبينا علي بن عبد ~~الله، وهو فوقنا بنحو ذراع، إذ نظر إليه شيخ [4] فقال: # من هذا؟ فقيل: علي بن عبد الله بن عباس. قال: سبحان الله [61 أ] لشد ما ~~نقص الناس! لقد رأيت جد هذا وهو مثل القبة، ولقد رأيت أباه عبد المطلب وهو ~~مثل الخباء [5] . PageV01P135 # أحمد بن السري البزاز الرياشي قال: حدثنا الأصمعي قال: كان علي ابن عبد ~~الله يتخطى البعير وهو بارك. قال: كان علي بن عبد الله سيدا شريفا بليغا ms079 ~~[1] . ويقال: إن علي بن عبد الله كان إلى منكب أبيه عبد الله وكان عبد الله ~~إلى منكب العباس، وكان العباس إلى منكب عبد المطلب [2] . وقال علي ابن عبد ~~الله: سادة [3] الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء. # محمد بن عبد الله العطار قال: حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: ~~حدثني ابن عائشة عن أبيه قال: قدم طبيب من أطباء الروم على خليفة من ~~الخلفاء من بني أمية فلقيه علي بن عبد الله بن العباس فقال له: # إن أبي عبد الله بن عباس ذهب بصره وعبد المطلب ذهب بصره وأنا أجد في بصري ~~سواء، قد خفت أن يصيبني ما أصابهم، فنظر إليه فقال: تجنب الملح وما غلب ~~عليه الملح، فتقطعت أشفاره، وفسدت أجفانه، وبقي بصره على حاله. # عبد الله بن الربيع قال: حدثني الهيثم بن عدي قال: قال علي بن عبد الله ~~بن عباس في وقعة الحرة حيث وثب دونه الحصين [4] بن نمير فمنعه من أن يبايع ~~على أنه عبد قن، فقال له مسرف: [61 ب] يا حصين خلعت يدك من الطاعة؟ قال: ~~أما في هذا فنعم، والله لا يبايعك [5] إلا على ما نريد. # فبايعه على كتاب الله وسنة محمد نبيه صلى الله عليه وسلم، ثم مد يده ~~ليمسح بها يده فمنعه حصين ومسح حصين يده على يد علي ثم مسح حصين ~~PageV01P136 # يد مسرف فعند ذلك يقول علي بن عبد الله مفتخرا: # أبي العباس قرم [1] بني لؤي [2] ... وأخوالي الكرام [3] بنو [4] وليعه # هم منعوا ذماري يوم جاءت ... كتائب مسرف [5] وبنو اللكيعه # أراد [6] بي التي لا عز [7] فيها ... فحالت دونه أيد رفيعه [8] # وبايع غيره على ما أرادوا غير علي بن عبد الله وعلي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب فإنه قال لمسرف: أبايع على ما بايع عليه ابن عمي، فقبل ذلك منه ~~لوصية يزيد عند توجيهه مسرفا إلى المدينة. # فقال سالم بن عبد الله بن عمر لعبد الله: يا أبه! أما ترى ما يصنع هذا ~~بمدينة رسول الله صلى الله ms080 عليه وسلم وأصحابه؟ فقال: يا بني! كل بمرأى من ~~الله ومسمع، إن شاء أن يغير غير. PageV01P137 ### || رؤيا علي بن عبد الله # رأى علي بن عبد الله بن العباس في النوم كأن بيتا مشحونا أفاعي وأن [62 ~~أ] ثعبانا أسود خرج من تحت أم عبد الله بن علي فأكلها، فخرجت نار من تحت أم ~~أبي جعفر فأحرقت الثعبان. فلما أصبح قص رؤياه فقال: # تأويل رؤياي أن فلانة- يعني أم عبد الله- تلد مني من يقتل بني أمية، وتلد ~~فلانة- أم أبي جعفر- من يملك السلطان فينازعه قاتل بني أمية فيقتله. ### || ومن أخبار علي بن عبد الله مع الوليد بن عبد الملك # أنه ضربه [1] بالسوط مرتين: مرة بسبب تزويج علي بن عبد الله لبابة بنت ~~عبد الله بن جعفر، وكانت عند عبد الملك، فعض تفاحة ثم رمى بها إليها، وكان ~~أبخر، فدعت بسكين، فقال: ما تصنعين بها؟ قالت: أميط عنها PageV01P138 # الأذى، فطلقها، فتزوجها علي بن عبد الله فضربه الوليد، وقال: إنما تتزوج ~~بأمهات أولاد الخلفاء لتضع منهم [1] ، لأن مروان بن الحكم إنما تزوج بأم ~~خالد بن يزيد بن معاوية ليضع منه. فقال علي بن عبد الله: # إنما أرادت الخروج من هذا البلد، وأنا ابن عمها، فتزوجتها لأكون لها ~~محرما [2] . # وأما ضربه إياه في المرة الثانية، فإنه يروى أنه ضربه بالسوط [3] ، وحمل ~~على بعير يدار به، ووجهه مما يلي الذنب، وصائح يصيح عليه: # هذا علي بن عبد الله الكذاب. قال: فدنا منه رجل فقال: ما هذا الذي نسبوك ~~فيه إلى الكذب؟ قال بلغهم قولي: إن هذا [62 ب] الأمر سيكون في ولدي، والله ~~ليكونن فيهم حتى يملكهم عبيدهم الصغار العيون، العراض الوجوه [4] الذين كأن ~~وجوههم المجان المطرقة. ### || ومن أخباره مع سليمان بن عبد الملك وهشام # وروي أن علي بن عبد الله دخل على سليمان [5] بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه ~~الخليفتان أبو العباس وأبو جعفر، ويقال إنه دخل على هشام، فأوسع له على ~~سريره وسأله عن حاجته فقال: ثلاثون ألف درهم علي دين فأمر PageV01P139 # بقضائه، وقال له: ms081 تستوصي بابني هذين، ففعل، فشكره وقال: وصلتك رحم. فلما ~~ولى علي قال الخليفة لأصحابه: إن هذا الشيخ قد اختل وأسن وخلط فصار يقول: ~~إن هذا الأمر سيصير إلى ولده، فسمع ذاك علي، فالتفت إليه فقال: والله ~~ليكونن ذاك، وليملكن هذان [1] . ### || جلالة علي بن عبد الله # قال: إن علي بن عبد الله كان إذا قدم مكة حاجا أو معتمرا، عطلت قريش ~~مجالسها في المسجد الحرام [2] وهجرت مواضع حلقها [3] ولزمت مجلس علي بن عبد ~~الله في المسجد الحرام وحلقته إجلالا له وإعظاما وتبجيلا، فإن قعد قعدوا ~~وإن نهض نهضوا وإن مشى مشوا أجمعون [4] ، [63 أ] ولم يكن يرى لقريش مجلس في ~~المسجد يجتمع إليه فيه حتى يخرج علي بن عبد الله من الحرم [5] . # وقال زرارة الحجبي: ما رأيت من بالحرم من قريش يعظمون منافيا إذا قدم ~~عليهم الحرم إعظامهم علي بن عبد الله، وإني يوما في بطن الكعبة ونفر من ~~ورائي يخلقها [6] ويخمرها، وقد أغلقنا علينا بابها، إذ رفع باب PageV01P140 # الكعبة، وخرجت حلقته، فبادرنا إلى الباب مستعظمين لذلك، منكرين له، ~~ففتحنا الباب، فإذا قريش مزدحمة على درجة الكعبة، فقلت: سبحان الله تفعلون ~~هذا بباب بيت الله؟ فقالوا: أبو الخلفاء من بني هاشم قائم على بابها، وأنت ~~في بطنها، فإذا علي بن عبد الله بن عباس في وسطهم، وهم حوله، يريد دخوله ~~الكعبة، ففتحت [1] له الباب فدخل ودخلوا، وإن والي بني أمية ما يستترون منه ~~بإعظام علي بن عبد الله وتبجيله، ولا أخفوا مقالتهم مخافة أن تبلغه [2] . # عبد الله بن هارون بن موسى قال: حدثني أبي عن جدي عن أبيه محمد ابن عبد ~~الله قال: حضرت عند هشام بن عبد الملك، وفتح البابين، ووضع الغداء فدخل ~~عليه آذنه فقال: يا أمير المؤمنين! بالباب رجل على برذون له، لا يدخل إلا ~~أن تأذن له. قال: ويلك ومن هو؟ ايذن له، فإذا علي ابن عبد الله بن عباس، ~~فساعة دخل قام إليه ثم قال: يا معشر قريش قوموا إلى سيدكم، هذا يرتفع من ~~حيث يتضع ms082 الناس، ثم سأله [63 ب] حوائجه فقضى له أربع حوائج لها قيمة عظيمة، ~~ثم أنشأ هشام [3] يقول: # إن [4] أبصرته قريش قال قائلهم ... إلى مكارم هذا ينتهي الكرم # هذا الذي تعرف البطحاء وطأته ... والبيت يعرفه والحل والحرم # يكاد يمسكه عرفان راحته ... ركن الحطيم إذا ما جاء يستلم # هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم ~~PageV01P141 ### || جود علي بن عبد الله # رجل [1] من كنانة عن أبيه عن جده أنه خرج من الحجاز إلى سليمان بن عبد ~~الملك بالشام في خلافته، قال: فلما انصرفت من عنده، نزلت بالشراة على علي ~~بن عبد الله، فأقمت عنده أياما وليالي، في كل يوم ينزل عنده نفر من الحجاز ~~وأهل الشام فيضيفهم، ويقريهم، ويزودهم، ويسأل أهل الحجاز عن أهل الحجاز، ~~وأهل الشام عن أهل الشام، فإذا ارتحل أولئك من عنده نزل قوم آخرون، فذكرت ~~ما يلزمه في ذلك من عظيم المئونة فتمثل قول عجير [2] السلولي: # وماذا علينا أن تجيء ركائب ... كريموا المحيا شاحبوا المتحسر [3] # فتخبرنا عما نريد [4] ولو خلت ... لنا [5] القدر لم نخبر [6] ولم نتخبر ~~[7] # أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني حفص بن عامر العمري عن الهيثم ~~PageV01P142 # [64 أ] ابن عدي عن عوانة بن الحكم عن أبيه، قال: وحدثني [1] عباس ابن ~~هشام عن أبيه فسقت حديثهما قال: دخل عبد الملك بن عبد الله بن نذيره [2] ~~على الوليد بن عبد الملك فسأله حمالة لزمته فمنعه إياها وزبره وقال: أنت ~~صهر لطيم الشيطان- يريد عمرو بن سعيد الأشدق- فقال: أنا صهر أبي أمية، ~~وكانت عند عمرو [أم] [3] حبيب بنت حريث بن سليم العذري، فولدت له أمية ~~وسعيدا، فأنشأ عبد الملك بن عبد الله العذري يقول متمثلا بشعر يحيى بن ~~الحكم [4] : # فما [5] كان عمرو عاجزا غير أنه ... أتته المنايا بغتة وهو لا يدري # فلو أن عمرا كان بالشام زرته ... بإعوازها، أو كان يوما على مصر # فقالت أم البنين بنت عبد العزيز امرأة الوليد، وهي جالسة خلف الستر: يا ~~أمير المؤمنين! من هذا الأحمق؟ فقال: العذري- يعرض بأبيها- وكان عمرو ضربه ms083 ~~في الخمر: # وددت وبيت الله أني فديته ... وعبد العزيز يوم يضرب بالخمر [6] # فقالت: ما أجرأه عليك يا أمير المؤمنين! فقال: كفي قبل أن يأتي بخيط باطل ~~[وكان قد] [7] قال في شعره هذا: PageV01P143 # غدرتم بحي يا [بني] [1] خيط [باطل] [1] ... وكلكم يبني البيوت على الغدر ~~[2] # [64 ب] فأمر به الوليد فأخرج [3] ، فصار إلى علي بن عبد الله فأخبره ~~خبره، فقال علي: علينا المعول وعندنا المحتمل، فأعطاه حمالته وأجازه وكساه، ~~فأنشأ العذري يقول في ذلك: # شهدت عليكم أنكم خير قومكم ... وأنكم رهط [4] النبي محمد # فنعم أبو الأضياف والطالب [5] القرى ... علي حليف الجود في كل مشهد # فإن الذي يرجو سواكم، وأنتم ... بنو الوارث الزاكي، لغير مسدد # وإني لأرجو أن تكونوا أئمة ... تسوسون من شئتم [6] بملك مؤيد # وإني لمن والاكم لألوقة [7] ... وإني لمن عاداكم سم أسود ### || صلاة علي بن عبد الله # قال: كان لعلي بن عبد الله خمسمائة أصل زيتون يصلي كل يوم إلى كل أصل ~~ركعتين، فكان يدعى ذا الثفنات [8] . قال زرين مولى علي ابن عبد الله: كتب ~~إلي علي أن أرسل إلي بلوح من المروة أسجد عليه، PageV01P144 # فكان يصلي كل يوم أربعمائة ركعة، ويقال: إنه كان يصلي ألف ركعة [1] كل ~~يوم [2] . وكانت قريش تسميه السجاد، وإنما عرفوا عدد ما يركع أنه كان له ~~خمسمائة أصل زيتونا، فكان يصلي كل يوم تحت كل شجرة ركعتين. # [65 أ] أحمد بن يحيى بن جابر [3] قال: حدثني أبو أيوب الرقي [4] قال: ~~حدثني الحجاج الرصافي عن أبيه قال: كان علي بن عبد الله بالشراة من أرض ~~دمشق لازما مسجده يصلي كل يوم ألف سجدة [5] على لوح أتي به من زمزم، وكان ~~لا يمر به أحد يريد الشام من الحجاز أو يريد الحجاز من الشام إلا أضافه ~~ووصله إن كان ممن يلتمس صلته. ### || ومما كان يتمثل به علي بن عبد الله # شيخ من الأنصار عن عمه أنه قال: كنت ردف أبي على بغل بالشام وهو يساير ~~علي بن عبد الله بن عباس إذ طلعت خيل الوليد بن عبد الملك، ms084 فلما رآها علي ~~بن عبد الله خاص عنه، ثم تمثل قول جذل [6] الطعان: PageV01P145 # فإن أعجل إليك [1] فأنت همي ... وإن ألبث فكيدك ما أكيد # فقلت لعمي: في أي سنة كان ذلك؟ قال: لا أدري لطول مقامنا كان بالشام. # زيد بن سعد الأنصاري عن أبيه عن نجدة قال: كنت عند علي بن عبد الله بن ~~عباس فدخل شيخ من بني عبد المطلب بن عبد مناف فحادثه ثم قال: # يا أبا محمد، الوليد بن عبد الملك شديد العلة، فتمثل علي بن عبد الله ~~بقول يزيد [2] بن الصعق الكلابي: # [65 ب] أواردة غدوا عكاظا بفجرها ... ولم يوفها بالكيل [3] بالصاع مترعا # فقال الشيخ: يا أبا محمد لئن هلك قبل أن تكيل له بالصاع الذي كان به يكيل ~~لتحتلبن بنو أمية من بعده دما. # محمد بن عبد الرحمن الجمحي عن أبيه عن جده أنه قال: قدمت الشام في خلافة ~~الوليد بن عبد الملك فدخلت يوما مسجد دمشق فرأيت علي بن عبد الله جالسا ~~فجلست إليه فقال: اسمع ما يقول هؤلاء المشيخة، فالتفت فإذا مشيخة من أهل ~~الشام يقرظون بني أمية ويقضئون [4] بني هاشم، فاسترجعت، فأخذ بيدي، ثم نهض ~~ونهضت معه، فلما خرج من المسجد تمثل قول نابغة بني جعدة [5] : PageV01P146 # فلا خير في جهل إذا لم يكن له ... حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا # ولا خير في حلم إذا لم يكن له ... موارد تحمي صفوه أن يكدرا [1] # رجل من الحجية [2] عن جده أنه نزل بالشراة على علي بن عبد الله، قال: # فركب يوما لحاجة وأنا معه ثم أقبل نحو المنزل فإذا بنوه يرمون بالنبل بين ~~غرضين ويجزون، فقال: يا أخا قصي، أتراهم جديرين بطلب ثأرهم؟ # قلت: كذاك الظن بهم، فتمثل قول زفر [3] بن حارث الكلابي: # وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا ### || ولد علي بن عبد الله [4] # [66 أ] محمد بن علي أبو الخلفاء، أمه العالية بنت عبيد الله بن العباس بن ~~عبد المطلب، وداود بن علي، وعيسى بن علي، وهما لأم ولد، ms085 وسليمان بن علي ~~وصالح بن علي وهما لأم ولد [5] ، وأحمد ومبشر وبشر بنو علي لا عقب لهم، ~~وإسماعيل وعبد الصمد وهما جميعا لأم ولد. ولأحمد بن إسماعيل يقول ابن ~~الدمينة الخثعمي [6] : PageV01P147 # يا أحمد الخير بن إسماعيلا ... إليك أشكو الغل والكبولا # وغشم ظلم من بني سلولا ... إليك أزجي عنسا نسولا [1] # صائبة الرجل [2] بها زجولا ... أظل فوق رحلها معدولا # وعبد الله الأكبر لا عقب له وأمه أم أبيها [3] بنت عبد الله بن جعفر بن ~~أبي طالب، وعبد الله بن علي، لا عقب له، وأمه من بني الحريش، وعبد الملك ~~وعثمان وعبد الرحمن، وعبد الله الأصغر السفاح الذي خرج بالشام، ويحيى ~~وإسحاق ويعقوب وعبد العزيز وإسماعيل الأصغر وعبد الله الأوسط وهو الأحنف لا ~~عقب لهم، وهم لأمهات أولاد شتى، وفاطمة وأم عيسى الصغرى وآمنة [4] ولبابة ~~وبريهة الكبرى وبريهة الصغرى وميمونة وأم علي [66 ب] والعالية بنات علي وهن ~~[5] لأمهات شتى، وأم حبيب بنت علي وأمها أم أبيها [6] بنت عبد الله بن جعفر ~~بن أبي طالب. PageV01P148 ### || خبر [1] سليط بن عبد الله بن عباس مع علي بن عبد الله # قال: أخبرني أبي عن عيسى بن عبد الله قال: كان عبد الله بن عباس وطئ ~~جارية له كان لا يثق بها، وكانت تدخل وتخرج، فجاءت بولد ذكر سماه سليطا، ~~فكان في حياته يدعوه لأمه [2] فلما توفي ادعت أم سليط أنه من عبد الله ~~فخاصمت علي بن عبد الله إلى الوليد بن عبد الملك، فتعصب عليه الوليد، فأراد ~~أن يحكم لسليط، وكره علي بن عبد الله أن يدخل في نسبه من ليس منه، فأرسل ~~إلى سليط: لا حاجة لك في حكم الوليد، فائتني فإني أقربك وأشهد لك. فزعم ~~الناس أن سليطا قتل، ثم سكرت له ساقية في بستان كان في منزل علي بن عبد ~~الله ثم دفن فأجري عليه الماء فسأله الوليد عنه فأنكر، فأرسل إلى منزله ~~ففتش وأخذ بعض غلمانه فأقروا وأروهم [3] الساقية فنبشوها فأخرجوه وحملوه ~~إلى الوليد فأمر بعلي بن عبد الله [فأقيم في الشمس] ms086 [4] ، فاجتنبه من كان ~~بحضرته من بني هاشم خشية للوليد فجاء إليه عبد الله [5] بن عبد الله بن ~~الحارث فألقى عليه مطرفه وحمله إلى PageV01P149 # منزله وعالجه، فلم يزل في منزل عبد الله حتى عوفي، فلما عوفي أخرجه [67 ~~أ] الوليد إلى الحميمة، وقال: لا تجاورني بدمشق فاضطغن علي بن [1] عبد الله ~~ما فعل به حتى كان من أمره ما كان. ### || ملتقطات أخبار علي بن عبد الله # رجل من بني مخزوم عن أبيه عن جده، أنه خرج من مكة إلى يزيد بن عبد الملك ~~بالشام في خلافته، فلما انصرف من عنده نزل بالشراة على علي بن عبد الله، ~~فصادفه في مسجده وبنوه حوله ومواليه، وفبهج علي برؤيته وجذل [2] بقربة ~~وسأله عن حاله وما صنع في مسيره. قال: ثم سألني عمن رأيت من بني أمية ~~بالشام [3] ومن خلفته منهم بالحجاز، فلما فرغ من مسألته عنهم شكاهم إلي، ثم ~~أقبل على بنيه فقال: يا فلان! اقرأ، يا فلان! حدثنا عن رسول الله صلى الله ~~عليه وسلم، يا فلان! أفرض، يا فلان! اخطب، يا فلان! أنشد. فانتهى كل واحد ~~إلى ما أمره به ثم قال لهم: تذاكروا الحلال والحرام، وليسأل بعضكم بعضا ~~عنه، ويحتج بعضكم على بعض فيه، ويروي بعضكم فيه الحديث لبعض، ففعلوا ذلك. ~~وأقبل علي بوجهه فقال: # يا أخا مخزوم! كيف ترى فتيان بني [4] هاشم؟ قلت: يا أبا محمد! أراهم ~~PageV01P150 # ملء عين الصديق ورغم العدو. فضرب بيده على فخذي ثم قال: يا أخا مخزوم! ~~أما ورب الكعبة لا ينامون عن طلب ثأرهم حتى يدركوه. # [67 ب] حدث بعض مشايخنا أن زرينا مولى عبد الله بن عباس قال: كان علي بن ~~عبد الله جالسا في زمزم فأقبل إليه شيخ من كنانة فقبل رأسه وأطرافه وتنشقه ~~بالقبل وترشفه، وجعل يفديه بأبيه وأمه، ويسأله عن حاله وولده وأهل بيته، ثم ~~جلس يحادثه، وسمعته يقول: ابشر أبا محمد بالغنى من الله فقد أظلك النصر ~~وأتتك الدولة، لقد شهدت مقدم معاوية المدينة حاجا بعد هلاك علي بن أبي ms087 ~~طالب، فسمعت عمرو بن عثمان بن عفان يقول لمعاوية: يا أمير المؤمنين! لو ~~صعدت المنبر فنلت من علي، فقال معاوية: لست بفاعل، إني أقبل على الأمر إذا ~~أقبل علي وأدبر عنه إذا أدبر عني، والله لقد لقيني علي فما فارقني حتى خفت ~~أن يقتلني، والله لو قتلني ما أفلحتم بعدي، واعلموا يا بني أمية أن لكم من ~~بني هاشم يوما مرا فاستعجلوا الإعاذة بالله من شره. فقال علي بن عبد الله: ~~حسبنا الله ونعم الوكيل. # قيل لعلي بن عبد الله بن عباس رضي الله عنهم: بم صحت سلامتك على الناس؟ ~~قال: لأنه صحت سلامتهم علي. قال: ما رأيت أحدا قط أكبر مني سنا إلا قلت: ~~عبد الله قبلي، ولا أحدث مني سنا إلا قلت: # عصيت الله قبله، ولا في مثل سني إلا قلت: أعرف [68 أ] من نفسي ما لا أعرف ~~منه. # علي بن عبد الله القرشي- مولى لهم- قال: خرج الوليد [1] ليلة إضحيانة [2] ~~PageV01P151 # فنادى: أين الراجز العذري؟ فجاء فأخذ بخطام راحلته، وأقبل يرتجز ويقول: # يا أيها البكر الذي أراكا ... عليك سهل الأرض في ممشاكا # ويحك [1] هل تعلم من علاكا ... أكرم شخص ضمه سرجاكا # إن ابن مروان على ذراكا ... خليفة الله الذي امتطاكا # لم يجب بكرا مثلما حباكا [2] # قال فأخذ الفضل بن عباس بن عتبة [3] بن أبي لهب بخطام راحلة علي بن عبد ~~الله بن عباس وأنشأ يقول [4] : # يا أيها السائل عن علي ... تسأل [5] عن بدر لنا بدري # من [6] نسك في العيص [7] أبطحي ... سائلة غرته مضي # أغلب في العلياء غالبي ... مردد في المجد هاشمي [8] # - أبوه عم المصطفى النبي- ... ولين الشيمة شمري # ليس بفحاش ولا بذي ... عف نجيب مجتبى [9] تقي # مهذب مطهر بهي ... أعد للمسكين والغني PageV01P152 # [68 ب] # خلطين من شحم ومن نقي ... شابهما بالأزرق المشوي # مصلصل طينته مكي ... حل محل البيت زمزمي # زمزم يا بوركت من طوي [1] ... بوركت للساقي والمسقي # يسقيهم بالمشرب الروي ... إن تلقه بالأنس الحرمي # تلق امرأ ليس بأجنبي ... وليس عند العزم بالمكني # جاء على مهذب مهري [2] ... بصلويه أثر النفي # نفيه ms088 الحولي والعامي ... في الحرب حتف البطل الكمي # بكل عضب الحد مشرفي ... وأسمر في الكف سمهري # فلما أصبحوا كلم علي بن عبد الله الوليد فيه فقال: لا أعطيه درهما، أليس ~~الذي قال البارحة ما قال! فأجازه علي بن عبد الله وكساه، فقال في ذلك: # فإن يغضبك قولي في علي ... وتمنع ما لديك من النوال # فإن محمدا منا وإنا ... ذوو المجد المقدم والفعال # وإن لدى ابن عباس نوالا ... وما طالبت من صفد ومال # بنا دار [3] العباد لكم فأمسوا ... يسوسهم الركيك من الرجال # [69 أ] كفاني ما نحلت به عليا [4] ... فأقناني [5] ولم يك ذا اعتلال ~~PageV01P153 ### || أخبار علي بن عبد الله مع عبد الملك # قال: لما مات عبد الله بن عباس، وقد أوصى إلى علي ابنه أن يلحق بعبد ~~الملك بن مروان بالشام حفظ وصيته، فشخص بعد موته إلى الشام، فقدم على عبد ~~الملك، وقد استوسق له الشام، فأكرمه وأجلسه معه على سريره، وقوى بمكانه على ~~ابن الزبير، وقال لوجوه أهل الشام: هذا ابن عم محمد صلى الله عليه وسلم قد ~~أتاني عارفا بأني أولى بالأمر من ابن الزبير [1] ، فزاد ذلك في بصائرهم. ~~وقال له عبد الملك: ارتد منزلا تضم فيه أهلك وخاصتك. فبلغنا أن عليا قال ~~له: أحب المنازل إلي أخلاها وأبعدها من العوام، فإني متى أقمت معك بدمشق لم ~~آمن أن يلقاك بعض أهل الشام فيقول: قال علي، ولقي علي، وعرضني لتهمتك. فقال ~~له عبد الملك: # وصلتك رحم، ما أنت بمتهم، والبلقاء منزل صدق تضم فيه أهلك وحشمك وتقيم ~~عندي ما أحببت، وتأتيني إذا شئت، ولست تبعد عني، ولا ينساك ذكري، ولا يبعد ~~عنك خبر من بالحجاز من أهل بيتك. فنزل بالشراة من البلقاء ونزل من الشراة ~~الحميمة. ولم يزل عبد الملك له مكرما معظما، يجلسه معه على سريره إذا دخل ~~ويحادثه ويسامره. وقد بلغنا أنه بينا هو [69 ب] ذات يوم جالس معه إذ فاخره ~~عبد الملك فجعل يذكر أيام بني أمية، فبينا هو كذلك إذ نادى المؤذن بالأذان ~~فقال: أشهد ms089 أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، فقال علي لعبد ~~الملك: # تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا PageV01P154 # فقال عبد الملك: الحق في هذا لبين من أن يكابر. ولما شخص عبد الملك في ~~العام الذي أصاب فيه ابن الزبير قيل له: لو أخرت عامك هذا، فقال: إني أبادر ~~بقبالة موت رجلين من أصحاب محمد، واستفتح عليه بهذا المظلوم، علي بن عبد ~~الله، فأصابه في تلك الخرجة. # ولما ظفر عبد الملك بمصعب استجار عبد الله [1] بن يزيد، أبو خالد بن عبد ~~الله القسري، بعلي بن عبد الله فأجاره وأمنه، وكلم فيه عبد الملك فأنفذ ذلك ~~له، فكان خالد بن عبد الله عند ولايته العراق قد استصحب داود بن علي ووصله ~~وأكرمه حفظا ليد علي عند أبيه. ولم يزل علي بن عبد الله على حاله عند عبد ~~الملك حتى هلك عبد الملك، وولي ابنه الوليد عبده، فلم يكن لعلي في إكرامه ~~على مثل ما كان عليه أبوه. # محمد بن يزيد أبو العباس النحوي [2] قال: حدثنا جعفر بن عيسى بن جعفر ابن ~~سليمان عن زينب بنت سليمان بن علي قالت: كان علي بن عبد الله بن العباس عند ~~عبد الملك، [70 أ] ففاجأته هدية صاحب خراسان وهي فص وجارية وسيف، وقال: يا ~~أبا محمد! إن حاضر الهدية شريك فيها، فاختر، فاختار الجارية. قالت زينب: ~~وهي جدتنا، يقال لها سعدى، فولدت سليمان وصالحا ابني علي. وفي غير هذا [3] ~~الحديث، أنها من سبي الصغد [4] ، من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان ~~وصالحا، فلما أولدها سليمان PageV01P155 # اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدري خرج عليه، فانصرف علي من مصلاه وإذا ~~بها على فراشه فقال: مرحبا بك يا أم سليمان، فوقع [1] بها، فأولدها صالحا، ~~فاجتنبته بعد، فسألها عن ذلك فقالت: خفت أن يموت سليمان فينقطع السبب [2] ~~بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالآن إذ ولدت صالحا فبالحري إن ~~يذهب واحد [3] يبقى الآخر، وليس مثلي اليوم من وطئه الرجال، وكان ms090 فيها رثة ~~فهي الآن معروفة في ولد سليمان وصالح [4] . ### || خبر عبد الملك وخطبته الشقراء [5] # محمد بن الهيثم بن عدي قال: حدثنا إبراهيم بن عدي عن عيسى بن موسى ~~الهاشمي قال: أخبرنا أبو جعفر أمير المؤمنين عن محمد بن علي قال: كتب عبد ~~الملك بن مروان إلى عمر بن محمد صاحب البلقاء أن اخطب علي الشقراء بنت شبيب ~~بن عوانة بن حارثة بن حليف بن مشجعة الطائية، وهي يومئذ في بادية له في ~~خيام ومعه عدة [70 ب] من أصحابه، فأرسل إليه عمر بن محمد: # إن أمير المؤمنين قد كتب إلينا أن اخطب عليه الشقراء بنت شبيب فاحضر، ~~فأرسل إليه: ما لنا إليكم حاجة، فإن كانت لأمير المؤمنين حاجة فليأت ~~PageV01P156 # أو ليرسل رسولا. فقال عمر لعلي بن عبد الله: ما أرى الأعرابي يأتي فسيروا ~~بنا إليه، فسار عمر وعلي في جماعة من وجوه أهل البلقاء، قال: # فدفعنا إلى الأعرابي وهو محتب بفناء خيمته فسلمنا فرد السلام، فتكلم عمر ~~فقال الأعرابي: أرسول أمير المؤمنين؟ قال: نعم. قال: فإنا قد زوجناه على ~~صدقات نسائها، وتدري ما هو، مائة من الإبل وما يتبعه من الثياب والخدم. ثم ~~جاء بثلاث جفان من كسر خبز ولبن فأكلنا، ولا والله ما حل حبوته، ثم ~~انصرفنا. وكتب عمر إلى عبد الملك، فأرسل إليه بمائة من الإبل وعشرة آلاف ~~[1] من الورق وما يتبعه من الثياب والطيب والخدم، فجهزها ثم حملها إلى عبد ~~الملك وما معها من ذلك شيء إلا البعير الذي اقتعدته، ومعها نسوة من بنات ~~عمها، فلما وافت عبد الملك أمر فأدخلت دارا وأقامت أياما. ثم إن عبد الملك ~~بنى بها، فكان كثيرا ما يقول: ما رأيت مثل هذه الأعرابية ظرفا وخلقا [2] ~~ومنطقا. قال: فاشتد ذلك على عاتكة بنت يزيد ابن معاوية فأرسلت إلى روح [71 ~~أ] بن زنباع، وكان من أخص الناس بعبد [3] الملك، فقالت: أبا زرعة! قد علمت ~~رأي أمير المؤمنين معاوية كان فيك، ورأي يزيد أبي، ورأي أمير المؤمنين، وقد ~~أعجبته هذه الأعرابية فتتأمل في ms091 إفساد ذلك عنده، قال: نعم ونعمة عين. ثم ~~خلا بعبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين! كيف ترى الأعرابية؟ قال: قد جمعت ~~ما جمع نساء أهل الحاضرة والبادية. قال: يا أمير المؤمنين! إنك من ~~الأعرابية كما قال الأول: # وإذا يسرك من تميم خلة ... فلما يسوءك من تميم أكثر PageV01P157 # قال: لا تقل ذلك. قال: كأنك بها قد حالت إلى غير ما هي، فكثر ذلك منه. ثم ~~إن عبد الملك دخل عليها فقال: يا شقراء! أعلمت ما قال روح [1] فيك؟ إنه قال ~~كذا وكذا. قالت: ولم ذلك! إني لأنكر ذاك، والله ما سمع مني أمرا يكرهه، ~~وحال عشيرتي وعشيرته ما تعلم. قال: # هو ما قلت لك، وإن أحببت أسمعتك ذاك منه، قالت: قد أحببت. # فأمرها أن تجلس خلف الستر وأرسل إلى روح، فلما دخل عليه قال: هيه يا أبا ~~زرعة! والله لقد وقع كلامك مني موقعا، أترى ذاك؟ قال: نعم إن الأعرابية يا ~~أمير المؤمنين تنتكث [2] كانتكاث الحبل، ثم لا تدري على ما أنت عليه منها. ~~فعجلت [71 ب] فرفعت [3] الستر وقالت: أنت فلا حياك الله ولا وصل رحمك، وقد ~~كان يبلغني هذا عنك فما كنت أصدق. # فوثب روح فقال: يا هذه إن هذا أبقاه الله أرسل إلي فأعلمني أنك خلف الستر ~~فعزم علي أن أتكلم بهذا فلم أجد بدا [4] من أن أبر عزيمته، وأما أنت فلا ~~يسؤك الله. قالت: صدق والله ابن عمي. فقال عبد الملك: ويلك يا شقراء لا ~~تقبلي منه. قالت: هو عندي أصدق منك، وجعل روح يقول: # وهو مول، هو والله الحق كما أقول لك، فخرج ووقع الكلام بينهما. # عبيد الله بن محمد بن عائشة القرشي ثم التيمي قال: أخبرني أبي قال: # أوصى علي بن عبد الله إلى ابنه سليمان فقيل له: توصي إلى سليمان وتدع ~~محمدا! فقال: أكره أن أدنسه بالوصايا [5] . PageV01P158 # وهلك علي بن عبد الله بن العباس في أيام الوليد، وقد عهد إلى محمد ابنه، ~~وألقى إليه أسراره. # وأم علي زرعة بنت مشرح بن معديكرب بن وليعة. ms092 # محمد بن عمر قال: كان علي بن عبد الله قليل الحديث [1] ، وقد روى عن ~~أبيه، وروى عنه عبد الله بن طاووس. # وتوفي علي بن عبد الله سنة ثماني عشرة ومائة. # [72 أ] وقال أبو معشر وغيره: توفي بالشام سنة سبع عشرة ومائة في خلافة ~~هشام بن عبد الملك [2] . PageV01P159 ### | أخبار محمد بن علي بن عبد الله بن العباس # كان [1] علي بن عبد الله يقول: أكره أن أوصي إلى محمد، وكان سيد ولده، ~~خوفا من أن أشينه بالوصية. فأوصى إلى سليمان، فلما دفن، جاء محمد إلى سعدى ~~ليلا فقال: أخرجي إلي وصية أبي. فقالت [2] : إن أباك أجل من أن تخرج [3] ~~وصيته ليلا، ولكنها تأتيك غدا، فلما أصبح غدا بها عليه سليمان فقال: يا أبي ~~ويا أخي هذه وصية أبيك. فقال محمد: # جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثرب على أبي بعد موته كما لم أثرب ~~عليه في حياته. # يزيد بن محمد قال: قال هارون بن محمد: حدثني إبراهيم بن المهدي قال: ~~حدثني الرشيد قال: أراد علي بن عبد الله بن عباس أن يوصي إلى محمد، فأبي ~~محمد ذلك وقال: يا أبة علي الأثقلان [4] ، دينك وعيالك، فأما ما جعلت ~~لمواليك من وقف وغير ذلك فلا أدخل فيه. قال: فمن ترى؟ # قال: في ولدك شاب أرجو أن يكون كما تحب. قال من هو؟ قال سليمان ابنك، ~~فأوصى علي بن عبد الله إليه. PageV01P160 ### || صفة محمد بن علي بن عبد الله # [72 ب] كان محمد بن علي من أجمل الناس وأعظمهم قدرا، وأمه العالية بنت ~~عبيد الله بن العباس، وكان بينه وبين أبيه أربع عشرة سنة، وكان أبوه يخضب ~~بالسواد ومحمد بالحمرة، فيظن من لا يعرفهما أن محمدا هو علي [1] . ### || علم وفقه محمد بن علي # عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن يوسف بن يعقوب، قال: # حدثني عبد الله بن عبد الرحيم بن عيسى بن موسى، قال: حدثني الحسين ابن ~~عبد الرزاق بن عيسى بن موسى قال: لما نشأ محمد بن علي ms093 بن عبد الله ألزمه ~~أبوه أصحاب جده فكان كذلك حتى علم وفقه، فجلس يوما يفتي في المسجد الحرام ~~بمثل فتيا جده. وكان سعيد بن جبير يدعو الله أن لا يميته حتى يريه رجلا من ~~ولد عبد الله بن عباس يفتي بمثل فتواه، فقيل له: هل لك في رجل من ولد عبد ~~الله بن عباس يفتي بمثل فتواه؟ فدل عليه، فجاء PageV01P161 # حتى جلس في الناس، وجعل الناس يسألونه ويجيبهم بمثل جواب ابن عباس، فقال ~~ابن جبير: الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني رجلا من ولد ابن عباس يفتي ~~بفتواه. فلما وجه الحجاج في طلبه، قال له محمد بن علي: اختر مني واحدة من ~~ثلاث: إن شئت مضيت بك إلى أبي محمد وقد عرفت مكانه من عبد الملك فآخذ لك ~~أمانا، قال: [73 أ] لا أريد هذا. قال: فإن هؤلاء على سوء رأيهم ما هتكوا ~~لنا حجابا قط فادخل مع نسائي فإنهم لن يتعرضوا لك، قال: ولا أريد هذا. قال: ~~فهاتان راحلتان وألف دينار وهو كل ما أملكه على وجه الأرض فخذه والحق بأي ~~الأرض شئت، قال: لا، ولا أريد هذا. قال: فما تريد؟ قال: تسأل أن تفتح [1] ~~لي الكعبة حتى أدخلها فأوخذ من أعظم حرمة من حرمات الله، فبعث إلى الحجبي ~~وكان صديقا له، ففتح له الكعبة فدخلها، فأخرج منها. # عمر بن شبة قال: حدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال: حدثني عمرو بن معاوية ~~بن صفار بن حميد بن رافع السلمي قال: سمعت محمد بن علي بن عبد الله بن عباس ~~يسأل محمد بن سيرين: ما سمعت في ولايتنا؟ # قال: تسألني والعلم يرجع إليك؟ قال: فإنه سيليها عدة من ولدي. قال: # أين؟ قال: ببلادك وبلاد أصحابك. قال: ثم ماذا؟ قال: هو ذاك ما عمروا ~~ديارهم وأكرموا أنصارهم. PageV01P162 ### || حلم محمد بن علي بن عبد الله # أحمد بن يحيى قال: حدثني أبو مسعود عن إسحاق بن عيسى [1] بن علي قال: كان ~~محمد بن علي يقول: لن يبلغ الرجل غاية الحلم حتى يعد ms094 ذليلا. # أحمد بن يحيى بن [2] جابر قال: حدثني أبو مسعود بن القتات [3] عن غالب بن ~~سعيد عن زياد بن عامر الشروي [73 ب] قال: سمعت محمد ابن علي يقول: إذا سمعت ~~العوراء فتطأطأ لها تخطئك [4] . وكان محمد بن علي إذا مر يريد المسجد خارجا ~~من دار العباس التي بالسوق وقومه حافون به، مر على مولى لبني أمية يبيع ~~الحديد عند خاتمة البلاد، فكان ذلك المولى قد ولع به، كلما مر لهج بأن ~~يقول: الزنادقة المتمنون للباطل، لا يخرج الله هذا الأمر من موضعه أبدا. ~~فقال لمولى له- يقال له ابن شعبة- ويحك يا ابن شعبة! ترفق بهذا حتى تدخله ~~علي فإنه قد آذاني. فجلس ابن شعبة عنده أياما حتى أنسه بنفسه، فقال [5] له ~~يوما: إني أريد أن أشتري ببضاعة شيئا من حديدكم هذا فاتبعني إلى بعض ~~البصريين عسى أن تشتريه لي، فقام معه، فلما مر بباب دار العباس قال: فإني ~~أريد أن أكلم إنسانا في هذه الدار، فادخل معي، قال: تدخلني دار الزنادقة ~~أقتل فيها، فلم يزل به حتى أدخله، PageV01P163 # وأشار إلى غلمان لمحمد فأغلقوا باب الدار واحتملوه وسدوا فمه حتى أدخلوه ~~على محمد والمائدة بين يديه، وعليها أشراف من قومه، فرحب به وأدناه حتى ~~أجلسه بينه وبين عبد الله بن حسن، وجعل لا يأكل إلا يلقمه بيده، حتى فرغ من ~~الطعام، ثم أتى بالوضوء فأمر فبدئ به، ثم دعا بالغالية فغلف [1] بها رأسه ~~ولحيته، ودعا له بكسوة من ثيابه فخلعها عليه بعشرين [74 أ] ثوبا وقال: ~~اكسها عيالك، ثم قال لقهرمانه: بقي معك شيء من تلك الدنانير؟ قال: نعم ~~ثلاثمائة دينار. قال: أعطها إياه و [2] قال: # تبلغ بهذه إلى مثلها من صلتنا، فإنا لن ندع تعاهدك. فخرج فجلس ذلك ~~المجلس، فلما راح محمد بن علي، ومعه قومه حافون به، قال: بأبي هو وأمي، ~~أقمار الدجى اثنا عشر، والله، مهديا يتبع بعضكم بعضا. قال محمد لابن شعبة: ~~قال له: هادنا [3] ، لا هذا ولا الأمر الأول. # أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني ms095 أبو حفص الشامي قال: أخبرني أبي عن ابن ~~معزا قال: مر قوم من سفهاء بني أمية بالحميمة، فتكلموا في محمد بن علي ~~وولده بكلام قبيح، فقال محمد بن علي: ربما كان السكوت جوابا، والحلم أبلغ ~~في رضاء الله من الانتقام، وولى وهو يقول: يصنع الله، ومن بغي عليه لينصرنه ~~الله. PageV01P164 ### || أخبار الإمامة # قالت الكيسانية بإمامة محمد [1] بن علي، وذكروا أن أباه أوصى إليه. # والكيسانية منسوبون إلى المختار بن أبي عبيد، وكان يلقب كيسان، وهو أول ~~من قال بإمامة محمد بن علي، وبها كان يقول علي بن عبد الله وولده إلى أيام ~~المهدي [2] . وكان تشيع العباسية أصله من قبل محمد بن الحنفية، وإلى ذلك ~~دعا [74 ب] أبو مسلم حتى كان زمان المهدي، فردهم المهدي إلى إثبات الإمامة ~~للعباس بن عبد المطلب، وقال لهم: إن الإمامة كانت للعباس عم النبي صلى الله ~~عليه وسلم، فإنه كان أولى الناس به وأقربهم إليه، ثم من بعده عبد الله بن ~~العباس، ثم بعده علي بن عبد الله، ثم من بعده محمد بن علي، ثم من بعده ~~إبراهيم بن محمد، ثم أبو العباس، ثم أبو جعفر، ثم المهدي، ثم مدها في ولد ~~المهدي فهي قائمة فيهم إلى اليوم [3] . # وكان عبد الله بن [4] محمد بن علي قد أوصى إلى محمد بن علي بن عبد الله ~~وألقى إليه أسراره. قال عيسى بن علي: فو الله ما سمعناه يكلمه بشيء يرتاب ~~به، وإن كان ليكثر مناجاته، فإذا غشيه ولده أو خاصته أجرى ذكر الضيعة ~~والعيال، كأنه إنما كان يناجيه في ذلك. وكان محمد فيما وصف من حسن هيأته ~~وفقهه وورعه وطهارته إماما لمن جاوره أو خالطه أو رآه، حتى اختصه الله بما ~~اختصه به، وقد جمع له من حقوق الإمامة PageV01P165 # مع تناهي وصايا أهل الفضل من أهل بيته ما جمعه له، فقام بأمر الله داعيا، ~~ذابا عن دينه، ومحييا لحقه، ومميتا للباطل وأشياعه، وقد اجتمعت له في ذلك ~~خلال استحق بها الإمامة والطاعة من الأمة، وسنذكر حجته في ms096 ذلك. # منها أنه كان ابن عبد الله بن عباس عم النبي صلى الله عليه وسلم، [75 أ] ~~ووارثه لا ينكر ذلك من حقه، ومنها أنه كان في فضله وزهده ونزاهته وفقهه ~~وورعه واجتماع خصال الخير فيه على أمر لم يكن على مثله أحد من أهل دهره، ~~ومنها أنه بدر إلى القيام بالحق والناس نوم عنه، فدأب فيه، وشمر في إقامته، ~~ومنها ما تناهى من وصايا أهل بيته إليه، وإقرارهم بأنه أولى بالأمر منهم، ~~وأحق بالتقدم عليهم، وأن الأمر فيه وفي ولده بما استوعبوا من العلم بذلك، ~~وأمروا به من دفع الوصية إليه. وكان محمد على ما وصفنا من حاله مقيما على ~~بيان من أمره، غير داخل في شبهة، ولا مبادر إلى فرقة، ولا منازع في فتنة، ~~قد كتم سره، وأخفى أمره، يترقب الوقت الذي أمر فيه ببث [1] دعوته، فإنه ~~بلغنا أنه لم يظهر منه قول يدل على ما كان ينطوي عليه من أمره حتى لقيه جار ~~له من بني عذره. زعم المهلهل بن صفوان قال: سمعت محمد بن علي يقول لبكير بن ~~ماهان: احفظوا ألسنتكم، فو الله لولا ما حضر من وقتكم ما نطقت بحرف من ~~أمركم، وإني لمطرق على أمري مع معرفة مني بتمام دعوتكم منذ دهر طويل ما ~~ذكرت منها شيئا يستدل به على ما عندي حتى لقيني جار لي من بني عذرة، فقال ~~[2] : يا أبا عبد الله، لقد رأيت البارحة [75 ب] رؤيا فيك معجبة. فقلت: ما ~~هي؟ # فقال: رأيت كأن شهبا خرجت من فيك فأضاءت لها الدنيا، فانتبهت PageV01P166 # فزعا. فقلت: يغفر الله لك إني لأحب أن تستر ما رأيت، ولئن بقيت لترين ~~تأويل رؤياك بأمر يقر الله به عينك إن شاء الله. # الحسن بن أبي سعيد قال: حدثنا محمد بن الخطاب قال: قدم أبو هاشم ابن محمد ~~بن علي- ابن الحنفية- فنزل على محمد بن علي بن عبد الله فاشتكى، فأوصى إلى ~~محمد بن علي، وكان يسمى محمد بعده: الإمام. وقتل زيد بن علي بالكوفة، وقتل ~~ابنه يحيى ms097 بن زيد بخراسان في ولاية نصر بن سيار الكناني، وجه إليه سلم [1] ~~بن أحوز التميمي فقتله، وأراد أن يصلبه فلم يحسنوا يصلبوه، فمر بهم رجل من ~~أهل العراق فعلمهم فصلبوه بجوزجان، وكان ذلك [2] سبب حركة أهل خراسان ~~ودعاتهم، وبعث محمد بن علي يدعوهم إلى طاعة آل رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم، فقدم عليه أيام الموسم قحطبة ابن شبيب. # عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى قال: حدثني أبو عبد الله المدني ~~عن أبيه قال: كنت عند إسماعيل بن علي بن عبد الله [3] بن جعفر ابن أبي طالب ~~فجاءه ابن أخيه فقال له: يا عم! هل تعرف فيكم رجلا يقال له عبد الله بن ~~محمد بن علي بن عبد الله غيري؟ قال: لا يا ابن أخي فما ذاك؟ # قال فامرأته طالق إن لم أكن رأيت في ليلتي هذه مكتوبا على باب دار مروان، ~~[76 أ] الخليفة، عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله. قال: يا ابن أخي! ما ~~أراك إلا صادقا، ولكن عليك مثل التي [4] حلفت بها إن كان وراء هذا نسب ~~كتمتناه [5] . قال هو ذاك يا عم [6] . قال: هو عبد الله بن محمد بن علي ~~PageV01P167 # ابن عبد الله بن العباس، ابن الحارثية. # أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني أبو أيوب سليمان الرقي عن الحجاج ~~الرصافي عن أبيه قال: نظر عبد الملك إلى محمد بن علي [1] ، وهو غلام من ~~أجمل أهل زمانه فقال: هذا والله يفتن المرأة الشريفة. فقال له خالد بن يزيد ~~بن معاوية: أما والله إن ولده صاحب هذا الأمر، فقال عبد الملك: كلا. فقال ~~خالد: هو كذاك، إن تبيعا أخبرني عن كعب أن هذا الأمر يصير إلى بني العباس، ~~وأنه لا يلي رجل من آل أبي طالب إلا أن يخرج على وال فيقتل، وأنها لا تزال ~~لولد العباس إلى أن ينزل المسيح. # عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى بن محمد بن علي بن عبد الله ابن ~~عباس قال: سمعت ms098 يعقوب بن عيسى بن موسى يحدث عن عيسى بن موسى عن محمد بن علي ~~قال: كنت أنا وعمر بن عبد العزيز جلوسا في مسجد دمشق في خلافة سليمان بن ~~عبد الملك، وأيوب بن سليمان يومئذ شاك، وكان سليمان بن عبد الملك قد رشحه ~~لولاية العهد، فمر رجل في المسجد فبعث إليه عمر بن عبد العزيز فدعاه فقال ~~له: ما حال هذا؟ - يعني أيوب-، قال: يموت. قال [76 ب] عمر: يموت ويبقى ~~الناس بلا ولي عهد؟ قال: # نعم، ويموت أبوه بعده. قال: فمن يلي بعده؟ قال: أنت، فصاح به عمر، فذهب. ~~فلم يلبث أن مات أيوب، ثم مات سليمان بعده، وولي عمر بن عبد العزيز. فو ~~الله إني لفي مسجد دمشق في خلافة يزيد بن عبد الملك إذ مر بي الرجل فبعثت ~~إليه مولاي مهنأ، فدعاه، فجاءني، فقلت: لقد حدثتنا بعجب، زعمت أن أيوب ~~يموت، ثم يموت سليمان، ويستخلف PageV01P168 # عمر بن عبد العزيز، فكان كما قلت، فمن يملك بعد يزيد بن عبد الملك [1] ؟ # قال: هشام. قلت: ثم من؟ قال الوليد بن يزيد، ثم يقتل. قلت: فعلى من تجتمع ~~الناس؟ قال: على ابنك، فصحت به فقال: أي والله، ابن الحارثية، ولقد حمل به، ~~ثم قام. فلما انصرفت على ريطة، قلت لها: # هل أنكرت نفسك؟ قالت: وما دعاك إلى المسألة عن هذا؟ فو الله ما كنت تسأل ~~عنه، وقالت: قد أنكرت نفسي منذ أيام، فاستمر بها الحمل، فولدت أبا العباس. # عمر بن شبة قال: حدثني يعقوب بن القاسم قال: حدثني عبد الله بن المفضل ~~الغنوي عن محمد بن سوقة قال: كنت عند أبي جعفر [2] محمد بن علي، فأتاه رجل ~~من أهل الجزيرة، فسأله عن الناس فقال: تركتهم وما لهم هم غيرك، قال: لم؟ فو ~~الله ما أنا بصاحبهم، وما صاحبهم إلا أنتم بني العباس. # قال: قرأت في كتاب جعفر بن محمد بن الفضيل بخطه: ذكر أبو اليمام الحكم بن ~~نافع [77 أ] الحمصي قال: حدثنا أبو الأسود، وكان قد أدرك عمر بن عبد ms099 ~~العزيز، عن عبد الرحمن الأنصاري قال: كنت عند الوليد بن يزيد فدخل عليه ~~محمد بن علي بن عبد الله ومعه ابناه أبو العباس وأبو جعفر، فكلمه في شيء ثم ~~خرج، فقال لي الوليد، وأشار إلى أبي [3] العباس، هذا صاحب بني أمية. قلت: ~~وكم يملك منهم؟ قال: يملك منهم أربعة وعشرون رجلا: ثمانية منهم يسمون عبد ~~[4] الله، وثمانية يسمون محمدا، PageV01P169 # وثمانية أسماؤهم مختلفة، يلي بعضهم السنة وبعضهم السنتين، وبعضهم العشر، ~~وبعضهم أكثر وأقل، وآخرهم يملك أربعين سنة. قلت: وكيف علمت ذاك يا أمير ~~المؤمنين؟ قال: من الكتب التي بعث بها إلي عاملي على المغرب من كتب دانيال، ~~قال: فقلت لجعفر بن محمد الراسبي: أقرأ علي هذا الكتاب قال: لست أقرأه على ~~أحد من الناس فإن أردت أن تكتبه فاكتبه فكتبته من خطه. # أبو محمد عبد الله بن أبي سعد قال: حدثنا عبد العزيز بن يحيى بن عبد ~~العزيز المدني قال: حدثني [1] محمد بن سليمان بن سليط قال: قال الخراسانيون ~~الذين أرادوا القيام في الدعوة: لا يصلح هذا الأمر إلا لرجل من هؤلاء القوم ~~[2] يجتمع لنا فيه ثلاث خصال: يكون أعظمهم شرفا، وأفضلهم في نفسه دينا، ~~وأسخاهم كفا، فيكون قوم يتبعونه لشرفه وموضعه، وقوم يتبعونه لبراعة فضله ~~ودينه، وقوم يتبعونه لجوده، فقدموا [77 ب] المدينة، فاتفق [3] لهم عبد الله ~~بن الحسن بن الحسن فانسلوا إليه متنكرين فقالوا له: إنا قوم [4] من شيعتك ~~وإنا خرجنا من خراسان، وبعث معنا بأموال نشتري بها لمن خلفنا حوائج، فقطع ~~علينا، فذهبت الأموال، ولا يشبهنا في قدرنا فيمن خلفنا ألا نفعل ما أمرنا ~~به، وإن كان ذلك من أموالنا، ووراءنا نعم عظام، PageV01P170 # ونحن نحتاج إلى مال، وقد أردنا ألا تكون الصنيعة عندنا إلا لرجل يجتمع ~~لنا فيه خصلتان: الشرف في النسب والفضل في الدين، فدللنا عليك، وكنت ~~غايتنا، وقد احتجنا إلى قرض، وسموا له المال. فقال لهم عبد الله بن الحسن: ~~أدلكم على نظيري في الشرف والمذهب وفي الدين، وهو أجمل [1] لما تريدون مني، ~~محمد بن علي ms100 بن عبد الله بن عباس، فجاءوه فقالوا له مثل ما قالوا لعبد ~~الله، فحمل إليهم المال [2] وهو لا يعرفهم، فقالوا: هذا رجل قد ظهر لكم [3] ~~فيه الخصال التي أردتم [وهو] [4] المجتمع عليه بالفضل والبراعة [5] في ~~النسب [6] [وقد] [7] أخبركم [عبد الله] [7] أنه نظيره، وقدمه على نفسه ~~بالجود، وكان سبب قيامهم. ### || خبر محمد بن علي مع هشام وابن رأس الجالوت [8] # عمر بن شبة قال: حدثني عبد الله بن محمد قال: حدثني شيخ يكنى أبا عبد ~~الله قال: قدم محمد بن علي على هشام بن عبد الملك ومعه ابناه PageV01P171 # أبو جعفر [1] وأبو العباس، فدخل يوما [78 أ] على هشام بن عبد الملك، ~~ووافق ذلك دخول ابن رأس الجالوت عليه، وكان يهوديا، وكان محمد أصبح الناس ~~وجها، وكان هشام صبيحا ما أغضى، فإذا رفع رأسه احولت عيناه، فنظر هشام إلى ~~ابن رأس الجالوت، وقد أحد نحو محمد بصره، فقال: # ما لك تنظر إليه؟ قال: خير، من هذا؟ قال: هذا من أهل نبينا صلى الله عليه ~~وسلم. قال: هذا أقرب بالنبي صلى الله عليه وسلم؟ فوقع هشام في لطخة [2] ~~كرهها ولم يكذب نفسه، قال: بأب. قال: لئن كنت صادقا لهو أولى بصدر مجلسك ~~منك، إن بيني وبين الأب الذي تكرمني اليهود به [3] لأربعين أبا [4] . فغضب ~~هشام عليه، وأقامه، وأقبل عليه الحاجب، وهو يخرجه، فقال: ما آمنك أن يأمرني ~~أمير المؤمنين فأضرب عنقك. قال: # فيكون ماذا أكثر من أن يقول الناس: يهودي قام بكلمة حق عند الخليفة ~~فقتله. وتنكر هشام لمحمد فقال محمد: والله يا أمير المؤمنين، ما تكلمت ولا ~~أجبت [5] ، ولأنت كلمته فأجابك، فأمر له بألف دينار، فشخص من عنده، فلما ~~كان بالرقة أقبل على ابنيه فقال: أحدكما يبني هذه المدينة، قالا: فينزلها؟ ~~قال: لا، ولا يتمها ولكن يأتي من ولده من يتمها، قالا [6] : فينزلها؟ قال: ~~لا بل يتمها ولده وينزلها، قيل له: ثم مه! قال فعض على [78 ب] يده ثم قال: ~~ثم مه، ثم مه. PageV01P172 ### || أخبار محمد بن علي مع أبي هاشم عبد ms101 الله بن محمد # محمد بن عبد الله القطان قال: حدثني أحمد بن سليمان بن أبي شيخ قال: # حدثني أبي قال: حدثني حجر بن عبد الجبار بن وائل بن حجر الحضرمي قال: ~~سمعت عيسى بن علي، وذكر أبا هاشم عبد الله بن محمد بن الحنفية، فقال: كان ~~قبيح الخلق قبيح الدابة، فما ترك شيئا من القبح الا نسبه إليه، وكان لا ~~يذكر أبي، علي بن عبد الله، إلا عابه، فبعث أبي ابنه محمد بن علي إلى باب ~~الوليد بن عبد الملك، فأتى أبا هاشم وكتب عنه العلم، فكان إذا قام أبو هاشم ~~يركب أخذ له بالركاب، فكفه ذاك عن أبيه. قال: فكان يلطف ابنه محمدا بالشيء ~~يبعث به إليه إلى دمشق فيبعث به محمد إلى أبي هاشم، فبعث أبي إلى محمد [1] ~~ببغلة يركبها في عسكر الوليد، فبعث بها محمد إلى أبي هاشم، فكبرت عنده، ~~وقال لمحمد: ما هذا؟ قال: بغلة بعث بها إلينا مولى لنا من مصر، فبعث بها ~~إلي فآثرتك بها. # وكان قوم من أهل خراسان يختلفون إلى أبي هاشم، فمرض مرضه الذي مات فيه ~~فقال له قوم من أهل خراسان: من تأمرنا نأتي بعدك؟ قال: هذا، وهو عنده، ~~قالوا: من هذا؟ قال: هذا محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فقالوا: ما لنا ~~ولهذا؟ قال: لا أعلم أحدا [79 أ] أعلم منه ولا خيرا منه، فاختلفوا إليه. ~~قال عيسى: فذاك سببنا بخراسان [2] . PageV01P173 # قال: وكان محمد بن علي يفد على الوليد أحيانا، ويغزو الصائف، ويرابط ~~بالسواحل هو وإخوته وولده، فوفد على الوليد بن عبد الملك في آخر أيامه ~~فالفى عنده أبا هاشم عبد الله بن محمد بن علي بن أبي طالب ابن الحنفية. # وكان سبب [1] قدوم أبي هاشم على الوليد فيما ذكر إسحاق بن الفضل الهاشمي ~~أن زيد بن الحسن بن علي [2] بن أبي طالب صارت إليه صدقات علي، وهو يومئذ ~~أسن ولد علي من فاطمة، فنازعه فيها أبو هاشم ورافعه إلى قضاة المدينة، وكان ~~فيما احتج به [3] أبو ms102 هاشم أن قال [4] : أنا وأنت في النسب كفيان، وقد جعل ~~علي وصيته في صدقته إلى ذوي الفضل من أكابر ولده، فأنا أكبر سنا منك، وأنا ~~أعلم بالله وبكتابه وسنن نبيه صلى الله عليه وسلم منك، فعلام تحوز هذه ~~المكرمة دوني، وإنما الوصية لعلي لا لفاطمة، فقبلت القضاة منه ذلك، ولم ~~تدفعه [5] عنه. ولما توجه القضاء بالمدينة لأبي هاشم على زيد بن الحسن شخص ~~زيد إلى دمشق وقدم على الوليد، فوشى بأبي هاشم، وذكر أن له شيعة من أصحاب ~~المختار، وأنهم يأتمون به ويحملون صدقاتهم إليه. وزعم بعض من حكى حديث حبس ~~أبي هاشم أن التشاجر بينه وبين زيد بن حسن بن علي قد كان تفاقم حتى شخص ~~الوليد حاجا [79 ب] سنة إحدى وتسعين، فلما قدم المدينة حضره أبو هاشم وزيد ~~بن حسن، فقال الوليد لأبي هاشم: لقد أسرع إليك الشيب، فقال أبو هاشم: إنه ~~ليسرع إلى ذي السن، فقال زيد بن حسن بن علي: ذاك PageV01P174 # يا أمير المؤمنين لغالية تهدى إليه من الكوفة يغتلف بها، فارتفع القول ~~بينهما، إلى أن رماه زيد بانتماء من شيعته من أهل الكوفة، فلما صدر الوليد ~~عن الموسم، فمر بالمدينة، أشخص معه أبا هاشم إلى دمشق، فحبسه بوشاية زيد ~~ابن حسن. قال إسحاق بن الفضل: فشنع، والله، زيد على أبي هاشم، وذهب إلى ~~الوليد في أمره، فقبل ذلك منه، ورأى أن قد نصحه، فأقامه عليه وقرب مجلسه. ~~وذكروا أن الوليد تزوج ابنة لزيد يقال لها نفيسة، وبعث إلى أبي هاشم عبد ~~الله بن محمد بن الحنفية، فقدم به عليه، وأمر بحبسه، وقدم معه أخوه عون بن ~~محمد، فلقي في أمره قبيصة بن ذؤيب الخزاعي، وكان ذا منزلة من الوليد فقال ~~له: إن أخي [1] حبس مظلوما بأمر لم يجنه، ونحن نسأل أمير المؤمنين أن يدعو ~~به فيسأله عما قرف به، فإن تبين له عذر عذره، أو ثبت عليه قرف أخذه به. ~~فكلم قبيصة الوليد، وحكى له قول عون فقال الوليد: قد بلغني أنه امرؤ جدل، ms103 ~~ولا أحسب ابن عمه كذب عليه، فخبر عونا بذلك. وبلغ خبر حبسه، وما كان من قول ~~الوليد فيه، علي بن الحسين [80 أ] بن علي بن أبي طالب فوفد في أمره على ~~الوليد ابن عبد الملك، فلما قدم عليه ألطفه، وقرب مجلسه، وبلغنا أنه قال: ~~فيم تجشمت السفر على بعد الشقة؟ قال: دعاني [2] إليه عظيم القدر الذي أكلمك ~~فيه، والثقة مني برعاية حرمة أهلك [3] . فقال له الوليد: وما ذاك؟ قال علي: # ما بال أقوام يتوسلون إليك بقرباتهم بأبي بكر [4] وعمر وعثمان فترعى لهم ~~PageV01P175 # حرمتهم [1] بهم، وأقربوك من آل الرسول يمتون [2] إليك بقرابتهم به [3] ~~فلا تحفظ [4] لهم حرمتهم ولا تكف الأذى عنهم. قال الوليد: وأي ذلك تعني؟ ~~قال علي بن الحسين: بم حبست عبد الله بن محمد، وقرابته برسول الله صلى الله ~~عليه وسلم قرابته وحرمته بك حرمته، ولا نعلم في أهله رجلا نعدله به [5] في ~~فقهه وعلمه وطهارته وبعده من كل ما تكره. فقال له الوليد: زعم ابن عمك زيد ~~بن حسن أنه يسعى في تفريق الجماعة، وأنه جعل نفسه إماما مفترض الطاعة، وأنه ~~قد اتخذ لنفسه شيعة من أهل العراق قد ائتموا به. # قال علي بن الحسين: والله ما بلغني هذا عنه، ولا ظننته به قط، ولقد تفاقم ~~الذي بينه وبين زيد حتى ما يؤمن زيد على الكذب عليه، وقد يكذب الرجل على ~~ابن عمه عند ما يقع من التنازع بينهما، وما خلا أهل بيت من أن يكون ذلك ~~بينهم. قال الوليد: وكثيرا ما يكون. قال علي بن [80 ب] الحسين: فالذي دعا ~~زيدا إلى ما قرف به عبد الله بن محمد، فيما يظن، ذلك، ونحن نسألك برحم رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم إلا خليت سبيله. قال: اللهم [6] قد فعلت على سوء ~~ظن مني به، فخلى سبيله، وأمره بالمقام عنده. # وانصرف علي بن الحسين إلى المدينة، وأقام أبو هاشم بدمشق يحضر مجلس ~~الوليد ويسامره، وربما مزح معه، فزعم إسحاق بن الفضل أن الوليد قال ذات ~~ليلة، وأبو هاشم ms104 حاضره، في مجلس سمره: ما ترك رسول الله صلى PageV01P176 # الله عليه وسلم أن يتزوج في الأنصار إلا رغبة عنهم، ولقد أصهر إلى غيرهم ~~من العرب. فقال أبو هاشم: أو كل من لم يصهر إليه رسول الله صلى الله عليه ~~وسلم من العرب يشينه ذلك ويسب به، فها نحن- بني [1] هاشم- لم يتزوج فينا ~~رسول الله صلى الله عليه وسلم، أفذاك سبة علينا؟ ولقد حدثني الثقة من أصحاب ~~النبي صلى الله عليه وسلم: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ذلك ~~فقال: ما حي من العرب أحب إلي من الأنصار، ولولا أن في الأنصار غيرة شديدة ~~أكره لها نساءهم لأصهرت إليهم، فكانوا أحب من أصهر إليه. فقال له الوليد: ~~لأنك لشديد النصر للأنصار يا أبا البنات، ولم يكن لأبي هاشم ولد ذكر. فقال ~~أبو هاشم: ما البنات بعار على ذي البنات، فقد كان نبي الله لوط أبا بنات، ~~وكان نبي الله شعيب أبا بنات، وكان خير البرية محمد [2] صلى الله عليه [81 ~~أ] وسلم أبا بنات، فبهم الأسوة لا بمن أذكر فلم يشكر. فعنت الوليد من قوله، ~~ورأى أنه قد استخف به في جوابه، وعرض به، فقال: إنك للخصم [3] الألد، أرحل ~~عن جواري. فقال أبو هاشم: أرحل والله عن جوارك فما الشام لي بوطن ولا أعرج ~~فيها على شجن، ولقد أطلت فيها حبسي، وكثر فيها ديني، وقلت بها فائدتي، وما ~~أنا لك بحامد، ولا- إن أعفيتني- إليك بعائد. فبلغنا أنه قال له: فإني قد ~~أعفيتك إلى يوم الحشر، فخرج عنه أبو هاشم. وكان الوليد أول ملوك بني أمية ~~تكبر في نفسه، وسار في الناس بالجبرية والخيلاء، خلا ما كان عليه من كان ~~قبله، وما كان الناس يكلمون به معاوية ويزيد وعبد الملك من دعائهم ~~بأسمائهم، وانتصافهم منهم في PageV01P177 # كلامهم، وقام [1] بذلك خطيبا على منبره فقال: إنكم كنتم تكلمون من كان ~~قبلي من الخلفاء بكلام الأكفاء وتقولون [2] : يا معاوية ويا يزيد، وإني ~~أعطي الله عهدا يأخذني بالوفاء به: لا يكلمني أحد منكم بمثل ذلك ms105 إلا أتلفت ~~نفسه، فلعمري إن استخفاف الرعية براعيها في مثل ذلك سيدعوها إلى الاستخفاف ~~بطاعته والاستهانة بمعصيته. فبلغنا أن رجلا من بني مرة قال: # اتق الله يا وليد فإن الكبرياء لله، فأمر به فتوطئ حتى مات، واتعظ الناس ~~به وهابوه لذلك. # وأخبرنا داود مولى سعيد بن [81 ب] عبد الملك قال: سمعت سعيد ابن عبد ~~الملك يقول: إن أول من افتتح الجبرية في بني أمية الوليد، قال يوما لأهل ~~بيته وأنا معهم: لا يحدن الرجل منكم [3] إلي نظره في مجلس عامة كأني وإياه ~~متكافئان، فيوشك الرجل الأثير [4] في نفسه عندي أن يفعل [5] ، فلا يرجع ~~إليه نظره. # وأخبرنا إسحاق بن الفضل الهاشمي، وكان من أعلم الناس بأمورهم، قال: دخل ~~أبو هاشم عبد الله بن محمد ذات يوم على الوليد، وعنده خالد ابن يزيد بن ~~معاوية وهشام بن عبد الملك، فكلمه في أمر من أمره، ثم خرج. # فقال الوليد ما رأيت في بني هاشم رجلا أعدله به، وإنه لخليق لكل داهية، ~~وإن كان الحزم عندي أن استودعه الحبس فيكون مثواه حتى يموت فيه، هل تجد يا ~~أبا هاشم- يعني خالد بن يزيد- لهذا صفة في نقض علينا؟ قال خالد: ~~PageV01P178 # لا والله، ما وجدت ذلك، ولا هو بالمخوف، ولا أحد من بني أبيه، على ~~دولتكم، ولكني أخاف أصلة [1] كامنة بناحية البلقاء تسعى لها أهل الشرق، ~~يدوخون لها البلاد، ويقتلون لها الجبابرة. قال: ومن هذه الأصلة؟ قال: # ولد علي بن عبد الله بن عباس. قال الوليد: غفر الله لك، ما بلغنا أن ~~أولئك تحركوا في شيء من هذا الأمر، ولا دبوا فيه. قال: أجل، وسيكفون ذلك. ~~قال الوليد: فمتى يكون ذلك؟ قال: لست أخافه عليك [82 أ] ولا على هذا القرن ~~الذي أنت فيه، وإنما أخافه إذا قتل سميك، ووقع [2] الاختلاف بين أهل بيتك، ~~وابتز الأمر منهم سمي جدك، فظهرت الرايات السود بالمشرق، فبؤسا لبني أمية، ~~عند ذلك يزول الأمر عنهم، وتسفك دماؤهم، ويرثي لهم من كان يتمنى هلاكهم. ~~قال الوليد: ما قضى الله كائن، وما ms106 على القوم من سبيل ما لم يظهروا خلافا، ~~فمن هناك قال هشام، من وفدة وفدها عليه محمد بن علي يسأله قضاء دينه: إذا ~~طلعت الرايات السود قضينا دينك. # وأخبرنا بهذا الحديث سعيد البرزي، مولى [3] هشام: أن هشاما قال ذلك ~~للأبرش، وكان يكلمه في قضاء دين محمد بن علي، قال: وأنا قائم على رأسه، ~~وذكره أيضا مصفى ابن عم الأبرش أنه سمع أباه يذكر عن الأبرش. وقدم في تلك ~~الأيام محمد بن علي دمشق في بعض ما كان يقدم عليه فيه من أموره، فنزل ~~بمولاهم فضالة بن معاذ، وألفى أبا هاشم نازلا عليه. # وكان فضالة بن معاذ تاجرا ينزل دمشق، وهو فضالة بن معاذ بن عبد الله، كان ~~عبد الله جده أهداه ملك مصر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث ~~PageV01P179 # أهدى إليه مارية والبغلة الشهباء، التي كانت تدعى دلدلا، فأعتقه رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم، وكان ولاؤه بعده للعباس بن عبد المطلب، وكان عريف ~~من في ديوان بني هاشم، وكان من [82 ب] قدم الشام من بني هاشم ينزلون عليه، ~~وكان منصور بن زياد الكاتب يزعم أنه مولى فضالة بن معاذ. # وألفى محمد بن علي أبا هاشم نازلا على فضالة، وهو ينتظر رفقة تخرج فيخرج ~~معها، إلى أن تهيأ لمحمد بن علي فراغه من حوائجه فحضر شخوصه، فشخصا جميعا: ~~محمد بن علي يريد منزله بالبلقاء، وأبو هاشم يريد المدينة، ومع أبي هاشم ~~عدة من أصحابه فيهم رجل يقال له سلمة بن بجير من بني مسلية من رهط عامر [1] ~~بن إسماعيل، وكان من أخص أصحاب أبي هاشم به، وكان أبوه بجير بن عبد الله من ~~ذوي البصائر من أصحاب محمد بن الحنفية، وكان قد خرج مع المختار، فكان من ~~أشد من كان معه في قتل قتلة الحسين وآل محمد، ولم يزل مع المختار حتى حصر ~~في قصر الكوفة. # وكان المختار قد أراد أصحابه على أن يخرجوا إلى مصعب وأصحابه فيقاتلوا ~~[2] حتى يقتلوا، فأبوا عليه ذلك فقال [3] لهم: إني خارج ms107 إليهم فمقاتلهم حتى ~~أقتل، ولو قتلوني لم تزدادوا إلا ذلا وضعفا، ويستنزلونكم على حكمهم، فإذا ~~نزلتم على حكمهم، دفع كل رجل منكم إلى رجل منهم ممن قتلتم أباه وقريبه، ~~فيقتلونكم. ولما قتل المختار، وبقي من بقي من أصحابه في القصر في حصارهم، ~~قال لهم بجير بن عبد الله المسلي: قد كان صاحبكم أشار عليكم [83 أ] بالرأي ~~لو قبلتموه، يا قوم! إنكم إن نزلتم على حكم القوم ذبحتم كما تذبح الغنم، ~~فاخرجوا بأسيافكم فقاتلوا حتى تموتوا كراما، PageV01P180 # فقالوا: قد أمرنا بهذا من كان أطوع فينا منك فعصيناه، فوثب إلى سيفه ~~فتناوله ليخرج فيقاتل فوثبوا إليه فقالوا: ننشدك الله أن تشأمنا، وانتزعوا ~~سيفه من يده. وخرجوا إلى مصعب وأصحابه على حكمهم [1] ، فأمر بهم فكتفوا ~~وقدموا إلى مصعب، فتقدم بجير [2] بن عبد الله المسلي فتكلم فقال: # الحمد لله الذي ابتلانا بالأسر [3] ، وابتلاك ومن معك بأن تعفوا [4] ~~وتقسطوا [5] ، وهما منزلتان: إحداها لله رضى، والأخرى له سخط، ومن عفا عفا ~~الله عنه، ومن عاقب لم يأمن القصاص، يا ابن الزبير! نحن أهل قبلتكم وعلى ~~ملتكم [6] ولسنا بالترك [7] ولا بالديلم، لم نعد أن خالفنا إخواننا من أهل ~~مصرنا، فأما أن نكون [8] أصبنا وأخطأوا، وإما أن يكونوا أصابوا وأخطأنا، ~~فاقتتلنا بيننا كما اقتتل أهل الشام [9] واختلفوا ثم اجتمعوا، وكما اقتتل ~~أهل البصرة ثم اصطلحوا واجتمعوا، وقد ملكتم فأسجحوا، PageV01P181 # وقدرتم فاعفوا، فما زال بهذا القول ونحوه حتى رق له الناس ورق له مصعب، ~~فوثب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث فقال: قتل أبي وعمي وخالي وأشراف أهل ~~مصري ثم نخلي سبيلهم، اخترنا أو اخترهم [1] ، ووثب [83 ب] عدة [2] فتكلموا ~~بمثل كلامه، فلما رأى ذلك مصعب بن الزبير أمر بقتلهم. ولما قدم بجير بن عبد ~~الله [3] المسلي ليقتل قال: إن حاجتي إليك ألا تقتلني مع هؤلاء، فقد كنت ~~أمرتهم أن يخرجوا فيقاتلوا حتى يموتوا كراما، حتى قتلهم الله لئاما. # وذكروا أن عمرو بن حريث قال لمصعب: إن هذا كان يزعم أنه يقتل فرعون هذه ~~الأمة، فقال بجير: ليس ms108 هكذا قلت، ولكن حديث مما سمعت. قال مصعب وما سمعت؟ ~~قال بجير: مر علي رحمة الله عليه ورضي عنه، ومعه الأشتر، فخرج إليه غلام ~~منا بقدح فيه لبن وبكوز فيه ماء، فقال: اختر يا أمير المؤمنين، فتناول ~~القدح والكوز، ثم صب الماء على اللبن حتى روي ثم قال، ونحن مجتمعون في ندي ~~لنا: من الحي؟ # فقلنا: بنو مسلية. فقال: بخ بخ، بنو مسلية تركوا الناس على ألوية شأنهم ~~في آخر الزمان، يقتل فرعون هذه الأمة على يدي رجل منهم، شعارهم يومئذ في ~~عسكره أشد عليه من حريق النار. # وكان سلمة بن بجير من ثقات أبي [4] هاشم، ورأس الشيعة معه، وكانوا ~~PageV01P182 # يسمونه ابن الشهيد، فلما شخص أبو هاشم، ومحمد بن علي، خلف أبو هاشم سلمة ~~بن بجير في حاجة له بدمشق، وقال له: اتبع أثرنا فإني آخذ على البلقاء مع ~~ابن عمي محمد بن علي ولن أبرح منزله حتى تلحق، وأحسب القضاء سيحول دون [84 ~~أ] ذلك. # فأخبرنا الفضل بن سالم الأعجمي [1] عن سالم قال: أخبرني أبو رباح ميسرة ~~النبال، قال: لما خرج أبو هاشم من دمشق خرج معه ابن بجير مشيعا له، فلما ~~خرج من الغوطة وقف أبو هاشم فأوصى ابن بجير بما أوصاه به في حاجته، ثم ~~ناجاه بشيء أخفاه لم نسمعه، ثم مضى ومضينا معه. وانصرف ابن بجير، وأبو هاشم ~~يومئذ عليل، ولما تصرعه علته، قال: وتزيد مرضه، فلما أشرف على الشراة قال: ~~ما أحسب منيتي إلا كائنة بهذا البلد، وما أمرضني إلا ما دخلني من عتو ~~الوليد، اللهم فأدل منه ومن بني أمية. ومرضه محمد بن علي حتى توفي رحمه ~~الله، قال بعضهم، حيث أشرف على الشراة، وقال بعضهم، أقام في منزل محمد بن ~~علي أياما مريضا، ثم هلك في منزله، ومعه عدة من الشيعة، ورأسهم يومئذ سلمة ~~بن بجير بن عبد الله لم يحضر وفاته لغيبته بدمشق في حاجته، وأبو رباح [2] ~~ميسرة النبال مولى الأزد، وقال بعضهم مولى لبني أسد فأما داره فكانت في ~~الأزد وصارت ms109 بعد لجبل بن يزيد الكاتب، وأبو عمرو البزار، مولى بني مسلية، ~~وكان يعتصر البزر، ومحمد بن خنيس [3] ، مولى لهمدان، وأبو بسطام مصقلة ~~الطحان، مولى بني الحارث PageV01P183 # ابن كعب، وحيان [1] العطار خال إبراهيم بن سلمة، وذكر بعض الكوفيين أن ~~حيان كان في أيامه مولى النخع وزعم أنه مولى لإبراهيم بن [84 ب] الأشتر، ~~وإبراهيم بن سلمة وهو يومئذ غلام حين بدا وجهه. ### || خبر الصحيفة الصفراء # يونس بن ظبيان عمن حدثه عن أبي [2] جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي بن ~~أبي طالب أنه سئل عن آل العباس: هل عندهم من علم بشيء [3] ؟ # قال: نعم، عندهم صحيفة صفراء كانت لعلي بن أبي طالب، وظعن [4] الحسن، ~~وقدم على معاوية بالشام، فتصاحب [5] الحسن والحسين ومحمد بنو علي بن أبي ~~طالب، فانطلق محمد بن الحنفية فدخل إلى الحسن والحسين فقال لهما: إنكما ~~ورثتما أبي دوني، وإن لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولدني فقد ولدني ~~أبوكما، ولكما لعمري علي الفضل ولا كذب، [أعطوني] [6] بعض ما أتجمل به من ~~أبي فقد عرفتما حبه، كان، لي. فقال PageV01P184 # الحسن للحسين: يا أخي، هو أخونا وابن أبينا فأعطه شيئا [1] من علم أبينا. # قال: فأعطاه الحسين صحيفة صفراء فيها علم رايات خراسان السود، متى [2] ~~تكون، وكيف تكون، ومتى تقوم، ومتى زمانها وعلامتها وآياتها، وأي أحياء ~~العرب أنصارهم، وأسماء رجال يقومون بذلك، وكيف صفتهم، وصفة رجالهم وتباعهم ~~[3] . فكانت تلك الصحيفة عند محمد بن علي ابن الحنفية، حتى إذا حضره الموت ~~دفعها إلى ابنه عبد الله بن محمد، [85 أ] وهو الذي يكنى أبا هاشم، فكانت ~~عنده، حتى إذا حضره الموت، وذلك عند منصرفه، كان، من عند الوليد [4] بن عبد ~~الملك، ومات بالحميمة عند محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، فدفع الصحيفة ~~إليه، وأوصاه بما أحب، فكانت عند محمد بن علي، حتى إذا حضره الموت أوصى بها ~~إلى إبراهيم بن محمد بن علي وكان رئيسهم وسيدهم وكبيرهم. وأبو هاشم هو الذي ~~قال لمحمد بن علي، وإبراهيم ابنه، ms110 وهو ابن أربع سنين، يلعب عندهما، فقال ~~محمد بن علي لأبي هاشم: يا ابن عم! هل لنا ولد العباس نصيب فيما يذكر من ~~رايات بني هاشم؟ فقال له أبو هاشم [5] : وهل هذا الأمر الا لكم من أهل بيت ~~نبيكم. فقال له محمد بن علي: وكيف ذاك يا أخي؟ فقال له: هل ترى هذا الغلام، ~~يعني إبراهيم! هو صاحب الأمر، حتى إذا يكاد يبلغ الأمر، ونازلة، نذر به ~~القوم- يعني بني أمية- فيقتلونه، فيكون لك ابنان: عبد الله وعبيد الله، ~~فيملكان ويتناسل الملك في أولادهما. PageV01P185 ### || عهد أبي هاشم إلى محمد بن علي [1] # قال عبد الله بن عمير: سمعت سالما يحدث قال: قال محمد بن علي، ودخلت عليه ~~في بيت من بيوته، توفي أبو هاشم في هذا البيت، وقال لي وقد أدنف، ولم [85 ~~ب] أكن أفارقه في مرضه: فإنما عند الله أحسبني لما بي، فأخرج عني من في ~~البيت فإني أريد أن أعهد إليك. قال، ومعي داود وسليمان ابنا علي وعروة [2] ~~مولانا، فأمرتهم بالخروج، فلما خرجوا قال: # يا أخي! أوصيك بتقوى الله فإنها خير ما تواصى به العباد، ومن بعد ذلك، ~~فإن هذا الأمر الذي نطلبه ونسعى [3] فيه و [4] طلبه آخرون [4] وسعوا فيه، ~~وفيك وفي ولدك. حدثني أبي أن عليا قال له: يا بني! لا تسفكوا دماءكم فيما ~~لم يقدر لكم بعدي، فإن هذا الأمر كائن بعدكم [في] [5] بني عمكم من ولد عبد ~~الله بن عباس. وحدثني أنه سمع عليا عليه السلام يقول: دخل العباس على رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، وأنا PageV01P186 # عنده في منزل أم سلمة، وهو متوسد وسادة أدم محشوة ليفا فألقاها إلى ~~العباس وقال له: اجلس عليها، قال، وأقبل عليه يناجيه دوني بشيء لم أسمعه، ~~ثم نهض، فخرج، فلما توارى، قال: يا علي! هون على نفسك، فليس لك في الأمر ~~نصيب بعدي إلا نصيب خسيس، وإن هذا الأمر في هذا وفي ولده، يأتيهم الأمر ~~عفوا عن غير جهد طلب، حتى تدركوا بثأركم وتنتقموا ممن أساء إليكم [1] . # وأخبرني ms111 أن عليا عليه السلام رأى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ~~كأن في المسجد مائدة عظيمة وعليها رءوس [86 أ] غنم، فأقبل أبو بكر فجلس ~~عليها فتناول شيئا يسيرا ثم نهض، ثم جاء عمر فجلس فأكل منها طويلا ثم نهض، ~~ثم جاء عثمان فجلس عليها، فأكل منها طويلا ثم نهض، ثم جاءت بنو أمية فأكلوا ~~منها طويلا كثيرا، ثم جاء عبد الله بن عباس وولده وولد ولده فأقاموهم، ~~وجلسوا فأكلوا جميع ما كان على المائدة ولم آكل معهم، فقصها على النبي صلى ~~الله عليه وسلم فقال: الحمد لله الذي فتح الإسلام بنا ويختمه بنا، هؤلاء ~~القوم يلون ثم يختم الإسلام بولد عبد الله بن عباس. قال: ثم تلا رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم: وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم ~~في الأرض ... 24: 55 إلى آخر الآية [2] ، وإليك هذا الأمر، وفي ولدك يصير، ~~وقد استودعتك من الأمر ما استودعت فاتق الله، وانظر فيما أنت فيه ليوم ~~مرجعك، وأوص من بعدك [3] PageV01P187 # بذلك، وقد أحببت أن يدخل علي أصحابي الذين رأيت. فقلت لعروة: أدخل من ~~أحب، قال: فلان وفلان، حتى سمى من كان معه ممن ذكرنا اسمه، فلما أدخلوا ~~عليه قال لهم: جزاكم الله خيرا، وصلتمونا وقد قطعنا الناس، وأحببتمونا وقد ~~أبغضنا الناس، وهجرتم أوطانكم وتركتم معايشكم، ولزمتمونا على الكره ~~والضراء، أسأل الله أن يجمع بيني وبينكم في [86 ب] جنة الخلد، إني كما ~~ترون، والمريض أعلم بنفسه، وهذا صاحبكم- يعني محمد بن علي- فائتموا به ~~وأطيعوه ترشدوا، فقد تناهت الوصايا إليه، وقد ألقيت ما ألقيت إليكم إلى أخي ~~وأخيكم سلمة بن بجير، استودعتكم الله الذي لا تخيب الودائع عنده، ولا يضيع ~~من فوض أمره إليه والسلام عليكم. فبكى القوم، وارتفعت أصواتهم بالبكاء ~~فقال: # رحمكم الله أمسكوا عن الجزع، فكل حي هالك. قال سالم: قال أبو رباح: فظننا ~~أنه حيث قال: قد ألقيت إليكم، أنه قد القى إليه، حيث شخص من دمشق وودعه وهو ~~يناجيه بأمر أخفاه. فلما خرجوا قال أبو ms112 هاشم لمحمد بن علي: إنه قد تخلف عني ~~رجل جبله الله على حبنا وهو لك ثقة في المشهد والمغيب، فألق إليه أمرك، وثق ~~فيه فيما لا تثق فيه إلا بنفسك، فإني لم أكن أعدل به أحدا ممن رأيت، وإن ~~كانوا أخيارا منتخبين، وهو سلمة بن بجير، الرجل الذي رأيتني أكرمه، ورأيته ~~يقوم بأكثر أمري، وإنما تخلف في حاجتي، وهو يأتيك، فإذا أتاك فاقرأ عليه ~~مني السلام، وقل له: جزاك الله الحي الذي لا يموت عني خيرا، ولم يلبث أبو ~~هاشم أن هلك رحمه الله. # وقد زعم بعض الناس أن سبب موت أبي هاشم كان أن الوليد دس إليه، حين شخص ~~عن دمشق، من سقاه شربة [87 أ] لبن مسموم فكان # PageV01P188 # موته بذلك [1] ولم يذكر ذلك إسحاق بن الفضل ولا غيره ممن كان يخبر أمره. # وذكر أنه مات كمدا لما رأى من استخفاف الوليد بأمره، فالله أعلم أي ذلك ~~كان. فاشتد وجد محمد بن علي عليه وظهر ذلك في وجهه وشهر به، فقال له داود ~~بن علي: لقد ظهر من جزعك على أبي هاشم شيء ما رأيته ظهر منك عند وفاة أبيك ~~رحمه الله! فقال له: يا أخي إن أبا هاشم كان رجلا من ولد علي، وكان يتقدم ~~أهلي جميعا في شدة وده لي وتعظيمه إياي وما أصبت بأحد كان أعز علي منه. ~~وأمر أهله فبكوه وأقاموا عليه مأتما، وجمع ما كان ترك فبعث به إلى ورثته ~~بالحجاز مع عروة مولاه. ثم دعا من كان معه من شيعته فعزاهم به وقال لهم: ~~لئن كنتم أصبتم بموته لقد خصصت بذلك منه، وقد جمعني وإياكم القيام بهذا ~~الأمر وعلمت منه كثيرا مما لم تعلموا فاتقوا الله ربكم وحافظوا على هذا ~~الحق الذي سعيتم في إقامته واحفظوا ألسنتكم فلا تطلقوها إلا في مواضع النفع ~~والغناء وتصبروا للمكروه فقد قرن بكم، فإن حفظتم ذلك فأنتم شيعتي وخاصتي ~~وأولى الناس بي في محياي ومماتي. قال إبراهيم بن سلمة: فتكلم ميسرة، وكان ~~من ذوي البصائر، فقال: قد ms113 أوصى إليك صاحبنا الذي كنا [87 ب] نأتم به وذكر ~~أن هذا الأمر فيك وفي ولدك، وقد قبلنا ذاك فمرنا بأمرك نقف عليه ولا نتعده. ~~فقال لهم: # أقيموا قليلا حتى يقدم ابن بجير صاحبكم، فأقام القوم على ذلك لا يرى من ~~هناك إلا أنهم حامة [2] أبي هاشم يريدون الانصراف إلى أوطانهم. وأقبل ابن ~~[3] بجير من دمشق يقص أثر أبي هاشم حتى ورد الشراة، فألفى أبا PageV01P189 # هاشم قد توفي، فلقي محمد بن علي فعزاه بأبي هاشم وخبره بما ألقى إليه من ~~أمره، فقال له ابن بجير: قد ألقى إلي هذا الأمر وعهد إلي فيه فابعث إلى ~~أصحابه الذين كانوا معنا [1] لننظر في أمرنا. ولم يكن ابن بجير لقيهم فأرسل ~~إليهم محمد ابن علي فلما دخلوا عليه ونظروا إلى ابن بجير بكوا وعزاهم ~~وعزوه، فكان إبراهيم بن سلمة يقول: لم أر من خلق الله أحدا كان أقوى بصيرة ~~من ابن بجير، فقال لأصحابه: قد مضى أبو هاشم ونحن نرى طاعته واجبة علينا ~~وطاعته [2] في مماته كطاعته في حياته لا ندين إلا بذلك وكل من عليها فان، ~~فطوبى لمن مات على حق داعيا إلى حق، شمروا في أمركم فإنكم أيتها العصابة قد ~~وجبت عليكم الحجة بما عرفكم الله من حقه، فنافسوا في إقامته تفوزوا غدا ~~بحسن ثوابه. ثم أقبل على محمد بن علي فقال: إنا والله ما أحببناكم [3] إلا ~~لما رجونا من درك ثواب الله في الآجل فانهض في أمرك، [88 أ] فقد تقارب ما ~~كنا ننتظره، وما آتاك الله من العلم بذلك أكثر [4] . فقال له محمد بن علي: ~~رحمك الله، أنت أخي دون الإخوة، ولست أقطع أمرا دونك، ولا أعمل إلا برأيك، ~~وهذا الأمر لا تنال حقيقته إلا بالتعاون عليه، فقوموا به يجمع لكم به خير ~~الدنيا [وخير الآخرة] [5] ، فدعا له القوم وطابت نفوسهم، وقووا بما كلمهم ~~به لله. ثم قال له ابن بجير: إني قد كنت غرست لكم غرسا لا تخلف ثمرته، ~~استجاب لي عدة من رهطي وجيرتي وخلطائي ليسوا PageV01P190 # بدون ms114 من ترى [1] في محبتكم، والمناصحة لكم، ونحن نشخص في أمرك، وقد رأيت ~~أن تثبت أسماءهم لتعرفهم وتستظهر بهم على أمرك. ### || أول ديوان شيعة بني العباس # قال إبراهيم بن سلمة: فتناول محمد قرطاسا، فجعل يكتب بخطه ويملي عليه ابن ~~بجير، فكان أول من ذكر له سالم بن بجير الذي يقال له سالم الأعمى [2] ، ~~وإنما كف بصره بعد ذلك، وأبو هاشم بكير بن [3] ماهان. # فأما بكير فإن أباه كان مولى لرجل من بني مسلية سكن الشام بالأردن بعد، ~~وكان بكير ابنه ينزله بنو مسلية من صليبتهم، وكان من أهل الديوان وغزا [مع] ~~[4] يزيد بن المهلب خراسان ودخل معه جرجان حيث افتتحت، وكان هو في عدة من ~~بني مسلية [5] [88 ب] قد شهدوا فتحها مع يزيد. # وحفص بن سليمان وهو أبو سلمة الخلال، وحفص الذي يدعى الأسير، وهؤلاء ~~جميعا موالي بني مسلية، رهط [6] عامر بن إسماعيل، وميسرة الرحال، وموسى بن ~~سريج السراج [7] ، وزياد بن درهم الهمداني، ومعن بن يزيد PageV01P191 # الهمداني، والمنذر بن سعيد [1] الهمداني، فكتب أسماءهم. وقد ذكروا أن ~~فيمن سمي له: أبا عمرو الأزدي، وأبا الهذيل حيان السراج، وأبا إبراهيم محمد ~~بن المختار أخا زياد بن درهم لأمه، والوليد الأزرق. وقال له محمد ابن علي: ~~لك سبقك في هذا الأمر، ولك فيه فضلك بنفسك وبما مضى عليه أبوك رحمه الله، ~~ولكل رجل خاصة وخاصتي من أهل مصركم أنت وقبيلك، فأقم وأقيموا جميعا، والقني ~~أنت غبا [2] ، وأظهروا أنكم تريدون [الشخوص] [3] ، وأنكم تنتظرون رفقة تخرج ~~فتخرجون، وسلوا عن الكري [4] ، وأظهروا العناية بالسفر لا يسترب بكم. # فأخبرنا محمد بن سالم عن أبيه أنه قال: إنما تأثل أمر الدعوة في بني ~~مسلية، وتولوا أمرها والقيام بها من قبل أن تحير. فأخبرنا الحسن بن حمزة عن ~~سالم قال: مرض ابن بجير بالشراة، ثم تهيأ له ولأصحابه الشخوص فشخصوا في ~~طريق المدينة، ورئيسهم والمطاع فيهم ابن بجير، واشتد به وجعه فهلك في طريقه ~~حيث شارف المدينة بذي خشب، فأوصى إلى أبي رباح ميسرة النبال، وقد تخلف ~~إبراهيم [89 ms115 أ] بن سلمة، وهو يومئذ فتى حين بدا وجهه عند محمد بن علي فصار ~~في حامته، وخص به حتى جعل يقدمه على عامة أهله. وقد كان محمد بن علي أمرهم ~~أن يكتموا اسمه، ولا يظهروا عليه إلا من وثقوا بنيته وشدة نصرته. وقدم ~~أولئك الرهط الكوفة، وأبو رباح رئيسهم، وكان مجتمعهم في بني مسلية عند سالم ~~وأصحابه، وستروا [5] PageV01P192 # أمرهم. وقد كان محمد بن علي قال لهم، حيث جد بهم مسيرهم وأتوه يودعونه: ~~إني لو قدرت على أن أكتب إلى كل رجل منكم على حياله لكان ذلك يسيرا في ما ~~أوجبه لكم، فاختاروا رجلا منكم أكتب إليه ويلقي ما أكتب به إليكم. فقالوا ~~جميعا: ابن بجير لك ولنا ثقة. فقال محمد: # جزاكم الله خيرا، بهذا رجوت أن يعزكم الله ويعز بكم، نعم قد رضيت به فلا ~~تخالفوه، وأمسكوا عن الجد في أمركم [1] حتى يهلك أشج [2] بني أمية- والوالي ~~يومئذ سليمان، ولا يظن القوم [3] ولا غيرهم أن عمر يلي شيئا من أمر الأمة، ~~لأنه لم يكن من ولد عبد الملك. وكانت هذه من الأمور التي زادت الشيعة بصيرة ~~في محمد بن علي، وقالوا: قال ذلك بفضل علمه- فإذا هلك أشج بني أمية وانقضت ~~سنة مائة وهي سنو صاحب الحمار، [فهناك أظهروا أمرنا] [4] . قال بعضهم: وما ~~سنو صاحب الحمار؟ قال: قول الله في كتابه: [89 ب] أو كالذي مر على قرية وهي ~~خاوية على عروشها، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام ~~2: 259 [5] ، فأمسكوا عن الجد في أمركم حتى تنقضي هذه المدة، ولا تكثروا من ~~أهل الكوفة، PageV01P193 # ولا تقبلوا منهم إلا أهل النيات الصحيحة. فانقضت سنة مائة وما تبلغ شيعة ~~الكوفة ثلاثين رجلا، وما يعرف محمد بن علي بنسبه واسمه إلا أولئك الرهط، ~~وكانت دعوتهم إلى الرضا من آل محمد، فإذا سئلوا عن اسمه قالوا: أمرنا ~~بكتمان اسمه حتى يظهر. ولما انقضت سنة مائة مرض أبو رباح [1] ، وأتاه عدة ~~ممن لم يكن عرف محمد بن علي فسألوه وهو مدنف أن يخبرهم ms116 باسمه، قال، ورأسه ~~في حجر موسى السراج: يخبركم بذلك موسى، ثم استوى قاعدا ونعله بين يديه ~~فتناولها وألقى على ظهرها ترابا، ثم كتب فيه: # الإمام محمد بن علي. وقد قال لسالم قبل ذلك: يا أخي إني لما بي، وهذا ~~الأمر إليك وصاحبنا وإمامنا محمد بن علي وكاتبه بمثل ما كنا نكتب فيه إليه، ~~وقم من أمره بما كان ابن عمك يقوم به، وقد رأيته يعتمد عليكم ويثق بكم، ~~جمعنا الله وإياكم في جنة الخلد، وأغمي عليه فما نهضوا من عنده إلا وهو ~~ميت. # وقام بأمر الشيعة سالم، وكتب [2] وأولئك الرهط إلى محمد بن علي [90 أ] ~~يخبرونه بموت أبي رباح [3] ميسرة النبال، وسألوا بكيرا أن يخرج بكتبهم [4] ~~، فأجاب إلى ذلك وسر به ونشط له. # قال الحسن بن حمزة: فتهيأ بكير للشخوص إلى محمد، ولما أزف ذلك منه ورد ~~عليه كتاب من ابن عم له من السند يذكر أن أخاه يزيد بن ماهان توفي وترك ~~مالا جما كثيرا، وقد جمعوه، وسأله تعجيل القدوم عليه PageV01P194 # لقبضه. قال الحسن: فلما أتاه نعي أخيه أتاه الحي يعزونه بأخيه، وما هيأته ~~وشغله إلا بجهازه لسفره إلى محمد بن علي، فقال له سالم: ابدأ بوجهك في طلب ~~ميراثك، ونبعث بكتبنا [1] مع موسى السراج، فقال بكير: ما كنت لأوثر الدنيا ~~على الآخرة، بل أمضي إلى صاحبي، وألقاه، وأستأذنه، فإن أذن لي في طلب ~~ميراثي شخصت [2] في ذلك فما أسرع الإياب إن مد لي في الأجل. فشخص بكير حتى ~~أتى دمشق ثم ابتاع بها عطرا، وحمله على بغل ابتاعه، وخرج حتى أتى الشراة في ~~هيئة عطار يبيع عطرة، وأتى بعض [3] قراها فباع بعض ما معه حتى شهر بذلك، ثم ~~توجه إلى الحميمة، فلما دخلها طلب منزلا ينزله، فبصر بإبراهيم بن سلمة، ~~وكان يعرفه بحيان [4] خاله بالكوفة، فقال له وهو متلثم: يا فتى هل من منزل؟ ~~قال: نعم، هذا منزل الضيفان. فخرج به حتى أدخله رحبة واسعة فيها منزل محمد ~~بن علي [90 ب] وقد أطاف بالرحبة منازل إخوته ms117 وولده ومواليهم، وفيها مسجد ~~لهم فيه مجتمعهم ومتحدثهم وأكثر طعامهم، فأدخل بكيرا بيت الضيفان وأدخل ~~متاعه، فلما وضع رحله أسفر عن وجهه، فلما رآه إبراهيم بن سلمة عرفه فسلم ~~عليه، وقال له بكير: لا تظهرن معرفتك بي. قال الحسن: فأخبرنا بكير قال: ~~فكتمت أمري، وجعلت أعرض بضاعتي، وأساهل من أبايعه من آل علي، وجعلوا يذكرون ~~ذلك لأبي عبد الله حتى [5] أنسوا بي، وجعلت PageV01P195 # أصلي معهم وأجلس إليهم. وكان بكير رجلا عاقلا لبيبا، قد جال الآفاق، قال: ~~فقلت لإبراهيم: إذا خلا صاحبك فأعلمه مكاني وسمني له ولا تذكرني له وعنده ~~أحد. قال: فترقب خلوته وأخبره بأمره وسماه له فعرفه بتسمية ابن بجير اسمه ~~له، وقال: قل له: إذا صليت العتمة فليقم يتنفل في المسجد حتى تدخل إخوتي ~~حامتنا منازلهم. قال بكير: ففعلت ذلك، ودخل محمد ابن علي منزله، ودخل أهل ~~بيته منازلهم، حتى إذا لم يبق غيري عاد إلي إبراهيم بن سلمة فأدخلني عليه ~~فسلمت تسليما خاصا، وخبرته بأمرنا وما صرنا إليه بعد موت أبي رباح [1] ، ~~ودفعت إليه كتاب سالم وكتب أصحابه فقرأها، وترحم على ابن بجير فأكثر وتوجع ~~لموته وترحم على أبي رباح [1] ، [91 أ] ثم قال: كم يبلغ أصحابكم بالكوفة؟ ~~قلت: لا يكونون ثلاثين رجلا. # قال: سيكونون ويكثرون. فقلت: إنا كنا نتحفظ ونمسك عن الجد انتظار الوقت، ~~فقال: قد أصبتم [2] ، وعليك بتجارتك هذه، أظهر الجد فيها لا يرى من أنت بين ~~ظهرانيه أن شأنك غيرها. قال بكير: فدفعت إليه تسعين ومائة دينار جمعتها ~~شيعة الكوفة. قال: ودفعت إلي أم الفضل طوقا من ذهب وثوبا مرويا من غزل ~~يدها، وسألتني دفعهما [3] إليه، فكان أول مال حملته الشيعة إلى محمد بن علي ~~مع بكير بن ماهان. قال إبراهيم: فكان إذا تفرق بنو علي وحامتهم أرسل محمد ~~إلى بكير فيدخله عليه ويكثر الخلوة به، فقال عبد الله بن علي: قد غلبنا هذا ~~العطار على أبي عبد الله، فقلت له: # إنه حسن الحديث، وقد طوف البلدان، وأخوك يعجبه حديثه. وأزف PageV01P196 # خروج بكير، قال ms118 عمرو بن شبيب المسلي: سمعت بكيرا وهو يحدث سالما قال: قلت ~~لمحمد بن علي: ما أعجب غفلتك، وأنت تريد ما تريد ويأتيك من يأتيك، عن ~~اتخاذك [1] منزلا شاسعا تنفرد فيه لأمورك وغاشيتك، وتتنحى فيه عن جماعة أهل ~~بيتك، فو الله ما آمن السفهاء منهم أو من غيرهم من جيرتك أن يفشو شيئا سمعه ~~أو ظنه حتى يلقي [2] بك [91 ب] فيما يكره، وأنت بين هذه الفراعنة. فقال لي: ~~رحمك الله يا أبا هاشم! ما زلت أحدث نفسي بذلك. قال: فاتخذ منزلا بكداد ~~وبينه وبين منازل ولد أبيه بالحميمة نحو من ميلين. قال بكير: فقلت له: لو ~~صيرت بينك وبين شيعتك رجلا من أهلك، لا تنكر [3] خلوتك به، تكون رسلهم ~~تأتيه ويكون هو يؤدي عنك إليهم. فقال: إني فاعل وغاز في سنتي هذه وأنت معي ~~حتى نأتي دمشق فننظر في ذلك. فأقام بكير معه حتى خرج غازيا وخرج بكير معه، ~~ومعه عدة من إخوته وعروة مولاه والمهلهل مولاه وزيادة مولاه، وشخص معه ~~إبراهيم بن سلمة، فلما ورد دمشق نزل بفضالة بن معاذ [4] مولاه، فكان نازلا ~~عليه حتى تهيأ له شخوصه. فلما اجتمع على الشخوص قال لبكير: ما ترى في فضالة ~~أصيره علما بيني وبينكم ترد عليه كتبكم فينفذها إلي وترد عليه كتبي إليكم ~~فينفذها إليكم؟ قال بكير: فقلت له: هذا رجل لا يتدين بالائتمام بك وقد نال ~~حظا من تجارته مع أهل الشام ولست أثق به. قال: # إنه مولانا وإنه وإنه، قال: فقلت: لا أرى أن تفعل. قال: فأبى إلا أن يفعل ~~وألقى إليه أمره وجمع بينه وبين بكير وقال له: متى أتاك رسوله PageV01P197 # أو رسول [92 أ] صاحبه [1] أو كتبهم فأنفذها إلي، ومتى كتبت إليهم بشيء ~~وبعثت به إليك فعجل إنفاذه [2] إليهم. قال: نعم أفعل. قال بكير: # توكد عليه وحلفه ليناصحن، فحلف ليفعلن وليسترن أمره ولا يؤتى من قبله ولو ~~كان هلاكه. فلما تهيأ لبكير انصرافه إلى العراق، قال لمحمد بن علي: إني قد ~~جولت الآفاق ودخلت خراسان وشهدت فتح ms119 جرجان مع يزيد بن المهلب، فما رأيت ~~قوما أرق قلوبا عند ذكر آل الرسول صلى الله عليه وسلم من أهل المشرق، ولقد ~~لقيت رجلا من الحي يقال له قيس بن السري بجرجان فصادفت عنده رجلا من ~~الأعاجم فسمعته يقول بالفارسية: # ما رأينا قوما أضل من العرب، مات نبيهم صلى الله عليه وسلم فصيروا سلطانه ~~إلى غير عترته [3] ، ثم بكى، فو الله ما ملكت نفسي أن بكيت معه، فقلت له: ~~رحمك الله، وكم رأيت من باطل قد علا على حق، شبه على العرب، ودعوا إلى ~~الدنيا فمال إلى الدنيا من كان في الدنيا همته، وقد أفاق كثير [4] منهم ~~وأبصروا خطأهم [5] . قال: فما يمنعكم من الطلب لهم ورد الأمر فيهم، فأنا ~~لكم على أهل بلادي ضمين، ينهضون معكم في ذلك، فقلت: # وتفعل [6] ؟ قال: نعم، ابسط يدك أبايعك على ذلك، فبسطت يدي فبايعني، وما ~~لنا يومئذ أرب في نشر الدعوة بخراسان. [92 ب] وقلت له: اكتم ما جرى بيني ~~وبينك، قال: فضحك ثم قال: لسنا بسفهاء، إن شئت أمكنتك PageV01P198 # من لساني تقطعه [1] حتى تأمن ناحيتي، ثم خرج، فقلت من هذا؟ هذا والله ~~المؤمن حقا. فقال إسماعيل أبو [2] عامر، وكان حاضرا: هذا يزيد بن النهيد، ~~وبينه وبين أم عامر قرابة، وقد ألقيت إليها شبيها بما ألقيته إليه، فهو ~~يكثر مساءلتي عن قائم يقوم بأمر الأمة من آل محمد، فلم أكشف له شيئا إشفاقا ~~من أن يدفع ذلك فيكون فيه ضرر علي وعليه، وهلك قبل ظهور الدعوة، وقد خرج ~~فيها أخ له يقال له بشر بن النهيد، وكان من قواد أبي عامر وممن خرج معه ~~وشهد مقتل مروان. قال بكير: وأقبلت من جرجان ومعي أبو عبيدة قيس بن السري ~~وأبو عامر إسماعيل وهما يريدان الحج، فلما صرنا الى الري خرج معنا قوم من ~~حجاج خراسان فنازلنا رجل منهم يقال له سليمان بن كثير، ويكنى بأبي محمد، ~~فتذاكرنا شيئا من حديث آل محمد فرأيت له رقة شديدة عند ذلك، فقلت: أفلا ~~أحدثك عن رجل من أعاجم ms120 جرجان، فحدثته بحديث ابن النهيد، فقال: وأنا والله ~~أبايعك على ما بايعك عليه الجرجاني، وذكر لي أنه من سكان مرو [3] ومن أهل ~~الديوان، فقد أرى [93 أ] أن تبث دعوتك فيها وتكون دار هجرتك وشيعتك. فقال ~~محمد: # يا أبا هاشم دعوتنا مشرقية وأنصارنا أهل المشرق وراياتنا سود، قال رسول ~~الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من خراسان فأتوها ~~ولو حبوا على الثلج، وقال عبد الله بن العباس: إذا كانت سنة ثلاثين ومائة ~~لم يظهر أحد بالمشرق يرفع راية سوداء إلينا إلا نصر، وقد أذنت لك في بث ~~PageV01P199 # الدعوة بخراسان، واكتم ذلك فلا تظهر شيئا حتى ترد جرجان، ولا تلق أمرك ~~إلا إلى الثقات من أهلها فأنت بكر هذا الأمر وبك افتتاحه. قال عيسى بن حمزة ~~الهمداني ابن أخت بكير: سمعت بكيرا يقول: قلت لمحمد بن علي: أتاني عند ~~شخوصي إليك نعي أخي من السند وترك مالا كثيرا أنا وارثه فإن أذنت لي في ~~الخروج في طلبه خرجت ووافيتك عند أوان حاجتك إلي. قال: قد أذنت لك فامض على ~~بركة الله لوجهك ولا تظهرن جدا، ولتكن دعوتكم وما تلقى به العامة أن تدعوهم ~~[1] إلى الرضا من آل محمد، وتذكر جور بني أمية، وأن آل محمد أولى بالأمر ~~منهم، فإذا بلغك أن الأحول من بني أمية قد ملك فعجل الإقبال إلي ولا تعرج ~~على شيء، وأبلغ أصحابك [93 ب] ما ألقيت إليك ومرهم بالكف إلا في مثل ما ~~ألقيت حتى يأتيهم رأيي، وحذر شيعتنا التحرك في شيء مما تتحرك فيه بنو عمنا ~~من آل أبي طالب، فإن خارجهم مقتول وقائمهم مخذول وليس لهم في الأمر نصيب، ~~وسندرك بثأرهم وسنبتلى بسعيهم ثم لا يكون ضرر ذلك إلا عليهم، واحذروا جماعة ~~أهل الكوفة ولا تقبلن [2] منهم أحدا إلا ذوي البصائر فإنهم لا يعز بهم من ~~نصروه ولا يوهنون بخذلانهم من خذلوه. يا أبا هاشم أنتم خاصتي وعيبتي وثقاتي ~~وأمنائي ومنكم القائم بأمرنا، ومنكم قاتل فرعون هذه الأمة عمرو أو عامر ms121 [3] ~~، واحد أبيه، شعاره في عسكره على عسكر [4] اللعين أشد من لهيب النار، سر ~~صاحبك الله وكفاك ووقاك. فذهب بكير إلى العراق ومحمد بن علي إلى الصائفة، ~~وقد ولي عمر بن عبد العزيز، فلما انصرف PageV01P200 # ألفى ريطة [1] بنت عبيد الله بن عبد الله بن عبد المدان الحارثي، وكانت ~~تحت ولد عبد الملك فنازعها في شيء يوما من الأيام ففخرت عليه وذكرت سلفها ~~وأيامها فأحفظه [2] ذلك، فطلقها [3] . فكلم محمد بن علي عمر بن عبد العزيز ~~وهو الوالي يومئذ فقال: ابنة خالي كانت متزوجة فيكم وقد فرغت فأردت أن ~~أتزوجها وأحببت أن يكون ذلك بإذنك، فقال هي أملك [94 أ] لنفسها [4] ، ومن ~~يحول بينك وبين ذلك [5] ؟ فتزوجها محمد بن علي، واشتملت [منه] [6] على أبي ~~العباس، وولد في ولاية يزيد بن عبد الملك. وقدم بكير الكوفة، ولقي سالما ~~وأصحابه فأبلغهم رسالة محمد بن علي في إنفاذ كتبهم ورسلهم إلى فضالة، لما ~~أحب من ستر أمره. وتوجه بكير إلى خراسان مع سعيد الحرسي [7] فحرك فيها وقوى ~~أمر الدعوة بها، ثم مضى إلى السند آخذا على سجستان، وانحدر على السند، فصحب ~~الجنيد بن عبد الرحمن، وصار ترجمانا له ولطفت حاله عنده، وكان الجنيد والي ~~السند من قبل يزيد بن عبد الملك، وأصاب بكير مالا كثيرا من تركة أخيه وفي ~~صحبته الجنيد. # وذكر عمر بن شبيب: أن بكيرا لما أتى خراسان بدأ بجرجان فلقي بها أبا عامر ~~وأبا عبيدة فأقام عندهم شهرا ثم نفذ إلى مرو ومعه أبو عبيدة، فنزل على ~~سليمان بن كثير للمعرفة التي كانت بينهما في طريقهما إلى العراق قبل ذلك، ~~فلذلك كان يقال: أول من عرف الدعوة بخراسان وبايع أبا هاشم PageV01P201 # يزيد بن الهنيد وأبو عبيدة قيس بن السري المسلي وسليمان بن كثير الخزاعي. # فأقام بكير بمرو نحوا من شهرين، وأتاه سليمان بن كثير بمالك بن الهيثم ~~وعمرو ابن أعين وزياد بن صالح وطلحة بن زريق وأبي [94 ب] النجم، وكان ~~صديقه، وكان معلما فبايعه، وأتاه بخالد بن إبراهيم أبي داود، وأتاه علاء ms122 ~~ابن الحريث وعدة من خزاعة [1] فبايعوه. # وأخبرنا المهاجر بن عثمان قال: سمعت مالك بن الهيثم يقول: إني لجالس في ~~المسجد بمرو وقد بايعت أبا هاشم، ومعي موسى بن كعب، ونحن نتحدث إذ طلع ~~علينا بكير، ومعه أبو عبيدة، فلما بصرت به قمت إليه، فقال لي موسى: أين ~~تذهب؟ فقلت: ألقى هذا الرجل، وأرجع إليك الساعة. فلقيت بكيرا فسلمت عليه ~~فصلى ركعتين ثم أقبل [2] علي فقال: من جليسك؟ فقد رأيته كلمك حيث قمت. ~~فقلت: رجل من بني تميم، وهو لنا واد، وإنه ليظهر حب آل محمد، وما فاوضته ~~بشيء فيهم. فقال لي: # إن كنت تثق به فادعه وتوثق منه، واحذر العامة من قومه. ثم خرج من المسجد، ~~وانصرفت إلى موسى، وهو في مجلسه الذي كنا جميعا فيه، فقال لي: من الرجل ~~الذي رأيتك قمت إليه؟ فقلت: أخ لنا، وإن معه لبضاعة، وهو يعرضها. فقال ~~موسى: أرني بعض متاعه. فقلت: إنه يستر ذلك. # قال: فنحن نستر عليه. فقلت: عليك عهد الله وميثاقه لتسترن عليه؟ فقال: # نعم. فأخبرته خبره وما قدم له فقال: أتعرف منزل الرجل؟ فقلت: نعم. # قال: فانهض بنا إليه، فقمنا، [95 أ] فأتيناه، ولما وقفنا ببابه تقدمت ~~فدخلت فأخبرته خبره فقال: أدخله علي، فأدخلته عليه، فبايعه، وتشمر معنا في ~~الدعوة. PageV01P202 ### || توجيه أبي عكرمة إلى خراسان # قال الحسن بن حمزة: سمعت موسى السراج يقول: لما أراد محمد بن علي توجيه ~~أبي عكرمة، واسمه زياد بن درهم، أحد شيعته [1] إلى خراسان دعاه فقال له: ~~اكتن [2] بأبي [3] محمد، وقد رسم لك بكير رسما فاتبعه، وإن كانت نفسك تطيب ~~بالموت فيما تتوجه فيه فامض، وإن جزعت منه، وهو لا محالة آتيك، فأقم، فإني ~~لست أضمن لك الحياة، ولكني أضمن لك ثواب الله الذي هو خير لك من الدنيا وما ~~فيها. قال زياد: رحمك الله، ما تجشمت ركوب [4] بعد المشقة بيني وبينك، ~~ومفارقة الولد والأهل والوطن إلا ونفسي طيبة لك بالموت، فأوصني بما أحببت. ~~قال: فإني أوصيك بتقوى الله، والعمل ليوم مرجعك، واعلم أنه لا ms123 تخطو خطوة ~~فيما تذهب إليه إلا كتب الله لك بها حسنة، وحط عنك بها سيئة، ولا تظهرن ~~شيئا من أمرك، حتى تقدم جرجان وتلقى بها أبا عبيدة [5] وتلقي إليه ما ألقي ~~إليك ثم تأتي [6] مرو فتلقى أهلها بتجارتك وتلابس العامة بسنتها وتلقى [7] ~~سليمان بن كثير والنفر [95 ب] الذين استجابوا لأبي هاشم. ولا تظهرن جدا ولا ~~دعاء إلى سلة سيف، PageV01P203 # وأقلل مكاتبتي ومراسلتي، وأنفذ كتبك إلى أبي الفضل وإلى أبي هاشم إن رجع ~~إلى العراق، وإن دعوت أحدا من العامة فلتكن دعوتك إلى الرضا من آل محمد، ~~فإذا وثقت بالرجل في عقله وبصيرته فاشرح له أمركم، وقل بحجتك التي لا ~~يعقلها إلا أولو الألباب، وليكن اسمي مستورا عن كل أحد إلا عن رجل عدلك في ~~نفسك في ثقتك به وقد وكدت عليه وتوثقت منه وأخذت بيعته، وتقدم بمثل ذلك إلى ~~من توجه من رسلك، فإن سئلتم عن اسمي فقولوا: نحن في تقية، وقد أمرنا بكتمان ~~اسم إمامنا. وإذا قدمت مرو فاحلل في أهل اليمن، وتألف ربيعة، وتوق مضر، وخذ ~~بنصيبك من ثقاتهم [1] ، واستكثر من الأعاجم، فإنهم أهل دعوتنا، وبهم يؤيدها ~~الله، واحذر غالبا [2] ورهيطا قد ظاهروه على رأيه من أهل الكوفة، منهم عياش ~~ابن أبي عياش وزياد بن نذير، وهم نفير في بني تميم، وأبو خالد الجوالقي، ~~فإنهم قوم قد سعوا في الفتنة وقد برئنا منهم فابرءوا منهم، وكانوا، غالب ~~وأصحابه، فاطميين دانوا [3] بإمامة محمد بن علي بن الحسين. وذكروا أن محمد ~~بن علي أمر أبا [96 أ] عكرمة ألا يدعو إلى دعوته زائد الخلقة ولا ناقصها، ~~ولا مقطوع العذار- وهو الأثط [4]- ولا الطويل الفاحش الطول، ولا القصير ~~الفاحش القصر. وكان مما أمر به محمد بن علي أبا عكرمة إغماد السيف وقال: ~~إنه محرم عليكم أن تشهروا سيفا على عدوكم، كفوا أيديكم حتى يؤذن لكم، وبهذا ~~سميت: الكفية [5] ، PageV01P204 # لأنهم كفوا أيديهم فلم يشهروا سيفا، حتى كتب إبراهيم بن محمد إلى أبي ~~مسلم يأمره بإظهار الدعوة ومجاهرة عدوه، فكل من أجاب الدعوة ms124 قبل ظهور أبي ~~مسلم فهو كفي، ومن دخل في الدعوة بعد ظهور أبي مسلم فليس من الكفية. # ولما أجمع محمد بن علي على توجيه أبي عكرمة إلى خراسان قال له سالم: # ليس لنا أن نستبد بأمر دونك ولا نسبقك ونحن نأتم بك، وقد أحببت أن ~~أستأذنك في شيء قد كنا رأيناه فخالفنا فيه بكير إذ نحن بالكوفة. قال: # فهاته وما أحب أن تخالفوا بكيرا فإنه يحب [1] آل محمد، وهو ذو رأي. # قال: كنا نظرنا في أمرنا هذا فرأيناك قد حللت بين أهل الشام، ورأينا لأهل ~~الشام دولة وجماعة ونجدة فيهم ظاهرة، فرأينا [2] أن نبث دعوتك فيهم وندعو ~~منهم من طمعنا في إجابته فكره ذلك بكير وخالفنا [96 ب] فيه. قال محمد: أصاب ~~بكير وأخطأتم، أبى الله أن يأتي بالشمس من المغرب، وأحب أن يأتي بها من ~~المشرق، وان أهل الشام أعوان الظالمين، وآفة هذا الدين، وشيعة الملاعين، ~~وقد ابتعثوا بنصرة بني أمية، وأغري أكثر أهل العراق بمشايعة بني أبي طالب، ~~وقد خصنا الله بأهل خراسان، فهم أنصارنا وأعواننا وذخائرنا، وقد حلت عليهم ~~من الله رحمة قد غشيتهم، ويوشك أن تتبعهم [3] ريح الحياة فتعز ذليلهم، ~~وتقوي ضعيفهم، وتقتل من قاتلهم حتى يعز دين الله ويظهر الحق وأهله، يقول ~~الله عز وجل: أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها 13: 17 [4] فكأنكم ~~بالأودية قد سالت برجال خراسان أشد في PageV01P205 # طاعتنا من زبر الحديد، أسماؤهم الكنى، وأنسابهم القرى، يقدمهم النصر، ~~ويحوطهم العز، فاله عن غير أهل خراسان، فإنه ليس لكم بغيرها دعوة ولا من ~~غير أهلها مجيب. ومن كلامه في هذا الجنس أنه قال [1] لرجال الدعوة حين أراد ~~توجيههم: أما الكوفة وسوادها فهناك شيعة [2] علي وولده، وأما البصرة ~~وسوادها فعثمانية تدين بالكف وتقول: كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله ~~القاتل، وأما الجزيرة فحرورية مارقة وأعراب كأعلاج ومسلمون [3] في أخلاق ~~[97 أ] النصارى، وأما أهل الشام فليس يعرفون إلا آل أبي سفيان وطاعة بني ~~مروان، وعداوة لنا راسخة، وجهلا متراكبا [4] ، وأما أهل مكة ms125 والمدينة فقد ~~غلب عليهم [5] أبو بكر وعمر، ولكن عليكم بخراسان [6] فإن هناك العدد الكثير ~~والجلد الظاهر، وهناك صدور سالمة [7] ، وقلوب فارغة لم تتقسمها الأهواء ولم ~~تتوزعها النحل [8] ، ولم تشغلها ديانة، ولم يقدح فيها PageV01P206 # فساد، وليست لهم اليوم همم العرب، ولا فيهم كتحارب الأتباع للسادات ~~وكتحالف القبائل وعصبية العشائر، وما يزالون [1] يدالون ويمتهنون ويظلمون ~~ويكظمون ويتمنون الفرج ويؤملون، وهم جند لهم أبدان وأجسام ومناكب وكواهل ~~وهامات ولحي وشوارب وأصوات هائلة ولغات [2] تخرج من أجواف منكرة، وبعد ~~فكأني [3] أتفأل إلى المشرق وإلى مطلع سراج الدنيا ومصباح هذا الخلق. وقال: ~~إذا رأيتم الرايات السود مقبلة من خراسان لا يمر أهلها بحصن إلا فتحوه، ولا ~~يرفع لهم عدوهم راية إلا قصموها، ولا يلقاهم جيش إلا هزموه، يلقى أولهم ~~العدو لقاء، وتطوى لهم الأرض طيا، ويسير الرعب بين أيديهم حتى يردوا أرض ~~القبط ويقتلوا بها فرعون بني [97 ب] أمية، فعند ذلك يقصم الله الجبارين من ~~بني أمية ويصير الأمر إلى آل رسول الله صلى الله عليه وسلم. يا سالم! يفتتح ~~الأمر منهم بابن الحارثية من ولدي ثم يتوارثونه فأقل من يملك [4] منهم سنة ~~وأكثر من يملك منهم أربعون [5] سنة، منهم المهدي الذي يملأ الأرض عدلا كما ~~ملئت جورا، ولا خير في الدنيا بعدهم، وأخبرني أبي رحمه الله عن جدي قال: ~~قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعنده ملأ من أصحابه: إن بينكم وبين ~~الفتنة بابا مغلقا سيكسر، ثم لا تزال الفتنة مطلقة عليكم يتناحر فيها سفهاء ~~قريش حتى يظهر قوم بالمشرق لباسهم السواد وراياتهم سود ولا ترد لهم راية، ~~يطفئ الله بهم الفتنة ويزفون الأمر إلى رجل من عترتي يأتونه به هنيئا ~~مريئا. فاجعلوا خراسان PageV01P207 # دار هجرتكم، ومستراح دعاتكم وأقلوا لقائي إلا في أيام المواسم، أو يحل ~~بكم أمر تحتاجون إلى رأي فيه، فتبعثون إلي به مع ثقة من أصحابكم، أو ممن ~~يقدم عليكم من خواص شيعتنا من أهل خراسان بعد أن تكونوا قد خبرتم وفاءه ~~وصحة نيته [1] ، وتوقوا علينا هذه الجبابرة من ms126 بني أمية فإنهم مطلون علينا ~~بسلطانهم وأشياعهم وقد أعطوا مدة لا بد بالغوها وما أقرب [98 أ] زوالها، ~~إذا ابتز الأمر فيهم الفظ القاسي سمي أبيهم فعند ذلك يحل بهم البلاء [2] ~~وتقع بهم المثلات، وقبل ذلك علامات مخبرات عما هو كائن فيهم إذا التقى فتقا ~~[3] المغرب والمشرق، فعند ذلك تنتهك دولتهم. فلم تزل الشيعة تتوقع ذلك حتى ~~هاج أهل المغرب مع ميسرة البربري وقتلوا كلثوم ابن عياض، وهاج الحارث بن ~~سريج [4] بخراسان فرد إليها أسد [5] وقد أجلب الحارث عليه بأصحابه وجموع ~~الترك فلقيهم أسد فهزمهم [6] . # وقدم أبو هاشم بكير بن ماهان وألفى أمر الشيعة قد قوي وغلظ، ولقيه سليمان ~~بن كثير فعظمه وعظمته الشيعة ودفع إليهم كتاب محمد بن علي وكانت نسخته: # سلام عليكم فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن السنن ~~والأمثال فيما بقي على أشباه ما مضى، وأشهد أن الله يبدئ الخلق ثم يعيده ~~PageV01P208 # وهو أهون عليه، وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم، ~~فتبارك ذو الفضل العظيم. أما بعد فإني أوصيكم بتقوى الله الذي لا يزيد في ~~ملكه من أطاعه، ولا ينقص من ملكه من عصاه، بيده الملك ويبقى ملكه، وهو عزيز ~~ذو انتقام. فأعملوا أنفسكم لما خلقكم الله له فإن الله لم يخلقكم إلا ~~لعبادته، فناصحوا الله ما استطعتم بولاية [98 ب] أوليائه، وراقبوه في سر ~~أمركم وعلانيتكم، واخشوا الله من كل قلوبكم، وتقربوا إليه بحسن أعمالكم ~~فإنكم لذلك خلقتم، وبذلك أمرتم، وعليه خصصتم، وله ابتغيتم، فإنكم متى ~~تواظبوا على ذلك تجدوا معه راحة من نصب الدنيا، وتراضوا بما قسم لكم منها، ~~وتصبروا على كل [1] ما منعتم من زينتها، فلا تغتروا [2] بشيء من أمر الدنيا ~~عما ينفعكم الله به في الآخرة، فإن العباد لو أعطوا الدنيا وما فيها من ملك ~~ومال ثم لم يعرفوا الله فيما أعطاهم فيها حقه الذي اشترط لنفسه وأوجبه ~~لأوليائه لم تزدد منهم إلا بعدا، فاتقوا الله ما استطعتم، وقدموا خيرا ~~لأنفسكم، فإن الله تبارك وتعالى ms127 يقسم الرزق يوما بيوم، وعلى قدر ما قسم ~~يطلب حق بعضهم من بعض لبعض. فاعرفوا حق الله واصبروا عليه، ولا تجعلوا ~~دينكم وما عرفكم الله من حقه تبعا للدنيا فإنما خلقت بلاء وفتنة، وضرب لها ~~أجل إذا انتهى إليه ينفد [3] ، فعليكم بالتوكل على الله فيما أوجب عليكم من ~~حقه فإنه لم يخب من اعتصم بالله واتقى وصبر على ما أصابه فإن ذلك من عزم ~~الأمور، فإنكم قد علمتم من العلم ما قد عظم به النعم وأبلغ إليكم في الحجة، ~~فإنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون، إنما يتذكر [99 أ] أولو ~~الألباب، فكذلك لا يستوي PageV01P209 # عاملان، أحدهما يعمل للدنيا ويكدح لها ويجهد نفسه فيها رجاء ثواب فان ~~زائل، وعامل يعمل لآخرته رجاء ثوابها مخافة عواقب الأمور فيها، فبذل نفسه ~~لله وماله وولده ومناصحته لأوليائه، فهذا ما أصبح عليه سعاة الناس ~~وأولياؤهم، البر منهم والفاجر، والمؤمن منهم والكافر. فاعقلوا عن الله ~~أمره، واتعظوا بمواعظه، وأوفوا بعهده وعقده، وتمسكوا بصالح الذي عاهدتم ~~الله عليه، وأدوا الأمانة فيما عهد إليكم من أوليائه، وخافوا الله أن تعصوه ~~في شيء مما أمركم به واعتصموا بحبل الله جميعا، وخذوا بحظكم منه، واشكروا ~~بلاءه الذي أصبح بكم من سوابغ نعمه، واعتبروا ما بقي بما سلف، وإنما ضرب ~~الله لكم أمثال ما مضى من الأمم لتعقلوا عن الله أمره فإنكم قد رأيتم من ~~الدنيا وتصرفها بأهلها إلى ما صار من مضى منهم، وخير ما يصيب الناس فيما ~~بقي من الدنيا ما أصاب الصالحون منها، ومن يقس شأن الدنيا بشأن الآخرة يجد ~~بينهما فوتا بعيدا. ثم اعلموا علما يقينا أن لأهل ولاية الله منازل معروفة ~~كأنما ينظرون فيما أعطاهم الله من اليقين إلى عواقب الأمور ومستقرها، ~~فعليكم بمحاب الله وصدق الحديث ووفاء [1] بالعهد [99 ب] وأداء الأمانة، ~~وترك الخيانة، وبذل السلام، وطيب الكلام، وحسن العمل، وقصر الأمل، وترك ~~الحرام، وأخذ الحلال، وعرفان الحق، وإنكار الباطل، ولزوم الإيمان، والتفقه ~~[2] في القرآن واتباع التقوى وفراق الهوى، واجتناب قرناء السوء، وحذار ms128 ~~الدنيا، وحب الآخرة، والصبر عند البلاء، والشكر عند الرخاء، والفرار من ~~العذاب ومن سوء الحساب، وكظم الغيظ، ولين الجانب، وفعل المعروف، وذكر ~~النعم، واجتناب السيئات، والرغبة في الحسنات، فإن من محاب الله وطاعته ~~PageV01P210 # وطاعة رسوله أن تعفوا عند الغضب، وتحمدوا عند الرضا، وتكونوا صادقين ~~أبرارا، مسددين أخيارا، مرشدين. لا تصدقوا كذبا، ولا تجمعوا خبيثا لتكثروا ~~به طيبا، ولا تركبوا ظلما، ولا تنتهروا سائلا، ولا تقهروا يتيما، ولا ~~تخيفوا [1] تقيا، ولا تحقروا يتيما صغيرا، ولا تنتهكوا ذمة، ولا تفسدوا ~~أرضا، ولا تشتموا مؤمنا، ولا تقطعوا رحما ماسة محقة، ولا ترموا بريئا، ولا ~~تعصوا إماما، ولا تركبوا زيغا، ولا تطيعوا إثما، ولا تفتحوا مغلقا، ولا ~~تقفلوا مفتوحا، ولا تختانوا ولاة أموركم، وأحسنوا مؤازرتهم وصيانة أمرهم، ~~أعينوهم إذا شهدتم، [100 أ] وانصحوا لهم إذا غبتم، وأقسطوا إذا حكمتم، ~~واعدلوا إذا قلتم، وأوفوا إذا عاهدتم، وأدوا إذا ائتمنتم، واصبروا إذا ~~ابتليتم، واشكروا إذا أعطيتم، واحفظوا جواركم، وارحموا من خولتم، ولينوا ~~جانبكم، واخفضوا أكنافكم، وأكرموا كريمكم، وصونوا أنفسكم، وأحرزوا أعراضكم ~~فإن الله يعلم سركم وعلانيتكم. واشكروا الله على ما هداكم لطاعته، واعترفوا ~~بما اشترط عليكم لنفسه، واعلموا أن أصدق الحديث كتاب الله، وأوثق التقوى ~~لزوم حقه، وخير الملل ملة إبراهيم، وأفضل السنن سنة محمد صلى الله عليه ~~وسلم، وأعظم الضلالة ضلالة بعد هدى، وأشرف الحديث ذكر الله، وأحسن القصص ~~كتاب الله، وخير الأمور عواقب أعمها نفعا، وخير الهدى هدى محمد صلى الله ~~عليه وسلم، وأصدق الحديث ما جاء به أحمد صلى الله عليه وسلم، وما قل وكفى ~~خير مما كثر وألهى، ونفس تناجيها بتقوى خير من نفس أمارة بالسوء. فاتقوا ~~الله ولا تكونوا أشباها للجفاة الذين لم يتفقهوا في الدين، ولم يعطوا بالله ~~اليقين، وإن الله أنزل عليكم كتابا واضحا ناطقا محفوظا، قد فصل فيه آياته، ~~وأحكم فيه تبيانه، وبين لكم PageV01P211 # حلاله وحرامه، وأمركم [100 ب] أن تتبعوا ما فيه، فاتخذوه إماما، وليكن ~~لكم قائدا ودليلا، فعليكم به فعوه، ولا تؤثروا عليه غيره، فإنه [1] أصدق ms129 ~~الحديث، وأحسن القصص، وأبلغ الموعظة، به هدى الله من مضى من الأولين ~~والآخرين. واذكروا الله ذكرا كثيرا، وسبحوه بكرة وأصيلا هو الذي يصلي عليكم ~~وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما. تحيتهم يوم ~~يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما 33: 43- 44 [2] ، واجتنبوا قول الزور، ~~حنفاء لله غير مشركين به، فإن الله قد بين لكم ما تأتون وما تتقون، فقال ~~لنبي الرحمة: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن 7: 33 [3] ~~الآية، وقال لنبيه: قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد 7: 29 ~~[4] الآية، أسأل الله أن يجعلنا وإياكم مهتدين غير مرتابين والسلام على ~~المرسلين والحمد لله رب العالمين. # ولما قرءوا كتابه دعوا له وعظموا [5] أمر كتابه. ثم دفع إليهم كتابا آخر ~~صغيرا نسخته [6] : أما بعد، عصمنا الله وإياكم بطاعته وهدانا وإياكم سبيل ~~الراشدين [7] . قد كنت أعلمت إخوانكم رأيي في خداش [8] وأمرتهم أن يبلغوكم ~~قولي فيه، وإني أشهد الله الذي يحفظ ما تلفظ به العباد من زكي القول [101 ~~أ] وخبيثة، وإني بريء من خداش وممن كان على PageV01P212 # رأيه ودان بدينه. وآمركم ألا تقبلوا من أحد ممن أتاكم عني قولا ولا رسالة ~~خالفت [1] فيها كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم والسلام. # قالوا: قد أتانا هذا عنه ونحن له سامعون مطيعون. وقد كان محمد بن علي كتب ~~مع قحطبة كتابا صغيرا، فلما [2] تخلف عن أصحابه لمرض احتبسه فكان معه حتى ~~أخرجه يومئذ فدفعه إليهم، فقرأه أبو صالح كامل بن المظفر عليهم وكانت ~~نسخته: # وفقنا الله وإياكم لطاعته، قد وجهت إليكم شقة مني بكير بن ماهان، فاسمعوا ~~منه وأطيعوا وافهموا عنه فإنه من نجباء الله، وهو لساني إليكم وأميني فيكم ~~فلا تخالفوه ولا تقضوا الأمور إلا برأيه، وقد آثرتكم به على نفسي لثقتي به ~~في النصيحة لكم واجتهاده في إظهار نور الله فيكم والسلام. # فلما قرئ عليهم ازدادوا لأبي هاشم تعظيما، وقلدوه أمرهم، فأقام بين ~~أظهرهم يتناول كور خراسان برسله ودعاته وقد تحدث بأمره. ### || جمع بكير الشيعة ms130 واختياره رجال الدعوة # ثم إن بكيرا جمع الشيعة لما اضطرب أمر خراسان في منزل سليمان ابن كثير ~~فقال لهم: يا معشر الشيعة إن الله قد ساق إليكم من كرامته فيما [101 ب] ~~بصركم من هداه ما لم يسقه إلى عامة هذا الخلق، وألف بينكم بالحق وأعزكم به ~~وجعل سببه أقوى من سبب الأنساب، فإن تناصحتم PageV01P213 # قويتم، وإن ابتغيتم إيمانكم هديتم، وقد يحمد الله كثيرا ممن يستجيب لكم، ~~وتسارع الناس إلى دعوتكم، ومتى تدعوا التثبيت فيمن يأتيكم لا يؤمن أن يدخل ~~عليكم من ليس شأنه شأنكم من أهل السخف وأهل الطمع وأهل الضعف، ثم لا آمن أن ~~يدعو ذلك إليكم سلطانكم فيسطو بكم على معرفة منه بأمركم. وقد رأيت أن أختار ~~منكم اثني [1] عشر رجلا فيكونوا نقباء على من يجيب دعوتكم وضمناء عليهم، من ~~رضوا إيمانه وعرفوا صحته أخذوا بيعته، ومن اتهموه حذروه واحترسوا منه، وتلك ~~سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أخذ من النقباء على الأنصار حين ~~بايعوه، فكانوا هم الضمناء على أصحابهم والمتوثقين لهم [2] منهم، وتلك سنة ~~موسى وأصحابه. وليس للنقيب أن يدعي الفضل على غيره بالنقابة، وإنما الفاضل ~~[3] بالعمل، وقد بلغنا أن سعد بن معاذ لم [يشهد] [4] بيعة رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم ولا كان في العدة التي حضرته ليلة العقبة ثم قدمه رسول الله ~~صلى الله عليه وسلم على قومه النقباء وغير النقباء، وبلغنا أنه أقبل [102 ~~أ] ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في ملأ من أصحابه، فلما نظر إليه ~~قال لمن عنده: قوموا إلى سيدكم، فقال عمر بن الخطاب: الله سيدنا ورسوله، ~~فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وسعد سيدك يا عمر. هذا لتعلموا أن ~~الفضل إنما هو بالعمل لا بغيره، وكم من متأخر سيقدمه عمله، وكم من متقدم ~~سيؤخره تقصيره، وقد أمرني إمامكم بالنظر في ذلك بما فيه عز دعوتكم وقوة ~~شيعته فإن وافقتموني على رأيي أمضيت رأيي فيه، وإن PageV01P214 # كرهتموه وفيه وهنكم تركناه. فأخبرنا موسى بن موسى الجرجاني، ms131 وكان قد شهد ~~ذلك، وكان ممن خرج مع بكير من جرجان، قال: فتكلم كامل ابن المظفر فقال: ~~سددك الله يا أبا هاشم، فيما رأيت [1] البركة، والرضى ممن حضرك وممن غاب ~~عنك. وقال طلحة بن زريق: ما نحن إلى شيء بأحوج منا إلى ما ذكرت. وقال ~~العلاء بن الحريث: يا أبا هاشم! إن وقفت أمر من في الكور ولم تقبلهم حتى ~~يعرفهم من تنقب اليوم قل تبعك. وقال موسى بن كعب: صدق والله وبر. قال أبو ~~هاشم: القول على ما قلتما، ولكن النقباء إنما هم على من بمرو ومن أتاها ~~مجيبا لمن فيها من دعاتكم، وأما سائر الكور فكل داعية بها نقيب [102 ب] ~~يختار لنفسه أمناء من أهلها يصححون له أمر من يجيبه. قالوا [2] : قد رضينا ~~وسمعنا وأطعنا فأنفذ رأيك. قال أبو هاشم: ولا تحاسدوا ولا تنافسوا في ~~النقابة فإن الفضل في ذلك على ما وصفت لكم بالعمل لا بالنقابة. قالوا: نعم ~~قد رضينا. قال: اكتب يا أبا صالح، فكتب:- بسم الله الرحمن الرحيم، إن السنة ~~[3] في الأولين والمثل في الآخرين، وإن الله يقول [4] : واختار موسى قومه ~~سبعين رجلا لميقاتنا 7: 155، ثم قال في آية [5] أخرى: وبعثنا منهم اثني عشر ~~نقيبا 5: 12، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم وافاه ليلة العقبة سبعون ~~رجلا من الأوس والخزرج فبايعوه، فجعل منهم اثني عشر نقيبا، فإن [6] سنتكم ~~سنة بني إسرائيل PageV01P215 # [وسنة النبي عليه السلام] [1] . فاجتمعوا على اختيار الاثني عشر من أهل ~~مرو وهم: أبو عبد الحميد قحطبة [2] بن شبيب الطائي من بني نبهان، أبو النجم ~~عمران بن إسماعيل مولى آل أبي معيط، أبو محمد سليمان [3] بن كثير الخزاعي ~~ثم الأسلمي، أبو نصر مالك بن الهيثم الخزاعي ثم الكعبي، أبو منصور طلحة بن ~~زريق مولى طلحة الطلحات [4] ، ويقال إن ولاءه لغيره، أبو الحكم عيسى [5] بن ~~أعين مولى بريدة بن حصيب الأسلمي، أبو حمزة عمرو بن أعين [6] جعل مكان ~~العلاء بن الحريث [7] ، أبو داود خالد بن إبراهيم الربعي ثم الذهلي [8] ، ~~أبو علي [9] شبل بن طهمان مولى [103 ms132 أ] بني أسد، ويقال مولى الأزد، أبو ~~عيينة موسى بن كعب التميمي [10] من بني امرئ القيس بن زيد PageV01P216 # مناة، أبو جعفر لاهز بن قريظ التميمي [1] من بني امرئ القيس، أبو سهل [2] ~~ابن مجاشع من بني امرئ القيس جعل مكان بكير بن العباس [3] حين عمي بكير. ثم ~~اختاروا باقي السبعين: ثمانية وخمسين رجلا من أهل مرو وغيرهم [4] من أهل ~~خراسان، منهم من أهل مرو أربعون [5] رجلا: النضر بن صبح [6] التميمي ثم ~~المزني، عيسى بن ماهان، بكير بن العباس، عبد الله بن البحتري [7] التميمي ~~ثم المرئي [8] ، حيان بن ربيعة، مصعب بن زريق، معبد بن الخليل المري، هارون ~~بن الصعق الطفاوي، حية بن عبد الله المرئي [9] ، قريش بن شقيق السلمي، مزيد ~~بن شقيق، الهيثم بن زياد الخزاعي، عيسى بن شبل [10] ، PageV01P217 # واضح أبو الوضاح مولى عطاء بن أبي السائب، خالد بن عثمان أبو إسحاق مولى ~~خزاعة، حريث بن عطية، كامل بن مظفر مولى همدان، محرز بن إبراهيم، حيوة بن ~~المحل [1] الطفاوي، مالك بن طواف التميمي، داود ابن كراز، عبد الحميد بن ~~ربعي الطائي، زياد بن صالح مولى خزاعة، خالد بن كثير التميمي، مصعب بن قيس ~~الحنفي، صبيح الأقطع أبو هاشم، موسى بن حسان الأقطع، أبو حكيم بن بزيع، ~~الوازع بن كثير، أبو عبدة محمد بن عبد الله الحنفي، شريك [103 ب] بن عصي ~~التميمي، طرخون ابن الضائع، هاشم بن عقاب الخزاعي، مرار بن أنس الضبي، خلف ~~بن البرد، عمر بن معبد الأعور أبو البحتري الخزاعي، الحجاج بن سليمان ~~الأزدي ثم الجهضمي، عيسى بن رفقة الطفاوي، الخليل بن كرشا التميمي، سارية ~~بن نويب التميمي ومنهم من أهل نسا ستة رجال: أبو مالك أسيد بن عبد الله ~~الخزاعي، الأحجم بن عبد الله الخزاعي، مقاتل بن حكيم [2] العكي، الحريش بن ~~سليمان، غيلان بن عبد الله أبو فضالة الخزاعي، محقن بن غزوان العبدي ومنهم ~~من أهل أبيورد [3] سبعة رجال: عثمان بن نهيك العكي، عيسى ابن نهيك العكي، ~~أبو العباس الفضل بن سليمان الطائي، عبد الجبار بن عبد الرحمن ms133 الأزدي، يزيد ~~بن عبد الرحمن الأزدي، أبو الخطاب الهيثم ابن معاوية العكي، زهير بن محمد ~~الأزدي ثم الغامدي [4] ، ومنهم من أهل PageV01P218 # بلخ [1] رجلان: أبو مرضية البلخي، الخليل بن سعيد السروي [2] ، عمر بن ~~عثمان. ومنهم من أهل مروالروذ [3] رجل: الأخيم بن عبد العزيز. [104 أ] ~~ومنهم من أهل خوارزم [4] رجل: العلاء بن حريث بن قطبة الخزاعي. ومنهم من ~~أهل آمل رجل: الحسن بن ماخنبذ [5] . # وسمعنا ممن أدركنا من مشايخ الشيعة يذكرون أن الشيعة سمت اثني عشر رجلا ~~نظراء الاثني عشر النقباء، إذا مات من النقباء رجل صدر مكانه رجل من ~~النظراء. ### || تسمية نظراء النقباء # بعضهم من السبعين. خازم بن خزيمة، محمد بن الأشعث، محمد بن سليمان بن ~~كثير، حميد بن قحطبة، الحسن بن قحطبة، أبو عون عبد [6] الملك بن يزيد، أبو ~~الجهم بن عطية، المسيب بن زهير، الحسن بن حمدان، PageV01P219 # أسيد بن عبد الله، في السبعين، عيسى بن ماهان، في السبعين، عثمان بن ~~نهيك، في السبعين. فأما النقباء الاثنا [1] عشر فليس بين أحد من أهل العلم ~~فيهم اختلاف. وقد ذكروا أن أبا المغيرة خالد بن كثير بن أبي العوراء ~~التميمي كان فيمن سمي للنقابة فصرفها عنه سليمان بن كثير إلى ختنه لاهز بن ~~قريظ [2] فاضطغن خالد ذلك على سليمان فشهد عند أبي مسلم بما شهد حتى قتله. # فأما نظراء النقباء والسبعون فقد اختلف فيهم، فذكر بعض أهل العلم أن ~~نظراء النقباء عشرون رجلا، وأن السبعين سوى الاثني عشر النقباء. # وهذه تسمية العشرين وهم [3] نظراء النقباء [104 ب] وقد روي أنهم أحد ~~وعشرون: # أبو عون عبد الملك بن يزيد الأزدي، مقاتل بن حكيم العكي، خازم ابن خزيمة ~~التميمي، أبو مالك أسيد بن عبد الله الخزاعي، محمد بن الأشعث الخزاعي، أبو ~~الجهم بن عطية، عمر بن نهيك، خالد بن برمك، المسيب ابن زهير الضبي، زياد بن ~~صالح، محمد بن سليمان بن كثير، عيسى بن ماهان، قريش [4] بن شقيق، مصعب بن ~~زريق، مصعب بن قيس الحنفي، خالد بن كثير بن أبي العوراء التميمي، أمية ms134 بن ~~أعين الخزاعي، النضر بن صبح [5] التميمي، عمرو بن الأشعث البارقي [6] ، ~~الحسن بن حمدان، العلاء ابن حريث الخزاعي. PageV01P220 ### || تسمية السبعين وهم الدعاة # حميد بن قحطبة، الحسن بن قحطبة، أبو إسحاق خالد بن عثمان بن مسعود مولى ~~خزاعة، أبو حميد محمد بن إبراهيم الحميري، غيلان بن عبد الله الخزاعي، أبو ~~غانم عبد الحميد بن ربعي الطائي، أبو العباس الفضل ابن سليمان الطوسي، أبو ~~صالح كامل بن المظفر، نصر بن عبد الحميد الخزاعي، عيسى بن نهيك العكي، محمد ~~بن صول، عبد الجبار بن عبد الرحمن الأزدي، أبو الخطاب الهيثم بن معاوية ~~العكي، معبد بن خليل التميمي، [105 أ] زهير بن محمد الأزدي، نصر بن مالك بن ~~الهيثم الخزاعي، الحجاج بن سليمان الأزدي، عيينة بن موسى بن كعب، الأحجم بن ~~عبد الله الخزاعي، الهيثم بن زياد الخزاعي، سلمة بن محمد الطائي، شعبة بن ~~عثمان التميمي المروروذي، الأغلب بن سالم المروروذي، عبد الله بن البحتري ~~التميمي، حية بن عبد الله التميمي، أبو عبدة محمد بن عبد الله الحنفي، عمر ~~بن معبد الخزاعي، مزيد [1] بن شقيق السلمي، المرار بن أنس الضبي، هاشم بن ~~العقاد الخزاعي، داود بن كراز الباهلي، عبد الرحمن بن سليمان أبو عاصم [2] ~~، الأشعث بن يحيى الطائي، محقن بن غزوان العبدي، الحريش ابن سليمان مولى ~~خزاعة، الهيثم بن سليمان، موسى بن حسان الأقطع، محمد ابن الحشرج، عيسى بن ~~رؤبة الطفاوي، بهدل بن إياس الضبي، مروان بن أعين الخزاعي، خلف بن البرد، ~~صالح بن سليمان الضبي، بريدة بن خصيب، المختار بن سويد، سارية بن نويب ~~التميمي، كلثوم بن بكير، PageV01P221 # جبار بن النعمان، أبو سعيد الخليل بن سعيد السروي، الأخيم بن عبد العزيز ~~المروروذي، الحسن بن ماخنبذ، زيادة بن مهران الطالقاني، أبو حرب ابن زياد، ~~هارون بن الصعق الطفاوي، شريك بن عضي التميمي، حبيب ابن ضريس، عبد الرحمن ~~بن المخل، أبو عاصم حيوة بن المحل الطفاوي، [105 ب] حرب بن مرثد، عيسى بن ~~شبل [1] ، الوازع [2] بن كثير، ثابت بن شداد، واضح [3] أبو الوضاح، عمرو بن ms135 ~~حسان، داعية بن نجاد. ### || تسمية دعاة الدعاة # نسعيد بن يحيى الطائي، أبو نعمان حبيب بن رستم، أبو خزيمة موسى ابن عطية ~~أخو أبي الجهم، ناجية بن أثيلة الباهلي، عمران بن الحكم، أبو غانم النضر بن ~~غانم الطائي، حمزة بن رتيم، مدرك بن كلثوم، أبو المهدي سيف بن نحا الطائي، ~~بزيع مولى معاذ، عمرو بن نحي، زريق ابن شوذب الشيباني، إبراهيم الجرشي، ~~الحارث بن سيار، أبو أيوب عيسى بن صبيح، حاجب بن درهم، أبو زيد إبراهيم، ~~الخليل بن كرشا التميمي، صبح بن الصباح، أبو عمرو الأعجمي، مسلم السجستاني، ~~عبد الله الروندي [4] ، أبو قرة هلال بن عبد، أبو خالد المهاجر بن عثمان ~~PageV01P222 # الخزاعي، حزام بن عباد، عبد الله بن شعبة، أبو خالد عيسى بن سالم، الجهم ~~ابن سنان، أبو حمزة الجربي، أبو عاصم الصغاني، يزيد بن مرثد، المسيب ابن ~~عثمان، عمير بن زرين أخو حميد بن زرين مولى خزاعة، عبد الأعلى ابن حكيم ~~الأسدي، أبو تراب، أبو سيف، أبو جناح صبيح بن زريق. ### || رجع إلى خبر بكير والبيعة # [106 أ] وأخذ أبو هاشم بكير بن ماهان يومئذ البيعة على من حضره من الشيعة ~~على مناصحة إمامهم في السر والعلانية، وألا يطلعوا على أمرهم أحدا خافوا ~~ناحيته ولم يثقوا به. ثم قال لهم: إنكم قد جدتم بأنفسكم في إقامة الحق، ~~فجودوا لإمامكم بأموالكم وأعينوا بما قدرتم عليه من أموالكم، فقد ركبته ~~مئونات في إحياء الحق وإماتة الباطل، لا يقوى عليها فيمن يوجه إليكم أو ~~يتوجه إليه منكم إلا بالمال. فجمعوا مالا كثيرا وأتوا به أبا هاشم، فشخص ~~[1] ، وخلف سليمان بن كثير على الشيعة وأمرهم إذا حزبهم [2] أمر أن يجتمعوا ~~إلى سليمان فيناظروه فيه عنده. وأمرهم أن يأخذوا برأي أبي صالح كامل بن ~~مظفر فإنه ثقة في رأيه وشفقته. # وسار معه من شيعة أهل مرو أبو حميد وأبو إسماعيل صبيح والأزهر بن شعيب، ~~فأخذ على جرجان [3] ، فلما قدمها أقام بها شهرا أو نحوه، وجمعت PageV01P223 # شيعة أهل جرجان مالا وحليا، وإن كانت المرأة لتخرج من ms136 جميع حليها الذي ~~على جسدها فتبعث به. # أخبرنا أبو سعيد الجرجاني قال: كانت تحت عامر امرأة من الأزد يقال لها ~~ماوية بنت عمرو بن سعيد وهي بنت خالة عامر، [106 ب] فتوجه على الأزد خمسهم ~~بجرجان [1] ، وقد قبلت الدعوة عن عامر، قال: فخلعت ما كان عليها من حلي ~~فبعثت به، وكان سواري ذهب وطوق ذهب وخاتم ذهب وخلخال فضة، وبعثت أم الهيثم ~~امرأة أبي [2] عون بثلاثة أبرد [3] وبر من غزل يدها وسواري فضة. فتحمل أبو ~~هاشم فيمن قدم معه من مرو، وشخص معه من جرجان أبو عون، وصحبه حسن [4] بن ~~زرارة ابن عم عامر [5] وهلك قبل ظهور الدعوة بقليل، وصحبه أبو نصير ~~الجرجاني، وسار فيمن سمينا من أصحابه حتى قدم الكوفة وأقام يسيرا، ثم توجه ~~إلى محمد بن علي، وصحبته أبو سلمة، فقدم على محمد بن علي فدفع إليه ما قدم ~~به. PageV01P224 ### || خبر أبي مسلم مع محمد بن علي # الحسن بن أبي سعيد قال: حدثنا محمد بن الخطاب الأزدي قال: صار أبو مسلم ~~عبد الرحمن بن مسلم، وأصله من أصبهان [1] من دهاقينها إلى [2] محمد بن علي ~~ففتشه فوجده يفهم ويعقل على حداثة سنه، فوجهه إلى النقباء مرات بالكتب ~~والرسائل، وكانوا يعطونه أشياء من مال وآنية وربما كان الفرو. وكان طريق ~~أبي مسلم على نسا وأبيورد [3] ، فبينا هو جالس ذات يوم إذ جاءه راع فاستغاث ~~به وهو لا يعرفه وأخبره بأن شابا من شبانهم أخذ منه جملا فأتاه فسأله [107 ~~أ] أن يرده فأبى عليه وجبهه، فقال أبو مسلم: من شيخ هؤلاء القوم؟ فدل عليه ~~فكلمه وناشده في رد الجمل فأبى عليه وأغلظ له الشيخ الجواب، فلما ولي أبو ~~مسلم قتلهم وقال: امتحنت شيخهم وشابهم فوجدتهم فساقا. ويقال إنه مر في بعض ~~مسيره وهو على حمار فنزل في بعض سكك البريد فسألهم العلف فأبوا عليه ونالوا ~~منه، فمر به معاذ بن مسلم وكان يلي السكك فأنكر ما كان من القوم وخلصه ~~منهم، فقال له أبو مسلم: قد أحسنت فأنا أحب أن ms137 أشكرك، فدعاه إلى دولة بني ~~العباس فأجاب. PageV01P225 ### || خبر صاحب الدين مع محمد # محمد بن يوسف بن يعقوب بن الهيثم الهاشمي قال: سمعت أبا خبزة قال: # أخبرني رجل سماه قال: كان لي على محمد بن علي مال فقال لي: قد أبطأ عليك ~~مالك، وقد عزمت على أن أضمنه بني الثلاثة أثلاثا، فقلت: ذاك إليك، أصلحك ~~الله. فقال: يا غلام! ادع إلي إبراهيم، وكان في صدر مجلسه وكنت مقابله، ~~فرأيته وقد شق بصره نحو المدخل عليه، فعلمت أنه قد سها عني فقال: آه، آه، ~~هذا المنغص، فلم ألتفت، قال: وأين إبراهيم؟ # فسلم فرد السلام واحتفى به ثم قال: # يا بني قد علمت ما لفلان قبلنا، وقد رأيت أن تضمن له الثلث من ذلك وأضمن ~~[107 ب] أخويك باقي ماله. فقال: يا أبه! أنا أضمن المال كله، فأبى عليه ~~أبوه، فضمن لي، فقال له: قم فانصرف. ثم قال: # يا غلام! ادع لي أبا العباس. ثم رأيته قد شق بصره نحو المدخل كنحو ما ~~فعل، ثم قال: آه، آه، شيء وليس بشيء، ثم جاء فسلم فرد عليه كنحو ما رد على ~~إبراهيم، ثم قال: يا بني! قد رأيت أن تضمن لهذا الرجل ثلث ماله، قال: بل ~~كله، فأبى عليه أبوه، فضمن الثلث وانصرف. # ثم قال: يا غلام! ادع لي أبا جعفر. ثم نظر إلى المدخل نحو ما نظر إلى ~~الآخرين، ثم قال: لا حيا الله ولا قرب، ولكنك تطول مدتك وتعظم بليتك، ثم ~~جاء حتى سلم فلم يرد عليه نحو ما رد على أخويه، ودعاه إلى الضمان فقال: ~~يضمن هذا المال من أكله، قال: سبحان الله قد ضمن أخواك فاضمن له الثلث ~~فضمنه بعد مرادة، ثم قام فخرج. قال الرجل: فقضاني إبراهيم وأبو العباس ~~وأمسكت عنه، فذهب المال واشتدت الحال وكثر # PageV01P226 # العيال، فحملت نفسي على إتيانه وأنا مخاطر، كأن من قال: معي نصيحة أدخل ~~عليه، فأتيت الحاجب فقلت: أدخلني على أمير المؤمنين، قال: # ومن أنت؟ قلت: رجل أتيته بنصيحة، قال: وما هي؟ قلت: لا ms138 أخبرك، ولكنني ~~أمضي، فإن بلغه خبري أخبرته أني قد لقيتك، قال: مكانك، ودخل، فما لبث أن ~~خرج فقال: ادخل. فلما [108 أ] دخلت وبصر بي نحى من كان عنده من خدمه وقال: ~~ادن مني، فدنوت منه فقال: لا حيا الله ولا قرب، ما جاء بك؟ قلت: اشتدت ~~الحال، وكثر العيال، ولم آتك حتى لم أجد حيلة. قال: أخبرني عنك يوم ضمنت لك ~~هذا المال ما سمعت من محمد يقول في ولده؟ فدفعت ذلك، فقال هو نفي من محمد، ~~لئن لم تصدقني لأضربن عنقك. فقلت: أنا آمن؟ قال: نعم أنت آمن. # فأخبرته بما قال لأخويه وما قالا له، ووقفت عنده، فقال: تكلم إنما أردت ~~منك ما سمعت فأخبرته، فقال: صدقت. ثم دعا بأربعة آلاف درهم فوضعت بين يدي ~~ونحى الخادم ثم قال: خذها لا بارك الله لك فيها، وإني أعطي الله عهدا لئن ~~سمع هذا الحديث لأضربن عنقك، فقلت: نعم إن سمعت به فاضرب عنقي. # PageV01P227 ### || خبر أم الحكم بنت عبد الله بن الحارث مع محمد بن علي [1] # علي بن محمد بن سليمان، قال: حدثني أبي قال: كان لعبد الله بن الحارث عشر ~~بنات فكانت العاشرة منهن أصغرهن، فسماها أم أبيها، وأحبها حبا شديدا، فزوج ~~تسعا وتركها من بينهن لا يزوجها لصبابته بها ورقته عليها. وكان الرجل من ~~أهل بيته يقدم عليه من الحجاز فيخطب إليه ويسميها [108 ب] فلا يرده ويزوجه ~~ويحتمل صداقه بأحسن جهاز ويدفعها إليه. فخطب إليه محمد بن علي إحداهن وهي ~~أم الحكم، فقال بعضهم: # اجتمعوا في الحج بمكة فخطبها إليه فزوجه، وقال بعضهم: بل كتب إليه من ~~الشام يخطبها فجمع إليه أهله ومواليه ثم وجهها إليه في جهاز حسن ومعها مائة ~~ألف درهم صلة له، ومعها عشرة أعبد، قد رووا الحديث، لها هبات مع ثقة من ~~مواليه. # وحدث علي بن محمد بن سليمان عن أبيه قال: كان قمامة بن أبي زيد كاتب عبد ~~الملك بن صالح وقهرمانه على أمره كله، وأبو زيد أحد العشرة الذين كان عبد ms139 ~~الله بن الحارث وهبهم لابنته أم الحكم حين زوجها محمد بن علي، فكانوا قد ~~كتبوا وحسبوا وعلموا، وجههم معها، فلما حضرتها الوفاة أعتقتهم جميعا منهم ~~أبو زيد ومنهم سليمان بن مجالد، فلما جاهد السلطان انتموا إلى محمد بن علي ~~لأنه كان زوجها ولدت منه يحيى بن محمد وكان يفخر بها على إخوته. ~~PageV01P228 ### || ملتقطات أخبار محمد بن علي # أحمد بن يحيى قال: حدثني أبو مسعود عن شبيب بن حميد بن قحطبة قال: قال ~~محمد بن علي: كفاك من حظ البلاغة أن تقول فتفهم وتصف فتوجز [1] . # [109 أ] أحمد بن يحيى قال: حدثني أبو مسعود بن القتات [2] قال: قال محمد ~~بن علي: ثلاث لا تدرك: الشباب بالخضاب، والغنى بالمنى، والعلم بالادعاء. # عبد الله بن مروان بن معاوية الفزاري قال: سمعت خالد بن عبد الرحمن ~~السلمي يقول: قال محمد بن علي بن عبد الله: أحب المجالس إلي مجلس تحضر فيه ~~يدي ويسافر فيه بصري. # محمد بن إبراهيم التغلبي قال: حدثني حمزة بن عبد الله الهلالي قال: # حدثني يعقوب الحضرمي قال: حدثنا مسلمة بن جعفر قال: سمعت محمد ابن علي ~~يقول: أول من دمل الأرض داود، يعني أول من سمد. # مسعود الربعي قال: حدثني عبد الملك [3] بن عبيد الله بن عبد الله بن ~~العباس عن أبيه عن العباس بن محمد قال: اشترى لي أبي محمد بن علي ثوبا من ~~السوق بستة دراهم يقطعه لي قميصا، وإن عنده لستة آلاف أو سبعة آلاف جراب من ~~متاع خراسان كره أن يقطعه فيظهر الناس على أمره، فلما توفي أظهر إبراهيم ~~الشارة والبزة فظهر علينا فأخذ. PageV01P229 # عمر بن شبة قال: حدثني علي بن محمد بن جويرية بن أسماء عن قريظة ابن عبد ~~الله بن عامر بن ربيعة قال: دخلت على هشام، وعنده محمد بن علي ابن عبد الله ~~فقلت: أنا قريظة بن عبد الله بن عامر وشهد جدي بدرا، قال: # تقربت بما لا يقربك منا، فخرجت فلحقني محمد بن علي فقال: قد سمعت [109 ب] ~~ما قال لك ms140 هذا، لكنه يقربك مني. قال: فلما كان أبو العباس دخلت عليه وعنده ~~سليمان بن هشام فكرهت أن أذكر هشاما فلا أسبه، وكرهت أن أسبه لمكان سليمان، ~~ثم عزمت على سبه فقلت: يا أمير المؤمنين! إني دخلت على الفاسق هشام فقلت: ~~أنا قريظة بن عبد الله بن عامر بن ربيعة شهد جدي بدرا فقال: تقربت بما لا ~~يقربك منا، فقال أبو العباس: لكن يقربك منا، فأمر لي باثني عشر ألفا. # وقال محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، وذكر رجلا من أهله: إني لأكره أن ~~يكون للسانه فضل على عمله كما أكره أن يكون لعمله فضل على عقله. ### || خبر زيد بن علي # قال: سمعت أبا هاشم يقول: قال لي محمد بن علي: قد أظلكم خروج رجل من أهل ~~بيتي بالكوفة، يغر في خروجه كما غر غيره فيقتل ضيعة ويصلب، فحذر الشيعة ~~قبلكم أمره. # وقال عبد الله بن عمير: قدم علينا أبو هاشم منصرفه من الشراة في أول سنة ~~اثنتين وعشرين ومائة، فأتيناه وسلمنا عليه، وقد تحرك زيد بن علي وتحدث ~~بخروجه، فقال لي: يا أبا عمير: ما تحدثتم به؟ فقلت تحدثنا # PageV01P230 # بأن زيد بن علي خارج من أيامنا هذه، [110 أ] وقد أطبق أهل الكوفة على ~~الخروج معه، وقد شمر في أمره جارك أبو كدام، وكان أبو كدام رجلا [1] من ~~همدان جارا لبني مسلية. فقال: بؤسا لأبي كدام كأني [2] به قتيلا أو طريدا، ~~وكأني بزيد [3] مصلوبا بالكناسة. قال: فغاظني قوله لرأيي في زيد وآل زيد ~~فقلت: ما تزال تأتينا بترهات تغمنا بها، والله إني لأرجو أن يزيل الله أمر ~~بني أمية بزيد، ولا تكون لك معه سابقة، فقال بكير: إني أعلم ما لا تعلمون، ~~الزموا بيوتكم، وتجنبوا أصحاب زيد ومخالطتهم، فو الله ليقتلن وليصلبن بمجمع ~~أصحابكم، وأما ما ذكرت من زوال أمر بني أمية فما أوشكه [4] . قال: ثم بعث ~~إلى إخوانه من الشيعة فجمعهم إليه فحذرهم أمر زيد وأخبرهم بقول إمامهم فيه ~~وأمرهم أن يلبدوا في بيوتهم إلى أوان وقتهم ms141 الذي ترفع فيه رايتهم. # قال يقطين بن موسى: وأنا يومئذ منقطع إلى أبي سلمة، فإنا لعند أبي هاشم ~~إذ أتاه آت فقال له: قد خرج زيد وأمر الناس بحضور المسجد، قال: # فقال: تنحوا بنا عن هؤلاء وعن شرورهم، فخرج وخرجنا معه أنا وأبو مسرور ~~عيسى بن حمزة فأتينا الحيرة فأقمنا بها حتى قتل زيد وصلب، ثم انصرفنا إلى ~~الكوفة وقد هدأ الناس. # قال عبد الله بن عمير: فلقيت أبا هاشم فقلت له: تالله ما [110 ب] رأيت ~~شيئا أعجب من حديثك، والله لكأنك تنظر إلى أمر زيد وما حدث به، هو والله ~~الآن مصلوب بالكناسة. PageV01P231 # وكان من حديث زيد أنه كان اتهم هو ومحمد بن عمر بن علي بن أبي طالب وداود ~~بن علي بن عبد الله بن عباس في عدة من قريش أن يزيد بن خالد كان استودعهم ~~مالا، وكتب فيهم يوسف بن عمر إلى هشام، فبعث إلى يوسف بن عمر بهم، فجمع ~~بينهم وبين يزيد بن خالد، فقال: ما لي قبلهم مال، ولا استودعتهم شيئا قط، ~~فبسط عليه يوسف فعذبه يومئذ عذابا أراد به قتله. ثم كتب إلى هشام فكتب إليه ~~هشام يأمره أن يحلفهم بعد صلاة العصر في المسجد الجامع أنه لم يستودعهم ~~مالا، فإن حلفوا خل سبيلهم. # وغشيت الشيعة زيدا، فلم يزالوا به يزينون له الخروج حتى خرج، وقد أحصي من ~~بايعه فبلغوا بالكوفة وحدها، سوى من بالسواد وواسط، خمسة. # عشر ألف رجل، ولم يوافه عند خروجه إلا نحو من مائتي رجل، يزيدون قليلا. ~~فأصيب زيد وأصحابه، وصلب بالكناسة ووضع عليه حرس يحرسونه لئلا يسرق جسده، ~~ومضى يحيى ابنه هاربا إلى خراسان فأتى سرخس [1] ونزل بيزيد بن عمر، أخي ~~تميم بن عمر، فأقام عنده نحوا من ستة أشهر ثم شخص [111 أ] إلى بلخ فنزل ~~بالحريش بن أبي الحريش البكري فكان عنده. # ومضى أبو هاشم إلى خراسان فبدأ بجرجان فأقام بها نحوا من شهر [2] ثم شخص ~~إلى مرو، فلما قدمها نزل بكامل بن المظفر، واختلفت الشيعة ms142 إليه وأطافت به ~~وانتشر بعض حديثه، فأتى آت نصر بن سيار [3] . PageV01P232 ### || حديث بكير مع نصر بن سيار # قال: فلما أعلم نصر بن سيار بمكان بكير، كان الذي أعلمه رجل من بني تميم ~~يقال له أبو الحجاج، وكان لابس الشيعة ولم يعرف كنه أخبارهم، أتى نصرا فرفع ~~إليه أن داعية بمرو، وقد كثر تبعه، يدعو إلى يحيى بن زيد، ينزل في موضع ~~كذا، ووصف له موضع بكير. فقال نصر لمن حضره من ثقاته: أيكم يأتيني بخبر ~~الرجل؟ فزعموا أن عبيد الله بن بسام، وكان أجاب الدعوة، وله منزلة من نصر، ~~قال: أنا آتيك بصحة خبره، وخاف إن بعث غيره أن يصح [1] طلب بكير. فقال له ~~نصر: فشأنك انطلق حتى تأتيني بجلي الخبر، وتبحث وتفتش. فخرج عبيد الله بن ~~بسام وقدم بين يديه رجلا إلى بكير يأمره بالتنحي عن الموضع فقد وجه في طلبه ~~[2] . # ثم إن نصرا بعث رجلا من أصحابه أمينا [3] عليه فلحقه، فمضينا حتى انتهينا ~~إلى منزل [111 ب] كامل بن مظفر، وقد تنحى بكير، فقال بعضهم تنحى إلى منزل ~~خالد بن عثمان، وقال آخرون تنحى إلى منزل أبي الحكم عيسى ابن أعين، ودخل ~~عبيد الله وأمين نصر منزل كامل ففتشاه فلم يجدا فيه أحدا. # ومضى عبيد الله إلى الصيد، وانصرف أمين نصر إليه وأخبره أن [4] ما أنهي ~~إليه من أمر بكير باطل [5] . وأقام بكير شهرا وقد وجه دعاته إلى الكور، ثم ~~إنه انصرف إلى العراق فلم يلبث إلا يسيرا، وسار إلى محمد بن علي. ~~PageV01P233 ### || ولد محمد بن علي بن عبد الله # فولد أبا جعفر المنصور لأم ولد، وعبد الله أبا العباس السفاح، وأمه ريطة ~~بنت عبيد [1] الله بن عبد الله- كان يقال له عبد الحجر- بن عبد المدان ابن ~~الديان بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث ابن ~~كعب بن عمرو بن علة بن جلد [2] ، كانت قبل أن يتزوجها محمد عند عبد الله بن ~~عبد الملك بن مروان، والإمام إبراهيم بن محمد، وموسى بن ms143 محمد، مات في حياته ~~[3] ، وهما لأم ولد، ويحيى بن محمد صاحب الموصل، والعالية، أمهما أم الحكم ~~بنت عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب [4] ، والعباس بن ~~محمد لأم ولد، وله يقول سعيد بن سليمان المساحقي [112 أ] : # ألا قل لعباس على نأي داره ... عليك السلام من أخ لك حامد # أتاني أن لم تنس ما كان بيننا ... على النأي في صرف الهوى المتباعد # هنيئا مريئا أن قدحك فائز ... إذا حركت يوما قداح المشاهد # رأيتك تجزي بالمودة أهلها ... وتمنح صفحا مستقيل الأباعد # قطعت من الباغين سعيك وادعا ... إذا اجتهدوا يوما مناط القلائد ~~PageV01P234 # وإني لم أعلم من الناس واحدا ... على غائب منهم- حلفت [1]- وشاهد # أقل بفضل العز منك تطولا ... وأرغب في مستودعات المحامد # وأرضى بثوب القصد في كل موطن ... إذا طمحت نفس اللجوج المعاند # وأوزع للنفس اللجوج عن الهوى ... إذا وردت يوما حرون الموارد # وإسماعيل بن محمد لأم ولد، ولبابة [2] بنت محمد، لأم ولد، كانت عند جعفر ~~بن سليمان وهلكت عنده ولم تلد له. # وقال سعيد بن سليمان المساحقي للعباس بن محمد حين غضب عليه: # أبلغ أبا [3] الفضل يوما إن عرضت به ... من دائم العهد لم يخش الذي صنعا # ما بال ذي حرمة صافي الإخاء لكم ... أمسى بحوزته من ودكم فجعا # من غير ما ترة إلا الوفاء لكم ... ما مثل حبلك من ذي حرمة قطعا # [112 ب] ما تم ما كنت فيه من مودتكم ... حتى تباين شعب الود فانصدعا # أما ورب منى والعامدات له ... والدافعين بجمع يوضعون معا # لو كان غيرك يطوي حبل خلته ... دوني ويلبس ثوب الهجر ما اتبعا # فارع الذمام ولا تقطع وسائله ... وارجع فإن أخا الإحسان من رجعا # أشبه أخاك وأحلافا يسير بها ... في المحمدين له لم يجزه الطبعا [4] : # حفظ الذمام، وإيثار الصديق إذا ... ضاع الإخاء، وتفريق الذي جمعا # قال مصعب: أخبرني أبي قال: كان سعيد بن سليمان بن مساحق عند العباس بن ~~محمد ببغداد، وكان سعيد يستأذن العباس في الانصراف إلى المدينة PageV01P235 # فيأبي أن يأذن له ms144 ويقول له: أقم حولا، فكان سعيد يتطرب إلى المدينة وإلى ~~ماله بالحفر [1] ، فقال له العباس: # أليس [2] إلى نجد وبرد ترابه ... إلى الحول إن حم الإياب سبيل # قال مصعب بن عبد الله: وبعث العباس بن محمد إلى أبي بهذا البيت وقال ~~اشفعه ببيت آخر، فقال أبي: # وإن مقام الحول في طلب الغنى ... بباب أمير المؤمنين قليل # وبعث بالبيت إليه. # وقال عبد الله بن سالم الخياط يمدح العباس بن محمد: # [113 أ] عباس أشكو الفلسا [3] ... وذا الزمان الشكسا # لان لنا إذ جئتنا ... وغبت عنا فقسا [4] # وأضجما: سيان إحسان ... إليه وإسا [5] # إن قلت خيرا ارتجي ... منه لبانا عبسا # أو عند بابي [6] حوله ... ثوى به [7] ما نعسا # أبيت ليلي جالسا ... مولها ما جلسا # قلت له: العباس أعطانا ... وأغنى وكسا PageV01P236 # وقال لي: عسى ومنه ... نعم مثل عسى # وقال عبد الله بن سالم [1] الخياط للعباس أيضا: # إلى الأمير أشتكي ... ما حل بي من فلسي # والعسر والضعف عن ... الحيلة في ملتمسي # وأعبدا، يلزمني ... هذا وذا مفترسي # وأضجما، مختلف الخلق ... كثير الطفس # إن لم يواف أصلا ... باكرني في الغلس # يورثني وعيده ... تقطعا في نفسي # ينحلني الذنب مسيئا ... كنت أو غير مسي # إلى ابن عم المصطفى ... لجأت من دهر عسي [2] ### || وصية محمد بن علي # قال: قدم أبو هاشم بكير بن ماهان على أبي عبد الله محمد بن علي من خراسان ~~بأموال [113 ب] كثيرة وحلي وثياب فدفعها [3] إليه، فقال له: # استكثر مني يا أبا هاشم! فما أوشك فراقي إياكم، وسيأتي علي ما أتى على من ~~كان قبلي من البشر، وهذا إبراهيم [4] فلكم فيه خلف صدق مني [5] . ~~PageV01P237 # ودعا إبراهيم فقال له: # يا بني! اتق الله فيما قلدتك من هذا الأمر، ولا تؤثر على طاعته والعمل في ~~إحياء الحق شيئا من عرض الدنيا، واعمل لنفسك عمل ظاعن عن رحله لا عمل مقيم ~~في أهله، وعليك بهذا الرجل- يعني بكيرا- فإنه ثقة في المشهد والمغيب، وهذا ~~من بعده- يعني أبا سلمة. إن هذا الحي من بني مسلية خاصتي وعيبتي ومستراحي ~~وموضع سري، وهم مني بمنزلة ms145 لحمتي، منهم القائم بأمرنا، ومنهم قاتل اللعين ~~بن اللعين بأكناف مصر. # ثم انصرف بكير إلى العراق فيمن كان معه من أصحابه، فقدم الكوفة. # فذكر أسيد بن دغيم [1] المسلي قال: سمعت بكيرا يقول: إني لجالس عند محمد ~~بن علي حين [2] أقبل أبو العباس ابنه فدفع إليه كتابا فقرأه فقال [3] : # أتدري ممن هذا الكتاب؟ فقلت: لا. قال: من خال هذا، زياد بن عبيد الله ~~الحارثي، سيد قومه، يا أبا هاشم- وأشار إلى أبي العباس- هذا المجلي عن بني ~~هاشم القائم المهدي، لا ما يقول عبد الله بن الحسن في ابنه. قال: # ولما قدم أبو هاشم على محمد بن علي من خراسان قال له: يا أبا هاشم! أحسب ~~ثوائي فيكم قليلا وأحسب [114 أ] الذي بيني وبينك أيضا قليلا، وهذا إبراهيم ~~صاحبكم بعدي وقد عهدت إليه ألا يعدو رأيك. ثم دعا إبراهيم فقال له: يا بني! ~~قد كنت تقدمت إليك في طاعة هذا الرجل بما [4] قد علمت، PageV01P238 # فانته إلى ذلك ولا تخالفن أمره ولا تجاهدن بنفسك، وقد تتابعت علامات ظهور ~~دعوة آل محمد: مضى منها فتقا المشرق والمغرب وستنبع [1] عصبية تقع بخراسان، ~~بها يعز الله دعوتكم، ثم تختلف الناس على بني أمية، ثم يقع بأسهم بينهم، ثم ~~يرميهم الله بالطواعين والزلازل، وكأن قد رأيتم. # وبلغنا أن أبا العباس مر به يومئذ وهو في حديثه مع إبراهيم وأبي هاشم، ~~فلما أتاه قال لهما: قد خبرتك يا أبا هاشم بأمر هذا فصونوه لأعظم أيامكم ~~ومن ولي شيئا من أمر الأمة فليتق الله ربه ويعد لما هو موقوف عليه ومسئول ~~عنه. وأقام عنده نحوا من عشرين ليلة، ومرض محمد بن علي فأقام ينتظر ما يكون ~~من أمره حتى هلك [2] . ### || موت محمد بن علي # قالوا: توفي سنة أربع وعشرين ومائة. # محمد بن عبد الله الجرجاني الوراق قال: سمعت أبا نعيم يقول: مات محمد بن ~~علي في إمرة هشام في سنة أربع وعشرين ومائة [3] . ويقال: إنه مات سنة ~~اثنتين وعشرين ومائة [114 ب] وفيها ولد المهدي، ويقال: إنه مات سنة ms146 خمس ~~وعشرين ومائة [4] بالشراة من أرض الشام وهو ابن ستين سنة. PageV01P239 ### | أخبار إبراهيم بن محمد بن علي الإمام # ولما مات محمد بن علي أقام أبو هاشم مع إبراهيم أياما، ثم شخص إلى ~~خراسان، وقدم الكوفة، فقال عمرو بن شبيب: فقدم علينا وأقام أياما وكأنه على ~~الرضف، ثم شخص إلى خراسان وقد كتب معه إبراهيم كتابا إلى الشيعة نعى إليهم ~~فيه أباه، ووعظهم وأمرهم ونهاهم، وقرب لهم أمرهم، وأمرهم بطاعة أبي هاشم ~~والقبول عنه [1] . فبدأ بجرجان فلقيه الشيعة: أبو عون وعامر بن إسماعيل ~~وأبو إسماعيل وخالد بن برمك، فنعى إليهم محمد ابن علي وأخبرهم أن الإمام ~~بعده إبراهيم وأنه جعل وصيته إليه فقرأ عليهم كتاب إبراهيم بالأمر بعده، ~~فسلموا لأمره [2] ورضوا به، ودفع إليهم كتاب إبراهيم فأعظموه وازدادوا لأبي ~~هاشم تعظيما، وأقام بين أظهرهم نحوا من شهرين، ثم عزم على الانصراف وقال ~~للشيعة: ليتوجه عدة [3] منكم إلى إبراهيم ليلقوه، وتعرفوه أنفسكم وتخبروه ~~بطاعتكم. فشخص معه في تلك الدفعة قحطبة بن شبيب ومالك بن الهيثم وأبو سيف ~~وأبو حميد والأزهر بن شعيب، فأقبل بهم حتى قدم جرجان فشخص معه [4] [115 أ] ~~شيعة أهل جرجان: # أبو عون وأبو بصير، فأقبلوا حتى قدموا الكوفة، فبلغهم بها موت هشام ابن ~~عبد الملك واستخلاف الوليد بن يزيد بن عبد الملك وذلك في سنة خمس ~~PageV01P240 # وعشرين ومائة، فلم يلبثوا إلا يسيرا حتى مضوا إلى مكة، وشخص معهم [1] أبو ~~سلمة فلقوا إبراهيم ودفعوا إليه مالا كثيرا كانوا قدموا به. فبلغنا أن يحيى ~~بن محمد وهو معه يومئذ فإن لإبراهيم فقال لإبراهيم: والله لئن لم تعني على ~~مئونتي وتقضي ديني لأرفعن عليك، فقيل: إنه أمر له بخمسة آلاف درهم، وقال ~~للشيعة: احذروه فإن فيه ضعفا شديدا. # وقال بعض من قدم مع بكير في تلك الدفعة لإبراهيم: حتى متى تأكل الطير ~~لحوم أهل بيتك وتسفك دماؤهم! تركنا زيدا مصلوبا بالكناسة وابنه مطردا [2] ~~في البلاد، وقد شملكم الخوف وطالت عليكم مدة أهل بيت السوء. # فقال لهم: لسنا نعدو ما جرى به ms147 القضاء علينا في الذكر الحكيم وقد أظلتكم ~~رحمة الله فابشروا بنصره [3] ، فأما ما سامتنا به بنو أمية وركبونا فسيدال ~~عليهم مثلا بمثل، والله لتقتلن بنو أمية قتلا ذريعا، وليصلبن صلبا فظيعا ~~وليسلبنهم الله ملكهم سلبا وحيا [4] ، إنما بقيت من مدتهم سنيات كنوم ~~الحاكم، يقتل فاسقهم هذا، ولا يمتع قاتله بالأمر بعده إلا يسيرا حتى [115 ~~ب] يموت، ثم يثب على أمرهم الفظ منهم فيبتزهم أمرهم فعند ذلك يقع الاختلاف ~~بينهم وتنتقض البلاد عليهم. فقال له أبو هاشم: كنا نقول: # إن وقت ظهور الدعوة في سنة ثلاثين ومائة. قال إبراهيم: هو ذاك، ولن ~~تتركوا [5] حتى تخرجوا قبلها، وكل ما هو آت قريب، وأمر [6] القوم بالانصراف ~~فانصرفوا، وصدر معهم بأبي هاشم بكير بن ماهان وبأبي سلمة إلى منزله من ~~الشراة، ومضى أهل خراسان، فلما قدموها لقوا إخوانهم فخبروهم PageV01P241 # عن إبراهيم وفضله وفقهه فسروا بذلك ودعوا له. # قال أبو سلمة: انصرفنا مع إبراهيم من مكة، فلما صار إلى منزله بالشراة ~~أتاه مقتل يحيى وما صنع بزيد حيث أحرق، فأكبر ذلك وقال: بؤسا لبني أمية، ~~كأني انظر إلى مصارعهم. فقال له أبو هاشم: حفظك الله أليس الوليد سطيح بني ~~أمية؟ قال: بلى ومن بعده سطيحهم اللعين الذي لا بقية لهم بعده. ### || خبر يحيى بن زيد # لما رجع بكير إلى خراسان قال لهم: إن يحيى بن زيد كامن بين أظهركم وكأنكم ~~به قد خرج على هؤلاء القوم فلا يخرجن معه أحد منكم، ولا يسعى في شيء من ~~أمره فإنه مقتول، وقد نعاه الإمام إلى أهل بيته. وكان [116 أ] يحيى مختفيا ~~عند الحريش [1] ببلخ، إذ ورد على نصر بن سيار كتاب من يوسف بن عمر يخبره ~~فيه بمسير يحيى بن زيد إلى خراسان ويصف له منازله التي نزلها حين [2] نزل ~~ببلخ عند الحريش ويأمره في كتابه أن يبعث إليه فيأخذه به أشد الأخذ. فكتب ~~نصر بن سيار إلى عقيل بن معقل الليثي، وهو عامله على بلخ يأمره أن يأخذ ~~الحريش بيحيى بن زيد، وإن لم ms148 يدفعه إليه بسط عليه العذاب حتى يقتله، فلما ~~أتى عقيل بن معقل كتاب نصر بذلك بعث إلى الحريش فسأله عن يحيى بن زيد قال: ~~لا علم لي به، فضربه خمسمائة سوط. PageV01P242 # فبلغنا أن الحريش قال له: والله لو كان تحت قدمي ما رفعتها لك عنه، فلما ~~رأى ذلك فريس بن الحريش قال: لا تقتل أبي وأنا أدلك على يحيى، فأرسل معه من ~~دله عليه، فاستخرج من بيت في جوف بيت ومعه يزيد بن عمر ومولى يزيد بن عمر ~~ومولى لعبد القيس ورجلان آخران، فأخذهم وبعث بهم إلى نصر فحبسهم نصر قبله ~~وكتب إلى يوسف بن عمر يخبره بذلك. # وكتب يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إلى نصر ~~بأن يؤمنه ويخلي سبيله وسبيل من كان معه، فكتب يوسف إلى نصر بذلك، وكتب ~~يوسف إلى الوليد بن يزيد فكتب إليه الوليد يأمره أن يكتب إلى نصر بأن يؤمنه ~~ويخلي سبيله وسبيل من كان معه، فكتب يوسف إلى نصر بذلك، فدعا [1] نصر يحيى ~~فوعظه وحذره الفتنة وأمر له بألفي درهم وبغلين وأشخصه [116 ب] فخرج حتى أتى ~~سرخس فأقام بها. وبلغ ذلك نصرا فكتب في إشخاصه عنها إلى طوس، وكتب إلى صاحب ~~طوس يأمره بإشخاصه عنها إلى نيسابور، وكتب إلى عامل نيسابور يأمره بمثل ~~ذلك، فأشخصوه تسير به المسالح، حتى ورد نيسابور [2] وعليها عمرو بن زرارة ~~القشيري، فلما قدمها أمر له عمرو بألف درهم وأشخصه إلى قومس، فلما انتهى ~~إلى بيهق [3] ومعه عدة من أصحابه خاف اغتيال يوسف بن عمر إياه فانصرف من ~~بيهق في سبعين رجلا من أصحابه، فمر بهم تجار معهم دواب لهم فأخذها منهم ~~وقال لهم: علينا أثمانها، وبلغ ذلك عمرو بن زرارة فكتب إلى نصر بن سيار ~~يخبره خبره، فكتب إلى الحسن بن يزيد التميمي وإلى عبد الله بن قيس البكري ~~وهما يليان مسالح ما بين طوس [4] ونيسابور وسرخس أن يمضيا فيمن معهما ~~PageV01P243 # حتى يلحقا بعمرو بن زرارة ويسمعا له ويطيعا، وأمر بمحاربة يحيى ms149 بن زيد. ~~فخرج عمرو ولحقه الحسن بن يزيد وعبد الله بن قيس في أصحابهما، فبلغنا أنه ~~كان في نحو من عشرة آلاف رجل فلحقوا يحيى بن زيد وهو في سبعين رجلا ~~فقاتلوه، وقد نصب لهم عمرو بن زرارة راية أمان صفراء [1] ونادى: من أتى هذه ~~الراية فهو آمن. فخبرنا من حضر ذلك قال: فشد عليهم يحيى فهزمهم وقتل عمرو ~~بن زرارة واحتوى على عسكره [117 أ] ومضى نحو هراة [2] وعليها يومئذ مغلس بن ~~زياد فلم يعرض له، وبلغ خبره نصرا فوجه سلم بن أحوز المازني وهو يومئذ على ~~شرطه [3] في جماعة، فخرج سلم في طلب يحيى فانتهى إلى هراة حين فصل منها ~~فاتبعه فلحقه بالجوزجان في قرية يقال لها رعوى [4] وعلى الجوزجان يومئذ ~~حماد بن عمرو السعدي، فبعث سلم على ميمنته سوادة بن محمد بن عزيز الهندي ~~وعلى ميسرته حماد بن عمرو السعدي، وقد شهده محمد بن المثنى فأمره سلم بأن ~~يعبئ الناس، فتمارض ولم يشهد القتال واقتتلوا قتالا شديدا. PageV01P244 ### || ذكر السواد # قال: ثم قال أبو هاشم: إن أبا عبد الله كان يقول في وقتكم في ظهور ~~راياتكم السود قولا قد اقترب. قال: فقال إبراهيم: إذا شارفتم الثلاثين ~~والمائة نجم حقكم ثم لا يزال في نماء، وظهور دعوتكم في البلاد كلها، ~~والسواد يا أبا هاشم لباسنا ولباس أنصارنا وفيه عزنا، وهو جند أيدنا الله ~~به، وسأخبرك عن ذلك. كانت راية رسول الله صلى الله عليه وسلم سوداء، وكانت ~~راية علي بن أبي طالب سوداء، فعليكم بالسواد فليكن لباسكم، وليكن شعاركم: ~~يا محمد يا منصور. قال: وأمر أبا هاشم بالانصراف [117 ب] والمضي إلى خراسان ~~وأمره أن يأمر الشيعة بتسويد الثياب والرايات السود، ويعدوها إلى وقت ~~خروجهم. فانصرف أبو هاشم ومعه أبو سلمة إلى الكوفة، فلما قدمها تعلق به [1] ~~غرماء له [2] فحبسوه في دين كان لهم عليه، وبعث أبا سلمة إلى خراسان، ودفع ~~له ثلاث رايات سود، وأمره أن يدفع واحدة إلى من بمرو من الشيعة، ويدفع ~~واحدة إلى من بجرجان ms150 من الشيعة، ويبعث بواحدة إلى ما وراء النهر. فشخص أبو ~~سلمة إلى خراسان فكان أول من قدمها بالرايات السود. وكان مما قوى راية ~~الأئمة في السواد أمور منها: ما جاء فيه من ظهور الرايات السود، ومنها أن ~~راية النبي صلى الله عليه وسلم كانت سوداء، ومنها أن راية علي بن أبي طالب ~~رضي الله عنه كانت سوداء وفيها يقول القائل يوم صفين: PageV01P245 # لمن راية سوداء يخفق ظلها ... إذا قيل قدمها يزيد [1] تقدما # ومنها أنه كان لباس داود- حيث لقي جالوت فظفر به- السواد. # حكى من نظر في صور الأمم الخالية أنه رأى صورة أصحاب داود عليه السلام، ~~عليهم السواد، قلانسهم شاشية، قد علقوا سيوفهم من مناطقهم، والخناجر في ~~أوساطهم. ومنها أن بني عبد المطلب لم يزالوا يتيمنون [2] بالسواد، وذلك أن ~~عبد المطلب [118 أ] لما عالج بئر زمزم استخرج منها غزالين مصنوعين من ذهب ~~مكللين بالجوهر [3] ، فاجتمعت لذلك قريش وناقشته فيهما، ولم يكن له يومئذ ~~ولد مدرك غير الحارث، فقالت قريش: # الغزالان بيننا، وإنما استخرجتهما من بئرنا، فقال عبد المطلب: أنا ~~غنمتهما وبعملي استخرجتهما. فترامى الأمر بينهم إلى أن حكموا بينهم عزى ~~سلمة، وكانت كاهنة تتقاضى العرب إليها، فقالت لهم: أرى أن تستهموا [4] ، ~~فمن خرج سهمه فالغزالان له، اجعلوا سهما لعبد المطلب وسهما للكعبة، فإن ~~البئر لها، وسهما لقريش، وأعلموا على سهامكم، ففعلوا، وجعل عبد المطلب سهمه ~~أسود وجعلت قريش سهمها أبيض وجعلوا سهم الكعبة أصفر، ثم أجالوا السهام فخرج ~~سهم عبد المطلب فصير [5] الغزالين للكعبة فلم PageV01P246 # تزل بنو عبد المطلب يتيمنون [1] بالسواد مذ ذاك. # فأخبرنا عمرو بن شبيب، قال: لما قدم أبو هاشم تلك القدمة قدم ومعه راية ~~سوداء فأخرجها إلينا فاستوحشنا منها فقلنا له: ما أردت إلى السواد؟ # قال: إن عز هذه الدولة فيه، ولا تزال دعوة بني هاشم عزيزة ما لبس السواد ~~أهلها، وقد كانت الأنصار لما أصابت قريش ومن كان معها [2] ما [3] أصابت من ~~النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يوم أحد، سودوا الثياب كما تصنع العرب ~~[118 ms151 ب] في ثيابها عند المصائب، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: ليس هذا ~~أوان هذا وسيأتي على أمتك زمان يلبسونه ويكون عزهم فيه. وسئل عن الرايات ~~السود فقال للإيمان [4] أثبت في قلوب أهلها من زبر الحديد. قال عمرو: فقال ~~أبو هاشم: قد تتابعت على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم مصائب لا ينكر ~~معها لأشياعهم لباس السواد حتى يدركوا بثأرهم [5] . ### || رجع الحديث إلى ذكر أبي سلمة # وقدم أبو سلمة خراسان فقال بعضهم: وأبو مسلم يومئذ معه خادم له، فبدأ ~~بجرجان فدفع راية [سوداء] [6] إلى أبي عون، وهو يومئذ PageV01P247 # رئيس القوم، وقد لقي الإمامين جميعا [1] ، وعظم قدره في الدعوة، ثم نفذ ~~إلى مرو فدفع إلى سليمان بن كثير راية سوداء، وبعث براية إلى ما وراء النهر ~~مع مجاشع بن حريث الأنصاري، وقيل مع عمرو بن سنان المرادي. # وأقام أبو سلمة بمرو، ونصر بن سيار يومئذ الوالي، فاضطرب أمر العرب ~~بخراسان، وتعصبوا وتحزبوا واقتتلوا وهم متحيرون، وقد قتل الوليد بن يزيد، ~~ولم يأتهم الخبر باجتماع الأمر لغيره، فتمكن أبو سلمة في تلك الأيام مما ~~أراد واستثارت [2] الدعوة وقوي أهلها، وبث [3] دعاته ورسله وانصرف، وسليمان ~~بن كثير صاحب أمر الشيعة بخراسان وكامل [119 أ] بن مظفر يدبر لهم أمورهم. ~~فطالت الفتنة بين نصر بن سيار وعلي بن الكرماني ومن كان بها من العرب حتى ~~أضجر ذلك كثيرا من أصحابهما، وجعلت نفوسهم تطلع [4] إلى غير ما هم فيه وإلى ~~أمر يجمعهم، فتحركت الدعوة: يدعو اليماني من الشيعة اليماني، والربعي ~~الربعي، والمضري المضري حتى كثر من استجاب لهم، وكفوا بذلك عن القتال في ~~العصبية. # وكانت إقامة أبي سلمة هناك أربعة أشهر، ولما انصرف ألفى أبا هاشم محبوسا ~~[5] على ما خلفه عليه، وكانت حمامة بنت بكير أبي هاشم تحت أبي سلمة، فصالح ~~أبو سلمة عنه غرماءه، وكان ما لزمه من الدين في إنفاقه على أهل الدعوة وفي ~~أسفاره وفي أموره، وقد أنفق في ذلك مالا كثيرا لنفسه كان أفاده من السند. ~~وخرج من الحبس وأبو سلمة ms152 يومئذ موسر حسن الحال وكان يعالج PageV01P248 # الصرف، وكانت له حوانيت يباع له فيها الخل، وإنما سمي الخلال عند قتله ~~بذلك. وفي أيام حبس أبي هاشم عرف أبو مسلم وانقطع إلى أبي هاشم، وعرف ~~الدعوة واختلط بأهلها. فلم يلبث أبو هاشم إلا نحوا من شهرين حتى مرض واشتد ~~وجعه، فقال عبد الله بن عمير: دخلت على أبي هاشم في مرضه وعنده أبو سلمة ~~وحمامة ابنته، وهي امرأة أبي سلمة، وجعل أبو سلمة يبري قلما ليكتب به فأصاب ~~حد السكين يده [119 ب] فقطع منها فسال الدم فتغير لذلك لون حمامة امرأته، ~~فقال لها أبو هاشم: تجزعين له من هذا الدم فكيف لو قد أتيت به يشخب، فيوضع ~~رأسه في حجرك حتى يموت. ### || موت أبي هاشم # قال عمرو بن شبيب وأسيد بن دغيم: بينا أبا [1] هاشم عائدين له في مرضه، ~~وقد أتانا قتل الوليد، وقدم منصور بن جمهور واليا على العراق وهرب يوسف بن ~~عمر، فأنا لعنده، إذ دخل عليه جار له من بني الحارث يقال له مدرك ورجلان من ~~همدان يسألون به [2] وعنده امرأة يومئذ كان قد تزوجها ولم يدخل بها، فأدخلت ~~عليه مبادرة لتحرز ميراثها، وإن عليها لمصقلات، وهي مستترة جالسة خلف ظهره، ~~فقالوا له: يا أبا هاشم قتل الوليد، وهو مغلوب لشدة مرضه، فكرروا ذلك عليه ~~حتى فهم قولهم، فقال: أوقتل الوليد؟ قالوا: نعم. قال: قد كنت أتوقع ذلك ~~فالحمد لله PageV01P249 # على قضائه، أما لو كانت بي [1] حياة لقرت عيني وعظم سروري، يا أبا سلمة، ~~وهو حاضر يومئذ: شمر في أمرك فقد فتح الله البلاء على بني أمية، وفتح الفرج ~~على آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، إنا كنا نقول: إن قتل الوليد أحد ~~أوقاتهم [2] [120 أ] ثم العصبية، وقد بدت بالمشرق [3] الحرورية [4] ثم ~~الطاعون الجارف ثم الرجفة. قال: وجعل يتكلم فلا يفهم حتى غلب، فو الله ما ~~برحنا حتى مات وصار إلى أبي سلمة أمر الدعاة. ### || رجع الخبر إلى أمر خراسان والدعاة # ولما قتل الوليد استخلف يزيد ms153 بن الوليد فلم يلبث إلا يسيرا حتى هلك، ووثب ~~على أمرهم مروان بن محمد بن [مروان بن] [5] الحكم، فابتزهم غصبا واقتسارا، ~~فوهن أمر بني أمية، وانتقضت البلاد عليهم، وتشتت أمرهم، وبغى بعضهم على بعض ~~لما أراد الله من إذلالهم واستئصالهم. وبلغ من بخراسان أمر مروان واختلاف ~~بني أمية فقوى ذلك ما كان من خلاف اليمانية والربعية [6] على نصر بن سيار. ~~وولى مروان ابن هبيرة على العراق، فكتب إلى نصر بن سيار بولايته على ~~خراسان، ذكروا أن مروان أمره بذلك، فلما أتاه ذلك تزيد حنق اليمانية ~~والربعية [6] عليه، وقد ضامهم PageV01P250 # شيبان في الخوارج، وقاتلوا نصرا وصاروا إلى الخنادق فأقاموا فيها يقتتلون ~~نحوا من عشرين شهرا حتى ظهرت الدعوة. وذكروا أن ابن هبيرة كتب إلى مروان: ~~إن كنت تريد خراسان فعاجلها برجل عام الرأي يجمع أهلها فإن نصرا ليست [120 ~~ب] همته فيما هو فيه إلا شعرا يمدح قومه ويهجو به غيرهم، فقد أوقع ذلك في ~~صدور الناس قبله ما إن ثبت كان داعية البلاء من الاستئصال، وقد نجم بين ~~أظهرهم قوم يدعون إلى بني هاشم. فبعث عند ذلك إلى أهل خراسان وفدا [1] فيهم ~~الحكم بن الأبيض الطائي، وعقال بن شبة التميمي، والجودي بن أكمه الشيباني، ~~فشخصوا وقد تفاقهم الأمر بين نصر واليمانية فكلموهم ووعظوهم فقالوا: نحن ~~على الطاعة إن عزل عنا نصر [2] . فانصرفوا إلى مروان، وهو مشغول بحروبه ~~التي كان فيها، ولم تنقض الحروب بينه وبين الخوارج حتى كان في شوال سنة تسع ~~وعشرين ومائة، ففرغ من أمر الخوارج، وانصرف إلى منزله من حران، وقد ظهرت ~~الدعوة، ثم زاد ذلك اشتغال مروان بمحاربة أهل حمص وأهل فلسطين والخوارج ~~والضحاك بن قيس وشيبان بن عبد العزيز، فتفرغ لهم وقد قوي أمرهم وكثرت ~~جماعاتهم، ووجه الجنود إلى العراق وهي منتقضة عليه، وقد خالف سليمان بن ~~حبيب بن المهلب بالأهواز وغلب عبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن ~~أبي طالب على فارس وأصبهان والري، وغلب منصور بن جمهور الكلبي على الجبل ms154 ~~[3] . وكتب مروان إلى ابن هبيرة أن PageV01P251 # تسير الجنود إلى خراسان إذا صلحت العراق، فشغل ابن هبيرة بإصلاح العراق ~~عن إمضائهم [121 أ] إلى خراسان، وكل ذلك من قوة أسباب الدعوة وإقامة ~~الدولة، ثم قيض الله أبا مسلم حتى انتهت به الغاية، وحصد من كان يرمقها ~~ويطمع فيها. # PageV01P252 ### | خبر ابى مسلم وابتداء أمره # قال أبو الخطاب: كان أبو مسلم من أهل أصبهان، ولد في منزل عيسى بن معقل ~~العجلي [1] ونشأ مع ولده، فقطع الطريق على قوم من التجار في ضياع عيسى بن ~~معقل، وذلك في إمارة خالد بن عبد الله القسري على العراق، فسأل خالد عن ~~عيسى فأخبر أنه يشتمل على اللصوص وأنه لهم معقل يأوون إليه، فوجه إليه خالد ~~من أتى به، فتناوله بقضيب كان في يده وأمر بضربه وحبسه في السجن بالكوفة، ~~وأبو مسلم معه يومئذ غلام يخدمه. وكان خالد قد حبس قوما من شيعة بني العباس ~~من أهل الكوفة وقوما من شيعتهم من أهل خراسان بعث بهم إليه [2] أسد بن عبد ~~الله فيهم رجل يقال له حفص الأسير، وكان أبو مسلم يسمع الشيعة الذين في ~~الحبس يتذاكرون الدعوة فيصغي لقولهم حتى وعى بعضه فأعجبه وأخذ بقلبه، وكان ~~يكثر لزوم أبي موسى عيسى بن إبراهيم السراج من أهل الكوفة، وكان من علماء ~~الشيعة، فلذلك قيل إن أبا مسلم كان سراجا [3] . وكان من في السجن بالكوفة ~~يرسلون أبا مسلم في PageV01P253 # حوائجهم ويبلغ شيعة [121 ب] أهل الكوفة رسائلهم حتى وثقوا به واستأمنوا ~~إليه، وعظم قدره عندهم، فوجهوه إلى إبراهيم الإمام رسولا، فلما قدم عليه ~~أعجبه ما رأى من فهمه وحسن عقله، فسأله عن اسمه ونسبه وكان أبو مسلم يسمى ~~إبراهيم ويكنى أبا إسحاق فأخبره باسمه وقال: أما نسبي فإني مولاك، وذاك أني ~~رجل من الله علي بالإسلام، ولم تجر لأحد علي نعمة، فأنا مولى رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، وإذا كنت مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا مولاك، ~~إذ كنت وارثه. فسماه إبراهيم الإمام: عبد الرحمن، وكناه: ms155 أبا مسلم، وكتب ~~إلى شيعته بالكوفة يعلمهم أنه قد سماه وكناه وقبل ولاءه، ويأمرهم أن يجعلوه ~~رسولهم إليه فإنه قد أفهمه وفهم عنه ولا يرسلوا غيره. # وقال بعضهم: كان غلاما لعيسى بن إبراهيم أبي موسى السراج يتعلم منه ~~السراجة ويخدمه، وكان عيسى من أهل الكوفة ورئيسا من رؤساء الشيعة، وكان ~~موسرا يأتي بالسروج وآلتها [1] نحو أصبهان والجبال والرقة ونصيبين وآمد ~~ويجوب البلاد فيبيعها بها. وكان [أبو مسلم] [2] مع أبي موسى بالشام ودخل ~~معه إلى محمد بن علي [3] . ثم إن أبا موسى رجع إلى الكوفة وأبو PageV01P254 # مسلم [1] معه وهو يومئذ ابن عشرين سنة وكان يسمى إبراهيم بن ختكان فتسمى ~~بعبد الرحمن بن مسلم ويقال بل سماه [122 أ] الإمام إبراهيم بهذا الاسم. # وكان [2] من ضياع بني معقل العجليين، وكان إدريس وعيسى ابنا معقل محبوسين ~~بالكوفة في حبس يوسف بن عمر الثقفي بالخراج، وكان عاصم ابن يونس العجلي ~~محبوسا معهما بسبب من أسباب الفساد، فقدم سليمان بن كثير ولاهز بن قريظ [3] ~~وقحطبة بن شبيب- وهم من النقباء الذين لقيهم محمد بن علي وعدة منهم من ~~الشيعة من أهل خراسان- الكوفة يريدون الحج، فدخلوا على العجليين [4] ~~مسلمين، وكان أبو مسلم يدخل إليهم ويسعى في حوائجهم ويخدمهم، وهو مع ذلك مع ~~أبي موسى السراج صاحبه يخرز له الأعنة ويعمل السروج وله بضاعة في الأدم، ~~فلما رآه النقباء الثلاثة أعجبهم ما رأوا من خفته وعقله وأدبه، ورآهم فمال ~~إليهم [5] وجعل يذم بني أمية، ولم يلبث أن عرف أمرهم، فقال: أنا أصحبكم ~~وأكون معكم. فسألوا أبا موسى أن يعينهم به ففعل، وكتب معه إلى إبراهيم ~~الإمام، وكان قد علم أنه يحج في عامه وأن القوم واعدوه [6] الالتقاء بمكة، ~~فشخص أبو مسلم [معهم] [7] ، ووجدوا إبراهيم PageV01P255 # بمكة، فأعطوه عشرين ألف دينار ومائتي ألف درهم وأوصلوا إليه كسى حملوها ~~إليه. ورأى الإمام أبا مسلم فعرفه وأثبته لأنه كان يراه أيام اختلافه إلى ~~أبيه في مجلسه، وتأمل أمره، وأخلاقه فأعجبه منطقه ورأيه وعقله [1] ، فقال: # هذا [122 ب] عضلة من العضل، ومضى به ms156 معه فكان يخدمه. ثم إن هؤلاء النقباء ~~قدموا على الإمام فسألوه أن يوجه رجلا يقوم بأمر خراسان، فعرض الأمر [2] ~~على سليمان بن كثير وعرضه على قحطبة فأبيا ولم يفعلا، وذكر أبا مسلم ~~فأطرياه ووصفا له جزالته وعلمه بما يأتي وما يذر [3] ، فاستخار الله ووجهه ~~إلى خراسان. وقد قيل إن أصله من خراسان، وقد قيل إنه من العرب، وإنه ادعى ~~أنه ابن سليط بن عبد الله بن عباس، ونسبه أبو دلامة [4] إلى الأكراد فقال: # أبا مجرم ما غير الله نعمة ... على عبده حتى يغيرها العبد # أفي دولة المهدي حاولت غدرة ... ألا إن أهل الغدر آباؤك الكرد # أبا مجرم خوفتني القتل فانتحى ... عليك بما خوفتني الأسد [5] الورد ~~PageV01P256 # محمد بن الحسن الشامي قال: حدثني محمد بن أبي صفوان الثقفي قال: # قال أبو مسلم: شهدت خطبة يزيد الناقص بمسجد دمشق وأنا مع الإمام إبراهيم ~~فقال لي: يا عبد الرحمن هذا آخر ملك بني أمية، قد جاءهم ما كانوا يوعدون، ~~فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين 6: 45 [1] . # شمر يا عبد الرحمن، شمر، الوحي الوحي [2] والنجا النجا، الحق بشيعتي ~~وأنصاري بعقوة خراسان. قال أبو مسلم: فأوصاني بوصاياه وأمرني بأمره فخرجت ~~[123 أ] من فوري ذلك، فأزال الله ملك بني أمية، وقطع دابرهم، وأظهر حق بني ~~العباس، فما انصرفت إلى العراق إلا وأبو العباس خليفة قد استوسقت له ~~البلاد، واجتمعت عليه الأمة، وظهر أمر الله وهم كارهون، ولله عاقبة الأمور. # النحيت بن مجاهد ابن أخي رزمة قاضي أبو شهر [3]- وكان صديقا لآل معقل بن ~~عمير العجليين، وكان يكثر القدوم عليهم في تجارة له، ويقيم عندهم السنة ~~والسنتين- قال: حدثني سابق مولى معقل، وكان شيخا كبيرا قد أدرك وعلم من أمر ~~أبي مسلم وخبره ما قد كتبناه، قال: كان برستاق فريدين من أصبهان مولى لبني ~~عجل يقال له عثمان بن يسار فأتعب في الخراج بفريدين، فحمل جارية له أعجمية ~~إلى عيسى بن معقل العجلي بماوشان [4] PageV01P257 # وكان من عشيرته فشكا إليه حاله في الخراج وباع منه تلك ms157 الجارية بثماني ~~مائة درهم، وهي يومئذ حامل بأبي مسلم وهو لا يعلم بحملها. فانطلق عثمان بن ~~يسار من وجهه ذلك فمات، وعلم عيسى بن معقل بحمل الجارية بعد ما فارقه عثمان ~~بن يسار فحصنها، فولدت أبا مسلم وماتت في نفاسها، فسمي سلما، ولعثمان بن ~~يسار ولد من غير أم أبي مسلم يقال له يسار بن عثمان، وأخوات له. فلما تحرك ~~أبو مسلم اختلف مع ولد عيسى بن معقل [123 ب] بقرية فريدين [1] إلى معلم ~~يقال له عبد الرحمن بن مسلم، فلما خرج من الكتاب، كان يخدم عيسى بن معقل، ~~واسمه سلم، فاتخذه عيسى زنبورا يركب معه حيث ركب ويحمل صاجره في حقوه ~~ويوضيه، وكان كيسا ظريفا. # وكان رجل [2] يقال له هاشم بن العلاء ينزل رستاق التيمرة [3] من أرض ~~أصبهان، واتخذ قرية فيها وسماها الحجاز وكانت عنده نعم بنت معقل بن عيسى، ~~فبينا هاشم بن العلاء عند عيسى بن معقل على نبيذ لهم وأبو مسلم يخدمهم ~~ويسقيهم إذ سقى هاشما فرأى في القدح بعض القذى، فضرب به وجه أبي مسلم ~~فأدماه، فقال له عيسى: بئس ما صنعت. فقال هاشم: وما هذا ابن الفاعلة؟ قال ~~عيسى: لقد رأيت لهذا رؤيا لو رأيتها لمعقل ابني كان أحب إلي من كل مفروح به ~~عظيم. قال هاشم: وما رأيت في منامك؟ # قال: رأيت كأن آتيا أتاني فقال: من هذا؟ فقلت: سلم غلامي، فقال: إن هذا ~~لمن المصطفين الأخيار، على وجهه هلاك الجبارين ونصرة آل محمد. فلما ظهر أبو ~~مسلم كتب إلى عامليه على أصبهان: ابن زريق بن شوذب الشيباني وزياد بن سلمان ~~الخزاعي، أن قبلكما رجلا يقال له هاشم بن PageV01P258 # العلاء اتخذ قرية فسماها الحجاز استخفافا بحرم الله وحرم رسوله [124 أ] ~~فابعثا [1] إليه من يضرب عنقه ويستصفي ضياعه، فهرب هاشم فلحق بالكوفة، ~~فاختفى بها حتى قتل أبو مسلم. # ثم إن عمال أصبهان وهمدان [2] والماهين [3] كتبوا إلى يوسف بن عمر ~~الثقفي، وهو على العراق، يشكون عيسى بن معقل أنه يكسر عليهم الخراج وأنه ~~نازل في ms158 التخوم [4] ، فكتب يوسف بن عمر إلى صاحب قرماسين [5] يأمره أن يسير ~~إلى عيسى بن معقل فيأخذه فيقدم به عليه. فسار صاحب قرماسين إلى عيسى بن ~~معقل فأخذه وحمله إلى يوسف فأمر بحبسه في السجن بالكوفة، وكان في السجن ~~يومئذ نفر من وجوه الشيعة منهم أبو سلمة الخلال- كان يبيع الخل في زرارة ~~[6]- وحفص الأسير، وكانوا اثني [7] عشر رجلا، وكان عاصم بن يونس مولى بني ~~عجل قد حبس بدم، فنزل معهم في بيتهم الذي كانوا فيه، ولم يكن له يومئذ رأي ~~ولا معرفة بما كانوا فيه، فدعاه حفص الأسير إلى الدخول في الدعوة فاستجاب ~~له، فلما قدم بعيسى بن معقل فأدخل PageV01P259 # السجن كان ذا هيئة، فرغب فيه أولئك النفر المحبوسون من الشيعة، فأنزلوه ~~معهم في البيت الذي هم فيه. وكان عيسى بن معقل قبل أن يشخص إلى يوسف بن عمر ~~قد جعل أبا مسلم وكيلا على قرية من قراه، فلما فرغ أبو مسلم من رفع غلاله ~~حمل أذكاره وما اجتمع [124 ب] عنده من المال، ولحق بعيسى بن معقل، فسر ~~بقدومه، ونزل دار عيسى في بني عجل [1] ، وكان أبو مسلم ومولى لعيسى، كان ~~وكيله في داره في بني عجل، يحملان طعام عيسى وشرابه من داره في كل يوم إلى ~~السجن، ثم يخرج أبو مسلم فيقعد في السراجين عند دار الوليد بن عقبة التي ~~فيها القصارون، وكان جليسه منهم موسى بن يزيد وعثمان بن عيسى. وكان أبو ~~مسلم يختلف إلى عيسى بن معقل وهو في السجن، يسمع كلام الشيعة الذين في ~~السجن، فأحبه وهويه ووقع في خلده، فكان يخاتل عيسى بن معقل فإذا رآه جالسا ~~في جانب السجن يتحدث عند قوم آخرين دخل أبو مسلم إلى أولئك الشيعة فتحدث ~~معهم، فلما رأوا حبه لأمرهم وحرصه على كلامهم أطلعوه على رأيهم ودعوه إليه، ~~فقبله ورسخ فيه بصيرته حتى أفضوا إليه أسرارهم ووثقوا به لما رأوا من عقله ~~وظرفه وأدبه. فكان عيسى بن معقل رجلا سخيا صاحب طعام، فبلغ يوسف بن عمر ~~حاله وما يتكلف ms159 من السخاء، فبعث إليه فضربه بالسياط حتى قتله. فادعى أبو ~~مسلم أن عيسى كان قد دبره [2] فصار مع رجل من السراجين يكنى أبا إسحاق فنفذ ~~في مدة يسيرة في [3] عمله فكان يكون بالليل عند الشيعة في السجن وبالنهار ~~عند أبي إسحاق، ورأى منه أبو إسحاق أمانة وغناء [125 أ] فائتمنه على بيع ~~متاعه، ووجهه إلى البلدان بتجارته. ثم PageV01P260 # قدم قوم من شيعة أهل خراسان يريدون إبراهيم الإمام فأحب شيعة الكوفة أن ~~يكون معهم رجل من قبله فبعثوا أبا مسلم معهم وكتبوا معه إلى إبراهيم: # أما بعد فقد بعثنا إليك غلاما أمينا لبيبا أديبا كتوما حافظا لما استرعي، ~~مؤديا لما أعطي، اتخذناه لأنفسنا وائتمناه على سرنا، فهو على ما تحب، فضع ~~عنده ما أحببت أن تضع فإنه على ما تحب في جميع خصاله. فقرأ إبراهيم الكتاب، ~~وفتش أبا مسلم وساءله وناطقه فوجده كما وصفوا وأفضل، فأجابهم إبراهيم في ~~حوائجهم وكتب جواب كتبهم: أما بعد، فقد قدم علي رسولكم، وقرأت كتابكم، ~~وعلمت الذي ذكرتم، وقد تخيلت في رسولكم الخير، وتأملت فيه شمائل الذي يقوم ~~بهذا الأمر فاحتفظوا به، وارغبوا فيه فإنه صاحبكم الذي يقوم بهذا الأمر. ~~فقدم [1] أبو مسلم بالكتاب على الشيعة بالكوفة، وأخرجوا من السجن، فكانوا ~~ينظرون في هذا الأمر، ويأتيهم وفود أهل خراسان إذا حجوا، ويأتونهم بالزكاة ~~فيبعثون بها مع أبي مسلم، فخرج أبو مسلم إلى إبراهيم عدة مرار. ثم إن ~~إبراهيم أحب أن يكون أبو مسلم عنده وأن يتخذه لنفسه، فكتب إلى الشيعة ~~بالكوفة: إني أحب [125 ب] أن تبعثوا إلي رجلا من ثقاتكم، وأن تحبوني بأبي ~~مسلم يكون عندي في خدمتي لأبعثه في حوائجي وأستعين [2] به في أمري، فأمر ~~الشيعة أبا مسلم أن يقيم عنده، وكان ذلك موافقا لأبي مسلم، فأقام عند ~~إبراهيم سنين لا يحسبه [3] من رآه إلا عبدا لإبراهيم. ثم قدم قوم من الشيعة ~~على إبراهيم فسألوه أن PageV01P261 # يبعث معهم رجلا يدعو الناس إلى هذا الأمر، فقال لهم إبراهيم: هذا الغلام ~~يخرج معكم، ويدعو الناس، وهو ms160 صاحبكم الذي يقوم بهذا الأمر، [126 أ] فبعثه ~~إبراهيم إلى خراسان فتوجه إليها غير مرة حتى شاع ذكره. # فبلغ ابن هبيرة، وهو يومئذ والي العراق: أن رجلا يختلف إلى خراسان يفسد ~~أهلها، فبعث إلى أصحاب المسالح: أن رجلا من حاله كذا وكذا يمر بكم فتفقدوه، ~~وكتب إلى نصر بن سيار يعلمه حاله ويأمره بالجد في طلبه. فتفقد [1] أصحاب ~~المسالح كل من مر [2] بهم، وفتشوا الناس، ومر أبو مسلم على حمار أسود أبتر ~~الذنب، فلما انتهى إلى المسلحة التي في دسكرة [3] الملك حبس صاحب المسلحة ~~الناس وفتشهم وسأل عن أسمائهم، وأبو مسلم فيهم، فشغل الرجل الذي كان يسألهم ~~ويفتشهم عن أبي مسلم، فانسل على حماره ولم يتفقدوه، ومضى حتى أتى الري [4] ~~. وكان أبو مسلم إذا قدم الري نزل على رجل من الشيعة يقال له عمر بن ~~المختار الثقفي، وكان يكتم أمره بالري ولا يطلع أحدا على رأيه وكان بزازا ~~[5] لصاحب حانوت، وكان صاحب حانوت سريا يجتمع إليه الناس من أهل الري ~~وغيرها فيتحدثون عنده، فنزل به أبو مسلم وعنده ناس من المرجئة من أهل ~~العراق وأهل الري فذكروا علي بن أبي طالب بقتل الناس وسفك الدماء، فلما سمع ~~أبو PageV01P262 # مسلم ذلك منهم غضب فرد عليهم [126 ب] ردا قبيحا، فثاروا إليه ليضربوه، ~~وتوعدوه ليضربوه، فخلصه عمر بن المختار منهم، وأدخله حانوته وأغلق عليه ~~بابه، فلما كان الليل سار أبو مسلم إلى خراسان، فكان أبو مسلم يعرف ذلك ~~لعمر بن المختار، فلما ظهر أبو مسلم بعث إلى عمر ابن المختار بعهده على ~~الري فوليها ستة أشهر ثم عزله وأقدمه عليه. ### || وهذا خبر آخر من أخبار أبي مسلم # فيما حدث به: أن أباه كان من علوج أصبهان، وكان في قرية في حيز رجل من ~~خزاعة، وكان جده أبو أمه هو الذي يعوله ويكفله حتى بلغ، وألح عليهم الخزاعي ~~في خراجهم، فهربوا فلجئوا إلى حيز إدريس ابن معقل العجلي. # وزعم عمر بن شبيب قال: قلت لأبي سلمة حيث اشترى أبا مسلم: # إني لا أرى ms161 لهذا الغلام هيئة العبيد، قال: أما هو فقد أقر أنه عبد لمن ~~أباعه [1] منا وقد كنت استربت بشأنه [2] بعد شرائي إياه، فقلت لعاصم بن ~~يونس: # افحص لي عن صحة أمره. فلقيني فقال لي: قد سألت عيسى بن إدريس عن أمر ~~الغلام فذكر أن الحاجة اضطرته إلى بيعه وأن أمره: أن رجلا نزل بنا من أهل ~~اليمن يريد قزوين [3] غازيا ومعه جارية له، فشخص وخلفها PageV01P263 # وبها حبل فانصرف رفقاؤه فذكروا أنه مات بقزوين، ووضعت الجارية أبا مسلم، ~~وماتت في نفاسها فدفعنا ولدها [127 أ] إلى أهل بيت من أكرتنا، فكان عندهم ~~حتى أيفع وضممناه إلينا، فكان مع خدمنا حتى بلغ. وزعمت امرأة من أهلي: أن ~~الجارية قالت لي قبل أن تلد أبا مسلم بثلاث ليال أو [1] أربع: إني رأيت ~~كأني قد ولدت ولدا فنظرت فإذا هو عقاب فطار لا يمر بطائر إلا ضربه وصرعة ~~حتى كثر ما يلقي منها، وانتبهت. # وزعم إبراهيم بن هشام بن راشد ابن أخي محمد بن راشد [2] قال: تذاكرنا أمر ~~أبي مسلم ذات يوم فقلت لعيسى بن إدريس: أخبرنا عن أمر أبي مسلم وسببه ونسبه ~~فإنكم أعلم به من غيركم. قال: نعم خرج أبي إدريس بن معقل حاجا فلما انصرف ~~رافقه رجل من أهل اليمن ذو هيئة وسمت حسن، فألفه أبي وأنس به ولاطفه، ~~وأقبلا حتى إذا شارفا الكوفة قال أبي: أين تريد، وما غايتك في سيرك هذا؟ ~~قال: أريد الغزو والرباط بناحية الديلم، وأنا رجل من مذحج ممن يسكن السروات ~~[3] باليمن، فقال له أبي: فنصطحب حتى نحاذي الثغر [4] . قال: فخرجنا ومع ~~الرجل جارية له تخدمه، فلما صرنا إلى قرماسين مرض الرجل، فقلت له: امض معنا ~~حتى نقوم [5] عليك فإذا سلمك الله من مرضك شخصت إلى الرباط. قال: فمال معنا ~~حتى أتيت منزلي، فأقام ومرضناه حتى بريء من علته وقد احتاج فقال: نفدت ~~نفقتنا [6] PageV01P264 # وقد احتجت إلى سبع مائة درهم فإن رأيت أن تحتالها لي وتكون هذه [127 ب] ~~الجارية رهنا بها إلى أن أقضيك، فقلت له: ms162 خذ الدراهم ولا حاجة بنا إلى ~~الجارية، فقال: وما حاجتي إلى الجارية في الثغر؟ فدعها تكون رهنا عندك بهذه ~~الدراهم. قال: فأعطيناه سبع مائة درهم، وشخص في جماعة خرجوا إلى الرباط من ~~أهل ناحيتنا، فلما ذهب ظهر بالجارية حمل [1] ، ولما رجع [2] أهل ناحيتنا من ~~الغزو، ذكروا أن الرجل مات بالثغر، فاستمر حمل [1] المرأة فولدت أبا مسلم ~~وماتت في نفاسها، فدفعناه إلى أهل بيت من خدمنا [3] فتولوا تربيته ورضاعه ~~وفطامه والقيام عليه حتى بلغ ولا يعرف غيرهم، وسموه [4] إبراهيم. قال عيسى: ~~وكنا نعرفه بكبر الهمة ومرارة النفس والذهاب بنفسه إلى المعالي، وكان لنا ~~معلم يعلم صبياننا يقال له عبد الرحمن بن مسلم، ويكنى أبا مسلم، فلما ترعرع ~~تسمى باسم المعلم واكتنى بكنيته، والله أعلم أي ذلك كان. # وقد زعم بعض من ذكر حديثه: أنه اعتزى إلى مراد، فوقعت المعرفة بين أبي ~~مسلم وعاصم بن يونس العجلي بذلك السبب، فأخبر عاصم أبا هاشم بحاله، فدعاه ~~وعرض عليه الدعوة فقبلها وأجاب إليها، ولزم أبا هاشم وسعى في حوائجه إلى ~~أبي سلمة وغيره وهو عندهم فيما يرون عبد لإدريس. فأما ما تذكر العامة فإنه ~~من ادعى معرفته منهم ذكر أنه من أبناء العلوج [128 أ] بأصبهان من قرية من ~~قرى إدريس، صحبه بذلك السبب فكان يخدمه في الحبس، فلما صار الأمر إلى أبي ~~سلمة دخل يوما الحبس، وقد ألح على PageV01P265 # إدريس في أداء نجمه [1] ، فقال لعاصم: هل من حيلة؟ فقال: تبيع من أرى من ~~خدمك وتؤدي عن نفسك. قال: فاحتل لي، قال: هذا إبراهيم خادمك إن شئت بعناه، ~~قال: قد شئت. فقال لأبي سلمة: هل لك في إبراهيم تشتريه فتفرج عن هذا الرجل؟ ~~والغلام، بعد [2] ، ظريف عاقل قد عرف أمرك وحسنت نيته عندك وفي دعوتك، وأنت ~~لا تحتشم منه شيئا فيما توجهه فيه. # قال: بكم يباع؟ قال: خذه بما شئت. فاشتراه من إدريس بسبع مائة درهم، ~~وأشهد عليه بذلك، ولم يزل يسمى إبراهيم حتى صار إلى إبراهيم الإمام [3] ، ~~وليس يشك في شرى أبي سلمة ms163 أبا مسلم. ثم إن أبا سلمة أجلسه في الصرف فرأى ~~منه ذكاء فيه وحسن معرفة، ثم أشرك بينه وبين موسى السراج، وموسى من كبراء ~~الشيعة، فقعد معه في السراجين، فأبصر عملهم وتزيد في حسن النية في الدعوة، ~~فصحب موسى وشخص معه إلى آمد وحران [4] . فزعمت بنو مسلية أن أبا سلمة لما ~~رأى رسوخه في الدعوة أعتقه ووجهه إلى إبراهيم في بعض أموره، فلما كلمه ~~إبراهيم قال له: من أنت؟ # فخبره أن أبا سلمة اشتراه، فصرفه إلى أبي سلمة. ثم قدم أبو سلمة على [128 ~~ب] إبراهيم ومعه ألطاف وهدايا إليه من خراسان فرأى [5] أبا مسلم فقال له ~~إبراهيم: من هذا الغلام؟ قال: غلام كنت ابتعته وحسنت نيته في الدعوة، ~~PageV01P266 # فأعتقته، فقال إبراهيم: استوصوا به خيرا فإنه مخيل للخير. قال أبو سلمة ~~[1] : إن الذي دعاني إليه أن أخا لنا من الشيعة أخبرني أن إدريس بن معقل ~~الأصبهان قال له [وأشار إلى أبي مسلم] [2] : إن هذا الذي ترى قال لي وهو ~~يومئذ غلام حدث: [أني] [2] رأيت [في النوم] [2] كأن الناس جمعوا لي في ~~صحراء، وأتي بمنبر فصعدته وجعلت آمر فيهم وأنهم. وأخبرني هو أنه رأى كأن ~~بني أمية جمعوا له فذبحوا في طست فشرب من دمائهم حتى روي، وسقى من كان معه ~~ما فضل من دمائهم. وانصرف أبو سلمة وقد أمره إبراهيم أن يأتي خراسان فمضى ~~إليها. ### || خروج أبي سلمة إلى خراسان وأبي مسلم معه # قال: فمضى إلى خراسان وأبو مسلم معه خادما له، فعدل إلى جرجان، ونزل بأبي ~~عامر، ولقيته الشيعة بها، فأمرهم بالاستعداد، وقال لهم: # قد حضر أمركم فأعدوا واستعدوا، فإذا دخلت سنة ثلاثين ومائة فأظهروا ~~دعوتكم وسودوا ثيابكم واشحذوا أسلحتكم ولا تنقلبوا إلى ظهور قبل ذلك إلا أن ~~يضطركم أمر فتذبوا [3] له عن أنفسكم، ودفع إليهم كتابا [129 أ] من إبراهيم ~~يبشرهم فيه بعلو كلمتهم ونصر الله إياهم، ويأمرهم فيه بالاجتماع والاستعداد ~~إلى الوقت الذي وقته لهم. ثم شخص إلى مرو، ومر PageV01P267 # على نسا [1] فلقي من بها من الشيعة ms164 فأمرهم بالاستعداد، ثم أتى أبيورد ~~فأمر من بها من الشيعة بمثل ذلك، ثم نفذ إلى مرو، وأهلها على ما كانوا عليه ~~في خنادقهم على العصبية، فلقيته الشيعة وقد كثروا وأظهروا بعض كلامهم، ورغب ~~كثير من الناس في دعوتهم، ورهبهم من [2] كان يخالف عليهم فأمرهم بالجد ثم ~~قال لهم: تأهبوا وتهيئوا إلى رأس الثلاثين ومائة، ولا تظهروا شيئا إلا أن ~~تضطروا، فإن اضطررتم فائتلفوا واجتمعوا، وادفعوا عن أنفسكم إلى الوقت الذي ~~وقت لكم إن شاء الله. وانصرف، ووكل بالشيعة سليمان بن كثير، وبعث أبا مسلم ~~إلى بلخ فلقي زياد بن صالح ومن بها من دعاته ثم انصرف إليه، فشخص أبو سلمة ~~منصرفا إلى العراق، فقدم الكوفة وقد غلب عليها الضحاك بن قيس الحروري، ولم ~~يلبث أن قدم عليه إبراهيم ابن سلمة رسولا لإبراهيم الإمام يأمره بالشخوص ~~إليه فتهيأ لذلك، ثم شخص ومعه أبو مسلم، وقد حمل مالا من خراسان فدفعه إلى ~~إبراهيم. # وجعل أبو مسلم يتردد في إيصال المال، فازداد إبراهيم به إعجابا فقال: # يا أبا سلمة فتاك [129 ب] هذا قد أعجبني، فتجاف لنا عنه. فقال: نحن وما ~~نملك لك، فشأنك به، ولقل من علم بعتقي له، وهو يصلح لما تريد في نيته في ~~مودتكم، وهو يعقل، فلقل شيء كنت أوجهه فيه إلا رأيت منه ما أحب، وقد عرفته ~~الشيعة وعرفهم [3] . قال: فقبله إبراهيم وأكرمه وألزمه خدمته أيام أبو سلمة ~~مقيم عنده، وقال له: تغير اسمك، قال: # كنت أسمى بعبد الرحمن وأكنى بأبي مسلم، قال: فذاك اسمك وكنيتك. ~~PageV01P268 # فذكر محمد بن إبراهيم بن عبد الله بن معبد بن عباس قال: شهدت إبراهيم حيث ~~أعتق أبا مسلم. # وانصرف أبو سلمة، وتابع بالكتب إلى سليمان بن كثير وأصحابه بخراسان في ~~الاستعداد والإكماش [1] ، واختلف أبو مسلم في ذلك مرة بعد أخرى، ثم إن ~~إبراهيم وجهه إلى خراسان، فكتب معه إلى شيعته كتابا نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم صدق وعد الله لأوليائه، وحقت كلمة الله على ~~أعدائه، ولا تبديل لكلمات الله، ولن يخلف الله ms165 الميعاد. إن تستفتحوا فقد ~~جاءكم الفتح، فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين [2] . ~~أما بعد، فأعدوا لأعداء الله النيات فإنها سيوف لا تفل، وأعدوا لأعداء الله ~~البصائر فإنها جنن يقيكم الله بها بأسهم، واستشعروا [130 أ] الطاعة فإنها ~~سهام لا تطيش، واعلموا أن بحسب السلامة في النيات تكون السلامة في الأبدان ~~من نكبات الظالمين، وعلى قدر الزيادة في البصائر يزيد الله أهلها في الأيد ~~والبطش، فاستبصروا اليقين، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين. أما بعد، فقد ~~وجهت إليكم مجد الدهر عبد الرحمن بن مسلم مولاي، فألقوا إليه أزمة أموركم، ~~وحملوه أعباء الورد لها والصدر في محاربة عدوكم، وعاهدوا الله على الطاعة، ~~وكونوا بحبله معتصمين، وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ~~ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليمكنن لهم دينهم الذي ~~ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا، يعبدونني 24: 55 PageV01P269 # لا يشركون بي شيئا، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون 24: 55 [1] . # وأمر إبراهيم أبا مسلم بمكاتبة أبي سلمة، وأمر أبا سلمة بالمقام بالكوفة، ~~وجعل إبراهيم إلى أبي مسلم إن هو ظهر ولاية خراسان وسجستان وكرمان وجرجان ~~وقومس والري وأصبهان وهمدان، وجعل ولاية أبي سلمة ما دون عقبة همدان من أرض ~~العراق فالجزيرة فالشام. فشخص أبو مسلم حتى دخل مرو في سنة تسع وعشرين ~~ومائة، فنزل على أبي النجم واجتمع النقباء ورجال الشيعة في منزل سليمان ~~[130 ب] بن كثير، فأتاهم أبو مسلم فوضع كتاب إبراهيم نصب أعينهم وقال: هذا ~~كتاب إمامكم ومولاكم. فقال سليمان ابن كثير: أحسبك والله قد جئت بها دويهية ~~[2] صماء، يا أبا منصور [3] ! افضض الخاتم واقرأ علينا كتاب إمامنا، وكان ~~أبو منصور طلحة [4] بن زريق هو الذي يتولى قراءة كتب الإمام على الشيعة ~~ويكتب الجواب بخطه. فقرأ أبو منصور الكتاب، فقال سليمان: صلينا بمكروه هذا ~~الأمر، واستشعرنا الخوف، واكتحلنا السهر حتى قطعت فيه الأيدي والأرجل، ~~وبريت فيه الألسن حزا بالشفار، وسملت الأعين [5] ، وابتلينا بأنواع ~~المثلات، وكان الضرب والحبس في السجون من أيسر ms166 ما نزل بنا، فلما تنسمنا روح ~~الحياة، وانفسحت [6] أبصارنا، وأينعت ثمار غراسنا طرأ علينا هذا المجهول ~~الذي لا PageV01P270 # يدرى [1] أية [2] بيضة تفلقت عن رأسه ولا من أي عش درج، والله لقد عرفت ~~الدعوة من قبل أن يخلق هذا في بطن أمه. اكتب يا أبا منصور بما تسمع [3] إلى ~~الإمام، فقال أبو منصور: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير، أنا ~~والله أول من سلم لأمر الإمام وسمع وأطاع. وتكلم أبو داود خالد بن إبراهيم ~~وغيره ممن حضر فقالوا لسليمان: يا أبا محمد! إن كنت مؤتما بطاعة إمامك ~~فقلده شرائع الدين، [131 أ] واسمع له وأطع فيما وافقك أو خالف هواك. ومد ~~أبو مسلم يده إلى كتاب إبراهيم ليأخذه. ### || حديث سليمان بن كثير مع أبي مسلم # ولما مد أبو مسلم يده إلى كتاب إبراهيم ليأخذه حذفه سليمان بن كثير ~~بالدواة فشجه [4] ، فسال الدم على وجهه، وقذفه بشير بن كثير أخو سليمان. # فقام أبو مسلم عن المجلس وهو يقول: أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد ~~جاءكم بالبينات من إمامكم [5] ؟ ونهض مع أبي مسلم من المجلس ناجية ابن ~~أثيلة الباهلي ومحمد بن علوان المروزي فجعلا يغسلان الدم عن وجهه وهو ~~PageV01P271 # يقول: لكل نبإ مستقر وسوف تعلمون 6: 67 [1] ، وشق محمد بن علوان من أسفل ~~ثيابه عصابة فعصب بها رأس أبي مسلم. وافترق القوم عن مجلسهم مختلفين، فكانت ~~النقباء تحب أن تضع من أبهة سليمان بن كثير، وكان أن يترأس عليهم أجنبي ليس ~~منهم أروح عليهم وأوفق لهم، فاجتمعت الكلمة من الشيعة على ترئيس أبي مسلم، ~~وخذلوا سليمان بن كثير، وأفردوه. # ومضى أبو مسلم من مجلسه ذلك حتى نزل منزل أبي داود في قريته من ربع خرقان ~~[2] ، واجتمعت إليه النقباء والشيعة فبايعوه [3] ورأسوه، واضطر سليمان إلى ~~اتباع إخوانه [131 ب] وأصحابه فسمع وأطاع لأبي مسلم على الكره منه، ~~واستقامت لأبي مسلم طاعة الشيعة بخراسان وانقادوا له. ثم إن أبا مسلم راجع ~~سليمان بن كثير وأعلمه بما أتاه وأقرأه ما كتب به إليه، وكان فيما كتب ms167 به ~~إليه: إن قبل سليمان بن كثير القيام بأمر الدعوة ونصب نفسه لذلك فسلم له، ~~وإن كره قبول القيام فلا [4] تعصين لسليمان أمرا، وقدمه في جميع ما تدبرون. ~~فلما قرأ سليمان ذلك قال: إني والله ما كرهت القيام ألا أكون أضعف الناس ~~فيه نية، ولكني أخاف اختلاف أصحابي ونحن نداري ما نداري، وأنا يدك وصاحبك ~~الذي لا يخذلك ولا يغشك ما لم تخالفنا وتعمل ما يوهن أمرنا، قال أبو مسلم: ~~أحسن بي الظن فلأنا أطوع لك من يمينك. # قال: فشأنك، ابعث إلى الدعاة بخراسان فيما حولك فيأتيك من قدر على ذلك، ~~واكتب إلى من في الكور فليتأهبوا ويستعدوا. فبث أبو مسلم الرسل PageV01P272 # فيما يلي مرو، وكتب إلى من في الكور يأمرهم بالاستعداد للمحرم سنة ثلاثين ~~ومائة، فإن نازعهم أحد أظهروا أمرهم وحاربوا من حاربهم. وبعث سليمان إلى ~~رؤساء الشيعة، وسليمان يومئذ صاحبهم والمنظور إليه منهم، فخبرهم بما كتب ~~إلى أبي مسلم، وإن الرأي ما أمروا به من نصبه لأمرهم وقال لهم ننصبه وندبر ~~[132 أ] الأمر له، فذاك أرهب عند عدونا وأشد لهيبتهم له وإعظامهم أمره، ~~فاتسقوا واتفقوا على ذلك. ### || ظهور أبي مسلم بخراسان # فلما ارتضوا بأبي مسلم قال سليمان: انظروا في الموضع الذي تبتدئون بإظهار ~~أمركم فيه. فقال أبو النجم وعدة وافقوه على رأيه: نرى أن يكون أول ظهور ~~أمرنا بخوارزم، فإنها بلاد منقطعة عن نصر، فإلى أن يرسل إلينا عسكره يكون ~~قد تسامع بنا إخواننا فيأتونا ويكثر جمعنا فنقوى على من يأتينا. قال موسى ~~بن كعب ولاهز: مروالروذ فإنها متوسطة بين مرو وبلخ، وقال مالك بن الهيثم ~~والعلاء بن حريث وطلحة بن زريق: فإن بها خلقا كثيرا من إخواننا، وبها ~~السلطان قد وهن أمره، وبمن نقاتله يقوينا عليه ويقوى بنا عليه، ومتى يقو ~~بها أمرنا يقو في غيرها. فبلغنا أن أبا مسلم قال لسليمان ابن كثير: ما تقول ~~يا أبا محمد؟ قال: ما أرى إلا كما قال، فإن قوتنا بها أعظم وعدونا أضعف، ~~وكامل ساكت، قال أبو مسلم: ms168 ما تقول يا أبا صالح؟ قال: إذا اجتث الأصل فلا ~~بقاء للفرع، إذا [1] ظهرتم بغير مرو PageV01P273 # تفرغ لكم سلطانكم وساعده عدوه عليكم. فقال أبو مسلم: قلت الحق يا أبا ~~صالح والرأي أن نظهر بمرو، فأطبقوا [132 ب] على ذلك ورضوا به [1] . # وأمرهم أبو مسلم بلقاء إخوانهم والبعثة إليهم ليجتمعوا ويقيموا بموضعهم ~~إلى دخول المحرم. وكان الذي دعا أبا مسلم ودعا سليمان إلى الاجتماع أنه ~~بلغهم أن نصرا قد أجمع على البعثة إليهم والتقاطهم قبل خروجهم، وكان الذي ~~أشار عليه بذلك سلم بن أحوز فقال له: بادر القوم وهم متفرقون تقو عليهم ~~بجماعتك قبل أن يتألفوا فترومهم فيمتنعوا عليك. فتفرقت الدعاة الذين حضروا ~~رأي أبي مسلم، فلقيت الشيعة، وبعثت الرسل إليهم ليجتمعوا، فأقبل الناس ~~إليهم وأبو مسلم بشنفير [2] ، قرية سليمان بن كثير، وقد تأشب إليه طوائف من ~~قصور اليقازم [3] ، منهم علقمة بن حكيم والعلاء بن سالم [4] في زهاء سبع ~~مائة رجل، وهم متفرقون في قصور خزاعة، وعظمهم بشنفير. وكان أول من وافى أبا ~~مسلم رجال خزاعة لقربهم منه، فانضم إليه منهم خمسة وعشرون رجلا، ومن طي ستة ~~رجال ومن تميم اثنا عشر رجلا ومن النقباء والشيعة أحد وثلاثون رجلا، ~~وتسامعت الشيعة بالخبر فأقبلت إليه من كل وجه من رساتيق مرو، وتحدث الناس ~~باجتماعهم فكثر سوادهم عند أبي مسلم. وكان أول PageV01P274 # من أتى أبا مسلم في السواد حية بن عبد الله المرئي [1] ، فقال له أبو ~~مسلم: أنت أول من أتانا في السواد [133 أ] فلك أول صافية نستصفيها [2] ، ~~فكان أول ما [3] استصفى قصر نصر بن سيار الذي على باب دروازق سرخس فأقطعه ~~حية، فهو اليوم يعرف بقصر حية. # وبلغ نصر بن سيار اجتماع الشيعة وهو مشتغل بمحاربة علي بن الكرماني، فجمع ~~ثقاته فشاورهم فيما بلغه عن أهل الدعوة، فأجمع رأيهم على أن يبعث إلى قرى ~~خزاعة ومن لجأ إليها من أهل الدعوة فيبيتهم ويأخذ رجالهم ورؤساءهم قبل أن ~~يتفاقم أمرهم، فقال لهم سلم بن أحوز: كان هذا الرأي يوم أشرت عليكم أقوى، ms169 ~~ولم يفتكم بعد. فلما اتسقوا على ذلك قال لهم عقيل بن معقل: إن فعلتم ذلك ~~خالفتكم أحياء اليمن ورأوا أنكم تريدون هضمهم وإذلالهم بدخولكم عليهم في ~~منازلهم، ولا آمن أن يدعوهم ذلك إلى أن يدخلوا فيما دخل فيه القوم، ويسودوا ~~كما سودوا، ولكني أرى أن تناظرهم وتبعث إليهم، فإن سهلوا لكم الإقدام عليهم ~~أقدمتم عليهم، وإن منعوكم عملتم على قدر ذلك، وما أهون شوكة هؤلاء إن كفت ~~عنهم اليمن وربيعة. # فبلغنا أن عاصم بن عمير السمرقندي قال لهم: لا يجيبكم والله ابن الكرماني ~~إلى إسلامهم، والحيلة بينكم وبينهم أبدا، فانقضى المجلس على ذلك ولم يبرموا ~~فيه رأيا. وبلغ ما كان من ناحيتهم فيما [133 ب] أرادوا به أبا مسلم ومن ~~معه، فلقي سليمان بن كثير فشاوره في ذلك، فقال: أرى أن تبادر القوم قبل أن ~~يبادروك، وتكاثرهم قبل أن يكاثروك، فإن أيسر مالك عند ابني PageV01P275 # الكرماني أن يكفا عنك ولا يعينا عليك، ولعلهما سيميلان إليك أن لطفت ~~لهما، واجمع إخواننا فإنه لا يستقيم الإقدام على منافرة القوم إلا بعد ~~مناظرتهم في ذلك، فبعث إليهم فاجتمعوا فخبرهم بما انتهى إليه عن نصر، وما ~~رأى من المبادرة بالظهور قبل استحكام مكيدة عليهم، فوافقه القوم على ذلك، ~~ونشطوا له، واتعدوا لإظهار أمرهم يوم الفطر من سنة تسع وعشرين ومائة، ~~فاستعد القوم لذلك. وإنهم كذلك إذ خرج الحسن بن يزيد العنبري رأس بني تميم ~~إلى جوسق له بقرية خرق [1] ومعه يعقوب الأعسر في خيل بني تميم، فجلس على ~~دكان له حتى أظلم الليل، وأمر بنار فأججت فسطع شهابها وأصحابه جلوس معه، ~~فرأى ذلك أهل شنفير فظنوا أنها نار رفعها الحسن لموعد بينه وبين بني تميم ~~يجتمعون لها، فأمر أبو مسلم فرفعت من الموضع الذي كان فيه بشنفير نار، ~~فاجتمع إليهم من كان في قرى خزاعة وغيرها ممن عرف أمرهم ومن لم يعرفه، فأما ~~من عرفه فلدعوتهم، وأما من لم يعرفه فاجتمعوا لمنع أبي مسلم [134 أ] إذ حل ~~بينهم وفي جوارهم، والدفع عن حرمتهم. ms170 وبعث سليمان من تعرف لهم قصة النار ~~وسبب رفعها، فانصرف رسوله فخبره أنها نار أججت ليصطلوا بها ويستضيئوا بها، ~~وليست لشيء مما ظنوا. وأصبحوا على ذلك، فلما تيقنوا الخبر أرادوا التفرق ~~والكف لما كانوا وقتوا وواعدوا عليه إخوانهم من الظهور في يوم الفطر، فقال ~~لهم كامل بن المظفر: إن ما كان مستترا من أمرهم قد انكشف بما كان منكم في ~~هذه الليلة، ولا ينتصف النهار حتى يشيع ذلك، ويبلغ نصرا وغير نصر وتسير به ~~الركبان، فأنتم الآن من أهم الأمور إلى نصر وأعظمها بلية عليه في نفسه ولم ~~يأل [2] عن قمعكم فإن تفرقتم انتهز ذلك منكم PageV01P276 # وركبكم على تفرقكم، وكنتم له نهزة الخاطف، وإن ثبتم على اجتماعكم هاب ~~القوم الإقدام عليكم ونزع إليكم أهل رأيكم وغيرهم ممن يسعى على نصر بما ~~يكره، وإني لأرجو أن يكون ما قضى الله من اجتماعكم شيئا قويا لعزكم وقوتكم. ~~وقال سليمان بن كثير: صدق والله أبو صالح، والله ما تفرق قوم بعد اجتماعهم ~~إلا ذلوا وأكلوا، وقد رأيتم عند هذه الفزعة ما سركم من الكثرة والقوة، فقال ~~أبو مسلم: الرأي والله يا أبا محمد ما رأيتما، واتفق القوم على [134 ب] ~~ذلك، فلما أصبحوا، وذلك يوم الخميس لخمس بقين من شهر رمضان سنة تسع وعشرين ~~ومائة عسكر بهم أبو مسلم في حائط حصين لسليمان، وفشا خبرهم فأقبلت الشيعة ~~من كل وجه. وقدمت الدعاة بمن [1] أجابهم من إخوانهم فلم يمسوا يومهم ذلك ~~حتى صاروا نحوا من الفين، وصبحهم من الغد مثلهم، وتتابع الناس إليهم، ~~فأتاهم عيسى بن شبل [2] وأبو الوضاح وأبو قرة في نحو من ألف رجل، فأفطروا ~~وقد كثر جمعهم، وسودوا ثيابهم، ونصبوا أعلامهم، ونشروا راياتهم، فصلى بهم ~~سليمان بن كثير يوم العيد، وهي أول جماعة كانت لأهل الدعوة. # فبينما هم على ذلك إذ قدم على أبي مسلم كتاب من أبي سلمة: متى ظهرت فلا ~~تعدلن بأن تخندق على نفسك ومن معك فإن ذلك رأي الإمام، وفيه عزك، وسينزع ~~إليك أعداء نصر ومن حاربه ms171 ليتعززوا بك، ودافع الحرب ما استطعت، وقدم وأخر، ~~ولا توحش نصرا منك إلى دخول المحرم. فأقام أبو مسلم بمعسكره اثنين وأربعين ~~يوما، وبعث عمرو بن أعين وأبا داود إلى طخارستان [3] لما أمر من بها من ~~الشيعة بالاستعداد إلى أن PageV01P277 # يأتيهم رأيه فإن بسط أحد إليهم يده بمكروه امتنعوا وقاتلوا. وأتاه على ~~بقية ذلك كتاب أسيد يخبره بما سار إليه [135 أ] من محاربة عاصم بن قيس ~~بنسا، فوجه إليهم موسى بن كعب ليقوم بمحاربة من بنسا وأعدائهم، ويذب عن ~~الشيعة، ووجه النضر بن صبح إلى مروالروذ في مثل ذلك. وقد توجه العلاء بن ~~حريث قبل ذلك، حيث أجمع رأيهم على أن يعسكر بشنفير ويوجه إلى نواحيه التي ~~كان يدعو فيها من خوارزم وآمل [1] ومن بخارى [2] والسغد، وكتب إليه أبو ~~مسلم بالعمل فيما يليه بما يرى، ويتوقى أن يناجز عدوه إلى دخول المحرم. ~~وأتاه ظهور أهل الطالقان قبل قدوم أبي داود وعمرو بن أعين عليهم، فزاد ذلك ~~في قوته، وكان ظهور أهل نسا والطالقان ومروالروذ وآمل ونواحيها قريبا [3] ~~بعضه من بعض. # ثم إن سليمان بن كثير وعدة ممن كان يغزو مغازي خراسان وصحت تجاربه في ~~الحرب تناظروا فيما بينهم فرأوا أن يخندقوا على أنفسهم، ولقوا أبا مسلم ~~فأشاروا عليه بذلك، فقال لهم: هو الرأي وقد أمرنا به. فركب سليمان بن كثير ~~وأبو مسلم فارتادا موضع خندق بشنفير، فلم يجدا [4] موضعا أوفق لهما من ~~الماخوان [5]- قرية خالد بن عثمان بن مسعود- فخندق أبو مسلم بها خندقا ~~حصينا وتحول إليه يوم الخميس لثماني ليال خلون من ذي PageV01P278 # القعدة. وأمر محرز بن إبراهيم- وكان عظيم القدر في الدعوة، شديد الاجتهاد ~~في [135 ب] الدعاء إليها، مشهورا بذلك- أن يعسكر بقرية يقال لها جيرنج [1] ~~بأعلى مرو وفيما يلي طريق مروالروذ وتلك الكور ليأمن بمكانه من يأتيه من ~~أهل تلك الناحية ويكون ممن بمرو رسله عليه، فلم يزل محرز هناك مقيما في نحو ~~من ألف رجل حتى دخل أبو مسلم الحائط بمرو، وغلب عليها وعسكر بباب سرخس، ~~فانضم إليه ms172 محرز عند ذلك. ولما تحول إلى خندق الماخوان تحول وقد كثر جمعهم، ~~وأبو صالح يدبر الأمور ويلي أمر مكائدهم ويكتب كتبهم، وإليه تجتمع الأموال ~~والغنائم وقسمتها، وإليه إعطاء الجند، وهو صاحب سرهم. وقد ذكروا أن أسلم بن ~~صبيح كان على الرسائل، فاجتمعوا يوما لينظروا في شيء من أمورهم فأرادوا أن ~~يرسلوا في شيء اتفقوا عليه فلم يجدوا بحضرتهم أحدا، فقال سليمان بن كثير: ~~هذا وهن، أرى أن ننتخب عدة رجال يكونون حرسا أو أشباه حرس، يحفظون أبا ~~مسلم، فإن احتجنا إلى من نرسله أو نوجهه في بعض أمورنا تناولنا ذلك منهم، ~~وكانوا حفظة لما يرد علينا من الأموال والغنائم، وننتخب رجلا يقوم بأمر ~~عسكرنا يذب عنه ويحكم بين أهله وينفي أهل الريب منه. فقبلوا ذلك منه [2] ~~واتفقوا عليه، فرأوا أن ولوا [3] أبا نصر مالك بن الهيثم أمر العسكر [136 ~~أ] كهيئة صاحب الشرط، وجعلوا نصر بن مالك خليفته يسير بين يدي أبي مسلم إذا ~~PageV01P279 # ركب، وولوا الحرس أبا إسحاق خالد بن عثمان، وولوا القاسم [1] بن مجاشع ~~القضاء، فكان يصلي بأبي مسلم ومن معه طول مقامه بالخندق ويقص [2] بعد العصر ~~ويذكر جور بني أمية ومعايبهم وفضل بني هاشم وحقهم، وانتخبوا سبعين رجلا، ~~فكانوا في ذلك حتى قدم على أبي مسلم عمرو بن أعين في أهل الطالقان فكثرت ~~جماعته فزاد في حرسه وصير منهم أهل النجدة والقوة وأهل البصائر، فلم يزالوا ~~على ذلك حتى كان من أمره ما كان. وركب أبو مسلم ذات يوم ومعه سليمان بن ~~كثير وكامل وأبو إسحاق ولاهز والقاسم ابن مجاشع، فخرج من الخندق، فسار ~~قليلا ثم وقف، فبينا هو واقف إذ أقبل رجل بيده عصا يريد الخندق، فسار قليلا ~~ثم وقف، فلما نظر إليه أبو مسلم دعاه، فقال: من أنت؟ وما تريد؟ قال: أنا ~~غلام لعاصم بن عمرو السمرقندي، جئتكم راغبا في دعوتكم. فقال له أبو مسلم: ~~أمسلم أنت؟ # قال: نعم. قال: اتبعنا إلى الخندق. ورجع إلى الخندق فجمع رؤساء الشيعة ~~ووجوههم يومئذ، فقال: إن الله جعل ms173 دعوتكم [3] أمنا وعزا لمن لجأ إليها، فمن ~~دخلها من حر أو عبد فقد وجب حقه عليكم إذ صارت يده مع أيديكم وصحت حرمته ~~[136 ب] وإن هذا الرجل ذكر أنه عبد لعاصم، أقبل إليكم ناصرا لكم، راغبا في ~~دعوتكم، فقد وجب حقه بذلك عليكم، وقد أعتقه الله الذي هو أولى به من عاصم، ~~وأيما عبد أتانا راغبا في أمرنا قبلناه، وكان له ما لنا وعليه ما علينا، ~~فصوب من حضره رأيه في ذلك. PageV01P280 # ووافقهم نزوع [1] العبيد من عسكر عدوهم، وانتشر ذلك وتحدث به بمرو في ~~عسكر نصر وعلي بن الكرماني. وكان مصعب بن قيس داعية العبيد، لم يكن يدعو ~~غيرهم، وأقبلت العبيد تأتي أبا مسلم وتنزع إليه، فلما كثروا صير لهم موضعا ~~في خندقه على حدة، وولى عليهم داود بن كراز [2] . وجعل الرجل بعد الرجل ~~يأتي أبا مسلم فيقول: غلامي هرب إليك، فلما رأى كثرة من يأتيه منهم وشكواهم ~~من مواليهم أمر فنودي أن الأمير يأمركم أن ترجعوا إلى مواليكم، فأتاه ~~قائدهم أبو سعيد، وقالوا أبو شراحيل، فقال: # إن المنادي نادى بأن ترجع العبيد إلى مواليهم، وكيف يرجعون إليهم وقد ~~خالفوهم وأسخطوهم في حب آل محمد، قال الله عز وجل: النبي أولى بالمؤمنين من ~~أنفسهم 33: 6 [3] ، فرجعوا إلى خندقهم، ولما كثر عليه في أمرهم وجههم إلى ~~موسى بن كعب [4] ، فكانوا أول جند أمد به أهل أبيورد ونسا. # فما زال عسكره يزداد بكل وجه ويقوى وتجيئه الناس وقد كف [137 أ] عن ~~القتال وفتح الله عليه كثيرا من البلاد بالصبر والدعاء والمداراة خمسة ~~أشهر، لم يقاتل فيها. فلما أهل بهلال المحرم من سنة ثلاثين ومائة وهو في ~~نحو من عشر آلاف رجل، كان [5] ما ظهر من أمر الدعوة أثقل على نصر بن سيار ~~من حرب علي وشيبان. فبلغنا أنه بعث إلى أبي مسلم رجلا من بني ليث ورجلا من ~~باهلة يسألانه عن حاله ودعوته وسبب خروجه، فبعث أبو مسلم إلى سليمان بن ~~كثير ووجوه من معه، فلما حضروه قال لهم: إن ms174 هذين PageV01P281 # أتياني برسالة نصر، فكرهت أن أسمع منهما أو أجيبهما بشيء حتى تحضروا ذلك. ~~وقد حضرهم وقت الصلاة، فأذن المؤذن، فقام أسلم [1] بن أبي سلام فقال له أبو ~~مسلم: أين؟ قال: أتوضأ وأعود، فقال لرسولي [2] نصر: ونحن نريد ذلك، فإن ~~شئتما فأقيما حتى نفرغ من أمر صلاتنا، وإن كانت بكما حاجة إلى الوضوء ~~فامضيا مع أسلم حتى تقضيا حاجتكما ثم تنصرفا [3] معه، ونتفرغ فيما جئتما ~~له. فنهضا مع أسلم إلى منزله، فقال أحدهما: والله ما كنا نحسبكم تصلون، ~~فقال أسلم: ومن يقيم الصلاة لحقها غيرنا؟ # ألستما تعرفانني قبل اليوم؟ قالا: بلى. قال: أفتريانني كنت خارجا من ~~الإيمان داخلا في الكفر؟ لا تغترا بأقاويل من يشنع علينا فو الله إن أصبح ~~الحق في شيء من المواطن يدار به إلا في موضعنا هذا الذي نحن فيه [137 ب] ~~فلا تغبنا حظكما منه. فتوضأ ودعا لهما بوضوء فتوضيا وصليا، ثم دعوا بهما ~~إلى أبي مسلم فدخلا عليه وهو يصلي، فكبرا وجلسا، ونظر أحدهما إلى سنور ~~يتردد في البيت فكبر. فلما فرغ أبو مسلم من صلاته قال لهما: # لم كبرتما؟ قال أحدهما: كان يقال لنا إنكم لا تصلون وإنكم تعبدون ~~السنانير، فلما رأيناك تصلي ورأينا السنور [مهينا لديكم] [4] علمنا أن ما ~~قيل فيكم باطل. فلما تتام إلى أبي مسلم وجوه أصحابه قال لرسولي نصر: # قولا ما أحببتما. قالا: ونحن آمنان؟ قال: نعم. فقالا له: من أنت؟ فهو أول ~~ما أمرنا به أن نسألك عنه. فقال: أنا عبد الرحمن بن مسلم. فقالا له: # فما دعوتك؟ فقال: إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى ~~PageV01P282 # الرضا من آل رسوله [1] . قالا له: فمن بعثك بهذا؟ قال: إمام قد افترضت ~~طاعته. قالا: فمن يعلم بذلك؟ قال جميع من بحضرته [2] : نحن نعلم ذلك. # فقالا: ومن أين علمتموه؟ قالوا: أتاه أكثر من يرى [3] ولقوة. قالا: ~~فدلونا عليه حتى نلقاه فإذا صح ما ذكرتم من أمره دخلنا [4] في مثل ما دخلتم ~~فيه، وكنا وأنتم يدا على من خالفنا. فقال ms175 أبو مسلم: إن أجبتمانا ووثقتما له ~~وأعطيتمانا ما نطمئن إليه منكما جمعنا بينكما وبينه [5] ، فأما أن ندلكما ~~على صاحبنا وأنتما مقيمان على باطلكما فلا. # وزعم أسلم بن صبيح قال: قالا له يومئذ ممن أنت؟ [138 أ] قال: أنا امرؤ ~~[6] من المسلمين لا أعتزي إلى قبيل دون قبيل، ولقد هلك أبي في غير بلده، ~~وجرت علي نعم لغير واحد، قد قال فيها قائلون، غير أن نسبي الإسلام، ونصري ~~لآل محمد، وإني لصحيح المركب فيمن [7] أنا فيه. # فانصرف رسولا نصر بذلك وقالا له: نظنك والله قد رميت بالداهية الكبرى، ~~فانظر لنفسك أو دع. PageV01P283 ### || مراسلة نصر بن سيار أبا مسلم # قال نصر: عودا إليه وامض معهما يا حية، وكان حية رجلا يتأله، وربما ذكر ~~ووعظ، وقال لهم نصر: حاجوه واذكروا أمر العبيد وما صنع بمواليهم، وما صنع ~~أصحابه بنسا وغيرها، وما يقول في اختصاصه أهل اليمن. فعادوا إليه، فبدأ حية ~~فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه وذكره وعظم عليه ما صنع في العبيد، وما كان من ~~إيقاع إخوانه بنسا وغيرها والطالقان ومروالروذ وآمل، فلما فرغ من كلامه حمد ~~الله أبو مسلم [1] وكان نزر الكلام، وقال: أما العبيد فلسنا نكره أحدا ~~منهم، فمن أراد مولاه فشأنه، وإن أنفذتم أحكامنا حكمنا بينهم وبين مواليهم ~~بالحق [2] ، وأما أهل نسا وطالقان وآمل فإن الذي كان منهم لم يكن عن رأينا ~~ولا بأمرنا ولكنهم أمة أريد ظلمهم وسفك دمائهم فامتنعوا فلا حجة عليهم. وقد ~~كان حية أجاب الدعوة ثم رجع، فقال [138 ب] له أبو مسلم: أليست بيعتنا في ~~عنقك؟ قال: كنت قد بايعتكم على كتاب الله وسنة نبيه. قال: فما أنكرت؟ قال: ~~في كتاب الله وسنة نبيه وسنة علي بن أبي طالب أن تأخذ عبيد أهل القبلة ~~فتغضبهم من مواليهم؟ فقال أبو مسلم: قد خبرتكم بحجتي في العبيد، أو لم أردد ~~على رجل منكم ثلاثة [3] من عبيده؟ فاتقوا الله فإنما ندعوكم إلى كتاب الله، ~~نحيي ما أحيا ونميت ما أمات. فقالوا له: قد بلغنا أنك تقول: إن صاحبك ms176 أمرك ~~أن تنزل في أهل اليمن وتتألف ربيعة وتحذر PageV01P284 # مضر، ففي كتاب الله هذا؟ أما تعلم أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان ~~رجلا من مضر؟ فقال لاهز: لكم في هذا قول، فنظر إليه أبو مسلم نظرا شديدا. ~~فقال سليمان بن كثير: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجوا ~~الله واليوم الآخر 33: 21 [1] ، اختص رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل ~~اليمن لطاعتهم وإيمانهم، وجانب قومه وأقربيه لكفرهم ومعصيتهم. # فقال أبو مسلم: نعم أمرني الإمام أن أنزل في أهل اليمن وأتألف ربيعة، ولا ~~أدع نصيبي من صالحي مضر وأحذر أكثرهم من أتباع بني أمية، وأجمع إلي العجم ~~واختصهم، وإنما الأعمال بخواتيمها، قال الله عز وجل: # ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ~~28: 5 [2] ، ومن أتانا من مضر [139 أ] ودخل في أمرنا وصحح لنا قبلناه ~~وحملناه على رءوسنا، ومن عاندنا استعنا الله عليه وكان الله حكما بيننا ~~وبينه. فرضي قوله من حضر من الشيعة، وانصرف رسل نصر إليه بما ثقل عليه، ~~وانتشر قول أبي مسلم وتحدث به، فسارعت الأعاجم وكثير من أهل اليمن وربيعة ~~إلى الدعوة من بين متدين بذلك أو طالب بذحل [3] أو موتور يرجو أن يدرك بها ~~ثأره، وأتاه عدة من ذوي البصائر من مضر. # ولما رأى سليمان وأبو مسلم إقبال الأمر عليهم جمعوا [4] وجوه الشيعة من ~~الدعاة والنقباء فتناظروا في أمرهم، فرأوا أن يبعثوا إلى الفريقين فيعرضوا ~~عليهم أمرهم، واتسقوا على ذلك، فقال أبو مسلم: قد أمرنا الإمام باختصاص ~~اليمن، فقال سليمان: إن عرضك أمرك على نصر لا يفسد عليك رأيك PageV01P285 # وما أمرت به في اليمن، وإرسالك إليه حجة لك عليه وفيه رضا من معك من مضر. ~~قال: فقبل أبو مسلم بذلك، وبعث إلى نصر يعرض عليه أمره عرض ترغيب فيه، ~~وأراه الميل إليه. وكان رسوله إليه لاهز بن قريظ [1] فلقي نصرا فكلمه ~~وأرغبه وأرهبه، فامتنع نصر ونفر من ذلك وقال للاهز: # بئس وافد العشيرة أنت! يدعوني ms177 صاحبك إلى أن يعزلني ويتقدمني والسلطان في ~~يدي والنعمة علي، لا ولا كرامة. فقال له لاهز: يقدمك، ويسمع ويطيع لك، ~~ويصلي [139 ب] خلفك وينفذ حكمك. فقال البحتري بن مجاهد- مولى شيبان- كاتب ~~نصر: خدع كخدع الصبيان. قال نصر: ما أفلح من غررتموه [2] ، فانصرف لاهز إلى ~~أبي مسلم فأخبره بما لقي منه [3] . # وذكروا أن أبا مسلم بعث إلى نصر وفدا، فيهم أبو الحكم عيسى بن أعين ~~والهيثم بن زياد الخزاعي وأبو البحتري عمر بن معبد الخزاعي، وكتب معهم إلى ~~نصر كتابا يدعوه فيه إلى الطاعة والدخول فيما دخل فيه أهل الدعوة، ويعلمه ~~أن هذه الرايات السود التي أظهرها هي التي لم يزل يسمع بها، ويحذره من أن ~~يكون من [4] صرعاها، وأنه قد وجه إليه فلانا وفلانا وفلانا، وليسمع منهم. ~~فأتى الوفد نصرا، فدفعوا إليه كتاب أبي مسلم، وعنده سلم بن أحوز المازني ~~ومنصور بن عمر بن أبي الخرقاء [5] السلمي وعقيل بن معقل الليثي ويحيى ابن ~~حصين الرقاشي وعبد الله بن حبيب الهجري والبحتري بن مجاهد، فقرأ نصر ~~الكتاب، ثم قال: ليتكلم متكلمكم. فقام أبو الحكم عيسى بن أعين، PageV01P286 # فحمد الله وأثنى عليه وصلى على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: أما ~~بعد فإنا قوم الله ربنا ومحمد صلى الله عليه وسلم نبينا، والكعبة البيت ~~الحرام قبلتنا، والرضا من آل محمد إمامنا، ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه ~~صلى الله عليه وسلم، وإحياء ما أحيا القرآن وإماتة ما أمات القرآن، [140 أ] ~~والرضا من آل محمد، يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ~~ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم. ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض ~~وليس له من دونه أولياء 46: 31- 32 [1] ، فإن فعلتم فحظكم أصبتم، لكم ما ~~لنا وعليكم ما علينا، وإن أبيتم وغلب عليكم الشقاء فنحن ندعوكم إلى ~~الموادعة، فلا نبدؤكم بحرب حتى نؤذنكم ولا تبدءونا بحرب حتى تؤذنوننا، ثم ~~جلس. فقام سلم بن أحوز فقال: أصلح الله الأمير ائذن لي في جوابه، فقال نصر: ~~اجلس. ms178 ثم قام ثانية فقال: ائذن لي في جوابه، فقال نصر: أجبه، ولا أراك ~~تجيبه بما ينفع. فقال سلم: أما ما دعوتنا إليه من أمركم هذا فلا حاجة لنا ~~فيه، وأما ما ذكرتم من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فما أنتم وذاك؟ ~~نحن أولى به منكم، نحن العرب وأبناء العرب، وأنتم علوج سفلة عبدة السنانير، ~~وأما الموادعة فإن شئتم وادعناكم على أن تكونوا معنا على هذا المزدي، وإلا ~~فلا شيء لكم عندنا إلا السيف. # ونظر منصور بن عمر إلى أبي الحكم فقال: من أي علوجنا أنت؟ فقال نصر: # أف لكم! ما أخوفني أن يصرعكم هذا القول والبغي. فقام أبو الحكم وصاحباه ~~وهم يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله، وحسبنا الله ونعم الوكيل. فلما ~~خرجوا قال نصر ليحيى بن الحصين: ما تقول أيها الشيخ؟ # قال: ما أرى بالموادعة بأسا. [140 ب] قال نصر: أجل والله ما أرى بها بأسا ~~PageV01P287 # إن تركنا هذا السفيه. ثم أطرق نصر مليا ثم قال: هذا والله رأي من تركه ~~ندم، والله ما زلنا نسمع بالرايات السود حتى رأيناها وابتلينا بها، وبالله ~~لو أني أعلم أني آمن [1] فيهم لأسرعت إليهم وكنت رجلا منهم، ولكن كيف لي ~~بذلك وأنا عندهم قاتل يحيى بن زيد وهم يبكون عليه ويندبون صباحا ومساء. # وبعث أبو مسلم أسلم بن أبي [2] سلام البجلي إلى علي بن الكرماني يعرض ~~عليه أمره ودعوته، ويعلمه أنه مؤمره على نفسه ومجاهد معه من خالفه، وأن ~~الإمام قد أمره بذلك. # وذكروا أن سليمان بن كثير لقي علي بن الكرماني يومئذ مع أسلم، فقال له: ~~قد سمعت أباك يوم وقع بينه وبين نصر ما وقع من التباعد يقول: # لهفي [3] على قائم يقوم من آل محمد، ولو أن راية ترفع، أين دعاة آل محمد، ~~فكان يتمنى ما أتاك الله به عفوا، وأقبلا عليه يحرضانه ويرغبانه ويقولان ~~له: تدرك ثأرك من نصر، فلم يزالا به حتى أجابهما إلى قبول الدعوة، فأخذا ~~بيعته وانصرفا. وبعث علي بن الكرماني أخاه عثمان ms179 إلى أبي مسلم يستوثق منه ~~ويؤكد عليه أن تكون يده مع يده حتى يستأصلا نصرا ومن معه. # وبلغ أبا مسلم إقبال عثمان بن الكرماني إليه فخرج من عسكره [141 أ] ~~متلقيا له [4] ، فالتقيا فيما بين العسكرين في منزل رجل من طي يقال له ابن ~~حكيم، وقالوا في منزل حميد بن الخطاب المهري، وأخذ أبو مسلم بيعة عثمان ومن ~~كان معه من قومه، واستوثق لنفسه ولعلي على أبي مسلم. وبلغنا أن أبا مسلم ~~قال لعثمان: تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وتجاهدون من خالفنا PageV01P288 # في دعوتنا وتناصحونا في قتال نصر وأشياع مروان، فقال عثمان: نعم قد كنا ~~على سبيل ضلال نناصح في قتال نصر وأعوانه، فكيف لا يكون ذلك منا على سبيل ~~خير وهدى وحق. وافترقا على ذلك، ولم يكشفا أمرهما، وتحدث بذلك، وانصرف أبو ~~مسلم إلى عسكره وعثمان إلى عسكر أخيه. # وبلغ نصر بن سيار إجابة علي أبا مسلم، ورأى تسارع الناس إليه ولحوق كثير ~~ممن في عسكره به، فأرسل إلى علي بن الكرماني: إن الحرب كانت بيننا على ~~الحمية، وقد كانت لبعضنا على بعض فيها بقية ترجع إلى ألفة العرب، وقد نجم ~~بين أظهرنا من همته استئصالنا جميعا، قد بلغك ما أوقع هؤلاء القوم بنسا ~~وطالقان [1] ومروالروذ وآمل وزم [2] ، وقلة إبقائهم على حرمة العرب، فهلم ~~فلتجتمع أيدينا عليهم فإذا حصدناهم عاودنا ما كنا فيه، أو حكمناك فأنفذنا ~~حكمك، ورضينا بذلك. وأرسل بذلك إليه جهم ابن مسعود والبحتري بن مجاهد، فقال ~~علي: عودا [141 ب] إليه فقولا له: # والله ما وفيت لي قبل اليوم، فكيف أثق بك اليوم، وإنما تدعوني إلى نفسك ~~وفل حدي عنك، والله لو قدرت أن أقاتلك بحرشان [3] الأرض فضلا عن إنسها ~~فعلت، وقد سنح لي من أمر هؤلاء شيء قد رجوت به صلاح أجلي ودرك قتلي قبلك، ~~فاله عما أخذت فيه، فليس لك عندي إلا السيف حتى يحكم الله بيني وبينك وهو ~~خير الحاكمين. # فأتياه بذلك، فبعث نصر إلى جبلة بن أبي دؤاد فقال له: إنما قد ms180 وقعنا في ~~أمر سيأتي على الأنفس والحريم، وقد لج فتاك هذا فأخبره أنه خدع، ~~PageV01P289 # وأنه سيندم على إجابة هذا الرجل ويطلب أن يستقبل من خطأه فلا يقدر على ~~ذلك. فأتى جبلة عليا فخبره بقول نصر، وخوفه وحذره، فأبى إلا مضيا على إجابة ~~أبي مسلم والجد معه في إظهار الدعوة، فانصرف إلى نصر فخبره بذلك. فلما رأى ~~نصر ذلك بعث إلى المتفقهين والمتنسكين ومن أقام على الدخول في شيء من ~~فتنتهم، فجمعهم فحمد الله وأثنى عليه وقال، إنكم كرهتم مشاهدتنا في حربنا ~~هذه وزعمتم أنها فتنة القاتل والمقتول فيها في النار، فلم نردد عليكم رأيكم ~~في ذلك، وهذا حدث قد ظهر بحضرتكم: # هذه المسودة وهي تدعو إلى غير ملتنا وقد أظهروا غير سنتنا، وليسوا من أهل ~~قبلتنا يعبدون السنانير ويعبدون [142 أ] الرءوس [1] ، علوج وأغتام [2] ~~وعبيد وسقاط العرب والموالي. فهلموا فلنتعاون على إطفاء نائرتهم [3] وقمع ~~ضلالتهم، ولكم أن نعمل بما في كتاب الله وسنة نبيه وسنة العمرين بعده. # قالوا: فأجابوه إلى مظاهرته على حرب أبي مسلم والجد معه في ذلك، وتلافي ~~[4] الناس به، وتداعى إليه كثير منهم، وبلغ ذلك أبا مسلم. ### || تدبير أبي مسلم ونصر في محاربة بعضهم بعضا # وبلغ ذلك أبا مسلم، فكبر عليه اجتماع أهل الدين والعوام على حربه مع نصر، ~~ولم يلق شيئا [5] من المكايد أعظم في نفسه منه، فاغتم بذلك، PageV01P290 # واهتمت الشيعة، وتلاقوا فيه، واجتمعوا له عند أبي مسلم فتناظروا فيه. # فزعم مزيد [1] بن شقيق قال: اجتمعنا لذلك عند أبي مسلم، فقال سليمان بن ~~كثير: إنما ينبغي لك أن تجمع إخوانك بعد إبرامك الرأي، فإذا أردت أن تصدره ~~عرضته عليهم فإن رأوا إنفاذه أنفذته. فقال أبو مسلم: الحق فيما قلت، ثم نهض ~~وأخذ بيد سليمان وخالد بن عثمان، ثم دعوا القاسم ابن مجاشع ثم دعوا أسلم بن ~~أبي سلام فتذاكروا عظيم ما رموا به من القراء وإجابتهم نصرا. قال أبو منصور ~~غالب بن سعد [2] : فلما شاورهم في ذلك قال له أسلم بن أبي سلام: عندي في ~~هذا ms181 شيء ليس يفسده عندي [3] إلا أني منفرد [4] بالرأي، وإن وافقتموني عليه ~~فهو الحزم وفيه القوة والخروج [142 ب] من غم ما أتانا من قبل هذا الفاجر إن ~~شاء الله. قال أبو مسلم: هات، فرب هنة فرجتها برأيك. قال: أرى أن تبكر ~~بالغداة فتجمع أهل خندقك، ثم تخبرهم أنك أمرت بدعاء الناس كافة إلى كتاب ~~الله عز وجل وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم وإلى الرضا من آل رسول الله صلى ~~الله عليه وسلم، والعمل بالحق والعدل [5] ، وإن من تابعك على ذلك فله ما لك ~~وعليه ما عليك، ومن أنكر ذلك جاهدته في الله حق جهاده، ثم تبدأ بنفسك ~~وتبايع على ذلك، ثم تدعو بوجوه إخوانك فتأخذ عليهم البيعة بمثله، ثم تدعو ~~جماعة الناس فتبايعهم حتى لا يبقى أحد من أهل الخندق إلا بايع. فبلغنا أن ~~خالد بن عثمان قال: هذا والله الرأي، وقال له سليمان: الثقة فيما رأيت، ~~وقال أبو صالح والقاسم بن مجاشع: نعم الرأي هذا. قال أبو مسلم: المؤمن ~~موفق، PageV01P291 # الرأي ما رأيتم. ورجع أبو مسلم ومن معه إلى مجلسه وقد نودي بالعصر، فقال ~~لمن حضر: بكروا بالغداة جميعا ولا يتخلفن أحد، فانصرفوا على ذلك. ولم يبت ~~نصر حتى أتاه الخبر بأن أبا مسلم أمر أصحابه بالاجتماع إليه لأمر يدبره، ~~فقال لعقيل بن معقل: انظر ما يأتينا به هذا الساحر الآن [1] ، وبعث عيونا ~~له فدخلوا عسكر أبي مسلم من الغد، وصاروا إلى بابه، وأصبح أهل الخندق قد ~~اجتمعوا بباب أبي مسلم، فخرج إليهم فقال: يا معشر المسلمين بلغنا أن [143 ~~أ] نصر بن سيار جمع قوما فخبرهم بأنكم على غير دين الإسلام، وأنكم تستحلون ~~المحارم، ولا تعملون بكتاب الله ولا سنة نبيه صلى الله عليه وسلم، يريد ~~بذلك ليطفئ نوركم، ويؤلب عليكم الناس، وقد كان الإمام أمرنا وتوالت كتبه ~~إلينا بأن ندعو الناس إلى كتاب الله وسنة نبيه والعمل بذلك، وإظهار العدل، ~~وإنكار الجور [2] ، وأن أبايع الناس على ذلك، وأنا أول من بايع على كتاب ~~الله تعالى وسنة ms182 نبي الله والعمل بالحق والعدل ودفع الظلم عن الضعفاء وأخذ ~~الحق من الأقوياء، خذ بيعتي يا أبا محمد، يقول ذلك لسليمان بن كثير. فأخذ ~~بيعته سليمان وقال: عليك عهد الله وميثاقه لتفين بما أعطيت من نفسك، قال: ~~نعم. # ثم تتابع الناس على ذلك: بدئ فيه بذوي القدم من النقباء وغيرهم، ثم ~~الوجوه، ثم العامة، حتى لم يبق أحد إلا بايع، واضطرب الصوت به، وخرجت [به] ~~[3] الأخبار، وتحدثت به العامة، وانصرف إلى نصر جواسيسه فأخبروه بالذي كان، ~~فأسقط في يديه، وأمسك عن أبي مسلم من كان قبل قول نصر وقالوا هؤلاء أولى ~~بالإجابة إذ دعوا إلى كتاب الله وسنة PageV01P292 # رسوله صلى الله عليه وسلم من نصر. فانتقض على نصر ما كان أبرمه لأهل ~~الدعوة، ودخل الوهن عليه فيما كادهم به، وزاد في بصائر القوم، وحرك [143 ب] ~~ذلك من كان ممسكا عنهم بالنزوع إليهم، والاستبصار في أمورهم. وورد على أبي ~~مسلم كتاب من جرجان أنه قد اجتمع خلق كثير ليلحقوا بإخوانهم بمرو، فسر بذلك ~~أبو مسلم وأصحابه، وبلغ الخبر نصرا فقال: قد أطبقت علينا الطالقان ~~ومروالروذ وبلخ وما على شط النهر وأبيورد، وهذه مرو قد بلغ فيها ما بلغ ثم ~~يأتيهم أهل جرجان، كأنكم بالحبال قد وضعت في أعناقنا، ومن بجرجان من ~~أصحابهم فصل [1] فيهم رجال قد رسخوا في هذا الأمر وقاموا به، وصاحبهم الذي ~~أنغل البلاد، وأفسد جرجان، وسير في كور خراسان، وهو صاحب طاغيتهم [2] بكير ~~ابن ماهان أبو عون. فكتب عند ذلك إلى مروان فيه كتابا أصيبت نسخته في عدة ~~كتب من أسرار مروان يوم قتله عامر ببوصير [3] : # أما بعد فإن بجرجان حية منطوية بين أحجار قد أنغلت على أمير المؤمنين ما ~~بين الري إلى السغد وكثير من العراق، وهو أبو عون، وبكنيته يعرف، فإن رأى ~~أمير المؤمنين أن يخرج إلى صاحب جرجان من رأيه فيه ما يقطع فيه دائرة السوء ~~ويستأصل شأفته فعل. # وكتب نصر بن سيار إلى صاحب جرجان وإلى من بها من وجوه مضر، يخبرهم [4] ~~بمكان ms183 من قبلهم من الشيعة، ويسألهم حبسهم والشدة عليهم، فلما انتهى ذلك إلى ~~من بها من وجوه مضر مشوا إلى العامل [144 أ] فقالوا له: PageV01P293 # ابعث إلى هؤلاء القوم فاحبسهم، فبعث إليهم فحبس منهم عدة فيهم أبو عون ~~وعامر بن إسماعيل وأبو إسماعيل محمد بن سعد وسنان بن عبد الله وأبو نصيب. # ولما تضايق الأمر بنصر عاود عليا فبعث إليه: أحب أن ترسل إلي رجلين من ~~ثقات أصحابك أحملهم إليك رسالة لا مئونة عليك في استماعها، فبعث إليه ~~المنتجع بن الزبير الأزدي ويعقوب بن يحيى بن الحصين الرقاشي، فلما لقياه ~~قال لهما: مكانكما! أبلغا عني صاحبكما وقولا له: إن الأمر قد جل عن الذي ~~كنا نقتتل عليه وعاقبة هذا التباين فيها البوار، فإذا أبيت أن تساعدني على ~~حرب هؤلاء المسودة فوادعني أشهرا فقد شغلتني عن إطفاء جمرتهم، وضع الحرب ~~بيني وبينك حتى أتفرغ لهم وأحاكمهم فإن ظفرت بهم فأنت على رأس أمرك، وإن ~~ظفروا بي فأنت أعلم بشأنك بعد، وأيقن أنهم إن ظفروا بي تفرغوا لك. فرجعا ~~إلى علي فخبراه بمقالته. قال لهما: # ارجعا إليه فقولا: لست من خدعك في شيء، وقد عاقدت القوم، ولن أرجع عما ~~أعطيتهم من نفسي، فأتيا نصرا فأبلغاه ذلك. فلما رأى نصر نفور علي منه، جمع ~~أهل الرأي من أصحابه فقال لهم: ما ترون؟ أما هذا الفتى فقد لج في طغيانه ~~وأبي أن يجيبنا إلى الكف عنا. فقال له عقيل بن معقل: إنه لن يجيبك، ولن يكف ~~عنك، ونرى أن تراسل شيبان، ولعله [144 ب] أن يكونوا ألين عقدة وأقرب مأخذا، ~~وإن أجابك أجابك علي، وإن لم يجبك علي وقد خذله شيبان تعلمه عظيم ما صاروا ~~إليه من أمر أبي مسلم وأصحابه، وأخبره أنه ليس قوم بأبعد من موافقته منهم، ~~وأنهم قد تشاغلوا بالذي بينهم عن إطفاء ثائرتهم، واسألهم [1] أن توادعهم ~~لتتفرغ لهم، فإذا انقضى أمرهم تناظروا فيما نقموا، وتعاطوا إلى الحق فيما ~~أنكروا، PageV01P294 # وكان في ذلك صلاحهم وتفرغهم لمن قد أطل عليك من أمم الشرك. ms184 فأبى شيبان أن ~~يجيبه إلى ذلك للذي كان يرى في جهاد نصر، ولما سبق منه إلى الكرماني. وكان ~~سلم بن أحوز المازني في عسكره بإزاء علي بن معقل الحنفي في عسكره من أصحاب ~~شيبان، فلما رأى نصر امتناع شيبان من الموادعة قال لسلم: إنا إن قدرنا على ~~استمالة علي بن معقل إلى الموادعة سهل ذلك علينا من قبل شيبان، فقد أرى أن ~~تقاربه وتلقاه، فتعظم عليه ما صرنا إليه، وتدعو إلى الموادعة، وتخبره بما ~~له في ذلك من الأجر، وما يكون له في ذلك عندنا وعند الخليفة من الثواب ~~والمكافأة. فراسل سلم علي بن معقل، وتلاقيا فكلمه في ذلك وأخبره بالذي له ~~فيه فأجابه وقال: نعم الرأي هذا أنا أعمل فيه، فإن أجابني شيبان وإلا قوضت ~~عسكري فلحقت بكم أو تنحيت إلى بلادي فقد نهكتنا [145 أ] الحرب وأكلتنا. ~~وعلي بن معقل يومئذ في نحو من خمسة وعشرين ألف رجل، فلقي شيبان فقال: إني ~~والله ما رأيت أمرا أضل من أمر نحن فيه: قتال على غير دين وعلى العصبية، ~~وقد خرج من أيدينا بعض ما كان فيها من هذه الكور، وقتل إخواننا، ونحن مع ~~ذلك في غير دارنا وتوشك هذه المسودة بما نحن فيه من الاشتغال أن يحوزوا ~~البلاد ويغلبوا عليها، ثم يقبلوا علينا وقد عزوا ووهنا فيبرونا عن كديد [1] ~~الأرض، إنك إن لم تجبني إلى ما أعرضه عليك انصرفت بمن معي عنك. قال: وما ~~هو؟ قال: أرى أن توادع نصرا وننصرف [2] إلى سرخس، وتضم إليك أهل رأيك وتجبي ~~الكور التي في يديك، أو تقيم على ذلك وتخلي بين نصر وبين هذه المسودة. فقال ~~شيبان: قد أعطينا عليا [3] ما أعطيناه PageV01P295 # فنعرض عليه ما ذكرت ونخبره بما اجتمعت عليه وترى رأيك، قال: فشأنك. # فذكر شيبان ذلك لعلي وقال له: علي بن معقل أقوى أيدينا، وإن خذلنا فتنحى ~~عنا وصار مع نصر اشتدت شوكته. قال: فرو في هذا يوميك هذين ثم تعزم فلن ~~نخالفك. ### || الموادعة # فأرسل إلى أبي مسلم يخبره بذلك مع ms185 بكر بن هاني، فلما لقيه به قال له أبو ~~مسلم: إن كنتم وكان صاحبكم على الحقيقة فيما أعطاني من نفسه فلست أكره [145 ~~ب] أن يوادع نصرا على أن يشترط عليه أن يفرق جموعه ويؤكد عليه في ذلك. فلن ~~[1] تزداد إلا كثرة ولن يزداد إلا قلة، وتخلو لك الطريق، ويأتيك أهل رأيك، ~~ولا تكون بنصر قوة على مكاثرتك. قال أبو مسلم: # قد نصحتنا وعلى الله جزاؤك، والتوكيد عليه إليكم، فإني لا آمن غدر نصر ~~وأن يثب علينا وعليكم إذا تفرقت جماعتكم. وانصرف بكر [2] فأخبر عليا بمقالة ~~أبي مسلم، فلقي شيبان فقال له: قد رأينا الموادعة على أن يفرق نصر جموعه، ~~ونفرق جموعنا، ويكون بيننا وبينه لنا عامل فيما يليه. فاصطلحوا على ذلك ~~وكتبوا بينهم إلى انقضاء سنة ثلاثين ومائة، وعلى أن تكون الأعمال في أيديهم ~~على حالها، وإلى من كان يليها أيام حربهم وغيرها، وعلى أن يجتمعوا على من ~~اجتمع الناس إليه، وتكون أيديهم واحدة على من أرادهم PageV01P296 # من المشركين، وعلى أن يتعاوروا [1] ، ولا يتحاربوا، فإن بدأ أحد منهم ~~بالغارة [2] على صاحبه أو حاربه أو حارب من كان في حيزه وعقده فقد حل قتله ~~وقتاله ولا أمان له ولا عهد لما خالف ذلك، ففعلوا ذلك. وارتحل نصر من خندقه ~~ومن كان معه، وكذلك علي بن الكرماني، وأقام شيبان في خندقه، وخلت الطرق ~~لأبي مسلم وسهل السبيل لمن أراد اللحوق [146 أ] به، فانجفل الناس إليه، ~~وجعل علي يمده بالرجال، ويقويه بالسلاح ويستر عليه، حتى غلظ أمره واستكثف ~~من كان معه. ثم إن كاملا [3] أشار على أبي مسلم أن يستمد ويستنهض عدة من ~~ناحية الطالقان وبلخ ومروالروذ، ففعل، وأقبل عمرو بن أعين في ألف وخمس مائة ~~رجل من الطالقان، وأقبل عبد الله بن شعبة من مروالروذ في ألف رجل ومعهم ~~دواب ومواش من غنائم مروالروذ. وبلغ ذلك نصر بن سيار، فبعث إلى شيبان: قد ~~أظلك قوم قد وتروك، وقتلوا بعض أصحابك، فلو بعثت إليهم من يقاتلهم، وتجمع ~~أهل الرستاق الذي نزلوه ms186 عليهم، رجوت أن تدرك بغيتك، وتقطع قرنا من قرون ~~الفتنة. فشاور أصحابه فقال بعضهم: ما يؤمنك ان تبعث خيولك إليهم أن يغدر بك ~~نصر، فتأتيك خيوله، وأنت خلو من أصحابك فلا يكون لك مانع، وقال بعضهم: ما ~~لنصر لا يبعث إليهم دونك، فأمسك شيبان عن البعثة إليهم. وبلغ أبا مسلم ~~مراسلة نصر شيبان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: بلغني أن هذا الفاجر أراد ~~البعثة إلى إخواننا، وحمل شيبان على ذلك، وأنهم إن فعلوا قصدنا لنصر دونهم ~~ومن معهم، ففي الظفر بهم PageV01P297 # وبما معهم عوض عن عمرو بن أعين ومن معه، وبلغ ذلك نصرا فكف عنهم. وأقبل ~~عمرو بن أعين بمن معه حتى نزل النصرانية [1] . فلما رأى نصر [146 ب] إقبال ~~الأمور على أبي مسلم، شاور أصحابه، فاجتمع رأيهم على الاحتيال لشيبان، ~~واحتراز معونته بكل وجه، ففعل فاستماله [2] . وتهيأ نصر وشيبان للمسير إلى ~~أبي مسلم، فبعث علي إلى أبي مسلم يخبره بما أجمع الرجلان عليه، ويقول: إن ~~شئت أتيتك فيمن معي، وإن شئت ثبطت الناس عنك، فأرسل إليه أبو مسلم: قد ~~تفرقت عنك أصحابك، فإذا ثبطت عني فقد قويتني ونصرتني. فأقام علي بموضعه، ~~وأقامت عشيرته، وربيعة معه، فلم يخرج مع نصر وشيبان منهم أحد خلا من كان مع ~~شيبان منهم من أهل سرخس وغيرهم من الحرورية. ولما انتهى إلى أهل الخندق خبر ~~نصر وشيبان اضطربوا وتضعضعوا له، فقال أبو مسلم: لا حاجة لنا في المرتابين، ~~افتحوا بابي الخندق، فمن أراد أن يخرج فليخرج، فلعمري ما يخرج من ينتفع ~~بإقامته، فجعل يخرج من يشك وتضعف نيته، فخرج نحو من ألفي رجل، ولما أمسوا ~~قال أبو مسلم: هل بقي أحد في قلبه شك يريد أن يخرج، فقيل: ليس يخرج أحد، ~~فأمر بإغلاق البابين. PageV01P298 ### || بدء الحرب بين أبي مسلم ونصر بن سيار # وأصبح أبو مسلم فخرج من خندقه يريد نصر بن سيار فنزل قرية تدعى آلين [1] ~~على فرسخين من نصر، وخندق على نفسه وأصحابه وكتب إلى طخارستان [147 أ] ~~ومروالروذ يستنجد بقية أصحابه ms187 بهما. ولما رأى علي بن الكرماني ما صنع نصر ~~وشيبان أتى شيبان فقال له: خدعك والله ابن الأقطع، إنما يريد أن يباعدك من ~~عسكرك لتعتزل، فيبيتك وأنت غير محترس منه، وقد تعلم أنك إذا سرت إلى أبي ~~مسلم سرت في غير قرى قومك فيقطع عنك المادة ويسير نصر في بلاد قومه، فمواده ~~وأعلافه مهيأة من قراهم، وعليك في مسيرك الوهن وله القوة في مسيره، وافتعل ~~[2] كتبا على لسان نصر إلى ثقات شيبان يدعوهم إلى الوثوب على شيبان ويضمن ~~لهم على ذلك الصلات الجزيلة، وبعث بها إليهم فلما قرأ [3] أصحاب شيبان ~~الكتب أتوا بها إلى شيبان فحققت تلك الكتب ما قاله علي، فأرسل إليه يقول: ~~أظن ما ذكرت لي عن هذا الغادر حقا وبعث إليه تلك الكتب. فلقي علي شيبان [4] ~~وقال له: قد خبرتك أن نصرا غادر فاجر، ثم انك تسير إلى قتال رجل داخل في ~~طاعتك، ومظهرا الميل إليك من إقامة هذه الدولة العباسية. فأقام شيبان عما ~~كان أجمع عليه من محاربة أبي مسلم مع نصر، فبلغ ذلك نصرا فانحل برم مكيدته ~~وانتقضت عليه حيلته ورجع إلى عسكره بباب سرخس، PageV01P299 # ورجع أبو مسلم إلى خندقه بالماخوان [1] فلم يزل فيه. ورتب نصر المسالح ~~[147 ب] فيما بينه وبين أبي مسلم مع قائد يقال له عاصم بن عمير [2] ~~ببلاشجرد [3] ، ووضع أبا الذيال [4] بطوسان [5] وناحيتها، فنزلت جند نصر مع ~~هذين [6] القائدين على أهل بلاشجرد [7] وطوسان فآذوا أهلها، وذبحوا أغنامهم ~~وبقرهم، فشكوا ذلك إلى أبي مسلم فوجه إليهم نصر بن عبد الحميد في خيل من ~~خيله، وأمره أن ينفي أبا الذيال عنهم، فسار إليهم فلقيه أبو [8] الذيال ~~فهزمه نصر ابن عبد الحميد، وكان أول من لقوا من أصحاب نصر في الحرب، وأسر ~~منهم خمسين رجلا، وأتى بهم إلى أبي مسلم، فكساهم وداوى جرحاهم وقال لهم: من ~~أحب منكم أن يقيم معنا واسيناه، ومن كره ذلك فليلحق بوطنه، وحلفهم ألا ~~يمالئوا عليه أحدا، وخلى سبيلهم، فأقام منهم نفر يسير، وانصرف أكثرهم إلى ~~أوطانهم. # ثم إن ms188 أبا مسلم أرسل إلى شيبان وعلي الكرماني: إن أصحابي قد كثروا وإنما ~~أنا وهم أعوانكم، وقد يؤذون إذا [9] دخلوا مرو، وتمنع الأسواق PageV01P300 # والميرة عنهم من مرو فلا تحمل إلينا، فأذنا لي [1] في توجيه رجل إلى مرو ~~يذب عن أصحابي إذا دخلوا إلى مرو في حوائجهم وتخرج الأسواق فأذنا له في ~~ذلك، وبعث إلى نصر بن سيار بمثل ذلك، فأذن له، فوجه شبل بن طهمان النقيب في ~~خمس مائة رجل، فنزل قصر بخار خداه [2] ، فكان كل من دخل من المسودة يعز ~~[148 أ] ويكرم بمكانه، ولا يقدر أحد على أن يؤذيهم لمكانه. ثم إن نصرا أرسل ~~إلى شيبان: إن هذا الرجل غير شأنك، فساعدني على كشف أمره، فإنه يقدم ويؤخر ~~ويبعث إلي بالموافقة ويبعث إليك بمثل ذلك. فاتفقا على أن بعثا إليه: إنا قد ~~اتهمناك وأنكرنا أمرك ودعوتك، ورأينا قلة إبقائكم على الحرمة [3] ، فإن كنت ~~تحب أن نكف عنك ففرق جمعك، واخرج عن بلادنا. فأرسل إليهما: # إن الله تعالى جمعنا على هدى فلن نرجع عنه حتى نموت دونه، ولكني أناظر ~~أصحابي وندخل في بعض فرقكم هذه، وبعث لاهزا [4] إلى نصر فقال له: قل لنصر ~~إن صاحبي أمرني بالانضمام إليك وتأميرك على نفسي إن قمت بأمر دعوته وخلعت ~~مروان، وأنا لك ناصح، فبادر هذا الأمر قبل أن تسبق إليه. فقال نصر [5] ~~للاهز: إن أريتني مصداق قولك قبلت، وما مثلي اختدعتموه عن نفسه، فانصرف إلى ~~أبي مسلم فخبره بذلك. وبعث أبو مسلم إلى علي الكرماني: إنك قد أعطيتني من ~~نفسك ما تعلم، وقد أمرنا بالجهاد، وأنت وقومك أنصار الحق قديما، فأنتم ~~آويتم رسول الله صلى PageV01P301 # الله عليه وسلم ونصرتموه، وقد أمرني صاحبي بأن استظهر بكم وألقي أمره ~~إليكم، وقد نصب لي نصر، فإن أجبتني وعاقدتني على القيام بحق رسول الله [148 ~~ب] صلى الله عليه وسلم، أمرتك [1] أميرا علي وعلى من أجابني، وأطعت أمرك، ~~وقتلت عدوك، وصار لك سناء هذا الأمر وشرفه. فرد علي إليه الرسل [2] فقال: ~~قد أجبتك حيث عرضت علي أمرك، ms189 وهذي يدي عن نفسي وقومي جميعا، و [أنا] [3] ~~مرسل إليك أخي ووجوه أصحابي، وكاشف لك عن أمري في ذلك، ولا بد لنا من ~~الترفق بشيبان حتى يجتمع لنا أمرنا و [4] ما نريد منه، فانصرف الرسل بذلك ~~إلى أبي مسلم، فعظم سروره به. ثم أعاد الرسل إلى نصر استظهارا مرة بعد ~~أخرى، فقال فيما بعث إليه: إني لست أعدل بك أحدا إن أجبتني فأنت الأمير ~~وأنا عونك على من خالفك. فقال نصر للرسل: قولوا: قد أجبتك إن صححت مقالتك، ~~إن كنت تفي بقولك فانضم إلي، وفرق جماعتك، وأنت في ذمتي، لا يوصل إليك حتى ~~يوصل إلي، وإن أبيت إلا مضيا على ما يبلغني عنك من مقاربة علي وقومه استعنت ~~الله عليك، وتفرغت لحربك، فلا تغتر بهذه اليمانية، فإني لو قد أقبلت عليك ~~بجدي وحدي قصمتك وتركتك كأمس الذاهب. فقال له عقيل بن معقل الليثي: والله ~~ما كان جواب كلامه يرسل إليك، وقد قوي أمره، يدعوك إلى المقاربة، فترسل ~~إليه تسترهبه وتهدده، يغتنمها منك الآن فيبعث إلى ابن الكرماني فيتودد إليه ~~[149 أ] ويخبره بمنافرتك إياه فيجيبه ويستنصر معه من قومه في جهادك. فقال ~~نصر: قد مضت PageV01P302 # بما فيها. فقال له عقيل بن معقل: ترفق بالرجل، وأعطه الرضا ما لم يحرجك، ~~وكن على رأس أمرك من كيده واغتياله. قال: فبعث إليه من الغد: اني عليك ~~شفيق، وقد هجم عليك الشتاء على رقة من معك وسوء حالهم، فانضم إلينا بطاعتك ~~نواسك ونتحنن عليك، فإن جنود أمير المؤمنين قد أقبلت إلينا، فيوشك من اجتمع ~~إليك أن يتفرق عنك، ومن وعدك نصره أن يخذلك والسلام [1] . فكتب إليه أبو ~~مسلم في جوابه: # قد فهمت كتابك، وبلغتني رسالتك، ولست بواد ولا نصيح [و] [2] ما استشرناك ~~ولا شكونا خلتنا إليك، فأما ما ذكرت من رقتنا وسوء حالنا فقد صدقت وذاك ~~يدعونا إلى مزاحمتك على ما في يدك والسلام. قال: فلما قرأ نصر الكتاب ~~تعاظمه وقطب ما بين عينيه، وتغير لونه، وكرر قراءة الكتاب ثم قال: هذا جواب ~~أحسب ms190 أن يتلوه [3] ما هو أشد منه. # وكان أبو مسلم يطمع نصرا في نفسه، ويعظمه ويبدأ به في كتابه إليه حتى ~~أجابه علي إلى نصرته ومظاهرته وقبول دعوته، فكتب إليه كتابا [4] بدأ فيه ~~بنفسه وقال: # إن الله تباركت أسماؤه عير [5] أقواما فلا تكن منهم، فقال عز وجل: # وأقسموا 35: 42 [149 ب] بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن 35: 42 ~~PageV01P303 # أهدى من إحدى الأمم، فلما جاءهم نذير ما زادهم إلا نفورا. # استكبارا في الأرض ومكر السيئ ولا يحيق المكر السيئ إلا بأهله فهل ينظرون ~~إلا سنت الأولين، فلن تجد لسنت الله تبديلا ولن تجد لسنت الله تحويلا 35: ~~42- 43 [1] . # فثقل ذلك على نصر وكتب إليه: أما إنك لو قبلت نصحي لك لكان خيرا، وليس ~~يمنعني من ذلك ما أرى من ميلك إلى غيري، وأيقن أن أسلم [2] بن صبيح كاتبك ~~يفشي عليك سرك، ولا يكتم عنك، وقد كان في شيء من عملنا، وظهرنا منه على ~~الغدر وإفشاء السر فتجنبناه لذلك. # فكتب إليه أبو مسلم: سرنا مصون عمن لا نثق به، وما يعلم أسلم من سرنا ~~شيئا نكره معرفتك ومعرفة غيرك به. # وجعل نصر يكتب إلى ابن هبيرة [3] ، وهو على العراق يستمده فيعده ويأمره ~~بالمداراة، فلما تضايقت الأمور كتب إلى مروان الحمار، وهو آخر طغاة بني ~~أمية يشكو له ابن هبيرة ويخبره بعظم الأمر من قبل أبي مسلم وكتب إليه: # أرى خلل [4] الرماد وميض نار [5] ... ويوشك أن يكون لها ضرام [6] ~~PageV01P304 # فإن النار بالعودين تذكى [1] ... وإن الحرب يبدؤها [2] الكلام [3] # فقلت [4] من التعجب ليت شعري ... أأيقاظ أمية أم نيام [5] # [150 أ] وكتب إليه يصف له أمر أبي مسلم، وكثرة الدعوة، وميل اليمانية ~~وربيعة إليه. ثم أردف ذلك كتابا آخر وبعث فيه رسولا من وجوه أصحابه يخبره ~~في كتابه أن من ظهر قبلنا لو كانت همتهم خراسان وحدها لهانت شوكتهم، ولكنهم ~~يريدون الغاية الكبرى من التملك على الآفاق في جميع بلاد المسلمين، وإن ~~أكثر ما يحاضون عليه الطلب بثأر آل محمد من بني أمية، يتذاكرون ذلك في ~~أحاديثهم ms191 ويدعون به إذا قضوا صلاتهم. # فأتى مروان كتاب نصر بذلك لأشهر مضت من سنة ثلاثين ومائة، فكتب إليه [6] ~~: أن أمر ناحيتك على بال أمير المؤمنين، وقد وجهت عامر بن ضبارة ونباتة بن ~~حنظلة فعرض لهما دونك من كان أوضع [7] في الفساد من أهل الفتن فقصدا لهم ~~حتى استأصلاهم وأباداهم. وقد انتهى إلى أمير المؤمنين كتابك حين أتاه كتاب ~~ابن هبيرة يذكر ظفر نباتة بن حنظلة بمن كان تلفف إلى سليمان بن حبيب ~~بالأهواز، ويذكر ظفر ابن ضبارة وداود بن يزيد بن PageV01P305 # عمر بن هبيرة بابن معاوية، ومن كان ضوى إليه من أهل الفتن بفارس ~~وتوجيههما في اثر شيبان ومن بقي من الخوارج، وكتبت إلى ابن هبيرة آمره ~~باستحثاثهما باللحوق بك ودخول خراسان عليك فيمن معهما من خيول أمير ~~المؤمنين من ناحية [150 ب] الطبسين [1] وناحية سجستان، فكأنك بخيول أمير ~~المؤمنين قد وردت عليك بأحسن عدة وأكثر عدد. فثق بالله وتوقع الأمداد ~~والقوة فكأن قد غشيتك، وفيما كتب أبو مسلم، وفيما وعظك أمير المؤمنين من ~~سنة الله الماضية فيمن خلا ممن كان أشد منك قوة وأكثر خيلا ورجلا وتبعا ~~وأكثر عدة وسلاحا عبرة مرشدة وعظة مسعدة ومخبر [2] كاف، ومن يتق الله يجعل ~~له مخرجا. ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه إن الله ~~بالغ أمره 65: 2- 3 [3] ، ولن تجد لسنة الله تبديلا ولن تجد لسنة الله ~~تحويلا [4] ، ولا لأمره معقبا وكان الله عزيزا حكيما. # وكتب عبد الحميد بن يحيى كاتب مروان إلى كامل بن مظفر في ذلك أيضا كتابا ~~يصف له حاله ورياسته كانت في الكتابة، وما تعاظمه من أمره حين انتهى إليه ~~دخوله في المسودة، ويسأله الإنابة والرجوع إلى طاعة مروان ويضمن له الثواب ~~الجزيل منه على ذلك. # فأقام نصر ينتظر الأمداد أن تأتيه، وقد فسد عليه أهل خراسان إلا من كان ~~معه من مضر خاصة. فقدم على أبي مسلم رسول لأبي سلمة يقال PageV01P306 # له مسرور [1] بكتاب إبراهيم الإمام يخبره فيه بما انتهى إليه من تفاقم ~~الأمر ms192 بين ابن الكرماني ونصر و [إن] [2] يدعوه إلى أمره فإن أجاب [3] نصب ~~الحرب لنصر ولم يؤخر ذلك، وكتب إليه [151 أ] بانتهاز الفرصة في ذلك قبل أن ~~يحدث أمر يصطلح الأمر له ويتفقون على مجانبته [4] ، فأتاه ذلك ورسله تختلف ~~فيما بينه وبين علي ونصر. ثم أقبلت إلى أبي مسلم وجوه اليمن وربيعة ومضر ~~ممن في عسكر نصر، فدخلوا في أمره وبايعوه. ثم أرسل علي الكرماني إلى أبي ~~مسلم: أنا وأنت اليوم يد واحدة في هذه الدعوة، ومتى تظهر تلاقينا وتعاونا ~~وتوازرنا، يهد ذلك قرون شياطين، وقد أتاك أخي وأصحابي فدخلوا عسكرك وهم ~~يغادونك ويراوحونك بالتسليم عليك والتعظيم لأمرك والمقاربة لأصحابك، فما ~~الذي يمنعك أن تزورني وتدخل عسكري فيضطرب بذلك الصوت فيقوى به وليك وينكسر ~~له [5] عدوك. فأرسل إليه أبو مسلم: # هذا رأي وما كنت لأدعه، وأنا فاعل. فلما كان من الغد ركب أبو مسلم في ~~جماعة كبيرة من أصحابه فرسان ورجالة يريد عليا في عسكره، فبلغ ذلك عليا، ~~فوجه إليه أخاه عثمان في وجوه اليمن وربيعة وفرسانهم فتلقوه على الرزيق [6] ~~، ثم دخل الحائط، ثم خرج إلى عسكر علي وشيبان. فلما أشرف أبو مسلم على ~~العسكر تلقاه علي في أهل اليمن وربيعة، ثم أقبلا يسيران حتى PageV01P307 # دخلا حجرة علي، فجلس أبو مسلم معه ساعة ثم دعا بالغداء، وقد هيأ له طعاما ~~كثيرا ولمن معه، فقال: لست أطعم اليوم شيئا [1] ، ثم نهض، فقال له علي: ~~[151 ب] لو لقيت شيبان فإن في لقائك إياه كف عاديته، وما يدعوه نصر إليه من ~~محاربتك، فقال: إني أكره أن أسلم عليه بالإمرة [2] ، ولست أستحل ذلك، ~~فتقدمني ثم اجلس فإني أسلم بالإمرة وأعنيك بذلك. فركب علي فدخل على شيبان ~~وجلس معه، فأقبل أبو مسلم فدخل على شيبان فسلم عليه بالإمرة وجلس فدعا له ~~شيبان بشربة عسل، فقال أبو مسلم: أنا صائم، فحمله شيبان على برذون أبلق من ~~نتاج أبي نميلة الأزدي. وخرج أبو مسلم فأتى سرادق علي وجلس معه ساعة، وأظهر ~~تأميره على نفسه وحمله على ms193 برذون. فبلغنا أن أبا مسلم قال لعلي: إنك قد ~~أعطيت من نفسك في القيام بدعوة آل محمد ما أرجو أن يجمع الله [به] [3] خير ~~الدنيا والآخرة، ولك الولاية علينا، وعلينا طاعتك، وليس يلتئم بينك وبين ~~أهل هذه الدعوة وبين شيبان، لأن أصل شيبان وما يدين [4] البراءة من علي، ~~ونحن نخالفه في ذلك، فإن لم تباينه فاعمل في ذهابه عنا لنقبل على قتال نصر ~~ومن معه، فإني لست آمنا أن يخدعه نصر ومن في هذه الكور التي في يدي شيبان ~~من إخواننا، فيتغير لنا شيبان عما هو عليه، وقد اعتذرنا إليه من إيقاع أهل ~~نسا بعاصم، ومن يأتيه بمثل ذلك من غير أهل تلك الناحية تبطل عنده ما ~~اعتذرنا به ويرى [5] أنا سنصول عليه. فقال له علي: أنا عامل [152 أ] ذلك ~~وكافيك PageV01P308 # أمره حتى يتنحى عنك إن شاء الله تعالى. ثم إن عليا [1] بعث بشداد بن ~~جريجور [2] كاتبه على الخراج بمرو، وأمره أن ينزل أبا مسلم قصر شيبة بن ~~الحسن الأزدي [3] ، ورتب له ما يصلح له، فنزله أبو [4] مسلم أياما، ثم ~~انصرف إلى عسكر الماخوان. قال: واجتمع علي وشيبان، فقال علي: قد شغل الله ~~نصرا عنا وعنك بهؤلاء القوم، وهذه الكور التي في يديك، فيما بينك وبين ~~نيسابور وهراة وبوشنج [5] ولست آمنا باشتغالك بالمقام هاهنا أن تضعف أعوانك ~~فيها، فقد أرى أن تسير إلى سرخس وتوجه عمالك وتجبي خراجك وتقوي بذلك أهل ~~طاعتك، فإذا قويت واستجمع لك ما تريد نهضت فيما تطلب من الحق، وقد رأيت ~~أكثر من معك قد تسللوا عنك لهذا الشأن. قال شيبان: قد لعمري كان ذاك منهم، ~~والرأي ما رأيت، وأنا شاخص عنكم في أيامي هذه، وقد أجمعت على ذلك من اختلاط ~~أموركم وخشيت أن أكون مقيما على ضلال، فثبطني عن الشخوص علي بن معقل لما ~~جرى بينه وبين نصر، فابعث أنت الآن إلى أبي مسلم لتوكد عليه في الكف عنا ~~وحسن مجاورتنا حتى ينصرم الأمر بينكم وبين نصر، فإذا صح ذلك ناظرناكم فيما ~~فيه صلاح ms194 ديننا ودنيانا. فأرسل علي إلى أبي مسلم بذلك، فأرسل أبو مسلم: # ليوكد لنا ونوكد له على المسالمة ولا نخشى له غائلة ونكتب [152 ب] بيننا ~~PageV01P309 # وبينه كتابا بذلك، فإن رجع أحدنا عما أعطى من نفسه من الحق فقد حل لصاحبه ~~مباينته ومحاربته، ففعل ذلك شيبان، وكتبوا بينهم بذلك كتابا وثيقا. # وتوجه شيبان إلى سرخس في شهر ربيع الآخر سنة ثلاثين ومائة، ومعه علي ابن ~~معقل الحنفي وجميع من كان معه من قومه وأهل رأيه، وازداد أبو مسلم بذلك قوة ~~ونشاطا، وازداد نصر بذلك وهنا وضعفا [1] . ### || فتح مرو # وأمر أبو مسلم شبل بن طهمان على مرو [2] ، وأمر المتكلمين من أصحابه أن ~~يدخلوا مرو فينشروا أمرهم ويدعوا الناس إلى رأيهم ويصفوا ما هم عليه من ~~اتباع السنة والعمل بالحق. فجعلوا يدخلون ويتكلمون فأجابهم [3] الناس إلى ~~ذلك، وجعلوا يخرجون إلى أبي مسلم، وبلغ ذلك نصرا، فوهن أمره واستخف به ~~وبعامله فيها. فكتب نصر إلى ابن هبيرة: قد أخرجت من بيتي إلى مقصورتي ~~فاستغثت بكم، فلما أبطأ غياثكم وتأخرت مادتكم أخرجت من مقصورتي إلى ساحة ~~داري، وانكم إن تقاعدتم عني أخرجت من داري كلها، وإذا أخرجت منها دخل عليك ~~دارك، ولو دخلت جحرا لدخل عليك فيه حتى يؤتى عليك وعلى غيرك. وكتب إلى ~~مروان: [153 أ] كتبت إلى أمير المؤمنين ولم يبق مني شيء [أستعين به] [4] ~~على عدو أمير PageV01P310 # المؤمنين لا في رجالي ولا في مالي ولا في مكيدتي، ولو كنت أمددتني بألف ~~فارس [1] من أهل الشام لاكتفيت بهم، ولقطعت دابر القوم الظالمين. إني حين ~~كتبت إلى أمير المؤمنين قد أخرجت من جميع سلطاني، فأنا واقف على باب داري، ~~وإن لم تأتني مواد أمير المؤمنين ووكلنا [2] إلى ابن هبيرة طردت عن باب ~~داري، ثم لا رجوع إليها إلى ملتقى الحشر، فلا يكون مثل أمير المؤمنين ومثل ~~ابن هبيرة كما قال الأول: # ولو أني أطيعك [3] في أمور ... تناجيني إذن لقرعت سني # ثم إن نصرا جمع وجوه أصحابه وأهل الرأي منهم والتجارب، فأجالوا الرأي، ~~فلم يأت ms195 واحد منهم برأي إلا نقضه الآخر ولم يجتمعوا على شيء. # وكتب أيضا نصر إلى مروان: # أما بعد، فإني ومن معي من عشيرة أمير المؤمنين في موضع من مرو على مجمع ~~الطريق، ومحجة الناس العظمى من مختلف القوافل والرسل والجنود من العراق، في ~~حائط قد خندقت فيه على نفسي ومن معي، وعن يميني وشمالي قرى بني تميم وسائر ~~أحياء مضر ليس يشوبهم غيرهم إلا قرى على حدهم خاملة الذكر فيها خزاعة، ~~وفيها حل طاغيتهم أبو مسلم، فنحن حين كتبت إلى أمير المؤمنين في أمر هائل ~~يتكفأ بنا تكفؤ السفينة [153 ب] PageV01P311 # عند هبوب العواصف، ونحن من إخواننا اليمانية وأغتامهم ورعاعهم، فيما ~~نتوقع من سفههم ولما قد شملهم من ورائهم الخبيث، على مثل لجة البحر، وأنا ~~معتصم بطاعة أمير المؤمنين ومن معي على مثل ذلك لا نؤثر عليها شيئا، وقد ~~أملنا غياث أمير المؤمنين ومواده وورود خيله وفرسانه ليقمع الله بهم كل مصر ~~على غشه وساع في خلافه، فلا يكونن مثلنا [1] يا أمير المؤمنين قول الأول ~~[2] : # لا أعرفنك [3] بعد اليوم تندبني ... وفي حياتي ما زودتني زادي # إنه قد بلغ الحزام الطبيين [4] ، وكادت القلوب تبلغ [5] الحناجر، فلا ~~يتهمني أمير المؤمنين على ما أكتب به وأغلظ له فيه، وإني لكما قال الأول: ~~أحلب حلبا لك شطره [6] ، ولئن أزالنا عدونا من موضعنا الذي نحن به، انها ~~زلزلة سرير أمير المؤمنين، فلا يضعن أمير المؤمنين كتابي هذا إليه على ~~الجزع وعلى الجرأة عليه، فإنه لا مخبأ لعطر بعد عروس [7] ، ومثلنا فيما قد ~~أشرفنا عليه PageV01P312 # كمثل شجرة على ضفة البحر، قد بلي أصلها، فالأمواج تضربها من كل وجه، فما ~~بقاؤها بعد فساد أصلها، وإلحاح الأمواج عليها. وقال نصر شعرا يحرض فيه ~~العرب على الهاشمية: [154 أ] . # أبلغ ربيعة في مرو وإخوتهم [1] ... ليغضبوا [2] قبل ألا ينفع الغضب # ما بالكم تنصبون [3] الحرب بينكم ... كأن أهل الحجى عن رأيكم [4] غيب # وتتركون عدوا قد أطاف بكم ... فأين غاب الحجى والرأي والأدب [5] # ذروا التفرق والأحقاد واجتمعوا ... ليوصل الحبل والأصهار والنسب ~~PageV01P313 # إن تبعدوا ms196 الأزد منا لا نقربها ... أو تدن نحمدهم يوما إذا اقتربوا # أتخذلون إذا احتجنا وننصرهم ... لبئس والله ما ظنوا وما حسبوا # فأجابه العكي يقول: # لسنا نحابي على الرحمن من أحد ... فيما نطالب من مولى ومن عرب # وديننا ضربكم حتى نقيمكم ... على الطريق ولو جثوا على الركب # هلا صبرت ابن سيار لوقعتنا ... إن كنت ذا حسب في القوم أو نسب # ولم يفر على جرداء سلهبة ... يرجو [1] النجاة ولا منجاة في الهرب # من الإمام وقد أمست حبائله ... يدنين منك طراد الصقر للخرب # فلما قرأ مروان الكتاب أطرق طويلا ثم رفع رأسه ورمى بالكتاب إلى عبد ~~الحميد. فقال له عبد الحميد: يا أمير المؤمنين! انظر إلى موق هذا الرجل ~~وسوء تدبيره، وإذا كان يكتب إلى أمير المؤمنين بمثل هذا التصريح من ذكر ~~العشائر والقبائل فما [154 ب] يلقى به العوام في ذلك أوحش وأشنع. # إن خراسان قد أنغلها هذا بحمقه وخرقه وسوء سياسته وقد انخرق عليك أمرها ~~انخراقا لست آمن أن يدعو إلى البوار، وأنا أرى لك يا أمير المؤمنين، وفي ~~رأيك البركة، أن تبادر خراسان برجل شامي الرأي عام الهوى، متألف رفيق مجرب. ~~قال: فمن ترى لذلك؟ قال: قد رميتها برجلين كلاهما يصلح لولايتها [عامر بن ~~ضبارة أو] [2] نباتة بن حنظلة. فكتب مروان إلى ابن هبيرة في تولية نباتة ~~خراسان وإمضائه إليها [من طريق قومس وتوجيه عامر بن ضبارة إليها من طريق ~~سجستان] [3] . PageV01P314 ### || غلبة أبي مسلم على مرو وهرب نصر [1] # كانت مرو نصفها في يدي نصر وعامله فيها، وشبل بن طهمان من قبل أبي مسلم، ~~وكلا الفريقين يدخلونها مستوقين، فبينما هم على ذلك إذ مر فتية من المضريين ~~عليهم السلاح في السوق فعرض لهم [2] فتى من بكر بن وائل وأعانه قوم من ~~أصحابه فقاتلوهم فأمد نصر أصحابه المضريين وأمد علي بن الكرماني أصحابه ~~البكريين. وخرج شبل إلى أبي مسلم فخبره بذلك، فتهيأ أبو مسلم وعبأ خيله من ~~الغد يوم الأحد لسبع خلون من شهر ربيع الآخر [3] سنة ثلاثين ومائة، وسار ~~نحو مرو، فلما ms197 انتهى إلى قرية تسمى طوسان تلقاه رسول علي بن الكرماني يعلمه ~~أن الحرب قد وقعت فالعجل، فسار أبو مسلم جوادا [4] ، فلما كان من المدينة ~~على فرسخ [155 أ] لقيه وفد مضر بطاعتهم، فمال أبو مسلم إلى مسجد [5] ، ~~وطرحت له طنفسة فجلس عليها وبايعوه وأعلموه أن نصر بن سيار ومن خلفه على ~~مثل ذلك. فدعا أبو مسلم أبا الحكم عيسى ابن أعين وأمره أن يتقدم ويحبس ~~مقدمة أصحابه على القنطرة، فسار أبو الحكم جوادا حتى انتهى إلى قنطرة ابن ~~عقيل فكف الناس، فلما وقف أبو الحكم على القنطرة أحست كتيبة نصر بالبوار، ~~وظنوا أن أبا الحكم سيأخذ عليهم الطرق [6] ويحاربهم فدنا عقيل بن معقل ~~فنادى: يا أبا الحكم! آمن PageV01P315 # أنا حتى آتيك؟ فقال: نعم أنت آمن، فأتاه فصافحه وقال: سرح معي من يبلغني ~~أبا مسلم، ففعل. وانصرفت كتيبة نصر إلى معسكره لم يعرض لهم عارض، فمر أبو ~~الحكم حتى صرف الناس من كل وجه، فانتهى إلى موضع، فإذا هو بقتيلين من أصحاب ~~أبي مسلم مسلوبين وسواد قد خرق، وكان بإزائهما [1] عاصم بن عمير السمرقندي ~~فانصرف قبل أن يلقاه أبو الحكم، فهم [2] بقتله [3] ، فقيل له سرحه إلى أبي ~~مسلم ليرى فيه رأيه، ففعل، فخلى أبو مسلم سبيله. ودخل أبو مسلم مرو من باب ~~قنوشير فتلا هذه الآية: ودخل المدينة على حين غفلة من أهلها 28: 15 [4] إلى ~~آخر الآية، وتلقاه علي بن الكرماني قريبا من دار الامارة فقال له: قد ذل لك ~~لأمر وملكت مرو فامض إلى دار الامارة بهيبة القوم لك، [155 ب] ورعبهم منك، ~~فمضى أبو مسلم إلى دار الإمارة فنزلها، وعلي بن الكرماني معه، ثم دعوا ~~الناس إلى البيعة فلم يتخلف عنها أحد من أهل مرو. وبلغ نصر الخبر فقال لمن ~~حضره، وقد اجتمعت إليه أشراف مضر: هذا يوم قد نعيت إليكم فيه أنفسكم، كونوا ~~مع الناس [5] . # وخرج علي بن الكرماني وأبو مسلم إلى المسجد، فصعد علي المنبر، وجعل أبو ~~مسلم يبايع الناس، فإذا استوثق منهم أصعدهم إلى علي فمسحوا ms198 أيديهم على يده. # فأقام أبو مسلم ثلاثة أيام يأخذ البيعة على أهل مرو، ثم بعث إلى نصر ~~PageV01P316 # ابن سيار، وهو في منزله بباب سرخس، على طريق العراق، بالدخول إليه. فبعث ~~نصر إليه قيس بن يزيد الحنظلي، ونافذة بن عمير السمرقندي: # إني لست آمن سفهاء ربيعة واليمن أن يكمنوا لي في الأزقة ويهيج القتال، ~~فأبى أبو مسلم إلا أن يلقاه فلما ألح عليه قال نصر: إن كان لا بد من لقائك ~~فتحول الى قصري [1] الذي على ماشان [2] ، ففعل. فلما أبطأ عليه أرسل أبو ~~مسلم إليه سليمان بن كثير في جماعة من أصحابه في أول النهار الذي هرب نصر ~~في آخره، فلما أشرف على عسكر نصر أرسل إلى عدة من وجوه أصحابه، فقال: ~~اخرجوا إلي أعرض عليكم ما عندي وأنتم آمنون حتى تسمعوا كلامي وترجعوا إلى ~~صاحبكم، قال: فأعلموا نصرا ذلك فقال: # [156 أ] ايتوه واسمعوا منه. فخرج القوم إليه، فلما رآهم سليمان نزل في ~~رهيط من أصحابه وقال لعظم أصحابه: تنحوا. فلما دنا منهم رحب بهم ودعاهم إلى ~~كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وأن يبايعوا للقائم من أهل بيته. ~~قالوا: قد أجبناك، فناظر صاحبنا. قال سليمان: ما دعوناكم إليه على صاحبكم، ~~وقولوا له: بادر الإجابة طوعا قبل أن تجيب إليها كرها فلا يقبل منك. ~~فأبلغوا نصرا ذلك فقال لهم: قولوا: لست أجيب إلى هذا، وإذا اجتمع الناس على ~~رجل كنت منهم، فأتوه بذلك. قال سليمان: # فقولوا له: فما يريد أن يجيب أبا مسلم ويلقاه به؟ فقال: لست ألقاه إلا في ~~كتيبة خشناء. قال سليمان: اللهم قد أعذرنا وانصرف إلى أبي مسلم فخبره، ~~PageV01P317 # فلما صلى الظهر من يومه بعث إليه لاهز بن قريظ [1] في جماعة، فدخلوا عليه ~~فقال لاهز: أجب أبا مسلم. فقال: أفعل، وبعث إلى أبي مسلم من يتوثق له في ~~أخذ الأمان، ونودي بالعصر، فقال نصر: لست على وضوء، أتوضأ [2] وأصلي وأخرج ~~إليكم. ثم دخل يتوضأ، فأمر من نقب له في ظهر داره نقبا فخرج منه، وذلك ms199 يوم ~~الجمعة لعشر من جمادى الأولى سنة ثلاثين ومائة، وحمل مالا كان معه، ولاهز ~~ينتظر خروجه، فلما أبطأ عليه استراب [3] ، فقال لبعض من معه: ادخل فانظر، ~~فإذا [156 ب] الدار منه بلاقع. فأتى آت إلى أبي مسلم فقال: هرب نصر. وركب ~~أبو مسلم وابن الكرماني في الطلب، ففاتهما ومضى. وأمر أبو مسلم بالاحتفاظ ~~بعسكره ألا ينتهب، وهرب منهم من هرب، ودخل في الدعوة من دخل، وقتل منهم عدة ~~[4] . وكتب أبو مسلم بما كان من أمره واستيلاءه على مرو ومناصحة علي بن ~~الكرماني واليمن إياه وبما أتاه عن الكور التي ظهرت فيها الدعوة، وبقوة ~~الهاشمية إلى إبراهيم الإمام، وكتب إلى أبي سلمة بما كتب به إلى إبراهيم. # فحكي عن صالح بن الهيثم بن بسر مولى علي وأخي [5] أبي [6] العباس من ~~الرضاعة قال: لما وصل كتاب أبي مسلم إلى إبراهيم بن محمد الإمام بدخوله مرو ~~وهرب نصر، حمد الله ومجده وأثنى عليه، ثم تمثل قول PageV01P318 # خداش بن زهير العامري [1] في قوم عكاظ: # فما برحت بكر تثوب وتدعي ... ويلحق منها أولون وآخر # لدن غدوة حتى أتى الليل وانجلت ... عماية يوم شره متطاير [2] # فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت ... هوازن وارفضت [3] سليم وعامر # وكانت قريش يفلق الصخر حدها ... إذا أوهن الناس الجدود العواثر # ومر نصر حتى أتى نيسابور، وانضم إليه من هرب من أبي مسلم واجتمعت إليه ~~قيس قاطبة وأعطوه من أنفسهم القيام بأمره [4] ، واستقبل خراسان ورأى أن ~~[157 أ] ما خلفه [5] فيما بينه وبين ابن هبيرة ومروان ظهري له وقوة يتأيد ~~بها هو ومن معه على الهاشمية، وأنشأ يقول: # و [6] نصبت نفسي للرماح دريئة [7] ... إن الرئيس لمثل ذاك فعول # وقال يحرض قيسا ويمدحهم: # سأذكر من وفاء كرام قيس ... وأعرض عن ذنوب ذوي الوصوم # وعظم غنائهم في كل يوم ... كأن نجومه قطع الغيوم PageV01P319 # وكتب إلى ابن هبيرة يخبره بموضعه من مرو ويصف له سوء حاله وخروجه من ~~سلطانه، وأنشأ يقول: # لقد أسمعت لو ناديت حيا ... ولكن لا حياة لمن [1] تنادي # ولما بلغ أبا مسلم ms200 إقامة نصر بنيسابور ومن اجتمع إليه وتسلل أصحابه نحوه ~~وإجماع قيس على معاونته، وضع المراصد لئلا يخرج أحد منهم ولا يدخل إلا ~~بعلمه، وأمر بقتل من كان من أصحاب نصر محبوسا في القهندز. PageV01P320 ### | مسير قحطبة بن شبيب بالجنود إلى العراق # وأمر أبو مسلم بجمع الناس في داره، فامتلأت الدار منهم فقال: إن الإمام ~~كتب إلي أنه قد ولى [1] قحطبة المسير بالجنود إلى العراق لما رجا من ~~كفايته، [157 ب] وعلى علم منه بأن الله كاسر قرنا من قرون الشيطان على يده ~~فمن أحب أن ينتدب معه فلينتدب. # وكان قحطبة قد توجه بكتاب أبي مسلم إلى الإمام فقام فقال: إن الإمام يقرأ ~~عليكم السلام ويقول لكم: إن الله قد قادكم إلى خير ما قاد إليه أمة من نصرة ~~آل نبيكم والقيام بحقكم والانتقام بكم من أعوان الظالمين، والفوز بالخير ~~الكثير في الدنيا والآخرة، فكبروا لذلك وعظم سرورهم به، ودعوا لقحطبة ~~بالبركة، واستبشروا بما خبرهم عن الإمام. # وخرج قحطبة، وأقام بخندق الواتحان من أبيورد حتى حسر عنه الشتاء، وأمكنت ~~الطرق، وسرب أبو مسلم إليه الجنود وبعث إليه بالسلاح [2] ، حتى إذا كان ~~النصف من شعبان سنة ثلاثين ومائة كتب إليه أبو مسلم يأمره أن يشخص بسام بن ~~إبراهيم فيمن معه إلى سرخس ومعه خازم [3] بن خزيمة. PageV01P321 ### || فتح سرخس # فسارا حتى نزلا عسكر شيبان بن سلمة الحروري الذي كان رحل عنه، فبلغ ذلك ~~شيبان فبعث إلى بسام وفدا بما كان بينه وبين أبي مسلم من العقد، فقال بسام: ~~إنا قدمنا سرخس مجتازين إلى هراة، ولسنا نريد قتال [158 أ] شيبان. وارتحل ~~بسام بمن معه يؤم هراة، فلما حاذى مدينة [1] سرخس عدل إليها، وخرج إليه ~~شيبان في نحو من ثلاثة آلاف رجل، فالتقوا، فترجل من كان مع شيبان، وبينه ~~وبين بسام نهر كثير الماء، فخاضه بسام ومن معه، واقتتلوا قتالا شديدا، وقتل ~~عامة أصحاب شيبان وانهزم من بقي إلى المدينة، ولجئوا إلى المسجد، فقتل ~~شيبان ومن بقي من أصحابه، وبعث برأس شيبان إلى أبي مسلم. ms201 وبلغ الخبر نصرا ~~فاشتد جزعه وقال: اليوم استحكم الشر على مروان، وذلك أن أهل سرخس كانوا يدا ~~واحدة على الهاشمية، فرثاهم رجل من بني حنيفة فقال: # ما بال عينك لا تنام وقد رأت ... حول المدينة من سرخس قبورا # ومصارعا لسراتنا قد قدرت ... لا يستطيع لها النحيب نشورا [2] # والطير تحجل حول نضح دمائهم ... عقبا تعاقب كلهن نسورا # قومي فقدتهم فزال لفقدهم ... جدي، ولم يك قبل ذاك عثورا PageV01P322 ### || فتح طوس # وكتب أبو مسلم إلى قحطبة أن يأتي طوس من أعلاها، وإلى القاسم بن مجاشع ~~بسرخس أن يأتيها من أسفلها [1] ، وكان بها النابي بن سويد العجلي، فلما ~~بلغه خبر سرخس كتب إلى نصر بن سيار أن يعاونه على الهاشمية ويذكره ما [158 ~~ب] كان فارقه عليه عند ممره به إلى نيسابور من أنهما يكونان يدا واحدة على ~~الهاشمية، فوجه إليه نصر ابنه تميما في فرسان مضر ومن أجابه من أهل ~~نيسابور، وكتب إليه أنه شاخص بنفسه ومن كان معه. # وكان نباتة بن حنظلة [2] قد وافى الري في جمع كثيف وقوة، وأرادوا المصير ~~إلى جرجان ليلجأ إليه فلول [3] نصر المنهزمين من أبي مسلم وفلول [3] سرخس ~~ونسا وأبيورد، وقد بلغه أن قحطبة قد صمد لطوس. فكتب نصر إلى ابن هبيرة ~~بحاله، وأنه لم يبق لهم جمع يعتمدون عليه، وسأله أن يكتب إلى نباتة بطاعته ~~وقبول رأيه في الحرب، فلما ورد كتابه على ابن هبيرة قال: # ما كنت لأولي مثل نصر على نباتة، وإنما نحن في إصلاح ما أفسد نصر، فلم ~~يجبه إلى ذلك. وبرز تميم بن نصر والنابي، ونزل قحطبة بإزائهما، وعنوا ~~خيولهم، وتزاحم القوم، فلما تدانى الصفان بعث إليهم قحطبة يدعوهم إلى كتاب ~~الله وسنة نبيه وإلى الرضا من آل رسوله، فشتموا رسوله ولم يسمعوا منه وقد ~~أعجبتهم كثرتهم، وجعلوا يقولون للهاشمية: يا عبدة PageV01P323 # الرءوس، يا مجوس، يا علوج، وأفرطوا في شتمهم، وقال لهم قحطبة، لا تجيبوهم ~~ولا تشاتموهم فإن الله ناصركم عليهم لبغيهم وعتوهم. ثم أمر قحطبة الناس أن ~~يحملوا [1] عليهم فشدوا عليهم ms202 [159 أ] شدة رجل واحد، وصبر القوم لهم مليا، ~~وقاتلوهم قتالا شديدا. ثم إن قحطبة صاح: # يا أعوان الحق شدوا على الفجار فقد شتت الله أمرهم، وتحاض الناس على ~~القتال، فهزموا تميما والنابي ومن معهما، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة، وقتل ~~تميم في المعركة، وهرب عاصم بن عمير في عدة إلى نصر، وانحاز النابي في ~~جماعة كثيرة إلى القرية، وتحصنوا في حصنها، وأحاط بهم الجند، ونادى منادي ~~قحطبة: من خرج إلينا فهو آمن ما خلا النابي. ولما خاف [2] القوم من يدخل ~~[3] عليهم عرقبوا دوابهم وألقوها على الباب، وثلموا في الحائط ثلمة تشرف ~~بهم على جرف غائر [4] في الأرض، وخرجوا منه متتابعين لا يعلم الآخر ما لقي ~~الأول، وجعل كل من خرج يهوي في ذلك الغور، فيقال إنه هلك في تلك الوهدة نحو ~~من ألفي رجل لم يمسسهم سلاح قتلوا به. وباتت الهاشمية يحرسونهم إلى الصباح ~~[5] ، فلما أصبحوا نقبوا عليهم نقبا ودخلوا عليهم منه، وقتلوا النابي ومن ~~كان بقي معه، وأتي قحطبة برأسه ورأس تميم. # وكتب قحطبة بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث إليه برأس تميم والنابي. # وكان نصر خرج من نيسابور فعسكر في قرية يقال لها موروشك [6] في نحو من ~~PageV01P324 # عشرة آلاف رجل من قيس ومن ضوى إليه من أعوان بني أمية، وخلف إبراهيم بن ~~عبد الرحمن القشيري في حشر الناس [159 ب] فبينا هو مقيم هناك إذ أتاه خبر ~~هزيمة القوم، وقيل له إن تميما والنابي محصوران، فانصرف إلى نيسابور ونزل ~~في حائط لمعقل بن عروة، ثم أتاه الخبر في آخر النهار بقتل تميم والنابي، ~~فارتحل ساعة أتاه الخبر بنوح نساء أهل نيسابور وبكائهن على من قتل من ~~رجالهن، ومضى إلى قومس [1] وخلت نيسابور من جند بني أمية وأعوانهم. # وكتب نصر إلى مروان يخبره بمصاب تميم والنابي، وارفضاض الناس عنه، وخروجه ~~عن خراسان إلى قومس. فكتب إليه مروان بإشراف نباتة عليه وإتباعه بأبي بكر ~~بن كعب العقيلي وعطيف بن بشر في جمع كثير من أهل الشام، فلينضم إليه وتكون ~~أيديهم واحدة ms203 حتى يرد عليهم ابن ضبارة في فرسان أهل الشام، وكتب إلى ابن ~~هبيرة: # أما بعد، فإن نصر بن سيار كتب إلى أمير المؤمنين بمن [2] تجمع من أعداء ~~الله من شرار العجم وسقاط العرب، ويشكو سوء إجابتك إياه، وتثاقلك عن ~~إمداده، فما أكثر استزادة أمير المؤمنين لك في كل ما يأمرك وينهاك عنه، ~~فإذا نظرت في كتاب أمير المؤمنين فسرب إلى نصر الجموع بعد الجموع، ثم ~~اتبعهم القوة بعد القوة، وسرح من ولدك أحمدهم عندك عقلا وأصحهم نية في جهاد ~~عدو أمير المؤمنين، ووله أمر ذلك الجند ومره [160 أ] بحسن [3] سياستهم ~~والرفق بهم، حتى يكون لهم كالوالد الشفيق PageV01P325 # أو المؤدب الرفيق حتى لا يدخله سأمة فيما يحاول من مصلحتهم. ثم آثرهم بما ~~يجتمع عندك من الفيء، فإنهم أحق به ممن أقام ولم يصل بالحرب، فإن أمر ~~خراسان قد تفاقم، واشتدت شوكة من تجمع هناك، واستولت السفلة على الأخيار ~~وعلى أهل الدين والحسب للذي كان الله ابتلاهم به من الفرقة والتباين، ~~فأبدلهم الله بذلك مذلة الأرباب وربوبية العبيد، وفي تعجيلك الجنود عز لأهل ~~الطاعة، وذل لأهل المعصية. فاستدرك ما قد تفاوت من تفريطك، فإن العراق لك ~~مدد، والأموال لديك كثيرة غير مقبوضة يدك عنها، ولا يحال بينك وبينها، ~~فاجعل ما تمدهم به من مال وسلاح من قبل فارس، فإنهم إليه أسرع وعليهم أوسع. ~~وقال نصر بن سيار يرثي ابنه تميما: # نفى عني العزاء وكنت جلدا ... نكوب فجائع الحدث العظيم # وهم أورث الأحشاء وجدا ... لإجلاء الفوارس عن تميم # ومصرعه على قضب الأعادي ... يذب عن الجماعة والحريم # وفاء للخليفة وابتذالا ... لنفس من أخي ثقة كريم # فإن يك دهرنا أودى مداه ... بفارسنا المقاتل في الصميم # [160 ب] وإن يشمت بنكبتنا عدو ... فما أنا بالضعيف، ولا السئوم [1] ~~PageV01P326 ### || فتح نيسابور # ثم وجه قحطبة العكي إلى نيسابور في ألفي رجل، فقدمها العكي، ووافاه ~~القاسم بن مجاشع في خيله، ثم شخص قحطبة إلى نيسابور، واستخلف على طوس عبد ~~الجبار بن عبد الرحمن. وقدم قحطبة نيسابور آخر يوم من ms204 شعبان سنة ثلاثين ~~ومائة، فآمن الناس جميعا، ولم يكشف أحدا عن شيء، ونادى مناديه بالأمان إلا ~~لرجل حضر مقتل يحيى بن زيد، ودعاهم إلى البيعة، فحضره وجوههم، فأخذ البيعة ~~عليهم، ثم كلم بعد فيمن استثنى ممن شهد مقتل يحيى بن زيد فآمنهم جميعا. ~~وصرف القاسم بن مجاشع إلى أبي مسلم في خاصة أصحابه، وكتب قحطبة إلى أبي ~~مسلم بدخوله نيسابور، وما فتح الله عليه، فعظم سروره وسرور من معه بذلك. ~~وأقام قحطبة بنيسابور في أخذ البيعة شهري [1] رمضان وشوال، وبعث إلى رساتيق ~~نيسابور في أخذ البيعة على أهلها، وبسط لهم الأمان، ووجه محرز بن إبراهيم ~~وأبا كامل في ألفي رجل إلى بيهق [2] وجعله مسلحة بها ليقطع به طمع نصر بن ~~سيار. PageV01P327 ### || فتح جرجان # وسار نباتة بن حنظلة من الري إلى جرجان، واستخلف على الري أبا بكر بن كعب ~~[161 أ] العقيلي، ووافى جرجان، وأمر بعرض جنود خراسان، فدعا بنصر بن سيار، ~~فقال عاصم: حلقوا [1] على اسمه، وحلق على من لم يوافقه [2] من جند خراسان ~~[3] ، وخندق على مدينة جرجان. وبلغ نصرا إسقاط نباتة اسمه واسم من معه ~~فقال: هذا عن رأي ابن هبيرة، ولئن ظن ابن القرعاء أني أقاتل عنه وأنقاد ~~لنباتة لبئس ما ظن، وأقام بقومس. وكتب أبو مسلم إلى قحطبة أن يمضي إلى نصر ~~ويصمد [4] صمده، فأبي أن يفعل ذلك، وكتب إليه: ما كنت أمضي إلى نصر وهو فل ~~[5] ، وأدع خلفي نباتة في فرسان أهل الشام وأهل خراسان، ولكني أمضي لجرجان، ~~فإن أظفر الله بنباتة فما أيسر أمر نصر. فكتب إليه أبو مسلم: الرأي رأيك، ~~امض لما رأيت [6] ، فوجه عند ذلك الحسن بن قحطبة إلى جرجان، وضم إليه من ~~كان مع القاسم بن مجاشع. وأوقع الحسن بن قحطبة ببعض مسالح نباتة فقتلهم، ~~وأخذ خيلهم وسلاحهم، وكتب بذلك إلى قحطبة، فسار قحطبة إلى جرجان، فخرج إليه ~~خلق كثير قد سودوا في الأمان. وخرج إليه PageV01P328 # نباتة فيمن معه من أهل الشام، ومن انضاف إليه من عرب خراسان، فقال قحطبة: ~~نبدؤهم بالحجة، ms205 فندعوهم، ثم دعا السري الجعفي فقال له: # اخرج إلى هذا الطاغية فقل له: إنا ندعوك إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى ~~الله عليه وسلم وإلى الرضا من آل رسوله، لا نستأثر عليك، لك ما لنا وعليك ~~ما علينا، [161 ب] فمضى حتى دنا من صفهم فقال: أتؤمنوني حتى أكلمكم؟ # قال: ونباتة يسمع، فقال: أنت آمن فقل ما شئت. فقال السري: هذا الأمير ~~قحطبة يدعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى الرضا من آل رسوله صلى الله ~~عليه وسلم، على ألا يستأثر عليكم، ولكم ما له، وعليكم ما عليه. # قال نباتة: تعسا لك! ألهذا جئتنا؟ وقال بعض أصحابه: نحن ندعوكم [1] إلى ~~الله، وإلى الخليفة مروان وإلى الرزق والعطاء الجاري، هذا الأمير نباتة ~~صاحب وقعة يوم الأهواز، وله وقائع عظام في أهل الشقاق، قد بسط لكم الأمان، ~~وهو يعرضه عليكم. فانصرف السري فخبر قحطبة، فتهيأ القوم للحملة، فإذا فارس ~~قد أقبل من الميمنة فدنا من قحطبة فقال: أيها الأمير! ينادي مناديك الساعة ~~في موقفك، وتبعث بذلك إلى الأبواب كلها: إن من دخل داره من أهل جرجان فهو ~~آمن، فإني أرجو أن يرفض عنه [2] كثير من الناس. قال قحطبة: سرك الله وبرك، ~~أصبت وأحسنت، ناد: من دخل داره من أهل جرجان وأغلق بابه فهو آمن. فلما نودي ~~به في كل الأبواب تسلل خلق كثير، ونباتة واقف لم يتحلحل من موضعه. قال: # وأقبل رجل من داخل المدينة فدنا من نباتة فكلمه بشيء فمال [3] إليه برأسه ~~يتفهم كلامه ثم استوى على دابته وكلم إنسانا يليه وعطف [162 أ] بفرسه ~~PageV01P329 # راجعا إلى المدينة. قال: فقال عامر [1]- وهو الذي أشار بالنداء- انهزم ~~القوم ورب الكعبة. ونادى قحطبة أن احملوا، فحملوا [2] ، وانهزم القوم، ودخل ~~أهل الشام المدينة، وأغلقوا الأبواب دون من كان معهم من فلال خراسان، ودخل ~~الحسن بن قحطبة والعكي المدينة، وثبت لهم سالم [3] بن راوية التميمي ~~وقاتلهم طويلا ثم قتل. ولم يلبث قحطبة أن فتح الباب الذي كان نباتة واقفا ~~عليه، ودخل الجند فقتلوا نباتة وقتلوا ابنه ms206 حية، وقتلوا الخطاب بن البحتري ~~التميمي، وضرار بن المهلب، واستولى قحطبة على المدينة من يومه وهو يوم ~~السبت لثلاث خلون من ذي الحجة سنة ثلاثين ومائة. وأمر قحطبة برفع السيف عن ~~الناس، ولم يتعرض [4] لأحد أغلق بابه عليه، وهرب أكثر قواد نباتة، ونودي في ~~الناس بأمانهم وأخذت [5] البيعة عليهم. وكتب قحطبة بالفتح إلى أبي مسلم، ~~وبعث إليه برأس نباتة ورأس ابنه حية ورأس ضرار ابن المهلب وسالم بن راوية، ~~وكتب إليه يخبره ببلاء أهل جرجان، ووصف اجتهاد من كان معه منهم ومسارعة من ~~قدم عليه من عوامهم إلى الدعوة، وإنه لم يبل أحد ممن كان معه بلاءهم. ونادى ~~قحطبة: من أراد الفرض والجهاد في دعوة آل محمد فلينتدب، فسارع [6] أهل ~~جرجان إلى ذلك، فلم تأت عليهم [162 ب] خامسة حتى أفرض خمسة آلاف رجل. وخرج ~~رجل PageV01P330 # من غني أو باهلة عند ما أوقع الله بنباتة، وتشبه بالمجوس، وحلق لحيته، ~~وشد كستجا على وسطه، وأتى نصرا وهو بقومس فخبره بمقتل نباتة، فارتحل من ~~قومس، فنزل الخوار [1] ، وعظم عنده ما أوقع بنباتة وأصحابه، واستيلاء قحطبة ~~على جرجان. ### || فتح قومس # ووجه قحطبة، وهو بجرجان، الحسن بن قحطبة على مقدمته إلى قومس، فشخص في ~~أول المحرم سنة إحدى وثلاثين ومائة، فسار الحسن حتى نزل بسطام [2] مدينة ~~قومس، وألفى بها محرز بن إبراهيم ومعه أبو كامل وأبو العباس المروزي، ~~فصاروا جميعا مع الحسن. فوجه الحسن أبا كامل إلى سمنان [3] ، وبينه وبين ~~عسكر نصر بضعة عشر فرسخا، فلما دنا من عسكره، بعث إلى نصر من يخبره بمجيئه ~~فيمن جاء معه من الهاشمية، وسأله أن يبعث إليه جندا كثيفا يمكنهم منهم، ~~فبعث نصر عاصم بن عمير السمرقندي في خيل وحاتم بن الحارث وغسان بن علي بن ~~معقل في وجه آخر، فهجموا على الهاشمية فأحاطوا بهم من كل وجه، ونكس أبو ~~كامل علمه، ولحق بالقوم فيمن شايعه على أمره من خاصة أصحابه [4] ، فأسقط في ~~يدي من بقي، وقيل لهم: من ألقى سلاحه فهو آمن، فألقوا أسلحتهم، [163 أ] ms207 ~~وأخذوا PageV01P331 # خيلهم وسلبوهم سوادهم [1] ، وسيقوا فأدخلوا حائطا حصينا فكانوا فيه. # وبعث إلى نصر بعدة منهم، فمناهم ووعدهم أن يفرض لهم في شرف العطاء ويحسن ~~إليهم، وصرفهم إلى إخوانهم في ذلك الحائط ليخبروهم برأيه فيهم، ووضع عليهم ~~الرقباء ممن كان معه من أهل خراسان، وأقاموا يومهم ذلك، فلما جن عليهم ~~الليل رأى رجل منهم ثلمة يمكنه الخروج منها، فدعا أصحابه إلى ذلك، فتابعه ~~على ذلك عامتهم، وعالجوا تلك الثلمة حتى خرج عامتهم، وبقيت منهم بقية لم ~~يقدروا على الخروج من الضعف والضر، وطلب من خرج من الغد، فلم يدركوا، فذهب ~~بمن بقي إلى نصر، وبعث بهم نصر إلى ابن هبيرة، وبعث بهم ابن هبيرة إلى ~~مروان. ولما انتهى خبر أبي كامل [وما لقي من كان معه] [2] إلى الحسن بعث ~~خازم بن خزيمة على مقدمته إلى سمنان، ينزل [3] بها ولا يبرحها، وضم إليه ~~ثلاثة آلاف رجل، فأقام بها نحوا من عشرين ليلة. وبعث نصر مسالح من أهل ~~الشام، فبعث الحسن إليهم خيلا، فبيتوهم، وغنموا ما كان معهم من دوابهم ~~وسلاحهم، وبلغ ذلك نصرا، فارتحل إلى الري وألفى بها أبا بكر بن كعب واليا ~~عليها قد بعثه ابن هبيرة. وكتب الحسن بن قحطبة إلى قحطبة بما كان من أمر ~~أبي كامل فبعث إليه قائدا من قواده وأعلمه أنه قادم وأمره ألا يتحرك إلا أن ~~يرى فرصة [163 ب] فينتهزها. # وأقام قحطبة بجرجان بقية ذي الحجة والمحرم حتى جبى [4] شيئا من خراج ~~جرجان وقسمه فيمن كان معه. PageV01P332 ### || فتح طبرستان # ولما جبى قحطبة جرجان وقسمه في أصحابه بعث خالد بن برمك إلى أصبهبذ [1] ~~طبرستان يدعوه إلى الطاعة فأجاب إلى ذلك، وضمن أن يحمل صلحه [2] ، فكتب ~~بذلك إلى أبي مسلم، وكان ذلك أول ما حرك من أمر خالد. # فاستخلف أسيدا [3] على جرجان، وشخص إلى الري، وكان كلما فتح بلدا خلف به ~~أسيدا، ثم يبعث إليه أبو مسلم عاملا ثم يلحق أسيد بقحطبة [4] ، فلما قدم ~~بسطام، وبها الحسن، أمره أن يتقدم فيمن معه إلى الخوار، فتقدم الحسن ms208 ونزل ~~الخوار. وبلغ ذلك نصرا فخرج من الري نحو همدان، وبلغنا أن أبا بكر بن كعب ~~وعطيف [5] بن بشر قالا له: أقم ونحن معك حتى تلقى هؤلاء القوم فإن جماعتنا ~~حسنة، فقال: تركتموني حتى صرت جسرا، قلتم: أقم، شأنكم بالقوم، أما أنا فقد ~~أعذرت. فقال له حبيب بن بديل [6] : # إن ابن هبيرة يقول لك: أقم بموضعك فقد أظلتك الأمداد، فأبى أن يقيم، وخرج ~~إلى همدان، وخرجت خيول مروان وفيهم أبو بكر بن كعب وعطيف [7] ابن بشر وحبيب ~~بن بديل، في جمع كثير قد تشتت أمرهم وتخاذلوا فلحقوا بعامر [164 أ] ابن ~~ضبارة. PageV01P333 ### || فتح الخوار والري وموت نصر # وبلغ ذلك قحطبة، فشخص وكتب إلى الحسن يأمره أن يمضي إلى الري، فمضى الحسن ~~ولحقه قحطبة قبل أن يدخلها، فدخلها في صفر سنة إحدى وثلاثين ومائة عفوا لم ~~يقاتل عليها. ومضى نصر وهو يريد همدان، وهو مريض شديد المرض، فلما صار ~~بساوة [1] هلك [2] بها يوم الأحد لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ~~سنة إحدى وثلاثين ومائة. وبلغنا أنه كان استخلف سيارا ابنه على جنده، وأمره ~~ألا يقطع أمرا إلا بأمر علي بن معقل الحنفي. فلما هلك نصر تفرق أصحابه ~~فلحقت فرقة منهم بالبصرة وفرقة بابن ضبارة، وثبت بقيتهم مع سيار بن نصر بن ~~سيار. فأقام قحطبة بالري، وكتب إلى أبي مسلم بما صنع الله له، وسهل الأمور ~~عليه، وبما انتهى إليه من وفاة نصر، وبلغ ابن هبيرة وفاة نصر ونزول قحطبة ~~بالجنود الري فأعظم ذلك. وأقام قحطبة بالري نحوا من خمسة أشهر، فلا يخرج ~~أحد من الري ولا يدخلها إلا بإذنه وجوازه. PageV01P334 ### || فتح أبهر [1] # وبلغ قحطبة أن بدستبى [2] قوما من الخوارج والصعاليك، قد تجمعوا هناك، ~~فوجه إليهم أبا عون في أهل جرجان، فخرج حتى نزل أبهر من دستبى، ثم توجه إلى ~~الخوارج ومن تلفف إليهم، فدعاهم إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه ~~وسلم [164 ب] وإلى الرضا من آل رسوله، فلم يجيبوه، وقاتلوه فظفر بهم بعد ~~قتال شديد، وتحصن ms209 عدة منهم حتى آمنهم أبو عون فخرجوا إليه، وأقام معه عدة ~~وافترضوا، وانصرف بقيتهم إلى أوطانهم [3] . فكتب إلى قحطبة بذلك، وكتب إليه ~~يأمره بالمقام في موضعه، وبث خيوله فيما يليه، وبسط الأمان لمن أتاه، وتألف ~~الناس. فأقام أبو عون بمدينة أبهر نحوا من ثلاثة أشهر، وبلغ قحطبة إقبال ~~مالك بن أدهم فيمن أقبل معه من أهل الشام، وانضمام سيار بن نصر وعلي بن ~~معقل في أصحاب نصر إليه وما اجتمعوا عليه من التوجه إلى همدان. ### || فتح همدان # فتوجه الحسن بن قحطبة على طريق المحجة إلى همدان في أهل مروالروذ، فيهم ~~خازم بن خزيمة وخفاف والأغلب وغيرهم من القواد، فشخص الحسن PageV01P335 # وقد أقبل مالك [1] يريد همدان، فلما بلغوا قلعة التستر [2] أتاهم أن ~~الحسن قد نزل همدان فيمن معه، فعدل إلى نهاوند [3] ودخلوا [4] مدينتها، ~~وتحصنوا فيها طمعا في ابن ضبارة. فبلغنا أن النضر [5] بن حميد اللخمي، وكان ~~في ذلك الجند، قال لهم: ما إدخالكم أنفسكم في الحصار وفيه المذلة والصغار، ~~ولنا [6] أن نكون بساوة على ظهور خيولنا فإن طمعنا في ابن ضبارة ملنا إليه، ~~[165 أ] وإن أبطأ عنا لحقنا بابن هبيرة، إنه والله ما صار أحد إلى الحصار ~~إلا خزي وذل. فأبى القوم أن يجيبوه، فقالوا: نكون في حصن فقد أظلنا ابن ~~ضبارة، فإذا دنا خرجنا إليه. وانتهى إلى الحسن خبرهم، فكتب إلى قحطبة يخبره ~~بذلك، وكتب إليه يأمره بالمسير إليهم وبمحاصرتهم، وأمده بألفي رجل فيهم ~~الجهم [7] بن العلاء في ألف وثلاث مائة رجل. ### || حصار نهاوند # فشخص الحسن حتى نزل نهاوند وحاصر القوم بها، فأشار بعضهم بالخروج إليه، ~~وأبى الأكثر أن يخرجوا [8] حتى يقرب منهم ابن ضبارة. PageV01P336 # وبلغ أبا سلمة ما دبر ابن هبيرة [1] في ابن ضبارة وما صنع مروان فيمن وجه ~~من الجنود، فكتب إلى أبي مسلم يخبره بذلك، وأن يسرب الجنود إلى [2] قحطبة ~~[3] وكتب أبو سلمة إلى قحطبة يأمره بالتأني حتى يستكشف أمره، وبعث بكتابه ~~إليه مع أشيم بن دعيم المسلي، فقدم الري، فألفى قحطبة قد أراد الخروج وأن ms210 ~~يتقدم، فلما قرأ كتاب أبي سلمة أقام بالري حتى قدمت الجنود إلى قحطبة قائدا ~~في اثر قائد حتى سرب إليه أحد عشر قائدا في نحو من عشرة آلاف رجل. وأراد ~~أبو مسلم أن يكون ردءا لقحطبة ومن [4] معه وأن يقرب من مغاثهم إن نكبوا مع ~~ما أحب من تنحية علي بن الكرماني عن مرو وبلاد قومه لما هم به من قتله وقتل ~~أصحابه، فسار [165 ب] أبو مسلم من مرو إلى نيسابور [5] في زهاء أربعين ألف ~~رجل ومعه علي بن الكرماني، يصلي أبو مسلم خلفه ولا يقطع أمرا دون عرضه عليه ~~ورضاه به. ووجه أبو مسلم على مقدمته العلاء بن حريث الخزاعي، فلما قدم سرخس ~~أمر العلاء أن يقيم بها، واستعمله عليها، وجعل مكانه على مقدمته أبا سعيد ~~بن معاوية ابن يزيد بن المهلب، فقدم أبو مسلم نيسابور في صفر سنة إحدى ~~وثلاثين PageV01P337 # ومائة، ثم قفل إلى مرو. وانتهى الخبر إلى أبي مسلم بصدوف [1] ابن ضبارة ~~وداود في أهل الشام عن الطريق الذي كان أشفق أن يدخلوا عليه من قبل سجستان ~~والطبسين لأنهم كانوا هموا أن يمروا من كرمان على سجستان حتى يدخلوا خراسان ~~[2] ثم عدلوا إلى أصبهان فسر أبو مسلم بذلك. ### || فتح قم [3] # نو بلغ قحطبة إقبال ابن ضبارة، فوجه العكي في أربعة آلاف رجل إلى قم فشتا ~~بها، ثم أتبعه بموسى بن عقيل وحباس بن خبيب. ووجه قحطبة عمرو بن حفص العتكي ~~[4] في خيل ضمها إليه الى أصبهان وأمره أن يتطرق [5] خيول ابن ضباره ويكتب ~~إليه بأخباره فإن دهمه أمر لا يقوى عليه انصرف إليه، فسار عمرو حتى نزل ~~رستاقا من أصبهان يسمى أنار [6] . وأقبل ابن ضبارة [166 أ] فلما صار إلى ~~أصبهان بلغه موضع عمرو منها، فوجه إليه قائدا من قواده يقال له عبد الرحمن ~~بن حكم المري في ثلاثة آلاف PageV01P338 # فارس، فبيتوه وقتلوا عدة من أصحابه فنجا عمرو وتحصن في قرية من [1] ~~أصبهان تدعى نميور. وبلغ قحطبة ما لقي عمرو، وكان قد وكل عامر بن إسماعيل ms211 ~~بالطرق ما بين الري وهمدان، وأمره أن ينزل قصر تستر [2] ، ويضع المسالح، ~~وكتب إلى عامر هذا أن يتقدم إلى أصبهان، وكتب إلى العكي يأمره أن يوجه إليه ~~رجلا في خمس مائة فارس، وكتب إلى أبي عون أن يوجه إليه رجلا في خمس مائة ~~أخرى، فوجه إليه العكي المخارق بن غفار [3] ، ووجه أبو عون أبا الجند ~~الأعور، وتوافي المخارق وأبو الجند [4] إلى عامر بن إسماعيل. ثم كتب قحطبة ~~إلى أبي عون وهو [5] بأبهر [6] أن يتوجه من موضعه فيمن معه حتى ينزل قرية ~~تسمى أبة [7] من أصبهان، وكتب إلى العكي وإلى عامر بن إسماعيل: # إن دهمهم من عدوهم ما لا قوة لهم به أن ينضموا إلى أبي عون ويطيعوه. ### || فتح أصبهان # وبلغ قحطبة إقبال ابن ضبارة، فأمر أبا الجهم بعرض الجند، وإحصاء من كان ~~قدم معه من أهل نسا وأبيورد وجرجان ومروالروذ، فبلغوا نحوا من ثلاثين ألف ~~فارس [8] سوى من قدم على قحطبة بالري من القواد الذين PageV01P339 # ذكرناهم، فلما فرغ من [166 ب] العرض أمر بأرزاقهم، وتهيأ للتقدم إلى ~~أصبهان. وأقبلت خيل من ابن ضبارة مع رجل من بني مرة يقال له عجرة، في نحو ~~من سبعة آلاف رجل يريدون عامر بن إسماعيل، وهو أدنى جند الهاشمية اليهم، ~~فأمر عامر المخارق أن يخرج في أصحابه، فيقف على شرف بينه وبين العسكر قدر ~~ميل، فخرج المخارق، فأتاه رجل من أهل القرية وهو مرعوب فقال: رأيت خيل أهل ~~الشام من وراء هذا الشرف نزولا يسقون دوابهم فارتفعت عنهم، وجئت إليكم ~~أعلمكم، فأمر بالتهيؤ، وركب وعبأ أصحابه. فلم ينته المخارق إلى ذلك الشرف ~~حتى رأى رهج القوم، فأرسل إلى عامر يخبره بذلك، ثم وقف حتى تبينهم وتبين ~~راياتهم فانصرف إلى عامر فأخبره، فبرز من القرية، وعبأ أصحابه، ووضع ~~الميمنة والميسرة والكمين. قال: فلما كان بين العسكرين [1] نحو من غلوة ~~وقفوا، وأقبل رجل منهم حتى إذا كان حيث يسمع كلامه قال: يا معشر المسلمين! ~~اتقوا الله وراجعوا جماعتكم، ولكم الأمان على ما أحدثتم في هذه الفتنة، ms212 ~~ولكم العطاء والرزق الواسع. فقال عامر: يا قتيبة! كلمه، وقتيبة كاتبه ~~يومئذ، وادعهم [2] إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى الرضا من آل رسوله. # فكلمه قتيبة، وكان متكلما، فقال: إنا والله [167 أ] ما ننازعكم دنياكم، ~~وما عليها نقاتلكم، ولكنا ندعوكم إلى كتاب الله وسنة نبيه وإلى الرضا من ~~أهل بيته، فإن قبلتم كنا وأنتم متعاونين على.. [3] فقال المتكلم من أهل ~~الشام: هذا كلام، ثم حمل القوم علينا حملة رجل واحد، فتضعضعنا، ولم ننهزم، ~~فصاح بنا عامر، وكان صيتا في الحرب: يا معشر المؤمنين! PageV01P340 # أنتم أولى مؤمنين [1] لقوا الكافرين، اصدقوهم الحملة، فقد هزمهم الله. ~~قال: # فشددنا عليهم، وحمل [2] صاحب الكمين، فلما عاينوا الكمين، وقد صدقناهم ~~الحملة، ولوا منهزمين، وقتلنا منهم نحوا من سبع مائة رجل، وكانوا على خيول ~~مطهمة فنجوا عليها، وحوينا أثقالهم. وكتب إلى أبي عون والعكي، بما صنع الله ~~بهم، وكتب إلى قحطبة يخبره بما صنع الله لهم، فلما ورد الكتاب على قحطبة ~~وقرأه قال: الله أكبر، وكبر الناس حتى ارتج العسكر [3] بالتكبير، ثم انفتل ~~فسجد طويلا، وكتب بذلك إلى أبي مسلم. # وورد عليه كتاب الحسن بن قحطبة يخبره أن ابن ضبارة يريد أن يجتمع هو وأهل ~~نهاوند على محاربته ويسأله أن يمده بالرجال، فلما بلغ الخبر ابن ضبارة، وجه ~~خيلا عظيمة مع أبي بكر بن كعب العقيلي، وكان لحق به حيث خرج إلى الري، ~~فأقبل حتى نزل التيمرة الكبرى، وخندق على نفسه ولحق أصحابه، فكتب عامر بذلك ~~إلى أبي عون [167 ب] وإلى العكي، فوافاه أبو عون ومن معه، وزحفوا جميعا إلى ~~خيل ابن ضبارة، فالتقوا بالتيمرة فاقتتلوا حتى حجز بينهم الليل، وانصرفت ~~الهاشمية إلى عسكرهم، وانصرفت خيل ابن ضبارة فتركوا خندقهم ولحقوا بابن ~~ضبارة. وأصبحت الهاشمية، فبلغهم جلاء عدوهم عن خندقهم فتحولوا إليه ونزلوه، ~~وكتبوا بذلك إلى قحطبة، ولم يبرح العكي من موضعه بقم، وذلك أنه بلغه أن خيل ~~الشام قد توجهت إلى قم، فأقام لذلك. # وأقبل ابن ضبارة، وداود بن يزيد [4] بن عمر بن هبيرة في ms213 جمع PageV01P341 # عظيم من أهل الشام وأهل الجزيرة [1] ، وبلغ ذلك قحطبة، فكتب إلى أبي مسلم ~~يخبره بجد ابن ضبارة في لقائه، وأنه شاخص نحوه، وسأله أن يضع بقومس رجلا ~~يضبط ما بينه وبين الري وطبرستان ودنباوند [2] ، ويضع بالري رجلا جليدا في ~~جند كثيف يأخذ بطرق ما بينها وبين أذربيجان ونهاوند ويقوي بذلك من معه من ~~جنده، ويقوي به الحسن في موضعه، وإن الذي منعه من إحكام ذلك ببعض من معه ~~حاجته إلى الجند لما أتاه من كثرة من مع ابن ضبارة. فوجه أبو مسلم أبا ~~الربيع إبراهيم بن الحسن البخاري في مائتي رجل إلى قومس وأمره أن يحتفظ ~~بالطرق، ويضع المسالح فيما بينه وبين طبرستان ودنباوند لتأمن بها الرسل ~~ويبذرق القوافل، ووجه [168 أ] موسى بن كعب إلى الري في ألف وثلاث مائة رجل، ~~وأمره أن يضع المسالح فيما بينه وبين أذربيجان على طريق المحجة، وقد كانت ~~بين موسى وبين صاحب دنباوند وقعة هزم فيها وأصيب أصحابه، ووجه أبا الحكم ~~عيسى ابن أعين في ألفي رجل إلى همدان وأمره أن يوجه إلى من بأذربيجان من ~~الخوارج وغيرهم ويضع المسالح فيما بينه وبين عسكر قحطبة، وعلى المحجة، ~~لتأمن الرسل والقوافل. وقدم ابن ضبارة وداود أصبهان فيمن معهما من أهل ~~الشام، وقد كان بينهما تنازع في المقام والمسير وكان ذلك مما أوهن أمرهما. # وقيل لابن ضبارة: إن القوم غير تاركيك وإن تركتهم، فدخولك عليهم في ~~سلطانهم أهيب في صدورهم، فلحقه داود فسارا جميعا. وبلغ قحطبة ورودهما ~~أصبهان، وقد كان قدم عليه أسيد، وولى أبو مسلم مكانه على PageV01P342 # جرجان مصعب بن قيس [1] ، فاستخلف قحطبة أسيدا على الري وشخص في رجب سنة ~~إحدى وثلاثين ومائة فيمن كان معه، وأخذ في طريق وعر اختصره، وقطع مفازة ~~قارص [2] مبادرا لابن ضبارة، وسلك عقبة بينه وبين أصبهان فقطعها وصار الذي ~~بينه وبين العكي [3] ثلاثة فراسخ، وأرسل إلى أبي عون وهو منه غير بعيد ~~فأقبل إليه أبو عون ومعه عامر بن إسماعيل. وبلغ ابن ضبارة دنو قحطبة منه، ~~فأقبل ms214 وداود معه [168 ب] يريدان قحطبة، فانتهيا إليه، فلما كان بينهما ~~فرسخ، نهض إليهما قحطبة على رقة من الجند وكثرة من الوجل، وخلف على أثقاله ~~[4] أبا شراحيل [5] في الآزادمردية [6] ، وقال له: عبئ [7] أصحابك، وكن ~~معدا، فإذا رجعنا وكان بيننا