######OpenITI# #META# 000.SortField :: Shamela_0012834 #META# 000.BookURI :: NOCODE #META# 010.AuthorAKA :: NODATA #META# 010.AuthorNAME :: أبو بكر، محمد بن زكريا الرازي (المتوفى: 313هـ) #META# 011.AuthorBORN :: NOTGIVEN #META# 011.AuthorDIED :: 313 #META# 019.AuthorDIED :: NODATA #META# 020.BookTITLE :: رسائل فلسفية #META# 020.BookTITLESUB :: NODATA #META# 021.BookSUBJ :: علوم أخرى #META# 022.BookVOLS :: 1 #META# 025.BookLANG :: NODATA #META# 029.BookTITLEalt :: NODATA #META# 030.LibURI :: Shamela_0012834 #META# 030.LibURIextra :: NODATA #META# 031.LibREADONLINE :: http://shamela.ws/browse.php/book-12834 #META# 031.LibURL :: http://shamela.ws/index.php/book/12834 #META# 031.LibURLFILE :: NODATA #META# 031.LibURLextra :: NODATA #META# 040.EdALL :: NODATA #META# 040.EdEDITOR :: لجنة إحياء التراث العربي في دار الآفاق الجديدة #META# 041.EdNUMBER :: الخامسة، 1402 هـ - 1982 م #META# 041.EdNumber :: NODATA #META# 043.EdPUBLISHER :: دار الآفاق الجديدة، بيروت #META# 044.EdPLACE :: NODATA #META# 045.EdYEAR :: NODATA #META# 049.EdISBN :: NODATA #META# 049.EdPAGES :: NODATA #META# 049.EdPHYSICAL :: NODATA #META# 049.EdVOLUME :: NODATA #META# 090.RecMISC :: NODATA #META# 999.MiscINFO :: NODATA #META#Header#End# ### | كتاب الطب الروحاني # بسم الله الرحمن الرحيم # قال محمد بن زكريا الرازي: أكمل الله للأمير السعادة وأتم علية النعمة. ~~جرى بحضرة الأمير - أطال الله بقاءه - ذكر مقالة عملتها في إصلاح الأخلاق ~~سألنها بعض اخوتي بمدينة السلام أيام مقامي بها، فأمر سيدي الأمير - أيده ~~الله - بإنشاء كتاب يحتوي على جمل هذا المعنى بغاية الاختصار والإيجاز وأن ~~أسمه بالطب الروحاني، فيكون قرينا للكتاب المنصوري الذي غرضه في الطب ~~الجسماني وعديلا له، لما قدر-أدام إليه من عموم النفع وشموله للنفس والجسد. ~~فانتهيت إلى ذلك وقدمته على سائر شغلي، والله أسأل التوفيق لما يرضي سيدي ~~الأمير ويقرب إليه ويدني منه. # PageV01P015 # وقد فصلت هذا الكتاب عشرين فصلا: # الأول في فضل العقل ومدحه # الثاني في قمع الهوى وردعه وجملة من رأي أفلاطون الحكيم # الثالث جملة قدمت قبل ذكر عوارض النفس الرديئة على انفرادها # الرابع في تعرف الرجل عيوب نفسة # الخامس في دفع العشق والألف وجملة من الكلام في اللذة # السادس في دفع العجب # السابع في دفع الحسد # الثامن في دفع المفرط الضار من الغضب PageV01P016 # التاسع في اطراح الكذب # العاشر في اطراح البخل # الحادي عشر في دفع الفضل ~~الضار من الفكر والهم # الثاني عشر في صرف الغم # الثالث عشر في دفع الشره # الرابع عشر في دفع الانهماك في الشراب # الخامس عشر في دفع الاستهتار بالجماع # السادس عشر في دفع الولع والعبث والمذهب # السابع عشر في مقدار الاكتساب والاقتناء والإنفاق # الثامن عشر في المجاهدة والمكادحة على طلب الرتب ~~والمنازل الدنيائية والفرق بين ما يرى الهوى وبين ما يرى العقل # التاسع عشر في السيرة الفاضلة # العشرون في الخوف من الموت ### || الفصل الأول في فضل العقل ومدحه # أقول: إن البارئ عز اسمه إنما أعطانا العقل وحبانا به لننال ونبلغ به من ~~المنافع العاجلة والآجلة غاية ما في جوهر مثلنا نيله وبلوغه، وإنه أعظم نعم ~~الله # PageV01P017 # عندنا وأنفع الأشياء لنا وأجدها علينا. فبالعقل فضلنا على الحيوان غير ~~الناطق حتى ملكناها وسسناها وذللناها وصرفناها في الوجوه العائدة منافعها ~~علينا، وبالعقل أدركنا جميع ms01 ما يرفعنا ويحسن ويطيب به عيشنا ونصل إلى ~~بغيتنا ومرادنا. فأنا بالعقل أدركنا صناعة السفن واستعمالها حتى وصلنا بها ~~إلى ما قطع وحال البحر دوننا ودونه، وبه نلنا الطب الذي فيه الكثير من ~~مصالح أجسادنا وسائر الصناعات العائدة علينا النافعة لنا، وبه أدركنا ~~الأمور الغامضة البعيدة منا الخفية المستورة عنا، وبه عرفنا شكل الأرض ~~والفلك وعظم الشمس والقمر وسائر الكواكب وأبعادها وحركتها، وبه وصلنا إلى ~~معرفة البارئ عز وجل الذي هو أعظم ما استدركنا وأنفع ما أصبنا. وبالجملة ~~فإنه الشيء الذي لولاه كانت حالتنا حالة البهائم والأطفال والمجانين، والذي ~~به نتصور أفعالنا العقلية قبل ظهورها للحس فنراها كأن قد أحسسناها ثم نتمثل ~~بأفعالنا الحسية صورها فتظهر مطابقة لما تمثلناه وتخيلناه منها. وإذا كان ~~هذا مقداره ومحله وخطره وجلالته فحقيق علينا أن لا نحطه عن رتبته ولا ننزله ~~عن درجته، ولا نجعله وهو الحاكم محكوما عليه، ولا وهو الزمام مزموما، ولا ~~وهو المتبوع تابعا، بل نرجع الأمور إليه ونعتبرها به ونعتمد فيها عليه، ~~فنمضيها على إمضائه ونوقفها على إيقافه، ولا نسلط عليه الهوى الذي هو آفته ~~ومكدره # PageV01P018 # والحائد به عن سننه ومحجته وقصده واستقامته، والمانع من أن يصيب به ~~العاقل رشده وما فيه عواقب أمره، بل نروضه ونذلله ونحمله ونجبره على الوقوف ~~عند أمره ونهيه. فإنا إذا فعلنا ذلك صفا لنا غاية صفائه وأضاء لنا غاية ~~إضاءته وبلغ بنا نهاية قصد بلوغنا به. وكنا سعداء بما وهب الله لنا منه ومن ~~علينا به. # PageV01P019 ### || الفصل الثاني # في قمع الهوى وردعه # وجملة من رأي أفلاطون الحكيم # أما على أثر ذلك فإنا قائلون في الطب الروحاني الذي غايته إصلاح أخلاق ~~النفس وموجزون غاية الإيجاز. والقصد والمبادرة إلى التعلق بالنكت والعيون ~~والمعاني التي هي أصول جملة هذا الغرض كله. فنقول: إنا قد صدرنا وقدمنا من ~~العقل والهوى ما رأينا أنه لجملة هذا الغرض كله بمنزلة المبدأ، ونحن متبعوه ~~من أصول هذا الشأن بأجلها وأشرافها فنقول: إن أشرف الأصول وأجلها وأعونها ~~على بلوغ غرض كتابنا هذا ms02 قمع الهوى ومخالفة ما يدعو إليه الطباع في أكثر ~~الأحوال وتمرين النفس على ذلك وتدريجها إليه، فإن أول فضل الناس على ~~البهائم هو هذا، أعنى ملكة الإرادة وإطلاق الفعل بعد الروية. وذلك أن ~~البهائم غير المؤدبة واقفة عند ما يدعوها إليه الطباع عاملة به غير ممتنعة ~~منه ولا مروية فيه. فإنك لا تجد بهيمة غير مؤدبة تمسك عن أن تروث أو تتناول ~~ما تتغذى به مع حضوره وحاجتها إليه، كما تجد الإنسان يترك ذلك ويقهر طباعه ~~عليه لمعان عقلية تدعوه إلى ذلك، بل تأتي منها ما يبعثها عليه الطباع غير ~~ممتنعة منه ولا مختارة عليه. وهذا المقدار ونحوه من الفضل على البهيمة في ~~زم الطبع هو لأكثر الناس وإن كان ذلك تأديبا وتعليما، # PageV01P020 # إلا أنه عام وشامل وقريب واضح يعتاده الطفل وينشأ عليه، ولا يحتاج إلى ~~الكلام فيه، على أن في ذلك بين الأمم تفاضلا كثيرا وبونا بعيدا. وأما ~~البلوغ من هذه الفضيلة أقصى ما يتهيأ في طباع الإنسان فلا يكاد يكمله إلا ~~الرجل الفيلسوف الفاضل. وبمقدار فضل العوام من الناس على البهائم في زم ~~الطبع والملكة للهوى ينبغي أن يكون فضل هذا الرجل على العوام. ومن هاهنا ~~نعلم أن من أراد أن يزين نفسة بهذه الزينة ويكمل لها هذه الفضيلة فقد رام ~~أمرا صعبا شديدا ويحتاج أن يوطن نفسه على مجاهدة الهوى ومجادلته ومخالفته. ~~ولأن بين الناس في طباعهم اختلافا كثيرا وبونا بعيدا صار يسهل أو يعسر على ~~البعض دون البعض منهم اكتساب بعض الفضائل دون بعض واطراح بعض الرذائل دون ~~بعض. وأنا مبتدئ بذكر كيفية اكتساب هذه الفضيلة - أعني قمع الهوى ومخالفته ~~- إذ كانت أجل هذه الفضائل وأشرفها وكان محلها من جملة هذا الغرض كله محل ~~الاسطقس التالي للمبدأ. # فأقول: إن الهوى والطباع يدعوان أبدا إلى إتباع اللذات الحاضرة وإيثارها ~~من غير فكر ولا روية في عاقبة ويحثان عليه ويعجلان إليه، وإن كان جالبا # PageV01P021 # للألم من بعد ومانعا من اللذة ما هو أضعاف لما تقدم منها. وذلك أنهما ms03 لا ~~يريان إلا حالتهما في الذي هما فيه لا غير، وليس بهما إلا إطراح الألم ~~المؤذي عنهما وقتهما ذلك، كإثار الطفل الرمد حك عينيه وأكل التمر واللعب في ~~الشمس. ومن اجل ذلك يحق على العاقل أن يردعهما ويقمعهما ولا يطلقهما إلا ~~بعد التثبت والنظر فيما يعقبانه ويمثل ذلك ويزنه ثم يتبع الأرجح لئلا يألم ~~من حيث ظن أنه يلتذ ويحسر من حيث ظن أنه يربح. فإن دخلت عليه من هذا ~~التمثيل والموازنة شبهة لم يطلق الشهوة لكن يقيم على ردعها ومنعها. وذلك ~~أنه لا يأمن أن يكون في لإطلاقها من سوء العاقبة ما يكون إيلامه واحتمال ~~مؤو نته أكثر من احتمال مؤونة الصبر على قمعها أضعافا مضاعفة، فالحزم إذا ~~في منعها. وإن تكافأت عنده المؤونتان أقام أيضا على ردعها، وذلك أن المرارة ~~المتجرعة أهون وأيسر من المنتظرة التي لابد من تجرعها على الأمر الأكثر. ~~وليس يكتفي بهذا فقط بل ينبغي أن يقمع هواه في كثير من الأحوال - وإن لم ير ~~لذلك عاقبة مكروهة - ليمرن نفسه ويروضها على احتمال ذلك واعتياده فيكون ذلك ~~عليها عند العواقب الرديئة أسهل، ولئلا تتمكن الشهوات منه وتتسلط عليه. فإن ~~لها من التمكن في نفس الطبيعة والجبلة ما لا يحتاج أن يزاد فضل تمكن فضل ~~تمكن بالعادة أيضا فيصير بحال لا يمكن مقاومتها بتة. وينبغي أن تعلم أن ~~المؤثرين للشهوات المدمنين لها المنهمكين فيها يصيرون منها إلى حالة لا ~~يلتذونها ولا يستطيعون مع ذلك # PageV01P022 # تركها فإن المدمنين لغشيان النساء وشرب الخمور والسماع - على أنها من ~~أقوى الشهوات وأوكدها غرزا في الطباع - لا يلتذونها التذاذ غير المدمنين ~~لها لأنها تصير عندهم بمنزلة حالة عنده، أعني المألوفة المعتادة، ولا يتهيأ ~~لهم الإقلاع عنها لأنها قد صارت عندهم بمنزلة الشيء الاضطراري في العيش لا ~~بمنزلة ما هو فضل وتترف. ويدخل عليهم من أجلها التقصير في دينهم ودنياهم ~~حتى يضطروا إلى استعمال صنوف الحيل واكتساب الأموال بالتغرير بالنفس وطرحها ~~في المهالك، فإذا هم شقوا من حيث قدروا السعادة واغتنموا من ms04 حيث قدروا ~~الفرح وألموا من حيث قدروا اللذة. وما أشبههم في هذا الموضع بالحاطب على ~~نفسه الساعي في هلاكها، كالحيوان المخدوعة بما ينصب لها في مصايدها، حتى ~~إذا حصلت في المصيدة لم تنل ما خدعت به ولا أطاقت التخلص مما وقعت فيه. ~~وهذا المقدار من الشهوات مقنع، وهو أن يطلق # PageV01P023 # منها ما علم أن عاقبتة لا تجلب ألما ولا ضررا دنيائيا موازيا للذة ~~المصابة منها فضلا عما تجلب مما يوفى ويرجح على اللذة التي أصيبت في صدرها. ~~وهذا يراه ويقول به ويوجب حمل النفس عليه من كان من الفلاسفة ل يرى أن ~~للنفس وجودا بذاتها، ويرى أنها تفسد بفساد الجسم الذي هي فيه. فأما من يرى ~~أن للنفس أنية وذاتا ما قائمة بنفسها وأنها تستعمل الجسم الذي لها بمنزلة ~~الأداة والآلة وأنها لا تفسد بفساده فيرتقون من زم الطباع ومجاهدة الهوى ~~ومخالفته إلى ما هو أكثر من هذا كثيرا جدا، ويرذلون ويستنقصون المنقادين له ~~والمائلين معه تنقصا شديدا ويحلونهم محل البهائم، ويرون أن لهم - في اتباع ~~الهوى وإيثاره والميل مع اللذات والحب لها والأسف على ما فات منها وإيلام ~~الحيوان لبلوغها ونيلها - عواقب سوء بعد مفارقة النفس للجسد يكثر ويطول لها ~~ألمها وأسفها وحسرتها. وقد يستدل هؤلاء من نفس هيئة الإنسان على أنه لم ~~يتهيأ للشغل باللذات والشهوات بل لاستعمال الفكر والروية من تقصيرة في ذلك ~~عن الحيوان غير الناطق. وذلك أن البهيمة الواحدة تصيب من لذة المأكل ~~والمنكح ما لا يصيبه ولا يقدر عليه عدد كثير من الناس. فأما حالها في سقوط ~~الهم والفكر عنها وهناءة عيشها وطيبها بذلك فحالة لا يصيب الإنسان ولا يقدر ~~على مثالها بتة، وذلك أنها من هذا المعنى في الغاية والنهاية. فإنا نرى ~~البهيمة # PageV01P024 # قد حضر وقت ذبحها وهي منهمكة مقبلة على مأكلها ومشربها. قالوا: فلو كانت ~~إصابة الشهوات والميل مع دواعي # الطباع هو الأفضل لم يكن يبخسه الإنسان ويعطاه ما هو أخس منه من الحيوان. ~~وفي بخس الإنسان وهو أفضل الحيوان المائت حظه ms05 من هذه الأشياء وتوفر الحظ له ~~من الروية والفكر ما يعلم منه أن الأفضل له استعمال النطق وتزكيته لا ~~الاستعباد والانقياد لدواعي الطباع قالوا: ولئن كان الفضل في إصابة اللذات ~~والشهوات ليكونون من له الطباع المتهئ لذلك أفضل ممن ليس له ذلك، فإن كان ~~كذلك فالثيران والحمير أفضل من الناس لا بل ومن الحيوان غير المائت كله ومن ~~البارئ عز وجل إذ ليس بذى لذة ولا شهوة قالوا: ولعل بعض الناس ممن لا رياضة ~~له ولا يروى ولا يفكر في أمثال هذه المعاني لا يسلم لنا أن البهائم تصيب من ~~اللذة أكثر مما يصيبه الناس. ويحتج علينا بملك ما ظفر بعدو منازع ثم جلس من ~~وقته ذلك للهو واحتشد في إظهار جميع زينته وهيئته حتى بلغ من ذلك غاية ما ~~يمكن الناس بلوغه، فيقول أين التذاذ البهيمة من التذاذ هذا وهل له عنده ~~مقدار وله إليه نسبة؟ فليعلم قائل هذا أن كمال اللذة ونقصانها ليس يكون ~~بالإضافة من بعضها إلى بعض بل بالإضافة إلى مقدار الحاجة إليها. فإن من لا ~~يصلح حاله إلا ألف دينار إن أعطي منها تسع مائة وتسعة وتسعين دينارا لم يتم ~~له صلاح حاله تلك. ومن كان يصلح حاله الدينار الواحد يتم له صلاح حالته ~~بإصابة ذلك الدينار الواحد، على أن الأول قد أعطي أضعاف هذا فلم يكمل له ~~صلاح حالته. والبهيمة إذا توفر عليها ما يدعوها إليه الطباع كمل وتم ~~التذاذها بذلك، ولا يضرها ولا يؤلمها فوت ما وراء ذلك إذ كان لا يخطر لها ~~ببال بتة. على أن للبهيمة فضل اللذة أبدا على كل حال. وذلك أنه ليس أحد من ~~الناس يقدر أن يبلغ كل أمانيه وشهواته، لأن نفسه لما كانت نفسا مفكرة مروية ~~متصورة للغائب عنه وكان في طباعها أن لا تكون لذي حال حالة إلا وتكون ~~حالتها هي الأفضل، لا تخلو في حالة من الأحوال من التشوق والتطلع إلى ما لم ~~تحوه والخوف والإشفاق على ما قد حوته، فلا تزال لذلك في ms06 نقص من لذتها ~~وشهوتها. فإن إنسانا لو ملك نصف الأرض لنازعته نفسه إلى ما بقى منها وأشفقت ~~وخافت من تفلت ما حصل له منها، ولو ملك الأرض بأسرها لتمنى دوام الصحة ~~والخلود وتطلعت نفسه إلى علم خبر جميع ما في السماوات والأرضين. ولقد بلغني ~~عن بعض الملوك الكبار الأنفس أنه ذكر عنده ذات يوم الجنة وعظيم ما فيها من ~~النعيم مع الخلود، فقال أما أنا فإني أتنغص هذا النعيم وأستمره إذا فكرت ~~بأني منزل فيها منزلة المفضل عليه المحسن إليه. فمتى يتم التذاذ هذا ~~واغتباطه بما هو فيه، وهل المغتبط عند نفسه إلا البهائم ومن جرى مجراها؟ ~~كما قال الشاعر: هو الأفضل لم يكن يبخسه الإنسان ويعطاه ما هو أخس منه من ~~الحيوان. وفي بخس الإنسان وهو أفضل الحيوان المائت حظه من هذه الأشياء ~~وتوفر الحظ له من الروية والفكر ما يعلم منه أن الأفضل له استعمال النطق ~~وتزكيته لا الاستعباد والانقياد لدواعي الطباع قالوا: ولئن كان الفضل في ~~إصابة اللذات والشهوات ليكونون من له الطباع المتهئ لذلك أفضل ممن ليس له ~~ذلك، فإن كان كذلك فالثيران والحمير أفضل من الناس لا بل ومن الحيوان غير ~~المائت كله ومن البارئ عز وجل إذ ليس بذى لذة ولا شهوة قالوا: ولعل بعض ~~الناس ممن لا رياضة له ولا يروى ولا يفكر في أمثال هذه المعاني لا يسلم لنا ~~أن البهائم تصيب من اللذة أكثر مما يصيبه الناس. ويحتج علينا بملك ما ظفر ~~بعدو منازع ثم جلس من وقته ذلك للهو واحتشد في إظهار جميع زينته وهيئته حتى ~~بلغ من ذلك غاية ما يمكن الناس بلوغه، فيقول أين التذاذ البهيمة من التذاذ ~~هذا وهل له عنده مقدار وله إليه نسبة؟ فليعلم قائل هذا أن كمال اللذة ~~ونقصانها ليس يكون بالإضافة من بعضها إلى بعض بل بالإضافة إلى مقدار الحاجة ~~إليها. فإن من لا يصلح حاله إلا ألف دينار إن أعطي منها تسع مائة وتسعة ~~وتسعين دينارا لم يتم له صلاح حاله تلك. ms07 ومن كان يصلح حاله الدينار الواحد ~~يتم له صلاح حالته بإصابة ذلك # PageV01P025 # الدينار الواحد، على أن الأول قد أعطي أضعاف هذا فلم يكمل له صلاح حالته. ~~والبهيمة إذا توفر عليها ما يدعوها إليه الطباع كمل وتم التذاذها بذلك، ولا ~~يضرها # ولا يؤلمها فوت ما وراء ذلك إذ كان لا يخطر لها ببال بتة. على أن للبهيمة ~~فضل اللذة أبدا على كل حال. وذلك أنه ليس أحد من الناس يقدر أن يبلغ كل ~~أمانيه وشهواته، لأن نفسه لما كانت نفسا مفكرة مروية متصورة للغائب عنه ~~وكان في طباعها أن لا تكون لذي حال حالة إلا وتكون حالتها هي الأفضل، لا ~~تخلو في حالة من الأحوال من التشوق والتطلع إلى ما لم تحوه والخوف والإشفاق ~~على ما قد حوته، فلا تزال لذلك في نقص من لذتها وشهوتها. فإن إنسانا لو ملك ~~نصف الأرض لنازعته نفسه إلى ما بقى منها وأشفقت وخافت من تفلت ما حصل له ~~منها، ولو ملك الأرض بأسرها لتمنى دوام الصحة والخلود وتطلعت نفسه إلى علم ~~خبر جميع ما في السماوات والأرضين. ولقد بلغني عن بعض الملوك الكبار الأنفس ~~أنه ذكر عنده ذات يوم الجنة وعظيم ما فيها من النعيم مع الخلود، فقال أما ~~أنا فإني أتنغص هذا النعيم وأستمره إذا فكرت بأني منزل فيها منزلة المفضل ~~عليه المحسن إليه. فمتى يتم التذاذ هذا واغتباطه بما هو فيه، وهل المغتبط ~~عند نفسه إلا البهائم ومن جرى مجراها؟ كما قال الشاعر: # وهل ينعمن إلا سعيد مخلد ... قليل الهموم ما يبيت بأوجال # وهذه العصابة من المتفلسفة تترقى من زم الهوى ومخالفته بل من إهانته # PageV01P026 # وإماتته إلى أمر عظيم جدا، حتى إنها لا تنال من المأكل والمشرب إلا قوتا ~~وبلغة ولا تقتني مالا ولا عقارا ولا دارا. وربما أقدم الموغل منهم في هذا ~~الرأي على اعتزال الناس والتخلي منهم ولزوم المواضع الغامرة. وبهذا ونحوه ~~يحتجون لصحة رأيهم من الأشياء الحاضرة المشاهدة. فأما ما يحتجون به له من ~~أحوال النفس بعد مفارقتها للبدن ms08 فإن الكلام فيه يجاوز مقدار هذا الكتاب في ~~شرفه وفي طوله وفي عرضه. أما في شرفه فإنه يبحث فيه عن النفس ما هي ولم هي ~~مع الجسم ولم تفارقه وما تكون حالها بعد مفارقته، وأما طوله فلأن كل واحد ~~من هذه البحوث يحتاج في تعبيره وحكايته إلى أضعاف أضعاف ما في هذا الكتاب ~~من الكلام، وأما في عرضه فلأن قصد هذه المباحث هو إلى صلاح حال النفس بعد ~~مفارقتها للجسد وإن كان قد يعرض فيه باشتراك الكلام أكثر إصلاح الأخلاق. ~~ولا بأس أن نحكي منه جملة وجيزة من غير أن نتلبس فيه باحتجاج لهم أو عليهم، ~~ونقصد منه خاصة للمعاني التي نظن أنها تعين على بلوغ غرض كتابنا هذا وتقوى ~~عليه. # فنقول: إن فلاطن شيخ الفلاسفة وعظيمها يرى أن الإنسان ثلاث أنفس يسمى ~~إحداها النفس الناطقة والإلهية والأخرى يسميها النفس الغضبية والحيوانية ~~والأخرى النفس النباتية والنامية والشهوانية. ويرى أن النفسين الحيوانية ~~والنباتية إنما كونتا من أجل # PageV01P027 # النفس الناطقة. أما النباتية فلتغدو الجسم الذي هو للنفس الناطقة بمنزلة ~~آلة وأداة إذ ليس هو من جوهر باق غير متحلل بل من جوهر سيال متحلل، وكان كل ~~متحلل لا يبقى إلا بأن يخلف فيه بدلا مما تحلل منه. فأما الغضبية فلتستعين ~~بها النفس الناطقة على قمع النفس الشهوانية ومنعها من أن تشغل النفس ~~الناطقة بكثرة شهواتها عن استعمال نطقها الذي إذا استعملته كملا كان في ذلك ~~تخلصها من الجسم المشتبكة به. وليس لهاتين النفسين - أعني النباتية ~~والغضبية - عنده جوهر خاص يبقى بعد فساد الجسم كجوهر النفس الناطقة، بل ~~إحداها وهي الغضبية هي جملة مزاج القلب والأخرى وهي الشهوانية هي جملة مزاج ~~الكبد. وأما جملة مزاج الدماغ فإنها عنده أول آلة وأداة تستعملها النفس ~~الناطقة. والأغتذاء والنمو والنشوء للإنسان من الكبد، والحرارة وحركة النبض ~~من القلب. وأما الحس والحركة الإرادية والتخيل والفكر والذكر فمن الدماغ، ~~لا على أن ذلك من خاصيته ومزاجه بل من الجوهر الحال فيه المستعمل # PageV01P028 # له على استعمال آلة وأداة، إلا ms09 أنه أقرب الآلات والأدوات إلى هذا الفاعل. ~~ويرى أن يجتهد الإنسان بالطب الجسداني وهو الطب المعروف، والطب الروحاني ~~وهو الإقناع بالحجج والبراهين في تعديل أفعال هذه النفوس لئلا تقصر عما ~~أريد بها ولئلا تجاوزه. والتقصير في فعل النفس النباتية أن تغدو ولا تنمى ~~ولا تنشئ بالكمية والكيفية المحتاجة إليها جملة الجسد. وإفراطها أن تتعدى ~~ذلك وتجاوزه حتى يخصب الجسد فوق ما يحتاج إليه ويغرق في اللذات والشهوات. ~~وتقصير فعل النفس الغضبية أن لا يكون عندها من الحمية والأنفة والنجدة ما ~~يمكنها أن تزم وتقهر النفس الشهوانية في حال اشتهائها حتى تحول دونها ودون ~~شهواتها، وإفراطه أن يكثر فيها الكبر وحب الغلبة حتى تروم قهر الناس وسائر ~~الحيوان ولا يكون لها هم إلا الاستعلاء والغلبة كالحالة التي كان عليها ~~الاسكندر الملك. وتقصير فعل النفس الناطقة أن لا يخطر ببالها استغراب هذا ~~العالم واستكباره والفكر فيه والتعجب منه والتطلع والتشوق إلى معرفة جميع ~~ما فيه وخاصة علم جسدها الذي هي فيه وهيئته وعاقبته بعد موته، فإن من لم ~~يستكبر ويستغرب هذا العالم ولم يتعجب من هيئته ولم تتطلع نفسه إلى معرفة ~~جميع ما فيه ولم يهتم ويعن بتعرف ما تؤول إليه الحال بعد الموت فنصيبه من ~~النطق نصيب البهائم لا بل الخفاش والحيتان والخشار التي لا تتفكر ولا تتذكر ~~البتة. وإفراطه أن يميل به ويستحوذ عليه الفكر في هذه الأشياء ونحوها حتى ~~لا يمكن النفس الشهوانية أن تنال من الغذاء وما به يصلح الجسم من النوم # PageV01P029 # وغيره مقدار ما تحتاج إليه في بقاء مزاج الدماغ على حالة الصحة، لكن يبحث ~~ويتطلع ويجتهد غاية الجهد ويقدر بلوغ هذه المعاني والوصول إليها في زمان ~~أقصر من الزمان الذي لا يمكن بلوغها إلا فيه، فيفسد حينئذ مزاج جملة الجسد ~~حتى يقع في الوسواس السوداوي والملنخوليا ويفوته ما طلب من حيث قدر سرعة ~~الظفر به. ويرى أن المدة التي جعلت لبقاء هذا الجسد المتحلل الفاسد بالحال ~~التي يمكن النفس الناطقة استعمالها فيما تحتاج إليه لصلاح أمرها ms10 بعد ~~مفارقته - وهي المدة التي منذ حين يولد الإنسان إلى أن يهرم ويذبل - مدة ~~يفي فيها كل أحد، ولو كان أبلد الناس بعد أن لا يضرب عن الفكر والنظر ~~البتة، بالتطلع على المعاني التي ذكرنا أنها تخص النفس الناطقة وبأن يرذل ~~هذا