######OpenITI# #META# Source: http://www.syriacstudies.com/AFSS/ktb_fy_altrath_alsryany ~~/Entries/2007/11/13_aljdl_aldyny_byn_alhashmy_walkndy.html #META# Title: رسالة عبد الله بن إسمعيل الهاشمي إلى عبد المسيح بن إسحق ~~الكندي يدعوه بها إلى الإسلام ورسالة الكندي إلى الهاشمي يرد بها عليه، ~~ويدعوه إلى النصرانية #META# Author: مؤلف مجهول #META# Date: second half of 9th C CE? (see P.S. Van Koningsveld, "The ~~Apology of al-Kindī", in T.L. Hettema and A. Van der Kooij, Religious ~~Polemics in Context, Assen: Royal Van Gorcum, 2004: 69-92. #META#Header#End# ### |PARATEXT| # ذكر أنه كان في زمن عبد الله المأمون رجل من نبلاء الهاشميين وأظنه من ~~ولد العباس، قريب القرابة من الخليفة، معروف بالنسك والورع والتمسك بدين ~~الإسلام وشدة الإغراق فيه والقيام بفرائضه وسننه، مشهور بذلك عند الخاصة ~~والعامة. وكان له صديق من الفضلاء ذو أدب وعلم، كندي الأصل مشهور بالتمسك ~~بدين النصرانية، وكان في خدمة الخليفة وقريبا منه مكانا. فكانا يتوادان ~~ويتحابان ويثق كل منهما بصاحبه وبالإخلاص له. وكان أمير المؤمنين "المأمون" ~~وجماعة أصحابه والمتصلون به قد عرفوهما بذلك، وهما عبد الله بن إسماعيل ~~الهاشمي، وعبد المسيح بن اسحق الكندي، فكتب الهاشمي إلى الكندي هذه نسخته: ### | رسالة الهاشمي الى الكندي # بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد، فقد افتتحت كتابي إليك بالسلام عليك ~~والرحمة، تشبها بسيدي وسيد الأنبياء محمد رسول الله (ص) فإن ثقاتنا ذوي ~~العدالة عندنا، الصادقين الناطقين بالحق، الناقلين إلينا أخبار نبينا عليه ~~السلام، قد رووا لنا عنه أن هذه كانت عادته، وأنه كان (ص) إذا افتتح كلامه ~~مع الناس يبادئهم بالسلام والرحمة في مخاطبته إياهم، ولا يفرق بين الذمي ~~منهم والأمي، ولا بين المؤمن والمشرك. وكان يقول إني بعثت بحسن الخلق إلى ~~الناس كافة، ولم أبعث بالغلظة والفظاظة. ويستشهد الله على ذلك إذ يقول ~~"بالمؤمنين رؤوف رحيم". وكذلك رأيت من حضرته من أئمتنا الخلفاء المهتدين ~~الراشدين، رضي الله عنهم أجمعين، انهم كانوا، لفضل أدبهم، وشرف حسبهم، ونبل ~~همتهم، وكرم أخلاقهم يتتبعون أثر نبيهم ولا يفرقون في ذلك ولا يفضلون فيه ~~أحدا. فسلكت ذلك المنهج، واحتذيت تلك السبل، وأخذت ذلك الأدب المحمود. ~~فابتدأت في كتابي هذا بالسلام والرحمة، لئلا ينكر علي منكر يقع إليه كتابي ~~هذا. والذي حملني إليك وحثني على ذلك محبتي لك، إذ كان سيدي ونبيي محمد (ص) ~~يقول: "محبة القريب ديانة وإيمان". فكتبت طاعة له، ولما أوجبه لك عندنا حق ~~خدمتك لنا ونصحك إيانا، وما أنت عليه من محبتنا وتظهره من مودتنا والميل ~~إلينا، وما أرى أيضا من إكرام سيدي وابن عمي أمير المؤمنين، أيده الله، ms001 لك ~~وتقريبه إياك وثقته بك وحسن قوله فيك، فرأيت أن أرضى لك ما قد رضيته لنفسي ~~وأهلي ووالدي، مخلصا لك النصيحة ومبذلها، كاشفا عما نحن عليه من ديانتنا ~~هذه التي ارتضاها الله لنا ولجميع خلقه، ووعدنا عليها حسن الثواب في المعاد ~~والأمن من العقاب في المآب، إذ يقول تبارك وتعالى "ملة إبراهيم حنيفا" ~~(بقرة 129) ويقول عز وجل، وقوله حق: "الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين" ~~(الزخرف 69) ويقول أيضا مؤكدا: "ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا ولكن ~~كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين" (آل عمران 60). فرغبت لك ما رغبت ~~فيه لنفسي، وأشفقت عليك لما ظهر لي من كثرة أدبك وبارع علمك وتقدمك على ~~الكثير من أهل ملتك أن تكون مقيما على ما أنت عليه من ديانتك هذه. فقلت: ~~اكشف له عما من الله به علينا، وأعرفه ما نحن عليه، بألين القول وأحسنه، ~~متبعا في ذلك ما أذن الله به إذ يأمرني ويقول، جل ثناؤه: "ولا تجادلوا أهل ~~الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (عنكبوت 5). فلست أجادلك إلا بالجميل من الكلام ~~والحسن من القول، واللين من اللفظ، لعلك تنتبه وترجع إلى الحق وترغب في ما ~~أتلوه عليك من كلام الله جل جلاله الذي أنزله على خاتم الأنبياء وسيد ولد ~~آدم نبينا محمد (ص). ولم أيئس من ذلك، بل رجوته لك من الله الذي يهدي من ~~يشاء، وسألته أن يجعلني سببا في ذلك، ووجدت الله يقول في محكم كتابه "إن ~~الدين عند الله الإسلام" (آل عمران 47). ويقول الله أيضا مؤكدا بقوله ~~الأول: "ومن يبتغ غير الإسلام دينا فلن يقبل منه، وهو في الآخرة من ~~الخاسرين" (آل عمران 79). ثم أكد ذلك، تبارك وتعالى، أمرا قاطعا إذ يقول : ~~"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون" (آل ~~عمران 97). وأنت الرجل، عافاك الله، من جهل الكفر وفتح قلبك لنور الإيمان، ~~تعلم أني رجل أتت علي سنون كثيرة وقد تبحرت في عامة الأديان وامتحنتها، ~~وقرأت كثيرا من كتب أهلها وخاصة كتبكم معشر النصارى، ms002 فإني عنيت بقراءة ~~الكتب العتيقة والحديثة، التي أنزلها الله على موسى وعيسى وغيرهما من ~~الأنبياء عليهم السلام. فأما الكتب العتيقة التي هي التوراة، وكتاب يشوع بن ~~نون، وسفر القضاة، وسفر صموئيل النبي، وسفر الملوك، وزبور داود النبي، ~~وحكمة سليمان بن داود، وكتاب أيوب الصديق، وكتاب إشعياء النبي، وكتاب ~~الإثني عشر نبيا، وكتاب إرميا النبي، وكتاب حزقيال النبي، وكتاب دانيال ~~النبي فهذه هي الكتب العتيقة فأما الكتب الحديثة فأولها الإنجيل وهو أربعة ~~أجزاء، الأول منها بشارة متى العشار، والثاني بشارة مرقس ابن أخت سمعان ~~المعروف بالصفا، والثالث بشارة لوقا الطبيب، والرابع بشارة يوحنا بن زبدي. ~~فهذه أربعة أجزاء، منها بشارة رجلين من الحواريين (التلاميذ) الإثني عشر ~~الذين كانوا ملازمين المسيح، صلوات الله عليه، هما متى ويوحنا، وبشارة ~~رجلين من الحواريين السبعين الذين كانوا للمسيح، وبعثهم إلى الأمم دعاة له ~~وهما مرقس ولوقا. ثم كتاب قصص الحواريين وأحاديثهم وأخبارهم من بعد ارتفاع ~~المسيح إلى السماء الذي كتبه لوقا، ورسائل بولس الأربع عشرة. فهذه كلها قد ~~قرأتها ودرستها وناظرت فيها تيموثاوس الجاثليق، الذي له فيكم فضل الرئاسة ~~والعلم والعقل. وناظرت فيها من أهل فرقكم هذه الثلاث التي هي ظاهرة، أعني ~~الملكية القابلين مركيانوس الملك على عهد الشقاق الواقع بين نسطوريوس ~~وكيرلس، وهم الروم. واليعقوبية، وهم أكفر القوم وأخبثهم قولا، وأشرهم ~~إعتقادا، وأبعدهم من الحق، القائلون بمقالة كيرلس الإسكندري ويعقوب ~~البردعاني وساويرس صاحب كرسي أنطاكية. والنسطورية أصحابك، وهم لعمري، أقرب ~~وأشبه بأقاويل المنصفين من أهل الكلام والنظر وأكثرهم ميلا إلى قولنا معشر ~~المسلمين، وهم الذين حمد نبينا (صلى الله عليه وسلم) أمرهم ومدحهم وأعطاهم ~~العهود والمواثيق، وجعل لهم من الذمة في عنقه وأعناق أصحابه ما جعل وكتب ~~لهم في ذلك الكتب وسجل لهم السجلات، وأكد أمرهم عندما صاروا إليه حين أفضي ~~الأمر إليه واستوثق له، فأتوه بحرمته وذكروه بمعونتهم إياه على إعلان أمره ~~وإظهار دعوته. وذلك أن الرهبان كانوا يبشرونه ويخبرونه قبل نزول الوحي عليه ~~بما مكن الله له وصار إليه. فلذلك كان يكثر ms003 تواده لهم وإطالة محادثتهم، ~~ويرى كثيرا عندهم مخاطبا لهم في تردده إلى الشام وغيرها. وكان الرهبان ~~وأصحاب الأديرة يكرمونه ويجلونه طوعا ويخبرون أصحابهم بما يريد الله أن ~~يرفع من أمره ويعلن من ذكره، وكانت النصارى تميل إليه وتخبره بمكيدة اليهود ~~ومشركي قريش وما يبتغونه له من الشر، مع مودتهم له وإجلالهم إياه وأصحابه. ~~فعند ذلك نزل الوحي على نبينا عليه السلام، وشهد الله لهم في القرآن قائلا: ~~"ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا (يعني مشركي ~~قريش). ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى، ذلك بأن ~~منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون" (مائدة 85). وعرف النبي عليه ~~السلام، بما أنزل عليه من الوحي، صحة ضمائرهم ونياتهم، وأنهم أصحاب المسيح ~~حقا السائرون بسيرته الآخذون بسننه، إذ كانوا لا يقبلون القتال ولا يستحلون ~~المال ولا يغشون أحدا ولا يريدون بالناس سوءا ولا مكروها، وأنهم طالبو ~~السلامة ولا يصرون على حسد ولا على عداوة، بل يعتقدون الفضل على الناس ~~جميعا. فأعطاهم نبينا لذلك ما أعطاهم من العهود والمواثيق، وجعل لهم من ~~الذمة في رقبته ورقاب أصحابه، ووصى بهم تلك الوصية عندما أطلعه الله على ما ~~أطلعه عليه من أمرهم وبراءة ساحتهم. فنحن مقرون بذلك غير جاحدين ولا ~~منكرين، وناظرون لهذا الفعل، وآخذون بهذه السنة، وقابلون لهذه الوصية، ~~وموجبون هذا الحق على أنفسنا ولقيت جماعة من الرهبان المعروفين بشدة الزهد ~~وكثرة العلم، ودخلت عمارات وديارات وبيعا كثيرة، وحضرت صلواتهم تلك الطوال ~~السبع التي يسمونها صلوات الأوقات، وهي صلاة الليل، وصلاة الغداة، وصلاة ~~الثالثة التي هي صلوة السحر، وصلوة نصف النهار أعني صلوة الظهر، وصلوة ~~التاسعة التي هي قريبة من وقت العصر، وصلوة الغروب والعشاء، وصلاة الشفع ~~وهي صلوة العشاء المفروضة، وصلاة النوم التي يصلونها قبل أخذهم مضاجعهم. ~~ورأيت ذلك الاجتهاد العجيب، والركوع والسجود بإلصاق الخدود بالأرض وضرب ~~الجبهة، والتكتف إلى انقضاء صلواتهم، خاصة في ليالي الآحاد وليالي الجمع ~~وليالي الأعياد التي يسهرون فيها منتصبي الأرجل بالتسبيح والتقديس والتهليل ~~الليل كله، ويكثرون ms004 في صلواتهم ذكر الآب والابن والروح القدس، وأيام ~~الاعتكاف التي يسمونها "أيام البواعيث" (صلوات الاستمطار)، وقيامهم فيها ~~حفاة على المسوح والرماد باكين بكاء كثيرا متواترا بإنهمال دموع من الأعين ~~والجفون منتحبين بسحق عجيب. ورأيت عملهم القربان، كيف يحفظونه بالنظافة في ~~خبزهم إياه ودعائهم عند عمله الدعاء الطويل مع التضرع الشديد عند إصعاده ~~على المذبح في البيت المعروف ببيت المقدس مع تلك الكؤوس المملوءة خمرا. ~~ورأيت أيضا ما يتدبر به الرهبان في قلاليهم أيام صياماتهم الستة، أعني ~~الأربعة الكبار والاثنين الصغيرين، وغير ذلك. فهذا كله كنت له حاضرا ولأهله ~~مشاهدا وبه عارفا عالما. ورأيت أيضا مطارنة وأساقفة مذكورين بحسن المعرفة ~~وكثرة العلم، مشهورين بشدة الإغراق في الديانة النصرانية، مظهرين غاية ~~الزهد في الدنيا. فناظرتهم مناظرة نصفة طالبا للحق، مسقطا بيني وبينهم ~~اللجاج والمكابرة بالسلطة والصلف والبذخ بالحسب، وأوسعتهم أمنا أن يقوموا ~~بحجتهم ويتكلموا بجميع ما يريدونه، غير مؤاخذ لهم بذلك ولا متعنت عليهم في ~~شيء كمناظرة الرعاع والجهال والسقاط والعوام والسفهاء من أهل ديانتنا، ~~الذين لا أصل لهم ينتهون إليه ولا عقل فيهم يعولون عليه، ولا دين ولا أخلاق ~~تحجبهم عن سوء الأدب، وإنما كلامهم العنت والمكابرة والمغالبة بسلطان ~~الدولة بغير علم ولا حجة. وكانوا إذا أنا ناظرتهم وسألتهم مسألة بحث فاحصا ~~عن قولهم، وكانوا لشدة ورعهم ودعتهم واعتقادهم يصدقونني عن أمرهم ولا ~~يكذبونني في شيء مما كنت أسائلهم عنه وأجادلهم فيه. وكنت قد عرفت من ~~بواطنهم مثل الذي قد عرفته من ظاهرهم، فكتبت إليك، أصلحك الله، بهذا الشرح ~~بعد الاستقصاء والبحث الشديد، والإمتحان له على طول الأيام، لئلا يظن بي ~~أني أتجنى الأمور، وليعلم من وقع في يده كتابي هذا أني عارف بجميع أحوال ~~النصارى حق المعرفة فأنا الآن أدعوك بهذه المعرفة كلها مني بدينك الذي أنت ~~عليه، وبطول المحبة، إلى هذا الدين الذي ارتضاه الله لي وارتضيته لنفسي، ~~ضامنا لك به الجنة ضمانا صحيحا والأمن من النار، وهو أن تعبد الله الواحد ~~الأحد الفرد الصمد الذي لم يلد ولم ms005 يولد ولم يتخذ صاحبة ولا ولدا ولم يكن ~~له كفؤا أحد، وهي الصفة التي وصف نفسه جل وعز بها، إذ ليس أحد من خلقه أعلم ~~به من نفسه. فدعوتك إلى عبادة هذا الإله الواحد الذي هذه صفته، ولم أزد في ~~كتابي هذا على ما وصف به نفسه. فهذه ملة أبيك وأبينا إبراهيم، صلوات الله ~~عليه، فإنه كان حنيفا مسلما. ثم أدعوك، حفظك الله، إلى الشهادة والإقرار ~~بنبوة سيدي وسيد ولد آدم وصفي رب العالمين وخاتم الأنبياء محمد بن عبد الله ~~الهاشمي القريشي العربي الأبطحي التهامي، صاحب القضيب والناقة والحوض ~~والشفاعة، حبيب رب العزة ومكلم جبرائيل الروح الأمين الذي أرسله الله بشيرا ~~ونذيرا إلى الناس كافة "بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره ~~المشركون" (توبة 33). فدعا الناس كلهم أجمعين بالرحمة والرأفة وطيب القول ~~وحسن الخلق واللين، فاستجاب هذا الخلق كلهم إلى طاعة دعوته والشهادة له أنه ~~رسول الله رب العالمين إلى من يريد انتصاحا، وأقر الأنام كلهم طائعين ~~مذعنين لما عرفوا من الحق والصدق من قوله وصحة أمره وما جاء به من البرهان ~~الصريح والدليل الواضح، وهو هذا الكتاب المنزل عليه من عند الله، الذي لا ~~يقدر أحد من الإنس والجن أن يأتي بمثله، وكفى به دليلا على دعوته، وأنه دعا ~~إلى عبادة إله واحد فرد صمد، فدخلوا في دينه وصاروا تحت يده غير مكرهين ولا ~~مجبرين، بل خاضعين معترفين مستنيرين بنور هدايته متطاولين باسمه على غيرهم ~~ممن جحد نبوته وأنكر رسالته، فمكن الله لهم في البلاد وأذل لهم رقاب الأمم ~~من العباد، إلا من قال بقولهم ودان بدينهم وشهد على شهادتهم، فحقن بذلك دمه ~~وماله وحرمته أن يؤدي الجزية عن يد وهو صاغر. وهذه الشهادة هي الشهادة التي ~~شهد الله بها قبل أن يخلق الخلائق، إذ كان على العرش مكتوبا "لا إله إلا ~~الله. محمد رسول الله" وأدعوك إلى الصلوات الخمس التي من صلاها لم يخب ولم ~~يخسر بل يربح ويكون في الدنيا والآخرة من الفائزين، وهي الفرض ms006 فيها فرضان: ~~فرض من الله وفرض من رسوله مثل الوتر، وهي ثلاث ركعات بعد العشاء الأخيرة، ~~وركعتان في الفجر، وركعتان بعد الظهر، وركعتان بعد المغرب. فمن ترك شيئا من ~~هذه فليس بجائز له. ويجب على من تركها أياما الأدب ويستتاب منه. فأما الفرض ~~فهو سبع عشرة ركعة في اليوم والليل: ركعتا الفجر، وأربع ركعات الظهر، وأربع ~~ركعات العصر، وثلاث ركعات المغرب وهي العشاء الأولى، وأربع ركعات العشاء ~~الآخرة وهي العتمة. وقد نهى رسول الله أن يقال العتمة، وقال هي عتمة عتمة ~~الليل، وإنما سميت عتمة لتأخرها في العشاء وإبطائها وأدعوك إلى صوم شهر ~~رمضان الذي فرضه الديان ونزل فيه الفرقان، شهر يشهد فيه الله أن فيه ليلة ~~القدر التي هي خير من ألف شهر، تصوم فيه نهارك كله عن جميع المطاعم ~~والمشارب والمناكح إلى أن يسقط قرص الشمس ويدخل حد الليل، ثم تأكل وتشرب ~~وتنكح في ليلك كله حتى يتبين لك الخيط الأسود من الخيط الأبيض حلالا مطلقا ~~هنيئا طيبا من الله. فإن أنت لحقت ليلة القدر بإخلاص نيتك كنت قد فزت في ~~دنياك وآخرتك. قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما ~~كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات ، فمن كان منكم مريضا ~~أو على سفر فعدة من أيام أخر، وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين، فمن ~~تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون. شهر رمضان الذي ~~أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، فمن شهد منكم الشهر ~~فليصمه، ومن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر. يريد الله بكم ~~اليسر لا يريد بكم العسر، ولتكملوا العدة، ولتكبروا الله على ما هداكم ~~ولعلكم تشكرون. وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان، ~~فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون. أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى ~~نسائكم. هن لباس لكم وانتم لباس لهن. علم الله أنكم تختانون أنفسكم فتاب ~~عليكم وعفا عنكم، فالآن ms007 باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم، وكلوا واشربوا ~~حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، ثم أتمموا الصيام ~~إلى الليل. ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد. تلك حدود الله فلا ~~تقربوها" (بقرة 179-183). وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم الفطور ويؤخر ~~السحور ثم أدعوك إلى الحج إلى بيت الله الحرام الذي بمكة، والنظر إلى حرم ~~رسول الله وإلى آثاره ومواضعه المباركة، ورمي الحجار، والتلبية والإحرام، ~~وتقبيل الركن والمقام، ومشاهدة تلك المواضع وتلك المشاعر العجيبة ثم أدعوك ~~إلى الجهاد في سبيل الله بغزو المنافقين، وقتال الكفرة والمشركين ضربا ~~بالسيف وسبيا وسلبا حتى يدخلوا في دين الله ويشهدوا أن الله لا إله إلا هو، ~~وأن محمدا عبده ورسوله، أو يؤدوا الجزية عن يد وهم صاغرون. وأدعوك إلى ~~الإقرار بأن الله يبعث من القبور، وأنه ديانهم بالعدل، فيكافي الحسنى ~~بالحسنى، ويجزي المسيء بإساءته، وأنه يدخل أولياءه وأهل طاعته، الذين أقروا ~~بوحدانيته وشهدوا بأن محمدا عبده ورسوله وآمنوا بما نزل عليه من القرآن، ~~الجنة التي أعد لهم فيها الطيبات "يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا، ~~ولباسهم فيها حرير" (الحج 23). "وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن، إن ~~ربنا لغفور شكور، الذي أحلنا دار المقامة من فضله لا يمسنا فيها نصب ولا ~~يمسنا فيها لغوب" (ملائكة 32). "أولئك لهم رزق معلوم، فواكه وهم مكرمون في ~~جنات النعيم، على سرر متقابلين، يطاف عليهم بكأس من معين، بيضاء لذة ~~للشاربين، لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون. وعندهم قاصرات الطرف عين كأنهن ~~بيض مكنون" (صافات 40-47). "إن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف ~~مبنية تجري من تحتها الأنهار، وعد الله لا يخلف الله الميعاد" (زمر 21). ~~"يا عبادي لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، الذين آمنوا بآياتنا وكانوا ~~مسلمين. أدخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون، يطاف عليهم بصحاف من ذهب ~~وأكواب، وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون" (زخرف ~~68-71). "إن المتقين في مقام أمين في جنات وعيون. يلبسون من ms008 سندس وإستبرق ~~متقابلين كذلك وزوجناهم بحور عين، يدعون فيها بكل فاكهة آمنين، لا يذوقون ~~فيها الموت إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم، فضلا من ربك ذلك هو ~~الفوز العظيم" (دخان 51 - 57). وقال عز وجل: "مثل الجنة التي وعد المتقون ~~فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه، وأنهار من خمر لذة ~~للشاربين، وأنهار من عسل مصفى، ولهم فيها من كل الثمرات ومغفرة من ربهم كمن ~~هو خالد في النار، وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم" (محمد 16-17). وقال عز ~~وجل: "وإن للمتقين لحسن مآب، جنات عدن مفتحة لهم الأبواب، متكئين فيها ~~يدعون فيها بفاكهة كثيرة وشراب، وعندهم قاصرات الطرف أتراب، هذا ما توعدون ~~ليوم الحساب. إن هذا لرزقنا ماله من نفاد" (ص 49 - 54) وقال عز وجل في وصف ~~الجنة: "ولمن خاف مقام ربه جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. ذواتا أفنان، ~~فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهما عينان تجريان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. ~~فيهما من كل فاكهة زوجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على فرش بطائنها ~~من إستبرق وجنى الجنتين دان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهن قاصرات الطرف لم ~~يطمثهن إنس قبلهم ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. كأنهن الياقوت ~~والمرجان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان. ومن دونهما جنتان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. مدهامتان، فبأي ~~آلاء ربكما تكذبان. فيهما عينان نضاختان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهما ~~فاكهة ونخل ورمان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. فيهن خيرات حسان، فبأي آلاء ~~ربكما تكذبان. حور مقصورات في الخيام، فبأي آلاء ربكما تكذبان.لم يطمثهن ~~إنس قبلهم ولا جان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. متكئين على رفرف خضر وعبقري ~~حسان، فبأي آلاء ربكما تكذبان. تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام" (الرحمن ~~49-75) وقال عز وجل: "وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا حتى إذا جاءوها ~~وفتحت أبوابها وقال لهم: خزنتها سلام عليكم، طبتم فادخلوها خالدين" (الزمر ~~73) وقال عز وجل: "ولقاهم نضرة وسرورا، وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا، ~~متكئين ms009 فيها على الأرائك لا يرون فيها شمسا ولا زمهريرا، ودانية عليهم ~~ظلالها وذللت قطوفها تذليلا، ويطاف عليهم بآنية من فضة وأكواب كانت قوارير ~~قوارير من فضة قدروها تقديرا. ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا، عينا ~~فيها تسمى سلسبيلا" (الإنسان 11-18) وقال عز وجل: "إن للمتقين مفازا، حدائق ~~وأعنابا، وكواعب أترابا وكأسا دهاقا، لا يسمعون فيها لغوا ولا كذابا، جزاء ~~من ربك عطاء حسابا" (النبأ 31 - 36) وقال تبارك وتعالى: "إن المتقين في ~~جنات ونعيم، فاكهين بما آتاهم ربهم ووقاهم ربهم عذاب الجحيم، كلوا واشربوا ~~هنيئا بما كنتم تعملون، متكئين على سرر مصفوفة وزوجناهم بحور عين، والذين ~~آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم، وما آلتناهمء من عملهم من ~~شيء، كل امرء بما كسب رهين. وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون. يتنازعون ~~فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم، ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون، ~~وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، قالوا انا كنا قبل في أهلنا مشفقين، فمن ~~الله علينا ووقانا عذاب السموم، إنا كنا من قبل ندعوه إنه هو البر الرحيم" ~~(الطور 17 - 28) وقال تبارك وتعالى: "والسابقون السابقون، أولئك المقربون، ~~في جنات النعيم، ثلة من الأولين، وقليل من الآخرين، على سرر موضونة، متكئين ~~عليها متقابلين، يطوف عليهم ولدان مخلدون، بأكواب وأباريق وكأس من معين، لا ~~يصدعون عنها ولا ينزفون، وفاكهة مما يتخيرون، ولحم طير مما يشتهون، وحور ~~عين كأمثال اللؤلؤ المكنون، جزاء بما كانوا يعملون، لا يسمعون فيها لغوا ~~ولا تأثيما، إلا قيلا سلاما سلاما. وأصحاب اليمين، ما أصحاب اليمين، في سدر ~~مخضود، وظل ممدود، وماء مسكوب، وفاكهة كثيرة لا مقطوعة ولا ممنوعة، وفرش ~~مرفوعة، إنا أنشأناهن إنشاء فجعلناهن أبكارا عربا أترابا لأصحاب اليمين، ~~ثلة من الأولين وثلة من الآخرين" (الواقعة 10 - 39). فهذه، أبقاك الله، صفة ~~الجنة التي أعدها الله للمؤمنين به وبرسوله، وأعد لهم فيها الطيبات من ~~الطعام والشراب وأنواع الفواكه والرياحين، ونكاح الحور العين اللاء هن ~~كأمثال اللؤلؤ المكنون بلا نهاية ولا انقطاع. يأخذون كل ما تشتهي الأنفس ~~وتلذ ms010 الأعين، ولهم فيها الكرامة والحياة والجلوس على الأسرة، متكئين على ~~الأرائك، عليهم ثياب الحرير اللين مستورين بالأسرة المكللة باللؤلؤ، تعرف ~~في وجوههم نضرة النعيم. يدور عليهم الولدان والوصائف والوصفاء الذين هم في ~~جنسهم كاللؤلؤ المكنون، يسقون من كأسات فيها الرحيق المختوم الذي ختامه مسك ~~ومزاجه من تسنيم عينا يشرب منها المقربون، يحيون بها بأحسن التحية وأطيبها، ~~ويقولون لهم: كلوا واشربوا وتنعموا، هنيئا لكم بما كنتم تعملون، لا يسمعون ~~فيها لغوا ولا يمسهم جوع ولا لغوب، فهم في هذا النعيم آمنون واثقون خالدون ~~أبدا. وأما الكفار الذين أشركوا بالله واتخذوا معه الأنداد ولم يؤمنوا ~~برسله وكذبوا بآياته وحرموا حدوده وحاربوه، فهم أهل النار يلقونها كفاحا في ~~جهنم لا بثين في نار لا تطفأ وزمهرير لا يوصف وهم فيها خالدون، كلما احترقت ~~جلودهم جددت لهم جلود أخرى، مقامهم في الجحيم وشرابهم المهل، وطعامهم من ~~شجرة الزقزم، رفقاء لإبليس وجنود له وبئس المصير وقال عز وجل: "الذين ~~يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير حق، ويقتلون الذين يأمرون بالقسط ~~من الناس، فبشرهم بعذاب أليم. أولئك الذين حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة ~~وما لهم من ناصرين" (آل عمران 20، 21). وقال تبارك وتعالى: "الذين يكفرون ~~بالله ورسله.. ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض، ويريدون أن يتخذوا بين ذلك ~~سبيلا، أولئك هم الكافرون حقا، وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا" (النساء ~~149-150). وقال تبارك وتعالى: "والذين كفروا لهم نار جهنم لا يقضى عليهم ~~فيموتوا ، ولا يخفف عنهم من عذابها، كذلك نجزي كل كفور" (الملائكة 33). ~~وقال أيضا .. "شجرة الزقوم إنا جعلناها فتنة للظالمين، إنها شجرة تخرج في ~~أصل الجحيم، طلعها كأنه رؤوس الشياطين، فإنهم لآكلون منها فمالئون منها ~~البطون، ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم، ثم ان مرجعهم لإلى الجحيم" (صافات ~~60 - 66). ثم "فويل للذين كفروا من النار.... وإن للطاغين لشر مآب، جهنم ~~يصلونها فبئس المهاد هذا فليذوقوه حميم وغساق" (ص 26 و 55 - 56) وقال: "لهم ~~من فوقهم ظلل من النار، ومن تحتهم ظلل" (الزمر 18) وقال: "ويوم القيامة ترى ~~الذين كذبوا ms011 على الله وجوههم مسودة أليس في جهنم مثوى للمتكبرين والذين ~~كفروا بآيات الله، أولئك هم الخاسرون" (الزمور 61 و 63) وقال: "وسيق الذين ~~كفروا إلى جهنم زمرا، حتى إذا جاءوها فتحت أبوابها وقال لهم: "خزنتها ألم ~~يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا، قالوا: ~~بلى، ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين. قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين ~~فيها، فبئس مثوى المتكبرين" (الزمر 71 و 72) "وقال الذين في النار لخزنة ~~جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب، قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم ~~بالبينات، قالوا بلى، قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال" (المؤمن ~~52-53). وقال: "ألم تر إلى الذين يجادلون في آيات الله أنى يصرفون، الذين ~~كذبوا بالكتاب وبما أرسلنا به رسلنا، فسوف يعلمون، إذ الأغلال في أعناقهم ~~والسلاسل يسحبون في الحميم ثم في النار يسجرون" (المؤمن 71-73). وقال: ~~"الكافرون لهم عذاب شديد.. وترى الظالمين لما رأوا العذاب يقولون: هل إلى ~~مرد من سبيل؟ وتراهم يعرضون عليها خاشعين من الذل ينظرون من طرف خفي" (شورى ~~43 ، 45). وقال تبارك وتعالى: "إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون، لا يفتر ~~عنهم وهو فيه مبلسون، وما ظلمناهم ولكن كانوا هم الظالمين، ونادوا يا مالك، ~~ليقض علينا ربك، قال إنكم ماكثون" (زخرف 74 - 77). وقال: "إن شجرة الزقوم ~~طعام الأثيم، كالمهل يغلي في البطون كغلي الحميم، خذوه فاعتلوه إلى سواء ~~الجحيم، ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم. ذق إنك أنت العزيز الكريم. إن ~~هذا ما كنتم به تمترون" (دخان 43 - 50). وقال عز وجل: "كمن هو خالد في ~~النار وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم... ذلك بأنهم قالوا للذين كرهوا ما نزل ~~الله سنطيعكم في بعض الأمر، والله يعلم أسرارهم، فكيف إذا توفتهم الملائكة ~~يضربون وجوههم وأدبارهم، ذلك بأنهم اتبعوا ما أسخط الله، وكرهوا رضوانه ~~فأحبط أعمالهم، أم حسب الذين في قلوبهم مرض أن لن يخرج الله أضغانهم" (محمد ~~17- 25). وقال: "ويل يومئذ للمكذبين. ألم نجعل الأرض كفاتا، وأمواتا، ~~وجعلنا فيها رواسي شامخات وأسقيناكم ماء ms012 فراتا. ويل يومئذ للمكذبين، ~~انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون. انطلقوا إلى ظل ذي ثلث شعب، لا ظليل ولا ~~يغني من اللهب، إنها ترمى بشرر كالقصر، كأنه جمالة صفر. ويل يومئذ ~~للمكذبين، هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون. ويل يومئذ للمكذبين، ~~هذا يوم الفصل جمعناكم والأولين" (مرسلات 24 - 37). فهل سمعت عافاك الله يا ~~هذا بوصف أحسن وأعجب من هذا، من ترغيب وترهيب، وترشيف وتهويل، وتحريض ووعد ~~ووعيد لكل جبار عنيد ولكل مصدق ومكذب ولكل مؤمن وكافر ولكل مقر وجاحد؟ فلو ~~لم ترغب إلا في ذلك الوصف لكان ذلك فيه الغنم والفوز العظيم، ولو لم ترهب ~~إلا من ذكر النار وأهوال جهنم لكان في تركك ذلك الخطب الجليل، وعليك فيه ~~الخسران المبين. قال الله تبارك وتعالى : "ذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين". ~~فأما نحن فقد ذكرناك، فإن أنت آمنت وقبلت ما يتلا عليك من كتاب الله ~~المنزل، انتفعت بما ذكرناك وكتبنا به إليك. وإن أبيت إلا المقام على كفرك ~~وضلالك وعنادك للحق، كنا نحن قد أجرنا إذ عملنا بما أمرنا به، وكان الحق ~~المنتصف منك إن شاء الله. فهذه، أنار الله قلبك، هيئة ديننا القيم وهذه ~~شرائعه وسننه، فإذا أنت دخلت فيه وأقررت به وشهدت على شهادته وأحببت الدخول ~~في ما دعوناك إليه من شرائعنا النيرة وسنننا الحسنة، كنت مثلنا وكنا مثلك، ~~فحسبك بنا شرفا في الدنيا والآخرة، وان نبينا عليه السلام يقول يوم ~~القيامة: كل أحد مشغول بنفسه من ملك مقرب ونبي مرسل سواه، وهو يقول: أهل ~~بيتي أمتي أمتي، فيجاب أولا في أهل بيته ثم في أمته. ويقول الرحمن للملائكة ~~: إني استحيي أن أرد شفاعة صفيي وحبيبي محمد. ثم تكون ممن يجب لك ما يجب، ~~وتصلي إلى قبلتنا التي ارتضاها الله لنا، وتقيم الصلوات الخمس بعد إسباغ ~~الوضوء إذا كنت صحيحا وقائما على رجليك. وإذا كنت مريضا أو ضعيفا فجالس. ~~فإن كنت على سفر فنصف ما تصليه وأنت بالحضر قال الله عز وجل: "أقيموا ~~الصلاة وآتوا الزكاة". وأما ms013 الزكاة فهي ربع العشر إذا أتى على المال وهو في ~~ملك صاحبه حول كامل، فتصرف ذلك على المساكين من ملتك والفقراء من أهل بيتك ~~وتنكح من النساء ما أحببت، لا جناح عليك في ذلك ولا لوم ولا إثم ولا عيب، ~~إذا أنت تزوجتها بولي وشاهدين وآتيتها من المهر ما طابت به نفسك ونفسها مما ~~تيسر. ولك أن تجمع بين أربع نساء، وتطلق من شئت إذا كرهتها أو مللتها أو ~~شبعت منها. ولك أن تراجع بعد الاستحلال من أحببت منهن أيتهن تبعتها نفسك. ~~قال الله تعالى عز وجل: "فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجا غيره، ~~فإن طلقها فلا جناح عليهما أن يتراجعا" (البقرة 230). وتتمتع من الإماء بما ~~ملكت يداك. وتختتن لتقيم سنة إبراهيم أبينا خليل الرحمن وسنة إسماعيل أبينا ~~وأبيك صلوات الله عليهما، وتغتسل من الجنابة ثم إن قدرت تصوم شهر رمضان. ~~إلا إن أفطرت من علة أو مرض أو سفر بعد أن تنوي قضاء ذلك "فإن الله يريد ~~لعباده اليسر ولا يريد لهم العسر". وإن حنثت في قسمك عملت بما أمر الله به ~~في ذلك، إذ يقول تبارك وتعالى: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم، ولكن ~~يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم، والله غفور حليم" (بقرة 225). وكفارة الحنث عندنا ~~معاشر المسلمين قوله تعالى "إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم، ~~أو كسوتهم ، أو تحرير رقبة. فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة ~~أيمانكم إذا حلفتم. واحفظوا أيمانكم.كذلك يبين لكم الله آياته لعلكم ~~تشكرون". (مائدة 91-92) والحج واجب عليك لأنه جل جلاله يقول: "ولله على ~~الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا" (آل عمران 91). وذلك إذا لم يكن عليك ~~دين وكانت لك راحلة وكان عندك ثمن الزاد والغزو في سبيل الله، فمعه الغنيمة ~~في الدنيا عاجلا، والأجر العظيم في الآخرة آجلا. فقد سهل الله، وله الحمد، ~~على المؤمنين، وإن شاء الله ليحب أن يؤخذ بعزائمه وتشديداته. ولو لم يكن في ~~دين الإسلام شيء إلا الطمأنينة والأمن وتسليم ms014 القلب لله والراحة والثقة بما ~~ضمن الله لنا عن نفسه أنه هو يثيبنا على ذلك في الآخرة الأجر العظيم ~~ويدخلنا جنات النعيم فنكون فيها خالدين، وينصرنا فيها على القوم الظالمين، ~~لكان في دون هذا لنا الفوز العظيم فقد تلوت عليك من قول الله فيما سلف من ~~كتابي هذا ما في أقله كفاية، فدع ما أنت عليه من الكفر والضلال والشقاوة ~~والبلاء، وقولك بذلك التخليط الذي تعرفه ولا تنكره، وهو قولكم بالآب والابن ~~والروح القدس، وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع، فإني أرتابك عنه وأجل فيه ~~علمك وشرف حسبك عن خساسته، فإني وجدت الله تبارك وتعالى يقول: "إن الله لا ~~يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء" (نساء 51). وقال: "لقد كفر ~~الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم. وقال المسيح يا بني إسرائيل، ~~اعبدوا الله ربي وربكم، إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه ~~النار، وما للظالمين من أنصار. لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة، ~~وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم ~~عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم. ما المسيح ~~ابن مريم إلا رسول قد خلت من قبله الرسل، وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام. ~~انظر كيف نبين لهم الآيات ثم انظر أنى يوفكون" (مائدة 76 - 79). فدع ما أنت ~~فيه من تلك الضلالة وتلك الحمية الشديدة الطويلة المتعبة، وجهد ذلك الصوم ~~الصعب والشقاء الدائم، والبلاء الطويل، الذي أنت منغمس فيه، الذي لا ينفع ~~ولا يجدي عليك نفعا إلا إتعابك بدنك وتعذيبك نفسك، وأقبل داخلا في هذا ~~الدين القيم السهل المنهج الصحيح الاعتقاد الحسن الشرائع الواسع السبيل، ~~الذي ارتضاه الله لأوليائه من عباده، ودعا جميع خلقه إليه من بين الأديان ~~كلها تفضلا منه عليهم به، وإحسانا إليهم بهدايته إياهم، ليتم بذلك نعماه ~~عندهم. فقد نصحت لك يا هذا وأديت إليك حق المودة وخالص المحبة، إذ أحببت أن ~~أخلطك بنفسي، وأن أكون أنا ms015 وأنت على رأي واحد وديانة واحدة. فإني وجدت ربي ~~يقول: "إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها، ~~أولئك هم شر البرية. إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية، ~~جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا، رضي ~~الله عنهم ورضوا عنه، ذلك لمن خشي ربه" (بينة 6- 7). وقال الله، في محكم ~~كتابه، في موضع آخر: "كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف" (آل عمران ~~103). وأشفقت عليك أن تكون من أهل النار الذين هم شر البرية، ورجوت أن تكون ~~بتوفيق الله إياك من المؤمنين الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه وهم خير ~~البرية، ورجوت أن تكون من هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس. فإن أبيت ~~إلا جهلا وتماديا في كفرك وطغيانك الذي أنت فيه، ورددت علينا قولنا ولم ~~تقبل ما بذلناه لك من نصيحتنا، حيث لم نرد منك على ذلك جزاء ولا شكرا، ~~فاكتب بما عندك من أمر دينك، والذي صح في يدك منه وما قامت به الحجة عندك، ~~آمنا مطمئنا غير مقصر في حجتك ولا مكاتم لما تعتقده. ولا فرق ولا وجل، فليس ~~عندي إلا الاستماع للحجة منك، والصبر والإذعان والإقرار بما يلزمني منه ~~طائعا غير منكر ولا جاحد ولا هائب، حتى نقيس ما تأتينا به وتتلوه علينا ~~ونجمعه إلى ما في أيدينا، ثم نخيرك بعد ذلك على أن تشرح لنا عليه، وتدع ~~الاعتلال علينا بقولك إن الفزع حجبك وقطعك عن بلوغ الحجة، واحتجت أن تقبض ~~لسانك ولا تبسطه لنا ببيان الحجة، فقد أطلقناك وحجتك لئلا تنسبنا إلى ~~الكبرياء وتدعي علينا الجور والحيف، فإن ذلك غير شبيه بنا، فاحتج عافاك ~~الله بما شئت، وقل كيف شئت، وتكلم بما أحببت وانبسط في كل ما تظن أنه يؤديك ~~إلى وثيق حجتك، فإنك في أوسع الأمان، ولنا عليك إذ قد أطلقناك هذا الإطلاق ~~وبسطنا لسانك هذا البسط، أن تجعل بيننا وبينك حكما عادلا لا يجور في حكمه ~~وقضائه، ولا يميل إلى ms016 غير الحق إذا ما تجنب دولة الهواء، وهو العقل الذي ~~يأخذ به الله عز وجل ويعطي. فإننا قد أنصفناك في القول، وأوسعناك في ~~الأمان، ونحن راضون بما حكم به العقل لنا وعلينا، إذ كان لا إكراه في ~~الدين. وما دعوناك إلا طوعا وترغيبا في ما عندنا، وعرفناك شناعة ما أنت ~~عليه. والسلام عليك ورحمة الله وبركاته. ### | # فأجابه النصراني بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر ولا تعسر. رب تمم بالخير ~~. إلى فلان بن فلان، من فلان بن فلان أصغر عبيد المسيح. سلامة ورحمة ورأفة ~~وتحيات تحل عليك خاصة، وعلى جميع أهل العالم عامة بجوده وكرمه آمين. أما ~~بعد، فقد قرأت رسالتك وحمدت الله على ما وهب لي من رأي سيدي أمير المؤمنين، ~~ودعوت الله الذي لا يخيب داعيه، إذا دعاه بنية صادقة، وأن يطيل بقاء سيدنا ~~أمير المؤمنين في أسبغ النعم، وأدوم الكرامة، وأشمل العافية بمنه رحمته. ~~وشكرت، أكرمك الله، ما ظهر لي من فضلك، وما كشفته من لطيف محبتك، وما ~~خصصتني به من المودة، فقد كان العهد قبلا عندي على هذا قديما، وقد زاده ~~تأكيدا ما تبين لي من شفقتك مستأنفا. وشكري يقصر عما فعلته، ولم تتعد ما ~~يشبه كرم طباعك وشرف سلفك. وأنا أرغب إلى الله، جل اسمه، الذي بيده الخير ~~كله أن يتولى مكافأتك عني بما هو واسع له. إذ لم تأت بما أتيت به إلا على ~~الإخلاص من المودة، وكان الذي حملك على ذلك فرط المحبة والإلفة. وفهمت، ~~أفهمك الله كل خير، وهداك إلى سبيل الرشاد، ما اقتصصته في كتابك وتعمقت فيه ~~من الدعوة وشرحته من أمر ديانتك هذه التي أنت عليها، وما دعوتني إلى الدخول ~~إليه ورغبتني فيه منها. وقد علمت، أصلحك الله، علما حقيقيا، أن الذي دعاك ~~إلى ذلك ما يوجبه لنا تفضلك من حق حرمتنا بك لما يظهر من رأي سيدنا وسيدك ~~وابن عمك أمير المؤمنين فينا، فهذا ما لا قوة لنا على شكرك عليه، ولا عون ~~لنا على ذلك إلا الله تبارك وتعالى، ms017 فإننا نستعينه ونسأله مبتهلين طالبين ~~إليه أن يشكرك عنا، فإنه أهل لذلك والقادر عليه فأما ما دعوتني إليه من أمر ~~دينك الذي تنتحله، ومقالتك التي تعتقدها وهي الحنيفية، وأنك على ملة أبينا ~~إبراهيم، وما قلت فيه انه كان حنيفا مسلما، فنحن نسأل المسيح سيدنا مخلص ~~العالمين، الذين وعدنا الوعد الصادق وضمن لنا الضمان الصحيح في إنجيله ~~المقدس، حيث يقول: "ومتى قدموكم إلى المجامع والرؤساء والسلاطين فلا تهتموا ~~كيف أو بما تحتجون أو بما تقولون، لأن الروح القدس يعلمكم في تلك الساعة ما ~~يجب أن تقولوه" (لوقا 12: 11، 12). فأنا واثق بما وعدني به سيدي المسيح في ~~إنجيله المقدس من إنجازه وعده لي، وادخل معك المعركة مستغيثا بالله، متكلا ~~عليه، إذ كنت أنا العاجز عن كل شيء لا أتأخر عن دعوته المنيرة وعن دينه ~~الأفضل، وافتتح كلامي بما يلقنني به من صلاح القول، ويلهمني من وثيق الحجة ~~،كعادته عند أوليائه، وأرجو منه الظفر. ### || التثليث # وأقول مجيبا لك: قد علمت أنك قرأت كتب الله المنزلة، ونظرت في ديوان ~~أسراره المقدسة، التي هي الكتب العتيقة والحديثة. ومكتوب في التوراة التي ~~أنزلها الله تعالى على موسى النبي، وناجاه بجميع ما فيها، وخبره أسراره في ~~السفر الأول من أسفارها الخمسة، وهو المعروف بسفر الخليقة (التكوين)، أن ~~إبراهيم كان نازلا مع آبائه بحران، وأنها كانت مسكنا له، وأن الله تجلى له ~~بعد تسعين سنة، فآمن به وحسب له ذلك برا. ولكنه كان قبل ذلك التجلي يعبد ~~الصنم المسمى العزى، وهو المعروف بحران، المتخذ على اسم القمر، لأن أهل ~~حران كانوا يعبدون هذا الصنم، فكان إبراهيم يعبد الصنم حنيفا مع آبائه ~~وأجداده وأهل بلده، كما أقررت أنت أيها الحنيف وشهدت بذلك عليه، إلى أن ~~تجلى الله عليه "فآمن بالرب فحسب له ذلك برا " (تكوين 15). فترك الحنيفية ~~التي هي عبادة الأصنام، وصار موحدا مؤمنا، لأننا نجد الحنيفية في كتب الله ~~المنزلة اسما لعبادة الأصنام، فورث إبراهيم ذلك التوحيد إسحق، الذي هو ابن ~~الموعد، وهو الذي قر به لله ففداه الله ms018 بالكبش، لأنه هكذا أمره الله: "وقال ~~أعمد إلى أبنك ووحيدك الذي تحبه، وهو اسحق، فأمض به حتى تقربه لي قربانا في ~~الموضع الذي أريكه " (تك 22: 2). ومن نسل اسحق من سارة الحرة خرج المسيح ~~مخلص العالم. فلهذه الأسباب وغيرها ورثه إبراهيم أبوه التوحيد، ثم ورثه ~~اسحق يعقوب ابنه الذي سماه الله إسرائيل، ثم ورثه يعقوب الاثني عشر سبطا. ~~فلم يزل ذلك التراث في بني إسرائيل حتى دخلوا أرض مصر أيام الفراعنة بسبب ~~يوسف، ثم لم يزل ذلك التراث ينقص ويضعف قرنا بعد قرن حتى اضمحل، كاضمحلاله ~~الذي كان في عصر نوح، إذ كان التوحيد أول من عرفه أبونا آدم، ثم ورثه شيت، ~~ثم شيث ورثه أنوش ابنه، فكان انوش أول من أعلن ذكر التوحيد ودعا إليه، ثم ~~ورثه نوح ولده وولد ولده (أحفاده)، ثم اضمحل إلى زمن إبراهيم. فتجدد ذلك ~~التراث لإبراهيم، ولم يزل يتجدد إلى أن ولد يعقوب، الذي هو إسرائيل الله، ~~ثم اضمحل حتى تجدد عندما بعث الله موسى، فإن الله تجلى عليه بالنار في ~~العوسجة، فقال له موسى: "إنك ترسلني إلى قوم غلف القلوب. إن هم سألوني: ما ~~اسم الذي وجهك إلينا، وبماذا وجهك حتى نصدقك؟ فماذا أقول لهم؟ فقال الله: ~~هكذا تقول لبني إسرائيل الذين أنا مرسلك إليهم، وبهذا القول تخاطب فرعون ~~إذا دخلت إليه: "أهيه أشر أهيه أرسلني إليكم". وتفسيره: "ذلك الأزلي الذي ~~لم يزل إله آبائكم، إله إبراهيم وإله إسحق وإله يعقوب، أرسلني إليكم" (خروج ~~3: 15). فجدد ذكر التوحيد وألغز عن سر الثالوث حيث قال: "إله إبراهيم وإله ~~إسحق وإله يعقوب" فكرر بذلك القول ذكر الثلاثة الأقانيم بعد ذكر التوحيد ~~كما كان قديما، فهو واحد ذو ثلاثة أقانيم لا محالة، لأنه أجمل في قوله: ~~"إله آبائكم" ثم قال مكررا اسم الجلالة ثلاث مرات. أفتقول أنها ثلاثة آلهة، ~~أم إله واحد مكررا ثلاث مرات؟ فإن قلنا إنها ثلاثة آلهة أشركنا وجئنا بأشنع ~~القول وأمحله، وإن قلنا إله واحد مكررا ثلاث مرات نكون قد دفعنا للكتاب ~~حقه، لأنه ms019 قد كان يمكنه أن يقول: إله آبائكم إبراهيم واسحق ويعقوب. وإنما ~~كرر ذلك للإشارة أن في هذا الموضع سرا، وهو أن الله واحد ذو ثلاثة أقانيم. ~~فثلاثة أقانيم إله واحد، وإله واحد ثلاثة أقانيم. فأي دليل أوضح وأي نور ~~أضوى من هذا إلا لمن عاند الحق، وأراد أن يغش نفسه، ويصم سمع عقله عن ~~استماع سر الله الذي أودعه الله في كتبه التي أنزلها على أنبيائه، وهي، ~~أكرمك الله، في أيدي أصحاب التوراة. الذين إلى هذا الوقت لم يكونوا ~~يفهمونه، حتى جاء صاحب السر الذي هو المسيح سيدنا وكشفه لنا. فقد علمنا ~~الآن أن إبراهيم كان منذ ولد إلى أن أتت عليه تسعون سنة حنيفا عابد صنم، ثم ~~آمن بالله إلى أن قبض (مات). فأنت تدعوني إلى دين إبراهيم وملته، فليت ~~شعري، إلى أي مذهبيه ودينيه تدعوني؟ وفي أي حالتيه ترغبني؟ أحيث كان حنيفا ~~يعبد الصنم المعروف بالعزى مع آبائه وأهل بيته وهو بحران؟ أم حيث خرج عن ~~الحنيفية ووحد الله وعبده وآمن به، فانتقل طائعا عن حران دار الكفرة ومدينة ~~أهل الضلالة؟ فلا أظنك تدعوني إلى مثل حال إبراهيم في كفره وضلاله من عبادة ~~الأصنام، التي هي الحنيفية. وإن كنت تدعوني إلى حاله وقت إيمانه وما حسب له ~~من البر وقت توحيده، فاليهودي ابن إبراهيم أولى بهذه الدعوة منك، لأنه هو ~~صاحب تراث اسحق الذي ورث هذا التوحيد عن إبراهيم أبيه، وهو أولى منك، وأحق ~~بهذا الأمر. فما لك والظلم والحيف والجنف، وطلب ما لم يجعله الله لك حقا؟ ~~فأنت دائما تنسب ذاتك إلى العدل، وتصفها بهذه الصفة، وصاحبك يقر في كتابه: ~~"قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم، ولا تكونن من المشركين" (الأنعام 14) ~~أفلا ترى أنه أول من أظهر الإسلام، وان قبله إبراهيم وغيره لم يكونوا ~~مسلمين، لأن صاحبك قد أقر بأنه هو أول من أسلم؟ فإن أبيت إلا الوكالة ~~بالخصومة والاحتجاج عن اليهود، فأنت تعلم ما يجب لنا عليك في الحكم إذا نحن ~~طالبناك بإقرار اليهودي ms020 بتوكيله إياك! فإن ثبتت وكالتك له نأخذ منك إقرارك ~~أنك قد أقمت نفسك ونصبتها منصب الخصم عن اليهود، وأنا لا أرى لشرفك وحسبك ~~أن أحلك هذا المحل. وإن كنت أنت أحللته نفسك فإني أسألك عن هذا الواحد الذي ~~دعوتنا إلى الإقرار بوحدانيته، كيف تفهمنا انه واحد، وعلى كم نحو يقال ~~للواحد واحدا. فإذا أنبأتنا بذلك علمنا أنك صادق فيما ادعيت من عبادة هذا ~~الواحد. أما إن كنت غير عالم به فأين تبصرك؟ ألا تعلم أن الواحد لا يقال له ~~واحدا إلا على ثلاثة أوجه: إما في الجنس، وإما في النوع، وإما في العدد. ~~ولست أرى أحدا يدعي غير هذا، أو يقدر أن يجد غير هذه الأوجه الثلاثة. فعلى ~~أي وجه تصف الله، جل وعز، واحدا من هذه الوجوه التي ذكرتها لك، أفي الجنس، ~~أم في النوع، أم في العدد. فإن قلت أنه واحد في الجنس صار واحدا عاما ~~لأنواع شتى، لأن حكم الواحد في الجنس هو الذي يضم أنواعا كثيرة مختلفة، ~~وذلك مما لا يجوز في الله. وإن قلت إنه واحد في النوع، صار ذلك نوعا عاما ~~لأقانيم شتى، لأن حكم النوع يضم أقانيم كثيرة في العدد. وإن قلت انه واحد ~~في العدد، كان ذلك نقضا لكلامك أنه واحد فرد صمد، لأنه لو سألك سائل عن ~~نفسك: كم أنت؟ لا تقدر أن تجيبه أنك واحد فرد. فكيف يقبل عقلك هذه الصفة ~~التي لا تفضل إلهك عن سائر خلقه؟ وليتك مع وصفك إياه بالعدد كنت وصفته أيضا ~~بالتبعيض والنقصان. أتراك لا تعلم، أنت الرجل الذي فتشت الكتب وقرأتها، ~~وناظرت أهل الملل المختلفة، وفهمت اعتقاداتهم، أن الواحد الفرد بعض العدد، ~~لأن كمال العدد ما عم جميع أنواع العدد، فالواحد بعض العدد. وهذا نقض ~~لكلامك. فإن قلت انه واحد في النوع، فللنوع ذوات شتى لا واحد فرد. وإن قلت ~~انه واحد في الجوهر، نسألك: هل تخالف صفة الواحد في النوع عندك صفة الواحد ~~في العدد؟ أو إنما تعني واحدا في النوع واحدا في ms021 العدد لأنه عام؟ فإن قلت: ~~قد تخالف هذه تلك ، قلنا لك: حد الواحد في النوع عند أهل الحكمة، العارفين ~~بحدود الكلام، والعالمين بقوانين المنطق، اسم يعم أفرادا شتى، وواحد الواحد ~~ما لا يعم غير نفسه. أفمقر أنت أن الله واحد في الجوهر يعم أشخاصا شتى، أو ~~إنما تصفه شخصا واحدا؟ وإن كان معنى قولك إنه واحد في النوع واحد في ~~العدد، فإنك لم تعرف الواحد في النوع ما هو وكيف هو، ورجعت إلى كلامك الأول ~~أنه واحد في العدد، وهذه صفة المخلوقين، كما قدمنا آنفا. وإن قلت: هل تقدر ~~أنت أن تصف الله واحدا في العدد إذا كان كزعمك الواحد في العدد بعضا وليس ~~بكامل؟ قلنا لك: إننا نصفه واحدا كاملا في الجوهر مثلثا في العدد، أي في ~~الأقانيم الثلاثة فقد كملت صفته من الوجهين جميعا. أما وصفنا إياه واحدا في ~~الجوهر فلأنه أعلى من جميع خلقه، لا يشبهه شيء منها ولا يختلط في غيره، ~~بسيط غير كثيف وروحاني غير جسماني، أب على كل شيء بقوة جوهره من غير امتزاج ~~ولا اختلاط ولا تركيب. وأما في العدد فلأنه عام لجميع أنواع العدد لا يعد ~~وإن تكن أنواعه نوعين زوجا وفردا، فقد دخل هذان النوعان في هذه الثلاثة. ~~فبأي الأنحاء وصفناه لم نعدل عن صفة الكمال شيئا كما يليق به. فوصفنا الله ~~واحدا ليس على ما وصفته أنت. وأرجو أن يكون هذا الجواب مقنعا لك وللناظر في ~~كتابنا هذا، إذا نظر بعين الإنصاف إن شاء الله. وأما قولك أنه لم يتخذ ~~صاحبة ولا ولدا ولم يكن له كفؤا أحد، فإن أنت أنصفتنا أقررت لي بأن الذي ~~وصفه بذلك هو الذي شنع عليه. وأما نحن فلا نقول أن لله صاحبة، ولا أنه اتخذ ~~ولدا، ولا أنه كان له كفؤا أحد، ولا نصفه بمثل هذه الرذائل من صفات التشبيه ~~به، وإنما هذه الشبهات لكم من عند اليهود الذين أرادوا كيدكم بذلك، فلفقوا ~~هذه القصص. وأنت تعلم أنه ليس في كتبنا المنزلة لهذا ذكر ms022 فتقبله عقولنا أو ~~نتكلم به، وإنما هو كتابك الذي أكثر التشنيع علينا، وادعى على المسيح سيدنا ~~ومحيي البشر الدعاوي التي لم يقلها قط. إنما ذلك من حيلة وهب بن منبه وعبد ~~الله بن سلام وكعب المعروف بالأحبار، اليهود الذين احتالوا في إدخال ذلك ~~وغيره من التشنيعات علينا بل وعليكم، وإن فحصت عن ذلك في كتابك عرفت ~~حقيقته. ونحن نقول إن الله الأزلي بكلمته لم يزل حليما رؤوفا، وإنما وصفناه ~~بالرحمة والرأفة والملك والعز والسلطان والجبروت والتدبير، وما أشبه هذه ~~الصفات، لما يظهر لنا من أفعاله. وقد أخبرت عنها عقول الناس واشتقوها له ~~اشتقاقا لأجل فعله إياها، فاستوجبها جل وعز بالكمال والحقيقة، كما استوجب ~~جميع ما سمي به من أجل فعله له. فأما صفات ذاته فجوهر ذو كلمة وروح أزلي لم ~~يزل متعاليا مرتفعا عن جميع النعوت والأوصاف. ولننظر الآن في هذه الصفات من ~~حي وعالم. أهي أسماء مفردة مرسلة، أم أسماء مضافة تدل على إضافة شيء إلى ~~شيء؟ ويجب علينا أن نعلم ما الأسماء المضافة وما الأسماء المفردة المرسلة. ~~فأما الأسماء المرسلة فهي كقول القائل أرض أو سماء، أو نار أو ماء أو كل ما ~~كان بما قيل شبيها مما لا يضاف إلى غيرها. وأما الأسماء المضافة إلى غيرها، ~~كالعالم والعلم، والحكمة والحكيم، وما أشبه ذلك. فالعالم بعلمه والعلم علم ~~عالم. والحكمة حكمة حكيم. والآن نسألك عن الموصوف بهذه الصفة اللازمة هي ~~لجوهره في أزليته، أم اكتسبها له اكتسابا واستوجب الوصف بها من بعد، كما ~~استوجب أن يوصف أن له خليقة حيث خلق، وسائر ذلك مع ما لم أذكر من أسماء ~~يسمى بها وصفات يجلى بها لفعله إياها. فإذا قيل، كما يوصف تعالى، أنه كان، ~~ولا خلق حتى أتى على ذلك بالفعل، كذلك يجوز أن يقال انه كان ولا حياة له ~~ولا علم ولا حكمة حتى صارت الحياة والعلم والحكمة لديه موجودة. وهذا محال ! ~~فلم يكن الله، طرفة عين، خلوا من حياة وعلم. ونعلم أن الصفات في الله صفتان ~~مختلفتان: ms023 صفة طبيعية ذاتية لم يزل متصفا بها، وصفة اكتسبها له اكتسابا وهي ~~صفة فعله. فأما الصفات التي اكتسبها من أجل فعله فمثل رحيم وغفور ورؤوف. ~~وأما الصفات المنزلة التي هي الطبيعية الذاتية التي لم يزل جل وعز متصفا ~~بها فهي الحياة والعلم، فإن الله لم يزل حيا عالما. فالحياة والعلم إذا ~~أزليان لا محالة. فقد صحت نتيجة هذه المقدمات أن الله واحد ذو كلمة وروح في ~~ثلاثة أقانيم قائمة بذاتها، يعمها جوهر اللاهوت الواحد. فهذه هي صفة الواحد ~~المثلث الأقانيم الذي نعبده. وهذه الصفة التي ارتضاها لنفسه ودلنا على سرها ~~في كتبه المنزلة على ألسن أنبيائه ورسله، فأول ذلك ما ناجى به موسى كليمه، ~~حيث أعلمه كيف خلق آدم، فقال في السفر الأول من كتاب التوراة "في البدء ~~الآلهة برا السماوات والأرض" (تكوين 1:1) فبهذا يشير الكتاب المقدس إلى ~~تثليث الأقانيم ووحدة الطبيعة. لأنه بقوله "الآلهة" بصيغة الجمع يشير الى ~~الاقانيم الالهية الثلاثة، وبقوله برا أي "خلق" بضمير المفرد يشير إلى وحدة ~~الطبيعة والجوهر الذي هو للأقانيم الإلهية الثلاثة. وقال أيضا في هذا السفر ~~أن الله قال عند خلقه آدم: "لنصنعن إنسانا على شبهنا وصورتنا" (تكوين 1: ~~26). ولم يقل: "أعمل على صورتي وشبهي". وقال في هذا السفر عندما أخطأ آدم: ~~"هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفا الخير والشر" (تكوين 3: 22). ولم ~~يقل "مثلي". وقال عز وجل في هذا السفر: "تعالوا ننزل فنبلبل هناك لسانهم" ~~(تكوين 11: 7) وذلك لما اجتمعوا ليبنوا صرحا يكون رأسه في السماء، ففرق ~~الله ضعف رأيهم وقلة عقولهم في ما فكروا فيه. ولم يقل "أنزل أبلبل". فهذا ~~ما ناجى الله به موسى، فخبرنا بهذا السر في الأقانيم الثلاثة عن الله. فهل ~~ندع كلام الله والسر الذي أودعه موسى، وبرهان موسى على صحة ذلك بالعلامات ~~العجيبة. ونقبل قول صاحبك بلا حجة ولا آية ولا أعجوبة ولا دليل، حيث يقول ~~أن الله فرد صمد، ثم يرجع فيناقض قوله ويقول إن له روحا وكلمة. فهو قد وحد ~~وثلث من حيث لم ms024 يعلم. وفي كتابك أيضا شبيه بما ذكرنا عن الله "فعلنا" ~~و"خلقنا" و"أمرنا" و"أوحينا" و"أهلكنا". أفيشك أحد في أن هذا القول قول شتى ~~لا قول فرد؟ فإن ادعيت أن العرب قد أجازت هذا القول واستعملته في كلامها ~~ومخاطبتها تريد به التفخم، قلنا لك أيها الملفق: لو كانت العرب وحدها هي ~~التي ابتدعته كان لك في كلامك تعلق. فأما إذ قد سبق العرب العبرانيون ~~والسريانيون واليونانيون وغيرهم من ذوي الألسنة المختلفة، على غير تواطؤ، ~~فليس ما وصفت من إجازة العرب ذلك حجة. فإن قلت: نعم قد أجازته، حيث يقول ~~الرجل الواحد منهم أمرنا وأرسلنا وقلنا ولقينا وما أشبه ذلك، نقول لك إن ~~ذلك صحيح جائز في المؤلف من أشياء مختلفة والمركب من أعضاء غير متشابهة ، ~~لأن الإنسان واحد كثيرة أجزاؤه، فأول الأجزاء من الإنسان النفس والجسد، ~~والجسد مبني من أجزاء كثيرة وأعضاء شتى، فلذلك جاز له أن ينطق بما وصفت من: ~~قلنا وامرنا وأوحينا، إذ هو عدد واحد كما ذكرت. فإن قلت إن ذلك تعظيم لله ~~أن يقول أرسلنا وأمرنا وأوحينا، قلنا لك: لو لم يقل ذلك من ليس بمستحق ~~للتعظيم لجاز قولك، ولكن الله سبحانه يعلمنا أنه واحد ذو ثلاثة أقانيم، قد ~~نطق بكلتي الصيغتين من أمرت وأمرنا وخلقت وخلقنا وأوحيت وأوحينا. فإن ~~الأولى دليل على الوحدانية والثانية على تعدد الأقانيم. وبيان ذلك قول موسى ~~النبي في التوراة ما معناه أن الله تراءى لإبراهيم وهو في موضع يعرف ب"بلوط ~~ممرا" جالسا على باب خبائه في وقت استحرار النهار، فرأى ثلاثة رجال وقوفا ~~بازائه، فاستقبلهم قائلا: "يا سيدي، إن كنت قد وجدت نعمة في عينيك فلا ~~تتجاوزن عبدك" (تكوين 2). ألا ترى أن المنظور إليه من إبراهيم ثلاثة، ولكن ~~الخطاب لشخص واحد؟ فسماهم ربا واحدا، وتضرع إليه سائلا طالبا أن ينزل عنده. ~~فاعتباره الثلاثة سر الأقانيم الثلاثة، وتسميته إياهم ربا واحدا لا أربابا ~~سر لجوهر واحد، فهي ثلاثة بحق وواحد بحق، كما وصفن. ثم أن موسى أخبر أن ~~الله قاله له: "اسمع يا ms025 إسرائيل، الرب إلهك رب واحد" معنى ذلك أن الله ~~الموصوف بثلاثة أقانيم هو رب واحد. وداود النبي يقول في المزمور 33: 6 عن ~~الله: "بكلمة الله صنعت السماوات، وبروح فيه (بنسمة فمه) كل جنودها". فأفصح ~~داود وصرح بالثلاثة الأقانيم حيث قال: "الله" و"كلمته" و"روحه". فهل زدنا ~~في وصفنا على ما قال داود؟ وقال في موضع آخر في كتابه تحقيقا: بأن كلمة ~~الله إله حق "لكلمة الله أسبح". ولا يمكن أن يسبح داود لغير الله. وقال ~~إشعياء النبي: "لم أتكلم منذ البدء في الخفاء. منذ زمان قبل وجودي أنا ~~هناك، والآن الرب الإله أرسلني، وروحه" (إش 48: 16). وهذا هو قولنا ثلاثة ~~أقانيم إله واحد ورب واحد.لم نخرج عن حدود كتب الله المنزلة، ولم نزد فيها ~~ولم ننقص منها ولا بدلناها ولا حرفناها. ثم وصف إشعياء النبي أن الله عز ~~وجل تراءى له والملائكة حافون به مقدسون له قائلين: "قدوس قدوس قدوس رب ~~الجنود، مجده ملء كل الأرض" (إشعيا 6: 1-3). فتقديس الملائكة ثلاث مرات ~~واقتصارهم على ذلك بلا زيادة ولا نقصان سر لتقديسهم الأقانيم الثلاثة إلها ~~واحدا وربا واحدا. وهذا شأنهم منذ خلقوا إلى أبد الآبدين. ولو شئت أن أمطر ~~عليك الشهادات من الكتب المقدسة المنزلة، بالتصريح والاجتهاد في القول أن ~~الله واحد ذو ثلاثة أقانيم، لفعلت ذلك. لكني أكره التطويل، فاقتصرت على ما ~~كتبت، ولما ذكرته من أنك درست كتب الله المنزلة. فإن كنت قد درستها كما ~~ذكرت، فقد استدللت بيسير مما كتبت به إليك على كثير مما في كتب الله ~~المنزلة من أسرار أقانيمه وتوحيده. وليس دعائي إياك إلا إلى الله الواحد ~~الذي هو ثلاثة أقانيم، كامل بكلمته وروحه، واحد ثلاثة، وثلاثة واحد، ومن ~~هذه الجهة ليس هو ثالث ثلاثة كما شنع في القول علينا صاحبك، إذ قال "لقد ~~كفر الذين قالوا أن الله ثالث ثلاثة، وما من إله إلا إله واحد، وإن لم ~~ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم. أفلا يتوبون إلى الله ~~ويستغفرونه، والله غفور رحيم" (مائدة ms026 77، 78)، فهذا قول صاحبك. ولقد كنت ~~أحب أن أعلم من هؤلاء الذين يقولون أن الله ثالث ثلاثة؟ أمن فرق النصرانية ~~هم أم لا؟ وأنت قد ادعيت معرفة الفرق الثلاث وهي الفرق الظاهرة. فهل تعلم ~~أن أحدا منهم يقول أن الله ثالث ثلاثة؟ فما أظنك تعرفه ولا نحن نعرفه أيضا، ~~اللهم إلا أن يكون أراد فريق المركيونية، فإنهم يقولون بثلاثة أكوان ~~يسمونها آلهة متفرقة، فواحد عادل، وآخر رحيم، وآخر شرير. وليس أولئك نصارى. ~~فأما أهل النصرانية فكل من ينتحل هذا الاسم فهو بريء من هذه المقالة، جاحد ~~لها كافر بها. وإنما قولهم أن الله واحد ذو كلمة وروح من غير افتراق، وقد ~~أقر صاحبك بهذا إذ حثكم على الإيمان بالمسيح سيد العالم ومخلص البشر: "يا ~~أهل الكتاب، لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق، إنما المسيح ~~عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، فآمنوا بالله ~~ورسله، ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم. إنما الله إله واحد" (نساء 169). ~~فالله تبارك وتعالى ذو كلمة وروح، وصاحبك يقول إن المسيح كلمة الله تجسدت ~~وصارت إنسانا. فهل هناك بيان وشرح أو إيضاح وتصريح أكثر من هذا؟ ثم ختم ~~بقوله: ولا تقولوا ثلاثة آلهة، أو يتوهم ذلك عن الله جل وعز، بل انتهوا عنه ~~فإنه خير لكم ألا تقولوا بمقالة مركيون الجاهل أنها ثلاثة آلهة. فقد شرحت ~~لك معنى قولنا أن الله واحد ذو كلمة وروح، واحد ذو ثلاثة أقانيم. ### || نبوة محمد # ولقد فهمت ما دعوتني إليه من الشهادة لصاحبك والإقرار بنبوته ورسالته، ~~وما عظمت من أمره. فأما تعظيمك إياه وتفخيمك إياه فلسنا نجادلك فيه، وليس ~~عندنا فيه إلا تسليمه لك، إذ كنت أولى الناس بقرابتك، وقرابتك أولى الناس ~~بك. وإنما نحن مناظروك في ما دعوتنا إليه من الإقرار بنبوته بأن ذلك حق ~~واجب. فإن كان ذلك حقا واجبا فليس ينبغي لنا، ولا لأحد ذي عقل أن يمتنع أو ~~يمتعض من قبوله، فإنه لا يمتنع عن الإقرار بالحق إلا ظالم ms027 معتد، أو جاهل ~~بمعرفة قدر الحق. وإن كان ذلك غير الحق فلا ينبغي لك أن تقيم على غير الحق، ~~فكيف تدعونا إليه؟ فإنك إذا فعلت هذا كنت ظالما لنفسك أولا، ثم متعديا على ~~من تدعوه إلى الحق. فلنطرح الآن من بيننا العصبية، ولنفحص عن أول قصة ~~صاحبك، هذا الذي تدعونا إلى الإقرار له بالنبوة، ونشرحها من أولها إلى ~~آخرها، ونختبرها اختبارا شافيا، فيجب أن يكون البحث عنه بتأن وترو كان هذا ~~الرجل يتيما في حجر عمه عبد مناف المعروف بأبي طالب، الذي كفله عند موت ~~أبيه وكان يعوله ويدافع عنه، وكان يعبد أصنام اللات والعزى مع عمومته وأهل ~~بيته بمكة، على ما حكى هو في كتابه، وأقره على نفسه حيث قال: "ألم يجدك ~~يتيما فآوى، ووجدك ضالا فهدى، ووجدك عائلا فأغنى" (ضحى 6 - 8). ثم نشأ في ~~ذلك الأمر حتى صار في خدمة عير لخديجة بنت خويلد، يعمل فيها بأجرة ويتردد ~~بها إلى الشام وغيرها، إلى أن كان ما كان من أمره وأمر خديجة وتزوجه إياها، ~~للسبب الذي تعرفه. فلما قوته بمالها نازعته نفسه إلى أن يدعي الملك والترؤس ~~على عشيرته وأهل بلده، فلم يتبعه عليه إلا قليل من الناس. فعندما يئس مما ~~سولت له نفسه ادعى النبوة، وأنه رسول مبعوث من رب العالمين، فدخل عليهم من ~~باب لطيف لا يعرفون عاقبته ما هي، ولا يفهمون كيف امتحان مثله، ولا ما يعود ~~عليهم من ضرر منه، وإنما هم قوم عرب أصحاب بدو لم يفهموا شروط الرسالة، ولم ~~يعرفوا علامات النبوة، لأنه لم يبعث فيهم نبي قط. وكان ذلك من تعليم الرجل ~~الملقن له الذي سنذكر اسمه وقصته في غير هذا الموضع من كتابنا، وكيف كان ~~سببه. ثم إنه استصحب قوما أصحاب غارات ممن يصيب الطريق على سنة البلد وعادة ~~أهله الجارية عندهم إلى هذه الغاية، فانضم إليه هذا النوع، وأقبل يبثث ~~الطلائع ويدسس العيون ويبعث، إلى المواضع التي ترد القوافل إليها من الشام، ~~بالتجارات فيصيبونها قبل وصولها، فيغيرون عليها ويأخذون العير ms028 والتجارات ~~ويقتلون الرجال. والدليل على ذلك أنه خرج في بعض أيامه فرأى جمالا مقبلة من ~~المدينة إلى مكة، لأبي جهل بن هشام، ويسمي أعراب البادية ذلك غزوا إذا خرجت ~~للغارة على السابلة وإصابة الطريق. وكان أول خروجه من مكة إلى المدينة بهذا ~~السبب، وهو حينئذ ابن 53 سنة، بعد أن ادعى ما ادعاه من النبوة بمكة 13 سنة، ~~ومعه من أصحابه 40 رجلا. وقد لقي كل أذى من أهل مكة لأنهم كانوا به عارفين، ~~فأظهروا أن طرده لادعائه النبوة وعقد باطنهم لما صح عندهم من إصابته ~~الطريق. فسار مع أصحابه إلى المدينة وهي يومئذ خراب يباب ليس فيها إلا قوم ~~ضعفاء أكثرهم يهود لا حراك بهم. فكان أول ما افتتح به أمره فيها من العدل ~~وإظهار نصفة النبوة وعلامتها، أنه أخذ المربد الذي للغلامين اليتيمين من ~~بني النجار وجعله مسجدا. ثم أنه بعث أول بعثة حمزة بن عبد المطلب في 30 ~~راكبا إلى العيص من بلد جهينة يعترض عير قريش وقد جاءت من الشام، فلقي أبا ~~جهل بن هشام في 300 رجل من أهل مكة ، فافترقوا لأن حمزة كان في 30، فخاف ~~لقاء أبي جهل وفزع منه، فلم يكن بينهم قتال فأين شروط النبوة في هذا الموضع ~~من قول الله في التوراة، المنزلة من عنده لموسى، حيث وعده أن يدخل بني ~~إسرائيل، الذين أخرجهم من مصر، إلى أرض الجبابرة المسماة "أرض الميعاد"، ~~وهي أرض فلسطين: أن الواحد يهزم ألفا، والاثنين يهزمان ربوة؟. وكذلك كان ~~فعله على يدي يشوع بن نون، المتولي إدخال بني إسرائيل أرض الميعاد ومحاربة ~~أهل فلسطين. فهذا حد ما يطالب به صاحبك في هذا الموضع من علامات النبوة ~~والرسالة. فلنرجع الآن، إذ ليس عندك في هذا جواب، وكنت صفرا مفلجا أنت ~~وجميع من يعتقد مثل مقالتك، فنقول: إما أن يكون حمزة هذا رسول نبي مبعوث، ~~وهو ابن عمه، خرج ومعه ثلاثون راكبا، فانحاز فرقا (خاف) من أبي جهل الكافر ~~المشرك ومعه ثلثمائة رجل كفار مشركين عباد أوثان ، ولم ms029 يحاربه بل سالمه، أو ~~أن يكون هذا خلاف ما تدعيه أنت أنه نبي مرسل، وأن الملائكة تؤيده وتقاتل ~~دونه، كما كانت تقاتل مع يشوع بن نون. فإنه رأى ملاكا في زي فارس، فلم ~~يعرفه يشوع فسأله: أمن أصحابنا أنت أم من أعدائنا؟ فقال له الملاك: أنا ~~رئيس جيوش الرب، والآن أقبلت. فخر يشوع بوجهه على الأرض ساجدا وقال: "بماذا ~~يأمر السيد عبده؟" فقال رئيس جيوش الرب: "انزع خفيك من قدميك لأن المكان ~~الذي أنت فيه مكان مقدس" (يشوع 5: 13-15) ففعل يشوع ذلك. وفي هذا القول من ~~الملاك ليشوع سر ليس هذا موضعه، وكان يشوع وقتها يحاصر أريحا، فلما أتى على ~~ذلك سبعة أيام فتحها على غير عقد ولا عهد، فقتل كل من كان فيها من ذكر ~~وأنثى. ولنذكر أيضا غزوة صاحبك الثانية لعله يكون لك فيها أدنى جواب. وفيها ~~بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب في ستين راكبا ليكون ضعف العدة الأولى، ~~فيقوي قلوبهم إلى بطن رابغ بين الأبواء والجحفة، فلقي أبا سفيان بن حرب، ~~وأبو سفيان في 200 راكب، فكان بينهم من الدماء ما قد علمت، ثم ردعوا، فما ~~رأيت أحدا من الملائكة أعانهم على أمرهم بشيء، وقد شهدت أنت أن جبرائيل كان ~~في صورة رجل راكب رمكة شهباء عليه ثياب خضر. وقد ركب فرعون بجنوده على400 ~~ألف حصان في طلب بني إسرائيل. فلما توسط بنو إسرائيل البحر قحم جبرائيل على ~~الرمكة في أثرهم قائلا: "قدم خير". فتبعته الخيل التي كان عليها فرعون ~~وأصحابه، فنجا بنو إسرائيل وغرق فرعون وأصحابه! هذه شهادتك وإقرارك ببعض ~~علامات موسى النبي التي أتى بني إسرائيل، وصاحبك خلو من هذا كله! ولا بد ~~لنا أن نأتيك بالثالثة لما بعث سعد بن أبي وقاص إلى الخرار خارج الجحفة في ~~عشرين رجلا، فورد الموضع وقد سبقته العير قبل ذلك بيوم، ففاته أمله ورجع ~~خائبا من رجائه! فهذه خلاف آيات النبوة وعكس ما فعله نبي الله صموئيل ~~بشاول. ولا أشك في أنك تعرف القصة، فقد قلت أنك ms030 عارف بالكتب المنزلة دارس ~~لها حق دراستها. وذلك أن قيسا أبا شاول ضاعت له أتن، فوجه ابنه شاول في ~~طلبها. فذهب شاول إلى صموئيل النبي يسأله، فقال له صموئيل، قبل أن يخبره ~~شاول خبر ما جاء لأجله: "أما الأتن فرجعت إلى بيت أبيك، وأما أبوك فقد شغله ~~الاهتمام بغيبتك عن الأتن". فهكذا تكون شروط النبوة التي هي علم الغيب ~~الماضي وعلم الغيب المستقبل، فتخبر الأنبياء عنه وتذكر كونه قبل وقوعه ~~وتعلم حدوثه قبل مجيئه، بما يظهر لهم الروح القدس معطي علم الغيب الذي هو ~~نهاية الدلالات على النبؤات. وقد قال المسيح الرب في إنجيله المقدس ما ~~معناه أن الشهادة العادلة الصادقة هي الكائنة من قبل رجلين عدلين صادقين أو ~~ثلاثة عدول، فتلك واجب قبولها. وقد أنبأناك في فصل كتابنا هذا بثلاث شهادات ~~عدل، لك فيهم مقن فلننظر الآن بعد الغزوات الثلاث التي خرج فيها هؤلاء ~~النفر ومن خرج معهم بأمر صاحبك فانصرفوا فرغا في الغزوات التي خرج هو بنفسه ~~فيها مع أصحابه. فخرج أولا يريد عيرا لقريش، فانتهى إلى ودان، فوافاه مجشي ~~بن عمر الضمري فلم ينل منه شيئا ورجع صفرا، ثم خرج ثانية إلى بواط، وهي في ~~طريق الشام، في طلب عير لقريش فيها أمية بن خلف الجمحي، ورجع ولم يصنع ~~شيئا. ثم خرج ثالثة إلى أن وصل إلى ينبع في طلب عير لقريش أيضا يريد الشام، ~~وهي العير التي كان القتال ببدر بسببها في رجعتها، فرجع صفرا ولم يصنع ~~شيئا. فأنصف، وأنت أهل لذلك، إن كان صاحبك نبيا كما تدعي! فما للأنبياء وشن ~~الغارات والخروج لإصابة الطرق والتعرض لأخذ أمتعة الناس ! وما الذي ترك ~~صاحبك هذا للصوص وقطاع الطريق؟ وما الفرق بينه وبين أتابك الخزمي الذي ~~تناهى إلى سيدنا أمير المؤمنين وإلينا خبره بما عمل وارتكب من ظلم الناس؟ ~~فأجبنا إن يكن عندك في هذا جواب واضح. وإني لأعلم أنه لا جواب عندك ولا عند ~~غيرك ممن اعتقد مثل اعتقادك، كما لم يكن عندك في غيره مما سلف ms031 ثم لم يزل ~~كذلك إلى أن وجد القوم الذين خرج في طلبهم في ضعف، فاستاق عيرهم، وأخذ ~~تجارتهم، وقتل من أمكنه قتله من رجالهم، وإن وافاهم وهم في منعة وقوة انحاز ~~عنهم وولى هاربا إلى أن مات. فكانت مغازيه بنفسه 26 غزوة، غير السرايا التي ~~كانت تخرج في الليل، والسواري الخارجة نهارا، والبعوث قاتل منها في تسع ~~غزوات، والباقية كان يبعث فيها أصحابه. ثم أعجب من هذا في قبح الأحدوثة، ~~والشناعة في الفعل والفظاظة، توجيهه إلى واحد، واحدا يقتله بالغيلة، ~~كتوجيهه عبد الله بن رواحة لقتل أسير بن دارم اليهودي بخيبر فقتله غيلة، ~~وكبعثه سالم بن عمير العمري وحده إلى أبي عفك اليهودي، وهو شيخ كبير ما به ~~حراك، فقتله بالغيلة ليلا وهو نائم على فراشه آمنا مطمئنا، واحتج بأنه كان ~~يهجوه. ففي أي كتاب قرأ هذا، وأي وحي نزل عليه به، ومن أي حكم حكم على من ~~أعاب أن يقتل؟ فقد كان في تأديب هذا الشيخ على ذنبه شيء دون القتل وخاصة ~~ليلا وهو نائم مطمئن آمن على فراشه. فإن كان هجاه بما كان فيه، فقد صدق ولا ~~يجب على من صدق قتل. وإن كان كذب عليه في قوله ، فلا يجب على من كذب القتل، ~~بل يؤدب لئلا يعود. فأين قولك أنه بعث بالرحمة والرأفة للناس كافة؟ وأما ~~بعثه لعبد الله بن جحش الأسدي إلى نخلة (وهو بستان أبن عامر) في 12 رجلا من ~~أصحابه ليأتيه بأخبار قريش، فلقوا بها عمرو بن الحضرمي في عير قريش وتجارة ~~قد أقبل بها من اليمن، فقتلوا عمرا واستاقوا العير إلى المدينة. ولما وردوا ~~أخرج عبد الله بن جحش مما أغار عليه هو وأصحابه الخمس فدفعه لمحمد. فهذا لا ~~أقول أنه حلال أو حرام، حتى يحكم فيه العادل! وكذلك ما فعل في يهود قينقاع ~~حيث صار إليهم بغير ذنب ولا علة إلا الرغبة في أموالهم، فحاصرهم حتى نزلوا ~~على حكمه واستوهبهم منه عبد الله بن أبي بن سلول فوهبهم له، وأخرجهم إلى ~~أذرعات ms032 بعد أن أخذ أموالهم فقسمها بين أصحابه، وأخذ هو الخمس قائلا: "هذا ~~ما أفاه الله على نبيه". فكيف طاب له هذا، وبماذا استحل أن يأخذ أموال قوم ~~لم يؤذوه ولم يكن بينه وبينهم غل، وإنما استضعفهم وكانوا كثيري الأموال! ~~فما هكذا تفعل الأنبياء ولا من يؤمن بالله واليوم الآخر فأما غزوة أحد وما ~~أصيب فيها من كسر رباعيته السفل اليمنى وشق شفته وثلم وجنته وجبهته، الذي ~~ناله من عتبة بن أبي وقاص، وما علاه به ابن قميئة الليثي بالسيف على شقه ~~الأيمن، حتى وقاه طلحة بن عبيد الله التيمي بيده فقطعت أصبعه. فهذا خلاف ~~الفعل الذي فعله الرب مخلص العالم، وقد سل رجل (بطرس) بحضرته على رجل سيفا ~~فضربه به على أذنه فاقتلعها. فرد المسيح مخلصنا الأذن إلى موضعها فعادت ~~صحيحة كالأخرى. والا حيث أصاب يد طلحة ما أصابها (وقد وقاه بنفسه) فلماذا ~~لم يدع محمد ربه ليرد يد طلحة إلى ما كانت عليه؟ وأين كانت الملائكة عن ~~معونته ووقايته من كسر ثنيته وشق شفته ودمي وجهه (وهو نبي من الأنبياء وصفي ~~من الأصفياء ورسول الله)، كما كانت الأنبياء تقي من قبله، كتوقية إيليا ~~النبي من أصحاب أخآب الملك، ودانيال من أسد داريوس، وحنانيا وإخوته من نار ~~بختنصر، وغيرهم من الأنبياء وأولياء الله؟ سيما ولم يخلق الله آدم إلا لأجل ~~محمد وقد كتب اسمه على سرادق العرش كما تدعون! وأفعال صاحبك هذا خلاف قولك ~~أنه بعث بالرحمة والرأفة إلى الناس كافة، لأنه كان الرجل الذي لم يكن له ~~فكر واهتمام إلا في امرأة حسنة يتزوجها، أو قوم يغير عليهم يسفك دماءهم ~~ويأخذ أموالهم وينكح نساءهم، ويشهد على نفسه أنه حبب إليه الطيب والنساء، ~~وأنه من علامات نبوته أنه جعل في ظهره من القوة على النكاح مقدار قوة ~~أربعين رجلا. فهل هذا بعض آيات الأنبياء التي لا تكون إلا في مثله؟ فأما ما ~~كان بينه وبين زينب بنت جحش امرأة زيد، فإني أكره ذكر شيء منها إجلالا لقدر ~~كتابي هذا عن ms033 ذكرها، غير أني آتي بشيء مما حكاه في كتابه الذي يقول أنه نزل ~~عليه من السماء إذ يقول: "وإذ تقول للذي أنعم الله عليه، وأنعمت عليه: أمسك ~~عليك زوجك واتق الله، وتخفي في نفسك ما الله مبديه، وتخشى الناس والله أحق ~~أن تخشاه. فلما قضى زيد منها وطرا زوجناكها لكيلا يكون على المؤمنين حرج في ~~أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا، وكان أمر الله مفعولا". ما كان على ~~النبي من حرج فيما فرض الله له، سنة الله في الذين خلوا من قبل، وكان أمر ~~الله قدرا ومقدورا" (أحزاب 37، 38 وكذلك هناته مع عائشة وما كان من أمرها ~~مع صفوان بن المعطل السلمي، في رجوعهم من غزوة المصطلق، بتخلفها عن العسكر ~~معه وقدومه بها من الغد نحر (نحو) الظهيرة راكبة على راحلته يقودها، وما ~~قذفها به عبد الله بين أبي بن سلول وحسان بن ثابت ومسطح بن أثاثة ابن خالة ~~أبي بكر وزيد بن رفاعة وحمنة بنت جحش أخت زينب، وتبليغ علي بن أبي طالب ~~إليه كلام المتكلمين وعيب العائبين، قائلا": "يا رسول الله،لم يضيق الله ~~عليك ، والنساء سواها كثيرة". فلم يلتفت صاحبك إلى ذلك كله لشدة إعجابه ~~بها، لأنه لم يكن في من نكح من نسائه بكر غيرها ولا أحدث سنا منها، فكان ~~لها من قلبه مكان. وكانت خلابة فرضي بما كان من ذلك الأمر كله، وهذا كان ~~سبب انعقاد تلك العداوة بين عائشة وبين علي إلى آخر حياتهما. ثم قال صاحبك ~~بنزول براءتها في سورة النور من قوله: "إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم ~~الخ" وكانت نساؤه فيما يظهر خمس عشرة حرة، وأمتين. أولاهن خديجة بنت خويلد، ~~ثم عائشة بنت أبي بكر، وهو عبد الله المعروف بعتيق بن أبي قحافة. وسودة بنت ~~زمعة. وحفصة بنت عمر، وهي التي كان بينها وبين عائشة تلك الهنات العجيبة. ~~وأم سلمة واسمها هند بنت أبي أمية، وهي المخدوعة أم الأطفال، التي زعم أنه ~~يذهب عنها الغيرة عندما امتنعت عليه واحتجت بأنها امرأة غيرى، ms034 وأنه يعول ~~صبيتها لما اعتذرت أنها ذات صبية، وأنها تخاف ألا يرضاه أهلها فضمن لها أن ~~يكفيها ذلك، حتى قبلت. ثم لم يف لها من ذلك الضمان بحرف واحد، وهي التي ~~نحلها جرتين ورحى ووسادة من أدم حشوها ليف، فحصلت منه على الدنيا والآخرة. ~~وزينب بنت جحش، امرأة زيد التي بعث إليها نصيبها من اللحم ثلاث مرات، فردته ~~في وجهه فهجرها وهجر نساءه بسببها وحلف أنه لا يدخل عليهن شهرا، فلم يصبر ~~فدخل لتسعة وعشرين يوما! وزينب بنت خزيمة الهلالية. وأم حبيبة، واسمها رملة ~~بنت أبي سفيان أخت معاوية. وميمونة بنت الحارث الهلالية . وجويرية بنت ~~الحارث المصطلقية. وصفية اليهودية بنت حيي بن أخطب التي علمها أن تفخر على ~~نسائه عند تعييرهن إياها وتقول: "وأنا التي هارون أبي، وموسى عمي، ومحمد ~~زوجي". والكلابية وهي فاطمة بنت الضحاك وقيل أنها بنت يزيد عمرة الكلابية. ~~وحنة بنت ذي اللحية. وبنت النعمان الكندية التي أنفت منه حين قال لها: "هبي ~~لي نفسك" فقالت: "وهل تهب المليكة نفسها للسوقة؟" ومليكة بنت كعب الليثية ~~ذات الأقاصيص . ومارية أم إبراهيم ابنه. وريحانة بنت شمعون القريظية ~~اليهودية. فهؤلاء نساؤه اللواتي كن له، وأمتان! قال بولس رسول الحق، رسول ~~المسيح مخلص العالم: "إن المتزوج يهتم في ما للعالم ليرضي امرأته" (1 ~~كورنثوس 7: 33) . وقوله الحق. وقال المسيح: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين، ~~لأنه إما أن يبغض الواحد ويحب الآخر، وأو يلازم الواحد ويحتقر الآخر" (متى ~~6: 24). فإذا كان صعبا على الرجل أن يخدم امرأة واحدة ويرضيها ولا يسخط ~~خالقه، فكيف يكون حال من يريد أن يصرف عنايته إلى رضى خمس عشرة امرأة ~~وأمتين، مع ما أنت عارف من شغله من تدبير الحروب وتوجيه الطلائع لشن ~~الغارات؟ فمتى يتفرغ للصوم والصلاة والعبادة وجمع الفكر وصرفه إلى أمور ~~الآخرة، وما شاكل ذلك من أعمال الأنبياء؟ ولست أشك في أنه لا نبي قبله ~~ابتدع مثل هذا! ### || النبي الصادق # ولكن فنلدع الآن ذكر هذا ونأخذ في ذكر أعلام النبوة التي يجب معها ~~الإقرار لمن ms035 أتى بها أن يسمى نبيا ورسولا، وننظر في ما أتى به صاحبك، وهل ~~يوافق أو يشبه شيئا مما جاءت به الأنبياء، وهل يجب علينا قبول ذلك منه أو ~~رده عليه؟ فنقول أن النبي معناه "المنبىء" أي المخبر بالأمر الذي لم يكن ~~أتى به مخبر قبله، فيخبر به قبل وقوعه، أو بالأمر الذي كان ولم يعرف كيف ~~حدث، ثم أنه يوثق ما يخبر به بالآيات التي تصدق حكايته وتشهد على صحة ~~أخباره، وذلك مثل موسى نبي الله الذي أخبرنا في سفر التكوين كيف كان خلق ~~السماوات والأرض وما فيهما، وكيف كان خلق آدم وحواء وما كان من قصتهما، ~~وقصة قوم نوح والطوفان، وقصة إبراهيم وولده. ولم يزل ينسق تلك الأخبار خبرا ~~بعد خبر حتى انتهى إلى خبره هو، وكيف تجلى الله في العوسجة، ثم ما جرى مع ~~بني إسرائيل وفرعون مصر، إلى أن توفاه الله. ويتنبأ موسى بما وعد الله من ~~إدخال بني إسرائيل أرض الميعاد، وأنه مزمع أن يورثهم أرض الجبابرة التي هي ~~بلاد الشام، وتحقق ما أنبأ به. وبرهن موسى ما أخبرنا به بالآيات والأعاجيب ~~التي فعلها، فعلمنا أنه كان صادقا بكل حكاياته وما جاء به عن الله. فهذه ~~شروط المنبىء بما كان وما يكون من الأمور. وعرفنا صدق ما تنبأ به من حدوثه ~~ويصح القول، مثل الذي تنبأ به إشعيا نبي الله، أيام الملك حزقيا. فقد هاجم ~~سنحاريب ملك الموصل بجيشه الملك حزقيا وشعبه فحاصره، وكاتبه بما كاتبه به ~~من البغي عليه والوعيد، فشكا حزقيا إلى الرب، فأوحى الله إلى إشعياء النبي: ~~أني سمعت دعاء حزقيا، فامض إليه وقل له يقول لك الرب إله إسرائيل: الليلة ~~سينجيك من سنحاريب. فبعث الله ملاكه فقتل من عسكر سنحاريب 185 ألف رجل ~~مدجج. فلما أصبح سنحاريب ورأى ما نزل بجيشه ولى هاربا. ومثل قول إشعياء ~~أيضا لحزقيا حين كان مريضا وصلى طالبا الشفاء ، فأرسل الله رسالة بواسطة ~~إشعياء تقول لحزقيا أن الله سيشفيه، وقد زاد في أجله 15 سنة، ودليلا على ms036 ~~ذلك ترجع الشمس في مسيرها عشر درجات. وتحقق ما قاله النبي، فرجعت الشمس ~~وشفي حزقيا من مرضه وعاش بعد ذلك 15 سنة. فهذا أنباء مع آية ودليل في وقت ~~واحد ( إشعياء 37، 2 أخبار 32 ). ومثله ما أنبأ به إشعياء عن أمر المسيح ~~أنه يولد من العذراء، ويدعى اسمه عمانوئيل الذي تفسيره : الله معنا (إشعياء ~~7) وأنبأ أيضا بأشياء كثيرة وأخبر بها على بعد العهد وطول الأيام ، من خراب ~~بيت المقدس وسبي بني إسرائيل إلى بابل، وكان ذلك على بعد العهد وتأخره، وصح ~~كله وتم كما قال ومثل ذلك ما أخبر به النبي عن خراب بيت المقدس أيضا ودخول ~~بختنصر إليه وهدمه، وسبيه بني إسرائيل ونقله إياهم إلى بابل، وأنهم يبقون ~~مسبيين ببابل سبعين سنة ثم يرجعون فيبنون بيت المقدس ويقيمون في مساكنهم. ~~وقد تمت نبوته وظهر صدق قوله عند تمام السبعين سنة التي حددها (إرميا 25). ~~ومثلما تنبأ دانيال النبي عن رجوع بني إسرائيل إلى بيت المقدس، وكان ذلك ~~على ما حكاه. وتنبأ لبيلشاصر الملك عن الرؤيا التي رآها بيلشاصر، فخبره عما ~~كان مزمعا أن يحل به، فحل به ودانيال حاضر (دانيال 5). ومثلما تنبأ أيضا ~~على قتل المسيح وأنه لا تقوم لليهود بعد قتله قائمة، وأنهم يمزقون ~~(يتفرقون) في البلاد ويبطل ملكهم وتضمحل رئاستهم وكان ذلك كما قال (دانيال ~~9: 26 - 28). وكذلك فعل جميع الأنبياء ومن استحق اسم النبوة بالحقيقة. ~~وكذلك كانت الملوك والأمم يطالبون من ادعى عندهم النبوة بالحقيقة. فمن جاء ~~بدليل صحيح وحجة مقنعة قبلوا ذلك منه، ومن لم يأت كذبوه. ### || المسيح مخلص العالم # أما المسيح الرب مخلص العالم فإن قدره يجل على النبوة، لأن مرتبته أعلى ~~وأشرف وأرفع من مرتبة الأنبياء، فإن الأنبياء هم عبيد الله، والمسيح هو ~~الابن الحبيب كلمة الله الخالقة، وهو باعث الأنبياء والموحي إليهم والموجه ~~الرسل والمؤيد لهم بالكلمة المتجسدة فيه. وقد تنبأ بما يدل على أنه يعلم ~~الغيب ويكتنه الضمائر، وانه لا يخفى عليه خافية وانه خبير بالسرائر وبما هو ~~مزمع أن يكون قبل كونه ms037 في الوقت الذي كان مقيما معهم مترددا بينهم. مثل ~~قوله لهم وقد اجتمعوا حوله يرونه بناء هيكل بيت المقدس ويعجبونه من جودة ~~بنائه وحسنه: "الحق الحق أقول لكم انه لا يبقى من هذا البناء حجر على حجر ~~لا ينقض" (متى 24: 2). ومثل إخبارهم بما سيصيبهم من القتل والسبي قبل صعوده ~~ممجدا إلى السماء بأربعين سنة، وتحقق ذلك كله. ومثلما كان يخبرهم أيضا بما ~~في ضمائرهم وما يكتمونه في أنفسهم من تدبيرهم في قتله. ومثل قوله لتلاميذه ~~وهم مقيمون في بيت المقدس أن "لعازر حبيبنا قد نام، فأمضوا بنا نيقظه" ~~(يوحنا 11: 11) (وكان لعازر في قرية بيت عنيا على بعد فراسخ من بيت ~~المقدس). فقال له تلاميذه: "يا سيد، إن كان قد نام فهو يشفى". فلمالم ~~يفهموا كلامه قال لهم: "لعازر مات". فمضى وهم معه فبعثه حيا، ودفعه إلى ~~أختيه مريم ومرثا، وذلك بعد أربعة أيام من موته. وكقوله لسمعان الصفا ~~ولتلاميذه: "جميعكم في هذه الليلة تشكون في"، فقال له سمعان: "إن شك فيك ~~الجميع فأنا لا أشك". فقال له المسيح: "الحق أقول لك إنك في هذه الليلة، ~~قبل أن يصيح ديك، تنكرني ثلاث مرات". فجزع سمعان لذلك ولكن لم يصح الديك في ~~تلك الليلة حتى جحد سمعان معرفته بالمسيح ثلاث مرات. ونظر المسيح إليه، ~~فافتكر كلامه فبكى وندم على ماكان منه في جحوده وإنكاره (راجع متى 9 و23 ~~ويوحنا ص 7 و11). ### || دلائل نبوة محمد # والآن ما الدليل على دعوى صاحبك؟ إن قلت أنه أخبرنا بأقاصيص الأنبياء ~~الذين كانوا قبله في الزمان السالف كنوح وإبراهيم واسحق ويعقوب وموسى ~~والمسيح وسائر الأولين الذين ذكرهم في كتابه، فجوابنا أنه أخبرنا بما سبقت ~~معرفتنا به، ودرسته صبياننا وأطفالنا في المكاتب. فإن ذكرت قصة عاد وثمود ~~والناقة وأصحاب الفيل ونظائر هذه القصص، قلنا لك: هذه أخبار وخرافات عجائز ~~الحي، وليس ذكرها دليلا على نبوته، فقد سقطت عنه شريطة من الشريطتين اللتين ~~توجبان النبوة فإن قلت أنه أخبر بأمر قبل حدوثه، ألزمناك توضيح ذلك، لأنه ~~قد مضت ms038 أكثر من مائتي سنة منذ موت محمد، وكان يجب أن يتحقق عندك شيء مما ~~أخبرك أنه سيكون. ولكنك تعلم أنه لم يأت في هذا الباب بشيء ولا نطق فيه ~~بكلمة ولا تفوه بحرف واحد، فسقطت عنه الشريطة الثانية من شروط النبوة وإذ ~~قد خلا من الشريطتين اللذين يوجبان الإيمان بالنبوة، نسأل: هل أجرى محمد ~~معجزات باهرات؟ فنسمعه يقول: "وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها ~~الأولون" (الإسراء 61). أي: لولا أن يكذبوا بآياتك كما كذبوا بالآيات التي ~~جاءهم بها الأولون من قبلك، لأعطيناك الآيات! وأنت تعلم أن هذا جواب مرفوض، ~~لا يقنع أحدا ! فإن ادعيت أن من دلائل نبوته ظفره وظفر أصحابه على ما ~~كانوا عليه من القلة والضعف بملك فارس على عظمته وجودة تدبير أصحابه وحسن ~~سياسة ملوكه، مع كثرة العدد والسلاح والرجال، أجبناك بكلام الله وقوله لبني ~~إسرائيل: "متى أتى بك الرب إلهك إلى الأرض التي أنت داخل إليها لتمتلكها، ~~وطرد شعوبا كثيرة من أمامك: الحثيين والجرجاشيين والأموريين والكنعانيين ~~والفرزيين والحويين واليبوسيين، سبع شعوب أكثر وأعظم منك، ودفعهم الرب إلهك ~~أمامك... ليس من كونكم أكثر من سائر الشعوب التصق الرب بكم واختاركم، ولا ~~لأنكم أقل من سائر الشعوب بل من محبة الرب إياكم"(التثنية 7: 1-8). ولكن ~~عندما طغى بنو إسرائيل وجعلوا لله أندادا وجحدوا آياته فقل شكرهم لله، سلط ~~عليهم شر خلقه "بختنصر" عابد الصنم المشرك بالله، فقتل الرجال الذين كانوا ~~أولاده وصفوته وخيرته وشعبه ، وسبى ذراريهم، وأخرب البيت الذي كان معروفا ~~باسمه، ونقل الآنية التي كانت فيه إلى بابل النجسة بعبادة الأصنام. فهل ~~نقول أن بختنصر ظفر ببيت المقدس وبلغ منه ومن أهله ما بلغ لأنه كان نبيا ؟ ~~أم للسبب الذي ذكرناه آنفا ؟ فكذلك أيضا كانت قصة صاحبك وأصحابه مع ملك ~~فارس، لأن أهل فارس كانوا مجوسا يعبدون الشمس والنار وادعوا الربوبية التي ~~لم يجعلها الله لهم، وابتذلوا نعمه كفرا وسعوا في الأرض فسادا، وارتكبوا ~~العظائم، وتوهموا أن الذي هم فيه إنما هو من صحة تدبيرهم وكثرة ms039 قوتهم، ~~فسلبهم الله نعمته وسلط عليهم من أخرب بلادهم وقتل رجالهم وأخلى مساكنهم ~~منهم وسبى ذراريهم ونهب أموالهم وبادوا بسخط الله ورجزه. كذلك يفعل الله ~~بالقوم الظالمين فلنرجع الآن إلى ذكر الآيات الموجبة لكل من أظهرها صحة ما ~~يدعي من نبوة أو رسالة عن الله تبارك وتعالى، وننظر في ذلك نظرا شافيا ~~فنقول: أما كتاب صاحبك الذي ادعى أنه منزل عليه من عند الله فليس فيه شيء ~~من ذكر المعجزات، فقد قال: "إن الله لم يجعله صاحب معجزة لأن السابقين ~~كذبوا بآيات الأنبياء الأولين، فكره الله أن يؤتيه بشيء منها فيكذبون به". ~~ولعمري، أهذه حجة مقنعة وجواب صحيح يجوز عند ذوي العقل ويرضى به العلماء ~~والفلاسفة والمنتقدون للكلام والباحثون عن الأصول والأخبار، فهذا ما شهد به ~~كتابه. نعم إن الأولين من اليهود كذبوا بآيات الأنبياء وردوها، وأما ~~الأعراب فبآيات من كذبوا، ولم يبعث فيهم نبي قط، ولا وجه إليهم رسول لا ~~بآية ولا بغير آية؟ ولعله لو كان جاءهم بشيء من الآيات لكانوا صدقوه ولم ~~يكذبوه ! ألم نر أن كثيرين منهم أجابوا دعوته ولم يروا منه آية ولا سمعوا ~~عنه أعجوبة؟ أما غير الكتاب فقد وجدنا لكم أخبارا وقصصا هي كخرافات ~~العجائز، منها زعمهم أنه كان من آياته العجيبة أنه وقف بين يديه ذئب فعوى ~~وبكى، فالتفت محمد إلى أصحابه قائلا لهم: هذا وافد السباع، فإن أحببتم أن ~~تفرضوا له شيئا لا يعدوه إلى غيره، وإن أحببتم تركتموه وتحررتم منه. قالوا ~~: ما نطيب له بشيء، فأومأ إليه بأصابعه الثلث أن خالسهم ، فولى وهو غائل، ~~فهذه آية عجيبة لم يسمع السامعون بمثلها قط ولم ير الراؤون أعجب منها: أنه ~~عرف عواء الذئب وأنه وافد السباع. لو كان قال لهم أن هذا الذئب رسول رب ~~العالمين إليه، من كان يرد عليه قوله، ولا منتقد باحث فيهم؟ ومنها زعمهم أن ~~الذئب كلم أهبان بن أوس الأسلمي فأسلم، ولو ادعى أن أهبان ذكر أن الأسد ~~كلمه لكان عندي أعجب. على انه ساوى بينه وبين ms040 نفسه فيهما، بل فضله على ~~نفسه، إذ الذئب معه عوى، فادعى معرفة ما قال في عوائه إنه وافد السباع. ~~فأما أهبان فزعم أن الذئب كلمه بلسان عربي. والأعجب في ذلك أن هاتين ~~الآيتين لم تجريا إلا بواسطة الذئب الذي يعرف بالخاطف من السباع، وهذا ~~لقبه! وكذلك قصة ثور دريخ وادعاءهم أنه كلم دريخا عندما ضربه. وكتابه يشهد ~~أن الأعراب أشد كفرا ونفاقا. وأما شاة أم معبد ومسحه يده على ضرعها وما يلي ~~ذلك من الخرافات الأخرى كدعائه الشجرة فأسرعت إليه مقبلة مجيبة تجهد في ~~الأرض، فهذا أمر نؤخره. لأن أكثر المسلمين الراسخين في العلم لا يقبلونه. ~~وكذلك السم الذي سمته به زينب بنت الحارث اليهودية (زوجة سلام بن مشكم ~~اليهودي) في شاة مشوية فكلمته الذراع. وأكل معه بشر بن البراء بن معرور ~~فمات، وان السم الذي لم يزل يدب في بدن محمد كان سبب موته. فهل سمع الكلام ~~من الذراع وحده، أم سمعه من كانوا بحضرته؟ فإن كان سمعه هو وحده فلم لم ~~يمنع ابن البراء من أكل طعام مسموم حتى لا يموت، وهو رجل من أصحابه اختصه ~~بالأكل معه؟ وكيف استحل ذلك واستجاز كتمان قول الذراع له إنها مسمومة ؟ وإن ~~كان جميع الحاضرين سمعوا كلام الذراع، فكيف لم يمتنع ابن البراء من الأكل ~~وهو يسمع الذراع تقول: لا تأكل مني فإني مسمومة ؟ فليس يخلو هذا من أحد ~~وجهين، إما أن يكون سمعه هو وحده وكتم ذلك غدرا، وإما أن تكون الجماعة ~~سمعوه فلم يمتنع ابن البراء من ذلك الأكل حيث سمع ولا يموت. ولعل ابن ~~البراء أكل السم ثقة منه بأنه يأكل مع نبي مستجاب الدعوة ورسول رب ~~العالمين، مشفع عند ربه في جميع ما سأله. فلماذا لم يدع محمد ربه فيجيبه ~~كعهدنا بالأنبياء المشفعين في إحياء الموتى؟ فإن إيليا النبي قد أحيا ابن ~~الأرملة بصرفة (1 ملوك 17) وهكذا أليشع تلميذ إيليا أقام ابن الشونمية من ~~الموت (2 ملوك 4). وقد فعلت الأنبياء مثل هذا مرارا كثيرة وهم أحياء، وفعلت ms041 ~~أيضا القوة الحالة في عظامهم كفعل عظام أليشع النبي حيث وضع الميت عليها ~~فعاش (2 ملوك 13). وأنت تعلم أن هذا خبر صحيح في كتب الله المنزلة ليس فيه ~~اختلاف بين النصارى أصلا ولا بين اليهود، وهما ملتان مختلفتان اجتمعتا على ~~صحة ذلك. وكيف لم يأكل محمد منها أيضا ولم يصبه شيء، فيكون ذلك آية له ~~وشاهدا على صحة ما يدعي من النبوة إن كان نبيا ؟ لأن الأنبياء معصومون ~~بالوقاية الإلهية من الآفات التي تحتال الكفرة بها عليهم وعلى أولياء الله، ~~كقول المسيح عن تلاميذه: "إن شربوا شيئا مميتا لا يضرهم، ويضعون أيديهم على ~~المرضى فيبرأون" (مرقس 16: 18). وحقق المسيح لهم هذا، فقد كانوا يمتحنون ~~بمثل هذا فتظهر صحة دعواهم عند التجربة، فانقادت لهم الملوك الجبابرة ~~والعلماء الفلاسفة والحكماء أصحاب الحيل والقضاة، بلا سيف ولا عشيرة ولا ~~حكمة دنيوية ولا فصاحة ألفاظ ولا ترغيب في شيء ولا تسهيل في شريعة، بل لما ~~كانوا يرون من إظهارهم الأفعال المعجبة التي يمتنع إمكانها في عقول ~~الآدميين، فكانوا يرفضون ملكهم وعتوهم، ويدعون فلسفتهم، ويزهدون في علمهم ~~وحكمتهم، ويخرجون عن نعمتهم وإيثارهم، ويتبعون أناسا فقراء الظاهر، صيادي ~~سمك، وعشارين، لا حسب لهم ولا نسب غير انتهائهم إلى طاعة المسيح الذي ~~أعطاهم السلطان والقدرة على إفعال تلك العجائب. فهذه، أصلحك الله، دلائل ~~النبوة وعلامات الرسالة، وصحة الدعوة إلى الله تعالى، لا ما يدعيه صاحبك ~~مما لا حقيقة له وأما الميضأة وخبرها، وأنه أدخل يده فيها ففاض منها الماء ~~حتى شربوا وشربت دوابهم، فالخبر بذلك جاء عن محمد بن إسحق الزهري، وأمرها ~~ضعيف عند أصحاب الأخبار، ولم يجتمع أصحابك على صحته. فكيفما أردت فأخبار ~~صاحبك، أصلحك الله، ليس ينساغ منها شيء ولا يستوي ولا تصح دعوة واحدة مما ~~سواها، على أنه قد سبق فقطع الدعاوي وحذف ذكر الآيات بتة، فسقطت دعوى من ~~ادعى له آية. وإنما بعث بالسيف زعم تصليبا وأن كل من لم يقر أنه نبي مرسل ~~قتله، أو يؤدي الجزية ثمنا لكفره فيدعه، فهل تريد اصلحك ms042 الله دليلا أوضح أو ~~حجة أقنع أو برهانا أصح على بطلان ما جاء به صاحبك أكثر من هذا. إن أنت ~~أنصفت نفسك وصدقتها، على أن صاحبك قد اقر وقطع بإقراره كل سبب بما نقلت عنه ~~الثقاة الحاملون أخباره، فإنه قال قولا مصرحا غير مكاتم ولا مساتر انه: ~~"ليس من نبي إلا وقد كذبت أمته عليه، ولست آمن أن تكذب علي أمتي، فما جاءكم ~~عني اعرضوه على الكتاب الذي خلفته بين أظهركم، فإن كان له مشاكلا وكان له ~~فيه ذكر فهو عني، وإني قلته وفعلته. وإن لم يكن له ذكر في الكتاب فأنا بريء ~~منه وهو كذب ممن رواه عني، وما قلته ولا فعلته" فانظر في هذه الأخبار التي ~~ذكرناها مما يقول أصحابك: هل تجد لها أصلا في الكتاب الذي في يدك؟ فإن كان ~~لها فيه ذكر فهي صحيحة قد فعلها، وإلا فهو بريء منها، وهي أباطيل وأكاذيب! ~~ثم أعظم من هذا وأشنع أنه كان يقول لهم في حياته ويوصي إليهم إذا مات ألا ~~يدفنوه، فإنه سيرفع إلى السماء كما ارتفع المسيح، وأنه أكرم على الله أن ~~يتركه على الأرض أكثر من ثلاثة أيام. ولم يزل ذلك عندهم متمكنا في قلوبهم. ~~فلما مات يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مضت من ربيع الأول سنة 63 لمولده، ~~وقد مرض 14 يوما، تركوه ميتا، يظنون أنه سيرفع إلى السماء كقوله. فلما أتت ~~عليه ثلاثة أيام وانقطع رجاؤهم من ذلك ويئسوا من تلك المواعيد الباطلة، ~~دفنوه يوم الأربعاء. وحكى بعضهم أنه مرض سبعة أيام بذات الجنب، وأنه غرب ~~عقله وخلط في كلامه تخليطا شنيعا، فغضب لذلك علي بن أبي طالب وأنكره. فلما ~~أفاق أخبره بما كان فقال: "لا يبقين في البيت أحد إلا العباس بن عبد ~~المطلب". فلما كان اليوم السابع من مرضه مات، فارتفع بطنه وانعكست إصبعه ~~الشمال وهي الخنصر. وذكر ضمران أنه كان تحته في مرضه شملة حمراء وعليها مات ~~وفيها أدرج بعد موته وروي في التراب بغير غسل ولا أكفان. وروى عمران ms043 بن ~~خضير الخزاعي أنه غسل وأدرج في ثلاثة أثواب بيض يمانية، وأن الذي تولى ذلك ~~منه علي بن أبي طالب والفضل بن العباس بن عبد المطلب عمه. فلم يبق أحد ممن ~~كان تبعه إلا ارتد ورجع عما كان عليه، غير نفر يسير من أخص أهله وأقربهم ~~نسبا إليه، طمعا بما كان فيه من تلك الرئاسة. فكان لأبي بكر (عتيق بن أبي ~~قحافة) في ذلك أعجب تدبير فتولى الأمر بعده. فاغتاظ علي بن أبي طالب غاية ~~الغيظ لأنه لم يكن يشك أن الأمر صائر إليه، فانتزع من يده. كل ذلك حرصا على ~~الدنيا ورغبة في الرئاسة. فلم يزل أبو بكر يلطف بالمرتدين إلى أن رجعوا ~~بضروب من الحيل والرفق والأماني. وكان بعض ذلك بالخوف من السيف، وبعض ~~بالترغيب في سلطان الدنيا وأموالها وإباحة شهواتها ولذاتها. فرجع من رجع في ~~ظاهره لا في باطنه. وما أشك في أنك تذكر ما جرى في مجلس أمير المؤمنين، وقد ~~قيل له في رجل من أجل أصحابه إنه إنما يظهر الإسلام وباطنه المجوسية، ~~فأجاب: "والله إني لأعلم أن فلانا وفلانا (حتى عدد جملة من خواص أصحابه) ~~ليظهرون الإسلام وهم أبرياء منه، ويراءونني وأعلم أن باطنهم يخالف ما ~~يظهرونه لأنهم قوم دخلوا في الإسلام لا رغبة في ديانتنا هذه، بل أرادوا ~~القرب منا والتعزز بسلطان دولتنا. وإني أعلم أن قصتهم كقصة ما يضرب من مثل ~~العامة أن اليهودي إنما تصح يهوديته ويحفظ شرائع توراته إذا أظهر الإسلام! ~~وما قصة هؤلاء في مجوسيتهم وإسلامهم إلا كقصة اليهودي. وإني لأعلم أن فلانا ~~وفلانا (حتى عدد جماعة من أصحابه) كانوا نصارى فأسلموا كرها، فما هم ~~بمسلمين ولا نصارى، ولكنهم مخاتلون: فما حيلتي وكيف أصنع؟ فعليهم جميعا ~~لعنة الله. أما كان يجب عليهم إذ خرجوا من المجوسية النجسة القذرة، التي هي ~~اشر الأديان وأخبث الاعتقادات، أو عن النصرانية التي هي أذعن الأقاويل، إلى ~~نور الإسلام وضيائه وصحة عقدة أن يكونوا أشد تمسكا بما دخلوا فيه منه بما ~~تركوه ظاهرا وخرجوا عنه ms044 رياء. ولكن لي قدوة برسول الله. لقد كان أكثر ~~أصحابه وأخصهم به وأقربهم إليه نسبا يظهرون أنهم أتباعه وأنصاره، وكان محمد ~~يعلم أنهم منافقون، وأنهم لم يزالوا يريدون به السوء ، ويعينون المشركين ~~عليه، حتى أن جماعة منهم كمنوا له تحت العقبة واحتالوا في تنفير بغلته ~~لترمي به فتقتله، فوقاه الله كيدهم. ثم كان يداريهم دائما إلى أن قبض الله ~~روحه. ثم ارتدوا جميعا بعد موته، فلم يبق منهم أحد كان يظن به رشدا إلا رجع ~~وارتد، إلى أن أيده الله وجمع تفرقهم وألقى في قلوب بعضهم شهوة الخلافة ~~ومحبة الدنيا، فربط النظام وجمع الشمل وألف التشتيت بالحيلة ولطف المداراة، ~~وأتم الله ما أتمه. وما المنة في ذلك له ولا هو محمود عليه، بل المنة لله ~~والحمد والشكر له على ذلك بأسره. فلست أذكر ما أراه ويبلغني عن أصحابي ~~هؤلاء إلا المداراة والصبر عليهم، إلى أن يحكم الله بيني وبينهم، وهو خير ~~الحاكمين" ولولا أن سيدي أمير المؤمنين تكلم جهارا على رؤوس الملأ في ~~مجلسه، فذاع الخبر بذلك ونقله الشاهد إلى الغائب، لما حكيته. وأنت تشهد لي ~~أني إنما ذكرتك بما جرى من الكلام في ذلك المجلس وليس له مدة طويلة. وأردت ~~إعادته لأذكرك أمر الرد وأن القوم لم يكن ردهم إلى هذا الأمر إلا رغبة في ~~الدنيا ولإتمام هذا الملك الذي هم فيه وفي ذلك لذوي الألباب ممن ينظر في ~~كتابنا هذا جواب مقنع أن شاء الله فلنرجع الآن إلى كلامنا الأول ونقول أنه ~~كان عمره ثلاثا وستين سنة منها أربعون سنة قبل ادعائه النبوة وثلاثة عشرة ~~سنة بمكة وعشر في المدينة. وهذا أصلحك الله مالا تقدر أنت ولا غيرك ممن ~~يدعي مثل ادعائك أن ينكره أو يجحده. والذي نقل إليك دينك ووثقت به في جميع ~~ما نقله عنه هو الذي نقل هذه الأخبار فهذه قصته من أولها إلى آخرها فإن ~~ادعيت أن موسى النبي ويشوع بن نون خليفة موسى قد حاربا أهل فلسطين، وضربا ~~بالسيف، وقتلا الرجال وسبيا، وأحرقا ms045 القرى والمساكن بالنار، ونهبا الأموال، ~~قلنا لك أنهما فعلا ما فعلاه عن أمر الله لتنفيذ ما أراده وإنجاز مواعيده، ~~فإن ذلك كان في قوم طغوا وبغوا، فأحب الله تأديبهم كتأديب الأب المشفق على ~~ابنه. فإن سألت: وما الدليل على أن ما فعلاه كان عن أمر الله سبحانه، وأن ~~الذي فعله صاحبك لم يكن عن أمر الله؟ قلنا: إن نبي الله موسى جاء بالآيات ~~العجيبة التي فعلها بمصر بحضرة فرعون وجميع أهل مصر، بعد ما فعل أهل مصر ~~ببني إسرائيل ما فعلوه. وبعد ذلك أخرج بني إسرائيل بتلك القوة المنيعة، ~~وفلق لهم البحر وأجازهم، وغرق فرعون وأصحابه عندما تبعهم. وضرب موسى الحجر ~~الأصم فتفجر منه 12 نهرا سقاهم منها، وأنزل لهم المن والسلوى، وما أشبه ذلك ~~مما أتى به مما هو ممتنع في قدرة المخلوقين، لا يقدر أحد أن يفعل ذلك غير ~~الخالق ومن أعطاه الرب القدرة على فعل مثله. فصارت هذه دلائل واضحة بأن ~~جميع ما حكاه وفعله هو عن أمر الله. وصح عندنا أيضا من وجه آخر أنه لم يجيء ~~من بعده نبي ولا رسول من عند الله إلا ثبت له مقالته وصحح قوله وما جاء به، ~~وعلمنا أن قتال الكفار الذين قاتلهم وسبى ذراريهم وأحرق مساكنهم ونهب ~~أموالهم حق من الل وكذلك ما فعل يشوع بن نون من استيقافه الشمس وسط الفلك ~~عن مسيرها، إلى أن انتقم الشعب من أعدائه، وكذلك توقيفه القمر بأمر الرب ~~فوقف. وشهد له الكتاب بأنه لم يكن مثل ذلك اليوم فيما مضى ولن يكون في ~~المستقبل ، لأنها معجزة خص الله بها يشوع بن نون، فتكون شهادة له إلى ~~الأبد. ونحن واليهود المخالفون لنا متفقون على تصديقه عن غير تواطؤ، وأنه ~~حق في كتاب الله فأعطنا أدنى حجة أو أعجوبة من صاحبك فعلها أو يقر له كتابه ~~بصحتها حتى نصدق نبوته ونقر برسالته ونقبل دعوته، ونعلم أن ما فعله من قتل ~~الناس وأخذ أموالهم وإخراجهم من ديارهم كان عن أمر الله عز وجل، كفعل ms046 ~~أولياء الله. ولكنا نعلم حقيقة أنه لا جواب عندك في هذا وأنك لا تقدر أن ~~تأتي بشيء مما سئلت عنه فلا ينبغي لك اصلحك الله أن تظلم وتذمم من رد عليك ~~قولك وأنكر دعواك قائلا: أن الله لم يبعث صاحبك رسولا ولا نبيا ولا أمره ~~بمحاربة أحد ولا موادعته. وإنما هو رجل ادعى لنفسه ما ادعاه، فأعانه على ~~ذلك قوم من عشيرته وأهل بيته وبلده فليس على من جحد هذا ورده لوم ولا عيب ~~ولا ذنب، بل إن أنصفت عذرته، وأحمدت رأيه، وارتضيت بصحة عزيمته، وقلت بجودة ~~فكره، لاحادته عن القول المتهافت المتناقض، الشاهد على نفسه ببطلانه. وأنت ~~تعلم علمك الله كل خير، أن العقل والنصفة يوجبان ذلك، اللهم إلا أن تستعمل ~~المباهتة التي ليست من مذهبك ولا من أخلاقك، بل هي سلاح العمه اليهود ~~والكفار والجهال، فإن الكذب والبهت والمكابرة أصل قولهم، ومتن كلامهم، وعقد ~~أمرهم. لأنهم يشبهون الشيطان أباهم الكاذب، المخترع الكذب والبهتان، كما ~~شهد الرب يسوع المسيح عليه في إنجيله المقدس الطاهر. فإلام أرجع اصلحك الله ~~من أمرك، وكيف أقول، وبما أحتج لك عند عقلي، وهل ترى أن أقبل قولك من غير ~~حجة ولا برهان ولا دليل مقنع، أترى ذلك صوابا؟ وما أظنك يرحمك الله ترى لي ~~ذلك. كيف وسيدي المسيح قد قال في محكم إنجيله المقدس: "إن جميع الأنبياء ~~إنما تنبأت إلى وقت مجيئي، وعند ظهوري زالت النبوات بأجمعها، فلا نبي بعدي. ~~فمن جاء بعدي مدعيا نبوة، فهو لص خاطف لا تقبلوه". فشر علي يا خليلي هل ترى ~~لي أن اعدل عن وصية ربي المسيح مخلص العالم، وأقبل غرورك وخدعك وأمانيك ~~وتشويقاتك بالدنيويات الزائلة بغير دليل ولا حجة. فما أظن مثلك من أهل ~~التمييز والعقل أشار بمثل هذا الخطأ العظيم، ولا مثلي قبله وأصغى إليه. ~~فأرجع إلى عقلك يرحمك الله وأنصفه، واستعمل القانون الحق، ودع التحامل ~~للقرابة والعصبية للنسب المضمحل، فإني لك ناصح، وعليك مشفق، واذكر ما قرأته ~~في الإنجيل الطاهر حيث يقول السيد المسيح لحواريه: ms047 "إن كثيرين من الأنبياء ~~والملوك اشتهوا أن ينظروا من أنتم تنظرون ولم ينظروا، واشتاقوا إلى أن ~~يسمعوا ما أنتم تسمعون ولم يسمعوا" (لوقا 10 - 24). فهل ينبغي لك وأنت قرأت ~~مثل هذا أن تميل عنه إلى غيره من أمور الدنيا، مع معرفة سرعة زوالها ~~وفنائها. وبعد هذا كله فكان ينبغي لك أن تعلم أننا إنما صدقنا الأنبياء، ~~وقبلنا أقوالهم عندما جاءونا بشروط النبوة ودلائل الرسالة وأعلام الوحي، لا ~~بالغلبة والقهر، ولا بالحمية والعصبية، ولا بالشرف في الحسب والنسب، ولا ~~بكثرة العشيرة وصولة المنعة ووفور المال، ولا بتسهيل السنن والشرائع، ولا ~~بإعطاء الجسد شهواته، ولا لأجل الفرق من السلطان والخوف من السيف والسوط، ~~بل بالآيات العجيبة التي لا يقدر الآدميون، ولا يتهيأ في حيلهم أن يأتوا ~~بمثلها. فهي دلائل واضحة إلهية، مثل آيات الأنبياء وعجائب ربنا المسيح ~~وأفعال تلاميذه الحواريين، التي كانت تضل عندها عقول الفلاسفة وحكمة ~~الحكماء. فقبلنا أقاويل هؤلاء، وجميع ما جاءونا به، وصدقناهم وأقررنا لهم ~~به، وأنه حق منزل من عند الله عز وجل، لكون مثل هذه الشهادات الصادقة معهم ~~وبرآتها في أيدينا وعندنا آثارهم قائمة وأعلامهم نيرة، لا يجحد ذلك أحد ولا ~~يمكن غيرهم أن يدعيه ولا ينكره إلا من عاند الحق واستعمل المباهتة وسوء ~~التمييز. وقد اقتضانا اصلحك الله هذا الفصل من كتابنا هذا أن نناظرك فيه ~~بعض المناظرة في ما أتاك به ### || الشرائع والأحكام # ثم دعني أناقشك في ما جاء به صاحبك من الشرائع والأحكام، فنقول إن ~~الشرائع والأحكام لن تخرج عن ثلاثة أوجه، وذلك إما أن يكون الحكم حكما ~~إلهيا وهو حكم التفضل الذي هو فوق العقل والطبيعة ويليق بالله جل اسمه لا ~~بغيره، ولا يشبه سواه. وإما أن يكون حكما طبيعيا قائما في العقل مولودا في ~~الفكر يقبله التمييز ولا ينكره، وهو حكم العدل. وإما أن يكون حكما شيطانيا، ~~أعني حكم الجور، وهو ضد الحكم الإلهي وخلاف الحكم الطبيعي. فأما الحكم ~~الإلهي الذي هو فوق الطبيعة، فهو التفضل الذي جاء به المسيح مخلص العالم ms048 ~~سيد البشر الذي شهد له صاحبك إذ يقول: "وقفينا على آثارهم بعيسى بن مريم ~~مصدقا لما بين يديه من التوراة، وآتيناه الإنجيل فيه هدى ونور، ومصدقا لما ~~بين يديه من التوراة وهدى وموعظة للمتقين" (مائدة 50). وذلك أن المسيح قال ~~في إنجيله الطاهر: "غالبوا الشر بالخير، واحسنوا إلى من أساء إليكم، ~~وتفضلوا على الناس جميعا، وباركوا على من لعنكم، وادعوا لمن أذنب إليكم، ~~وآتوا الجميل والمعروف إلى من شتمكم. لتشبهوا في ذلك فعل أبيكم الذي في ~~السماء، فأنه يجود بوابله على الأبرار والفجار، ويشرق شمسه على الأخيار ~~والأشرار" (متى 5). فهذا هو الحكم الإلهي، وشرائعه فوق الطبيعة وأعلى من ~~العقل الإنساني، وهو حكم التفضيل والرحمة والعفو والتشبيه بفعل الله الرؤوف ~~الرحيم والنحو الثاني هو الحكم الطبيعي والشريعة القائمة في العقل الجاري ~~مع الغريزة، وهو ما جاء به موسى النبي بقوله في حكمه ما معناه " العين ~~بالعين والسن بالسن والنفس بالنفس والضربة بالضربة والجراح قصاص". فهذا حكم ~~الطبيعة الداخل في قانون العقل، وهو حكم العدل والنصفة (الإنصاف): أن تأتي ~~الناس بمثل ما أتوا به إليك وتفعل بهم كما فعلوا بك، إن خيرا وإن شرا. وليس ~~ذلك مضاهيا للحكم الإلهي والنحو الثالث هو الحكم الشيطاني الذي هو الجور ~~والشر بعينه أي هذه الأحكام الثلاثة التي ذكرناها وأي شريعة جاء بها صاحبك. ~~فإن قلت أنه جاء بالأحكام الإلهية، قلنا لك قد سبقه المسيح سيدنا إليها ~~بستمائة سنة، وبها يعمل أصحابه وتابعوه منذ ارتفاعه ممجدا إلى السماء إلى ~~هذه الغاية وإلى أن تنقضي الدنيا، ولم نر أحدا من أصحابك علم شيئا منها ولا ~~كانت تستعمل في عهد صاحبك. إن قلت، وما أظنك قائلا، أنه جاء بالأحكام ~~الطبيعية وشرائع العقل وسنن العدل، قلنا قد سبقه إلى ذلك موسى النبي ~~وأوقفنا عليه وشرحه لنا شرحا بينا عن الله في التوراة، وليس لأحد أن يدعيه ~~لأنه ناطق قائم له وحده مشاهد في كتابه. اللهم إلا أن يكون المدعي لذلك ~~مكابرا للعيان، ظالما متعديا بهاتا، يأتي إلى ما هو كضوء ms049 الشمس حق قائم في ~~أيدي أهله، وهو لهم وعندهم وفيهم، فيروم أن يطمسه ويحاول بمباهتته ادعاءه ~~لنفسه. فهذان حكمان قد عرفنا أصحابهما وأقررنا لهم بهما، فقد بقي الحكم ~~الثالث الذي هو حكم الشيطان وشريعة الجور. فأنظر اصلحك الله نظرا شافيا ~~برؤية صحيحة، وفكر لا يشوبه الميل والزيغ من القائم بهذا الحكم الناصر له ~~المتمسك بشرائعه العامل به. وإلا فأعلمنا أي حكم جاء به صاحبك، وأي شريعة ~~أتى بها غير الحكم الثالث الذي شرحناه لك لنقبله منك إن أوجب قبولا، وننقاد ~~لك فيه فإننا لا نعاند الحق ولا نرده من حيث أتى فهل تقول انه جاء بالحكمين ~~معا (يعني حكم المسيح وحكم موسى) وشرحهما في كتابه قائلا: "النفس بالنفس ~~والعين بالعين والسن بالسن .. الخ" كما قال موسى ثم أتبعه بقول المسيح وإن ~~غفرتم فإنه "أقرب للتقوى" (مائدة 8). فأنت تعلم أن هذا كلام متناقض، كقول ~~القائل: قائم قاعد، وأعمى بصير، وصحيح سقيم في حال واحدة! فما أظنك تستجير ~~إطلاق هذا الكلام على هذا من الإطلاق لأنه محال من القول، ثم لا ينكتم أيضا ~~ولا يختفي على متدبره ومتعقبه أنه كلام سرق من موضعين مختلفين، أعني ~~التوراة والإنجيل. وإن أقررت كل واحد من هذين الحكمين وادعيته، فلا يدعك ~~أصحابهما، لأنهم ورثوه فصار في أيديهم حقا مسلما لهم، ويقولون لك إنك متعد ~~ظالم تروم أخذ إرثنا من أيدينا، مع إقرارك أنت أنه لنا. فإن حاولت أخذه ~~فأنت غاصب لا حق لك، بل آتنا أنت بما في يدك وعندك مما ليس في أيدينا ولا ~~عندنا، لنعلم أنك صادق في ادعائك. ولا أظنك ترضى لصاحبك أن يكون تابعا ~~للمسيح وموسى، وأنت تزعم فيه وتدعي من الحظوة والقدر والمنزلة عند رب ~~العالمين، وتجترئ على الله وتقول: لولا صاحبك ما خلق آدم ولا كانت الدنيا! ~~ولقد جئت يا هذا اصلحك الله بأمر ذي بهت، ادعيت له في الآيات ما ادعيت ~~بقولك لولا أن يكذبوا بها كما كذب الأولون، ولم تدع له ذلك في الشرائع وأنه ~~ما كان عليه ms050 أن يأتي بها فيزين بها بعض أمره. أو ليس ذلك لأنه لم تكن شريعة ~~رابعة بقيت. فلما لم يبق إلا الشريعة الثالثة، وكان موسى والمسيح قد سبقاه ~~إلى الشريعتين جاء هو بالشريعة الثالثة. فلا أدري بأي قوليك آخذ ولا عن ~~أيهما أجيب؟. فأصدق نفسك يرحمك الله ولا تغشها، لأن ذلك حرام عليك، وليس ~~الدين من الأمور التي يجوز أن يتوانى ذو اللب والعقل عن الفحص والبحث عنها ~~ويتغافل عن التفتيش عنه والوقوف على أصوله وأسبابه وفقك الله إلى الحق ~~وجنبك الباطل بحوله وقوته ### || معجزته القرآن # وقد ألجئت إلى أن تقول: أن الحجة البالغة عندك هي هذا الكتاب الذي في ~~يدك، وأن الدليل على صحة كونه منزلا من عند الله، ما فيه من الأخبار ~~القديمة عن موسى والأنبياء وعن سيدنا المسيح، وصاحبك رجل أمي لم تكن له ~~معرفة ولا علم بتلك الأخبار، فلا بد انه أوحي إليه وأنبئ بما قاله. ثم تقول ~~لا يقدر إنسي ولا جني أن يأتي بمثله، ثم تقول: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا ~~على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين" ~~(بقرة 21) و: "ولو أنزلنا هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشية ~~الله" (الحشر 21). ونظائر هذه أعظم الدليل على نبوته. فكأنك جعلت هذا آية ~~له وحجة، مثل فلق البحر لموسى، ووقوف الشمس ليشوع بن نون، وإحياء الموتى ~~للمسيح، وأعاجيب الأنبياء السالفين ولعمري أن هذا الكلام قد أضل قوما ~~كثيرين، وقد أويت من هذا الكلام إلى ركن ضعيف القواعد، متداعي الدعائم، ~~واهي القوائم، وجوابك في هذا قريب غير بعيد وحاضر غير غائب ولا متخلف ولا ~~بد لنا من كشف هذه القصة، وأن كان في كشفها بعض المرارة عليك، فإن بط ~~القروح النغلة لا بد أن ينال صاحبها منه أذى وألم. فأصبر لألم الحديد قليلا ~~تجد الراحة وحلاوة العافية، عندما يتضح لك الحق وتظهر لك فائدة هذا القول ~~وتدليسه عليك فنقول إنه ينبغي لك أن تعلم أولا كيف كان السبب ms051 في هذا ~~الكتاب، ذلك أن رجلا من رهبان النصارى اسمه سرجيوس أحدث حدثا أنكره عليه ~~أصحابه، فحرموه من الدخول إلى الكنيسة وامتنعوا عن كلامه ومخاطبته، على ما ~~جرت به العادة منهم في مثل هذا الموقف. فندم على ما كان منه، فأراد أن يفعل ~~فعلا يكون له حجة عند أصحابه النصارى، فذهب إلى تهامة فجالها حتى بلغ مكة، ~~فنظر البلد غالبا فيها صنفان من الديانة: دين اليهود وعبادة الأصنام، فلم ~~يزل يتلطف ويحتال بصاحبك حتى استماله وتسمى عنده نسطوريوس، وذلك أنه أراد ~~بتغيير اسمه إثبات رأي نسطوريوس الذي كان يعتقده ويتدين به. فلم يزل يخلو ~~به ويكثر مجالسته ومحادثته إلى أن أزاله عن عبادة الأصنام ثم صيره داعيا ~~وتلميذا له يدعو إلى دين نسطوريوس. فلما أحست اليهود بذلك ناصبته العداوة، ~~فطالبته بالسبب القديم الذي بينهم وبين النصارى. فلم يزل يتزايد به الأمر ~~إلى أن بلغ به ما بلغ. فهذا سبب ما في كتابه من ذكر المسيح والنصرانية ~~والدفاع عنها وتزكية أهلها والشهادة لهم أنهم أقرب مودة، وأن منهم قسيسين ~~ورهبانا وأنهم لا يستكبرون (مائدة 85). فلما قوي الأمر في النصرانية وكاد ~~يتم توفي نسطوريوس هذا، فوثب عبد الله بن سلام وكعب، المعروف بالأحبار، ~~اليهوديان بخبثهما ومكرهما، فأظهرا له أنهما قد تابعاه على رأيه، وقالا ~~بقوله، فلم يزالا على ذلك المكر والدهاء والتدبير عليه بكتمان ما في ~~انفسهما، إلى أن وجدا الفرصة بعد موته فلما توفي وارتد القوم وانتهى الأمر ~~إلى أبي بكر، قعد علي بن أبي طالب عن تسليم الأمر لأبي بكر، فعلم عبد الله ~~بن سلام وكعب الأحبار اليهوديان أنهما ظفرا بما كانا يطلبان ويريدان في ~~نفسيهما، فاندسا إلى علي بن أبي طالب فقالا له: ألا تدعي أنت النبوة ونحن ~~نوافقك على مثل ما كان يؤدب به صاحبك نسطوريوس النصراني، فلست بأقل منه؟ ~~ولكن أبا بكر عرف بما كان من أمرهما مع علي، فبعث إلى علي. فلما صار إليه ~~ذكره الحرمة. ونظر علي إلى أبي بكر وإلى قوته، فرجع عما كان ms052 عليه ووقع ~~بقلبه. وكان عبد الله بن سلام وكعب الأحبار قد عمدا إلى ما في يد علي بن ~~أبي طالب من الكتاب الذي دفعه إليه صاحبه على معنى الإنجيل، فأدخلا فيه ~~أخبار التوراة، وشيئا من جل أحكامها، وأخبارا من عندهما بدلها، وشنعا فيه ~~وزادا ونقصا ودسا تلك الشناعات كقولهما: "وقالت اليهود ليست النصارى على ~~شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، وهم يتلون الكتاب، كذلك قال الذين ~~لا يعلمون مثل قولهم، فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه ~~يختلفون" (بقرة 107) ومثل الأعاجيب والتناقض الذي يجعل الناظر فيه يرى ~~المتكلمين به قوما شتى مختلفين، كل منهم ينقض قول صاحبه، ومثل سورة النحل ~~والنمل والعنكبوت وشبهه. إلا أن عليا حين يئس من الأمر أن يصير إليه، صار ~~إلى أبي بكر بعد أربعين يوما (وقال قوم بعد ستة أشهر) فبايعه ووضع يده في ~~يده. وسأله أبو بكر: ما حبسك عنا وعن متابعتنا يا أبا الحسن؟ فقال: كنت ~~مشغولا بجمع كتاب الله، لأن النبي كان أوصاني بذلك. فما معنى شغله بجمع ~~كتاب الله، وأنت تعلم أن الحجاج بن يوسف أيضا جمع المصاحف وأسقط منها أشياء ~~كثيرة؟ وأنت تعلم أيضا أنهم رووا أن النسخة الأولى هي التي كانت بين ~~القرشيين، فأمر علي بن أبي طالب بأخذها لما اشتد عليه الأمر لئلا يقع فيها ~~الزيادة والنقصان، وهي النسخة التي كانت متفقة مع الإنجيل الذي دفعه إلى ~~نسطوريوس، وكان يسميه عند أصحابه "جبريل" مرة و "الروح الأمين" مرة. فلمذا ~~قال علي لأبي بكر في البيعة الأولى: إني شغلت في جمع الكتاب، قالوا: معنا ~~قول ومعك قول، وهل يجمع كتاب الله؟ فاجتمع أمرهم وجمعوا ما كان حفظه الرجال ~~من أجزائه كسورة التوبة التي كتبوها عن الأعرابي الذي جاءهم من البادية ~~وغيره من الشاذ والوافد، وما كان مكتوبا على اللخاف (وهي حجارة بيض رقاق ~~واحدتها لخفة وهي حديث زيد بن ثابت جامع القرآن) والعسب (وهو جريد النخل) ~~وعلى عظم الكتف ونحو ذلك، ولم يجمع في مصحف. وكانت لهم ms053 صحف وأدراج على ~~منهاج أدراج اليهود وذلك من حيلة اليهود وكان الناس يقرأون مختلفين، فقوم ~~يقرأون ما مع علي بن أبي طالب وهم أتباعه إلى اليوم، وقوم يقرأون بهذا ~~المجموع الذي ذكرنا أمره، وقوم يقرأون بقراءة الإعرابي الذي جاء من البرية ~~وقال إن معي حرفا وآية وأقل وأكثر، فكتب ولا يدري ما قصته ولا في ما أنزل، ~~وطائفة تقرأ بقراءة ابن مسعود لقول صاحبك: "من أراد أن يقرأ القرآن غضا ~~طريا كما أنزل فليقرأ بقراءة ابن أم عبد". وكان يعرض عليه في كل سنة مرة، ~~وفي السنة التي مات فيها عرض عليه مرتين. وقوم يقرأون قراءة أبي بن كعب، ~~لقوله: "أقرأكم أبي، وقراءة أبي وقراءة ابن مسعود متقاربتان". فلما صار ~~الأمر إلى عثمان بن عفان واختلف الناس في القراءة، أقبل علي بن أبي طالب ~~يتطلب العلل على عثمان ويتتبع العثرات في القراءة، ويعيبه، وذلك تدبيرا ~~لقتله. فكان الرجل يقرأ الآية ويقرأها الآخر قراءة مختلفة، ويقول الرجل ~~منهم لصاحبه: "قراءتي خير من قراءتك" ويحتج كل منهم لصاحبه بالذي يقرأ ~~بقراءته، ويقع في ذلك الزيادة والنقصان والتحريف والتبديل. فقيل ذلك لعثمان ~~انهم يختلفون في القراءة ويزيدون في الكتاب وينقصون ويقع بينهم الشر والأخذ ~~بالعصبية، ولا نأمن أن يتطاول الأمر ويتفاقم فيقع بينهم القتل ويفسد الكتاب ~~وترجع الردة. فبعث عثمان فجمع كل ما أمكنه من تلك الأدراج والرقاق، وما كتب ~~أولا. ولم يتعرضوا لما في يد علي بن أبي طالب من مصحفه ولا لمن كان يقرأ ~~بقراءته ولا دخل معهم في هذا التأليف فأما أبي بن كعب فمات قبل هذا ~~التأليف، وأما ابن مسعود فطلبوا منه أن يدفع إليهم مصحفه، فأتى فصرفوه عن ~~الكوفة واستعملوا أبا موسى الأشعري، وأمروا زيد بن ثابت الأنصاري وعبد الله ~~بن عباس (وقيل محمد بن أبي بكر) بتأليفه وإصلاحه وحذف الفاسد منه. وقالوا ~~لهما: إذا اختلفتما في شيء أو لفظة أو اسم فاكتباه بلسان قريش. فاختلفا في ~~أشياء كثيرة، منها "التابوت". قال زيد هو التابوه ، وقال ابن عباس ms054 بل هو ~~التابوت فكتباه بلسان قريش. ونظائر هذه كثيرة. فلما جمعوا هذا التأليف على ~~ما في هذه المصاحف كتبت أربعة مصاحف بخط جليل، ووجه أحدها إلى مكة، وحفظ ~~آخر في المدينة، ووجه آخر إلى الشام (وهو اليوم بملطية). ولم يزل ذلك ~~المصحف الذي كان بمكة إلى أيام أبي السرايا فلما كان في تلك الأيام وهو آخر ~~سلب سلبت الكعبة (سنة 200ه). ليس أن أبا السرايا سلبها ، بل في تلك الفتنة. ~~فقد قيل: احترق في ما احترق. وأما مصحف المدينة ففقد في أيام الحيرة، وهي ~~أيام يزيد بن معاوية. ووجه بالمصحف الرابع إلى العراق، وكان بالكوفة وهي ~~يومئذ قبة الإسلام ومجمع المهاجرين والصحابة. ويقال إن ذلك المصحف فقد في ~~أيام المختار. ثم أمر عثمان بجمع ما جمع من تلك المصاحف والأدراج التي جمعت ~~من البلاد، وغلوا له الخل وسرحوه فيه وتركوه حتى تقطع واهترى، ولم يبق شيء ~~إلا متفرقا، مثلما قيل عن سورة النور إنها كانت أطول من سورة البقرة، وكما ~~قيل إن سورة الأحزاب مبتورة ليست بتمامها، وكذلك قالوا في التوبة إنها لم ~~يوجد بينها وبين الأنفال فصل يعرف، فلم يفصلوهما بسطر بسم الله الرحمن ~~الرحيم، ومثل قول ابن مسعود في المعوذتين لما أثبتوهما في المصحف: "لا ~~تزيدوا فيه ما ليس منه". ومثل قول عمر على المنبر: "لا يقولن أحد أن آية ~~الرجم ليست في كتاب الله، فإنا كنا نقرأ "والشيخ والشيخة إذا زنيا ~~فارجموهما البتة". فلولا أن يقال عمر قد زاد القرآن ما ليس فيه لزدتها فيه ~~بيدي". ومثل قوله في آخر خطبة خطبها: "إني لا أعلم أن أحدا قال إن المتعة ~~ليست في كتاب الله، بل قد كنا نقرأ آية المتعة، ولكنها سقطت. فلا جزى الله ~~من أسقطها خيرا، فإنه أؤتمن فما أدى الأمانة، ولا نصح الله ولا رسوله، فقد ~~أسقط المموه عليه من القرآن شيئا كثيرا". وقوله أيضا: "وما كان عليه أن ~~يرخص الله للناس، وإنما بعث محمدا بالدين الواسع ". وقال أبي بن كعب: ~~"سورتان كانوا يقرؤونهما ms055 فيه، وإنما قال هذا في التأليف الأول، ولم يدرك ~~هذا التأليف، وهما سورتا القنوات والوتر، وهما: "اللهم إنا نستعينك ~~ونستغفرك ونستهديك ونؤمن بك ونتوكل عليك" إلى آخر الوتر. وكذلك آية المتعة ~~فإن عليا كان أسقطها وقال إنه سمع رجلا يقرأها على عهده فدعاه وضربه ~~بالسوط، وأمر الناس ألا يقرأها أحد، فكان هذا بعض ما شنعت به عليه عائشة ~~يوم الجمل، وقد دخلت منزل عبد الله بن خلف الخزاعي، فقالت في بعض قولها: ~~"إنه يجلد على القرآن ويضرب عليه وينهى عنه وقد بدل وحرف". وبقي مصحف عبد ~~الله بن مسعود عنده فهو يتوارث إلى الساعة، وكذلك مصحف علي بن أبي طالب عند ~~أهله. ثم أن الحجاج بن يوسف لم يدع مصحفا إلا جمعه وأسقط منه أشياء كثيرة ~~ذكروا أنها كانت نزلت في بني أمية بأسماء قوم، وفي بني العباس بأسماء قوم، ~~وزاد فيه أشياء: وكتبت نسخ بتأليف ما أراد الحجاج في ستة مصاحف، فوجه واحد ~~إلى مصر وآخر إلى الشام وآخر إلى المدينة وآخر إلى مكة وآخر إلى الكوفة ~~وآخر إلى البصرة، وعمد إلى المصاحف المتقدمة فغلى لها الزيت وسرحها فيه ~~فتقطعت، كما فعل عثمان والدليل على ما كتبنا أنك الرجل الذي قرأ كتب الله ~~المنزلة، وأنت تعلم أن الأيدي الكثيرة تداولت كتابك واختلفت فيه الآراء ~~وزيد فيه ونقص منه، وكل قال ووضع ما أراد وأسقط ما كره. أفهذه عندك شروط ~~كتب الله المنزلة سيما وصاحبك أعرابي جلف، فخطر خاطر في قلبه فسجعه بلسانه ~~وصار به إلى قوم بدو فتقرب به إليهم، وهم يشهدون في كتابهم أن الأعراب أشد ~~كفرا ونفاقا؟ وكيف يؤخذ سر الله ووحيه وتنزيله على نبيه ممن هو أشد كفرا؟ ~~وأنت تعلم ما كان بين علي وأبي بكر وعمر وعثمان من العداوة، فقد زاد هؤلاء ~~ونقصوا، وزاد هذا ونقص. وإنما كان كل واحد منهم يريد الخلاف على صاحبه. فمن ~~أين نعلم أي الأقوال هو الصحيح؟ وكيف يمكن أن تميزه من السقيم، وقد زاد فيه ~~الحجاج ونقص منه؟ وأنت ms056 عارف بمذهب الحجاج في جميع أموره. فكيف تأمنه على ~~كتاب الله، وقد كان الرجل الذي يتقرب إلى بني أمية بكل ما يجد إليه سبيلا؟ ~~هذا وقد خالطهم اليهود، وكان بعضهم منافقين دسوا في كتاب صاحبك مكرا منهم ~~وخديعة للفساد، وتدبرا منهم عليهم ليبطلوا أمر المسلمين. ولولا أنك الرجل ~~الذي قرأ كتب الله ودرسها حق دراستها، وأن الإنصاف أصل شيمتك، لما شرحنا لك ~~هذا الشرح. والحق فيه بعض مرارة عاجلة وحلاوة كثيرة آجلة، فلهذا السبب قد ~~اكتفينا بما ذكرناه. فاصبر للمرارة اليسيرة من الدواء تعقبك حلاوة كثيرة في ~~العاقبة وأنت تعلم أننا لم نكتب إليك بشيء من ذات أنفسنا، ولم نثبت إلا ~~الصحيح مما نقلته رواتكم العدول عندكم، المأخوذ بقولهم، المعول في الدين ~~على ما نقلوه من هذه الأخبار وغيرها في صحتها، وأنهم لم يزيدوا ولا مالوا ~~إلى أحد الفريقين فأخبرني أصلحك الله عن قول صاحبك "قل لئن اجتمعت الإنس ~~والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ~~ظهيرا" (الإسراء 88). أفتقول أفصح ألفاظا منه؟ فجوابنا لك في هذا: نعم. ~~أفصح منه كلام اليونانية عند الروم، والزوبة عند أهل فارس، والسريانية عند ~~أهل الرها والسريانيين، وعبرانية بيت المقدس عند العبرانيين، فإن كل لسان ~~له كلام فصيح عند أهله من سائر الألسن، ولهم ألفاظ فصيحة يتخاطبون بها، وهي ~~عندك كلها أعجمية. كما أن لسانك العربي الفصيح أعجمي عندهم. هذا إذا أطلقنا ~~قولك إن كتابك أفصح ألفاظا بالعربية، فصاحب فصاحة الألفاظ هو الذي لا يحتاج ~~إلى استعارة ألفاظ غيره، ولا يستعين بها في خطبه وكلامه، بل يكون مستغنيا ~~بمعرفته وفصاحته عن لسان غيره. ونحن نرى صاحبك قد افتقر في كتابه إلى ~~استعمال كلمات غيره، وهو القائل: "إنا أنزلناه قرآنا عربيا" ولكنه استعان ~~من الفارسية بالإستبرق وسندس وأباريق ونمارق، ومن الحبشية المشكاة وهي ~~الكوة، ومثل هذا كثير قد استعمله في كتابه. فنقول إن العربية ضاقت عليه فلم ~~يكن فيها من الاتساع ما ألجأه إلى لسان غيره في هذه الأشياء، ms057 سيما وأنت ترى ~~أنها منزلة من عند رب العالمين على يد جبريل الملك الأمين. فأنت توقع النقص ~~بالمرسل أو بالرسول فإن كان من عند صاحبك فوقع النقص به لأنه لم يكن يعرف ~~هذه الأسماء بالعربية، فلذلك أعجزته. فهذه ألفاظ امرء القيس وغيره من ~~الشعراء والفصحاء المتقدمين والمتأخرين الذين لا يحصى عددهم، وكلام الخطباء ~~والبلغاء الذين كانوا قبل مجيء صاحبك أفصح ألفاظا منه وأرق وأدق معان ~~بإقراره لأهلها حيث حاجوه فقطعوه فقال: "بل هم قوم خصمون" (الزخرف 58) ~~لأنهم خصموه فكانوا خصما بأصح حجة. وكانوا أبلغ في الخطابة منه، وهو القائل ~~"إن من البيان لسحرا". فلا يخلو إذا أمر هذا الكتاب مما وضع فيه من الألفاظ ~~الأعجمية من أن يكون قد ضاق على صاحبك اللسان العربي، مع علمنا أن لساننا ~~العربي أوسع الألسن كلها. أو أن يكون قد أدخلت فيه الزيادة من قوم آخرين، ~~كما ذكرنا لك في أصل خبره، وأن الأيادي الكثيرة قد تداولته. فأخبرني أي ~~القولين أحببت، فإنه لا محيص لك من أن تقول بأحدهما، وأنت عارف بنتيجة ذلك ~~إذا قلته. فإن قلت إنهم لا يقدرون أن يأتوا بمثل تنضيده وترصيعه، قلنا لك ~~إن تنضيد الشعراء لشعرهم ووزنهم له الوزن الصحيح الذي هو أصعب وأدق معنى، ~~واختيار الألفاظ النقية الصافية العربية الخالصة مع اتساق المعنى الحسن ~~أكمل في الأحكام وأصح في الصنعة، لأن كتابك كله سجع منكسر وكلام مختلف ~~وتكبير معان لا معنى لها. فإن قلت: بل هو أصح معاني، سألناك: أي معنى جديد ~~ظفرت به فيه، نتعلمه منك! وأي معنى صحيح وجدته فيه، فأوقفنا عليه! وأي خبر ~~لم نسمعه على غاية التمام والكمال من الشرح والصحة في الكتب المتقدمة، ~~أفدنا منه؟ أليس هو الذي قرأناه ودرسناه، وعرفنا تفسيره، ووقفنا على ~~معانيه، وبحثنا عن أصوله وأسبابه، وفتشنا عن خبره، فصرنا في العلم به أرسخ ~~من كثير من أهله، وأي شيء هذا من الآيات العجيبة التي يعجز فعلها إمكان ~~الآدميين، وتصير حجة ودليلا على بعثه نبيا يوجب الإقرار له بالرسالة، ~~والنبوة، ms058 والإيمان على الوحي، والتبشير من عند الله، حتى يقاس به أو يري ~~فيه آية مثل فلق البحر وإحياء الموتى وسائر آيات الأنبياء العجيبة. وإنما ~~صار هذا كذلك وجاز بالتدليس والبهرجة، ووصفه بالفصاحة وحسن التنضيد، وجود ~~الإعراب. وأن الأنس والجن لا يقدرون على أن يأتوا بمثله. لأنه وقع إلى قوم ~~أميين أنباط عجم علوج، فعظم في أعينهم وكر في صدورهم. وإلا فأنت إذا أصدقت ~~نفسك تيقنت كيف كان أصل القصة في هذا، وأن مسيلمة الحنيفي والاسود العنسي ~~وطليحة أبن خويلد الاسدي وغيرهم، قد عملوا مثلما عمل صاحبك. وأشهد أني قرأت ~~مصحفا لمسيلمة لو ظهر لأصحابك لرد أكثرهم، إلا أنه لم يتهيأ لهؤلاء أنصار ~~مثلما تهيأ لصاحبك وكأني بك قد لجأت فذكرت اللغة واعتددت بها، وجعلتها خيمة ~~لك تستتر تحت فيئها، فأنت تعلم أن حجتنا في اللغة وحجتك واحدة، والأمر ~~بيننا فيها مشاع غير مقسوم، وأننا فيها شركاء. فليس لك علينا فيها فضل، ولا ~~في يدك منها ما ليس في أيدينا، ولا علمك بأنقد فيها من علمنا، وانك لتقر ~~طائعا أننا معشر العرب نرجع جميعا في اللغة إلى يعرب بن يشجب بن نابت بن ~~إسماعيل أبينا. وإنما هذه الحجة المبهرجة هي دعوى مدلسة تجوز على الأنباط ~~والأسقاط، والعجم والمغفلين، والأغبياء الذين لا معرفة لهم باللسان العربي ~~وإنما هم فيه دخلاء. فلما ورد عليهم منه ما لم يفهموه صدقوه، وتنازلوا على ~~قدر عجمتهم. فأما العرب العاربة الذين هم البدويون فلسانهم واحد، ولغتهم ~~واحدة، وكل منهم يفهم كلام صاحبه، وأما أهل الحضر ومن نشأ بين الأبيات ~~وخالط العجم والأعلاج، فلعمري لقد أفسد بعضهم كلام الآخر لطول المعاشرة ~~وغلبة العادة. فليست بك حاجة إلى ذكر اللغة ولا لك في ذلك بلغة ولا ملجأ ~~فإن قلت أن قريشا أفصح العرب، وأنهم قوم خصمون بالحجة، وهم فرسان البلاغة ~~والخطابة، عارضناك بما لا تقدر أن تنكره، ولا تجحد صدقه. وهو: أن مليكة بنت ~~النعمان الكندية حين اقتنصها صاحبك، وصارت عنده قالت: "أمليكة تحت سوقة". ~~فأنت ونحن لا نشك ms059 أن قريشا كانت تجار العرب وسوقتها، وكندة كانوا الملوك ~~المسلطين على سائر العرب. ولست أقول هذا افتخارا عليك بشرف جنسي من ~~الكندية، ولا لموضع نسبي في العربية، بل لكي تعلم أن كندة كانوا أقوياء، ~~فصحاء بلغاء، خطباء شعراء، رجالا للملك، وقادة للجيوش، ذوي أنعام وأفضال، ~~حتى لقد كانت العجم من الروم والفرس يرغبون في مصاهرتهم، ويفتخرون بحمل ~~بناتهم إليهم. ولقريش من الفضل في السؤدد والكرم، وخاصة لهاشم، ما لا ينكره ~~إلا من قد أعمى الحسد بصره، وطمس نور عقله. وكذلك قولي في جميع العرب وسائر ~~قبائلهم، لأن لهم الفخر والسبق بالفضل والكرم، تخصيصا من الله، على سائر ~~العجم فإن ادعيت أن كلام العرب مدون في الشعر، وأن أخبارها قد قيدت به، فلا ~~نماريك فيه ونسلمه لك ولا نلتفت إليه، وذلك قلة اكتراث لهذا القول وقلة ~~مبالاة به. لأنه قول لا يخفى فساده على ذوي الألباب وتدحض الحجة فيه ولا ~~تثبت عند أهل النظر. لأننا قد نجد كل مشغوف مصروف ودعي أعجمي قد قال الشعر، ~~فإذا نحن قارنا شعره بشعر غيره من العرب العاربة اللسان البدوي الشعر لم ~~نجده مختلفا عنهم، ولا مجانبا لهم، بل وجدناه سالكا سلهم، محتذيا منهجهم ~~وإذا كان هذا كذلك فليس تدوين العرب إذا أخبارها وتقيدها كلامها بالشعر حجة ~~في كتب سرائر الله للقائل بها حجة ناطقة، لأنه لا يؤمن أن يكون قد قيل من ~~الشعر ما قد أشبه به شعر القدماء من العرب بما قد وقع فيه من الفساد ~~والتغيير والزيادة والنقصان. فليس إذا الشعر حجة عند أهل الفحص والنظر ولا ~~دعوى صحيحة، بل هو عند الحكماء والفلاسفة هذيان الموسوسين غير أننا معشر ~~العرب نقدم الشعر ونؤثره ونقول بمحاسنه ومفاخره ونذكر فضائله، ونعلم أن ~~ديوان العرب فيه آداب كثيرة وعلوم ظريفة وأحاديث عجيبة، ولا نشك عند تحملنا ~~الأمور وصدقنا أنفسنا، أنه قد أفسد وأدخل فيه ما ليس منه بالتشبيه ~~والمقايسة. لأنه كلام لا يخطر عليه وإنما هو منثور، وخواطره النفوس ~~الفارغة، ومشاع بين الناس جميعا، يتناوله ms060 من أحب، ويناله من طلبه تقربا به ~~إلى الملوك للإكتساب والمواصلة إليهم بأسبابه. فلهذا أحتمل أن يدخله الفساد ~~والتغيير والزيادة والنقصان فليس أذن الشعر حجة البتة في شيء من كتب سرائر ~~الله، إلا لغة فاسدة ناقصة العقل فاقدة التركيب فلا تظلم، اصلحك الله ،عقلك ~~وتبخس تمييزك حقه، بغلبة سلطان الهوى الجائرة والعصبية، فأنه إنما يجوز مثل ~~هذا على الأغمار والجهال والآفنين وأهل النقص في الرأي، الذين لا عقل لهم ~~ولا معرفة عندهم ولم يتخرجوا بمطالعة الكتب ومعرفة أصول الأخبار المتقدمة. ~~فهم همج كأجلاف الأعراب المعتادين لأكل الضب والحرباء، قد ربوا على الفقر ~~والمسكنة وشقاء العيش في الوادي والبراري، تسقفهم سمائم الصيف وزمهرير ~~الشتاء، وهم في غاية الجوع والعطش والعري، فحيث لوح لهم بذكر أنهار خمر ~~ولبن وأنواع الفاكهة واللحم الكثير والأطعمة والجلوس على الأسرة والاتكاء ~~على فرش السندس والحرير والاستبرق ونكاح النساء اللواتي هن كاللؤلؤ المكنون ~~واستخدام الوصائف والوصفاء والماء المعين المسكوب والظل الممدود التي هي ~~صفات منازل الأكاسرة، وقع هذا في خلدهم. وكان بعضهم قد رأى ذلك في اجتيازهم ~~ومسيرهم إلى أرض فارس، استطاروا فرحا وظنوا أنهم قد نالوه فعلا عند سماعهم ~~إياه قولا. فحملوا نفوسهم على محاربة أهل فارس لأخذ ذلك منهم وظفرهم به. ~~وقد علمت أن بعضهم قال لبعض في حربهم تلك، وقد ظفروا بسلال فيها حلوى من ~~خزائن الفرس، فأكلوا وتطعموا حلاوة ما فيها: "والله لو لم يكن لنا ديانة ~~نحارب فيها لوجب أن نحارب على هذا". فحاربوا أمة نجسة قذرة قد كانت طغت على ~~الله وتجبرت فسلط جل وعز عليهم من لم يفكروا فيه قط فقتلوهم وأخربوا بيوتهم ~~بما كانوا يظلمون ويسفكون الدماء الزكية، وكذلك حكم الله وفعله بالقوم ~~الظالمين ينتقم ببعضهم من بعض، ومثل الأنباط والأسقاط الذين لا أخلاق لهم، ~~قوم إنما غذوا بالشقاء وربوا مع البقر في السواد، ومثل الجوار الذين لا أدب ~~لهم ولا حسنى ولا علم ولا معرف. فحيث تكلموا بالعربية تنطقوا ببسط ألسنتهم ~~واستعربوا عند أنفسهم وأستطالوا على الناس فأحدهم ms061 يدعي الإسلام قولا بلسانه ~~وفي قلبه بعض من مرض يهوديته ومجوسيته، فهو لا يعرف من خلقه. ولو قيل له ما ~~الحد الذي تفرق به ما بين نفسك وخالقك والبهيمة لم يدر ولم يحسن أن يميز ~~ولا يعلم ما هو ولا كيف هو الجواب فيه، وإنما هم كالأنعام بل وأضل سبيلا، ~~وكالبهائم الهائمة على وجوهها، يميلون مع كل ريح ولا يعلمون حقيقة ما دخلوا ~~فيه مما كانوا عليه أولا. مثل عبدة الأصنام والمجوسية وأوساخ اليهود ~~وسفالتهم، الذين إنما طلبوا التعزز بالدولة، والتطاول على الناس بالسلطان، ~~وبسط ألسنتهم على ذوي الأقدار وأولاد الأحرار وأهل الحسنى والمعرفة وأهل ~~الديانة والعلم والمروءة والصيانة والشرف والنسب ومثل أهل الريب والخيانات ~~أيضا والجرائم الذين لم يكن يتهيأ لهم ارتكاب المحارم ونكاح الفروج التي ~~حرمها الله عليهم مع بقائهم في الديانة النصرانية إلا بانصباب ذلك لهم ~~بالدخول في هذه المقالة. ومثل من أباح لنفسه غاية الشره على الشهوات ~~الجسدانية، فمال إلى الدنيا ولذاتها وزخرفتها طلبا للعز القليل الزائل ~~الفاني وشيكا، الذاهب سريعا منها، وطرحا للكثير الدائم الباقي الذي لا ~~انقطاع له، ولا زوال وهو في الآخرة، فأنحاز إلى هذا القول وجعله سببا له، ~~وسلما أوصله إلى ما أراد، إذ كان أقوى أسباب الدنيا يعبر منها ويعول عليها، ~~التي جعل سلطانها باب المدخل إليها، والسبيل إلى ارتكاب الكبائر والمعاصي ~~فيها. ومال أيضا إلى هذه المقالة من جعلها متجرا ومكتسبا لرزقه الذي قد ~~كفاه، ولقوته الذي قد فرغ له من الاهتمام به وإلا فهل رأيت أكرمك الله أو ~~بلغك أن من له بصيرة في الديانة أو علم أو معرفة أو تحصيل للأمور أو قراءة ~~الكتب وتفتيش لها واعتقاد صحيح أو نظر في حكمة أو مدعى فلسفة صحيح العقل ~~والفكر انقاد إلى غير الديانة النصرانية وخرج منها جاحدا مقالته ناكرا ~~معرفته من غير سبب دنيوي دعاه الاضطرار إليه ليجرأ بدينك وسلطانك على ما ~~يريد من ركوبه وما تنازعه إليه نفسه من الأمور الخسيسة التي كانت الديانة ~~النصرانية تحظرها عليه وتمنعه ms062 من الدخول فيها وتقبح له فعلها بل من لم يكن ~~يتهيأ له ذلك ولا يمكنه فعله دخل في دين هو مطمئن فيه لما يريد من ذلك آمنا ~~غير خائف تحت سلطان هذه الدولة مظهرا متابعة أهلها على قولهم فهذه أكرمك ~~الله أقوى أسباب هؤلاء الذين تراهم قد وافقوك على مقالتك، واجتمعوا معك على ~~اعتقادك، وأكثرهم يعتقدون ويضمرون ويسرون خلاف ما يظهرونه. فمنهم من يزدري ~~على صاحبك في حسبه ونسبه، ومنهم من يسبه ويدعي في ذلك الكذب والبهتان، ~~ومنهم من يزعم أن غيره كان أحق بالأمر منه، ولكنه سبب له ذلك بالغلط. وبعض ~~يقول أن روح القدس أنقسم ثلاثة أقسام: فقسم كان في عيسى وقسم في موسى وقسم ~~في رجل آخر أكره ذكره وأن صاحبك خلو من ذلك فهؤلاء عندي أجهل البرية وأشر ~~من الزنادقة وأرادا مذهبا منهم وهم يظهرون الإسلام ويفتخرون به في ظاهرهم ~~وكل ذلك ليتعززوا بسلطان الدولة على النصارى السليمة قلوبهم المشبهين ~~الحملان بين الذئاب الخاطفة كما سبق قول سيدهم ومسيحهم ومخلصهم الذي أعلمهم ~~بما هو مزمع أن يكون من أمره ولو أسهبت لأصف لك مقالات أصحابك ومعاذ الله ~~أن يكونوا لك أصحابا بل هم أصحاب الشياطين وحزبه وشيعته وأولياؤه، وما ~~يروونه من الأحاديث الكاذبة الشنيعة، التي تكاد تخزي الجبال منها للفرية ~~التي فيها، على الله جل ذكره أولا ثم على صاحبك، وما يقذفونه به من ~~الأباطيل ويشنعون عليه به من الكذب الذي لم يخلق الله له أصلا وصاحبك بريء ~~منه كله لطال كتابي بذكره فما قولك في من يروي عنهم أنهم يقولون لربما ~~هوينا أمرا فوضعنا فيه حديثا وما أظنك ممن يروي أن الله جل وعز عما يفترون ~~بعث إلى أبي بكر يقول: يا أبا بكر أما أنا فراضي عنك فهل أنت راض عني فحسبك ~~بهذا دليلا على فريتهم على الله جل وغر وكذبهم وتشنيعهم وكم مثل هذه ~~الأحاديث قد زوروها وألفوا عليها فلعمري لقد صدق صاحبك حيث قال: "أنه ما من ~~نبي إلا وقد كذبت عليه ms063 أمته وأن أمتي ستكذب علي أيضا". ولكني لا أعرف أمة ~~كذبت على نبيها كذب اليهود وما ادري ما أقول في هؤلاء وفي كذبه وأما الخلاف ~~في الآذان والتكبير على الجنائز والتشهد، وصلوات الأعياد، وتكبير التشريق، ~~ووجوه القراءات، ووجوه النسيء والفتيا، وما أشبه ذلك، فأنه أمر يطول خبره ~~جدا. ولولا أعلم أنك الرجل الذي قد فتشت أحاديثهم وانتقدتها، وعرفت جميع ~~عوارها، وانكشفت لك مجاريها لكتبت إليك في هذا الفن أشياء يطول الخطب فيها. ~~لكني أعرفك عالما بجميعها غير مشك في ذلك. وقد سترت الدولة وظاهر قول ~~الديانة واسم الإسلام والتحلي به والأعاجيب من اعتقادهم، وكذبهم على الله ~~وأنبيائه ورسله وأوليائه، وعباده الصالحين وما يكتمون من النفاق، ويظهرون ~~أنهم النقية قلوبهم، السليمة صدورهم، وهم الدغلون الغاشون لله جل ذكره، ~~ولأنبيائه ورسله، إذ كانوا يروون عن الله مثل هذه الأحاديث فكيف لا تأخذهم ~~الرجفة، وكيف لا تطبق عليهم السماء بالسخط والعذاب، وهم ينطقون بمثل هذه ~~العظائم. ولكنه جل وعز لم يزل مستعملا طول الأناة والإمهال. لأنه جل أسمه ~~لا يخاف الفوت، وهم إليه يرجعون. فهو يمهلهم إلى يوم تنكشف فيه الستور ~~ونعوذ بالله أن نكون من القوم الظالمين ### || مكتوب على العرش # وإما قولك إنه مكتوب على العرش "لا إله إلا الله. محمد رسول الله" فلقد ~~كثر تعجبي منك. كيف أمكن أن تتصور مثل هذا أنه صحيح حتى ترويه وتكتب به إلى ~~مثلي من أهل اليقين وصحة الانتقاد، لأنك في حكمتك لم تترك شيئا لليهود ~~الذين يحدون الله ربهم أنه جالس على عرش محدود، فلم ترض أن أجلسته على عرش ~~محدود حتى تكتب على العرش اسمه واسم آخر من خلقه. هل هو الذي كتب ذلك ~~الكتاب أم كتب له؟ ولم كتب ذلك؟ هل لنفسه لئلا ينسى اسمه، أم لتعرفه ~~الملائكة ؟ فليس لها حاجة إلى أن يكون لها كتاب نصب أعينها يذكرها لئلا ~~تنسى اسم خالقها، وهي تسبح اسمه وتقدسه من غير انقطاع، وتنفذ أمره في كل ~~لحظة. وإن كان كتب ذلك للناس، فهم غير ms064 منتفعين به، لأنهم لم يروا ذلك العرش ~~ولا قرأوا ما عليه من الكتابة! فإن قلت إن ذلك كتب ليقرأ يوم القيامة، فأقم ~~لنا دليلا على ذلك، فإنك تعلم أن الناس كلهم يوم القيامة يعطون المعرفة ~~الكاملة بخالقهم، ويحصلون على اليقين الصحيح، يوم تجزى كل نفس بما كسبت. ~~فإن صدقت نفسك علمت حقا أن هذا محال، لا معنى له، ولا منفعة. وإن الله في ~~حكمته لا يفعل المحال وما ليس له معنى. وقد وجدنا إجماعكم على أن الرجل إذا ~~قام خطيبا فيكم يبالغ في دعائه ويظن في نفسه أنه قد بلغ الغاية القصوى في ~~خطبته، فيفتح كلامه قائلا: "اللهم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت ~~على إبراهيم وآل إبراهيم" فأراك ظننت أنك قد بالغت له في الدعاء والصلاة ~~عليه إذ تمنيت له أن يصير مثل إبراهيم وكأحد آل إبراهيم، فهذا نهاية ~~الشناعة أن رجلا اسمه مع اسم الله جل ذكره وتقدست أسماؤه مكتوب على العرش ~~من نور، وأن آدم بل الدنيا كلها إنما خلقت بسببه كزعمكم، تتمنى له اللحاق ~~برجل من آل إبراهيم! وكتابك يشهد في عدة مواضع قائلا: "يا بني إسرائيل ، ~~اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم، وأني فضلتكم على العالمين" (بقرة 47: 122) ~~فقد وجب عليك في هذا القول إن بني إسرائيل أفضل منك وممن ذكرته بالفضائل ~~وإنما كان عهدي بمثل هذه الشناعات من عمهة اليهود، ولم أظن عقلاء المسلمين ~~يعتقدون بمثل هذا وشبهه. وجوابنا لك، أرشدك الله، في الماضي والمستأنف من ~~كتابنا هذا على قدر ما يحتمل من الكلام، على أنا قد وضعنا النصفة بيننا ~~وبينك أساسا لكلامنا، وطرحنا التطاول بالسلطة، والبذخ والتفاخر بالأنساب، ~~لأنا إذا حصلنا على العلم بأنفسنا وصدقناها عرفنا أنه ليس لأحد على صاحبه ~~فضل في النسب، وأننا نرجع إلى أب واحد وأم واحدة، وجميعنا من طينة واحدة، ~~ليس لحم أطيب من لحم، ولا دم أطيب من دم، وإنما التفاضل والتقدم بالعقول ~~والعلوم. ولقد أحسن عندي القائل قيمة كل امرء ما يحسن من علمه وعمله، وأني ms065 ~~كثيرا ما استصوب هذا الكلام من قائله، وإنما أدخلت هذا القول في هذا ~~الموضع، وان كان ليس من جنس ما نحن بصدده، حتى إذا نظر في كتابي متعنت ينظر ~~بعين العماهية والجهالة التي ثمرتها الحسد، لا يسبق إلى قلبه وركاكته أني ~~لم أكن عارفا من حقكم أهل البيت ما اعرفه، وأوجب ما أوجبه. فكيف وأنا معتقد ~~ذلك بجميع ذرية أدم ولكني استعملت ما قاله بعض الحكماء أن ترك الجواب في ~~موضعه عي وظلم للعقل، فكرهت أن أكون ظالما لعقلي، ولم التفت إلى هذا الحاسد ~~وهذيانه وجهله وطرحت كلامه وراء ظهري بل لم أتوهمه إلا عدوا فضلا عن ~~التفاتي إليه ### || ما دعوتني إليه # وأما ما دعوتني إليه من الصلوات الخمس وصيام رمضان، فالجواب في ذلك ~~إقرارك في ما كتبته من أمر صلواتنا وصومنا ومواظبتنا، فقد رأيت ذلك معاينة ~~وسمعته وشاهدت تلك الأمور الإلهية المخالفة لما دعوتني إليه من الأمور ~~المبهرجة. فاكتف بما رأيت، وليكن لك دليلا وجوابا. فلست أجيبك في هذا بأكثر ~~مما عندك من المعرفة، وكفاك بذلك حجة عند نفسك وأما قولك أن نستعمل الوضوء ~~ونغتسل من الجنابة ونختتن لنقيم سنة أبينا إبراهيم، فجوابه قول المسيح لما ~~سأله اليهود لماذا لا يغتسل تلاميذه: "ليس شيء من خارج الإنسان إذا دخل فيه ~~يقدر أن ينجسه، لكن الأشياء التي تخرج منه هي التي تنجس الإنسان. أما ~~تفهمون أن كل ما يدخل الإنسان من خارج لا يقدر أن ينجسه ، لأنه لا يدخل إلى ~~قلبه بل إلى الجوف ثم يخرج إلى الخلاء، وذلك يطهر كل الأطعمة ؟ إن الذي ~~يخرج من الإنسان ذلك ينجس الإنسان. لأنه من الداخل من قلوب الناس تخرج ~~الأفكار الشريرة. زنى، فسق ، قتل، سرقة، طمع، خبث، مكر، عهارة، عين شريرة، ~~تجديف، كبرياء، جهل. جميع هذه الشرور تخرج من الداخل وتنجس الإنسان" (مرقس ~~7: 15 - 23). وما معنى غسل اليدين والرجلين والقيام على الصلاة وقد صمم ~~الإنسان على قتل الناس وسلب أموالهم وسبي ذراريهم؟ إنما ينبغي للإنسان أولا ~~أن يغسل داخل قلبه ويطهره من ms066 الأفكار الرديئة. وإذا نظفت نيته وطهر ضميره ~~من ذلك الاعتقاد الرديء حينئذ يغسل ظاهر بدنه بالماء. فميز هذا القول وانظر ~~فيه بعقلك. أليس هو قول مقنع وجواب شاف؟ وأما الختان فينبغي لك أولا أن ~~تعلم قصته، ثم تحث الناس على أن يمتثلوا سنة إبراهيم أبيهم. فإن الله لما ~~كان مزمعا أن يدخل بني إسرائيل (الذين هم نسل إبراهيم) أرض مصر، وهو يعلم ~~أن الشر سيحملهم على ارتكاب الزنا، جعل هذا سببا لحفظهم منه، فالمصرية التي ~~ترى علامة الختان في جسد اليهودي تمتنع وترفض. فكيف تحث الناس على الختان ~~وأنت تعلم أن صاحبك لم يختتن على ما نقلت الرواة عنه أنه لم يكن مختونا ~~بتة، لأنهم شبهوه بآدم أبي البشر وشيث ونوح وحنظلة بن أبي صفوان؟ فإن قلت ~~إن المسيح قد اختتن، قلنا لك قد اختتن لإقامة سنة التوراة لئلا يحسبوه قد ~~استخف أو أنقص شيئا من سننها ، فأكد ذلك بقوله: "لا تظنوا أني جئت لأنقض ~~الناموس أو الأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل" (متى 5: 17) وكذلك قال الرسول ~~بولس: "فإن الختان ينفع إن عملت بالناموس. ولكن إن كنت متعديا الناموس فقد ~~صار ختانك غرلة. إذا إن كان الأغرل يحفظ أحكام الناموس، أفما تحسب غرلته ~~ختانا؟ وتكون الغرلة التي من الطبيعة وهي تكمل الناموس تدينك أنت الذي في ~~الكتاب والختان تتعدى الناموس. لأن اليهودي في الظاهر ليس هو يهوديا، ولا ~~الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانا. بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، ~~وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من ~~الله" (رومية 2: 25 - 29). فإن أنصفتنا علمت أن الختان ليس عليك فريضة ~~واجبة، لأن كتابك لا يذكر أن الختان شريعة واجبة، وإنما هو سنة، من شاء عمل ~~بها ومن شاء لم يعمل بها. ومن اختتن من أصحابنا وأسبغ الوضوء واغتسل من ~~الجنابة فلا يفعل ذلك لأنه سنة وفريضة، بل يفعله على سبيل العادة الجارية ~~عند أهل الزمان للنظافة الظاهرة لا غير ، لعلمنا أن من تغوط كان ms067 أحق أن ~~يفيض عليه الماء السابغ بالغسل بقدر ما يخرج منه نتن الرائحة وقبيح المنظر ~~، بخلاف من تصيبه الجنابة التي لا لون لها منكر ولا رائحة منتنة ، بل يتولد ~~منها إنسان كامل المعرفة والعقل والعلم، يكون منه النبي المرسل والملك ~~المتسلط والحكيم الناقد والعبد الصالح المسبح لله ليلا ونهارا. وكذلك يفعل ~~من اجتنب منا أكل لحم الخنزير كاجتنابه أكل لحوم الحمير والجمال، لأن ذلك ~~غير محرم عليه، لأن الله لم يخلق شيئا قبيحا كقوله في التوراة : "ورأى الله ~~كل ما عمله فإذا هو حسن جدا" (تكوين 1: 31). أفأجترىء أنا وأقول عن شيء ~~خلقه إنه قبيح أو حرام؟ إذا أكون معاندا لله مقاوما ما خلقه واستحسنه ! ~~ومعاذ الله أن أكون لربي معاندا، بل كل ما خلقه الله مما تقبله نفسي ويجوز ~~لي في طبيعتي آكله، فهو مطلق لي ولجميع أبناء آدم. غير أكل الدم والميتة ~~وما ذبح للأصنام ، فإنه نزل في تحريمه أمر من الله (أعمال الرسل 15:20) أما ~~السبب في تحريم الخنزير والجمل وغيرهما على بني إسرائيل فذلك لعلة معروفة، ~~لأنهم عندما كانوا مقيمين بمصر كان المصريون يعبدون الأصنام التي تشبه ~~الثيران والبقر والكباش وسائر الغنم. ألا ترى كيف قال موسى لفرعون : لا ~~يجوز أن نقرب لله قرابين تجاه المصريين، لأننا نريد أن نقرب القرابين التي ~~يعبدونها. فإذا فعلنا ذلك أمامهم يرجموننا إذا قربنا آلهتهم وذبحناها! ~~ودليل آخر: أن موسى لما أقام في طور سيناء طلب بنو إسرائيل من هارون أخيه ~~أن يصنع لهم عجلا يعبدونه لأن موسى أبطأ عليهم، فصنع لهم صنما" على صورة ~~العجل على منهاج ما كانوا يرون من عبادة أهل مصر. فليس الحرام والنجاسة أن ~~يؤكل لحم الثيران والبقر وسائر الغنم والكباش والخنزير والجمل والحمار ~~والفرس ، بل الحرام والنجاسة أن نعبد هذه ونتخذها آلهة. فأما من لم يعبدها ~~ولم يكن اعتقاده أنها آلهة أو قرب منها شيئا للأصنام، فليس ذلك بحرام عليه ~~ولا بالنجس عنده. وأكل لحوم الثيران والبقر والكباش وسائر الغنم والخنزير ~~والجمل والحمار والفرس حلال ms068 ورزق من الله طيب، يأكله الإنسان ما لم تعفه ~~نفسه أو ينفر منه طبعه. فإن ترك أكل الجميع أو بعضه فذلك إليه لا لوم عليه ~~فيه. فأما تحريم لحم الخنزير فقط من بين البهائم كلها، وإطلاق أكل الجمل ~~وتقريب القربان منه ولحم الحمار والفرس الذي أتى به صاحبك ، فالسبب فيه من ~~ذينك اليهوديين: عبد الله بن سلام، ووهب بن منبه اللذين أفسدا الدنيا ~~وأهلكا الأمة. وصاحبك بريء من هذا كله فأما خفض النساء فالقصة فيه أن سارة ~~زوجة إبراهيم لما رأت إعجاب إبراهيم بهاجر أمتها المصرية حين وهبتها له ~~وأطلقت له أن يطأها لحقها ما يلحق النساء من الغيرة على أزواجهن فنحفضت ~~أمتها بيدها أرادت التشويه بها وأن تهتك الموضع الذي توهمت أن إبراهيم يعجب ~~به منها فكان ذلك على جهة إيقاع العيب بهاجر والتشفي منها فلما صارت هاجر ~~إلى بلد تهامة وتزوج إسماعيل عمدت إلى امرأته فخفضتها لئلا تعيرها بذلك ~~وأوهمتها أنها سنة لإبراهيم فعندما ولد لإسماعيل ولد عمد إلى الذكور من ~~ولده وولد ولده وأقام فيهم سنة إبراهيم وعمدت امرأة إسماعيل إلى الإناث من ~~أولادهم فخفضتهن وأقامت قيهن العلامة التي ورثتها من هاجر على أنها سنة ~~كالختان الذكور والدليل على ذلك أنه لم ينزل فيه أمر ولا نهي ولا جرى له ~~ذكر في شيء من الكتب المنزلة وإنما عملت به العرب على حسب ما جرت به سنة ~~البلد ولولا أن الديانة عندي اشرف من الحسب الجسداني الزائل لكان يسعني ~~السكوت عن هذه الأمور إذ كنت أنا أيضا من ولد إسماعيل منتميا إليه لكني رجل ~~نصراني ولي في هذه الديانة سابقة هي حسبي ونسبي وشرفي الذي أتتشرف به ~~وافتخر بمكاني منه وارغب إلى الله في إمانتي على هذه الديانة وحشري عليها ~~فانه غاية أملي ورجائي الذي أرجو به الخلاص من العذاب في نار جهنم والدخول ~~إلى ملكوت السماء والخلود فيها بفضله وإحسانه وسعة رحمته وأما دعوتك لي إلى ~~حج بيت الله الذي بمكة ورمي الحجار والتلبية وتقبيل الركن والمقام ms069 ، فسبحان ~~الله! كأنك تكلم صبيا أو تخاطب غبيا! أليس هو الموضع الذي عرفناه جميعا حق ~~معرفته، ووقفنا على أصول أسبابه، وكيف كانت القصة في ثباته، وكيف جرى أمره ~~إلى هذه الغاية . أولا تعلم أن هذا فعل الشمسية والبراهمة الذي يسمونه ~~النسك لأصنامهم بالهند، فإنهم يفعلون في بلدهم ما يفعله المسلمون اليوم من ~~الحلق والتعري الذي يسمونه الإحرام والطواف ببيوت أصنامهم إلى هذا الوقت ~~على هذه الحالة، فلم تزد عليه أنت شيئا ولا نقصت منه ذرة ، فإنك أخذته بذلك ~~الفعل الذي سميته "النسك". إلا أنك تفعله في السنة مرة واحدة في وقت مختلف، ~~وأولئك يفعلونه في السنة مرتين، عند دخول الشمس أول دقيقة من الحمل (وهو ~~الربيع)، وفي دخولها أول دقيقة من الميزان (وهو الخريف). ففي الأول لدخول ~~الصيف وفي الثاني لدخول الشتاء. فهم يضحون كما تضحي أنت ، وينسكون كنسك ~~وأنت وأصحابك تعلمون أن العرب كانت تنسك هذه المناسك وتفعل هذه الأفعال منذ ~~بنت هذا البيت. فلما جاء صاحبك بالإسلام لم نره زاد في هذه الأفعال ولا ~~أنقص منها شيئا، غير انه لبعد المشقة وطول المسافة وتخفيف المؤونة جعله حجة ~~واحدة في السنة، وأسقط من التلبية ما كان فيه شناعة. وإني أستصوب قولا لعمر ~~بن الخطاب وقد وقف على الركن والمقام فقال: "والله لأعلم أنكما حجران لا ~~تنفعان ولا تضران، ولكني رأيت رسول الله يقبلكما، فأنا أقبلكما كذلك". فإن ~~كان الرواة الصادقون الذين رووا هذه الرواية عنه كذبوا عليه أو لم يكذبوا، ~~فقد صدقوا في ما حكوه عن هذين الحجرين. وغن كانوا صدقوا عنه أنه قال ذلك، ~~فلقد قال قولا حقا وأقبح من هذا كله ما جاء في ذكر الطلاق ونكاح المرأة ~~رجلا آخر يسمى الاستحلال، وأن يذوق من عسيلتها وتذوق من عسيلته، ثم مراجعة ~~الرجل الأول بعد ذلك. هذا، وقد يكون لها أولاد رجال نبلاء، وبنات كبار ذوات ~~بيوت، والزوج الذي له الشرف النفيس والحسب الخطير وتكون هي المرأة النبيلة ~~في قومها فهل تدعوني إلى مثل هذا الذي تستشنعه البهائم ms070 وتستقبح فعله؟ وأما ~~قولك إنك تنظر إلى حرم رسول الله وتشاهد تلك المواضع المباركة العجيبة ، ~~فقد صدقت في قولك إنها مواضع عجيبة . وأما قولك إنها مواضع مباركة، فخبرني ~~ما الذي صح عندك من بركتها؟ أي مريض مضى إليها فبرئ من مرضه، أو أي أبرص ~~زار ذلك المكان فذهب عنه برصه، أو أي أعمى ذهب إلى تلك البقعة فانفتحت ~~عيناه، أو أي مخبط من الشيطان حمل إلى ذلك البلد فرجع صحيحا سليما؟ فما ~~أظنك تفكر في مثل هذا وتقول إن مثل ذلك الموضع فعل مثل ذلك! وليس أحد على ~~وجه الأرض يقدر أن يدعي شيئا مما طالبناك به إلا من آمن بالنصرانية . فقد ~~عرفنا البركات تحل في المواضع التي يعبد الله فيها حق عبادته ويسكنها ~~الأبرار الصالحون الأتقياء الذين وهبوا أنفسهم لله، فهم في طاعته دائبون ~~ليلهم ونهارهم، وقد رفضوا الدنيا ونزعوا عن قلوبهم الفكر منها والاهتمام ~~بشيء من أمرها، فهم أحق بأن تنزل البركات من عند الله عليهم وعلى مساكنهم، ~~وتنزل الأشفية والعوافي على أيديهم، وإذا سألوه أعطاهم، وإذا طلبوا أنجح ~~طلبتهم، وإذا تشفعوا إليه شفعهم، وإذا دعوه أجابهم، لأن موعده لا يخلف فيه ~~ولا يضيع عنده أجر المحسنين. وكذلك قال الله على لسان داود النبي: "عينا ~~الرب نحو الصديقين، وأذناه إلى صراخهم" (مزمور 34: 15). و"الرب قريب لكل ~~الذين يدعونه. الذين يدعونه بالحق" (مزمور 145: 18). وأكد المسيح هذا ~~بقوله: "اسألوا تعطوا. اطلبوا تجدوا" ثم قال في موضع آخر: "إن اتفق اثنان ~~منكم على الأرض في أي شيء يطلبانه، فإنه يكون لهما من قبل أبي الذي في ~~السماوات" (متى 7: 7 و 18: 19). فقد أنجز وعده وحقق قوله، فليس من مكروب ~~ولا ملهوف ولا محزون ولا مريض ولا مستغيث يسأله بإيمان صحيح ونية صادقة ~~وقلب سليم من أولياء المسيح المقدس الطاهر، إلا فرج عنه همه وغمه كربه. ~~فهذه الديارات العامرة بالبيع، وجميع المواضع التي يذكر فيها اسم المسيح ~~مخلص العالم، ويأوي فيها الرهبان ممتلئة من هذه البركات تفيض على جميع من ~~صار إليها وقصدها بإخلاص ms071 نيته، لا يطلب من أحد ثمنا ولا مكافأة، ولا ينال ~~على ذلك جزاء ولا شكرا، لأن المسيح مخلص العالم قال في إنجيله الطاهر: ~~"مجانا أخذتم مجانا أعطوا. ولا تقتنوا ذهبا ولا فضة" (متى 10: 8). فهم ~~حافظون لوصيته تابعون أمره مقتفون أثره ### || الإكراه في الدين # ثم قلت: أدعوك إلى سبيل الله الذي هو غزو المخالفين، والكفرة المنافقين، ~~وقتال المشركين ضربا بالسيف وسلبا وسبيا، حتى يدخلوا في دين الله، ويشهدوا ~~أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله. أو يؤدوا الجزية عن يد وهم ~~صاغرون. فهل أردت أن تدعوني إلى فعل الشيطان، المنزوعة منه الرحمة، الذي ~~إنما أفرغ حسده لآدم وذريته في شرذمة منهم، جعلهم سلاحا له وأولياء ينقادون ~~لإرادته في القتل والسلب والسبي؟ فكيف أجمع بين قوليك وبين تباعدهما: ~~"ولتكن منك أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك ~~هم المفلحون" (آل عمران 104) ثم تكتب: "ليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من ~~يشاء" (بقرة 272) ثم تزيد في هذا شيئا: "ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم ~~جميعا. أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين، وما كان لنفس أن تؤمن إلا بإذن ~~الله" (يونس 99 - 100). أفلا ترى كيف يناقضك هذا القول، ثم تكتب: "قل يا ~~أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم، فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه، ومن ضل ~~فإنما يضل عليها، وما أنا عليكم بوكيل. واتبع ما يوحى إليك، واصبر حتى يحكم ~~الله وهو خير الحاكمين " (يونس 108 - 109). ثم تكتب أيضا في موضع آخر: ~~"ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة، ولا يزالون مختلفين ، إلا من رحم ربك ~~ولذلك خلقهم" (هود 118، 119). ثم تكتب تأكيدا لهذا القول عن صاحبك أنه "بعث ~~بالرحمة للناس كافة" فأي رحمة مع القتل والسبي والسلب؟ أسألك أن تخبرني عن ~~سبل الشيطان، هل هي إلا القتل والسفك والسلب والسبي والسرقة؟ فحاشا لله أن ~~يكون هذا سبيله، أو يكون أحد أوليائه قد اقترف شيئا" من هذه المآثم، لأن ~~الله لا يحب عمل المفسدين. وكيف أقول في تناقض ms072 هذا الأمر إذ تكتب "لا إكراه ~~في الدين" (البقرة 256) وتزعم أن الله قال: "وقل للذين أوتوا الكتاب ~~والأميين: أأسلمتم؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك البلاغ ~~والله بصير بالعباد" (آل عمران 20) وأنت الذي تقول: "ولو شاء الله ما اقتتل ~~الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات، ولكن اختلفوا. فمنهم من آمن ~~ومنهم من كفر، ولو شاء الله ما اقتتلوا، ولكن الله يفعل ما يريد" (بقرة ~~254) وأنت تقول "قل يا أيها الكافرون.. لكم دينكم ولي ديني" (الكافرون 1، ~~6) وتقول "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" (عنكبوت 46). ثم أنت ~~تحث على قتل الناس ضربا بالسيف وسلبا وسبيا، حتى يدخلوا في دين الله كرها ~~وقهرا فهل آخذ بقولك الأول أم الثاني، فندخل على قولك إنه ناسخ ومنسوخ ؟ ~~لأنك لا تدري أيهما الناسخ ولا أيهما المنسوخ. فلعل الناسخ هو الذي عندك ~~المنسوخ، لا تقدر أن تقيم فيه برهانا" صحيحا" عند من يطالبك بالبرهان ~~الصحيح فقد خلصنا منك الآن على انك خالفت نفسك، وأبطلت قولك ودحضت حجتك ~~ونقضت شرطك، في انك ادعيت أن صاحبك بعث بالرحمة والرأفة إلى الناس كافة، ~~وأن لا إكراه في الدين، وفي قولك أن تضرب الناس بسيفك وتسلبهم وتسبيهم، حتى ~~يدخلوا في دينك كرها، ويقولوا بقولك قسرا، ويشهدوا بشهادتك قهرا. فهل بلغك، ~~يرحمك الله، أو قرأت في شيء من الكتب المنزلة أو غيرها، أن أحدا من الدعاة ~~استجلب الناس إلى مقالته، ودعاهم إلى الإقرار بما جاء به قهرا، وكرها، أو ~~ضربا بالسيف، وتهديدا بالسلب والسبي، غير صاحبك. فقد عرفت قصة موسى وما أتى ~~به من الآيات المعجبة، وقرأت أقاصيص الأنبياء بعده وما فعلوا. وكان ذلك ~~محققا وشاهدا لما جاءوا به، أنه من عند الله. وقد هذرت المجوس الأنجاس في ~~ما ادعت وزعمت عن زاردشت، أنه حيث صار إلى جبل سيلان نزل عليه الوحي هناك، ~~فحينئذ دعا كشتاسف الملك، ودعاهم. فأجابوه وأذعنوا له، حيث أراهم بسحره ~~ومخاريقه وتمويهاته، ما هو عندهم آية تمتنع في الطباع. مثل الفرس الذي ms073 ~~أحياه بعد موته، ومثل ذلك الهذيان أتى به من باب الزمزمة، الذي زعم أنه ~~يشتمل على كل لسان، وجمع فيه كلام أكمل لغة نطق بها الآدميون، وكتبه في ~~أثنى عشر ألف جلد من جلود الجواميس، وسماه زندوستا أي "كتاب الدين". فهم ~~إذا سئلوا عن تفسيره أنكروا معرفته وأقروا بجهله. وكذلك فعل البد بالهند ~~حيث أراهم، زعموا عنقاء مغرب وفي بطنها جارية، وهي تهتف بهم وتخبرهم، أن ~~البد صنم، محق في كل ما دعاهم إليه، وخبرهم به. فهذه بعض أخبار المستحسنين ~~وخدعهم فهل تجد أحدا من الدعاة الذين دعوا إلى حق أو باطل، إلا وقد جاء ~~بحجة أو دليل صحيح. وفي ميزان المحنة، يتبين عند العيان صحته من خبثه. ~~وكذلك فعل كل ذي دعوة بأهل دعوته غير صاحبك. فإنالم نره دعا الناس إلا ~~بالسيف والسلب والسبي والإخراج من الديار، ولم نسمع برجل غيره جاء فقال: من ~~لم يقر بنبوتي، وأني رسول رب العالمين، ضربته بالسيف، وسلبت بيته، وسبيت ~~ذريته، من غير حجة ولا برهان. فأما المسيح، سيد البشر ومحيي العالم، ~~فيتعالى ذكره ويجل قدره، أن تذكر دعوته في مثل هذا الموضع. فكيف تدعوني إلى ~~ما دعوتني إليه، وأنا أتلو كلام سيدي يسوع المسيح ليلي ونهاري، وهو شعاري ~~ودثاري، وأسمعه يقول: "تفضلوا على الناس جميعا وكونوا رحماء، كي تشبهوا ~~أباكم الذي في السماء، فإنه يشرق شمسه على الأبرار والفجار، ويمطر على ~~الأخيار والأشرار" (قارن متى 5: 43 - 48). فكيف يظن بمثلي، والمسيح يخاطبني ~~بمثل هذه المخاطبة وقد ربيت في هذه النعمة، ونجحت بهذه البركة، وجرت في ~~أعضائي وفي جسمي مع الدم دما، وفي عظامي مع المخ مخا، ونشأت في هذا النجاح ~~والرحمة، ونبت لحمي وشعري عليها. فحاشا أن يقسو قلبي حتى أصير في صورة ~~إبليس العدو القاتل، فأضرب وأقتل أبناء جنسي، وذرية آدم المجبول بيد الله، ~~وعلى صورته تعالى. والله جلت قدرته هو القائل: "لست أحب موت الخاطئ، لأنه ~~اليوم في خطاياه وغدا يتوب، فأقبله كالأب الرحوم". سيما وقد شرف الله ~~سبحانه النوع الإنساني ms074 بأن كلمته الخالقة تجسدت منه واتحدت به، وأعطته ما ~~لها من الربوبية والألوهية والسلطان والقدرة، فصارت الملائكة تسجد له وتقدس ~~اسمه وتسبح ذكره، كما يسبح اسم الله وذكره، ولا تفرق في ذلك بينهما. ثم زيد ~~نعمة إلى النعمة المتقدمة بأن أعطي الجلوس عن يمين ذي العزة، تشريفا لذلك ~~الجسد المأخوذ منا الذي هو من ذرية أبينا آدم، فهو مثلنا وأخونا في ~~الطبيعة، وخالقنا وإلهنا باتحاد الكلمة الخالقة به بالحقيقة. ثم دفع إليه ~~جميع السلطان في السماوات والأرض، وخوله تدبير الخلائق وصير البعث والنشور ~~والدين إليه، وأن يحكم حكما نافذا جائزا على الملائكة والإنس والشياطين ~~أفتريد أن أضاد أمر الله وأضربهم بالسيف وأسلبهم وأسبيهم ؟ إن هذا لجور على ~~الله عز وجل، وعناد لأمره، وظلم لنعمته، وكفران لإحسانه. وأعوذ بالله من ~~خذلان الله وغضبه فإن قلت إننا قد نراه يميتهم ويبليهم بالأسقام والأوجاع، ~~فما يمنعك من التشبه به؟ فأجيبك أن الله يبتلي ويميت عباده، لا لأنه يريد ~~الإضرار بهم، أو عن بغض منه لهم، ولو كان الأمر كذلك لما خلقهم، لكن ~~لينقلهم من هذه الدنيا التي هي زائلة غير باقية، وفانية غير دائمة، وناقصة ~~غير تامة، إلى دار الخلود الباقية الدائمة الكاملة. فلا يقال لمن نقل صاحبه ~~من مدينة وضيعة إلى مدينة رفيعة، أنه أراد بصاحبه سوءا، بل هو محسن متفضل ~~أولا وآخرا. وأما قولك أنه أبلاهم بالأسقام المؤلمة والأوجاع المؤذية، ~~فجوابنا أنه متفضل عليهم في الحالتين جميعا. كالطبيب الماهر المشفق الذي ~~يشفي المريض بالأدوية المرة الطعم البشعة الرائحة، وربما كوى بعضهم بالنار ~~وقطع بعض الأعضاء من أجسادهم بالحديد، ويمنعهم عما يشتهون من طعام إشفاقا ~~عليهم، يريد بذلك صلاحهم وصحة أبدانهم. فإن قلت: كان يمكنه أن يتفضل عليهم ~~ويأجرهم من غير أن يعذبهم بالأسقام والأوجاع، قلنا لك: وقد كان أيضا يمكنه ~~ألا يخلق الدنيا، وكان يخلق الآخرة والجنة، ويدخل الناس النعيم من غير محنة ~~ولا استحقاق فهذا كان ممكنا في قدرته لكنه خطا في التدبير، لأن المتعقب كان ~~يتعقب فيقول: لم يكن ms075 يمكنه أن يخلق إلا خلقا واحدا، فخلق، عز وجل، هذه ~~الدنيا وجعلها فانية، دار محنة ومتجر. وجعل الناس فيها مسافرين، ينزلونها ~~كما ينزل بنو السبيل الخانات، نزول مبيت، لا نزول إقامة. فينقلون منها إلى ~~دار الإقامة، التي هي الغاية القصوى، ليكون لهم فيها تقرة الخلود. هذا هو ~~الصواب في التدبير. فخلقهم تبارك وتعالى جودا منه، وأبلاهم بالأسقام ~~والأوجاع، خيرة لهم، في زمان منقطع زائل وحياة مفارقة، ليجزيهم ويأجرهم، ~~تفضلا منه عليهم، واستحقاقا من ثوابهم، وإتماما للنعمة عندهم، في تلك الدار ~~التي لا زوال فيها لحياتهم، ولا فناء لنعيمهم، ولا انقطاع لفرحهم وسرورهم ~~فإن كان صاحبك هذا، الذي دعوتنا إلى اتباعه، يقتلهم بسيفه ويضربهم بسوطه ~~ويسبي زراريهم ويجليهم عن ديارهم، يريد بذلك لهم الخير، لينقلهم مما هم ~~عليه إلى ما هو خير منه. فقد تفضل وأحسن وتشبه بفعل الله تبارك وتعالى ~~اسمه، ولكنه ما فعل الذي فعله لهذا، ولا خطر بباله ولا فكر فيه، وما أراد ~~إلا نفع نفسه وأصحابه ، وإقامة دولته في العاجل. والدليل على ذلك قوله: ~~"حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون"(التوبة 29). أفلا ترى أنه أراد بلوغ ~~أربه وإنفاذ مرامه وتوطيد سلطته، وهو يقول في كتابه: "قل للذين أوتوا ~~الكتاب والأميين أأسلمتم ؟ فإن أسلموا فقد اهتدوا، وإن تولوا فإنما عليك ~~البلاغ، والله بصير بالعباد" (آل عمران 20) ألا ترى أنه أمر أن يقول ويبلغ ~~بلسانه، ونهي عن القتل والسبي ، فأمعن في هذا الأمر ### || من هم الشهداء # ثم أعجب من هذا تسميتك من قتل من أصحابك "شهداء". فهلم ننظر في أخبار ~~الذين قتلوا من أصحاب المسيح على عهد ملوك الفرس وغيرهم، هل كانوا مستحقين ~~لاسم "الشهادة" أم أصحابك الذين يقتلون في طلب الدنيا والمحاربة على ~~سلطانها؟ فقد بلغنا كيف صبر أولئك، وكيف كانت مسارعتهم إلى بذل دمائهم ~~ودماء أولادهم والخروج عن دنياهم ونعيمهم، وكيف كانت نياتهم وصحة ضمائرهم ~~وشدة يقينهم بما كانوا عليه من ديانتهم. وكانوا يسارعون إلى أن يقربوا ~~أجسادهم إلى الذبح والقتل وأنواع العذاب قربانا لله، وقد كان ms076 يقتل الواحد ~~فيتنصر من ساعته في ذلك المكان المائة والأكثر والأقل. وقد قتل أحد ملوك ~~الروم مقتلة عظيمة، فقال له بعض أصحابه: "أيها الملك، إنك إنما تزيد فيهم ~~من حيث تظن أنك تنقص منهم". فقال: "كيف ذلك؟" فقيل له: "إنك قتلت أمس كذا ~~وكذا، فتنصر أضعاف هذا العدد". فقال: "وما السبب في هذا؟" فقيل له: "إن ~~القوم يقولون إن رجلا يطلع عليهم من السماء فيشجعهم". فعند ذلك أمر أن يرفع ~~عنهم السيف، وكان هذا القول داعيا إلى تنصر الملك ورجوعه عما كان عليه من ~~الكفر وقتل أولياء الله. فانظر إلى هؤلاء الذين كان لهم البصائر بالديانة ~~وشدة اليقين والإخلاص وجودة الإيمان، كيف لم يفتر إيمانهم والسيوف تأخذهم، ~~وكانوا يعذبون بأنواع العذاب وهم على ذلك محبون لما ينالهم، غير ممتنعين، ~~فرحون مسرورون جذلون متيقنون أنهم إذا أتوا ذلك فهم مقصرون عما في أنفسهم ~~من أداء حق النعمة التي أوتوها من الدخول في النصرانية، قيبذلون أجسادهم ~~اختيارا كما بذلوها. فمنهم من سلخ وهو حي، ومنهم من قطعت أعضاؤه وهو ينظر ~~إلى ذلك، ومنهم من أحرق بالنار، ومنهم من ألقي للسباع، وبعض نشر بالمنشار. ~~وهذا دائم ثابت في من ينتحل دين النصرانية، ليس يخلو في وقت من الأوقات من ~~أن يبذل نفسه للموت طوعا واختيارا، ويرغب بها عن الحياة وعن جميع ما يحويه ~~العالم. سئل واحد منهم وهو يعذب عذابا شديدا، وهو في حاله تلك، يتلفت يمنة ~~ويسرة ويضحك. فقيل له: ما سبب ما كنا نراه من تلفتك وضحكك وأنت في ذلك ~~العذاب؟ أما كنت تجد ألما؟ فأجاب: "ما كنت أجد ألما فيما كنت أعذب به، وقد ~~كنت في تلفتي أرى رجلا شابا بالقرب مني وهو يضاحكني ويمسح الدماء التي كانت ~~تسيل من جراحاتي بخرق بيض كانت معه، وكنت أرى ذلك العذاب كأنه يقع بواحد من ~~الذين يعذبونني". فعلمنا أنه كان صادقا في قوله، وإلا فما صبره على تلك ~~الشدة من العذاب؟ وتعلم أن الله سبحانه وتعالى يصرف عنايته بأهل طاعته، ~~ويصبرهم على ms077 الشدائد. فإن قلت لو أمر الله ذلك الملك الذي وكله بتشجيعه ~~ومسح الدماء من جروحه، أن يصد عنه من كان متوليا تعذيبه فيكون سببا لتوبتهم ~~ورجوعهم وأنت تعلم أن الله لو شاء أن يجمع الناس كلهم على الإيمان به، ~~ويجبرهم عليه، لكان قادرا على ذلك. غير أنه طبع جوهرهم بعدله على استطاعة ~~الحرية ليثيبهم أو يعاقبهم على ما اكتسبوا لأنفسهم، لا على الذي يجبرهم ~~عليه هو. فلو تابوا مقهورين لم يكن لهم في ذلك أجر، لأنهم إنما تابوا قهرا ~~وقسرا، ولكنه تركهم حتى بلغوا إرادتهم. ولم يغفل عن معونة أوليائه، ليظهر ~~استطاعة الحرية وثمرة العقل وجعل فكره في كيفية قبول الأولين لأنه برهان ~~واضح وحجة لازمة. ويجب على كل ذي لب، اليقين بأنه لم ينتقل هؤلاء المختلفون ~~في أجناسهم وأهوائهم وأديانهم إلى هذا الدين، إذ خلا من الخصال كلها، إلا ~~بالآيات المعجبة. ومع هذا فإن قوة أصل تلك الآيات قائمة باقية في أصل هذا ~~الدين. إلى هذه الغاية نعاين آثارهم بأبصارنا ونسمعها بآذاننا ونعي منها ~~بعقولنا، من الجرائح التي تجري على أيدي أصحابهم ورهبانهم وأحبارهم، من دفع ~~الجنون والتخيل وإبراء أنواع الأمراض في الكنائس والديارات والبيع المبنية ~~على أسم هؤلاء الشهداء، الذين وصفنا أحوال صبرهم على العذاب، الذين هم ~~بالحقيقة مستحقون لاسم الشهادة. فمنها ما فيها قبورهم ومنها ما فيها الجزء ~~من عظامهم فتكون منها هذه النعمة في كل موضع من المشرق والمغرب وبلاد الروم ~~وأرض الشام وبلاد فارس وأرض الحبشة وجزائر البحر وأمصار العراق وبلاد ~~خراسان، لا يخلو ذلك ممن يلوذ بهم ويلتجئ إليهم في هذا النحو وشبهه غير ~~منكر لهم ذلك سوى بلاد صاحبك، فإنه من ذلك خلو صفر لأنه لم يقع إليه من ~~هؤلاء القوم ولا صار في ناحيته أحد ممن يعبد هذا الدين غير الرجلين اللذين ~~تعرفهما، سرجيوس المسمى نسطوريوس ويوحنا المعروف ب "بحيرا". ثم ليست هذه ~~الفضيلة في شيء من الأديان ولا يدعيها أحد من أهل المقالات خلا دين ~~النصرانية، فإن ذلك لهم ورثة قائمة ms078 فيهم إلى هذه الغاية، وإلى انقضاء ~~الدنيا. فأي دليل أوضح، وأي حجة أضوء وأنور واسطع من هذه لطالب الحق. فهلم ~~أكرمك الله ننظر في هذا الأمر نظر نصفة، ويقين واستقصاء، ونجعل بيننا نظر ~~ناظر بعين عقله، ينصح لنفسه ويعدل عن الهوى فمن أحق بأن يسمى شهيدا ويشهد ~~له أنه قتل في سبيل الله؟ من قرب نفسه قربانا عن ديانته، وبذل دماءه ~~وأمواله وحياته وأولاده، أم من خرج طالبا السلب والسرقة والغنيمة وسبي ~~العذارى وشن الغارات، ثم يسمي ذلك جهادا في سبيل الله، ويقول من قتل أم قتل ~~فهو في الجنة؟ فنقول إن لصا نقب منزل رجل ليسرقه، فسقط عليه حائط أو وقع في ~~بئر، أو بادره صاحب البيت فضربه ضربة فقتله. أتوجب لهذا اللص دية؟ ما أظنك ~~أيها القاضي تفعل ذلك! فكيف توجب الجنة لمن مضى إلى قوم آمنين مطمئنين في ~~مساكنهم لا يعرفهم ولا يعرفونه، فسرقهم ونهبهم وسباهم وقتلهم وفجر فيهم، ثم ~~لا يقنعك ذلك إذ فعلته وتعود إلى ربك نادما على ذنبك مستغفرا تائبا عما كان ~~منك، بل تقول أنه إن قتل أو قتل فهو في الجنة، وتسميه شهيدا في سبيل الله ### || المصائد الخسيسة # فإن أنت حكمت بهذا فما حكم الشيطان، الذي هو عدو آدم وذريته قديما، إلا ~~دون حكمك. على أني أعلم أن عقلك وعدلك يمنعانك من ذلك ولا يطلقانه لك. وقد ~~علمنا أحاطك الله ما اشترطته لنا من الصبر على الحجة إذا وردت بك، إذ لم ~~تكن منا المسألة، وإنما كان الابتداء في المبالغة في الحجة منك، فقبلنا ذلك ~~من قولك. وعلى كل حال، فلم نكتب بما كتبنا به إلا وقد قصرنا، لأنا لو كشفنا ~~في هذا الفن من كلامنا، لفعلنا كما فعل غيرنا. وكلامنا هذا إنما هو جواب ~~اقتضاه ابتداؤك، وإذا عدلت في القول علمت أن الأمر كالنار التي تستكن في ~~الحجر والحديد، فكلما استقدحتها بزنادك استعرت اضطراما. وقولي، اكرمك الله، ~~لك في هذا، ولغيرك ممن ينظر في كتابي هذا، قول واحد أما ما دعوتني ms079 إليه، ~~فقد عددته من الأمور الزائلة الفانية التي هي كأحلام النائم، والبرق الذي ~~يضيء قليلا ويذهب سريعا ويبقي راجيه في الظلام مقيما. ولو كانت هذه أشياء ~~دائمة باقية غير فانية لما كان يجب على ذي عقل أن يرغب فيها ولا يميل ~~إليها. فكيف وهي مشاركة البهائم التي همها الأكل والشرب والنوم؟ وإنما يميل ~~إلى مثل هذه الأوضاع من قد غلب عليه الشره في أخلاقه وطباعه، ولا أظنك ~~عرفتني بالراغب في هذا وشبهه! فكيف أردت أن تصيدني بمثل هذه المصائد الدنية ~~الخسيسة، التي إنما يميل إليها ويغتر بخدعتها من كان طبعه يشاكل طبع ~~البهائم. فأما المميزون الذين قد نظروا في الأمور، فإنهم أبرياء من مثل ما ~~ذكرته وعددته، بل هم مجتهدون في أن يدفعوا آفات أبدانهم التي لا قوام لهم ~~إلا بها. ولو تهيأ لهم دفعها في الطبائع، أو كان ممكنا لهم ذلك لدفعوها. ~~وما لهذا خلق الله الخلق، ولا لمثله يبعثهم من الموت يوم القيامة. فأنت ~~تقول في كتابك: "وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون" (ذاريات 25) فأراك ~~مناقضا لقولك، لأنك قلت إنما خلقت للعبادة، ثم تنقض وتهدم بناءك وتقول: ~~"أنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع" ومن الإماء "ما ملكت ~~أيمانكم" (النساء 3). وأن نأكل ونشرب مثل البهائم التي لا خطر عليها من ~~ناموس عقل ولا إلزام سنة كتاب أما باب الطلاق والاستحلال والمراجعة الذي ~~أحله صاحبك، فلولا كراهية التطويل لتلوت عليك مما قرع الله به أهله على ~~لسان إرميا النبي. لكنك تعلم ما في هذا الأمر من العيب والشناعة عند جميع ~~الأمم وسائر أهل الملل، وكيف استقباحهم له وإنكارهم إياه. وإني لأنهي نفسي ~~عن سفه المخاطبة فيه، وأرفع قدر كتابي عن إدخال شيء من ذكره وأما قولك : ~~"فاكتب آمنا مطمئنا" فإن سيدنا المسيح مخلص العالم شجعني وقال: "لا تخافوا ~~من الذين يقتلون الجسد، ولكن النفس لا يقدرون أن يقتلوها. بل خافوا بالحري ~~من الذي يقدر أن يهلك النفس والجسد كليهما في جهنم" (متى 10: 28). فقد آمنت ~~بقوله أن ليس ms080 لأحد على نفسي سلطان إلا الذي خلق نفسي وخلق جسدي. وقد زادني ~~في ذلك أمانا ما بسط الله من عدل سيدي أمير المؤمنين وإنصافه ورأفته للضعيف ~~الذي مثلي ممن يقرب من جوده ويعيش في ظل حمايته، فإنه قد شملنا عدله وعمنا ~~إنصافه ووسعتنا رحمته. أثابه الله تعالى على ذلك وأعطاه مأموله في نفسه ~~وولده من أمر دنياه، وأجاب صالح دعائي له وأما قولك أن هذا دينك القيم وهذه ~~شريعتك وسنتك وإني إذا دخلت فيه وشهدت مثل شهادتك كنت مثلك، وحسبي بك شرفا ~~في الدنيا والآخرة. فقد فهمت ذلك. فأما دينك وشرائعه وسننه فقد سبق من ~~قولنا ما فيه كفاية لمن أراد أن يمتحن ما ذكرته. وأما الشرف في الدنيا ~~والآخرة، فلقد أتاك الله في هذه الدنيا الخلافة التي جعلها في أهل دينك، ~~فنسأله تعالى أن يديم لك النعم ويبقي عليك ذلك ولا ينزعه عنكم يا أهل ~~البيت. وأما شرف الآخرة فلا يعرف إلا بالعمل الصالح، وقد حكي عن صاحبك أنه ~~قال: "يا بني عبد مناف، إني لست أغني عنكم شيئا عند الله فلا تأتوني ~~بالأنساب ويأتيني غيركم بالأعمال، فإن خيركم عند الله أتقاكم". فإن كان قال ~~هذا فقد هدر شرف الآخرة إلا بالعمل الصالح، ولم نجد أولياء الله إلا القوم ~~الذين لا حسب لهم ولا شرف في الدنيا، وإنما شرفهم في الآخرة العمل الصالح . ~~فأنت وغيرك إن عملتم الصالح كان لكم الشرف والنسب. ولسنا نحب أن نفخر بما ~~لنا من السبق والنسق في العربية وشرف الآباء فيها، إذ كان ذلك معروفا ~~لآبائنا وأجدادنا، فقد علم كل ذي علم كيف كانت ملوك كنده الذين ولدونا، وما ~~كان لهم من الشرف على سائر العرب. لكننا نقول ما قاله رسول الحق بولس: ألا ~~من يفتخر فليفتخر بالله، والعمل الصالح ، فإنه غاية الفخر والشرف، فليس لنا ~~اليوم فخر نفتخر به إلا دين النصرانية الذي هو المعرفة بالله، وبه نهتدي ~~إلى العمل الصالح، ونعرف الله حق معرفته ونتقرب إليه، وهو الباب المؤدي إلى ~~الحياة والنجاة ms081 من نار جهنم أما قولك أن نبيك يقول يوم القيامة ، إذ يكون ~~كل مشغول بنفسه: "أهل بيتي أهل بيتي. أمتي أمتي" وما يجاب إليه من الشفاعة ~~فما هذه إلا أضغاث أحلام وخرافات العجائز، لأننا لا نشك أن سيدنا ومخلصنا ~~يسوع المسيح الذي شهد له كتابك أنه وجيه في الدنيا والآخرة ولا وجيه سواه ~~ديان الخلائق يوم القيامة، لا بد أن يكافىء كل واحد على عمله، إن خيرا ~~فخيرا وإن شرا فشرا، ولا محاباة عنده. فلا تدع ما يجب عليك من العمل الصالح ~~ما دمت في هذه الدنيا، وتزود منها ما تنتفع به، فلن ينفع في ذلك اليوم إلا ~~التقوى. إن الرحيل سريع والموت قريب والوقوف بين يدي المسيح الديان صحيح، ~~ولا بد من مناقشة الحساب حيث لا عذر ولا حجة ولا طلب ولا توبة يوم لا ~~ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون، فأتق الله في نفسك واعلم أن تقوى الله خير ~~تجارة تأتيك الأرباح فيها بغير بضاعة، فقد رأيت اجتهاد أولئك الرهبان كيف ~~هو وكيف نصبوا أجسادهم لله، وقد وجبت عليك الحجة أما ما ذكرت من التسهيلات ~~في شرائعك وسننك، فالمسيح سيدنا يقول في إنجيله المقدس: "متى فعلتم كل ما ~~أمرتم به وأكملتم كل البر فقولوا إننا عبيد بطالون، لأننا إنما عملنا ما ~~أمرنا به فأي فضل لنا" (لوقا 17: 10). وهو السيد الذي قال: "ما أضيق الطريق ~~الذي يؤدي الى النجاة والخلاص وما أقل السالكين فيها والواردين إليها، وما ~~أوسع الباب الذي يدخل إلى التهلكه وما أكثر السائرين إليه والداخلين منه" ~~(متى 7). فهذا خلاف ما تدعو أنت إليه من تسهيلاتك العجيبة وأبوابك الواسعة ~~وقولك "حبب إلي الطيب والنساء" و"أنكحوا ما طاب لكم من النساء.." ونظائر ~~هذه الوصايا، والله المستعان على ما قد انشرح له قلبك وتصور في فهمك من هذا ~~الأمر الذي قد توهمت أنك منه على صحة واستقامة! ويعز علي كيف قد خفي عنك ~~تدليسه وبهرجته، فأسأل الله، الذي يهدي من الضلال إلى الرشاد، أن يشرق عليك ~~من نور المعرفة ما ms082 تهتدي به وتستضيء بضوئه، حتى تخرج من ظلمة هذه الضلالة ~~التي أنت منغمس فيها. فإن ذلك واجب علي أن أدعو لك خاصة وللناس جميعا عامة، ~~إذ كان عندنا معشر النصارى أن صلاتنا لا تتم إلا بالدعاء للناس كافة، ~~بالهدى للتائهين عن سبيل الحق أن يفتح الله على بصيرتهم، ويكشف كمنة الغي ~~عن قلوبهم، حتى يروا خطأ ما هم فيه ويرجعوا عنه إلى طاعته، والمهتدين أن ~~يثبتهم في ما أنعم عليهم به فعل الله ذلك بك وبجميع إخواننا بحوله وقوته ### || عبادة الصليب # أما قولك: "دع ما أنت عليه من الكفر والضلالة وقولك بالآب والابن والروح ~~القدس وعبادة الصليب التي تضر ولا تنفع". فأما الكفر والضلالة فقد كشفنا لك ~~عن أمرهما كشفا يغني عن الإعادة ، وأتينا بالحجة على من تقع هاتان ~~اللفظتان، ومن هو المقيم على الكفر. ولا حاجة لنا إلى أكثر من ذلك وأما ~~التخليط فإن الإنسان عدو لما جهل، وأعوذ بالله من ذلك، فليس الأمر على ما ~~توهمت، فلا تحكم لنفسك ولا تشهد لها ما دام خصمك غائبا، فإن الذي وسمته ~~بالتخليط واجترأت عليه بمثل هذا القول هو سر الله الذي كانت الملائكة ~~المقربون والأنبياء المرسلون يركضون في طلبه ويرغبون في معرفته منذ خلق ~~الله الخلق، فلم تكن تعطى منه إلا الشيء باللمح الخفي، ولم تطلع منه إلا ~~على النذر بالرمز المستور ، حتى جاء الابن الحبيب السيد نازلا من حضن أبيه ~~فكشفه لأوليائه وأهل طاعته، فألهمهم معرفته ودفعه إليهم كاملا مشروحا مفسرا ~~مبينا، وقال لهم: "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم، وعمدوهم باسم الآب والابن ~~والروح القدس، وعلموهم جميع ما أوصيتكم به" (متى 28: 19، 20). وأدوه إلى ~~المؤمنين بالمسيح، فقبلناه منهم بالآيات العجيبة ونحن مقيمون عليه بفضله ~~ونعمته إلى انقضاء العالم وأما قولك "عبادة الصليب التي تضر ولا تنفع" لما ~~رأيت من تعظيمنا إياه وتقبيلنا له وتبركنا به، فنجيبك إننا نفعل ذلك لما ~~لنا فيه من أمر المسيح وما جرى به تدبيره في خلاصنا باحتماله الصلب عليه ~~والموت لأجلنا ، فإن النعمة عندنا في ذلك ms083 مما لا يبلغه منا وصف ولا يفي به ~~شكر. والصليب ممثل هذه النعمة نصب أعيننا، يحثنا على شكر المنعم بها، وإليه ~~نقصد بالتعظيم والتبجيل لا إلى الخشب وغيره مما تصنع منه الصلبان. ولو كنا ~~نعظم الخشب كما توهمت لما اتخذنا الصليب من غيره، ولكننا نتخذه من الخشب ~~والذهب والفضة والحجارة والجواهر وغيرها، ونخطه خطا، ونرسمه بإيماننا، وذلك ~~دليل على أننا لا نقصد بالتعظيم الجواهر التي تتخذ منها الصلبان، بل من هو ~~ممثل بالصليب. وكما أنه من السنة تعظيم كل شيء من أمر الملك وما نسب إليه، ~~وخاصة الممثل فيها شخصه، فإن السنة جارية فيها وجه الدهر بأن نتحفها ~~بالسجود تعظيما للملك وما مثل فيها من أمره. ثم أن الناس في هذا الدهر ~~يقبلون أيدي ملوكهم وكتبهم إعظاما لهم، فكيف تنكر علينا تعظيم الصليب؟ ~~وإننا نجد في الكتب المنزلة من عند الله أن الأنبياء كانوا يعظمون التابوت ~~الذي عمله موسى بأمر الله تبارك اسمه ويسجدون بين يديه، وكان موسى كلما حمل ~~التابوت يقول: "قم يا رب وليتبدد أعداؤك". وإذا وضع يقول: "عد يا رب إلى ~~الألوف وعشرات الألوف من بني إسرائيل". وكان فعلهم هذا بالتابوت تعظيما لله ~~لا للخشب وغيره. فنحن على هذه السنة أيضا في تعظيم الصليب، ونجري فيها على ~~ما جرى عليه الأنبياء الأبرار. فلم غلب عليك النسيان في هذا الموضع، وكأنك ~~نسيت ما جربت من القوة الحالة في الصليب حين استعذت به عند سقوطك عن ~~الدابة، وحين هربت ممن هربت منه، وحين لقيت الذي لقيت في طريقك وأنت ماض ~~إلى عمر الكرخ، وحين تلقاك الأسد وقاربت ساباط المدائن؟ فإن كنت أنت نسيتها ~~فنحن ذاكرون لها، فلم تكفر بالنعمة وتكافي بالشر وتنكر المعروف ؟ أي ضرر ~~نالك عند تعوذك بالصليب وأنت تعلم أننا معشر النصارى لا نعبد الصليب، وإنما ~~نجل القوة الحالة في الصليب، والتأييد الذي أيدنا به، والخلاص الذي أوتيناه ~~بسببه؟ ألم يجر بيننا من الكلام والمحاجة بحضرة من جرى ما قد أقنعك، وتعلم ~~كيف كان الحكم عليك في ms084 ذلك المجلس، فلم رجعت عما كان صح عندك، وأقررت ~~بصوابه، حتى ذكرت أنك امتحنت ذلك فوجدته صحيحا. أو كان ذلك من الحكم الذي ~~جرى عليك ممن قد علمته، أم إنما أردت مدافعة ذلك الوقت على أني أرجو أن لا ~~يكون هذا القول منك في الصليب اعتقادا ولا إبطالا للفضيلة التي رأيتها حالة ~~فيه ### || طلب الهداية # وإما قولك إنك أشفقت علي من النار، ورضيت لي ما رضيته لنفسك ، فهذا القول ~~يجب شكرك على ظاهره فأنت تسأل وتتضرع إلى الله كل يوم في صلواتك الخمس ~~قائلا": "اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم، غير المغضوب ~~عليهم ولا الضالين”. فإن كنت مهتديا فقد استغنيت عن التضرع في كل وقت وعند ~~فاتحة كل صلاة أن يهديك، إذ لا معنى لطلبك الهداية وأنت مستغن عنها! وإن ~~كنت لم تهتد بعد، وكنت طالب الهداية، فأعلمني من هم هؤلاء المنعم عليهم ~~الذين تسأل ربك أن يهديك إلى صراطهم ويلحقك بهم وأنت تقول إنكم "خير أمة ~~أخرجت للناس" وأن الدين عند الله الدين الذي رضيته أنت لنفسك، وأنه لم يقبل ~~غيره من الأديان والنحل أهم المجوس عبدة الشمس والنار ذوو الشرائع النجسة ~~التي تبيح نكاح الأمهات والأخوات والبنات وما شاكل ذلك من السنن الدنسة ~~التي تأنفها النفوس وتنفر منها الطبائع. فأنت تعلم أن هؤلاء لم ينعم عليهم ~~بالمعرفة التامة، إذ هم لا يوحدون بل يشركون مع الله سبحانه وتعالى معبودهم ~~إبليس. فليست المجوس إذا المنعم عليهم. فأخبرني : هل هم اليهود الذين تبرأ ~~صاحبك منهم، وقال كتابك فيهم إنهم هم المغضوب عليهم المرذولون، المشتتون ~~بين الأمم، الملقى عليهم الذل والمسكنة، منهم القردة والخنازير، الملعونون ~~على لسان كل نبي ورسول؟ فليست اليهود إذا المنعم عليهم الذين تسأل أن تهدى ~~إلى صراطهم، وما صراطهم بمستقيم! وإن قلت عبدة اللات والعزى ويغوث ويعوق ~~وكثرى وشمس وجهار وهبل ونسر وسواع وود وأساف ونائلة وذي الكفين ومناة وذي ~~الخلصة وسائر الأصنام التي كانت العرب تعبدها بمكة وتهامة، فهذا كتابك ينقض ~~عليك قولك قائلا: "وجدك ms085 ضالا فهدى". فالضالون إذا هم عبدة الأوثان إذ قال: ~~"وجدك ضالا فهدى" لأن صاحبك لم يكن يهوديا ولا نصرانيا ولا مجوسيا، وإنما ~~حنيفا يعبد أساف ونائلة الصنمين اللذين كانت قريش تعبدهما والأحابيش. فلما ~~من الله عليه بمعرفة التوحيد، بالسبب الذي ذكرناه سالفا، سأل ربه أن يعيذه ~~من صراط الضالين الذين هم عبدة الأصنام. وإذ قد تعوذت من صراط المجوس وصراط ~~اليهود المغضوب عليهم وصراط عبدة الأصنام الذين هم الضالون، فما بقي إلا ~~صراط المنعم عليهم الذين هم النصارى، وهو الصراط المستقيم وهداية رب ~~العالمين المنعم عليهم بالمعرفة الكاملة بالله وكلمته وروحه عز وجل، ~~وبالسنن الحسنة والشرائع الروحانية. وما قلت شيئا لا تفهمه، وإنما ذكرتك ~~بما تعلمه. وإلا فهل تقدر أن تجحدنا حقنا هذا الذي في أيدينا وهو نور ~~الإنجيل وهدايته، ما أقر لنا به صاحبك في كتابه ولم ينكره؟ فأمعن النظر في ~~هذا الفصل من كتابنا فإن النصيحة واجبة على الناس جميعا، وهي على المرء ~~لنفسه خاصة حق، والحق أحق أن يتبع. فلا ينبغي أن تبخس الحق حقه. أرشدك الله ~~إلى الخير، وهداك إلى الصراط المستقيم بحوله وقوته ### || ما عندي من أمر ديني # وأما قولك أن أكتب بما عندي من أمر ديني لتبصر فيه وتجمعه إلى ما في يدك، ~~فما أولاك بذلك وما أجدرك بفعله ، لأن الحجة عليك أوجب منها على غيرك، لما ~~قد فضلك الله به من العقل والتمييز، ولما عرفته ودرسته من الكتب. والحق أهم ~~أن تفضله ذوو العقول على الأمور كلها. ونحن نسأله أن ينير عقلك ويفتح عين ~~نفسك لتنظر في ما يمليه علينا الروح القدس ، نظرا ينفعك الله به في العاجل ~~والآجل.كما نسأله عز وجل أن يفعل ذلك أيضا بكل من ينظر في كتابنا هذا ~~فلنبدأ الآن بتطهير قلوبنا وأسماعنا وتقديس ألسنتنا بالإخبار عن أسباب ~~البشارة الطاهرة المقدسة، ونصدر بعض شهادات الأنبياء الذين استودعهم الله ~~سره وكلمهم بوحيه ، وامرهم بأن يخبروا الناس بما سيكون من إكمال نعمه عندهم ~~وإتمام تفضله عليهم، ببعث ابنه الحبيب الذي هو ms086 كلمته الخالقة ، فاتخذ منهم ~~جسدا بشريا وصار إنسانا يجب له بذلك المجد والسجود والطاعة من الملائكة ~~والإنس والشياطين والإذعان بالربوبية المتحدة به والألوهية الحالة فيه. ~~وليعلم الناس مخاطبته إياهم شفافا مصرحا، أنه الله الواحد المثلث الأقانيم، ~~أب وأبن وروح قدس، إله واحد تام، فيستكملوا النعمة بالمعرفة. فيكون جل وعز ~~قد أتم جوده عليهم وإحسانه إليهم، بتعريفهم سره المخزون، وتكون حجته بالغة ~~عليهم وتنقطع حجة المتعنت، ويضمحل قول القائل أنه لم يؤت المعرفة، وأن ~~الأمر كان مستورا عنه، محجوبا دونه، مرموزا لا يفهمه. فحينئذ لا عذر لمن ~~جحد الحق، ولا علة لمن عانده. كما قال بولس رسول المسيح: "لينسد كل فم ~~ويصير كل العالم تحت قصاص من الله" (رومية). ### || نبوات عن المسيح # قال الله على لسان موسى في التوراة في سفر التكوين إن يعقوب المعروف ~~بإسرائيل الله، لما قربت وفاته، دعا أولاده كلهم فباركهم، وأخبرهم بما هو ~~مزمع أن يكون في آخر الزمان، وأودعهم هذا السر. ولم يزل يبارك واحدا فواحدا ~~حتى انتهى إلى يهوذا، الذي من نسله ولدت المغبوطة مريم أم المسيح مخلص ~~العالم فقال: "يهوذا، إياك يحمد إخوتك. يدك على قفا أعدائك. يسجد لك بنو ~~أبيك. شبل ليث يهوذا. من فريسة صعدت يا ابني. جثا وربض كأسد وكلبوة. من ~~ينهضه؟ لا يزول القضيب من يهوذا والمدبر من فخذه حتى يجيء الملك وإياه ~~تنتظر الشعوب" (تكوين 49: 8 - 10) فانظر في هذا الكلام نظرا روحانيا. هل ~~تليق هذه النبوة من ذلك الشيخ المبارك إسرائيل الله وصفيه إلا على المسيح ~~مخلص العالم؟ لأنه هو الخارج من يهوذا بإنسانيته، وله خضع بنو إسرائيل لما ~~دخلوا في دعوته، وصارت يد الروم التي هي يده على قفا من عاداه من بني ~~إسرائيل ، الذين جحدوا ربوبيته وكفروا به فقتلتهم الروم ومزقتهم كل ممزق ~~فلا تقوم لهم قائمة أبدا. وهو الذي بعث من بين الأموات حيا بعد ثلاثة أيام ~~من صلبه، وهو الذي سجد له بنو إسرائيل حيث رأوا الأعاجيب والآيات التي ~~أظهرها بينهم. وهو شبل الليث لأنه ms087 ابن الله القوي العزيز الجبار.لم تزل ~~النبوة تترادف في بني إسرائيل حتى جاء المسيح رجاء البشر الذي أنبأت عنه ~~النبوات كلها، فانقطعت النبوات عن يهوذا وبني إسرائيل، فلم يقم نبي بعد ~~مجيئه. وإياه كانت تنتظر الشعوب، وله كانت تترجى الأمم. وكما أنه لا معنى ~~لمجيء الرسل بعد طلوع الملك عليهم، كذلك لا معنى للأنبياء بعد ظهور الإله ~~المسيح، الذي هو بالحقيقة ملك كما سبقت الأنبياء وسمته ملكا، وتنبأ زكريا ~~النبي عنه قائلا": "ابتهجي جدا يا ابنة صهيون. اهتفي يا بنت أورشليم. هو ذا ~~ملكك يأتي إليك. هو عادل ومنصور ، وديع وراكب على حمار وعلى جحش ابن أتان.. ~~ويتكلم بالسلام للأمم، وسلطانه من البحر إلى البحر، ومن النهر إلى أقاصي ~~الأرض" (زكريا 9). فهل تصدق هذه النبوة إلا على المسيح؟ إنه جاء بالبر ~~والخلاص والتواضع، ثم أباد بمجيئه من أورشليم التي هي صهيون جميع ما كان ~~فيها من المراكب والخيل المعدة للحرب، وانكسرت القسي التي هي من آلات ~~القتال ودالة عليه، وركب جحشا ابن اتان تواضعا، وكلم الأمم الذين هم الشعوب ~~بالسلم والأمان، وأدخلهم في ميراث دعوته، وجعلهم أبناء ملكوت السماء الذي ~~هو موعد الله تبارك اسمه وهذا داود النبي وهو لسان الله يقول مصرحا": ~~"(الرب) قال لي: أنت ابني، أنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثا ~~لك، وأقاصي الأرض ملكا لك" (زبور 2). أي إنهم مزمعون أن يدخلوا في دعوته ~~وطاعته، وإن سلطانه يمتد إلى أقاصي الأرض. وقال أيضا": "فالآن يا أيها ~~الملوك تعقلوا. تأدبوا يا قضاة الأرض. اعبدوا الرب بخوف، واهتفوا برعدة. ~~قبلوا الابن لئلا يغضب فتبيدوا من الطريق، لأنه عن قليل يتقد غضبه. طوبى ~~لجميع المتكلين عليه" (مزمور 2: 10 - 12). ومعنى ذلك: اقبلوا ما يأتيكم به ~~الابن وهو المسيح ويقوله لكم، فإنكم إن لم تقبلوا ذلك غضب فيهلككم بغضبه، ~~لأنه بعد قليل يشتد غضبه على اليهود الجاحدين لربوبيته، الذين لم يقبلوا ~~منه ما قال فهلكوا وبدد شملهم. وطوبى للمتوكلين عليه، أي المؤمنين به ~~والمصدقين لقوله. وقال داود أيضا": "قال الرب لربي ms088 اجلس عن يميني حتى أضع ~~أعداءك موطئا لقدميك. يرسل الرب قضيب عزك من صهيون. تسلط في وسط أعدائك" ~~(مزمور 110: 1، 2). فافهم قول النبي داود هذا، فإن فيه سرا يحتاج إلى ~~معرفته كل ناظر في كتابنا هذا ليصح عنده الأمر.. فأقول إن عادة العبرانيين ~~منذ عهد موسى أن الأحرف التي يكتبون بها اسم الله أحرف منفردة لا يكتبون ~~بها غير ذلك. ففي قول داود عن الله "قال الرب لربي" هما اسمان مكتوبان ~~بالأحرف التي تسمى المنفردة ، التي لا يكتب بها إلا اسم الله. فهذا عند ~~اليهود والنصارى (وهما أمتان متعاديتان) لا اختلاف بينهما فيه. فافهم السر ~~الذي ألهم الله به نبيه، تجده تصريحا لقوله: "قال الرب لربي" وقال في موضع ~~آخر: "لأنه أشرف من علو قدسه. الرب من السماء إلى الأرض نظر، ليسمع أنين ~~الأسير. ليطلق بني الموت" (مزمور 102: 19، 20). ومعناه موت الخطيئة الذي هو ~~عبادة الأصنام وانقطاع الرجاء من موعد الحياة الدائمة التي بشر بها المسيح ~~مخلصنا أنه يعطينا إياها يوم القيامة. قال: "لكي يحدث في صهيون باسم الرب ~~وبتسبيحه في أورشليم، عند اجتماع الشعوب معا، والممالك لعبادة الرب" (مزمور ~~102: 21، 22). فقد كملت نبوة داود. وهذه أورشليم تجتمع فيها الأمم يمجدون ~~اسم الرب أي اسم الأب والابن والروح القدس، يمجدونه بأنواع التماجيد وأصناف ~~التسابيح، بالألسن المختلفة واللغات الغريبة آناء الليل والنهار، وقد جاءوا ~~من البلدان الشاسعة وجميع أقطار الأرض البعيدة وهذا إشعياء المغبوط قد تنبأ ~~قائلا: "شددوا الأيادي المسترخية، والركب المرتعشة ثبتوها. قولوا لخائفي ~~الرب: لا تخافوا. هو ذا إلهكم. الانتقام يأتي. جزاء الله. هو يأتي ويخلصكم. ~~حينئذ تتفتح عيون العمي، وآذان الصم تتفتح. حينئذ الأعرج كالإيل، ويترنم ~~لسان الأخرس" (إشعيا 35: 3 - 6). وكتابك يشهد أن المسيح الإله قد فعل هذا ~~كله، وأنه أبرأ المقعد الذي كانت قد أتت عليه ثمان وثلاثون سنة فقال له: ~~"قم احمل سريرك وامش" (يوحنا 5: 5) فقام عاجلا ومضى. وهو الذي ابرأ الأبرص ~~والأخرس الأبكم المعتوه. وقال إشعيا النبي أيضا في موضع آخر مشيرا إلى مولد ~~المسيح: "يعطيكم السيد نفسه ms089 آية: هو ذا العذراء تحبل وتلد ابنا، وتدعو اسمه ~~عمانوئيل (إشعيا 7: 14). ومعنى عمانوئيل "الله معنا". فأي شيء يكون أكثر ~~توضيحا من هذا؟ فهذه بعض النبوات التي تنبأ بها الأنبياء عن مجيء السيد ~~المسيح محيي العالم. وكنا نريد أن نزيد من الشهادات، ولكن في ما أتيناه ~~كفاية لمن يعاند الحق ويظلم نفسه ### || تحريف الإنجيل # ولقد ذكرت التحريف واحتججت علينا بأننا حرفنا الكلم عن مواضعه وبدلنا ~~الكتاب، وكأن هذا القول جعلته كهفا تستتر به. وإني لأخبرك خبرا حقا، فاسمعه ~~مني واقبله، فإن قولي ليس قول باغ ولا حاسد ولا متعنت معاند. أنت تعلم أننا ~~نحن واليهود (الذين ينكرون مجيء المسيح نور العالم وضياء الدنيا) قد ~~اجتمعنا عن غير تواطؤ على صحة هذا الكتاب، وأنه منزل من عند الله، لا تحريف ~~فيه ولا تبديل ، ولم تلحقه زيادة ولا نقصان. وإلا فنحن ندعوك أنت أيها ~~المدعي علينا التحريف والتبديل (إن كنت صادقا) بكتاب غير محرف ولا مبدل، ~~يشهد لك على صحة الآيات العجيبة كما شهدت الأعاجيب للأنبياء والرسل حيث ~~جاءونا بصحة هذا الكتاب، فقبلنا ذلك منهم ، وهو في أيدينا وأيدي اليهود بلا ~~زيادة ولا نقصان. وإني أعلم أنك لا تقدر على ذلك أبدا. وكتابك يشهد بصحة ما ~~في أيدينا شهادة قاطعة ، إذ يقول "فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، فاسأل ~~الذين يقرأون الكتاب من قبلك. لقد جاءك الحق من ربك فلا تكونن من الممترين" ~~(يونس 94). ثم فسر هذا القول وأكده، معترفا لنا بالفضيلة التي أوتيناها ~~قائلا: "الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، أولئك يؤمنون به، ومن يكفر ~~به فأولئك هم الخاسرون" (بقرة 121). شهد لنا كتابك بحق التلاوة في موضع ~~تكون فيه تلاوتنا، وقد أمر أن نسأل ويقبل منا كل ما نقوله. فكيف تقول إنه ~~قد وقع منا التبديل والتحريف للكلم عن مواضعه؟ فهذان حكمان متناقضان. فما ~~بالك تشنع علينا وتقول إننا حرفنا الكتاب وبدلنا تنزيل الله وغيرنا كلامه، ~~ونحن نتلوه حق تلاوته كما شهد لنا صاحبك. فانصف واطلب رضى ربك، وانظر من هو ms090 ~~المحرف والمبدل، أنحن الذين أخذنا الكتاب عن قوم برهنوا صحته بالمعجزات ~~الإلهية التي لا يستطيعها البشر، واتفقت عليه الأمم المختلفة الألسن ~~والأهواء والديانات والبلدان البعيدة الذين لا يمكن أن يقع بينهم في مثله ~~تواطؤ، أم الذي قبل كتابا بلا حجة ولا دليل ولا شهادة عن نبي ولا أعجوبة ~~تشهد له، وإنما تناوله عن ناقل نقله بلسانه ولسان أهل بلده فقط، فجعل ذلك ~~برهانا له، وزعم أن الكتاب الذي هذه حاله وقصته يجري مجرى فلق البحر وإحياء ~~الموتى وإبراء الكمه والبرص وإقامة المقعدين، وأخذه لذلك الكتاب عن قوم ~~كانت بينهم الضغائن، وكل منهم زاد فيه ونقص وبدل وغير، واجترأ حتى نسبه إلى ~~الله تعالى، وزعم أنه دليل على نبوة نبيه، وأنه شاهد عدل له بأنه رسول رب ~~العزة . ثم لم يرض بهذا ، بل تعداه وقال: من لا يقبل كتابي هذا ويقول إنه ~~منزل من عند الله، وإني نبي مرسل، قتلته وسلبته ماله وسبيت ذراريه واستبحت ~~حريمه! فقبل ذلك منه كرها وخوفا لما توعده به من البلاء والشقاء، بلا حجة ~~ولا برهان فأجعل، اصلحك الله، عقلك هو الناظر والحاكم في هذا، والمميز له. ~~وانظر إلى ما يؤديك فالزمه وأعتقده، فأني واثق بعقلك أنه يخلص لك ولا يغشك. ~~لأن الله تبارك وتعالى اسمه، إنما جعل العقل ميزان العدل. فاستعمل ما فضلك ~~الله به، فأنك أن بحثت تدرك الحقائق بحول الله تعالى. فلنرجع الآن إلى ما ~~كنا فيه من ذكر البشارة الطاهرة، فنقول أنه قد صح عند ذوي العقول الأصيلة ~~أهل البحث والتدقيق، وتقرر عندهم بالقياسات والإجماع عن غير تواطؤ، أن ~~النبوات التي أودعتها الأنبياء كتبهم عن الله جل وعز قد تمت وكملت عند مجيء ~~المسيح المرتجى ### || معجزات المسيح # لننظر الآن في الآيات التي جاء بها المسيح سيدنا، الدالة على سلطان ~~ألوهيته وقدرة ربوبيته، فنقول أن أول ذلك ومبتداه أن الله الرحيم المتفضل ~~على خلقه اختار من جنس آدم عذراء زكية طاهرة مقدسة نقية لا عيب فيها، لا في ~~نفسها ولا في بدنها، ليحل ms091 فيها كلمته وروحه ويأخذ منها جسدا بشريا تاما ~~فيتحد به ويخاطبنا. وجعل المبشر لها جبرائيل رئيس الملائكة ، ائتمنه على ~~هذه البشارة وفضله على سائر أجناد السماء ببعثه إياه رسولا إلى سيدة نساء ~~العالمين مريم المغبوطة بنت يواكيم والدة يسوع المسيح المخلص، فجاءها مبشرا ~~من عند الله مكرما ومهنئا وقال: "سلام لك أيتها المنعم عليها. الرب معك..ها ~~أنت ستحبلين وتلدين ابنا وتسميه يسوع" (الذي تفسيره المخلص) "هذا يكون ~~عظيما، وابن العلي يدعى، ويعطيه الرب الإله كرسي داود أبيه ويملك على بيت ~~يعقوب إلى الأبد، ولا يكون لملكه نهاية". خاطبها جبرائيل بهذا فتعجبت وسألت ~~: "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلا ؟" فأجابها جبرائيل: "الروح القدس يحل ~~عليك وقوة العلي تظللك، فلذلك أيضا القدوس المولود منك يدعى ابن الله". ثم ~~أعقب قوله ذلك بإعطائها الدليل لتزداد يقينا ولا ترتاب بقوله: "وهو ذا ~~اليصابات نسيبتك هي أيضا حبلى بابن في شيخوختها ، وهذا هو الشهر السادس ~~لتلك المدعوة عاقرا". فهذه أعجوبة البشارة التي لا تكون ولا يليق مثلها إلا ~~بهذا السيد المخلص . ويقول صاحبك : "وإذ قالت الملائكة يا مريم إن الله ~~اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا مريم اقنتي لربك واسجدي واركعي ~~مع الراكعين... يا مريم أن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن ~~مريم، وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين، ويكلم الناس في المهد وكهلا، ~~ومن الصالحين . قالت: رب أنى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر؟ قال: كذلك الله ~~يخلق ما يشاء ، إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون. ويعلمه الكتاب ~~والحكمة والتوراة والإنجيل ورسولا إلى بني إسرائيل، أني قد جئتكم بآية من ~~ربكم. أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، ~~وأبرىء الأكمة والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما ~~تدخرون في بيوتكم، إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين، ومصدقا لما بين يدي ~~من التوراة، ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم، وجئتكم بآية من ربكم فاتقوا ~~الله وأطيعون" (آل عمران 37 ms092 - 44). فهذا قول صاحبك وشهادته وإقراره بالحق ~~مذعنا ومصدقا ثم إن مريم الطاهرة المباركة صارت إلى أم يحيى بن زكريا، وقد ~~كانت هي وزوجها بارين تقيين عندما حبلت بيوحنا . فلما قرعت باب منزلها ~~بالتسليم عليها اضطرب الجنين في أحشائها فرحا، وهتفت أمه بصوت عال قائلة: ~~"من أين لي هذا أن تأتي أم ربي إلي؟ حين صار صوت سلامك في أذني ارتكض ~~الجنين بابتهاج في بطني" (لوقا 1: 39 - 44) . ومن قول صاحبك في زكريا ~~"هنالك دعا زكريا ربه . قال رب هب لي من لدنك ذرية طيبة. إنك سميع الدعاء. ~~فنادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب: أن الله يبشرك بيحيى، مصدقا ~~بكلمة من الله، وسيدا وحصورا ونبيبا من الصالحين" (آل عمران 33 و 34). فعنى ~~بذلك المسيح كلمة الله وسيد ذرية آدم عليه السلام، فإن "مصدقا" صفة ليوحنا، ~~ولكن "كلمة الله وسيدا" ليست بصفة ليوحنا لأنه لم يؤمن بيوحنا أنه كلمة ~~الله ولا كان سيدا. فأما حصورا ونبيا ومن الصالحين فمن صفات يوحنا، لأنه ~~كان نبيا وحصورا ومن الصالحين. ثم أنه ظهر الكوكب للمجوس في بلاد فارس ~~ليدلهم على ميلاد الملك العظيم الذي لا زوال لملكه، وكان علماؤهم قد سبقوا ~~فأخبروهم بخبره في الكتب وعرفوهم وقت ظهوره وأعطوهم الدليل على ذلك، ~~والعلامة: ظهور كوكب يتقدمهم في المسير إليه وقضاء بعض حق عبادته بالسجود ~~له والخضوع لطاعته. فلم يزل المجوس ينتظرون ذلك ويتوقعونه راجين ومؤملين ~~حتى جاء الوقت وظهر الكوكب الذي هو الدليل على ميلاد السيد العظيم (متى 2: ~~1 - 12). فجاءوا من بلاد فارس إلى بيت المقدس الذي هو أرض اليهودية بهداية ~~الكوكب، حتى وقف ببيت لحم، فقضوا الغرض وأدوا حق الطاعة، ورأوا ما كانوا ~~يؤملونه وانصرفوا مؤمنين غير شاكين ولا مرتابين، بل فرحين مسرورين لما أهلو ~~له. ثم ظهر ملاك عند ولادته لقوم من الرعاة كانوا يرعون أغنامهم (لوقا 2: 8 ~~- 20) . فقال له: "ها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب: أنه ولد لكم ~~اليوم في مدينة داود مخلص (يعني لأولاد آدم جميعا) هو المسيح الرب. ms093 وهذه ~~لكم العلامة: تجدون طفلا ملفوفا في أطمار موضوعا في مذود. فلم يفرغ من ~~كلامه حتى ظهرت لهم أجناد الملائكة مع ذلك الملاك وهي تطير ما بين السماء ~~والأرض بتهليل وترتيل تسبح بصوت عال وتقول: "المجد لله في الأعالي وعلى ~~الأرض السلام، وفي الناس المسرة ، والأمن والرجاء الصالح للناس كافة". ثم ~~أقبل الرعاة إلى ذلك الموضع مسرعين فوجدوا المولود ملفوفا في أطمار موضوعا ~~في مذود كما اخبرهم الملاك، فصدقوا وآمنوا وأخبروا بخبرهم وما عاينوه من ~~أجناد الملائكة وما سمعوه من التسبيح العجيب، وقصوا قصة مجيئهم فتعجب من ~~ذلك كل من سمع. فهذه قصة البشارة والميلاد على غاية الاقتصار من القول ~~وإليك ملخصنا كيف كان ابتداء الدعوة، فنقول: لما أتت على سيدنا المسيح ~~ثلاثون سنة وظهر يحيى بن زكريا بتلك المعمودية بماء نهر الأردن التي ~~للتوبة، ذهب المسيح إليه ليعتمد منه. فلما رآه يحيى قال: "هو ذا حمل الله ~~الحامل خطايا العالم" (يوحنا 1: 29). ثم قال: "يا سيدي أنا محتاج أن أطهر ~~منك ، وأنت صرت إلي لتتطهر مني !" فأجابه المسيح: "اسمح الآن، لأنه هكذا ~~يليق بنا أن نكمل كل بر". ثم لم يزل مجتهدا حتى عمده. فلما صعد المسيح من ~~الماء انفتحت أبواب السماء ظاهرا تجاه الذين كانوا هناك، فرأوا الروح القدس ~~قد حل عليه في صورة حمامة، وإذا بهاتف من السماء بصوت عال: "هذا هو ابني ~~الحبيب الذي به سررت". فتعجب لذلك يحيى بن زكريا وجميع من حضر ثم ابتدأ ~~المسيح في إظهار دعوته الى الناس بعد ذلك، إلى اليوم الذي صعد فيه إلى ~~السماء، وحثهم على التوبة ورفض الدنيا والزهد فيها وترك الأهل والولد ~~والأموال واللحوق به والترغيب في أعمال البر والكف عن المآثم والتحبيب في ~~عمل المعروف للجميع، وترك الضغائن والحسد والأخذ بالثأر وترك معاقبة المسيء ~~والصفح عنه والتفضل على كل واحد بما هو حسن. وأعلمهم أن هذا يقربهم إلى ~~الله تبارك اسمه، وحثهم على فعل ذلك ليستحقوا به جزيل الثواب وعظيم الأجر ~~في دار المآب التي لا زوال ms094 لحياتها ولا انقطاع لنعيمها، وأنذرهم بالبعث ~~والنشور والقيام بعد الموت للحساب والثواب والعقاب. فمن عمل صالحا فله ثواب ~~ذلك في ملكوت السماء ، ومن عمل شرا فعليه العقاب في نار جهنم خالدا فيها ~~أبدا. وحقق قوله بعمله الأعاجيب والدلائل الواضحة التي لا يمكن للبشر أن ~~يأتوا بمثلها، وذلك بغاية الرفق والتواضع لا يطلب على ذلك من أحد أجرا ولا ~~شكرا إلا تمجيد الله الذي وعد بأنبيائه وتفضل على آدم وذريته إذ بعث إليهم ~~كلمته متجسدا، وأنقذهم من ضلالة الشيطان وسلطان الموت وعرفهم نفسه أنه إله ~~واحد ذو ثلاثة أقانيم: آب وابن وروح قدس. فكان أول ما دعاهم به قوله: "قد ~~كمل الزمان واقترب ملكوت الله، فتوبوا وآمنوا بالإنجيل" (مرقس 1: 15). ~~فأوعى في آذانهم ذكر التوبة والبعث اللذين لا عهد لهم بهما ولا يعرفونهما ، ~~ورغبهم في ملكوت السماء ليعملوا أعمالا يستحقون بها الدخول إليها، وزهدهم ~~في الأفعال التي كانوا مقيمين عليها والرجوع عنها إلى الأمر الذي يوجب لهم ~~مغفرة الخطايا وصام أربعين يوما بلياليها تخدمه فيها الملائكة وتتعبد له، ~~وهو يجاهد في صومه كيد الشيطان معرفا للناس أن الله قادر على أن يحيي ~~الإنسان بغير خبز ولا ماء، ممثلا في ذلك حال حياتنا بعد الموت في القيامة، ~~وأنه في ذلك الوقت ترتفع عنا الحاجات كلها ونحيا بلا أكل ولا شرب. ثم ابتدأ ~~المسيح في فرض الشرائع والسنن الروحانية وتعليم الشرائع الإلهية التي تليق ~~بالإله، ونفي الأمور الجسدانية فكان من قوله في القتل: "قد سمعتم ما قيل ~~للأولين أن من قتل يقتل. وأما أنا فأقول لكم أن من غضب على أخيه باطلا فقد ~~استوجب العقوبة، ومن عاب أخاه فقد وجبت عليه لائمة الجماعة، ومن أساء إلى ~~أخيه فقد استوجب نار جهنم، ولا تغربن الشمس على أحد وهو غضبان على أخيه". ~~ثم قال: "إذا كنت قائما في صلاتك وتذكرت أن أخاك واجد عليك، فأقطع صلاتك ~~وأمض إليه مترضيا له، ثم أقبل وأتمم صلاتك". فقطع بهذه الشريعة أصل العداوة ~~وأسباب البغضة التي تنمي القتل ثم قال: ms095 "قد سمعتم أنه قيل لا تزن. وأما أنا ~~فأقول لكم من نظر إلى امرأة نظرة شهوة فقد زنى في قلبه". فدلنا بهذا أن ~~الله، جل ثناؤه، عارف بالظاهر والباطن، لا تخفي عليه خافية، وهو المكافي ~~على السر علانية ثم قال: "قد سمعتم أنه قيل من طلق امرأة فليعطها كتاب ~~طلاقها. وأنا أقول لكم من طلق امرأته عن غير فاحشة أتتها فقد الجاها إلى ~~الزناء، ومن تزوج مطلقة فهو زان" ثم قال في ذم الكذب: "قد سمعتم أنه قيل لا ~~تكذب في قسمك". أما أنا فأقول لكم لا تقسمن البتة. لا بالسماء لأنها كرسي ~~الله، ولا بالأرض لأنها موطأ قدميه، ولا بأورشليم لأنها مدينة الملك ~~الأعظم، ولا