######OpenITI# #META# Source: http://alkalema.net/kenedy.htm #META# Title: رسالة عبد الله بن إسمعيل الهاشمي إلى عبد المسيح بن إسحق ~~الكندي يدعوه بها إلى الإسلام ورسالة الكندي إلى الهاشمي يرد بها عليه، ~~ويدعوه إلى النصرانية #META# Author: مؤلف مجهول #META# Date: second half of 9th C CE? (see P.S. Van Koningsveld, "The ~~Apology of al-Kindī", in T.L. Hettema and A. Van der Kooij, Religious ~~Polemics in Context, Assen: Royal Van Gorcum, 2004: 69-92. #META#Header#End# ### |EDITOR| # رسالة عبد الله بن إسمعيل الهاشمي إلى عبد المسيح بن إسحق الكندي يدعوه ~~بها إلى الإسلام ورسالة الكندي إلى الهاشمي يرد بها عليه، ويدعوه إلى ~~النصرانية في أيام الأمير الخليفة العباسي المأمون سنة 247 ه و 861م # | هذا الكتاب في القرن التاسع الميلادي، في زمن الخليفة عبد الله ~~المأمون، كتب مسلم تقي هو عبد الله بن إسماعيل الهاشمي رسالة لصديق له ~~مسيحي، هو عبد المسيح بن اسحق الكندي، يدعوه فيها إلى الإسلام. وكان عبد ~~الله معروفا بالتقوى وشدة القيام بفروض الإسلام، كما كان عبد المسيح مشهورا ~~بتقواه وتمسكه بالمسيحية، كما كان في خدمة الخليفة مقربا إليه. وقد ذكر ~~الرسالتين أبو ريحان محمد بن أحمد البيروني في كتابه الآثار الباقية عن ~~القرون الخالية . وقد قيل إن أمر الرسالتين بلغ الخليفة المأمون، فأمر ~~بإحضارهما وقرئتا عليه. فلم يزل ناصتا حتى جاء إلى آخرهما فقال: ما كان ~~دعاه إلى أن يتعرض لما ليس من عمله حتى أجاز كتاف نفسه. فأما النصراني فلا ~~حجة لنا عليه، لأن الأمر لو لم يكن عنده هكذا لما أقام على دينه. والدين ~~دينان: أحدهما دين الدنيا، والآخر دين الآخرة. أما دين الدنيا فالدين ~~المجوسي وما جاء به زرادشت. وأما دين الآخرة فهو دين النصارى وما جاء به ~~المسيح. وأما الدين الصحيح فهو التوحيد الذي جاء به صاحبنا، فإنه الدين ~~الجامع الدنيا والآخرة . وقد نشرت جمعية ترقية المعارف المسيحية في لندن ~~هذه المخطوطة عام 1885 ، وأعيد نشرها بالقاهرة عام 1912. ويسرنا أن نقدم ~~للقارئ العربي رسالتي الهاشمي والكندي في هذه الطبعة الحديثة التي قدمنا ~~فيها رسالة الهاشمي كما وجدناها. أما رسالة الكندي للهاشمي فقد حذفنا منها ~~المترادفات، والتكرار، والتحيات، ونقلنا الاقتباسات الكتابية من ترجمة ~~بيروت المعروفة بترجمة البستاني . وقد تركنا كلمة نصارى ونصرانية كما هي ~~رغم معرفتنا أن المقصود بها هنا هو المسيحية وليس فرقة النصارى. نسأل الله ~~الحقيقي أن يهدي المسلمين إلى الصراط مستقيم. ### |PARATEXT| # بسم الله الواحد الصمد كان في زمن عبد الله المأمون أحد نبلاء الهاشميين ms01 ~~وأظنه من ولد العباس، قريب القرابة من الخليفة، معروف بالنسك والورع ~~والتمسك بدين الإسلام وشدة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه، مشهور بذلك ~~عند الخاصة والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدب وعلم، كندي الأصل ~~مشهور بالتمسك بدين النصرانية، وكان في خدمة الخليفة وقريبا منه مكانا. ~~فكانا يتوادان ويتحابان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير ~~المؤمنين المأمون وجماعة أصحابه والمتصلون به قد عرفوهما بذلك، وهما عبد ~~الله بن إسماعيل الهاشمي، وعبد المسيح بن إسحق الكندي، فكتب الهاشمي إلى ~~الكندي الرسالة التالية: ### | [رسالة الهاشمي] # بسم الله الرحمن الرحيم افتتحت كتابي إليك بالسلام عليك والرحمة، تشبها ~~بسيدي وسيد الأنبياء محمد رسول الله (ص) فإن ثقاتنا رووا لنا عنه أن هذه ~~كانت عادته، وأنه كان إذا افتتح كلامه مع الناس يبادئهم بالسلام والرحمة في ~~مخاطبته إياهم، ولا يفرق بين الذمي منهم والأمي، ولا بين المؤمن والمشرك. ~~وكان يقول إني بعثت بحسن الخلق إلى الناس كافة، ولم أبعث بالغلظة والفظاظة. ~~ويستشهد الله على ذلك إذ يقول بالمؤمنين رؤوف رحيم (سورة التوبة 9:128). ~~وكذلك رأيت من حضرته من أئمتنا الخلفاء الراشدين يتتبعون أثر نبيهم ولا ~~يفرقون في ذلك ولا يفضلون فيه أحدا. فسلكت ذلك المنهج. والذي حملني إليك ~~وحثني على ذلك محبتي لك، إذ كان سيدي ونبيي محمد يقول: محبة القريب ديانة ~~وإيمان . فكتبت طاعة له، ولما أوجبه لك عندنا حق خدمتك لنا ونصحك إيانا، ~~وما أنت عليه من محبتنا، وما أرى أيضا من إكرام سيدي وابن عمي أمير ~~المؤمنين لك وتقريبه إياك وثقته بك وحسن قوله فيك، فرأيت أن أرضى لك ما قد ~~رضيته لنفسي وأهلي ووالدي، مخلصا لك النصيحة وباذلها، كاشفا عما نحن عليه ~~من ديانتنا هذه التي ارتضاها الله لنا ولجميع خلقه، ووعدنا عليها حسن ~~الثواب في المعاد والأمن من العقاب في المآب، إذ يقول تبارك وتعالى ملة ~~إبراهيم حنيفا (سورة البقرة 2:135) والذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين ~~(سورة الزخرف 43:69) وما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن كان حنيفا ms02 ~~مسلما وما كان من المشركين (سورة آل عمران 3:67). فرغبت لك ما رغبت فيه ~~لنفسي، وأشفقت عليك لما ظهر لي من كثرة أدبك وبارع علمك وتقدمك على الكثير ~~من أهل ملتك أن تكون مقيما على ما أنت عليه من ديانتك هذه. فقلت: اكشف له ~~عما من الله به علينا، وأعرفه ما نحن عليه، بألين القول وأحسنه، متبعا في ~~ذلك ما أذنني الله به إذ يأمرني: ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ~~(سورة العنكبوت 29:46). فلست أجادلك إلا بالجميل من الكلام والحسن من القول ~~واللين من اللفظ، لعلك تنتبه وترجع إلى الحق وترغب في ما أتلوه عليك من ~~كلام الله جل جلاله الذي أنزله على خاتم الأنبياء وسيد ولد آدم نبينا محمد. ~~ولم أيئس من ذلك، بل رجوته لك من الله الذي يهدي من يشاء، وسألته أن يجعلني ~~سببا في ذلك، ووجدت الله يقول في كتابه إن الدين عند الله الإسلام (سورة آل ~~عمران 3:19) ويقول الله أيضا مؤكدا ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه ~~وهو في الآخرة من الخاسرين (سورة آل عمران 3:85) ويقول: يا أيها الذين ~~آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (سورة آل عمران ~~3:102). وأنت تعلم أني رجل أتت علي سنون كثيرة وقد تبحرت في عامة الأديان ~~وامتحنتها، وقرأت كثيرا من كتب أهلها وخاصة كتبكم معشر النصارى، فإني عنيت ~~بقراءة الكتب العتيقة والحديثة التي أنزلها الله على موسى وعيسى وغيرهما من ~~الأنبياء عليهم السلام. فأما الكتب العتيقة التي هي التوراة، وكتاب يشوع بن ~~نون، وسفر القضاة، وسفر صموئيل النبي، وسفر الملوك، وزبور داود النبي، ~~وحكمة سليمان بن داود، وكتاب أيوب الصديق، وكتاب إشعياء النبي، وكتاب ~~الإثني عشر نبيا، وكتاب إرميا النبي، وكتاب حزقيال النبي، وكتاب دانيال ~~النبي فهذه هي الكتب العتيقة. فأما الكتب الحديثة فأولها الإنجيل وهو أربعة ~~أجزاء، الأول منها بشارة متى العشار، والثاني بشارة مرقس ابن أخت سمعان ~~المعروف بالصفا، والثالث بشارة لوقا المطبب، والرابع بشارة يوحنا ms03 بن زبدي. ~~فهذه أربعة أجزاء، منها بشارة رجلين من الحواريين الإثني عشر الذين كانوا ~~ملازمين المسيح، هما متى ويوحنا، وبشارة رجلين من الحواريين السبعين الذين ~~كانوا للمسيح، وبعثهم إلى الأمم دعاة له وهما مرقس ولوقا. ثم كتاب قصص ~~الحواريين وأحاديثهم وأخبارهم من بعد ارتفاع المسيح إلى السماء الذي كتبه ~~لوقا، ورسائل بولس الأربع عشرة. فهذه كلها قد قرأتها ودرستها وناظرت فيها ~~تيموثاوس الجاثليق، الذي له فيكم فضل الرئاسة والعلم والعقل. وناظرت فيها ~~من أهل فرقكم هذه الثلاث التي هي ظاهرة، أعني الملكية القابلين مركيانوس ~~الملك على عهد الشقاق الواقع بين نسطوريوس وكيرلس، وهم الروم. واليعقوبية ~~القائلين بمقالة كيرلس الإسكندري ويعقوب البردعاني وساويرس صاحب كرسي ~~أنطاكية. والنسطورية أصحابك، وهم أقرب وأشبه بأقاويل المنصفين من أهل ~~الكلام والنظر وأكثرهم ميلا إلى قولنا معشر المسلمين، وهم الذين حمد نبينا ~~(صلى الله عليه وسلم (؟ !)) أمرهم ومدحهم وأعطاهم العهود والمواثيق، وجعل ~~لهم من الذمة في عنقه وأعناق أصحابه ما جعل وكتب لهم في ذلك الكتب وسجل لهم ~~السجلات، وأكد أمرهم عندما صاروا إليه حين أفضي الأمر إليه واستوثق له، ~~فأتوه وتحرموا بحرمته وذكروه بمعونتهم إياه على إعلان أمره وإظهار دعوته. ~~وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه بما مكن الله ~~له وصار إليه. فلذلك كان يكثر تواده لهم وإطالة محادثتهم، ويرى كثيرا عندهم ~~مخاطبا لهم في تردده إلى الشام وغيرها. وكان الرهبان وأصحاب الأديرة ~~يكرمونه ويجلونه طوعا ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن يرفع من أمره ويعلن ~~من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ومشركي قريش وما ~~يبتغونه له من الشر، مع مودتهم له وإجلالهم إياه وأصحابه. فعند ذلك نزل ~~الوحي على نبينا عليه السلام، وشهد الله لهم في القرآن قائلا: لتجدن أشد ~~الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا (يعني مشركي قريش) ولتجدن ~~أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (سورة المائدة 5:82). وعرف النبي عليه السلام ~~بما أنزل عليه ms04 من الوحي صحة ضمائرهم ونياتهم، وأنهم أصحاب المسيح حقا ~~السائرون بسيرته الآخذون بسننه، إذ كانوا لا يقبلون القتال ولا يستحلون ~~المال ولا يغشون أحدا ولا يريدون بالناس سوءا ولا مكروها، وأنهم طالبو ~~السلامة ولا يصرون على حقد ولا عداوة. فأعطاهم نبينا لذلك ما أعطاهم من ~~العهود والمواثيق، وجعل لهم من الذمة في رقبته ورقاب أصحابه، ووصى بهم تلك ~~الوصية عندما أطلعه الله على ما أطلعه عليه من أمرهم وبراءة ساحتهم. فنحن ~~مقرون بذلك غير جاحدين ولا منكرين، وناظرون لهذا الفعل وآخذون بهذه السنة ~~وقابلون لهذه الوصية وموجبون هذا الحق على أنفسنا. ولقيت جماعة من الرهبان ~~المعروفين بشدة الزهد وكثرة العلم، ودخلت كنائس وأديرة كثيرة وحضرت صلواتهم ~~تلك الطوال السبع التي يسمونها صلوات الأوقات، وهي صلاة الليل، وصلاة ~~الغداة، وصلاة الثالثة التي هي صلاة السحر، وصلاة نصف النهار أعني صلاة ~~الظهر، وصلاة التاسعة التي هي قريبة من وقت العصر والعشاء، وصلاة الشفع وهي ~~صلاة العشاء المفروضة، وصلاة النوم التي يصلونها قبل أخذهم مضاجعهم. ورأيت ~~ذلك الاجتهاد العجيب والركوع والسجود بإلصاق الخدود بالأرض وضرب الجبهة ~~والتكتف إلى انقضاء صلواتهم، خاصة في ليالي الآحاد وليالي الجمع وليالي ~~الأعياد التي يسهرون فيها منتصبي الأرجل بالتسبيح والتقديس والتهليل الليل ~~كله، ويصلون ذلك بالقيام نهارهم أجمع، ويكثرون في صلواتهم ذكر الآب والابن ~~والروح القدس، وأيام الاعتكاف التي يسمونها أيام البواعيث (صلوات ~~الاستمطار) وقيامهم فيها حفاة على المسوح والرماد باكين بكاء كثيرا متواترا ~~بانهمال دموع من الأعين والجفون منتحبين بسحق عجيب. ورأيت عملهم القربان، ~~كيف يحفظونه بالنظافة في خبزهم إياه ودعائهم عند عمله الدعاء الطويل مع ~~التضرع الشديد عند إصعاده على المذبح في البيت المعروف ببيت المقدس مع تلك ~~الكؤوس المملوءة خمرا. ورأيت أيضا ما يتدبر به الرهبان في قلاليهم أيام ~~صياماتهم الستة، أعني الأربعة الكبار والاثنين الصغيرين، وغير ذلك. فهذا ~~كله كنت له حاضرا ولأهله مشاهدا وبه عارفا عالما. ورأيت أيضا مطارنة ~~وأساقفة مذكورين بحسن المعرفة وكثرة العلم، مشهورين بشدة الإغراق في ~~الديانة النصرانية، مظهرين غاية ms05 الزهد في الدنيا. فناظرتهم مناظرة نصفة ~~طالبا للحق، مسقطا بيني وبينهم اللجاج والمكابرة والصلف بالحسب، وأوسعتهم ~~أمنا أن يقوموا بحجتهم ويتكلموا بجميع ما يريدونه، غير مؤاخذ لهم بذلك ولا ~~متعنت عليهم في شيء كمناظرة الرعاع والجهال والسفهاء من أهل ديانتنا، الذين ~~لا أصل لهم ينتهون إليه ولا عقل فيهم يعولون عليه، ولا دين ولا أخلاق ~~تحجبهم عن سوء الأدب، وإنما كلامهم العنت والمكابرة والمغالبة بسلطان ~~الدولة بغير علم ولا حجة. وكانوا إذا أنا ناظرتهم وسألتهم مسألة بحث فاحصا ~~عن قولهم، وكانوا لشدة ورعهم ودعتهم واعتقادهم يصدقونني عن أمرهم ولا ~~يكذبونني في شيء مما كنت أسائلهم عنه وأجادلهم فيه. وكنت قد عرفت من ~~بواطنهم مثل الذي قد عرفته من ظاهرهم، فكتبت إليك بهذا الشرح بعد الاستقصاء ~~والبحث، ليعلم من وقع في يده كتابي هذا أني عالم بالقضية. فأنا الآن أدعوك ~~بهذه المعرفة كلها مني بدينك الذي أنت عليه إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله ~~لي وارتضيته لنفسي، ضامنا لك به الجنة ضمانا صحيحا والأمن من النار. وهو أن ~~تعبد الله الواحد الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يتخذ صاحبة ~~ولا ولدا ولم يكن له كفؤا أحد، وهي الصفة التي وصف نفسه جل وعز بها، إذ ليس ~~أحد من خلقه أعلم به من نفسه. فدعوتك إلى عبادة هذا الإله الواحد الذي هذه ~~صفته، ولم أزد في كتابي هذا على ما وصف به نفسه. فهذه ملة أبيك وأبينا ~~إبراهيم فإنه كان حنيفا مسلما. ثم أدعوك إلى الشهادة والإقرار بنبوة سيدي ~~وسيد ولد آدم وصفي رب العالمين وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله الهاشمي ~~القريشي العربي الأبطحي التهامي، صاحب القضيب والناقة والحوض والشفاعة، ~~حبيب رب العزة ومكلم جبرائيل الروح الأمين الذي أرسله الله بشيرا ونذيرا ~~إلى الناس كافة بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون ~~(سورة التوبة 9:33) فدعا الناس كلهم أجمعين بالرحمة والرأفة وطيب القول ~~وحسن الخلق واللين، فاستجاب هذا الخلق كلهم إلى طاعة دعوته والشهادة له ms06 أنه ~~رسول الله رب العالمين إلى من يريد انتصاحا، وأقر الأنام كلهم طائعين ~~مذعنين لما عرفوا من الحق والصدق من قوله وصحة أمره وما جاء به من البرهان ~~الصريح والدليل الواضح، وهو هذا الكتاب المنزل عليه من عند الله، الذي لا ~~يقدر أحد من الإنس والجن أن يأتي بمثله، وكفى به دليلا على دعوته وأنه دعا ~~إلى عبادة إله واحد فرد صمد، فدخلوا في دينه وصاروا تحت يده غير مكرهين ولا ~~مجبرين، بل خاضعين معترفين مستنيرين بنور هدايته متطاولين باسمه على غيرهم ~~ممن جحد نبوته وأنكر رسالته، فمكن الله لهم في البلاد وأذل لهم رقاب الأمم ~~من العباد، إلا من قال بقولهم ودان بدينهم وشهد على شهادتهم، فحقن بذلك دمه ~~وماله وحرمته أن يؤدي الجزية عن يد وهو صاغر. وهذه الشهادة هي الشهادة التي ~~شهد الله بها قبل أن يخلق الخلائق، إذ كان على العرش مكتوبا لا إله إلا ~~الله. محمد رسول الله . وأدعوك إلى الصلوات الخمس التي من صلاها لم يخب ولم ~~يخسر بل يربح ويكون في الدنيا والآخرة من الفائزين، وهي الفرض فيها فرضان: ~~فرض من الله وفرض من رسوله مثل الوتر، وهي ثلاث ركعات بعد العشاء الأخيرة، ~~وركعتان في الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب. فمن ترك شيئا من ~~هذه فليس بجائز له. ويجب على من تركها أياما الأدب ويستتاب منه. فأما الفرض ~~فهو سبع عشرة ركعة في اليوم والليل: ركعتا الفجر، وأربع ركعات الظهر، وأربع ~~ركعات العصر، وثلاث ركعات المغرب وهي العشاء الأولى، وأربع ركعات العشاء ~~الآخرة وهي العتمة. وقد نهى رسول الله أن يقال العتمة، وقال هي عتمة عتمة ~~الليل، وإنما سميت عتمة لتأخرها في العشاء وإبطائها. وأدعوك إلى صوم شهر ~~رمضان الذي فرضه الديان ونزل فيه الفرقان، شهر يشهد فيه الله أن فيه ليلة ~~القدر التي هي خير من ألف شهر، تصوم فيه نهارك كله عن جميع المطاعم ~~والمشارب والمناكح إلى أن يسقط قرص الشمس ويدخل حد الليل، ثم تأكل وتشرب ~~وتنكح في ms07 ليلك كله حتى يتبين لك الخيط الأسود من الخيط الأبيض حلالا مطلقا ~~هنيئا طيبا من الله. فإن أنت لحقت ليلة القدر بإخلاص نيتك كنت قد فزت في ~~دنياك وآخرتك. قال الله تعالى: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو ~~على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع ~~خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون شهر رمضان الذي أنزل ~~فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ~~ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد ~~بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون وإذا ~~سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان فليستجيبوا لي وليؤمنوا ~~بي لعلهم يرشدون أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم ~~لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فا لآن ~~باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض ~~من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم ~~عاكفون في المساجد تلك حدود الله فلا تقربوها (سورة البقرة 2:183-187). ~~وكان النبي صلى الله عليه وسلم (؟ !) يقدم الفطور ويؤخر السحور. ثم أدعوك ~~إلى الحج إلى بيت الله الحرام الذي بمكة، والنظر إلى حرم رسول الله وآثاره ~~ومواضعه المباركة وتلك المشاعر العجيبة. ثم أدعوك إلى الجهاد في سبيل الله ~~بغزو المنافقين وقتال الكفرة والمشركين ضربا بالسيف وسبيا وسلبا حتى يدخلوا ~~في دين الله ويشهدوا أن الله لا إله إلا هو، وأن محمدا عبده ورسوله، أو ~~يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وأدعوك إلى الإقرار بأن الله يبعث من ~~القبور، وأنه ديانهم بالعدل فيكافي الحسنى بالحسنى ويجزي المسيء بإسائته، ~~وأنه يدخل أولياءه وأهل طاعته الذين أقروا بوحدانيته وشهدوا بأن محمدا ms08 عبده ~~ورسوله وآمنوا بما نزل عليه من القرآن، الجنة التي أعد لهم فيها الطيبات ~~يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير (سورة الحج 22:23). ~~وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار ~~المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا يمسنا فيها لغوب (سورة فاطر 35:34 ، ~~35). أولئك لهم رزق معلوم فواكه وهم مكرمون في جنات النعيم على سرر ~~متقابلين يطاف عليهم بكأس من معين بيضاء لذة للشاربين لا فيها غول ولا هم ~~عنها ينزفون وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن بيض مكنون (سورة الصافات ~~37:41-49). لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية تجري من تحتها ~~الأنهار وعد الله لا يخلف الله الميعاد (سورة الزمر 39:20). يا عباد لا خوف ~~عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون الذين آمنوا با~ياتنا وكانوا مسلمين ادخلوا ~~الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون يطاف عليهم بصحاف من ذهب وأكواب وفيها ما ~~تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (سورة الزخرف 43:68-71), إن ~~المتقين في مقام أمين في جنات وعيون يلبسون من سندس وإستبرق متقابلين كذلك ~~وزوجناهم بحور عين يدعون فيها بكل فاكهة آمنين لا يذوقون فيها الموت إلا ~~الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم فضلا من ربك ذلك هو الفوز العظيم (سورة ~~الدخان 44:51-57). وقال عز وجل: مثل الجنة التي وعد المتقونفيها أنهار من ~~ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين ~~وأنهار من عسل مصفى ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن هو خالد في ~~النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءه (سورة محمد 47:15). وقال عز وجل: وإن ~~للمتقين لحسن ما~ب جنات عدن مفتحة لهم الأبواب متكئين فيها يدعون فيها ~~بفاكهة كثيرة وشراب وعندهم قاصرات الطرف أتراب هذا ما توعدون ليوم الحساب ~~إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (سورة ص 38:49-54) وقال عز وجل في وصف الجنة: ~~ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان ذواتا ms09 أفنان فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان فيهما عينان تجريان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما من كل فاكهة ~~زوجان فبأي آلاء ربكما تكذبان متكئين على فرش بطائنها من إستبرق وجنى ~~الجنتين دان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهن قاصرات الطرف لم يطمثهن إنس قبلهم ~~ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان كأنهن الياقوت والمرجان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان هل جزاء الإحسان إلا الإحسان فبأي آلاء ربكما تكذبان ومن دونهما ~~جنتان فبأي آلاء ربكما تكذبان مدهامتان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما عينان ~~نضاختان فبأي آلاء ربكما تكذبان فيهما فاكهة ونخل ورمان فبأي آلاء ربكما ~~تكذبان فيهن خيرات حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان حور مقصورات في الخيام فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان فبأي آلاء ربكما تكذبان ~~متكئين على رفرف خضر وعبقري حسان فبأي آلاء ربكما تكذبان تبارك اسم ربك ذي ~~الجلال والإكرام (سورة الرحمن 55:46-78) وقال عز وجل: وسيق الذين اتقوا ~~ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها وقال لهم خزنتها سلام ~~عليكم طبتم فا دخلوها خالدين (سورة الزمر 39:73) وقال عز وجل: ولقاهم نضرة ~~وسرورا وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا متكئين فيها على الأرائك لا يرون فيها ~~شمسا ولا زمهريرا ودانية عليهم ظلالها وذللت قطوفها تذليلا ويطاف عليهم ~~با~نية من فضة وأكواب كانت قواريرا قواريرا من فضة قدروها تقديرا ويسقون ~~فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا عينا فيها تسمى سلسبيلا (سورة الإنسان ~~76:11-18) وقال عز وجل: إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا ~~وكأسا دهاقا لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا جزاء من ربك عطاء حسابا (سورة ~~النبأ 78:31-36) وقال تبارك وتعالى: إن المتقين في جنات ونعيم فاكهين بما ~~آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم كلوا واشربوا هنيئا بما كنتم تعملون ~~متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم ~~بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب ~~رهين وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ms10 ولا ~~تأثيم ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون وأقبل بعضهم على بعض ~~يتساءلون قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين فمن الله علينا ووقانا عذاب ~~السموم إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم (سورة الطور 52:17-28) ~~وقال تبارك وتعالى: والسابقون السابقون أولئك المقربون في جنات النعيم ثلة ~~من الأولين وقليل من الآخرين على سرر موضونة متكئين عليها متقابلين يطوف ~~عليهم ولدان مخلدون بأكواب وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون ~~وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون ~~جزاء بما كانوا يعملون لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما إلا قيلا سلاما ~~سلاما وأصحاب اليمين ما أصحاب اليمين في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود ~~وماء مسكوب وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة وفرش مرفوعة إنا أنشأناهن ~~إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين ثلة من الأولين وثلة من ~~الآخرين (سورة الواقعة 56:10-40). فهذه صفة الجنة التي أعدها الله للمؤمنين ~~به وبرسوله، وأعد لهم فيها الطيبات من الطعام والشراب وأنواع