الجسد والعالم الجسداني البتة ويشنأه ويبغضه، ويعلم أن النفس الحساسة ~~ما دامت متعلقة بشيء منه لم تزل في أحوال مؤذية مؤلمة من أجل تداول الكون ~~والفساد إياه، ولا يكره بل يشتاق إلى مفارقته والتخلص منه. ويرى أنه متى ~~كانت مفارقة النفس الحساسة للجسد الذي هي فيه وقد اكتسبت هذه المعاني ~~واعتقدتها صارت في عالمها ولم تشتق إلى التعلق بشيء من الجسم بعد ذلك ~~البتة، وبقيت بذاتها حية ناطقة غير مائتة ولا آلمة مغتبطة بموضعها ومكانها. ~~أما # الحيوية والنطق فلها من ذاتها، وأما بعدها عن الألم فلبعدها عن الكون ~~والفساد، وأما اغتباطها بمكانها وعالمها فلتخلصها من مخالطة الجسم والكون ~~في العالم الجسداني. وأنه متى كانت مفارقتها للجسد وهي لم تكتسب هذه ~~المعاني ولم تعرف العالم الجسداني حق معرفته بل كانت تشتاق # PageV01P030 # إليه وتحرص على الكون فيه لم تبرح مكانها ولم تزل متعلقة بشيء منه، ولم ~~تزل - لتداول الكون والفساد للجسد الذي هي فيه - في آلام متصلة مترادفة ~~وهموم جمة مؤذية. فهذه جملة من رأي فلاطن ومن قبله سقراط المتخلي المتأله. ~~وبعد فما من رأي دنيائي قط إلا ويوجب شيئا من زم الهوى والشهوات ولا يطلق ~~إهمالها وإمراجها، فزم الهوى وردعه واجب في كل رأي وعند كل عاقل وفي كل ~~دين. فليلاحظ العاقل هذه المعاني بعين عقله ويجعلها من همه وباله. وإن هو ~~لم يكتسب من هذا الكتاب أعلى الرتب والمنازل في هذا الباب فلا أقل من أن ~~يتعلق ولو بأخس المنازل منه، وهو رأي من رأي زم الهوى بمقدار ما لا يجلب # PageV01P031 # ضررا عاجلا دنيائيا. فإنه وإن تجرع في صدور أموره من زم الهوى وقمعه ~~مرارة وبشاعة فستعقبه أردافها حلاوة ولذاذة يغتبط بها ويعظم بها سروره ~~وارتياحه عندها، مع ms11 أن المؤونة في احتمال مغالبة الهوى وقمع الشهوات ستخف ~~عليه بالاعتياد ولا سيما إذا كان ذلك على تدريج بأن يعود نفسه ويأخذها أولا ~~بمنع اليسير من الشهوات وترك بعض ما تهوى لما يوجبه العقل والرأي، ثم يروم ~~من ذلك ما هو أكثر حتى يصير ذلك فيه مقارنا للخلق والعادة وتذل نفسه ~~الشهوانية وتعتاد الانقياد للنفس الناطقة. ثم يزداد ذلك ويتأكد عند سروره ~~بالعواقب العائدة عليه من زم هواه وانتفاعه برأيه وعقله وسياسة أموره بهما ~~ومدح الناس له على ذلك واشتياقهم إلى مثل حاله. يوية والنطق فلها من ذاتها، ~~وأما بعدها عن الألم فلبعدها عن الكون والفساد، وأما اغتباطها بمكانها ~~وعالمها فلتخلصها من مخالطة الجسم والكون في العالم الجسداني. وأنه متى ~~كانت مفارقتها للجسد وهي لم تكتسب هذه المعاني ولم تعرف العالم الجسداني حق ~~معرفته بل كانت تشتاق إليه وتحرص على الكون فيه لم تبرح مكانها ولم تزل ~~متعلقة بشيء منه، ولم تزل - لتداول الكون والفساد للجسد الذي هي فيه - في ~~آلام متصلة مترادفة وهموم جمة مؤذية. فهذه جملة من رأي فلاطن ومن قبله ~~سقراط المتخلي المتأله. وبعد فما من رأي دنيائي قط إلا ويوجب شيئا من زم ~~الهوى والشهوات ولا يطلق إهمالها وإمراجها، فزم الهوى وردعه واجب في كل رأي ~~وعند كل عاقل وفي كل دين. فليلاحظ العاقل هذه المعاني بعين عقله ويجعلها من ~~همه وباله. وإن هو لم يكتسب من هذا الكتاب أعلى الرتب والمنازل في هذا ~~الباب فلا أقل من أن يتعلق ولو بأخس المنازل منه، وهو رأي من رأي زم الهوى ~~بمقدار ما لا يجلب ضررا عاجلا دنيائيا. فإنه وإن تجرع في صدور أموره من زم ~~الهوى وقمعه مرارة وبشاعة فستعقبه أردافها حلاوة ولذاذة يغتبط بها ويعظم ~~بها سروره وارتياحه عندها، مع أن المؤونة في احتمال مغالبة الهوى وقمع ~~الشهوات ستخف عليه بالاعتياد ولا سيما إذا كان ذلك على تدريج بأن يعود نفسه ~~ويأخذها أولا بمنع اليسير من الشهوات وترك بعض ما تهوى لما يوجبه العقل ~~والرأي، ms12 ثم يروم من ذلك ما هو أكثر حتى يصير ذلك فيه مقارنا للخلق والعادة ~~وتذل نفسه الشهوانية وتعتاد الانقياد للنفس الناطقة. ثم يزداد ذلك ويتأكد ~~عند سروره بالعواقب العائدة عليه من زم هواه وانتفاعه برأيه وعقله وسياسة ~~أموره بهما ومدح الناس له على ذلك واشتياقهم إلى مثل حاله. ### || الفصل الثالث جملة قدمت قبل ذكر عوارض النفس ### ||| الرديئة على انفرادها # أما وقد وطأنا لما يأتي بعد من كلامنا أسه وذكرنا أعظم الأصول في ذلك مما ~~فيه غنى وعليه معونة فإنا ذاكرون من عوارض النفس الردية والتلطف لإصلاحها ~~ما يكون قياسا ومثالا لما لم نذكره منها. ونتحرى الإيجاز والاختصار # PageV01P032 # ما أمكن في الكلام فيها، إذ قدمنا السبب الأعظم والعلة الكبرى التي منها ~~نستقي وعليها نبني جميع وجوه التلطف لإصلاح خلق ما ردى. حتى أنه لو لم يفرد ~~ولا واحد منها بكلام يخصه بل أغفل ولم يذكر بتة لكان في التحفظ والتمسك ~~بالأصل الأول غني وكفاية لإصلاحها، وذلك أن جلها مما يدعو إليه الهوى وتحمل ~~عليه الشهوات، وفي زم هذين وحفظهما ما يمنع التمسك والتخلق بهما. إلا أنا ~~على كل حال ذاكرون من ذلك ما نرى أن ذكره أوجب وألزم وأعون على بلوغ غرض ~~كتابنا هذا، وبالله نستعين. ### || الفصل الرابع في تعرف الرجل عيوب نفسه # من أجل أن كل واحد منا لا يمكنه منع الهوى محبة منه لنفسه واستصوابا ~~واستحسانا لأفعاله، وأن ينظر بعين العقل الخالصة المحضة إلى خلائقه وسيرته ~~-لا يكاد يستبين ما فيه من المعايب والضرائب الذميمة، ومتى لم يستبين ذلك ~~فيعرفه لم يقلع عنه إذ ليس يشعر به فضلا عن أن يستقبحه ويعمل في الإقلاع # PageV01P033 # عنه - فينبغي أن يسند الرجل أمره في هذا إلى رجل عاقل كثير اللزوم له ~~والكون معه، ويسأله ويضرع إليه ويؤكد عليه أن يخبره بكل ما يعرفه فيه من ~~المعايب، ويعلمه أن ذلك أحب الأشياء إليه وأوقعها عنده، وأن المنة عليه منه ~~تعظم في ذلك والشكر يكثر، ويسأله أن لا يستحييه في ذلك ولا يجامله، ويعلمه ms13 ~~أنه متى تساهل وضجع في شيء منه فقد أساء إليه وغشه واستوجب عليه اللائمة ~~عليه. فإذا أخذ الرجل المشرف يخبره ويعلمه ما فيه وما ظهر وبان له منه لم ~~يظهر له اغتماما ولا استخزاء، بل اظهر له سرورا بما يستمع وتشوقا إلى ما لم ~~يستمع منه. فإن رآه في حال ما قد كتمه شيئا استحياء منه أو قصر في العبارة ~~عن تقبيح ذلك أو حسنها لامه على ذلك وأظهر له اغتماما به، وأعلمه أنه لا ~~يحب ذلك منه ولا يريد إلا التصريح وإعلامه ما يراه على وجهه. فإن وجده في ~~حال أخرى قد # PageV01P034 # زاد وأسرف في تقبيح شيء رآه منه وتهجينه لم يغضبه ذلك بل حمده عليه وأظهر ~~له بشرا وسرورا بما رآه منه. وينبغي أن يجدد سؤال هذا المشرف عليه حالا بعد ~~حال. فإن الأخلاق والضرائب الردية قد تحدث بعد أن لم تكن. وينبغي أن يستخبر ~~ويتحسس ما يقول فيه جيرانه ومعاملوه وإخوانه وبماذا يمدحونه وبماذا ~~يعيبونه، فإن الرجل إذا سلك في هذا المعنى هذا المسلك لم يكد يخفى عليه شئ ~~من عيوبه وإن قل وخفى. فإن اتفق له ووقع عدو ومنازع محب لإظهار مساويه ~~ومعايبه لم يستدرك من قبله معرفة عيوبه، بل إظطر والجئ إلى الإقلاع عنها، ~~إن كان ممن لنفسه مقدار وممن يحب أن يكون خيرا فاضلا. وقد كتب في هذا ~~المعنى جالينوس كتابا جعل رسمة "في الأخيار ينتفعون بأعدائهم"، فذكر فيه ~~منافع صارت أليه من أجل عدو كان له. وكتب أيضا "في تعرف الرجل عيوب نفسه" ~~مقالة قد ذكرنا نحن جوامعها وجملتها هنا. وفيما ذكرنا من هذا الباب كفاية ~~وبلاغ، ومن استعمله لم يزل كالقدح مقوما مثقفا ### || الفصل الخامس في العشق والإلف وجملة الكلام في اللذة # أما الرجال المذكورون الكبار الهمم والأنفس فإنهم يبعدون من هذه البلية ~~من نفس طبائعهم وغرائزهم. وذلك أنه لا شئ أشد على أمثال هؤلاء من # PageV01P035 # التذلل والخضوع والاستكانة وإظهار الفاقة والحاجة واحتمال التجني ~~والاستطالة. فهم إذا فكروا يلزم العشاق من هذه ms14 المعاني نفروا منه وتصابروا ~~وأزالوا الهوى عنه وإن بلوا به، وكذلك الذين تلزمهم أشغال وهموم بليغة ~~اضطرارية دنيائية أو دينية. فأما الخنثون من الرجال والغزلون والفراغ ~~والمترفون والمؤثرون للشهوات الذين لا يهمهم سواها ولا يريدون من الدنيا ~~إلا إصابتها، ويرون فوتها فوتا وأسفا، وما لم يقدروا عليه منها حسرة وشقاء، ~~فلا يكادون يتخلصون من هذه البلية لا سيما إن أكثروا النظر في قصص العشاق ~~ورواية الرقيق الغزل من الشعر وسماع الشجي من الألحان والغناء. فلنقل الآن ~~في الاحتراس من هذا العارض والتنبيه على مخاتله ومكامنه بقدر ما يليق بغرض ~~كتابنا هذا. ونقدم قبل ذلك كلاما نافعا معينا على بلوغ غرض ما مر من هذا ~~الكتاب وما يأتي بعده، وهو الكلام في اللذة. # فنقول: إن اللذة ليست بشيء سوى إعادة ما أخرجه المؤذي عن حالته إلى حالته ~~التي كان عليها. كرجل خرج من موضع كنين ظليل إلى صحراء ثم سار في شمس صيفية ~~حتى مسه الحر ثم عاد إلى مكانه ذلك، فإنه لا يزال يستلذ # PageV01P036 # ذلك المكان حتى يعود بدنه إلى حالته الأولى، ثم يفقد ذلك الاستلذاذ مع ~~عود بدنه إلى الحالة الأولى، وتكون شدة التذاذه بهذا المكان بمقدار شدة ~~إبلاغ الحر إليه وسرعة هذا المكان في تبريده. وبهذا المعنى حد الفلاسفة ~~الطبيعيون اللذة، فإن حد اللذة عندهم هو رجوع إلى الطبيعة. ولأن الأذى ~~والخروج عن الطبيعة ربما حدث قليلا في زمان طويل، ثم حدث بعقبه رجوع إلى ~~الطبيعة دفعة في زمان قصير صار في مثل هذه الحال يفوتنا الحس بالمؤذي ~~ويتضاعف بيان الإحساس بالرجوع إلى الطبيعة، فنسمي هذه الحال لذة. ويظن بها ~~من لا رياضة له أنها حدثت من غير أذى تقدمها، ويتصورها مفردة خالصة برية من ~~الأذى. وليست الحال على الحقيقة كذلك بل ليس يمكن أن تكون لذة بتة إلا ~~بمقدار ما تقدمها من أذى الخروج عن الطبيعة. فإنه بمقدار أذى الجوع # PageV01P037 # والعطش يكون بالالتذاذ بالطعام والشراب، حتى إذا عاد الجائع والعطشان إلى ~~حالته الأولى لم يكن شئ أبلغ ms15 من عذابه من إكراهه على تناولهما بعد أن كانا ~~ألذ الأشياء عنده وأحبها إليه. وكذلك الحال في سائر الملاذ فإن هذا الحد ~~بالجملة لازم لها ومحتو عليها، إلا أن منها ما نحتاج في تبيين ذلك منه إلى ~~كلام أدق وألطف وأطول من هذا. وقد شرحنا هذا في مقالة كتبناها "في مائية ~~اللذة"، وفي هذا المقدار الذي ذكرناه هاهنا كفاية لما نحتاج إليه. وأكثر ~~المائلين مع اللذة المنقادين لها هم الذين لم يعرفوها على الحقيقة ولم ~~يتصوروا منها إلا الحالة الثانية، أعني التي من مبدأ انقضاء فعل المؤذي إلى ~~استكمال الرجوع إلى الحالة الأولى. ومن أجل ذلك أحبوها وتمنوا أن لا يخلوا ~~في حال منها، ولم يعلموا أن ذلك غير ممكن لأنها حالة لا تكون ولا تعرف إلا ~~بعد تقدم الأولى لها. # وأقول أن اللذة التي يتصوروها العشاق وسائر من كلف بشيء وأغرم به - ~~كالعشاق للترؤس والتملك وسائر الأمور التي يفرط ويتمكن حبها من نفوس بعض ~~الناس حتى لا يتمنوا إلا إصابتها ولا يروا العيش إلا مع نيلها - عند تصورهم ~~نيل مرادهم عظيمة مجاوزة للمقدار جدا. وذلك أنهم إنما يتصورون إصابة ~~المطلوب ونيله مع عظم ذلك في أنفسهم من غير أن يخطر ببالهم الحالة الأولى ~~التي هي كالطريق والمسلك إلى