######OpenITI# #META# Title: al-Ruhāwī :: K. Adab al-ṭabīb :: Practical Ethics of the Physician :: كتاب أدب الطبيب #META# Genres: Medicine, Ethics, Pharmacology #META# Type: Secondary #META# Date: between 880 and 930 #META# Ed_info: Bürgel, J. Christoph (1992), Kitāb adab al-ṭabīb taʾlīf Isḥāq ibn ʿAlī al-Ruhāwī, n.p. #META#Header#End# ### | [book 1] ### || [chapter 0] # بسم الله الرحمن الرحيم ~~وعليه توكلى وبه نستعين. # قال جامع هذا الكتاب ومؤلفه: إن أناسا من الأطباء — أيها الحبيب، أسعدك الله ببلوغ مطلوباتك، ~~وأعانك على درك الحق — حين جهلوا أصول صناعة الطب، وفاتهم درك فروعها، وقصروا عن تأمل ~~الصواب فى طرقها، خرجوا إلى الحيل والتلبيس، حتى أفسدوا محاسنها، وأساؤا سمعة أهلها، وكانوا ~~بمنزلة بنائين راموا إصلاح تشعيث دار قد بنيت أتقن بناء، وأحكمت أحسن إحكام، وأعد فيها ~~ضروب المصالح والمنافع، فجعلوا يسعون فيها، محجوبة أبصارهم عن مواضع الفساد، لجهلهم بمعرفة ~~ما فيه بنيت الدار، وسوء تحصيلهم نظمها، وأحكام هيئتها. فإنهم لما عميت أذهانهم عن معرفة ~~الأسباب والعلل لكونها، صاروا يجولون كالحيارى، لا يفهمون مواضع الفساد، ولا مواقع علله. وربما ~~رام الواحد منهم الإصلاح لشئ يجهل سببه، فيسرع إلى إفساده وهدم أساسه، كالذى أقدمت ~~〈عليه〉 وجاهرت به الطائفة من الأطباء الذين رأيتك تذمهم وتوبخهم، وأشباههم من أهل القحة ~~والإقدام على ما لا يعلمونه، فحق على من أنعم الله عليه بمعرفة، ووفقه لتأصيل هذه الصناعة، أو ~~حلها والوقوف على ما فيها من لطيف التدبير وصواب التقدير، ألا يقصر فى إظهار مابلغه علمه من ~~ذلك، بل يجتهد فى نشره وإذاعته، ليقوى به نفوس أهل الحقائق ويجتنب به سوء العمل فى ~~تدابير الأصحاء والمرضى، محتسبا للثواب فى ذلك، واثقا بمعونة الله تعالى، وتأييده إياه. # وقد تكلفت جمع ما قدرت عليه من الآداب التى ينبغى للطبيب أن يؤدب بها نفسه، والأخلاق ~~المحمودة التى ينبغى أن يقوم بها طبعه. وذكرت طرفا من التدابير التى ينبغى أن يدبر بها جسمه، ~~والأفعال التى يجب أن يفعلها بذاته أولا، والأفعال التى يفعلها بالأصحاء والمرضى، وجملا من ~~الأفعال والوصايا والتدابير التى ينبغى له أن يتقدم بها إلى المريض وخدمه ومن يتولى مصالحه، ~~وجعلت جميع ذلك مقالة أولى من هذا الكتاب. ثم جمعت فى المقالة الثانية ما يجب على المريض أن ~~يكون عليه من القبول، لتنصلح أخلاقه لنفسه ولطبيبه ولخدمه، فيتم بذلك صلاح جسمه. وذكرت فيها PageV01P001 ~~أيضا واجبات ولوازم ms001 تدعو الحاجة إليها فى صلاح الأصحاء والمرضى، من قصص وأخبار يتأدب بها ~~سائر الناس كافة والأطباء خاصة. وأنا أميز كل صنف من هذه المعانى فى باب، ليكون الكتاب أبوابا، ~~فيسهل بذلك على طالب المعنى مطلبه، ويقرب مأخذه. والأبواب عشرون بابا. ويجب أن نعددها أولا، ~~وما يتضمنه باب باب، ثم نأخذ فى شرحها بعون الله وتأييده. # الباب الأول: فى الأمانة والاعتقاد الذى ينبغى أن يكون الطبيب عليه، والآداب التى يصلح بها نفسه ~~وأخلاقه. # الباب الثانى: فى التدابير التى يصلح بها الطبيب جسمه وأعضاءه. وهو باب يشتمل على ~~واجبات كثيرة، فلذلك يجب أن يميز أقوالا مفصلة. # الباب الثالث: فيما ينبغى للطبيب أن يحذره ويتوقاه. # الباب الرابع: فيما يجب على الطبيب أن يوصى به خدم المريض. # الباب الخامس: فى أدب عواد المريض ومتفقديه. # الباب السادس: فيما ينبغى للطبيب أن ينظر فيه من أمر الأدوية المفردة والمركبة، وكيف ينبغى أن ~~يحذر مما قد فسد منها بغير قصد، أو بقصد من الصيدنانى وغيره ممن يتولى حفظها وتدبيرها. # الباب السابع: فيما ينبغى للطبيب أن يسأل عنه المريض وغيره. # الباب الثامن: فيما ينبغى للأصحاء والمرضى جميعا أن يعتقدوه ويضمروه للطبيب فى وقت ~~الصحة، ووقت المرض. # الباب التاسع: فيما يجب على المريض إبرامه من قبوله لأمر طبيبه ونهيه، وما يؤول إليه حاله ~~عند خلافه له. # الباب العاشر: فيما ينبغى أن يعمله المريض مع أهله وخدمه. # الباب الحادى عشر: فيما ينبغى أن يعمله المريض مع عواده. # الباب الثانى عشر: فى شرف صناعة الطب. PageV01P002 # الباب الثالث عشر: فى أن الطبيب يجب له التشريف بحسب مرتبته من صناعة الطب من الناس كافة، ~~ولكن تشريفه من الملوك والأفاضل يجب أن يكون أكثر. # الباب الرابع عشر: فى نوادر جرت لبعض الأطباء، بعضها من جنس تقدمة المعرفة. وهى تحث ~~الطبيب على تعرف طرق الإنذار، وبعضها مستظرفة تبعث الطبيب على اختبار تحصيل من ~~يشاوره قبل مشورته عليه، لئلا ينسب فساد — إن جرى — إلى الطبيب. # الباب الخامس عشر: فى أن صناعة الطب لا يصلح أن يعملها ms002 كل من التمسها، لكن اللائقة بهم ~~فى خلقهم وأخلاقهم. # الباب السادس عشر: فى محنة الأطباء. # الباب السابع عشر: فى الوجه الذى به يقدر الملوك على إزالة الفساد الداخل على الأطباء ومن جهتهم، ~~والمرشد إلى صلاح سائر الناس من جهة صناعة الطب، وكيف كان ذلك قديما. # الباب الثامن عشر: فى التحذير من خدع المحتالين من الذين يتسمون باسم الطب، والفرق بين خدعهم ~~والحيل الطبية. # الباب التاسع عشر: فى العادات المذمومة التى قد اعتادها كثير من الناس، وهى تسوق إلى ~~الإضرار بالأصحاء والمرضى، وإلى ذم الأطباء. # الباب العشرون: فيما ينبغى للطبيب أن يذخره ويعده من وقت صحته لوقت مرضه، ومن زمان شبابه ~~إلى زمان شيخوخته. PageV01P003 ### || [chapter 1] ### || الباب الأول ~~فى الأمانة والاعتقاد الذى ينبغى ان يكون الطبيب عليه، والآداب التى يصلح بها نفسه واخلاقه # أما بعد الحمد لمن لا تبلغ الألسن غاية حمده، ولا تنال العقول نهاية مجده. فإننى لما فكرت فى ~~مسألتك، أيها الحبيب — أسعدك الله بدرك الحق وأنار لك طرقه — وجدت الجواب عنها يقتضى ~~أغراضا كثيرة، ويلابس معانى جليلة، عظيم نفعها لجميع من يرتسم بصناعة الطب، ~~وأحب تعلمها، لما يرسم فى نفسه من الآداب العقلية، والوصايا الطبية التى اجتهدت فى جمعها من ~~مقالات القدماء، وآداب الفضائل. # وأيضا فإن نفعها عام شامل لسائر الناس ممن له عقل وتحصيل، لما يربه من فضيلة أدبه، إن كان ~~ذا أدب، ولما يبعثه ويحثه على التأدب، إن كان محبا للأدب، أو لما يخجله ويعرفه دناءة نفسه بين ~~أهل العلم والأدب، إن كان عادلا عن محبة الأدب، وخاصة إن كان ممن قد نصب نفسه قاضيا على ~~النفوس، وحاكما على الأجسام، ويتولى طبها وتدابيرها. فإن الخصال اللائقة بالحاكم، هى أو أكثرها ~~لائقة بالطبيب أيضا. وقد قال أرسطاطاليس: تفقد من الحاكم أربع خصال: أن يكون ~~حسيبا وأن يكون عالما وأن يكون ورعا وأن يكون غير عجول. وقال: إن الحاكم يزين الحكم وهو ~~يوحشه. وإذا نقلت هذه الأقاويل إلى الطبيب، وجدتها به لائقة وعليه واجبة، إذ الطبيب حاكم فى ~~النفوس ms003 والأجسام، ولا يشك أحد فى أن النفوس والأبدان أشرف من الأموال. فلذلك ينبغى للطبيب أن ~~يأخذ نفسه بالآداب والعلوم النافعة له فى صناعة الطب، وبغير شك أن من لم يحط بما نذكره ~~واطرحه، سيخجل إن كان له أدنى حس، وإن يكون له مع الحس يسير من العقل، فإنه ~~سيستحى من الله جل ذكره الذى أنعم على الناس بصناعة الطب، ومنحها أفاضل يستحقون ~~تعلمها، يخافونه ويرهبونه قبل الإقدام على علمها، فضلا عن العمل بها. وسيرى هذا المجترئ على ~~الله وعلى أهله أن مزاحمته لهم، ودخوله بينهم بغير نصيب منها، قبيح جدا. فإن بعثه خجله على ~~تأديب نفسه وإصلاح أخلاقه، ثم قصد أهلها بلطف وأدب وحسن مسألة، فتعلم منهم وخدم بين أيديهم ~~فى أعمالهم، أمكنه حينئذ اجتماع العلم والعمل أن يحفظ صحة الأصحاء وأن يعالج المرضى. ولعل ~~بعض الجهلة أن يظن أن خدمته لطبيب ما مدة من الزمان فى دكانه، ومعرفته ببعض الأدوية PageV01P004 ~~المفردة والمركبة، أو الفصد وما ماثله من أعمال الصناعة، وأخذه لذلك وتعرفه له من كناش أو ~~أقراباذين، قد كفاه وأغناه عن قراءة كتب صناعة الطب، وتعرف أصولها وقوانينها. فليس ذلك ~~إلا سوء حظ له ولمن يدبره، لأن ما علمه مما ذكرناه، إن لم يعلم أين يضعه من الجسم، وفيمن ~~يجب استعماله، ومتى وأين من الأماكن، وبأى الحالات والمقادير، كان إلى أن يمرض الأصحاء، ويقتل ~~المرضى، أقرب من أن يحفظ الأصحاء ويشفى المرضى. # فعلى جميع الوجوه والأسباب يجب أن أسارع إلى إجابتك فيما سألته، والله بكرمه المعين على جميع ~~الخيرات. وبعد ما قدمته، أقول: إن أول ما يلزم الطبيب اعتقاده صحة الأمانة، وأول الأمانة اعتقاده ~~أن لكل مكون مخلوق خالقا مكونا واحدا قادرا حكيما فاعلا لجميع المفعولات بقصد، محى مميتا ~~ممرضا مشفيا، أنعم على الخلائق منذ ابتداء خلقهم بتعريفهم ما ينفعهم ليستعملوه، إذ خلقهم ~~مضطرين وكشف لهم عما يضرهم ليحذروه، إذ كانوا بذلك جاهلين. فهذه أول أمانة واعتقاد ينبغى ~~للطبيب أن يتمسك بها، ويعتقدها اعتقادا صحيححا. والأمانة الثانية أن يعتقد ms004 لله، جل ذكره، المحبة ~~الصحيحة، وينصرف إليه بجميع عقله ونفسه واختياره. فإن منزلة المحب اختيارا أشرف من منزلة ~~الطائع له خوفا واضطرارا. والأمانة الثالثة أن يعتقد أن لله رسلا إلى خلقه، هم أنبياؤه، أرسلهم إلى ~~خلقه بما يصلحهم، إذ العقل غير كاف فى كل ما يصلحهم، دون 〈أن يرسل〉 من رسائله ما شاء وكيف ~~شاء فى الوقت الأصلح، كما اختار من الخلق للرسالة الصفوة ممن شاء. # فهذه أصول الأمانات التى يجب على الطبيب أن يستسرها بينه وبين خالقه ويعتقدها اعتقادا ~~صحيحا. فقد دلت القدماء على صحتها، وأتت الكتب المنزلة بها، وشهدت على حقيقتها، ولا يسع ~~ذو شرع الخروج عنها. فليس ينبغى أن تحفل بمن عدل عن هذه الأمانات، ظنا منه ببطلانها، ~~فأزرى على الشرائع، وأظهر التدهر والزندقة، فليس ذلك منه إلا جهلا يسوقه إلى الهلاك وسوء ~~العاقبة. فإن دعتك نفسك إلى أن تختبره، لينكشف لك جهله، فسله عما اعتقده، لم اعتقده، ولم ~~عدل عن اعتقاد الكافة وأهل شرعه! فإنك من مبتدأ جوابه تستدل على حيرته وسوء عقله. ولعله أن ~~يكون فى ذلك مقلدا لمن كان يصحبه ممن كان يذهب ذلك المذهب، ويعتقد ذلك الرأى، ميلا إلى ~~الرخصة وخلع العذار، وشوقا إلى بلوغ اللذات، ولم يزل هواه يغلبه، ولذاته تغره، حتى ~~انطمست عين عقله، وعميت عن النظر الصحيح فيما يصلحه ويرشده إلى المذهب الحق، والرأى ~~الصحيح. ودائما ذلك دأبه، والجهل يستحكم عليه 〈إلى〉 أن يؤدى إلى هلاكه فى ~~دنياه وآخرته. ومع ذلك، فإنه سيكون سببا لهلاك من يصحبه من الأغراء، فتكون منزلته منزلة PageV01P005 ~~أصل الشوك الذى كلما كثرت فروعه، عظم ضرره، وعسر قلعه، فلا يستأصله إلا نار قوية تهلك ~~الفروع والأصل معا، إذ يسقط فى الأرض من البزر ما يكون منه خلف. كذلك يكون الضرر أعظم ~~كثيرا ممن اعتقد هذه الآراء، و〈تكون〉 الآفات على الناس أشد، والبلاء أكثر من الأحداث والجهال ~~التابعين لهم، لميل الأحداث إلى اللذات، وسرورهم بالرخصة وقلة الكلفة. فهم بذلك يبيحون المحرمات، ~~ويستحلون المحظورات، فقد أحاط منهم بالتابع ms005 والمتبوع نار لا تطفأ، وعذاب لا يفنى، بسوء ذكر فى ~~الدنيا، وأليم عذاب فى الآخرة. # والشقى المغرور من هؤلاء الأحداث، الكبير العجب بالحقير من دنياه، الكافر بنعم مولاه، لو ~~تيقظ من نومته، وصحا من سكرته، ففكر فى خلق ذاته وبقائه، وثباته مع تضاد ~~أسطقساته، وتعادى أخلاطه، مدة حياته، وإتقان أوصاله، وإحكام هيئته، لكفاه ذلك دليلا على ~~وجوب علته، وكان منه أوضح برهانا على وحدانية خالق الكل وقدرته وحكمته. وإذا كان هذا المخدوع ~~قد عمى عن هذا الطريق وجهله، فقد كان له عدة أدلة من طرق أخر غيره. منها تأمله لنوع نوع من ~~الموجودات، كعجائب ما فى الأرض من معادنها وأحجارها ونباتها وأشجارها، وما على وجهها من ~~أصناف ماشيها وسائحها، وسابحات الماء، وطائرات الهواء، وما به تم كل نوع من هذه، من فضوله ~~وخواصه المقومة لأفعاله. فإنه قد كان يكتفى فى الاستدلال على ما قدمناه من صحة تلك الأمانات، ~~وحقيقة ما ذكرناه من الاعتقادات ببعض هذه الطرق، إذا سلكها فى استدلاله سلوكا مستقيما. # فأما إن فاتته هذه الأدلة، وأخطأ هذه الطرق، فقد كان له من الأدوية النافعة لعماه قراءته فى كتب ~~الشرائع الحاثة على الخيرات، الآمرة بالصالحات، الباعثة على النافعات، مقومة الأخلاق، ومعدلة ~~الأفعال، معدن الآداب والفضائل التى قد خاب من جهلها، وعظمت خسارة من عدل عنها، و〈عن〉 ~~أخذ نفسه بامتثال أوامرها، واتباع سننها. # ولذلك وصى أرسطوطاليس للأسكندر بهذه الوصية، فقال: خذ نفسك بإثبات السنة، فإن فيها ~~كمال البقاء! وأيضا فليقل لمن فاتته هذه الطرق، وعدم هذه السعادات: إن مما يرجى له الشفاء من ~~عماه، والتخلص من حيرته، قراءته فى كتب العقلاء من المتقدمين الذين قد أجهدوا أنفسهم ~~بالطرق العقلية، والقوانين القياسية فى إصابة الحق، ودركه. فإنه قد كان يجد فيها من فصيح ~~الأقاويل، وواضح الأدلة على وجوب الإقرار بالبارئ تعالى، وعلى وحدانيته وقدرته وحكمته ووجوده، ~~والإقرار برسله وشرائعه، والثواب والعقاب، ما لو جمع لكثر وطال وثقل محمله. ولكن لا بأس بإثبات ~~اليسير من ذلك، لما أرجو به من النفع لمن ms006 التمس الحق، والتوبيخ والإخجال لمن عدل عنه إلى الآراء PageV01P006 ~~الرديئة، والمذاهب المفسدة. # وينبغى أن أقدم من القول فى هذا المعنى أقاويل الفلاسفة، وأبدأ منهم بأقاويل أرسطوطاليس، ثم ~~أتبع ما قالته الفلاسفة ببعض ما قالته الأطباء. وأظهر أقاويل أرسطوطاليس وأوضحها فى ذلك ~~ما صرح به فى كتابه الذى عنونه ﺑ «كتاب ما بعد الطبيعة»، وخاصة فى «مقالة اللام» ~~منه، قال: إن الذى لا مكان له أصلا ولاتحويه نهايات الأجسام، كما يحوى جميع الأشياء التى فى ~~المكان هو الله حقا. # وقال أرسطوطاليس أيضا فى موضع آخر من هذه المقالة: فإنه من الصواب والحق أن يعتقد أن ذلك ~~الشئ المعقول مفرد عن الجواهر جميعا، حتى لا يوجد بينه وبينها مشاركة البتة، لا فى الطبع ولا فى ~~عرض من الأعراض، وهو الله تعالى. ثم قال: وغرضنا إنما هو الكلام فى هذا الشئ الأعظم، أعنى ~~الأول الذى لا يتحرك، وهو الله الحق. وقال أيضا: المحسوسات واقعات تحت حس البصر، منها ~~الأجسام السماوية، والأجسام الأرضية من الحيوان والنبات، وأمرها بين. وأما الفاضل الأول، فهو الذى ~~هو غير متحرك، الأزلى الأبدى. وقال أيضا: وذلك أنه ليس بينه وبين ما هو دونه من الجواهر ~~مشاركة فى شئ من الأشياء أصلا، لا فى تغير من كل التغير، ولا فى مكان، ولا فى نمو، ولا نقص، ~~ولا يجمعهما أيضا مبدأ واحد عنه حدثا، لكن البدء الأول الذى هو الله لا مبدأ له أصلا، وكل ما هو ~~دونه، فمبدأه منه. # ومن أقاويله التى صرح فيها بضرب من ضروب النبوة قوله فى الطبيعة هذا القول، قال: وليس بعجب ~~أن تكون الطبيعة، وهى لا تفهم، منساقة بما تفعله إلى الغرض المقصود إليه، إذ كانت لا تروى ~~ولا تفكر فى فعل ما تفعله. قال: وهذا مما يدلك على أنها ألهمت إلهاما تلك النسب من سبب هو ~~أكرم منها وأشرف وأعلى مرتبة. ولذلك صارت تفعل ما تفعل منساقة نحو الغرض، وهى لا تفهم ~~الغرض، كما قد ترى القوم الذين يلهمون أن يتكلموا بكلام ينبئون به، ms007 كما يسألون عنه قبل أن ~~يكون، فهم لا يفهمون العلة فيما يقولون # وقال أيضا: فالصانع لهذا العالم، ولترتيبه، وهو الحق الأول، وله العلم المحض فى الغاية القصوى، ~~وعن علمه يكون ترتيب الأشياء ونظامها، وإلى الاقتداء به يشتاق. وقال أيضا بعد كلام طويل: فقد ~~تبين من هذا أن الله يعلم ذاته، ويعلم بذلك جميع الأشياء التى هو مبدأها، وأحوالها وتصرفها، ويعلم ~~ذلك كله معا. وقال أيضا فى كتاب سمع الكيان أقاويل كثيرة من هذا الفن، غير أنى أكتفى ~~منها بقول واحد قاله فى المقالة الثامنة منه، قال: ليست الخليقة، يا هذا، غير مهيأة مفعولة، وإنها PageV01P007 ~~لحسنة التهيئة والفعل. وإذا كانت فيها تهيئة، فقد اضطرت أن تكون بإرادة وقدرة عليها نعت واحد، ~~وإن الذى لا منتهى له، ليس له نعت واحد، ولا حد. # وأما فلاطن، فإنه تكلم فى النفس فى الكتاب المنسوب إلى فادن فى النفس، وأطنب فى ~~وصف الثواب والعقاب والحساب فى الآخرة، وطبقات الثواب والعقاب بعد الموت، مما يطول إعادته، ~~ولكن نذكر منه طرفا. قال سقراط: أظنك، يا قابس، لم تفهم عنى بعد. قال قابس: لا والله واهب ~~الحياة فما فهمت عنك على ما ينبغى. قال سقراط: فانهم عنى، فإنى مستأنف بك قولا مجددا. ثم ~~قال سقراط بعد أن قال: فإن سلمت لى بهذه الأشياء، أوجدتك أن النفس شئ لا يبطل بعد ~~مفارقة البدن؟ قال قابس: فبادر بنتيجتك، فإنى مسلم لك. قال سقراط بعد أن قال: فالنفس غير ~~مائتة، ولا باطلة، بعد مفارقة البدن، قال سقراط: ثبت، يا قابس، أن أنفسنا بعد الموت موجودة، لا ~~فى مدة هذا الزمان الذى تنسب فيه إلى الحياة، بل فى الأبد أبدا. وقال فى موضع آخر: وعند ذلك لا ~~يؤذن فى السرور، فإنه لو كان الموت هو بوار الأمر كله، لكانت هذه هى فرصة الأشرار، إذا ماتوا ~~أن يستريحوا من البدن، ومن همهم مع النفس التى هى فى أبدانهم. # وقال: إن كل واحد من الناس إذا مات، فإن ملكه الموكل به خاصة وهو حى ms008 يروم أن يسوقه إلى ~~موضع من المواضع المذكورة فيه، بحيث يحوز المجتمعون فيه على ما لهم وعلى ما عليهم. ثم يقودهم ~~إلى الآخرة قائد من الملائكة، مأمورا بأن يمضى بمن هناك إلى هاهناك. فإذا جوزوا هناك بما يستحقون ~~المجازاة به، ولبثوا بالمكان المدة 〈و〉الزمان الذى يجب أن يلبثوها فيه، ساقهم سائق آخر من الملائكة ~~فردهم إلى ما هناك فى أدوار من الزمان كثيرة، بعيدة المدة، وأخلق بمسير الأنفس ألا يكون كما ~~ذكر أسخيلوس عن طيلافس، فإن ذاك قال: أيها الملك، إنما تسير الأنفس فى طريق واحد مفرد. قال ~~سقراط: لكن الصحيح فيها تشعب فى طرق كثيرة مختلفة. ونحن نقول ذلك على حسب ما يستدل به ~~من الذبائح والأشياء المفترضة فى الشريعة أن نفعلها، فالنفس الذاهبة الكيسة تنقاد لسائقها ولا ~~تجهل ما هى فيه. وأما التى هى مغراة بالشهوات الجسدانية، فإنها، كما قلنا، تبقى مدة من الزمان ~~طويلة تجول متحيرة، تجاذب مجاذبة شديدة، وتلقى أنواعا من الجهد كثيرة. فبالعسر والكف تمضى ~~منقادة للملك المأمور بسياقتها. فإذا انتهت إلى الموضع الذى فيه الأنفس الأخر غيرها،...أما إذا ~~كانت دنسة، فقد فعلت أفعالا دنسة، إما من القتل جورا وظلما، وإما من غيرها إلى ما شابهه، ومما ~~هو من أنفس هى نظائرها، فإن كل ملك قد يهرب منها ويزوغ عنها، ولا يشاء أن يقارنها فى طريق ~~ولا يقودها، وتبقى تتية وهى على غاية الحيرة، إلى أن تنقضى أطوار من الزمان، وعند PageV01P008 ~~انقضائها، تأتى بها الضرورة إلى المسكن الذى هو أولى بها. # ثم ذكر فلاطن فى هذا الكتاب صفة أراض نضرة، منبتة أنواعا من الأشجار الطيبة الروائح، الحسنة ~~المنظر، الرفيعة القدر، وبقاع كثيرة الأنهار الكدرة التى تحوى الطين ذا الروائح الكريهة، والألوان ~~الوعرة، تهوى إلى قعر الأرض، ونيران تسمى الجحيم، وذكر أن الأشرار فيها يعذبون، والأخيار فى ~~تلك يخلدون. # وهذا من كتب فلاطن المشهورة، وإنما اقتصصت ما اقتصصته منها، ليسمعه هذا السيئ ~~العقل، الردئ الحظ، المستخف بشرعه، المباين أهل العقول والأديان بكفره، فيرجع عن جهله وعداوته. ms009 ~~وأنا أزيده من أقاويل بقراط وجالينوس ما يزده بيانا. # قال بقراط فى كتاب كون الجنين مقرا بالله تعالى وتكوينه للخلائق قصدا: فإذا امتلأ ~~من الريح، صير الله للريح طريقا فى وسط المنى. وقال أيضا فى كتاب حبل على حبل: ~~المولودين فى سبعة أشهر: فكثير منهم يحيون، لأن الزمان يخلق الله فيه الجنين فى الرحم... ~~وقال أيضا فى كتابه الذى سماه كتاب الوصايا، قال: وأى امرئ أعطاه الله علما يشفى به ~~المريض، وحباه بذلك...وقال فى كتابه فى الإيمان والعهود: إنى أقسم بالله، رب الحياة ~~والموت، وواهب الصحة، وأقسم بأسقلبيوس، وبخالق الشفاء وكل علاج...وأسقلبيوس، هو جده ~~القديم فى الطب. وقال أيضا: وأقسم بأولياء الله من الرجال والنساء جميعا. # وأما جالينوس، فإنه قال فى تفسيره لهذا الكتاب، فى تفسير الفصل الأول منه قال: ~~فأما نحن، فالأصوب عندنا والأولى أن نقول إن الله جل وعز خلق صناعة الطب، وألهمها الناس، ~~وذلك أنه لا يمكن فى مثل هذا العلم الجليل أن يدركه عقل الإنسان، لكن الله هو الخالق الذى هو ~~بالحقيقة، فقد يمكنه خلقه. وذلك أنك لا تجد الطب أخس من الفلسفة التى يرون أن استخراجها كان من ~~عند الله تعالى بإلهام منه. وقال جالينوس فى تفسيره للفصل الثانى من هذا الكتاب، ~~قال: بعد أن أحلف بقراط من يتعلم صناعة الطب بالله تبارك وتعالى، وبمن كان أول من ~~استخرج صناعة الطب، عاد فأحلفه بأولياء الله، من كان منهم يونانيا، ومن كان منهم من غير ~~اليونانيين، ليكون كل واحد ممن يحلف، إذا حلف بأولياء الله من عشيرته، حفظ ما يحلف بسببه حفظا ~~بالغا. # وأما ما قاله جالينوس فى كتبه فى هذا المعنى، فكثيرة نذكر منها يسيرا. قال فى المقالة ~~الخامسة من كتابه فى منافع الأعضاء: وذلك أن بعد همتك وعنايتك لا يلحق بحكمة الخالق PageV01P009 ~~لذلك، وببعد شأنه وعنايته. ثم قال فى قول آخر بعد ذلك: فإنى أرى أن فى ذلك كفاية فى البيان عن ~~آثار حكمة الله تعالى فى الخليقة. # وقال فى المقالة السادسة من هذا ms010 الكتاب: وخالقنا، إذ هو حكيم، لا يغيب عن حكمه شئ، ~~فهو لم يخلق فى شئ من الحيوان شيئا باطلا ولا جزافا. وقال فى المقالة السابعة منه فى خلق ~~القلب وتجويفه الأيسر منه: فيجب لنا الشكر له، إذ كان إنما لطف فى ذلك، واحتاط فيه، حتى جعله ~~على ما هو عليه، لكى لا تخمد الحرارة الغريزية. # وقال أيضا: وهذا السر الذى أريد أن أخبرك به ليس بدون تلك الأسرار، ولا ينقص عنها فى الدلالة ~~على حكمة الله وقدرته وعنايته. وقال: وقد أشرفت من لطف الخالق وقدرته فى هذا وغيره على ~~أشياء، أنا مقر بأن طاقتى تقصر عن بلوغ ما يستحقه من الثناء والمديح على حسن تقديره لخلقه ~~الحيوان، وغير الحيوان. # وقال فى التاسعة: لم يخلق الله شيئا مما وصفنا باطلا، ولا عن غير تعمد. وقال فى العاشرة: ~~وجميع ما وصفنا يدل على سابق علم خالقنا، وحكمته العجيبة. وقال: فلما صحت عزيمتى ~~على الإضراب عن شرح كذا وكذا تخفيفا عن المتعلمين، رأيت فيما يرى النائم، بإلهام من الله، ~~طارقا طرقنى يعذلنى ويلومنى، ويقول: لقد ظلمت هذه الآلة التى هيأها الله، ونافقت الخالق ~~تبارك شرح هذا الفعل العظيم الذى يدل على غاية رحمة الخالق بالخلق. فألحق آخر هذه المقالة! ثم قال: ~~أمرنى واحد من الملائكة بعد ذلك بشرحها، وأنا منته إلى أمرنى به. وقال أيضا: فالله يعلم ~~أنى ما أتزيد فيما أقول. ثم أقسم أنى ما أتكلم إلا بحق من قبل أن يأمرنى الله سبحانه بوضع ~~هذا فى كتاب، قد كنت عزمت على أن أطرح أكثره، وذلك لكيلا يبغضنى ويشنأنى كثير من ~~الناس. # وقال فى الحادية عشرة: ولا علم لى كيف يجوز أن أنسب من زعم أن هذا التدبير العجيب ~~والحكمة الفائقة، 〈كيف〉 وقع كل ذلك بالبحث والاتفاق. يا هذا! إن كان هذا مما يقع بالبحث ~~والاتفاق، فأى شئ يكون بالتعمد والعناية والقصد واللطف والحكمة؟! وقال جالينوس فى هذه المقالة ~~مقرا بصحة ما قاله موسى عليه السلام وعلى سائر النبيين: والذى هو أفضل ms011 وأصوب هو أن نقول ~~فى ابتداء خلق الخالق لجميع ما خلق على المذهب الذى يقول به موسى...ثم قال: قف عند العلم ~~والقول! أحب أن تكون هذه الأمور على ما وصفنا لهذه الأسباب التى ذكرتها، ولا تتجاوز ذلك ~~بالفحص عن كيف كانت. فإن الفحص عن ذلك جرأة وتهجم وإقدام. فإياك أن تأخذ فيه، ولا PageV01P010 ~~ترده! فإنه قبيح بك أن تقدم على الفحص كيف كانت أمور قد كنت أقررت بأنها كانت، ولا سبيل لك ~~إلى العلم بذلك. # وقال فى السابعة عشرة وهى آخر مقالات الكتاب: وقد بلغ من حكمة القادر البرغوث ~~وقدرته أنا نجده يخلقه وينميه ويعدو 〈على〉 أضلاعنا ولا يكلف. وإذا كنا نجد فى هذا الحيوان ~~الذى قد بلغ من خساسته أن يتوهم المتوهم أنه إنما كان عن غير تعمد حكمة هذا مبلغها، فكم ~~بالحرى ينبغى أن يتوهم فضل حكمة البارى وقدرته فى أصناف الحيوان الجليلة القدر! فهذه إحدى ~~المنافع العظام التى نستفيدها من علم الطب، أعنى من طريق أنا محتاجون إلى الدلالة على قوة ~~الله، إذ كان قوم يرون أن هذه القوة ليست بموجودة أصلا، فضلا عن أن يكون يعنى بمصالح الحيوان. # وقال جالينوس أيضا فى كتابه فيما يعتقدونه رأيا، وقد ذكر الله تعالى، فإنه شفاه من علة ~~مؤيسة، فقال: ولذلك أعتقد إعظامه وتبجيله، وأتبع فى ذلك الشريعة والسنة، وأقبل ما أمر به ~~سقراطيس من قول ما أمر الله به. # فبدى ما ذكرناه من هذه الأقاويل الجليلة عن هؤلاء القدماء الأفاضل الذين يقرون فيها بالله تعالى ~~وبرسله، وبالوحى وبالثواب والعقاب، لم يشف بعد عمى هذا الشقى المغرور، ونحن نقول إن ما ~~أحضرناه كاف لمن آثر الحق، ومال إلى الصدق. ولو علمت أن الزيادة تنفع من لم ينتفع بما تقدم ذكره، ~~لزدت من أقاويل هؤلاء وغيرهم ممن هم فى طبقتهم مثل فثاغورس وافيقروس ودمقرايطيس ~~وزينون وأمثالهم، ومن أقاويل أفاضل من الحدث مثل الكندى، وحسبك به جلالة وفضلا، فإنه قد ~~أطنب فى هذه المعانى وخاصة فى كتابه فى الفلسفة الخارجة فى الرد ms012 على الثنوية ومثل ~~حنين واسحاق وابنه، وغيرهم من أهل العلوم العقلية. فإن حنينا، على أنه على ضد مذهب ~~التوحيد، قد وضع مقالة فى التوحيد، ووضع أيضا مقالة فى صحة الرسل. ولكنى أكتفى بما ~~ذكرته لما فيه من توبيخ وتنبيه لمن يرجى له الفلاح والصلاح. وأما من لم ينتبه لما نبهناه، فليعد من ~~الموات، أو من البهائم التى لا يؤثر فيها التوبيخ والعتب. فقد قيل لبزرجمهر: ما بالكم لا تعاتبون ~~الجهلة؟ فقال: لأنا لا نريد من العميان أن يبصروا. # ولنرجع إليك، أيها المحب للأدب، فنقول: إنه إذا صحت أمانتك بما تقدم القول به من الإقرار بالله جل ~~وعز، ومن المحبة له والاعتراف بحقه، والإقرار برسله، والتمسك برسائله، فعليك بالعبادة له بما ~~يرضيه. ولن تقدر على ذلك، دون أن تصلح أخلاقك، وتعدل أفعالك، ولا يمكنك ذلك حتى تعلم 〈أن〉 ~~أصول قوى النفس هى ثلاث قوى، كما بين ذلك القدماء من الطبيعيين والأطباء. فإن جالينوس PageV01P011 ~~قد شرح ذلك وكشفه فى كتابه فى آراء بقراط وفلاطن، وفى كتابه فى الأخلاق، وفى مقالته ~~التى بين فيها أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن، وقال: إن القوة الأولى من قوى النفس هى ~~القوة النفسانية، وهى التى تتم أفعالها بالدماغ. والقوة الثانية هى القوة الحيوانية، وأفعالها تتم ~~بالقلب، والقوة الثالثة هى القوة الشهوانية، وأفعالها تتم بالكبد. # ثم تعلم 〈أن〉 باعتدال هذه القوى فى الإنسان تكون أخلاقه فاضلة ممدوحة، ونفسه طاهرة زكية، ولخروج ~~هذه القوى عن الاعتدال، تصير أخلاقه مذمومة، ونفسه رذلة. فاعتدال القوة النفسانية يكسب الإنسان ~~اللب والعقل، وجودة التحصيل والتمييز، وصحة الفكر. واعتدال القوة الحيوانية يكسبه الهدوء ~~والرزانة، وقلة الحرد والغيظ. واعتدال القوة الشهوانية تكسبه العفة، وضبطه لنفسه عن ~~اتباع الشهوات واللذات. # وبعد علمك بما ذكرناه، يجب أن تروض نفسك وتعودها هذه الخصال الثلاث، أعنى العقل والرزانة ~~والعفة، لتصير فاضلا أديبا، وتنقى نفسك، وتصلح لاقتناء العلوم. واجتهد فى الحذر من الوقوع فى ~~أمراض هذه القوى! فإن خروج القوة النفسانية عن اعتدالها هو مرض لها، يوجب سوء التحصيل ms013 ~~والجهل. وخروج القوة الحيوانية عن اعتدالها هو مرض لها، يوجب سرعة الغضب والجزع. وخروج القوة ~~الشهوانية عن اعتدالها هو مرض لها، يوجب ألا يضبط الإنسان نفسه، أو ألا تقوى له شهوة. واجتنب ~~هذه الحالات الست، فإنها أمرض للنفس يوجب لها الفجور والخبث والدناءة! وتعمد العدل، فإن ~~فضيلته تنزل النفس كل شئ منزلته! # واستوص بوصية ارسطوطاليس للاسكندر! فإنه قال: لا تمل إلى الغضب، فإنه من أخلاق السباع ~~والصبيان! لا تفرط فى الجزع على ما فاتك، فإن ذلك من خواص النساء الضعفاء! ولا تمل إلى ~~النكاح، فإنه من خواص الخنازير، وهى أقوى عليه منك، وهو يهلك العمر! أصلح نفسك لنفسك، ~~فيكون الناس تبعا لك! وتمسك بالحرية، فإنها فضيلة للنفس، بها تكون السماحة فى البذل لاقتناء ~~الحسنات! وكن شريف الهمة! فإن من شرفت همته، نال الخير والكرامة، ومن دنت همته نال الشر ~~والهوان. إنصرف إلى تسديد رأيك، وميز الخير من الشر برزانة، ليوجد منطقك سديدا، وفعلك حميدا! ~~وتوق القلق عند الغضب، والإفراط فى العقوبة عند الأدب! واحذر اللجاج مع شراسة ~~الخلق، فإنهما يدلان على الحمق! كن قوى النفس عند الأمور المفزعة، لا يتداخلك الرعب ولا من الموت! ~~وكن مقدما شجاعا عند الاضطرار إلى المخاطرة، مؤثرا للموت المحمود على البقاء المذموم! إستعمل ~~الصبر، وتجشم التعب، ولا ترغب فى الراحة واللعب! كن عفيفا دمثا شكلا ذا وقار، لئلا PageV01P012 ~~تكون سخيفا زريا ذا احتقار! إحرق الشهوات بنار الصبر، قبل أن توردك اللذات إلى عميق ~~القبر! مع تمسك بالعدل، فتمسك بسنن ملتك وبلدك، ولا تخرج عن إجماعهم، واحذر مخالفة الشريعة، ~~لئلا تكون عقوبتك قريبة سريعة! # قال ارسطوطالس: أول العدل ما قضيناه من حق الله تعالى. وبعد ذلك ما نلزم أنفسنا من طاعة ~~الملوك. وبعده الذى يجب علينا لأهل مدينتنا وبلادنا وآبائنا. وبعده ما نفعله مع سلف منا. وفى ذلك ~~رحمة هى جزء من العدل أو من لواحقه. وقد يلحق العدل السلامة والصحة والأمانة وبغض الشرور. كن ~~ذا لطافة ورأفة ومروة، فإن ذلك من أخلاق الحرية! # قال اوميرس ms014 الشاعر: لا ينال المراتب السنية بخيل، ولا يرتقى على الدرجة العليا إلا كريم. ود ~~الأقرباء، وحب الأخيار 〈و〉تحنن على الغرباء، فإن ذلك من فعال الأحرار الأدباء! ليس السعادة حب ~~الكرامة، والتفتق، والتمتع باللذات، والسرور بالسلطنة، والغلبة عند المبارزة، فإن اعتياد هذه ~~〈الأمور〉 ومداومتها يرخى النفس، ولكن احتمال الشقاء، وقوة النفس عند النصب، والاغتباط ~~بالقناعة، جميع ذلك من السعادة وكبر الهم والشجاعة. # قال سقراطيس: قارض الله دهرك، واجتهد فى ذلك مع موافقة الجماعة فإن العصمة ~~بذلك مع العمل بالسنة! ثم كن بعد ذلك مع والديك كما تحب أن يكون معك بنوك! وكفى بهذه غاية ~~وصفة لعظيم حقهما عليك، إن كنت ترى لنفسك على والدك حقا. إبطاؤك بالمواخاة أحسن بك من أن ~~تواخى اليوم وتهجر غدا، فلا خير فى سرعة المواخاة وتعجيل الصريمة فإن كليهما من عمل أهل ~~السخافة والطيش. واعلم أن مودة الأخيار دائمة زائدة، ومودة الأشرار سريعا بائدة. وأصلح من ميراث ~~المال من الآباء، وراثة الإخوان والأحباء! عند الشدائد تمتحن صحة الصداقة، كما يمتحن صحيح ~~الذهب بالنار. أسبق بالجميل إلى أصدقائك، قبل التماسهم ذلك منك، وخاصة إن عثر الدهر بهم! أودع ~~الخيرات لأهل الصلاح والأبرار، ولا تشق عليهما بأهل الطلاح والأشرار! أمقت المخادع والملاق، ~~كمقتك الكذاب والسراق! كن سهلا خلطا بالإخوان، مكرما مفضلا على الجيران! أقرب ممن قرب إليك، ~~واعف عمن جفا عليك، واعلم أن استقامة الأدب مع الحكمة خير من المال والسلطنة! # قال ارطوطاليس: الحكمة رأس التدبير، وهى سلاح النفس ومرآة العقل. إجتهد ألا تكون واعظا ~~بجميل الأقوال، لكن تكون عظتك بجميل القول والفعال! لا تأخذن الحدث بصعب التأديب، لكن درجة ~~الأدب بترتيب! لقح عقلك بالآداب، كما تلقح الشجرة بالشجر الكرآب! رض النفس بالحكمة ~~لتدرك الحقيقة، كرياضة الراضة للجسم، لتصبر على المشقة! واعلم بأن الحكمة تقضى بأهلها إلى PageV01P013 ~~مراتب عظيم فضلها، كما أن من ولى سلطانا وجب عليه أن يبعد الأشرار عنه، لأن جميع عيوبهم ~~منسوبة إليه. # كذلك أنت، أيها الطبيب، يجب أن تبعد عنك الأشرار من الأصحاب والتلاميذ، ms015 فإن جميع ما ~~يأتيه صحبك وخدمك منسوب إليك من قول وفعل! واعلم أن الفقر مع الحلال، أصلح من ~~الغنى مع الحرام! والذكر الحسن مع بقائه، خير من نفيس المال مع فنائه! وأيضا فإن المال قد يوجد عند ~~السفهاء والجهال، والحكمة لا توجد إلا عند أهل الفضل والكمال. إجتهد فى أن سرورك وحزنك جميعا ~~بتوسط! وكن على ما زاد منهما متنسكا وتأمل حال النفس الموسطة للأخلاق من هذا القول الذى ~~أحكمته لك من كلام جالينوس فى أول المقالة الثانية من كتابه فى المزاج: فإنه قال بعد أن ~~وصف حال المزاج المعتدل هذا القول، قال: فهذه حال الإنسان الذى هو من أعدل الناس مزاجا فى بدنه، ~~وهو أيضا فى نفسه متوسط بالحقيقة فيما بين الشجاعة والجبن، وبين المبطئ المتأخر والعجول ~~المتهور، وفيما بين الرحيم والحسود. ومن كان كذلك، فهو طيب النفس، محب متحبب، متوخ ~~لمحبة الناس، دمث. وإذا كنت مجتهدا على أن تخفى مالك فى بيتك، فاحذر أن تخفى حالاتك فى ~~نفسك! إجتهد أيها الطالب للحكمة والأدب، فى إصابتهما من كتب أهلها! والتقط ألفاظهما ~~ومعانيهما كما تلتقط النحلة ما يلاءم عملها من جميع الشجر، وتعمل منه ما يصلح للبناء بيتا، ~~وما نغتذى به، وهو العسل، تذخره محفوظا! # فتأدب بما تقدمنا ذكره من هذه الوصايا والجمل، ففيها كفاية للنفوس المسعودة! ثم انصرف إلى ~~الاهتمام بما يصلح جسمك، ويحفظ صحته، فإنى ذاكر جمل ذلك فى باب الثانى من هذا ~~الكتاب، وهو الذى أبتدئ الآن فتدبره حسنا! PageV01P01 ~~4 ### || [chapter 2] ### || الباب الثانى فى التدابير المصلحة للأبدان وبها يصلح الطبيب جسمه وأعضاءه # أقول، والله المعين: إن الخالق تعالى، لما شاء إظهار حكمته وقدرته، جعل كل مخلوق محكما، وجعل ~~الأدلة فى المخلوقات على إحكام خلقتها، وقدرة خالقها تبارك، كثيرة جدا. من ذلك ما جعل لبعضها ~~من الاتصال الطبيعى ببعض، وما فضل بعضها عن بعض، وما رتبها بذلك مراتب مختلفة، لتأخذ ~~من نوره، وتقبل من حكمته، بحسب ما لها من شرف المنزلة. فأعطى تعالى الناميات من القوى الأربع ~~التى ms016 بها تتغذى وتنمى، ليتم لها البقاء بنوعها، ما لم يعطه للجامدات. # ووهب تعالى للإنسان من نوره نفسا، علامة عاقلة مميزة، ما لم يعط لغيره من الحيوانات. ~~فالإنسان لذلك هو أتم أنواع الحيوان وأكملها، لأنه من جسم حى، ومن نفس ناطقة، ولأن النفس ~~الناطقة هى المتممة لنوع الإنسان، وأفعالها بجسمه تظهر، فلذلك بنى جسمه بناء يلاءم قواها، ~~كالذى بنيت عليه أجسام سائر الحيوان من الملاءمة لقوى نفوسها. فما كان منها شجاعا محبا للغلبة ~~والقتال، بنى لنفسه جسم يصلح لهذه الأفعال، كالسبع والنمر والذئب، وأشباه هذه. وما كان منها ~~جبانا، خلقت له آلة تصلح للهرب، كالأرنب والثعلب، وأشباه هذه من الحيوانات. فلذلك بنى جسم ~~الإنسان أيضا بناء يلاءم نفسه. فنفس الإنسان لما كانت أصفى النفوس وأعدلها، بنى لها جسم ~~أكمل الأجسام أعضاء، وأتمها هيئة، وأعدلها مزاجا، لتكون أفعاله تامة كاملة متقنة، ككمال ~~نفسه وتمامها وشرفها. # وأيضا لما كان البدن آلة للنفس، وكانت أعضاء البدن مخلوقة لنفس الحيوان بحسب قواها، وكان لكل ~~حيوان من الحيوانات عمل يخص ذلك النوع من الحيوانات، لا يقدر على غيره، وأعضاؤه كلها ~~مرافد بعضها بعضا فى مصالحه، وفى إكمال ذلك العمل — كالذى نجده من عمل الزنبور والنحل ~~والنمل لثبوتها، كل واحد بحكم ثبوته، وبشكلها بغير تشكيل الآخر، لكن بحسب ما يلاءم ~~مصلحتها، وكنسييج العنكبوت لأخبيته، ودود القز، وما سوى ذلك من الحيوان — وكان ~~الإنسان لشرف نفسه ولكمالها، ولقوة عقله على العلم بجميع المهن والصنائع، وإن الحكيم جل ذكره لما ~~أراد إظهار ما فى قوة نفس الإنسان إلى الوجود بالفعل، خلق أعضاء جسمه أكمل وأتم، ليقدر على ~~جميع ما يعمله الحيوان طبعا بعقله. فخلق تبارك له اليدين، ليقدر بهما على عمل ما دق من ~~المهن، وما جل، وليتخذ بهما أنواع السلاح، كالسيف والرمح والنشاب والترس، ويروض الخيل، PageV01P015 ~~ليركبها. إذ كانت هذه الأشياء متفرقة فى الحيوانات، كالذى يوجد من الأنياب للخنزير لينجل ~~بهما، فيقطع ما أمكنه قطعه، كقطع السيف، وكرمى القنفذ بشوكه، كرمى السهم، وكالقرون ~~والمخاليب والجنن لسائر الحيوان. وليست ms017 توجد أمثال هذه مجموعة تامة كاملة، إلا للإنسان وحده، ~~لأنه بعقله يلتمس الأعمال ويقومها. # أما الحيوان، فإنما له عمل واحد يعمله بطبعه. ألا ترى أن الحيوان لما كان بأسره مضطرا فى ~~البقاء إلى المأكول والمشروب، والمكان، والستر من الحر والبرد، والتناسل، صار بطبعه يتخذ له ~~الأعشاش والبيوت، وبطبعه يعرف أنواع أغذيته الموافقة له فى بقائه لا يبعد عنها، ومشروبه لا ~~يتعداه، ويزاوج الذكور من كل نوع أناسه للنسل، لا يتجاوز ذلك، وبعضه فى أوقات من الزمان لا ~~يزيده، وما لم يقدر عليه من مصالحه بطبعه، خلقه الله تعالى له لطفا به، لئلا يهلك، كالأصواف ~~والأوبار والريش والشعر والجنن التى هى كسى له ساترة من الحر والبرد. # وأما الإنسان العاقل، فلما وهب الله تبارك وتعالى له ما هو أشرف من الطبع، وتوجه ~~بالحكمة والعلم بالأمور الزمانية السالفة اللائقة، وصار يعلم ما يصلحه، له أن يتصرف بعقله فيما ~~يختاره من اتخاذ الأبنية والكسى وأنواع الأغذية والأشربة، وله أن يقاوم بعقله المضار والمؤذيات ~~الطبيعية والاختيارية جميعا. وذلك أن اللذة مقرونة بالأمور الطبيعية خلقها الخالق تعالى بحكمته فى ~~الأمور المحسوسة والحواس، ليشتاق الحيوان إلى ما يلتذ به، فيستعمله. ولولا ذلك، لم ينسل الحيوان، ~~ولم يبق. ولما كان الطبع يلتذ ويشتاق إلى اللذات، ولم يكن لأنواع الحيوانات عقل يقدر ~~لها 〈من〉 الأمور اللذيذة ما يكفيها، لطف لها الخالق تبارك بتقدير ذلك لها ~~طبعا، فلا تأخذ من كل لذيذ إلا ما يصلحها ويكفيها. ولذلك عدمت أكثر الحيوانات ~~أكثر الأمراض التى تعرض للإنسان. # فأما الإنسان، فله عقل يقدر أن يميز به لطبعه الضار من النافع ويقدر له من الأغذية ~~والأشربة وسائر ما هو مضطر إليه الكافى. فلذلك ترك وطبعه. فإن تبع ما يأمره به طبعه من ~~استعمال الأشياء، واتخاذها للذاتها، ولم يتق ما يتبع اللذة من المضار والآفات، دخلت عليه الأمراض ~~والأعراض، ولم يوقف عليه الهلاك، لأنه يكون فى ذلك دون البهائم، لما لم يجعل لها عقل تقدر به، ~~كما قلنا قبل، صار لها التقدير طبعا، فهى ms018 بذلك أصلح حالا وآمن وخير ممن لا يتأدب بعقله. PageV01P016 # فأما من تدبر بعقله الأمور، وتبع ما يأمر به عقله وشرعه، وسلك فى طرقهما ومذاهبهما، فهو الفاضل ~~الأديب، وهو الإنسان بالحقيقة. # ولما اختلفت طبائع الناس لاختلاف أمزجتهم، احتاج العقل أن يضع لكل ما خالف الأمر المعتدل ما ~~يرده إلى الاعتدال. وما يضعه العقل من ذلك هو على ضربين، أحدهما تعليم ما عدل أخلاق النفس، ~~والآخر ما عدل مزاج البدن. فأما تعليم ما عدل أخلاق النفس، وأكسبها الفضائل، وهداها سبل الحق، ~~لتزهد بذلك فيما يأمرها به الطبع من اتباع اللذات المؤدية بها إلى سبل الشر والرذائل، فهو التعليم ~~العقلى، والتأديب الذى به ينتقل الإنسان من الأخلاق البهيمية إلى الأخلاق الشريفة النفسانية. وهذا ~~المكتسب من التأديب، إذا رسخ وثبت فى النفس الإنسانية بالعادات التى يوجد الإنسان بها منذ ~~صبائه، والتأديب الذى يؤدبه أهل الآداب، يسميه القدماء عقلا مكتسبا، ومنزلته من العقل الكلى ~~منزلة شعاع الشمس من الشمس. فكما أن بضياء الشمس يستنير الهواء، وبوقوعه على المحسوسات ~~تدركها الحواس، كذلك بما للنفس من ضياء العقل الكلى تقبل التأديب، وتتصور ما يصور ~~لها، فيظهر نورها ونهارها. وكلما زاد نورها، استمرت من العقل نورا تستضئ به وتفتش عن ~~الفضائل والعلوم، فيكون بذلك الإنسان عالما أديبا، يتبع علمه ويقتدى به. # ومن علم بأن الله تعالى قد خصه بجزء من ذلك، وأقدره على أن ينفع به غيره، فقد وهب له نعمة لا ~~تفسد ولا تبيد. وقد وجب عليه ألا يفتر طرفة عين عن شكر المنعم عليه، وأن يمنح تلك النعمة لمن ~~طلبها، وينعم عليه بإخراجه واستنقاذه من لجج ظلمات الجهل المميت إلى علو نور العلم المحيى. ~~فإن من أدب نفسه، فقد أكسبها حياة دائما. وإلى الله نبتهل فى إحياء نفوسنا بإحسانه، وله ~~نشكر أبدا دائما! # وإذا كان هذا الضرب الأول من تعليم العقل وتأديبه للطبع، فقد ذكرنا منه فيما تقدم جملا مشوقة ~~للأحداث إلى التعليم والتأديب، وسائقة لهم إلى منافعهم فى دنياهم، مدة بقائهم، وفى آخرتهم ~~بعد موتهم، ms019 فقد آن لنا أن نذكر الضرب الثانى من التعليم العقلى، وهو المعدل مزاج البدن، والحافظ ~~عليه صحته، ليكون بذلك هذا التعليم تاما، والغرض الذى قصدنا نحوه فى كتابنا هذا كاملا. وأنا ~~أذكر الممكن ذكره من هذه الجمل بطريق قريبة، ومقاصد سهلة، وبألفاظ مألوفة، وعبارة معروفة، ~~ليقرب على محب الأدب والتعليم غرضه، ويسهل عليه مطلبه، وبالله أثق واستعين، فأقول: # إن التعليم الثانى الذى نصبه العقل ووضعه، لتقويم الطبع، وإصلاح الإنسان، هو ما عدل جسمه، ~~وأكسبه صحة، أو ما حفظ على الجسم صحته. وهذا التعليم والعمل به هو المسمى صناعة الطب، وهى PageV01P017 ~~التى وهبها البارئ تعالى للعقل، فنصب العقل للعقلاء أصولها، وعلمهم استخراج فروعها ~~بطريقين هداهم بهما سبلها، وهما طريق القياس، وطريق التجربة. فبهذين الطريقين جميعا مجموعين ~~استخرج علماء صناعة الطب علمها، ووصلوا إلى أعمالها. # وإذا كان قد اتضح لك، أيها المحب لتعلم صناعة الطب، أصول طرق التعاليم التى نصبها العقل ~~للعقلاء وانكشف لك منها جمل، فارجع بنا إلى بسط التعليم الثانى، وهو المصلح للجسم، فإنى ~~أحدثك فى طريق سهل المرام، واضح المسلك قد سبقنا من تقدم من العلماء بتوطئته، وأبان ~~لنا سبله. # وأول المبادئ لهذا الطريق لمن أراد تعديل جسمه أن يفتقد أفعاله، إذا رام أعماله، فإن وجدها ~~جارية مجاريها، ولم يتعذر عليه فعل ما ولا عمل من أعمال جسمه، فليعلم أن جسمه صحيح، لا ~~مرض به. وكذلك ينبغى أن ينظر فى أمر عضو عضو من جسمه. فإن العين خلقت لتبصر المبصرات من ~~الألوان والأشكال وغيرها. فإن وجدها تدرك مبصراتها بلا عائق ولا تقصير، قيل لها صحيحة، ~~وإن قصرت أو لم تبصر، قيل لها مريضة، أو عادمة الإبصار. وكذلك القول فى سائر أعضاء البدن، ~~وفى جملة البدن. ثم بعد العلم بالصحة وبالبدن الصحيح، يجب أن تعلم بماذا تحفظ الصحة على ~~الصحيح، لئلا تزول عنه فيقع فى المرض. # ثم يتبع هذا التعليم الثانى بتعليم ثالث، وهو أن يعلم المريد إزالة المرض عن الجسم، إذا حل به ~~المرض، ما هو المرض، وأى الأمراض ms020 هو، وكيف يزال، وبأى الأشياء والتدابير يزال. ويحتاج بالضرورة ~~إلى علم جميع ذلك من رام علاج الأمراض ولأن ليس غرضنا فيما نذكره هاهنا شيئا من هذا ~~الفن، فلذلك لا نذكر من هذا التعليم الثالث شيئا، إلا ما جرى بطريق العرض فى فروع ~~الكلام. ولكنى أقول أن ما أذكره فى هذا الباب الثانى من هذا الكتاب من حفظ الصحة، وتعديل ~~الجسم بالأغذية والأشربة والتدابير، وتعريفى جملا من تقدير هذه على طريق القانون، فإنه ينبه ذا ~~اللب والفطنة إلى معرفة أصول تدابير المرضى، وجمل ينتفع بها فى علاجهم. وهو أيضا يحث ~~المتعلمين على طلب معرفة الأمراض، وما يعالجون ويدبرون به المرض. # فلنرجع إلى غرضنا، فنقول لمن علم أن بدنه صحيح: إن أول ما ينبغى لك أن تعلمه فى حفظ ~~صحة بدنك، أن تعلم بماذا يحفظ الصحيح، لتقدر على حفظ صحتك، ومن ذلك بالضرورة 〈أن〉 تعلم ~~بأى شئ تجتلب الصحة، إذا فقدت. فاعلم الآن أن الصحة تحفظ بما شابهها، لأن الشبه يحفظ شبهه. PageV01P018 # ولذلك يكون اجتذابها بما يضادها، لأن الضد ينفى ضده. ولا يغلطك ما تراه من إصلاح أمزجة ~~حارة مثلا بأشياء باردة، وأمزجة باردة تصلح بأشياء حارة. فإن ذلك علاج مرض، لا حفظ صحة. # ولأن الصحة هى الطبيعية للبدن لأنه لم يقصد بخلقه إلا ليكون صحيحا، وقد ذكرنا معرفة ما الصحة ~~قبيل باختصار، فيجب أن نجمل القول فيها ونصفها بما حدها به قدماء الأطباء فقالوا: إن الصحة هى ~~حالة طبيعية للجسم، يتم له أفعاله بها. ولما كانت أفعال الجسم كثيرة، لأن عددها مساو لعدد ~~أعضاء الجسم الآلية، وجب أن يكون كل فعل من أفعال آلات الجسم إنما يتم بصحة تلك الآلة، ~~كالذوق الذى لا يتم إلا مع صحة الفم وآلاته، وكذلك البصر وسائر الأفعال. # وأعضاء البدن الآلية، أعنى التى هى آلات لأفعاله، تتم صحتها بثلاثة أشياء، أحدها ~~اعتدال مزاج العضو، والثانى اعتدال هيئته، والثالث اعتدال اتصاله. ويجب أن تعلم أيضا أن اسم ~~الاعتدال يعم ثلاثة معان، أحدها اعتدال تتساوى فيه الأسطقسات فى ms021 البدن، فيكون فيه من الحار ~~مثل ما فيه من البارد، ويكون فيه من الرطب مثل ما فيه من اليابس، وهذا مزاج لا يمكن وجوده ~~حسا، بل فهما، لأن الجسم لا يمكن أن يبقى طرفة عين بحالة واحدة، لكن تغيره واستحالته دائمة. ~~والصنف الثانى من الاعتدال هو ما قرب من هذا الأول، وداناه، وهو أيضا قليل الوجود. فأما الصنف ~~الثالث، وهو الكثير الوجود، فهو الذى هو بالحقيقة مائل إلى أحد الأربعة الأمزجة المركبة، أعنى ~~الحرارة مع اليابس، أو إلى الحرارة مع الرطوبة، أو إلى البرودة مع الرطوبة، أو إلى البرودة مع اليبس، ~~إلا أنه مع ذلك صحيح الأفعال، لا يذم منها شئ فلذلك سمى معتدلا. # ولذلك يجب أن يكون حفظ الصحة لكل واحد من هذه الأمزجة لا يتم، إلا بعد معرفتها بمقادير ما لها ~~من كل كيفيتين من هذه المزاوجات وبعلامات صنف صنف منها، يعلم ما بها تحفظ، وبجميع ~~كميات ذلك، وكيفياته وأماكنه وأزمنته، وغير ذلك مما قد شرحه قدماء الأطباء فى كتبهم، فاعلم ~~ذلك! وينبغى أن يكون حاضرا لذكرك أيضا أن عملك إن كان فى شخص من الأشخاص، وكانت ~~الأشخاص مختلفة الأمزجة، وصحة كل واحد منها يخص مزاجه، ولكل مزاج علامات تخصه، وتدابير ~~توافقه، فيجب لذلك أن تتدبر وترتاض فى معرفة الحدس الصناعى الذى به تصل إلى التقدير، ولن ~~تصل إلى ذلك، إلا بأحكام علم القوانين النوعية. # فإن اقتنيت علم الأصول والقوانين، وتدربت بالحدس، فخذ بنا الآن فى الكلام فى الطرق ~~الجزئية التى ينبغى أن يسلكها حافظ الصحة على بدنه. وأول من يجب أن يعلم هذه الطرق، ~~ويقتنيها ويعمل بها، هو الطبيب لأن من أقبح الأشياء أن يرى العاقل من الناس أن مصلحته فى ~~شئ، وهو يعمل ضده، لسيره إلى لذة ما أو لهو آخر غير ذلك. PageV01P019 # وبعد إحكام الطبيب لما ذكرناه من جمل الأصول وفروعها، فيلزمه أن يعلم أن الأبدان لا تثبت على ~~حالة واحدة، لسرعة تغاير الأزمان لها، وتبدل أمزجتها، فالأبدان لذلك تنحل دائما