الفواكه ~~والرياحين، ونكاح الحور العين اللائي هن كأمثال اللؤلؤ المكنون بلا نهاية ~~ولا انقطاع. يأخذون كل ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين، ولهم فيها الكرامة ~~والحياة والجلوس على الأسرة، متكئين على الأرائك، عليهم ثياب الحرير اللين ~~مستورين بالأسرة المكللة باللؤلؤ، تعرف في وجوههم نضرة النعيم. يدور عليهم ~~الولدان والوصائف والوصفاء الذين هم في جنسهم كاللؤلؤ المكنون، يسقون من ~~كأسات فيها الرحيق المختوم الذي ختامه مسك ومزاجه من تسنيم عينا يشرب منها ~~المقربون، يحيون بها بأحسن التحية وأطيبها، ويقولون لهم: كلوا واشربوا ~~وتنعموا، هنيئا لكم بما كنتم تعملون، لا يسمعون فيها لغوا ولا يمسهم جوع ~~ولا لغوب، فهم في هذا النعيم آمنون واثقون خالدون أبدا. وأما الكفار الذين ~~أشركوا بالله واتخذوا معه الأنداد ولم يؤمنوا برسله وكذبوا بآياته وحرموا ~~حدوده وحاربوه، فهم أهل النار يلقونها كفاحا في جهنم لابثين في نار لا تطفأ ~~وزمهرير لا يوصف وهم فيها خالدون، كلما احترقت جلودهم جددت لهم ms11 جلود أخرى، ~~مقامهم في الجحيم وشرابهم المهل، وطعامهم من شجرة الزقوم، رفقاء لإبليس ~~وجنود له وبئس المصير. وقال عز وجل: الذين يكفرون بآيات الله ويقتلون ~~النبيين بغير حق ويقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس فبشرهم بعذاب أليم ~~أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين (سورة آل ~~عمران 3:21 ، 22) وقال تبارك وتعالى: الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن ~~يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ~~ذلك سبيلا أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا (سورة ~~النساء 4:150 ، 151). وقال تبارك وتعالى: والذين كفروا لهم نار جهنم لا ~~يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها كذلك نجزي كل كفور (سورة فاطر ~~35:36) وقال أيضا .. شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين إنها شجرة تخرج ~~ف~ي أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم ثم إن مرجعهم لإلى الجحيم (سورة ~~الصافات 37:62-68) ثم فويل للذين كفروا من النار .. وإن للطاغين لشر ما~ب ~~جهنم يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق (سورة ص 38:55-57) وقال: ~~لهم من فوقهم ظلل من النار (سورة الزمر 39:16) وقال: ويوم القيامة ترى ~~الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين والذين ~~كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (سورى الزمر 39:60 ، 63) وقال: وسيق ~~الذين كفروا إلى جهنم زمرا حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ~~ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا ~~بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها ~~فبئس مثوى المتكبرين (سورة الزمر 39:71 ، 72) وقال الذين في النار لخزنة ~~جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب قالوا أو لم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات قالوا بلى قالوا فا دعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال (سورة ~~غافر 40:49 ، 50) وقال: ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون ms12 ~~الذين كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا فسوف يعلمون إذ الأغلال في ~~أعناقهم والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون (سورة غافر ~~40:69-72) وقال: الكافرون لهم عذاب شديد.. وترى الظالمين لما رأوا العذاب ~~يقولون هل إلى مرد من سبيل وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من ~~طرف خفي (سورة الشورى 42:44 ، 45) وقال تبارك وتعالى: إن المجرمين في عذاب ~~جهنم خالدون لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون وما ظلمناهم ولكن كانوا هم ~~الظالمين ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (سورة الزخرف ~~43:74-77). وقال: إن شجرة الزقوم طعام الأثيم كا لمهل يغلي في البطون كغلي ~~الحميم خذوه فا عتلوه إلى سواء الجحيم ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم ذق ~~إنك أنت العزيز الكريم إن هذا ما كنتم به تمترون (سورة الدخان 44:43-50) ~~وقال عز وجل: كمن هو خالد في النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم... ذلك ~~بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل الله سنطيعكم في بعض الأمر والله يعلم ~~إسرارهم فكيف إذا توفتهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم ذلك بأنهم اتبعوا ~~ما أسخط الله وكرهوا رضوانه فأحبط أعمالهم أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن ~~لن يخرج الله أضغانهم (سورة محمد 47:15 ، 26-29) وقال: ويل يومئذ للمكذبين ~~ألم نجعل الأرض كفاتا أحياء وأمواتا وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ~~ماء فراتا ويل يومئذ للمكذبين انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون انطلقوا إلى ~~ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب إنها ترمي بشرر كا لقصر كأنه ~~جمالة صفر ويل يومئذ للمكذبين هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون ويل ~~يومئذ للمكذبين هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين (سورة المرسلات 77:24-38). ~~فهل سمعت عافاك الله يا هذا بوصف أحسن وأعجب من هذا من ترغيب وترهيب، ~~وتحريض ووعد ووعيد لكل جبار عنيد ولكل مصدق ومكذب ولكل مؤمن وكافر ولكل مقر ~~وجاحد؟ فلو لم ترغب إلا في ذلك الوصف لكان ذلك فيه الغنم والفوز العظيم، ~~ولو لم ترهب إلا ms13 من ذكر النار وأهوال جهنم لكان في تركك ذلك الخطب الجليل، ~~وعليك فيه الخسران المبين. قال الله تبارك وتعالى: وذكر فإن الذكرى تنفع ~~المؤمنين . فأما نحن فقد ذكرناك، فإن أنت آمنت وقبلت ما يتلى عليك من كتاب ~~الله المنزل، انتفعت بما ذكرناك وكتبنا به إليك. وإن أبيت إلا المقام على ~~كفرك وضلالك وعنادك للحق، كنا نحن قد أجرنا إذ عملنا بما أمرنا به، وكان ~~الحق هو المنتصف منك إن شاء الله. فهذه هيئة ديننا القيم وهذه شرائعه ~~وسننه، فإذا دخلت فيه وأقررت به وشهدت على شهادته وأحببت الدخول في ما ~~دعوناك إليه من شرائعنا النيرة وسنننا الحسنة، كنت مثلنا وكنا مثلك، فحسبك ~~بنا شرفا في الدنيا والآخرة، وإن نبينا عليه السلام يقول يوم القيامة: كل ~~أحد مشغول بنفسه من ملك مقرب ونبي مرسل سواه، وهو يقول: أهل بيتي أمتي ~~أمتي، فيجاب أولا في أهل بيته ثم في أمته. ويقول الرحمن للملائكة: إني ~~أستحيي أن أرد شفاعة صفيي وحبيبي محمد. ثم تكون ممن يجب لك ما يجب، وتصلي ~~إلى قبلتنا التي ارتضاها الله لنا، وتقيم الصلوات الخمس بعد إسباغ الوضوء ~~إذا كنت صحيحا وقائما على رجليك. وإذا كنت مريضا أو ضعيفا فجالس. فإن كنت ~~على سفر فنصف ما تصليه وأنت بالحضر. قال الله عز وجل: اقيموا الصلاة وآتوا ~~الزكوة . وأما الزكاة فهي ربع العشر إذا أتى على المال وهو في ملك صاحبه ~~حول كامل، فتصرف ذلك على المساكين من ملتك والفقراء من أهلك. وتنكح من ~~النساء ما أحببت، لا جناح عليك في ذلك ولا لوم ولا إثم ولا عيب، إذا أنت ~~تزوجتها بولي وشاهدين وآتيتها من المهر ما طابت به نفسك ونفسها مما تيسر. ~~ولك أن تجمع بين أربع نساء، وتطلق من شئت إذا كرهتها أو مللتها أو شبعت ~~منها. ولك أن تراجع بعد الاستحلال من أحببت منهن أيتهن تبعتها نفسك. قال ~~الله تعالى عز وجل: فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره فإن ~~طلقها فلا جناح ms14 عليهما أن يتراجعا (سورة البقرة 2:230). وتتمتع من الإماء ~~بما ملكت يداك. وتختتن لتقيم سنة إبراهيم أبينا خليل الرحمن وسنة اسماعيل ~~أبينا وأبيك صلوات الله عليهما، وتغتسل من الجنابة. ثم إن قدرت تصوم شهر ~~رمضان. إلا إن أفطرت من علة أو مرض أو سفر بعد أن تنوي قضاء ذلك فإن الله ~~يريد لعباده اليسر ولا يريد لهم العسر . وإن حنثت في قسمك عملت بما أمر ~~الله به في ذلك، إذ يقول تبارك وتعالى: لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ~~ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم والله غفور حليم (سورة البقرة 2:225) وكفارة ~~الحنث عندنا معاشر المسلمين قوله تعالى إطعام عشرة مساكين من أوسط ما ~~تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ذلك ~~كفارة أيمانكم إذا حلفتم واحفظوا أيمانكم كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم ~~تشكرون (سورة المائدة 5:89). والحج واجب عليك لأنه جل جلاله يقول: ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا (سورة آل عمران 3:97) وذلك إذا لم يكن ~~عليك دين وكانت لك راحة وكان عندك ثمن الزاد. والغزو في سبيل الله، فمعه ~~الغنيمة في الدنيا عاجلا، والأجر العظيم في الآخرة آجلا. فقد سهل الله على ~~المؤمنين، وإن شاء الله ليحب أن يؤخذ بعزائمه وتشديداته. ولو لم يكن في دين ~~الإسلام شيء إلا الطمأنينة والأمن وتسليم القلب لله والراحة والثقة بما ضمن ~~الله لنا عن نفسه أنه هو يثيبنا على ذلك في الآخرة الأجر العظيم ويدخلنا ~~جنات النعيم فنكون فيها خالدين، وينصرنا فيها على القوم الظالمين، لكان في ~~دون هذا لنا الفوز العظيم. فقد تلوت عليك من قول الله فيما سلف من كتابي ~~هذا ما في أقله كفاية، فدع ما أنت عليه من الكفر والضلال والشقاوة والبلاء، ~~وقولك بذلك التخليط الذي تعرفه ولا تنكره، وهو قولكم بالآب والابن والروح ~~القدس، وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع، فإني أرتابك عنه وأجل فيه علمك ~~وشرف حسبك عن خساسته، فإني وجدت الله تبارك وتعالى يقول: ms15 إن الله لا يغفر ~~أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (سورة النساء 4:48). وقال: لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم وقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا ~~الله ربي وربكم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار ~~وما للظالمين من أنصار لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله ~~إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم ~~أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم ما المسيح ابن مريم إلا ~~رسول قد خلت من قبله الرسل وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام انظر كيف نبين ~~لهم الآيات ثم انظر أنى يؤفكون (سورة المائدة 5:72-75). فدع ما أنت فيه من ~~تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم الصعب ~~والشقاء الدائم الذي أنت منغمس فيه، الذي لا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك ~~بدنك وتعذيبك نفسك، وأقبل داخلا في هذا الدين القيم السهل المنهج الصحيح ~~الاعتقاد الحسن الشرائع الواسع السبيل، الذي ارتضاه الله لأوليائه من ~~عباده، ودعا جميع خلقه إليه من بين الأديان كلها تفضلا منه عليهم به، ~~وإحسانا إليهم بهدايته إياهم، ليتم بذلك نعماه عندهم. فقد نصحت لك يا هذا ~~وأديت إليك حق المودة وخالص المحبة، إذ أحببت أن أخلطك بنفسي، وأن أكون أنا ~~وأنت على رأي واحد وديانة واحدة. فإني وجدت ربي يقول: إن الذين كفروا من ~~أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية إن الذين ~~آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري ~~من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ~~ربه (سورة البينة 98:6-8) وقال في موضع آخر: كنتم خير أمة أخرجت للناس ~~تأمرون بالمعروف (سورة آل عمران 3:110). وأشفقت عليك أن تكون من أهل النار ~~الذين هم شر البرية، ورجوت أن تكون بتوفيق الله إياك من المؤمنين الذين رضي ~~الله عنهم ms16 ورضوا عنه وهم خير البرية، ورجوت أن تكون من هذه الأمة التي هي ~~خير أمة أخرجت للناس. فإن أبيت إلا جهلا وتماديا في كفرك وطغيانك الذي أنت ~~فيه، ورددت علينا قولنا ولم تقبل ما بذلناه لك من نصيحتنا، حيث لم نرد منك ~~على ذلك جزاء ولا شكرا، فاكتب بما عندك من أمر دينك، والذي صح في يدك منه ~~وما قامت به الحجة عندك، آمنا مطمئنا غير مقصر في حجتك ولا مكاتم لما ~~تعتقده. ولا فرق ولا وجل، فليس عندي إلا الاستماع للحجة منك، والصبر ~~والإذعان والإقرار بما يلزمني منه طائعا غير منكر ولا جاحد ولا هائب، حتى ~~نقيس ما تأتينا به وتتلوه علينا ونجمعه إلى ما في أيدينا، ثم نخيرك بعد ذلك ~~على أن تشرح لنا عليه، وتدع الاعتلال علينا بقولك إن الفزع حجبك وقطعك عن ~~بلوغ الحجة، واحتجت أن تقبض لسانك ولا تبسطه لنا ببيان الحجة، فقد أطلقناك ~~وحجتك لئلا تنسبنا إلى الكبرياء وتدعي علينا الجور والحيف، فإن ذلك غير ~~شبيه بنا. فاحتج عافاك الله بما شئت، وقل كيف شئت، وتكلم بما أحببت وانبسط ~~في كل ما تظن أنه يؤديك إلى وثيق حجتك، فإنك في أوسع الأمان، ولنا عليك إذ ~~قد أطلقناك هذا الإطلاق وبسطنا لسانك هذا البسط، أن تجعل بيننا وبينك حكما ~~عادلا لا يجور في حكمه وقضائه، ولا يميل إلى غير الحق إذا ما تجنب دولة ~~الهواء، وهو العقل الذي يأخذ به الله عز وجل ويعطي. فإننا قد أنصفناك في ~~القول، وأوسعناك في الأمان، ونحن راضون بما حكم به العقل لنا وعلينا، إذ ~~كان لا إكراه في الدين. وما دعوناك إلا طوعا وترغيبا في ما عندنا، وعرفناك ~~شناعة ما أنت عليه. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ### | إجابة النصراني # بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر ولا تعسر. تمم بالخير. إلى عبد الله بن ~~إسماعيل الهاشمي، من عبد المسيح بن اسحق الكندي أصغر عبيد المسيح. سلامة ~~ورحمة ورأفة وتحيات تحل عليك خاصة، وعلى جميع أهل العالم عامة بجوده وكرمه ms17 ~~آمين. أما بعد، فقد قرأت رسالتك وحمدت الله على ما وهب لي من رأي سيدي أمير ~~المؤمنين، ودعوت الله الذي لا يخيب داعيه، إذا دعاه بنية صادقة، أن يطيل ~~بقاء سيدنا أمير المؤمنين في أسبغ النعم برحمته. وشكرت ما ظهر لي من فضلك، ~~وما كشفته من لطيف محبتك، فقد كان العهد قبلا عندي على هذا قديما، وقد زاده ~~تأكيدا ما تبين لي من شفقتك. وشكري يقصر عما فعلته، ولم تتعد ما يشبه كرم ~~طباعك وشرف سلفك. وأنا أرغب إلى الله الذي بيده الخير كله أن يتولى مكافأتك ~~عني بما هو واسع له. إذ لم تأت بما أتيت به إلا على الإخلاص من المودة، ~~وكان الذي حملك على ذلك فرط المحبة. وفهمت ما اقتصصته في كتابك وتعمقت فيه ~~من الدعوة وشرحته من أمر ديانتك هذه التي أنت عليها، وما دعوتني إلى الدخول ~~إليه ورغبتني فيه منها. وقد علمت أن الذي دعاك إلى ذلك ما يوجبه لنا تفضلك ~~من حق حرمتنا بك لما يظهر من رأي سيدنا وسيدك وابن عمك أمير المؤمنين فينا، ~~فهذا ما لا قوة لنا على شكرك عليه، ولا عون لنا على ذلك إلا الله تبارك ~~وتعالى، فإننا نستعينه ونسأله مبتهلين طالبين إليه أن يشكرك عنا، فإنه أهل ~~لذلك والقادر عليه. فأما ما دعوتني إليه من أمر دينك، وأنك على ملة أبينا ~~إبراهيم، وما قلت فيه إنه كان حنيفا مسلما، فنحن نسأل المسيح سيدنا مخلص ~~العالمين، الذين وعدنا الوعد الصادق وضمن لنا الضمان الصحيح في إنجيله ~~المقدس، حيث يقول: ومتى قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا ~~كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون، لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما ~~يجب أن تقولوه (لوقا 12:11 ، 12) فأنا واثق بما وعدني به سيدي المسيح في ~~إنجيله المقدس من إنجازه وعده لي. ### || التثليث # وأقول مجيبا لك: قد علمت أنك قرأت كتب الله المنزلة، التي هي الكتب ~~العتيقة والحديثة. ومكتوب في التوراة التي أنزلها الله تعالى على موسى ~~النبي، وناجاه بجميع ms18 ما فيها وخبره أسراره في السفر الأول من أسفارها ~~الخمسة، وهو المعروف بسفر الخليقة (التكوين) أن إبراهيم كان نازلا مع آبائه ~~بحاران، وأن الله تجلى له بعد تسعين سنة، فآمن به وحسب له ذلك برا. ولكنه ~~كان قبل ذلك التجلي يعبد الصنم المسمى العزى، المتخذ على اسم القمر، لأن ~~أهل حاران كانوا يعبدون هذا الصنم، فكان إبراهيم يعبد الصنم حنيفا مع آبائه ~~وأجداده وأهل بلده، كما أقررت أنت أيها الحنيف وشهدت بذلك عليه، إلى أن ~~تجلى الله له فآمن بالرب فحسبه له برا (تكوين 15:6). فترك الحنيفية التي هي ~~عبادة الأصنام، وصار موحدا مؤمنا، لأننا نجد الحنيفية في كتب الله المنزلة ~~اسما لعبادة الأصنام، فورث إبراهيم ذلك التوحيد إسحق، الذي هو ابن الموعد، ~~وهو الذي قر به لله ففداه الله بالكبش، لأنه هكذا أمره الله: خذ ابنك وحيدك ~~الذي تحبه إسحاق واذهب إلى أرض المريا، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال ~~الذي أقول لك (تك 22:2). ومن نسل إسحق من سارة الحرة خرج المسيح مخلص ~~العالم. فلهذه الأسباب وغيرها ورثه إبراهيم أبوه التوحيد، ثم ورثه إسحق ~~يعقوب ابنه الذي سماه الله إسرائيل، ثم ورثه يعقوب الاثني عشر سبطا. فلم ~~يزل ذلك التراث في بني إسرائيل حتى دخلوا أرض مصر أيام الفراعنة بسبب يوسف، ~~ثم لم يزل ذلك التراث ينقص ويضعف قرنا بعد قرن حتى اضمحل كاضمحلاله الذي ~~كان في عصر نوح، إذ كان التوحيد أول من عرفه أبونا آدم، ثم ورثه شيثا ثم ~~شيث ورثه أنوش ابنه. فكان أنوش أول من أعلن ذكر التوحيد ودعا إليه، ثم ورثه ~~نوح ولده وأحفاده، ثم اضمحل إلى زمن إبراهيم. فتجدد ذلك التراث لإبراهيم، ~~ولم يزل يتجدد إلى أن ولد يعقوب الذي هو إسرائيل، ثم اضمحل حتى تجدد عندما ~~بعث الله موسى، فإن الله تجلى له بالنار في العوسجة، فقال له موسى: إنك ~~ترسلني إلى قوم غلف القلوب. إن هم سألوني: ما اسم الذي وجهك إلينا، وبماذا ~~وجهك حتى نصدقك؟ فماذا أقول لهم؟ فقال ms19 الله: هكذا تقول لبني إسرائيل الذين ~~أنا مرسلك إليهم، وبهذا القول تخاطب فرعون إذا دخلت إليه: أهيه أشر أهيه ~~أرسلني إليكم . وتفسيره ذلك: الأزلي الذي لم يزل إله آبائكم، إله إبراهيم ~~وإله إسحق وإله يعقوب، أرسلني إليكم (خروج 3:15) فجدد ذكر التوحيد وألغز عن ~~سر الثالوث حيث قال: إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب فكرر بذلك القول ذكر ~~الثلاثة الأقانيم بعد ذكر التوحيد كما كان قديما، فهو واحد ذو ثلاثة أقانيم ~~لا محالة، لأنه أجمل في قوله: إله آبائكم ثم قال مكررا اسم الجلالة ثلاث ~~مرات. أفتقول إنها ثلاثة آلهة، أم إله واحد مكررا ثلاث مرات؟ فإن قلنا إنها ~~ثلاثة آلهة أشركنا، وإن قلنا إله واحد مكررا ثلاث مرات نكون قد دفعنا ~~للكتاب حقه، لأنه قد كان يمكنه أن يقول: إله آبائكم إبراهيم وإسحق ويعقوب. ~~وإنما كرر ذلك للإشارة أن في هذا الموضع سرا، وهو أن الله واحد ذو ثلاثة ~~أقانيم. فثلاثة أقانيم إله واحد، وإله واحد ثلاثة أقانيم. فأي دليل أوضح من ~~هذا إلا لمن عاند الحق الذي أودعه في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وهي في ~~أيدي أصحاب التوراة. إلى هذا الوقت لم يكونوا يفهمونه، حتى جاء صاحب السر ~~الذي هو المسيح سيدنا وكشفه لنا. كان إبراهيم منذ ولد إلى أن أتت عليه ~~تسعون سنة حنيفا عابد صنم، ثم آمن بالله إلى أن مات. فأنت تدعوني إلى دين ~~إبراهيم وملته. فإلى أي ملة ودينية تدعوني؟ وفي أي حالتيه ترغبني؟ أحيث كان ~~حنيفا يعبد الصنم المعروف بالعزى مع آبائه وأهل بيته وهو بحاران؟ أم حيث ~~خرج عن الحنيفية ووحد الله وعبده وآمن به، فانتقل طائعا عن حاران دار الكفر ~~ومدينة الضلال؟ فلا أظنك تدعوني إلى مثل حال إبراهيم في عبادة الأصنام التي ~~هي الحنيفية. وإن كنت تدعوني إلى حاله وقت إيمانه وما حسب له من البر وقت ~~توحيده، فاليهودي ابن إبراهيم أولى بهذه الدعوة منك، لأنه هو صاحب تراث ~~إسحق الذي ورث هذا التوحيد عن إبراهيم أبيه. فما لك ms20 وطلب ما لم يجعله الله ~~لك حقا؟ فأنت دائما تنسب ذاتك إلى العدل، وصاحبك يقر في كتابه: قل إني أمرت ~~أن أكون أول من أسلم ولا تكونن من المشركين (سورة الأنعام 6:14) أفلا ترى ~~أنه أول من أظهر الإسلام، وأن قبله إبراهيم وغيره لم يكونوا مسلمين، لأن ~~صاحبك قد أقر بأنه هو أول من أسلم؟ فإن أبيت إلا الوكالة والاحتجاج عن ~~اليهود، فأنت تعلم ما يجب لنا عليك في الحكم إذا نحن طالبناك بإقرار ~~اليهودي بتوكيله إياك! فإن ثبتت وكالتك له نأخذ منك إقرارك أنك قد أقمت ~~نفسك ونصبتها منصب الخصم عن اليهود. وأنا لا أرى لشرفك وحسبك أن أقيمك هذا ~~المقام. وإن كنت أنت أحللته نفسك فإني أسألك عن هذا الواحد الذي دعوتنا إلى ~~الإقرار بوحدانيته، كيف تفهم وحدانيته، وعلى كم نحو يقال للواحد واحدا. ~~فإذا أنبأتنا بذلك علمنا أنك صادق فيما ادعيت من عبادة هذا الواحد. أما إن ~~كنت غير عالم به فأين تبصرك؟ ألا تعلم أن الواحد لا يقال له واحدا إلا على ~~ثلاثة أوجه: إما في الجنس، وإما في النوع، وإما في العدد. ولست أرى أحدا ~~يدعي غير هذا، أو يقدر أن يجد غير هذه الأوجه الثلاثة. فإن قلت إنه واحد في ~~الجنس صار واحدا عاما لأنواع شتى، لأن حكم الواحد في الجنس هو الذي يضم ~~أنواعا كثيرة مختلفة، وذلك مما لا يجوز في الله. وإن قلت إنه واحد في ~~النوع، صار ذلك نوعا عاما لأقانيم شتى، لأن حكم النوع يضم أقانيم كثيرة في ~~العدد. وإن قلت إنه واحد في العدد، كان ذلك نقضا لكلامك أنه واحد فرد صمد، ~~لأنه لو سألك سائل عن نفسك: كمأنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف ~~يقبل عقلك هذه الصفة التي لا تفضل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه ~~بالعدد كنت وصفته أيضا بالتبعيض والنقصان. ألا تعلم أن الواحد الفرد بعض ~~العدد، لأن كمال العدد ما عم جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد. وهذا ~~نقض لكلامك. ms21 فإن قلت إنه واحد في النوع، فللنوع ذوات شتى لا واحد فرد. وإن ~~قلت إنه واحد في الجوهر، نسألك: هل تخالف صفة الواحد في النوع عندك صفة ~~الواحد في العدد؟ أو هل تعني واحدا في النوع واحدا في العدد لأنه عام؟ فإن ~~قلت: قد تخالف هذه تلك، قلنا لك: حد الواحد في النوع عند أهل الحكمة اسم ~~يعم أفرادا شتى، وواحد الواحد ما لا يعم غير نفسه. فهل تقر أن الله واحد في ~~الجوهر يعم أشخاصا شتى، أو هل هو شخص واحد؟ وإن كان معنى قولك إنه واحد في ~~النوع واحد في العدد، فإنك لم تعرف الواحد في النوع ما هو وكيف هو، ورجعت ~~إلى كلامك الأول أنه واحد في العدد. وهذه صفة المخلوقين. وإن قلت: هل تقدر ~~أنت أن تصف الله واحدا في العدد إذا كان كزعمك الواحد في العدد بعضا وليس ~~بكامل؟ قلنا لك: إننا نصفه واحدا كاملا في الجوهر مثلثا في العدد، أي في ~~الأقانيم الثلاثة فقد كملت صفته من الوجهين جميعا. أما وصفنا إياه واحدا في ~~الجوهر فلأنه أعلى من جميع خلقه، لا يشبهه شيء منها ولا يختلط في غيره، ~~بسيط غير كثيف وروحاني غير جسماني، أب على كل شيء بقوة جوهره من غير امتزاج ~~ولا اختلاط ولا تركيب. وأما في العدد فلأنه عام لجميع أنواع العدد لأن ~~العدد لا يعد وإن تكن أنواعه نوعين زوجا وفردا، فقد دخل هذان النوعان في ~~هذه الثلاثة. فبأي الأنحاء وصفناه لم نعدل عن صفة الكمال شيئا كما يليق به. ~~فوصفنا الله واحدا ليس على ما وصفته أنت. وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعا ~~لك وللناظر في كتابنا هذا، إذا نظر بعين الإنصاف. وأما قولك إنه لم يتخذ ~~صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفؤا أحد، فإن أنت أنصفتنا أقررت لي بأن الذي ~~وصفه بذلك هو الذي شنع عليه. وأما نحن فلا نقول إن لله صاحبة، ولا إنه اتخذ ~~ولدا، ولا إنه كان له كفؤا أحد، ولا نصفه بمثل هذه ms22 الرذائل من صفات التشبيه ~~به، وإنما هذه الشبهات لكم من عند اليهود الذين أرادوا كيدكم بذلك، فلفقوا ~~هذه القصص. وأنت تعلم أن ليس في كتبنا المنزلة لهذا ذكر فتقبله عقولنا أو ~~نتكلم به، وإنما هو كتابك الذي أكثر التشنيع علينا وادعى على المسيح سيدنا ~~ومحيي البشر الدعاوي التي لم يقلها قط. إنما ذلك من حيلة وهب بن منبه وعبد ~~الله بن سلام وكعب الأحبار، اليهود الذين احتالوا في إدخال ذلك وغيره من ~~التشنيعات علينا بل وعليكم. وإن فحصت عن ذلك في كتابك عرفت حقيقته. ونحن ~~نقول إن الله الأزلي بكلمته لم يزل حليما رؤوفا، وإنما وصفناه بالرحمة ~~والرأفة والملك والعز والسلطان والجبروت والتدبير، وما أشبه هذه الصفات، ~~لما يظهر لنا من أفعاله. وقد أخبرت عنها عقول الناس واشتقوها له اشتقاقا ~~لأجل فعله إياها، فاستوجبها جل وعز بالكمال والحقيقة، كما استوجب جميع ما ~~سمي به من أجل فعله له. فأما صفات ذاته فجوهر ذو كلمة وروح أزلي لم يزل ~~متعاليا مرتفعا عن جميع النعوت والأوصاف. ولننظر الآن في هذه الصفات من حي ~~وعالم. هل هي أسماء مفردة مرسلة، أم أسماء مضافة تدل على إضافة شيء إلى ~~شيء؟ ويجب علينا أن نعلم ما الأسماء المضافة وما الأسماء المفردة المرسلة. ~~فأما الأسماء المرسلة فهي كقول القائل أرض أو سماء أو نار أو ماء أو كل ما ~~كان بما قيل شبيها مما لا يضاف إلى غيرها. وأما الأسماء المضافة إلى غيرها، ~~كالعالم والعلم، والحكمة والحكيم، وما أشبه ذلك، فالعالم بعلمه والعلم علم ~~عالم. والحكمة حكمة حكيم. والآن نسألك عن الموصوف بهذه الصفة، ألازمة هي ~~لجوهره في أزليته أم اكتسبها له اكتسابا واستوجب الوصف بها من بعد، كما ~~استوجب أن يوصف أن له خليقة حيث خلق، وسائر ذلك مع ما لم أذكر من أسماء ~~يسمى بها وصفات يجلى بها لفعله إياها. فإذا قيل كما يوصف تعالى إنه كان ولا ~~خلق حتى أتى على ذلك بالفعل، كذلك يجوز أن يقال إنه كان ولا حياة له ولا ms23 ~~علم ولا حكمة حتى صارت الحياة والعلم والحكمة لديه موجودة. وهذا محال! فلم ~~يكن الله لحظة خلوا من حياة وعلم. ونعلم أن الصفات في الله صفتان مختلفتان: ~~صفة طبيعية ذاتية لم يزل متصفا بها، وصفة اكتسبها هي صفة فعله. فأما الصفات ~~التي اكتسبها من أجل فعله فمثل رحيم وغفور ورؤوف. وأما الصفات المنزلة التي ~~هي الطبيعية الذاتية التي لم يزل جل وعز متصفا بها فهي الحياة والعلم، فإن ~~الله لم يزل حيا عالما. فالحياة والعلم إذا أزليان لا محالة. فقد صحت نتيجة ~~هذه المقدمات أن الله واحد ذو كلمة وروح في ثلاثة أقانيم قائمة بذاتها، ~~يعمها جوهر اللاهوت الواحد. فهذه هي صفة الواحد المثلث الأقانيم الذي ~~نعبده. وهذه الصفة التي ارتضاها لنفسه ودلنا على سرها في كتبه المنزلة على ~~ألسنة أنبيائه ورسله، فأول ذلك ما ناجى به موسى كليمه، حيث أعلمه كيف خلق ~~آدم، فقال في السفر الأول من كتاب التوراة في البدء خلق الله (وفي العبرية: ~~الآلهة بصيغة الجمع) السموات والأرض (تكوين 1:1) فبهذا يشير الكتاب المقدس ~~إلى تثليث الأقانيم الإلهية الثلاثة. وبقوله خلق بضمير المفرد يشير إلى ~~وحدة الطبيعة والجوهر الذي هو للأقانيم الإلهية الثلاثة. وقال أيضا في هذا ~~السفر إن الله قال عند خلقه آدم: نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا (تكوين ~~1:26), ولم يقل: أعمل على صورتي وشبهي . وقال في هذا السفر عندما أخطأ آدم: ~~هوذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر (تكوين 3:22). ولم يقل ~~مثلي . وقال عز وجل في هذا السفر: هلم ننزل ونبلبل هناك لسانهم (تكوين ~~11:7) وذلك لما اجتمعوا ليبنوا صرحا يكون رأسه في السماء، ففرق الله ضعف ~~رأيهم وقلة عقولهم في ما فكروا فيه. ولم يقل أنزل أبلبل . فهذا ما ناجى ~~الله به موسى، فخبرنا بهذا السر في الأقانيم الثلاثة عن الله. فهل ندع كلام ~~الله والسر الذي أودعه موسى، وبرهان موسى على صحة ذلك بالعلامات العجيبة، ~~ونقبل قول صاحبك بلا حجة ولا آية ولا أعجوبة ولا دليل، حيث يقول ms24 إن الله ~~فرد صمد، ثم يرجع فيناقض قوله ويقول إن له روحا وكلمة. فهو قد وحد وثلث من ~~حيث لم يعلم! وفي كتابك أيضا شبيه بما ذكرنا عن الله فعلنا وخلقنا وأمرنا ~~وأوحينا وأهلكنا . أفيشك أحد في أن هذا القول قول شتى لا قول فرد؟ فإن ~~ادعيت أن العرب قد أجازت هذا القول واستعملته في كلامها ومخاطبتها تريد به ~~التفخم، قلنا لك: لو كانت العرب وحدها هي التي ابتدعته كان لك في كلامك ~~تعلق. فأما إذ قد سبق العرب العبرانيون والسريانيون واليونانيون وغيرهم من ~~ذوي الألسنة المختلفة، على غير تواطؤ، فليس ما وصفت من إجازة العرب ذلك ~~حجة. فإن قلت: نعم قد أجازته، حيث يقول الرجل الواحد منهم أمرنا وأرسلنا ~~وقلنا ولقينا وما أشبه ذلك، نقول لك إن ذلك صحيح جائز في المؤلف من أشياء ~~مختلفة والمركب من أعضاء غير متشابهة، لأن الإنسان واحد كثيرة أجزاؤه، فأول ~~أجزاء من الإنسان النفس والجسد، والجسد مبني من أجزاء كثيرة وأعضاء شتى، ~~فلذلك جاز له أن ينطق بما وصفت من: قلنا وأمرنا وأوحينا، إذ هو عدد واحد ~~كما ذكرت. فإن قلت إن ذلك تعظيم لله أن يقول أرسلنا وأمرنا وأوحينا، قلنا ~~لك: لو لم يقل ذلك من ليس بمستحق للتعظيم لجاز قولك. ولكن الله سبحانه ~~يعلمنا أنه واحد ذو ثلاثة أقانيم، قد نطق بالصيغتين من أمرت وأمرنا وخلقت ~~وخلقنا وأوحيت وأوحينا. فإن الأولى دليل على الوحدانية والثانية على تعدد ~~الأقانيم. وبيان ذلك قول موسى النبي في التوراة ما معناه أن الله تراءى ~~لإبراهيم وهو في بلوطات ممرا جالسا على باب خبائه في وقت حر النهار، فرأى ~~ثلاثة رجال وقوفا بإزائه، فاستقبلهم قائلا: يا سيد إن كنت قد وجدت نعمة في ~~عينيك فلا تتجاوز عبدك (تكوين 18:2 ، 3). ألا ترى أن المنظور إليه من ~~إبراهيم ثلاثة، ولكن الخطاب لشخص واحد؟ فسماهم ربا واحدا، وتضرع إليه سائلا ~~طالبا أن ينزل عنده. فاعتباره الثلاثة سر الأقانيم الثلاثة، وتسميته إياهم ~~ربا واحدا لا أربابا سر لجوهر واحد، فهي ms25 ثلاثة بحق وواحد بحق، كما وصفنا. ~~ثم أن موسى أخبر أن الله قاله له: اسمع يا إسرائيل، الرب إلهنا رب واحد . ~~معنى ذلك أن الله الموصوف بثلاثة أقانيم هو رب واحد. وداود النبي يقول في ~~المزمور 33:6 عن الله بكلمة الرب صنعت السماوات وبنسمة فمه كل جنودها فأفصح ~~داود وصرح بالثلاثة الأقانيم حيث قال الله وكلمته وبنسمة (أي بروحه). فهل ~~زدنا في وصفنا على ما قال داود؟ وقال في موضع آخر في كتابه تحقيقا بأن كلمة ~~الله إله حق لكلمة الله أسبح . ولا يمكن أن يسبح داود لغير الله. وقال ~~إشعياء النبي: لم أتكلم من البدء في الخفاء. منذ وجوده أنا هناك، والآن ~~السيد الرب أرسلني وروحه (إش 48:16) وهذا هو قولنا ثلاثة أقانيم إله واحد ~~ورب واحد. لم نخرج عن حدود كتب الله المنزلة، ولم نزد فيها ولم ننقص منها ~~ولا بدلناها ولا حرفناها. ثم وصف إشعياء النبي أن الله عز وجل تراءى له ~~والملائكة حافون به مقدسون له قائلين: قدوس قدوس قدوس رب الجنود. مجده ملء ~~كل الأرض (إشعياء 6:1-3) فتقديس الملائكة ثلاث مرات واقتصارهم على ذلك بلا ~~زيادة ولا نقصان سر لتقديسهم الأقانيم الثلاثة إلها واحدا وربا واحدا، وهذا ~~شأنهم منذ خلقوا إلى أبد الآبدين. ولو شئت أن أمطر عليك الشهادات من الكتب ~~المقدسة المنزلة بالتصريح والاجتهاد في القول إن الله واحد ذو ثلاثة ~~أقانيم، لفعلت ذلك. لكني أكره التطويل، فاقتصرت على ما كتبت، ولما ذكرته من ~~أنك درست كتب الله المنزلة. فإن كنتقد درستها كما ذكرت، فقد استدللت بيسير ~~مما كتبت به إليك على كثير مما في كتب الله المنزلة من أسرار أقانيمه ~~وتوحيده. وليس دعائي إياك إلا إلى الله الواحد الذي هو ثلاثة أقانيم، كامل ~~بكلمته وروحه، واحد ثلاثة، وثلاثة واحد. ومن هذه الجهة ليس هو ثالث ثلاثة ~~كما شنع في القول علينا صاحبك، إذ قال لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ~~ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ms26 ليمسن الذين كفروا ~~منهم عذاب أليم أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (سورة ~~المائدة 5:73 ، 74) فهذا قول صاحبك. ولقد كنت أحب أن أعلم من هؤلاء الذين ~~يقولون إن الله ثالث ثلاثة؟ أمن فرق النصرانية هم أم لا؟ وأنت قد ادعيت ~~معرفة الفرق الثلاث وهي الفرق الظاهرة. فهل تعلم أن أحدا منهم يقول إن الله ~~ثالث ثلاثة؟ فما أظنك تعرفه ولا نحن نعرفه أيضا، اللهم إلا أن يكون أراد ~~فريق المرقيونية، فإنهم يقولون بثلاثة أكوان يسمونها آلهة متفرقة، فواحد ~~عدل، وآخر رحيم، وآخر شرير. وليس أولئك نصارى. فأما أهل النصرانية فكل من ~~ينتحل هذا الاسم فهو بريء من هذه المقالة، جاحد لها كافر بها. وإنما قولهم ~~إن الله واحد ذو كلمة وروح من غير افتراق، وقد أقر صاحبك بهذا إذ حثكم على ~~الإيمان بالمسيح سيد العالم ومخلص البشر يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ~~ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ~~ألقاها إلى مريم وروح منه فا~منوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا ~~خيرا لكم إنما الله إله واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما ~~في الأرض وكفى بالله وكيلا (سورة النساء 4:171). فالله تبارك وتعالى ذو ~~كلمة وروح، وصاحبك يقول إن المسيح كلمة الله تجسد وصار إنسانا. فهل هناك ~~بيان وشرح أو إيضاح وتصريح أكثر من هذا؟ ثم ختم بقوله: ولا تقولوا ثلاثة ~~آلهة، أو يتوهم ذلك عن الله جل وعز، بل انتهوا عنه فإنه خير لكم ألا تقولوا ~~بمقالة مرقيون الجاهل إنها ثلاثة آلهة. فقد شرحت لك معنى قولنا إن الله ~~واحد ذو كلمة وروح، واحد ذو ثلاثة أقانيم. ### || نبوة محمد # ولقد فهمت ما دعوتني إليه من الشهادة لصاحبك والإقرار بنبوته ورسالته، ~~وما عظمت من أمره. فأما تعظيمك إياه فلسنا نجادلك فيه، وليس عندنا فيه إلا ~~تسليمه لك، إذ كنت أولى الناس بقرابتك، وقرابتك أولى الناس بك. وإنما نحن ~~مناظروك في ما دعوتنا إليه ms27 من الإقرار بنبوته بأن ذلك حق واجب. فإن كان ذلك ~~حقا واجبا فليس ينبغي لنا، ولا لأحد ذي عقل أن يمتنع أو يمتعض من قبوله، ~~فإنه لا يمتنع عن الإقرار بالحق إلا ظالم معتد، أو جاهل بمعرفة قدر الحق. ~~وإن كان ذلك غير الحق فلا ينبغي لك أن تقيم على غير الحق، فكيف تدعونا ~~إليه؟ فإنك إذا فعلت هذا كنت ظالما لنفسك أولا، ثم متعديا على من تدعوه إلى ~~غير الحق. فنطرح الآن من بيننا العصبية، ولنفحص عن أول قصة صاحبك هذا الذي ~~تدعونا إلى الإقرار له بالنبوة، ونشرحها من أولها إلى آخرها ونختبرها ~~اختبارا شافيا، فيجب أن يكون البحث عنه بتأن وترو. كان هذا الرجل يتيما في ~~حجر عمه عبد مناف المعروف بأبي طالب الذي كفله عند موت أبيه وكان يعوله ~~ويدافع عنه، وكان يعبد أصنام اللات والعزى مع عمومته وأهل بيته بمكة على ما ~~حكى هو في كتابه وأقره على نفسه حيث قال: ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا ~~فهدى ووجدك عائلا فأغنى (سورة الضحى 93:6-8). ثم نشأ في ذلك الأمر حتى صار ~~في خدمة عير لخديجة بنت خويلد، يعمل فيها بأجرة ويتردد بها إلى الشام ~~وغيرها، إلى أن كان ما كان من أمره وأمر خديجة وتزوجه إياها للسبب الذي ~~تعرفه. فلما قوته بمالها نازعته نفسه إلى أن يدعي الملك والترؤس على عشيرته ~~وأهل بلده، فلم يتبعه عليه إلا قليل من الناس. فعندما يئس مما سولت له نفسه ~~ادعى النبوة وأنه رسول مبعوث من رب العالمين، فدخل عليهم من باب لطيف لا ~~يعرفون عاقبته ما هي، ولا يفهمون كيف امتحان مثله ولا ما يعود عليهم من ضرر ~~منه، وإنما هم قوم عرب أصحاب بدو لم يفهموا شروط الرسالة ولم يعرفوا علامات ~~النبوة، لأنه لم يبعث فيهم نبي قط. وكان ذلك من تعليم الرجل الملقن له الذي ~~سنذكر اسمه وقصته في غير هذا الموضع من كتابنا، وكيف كان سببه. ثم إنه ~~استصحب قوما أصحاب غارات ممن يصيب الطريق على ms28 سنة البلد وعادة أهله الجارية ~~عندهم إلى هذه الغاية، فانضم إليه هذا النوع، وأقبل يبثث الطلائع ويدسس ~~العيون ويبعث إلى المواضع التي ترد القوافل إليها من الشام بالتجارات ~~فيصيبونها قبل وصولها، فيغيرون عليها ويأخذون العير والتجارات ويقتلون ~~الرجال. والدليل على ذلك أنه خرج في بعض أيامه فرأى جمالا مقبلة من المدينة ~~إلى مكة، لأبي جهل بن هشام، ويسمي أعراب البادية ذلك غزوا إذا خرجت للغارة ~~على السابلة وإصابة الطريق. وكان أول خروجه من مكة إلى المدينة بهذا السبب، ~~وهو حينئذ ابن 53 سنة بعد أن ادعى ما ادعاه من النبوة بمكة 13 سنة، ومعه من ~~أصحابه 40 رجلا، وقد لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين، فأظهروا ~~أن طرده لادعائه النبوة وعقد باطنهم لما صح عندهم من إصابته الطريق. فسار ~~مع أصحابه إلى المدينة وهي يومئذ خراب يباب ليس فيها إلا قوم ضعفاء أكثرهم ~~يهود لا حراك بهم، فكان أول ما افتتح به أمره فيها من العدل وإظهار نصفة ~~النبوة وعلامتها أنه أخذ المربد الذي للغلامين اليتيمين من بني النجار ~~وجعله مسجدا. ثم أنه بعث أول بعثة حمزة بن عبد المطلب في 30 راكبا إلى ~~العيص من بلد جهينة يعترض عير قريش وقد جاءت من الشام، فلقي أبا جهل بن ~~هشام في 300 رجل من أهل مكة، فافترقوا لأن حمزة كان في 30 ، فخاف لقاء أبي ~~جهل وفزع منه، فلم يكن بينهم قتال. فأين شروط النبوة في هذا الموضع من قول ~~الله في التوراة المنزلة من عنده لموسى حيث وعده أن يدخل بني إسرائيل الذين ~~أخرجهم من مصر إلى أرض الجبابرة المسماة أرض الميعاد وهي أرض فلسطين: أن ~~الواحد يهزم ألفا، والاثنين يهزمان ربوة؟ وكذلك كان فعله على يدي يشوع بن ~~نون المتولي إدخال بني إسرائيل أرض الميعاد ومحاربة أهل فلسطين. فهذا حد ما ~~يطالب به صاحبك في هذا الموضع من علامات النبوة والرسالة. فلنرجع الآن إذ ~~ليس عندك في هذا جواب. فنقول إما أن يكون حمزة ms29 هذا رسول نبي مبعوث، وهو عمه ~~وعن أمره خرج ومعه ثلاثون راكبا، وهو على حق عند نفسه عندما خاف من أبي جهل ~~الكافر المشرك ومعه ثلثمائة رجل كفار مشركين عباد أوثان، ولم يحاربه بل ~~سالمه. أو يكون هذا خلاف ما تدعيه أنت أنه نبي مرسل وأن الملائكة تؤيده ~~وتقاتل دونه كما كانت تقاتل مع يشوع بن نون، فإنه رأى ملاكا في زي فارس، ~~فلم يعرفه يشوع فسأله: أمن أصحابنا أنت أم من أعدائنا؟ فقال له الملاك: أنا ~~رئيس جيوش الرب، والآن أقبلت. فخر يشوع بوجهه على الأرض ساجدا وقال: بماذا ~~يأمر السيد عبده؟ فقال رئيس جيوش الرب: اخلع نعلك من رجلك، لأن المكان الذي ~~أنت واقف عليه هو مقدس . ففعل يشوع كذ لك (يشوع 5:13-15). وفي هذا القول من ~~الملاك ليشوع سر ليس هذا موضعه، وكان يشوع وقتها يحاصر أريحا. فلما أتى على ~~ذلك سبعة أيام فتحها على غير عقد ولا عهد، فقتل كل من كان فيها من ذكر ~~وأنثى. ولنذكر أيضا غزوة صاحبك الثانية لعله يكون لك فيها أدنى جواب. وفيها ~~بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكبا ليكون ضعف العدة الأولى، ~~فيقوي قلوبهم إلى بطن رابغ بين الأبواء والجحفة، فلقي أبا سفيان بن حرب، ~~وأبو سفيان في 200 راكب، فكان بينهم من الدماء ما قد علمت، ثم ردعوا فما ~~رأيت أحدا من الملائكة أعانهم على أمرهم بشيء، وقد شهدت أنت أن جبرائيل كان ~~في صورة رجل راكب رمكة شهباء عليه ثياب خضر، وقد ركب فرعون بجنوده على 400 ~~ألف حصان في طلب بني إسرائيل. فلما توسط بنو إسرائيل البحر قحم جبرائيل في ~~أثرهم قائلا: قدم خير . فتبعته الخيل التي كان عليها فرعون وأصحابه، فنجا ~~بنو إسرائيل وغرق فرعون وأصحابه! هذه شهادتك وإقرارك ببعض علامات موسى ~~النبي التي أتى بني إسرائيل، وصاحبك خلو من هذا كله! ولا بد لنا أن نأتيك ~~بالثالثة لما بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار خارج الجحفة في عشرين رجلا، ~~فورد الموضع ms30 وقد سبقته العير قبل ذلك بيوم، ففاته أمله ورجع خائبا من ~~رجائه! فهذه خلاف آيات النبوة وعكس ما فعله نبي الله صموئيل بشاول. ولا أشك ~~في أنك تعرف القصة، فقد قلت إنك عارف بالكتب المنزلة دارس لها حق دراستها. ~~وذلك أن قيسا أبا شاول ضاعت له أتن، فوجه ابنه شاول في طلبها، فذهب شاول ~~إلى صموئيل النبي يسأله، فقال له صموئيل قبل أن يخبره شاول خبر ما جاء ~~لأجله: أما الأتن فرجعت إلى بيت أبيك، وأما أبوك فقد شغله الاهتمام بغيبتك ~~عن الأتن . فهكذا تكون شروط النبوة التي هي علم الغيب الماضي وعلم الغيب ~~المستقبل، فتخبر الأنبياء عنه وتذكره قبل وقوعه وتعلم حدوثه قبل مجيئه، بما ~~يظهر لهم الروح القدس معطي علم الغيب الذي هو نهاية الدلالات على النبوات. ~~وقد قال المسيح الرب في إنجيله المقدس ما معناه إن الشهادة العادلة الصادقة ~~هي الكائنة من قبل رجلين عدلين صادقين أو ثلاثة عدول، فتلك واجب قبولها. ~~وقد أنبأناك في فصل كتابنا هذا بثلاث شهادات عدل، لك فيهم مقنع. فلننظر ~~الآن بعد الغزوات الثلاث التي خرج فيها هؤلاء النفر ومن خرج معهم بأمر ~~صاحبك فانصرفوا. وخرج هو بنفسه مع أصحابه يريد عيرا لقريش، فانتهى إلى ~~ودان، فوافاه مجشي بن عمر الضمري فلم ينل منه شيئا ورجع صفرا. ثم خرج ثانية ~~إلى بواط، وهيفي طريق الشام في طلب عير لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي، ~~ورجع ولم يصنع شيئا. ثم خرج ثالثة إلى أن وصل إلى ينبع في طلب عير لقريش ~~أيضا يريد الشام، وهي العير التي كان القتال ببدر بسببها في رجعتها، فرجع ~~صفرا ولم يصنع شيئا. فأنصف (وأنت أهل لذلك) إن كان صاحبك نبيا كما تدعي! ~~فما للأنبياء وشن الغارات والخروج لإصابة الطرق والتعرض لأخذ أمتعة الناس! ~~وما الذي ترك صاحبك هذا للصوص وقطاع الطريق؟ وما الفرق بينه وبين أتابك ~~الخزمي الذي تناهى إلى سيدنا أمير المؤمنين وإلينا خبره بما عمل وارتكب من ~~ظلم الناس؟ فأجبنا إن يكن عندك في هذا ms31 جواب واضح. وإني أعلم أنه لا جواب ~~عندك ولا عند غيرك ممن اعتقد مثل اعتقادك. ثم لم يزل كذلك إلى أن وجد القوم ~~الذين خرج في طلبهم في ضعف، فاستاق عيرهم، وأخذ تجارتهم، وقتل من أمكنه ~~قتله من رجالهم، وإن وافاهم وهم في منعة وقوة انحاز عنهم وولى هاربا إلى أن ~~مات. فكانت مغازيه بنفسه 26 غزوة، غير السرايا التي كانت تخرج في الليل، ~~والسواري الخارجة نهارا، والبعوث قاتل منها في تسع غزوات، والباقية كان ~~يبعث فيها أصحابه. ثم أعجب من هذا في قبح الأحدوثة، والشناعة في الفعل ~~والفظاظة، توجيهه إلى واحد واحدا يقتله بالغيلة، كتوجيهه عبد الله بن رواحة ~~لقتل أسير بن دارم اليهودي بخيبر فقتله غيلة، وكبعثه سالم بن عمير العمري ~~وحده إلى أبي عفك اليهودي وهو شيخ كبير ما به حراك، فقتله بالغيلة ليلا وهو ~~نائم على فراشه آمنا مطمئنا، واحتج بأنه كان يهجوه. ففي أي كتاب قرأت هذا، ~~وأي وحي نزل عليه به، ومن أي حكم حكم على من هجاه أن يقتل؟ فقد كان في ~~تأديب هذا الشيخ على ذنبه شيء دون القتل وخاصة ليلا وهو نائم مطمئن آمن على ~~فراشه. فإن كان هجاه بما كان فيه، فقد صدق ولا يجب على من صدق قتل. وإن كان ~~كذب عليه في قوله، فلا يجب على من كذب القتل، بل يؤدب لئلا يعود. فأين قولك ~~إنه بعث بالرحمة والرأفة للناس كافة؟ وأما بعثه لعبد الله بن جحش الأسدي ~~إلى نخلة (وهو بستان ابن عامر) في 12 رجلا من أصحابه ليأتيه بأخبار قريش، ~~فلقوا بها عمرو بن الحضرمي في عير قريش وتجارة قد أقبل بها من اليمن، ~~فقتلوا عمرا واستاقوا العير إلى المدينة. ولما وردوا أخرج عبد الله بن جحش ~~مما أغار عليه هو وأصحابه الخمس فدفعه لمحمد. فهذا لا أقول إنه حلال أو ~~حرام، حتى يحكم فيه العادل! وكذلك ما فعل في يهود قينقاع حيث صار إليهم ~~بغير ذنب ولا علة إلا الرغبة في أموالهم، فحاصرهم حتى نزلوا ms32 على حكمه ~~واستوهبهم منه عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له، وأخرجهم إلى أذرعات بعد ~~أن أخذ أموالهم فقسمها بين أصحابه، وأخذ هو الخمس قائلا: هذا ما أفاء الله ~~على نبيه . فكيف طاب له هذا، وبماذا استحل أن يأخذ أموال قوم لم يؤذوه ولم ~~يكن بينه وبينهم غل، وإنما استضعفهم وكانوا كثيري الأموال! فما هكذا تفعل ~~الأنبياء ولا من يؤمن بالله واليوم الآخر. فأما غزوة أحد وما أصيب فيها من ~~كسر رباعيته السفلى اليمنى وشق شفته وثلم وجنته وجبهته، الذي ناله من عتبة ~~بن أبي وقاص، وما علاه به ابن قميئة الليثي بالسيف على شقه الأيمن حتى وقاه ~~طلحة بن عبيد الله التيمي بيده فقطعت أصبعه، فهذا خلاف الفعل الذي فعله ~~الرب مخلص العالم، وقد سل بطرس بحضرته على رجل سيفا فضربه على أذنه ~~فاقتلعها. فرد المسيح مخلصنا الأذن إلى موضعها فعادت صحيحة كالأخرى. وإلا ~~حيث أصاب يد طلحة ما أصابها (وقد وقاه بنفسه) فلماذا لم يدع محمد ربه ليرد ~~يد طلحة إلى ما كانت عليه؟ وأين كانت الملائكة عن معونته ووقايته من كسر ~~ثنيته وشق شفته ودمي وجهه (وهو نبي من الأنبياء وصفي من الأصفياء ورسول ~~الله) كما كانت الأنبياء تقي من قبله، كتوقية إيليا النبي من أصحاب أخآب ~~الملك، ودانيال من أسد داريوس، وحنانيا وإخوته من نار بختنصر، وغيرهم من ~~الأنبياء وأولياء الله؟ سيما ولم يخلق الله آدم إلا لأجل محمد وقد كتب اسمه ~~على سرادق العرش كما تقولون! وأفعال صاحبك هذا خلاف قولك إنه بعث بالرحمة ~~والرأفة إلى الناس كافة، لأنه كان الرجل الذي لم يكن له فكر واهتمام إلا في ~~امرأة حسنة يتزوجها، أو قوم يغير عليهم يسفك دماءهم ويأخذ أموالهم وينكح ~~نساءهم، ويشهد على نفسه أنه حبب إليه الطيب والنساء، وأنه من علامات نبوته ~~أنه جعل في ظهره من القوة على النكاح مقدار قوة أربعين رجلا. فهل هذا بعض ~~آيات الأنبياء التي لا تكون إلا في مثله؟ فأما ما كان بينه وبين زينب بنت ms33 ~~جحش امرأة زيد فإني أكره ذكر شيء منها إجلالا لقدر كتابي هذا عن ذكرها، غير ~~أني آتي بشيء مما حكاه في كتابه الذي يقول إنه نزل عليه من السماء إذ يقول: ~~وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك واتق الله وتخفي ~~في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه فلما قضى زيد منها ~~وطرا زوجناكها لكي لا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا ~~منهن وطرا وكان أمر الله مفعولا ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له ~~سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله قدرا مقدورا (سورة الأحزاب ~~33:37 ، 38), وكذلك هناته مع عائشة وما كان من أمرها مع صفوان بن المعطل ~~السلمي، في رجوعهم من غزوة المصطلق، بتخلفها عن العسكر معه وقدومه بها من ~~الغد نحو الظهيرة راكبة على راحلته يقودها، وما قذفها به عبد الله بين أبي ~~بن سلول وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة ابن خالة أبي بكر وزيد بن رفاعة ~~وحمنة بنت جحش أخت زينب، وتبليغ علي بن أبي طالب إليه كلام المتكلمين وعيب ~~العائبين، قائلا: يا رسول الله، لم يضيق الله عليك، والنساء سواها كثيرة . ~~فلم يلتفت صاحبك إلى ذلك كله لشدة إعجابه بها، لأنه لم يكن في من نكح من ~~نسائه بكر غيرها ولا أحدث سنا منها، فكان لها من قلبه مكان. فرضي بما كان ~~من ذلك الأمر كله، وهذا كان سبب انعقاد تلك العداوة بين عائشة وبين علي إلى ~~آخر حياتهما. ثم قال صاحبك بنزول براءتها في سورة النور من قوله: إن الذين ~~جاءوا بالإفك عصبة منكم الخ . وكانت نساؤه فيما يظهر خمس عشرة حرة، وأمتين. ~~أولهن خديجة بنت خويلد، ثم عائشة بنت أبي بكر وهو عبد الله المعروف بعتيق ~~بن أبي قحافة. وسودة بنت زمعة. وحفصة بنت عمر، وهي التي كان بينها وبين ~~عائشة تلك الهنات العجيبة. وأم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية، وهي المخدوعة ~~أم الأطفال، ms34 التي زعم أنه يذهب عنها الغيرة عندما امتنعت عليه واحتجت بأنها ~~امرأة غيرى، وأنه يعول صبيتها لما اعتذرت أنها ذات صبية، وأنها تخاف ألا ~~يرضاه أهلها فضمن لها أن يكفيها ذلك، حتى قبلت. ثم لم يف لها من ذلك الضمان ~~بحرف واحد، وهي التي نحلها جرتين ورحى ووسادة من أدم حشوها ليف، فحصلت منه ~~على الدنيا والآخرة. وزينب بنت جحش امرأة زيد التي بعث إليها نصيبها من ~~اللحم ثلاث مرات، فردته في وجهه فهجرها وهجر نساءه بسببها وحلف أنه لا يدخل ~~عليهن شهرا، فلم يصبر فدخل لتسعة وعشرين يوما! وزينب بنت خزيمة الهلالية. ~~وأم حبيبة واسمها رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية. وميمونة بنت الحارث ~~الهلالية. وجويرية بنت الحارث المصطلقية. وصفية اليهودية بنت حيي بن أخطب ~~التي علمها أن تفخر على نسائه عند تعييرهن إياها وتقول: أنا التي هارون ~~أبي، وموسى عمي، ومحمد زوجي . والكلابية وهي فاطمة بنت الضحاك وقيل إنها ~~بنت يزيد عمرة الكلابية. وحنة بنت ذي اللحية. وبنت النعمان الكندية التي ~~أنفت منه حين قال لها: هبي لي نفسك فقالت: وهل تهب المليكة نفسها للسوقة؟ ~~ومليكة بنت كعب الليثية ذات الأقاصيص. ومارية أم إبراهيم ابنه. وريحانة بنت ~~شمعون القريظية اليهودية. فهؤلاء نساؤه اللواتي كن له، وأمتان! قال بولس ~~رسول الحق، رسول المسيح مخلص العالم: وأما المتزوج فيهتم في ما للعالم كيف ~~يرضي امرأته (1كورنثوس 7:33). وقوله الحق. وقال المسيح: لا يقدر أحد أن ~~يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر ~~الآخر (متى 6:24). فإذا كان صعبا على الرجل أن يخدم امرأة واحدة ويرضيها ~~ولا يسخط خالقه، فكيف يكون حال من يريد أن يصرف عنايته إلى رضى خمس عشرة ~~امرأة وأمتين، مع ما أنت عارف من شغله من تدبير الحروب وتوجيه الطلائع لشن ~~الغارات؟ فمتى يتفرغ للصوم والصلاة والعبادة وجمع الفكر وصرفه إلى أمور ~~الآخرة، وما شاكل ذلك من أعمال الأنبياء؟ ولست أشك في أنه لا نبي قبله ~~ابتدع مثل هذا! ### || النبي الصادق ms35 # ولكن فلندع الآن ذكر هذا ونأخذ في ذكر أعلام النبوة التي يجب معها ~~الإقرار لمن أتى بها أن يسمى نبيا ورسولا، وننظر في ما أتى به صاحبك، وهل ~~يوافق أو يشبه شيئا مما جاءت به الأنبياء، وهل يجب علينا قبول ذلك منه أو ~~رده عليه؟ فنقول إن النبي معناه المنبئ أي المخبر بالأمر الذي لم يكن أتى ~~به مخبر قبله، فيخبر به قبل وقوعه، أو بالأمر الذي كان ولم يعرف كيف حدث، ~~ثم أنه يوثق ما يخبر به بالآيات التي تصدق حكايته وتشهد على صحة أخباره، ~~وذلك مثل موسى نبي الله الذي أخبرنا في سفر التكوين كيف كان خلق السموات ~~والأرض وما فيهما، وكيف كان خلق آدم وحواء وما كان من قصتهما، وقصة قوم نوح ~~والطوفان، وقصة إبراهيم وولده. ولم يزل ينسق تلك الأخبار خبرا بعد خبر حتى ~~انتهى إلى خبره هو، وكيف تجلى الله في العوسجة، ثم ما جرى مع بني إسرائيل ~~وفرعون مصر، إلى أن توفاه الله. ويتنبأ موسى بما وعد الله من إدخال بني ~~إسرائيل أرض الميعاد، وأنه مزمع أن يورثهم أرض الجبابرة التي هي بلاد ~~الشام، وتحقق ما أنبأ به. وبرهن موسى ما أخبرنا به بالآيات والأعاجيب التي ~~فعلها، فعلمنا أنهكان صادقا بكل حكاياته وما جاء به عن الله. فهذه شروط ~~المنبئ بما كان وما يكون من الأمور. وعرفنا صدق ما تنبأ به من حدوثه. ويصح ~~القول إن إشعياء نبي الله، أيام الملك حزقيا. فقد هاجم سنحاريب ملك الموصل ~~بجيشه الملك حزقيا وشعبه فحاصره، وكاتبه بما كاتبه به من البغي عليه ~~والوعيد، فشكا حزقيا إلى الرب، فأوحى الله إلى إشعياء النبي: أني سمعت دعاء ~~حزقيا، فامض إليه وقل له يقول لك الرب إله إسرائيل: الليلة سينجيك من ~~سنحاريب. فبعث الله ملاكه فقتل من عسكر سنحاريب 185 ألف رجل مدجج. فلما ~~أصبح سنحاريب ورأى ما نزل بجيشه ولى هاربا. ومثل قول إشعياء أيضا لحزقيا ~~حين كان مريضا وصلى طالبا الشفاء، فأرسل الله رسالة بواسطة إشعياء تقول ~~لحزقيا ms36 إن الله سيشفيه، وقد زاد في أجله 15 سنة، ودليلا على ذلك ترجع الشمس ~~في مسيرها عشر درجات. وتحقق ما قاله النبي، فرجعت الشمس وشفي حزقيا من مرضه ~~وعاش بعد ذلك 15 سنة. فهذا إنباء مع آية ودليل في وقت واحد (إشعياء 37 ، ~~2أخبار 32). ومثله ما أنبأ به إشعياء عن أمر المسيح أنه يولد من العذراء، ~~ويدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره: الله معنا (إشعياء 7:14) وأنبأ أيضا ~~بأشياء كثيرة وأخبر بها على بعد العهد وطول الأيام، من خراب بيت المقدس ~~وسبي بني إسرائيل إلى بابل، وكان ذلك على بعد العهد وتأخره، وصح كله وتم ~~كما قال. ومثل ذلك ما أخبر به إرميا النبي عن خراب بيت المقدس أيضا ودخول ~~بختنصر إليه وهدمه، وسبيه بني إسرائيل ونقله إياهم إلى بابل، وأنهم يبقون ~~مسبيين ببابل سبعين سنة ثم يرجعون فيبنون بيت المقدس ويقيمون في مساكنهم. ~~وقد تمت نبوته وظهر صدق قوله عند تمام السبعين سنة التي حددها (إرميا 25). ~~ومثلما تنبأ دانيال النبي عن رجوع بني إسرائيل إلى بيت المقدس، وكان ذلك ~~على ما حكاه. وتنبأ لبيلشاصر الملك عن الرؤيا التي رآها بيلشاصر، فخبره عما ~~كان مزمعا أن يحل به، فحل به ودانيال حاضر (دانيال 5). ومثلما تنبأ أيضا ~~على قتل المسيح وأنه لا تقوم لليهود بعد قتله قائمة، وأنهم يتفرقون في ~~البلاد ويبطل ملكهم وتضمحل رئاستهم وكان ذلك كما قال (دانيال 9:26-28). ~~وكذلك فعل جميع الأنبياء ومن استحق اسم النبوة بالحقيقة. وكذلك كانت الملوك ~~والأمم يطالبون من ادعى عندهم النبوة بالدليل والبراهين. فمن جاء بدليل ~~صحيح وحجة مقنعة قبلوا ذلك منه، ومن لم يأت كذبوه. ### || المسيح مخلص العالم # أما المسيح الرب مخلص العالم فإن قدره يجل على النبوة، لأن مرتبته أعلى ~~وأشرف وأرفع من مرتبة الأنبياء، فإن الأنبياء هم عبيد الله، والمسيح هو ~~كلمة الله الخالقة، وهو باعث الأنبياء والموحي إليهم. وقد تنبأ بما يدل على ~~أنه يعلم الغيب والضمائر، ولا يخفى عليه ما هو مزمع أن يكون قبل كونه، مثل ~~قوله لهم ms37 وقد اجتمعوا حوله يرونه بناء هيكل بيت المقدس ويعجبونه من جودة ~~بنائه وحسنه: الحق أقول لكم إنه لا يترك ه هنا حجر على حجر لا ينقض (متى ~~24:2). ومثل إخبارهم بما سيصيبهم من القتل والسبي قبل صعوده ممجدا إلى ~~السماء بأربعين سنة، وتحقق ذلك كله. ومثلما كان يخبرهم أيضا بما في ضمائرهم ~~وما يكتمونه في أنفسهم من تدبيرهم في قتله. ومثل قوله لتلاميذه وهم مقيمون ~~في بيت المقدس إن لعازر حبيبنا قد نام. ل كني أذهب لأوقظه (يوحنا 11:11) ~~وكان لعازر في قرية بيت عنيا على بعد فراسخ من بيت المقدس. فقال له ~~تلاميذه: يا سيد، إن كان قد نام فهو يشفى . فلما لم يفهموا كلامه قال لهم: ~~لعازر مات . فمضى وهم معه فبعثه حيا، ودفعه إلى أختيه مريم ومرثا، وذلك بعد ~~أربعة أيام من موته. وكقوله لسمعان الصفا ولتلاميذه: جميعكم في هذه الليلة ~~تشكون في، فقال له سمعان: إن شك فيك الجميع فأنا لا أشك . فقال له المسيح: ~~الحق أقول لك إنك في هذه الليلة، قبل أن يصيح ديك، تنكرني ثلاث مرات . فجزع ~~سمعان لذلك ولكن لم يصح الديك في تلك الليلة حتى جحد سمعان معرفته بالمسيح ~~ثلاث مرات. ونظر المسيح إليه، فافتكر كلامه فبكى وندم على ما كان منه في ~~جحوده وإنكاره (راجع متى 26). ### || دلائل نبوة محمد # والآن ما الدليل على دعوى صاحبك؟ إن قلت إنه أخبرنا بأقاصيص الأنبياء ~~الذين كانوا قبله في الزمان السالف كنوح وإبراهيم وإسحق ويعقوب وموسى ~~والمسيح وسائر الأولين الذين ذكرهم في كتابه، فجوابنا أنه أخبرنا بما سبقت ~~معرفتنا به، ودرسته صبياننا وأطفالنا في المكاتب. فإن ذكرت قصة عاد وثمود ~~والناقة وأصحاب الفيل ونظائر هذه القصص، قلنا لك: هذه أخبار وخرافات عجائز ~~الحي، وليس ذكرها دليلا على نبوته، فقد سقط شرط من شرطي النبوة. فإن قلت ~~إنه أخبر بأمر قبل حدوثه، ألزمناك توضيح ذلك، لأنه قد مضت أكثر من مائتي ~~سنة منذ موت محمد، وكان يجب أن يتحقق عندك شيء مما أخبرك أنه سيكون. ms38 ولكنك ~~تعلم أنه لم يأت في هذا الباب شيء ولا نطق فيه بكلمة ولا تفوه بحرف واحد، ~~فسقط عنه الشرط الثاني من شروط النبوة. وإذ قد خلا من الشرطين اللذين ~~يوجبان الإيمان بالنبوة، نسأل: هل أجرى محمد معجزات باهرات؟ فنسمعه يقول: ~~وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون (سورة الإسراء 17:59). ~~أي: لولا أن يكذبوا بآياتك كما كذبوا بالآيات التي جاءهم بها الأولون من ~~قبلك، لأعطيناك الآيات! وأنت تعلم أن هذا جواب مرفوض، لا يقنع أحدا! فإن ~~ادعيت أن من دلائل نبوته ظفره وظفر أصحابه على ما كانوا عليه من القلة ~~والضعف بملك فارس على عظمته وجودة تدبير أصحابه وحسن سياسة ملوكه، مع كثرة ~~العدد والسلاح والرجال، أجبناك بكلام الله وقوله لبني إسرائيل: متى أتى بك ~~الرب إل هك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، وطرد شعوبا كثيرة من ~~أمامك: الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين والفرزيين والحويين ~~واليبوسيين، سبع شعوب أكثر وأعظم منك، ودفعهم الرب إل هك أمامك,,, ليس من ~~كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم، لأنكم أقل من سائر ~~الشعوب. بل من محبة الرب إياكم (التثنية 7:1-8). ولكن عندما طغى بنو ~~إسرائيل وجعلوا لله أندادا وجحدوا آياته فقل شكرهم لله، سلط عليهم شر خلقه ~~بختنصر عابد الصنم المشرك بالله، فقتل الرجال الذين كانوا أولاده وصفوته ~~وخيرته وشعبه، وسبى ذراريهم، وأخرب البيت الذي كان معروفا باسمه، ونقل ~~الآنية التي كانت فيه إلى بابل النجسة بعبادة الأصنام. فهل نقول إن بختنصر ~~ظفر ببيت المقدس وبلغ منه ومن أهله ما بلغ لأنه كان نبيا؟ أم للسبب الذي ~~ذكرناه آنفا؟ فكذلك أيضا كانت قصة صاحبك وأصحابه مع ملك فارس، لأن أهل فارس ~~كانوا مجوسا يعبدون الشمس والنار وادعوا الربوبية التي لم يجعلها الله لهم، ~~وابتذلوا نعمه كفرا وسعوا في الأرض فسادا، وارتكبوا العظائم، وتوهموا أن ~~الذي هم فيه إنما هو من صحة تدبيرهم وكثرة قوتهم، فسلبهم الله نعمته وسلط ~~عليهم من أخرب بلادهم وقتل رجالهم وأخلى مساكنهم ms39 منهم وسبى ذراريهم ونهب ~~أموالهم وبادوا بسخط الله ورجزه. كذلك يفعل الله بالقوم الظالمين. أما كتاب ~~صاحبك الذي ادعى أنه منزل عليه من عند الله فليس فيه شيء من ذكر المعجزات، ~~فقد قال إن الله لم يجعله صاحب معجزة لأن السابقين كذبوا بآيات الأنبياء ~~الأولين، فكره الله أن يؤتيه بشيء منها فيكذبون به. نعم إن الأولين من ~~اليهود كذبوا بآيات الأنبياء وردوها، وأما الأعراب فبآيات من كذبوا، ولم ~~يبعث فيهم نبي قط، ولا وجه إليهم رسول لا بآية ولا بغير آية؟ ولعله لو كان ~~جاءهم بشيء من الآيات لكانوا صدقوه ولم يكذبوه! ألم نر أن كثيرين منهم ~~أجابوا دعوته ولم يروا منه آية ولا سمعوا عنه أعجوبة؟ أما غير الكتاب فقد ~~وجدنا لكم أخبارا وقصصا هي كخرافات العجائز، منها زعمهم أنه كان من آياته ~~العجيبة أنه وقف بين يديه ذئب فعوى وبكى، فالتفت محمد إلى أصحابه قائلا ~~لهم: هذا وافد السباع، فإن أحببتم أن تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، ~~وإن أحببتم تركتموه وتحررتم منه. قالوا: ما نطيب له بشيء، فأومأ إليه ~~بأصابعه الثلث أن خالسهم، فولى وهو غائل. فهذه آية عجيبة لم يسمع السامعون ~~بمثلها قط ولم ير الراؤون أعجب منها: أنه عرف عواء الذئب وأنه وافد السباع. ~~لو كان قال لهم إن هذا الذئب رسول رب العالمين إليه، من كان يرد عليه قوله، ~~ولا منتقد باحث فيهم؟ ومنها زعمهم أن الذئب كلم أهبان بن أوس الأسلمي ~~فأسلم، ولو ادعى أن أهبان ذكر أن الأسد كلمه لكان عندي أعجب. على أنه ساوى ~~بينه وبين نفسه فيهما، بل فضله على نفسه، إذ الذئب معه عوى، فادعى معرفة ما ~~قال في عوائه إنه وافد السباع. فأما أهبان فزعم أن الذئب كلمه بلسان عربي. ~~والأعجب في ذلك أن هاتين الآيتين لم تجريا إلا بواسطة الذئب الذي يعرف ~~بالخاطف من السباع، وهذا لقبه! وكذلك قصة ثور دريخ وادعاءهم أنه كلم دريخا ~~عندما ضربه. وكتابه يشهد أن الأعراب أشد كفرا ونفاقا. وأما شاة ms40 أم معبد ~~ومسحه يده على ضرعها وما يلي ذلك من الخرافات الأخرى كدعائه الشجرة فأسرعت ~~إليه مقبلة مجيبة تجهد في الأرض، فهذا أمر نؤخره، لأن أكثر المسلمين ~~الراسخين في العلم لا يقبلونه. وكذلك السم الذي سمته به زينب بنت الحارث ~~اليهودية (زوجة سلام بن مشكم اليهودي) في شاة مشوية فكلمته الذراع. وأكل ~~معه بشر بن البراء بن معرور فمات، وإن السم الذي لم يزل يدب في بدن محمد ~~كان سبب موته. فهل سمع الكلام من الذراع وحده، أم سمعه من كانوا بحضرته؟ ~~فإن كان سمعه هو وحده فلم لم يمنع ابن البراء من أكل طعام مسموم حتى لا ~~يموت، وهو رجل من أصحابه اختصه بالأكل معه؟ وكيف استحل ذلك واستجاز كتمان ~~قول الذراع له إنها مسمومة؟ وإن كان جميع الحاضرين سمعوا كلام الذراع، فكيف ~~لم يمتنع ابن البراء من الأكل وهو يسمع الذراع تقول: لا تأكل مني فإني ~~مسمومة؟ فليس يخلو هذا من أحد وجهين، إما أن يكون سمعه هو وحده وكتم ذلك ~~غدرا، وإما أن تكون الجماعة سمعوه فلم يمتنع ابن البراء من ذلك الأكل حيث ~~سمع ولا يموت. ولعل ابن البراء أكل السم ثقة منه بأنه يأكل مع نبي مستجاب ~~الدعوة ورسول رب العالمين، مشفع عند ربه في جميع ما سأله. فلماذا لم يدع ~~محمد ربه فيجيبه كعهدنا بالأنبياء المشفعين في إحياء الموتى؟ فإن إيليا ~~النبي قد أحيا ابن الأرملة بصرفة (1ملوك 17) وهكذا أليشع تلميذ إيليا أقام ~~ابن الشونمية من الموت (2ملوك 4). وقد فعلت الأنبياء مثل هذا مرارا كثيرة ~~وهم أحياء، وفعلت أيضا القوة الحالة في عظامهم كفعل عظام أليشع النبي حيث ~~وضع الميت عليها فعاش (2ملوك 13). وأنت تعلم أن هذا خبر صحيح في كتب الله ~~المنزلة ليس فيه اختلاف بين النصارى أصلا ولا بين اليهود، وهما ملتان ~~مختلفتان اجتمعتا على صحة ذلك. وكيف لم يأكل محمد منها أيضا ولم يصبه شيء، ~~فيكون ذلك آية له وشاهدا على صحة ما يدعي من النبوة إن كان نبيا؟ لأن ~~الأنبياء ms41 معصومون بالوقاية الإلهية من الآفات التي تحتال الكفرة بها عليهم ~~وعلى أولياء الله، كقول المسيح عن تلاميذه: وإن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم، ~~ويضعون أيديهم على المرضى فيبرأون (مرقس 16:18). وحقق المسيح لهم هذا، فقد ~~كانوا يمتحنون بمثل هذا فتظهر صحة دعواهم عند التجربة، فانقادت لهم الملوك ~~الجبابرة والعلماء الفلاسفة والحكماء أصحاب الحيل والقضاة، بلا سيف ولا ~~عشيرة ولا حكمة دنيوية ولا فصاحة ألفاظ ولا ترغيب في شيء ولا تسهيل في ~~شريعة. وأما الميضأة وخبرها، وأنه أدخل يده فيها ففاض منها الماء حتى شربوا ~~وشربت دوابهم، فالخبر بذلك جاء عن محمد بن إسحق الزهري، وأمرها ضعيف عند ~~أصحاب الأخبار، ولم يجتمع أصحابك على صحته. وقد قال صاحبك في حديث: ليس من ~~نبي إلا وقد كذبت أمته عليه، ولست آمن أن تكذب علي أمتي، فما جاءكم عني ~~اعرضوه على الكتاب الذي خلفته بين أظهركم، فإن كان له مشاكلا وكان له فيه ~~ذكر فهو عني، وإني قلته وفعلته. وإن لم يكن له ذكر في الكتاب فأنا بريء منه ~~وهو كذب ممن رواه عني، وما قلته ولا فعلته . فانظر في هذه الأخبار التي ~~ذكرناها مما يقول أصحابك: هل تجد لها أصلا في الكتاب الذي في يدك؟ فإن كان ~~لها فيه ذكر فهي صحيحة قد فعلها، وإلا فهو بريء منها، وهي أباطيل وأكاذيب! ~~ثم أعظم من هذا وأشنع أنه كان يقول لهم في حياته ويوصي إليهم إذا مات ألا ~~يدفنوه، فإنه سيرفع إلى السماء كما ارتفع المسيح، وإنه أكرم على الله أن ~~يتركه على الأرض أكثر من ثلاثة أيام. ولم يزل ذلك عندهم متمكنا في قلوبهم. ~~فلما مات يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة 63 لمولده، ~~وقد مرض 14 يوما، تركوه ميتا، يظنون أنه سيرفع إلى السماء كقوله. فلما أتت ~~عليه ثلاثة أيام وانقطع رجاؤهم من ذلك ويئسوا من تلك المواعيد الباطلة، ~~دفنوه يوم الأربعاء. وحكى بعضهم أنه مرض سبعة أيام بذات الجنب، وأنه غرب ~~عقله وخلط في كلامه تخليطا ms42 شنيعا، فغضب لذلك علي بن أبي طالب وأنكره. فلما ~~أفاق أخبره بما كان فقال: لا يبقين في البيت أحد إلا العباس بن عبد المطلب ~~. فلما كان اليوم السابع من مرضه مات، فارتفع بطنه وانعكست إصبعه الشمال ~~وهي الخنصر. وذكر ضمران أنه كان تحته في مرضه شملة حمراء وعليها مات وفيها ~~أدرج بعد موته وووري في التراب بغير غسل ولا أكفان. وروى عمران بن خضير ~~الخزاعي أنه غسل وأدرج في ثلاثة أثواب بيض يمانية، وأن الذي تولى ذلك منه ~~علي بن أبي طالب والفضل بن العباس بن عبد المطلب عمه. فلم يبق أحد ممن كان ~~تبعه إلا ارتد ورجع عما كان عليه، غير نفر يسير من أخص أهله وأقربهم نسبا ~~إليه، طمعا بما كان فيه من تلك الرئاسة. فكان لأبي بكر (عتيق بن أبي قحافة) ~~في ذلك أعجب تدبير فتولى الأمر بعده. فاغتاظ علي بن أبي طالب غاية الغيظ ~~لأنه لم يكن يشك أن الأمر صائر إليه، فانتزع من يده. كل ذلك حرصا على ~~الدنيا ورغبة في الرئاسة. فلم يزل أبو بكر يلطف بالمرتدين إلى أن رجعوا ~~بضروب من الحيل والرفق والأماني. وكان بعض ذلك بالخوف من السيف، وبعض ~~بالترغيب في سلطان الدنيا وأموالها وإباحة شهواتها ولذاتها. فرجع من رجع في ~~ظاهره لا في باطنه. وما أشك في أنك تذكر ما جرى في مجلس أمير المؤمنين، وقد ~~قيل له في رجل من أجل أصحابه إنه إنما يظهر الإسلام وباطنه المجوسية، ~~فأجاب: والله إني لأعلم أن فلانا وفلانا (حتى عدد جملة من خواص أصحابه) ~~ليظهرون الإسلام وهم أبرياء منه، ويراءونني وأعلم أن باطنهم يخالف ما ~~يظهرونه لأنهم قوم دخلوا في الإسلام لا رغبة في ديانتنا هذه، بل أرادوا ~~القرب منا والتعزز بسلطان دولتنا. وإني أعلم أن قصتهم كقصة ما يضرب من مثل ~~العامة أن اليهودي إنما تصح يهوديته ويحفظ شرائع توراته إذا أظهر الإسلام! ~~وما قصة هؤلاء في مجوسيتهم وإسلامهم إلا كقصة اليهودي. وإني لأعلم أن فلانا ~~وفلانا (حتى عدد جماعة من ms43 أصحابه) كانوا نصارى فأسلموا كرها، فما هم ~~بمسلمين ولا نصارى، ولكنهم مخاتلون: فما حيلتي وكيف أصنع؟ فعليهم جميعا ~~لعنة الله. ولكن لي قدوة برسول الله. لقد كان أكثر أصحابه وأخصهم به ~~وأقربهم إليه نسبا يظهرون أنهم أتباعه وأنصاره، وكان محمد يعلم أنهم ~~منافقون، وأنهم لم يزالوا يريدون به السوء، ويعينون المشركين عليه، حتى أن ~~جماعة منهم كمنوا له تحت العقبة واحتالوا في تنفير بغلته لترمي به فتقتله، ~~فوقاه الله كيدهم. ثم كان يداريهم دائما إلى أن قبض الله روحه. أفما ينبغي ~~لي أنا أن أشابهه؟ هذا وكان حيا ملء ثيابه، ثم ارتدوا جميعا بعد موته، فلم ~~يبق منهم أحد كان يظن به رشدا إلا رجع وارتد، إلى أن أيده الله وجمع تفرقهم ~~وألقى في قلوب بعضهم شهوة الخلافة ومحبة الدنيا، فربط النظام وجمع الشمل ~~وألف التشتيت بالحيلة ولطف المداراة، وأتم الله ما أتمه. وما المنة في ذلك ~~له ولا هو محمود عليه، بل المنة لله والحمد والشكر له على ذلك بأسره. فلست ~~أذكر ما أراه ويبلغني عن أصحابي هؤلاء إلا المداراة والصبر عليهم، إلى أن ~~يحكم الله بيني وبينهم، وهو خير الحاكمين . ولولا أن أمير المؤمنين تكلم ~~جهارا على رؤوس الملأ في مجلسه، فذاع الخبر بذلك ونقله الشاهد إلى الغائب، ~~لما حكيته. وأنت تشهد لي أني إنما ذكرتك بما جرى من الكلام في ذلك المجلس ~~وليس له مدة طويلة. فلنرجع الآن إلى كلامنا الأول، ونقول إنه كان عمره 63 ~~سنة، منها 40 سنة قبل ادعائه النبوة، و13 بمكة، وعشر في المدينة. فإن ادعيت ~~أن موسى النبي ويشوع بن نون خليفة موسى قد حاربا أهل فلسطين وضربا بالسيف ~~وقتلا الرجال وسبيا وأحرقا القرى والمساكن بالنار ونهبا الأموال، قلنا لك ~~إنهما فعلا ما فعلاه عن أمر الله لتنفيذ ما أراده وإنجاز مواعيده، فإن ذلك ~~كان في قوم طغوا وبغوا فأحب الله تأديبهم كتأديب الأب المشفق على ابنه. فإن ~~سألت: وما الدليل على أن ما فعلاه كان عن أمر الله سبحانه، وأن الذي ms44 فعله ~~صاحبك لم يكن عن أمر الله؟ قلنا: إن نبي الله موسى جاء بالآيات العجيبة ~~التي فعلها بمصر بحضرة فرعون وجميع أهل مصر، بعد ما فعل أهل مصر ببني ~~إسرائيل ما فعلوه. وبعد ذلك أخرج بني إسرائيل بتلك القوة المنيعة، وفلق لهم ~~البحر وأجازهم، وغرق فرعون وأصحابه عندما تبعهم. وضرب موسى الحجر الأصم ~~فتفجر منه 12 نهرا سقاهم منها، وأنزل لهم المن والسلوى، وما أشبه ذلك مما ~~أتى به مما هو ممتنع في قدرة المخلوقين، لا يقدر أحد أن يفعل ذلك غير ~~الخالق ومن أعطاه الرب القدرة على فعل مثله. فصارت هذه دلائل واضحة بأن ~~جميع ما حكاه وفعله هو عن أمر الله. وكذلك ما فعل يشوع بن نون من وقفه ~~الشمس وسط الفلك عن مسيرها، إلى أن انتقم الشعب من أعدائه، وكذلك توقيفه ~~القمر بأمر الرب فوقف. وشهد له الكتاب بأنه لم يكن مثل ذلك اليوم فيما مضى ~~ولن يكون في المستقبل، لأنها معجزة خص الله بها يشوع بن نون، فتكون شهادة ~~له إلى الأبد. ونحن واليهود المخالفون لنا متفقون على تصديقه عن غير تواطؤ، ~~وإنه حق في كتاب الله. فأعطنا أدنى حجة أو أعجوبة من صاحبك فعلها أو يقر له ~~كتابه بصحتها حتى نصدق نبوته ونقر برسالته ونقبل دعوته، ونعلم أن ما فعله ~~من قتل الناس وأخذ أموالهم وإخراجهم من ديارهم كان عن أمر الله عز وجل، ~~كفعل أولياء الله. وإنما هو رجل ادعى لنفسه ما ادعاه، فأعانه على ذلك قوم ~~من عشيرته وأهل بيته وبلده. ### || الشرائع والأحكام # ثم دعني أناقشك في ما جاء به صاحبك من الشرائع والأحكام، فنقول إن ~~الشرائع والأحكام لن تخرج عن ثلاثة أوجه، وذلك إما أن يكون الحكم حكما ~~إلهيا وهو حكم التفضل الذي هو فوق العقل والطبيعة ويليق بالله جل اسمه لا ~~بغيره، ولا يشبهه سواه. وإما أن يكون حكما طبيعيا قائما في العقل مولودا في ~~الفكر يقبله التمييز ولا ينكره، وهو حكم العدل. وإما أن يكون حكما شيطانيا، ~~أعني حكم الجور، ms45 وهو ضد الحكم الإلهي وخلاف الحكم الطبيعي. فأما الحكم ~~الإلهي الذي هو فوق الطبيعة، فهو التفضل الذي جاء به المسيح مخلص العالم ~~سيد البشر الذي شهد له صاحبك إذ يقول: وقفينا على آثارهم بعيسى ابن مريم ~~مصدقا لما بين يديه من التوراة وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور ومصدقا لما ~~بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين (سورة المائدة 5:46). وذلك أن ~~المسيح قال في إنجيله الطاهر: أحبوا أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى ~~مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم ~~الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه على الأشرار والصالحين، ويمطر على ~~الأبرار والظالمين (متى 5:44 ، 45). فهذا هو الحكم الإلهي، وشرائعه فوق ~~الطبيعة وأعلى من العقل الإنساني، وهو حكم التفضل والرحمة والعفو والتشبه ~~بفعل الله الرؤوف الرحيم. والنحو الثاني هو الحكم الطبيعي والشريعة القائمة ~~في العقل الجاري مع الغريزة، وهو ما جاء به موسى النبي بقوله في حكمه ما ~~معناه العين بالعين والسن بالسن والنفس بالنفس والضربة بالضربة والجراح ~~قصاص . فهذا حكم الطبيعة الداخل في قانون العقل، وهو حكم العدل والنصفة: أن ~~تأتي الناس بمثل ما أتوا به إليك وتفعل بهم كما فعلوا بك، إن خيرا وإن شرا. ~~وليس ذلك مضاهيا للحكم الإلهي. والنحو الثالث هو الحكم الشيطاني الذي هو ~~الجور والشر بعينه. فأي هذه الأحكام الثلاثة وأي شريعة جاء بها صاحبك؟ فإن ~~قلت إنه جاء بالأحكام الإلهية، قلنا لك قد سبقه المسيح إليها بستمائة سنة. ~~وإن قلت إنه جاء بالأحكام الطبيعية وشرائع العقل وسنن العدل، قلنا قد سبقه ~~إلى ذلك موسى النبي. فهذان حكمان قد عرفنا أصحابهما وأقررنا بهما. بقي ~~الحكم الثالث الذي هو حكم الشيطان وشريعة الجور. فهل تقول إنه جاء بالحكمين ~~معا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلا: النفس بالنفس ~~والعين بالعين والسن بالسن الخ كما قال موسى ثم أتبعه بقول المسيح وإن ~~غفرتم فإنه أقرب للتقوى (سورة المائدة 5:8). فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض، ~~كقول القائل: قائم قاعد، وأعمى بصير، ms46 وصحيح سقيم في حال واحدة! وإن أقررت ~~كل واحد من هذين الحكمين وادعيته، فلا يدعك أصحابهما، لأنهم ورثوه فصار في ~~أيديهم حقا مسلما لهم، ويقولون لك إنك متعد ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، ~~مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخذه فأنت غاصب لا حق لك، بل آتنا أنت ~~بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا عندنا، لنعلم أنك صادق في ادعائك. ~~ولا أظنك ترضى لصاحبك أن يكون تابعا للمسيح وموسى، وأنت تزعم فيه وتدعي من ~~الحظوة والقدر والمنزلة عند رب العالمين، وتجترئ على الله وتقول: لولا ~~صاحبك ما خلق آدم ولا كانت الدنيا! ### || معجزته القرآن # تقول إن الحجة البالغة عندك هي هذا الكتاب الذي في يدك، وإن الدليل على ~~صحة كونه منزلا من عند الله ما فيه من الأخبار القديمة عن موسى والأنبياء ~~وعن سيدنا المسيح، وصاحبك رجل أمي لم تكن له معرفة ولا علم بتلك الأخبار، ~~فلا بد أنه أوحي إليه وأنبئ بما قاله. ثم تقول لا يقدر إنسي ولا جني أن ~~يأتي بمثله، ثم تقول: وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من ~~مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين (سورة البقرة 2:23) و: لو ~~أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية الله (سورة الحشر ~~59:21) ونظائر هذه أعظم الدليل على نبوته، فكأنك جعلت هذا آية له وحجة، مثل ~~فلق البحر لموسى، ووقوف الشمس ليشوع بن نون، وإحياء الموتى للمسيح، وأعاجيب ~~الأنبياء السالفين. فنقول إنه ينبغي لك أن تعلم أولا كيف كان السبب في هذا ~~الكتاب، ذلك أن رجلا من رهبان النصارى اسمه سرجيوس أحدث حدثا أنكره عليه ~~أصحابه، فحرموه من الدخول إلى الكنيسة وامتنعوا عن كلامه ومخاطبته، على ما ~~جرت به العادة منهم في مثل هذا الموقف. فندم على ما كان منه، فأراد أن يفعل ~~فعلا يكون له حجة عند أصحابه النصارى، فذهب إلى تهامة فجالها حتى بلغ مكة، ~~فنظر البلد غالبا فيها صنفان من ms47 الديانة: دين اليهود وعبادة الأصنام، فلم ~~يزل يتلطف ويحتال بصاحبك حتى استماله وتسمى عنده نسطوريوس، وذلك أنه أراد ~~بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتدين به. فلم يزل يخلو ~~به ويكثر مجالسته ومحادثته إلى أن أزاله عن عبادة الأصنام ثم صيره داعيا ~~وتلميذا له يدعو إلى دين نسطوريوس. فلما أحست اليهود بذلك ناصبته العداوة، ~~فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى. فلم يزل يتزايد به الأمر ~~إلى أن بلغ به ما بلغ. فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية ~~والدفاع عنها وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودة، وأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (مائدة 82). فلما توفي وارتد القوم وانتهى الأمر ~~إلى أبي بكر، قعد علي بن أبي طالب عن تسليم الأمر لأبي بكر، فعلم عبد الله ~~بن سلام وكعب الأحبار اليهوديان أنهما ظفرا بما كانا يطلبان ويريدان في ~~نفسيهما، فاندسا إلى علي بن أبي طالب فقالا له: ألا تدعي أنت النبوة ونحن ~~نوافقك على مثل ما كان يؤدب به صاحبك نسطوريوس النصراني، فلست بأقل منه؟ ~~ولكن أبا بكر عرف بما كان من أمرهما مع علي، فبعث إلى علي. فلما صار إليه ~~ذكره الحرمة. ونظر علي إلى أبي بكر وإلى قوته، فرجع عما كان عليه ووقع ~~بقلبه. وكان عبد الله بن سلام وكعب الأحبار قد عمدا إلى ما في يد علي بن ~~أبي طالب من الكتاب الذي دفعه إليه صاحبه على معنى الإنجيل، فأدخلا فيه ~~أخبار التوراة، وشيئا من جل أحكامها، وأخبارا من عندهما بدلها، وشنعا فيه ~~وزادا ونقصا ودسا تلك الشناعات كقولهما: وقالت اليهود ليست النصارى على شيء ~~وقالت النصارى ليست اليهود على شيء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا ~~يعلمون مثل قولهم فا لله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون ~~(سورة البقرة 2:113) ومثل الأعاجيب والتناقض الذي يجعل الناظر فيه يرى ~~المتكلمين به قوما شتى مختلفين، كل منهم ينقض قول صاحبه، ومثل سورة النحل ~~والنمل والعنكبوت وشبهه. إلا أن عليا ms48 حين يئس من الأمر أن يصير إليه، صار ~~إلى أبي بكر بعد أربعين يوما (وقال قوم بعد ستة أشهر) فبايعه ووضع يده في ~~يده. وسأله أبو بكر: ما حبسك عنا وعن متابعتنا يا أبا الحسن؟ فقال: كنت ~~مشغولا بجمع كتاب الله، لأن النبي كان أوصاني بذلك. فما معنى شغله بجمع ~~كتاب الله، وأنت تعلم أن الحجاج بن يوسف أيضا جمع المصاحف وأسقط منها أشياء ~~كثيرة؟ وأنت تعلم أيضا أنهم رووا أن النسخة الأولى هي التي كانت بين ~~القرشيين، فأمر علي بن أبي طالب بأخذها لما اشتد عليه الأمر لئلا يقع فيها ~~الزيادة والنقصان، وهي النسخة التي كانت متفقة مع الإنجيل الذي دفعه إلى ~~نسطوريوس، وكان يسميه عند أصحابه جبريل مرة والروح الأمين مرة. فلما قال ~~علي لأبي بكر في البيعة الأولى: إني شغلت في جمع الكتاب، قالوا: معنا قول ~~ومعك قول، وهل يجمع كتاب الله؟ فاجتمع أمرهم وجمعوا ما كان حفظه الرجال من ~~أجزائه كسورة التوبة التي كتبوها عن الأعرابي الذي جاءهم من البادية وغيره ~~من الشاذ والوافد، وما كان مكتوبا على اللخاف (وهي حجارة بيض رقاق واحدتها ~~لخفة وهي في حديث زيد بن ثابت جامع القرآن) والعسب (وهو جريد النخل) وعلى ~~عظم الكتف ونحو ذلك، ولم يجمع في مصحف. وكانت لهم صحف وأدراج على منهاج ~~أدراج اليهود وذلك من حيلة اليهود. وكان الناس يقرأون مختلفين، فقوم يقرأون ~~ما مع علي بن أبي طالب وهم أتباعه إلى اليوم، وقوم يقرأون بهذا المجموع ~~الذي ذكرنا أمره، وقوم يقرأون بقراءة الأعرابي الذي جاء من البرية وقال إن ~~معي حرفا وآية وأقل وأكثر، فكتب ولا يدري ما قصته ولا في ما أنزل، وطائفة ~~تقرأ بقراءة ابن مسعود لقول صاحبك: من أراد أن يقرأ القرآن غضا طريا كما ~~أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد . وكان يعرض عليه في كل سنة مرة، وفي السنة ~~التي مات فيها عرض عليه مرتين. وقوم يقرأون قراءة أبي بن كعب، لقوله: ~~أقرأكم أبي، وقراءة أبي وقراءة ابن مسعود متقاربتان ms49 . فلما صار الأمر إلى ~~عثمان بن عفان واختلف الناس في القراءة، أقبل علي بن أبي طالب يتطلب العلل ~~على عثمان ويتتبع العثرات في القراءة، ويعيبه، وذلك تدبيرا لقتله. فكان ~~الرجل يقرأ الآية ويقرأها الآخر قراءة مختلفة، ويقول الرجل منهم لصاحبه: ~~قراءتي خير من قراءتك ويحتج كل منهم لصاحبه بالذي يقرأ بقراءته، ويقع في ~~ذلك الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل. فقيل ذلك لعثمان إنهم يختلفون في ~~القراءة ويزيدون في الكتاب وينقصون ويقع بينهم الشر والأخذ بالعصبية، ولا ~~نأمن أن يتطاول الأمر ويتفاقم فيقع بينهم القتل ويفسد الكتاب وترجع الردة. ~~فبعث عثمان فجمع كل ما أمكنه من تلك الأدراج والرقاق، وما كتب أولا. ولم ~~يتعرضوا لما في يد علي بن أبي طالب من مصحفه ولا لمن كان يقرأ بقراءته ولا ~~دخل معهم في هذا التأليف. فأما أبي بن كعب فمات قبل هذا التأليف، وأما ابن ~~مسعود فطلبوا منه أن يدفع إليهم مصحفه، فأتى فصرفوه عن الكوفة واستعملوا ~~أبا موسى الأشعري، وأمروا زيد بن ثابت الأنصاري وعبد الله بن عباس (وقيل ~~محمد بن أبي بكر) بتأليفه وإصلاحه وحذف الفاسد منه. وقالوا لهما: إذا ~~اختلفتما في شيء أو لفظة أو اسم فاكتباه بلسان قريش. فاختلفا في أشياء ~~كثيرة، منها التابوت . قال زيد هو التابوه، وقال ابن عباس بل هو التابوت ~~فكتباه بلسان قريش. ونظائر هذه كثيرة. فلما جمعوا هذا التأليف على ما في ~~هذه المصاحف كتبت أربعة مصاحف بخط جليل، ووجه أحدها إلى مكة، وحفظ آخر في ~~المدينة، ووجه آخر إلى الشام (وهو اليوم بملطية). ولم يزل ذلك المصحف الذي ~~كان بمكة إلى أيام أبي السرايا. فلما كان في تلك الأيام وهو آخر سلب سلبت ~~الكعبة (سنة 200 ه ). ليس أن أبا السرايا سلبها، بل في تلك الفتنة. فقد ~~قيل: احترق في ما احترق. وأما مصحف المدينة ففقد في أيام الحيرة، وهي أيام ~~يزيد بن معاوية. ووجه بالمصحف الرابع إلى العراق، وكان بالكوفة وهي يومئذ ~~قبة الإسلام ومجمع المهاجرين والصحابة. ويقال إن ذلك المصحف فقد ms50 في أيام ~~المختار. ثم أمر عثمان بجمع ما جمع من تلك المصاحف والأدراج التي جمعت من ~~البلاد، وغلوا له الخل وسرحوه فيه وتركوه حتى تقطع واهترى، ولم يبق شيء إلا ~~متفرقا، مثلما قيل عن سورة النور إنها كانت أطول من سورة البقرة، وكما قيل ~~إن سورة الأحزاب مبتورة ليست بتمامها، وكذلك قالوا في التوبة إنها لم يوجد ~~بينها وبين الأنفال فصل يعرف، فلم يفصلوهما بسطر بسم الله الرحمن الرحيم، ~~ومثل قول ابن مسعود في المعوذتين لما أثبتوهما في المصحف: لا تزيدوا فيه ما ~~ليس منه . ومثل قول عمر على المنبر: لا يقولن أحد إن آية الرجم ليست في ~~كتاب الله، فإنا كنا نقرأ والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة . فلولا ~~أن يقال عمر قد زاد القرآن ما ليس فيه لزدتها فيه بيدي . ومثل قوله في آخر ~~خطبة خطبها: إني لا أعلم أن أحدا قال إن المتعة ليست في كتاب الله، بل قد ~~كنا نقرأ آية المتعة، ولكنها سقطت. فلا جزى الله من أسقطها خيرا، فإنه ~~أؤتمن فما أدى الأمانة، ولا نصح الله ولا رسوله، فقد أسقط المموه عليه من ~~القرآن شيئا كثيرا . وقوله أيضا: وما كان عليه أن يرخص الله للناس، وإنما ~~بعث محمدا بالدين الواسع . وقال أبي بن كعب: سورتان كانوا يقرأونهما فيه، ~~وإنما قال هذا في التأليف الأول، ولم يدرك هذا التأليف، وهما سورتا القنوت ~~والوتر، وهما: اللهم إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك ~~إلى آخر الوتر. وكذلك آية المتعة فإن عليا كان أسقطها وقال إنه سمع رجلا ~~يقرأها على عهده فدعاه وضربه بالسوط، وأمر الناس ألا يقرأها أحد، فكان هذا ~~بعض ما شنعت به عليه عائشة يوم الجمل، وقد دخلت منزل عبد الله بن خلف ~~الخزاعي، فقالت في بعض قولها: إنه يجلد على القرآن ويضرب عليه وينهى عنه ~~وقد بدل وحرف . وبقي مصحف عبد الله بن مسعود عنده فهو يتوارث إلى الساعة، ~~وكذلك مصحف علي بن أبي طالب عند أهله. ثم أن الحجاج بن يوسف ms51 لم يدع مصحفا ~~إلا جمعه وأسقط منه أشياء كثيرة ذكروا أنها كانت نزلت في بني أمية بأسماء ~~قوم، وفي بني العباس بأسماء قوم، وزاد فيه أشياء: وكتبت نسخ بتأليف ما أراد ~~الحجاج في ستة مصاحف، فوجه واحد إلى مصر وآخر إلى الشام وآخر إلى المدينة ~~وآخر إلى مكة وآخر إلى الكوفة وآخر إلى البصرة، وعمد إلى المصاحف المتقدمة ~~فغلى لها الزيت وسرحها فيه فتقطعت، كما فعل عثمان. والدليل على ما كتبنا ~~أنك الرجل الذي قرأ كتب الله المنزلة، وأنت تعلم أن الأيدي الكثيرة تداولت ~~كتابك واختلفت فيه الآراء وزيد فيه ونقص منه، وكل قال ووضع ما أراد وأسقط ~~ما كره. أفهذه عندك شروط كتب الله المنزلة سيما وصاحبك أعرابي جلف، فخطر ~~خاطر في قلبه فسجعه بلسانه وصار به إلى قوم بدو فتقرب به إليهم، وهم يشهدون ~~في كتابهم أن الأعراب أشد كفرا ونفاقا؟ وكيف يؤخذ سر الله ووحيه وتنزيله ~~على نبيه ممن هو أشد كفرا؟ وأنت تعلم ما كان بين علي وأبي بكر وعمر وعثمان ~~من العداوة، فقد زاد هؤلاء ونقصوا، وزاد هذا ونقص. وإنما كان كل واحد منهم ~~يريد الخلاف على صاحبه. فمن أين نعلم أي الأقوال هو الصحيح؟ وكيف يمكن أن ~~تميزه من السقيم، وقد زاد فيه الحجاج ونقص منه؟ وأنت عارف بمذهب الحجاج في ~~جميع أموره. فكيف تأمنه على كتاب الله، وقد كان الرجل الذي يتقرب إلى بني ~~أمية بكل ما يجد إليه سبيلا؟ هذا وقد خالطهم اليهود، وكان بعضهم منافقين ~~دسوا في كتاب صاحبك مكرا منهم وخديعة للفساد، وتدبرا منهم عليهم ليبطلوا ~~أمر المسلمين. ولولا أنك الرجل الذي قرأ كتب الله ودرسها حق دراستها، وأن ~~الإنصاف أصل شيمتك، لما شرحنا لك هذا الشرح. والحق فيه بعض مرارة عاجلة ~~وحلاوة كثيرة آجلة، فلهذا السبب قد اكتفينا بما ذكرناه. فاصبر للمرارة ~~اليسيرة من الدواء تعقبك حلاوة كثيرة في العاقبة. وأنت تعلم أننا لم نكتب ~~إليك بشيء من ذات أنفسنا، ولم نثبت إلا الصحيح مما نقلته رواتكم العدول ~~عندكم، ms52 المأخوذ بقولهم، المعول في الدين على ما نقلوه من هذه الأخبار ~~وغيرها في صحتها، وأنهم لم يزيدوا ولا مالوا إلى أحد الفريقين. فأخبرني ~~أصلحك الله عن قول صاحبك قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا ~~القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا (سورة الإسراء 17:88). ~~أفتقول أفصح ألفاظا منه؟ فجوابنا لك في هذا: نعم. أفصح منه كلام اليونانية ~~عند الروم، والزوبة عند أهل فارس، والسريانية عند أهل الرها والسريانيين، ~~وعبرانية بيت المقدس عند العبرانيين، فإن كل لسان له كلام فصيح عند أهله من ~~سائر الألسن، ولهم ألفاظ فصيحة يتخاطبون بها، وهي عندك كلها أعجمية. كما أن ~~لسانك العربي الفصيح أعجمي عندهم. هذا إذا أطلقنا قولك إن كتابك أفصح ~~ألفاظا بالعربية، فصاحب فصاحة الألفاظ هو الذي لا يحتاج إلى استعارة ألفاظ ~~غيره، ولا يستعين بها في خطبه وكلامه، بل يكون مستغنيا بمعرفته وفصاحته عن ~~لسان غيره. ونحن نرى صاحبك قد افتقر في كتابه إلى استعمال كلمات غيره، وهو ~~القائل: إنا أنزلناه قرآنا عربيا ولكنه استعان من الفارسية بالإستبرق وسندس ~~وأباريق ونمارق، ومن الحبشية المشكاة وهي الكوة، ومثل هذا كثير قد استعمله ~~في كتابه. فنقول إن العربية ضاقت عليه فلم يكن فيها من الاتساع ما ألجأه ~~إلى لسان غيره في هذه الأشياء، سيما وأنت ترى أنها منزلة من عند رب ~~العالمين على يد جبريل الملك الأمين. فأنت توقع النقص بالمرسل أو بالرسول. ~~فإن كان من عند صاحبك فوقع النقص به لأنه لم يكن يعرف هذه الأسماء ~~بالعربية، فلذلك أعجزته. فهذه ألفاظ امرء القيس وغيره من الشعراء والفصحاء ~~المتقدمين والمتأخرين الذين لا يحصى عددهم، وكلام الخطباء والبلغاء الذين ~~كانوا قبل مجيء صاحبك أفصح ألفاظا منه وأرق وأدق معان بإقراره لأهلها حيث ~~حاجوه فقطعوه فقال: بل هم قوم خصمون (سورة الزخرف 43:58) لأنهم خصموه ~~فكانوا خصما بأصح حجة. وكانوا أبلغ في الخطابة منه، وهو القائل إن من ~~البيان لسحرا فلا يخلو إذا أمر هذا الكتاب مما وضع فيه من ms53 الألفاظ الأعجمية ~~من أن يكون قد ضاق على صاحبك اللسان العربي، مع علمنا أن لساننا العربي ~~أوسع الألسن كلها. أو أن يكون قد أدخلت فيه الزيادة من قوم آخرين، كما ~~ذكرنا لك في أصل خبره، وأن الأيادي الكثيرة قد تداولته. فأخبرني أي القولين ~~أحببت، فإنه لا محيص لك من أن تقول بأحدهما، وأنت عارف بنتيجة ذلك إذا ~~قلته. فإن قلت إنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثل تنضيده وترصيعه، قلنا لك إن ~~تنضيد الشعراء لشعرهم ووزنهم له الوزن الصحيح الذي هو أصعب وأدق معنى، ~~واختيار الألفاظ النقية الصافية العربية الخالصة مع اتساق المعنى الحسن ~~أكمل في الأحكام وأصح في الصنعة، لأن كتابك كله سجع منكسر وكلام مختلف ~~وتكبير معان لا معنى لها. فإن قلت: بل هو أصح معاني، سألناك: أي معنى جديد ~~ظفرت به فيه، نتعلمه منك! وأي معنى صحيح وجدته فيه، فأوقفنا عليه! وأي خبر ~~لم نسمعه على غاية التمام والكمال من الشرح والصحة في الكتب المتقدمة، ~~أفدنا منه؟ لقد عمل مسيلمة الحنيفي والأسود العنسي وطليحة بن خويلد الأسدي ~~وغيرهم مثلما عمل صاحبك. وأشهد أني قرأت مصحفا لمسيلمة لو ظهر لأصحابك لرد ~~أكثرهم، إلا أنه لم يتهيأ لهؤلاء أنصار مثلما تهيأ لصاحبك. ### || مكتوب على العرش # وأما قولك إنه مكتوب على العرش لا إله إلا الله. محمد رسول الله فلقد كثر ~~تعجبي منك. كيف أمكن أن تتصور مثل هذا أنه صحيح حتى ترويه وتكتب به إلى ~~مثلي من أهل اليقين وصحة الانتقاد، لأنك في حكمتك لم تترك شيئا لليهود ~~الذين يحدون الله ربهم أنه جالس على عرش محدود، فلم ترض أن أجلسته على عرش ~~محدود حتى تكتب على العرش اسمه واسم آخر من خلقه. هل هو الذي كتب ذلك ~~الكتاب أم كتب له؟ ولم كتب ذلك؟ هل لنفسه لئلا ينسى اسمه، أم لتعرفه ~~الملائكة؟ فليس لها حاجة إلى أن يكون لها كتاب نصب أعينها يذكرها لئلا تنسى ~~اسم خالقها، وهي تسبح اسمه وتقدسه من غير انقطاع، وتنفذ أمره في كل لحظة. ms54 ~~وإن كان كتب ذلك للناس، فهم غير منتفعين به، لأنهم لم يروا ذلك العرش ولا ~~قرأوا ما عليه من الكتابة! فإن قلت إن ذلك كتب ليقرأ يوم القيامة، فأقم لنا ~~دليلا على ذلك، فإنك تعلم أن الناس كلهم يوم القيامة يعطون المعرفة الكاملة ~~بخالقهم، ويحصلون على اليقين الصحيح، يوم تجزى كل نفس بما كسبت. فإن صدقت ~~نفسك علمت حقا أن هذا محال، لا معنى له، ولا منفعة. وإن الله في حكمته لا ~~يفعل المحال وما ليس له معنى. وقد وجدنا إجماعكم على أن الرجل إذا قام ~~خطيبا فيكم يبالغ في دعائه ويظن في نفسه أنه قد بلغ الغاية القصوى في ~~خطبته، فيفتح كلامه قائلا: اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم فأراك ظننت أنك قد بالغت له في الدعاء والصلاة ~~عليه إذ تمنيت له أن يصير مثل إبراهيم وكأحد آل إبراهيم، فهذا نهاية ~~الشناعة أن رجلا اسمه مع اسم الله جل ذكره وتقدست أسماؤه مكتوب على العرش ~~من نور، وأن آدم بل الدنيا كلها إنما خلقت بسببه كزعمكم، تتمنى له اللحاق ~~برجل من آل إبراهيم! وكتابك يشهد في عدة مواضع قائلا: يا بني إسرائيل ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين (سورة البقرة 2:47 ~~، 122) فقد وجب عليك في هذا القول إن بني إسرائيل أفضل منك وممن ذكرته ~~بالفضائل. ### || ما دعوتني إليه # وأما ما دعوتني إليه من الصلوات الخمس وصيام شهر رمضان، فالجواب في ذلك ~~إقرارك في ما كتبته من أمر صلواتنا وصومنا ومواظبتنا، فقد رأيت ذلك معاينة ~~وسمعته وشاهدت تلك الأمور الإلهية المخالفة لما دعوتني إليه من الأمور ~~المبهرجة. فاكتف بما رأيت، وليكن لك دليلا وجوابا. فلست أجيبك في هذا بأكثر ~~مما عندك من المعرفة، وكفاك بذلك حجة عند نفسك. وأما قولك أن نستعمل الوضوء ~~ونغتسل من الجنابة ونختتن لنقيم سنة أبينا إبراهيم، فجوابه قول المسيح لما ~~سأله اليهود لماذا لا يغتسل تلاميذه: ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه ~~يقدر ms55 أن ينجسه، ل كن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان. إن كان ~~لأحد أذنان للسمع فليسمع . ولما دخل من عند الجمع إلى البيت، سأله تلاميذه ~~عن المثل. فقال لهم: أفأنتم أيضا هكذا غير فاهمين؟ أما تفهمون أن كل ما ~~يدخل الإنسان من خارج لا يقدر أن ينجسه، لأنه لا يدخل إلى قلبه بل إلى ~~الجوف، ثم يخرج إلى الخلاء، وذ لك يطهر كل الأطعمة . ثم قال: إن الذي يخرج ~~من الإنسان ذ لك ينجس الإنسان. لأنه من الداخل، من قلوب الناس،تخرج الأفكار ~~الشريرة: زنى، فسق، قتل، سرقة، طمع، خبث، مكر، عهارة، عين شريرة، تجديف، ~~كبرياء، جهل. جميع ه ذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان (مرقس ~~7:15-23). وما معنى غسل اليدين والرجلين والقيام على الصلاة وقد صمم ~~الإنسان على قتل الناس وسلب أموالهم وسبي ذراريهم؟ إنما ينبغي للإنسان أولا ~~أن يغسل داخل قلبه ويطهره من الأفكار الرديئة. وإذا نظفت نيته وطهر ضميره ~~من ذلك الاعتقاد الرديء حينئذ يغسل ظاهر بدنه بالماء. فميز هذا القول وانظر ~~فيه بعقلك. أليس هو قول مقنع وجواب شاف؟ وأما الختان فينبغي لك أولا أن ~~تعلم قصته، ثم تحث الناس على أن يمتثلوا سنة إبراهيم أبيهم. فإن الله لما ~~كان مزمعا أن يدخل بني إسرائيل (الذين هم نسل إبراهيم) أرض مصر، وهو يعلم ~~أن الشر سيحملهم على ارتكاب الزنا، جعل هذا سببا لحفظهم منه، فالمصرية التي ~~ترى علامة الختان في جسد اليهودي تمتنع وترفض. فكيف تحث الناس على الختان ~~وأنت تعلم أن صاحبك لم يختتن على ما نقلت الرواة عنه أنه لم يكن مختونا بتة ~~، لأنهم شبهوه بآدم أبي البشر وشيث ونوح وحنظلة بن أبي صفوان؟ فإن قلت إن ~~المسيح قد اختتن، قلنا لك قد اختتن لإقامة سنة التوراة لئلا يحسبوه قد ~~استخف أو أنقص شيئا من سننها، فأكد ذلك بقوله: لا تظنوا أني جئت لأنقض ~~الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل (متى 5:17) وكذلك قال الرسول ~~بولس: فإن الختان ينفع إن ms56 عملت بالناموس. ول كن إن كنت متعديا الناموس، فقد ~~صار ختانك غرلة! إذا إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس، أفما تحسب غرلته ~~ختانا؟ وتكون الغرلة التي من الطبيعة، وهي تكمل الناموس، تدينك أنت الذي في ~~الكتاب والختان تتعدى الناموس؟ لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديا، ولا ~~الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، ~~وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من ~~الل ه (رومية 2:25-29). فإن أنصفتنا علمت أن الختان ليس عليك فريضة واجبة، ~~لأن كتابك لا يذكر أن الختان شريعة واجبة، وإنما هو سنة، من شاء عمل بها ~~ومن شاء لم يعمل بها. ومن اختتن من أصحابنا وأسبغ الوضوء واغتسل من الجنابة ~~فلا يفعل ذلك لأنه سنة وفريضة، بل يفعله على سبيل العادة الجارية عند أهل ~~الزمان للنظافة الظاهرة لا غير، لعلمنا أن من تغوط كان أحق أن يفيض عليه ~~الماء السابغ بالغسل بقدر ما يخرج منه نتن الرائحة وقبيح المنظر، بخلاف من ~~تصيبه الجنابة التي لا لون لها منكر ولا رائحة منتنة، بل يتولد منها إنسان ~~كامل المعرفة والعقل والعلم، يكون منه النبي المرسل والملك المتسلط والحكيم ~~الناقد والعبد الصالح المسبح لله ليلا ونهارا. وكذلك يفعل من اجتنب منا أكل ~~لحم الخنزير كاجتنابه أكل لحوم الحمير والجمال، لأن ذلك غير محرم عليه، لأن ~~الله لم يخلق شيئا قبيحا كقوله في التوراة: ورأى الل ه كل ما عمله فإذا هو ~~حسن جدا (تكوين 1:31). أفأجترئ أنا وأقول عن شيء خلقه إنه قبيح أو حرام؟ ~~إذا أكون معاندا لله مقاوما ما خلقه واستحسنه! ومعاذ الله أن أكون لربي ~~معاندا، بل كل ما خلقه الله مما تقبله نفسي ويجوز لي في طبيعتي آكله، فهو ~~مطلق لي ولجميع أبناء آدم. غير أكل الدم والميتة وما ذبح للأصنام، فإنه نزل ~~في تحريمه أمر من الله (أعمال الرسل 15:20). أما السبب في تحريم الخنزير ~~والجمل وغيرهما على بني إسرائيل فذلك لعلة ms57 معروفة، لأنهم عندما كانوا ~~مقيمين بمصر كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه الثيران والبقر والكباش ~~وسائر الغنم. ألا ترى كيف قال موسى لفرعون: لا يجوز أن نقرب لله قرابين ~~تجاه المصريين، لأننا نريد أن نقرب القرابين التي يعبدونها. فإذا فعلنا ذلك ~~أمامهم يرجموننا إذا قربنا آلهتهم وذبحناها! ودليل آخر: أن موسى لما أقام ~~في طور سيناء طلب بنو إسرائيل من هارون أخيه أن يصنع لهم عجلا يعبدونه لأن ~~موسى أبطأ عليهم، فصنع لهم صنما على صورة العجل على منهاج ما كانوا يرون من ~~عبادة أهل مصر. فليس الحرام والنجاسة أن يؤكل لحم الثيران والبقر وسائر ~~الغنم والكباش والخنزير والجمل والحمار والفرس، بل الحرام والنجاسة أن نعبد ~~هذه ونتخذها آلهة. فأما من لم يعبدها ولم يكن اعتقاده أنها آلهة أو قرب ~~منها شيئا للأصنام، فليس ذلك بحرام عليه ولا بالنجس عنده. وأكل لحوم ~~الثيران والبقر والكباش وسائر الغنم والخنزير والجمل والحمار والفرس حلال ~~ورزق من الله طيب، يأكله الإنسان ما لم تعفه نفسه أو ينفر منه طبعه. فإن ~~ترك أكل الجميع أو بعضه فذلك إليه لا لوم عليه فيه. فأما تحريم لحم الخنزير ~~فقط من بين البهائم كلها، وإطلاق أكل الجمل وتقريب القربان منه ولحم الحمار ~~والفرس الذي أتى به صاحبك، فالسبب فيه من ذينك اليهوديين: عبد الله بن ~~سلام، ووهب بن منبه اللذين أفسدا الدنيا وأهلكا الأمة. وصاحبك بريء من هذا ~~كله. وأما دعوتك لي إلى حج بيت الله الذي بمكة ورمي الجمار والتلبية وتقبيل ~~الركن والمقام، فسبحان الله! كأنك تكلم صبيا أو تخاطب غبيا! أليس هو الموضع ~~الذي عرفناه جميعا حق معرفته، ووقفنا على أصول أسبابه، وكيف كانت القصة في ~~ثباته، وكيف جرى أمره إلى هذه الغاية. أولا تعلم أن هذا فعل الشمسية ~~والبراهمة الذي يسمونه النسك لأصنامهم بالهند، فإنهم يفعلون في بلدهم ما ~~يفعله المسلمون اليوم من الحلق والتعري الذي يسمونه الإحرام والطواف ببيوت ~~أصنامهم إلى هذا الوقت على هذه الحالة، فلم تزد عليه أنت شيئا ولا نقصت ms58 منه ~~ذرة، فإنك أخذته بذلك الفعل الذي سميته النسك . إلا أنك تفعله في السنة مرة ~~واحدة في وقت مختلف، وأولئك يفعلونه في السنة مرتين، عند دخول الشمس أول ~~دقيقة من الحمل (وهو الربيع)، وفي دخولها أول دقيقة من الميزان (وهو ~~الخريف). ففي الأول لدخول الصيف وفي الثاني لدخول الشتاء. فهم يضحون كما ~~تضحي أنت، وينسكون كنسكك. وأنت وأصحابك تعلمون أن العرب كانت تنسك هذه ~~المناسك وتفعل هذه الأفعال منذ بنت هذا البيت. فلما جاء صاحبك بالإسلام لم ~~نره زاد في هذه الأفعال ولا أنقص منها شيئا، غير أنه لبعد المشقة وطول ~~المسافة وتخفيف المؤونة جعله حجة واحدة في السنة، وأسقط من التلبية ما كان ~~فيه شناعة. وإني أستصوب قولا لعمر بن الخطاب وقد وقف على الركن والمقام ~~فقال: والله لأعلم أنكما حجران لا تنفعان ولا تضران، ولكني رأيت رسول الله ~~يقبلكما، فأنا أقبلكما كذلك . فإن كان الرواة الصادقون الذين رووا هذه ~~الرواية عنه كذبوا عليه أو لم يكذبوا، فقد صدقوا في ما حكوه عن هذين ~~الحجرين. وإن كانوا صدقوا عنه أنه قال ذلك، فلقد قال قولا حقا. وأقبح من ~~هذا كله ما جاء في ذكر الطلاق ونكاح المرأة رجلا آخر يسمى الاستحلال، وأن ~~يذوق من عسيلتها وتذوق من عسيلته، ثم مراجعة الرجل الأول بعد ذلك. هذا، وقد ~~يكون لها أولاد رجال نبلاء، وبنات كبار ذوات بيوت، والزوج الذي له الشرف ~~النفيس والحسب الخطير وتكون هي المرأة النبيلة في قومها. فهل تدعوني إلى ~~مثل هذا الذي تستشنعه البهائم وتستقبح فعله؟ وأما قولك إنك تنظر إلى حرم ~~رسول الله وتشاهد تلك المواضع المباركة العجيبة، فقد صدقت في قولك إنها ~~مواضع عجيبة. وأما قولك إنها مواضع مباركة، فخبرني ما الذي صح عندك من ~~بركتها؟ أي مريض مضى إليها فبرئ من مرضه، أو أي أبرص زار ذلك المكان فذهب ~~عنه برصه، أو أي أعمى ذهب إلى تلك البقعة فانفتحت عيناه، أو أي مخبط من ~~الشيطان حمل إلى ذلك البلد فرجع صحيحا سليما؟ فما أظنك ms59 تفكر في مثل هذا ~~وتقول إن مثل ذلك الموضع فعل مثل ذلك! وليس أحد على وجه الأرض يقدر أن يدعي ~~شيئا مما طالبناك به إلا من آمن بالنصرانية. فقد عرفنا البركات تحل في ~~المواضع التي يعبد الله فيها حق عبادته ويسكنها الأبرار الصالحون الأتقياء ~~الذين وهبوا أنفسهم لله، فهم في طاعته دائبون ليلهم ونهارهم، وقد رفضوا ~~الدنيا ونزعوا عن قلوبهم الفكر منها والاهتمام بشيء من أمرها، فهم أحق بأن ~~تنزل البركات من عند الله عليهم وعلى مساكنهم، وتنزل الأشفية والعوافي على ~~أيديهم، وإذا سألوه أعطاهم، وإذا طلبوا أنجح طلبتهم، وإذا تشفعوا إليه ~~شفعهم، وإذا دعوه أجابهم، لأن موعده لا يخلف فيه ولا يضيع عنده أجر ~~المحسنين. وكذلك قال الله على لسان داود النبي: عينا الرب نحو الصديقين ~~وأذناه إلى صراخهم (مزمور 34:15). والرب قريب لكل الذين يدعونه، الذين ~~يدعونه بالحق (مزمور 145:18). وأكد المسيح هذا بقوله: اسألوا تعطوا. اطلبوا ~~تجدوا ثم قال في موضع آخر: إن اتفق اثنان منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه ~~فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في السماوات (متى 7:7 و18:19). فقد أنجز ~~وعده وحقق قوله، فليس من مكروب ولا ملهوف ولا محزون ولا مريض ولا مستغيث ~~يسأله بإيمان صحيح ونية صادقة وقلب سليم من أولياء المسيح باسم المسيح ~~المقدس الطاهر، إلا فرج عنه همه وغمه كربه. فهذه الديارات العامرة بالبيع، ~~وجميع المواضع التي يذكر فيها اسم المسيح مخلص العالم، ويأوي فيها الرهبان ~~ممتلئة من هذه البركات تفيض على جميع من صار إليها وقصدها بإخلاص نيته، لا ~~يطلب من أحد ثمنا ولا مكافأة، ولا ينال على ذلك جزاء ولا شكرا، لأن المسيح ~~مخلص العالم قال في إنجيله الطاهر: مجانا أخذتم مجانا أعطوا. لا تقتنوا ~~ذهبا ولا فضة (متى 10:8 و9). فهم حافظون لوصيتهتابعون أمره مقتفون أثره. ### || الإكراه في الدين # ثم قلت: أدعوك إلى سبيل الله الذي هو غزو المخالفين والكفرة المنافقين ~~وقتال المشركين ضربا بالسيف وسلبا وسبيا، حتى يدخلوا في دين الله ويشهدوا ~~أن ms60 لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون. فهل أردت أن تدعوني إلى فعل الشيطان المنزوعة منه الرحمة، الذي ~~أفرغ جسده لآدم وذريته في شر ذمة منهم جعلهم سلاحا له وأولياء ينقادون ~~لإرادته في القتل والسلب والسبي؟ فكيف أجمع بين قوليك وبين تباعدهما: ولتكن ~~منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم ~~المفلحون (سورة آل عمران 3:104) ثم تكتب: ليس عليك هداهم ولكن الله يهدي من ~~يشاء (سورة البقرة 2:272) ثم تزيد في هذا شيئا: ولو شاء ربك لآمن من في ~~الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين وما كان لنفس أن تؤمن ~~إلا بإذن الله (سورة يونس 10:99 ، 100). أفلا ترى كيف يناقضك هذا القول، ثم ~~تكتب: قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ~~ومن ضل فإنما يضل عليها وما أنا عليكم بوكيل واتبع ما يوحى إليك واصبر حتى ~~يحكم الله وهو خير الحاكمين (سورة يونس 10:108 ، 109).ثم تكتب أيضا في موضع ~~آخر: ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم (سورة هود 11:118 ، 119). ثم تكتب تأكيدا لهذا القول عن صاحبك ~~أنه بعث بالرحمة للناس كافة فأي رحمة مع القتل والسبي والسلب؟ أسألك أن ~~تخبرني عن سبل الشيطان، هل هي إلا القتل والسفك والسلب والسبي والسرقة؟ ~~فحاشا لله أن يكون هذا سبيله، أو يكون أحد أوليائه قد اقترف شيئا من هذه ~~المآثم، لأن الله لا يحب عمل المفسدين. وكيف أقول في تناقض هذا الأمر إذ ~~تكتب لا إكراه في الدين (سورة البقرة 2:256) وتزعم أن الله قال: وقل للذين ~~أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ والله بصير بالعباد (سورة آل عمران 3:20) وأنت الذي تقول: ولو شاء ~~الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم ~~من آمن ومنهم من ms61 كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد (سورة ~~البقرة 2:253) وأنت الذي تقول قل يا أيها الكافرون,,, لكم دينكم ولي دين ~~(سورة الكافرون 109:1 ، 6) وتقول ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن ~~(سورة العنكبوت 29:46) ثم أنت تحث على قتل الناس ضربا بالسيف وسلبا وسبيا ~~حتى يدخلوا في دين الله كرها وقهرا. فهل آخذ بقولك الأول أم الثاني، فندخل ~~على قولك إنه ناسخ ومنسوخ؟ لأنك لا تدري أيهما الناسخ ولا أيهما المنسوخ. ~~فلعل الناسخ هو الذي عندك المنسوخ، لا تقدر أن تقيم فيه برهانا صحيحا عند ~~من يطالبك بالبرهان الصحيح. فهل قرأت في شيء من الكتب المنزلة أن أحدا من ~~الدعاة استجلب الناس إلى مقالته ودعاهم إلى الإقرار بما جاء به قهرا وكرها ~~أو ضربا بالسيف وتهديدا بالسلب والسبي غير صاحبك؟ فقد عرفت قصة موسى وما ~~أتى به من المعجزات، وقرأت قصص الأنبياء بعده وما فعلوا، وكان ذلك شاهدا أن ~~ما جاءوا به هو من عند الله. فهل تجد أحدا من الدعاة الذين دعوا إلى حق أو ~~باطل إلا وقد جاء بحجة أو دليل صحيح، فحينئذ يتبين عند العيان صحته من ~~خبثه. وكذلك فعل كل ذي دعوة بأهل دعوته. غير صاحبك، فإنا لم نره دعا الناس ~~إلا بالسيف والسلب والسبي والإخراج من الديار، ولم نسمع برجل غيره جاء ~~فقال: من لم يقر بنبوتي وأني رسول رب العالمين، ضربته بالسيف وسلبت بيته ~~وسبيت ذريته من غير حجة ولا برهان. فأما المسيح سيد البشر ومحيي العالم ~~فيتعالى ذكره ويجل قدره أن تذكر دعوته في مثل هذا الموضع. وأنا أتلو كلام ~~سيدي يسوع المسيح ليلي ونهاري، وهو شعاري ودثاري، وأسمعه يقول تفضلوا على ~~الناس جميعا وكونوا رحماء، كي تشبهوا أباكم الذي في السماء، فإنه يشرق شمسه ~~على الأبرار والفجار ويمطر على الأخيار والأشرار (قارن متى 5:43-48). فكيف ~~يظن بمثلي، والمسيح يخاطبني بمثل هذه المخاطبة، أن يقسو قلبي حتى أصير في ~~صورة إبليس العدو القاتل، فأضرب وأقتل أبناء جنسي، ms62 وذرية آدم المجبول بيد ~~الله وعلى صورته تعالى، والله جلت قدرته هو القائل: لست أحب موت الخاطئ، ~~لأنه اليوم في خطاياه وغدا يتوب، فأقبله كالأب الرحوم سيما وقد شرف الله ~~سبحانه النوع الإنساني بأن كلمته الخالقة تجسدت منه واتحدت به وأعطته ما ~~لها من الربوبية والألوهية والسلطان والقدرة، فصارت الملائكة تسجد له وتقدس ~~اسمه وتسبح ذكره كما يسبح اسم الله وذكره، ولا تفرق في ذلك بينهما. ثم زيد ~~نعمة إلى النعمة المتقدمة بأن أعطي الجلوس عن يمين ذي العزة، تشريفا لذلك ~~الجسد المأخوذ منا الذي هو من ذرية أبينا آدم، فهو مثلنا وأخونا في ~~الطبيعة، وخالقنا وإلهنا باتحاد الكلمة الخالقة به بالحقيقة، ثم دفع إليه ~~جميع السلطان في السموات والأرض، وخوله تدبير الخلائق وصير البعث والنشور ~~والدين إليه، وأن يحكم حكما نافذا جائزا على الملائكة والإنس والشياطين. ~~أفتريد أن أضاد أمر الله وأضربهم بالسيف وأسلبهم وأسبيهم؟ إن هذا لجور على ~~الله عز وجل، وعناد لأمره، وظلم لنعمته، وكفران لإحسانه. وأعوذ بالله من ~~خذلان الله وغضبه. فإن قلت إننا قد نراه يميتهم ويبليهم بالأسقام والأوجاع، ~~فما يمنعك من التشبه به؟ فأجيبك أن الله يبتلي ويميت عباده، لا لأنه يريد ~~الإضرار بهم، أو عن بغض منه لهم. ولو كان الأمر كذلك لما خلقهم. لكن ~~لينقلهم من هذه الدنيا التي هي زائلة غير باقية وفانية غير دائمة وناقصة ~~غير تامة إلى دار الخلود الباقية الدائمة الكاملة. فلا يقال لمن نقل صاحبه ~~من مدينة وضيعة إلى مدينة رفيعة إنه أراد بصاحبه سوءا بل هو محسن متفضل ~~أولا وآخرا. وأما قولك إنه أبلاهم بالأسقام المؤلمة والأوجاع المؤذية، ~~فجوابنا أنه متفضل عليهم في الحالتين جميعا، كالطبيب الماهر المشفق الذي ~~يشفي المريض بالأدوية المرة الطعم البشعة الرائحة، وربما كوى بعضهم بالنار ~~وقطع بعض الأعضاء من أجسادهم بالحديد، ويمنعهم عما يشتهون من طعام إشفاقا ~~عليهم، يريد بذلك صلاحهم وصحة أبدانهم. فإن قلت: كان يمكنه أن يتفضل عليهم ~~ويأجرهم من غير أن يعذبهم بالأسقام والأوجاع، قلنا لك: وقد كان ms63 أيضا يمكنه ~~ألا يخلق الدنيا، وكان يخلق الآخرة والجنة، ويدخل الناس النعيم من غير محنة ~~ولا استحقاق. فإن كان صاحبك هذا الذي دعوتنا إلى اتباعه يقتلهم بسيفه ~~ويضربهم بسوطه ويسبي ذراريهم ويجليهم عن ديارهم، يريد بذلك لهم الخير ~~لينقلهم مما هم عليه إلى ما هو خير منه، فقد تفضل وأحسن وتشبه بفعل الله ~~تبارك وتعالى اسمه، ولكنه ما فعل الذي فعله لهذا، ولا خطر بباله ولا فكر ~~فيه، وما أراد إلا نفع نفسه وأصحابه، وإقامة دولته في العاجل. والدليل على ~~ذلك قوله: حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون (سورة التوبة 9:29). أفلا ترى ~~أنه أراد بلوغ أربه وإنفاذ مرامه وتوطيد سلطته، وهو يقول في كتابه: قل ~~للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا ~~فإنما عليك البلاغ والله بصير بالعباد (سورة آل عمران 3:20) ألا ترى أنه ~~أمر أن يقول ويبلغ بلسانه، ونهي عن القتل والسبي، فأمعن في هذا الأمر. ### || من هم الشهداء # ثم أعجب من هذا تسميتك من قتل من أصحابك شهداء . فهلم ننظر في أخبار ~~الذين قتلوا من أصحاب المسيح على عهد ملوك الفرس وغيرهم، هل كانوا مستحقين ~~لاسم الشهادة أم أصحابك الذين يقتلون في طلب الدنيا والمحاربة على سلطانها؟ ~~فقد بلغنا كيف صبر أولئك، وكيف كانت مسارعتهم إلى بذل دمائهم ودماء أولادهم ~~والخروج عن دنياهم ونعيمهم، وكيف كانت نياتهم وصحة ضمائرهم وشدة يقينهم بما ~~كانوا عليه من ديانتهم، وكانوا يسارعون إلى أن يقربوا أجسادهم إلى الذبح ~~والقتل وأنواع العذاب قربانا لله، وقد كان يقتل الواحد فيتنصر من ساعته في ~~ذلك المكان المائة والأكثر والأقل. وقد قتل أحد ملوك الروم مقتلة عظيمة، ~~فقال له بعض أصحابه: أيها الملك، إنك إنما تزيد فيهم من حيث تظن أنك تنقص ~~منهم . فقال: كيف ذلك؟ فقيل له: إنك قتلت أمس كذا وكذا، فتنصر أضعاف هذا ~~العدد . فقال: وما السبب في هذا؟ فقيل له: إن القوم يقولون إن رجلا يطلع ~~عليهم من السماء فيشجعهم . فعند ذلك أمر أن يرفع ms64 عنهم السيف، وكان هذا ~~القول داعيا إلى تنصر الملك ورجوعه عما كان عليه من الكفر وقتل أولياء ~~الله. فانظر إلى هؤلاء الذين كان لهم البصائر بالديانة وشدة اليقين ~~والإخلاص وجودة الإيمان، كيف لم يفتر إيمانهم والسيوف تأخذهم، وكانوا ~~يعذبون بأنواع العذاب وهم على ذلك محبون لما ينالهم، غير ممتنعين، فرحون ~~مسرورون جذلون متيقنون أنهم إذا أتوا ذلك فهم مقصرون عما في أنفسهم من أداء ~~حق النعمة التي أوتوها من الدخول في النصرانية، فيبذلون أجسادهم اختيارا ~~كما بذلوها. وهذا دائم ثابت في من ينتحل دين النصرانية ليس يخلو في وقت من ~~الأوقات من أن يبذل نفسه للموت طوعا واختيارا ويرغب بها عن الحياة وعن جميع ~~ما يحويه العالم. سئل واحد منهم وهو يعذب عذابا شديدا، وهو في حاله تلك ~~يتلفت يمنة ويسرة ويضحك. فقيل له: ما سبب ما كنا نراه من تلفتك وضحكك وأنت ~~في ذلك العذاب؟ أما كنت تجد ألما؟ فأجاب: ما كنت أجد ألما فيما كنت أعذب ~~به، وقد كنت في تلفتي أرى رجلا شابا بالقرب مني وهو يضاحكني ويمسح الدماء ~~التي كانت تسيل من جراحاتي بخرق بيض كانت معه، وكنت أرى ذلك العذاب كأنه ~~يقع بواحد من الذين يعذبونني . فعلمنا أنه كان صادقا في قوله، وإلا فما ~~صبره على تلك الشدة من العذاب؟ وأنت تعلم أن الله لو شاء أن يجمع الناس ~~كلهم على الإيمان به ويجبرهم عليه لكان قادرا على ذلك، غير أنه طبع جوهرهم ~~بعدله على استطاعة الحرية ليثيبهم أو يعاقبهم على ما اكتسبوا لأنفسهم، لا ~~على الذي يجبرهم عليه هو. فلو تابوا مقهورين لم يكن لهم في ذلك أجر، لأنهم ~~إنما تابوا قهرا وقسرا، ولكنه تركهم حتى بلغوا إرادتهم، ولم يغفل عن معونة ~~أوليائه. فمن أحق بأن يسمى شهيدا، ويشهد له أنه قتل في سبيل الله؟ من قرب ~~نفسه قربانا عن ديانته، وبذل دماءه وأمواله وحياته وأولاده، أم من خرج ~~طالبا السلب والسرقة والغنيمة وسبي الذراري وشن الغارات، ثم يسمي ذلك جهادا ~~في سبيل الله، ms65 ويقول من قتل أم قتل فهو في الجنة؟ فنقول إن لصا نقب منزل ~~رجل ليسرقه، فسقط عليه حائط أو وقع في بئر، أو بادره صاحب البيت فضربه ضربة ~~فقتله. أتوجب لهذا اللص دية؟ ما أظنك أيها القاضي تفعل ذلك! فكيف توجب ~~الجنة لمن مضى إلى قوم آمنين مطمئنين في مساكنهم لا يعرفهم ولا يعرفونه، ~~فسرقهم ونهبهم وسباهم وقتلهم وفجر فيهم، ثم لا يقنعك ذلك إذ فعلته وتعود ~~إلى ربك نادما على ذنبك مستغفرا تائبا عما كان منك، بل تقول إنه إن قتل أو ~~قتل فهو في الجنة، وتسميه شهيدا في سبيل الله. ### || المصائد الخسيسة # أما ما دعوتني إليه، فقد عددته من الأمور الزائلة الفانية التي هي كأحلام ~~النائم، والبرق الذي يضيء قليلا ويذهب سريعا ويبقى راجيه في الظلام مقيما. ~~ولو كانت هذه أشياء دائمة باقية غير فانية لما كان يجب على ذي عقل أن يرغب ~~فيها ولا يميل إليها. فكيف وهي مشاركة البهائم التي همها الأكل والشرب ~~والنوم؟ وإنما يميل إلى مثل هذه الأوضاع من قد غلب عليه الشره في أخلاقه ~~وطباعه، ولا أظنك عرفتني بالراغب في هذا وشبهه! فكيف أردت أن تصيدني بمثل ~~هذه المصائد الدنية الخسيسة التي إنما يميل إليها ويغتر بخدعتها من كان ~~طبعه يشاكل طبع البهائم. فأما المميزون الذين قد نظروا في الأمور، فإنهم ~~أبرياء من مثل ما ذكرته وعددته، بل هم مجتهدون في أن يدفعوا آفات أبدانهم ~~التي لا قوام لهم إلا بها. ولو تهيأ لهم دفعها في الطبائع، أو كان ممكنا ~~لهم ذلك لدفعوها. وما لهذا خلق الله الخلق، ولا لمثله يبعثهم من الموت يوم ~~القيامة. فأنت تقول في كتابك: وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (سورة ~~الذاريات 51:56) فأراك مناقضا لقولك، لأنك قلت إنك خلقت للعبادة، ثم تنقض ~~وتهدم بناءك وتقول: فا نكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع (ومن ~~الإماء) فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم (سورة النساء 4:3) ~~وأن نأكل ونشرب مثل البهائم. أما باب الطلاق ms66 والاستحلال والمراجعة الذي ~~أحله صاحبك، فلولا كراهية التطويل لتلوت عليك مما قرع الله به أهله على ~~لسان إرميا النبي. لكنك تعلم ما في هذا الأمر من العيب والشناعة عند جميع ~~الأمم وسائر أهل الملل، وكيف استقباحهم له وإنكارهم إياه. وإني لأنهى نفسي ~~عن سفه المخاطبة فيه، وأرفع قدر كتابي عن إدخال شيء من ذكره. وأما قولك: ~~فاكتب آمنا مطمئنا فإن سيدنا المسيح مخلص العالم شجعني وقال: ولا تخافوا من ~~الذين يقتلون الجسد ول كن النفس لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالحري من ~~الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم (متى 10:28). فقد آمنت ~~بقوله أن ليس لأحد على نفسي سلطان إلا الذي خلق نفسي وخلق جسدي. وقد زادني ~~في ذلك أمانا ما بسط الله من عدل سيدي أمير المؤمنين وإنصافه ورأفته للضعيف ~~الذي مثلي ممن يقرب من جوده ويعيش في ظل حمايته، فإنه قد شملنا عدله وعمنا ~~إنصافه ووسعتنا رحمته. أثابه الله تعالى على ذلك وأعطاه مأموله في نفسه ~~وولده من أمر دنياه، وأجاب صالح دعائي له. وأما قولك إن هذا دينك القيم ~~وهذه شريعتك وسنتك وإني إذا دخلت فيه وشهدت مثل شهادتك كنت مثلك، وحسبي بك ~~شرفا في الدنيا والآخرة. فقد فهمت ذلك. فأما دينك وشرائعه وسننه فقد سبق من ~~قولنا ما فيه كفاية لمن أراد أن يمتحن ما ذكرته. وأما الشرف في الدنيا ~~والآخرة، فلقد أتاك الله في هذه الدنيا الخلافة التي جعلها في أهل دينك، ~~فنسأله تعالى أن يديم لك النعم ويبقي عليك ذلك ولا ينزعه عنكم يا أهل ~~البيت. وأما شرف الآخرة فلا يعرف إلا بالعمل الصالح، وقد حكي عن صاحبك أنه ~~قال: يا بني عبد مناف، إني لست أغني عنكم شيئا عند الله فلا تأتوني ~~بالأنساب ويأتيني غيركم بالأعمال، فإن خيركم عند الله أتقاكم . فإن كان قال ~~هذا فقد هدر شرف الآخرة إلا بالعمل الصالح، ولم نجد أولياء الله إلا القوم ~~الذين لا حسب لهم ولا شرف في الدنيا، وإنما شرفهم في ms67 الآخرة العمل الصالح. ~~فأنت وغيرك إن عملتم الصالح كان لكم الشرف والنسب. ولسنا نحب أن نفخر بما ~~لنا من السبق والنسق في العربية وشرف الآباء فيها، إذ كان ذلك معروفا ~~لآبائنا وأجدادنا، فقد علم كل ذي علم كيف كانت ملوك كنده الذين ولدونا، وما ~~كان لهم من الشرف على سائر العرب. لكننا نقول ما قاله رسول الحق بولس: ألا ~~من يفتخر فليفتخر بالله، والعمل الصالح، فإنه غاية الفخر والشرف، فليس لنا ~~اليوم فخر نفتخر به إلا دين النصرانية الذي هو المعرفة بالله، وبه نهتدي ~~إلى العمل الصالح، ونعرف الله حق معرفته ونتقرب إليه، وهو الباب المؤدي إلى ~~الحياة والنجاة من نار جهنم. أما قولك إن نبيك يقول يوم القيامة، إذ يكون ~~كل مشغول بنفسه: أهل بيتي أهل بيتي. أمتي أمتي وما يجاب إليه من الشفاعة ~~فما هذه إلا أضغاث أحلام وخرافات العجائز، لأننا لا نشك أن سيدنا ومخلصنا ~~يسوع المسيح الذي شهد له كتابك أنه وجيه في الدنيا والآخرة ولا وجيه سواه ~~ديان الخلائق يوم القيامة، لابد أن يكافئ كل واحد على عمله، إن خيرا فخيرا ~~وإن شرا فشرا، ولا محاباة عنده. فلا تدع ما يجب عليك من العمل الصالح ما ~~دمت في هذه الدنيا، وتزود منها ما تنتفع به، فلن ينفع في ذلك اليوم إلا ~~التقوى. إن الرحيل سريع والموت قريب والوقوف بين يدي المسيح الديان صحيح، ~~ولا بد من مناقشة الحساب حيث لا عذر ولا حجة ولا طلب ولا توبة يوم لا ~~ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فاتق الله في نفسك واعلم أن تقوى الله خير ~~تجارة تأتيك الأرباح فيها بغير بضاعة، فقد رأيت اجتهاد أولئك الرهبان كيف ~~هو وكيف نصبوا أجسادهم لله، وقد وجبت عليك الحجة. أما ما ذكرت من التسهيلات ~~في شرائعك وسننك، فالمسيح سيدنا يقول في إنجيله المقدس: متى فعلتم كل ما ~~أمرتم به فقولوا: إننا عبيد بطالون. لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا ~~(لوقا 17:10). وهو السيد الذي قال: ادخلوا من الباب الضيق، ms68 لأنه واسع الباب ~~ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه! ما أضيق ~~الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه! (متى ~~7:13 ، 14). فهذا خلاف ما تدعو أنت إليه من تسهيلاتك العجيبة وأبوابك ~~الواسعة وقولك حبب إلي الطيب والنساء. فانكحوا ما طاب لكم من النساء .. ~~ونظائر هذه الوصايا، والله المستعان على ما قد انشرح له قلبك وتصور في فهمك ~~من هذا الأمر الذي قد توهمت أنك منه على صحة واستقامة! ### || عبادة الصليب # أما قولك: دع ما أنت عليه من الكفر والضلالة وقولك بالآب والابن والروح ~~القدس وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع . فأما الكفر والضلالة فقد كشفنا لك ~~عن أمرهما كشفا يغني عن الإعادة، وأتينا بالحجة على من تقع هاتان اللفظتان، ~~ومن هو المقيم على الكفر. ولا حاجة لنا إلى أكثر من ذلك. وأما التخليط فإن ~~الإنسان عدو لما جهل، وأعوذ بالله من ذلك، فليس الأمر على ما توهمت، فلا ~~تحكم لنفسك ولا تشهد لها ما دام خصمك غائبا، فإن الذي وسمته بالتخليط ~~واجترأت عليه بمثل هذا القول هو سر الله الذي كانت الملائكة المقربون ~~والأنبياء المرسلون يركضون في طلبه ويرغبون في معرفته منذ خلق الله الخلق، ~~فلم تكن تعطى منه إلا الشيء اليسير باللمح الخفي، ولم تطلع منه إلا على ~~النذر بالرمز المستور، حتى جاء الابن الحبيب السيد نازلا من حضن أبيه فكشفه ~~لأوليائه وأهل طاعته، فألهمهم معرفته ودفعه إليهم كاملا مشروحا مفسرا ~~مبينا، وقال لهم: فا ذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والا بن ~~والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به (متى 28:19 ، 20). ~~وأدوه إلى المؤمنين بالمسيح، فقبلناه منهم بالآيات العجيبة ونحن مقيمون ~~عليه بفضله ونعمته إلى انقضاء العالم. وأما قولك عبادة الصليب التي تضر ولا ~~تنفع لما رأيت من تعظيمناإياه وتقبيلنا له وتبركنا به، فنجيبك إننا نفعل ~~ذلك لما لنا فيه من أمر المسيح وما جرى به تدبيره في خلاصنا باحتماله الصلب ~~عليه والموت لأجلنا، فإن النعمة عندنا ms69 في ذلك مما لا يبلغه منا وصف ولا يفي ~~به شكر. والصليب ممثل هذه النعمة نصب أعيننا، يحثنا على شكر المنعم بها، ~~وإليه نقصد بالتعظيم والتبجيل لا إلى الخشب وغيره مما تصنع منه الصلبان. ~~ولو كنا نعظم الخشب كما توهمت لما اتخذنا الصليب من غيره، ولكننا نتخذه من ~~الخشب والذهب والفضة والحجارة والجواهر وغيرها، ونخطه خطا، ونرسمه ~~بإيماننا، وذلك دليل على أننا لا نقصد بالتعظيم الجواهر التي تتخذ منها ~~الصلبان، بل من هو ممثل بالصليب. وكما أنه من السنة تعظيم كل شيء من أمر ~~الملك وما نسب إليه، وخاصة الممثل فيها شخصه، فإن السنة جارية فيها على وجه ~~الدهر بأن نتحفها بالسجود تعظيما للملك وما مثل فيها من أمره. ثم أن الناس ~~في هذا الدهر يقبلون أيدي ملوكهم وكتبهم إعظاما لهم، فكيف تنكر علينا تعظيم ~~الصليب؟ وإننا نجد في الكتب المنزلة من عند الله أن الأنبياء كانوا يعظمون ~~التابوت الذي عمله موسى بأمر الله تبارك اسمه ويسجدون بين يديه، وكان موسى ~~كلما حمل التابوت يقول: قم يا رب وليتبدد أعداؤك . وإذا وضع يقول: عد يا رب ~~إلى الألوف وعشرات الألوف من بني إسرائيل . وكان فعلهم هذا بالتابوت تعظيما ~~لله لا للخشب وغيره. فنحن على هذه السنة أيضا في تعظيم الصليب، ونجري فيها ~~على ما جرى عليه الأنبياء الأبرار. فلم غلب عليك النسيان في هذا الموضع، ~~وكأنك نسيت ما جربت من القوة الحالة في الصليب حين استعذت به عند سقوطك عن ~~الدابة، وحين هربت ممن هربت منه، وحين لقيت الذي لقيت في طريقك وأنت ماض ~~إلى عمر الكرخ، وحين تلقاك الأسد وقاربت ساباط المدائن؟ فإن كنت أنت نسيتها ~~فنحن ذاكرون لها، فلم تكفر بالنعمة وتكافي بالشر وتنكر المعروف؟ أي ضرر ~~نالك عند تعوذك بالصليب وأنت تعلم أننا معشر النصارى لا نعبد الصليب، وإنما ~~نجل القوة الحالة في الصليب، والتأييد الذي أيدنا به، والخلاص الذي أوتيناه ~~بسببه؟ ### || طلب الهداية # وأما قولك إنك أشفقت علي من النار، ورضيت لي ما رضيته لنفسك، فهذا ms70 القول ~~يجب شكرك على ظاهره فأنت تسأل وتتضرع إلى الله كل يوم في صلواتك الخمس ~~قائلا: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب عليهم ~~ولا الضالين . فإن كنت مهتديا فقد استغنيت عن التضرع في كل وقت وعند فاتحة ~~كل صلاة أن يهديك، إذ لا معنى لطلبك الهداية وأنت مستغن عنها! وإن كنت لم ~~تهتد بعد، وكنت طالب الهداية، فأعلمني من هم هؤلاء المنعم عليهم الذين تسأل ~~ربك أن يهديك إلى صراطهم ويلحقك بهم وأنت تقول إنكم خير أمة أخرجت للناس ~~وإن الدين عند الله الدين الذي رضيته أنت لنفسك، وأنه لم يقبل غيره من ~~الأديان والنحل. هل المنعم عليهم هم المجوس عبدة الشمس والنار؟ فأنت تعلم ~~أن هؤلاء لم ينعم عليهم بالمعرفة التامة، إذ هم لا يوحدون بل يشركون مع ~~الله سبحانه وتعالى معبودهم إبليس. فليست المجوس إذا المنعم عليهم. ~~فأخبرني: هل هم اليهود الذين تبرأ صاحبك منهم، وقال كتابك فيهم إنهم هم ~~المغضوب عليهم المرذولون، المشتتون بين الأمم، الملقى عليهم الذل والمسكنة، ~~منهم القردة والخنازير، الملعونون على لسان كل نبي ورسول؟ فليست اليهود إذا ~~المنعم عليهم الذين تسأل أن تهدى إلى صراطهم، وما صراطهم بمستقيم! وإن قلت ~~عبدة اللات والعزى ويغوث ويعوق وسائر الأصنام التي كانت العرب تعبدها بمكة ~~وتهامة، فهذا كتابك ينقض عليك قولك قائلا: وجدك ضالا فهدى . فالضالون إذا ~~هم عبدة الأوثان إذ قال: وجدك ضالا فهدى لأن صاحبك لم يكن يهوديا ولا ~~نصرانيا ولا مجوسيا، وإنما حنيفا يعبد أساف ونائلة الصنمين اللذين كانت ~~قريش تعبدهما والأحابيش. فلما من الله عليه بمعرفة التوحيد، بالسبب الذي ~~ذكرناه سالفا، سأل ربه أن يعيذه من صراط الضالين الذين هم عبدة الأصنام. ~~وإذ قد تعوذت من صراط المجوس وصراط اليهود المغضوب عليهم وصراط عبدة ~~الأصنام الذين هم الضالون، فما بقي إلا صراط المنعم عليهم الذين هم ~~النصارى، وهو الصراط المستقيم وهداية رب العالمين المنعم عليهم بالمعرفة ~~الكاملة بالله وكلمته وروحه عز وجل، وبالسنن الحسنة والشرائع الروحانية. ~~وما قلت شيئا ms71 لا تفهمه، وإنما ذكرتك بما تعلمه. وإلا فهل تقدر أن تجحدنا ~~حقنا هذا الذي في أيدينا وهو نور الإنجيل وهدايته، ما أقر لنا به صاحبك في ~~كتابه ولم ينكره؟ فأمعن النظر في هذا الفصل من كتابنا فإن النصيحة واجبة ~~على الناس جميعا، وهي على المرء لنفسه خاصة حق، والحق أحق أن يتبع. فلا ~~ينبغي أن تبخس الحق حقه. أرشدك الله إلى الخير، وهداك إلى الصراط المستقيم ~~بحوله وقوته. ### || ما عندي من أمر ديني # وأما قولك أن أكتب بما عندي من أمر ديني لتبصر فيه وتجمعه إلى ما في يدك، ~~فما أولاك بذلك وما أجدرك بفعله، لأن الحجة عليك أوجب منها على غيرك، لما ~~قد فضلك الله به من العقل والتمييز، ولما عرفته ودرسته من الكتب. والحق أهم ~~أن تفضله ذوو العقول على الأمور كلها. ونحن نسأله أن ينير عقلك ويفتح عين ~~نفسك لتنظر في ما يمليه علينا الروح القدس، نظرا ينفعك الله به في العاجل ~~والآجل. كما نسأله عز وجل أن يفعل ذلك أيضا بكل من ينظر في كتابنا هذا. ~~فلنبدأ الآن بتطهير قلوبنا وأسماعنا وتقديس ألسنتنا بالإخبار عن أسباب ~~البشارة الطاهرة المقدسة، ونصدر بعض شهادات الأنبياء الذين استودعهم الله ~~سره وكلمهم بوحيه، وأمرهم بأن يخبروا الناس بما سيكون من إكمال نعمه عندهم ~~وإتمام تفضله عليهم، ببعث ابنه الحبيب الذي هو كلمته الخالقة، فاتخذ منهم ~~جسدا بشريا وصار إنسانا يجب له بذلك المجد والسجود والطاعة. ### || نبوات عن المسيح # قال الله على لسان موسى في التوراة في سفر التكوين إن يعقوب المعروف ~~بإسرائيل الله، لما قربت وفاته، دعا أولاده كلهم فباركهم، وأخبرهم بما هو ~~مزمع أن يكون في آخر الزمان، وأودعهم هذا السر. ولم يزل يبارك واحدا فواحدا ~~حتى انتهى إلى يهوذا، الذي من نسله ولدت المغبوطة مريم أم المسيح مخلص ~~العالم فقال: يهوذا، إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو ~~أبيك. يهوذا جرو أسد. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد وكلبوة. من ~~ينهضه؟ لا يزول ms72 قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون ~~خضوع شعوب (تكوين 49:8-10). فانظر في هذا الكلام نظرا روحانيا. هل تليق هذه ~~النبوة من ذلك الشيخ المبارك إسرائيل إلا على المسيح مخلص العالم؟ لأنه هو ~~الخارج من يهوذا بإنسانيته، وله خضع بنو إسرائيل لما دخلوا في دعوته، وصارت ~~يد الروم التي هي يده على قفا من عاداه من بني إسرائيل، الذين جحدوا ~~ربوبيته وكفروا به فقتلتهم الروم ومزقتهم كل ممزق فلا تقوم لهم قائمة. وهو ~~الذي بعث من بين الأموات حيا بعد ثلاثة أيام من صلبه، وهو الذي سجد له بنو ~~إسرائيل حيث رأوا الأعاجيب والآيات التي أظهرها بينهم. وهو شبل الليث لأنه ~~ابن الله القوي العزيز الجبار. لم تزل النبوة تترادف في بني إسرائيل حتى ~~جاء المسيح رجاء البشر الذي أنبأت عنه النبوات كلها، فانقطعت النبوات عن ~~يهوذا وبني إسرائيل، فلم يقم نبي بعد مجيئه. وإياه كانت تنتظر الشعوب، وله ~~كانت تترجى الأمم. وكما أنه لا معنى لمجيء الرسل بعد طلوع الملك عليهم، ~~كذلك لا معنى للأنبياء بعد ظهور الإله المسيح، الذي هو بالحقيقة ملك كما ~~سبقت الأنبياء وسمته ملكا، وتنبأ زكريا النبي عنه قائلا: ابتهجي جدا يا ~~ابنة صهيون، اهتفي يا بنت أورشليم. هوذا ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور ~~وديع، وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان. وأقطع المركبة من أفرايم والفرس ~~من أورشليم وتقطع قوس الحرب. ويتكلم بالسلام للأمم، وسلطانه من البحر إلى ~~البحر، ومن النهر إلى أقاصي الأرض (زكريا 9:9 ، 10). فهل تصدق هذه النبوة ~~إلا على المسيح؟ إنه جاء بالبر والخلاص والتواضع، ثم أباد بمجيئه من ~~أورشليم التي هي صهيون جميع ما كان فيها من المراكب والخيل المعدة للحرب، ~~وانكسرت القسي التي هي من آلات القتال ودالة عليه، وركب جحشا ابن اتان ~~تواضعا، وكلم الأمم الذين هم الشعوب بالسلم والأمان، وأدخلهم في ميراث ~~دعوته، وجعلهم أبناء ملكوت السماء الذي هو موعد الله تبارك اسمه. وهذا داود ~~النبي وهو لسان الله يقول مصرحا: ms73 ( لرب) قال لي: أنت ابني. أنا اليوم ~~ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثا لك وأقاصي الأرض ملكا لك (مزمور 2:7 ، ~~8). أي إنهم مزمعون أن يدخلوا في دعوته وطاعته، وإن سلطانه يمتد إلى أقاصي ~~الأرض. وقال أيضا: فا لآن يا أيها الملوك تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض. ~~اعبدوا الرب بخوف واهتفوا برعدة. قبلوا الا بن لئلا يغضب فتبيدوا من ~~الطريق. لأنه عن قليل يتقد غضبه. طوبى لجميع المتكلين عليه (مزمور ~~2:10-12). ومعنى ذلك: اقبلوا ما يأتيكم به الابن وهو المسيح ويقوله لكم، ~~فإنكم إن لم تقبلوا ذلك غضب فيهلككم بغضبه، لأنه بعد قليل يشتد غضبه على ~~اليهود الجاحدين لربوبيته، الذين لم يقبلوا منه ما قال فهلكوا وبدد شملهم. ~~وطوبى للمتوكلين عليه، أي المؤمنين به والمصدقين لقوله. وقال داود أيضا: ~~قال الرب لربي: اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئا لقدميك . يرسل الرب ~~قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك (مزمور 110:1 ، 2). فافهم قول النبي ~~داود هذا، فإن فيه سرا يحتاج إلى معرفته كل ناظر في كتابنا هذا ليصح عنده ~~الأمر.. فأقول إن عادة العبرانيين منذ عهد موسى أن الأحرف التي يكتبون بها ~~اسم الله أحرف منفردة لا يكتبون بها شيئا غير ذلك. ففي قول داود عن الله ~~قال الرب لربي هما اسمان مكتوبان بالأحرف التي تسمى المنفردة، التي لا يكتب ~~بها إلا اسم الله. فهذا عند اليهود والنصارى (وهما أمتان متعاديتان) لا ~~اختلاف بينهما فيه. فافهم السر الذي ألهم الله به نبيه، تجده تصريحا لقوله: ~~قال الرب لربي . وقال في موضع آخر: لأنه أشرف من علو قدسه. الرب من السماء ~~إلى الأرض نظر ليسمع أنين الأسير، ليطلق بني الموت (مزمور 102:19 ، 20). ~~ومعناه موت الخطيئة الذي هو عبادة الأصنام وانقطاع الرجاء من موعد الحياة ~~الدائمة التي بشر بها المسيح مخلصنا أنه يعطينا إياها يوم القيامة. قال: ~~لكي يحدث في صهيون باسم الرب وبتسبيحه في أورشليم عند اجتماع الشعوب معا ~~والممالك لعبادة الرب (مزمور 102:21 ، 22). فقد كملت نبوة داود. وهذه ~~أورشليم تجتمع فيها ms74 الأمم يمجدون اسم الرب أي اسم الآب والابن والروح ~~القدس، يمجدونه بأنواع التماجيد وأصناف التسابيح، بالألسن المختلفة واللغات ~~الغريبة آناء الليل والنهار، وقد جاءوا من البلدان الشاسعة وجميع أقطار ~~الأرض البعيدة. وهذا إشعياء المغبوط قد تنبأ قائلا: شددوا الأيادي ~~المسترخية، والركب المرتعشة ثبتوها. قولوا لخائفي القلوب: تشددوا لا ~~تخافوا. هوذا إلهكم. الا نتقام يأتي. جزاء الل ه. هو يأتي ويخلصكم . حينئذ ~~تتفتح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح. حينئذ يقفز الأعرج كا لإيل ويترنم ~~لسان الأخرس (إشعياء 35:3-6). وكتابك يشهد أن المسيح الإله قد فعل هذا كله، ~~وأنه أبرأ المقعد الذي كانت قد أتت عليه ثمان وثلاثون سنة فقال له: قم. ~~احمل سريرك وامش (يوحنا 5:5) فقام عاجلا ومضى. وهو الذي ابرأ الأبرص ~~والأخرس الأبكم المعتوه. وقال إشعياء النبي أيضا في موضع آخر مشيرا إلى ~~مولد المسيح: يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنا وتدعو اسمه ~~عمانوئيل (إشعياء 7:14). ومعنى عمانوئيل الله معنا . فأي شيء يكون أكثر ~~توضيحا من هذا؟ فهذه بعض النبوات التي تنبأ بها الأنبياء عن مجيء السيد ~~المسيح محيي العالم. وكنا نريد أن نزيد من الشهادات، ولكن في ما أتيناه ~~كفاية لمن يعاند الحق ويظلم نفسه. ### || تحريف الإنجيل # ولقد ذكرت التحريف واحتججت علينا بأننا حرفنا الكلم عن مواضعه وبدلنا ~~الكتاب، وكأن هذا القول جعلته كهفا تستتر به. وإني لأخبرك خبرا حقا، فاسمعه ~~مني واقبله، فإن قولي ليس قول باغ ولا حاسد ولا متعنت معاند. أنت تعلم أننا ~~نحن واليهود (الذين ينكرون مجيء المسيح نور العالم وضياء الدنيا) قد ~~اجتمعنا عن غير تواطؤ على صحة هذا الكتاب، وأنه منزل من عند الله، لا تحريف ~~فيه ولا تبديل، ولم تلحقه زيادة ولا نقصان. وإلا فنحن ندعوك أنت أيها ~~المدعي علينا التحريف والتبديل (إن كنت صادقا) بكتاب غير محرف ولا مبدل، ~~يشهد لك على صحة الآيات العجيبة كما شهدت الأعاجيب للأنبياء والرسل حيث ~~جاءونا بصحة هذا الكتاب، فقبلنا ذلك منهم، وهو في أيدينا وأيدي اليهود بلا ~~زيادة ولا نقصان. ms75 وإني أعلم أنك لا تقدر على ذلك أبدا. وكتابك يشهد بصحة ما ~~في أيدينا شهادة قاطعة، إذ يقول فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل ~~الذين يقرأون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين ~~(يونس 94). ثم فسر هذا القول وأكده، معترفا لنا بالفضيلة التي أوتيناها ~~قائلا: الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به ومن يكفر به ~~فأولئك هم الخاسرون (سورة البقرة 2:121). شهد لنا كتابك بحق التلاوة في ~~موضع تكون فيه تلاوتنا، وقد أمر أن نسأل ويقبل منا كل ما نقوله. فكيف تقول ~~إنه قد وقع منا التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه؟ فهذان حكمان متناقضان. ~~فما بالك تشنع علينا وتقول إننا حرفنا الكتاب وبدلنا تنزيل الله وغيرنا ~~كلامه، ونحن نتلوه حق تلاوته كما شهد لنا صاحبك. فانصف واطلب رضى ربك، ~~وانظر من هو المحرف والمبدل، أنحن الذين أخذنا الكتاب عن قوم برهنوا صحته ~~بالمعجزات الإلهية التي لا يستطيعها البشر، واتفقت عليه الأمم المختلفة ~~الألسن والأهواء والديانات والبلدان البعيدة الذين لا يمكن أن يقع بينهم في ~~مثله تواطؤ، أم الذي قبل كتابا بلا حجة ولا دليل ولا شهادة عن نبي ولا ~~أعجوبة تشهد له، وإنما تناوله عن ناقل نقله بلسانه ولسان أهل بلده فقط، ~~فجعل ذلك برهانا له، وزعم أن الكتاب الذي هذه حاله وقصته يجري مجرى فلق ~~البحر وإحياء الموتى وإبراء الكمه والبرص وإقامة المقعدين، وأخذه لذلك ~~الكتاب عن قوم كانت بينهم الضغائن، وكل منهم زاد فيه ونقص وبدل وغير، ~~واجترأ حتى نسبه إلى الله تعالى، وزعم أنه دليل على نبوة نبيه، وأنه شاهد ~~عدل له بأنه رسول رب العزة. ثم لم يرض بهذا، بل تعداه وقال: من لا يقبل ~~كتابي هذا ويقول إنه منزل من عند الله، وإني نبي مرسل، قتلته وسلبته ماله ~~وسبيت ذراريه واستبحت حريمه! فقبل ذلك منه كرها وخوفا لما توعده به من ~~البلاء والشقاء، بلا حجة ولا برهان. ### || معجزات المسيح # فلننظر الآن في الآيات التي جاء بها ms76 المسيح سيدنا، الدالة على سلطان ~~ألوهيته وقدرة ربوبيته، فنقول إن أول ذلك أن الله الرحيم المتفضل على خلقه ~~اختار من جنس آدم عذراء زكية طاهرة مقدسة نقية لا عيب فيها، لا في نفسها ~~ولا في بدنها، ليحل فيها كلمته وروحه ويأخذ منها جسدا بشريا تاما فيتحد به ~~ويخاطبنا. وجعل المبشر لها جبرائيل رئيس الملائكة، ائتمنه على هذه البشارة ~~وفضله على سائر أجناد السماء ببعثه إياه رسولا إلى سيدة نساء العالمين مريم ~~المغبوطة بنت يواكيم والدة يسوع المسيح المخلص، فجاءها مبشرا من عند الله ~~مكرما ومهنئا وقال: سلام لك أيتها المنعم عليها. الرب معك .. ها أنت ~~ستحبلين وتلدين ابنا وتسمينه يسوع (الذي تفسيره المخلص) هذا يكون عظيما، ~~وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت يعقوب ~~إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية . خاطبها جبرائيل بهذا فتعجبت وسألت: كيف ~~يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا؟ فأجابها جبرائيل: الروح القدس يحل عليك وقوة ~~العلي تظللك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله . ثم أعقب قوله ~~ذلك بإعطائها الدليل لتزداد يقينا ولا ترتاب بقوله: وهوذا أليصابات نسيبتك ~~هي أيضا حبلى بابن في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك المدعوة عاقرا . ~~فهذه أعجوبة البشارة التي لا تكون ولا يليق مثلها إلا بهذا السيد المخلص. ~~ويقول صاحبك: وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على ~~نساء العالمين يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين,,, إذ قالت ~~الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم وجيها ~~في الدنيا والآخرة ومن المقربين ويكلم الناس في المهد وكهلا ومن الصالحين ~~قالت رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا ~~قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل ~~ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم با~ية من ربكم أني أخلق لكم من الطين ~~كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص ms77 وأحيي ~~الموتى بإذن الله وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم إن في ذلك لآية ~~لكم إن كنتم مؤمنين ومصدقا لما بين يدي من التوراة ولأحل لكم بعض الذي حرم ~~عليكم وجئتكم با~ية من ربكم فا تقوا الله وأطيعون (آل عمران 3:42 و43 ~~و45-50). فهذا قول صاحبك وشهادته وإقراره بالحق مذعنا ومصدقا. ثم إن مريم ~~الطاهرة المباركة صارت إلى أم يحيى بن زكريا، وقد كانت هي وزوجها بارين ~~تقيين عندما حبلت بيوحنا. فلما قرعت باب منزلها بالتسليم عليها اضطرب ~~الجنين في أحشائها فرحا، وهتفت أمه بصوت عال قائلة: من أين لي ه ذا أن تأتي ~~أم ربي إلي؟ فهوذا حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض الجنين بابتهاج في بطني ~~(لوقا 1:39-44). ومن قول صاحبك في زكريا هنالك دعا زكريا ربه قال رب هب لي ~~من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في ~~المحراب أن الله يبشرك بيحيى مصدقا بكلمة من الله وسيدا وحصورا ونبيا من ~~الصالحين (سورة آل عمران 3:38 ، 39). والمسيح هو كلمة الله وسيد ذرية آدم ~~عليه السلام، فإن مصدقا صفة ليوحنا، ولكن كلمة الله وسيدا ليست بصفة ليوحنا ~~لأنه لم يؤمن بيوحنا أنه كلمة الله ولا كان سيدا. فأما حصورا ونبيا ومن ~~الصالحين فمن صفات يوحنا، لأنه كان نبيا وحصورا ومن الصالحين. ثم إنه ظهر ~~الكوكب للمجوس في بلاد فارس ليدلهم على ميلاد الملك العظيم الذي لا زوال ~~لملكه، وكان علماؤهم قد سبقوا فأخبروهم بخبره في الكتب وعرفوهم وقت ظهوره ~~وأعطوهم الدليل على ذلك، والعلامة: ظهور كوكب يتقدمهم في المسير إليه وقضاء ~~بعض حق عبادته بالسجود له والخضوع لطاعته. فلم يزل المجوس ينتظرون ذلك ~~ويتوقعونه راجين ومؤملين حتى جاء الوقت وظهر الكوكب الذي هو الدليل على ~~ميلاد السيد العظيم (متى 2:1-12). فجاءوا من بلاد فارس إلى بيت المقدس الذي ~~هو أرض اليهودية بهداية الكوكب، حتى وقف ببيت لحم، فقضوا الغرض وأدوا حق ~~الطاعة، ورأوا ما كانوا يؤملونه وانصرفوا مؤمنين غير شاكين ms78 ولا مرتابين، بل ~~فرحين مسرورين. ثم ظهر ملاك عند ولادته لقوم من الرعاة كانوا يرعون أغنامهم ~~(لوقا 2:8-20). فقال لهم: ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: أنه ~~ولد لكم اليوم في مدينة داود مخلص (يعني لأولاد آدم جميعا) هو المسيح الرب. ~~وه ذه لكم العلامة: تجدون طفلا مقمطا مضجعا في مذود . فلم يفرغ من كلامه ~~حتى ظهرت لهم أجناد الملائكة مع ذلك الملاك وهي تطير ما بين السماء والأرض ~~بتهليل وترتيل، وتهتف جميعا بصوت عال وتسبح وتقول: المجد لله في الأعالي ~~وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة . ثم أقبل الرعاة إلى ذلك الموضع مسرعين ~~فوجدوا المولود في مذود كما أخبرهم الملاك، فصدقوا وآمنوا وأخبروا بخبرهم ~~وما عاينوه من أجناد الملائكة وما سمعوه من التسبيح العجيب، وقصوا قصة ~~مجيئهم فتعجب من ذلك كل من سمع. فهذه قصة البشارة والميلاد على غاية ~~الاقتصار من القول. وإليك ملخصا كيف كان ابتداء الدعوة، فنقول: لما أتت على ~~سيدنا المسيح ثلاثون سنة وظهر يحيى بن زكريا بتلك المعمودية بماء نهر ~~الأردن التي للتوبة، ذهب المسيح إليه ليعتمد منه. فلما رآه يحيى قال: هوذا ~~حمل الل ه الذي يرفع خطية العالم (يوحنا 1:29). ثم قال: أنا محتاج أن أعتمد ~~منك، وأنت تأتي إلي! فأجابه المسيح: اسمح الآن، لأنه هكذا يليق بنا أن نكمل ~~كل بر . ثم لم يزل مجتهدا حتى عمده. فلما صعد المسيح من الماء انفتحت أبواب ~~السماء ظاهرا تجاه الذين كانوا هناك، فرأوا الروح القدس قد حل عليه في صورة ~~حمامة، وإذا بهاتف يهتف من السماء بصوت عال: هذا هو ابني الحبيب الذي به ~~سررت . فتعجب لذلك يحيى بن زكريا وجميع من حضر. ثم ابتدأ المسيح في إظهار ~~دعوته الناس بعد ذلك، إلى اليوم الذي صعد فيه إلى السماء، وحثهم على التوبة ~~ورفض الدنيا والزهد فيها وترك الأهل والولد والأموال واللحوق به والترغيب ~~في أعمال البر والكف عن المآثم والتحبيب في عمل المعروف للجميع، وترك ~~الضغائن والحسد والأخذ بالثأر وترك معاقبة المسيء والصفح ms79 عنه والتفضل على ~~كل واحد بما هو حسن. وأعلمهم أن هذا يقربهم إلى الله تبارك اسمه، وحثهم على ~~فعل ذلك ليستحقوا به جزيل الثواب وعظيم الأجر في دار المآب التي لا زوال ~~لحياتها ولا انقطاع لنعيمها، وأنذرهم بالبعث والنشور والقيام بعد الموت ~~للحساب والثواب والعقاب. فمن عمل صالحا فله ثواب ذلك في ملكوت السماء، ومن ~~عمل شرا فعليه العقاب في نار جهنم خالدا فيها أبدا. وحقق قوله بعمله ~~الأعاجيب والدلائل الواضحة التي لا يمكن للبشر أن يأتوا بمثلها، وذلك بغاية ~~الرفق والتواضع لا يطلب على ذلك من أحد أجرا ولا شكرا إلا تمجيد الله الذي ~~وعد بأنبيائه وتفضل على آدم وذريته إذ بعث إليهم كلمته متجسدا، وأنقذهم من ~~ضلالة الشيطان وسلطان الموت وعرفهم نفسه أنه إله واحد ذو ثلاثة أقانيم: آب ~~وابن وروح قدس. فكان أول ما دعاهم به قوله: قد كمل الزمان واقترب ملكوت الل ~~ه، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل (مرقس 1:15). فأوعى في آذانهم ذكر التوبة والبعث ~~اللذين لا عهد لهم بهما ولا يعرفونهما، ورغبهم في ملكوت السماء ليعملوا ~~أعمالا يستحقون بها الدخول إليها، وزهدهم في الأفعال التي كانوا مقيمين ~~عليها والرجوع عنها إلى الأمر الذي يوجب لهم مغفرة الخطايا. وصام أربعين ~~يوما بلياليها تخدمه فيها الملائكة وتتعبد له، وهو يجاهد في صومه كيد ~~الشيطان معرفا للناس أن الله قادر على أن يحيي الإنسان بغير خبز ولا ماء، ~~ممثلا في ذلك حال حياتنا بعد الموت في القيامة، وأنه في ذلك الوقت ترتفع ~~عنا الحاجات كلها ونحيا بلا أكل ولا شرب. ثم ابتدأ المسيح في فرض الشرائع ~~والسنن الروحانية وتعليم الشرائع الإلهية التي تليق بالإله، ونفي الأمور ~~الجسدانية. فكان من قوله في القتل: قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تقتل، ومن ~~قتل يكون مستوجب الحكم. وأما أنا فأقول لكم: إن كل من يغضب على أخيه باطلا ~~يكون مستوجب الحكم، ومن قال لأخيه: رقا يكون مستوجب المجمع، ومن قال: يا ~~أحمق يكون مستوجب نار جهنم. فإن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك ms80 تذكرت أن ~~لأخيك شيئا عليك، فا ترك هناك قربانك قدام المذبح، واذهب أولا اصطلح مع ~~أخيك، وحينئذ تعال وقدم قربانك . فقطع بهذه الشريعة أصل العداوة وأسباب ~~البغضة التي تنمي القتل. ثم قال: قد سمعتم أنه قيل للقدماء: لا تزن. وأما ~~أنا فأقول لكم: إن كل من ينظر إلى امرأة ليشتهيها، فقد زنى بها في قلبه . ~~فدلنا بهذا أن الله عارف بالظاهر والباطن، لا تخفى عليه خافية، وهو المكافئ ~~على السر علانية. ثم قال: وقيل: من طلق امرأته فليعطها كتاب طلاق وأما أنا ~~فأقول لكم: إن من طلق امرأته إلا لعلة الزنى يجعلها تزني، ومن يتزوج مطلقة ~~فإنه يزني . ثم قال في ذم الكذب: أيضا سمعتم أنه قيل للقدماء:لا تحنث، بل ~~أوف للرب أقسامك. وأما أنا فأقول لكم: لا تحلفوا البتة، لا بالسماء لأنها ~~كرسي الل ه، ولا بالأرض لأنها موطئ قدميه، ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك ~~العظيم. ولا تحلف برأسك، لأنك لا تقدر أن تجعل شعرة واحدة بيضاء أو سوداء. ~~بل ليكن كلامكم: نعم نعم، لا لا. وما زاد على ذ لك فهو من الشرير . ثم قال ~~في الترغيب في الصفح والامتناع من الانتقام: سمعتم أنه قيل: عين بعين وسن ~~بسن. وأما أنا فأقول لكم: لا تقاوموا الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول ~~له الآخر أيضا. ومن أراد أن يخاصمك ويأخذ ثوبك فا ترك له الرداء أيضا. ومن ~~سخرك ميلا واحدا فا ذهب معه اثنين. من سألك فأعطه، ومن أراد أن يقترض منك ~~فلا ترده . فقطع بهذه الوصية سبيل الخصومات وبرد نار الملاحمات ورفع الشر ~~القاطع بين الناس وقرب بعضهم من بعض وجمع بينهم بالتحابب، وألان قساوة ~~الغلظة، وآنس وحشتها، وجعل الناس إخوة في الرحمة والشفقة. وقال في التفضل ~~والإحسان: سمعتم أنه قيل: تحب قريبك وتبغض عدوك. وأما أنا فأقول لكم: أحبوا ~~أعداءكم. باركوا لاعنيكم. أحسنوا إلى مبغضيكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون ~~إليكم ويطردونكم، لكي تكونوا أبناء أبيكم الذي في السماوات، فإنه يشرق شمسه ~~على الأشرار والصالحين، ويمطر ms81 على الأبرار والظالمين. لأنه إن أحببتم الذين ~~يحبونكم، فأي أجر لكم؟ أليس العشارون أيضا يفعلون ذ لك؟ وإن سلمتم على ~~إخوتكم فقط، فأي فضل تصنعون؟ أليس العشارون أيضا يفعلون ه كذا؟ فكونوا أنتم ~~كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل . ثم قال في البر: احترزوا ~~من أن تصنعوا صدقتكم قدام الناس لكي ينظروكم، وإلا فليس لكم أجر عند أبيكم ~~الذي في السماوات. فمتى صنعت صدقة فلا تصوت قدامك بالبوق، كما يفعل ~~المراؤون في المجامع وفي الأزقة، لكي يمجدوا من الناس. الحق أقول لكم: إنهم ~~قد استوفوا أجرهم! وأما أنت فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك ما تفعل يمينك، ~~لكي تكون صدقتك في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء هو يجازيك علانية. ثم ~~قال: ومتى صليت فلا تكن كا لمرائين، فإنهم يحبون أن يصلوا قائمين في ~~المجامع وفي زوايا الشوارع، لكي يظهروا للناس. الحق أقول لكم: إنهم قد ~~استوفوا أجرهم! وأما أنت فمتى صليت فا دخل إلى مخدعك وأغلق بابك، وصل إلى ~~أبيك الذي في الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية. وحينما ~~تصلون لا تكرروا الكلام باطلا كا لأمم، فإنهم يظنون أنهبكثرة كلامهم يستجاب ~~لهم. فلا تتشبهوا بهم. لأن أباكم يعلم ما تحتاجون إليه قبل أن تسألوه . ثم ~~قال: ومتى صمتم فلا تكونوا عابسين كا لمرائين، فإنهم يغيرون وجوههم لكي ~~يظهروا للناس صائمين. الحق أقول لكم: إنهم قد استوفوا أجرهم. وأما أنت فمتى ~~صمت فا دهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائما، بل لأبيك الذي في ~~الخفاء. فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية . ثم قال في ذم الشره ~~والحرص والبخل: لا تكنزوا لكم كنوزا على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ، وحيث ~~ينقب السارقون ويسرقون. بل اكنزوا لكم كنوزا في السماء، حيث لا يفسد سوس ~~ولا صدأ، وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون، لأنه حيث يكون كنزك هناك يكون ~~قلبك أيضا . ثم قال: لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، لأنه إما أن يبغض الواحد ~~ويحب ms82 الآخر، أو يلازم الواحد ويحتقر الآخر. لا تقدرون أن تخدموا الل ه ~~والمال. لذ لك أقول لكم: لا تهتموا لحياتكم بما تأكلون وبما تشربون، ولا ~~لأجسادكم بما تلبسون. أليست الحياة أفضل من الطعام، والجسد أفضل من اللباس؟ ~~انظروا إلى طيور السماء: إنها لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع إلى مخازن، وأبوكم ~~السماوي يقوتها. ألستم أنتم بالحري أفضل منها؟ ومن منكم إذا اهتم يقدر أن ~~يزيد على قامته ذراعا واحدة؟ ولماذا تهتمون باللباس؟ تأملوا زنابق الحقل ~~كيف تنمو! لا تتعب ولا تغزل. ول كن أقول لكم إنه ولا سليمان في كل مجده كان ~~يلبس كواحدة منها. فإن كان عشب الحقل الذي يوجد اليوم ويطرح غدا في التنور، ~~يلبسه الل ه ه كذا، أفليس بالحري جدا يلبسكم أنتم يا قليلي الإيمان؟ فلا ~~تهتموا قائلين: ماذا نأكل، أو ماذا نشرب، أو ماذا نلبس؟ فإن ه ذه كلها ~~تطلبها الأمم. لأن أباكم السماوي يعلم أنكم تحتاجون إلى ه ذه كلها. ل كن ~~اطلبوا أولا ملكوت الل ه وبره، وه ذه كلها تزاد لكم . ثم قال في اغتياب ~~الناس: لا تدينوا لكي لا تدانوا، لأنكم بالدينونة التي بها تدينون تدانون، ~~وبالكيل الذي به تكيلون يكال لكم. ولماذا تنظر القذى الذي في عين أخيك، ~~وأما الخشبة التي في عينك فلا تفطن لها؟ أم كيف تقول لأخيك: دعني أخرج ~~القذى من عينك، وها الخشبة في عينك. يا مرائي، أخرج أولا الخشبة من عينك، ~~وحينئذ تبصر جيدا أن تخرج القذى من عين أخيك! . ثم قال في الطلب والتضرع ~~إلى الله جل وعز ووعده بالإجابة: اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا. اقرعوا يفتح ~~لكم. لأن كل من يسأل يأخذ، ومن يطلب يجد، ومن يقرع يفتح له. أم أي إنسان ~~منكم إذا سأله ابنه خبزا، يعطيه حجرا؟ وإن سأله سمكة، يعطيه حية؟ فإن كنتم ~~وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في ~~السماوات، يهب خيرات للذين يسألونه! . ثم قال في اصطناع المعروف إلى الناس: ~~فكل ما تريدون ms83 أن يفعل الناس بكم افعلوا ه كذا أنتم أيضا بهم، لأن ه ذا هو ~~الناموس والأنبياء . (مقتطفات من موعظة المسيح على الجبل - من إنجيل متى ~~أصحاحات 5-7). ### || أبونا السماوي # ولعل منتقدا يعيب ألفاظ الإنجيل في إطلاق المسيح لقب الأب على الله. ~~فنجيبه أن المسيح أراد أن يحبب طاعة الله إلى الناس ويقربها من قلوبهم، ~~لتكون طاعتهم له بالمحبة والمودة لا بالقهر والرهبة، وأن يؤلف بين قلوبهم ~~ويخرج العداوة منها، ويرفع ذكر التفاخر بالأنساب الذي أوقعه الشيطان بينهم، ~~ويجعلهم متعارفين بعضهم ببعض بالأخوة إخوة لأب واحد وأم واحدة. فقال لهم: ~~أبوكم الذي في السموات يفعل بكم كذا وكذا . لأن الله هو الأب الرحيم المشفق ~~المتحنن الذي بدأ فخلقنا جودا وإحسانا، وهو يقوينا ويرزقنا بنعمته ويتفقدنا ~~بجوده، ويغفر ذنوبنا ويحتمل بكرمه وطول أناته جهلنا، كما يفعل الأب المشفق ~~على ولده. ثم إذا أدبنا خلط تأديبه بالرأفة والرحمة. فمن أحق وأولى أن يسمى ~~باسم الأبوة الحقيقية من الله تبارك اسمه. فلا حجة إذا لمن ينكر على المسيح ~~سيدنا تسميته الله أبانا . ثم قال في أداء الفرائض: متى فعلتم كل ما أمرتم ~~به فقولوا: إننا عبيد بطالون. لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا (لوقا ~~17:10). وقد تحققت لنا أقواله ووصاياه بما كان يظهر لنا من سيرته أنه كان ~~صائما مصليا، لا بيت له ولا مأوى ولا شيء من القنية أكثر من ثوبين يواري ~~بهما جسده، فقد قال له بعض السائلين: يا عظيمنا، أين منزلك لآتيك فيه؟ ~~فأجابه: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما أنا فلا بيت لي ولا مأوى. ~~حيث أدركت فهناك مبيتي، ومتى طلبتني وجدتني (قارن متى 8:20). لم يتكلم بإفك ~~قط ولا هم بخطيئة ولا اقترف ذنبا ولا ارتكب إثما ولا قبيحة، ولا أعاب أحدا ~~ولا أذاه، ولا منع طالبا ولا رد سائلا ولا أعرض عن مستغيث كما سبق قول ~~النبي فيه (إشعياء 53). ثم أتبع ذلك فحقق قوله بالأعاجيب والآيات التي ~~فعلها، وكان يشفي المرضى الذين لا يعرف عددهم إلا هو ms84 تبارك اسمه، ويهب لهم ~~العافية. بكلامه طهر البرص وأخرج الشياطين وبسط أيدي العسم وأحيا الموتى ~~مثل لعازر أخي مريم ومرثا وابنة يايرس رئيس الكهنة وعبد خادم الملك وابن ~~أرملة نايين. وأخبر بالغيب وبما تخفيه صدورهم، وبكلمته أبرأ المفلوج وأمر ~~المقعد الذي أتت عليه ثمان وثلاثون سنة أن يحمل سريره ويمشي، فكان ذلك. ~~ونادى الشياطين فأجابته مذعنة لأمره طائعة لربوبيته مقرة أنه كلمة الله ~~الحي، وأنه هو الذي يبطل سلطانها. وغفر الخطايا ومحا الذنوب بالكلمة ~~الخالقة الممجدة بروح القدس الحال فيه، وفتح أعين الأكمه المعروف بالعمى ~~على طول الأيام، وخلق لبعضهم الأعين من الطين المجبول بريقه قدرة منه على ~~الخليقة، وأشبع من خمس خبزات وسمكتين خمسة آلاف رجل ما عدا النساء ~~والصبيان، وفضل من ذلك اثنتا عشرة قفة من الكسر، وكان مباركا حيث كان. وغير ~~الماء المصبوب في ستة أجران إلى خمر في عرس قانا الجليل. وتباركت به ~~الصبيان ونادت به الأطفال. وزجر أمواج البحر في شدة الريح فانتهت، ومشى على ~~الماء، وتجلى لتلاميذه في الجبل مع موسى وإيليا النبيين، وخبر السامرية ~~بخبرها مع الأزواج، وأبرأ مريضة بنزيف دم منذ اثنتي عشرة سنة بمجرد لمسها ~~ثوبه وهي تظن أنه لا يعلم بها، فعلم بالقوة التي خرجت منه وسأل الجماعة: من ~~لمس ثوبي؟ وأتت المرأة وسجدت له وأقرت بما فعلت، فقال لها: إيمانك شفاك. ~~امضي بسلام وكوني بريئة من علتك . وأمر الشياطين أن تدخل في الخنازير وتغرق ~~في البحر فأطاعته. ولأنني أعلم أنك قد قرأت الإنجيل المقدس، ومن قول صاحبك ~~وشهادته: وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس (سورة البقرة ~~2:87). فكيف تقول إن هذه الأفعال ليست إلهية، وكل ذي لب إذا قاسها بأفعال ~~صاحبك تبين له الحق من الباطل؟ فإن قلت إن الأنبياء كانت تفعل المعجزات ~~التي ليس في قدرة العالمين أن يفعلوا مثلها، مثل موسى وغيره، قلنا لك: كانت ~~الأنبياء تفعل ذلك، لكن بعد التضرع الشديد والطلب الطويل، لا بالقدرة ~~القاهرة والأمر النافذ، لأن أولئك كانوا يفعلون الشيء المعجز ms85 كما يفعل ~~العبيد المشفقون بحسب الطاعة لتنفيذ الأمر الذي وجهوا به وتبليغ الرسالة. ~~وأنت تعلم أن موسى قبل فلق البحر لبني إسرائيل ما زال مصليا راكعا ساجدا ~~طالبا حتى قال الله له: ما لك تصرخ إلي؟ قل لبني إسرائيل أن يرحلوا. وارفع ~~أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه، فيدخل بنو إسرائيل في وسط البحر على ~~اليابسة (خروج 14:15 ، 16). وكذلك يشوع بن نون وإيليا وأليشع كانوا يتضرعون ~~ويطلبون في صلواتهم، فعند ذلك يؤذن لهم في عمل الآية. على أن بعضا دعا وصلى ~~وتضرع فلم يجب مثل موسى الذي رفض الله دخوله أرض الموعد لأنه لم يصدق ولم ~~يقدس اسم الله أمام بني إسرائيل، وذلك في المكان المعروف بماء الخصام لضربه ~~الصخرة ضربتين، فحرمه من دخول أرض الميعاد. ومثل إرميا المغبوط في ~~الأنبياء، قد دعا فقال الله: إني لا أسمع دعاءك ولا أقبل صلاتك . فأما ~~سيدنا يسوع المسيح، الذي هو الابن الحبيب، فقد شهد أبوه له قائلا: ه ذا هو ~~ابني الحبيب الذي به سررت (متى 3:17). فإنه فعل الأشياء بالقوة القاهرة ~~التي هي الكلمة الخالقة للسموات والأرض. فهل يقدر مخالف أن يبطل هذا القول ~~إلا بالحسد والمعاندة للحق والافتراء على الله الآب وكلمته وروح القدس، مثل ~~من يقول إن الشمس مظلمة والنار غير محرقة! ### || أتباع المسيح # وإذ قد نقلنا بعض شرائع المسيح سيدنا وأخبرنا ببعض عجائبه، لنذكر الآن ~~كيف اتخذ تلاميذه وبعث بهم إلى أهل العالم دعاة إلى الحق، فنقول إنه اتخذ ~~قوما أميين لا علم لهم ولا حسب، صيادي سمك وعشاري خراج، ففتح قلوبهم وملأها ~~نورا وحكمة، فقهروا بذلك كل فيلسوف حكيم، وفاقوا كل طبيب ماهر، وتذلل لهم ~~كل سلطان شديد، ودخل في طاعتهم كل شريف، وافتقر إليهم كل غني. وقال لهم: ~~اكرزوا قائلين: إنه قد اقترب ملكوت السماوات. اشفوا مرضى. طهروا برصا. ~~أقيموا موتى. أخرجوا شياطين. مجانا أخذتم مجانا أعطوا. لا تقتنوا ذهبا ولا ~~فضة ولا نحاسا في مناطقكم، ولا مزودا للطريق ولا ثوبين ولا أحذية ولا عصا، ms86 ~~لأن الفاعل مستحق طعامه (متى 10:7-10). فساروا بسيرته وبشروا الناس بالرحمة ~~والمغفرة، ودعوهم إلى الحق، مجتهدين غير مفترين ولا مستأثرين لشيء من ~~الدنيا. وعدة هؤلاء سبعون رجلا وجههم قبل ارتفاعه إلى السماء. واختار اثني ~~عشر رجلا كانوا ملازمين له، وهم تلاميذه المشاهدون لكل أموره وأحواله، ~~والناقلون أخباره بالحق والصدق إلى الأمم. وكانت مخاطبته إياهم وعهده إليهم ~~قائلا: إن الذي يعمل ويعلم هذا يدعى اسمه كبيرا في السموات وعظيما. وإذا ~~أنتم طلبتم فاطلبوا المغفرة لخطاياكم والرحمة وملكوت السماء والعمل بالبر. ~~ولا تكثروا الكلام وتشغلوا قلوبكم بطلب الرزق الذي قد كفيتموه، فإن أباكم ~~الذي في السماء أعلم بحوائجكم وما يصلح لكم. ولكن إذا صلى أحدكم فليقل: ~~أبانا الذي في السماوات، ليتقدس اسمك. ليأت ملكوتك. لتكن مشيئتك كما في ~~السماء كذ لك على الأرض. خبزنا كفافنا أعطنا اليوم. واغفر لنا ذنوبنا كما ~~نغفر نحن أيضا للمذنبين إلينا. ولا تدخلنا في تجربة، ل كن نجنا من الشرير. ~~لأن لك الملك، والقوة، والمجد، إلى الأبد. آمين. فإنه إن غفرتم للناس ~~زلاتهم، يغفر لكم أيضا أبوكم السماوي. وإن لم تغفروا للناس زلاتهم، لا يغفر ~~لكم أبوكم أيضا زلاتكم (متى 6:9-15). وقال لهم: ها أنا أرسلكم كغنم في وسط ~~ذئاب، فكونوا حكماء كا لحيات وبسطاء كا لحمام. ول كن احذروا من الناس، ~~لأنهم سيسلمونكم إلى مجالس، وفي مجامعهم يجلدونكم. وتساقون أمام ولاة وملوك ~~من أجلي شهادة لهم وللأمم. فمتى أسلموكم فلا تهتموا كيف أو بما تتكلمون، ~~لأنكم تعطون في تلك الساعة ما تتكلمون به، لأن لستم أنتم المتكلمين بل روح ~~أبيكم الذي يتكلم فيكم. وسيسلم الأخ أخاه إلى الموت، والأب ولده، ويقوم ~~الأولاد على والديهم ويقتلونهم، وتكونون مبغضين من الجميع من أجل اسمي. ول ~~كن الذي يصبر إلى المنتهى فه ذا يخلص. ومتى طردوكم في ه ذه المدينة فا ~~هربوا إلى الأخرى. فإني الحق أقول لكم لا تكملون مدن إسرائيل حتى يأتي ابن ~~الإنسان. ليس التلميذ أفضل من المعلم، ولا العبد أفضل من سيده. يكفي ~~التلميذ أن ms87 يكون كمعلمه، والعبد كسيده. إن كانوا قد لقبوا رب البيت ~~بعلزبول، فكم بالحري أهل بيته! فلا تخافوهم. لأن ليس مكتوم لن يستعلن، ولا ~~خفي لن يعرف. الذي أقوله لكم في الظلمة قولوه في النور، والذي تسمعونه في ~~الأذن نادوا به على السطوح، ولا تخافوا من الذين يقتلون الجسد ول كن النفس ~~لا يقدرون أن يقتلوها، بل خافوا بالحري من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد ~~كليهما في جهنم. أليس عصفوران يباعان بفلس؟ وواحد منهما لا يسقط على الأرض ~~بدون أبيكم. وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعها محصاة. فلا تخافوا. أنتم ~~أفضل من عصافير كثيرة. فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضا به قدام ~~أبي الذي في السماوات، ول كن من ينكرني قدام الناس أنكره أنا أيضا قدام أبي ~~الذي في السماوات (متى 10:16-33). وقال لهم: أنتم ملح الأرض، ول كن إن فسد ~~الملح فبماذا يملح؟ لا يصلح بعد لشيء، إلا لأن يطرح خارجا ويداس من الناس. ~~أنتم نور العالم. لا يمكن أن تخفى مدينة موضوعة على جبل، ولا يوقدون سراجا ~~ويضعونه تحت المكيال، بل على المنارة فيضيء لجميع الذين في البيت. فليضئ ~~نوركم ه كذا قدام الناس، لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجدوا أباكم الذي في ~~السماوات (متى 5:13-16). وقال لهم: ادخلوا من الباب الضيق، لأنه واسع الباب ~~ورحب الطريق الذي يؤدي إلى الهلاك، وكثيرون هم الذين يدخلون منه! ما أضيق ~~الباب وأكرب الطريق الذي يؤدي إلى الحياة، وقليلون هم الذين يجدونه! ~~احترزوا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم بثياب الحملان، ول كنهم من داخل ~~ذئاب خاطفة! من ثمارهم تعرفونهم. هل يجتنون من الشوك عنبا، أو من الحسك ~~تينا؟ ه كذا كل شجرة جيدة تصنع أثمارا جيدة، وأما الشجرة الردية فتصنع ~~أثمارا ردية، لا تقدر شجرة جيدة أن تصنع أثمارا ردية ولا شجرة ردية أن تصنع ~~أثمارا جيدة. كل شجرة لا تصنع ثمرا جيدا تقطع وتلقى في النار. فإذا من ~~ثمارهم تعرفونهم. ليس كل من يقول لي: يا رب يا ms88 رب، يدخل ملكوت السماوات. بل ~~الذي يفعل إرادة أبي الذي في السماوات. كثيرون سيقولون لي في ذ لك اليوم: ~~يا رب يا رب، أليس باسمك تنبأنا، وبا سمك أخرجنا شياطين، وبا سمك صنعنا ~~قوات كثيرة؟ فحينئذ أصرح لهم: إني لم أعرفكم قط! اذهبوا عني يا فاعلي ~~الإثم! (متى 7:13-23). ثم أنه أراد أن يكمل التواضع إلى الغاية القصوى، لم ~~يمتنع من أيدي الكفرة حتى نالوا منه ما نالوه من صلبه على خشبة، وهو مع ذلك ~~يقول: يا أبتاه، اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون (لوقا 23:34). ثم ~~مات بجسده، وبقي على الصليب إلى وقت الغروب من يوم الجمعة، ثم أنزل ودفن، ~~وأقام في القبر إلى صبيحة يوم الأحد، ثم قام حيا بلاهوته وظهر للنسوة ~~اللاتي جئن إلى قبره زائرات، وظهر بعد ذلك لتلاميذه، مرة في الجليل ومرتين ~~في الغرفة التي كانوا نازلين فيها، ومرة في الطريق وبعضهم ماض إلى القرية ~~التي تدعى عمواس، ومرة على شاطئ البحر وهم يتصيدون السمك، وأكل معهم عدة ~~مرار. كل ذلك في خلال أربعين يوما. وكان يجدد عليهم الوصية ويذكرهم بالعهود ~~التي عهدها إليهم، ويخبرهم أنه سيوجه لهم البارقليط الذي هو الروح القدس ~~لتأييدهم. فلم يزالوا كذلك إلى أن صعد إلى السماء صعودا ظاهرا مكشوفا بحضرة ~~من كان حاضرا في ذلك الوقت، وهم ينظرون إلى أبواب السماء مفتوحة، وقد نزلت ~~الملائكة ورفعته بالتمجيد والتهليل والتسبيح، وهي تخاطب وتقول: أيها الناس ~~ما بالكم تنظرون متعجبين حائرين؟ هذا يسوع المسيح ابن الله الوحيد قد صعد ~~إلى السماء ممجدا، وهو مزمع أن يأتي ثانية في آخر الأيام، فيرى نازلا في ~~ذلك الوقت كما ترونه الساعة صاعدا، ليبعث من في القبور ويدين الخلائق . ثم ~~غاب عنهم وغابت الملائكة معه. وذلك الجبل الذي صعد منه هو جبل الزيتون من ~~بلاد الشام معروف مشهور بهذه الصفة إلى هذا الوقت. فلنذكر بعد هذا شهادة ~~صاحبك: إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا ~~وجاعل الذين اتبعوك ms89 فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم ~~بينكم فيما كنتم فيه تختلفون فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في ~~الدنيا والآخرة وما لهم من ناصرين وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات ~~فيوفيهم أجورهم والله لا يحب الظالمين ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر ~~الحكيم (سورة آل عمران 3:55-58) فأمعن النظر وانصح لنفسك في الاستقصاء، ولا ~~تمل إلى غير الحق، فإنك إن أنصفت، ظهر لك أبيض النور وتلألأ الحق. ثم لما ~~كان بعد صعوده إلى السماء بعشرة أيام كان التلاميذ مجتمعين في الغرفة التي ~~كانوا ينزلون فيها معه إذ سمعوا صوتا عظيما، وتجلى عليهم الروح القدس الذي ~~هو البارقليط، فصار على كل رجل مثل لسان من النار، فجعل يتكلم بلسان البلد ~~الذي وجه ليبشر فيه بالمسيح مخلص العالم ومنقذه، ويدعو أهل ذلك البلد إلى ~~النصرانية، ويريهم الآيات المعجزة. فعند ذلك تفرق كل تلميذ إلى البلد التي ~~ندب إليها وأعطي معرفة لسانها وكلام أهلها، وكتبوا الإنجيل الطاهر وجميع ~~أخبار المسيح وأقاصيصه بكل لسان عن إملاء الروح القدس، فدانت لهم الأمم ~~واستجابوا لقولهم. ورفضوا هذه الدنيا ومالوا إلى الأمر الواضح، وتركوا ~~أديانهم ودخلوا في النصرانية عندما أشرق لهم نور الحق وتلألأ نور البشارة، ~~فأيقنوا وآمنوا مصدقين غير مرتابين حيث ميزوا الحق من الباطل والكفر من ~~الإيمان والهدى من الضلالة، ورأوا الأعاجيبوالآيات الباهرة والسيرة الحسنة ~~المشابهة لسيرة المسيح التي آثارها قائمة ثابتة حتى اليوم والساعة. فنحن ~~الذين قبلناه منهم لم نزد فيه ولم ننقص منه، وعليه نحيا وعليه نموت ونبعث ~~حتى نقوم به بين يدي المسيح سيدنا يوم نقف بين يديه عندما يدين الخلق ~~جميعهم. وليس هذا كسيرة صاحبك وسيرة أصحابه الذين لم يزالوا يتقدمون في ~~القتل والنهب والخبط بالسيوف وسبي الذراري والتغلب على البلدان ونهب الناس ~~أموالهم وهتك حريمهم واستعباد الأحرار، حتى قال عمر بن الخطاب: ألا من كان ~~جاره نبطيا واحتاج إلى ثمنه، فليبعه . ومثل هذا كثير مما يشابهه من القول ~~والفعل. وهذا خلاف ما كان يفعله سمعان وبولس من ms90 إبراء المرضى بطلبهما ~~وإقامة الموتى باسم المسيح سيدنا. ### || رهبان اليوم # وإن قلت: ما بال الرهبان لا يفعلون اليوم من الآيات والعجائب مثلما كان ~~التلاميذ يفعلون حيث توجهوا إلى البلدان؟ قلنا: إنهم لما مضوا للبلدان ~~للدعوة واجتذاب الناس إلى الإقرار بربوبية المسيح، احتاجوا عند ذلك إلى ~~كثرة الآيات وتواتر العجائب لتصح دعوتهم، وليعلم الذين يدعونهم صحة دعواهم، ~~فليس الرهبان اليوم دعاة، وإن كان كثير منهم يتكلفون فعل ذلك لدى الخواص ~~خفية، ليعلم أن تلك النعمة ثابتة فيهم باقية. فإذا جرى لهم أمر احتاجوا إلى ~~إظهار قوتهم للعامة أظهروها ليعرف ذلك من أفعالهم في المشرق والمغرب وحيث ~~حلوا، ولو أن الرهبان تكلفوا إحياء كل ميت وشفاء كل مريض في كل وقت لم يمت ~~أحد، ولم يكن للقيامة رجاء ولا للدنيا زوال، وكان في ذلك تكذيب لوعد الله ~~ووعيده في الآخرة. وإنما يفعل الرهبان ما يفعلونه ويجري على أيديهم الواحد ~~بعد الواحد ليزدادوا ثقة لما هم فيه من ذلك التعب والنصب، وليعلموا كيف ~~مرتبتهم عند الله في طاعتهم ليلهم ونهارهم. ولا يحتاج الناس اليوم إلى ~~معاينة الآيات في تحقيق هذا الدين، إلا من رفع نفسه عن استعمال العقل وشارك ~~البهائم في جهلها وقلة إدراكها. لقد شرحت لك قصة المسيح سيدنا على غاية ~~الاختصار، وبعض أخبار التلاميذ الذين نقلنا عنهم ديانتنا، فاجمع الآن ما ~~تريد جمعه منها إلى ما في يدك، واستعمل الإنصاف واصدق نفسك ولا تغشها، لترث ~~ملكوت السماء ممن سلطانه على بدنك ونفسك، الذي يقدر أن يرحمك ويقبلك كما ~~يقبل الآب الولد الشارد، فإنك تكون من الموفقين. فلا تغتر بهذه الدنيا ~~وتتعلق بأسبابها وتنغمس في شهواتها، فإنها غدارة مهلكة لمن مال إليها، ~~وانظر لنفسك قبل فوات النظر، وردد فكرك في ما قد كتبته إليك في كتابي هذا، ~~وقس بعضها ببعض، واستعمل في ذلك قانون العدل وميزان الحق، فليس هذا الأمر ~~من الأمور التي يجوز أن يغفل عنها، لأنه هو الأمر المحصول عليه في الوقتين ~~معا: في هذه العاجلة وفي الآجلة، وقت لا ms91 يقبل منك فيه العذر ولا ينفع ~~الاحتجاج. أما أنا فقد بلغت جهد طاقتي في النصيحة لك ولكل من نظر في كتابي، ~~وما أبقيت عند نفسي في ذلك غاية. واسأل الله أن يوفقك وإيانا على العمل ~~الصالح بطاعته، ويعصمنا من معاصيه، ويشركنا في ملكوته مع أوليائه الذين رضي ~~عنهم بجوده وكرمه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. آمين ms92