نيل مطلوبهم. ولو فكروا ونظروا في وعورة هذا ~~الطريق وخشونته وصعوبته ومخاطره ومهاويه ومهالكه لمر عليهم ما حلا وعظم # PageV01P038 # ما صغر عندهم في جنب ما يحتاجون إلى مقاساته ومكادحته. # وإذ قد ذكرنا جملة مائية اللذة وأوضحنا من أين غلط من تصرها محضة برية من ~~الألم والأذى فإنا عائدون إلى كلامنا ومنبهون على مساوئ هذا العارض أعني ~~العشق وخساسته. # فنقول: إن العشاق يجاوزون حد البهائم في عدم ملكة النفس وزم الهوى وفي ~~الانقياد للشهوات. وذلك أنهم لم يرضوا أن يصيبوا هذه الشهوة، أعني لذ الباه ~~- على أنها من أسمج الشهوات وأقبحها عند النفس الناطقة التي هي الإنسان على ~~الحقيقة - من أي موضع يمكن إصابتها منه، حتى أرادوها من موضع ما بعينه ~~فضموا ms16 شهوة إلى شهوة وانقادوا وذلوا للهوى ذلا على ذل وازدادوا له عبودية ~~إلى عبودية. والبهيمة لا تصير من هذا الباب إلى هذا الحد ولا تبلغه، ولكنها ~~تصيب منه بقدر ما لها في الطبع مما تطرح به عنها ألم المؤذي المهيج لها ~~عليه لا غير، ثم تصير إلى الراحة الكاملة منه. وهؤلاء لما لم يقتصروا على ~~المقدار البهيمي من الانقياد للطباع، بل استعانوا بالعقل - الذي فضلهم الله ~~على البهائم وأعطاهم إياه ليروا مساوئ الهوى ويزموه ويملكوه - في التسلق ~~على لطيف الشهوات وخفيها والتحيز لها والتفوق فيها، وجب عليهم وحق لهم ألا ~~يبلغوا منها إلى غاية ولا يصيروا منها إلى راحة، ولا يزالوا متأذين بكثرة ~~البواعث عليها ومتحسرين على كثرة الفائت منها غير مغتبطين ولا راضين - ~~لنزوع أنفسهم عنها وتعلق أمانيهم بما فوقها وبما لا نهاية له منها - بما ~~نالوه أيضا وقدروا عليه منها. # PageV01P039 # ونقول أيضا: إن العشاق مع طاعتهم للهوى وإيثارهم اللذة وتعبدهم لها ~~يحزنون من حيث يظنون أنهم يفرحون، ويألمون من حيث يظنون أنهم يلذون. وذلك ~~أنهم لا ينالون من ملاذهم شيئا ولا يصلون إليه إلا بعد أن يمسهم الهم ~~والجهد ويأخذ منهم ويبلغ إليهم. وربما لم يزالوا من ذلك في كرب منصبة وغصص ~~متصلة من غير نيل مطلوب بتة. والكثير منهم يصير لدوام السهر والهم وفقد ~~الغذاء إلى الجنون والوسواس وإلى الدق والذبول. فإذا هم وقعوا من حبال ~~اللذة وشباكها في الرديء والمكروه، وأدتهم عواقبها إلى غاية الشقاء ~~والتهلكة. وأما الذين ظنوا أنهم ينالون لذة العشق كملا ويصيبونه ممن ملكوه ~~وقدروا عليه فقد غلطوا وأخطئوا خطا بينا. وذلك أن اللذة إنما تكون إذا نيلة ~~بمقدار بلاغ ألم المؤذي الباعث عليها الداعي إليها، ومن ملك شيئا وقدر عليه ~~ضعف فيه هذا الباعث الداعي وهدأ وسكن سريعا. وقد قيل قولا حقا صدقا إن كل ~~موجود مملوك وكل ممنوع مطلوب ونقول أيضا: إن مفارقة المحبوب أمر لا بد منه ~~اضطرارا بالموت، وإن سلم من سائر حوادث الدنيا وعوارضها المبددة للشمل ~~المفرقة بين ms17 الأحبة. وإذا كان لا بد من إساغة هذه الغصة وتجرع هذه المرارة ~~فإن تقديمها والراحة منها أصلح من تأخيرها والانتظار لها، لأن ما لا بد من ~~وقوعه متى قدم أزيح مؤونة الخوف منه مدة تأخيره. وأيضا فإن منع النفس من ~~محبوبها قبل أن يستحكم حبه ويرسخ فيها ويستولي عليها أيسر وأسهل. وأيضا فإن ~~العشق متى # PageV01P040 # انضم إليه الإلف عسر النزوع عنه والخروج منه، فإن بلية الإلف ليست بدون ~~بلية العشق، بل لو قال قائل إنه أوكد وأبلغ منه لم يكن مخطئا، ومتى قصرت ~~مدة العشق وقل فيه لقاء المحبوب كان أحرى أن لا يخالطه ويعاونه الإلف. ~~والواجب في حكم العقل من هذا الباب أيضا المبادرة في منع النفس وزمها عن ~~العشق قبل وقوعها فيه، وفطمها منه إذا وقعت قبل استحكامه فيها. وهذه الحجة ~~يقال إن فلاطن الحكيم احتج بها على تلميذ له بلى بحب جارية فأخل بمركزه من ~~مجلس مدارس فلاطن. فأمر أن يطلب ويؤتى به، فلما مثل بين يديه قال أخبرني يا ~~فلان هل تشك في انه # لا بد لك من مفارقة حبتك هذه يوما ما؟ قال ما أشك في ذلك. فقال له فلاطن ~~فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم في هذا اليوم، قال ما أشك في ذلك. ~~فقال له فلاطن فاجعل تلك المرارة المتجرعة في ذلك اليوم، وأزح ما بينهما من ~~خوف المنتظر الباقي بحاله الذي لابد من مجيئه وصعوبة معالجة ذلك بعد ~~الاستحكام وانضمام الإلف إليه وعضده له. فيقال إن التلميذ قال لفلاطن إن ما ~~تقول أيها السيد الحكيم حق، لكني أجد انتظاري له سلوة بمرور الأيام عني أخف ~~علي. فقال له فلاطن وكيف وثقت بسلوة الأيام ولم تخف إلفها، ولم أمنت أن ~~تأتيك الحالة المفرقة قبل السلوة وبعد الاستحكام، فتشتد بك الغصة وتتضاعف ~~عليك المرارة. فيقال إن ذلك الرجل سجد في تلك الساعة لفلاطن وشكره ودعا له ~~وأثنى عليه، ولم يعاود شيئا مما كان فيه ولم يظهر منه حزن ولا شوق، ولم يزل ~~بعد ذلك ms18 لازما لمجالس فلاطن غير مخل بها بتة. ويقال إن # PageV01P041 # فلاطن أقبل بعد فراغه من هذا الكلام على وجوه تلامذته فلامهم وعذلهم في ~~تركهم وإطلاقهم هذا الرجل وصرف كل همته إلى سائر أبواب الفلسفة قبل إصلاح ~~نفسه الشهوانية وقمعها وتذليلها للنفس الناطقة. # ولأن قوما روعنا يعاندون ويناصبون الفلاسفة في هذا المعنى بكلام سخيف ~~ركيك كسخافتهم وركاكتهم - وهؤلاء هم الموسومون بالظرف والأدب - فإنا نذكر ~~ما يأتون به في هذا المعنى ونقول فيه من بعده. إن هؤلاء القوم يقولون إن ~~العشق إنما يعتاده الطبائع الرقيقة والأذهان اللطيفة، وإنه يدعو إلى ~~النظافة واللباقة والزينة والهيئة. ويشيعون هذا ونحوه من كلامهم بالغزل من ~~الشعر البليغ في هذا المعنى، ويحتجون بمن عشق من الأدباء والشعراء والسراة ~~والرؤساء ويتخطونهم إلى الأنبياء. ونحن نقول: إن رقة الطبع ولطافة الذهن ~~وصفاءه يعرفان ويعتبران بإشراف أصحابهما على الأمور الغامضة البعيدة ~~والعلوم اللطيفة الدقيقة وتبيين الأشياء المشكلة الملتبسة واستخراج ~~الصناعات المجدية النافعة. # ونحن نجد هذه الأمور مع الفلاسفة فقط، ونرى العشق لا يعتادهم ويعتاد ~~اعتيادا كثيرا دائما أجلاف الأعراب والأكراد والأعلاج والأنباط. ونجد أيضا ~~من الأمر العام الكلي أنه ليست أمة من الأمم أرق فطنة وأظهر حكمة من ~~اليونانيين، ونجد العشق في جملتهم أقل مما في جملة سائر الأمم. وهذا يوجب ~~ضد ما ادعوه، أعني أنه يوجب أن يكون العشق إنما يعتاد أصحاب الطبائع ~~الغليظة والأذهان البليدة، ومن قل فكره ونظره ورويته بادر إلى الهجوم على ~~ما دعته إليه نفسه # PageV01P042 # ومالت إليه شهوته. وأما احتجاجهم بكثرة من عشق من الأدباء والشعراء ~~والسراة والرؤساء فإنا نقول: إن السرو والرياسة والشعر والفصاحة ليست مما ~~لا يوجد أبدا إلا مع كمال العقل والحكمة، وإذا كان الأمر كذلك أمكن أن يكون ~~العشاق من هؤلاء من النقص في عقولهم وحكمتهم. وهؤلاء القوم لجهلهم ورعونتهم ~~يحسبون أن العلم والحكمة إنما هو النحو والشعر والفصاحة والبلاغة، ولا ~~يعلمون أن الحكماء لا يعدون ولا واحدا من هذه حكمة ولا الحاذق بها حكيما، ~~بل الحكم عندهم من عرف شروط البرهان ms19 وقوانينه واستدراك وبلغ من العلم ~~الرياضي والطبيعي والعلم الإلهي مقدار ما في وسع الإنسان بلوغه. ولقد شهدت ~~ذات يوم رجلا من متحذلقيهم عند بعض مشايخنا بمدينة السلام، وكان لهذا الشيخ ~~مع فلسفته حظ وافر من المعرفة بالنحو واللغة والشعر، وهو يجاريه وينشده ~~ويبذخ ويشمخ في خلال ذلك بأنفه ويطنب ويبالغ في مدح أهل صناعته ويرذل من ~~سواهم، والشيخ في كل ذلك يحتمله معرفة منه بجهله وعجبه ويتبسم إلى أن قال ~~فيما قال: هذا والله العلم وما سواه ريح، فقال له الشيخ يا بني هذا علم من ~~لا علم له ويفرح به من لا عقل له. ثم أقبل علي وقال سل فتانا هذا عن شيء من ~~مبادئ العلوم الاظطرارية، فإنه ممن يرى أن من مهر في اللغة يمكنه الجواب عن ~~جميع ما يسئل عنه. فقلت خبرني عن العلوم أظطرارية هي أم اصطلاحية؟ ولم أتمم ~~التقسيم على تعمد، فبادر فقال العلوم كلها اصطلاحيه. وذلك أنه كان سمع ~~أصحابنا يعيرون هذه العصابة أن علمهم # PageV01P043 # اصطلاحي، فأحب أن يعيهم بمثل ما عابوه جهلا منه بما لهم دونه في هذا ~~الباب. # فقلت له فمن علم أن القمر ينكسف ليلة كذا وكذا، وأن السقمونيا يطلق البطن ~~متى أخذ، وأن المرداسنج يذهب بحموضة الخل متى سحق وطرح فيه إنما صح له علم ~~ذلك من اصطلاح الناس عليه؟ فقال لا. فقلت فمن أين علم ذلك؟ فلم يكن فيه من ~~الفضل ما يبين عما به نحوت. ثم قال فإني أقول إنها كلها اضطرارية، ظنا منه ~~وحسبانا أنه يتهيأ له أن يدرج النحو في العلوم الاضطرارية. فقلت له خبرني ~~عمن علم أن المنادى بالنداء المفرد مرفوع وأن المنادى بالنداء المضاف ~~منصوب، أعلم أمرا اضطراريا طبيعيا أم شيئا مصطلحا باجتماع من بعض الناس ~~عليه دون بعض؟ فلجلج بأشياء يروم بها أن يثبت أن هذا الأمر اضطراري مما كان ~~يسمعه من أستاذيه، فأقبلت أريه تداعيه وتهافته مع ما لحقه من استحياء وخجل ~~شديد واغتنام. وأقبل الشيخ يتضاحك ويقول له ذق يا بني ms20 طعم العلم الذي هو ~~على الحقيقة علم. وإنما ذكرنا من هذه القصة ما ذكرنا ليكون أيضا من بعض ~~المنبهات والدواعي إلى الأمر الأفضل، إذ ليس لنا غرض في هذا الكتاب إلا ذاك ~~ولسنا نقصد - بما مر من كلامنا هذا من الاستجهال والاستنقاص - لجميع من عني ~~بالنحو والعربية واشتغل بهما وأخذ منهما، فإن فيهم من قد جمع الله له إلى ~~ذلك حظا وافرا من العلوم، بل للجهال من هؤلاء الذين لا يرون أن علما موجود ~~سواهما ولا أن أحدا يستحق أن يسمى عالما إلا بهما # PageV01P044 # وقد بقي علينا من حجاج القوم شئ لم نقل فيه قولا، وهو احتجاجهم لتحسين ~~العشق بالأنبياء وما بلوا به منه. فنقول: إنه ليس من أحد يستجيز أن يعد ~~العشق منقبة من مناقب الأنبياء ولا فضيلة من فضائلهم ولا أنه شئ آثروه ~~واستحسنوه، بل إنما يعد هفوة وزلة من هفواتهم وزلاتهم. وإذا كان ذلك كذلك ~~فليس لتحسينه وتزيينه ومدحه وترويجه بهم وجه بتة، لأنه إنما ينبغي لنا أن ~~نحث أنفسنا ونبعثها من أفعال الرجال الفاضلين على ما رضوه لأنفسهم ~~واستحسنوه لها وأحبوا أن يقتدى بهم فيه، لا على هفواتهم وزلاتهم وما تابوا ~~منه وندموا عليه وودوا أن لا يكون ذلك جرى عليهم وكان منهم. فأما قولهم إن ~~العشق يدعو إلى النظافة واللباقة والهيئة والزينة، فما يصنع بجمال الجسد مع ~~قبح النفس، وهل يحتاج إلى الجمال الجسداني ويجتهد فيه إلا النساء وذوو ~~الخنث من الرجال؟ ويقال إن رجلا دعا بعض الحكماء إلى منزله، وكان كل شئ له ~~من آلة المنزل على غاية السرور والحسن، وكان الرجل في نفسه على غاية الجهل ~~والبله والفدامة. ويقال إن ذلك الحكيم تأمل كل شئ في منزله ثم إنه بصق على ~~الرجل نفسه. فلما استشاط وغضب من ذلك قال له لا تغضب، فإني تأملت جميع ما ~~في منزلك وتفقدته فلم أر فيه أسمج ولا أرذل من نفسك، فجعلتها موضعا للبصاق ~~باستحقاق منها لذلك. ويقال إن ذلك الرجل بعد ذلك استخف بما كان فيه ms21 وحرص ~~على العلم والنظر. # PageV01P045 # ولأنا قد ذكرنا فيما مر من كلامنا قبيل الإلف فإنا قائلون في هائيته ~~والاحتراس منه بعض القول، فنقول: إن الإلف هو ما يحدث في النفس عن طول ~~الصحبة من كراهية مفارقة المصحوب، وهي أيضا بلية عظيمة تنمى وتزداد على ~~الأيام ولا يحس بها إلا عند مفارقة المصحوب، ثم يظهر منها حينئذ دفعة أمر ~~مؤذ للنفس جدا. وهذا العارض يعرض للبهائم أيضا إلا أنه في بعضها أوكد منه ~~في البعض. والاحتراس منه يكون بالتعرض لمفارقة المصحوب حالا بعد الحال، وأن ~~لا ينسى ذلك ويفعل البتة بل تدرج نفسه إليه وتمرن عليه. # وقد بينا من هذا الباب ما فيه كفاية، ونحن الآن قائلون في العجب. ### || الفصل السادس في العجب # أقول: إنه من أجل محبة كل إنسان لنفسه يكون استحسانه للحسن منها فوق حقه ~~واستقباحه للقبيح منها دون حقه، ويكون استقباحه للقبيح واستحسانه للحسن من ~~غيره - إذ كان بريا من حبه وبغضه - بمقدار حقه، لأن عقله حينئذ صاف لا ~~يشوبه ولا يجاذبه الهوى. ومن أجل ما ذكرنا فإنه إذا كانت للإنسان أدنى ~~فضيلة عظمت عند نفسه وأحب أن يمدح عليها فوق استحقاقه. وإذا تأكدت فيه هذه ~~الحالة صار عجبا، ولا سيما إن وجد قوما يساعدونه على # PageV01P046 # ذلك ويبلغون من تزكيته ومدحه ما يحب. ومن بلايا العجب أنه يؤدي إلى النقص ~~في الأمر الذي يقع به العجب، لأن المعجب لا يروم التزيد ولا الاقتناء ~~والاقتباس من غيره في الباب الذي منه يعجب بنفسه. لأن المعجب بفرسه لا يروم ~~أن يستبدل به ما هو أفره منه لأنه لا يرى أن فرسا أفره منه، والمعجب بعمله ~~لا يتزيد منه لأنه لا يرى أن فيه مزيدا. ومن لم يستزد من شئ ما نقص لا ~~محالة وتخلف عن رتبة نظرائه وأمثاله، لأن هؤلاء - إذا كانوا غير معجبين - ~~لم يزالوا مستزيدين ولم يزالوا لذلك متزيدين مترقين، فلا يلبثوا أن يجاوزوا ~~المعجب ولا يلبث المعجب أن يتخلف عنهم. ومما يدفع به المعجب أن يكل الرجل ~~اعتبار ms22 مساويه ومحاسنه إلى غيره على ما ذكرنا قبل حيث ذكرنا تعرف الرجل ~~عيوب نفسه، وأن لا يعتبر ولا يقيس نفس بقوم أخساء أدنياء ليس لهم حظ وافر ~~من الشيء الذي أعجب به من نفسه، أو يكون في بلد هذه حالة أهله. فأنه من ~~احترس من هذين البابين لم يزل يرد عليه كل يوم ما يكون به إلى تنقص نفسه ~~أميل منه إلى العجب بها. وفي الجملة فإنه ينبغي أن لا تكبر وتعظم نفسه عنده ~~حتى يجاوز مقدار نظرائه عند غيره، ولا تصغر ولا تقل حتى ينحط عنهم أو عمن ~~هو دونه ودونهم عند غيره. فإنه إذا فعل ذلك وقوم نفسه عليه كان بريا من زهو ~~العجب وخسة الدناءة، وسماه الناس العارف بقدر نفسه. وفيما ذكرنا أيضا في ~~هذا الباب كفاية، فلنقل الآن في الحسد # PageV01P047 ### || الفصل السابع # في الحسد # أقول: إن الحسد أحد العوارض الردية ويتولد من اجتماع البخل والشره في ~~النفس. والمتكلمون في إصلاح الأخلاق يسمون الشرير من يلتذ طباعا مضار تقع ~~بالناس ويكره ما وقع بموافقتهم وإن كانوا لم يتروه ولم يسوؤه، كما أنهم ~~يسمون الخير من أحب وإلتذ ما وقع بوفاق الناس ونفعهم. والحسد شر من البخل ~~لأن البخيل إنما لا يحب ولا يرى أن ينيل أحدا شيئا مما يملكه ويحويه، ~~والحسود يحب أن لا ينال أحد خير بتة ولو مما لا يملكه، وهو داء من أدواء ~~النفس عظيم الأذى لها. ومما يدفع به أن يتأمل العاقل الحسد، فأنه سيجد له ~~من رسم الشرير حظا وافرا إذ كان الحسود يرسم بأنه كاره لما وقع بوفاق من لم ~~يتره ولم يسئ به. وهذا شطر من حد الشرير، الشرير مستحق للمقت من البارئ ومن ~~الناس. أما من البارئ فلأنه مضاد له في إرادته إذ هو عز اسمه المفضل على ~~الكل المريد الخير للكل. وأما من الناس فلأنه مبغض ظالم لهم، فإن من أحب ~~وقوع المكروه بإنسان ما أو لم يحب وصول خير إليه مبغض له. فإن كان هذا ~~الإنسان ممن ms23 لم يتره ولم يسئ به فإنه مع ذلك ظالم له. وأيضا فإن المحسود لم ~~يزل عن الحاسد شيئا مما هو في يديه ولا منعه من # PageV01P048 # بلوغ شئ كان يقدر عليه ولا استعان به على شئ من أمره. وإذا كان ذلك كذلك ~~فما هو -أعني المحسود - إلا بمنزلة سائر من نال خيرا وبلغ أمنيته من الناس ~~الغائبين عن الحاسد. فكيف لا يحسد من بالهند والصين؟ فإن كان لا يحسدهم من ~~اجل غيبتهم عنه فليتصورهم بأحوالهم وما ينقلبون فيه من نعيمهم. فإن كان ~~حمقا أو جنونا أن يحزن لما نال هؤلاء وبلغوا من أمانيهم فإن حمقا مثله ~~الحزن والاغتمام لما نال من بحضرته إذ كانوا بمنزلة الغيب عنه في أنهم لم ~~يسلبوه شيئا مما في يديه ولا منعوه بلوغ شئ كان يقدر عليه ولا استعانوا على ~~أمر من أمورهم به. وليس بينهم وبين الغيب عنه فرق إلا في مشاهدة الحاسد ~~أحوالهم التي يمكن تصور مثلها من الغيب عنه ويعلم ويستيقن أنهم منها في مثل ~~ما هم فيه. # وقد يغلط بعض الناس في حد الحسد حتى إنهم يسمون بالحسد قوما إنما يكرهون ~~الخير لمن عليهم منهم في إصابتهم ذلك بعض المضار والمؤن. وليس ينبغي أن ~~يسمى ولا واحد من هؤلاء حاسدا، بل ينبغي أن يسمى الحاسد مطلقا من اغتم من ~~خير يناله غيره من حيث لا مضرة عليه منه البتة، ويسمى بليغ الحسد من اغتم ~~من خير يناله غيره وإن كان له في ذلك نفع ما. فأما إذا جاءت المؤن والمضار ~~فإنها تحدث في النفس عداوة بمقدارها لا حسدا. ومثل هذا من # PageV01P049 # التحاسد لا يكاد يكون إلا بين الأقرباء والمعاشرين والمعارف. فإنا نرى ~~الرجل الغريب يملك أهل بلد ما ولا يكادون يجدون في أنفسهم كراهة لذلك، ثم ~~يملكهم رجل من بلدهم فلا يكاد أن يتخلص ولا واحد منهم من كراهيته لذلك، هذا ~~على أنه ربما كان هذا الرجل المالك - أعني البلدي- أرأف بهم وأنظر إليهم من ~~المالك الغريب. وإنما يؤتى الناس في هذا الباب ms24 من فرط محبتهم لأنفسهم، وذلك ~~أن كل واحد منهم من أجل حبه لنفسه يحب أن يكون سابقا إلى المراتب المرغوب ~~فيها غير مسبوق إليها فإذا هم رأوا من كان بالأمس معهم اليوم سابقا لهم ~~مقدما عليهم اغتموا لذلك وصعب واشتد عليهم سبقه إياهم إليها، ولم يرضهم منه ~~تعطفه عليهم ولا إحسانه إليهم، لأن أنفسهم متعلقة بالغاية مما صار إليه هذا ~~السابق لا غير لا يرضيهم سواه ولا يستريحون دونه. وأما المالك الغريب فمن ~~أجل أنهم لم يشاهدوا حالته الأولى لا يتصورون كمال سبقه لهم وفضله عليهم ~~فيكون ذلك أقل لغمهم وأسفهم. وقد ينبغي أن يرجع في مثل هذا إلى العقل ~~ويتأمل في هذا الأمر ما أقول. # أقول: إنه ليس لحنق الحاسد وغيظه وبغضه لهذا الرجل القريب السابق له وجه ~~في العدل بتة، وذلك أنه لم يمنع المسبوق من المبادرة إلى المطلوب وإن حصله ~~وحظي به دونه. وليس الحظ الذي ناله هذا السابق شيئا كان الحاسد أحق به أو ~~أحوج إليه، فلا يبغضه إذا ولا يحنق عليه بل ليحنق على جده أو على # PageV01P050 # تراخيه، فإن أحدهما هو الذي حرمه وأقعده عن بلوغ أمله. مع أنه إذا كان ~~هذا السابق أخا أو ابن عم أو قريبا أو معرفة أو بلديا كان أصلح للحاسد وكان ~~أرجى لخيره وآمن من شره، إذ بينهما وصلة التختن وهي وصلة طبيعية وكيده ~~وأيضا فإنه إذا كان لا بد أن يكون في الناس الرؤساء والملوك والمثرون ~~والمكثرون ولم يكن الحاسد ممن يؤمل ويرجو أن يصير ما هو لهم إليه أو إلى من ~~صار إليه انتفع هو به فليس لكراهيته أن يبقى عليه وجه في العقل بتة، لأنه ~~سواء عليه بقى فيهم أو صار إلى غيرهم ممن حاله في عدم انتفاعه بهم حاله ~~وأيضا فنقول: إن العاقل قد يزم ببصيرة نفسه الناطقة وقوة نفسه الغضبية نفسه ~~البهيمية حتى يرعها من إصابة الأشياء اللذيذة الشهية عما لا شهوة ولا لذة ~~فيه، وفيه مع ذلك مضرة النفس والبدن جميعا. وأقول: إن ms25 الحسد مما لا لذة ~~فيه، وإن كان فيه منها شئ فإنه أقل كثيرا من سائر الأشياء من اللذات، وهو ~~مضر بالنفس والجسد. أما بالنفس فلأنه يذهلها ويعزب فكرها ويشغلها حتى لا ~~تفرغ للتصرف فيما يعود نفعه على الجسد وعليها لما يعرض معه للنفس من ~~العوارض الرديئة، مثل طول الحزن والهم والفكر. وأما بالجسد فلأنه يعرض له ~~عند حدوث هذه الأعراض للنفس طول السهر وسوء الاغتذاء، ويعقب ذلك رداءة ~~اللون وسوء السحنة وفساد المزاج. وإذا كان العاقل يزم بعقله الهوى - المقرب ~~إليه الشهوات اللذيذة بعد أن تكون مما يعقب مضرة - فأولى به وأولى أن يجتهد ~~في محو هذا العارض عن نفسه ونسيانه # PageV01P051 # ولإضراب عنه وترك الفكر فيه متى خطر بباله. وأيضا فإن الحسد نعم العون ~~والمنتقم من الحاسد والمحسود، وذلك أنه يديم همه وغمه ويذهل عقله ويعذب ~~جسده ويوهن بأشغال نفسه وإضعاف جسده كيده للمحسود وسعيه عليه إن دام ذلك. ~~فأي رأي هو أولى بالتسفيه والترذيل من الذي لا يجلب على صاحبه إلا ضررا، ~~وأي سلاح أحق وأولى بالاطراح من الذي هو جنة للعدو وجارح للحامل؟ وأيضا فإن ~~مما يمحو الحسد عن النفس ويسهل ويطيب لها الإقلاع عنه أن يتأمل العاقل ~~أحوال الناس - ترقيهم في المراتب ووصولهم إلى المطالب - وأحوالهم مما صاروا ~~إليه من هذين البابين، ويجيد التثبت فيه على ما نحن ذاكروه هاهنا، فإنه ~~سيهجم منه على أن حالة المحسود عند نفسه خلافها عند الحاسد، وأن يتصوره ~~الحاسد من عظمها وجلالتها ونهاية غبطة المحسود وتمتعه بها ليس كذلك. أقول: ~~إن الإنسان لا يزال يستعظم الحالة ويستجلها ويود ويتمنى بلوغها والوصول ~~إليها، ويرى بل لا يشك أن الذين قد نالوها وبلغوها هم في غاية الاغتباط ~~والاستمتاع بها، حتى إذا بلغها ونالها لم يفرح ولم يسر بها إلا مديدة يسيرة ~~بقدر ما يستقر فيها ويتمكن منها ويعرف بها، ويكون هذه المديدة عند نفسه ~~مسعودا مغتبطا بها، حتى إذا حصلت له هذه الحالة - المتمناة كانت - واستحكم ~~كونه فيها وملكه لها ومعرفة الناس له ms26 # PageV01P052 # بها سمت نفسه إلى ما هو فوقها وتعلقت أمنيته بما هو أعلى منها، فاستقل ~~واسترذل حالته التي هو فيها التي قد كانت من قبل غايته وأمله، وصار بين هم ~~وخوف: أما الخوف فمن النزول عن الدرجة التي نالها وحصلها، وأما الهم فبالتي ~~يقدر بلوغها. فلا يزال متقنطا لها متنغصا بها زاريا عليها، متعب الفكر ~~والجسد في إعمال الحيلة للتنقل عنها والترقي منها إلى ما سواها، ثم تكون ~~حالته في الثانية كذلك وفي الثالثة إن بلغها وفي كل ما نال ووصل إليه منها. ~~وإذا كان الأمر كذلك فيحق على العاقل أن يحسد أحدا على فضل من دنيا ناله ~~مما يستغنى عنه في إقامة العيش، وأن لا يظن أن أصحاب الفضل فيها والإكثار ~~منها لهم من فضل الراحة واللذة بحسب ما عندهم من فضل عروض الدنيا. وذلك أن ~~هؤلاء لمطاولة هذه الحال ودوامها # يصيرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - إلى أن لا يلتذوها، لأنها تصير ~~عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك ~~التذاذهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته المعتادة. وكذلك تكون قضيتهم في ~~قلة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا يزالون مجدين منكمشين في الترقي ~~والعلو إلى ما فوقهم تقل راحتهم، حتى إنها ربما كانت أقل من راحة من هو ~~دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائما أبدا كذلك. فإذا لاحظ العاقل ~~هذه المعاني وتأملها آخذا فيها بعقله طارحا لهواه علم أن الغاية التي يمكن ~~بلوغها من لذاذة العيش وراحته هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش ~~مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل الكفاف دائما فضل الراحة عليها. فأي وجه ~~للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا ~~الباب أيضا كفاية، فلنقل الآن في الغضبرون - بعد الراحة واللذة ودوامها - ~~إلى أن لا يلتذوها، لأنها تصير عندهم بمنزلة الشيء الطبيعي الاضطراري في ~~بقاء العيش، فيقرب من أجل ذلك التذاذهم بها من التذاذ كل ذي حالة بحالته ~~المعتادة. وكذلك ms27 تكون قضيتهم في قلة الراحة، وذلك أنه من أجل أنهم لا ~~يزالون مجدين منكمشين في الترقي والعلو إلى ما فوقهم تقل راحتهم، حتى إنها ~~ربما كانت أقل من راحة من هو دونهم، ولا ربما بل هي في أكثر الأمور دائما ~~أبدا كذلك. فإذا لاحظ العاقل هذه المعاني وتأملها آخذا فيها بعقله طارحا ~~لهواه علم أن الغاية التي يمكن بلوغها من لذاذة العيش وراحته # PageV01P053 # هي الكفاف، وأن ما فوقه من أحوال المعاش مقارب في ذلك بعضه لبعض، بل ~~الكفاف دائما فضل الراحة عليها. فأي وجه للتحاسد إلا الجهل بها وأتباع ~~الهوى دون العقل فيها. وفيما ذكرنا من هذا الباب أيضا كفاية، فلنقل الآن في ~~الغضب # PageV01P054 ### || الفصل الثامن في دفع الغضب # إن الغضب جعل في الحيوان ليكون له به انتقام من المؤذي. وهذا العارض إذا ~~أفرط وجاوز حده حتى يفقد معه العقل فربما كانت نكايته في الغضب وإبلاغه ~~إليه المضرة أشد وأكثر منها في المغضوب عليه. ومن أجل ذلك ينبغي للعاقل أن ~~يكثر تذكر أحوال من أدى به غضبه إلى أمور مكروهة في عاجل الأمر وآجله، ~~ويأخذ نفسه بتصورها في حال غضبه. فإن كثيرا ممن يغضب ربما لكم ولطم ونطح، ~~فجلب بذلك من الألم على نفسه أكثر مما نال به من المغضوب عليه. ولقد رأيت ~~من لكم رجلا على فكه فكسر أصابعه حتى مكث يعالجها اشهرا، ولم ينل الملكوم ~~كثير أذى. ورأيت من استشاط وصاح فنفث الدم مكانه، وأدى به ذلك إلى السل ~~وصار سبب موته. وبلغنا أخبار أناس نالوا أهليهم وأولادهم ومن يعز عليهم في ~~وقت غضبهم بما طالت ندامتهم عليه، وربما لم يستدركوه آخر عمرهم. وقد ذكر ~~جالينوس أن والدته كانت تثب بفمها على القفل فتعضه إذا تعسر عليها فتحه. ~~ولعمري إنه ليس بين من فقد الفكر والروية في حال غضبه وبين المجنون كبير ~~فرق. فإن الإنسان إذا أكثر تذكر أمثال هذه الأحوال في حال سلامته كان أحرى ~~أن يتصورها في وقت غضبه. # PageV01P055 # وينبغي أن يعلم أن الذين كان منهم ms28 مثل هذه الأفعال القبيحة في وقت غضبهم ~~إنما أتوا من فقد عقولهم في ذلك الوقت، فيأخذ نفسه بأن لا يكون منه في وقت ~~غضبه فعل إلا بعد الفكر والروية فيه، لئلا ينكى نفسه من حيث يروم إنكاء ~~غيره، ولا يشارك البهائم في إطلاق الفعل من غير روية. وينبغي أن يكون في ~~وقت المعاقبة بريا من أربع خلال: الكبر والبغض للمعاقب ومن ضدي هذين، فإن ~~الأولين يدعوان إلى أن يكون الانتقام والعقوبة مجاوزين لمقدار الجناية، ~~والآخرين إلى أن يكونا مقصرين عنه. وإذا أخطر العاقل بباله هذه المعاني ~~وأخذ هواه باتباعها كان غضبه وانتقامه بمقدار عدل، وأمن أن يعود عليه منه ~~ضرر في نفسه أو في جسده في عاجل أمره وأجله. ### || الفصل التاسع في اطراح الكذب # هذا أيضا أحد العوارض الرديئة التي يدعو إليها الهوى. وذلك أن الإنسان ~~لما كان يحب التكبر والترؤس من جميع الجهات وعلى كل الأحوال يحب أن يكون هو ~~أبدا المخبر المعلم، لما في ذلك من الفضل له على المخبر المعلم. وقد قلنا ~~إنه ينبغي للعاقل أن لا يطلق هواه فيما يخاف أن يجلب عليه من بعد هما وألما # PageV01P056 # وندامة، ونجد الكذب يجلب على صاحبه ذلك، لأن المدمن للكذب المكثر منه لا ~~يكاد تخطئه الفضيحة ولا يسلم منها، إما لمناقضة تكون منه لسهو ونسيان ~~يحدثان له. وإما لعلم بعض من يحدثه واطلاعه من حديثه ذلك على خلاف ما ذكر. ~~وليس يصيب الكذاب من الالتذاذ والاستمتاع بكذبه - ولو كذب عمره كله - ما ~~يقرب فضلا عما يوازي ما يدفع إليه - ولو مرة واحدة في عمره كله - من هم ~~الخجل والاستحياء عند افتضاحه واحتقار الناس واستصغارهم وتسفيههم وترذيلهم ~~له وقلة ركونهم إليه وثقتهم به، إن كان ممن لنفسه عند نفسه مقدار ولم يكن ~~في غاية الخسة والدناءة. فإن مثل هذا لا ينبغي أن يعد في الناس فضلا عن أن ~~يكون يقصد بكلام يطمع به في صلاحه. ومن أجل أن أسباب الفضيحة في هذا المعنى ~~ربما تأخرت كثيرا ما يغتر الجاعل بذلك، ms29 إلا أن العاقل ليس يورط نفسه فيما ~~يخاف أو لا يأمن معه الفضيحة، بل يستظهر ويأخذ بالحزم في ذلك. # وأقول: إن الإخبار بما لا حقيقة له نوعان، فنوع منه يقصد به المخبر إلى ~~أمر جميل مستحسن يكون له عند تكشف الخبر عذرا واضحا نافعا للمخبر، موجبا ~~لأن يسوق ذلك الخبر إليه على ما ساقه إليه وإن لم يكن حقيقة كذلك. مثال ذلك ~~أنه لو أن رجلا علم من ملك ما أنه مزمع على قتل صاحب له في يوم # PageV01P057 # غد، وأنه متى انقضى يوم غد ظهر الملك على أمر ما يوجب أن يقتل صاحبه هذا، ~~فجاء إلى صاحبه وأخبره أنه استخفى في منزله كنزا وأنه يحتاج إلى معاونته ~~عليه في يوم غد، فأخذ به إلى منزله فلم يزل يومه ذلك يعلله بل يكده بالحفر ~~والبحث عب ذلك الكنز، حتى إذا انقضى ذلك اليوم وظهر الملك على ما ظهر عليه ~~أخبره حينئذ بالأمر على حقيقته. أقول إن هذا الرجل وإن كان قد أخبر صاحبه ~~أولا بما لا حقيقة له فليس في ذلك بمذموم ولا عند تكشف الخبر على خلاف ما ~~حكاه بمفتضح، إذ كان قد قصد به إلى أمر جميل جليل نافع للمخبر. فهذا وما ~~أشبهه ونحاه من الإخبار مما لا حقيقة له لا يعقب صاحبه فضيحة ولا مذمة ولا ~~ندامة بل شكرا وثناء جميلا. وأما النوع الثاني العديم لهذا الغرض ففي تكشفه ~~الفضيحة والمذمة. وأما الفضيحة فإذا لم يكن على المخبر من ذلك ضرر، كرجل ~~حكى لصاحبه أنه عاين بمدينة كذا وكذا حيوانا أو جوهرا أو نباتا من حالته ~~وقصته كذا وكذا، مما لا حقيقة له ولا يقصد به الكاذبون إلا إلى التعجب منه ~~فقط. وأما المذمة فإذا جلب على المخبر مع ذلك ضررا، كرجل حكى لصاحبه عن ملك ~~بلدة ما شاسعة رغبة في قربه وتوقانا إليه، وحقق في نفسه أنه إن احتمل إليه ~~وسار نحوه نال منه مكان كذا ومرتبة كذا، وإنما فعل ذلك لينال شيئا مما ~~يخلفه، حتى إذا ms30 تعنى صاحبه وتحمل واجتهد فورد على ذلك الملك لم يجد لشيء من ~~ذلك حقيقة، ووجده حنقا مغضبا عليه فأتى على # PageV01P058 # نفسه. على الأولى بأن يسمى كاذبا ويجنب ويحترس منه من كذب لا لأمر اضطر ~~إليه ولا مطلب عظيم ينال به، فإن من استحسن الكذب وأقدم عليه لأغراض دنتة ~~خسيسة كان أحرى وأولى به عند الأغراض العظيمة الجليلة ### || الفصل العاشر في البخل # إن هذا العارض ليس يمكننا أن نقول إنه من عوارض الهوى بإطلاق وذلك أنا ~~نجد قوما يدعوهم إلى التمسك والتحفظ بما في أيديهم فرط خوفهم من الفقر وبعد ~~نظرهم في العواقب وشدة أخذ منهم بالحزم في الاستعداد للنكبات والنوائب، ~~ونجد آخرين يلذون الإمساك لنفسه لا لشيء آخر، ونجد من الصبيان الذين لم ~~يستحكم فيهم الروية والفكر من يسخو بما معه لقرنائه من الصبيان ونجد منهم ~~من يبخل به. فمن أجل ذلك ينبغي أن يقصد إلى ومقاومة ما # PageV01P059 # كان من هذا العارض عن الهوى فقط، وهو الذي إذا سئل صاحبه عن السبب والعلة ~~في إمساكه لم يجد في ذلك حجة بينة مقبولة تنبئ عن عذر واضح. لكن يكون جوابه ~~ملزقا مرقعا ملجلجا مثبجا. وقد سألت مرة رجلا من الممسكين عن السبب الداعي ~~له إلى ذلك، فأجابني بأجوبة من نحو ما ذكرت. وجعلت أبين له فسادها وأنه ليس ~~مما اعتل به شيء يوجب مقدار ما كان عليه من الإمساك. وذلك أني لم أسمه أن ~~يجود من ماله بما يبين عليه فضلا عما يجحف به أو يحطه عن مرتبته في غناه، ~~فكان آخر جوابه أن قال هكذا أحب وكذا اشتهى. فأعلمته حينئذ أنه قد حاد عن ~~حكم العقل إلى الهوى، إذ كان ما يعتل به ليس بقادح في الحالة العاجلة التي ~~هو عليها ولا في الحزم والوثيقة والنظر في العاقبة. فهذا المقدار من هذا ~~العارض هو الذي ينبغي أن يصلح ولا يقار # PageV01P060 # الهوى عليه، وهو البخل بما يؤثر في الحالة الحاضرة انحطاطا ولا فيما يرام ~~بلوغه فيمال بعد بالمال ضعفا ولا عجزا. ms31 فأما من كان له عذر بين واضح من أحد ~~هذين البابين أو من كليهما فليس ما عرض له الإمساك عن الهوى بل عن العقل ~~والروية، ولا ينبغي أن يزال عنه بل يزيد ويثبت عليه. وليس كل ممسك يسوغ له ~~أن يحتج بالباب الثاني من هذين البابين. وذلك أن من كان من الناس آيسا من ~~أن يبلغ بإمساكه رتبة أعلى وأجل من التي هو فيها كمن كان في أواخر عمره أو ~~في أقصى المراتب التي يمكن أن يبلغها مثله فليس لاحتجاجه بالباب الثاني من ~~هذين البابين وجه بتة ### || الفصل الحادي عشر في دفع الفضل الضار من الفكر والهم # إن هذين العرضين وإن كانا عرضين عقليين فإن فرطهما مع ما يجلب من # PageV01P061 # الألم والأذى ليس هو - في إقعادنا عن مطالبنا وقطعنا دونها - بدون ~~تقصيرهما عما ذكرنا قبل حيث ذكرنا إفراط فعل النفس الناطقة. ولذلك ينبغي أن ~~يكون العقل يريح الجسد منهما وأن ينيله من اللهو والسرور واللذة بقدر ما ~~يبلغ له ما يصلحه ويحفظ عليه صحته لئلا يخور وينهد وينهك ويقطع بنا دون ~~قصدنا. ومن أجل اختلاف طبائع الناس وعاداتهم تختلف مقادير احتمال الفكر ~~والهم فيهم، فبعض يحتمل الكثير منهما غير أن يضر ذلك به، وبعض لا يحتمل. ~~فينبغي أن يتفقد ذلك ويتدارك قبل أن يعظم وأن يتدرج إلى الازدياد منه ما ~~أمكن، فإن العادة تعين على ذلك وتقوى عليه. وبالجملة فإنه ينبغي أن يكون ~~نيلنا وإصابتنا من اللهو والسرور واللذة لا أنها لها لنفسها، بل لكي نتجدد ~~ونقوى به على العدو في فكرنا وهمنا اللذين بهما نبلغ مطالبنا. فإنه كما قصد ~~الرجل السائر في إعلاف دابته ليس إلى أن ينيلها لذاتها بل إلى أن يقويها ~~على بلوغ مكانه ومستقره، فكذلك ينبغي أن يكون حالنا في الاشتغال بمصالح ~~أجسادنا. فإنه إذا فعلنا ذلك وقدرناه هذا التقدير بلغنا مطالبنا في أسرع ~~الأوقات التي يمكن في مثلها بلوغها، ولم نكن كالذي أهلك راحلته قبل بلوغه ~~أرضه التي يؤمها بالحمل عليها والخرق بها، ولا كالذي ms32 شغل بإسمانها وإخصابها ~~حتى فاته الوقت الذي كان ينبغي أن يكون قد وصل فيه إلى موضعه ومستقره. ~~وسنأتي في ذلك بمثل آخر، أقول: لو أن رجلا أحب علم الفلسفة وآثرها حتى ~~جعلها همه وشغل # PageV01P062 # بها فكره، ثم رام أن يبلغ منها ما بلغ سقراطيس وأرسطوطاليس وثوفرسطس ~~وأوذيمس وخروسبس وثامسطيس واسكندروس في مدة سنة مثلا، فأدام الفكر والنظر ~~وأقل الغذاء والراحة - ومما يتبع ذلك ضرورة دوام السهر -، أقول إن هذا ~~الرجل يقع إلى الوسواس والملنخوليا وإلى الدق والذبول قبل مضي تمام هذه ~~المدة وقبل أن يقارب هؤلاء الذين ذكرناهم. وأقول لو أن رجلا آخر أحب أيضا ~~استكمال علم الفلسفة على أنه إنما ينظر فيها في الوقت بعد الوقت إذا فرغ من ~~أشغاله ومل من لذاته وشهواته، فإذا عرض له أدنى شغل أو تحركت فيه أدنى شهوة ~~ترك النظر وعاد فيما كان