وتنقص. فلذلك هى ~~محتاجة ms022 إلى ما يخلف عليها عوضا لما تحلل منها. والمخلف عليها ذلك هو الغذاء. ولأن لا سبيل لنا ~~إلى أن نورد إلى أجسامنا مثل ما تحلل منها سواء فى مشابهته ومقداره، لأن ذلك من أعمال ~~الطبيعة، فلذلك وجب علينا ألا نورد إلى أجسامنا، ونحن نريد أن نغذوها، ما بعد عن مشابهتها بعدا ~~كبيرا، لكن نجتهد فى أن يكون ما نورده من المأكول والمشروب أشده مشابهة لأجسامنا، ~~وأقربه من نوعها، وأسرعه استحالة إليها. # وبغير شك أنه من لم يحكم تعرف مزاج جسمه، ويحكم معرفة أنواع المأكولات والمشروبات، ويعلم ~~مقدار مزاج مزاج من جميع ذلك، أنه لا يقدر على معرفة ما يحفظ صحته من الأغذية والأشربة، ولا ~~يحسن تقدير ما صلح منها لنفسه، ولا لغيره. وأيضا فإذا كانت المأكولات والمشروبات القريبة الشبه ~~لأبداننا، الموافقة لأمزجتنا، ولو على غاية ما يمكن من المشابهة، لا تغذو أبداننا، ولا تلصق ~~بأعضائنا، إلا من بعد طبخ أعضائنا لها، ونضجها، وبعد تمييز الطبيعة لها، لتدفع إلى كل عضو ما ~~يشاكله ويشبهه. # فلابد من فضلات لا تصلح لتغذية الأعضاء، فيجب بروزها. فلذلك أعد البارئ تعالى فى جسم ~~الإنسان موا ضع تجتمع فيها، وطرقا تبرز منها، لئلا يفسد بكثرتها، وطول مقامها. ولذلك صار ~~واجبا على حافظ الصحة أن يفتقد هذه الجوائز والطرق، هل أفعالها جارية على الأمر ~~الطبيعى، وهل هى فى خدمتها لطبيعة ذلك البدن على ما ينبغى، أم محتاجة إلى معاونة من خارج. ~~فإن من أفعال الطبيب تفقد ذلك، وإعانة الطبيعة بجميع الوجوه على إخراج ما كثر، وإصلاح طرقها ~~بحسب طاقته. # فقد بان إذا مما قلناه أن الطبيب يلزمه العلم بما يورده إلى البدن بنوعه، وبسائر حالاته وإصلاحاته، ~~وبالحالات التى للطريق التى يرد فيها، وبإصلاحاتها، كالذى ذكرناه فيما يبرز من البدن. وقد بين ~~القدماء من الأطباء أن الغذاء، إذا ورد إلى المعدة، فإنه ينطبخ فيها طبخا أول، فإذا جذبت الكبد ~~إليها صفوته بالعروق المسماة الماساريقى وتفسيرها المصافى، فإن الثفل الذى يبقى يترك فى ~~الأمعاء ويجتمع فى المعاء الأعور، ثم ms023 يبرز بآخره. وإن الصافى النافذ إلى الكبد ينطبخ أيضا فيها ~~طبخا ثانيا، وبعد إنفاذها إلى الأعضاء ما يصلح لكل واحد منها، تبقى منه فضلات تنفذ إلى الكلى، ~~ثم إلى المثانة، ثم تبرز بالبول. وما يرد إلى عضو عضو ينطبخ أيضا طبخا ثالثا فى ذلك العضو، قبل PageV01P020 ~~أن يتشبه به، ثم يلصق بالعضو ما شابهه، وما لم يشابهه، برز عنه بالعروق والتحليل الخفى عن ~~الحس. # وإذا كان ذلك كما قلنا، فالواجب على الطبيب أن يفتقد ما يخرج ويبرز بنوعه وكميته وكيفيته ووقته، ~~وأن يعين الطبع على بروز ما يبرز بالرياضة والدلك والدهن. ولكل واحد مما ذكرناه أنواع ~~مختلفة تفعل أفعالا مختلفة، يصلح كل صنف منها لبدن من الأبدان، وفى زمان ومكان، وبحسب حال ~~ليس هو للأبدان الأخر. فاجتهد، أيها الطبيب، فى معرفة ذلك واقتن علم أصول ذلك من الكتاب الذى ~~ألفه معلمنا جالينوس فى تدبير الأصحاء وهو ست مقالات! # وأيضا مما ينبغى أن نذكره قبل ذكر التدابير المصلحة للأعضاء، وواجب على الطبيب علمه، هو أن ~~الأعضاء على ضربين، منها ظاهرة للحس كالعينين واليدين والرجلين، ومنها باطنة كالمعدة والرئة ~~والكبد. وأيضا من الأعضاء أعضاء رئيسية، هى أربعة: الدماغ والقلب والكبد والأنثيان. ويجب ~~أن لا يهمل تفقد صنف صنف منها، ولكن تكون العناية بتفقد الباطنة منها أوكد، لاستتارها على ~~الحس. # فلنأخذ الآن فى ذكرها، ونذكر تدابيرها ومصالحها التى لا يسع الطبيب الجهل بها، لا فى نفسه، ~~ولا فى غيره. ولنبدأ منها بالأشرف، ثم نتبع ذلك بالقول فى عضو عضو على ترتيب، بعون الله ~~وتوفيقه. PageV01P021 ### || القول فى الدماغ ومصالحه # أبدأ بالعناية بإصلاح الأمور الحافظة للدماغ أولا، لأنه مقدم فى الشرف، والأفعال الحيوانية ~~والإنسانية. أما فعله النافع العام لسائر الحيوان، فهو الحس وحركة الانتقال. ولولا ما يثبت من الدماغ ~~من الأعصاب التى ترد فيها القوى الحساسة والمحركة إلى الحواس والأعضاء المتحركة، لما أحس ~~الحيوان، ولا انتقل من موضع إلى موضع. # وأما فعل الدماغ النافع للإنسان خاصة مع تلك الأفعال، فهو أن به يتم له التمييز ms024 والحفظ ~~والذكر والتخيل. وليس هذه الأفعال تامة كاملة، إلا للإنسان الذى هو النوع التام الكامل الذى خصه ~~الله تبارك وتعالى بأعدل الأمزجة بإضافته إلى سائر أنواع الحيوان. فلذلك قيل إن مزاج دماغه أعدل ~~من سائر أدمغة الحيوانات. ولذلك أيضا قيل أنه صار محلا لقوى النفس الناطقة الإلهية الشريفة التى ~~خص بها نوع الإنسان، فصار نوعا شريفا، يعلم بها العلوم، ويستخرج بها دقيق المهن، ومحاسن ~~الصنائع. # وإذا كان هذا العضو، هذه أصول منافعه وجمل أفعاله، فواجب على كل عاقل أن يعنى بحفظه، لأنه ~~للجسم ولسائر أعضائه بمنزلة ما الملك عليه من التدبير والاهتمام بمصالح سائر من فى ملكه ومدينته. ~~وكما أن الملك، إن أغفل تمييزه، وقل اهتمامه بأمر خواصه وعوامه، فسد حالهم وحاله، كذلك الدماغ، ~~إن تغير مزاجه، أو ساءت حاله، وفسد تمييزه بمرض من الأمراض، اضطرب سائر الجسم، وفسدت ~~حالاته. ولا يقدر على حفظ الدماغ، إلا من عرف مزاجه وطبعه. وكذلك يجرى الأمر فى أمر حفظ ~~سائر الأعضاء. # فعليك، أيها الطبيب، أن تعنى بعلم مزاج الإنسان، وتميزه من أمزجة سائر الممتزجات، ثم تعنى ~~أيضا بتعرف الأمزجة الخاصة بشخص شخص، وكم أصنافها وخواصها وعلاماتها، ثم تعرف ما يختص ~~به عضو عضو من أعضاء البدن من تلك الأصناف، ليمكنك أن تصيب فى حفظها على حال صحتها، ~~وتكتسب لها الصحة، عند مرضها. # واعلم أولا من أمر سائر أدمغة الحيوان أنها خلقت مائلة إلى البرد والرطوبة، وذلك بإضافة مزاج دماغ ~~الحيوان إلى باقى أعضائه، أى حيوان كان. فلذلك قيل إن مزاج دماغ الإنسان بارد رطب. ~~وقالوا إن الله تعالى خلق الدماغ من الحيوان باردا رطبا، لئلا يفسد بدوام حركاته، وبدوام ما يتصاعد ~~إليه من البخار الحار. وإذا كان لمزاج دماغ كل إنسان من الناس من البرودة والرطوبة مقدار يخالف ~~سائر مقادير أمزجة الأدمغة، فبغير شك أنه يلزم الطبيب أن يعرف مزاج دماغ شخص شخص، وكم PageV01P022 ~~مقدار ما لذلك الدماغ من البرودة والرطوبة، ليحفظها عليه، لأن بحفظ ذلك المزاج تتم أفعال ذلك ~~الدماغ. # وقد بين ms025 القدماء أن من أفعال الدماغ ما يفعلها بذاته، أعنى بغير واسطة، وهى ثلاثة أفعال: أحدها ~~التخيل وهو يتم بجزئه المقدم، والثانى التمييز وهو يتم بجزئه الأوسط، والثالث الحفظ وهو يتم بجزئه ~~المؤخر. # ومن أفعال الدماغ ما يفعلها بتوسط العصب الثابت منه، وهذه الأفعال صنفان: أحدها أفعال الحواس، ~~وهى خمسة: حس البصر، وحس الشم، وحس السمع، وحس الذوق، وحس اللمس. والثانى حركات ~~الأعضاء الانتقالية. وبينوا أيضا أن هذه الأفعال والمنافع إنما تتم للدماغ بشيئين: بصحة مزاجه، ~~وبصحة هيئته. فاختبر، أيها الطبيب، من كمال هذه الأفعال والمنافع جودة مزاج الدماغ ورداءته، ~~وصحة هيئته وفسادها، لتقدر على صلاح نفسك أولا، ثم صلاح غيرك. واعلم أن الدماغ قد تتغير ~~أفعاله، بحسب أشكاله، وأشكاله أبدا تتبع شكل جملة الرأس. فتفقد ذلك، ليصح لك تعرف أفعال ~~الدماغ! وتعرف أيضا حالات الأمزجة التى للدماغ، من الشعر النابت على الرأس وفى الوجه، ومن ~~حالات الحواس، ومن حركات الأعضاء! وضع لك، أيها الطبيب، المزاج القريب من الاعتدال ~~أيضا ميزانا تزن به، وتقيس عليه ما خرج عن الاعتدال من الأمزجة، وما بعد عنها، وكذلك ~~فافعل فى تعرف مزاج عضو عضو! # ومثل ذلك الرأس. فإن الشكل له القريب من الاعتدال هو أن يكون مستديرا، كأنه قد غمر من جنبتيه، ~~فظهر له نتوء من مقدمه، ونتوء من مؤخره، وأن يكون معتدلا فى الكبر والصغر، وأن يكون الشعر ~~النابت عليه، وفى الوجه، معتدلا فى الخشونة واللين، والتلزز والتفرق، والكثرة والقلة، يبدو ~~فى الصغر أصهب ثم يسود ويبطئ شيبه. وأن تكون أعضاء الوجه متناسبة فى مقاديرها ~~ووضعها. فالعينان منه معتدلتان، لا بالكبيرتين ولا بالصغيرتين، ولا بالسريعتى الحركة ولا ~~بالبطيئتى الحركة. و〈أن يكون〉 الأنف معتدلا فى طوله وقنونه وغلظه. و〈أن تكون〉 ~~الوجنتان معتدلتين الحمرة، ما هما كذلك، فافهم فى باقى الحواس، وبالجملة فى سائر أجزاء ~~الوجه. # ثم انظر بعد ذلك فى أفعال عضو عضو من هذه الأعضاء، كالنظر بالعينين، إذا وجدته صحيحا قويا، ~~وكقوة الاشتمام والاستماع والذوق وتعرف الطعوم على صحتها، وكدرك حقيقة الملموسات مثل ms026 الحار ~~والبارد والرطب واليابس، وما يتبع هذه من الكيفيات كالصلابة واللين والخشونة والملاسة، وما شابه PageV01P023 ~~هذه. فإن بصحة هذه الأفعال ينبغى لك أن تقضى على صحة الأعضاء الفاعلة لها، وبصحتها ~~أيضا، وبصحة الأعضاء الفاعلة لها، مع صحة التخيل، وجودة التمييز، وقوة الحفظ، فاقض على ~~جودة صحة مزاج الدماغ مع سائر ما تقدم من العلامات! # وحينئذ فاعن بحفظ الدماغ، وحفظه يتم بتعديل ما يرد إليه، والأشياء الواردة على الدماغ منها ~~طبيعية، ومنها ما ليست طبيعية. ولأن التى ليست بطبيعية لا وجه لذكرها هاهنا، إذ هى من ~~أسباب الأمراض، فلذلك ينبغى أن أذكرك بالطبيعية فقط، وأعرفك من فروعها جملا، لتتخذها لك ~~أصولا تفرع منها، وتقيس عليها ما لم أذكره. فيمكنك بذلك أن تحفظ على الدماغ، وعلى سائر ~~أعضاء البدن ما بطن منها، وما ظهر، صحتها. فافهم ذلك، واتخذه قانونا! # والأمور الطبيعية هى هذه: حالات الهواء، والحركة والسكون، والمأكول والمشروب، والاستفراغ، ~~والاحتقان، والنوم واليقظة، والأعراض النفسانية، والبلدان والأعمال، والعادات، وقوة الجسم، والسن، ~~والسحنة، وطبيعة البدن. واعلم أنك إذا عرفت مزاج أى عضو أردت حفظ صحته من أعضاء ~~البدن — أعنى المزاج المعتدل، وهو المسمى صحة — ثم عدلت كل واحد من هذه الأمور الطبيعية ~~بحسبه، كانت أسبابا لصحته. وكذلك إذا صارت بها أمراضه، كانت أسبابا لشفائه من أمراضه. ~~فتيقظ لذلك، واجعل ما نذكره من منافعها للدماغ مثالا لك تستعمله فى باقى أعضاء البدن، إذا ~~قصدت حفظ صحتها، أو علاج أمراضها. PageV01P024 ### || القول فى وصف محمود ~~الأهوية للأصحاء والمرضى والمحمود من الأهوية للدماغ خاصة على طريق المثال # الهواء جسم خفيف، وجوهر لطيف، فلذلك يرد إلى الجسم من مسامه، ومن سائر منافذه، باختيار ~~الإنسان، وبغير اختياره. ولذلك صار ما تغير منه تغييرا غير موافق للأبدان أسرع ضررا، لأجل صعوبة ~~الاحتراز منه. ومثال ذلك ما يظهر من صلاح الدماغ، وسائر الحواس، عند صفائه ونقائه ~~واعتداله، وما يعرض من تكدرها عند تكدره وفساده، وكذلك يعرض لسائر الجسم. # وأحمد الأهوية الموافقة فى مزاجها ما صفا ونقى، ولم يكتسب روائح تفسده، بل ms027 ما عدلته ~~وأصلحته الروائح الطيبة الموافقة، إذ كان الهواء لا رائحة له فى ذاته. وأيضا فإن الهواء، وإن كانت ~~حركة الطبيعة له هى واحدة، وهى الترقى إلى العلو لخفة جسمه، فإن له حركات عرضية يتغير بها ~~مزاجه، ويغير بها الأبدان، كالذى يعرض له عند تحريك الرياح له. فإن الريح الشمالية تغير مزاج ~~الهواء إلى البرودة واليبس، والجنوبية إلى الحرارة والرطوبة. وأما الشرقية والغربية، فتعدلان ~~مزاجه. ويكون تغيير هذه الرياح له أقوى إذا كانت المساكن مقابلتها، ووضع البلدان فى جهاتها، ~~وخاصة التى هى مقابلة طرفى المحرر، والتى هى مقابلة جهتى الاعتدالين. فأما ما يهب من ~~الرياح، وماهو من البلدان والمساكن فيما بين ذلك، فأمزجتها تختلف بالأكثر والأقل. فافهم ذلك، إن ~~كنت ممن يحب العناية البالغة بحفظ الصحة، ومعالجة الأمراض! # واعلم أن المعتدل من هذه الرياح، والمتحرك منها حركة معتدلة، يصفى الهواء وينقيه من البخارات ~~التى تعلو من الأجسام الأرضية، الرطبة منها واليابسة. ولذلك صار ما اعتدلت حركته من الهواء، ~~وتوسط بين الحر والبرد، والرطوبة واليبس، ونقى جوهره، هو أصلح الأهوية للجسم الصحيح. ومثال ~~ذلك ما يرى الدماغ عليه من جودة أعماله، وقوة أفعاله، وصفاء حواسه، عند اعتدال الهواء. ولهذه ~~العلة صار هواء الفصلين المعتدلين هو أحمد الأهوية التى تصل إلى الدماغ وإلى سائر أعضاء ~~البدن، أعنى هواء الربيع، وبعده هواء الخريف. وإذا كان الأمر كذلك، فقد يجب أن تجتهد فى تعديل ~~هواء الفصلين الآخرين، أعنى الصيف والشتاء. وكذلك ينبغى أن تعدل كل هواء تجده خارجا عن ~~الاعتدال، لتحفظ الاعتدال بالمعتدل، لأن الشبه يحفظ شبهه، كما قدمنا بذلك القول، والضد أيضا ~~يشفى ضده، كما قال الجليل بقراط. PageV01P025 ### || القول فى الموافق من الحركة والسكون لأبدان الناس، وعلى طريق المثال للدماغ ولسائر الأعضاء # إن الحركة الانتقالية التى يتحركها الإنسان باختياره هى على ضربين: أحدهما 〈حركة〉 معتدلة وهى ~~التى تسخن إسخانا معتدلا، فتنمى الحرارة الغريزية التى يكون بها الهضم فى المعدة، وفى عضو ~~عضو من أعضاء البدن، وبها تنفى الأعضاء عنها فضلات ما يبقى من ms028 الأغذية بعد الهضم، وبها ~~تجذب الأعضاء إليها ما شاكلها من الأغذية، وبها تمسك الأعضاء ما صار إليها مما هو شبيه بها، ~~فيكون ذلك زائدا فيها. # وأما الضرب الثانى من الحركة، فهو الخارج عن الاعتدال، إما إلى الزيادة، وإما إلى النقصان. فإن ~~نقصت الحركة عن الاعتدال، لم تقو على الأفعال المقدم ذكرها على التمام، وإن زادت وأفرطت، بردت، ~~لكثرة ما تستفرغه من الأعضاء. # فيجب عليك، أيها الطبيب، أن تعلم ذلك، وتتخذه أصلا لسائر أصناف الرياضة بالحركة التى الحاجة ~~إليها ضرورية فى حفظ صحة الأعضاء، وفى معالجة أمراضها. ولذلك يلزمك أن تعرف أوقاتها، ~~وترتيب أزمانها، وما ينبغى أن يتقدمها، وما ينبغى أن يتبعها، إذ كانت طبيعية للأبدان، ~~ضرورية فى جودة الصحة والبقاء. # ولأن جالينوس قد حدد ذلك، فينبغى لك أن تحكمه من أقاويله، وأنا حاك لك فصلا من قوله، ~~لتتخذه أصلا فى ذلك، قال: إن أفضل أوقات الرياضة هو الوقت الذى يكون فيه الغذاء الأمسى ~~قد استكمل انهضامه واستمراؤه فى الموضعين جميعا، أعنى فى البطن وفى العروق، ويكون قد ~~حضر وقت تناول غذاء آخر. فإن استعملت الرياضة قبل هذا الوقت، أو بعده، فإنك حينئذ إما أن تملأ ~~البدن أخلاطا نية، وإما أن تشحذ المرار الأصفر على التولد والتزيد، وقد تقدر على الوقوف على ~~الوقت الذى أشرنا إليه بكون البول. وأنا أحكى لك قوله الذى قاله فى الاستدلال من ~~البول فى قول مفرد، لتقوى فيما بعد فى حفظ الصحة، وتقدير الرياضة والأغذية. PageV01P026 ### || القول فى الاستدلال على وقت الرياضة من البول # قال جالينوس: إن ترتيب هذا القول بعد القول فى الحركة والسكون. وأما السكون، فإنه فعله أبدا ~~واحد، والزائد منه تتبعه البرودة، ويتبع البرودة الرطوبة، لعلة أن الحرارة تفنى الرطوبة. فالطبيب، ~~إذا عرف أصناف الحركات التى تخصها، من جهة مقدارها، ومن جهة كيفياتها، ومن جهة مخالطة ~~السكون لها، بلغ غرضه فى حفظ الأصحاء، وفى معالجة المرضى. فالحركة التى كيفيتها شديدة قوية ~~عنيفة، تسخن الأعضاء وتجففها وتصلبها، والحركة الضعيفة، أفعالها أضعف وأقل. واختلاف الحركة ~~من ms029 جهة مقدارها، يكون على ضربين أيضا: إما لأن زمانها ممتد، فتسمى كبيرة، وفعل هذه ~~فعل القوية، وإما أن تكون قصيرة المدة، فتفعل فعل الضعيفة. واختلاف الحركة من جهة مخالطة ~~السكون لها تكون على ضربين أيضا: أحدها بأن تكون سريعة متواترة، وهذا الصنف يفعل ما تفعله ~~الحركة القوية، والضرب الثانى أن تكون بطيئة متفاوتة، وهذا الصنف يفعل ما تفعله الحركة الضعيفة. # وبعد معرفة الطبيب لفعل الحركة على الإطلاق، وفعل السكون، وما يفعله كل نوع من أنواع الحركات ~~فى بدن الإنسان جملة، فعليه أن يعرف ذلك فى عضو عضو من أعضاء البدن. ولا يتم له ذلك دون أن ~~يعرف حركات الأعضاء التى تتم بها أفعال الأعضاء، ليحفظها من الحركات بما شابهها وجانسها، ~~فتقوى وتدوم لها صحتها. # وأنا أمثل لك كيف ينبغى أن تفعل ذلك من أمر الدماغ، وفى حاسة من الحواس الخمس، لتتخذه أصلا ~~تتمثل به فى باقى أعضاء البدن، إن كنت ذا قريحة وفطنة، فأقول: إن القدماء قد بينوا أن النفس ~~التاطقة التى خص بها الإنسان تفعل أفعالها بالدماغ. وبينوا أن أفعال هذه النفس، منها ما يتم ~~بأجزاء الدماغ نفسه، وهى ثلاثة: التخيل وهو يتم بجزئه المقدم، والتمييز وهو يتم بجزئه الأوسط، ~~والحفظ وهو يتم بجزئه المؤخر. وهذه الأفعال الثلاثة لا تتم، إلا بحركات تخص هذه الأجزاء من الدماغ، ~~ليظهر بها ما فى القوى من الأفعال. # ومن أفعال النفس أيضا ما لا يتم بذات الدماغ، لكن بقوى تسرى إلى سائر أعضاء البدن فى ~~الأعصاب الثابتة منه. وهذه الافعال هى الحس والحركة الانتقالية. وبغير شك أن هذه الأفعال أيضا لم ~~تتم، إلا بحركة القوة النفسانية التى سرت فى الأعصاب إلى الأعضاء. فقد بان أن معرفة ~~هذه الحركات، ومقاديرها، وكيفياتها، على الطبيب أوجب ضرورة، ليمكنه حفظها. # فاقصد إذا، أيها الطبيب، فى تعديل حركات الدماغ إلى أوسطها، ليعدل بذلك مزاجه، وتجود به ~~أفعاله. فإن لتقدير الحركات والرياضات المختلفة فى إصلاح أمزجة الأعضاء حظا وافرا فى تدبير PageV01P027 ~~الأصحاء، وفى معالجة المرضى. وإذا كنت، أيها المحب ms030 لصلاح دماغه، تعلم أن أفعاله الصحيحة إنما ~~تتم بصلاح مزاجه، ومزاجه — مع مزاج جميع الأعضاء — إنما يتم ويصح باستعمال الموافق من المأكول ~~والمشروب والهواء والحركة والسكون، وسائر الأشياء المقدم ذكرها التى نحن فى شرحها، ثم إنك 〈إذا〉 ~~أصلحت مزاج دماغك مثلا، وعدلته، وصحت لك أفعاله، فاحذر أن تفرط فى حركاته جميعا، فيفسد ~~بذلك مزاجه. # ومثال ذلك أن تأخذ نفسك كثيرا فى تخيل ما بعد ودق من المهن والعلوم العسرة الوجود، والبعيدة ~~المرام، وبالجملة تخيل جميع ما عسر إمكانه، كالذين يكدون خواطرهم وأفكارهم فى طلب علم ~~الكيمياء والعزائم، وأعظم من ذلك بعدا تخيل قوم وتصورهم لأرواح تخاطبهم من الجن وغيرهم. وقد ~~يستعمل ذلك قوم على طريق الحيلة، للتكسب، ويظهرون أنه حق، فيظن قوم أن لذلك حقيقة، فيرمون ~~تخيله، فيكون ذلك سببا لفساد الجزء المقدم من الدماغ، لكثرة ما يفرط عليه من الحركة التخيلية، ~~فيؤول الأمر إلى فساد التخيل. # وكذلك القول فى الإفراط فى التمييز والحفظ. فإن ناسا أيضا قد أكثروا من أخذهم لنفوسهم تصنيف ~~العلوم والكتب، وحب المذاهب، وعشق الآراء، وقوم بنظم الشعر، وقوم بحفظه وحفظ كثير من ~~الأقاويل الدنيائية، لطلب المراتب والرياسات، فأفسد عليهم إفراطهم فى ذلك، وسهرهم، ~~وتعبهم أدمغتهم. فلذلك يجب أن تحذر من إفراط هذه الحركات والأفعال، وتجتنب مباحثة من ساء ~~عقله، وقبح مذهبه، وفسدت أفعاله منهم. # فأما التعلم من العلماء، ومفاوضة الأفاضل الأدباء، وتخيل الحقائق، وتمييزها من الأقاويل ~~الكاذبة والآراء الفاسدة، وحفظ ذلك واقتناؤه باعتدال وتوسط، فإنه يقوى الدماغ، ويحد الخاطر ~~والتخيل، ويجود الفكر والتمييز، ويزيد فى قوة الحفظ. فالنفس الناطقة بذلك تسر وتنير. # وكالذى قلناه فى أفعال الدماغ وحركاته الذاتية، فمثله افهم أيضا فى أفعاله التى يفعلها بغير ذاته، ~~وهى على ضربين: أحدهما أفعاله الحركية، وهى التى تمسك أيدينا، وتمشى بأرجلنا، وبالجملة سائر ~~الحركات الإرادية التى فى أجسامنا. فإن هذه أيضا ما استعمل منها على غير اعتدال وموافقة، أضر ~~بالدماغ، كالحصار المفرط، والصياح المفرط، وأخذ الإنسان نفسه بأن يتحرك على استدارة بإفراط، ~~ومن هذا الجنس الصراع ms031 والقفز وما شابه ذلك. # فأما الرياضات الموافقة لكل واحد من الناس، التى انخرج بها إلى الأعياء والتعب، فإنها ~~تقوى الدماغ على قبوله للغذاء، وعلى نضجه، وعلى إنفائه عنه فضلاته التى لا حاجة به إليها، PageV01P028 ~~وكذلك تقوى أيضا الحواس بأسرها، وتجود حركات الأعضاء وأفعالها. # ويجب أن تعلم أن الرياضة جنس يعم أنواعا كثيرة من الحركات، لأن الدلك نوع لها، والركوب على ~~اختلاف أصنافه نوع لها، وكذلك المشى والحصار والصراع. ومما يدخل فى جملتها أيضا الدهن ~~والتمريخ والاستحمام والدلك، وأشباه ذلك من الحركات القوية. وذلك أن ليس كل حركة رياضة، ~~لكن الرياضة هى الحركة القوية عند المرتاض، من قبل أن حركة ما قد تكون قوية عند إنسان، ~~ضعيفة عند آخر. فلذلك ليس كل حركة رياضة، والحد للرياضة هو مع ابتدائها فى تغيير نفس ~~المتحرك إلى العظم والسرعة والتواتر، فإنها حينئذ تسمى تعبا ورياضة. # ولذلك قال جالينوس: إن اسم الرياضة فى لغة اليونانيين تشتق من العرى، لأن الذين يعملون ~~الأعمال المتحركة يعملونها عراة. وقال: إن منافع الرياضة جنسان: أحدهما استفراغ الفضول، والآخر ~~جودة بنية الأعضاء الأصلية. والرياضة تحدث ثلاثة أمور: أحدها صلابة الآلات لمحاكتها بعضها ~~ببعض، ونمو الحرارة الغريزية، وتزايد الحث فى حركة الروح. # فأما منافعها الجزئية، فهى قوة الجذب، وجودة الاستحالة، وجودة الاغتذاء، وانحلال الفضلات الصلبة، ~~ورقة الرطوبات، واتساع المجارى والمسام، واستفراغ الفضول، وجودة الدفع. ولأجل أنها تنشر الغذاء ~~فى البدن، فلذلك ينبغى أن تحذر قبل هضم المعدة والكبد والأعضاء ما ورد إليهم من الغذاء، لكن ~~وقتها ينبغى أن يكون قبل الغذاء، كما قال بقراط فى الفصول: إن التعب ينبغى أن يقدم على ~~تناول الغذاء. وأنت إذا أردت معرفة أصناف ذلك، ومنافعه، تعلمه من كتاب معلمنا جالينوس الذى ~~عنونه بتدبير الأصحاء، وهو ست مقالات، وواجب عليك قراءته. # وأما الضرب الثانى من أفعال الدماغ التى لا يفعلها بذاته، لكن يفعلها بتوسط الآلات الأخر، فهى ~~أفعاله الحسية التى يفعلها بتوسط الحواس. وقد ينبغى هاهنا أن نذكر واحدا واحدا من الحواس، ~~وأفعاله، لتعلم بذلك حركاته، ms032 فيصح لك حفظها بما يوافقها من الحركات والمتحركات والمحسوسات. PageV01P029 ### || القول فى حاسة البصر وما يوافقها # أما صحة البصر، فإنها تتم بصحة العين. وذلك أن العين عضو مركب من طبقات ورطوبات، وعضل ~~تمسكها وتحركها، وأعصاب مختلفة الصور، لأن واحدة منها مجوفة الداخل، وهى التى يرد فيها النور ~~والقوة النفسانية التى يكون بها الحس للمبصرات، ولأن لكل جزء من أجزاء العين فعلا يخصه، ومنافع ~~لأجلها خلق على ما هو عليه، وينبغى للطبيب أن يعنى بمعرفته، ليقدر على حفظه. فلذلك يجب أن ~~يكون المتولى لحفظ صحة العين، وعلاج أمراضها، منفردا بذلك، شديد الحرص على تعلمه، إذ هو ~~عضو جليل الخطر، عظيم النفع فى مصالح الجسم. # فأما أنت، أيها الطبيب الطبيعى، فيجب عليك أن تنظر فى أفعال العين، ومنافعها الظاهرة، ~~فتحرسها من مضارها، ومؤذياتها الواردة عليها من خارج، والواصلة إليها من داخل. فإما ما يصل ~~إليها من داخل، فأنت تمنعه بتعديل الأغذية والأشربة، والحركات، والنوم واليقظة، وبالجملة باستعمال ~~الموافق من الأمور الطبيعية التى نحن فى وصف جملها. وأما ما يرد عليها من خارج، فأنت تقدر ~~على تعديله لها، واستعمال الموافق لها، إذا أنت عرفت منافعها، وفعلها، وكيف يفعل فعلها. # وأنا أريك من ذلك جملا تستدل منها على كثير من جزئياتها. فأما إحكام جميعها، فلا يقدر عليه إلا ~~من قرأ كتب الأطباء. فاقصد كتب الفاضل جالينوس فى منافع الأعضاء، وكتبه فى التشريح، ~~لتصل إلى غرضك على التمام. # فأما ها هنا، فلا تطالبنى بذلك، فإنى لم أقصده، لكنى قصدت — كما عرفتك أولا — تنبيه العقل من ~~أهل صناعة الطب على مقدار شرفها ونفعها، وحثهم على علمها، وخاصة — مع أن تكسبهم وتعيشهم ~~بها ومنها — ممن لا يشتاق بما أذكره، ولا يتحرك به لقراءة كتبها، والتأدب بآدابها، فهو الخاسر نفسه ~~ودينه جميعا. # فارجع بنا، أيها المحب للحق، إلى ما كنا فيه وافهم ما أقوله! أقول: إن القدماء قد بينوا أن إدراك ~~حاسة البصر للمبصرات إنما يتم بنفوذ النور الباصر الواصل إلى العين فى الهواء المضئ، حتى ينفذ ~~ويتصل بالمبصرات، ms033 فتدركها القوة الباصرة، وتخيلها القوة المخيلة للنفس. وكيفية هذا التصوير، ~~والقول فيه، وحكاية ما رأته القدماء فى ذلك، لا يليق بهذا الموضع ذكره، لطوله وصعوبة مرامه. # فأما ها هنا، فإنا نقول: إنه إذا كان الأمر على ما قيل، وما هو مشاهد أيضا من الهواء والضوء ~~جميعا، هما واسطة بين الباصر والمبصر، ولا يمكن وصول صور المبصرات إلى حاسة البصر دونهما، ~~فيجب أن تجتهد فى تعديلهما وإصلاحهما، ليصح لحاسة البصر إدراكها. والهواء، فقد يقبل الضياء، ~~وقد يعدمه. والضياء، فقد ينفذ نفوذا مستقيما فى الهواء، وقد يتعذر نفوذه، وذلك لأن الهواء قد ~~يغلظ، ويتكدر بما يخالطه من البخارات الرطبة واليابسة، فيعوق ذلك لنفوذ النور فيه. وكذلك أيضا ~~يعرض لنور البصر عند كدر الهواء ألا ينفذ فيه نفوذا مستقيما، ولا يدرك المبصرات إدراكا حقيقيا. PageV01P030 # فبواجب إذا ينبغى لك أن تعنى بإصلاح الهواء المحيط بك، وتجتهد ألا يفسده عليك بخار ولا ~~دخان ولا غبار. واجتهد أيضا فى أن يكون مسكنك موضوعا قبالة الرياح الشرقية! فإن المدن التى ~~وضعها هذا الموضع هى أقرب إلى الاعتدال، ولذلك 〈يكون〉 هواؤها أصح وأرق وأشد صفاء. ولذلك ~~تجد بقراط يفضل هذه المدن على غيرها، ويقول، قال بقراط فى الموضع الشرقى من المدن فى كتابه ~~فى البلدان والمياه هذا القول: وأما ما كان من المدن موضوعا قبالة الرياح التى فيما بين مطالع ~~الشمس الصيفية وبين مطالعها الشتوية، وما كان موضوعا منها على ضد ذلك، فهذه هى الحال ~~فيهما: أما ما كان منها موضوعا قبالة مطالع الشمس، فيجب أن تكون تلك المدن أصح من المدن ~~الموضوعة قبالة الشمال، ومن المدن الموضوعة قبالة الرياح الحارة، وإن كان البعد فيما بينهما ليس هو ~~إلا مقدار اسطاذيون واحد، وهو عند اليونانيين سبع ميل. وذلك أنه فى أول الأمر 〈يكون〉 الحال فيهما ~~من الحرارة أقرب منها إلى الاعتدال فيما بينهما وبين البرد. وقال: ثم إنه يجب ضرورة أن لا يكون ~~فى تلك المدينة هواء غليظ، وذلك أن الشمس تمنع من ذلك، إذا طلعت فوقع شعاعها ms034 عليه، لأن الهواء ~~الغليظ إنما يكون فى كل واحد من الأوقات فى الغدوات على الأمر الأكثر. واحذر الإلحاح على تأمل ~~الأنوار القوية الساطعة، كجرم الشمس، وما عظم من النيران! فإن ذلك يضعف نور البصر ويفرقه. ~~وكذلك يفعل البياض الساطع، فإنه يفرق البصر، كما أن اللون الأسود يجمعه. وكذلك يجب أن تحذر ~~الإدمان على الأعمال الدقيقة، والخط الدقيق، فإن ذلك يضعف البصر أيضا. # ومما ينقى العينين تنقيتهما وغسلهما، وخاصة بعد النوم، وحفظهما مما يرد إليهما، ومن ~~العرق النازل إليهما. ولا بأس بتعاهدهما بما قواهما من الأكحال كالأثمد ونظيره. وقد يفعل ذلك ~~أيضا النظر إلى المبصرات المحمودات والنافعات، كالخضر وأنواع النبات النضر. # وعلى ما ذكرته لك فقس، واعدل ببصرك، أيها العانى بمصالحه، مع توفرك على جميع هذه الأشياء ~~إلى قراءتك فى الكتب، والالتذاذ بفوائدها! فإن هذه هى أول النعم التى وهبها لك بارئك تعالى، ~~وأوصلك إليها بنور عينك. فعليك وعلينا أن نحمده كثيرا، ونسبحه دائما، ونصرف أبصارنا عن ~~المحذورات والمذمومات، لتدوم هذه النعمة لنا وعلينا. PageV01P031 ### || القول فى حس السمع والأشياء الموافقة له # وكذلك يجب أن تنظر فى آلة السمع، فإنها حاسة لطيفة أيضا، محتاجة فى تمام فعلها إلى الهواء، لأن ~~بتوسطه تصل المسموعات إليها، مما تحمله الأصوات، كالأقاويل والنغم والألحان والأخبار، وبالجملة ~~جميع المسموعات. فلذلك يجب أن تعنى بالهواء الذى هو الواسطة، كالعناية التى وصيت بها فى ~~حاسة البصر. وأخص العناية ينبغى أن يكون بالهواء الذى داخل الأذن، فإن به يتم الاستماع أولا، ثم ~~بالهواء الخارج عن الأذن، باتصال أحدهما بالآخر. فاحذر من تكدر أحدهما، لئلا يتكدر الآخر المتصل ~~به! والحذر على الهواء الذى داخل الأذن ينبغى أن يكون بما يتصاعد إليه، أو يتصل به، من بخارات ~~المعدة، وفضلات الدماغ. 〈و〉أشد وأكثر ما يفعل ذلك هو ما يملأ المعدة والدماغ من الأطعمة والأشربة ~~المجاوزة فى الكمية والكيفية المقدار القصد. وكذلك القول فى الحركات والاستحمام، ~~وسائر الأمور الضرورية التى لا ينفك الجسم منها، غير أن علينا تعديلها، فعدلها لجسمك بحسب ~~ما يوافقه منها، ms035 ليصفو لأذنك هواؤها! # وأما الهواء الخارج، فقد سمعت القول فى إصلاحه، واختيار المحمود منه، وإنما هو فى القول فى ~~العين. ويجب أن تتوقى — مع ما قلناه هناك — هذه الأشياء أيضا: وهى مجاورة الصنائع، والمواضع ~~المفسدة الهواء، كالحدادين والنشارين، وأتاتين الحمامات، وغيرها من المواقد العظيمة، كمسابك ~~الزجاج والنحاس. # وكذلك توق استماع الأصوات العظيمة المهولة، كأصوات السباع، وأصوات الدبادب والطبول الدائمة، ~~والبوقات المتصلة! فإن جميع ذلك يفسد القوة التى ترد إلى الأذن ليكون بها الاستماع، ويعوقها عن ~~الاستماع، فتضعف لضعف آلتها، وكلما ضعفت الآلة، قل قبولها لقوة النفس، كالذى يشاهد من ذلك ~~عند الشيخوخة، وفى الأمراض العامة للبدن، والخاصة للأذن. # فتدبر بما قلناه، واعن بمصالح أذنك، ونقها مما يرد إليها من فضلات الدماغ! فإنها هى وسائر المنافذ — ~~مع ما لها من المنافع والإحساس — قد جعلت طرقا لتنفيذ ما يصل إليها من الفضلات والبخارات. ~~واجعل تنقيتك لها بعد خروجك من الحمام، لأن ما داخلها يلين! ولا تعنف عليها! فإن العصب الذى ~~فى باطنها هو شديد الحس، وقريب من الدماغ. فتجنب كثرة الحك لها، وإدخال الأجسام إليها! # ومع جميع ذلك، فاجتهد ألا يقرع آذانك من الأصوات إلا أحسنها، وألذها لسماعك، وما وافق نفسك ~~من الأقاويل والألحان! فإن فى ذلك تعديلا الأخلاق. فأما ما خرج عن الاعتدال الموافق، فاجتنبه ما ~~أمكنك! فإن لصناعة التلحين أن تعدل الأخلاق، وللموسيقار الحاذق أيضا بصناعة التلحين أن يميل PageV01P032 ~~أخلاق النفس إلى حالات ليست أيضا بالطبع، فيجعل من كان جبانا شجاعا، ومن كان ~~محزونا فرحا، وكذلك فى أضداد هذه، وفى باقى المتضادات من حالات الأخلاق. # ولذلك 〈كان〉 إجماع الأطباء فى حفظ الأخلاق المحمودة على استماع ما يسر النفوس، كاستماع ~~أخبار الفضائل، والمتألهين، واستماع علوم العلماء — الإلهية منها، أعنى الشرعية، والعقليات — ~~وأخبار المتدينين وأهل الورع والطهارة. لأن فى استماع جميع ذلك سرورا للنفس الفاضلة ولذة، ~~لأنها أفعال تصدر عن جوهرها الشريف، وهى تحب أن تكون بتلك الحالات وتقتنيها. وكذلك تجدها ~~تكره استماع المحالات، وتستشنع الكذب، والأقاويل المذمومة، والأفعال القبيحة، وتغتم من ms036 ذكر أهل ~~هذه الأحوال، فضلا عن مشاهدتهم، واستماع كلامهم. # فاجتهد، أيها الحدث، أن تقاوم طبعك المذموم، الداعى لك إلى المذمومات، وتمنعه لذاته! فإن مع ~~كل لذة محسوسة جسمانية، آفة خفية مكروهة، لا يقوى على كشفها إلا العقل. فخذ نفسك بما ~~يسوقك إليه عقلك، لا طبعك، لئلا تعتاد وتألف لذات الطبع، فيحرمك لذات العقل، الدائمة السرور، ~~المأمونة من الشرور! واحرص فى أن تعود نفسك قلة الكلام، مع كثرة الاستماع النافع! فإن حظ المرء ~~فى أذنه، والحظ لغيره فى لسانه. وتجنب استماع الآراء المفسدة، كمذاهب المتدهرة والملحدة! وكذلك ~~توق مشورات الجهلة والحساد! فإنها تسوق إلى هلاك النفوس والأجساد. فتأمل ما قلته لك، وقس ~~عليه ما لم أقله، ترشد إن شاء الله تعالى! PageV01P03 ~~3 ### || القول فى حاسة الشم والأشياء الموافقة له # وأما حاسة الروائح، فليست تكون ما تراه ظاهرا من المنخرين، لكنها تكون بما داخل ~~القحف من البطنين المتقدمين من بطون الدماغ، وذلك بالروح النفسانى الذى فيهما من الدماغ. ~~ولكن لما كانت حاسة الشم لا تتم أيضا إلا بتوسط الهواء الحامل للبخارات والروائح إلى هذين البطنين، ~~وكان الهواء قد يحمل أيضا مع ذلك أجساما لطافا، وكانت أيضا الحاجة إلى استنشاق الهواء فى ~~بقاء الحياة على الحيوان ضرورية، وكان أيضا ما ينقيه الدماغ من فضلاته قد يحدره بالمنخرين من جهة ~~هذين البطنين، لأنهما مطلين على المنخرين، لطف الخالق تعالى للحيوان بحاجز يحجز دون هذين ~~البطنين اللذين هما آلة الشم، وخلقه مثقبا كثقب الإسفنج، لتصفو منه فضلات الدماغ، وتصل إليه ~~من تلك الثقب الروائح مع الهواء، ودائما ينفذ فيها الهواء، ويخرج منها ما ينقيه الدماغ من البخار، ~~بنفخه وحركته الدائمة، مع ما يبعثه من الروح النفسانية إلى الحواس، وإلى غيرها من الأعضاء ~~عنه. فالهواء قد يصل إليه مفردا، بغير روائح، وقد يصل مع الروائح. # وليس هذا اللطف العجيب من آلة الشم فقط، لكنه موجود فى آلة السمع أيضا. فإن آلة اسمع لما ~~احتيج أن تجعل أيضا داخل الرأس، لتقرب من الدماغ، وجعلت الأذن لها حاجبا ms037 وساترا، وكان ~~الهواء يريد أن ينفذ فى داخلها، ولم يؤمن من أن يصل معه غير الصوت من أجسام صغار وغيرها، ~~جعل داخل الأذن معوجا ومستديرا، كاللولب، ليصل الهواء والصوت، ولا تنفذ الأجسام. # فتأمل لطف البارئ تعالى بالحيوان، وحكمته، وإتقان صنعته! وليس ذلك فى الحيوان فقط، لكن ~~فى كل مصنوع. ومن لطفه تبارك وتعالى أن جعل للحيوان من آلات الحس زوجا زوجا، ~~كالعينين اثنتين، والأذنين، والمنخرين، واللسان مقسوما قسمين، ليكون، إن دخلت آفة على ~~أحدهما، تبقت الأخرى للفعل. # وإذا كنت قد وصفت جملا من خلقة المنخرين، وآلة الشم، وغيرها من الحواس، ولوحت لك من منافعها ~~تلويحا، لتشتاق بذلك إلى معرفة بنية جسمك، ومنافع أعضائك، فلا تقتصر على ما ذكرته ها هنا ~~فقط، بل اقصد كتب المعلم الفاضل جالينوس فى التشريح، وكتابه الذى وضعه فى منافع ~~الأعضاء! فإنك تحظى من هنالك بعلم ذلك بأسره. # فارجع بنا إلى القول فى آلة الشم، واعلم أن الواسطة فى اشتمام الروايح هى الهواء. فلذلك يجب ~~أن تعدله، وتحتاط فى صلاحه، للسبب الأعظم الذى هو الحياة والبقاء. فإنه من المنخرين يصل PageV01P034 ~~إلى الدماغ، وإلى الرئة، فيروح عنهما، ويمدهما بالصافى النقى منه. والسبب الثانى أن به تصل ~~الروائح إلى البطنين المقدمين من الدماغ اللذين بهما يكون الشم. # والوجه الأخير من فساد الهواء قد تقدم لنا القول به، عند القول فى حاسة البصر، وحاسة السمع. ~~ومع ذلك فإنى أقول أيضا إنك، وإن بعدت من القرب من مواضع الروائح الرديئة، فإنه ينبغى أن تحتال ~~لموضعك، ولهوائك المحيط بك، فى أن تكسبه روائح موافقة طيبة، ليصل إلى دماغك دائما بالشم ~~ما يصلحه، ويصلح الروح النفسانى التى فيه، وتذكيها، كالبخورات وأنواع الطيب. ولذلك تجد ~~الأفاضل يكسون ثيابهم وأجسامهم بالبخورات، وغيرها من هذه الروائح، ليدوم استنشاقهم لها. ~~فتعمل لذلك، ولا تهمله! فإنك قد تنتفع بذلك بوجه آخر، وهو أنك قد تحضر عند مرضى، ~~فتنال من روائحهم ما يؤذيك، ولا يمكنك أن تنفك منه، فتلك الروائح التى قد أكسبتها لكسوتك تمنع ~~عنك، وتقاوم لك ms038 تلك الروائح. ومع ذلك فإن فى ذلك راحة ما، وقوة نفس عاجلة للمريض، إذا اشتم ~~روائحك. فهكذا ينبغى أن تصلح هواءك. ولذلك يجب أن يكون تعلمك للطبيب، لا لغيره. # ثم اجتهد فى أن يكون ما يترقى من المعدة إلى آلة الشم من البخارات محمودا. وإنما يتم لك ذلك ~~باحترازك من كثرة الأغذية والأشربة، وفساد كيفياتها، وسوء ترتيبها. وقد ذكرت فيما تقدم من ~~ذلك طرفا، فخذ نفسك باستعمال الموافق لك من جميع ذلك، لينقى دماغك، وسائر حواسك، بذلك! ~~وخذ نفسك بتنقية المنخرين اللذين قد خلقا كالمحرابين لتنفذ فيهما الفضلات! وتعاهدهما بالغسل ~~والدهن فى أوقات دلكك! واختر لنفسك النوع الموافق من الرياضة والدلك والاستحمام! فإن فى ذلك ~~تنقية للدماغ، والحواس من فضلاتها. # وتوق عند ممارستك العلاج من روائح الأدوية المنكرة الروائح! فإن يكن لا يوافق مزاجك، ومزاج دماغك، ~~ما تريد معاناته منها، فتقدم إلى غيرك فى صنعتها، بحضرتك! فإن الضرر الداخل من ذلك ليس هو ~~على الدماغ، وعلى آلة الشم فقط، بل وعلى القلب والرئة، فاعلم ذلك! # واجعل البرهان لك على صحة ما ذكرته ما أمر به بقراط فى كتابه فى الغذاء! فإنه يأمر هناك ~~بشم الروائح الموافقة الطيبة، المقوية للنفس، لمن أردنا تغذيته تغذية لطيفة، وقد عاقنا عن إعطاء هؤلاء ~~من الأغذية اللطيفة عائق ما، فأمر باستعمال شم الروائح فيهم، فقال هذا القول، قال بقراط: ~~من احتاج بدنه إلى زيادة سريعة، فأبلغ الأشياء فى رد قوته الشئ الرطب، ومن احتاج من ذلك إلى ما ~~هو أسرع، فتقويته تكون بالشم. PageV01P035 ### || القول فى حاسة المذاق والأشياء الموافقة لها # حاسة المذاق تتم باللسان واللهوات والحنك، وذلك بالعصب المبسوط على هذه الآلات من الفم. ~~والفم لما كان يشتمل على الأسنان، وعلى جميع أجزائه التى خلقت فيه لأنواع من مصالح الجسم، ~~كتعرفه على أصناف الطعوم، وكيفية طبعه للأغذية، وكسر ما صلح أن يكسر منها، ثم ~~طحن ما يصلح للطحن بالأضراس، وتقليب اللسان لذلك الغذاء، وترطيبه بالريق، ليتم طحنه، وتساوى ~~أجزائه، لتكون صورته واحدة فى اللين، ليسهل ms039 نفوذه فى المرئ. # وأيضا مما ينتفع به الحى فى صلاح حياته بالفم ما يرد منه من الهواء إلى الرئة، والقلب، ليروح عن ~~حرارته الغريزية، ويمدها بما صفا ونقى من الهواء. ومن منافع الفم وآلته خروج الصوت منه إلى ~~الحيوانات، وخاصة فى الإنسان الذى خصه البارئ تعالى بالقوة العاقلة، القادرة على تفصيل صوته، ~~وتقطيعه بآلات الصوت، وبآلات الفم، حتى صحت له النغم والحروف، وقدر بلطيف تمييزه على جمع ~~تلك الحروف، حتى صح له القول الدال المعبر عما فى نفسه من الأمور المتصورة. فقدر بذلك النطق على ~~الأقاويل المختلفة، والعبارات المتباينة فى أصناف العلوم. فالفم إذا باب يدخل منه، ويخرج ما ينفع ~~الإنسان فى مصالح نفسه وجسمه. # فكما أن بحاسة الذوق، وما خلقه البارئ تعالى من القوة النفسانية المميزة للطعوم، يمكن للعاقل أن ~~يعرف الغذاء من الدواء، ليستعمل كل واحد منهما فى وقته، ويعلم أيضا مما يبرز من الفم ~~كثيرا من حالات البدن، كالبصاق والجشاء والقذف، وما جانس ذلك، فى كل واحد من هذه ~~الفضلات عدة علامات يستدل بها على صحة المعدة وسقمها، وكذلك حالات غيرها من الأحشاء، كذلك ~~أيضا يستدل العاقل من الناس من الألفاظ والأقاويل الصادرة من النفس على قدر شرفها، وعلو ~~فضيلتها، أو على خساستها، وسقوط منزلتها. # وإذا كان ذلك كذلك، فيجب أن يعنى كل عاقل بنفسه وجسمه، لئلا يرد إليهما إلا محمود موافق ~~لهما، ولئلا يصدر عنهما إلا مرض ممدوح. وأعظم ما أعان على ذلك صلاح الحواس، وخاصة الفم ~~الذى هو الآلة للذوق والنطق، فإن من أنعم الله جل اسمه عليه بالمنطق المستقيم، فقد شرفه ونفع ~~به الناس أجمعين. ومن حرم النطق عدم فضائل السامعين، كما أن من ساء نطقه، كان مرذولا حقيرا بين ~~الناطقين. PageV01P036 # وأيضا فإن من فسد ذوقه بمرض أو بعرض من الأعراض، لا يلتذ بطعامه ولا بشرابه، وما لا يلتذه ~~الذوق، كرهته المعدة ودفعته. وإذا بقى البدن بغير غذاء، هلك الحيوان، وفسد. فسبحان من نعمه ~~على خلائقه دائمة! # ولأن الفم — كما قلنا — مركب من أجزاء ms040 مختلفة، فلذلك يجب أن تخص كل جزء من أجزائه بتدبير ~~موافق لذلك الجزء فى مصالحه، سوى إصلاح الأمور العامية له بأسره. وأول الأمور العامية التى ~~بصلاحها تصلح أفعال الفم، وبفسادها تفسد، هو الهواء. فإنه دائما يرد عليه، وهو دائم الاختلاف، ~~لأنه قد يتغير فى اليوم الواحد إلى الحر والبرد، والرطوبة واليبس، عدة تغيرات، فضلا عما ~~يتغير إليه فى الفصول، وبحسب هبوب الرياح. # فيجب أن تتوقى وتحذر على فيك أن يدخله هواء غير موافق، بحسب طاقتك. وقد علمت مما قدمناه ~~من القول فى الحواس الأخر أيما هى الأهوية الرديئة، فاحذرها بأسرها! واحذر أيضا مع ذلك ورود هواء ~~قد حمل إليك بخارات الجيف والزبول المتعفنة وأبخرة ما ينفثه أصحاب العلل القاتلة، كالذى ~~ينفثه أصحاب قرحة الرئة، والردئ من نفث أصحاب ذات الجنب! فإن المنتن من ذلك يفسد ويعدى. ~~وكذلك احذر أيضا ما خالط الهواء من أبخرة البراز، والقذف، وما خرج من النزلات، ~~والخراجات الرديئة، وسائر ما برز من الجسم! # وكذلك فاحذر أيضا من أن يرد إلى فيك من الطعوم ما يفسد، بكيفية له رديئة، مذاقك أو جزءا من ~~أجزاء فيك، كالأسنان، أو اللسان، أو الحنك، أو ما سوى ذلك، كذوات الطعوم الشديدة الحمض، أو ~~الشديدة القبض، أو الشديدة المرارة! فإن هذه تضر بآلات الذوق، وآلات الفم، وخاصة الأسنان. واجتهد ~~فى تنقية هذه الآلات بالدلك والسواك والجلى! واعتمد فى جلائها على دلكها بالعسل! فإنه ينقى ~~الأوساخ، واللزوجة التى تجتمع عليها، وخاصة على الأسنان. واجتهد فى أن لا يتراقى من معدتك إلى ~~فيك إلا بخار محمود! فإن الأبخرة الرديئة تفسد الفم. وإنما يتم لك ذلك بإصلاحك لأغذيتك فى ~~كميتها، وكيفيتها، وترتيبها. # واجتهد أيضا فى صون أضراسك، وأسنانك، من الكسر بها الأشياء الصلبة، لئلا تثلمها، ~~وتهشمها! فإن ما عدم منها، أو انثلم، لم يعد. واحذر أيضا عليها من الأشياء العلكة، ~~ومن البرودة المفرطة كالثلج، ومن ورود الأشياء الباردة بعقب الحارة! PageV01P037 ~~ومع جميع ما وصيتك، فاجتهد ألا يبرز من فيك نطق، إلا محصل نافع! وصن ما ms041 تنطق به من ~~العلوم! ولا تسمعه إلا أهله ومستحقه! وقل كما قال أفلاطن، حين جلس يوما، وحوله تلامذته سوى ~~ارسطوطاليس، فقيل له: تكلم، يا معلم! فقال: لو وجدت مستمعا، لتكلمت! فقيل له: حولك، أيها ~~الحكيم، ألف تلميذ! فقال: أريد واحدا كألف! وإذ قد ذكرت هذه الجمل فى الحواس، فقد آن لى أن ~~أرجع إلى تمام القول فى تلك الأمور الطبيعية. PageV01P038 ### || القول فى المأكول # وإذا كان ما ذكرنا من مصالح الحواس الخمس نافعا فيما نحن فى الكلام فيه من إصلاح حالات ~~الجسم، وكان ذلك قد توسط الكلام فى الأمور الطبيعية على طريق المثال والإرشاد والتنبيه، وكنا قد ~~ذكرنا من الأمور الطبيعية أمر الهواء، وأمور الحركة والسكون، فيجب أن نتبع ذلك بالقول فى أمور ~~المأكول على الطريق الذى سلكناه من الإيجاز، وذكر الجمل النافعة التى تحث وتشوق إلى تقصى العلم ~~بذلك من مواضعه وكتبه. # فأقول: إن المأكولات تسمى أغذية على طريق الاستعارة، ولأنه قد يكون منها أغذية أيضا. فأما ~~الأغذية الحقيقية، فإنما هى الجوهر الذى قد تميز من المأكولات بالطبخ الأول والثانى والثالث، وفارقته ~~فضلاته التى لا تغذو، وبقى ذلك الجوهر الذى يصلح أن يلصق بالمغتذى، ويخلف عليه عوض ما ~~تحلل منه، وهو الزائد فى كميته، لئلا يتحلل دائما فيهلك. # وإذا كان الأمر كذلك، فأنت تجد المأكولات مختلفة الطعوم والكيفيات، وبحسب اختلاف ~~حالاتها، تؤثر فى البدن. فيجب أن تتعرف جواهرها وأفعالها، وتعنى أيضا بمعرفة البدن، ومزاجه ~~الطبيعى له. ولابد لك مع ذلك من معرفة مزاج المعدة الطبيعى لها أو المكتسب. # وقد حثنا وأرشدنا إلى ذلك معلمنا الفاضل جالينوس فى كتابه فى الأغذية، فإنه قال: وإنما ~~ينبغى أن تقصد للعناية بمعرفة الأمور. وقد تجد الأغذية تبطئ أو تسرع فى الانحدار، إما من قبل ما ~~عليه طبيعة المعدة منذ أول أمرها، وإما من قبل جواهر الأشياء التى تؤكل وتشرب، لأن بعضها رطب، ~~وبعضها يابس، وبعضها لزج، وبعضها يسرع التفرق والتقسيم، وبعضها فيه حدة وحرافة، ~~وبعضها فيه حموضة، أو مرارة، أو حلاوة، أو ملوحة، أو ms042 قبض، أو عفوصة. وقد يوجد فى بعضها ~~قوى ما من القوى الموجودة فى الأدوية، 〈فتكون〉 قوى هذه الأغذية داخلة فى جنس الأدوية المسهلة. # والعناية بما ذكره جالينوس من ذلك ينبغى أن ينصرف إليها الطبيب انصرافا شديدا تاما، إذ ~~الحاجة إلى هذا الجزء من علمها فى بقاء الإنسان عظيمة جدا. قال جالينوس: وذلك أن العلم ~~بقوى الأغذية قريب من أن يكون أنفع علوم الطب كلها، إذ كانت الحاجة إلى استعمال سائر ما ~~يستعمل فى مصلحة البدن ليست فى كل وقت، فالحاجة إلى الغذاء دائمة أبدا، فى وقت الصحة، ~~ووقت المرض، إذ كانت الحياة لا تبقى إلا معه. # وليس ينبغى لك، أيها الطبيب، أن تأخذ أمر قوى الأغذية، وحالاتها، وما تفعله من أفعالها فى PageV01P039 ~~البدن تقليدا ممن ذكره فى كتاب! فإن لأصحاب التجربة كتبا قد وضعوها فى ذلك على رأى التجربة. ~~والتجربة فى ذلك غير كافية، إذ كانت تقضى على الأمور من ظاهر حالاتها. وأنت تجد من ~~الأشياء المتشابهة ما يعمها بأسرها شئ واحد، وبه تشابهت، ولا يصلح لأجل ذلك الشئ أن تقضى ~~عليها بقضايا أخر عامة لها كلها. ومثال ذلك أنك تجد عدة أشياء تسهل، أو تدر البول، وغير ~~ذلك من الأفعال، وتجد بعضها باردا، وبعضها حارا. # وقد تقدم بتعليم ذلك جالينوس، ومن كان قبله من علماء الأطباء، كالذى حكاه جالينوس عن ~~ديوقليس، وهو هذا القول، قال، قال ديوقليس: أما من ظن بأن الأشياء المتشابهة فى الطعوم، أو ~~فى الروائح، أو فى الحرارة، أو فى غير ذلك مما أشبهها، قوتها واحدة، فبئس ما ظن. وذلك أنه قد ~~يقف الإنسان من هذه الأشياء المتشابهة فى هذه الأشياء على أشياء كثيرة مختلفة القوى. وليس ~~ينبغى أيضا أن يعمل على أن كل شئ مما يطلق البطن، أو يدز البول، أو له قوة أخرى سواها بين ~~القوتين، فإنما صار كذلك من قبل أنه حار، أو بارد، أو مالح. وذلك أنه ليس كل الأشياء الحلوة، أو ~~المالحة، أو غير ذلك مما أشبهها، قوية قوة نظيرها فى ms043 الطعم، ولكن ينبغى أن يعمل على أن ~~السبب الذى من أجله يحدث كل واحد من الأشياء ما من شأنه أن يحدث عنه، هو جملة طبيعة ذلك ~~الشئ. فإن المتمسك بهذا الأصل لا يغلط، ولا يفوته الحق أصلا. # ولا ينبغى لك أيضا أن تسارع على أن تقطع على شئ من الأغذية أو الأدوية من حيث صورته للحس ~~مفردة، بأنه يفعل فعلا واحدا. فإنك قد تجد ما صورته واحدة، وهو يفعل أفعالا متضادة، كالذى ~~يفعله العدس والكرنب. فإنهما يطلقان بعض البطون، ويحبسان بعضهما. وإنما يفعلان ذلك لأن خلقة ~~كل واحد منهما من أصل تركيبه ومزاجه قد اجتمع فيه جوهران مختلفان لهما قوتان مختلفتان. ~~قال جالينوس: وأما السبب الذى صار له العدس يطلق بطن بعض الناس، ويلينه، ولا يحبسه، ~~ويعقله فهو ما أصف، أقول: إنى قد بينت فى كتاب الأدوية المفردة أن كثيرا من ~~الأنواع التى يظن بها بسيطة مفردة، وقد ركبت فى أول خلقتها من جواهر مختلفة، وقوى متضادة، ~~بمنزلة ما نؤلفه نحن بالصنعة، فنعمل 〈من〉 أنواع كثيرة مختلفة نوعا واحدا مؤلفا. وقد نجد ذلك ~~فى كثير من الأغذية، كالعدس، والكرنب، وجميع حيوان البحر ذوات الجلود الخزفية. فإن طبيعة كل ~~واحد منها مؤلفة من قوى