وبينكم [8] قدر غلوتين فازحف في أصحابك وكن ~~وراء ظهورنا لتكون ردءا لنا. ### || وقعة جابلق [9] # ثم إن قحطبة عبأ الناس وجعل على ميمنته العكي، وعلى ميسرته أبا غانم عبد ~~الحميد بن ربعي [10] ، وجعل عامر ابن إسماعيل خلفه مع أبي شراحيل ~~PageV01P343 # ليكون ردءا لهم، ووقف قحطبة في أصحابه على تعبئة. وأقبل ابن ضبارة، فلما ~~نظر إلى قحطبة نزل وألقى أثقاله، وخرج فصف أصحابه، وجعل على ميمنته محمد بن ~~نباتة وعلى ميسرته عطيف بن بشر، ونصب علما أصفر، ونادى مناديه: من أتى هذا ~~العلم فهو آمن. وأمر قحطبة شجرة الكندي فنادى: ندعوكم إلى العطاء والرزق. ~~قال قحطبة: يا معشر المسلمين! شدوا كشداتكم الكريمة [1] يجمع الله لكم بها ~~خير الدنيا والآخرة، فبلغنا أن العكي، وهو في الميمنة كان أول من حمل على ~~ميسرتهم، وفيها داود [ابن هبيرة] [2] فثبتوا قليلا، ثم كشفهم، ودخل العسكر، ~~وحمل قحطبة وهو في القلب فأزال من يليه ودخل العسكر. وكان ابن ضبارة [169 ~~أ] جالسا في فسطاطه قد وضعت بين يديه البدور [3] ونادى [4] مناديه: من جاء ~~برأس فله مائة [5] درهم، فقتل ابن ضبارة وما تحلحل عن موضعه، وحمل محمد بن ~~نباتة على أبي غانم وهو في الميسرة حملة شديدة، وجعل ينادي: يا أبناء ~~الأحرار! إنما هم الأغتام، وسقاط العرب، فهزم الميسرة هزيمة شديدة، وخلوا ~~لهم موقفهم. فزعم القاسم بن الوليد قال: صاح عامر يومئذ: يا فتيان! أعينوا ~~إخوانكم، فشددنا عليهم فثبت لنا محمد بن نباتة، وقاتلنا قتالا شديدا، وجعلت ~~تثوب إليه العدة بعد العدة من أهل الشام، ثم إن سالما صاحب لواء عامر شد ~~على رجل منهم يقال له عجرة، وكان على مقدمة ابن ضبارة، فلما هزم القلب مال ~~إلى محمد بن نباتة وكان فارس القوم، فطعنه في فخذه PageV01P344 # فولى هاربا ms215 وسقطت راية كانت في يده فتناولها أبو الأسد الأعمش فكان مع ~~شراحيل فرفعها منكوسة. قال القاسم، كاتب عامر: اعتور عجرة أسد [1] بن ~~المرزبان وسالم صاحب لواء عامر فطعناه جميعا وجعل الهزبر يرتجز ويقول: # لتجدني بالأمير برا ... وبالقناة مدعسا مكرا # إذا عطيف الأسدي فرا ... جاءوا يجرون البنود جرا # صهب السبال يبتغون الشرا # [169 ب] قال: وبينا هم كذلك إذ صاح صائح، وقد رفعت راية عجرة منكوسة: قتل ~~ابن ضبارة، فارفض القوم ووقفوا غير بعيد. وصاح صائح: القوا [2] الفسطاط، ~~فلما ألقي استحقت الهزيمة [3] ، فولى القوم جميعا منهزمين إلى جي [4] ، ~~وانتهب من قدر على الانتهاب [5] من أهل الشام العسكر، وأصابوا مالا كان مع ~~ابن ضبارة لجنده فتمزقوه. وأتي قحطبة برأس ابن ضبارة فقال العكي: لله بلادك ~~أي مسعر حرب وكريم كنت، وإن كنت على ضلال، مثلك فلتلد النساء لا [6] كنصر ~~بن سيار منتقلا من جحر إلى جحر حتى قتله الله غما. PageV01P345 # وكانت الوقعة بجابلق [1] من أرض أصبهان يوم السبت لسبع بقين من رجب سنة ~~إحدى وثلاثين ومائة. واحتوى قحطبة على عسكر ابن ضبارة وما فيه، فبلغنا أنه ~~أحصي ما أصابوا فيه من النساء فبلغن بضعة عشر ألف امرأة، حرائر قد سباهن ~~أهل [2] الشام من القرى والمدائن التي كانوا يمرون بها، فلم يعرضوا لحرة ~~أصابوها، وخلاهن قحطبة وصرفهن إلى أوطانهن. # وتصدع أهل الشام عن أصبهان وقفرت بهم الطرق حتى انتهوا إلى ابن هبيرة، ~~وهو معسكر بالمدائن، وفي ذلك يقول الشاعر: # سما عامر المري في يوم جابق [3] ... بزحف بني مروان يطلب بالذحل [4] # [170 أ] إلى فئة جادت لآل محمد ... بأنفسها يوم الكريهة والمحل # هنالك عبا قحطب الخير جمعه ... وجرد سيف الحق فيهم على رسل # وشد عليهم شدة صيلمية ... تبدد منها جمعهم خيفة القتل # وكان [5] له العكي خير مؤازر ... يحوط جناح القلب بالخيل والرجل # فما لبث العكي أن هد ركنهم ... ببيض رقاق الحد محدثة الصقل # وما خار فيها عامر حين عردت [6] ... كتائبنا خوف الأسنة والنبل # حمى ميسرتنا [7] أن تضام وإنما ... تكشف أخيار الكماة لدى الفعل # بفتيان ms216 صدق ليس فيهم مواكل ... ولا نأكل في الجد منهم وفي الهزل ~~PageV01P346 # فما لبث المري أن فض جمعه ... وأصبح مسلوب الإمارة والشمل # فكم تركوا في عسكر الشام من فتى ... ومكتهل بادي السفاهة ذي جهل # وغودر في قاع من الأرض صفصف ... بمصرع ذل لا كبير ولا سهل # تعاوره عوج الضباع وتارة ... تظل إليه الطير تسرع في الحجل # وكم راح نحو الشام يبغي حميمه ... وباكية تبكي أخاها على ثكل # سقى الله قوما من خراسان أدركوا ... تبولهم [1] عند الغواة أولى الخبل # فقد قرت العينان إذ قيل قوضت ... كتائب أهل الشام تهوي إلى الأصل # [170 ب] وقال في ابن ضبارة المري، ويقال قيلت في الحكم بن يزيد الأسدي ~~حين قتل بكرمان، وهو عامل لابن هبيرة عليها، قتله تميم بن عمر التميمي حين ~~وجهه إليه أبو مسلم: # لحي الله قوما أسلموك وجردوا ... غناجيج [2] أعطتها يمينك ضمرا # أما كان فيهم من أخ ذي حفيظة ... يرى الموت في بعض المواطن أعذرا # يكر كما كر الشجاع بمهرة ... وما كر إلا خشية أن يعيرا # ألا لا فتى بعد الركين لدى [3] الوغى ... ولا خير إلا قد تولى وأدبرا # فلم أر يوما كان أقبح منظرا ... وشلو أبي الهيدام دام معفرا # تعاوره عك وطي ومذحج ... ببيض تقد البيض قدا مشهرا # وقال العكي في قحطبة: # لله قحطبة المأمون من رجل ... ماذا به كان للأعداء يدخر PageV01P347 # لما تورده المري مقتدرا ... أعطى المفازة قودا وهو مقتسر [1] # فكم لقحطب [2] في قيس وإخوتها ... من المآثر إذ حازوا [3] وإذ كثروا # أبادهم بسيوف غير ناقصة ... عن العدو وإن قلوا وإن كثروا # وقال رجل من بني فزارة: # [171 أ] لحي الله طيا في الرجال فإنها ... إلى الكفر تعشو كالليوث ~~الهواصر # تريد زوال الملك عن مستقره ... وتوقد نيران الحروب المساعر # فما ولدت طيا ومذحج حرة ... ولا حاولت بالرشد إحدى المفاخر # فأجابه عبد الله بن عمير المسلي: # أتسمو إلى طي ولولا ضرابها ... لمالت قناة الدين بل لم تهاجر # إذا غضبوا شقوا السماء تكاثرا ... وأظلم أفقاها على كل ناظر # وهدوا الجبال الشم هدا ونهنهوا ms217 ... كواكب إلا [4] يمسكوها تناثر # قال: ويقال هي لابن المقفع: # أجدك يا نفس هل تعلمين ... جديدا على الدهر يبقى جديدا # وهل كان للناس قبلي بقاء ... فأرجو البقاء وأبغي المزيدا # وهل ذقت من طعم طول الحياة ... إلا مرارا وعيشا زهيدا # وإلا حلاوة وعد الغرور ... رجاء كذوبا ونفسا كنودا # وبعد الكرامة تلقى الهوان ... وبعد الأحبة تبقى فريدا PageV01P348 # وكنا أناسا رزقنا زمانا ... قلوبا جميعا وبأسا شديدا # فلما ركبنا عظام الأمور ... نضيع الحقوق ونعدو الحدودا # [171 ب] لقينا عبيدا وكنا هجانا ... فآبوا هجانا وأبنا عبيدا # مررنا سراعا على عامر ... تدب الأساود دبا عنيدا # مررنا بقوم على نية ... فابنا خزايا وأوبا حميدا # فكم قد تركنا غداة الهياج ... كعابا تبكي وطفلا وليدا # وخودا أضيعت خلال الديار ... تصك الجبين وتدمي الخدودا # وتدعو الحليل بإعوالها ... وبالويل تدعو دعاء وحيدا # وما كان فيها ولا قبلها ... كداود صبرا وفي الناس جودا # يكر صبورا لوقع السيوف ... ويأبى لدى الموت إلا نهودا # فلا يبعدن أخو نجدة ... فقد رام بالقول أمرا سديدا # تعرض للموت لا ينثني ... لو ان المنايا تريد المريدا # تأخر عنه مقاديره ... ليحدث للقوم شرا جديدا # فأقام قحطبة في عسكره بعد قتل ابن ضبارة، وأحصى ما غنموا فيه، وقسمه في ~~أصحابه، وكان المتولي لذلك خالد بن برمك، وكتب بالفتح إلى أبي مسلم، وبعث ~~برأس ابن ضبارة. وقد قلق أبو مسلم والأعيان [1] من الهاشمية، وتوقعوا ما ~~يأتيهم من خبر قحطبة وابن ضبارة، وكانت هي الفيصل [172 أ] فيما بينهم وبين ~~أهل الشام، وقد استشرف أهل العراق الأخبار [2] ، وجعلوا يقولون: إن ظفر ابن ~~ضبارة ثبت الملك [3] وإن ظفر قحطبة تم الأمر PageV01P349 # لبني هاشم. وقال [1] أبو مسلم: # أطعنا ربنا وعصاه قوم ... فذقنا غب طاعته وذاقوا # وكتب إلى قحطبة يعظمه ويجل قدره، وكتب إليه يكاتب [2] أبا سلمة وينفذ ما ~~يأتيه عنه. وقد كان الحسن بن قحطبة ومن معه ساء ظنونهم للذي بلغهم من جموع ~~ابن ضبارة، وجعل أهل نهاوند يرجفون بقحطبة فيشرفون عليهم ويقولون: قد اصطلم ~~أصحابكم، قد بعث برأس قحطبة إلى ابن هبيرة، فلم يزل ms218 كذلك حتى وافاه رسول ~~قحطبة بما صنع الله لهم، وبقتل ابن ضبارة، ومعه خاتم ابن ضبارة. فلما شارف ~~الرسول نهاوند لقي طليعة للحسن في عدة فرسان، وكان معه دليلان من أهل ~~أصبهان، وقد سقطا من الكلال، وأرجفت دابته، فما تخطو إلا خطوا ضعيفا، فلما ~~نظر إليه صاحب الحسن عرفه فحمله على دابة، وأقبل يركض حتى أتى الحسن، فدفع ~~إليه كتاب أبيه وخاتم ابن ضبارة، فقرأ الكتاب، وكبروا [3] تكبيرا متتابعا، ~~فأشرف من في المدينة من جنود بني أمية، فقالوا لهم: قد والله قتل ابن ضبارة ~~وفضت جموعه واستولي على عسكره وهذا خاتمه، فاتقوا الله في أنفسكم. قال لهم ~~مالك بن أدهم: أرونا خاتمه، فما أعرفني به. # فأخرجوا خاتمه فإذا حلقة فضة ونقش [172 ب] خاتم [4] ابن ضبارة، فعرفوه ~~وعرف ذلك مالك بن أدهم ورأوا له انكسارا شديدا. # وأقام قحطبة في عسكره نحوا من عشرين ليلة حتى قدم عليه أهل أصبهان ~~PageV01P350 # فبايعوه، وصحت طاعة أهلها، وكتب إلى أسيد وهو بالري يستحثه بالقدوم عليه، ~~ثم شخص إليها في آخر شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائة، وقد حاصر أهلها الحسن ~~قبل قدوم أبيه بنحو من خمسين ليلة، فلما قدمها قحطبة، وجه الحسن فيمن معه ~~إلى قرماسين، وأمره أن يقيم بها، ويفرق مسالحه ويحتفظ بالطريق ويبذرق ~~القوافل. وسرب أبو مسلم الجنود إلى قحطبة، وندب الناس من قبله لذلك، فسارع ~~الناس إلى الخروج إلى العراق، وانتدبوا له، ورغبوا فيه، وكتب أبو مسلم إلى ~~عماله بكور خراسان، بردهم [1] إليه و [2] تسليم الأعمال إلى رجال سماهم [3] ~~لهم، وسرب القواد بالجنود إلى قحطبة ثمانية عشر قائدا في نحو من خمسة عشر ~~ألفا، فيهم حميد بن قحطبة في ثلاثة آلاف رجل، فلما قدم على أبيه ولاه ~~المقدمة على الحسن، فاستعفى حميد لمكان الحسن فأعفاه، وولاه الساقة. ووجه ~~بسام بن إبراهيم في أصحابه إلى الحسن بقرماسين. # وأقام قحطبة محاصرا لأهل نهاوند، وألح عليهم إلحاحا، فكتب إليه أبو سلمة: ~~إن إقامتك على نهاوند قد قوت من جند مروان ونسوا ما دخلهم من روع ms219 إيقاعك ~~بهم مع ابن ضبارة، فإن تعذر [173 أ] عليك الظفر بهم فأعطهم الأمان وف لهم ~~به وخلهم والتفرق عنك، ليخلو لك وجهك لابن هبيرة، ومن قد وجه مروان إليكم ~~من ناحية الموصل. # ولما رأى قحطبة مصابرة أهل نهاوند إياه، وأتاه كتاب أبي سلمة بأن يؤمنهم، ~~راسل من بها من أهل خراسان وقال لهم: أنتم آمنون، فمن أحب أن يخرج إلينا ~~ويكون معنا فرضنا له وواسيناه، ومن أحب أن ينصرف إلى خراسان توثقت له في ~~أمانه من أبي مسلم، ومن أحب أن يمضي إلى غيرها فموسع PageV01P351 # عليه، فلم يجيبوه. ثم عاودهم فقال: ومن أحسن قولا ممن دعا إلى الله وعمل ~~صالحا وقال إنني من المسلمين 41: 33 [1] . قال: فأغلظوا له وشتموه وقالوا: ~~يا ساحر. فأقام يدعوهم إلى قبول الأمان نحوا من أربعين ليلة، وكان حريصا ~~على استبقائهم، فأرسل إليهم: انكم من أهل مدرتنا، وأحق من أدركته عافيتنا، ~~وقد ترون بلاء الله عندنا، فمن الآن فأجيبونا، وليكن أمرنا واحدا، فإن ~~مروان ليس بأهل أن تقوه بأنفسكم. قال: فأبوا أن يجيبوه، فأرسل إليهم: إني ~~إن دعوت أهل الشام إلى مثل ما دعوتكم إليه أجابوني، وصارت الحسرة بكم، ~~فأبوا أن يجيبوه، فلما آيس منهم راسل أهل الشام. قال قحطبة ليزيد بن حاتم ~~المهلبي: يا أبا خالد! هؤلاء الذين يأتونك [2] على سور المدينة أهل فلسطين ~~وصاحبهم فيما ذكر لي النضر بن حميد اللخمي، فأته وكلمه وادعه [173 ب] إلى ~~قبول الأمان فلعله يأنس بك للعشرية [3] . # قال: فأتاه يزيد فذكر آثار مروان في قومه واستهانته بهم وإيثار غيرهم ~~عليهم، ودعاه إلى الدخول في أمره وأعلمه ما له من الحظ في إجابته إلى دعوة ~~آل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال النضر بن حميد: والله إني لأعلم أن ~~الأمر كما ذكرت، ولكني إذا نظرت فلم أر علي نعمة إلا من بني مروان تذممت من ~~الغدر بهم، وقد تضايقت الأمور عليهم. قال يزيد: نفسك أوجب عليك حقا، فاتق ~~الله وانظر لها، فإنك قد أعذرت في وفائك لبني ms220 مروان، فقال: أما الدخول معكم ~~فلا يكون ومن بني مروان خليفة، وأما الخروج عن مدينتكم هذه فإنا نجيبكم ~~إليه على أن تؤمنونا وتوثقوا لنا، فرجع يزيد إلى قحطبة، فأعلمه ذلك، فأعطى ~~قحطبة من بنهاوند من أهل الشام PageV01P352 # خاصة ما وثقوا به. فلما استوثق للنضر بن حميد في ذلك لقي مالك بن أدهم، ~~وقد كانوا جهدوا في حصارهم حتى صاروا إلى أكل لحوم الدواب والميتة، فقال ~~له: علام نقتل أنفسنا بالجوع ونعرضها للقتل، وقد قتل ابن ضبارة، وانقطعت ~~الأمداد عنا وقد بذلوا لنا الأمان؟ اقبل أيها الرجل أمانهم قبل أن تلتقي ~~حلقتا البطان عليك فتسأل ذلك فلا تجاب إليه. قال مالك: وكيف لنا بذلك؟ قال ~~النضر: أنا لك به، هذا يزيد بن حاتم [174 أ] رسول قحطبة بذلك، أفتريد أوثق ~~منه؟ قال مالك: حسبي إن كان ابنا [1] ليزيد بن حاتم. # فدنا منه يزيد فكلمه ومالك يسمع كلامهما، قال: فأوثقوا لنا، فتراسلوا في ~~ذلك، وهم يسرونه، حتى صاروا منه إلى ما أرادوا. ثم زحف إليهم قحطبة، وقد ~~تواطأ أهل الشام معه، فنظر من معهم من أهل خراسان إلى ما صنعوا فقالوا: ما ~~هذا؟ قالوا: قد استأمنا لنا ولكم، ومضى أهل الشام لوجوههم. ### || دخول الهاشمية نهاوند # ودخل الهاشمية نهاوند، وكان أهلها خرجوا عنها، فأخذوا من وجدوا فيها من ~~أهل خراسان وأهل الشام فاستوثقوا منهم، فكان إذا أتي بالشامي إلى قحطبة خلى ~~سبيله، وإذا أتي بالخراساني أمر بحبسه، ودفعهم إلى قواده بقية يومهم ~~وليلتهم، فلما كان السحر نادى منادي قحطبة: كل من كان في يده أسير فليأت ~~برأسه، فقتلوا جميعا [2] ، فذكروا أن عدتهم بلغت ثلاثة PageV01P353 # آلاف رجل قتلوا صبرا، وفيهم أبو كامل الغادر، ولم يعط بيده بل قاتل حتى ~~قتل، وفيهم ولد نصر بن سيار [1] . وكان فتح نهاوند يوم الاثنين لخمس ليال ~~خلون من ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين ومائة. # وكتب قحطبة إلى أبي مسلم بفتح نهاوند، وبعث إليه بالرءوس، فلما أتاه ذلك ~~أقدم على ابني الكرماني فقتلهما، فلما أتى قحطبة الخبر بذلك تمثل: ms221 # [174 ب] لنا يوم وللكروان يوم ... تطير اليائسات [2] وما نطير # وقد كان ابن هبيرة وجه عبيد الله بن العباس الكندي في عشرين ألف رجل من ~~أهل الشام وأهل العراق على مقدمته، فسار حتى نزل حلوان [3] . # ثم كتب إليه ابن هبيرة يأمره بالمسير فيمن معه إلى نهاوند ليغيث من بها، ~~فسار حتى انتهى إلى الطريق [فلما بلغ إلى طزر] [4] بلغه قتل ابن ضبارة ~~ونزول قحطبة نهاوند، فأقام، وكتب إلى ابن هبيرة يخبره بذلك، فكتب إليه ~~يأمره بالانصراف إلى حلوان، فانصرف إليها كالفل [5] ، وأقام بها حتى أتاه ~~فتح نهاوند. فكتب إليه ابن هبيرة أن ينصرف إلى خانقين، فانصرف وخلف خليفته ~~بها، ثم كتب إليه ابن هبيرة أن ينصرف إلى برازالروز [6] ، فانصرف ~~PageV01P354 # إليها، وأقام بها. فقدم مالك بن أدهم وأصحابه على ابن هبيرة وهو بالكوفة ~~فشخص ابن هبيرة يريد لقاء قحطبة، فنزل المدائن وعسكر، وتوافت إليه بها فلول ~~الشام ممن كان مع ابن ضبارة. # ولما رأى أبو سلمة اختلاط الأمور على ابن هبيرة، بعث رسله ودعاته إلى ~~البوادي المطلة على أهل الكوفة والبصرة من الأعراب، وبعث إلى الموصل فدبوا ~~فيهم ودعوهم إلى النهوض، فألفوهم سراعا إلى ذلك طمعا في النهب والغنائم. ~~فخرج موسى بن السري الأحول الهمداني بحلوان، فأخذها ونفى عاملها وسود ودعا ~~إلى [175 أ] آل الرسول صلى الله عليه وسلم، ووضع مسالحه بخانقين [1] ، وكتب ~~إلى قحطبة بطاعته. وخرج في سواد الكوفة وسواد البصرة عدة من ربيعة: أبو ~~الخفاف [2] ، والفرافصة، والحجاج بن علاط العجلي، فأخذوا أسافل الفرات كله، ~~وهم متنابذون، كل واحد على حياله على غير نيات صحيحة، وسودوا وشهروا ذلك، ~~وكاتبوا قحطبة، وأتته رسلهم بخروجهم، وكتبوا أنه لم تبق في يد ابن هبيرة ~~إلا الأمصار، فقرأ قحطبة كتبهم على أصحابه بنهاوند فكبروا، واشتد سرورهم ~~بذلك. # وخرج أبو أمية التغلبي بتكريت وما والاها، وتجمعت إليه جماعة من قومه، ~~وكتب إلى قحطبة يخبره بذلك، فقرأ كتابه على من قبله، فكبروا وحسن موقع ذلك ~~منهم. وكاتب قحطبة الناس يدعوهم فكتب إلى إسحاق بن مسلم ms222 العقيلي، وكتب إلى ~~سفيان بن معاوية وروح بن حاتم المهلبيين بالبصرة. # وبعث بكتابه إلى إسحاق بن مسلم مع رجل من الأكراد، فأقبل الكردي حتى إذا ~~كان بهيت ظفرت به مسالح مروان ففتشوه فأصابوا الكتاب في طي PageV01P355 # عمامته فبعث به صاحبهم إلى مروان، فكتب مروان إلى إسحاق بن مسلم ان صاحب ~~هيت أصاب مع رجل من الأكراد كتابا من رأس الخطيئة وعمود الضلالة قحطبة ~~يدعوك إلى دعوته ويزين لك ضلالته، ومثلك في خطرك وقدر النعمة عندك [175 ب] ~~لم تستدرجه خدع السفهاء، فانظر لنفسك ومنصبك وعشيرتك، فإن الأمر الذي يريده ~~القوم قتلك وقتل نظرائك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم فاقبضها من العامل ~~قبلك، وأقدم لتؤازر خليفتك على ما نابه، وتشركه في جهاد عدوه والسلام. # وبعث قحطبة بكتابه إلى سفيان وروح مع رجل من أصحاب يزيد بن حاتم، فسودا ~~وخرجا بالبصرة، ومتولي البصرة يومئذ سلم بن قتيبة، فبذل لهما مالا كثيرا ~~ألا يخالفا، فأبيا فخرج إليهما سلم، وقد اجتمع إليهما جمع، وسلم في قوة، ~~فهزم سفيان وروح، وقتل معاوية [1] ، وخرج روح إلى دست ميسان [2] مظهرا ~~للسواد، ولم يزل هنالك حتى قدم مالك بن الهيثم، فأتاه هو وسفيان فأكرمهما ~~وعظمهما. ### || دخول قحطبة قرماسين # ولما فرغ قحطبة من نهاوند، كتب من وثب بالسواد، فشخص إلى قرماسين، وخلف ~~على نهاوند أبا عمارة محمد بن صول، وكتب إلى الحسن يأمره بالتقدم إلى حلوان ~~فقدم الحسن خازم بن خزيمة أمامه. وأقبل قحطبة، PageV01P356 # وقد نزل الحسن حلوان، وألفى بها موسى بن السري وقد سود وغلب عليها، فقدمه ~~الحسن إلى خانقين، وعبيد الله بن العباس الكندي ببرازالروز [1] صاحب [176 ~~أ] مقدمة ابن هبيرة، فسار إليه موسى [2] ، وبلغ ذلك عبيد الله فوجه إليه ~~قائدا من أهل الشام في ألفي فارس، فقتلوه وقتل عامة من كان معه، فكتب بذلك ~~إلى ابن هبيرة، فقواهم ذلك في أنفسهم، وبعث البشرى إلى مروان. وقد توجه ~~جابر بن توبة من البصرة آخذا على الطف، فلقي أبا الخفاف، وقد تجمع إليه [3] ~~جمع كثير عند نهر ms223 الضيق، فقاتلهم فهزموه وأصابوا من جنده، وكتب بذلك أبو ~~الخفاف إلى قحطبة، فقرأ كتابه على من كان معه، فكبروا واستبشروا. ونزل ~~قحطبة حلوان في ذي الحجة سنة إحدى وثلاثين ومائة. ### || فتح شهرزور [4] # وكان مروان بعث عثمان بن سفيان في نخبة خيله على طريق شهرزور [5] ، ~~فانتهى الخبر إلى قحطبة نزوله شهرزور فوجه أبا عون [6] ، حتى نزل ~~PageV01P357 # قلعة النسير [1] ، ثم كتب إليه قحطبة أن يقيم حتى يوافيه عامر بن ~~إسماعيل، وكتب إلى عامر [2] ، وهو بناحية الدينور، وكان وجهه لمحاربة عبد ~~الصمد الحروري صاحب مسافر القصار، يأمره بالانضمام فيمن معه، وهم ثلاثة ~~آلاف رجل، إلى أبي عون، فسار عامر فوافى أبا عون بسن سميرة [3] . ومضى أبو ~~عون إلى شهرزور في طريق وعر صعب، ومضى حتى نزل البحيرة التي [176 ب] لقيته ~~فيها خيل مروان. وبلغ قحطبة أن مروان قد جمع لمن توجه في ذلك الوجه، فكتب ~~إلى أبي عون يأمره بالانصراف إليه، وورد عليه كتابه، وقد دنا منه عثمان بن ~~سفيان، فلما قرأ أبو عون كتاب قحطبة شاور أصحابه، فأشاروا عليه بالانصراف، ~~وقد انضاف إلى عامر بن إسماعيل رجل من بني الحارث يقال له: عفاق [4] بن ~~سعيد في نحو من مائة رجل من قومه، فقال لهم [5] عامر: ما الذي رأى صاحبكم ~~من الانصراف؟ والله لئن فعلتم ليقتلنكم الذر فضلا عن الناس، إني أعلم ~~بالقوم منكم، أنهم قد [6] ملئوا منكم رعبا. فأرسل عامر إلى أبي عون بمقالة ~~الرجل، فجاء أبو عون إلى عامر، واجتمع بالرجل فسمع منه. قال: وصبحنا عثمان ~~بن سفيان في أربعة آلاف وكنا نحزرهم عشرة آلاف، وأتت أبا عون [7] طلائعه ~~فخبرته بدنوه منه، فخرج، وقد تخلف عامر لمرضه في العسكر [8] . PageV01P358 # قال: فأقبلنا نحوهم، وبيننا وبينهم جبل صغير، وعبأ أبو عون [1] من معه. # قال: فلما تقاربنا منهم، إذا أصوات وتكبير من خلفنا، فنظرنا فإذا هو عامر ~~قد أقبل فانضم إلينا، وقد أشرفنا على القوم، فصار في الميمنة، وكان أول من ~~حمل يومئذ الموصلية الذين كانوا مع عامر، وحمل الناس عليهم فصبروا قليلا ms224 ثم ~~ولوا فقتلوا عن آخرهم [2] . قال: وأشار عفاق [3] بن سعيد الحارثي على [4] ~~أبي عون أن يتقدم إلى الموصل، فإن [177 أ] مروان وترهم [5] وأساء إليهم، ~~وما هو إلا أن يسمعوا [6] بخبر الدعوة ومن يقرب منهم من أهلها حتى يسودوا ~~ويجيبوا، فقبل ذلك منه ومضى [إلى الموصل] [7] ، وعرض لهم في طريقهم من ~~الشراة نحو من مائتي رجل فقتلوهم وغنموا ما معهم. وانحاز أهل الموصل وأهل ~~التخومات إلى عسكر أبي عون، فصار في سبعة آلاف رجل، ونزل قرية يقال لها ~~قرية الملح [8] ، فهاب التقدم، وقد بلغه تحرك مروان، وأنه استنهض ابن هبيرة ~~أهل الكوفة فأخرج منها جماعة، وقدم عليه الحوثرة بن سهل [9] في جمع عظيم من ~~أهل الشام، فقدم عليه الحوثرة وقد استعد للحصار، وجمع الأطعمة والأعلاف ~~بواسط، فبلغ ذلك مروان فقال: PageV01P359 # إذا قلت خف الروع، أو قال قائل ... أمنت فباب الأمن بالخوف يقرع # وكتب إلى ابن هبيرة: # أما بعد: فإن أمير المؤمنين ولاك العراق لما أمل من كفايتك، فأخلفت ظنه ~~في أمور منها إبطاؤك عمن استصرخك من أهل طاعته بخراسان، حتى وهنت قوتهم، ~~وقوي عدوهم عليهم، ومنها أخذك أهبة الحصار قبل أوان ذلك حتى أرعبت قلوب من ~~معك، وسهلت عليهم سبل الهزائم، وإنما يكون الحصار بعد طول المنازلة ~~والمحاربة، ومنها [177 ب] إغمادك السيف عن آل المهلب المربضين للفتن ألا ~~تكون سفكت دماءهم، وأبحت حريمهم، ومنها إهمالك أمر جنودك بلا شدة على أهل ~~الريب منهم، وإقامة الحدود فيهم، ومنها تقصيرك في قطع ألسنة من ينطق فيما ~~يكرهه أمير المؤمنين من أهل الشام، وقد رأيت آثار أمير المؤمنين وتنكيله ~~بهم، ومنها اشتمالك على فيء المسلمين يبعثه مزاحم بن زفر يدسسه لك إلى ~~أحبائك بقنسرين، وهذا أعظم قوتك على عدوك. لعمري يا يزيد! لقد تجافى أمير ~~المؤمنين اليوم وقبل اليوم عن أمور أخلفت فيها ظنه، وتبلت بها [1] نبله، ~~أنه وإن [2] تنفس لنا ولك في البقاء فسيعرفك ما ظننت دونه ستورا مرخاة، ثم ~~يكلك إلى نفسك في ذلك، ثم لا تجد [3] أمير المؤمنين يشهد ms225 الله عليك وكفى ~~بالله شهيدا. # فإن كانت فلول ابن ضبارة وداود قد تجمعت إليك، وقدم عليك الحوثرة ابن ~~سهيل فيمن معه، فانهض بنفسك للقاء هذا العدو الجاهد عليك، الباسط سيفه إليك ~~وإلى إخوانك، ولا تستبق شيئا من جدك ولا تكن كما قال الأول: PageV01P360 # ألم تعلم بأن الحرب غول ... تقلب في تصرفها القلوب # وأنتم معشر [1] في [2] السلم حرب ... وسلم حين تستعر الحروب # فبلغنا أن ابن هبيرة كتب إليه: # [178 أ] قد فهمت كتاب أمير المؤمنين، وما جهلت بلاءه، ولا قصرت في ~~نصيحته، ولا حدت عن جهة الحق وحزم الرأي، فإن أتت الأقدار بخلاف ما تهوى ~~فإن تقدير الله فوق تقدير العباد. أما ما ذكر أمير المؤمنين من إبطائي عمن ~~استصرخني بخراسان، فقد علم أمير المؤمنين أني صرت إلى العراق وهي حرب كلها، ~~فكان أقوى ما يحضرني علاج ما قرب مني، وكنت في ذلك قد شغلت جنود أهل الشام ~~جميعا بالخوارج تارة، وبابن معاوية أخرى، وبسليمان بن حبيب أخرى، ولم أكن ~~لأستعين بأهل العراق، وقد علم أمير المؤمنين ما هم عليه من غشه وغش دولته ~~فيما استصرخني فيه أهل خراسان، ولم آمن، إن فعلت، أن يظاهروا عدو أمير ~~المؤمنين فيلزمني لائمته [3] في ذلك وتقصيره. وأما تأهبي للحصار فإني فعلت ~~ذلك حين رأيت ما قدمت من القوة وقد وهنت، ورأيت من قاتل العدو وقد فشلوا ~~وضعفت نياتهم في جهاد عدوهم، فجعلت ذلك عدة حزم إن اضطررت إليها حمدتها وإن ~~استغنيت عنها لم أذمها. وأما إغمادي السيف عن آل المهلب فإني رأيتهم من ~~اليمن بمكان فكرهت لذلك هيجهم، ولم آمن إن فعلت، أن ينابذني أهل العراق ~~منهم ومن معي من أهل الشام، فتألفتهم وتربصت بهم. وأما إمساكي عن تأديب أهل ~~الشام، وتركي PageV01P361 # الشدة عليهم في سوء سيرتهم فإني رأيت سوء السيرة قد [178 ب] شملتهم، ~~فكرهت أن أعنف على جماعتهم، وهم يدي على عدوي، فيفسد ذلك بصائرهم ويقبلوا ~~علي بعداوتهم دون عداوة عدوهم، ولعل إفراط أمير المؤمنين في عقوبته وتنكيله ~~قد أفسد عليه قلوب ms226 أهل دولته، وحملهم على التقصير في نصرته. وأما ما ذكر ~~أمير المؤمنين من اشتمالي على فيء المسلمين ولعمري أن في عمالتي وأرزاقي ~~لما يغنيني عن ذلك، ومنزلي من قنسرين بحيث قد علمه أمير المؤمنين، وهو في ~~إطلاله عليه وقربه منه بحيث لا مئونة عليه في تفتيشه والتنقيب عما ذكر له ~~فيه، فليبعث أمير المؤمنين من يثق بدينه وصحته فيبحث عن ذلك ويبالغ في ~~التفتيش عنه، وليس ما استقصر أمير المؤمنين من عملي وأساء ظنا بي بمزيلي عن ~~طاعته ولا مكدر عندي صنيعته. وأما ما ذكر من تبكيتي بخطئي، فليس الخطأ ~~بمأمون على بشر، وما أنا بغني عن إيقاظ أمير المؤمنين إياي في عظيم ما ~~حملني من ولايته، ولا بمكتف بما عندي دون إرشاده وتأديبه، وليت الله قد ~~أظهر أمير المؤمنين على عدوه، وأعطاه سؤله وبسط له يده وقوله وفعله، وخمدت ~~نيران الفتن عنه، فيعرف نصيحتي له وقيامي بأمره، وينفذ علي فيما سرني ~~وساءني حكمه. وقد رأيت أمير المؤمنين قد حمل أكثر أموره على سوء الظن فيما ~~يعامل به من ائتمنه عليها حتى لقد ظننت أنه لم يبق أحد من أعوانه [179 أ] ~~وعوام رعيته ألا أوحشه ذلك منه، وخاف بادرته وسطوته، من مقارف ذنب وسليم ~~قلب والسلام. # PageV01P362 ### || شخوص ابن هبيرة إلى جلولاء # وشخص ابن هبيرة إلى جلولاء في جموع أهل الشام، وخندق على نفسه خندقا ~~حصينا، وجمع العلوفات [1] وآلة الحرب وظن أن الحرب ستطول، فقال [2] له ابن ~~عم له: هذا خندق مشئوم، قد كانت الأعاجم [3] جمعت فيه للمسلمين، فأظهر الله ~~المسلمين بهم، فقال: هو على مدرجة القوم، وهو يحتمل الجند. فقال له ~~الحوثرة: إنما يخندق الرجل إذا كان ما وراءه وما حواليه في يده، وأنت قد ~~فسد عليك من على يمينك وشمالك وتحت قدمك، وقد طمع فيك عدوك، والرأي لك ~~المناجزة، فإما لك وإما عليك، وساعده على ذلك من حضر ابن هبيرة من أهل ~~الرأي. فقال ابن هبيرة: وساعده على ذلك من حضر ابن هبيرة من أهل الرأي. ~~فقال ابن ms227 هبيرة: رأيت من تسرع إلى هؤلاء القوم قد انبت [4] ، وأكثرهم معي، ~~ورعب ذلك في قلوبهم وقلوب فلولهم، ولكني أخندق وأضري من معنا على قتالهم ~~حتى يجترئ الناس عليهم، ويذوقوا حلاوة الظفر، ثم أناجزهم. # وبلغ ذلك قحطبة فأجمع على الزحف للقاء ابن هبيرة. وورد عليه كتاب أبي ~~سلمة أن مروان قد حبس إبراهيم [الإمام] [5] ، وقد هيأت رجلين أبعثهما بمال ~~يصانعان في تخليصه، وكتب أيضا إلى قحطبة: ان ابن هبيرة في جموع عظيمة ~~بجلولاء [6] ، وإني لعلى [179 ب] ثقة من إتمام الله دعوتنا [7] ، ~~PageV01P363 # وإني أرى أن تحيد عن عساكر ابن هبيرة وتبادر إلى الكوفة، فإن أهل الكوفة ~~جميعا معك وعلى رأيك، وهم متفقون على بغض بني أمية، واستثقال أمرهم، فاقطع ~~هذه الأنهار بينك وبين الكوفة وسابق ابن هبيرة إليها، فإنها إن صارت في ~~أيدينا قوينا عليه، وكثر من يقاتله [1] معنا، وبعث إليه بذلك أبا مسرور. ~~قال: فخرجت على الراذانات [2] ، ثم خرجت إلى تلك البراري حتى عبرت تامرا ~~[3] ، وقدمت على قحطبة، فدفعت إليه الكتاب، فلما قرأه قال: أصاب والله ~~الرأي، وأنا عامل بما أمر به، وحزن حزنا شديدا حيث بلغه حبس إبراهيم حتى ~~ظهر ذلك، وأرجف به من رآه وقالوا: أتاه خبر كرهه. ### || شخوص قحطبة نحو الكوفة # وشخص قحطبة من حلوان، وسرب القواد بين يديه، وتقدم إليهم ألا يشذ أحد من ~~الجند عن موكب قائده، وقدم بين أيديهم المخارق بن غفار [4] وعبد الله ~~الطائي في فرسان العسكر، وقدم أمامهما سعد الطلائع وطلائعه، وخلف يوسف بن ~~عقيل على حلوان في سبع مائة رجل، وسار على تعبئة بميمنة وميسرة، وهو في ~~القلب إلى قصر شيرين [5] . ثم رحل من PageV01P364 # قصر شيرين إلى خانقين، فضم عسكره وتهيأ تهيؤ من يريد اللقاء، وأشاع في ~~عسكره أنه يريد أن يخندق بإزاء ابن هبيرة [180 أ] . ووجه أبا غانم في جريدة ~~خيل يتطرق [1] مسالح ابن هبيرة، فبلغ ذلك ابن هبيرة، فوجه إليه زياد بن ~~سويد المري صاحب شرطه، فتواقفا طويلا، ولحقه قحطبة، وأشرف على زياد بن ~~سويد، وأمر فنادى مناديه: ms228 ندعوكم [2] إلى كتاب الله وسنة نبيه، وإلى الرضا ~~من آل رسوله [3] صلى الله عليه وسلم، فقال زياد بن سويد: تركتم الكتاب ~~والسنة، وفارقتم الجماعة. فكر قحطبة وقال: الموعد بيننا وبينكم هذا [4] ~~الفحص من غد أو بعده، وانصرف وهو يقول: قد أمكنتكم الفرصة، ستعلمون غدا من ~~الكذاب الأشر. وأقبل إلى عسكره، لا يشك ابن هبيرة فيما أتاه من خبره أنه ~~يلقاه بموضعه من جلولاء، فلما احتفل لذلك، وقد بعث قحطبة إلى تامرا من ~~يأتيه بأخبار المخاوض [5] ، فأتاه ذلك [6] . ولما أعتم شخص من خانقين إلى ~~تامرا و [أظهر] [7] أنه يريد المدائن، وجاز أكثر الناس، وبقي هو في كتيبة ~~من فرسانه [8] . فلما أصبح أتت ابن هبيرة عيونه فخبرته أنه قد شخص وقطع ~~تامرا، وأنه يريد المدائن، فلم يحلل عقدة حتى نزل الدسكرة [9] . وبلغ ذلك ~~قحطبة فكر في أهل القوة حتى PageV01P365 # أتى جلولاء، فأصاب ما كان خلف ابن هبيرة من السلاح والأطعمة والأعلاف ~~وثقل [1] المتاع، فحرق ما ثقل عليه منه وحمل ما خف عليه وأرسل ذلك إلى ~~عسكره. ووجه خيوله إلى أهل عسكر ابن هبيرة، وطمع [180 ب] في أن يصيب منهم ~~غرة أو شذاذا [2] لم يلحقوا به، فوجد القوم قد مضوا وتحصنوا في الدسكرة، ~~فانصرف إلى عسكره [3] حتى عبر جميع أصحابه، وأظهر [4] أنه يريد المدائن إذ ~~انتشر ذلك عنه، وحملته عيون ابن هبيرة، [ثم] [5] شخص يؤم دجلة، ووجد عدة من ~~الهمدانيين يهيئون له المعابر، فانتهى إلى دجلة، وقد جمع له الهمدانيون عدة ~~من السفن [6] ، فتلقاه أبو أمية التغلبي بعدة من المعابر، فعبر إلى أوانا ~~[7] . وبلغ ذلك ابن هبيرة فبادر إلى جسر المدائن فعبر عليه، ووجه ابنه داود ~~فنزل البردان [8] . وأقبل ابن هبيرة يريد لقاء قحطبة قبل أن يعبر الفرات، ~~وقد قيل له: دارك الرجل فما يريد إلا الكوفة، فأقبل نحوه مبادرا ليلقاه. ~~ومضى قحطبة مسرعا نحو الأنبار [9] ، حتى إذا أشرف عليها تلقاه شوال [10] بن ~~سنان الأنصاري في نحو من مائتي رجل، ففرض له ولمن معه، ووجه إلى أعالي ~~الأنبار بحدر السفن، ووجه خازم ms229 بن خزيمة إلى PageV01P366 # قصبة الأنبار فأصاب بها عامل الأنبار من قبل ابن هبيرة على الأستان [1] ~~فقتله مع عدة من أصحابه، وحدر ما وجد من السفن إلى دمما [2] . وأقبل شوال ~~ابن سنان بعده ومعه من السفن والمعابر، فوافى بها دمما، وقد صدف قحطبة عن ~~الأنبار يؤم دمما فأتاها، وتوافت إليه السفن فعبر الناس، ولم يعسكر، وعسكر ~~في غربي [181 أ] الفرات لخمس خلون من المحرم سنة اثنتين [وثلاثين] [3] ~~ومائة. وأقبل ابن هبيرة فعسكر بحذائه. ### || خلع محمد بن خالد القسري # وكتب قحطبة إلى أبي سلمة يخبره بعبوره الفرات، وبعث بكتابه إليه مع أبي ~~ماجد، رجل من همدان، فلما وصل إليه الكتاب بعث إلى محمد ابن خالد القسري ~~رسولا يقول له: قد كنت تتمنى هذا اليوم، فقد بلغته، فأظهر السواد، واخرج في ~~مواليك وعشيرتك [وصنائع أبيك] [4] ، فبعث إلى مواليه وقومه وجيرته وصنائع ~~أبيه، فاجتمع إليه منهم نحو من ألف رجل، فأخبرهم برأيه وما أجمع عليه، ~~وأمرهم ألا يبيتوا حتى يفرغوا من سوادهم. # وبعث أبو سلمة بمثل ذلك إلى طلحة بن إسحاق بن محمد بن الأشعث الكندي ~~فتأهب، وبدره محمد بن خالد فخرج من منزله في جماعة كثيرة، ودس PageV01P367 # له أبو سلمة أصحابه، ومن كان من جيرته، فيمن يليهم، وأرغبوهم في الخروج ~~للحوق بمحمد بن خالد ففعلوا. وانتشر الحديث بذلك فماج أهل الكوفة بعضهم في ~~بعض، وبلغ ذلك زياد [1] بن صالح صاحب شرطة ابن هبيرة فهرب من القصر ولحق ~~بابن هبيرة. ومضى محمد بن خالد حتى أتى القصر وليس فيه أحد، فدخله وخرج إلى ~~المسجد [الجامع] [2] يوم الاثنين لست ليال خلون من المحرم سنة اثنتين ~~وثلاثين ومائة، ووافاه طلحة بن إسحاق [181 ب] في جماعة قومه. ### || خطبة محمد بن خالد القسري # فصعد محمد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وخلع مروان، ودعا إلى آل محمد. ~~وكان فيما تكلم به يومئذ أن قال: يا أهل الكوفة! إن الله قد أكرمكم بهذه ~~الدعوة المباركة، وقد طلبها الأبناء بعد الآباء، فحرموها حتى ساقها الله ~~إليكم، هذه جنود الحق ms230 قد أظلتكم، داخلة عليكم أحد اليومين، فقوموا فبايعوا. ~~قال: فو الله ما رأيت سرورا قط كان أشد اجتماعا عليه من سرورهم بالبيعة، ~~لقد أطافوا بالمنبر يستبقون إلى البيعة حتى كادوا يكسرونه، فما تخلف عن ~~البيعة إلا أناس قليل. وبعث أبو سلمة إلى محمد ابن خالد أن ابعث الساعة إلى ~~بيت المال والخزائن والطراز من يختم على ما فيها، وسمى لها يونس بن أبي [3] ~~الهمداني والحجاج بن ارطاة النخعي وبشر PageV01P368 # ابن الفرافصة العبدي والهلقام بن عبد الله التميمي، فبعثهم محمد بن خالد ~~فختموا على بيت المال والخزائن والطراز، ما كان بالكوفة والحيرة. وكتب أبو ~~سلمة إلى قحطبة يعلمه ما عمل به في إظهار محمد بن خالد، وأمره أن يقرأ ~~كتابه على الجند، وحمل كتابه محمد أخوه. قال: فأتيت قحطبة في عسكره بإزاء ~~ابن هبيرة قبيل ارتفاع [182 أ] النهار، فجعلا يتسايران على جانبي الفرات، ~~فوجه ابن هبيرة عند ذلك الحوثرة بن سهيل إلى الكوفة في جنده، وأمره أن ~~يبادر إليها قبل أن يقدمها قحطبة، فخرج الحوثرة مغذا، حتى إذا شارف الكوفة، ~~بلغه ظهور محمد بن خالد وإطباق أهل الكوفة معه فأقام بشاهي [1] . ### || وقعة قحطبة مع أهل الشام وغرق قحطبة # وأقبل قحطبة يؤم الكوفة، وابن هبيرة يسايره ويرفع له الشمع إذا سار ~~بالليل حتى لا يخفى على قحطبة في مسيره وإقامته، ونظر قحطبة إلى أهل الشام ~~فقال: لو أصبنا مجازا إليهم لرجوت أن يقطع الله منهم في عشيتنا هذه طرفا. # ومضى قحطبة فأتى في مسيره على أعرابي [2] يسوق حمارا له فقال له: ممن ~~الرجل؟ فقال: رجل من طي. قال قحطبة: مرحبا بك، أنت ابن عمي، أتعرف فيما ~~يليك مخاضة نقطع منها إلى هؤلاء الكفار؟ فقال: نعم، هذه المخاضة بين يديك، ~~والماء قليل. وخرج الأعرابي يسعى بين يديه حتى وقف PageV01P369 # على المخاضة، فأمر قحطبة الناس بالنزول، فنزلوا قرب العصر [1] ، ونظر ~~قحطبة إلى أصحاب ابن هبيرة قد انتشروا في مسيرهم وقد تقدمهم ابن هبيرة ~~ليعسكر [بهم] [2] ، فأقطع إليهم [3] عبد الله الطائي والمخارق بن غفار ms231 وأسد ~~بن المرزبان في أصحابهم، [182 ب] فلما عبروا شدوا على من يليهم، فقتلوا ~~عدة، وانهزم القوم. وأقبل محمد بن نباتة في جمع كثير، وهو على ساقة ابن ~~هبيرة، فلما رآهم ألقى أثقاله وأقام فسطاطه وخرج إليهم فقاتلهم وثبتوا له. ~~ووافى قحطبة رسول أبي سلمة فناوله كتابا فلما قرأه كبر وارتج العسكر ~~بالتكبير، وسمع ذلك من عبر من أصحاب قحطبة فكبروا، فقال أهل الشام: قد ~~أتاهم شيء سروا به، فانكسروا لذلك وظهر الفشل فيهم. # ووجه قحطبة سلما مولاه في خيله، وزياد بن فروخ، وموسى بن ثابت، فعبروا ~~إليهم وصاروا ردءا لهم، وكثرهم محمد بن نباتة واستعلى عليهم وحصرهم في حائط ~~لجئوا إليه فأرسل سلم إلى قحطبة وقد أمسى يستغيث به، فعبر قحطبة في ~~الفرسان، وأمر كل فارس أن يحمل راجلا، فلما عبر بمن معه حمل عليهم حملة ~~صادقة فهزمهم، وردوا عليه فألجأوه إلى الشط وهم يقولون: اللهم تمم تمم، ثم ~~حمل [قحطبة] [4] عليهم فاستحقت الهزيمة عليهم، وانصرف القوم، وفقدوا قحطبة، ~~وقد اختلفوا في موته. PageV01P370 ### || موت قحطبة # فقال بعضهم: لما جالت خيله تلك الجولة، وهو واقف على جرف فانهار به ~~الجرف، فوقع في الفرات فغرق [1] . فباتوا في موضعهم ذلك فلما أصبحوا [183 ~~أ] أتوا معسكر ابن نباتة فأصابوا ما كان فيه من أثقالهم وما استثقلوه من ~~سلاحهم، وفقدوا قحطبة، فأكبروا ذلك، واشتد حزنهم عليه، وخافوا دخول الوهن ~~عليهم بهلاكه، فاجتمع القوم، فتناظروا في أمرهم، فأجمعوا على الرضا بحميد ~~[2] بن قحطبة، فبايعوه وسلموا له الأمر. # وكان مصاب قحطبة ليلة الأربعاء لثمان خلون من المحرم سنة اثنتين وثلاثين ~~ومائة. ### || فتح الكوفة # وقدم الحسن بن قحطبة إلى الكوفة في الجنود، ووكلوا بأثقال الناس وضعفاء ~~العسكر وما غنموا من ابن نباتة وأهل الشام أبا نصير الجرجاني في مائتي رجل. ~~وكان ابن هبيرة حين استحقت الهزيمة عليه وعلى من معه، وقف على رأس فرسخ من ~~الوقعة، فجعل أهل الشام يمرون به، وقد أوقد نارا بين يديه، فإذا رأوا ضوء ~~النار صدفوا عنه ومضوا على وجوههم، وأوقف ms232 رجلا ينادي: هذا الأمير ابن هبيرة ~~[3] ، فلم ينعطف عليه أحد منهم. فوقف PageV01P371 # مكانه حتى أتاه محمد بن نباتة فقال له: ما يقفك؟ قال [1] قد تقدم الناس ~~فما ترى؟ قال: نلحق بالحوثرة بالكوفة ويجتمع الناس إليك فتقاتل والمصر في ~~يدك. فقال طارق بن قدامة القشيري: ما الكوفة [183 ب] لكم بدار، خبرك يصبحها ~~بهزيمة أصحابك. قال: فما بقي إلا واسط مدينتنا، وقد أعددنا لمثل ما رأيتم. ~~فسار وهو لا يعلم مصاب قحطبة، فأصبح وقد كل وكل من معه، فنزل وصلى وركب، ~~فلما جاء سوق أسد [2] لقيه الخبر بظهور محمد بن خالد في السواد بالكوفة، ~~وإطباق أهل الكوفة معه، وبلغه هلاك قحطبة، فعدل إلى فم النيل [3] ، وقد ~~تسلل عنه كثير من أصحابه، فمنهم من لحق بمحمد بن خالد من أهل اليمن، ومنهم ~~من عدل إلى فم النيل. # فانصرف الحوثرة يريد فم النيل، ووافى ابن هبيرة، فأقام بها معه حتى أتاهم ~~دخول الهاشمية الكوفة وظهور أبي سلمة، فمضى إلى واسط، وكتب إلى مروان: إنا ~~التقينا نحن والمسودة على شاطئ الفرات ليلا فاقتتلنا قتالا شديدا نهزمهم ~~حتى نردهم إلى الفرات، ويكثرون علينا حتى يدفعوا أصحابنا، وتخاذل الناس فلم ~~يبق معي إلا عدة صبروا وكرموا، فشددنا عليهم شدة صادقة رددناهم بها إلى ~~الفرات، فعبروه إلى عسكرهم، وغرق قحطبة، ولما انهزم الناس عني مضيت في أهل ~~الحفاظ إلى واسط إلى أن يجتمع الناس، ويراجعوا طاعتهم، ثم انهض بهم إلى ~~الكوفة، وفي مقامي بواسط كسر لحدهم عن أمير المؤمنين إن شاء الله. [184 أ] ~~فلما قرأ مروان كتابه قال: PageV01P372 # ويلي عليه [1] ابن القرعاء، يقتل قحطبة وينهزم [2] . # وتفرق أهل الشام فمضى أكثرهم مع ابن هبيرة إلى واسط، ومضى بعضهم إلى ~~الشام، ومضت طائفة منهم قليلة إلى محمد بن خالد. وأقبل حميد ابن قحطبة يسير ~~بالناس حتى نزل دير الأعور [3] ، ثم دخل العباسية [4] ، فنزلها يوم الجمعة، ~~يوم عاشوراء. وصلى بالناس بالكوفة يومئذ محمد بن خالد، وقال، وهو يدعو على ~~المنبر: اللهم أصلح الإمام من آل محمد، ولم يسمه. PageV01P373 ### | ظهور ms233 أبي سلمة بالكوفة # وأرسل أبو سلمة إلى حميد [1] بن قحطبة أن يدخل الكوفة بأحسن هيئة [2] ، ~~وأن يظهروا زينتهم ويشهروا سلاحهم وأعلامهم وقوتهم، ففعل، وعبأ الجند، ~~ووجههم كراديس حتى توافوا بنهر بني سليم. وظهر أبو سلمة، وأعلن أمره، وأرسل ~~إلى محمد بن خالد فيما يأمره به، وبعث إليه حميد جماعة من القواد فيهم ~~العكي في ألف رجل، وخازم في ألف رجل، وبسام في ألف رجل، وأبو شراحيل في ألف ~~رجل. وأتوا أبا سلمة وهو في داره ببرذون سمند، يقوم عليه باثني [3] عشر ألف ~~درهم، مسرجا ملجما، فقدم إليه فركبه، وترجل العكي وبسام وخازم وأبو شراحيل، ~~فقبلوا يده، وتقدم وجوه [184 ب] من معهم إليه يقبلون يده ويدعون [4] له ~~بالبركة، ومضى إلى العسكر، وجعل بعضهم يلقى بعضا فيقول له: تو أبي سلمة ~~ديدى [5] ؟ فإذا قال: نعم، اعتنقه وقبله إعظاما لأبي سلمة. وكان ظهور أبي ~~سلمة وتوليته [6] للأمور يوم الجمعة لعشر خلون من المحرم سنة اثنتين ~~PageV01P374 # وثلاثين ومائة، فانتهى إلى العسكر، وقد وقف له الناس، واستقبله القواد، ~~فلم يبق أحد منهم إلا نزل إليه وقبل يده، فاستقرأ صفوفهم يسلم على عوامهم، ~~ويدعو بالبركة لهم، ثم نزل، وقد هيئت له حجرة فنزلها، وانقاد القوم له ~~وسمعوا منه وأطاعوا أمره وسكنوا إليه، وبات ليلته، وقد أطافت الخراسانية ~~بحجرته وعظمت أمره. ### || خطبة أبي سلمة # فلما أصبح جمع القواد ووجوه الجند [1] فحمد الله وأثنى عليه وقال: # إن الله قد أكرمكم بهذه الدعوة المباركة التي لم تزل القلوب تتشوق إليها ~~فخصكم الله بها، وجعلكم أهلها، ألا وإنه ليس لأحد [2] فيها شرف إلا بعدكم، ~~ولا منزلة في حباء ولا في مجلس ولا مدخل ولا مخرج عند أئمتكم إلا دونكم، ~~ألا وإنها دولتكم فاقبلوها وأيقنوا بنصر الله إياكم كعادته فيما أبلاكم حتى ~~بلغكم ما أنتم فيه، فاعتبروا ما بقي بما مضى [185 أ] وتحفظوا من خدع ~~السفهاء وتزيين شياطينهم لكم اتباع أهوائهم، فإنهم سيقرعون لكم بالحسد على ~~هذه النعمة، فاتهموهم ولا تقاربوهم ولا تطمعوهم في أنفسكم فيردوكم على ~~أعقابكم، وابشروا ms234 بالخير الكثير في عاجلكم إلى ما قد ذخره [3] الله لكم في ~~آجلكم. # فكان هذا ما حفظ من كلامه. فتكلم القوم في جواب ذلك، وذكروا PageV01P375 # طاعتهم، وقوة بصائرهم واجتهادهم، وما هم عليه من الجد في مجاهدة عدوهم، ~~وتكلموا بالفارسية بذلك، وكبروا تكبيرا متتابعا ارتج منه العسكر. # فلما سكنوا [1] قال: إن أهل بيت اللعنة كانوا يفرضون [2] لجندهم في السنة ~~ثلاث مائة درهم، وإني قد جعلت رزق الرجل منكم في الشهر ثمانين درهما، وسأخص ~~قوادكم وأهل القدم والسوابق منكم بخواص سنية أجريها عليكم، لكل رجل بقدر ~~استحقاقه، فابشروا وقروا عينا، واحمدوا الله على بلائه عندكم، وكأنكم ~~بإمامكم قد حل بين أظهركم، فيعطيكم أكثر مما تأملون. فكبروا وارتج [3] ~~العسكر بالتكبير. ثم تحول فعسكر بحمام [4] أعين، وفرض للجند، فجعل رزق ~~الرجل في الشهر ثمانين درهما، وأجرى للخواص كبراء القواد وأهل الغناء [5] ~~من النقباء وغيرهم ما بين ألف [185 ب] إلى ألفين، وخص من دونهم ما بين مائة ~~إلى ألف [6] . ### || تولية أبي سلمة العمال # ثم ولى أبا الجهم ديوان الجند، وأبا غانم الشرط، وعبيد الله بن بسام ~~الحرس، وعمرويه الزيات حجابته، والمغيرة بن الريان الخراج، ثم نقله ~~PageV01P376 # إلى ديوان الرسائل، وولى يوسف بن ثابت ديوان الخراج، وولى [1] الصوافي ~~والقطائع والخزائن عبد السلام بن عبد الرحمن بن نعيم الغامدي [2] . وبعث ~~إلى بيت المال والخزائن فحمل ما فيها إلى العسكر، وأعطى الجند منه جميعا ~~على ما كان رسمه لهم، وكان ذلك أول ما قبض من ديوان بني العباس. # وأنفذ أبو سلمة عمال الخراج إلى كل كورة فجبى الخراج. # وتولى أبو العباس السفاح وبيوت الأموال ممتلئة. ووجه الحسن بن قحطبة إلى ~~ابن هبيرة في ثلاثين قائدا مثل العكي وخازم وأشباههما [3] ، وأمره أن يؤمن ~~الناس جميعا خلا ابن هبيرة ومن معه من أهل الشام وأهل العراق. # فقدم الحسن خازما بين يديه، وبلغ ذلك ابن هبيرة فتحصن بواسط، وقد أعد ~~فيها ما أعد. فأناخ الحسن على واسط في الناحية الغربية ووجه الفضل ابن حميد ~~المرادي إلى فم النيل مسلحة بها فيما ms235 بينه وبين الحسن، ووجه حميد ابن قحطبة ~~إلى المدائن في عشرة [4] من القواد، وأمره أن [186 أ] يفرض لمن أتاه من أهل ~~العراق، وأمضاه على شط الفرات إلى الجزيرة، فنفذ حميد إلى المدائن. وأنفذ ~~مالك بن طراف في خمسة آلاف رجل إلى هيت، فكان يكتب إلى حميد بأخبار الجزيرة ~~وما يأتيه عن مروان، وأتاه عدة من وجوه كلب بطاعتهم فأنفذهم إلى أبي سلمة، ~~فكانوا أول من سود من أهل الشام، ومروان بعد على حاله. ووجه أبو سلمة بسام ~~بن إبراهيم إلى الأهواز، وبها عبد الواحد بن عمر بن هبيرة، فحاربه فانهزم، ~~فلحق بالبصرة بسلم [5] بن قتيبة. PageV01P377 # ووجه خالد بن برمك والمسيب بن زهير إلى السوس [1] وجنديسابور [2] ، وبها ~~ربعي بن الأعور. ووجه عبد الرحمن بن يزيد بن المهلب [3] إلى عين التمر. ~~ووجه عماله على الكور في السهل والجبل. وبعث إلى فارس عمالا من قبله، وفيها ~~عمال أبي مسلم، فكتب صاحب أبي مسلم إليه، وكتب إليه: دار القوم حتى تتوثق ~~منهم، فأخذهم وقيدهم، وبعث أبو مسلم من عنده رجلا فقتلهم. وأتى أبا سلمة ~~كتاب أبي عون قد أوقع بخيل لمروان، وعبر الزاب الصغير وتقدم نحو الزاب ~~الكبير، فقلق وكتب إلى حميد أن يوجه من قبله كلثوم بن شبيب الأزدي والمخارق ~~بن غفار [4] وذؤيب بن الأشعث في أصحابهم إلى أبي عون، وضرب البعث على من ~~فرض له من أهل الكوفة، وكتب إلى أبي مسلم [186 ب] يستحثه بالجنود، ويخبره ~~بتحرك مروان لمن توجه إلى الموصل من الهاشمية. فكتب أبو مسلم إلى موسى بن ~~كعب، وهو بالري يأمره بإمضاء أصحابه مع ابنه [5] عيينة بن موسى إلى أبي ~~عون، وأن يقدم عليه، وكتب أبو مسلم إلى عثمان بن قرطة، وهو بالدينور في ~~ألفي رجل، وإلى محمد بن صول بنهاوند في سبع مائة رجل أن يستخلفا ويلحقا ~~بأبي سلمة، وأمضاها إلى أبي عون، فبلغ عدة من كان مع أبي عون إلى أن قدم ~~عليه عبد الله بن علي واليا على عسكره ثمانية عشر ألف رجل. وأقام ms236 أبو سلمة ~~بمعسكره من حمام أعين يصدر الأعمال ويدبر الأمور، ويكاتب أبا مسلم، فكان ~~أبو مسلم يكتب إليه: للأمير حفص بن سليمان وزير آل PageV01P378 # محمد [1] . ولما انتهى إلى مروان ما كان من إيقاع الهاشمية بعثمان بن ~~سفيان و [2] الخارجي هاله ذلك، وإبراهيم الإمام محبوس بحران، فضرب البعوث ~~على أهل الشام وأكثف، وأشاع أنه يريد الصائفة، وعقد للوليد بن معاوية ~~عليها، فعسكر بدابق [3] . ثم بلغ مروان دنو الهاشمية إلى الزاب فعسكر ~~بسلسمين [4] وحشر أهل بيته، وقال لهم: قاتلوا عن ملككم، وكتب إلى الوليد بن ~~معاوية في الشخوص إليه بالجنود من فرسان أهل الشام وأهل الجزيرة، وأقام ~~يحشد يريد [5] ينهض إلى الهاشمية، وقد أيقن بزوال ملك بني أمية حتى ظهر ~~[187 أ] أبو العباس السفاح رضي الله عنه، فإنه أول خلفاء بني العباس رضي ~~الله عنهم أجمعين. ### || جود إبراهيم الإمام # عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنه سمع شيخا لهم يقول: # قدم [6] إبراهيم بن محمد علينا، بعد ما صدر من الحج، فأتته عجوز فانية من ~~ولد الحارث بن عبد المطلب، وأنا عنده، فشكت ضنك المعيشة فقال: PageV01P379 # يا أمه! ما يحضرني لك الكثير، ولا أرضى لك بالقليل، وأنا على سفر فاقبلي ~~ما حضر وتفضلي بالعذر، ثم دعا مولى له فقال: ادفع إليها ما بقي معك من ~~النفقة، وخذي هذا البعير والعبد فبيعيهما وارتفقي بثمنهما. قالت: # يا ابن أم! آجرك الله في الآخرة غير معجل على البر والصلة، آجرك الله ~~وأعلى في الدنيا كعبك، ورفع فيها ذكرك، وغفر يوم الحساب ذنبك، فأنت كما ~~قالت أم جميل ابنة حرب: # زين العشيرة كلها ... في البدو منها والحضر # ورث المكارم كلها ... وعلا على كل البشر # ضخم الدسيعة [1] ماجد ... يعطي الكثير بلا ضجر # وحدثنا بعض أشياخنا: أن الإمام إبراهيم بن محمد قدم المدينة حاجا [2] ~~[187 ب] فأتاه الناس ولم يأته ابن هرمة [3] ، فسأل عنه، فقيل: هو متوار من ~~الدين، فأرسل إليه، فأتاه ابن هرمة، فسلم عليه وساءله وحادثة ثم أنشده ~~قصيدته التي يقول فيها: # جزى الله إبراهيم ms237 عن جل قومه ... رشادا بكفيه ومن شاء أرشدا [4] # أغر كضوء البدر يستمطر الندى ... ويهتاش [5] مرتاحا إذا هو أنفدا ~~PageV01P380 # ومهما يكن مني إليك فإنه ... بلا خطإ مني ولكن تعمدا # وقلت: امرؤ غمر [1] العطيات ماجد ... متى ألقه ألق الجواري، أسعدا # غرائب شعر قلته لك صادقا ... وأعلمته رسما فغار وأنجدا # وأنت امرؤ حلو المؤاخاة باذل ... إذا ما بخيل القوم لم يصطنع يدا # لك الفضل من هنا وهنا وراثة ... أبا عن أب لم تختلس ملك قعددا [2] # بنى لك عباس من المجد غاية ... إلى عز قدموس من المجد أصيدا # وشيد عبد الله أركان مثلها ... وشد بأطناب العلا فتشيدا [3] # وشد علي في يديه بعروة [4] ... وحبلين من مجد أغيرا [5] فأحصدا # وكم من علاء أو على قد ورثتها ... بأحسن ميراث أباك محمدا # وأنت امرؤ أوفى قريش حمالة [6] ... وأكرمها فيها مقاما ومقعدا # [188 أ] كريم إذا ما أوجب اليوم نائلا ... عليه جزيلا بث أضعافه غدا # سعى ناشئا للمكرمات فنالها ... وأفرع في وادي العلا ثم أصعدا # على مأثرات من أبيه وجده ... فأكرم بذا فرعا وبالأصل محتدا # وأجرى جوادا يحسر الخيل خلفه ... إلى قصبات السبق شتى وموحدا # إذا شاء يوما عد من آل هاشم ... أبا ذكره لا يقلب الوجه أسودا # إذا هو أعطى مرة هزه الندى ... فعاد وكان العود بالخير أحمدا PageV01P381 # أغر منافيا بنى المجد بيته ... مكان الثريا ثم على فكبدا # ومورد أمر لم يجد مصدرا له ... أتاك فأصدرت الذي كان أوردا # وموقد نار لم يجد مطفئا له ... أتاك فأطفأت الذي كان أوقدا # فلم أر في الأقوام مثلك سيدا ... أهش بمعروف وأصدق موعدا # وأنهض بالعزم الثقيل احتماله ... وأعظم إذ لا يرفد [1] الناس مرفدا # ولو لم يجد للواقفين ببابه ... سوى الثوب ألقى ثوبه وتجردا # وحدث أشياخ من أهل الحرمين أنهم سمعوا أشياخهم يذكرون أن الإمام إبراهيم ~~بن محمد كان إذا قدم الحرمين بهج به من بهما من ولد عبد المطلب وجذلوا [2] ~~، وتباشروا به واستبشروا. وقالوا: وكان إذا قدم الحرمين سأل [188 ب] من ~~بهما من ولد عبد المطلب عن حالهم، فمن كان ms238 في نعمة زاد في نعمته، ومن كان ~~منهم مختلا أنعم عليه. # عبد الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنه سمع شيخا لهم، وكان صديقا ~~لإبراهيم الإمام، يقول: قدم إبراهيم الإمام علينا المدينة، وكنت جالسا عنده ~~يوما، إذ أتاه عبد لرجل من مزينة، فشكا مولاه وقال: يا ابن عم رسول الله ~~اشترني، فأرسل إلى مولاه فاشتراه وأعتقه. وجاء مولى للنوفليين محجوب البصر ~~فذكر له عري أهله، فبعث إلى ثياب من السوق فدفعها إليه، وقال: اكسها عيالك. ~~وأتاه نفر من العرب فسألوه أن يرفدهم في حمالة يحملونها [3] ، فسألهم عن ~~مبلغ حمالتهم وما جمعوا منها وما بقي عليهم منها، فذكروا له ذلك فأعطاهم ما ~~بقي عليهم من حمالتهم، فقلت: بأبي أنت وأمي PageV01P382 # يا أبا إسحاق، أنت كما قال أعشى [1] وائل: # يرى البخل مرا والعطاء كأنما ... يلذ به عذبا من الماء باردا # وأحلم من قيس وأمضى من الذي ... بذي الغيل من خفان [2] يصبح حاردا # فتبسم وقال: # يا أخا الأنصار! لسنا نفعل ما ترى من سعة وكثرة جدة ولكن ولد أبي لا ~~يحسنون عند السؤال لا، ثم تمثل قول لبيد [3] : # [189 أ] وبنو الديان لا يأتون: «لا» ... وعلى ألسنهم خفت «نعم» # زينت أحسابهم أحلامهم ... وكذاك الحلم زين للكرم [4] # عبد الله بن عبد الرحمن بن عيسى بن موسى قال: حدثني أبو طاهر أحمد بن ~~عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب قال: قال الحسين بن ~~زيد: # قدم إبراهيم بن محمد الإمام علينا، فبعث إلى عبد الله بن الحسن بخمس مائة ~~دينار، فاستزاده فزاده، وبعث إلى إبراهيم بن حسن بخمس مائة، وبعث إلى جدي ~~محمد بن عمر بخمس مائة، وبعث إلى جعفر بن محمد ألف دينار، وبعث إلى جماعة ~~بمال. قال حسين بن زيد: فبعثتني أمي ريطة بنت عبد الله ابن محمد بن ~~الحنفية، وكانت عند زيد بن علي، فقال: زيد الكوفة؟ قلت PageV01P383 # نعم، وعليه قميص ورداء مصبوغ بزعفران فبكى حتى أثر في قميصي من صبغ ~~ردائه. ثم دعا غلاما فساره ms239 فذهب ثم جاء بأربع مائة دينار فدفعها إلي، ثم ~~قال: لولا أنه لم يبق عندي غيرها لأعطيتك كما أعطيت أصحابك، ثم صرها في ~~ثوبي ثم قال: أنت صغير، فدعا غلاما له فدفعها إليه وقال: انطلق بها إلى ~~ريطة وأعذرنا عندها، فأخذتها ومضيت، فما أنفقناها حتى رأينا راية بني ~~العباس من خراسان. # بسم [1] الله الرحمن الرحيم [189 ب] حدثنا محمد بن إسحاق بن محمد المسيبي ~~قال: حدثني نمير بن عبد الله ابن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة [2] قال: ~~كان مولى لأبي الجهم العدوي يجلس على بابه فيمر به إبراهيم بن محمد بن علي ~~فيقول: هذا الذي يرشح للخلافة، ويزعمون أنه قد بعث فيها من يطلبها له، ~~فيكثر من هذا. فاغتم إبراهيم لذلك، ورأى أنه [3] يعرضه للمكروه، فبعث إليه ~~بشيء، وقال لرسوله قل له [4] : فرقنا شيئا فذكرناك، فكان بعد إذا مر به ~~يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته، هذا والله الذي يستأهل كذا وكذا، فأرسل ~~إليه إبراهيم: يا هذا! لا ذا ولا ذاك. # عبد [5] الرحمن بن مالك الأنصاري عن أبيه أنه سمع شيخا لهم وكان صديقا ~~لإبراهيم الإمام يقول: كنا [6] في مسجد رسول الله صلى الله عليه ~~PageV01P384 # وسلم فدخل علينا فتى من ولد زياد وسيم الوجه جميل البصر يجر أثوابه من ~~الخيلاء، فسألني عنه فنسبته فتبسم ثم تمثل قول الفرزدق [1] : # أطلها فإن الطول ليس بنافع ... إذا كان فرع الوالدين قصيرا [2] # أحمد بن يحيى قال: حدثني عبد الله بن مالك الكاتب قال: قال إبراهيم ~~الإمام: [190 أ] سمعت أبي يقول: لا يزال الرجل يزداد في رأيه ما نصح لمن ~~[3] استشاره، ثم قال: وأنا أقول: نصح المستشير قضاء لحق النعمة في صواب ~~الرأي. # أحمد بن يحيى قال: حدثني ابن الأعرابي أبو عبد الله قال: سأل أبو مسلم ~~إبراهيم الإمام عن البلاغة فقال: معرفة الوصل من الفصل، وإصابة المعنى، ~~واختصار الطريق إلى الغاية التي تريد [4] . # عمر بن شبة قال: سمعت عيسى بن عبد الله قال: حدثني أبي قال: # وافينا مكة، وعلينا عبد الواحد ms240 بن سليمان بن عبد الملك أميرا على الحج، ~~فجاء رسول عبد الله بن حسن إلى جعفر بن محمد، فأرسلني أبي لأنظر ما اجتمعوا ~~له، فأرسل جعفر الأرقط محمد بن عبد الله بن علي لذلك، قال: # فجئتهم فوجدت عبد الله بن حسن وإبراهيم والمنصور ابني محمد بن علي بن عبد ~~الله بن عباس وجماعة من بني هاشم، ووجدت محمد بن عبد الله بن حسن ~~PageV01P385 # قائما يصلي على طنفسة رحل [1] مثنية، فقلت: أرسلني أبي يسألكم لأي شيء ~~اجتمعتم، فقال عبد الله بن حسن: اجتمعنا لنبايع للمهدي محمد بن عبد الله بن ~~حسن. قال: فإنا على ذلك إذ دخل داخل فألقم إذن إبراهيم بن محمد ابن علي ~~فساره مليا، فأقبل عليهم إبراهيم فقال: لا أرى، أبا محمد [2] ، جعفر ابن ~~محمد بن علي [3] [190 ب] حضر، ولا أرى وجوه شيعتكم، فلو انصرفنا في هذا ~~العام واجتمعنا قابلا. ثم نهض قائما وقمنا معه، وإذا الذي ساره قال له: ~~أتبايع هذا الفتى وشيعتك [4] بخراسان يدعون إليك! قال: وأرسل إليهم عبد ~~الواحد بن سليمان: إن كنتم تريدون شيئا خليتكم والذي تريدون. قال: # فلما استيأس ابن حسن من إبراهيم كتب إلى مروان: إني بريء من إبراهيم ابن ~~محمد وما أحدث. # عمر بن شبة قال: حدثني يعقوب بن القاسم الطلحي قال: حدثني حسين بن حسين ~~الجعفي قال: حدثني المغيرة بن رميل العنبري قال: كنت عند مروان، فخرجت من ~~عنده وركبت البريد إلى مصر، فدخلت حمام دمشق فإذا رجل في الحمام- ذكر من ~~جماله- معه ابنان له، فقال لي: # ممن أنت؟ فأخبرته أني أقبلت من الجزيرة، قال: وكيف تركت الناس؟ # كيف علمك بالخليفة؟ قلت: أخبر الناس به، كنت نديمه قبل الخلافة وعامله ~~فيها. قال: أفلك علم بخراسان؟ قلت: أعلم الناس بها، أقمت بها أسيرا سنين، ~~وأميرا أربع سنين، بها الناس وجمجمة العرب وفرسانها. PageV01P386 # قال: أفلك علم هناك برجل؟ قلت: أبو مجرم؟ قال: أبو مسلم. قلت كأنك برويسه ~~على عود، قال: كلا والله حتى يبلغ أمره، فكلما [191 أ] ذهبت أقوم حبسني، ثم ms241 ~~عرض علي المنزل فأبيت. ثم خرجت على البريد حتى قدمت مصر، ثم رجعت إلى ~~الجزيرة فإذا برجل في الحديد معه فلان وفلان، قلت: قد عرفت هذين فمن هذا؟ ~~قالوا: إبراهيم بن محمد حمل إلى الخليفة، فنظرت في وجهه فإذا هو صاحبي في ~~الحمام. # أحمد بن يحيى بن جابر قال: حدثني أبو مسعود عن ابن الكلبي قال: # كان إبراهيم بن محمد يقول: الكامل المروءة من أحرز دينه ووصل رحمه، ~~واجتنب ما يلام عليه. # وقال إبراهيم لدعاته الذين وجههم إلى خراسان: لا تدعوا إلى طاعتنا عشرة ~~أصناف من الناس: الطويل الممدد، والقصير المردد، والجعد القطط، والأمهق [1] ~~المغرب، والأعور بعين اليمين، والزائد والناقص في الخلقة، والمتشبه من ~~الرجال بالنساء ومن النساء بالرجال، والمصفر لونه من غير علة. ### || خبر مقتل إبراهيم بن محمد الإمام # كان الذي حكي من سبب ظهور مروان على أمر [2] إبراهيم وحبسه إياه، أن ~~إبراهيم كان حج في سنة تسع وعشرين ومائة وحج معه قحطبة، فلقيه عبد الله بن ~~الحسن بن الحسن [3] بن علي بن أبي طالب بمكة فاستسلفه مالا، وقد ~~PageV01P387 # بلغه أن قحطبة قدم عليه بمال من خراسان، فقال له إبراهيم: كم تريد؟ # قال: أريد أربعة [191 ب] آلاف دينار، فقال إبراهيم: والله ما هي عندي، ~~ولكن هذه ألف دينار فخذها صلة [1] ، وأمر عروة مولاه [2] بحملها إليه. # وانصرفوا صادرين من حجهم وقد [سقط] [3] إلى عبد الله بن الحسن وضح من أمر ~~إبراهيم، فلما صاروا إلى المدينة اتخذ عبد الله بن الحسن طعاما فدعا [4] ~~أهل بيته، ودعا إبراهيم ومن كان معه، فلما طعموا قال عبد الله لإبراهيم، ~~وليس معهما إلا رجلان من مشايخهم: إنه قد بلغنا أن أهل خراسان قد تحركوا ~~لدعوتنا، فلو نظرنا في ذلك فاخترنا منا من يقوم بالأمر فيهم، فقال إبراهيم: ~~نجمع مشايخنا فننظر فلن نخرج مما اتفقوا عليه [5] . وافترقا على ذلك، وجمع ~~أهله وأهل بيته وبعث إلى إبراهيم ومعه يومئذ داود بن علي ويحيى بن محمد، ~~فلما أتوه قدم إليهم الطعام، فلما فرغوا من طعامهم، قال عبد ms242 الله: إنه قد ~~انتهى إلي تشمير أهل المشرق في الدعاء إلى آل محمد صلى الله عليه وسلم ~~فانظروا في ذلك، واتفقوا على رجل يقوم بالأمر فتأتيهم رسله. فقال بعضهم: ~~أنت أسن أهل بيتك فقل، فقال: نعم، محمد ابني فقد أملته الشيعة وهو في فضله ~~ونعمة الله عليه، فوصفه بالفضل فأسكت القوم. فقال إبراهيم: سبحان الله يا ~~أبا محمد! تدع مشايخنا وذوي الأسنان PageV01P388 # منا وتدعونا إلى فتى كبعضنا، [192 أ] لو دعوتنا إلى نفسك، أو إلى بعض من ~~ترى، ما هاهنا أحد من ذوي الأسنان يرضى بهذا في نفسه، وإن أعطاك الرضا في ~~علانيته. قال من حضر منهم: صدق وبر، فأيقن بأن قد وطأ الأمر لنفسه. وانصرف ~~إبراهيم إلى منزله من الشراة فكان على ما كان عليه من معالجة أمر الدعوة. ~~فانتهى إلى مروان ما يدعون إليه في الظاهر من ذكر الرضا من آل محمد، فقال: ~~شيخ هذا البيت وذو سنهم عبد الله بن الحسن وأحر به أن يكون صاحب هذا الشأن، ~~فبعث إليه فأقدمه، وهو بحران، فأخبره بما انتهى إليه من أمر الدعوة، وأنه ~~اتهمه [1] في ذلك. فقال له عبد الله بن الحسن: وما أنا وهذا، وصاحب أمرهم ~~إبراهيم بن محمد [2] ، وهو المتحرك لها، وكان أبوه من قبله على مثل رأيه ~~[3] ، فشأنك به. فحلفه على براءته مما ظن به فحلف له، ولما حلف له أخذ ~~بيعته [4] وخلى عنه. ويقال: # إن رجلا من بني تميم كان يسمى قريظ [5] بن مجاج بن المستورد أصاب دما في ~~قومه بالبصرة، فخاف فلحق بخراسان، وغير اسمه فتسمى بعبد الكريم، وتكنى بأبي ~~العوجاء، ولزم لاهزا والقاسم بن مجاشع، وانقطع إليهما على وجه المعاشرة، ~~فأطلعوه [6] على أمرهم ودعوه إلى دعوتهم، فأجابهم وسعى معهم حتى عرف بالصحة ~~وقوة البصيرة، فوجهه أبو مسلم مع أبي PageV01P389 # حميد إلى إبراهيم [192 ب] فيما كان يوجه، فلما كانا بتدمر مرض عبد الكريم ~~أو تمارض وتخلف بها وقال لأبي حميد: امض فإني إن وجدت خفة [1] لحقتك. فلما ~~مضى أبو حميد توجه عبد الكريم ms243 إلى حران فلقي بها سعيد بن عمرو بن حيدة ~~السلمي، وكان مروان مسترضعا في حجر أبيه عمرو بن حيدة، وكان خاصته، فقال له ~~عبد الكريم: إني امرؤ من قومك، وعندي علم من أمر هذه الدعوة التي ظهرت ~~بالمشرق ومعرفة بصاحبها، فدخل على مروان فخبره بذلك، فدعا به خاليا ~~[فأخبره] [2] بقصة دخوله فيما كان دخل فيه من أمر الدعوة وخروجه من ذلك ~~وبراءته منها ومن أهلها، وتوجيه أبي مسلم إياه فيما وجهه له وقدومه على ~~إبراهيم، ودفع إليه كتابه إلى أبي مسلم، فلما قرأه دعا عبد الحميد بن يحيى ~~[3] فقال له: اسمع كلام هذا الرجل، واستعاده الحديث فأعاده، فقال عبد ~~الحميد: # ما بعد هذا شيء. فوصل مروان عبد الكريم وفرض له في شرف العطاء وقال له: ~~اخرج حتى تلحق بأبي مسلم، فكن عينا عليه واكتب إلي بأخباره. # فانصرف عبد الكريم إلى أبي مسلم، فوجهه أبو [4] مسلم قائدا على جند، ولم ~~يزل معهم حتى ولي أبو جعفر الجزيرة، وهو في جنده، فولاه دارا [5] ، وانتهى ~~إلى أبي العباس خبره بعد ظهوره، فكتب إلى أبي جعفر فيه فبعث إليه، وهو ~~عامله على دارا [6] ، فقطع يديه ورجليه وضرب عنقه. [193 أ] PageV01P390 # ويقال: كان إبراهيم الإمام تقدم إلى أبي مسلم وإلى النقباء الاثني عشر في ~~كتمان اسمه، تخوفا من مروان بن محمد، فقال مروان: كيف لي بأن أعرف اسم هذا ~~الذي شيعته بخراسان؟ فقال له رجل من ورائه: أنا أتعرف لك ذلك يا أمير ~~المؤمنين! فشخص حتى صار إلى عسكر قحطبة، فلما دخل [1] قحطبة جرجان، وانهزم ~~عنها نباتة بن حنظلة [2] ، جاء الرجل إلى قحطبة فسلم عليه بالإمرة ثم قال ~~له: جئت أبايعك. قال له قحطبة: بايع. قال الرجل: # لمن أبايع؟ قال: للرضا من آل محمد. قال الرجل: هذه بيعة مجهولة لا يصح ~~بها [3] عقد. قال قحطبة: وكيف؟ قال: أرأيت إذا أخذ أهل كل بلد رجلا من آل ~~محمد [4] وقالوا: الرضا في أيدينا [5] لمن تكون [6] بيعتي منهم؟ فزجره وقال ~~بايع. فقال الرجل: ما كنت لأبايع إلا لمن ms244 أعرف اسمه. فاستشرف الجند هذا ~~القول، فخاف قحطبة على نفسه وأن تفسد قلوب الجند، فقال قحطبة: # بايع لإبراهيم بن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب وهو [7] ~~بالشراة، فأوصل خبره إلى مروان [8] ، فأخذ إبراهيم فحمل إلى حران. # وقال محمد بن حبيب: كان سبب قتل إبراهيم وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز ~~أن نصر بن سيار كتب إلى مروان بخروج أبي مسلم وكثرة من PageV01P391 # معه، وأنه يخاف أن يستولي على خراسان وأنه يدعو إلى بيعة إبراهيم بن ~~محمد، فوافى الكتاب إلى مروان وقد أتى رسول أبي مسلم إلى إبراهيم فأخذ ~~جوابه [1] ، [193 ب] كتاب إبراهيم يلقى [2] فيه أبا مسلم ويأمره في كتابه ~~ألا يدع بخراسان عربيا إلا قتله. فانطلق الرسول بالكتاب إلى مروان، فوضعه ~~في يده، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد الملك [3] ، وهو عامله على ~~دمشق أن اكتب إلى [عامل] [4] البلقاء فليسير [5] إلى كداد والحميمة وليأخذ ~~إبراهيم بن محمد فليشده وثاقا ثم ليبعث به إليك في خيل كثيفة، ثم وجه به ~~إلى أمير المؤمنين، فأتاه، وهو جالس في مسجد القرية فأخذ بلف [6] رأسه، ~~وحمل [إلى حران] [7] فأدخل على مروان فأنبه وشتمه، فاشتد لسان إبراهيم عليه ~~ثم قال: يا أمير المؤمنين! ما أظن إلا ما يروي الناس عليك حقا في بغض بني ~~هاشم، وما لي وما تصف. فقال له مروان: أدركك الله بأعمالك الخبيثة، فإن ~~الله عز وجل لا يأخذ على أول ذنب، اذهبوا PageV01P392 # به إلى السجن. فحبسوه [1] أياما، ثم وجه قوما فدخلوا السجن ليلا فغموا ~~إبراهيم وعبد الله بن عمر بن عبد العزيز، فلما أصبحوا وجدوهما ميتين. # ويقال: أدخل رأسه في جراب نورة [2] . قال أبو الخطاب: بلغ مروان أن أبا ~~مسلم وقحطبة وأصحاب الرايات [3] السود وأشياعهم شيعة لإبراهيم، وكان الذي ~~أعلم مروان ذلك عبد الله بن الحسن، فكتب مروان إلى الوليد بن معاوية بن عبد ~~الملك، وهو عامله على دمشق أن يوجه إلى إبراهيم من يأتي به، فوجه الوليد ~~خيلا عليهم قطري مولى ms245 الوليد بن يزيد بن عبد الملك، فهجموا على إبراهيم ~~منزله بالحميمة، فاحتملوه، فأتوا به الوليد بن معاوية، فأنفذه إلى مروان ~~وهو بحران. فلما قدم [194 أ] إبراهيم حلب، كتب [4] إلى أبي مسلم مع رجل من ~~موالي عبد الله بن عباس يقال له عبد الله بن هلال ينزل حلب، كتابا نسخته: # بسم الله الرحمن الرحيم الله لا إله إلا هو ليجمعنكم إلى يوم القيامة لا ~~ريب فيه ومن أصدق من الله حديثا 4: 87 [5] . # أما بعد، فإن رأيتموني قتيلا أو ميتا فلا يثنينكم ذلك عن القيام بالحق، ~~فو الذي آمن به المؤمنون وكفر به الكافرون ليتممن الله أمركم، وليعزن ~~دعوتكم، وليظهرن حقكم، وليقتلن جبابرة بني أمية بأسيافكم، وليقومن رجل من ~~إخوتي خليفة مطاعا وإماما متبوعا، وهو عبد الله الأصغر ابن PageV01P393 # الحارثية، فليهدين إليه رأس مروان الجعدي، فلا يدخلن رجل منكم مرية إن ~~[1] فقدتموني ولا ارتياب، والله عليكم وكيل، وعلى ما أقول شهيد. # كان هذا الكتاب آخر كتاب كتبه إبراهيم [2] ، وكتب بهذه النسخة إلى أبي ~~سلمة مع المهلهل بن صفوان، وبهذه النسخة إلى قحطبة مع إبراهيم بن سلمة. # وذكر بلخ بن زكريا مولى لريطة [3] أم أبي العباس قال: كنت [4] مع إبراهيم ~~مخرجه من الحميمة حتى قدم على مروان بحران وهو في قصره خارج المدينة [5] ، ~~فلما دخل عليه إبراهيم دفع إليه كتابا في قرطاس فقال: اقرأه، فلما نظر [194 ~~ب] إبراهيم فيه قال: هذا خط عبد الله بن حسن. قال مروان: صدقت، هو ابن عمك، ~~مصدق عليك. قال إبراهيم: ما صدق ولقد كذب، وإذا بالكتاب: إنك تظن يا أمير ~~المؤمنين أن أحدا لا ينازعكم ملككم غير بني أبي طالب، هذا إبراهيم بن محمد ~~في جوارك بالشام قد زحفت إليك شيعته من خراسان. فقال إبراهيم: كذب عبد الله ~~بن الحسن يا أمير المؤمنين! فألا ينصح لك في محمد ابنه الذي يزعم أنه مهدي ~~هذه الأمة، وهو مستخف منك ومن الوليد بن يزيد ومن هشام بن عبد الملك تربصه ~~للخلافة. قال مروان: قد كتب ابن عمك ms246 بما قرأت واتهمك [6] ، وفي الحبس ثلاثة ~~نفر من بني عمك لك بهم أسوة: العباس بن الوليد بن عبد الملك، وعبد الله بن ~~PageV01P394 # عمر بن عبد العزيز، ومحمد بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب. # قال بلخ: فحبس إبراهيم معهم فلم يلبث في الحبس إلا نحوا [1] من عشرين ~~يوما ثم توفي. وكان يخدمه في الحبس وصيف له يقال له صاعد بن سالم، صار بعد ~~ذلك على حجابة صالح بن علي بالشام، وكان الذي تولى تجهيزه رجلان من أهل ~~حران، كلاهما قاض أحدهما يكنى أبا ساح مولى لآل أبي معيط، ويقال للآخر عمر ~~بن الوليد مولى الأزد، وصلى عليه عبد العزيز ابن محمد بن مروان، ودفن في ~~ربض حران في موضع [195 أ] يسمى اليوم مقابر قريش، كان أول من دفن فيه ~~إبراهيم، وحضر دفنه المهلهل بن صفوان وسابق الخوارزمي مولاه. فلما حبس أبو ~~جعفر عبد الله بن الحسن قال: # أنت قتلت أخي. وذكر المهلهل بن صفوان [2] قال: كنت أخدم إبراهيم بن محمد ~~في الحبس، وكان معه في الحبس عبد الله بن عمر بن عبد العزيز، وشراحيل بن ~~معاوية بن هشام بن عبد الملك، فكانوا يتزاورون [3] . وخص [4] الذي بين ~~إبراهيم وشراحيل، فأتى رسول شراحيل يوما بلبن فقال: يقول لك أخوك: إني شربت ~~من هذا اللبن فاستطبته، فأحببت أن تشرب منه. # قال: فتناوله إبراهيم فشربه، فتوصب [5] من ساعته وتكسر جسده، وكان يوم ~~يأتي فيه شراحيل، فأبطأ عليه فأرسل إليه شراحيل: جعلت فداك قد أبطأت فما ~~حبسك؟ فأرسل إليه: إني لما شربت اللبن الذي أرسلت به PageV01P395 # خالفني [1] ، فأتاه شراحيل مذعورا فقال: لا والله الذي لا إله إلا هو ما ~~شربت اليوم لبنا ولا أرسلت به إليك، فإنا لله وإنا إليه راجعون، احتيل لك ~~والله. قال: فو الله ما بات إبراهيم إلا ليلته وأصبح ميتا. ولما مات ~~إبراهيم جزع عليه عبد [2] الله بن عمر بن عبد العزيز جزعا شديدا فقال له ~~مولى له: أتجزع على عدوك وعدو أهل بيتك؟ قال: ويحك انما ms247 أجزع على [195 ب] ~~نفسي، إنه سيسلك بي سبيله. # ويقال: إن مروان لما بلغه هزيمة ابن هبيرة دس إليه إناء فيه لبن مسموم ~~فناوله السجان فشربه، فلما وصل إلى بطنه وجد مس السم فعلم أنه قد اغتيل، ~~فقال للسجان: قد فعلتموها! وسأله أن يدخل عليه امرأته لبابة بنت محمد بن ~~علي بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب، ففعل، فقالت لبابة: # فبات يتضور ويتناول يدي فيضعها على فؤاده، ثم قضى من ليلته. فأرسل السجان ~~إلى خليفة مروان فأعلمه وفاته، فأمر أن يغسل ويحضر القاضي غسله، ففعل ذلك، ~~وغسلوه وعليه قيوده، فما حلت إلا بعد أن غسل، سحلت حتى لطفت فأخرجت من ~~رجليه. وكانت [3] وفاته في المحرم سنة اثنتين وثلاثين ومائة. # وذكروا أن إبراهيم قدم به على مروان، وهو معسكر بسلمسين، فدفعه إلى ابنه ~~عبد الله بن مروان، وهو عامله على الجزيرة فحبسه، فلما أراد مروان المسير ~~إلى الزاب أمر بإبراهيم فجعل رأسه في جراب نورة، وغم عبد الله بن عمر ~~بمرفقة جعلت على وجهه، فماتا. PageV01P396 # وذكر علي بن عيسى بن موسى عن أبيه قال: هدم مروان على إبراهيم بيتا ~~فقتله. # وذكر عثمان بن عروة بن محمد بن عمار بن ياسر، انه كانت لمروان قطيفة ~~ثقيلة يلقيها على الرجل فتغمه حتى يموت تحتها، [196 أ] فألقاها على إبراهيم ~~فقتله غما. قال: ولما عظم أمر إبراهيم على مروان والتبس عليه الأمر فيما ~~يريد أن يعامله به، دعا أهل مشورته من أكابر ولده [1] ووزرائه وخاصته، فيهم ~~عبد الحميد كاتبه، فخبرهم بما بلغه عنه [2] ، وشاورهم في أمره، فأشار كل ~~واحد منهم بما حضره من الرأي، واختلفوا في ذلك، وعبد الحميد ساكت لا يتكلم، ~~فلما نهض من كان عند مروان، احتبس عبد الحميد، ثم قال له: قد رأيت سكوتك ~~عما نطق فيه من رأيت، فما عندك فليس هذا من الأمر الذي سكت عنه مثلك [3] في ~~قدر حالك عندي وثقتي بك. فقال: يا أمير المؤمنين! لي فيه رأي قد مثلت [4] ~~بين إظهاره لك وبين السكوت ms248 عنه، فدخلتني في ذلك حيرة، فأما إظهاره فالنصيحة ~~لك ولنفسي معك، وأما السكوت عنه فلهيبتك ولكراهة الخلاف عليك. فقال مروان: ~~متى كنت تخفي عني شيئا من رأيك ونصيحتك وان وقع بخلاف ما أهوى؟ فقال: ليس ~~هذا يا أمير المؤمنين كبعض ما كان يكون، هذا أمر فيه بعض الخشونة أخاف أن ~~أصير منه إلى ما تستثقله وتتهم [5] عليه. فقال: # قد تعلم أنه لا [6] يتقدمك عندي أحد في الثقة، فتكلم على حسب ذلك. قال: ~~PageV01P397 # وأنت راض غير متهم؟ قال: نعم. قال: يا أمير المؤمنين! هذا رجل زاكي [196 ~~ب] الحسب ليس بمغمور في حسبه [1] ولا في قرابته بالنبي صلى الله عليه وسلم، ~~وقد عظم الخطب [2] الذي ترهبه [3] منه، فكنت أرى أن تستخلصه، وتدفع معرة ~~هؤلاء القوم الذين دعوا إليه باستصلاحه والإصهار إليه، وترسل إليه قبل أن ~~يظهر شأنه فتوكد عليه بيعتك، وتزوجه بعض بناتك اللاتي قد ملأن قصرك [4] ، ~~وتوليه الجزيرة فيكون في جندك وبقربك، ويغدو ويروح عليك، وقد وصلته وأكرمته ~~بملاحمتك إياه ووليته وأذقته حلاوة سلطانك فبالحرى أن يشكرك ويحذر الغير إن ~~كفرك، ويفي بعهدك، ولم تزر من سلطانك ولا من منزلتك شيئا، فإن قضى الله ~~لأصحابه تفرقا بما دبرت من أمره فبالحري أن يكون ذلك، وإن تكن الأخرى كانت ~~وقد وصلت رحمه وحقنت دمه ومننت عليه وأحسنت إليه، ولو بدأته بما وصفت من ~~غير أمر داريته منه لما نقصك ذلك ولا هجن رأيك. فنكس مروان طويلا لا يحير ~~[5] بشيء. فلما رأى عبد الحميد ذلك منه ولم ير شيئا يستدل به على غضبه ~~وإنكاره قوله قال: يا أمير المؤمنين! هل تنقم من الرجل شيئا في دينه أو ~~منصبه أو قرابته منك؟ قال: لا، ولو كنت ابتدأته بما ذكرت قبل أن يتفاقم ~~[197 أ] أمره و [6] تسفك الدماء الكثيرة بسببه [7] كان الرأي الذي دعوت ~~إليه غير مدفوع، ولكن قد وقع من أمره ما ترى، وقتل بخراسان PageV01P398 # وغيرها خلق كثير من شيعتنا في سببه [1] ، فذلك يفسد ما ذكرت اليوم، وهو ~~يعلم في نفسه، لو ms249 صرت إلى ما ذكرت وقد أشرف على استلاب ما بأيدينا، أن ذلك ~~عن رهبة منا له، وكيف تنصرف جيوشهم عن العراق، وقد فضوا [2] من كان يدفعهم ~~عنها، وأشرفوا على الظهور عليها. فقال: أنت يا أمير المؤمنين بين أمرين لا ~~تخرج من أحدهما: إما لك، فو الله ما يضرك ولا يعيبك ملاحمتك الرجل وإكرامك ~~إياه لقرابته بك، بل يزيدك الله خيرا، ويأجرك عليه ويحسن النشر عنك فيه، أو ~~عليك فيجيء ما جاء ويدك عند الرجل ظاهرة مشهورة، وإحسانك إليه في تزويجك ~~إياه وحقنك دمه معروف غير مجهول. فقال مروان [3] : لست أدفع ما ذكرت إلا أن ~~الوقت ضيق، ليس بوقت ذاك، ولا يزداد أمره لو فعلت ذلك به إلا القوة، ولا ~~يزيد ذلك أهل الشام إلا إجلالا لأمره ومقاربة له ووحشة منا ومتابعة له خيفة ~~من جنوده ورغبة فيه بما أظهرنا من إجلال منزلته، فلم يقبل من عبد الحميد ما ~~أشار به عليه [4] . [197 ب] . # وكتب إلى الوليد بن معاوية، وهو عامله على دمشق، وإلى سفيان بن يزيد بن ~~محمد بن عطية السعدي، وهو عامله على البلقاء، يأمرهما بأخذ إبراهيم والبعث ~~به، فبعث إليه. فزعم طيفور قال: أنا يومئذ غلام مراهق حيث أتته الخيل، وهو ~~في المسجد، فأطافوا بالقرية، وأتوا منزله فطلبوه فقيل لهم: هو في المسجد، ~~وأخذوا أبا العباس، وأتاهم إبراهيم [5] فقال لهم: PageV01P399 # أنا صاحبكم، أنا إبراهيم، فخلوا عن الرجل، فخلوا أبا العباس وأخذوه. # قال طيفور: فقال لهم إبراهيم: لو تركتموني أسلم على أهلي وأوصيهم، قالوا: ~~شأنك. فاجتمع النساء ودخل عليهم إبراهيم، وقد أحاطوا بالمسجد والبيت، فسلم ~~على أهله وأوصاهم وودعهم ومضوا به إلى دمشق. وشخص معه أبو [1] العباس وعيسى ~~بن موسى وعبد الله بن علي وعدة من مواليهم فيهم المهلهل بن صفوان وياسر ~~صاحب شراب المنصور. وصحب إبراهيم المتوجه به إلى دمشق بأرفق صحبة يخدمه ~~ويلاطفه ويوقره، حتى إذا أشرفوا على دمشق قال لإبراهيم وقد قرب لهم طعام ~~فهم يأكلونه: إنه والله لولا خيفتي على نفسي من مروان لخليت سبيلك، ms250 وقد ~~رأيت حسن صحبتي لكم، وقد أحببت أن أعقد بيني وبينكم عقدا وأنقطع بمودتي إلى ~~رجل منكم. فقالوا: ما نتذكر منك إلا الجميل، وكلنا لك واد شاكر ما بقينا ~~فاختر من شئت، [198 أ] فقال: قد اخترت أبا العباس. فقال: أبو [2] العباس: ~~أنا لك على المخالصة عليك [3] ، وشكرك على ما كان منك، فمسح على يد أبي ~~العباس، وقال: أليس الأمر على ما وصفت؟ قال: بلى. # ومضى إبراهيم إلى الوليد بن معاوية، فلما أدخله عليه حبسه، وأقام [4] ~~أهله ومواليه معه في دمشق، فأتاهم آت من أهل دمشق فقال لهم: إن عبدة ابن ~~رباح الغساني يقول لكم: إني لست آمن أن يكتب بعض نصحاء مروان إليه ~~باجتماعكم مع صاحبكم، وقد عظمت همته له في ملكه، فيأمر بأخذكم وحبسكم ~~جميعا، وليس لصاحبكم في إقامتكم هاهنا نفع، ولعل ذلك PageV01P400 # يضره، فانصرفوا عنه، فلأن يصاب واحد منكم خير من أن تهلكوا جميعا. # فأرسلوا بذلك إلى إبراهيم، فأرسل إليهم: قد نصحكم الرجل، فانصرفوا. # وأقام معه المهلهل بن صفوان وياسر صاحب شراب أبي جعفر، ولم يلبث إبراهيم ~~بدمشق إلا يسيرا حتى أشخصه الوليد بن معاوية ومعه عدة يحفظونه، فقدموا به ~~على مروان، فأمر بحبسه. # وذكر [1] علي بن عيسى بن موسى عن أبيه قال: بعث مروان رسولا إلى الحميمة ~~ليأتيه بإبراهيم، ووصفه له، فقدم الرسول الحميمة، فوجد الصفة صفة أبي [2] ~~العباس، فأخذه، فلما ظهر إبراهيم أمن، فقيل للرسول [3] ، إنما أمرت بأخذ ~~إبراهيم، وهذا عبد الله، فلما أن تظاهر ذلك عنده ترك [198 ب] أبا العباس، ~~وأخذ إبراهيم فانطلق به. فشخصت معه أنا وناس من بني العباس ومواليهم، ومعه ~~أم ولد له كان معجبا بها، فقلنا له: إنما أتاك رجل واحد فهلم نقتله ثم ~~ننكفئ إلى الكوفة فهم لنا شيعة، فقال: رأيكم، قلنا: فأمهل حتى نصير إلى ~~الطريق الذي يخرجنا إلى العراق. قال: فسرنا حتى صرنا إلى طريق يتشعب إلى ~~العراق وآخر إلى الجزيرة، فنزلنا منزلا، وكان إبراهيم إذا أراد التعريس ~~اعتزل لمكان أم ولده، قال: فدعوناه إلى الذي ms251 اجتمعنا عليه من قتل الرسول، ~~فلما قام أخذت أم ولده بثوبه، وقالت: # هذا وقت لم تكن تخرج فيه، فما هاجك؟ فالتوى عليها، فأبت أن تدعه حتى ~~PageV01P401 # أخبرها، فقالت: أنشدك الله أن تقتله فتشئم [1] أهل بيتك، والله لئن قتلته ~~لا يبقى مروان من بني العباس بالحميمة أحدا إلا قتله. قال: فلم تفارقه حتى ~~حلف لها ألا يقتله، ثم خرج إلينا فأخبرنا، فقلنا له: أنت أعلم قال: # فتيمم [2] إلى مروان. # أحمد بن يحيى بن جابر [3] قال: حدثني داود بن عبد الحميد عن أبيه قال: ~~لما أتى بإبراهيم، فوقف على باب مروان بحران، دعا مولى له يقال له سابق، ~~فدفع إليه كتابا كان معه كتبه في طريقه وأسر إليه شيئا، سئل عنه سابق بعد ~~ذلك فقال: أمرني أن أقرأ على أبي العباس السالم وأعلمه أنه [4] وصيه فيما ~~كان [199 أ] الإمام محمد بن علي أمره به وكانت نسخته: # [بسم الله الرحمن الرحيم] [5] حفظك الله يا أخي بحفظ [6] الإيمان، وتولاك ~~بالخير والإحسان، كتابي إليك من حران، وأنا على شرف الأمر الذي لا بد منه، ~~فإذا كان ذلك، فأنت الإمام الذي تقيم أمرنا وترعى حرمة أوليائنا ودعاتنا، ~~ويتمم [7] الله به وعلى يديه ما اثلت [8] وأثل لنا. فعليك يا أخي بتقوى ~~الله وطاعته في قولك وفعلك وإصلاح نيتك ليصلح لك عملك، واستوص بأهل دعوتنا ~~وشيعتنا PageV01P402 # خيرا واحفظ عبد الرحمن أميننا [1] والساعي في أمورنا، وعرف أهل خراسان ما ~~توجبه [2] له بإيثاره طاعتنا، ولا يكون [3] لك ولأهلك رأي إلا الشخوص عن ~~الحميمة إلى أوليائنا وأنصارنا من أهل الكوفة مخفين [4] لأشخاصكم، مستترين ~~ممن تخافون غيلته لكم وسعيه بكم، وأنا استودعك الله خاصة، ومن قبلكم [5] من ~~أهلنا عامة، وأسأله لكم الكفاية، وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. ### || افتراق الناس بعد إبراهيم الإمام # كان قوم في دعوة بني العباس من أصحاب خداش يسمون الخالدية، فسموا في زمن ~~أبي جعفر الفاطمية، وذلك أن شيعة ولد العباس افترقت بعد إبراهيم فقالت فرقة ~~رجعت الوصية والإمامة إلى آل علي، وظهر أبو خالد بنيسابور، فطلبه أبو ms252 مسلم، ~~فلم يقدر عليه، فنادى بالرحيل فلم يترك منزلا إلا قتلهم فيه [199 ب] قتلا ~~ذريعا حتى انتهى إلى مرو، وتتبعهم إلى مرو، وتتبعهم إلى المروز [6] وما دون ~~النهر، ومن أفلت منهم لحق بما وراء النهر. ثم إن أبا مسلم دس نساء من أهل ~~الدعوة، كأنهن يتصدقن، فكن PageV01P403 # يقلن: إن هذا الساحر بعث إلى مولاي فقتله وحبس صبيانه في القهندز [1] ~~ونحن باقيات [2] . وكان فيهن امرأة يقال لها أم العلا فمن سمعن منه بخلاف ~~رفعنه إلى أبي مسلم، فبينما أم العلا في الرستاق ومعها ستون فارسا تكون حيث ~~يتنقلون معها لقيها [3] أبو خالد متنكرا في نفر ففطن لها فقتلها ومن معها. # وخرجت بعدها امرأة تسمت بها تستأكل الناس فسعي بها إلى عامل لأبي مسلم ~~فضربها ست مائة سوط. وخرجت أم الفوارس صاحبة منزل أبي مسلم مقدمه خراسان ~~حتى أتت أبا مسلم لتعظه وتعيب سيرته فنهاها فلم تزدد إلا شدة فأمر بها ~~فضربت بالخشب ثم رجمت. ولم يزل أبو خالد مستخفيا بخراسان زمن أبي العباس ~~وصدرا من زمن أبي جعفر حتى خلع عبد الجبار، فخرج أبو خالد في خمس مائة، ~~فقاتل حتى قتل أصحابه، وأخذ أسيرا فرمي به في قدر محماة فتفسخ فيها. # وقد قيل إن أبا سلمة لما جاءه نعي إبراهيم تحير وشك في أمره وهو مقيم على ~~ذكر الإمام يقرب لأهل خراسان ظهوره، وربما قرأ عليهم الكتاب يفتعله بينة ~~[4] ، وكان كذلك حتى قدم أبو العباس [200 أ] وأهل بيته الكوفة. ### || ولد إبراهيم بن محمد # كان له ابنان: عبد الوهاب ومحمد، فولي عبد الوهاب الشام ومات [5] بها، ~~وله عقب. وولي محمد مكة والمدينة والجزيرة واليمن ومات ببغداد PageV01P404 # وله عقب، ولمحمد بن إبراهيم بن محمد يقول العبدي: # إني أتيت بأمر تقشعر له ... أعلى الذؤابة أمرا مفظعا عجبا # لما عمدت كتاب الله أرهنه ... أيقنت أن زمان الناس قد كلبا # وما عمدت كتاب الله أرهنه ... إلا ولم يبق هذا الدهر لي نشبا # وقال أيضا العبدي لمحمد بن إبراهيم: # اقض عني يا ابن عم المصطفى ms253 ... أنا بالله من الدين ربك [1] # من غريم واخز يقعدني ... أشوه الوجه لعرضي ينتهك # أنا والظل وهو ثالثنا ... أينما زلت من الأرض سلك ### || مراثي قيلت في إبراهيم الإمام # قال إبراهيم بن علي بن هرمة يرثيه: # قد كنت أحسبني جلدا فضعضعني ... قبر بحران فيه عصمة الدين [2] # [200 ب] قبر الإمام الذي عزت [3] مصيبته ... وعيلت كل ذي مال ومسكين # إن الإمام الذي ولى وغادرني ... كأنني بعده في ثوب مجنون # حال الزمان بنا إذ بات يعركنا ... عرك الصناع [4] أديما غير مدهون ~~PageV01P405 # وأعقب الدهر ريشا في مناكبه ... فما يزال مع الإصماء [1] يرميني # فرحمة الله أنواعا مضاعفة ... عليك من مقبض [2] ظلما ومسجون # ولا [3] عفا الله عن مروان مظلمة ... لكن عفا الله عمن قال: آمين # وقال ابن هرمة أيضا لما جاء نعيه [4] : # لما أتاني وأهلي من ظبائهم [5] ... بالجزع بين كنانات فمطانا [6] # ناع نعى لي إبراهيم قلت له: ... شلت يداك وعشت الدهر عريانا # والناس قد ثقلت يوما مضاجعهم ... إلا ابن هرمة أحيا الليل يقظانا [7] # ولا رجعت إلى مال ولا ولد ... ما كنت حيا وما سميت إنسانا # نعى [8] الإمام وخير الناس كلهم ... أخنت عليه يد الجعدي مروانا # وكاد لولا دفاع الله يقتلني ... وما رجوت من النصر الذي كانا # فاستدرج الله مروانا بغرته [9] ... سبحان مستدرج الجعدي [10] سبحانا ~~PageV01P406 # فاعتز [1] بالقوم لم تطلل دماؤهم ... وكان حين بني مروان قد حانا [2] # [201 أ] وقال إبراهيم بن هرمة أيضا [3] : # هيهات أوتي [4] [..] في سراتهم ... أهل الحميمة من مدعي خراسانا # فانقض أهل خراسان الأولى غضبوا ... رجلا علي على خوف وفرسانا # وقتلوا كل جبار ودان لهم ... من قد أبر، مناداة وعصيانا [5] # أبلى الخليفة فيها وهو محتسب ... بلاء من لم يرد لله إدهانا # وجاء خير بني العباس كلهم ... فنال أعلى أمور الناس سلطانا # فأدخل الله إبراهيم جنته ... فضلا، ونزله روحا وريحانا # مع النبي الذي نرجو شفاعته ... وقيض الله للجعدي شيطانا # هذا قرينك لم يمدحك من فزع ... ولم يخنك وقدما كان خوانا # فاشدد برمته كفيك إن له ... من آل عباس آسادا وعقبانا # وقال إبراهيم بن هرمة يرثي إبراهيم الإمام ms254 ويمدح أبا [6] العباس السفاح ~~[7] . # أتاني وأهلي [8] باللوى فوق مثعر [9] ... وقد زجر [10] الليل النجوم فولت ~~PageV01P407 # وفاة ابن عباس وصي محمد ... فأبت فراشي حسرة ما تجلت # فإن تك أحداث المنايا اختر منه ... فقد أعظمت رزءا به وأجلت [1] # وإن يك غدر ناله من منافق ... فإن له العقبي إذا النعل زلت # [201 ب] نصال بني [2] الشيخ المولى على الكنى ... أصابت حزوما [3] منهم ~~واسمألت # فنالوا [4] بإبراهيم ثأرا ولم يكن ... دما سال يجري في دماء فطلت # أمروان أولى بالخلافة منكم [5] ؟ ... أصيبت إذن يمنى يدي فشلت # وأنتم بنو عم النبي ورهطه ... فقد سئمت نفسي الحياة [6] وملت # فشأن المنايا بعدكم ثم شأنها ... وشأني إذا طافت بنا [7] وأظلت [8] # وقد كان إبراهيم مولى خلافة ... بها خضعت صعب [9] الرقاب وذلت # وأوصى لعبد الله بالعهد بعده ... خلافة حق لا أماني ضلت # فشمر عبد الله لما تجردت ... لواقح من حرب زحول [10] فجلت [11] # فقاد إليها الحالئين [12] فأنهلوا ... ظماء إذا صارت إلى الري علت # حلابا تحلتها الحروب ولم تكن ... حلابا لقاح حلئت [13] فتحلت PageV01P408 # فقام ابن عباس مقام ابن حرة ... حصان إذا البيض الصوارم سلت # أتته الضواحي من معد وغيرها [1] ... فطنب ظلا فوقها فاستظلت # وشام إليها الراغبون غمامة ... عريضا سناها أنشأت واستهلت # جزى الله إبراهيم خير جزائه ... وجادت عليه البارقات وظلت # وكنا به حتى مضى لسبيله ... كذات العطول [2] حليت فتحلت # [202 أ] يعين [3] على الجلي قريشا بماله ... ويحمل عن هلاكها ما أكلت # توليتكم لما خشيت ضلالة ... ألا كل نفس أهلها من تولت ### || وصول وصية إبراهيم إلى أبي العباس # عبد العزيز بن الربيع عن أبيه عن جده، وحسين بن محمد الهاشمي عن أشياخه: ~~أن إبراهيم الإمام بن محمد أوصى أبا العباس عبد الله بن محمد بالقيام ~~بالدولة وأمره بالجد والحركة، وألا يكون له بالحميمة لبث ولا عرجة حتى ~~يتوجه إلى الكوفة، ورسم له رسوما، وأمره أن يعمل عليها، ولا يتعداها، ودفع ~~الوصية إلى سابق مولاه، وشافهه بأشياء أمره أن يشافه أبا العباس بها، وأوصى ~~سابقا [4] إن حدث به حدث في ليل أو نهار أن يغذ [5] PageV01P409 # السير إلى ms255 الحميمة حتى يدفع وصيته إلى أبي العباس ويشافهه بما أمره. فلما ~~قضى إبراهيم نحبه، خرج سابق حتى قدم على أبي العباس ففعل ما أمره به، وطوى ~~أبو العباس عن أهل بيته ما جاء به، وأمر سابقا أن يعلمهم موته ويطوي عنهم ~~أمر الوصية، ففعل. ثم أظهر أبو العباس من أهل بيته على أمره أبا جعفر عبد ~~الله بن محمد وعيسى بن موسى وعبد الله بن علي وجعفر ابن يحيى وقثم بن ~~العباس وكان نازلا معهم بالشراة، وتقدم إليهم في كتمان ذلك الأمر وبالخروج ~~معه. وأظهر من مواليه على أمره أبا موسى سلم بن سلم وصالح بن الهيثم وصالح ~~بن مجالد [202 ب] ومهلهل بن صفوان، وتقدم إليهم في كتمان ذلك، وأمرهم [1] ~~بالخروج معه. وأظهر من مواليه على أمره عبد الله بن علي ومحمد بن أبي ~~العباس بن دويد، وأمرهما بكتمان ذلك والخروج معه. وأظهر سابق مولى إبراهيم ~~بن محمد بن [2] علي على ذلك بأمر أبي العباس إبراهيم بن سلمة، وكان الإمام ~~إبراهيم أنزله وخاله حيان الشراة، فوجههما بكتبه إلى أبي سلمة حفص بن ~~سليمان بمشورة أبي سلمة عليه بذلك، وهما من أهل العراق، وأمره بكتمان ذلك ~~والخروج معه. ثم خرج أبو العباس السفاح في هؤلاء النفر سرا من الحميمة ~~متوجها إلى الكوفة، فلقيهم [3] داود بن علي وابنه موسى بن داود بدومة ~~الجندل وهما يريدان الشراة، فسألهم داود عن قصتهم فقصها أبو العباس عليه، ~~وأعلمه بحركة أهل خراسان مع أبي مسلم، وأنه يريد الخروج بالكوفة. فقال ~~داود: يا أبا العباس تخرج بالكوفة وشيخ بني أمية مروان مطل على العراق في ~~أهل الشام والجزيرة، PageV01P410 # وشيخ العرب ابن هبيرة في جلة العرب بالعراق! فقال أبو العباس: يا عم [1] ~~! من أحب الحياة ذل، ثم تمثل قول الأعشى: # فما ميتة إن متها غير عاجز [2] ... بعار إذا ما غالت [3] النفس غولها # فالتفت داود إلى ابنه فقال: صدق ابن عمك فارجع بنا معه نحيا أعزاء أو ~~نموت كراما، فرجعا، ومضى أبو العباس وهم صحبته حتى دخل الكوفة. ms256 ### | [203 أ] تواريخ الخلفاء من بني أمية [4] # تاريخ خلافة معاوية بن يزيد وعبد الله بن الزبير سنة أربع وستين. # تاريخ خلافة مروان بن الحكم سنة أربع وستين. # تاريخ خلافة عبد الملك بن مروان سنة خمس وستين هجرية. # تاريخ خلافة الوليد بن عبد الملك سنة ست وثمانين. # تاريخ خلافة سليمان بن عبد الملك سنة ست وتسعين. # تاريخ خلافة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه سنة تسع وتسعين. # تاريخ خلافة يزيد بن عبد الملك سنة مائة وإحدى [5] للهجرة. PageV01P411 # تاريخ خلافة هشام بن عبد الملك مائة وخمسة. # تاريخ خلافة الوليد بن يزيد سنة خمس وعشرين ومائة. # تاريخ خلافة يزيد بن الوليد [1] سنة ست وعشرين ومائة. # تاريخ خلافة مروان بن محمد سنة سبع وعشرين ومائة. # انقضاء ملك بني أمية سنة اثنتين [2] وثلاثين ومائة. ### | [203 ب] تواريخ الخلفاء من بني العباس رضي الله عنهم # تاريخ خلافة السفاح أبي العباس سنة اثنتين [2] وثلاثين ومائة. # تاريخ خلافة المنصور بالله في سنة ست وثلاثين ومائة. # تاريخ خلافة المهدي بالله في سنة ثمان [3] وخمسين ومائة. # تاريخ خلافة الهادي بالله في سنة تسع [4] وستين ومائة. # تاريخ خلافة الرشيد بالله في سنة سبعين ومائة. # تاريخ خلافة الأمين بالله في سنة ثلاث وتسعين ومائة. # تاريخ خلافة المأمون بالله في سنة ثمان وتسعين ومائة. # تاريخ خلافة المعتصم بالله في سنة ثماني [5] عشرة ومائتين. # تاريخ خلافة الواثق بالله في سنة سبع و [6] عشرين ومائتين. # تاريخ خلافة المتوكل على الله في سنة اثنتين [2] وثلاثين ومائتين. # تاريخ خلافة المنتصر بالله في سنة سبع وأربعين ومائتين. PageV01P412 # تاريخ خلافة المستعين بالله في سنة ثمان وأربعين [1] ومائتين. # تاريخ خلافة المعتز بالله في سنة اثنتين [2] وخمسين ومائتين. # [204 أ] تاريخ خلافة المهتدي بالله في سنة خمس وخمسين ومائتين. # تاريخ خلافة المعتمد بالله في سنة ست وخمسين ومائتين. # تاريخ خلافة المعتضد بالله في سنة تسع وسبعين ومائتين. # تاريخ خلافة المكتفي بالله في سنة تسع [3] وثمانين ومائتين. # تاريخ خلافة المقتدر بالله في سنة خمس وتسعين ومائتين. # تاريخ خلافة القاهر بالله في ms257 سنة عشرين وثلاث ومائة. # تاريخ خلافة الراضي بالله في سنة اثنتين [4] وعشرين وثلاث مائة. # تاريخ خلافة المتقي بالله في سنة تسع وعشرين وثلاث مائة. # تاريخ خلافة المستكفي بالله في سنة ثلاث وثلاثين وثلاث مائة. # تاريخ خلافة المطيع لله في سنة أربع وثلاثين وثلاث مائة. # تاريخ خلافة الطائع لله في سنة ثلاث وستين وثلاث مائة. # تاريخ خلافة القادر بالله في سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة. # تاريخ خلافة القائم بأمر الله في سنة اثنتين وعشرين وأربع مائة. # تاريخ خلافة المقتدي بالله في سنة سبع وستين [5] وأربع مائة. # تاريخ خلافة المستظهر بالله في سنة سبع وثمانين وأربع مائة. # [204 ب] تاريخ خلافة المسترشد بالله في سنة اثنتي عشرة [6] وخمس مائة. # تاريخ خلافة الراشد بالله في سنة تسع وعشرين وخمس مائة. PageV01P413 # تاريخ خلافة المقتفي [1] لأمر الله في سنة ثلاثين وخمس مائة. # تاريخ خلافة المستنجد بالله في سنة خمس وخمسين وخمس مائة. # تاريخ خلافة المستضيء بأمر الله في سنة ست وستين وخمس مائة. # تاريخ خلافة الناصر لدين الله في سنة خمس وسبعين وخمس مائة. # تاريخ خلافة الظاهر بأمر الله في سنة اثنتين وعشرين [2] وست مائة. # تاريخ خلافة المستنصر بالله في سنة ثلاث وعشرين وست مائة. # تاريخ خلافة المستعصم بالله في سنة أربعين وست مائة. # تاريخ [3] خلافة الحاكم بأمر الله أبي [4] العباس أحمد سنة إحدى وستين ~~[5] وست مائة. # تاريخ خلافة [6] ولده المستكفي بالله أبي الربيع سليمان سنة إحدى وسبع ~~مائة. # تاريخ [7] خلافة ولده الحاكم بأمر الله أبي [4] العباس أحمد في سنة ~~أربعين وسبع مائة. # تاريخ خلافة الإمام المعتضد بالله أبي [8] الفتح أبي [8] بكر في سنة ثلاث ~~[9] وخمسين وسبع مائة. # تاريخ خلافة ولده الإمام المتوكل على الله أبي [8] عبد الله محمد سنة ~~ثلاث وستين وسبع مائة. فسح الله في أجله، وهو الخليفة القوام بعصرنا هذا ~~أدام الله أيامه. PageV01P414 ms258