برأسك لأنك لا تقدر أن تحدث فيه شعرة سوداء أو بيضاء. بل ليكن ~~كلامك النعم نعم واللا لا، وما زاد على ذلك فهو خطأ من الشيطان" ثم قال في ~~ذم الأخذ بالطوائل والترغيب في الصفح والامتناع من الانتقام: "قد سمعتم أنه ~~قيل العين بالعين والسن بالسن والجراح قصاص. وأما أنا فأقول لكم لا تقاوموا ~~الشر، بل من لطمك على خدك الأيمن فحول له الأيسر. ومن طلب أن يأخذ قميصك ~~فلا تمنعه رداءك. ومن سخرك ميلا فأمض معه ميلين. ومن سألك فأعطه، ومن أراد ~~أن يقترض منك فلا ترده". فقطع بهذه الوصية سبيل الخصومات وبرد نار ~~الملاحمات ورفع الشر القاطع بين الناس وقرب بعضهم من بعض وجمع بينهم ~~بالتحابب وألان قساوة الغلطة وآنس وحشتها وجعل الناس أخوة في الرحمة ~~والشفقة وقال في التفضل والإحسان" "قد سمعتم أنه قيل أحبب قريبك وابغض ~~عدوك. وأما أنا فأقول لكم أحبوا أعداءكم، باركوا لاعنيكم، واحسنوا إلى من ~~أساء إليكم، وادعوا لمن اضطهدكم وساقكم كرها، لتكونوا أبناء أبيكم الذي في ~~السماء، وتتشبهوا به. فأنه يشرق شمسه على الأخيار والأشرار، ويحدر قطره على ~~الأبرار والفجار". ثم قال مؤكدا لهذه الوصية ومرغبا فيها: "وأن كنتم تحسنون ~~إلى من أحسن إليكم فأي أجر لكم. أليس يفعل هذا السفهاء. بل كونوا كاملين ~~محسنين متفضلين، ms096 كيما تشبهوا الرب الذي يمهلكم ويتفضل عليكم". ثم قال في ~~البر: "انظروا في صدقاتكم، لا تعطوها تجاه الناس تريدون بذلك برا منهم، ~~فيضيع أجركم. لكن أنت أيها المتصدق أيما تصدقت بصدقة، إياك أن تعلم شمالك ~~ما صنعت يمينك، لكيما تكون صدقتك سرا والحق أقول لك أن أباك الذي في السماء ~~يكافيك على صدقتك علانية" ثم قال: "وأنت أيها المصلي إذا أردت الصلاة فلا ~~تقفن في الأسواق وعلى ظهور الطرقات تراءي الناس بصلاتك لكي يمدحوك. الحق ~~أقول لك أن فعلت هذا فلا أجر لك، بل قد أخذت أجرك من الناس الذين مدحوك. ثم ~~قال: "أيها المصلي إذا أردت أن تصلي فأدخل إلى مخدعك وصل بين يدي أبيك سرا، ~~وأبوك الذي يعلم السر يكافيك علانية" ثم قال: "إذا صمت فلا تعبس وجهك وتضعف ~~كلامك لكي تراءي الناس بذلك، فيضيع أجرك ممدحة الناس. ولكن إذا صمت فأغسل ~~وجهك وأدهن رأسك وقو كلامك لكيما يخفي على الناس صيامك. والحق أقول لك أن ~~أباك الذي إياه قصدت بصومك يجازيك" ثم قال في ذم الشره والحرص والبخل: "لا ~~تدخروا ذخائركم حيث يصل إليها اللصوص والآفات، بل ادخروها في السماء حيث لا ~~تصل اللصوص، وتأمنون عليها. وحيث تكون ذخائركم فهناك تكون قلوبكم" ثم قال: ~~"لا يقدر العبد أن يخدم ربين إلا بإكرام أحدهما واحتقار الآخر. وكذلك لا ~~تقدرون على خدمة ربكم وخدمة الدنيا". ثم قال: "لا تهتموا بما تأكلون ولا ~~تشربون. فإن عنايتكم بأنفسكم وخلاصها من الآثام والخطايا، أفضل وأوجب عليكم ~~من عنايتكم بأجسادكم. لأن النفس أفضل من الجسد إذ كان لا قوام للجسد إلا ~~بالنفس. ولكن تشبهوا بطير السماء التي لا تزرع ولا تحصد ولا تجمع، بل تغدو ~~خماصا وتروح بطانا، لأن أباكم الذي في السماء يؤتيها رزقها. والحق أقول لكم ~~أنكم في الخليقة أفضل وأكرم عند الله منها. فلا تهتموا بما تقيتون به ~~أجسادكم، بل اصرفوا عنايتكم إلى ما يرضي ربكم. ولا تحملوا اليوم هم الغد ~~أنما يكفي اليوم همه. فلا تهتموا برزق الغد، لأنكم ms097 أنتم لستم خالقيه وإنما ~~خلق لكم، فخالق الغد هو يأتيكم فيه رزقه. ولا يقولن أحدكم، إذا أقبل ~~الشتاء، ماذا آكل وماذا ألبس، وفي الصيف من أين آكل ومن أين أشرب. فأن ~~أباكم الذي في السماء يعلم أنكم تحتاجون إلى ذلك وهو يؤتيكم إياه" ثم قال ~~في اغتياب الناس: "لا تدينوا ولا تعقبوا لكي لا تدانوا، ولا تعقبوا فان ~~بالدين الذي تدينون به تدانون، وبالكيل الذي تكيلون به يكال لكم. فما بالك ~~أيها الإنسان ترى القذى الذي في عين أخيك وفي عينك خشبة لا تهمك. أو تقول ~~لأخيك دعني أخرج القذى الذي في عينك وفي عينك أنت سارية. أخرج أولا السارية ~~من عينك وحينئذ تنظر في إخراج القذى من عين أخيك" ثم قال في الطلب والتضرع ~~إلى الله جل وعز ووعده بالإجابة: "اطلبوا تجدوا، اسألوا تعطوا، اقرعوا يفتح ~~لكم. فإن من سأل بنية صادقة أعطي. ومن طلب بإيمان خالص وجد. ومن استفتح ~~بقلب سليم فتح له. من منكم يسأله أبنه خبزا فيعطيه حجرا أو يسأله حوتا ~~فيناوله حية. فأن كنتم أنتم الأشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم العطايا ~~الجيدة، فكم بالحري أبوكم الذي في السماء عنده الخيرات، ويأتي الحسنات ~~والبركات، ويفيض نعمه على أوليائه وأهل طاعته، الذين يسألونه بنية صادقة ~~ويقين خالص" ثم قال في اصطناع المعروف إلى الناس: "كل ما أحببتم أن يفعل ~~الناس بكم افعلوه أنتم بهم، ولا ترضوا للناس إلا ما ترضونه لأنفسكم. فأن ~~هذا هو كمال البر". ورضى الله عز وجل ولعل عايبا بقلة دينه يعيب ألفاظ ~~الإنجيل ويقول في تسمية المسيح سيدنا الله تبارك وتعالى "أبانا". فنجيبه في ~~هذا بجواب مقنع ونقول: أن المسيح إله العالم وسيده أراد أن يحبب طاعة الله ~~إلى الناس ويقربها من قلوبهم لتكون طاعتهم له بالمحبة والمودة لا بالقهر ~~والرهبة. وأن يؤلف بين قلوبهم ويخرج العداوة منها، ويرفع ذكر التفاخر ~~بالأنساب الذي أوقعه الشيطان بينهم، ويجعلهم متعارفين بعضهم ببعض بالاخوة ~~التي هم فيها، كما هم في الطبيعة أجمع أخوة لأب واحد وأم ms098 واحدة، وكذلك أحب ~~أن يكونوا في جميع الحالات. ليس كما فعل صاحبك حيث زرع البغضة بين الناس ~~بقوله: "يا أيها الذين آمنوا إن من أزواجكم وأولادكم عدوا لكم فاحذروهم، ~~وأن تعفوا وتصفحوا وتغفروا فإن الله غفور رحيم" (تغابن14). والسيد المسيح ~~كان يخاطبهم ويقول لهم: "أبوكم الذي في السماوات يفعل بكم كذا وكذا، ويصطنع ~~إليكم كيت وكيت". كل ذلك ليزرع في قلوبهم محبة بعضهم لبعض، فتنحل الضغائن ~~ويرتفع التفاضل. ولعمري ان الله جل وعز هو الأب الرحيم المشفق المتحنن ~~المجمل إذ كان بدا، فخلقنا جودا وإحسانا، قبل أن نكون تفضلا منه علينا. وهو ~~يقوينا، ويرزقنا بنعمته، ويتفقدنا بجوده، ويتعهد هفواتنا، ويغفر ذنوبنا. ~~ويحتمل بكرمه وطول أناته جهلنا، ولا يعجل علينا كما يفعل الأب المشفق على ~~ولده، "ثم إذا أدبنا، خلط بأدبه الرأفة والرحمة" (عبرانيين 6)، فلا يصل إلى ~~الغاية التي نستحقها بذنوبنا. فمن أحق وأولى بأن يسمى باسم الأبوة الحقيقية ~~من الله تبارك أسمه وتعالى ذكره. فلا حجة أذن للمنكر في إنكاره على المسيح ~~سيدنا حيث يسمي الله أبانا ثم قال في أداء الفرائض: "صوموا وصلوا وأدوا ~~الفرائض التي أوجبها الله، فإذا فعلتم ذلك كله فقولوا أننا عبيد بطالون ~~إنما عملنا ما أمرنا به". وقد تحققت لنا أقواله ووصاياه بما كان يظهر لنا ~~من سيرته، أنه كان صائما مصليا، لا بيت له ولا مأوى ولا شيء من القنية أكثر ~~من ثوبين يواري بهما جسده. فقد قال له بعض السائلين: "يا عظيمنا أين منزلك ~~لآتيك فيه". فأجابه: "إن للثعالب أوجرة، ولطيور السماء أوكارا، وأما أنا ~~فلا بيت لي ولا مأوى حيث أدركت، فهناك مبيتي ومتى طلبتني وجدتني". لم يتكلم ~~بإفك قط ولا هم بخطيئة ولا اقتراف ذنبا ولا ارتكب أثما ولا قبيحة، ولا أعاب ~~أحدا ولا أذاه، ولا منع طالبا ولا رد سائلا ولا اعرض عن مستغيث ولا عن ~~مستميح كما سبق قول النبي فيه (اشعيا 53) ثم اتبع ذلك فحقق قوله بالأعاجيب ~~والآيات التي فعلها، وكان يشفي المرضى الذين لا يعرف عددهم إلا ms099 هو تبارك ~~اسمه، ويبرئهم من أدوائهم ويكشف عن أسقامهم ويهب لهم العافية. بكلامه طهر ~~البرص وأخرج الشياطين وبسط أيدي العسم، وأحيى الموتى الذين ماتوا وأتت ~~عليهم الأيام الكثيرة، مثل العاذر أخي مريم ومرتا، ومثل ابنة يايروس رئس ~~الكهنة، وعبد العامل، وابن الأرملة (أرملة نايين) وغيرهم. وأخبر بالغيب ~~ومما تخفيه صدورهم، وتكمنه أفئدتهم. وبكلمته أبرا المفلوج وأمر المقعد الذي ~~أتت عليه ثمان وثلثون سنة زمنا أن يحمل سريره على عاتقه ويمضي محاضرا، فكان ~~ذلك. ونادى الشياطين فأجابته مذعنة لأمره، طائعة لربوبيته، مقرة له أنه ~~كلمة الله الحي، وأنه هو الذي يبطل سلطانها. وغفر الخطايا ومحا الذنوب ~~بالكلمة الخالقة الممجدة بروح القدس الحالة فيه، وفتح أعين الأكمة المعروف ~~بالعمى على طول الأيام، وخلق لبعضهم الأعين من الطين المجبول بريقه، قدرة ~~منه على الخليقة. وأشبع من خمس خبزات وسمكتين خمسة آلاف رجل خلا النساء ~~والصبيان، وفضل من ذلك أثنى عشر منا كسرا، وكان مباركا حيث كان. وغير الماء ~~المصبوب في ستة أجاجين خمرا، وذلك في عرس في الجليل (قانا الجليل) ، ~~وتباركت به الصبيان ونادت به الأطفال. ولعن شجرة التين فجفت من ساعتها. ~~وزجر أمواج البحر في شدة الريح فانتهت. ومشى على الماء ظاهرا. وتجلى ~~لتلاميذه في الجبل مع موسى وإيلياء (ايليا) النبيين. وخبر السامرية بخبرها ~~مع الأزواج. وابرأ المرأة التي كان بها نزيف دم منذ اثنتي عشرة سنة وذلك ~~بمجرد لمسها ثوبه وظنت أنه لا يعلم بها، فعلم بالقوة التي خرجت منه وقال ~~للجماعة: "من لمس ثوبي؟" وأتت المرأة وسجدت له وأقرت بما فعلت، فقال لها: ~~"إيمانك شفاك. أمضي بسلام وكوني بريئة من علتك". وأمر الشياطين أن تدخل في ~~الخنازير وتغرق في البحر فأجابت وانتهت إلى طاعته. وفعل أفعالا كثيرة لو ~~نسق جميعها الرسل لطال الكتاب بها. وقد تركنا أيضا كثيرا منها لئلا يطول ~~كتابنا هذا ولأنني أعلم أنك قد قرأت الإنجيل المقدس حيث كان ما أثبته ~~التلاميذ من ذلك منسوقا فيه، ومن قول صاحبك وشهادته: "وأتينا عيسى بن مريم ~~البينات وأيدناه بروح ms100 القدس" (البقرة 87). فكيف يحيل عليك، أصلحك الله، أن ~~هذه الأفعال ليست إلهية، ولا يحيل ذلك إلا على من اظلم عقله بالحسد، وأعمي ~~بصره بالغيرة، ومن حملته محبة الدنيا على إهلاك نفسه، ومن اتبعه بالإفك. ~~وكل ذي لب ناصح لنفسه إذا هو نظر في كتابنا هذا وتصفح هذه الأمور بعين الحق ~~والنصفة، وأقاسها بأفعال صاحبك تبين له الحق من الباطل، وان كان لا يقاس ~~بأمر المسيح شيء من الأشياء بالبهت والكذب والدعوى الباطلة. ونحن نعلم، ~~وأنت، أن أفعال المسيح ليست من أفعال البشريين، وأن أمر صاحبك قد تهيأ ~~لجماعة من الناس ممن قد رأينا وسمعنا به من الملوك المتقدمين في سائر ~~الأزمان. فإن قلت أن الأنبياء كانت تفعل الأشياء المعجبة التي ليس في قدرة ~~العالميين أن يفعلوا مثلها، مثل موسى وغيره، قلنا لك: نعلم أن الأنبياء ~~كانت تفعل ذلك، لكن بعد التضرع الشديد والطلب الطويل والمسألة الملحفة، لا ~~بالقدرة القاهرة والأمر النافذ الذي لا مرد له، ولا شيء يعتاص عليه أو ~~يضاده، مثلما كان يفعل سيدنا المسيح. لأن أولئك إنما كانوا يفعلون الشيء ~~المعجز كما يفعل العبيد، المشفقة بحسب الطاعة، لإنفاذ الأمر الذي وجهوا به ~~وتبليغ الرسالة. وأنت تعلم أن موسى قبل فلق البحر لبني إسرائيل ما زال ~~مصليا راكعا ساجدا طالبا حتى قال الله له: "لم تصلي؟ قم فأضرب البحر بعصاك ~~فأنه ينفلق بين يديك". هكذا تجده في التورية (التوراة). وكذلك يشوع بن نون ~~وإيلياء واليشاع كانوا يتضرعون ويطلبون في صلواتهم، فعند ذلك يؤذن لهم في ~~عمل الآية، وذلك بعد المسألة الملحفة. على أن بعضا دعا وصلى وتضرع فلم يجب ~~مثل موسى، فإنه تعالى قال له: "لا أدخلك أرض المواعيد، وهي بلاد الشام، ~~لأنك لم تصدقني ولم تقدس اسمي أمام بني إسرائيل". وذلك في المكان المعروف ~~"بماء الخصام" لضربه الصخرة ضربتين، فحرمه من دخول أرض الميعاد. ومثل ~~ارمياء المغبوط في الأنبياء قد دعا فقال الله عز اسمه في بعض ما دعا: "إني ~~أسمع دعاءك ولا أقبل صلاتك" فأما سيدنا يسوع ms101 المسيح الذي هو الابن الحبيب ~~كما شهد أبوه له قائلا: "هذا هو أبني الحبيب الذي به سررت" (متى 3). فأنه ~~فعل الأشياء بالقوة القاهرة، التي هي الكلمة الخالقة للسماوات والأرض ~~المتحدة به. فهل يقدر مخالف أن يتعنت أو يبطل هذا القول إلا بالحسد ~~والمعاندة للحق، والإفتراء على الله الآب وكلمته، وروح القدس. مثل من يقول ~~أن الشمس مظلمة والنار غير محرقة، فباهت بذلك العيان وكفاه بهذا خجلا ### || أتباع المسيح # وإذ قد نقلنا بعض شرائع المسيح سيدنا وأخبرنا بعض عجائبه، فلنذكر الآن ~~كيف اتخذ تلاميذه الحواريين، وبعث بهم إلى أهل العالم دعاة إلى الحق، فنقول ~~أنه اتخذ قوما أميين لا علم لهم ولا معرفة ولا شرف ولا حسب ولا إيسار، ~~صيادي سمك وعشاري خراج، ففتح قلوبهم وملأها نورا وحكمة، فقهروا بذلك كل ~~فيلسوف حكيم، وفاقوا كل طبيب ماهر، وتذلل لهم كل ملك عزيز، وكل سلطان شديد، ~~وكل جبار عنيد، ودخل في طاعتهم كل شريف وحسيب، وافتقر إليهم كل غني. حتى ~~دان لهم ذوو الإيسار، وأقر لهم كل ذي علم وفهم، وانقطع عند حجتهم كل ذي ~~بلاغة، ودانوا لهم بالطاعة، واقروا لهم بالإجابة غير منكرين ولا جاحدين، بل ~~قائلين بالفضل الذي اوتوه، ومعترفين لهم بالنعمة التي ظهرت عليهم، والأيد ~~الذي أيدوا به، وتلك الآيات والعجائب التي أظهروها، حين قال لهم: "اذهبوا ~~فادعوا الأمم إلى حيوة الأبد، وبشروهم بالبعث والنشور وقيامة أجسادهم وفيها ~~أرواحهم، وتخليصهم من أسر الموت وفكهم من سلطانه، وإطلاقهم من حبسه الذي هم ~~فيه، وقد أعطيتكم على تحقيق ما تضمنون لهم من ذلك القدرة على فعل الآيات ~~والعجائب، مجانا أعطيتكم مجانا أعطوا، لا تأخذوا ذهبا ولا فضة من أحد. ~~تضعون أيديكم على المرضى فيبرؤون والموتى فيحيون باسمي ليعجب العالم منكم ~~ويكون لي حجة عليهم" فساروا بسيرته، وبلغوا ذلك، وبشروا الناس بالرحمة ~~والمغفرة، ودعوهم إلى الحق مجتهدين غير مفترين، ولا مستاثرين لشيء من ~~الدنيا. وعدة هؤلاء سبعون رجلا الذين وجههم قبل ارتفاعه إلى السماء ~~بالكرامة والمجد. واختار إثنى عشر رجلا كانوا ملازمين ms102 له، وهم حواريوه ~~وتلاميذه المشاهدون لكل أموره في كل أحواله، وهم الناقلون أخباره بالحق ~~والصدق إلى الأمم. وكانت مخاطبته إياهم وعهده إليهم قائلا: "إن الذي يعمل ~~ويعلم هذا يدعى اسمه كبيرا في ملكوت السماوات وعظيما. وإذا أنتم طلبتم ~~فاطلبوا المغفرة لخطاياكم والرحمة وملكوت السماء والعمل بالبر، ولا تكثروا ~~الخطب والتعديد وتشغلوا قلوبكم بطلب الرزق الذي كفيتموه، فإن أباكم الذي في ~~السماء أعلم بحوائجكم وما يصلح بكم. ولكن إذا دعا أحدكم فليدع هكذا: "أبانا ~~الذي في السماوات ليتقدس اسمك، ليأت ملكوتك، لتكن مشيئتك كما في السماء، ~~كذلك على الأرض. اعطنا خبزنا كفاننا يوما فيوما، واغفر لنا ذنوبنا ~~وخطايانا، كما نغفر نحن لمن أساء إلينا، ولا تدخلنا في التجارب لكن نجنا من ~~الشرير، لأن لك الملك والقوة والمجد إلى الأبد آمين" ثم قال لهم: "أني ~~موجهكم مثل الحملان بين الذئاب ولكني مؤيدكم، فكونوا حكماء في أموركم. وإذا ~~قدمتم إلى السلاطين والحكام والقضاة فلا تهابوهم، ولا تميلوا عن الحق معهم، ~~ولا ترهب قلوبكم عند مخاطبتكم إياهم بالمواعظ، فأنهم لا يملكون لأنفسكم ~~ضرا، وأنما سلطانهم على أجسادكم فقط. فاصبروا إذا الجأوكم إلى الحبس والضرب ~~والقتل، واذكروا من له سلطان على أنفسكم وأجسادكم معا، لأنه هو القادر على ~~أن يميتكم ويحييكم ويعذبكم ويعفو عنكم. ولا تهتموا بما تكلمونهم وتحاجونهم ~~به فإني معطيكم في الوقت من الحكمة بالروح القدس ما تحتاجون إليه، واعلموا ~~أن من جحد دعوتي وأنكر البشارة باسمي أنكرته يوم القيامة إذا وقف مع ~~الخلائق بين يدي للحكم والقضاء. ومن أقر بدعوتي والبشارة باسمي بين يدي ~~الناس ولم يجحد ذلك ولم يكتمه أقررت به أنه من أوليائي يوم الدين إذا وقف ~~مع الخلائق بين يدي" ثم قال لهم: "عليكم بالتواضع فطوبى للمتواضعين، طوبى ~~للمطهرة قلوبهم. كونوا رحماء فطوبى للرحوميين فأنهم يستحقون الرحمة من ~~ربهم". ثم قال لهم: "صلوا من قاطعكم، أعطوا من منعكم، احسنوا إلى من أساء ~~إليكم، سلموا على من سبكم، صالحوا من بغضكم، اصفحوا عمن أهانكم، انصفوا من ~~خاصمكم، واعفوا عمن ظلمكم ms103 كعفو الله مولاكم عنكم. فإنكم إذا لم يرحم بعضكم ~~بعضا، كيف يرحمكم الله. وإذا لم تحسنوا إلى الناس كيف يحسن الله إليكم. ~~كونوا متفضلين حتى يجود الله عليكم. فحقا أقول لكم: "كما تفعلون كذا يفعل ~~بكم". ثم قال" أن ضوء الجسد عيناه، فإن كان البصر مستضيئا استضاء الجسد ~~كله، وأن كان البصر مظلما كان الجسد أيضا في الظلام، كذلك العبد إذا كان ~~عالما بربه أبصر ذنبه، وإذا كان جاهلا بربه عمي عن ذنوبه، وكما أن لا قوام ~~للجسد إلا بالنفس الحية، كذلك لا قوام للدين إلا بالنية الحسنة الصادقة. ~~وإياكم والنظر إلى عيوب الناس، وان تعاتبوهم على إصلاحها، لكن ابدأوا ~~بإصلاح عيوب أنفسكم وغطوها بأفعالكم. لا تعطوا القدس للكلاب، ولا تنثروا ~~درركم قدام الخنازير، ولا تذكروا الحكمة للسفهاء، ولا تتكلموا بها عند ~~المظلمة قلوبهم من خوف الله" ثم قال: "ما اسهل السبيل التي تؤدي إلى العطب ~~والهلاك، وما أوسعها واعمرها واكثر سالكيها، وما اثقل السبيل التي تؤدي إلى ~~الحيوة وما أبطأ سالكيها وأقل عامريها. احتفظوا من الكذابين، واحترسوا من ~~المرائين، على ظهورهم ثياب الصوف كالحملان وهم من داخل كالذئاب الخاطفة. ~~يعرفون بسيماهم، هل يجتني من العوسج عنب أو من الحنظل تين، كذلك لا ينتفع ~~بقول ولا بموعظة من مثل هؤلاء. وأحذروا من الأنبياء الكذبة الذين يأتونكم ~~بعدي بلا آية ولا ### || حجة بل بالسيف والمغالبة # أمضوا فادعوا الناس إلى حيوة الأبد، وعلموهم ما علمتكم من الحكمة ~~الروحانية، وخبروهم بما رأيتموه مني، وزهدوهم في هذه الدنيا الفانية ~~الغرارة، ورغبوهم في دار الآخرة، وأعلموهم أن الله تبارك وتعالى باعث من في ~~القبور، ومحيي الموتى، ومدين الخلائق، فمن عمل صالحا ورث الحيوة الدائمة ~~التي لا موت يقطعها في ملكوت السماء وجوار رب العالمين الذي لا شيء أفضل ~~منه مع الأمن والعافية في نعيم لا يزول ولا ينقضي. فمن افسد ولم يسمع قولكم ~~وكذب بشارتي وجحد دعواي، وناصبها بالنقض والمخالفة والعدواة والمعاندة، ~~فجزاؤه يوم الدين نار جهنم التي لا تطفىء خالدا فيها، والعذاب الدائم الذي ms104 ~~لا انقضاء له، وغضب الله وسخطه الذي لا رضى بعده. فمن رد دعوتي فقد ناصب ~~الله ورد أمره" وقد أعطيتكم من الأيد والسلطان والقوة والقدرة ما يحقق ~~للناس دعوتكم لتكن الحجة البالغة عليهم. ضعوا أيديكم على المرضى الميئوس ~~منهم فيبرأون باسمي، ونادوا الموتى فيحيون، واخرجوا الشياطين من الناس، ~~وافتحوا أعين العمي، وطهروا البرص. فلا شيء يعاندكم ولا يقاومكم، وكل ما ~~ربطتموه على الأرض كان مربوطا في السماء، وكل ما حللتموه كان محلولا، حتى ~~تنير دعوتي في جميع الأرض. ولا يكون موضع خاليا من دعوتي، لأنها إلى الناس ~~كافة، لأنها نعمة مبثوثة على جميع ذرية آدم، فمن دخل فيها حظ نفسه وربح ~~وأمن وسلم وفاز وغنم، ومن ضل معرضا خاب وخسر ها أنا موجهكم بلا سوط ولا عصا ~~ولا سيف ولا سلاح ولا ملك ولا جنود ولا قهر ولا مجاهدة ولا مقاومة ولا جدال ~~ولا مناظرة ولا اضطهاد ولا عنف ولا ترغيب في ملك ولا لذات الدنيا وشهواتها ~~ولا تسهيل في السنن. فنادوا في الناس، وأدعوهم إلى التوبة والخروج عن الأهل ~~والولد والأموال والنعيم ورفض الدنيا والتذلل والخضوع. وصححوا قولكم ~~وضمانكم لهم ملكوت السماوات بالآيات المعجبة التي أعطيتكم السلطان والقدرة ~~على صنعها، وخبروهم خبر البعث والوعيد، ورغبوهم في الثواب، وحذروهم من ~~العقاب، ولا تأخذوا ذهبا ولا فضة ،ولا تريدوا من أحد أجرا ولا شكرا، كلوا ~~من كد أيديكم، وما فضل من قوتكم تصدقوا به على المساكين. ولا تدخروا للغد، ~~وامنحوا الناس منحتكم بلا غش ولا غل، أعطوهم من ذلك مجانا كما أعطيتكم. ولا ~~تمنعوا طالبا، ولا تردوا سائلا، وأسعفوا الناس جميعا، وابذلوا لهم المجهود ~~من أنفسكم، سيروا بالبشارة ولا تفتروا، فان ملكوت السماء قد دنت وها أنا ~~معكم ومع كل من دعا باسمي جميع أيام الدنيا إلى انقضاء الدهر ثم أنه أراد ~~أن يكمل التواضع إلى الغاية القصوى، فلم يمتنع من أيدي الكفرة حتى نالوا ~~منه ما نالوه من صلبه على خشبة، وهو مع ذلك يقول: "يا أبت أغفر لهم لأنهم ms105 ~~لا يعلمون ما يفعلون" (لوقا 23). ثم مات بجسده، وأقام على الصليب إلى وقت ~~الغروب من يوم الجمعة، ثم أنزل ودفن، وأقام في القبر إلى صبيحة يوم الأحد، ~~ثم انبعث حيا بلاهوته، وتراءى للنسوة اللاتي جئن إلى قبره زائرات، وظهر بعد ~~ذلك لحواريه مرة في الجليل ومرتين في الغرفة التي كانوا فيها نزلا، ومرة في ~~الطريق وبعضهم ماض إلى القرية التي تدعى عمواص ومرة على شاطىء البحر وهم ~~يتصيدون السمك، واكل معهم عدة مرار. كل ذلك في خلال أربعين يوما. وكان يجدد ~~عليهم الوصية ويذكرهم العهود التي عهدها إليهم، ويخبرهم أنه سيوجه لهم ~~البارقليط الذي هو الروح القدس لتأييدهم. فلم يزالوا كذلك إلى أن صعد إلى ~~السماء صعودا ظاهرا مكشوفا بحضرة من كان حاضرا في ذلك الوقت، وهم ينظرون ~~إلى أبواب السماء مفتحة، وقد نزلت الملائكة ورفعته بالتمجيد والتهليل ~~والتسبيح، وهي تخاطب وتقول: "أيها الناس ما بالكم تنظرون متعجبين حائرين؟ ~~هذا يسوع المسيح ابن الله الوحيد قد صعد إلى السماء ممجدا، وهو مزمع أن ~~يأتي ثانية في آخر الأيام، فيرى نازلا في ذلك الوقت كما ترونه الساعة ~~صاعدا، ليبعث من في القبور ويدين الخلائق". ثم غاب عنهم وغابت الملائكة ~~معه. وذلك الجبل الذي صعد منه جبل الزيتون من بلاد الشام معروف مشهور بهذه ~~الصفة إلى هذا الوقت فلنذكر بعد هذا شهادة المخالف صاحبك إذ يقول معلنا: ~~"إذ قال الله يا عيسى أني متوفيك ورافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، وجاعل ~~الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة، ثم إلي مرجعكم فاحكم بينكم ~~فيما كنتم فيه تختلفون. فأما الذين كفروا فأعذبهم عذابا شديدا في الدنيا ~~والآخرة، وما لهم من ناصرين. وأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فيوفيهم ~~أجورهم والله لا يحب الظالمين. ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم" ~~(آل عمران 51 - 58). فهذا فتح عقلك إلى الصواب قول صاحبك واعترافه وشهادته ~~عن الله كما ادعى وادعيت له. فتثبت في النظر وانصح لنفسك في الاستقصاء، ولا ~~تمل إلى غير الحق، فأنك إن أنصفت، ms106 ظهر لك أبيض النور وتلألأ الحق ثم لما ~~كان بعد صعوده إلى السماء بعشرة أيام كان الحواريون مجتمعين في الغرفة التي ~~كانوا ينزلون فيها معه إذ سمعوا هادة عظيمة شديدة، وتجلى عليهم الروح القدس ~~الذي هو البارقليط، فصار على كل رجل مثل اللسان من النار، فجعل يتكلم بلسان ~~البلد الذي وجه ليبشر فيه بالمسيح مخلص العالم ومنقذه، ويدعو أهل ذلك البلد ~~إلى النصرانية، ويخاطبهم بلسانهم، ويريهم الآيات المعجزة. فعند ذلك تفرق ~~الحواريون كل رجل منهم إلى البلد الذي ندب إليها وأعطي معرفة لسانها وكلام ~~أهلها، وكتبوا الإنجيل الطاهر وجميع أخبار المسيح وأقاصيصه بكل لسان عن ~~إملاء الروح القدس، فدانت لهم الأمم واستجابوا لقولهم. ورفضوا هذه الدنيا ~~ومالوا إلى الأمر الواضح، وتركوا أديانهم ودخلوا في النصرانية عندما اشرق ~~لهم نور الحق وتلألأ نور البشارة، فأيقنوا وآمنوا مصدقين غير مرتابين ولا ~~شاكين حيث ميزوا الحق من الباطل والكفر من الإيمان والهدى من الضلالة ~~والرشد من الغي، ورأوا الأعاجيب والآيات الباهرة والدلائل الواضحة والسيرة ~~الحسنة المشبهة لسيرة المسيح، التي آثارها قائمة ثابتة حتى اليوم والساعة. ~~فنحن الذين قبلناه منهم لم نزد فيه ولم ننقص منه، وعليه نحيا وعليه نموت ~~ونبعث حتى نقوم به بين يدي المسيح سيدنا يوم نقف بين يديه إذا هو دان الخلق ~~جميعهم. وليس هذا كسيرة صاحبك وسيرة أصحابه الذين لم يزالوا يتقدمون في ~~القتل والنهب والخبط بالسيوف وسبي الذراري والتغلب على البلدان ونهب الناس ~~أموالهم وهتك حريمهم واستعباد الأحرار، وهم في هذه الحال إلى هذه الغاية ~~يحملون الناس على المحارم وعلى مساوىء الأخلاق حتى تعلموا فقالوا في ذلك ما ~~لم تفعلوه. مثل قول عمر بن الخطاب: "ألا من كان جاره نبطيا واحتاج إلى ثمنه ~~فليبعه". ومثل هذا كثير مما يشاكله من القول والفعل. وهذا خلاف ما كان ~~يفعله سمعان وبولس من إبراء المرضى بأمرهما وطلبهما واقامة الموتى باسم ~~المسيح سيدنا ### || رهبان اليوم # وإن قلت: ما بال الرهبان لا يفعلون اليوم من الآيات والعجائب والجرائح ~~مثلما كان الحواريون يفعلون حيث ms107 توجهوا إلى البلدان؟ رجعنا إليك بالجواب ~~وقلنا: أنهم لما مضوا للبلدان للدعوة واجتذاب الناس إلى الإقرار بربوبية ~~المسيح، احتاجوا عند ذلك إلى كثرة الآيات وتواتر العجائب لتصح دعوتهم، ~~وليعلم الذين يدعونهم صحة دعواهم، فليس الرهبان اليوم دعاة، وان كان كثير ~~منهم يتكلفون فعل ذلك لدى الخواص خفية ليعلم أن تلك النعمة ثابتة فيهم ~~باقية. فإذا جرى لهم أمر احتاجوا إلى إظهار قوتهم للعامة أظهروها ليعرف ذلك ~~من أفعالهم في المشرق والمغرب وحيث حلوا، ولو أن الرهبان تكلفوا إحياء كل ~~ميت واشفاء كل مريض في كل وقت لم يمت أحد، ولم يكن للقيامة رجاء ولا للدنيا ~~زوال، وكان في ذلك تكذيب لوعد الله تبارك وتعالى ووعيده في الآخرة. وإنما ~~يفعل الرهبان ما يفعلونه ويجري على أيديهم الواحد بعد الواحد ليزدادوا ثقة ~~لما هم فيه من ذلك التعب والنصب وليعلموا كيف مرتبتهم عند الله في طاعتهم ~~ليلهم ونهارهم. وأيضا فمن قصدهم بقلب سليم ونية صحيحة واتاهم مستغيثا ~~فبصلواتهم وبركة دعائهم أدركوا طلبتهم. وأيضا لو كانت الآيات والعجائب تظهر ~~لدى التجارب كما ظهرت للأولين وكانت دائمة كما كانت في أيام الجهل وعدم ~~الأدب، لما كان للناس في إيمانهم وطاعتهم حمد إلا كحمد الدواب التي لا ~~تستغني في الاستقبال بها والإستدبار عن اللجم والضرب بالعصا. لكن إذ فضل ~~الله تبارك اسمه جوهر الإنسان على البهائم، وانعم عليهم بالعقل والتمييز ~~كلفهم استعمال رأيهم في إحراز علم ما غاب عنهم من برهان الحق عن دينه. فإذن ~~ليس يحتاج اليوم الناس إلى معاينة الآيات في تحقيق هذا الدين، إلا من رفع ~~نفسه عن استعمال العقل وشارك البهائم في جهلها وقلة إدراكها فقد شرحت لك ~~قصة المسيح سيدنا على غاية الاقتصار، وبعض أخبار الحواريين الذين نقلنا ~~عنهم ديانتنا، التي نحن متمسكون بها ومنتحلون لها، فاجمع الآن ما تريد جمعه ~~منها إلى ما في يدك، واستعمل الإنصاف واصدق نفسك ولا تغشها، وان قبلت مني ~~فإني لك من الناصحين يشهد الله والملائكة علي بذلك. إن تركت مشاركة الفجرة ~~الجهال وأقبلت ms108 إلى نور الإنجيل وضياء بشارة المسيح نصر من أوليائه وترث ~~ملكوت السماء، وحيوة الأبد التي لا انقطاع لها والنعيم الذي لا تبلغه صفة ~~الأميين، وخف ممن سلطانه على بدنك ونفسك، الذي هو يقدر أن يرحمك ويقبلك كما ~~يقبل الأب الولد الشارد فإنك تكون من الموفقين. فإن حجة الله تبارك اسمه ~~عليك ظاهرة لما قد خصك الله به من العقل وفضلك من الزيادة على غيرك، فلا ~~تغفل ولا تغتر بهذه الدنيا وتتعلق بأسبابها وتنغمس في شهواتها، فإنها غدارة ~~مهلكة لمن مال إليها، وانظر لنفسك قبل فوت النظر، وردد فكرك في ما قد كتبته ~~إليك وشرحته لك من الأشياء التي قلدتها كتابي هذا، وقس بعضها ببعض واستعمل ~~في ذلك قانون العدل وميزان الحق وآثره ومل إليه، وتجنب الباطل وتنح عنه، ~~واهرب من الأمور المدلسة فأنها إنما هي بهرجة على قوم جهال أغبياء لا علم ~~لهم ولا معرفة ولا تأدب ولا حكمة ولا نظر ولا شريعة. فليس هذا الأمر من ~~الأمور التي يجوز أن يغفل عنها، حتى لا يلتفت إليه لأنه هو الأمر المحصول ~~عليه في الوقتين معا: في هذه العاجلة وفي الآجلة وقت لا يقبل منك فيه العذر ~~ولا ينفع الاحتجاج. واعلم علما يقينا أن من كفر بالطاغوت وآمن بالله فقد ~~استمسك بالعروة الوثقى التي لا يخيب من طلبها لرضى الرب، واجهد نفسه إليه ~~بما فرضه في كتبه. أما أنا فقد بلغت جهد طاقتي في النصيحة لك ولكل من نظر ~~في كتابي هذا، وما أبقيت عند نفسي في ذلك غاية واسأل الله أن يوفقك وإيانا ~~على العمل الصالح بطاعته، ويعصمنا من معاصيه، ويشركنا في ملكوته مع أوليائه ~~الذين رضي عنهم بجوده وكرمه، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته . آمين ms109