متضادة. وذلك أن جرمها الصلب بطئ الانحدار، حابس للبطن، وما ~~فيها من الرطوبة، يطلق البطن. وبيان ذلك ما نجده فى طبيخها. وذاك أن مرق كل واحدة منها يطلق ~~البطن، وجرمه الصلب يحبس البطن، ومن ثم اختلف الناس فى أمرها. PageV01P040 # ثم انظر أيضا، مع ما تنظر من حالات الأغذية، فى حالات المعدة! فإنك قد تجد من المعدة ما الغالب ~~عليها الحرارة النارية. إما لأن مزاجها من أجل خلقتها كذلك، أو لأن مرارا أصفر ينصب إليها مما ~~قد مال من أصل الخلقة عن طريقه الذى كان إلى الأمعاء، فصار ينصب إليها. فإن المعدة التى هى ~~حالها تهضم من الأغذية غليظها، كلحم البقر، ونظيره، ويفسد فيها ما لطف كلحوم الدراج ~~والفراريح. # فليس ينبغى لك أن تمتحن وتجرب الأغذية، وتقطع عليها ms044 بأن بعضها سريع الانهضام، وبعضها بطئ ~~الانهضام، بحسب حالات هذه المعدة. فإن هذه المعدة، وما سواها مما بعد عن الاعتدال بعدا كثيرا، ~~لا يصح القضاء على الأغذية من جهتها. # ويجب أن تنظر فى أمر الأغذية نظرا آخر، وهو أن من المأكولات ما أكثر ما فيها ما يغذو، ~~لمشابهتها لجسم المغتذى، وذلك كالحنطة، والشعير، والأرز، وما شابه هذه من الحبوب، وكلحوم ~~الحيوان العذبة الطعم، السريعة النضج والانهضام. فإن جميع ذلك، وما جانسه، يغذو ~~الإنسان، إذا أجيد إصلاحه، غذاء كثيرا. فأما ما وجد من المأكولات غير مشابه لجسم المغتذى، فإنه، ~~مع أنه لا يغذى غذاء محمودا، فإنه قد يمرض، إذا لم يفهم الآكل له وجه استعماله، وذلك كالمأكولات ~~التى قد غلبت على بعضها الحموضة المفرطة، والملوحة المفرطة، والحلاوة المفرطة، أو القبض المفرط. فإن ~~هذه إلى طبائع الأدوية هى أميل. # وقد يوجد بين المأكولات المشابهة، والخارجة إلى الأطراف خروجا كثيرا، متوسطات، مختلفة المراتب، ~~إذا حسن إصلاحها، غذت المغتذى بها، لم تضره. وأيضا فإن من هذه الخارجة عن التوسط فى الطعوم ~~ما يصلح أبدانا كثيرة، كالذى يفعله العسل، فإنه يصلح أبدان المشائخ، وخاصة من كان مزاجه منهم ~~باردا، ومن غلب عليه البلغم، وكذلك أصحاب الأمزجة الباردة، وفى الأزمان الباردة، وفى البلدان ~~الباردة. فافهم ذلك، وقس عليه باقى المأكولات ذوات الطعوم الظاهرة المختلفة! وإذا صح لك معرفة ~~الغذاء الموافق، فاحذر من الزيادة والنقصان، وتوخ التوسط! فإنه أسلم وأوفق. # وإلى ذلك أشار بقراط بقوله، قال بقراط: كل كثير عدو للطبيعة، والقليل قليلا ثقه! وقال ~~بقراط: لا الشبع، ولا الجوع، ولا غيرهما من جميع الأشياء، بمحمود، إذا كان مجاوزا لمقدار ~~الطبيعة. وقال بقراط أيضا: متى ورد على البدن غذاء خارج عن الطبيعة كثير، فإن PageV01P041 ~~ذلك يحدث مرضا ويدل على بروة وقال: يضطرك الأمر فى تقدير الغذاء لبدن المغتذى إلى النظر ~~فى أمر الفصل من الزمان الذى أنت فيه، وذاك أن الصيف والخريف فصلان لا يحتمل الجسم فيهما ~~الزيادة فى الغذاء. فأما فصلا الشتاء والربيع، فيحتملان من الغذاء ms045 الكثير. وإلى ذلك أشار ~~بقراط فى هذا الفصل من قوله، قال بقراط: أصعب ما يكون احتمال الطعام على الأبدان ~~فى الصيف والخريف، وأسهل ما يكون احتماله عليها فى الشتاء، ثم بعده فى الربيع. # وبين ذلك جالينوس، وفسر بهذا القول، قال جالينوس: إن الأبدان تبتدئ فى الخريف تبرد، وتجتمع، ~~وتتكاثف. وتبتدئ فى الربيع تسترخى، وتستخف. وقال بقراط أيضا: الأجواف فى الشتاء والربيع ~~أسخن ما تكون بالطبع، والنوم أطول ما يكون. فينبغى فى هذين الوقتين أن يكون ما يتناول من ~~الأغذية أكثر، وذلك أن الحار الغريزى فى الأبدان فى هذين الوقتين كثير، ولذلك تحتاج إلى غذاء ~~كثير، والدليل على ذلك الأسنان والضرسان. # وأيضا مما هو ضرورى من علم زمان الغذاء هو معرفة أوقات التغذية الجزئية، أعنى التى ينبغى أن ~~يتغذى فيها من اليوم والليلة مثلا، وكم مقدار الزمان بين الغذائين. فإن معرفة ذلك إنما تكون من ~~جهة المغتذى، وسرعة هضمه، ونقاء معدته من الغذاء الأول، ومن أخلاط مفسدة، والكثرة الزائدة. وقد ~~أجمل ذلك بقراط فى قوله هذا فى ابيديميا، فى المقالة السادسة منه، حيث رتب الغذاء بعد الرياضة، ~~وقبل النوم، فقال: التعب، والطعام، والنوم، والجماع، ينبغى أن تستعمل كلها بالقصد. ومع ترتيبه ~~له الترتيب الطبيعى، نبه فى قوله «بالقصد» على الاجتهاد فى تقدير كميته لكل مغتذ. قال ~~بقراط: البدن الذى ليس بالنقى، كلما غذوته، إنما تزيده شرا. # ولأن من المأكولات ما كثيرها يغذو غذاء قليلا كالبقول، ومنها ما قليلها يغذو غذاء كثيرا كلحوم ~~الحيوان، وما صلب من الحبوب، ومنها ما هى متوسطة بين ذلك، كلحوم الجدى، والفراريج، ~~والدراج، وأمحاح البيض، وما شاكل ذلك، فلذلك يجب أن تعنى بعلم ذلك، لتستعمل منه ~~الأوفق، بحسب الحاجة. # وأيضا لأن من المأكولات ما يسرع إليه الفساد، لاستحالتها سريعا، ومنها ما يبطئ فسادها ~~لصلابتها، فلذلك يجب أيضا علم ذلك على الطبيب، ليرتب الغذاء بحسب ذلك، وبحسب حال المعدة. ~~فإن على أكثر الأمر ينبغى أن تقدم الأغذية السريعة الاستحالة، قبل البطيئة النضج، ليسهل نفوذ ~~الصلبة، وأيضا لئلا تفسد، ms046 إن قدمت على السريعة. فإن تقديم أكل البطيخ، والمشمش، وما شاكلها، ~~على الخبز، والمأكولات الأخر أحمد. ولذلك صار أكل أمثال هذه، بعد الطعام، مفسدا للطعام ~~والمعدة والأخلاط. PageV01P042 # ولا تهمل، مع جميع ما قدمته لك، النظر فى الأسنان، والسحن، والبلدان، والعادات، والأعمال، ~~والحالات! فإن علم جميع ذلك واجب ضرورة على كل من أحب إصابة الطريق المحمود فى تغذيته ~~لجسمه، ولغيره. فتدبر بذلك، وقس عليه! PageV01P04 ~~3 ### || القول فى المشروبات # وأما المشروبات، فالعلم بقواها وأفعالها واجب أيضا، ليستعمل نافعها ويحذر ضارها. ولا يقدر على ~~ذلك 〈إلا〉 من جهة أمزجتها وطبائعها. ولأن الماء أقدمها كلها فى الشرف، والطبع، والمرتبة، والنفع، ~~فلذلك يلزم العناية بعلم حالاته التى بها يغير الأبدان. وذلك أن حاله الطبيعية له هى واحدة، لا ~~تختلف. وذلك أنه جوهر لا لون له، ولا طعم، ولا رائحة، ولكنه بارد رطب، وخلق جسمه لا ثبات ~~له، ولا اتصال لأجزائه، إلا بضام يضمها، ومكان أجزائه ثبات بعضها عند بعض بجربة. ~~فلذلك لا يغذو، غير أنه نافع فى نضج الغذاء، ونفوذه إلى أجزاء الأجسام. # فأما ما وجد من المياه مخالفا لما ذكر، فبغير شك أن جسمه قد خالط غيره من الأجسام ذوات ~~الكيفيات، واكتسب بذلك كيفيات لم تكن 〈له〉، كالمياه الكبريتية، والبورقية والشبية، ~~وأشباه هذه من المياه المختلفة الطعوم والأفعال. ولذلك صار له طعم، ورائحة، أو ثقل عن وزن غيره، ~~ولأجل ذلك يصير مغيرا للأبدان، ومؤثرا تأثيرات مختلفة فيها. # فيجب على الطبيب أن يعنى بمعرفة قوى المياه، واختلافها. فإن الضرر الداخل على الجسم من إهمال ~~أمر الماء عظيم جدا، لأجل الحاجة إليه فى البقاء، واستعماله دائما. وأمره، وأمر الهواء، وأمر فصول ~~السنة إذا اختلفت، وأمر الرياح فى عمومها للأبدان، أمر واحد فى الضرر الداخل على الأجسام ~~منها. # ولذلك قال بقراط هذا القول، قال بقراط: من أراد طلب الطب على طريق المستقيم، فينبغى أن ~~يفعل هذه الأشياء التى أنا واصفها وهى أن يتفكر أولا فى أوقات السنة، ما الذى تقدر أن تفعل، ~~وذلك أن بعضها لا يشبه ms047 بعضا، لكنها مختلفة جدا فى أنفسها، وفى تغيرها. ثم ينظر بعد ذلك فى ~~الأرياح الحارة منها والباردة، وخاصة ما يعم منها جميع الناس، ثم ما يخص منها كل واحد من ~~البلدان. وقد ينبغى له أيضا أن يفكر فى قوى المياه. فإنه كما قد تختلف المياه فى الطعم والوزن، ~~كذلك قوة كل واحد منها مخالفة جدا لغيره. # وإذا تدبرنا ما أمرنا به بقراط بأفكارنا، علمنا أن الماء عظيم النفع فى حفظ الصحة، إذا كان ~~موافقا، وعظيم المضرة، إذا كان غير موافق. ولا يقدر على تمييز ذلك، وتحصيله، أكثر مما ميزه PageV01P044 ~~القدماء، وأشدهم تحصيلا لذلك بقراط. فاستمع لتعليمه، واعن بحفظه، لتصل إلى بغيتك ~~فى صناعة الطب! # قال بقراط: وأريد أن أخبر عن سائر المياه، ما كان منها أقربها إلى إحداث الصحة. وأنا واصف ما ~~يجب أن يحدث عن الماء من الآفات، وما يحدث عنه من الماء المالح. وذلك أن حظ الماء فى المعونة ~~على الصحة عظيم جدا، فأقول: إنه ما كان من المياه آجاميا قائما وغائضا، فيجب ضرورة ~~أن يكون فى الصيف حارا، غليظا، ذا رائحة، من قبل أنه لا يجرى فينفد، لكنه لما كان الماء المطر لا ~~يزال يمده دائما، فلا تزال الشمس تحرقه، وجب ضرورة أن يكون حائل اللون، وديئا، مولدا ~~للمرارة، وأن يغلب عليه فى الشتاء الجمود، والبرد، والكدورة، من قبل الثلوج، والجمد، حتى ~~تكون هذه المياه أقرب إلى توليد البلغم، وأولاها بإحداث البحوحة، وأن تحدث لشرابها دائما ~~أطحلة عظيمة صلبة. # ثم قال بعد: فالأمر عندى فى هذه المياه أنها رديئة فى جميع الأمور. وقال: ثم من بعد هذه المياه التى ~~ينابيعها من مواضع صخرية، وذلك أنه يجب ضرورة أن تكون هذه المياه خشنة، وكذلك المياه التى ~~تنبع من أرض فيها مياه حارة، أو يتولد فيها حديد، أو نحاس، أو فضة، أو ذهب، أو كبريت، أو ~~شب، أو بورق، فإن هذه كلها إنما تتولد عن حصر الحرارة. فليس يمكن أن يتولد عن هذه الأرض مياه ~~صالحة، لكنها يجب أن ms048 تكون خشنة، ملهبة، عسرة الدور بالبول، ممانعة لانطلاق البراز. # وقال: وأفضل المياه هى الجارية من مواضع مشرفة عالية، ومن جبال مدرية. فإن تلك المياه مياه ~~عذبة صافية، والذى تحتمله من الخمر قليل، وتكون فى الشتاء حارة، وفى الصيف باردة. ~~فإنها إذا كانت كذلك، كانت من أبعد الينابيع غورا. # وقال أيضا يصف المياه الفاضلة: أما ما كان منها ينابيعه مقابلة لمشارق الشمس، فتلك المياه أفضل ~~المياه. ثم من بعدها ما كان من المياه فيما بين مطالع الشمس الصيفية وبين مغاربها، وخاصة ما كان ~~منها مقابلا لمطلع الشمس. ثم الثالثة بعدها المياه التى فيما بين مغارب الشمس الشتوية وبين ~~الصيفية، وأردأها المياه التى تقابل الجنوب، وهى التى تقابل ما بين المشرق الشتوى وبين المغرب، ~~وهذه المياه تكون فى أوقات هبوب الرياح الجنوبية رديئة جدا، وتكون عند هبوب الرياح الشمالية ~~أجود. وقال: وينبغى أن تستعمل هذه المياه على هذا الطريق، أما من كان صحيحا قويا، فلا ينبغى PageV01P045 ~~له أن يميز بين المياه، لكن يشرب منها ما حضره. # وقال يمدح ماء المطر: إن ماء المطر أخف المياه، وأصفاها، وأعذبها، وأرقها. وذلك أولا من قبل أن ~~الشمس إنما ترفع من الماء، وتسلب منه أرقه، وأخفه. ومما يدلك على ذلك أمر الملاحات، وذلك أن ~~الجزء المالح من الماء يبقى فيها، بسبب غلظه وثقله، فيصير ملحا، وتسلب الشمس أرق الماء، لخفته، ~~فترفعه. والشمس ترفع ذلك لا من المياه العذبة فقط، لكن قد ترفعه من ماء البحر أيضا، ومن جميع ~~الأجسام، وترفع من أبدان الناس دائما أرق ما فيها من النداوة، وأخفه. ومما يدل على ذلك أعظم ~~الدلالة أن الإنسان إذا مشى فى الشمس، أو جلس فيها، وعليه ثوب، فإن ما كان من جسده بارزا ~~للشمس، لا يعرق، وذلك أن الشمس تسلب دائما ما يبرز من العرق، فترفعه. وما كان من بدنه ~~مغطيا بالثوب أو بغيره، أى شئ كان، فإنه يعرق، وذلك أن الشمس تخرج العرق قسرا ~~والجبة تحفظه، وتبقيه، حتى لا تبيده الشمس. فإذا انتقل ذلك الإنسان ms049 إلى الظل، عرق بدنه كله ~~على مثال واحد. وذلك أن شعاع الشمس عند ذلك لا يقع عليه. # قال: ولذلك صار ماء المطر أقرب المياه إلى العفونة، وإلى أن يصير له رائحة رديئة، لأنه إنما تجمع ~~من رطوبات كثيرة جدا، فهو مختلط منها. فيجب من ذلك أن يكون أولى المياه بأن يعفن. # ثم لما أورد أبقراط، بعد هذه الأقاويل، كيف يتكون المطر، قال: فهذا الماء واجب أن يكون أول ~~المياه، لكنه قد يحتاج إلى أن يهذب، بأن يغلى. ثم قال: فإن لم يفعل به ذلك، صارت له رائحة ~~رديئة، وأحدث لمن يشربه بحوحة، وسعالا، وثقل صوت. وقال بقراط: وأما ماء الثلوج، وماء ~~الجمد، فكله ردئ، وذلك أن الماء إذا جمد مرة، لا يعود إلى طبيعته الأولى. لكن ما كان منه صافيا، ~~خفيفا، عذبا، انحصر، وباد، وتبقى منه أعكره، وأقربه من القائم # وإذ قد ذكرت فى هذا الموضع هذه الفصول من كلام بقراط، ليستدل منها على ما الحاجة إليه ماسة ~~من أمر الماء، ولتكون أيضا حاثة لك على تقصى علم ذلك من مواضعه من كتب ابقراط ~~وجالينوس، فإنى عائد إلى القول فى المنافع بالاستحمام بالماء، وأقول: إن المنافع بالاستحمام بالماء ~~مختلفة أيضا للأصحاء والمرضى. وذلك أن من الأبدان الصحيحة ما يوافقها الاستحمام بالماء العذب ~~البارد. وكذلك قد يوافق بعضها المائلة إلى الملوحة، وإلى البورقية، وإلى الشبية، وغير هذه من المياه ~~ذوات الطعوم الأخر الحارة الموجودة فى الحمامات، وغير الحارة. وكذلك قد توافق هذه ~~الأصناف من المياه لبعض المرضى دون بعض، ولأسنان دون أسنان، وفى بلدان دون بلدان، وللعادات ~~فى ذلك أيضا حظ عظيم، فيجب عليك اختبار ذلك وتقصيه. # واجتهد فى التقصى على محمود المياه من مذمومها بالأوجه التى وصفها بقراط، وبهذه الأوجه التى ~~نذكرها هاهنا، وهى هذه: إجعل دلالتك التى تستدل 〈بها〉 على خفة الماء، وجودته، سرعة برده، PageV01P046 ~~وسرعة سخونته! وهذا هو قول بقراط فى ذلك، قال: الماء الذى يسخن سريعا، ويبرد سريعا، هو أخف ~~المياه. وفى الخامسة من كتابه فى الفصول: ms050 وخفة وزنه بمقايسته لغيره، وسرعة جفاف ما يعجن به، ~~مع سرعة نضاج ما يطبخ 〈به〉. # وبعد ذكرى لهذه الجمل، فقد ينبغى أن أتبعها بذكر الخمر والنبيذ، لما فى ذلك من المنافع. فإن للخمر ~~منافع للأصحاء والمرضى. فأما الأصحاء، فإنه يغذو أسرع مما تغذو سائر الأغذية الباقية، لسرعة ~~نضجه ونفوذه إلى الكبد، واستحالته إلى الدم، لما له فى خاصة مزاجه من الحرارة. فهو لذلك يكثر ~~الدم، ويصفيه، وينفى عنه بالبول كثيرا من الرطوبات المخالطة له، وهو ينضج ما صادف فى ~~المعدة، والكبد، بحرارته من البلغم، وما لم يستحكم نضجه من الأخلاط. وكذلك صار أصحاب ~~الأمزجة الباردة، والمعد الكثيرة البلغم، ينتفعون به، وخاصة عند أخذهم القليل منه فى جملة أغذيتهم. ~~وبما له من الفضائل صار يقوى البدن، ويكسبه خصبا، ولونا مشرقا، ونشاطا للحركات والأعمال. ~~ولذلك أيضا هو يكسب النفس سرورا، وفى بعض الأمزجة يجود الخاطر، ويحد القريحة. جميع ~~هذه المنافع يفعلها فى الأصحاء، مع ما له من المنافع فى المرضى، إذا استعمل منه ما جاد فى ~~جوهره، واعتدل فى كميته وكيفيته، وبحسب الأصلح، ليستعمله فى حال طبعه، وسنة، وعمله، ~~وعادته، والوقت من السنة، والبلد الذى هو ساكنه، وغير ذلك مما لا بد من النظر فيه. # فأما إن أهمل النظر فيه، 〈أ〉و فى واحد من هذه الأشياء، أو فى أكثر من واحد، كان الضرر الداخل ~~على الإنسان، فى نفسه وجسمه، بحسب ذلك، وخاصة إن جعل شاربه غرضه من شرب الخمر والنبيذ ~~الالتذاذ به، وطلب السكر منه، ودوام ذلك، فإنه سيؤول به الأمر من المضار العاجلة إلى ما يكثر ~~تعديده، ووصفه. وأنت إن افتقدت المضار والعيوب التى يجلبها على من داومه بكثرة، ~~وجدتها ظاهرة، يعرفها من ليس هو طبيبا بسهولة، عندما يجعلها باله. فكم من جسم صحيح ~~قد أمرضه! وكم صنوفا من الموت قد أحدثها! وكم أدمغة قد أفسدها، فذهب بحفظها، وأساء ~~تمييزها، وكدر تخيلها! وكم أعصاب قد يبسها، وأعضاء قد أرعشها، وحواس قد أضعفها! وكم صنفا ~~من التغايير الرديئة يحدث للنفس فى نومه! ms051 فكيف إذا تمادى بصاحبه الإدمان على كثرته، لأنه ~~ينقل شاربه، بعد سروره، إلى الطرب واللعب، كلعب الصبيان، ثم ينقل الإنسان إلى ظنه بنفسه PageV01P047 ~~الشجاعة، فيحمله على التهور فى المهلكات، ويصور له القبائح بصورة المستحسنات، ثم آخر أمره ~~يؤول بصاحبه إلى العجز عن الحركات المستقيمة، إلى الحركات المضطربة، حتى ربما قذف وبال بين ~~الحضور، وهو لا يعلم، فتصير منزلته فى وقته ذلك منزلة الأطفال الذين تجرى هذه الأفعال ~~منهم مجراها من البهائم، بغير عقل ولا تمييز! فهذه جمل من عيوب شرب الخمر، وجمل من منافعه، ~~ولك أن تفهم منها من فروعها ما لم أر للتطويل بذكره وجها. # وبعد ما ذكرته، فقد بقى أن أقول لمن أراد استعماله: فمنافعه أن تنظر فى اختلاف أصنافه، فإن الخمر ~~الأسود، الغليظ، القابض، هو مضاد للأبيض، الرقيق، المائى. فأما الأحمر المائل إلى الصفرة، فهو ~~متوسط بينهما. وأعنى بأن الأسود مضاد للأبيض فى أفعاله لأن الأسود، لغلظه، لا ينفذ عن ~~المعدة بسرعة، بل يبطئ فيها، وهو يغلظ الدم ويغذو. فأما الأبيض، فيفعل أضداد هذه الأفعال، وهو ~~أشد إدرارا للبول، لسرعة نفوذه، وأقل إسخانا للبدن. وإذا كان الأمر فى هذين الطرفين كذلك، فأفعال ~~المتوسط بينهما متوسطة أيضا. ولأن من الخمور ما هى متوسطة أيضا بين هذا الأوسط وبين الأطراف ~~بمراتب كثيرة مختلفة — فمنها ما هو قريب من المتوسط، ومنها ما هو قريب من الأطراف — فلذلك ~~ينبغى أن تميز أصنافها، وتقيسها بالمتوسط الذى هو أعدلها، لتعلم طبعه، وتأثيره فى أجسام ~~الأصحاء والمرضى. # ويتبع الخمر من الأشربة ما عمل من الزبيب. فإنه أقرب إليه مما عمل من التمر، وغيره من المسكرات ~~على اختلاف صنعتها. فقس جميع تلك بما ذكرته من أمر الخمر! وأنت تقدر على تعرف فعلها فى ~~الجسم من اختلاف طعومها. # وكذلك فافعل فيما لا يسكر من الأشربة، لكنه ينفع فى حفظ الصحة، ومعالجة الأمراض، كالمشروبات ~~المستخرجة من الثمار، كماء الرمان، وماء التفاح، وماء السفرجل، ونظائر ذلك، وما يركب ~~من هذه، وما يعمل أيضا من السكر والعسل، وغيرها من ms052 الأشربة المختلفة أصنافها، المتغايرة ~~أفعالها. # فلذلك يجب أن تأخذ نفسك فى تعرف أصنافها، وتقصى وجوه تراكيبها، وما تؤثره فى صنف صنف ~~من الأمزجة، لتستعمل منها ما احتجت إلى استعماله على ثقة. واعن بمعرفة شراب العسل، وأصناف ~~تراكيبه! فإنها كثيرة، بحسب الحاجات إليه، والحاجات إليه فى حفظ الأصحاء، وفى معالجة المرضى، ~~عظيمة جدا. # واعلم أن اختلاف أفعاله فى حل الطبع، وعقله وإدراره للبول، وقلة إدراره، وقطعه للعطش، ~~وزيادته فى العطش، وإنضاجه للأخلاط، وقلة إنضاجه، وتغذيته للبدن، وقلة غذائه، جميع ذلك يفعله PageV01P048 ~~بحسب كثرة مزاجه بالماء، وقلته، وتوسطه، وبحسب وجه استعماله من الحار، والبارد، ووقت استعماله ~~أيضا. فإن النظر فى جميع ذلك يعينك على تقدير ما تستعمل منه، وفيمن، وعند أى الحالات، ويدلك ~~على الموافق من المشروبات لكل واحد من الناس، وفى حالة واحدة من حالات الجسم. فتدبر ذلك، وقس ~~عليه، والتمس جميع ما أحببته منها من الكتب التى وصفت فيها هذه الأشربة، وتفقدها فى كل صنف ~~منها من المفردات! فإنك بذلك تصل إلى حقيقة مطلوبك. PageV01P049 ### || القول فى الاستفراغ والاحتقان # نظر الطبيب فى أمر الاستفراغ والاحتقان يجب أن يكون على وجهين: أحدهما للحاجة إليهما ~~فى أمر حفظ صحة الأصحاء، والثانى فى أمر معالجة المرضى. فالاستفراغ والاحتقان فى حال الصحة ~~هما طبيعيان، وفى حال المرض هما عرضيان. وذلك أن البارئ تعالى جعل للأجسام المغتذية ~~النامية قوة تجذب إليها ما يوافقها من الأغذية، وقوة أخرى تحفظ عليها ما انجذب إليها، ~~إلى أن ينهضم. وبعد ذلك تغتذى منه بما وافقها، وما فضل مما لا يوافقها، يندفع عنها بقوة أخرى ~~خلقت فى الأعضاء، لدفع ذلك عنها. فإذا كان الجسم صحيحا، فعلت هذه القوى الأربع أفعالها فى ~~الأوقات التى تخصها، وإذا ضعفت أفعال هذه القوى، أو لم تفعل أفعالها البتة، أو فسدت، أوتأخر ~~فعل بعضها عن وقته، دل ذلك على مرض بالجسم. فلذلك يجب على الطبيب أن يعنى بمعرفة ~~الاستفراغ والاحتقان فى تدبير جسم الإنسان، إذ كان غذاء الجسم ليس هو جميع ما يأكل الإنسان ~~ويشربه، لكن ms053 اغتذاء أجسامنا إنما هو بالذى يصير شبيها بها فقط، فأما ما لم يكن فيه المشابهة، ~~فإنما يبقى فضلا، 〈لا〉 ينتفع ببقائه فى الأعضاء المغتذية. # فلذلك خلق البارئ جل وعز فى كل جسم مغتذ منافذ وطرقا تبرز منها تلك الفضلات، ~~تدفعها القوة الدافعة لها عن المغتذى. وذلك كمنفذ البراز، ومنفذ البول، ومنافذ العرق، والأثقاب ~~التى يبرز منها فضل عضو عضو، كالفم، والمنخرين، والأذنين، وبالجملة سائر الأثقاب التى أعدت ~~لذلك. # وإذا كان الأمر على ما قلنا، فقد يلزم الطبيب العناية بمعرفة نوع ما يستفرغ من البدن فى حالة ~~الصحة. فإن وجده يبرز عن البدن بالمقدار الذى يجب، وفى الوقت الذى ينبغى أن يبرز فيه، وهو ~~الوقت الذى قدرته الطبيعة للبروز، اكتفى بفعلها، وكف عن معاونتها. وإن وجد ما يبرز من تلك ~~الفضلات قد خرج عن الأمر الطبيعى، وجب عليه أن يرد ما خرج عن الأمر الطبيعى إلى مجراه ~~الطبيعى، إذ كان الطبيب خادما للطبيعة. # وخروج ما يبرز من البدن عن الأمر الطبيعى هو على ضربين: إما أن يكون ما يبرز من البدن أكثر مما ~~ينبغى، أو أقل. فإن كان أكثر، وجب عليه قطعه، ومنعه، وإن كان أقل، وجب عليه إسهاله، ~~ودفعه. ولن يقدر الطبيب أن يأتى فى ذلك الأمر المستقيم، إلا بعد أن يعلم لم احتبس ما كان من ~~عادة الطبع دفعه، ولم اندفع ما لم تجر عادة الطبع بدفعه. ومثال ذلك البراز، والبول. فإن PageV01P050 ~~نوعيهما، وما ماثلهما من فضلات الجسم، من شأن الطبع أن يدفعها عن الجسم، ويخرجها فى أوقات ~~معلومة، بمقادير مناسبة لما يرد إلى البدن من الأغذية، وبكيفيات متشابهة، هذا إذا كان البدن ~~صحيحا، والتدبير موافقا. فأما ما لم يجعل له الطبع استفراغا بنوعه بتة، فالدم من الذكور، ولو قيل ~~من الأناث أيضا، لكان قول حق، إذ الحيض المنبعث من الأناث ذوات الحيض، إنما هو فضل من ~~فضول الدم والبدن. # ولا يمكن أيضا الطبيب أن يستعمل الأمر الواجب فى الاستفراغ، والاحتباس، دون أن يعلم الأشياء ~~التى يكون بها الدفع، ms054 والحبس. فإنه، وإن علم مثلا أن البراز قد احتبس لكيفيته هو فى نفسه مثلا — ~~أعنى ليبسه، أو لغير ذلك من الكيفيات المانعة له من الخروج، أو لأن القوة الدافعة قد ضعفت عن ~~دفعه، أو لأن مانعا ما قد سد طريقه ومنفذه، كورم قد عرض فى بعض الأمعاء — فإن علمه ~~بذلك، وأمثاله، لا يغنيه فى استفراغ ما قد اعتقل، دون أن يعلم بأى شئ ينبغى أن يكون الاستفراغ. ~~وكالذى قلناه فيما احتبس، فكذلك ينبغى أن تفهمه أيضا فيما استفرغ. وإنما ذكرت هذه النكت ~~فى هذا الباب، لتكون منبهة لك، أيها الطبيب، وحاثة، حتى تعرف أصولها، وفروعها، من الكتب ~~التى وضعها قدماء الأطباء فى ذلك. # فإن بقراط قد ذكر جملا من أمر الاستفراغ، وحالاته، واجب علمها على من عنى بحفظ صحة ~~الأصحاء، وبمعالجة المرضى. منها قوله هذا، قال بقراط أيضا: إن كان ما يستفرغ من البدن ~~عند استطلاق البطن والقئ اللذين يكونان طوعا من النوع الذى ينبغى أن ينقى منه البدن، نفع ذلك، ~~وسهل احتماله. وإن لم يكن كذلك، كان الأمر على الضد. وكذلك خلاء العروق، فإنها إن خلت من ~~النوع الذى ينبغى أن تخلو منه، نفع وسهل احتماله، وإن لم يكن كذلك، كان الأمر على الضد. # قال بقراط أيضا فى المقالة الرابعة من هذا الكتاب، أعنى كتابه فى الفصول: إنما ينبغى أن ~~يسقى من الدواء ما يستفرغ من البدن من النوع الذى إذا استفرغ من تلقاء نفسه، نفع استفراغه، ~~فأما ما كان استفراغه على خلاف ذلك، فينبغى أن يقطعه. # وكما أنك، أيها الطبيب، مضطر عند استفراغك لفضلات أخلاط البدن، وفضوله، إلى النظر فى مزاج ~~البدن، وسحنة ذلك الإنسان، وسنه، وعاداته، وصنعته، والزمان الحاضر، وحال الهواء، وحال البلد، ~~فكذلك يجب أن تنظر أيضا فى هذه الأشياء يوما فيوما عند قصدك استفراغ ما قد احتبس من ~~فضلات أغذية البدن عضوا عضوا من أعضائه. # واستعن فى دفعك لما تريد إخراجه بالحركة! فإنها تثير ما يقصد لدفعه، ويضد ذلك السكون. ولهذه ~~العلة يأمر بقراط من ms055 شرب دواء سهلا بالحركة، لأنها تحمى أخلاطه، فترقها. ولذلك يكون جذب الدواء PageV01P051 ~~لها، ودفعه، أسهل وأسرع. قال بقراط: إذا سقيت إنسانا خريقا، فليكن قصدك لتحريك بدنه ~~أكثر، ولتنويمه ولتسكينه أقل! وقد يدل ركوب السفن على أن الحركة تثير الأبدان. # ومع ما للحركة الموافقة، والرياضة المعتدلة، من دفع الفضلات، واستخراجها، فإن للاستحمام بالماء ~~المعتدل الحرارة أيضا فى ذلك حظا، وكذلك للدهن، والدلك، وأخذ ما يؤكل ويشرب من ~~الأشياء الموافقة فى الاستفراغ، والاحتقان. # وأنت تقدر على تعلم هذه الأمور من كتب جالينوس، وغيره من القدماء. فإن جالينوس قد صنف ~~لما ذكرناه من أمر الاستفراغ، والاحتقان، ولتصنيف الرياضات، وبالجملة سائر ما ينتفع به الأصحاء ~~من ذلك، كتابت قسمه ستة مقالات، وسماه كتاب تدبير الأصحاء، أنت تحظى منه بجميع ~~غرضك. PageV01P052 ### || القول فى النوم واليقظة # ومما ينبغى للطبيب أيضا أن ينظر فيه من أمر النوم واليقظة هو أن يعلم ما الذى يفعله كل واحد منهما ~~فى أجسام الأصحاء، ثم فى المرضى، ليقدر لكل بدن من أبدان الحيوان، بحسب حاله، المقدار ~~الكافى، الموافق فى حفظ الصحة، وفى معالجة المرضى، لأن النوم أحد الأمور الطبيعية التى لا قوام ~~لصحة الإنسان إلا بها. فلذلك له وقت محدود فيما بين الأمور الطبيعية، وزمان معلوم، بينه ~~الجليل بقراط فى المقالة السادسة من كتاب ابيديميا، فقال: التعب، والطعام، والنوم، والجماع، ~~ينبغى أن تستعمل كلها بالقصد. قال جالينوس: إن قوله «بالقصد» هو إشارة إلى تحديده مقاديرها ~~لشخص شخص. ولذلك صار النوم يوجد فى سائر أسنان الناس بالطبع. # فنقول: إن من لطف البارئ تعالى بالحيوان أنه جعل له النوم راحة لجسمه، وليعود إلى البدن به ~~عوض ما تحلل منه فى اليقظة. وذلك أن اليقظة تنتشر معها الحرارة الغريزية إلى ظاهر البدن، وإلى ~~سائر أقطاره، وينبسط معها الدم الذى هو مركبها، وينشرها فى البدن، فيتحرك الحيوان بقوة ~~الحرارة، لأعماله، ومعيشته. وكلما تحرك، تحللت من بدنه من الرطوبات جزء بعد جزء، ~~ويكسبه ذلك يبسا. ولو دامت عليه الحركات، واتصلت اليقظة، لأفرط اليبس على بدنه، وهلك. ms056 ~~فلذلك جعل الله تبارك وتعالى أزمان النوم بين أزمان اليقظة، لتجتمع الحرارة فى وقت النوم إلى باطن ~~البدن، فتستولى البرودة على ظاهره، وتسترخى أعضاء الحيوان، وتعطل حواسه، فيسكن من أعماله، ~~وتأخذ الحرارة فى هضم أغذيته، وإصلاح رطوباته، لتوافق الأعضاء، فتأخذها بقوتها الجاذبة، فتترطب ~~بها، ويكون ذلك خلف ما تحلل. # وتقوى أيضا بالنوم القوة الماسكة، والقوة المغيرة، والقوة الدافعة. ومعلوم أن بصلاح هذه القوى الأربع، ~~وجودة أفعالها، يكون البدن صحيحا، وأفعاله مستقيمة. وأيضا فإن النوم مع أنه يقوى القوى ~~الطبيعية، فإنه يضعف القوى النفسانية، لأن الحواس، وقوى العقل فيه، تضعف، لامتناعها من ~~أعمالها. # فإذا كان ذلك كذلك، فقد يجب على الطبيب، إذا علم ذلك، أن يعلم المقدار من النوم واليقظة لكل ~~إنسان، إذ كان لكل إنسان منهما مقدار طبيعى، بحسب مزاجه، وعادته، وأعماله، وأغذيته، وبحسب ~~السن، والفصل، وحال الهواء. فإذا خرج أحدهما عن حاله الطبيعية فى كميته، أو وقته، دل ذلك على ~~أمر ردئ خارج عن صحة ذلك الجسم. PageV01P053 # ولذلك قال بقراط: النوم والأرق، إذا جاوز كل واحد منهما المقدار القصد، فتلك علامة رديئة. ~~وأيضا فإن الطبيب، إذا رأى النوم مثلا قد خرج عن اعتداله، استدل بذلك على مرض ما، قد حدث ~~بالدماغ، إذ كان النوم إنما هو حال خاص بالدماغ، يحدث مع يرده ورطوبته المعتدلين. فإن ~~أفرطا عليه، أحدثا به السرسام البارد. # ولذلك قال جالينوس: وبعد: النوم يكون من برد الحاس الأول، أعنى الدماغ، وذلك البرد، إذا كان ~~قويا، ثم خالطته رطوبة، حدث منه المرض الذى يسمى ليثرغس، وهو السرسام البارد. ومتى كان ~~معه يبس، حدث منه المرض الذى يسمى قاطاليبسس، وهو الجمود، وكذلك الأرق يكون من ~~سخونة الحاس الأول، إلا أن تكون تلك السخونة إما أن تكون مزاجا رديئا مجردا، وإما أن تكون ~~بغلبة من المرة الصفراء. # وقال بقراط: إذا كان النوم فى مرض من الأمراض يحدث وجعا، فذلك من علامات الموت. وإذا كان ~~النوم ينفع، فليس ذلك من علامات الموت. وقال بقراط أيضا: متى سكن النوم اختلاط الذهن، ms057 ~~فتلك علامة صالحة. فاجمل استدلالك من النوم واليقظة، بحسب ما ذكرناه لك من حالاتهما، وما ~~ذكره القدماء فى ذلك. واعلم أن النوم، وإن كان يتبعه احتباس ما يستفرغ، ويتبع اليقظة استفراغ ما ~~هو محتبس، فإنهما يفعلان ذلك، بحسب اختلاف حالات أخلاط البدن. وذلك أن النوم، إن صادف فى ~~البدن خلطا لم ينضج، وغذاء لم يستمرأ، أنضج وجود الاستمراء، وسخن، ورطب. وإن وجد البدن ~~نقيا، محتاجا إلى غذاء، قوى الحرارة، فتفنى ما صادف من الرطوبات. فلذلك تعقب قلة المادة ~~برودة البدن. فأما إن صادف مادة معتدلة، قوى بها الحرارة الغريزية، فكان نفعه عظيما، كما أنه، إن ~~صادف مادة كثيرة، عسرة النضج، قاهرة للقوة، كان النوم ضرره عظيما، كالذى يعرض فى ابتداء ~~نوائب الحميات النائبة. ولذلك يأمر الأطباء فى مبتدأ النوبة بترك النوم. فاستعمل النوم، ~~واليقظة بحسب هذه القوانين! # وقد قال بعض القدماء: إن النوم فيه مماثلة ما للموت، لأن الإدراك بالحواس والتمييز يبطلان معهما، ~~ولا يكون معهما علم لمحسوس. فلذلك ينبغى لطالبى العلوم، والفضائل، أن لا يتوفروا على النوم، بل ~~يتوفروا فى مدة حياتهم على إصابة الحقائق من العلوم، والفضائل، وإلا، كانت يقظتهم نوما، ~~وحياتهم موتا. PageV01P054 ### || القول فى الأعراض النفسانية # ومن الواجب على الطبيب أيضا أن يعلم ما الأعراض النفسانية، وكم أصنافها، وعماذا تحدث فى كل ~~صنف منها. فإنه، إن لم يعلم ذلك، لم يقدر على حفظ الطبيعى منها، ولا على نفى ما ليس ~~بطبيعى. وقبل جميع ذلك، يجب أن يعلم أن للإنسان قوة يميز بها ويفكر، وقوة أخرى يغضب ~~بها ويحرد، وقوة ثالثة يشتهى بها، ويشتاق إلى اللذات، وأن هذه الثلاث قوى بها يتم ~~للإنسان حركاته وأفعاله. والقدماء يسمونها قوى نفسانية، لأنهم وجدوا الأخلاق، والعوارض ~~النفسانية، أنواعا لهذه الثلاثة الأجناس من قوى النفس. # وأيضا ينبغى أن يعلم ما الذى يريد القدماء بقولهم «عارض». ولأن جالينوس قد شرح ~~ذلك، وبينه، فيجب أن أحكى قوله بلفظه. قال جالينوس: إنه متى مادامت نفس الإنسان باقية على ~~حالها، فتلك الحالة لها كالسكون والهدوء. فإن ms058 تغيرت حالها، توهمنا ذلك التغير كالحركة لها. ولأن ~~الحركة منها ما يكون من نفس المتحرك، ومنها من قبل غيره، سمينا الحركة التى تكون من ~~نفس المتحرك فعلا، وسمينا الحركة التى تلحقه من قبل غيره عارضا. والمثال فى ذلك أنه، إن أخذ ~~〈إنسان〉 شيئا، فنقله من موضعه إلى موضع آخر، كانت حركة اليد فعلا لذلك الإنسان وليده، وكانت ~~حركة الشئ عارضا للشئ. وهذا حكم الفعل والعارض فى حركة المكان. وأما فى التغير، فإنه متى ~~سخن بدن إنسان، من نار، أو من حر الشمس، كانت السخونة عارضة للبدن، والإسخان فعل الشئ ~~الذى أسخن. # ولما قدر الخالق تعالى لمصلحة بدن الإنسان من هذه القوى، ومن أفعالها، مقدارا ما، وجب أن يكون ~~ذلك المقدار هو الطبيعى لذلك الإنسان، وما نقص عنه، أو زاد عليه، فهو غير طبيعى. ولذلك يكون ~~الطبيعى صحة لتلك القوة، ولذلك الجسم، والغير طبيعى مرضا لهما. ولأن النفسين البهيميتين اللتين ~~فى الإنسان كثيرا ما تضران بالنفس الناطقة، وخاصة الشهوانية منهما، لأجل اللذة المقرونة بها، ~~فلذلك وجب أن يكون للذة وقت محدود، وقدر معتدل. ومتى جاوزت ذلك المقدار، ضرت، وأمرضت. ~~ولذلك صارت النفس العاقلة هى المصلحة لهذا الفساد، بتقديرها، وتحديدها أوقات للفعل، ومقاديره. ~~وإذا كان الأمر كذلك، فيجب أن يعلم فعل كل نفس من هذه الأنفس، على الانفراد أولا، بغير معونة ~~من النفسين الأخرايين، ثم ما تفعله بمعونة. فالنفس الناطقة، فعلها على الانفراد هو وجود اتفاق ~~الأشياء، واختلافها. ومثال ذلك أنها، إذا سمعت قولين، وقفت على ائتلافهما من اختلافهما، PageV01P055 ~~وعرفت الحق من الباطل. وأما فعلها بمعونة غيرها لها، فهو أنها، إذا رأت النفس الشهوانية قد ~~أفرطت فى بعض حركاتها، استنجدت بالنفس الغضبية، وهى الحيوانية، لأن لهذه النفس ~~الجلد، والبطش، ولولاهما ما أمكن النهوض بفعل، ولا البلوغ إلى غاية. # وجالينوس يقول إن هذه النفس، أعنى الغضبية، جوهرها هو الحرارة الغريزية، وهذا قوله بلفظه، قال ~~جالينوس: وجوهر هذه القوة التى يقوى بها الإنسان على الصبر، والثبات فى الأعمال، فيما أرى، ~~الحرارة الغريزية، لأن حركة ms059 الحرارة الغريزية، كلما كانت أقوى، كان الإنسان أحر، وكما أن البرد ~~يورث الكسل، والسكون، والضعف، كذلك الحرارة تورث النشاط، والحركة، والقوة على الفعل. ولذلك ~~صار الشباب والخمر يبعثان الإنسان على الحركة والبطش، والشيخوخة والأدوية الباردة تورثان الكسل ~~والضعف. فإن تمادى بهما الزمان، أبطلا الأفعال والحركات. # فإذن اعتدال النفس الناطقة، هو أن تكون ذكية، كثيرة الفهم والحفظ، مشتاقة إلى الأفعال الجميلة، ~~وخروجها عن الاعتدال، هو ما قاله جالينوس من أضداد هذه. قال جالينوس: لابد، إن كانت النفس ~~الناطقة بليدة، قليلة الفهم والحفظ، غير مشتاقة إلى الأفعال الجميلة، وكانت النفسان البهيميتان ~~قويتين عسيرتى الانقياد، لم يمكن أن تعتدل. فقد يحتاج إذا أن تكون النفس الناطقة محبة للجميل، ~~مشتاقة إلى الحق، عارفة باتفاق الأشياء واختلافها، وأن تكون النفس الغضبية، وهى الحيوانية، ~~قوية، سلسة الانقياد، وتكون النفس الشهوانية، وهى النباتية، ضعيفة، لأن هذه النفس غير منقادة ~~للنفس الناطقة، كما وصفها فلاطن وشبهها بسبع ضار، وقال: إن الذى يحتاج إليه من النفس ~~النباتية ضعفها، لا أدبها، لئلا تمنع النفس الناطقة من أفعالها. # وإذا كانت قوى هذه النفوس تابعة لمزاج البدن، فما يعرض إذن لأفعالها، وأخلاقها، من ~~الأعراض التى تغيرها، وتخرجها عن الاعتدال، والأمر المحمود، إنما يحدث عن تغايير الجسم، ~~والذى يدل على 〈ذلك〉 ما يعرض لمن فزع، أو حزن، أوسر، ولمن شرب الخمر، ولغير هؤلاء ممن تغير ~~مزاجه بضرب من أمثال هذه الأسباب، أنه يخرج بذلك السبب، والتغيير العارض منه، عن خلقه، ~~وحالات نفسه التى قد عرفها لنفسه فى حال صحته، وسكون نفسه من تلك الحركة، ومن ذلك ~~العارض. # فيجب لذلك أن يكون الطبيب مرتاضا بتعرف أجناس الأمزجة وأنواعها، ليقدر بذلك على معرفة ~~مزاج الشخص الواحد من الناس الذى غرضه حفظ المحمود من أخلاقه، وقوى نفسه، أو تقويم ما خرج ~~عن الأمر المحمود منها، وأن يكون أيضا خبيرا، كثير التفقد لما يعرض للنفوس من الأعراض، PageV01P056 ~~إذ كان قد يستدل من الأعراض على قوى النفوس، وعلى أمزجة الأبدان. # فإن من كان من الناس بالطبع حييا، ليس ms060 حال مفسه، ولا مزاج نفسه، كحال من كان بالطبع قليل ~~الحياء. وإنما استثنيت بقولى «بالطبع»، لأن الأدب قد يغير الطبع بعض التغيير. فإذا أردت امتحان ~~ما فى طبع الإنسان، وأعراض النفوس، وأخلاقها، فامتحنه فيمن لم يتأدب بعد، ولا انصلحت نفسه ~~بالفضائل والعلوم، كالصبيان مثلا! فإنك تجد هذه الأعراض، والأخلاق، فيهم مفردة، وخاصة فيمن لم ~~يعود العادات المحمودة، ولا أخذ فى تأديبه، وذلك أنه يفعل ما فى طبعه فقط. # وقد وصف جالينوس من هذه الأخلاق فى الصبيان طرفا، ينبغى أن نحكيه بألفاظه، وعلى أن ~~المشاهد من ذلك قد كان يغنى ذا الفطنة والذهن. قال جالينوس: إنه قد يكون من ~~الصبيان الصغار من لا يكذب البتة، ومنهم من لا يصدق البتة، ومنهم من لا يستحى، ومنهم من هو ~~كثير الحياء، ومنهم جبان، ومنهم جرئ، ومنهم نهم، وغير نهم، ومنهم سخى، مواس بما يملك، ~~ومنهم بخيل غير مواس، ومنهم من يحب الظلم والغضب، ومنهم من يحب العدل، ومنهم من ~~يرحم، ويرق للمضروب من الصبيان، ومنهم من يسر بضربه، ويضحك لذلك، وقد يخالف بعضهم ~~بعضا اختلافات أخر من الأخلاق. # وإذا كان الأمر على ما قيل فى ذلك، فقد يجب على الطبيب معرفة الخلق الطبيعى، وما الفرق بينه ~~وبين الخلق التأدبى، ليمتحن حالات النفوس، وأعراضها، بالطبيعى، لئلا يغلطه الخلق الذى قد أصلحه ~~الأدب، والعادات المحمودة. # وكما أن مصاحبة الأخيار والأفاضل، تكسب الفضائل، وصلاح النفس، كذلك مصاحبة الأشرار، وأهل ~~العادات المذمومة، قد تفسد أخلاق كثير من الناس، وتنقلهم عن جيد الطباع إلى غيره. فلذلك يجب ~~أن يأخذ الطبيب نفسه أولا، ثم من قصد تدبيره، بإصلاح النفس، وأعراضها، ويهتم بذلك أكثر من ~~غيره، إذ كان تمام الإنسان بنفسه، والتمام أشرف من المتمم. # وفيما ذكرناه من هذه الجمل تنبيه على استيفاء هذا الغرض من كتبه، وحث على الاهتمام به، ~~وقراءة ما قاله جالينوس وغيره فى ذلك. فإن جالينوس قد بين فى كتابه فى القوى الطبيعية، ~~وفى كتابه فى آراء بقراط وفلاطن، وفى كتابه فى أخلاق النفس، وفى مقالته ms061 التى بين فيها ~~أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن، أصول كل أفعال النفس، وأخلاقها، وسائر أعراضها، PageV01P057 ~~وبين أيضا أن هذه القوى الثلاث التى سماها كثير من القدماء نفوسا، أعنى النفس ~~الناطقة، والنفس الحيوانية، والنفس النباتية، لكل واحدة منها مسكن، ومحل يختص بأفعالها. فمحل ~~النفس الناطقة الدماغ، ومحل النفس الحيوانية القلب، ومحل النفس النباتية، وهى الشهوانية، الكبد. ~~وبغير شك أن بصحة هذه الأعضاء، يصح لهذه النفوس أفعالها وبمرضها تفسد. فإذا كان ذلك ~~كذلك، فقد وجب ما قلناه فيما تقدم، وهو أنه يلزم الطبيب علم حالات هذه الأعضاء، إذا أراد معرفة ~~الأعراض النفسانية. # ولما كان كلامنا فى الأعراض النفسانية الآن، إنما هو لأجل أنها أحد الأمور الطبيعية التى عددناها ~~فيما تقدم، وهى حالات الهواء، والحركة والسكون، والمأكول والمشروب، والاستفراغ والاحتقان، والنوم ~~واليقظة، والأعراض النفسانية، والبلدان والأعمال، وسائر ما تبقى منها مما قدمنا ذكره، وكان ذكرنا ~~لهذه الأمور الطبيعية ضروريا فى حفظ صحة البدن بأسره، وفى صحة عضو عضو من أعضائه، ~~وكنا قد بدأنا على طريق المثال، والتعليم لمحبى صناعة الطب، أن نرى كيف ينتفع الطبيب بهذه ~~〈الأمور〉 فى حفظ الصحة، أعنى تعلمها، وجعلنا مثالنا لذلك من الدماغ، إذ كان أشرف أعضاء ~~البدن. ووضعنا فى كل باب، مما ذكرناه، من القول فى هذه الأمور الطبيعية جملا، وأصولا، تحث ~~المتعلمين، وتذكر العلماء بما قيل فى كل معنى منها. ولم نتممها بأسرها، لكنا تكلمنا على بعضها، ~~فلذلك يجب أن نأتى على ما تبقى منها، كالذى فعلناه فيما مضى، ليكون القول على تدبير الدماغ ~~الذى جعلناه لنا فى الأعضاء على طريق المثال تاما. ثم ننتقل إلى ذكر تدبير عضو عضو من باقى ~~أعضاء البدن بطريق وجيز، وقول مختصر، لئلا يمل الكلام لطوله. والله المعين بجوده. PageV01P058 ### || القول فى تغايير البلدان للأبدان بحسب أوضاعها # ولما كانت المساكن ضرورية فى البقاء، وكانت أوضاعها ومواقعها من الأرض مختلفة، وكانت الأبدان ~~تتغير بحسب أحوالها وأمزجتها، وكانت أيضا أمزجة البلدان قد تخرج عن حالاتها الطبيعية، فتمرض ~~سكانها، وجب لذلك على الطبيب أن ms062 يعرف حالات مدينته التى هو ساكنها، وإلى أى الأمزجة هى ~~أميل، أعنى هل الحرارة واليبس أغلب عليها، أم البرودة والرطوبة، أم البرودة واليبس، أو الحرارة ~~والرطوبة، وما الذى أوجب لتلك المدينة ذلك المزاج. # فإن بقراط قد بين الأسباب المغيرة لحالات البدن فى أمثلة أربعة، وضعها لمواقع المدن التى فى ~~الجهات الأربع، وبين كيف تكون أمزجة هذه المدن، وكيف تكون حالات سكانها. فمن فهم ما وضعه ~~بقراط من هذه الأمثلة، أمكنه أن يجعلها أصلا، وقانونا يتعرف به الحال فى أى مدينة دخلها. ~~ولذلك أمر بقراط من دخل مدينة، لم يكن عرفها، أن يتعرف وضعها، ومهب الرياح عليها، ~~ويقيسها، ويضيفها إلى تلك المدن، فيعلم بذلك حالها. # وأنا أحكى لك ما أمر به بقراط، قال: إذا ورد الوارد مدينة لا خبر له بها، فينبغى له أن يتأمل، ~~ويتفقد وضعها، وكيف هى موضوعة فى مقابلة الرياح، وفى مشارق الشمس. وذلك أنه ليس ~~حال المدينة الموضوعة قبالة الشمال، وحال المدينة الموضوعة قبالة الجنوب، حالا واحدة بعينها. ولا ~~حال 〈المدينة الموضوعة قبالة مشارق الشمس، وحال〉 المدينة الموضوعة قبالة الشمس وقت ~~غروبها، حالة واحدة بعينها. وقال أيضا: ينظر فى أمر الأرض، هل هى مكشوفة من الشجر، عديمة ~~المياه، أم كثيرة الشجر، كثيرة المياه، وهل هى فى موضع عميق، فهى ومدة، أم هى فى موضع ~~مشرف، فهى باردة. # وليس يخفى عمن أحسن التفقد لما قاله بقراط فى هذين الفصلين، أنه قد بين فيهما أسباب تغايير ~~البلدان، وهى تأثير الشمس فى تلك المدينة مقابلتها لشروقها عليها وغروبها، والثانى هبوب الرياح ~~عليها. والأشبه أن يكون إنما ذكر الرياح الشمالية والجنوبية، لقوة تأثيرها فى البلدان الموضوعة ~~قبالتها أكثر من تأثير 〈الرياح〉 الشرقية والغربية فى البلدان المقابلة لها، إذ كان تأثير ~~الشمس فى هاتين الجهتين هو الأغلب والأظهر. وطبيعة الريح الهابة من المشرق، وهى مؤثرة أيضا ~~فى البلدان الشرقية، من جنس ما تؤثره الشمس، وكذلك طبيعة الريح الغربية أيضا. # فإنما عدل بقراط إلى السبب الأول فى تغيير أمزجة البلدان الشرقية والغربية، وإلى ms063 العلة PageV01P059 ~~الأقوى. ثم إنه لما كانت البلدان قد يعرض 〈لها〉 من انكشافها، وقلة الأشجار فيها، والسواتر لما يمر ~~بها من الرياح، وحر الشمس، ما يوجب لها قبول التأثير، أكثر مما تقبله من ذلك، إذا سترتها ~~الأشجار، وجعل ذلك سببا ثالثا. وكذلك حال كثرة المياه وقلتها. # وكذلك يعرض للبلدان من جهة ارتفاعها فى العلو، ووضعها على الجبال العالية، ومن جهة انخفاضها، ~~ووضعها فى مواضع مستفلة عميقة، أن يختلف لذلك قبولها لحر الشمس، ويبسها، ولتأثير الرياح ~~بحسب أمزجتها فيها. ولذلك تختلف صور سكان المدن، وأخلاقهم، وأفعالهم، وأكثر حالاتهم، كما ~~بين ذلك بقراط، فقال: وفى بلاد اوروبى أمم يخالف بعضها بعضا فى مقادير الجثث، وفى ~~الصور، وفى الشجاعة، والأشياء التى تغير〈ها〉 هذه الأمور التى قلناها فيما تقدم. قال: ~~وأنا أشرح ذلك شرحا أبين من هذا، فأقول: إن من كان مأواه فى بلد جبلى مشرف، كثير المياه، ~~وتغايير الأوقات تكون عندهم مختلفة اختلافا كبيرا، فيجب أن تكون جثثهم جثثا عظاما، وتكون ~~مستعدة للكد، والشجاعة السبعية فى أصحاب هذه الطبائع أكثر منها فى غيرهم. وأما الذين ~~يسكنون فى مواضع عميقة، رحبة، وهدة، وتهب عندهم من الأرياح الحارة أكثر مما يهب عندهم ~~من الرياح الباردة، ويستعملون مياها حارة، فإن جثثهم لا تكون عظيمة ولا معتضدة، لكنها تكون ~~آخذة عرضا، ويكون اللحم فيها كثيرا، وتكون شعورهم سوداء، ويكون أيضا الأغلب على ألوانهم ~~الأدمة أكثر من البياض، وتكون غلبة المرار عليهم أكثر من غلبة البلغم. # فهذه الأقاويل بينة فى الدلالة على حاجة الطبيب إلى تعرف حال البلد الذى يحتاج أن يدبر سكانه. ~~وكذلك أقاويل أخر كثيرة لبقراط، لم أر إطالة هذا الباب بذكرها، إذ كان فيما أحضرته كفاية لمن ~~له قريحة، وسيبعثه ذلك على طلب ما لم نذكره من مواضعه، ليكمل هذا الباب، ولله الحمد ~~كثيرا. PageV01P060 ### || القول فى تغايير الصنائع والأعمال للأبدان # وإذا كانت أعمال الناس، وصنائعهم، لها من القوة فى إحالة الأبدان، ونقلها من كيفيات إلى ~~أضدادها، كالمزاج الحار يصير باردا، والبارد حارا، والرطب يابسا، واليابس رطبا، ms064 واللين ~~صلبا، والصلب لينا، وغير هذه من المتضادات، فلذلك يلزم الطبيب أن يعلم ما تفعله كل صناعة من ~~الصنائع فى مزاج كل واحد من الناس، الصحيح منهم والمريض، ليحفظ الصحيح بما شابهه، ويشفى ~~المريض بما ضاده. # فالصنائع التى تعانى النار والشمس مثلا، تكسب الأمزجة الحرارة، كصنائع السباكين، والحدادين، ~~والزجاجين، والكلاسين، وأشباه هذه من المهن. فإن هذه، ونظائرها، تفعل فى الأبدان، بحرارة ~~النار، وقربهم منها، وبالبعث فى معاناتها. وأضداد هذه الصنائع 〈تؤدى إلى〉 تبريد الأبدان، ~~كالصنائع التى تعانى الماء، كالغواصين والملاحين والصيادين من الماء، ونظائر هذه الصنائع. فأما ~~الصنائع التى تيبس الأبدان، فهى الكثيرة الكد والتعب، وخاصة فى الشمس، كالبنائين، وقطاعى ~~الحجارة، والنجارين، والمصارعين، والنقالين، ونظائر هذه. فأما التى ترطب الأبدان، فذوات الدعة، ~~وقلة التعب، والتى تتوفر فيها اللذات على البدن، كمهنة العطر، ومهنة الموسيقى، والمدمنين على ~~الحمامات، ونظائر هذه. # وينبغى للطبيب أن يعنى بمعرفة أمر الصنائع ذوات الكيفية الرديئة المضرة بالأبدان، وما نوع ~~الضرر الداخل منها على جملة البدن، وعلى عضو عضو من أعضائه، كالصنائع التى تفوح منها ~~الروائح الرديئة، مثل الدباغة، وتنقية طرق المياه من الأثفال، فإن هذه وما ماثلها تضر بالحواس، ~~وبالدماغ، وخاصة إذا اتصلت وتتابعت. وكالغربلة للحبوب، ودق الكتان ومشطه، وعمل الصابون، ~~والصنائع التى يعانى أربابها الدخان كثيرا. فإن هذه، وما أشبهها، كثيرا ما تضر بالصدر، والرئة، ~~وتكسب ضيق النفس. وكالذى يعرض أيضا للنقالين، والفيوح فى العروق التى تسمى المدمية ~~وما يعرض لأمثال هؤلاء من أوجاع الأوراد، وعرق النسا، وغير ذلك من الأمراض ~~المزمنة الرديئة. # وقد يضطر الطبيب أيضا فى علاجه، وحفظه للصحة، إلى علم الأخلاق، والنفس محمودها ومذمومها، PageV01P061 ~~ليستدل بذلك على حالات النفس، وهل هى من النفوس التى تصلح للعلوم والآداب، أم من التى لا ~~توافق ذلك، ولكن أجسامها غليظة، عبلة، توافق المهن الصلبة، والأعمال الخشنة، لكى يعلم ما ~~يوافق كل نفس، وكل جسم، وما يخالفهما، ليحفظهما بالشبيه، ويصلحهما بالمضاد. وبذلك يقدر ~~الطبيب أن يختار لمجالسته، ومذاكرته، وإفادة علمه، الموافق، ويحذر خلافه ومضاده. PageV01P062 ### || القول فى العادات ms065 # وللعادات أيضا قوة عظيمة فى حفظ الصحة على الأصحاء، وفى معالجة المرضى. وذلك أنه كما أن ~~فى شخص نوع الإنسان آحادا قد اعتادوا استعمال الأشياء بمقادير، وفى أوقات بحالات ~~بأعيانها، فألفوا تلك الأفعال، فصارت أمزجتهم تحتملها، وأبدانهم صحيحة عليها، متى انتقلوا ~~عنها، تغيرت صحتهم، ومرضوا، واضطربت أبدانهم، كذلك قد يوجد أيضا من سكان البلدان ~~الموضوعة فى الجهات المختلفة 〈آحاد〉 قد ألفوا واعتادوا أفعالا مختلفة، وأغذية مختلفة، وأشربة ~~مختلفة، ومساكن مختلفة، وغير ذلك من الأشياء التى هى طبيعية ضرورية فى بقاء الأجسام، فضلا ~~عما ليست بطبيعية. فصارت أجسامهم صحيحة على تلك العادات، وقد ألف بعضهم أخلاق بعض، ~~ورضى بعضهم بأفعال بعض، على أن تلك الأفعال والأخلاق عند أصناف أخر من الناس غير ~~محمودة، ولا مرضية. # ومثال ذلك أن فى أجساد الناس من قد اعتاد أكل خبز الشعير، والمواظبة على أكل الألبان ~~والأجبان، وكذلك تجد قوما قد ألفوا شرب الكثير من الخمر صرفا، وعلى أن أمزجتهم حارة، ~~فتحتمله أبدانهم، ويوافق صحتهم. ونحن نشاهد أيضا ممن أمزجتهم هذه الأمزجة الحارة لا يقدرون ~~على شرب ذلك المقدار من الخمر والأدوية بكثير، وليس ذلك إلا للعادة! وكذلك نجد قوما قد ~~رتبوا منذ صباهم فى الصنائع الشاقة، والصعبة المرام، وأجسامهم مع ذلك نحيفة ضعيفة، وهى ~~تحتمل ذلك الكد والتعب على تواتره، وتتابعه عليهم. وتجد أجساما، هى أعبل وأقوى ~~كثيرا من تلك، لا تصبر على تلك الأعمال، لأنها لم تعتدها. ألا ترى أن الأبدان التى قد اعتاد ~~أصحابها أخذ أغذيتهم بمقدار ما، متى ازدادوا من الغذاء زيادة على ذلك المقدار، ضرهم ذلك. ~~وكذلك القول فيمن اعتاد أن يأكل مرة، فأكل مرتين، 〈في〉ناله 〈من〉 الضرر ما يمرضه. # وقد قال بقراط فى هذا المعنى أقاويل كثيرة، أنا أحضر منها قولين، أحدهما مثال لتغاير ~~العادات للأشخاص، والآخر هو قول أعم، ومثال لحال الأمم المختلفة التى قد اعتادت أشياء، ~~وألفتها، فصارت لها كالطبيعة، لا يصلح أن ينتقل عنها. فأما القول الذى ينبغى أن يتعلم منه حال ~~عادات الأشخاص، فهو هذا: # قال ms066 بقراط: ومعرفة ذلك سهلة، أعنى أن التدبير الردئ بالمطعم والمشرب الشبيه بعضه ببعض، PageV01P063 ~~أوثق بالجملة، فى جميع الأوقات، فى حفظ الصحة، من الانتقال بغتة إلى تدبير آخر أجود منه. ~~من ذلك أن انتقال من جرت عادته أن يأكل مرة واحدة بغتة إلى ضد ما كان عليه، يحدث عليه ضررا، ~~وضعفا. و〈من〉 لم تكن عادته أن يتغذى فتغذى، أضعفه ذلك على المكان، وأثقل بدنه، وكسله، ~~وأرخاه. فإن تعشى مع ذلك، تجشأ جشاء حامضا. ومنهم من يعرض له لين الطبيعة، ~~والسبب فى ذلك ما أثقل معدته، على خلاف ما جرت عليه طبيعته. وذلك أن العادة جرت عنده أن ~~تكون المعدة منه خالية، وأن لا تمتلئ من الطعام مرتين، ولا تهضم الطعام أيضا مرتين. وقد ينتفع ~~هؤلاء بأن يخفف عنهم ما ينالهم عند انتقالهم فى التدبير إلى ضده. وذلك أنه ينبغى أن يناموا ~~بقدر ليلة تامة بعد عشائهم، إما فى الشتاء، فمع توق من البرد، وإما فى الصيف فمع حذر من ~~الحر. فإن لم يمكنهم أن يناموا، مشوا مشيا كثيرا رفيقا، من غير أن يقفوا. فإذا كان بعد ذلك، ~~إما لا يتعشوا، وإما يتعشوا عشاء خفيفا لا يضرهم، ويشربوا أيضا شرابا قليلا غير ممزوج بالماء. # فهذا القول من كلام بقراط كاف فى البيان، والمثال لما ذكرنا من تغير الأبدان عند انتقال العادات فى ~~أشخاص الناس المفردين. وإن أنت أحببت استماع جميع ما قاله بقراط فى أمر العادات، وما قاله ~~جالينوس فى تفسيره لذلك، فاقصد كتاب بقراط الذى عنونه بكتاب ماء الشعير المفسر ~~بتفسير جالينوس! # وأما المثال العامى فهو هذا، قال بقراط: وأعطيك دليلا من أعظم الدلائل على رطوبتهم، وهو أنك ~~تجد كثيرا من الصقالبة، أو كلهم من الأمة المعروفة منهم بالراعية، بهم كيا على أكتافهم، ~~وأعضادهم، وأرساغ أيديهم، وأوراكهم، ومقدم صدورهم. وليس ذلك لشئ سوى رطوبة ~~طبعهم ولينه، وذلك أنهم لا يقدرون على توتير القسى ولا على الرمى بالمزاريف على ~~أكتافهم بسبب رطوبتهم، وضعفهم. فإذا كووا، جفت من مفاصلهم تلك الرطوبة، وصارت أقوى ms067 ~~مما كانت، وأشد شبها بالمفاصل. ويكونون فدعا، عراضا، أما أولا، فمن قبل أنهم ~~لا يشدون بالأطمار فى حالة الطفولة كما يفعل بمصر، ولا ذلك جار على سنتهم، ~~بسبب ركوبهم الخيل ثباتا عليها، ثم من بعد ذلك بسبب القعود، وذلك أن الذكورة منهم PageV01P064 ~~ماداموا لا يقدرون على ركوب الخيل، إنما هم قعود أكثر مدة زمانهم فى العجل، وقل ما ~~يستعملون المشى لثقلهم وتصرفهم. والأناث منهم عجيب من حالهم فى الفدعة والغلظ. # وقال أيضا: فأقول إنهم يعتريهم من ركوب الخيل العلة التى تسمى باليونانية قادماطا، لتعلق الرجلين ~~دائما على الخيل. ثم إنهم يعرجون ويحرون أوراكهم متى اشتدت بهم العلة، ويداوون أنفسهم بهذا ~~الطريق: أول ما تبتدئ بهم العلة، يعمدون إلى عرقين خلف الأذنين، فيفصدونهما من الجانبين. فإذا ~~جرى الدم، استولى عليهم النوم، بسبب الضعف، فينامون، ثم ينتبهون وبعضهم قد برئ، وبعضهم ~~لم يبرأ. وأنا أرى أن بهذا العلاج يفسد المنى. وذلك أن عند الأذنين عرقين، إن فصدهما فاصد، لم ~~يولد لمن يفصدان له، فاحسبهم إنما يفصدون هذين العرقين. # وإذ قد أبنت لك جميع هذا الكلام الثانى، فقد أوجدتك الطريق إلى تعرف تغاير العادات فى أجسام ~~الأصحاء والمرضى. وإن أحببت أن تسمع من كلام بقراط فى العادات، وكيف يكسبونها سكان ~~البلدان، بحسب تغاير الأهوية، والمياه، والبلدان عليهم، فاقرأ ما قاله فى كتابه فى البلدان ~~والمياه والأهوية. فإنك تحكم منه كثيرا من أمر العادات. واكتفى بما ذكرته لك هاهنا منبها، ~~ومحركا. PageV01P065 ### || القول فى قوى الجسم وأفعالها # وقد يلزم الطبيب أن يعنى بمعرفة قوى الجسم، إذ كانت أفعال الحيوان إنما تتم للجسم بهذه ~~القوى، وبصحتها، ومتى فسدت القوة، فسد الفعل. من ذلك للعين الإبصار، وللمنخر الشم، ~~وللفم الذوق، وللأذن السمع، ولسائر أعضاء البدن الحساسة حاسة اللمس. ولا يمكن لعضو ~~من هذه الأعضاء أن يعمل عمله، إلا بقوة تخصه، قد أحكمها البارى تعالى، وأعد لها آلات فى ذلك ~~العضو. فما كان من تلك الأفعال طبيعيا، أو حيوانيا، أو نفسانيا، فله قوة تلائمه، تنبعث إليه فى ~~مجار ms068 وطرق تصلح لتلك القوة، لا يخالط بعضها بعضا، ترد إلى ذلك العضو من أصل، وينبوع ~~لتلك القوة. # وقد بين القدماء أن هذه المعادن ثلاثة، وهى الدماغ والقلب والكبد. فالدماغ ينبوع القوة ~~النفسانية، والقلب ينبوع القوة الحيوانية، والكبد ينبوع القوة الشهوانية. وبينوا أيضا أن الجسم إنما ~~يقال فيه إنه قوى على الإطلاق، إذا كانت هذه القوى ترد إلى الأعضاء من أصولها معتدلة فى ~~كميتها، وكيفياتها. وبغير شك أنها لا تكون كذلك، إلا باعتدال أصولها ومعادنها. وقالوا أيضا إن ~~كل عضو من أعضاءالجسم، يقال له قوى صحيح، إذا كانت قواه التى تخصه معتدلة أيضا. فأما إن ~~خرجت فى كميتها، أو فى كيفيتها عن الاعتدال، قيل أنه غير معتدل، ولا قوى. ووجه معرفة اعتدال ~~القوة، وصحتها، يعلم من قوة الجسم بأسره، ومن قوة كل عضو من أعضائه على انفرادها بأفعالها. ~~فإن وجدت الأفعال لا يشوبها تقصير، ولا فساد، فاستدل بذلك على صحة قوة الجسم، والعضو! وإن ~~وجدتها مقصرة، أو فاسدة، فاقض بفساد القوة، 〈أو〉بتقصيرها! # وليس يقنعك أن تعلم أن أجناس القوى ثلاثة، على ما ذكرنا، دون أن تعلم ما تحت كل جنس من هذه ~~الأجناس من أنواع القوى، فتعلم أن القوة الطبيعية أربعة أنواع من القوى، وهى القوة الجاذبة، والقوة ~~الماسكة، والقوة الهاضمة، والقوة الدافعة، وأن لجنس القوة الحيوانية القوة التى يكون بها ~~النبض، والتنفس، والقوى التى تكون بها الأنفة، والغضب، وحب الترأس، وأن للقوة النفسانية ~~نوع القوى الحساسة الخمس، ونوع التخيل، ونوع التمييز، ونوع الذكر، ونوع القوى المحركة ~~بإرادة. # وبعد تحصيلك لأنواع هذه القوى، بفصولها، وخواصها، وما لكل عضو من الأعضاء منها، فحينئذ ~~تكون قد أتقنت أمر قوى الجسم، فبذلك تقدر على حفظها على الجسم بأسره، وعلى عضو عضو من ~~أعضائه، وتقدر على إصلاح ما فسد منها، أو زيادة ما نقص، أو نقصان ما زاد، وذلك أمر ضرورى PageV01P066 ~~فى الطب. # ويلزم الطبيب أن يعلم من أمر القوى أيضا متى تفعل أفعالها، ومتى تمسك عن أفعالها، ليخدم كل ~~قوة فى وقت فعلها بما ms069 تستحقه من الخدمة. فإن القوة المولدة لا تزال تفعل التوليد إلى تمام الشئ ~~المتولد وكماله، ثم يتيسر للفعل قوة أخرى، إن احتيج إلى ذلك. ومثال ذلك فعل المولدة لتصوير ~~الجنين إن كان ذكرا، ففى ثلاثين يوما، أو خمسة وثلاثين يوما، و〈إن كان〉 أنثى، ففى أربعين يوما. ~~ثم تمسك المولدة عن فعلها، وتفعل المربية فعلها، إلى تمام عظم الشئ المتربى، كتربية أعضاء الإنسان ~~إلى تمام منتهى الشباب، وهو خمسة وثلاثون سنة. فأما الغاذية، ففعلها دائم، مادام الشئ ~~المتولد موجودا، والحيوان يحيا. # فأما اختلاف الأسنان، فإن علمه واجب أيضا على الطبيب، إذ كان لكل سن من الأسنان من ~~التدابير فى حال صحته، وحال مرضه، غير ما للآخر. وذلك أنه، إن لم يعلم المزاج الطبيعى الخاص ~~بكل سن، لم يقدر أن يعلم مثلا الغذاء الموافق له، ولا الشراب، ولا غيرهما من الأشياء الحافظة ~~للصحة بمتشابهاتها. وإذا لم يعلم ذلك، كان أجدر ألا يعلم الأشياء الدافعة للأمراض ~~بمضاداتها. # من ذلك أن سن الصبيان، لما كانت أرطب الأسنان، لكون الجنين من الدم والمنى، وهذان جميعهما ~~رطبان، وإنما يتكون الجنين بانعقادهما من الغذاء الشبيه بأمزجتهما، كاللبن للرضيع، وما جانس ~~ذلك. والمقابل فى الطرف الأبعد لسن الصبيان سن الشيوخ، لأنها يابسة جدا، لأن الأعضاء تبلغ فى ~~الشيوخة الغاية القصوى من الجفاف. والمتوسط بين هذين الطرفين هو سن الشباب الذين هم فى ~~عنفوان الشبيبة. فلذلك تكون هذه السن وسطا فى المزاج، فهى أيبس من سن الصبيان، ~~وألين من سن الشيوخ. # فهذا حال اختلاف الأسنان فى الرطوبة واليبس. فأما اختلافهما فى الحرارة والبرودة، فواجب تبيينه ~~أيضا على الطبيب. غير أنا نذكر من ذلك هاهنا، كالذى ذكرناه من أمر الرطوبة واليبس، إذ كان ما ~~نذكره من هذه الجمل يحث المحب لصناعة الطب، إن كان له ذكاء وقريحة محمودة، على ~~استيفاء علم جميع 〈ما〉 نذكره، من كتبه التى ألفت لعلمه، فنقول: إن سن الصبيان حارة جدا، لقرب ~~عهدها من مبدأ الكون من المنى، والدم، والروح التى كلها حارة. وذلك موجود حسا. ms070 وسن الشيوخ ~~باردة، لبعدها من الابتداء المقدم ذكره. ولانطفاء الحرارة فى أبدان الشيوخ، واستيلاء البرد عليها ~~صاروا يجدون، ويسرع إليهم ألم ما لا يجده غيرهم من ذوى الأسنان الباقية. ولذلك صارت PageV01P067 ~~أبدانهم تحضر وتسرع إلى قبول الأمراض الباردة. وإذا لمست أبدانهم، وجدت باردة. # فأما سن الشباب، فلم يختلف الناس فى حرارتها، 〈ولكنهم〉 اختلفوا 〈فى أمر آخر〉 لا يليق ~~بهذا الموضع ذكره. لكن الوصول إلى فهم ذلك، أنت تقدر عليه من كتاب جالينوس فى المزاج، ~~وفى مواضع أخر من كتب بقراط أيضا. فأما جالينوس، فيرى أن قوة الحرارة فى سن ~~الصبى، وفى سن الشباب، كلتاهما سوى، إلا أن حرارتهما تختلف فى المقدار، لأن حرارة الصبى توجد ~~أكثر مقدارا من حرارة الشباب، وألين، وحرارة الشباب أقل مقدارا، وأحد كيفية. # وقد قسم قوم السن إلى أربعة أقسام، وقالوا إن مزاج كل واحد مشابه لمزاج أخلاط البدن، ~~وأركانه، وفصول السنة. فقالوا: إن سن الصبى حار رطب، مشابه لمزاج الدم، والهواء، وفصل الربيع. ~~وسن الشباب حار يابس، كمزاج الصفراء، والنار، وفصل الصيف. وسن الكهول بارد رطب، كطبع ~~البلغم، والماء، وفصل الشتاء. وسن الشيوخ بارد يابس، كطبع السوداء، والأرض، وفصل الخريف. ~~〈وليس لهذه القسمة〉 من الوثاقة، كوثاقة القسمة الأولى، غير أن التدرب بمعرفة أصناف القسم نافع ~~جدا فى ذلك. PageV01P068 ### || القول فى سحنة البدن # فأما سحنة البدن فإنها تابعة لمزاجه. فلذلك يجب على الطبيب أن يحكم معرفة السحنة. وأول ما ~~ينبغى أن يعلمه من ذلك أن مزاج جملة البدن يعرف من خمسة أشياء، وجميعها داخل تحت اسم ~~السحنة، ومعنى كل واحد منها غير معنى الآخر. وأحد هذه الخمسة كيفية الجوهر، والثانى قوام البدن، ~~والثالث مقدار لحم البدن وشحمه، والرابع حالات شعره ومقداره، والخامس لونه. # فأما كيفية الجوهر، فإنه إذا كان حار الملمس، فإن البدن حار المزاج. وإن كان باردا، فالمزاج بارد، ~~وكذلك القول فى المعتدل. وأما قوامه، فهو إن كان صلبا، فهو يابس، وإن كان لينا، فهو رطب، ~~وإن كان بين ذلك، فهو معتدل. وأما مقدار لحمه ms071 وشحمه، فإنه، إن كان لحيما، فهو رطب، ~~وإن كان معرقا، فهو يابس، وإن كان بين ذلك، فهو معتدل. وأيضا فإن البدن إن كان سمينا، فهو ~~بارد، وإن كان لا شحم له، فهو حار، وإن كان بين ذلك، فهو معتدل. # فأما ما يعرف من حال البدن من جهة شعره، فهو يستدل من ثلاثة وجوه، وهى مقداره، وشكله، ~~ولونه. فأما مقداره، فهو أن يكون كثيرا أو قليلا، أو غليظا أو رقيقا. فأما كثرته وغلظه، فيدلان ~~على البرودة، واعتداله فى الجميع دليل على اعتدال المزاج. فأما شكله، فهو إن كان جعدا، دل ذلك ~~على اليبس، وإن كان سبطا، دل على الرطوبة، وإن كان بين ذلك، دل على الاعتدال. فأما ما يدل ~~عليه لون الشعر، فهو إن كان أشقر أو أحمر، فهو يدل على الاعتدال، وإن كان أسود، دل على ~~الحرارة، وإن كان أبيض، دل على البرودة، وإن كان كمدا، كان برده أقوى وأشد، وإن كان أسود، ~~دل على الحرارة واليبس. # ومع علم الطبيب بالاستدلال بهذه الأصول، مع فروعها واختلاطها، وتعرفه لمزاج جملة البدن بها، فإنه ~~قد ينبغى أن يعلم أيضا أن معرفة مزاج عضو عضو من أعضاء البدن يكون من هذه بأعيانها، ولا ~~يكفيه أن يعلم من هذه ما ذكرناه فقط، دون أن يقسم كل واحد منها إلى ما ينقسم إليه، ويعلم مماذا ~~يحدث كل قسم، ليعلم بذلك على ماذا يدل. وذلك كخصب البدن، وكثرة لحمه، فإنهما نوعان، ~~أحدهما تابع للمزاج الطبيعى، وهو المزاج الرطب باعتدال، والآخر المزاج المكتسب من التدبير ~~المرطب للبدن. وكذلك ينبغى أن يفهم فى الشحم وغيره. # وكذلك يلزمه أيضا أن يعلم أن هذه القضايا لا تصح له، إلا فى البلدان المعتدلة. فأما فى البلدان ~~الخارجة فى المزاج عن الاعتدال، فلا تصدق. فلذلك ينبغى أن يستثنى فى قضاياه بذلك، وبحكم علم PageV01P069 ~~ذلك، ليصح له استدلاله. وكذلك قد يخطئ كثير ممن يستدل على مزاج جملة البدن من عضو من ~~أعضائه، كالذين قضوا على الأفطس أنه رطب المزاج، وعلى الأقنى أنه يابس ms072 المزاج، وعلى ~~الأعين أنه رطب، وعلى الصغير العينين أنه يابس المزاج، وبارد أيضا. وذلك أن الذى يقضى ~~بذلك على الإطلاق، لم يعلم أن القوة المصورة التى طبعها البارئ تبارك فى الحيوان، قد تصور ~~أعضاءه، بحسب ما يتهيأ لها من كثرة المادة وقلتها، وبحسب كيفياتها الجيدة والرديئة، وقد يقصد ~~أيضا أن تجعل حالات الأعضاء، بحسب أخلاق النفس وقواها، فإذا واجب إحكام ذلك. PageV01P070 ### || القول فى طبيعة البدن # وأما أمر تعرف طبائع الأبدان، فأمر واجب معرفته على الطبيب بالضرورة، لأنه إذا كان قصده حفظ ~~صحتها، أو معالجة أمراضها، وكانت صحة البدن إنما تحفظ بما شابهها، فلا سبيل إلى معرفة ما ~~يشابه مزاج البدن، 〈دون أن〉 يعرف مزاج البدن أولا، وهو الذى أرادوا فى هذه المواضع بقولهم ~~«طبيعة البدن»، إذ كان اسم الطبيعة عند بقراط، وعند سائر الأطباء، اسما مشتركا، لأنه قد يقع ~~على مزاج البدن، كما قلنا، وقد يقع على هيئاته، وقد يقع على القوة المدبرة لأفعاله، وبالجملة فإن ~~المقصود إليه من اسم الطبيعة هاهنا، إنما هو إلى المزاج الذى يخص البدن. فإذا يلزم الطبيب أن يعرف ~~مزاج البدن الذى يقصد لحفظ صحته، أو لعلاج مرض به. # وقد بين القدماء أن إعطاء علامات يتعرف بها مزاج شخص شخص من الناس، ممتنع، لأن الأشخاص ~~بغير نهاية، وأمزجتهم أيضا كذلك، وما لا نهاية له، فمحال الإحاطة بعلمه. فلما كان ذلك كذلك، ~~التمسوا معرفة أنواع الأمزجة، وأجناسها، وحصلوا ذلك، وميزوا كل جنس ونوع بخواصه، وفصوله ~~التى ينفصل بها عن غيره، ليكون ذلك قانونا لسائر من أراد أن يعرف أى مزاج من الأشخاص قصد ~~لحفظ صحته، أو لعلاج مرضه. # فمن لم يحكم من الأطباء معرفة هذا القانون، وما سواه من قوانين هذه الصناعة، كان بالواجب ممرضا ~~للأصحاء، قاتلا للمرضى. ومن تأدب، وانتبه لما يلزمه من واجب العقل والشرع، وأحب لنفسه ~~المصلحة، وللناس، فإنه سيأخذ نفسه بالتماس ما جهله من هذه الأصول فى القوانين التى لا يمكنه — ~~إذا أنصف نفسه — أن يتسمى طبيبا، دون معرفتها التى أحدها ما ms073 نحن بسبيله فى هذا الباب، وهو ~~علم أجناس المزاج، وهى تسعة: فأحدها هو المزاج المعتدل، والثمانية خارجة عن الاعتدال. وهذه ~~الثمانية الخارجة عن الاعتدال، منها أربعة مفردة، وهى: الحار، والبارد، والرطب، واليابس، وأربعة ~~مركبة، وهى: الحار الرطب، والحر اليابس، والبارد الرطب، والبارد اليابس. # ولا يغنى الطبيب أن يعلم أن ذلك كذلك، دون أن يعلم أن لطبائع الأبدان طبقات، أوسطها المعتدل ~~الطبع، وأن عن جنبتى هذا الوسط طبقات من الأمزجة الصحية والمرضية، إلى أن تنتهى إلى نهاية ما ~~يمكن من الفساد، ما لا يحصى، وأن يعلم أيضا ما لكل نوع من هذه الطبقات من العلامات التى ~~يستدل بها عليها. ومثال ذلك العلامات التى ذكروها للمزاج الحار، والمزاج البارد، فإنها، وإن ~~كانت كأنها تدل على شئ واحد، فإنها بالحقيقة هى بأعيانها تدل على أشياء كثيرة، لأنها تدل على ~~نوع المزاج الحار، وهو واحد، وبكثرتها، وقلتها، وشدتها، وضعفها، وتغاير أزمانها، تدل على أمزجة ~~أشخاص النوع كلها. وذلك أن علامات المزاج الحار اليابس مثلا، هى أن يكون الصدر واسعا، والعروق PageV01P071 ~~واسعة، والنبض عظيما، والنفس ذات شجاعة ونجدة، والبدن كثيف العضل، وثيق المفاصل، مقاربها، ~~والجلد أسود، أو آدم صلبا، والشعر كثيرا أسود، والشحم قليلا، والبدن قضيفا، ~~وأضداد هذه العلامات هى علامات البدن البارد الرطب. # فكما أن الأمزجة الحارة اليابسة، والباردة الرطبة، فى الشدة و الضعف، كثيرة لا تحصى، كذلك هذه ~~العلامات، وأمثالها من علامات باقى أنواع المزاج الثمانية، لها طبقات ومنازل، بعضها أشد من ~~بعض، لا تحصى، تدل الطبيب على أمزاج الأشخاص الذين قصد حفظ صحتهم، أو علاج ~~أمراضهم. ولا يليق بقولنا هذا إحضار علامات الطبائع، إذ ليس لذلك قصدنا بكتابنا هذا، وإنما ~~ذكرنا ما ذكرنا على طريق المثال، والتشبيه، للعقلاء من أهل صناعة الطب، وحثا للمتعلمين. فأما ~~أفاضل هذه الصناعة، فإنهم بما قد قرؤوه من كتبها، يستغنون عن كثير من ذلك. فلنكتف بما ذكرناه ~~فى هذا الباب، ولنعد إلى مقصدنا، فنقول: # أما إذ فرغنا من ذكر جمل وعيون الأمور الطبيعية التى كانت حاجتنا إلى ms074 ذكرها ماسة فى ذكر ~~مصالح البدن، وإصلاحه، وما تدعو الضرورة للطبيب خاصة ولسائر من قصد صلاح جسمه إليه، ~~إذ كان أول قصدنا من تأديب الطبيب، إنما كان لصلاح نفسه، وتقويم أخلاقه أولا، وقدمنا ~~ذلك على مصالح جسمه، لتقدم النفس بالشرف على البدن، 〈و〉جعلنا لذلك بابا مفردا، وهو الباب ~~الأول الذى قبل هذا. ثم لما قصدنا فى هذا الباب الثانى ذكر مصالح البدن، لأنه الجزء الثانى من ~~شخص الإنسان، وقلنا فيما تقدم من هذا الباب إنه لا يسع الطبيب الجهل بمعرفة أعضاء البدن، ~~وبمراتبها، إذ كان منها شريف مخدوم، ومنها خادم أيضا، ومنها ما خلقت آلات وخدما للنفس ~~الناطقة، ومنها ما خلقت مع ذلك آلات وخدما للطبيعة، وقلنا إنها مختلفة الأمزجة والهيئات، ~~وإن من قصد حفظها، وعلاج مرض، إن عرض لواحد منها، فهو محتاج إلى معرفة جميع حالات ~~〈البدن〉، فإن الطبيب أحوج الناس إلى ذلك، ليصلح حال جسمه هو أولا، ثم حالات أجسام الناس. ~~كما أنه ينبغى أن يؤدب نفسه أولا، قبل التعرض لما ذكرناه من هذه الصناعة الشريفة. # فلذلك دعتنا الضرورة 〈إلى〉 أن نرى لتدابير الأعضاء قانونا، يقدر ذو الفطنة اللطيفة، والقريحة ~~الصافية، أن يستعمله فى جملة البدن، وفى عضو عضو من أعضائه، ولم يكن لنا بد فى ذلك من ~~اتخاذ مثال للطريق الذى يجب أن نسلكه فى ذلك القانون، فاتخذنا من جملة الأعضاء الدماغ مثالا. ~~وذكرنا من الطرق الواجب ذكرها، ومن الأمور الطبيعية التى هى ضرورية فى بقاء الشخص، وكيف ~~ينبغى أن يختار منها الأصلح، غير أنا قصدنا بذلك تنبيه الطبيب على ما لا بد له من علمه. # وإذا كان ذلك قد تم، فقد ينبغى لك، أيها المحب لهذه الصناعة، أن تنقل ما ذكرناه فى الدماغ إلى PageV01P072 ~~باقى الأعضاء الشريفة، أعنى القلب والكبد، وإلى بقية الأعضاء النافعة فى البقاء، وهى آلات ~~النفس، وآلات الغذاء كالمعدة والأمعاء، وبالجملة إلى عضو عضو من سائر أعضاء الجسم، ما ~~كبر، وما صغر من الأعضاء الآلية، وإلى سائر الأعضاء المتشابهة الأجزاء، لتختار لكل ~~عضو ms075 من أعضاء الجسم، ما أصلحه من تلك الأمور الطبيعية، أعنى حالات الهواء، والحركة ~~والسكون، والمأكول والمشروب، والاستفراغ والاحتقان، والنوم واليقظة، والأعراض النفسانية، والبلدان ~~والأعمال، والعادات، وقوة الجسم، والسن، والسحنة، وطبيعة البدن. فيختار من كل واحد من هذه ~~لجملة البدن، ولعضو عضو من أعضائه، ما يوافقه بالكمية، والكيفية، والزمان، والمكان، على النحو ~~الذى قدمنا ذكره فى باب باب، لكل واحد مفرد، على تقصى فروع كل أصل من هذه الأصول. # فإن كل إنسان من الناس إلى ذلك محتاج، وهو يستعمله فى حال صحته، وفى حال مرضه، دائما ~~مهما هو حى. وإنما الفضيلة لأهل هذه الصناعة، ولأفاضل الناس الذين يقتدون برأى الأفاضل ~~من الأطباء، هى أنهم يختارون من كل واحد من هذه، أوفقه، وأنفعه، ولا يستعملون منه، إلا ما لابد ~~من استعماله، للبقاء بالشخص، أو بالنوع. # ومثال ذلك ما يستعمل لبقاء الشخص 〈من〉 المأكول، والمشروب، وسائر تلك الأمور الطبيعية المقدم ~~شرح عيونها. فإن الفاضل لا يأكل، إلا ما حاجته إليه ماسة، وفى الوقت الموافق، والمقدار الكافى. ~~وكذلك ما يشربه، وكذلك يفعل من سائر أعماله، وحركاته، وسكونه، ونومه، ويقظته، وبالجملة سائر ~~ما يدعوه الطبع إلى استعماله. فإن فضيلته فى ذلك هى ألا يأخذ منها بحسب اللذة، لكن ~~بحسب الحاجة. فإنه من أقبح الأمور أن تكون البهائم لا تستعمل من هذه الأمور إلا بحسب حاجتها، ~~ويكون من يرى بنفسه أنه عاقل يستعمل منها فوق حاجته. وأشد من ذلك قبحا من يجهد فى ~~الوصول منها إلى ما فوق طاقته، كالذين يتخذون المعاجين والجوارشنات، ليقووا من الجماع ~~على المقدار الكثير. وهذا للإنسان مهلك، وأشباهه، ومع ذلك قبيح بالعقلاء، فإنه أعظم ~~قبحا، وأسمج، بالطبيب المدعى تدبير الخواص والعوام من الناس. # فاستعن، أيها الحبيب، على طبعك بعقلك، وعلى التفهم لقلة بصيرتك بمنافعك، بقراءة كتب ~~المتقدمين، وعلى التفهم لأقاويلهم بلقاء الخبيرين بها، لتزداد بذلك علما، وتقدر على العمل ~~المحمود، فبالعمل مع العلم، تنل الصالحات وتبلغ الخيرات! وأرى أنه من الصواب، بعد ما ~~قدمته من هذه الجمل، أن أذكر جملا من ms076 الوصايا، التى تحث الطبيب على ما يصلح بقية أعضاء البدن ~~الكبار، ويستدل بها على إصلاح باقى الأعضاء. ثم أتبع ذلك بوصف سيرة الطبيب: كيف ينبغى أن ~~يكون، وكيف يرتب تدابيره لجسمه، يوما يوما سائر أيام حياته، وبذلك يتم هذا الباب. PageV01P073 ### || القول فى الحث على مصالح الأعضاء واقدمها بعد الدماغ القلب # وينبغى للطبيب أن يعنى بأمر صلاح القلب العناية الشديدة، لأنه معدن الحياة، ومحل الروح ~~الحيوانى، ومنشأ الحرارة الغريزية، ومنه تسرى الروح الحيوانية فى العروق الضوارب النابتة منه ~~إلى سائر البدن، ومن لطيف دمه يصعد إلى شبكة الدماغ مع لطيف القوة الحيوانية، لتحول هناك، ~~وتتهذب، فيكون الدم للدماغ غذاء، وللروح الحيوانية...،وللروح النفسانية مادة وأستقسا. ~~وخلق القلب بشكل صنوبرة، كشكل الجوهر النارى الذى فيه. # والعناية بصلاح القلب مأخوذة من أصلين: أحدهما بصلاح ما يرد إليه من خارج من الهواء المروح عن ~~ناريته، وبما يمد الروح الحيوانية التى فيه. والثانى بصلاح الدم الواصل إليه، ليغذوه، ولينمى، ويحفظ ~~القوة الحيوانية، والحرارة الغريزية، كما ينمى ويحفظ النار الزيت. # فلذلك ينبغى للطبيب أن يعنى دائما بصلاح الأغذية التى يتولد عنها الدم، وبين أن، مما ~~يطيف بهذين الأصلين، ويتمم صلاحهما، تقويم تلك الأمور الطبيعية، المقدم ذكرها فى تدابير الدماغ، ~~والأخذ منها بحسب صلاح القلب. # وقد بين القدماء أن القلب آلة للقوة الغضبية، وبصلاحه تستقيم أفعال هذه القوة، وتعتدل الأخلاق، ~~وتضعف القوة الغضبية، لأن الدم يصفو، والنفسانية تقوى. وبفساد القلب، تفسد الغضبية، ~~وتصير الأخلاق سبعية. فالذى به يستدل أولا على حالات القلب، ثم على آلات سائر أعضاء البدن، ~~هو نبض العروق. وعلم النبض للطبيب فى حفظ الصحة، وفى معالجة المرض، علم عظيم النفع، لأنه، ~~كما قال جالينوس: مخبر لا يكذب. فلذلك وأشباهه ينبغى أن يتوفر 〈الطبيب〉 على حفظ ~~القلب. PageV01P074 ### || القول فى الكبد # والكبد أيضا فهى عضو رئيس خلق لتكوين الدم. وذلك أن الكبد تجذب إليها بالقوة الجاذبة ~~التى خلقها الله جل وعز فيها، وفى كل مغتذ، الصافى من كل الغذاء الذى قد طبخته المعدة ~~وأنضجته نضجا أول. فإذا ms077 انطبخ فيها، أعنى فى الكبد، ونضج نضجا ثانيا، صار بالقوة المغيرة، ~~فى مدة الزمان التى قد مسكته 〈أثناءها〉 القوة الماسكة، دما. # وبعد ذلك تنفذه 〈الكبد〉 وتدفعه إلى الأعضاء، وترسل ذلك فى العروق الثابتة منها إلى كل عضو ما ~~يشاكله، وبحسب كفايته. وبعد أن تأخذ منه هى غذاءها، وتبقى منه ما لا يصلح لغذائها، ولا لغذاء ~~الأعضاء من عكر، وزبد، ومائية، ذلك تقدير العزيز الحكيم. # وخلقت الكبد بشكل هلالى، ذى زيادات، محدودب الظاهر، أخمص الباطن، ليمكن بذلك ~~احتواؤها بتقعيرها، وبأصابعها الزائدة، على المعدة، لتسخنها، وتعينها على طبخ الغذاء، ~~فيكون مثالها مع المعدة مثال القدر الموضوعة على الموقد. وبالقوى الطبيعية التى فى الكبد تم ~~الكون، لأن منها قوى أول، وهى المصورة والمربية، وثوان، وهى الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة. ~~وبصلاح الكبد تصلح جميع هذه 〈القوى〉، ويصلح حال الحى. # فلذلك يجب على الطبيب العناية بها فيما يرد إليها من الأغذية والأشربة، وما يبرز عنها، وبالجملة ~~فى تقدير الأمور الطبيعية، بحسب مصلحتها، كالذى تقدم به القول. PageV01P075 ### || القول فى المعدة # وبعد العناية من الطبيب بالأعضاء الرئيسية، أعنى الدماغ والقلب والكبد، فإنه ينبغى أن يعنى ~~بتنقية الأعضاء التى هى خدم لهذه الرئيسية، ونفعها عام لسائر الجسم. وأشد هذه تقدما المعدة، لأن ~~الطبخ الأول للغذاء فيها يكون وبها، إذ كان ما يفعله الفم، والأسنان، والأضراس، واللسان، ~~من تقطيع الطعام، وطحنه، وأشباه ذلك، لا يستحق أن يسمى هضما، ولا طبخا، إذ كانت ~~منزلته منزلة ما يصلحه الطباخ من التقطيع والدق قبل طبخه. # فالمعدة بالحقيقة هى أول آلات الطبخ. ولذلك جعل ليفها الآخذ عرضا ليفا موريا، لكى تحتوى به ~~وتقبض على الطعام، ليتم لها سحقه وطبخه فى مدة ما من الزمان. وتتعاون على ذلك قوتان، ~~إحداهما الماسكة، والأخرى المغيرة، وهى الهاضمة. وهاتان القوتان فعلاهما يتلوان فعل القوة الجاذبة ~~شئ، 〈و〉لا تفعل هاتان القوتان شيئا 〈قبل ذلك〉. كما أن القوة الدافعة تالية فى فعلها للقوتين ~~المتوسطتين. # ولذلك جعل للمعدة طريقان أحدهما ينجذب إليها منه ما يرد إليها، وهو المتصل بالمرئ، ~~والآخر ms078 المسمى البواب، وهو الثقب المتصل بأول المعى المسمى الاثنى عشرى. والمعدة أسفلها، ~~الذى هو أوسع جزء منها، لحمى، لأجل أن أكثر النضج به يكون. وأعلاها عصبى، لأجل أن أكثر الحس ~~به يكون. # وإذا كان نفع المعدة 〈على〉 ما ذكرنا، فبحق يجب على الطبيب أن يعنى بصلاحها. وأول صلاحها هو ~~نقاؤها، ونظافتها مما قد بقى فيها، أو تولد فيها، من الفضلات العفنة، ليرد الغذاء إليها على ~~نقاء، كما أن أول صلاح طبخ الطباخ هو نظافة قدره، وآلات الطبخ. وبعد ذلك فأحمد الأمور ~~للمعدة، ولسائر الأعضاء، هو ألا يورد إليها، إلا ما وافقها من الطعام والشراب، وغيرهما مما يرد ~~إليها. والموافق لها يحتاج أن يكون موافقا فى الكمية، وفى الكيفية، وفى الترتيب، وفى الوقت. فإن ~~الطعام والشراب، إذا لم يكونا فى مقدارهما فوق مقدار الحاجة، وكانت كيفيتهما موافقة فى الحرارة ~~والبرودة مثلا، ورتبت الأغذية ترتيبها الموافق، فقدم مثلا الطعام اللطيف السهل الانهضام، قبل ~~الطعام البطئ الانهضام، وقدم أيضا الطعام قبل الشراب، وكذلك أيضا إذا حفظ زمان الهضم، ولم ~~يورد على المعدة طعام آخر، كان جميع ذلك، مع سائر ما يقدر للمعدة من باقى الأمور الطبيعية، أعنى ~~الحركة والسكون، والنوم واليقظة، والاستفراغ والاحتقان، وسائر ما يبقى من ذلك، مصلحا لحال PageV01P076 ~~المعدة، ولحال سائر البدن. فلذلك يلزم الطبيب العناية بها. # وأيضا مما يحتاج أن يذكر به الطبيب، ليعنى بعلمه من أمر المعدة، هو ما ذكرناه أولا من استنظافها ~~مما يتولد فيها. والمتولد فيها نوعان من الأخلاط: فأحدهما يمكن إصلاحه ونضجه مع الأغذية، ~~حتى يصل إلى الكبد، ويتولد منه دم. والنوع الآخر من أخلاطها لا يمكن أن يكون منه دم، ~~ولذلك يجب العناية بإخراجه عنها، إما بالإسهال، أو بالقذف. # فالنوع الأول الذى يمكن كونه دما هو البلغم. ولذلك يجب أن يعنى بنضجه وإصلاحه، كالذى نأمر ~~به المشائخ، وأصحاب الأمزجة الباردة الرطبة، ومن يتولد فى معدهم البلغم كثيرا، لتخلف هضمهم ~~ببرد معدهم، بأكل العسل، وما وافقهم من الجوارشنات، وشرب اليسير من الخمر الصرف فى جملة ~~أغذيتهم، ms079 ونظائر ذلك. # وأما النوع الثانى من الأخلاط المتولدة فى المعدة التى لا تستحيل دما، ولا يمكن إصلاحها، ~~فهو مما يتولد فيها، أو ينصب إليها، من الصفراء، أو المرة السوداء، من الأخلاط الصفراوية، ~~والأخلاط السوداوية. وإخراج هذين الخلطين من أسفل، يكون بما يسهلهما من الأدوية المسهلة لهما، ~~إذا مالا إلى أسفل، أو بالقذف، إن مالا إلى ناحية فوق، فقس على ما ذكرته لك، وأحسن التقدير، ~~توفق إن شاء الله! PageV01P07 ~~7 ### || القول فى الأمعاء والطحال والمرارة والكلى والمثانة # وينبغى للطبيب أيضا أن يصرف عنايته إلى علم جواهر بقية الأعضاء الخادمة، وما منافع كل واحد ~~منها، ليعلم بذلك بما يصلحه. فإنه لا يغنيه فى بقاء الجسم، وحفظ صحته، صلاح حالات المخدومة، ~~دون صلاح الخوادم. وهذه الأعضاء هى من الخوادم التى جعلها البارئ تعالى فى الرتبة الثالثة لخدمة ~~المعدة. والأمعاء الدقاق الثلاثة، أعنى المتصل بالبواب، والإثنى عشرى، والصائم، مع ما جعلت ~~طرقا ليتقدم منها ما قد فرغت المعدة من عمله، فإن لها منفعة أخرى، وهى أن العروق الدقاق ~~التى ترد إليها من الكبد، المسماه الماساريقى، وتفسيرها المصافى، خلقت لتجتذب صفو الغذاء إلى ~~الكبد، ليصير فيها دما. ولذلك عوجت هذه الأمعاء تعويجا كثيرا. فأما باقى الأمعاء، فهى ~~الغلاظ، فالمنفعة فيها أنها طرق فقط لتنقية ما تبقى من الثفل. # ولذلك يجب العناية ببروزه وخروجه منها، إن قصرت الطبيعة عن إخراجه. ولذلك يلزم الخادم للطبيعة، ~~وهو الطبيب، أن يعلم كيف ينبغى أن يكون إخراجه، وذلك أن إخراج الثفل، وتسهيل بروزه، ~~يحتاج إلى تفقده يوما يوما. فإنه كما أن الحاجة إلى الغذاء يوما فيوم، كذلك الأمر فى خروج أثفاله. ~~فأول معين فى بروز الثفل بسهولة، هو أن يكون الغذاء سريع الانهضام، ولا يصعب على المعدة ~~إنضاجه، لكن يكون قد أنضج وسحق بعد النضج، بالصنعة والطبخ من خارج، ثم بالفم. ثم ~~ينبغى أن يكون الغذاء فى مزاجه مشابها لمزاج المغتذى به، إذا كان صحيحا. # ومما يعين خروج البراز فى الأمزجة الباردة، وفى المعد المستولى عليها البرد والبلغم، خلط الأشياء ms080 ~~الملطفة بالأغذية، لتعين على تولد الصفراء، وتحريكها، وصبها إلى الأمعاء، لتحث البراز على ~~الخروج. وهذه الأشياء الملطفة هى الأشياء الحريفة، كالكمون، والكرويا، والدارصينى والزنجبيل، ~~والفلفل. وللعسل فيما ذكرناه أعظم فعل، لأنه مما يلطف، 〈و〉ينضج البلغم، ويعين على ~~كونه دما. ومما ينفع فى ذلك منفعة عظيمة شرب الخمر وهو صرف، أو قريب من الصرف. وفى ~~الشتاء يكون مزاجه بالماء الحار، والأنبذة المائلة إلى الحلاوة نافعة فى ذلك. # وإن تخلفت الأمعاء عن دفع البراز، لبرد مزاجها، أو لبلغم قد كثر وغلظ فيها، أو ليبس ما صار ~~إليها من الثفل، أو لعظم رياح قد تولدت من نوع الغذاء، فيلزم الطبيب الحيلة لإخراجه بالحقن ~~بالأشياء المسخنة للأمعاء، والمذيبة للبلغم، والطاردة للرياح، والمزلقة أيضا، كالخطمية ~~المضروبة فى ماء العسل والزيت، وكماء قد طبخ فيه كمون وخطمية، أو حلبة وكمون، وخلط مع ذلك PageV01P078 ~~العسل والزيت، وحقن به. وذلك وأمثاله نافع فى حفظ الصحة، وتنقية الأمعاء، والرياضة، ~~وتعديل الأمور الطبيعية كلها. فى ذلك أعظم نفع، ولا ينبغى أن يهمل منها شئ. # وأما الطحال، فهو عضو له منافع كثيرة، أظهرها وأعظمها هى تنقيته، وجذبه لعكر الدم ~~من الكبد، ثم طبخه لما صار إليه، حتى يصير منه المرة السوداء، ثم إنفاذ جزء من هذه المرة ~~السوداء إلى فم المعدة، يسدها بما فيها من القبض، وبما فى هذه المرة من الحمض، تتحرك الشهوة ~~للطعام. # ثم يعين الطحال على امتحان المعدة للطبخ، باحتوائه على جرمها، كما يحتوى الكبد من ~~ناحية اليمين، وكما يجللها الثوب من قدامها، جميع ذلك لإسخانها. ولهذه المنافع والأفعال من ~~الطحال، يجب الاهتمام بإصلاحه وتنقيته، إذا وجد الطبيب منه تخلفا فى فعله. كما 〈يجب أن〉 ~~يعطى الأشياء التى تجلوه، وتقوى حدته، وتخرج ما فيه، مثل السكنجبين العسلى، ~~والعنصلى، والكبر المعمول بالخل، ونظائر ذلك. # وكذلك يجب على الطبيب النظر فى أمر المرارة، فإنها آلة خلقت لتجذب من الدم ما يعلو على ما ~~طبخه الكبد من الزبد، كالذى يأخذه الطباخ بالمغرفة من الزبد الطافى على الطبيخ، لينظفه منه. ومن ~~ذلك ms081 الزبد اللطيف الخفيف يكون المرار الأصفر بطبخ المرارة له. وهى مع ذلك بعد تغذيتها منه، تنفذ ~~منه فى عرقين، إلى أسفل المعدة، وإلى الأمعاء، لتعين المعدة على الهضم بحرارته، وأيضا لتعين ~~البواب على إخراج ما نضج، ولتعين الأمعاء الغلاظ على دفع الرجيع، وتجلوها دائما من البلغم الذى ~~يكثر فيها، لبرد مزاجها. فلذلك يجب العناية بالمرارة، وبتفقد حال ما يتكون فيها، وما هى عليه من ~~قوة الجذب والدفع، بتعديل الأطعمة والأشربة، والحركات، والاستحمام، وبالجملة سائر الأمور ~~الطبيعية. # وكالقول فى المرارة، كذلك القول فى الكلى والمثانة. فإنهما عضوان خلقا، ليجذبا إليهما ~~مائية الدم. فهما بعد أخذهما منه ما يغذوهما، يخرجانه بالبول. فلذلك ينبغى للطبيب أن ~~يفتقد ما يخرج من البول، وينظر من أمر البول فى كميته، أعنى فى كثرته وقلته، وفى كيفياته ~~على اختلاف ضروبها، كألوانه، وقوامه، وسهولة خروجه، وغير ذلك مما هو داخل فى باب الكيفية، ~~وفى أوقات خروجه. # فإن علم الاستدلال من البول على حالات آلات الغذاء كلها خاصة، وعلى حالات سائر البدن عامة، فى PageV01P079 ~~حال الصحة، وحال المرض، عظيم النفع للطبيب. فلذلك يجب أن يعنى بعلم دلائله، وبقراءة ما ألفه ~~الأطباء من الكتب. ولذلك أيضا يجب العناية بتفقد الكلى والمثانة، لما لهما من الأفعال والمنافع، ~~بتعديل الأغذية والأشربة خاصة، وسائر الأمور الطبيعية. PageV01P080 ### || القول فى الرئة والصدر # ومن الأعضاء الخوادم للأعضاء الشريفة، النافعة فى بقاء الحى الرئة. فإنها عضو له منافع، منها ~~صون القلب، والترويح عنه، لإنفاء بخار الحرارة النارية التى فيه، ولاستجلاب الهواء الصافى ~~البارد إليه، ولتصفية حرارته، كالذى تفعله المروحة من استجلاب الهواء إلى النار، لتنفى عنها ما ~~اجتمع عليها من الدخان والرماد، فتصفو بذلك، كذلك تفعل الرئة. ولذلك خلقت سفنجة خفيفة، ~~ولشرف نفعها احرزت، يصونها سور يحيط بها، مركب من عظام، وعضل، وأغشية، وغير ~~ذلك، وهو الصدر. # ولها من المنافع للحى أنها مع الصدر أكثر الأسباب فى تولد الصوت، وكونه. فلذلك يجب على ~~الطبيب الاهتمام بمصالحها جميعا، وذلك بتعديل الأغذية، والأشربة، وخاصة الهواء المحيط ~~بالشخص، وبحركاته. فإن ms082 ذلك أسرع إليهما. وبالجملة ينبغى أن يصلح لهما جميعا الأمور ~~الطبيعية، ليدوم لهما بذلك، ولسائر أعضاء البدن، ما ذكرناه، وما لم نذكره، من السلامة ~~والصحة. # ولم نذكر ما ذكرناه من هذه الأعضاء، إلا على طريق التنبيه، والمثال للطبيب على ما يجب أن يعمله ~~فى سائر أعضاء البدن. فلذلك ينبغى له أن يعرف أعضاء البدن كلها الآلية، ويعلم أعضاءه التى هى ~~فى المرتبة قبل الآلية، وهى المتشابهة الأجزاء، لأنها هى الأصول للأعضاء الآلية. ثم يلزمه أن يكون ~~عالما بما منه ركبت الأعضاء المتشابهة الأجزاء، ليعلم كيف يحفظها. فيلزمه أن يتقدم عنده العلم بأمر ~~الأخلاط، وقبل العلم بالأخلاط، العلم بالمزاج 〈الذى〉 يكون الأخلاط من الأسطقسات. # فلذلك قالوا إن هذه الأشياء هى الأمور الطبيعية للجسم، مع أسبابها وعلاماتها. ولهذه العلل، ~~ولكثرة بحوثها، وتفنن طرق العلم بها، صنف القدماء لكل فن منها كتبا. فإن أحببت علم ذلك ~~على إتقان، فيجب أن تلتمسه على ترتيب ونظام، فتقرأ كتب فن فن منه على توالى الأمر الطبيعى ~~لبدن الإنسان. وأحمد ما قرأته فى ذلك، كتب جالينوس، ومنها خاصة الستة عشر كتابا التى ~~رتبها الاسكندرانيون للمتعلمين لهذه الصناعة. وسنذكرها على ترتيبها، وبأسمائها، فيما بعد، بمشيئة ~~الله تعالى. # فيجب أن تصرف العناية إلى درسها على من يفهمها. فإن كتاب الأسطقسات منها مقدم قبل ~~المزاج، والمزاج مقدم قبل علم التشريح ومنافع الأعضاء، وهذه مقدمة قبل القوى PageV01P081 ~~الطبيعية. وكذلك أجروا القول فى ترتيبها. # فإذ قد انتهى بنا القول إلى هاهنا، فلنرجع إلى ما ينبغى للطبيب أن يأخذ نفسه به من التدابير، ~~والسياسة، لبدنه، ولنفسه، يوما يوما، فنذكره، لتكون مصالحه تامة، وسيرتهكاملة. وبذلك يكون ~~كمال هذا الباب. PageV01P082 ### || القول فى التدابير والسياسة التى ينبغى للطبيب أن يدبر نفسه بها فى كل يوم مدة حياته # فنقول: إنه ينبغى للطبيب بعد إتقان ما قدمنا ذكره، مما يلزمه علمه، أن يبدأ فى كل يوم ~~باستنظاف ما يبرز من سائر منافذ بدنه، كالذى يبرز من منخريه، وعينيه، وفمه، ونظائرها، ~~وتذكيتها بالماء. وليس يكثر فى هذه المنافذ الفضلات، ms083 إلا لكثرة الأكل والشرب، وسوء ترتيبهما. ~~فلذلك يكون أنفع الأشياء فى تذكية الحواس، ونقائها، هو تعديل المأكول والمشروب. # وأيضا فإن الطبيب مضطر إلى حضور مجالس الأفاضل والأدباء، والأدب لائق به. وليس من الأدب ~~التنخع، والتبصق، والتثاؤب، والتمطى، وأشباه هذه الأشياء. وجميع هذه ونظائرها إنما تأتى ~~على التملؤ من الطعام والشراب. فينبغى للطبيب أن يحذر ذلك، وما يملأ الرأس، ويفعل هذه ~~الأشياء العشاء فيجب أن يتوقاه. # وبعد ذلك، فينبغى أن يعنى بفمه بالسواك، والسنونات التى تجلو الأسنان، وتطيب النكهة، ~~وتشد اللثة، كالسعد، والإذخر، ونظائرهما، ويأخذ فى فيه من العود ما يمضغه قليلا ~~قليلا، ليطيب بذلك نكهته، ويقوى معدته، ودماغه، وكذلك من المصطكى، ونظائرها. # ولذلك قال جالينوس: فقد كان رجل، به رائحة رديئة من فيه. فعنى بعلاجها، حتى نقصت، وقلت، ~~بالقئ، والإسهال، وشرب الأدوية التى تصلح لها. ثم كان بعد 〈ذلك〉 فى كل يوم يلقى إلى فمه أحيانا ~~حماما وأحيانا شيئا من الساذج، وأحيانا غير ذلك من الأشياء الطيبة الرائحة، ولم يكن ~~يخرج من منزله، إلا بعد أن يفعل ذلك. # ثم يجب أن يتبع ذلك بتفقد روائح سائر أعضائه. فما أنكر منها من رائحة، قابلها بما ~~يزيل تلك الرائحة، كالتوتيا لروائح الابط، والذرائر التى تقمع الروائح الرديئة. وكذلك PageV01P083 ~~يلزمه أن يتفقد كل ما فضل من أعضائه، مما لا حاجة ضرورية للجسم إليه، فيزيله، كالزائد من ~~الأظافير، والفاضل من شعر رأسه ووجهه، وغير ذلك مما شابهه. # ويتلو ما ذكرناه عناية الطبيب بلباسه. فإنه ينبغى له أن يتعمد شيئين: أحدهما النافع، وذلك ~~كاللين والمسخن فى الشتاء، وكالرقيق الناعم فى الصيف، والآخر ما جمل وحسن عند أبناء نوعه، ولم ~~يخرج عن طبقة مثله. فإن الطبيب الخادم للسلاطين يحتاج من الكسوة، والطيب، إلى أكثر مما ~~يحتاج إليه طبيب العامة. # ويجب 〈على〉 الطبيب أن يحرس حواسه كلها، ولا يستعملها إلا فيما اجتلب نفعا، ودفع ~~ضررا. فإن نطق، نطق عن علم وتحصيل، ولا يسمع منه لفظة مكروهة. وينبغى أن يتحفظ فى ~~ألفاظه، خاصة فى مجالس الملوك والرؤساء، فلا ms084 يسأل إلا عما يعنيه أمره، ولا يجيب إلا عما سئل ~~عنه. وكذلك يلزمه فى حراسة بصره، وذلك بأن لا ينظر إلى حرمة ليست له، بمحرم نظر هو غنى عنه، ~~ولا إلى غلام. ويجتهد فى أن يكون نظره دائما فى كتب صناعته، وفى ديوان شريعته، فإن كتب ~~الشرائع تقوم الأخلاق، وتبعث على الأعمال المحمودة، وكتب صناعته تكسبه علما بها. # ويجب على الطبيب حراسة سمعه، وذلك بأن لا يسعى إلى محادثة الجهال، ولا إلى استماع أقاويل ~~الأشرار، ومذاهب الآراء الرديئة. وحسم ذلك عنه هو بألا يجالس أهل هذه الأمور، ولا يخالطهم، ولا ~~يحادثهم، ما أمكنه. فإن تهيأ له مذاكرة فاضل، وإلا كان الأنس بالوحدة، والخلوة بالدرس، له أعظم ~~الأنس. # وهكذا ينبغى للطبيب أن يأخذ نفسه فى حراسة حواسه الباقية. وذلك بأن يحرس نفسه من اشتمام ~~الروائح المكروهة، المفسدة لدماغه، أو ملامسة الأعمال المفسدة لبدنه. وينبغى أن يجتهد فى ~~تعديل هواء مسكنه، ومجلسه، وذلك بأن لا يجاور ما أفسد هواءه، من مسبك نحاس، أو أتون ~~حمام، أو مجمع ماء ردئ، أو مدبغة، أو ما أشبه ذلك. ثم يجب على الطبيب أن يقسم نومه وليلته ~~أقساما بحسب حاجاته ومصالحه، ويجتهد فى أن يكون وقت نومه أقل الأوقات، وبحسب الحاجة ~~فقط، لأن النوم كأنه موت ما، والأعمال، فإنما تتم باليقظة. فلذلك يجب أن يكون زمان اليقظة أكثر ~~من زمان النوم. # وينبغى أن يجزئ زمان أعماله تجزئة يحسبها. ومثال ذلك أن أول الأفعال التى ينبغى للعاقل أن ~~يفعلها — بعد قيامه من نومه، ونظافة جسمه وحواسه، على ما تقدم به القول — هو الصلاة. فإن ~~الشكر للمنعم، والإقرار له بالوحدانية، والخشوع بين يديه — إذ هو العلة لكل خير، والقادر على كل ~~فعال — من الواجب عقلا وشرعا. وبالتنصل، والإقلاع عن العيوب، مع نقاء القلوب، PageV01P084 ~~يمحص الرب الذنوب، ويجيب الدعوات، ويوصل إلى كل محبوب. فلذلك وأمثاله ينبغى أن يكون ~~أول الأفعال الصلاة، وذلك يكون فى الجزء الأخير من الليل. ثم يجب أن ينعطف من صلاته إلى قراءة ~~جزء من كتب ms085 شرعه، إذ هو الآمر له بالخيرات، والباعث له على الصالحات. ثم يعدل إلى قراءة ما قد ~~رتبه له من كتب الطب، حسب ترتيب القدماء لذلك. # فإذا توجب له الخروج إلى مرضاه، عاد فصلى صلاة الصبح النهارية، وسأل الله تبارك وتعالى أن ~~ينجح سعيه، وأن يشفى المرضى على يديه، وخرج بنية صادقة إلى مرضاه، الذين قد نالتهم أنواع ~~المكاره، وعيونهم ساهرة من عظم البلاء، فى حال ما كان هو نائما معافيا، فيحمد الله على ~~ما وهبهه له كثيرا، ويسأله المعونة على برئهم. فإذا وافى المريض، وسأله عن حاله، وعرف ~~أخباره، طيب نفسه، ووعده بالبرء والسلامة. فإن يكن المريض، أو من يخدمه، يعون ويفهمون، وصف ~~أدويته وأغذيته، بل أثبتها لهم، فإن ذلك أسلم له، ولهم. وإن لم يكن 〈هناك〉 من يعى، تولى هو ~~إصلاح ما يحتاج إليه بيده. فإن لم يتهيأ له ذلك، لم يصف له شيئا، لأن سكوته عن وصفه لمن لا ~~يعى، ولا يؤمن منه الخطأ، هو أصلح للمريض، وللطبيب. # وبعد أن يستوفى العيادة لمرضاه، فيجب أن يعود إلى مجلسه المرسوم له، فيجلس لمن يجيئه من ~~المرضى، ويحسن المساءلة. ولم أذكر هاهنا كيف ينبغى أن تكون مساءلته للمرضى، ولا كيف ينبغى ~~أن يكون المرضى، ولا كيف ينبغى أن يكون خدمهم، لأنى قد أفردت لكل معنى من ذلك بابا ~~وسمته به، يأتى فيما بعد، بعون الله. ولكن على الطبيب أن يوسع خلقه، ويحتمل من المرضى ~~ضجرهم، وأى كلام، يسمعه منهم بغير تحصيل، لا يحفل به. ولكن عليه أن يحصل من جميع ~~ما يسمعه ما ينتفع به فى برء المريض، وما سوى ذلك، لا يفكر به. # وليس ينبغى للطبيب أن يمنع المريض من كثرة ما يشكيه، فيظهر ضجرا من ذلك، لأنه ربما أورد ~~فى كلامه علامات يستدل منها الطبيب على ما ينتفع به، ويستشهد بها على صحة مرضه. وينبغى ~~للطبيب أن يكون فيه رحمة، ولا يتم ذلك إلا بتقوى وخوف من الله جل وعز. وإذا كان الطبيب كذلك ~~لم يسمع منه إلا ms086 بالصدق، ولم يفعل إلا الخير مع سائر الناس كافة. # وإذا فرغ من حوائج الناس، ثم أخذ فى مصالح جسمه، من استحمام، وأكل، وشرب، فعليه أن يعدل ~~ذلك لجسمه، حسب ما يوافقه، بالكمية والكيفية، وبحسب الزمان والمكان. وإن احتاج إلى الأكل مع ~~غيره، فلا يتبع فى أكله وشربه محاباة الأصحاب، بل يأخذ من كل أمر طبيعى، بحسب الواجب، PageV01P085 ~~وبمقدار الحاجة، لا بحسب اللذة، ويكون هو المعلم لغيره الصواب فى ذلك. وليجد مضغ ما ~~يأكله، وليمتص ما يشربه. والأحمد للطبيب أن لا يجالس شراب النبيذ، لأنه يضيع زمانه، ويشغل ~~مكانه. وليحذر أيضا مخالطة الأحداث، وكثرة المزاح، فإنه ينشط عليه الجاهل والوقاح. # ولا ينبغى للطبيب أن يجاذب النساء، لئلا يسقط عند العامة والرؤساء. ولا يصلح للطبيب كسب ~~الأموال من التجارة، لئلا يقطعه 〈ذلك〉 عن العلم، ويكسبه الخسارة. ولا يصلح للطبيب التشاغل ~~باللعب والملاهى، لئلا يسخف، ويصير واهيا. ولا يليق بالطبيب الملق، فإنه خلو خلق. ولا ~~يحسن بالطبيب الحسد، فإنه يسقطه عن كل أحد. # وينبغى للطبيب إذا أراد شرب النبيذ، ألا يشربه إلا للانتفاع به، وأكثر ما يمكنه ذلك، إذا شربه وحده. ~~وأحمد أوقات شرب النبيذ له أول الليل، بعد انهضام طعامه، لأنه حينئذ ينفذ الغذاء، ويعين الكبد ~~بحرارته المعتدلة على هضمها لصفوة الغذاء دما، لأن الخمر أقرب الأشياء إلى كون الدم. ويجب أن ~~يشرب من الخمر والماء، بحسب ما يوافقه، ويكون شربه قليلا قليلا، ومنادمته لأهل علمه، أعنى قراءة ~~كتبهم. ولا يزال تارة يقرأ، وتارة ينسخ، وهو بين ذلك يشرب، إلى حين النوم. # فهذا ما كان ينبغى أن أذكره من إصلاح الطبيب لجسمه، كما ذكرت إصلاحه لنفسه فى الباب الذى ~~قبل هذا. وفيما ذكرته فى هذا الباب من مصالح الجسم كفاية لذوى الألباب، والمحبين للآداب. PageV01P086 ### || [chapter 3] ### || الباب الثالث فيما ينبغى للطبيب أن يتوقاه ويحذره # وينبغى للطبيب مع ما قد تقدم به القول من التحذيرات له، والوصايا فيما يصلح نفسه وجسمه، ~~أن يحذر أشياء أخر كثيرة فى حفظ الأصحاء، وفى معالجة المرضى، نحن نذكر ms087 منها هاهنا ما ~~تهيأ، ليستدل به على ما لم نذكره. # فأول ما ينبغى للطبيب أن يحذره، وعليه الاحتراس منه، هو ألا يدبر أحدا فى حفظ صحة، أو فى ~~معالجة مرض، أو يختبر عقل من يريد تدبيره، وعقل من يخدمه، وبعد ذلك 〈فعليه ب〉إصلاح ما ~~يوافقه فى تدبيره، ثم حينئذ بأخذ فى تدبيره. وإلا فالأصلح له وللمريض، هو ألا يدبره، فيسوق إلى ~~المريض، وإلى نفسه، ضروبا من المكاره، ويكون قد جهل فى ذلك جهلا يصعب عليه تلافيه. وذلك ~~لمخالفة قول الجليل بقراط حين قال: وقد ينبغى لك ألا تقتصر على توخى فعل ما ينبغى، دون ~~أن يكون المريض، ومن يحضره كذلك، والأشياء التى من خارج. فإن بقراط قد أتى فى هذه الوصية، ~~لمن تدبرها، على جل الوصايا التى ينبغى أن يستوصى بها الطبيب، ويحذرها، من أمر المريض فى ~~نفسه، وفى أمر خدمه وعواده، وذلك بقوله «ومن يحضره». وأما قوله «الأشياء التى من خارج»، ~~فإنه يفهم منه أمر موضعه الذى يسكنه، وهوائه المحيط به، وأدويته، وأغذيته، وأنواع تقديرها، ~~وإصلاحها، وجميع ما تدبر به المريض من استحمام، ودلك، ودهن، ورياضة، وأشباه ذلك من العلاج، ~~والتدابير التى — إن استعملها الطبيب فى غير موضعها، وبغير المقدار الذى يحتاج إليه بها — ~~ضر المريض، ولم ينفعه، وكان بذلك قد ترك موعظة بقراط المقدم ذكرها، والأخرى التى قالها فى ~~المقالة الأولى من أبيديميا، وهو قوله، قال: وينبغى أن تلزم نفسك سنتين، أحدهما أن تنفع ~~المريض، والأخرى ألا تضره. # ولأن جالينوس قد ذكر فى تفسيره لهذا الفصل قولا يليق بما نحن بسبيله، وينفع ~~اقتصاصه هاهنا ما نفعله، فلذلك أرى أن أتلوه إليك، فاستمعه، وتدبره، بغير ضجر! قال ~~جالينوس: وينبغى للطبيب أن لا يتبع إرادة المريض، إذا لم تكن موافقة لصلاحه، ولا ينبغى أن ~~يحمله على ذلك رهبة منه، ولا رغبة فى ماله، بل من الله يجب أن يرهب، وإليه ينبغى أن يرغب. PageV01P087 # وينبغى للطبيب أن لا يكون حقودا، ولا حسودا، ولا عجولا، ولا ملولا، ولا صلفا، ولا شرها، ~~بل ms088 يكون للذنب صافحا، وللناس مسامحا، ثابتا، متوقفا، وبالأمر عارفا، لينا ~~متواضعا، وإلى الخيرات مسارعا، قنوعا شكورا، وبحسب الثناء مسرورا، عن المآثم ~~عفيفا، وفى باطنه وظاهره نظيفا. # وإذا كان الطبيب آخذا لنفسه هذه الأخلاق المحمودة، فإنه لا يرى أن يقابل جاهلا، لئلا يكونا فى ~~الجهل بالسوية. ولا يرغب فى الحرام من الأموال، لئلا يكون محتالا. فكم ممن قد أرغبهم ~~الأشرار من الرجال والنساء ببذل الأموال، والمواعيد، وأنواع الخدم، فلشرههم وجهلهم أعطوا أدوية ~~قتالة، ومزرحات أسقطت الأجنة، وأشباه ذلك من الأمور المهلكة، جميع ذلك جهلا ~~بالعواقب، وكفرا بالمنعم. فلو سعدوا بصحة الفكر، وجودة التمييز، لعلموا أن الخالق تبارك عادل، لا ~~جور عنده، وأنه يكافئ المرء بحسب دينه: فمن قتل قتل، ومن أفقر أفقر، ومن سلب سلب، ومن ~~أمرض أمرض، ومن خدع خدع. ولو علموا أيضا بأن الإمهال من البارئ تعالى للمذنب، تدريج ~~له، وحجة عليه، لسارعوا إلى الإقلاع عن الذنوب، وزهدوا من الدنيا فى كل محبوب، وكان الخير ~~الحق هو عندهم المطلوب. # فإن لم تكن، أيها الحبيب، ممن قد نصب فهمه لهذه الأقاويل، ووهبت له السعادة، فاقبل وصايا ~~الجليل بقراط، فإنه قال: إنه لا ينبغى لك أن تخدع بجزع امرأة تراها مكروبة، فزعة من حملها، ~~فترحمها، وتعطيها دواء يسقط جنينها. فإنها لم تفزع من الله تعالى. ولا وجه لقتل ~~الجنين، بل يجب تربيته، ولتربيته أجر عظيم. فأما أمه الرديئة، فلا تستعمل معها الرحمة، فإن ~~فضيحتها سبب لصلاح غيرها من النساء. فاحذر أن تعطى مثل ذلك 〈الدواء〉، اللهم إلا أن ترى أنت ~~إعطاء ذلك، خشية على الحامل، أو على الجنين من التلف! ولا فرق بين أن تعطى الدواء، أو تشتريه. ~~ويجب عليك أن تبدأ، قبل تعرضك لعلاج الطب، بقراءة كتاب بقراط فى عهوده، لتفهم وصاياه، ~~وتلزمك عهوده، وتدخل تحت أيمانه التى حلف بها، واستحلف المنتحلين لصناعة الطب أيضا، ~~ليلزمهم بذلك جميع شروطها. # وأنا أحكى لك فصلا من ذلك الكتاب، وتفسير جالينوس له، لتستدل به على غرضه، وعلى كثير ~~مما قصدنا له فى هذا ms089 الباب. قال بقراط: وأقصد فى جميع التدابير بقدر طاقتى منفعة المرضى. PageV01P088 # فأما الأشياء التى تضرهم، وتدنى منهم، بالجور عليهم، فامتنع عليهم، بحسب رأيى. قال جالينوس: ~~إن بقراط يحلفنا كيف نستعمل صناعة الطب، طلبا لمنفعة المرضى. وذلك أن الطب فقط يمكن فيه ~~بتلك الأشياء بأعيانها التى ينتفع بها، أن تضر. فيجب إذا على من كان من شأنه أن يكون طبيبا ~~فاضلا، أن يكون إنما تصرفه فيما ينتفع به المرضى. وما أحسن قوله فى استثنائه فى قوله «بقدر ~~طاقتى»! وذلك أن كثيرا من الناس تجدهم يضرون بالمرضى ولا ينفعونهم كثير منفعة، بغير إرادة. ~~فأما الذين يمكنهم أن ينفعوا المريض، ولا يفعلون ذلك، فقوم سوء أشرار، وذلك أن الفكر منهم ~~ردئ، لا صناعتهم! وهم الذين يجترئون على تجاوز هذه الأيمان. وأما بقراط، فبحسب رأيه يضمن أن ~~يمتنع من جميع الأشياء التى تضر، ويعطى جميع الأشياء التى تنفع. وقد أحسن بقراط فى استثنائه ~~وقوله «بحسب رأيى». وذلك أن 〈ما〉 امتحن فى جميع الأشياء، إنما هو الرأى، وهو الذى ~~منه يظن بالإنسان أنه خير أو شرير. ترى من ذلك إنا نجد كثيرا خلقا فعلوا فعلا رديئا، ~~ولم يجاوزوا على ذلك، عندما احتج عليهم. فإن ما كان منهم 〈حدث〉 بغير إرادة، ولا معرفة. ~~وكثير من الناس فكروا فى فعل الشر، فلم يفعلوه، فنزل بهم الحكم. # ثم قال: إن من أمكنه أن يمنع الأشياء التى تضر، ولم يحب أن يفعل، فهو الإنسان الشرير، المجاوز ~~العهد. وأما الذى يحب أن يفعل الخير، غير أنه لا يمكنه فعله، فليس هو سببا للبلية، لأنه لم يمكنه ~~صرفها. # وينبغى لك أن تستوصى بوصية بقراط التى وصى بها نفسه، فإنه قال: لا أشق أيضا عن من فى ~~مثانته حجارة، بل أترك ذلك لمن كانت صنعته هذا العمل. وليس ينبغى لك أن تفعل ذلك فى الشق ~~عن الحجارة فقط، لكن 〈أيضا〉 فى أمثاله، كقدح العين، وبزل الماء، ونظائرهما من أعمال اليد التى ~~لها قوم قد تفردوا بها، لئلا تدخل نفسك فيما ليس من ms090 عملك، فتهلك المرضى، وتهلك! # ولا ينبغى للطبيب أن يعالج مريضا، لم يتحقق عنده مرضه، لئلا يوقعه فى مرض آخر، ولعله أن يكون ~~أعظم من الأول، فيحتاج أن يعالج من العلاج. ولا ينبغى للطبيب أن يسقى دواء مسهلا، إلا بعد حذر ~~وتوق، فإن وجب عنده إعطاؤه، فيجب أن يستجيده، ويقوم على إصلاحه، ويختار له الزمان ~~والوقت 〈المناسبين〉، فإن الصيف والشتاء يكرهان للاستفراغ، وخاصة وسطيهما، وكذلك وسطى النهار ~~والليل. # ولا ينفع الطبيب مدح الأشرار، وأهل الخداع، له. فلذلك لا ينبغى له أن يسر بذلك، لأنهم مخادعوه ~~بحمدهم، ومحتالون لاستعباده، واستقراض رحله؟؟ بشكرهم. ولا ينبغى للطبيب أن يحفل بذم ذام له PageV01P089 ~~على صواب أتاه، ولا ينتهى عن الصواب، ولو ناله مكروه. ولا يلتفت إلى قول ~~يسمعه من المريض لا يرضيه، فإن كثيرا من الأمراض يفسد التخيل والتمييز. بل ينبغى له أن يعمل ~~ما يجب، ويتبع فى ذلك قول بقراط حين قال: إذا فعلت ما ينبغى، وكم يكن ما ينبغى، فأنت عن ~~فعل ما ينبغى لا تقلع مادام الأمر كذلك. # ولنكتف بما قلناه فى هذا الباب من هذه الجمل والتذاكير مع ما تقدم، ولنتبع ذلك بما جانسه من ~~الوصايا التى تلزم الطبيب أن يتقدم بها إلى خدم المريض. PageV01P090 ### || [chapter 4] ### || الباب الرابع فيما يجب على الطبيب أن يوصى به خدم المريض # وإذا كانت الضرورة تدعو فى معالجة المرضى إلى من يخدمهم، لعجزهم عن خدمة نفوسهم، ولأن ~~الطبيب لا يمكنه خدمتهم على الكمال، فقد يجب أن يكون لهم من يقوم لهم بمصالحهم الموافقة لعلاج ~~الطبيب، وتدبيره للمريض. ولأن خادم المريض لا يمكنه علم ذلك، إلا من الطبيب، فلذلك يجب على ~~الطبيب أن يتقدم إلى الخادم بما يحتاج إليه وقتا بوقت. ويجب أيضا على الطبيب أن يفتقد ~~على الخادم حسن طاعته له، وهل يفى فى عقله وبطشه بالقيام بما يؤمر به. فإنه ليس كل عاقل ~~يصلح لكل عمل، ولا كل من يخبر أعمال المريض يصلح لخدمته. وذلك أن الخادم يحتاج أن يكون ~~عاقلا، أديبا، شفقا، له دربة ms091 وبطش بالأعمال الموافقة للمريض. ويحتاج أن يكون له هيبة على ~~المريض. ومتى لم تكن هذه أوصافه، دخل الضرر على المريض فى نفسه، وعلى الطبيب فى صناعته ~~من المرضى. # وأما ما يدخل من الضرر من جهة رداءة الأمانة والدين، فهو عظيم أيضا، لأن القليل الأمانة من ~~الخدم، قد يدعوه شرهه ورغبته إلى إهلاك المريض، إما بما يبذله له المريض نفسه ليبلغ ~~شهوته، أو بما يبذله له أعداؤه. وكذلك أيضا متى لم يكن الخادم للمريض شفقا عليه، لم يؤمن منه ~~التهاون بخدمته. وبغير شك أن من لم يكن له دربة بالأعمال التى يحتاج إليها المريض، كان من ذلك ~~عليه أعظم ضرر. كالذى رأيته من جهل خادم تولى إصلاح ماء الشعير لمريض كنت أشرت عليه ~~بأخذه. وكان المريض من أهل الأدب، فوثقت بعقله ودربته. فأمر خادمه بإصلاح ماء الشعير، ~~وأخذ منه ما أخذه. فلما كان بعد أربع ساعات، أتانى رسوله مذعورا، فوافيته، وهو فى ~~كرب. فسألته عن السبب فى ذلك، فقال: لم آخذ غير ماء الشعير. فحدست على أن البلية جاءت ~~من إصلاحه، فقلت: إن كان تبقى منه شئ، فهاتموه! فجاؤونى منه بشئ جامد أبيض، يشبه النشا ~~المطبوخ إذا برد. فسألته: كم شربت من هذا؟ فقال: رطلين بالبغدادى. فبادرت وقذفته، فرمى به، وقد ~~بدأ يفسد، ففرج عنه. وكانت الخيانة الأولى منه جهل خادمه بصنعته، والثانية كثرة ما ~~أخذ منه. # ولأن من المرضى من لا يمكنهم تعريف ما يجدونه، إما لأجل المرض فى نفسه، كأصحاب PageV01P091 ~~السكتة، والبرسام ونظائرهم، أو لأن المريض طفل لا يعقل، أو أعجمى، أو أخرس، أو أمثال هذه ~~الموانع، فلذلك يحتاج الطبيب إلى معرفة حالات هؤلاء ممن يخدمهم، ولا يتم ذلك لخدمهم، إلا ~~بما يوصيهم، وينبههم عليه الطبيب من تفقد الحالات، والعلامات التى يحتاج إليها. ومتى لم يمكن ~~الطبيب أن يتولى إصلاح دواء المريض، أو يصلح بحضرته، فيجب عليه أن يوصى المتولى لخدمته، بعد ~~علمه بفهمه، كيف يصلح دواءه، وغذاءه، ومقدار كل واحد منهما، وزمانه، وغير ذلك من سائر ~~تدابيره. # ولأن ms092 منزل المريض ربما كان غير موافق له، لمجاورته بما يؤذيه، من روائح، أو أصوات، أو غير ذلك من ~~المضرات به، فيجب على الطبيب أن يأمر بنقله من ذلك المنزل إلى الأوفق له. ويجب أن يحذر ~~المواضع التى تحتقن فيها الأهوية والبخارات الرديئة، كسفل الدور التى لا تخترقها الرياح، ولا ~~ينقى هواؤها، فإن ذلك مفسد جدا. وليختر له من البيوت الرياح الموافقة له، ويأمر أيضا بإصلاح ~~هوائه المحيط به بما يوافقه من البخور، والزهور، والرياحين، بحسب ما يوجبه مرضه، والوقت. # 〈و〉مع جميع ذلك يجب ألا يترك حول المريض، ولا بقربه، 〈أحد〉 متى ما يبرز من جسمه، كبراز، ~~أو نفث، وخاصة ما له رائحة كريهة. فإن ذلك يضر به فى مرضه، ويمرض خدمه. ويجب على خادم ~~المريض ألا يخبره بما يغمه، ولا بما يحزنه، ولا يسمعه ولا يريه ما يكرهه. وبالجملة، فإن جميع ما ~~يعمل مع المريض مما لا يوافق عمل الطبيب، فهو يفسد عليه علاجه، فيجب أن يحذر من ذلك، كما ~~حذر منه، وتقدم بالقول فيه الجليل بقراط فى الفصل المقدم ذكره، وهو قوله: وقد ينبغى لك ألا ~~تقتصر على توخى فعل ما ينبغى، دون أن يكون المريض ومن يحضره كذلك والأشياء التى من خارج. ~~فقد جمع هذا الفصل جمل ما بسطناه وما لعله قد تبقى مما لم نذكره، فتدبره، وقس بجميع ما ~~شرحناه ما لم نشرحه، لتصل بذلك إلى الغرض، بعون الله تعالى! PageV01P09 ~~2 ### || [chapter 5] ### || الباب الخامس فى آداب عواد المريض # ولأن حالات المرضى مختلفة، حسب الأمراض — وذلك أن من الأمراض ما يذهب معها تمييز المرضى، ~~كالوسواس، والسكتة، وما جانسهما — فلذلك ينبغى ألا يعاد هؤلاء، بل يسأل عن حالاتهم فقط. ~~ومن الأمراض أمراض تقلق المريض، ولا يمكنه معها كلام الناس، لاستحيائها له إلى ما ~~تدفعه الطبيعة بتواتر أو بتغير روائح. فلذلك يجب ألا يعاد هؤلاء أيضا، لئلا يلحقهم المكروه والأذى، ~~بصبرهم على ما يحركهم على الخروج من براز، وقذف، وغير ذلك. ولمثل ذلك لا ينبغى أن يعاد من ~~سقى دواء ms093 مسهلا، ولا من عرض له إسهال المرضى فى يوم شربه للدواء. # ومن الأمراض أمراض حادة، سريعة التنقل، والتغيير، تحتاج إلى مبادرة فى التدابير من الطبيب، ومن ~~خدم المريض. فيجب أن يتقدم الطبيب أيضا إلى أهل المريض، ألا يدعوا عائدا، ولا أحدا يدخل إليه، ~~إلا ممن يخدمه فقط، ليوفر من خدمه على خدمته، ولا يشغل زمان التدبير بما لا ينفع المريض. ومن ~~الأمراض أيضا ما يبعث المريض على ما لا يريده، وأيضا على أفعال لا تصلح، كالذى يعرض لكثير ~~من أصحاب السوداء ومن حدث بهم ضروب من المالنخوليا، فلا وجه لعيادة هؤلاء. وكم ~~عائد قد خرقت ثيابه، فضلا عن الشتيمة! # وإذا كان أمثال هؤلاء المرضى لا يجب أن يعادوا، فإذا يحتاج العائد لما سوى هؤلاء من ~~المرضى أن يعلم، إذا عاد مريضا، كيف ينبغى أن تكون عيادته. فأول ذلك أنه يجب أن لا يطيل عند ~~المريض الجلوس، ولا يدخل إليه، إلا بثوب نقى، ورائحة طيبة، لتقوى بذلك نفسه، وتحركه، وتسوقه ~~إلى التشبه به. ولا ينبغى لأهل الصنائع الرديئة أن يعودوا المرضى، لئلا يضروهم بروائحهم، ويفسدوا ~~عليهم الهواء، كبائع الكبريت والقطران، والدباغ، والقصاب، وغيرهم، ولا ممن تعلق ~~بهم الروائح الرديئة. فالأنفع للمريض ألا يعودوه هؤلاء، وأمثالهم. # وقال جالينوس فى تفسيره لقول ابقراط فى أبيديميا: وما ينظر إليه — يعنى ما ينظر إليه ~~المرضى — إنه ينبغى أن يطيل اللبث عند المريض من عواده، أصدقهم إليه، وأقربهم إلى قلبه. فأما PageV01P093 ~~غيرهم، فالتدبير فيهم أحد الأمرين: إما أن لا يدخلوا إليه أصلا، أو أن لا يراهم طويلا. وينبغى ~~للطبيب، إذا دخل إلى المريض من يستثقله، أن يلبث قليلا، ثم يقول: إنه ينبغى للمريض أن ~~يهدأ، ليقوم من عنده. فإن ذلك يحدث فى فكره لذة، وفى حس بصره قد يلتذ برؤية أشياء، دون ~~أشياء، من ألوان، وأشكال، وزهر النبات، وأصناف النبات، والصناعات، والصور، مما لا يلتذ ~~برؤيتها، أو يكرهها غيره. فقد ينبغى للطبيب أن يسأل أهل بيت المريض عن الأشياء التى كان ~~يلتذها، فيأمر بإدخالها عليه إلى ms094 البيت الذى فيه المريض، ولا يخبره بما يغمه، من خبر تجارة خسرت، ~~له فيها سبب، ولا يذكر بحضرته ذكر ميت، ولا خبرا رديئا لمريض آخر. # ولا ينبغى للعائد أن يستخبر عن مرضه استخبار متقص، فإن ذلك لا ينفع المريض من العائد، إلا ~~أن يكون طبيبا. ولا ينبغى له أيضا أن يشير عليه بدواء، ولا بغذاء قد كان نفعه، أو سمع بأنه نافع، ~~فإن ذلك ربما حمل المريض لجهله، أو لشدة ما به، أن يستعمله، فيضر به، ويفسد على الطبيب عمله، ~~وربما كان ذلك سببا لهلاك المريض. ولا ينبغى للعائد أن يعارض الطبيب بحضرة المريض، متى لم ~~يكن من أهل العلم، فيوقع له الشك فيما وصفه الطبيب، كالذى رأيته من بعض المشائخ، وذوى النبل ~~عند نفوسهم، وقد حضر عند مريض كنت أدبره، فبدأ يسائل المريض عن حالاته، وحال دوائه، وغذائه، ~~فى أمس يومه الذى كنا فيه. ثم حضرت قارورته، فتكلم، وأنا فى جميع ذلك ساكت، ليحس ~~بسوء أدبه. فما انتبه لذلك، بل وصف دواء. فلما فرغ من صفته، قمت منصرفا. فقال لى المريض: ~~تقوم وما وصفت لى شيئا، ولا سمعت منك يومى هذا كلمة! قلت: صدقت، وكذلك يجب. قال: ~~ولم؟ قلت: أولا: فلان هذا الشيخ قد ناب عنى، وما بقى لى شئ أقوله، والثانية لأنك قد قنعت ~~بذلك، وأصغيت إليه، فلا وجه لكلامى! فأما الشيخ، فإنه خجل، وما عاد إلى مثل ذلك. وكذلك ~~المريض اعتذر، فتأدبا جميعا بذلك، وجميع من كان بالحضرة، ومن سمع أيضا. وإنما أحضرت ~~ذلك هاهنا، لينتبه به، ويتأدب، من لم يكن يعلم ذلك. فلنكتف بما ذكرنا فى هذا الباب. PageV01P094 ### || [chapter 6] ### || الباب السادس ~~فيما ينبغى للطبيب أن ينظر فيه من أمر الأدوية المفردة والمركبة وفسادها # ولأن الأدوية أعظم الأسباب فى شفاء الأمراض، فلذلك يلزم الطبيب العناية بمعرفتها أولا، ثم الجيد ~~منها والردئ. والأدوية على ضربين: منها مفردة، ومنها مركبة، فلذلك تكون الأسباب الجالبة الفساد ~~على الأدوية المركبة، هى أكثر من الأسباب التى منها يدخل الفساد على الأدوية المفردة، ms095 وذلك من ~~جهة أنحاء الخطأ فى التركيب، وقلة الحذق بصنعة التأليف، والتركيب، والمزج، والخلط. فاصغ لما ~~أذكره، أيها الطبيب، فإنك مضطر إلى علمه! # فأول ما يجب أن يعلمه الطبيب، ويعنى بالخدمة فيه، أمر الأدوية المفردة، ولا يتم له 〈ذلك〉، ولا ~~يصح، بقراءته وتعرفه ذلك من كتب، لكن بخدمته للأستاذين من أصحاب الأدوية، وحافظيها، ~~وخزنتها. والأدوية المفردة، على كثرة أصنافها، يدخل عليها الفساد من وجهين: أحدهما فيما يخص ~~جواهرها، والآخر فيما يخص أعراضها. # فأما الفساد الداخل على جواهرها، فهو 〈يحدث من جهة〉 اجتنائها 〈المبكر〉، وما قطع من الحشائش، ~~والأشجار، واستخرج من البزور، وقلع من الأصول، والصموغ، وأشباه ذلك، قبل كماله الطبيعى. وما ~~أخذ كذلك من الثمار، 〈و〉كان فجا، ومن البزور، 〈و〉كان كثير الرطوبة، ضعيفا. فلذلك يجب أن لا ~~يختزن منها شئ، أو تحكمه الطبيعة، وتتمم نضجه. وما قلناه من ذلك، هو بين، لمن تأمل ~~الفواكه، والحبوب، والبقول، فإن الناس دائما ينتظرون بها البلوغ إلى كمال نضجها، لقلة الانتفاع بها ~~قبل النضج. فعلى الطبيب أن يعرف أزمنة ذلك. وكذلك أيضا يجب ألا يدع الأدوية بعد ~~نضجها، إلى أن تأخذ فى الفساد، فيجرى أمرهامجرى ما نضج من الثمار، فلم يقطف، فتعمل 〈فيه〉 ~~الحرارة الفاضلة فسادا. فهذا هو الفساد الداخل على جواهر الأدوية، وأمثالها. # فأما الأعراض التى تلحقها بعد ذلك، فهى من جهة خزانها، وقلة علمهم بذلك، أو تهاونهم بحفظها. ~~وذلك كالذى يعرض لها من العفن، إذا خزنت ندية، فكبس بعضها بعضا. وكذلك يعرض لها من ~~المواضع التى تخزن فيها، إذا كانت المواضع ندية، كسفل الدور، وخاصة إذا لم تكن الأهوية تخترقها، ~~والشمس تطلع عليها. فلذلك يجب أن تجفف أولا فى الظل، لأن الشمس تضعف قواها. والدليل على ~~ذلك نقصان ألوانها، وروائحها. وبعد جفافها، تخزن فى المواضع المعتدلة الأهوية. وكذلك ينبغى أن PageV01P095 ~~تحفظ الأدوية الأرضية، كالأطيان، والأحجار، والأملاح، والزاجات والعصارات. فإن المواضع ~~الندية تحل هذه، وتفسدها، كما قلنا قبل. # ويجب أيضا على الطبيب أن يحذر من الأدوية ما عتق، وطال مكثه، لأن قوى هذه ms096 تضعف، وأفعالها ~~تنقص، وكثير منها يفسد، فيفعل الفساد لهرمها. ومنها ما يسرع إليه الفساد لما فيه من الدهنية، ~~ولذلك يزنخ، ويتغير باليسير من النداء، كبزر الخشخاش، وبزر الكتان، والفجل، وأشباه ~~هذه. # ويجب أن يحذر 〈الطبيب〉 خزن دوائين، أو أكثر، فى إناء واحد، لأن أحدهما يغير الآخر، والأقوى ~~يفسد الأضعف، ويدل على ذلك اكتساب أحدهما من الآخر روائحه، وطعمه. ولذلك لا ينبغى أن يجعل ~~دواء فى إناء قد كان فيه آخر، إلا بعد نقائه من الأول. فهذه الأشياء، وأشباهها، تفسد الأدوية، ~~بتقصير خزانها، وتوانيهم، فتفسد، بغير قصد منهم لفسادها. فيكون الضرر الداخل على المريض فى ~~علاجه، وعلى الطبيب فى عمله، عظيما، لا يستهان به. فلذلك يجب على الطبيب أن ~~يتيقظ لذلك، ولا يعول، إذا وصف دواء، على أن يأخذه من الصيدنانى من اتفق ممن يخدم ~~المريض، بل يجب على الطبيب أن ينظر إليه قبل استعماله. # وأما ما يجرى من فساد الأدوية بتعمد وقصد، فهو أعظم ضررا مما يجرى بغير قصد. وذلك أن من ~~الصيادنة القليلى الأمانة ممن يخلط بالدواء العزيز المثمن دواء يشبهه قليل الثمن، كالذين ~~يغشون الأفيون بدقيق الشعير وعصارة الخس، والمحمودة بالعنزروت، والزنجار بالملح، PageV01P096 ~~والكافور بالرخام، وبالأرز، وأشباه ذلك كثير. # ومنهم من يستحل أن يعطى بدل الدواء، دواء يشبهه فى المنظر، وإن ضاده فى الفعل، فيقتلون ~~المرضى، كالذى أعطى من دق ورق الدفلى الإنسان الذى طلب منه شيئا، فقتل مريضه. وللدهاة، ~~القليلى الدين منهم، حيل فى عمل أدوية تشبه أدوية، بضروب من الحيل، والتركيب، لا أحصيها، ولا ~~يصلح ذكر ما نعرفه منها، لئلا يتعلمه الأشرار. # ولقد جاءنى بعضهم بطباشير، عرضه على، وقد كان باع منه لجماعة من الصيادنة، فتأملته، ~~وشككت فيه. فلما ذقته، وجدته معمولا من الشب، وعرفت بالحيلة فيه. فتكلمت به، ومنعته من ~~بيعه، وأنذرت من اشتراه بالفضة. ومن هذا النوع من يعمل القرنفل، والزعفران، والمسك، وأشباه ~~هذه من أصناف العطر. فإذا استعمله الطبيب على سبيل الدواء، دخل على المريض منه الضرر ما لا ~~يدخل مثله من جهة ms097 العطر. # ولذلك لا ينبغى لطبيب لم يكن خدم فى الصيدنة، بين يدى حذاقهم، ومشائخهم، أن يتولى شراء دواء ~~من صيدلانى، أو عطار، ولا يعالج به مريضا. فكم من صيدنانى قد طمع فى أطباء، فدفع إليهم بدل ~~دواء دواء آخر، ولم يعلم ذلك الطبيب. كما رأيت منهم من دفع إلى طبيب بدل كمون ~~كرمانى بزر خس، وحب البان بدل الفلفل الأبيض، فلم يعلم الطبيب بذلك، وبينهما ~~تضاد عظيم فى القوة والفعل! وكذلك رأيت من أعطى ميويزج بدل قطر أساليون. وأما ~~إعطاؤهم العصارات، والصموغ، بعضها بدل بعض، فكثير لا يحصى، لما بينها من التشابه. فكم من PageV01P097 ~~مريض قد هلك فيما بين عمى الطبيب، وقلة دين الصيدلانى. فهذا وأمثاله يجرى فى أمر الأدوية ~~المفردة. فيجب على الطبيب الاحتراز من أنواع فسادها. # وأما فساد الأدوية المركبة، فأكثر وأعظم، لأن أصناف تراكيب الأدوية كثيرة جدا، ولكل نوع من ~~التركيب غرض قصد نحوه، وبه يقع النفع. فإن تغير عن صورته، ونوعه، بقصد، أو باتفاق، دخل ~~الضرر منه، بحسب خروجه عن الغرض. من ذلك أن ما عمل من الحبوب المسهلة معجونا، بعسل أو ~~بغيره من الحلاوة، فقد أفسد، وصار يضر ضررا عظيما، لأن الحبوب ركبت حبوبا معجونة بمياه فقط، ~~ليمكن جفافها، وعملت حبا لتبقى فى المعدة، فتجذب إليها بقواها الأخلاط، ولا تنفذ، وهى حادة، ~~إلى الأعضاء، فتهتكها، ولهذه العلة لم يخلط بها شئ من الحلاوة، لأن الأعضاء، لميلها، ~~واستلذاذها للحلاوة، تجذبها إليها، فتجذب معها الأدوية الحادة التى تقع فى هذه الحبوب. وهذه ~~الحبوب هى حب الأسطمحيقون وحب القوقايا وحب المقاصل، وما جانس هذه مما يقع فيه ~~المحمودة، وشحم الحنظل، والسيرم، وما سوى هذه من الأدوية المسهلة الحادة. # 〈و〉من التغيير لصور أدوية مركبة أيضا الداخل منه الضرر العظيم، ما عمل من الحبوب المسهلة ~~الحادة حبا صغارا، كصغار الفلفل، لينحل بسهولة، وتنقى منه المعدة والأحشاء بسرعة. فإن جهل ~~الطبيب علم هذه العلة، فعمله حبا كبارا، طال مكثه، ولم ينحل بسرعة، وحل فوق مقدار ~~الحاجة، وربما أفسد بحدته الأعضاء التى ms098 يطول مكثه فيها. # وبضد ذلك ما عمل من الحبوب التى أمر الأطباء يعملها كبارا كالحمص، ليطول مكثها، ولتبقى، ~~فتصل قواها إلى الدماغ الذى قصد لتنقيته بها. وهذه هى حب الشييار، وحب ~~الدهب، والأيارج. فإن الذى لا يعلم لم عملت كذلك، متى عملها صغارا، لم تبلغ له ما ~~أراده، وقصرت عن عملها. وكذلك مجرى الأمر فيما عمل من الأدوية ناعما، وقد أمر الأطباء بعمله ~~جريشا من السفوفات والجوارشنات. PageV01P098 # فإن جالينوس يذكر أنه أشار على إنسان يشكو وجعا ما يجوارشن الكمون، فعاد إليه وذكر أنه قد ~~عمله هو لنفسه على النسخة التى رسمها له جالينوس، وأنه زاده وجعا. قال جالينوس: فوجدت ~~الفساد من جهة إصلاح الدواء فى دقه، لأنه جعل دقه ناعما، ثم عجنه. فأمرته أن يعيد عمل النسخة ~~بعينها، وينخلها بمنخل واسع، لينحدر جريشها، ثم يعجنه، ويأخذ منه ما رسمته له. فلما فعل ذلك، ~~ووجد نفعه، جاءنى، فعجب من ذلك. فأخبرته بالسبب، وأنه من جهة الإصلاح، والتركيب. فهذا ~~وأمثاله من تغير صور الأدوية المركبة كلها يجرى هذا المجرى من الفساد. # وأما الضرر 〈الحادث〉 من جهة مواد الأدوية المركبة، فهو ما أقول. أقول: إن الفساد الداخل على ~~الأدوية المركبة من جهة موادها، أعنى الأدوية المفردة التى عنها يكون التركيب، يدخل عليها من عدة ~~أوجه: أحدها أن تبدل الأدوية، وتغير جواهرها، كالذى رأيناه من قوم يجعلون فى الطريفل بدل ~~الهليلج الكابلى، أصفر، لرخصه، وبين جوهريهما، وفعليهما، فرق عظيم! وأعظم من ذلك من لم ~~يقنع بالأصفر، حتى جعل بدل الأصفر قشور رمان. وحسبك بهذا شرا وفسادا! # والوجه الثانى من الفساد هو إسقاط دواء، أو أكثر من دواء، من الدواء المركب، لغلائه، أو لقلة ~~وجوده. ولعل ذلك الدواء الذى أسقطه، بشره، وجهله، هو عمدة الدواء، وهو لا يعلم. ~~والوجه الثالث هو الزيادة فى الدواء ما لم يذكر فيه، ظنا من المركب له أنه يزيده نفعا بذلك، أو ~~قصدا للزيادة فى كميته. وإن قصد أيضا أن يبدل الأدوية، ويزيد أدوية، وينقص أخر، كان 〈ذلك〉 ~~أعظم للآفة، ms099 وأقوى للفساد. والوجه الرابع من الفساد هو الداخل من جهة كمية الأدوية المفردة فى ~~الوزن، وذلك كالأيارج الفيقرا مثلا، فإن كمية أدويته من جهة عددها تسعة، ومن جهة وزن كل ~~دواء من هذه التسعة، هو أن تكون ثمانية منها بالسواء فى الوزن، والصبر بوزن الثمانية الأدوية ~~الباقية. فيكون للدواء المركب صنفان من الكمية، متى خرجا عن مقاديرهما، فسد الدواء. # وللدواء المركب أيضا من جهة الزمان نوع آخر من الكمية، يلزم للطبيب النظر فيه، وهو ~~مدته وزمانه. فإن من الأدوية المركبة ما لا يصلح استعمالها، دون بلوغها ونضجها، وذلك ~~كالأفلونية مثلا، فإن القدماء، وخاصة افلن مركبها، يأمرون بتركها ستة أشهر، ودفنها فى PageV01P100 ~~الشعير، على ما ذكر قوم، ثم حينئذ تستعمل. ومنها ما له زمان، تكون قوته فيه مبقاة عليه، فإن ~~جاوز ذلك الزمان، ضعف فعله، وقصر عمله، وكان كالشيخ، وإن افرط فى البعد عن ذلك الزمان، ~~ماتت قوته، وبطلت. وذلك كالدرواق، فإنه إن جاوز ثلاثين سنة، ضعف فعله، وكلما بعد عنها، ~~كان أضعف لفعله، إلى أن يعطل. # وكذلك يجب أن ينظر الطبيب فى الفروق بين التراكيب. فإن عجن من الأدوية بالعسل، كانت مدته، ~~وعمره أطول، لأن العسل يحفظ قوى الأدوية، ويعين الأدوية بإيصاله لها، وإنضاجه، وجلائه، مما ~~لا يوجد فى أدوية أخر من الأدوية الحافظة. وهذه الحافظة هى العسل، والخل، والملح، والثلج أيضا ~~يحفظ ما يجعل فيه. فأما ما عجن من الأدوية بالمياه، كالحبوب، والأقراص، فإن أعمارها ~~قصيرة، لأن قواها، وأفعالها، تضعف سريعا. فلذلك يجب أن يفتقد الطبيب أمثال هذه الأشياء عند ~~النظر فى أمر الأدوية. # ومع ما ينظر فى أمر الأدوية، وجواهرها، وكمياتها، وكيفياتها، وأزمانها، كما قدمنا، فعليه أن ينظر ~~أيضا إلى من هى منسوبة فى عملها. فإن من صناع الأدوية من هو مشهور بالثقة والأمانة. ~~وأعظم نظرا للطبيب بعد جميع ما قدمنا ذكره من أمر الأدوية المفردة، والمركبة، هو بحثه عن أفعال ~~الأدوية. فإن أفعال الدواء الواحد قد تكون كثيرة، وذلك بحسب ما قد اجتمع فيه من القوى، وذلك ms100 ~~كالصبر مثلا الذى يفعل الإنضاج، والجلى، والتقوية، والإسهال، وذلك بما فيه من القوى التى بها ~~يفعل كل واحد من هذه الأفعال. # وإذا كان الدواء المفرد له أفعال كثيرة، لما جعلت الطبيعة فيه من القوى، بحسب ما له من جهة مزاجه، ~~فأحرى وأجدر أن تكون أفعال الأدوية المركبة أكثر كثيرا، لما قد اجتمع فيها من الأدوية المفردة ذوات ~~القوى الكثيرة. وبغير الشك أن الدواء المركب، إنما سمى مركبا، لفعلنا فيه التركيب بالصنعة من ~~الأدوية المفردة التى لم يكن لنا نحن فيها تركيب، فليس يشك فى أن الأدوية المفردة مركبة أيضا، ~~ولكن تركيبها هو من فعل الطبيعة. # ومع نظر الطبيب من أمر الأدوية، وأمر باعتها، وخزانها، ما قدمناه، فإن على الطبيب أن يحذر ~~الصيدنانى من إعطاء النساء أدوية لتسقط الأجنة، وتدر الحيض، مهما لم يأمره الطبيب بذلك. وينبغى ~~للصيدنانى أن يحذر إعطاء السمائم لأحد غير الطبيب الثقة أيضا، كالذراريح PageV01P101 ~~والأفيون والافربيون والسقمونيا ولين السبرم وما شاكل هذه. وفيما ذكرناه فى هذا الباب ~~كفاية لمن اهتدى، وقصد العدل. PageV01P102 ### || [chapter 7] ### || الباب السابع ~~فيما ينبغى للطبيب أن يسأل عنه المريض وغيره ممن يتولى خدمته # وينبغى للطبيب أن يكون ماهرا بالعلامات، والأدلة، التى بها يستدل على حالات الأصحاء. 〈و〉إذا ~~كان قد تقدم بعلم علامات الصحة، فهو عليه أسهل من استدلاله على حالات كثيرة من المرضى، إذ ~~كان كثير من المرضى، يحول بينهم وبين إخبار الطبيب بما يجدونه، أصناف من الموانع. غير أن هذه ~~الموانع، وإن كثرت، تنضم إلى جنسين: أحدهما جهل المريض بما يسأله عنه الطبيب، والآخر ما يعوقه ~~عن الجواب. # ولأن من العلامات ما هى مدركة حسا، ومنها معلومة استدلالا، وكان الاستدلال خاصا بالطبيب، ~~ومعرفة ما يدركه الحس من علامات الأمراض، وأعراضها، مشتركا عاما للطبيب والمريض — وكان ~~الطبيب مضطرا إلى بعض هذه الأسباب، والأعراض، فى تعرفه الأمراض من المريض، أو من خدمه ~~— وجب لذلك أن يكون الطبيب قد تقدم، فعلم أجناس العلامات، والأسباب، والأعراض، وبالجملة ~~أجناس سائر حالات الأبدان، وأنواعها، وفصولها، ليعلم بكل واحدة من ms101 حواسه، ما لتلك الحاسة من ~~هذه الأمور، ولا يسأل المريض عما هو بين، ظاهر لحسه، لأن ذلك من الطبيب عجز وجهل. ~~وليستعمل مل يخصه من طرق الاستدلال، والقياس، فيعلم بذلك ما لا يمكنه علمه من جهة المريض. ~~وأما ما لم يكن للحواس ظاهرا ولا بينا، والحاجة إليه ماسة فى أعمال الطب، فالضرورة تدعو ~~الطبيب إلى تعرفه بمساءلة المريض عنه، أو من يخدم المريض. # ومثال ذلك أن طبيبا دخل إلى المريض، فوجده يسعل، ونفسه عليه ضيقا، وجس شريانه، فدل ~~على أنه محموم. وقد كان معلوما عند الطبيب أن العلامات الخاصة بمرض ذات الجنب هى ~~أربع، هذه الثلاث التى وجدها بهذا المريض، والرابعة هى نخس يجده المريض فى جنبه. ~~ولأن النخس ليس يظهر للحس، ولا يجوز له أن يقطع على وجوده من جهة العلامات الثلاث ~~المقدمة ذكرها — إذ كان هذا عرضا قد يعرض لغير ذات الجنب — فلذلك وجب ضرورة أن يسأل ~~الطبيب ذلك المريض، هل يجد نخسا أم لا. فإن اجتمع وجود نخس الجنب، مع السعال، وضيق PageV01P103 ~~النفس، والحمى، فقد صح أن المرض ذات الجنب. فحينئذ ينبغى للطبيب أن يأخذ فى البحث عن السبب ~~المحدث لهذا المرض، ليصح له أى شئ من أنواع ذات الجنب هو. وبعد ذلك يأخذ فى علاجه. وهذا ~~المسلك ينبغى للطبيب أن يسلك فى تعرف سائر حالات الأبدان، ليثق الأصحاء، والمرضى، بتدبيره، ~~ويستسلموا فى يديه. # وما ذكرناه، وإن كان بينا، فإن قول الجليل بقراط يزيده بيانا. قال بقراط: إنى أرى أنه من أفضل ~~الأمور أن يستعمل سابق النظر. فقوله: «سابق النظر» يدخل تحت تقدمة المعرفة بجميع ما يحتاج إليه ~~الطبيب فى أعمال الطب، وبتقدمة معرفته بذلك، يتبين فضله، وحذاقته. ولأن تقدمة المعرفة تعم ثلاثة ~~أصول، وهى معرفة ما تقدم، ومعرفة ما هو حاضر، ومعرفة ما هو كائن، فلذلك قال بقراط أيضا فى ~~المقالة الأولى من كتابه الذى عنونه بأبيديميا هذا القول، قال: وينبغى أن يخبر بما تقدم، ويعلم ما ~~هو حاضر، وينذر بما هو كائن. قال: وينبغى أن ms102 يدرس هذه الأشياء! كما سنبين ذلك فى الباب الذى ~~نصف فيه محنة الطبيب. # وبعد ما قدمته مما لابد للطبيب من علمه فى استخراج علم الحالات، فإنى أتبع ذلك بتعريف الطبيب ~~المداخل، والمبدأ الذى منه ينبغى أن يبدأ فى تعرف الحالات. وأجمل الكلام فى تعرف حالات ~~المرضى ليكون أبين، وأنفع، فأقول: إن بعد معرفة الظاهر من العلامات، والأعراض، للحواس، ينبغى ~~للطبيب أن يجعل له مبدأ ثانيا، وهو ما يتشكاه المريض، أو ما يذكره من يخدمه من شكاويه، ~~وأوجاعه، أو يتخد ذلك أصلا للمساءلة. ومتى لم يفعل ذلك، بقى مدهوشا، متحيرا، لأنه لا يدرى ~~عما يسأل عنه. # ومثال ذلك طبيب رأى مريضا به إسهال قوى، ولم يكن عنده علم بأسباب الإسهال. فإن منه ~~ما ينبغى أن يقطع، ومنه ما لا ينبغى أن يقطع، بل منه ما يجب معاونة الطبع على دفعه. فبغير شك ~~أن ذلك الطبيب يبقى حائرا دهشا. فأما إن كان حاذقا، فسينظر إلى لون البراز، وقوامه، وما يجده ~~من روائحه. فإن وجده مثلا أصفر، استدل بأن صفراء قد اندفعت مع البراز، فيحضر خاطره أسباب ~~اندفاع الصفراء، ويسمع من المريض، أو من خدمه ما يقولونه من شكاوى المريض. فإن وجدهم يذكرون ~~أن كان به حمى غب، وكان المريض فى صيف، وسنه سن الشباب، وبحرانه قد أزف، علم ~~من جميع ذلك أن الإسهال هو لأن مرضه قد تبحرن، وأنه لا ينبغى أن يقطع. وإن وجدهم يذكرون أسبابا ~~للإسهال غير تلك، فيقولون مثلا أن الذى أحدث الإسهال أكل أشياء حارة حريفة، أو إدمان شرب ~~شراب صرف، أو ما شابه ذلك، تعلق بما سمعه منهم، مع ما وجده من لون البراز، وغيره، وجعل جميع PageV01P104 ~~ذلك مبدأ يبحث منه عن السبب. فما بان لحسه، لم يسأل عنه، وما لم يبن لحواسه، سأل عنه، بعد أن ~~يستعمل الاستدلال. فإن سأل المريض: هل هذا الإسهال لبحران مثلا، ضحك منه، وهزئ به. # فقس على ما ذكرناه، واجعله لك أصلا، وقانونا تستدل منه، وتستخرج علم ما يسائل عنه المريض، ms103 ~~والصحيح، فى تعرف حالاتهم. وبغير شك أن من كان له ذكاء وفطنة، سينتفع بما ذكرناه نفعا ~~عظيما، وذلك بما يحثه، ويبعثه إلى تعلم طرق الاستدلال، ومعرفة أصناف العلامات، فيصير بذلك ~~ماهرا بالمسائلة للمرضى، والتعرف لحالات الأبدان، وكثير من حالات النفوس. # فقد اتضح إذا نفع هذا المبدأ الثانى، أعنى ما يتشكاه، وينطق به المريض من شكواه. وصار هذا المبدأ ~~تابعا للمبدأ الأول المقدم قبله، وهو معرفة الطبيب لما تقع عليه حواسه، وصارا متقدمين فى الرتبة، ~~والطبع، لما يريد أن يسأل عنه الطبيب المريض، إذ كانت المساءلة للمريض، إنما تجب بعد أن ~~يشاهد حاله، أو يشتكى المريض حالة ما إلى الطبيب. فحينئذ يأخذ الطبيب فى تعرف تلك ~~الحال، ويبدأ بعلمها من جنسها، ويقسم أنواع ذلك الجنس بفصوله القاسمة للأنواع، والمحدثة لها، ~~فيستدل من تلك الفصول، والخواص الملازمة للأنواع، على صورها. وبعد ذلك يأخذ فى البحث عن ~~أسبابها، وعللها الموجبة لحدوثها، ليتم له بذلك إزالتها، وحسمها. # ومساءلة الطبيب للمريض هاهنا، يقع الضطرار إليها فى مواضع كثيرة. وذلك أن ما لا يدركه حس ~~الطبيب من الأسباب، وما لم يخبره به المريض، ولا نقل إليه خبره من خدم المريض، أو غيرهم من ~~المخبرين الثقات، فبغير شك، أنه هو يحتاج أن يسأل عنه المريض، أو من يخدمه، ويقدر على ~~الجواب. # ومثال ذلك أن طبيبا استدعى إلى مريض به إسهال، فرأى صورة المريض، وعرف من لون برازه أنه ~~عن صفراء مفرطة، وكذلك استدل أيضا من سنه، ومن الزمان الحاضر، ومن سحنة المريض، وعمله، ~~على أن جميع هذه قد أوجبت كثرة الصفراء فى بدنه، إذ كان سنه سن الشباب، والزمان زمان القيظ، ~~وسحنته تدل على أن مزاجه حار يابس، وكان — مع ذلك — عمله بعض أعمال النار. فقد صح من جهة ~~الحواس معرفة بعض أسباب المرض. ولأنه لم يشاهد هذا المريض قبل ذلك الوقت، فبغير ~~شك، لابد له من مساءلة المريض، أو من يخدمه، عن أشياء كثيرة، لم يقدر عليها من جهة الحس، ~~منها معرفة زمان ابتداء المرض، ليعلم ms104 من ذلك كم قد مضى من الزمان، منذ ابتدأ، وإلى ذلك ~~الوقت، فيعلم كم مقدار ما نقصت، وكم بقى، بحسب قوة المرض، وضعفه من الثبات. ومنها أيضا ~~معرفة مقادير المجالس، وتواترها، وهل تختلف فى الكثرة والقلة، ليلا ونهارا. ومنها أيضا معرفة PageV01P105 ~~بقية الأسباب التى لم تظهر للحس، من ذلك مساءلته عن أغذية ذلك المريض، ما كانت، وكم كان ~~مقدارها، وأوقاتها، وترتيبها. وكذلك أشربته، ومنها هل سقى دواء، أو كان له تدبير أوجب ذلك، ~~مما يعلمه المريض، وأشباه هذه الأشياء. فإذا هو وجد الأسباب الموجبة لذلك الإسهال الصفراوى قد ~~تشابهت، صح عنده علم سبب المرض. وأيضا فإذا كان المرض مثلا حمى غب قد أوجب كونها هذه ~~الأسباب على ما قلناه قبل، ووجد الإسهال قد حدث فى وقت بحران المريض، فقد اتضح له أن الإسهال ~~هو لبحران ذلك المريض من مرضه. # وقد يضطر الطبيب فى أوقات إلى مساءلة من يخدم المريض، لا المريض، وذلك لأسباب تقطع ~~المريض عن الجواب، إما لأنه قد اسكت، أو ناله غشى، أو ما شاكل ذلك. وأيضا فقد يحتاج الطبيب ~~فى أوقات إلى معرفة أشياء، يضطر إلى معرفتها فى علاج المريض من غير أهل المريض، وذلك ~~كطبيب غريب دخل إلى بلد، لم يكن عنده معرفة بوضع ذلك البلد، ولا بهوائه ولا بمياهه، وأشباه هذه ~~الأمور، فدعى إلى علاج مريض، فبغير شك أن الضرورة تدعوه إلى تعرف هذه الأشياء من أطباء ~~البلد، وأهل الخبرة بها، إذ كان علمها لا يصح، ولا يمكنه إلا بعد زمان طويل، وتقص شاف، إذ ~~كان من الأمراض أمراض بلدية، وأمراض وافدة، وأمراض شخصية. # ومما يضطر الطبيب إلى مساءلة من هم أبعد من أهل البلد، فى بعض الأحايين، من أصابه ~~فى حرب سهم مثلا، أو من استأمن، أو غيرهم ممن يخبر هل سهامهم مسمومة، أم لا، فيعمل ~~بحسب ذلك. فقد بان أن هذه المساءلة للمرضى والأصحاء، وأمثالها، واجبة، ضرورية، لنفعها فى ~~حفظ الصحة، وفى علاج الأمراض. ولما كانت مساءلة الطبيب لمن يتولى تدبيره وعلاجه، يجب ms105 ~~أن تكون على ترتيب طبيعى، لأنها داخلة فى جمل أجناس المسائل الأربعة التى بعضها يتقدم بعضا ~~بالطبع، وهى: هل الشئ موجود، أو غير موجود؟ ثم: ما الشئ الموجود؟ ثم: كيف حاله؟ ثم: لم ~~هو؟ وبغير شك أنه من قدم أحد هذه المسائل على ما قبله، فقد جهل طريق المساءلة، وأفسد ~~البحث. ومن ترتيب الطبيب المسائل، يعلم حذقه بما ذكرنا، وتقدمه فى صناعته. # ولما كنا معتزمين على إفراد باب للقول فى محنة الطبيب، وكان هذا القول متعلقا بذلك ~~الباب، وجب ألا نطيل هاهنا فى الكلام فى المسائل، وكيف يتقدم بعضها بعضا بالطبع، خاصة ~~وقد تقصينا الكلام فى المسائل، وأنواعها، وترتيبها، فى مقالة مفردة لذلك، جعلتها مدخلا إلى علم ~~الجدل، أنت تعرف منها جميع ما تحتاج إليه من ذلك، لكن نقطع هذا الباب هاهنا، وبه نختم المقالة ~~الأولى، ولله الحمد، والمنة. PageV01P106 ### | [book 2] ### || [chapter 8] ### || المقالة الثانية ~~والباب الثامن ~~فيما ينبغى للأصحاء والمرضى جميعا أن يعتقدوه ويضمروه للطبيب فى وقت الصحة ووقت المرض # إذا كانت أبدان الناس دائمة الاستحالة، والتغيير، لامتزاجها من متضادات، يغالب بعضها ~~بعضا، ولما طبعت عليه أيضا من قبولها للتأثير من المؤثرات العلوية، فلذلك هى محتاجة إلى تعديل ~~ما يفرط عليها من الزيادة والنقصان، وإلى مقابلة كل كيفية قوية، بما ضادها، ليعتدل بذلك المزاج ~~الاعتدال الذى يخص كل مزاج، ويتم لكل بدن أن يعمل أعماله الصحيحة التامة. وهذا التعديل، ~~وسائر ما انضم إليه من إصلاح ما فسد من نظم تركيب الأعضاء، ومن رد ما خرج منها فى كمية ~~عظيمة، أو تغيير شكله، أو موضعه، عن حالته الطبيعية، هو أعظم أصول الطب، والعالم به، وبما ~~يتبعه، هو الطبيب. # وأيضا لما كانت الأبدان الصحيحة هى التى يجب حفظها على صحتها، ولا يتم للبدن حفظه على ~~صحته، إلا بما شابهه، ولا يقدر على 〈معرفة〉 ما شابه الجسم، إلا من عرف مزاجه، ومقادير أخلاطه، ~~وصورة اعتداله الخاص به، وما يخص عضوا عضوا من المزاج، والهيئة، والتركيب، والاتصال، ~~والوضع المبنى عليه، ومعرفة النسب والمقادير التى بها ms106 يتم للشبه حفظ شبهه، وذلك بأسره مع ما ~~يتبعه من لواحقه، هى جملة أجزاء الطب، والقيم بعلمها هو الطبيب، وهو الذى يقدر بذلك على حفظ ~~الصحة، وعلى اجتلابها، إذا فقدت. فبواجب إذا أن الأصحاء والمرضى محتاجون إلى الطبيب، فى ~~حال الصحة، وحال المرض. وأيضا لما كانت ذات الإنسان يجب أن تكون عنده أشرف أملاكه، وأشرف ~~ما يملكه ويقتنيه لذاته هى الصحة، والصحة لا تثبت و〈لا〉 تنحفظ، إلا بصناعة الطب، وجب لذلك أن ~~يكون مقتنى صناعة الطب عند العقلاء، الأفاضل، مؤثرى الصلاح لذواتهم، هو أشد الناس عندهم ~~تقدما، وأرفعهم منزلة، وأجلهم قدرا، وأصدقهم قولا. ولست اشير إلى من يتسمى بالطب، وهو عادم ~~لمعناه، إذ كان هؤلاء بالهوان أحق من الإكرام، لاستحسانهم الكذب، ورضاهم لنفوسهم ~~بالمحال. # لكنى أرى أن الكرامة واجبة، لمن عرف قدر ما وهبه الله جل وعز له من جزيل النعمة، وعلو القدر، ~~أعنى ما تفضل به على نوع الإنسان، من علم صناعة الطب، لعنايته، ورحمته له. ولما من بهذه PageV01P107 ~~الصناعة على نوع الإنسان، ولم يكن جملة أشخاصه يصلحون لتعلمها، خص به آحادا، أفاضل، ~~عقولهم صافية، وقرائحهم حادة، محبون للخير، رؤوفون بأبناء نوعهم، ذوو رحمة، وعفة. ولذلك ~~وجب على من خصه الله بهذه النعمة، أن يدمن 〈على〉 شكره، ويحسن عبادته، ويخلص له المحبة. # وبغير شك أن أخيار الناس، وأفاضلهم، يوجبون على نفوسهم لهذه الطائفة من الأطباء الإكرام، ~~والإعظام، وأن من أزرى على هؤلاء، ووضع منهم، وجحدهم حقوقهم، فقد جحد الله، وأخل ~~بمنته، واستخف بإحسانه. ولم يشك عاقل فى أن فاعل ذلك بنفسه استخف، وعن جهله ~~بين. # ومن أدل دليل على جهله، مانراه عند المريض: كيف يلتفت إلى والد، ولا إلى ولد، ولا يرجو ~~الصلاح من صديق، ولا حميم، لكنه يستغيث بالله، وبالطبيب. فإذا خلص من مرضه، نسى الطبيب، ~~واستهان بحقه. وليس ذلك فعل من ينبغى أن يعد فى عداد المذكورين بالعقل، بل بالبهيمة، 〈فهو〉 ~~بهذه أشبه، وأوصافها به أولى. وكم من ناس قد بغضوا الأطباء، وكرهوا قربهم، فضلا عن أن ms107 ~~يحبوهم، ويكرموهم، لأجل منعهم لهم من شهواتهم، وتحذيرهم لهم من اتباعهم للذاتهم. فلذلك ~~يكرهون اجتماعهم معهم، ويسبونهم، ويكرمون دائما من تابعهم إلى شهواتهم، وفضل عندهم لذاتهم، ~~واستعمل معهم الملق، وأكثر الترداد إلى منازلهم، ومايلهم، بالخدمة لهم فيما يهوونه، والمحادثة بما ~~يستحسنونه. # ولما علم أهل الخداع والحيل من الأطباء، بما يتفق مع كل صنف من أهل اليسار والرياسة من ~~هذه الخدع، عملوا لصيدهم بذلك المعنى، فكانت هذه الحيلة لهم بمنزلة الشبكة للصياد. ~~وإذا كان الأمر على ما ذكرنا — وامتحان ذلك سهل على من أراد تفقده، وتأمل ما قد نصب من ~~الفخاخ، والشباك، وأنواع المصائد، أعنى بذلك ما يتزيا به أهل الحيل من الزى، وما يعظمون لنفوسهم ~~〈من〉 المجالس، ويتخذون من الآلات، والأمتعة، فى الدكاكين التى قد كبروها وزخرفوها — فليس ~~ينبغى للعاقل أن تغره أمثال هذه الحيل، بل ينبغى له أن يفتقد من الطبيب ما يحسنه، وما منزلته من ~~صناعة الطب، وينظر فيماذا أفنى عمره، وكيف سيرته، وبالجملة يجب أن يتأمل سائر ما نذكره فى ~~الباب الذى نذكر فيه محنة الطبيب. فإذا رآه من أهل صناعة الطب بالحقيقة، فليعتقد فيه أنه من ~~أولياء الله، ومن المكرمين عنده، ولذلك وهب له هذه الصناعة، وخصه بفضيلة سياسة أبناء نوعه، ~~وجعله مصلحا لنفوسهم، ومقوما لأخلاقهم، ومعدلا لأبدانهم، وحافظا عليهم صحتهم، هذا إذا كان ~~طبيبا بالحقيقة، أعنى فيلسوفا. PageV01P108 # وإذا اعتقد العاقل فى الطبيب الفاضل أنه من خواص البارئ تبارك وتعالى، فقد وجب عليه إكرامه ~~فى الظاهر، والمحبة له فى الباطن، وإشراكه فى نعمه، والمسارعة لقضاء حوائجه، إذ كان بصلاح ~~حالاته، تصفو نفسه، وتصح له أفكاره، ويتوفر على درس علم الطب، ويواظب على خدمتك فى ~~صحتك، ومرضك. # ولأنك، أيها العاقل من الناس، دائما تحتاج إلى حفظ صحتك، إذ كانت الأسباب المغيرة لها دائمة ~~التأثير فيك، وأنت أيضا غير آمن من حدوث الأمراض بك، فأنت دائما تحتاج إلى من يعرفك كيف ~~تحفظ صحتك، وبماذا تحفظها، وكيف تتدبر فى مرضك، وبماذا تعالجه، فإذا واجب ضرورة عليك أن ~~تجعل أفضل ms108 أطباء بلدك لك، وأنك لتوجب على نفسك بذلك قبول أوامره، و〈اتخاذه〉 صديقا، لتلزم ~~نفسك الحياء منه، والإنصاف له، و〈تتخذه〉 معلما، لتستفيد منه، وتحفظ عنه آداب صناعة ~~الطب، والنافع لك من علمها، وتوجب عليه لك حقا، بخص التلميذ من معلمه 〈الذى〉 صلته ~~أعظم من وصلة النسب والصداقة، وهى وصلة العلم والأدب اللذين بهما يصير الإنسان بالحقيقة ~~إنسانا. # واعلم أنه كما تجد الحسن التدبير بمنزله، يعد له القوت، والكسوة، ويصلح المسكن له، ولعائلته، قبل ~~موافاة الشتاء، فكذلك ترى أيضا ملاح السفينة، يعد مصالحها، قبل موافاة الريح، والشدة، لتكون ~~مصالحه، وما به يرجو الخلاص من الشدة، عتيدا عنده، فكذلك أعد لنفسك طبيبا موافقا، ~~واحفظه على نفسك، بحسن العشرة، والسيرة، والكرم، ليكون لك عدة لأوقات، هى أصعب، ~~وأخطر، من شدائد البحر، والشتاء! وفيما ذكرناه كفاية لذوى الألباب. PageV01P109 ### || [chapter 9] ### || الباب التاسع ~~فى أن الصحيح والمريض يجب عليهما القبول من الطبيب # وأقول أيضا لمن قد اختبر طبيبه، وصح عنده فضله فى صناعته، وثقته فى أمانته، وإخلاصه الود ~~والنصيحة لمن يريد تدبيره، إنه يجب أن يستسلم فى يديه، ويثق بقوله، وعمله، ويتجنب مخالفته، إذ ~~كان قصوره عن فضله فى صناعته، دليلا على عجزه عن الصواب، ومن عجز عن الصواب، فيجب أن ~~يلتمسه من القادر عليه، ولا يعدل عن ذلك. وأيضا، فإن الأمانة مع العلم يدفعان الهوى، ويهديان ~~إلى الحق. فمن بان علمه، واتضحت أمانته، فقد وجب أن يوجد الحق عنده، ووجب اتباع أمره، ونهيه، ~~واتخاذه إماما إلى الحق، والهدى، والمصالح. ومن عدل عن أوامره، ونواهيه، فقد رغب فى ~~الباطل، والمحال، وسريعا ما يقع فى المضار، والمكاره. # ولأن الحق والصواب قد تدخل الآفة على طالبيهما من وجهين: أحدهما من قلة خبرته بالصواب، وسوء ~~تحصيله للحق — فلذلك ربما وجده، 〈و〉يظن أنه لم يجده بعد، وربما توهم أنه قد أدركه، ~~وهو بالحقيقة لم يجده — والوجه الآخر أن طالب الحق ربما طال عليه الطريق إلى الحق، واعتورته ~~فى طريقه شكوك وشبه، فناله الضجر والملل، فلا يصبر حتى يستوفى سائر طريقه، لكنه ms109 يقطع على ~~شبهة من الشبه، أنها هى الحق، فيفوته بذلك درك الحق. فإذا كان هذان الوجهان هما آفتان على ~~طالب الحق، فيجب أن يحذرهما، إما بنفسه، إن وثق باختياره، أو بغيره من أهل الخبرة. # وإذا كان ما ذكرناه متجها فى كل قول ومعنى، يلتمس حقيقته، وكانت صناعة الطب، وصواب ~~علمها، وعملها، مستصعبا جدا، فبغير شك، أنه سيحتاج المختبر لصدق الطبيب فى أقاويله، ~~ولصوابه فى أعماله، إلى زمان طويل، ودربة قوية، وحدس دقيق. وإذا كان ذلك ممتنعا على عامة ~~الناس، فإن من أحمد الأمور للعوام والمتوسطين — إذ كانت حاجتهم إلى الأطباء، كحاجة الخواص ~~إليهم — أن يسلكوا فى اختبارهم هذا الطريق، وهو أن ينظروا إلى أفاضل زمانهم، وأهل الثقة ~~والعلم من أهل بلدهم، بمن يثقون، ومن يمدحون، وعلى من يعتمدون، فيعتمدون هم أيضا عليهم، ~~فيطيعونهم، ولا يخالفونهم. # ويتبع ذلك أيضا أمر، هو أشهر، وأبين لهم، مما يختبرون به الأطباء، وذلك بأن يفتقدوا ما ~~يحكيه الثقات عن ذلك الطبيب، فى كثرة من عوفى على يديه، وحسن الثناء عليه. فإن فى ذلك ما PageV01P110 ~~دل على سعادته فى نفسه، وبركته على المرضى، وعلمه بما يعمله. وإذا بان ذلك بعد الزمان الطويل، ~~فقد وجب ألا يخالف ذلك الطبيب، ولأجل ما يقع من الأغلوطات، وسوء الفهم، والتحصيل، من ~~المرضى، ومن يخدمهم، فيهلك بذلك المرضى، فلذلك يجب أن يحترز الكل من ذلك، أعنى ~~الطبيب، والمشاور له. # ولأن فى ذكر ما شاهدناه من ذلك، دلائل على صدق ما قلناه، وفيه أيضا تنبيه إلى الصواب، وتحذير ~~من الخطأ، فلذلك أنا أذكر من ذلك عيونا. فمن ذلك أننى شاهدت طبيبا، بمدينة حلب، حاذقا ~~بالطب، وقد أشار على مريض، بكبده مرض، أن يأخذ دانق راوند مع ماء الرازينج ~~الرطب، وسكنجبين. فاشتبه على خادم المريض اسم الراوند، فظنه زراوند، فاشترى بدانق ~~زراوند، وأعطاه للمريض كرها، فمات آخر النهار، لأن كان مقدار ما سقاه كثيرا. فلما بحث عن ~~ذلك الغلط، برئ منه الطبيب، والرسول، والصيدنانى، لأنه جرى بغير قصد، وهلك الرجل. وكذلك ~~رأيت من ms110 غلط فى الأسم، بين أفيون وأفتيمون، وأمثال ذلك كثيرة. # فلأجل ذلك ينبغى أن يكون الطبيب شديد التفقد، لتحصيل المريض، أو من يخدمه، إذا كان يريد أن ~~يلزمه القبول منه، وألا يخالفه، ليصح الأمر، ويخلص. وكذلك أقول أيضا لمن يريد الطاعة للطبيب: ~~إنه يلزمه أن يفتقد تحصيل الطبيب، لأن الرغبة، والرهبة قد تغيرانه. وأيضا: هل الطبيب آخذ نفسه ~~بالقبول من أفاضل صناعته، وملتزم واجباته، ومنته عما ينهى عنه؟ فإن وجده كذلك، فليطعه، ~~ويسلم نفسه، وجسمه فى يديه. وإن وجده يأمر بما لا يفعله، فلست أشير عليه بالاستسلام إليه، ولا ~~بالطاعة له، إذ كره طاعة الحق، وأطاع لذاته وهواه، فلذلك سقطت طاعته. # ومن الوصايا التى ينبغى أن يتحفظها، ويعمل بها، من وثق بطبيب، واعتمد على عمله: 〈أنه〉 لا ~~يجوز أن يشاور طبيبا غيره سرا، لأنه لا يخلو الطبيبان من أن يكونا فى صناعتهما ~~بمنزلة واحدة، أو أحدهما أفضل من الآخر. فإن اعتمد على الأدون، فقد أخطأ، إذ ترك ~~الاعتماد على الأفضل، وإن اعتمد عليه، ثم أراد رأيا مع رأيه، ممن هو دونه، فذلك أشنع، وأقبح، ~~إذ جعل الناقص عيارا للتمام. PageV01P111 # ولست أمنع من مشاورة طبيبين، وثلاثة، وما فوق ذلك، لمن أحب مشاورتهم، ولكن يفعل ذلك من ~~حيث يجمع بينهم، ليبحثوا عن الحق بعضهم بعضا، ويشيروا بما يرونه صوابا، على اتفاق ~~منهم، فبذلك يسهل درك الحق. # واعلم أن مما يؤمن معه الاشتباه، والنسيان، وتكون العافية فيه محمودة، أن يستشير طبيب ~~〈المريض〉 طبيبا آخر، وأن يكتب عن 〈ذلك〉 الطبيب ما يشير به من الدواء، ثم أوثق من ذلك أن ~~ينظر إلى ما أشار به ويعاينه، وأشد ثقة من الجميع أن يتولى هو إصلاح الدواء، أو يصلحه من يثق به ~~بحضرته، وهو يقدر كميته، ويشاهد دقه، ونخله، أو عجنه، أو طبخه، أو غير ذلك من 〈أنواع〉 ~~الإصلاح. فلست احصى كم ضررا دخل على الطبيب، وعلى مرضاه، ومن يدبرهم، من اتكاله فى ~~إصلاح الأدوية على حرم فى المنزل، وخدمهن. وذلك أن المريض يسئ حاله، والطبيب يسئ ms111 ذكره. ~~ولقد رأيت مرارا من فساد ماء الشعير فى قشره، وفى طبخه، وفى تقدير مائه، وناره، أنواعا من ~~الفساد، لا يمكننى إحصاؤها، جرت من خدم المريض، والطبيب لا يعلم، فأضرت بالمريض، وأفسدت ~~على الطبيب تدبيره. على أن ماء الشعير هو من الأشياء التى قد ألف الناس إصلاحها فى منازلهم، ~~كأصناف الحبوب، والمعاجين، وغير ذلك من 〈الأشياء〉 التى لها شروط فى صنعتها، كتحبيب ~~بعض الحبوب صغارا، وبعضها كبارا، وكذلك بعض الأدوية ناعمة، وبعضها جريشة. فهى كبعض ~~المطبوخات التى يقع بعض حوائجها فى حال طبخها، وبعضها بعد طبخها. فإنى لا أحصى كم ~~رأيت من الخطأ الجارى فيها. فلذلك ليس ينبغى لأحد أن يثق على صنعتها بأحد ممن فى منزله، ولا ~~ممن يخدمه، غير طبيبه، أو من يرتضيه الطبيب من تلاميذه، أو الصيادنة الموثوق بهم عنده. # وإذ قد ذكرت فى هذا الباب جملا من الوصايا التى ينتفع بها الأصحاء والمرضى عند قبولهم من ~~أطبائهم، فإنى ألحق ذلك بوصية عظيمة، كثيرة النفع — وكثيرا 〈ما〉 يتجاسر عليها الناس، والخطأ ~~الواقع من جهتها ليس بالصغير — وهى كتمان المرضى، وخدمهم، عن الطبيب، ما يحدث، وما يصنع ~~من الخطأ. وفى كشف ذلك للطبيب فؤائد، ومنافع كثيرة، لأنه يسارع إلى تلافى ما وقع فيه التفريط، ~~ولصلاح ما حذره من الفساد. فيجب على كل عاقل ألا يكتم طبيبه شيئا من الحوادث التى تحدث عن ~~الطبع، ولا فعلا أتاه هو بقصد، أو اتفق عليه بعرض. PageV01P112 ### || [chapter 10] ### || الباب العاشر فيما ينبغى للمريض أن يتقدم به إلى أهله وخدمه # ولما كان الصحيح من الناس يمكنه أن يتولى تدبير نفسه، لحفظ صحته، ويشاهد ما يتولى تدبيره ~~من ذلك أهله، وخدمه، وكان المريض لا يمكنه ذلك حال مرضه، وجب لذلك على كل عاقل من الناس ~~— إذ كان يعلم أن الأمراض قد تعرض للأصحاء — أن يتقدم، فى حال صحته، بإعداد أنواع مصالحه، ~~لمرضه، كالذى يفعله حكماء الناس من إعدادهم مصالح شتائهم، قبل وروده، وكالذى يفعله أيضا ~~الحاذق، بتدبير السفينة، فى حال سكون البحر، من إعداد جميع ms112 مصالحها، قبل هيجان الريح، ليكون ~~ذلك عتيدا لديه، عند الحاجة إليه. # ولأن أنواع مصالح المريض كثيرة، مختلفة، وتعديد أشخاصها ممتنع، فلذلك يجب أن نذكر ~~منها هل هى أنواع لتلك الأشخاص. ومن العلم بتلك الجمل يمكن للمريض؟ 〈أن〉 يدرك علم ما ~~يحتاج إلى التقدم به، والوصية إلى أهله، وخدمه، فى حال صحته، لحال مرضه. وأول هذه الوصايا ~~هى تقدم الإنسان، مع ابتداء مرضه، إلى أهله، وخدمه، بقبولهم من طبيبه، ما يأمرهم به من سائر ~~تدابير مرضه، ويحذرهم من مخالفته. وبغير شك أن القابل للأمر، والطائع للآمر، إنما يقبل، ويطبع، ~~رهبة، أو رغبة، أو لهما جميعا. والطائع رهبة فقط، قد تفسد طاعته سريعا، وذلك يكون مع عدم ~~〈ما〉 عليه كانت الرهبة. ومثال ذلك أن يكون الخدم، والأهل، طائعين، قابلين، فزعا، ورهبة، ~~فإذا اتفق للآمر، المطاع، مرض يصرعه، أو يغير تمييزه، زالت هيبته عن خدمه، وفسدت ~~طاعتهم له، وأمكنهم بذلك أن يصنعوا به ما يشاؤون. فأما الخدم، والأهل، الطائعون محبة، ~~فطاعتهم ثابتة، لا تتغير، فالثقة بهم دائمة، لدوام المحبة منهم، وإن انضاف إلى المحبة هيبة، أكدت ~~دوامها، وأبدت قوتها. # وإذا كان الأمر كذلك، فيجب على كل عاقل، أن يبدأ أولا فى حال صحته، بالإفضال، والإحسان إلى ~~أهله، وخدمه، ليصح له منهم المحبة، والشفقة، وليثق منهم، بالقبول منه، والطاعة له، والنصيحة، ~~عند مرض، إن عرض له، فغير تمييزه، وأزال هيبته عنهم، وبعد ذلك، فليأمرهم بالقبول من ~~طبيبه، وليثق منهم بالطاعة له، والشفقة عليه. # ومن فروع هذا الباب المقدم ذكره، أن الإنسان إذا استعمل العدل مع أهله، وخدمه، علمهم استعمال PageV01P113 ~~العدل معه، عند حاجته إليهم. وإذا أفضل عليهم، وأحسن إليهم، وظهر لهم منه المحبة، والشفقة، ~~دعاهم ذلك إلى الشفقة عليه، والمحبة له، وتعلموا من أفعاله بهم، ما يعملونه معه. # ومثال ذلك من اعتل له خادم، فدعا له بطبيب حاذق، ليدبره، فلم يثق فى إصلاح أدوية مريضه ذلك ~~بأحد من سائر أهله، وخدمه، بل تولى تدبيره هو بيده، أو من يثق به بحضرته، وأقبل على الاستفهام ms113 ~~من الطبيب جميع ما يحتاج أن يفهمه منه من أمر الدواء، والغذاء، وجعل يواظب على تعرف مصالح ~~المريض، ويقوم بها أتم قيام، حتى يبرئ خادمه من مرضه. فليس يشك عاقل فى أن فاعل ذلك مع ~~خادمه، مع ما قد أكد له من الحمد، والثناء، والشكر، فإنه قد علم خادمه كيف يخدم المرضى فى ~~أمراضهم. وأول من يحظى بذلك منه هو فى نفسه، إن مرض، أو من يعنيه أمره ممن فى منزله، لأنه ~~إن كان ذلك الخادم ذا نفس زكية، وطبع محمود، كانت منزلته فيما عومل به، منزلة ما بذر فى ~~الأرض النقية، الزكية، التى لا يضيع فيها بزر، وهو لذلك يحفظ ما علمه، ويتذكر ما عومل به، ~~ليقابل الجميل بمثله، والمحبة بمثلها، بل بأكثر منها، ويستعمل من الخدمة ما يعلمه. فأما من رام ~~الكفاية، والقيام بالخدمة الموافقة، التامة، من أهله، وخدمه، من دون الكفاية لهم، والقيام بمصالحهم ~~الموافقة، الكاملة، والتبصر لهم علما، وعملا، فقد رام المحال، والتمس الممتنع، وما مثاله، إلا كمن رام ~~الحظ الجيد من 〈زرعه〉، فلم يقدم بإصلاحه. # ولقد رأيت من الناس أناسا دخل عليهم أصناف من الضرر، من خدمهم، وأهلهم بسبب جهلهم بما ~~ذكرناه. فمن ذلك أنى رأيت رجلا، كان به ذات الجنب، فصح 〈من〉 مرضه، ونفث جميع ما كان فى ~~صدره، وزال حمله واستقامت نفسه. فأمرته بصب الماء، ومنعته من بعض الأغذية. فلما رأيته ~~من غد، وجدته قد حم، وقد حدث به أعراض رديئة، أنكرتها. فلما بحثت عن سبب ذلك، ~~عرفنى بعض من يهمه أمره، أن أم ولده أطعمته ما نهيته عنه. فعند إنكارى ذلك، قالت: «كأنكم ~~تريدون من هذا — وهو رجل شيخ — 〈أن〉 يعيش؟! هذا لا يبرأ!». وبان من كلامها أنها تريد الراحة ~~منه. # وأما قوم، كان أهلهم، وخدمهم، يتمنون موتهم، ويسرون بأمراضهم، لما كانوا عليه من الشح، وقبح ~~المعاملة لهم، فلا أحصيهم كثرة، حتى أن بعض خدم هؤلاء، وأهلهم، كانوا يتعمدونهم بالمكاره، ولا ~~يطيعون أطباءهم، بل يتعملون لضد ما يقوله الطبيب، ويشير به. وإذا ms114 كان البلاء، والفساد ~~الداخل على هؤلاء المرضى، هو من سوء عقولهم، وتدابيرهم، فما عسى للطبيب أن يعمله، وكيف يتم ~~له برء العليل، والعليل أحد أسباب البرء؟! # وذلك أن أسباب البرء، والذى لا يتم أمره إلا بها، ثلاثة، على ما حكاه حنين عن بقراط PageV01P114 ~~وجالينوس، وهى: الطبيب، والمرض، والمريض. والطبيب والمرض ضدان، لأن الطبيب خادم للطبيعة، ~~والمرض عدو الطبيعة. وأما المريض، فهو لا محالة إما أن يوالى الطبيب، فيعاونه على برئه، وإما أن ~~يوالى المرض، فيعينه على نفسه. فإن هو والى الطبيب، فأطاعه فى جميع ما يأمر به، رجوت له ~~العافية، لأنه يجتمع على محاربة واحد محاربان. وإن والى المرض، باتباعه الشهوات التى بجلبها ~~عليه مرضه، جنى على الطبيب جنايتين: إحداهما أنه يتركه منفردا بالحرب، وقد كان يجب عليه أن ~~يكون معه ثانى اثنين، والأخرى أن يصير مع مرضه محاربا ثانى اثنين، وقد كان يجب عليه أن يتركه ~~مفردا. # وجميع ما قيل فى هذا القول، مجمل فى فصل أتى به بقراط فى المقالة الأولى من إبيديميا، وهذا ~~قوله بلفظه،: قال بقراط: قوام الصناعة بثلاثة أشياء: المرض، والمريض، والطبيب. والطبيب ~~خادم الطبيعة، وينبغى للمريض أن يقاوم المرض مع الطبيب. وبغير شك أنه قد يخفى كثير من ذلك، ~~فيؤول الأمر إلى هلاك المريض، وسوء ذكر الطبيب. ولأجل ذلك ينبغى للطبيب أن لا يغفل ذلك، بل ~~يهتم يتفقده، وينبه عليه. وفيما ذكرناه فى هذا الباب من ذلك كفاية لأهل الفطن. PageV01P115 ### || [chapter 11] ### || الباب الحادى عشر فيما ينبغى أن يعمله المريض مع عواده # أما ما ينبغى أن يعمله العواد مع المريض، فقد ذكرنا جمله، فيما تقدم فى الباب الذى أفردناه لذلك. ~~فأما ما ينبغى للمريض أن يعمله 〈مع عواده〉، وعن أى المسائل يجب أن يجيب، وعن أيها لا يجيب، ~~فنحن نذكر من جمل ذلك أصولا، يستدل منها على فروعها، فنقول: إن العادات التى قد ألف الناس ~~استعمالها، منها محمودة مستحسنة، ومنها غير محمودة، وإن استحسنها مستعملها. وإنما يفرق ~~بين هذين الصنفين من العادات، أهل العلم والفضل. ms115 # فمن العادات المذمومة، ما قد جرت عليه عادات كثيرة من الناس، عند مساءلتهم للمرضى، إذا ~~عادوهم، عن أحوالهم، أن يتبعوا ذلك بالمساءلة عن أمراضهم، حتى أن من العواد للمريض، من ~~يبحث، ويستخبر، عن علامات المرض، وأسبابه، كأنه طبيب ذلك المريض، وليس ذلك لأنه طبيب، ولا ~~لأنه يعلم من الطب شيئا، ولكن ليوهم من حضر، أنه عالم لا يخفى عليه شئ. ولعمرى أن من ~~حضر من العقلاء، بذلك يستدل على جهله، وسوء عقله، إذ سأل عما لا يعنيه أمره، وبحث عما ~~لا يصل إليه بفكره! وأقبح من هذه المساءلة للمريض، والبحث عن مرضه، من عائده، ما رأيته من ~~مسارعة كثير من العواد إلى وصف أدوية المرضى، وأغذية، وأنواع من التدابير، يرسمونها، ~~ويرتبونها لهم، حتى لا يكون بينهم فى ذلك وبين الطبيب، فى الظاهر، فرق بتة، كالذى ~~حكيته من خبر ذلك الشيخ، العائد لبعض المرضى، فى الباب الخامس من أدب عواد المريض. وإنما ~~ذكرت هذا الخبر من جملة أخبار مستظرفة كثيرة، جرت للعواد مع المرضى، لئلا أطيل بذكر أمثاله، ~~وأنقطع بذلك عن غرضى. وأيضا فلعلمى بنفع المرضى 〈و〉عوادهم بذلك، وجب أيضا إحضاره. # فلنعد الآن إلى غرضنا فنقول: إن المريض إذا عاده عائد، فليس يجب أن يجيبه عن كل سؤال يسأله، ~~كما لا يجب أن يجيب كل مسائل عن كل سؤال. وذلك أن من سأل عن مسألة هى محال، فإنه لا ~~جواب له غير إفساد السؤال. ومثال ذلك سائل سأل طبيبا: لم صارت حمى الغب الخالصة ~~تحدث عن عفن البلغم؟ أو لم صارت الحمى النائبة فى كل يوم تحدث عن عفن الصفراء؟ أو لم ~~صارت حمى سوبوخس تحدث عن عفن السوداء؟ وأمثال هذه من المسائل المحالات. فإن الطبيب، ~~إذا سمع هذه، وأمثالها، وعلم أنها محالات لا تستحق أجوبة، فإنه على المكان يعلم المسائل أنه قد ~~سأل عما لا حقيقة له، وسقط جوابه. وكذلك أيضا ما ورد من المسائل فى غير موضعه، لم يلزم PageV01P116 ~~المسؤول الجواب عنه. # ولأن مواضع المسائل تختلف، بحسب اختلاف السائل ms116 والمسؤول فى أغراضهما، ومواضعهما من العلم، ~~وبحسب المكان، والزمان، ومرتبة السؤال فى جنسه، ونوعه، وشخصه، فلذلك يجب تفقد وضعها. ~~ولما كان التمثيل على جميع ذلك، وتقصى شرحه، قد أتى عليه أهل الجدل — وقد ذكرت أصوله فى ~~المدخل الذى ألفته للمبتدئين بعلم الجدل، ولا يمكننا إحضار الأمثلة على صنف صنف منها، لئلا نبعد ~~من غرضنا، وقصدنا — فلذلك نكتفى بما لوحنا به فقط. # لكن ليكون ما قلنا هاهنا أوضح، فنحن نمثل على ذلك بأمر مشهور بين أهل الأدب، وهو أن الملوك ~~تستثقل من عامتها، وحاشيتها، مساءلتهم لهم عن أحوالهم. وأثقل من ذلك على الملوك، ~~تكلفهم الجواب عن ذلك. وإنما صار ذلك ثقيلا على الملك، لعلمه بأن السؤال له فى غير موضعه، إذ ~~كان الملك يعلم أن السائل له عن حاله — وهو غير قادر على نفعه فى حفظ حالاته االمحمودة، أو ~~إصلاح المذمومة — لا وجه لسؤاله. فلذلك، وما أشبهه، وجب ألا يجيب المريض عواده عن كل سؤال ~~يسألونه 〈إياه〉، ولا يشرح حال مرضه، ولا شيئا من شكاويه، إلا لطبيبه، لأنه لا يرجو ~~دفع ضرر، ولا اجتلاب نفع، إلا من جهته. وكذلك يجب أن يفعل خدم المريض، وأهله. # ولذلك ينبغى للمريض، إن أحس من نفسه باضطراب، وخشى سوء تمييزه، أن يوصى خدمه بكتمان ~~حالاته، إلا عن طبيبه، لأن كشفها لمن لا يعلم حالات مرضه، ومع ما قدمت ذكره من عادات العواد، ~~والعوام من الناس، التى قد جرت بغير احتشام، وهى مبادرة كل واحد منهم بوصف دواء وتدبير، ~~يفسد على الطبيب تدبيره، وكثيرا ما يضر بالمريض، وربما كان ذلك سبب هلاكه. # وإذا كان الأمر على ما وصفناه، فقد ينبغى للأصحاء أن يتيقظوا لما قلناه، ويكون منهم ببال، ~~ويتقدموا به إلى أهلهم، وخدمهم، لتكون الوصية بذلك عتيدة لديهم، ومعلومة عندهم، لوقت ~~المرض. # ولأن من الأمراض أمراضا، لا يصلح للمريض فيها استماع الكلام الكثير، كالصداع، ~~والشقيقة، ونظائرهما من أمراض الدماغ، وكالإسهال، وما ماثله، فلذلك ينبغى للمريض، وأهله، ~~أن ينفردوا بالموضع، لتدبيره، وأن لا يتشاغلوا عن تدبيره بمخاطبة ms117 عواده، إذ كانت أوقات عيادة ~~العواد، هى بعينها أوقات تدبير المريض، وخاصة فى أدويته، ومشروباته. ويجب أن لا يكتموا ~~الطبيب حادثة من الحوادث، كبرت أم صغرت، حسنت أم قبحت، كما يجب أن لا يكشفوا ذلك ~~لغير طبيبه. PageV01P117 # وأيضا فإن من المعلوم أن المرضى كثيرا 〈ما〉 تسوء أخلاقهم، فيكثر ضجرهم، ويسرع ~~حردهم، وخاصة إذا طالت بهم أمراضهم. فلذلك يلحق خدمهم، وأهلهم، منهم الضجر، ~~فيستثقلون خدمتهم، ويقصرون فى تدابيرهم. فربما آل ذلك إلى الفساد على الطبيب فى علاجه، وإلى ~~هلاك المريض جملة. فالدواء لهذه البلية، والخلاص منها، هو أخذ الإنسان لنفسه، فى حال صحته، ~~بضبطه لنفسه من الحرد والغيظ، ليألف الاحتمال، ويقتنى حسن الخلق، فيجد ذلك على نفسه فى وقت ~~المرض سهلا، واحتماله قريبا. # وكذلك القول فيمن عود نفسه ألا يتبع لذاته، ولا يواتى شهواته، فى حال صحته. فإن احتماله لما ~~ينهى عنه فى حال مرضه، من الأغذية والأشربة، يكون أسهل عليه، وأخف. فلنكتف بما ذكرناه من ~~هذا الباب! PageV01P11 ~~8 ### || [chapter 12] ### || الباب الثانى عشر فى شرف صناعة الطب # ولما كان ذكرنا لشرف صناعة الطب، وتقدمها فى المرتبة على سائر الصنائع والمهن، يبعث أهل ~~العقول والآداب على اقتنائها، أو ما تهيأ 〈لهم〉 منها، ويرغبهم فى اتباع أوامرها، والبعد عن ~~نواهيها، ويحثهم على تشريف أهلها، وجب لذلك أن أذكر وجوها من شرفها، وعيونا من فضائلها، ~~فأقول: إن سائر المهن والصنائع لا يتم ذكرها، ولا يوصل إلى غاياتها، إلا بعد تصور النفس العلم ~~بها. ولما كان العلم للنفس الناطقة، والعمل للبدن، وكانت النفس إنما يتم لها العلم بالبدن، إذا كان ~~صحيحا، والصحة إنما تنحفظ وتدوم، أو تجتلب وتقوم، بصناعة الطب، وجب لذلك أن تكون ~~صناعة الطب هى أشرف الصنائع، والعلم بها هو أقدم العلوم. # وأيضا فإن الآلات التى بها تستخرج المهن والصنائع آلتان: إحداهما القياس، والأخرى التجربة، ~~وغير ممكن من كل واحدة منهما، ولا من اجتماعهما، أن يقدرا على استخراج أصول صناعة ~~الطب، إذ كان الحس لا يصل إلى ذلك، وذلك لما نذكره، وهو أنا ms118 ندرك أن أول ~~شخص من المخلوقين، حين خلق محتاجا إلى الغذاء، ولم يعرف الغذاء من الدواء، وكانا كلاهما من ~~نوع النبات، فإنه إن تناول أحدهما على أنه غذاء، فقد خاطر بنفسه، وغرر بخبرته، لأنه إن عمد ~~إلى حشيشة السقمونيا مثلا، أو غيرها من الحشائش القاتلة، فأكلها، هلك. وإذا كان الحس ~~لا يفى بعلم ذلك، و〈كان〉 العقل لا سبيل له إلى علم الأمور المحسوسة، ولا إلى تمييزها، إلا ~~من جهة الحس، فغير ممكن إذا أن تعلم أصول صناعة الطب، بطريق الاستدلال، والقياس. # فأما فروع هذه الأصول، فبغير شك أن استخراج ما استخرج منها، هاتان الآلتان استخرجتاه. ~~ولا يوجد طريق آخر لاستخراجه، اللهم إلا أن يقول قائل إن الحلم والتكهن قد عرفا أدوية الأمراض، ~~وتدابير علاج كان الشفاء من تلك الأمراض بها، وحفظت، واتخذت أصولا، كالذى حكاه ~~جالينوس أنه رأى فى منامه قائلا يقول له: افصد العرق الذى فى ظهر كفك، بين ~~السبابة والبنصر! فإنك تبرأ من المرض الذى تجده! وكان يجد مرضا قد أعياه علاجه، PageV01P119 ~~ففصد ذلك العرق، وبرئ من مرضه. # فإنا نقول لهذا القائل: إن ما ذكرته من أمر الأشياء التى علمت من جهة الحلم، والتكهن، لسنا ننكره، ~~لكنا نقول: إنه من نوع ما به علمت أصول صناعة الطب، الذى ذكره قصدنا، وهو أحد الأسباب ~~لشرفها، وهذا النوع من التعليم الذى منه علمت أصول هذه الصناعة، هو الذى ذكره جالينوس فى ~~تفسيره لكتاب عهود بقراط وايمانه، فإنا نقول: إن صناعة الطب تعليم من الله تعالى ~~وهبة وتفضل على نوع الإنسان. ولأنا قد ذكرنا بعض ما قاله فى هذا المعنى فى صدر كتابنا هذا، ~~فلذلك نستغنى بما قيل هنالك عن إعادته هاهنا. # وإذا كان الأمر على ما قلناه، فقد وجب أن تسمى صناعة الطب إلهية، وأن يسمى من اقتناها ~~بالحقيقة، أو أخذ نفسه باقتنائها، وسلك طريقها، إلهيا. وكيف لا يستحق هذا ~~الاسم الشريف، وهو حريص، مجتهد فى التشبه بأفعال البارئ جل وعز، إذ الكافة تعلم أن الخالق، ~~تقدست أسماؤه، جواد، كريم، ms119 رؤوف، رحيم، شاف، معاف، واهب الصحة للأصحاء، وحافظها ~~عليهم، وشافى المرضى من أمراضهم، وبلطفه يكفيهم، فهو بالحقيقة القادر القدرة التامة على حفظ ~~صحة الأصحاء، وعلى شفاء المرضى. # 〈أما〉 الطبيب، فمعلوم أيضا أن قصده التماس الصحة، وغايته إحرازها، ولا يقدر على ذلك، إلا ~~بصناعة الطب التى هذا قصدها، وغايتها، وهى موهوبة من الله تعالى لخواص من خلقه، بأفعاله ~~يقتدون، ومن حكمته يستمدون. فبذلك يجب على كل عاقل يعرف قدر نفسه، ويؤثر الصحة لجسمه، ~~أن يشرف الصناعة الإلهيةر المصلحة للبدن، المقوية لأخلاق النفس، إذ أخلاق النفس تابعة لمزاج ~~البدن. # ومما يوضح شرف الصناعة الطبية أيضا، ما تثمره للناس كافة، من المنافع التى تؤديها 〈لهم〉 ~~على مقادير أفهامهم إليها. فأول نفع يصل إليه الفهم بها، هو الإقرار بتوحيد البارئ، والمعرفة للطيف ~~حكمته، وعلو قدرته، وحسن عنايته بسائر خلائقه، وذلك عند تأمله مزج الممتزجات، وتركيب ~~المركبات، من سائر المحسوسات الجامدات، على اختلاف أصنافها، والناميات على كثرة فنونها، ~~والحيوانات مع تباين أنواعها، ثم ما يختص به كل نوع من ذلك، وخاصة نوع الإنسان. # فإن من انصرف من الناس إلى معرفة ذاته، وتأمل مزاجه، وما أعضاؤه عليه من أشكالها، ومقاديرها، ~~ووضعها، واتصالها، وانفصالها، وأفعالها، ومنافعها، وأشباه ذلك، علم بالحقيقة من حكمة الخالق ~~تبارك وتعالى ما يوضح له، ويبرهن عنده على أن له خالقا، واحد،ا قادرا، حكيما، قصد بخلائقه ~~الأحكم، والأوثق، والأحسن، والأصلح. وحسب العاقل لذاذة هذه الثمرة، ونفع هذه الفائدة PageV01P120 ~~ولها نفع ثان، وهو أنها أعظم معين فى القيام بالشرائع، لأنها إذا صححت الأبدان، ~~تمكن الإنسان 〈من〉 اقتناء العلم، وقدر على العمل، من صوم وصلاة وغير ذلك. وإلى هذا أشار ~~القائل أن العلم علمان، علم الأبدان، وعلم الأديان. فلشرف الطب عنده، قدمه، ولنفعه فى علم ~~الأديان، بدأ به. وحسبك بصناعة هذه حالها شرفا ونفعا! ولها نفع ثالث، وهو أن من التمسها ~~لذاتها، ولنفع الناس بها، لا للتكسب، أكسبته اللذة الدائمة، والمال النافع، والذكر الجميل، والثواب ~~الجزيل. # فكفاك شرفا مما قرب إلى الله، وأرضاه، وأوصل إلى دنياه، ms120 ونعماه! أترى 〈أحدا〉 من ~~العقلاء لا يقر بصناعة الطب، وشرفها، وأهل المذاهب المختلفة مجمعون على صحتها، متفقون على ~~نفعها؟! وأيضا فأهل اللغات المتباينة، وسكان البلدان المتباعدة، والملوك من هذه الطوائف، والرؤساء، ~~والعلماء فيهم، مع سائر متوسطيهم، وعامتهم، مذعنون بالإقرار بالحاجة إلى صناعة الطب، ~~والاضطرار إليها، وإلى أهلها، فهم لأجلها مشرفون. # وكيف لا يقر لها بالنفع، والشرف، من يرى الأفاضل من أهلها، وهم متقدمون بالإنذار بما يكون، ~~وخاصة فى أيام البحارين من الأيام المنذرة بها، وفيما يقضون به على المرض، من طوله وقصره، ~~وسلامته وخطره، وسكونه وحركته، وذلك بمعرفتهم بطبيعة المرض، منذ أول حدوثه، فينذرون بما يحدث ~~من حركات المرض، فى الأزواج والأفراد، 〈و〉حالات النضج، والإخبار بسلامة من يسلم، وعطب من ~~يعطب؟! # وكيف لا يزداد الناس بالطبيب الحاذق عجبا، ولصناعته تشريفا، إذا رأوه قد قضى فأصاب، وأنذر ~~فكان، وأخبر بما كان، كالذى أخذ جالينوس به لغلوقن الفيلسوف، لما حدثت به حمى ربع ~~فأعطاه أطباؤه درياقا قبل النضج، أن حماه تتركب؟، فتركبت. فتعجبوا من حكمه، حتى قالوا: ~~ليس هذا من صناعة الطب، بل من جنس النبوة. # وكذلك أيضا ما حكاه من قصة الجارية، العاشقة، التى أخذ ينبضها، فأخبر بحالها. فذلك، وكثير من ~~أمثاله قد حكاه جالينوس فى مقالة له مفردة، عنونها ﺑ: نوادر تقدمة المعرفة، يقدر أن ~~يقف عليه، من أحب علم ذلك من تلك المقالة. 〈و〉جميع 〈ذلك〉، وسائر ما جانسه، لم يقدر ~~عليه، إلا من قوة هذه الصناعة. فبذلك وأمثاله استحقت الشرف، والتقدم على غيرها من الصنائع. PageV01P121 # ألا ترى إلى طاعة أهل المملكة لملكها، وطاعة الملك لطبيبه، ما لا يطيع أبويه، ولا أحدا ~~من حشمه، وأهله، وكشف سره إليه، ما لا يكشفه إليهم، لما يرجوه عنده من النفع، والمصلحة؟! ~~ولقد حكى عن جبريل طبيب المأمون أنه قال له يوما: يا أمير المؤمنين! أنا مصلح أدمغة الملوك، ~~والقضاة، منذ خمسين سنة، فكيف أقاس بغيرى؟! فاستحسن ذلك منه. وأيضا فإنك ترى ~~حرم الملوك، وغيرهم، يكشفون للطبيب من أسرارهم، ما لا يستجيزون كشفه لرجالهم. ms121 فبذلك، ~~وأشباهه، وجب لصناعة الطب الشرف، ولأهلها التقدم على سائر أهل الصنائع والمهن. # ولعل قائلا يقول: إن الفلسفة التى هى مقومة النفوس أشرف من صناعة الطب! فنقول له: إن الفلسفة ~~لعمرى شريفة لشرف موضوعها، غير أنك لا تقدر 〈أن〉 تخرجها عن أن تكون طبا للنفوس. فإذا ~~كل فيلسوف طبيب، وكل طبيب فاضل فيلسوف. فالفيلسوف لا يقدر على إصلاح غير النفس، ~~والطبيب الفاضل يقدر على إصلاح النفس والبدن جميعا. فإذن الطبيب يستحق أن يقال فيه: إنه ~~المتشبه بأفعال البارئ تعالى، بحسب طاقته. وهذا هو بعض حدود الفلسفة. وفيما ذكرناه من هذا ~~الباب كفاية. PageV01P122 ### || [chapter 13] ### || الباب الثالث عشر ~~فى أن الطبيب يجب له التشريف بحسب مرتبته ~~من صناعة الطب من الناس كافة ولكن تشريفه من الملوك وأفاضل الناس ينبغى أن يكون أكثر # ونقول إن من ذم الطبيب فى نفسه، فمن الفضل كشف جهله، لأنه من أدون طبقات الناس. والدليل ~~على ذلك أنك لا تجده يستغيث — إذ عرض له مرض — بأهل، ولا بإخوان، لكن بالطبيب فقط، فعند ~~ذلك يفتضح رأيه هذا، ويبين جهله. وأيضا فقد تقدم لنا القول بأن الله تعالى هو الشافى للمرضى، ~~الحافظ لصحة الأصحاء، فهو الطبيب حقا، وهو تبارك علم الناس ما به يحفظون صحتهم، وما به ~~يعالجون أمراضهم. فمن ذم صناعة الطب، فقد ذم أفعال البارئ عز وجل. # وأما من ذم، من أهل صناعة الطب، القوم الذين قد رضوا منها بالاسم، والتكسب، فقط فإنى لا ~~ألومه على ذمهم، لأنهم قد جعلوا ترسمهم بها خدعا، ومخاريق، وشباكا، ومصايد، ~~يصطادون بها كثيرا من الناس، ويكتسبون بذلك دراهمهم. ولعمرى إنهم للذم، والسب، ~~مستحقون، لما لم يجهدوا أنفسهم فى إصابة حقيقة صناعتهم. ولما عدموا حقيقتها، صاروا ~~يدبرون المرضى بجهل. فهم على المرضى أشد من الأمراض، بما يكسبونهم من الآفات، والعطب. # ولذلك وجب على أهل العقول إكرام المتحققين بصناعة الطب، وقاصدى حقيقتها. ومن ~~المعلوم أن هؤلاء هم أصحاب عدل، وعفة، وشجاعة، ورأفة، وقناعة، ونصفة يؤثرون الصدق، ~~ويأبون الكذب، ويكرهون الآثام، ويبعدون عن الحرام. فكل ms122 عادل، عفيف، منصف، رؤوف، ذى ~~أخلاق فاضلة، فهو يعرف، بما فيه من الفضل، فضل صناعة الطب، وأهلها. # ولما كان الملوك والرؤساء، بما خصهم الله به من أنواع السعادات، يؤثرون السعادات، ~~ويحبون الفضائل، وأهل الفضل، أكثر من غيرهم، ممن دونهم، وجب لذلك أن تكون عنايتهم بتقويم ~~هذه الصناعة، أكثر من غيرهم، لتتضح حقيقتها، ويظهر نفعها للخاص، والعام، فيبين شرفها، ~~فتكون الملوك العانيون بتقويمها، وبكشف حقيقة ما فيها، أعظم نفعا للناس منها، PageV01P123 ~~مشكورين، محمودين، من سائر الناس، وعند الله مقدمين، ومنه مثابين. هذا مع ما يخلص لهم ~~من النفع لأجسامهم، والفضل لنفوسهم. وحسب من حصلت له هذه الفوائد شرفا بها، ونفعا منها! ~~وحسب الطبيب هذا الشرف، وهذه المنزلة الجليلة عند الله، وعند أوليائه، وسائر أبناء نوعه، التى ~~لا يفى بها غلاء الجواهر، ولا كثير الأموال! # فأما من لم يكتف بهذه المرتبة العالية من الأطباء، لكنه رغب فى منافسة أهل الدنيا عليها، فطلب ~~جمع الذهب والفضة، وتشاغل بجمعهما عن اكتساب فضائل صناعته، والبحث عن دقيق معانيها، ~~ولطيف أسرارها، فقد بان بذلك جهله بمنزلتها، لأنه باع النفيس بالخسيس، والشريف، الباقى، الدائم، ~~بالحقير، الزائل، الداثر، وانكشف بذلك قلة معرفته بسير أفاضل الأطباء، وبما يؤول إليه حال من ~~رغب فى علم هذه الصناعة، وعمل بعلمها، من الدنيا والآخرة. # فأما جهله بسير أفاضل أهلها، ومخالفته لآرائهم فيها، فيبين بما نذكره من سيرهم فى هذا الباب الآن، ~~وفيما يأتى بعد فى الأبواب الآتية، من سيرهم، وأخبارهم، مع ملوك اليونانيين، وغيرهم، وإن كان ~~ما نذكره قليلا من كثير. # من ذلك ما حكاه جالينوس عن بقراط، لما وجه بعض الملوك إليه بقناطير كثيرة من الذهب، وبذل ~~له كرامات كثيرة، ليصير إليه، ولم يكن ذلك صوابا عنده، لضرب من السياسة، فكبرت نفسه ~~عن ذلك، ولم يلتفت إليه. # ومن ذلك أيضا 〈أن〉 جالينوس لما سلك طريق صناعة الطب، فى علاجه برومية لأولاد يمس ~~الفيلسوف، ولابن خاريلمبس، صاحب المراقد، ولغيرهما، ممن شفاهم الله على يديه، وبان ~~فضله، وعرف قدر منزلته من الصناعة، فحسده ms123 أطباء رومية، وأخذوا فى عناده، فلم ير ~~مقاومتهم، وسلوك طرقهم، ولا التفت إلى مكاسبه، ورياسته، بل رأى الانصراف إلى بلده، ليستعمل ~~هناك الواجب، مع قناعته بأهل بلده الذين كانوا أفاضل، علماء، أخبارا، لأن العالم الفاضل ~~يرى أن موته خير له من كونه بين جهال أشرار، وإن سعدوا بالجد. # وقد حكى جالينوس عن قدماء اليونانيين أنهم كانوا يصورون التابعين لذاتهم، وأهل الكسل ~~والتراخى، وهم المتكلون على جدهم فقط، بصورة تدل على العجز، وقلة الفهم، ورداءة الطبع، وكثرة ~~الجهل، والشر، وهى صورة امرأة عمياء، قائمة على كرة، بيدها سكان سفينة، تدبر أهل تلك السفينة، ~~عند شدة قد لحقتهم. فلسوء بختهم، اتكلوا فى تدبيرهم على تدبير عاجز شرير. فإنهم عن قليل PageV01P124 ~~سيهلكون، ولا ينفعهم من اتكلوا على تدبيره شيئا، بل يهزأ بهم، ويضحك عليهم. وكذلك حال من ~~اتكل على سعادة بخته من الأطباء، وغيرهم. فإنه عند زوال سعادته يبقى صفرا من الفضائل، ~~وخاصة عند الشيخوخة. # ويصورون الحريص على اقتناء الفضائل، والعلوم، والصنائع الشريفة، بصورة تدل على العفة، والعدل، ~~والخير، وحب الجميل، وهى صورة شاب جميل الصورة جمالا طبيعيا، لا اكتسابيا، حسن الهيئة، ~~جالس على جسم ذى ست سطوح معتدلة متساوية، ووجهه طلق، وحوله تلاميذه، وطالبو العلم، ~~مطيعون له، لا خلاف بين بعضهم وبعض، ولا يحسد بعضهم بعضا على الأمور ~~الخسيسة، كحسد أهل المراتب الدنياوية، وذوى اليسار بعضهم بعضا. # قال: وذلك أن الله تبارك وتعالى ليس يختار الفضيلة فى الغناء واليسار. لكن يؤثر ويقدم من حسنت ~~سيرته، وكان فى صناعته متقدما عاليا، وكان تابعا لوصايا الله تعالى، لازما لها، ويعالج صناعته ~~على المذهب اللازم للسنة والشريعة. فذلك هو الذى يكرمه الله، وبحبوه، ويؤثره، ويقدمه فى ~~المرتبة على سائر من يقف بين يديه، ولا يزال حافظا له دائما. # قال: وهذا الجمع إذا تفكرت فيه، وأخطرت ببالك كيف هو، دعتك نفسك مع ما تدعوك إليه من ~~التقبل له، والامتثال لآثاره، إلى أن تسجد لهم، فضلا عمن سوى ذلك، نحو سقراطيس، ~~واوميرس، وابقراط، وفلاطون، ومحبى هؤلاء، وأصدقائهم، ms124 الذين يكرمهم، كما يكرم ~~المتألهين. وأما سائر من يتبع الله، ويلزم سبيله، فليس منهم أحد يخذله الله، لأنه ليس تشتمل عنايته ~~من فى المدن من الناس المقيمين فقط، لكنه يعنى بمن يسير أيضا فى البحر. # فهذا من كلام جالينوس، وأمثاله، مما يدل على أن أهل هذه الصناعة خاصة ينبغى أن يكونوا فى ~~الغاية القصوى من هذه الأوصاف المحمودة، ولا يرغبون فى الدنيا، ولا يتكلون على سعادة الجد ~~فقط، بل يأخذون نفوسهم باقتناء الفضائل علما وعملا، كسيرة قدمائهم، ليكونوا عند الملوك، وسائر ~~الناس، بالصورة التى يستحقونها، الجليلة، الرفيعة. وكيف لا تكون منزلتهم عندهم كذلك، وقد ملك ~~الملك الطبيب نفسه، وجسمه، واطمأن إليه، فى روحه، ومهجته، ووثقه على حرمه، وأولاده، ولا ~~شئ أعز من ذلك عند الملك. ولذلك يجب على الملك، وعلى جميع من لاذ به، أن يعرفوا حق الطبيب، ~~وقدر صنعته، فيجلونه ويكرمونه ويأنسون به، ولا يدخلون على قلبه رعبا، ولا ~~يستقبلونه بما لا يجب ولا يقبلون فيه قول واش، ولا حاسد، ولا يتهمونه، بل يفعل PageV01P125 ~~معه كما فعل الإسكندر، لما وجهت إليه أمه تحذره من طبيبه، لئلا يسمه. فدعا بالطبيب عند ~~ورود الكتاب عليه بذلك، فقال له: جئنى بشربة، لأشربها! فلما أحضر له الطبيب الدواء، تناول ~~الإسكندر الشربة من طبيبه بيمينه، وناوله الكتاب بيساره، وقال له: هذه منزلتك عندى، وهذه ثقتى ~~بك! فازداد ذلك الطبيب من صرف همته، وشغله ليله ونهاره، بما يصلح شأنه، من حفظ صحته، ~~وعلاجه. # وكذلك يجب على الطبيب أن تكون همته، ليله ونهاره، الدرس، والاهتمام بعلم صناعته، ليوجد عنده ~~ما يفرغ إليه فيه، وبذلك ينال الرتب عند الله، وعند الملوك، حتى يشركهم فى رتبهم، وأموالهم، كما ~~حكى جالينوس عن ماليقوس الطبيب، أنه عالج بنات أوفروطس اللواتى وسوسن، بشرب ~~خربق، وغيره، وبرأن، أنه صار ختنا للملك، وشريكا فى الملك. # وكذلك نال قوراليس الطبيب، لما حملت الريح السفينة فى البحر، وصار إلى بلد فاريقى، ~~وعالج ابنة الملك لذلك البلد، زوجه الملك بابنته، وورثه ملكه بعده. # وكذلك حكى عن ms125 ارسطراطس، حين دعاه بعض ملوك الروم، لعلاج ابنه، ولم يكن له سواه، فنظر ~~الفتى، وجس عرقه، ورأى ترتيب مجسته ترتيبا مستويا، بانقباض وانبساط. فخمن أن ألمه فى نفسه، ~~لا فى بدنه. فأمر الطبيب بكراس، جلس الملك، والفتى، والطبيب، عليها. وأمر بإعراض كل غلام، ~~وجارية، فى الدار عليهم، ونبض الفتى فى يد الطبيب، وهو لازم لترتيبه، إلى أن مرت بعض الجوارى، ~~فتغيرت المجسة، واضطربت، وفسد الترتيب، وارتعد الفتى، وتغير لونه. فلما فطن الطبيب لذلك، ~~وعلم أنه عاشق لها، أمسك حتى انقضى المجلس، وسأل الطبيب عن تلك الجارية، فاخبر ~~بأنها حظية الملك التى لا يرى الدنيا إلا بها. فانصرف، ووعد الملك بالعود فى غد، فلم يعد كراهة أن ~~يلقى الملك بذلك. فأحضره الملك، وسأله عن تأخره، وقال له: أنت تعلم شغل قلبى بابنى، وهو وارث ~~الملك بعدى، ومحله من نفسى! قال له الطبيب: تأخرت حتى وقفت على دائه. قال: وما هو؟ قال: ~~عاشق لامرأتى! فأطرق الملك، ثم قال للطبيب: فماذا ترى؟ قال: الرأى للملك، لا لى! قال: أرى لك ~~أن تؤثرنى لها! قال له: أيها الملك! وتستحسن هذا؟ فقال: نعم! إن الملك يعوضك مكانها، ويخلفها ~~عليك، ويعطيك أملك! فقال: إن كان الملك يرى هذا، ويستحسنه، فإن الفتى إنما هو عاشق ~~جارية الملك! فأورد على الملك من ذلك أمرا عظيما. فأطرق الملك مفكرا طويلا. قال له الطبيب: أيد ~~الله الملك! إن من النساء عوضا، وهن موجودات فى كل وقت، ووارث الملك، وولده، المجيب، ~~العاقل، اللبيب، ليس فى كل دهر يتهيأ، ويوجد، وليس منه عوض! فركن الملك إلى قوله، وزوج ~~الفتى جاريته، فبرأ. فأمر الملك بحمل الطبيب على مركوب من مراكيبه، وساق إليه عدة من PageV01P126 ~~دوابه، ووصله بعشرة أرطال من الذهب، وخلع سنية. # وحكى عيسى بن ماسه الطبيب، أنه أخبره يوحنا بن ماسويه، أن الرشيد رحمه الله قال ~~لجبريل بن بختيشوع، وهو حاج بمكة: يا جبريل! علمت مرتبتك عندى؟ قال: يا سيدى! وكيف لا ~~أعلم؟! قال له: دعوت لك والله فى الموقف دعاء كثيرا! ms126 ثم التفت إلى بنى هاشم فقال: عسى أنكرتم ~~قولى له؟ فقالوا له: يا سيدنا! ذمى! فقال: نعم، ولكن صلاح بدنى، وقوامه، به، وصلاح المسلمين بى، ~~فصلاح المسلمين بصلاحه، وبقائه! فقالوا: صدقت، يا أمير المؤمنين! # قال: وأخبرنى يوحنا بن ماسويه أنه اكتسب من صناعة الطب ألف ألف درهم، وعاش بعد ~~قوله هذا ثلاث سنين أخر. وكان الواثق مشغوفا، ضنينا به. فشرب يوما عنده، فسقاه الساقى ~~شرابا غير صاف، ولا لذيذ، على 〈غير〉 ما جرت به العادة. وهذا من عادة السقاة، إذا قصر فى برهم. ~~فلما شرب القدح الأول، قال: يا أمير المؤمنين! أما المذاقات، فقد عرفتها، وعددتها، ومذاق هذا ~~الشراب خارج عن طبع المذاقات كلها! فوجد أمير المؤمنين على السقاة، وقال: تسقون ~~أطبائى، وفى مجلسى، بمثل هذا الشراب؟! وأمر ليوحنا لهذا السبب، وفى ذلك الوقت، بمائة ألف ~~درهم، ودعا بسمانة الخادم، فقال له: احمل إليه المال الساعة! فلما كان وقت العصر، سأل سمانة، ~~هل حمل مال الطبيب، أم لا؟ فقال: لا بعد. فقال: يحمل إليه مائتا ألف درهم الساعة! فلما صلوا ~~العشاء، سأل عن حمل المال، فقيل له: لم يحمل بعد. فدعا سمانة، وقال له: احمل إليه ثلثمائة ألف ~~درهم! فقال سمانة لخازن بيت المال: احملوا مال يوحنا، وإلا لم يبق فى بيت المال شئ! فحمل إليه من ~~ساعته. # قال: وأخبرنى يوحنا أيضا عن المعتصم أنه قال: سلمويه طبيبى، أكبر عندى من قاضى القضاة، ~~لأن هذا قاض، وهو يحكم فى مالى، والطبيب عندى يحكم فى نفسى، ونفسى أشرف من مالى، ~~وملكى! # ولما مرض سلمويه الطبيب، أمر المعتصم ولده أن يعوده، فعاده، ثم قال: أنا أعلم، وأتيقن، أن لا ~~أعيش بعده! ولم يعش بعده تمام السنة. # وحكى عن اسرائيل بن زكريا الطيفورى أنه وجد على أمير المؤمنين المتوكل، لما ~~احتجم، بغير إذنه، ولا عن أمره. فافتدى غضبه بثلاثة آلاف دينار، وضيعة تغل فى السنة ~~خمسين ألف درهم، وهبها له، وسجل له بها. # قال: ورأيت المتوكل وقد عاده يوما آخر، وقد غشى عليه. ms127 فصير بيده، تحت رأسه، مخدة ديباج، PageV01P127 ~~ثم قال للوزير: يا عبيد الله! هذا يحينى، وحياتى معلقة بحياته، إن عدمته، لا أعيش! ثم ~~اعتل، فوجه إليه بسعيد بن صالح حاجبه، وموسى بن عبد الملك كاتبه، يعودانه. # قال: ورأيت بختيشوع بن جبريل، وقد اعتل، فأمر أمير المؤمنين المتوكل، المعتز أن يعوده، ~~وهو إذ ذاك ولى عهد. فعاده ومعه محمد بن عبد الله بن طاهر، ووصيف التركى. # قال: وأخبرنى إبراهيم بن محمد المعروف بابن المدبر إن المتوكل أمر الوزير، وقال له شفاها: ~~اكتب فى ضياع بختيشوع، فإنها ضياعى، وملكى! فإن محله منا، محل أرواحنا من أبداننا. # قال: ورأيت إبراهيم بن أيوب الأبرش وقد عالج إسماعيل أخا المعتز، وبرئ. فكلمت أمه ~~قبيحة المتوكل أن يجزيه. فقال لها: لم لا تجزينه؟ ليس عندك ما تعطينه، حتى ~~أعطيه أنا مثله؟ وإبراهيم واقف بين أيديهما. فأمرت قبيحة، فاحضرت بدرة دراهم ~~لإبراهيم، وأمر المتوكل بإحضار مثل ذلك. فأحضرت قبيحة بدرة أخرى، فأمر المتوكل ~~بإحضار مثلها. فلم يزالا يأمران بإحضار بدرة وبدرة، حتى احضر ست عشرة بدرة. فأومأت ~~قبيحة إلى جاريتها أن تمسك. فقال إبراهيم سرا: لا تقطعى، وأنا أرد عليك! فقالت له: أملأ الله ~~عين الآخر! فقال لها المتوكل: والله لو أعطيته إلى الصباح، لأعطيته مثل ذلك. فحملت البدر إلى ~~منزل إبراهيم. # قال: وأخبرنى يوحنا بن ماسويه أن إسرائيل الكبير المعروف بأبى قريش كان صيدلانيا، ~~يجلس على باب قصر الخليفة، وكان دينا صالحا فى نفسه، وأن الخيزران، جارية المهدى، ~~وجهت بمائها، مع جارية لها، إلى طبيب. فخرجت الجارية من القصر، فأرت إسرائيل الماء. فقال ~~لها: هذا ماء امرأة حبلى بغلام. فرجعت جارية الخيزران بالبشارة، فقالت لها: ارجعى ~~إليه، واستقصى المسألة عليه! فرجعت. فقال لها: ما قلت حق. ولكن لى عليك البشرى! ~~قالت: كم تريد من البشرى؟ فقال لها:جام فالوذج وخلعة سرية! فقالت له: إن كان هذا ~~حقا، فقد سقت إلى نفسك خير الدنيا، ونعيمها! وانصرفت. فلما كان بعد أربعين يوما، أحست ~~الخيزران بالحبل، فوجهت إليه ببدرة دراهم، وكتمت ms128 الخبر عن المهدى. فلما مضت الأيام، ولدت ~~موسى، أخا هارون الرشيد. فعند ذلك أعلمت المهدى، وقالت له: إن طبيبا على الباب، ~~أخبرنى بهذا منذ تسعة أشهر! وبلغ الخبر جورجس بن جبريل، فقال: كذب ومخرقة! فغضبت له PageV01P128 ~~الخيزران، وأمرت، فاتخذ له بين يديها، وهى قائمة مشدودة الوسط، مائة خوان فالوذج، ووجهت ~~بذلك إليه، مع مائة ثوب، وفرس بسرجه، ولجامه. # وما مضى بعد ذلك إلا قليل، حتى حبلت بأخيه هارون الرشيد. فقال جورجس للمهدى: جرب ~~أنت هذا الطبيب! فوجه إليه بالماء. فلما نظر إليه، قال: هذا ماء ابنتى أم موسى، وهى حبلى ~~بغلام آخر. فرجعت الرسالة بذلك إلى المهدى، وأثبت اليوم عنده. فلما مضت الأيام، ولدت هارون. ~~فوجه المهدى إلى إسرائيل، فأحضره، واقيم بين يديه. فلم يزل يطرح عليه الخلع، وبدر الدنانير ~~والدراهم، حتى علت على رأسه، وصير هارون وموسى فى حجره، وكناه أبا قريش، أى: أبا ~~العرب. فقال لجورجس: هذا شئ أنا بنفسى جربته. فصار أبو قريش نظير جورجس بن جبريل، بل ~~أكثر منه، حتى تقدمه فى المرتبة. وتوفى المهدى، واستخلف هارون الرشيد، وتوفى جورجس ~~وصار جبريل ابنه تبع أبى قريش فى خدمة الرشيد، وخلف اثنين وعشرين ألف دينار، مع نعمة ~~سنية. # وقالوا: إن فى ذلك الوقت ورد ماسويه أبو يوحنا مدينة السلام، وكان جبريل مع الرشيد، ~~وكان تلميذا فى بيمارستان جندى سابور ثلاثين سنة، فلما ارتفع جبريل. قال ماسويه يوما من ~~ذلك: هذا جبريل قد بلغ الصكاك، ونحن فى البيمارستان! فبلغ ذلك جبريل، فوجه، ~~وأخرجه من البيمارستان. فبقى منقطعا منه. فصار إلى بغداد ليعتذر إلى جبريل، ويخضع. فلم يزل ~~على بابه دهرا طويلا، فلم يأذن له. ويتراءى له، إذا ركب، فلا يكلمه. فلما ضاق به الأمر، ولم ~~يبق معه نفقة، صار إلى دار الروميين التى فى الجانب الشرقى. فقال لقس البيعة: اكرز لى، لعل ~~يقع لى شئ، وأنصرف، فإن أبا عيسى ليس يرضى عنى، ولا يكلمنى! فقال له القس: كنت فى ~~البيمارستان ثلاثين سنة، ولست تحسن شيئا من الطب؟! قال: ms129 بلى! أنا كحال، وأعالج الجراحات! ~~فاتخذ له صندوقا، وأعطاه لبدا، وأجلسه على باب المحرم، على باب الفضل بن الربيع الوزير. ~~فلم يزل يكتسب الخمسة، والعشرة الدراهم، والأقل، والأكثر، إلى أن حسنت حاله قليلا. فاشتكت عين ~~خادم الفضل بن الربيع، وكان يعزه. فوجه إليه جبريل بالكحالين، فعالجوه بكل صنف من العلاج، ~~فلم ينتفع به. واشتد وجعه، حتى طار النوم عن رأسه، وأصابه أرق شديد. فخرج من القصر هائما على ~~وجهه من الضجر، فرأى ماسويه، فقال له: يا شيخ! ما تصنع هاهنا؟ إن كنت تحسن شيئا من ~~الكحل، عالجنى، وإلا فقم من هاهنا! فقال: يا سيدى! أحسن وأجيد! فقال: داونى! فدخل إليه، وقلب PageV01P129 ~~جفنه، وكحله، وسكب على رأسه، وسعطه. فنام الخادم، وهدأ. فلما أصبح، وجه إلى ماسويه ~~بساف خبز سميد، وجام حلوى، وجدى، ودجاجة، ودينارين، وعشرة دراهم، فقال: هذا لك فى كل ~~يوم، والديناران والدراهم فى كل شهر. فبكا ماسويه فرحا، وتوهم الرسول أنه قد استقله، فقال: لا ~~تغتم، فإنا نزيدك! فقال: يا سيدى! رضيت منك أن تذر على هذا، ولا أريد منك الزيادة! فلما رجع ~~الفضل، أخبره خادمه بما كان. فكان بين مصدق، ومكذب. # فلم تمض الأيام والليالى، حتى اشتكت عين الفضل بن الربيع نفسه. فوجه إليه جبريل الكحالين، ~~فلم يزالوا يعالجونه، فلم ينتفع بشئ من ذلك. فأدخل الخادم ماسويه إليه ليلا، فلم يزل ~~يكحله إلى ثلث الليل، ثم سقاه حب الأيارج، فحركه خمسة مجالس، وأصبح وقد برأت عينه. ~~فحضر جبريل، فقال الفضل: يا أبا عيسى! هاهنا رجل طبيب، يقال له ماسويه من أقره الناس ~~بالكحل! فقال جبريل: ومن هذا؟ أهو الذى يجلس على الباب؟ قال: نعم! قال: كان أكارا ~~لى، فلم يصلح للأكارين، فطردته، وما عالج الطب قط! فإن شئت فأحضره، وأنا حاضر! وتوهم ~~جبريل حين يدخل، يسجد، ويقف بين يديه. فأمر، فأحضر ماسويه، فدخل، وسلم، وجلس ~~بحذائه. فقال له جبريل: ماسويه! صرت طبيبا! فقال له: ألم أزل طبيبا. أنا خادم فى ~~البيمارستان منذ أربعين سنة، 〈و〉تقول لى هذا القول؟! ms130 وانصرف جبريل، وهو خجل. وأجرى الفضل ~~على ماسويه ثلثمائة درهم فى كل شهر، وعلوفة دابتين، ونزل خمس أنفس. ~~ووجه، فحمل عياله من جنديسابور، ويوحنا معهم صبيا حينئذ. # فما مضت الأيام والليالى، حتى اشتكت عين الرشيد، فقال له الفضل: يا أمير المؤمنين! طبيبى ~~ماسويه ليس له نظير! وأخبره بقصته فى نفسه، وبقصة غلامه. فأمر الرشيد، فأحضر ~~ماسويه. فقال له: تحسن شيئا من الطب سوى الكحل؟ قال له: يا أمير المؤمنين! وكيف لا أحسن، ~~وأنا أخدم المرضى فى البيمارستان منذ أربعين سنة؟! فقال: أدن منى! فدنا، ونظر إلى عينه، فقال: ~~الحجامة، يا أمير المؤمنين! فحجمه على ساقيه، وكحله، وقطر فى عينه، فبرئ بعد يومين. ~~فأجرى له ألفى درهم فى كل شهر، وعلوفة، ومنزلا، فألزمه الخدمة، فصار نظير جبريل فى الدار، ~~ويحضر بحضوره، ويصل حيث يصل، إلا أن أرزاق جبريل كانت فى ذلك الوقت خمسة آلاف، ومعونة ~~خمسين ألف درهم، وأنزاله ضعف ما اجرى لماسويه. PageV01P130 # واعتلت بانو أخت الرشيد، فلم يزل جبريل يعالجها بأنواع العلاج، فلم تنتفع به. فاغتم الرشيد ~~بعلتها، فقال ذات يوم: إن ماسويه الكحال قال لنا أنه خدم فى البيمارستان للمرضى، ~~أربعين سنة، فليدخل على عليلتنا! فلعل عنده فى أمرها حيلة. فأحضر جبريل وماسويه. فقال ~~ماسويه لجبريل: بماذا عالجتها منذ أول يوم اعتلت إلى هذا اليوم؟ فلم يزل جبريل يصف ما ~~عالجها به. فقال ماسويه: أما العلاج فصالح، والتدبير مستو، ولكنى أحتاج أراها. فأدخل ~~إليها. فلما نظر إليها، وتأملها، وجس عرقها، قال لأمير المؤمنين: طول البقاء لك، يا أمير المؤمنين! ~~هذه تقضى بعد غد، ما بين ثلاث ساعات إلى نصف الليل. فقال جبريل: لا بل تعيش، وتبرأ! فأمر ~~الرشيد أن يجلس ماسويه فى بعض دوره، فى القصر. فقال: والله لأغرفن ذلك، ولأسبرنه! ~~فوالله ما رأينا بعلم الشيخ بأسا. فلما حضر الوقت الذى حده، توفيت. فلم يكن للرشيد همة حين ~~دفنها، حتى جلس، وأحضر ماسويه، فساءله، وأعجب به، وكان أعجمى اللسان، ولكن كثير ~~التجارب. فصيره نظير جبريل بن بختيشوع فى الرزق، ms131 والمعونة، والأنزال، والمرتبة، وغير ذلك. # ثم اتخذ ماسويه علماء، وحكماء، يعلمون ابنه يوحنا، فخرج فاضلا فى أهل عصره فى العلم. ~~وكذلك جبريل أيضا علم بختيشوع ابنه، فخرج أديبا، فاضل النفس. فلما توفى الرشيد، وتوفى ~~ماسويه، وأفضت الخلافة إلى المأمون، صار يوحنا طبيب المملكة، وأقر الناس أنه ما خدم ولد ~~العباس قبله مثله. # فما ذكرته من هذه الأخبار فى هذا الباب كفاية فى الدلالة على منزلة الأطباء، بحسب مراتبهم من ~~صناعة الطب عند الملوك، وأفاضل الناس. PageV01P131 ### || [chapter 14] ### || الباب الرابع عشر ~~فى نوادر جرت لبعض الأطباء، بعضها من جنس تقدمة ~~المعرفة وهى تحث الطبيب على تعرف طرق الإنذار، ~~وبعضها مستطرفة تحث الطبيب على اختبار تحصيل مستطبه لئلا ينسب الفساد إلى الطبيب # إن من أعظم آفات الطبيب والمريض جميعا، سوء تحصيل المريض، ومن يخدمه. إذ كان من الناس من ~~هم قليلو التحصيل، فى حال صحتهم، لا يفهمون ما يخاطبون به، ولا يعون ما يشار به عليهم، ~~فكيف فى حال المرض؟! فلذلك يجب على الطبيب، قبل أن يشير على المريض بمشورة، أن يختبر ~~عقله، وتحصيله، وعقل خادمه المتولى لخدمته. فإن وثق بجودتهما، أشار بما يراه من الأدوية، ~~والتدابير، وإن لم يثق بصحتهما، أمسك، لئلا يقع التصحيف، والاشتباه فى أسماء الأدوية، وفى ~~مقاديرها، وفى إصلاحها، وفى أوقات استعمالها، فيهلك بذلك المريض، وتنساق إلى الطبيب التهمة، ~~وسوء الذكر، مع ما يضيع من تعبه، كالذى يعرض لمن بذر بذرا جيدا نقيا فى أرض رديئة، فإن بذره ~~يهلك، وتعبه يضيع. # وما ذكرناه من هذا المعنى، هو داخل فى قول بقراط الذى أمر به الطبيب، أن لا يقتصر على أن ~~يعمل ما ينبغى أن يعمله الطبيب من المشورة بما يجب فقط على القوانين التى رسمها له ابقراط، ~~وغيره، ويهمل ما يحتاج إليه المريض من الأمور النافعة فى علاجه. فإن ذلك غير كاف فى علاج ~~المريض، ولا تصدق حينئذ القوانين، ولا تصح الأحكام، إلا مع إحكام جميع تلك الأشياء التى أحدها ~~ما ذكرناه من تحصيل المريض، وخدمه، مع ثقتهم على ms132 المريض، ومحبتهم لصلاح حاله. # وهذا قول بقراط بلفظه، قال بقراط: وقد ينبغى لك ألا تقتصر على توخى فعل ما ينبغى، دون أن ~~يكون المريض، ومن يحضره، كذلك، والأشياء التى من خارج! # ولا يشك من يفهم، أن قوله «المريض ومن يحضره»، أنه إلى ما قلناه أشار. ولما كانت هذه المشورة ~~التى أشار بها بقراط قد أهملها كثير من المتوسمين بصناعة الطب، إما لجهل بها، أو ~~لتغافل عنها بقصد، لتسوغ لهم الحيلة على التكسب، والانتفاع بالعامة. وساعدهم على ذلك، تركهم ~~وما يعملونه من أنواع الخطأ المفسد لمحاسنها، 〈من جهة〉 الملوك، ومن إليه النظر فى مصالح الناس. ~~فإنهم لما أهملوا النظر فى هذه الصناعة الجليلة، المصلحة لنفوس الناس، وأجسامهم، اتسعت الحيلة PageV01P132 ~~لأهل الشر بها، وقلت المبالاة بالفساد الداخل من جهة إفساد الداخلين فيها. # من ذلك ما نشاهده من مشورة الأطباء، بغير توقف، ولا بحث، ولا قانون صناعى، على كل من ~~جاءهم، من أى أصناف الناس كان. 〈و〉قد جرت عادات كثير من الناس، أن يوجهوا بقارورة الماء إلى ~~الطبيب، مع أدون خدم المنزل، إما صبى، أو عجوز، أو مملوك عجمى، وقصدهم بذلك أن يفهم عن ~~الطبيب كل ما يحتاج إليه المريض. 〈ف〉بغير شك أن الطبيب لا يمكنه أن يشير بشئ، أو يفهم جميع ~~حالات المريض. أفترى، ليت شعرى! من يفهم ذلك: الصبى، أم العجوز، أم الأعجمى؟! فما يتمالك ~~الطبيب 〈عن〉 أن ينظر إلى القارورة، حتى يبادر بالصفة، ويأمر أيضا غلامه بدفعها إلى ~~الرسول، إن كان ممن يرجى أخذ فضته. فأقسم بالله أن كثيرا من هؤلاء الأطباء، لو سأل سائل ~~〈أحدهم〉: ما الذى علمته من العلامات، من هذا الماء الذى رأيته، ولم وصفت ما وصفته؟ لما وجد ~~عنده جوابا يقنع به السائل له. # ولا فيهم أيضا من يتوقف، إلى أن يجد من فيه تحصيل، لئلا تفوته الفضة، ولا من يخشى من عتب ~~عاتب، ولا يخاف لوم لائم. ولذلك قد فشا فيهم الكسل، وسهل عليهم التوانى، فلا ناظر فى علم، ولا ~~قارئ لكتاب! ولا تجد منهم ms133 من يسأل عن تعلم شئ من الصناعة، ولا من يذاكر صاحبه فى ~~مسئلة، أو فى أمر دواء، أو غيره، لكن 〈منهم〉 من يفرغ من كسب الدراهم، 〈ﻓﻴ〉تشاغل ~~بشرب الأقداح الكبار، واللعب بالشطرنج وأشباه ذلك. # وإذا كان الأمر على ما حكيناه، فلذلك يكون الأطباء مسرورين بقلة فهم من يشاورهم، ~~فرحين بسوء تحصيلهم. فأما إن جاءهم أحد يستفهم أمر مرض من الأمراض، أو أمر سبب علامة، ~~أو يناظرهم فى دواء من الأدوية، أو بعض أجزاء الطب، هربوا من كلامه، واجتهدوا فى أن لا ~~يجتمعوا معه فى موضع من المواضع، لئلا ينكشف بذلك جهلهم عند العامة، وتفتضح ~~دهثمتهم، وكيف لا يهرب هؤلاء الأطباء من الآحاد المناظرين لهم على صناعتهم، وهم ~~يخدمون ألوفا من الناس لا يعرفون من أخطائهم شيئا يتصورونه بصورة الصواب، ويعتقدون فى ~~أطبائهم أنهم حذاق، بسبب صناعة الطب؟! والسبب فى ذلك، مع جهلهم، وقلة انتقادهم، أنهم ~~يجدونهم يتولونهم، ويكثرون الترداد إلى منازلهم، ويرخصون عليهم الأدوية، وكثير منها ~~يأخذونها بغير ثمن. فهم لذلك أفاضل عندهم، ولا يفكرون فى أنهم 〈قد〉 يهلكون عند ~~مرضهم، بتدبير هؤلاء الأطباء لهم. PageV01P133 # وكيف لا يكون بهذا الجهل، وسوء العقل، والبحث، قوم لم يتأدبوا، ولا عرفوا من أمور الدنيا ~~شيئا، إلا مباكرتهم إلى التكسب بالصنائع، وتشاغلهم نهارهم أجمع بالحيلة على جمع الدراهم، ثم إذا ~~انصرفوا إلى منازلهم، تعشوا وناموا؟! كذلك يجرى أمرهم طول زمانهم. أترى من أين يقتنى ~~أمثال هؤلاء أدبا أو علما؟ وهل منزلة هؤلاء، ومن هم بصورتهم من الأطباء، إلا بصورة البهائم ~~التى هى سائرة مع طبعها؟! # ولقد سألنى شيخ من أبناء سبعين سنة، وفوقها، يوما، وقد كنت أشرت عليه بأن يغذى مريضا كان له، ~~كنت أعوده، بمزورة، وهو واقف بين يدى قصاب قد ذبح شاة مسنة هرمة. فقال لى: هل آخذ ~~من هذا اللحم؟ فقلت له: ولم تسألنى عن ذلك؟ فقال: أردت هل يصلح للمزورة التى أشرت بها؟ ~~فنظرت إليه متعجبا منه. فقال لى: أراك تنظر إلى، ولا تجيبنى! قلت: نظرى إليك تعجبا منك، وأنت ms134 ~~شيخ، لك فوق السبعين سنة، ولا تعلم أن المزورة لا تكون باللحم! ولو صلح أن تكون بلحم، ~~هل كان يجوز أن تكون من هذا اللحم؟ ليس العجب منك، العجب ممن يدبر مريضا لك! ولم أعد إلى ~~مريضه، خوفا أن يجيئنى ما هو أعظم من هذا، فينسب إلى. # ومثل ذلك أيضا جرى لى مع آخر من السوقة بحلب، كان به إسهال، دفعت إليه سفوفا، وأشرت ~~عليه أن يتغذى بمزورة نيرباج. فلما جاءنى فى الغد شكا وقوف حاله. فأمرته بمعاودة تدبيره ~~بعينه. فأخذ يذم المزورة، ويحلف أنه لن يعاودها. فقلت: لأى سبب؟ فقال: لأنها لم تكن طيبة. ~~فعلمت أنه لم يهتد إلى جودة عملها، لأنه لم يكن خبيرا بالطبيخ، وكان عازبا. فقلت: صف لى كيف ~~عملتها! فقال: أترانى لا أحسن إصلاح مزورة؟ فقلت: وما يضرك أن تعرض على ما عملته؟ ~~قال: دققت الزبيب، وحب الرمان وعزلتهما، ثم وضعت الماء على النار، وثردت الخبز، ~~وقطعت البصلة، وطرحتها مع قليل 〈من〉 الملح، وذلك الزبيب، وحب الرمان، على الخبز المثرود، ~~وصببت عليه الماء الحار، وغطيته قليلا، وأكلته، فما كان طيبا. أحب ألا تصف لى مرة ~~أخرى مزورة، فإنى ما أصبر على عملها! # ولقد حكى 〈أحد〉 الثقات من أفاضل من بالرقة عن طبيب كان بها، يقال له موسى، أنه أمر يوما ~~لعليل شكا إليه مرضا وجده، فأمر أن يحبس ماءه، ويجيئه به باكرا. فلما كان فى السحر، وإذا بصائح ~~فى باب داره يصيح: يا أبا عمرو! الحقنى، الله، الله فى! أغثنى! فقال لغلامه: بادر! فإن بعض PageV01P134 ~~الأهل استقفى! وخرج، وتبع هو غلامه. فإذا بذلك الإنسان إحليله فى يده، وهو يصيح، ~~ويضج،. فقال له موسى الطبيب: يا هذا الرجل! ما شأنك؟ قال: قلت لى: إحبس الماء! ولى من الثلث ~~الأخير حابسه، وهو ذا أموت! فقال له: بادر يا هذا بل! فلما بال، وفرج عنه، واستراح قال له: ~~يا هذا! إنما قلت: تبول فى إناء، وتحبس ماءك فيه، ليس هكذا! فقال: ما علمت! أجيئك غدا به! فلما ~~كان ms135 من الغد، جاءه بالماء فى كوز من خزف! # فمن هذه مقادير أفهامهم، هل يجوز للطبيب أن يعول على تحصيلهم فى أمور أدوية المرضى ~~وتدابيرهم؟! # وأعجب مما ذكرته، ما جرى ليهوذا بن أبى الشايا الطبيب مع امرأة جاءته بماء فى قدح. فنظر ~~إليه، فأشار بما رأى فى الوقت. فانحرفت المرأة إلى ورائه قليلا، ثم أخرجت القدح ثانية. فأنكر أمرها، ~~ثم قال: أليس قد رأيت هذا، وأشرت؟ فقالت: ليس هذا ذاك! فأشار بما رأى أيضا. ثم انتظرت قليلا، ~~وعاودته بالقدح. فزاد إنكاره فى الأمور، وأخذ فى تقصى أمرها، فقالت: يا سيدى! لا تنكر أمرى! ~~فإن لى جماعة من جيرانى أعلاء، فلما علموا أنى أريد أن أبكر إلى الطبيب، حملونى قواريرهم، فلم ~~أطق حملها، فجمعتها كلها فى هذه القنينة، ومنها هو ذا أصب فى القدح، وأريك إياه! فلما ~~سمع ذلك، قال لمن حضر عنده: يلومونى، إذا امتنعت عن الوصف لكل من جاءنى، ولعله أن ينسب ~~ذلك منى إلى بخل، أو كسل. أيجوز للطبيب، مع ما هو ذا ترون، أن يصف لكل واحد؟ # وحكى فى الوقت أنه امتحن فهم إنسان، جاءه يتشكى فى الوقت وجعا به. فأشار عليه بقرص، ~~يأخذ يومه ذلك نصفه، ولغده نصفه، وبعد غده نصفه. فسمع ذلك الإنسان قوله، ولم ينكر منه ~~شيئا، ومضى. فقال: يا قوم! كيف أشير على من لا يعلم أن القرص لا يجوز 〈أن〉 يكون له ثلاثة ~~أنصاف!؟ # ومن النوادر التى جرت لبعض الأطباء ببغداد مع بعض الناس، أنه جاء ذلك الإنسان إلى الطبيب، ~~فشكا إليه أنه يجد مغصا، فسأله الطبيب: أى شئ أكلت؟ فقال: خبزا محترقا. فأخرج الطبيب ~~من حقيبته مكحلة، وميل، وتقدم ليكحله. فقال له: يا هذا! وما الذى ينفع الكحل للمغص؟ ~~قال: قصدى أعالج عينك! قال: عينى صحيحة، لا علة بها! قال له الطبيب: لو كان الأمر كما ذكرت، ~~لكنت حين رأيت الخبز محترقا، لم تأكله! # ومن طرائف ما يجرى على الأطباء من العامة الجهال، مع كثرتها، وامتناع إحصائها، ما حكاه لى من ~~أثق ms136 بقوله، أنه جرى بالموصل لرجل من المياسير مع طبيب كان له، وقال: أصلح له طبيبه شربة PageV01P135 ~~مطبوخة، ووجه بها إليه فى قدح مسدود، وتقدم إليه أن يشربها نصف الليل، ولا يتحرك بعد ~~شربها، بل ينضجع على فراشه. فتقدم إلى جاريته أن تضع القدح فى كوة فى البيت الذى هو نائم ~~فيه، ليقوم نصف الليل، ويشرب الدواء. فاتفق أنه قام، وتشاغل، ونسى أن يشربها، وعاد إلى نومه، ~~وأصبح وهو يظن أنه قد شربها. فلما أضحى النهار، ولم يقم شئ، وجه إلى الطبيب: إن ~~الشربة لم تعمل شيئا، فما الذى تراه؟ فأمر بالمشى، والانتظار. فلما انتصف النهار، جاءه الطبيب، ~~فوجده عاتبا عليه، ويقول: إنك قد قصرت فى إصلاح الشربة! فحلف له الطبيب، أنه لم يقصر ~~فيها، 〈وقال〉: ولكن ادفعوا إلى الغلام القدح لأوجه فيه ما يحرك فعل الدواء! فلما طلبوا القدح، ~~وجدوه والشربة فيه بحالها. فقال: أنسيت 〈أن〉 تشربها؟! # فهذه الأشياء، وأمثالها، مما تدل على قلة التحصيل، وهى توجب على الطبيب التوقى، ~~والتحرز. ولذلك ذكرناها هاهنا. فيجب أن يتأدب بها، وبأمثالها، عقلاء الأطباء، ولا يستهينوا ~~بها. PageV01P136 ### || [chapter 15] ### || الباب الخامس عشر ~~فى أن صناعة الطب لا يصلح أن يعملها كل من التمسها، لكن اللائقة بهم فى خلقهم وأخلاقهم # وكما أن الخمرة الفائقة فى الجودة، أيها الحبيب، لا يصلح أن تحفظ فى أى إناء اتفق، لكن الحافظ ~~عليها لذيذ مذاقها، وصفاء لونها، وطيب رائحتها، وبالجملة سائر حالاتها المحمودة، إنما هو ~~إناء موافق محمود، فكذلك الحال فى سائر العلوم، وأصناف الحكم. فإنه ليس يصلح أن تودع فى ~~سائر النفوس، لكن فى النفوس الموافقة لها. # ولأن النفوس فى قواها، وأفعالها، تتبع أمزجة أبدانها، فلذلك ينبغى للمعلم، أن يختبر من المتعلم، ~~حالات نفسه، قبل أن يعلمه. فإن وجدها موافقة للتعليم، أخذ فى تعليمه. وإن وجدها غير موافقة، ~~رام إصلاحها. فإن تهيأ صلاحها، وإلا صان العلم، كالذى يعمله الزراع الحاذق، المشفق على الحب، ~~فإنه متى لم يجد الأرض نقية، ولم يطمع فى تنقيتها، حفظ حبه، ولم يضيعه. # ولأن ms137 الأسباب التى تعوق المعلم عن التعليم، خاصة لصناعة الطب، هى عدة أسباب، والعلم بها ~~ضرورى، فلذلك ينبغى أن تضم إلى الأصول التى هى ضامة لها، لكى تسهل معرفتها، وهذه الأصول ~~هى ثلاثة: أحدها خروج مزاج البدن عن الاعتدال، وأعنى بخروج المزاج عن الاعتدال، الخروج الذى معه ~~تتغير أفعال النفس وأخلاقها. والثانى الف العادات المذمومة، فى مصاحبة الأشرار، ومؤانسة الجهال، ~~واتباع أفعالهم، واستحسان أخلاقهم. والثالث هو اجتماع الأمرين جميعا، وذلك هو أعظم فسادا، ~~وأعسر صلاحا، وأن ينضاف إلى ذلك، أن يكون طالب تعلم صناعة الطب خاصة ليس قصده تعلمها، ~~لشرفها فى نفسها، ولا لحلاوة منافعها لذاته، ولجسمه، ولأجسام أبناء نوعه، لكن قصده ليتعلمها، ~~إنما هو لأسباب دنياوية من مال، وسلطان، أو غير ذلك. فإنه من الأحرى، ألا ينال منها كثير منال، ~~ولا يحظى بما رجاه، بل لا يؤمن عليه ضد ذلك، مما أمل، لأنه دائما يخجل بين العلماء، ~~ويفتضح فى أعماله عند الأدباء، والرؤساء. وإذا علم منه أنه معرض لما لا يقوم به تيقن علمه، كان ~~تحت أخطار تقوده إلى الهلاك. # ومن المشهور أن اليسير من علم صناعة الطب يضر ولا ينفع. وذلك لأن أصغر فروعها متشبث بأعظم ~~أصولها، بل مشتبك بجملة أصولها. وليست كسائر الصنائع التى من تعلق منها بأصل، أو فرع، لم ~~يتعلق ذلك بغيره، فهو لذلك ينتفع، وينفع الناس بما يعمله، ولا يلحقهم مما جهله ضرر. ومثال ~~ذلك صائغ، علم من الصياغة عمل خاتم، فهو دائما يعمل خواتم، ولا يضره، ولا غيره، جهله PageV01P137 ~~بعمل الأسورة، والحانات مثلا. # فلذلك قال بقراط: الصناعة طويلة. ولذلك يجب أن يكون ملتمس هذه الصناعة من أولاد أهلها، ~~قد عنى أبواه بتقويم مزاجه، وأخذاه بالعادات المحمودة فى تدابيره، وإصلاح أخلاقه، وبتلقينه، ~~وتبصيره، ليكون بذلك معدا للتعليم بأيسر سعى. # فأما ملتمس هذه الصناعة من أبناء أهل الصنائع الأخر، فيكد، وما ينجح فى تعلمها، لأن النجار، ~~والحداد، والدباغ، والحائك، مثلا، كل واحد منهم منصرف إلى صناعته، لا خبرة له بصناعة الطب، ~~فيلقن ولده من أصولها، ما ms138 يلقنه الطبيب لولده ليله ونهاره. فإذا المقومون الذين قد راضهم ~~أباؤهم من أهل صناعة الطب هم الذين يصلحون لتعلمها، لاكل من التمس تعلمها، كما قال ~~جالينوس، فإنه قال: كما لا يصلح اتخاذ التمثال من كل حجر، ولا ينتفع بكل كلب فى محاربة ~~السباع، كذلك أيضا لا تجد كل إنسان يصلح لقبول صناعة الطب، لكنه ينبغى أن يكون البدن والنفس ~~ملائمين لقبولها. # وأيضا فقد بين إبقراط كيف ينبغى أن يكون البدن. من ذلك قوله فى شكل الأصابع، قال: ~~شكل الأصابع ممن يعنى بصناعة الطب يجب أن يكون الذى فيما بينها واسعا، وأن تكون ~~الإبهام مقابلة السبابة. # وأما النفس التى تليق لقبول الطب، فإنه جعل المحنة لها، بما أمر به من الأيمان. فمتى وجد ~~الإنسان يمكنه حفظ ما أمر به فى كتاب الأيمان، علم أنه ملائم لقبول الصناعة، ومتى كان ممن لا ~~يمكنه حفظ ما فى ذلك الكتاب لم يدن إلى تعلمها. # قال جالينوس: إن أحد الأسباب التى وضع إبقراط 〈من أجلها〉 كتاب الأيمان هو ما ذكرناه من ~~امتحان الإنسان المريد تعلم صناعة الطب فى جسمه، ونفسه. ولأنا قد قدمنا فى الباب الأول من ~~كتابنا هذا أوصاف الجسم المحمود، والنفس الفاضلة، فلذلك يستغنى عن إعادته هاهنا. # وأما السبب الثانى، فهو أن كثيرا من الصناعات، لا يمكن فيها أشياء، يمكن أن تضر من ~~يستعملها. وأما صناعة الطب، فممكن فيها تلك الأشياء بأعيانها التى ينتفع بها، أن تضر أيضا. ~~وللطبيب فى أكثر الأمراض أن يخلص المرضى، إن شاء، أو يقتلهم. # فلأن لا يدنى الطبيب فى وقت من الأوقات — بسبب منفعة من المنافع، ينالها على غير الواجب — ~~مكان الأشياء التى ينتفع بها، أشياء تضر، تقدم بقراط، فعقد فى عنقه هذه الأيمان، فأحلفه أن PageV01P138 ~~يكون دخوله إلى المرضى، طلبا لمنفعتهم، لا الإضرار بهم. من ذلك أنه قال لهذا السبب فى ذلك ~~الكتاب، هذا القول قال، بقراط: وجميع المنازل التى أدخلها لمنفعة المرضى، وأنا بحال خارجة عن كل ~~جور، وفساد. # ثم ذكر جالينوس سببا ثالثا لوضع بقراط ms139 لكتاب العهود والأيمان، وهو هذا القول، قال ~~جالينوس: إن الذى قد كان فيما تقدم من معلم الطب إلى أسقليبيوس عهود وأيمان، تمنعهم من ~~تعليم صناعة الطب أحدا خلا أولادهم. وكانت المواضع التى يتعلم فيهالطب ثلاثة، أحدها فى مدينة ~~رودس، والآخر بمدينة قو، والثالث بمدينة قنيدس. إلا أن التعليم الذى كان بمدينة رودس، وبمدينة ~~قنيدس، باد بسرعة، لأنه لم يكم لأبنائهم نظر، وذلك لأن الوارثين له كانوا نفرا يسيرا. وأما الذى ~~بمدينة قو، فثبت منه بقايا يسيرة، لثبات الوارثين له. فلما نظر بقراط إلى صناعة الطب، قد قربت ~~من التلف، بسبب هذه الأجناس الثلاثة، ونقصانهم، أحب أن يذيعها فى جميع الناس، كيلا تبيد. ولئلا ~~يظن أنه قد أخطأ، فيما بينه وبين ربه، جعل المتعلمين للطب أبناء له، بما عقد فى رقابهم من الأيمان. ~~وبيان ذلك فى قوله فى كتاب الأيمان هذا القول، قال بقراط: وأرى أن المعلم لى هذه الصناعة ~~بمنزلة أبى، والجنس المتناسل منه مساو لأخوتى. # قال جالينوس: فبعد أن جعل المتعلمين للصناعة أبناء، علمهم إياها، من غير أن يكون فى ذلك على ~~ذم وخطأ فيما بينه وبين الله تعالى. # وإذ قد اتضح بما حكيناه عن القدماء، كيف شرف صناعة الطب فى الدهور السالفة، فلنقل بعد ~~ذلك ما الأسباب التى قد أوجبت فى هذا الزمان سقوطها، فنقول: إن لذلك أسبابا نذكر جملتها. ~~أحدها هو ما قد دخل 〈على〉 الداخلين فيها من الطمع، والثقة بإنه لا يفتقد عليهم منها علم، ولا ~~عمل. فسهلوا على نفوسهم، فتركوا النظر، والقراءة، والخدمة، ومالوا إلى الملق، والمخرقة، ~~والتغلغل فى أنواع الحيل. فضاعت الحقائق، وافتقد الناس فى علاج ذلك الملوك، ومن لهم ~~القدرة على افتقاد ذلك واصلاحه. # والسبب الثانى استهانة الناس بحقوق الأطباء، فى ضروب الإكرام، والمكافأة. فاحتاج الأطباء ~~أن يحتالوا لهم، مع الطب، معاشا آخر، من تجارة، ودكان، وحيلة. فعرض من ذلك ~~استهانة بالصنائع، لما خست ثمرتها. ولما فعلوا ذلك، خسوا، وأسقطوا الصناعة، فكان الأمر ~~فى ذلك شبيها بالشئ الدائر على ذاته بالعكس، أعنى أنهم ms140 كلما هربوا هانوا، وكلما هانوا هربوا. PageV01P139 # والسبب الثالث دخول من لا يليق بها، وليس من أهلها، فيها. فلقلة معرفتهم بأصولها، وبقدرها، ~~وبحقوقها، أفسدوا محاسنها، فخست بهم. ولطمع أهل الشره فى صنعتهم، انصرفوا إليهم، رغبة ~~فى استخدامهم مجانا، وأخذ حوائجهم بأيسر ثمن. ولما علم أولائك الأطباء المحتالون، أن ذلك يجر ~~إليهم من غير أولائك نفعا، ويوقع فى شباكهم المرأة، والضعيف، والغريب، سمحوا لهم، ليتخذوا بهم ~~باب الحيلة، ومجرا للصيد. فكان ذلك سببا لهلاك الضعفاء، وسقوط أهل هذا الشأن، وتركهم ~~الاهتمام بقراءة، أو تعليم. # وأيضا فلألف أكثر الناس لهذا الطمع، صار من خرج عن هذه الطبقة المحتالة، وقصد لتوفية الصناعة ~~حقها، مذموما، مسبوبا، إذا لم يؤات الجهال إلى ما يريدونه. # والسبب الأعظم الذى قد سهل فى هذا الوقت على كل أحد الدخول فى صناعة الطب، والجسارة عليها، ~~هو الرأى الذائع المشهور أن كل ما يفعله الإنسان من الأفعال المحمودة، والمذمومة، فذلك الفعل عن ~~الله تباركل، لا عن الإنسان. فلما سمع الأشرار، وأصحاب الحيل، أن من سرق، أو قتل، أو زنا، أو ~~فعل أى فعل كان، كان ذلك منسوبا إلى الله تعالى، إذ هو فاعل وداع لذلك، وثق الداخلون فى ~~صناعة الطب بذلك، واطمأنوا. فجسر كل أحد على الدخول فيها، والتعرض لسقى الأدوية، والفصد، ~~والشق، والبزل، وغير ذلك، بغير معرفة، لعلمهم بأن الناس، عند هلاك من يهلك على أيدى الأطباء، ~~يعذرونهم، ويردون ذلك إلى قضاء البارئ. # ولو كان الأمر جاريا على القوانين المتقدمة، من قديم، فى زمان اليونانيين، بأن لا يطلق لأحد ~~الدخول فى صناعة الطب، إلا على ما قدمنا ذكره، وإذا دخل فيها داخل، لم يؤذن له فى التصرف بها، ~~إلا بعد محنته بطرق المحن التى نذكر جملها فى الباب الذى يلى هذا الباب، وهو الذى نصف فيه ~~محنة الأطباء، لما جسر على الدخول فيها، إلا من يصلح لها. وأيضا بعد محنة الطبيب، ومعرفة ~~ما قرأه، ومقدار خدمته، فقد كان يوضع له قانون، يعمله مع المرضى، يتبين منه صوابه، من ~~خطئه، عظيم ms141 قدره، ونفعه، أنت تعلمه من الباب الذى بعد هذا. فتدبره، واكتف فى هذا الباب بما قد ~~أثبتناه! ففيه كفاية لمن تدبره. PageV01P140 ### || [chapter 16] ### || الباب السادس عشر فى امتحان الأطباء # وأما بعد ما قدمته من الأقاويل النافعة للأطباء، ولسائر الناس، فإنى قائل فى محنة الطبيب ~~قولا، ليس بدون نفع الأقاويل المتقدمة. وذلك أن محنة الطبيب واجبة، لأسباب أقدمها شرف الموضوع ~~لصناعة الطب، والموضوع هو الإنسان المحتاج إلى استعمال الطب. فإن الغلط من الطبيب إذا وقع ~~بالإنسان، كان أعظم كثيرا من أغلاط أصحاب الصنائع الأخر، لأن النجار، والصائغ، وغيرهما من ~~أهل الصنائع، والمهن، لا تبلغ مقادير أغلاطهم مقدار غلط الطبيب، كما لا يبلغ قدر موضوعاتهم قدر ~~موضوعه، وهو نفس الإنسان، وجسمه. وأيضا فإن الصائغ مثلا، متى غلط فى صناعة الخاتم، أمكنه ~~كسره، وإعادته، وكذلك النجار فى عمل السرير، والإسكاف فى عمل الخف. فأما غلط الطبيب، ~~فليس كذلك، وخاصة إن كان غلطه مهلكا، فاليأس من الصلاح واقع. فلذلك وجب تمييز ~~الأطباء بالمحنة، وانتقادهم بالنظر، والبحث، ليظهر فضل الأفاضل، فتسلم إليهم النفوس، ويظهر جهل ~~المدعين لها، فيحذر على النفوس منهم. # ومن الأسباب الموجبة لمحنة الطبيب، صعوبة الصناعة، وطولها. أما صعوبتها، فلكثرة أصولها، ومن ~~الأحرى أن تكون فروعها أكبر كثيرا. وأيضا لاشتباك أصولها، وفروعها، بعضها ببعض. فلذلك ~~اتسعت الأقاويل فيها، ووضع أهلها فى علمها أصنافا من الكتب، فاستصعب لذلك دركها، وخاصة ~~على أهل الكسل والتوانى، وعلى من غلظت قريحته، وقنع منها بالتكسب باسمها، وبالحيل التى قد ~~نصبها الأشرار، وأصحاب الحيل للناس كالشباك، والأفخاخ، لصيد الحيوانات. # فلذلك يجب أن يفتش عمن ادعاها، لينظر هل هو من أهلها بالحقيقة، لأنه قد أفنى زمانه فى درس ~~كتبها، وفى صحبة أهلها، وفى خدمة المرضى، وعانى من أمرها ما يستحق معه أن يوثق به فى ~~تدبير الأبدان والنفوس، أو هو ممن ينبغى أن يحذر على النفوس منه. # وأيضا فإن من أسباب المحنة للأطباء، ما يظهر من نفعها للأطباء خاصة، ولسائر الناس عامة. أما ~~للأطباء، فتنبه من كان ساهيا، وتحث من كان ms142 متشاغلا بغيرها، وتحركه على اقتنائها. وأما لمن ~~كان قاصدا للحيلة فيها على الناس، فتفضحه المحنة، ويظهر خزيه. فيكون بذلك النفع لسائر ~~الناس، شاملا عاما. # ولولا أن محنة الأطباء واجبة، ونفعها ظاهر، لما وضع القدماء فيها كتبا، يحثون بها أهل القدر، PageV01P141 ~~والسلاطين على الناس، وأفاضلهم، على تعليمهم أولادهم هذه الصناعة، ليقدروا أن يفرقوا بين ~~أهلها، والمدعين لها، لكى لا يسلموا نفوسهم إلى من لا يستحق ذلك، كالذى وضعه جالينوس ~~من طرق محنة الأطباء، فى كتابه الذى ألفه لذلك. وقد ألف غير جالينوس فى ذلك كتبا. ~~〈و〉لولا أنى قد تضمنت إثبات جمل ذلك فى باب من هذا الكتاب، لكان 〈يجب〉 أن أرشد ~~إلى تلك الكتب، أعنى من التمس ذلك، وخاصة وقد كتبت أنا رسالة إلى بعض من تولى أمور بلد ~~الرقة، بإلزام ألزمتيه فى ذلك، وصفت له فيها كيف ينبغى أن يمتحن الطبيب. غير أنى أذكر من ذلك ~~هاهنا جملا، ليكون ما تضمنته قد وفيت به، وليكون غرضى تاما كاملا. # فأقول: أما بعد ما قد وضح من الأسباب الموجبة لامتحان الأطباء، فإنه ينبغى أن ينظر كيف ينبغى أن ~~يمتحن الأطباء. وأول ما ينبغى أن يمتحن به المدعى لصناعة الطب، هو أن يسأل على رأى أى فرقة ~~هو من فرق الأطباء. فإن من جوابه، يبين هل يعلم كم أجناس فرق الأطباء، أم لا، وما الذى تراه كل ~~فرقة، وما الفروق التى بين الفرق. ومن ذلك يبين أيضا منه، هل علم، إلى كم نوع ينقسم كل جنس ~~من أجناس الفرق، وفيما اتفقت الفرق، وفيما اختلفت. ولأن الطبيب لا يسعه جهل ذلك، ولا يجوز له ~~الخروج عنه، فلذلك صنف جميع ذلك الفاضل جالينوس فى كتاب عنونه بكتاب فرق الأطباء، ~~وجعله أول ما يقرأ من كتبه. # ثم إذا وقع الجواب منه بتحصيل، وانفرد برأى أى فرقة من الفرق، إما برأى أصحاب التجارب، ~~وبمذهب من مذاهبهم الخمسة، وإما برأى أصحاب الحيل، وإما برأى أصحاب القياس، فيجب أن يسأل ~~أى أجزء الصناعة ينتحل، إذ كانت الصناعة أعظم مقدارا، ms143 من أن ينالها الإنسان فى مدة عمره، ~~كما قال الجليل بقراط: العمر قصير، والصناعة طويلة. ولذلك يكون من ادعى جملتها، من الجهل، ~~بحيث لا يحتاج أن يمتحن،؟ 〈و〉لا يفتش عن عمله. # فأما إذا ادعى جزءا منها، فيجب أن يسأل عنه: أى جزء هو الذى أحكمته، وقرأت كتبه، وخدمت ~~فيه؟ ولأن لصناعة الطب جزئين أولين، أحدهما علمى، والآخر عملى، فلذلك ينبغى أن ~~يعلم، هل توفره على أحدهما فى الجزء الذى يدعيه من صناعة الطب، أم توفره عليهما. # ولأن لصناعة الطب، بعد هذين الجزئين الكبيرين، أجزاء أصغر منهما، ولتلك 〈الأجزاء〉 أجزاء أخر ~~هى أصغر، يحتاج الطبيب إلى علمها، وإحكامها، فلذلك وضع جالينوس فى أجزاء الطب مقالة ~~مفردة، ليحكم علم ذلك منتحل هذه الصناعة، فيعلم من ذلك أجزاء الجزء الذى يدعيه من صناعة ~~الطب! PageV01P142 ~~ومثال ذلك أن علاج الطبايعى هو جزء علمى، وعلاج العين جزء عملى. وكذلك علاج الجبر ~~وعلاج الشق، وعلاج جميع أعمال الحديد، من بط، وكى، وبزل، وحقن، وفصد، ~~وجميع ذلك هى أجزاء عملية، مرتبطة بعلم يتقدمها، يلزم من ادعى أحدها، أن يعلم موضوع عمله: ~~أى جزء هو من أجزاء الجسم، ومماذا هو مركب، ووضع أجزائه، واتصالها، وكم أجناس الأمراض ~~العارضة لذلك الجزء، وكم الأسباب المحدثة لتلك الأمراض، والعلامات الدالة عليها، وأجناس الأدوية ~~الموافقة فى أمراض ذلك العضو، وبالجملة يلزمه معرفة سائر التدابير التى تلاءم علاج أمراضه، وحفظ ~~صحته، وأوقات ذلك، وما أشبهه، مما لابد من علمه. فلذلك أجمع، يجب أن يمتحن منتحل كل ~~جزء من الصناعة، بمساءلتة عما يعمه 〈ذلك الجزء〉، وغيره من أجزاء أخر، إذا كان لها بأسرها ~~أمور تعمها. ثم يساءل كل واحد منهم عما يخصه علمه. # ومثال ذلك، أنه حضر من يدعى علاج العين، فيجب أن يسأل من أى الأعضاء البسيطة ركبت العين، ~~ولم احتيج إلى جزء جزء من أجزائها فى تركيبها. فإنه إن لم يعلم ذلك، لم يعلم بأى الأجزاء يكون ~~الإبصار، ولا بأى الأجزاء يكون الصون والستر، ولا بأيها يكون الحفظ، والتغذية، وبالجملة سائر ~~الأفعال، ms144 والمنافع. ومتى لم يعلم مزاج عضو عضو من أجزاء العين البسيطة، مع ما ذكرناه، ~~وكيف وضع تلك الأجزاء، واتصالها، لم يمكنه أن يعلم أنواع جنس جنس من أجناس أمراضها. وإذا ~~لم يعلم ذلك، لم يعلم العلامات الدالة على نوع نوع، وإذا فاته علم العلامات، فاته أيضا علم ~~الأسباب، وإذا فاته علم الأسباب، فاته ماذا يعالج، ولا بماذا يعالج. # وبعد ما ذكرناه، وإحكام علمه، فيجب أن يعلم معالجها قوى الأدوية المفردة، والمركبة، المستعملة ~~فى علاج أمراض العين، وما مبلغ قوى الدواء الواحد، إذ كانت كل قوة بفعل، فيصير بذلك ~~للدواء الواحد المفرد أفعال مختلفة، ولذلك يكون للدواء المركب أفعال أكثر كثيرا من ~~ذلك، وذلك بحسب ما فيه من الأدوية المفردة، والكثرة، والقلة. # ومع أن معالج العين، لا يسعه جهل شئ من ذلك، فإنه مضطر أيضا إلى علم إصلاح الأدوية، المعدنية ~~منها، والنباتية، والحيوانية، 〈و〉ما منها يصلح بالعسل، وما منها يصلح بالحرق، وما منها يصلح ~~بخلط بعضه مع بعض. وبالجملة فهو شديد الحاجة إلى معرفة تراكيب أدوية العين، ما عمل منها PageV01P143 ~~شيافا وما عمل منها كحلا، وما عمل منها قطورا، وضمادا، وغير ذلك من أدويتها. وإذا ~~كان معالجا بالحديد لعلل العين المحتاجة إلى ذلك، فيلزمه أن يعلم صور الآلات التى يعالج بها، ولم ~~صورت 〈هكذا〉، واتخذت ذلك الشكل، كالمهت المستعمل فى قدح العين من الماء النازل ~~إليها. فإنه مع علمه بذلك، فقد علم موضع الماء، وكيف يسهل ثقب المهت، بقرنه الثلاثة، ونفوذه ~~فى الطبقة القرنية، وكيف يحدر بتلك القرن الماء، ويستقصى إحدار ما لا ~~يتم، بما له قرنتان، أو أربع، أو أكثر من ذلك. # وهكذا ينبغى أن يعلم ذلك فى آلة آلة. فليكتف ذو الفطنة بما ذكرته من ذكر هذه الجمل، والمسائل، ~~وليعلم أن بمثل هذه الطرق، يقدر على محنة صنف صنف من أصناف الأطباء. # ومن ذلك أن المجبر يلزمه أن يعلم ما فى كل عضو من العظام، وشكل عظم عظم، ووضعه، وبأى ~~صنف من أصناف التركيب هو مقارن لقرينه، أو لقرنائه، ms145 من عظام ذلك العضو، وما الذى يحيط ~~بتلك العظام من العضل، ولأى الحركات هى محركة، وكم مبلغ عددها، وكيفية أشكالها. فإن المجبر ~~إذا فاته معرفة ما ذكرناه، عجز من أمر علاج الجبر، بحسب ما فاته من ذلك. وكذلك إن جهل صورة ~~شد كل عضو، وأنواع رفائده، وأضمدته ولطوخاته لم يتم له علاجه، وكذلك ما ~~سوى ذلك مما ذكرناه. # وكذلك القول فى الفصد. فإنه من أجزاء الطب جزء قد أكثر الناس استعماله، وتعاطاه كل أحد من ~~أهل صناعة الطب، حتى أحداثهم، ومن ليس له خبرة بواجباته. قد أعدوا لهم مواضع، يقصدهم ~~إليها كل أحد، من صلح له، ومن لا يصلح، فيفصد كل من أتاه، بغير توقف، ولا حذر، بسبب ~~العوض الحقير. ولو كان الفاصد بغير علم، يعرف قدر ما يستخرجه من جسم الإنسان من ~~الدم، وعظم نفعه، ويعلم أن قوام بدن الإنسان هو بالدم، أكثر من سائر أخلاطه، وأن الطبيعة لم تعمل PageV01P144 ~~ما عملته من الدم، الذى قد استخرجه هو فى ساعة واحدة، إلا فى زمان طويل، وبعمل طويل، لشفق ~~من إخراجه، ولم يسارع إلى إخراج مثل هذا الجوهر النفيس، بذلك العوض الخسيس. ولأن النفع ~~بالفصد، إذا وضع موضعه، عظيم جدا، حتى أنه قد يخلص من التلف، ومن الوقوع فى أمراض ~~طويلة، فلذلك يجب أن يكون الفاصد عارفا بعدة أمور: # أولها: هل يفصد الفاصد أم لا؟ والثانى: ما المرض الذى يصلح فيه الفصد؟ والثالث: كيف ينبغى أن ~~يكون؟ والرابع: لم يفصد الفاصد؟ # وهذه الأصول الأربعة هى مسائل يتفرع عنها مسائل كثيرة. ويلزم الفاصد معرفتها جملتها. ومتى لم ~~يكن عارفا بجملتها، فينبغى له أن لا يفصد أحدا، إلا برأى من هو خبر بها. من ذلك أن الفاصد، إذا ~~علم هل يصلح الفصد لمرض، أم لا، لم يقنعه ذلك، دون أن يعلم من حال السن، والمزاج، والبلد، وحال ~~الهواء فى الوقت الحاضر، وحال الفصل من السنة، وحال العمل، والعادة، والتدبير، والسحنة. هل ~~يوجب كل واحد من هذه الأمور الفصد، كما أوجب ذلك المرض، ms146 أم يمنعه؟ ويعلم هذه الأمور بقدر أن ~~يغلب بعضها، ويتبع الأغلب من هذه الفروع. # وأما ما يضطره الأمر إلى علمه من فروع الأصل الثانى، وهو العلم بما الحالة التى توجب الفصد، فإن ~~من فروعها أن يعلم، ما الحال الطبيعية للبدن، وما حال حال من الحالات الغير طبيعية، وما ~~الحالات منها التى توجب الفصد، وما المقدار الذى ينبغى أن يخرجه الفاصد من الدم، وما تبع ذلك من ~~فروع هذا الأصل الثانى. # فأما فروع الأصل الثالث، فيلزمه أن يعلم منها، كيف ينبغى أن يكون الفصد عند شق العرق، طولا، ~~أم عرضا، أم ورابا؟ وكيف ينبغى أن يخرج الدم، أدفعة، أم اثنتين، أم ثلاثة؟ وكيف ينبغى أن ~~يدبر ويساس من فصد، بحسب مرض مرض؟ ويجب أن يعلم كيف الدم فى لونه، وكيف هو فى قوامه، ~~وكيف هو فى رائحته، وكيف حركته فى خروجه. فإنه متى 〈لم〉 يتقن علم ما ذكرناه، لم يقدر أن يفرق ~~بين ما يخرج من الدم من عرق، 〈و〉ما يخرج من شريان. إذ كان ما يخرج من الشريان ~~أصفى، وأشرق، وأرق، وأحمى، من دم العروق. # وأما فروع المسألة الرابعة، — وهى معرفة كميات الفصد — فهى كثيرة جدا. لتعلق هذه الفروع ~~بجميع المسائل المقدم ذكرها. ولئلا يطول هذا الكتاب، والباب، نحن نذكر منها جملا تغنى ~~معرفتها عن إحضار الكل، لأن من علم أجوبة ما نحضره من المسائل الآن، وقام بشرحها، علم ~~بذلك منه، أنه يقوم بفروعها. وأول هذه المسائل التى ينبغى أن يسأل عنها الفاصد، العالم بصنعة PageV01P145 ~~الفصد بالحقيقة، هى هذه المسألة: لم احتيج إلى الفصد فى صناعة الطب؟ ثم: لم صار الفصد ~~مخصوصا بعروق وشرايين دون أخر؟ ولم صار علم العشرة أشياء، المقدم ذكرها، ضروريا فى ~~استعمال الفصد؟ ولم أمر القدماء بإخراج الدم فى بعض الناس من أعلى البدن، وفى بعضها من ~~أسفله، وفى بعضهم من ناحية اليسار، وفى بعضهم من ناحية اليمين؟ ثم لم صارت العروق ~~النوابض التى فى الرأس، دون التى فى البدن، تفصد، وهى عرق اليافوخ، وعرق الجبهة، ms147 ~~وعرقا الصدغين، وعرقا المأقين، وعرق الأرنبة، وعرقا الشفة السفلى، وعرقا الشفة ~~العليا، وعرقا اللسان، وعرقا الوداجين. # ومما يبين به فضل الفاصد، هو أن يعلم لم صار فصد هذه العروق يشفى من أمراض بأعيانها، ~~وما هى 〈تلك〉 الأمراض؟ ولم صار الخطأ — إذا وقع بها — أحدث مضارا مختلفة، ~~وأمراضا متباينة، كالذى يحدث من الخطأ فى فصد عرق الجبهة، فإنه يحدث تارة دورانا، ~~وتارة شقيقة، وتارة غشاوة البصر، وضعف الأجفان، وتارة الصمم؟ # ومثل ذلك نجد — إذا وقعت ضربة الفاصد لعرقى الصدغين فى غير موضعها — من الأمراض المختلفة. ~~فإنه إن أصاب الحديد العصب، بطلت بذلك حركة الشفتين، وإن أصاب العظم، أورث ورم الوجه، وإن ~~أصاب الليف، أضر ذلك بالسمع، فإن أصاب العضل، أحدث الخدر، وقلة الصياح. # وهكذا ينبغى أن يعلم ما يحدث خطأه فى عرق عرق، وفى أى الأعضاء المجاورة للعرق ~~وقعت الضربة، ليعلم بماذا يصلح ذلك الخطأ، ويتلافاه، وأى المواضع يفصد. ولو ذهبت إلى ذكر ما ~~يحدث من أصناف المضار، عند الخطأ فى جملة العروق المفصودة، ومبلغها خمسة عشر زوجا، وثلاثة ~~مفردة، لطال بذلك الكلام. لكنه شديد الاضطرار إلى أن يعلم لم تفصد هذه الخمسة عشر زوجا، ~~وفى الأمراض، وفى أى المواضع تحدث، إذ كانت هى التى يقع الفصد دائما بأكثرها. ويجب أن نعدها ~~لتكون معروفة عند من قصد لمحنة الفصاد، ليسألهم عن موضع واحد واحد منها، ومبلغ منافعه. ~~ولأن قد تقدم تعديد الشرايين المفصودة التى فى الرأس، وهى من جملة ما يفصد، فلنذكر الآن الباقية، PageV01P146 ~~وهى: القيفلان، والباسيليقان، والإبطيان، والأكحلان، والحبلان، ~~والأسيلمان، والماحصان، والصافنان، والنسآن. # فإذ كان ما قد ذكرناه من هذه المسائل كافيا فى هذا الباب، فقد ينبغى أن نتبع ذلك بالوصايا ~~التى ذكرها قدماء الأطباء، ليستوصى بها الفاصد. وينبغى أن يتفقد عليه، وتجعل بعض ~~محنته، فإن التزمها، وثق به، وبعمله، واطرحها، لم يوثق بعمله. # فأولها أن يكون خبرا بمعرفة التشريح، وخاصة تشريح العروق الضوارب، وغير ~~الضوارب، ليعلم من علم التشريح ما حول كل عرق من العظام، والغضاريف، والأعصاب، والأوتار، ~~والعضل. ms148 ويجب أن يكون قد درس كتب التشريح، وكتاب الأسطقسات، وكتاب المزاج، وكتاب ~~الفصد، وأشير بذلك إلى كتب جالينوس فيما ذكرته، وأن يكون قد شاهد أسلافه يعانون ~~الفصد، وأن يكون ورعا عن الكسب، إلا فى حقه، وعن النظر إلى ما # لا يجوز له النظر إليه، إلا بمقدار ما يحتاج إليه عمله، وأن يكون حافظا للأسرار، ~~متعاهدا لحديده بالسقى والسن، لا يفصد فى موضع مظلم، ولا موضع ريح، ولا لمملوك، إلا عن ~~رأى مولاه، ولا لغير بالغ، إلا عن إذن والديه، ومتجنبا الأغذية المبخرة بخارا رديئا، والمضعفة لنور ~~البصر، كأكل البصل، والإكثار من شرب الشراب، متفقدا بعض بدنه من فضوله، فى أوقات ~~التنقية. فبهذه الأشياء، وما جانسها، يمتحن الفاصد. # وأيضا من تعاطى الشق، والبزل، والكى، وسائر أعمال الحديد، فبمثل هذه المسائل يمتحن، وبمثل ~~المساءلة له عن الآلات المصنوعة لأعمال العلاج، كالفاناطير وكيف يبول به، والمهت، PageV01P147 ~~والفاسهان، والمرودى، والفأس، وغير ذلك من آلات الأعمال، ويسأل عن مواضع الكى ~~لمرض مرض، وأشباه ذلك. فاكتف بما ذكرته! ففيه غناء ومقنع. # وقد تبقى على ذكر ما به يمتحن من ادعى علم الطبائع، إذ ذلك أشرف أجزاء صناعة الطب، ~~وبكمال ذلك يكمل هذا الباب، وبعون الله تعالى. # فأقول: أول ما يسأل عنه الطبائعى من الأطباء: ما المعنى الذى يقع عليه اسم الطبيعة؟ إن كان ~~واحدا، وإن كان يقع على أكثر من واحد، فكم هى، وما هى؟ فإنا نجدك، أيها الطبائعى، تسأل ~~دائما من أفعال الطبيعة، فتقول: كيف طبع هذا المريض؟ وما الذى كان منه؟ وماذا فعل؟ وتقول ~~أيضا: طبع هذا الغذاء، وطبع هذا الدواء. ومن المعلوم أن من جهل من الأطباء ما الطبيعة، فأحرى أن ~~يجهل قواها. ولذلك يكون بأفعالها أجهل! ومن جهل أفعالها، لم يقدر أن ينذر بشئ منها قبل حدوثه، ~~لأنه لا يعلم العلامات المنذرة بأفعالها. ومن كان كذلك، لم يستحق أن يسمى باسم الطبيعة، ولا يجب ~~أن يوثق به فى علاج المرضى. # ولذلك قال بقراط: إن الطبيب إذا تقدم، فعلم، وسبق، فأخبر المرضى بالشئ ms149 الحاضر، مما ~~بهم، وما مضى، وعبر عن المريض، كل ما قصر عن صفته، وثق منه بخبرته، وبصيرته فى أمر ~~المرضى. ودعا ذلك المرضى إلى سكون أنفسهم، 〈و〉إلى الاستسلام فى يديه، وكان علاجه لهم على ~~أفضل الوجوه، إذ كان يتقدم، فيعلم من العلل الحاضرة، ما سيكون من أمرهم. # قال جالينوس: وليس يشك أحد، أن الذى يعلم أمور المرضى، على ما ينبغى، هو أولى الناس بأن ~~يثق به المرضى، ليس لمعرفته بأمورهم فقط، لكن لأنه، مع ذلك أيضا، حرى بأن يستعد للشئ ~~المزمع بأن يحدث بهم، قبل وقت حدوثه بزمان طويل. وكما أن الحاذق بتدبير السفن فى البحر عندنا، ~~ليس الذى يجهد نفسه فى تدبير السفينة، إذا عرض للبحر اضطراب — وذلك أنه لا يؤمن عليه أن ~~تغلبه شدة قوة الرياح، وحركة البحر — لكن الحاذق عندنا 〈هو〉 القادر على أن يعلم كون تلك ~~الحركة، قبل وقت حدوثها بمدة طويلة، بالمخايل الدالة عليها، فإن وجد مرسى قريبا، بادر ~~إليه، فأرسى. وإن منعه من ذلك عظم اللجة، احتال بكل حيلة لإحراز سفينته، ~~وحياطتها من الآفات. وهو فى مهلة، قبل أن يقع الهول، والاضطراب. كذلك أفضل الأطباء، من علم ~~ما سيحدث بالمريض، فاستعد له، قبل ذلك بمدة طويلة. وتأهب، وهيأ ما يحتاج إليه، لشئ شئ مما PageV01P148 ~~يحدث. # فقد اتضح مما قاله جالينوس، ومما قاله بقراط، أنه لا يتم للطبيب التقدم بالإنذار، إلا من بعد ~~علمه بطبيعة المرض. ولا يتم له ذلك، أو يعلم كم أجناس الأمراض، وأنواع كل جنس، وفصوله، ~~وعلاماته، وأسبابه. ولا يتم له إحكام علم ذلك، أو يعلم ما الأمور الطبيعية، وكم هى، ويقسمها ~~بفصولها، ويخصها بخواصها، لأن بعلم هذه الأمور الطبيعية، يعلم الأمور الخارجة عن الطبيعة، إذ ~~علم الضدين معا من المضاف. فلذلك من جهل أحدهما، جهل الآخر. وبغير شك أن المرض ضد ~~الصحة، والصحة طبيعية، وكذلك أسبابها، وعلاماتها. فالمرض، وأسبابه، وعلاماته، إذا غير طبيعية. ~~وليس عمل الطبائعى خاصة شيئا، غير حفظ الصحة، إذا وجدها لبدن الإنسان، أو التماسها، إذا ~~وجد المرض قد ms150 نفاها، وأعدمها. # ولذلك قال جالينوس: إن قصد الطب التماس الصحة، وغايته إحرازها. وإذا كان الأمر على هذا، ~~فقد بان أن من لم يعلم قوى الطبيعة، وأفعالها، على الإطلاق، لم يكن طبيعيا، لأنه لا يعلم ~~أمزجة أنواع الحيوان، والنبات، والجماد. ومن لم يعلم ذلك، لم يعلم كيف قوام الحيوان ~~بالنبات ولا كيف قوام النبات بالجماد، ولا كيف يستحيل، ويغتذى بعضه ببعض. وإذا كان ذلك ~~عند الطبيعى مجهولا، فأجدر أن يكون بهذه الأجناس من الاسطقسات، واستحالة بعض الاسطقسات ~~إلى بعض، وتولد ما تولد من امتزاجها من الأجسام، وما يعرض لجوهرها من الأعراض، أجهل. وإذا ~~جهل ذلك، كان من الواجب ألا يعلم هذه الأشياء المقدم ذكرها فى بدن الإنسان، لأن الإنسان جزئى ~~لهذه الكائنات، والجزئيات المتشابهة الأجزاء أبدا تابعة لكلياتها. # ولما علم معلمنا الفاضل جالينوس أن ذلك واجب ضرورة، وأن بقراط، وسائر قدماء الأطباء، بهذه ~~الأصول تمسكوا، وعليها بنوا كتبهم، وبفروعها تعلقوا، فى حفظ الصحة، وفى شفاء الأمراض، اللذين ~~هما غرض صناعة الطب، ومقصدها، عمد جالينوس إلى أصل أصل من هذه الأصول الطبيعية ~~التى لا قوام لعلم حالات بدن الإنسان، إلا بعلمها، فميزها، ووضع فى كل أصل منها كتابا، ونسبه ~~إلى ذلك الأصل، وسماه باسمه، لأنه يشتمل على ذلك الأصل، وفروعه، ولم يزل يفعل فى أصل أصل ~~كذلك، حتى أتى على أصول الطب بأسرها. # ولما رأى الإسكندرانيون، وهم أفاضل، علماء، من أهل هذه الصناعة — حين كانوا ~~يجتمعون ويجمعون المتعلمين لصناعة الطب — أن أحداث زمانهم لا تبلغ بأكثرهم هممهم إلى قراءة ~~جميع تلك الكتب، وخاصة التى وضعها جالينوس، وأرادوا تقريب صناعة الطب من المتعلمين لها، ~~رتبوا من كتب جالينوس ستة عشر كتابا، وجمعوا أيضا جوامع لأكثرها، طلبا منهم للإيجاز، PageV01P149 ~~والاختصار، وكانوا يقرؤونها فى الأسكول، أعنى موضعا كان لهم للتعليم. ولذلك يجب الآن على ~~من ادعى علم طبيعة بدن الإنسان، وأنه قيم يحفظ صحته، وبعلاج أسقامه، أن يكون خبيرا بهذه ~~الكتب، على ترتيبها، وأن يكون قد قرأها على أستاذ عالم بها. ومن ادعى علم ذلك، ms151 فيجب أن يبدأ ~~معه بالبحث، والمساءلة من أولها. وأولها كتاب فرق الأطباء لجالينوس. فيسأل عن غرض ~~جالينوس فى هذا الكتاب الذى يدعى قراءته، وعن عنوانه، وعن مرتبته، وعن منفعته، وعن ~~قسمته، وعن صحة نسبته، وعن أى أجزاء علم صناعة الطب منه، وأى أنحاء التعاليم سلك فيه. ~~فإنه إن أجاب عن هذه الثمانية الأوجه بالصواب، علم منه أنه قد قرأ ذلك الكتاب، وإن لم يعلم ذلك، ~~لم يتعب معه فى السؤال عما داخل الكتاب، وأحرى، وأجدر، ألا بعلم ما بعده من الكتب. # وكذلك يجب أن يمتحن من ادعى قراءة باقى الكتب، فى واحد واحد منها. فلنسم هذه ~~الكتب، ونعددها، إذ كانت الضرورة قائدة إلى ذلك، فنقول: إن أولها كتاب الفرق لجالينوس، ~~والثانى كتابه الذى عنونه الصناعة الصغيرة، والثالث كتابه فى النبض إلى طوثرن، والرابع ~~كتابه إلى غلوقن فى جمل من علاج الأمراض. ولأن هذه الأربعة كتب، تشتمل على كثير من ~~أصول صناعة الطب، رأيت جمعها نافعا جدا، على الطريق الذى سلكته فى جمعها لى أولا، ثم لبعض ~~الراغبين فى علم هذه الصناعة. فجعلتها فصولا، بدأت فى أول كل فصل، من فصول الكتاب ~~الأول، بحرف ألف، وفى فصول الكتاب الثانى، بحرف باء، وفى فصول الكتاب الثالث، بحرف جيم، ~~وفى فصول الكتاب الرابع، بحرف دال، لئلا تختلط فصول الكتاب الأول بالثانى، إذ لم أفصلها ~~مقالات، وأيضا لئلا تختلط بغيرها من جوامع هذه الكتب. فإن الإسكندرانيين قد جمعوها، ~~بطريق لهم سلكوه، غير هذا. وقد جمعها أيضا حنين وثابت. # فلكى يسهل حفظها — فتكون للمتعلمين أصولا باعثة، ومشوقة لهم، إلى قراءة الكتب، ولتكون ~~للعلماء، ولمن قرأ الأصول، مذكرة — جعلتها فصولا. فمن أحب أن يمتحن طبيبا شئ من فصولها، فهو ~~يستغنى عن كل محنة، لأن كل فصل مسألة بنفسها، ولذلك ذكرتها فى هذا الباب. # والكتاب الخامس من كتب جالينوس الستة عشر هو كتاب الأسطقسات، والسادس منها ~~كتابه فى المزاج، والسابع منها كتابه فى القوى الطبيعية، والثامن كتابه فى التشريح، ~~والتاسع كتابه فى منافع الأعضاء، والعاشر كتابه فى ms152 البحران، والحادى عشر كتابه فى أيام ~~البحران، والثانى عشر كتابه فى النبض الكبير، والثالث عشر كتابه فى الأدوية المفردة، ~~والرابع عشر كتابه فى الأدوية المركبة، والخامس عشر كتابه فى حيلة البرء، والسادس عشر ~~كتابه فى البرهان. PageV01P150 # وقد رأى قوم تقديم بعض هذه الكتب، لأسباب ليس هذا موضع ذكرها. فمن أراد محنة ~~طبيب، فليختبر أمره، هل قرأ هذه الكتب، إن كان فاضلا فيلسوفا، أو جلها، وأكثرها، بل لا ~~غناء له بتة عن علم الخمسة عشر، إن كان طبيبا طبائعيا بالحقيقة. وإنما أفردنا كتاب البرهان ~~فقط من جملة الستة عشر، لأنه لا يقوم بقراءته، ولا يفهم جل ما فيه، إلا من قد تفلسف، وقرأ ~~منطقا، وهندسة. وإذا علم منه القيام بفهم أصول صناعة الطب التى تتضمنها هذه الكتب، فقد ~~صح أنه عالم بأصولها، ويبقى عليه القيام بالخدمة. والمحنة له فى ذلك، هى أن ~~يسأل: كيف تركب الأدوية المركبة؟ وأى شئ يدق مع أى شئ؟ وأى شئ يخلط بأى شئ؟ وكيف يعجن ~~ما يعجن؟ وكيف يحبب، ويقرص، ما رسم عمله كذلك؟ ولم عجنت بعض المركبات بمياه، وبعضها ~~بعسل؟ ولم عملت بعض الحبوب كبارا، وبعضها صغارا؟ ولم عملت بعض الجوارشنات ~~جريشة، وبعضها دقيقة ناعمة؟ ولم لتت بعض الأدوية بدهن، وبعضها لا؟ وأمثال هذه الأعمال ~~التى يضطر الطبائعى إلى علمها. فإنه متى جهل علم ذلك، وعمل مثلا الحب الكبار صغارا، والجريش ~~من الجوارشنات ناعما، ضر ضررا عظيما. ولجهله بذلك أيضا، لا يقدر على إصلاح ما أفسده. فهذه ~~الأشياء التى ذكرناها فى هذا الباب، إنما ينبغى أن يمتحن بها من التبس أمره. # فإن الحال فيمن ادعى علم صناعة الطب، وليس من أهلها، كحال الدرهم الزيف الذى لا يمكن ~~لصاحبه أن يظهره بين النقاد، ولا ينفقه، إلا ليلا، وعلى من ضعف بصره عن النقد، فأما إن ~~جهل، وتجاسر، وأظهره، وخلطه بالدراهم الجياد النقية، فإنه سريعا 〈ما〉 يظهره النقاد، وتبين ~~فضيحته. # وفيما ذكرته من هذا المثال كفاية، لمن لم يقدر أن يمتحن من تزيا بزى الأطباء، وليس منهم، ms153 لكنه قد ~~جعل زيه، وزينته، كالشبكة للصياد، بما أذكره من ظاهر أمره، فإنها محنة كافية، وذلك بأن ينظر فى ~~أفعاله بنفسه، وبجسمه، و〈فى〉 أفعاله مع غيره. فإن ذلك كاف، للدلالة على عقله، وفهمه. # فأما فى نفسه، فهل هو آخذ نفسه منذ صباه بالتأدب، والتعلم، ومجالسة الأدباء والعلماء، أم ~~هو متشاغل بالأكل، والشرب، واللعب بالشطرنج مثلا، وغيرها من الأمور الشاغلة عن العلم، وقراءة ~~الكتب و〈هل هو متشاغل〉 بمصاحبة الجهال، والسفهاء، والرعاع. وهل تراه كثير الدرس للكتب، ~~مذاكرا لأهل العلم، ومجالسهم، أم همته التجارة، والاهتمام بكسب الدراهم، وطلب اللذات من ~~حيث اتجه ذلك، فإن من كان كذلك، فلا خير فيه فى هذه الصناعة، ولا نفع عنده. # وأما فى أمر جسمه، فإنك تعلم ذلك من أغذيته فى أوقاتها، وفى توسطها، وفى اتخاذه لنفسه الجيد PageV01P151 ~~من الأطعمة والأشربة، ومن تعاهده لجسمه بتنقيته، وغسله، وإصلاحه، وطيبه. فإن من لم يقدر على ~~صلاح جسمه، ونفسه، فأجدر ألا يقدر على ذلك فى غيره. # وأما من أفعاله مع الناس، ففى وطاءة أخلاقه، وقلة رغبته فى التقدم، والترأس، وطلب الغلبة، ~~واستعمال المحك، واللجاج. وأيضا ففى استعماله العدل فى معاملاته، وأن يريد للناس ما ~~يريد لنفسه، 〈وأن يكون〉 كثير الرحمة والمعروف، لا على طريق البذخ بذلك، والتصيد به، لكن يريد ~~الخيرات لذات الخير. # 〈و〉فيما ذكرناه، وأمثاله، يجب أن تفرق بين الأفاضل، وأبناء العلم، وبين أضدادهم. فإن الأفاضل، ~~على الأكثر، للناس كالغذاء، وأحيانا كالدواء. والجهال الأدنياء دائما كالداء، وأحيانا كالسم. ~~فمن وهب الله له سعادة نافعة، فقد وجب عليه إخلاص المحبة للواهب تبارك، والشكر دائما. جعلنا ~~الله وإياكم من الشاكرين، النافعين، بجوده وإحسانه! فإذ قد أخذ هذا الباب بحقه، فليكمل هاهنا، ~~ولنتبعه بما بعده، بمعونة الله تعالى! PageV01P15 ~~2 ### || [chapter 17] ### || الباب السابع عشر ~~فى الوجه الذى به يقدر الملوك على إزالة ~~الفساد الداخل على الأطباء، والمرشد إلى صلاح سائر الناس من جهة الطب، وكيف كان ذلك قديما # وأما على أثر ما تقدم من القول فى شرف صناعة الطب، وانتقاد أهلها، وتمييزهم، ~~بالطرق ms154 المبينة للمحق منهم، من المبطل، فإنه يجب أن نذكر من الذى يلزمه، من الناس، إلزام ~~كل واحد من المحقين مرتبته، لئلا يدخل على الناس الفساد، من تعدى بعض المتغطرسين إلى غير ~~مرتبته، وهى المدعون لها محالا، ليظهر بذلك العدل، ويتبين به الحق، ويكون النفع ~~عاما، والصلاح شاملا، وبالله أستعين. # فنقول: إن الخالق تعالى شرف الإنسان بالجزء الإلهى، وهو العقل، على سائر ما فى عالم الكون، لينال ~~بعقله — إذا علم العلوم، ورتب الأمور مراتبها على نظام مستقيم — الشرف الأكمل، والرئاسة العالية. ~~ولما كان الإنسان مخلوقا من إسطقسات متعادية، وكيفيات متضادة، لم يجز بقاؤه بشخصه، ~~مدة بقاء العالم. فأوجبت حكمة الصانع تعالى، بقاءه بنوعه، وجعل ذلك بالتناسل، ولم يكن التناسل ~~يتم، إلا بما فرقه البارئ تبارك من اللذة بالحركة إليه. ولأن الحكمة أيضا أوجبت بقاء الإنسان ~~بشخصه، مدة ما، وكان الإنسان دائما يتحلل من جسمه ما كان يهلكه بسرعة، لو لا ما لطف له ~~الخالق، تقدست أسماؤه، من الغذاء، فلذلك جعل مغتذيا، ولم يكن ليشتاق إلى الغذاء، لولا لذته. ~~فلهذين السببين العظيمين، خلقت اللذة فى الحيوان، فصار الحيوان بطبعه، لأجل اللذة، يغتذى، ~~ويجامع، ولما لم يكن له عقل، صار يأخذ من ذلك بطبعه، حسب الكفاية تارة، وحسب ما تهيأ ~~〈تارة〉 أخرى. وبين الحيوان فى ذلك اختلاف، وتفاضل. # فأما الإنسان الفاضل، فلا يأخذ من الغذاء، ولا من الجماع، إلا بحسب حاجته فقط، والمقدر لذلك هو ~~العقل. ولأجل أن الطبع يغتر باللذات، فيريد من الأمور اللذيذة أكثر من حاجة الجسم فى بقائه، ~~وصلاحه، والعقل يريه قبح ذلك، وفساده، وقعت بينهما محادثة، ومناظرة، وحرب، لا يقدر PageV01P153 ~~الإنسان العاقل، الفاضل، على توسطها، وتعديلها، وطفى نارها، إلا بقوة عظيمة نالته، جعلها ~~البارئ تعالى كالآلة للحرب، ليقدر بها المحارب على مقارعة محاربه. فإن بادر العقل إليها، ~~واستعان بها على محاربة الطبع، قهره، وظهرت رئاسته، وقدر على إظهار عدله، وأمكنه وضع الأمور ~~مواضعها، لأن الملك والرئاسة قد حصلت له وحده، وانهزم الطبع الذى هو ضده. وهذه الآلة هى ~~القوة ms155 الغضبية، التى جعلت كالسيف للمحارب. فمن قوى على خصمه، استعان بها فى حربه. # ولما كانت حكمة البارئ تعالى واحدة، لا اختلاف فيها، شابهت بعضها بعضا، ولذلك يوجد فى ~~الإنسان من الحكم والنظر، مثل ما فى العالم بأسره. ولهذه العلة قالت القدماء: الإنسان هو العالم ~~الأصغر. ولذلك يجد العاقل من الناس من قدرة البارئ تعالى، ولطفه بخلقه، وجوده عليهم، ما لا ~~يجده الجاهل. فيكون العاقل بذلك فى نور دائم، ولذة لا تنقطع، ونعمة لا تفارقه، من فردوس الحكمة ~~التى هو دائما منها فى سرور، والجاهل فى ظلمات وشقاء. # فالعاقل لذلك يعلم أن الملك فى ملكه، والرئيس فى رئاسته، والعالم فى علمه، لم يميزهم البارئ ~~تعالى من سائر خلقه، إلا بقوة وسعادة من عنده، خصهم بها، لنفع البرايا، وصلاح الكل، كما ميز ~~العقل من الطبع. # ولذلك وجب عليهم أن يقوموا للعالم بما نصبوا له. فكما أن العاقل يجتهد فى تقويم الطبع، ~~كذلك على الملك أن يجهد نفسه فى صلاح رعيته. وكما أن العقل، إذا خالفه الطبع، يستعين على ~~مقاومته بالقوة الغضبية، كذلك ينبغى للملك أن يستعين بهذه القوة بعينها، عند الخلاف عليه، إذا ~~كان سالكا فى تدابيره طرق العدل. وكما أن المحارب لا يصلح له تجريده سيفه، إلا عند الخوف من ~~عدو، فكذلك الملك، لا يصلح له استعمال الغضب، إلا عند خوفه على فساد ملكه، ~~لأن له قوى نافذه، يمكنه بها تدبير 〈شئونه〉، بغير غضب. # فإذن أعظم ما احتيج إلى الملك فيه، هو حفظ ملكه، واستجلاب المنافع له، ولرعيته. ولا يتم ذلك ~~للملك، أو يكون متيقظا مستضيئا بنور العقل، والشريعة، مستمدا الرأى والتدبير من ~~أهلها. وبذلك يظهر شرفه، ويزين ملكه، فيكون أهل العلم، والدين، فى ملكه، مشرفين أعزاء، ~~وأهل الشر والجهل، مرذولين أذلاء. # وإذا كان الأمر على ما قلناه، فمن البين أن التوانى فى كثير من الصغائر، وإهمال أمرها، ربما أدخل ~~الفساد على الإمور العظام. فإن الحقير من شرار النار ربما أهلك الخطير من المنازل والمدن. فلذلك ~~يجب على القيم برعاية عامة، ms156 والمدبر ملك، أو مدينة، ألا يهمل من مصالحهم حقيرها، فكيف PageV01P154 ~~شريفها، وعظيمها! # ومن المعلوم أن لا شئ من المكونات، أشرف من نفس الإنسان، ومن جسمه. وإذا كانت المنافع لهما ~~بطلت، ولا 〈يوجد〉 شئ أنفع من حفظهما وإصلاحهما، فالملك أولى الناس باختيار من عنده هذه ~~المنافع، والمصالح الشاملة، والعامة، ليس لنفسه وجسمه 〈فحسب〉، بل لسائر الناس ~~〈أيضا〉. وبغير شك أن الحافظ لصحة الأصحاء، والمعالج للمرضى، حتى تعود إليهم صحتهم، هم ~~الذين وهب الله تبارك وتعالى لهم من حكمته علما، يقدرون به على ذلك، مع إرادته. وهؤلاء هم ~~الأطباء. ولما كان قوم قد تغطرسوا على هذه الصناعة، فادعوها بغير معرفة بها، وجب لذلك ~~على الملك خاصة إزالتهم عما غصبوه أولا، ثم ثانيا لأجل ما يدخل على الخاص والعام منهم من ~~الضرر، إذا تميز لهم قليل عددهم، فلا يمكن للمرأة، والسوقى، والغريب، تمييزهم من غيرهم، ~~فيجتنبوهم. فلذلك يكون الضرر، بل القتل، منهم شائعا، وهو بالحقيقة خفى. # 〈فيجب على〉 الملك أن يدفع هذه البلية عن جنده، ورعيته، 〈و〉عن نفسه أيضا. إذ ~~كان فى أحايين، قد يصير الملك إلى من لا خبرة عنده بأمور الطب، فربما اضطر الأمر إلى إحضار ~~طبيب، ولا يعلم بأنه غير موثوق به، فيخطئ عليه، ويهلك، فيكون إغفاله اعتقاد ذلك، فى ~~حال صحته، سبب هلاكه. وكذلك يتسبب دائما على خواصه، وعوامه. # فقد اتضح بما قلناه، أن النطر فى أمر الطب خاصة، وإلزام الأطباء بعد محنتهم، واختبار أمورهم، ~~واجب على الملوك أولا، ثم على الرؤساء، ومن إليهم النظر فى مصالح الناس، والعلماء، وأهل ~~العقول. # ولما كان من ذكرناهم بعد الملك، هم أكثر مشاهدة للأطباء وغيرهم من الملك، ويسمعون من أخبارهم ~~ما لا يسمعه الملك، وكان فى إنهاء ذلك، وشرحه للملك، مصلحة للملك أولا، ولهم، ولسائر الناس، ~~وجب عليهم تعريف الملك، وحثه على القيام بصلاحه. # ولخطر ما ذكرنا، وشدة الاهتمام به، كان قدماء اليونانيين يسلكون مع الأطباء طرق الاحتياط، وشدة ~~التفقد. فلذلك كان أطباؤهم على شدة حذر، وتوق شاف من الخطأ. من ذلك ms157 ما حكاه عنهم ~~الثقات، وذلك أن الطبيب لم يكن ليتمكن من الجلوس للطب، إلا بعد ما ذكرنا جمله من المحنة، ~~والاختبار. فإذا كان أطلق له ذلك، فقد كان عمل قدماء الأطباء لهم كرسيا يسمى كرسى ~~الحكمة، لما فيه من المنافع، وحسب الشكل، فكان لا يجلس عليه إلا طبيب، وإلى الآن ذلك PageV01P155 ~~الكرسى ينصبه قوم من الأطباء بالشام، ويجلسون عليه. فكان قديما من جلس فى ذلك المجلس، فقد ~~علم منه أنه مرضى 〈عنه〉 ممتحن. # وكان الطبيب، إذا دخل إلى مريض يعوده ويطبه، يستدعى أول دخوله عليه ورقا أبيض، فيكتب ~~فيه، بعد تأمل حال المريض، دخلت إلى المريض الفلانى، فى اليوم الفلانى، وهو اليوم الأول من ~~مرضه، أو الثانى، أو الثالث، بحسب ما تهيأ، فوجدت مرضه المرض الفلانى، والذى دلنى ~~على ذلك، الحالات الفلانية، من حالات قارورته، ونبضه، والعلامة الفلانية والفلانية، فأشرت عليه ~~من الدواء بكذا وبكذا، ومن الغذاء بكذا وكذا. ويدع ما كتبه عند أهل المريض، وعند العودة، ينظر ~~ما تغير، وحدث، 〈و〉يثبته، على ما ذكرناه. وكذلك فى كل دخلة. وإن رأى علامة منذرة ~~ببحران، ذكرها. وإذا وافى البحران بما أنذره، أثبته، إلى نهاية حال المريض، والمرض. فإن كان ~~للمريض برء، أخذ ذلك الدستور إليه، ليكون تذكرة عنده، وأصلا لحال أخرى، إن حدثت ~~بذلك الإنسان. وإن مات المريض، وذكر ذاكر طبيبه، بأنه قد غلط عليه، حضر الطبيب مع أهل ~~البصيرة، وأظهر ذلك الدستور من عند أهل المريض، وافتقد من حضر من العلماء بصناعة الطب ~~ما ذكره. فإن يكن المرض على ما حكاه، والعلامات هى العلامات الخاصة بذلك المرض، وبمثلها يعلم، ~~والعلاج والتدبير موافقين، انصرف مشكورا. وإن كان الأمر بخلاف ذلك، ناله مايستحقه، ولم ~~يعد إلى الصناعة، إن كان الغلط أوجب القتل. # وإنما حكيت هذه الحكاية، ليعلم القارئ لها، كيف كانت العناية بأمر هذه الصناعة، وكيف كان ~~الاحتياط على النفوس. ولعل الله تعالى يسبب للناس صلاحا بما ذكرته، فأكون قد سقت إليهم خيرا، ~~وهو المطلع على سرى، وعلى قصدى، وإياه أسأل أن ms158 يوفقنى إلى استعمال ما ذكرته من الحق، ~~ويسهل طرق الحق والخير لعباده أجمعين، وليكمل هذا الباب هاهنا بمعونة الله تعالى. PageV01P156 ### || [chapter 18] ### || الباب الثامن عشر ~~فى التحذير من خدع المحتالين الذين يتسمون باسم الطب والفرق بين خدعهم والحيل الطبية # ليس غرضى فى هذا الباب، أيها الحبيب، ذم الحيلة على الإطلاق، إذ كان معنى هذا الاسم إنما تلطف ~~الإنسان بلطيف فطنة العقل فى إصابة ما بعد، واعتاص عن عرضه. وبهذا المعنى، أعنى ~~طريق الحيلة، قدر الإنسان أن يستخرج دقيق العلوم والصنائع، لأن الموجودات لم يكشفها البارئ ~~تبارك بأسرها للإنسان، لئلا تسقط عن الناس كلفة النظر والبحوث، ويذهب تفاضلهم بمعرفة العلوم ~~والمهن، فتسقط المراتب والرئاسات بذلك. وهذا هو سلب نوع الإنسان ما به 〈من〉 شرف، وعدم ~~حكمته التى بها فضل على أنواع الحيوان. # فلذلك جعل الله تعالى بعض الأمور ظاهرة جلية، وبعضها خفية، ليتوصل 〈الإنسان〉 بلطيف حيلة ~~العقل، وتدقيق ذهنه، من الأمور الظاهرة، إلى معرفة الأمور الباطنة. كالذى فعله أصحاب ~~الرياضات، فإن المهندسين إنما علموا أن الثلاث زوايا من كل مثلث مساوية لقائمتين، من ~~المصادرات التى قدمها اقليدس فى أول كتابه فى الأصول التى علمها ظاهر عندهم. ومن ذلك ~~ترقوا إلى علم حالات المقادير بأسرها، والسطوح، والأجسام، وبذلك أمكنهم مساحتها، ومن ذلك ~~ترقوا إلى علم مقادير الأقاليم، ومساحة جملة الأرض، ثم الأفلاك، وبذلك علموا مواضع ما تهيأ لهم ~~رصده من الكواكب، وحركاتها، وأبعادها. # وهذا الطريق سلك أصحاب علم الحساب فى استخراج الجذور، وغيرها. كذلك جرى أمر أصحاب علم ~~النجوم، فإنهم قفوا آثار الأمور الطبيعية فى كثير من أمورهم، واستعملوا التشبيه، والمماثلة، ~~والحدس، جميع ذلك قصد العلم الخفى بالظاهر. # وأما أصحاب المهن، فأمرهم فى استعمال الحيل لاستخراج محاسنها ظاهر، حتى أن أكثر الناس ~~يعجبون مما يعمله أصحاب الحركات والخيالات، وما يظهره أصحاب السحر من العجائب ~~التى تدهش كثيرا من الناس، لاستتار أسبابها وعللها عنهم، حتى أن قوما منهم يظنون أن الجن PageV01P157 ~~تفعل ذلك، وآخرون يرون أن قوى إلاهية تخدمهم فى ذلك. # فهذه الأشياء وأمثالها ms159 لم تتم للناس، إلا بلطيف حيلة للعقل. ألا ترى أن صناعة الطب لم يستخرج ~~〈أهلها〉 محاسن ما فيها من العلاج والأعمال، إلا بطريق الحيلة، كقدحهم للعين حتى يبصر من قد ~~عمى، وكبزلهم الماء من المستسقين، ومن أصحاب العلل المائية، وكاستخراجهم الأخلاط ~~الرديئة المفسدة، بأدوية معلومة، وبتقدير معلوم، لكى يصيبوا الغرض، ويستخرجوا ذلك ~~الخلط بعينه. ولأن لذلك طرقا وقوانين، قد تفضل الله بها على نوع الإنسان، وضع العلماء بهذه ~~الطرق فيها كتبا، ليعلمها من أراد التعرض لذلك، لئلا يسلك غيرها، فيهلك الناس، كالذى فعله ~~قدماء الأطباء. من ذلك ما وصفه الفاضل جالينوس من كتبه التى رتبها ترتيبا طبيعيا، وعلى ~~مذهب التعليم، فبدأ من أول ما ينبغى أن يتعلمه الطبيب، وسار على نظام، حتى بلغ إلى نهاية ما فيه ~~صناعة الطب، وهو أعوص ما فيها، وألطفه، وأحسنه. فوضع طرق ذلك، وما استخرجه ~~القدماء من الأطباء بتلك الطرق اللطيفة، فوضع جميع ذلك من أربع عشرة مقالة، وسمى ذلك ~~الكتاب حيلة البرء. فإذن بهذه الحيل ينتفع الناس، وهى نتائج العقول، وثمرات الفضائل، التى ~~يستحق أهلها المدح والتشريف. # وأما من سلك طرق الحيل فى الوصول إلى كسب الدراهم، على غير الواجب، وبلوغه لذاته فقط، فما ~~مثله إلا كذئب قد ستر نفسه، ليفترس ما أمكنه افتراسه. وليس الضرر الداخل على الناس من ~~أصحاب هذه الحيل، كالضرر الداخل عليهم من الحيوانات المؤذية، بل أعظم كثيرا، لأن ~~الحيوانات لا تقدر على التقلب من فعل إلى فعل، لكن لكل واحد منها فعلا طبيعيا يخصه، 〈و〉به ~~تكون أذيته. فأما الإنسان الشرير المؤذى الحيول، فإنه يؤذى بطرق مختلفة، ويتقلب فى الأفعال ~~المؤذية، بحسب اتساع حيلته. فلذلك هذه الطائفة على نوع الإنسان أشر من السبع، والذئب، والنمر، ~~والأفعى، والعقرب، وغير هذه من المؤذيات. # ولما كانت صناعة الطب أجل المهن قدرا فى نفع الإنسان، وأهلها السالكون طرقها بالحقيقة هم عند ~~الناس فى مرتبة شريفة عالية، يكرمونهم ويجلونهم، وكانت أيضا هذه الصناعة مخصوصة بأقوام ~~خواص، فكانت بذلك مصابة، لا يمكن لكل من التمسها الدخول ms160 فيها، ولا وسع كل PageV01P158 ~~من طلبها الدخول فيها، وكان الناس بطبعهم يحبون نيل المراتب السنية، والتشريف، ~~والتبجيل، ولم يكن ذلك ليوجد لمهنة من المهن فوق صناعة الطب، طلبها غير أهلها، حسدا لهم، ~~ولما لم ينالوا حقيقتها، لينالوا بها العلو، والمنزلة الرفيعة، لسوء أمزجتهم، وغلظ قرائحهم، ~~عدلوا إلى الحيلة على الناس، بضروب من الخدع والدهثمة، ستروها بما أظهروه من الزى، ~~واللباس، والتصنع، لمشابهة أهل الصناعة بالحقيقة، فى ألفاظهم، وكثير من أمورهم. فكانوا ~~بذلك، وبما جملوا به دكاكينهم، وأظهروه من آلاتهم، لتصيد الناس، كمن نصب الفخاخ، وبسط ~~الشباك، لصيد الحيوانات. ولأن هذه الآفة الداخلة على هذه الصناعة، 〈عظيمة الضرر عليها〉، وعلى ~~أهلها، حتى أوقعت فى بعضهم الشك، وأكسبتهم سوء الظن بهم من كثير من الناس، لما يرونهم ~~عليه من صونها وتوفيتها حقوقها — نعم! — حتى أن جهال الناس، وأشرارهم، يعتقدون فيهم ~~البغضة ويضمرون لهم الشر، فلذلك وصف جالينوس من خدع هؤلاء، ~~وحيلهم التى يعملونها، لينفقوا بها على الناس، ما أذكر هاهنا بعضه، لتعلم به جمل ما ~~قصدت لذكره، فتأمله! # قال جالينوس فى كتابه فى نوادر تقدمة المعرفة هذا القول: أما بحسب ما يراه كثير من ~~الأطباء، يا افنخاس، فإنه غير ممكن أن يتقدم واحد، فينذر بما هو حادث بالمرضى، فى كل واحد من ~~أمراضهم. وذلك أنه منذ كثر من غايته أن يظن به ما يقدره، من غير أن يعنى بمعرفة ذلك حق ~~معرفته، لا فى الطب فقط، لكن فى سائر الصناعات، استهين بأحسن ما فى الصناعات، ~~واصرفت العناية إلى الأشياء التى يشتهر ويكبر بها الإنسان عند الكثير، فقصد 〈هؤلاء القوم〉 ~~قصد معرفة الأقاويل والأفعال التى تنحو نحو اللذة، والتملق، والمساعدة بالقحة، ~~والتسليم فى كل يوم على ذوى اليسار، والمتسلطين فى المدن، وتشييع من يريد الشخوص إلى ~~ناحية من النواحى، واستقبالهم، إذا قدموا من البلدان، والحيلة لطلب الضحك فى المجالس. # ومنهم قوم لم يقنعوا بهذه الأشياء فقط، لكنهم راموا أيضا أن يقنعوا العوام أنهم يستحقون ~~〈أكثر من ذلك〉، بسراة لباسهم، وكثرة ثمنه، وحسن خواتيمهم، ms161 وسراتها، وكثرة من معهم من PageV01P159 ~~التباع، وما يوجد لهم من الأوانى الفضة. # فهذا القول كاف فى التنبيه على خدع هؤلاء بالأقاويل والأفعال. ولو ذهبت إلى إحضار 〈كل〉 ما قاله ~~جالينوس فى ذلك، لكثر وطال به الباب. # وأما خدع صنف آخر من هؤلاء بالأعمال، فإنها كثيرة أيضا، وقصدهم فى جملتها أن يعملوا ~~أعمالا تشبه فى الظاهر الأعمال الصحيحة من أعمال الطب، ليقنع بها الناس، ويشهدوا لهم بالحذق ~~فى الصناعة، مع ما ينالونه من الكسب. وإذا تأمل المتأمل باطن تلك الأعمال، وجدها ~~مخرفة، وحيلة، وباطنا، لا حقيقة له، لا فى علاج المرضى، ولا فى حفظ الأصحاء، بل على أكثر ~~الأمر إنما تكون أعمالهم سببا لمرض الأصحاء. وذلك بما يقدم عليه قوم منهم من شق، وكى، ~~وغيرهما من البطش باليد لأعضاء لا تحتاج إلى ذلك. فيحدثون بالصحيح علة تحتاج 〈أن〉 تعالج ~~وتدبر مدة من الزمان، وربما آل أمرها إلى الهلاك. # وكذلك قال 〈جالينوس〉: يركب منهم قوم أصنافا من الأدوية، لعلاج العين، وغيرها من علل ~~الجسم، تراكيب من أكحال، وأقراص، وسفوفات، يدفعونها إلى المرضى، ليستربحوا بها ~~الفائدة. 〈و〉ليست 〈هذه التراكيب〉 مما يصلح لعللهم، لكنها فى الظاهر تشبه الأدوية المركبة ~~بالحقيقة للعلاج. فكم من قد عمى من أكحالهم! وكم من هلك من سفوفاتهم، وأقراصهم! # ولأنى لا أرى وصف كيفية أعمالهم، وحيلهم، لئلا يتعلمها الأشرار، فأكون من حيث قصدت النفع، ~~أوقعت الضرر. وأيضا، فإنى أرجو ممن له أدنى دين وعقل، إذا رآنى قد عدلت عن إظهار العيوب، ~~وكشف القبائح، 〈أن〉 يغار من قبحها، ويزهد فى دناياها، فيكون ذلك سببا لمصلحته، وانتقاله ~~إلى التعلم، والتأدب. فلذلك تركت كشفها، ولأكون على الوجهين جميعا مشكورا. # ولكنى لرغبتى فى أن يكون التحذير أبلغ، والحذر أنفع، فإنى، مع ما لا أكشف كيفيات الحيل ~~فى عملها، واستعمالها، أرى أن أذكر من أسمائها، ما به يلوح للمحتالين بها، أننى عن ~~علم بها تركتها. ويكون مع ذلك مفتاحا، وبابا ينفتح لأهل الفطنة، ليدخلوا إلى معرفتها منه، ~~إن اخبروا ذلك، ليكون لهم بذلك من حيلهم ms162 أتم حذر. # فأقول: إن أخلاط البدن الأربعة، إذا كثرت، وانصبت إلى بعض أعضاء البدن، ولم يمكن تلك الأعضاء ~~إحالتها بالنضج ليغتذى 〈بها الجسم〉، أحالتها إحالة لا تصلح للغذاء، فتتعفن، PageV01P160 ~~وتحدث ضروبا من الأورام، والنزل، والسلع، بحسب جواهرها. ولابد من أن يكون لها ~~ألوان، بحسب ألوان الأخلاط الطبيعية، والمناسبة لها. والعلاج الصحيح لهذه، هو إخراجها من ~~الأعضاء بطرق مختلفة، من إنضاج، وتليين، ليمكن الطبع فتحها، أو ليتهيأ للمعالج باليد فتحها، ~~وشقها، وبطها، وإخراج المواد، واستنظافها. # فلعلم أهل الحيل المموهة، وهم الذين يسمون الدستكارية، بذلك احتالوا بلطف حيلة، لعمل أجسام ~~تشبه تلك المواد، والأجسام التى تكون فى النزلات والأورام، واحتالوا أيضا فى إخفائها فى أفواههم، ~~وفى أيديهم، وبين آلاتهم، ليدكوها، ويظهرون أنهم يستخرجونها، إذا شاؤوا، بعد شق العضو ~~الذى يقصدون لعلاجه. ويعملون الحيلة فى إظهار ذلك المستور المشابه للخلط، بمصه بآلة لهم تسمى ~~«الماذوقة». فيخرجون ما يشبه المادة السوداوية، ويسمون ذلك «السورك». ويستخرجون من آخرين ما ~~يشبه فى قوامه البلغم، والمدة المتغيرة، وكذلك ما يماثل الخام فى بياضه، ويسمون ذلك «البركاب». ~~ولعلمهم بأن الأورام الصلبة، والسلع، قد يكون داخلها مواد صلبة، وعصبية، وقد يتكون فيها دود ~~أيضا، وتتكون أورام تشبه السراطين فى شكلها، فلذلك احتالوا فى عمل ما شابه ذلك، وإخفائه، ثم ~~استخراجه بعد الدك، من حيث أخفوه، كأنه من العضو قد استخرج، وأسموا ذلك «القدسان». ~~وأما الدود المستخرج من الآذان، وغيرها، خاصة، فاسمه عندهم «الهقمان». وأما ما يستخرجونه من ~~أمثال هذه الأشياء بالقئ، فيسمونه «اللوى». وكذلك أيضا قد يستخرجون من آناف الصبيان ~~شيئا من جنس الأغذية، ويسمونه «بلعا». وليس أحتاج أن أعدد تسميات هؤلاء ~~لأعمالهم هذه التى يسمونها «التحرير»، مثل «الأرول» الذى يستخرج به النواصير، و«كرداروك» ~~الذى يظهر من حيلته استخراج مدة من أجفان العين، فى الجرب العارض لها، وغيره. # وقد يستعين هؤلاء فى حيلهم بإعطاء أدوية قد اتخذوها معهم، مخدرة، ومنومة، ليظهر لأهل المريض، ~~ومن حضره، الراحة للمريض، وسكونه من مرضه، وبرؤه بعلاجهم. فيستريحون بالفائدة بذلك. وكذلك ~~قد يفعلون فى ms163 إعطائهم أدوية مسهلة حادة، كالشبرم ولينه، والمازريون، وأشباه هذه، بغير ~~علم منهم بإصلاحها، فيقتلون بذلك، عاجلا وآجلا. # ولست أقول أن جميع الدستكارية يستعملون ما ذكرته بغير علم، وبطريق المحال، لكنى أشرت إلى PageV01P161 ~~المموهين منهم. فأما حذاقهم الفره، أصحاب البطش بالأعمال الصحيحة، فإنهم، وإن استعملوا ~~حينا شيئا مما ذكرته، لم يستعملوه على طريق المخرفة، لكن بحيلة طيبة نافعة، يكون بها برء ~~المريض من طريق الوهم، كالذى فعله جالينوس من هذه الأعمال بعينها، فكان بها برء المريض. # وذلك أن جالينوس حكى أن إنسانا توهم أنه قد بلع حية، فعولج بكل دواء، فلم ينجح فيه. ~~فلما وقف جالينوس على خبره سأله: هل تعرف لون تلك الحية؟ فقال: هو اللون الفلانى، ومقدارها ~~المقدار الفلانى. فأمر، سرا من العليل، بمن صاد له حية بتلك الصورة. وأخفاها بلطيف الحيلة، ~~وسقى المريض دواء، قذفه، وشد عينيه حين أخذ يقذف، وسرح الحية المذكورة مع القذف. وأمر من ~~حضر أن يعلوا أصواتهم بالتباشير بخروج الحية بالقذف. فحين فض عن عينى المريض، قال: هذه هى ~~الحية التى ابتلعتها بعينها، وقد وجدت الراحة! فبرئ برءا تاما من توهمه. # وقد جرى له، ولغيره، أمثال ذلك كثيرا مع قوم من أصحاب المالنخوليا، وغيرهم، ممن تداخلهم ~~الرعب، والفزع من أشياء، فذابت أبدانهم، واصفرت ألوانهم، فلم يقدر فيهم على ~~علامة تدل على مرض. فلما علم منهم أن ذلك لفزع، عملت الحيلة لإدخال السرور على قلوبهم، ~~فبرئوا. # وذلك لا يكون بصنف واحد من التدبير والحيلة، لأن منه ما يكون من جهة الأخبار المسموعة، والكتب ~~التى ترد فيها و〈منه ما يكون〉 من جهة المنظورات. وكذلك من باقى الحواس. فيحتاج أن يكون ~~الطبيب لذلك ذكيا فطنا، لاستخراج السبب، ولمقابلته بالحيلة. كالذى استخرجه جالينوس 〈من〉 ~~سبب ذلك المملوك، الذى كان خازنا لمال مولاه، وقد كان بدنه آخذا فى الذبول، والنقصان. فطال ~~سهره، فشغل ذلك قلب مولاه. فلما بحث جالينوس عن سببه، لم يجد علامة لمرض بجسمه. فتقصى ~~أمره، فعلم أن سببه خوف الفضيحة من نقصان ذلك المال. فأعلم مولاه ms164 بذلك، وقال له: أظهر له أنه ~~ثقة، وأنه 〈لا〉 يحاسب! فلما وثق الغلام بأنه لا يحاسب، عاد بدنه، وقوى، وبرئ فى ثلاثة أيام. # وقد حكى جالينوس فى أمثال هذه الحيل النافعة حكايات كثيرة فى كتابه فى نوادر تقدمة ~~المعرفة، وفى كتابه فى حيلة البرء، وفى غيرهما، من أقاويله، من التمس ذلك وجده. وأما هاهنا، ~~ففى ما كتبناه فى هذا الباب كفاية. # وقد بقى أن أقول قولا نافعا، أختم بذكره هذا الباب. وهو نافع فى التفرقة بين الدستكارية الحذاق، ~~والمتشبهين بهم. فأقول: إنك تجد الصنفين جميعا، إذا دخلوا المدن، قصدوا إظهار ما يدعونه من ~~أعمالهم، بضروب من الحيل. فمنهم من يلاطف سلطان ذلك البلد بمعاجين و〈أدوية〉، حسنة فى PageV01P162 ~~منظرها، وفى فعلها، على ما يدعونه من المنافع التى يرغب كثير من الناس فيها. فيدعى فى بعضها ~~أنها تقوى وتجود الهضم، وتحسن اللون، وفى أخر أنها تحفظ سواد الشعر، وآخر يسوده، وآخر يحرك ~~شهوة الباه، ويزيد فى الإنعاظ. 〈و〉من المعلوم أن فيما ذكرناه، وأمثاله، يرغب كثير من ~~الناس. فبهذه 〈الأشياء〉، وأشباهها، يتوصلون إلى ذوى الرئاسات واليسار، ~~ليتوسطوا بذلك مجالسهم، ويقربوا منهم، ويفاوضوهم، ليشهدوا لهم بالتقدم، وخاصة مع ~~ما يسمعون منهم من الدعاوى. وأحرى وأجدر إن عملوا عملا من أعمال اليد، بحضرة بعضهم، ~~كالبطش بخنزير يقلع، أو قدح عين، أو بزل ماء، وما جانس ذلك. فإنهم بذلك يتم لهم الحيلة على ~~باقى من فى البلد. وأيضا فإن لهم أقاويل ينادون بها فى المدن، يسمونها التقربة. # فإذا ترتب لواحد منهم مع من فى البلد، من السلطان، أو القاضى، أو من له التقدم بما تقدم ذكره من ~~الملاطفة والحيلة، استعار حينئذ منه مركوبا، ونادى بقوة قلب وثقة بتلك التقربة. وأكثر ما ينتفعون ~~بالتقربة فى المدن الصغار، لأنها عليهم أسهل مراما، وأقرب مأخذا. ولذلك صار أكثرهم يسلك ~~هذه الحيلة، وهذه التقربة، من العلاج، وغيره مما يدعيه لنفسه. وليس تنكشف هذه الحيلة، وتظهر، ~~إلا عند الأعمال. فإن كثيرا منهم — مع ما يعمل أعماله، فيشق، ويقدح، ويسقى أدوية، وغير ms165 ~~ذلك من البطش، ويستربح الفائدة، ويخاف كشف عيوب أعماله، وفضيحته من تكربك عين، أو ~~رواج هلاك بعض المعالجين — يبادر إلى الهرب، فهو فى كل يوم فى ضيعة، أو مدينة، لأنه لا يقدر ~~〈أن〉 يقيم فى مدينة واحدة لزمان طويل، فيكشف عليه ما يهلكه. # 〈و〉أيضا فإن كثيرا منهم يضيف إلى 〈ما〉 يدعيه من أعمال الطب، دعاوى أخر، يسرق بها ~~عقول النساء، ومن يطمع فيه من قروى، وبدوى، وغير هؤلاء ممن لا تحصيل له، فيستلبون ~~منهم ما يتهيأ لهم اختطافه. وهذه الدعاوى هى أصناف. فمنهم من يدعى العزائم، ~~والرقى، وكتب الكتب التى يهيجون بها، ويعقدون ويحلون، ويجلبون الغائب، ويسمون هذه ~~الكتب سراميط. ومنهم من يدعى أنه يخرج الكنوز، بصنوف من الدك، ترك شرحها أولى، وكثير ~~من هذه الحيل لا أطيل بذكرها. # وهؤلاء هم الذين يجب امتحان دعاويهم، واختبار أمرهم، والحذر منهم، قبل أن تمكنهم ~~الفرصة، لأنهم يسيرون نفوسهم كالذئاب، ويدورون 〈على〉 السكك والشوارع، ويطلبون خلو المنازل من PageV01P163 ~~رجالها، فيستعرضون ذلك لأعمالهم الشنعة. فعلى من إليه حفظ العوام، والرعايا، وبالجملة سائر من ~~فى مدينته، أن يحفظها من هؤلاء الذئاب، واللصوص الذين قد استتروا عن عيون الناس بظاهر زيهم، ~~وعظيم دعواهم. والمقدم ذكره من الأشياء التى يمتحن بها المدعون لهذه الصناعة، هى فى هؤلاء نافعة ~~جدا، وهى المخلصة من بلاياهم، وبها يقدر السلطان على التفرقة بينهم وبين الحذاق من الدستكارية، ~~إن أحب ذلك، هو، أو غيره. PageV01P164 ### || [chapter 19] ### || الباب التاسع عشر ~~فى العادات المذمومة التى قد اعتادها كثير من الناس، فهى تضر بالمرضى والأطباء # ولما كان الطبع يميل إلى اللذات، وكانت اللذات كثيرة أصنافها، مختلفة أنواعها، صار الطبع يحب ~~اجتماع أصنافها له، ويؤثر ألا يفوته نوع من أنواعها. ولذلك وقعت الألفة بين الناس، والمحبة بين ~~المتصادقين، لأجل ما يجده أحدهما عند صاحبه من اللذة، أو اللذات. # ولما كان أهل المروءة واليسار، وأصحاب الرئاسات، قد وهب 〈الله〉 لهم من سعادات الدنيا ما حرمه ~~من سواهم من الناس، وكانت تلك السعادات أعظم اللذات عند الطبع، وأجلها قدرا، ms166 طلبت 〈لهذا ~~السبب〉. لذلك 〈فإن〉 من فاتته تلك السعادات، 〈احتال〉 للوصول إليها بضروب من الحيل ~~والخدع. فسلك كل من التمس المال من أهل اليسار والمرتبة من السلطان طرقا توصلهم إلى ذلك. فمن ~~هؤلاء من التمس تلك السعادات بالعلوم، والآداب، والصنائع الجليلة القدر، العظيمة النفع، وهؤلاء هم ~~الذين يلتمسون سعادة ما بسعادة هى أشرف منها، لأن سعادة العلم والأدب هى للنفس، وسعادة المال ~~وما جانسه للجسم. وكما أن النفس أشرف من الجسم، كذلك سعادة النفس أشرف من سعادة ~~الجسم. # وأما طالبو السعادات الدنياوية بغير العلم والأدب، كطالبى المال، وغيره من المقتنيات ~~الجسمانية، بالمهن، والصنائع، فهم طالبو سعادة بما جانسها. وإذا كان ذلك كذلك، فقد بقى من ~~القسمة طلب شئ شريف، وسعادة نافعة، بما ليس هو شريف، ولا نافع. والطالبون للشئ الشريف ~~بالشئ الحقير هم الذين يداخلون أهل المروءة واليسار، والرؤساء، باللعب، واللهو، والأمور المضحكة، ~~وأصناف الحيل المقدم ذكرها فى الباب الذى قبل هذا، لينالوا من رتبهم وأموالهم ما يحبونه. # ولذلك نجد كثيرا من الأطباء يداخلون المياسير، وكثيرا من السلاطين، بلعب الشطرنج، ~~والنرد. وقوم يداخلون قوادا وأعاجم، بما يعرفونه من لغتهم، لكى يأنسوا بهم. وقوم ~~يساعدون المياسير، والرؤساء، بتبليغهم، وإيصالهم إلى لذاتهم، وشهواتهم، فى ضروب من الأمور ~~الضارة لهم فى حال الصحة، وحال المرض. # فلذلك يكون هؤلاء مقدمين عندهم، موثوقا بآرائهم، مسموعة أقاويلهم. وبغير شك أنه إذا مرض PageV01P165 ~~أحد هؤلاء المياسير، فإنه لا يأنس، إلا بمن قد ألفه، واعتاده، من هؤلاء المحتالين. # ولأن ذلك الطبيب يحب أن يؤثر أثرا يصل إليه منه فائدة رابحة، فهو يبادر إلى فصد ذلك ~~المريض، أو إلى سقيه دواء مسهلا، بغير علم منه بما أتاه، لأنه لا يعلم أن للأمراض أوقاتا أربعة، ~~فإن الاستفراغ لا يصلح أن يكون فى أيها اتفق. ولأنه لا يعلم أيضا أن أخلاط الأبدان لا يصلح ~~استفراغها، إلا بعد نضجها، وبعد إصلاح الطرق لنفوذها، وبعد معرفة أشياء كثيرة قد تقدم القول ~~فيها بما يغنى عن إعادته. فلذلك يكون ما أقدم عليه ذلك الطبيب ms167 من الفصد، أو الاستفراغ بالدواء ~~لمريضه وصاحبه، سببا لزيادة مرضه، ووقوعه فى مكروه هو أعظم من المرض، وربما كان ~~سائقه بجهله وحيلته إلى تلفه. ولأجل إفراط أنس المريض بطبيبه ذلك، لا يتهمه فيما دبره ~~به، ولو بان له الضرر، وظهرت له الزيادة! لكن تدبيره له يتتابع يوما بعد يوم، والمريض فى ~~زيادة من سوء الحال، إلى أن يعظم جهد المريض، فتكثر عليه الأقاويل، ويشير عليه أهله، وعواده، ~~وأصدقاؤه، بإحضار طبيب موثوق به، يعرف مرضه، ويقوم بعلاجه. فبغير شك أن ذلك يدعوهم ~~إلى إحضار طبيب آخر، ولا يقنعهم أيضا أن يكون مرتهنا، لكن أفضل من فى بلدهم. فعند ~~حضور الطبيب، ونظره إلى المريض، لتفقده لجميع ما أمكنه من حالاته، ومساءلته لمن يصلح عن جميع ~~ما دبر به، وما جرى من أمره، ووجوده لجميع ذلك، قد جرى على غير نظام، ولا ترتيب، وقد وصل ~~المريض من المرض، وسوء الحال، إلى فساد، يعسر عليه إصلاحه، أو لعله لا يمكنه ذلك. # فحينئذ يفكر ذلك الطبيب فيما قد انساق إليه من وجوه المكروه، وذلك أنه يصادف المريض، لطول ~~مرضه، وكثرة ما قد سقاه طبيبه الأول من الأدوية، قد عظم ضجره، وضجر من يخدمه، من كثرة ~~التعب والمؤونة التى قد كانوا التزموا 〈بها〉 لذلك الطبيب الأول، ولأدويته، وتدابيره. ولعمرى إن ~~الفائدة من جميع ذلك لم تكن إلا لذلك الطبيب. وأيضا فإن جميع ما كان المريض، وأهله، يتكلفونه ~~من ذلك مع الطبيب الأول، كانوا فيه بنشاط، لأن المريض فى ابتداء مرضه. ثم لما تطاول الأمر، ~~وساءت حال المريض، وعلموا أن جميع ما تعبوه، وأنفقوه، ضائع، صاروا يحذرون على أكثر الحالات ~~من الطبيب الثانى، وإن لم يكن عندهم بصورة ذلك، فهم يتوقون الإقدام على دوائه بسرعة، ويتوقفون ~~بالجملة فى جميع ما كانوا يعملونه من مصالح المريض، وتوفية الطبيب حقه، انتظارا لما يكون من ~~أثره، لئلا يجرى أمره كما جرى مع الأول. # ولو برئ المريض بعد التعب الشديد، لقد كان فى قحة ذلك الطبيب الأول ما PageV01P166 ~~يحمله على أن ms168 يقول: إن البرء إنما حصل له بتدبيرى الأول! فيكون ما عمله الثانى تحت الشك. وأما ~~إن مات المريض، فقد كان ما انساق إليه من البلاء أشد وأعظم، لأن ذلك الطبيب الأول يكون ~~قد فاز بالفائدة، وتخلص من الورطة التى كان فيها، والتى كان يخشاها فيما بعد، من سوء الذكر، ~~وغيره. ووقع ذلك الطبيب الثانى فى جميع ذلك، وتوسم به. ولعل من له من الحساد والأعداء، ~~يجدون الفرصة من التشنيع عليه، بأنه أخطأ عليه، وقتله. ويقول أيضا الأول: لو كانوا تركونى ~~وتدبيرى، لقد كان برئ! ومع جميع ذلك يذهب تعب الثانى، وإن كان أعطى أدوية من عنده، لم يحصل ~~على شئ من ثمنها. # فلجميع هذه الأسباب، يرى الطبيب أن الصواب له — وخاصة إن رأى أن المريض لا برء له — ألا يعود ~~إلى ذلك المريض. فإذا هو انصرف من عنده، ولم يعد، جاءته الرسل، لتعلق قلب المريض، وأهله، به. ~~فحينئذ يقع فى المكروه الرائج، لأنه — إن كان ذلك المريض سلطانا، أو من حاشيته — أخذ قهرا، ~~وربما سيق إلى حتفه. وإن كان المريض من متقدمى البلد، ومشائخه، لم يتهيأ له الامتناع عليه، لئلا ~~يتسبب إليه أنواع المكاره، بذم ذلك الشيخ، وأصدقائه، له. فإذا تتابع عليه مثل ذلك الذم، مرة بعد ~~مرة، لم يمكنه المقام معهم فى بلدهم. هذا إن سلم من رائج المكاره. وإن كان ذلك المريض من أشرار ~~الناس، كان الفزع أشد، وأروج، لأن الأشرار لا يفكرون فيما يأتون به من القبيح، ولا يتوقفون ~~〈عن〉 عمله. وإن كان ذلك المريض من ضعفاء الناس، وفقرائهم، قيل عنه أنه لم يعن به لفقره، ~~ولأنه لا يرجو منه فائدة. # فتأمل — أيها الحبيب! — هذه البلايا الرديئة، والمكاره العظيمة، التى تنساق، وتتسبب على ~~الأطباء، وخاصة الأفاضل 〈منهم〉، من سوء عادات الناس، وتدابيرهم الرديئة لنفوسهم، فكيف ~~تتسبب أيضا على المريض، فتهلكه، بل كيف تتسبب أمثالها على الصحيح، حتى تمرضه، ~~وتهلكه! وإنما كان مبدأ جميع ذلك الطمأنينة إلى غير الثقة، والقبول منه، والانبساط إليه، ~~وإلى ملقه، وحلاوة حديثه، ومسارعته ms169 فى الخدمة، وإظهاره النصيحة، والمحبة. وإنما كان جميع ذلك ~~حيلة، لفائدة ينالها. فلذلك يجب على عقلاء الناس، ألا يركنوا إلى ظواهر الناس، ولا ~~يوثقوا كل من داخلهم، كما لا ينبغى لهم أن يأكلوا الطعام من يد كل أحد، ولو كان ~~حسنا، حلوا، لذيذا. فإن الحيلة فى مثل ذلك تتم، والسم فى لذاذته خفى! وأيضا فلو سلم الملوك، ~~والروساء، من الأمور المتلفة من السباع الأشرار، لما أمنوا من جهلهم، وشرهم، سوء الذكر! PageV01P167 ~~فإذا قد وجب مما قد اتضح، ألا يركن العاقل من الناس فى حال صحته، إلا إلى طبيب فاضل، ثقة، ~~يكون له عدة. وكما أن صاحب السيف أكثر، وأوفر 〈له أن〉 يصون سيفه المرهف، سائر زمانه، ~~ليوم الحاجة، كذلك ينبغى للإنسان أن يصون ذلك الطبيب الفاضل، بأوجه الصون، لوقت الحاجة إليه، ~~وعلى أنه لا غناء له عنه، فى وقت من الأوقات، إذ كان لحفظ صحته، أحوج منه إلى علاج مرضه، ~~إذ زمان الصحة أطول من زمان المرض، والصحة أشرف. وما كان أدوم، وأشرف، فتدبيره ينبغى أن ~~يكون أكثر، وأوفر. # فأما من حقن سيفه، ورذله، ولم يصنه، فإنه عند حاجته إليه، يجده صدئا، كالا، لا ~~ينتفع به. ولذلك يتمكن منه عدوه، فيهلكه. فإذا كان الأمر على ما قلناه، فقد اتضح عذر الطبيب ~~فى هربه من الآفات، ولم يلمه على صونه لنفسه، ولصناعته، إلا جاهل غبى. وفيما ذكرناه... ~~〈كفاية〉... # 〈بقية هذا الباب ساقط من الأصل〉 PageV01P16 ~~8 ### || [chapter 20] ### || 〈فى الأمانة والاعتقاد الذى ينبغى أن يكون الطبيب عليه والآداب التى يصلح بها نفسه وأخلاقه〉 # ... فضيلة الإنسان على سائر الحيوان، ووجب لفضله أن يجتهد فى إصابة منافعه، ~~ومصالحه، وإعدادها، أكثر مما يفعله الحيوان. فإن وجد من هو ناقص العقل، قليل الأدب والفضيلة، ~~فلا أقل من أن يتخذ له مصالحه، ويعدها، كما يعمل أحقر الحيوان، وأصغر المواشى، أعنى النمل، ولا ~~بأس بأن يتعلم العاجز منه. فإنه على صغر جسمه، وقلة قوته، يعد له، من بعد إحكام بيوته، فى ~~زمان الصيف للشتاء قوتا كثيرا، ويخدم قوته فى ms170 بيوته من تكسير ما كان حبا لما يخاف نباته، ~~ونشر ما قد ندى فى الشمس، وما أشبه ذلك. # فإن تفقد هذه الأعمال من الحيوان، تحرك العاقل إلى اتخاذ مصالحه، فى أوقات إمكانها، قبل فوتها، ~~وتبعثه أيضا على فكره بعقله فى تعرف عللها. ومن ذلك يترقى إلى حكمة العلة الأولى التى هى ~~فوق كل حكمة، وعند نوره، وجوده، يسكن العقل حينئذ 〈إلى〉 الذى يمده بالفضائل، وهو فوق كل ~~جود. # وإذا كان العقل هو أتم المخلوقات، وأكمل المكونات، فعلى العاقل من الناس أن يتبع أوامره، وينتهى ~~عما نهاه، لأن البارئ تعالى جعله السراج لخلقه، فبه يستفيدون، وبنوره يهتدون إلى توحيده، ~~وجوده، وحكمته، وشرائعه، وبالجملة إلى جميع ما يصلحهم فى دنياهم وآخرتهم. # فوجب إذا — إذ كان العاقل يجد جميع حالات الجسم تتغير، وتنتقل من محمود إلى مذموم، ~~كالذى نجد من ضعف القوة عند الشيخوخة، بعد قوة الشباب، ومن سوء حال المرض، بعد حال الصحة، ~~ومن قبح الفقر، بعد جمال اليسار، ومن كثرة الحاجة مع العائلة، بعد قلتها مع الوحدة، ونظائر هذه ~~الانتقالات، وما جانسها، مثل الفاقة إلى مصالح الشتاء، وما يرد من برده، بعد الغناء عن ذلك ~~بحر الصيف — فلذلك، وأمثاله، ينبغى للعقلاء كافة أن يعدوا مصالحهم، ويدخروا منافعهم، من ~~صيفهم لشتائهم، ومن صحتهم لوقت مرضهم، ومن وقت شبابهم لوقت شيخوختهم. # وإذا كان ذلك واجبا على سائر الناس، نافعا لهم بأسرهم، فذلك للطبيب أنفع، وعليه الاهتمام بذلك ~~أوجب، لأن المقصر فى ذلك من سائر الناس، إنما يدخل الضرر عليه، وعلى عائلته فقط. فأما ~~الطبيب، فإنه إذا عدم مصالحه، عدم صواب رأيه، لتقسم فكره لطلب حاجته، فيدخل من ذلك PageV01P169 ~~الضرر على تدبيره الأصحاء والمرضى. فلذلك ينبغى لمن احتاج إلى تدبيره، أن يعينه على ~~مصالحه، ويجتهد له فى كفايته، لتكون نفسه هادئة، ساكنة، وعقله منصرف إلى مصالح الناس. # ولأجل ذلك، ينبغى للطبيب، ألا يدبر صحيحا، ولا مريضا، إلا بعد خلو فكره، وإعطائه لنفسه ~~وجسمه ما يحتاجان إليه من مصالحهما. فأما نفسه، فسكونها هو بما قدمناه ms171 من الأمن من الفاقة، ~~والأمور المفزعة. وأما جسمه، فبأن تكون سائر حواسه قد أخذت بحظها النافع لها من محسوساتها، ~~وذلك بأن لا يكون جائعا، ولا عطشان، وقد استعمل من الطيب ما يوافقه، ولا يشتاق معه ~~إلى ما يشتمه من الطيب فى منازل الناس. # ومثل ذلك القول فى باقى حواسه، لتكون بذلك نفسه مسرورة، وعقله صافيا، وحواسه نقية من كل ~~كدر، فيصفو له بذلك رأيه، وتصح مشورته. # وإذا كان قد اتضح لك مما قيل — أيها الطبيب السعيد — وجوب حفظ مصالحك، وإعدادك ~~لجميع منافعك، كوجوب ذلك على مدبرى السفينة، من إعداد مراسيها، وقلوعها، وحبالها، ~~ورجالهم، وتيقظهم قبل سيرهم، وقبل هجوم هول الريح عليهم، فقد لزمك أن تعلم ما تعده لنفسك، ~~ولغيرك، ممن تريد حفظه، وعلاجه، إذ كانت الأمور النافعة فى ذلك، لا يمكن اتخاذها بأسرها، وقت ~~الحاجة إليها، كما لا يمكن عمل الدرياق وقت حاجة الملسوع إليه. فيجب أن ~~تكون الدرياقات، وغيرها من الأدوية، معدة للمرضى، والأغذية، والأشربة، وغيرها من المصالح، ~~معدة للأصحاء والمرضى. ففيما ذكرته من هذه الأمثلة الجزئية، الدالة على المعانى الكلية، كفاية لذوى ~~الفطن والقرائح. # فأما من لم يكتف بهذه الجمل، فالتمس تشخيص جميع ما بعده، فإن ذلك ممتنع، لأجل اختلاف أمزجة ~~المحتاجين. ولكنى آخذ به فى تعريفه أنواع تلك الجمل التى لم يكتف بها، فإنها أبسط، وهى جامعة ~~لما التمسه من علم الأشخاص، فأقول: # إن جميع ما ينبغى أن يدخر، ويقتنى، قبل فوت وجوده، نوعان: أحدهما تحثه جميع مصالح النفس، ~~وآدابها، وذلك مأخوذ من معدنين: أحدهما الكتب الشرعية. فإنها جامعة لآداب النفوس، ومصالح ~~الأخلاق، ومقومة للإنسان. فعليك بها أولا، وخذ نفسك وولدك بحفظها، بعد درسها على العلماء ~~بها، ثم تأمل لغتها، وتدبر معانيها، فإنك تظفر 〈منها〉 بما أنا حاث لك عليه من آداب النفس. # والنوع الثانى هو الشامل لجميع مصالح الجسم، وما يقوم عضوا عضوا من أعضائه. ومعرفة ذلك ~~مأخوذة من علم صناعة الطب، ووصولك إلى ذلك يتم بدرس كتبها على أهلها، فى حال الشبيبة، PageV01P170 ~~وزمان الحداثة، ثم ms172 الخدمة لهم فى أعمال الصناعة، لتقتنيها اقتناء صحيحة. فإن منها تترقى إلى ~~صلاح نفسك أيضا، إن كان قد فاتتك الدربة الشافية بكتب الشرائع. # ولأن أهلها، لما علموا أن الإنسان مؤلف من شيئين، هما النفس والجسم، وأرادوا إصلاح الإنسان، ~~أثبتوا فى كتبهم، مع مصالح الجسم، مصالح النفس، والأخلاق أيضا. ولذلك لما رمت فى هذا ~~الكتاب جمع ما ذكروه فى مواضع متفرقة، من آداب النفس، وتقويم الأخلاق، مع مصالح ~~الجسم، قفوت أثرهم، وسرت فى طريقهم، لكى ينساق القليل الرياضة بما قالوه فى طرقهم، ويسلك ~~سبلهم، فيصل بذلك إلى علمهم. # فإن تكن ممن يترقى على نظام، وقد شوقه ما قرأه من هذه الجمل إلى معرفة أصولها، ومن أين هى ~~مأخوذة، فإنى أرشدك إلى ذلك من حيث أنت طبيب. فعليك من كتب معلمنا الفاضل جالينوس ~~بكتابه فى الأخلاق وهو أربع مقالات، وبمقالته فى أن قوى النفس تابعة لمزاج البدن، ~~وبمقالته فى تعرف المرء عيوب نفسه، وبمقالته فى أن الأخيار ينتفعون بأعدائهم، وبما ~~شاكل هذه المعانى من أقاويله. # وأما إن علوت منزلة الأطباء، وأردت أن تكون طبيبا فاضلا، فعليك بمقالته التى بين فيها أن الطبيب ~~الفاضل فيلسوف، ثم بكتابه فى آراء بقراط وفلاطن، ثم بكتابه فى البرهان. فإنك تبلغ المراد ~~من آداب النفس ومصالحها. ولست أقول لك أنك لا تجد هذه الآداب، 〈إلا فى تلك الكتب〉 فقط، لكن ~~جميع أهل العقول فى الملل المختلفة، والأمم السالفة، قد قالوا فى ذلك أقاويل كثيرة، 〈و〉وصفوا ~~أصولها، وفروعها، لأنها عقلية. وإنما أرشدتك، من كتب الآداب، إلى كتب معلميك، وخاصة منهم ~~إلى كتب جالينوس، إذ كنت طبيبا، وبكتب هذا الفاضل تعنى، فلك بها غنى عن غيرها. # ومن كتبه أيضا تعلم ما تتعمده لجسمك من مصالحه، إن كنت قد تنبهت إلى ذلك، مما أوجب به لك ~~فى الباب الأول من كتابى هذا. فإن أول كتبه التى منها تعلم ما لابد لك من علمه من حفظ الصحة، ~~هو كتابه فى تدبير الأصحاء، وله من جزئيات ذلك مقالات، تقف عليها من ذلك ms173 الكتاب، ومن ~~كتابه فى مراتب قراءة كتبه، ومن مقالته فى الحث على تعلم صناعة الطب، ومن مقالته ~~فى أجزاء الطب، ومن غير هذه من أقاويله. # ومن قراءتك أقاويله هذه، تعلم أن بقاءك بنوعك، لا يتم إلا بالزوجة، لتنسل. والزوجة، والنسل، لا ~~يتم بقاؤهما، إلا بمثل ما به تبقى شخصك، من قوت، وكسوة، ومنزل، وسائر ما به يتم البقاء، ~~وتنحفظ الصحة. وبغير شك أنه يجب أن تعنى باكتساب جميع ذلك، وحفظه لوقت الحاجة إليه. ~~ولاكتساب ذلك طريقان: أحدهما بمباشرتك الأعمال التى منها يقتنى ويوصل إليه بجسمك، PageV01P171 ~~كالذى يعمله ملتمس ذلك من الأرض، ليعد له من الحبوب قوتا، ومن القطن مثلا كسوة، وما أشبه ~~ذلك. وذلك لا يتم إلا بفلاحتها، والعناية بتنقيتها، وسائر مصالحها، وزراعتها، وسقيها، وما لا يتم ~~له غرض، إلا به من أعمالها، فبذلك يكتسب قوتا، وكسوة، يكفى له، ولمن سواه. # ومن كان من الأطباء يحتاج أن يعانى تدابير أهل المدن، ويغدو إلى عيادة مرضاهم، مع ~~كثرتهم، وترفهم، فبغير شك أنه لا يمكنه اقتناء مصالحه بجسمه، ولا بمعاناة صناعة أخرى، غير ~~صناعة الطب، فيكتسب منها أقواته، لأنه بذلك ينقطع من عمله، وصناعته، ويصير ضارا، قتالا، ~~أكثر من ضرر الأمراض! فقد بقى إذا أن يكون للطبيب مادة يكتسبها من جهة صناعته، وممن ~~يدبرهم بها، فى حفظ صحة أصحائهم، وفى معالجة مرضاهم. # ومن المعلوم أن من الناس فقراء، ومنهم مياسير، وقد أوجب المنعم تبارك وتعالى على أهل النعم ~~الإحسان، والإفضال، على الفقراء، والمساكين، بما غرس فى قلوبهم، وعقولهم، من العدل، والرحمة. ~~فلذلك يجب على الموسر الذى قد أسبغ الله عليه نعمة، وعلى الطبيب الذى قد شرفه الله بفضل ~~علمه، أن يستعملا العدل مع الفقراء، والضعفاء، ليكون نفع صناعة الطب عاما، شاملا، للقوى ~~والضعيف! # ووجه العدل وابتداؤه ينبغى أن يكون من الطبيب أولا، وذلك بأن يروض نفسه، ويأخذها ~~دائما باستعمال الأخلاق المحمودة، والأفعال المرضية، من الرحمة، والرأفة، والرفق، والعفة، والقناعة، ~~والشجاعة، والسخاء، والصدق، وكتمان السر، وجميع ما جانس ذلك من فضائل النفس، وآدابها، ms174 مع ~~الاجتهاد فى اقتناء صناعته، ودرس كتبها، والمعاناة لأعمالها، وبذلها للناس كافة، ولا يفرق فى ~~ذلك بين صديقه وعدوه، ولا بين موافقه ومخالفه. # وأما وجه العدل من الموسر، فهو أن يستعمل النصفة مع طبيبه، وإذا كان يعلم أن اجتهاده فى ~~إصابة المال، وسائر مصالحه، إنما هو لأجل حاجته، وحاجة عائلته إليه، ويعلم أيضا أن الطبيب ~~محتاج إلى مثل ذلك، وقد انتفع الموسر بما يملكه الطبيب من صناعته، فى نفسه، ونفوس أهله، ~~فمن الواجب إذا، أن يقوم الموسر للطبيب بمصالحه، من قوته، وكسوته، ودراهمه التى بها يصل إلى ~~مصالح نفسه، وجسمه. ومتى لم يستعمل الموسر ماذكرناه من العدل، اضطر الأمر الطبيب إلى أن ~~يستعين على إصابته مصالحه من أوجه أخر. فإن تشاغل بصناعة أخرى، ليكتسب منها وبها الدراهم، ~~عدل عن صناعة الطب، فقل فهمه وعلمه بها، ودخل الضرر على الموسر، والضعيف، فى نفوسهما، ~~وأجسامهما. وإن التمس كسب الدراهم من الضعفاء، وتعذر ذلك من جهتهم لفقرهم، ثم امتنع PageV01P172 ~~عليهم، كان فى ذلك إضرار بهم. فتأمل، أيها الموسر، ما يدخل على الضعيف، والطبيب، وعليك ~~فى نفسك، من الضرر الذى لا يتلافى، من استعمال الشح، والجور، واحذره! فإن هلاك النفوس ~~مقرون به! فاحذر، أيها الطبيب، من الشح بصناعتك، إن شح ذوو اليسار بمالهم عليك، ~~وعلى ضعفائهم! فإن مالهم ينفد، ومالك باق ما بقيت. فلذلك يكون يسارك، وعزك، والحاجة إليك، ~~مبقين دائما عليك. # فاحذر من استعمال الجور! فإنه عن جنبتى العدل. فإن أصبت المال ومصالحك، فلا تفرط فى ذلك، ~~فتستعمل التبذير، بل صن الدرهم، واحفظه لوقت حاجتك إليه، إذ كنت إنما تصل إلى مصالحك به! ~~فإنك إن احتجت فى وقت الشيخوخة، أو وقت المرض، إليه، ولم تجده مذخورا عندك، ثم التمسته من ~~الناس، وخاصة من أشحائهم، حل بك ما هو أعظم من ألم الشيخوخة، والمرض. ففى الخروج عن ~~الاعتدال إلى التبذير من المضار ما ذكرته، وحسبك به بلاء! # وأما الخروج عن العدل إلى الضبط، والشح على النفس، والأهل، بما كسبته، أيها الطبيب، من ~~الدراهم، ففيه ms175 من المضار ما لا يحصى كثرة. فأولها أنك تكون فقيرا من مصالحك أنت، وأهلك، ~~وولدك، مدة حياتك. ومن تخلف له مالك، وما تعبت فيه، فإنه يصفك بشحك، ويذمك دائما. # وأيضا فإنك متى كنت للمال جامعا، عرضت نفسك للمكاره، بل للتلف، إذ كان طالبوه كثيرا، ~~فلعلمهم بشحك عليه، يهلكونك، مع أخذه. فصن نفسك، وجسمك، بلزوم العدل، واستعمال الاعتدال ~~فى تكسبك للمال، وفى نفقته، بل فى سائر أفعالك، تنج بذلك من الآثام، وتكون منزلتك منزلة ~~الكرام! # والله بجوده وكرمه يبلغنا، وإياك، أفضل الرتب الشريفة عنده، وهو حسبنا وحده. # تم الكتاب بمعونة الله تعالى، وحسن توفيقه، وله الحمد دائما سرمدا. # كتبه لنفسه، ولمن شاء الله بعده، العبد الراجى رحمة ربه، وغفرانه، عبد الله بن المكين عبد ~~الله بن عبد السلم بن ربيع اللاوى، عفا الله عنه، وعن والديه، وعمن ترحم عليه. وذلك فى مدة ~~عشرين يوما، فى ساعات مفردة منها، آخرهن ليلة الجمعة، ثانى عشر شعبان، سنة ثمان وأربعين ~~وسبع مائة. PageV01P173 ms176