فيه أولا، أقول إن هذا الرجل لا يستكمل علم ~~الفلسفة في عمره ولا يقارب ذلك ولا يدانيه. فقد عدم هذان الرجلان مطلوبهما ~~أحدهما من جهة الإفراط والآخر من جهة التقصير. ومن أجل ذلك ينبغي أن نعتدل ~~في فكرنا وهمومنا التي نروم بها بلوغ مطالبنا لنبلغها ولا نعدمها من قبل ~~تقصير أو إفراط. ### || الفصل الثاني عشر في دفع الغم # إن الهوى إذا تصور بالعقل فقد الموافق المحبوب عرض فيه الغم. ونحتاج في ~~بيان أن الغم عرض عقلي أو هوائي إلى كلام فيه فضل طول ودقة. # PageV01P063 # وقد ضمنا في أول هذا الكتاب أن لا نتعلق فيه من الكلام إلا بما لا بد منه ~~في غرضه الذي أجريناه إليه، ومن قبل ذلك نتجاوز الكلام في هذا المعنى ونصير ~~إلى ما هو المقصود المطلوب بكتابنا هذا. على أنه قد يمكن من كان به أدنى ~~مسكة من علم الفلسفة أن يستنبط ويستخرج هذا المعنى من الرسم الذي رسمنا به ~~الغم في أول هذا الكلام، إلا أنا نحن ندع ذلك ونتجاوزه إلى ما هو المطلوب ~~بهذا الكتاب فأقول: إنه لما كان الغم يكدر الفكر والعقل ويؤذي ms33 النفس والجسد ~~حق لنا أن نحتال لصرفه ودفعه أو التقليل منه والتضعيف له ما أمكن. وذلك ~~يكون من وجهين، أحدهما بالاحتراس منه قبل حدوثه لئلا يحدث أو يكون ما يحدث ~~أقل ما يمكن، والآخر دفع ما قد حدث ونفيه إما كله وإما أكثر # PageV01P064 # ما يمكن منه والتقدم بالتحفظ لئلا يحدث أو ليقل أو يضعف ما يحدث منه، ~~وذلك يكون بتأمل هذه المعاني التي أنا ذاكرها أقول: إنه لما كانت المادة ~~التي منها تتولد المغموم إنما هي فقد المحبوبات، ولم يمكن أن لا تفقد هذه ~~المحبوبات لتداول الناس لها وكرور الكون والفساد عليها، وجب أن يكون أكثر ~~الناس وأشدهم غما من كانت محبوباته أكثر عددا وكان لها أشد حبا، وأقل الناس ~~غما من كانت حاله بالضد من ذلك. فقد ينبغي إذا للعاقل أن يقطع مواد الغموم ~~عمه بالاستقلال من الأشياء التي يجلب فقدها غما، ولا يغتر وينخدع بما نعها ~~- ما دامت موجودة - من الحلاوة، بل يتذكر ويتصور المرارة المجرعة عند فقدها # فإن قال قائل إن من توقى اتخاذ المحبوبات واقتناءها خوفا من الغم عند ~~فقدها فقد استعجل غما، قيل له إنه وإن كان هذا المتوقى المحترس قد استعجل ~~غما فليس ما استعجله بمساو لما خاف الوقوع فيه منه. وذلك أنه ليس اغتنام من ~~ولد له كاغتنام من أصيب بولده هذا إن كان الرجل ممن يغتنم بأن لا يكون له ~~ولد فضلا عن غيره ممن لا يبالي ولا يعبأ بذلك ولا يغتم له بتة ولا غم من لا ~~معشوق له كغم من فقد معشوقه. وقد حكي عن بعض الفلاسفة أنه قيل له لو اتخذت ~~ولدا. فقال إني من السعي في إصلاح جسدي هذا ونفسي هذه في مؤن وغموم لا قوام ~~لي بها، فكيف أضم وأقرن إليها مثلها؟ وسمعت مرأة عاقلة تقول إنها عاينت ~~يوما مرأة شديدة التحرق على # PageV01P065 # ولد لها أصيبت به وأنها توقت الدنو من زوجها خوفا من أن ترزق ولدا تبلى ~~فيه بمثل بلائها. ومن أجل أن وجود المحبوب موافق ms34 ملائم للطبيعة وفقده مخالف ~~منافر لها صارت تحس من ألم فقد المحبوب ما لا تحس من لذة وجوده. ولذلك صار ~~الإنسان يكون صحيحا مدة طويلة فلا يحس لصحته بلذة، فإن اعتل بعض أعضائه أحس ~~على المكان فيه بألم شديد. وكذلك تصير المحبوبات كلها عند الإنسان - إذا ~~وجدها أو طالت صحبتها له - في سقوط لذة وجودها عنه ما دامت موجودة له وحصول ~~شدة ألم فقدها عليه إذا فقدها ومن أجل هذا لو أن رجلا استمتع دهرا طويلا ~~بأهل وولد ثم بلى بفقدهما لأحس من التألم في يوم واحد وساعة واحدة ما يفضل ~~ويأتي على لذة إمتاعه كان بهما. وذلك أن الطبيعة تحسب وتعد ذلك الاستمتاع ~~الطويل كله حقا واجبا لها، بل تعده دون حقها. وذلك أنها لا تخلو في تلك ~~الخالة أيضا من استقلال ما هي فيه الزيادة منه دائما بلا نهاية حبا منها ~~للذة واشتياقا إليها. وإذا كان الأمر على هذا - أعني أن يكون التلذذ ~~والاستمتاع بالمحبوبات في حال وجودها معوزا منطمسا مستقلا مغفلا، والحزن ~~والتحرق والتلظي عند فقدها متبينا مستكثرا مؤلما متلفا - فما الرأي إلا ~~طرحها بتت أو الاستقلال منها لتعدم أو تقل عواقبها الرديئة الجالبة للغموم ~~المؤذية المضنية. فهذه أعلى المراتب في هذا الباب وأحمسها لمواد الغموم. ~~ويتلوه في ذلك أن يتمثل الرجل ويتصور فقد محبوباته ويقيمها في نفسه ووهمه ~~ويعلم أنها ليس مما يمكن # PageV01P066 # أن تبقى وتدوم بحالها، ولا يخلو من تذكر ذلك منها وإخطار ذلك بباله فيها ~~وتصحيح العزم وشدة الجلد متى حدث ذلك بها. فإن ذلك تمرين وتدريج ورياضة ~~وتقوية للنفس على قلة الجزع عند حدوث المصائب لقلة ما كان من اعتياده وثقته ~~وركونه إلى بقاء محبوباته في حال وجودها ولكثرة ما مثل للنفس وعودها وآنسها ~~بتصور المصائب قبل حدوثها. وفي مثل هذا المعنى يقول الشاعر # يصور ذو الحزم في نفسه ... مصائبه قبل أن تنزلا # فإن نزلت بغتة لم ترعه ... لما كان في نفسه مثلا # رأى الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا # فإن كان ms35 هذا الإنسان في غاية الفشالة ومفرط الميل مع الهوى واللذة ولا ~~يثق من نفسه باستعمال شئ من هذين البابين فليس إلا أن يحتال أن ينفرد من ~~محبوباته بواحدة ينزلها منزلة ما لا بد منه وما ليس غيره، بل يقرن إليها ~~ويتخذ منها ما ينوب - أو يقارب أن ينوب - عن مفقود إن فقد منها، فإنه بهذا ~~الوجه يمكن أن لا يفرط حزنه واغتمامه بأي واحد فقد منها. فهذه جملة يحترس ~~به من كون الغم ووقوعه. فأما ما يدفع به أو يقلل منه إذا كان ووقع فإنا ~~قائلون فيه منذ الآن # فنقول: إن العاقل إذا تفقد ونظر فيما يعتوره الكون والفساد من هذا العالم ~~ورأى أن عنصرها عنصر مستحيل منحل سيال لا ثبات لشيء منه ولا دوام له # PageV01P067 # بالشخصية، بل كلها زائل داثر مستحيل فاسد مضمحل، فلا ينبغي أن يستكثر ~~ويستظعم ويستفظع ما سلب منه وفجع به منها، بل يجب عليه أن يعد مدة بقائها ~~له فضلا، وما استمتع به من ذلك ربحا، إذ كان فناؤها وزوالها كائنا لا ~~محالة، ولا يعظم ويكبر ذلك عليه وقت كونه إذ كان شيئا لا بد أن يعرض فيها. ~~فإنه متى أحب دوام بقائها فقد رام ما لا يمكن وجوده لها، ومن أحب ما لا ~~يمكن وجوده كان جالبا بذلك الغم إلى نفسه ومائلا عن عقله إلى هواه وأيضا ~~فإن فقد الأشياء التي ليست بأضطرازية في بقاء الحياة ليس يدوم له الغم بها ~~والحزن عليها، لكن يسرع منها البديل وعنها النائب ويعقب ذلك السلوة عنها ~~والنسيان لها، فترجع العيشة وتعود الحالة إلى ما كانت عليه قبل المصيبة فكم ~~رأينا ممن أصيب بعظيم المصائب وفادحها راجعا إلى ما لم يزل عليه قبل مصابه ~~ملتذا بعيشه مغتبطا بحاله. فلذلك ينبغي للعاقل أن يذكر النفس في حال ~~المصيبة بما تؤول وترجع إليه من هذه الحالة ويعرضه عليها ويشوقها إليه ~~ويجتلب ما يشغل ويلهي أكثر ما يمكن لسرع الخروج منها إلى هذه الحالة وأيضا ~~فإن تذكره كثرة المشاركين له في ms36 المصائب وأنه لا يكاد يعرى منها أحد وتذكر ~~حالاتهم بعد وأبواب سلوتهم وحالاته وسلوا ته نفسه عن مصائب إن كانت تقدمت ~~له مما يخفف ويسكن من عادية الغم. وأيضا فإنه إن كان أكثر الناس وأشدهم غما ~~من كانت محبوباته أكثر عددا وكان لها أشد حبا # PageV01P068 # فإنه ليس من واحد يفقد منها إلا وفقد من الغم على مقداره، بل يريح نفسه ~~من هم دائم وخوف عليه منتظر، ويحدث له وجرة وجلد على ما يحدث منها بعد، فقد ~~جر فقدها نفعا وإن كان الهوى لذلك كارها، فاكتسب راحة وإن كان متذوقها مرا ~~وفي مثل هذه المعاني يقول الشاعر: # لعمري لئن كنا فقدناك سيدا ... وكهفا له طال التحزن والهلع # لقد جر نفعا فقدنا لك أننا ... أمنا على كل الرزايا من الجزع # فأما ما يعتصم به المؤثر لاتباع ما يدعوه إليه عقله وتجنب ما يدعوه إليه ~~هواه، التام الملكة والضابط لنفسه من الغم فواحدة، وهي أن العاقل الكامل لا ~~يختار المقام على حالة تضره، ومن أجل ذلك يبادر إلى النظر في سبب الغم ~~الوارد عليه. فإن كان مما يمكن دفعه وإزالته جعل بدل الاغتنام فكرا في ~~الحيلة لدفع ذلك السبب وإزالته، وإن كان ذلك فيه أخذ على المكان في التلهي ~~عنه والتناسي له وعمل في محوه عن فكره وإخراجه عن نفسه. وذلك أن الذي يدعوه ~~إلى المقام على الاغتنام في هذه الحالة الهوى لا العقل، إذ العقل لا يدعو ~~إلا إلى ما جلب نفعا عاجلا وآجلا، وكان الاغتنام مما لا درك فيه بتة ولا ~~عائدة منه بل فيه ضرر عاجل يؤدي إلى ضرر آجل فضلا عن أن يكون نافعا. وهو ~~أعني الرجل العاقل الكامل لا يتبع إلا ما دعاه إليه العقل ولا يقيم إلا على ~~ما أطلق له المقام عليه لسبب وعذر واضح، ولا يتبع الهوى ولا ينقاد له ولا ~~يقاربه على خلاف ذلك # PageV01P069 ### || الفصل الثالث عشر في الشره # إن الشره والنهم من العوارض الرديئة العائدة من بعد بالألم والمضرة وذلك ~~أنه ليس إنما ms37 يجلب على الإنسان استنقاص الناس له واسترذالهم إياه فقط، ولكن ~~يطرحه مع ذلك في سوء الهضم، ومن سوء الهضم إلى ضروب من الأمراض الرديئة ~~جدا. ويتولد عن قوة النفس الشهوانية، وإذا انضم إليها وساعدها عمى النفس ~~الناطقة الذي هو قلة الحياء كان مع ذلك ظاهرا مكشوفا. وهو أيضا ضرب من ~~أتباع الهوى يدعو إليه ويحمل عليه تصور استلذاذ طعم المتطم. ولقد بلغني أن ~~رجلا من أهل الشره أقبل يوما على ضروب من الطعام بنهم وشره شديد، حتى إذا ~~تضلع وتملأ منها لم يمكنه معه تناول شيء بتة، فأخذ يبكي فسؤل عن سبب بكائه، ~~فقال إن ذلك لأنه زعم لا يقدر على أكل شيء مما هو بين يديه. وقد كان رجل ~~بمدينة السلام يأكل معي من رطب كثير كان بين أيدينا، فأمسكت بعد تناولي منه ~~مقدارا معتدلا، وأمعن هو حتى قارب أن يأتي على جميعه. فسألته بعد امتلائه ~~منه وإمساكه عنه وذلك أني رأيته محدقا نحو ما رفع من بين أيدينا منه هل ~~انتهت نفسه وسكنت شهوته؟ فقال ما كنت أحب إلا أن أكون بحالتي الأولى ويكون ~~هذا الطبق إنما قدم إلينا الآن. فقلت له فإذا كان ألم حس الاشتهاء ومضضه لم ~~يسقط عنك # PageV01P070 # ولا في هذه الحال فما كان الصواب إلا الإمساك قبل التملي لتريح النفس مما ~~أنت فيه الآن من الثقل والتمدد بالتملي، وما لا تأمن أن تصير إليه من سوء ~~الهضم الذي يجلب عليك من الأمراض ما يكون تألمك به أكثر من التذاذك بما ~~تناولته أضعافا كثيرة. فرأيته قد فهم معنى هذا الكلام وبجع فيه وبلغ إليه. ~~ولعمري إن هذا الكلام ونحوه يقنع من لم يكن مرتاضا برياضات الفلسفة أكثر ~~مما تقنع الحجج المبينة على الأصول الفلسفية. وذلك أن المعتقد أن النفس ~~الشهوانية إنما قرنت إلى الناطقة لتنال هذا الجسد الذي هو للنفس الناطقة ~~بمنزلة أداة أو آلة ما يبقى به مدة اكتساب النفس الناطقة المعرفة بهذا ~~العالم، يقمع النفس الشهوانية ويمنعها من الإصابة من الغذاء فوق الكفاف، ms38 إذ ~~كان يرى أن الغرض والقصد بالأغتذاء في الخلقة ليس للأتذاذ بل للبقاء الذي ~~لا يمكن أن يكون إلا به. وذلك كما حكي عن بعض الفلاسفة أنه كان يأكل مع بعض ~~الأحداث ممن لا رياضة له، فاستقل ذلك الحدث أكل الفيلسوف ويتعجب منه وقال ~~له في بعض كلامه لو كان زردي من الغذاء مثل زردك لم أبال أن لا أعيش. فقال ~~له الفيلسوف أجل يا بني، أنا آكل لأبقى وأنت تريد أن تبقى لتأكل. وأما من ~~لا يرى أن عليه من التملي والاستكثار من الغذاء بأسا في مذهبه ورأيه فإنما ~~ينبغي أن يدفع عن ذلك بالكلام في الموازنة للذة المصابة من ذلك بالألم ~~المعقب لها كما ذكرنا قبيل. ونقول أيضا: إنه إذا كان انقطاع الطعم المستلذ ~~عن المتطعم مما لا بد # PageV01P071 # منه فقد ينبغي للعاقل أن يقدم ذلك قبل الحال التي لا يأمن معها عاقبة ~~رديئة. وذلك أنه إن لم يفعل ذلك خسر ولم يربح. أما خسرانه فتعريض النفس ~~للألم والسقم، وأما أنه لم يربح فلأن مضض انقطاع لذة المتطعم عنه قائم على ~~حال، فمتى انحرف عن هذا أو مال إلى ضده فليعلم أنه قد ترك عقله لهواه. ~~وأيضا فإن للشره والنهم ضراوة واستكلابا شديدا، ومتى أهمل وأمرج قوي ذلك ~~منه وعسر نزوع النفس عنه. ومتى ردع وقمع وهن ودبل وضعف على الأيام حتى يفقد ~~البتة. قافل الشاعر # وعادة الجوع فأعلم عصمة وغنى ... وقد تزيدك جوعا عادة الشبع ### || الفصل الرابع عشر في السكر # إن إدمان السكر ومواترته أحد العوارض الرديئة المؤدية بصاحبها إلى ~~المهالك والبلايا والأسقام الجمة. وذلك أن المفرط في السكر مشرف في وقته ~~على السكتة والاختناق وعلى امتلاء بطن القلب الجالب للموت فجأة وعلى انفجار ~~الشرايين التي في الدماغ وعلى التردي والسقوط في الأغوار والآبار، ومن بعد ~~فعلى الحميات الحارة والأورام الدموية والصفراوية في الأحشاء والأعضاء ~~الرئيسية وعلى الرعشة والفالج لا سيما إن كان ضعيف العصب. هذا إلى سائر ملا ~~يجلب على صاحبه من فقد العقل وهتك الستر ms39 وإظهار السر والقعود به # PageV01P072 # عن إدراك جل المطالب الدينية الدنيائية، حتى إنه لا يكاد يتعلق منها ~~بمأمول ولا يبلغ منها حظوة، بل لا يزال منها منحطا متسفلا. وفي مثاله يقول ~~الشاعر: # متى تدرك الخيرات أو تستطيعها ... ولو كانت الخيرات منك على شبر # إذا بت سكرانا وأصبحت مثقلا ... خمارا وعاودت الشراب مع الظهر # وبالجملة فإن الشراب من أعظم مواد الهوى وأعظم آفات العقل، وذلك أنه يقوي ~~النفسين - أعني الشهوانية والغضبية - ويشحذ قواهما حتى يطالباه بالمبادرة ~~إلى ما يحبانه مطالبة قوية حثيثة، ويوهن النفس الناطقة ويبلد قواها حتى لا ~~تكاد تستقصي الفكر والروية بل تسرع العزيمة وتطلق الأفعال قبل إحكام ~~الصريمة، ويسهل ويسلس انقيادها للنفس الشهوانية حتى لا تكاد تمانعها ولا ~~تتأبى عليها، وهذه مفارقة النطق والدخول في البهيمية. ومن أجل ذلك ينبغي ~~للعاقل أن يتوقاه ويحله هذا المحل وينزله هذه المنزلة ويحذره حذر من يروم ~~سلب أفضل عقده وأنفسها. فإن نال منه شيئا ما ففي حال كظ الفكر والهم له ~~وغموظهما إياه، وعلى أن لا يكون قصده وغرضه فيه إيثار اللذة واتباعها في ~~مطلوباتها، بل دفع الفضل منهما والسرف فيهما الذي لا يؤمن معه سوء الحال ~~وفساد المزاج. وينبغي أن يتذكر في هذا الموضع وأمثاله ما بيناه في # PageV01P073 # باب قمع الهوى، ويتصور تلك الجمل والجوامع والأصول لئلا يحتاج إلى إعادة ~~ذكرها وتكريرها، ولا سيما قولنا إن الإدمان والمثابرة على اللذات يسقط ~~الالتذاذ بها ويجعلها بمنزلة الشيء الاضطراري في بقاء الحياة، فإن هذا ~~المعنى يكاد أن يكون في لذة السكر أوكد منه في سائر اللذات. وذلك أن السكير ~~يصير بحالة لا يرى العيش إلا مع السكر، وتكون حالة صحوة عنده كحالة من قد ~~لزمته هموم اضطرارية. وأيضا فإن ضراوة السكر ليست بدون ضراوة الشره بل أكثر ~~منه كثيرا، وبحسب ذلك ينبغي أن تكون سرعة تلاحقه وشدة الزم والمنع منه. وقد ~~يحتاج إلى الشراب ضرورة في دفع الهم وفي المواضع التي يحتاج فيها إلى فضل ~~من الانبساط ومن الجرأة والإقدام والتهور، وينبغي أن ms40 يحذر ولا يقرب البتة ~~في المواضع التي يحتاج فيها إلى فضل فكر وتبين وتثبت ### || الفصل الخامس عشر في الجماع # إن هذا أيضا أحد العوارض الرديئة التي يدعو إليها ويحمل عليها الهوى # PageV01P074 # وإيثار اللذة الجالبة على صاحبها ضروب البلايا والأسقام الرديئة. وذلك ~~أنه يضعف البصر ويهد البدن ويخلقه ويسرع بالشيخوخة والهرم والذبول ويضر ~~بالدماغ والعصب ويسقط القوة ويوهنها، إلى أمراض أخر كثيرة يطول ذكرها وله ~~ضراوة شديدة كضراوة سائر الملاذ بل أقوى وأشد منها بحسب ما تذكر النفس من ~~فضل لذته عليها. ومع ذلك فإن الإكثار من الباه يوسع أوعية المني ويجلب ~~إليها دما كثيرا يكثر من أجل ذلك تولد المني فيها، فتزداد الشهوة له والشوق ~~إليه وتتضاعف. وبالضد من ذلك فإن الإقلال منه والإمساك عنه يحفظ على الجسد ~~الرطوبة الأصلية الخاصية بجوهر الأعضاء، فتطول مدة النشوء والنماء وتبطئ ~~الشيخوخة والجفاف والقحل والهرم وتضيق أوعية المني ولا تستجلب المواد، فيقل ~~تولد المني فيها ويضعف الانتشار ويتقلص الذكر وتسقط الشهوة وتعدم شدة حثها ~~ومطالبتها به ولذلك ينبغي للعاقل أن يزم نفسه عنه ويمنعها منه ويجاهدها على ~~ذلك لئلا تغرى به وتضرى عليه، فتصير إلى حالة تعسر ولا يمكن صدها عنه ~~ومنعها منه. ويتذكر ويخطر بباله جميع ما ذكرناه من زم الهوى ومنعه، ولا ~~سيما ما ذكرناه في باب الشره من ثبوت مضض الشهوة ورمضها وحثها ومطالبتها مع ~~النيل من المشتهي والبلوغ منه غاية ما في الوسع. وذلك أن هذا المعنى في ~~اللذة المصابة بالجماع أوكد وأظهر منه في سائر اللذات لما يتصور من فضل ~~لذته على سائرها # PageV01P075 # فالنفس - لاسيما المهملة الممرجة الغير مؤدبة التي يسميها الفلسفة الغير ~~مقموعة - لا يسقط عنها الإدمان للباه شهوتها ولا الاستكثار من السر أري ~~الشوق والنزوع إلى غيرهن. ولأن ذلك ليس يمكن أن يتم بلا نهاية فلا بد أن ~~يصلى بحر فقد الالتذاذ بالمشتهى ورمضائه، ويقاسي ويكابد ألم عدمه مع ثبوت ~~الداعي إليه والباعث عليه، إما لعوز من المال والممكنة وإما لضعف وعجز في ~~الطبع والبنية، إذ ms41 كان ليس يمكن فيها أن ينال من المشتهي المقدار الذي ~~تطالب به الشهوة وتدعو إليه، كحالة الرجلين المذكورين في باب الشره. وإذا ~~كان الأمر على هذا فليس الصواب إلا تقديم هذا الأمر الذي لا بد منه ومن ~~وقوعه ومقاساته - أعني فقد الالتذاذ بالمشتهي مع قيام الباعث عليه الداعي ~~إليه - قبل الإفراط فيه والاستكثار منه، ليأمن عواقبه الرديئة ويزيح ضراوته ~~واستكلابه وشدة حثه ومطالبته. وأيضا فإن هذه اللذة من أولى اللذات وأحقها ~~بالاطراح. وذلك أنها ليست اضطرارية في بقاء العيش كالطعام والشراب، وليس في ~~تركها ألم ظاهر محسوس كألم الجوع والعطش، وفي الإفراط فيها والإكثار منها ~~هدم البدن وهده. فليس الانقياد للداعي إليها والمرور معه سوى غلبة الهوى ~~وطموسه العقل الذي يحق على العاقل أن يأنف منه ويرفع نفسه عنه ول يشبه فيه ~~الفحولة من التيوس ومن الثيران وسائر البهائم التي ليس معها روية ولا نظر ~~في عاقبة. وأيضا فإن استقباح جل الناس # PageV01P076 # وجمهورهم لهذا الشيء واستسماجهم له وإخفاءهم إياه وسترهم لما يؤتى منه ~~يوجب أن يكون أمرا مكروها عند النفس الناطقة. وذلك أن اجتماع الناس على ~~استسماجه لا يخلو أن يكون إما بنفس الغريزة والبديهة وإما بالتعليم ~~والتأديب، وعلى أي الوجهين كان فقد وجب أن يكون سمجا رديئا في نفسه. وذلك ~~قد قيل في القوانين البرهانية إن الآراء التي ينبغي أن يشك في صحتها هي ما ~~اجتمع عليه كل الناس أو أكثرهم أو أحكمهم. وليس ينبغي لنا أن ننهمك في ~~إتيان الشيء السمج القبيح بل الواجب علينا أن ندعه البتة، فإن كان لا بد ~~منه فيكون الذي نأتي منه أقل ما يمكن مع الاستيحاء واللوم لأنفسنا عليه، ~~وإلا كنا مائلين عن العقل إلى الهوى وتاركيه له. وصاحب هذه الحال أخس عند ~~العقلاء وأطوع للهوى من البهائم لإيثاره ما دعا إليه الهوى وانقياده له في ~~ذلك مع إشراف العقل به على ما في ذلك عليه وزجره له، والبهيمة إنما تنقاد ~~لما في الطباع من غير زاجر ولا مشرف بها على ما ms42 عليها فيه ### || الفصل السادس عشر في الولع والعبث والمذهب # ليس يحتاج في ترك هذين - أعني العبث والولع - والإضراب عنهما إلا إلى # PageV01P077 # صحة العزم على تركمهما والاستيحاء والأنف منهما، ثم أخذ النفس بتذكر ذلك ~~في أوقات العبث والولع، حتى يكون ذلك العبث والولع نفسه عنجه بمنزلة ~~الرتيمة المذكرة. وقد حكى عن بعض العقلاء من الملوك أنه كان يولع ويعبث ~~بشيء من جسده - أحسبه لحيته - فطال ذلك منه وكثر قول من يقرب إليه له فيه، ~~فكأن السهو والغفلة يأبيان إلا ردة إليه. حتى قال بعض وزرائه ذات يوم يا ~~أيها الملك جرد لهذا الأمر عزمة من عزمات أولي العقل. فأحمر الملك واستشاط ~~غضبا، ثم لم ير عائدا إلى شئ من ذلك البتة. فهذا الرجل أثارت نفسه الناطقة ~~نفسه الغضبية بالحمية والأنف وصح العزم وتأكد في النفس الناطقة حتى أثر ~~فيها أثرا قويا صار مذكرا به ومنبها له عليه متى غفل عنه. ولعمري إن النفس ~~الغضبية إنما جعلت لتستعين بها الناطقة على الشهوانية متى كانت شديدة ~~النزاع قوية المجاذبة عسرة الانقياد. وإنه يحق على العاقل أن يغضب ويدخله ~~الأنف والحمية متى رأى الشهوة تروم قهره وغلبته على رأيه وعقله، حتى يذلها ~~ويقمعها ويقفها على الكرة والصغار عند حكم العقل ويجبرها # PageV01P078 # عليه. وإنه من العجب - بل مما لا يمكن بتة - أن يكون من يقدر على وم نفسه ~~عن الشهوات مع ما لها من الدواعي والبواعث القوية يعسر عليه منعها من الولع ~~والعبث وليس فيهما كبير شهوة ولا لذة. وأكثر ما يحتاج إليه في هذا الأمر ~~التذكر والتيقظ لأنه إنما يكون في أكثر الأحوال مع السهو والغفلة فأما ~~المذهب فإنه مما يحتاج فيه إلى كلام يبين به أنه عرض هوائي لا عقلي، وسنقول ~~في ذلك قولا وجيزا مختصرا. أقول: إن النظافة والطهارة إنما ينبغي أن تعتبر ~~بالحواس لا بالقياس ويجري الأمر فيهما بحسب ما يبلغه الإحساس لا بحسب ما ~~يبلغه الوهم. فما فات الحواس أن تدرك منه نجاسة سميناه طاهرا، وما فاتها أن ~~تدرك منه ms43 قذرا سميناه نظيفا. ومن أجل أنا نقصد هذين ونريدهما - أعني ~~الطهارة والنظافة - إما للدين وإما للتقذر، وليس يضرنا ولا في واحد من هذين ~~المعنيين ما فاته الحواس قلة من الشيء النجس والشيء القذر - وذلك أن الدين ~~قد أطلق الصلاة في الثوب الواحد الذي قد ماسته أرجل الذبان الواقعة على ~~الدم والعذرة. والتطهر بالماء الجاري ولو علمنا أنه مما يبال فيه، وبالراكد ~~في البركة العظيمة ولو علمنا أن فيه قطرة من دم أو خمر - وليس يضرنا ذلك في ~~التقذر - وذلك أن ما فات حواسنا لم نشعر به، وما لم نشعر به لم يخش أنفسنا ~~منه، وما لم تخش أنفسنا منه فليس لتقذرنا معنى البتة - فليس يضرنا إذا ~~الشيء النجس والقذر إذا كان مستغرقا فائتا لقلته، ولا ينبغي أن نفكر فيه ~~ولا يخطر وجوده لنا على بال. وإن نحن ذهبنا نطلب الطهارة والنظافة على ~~التحقيق والتدقيق وجعلناه وهميا لا حسيا لم نجد سبيلا أبدا إلى شئ طاهر ولا ~~شئ نظيف على هذا الحكم. وذلك أن الأمواه التي نستعملها ليس بمأمون عليها # PageV01P079 # تقذير الناس لها أو وقوع جيف السباع والهوام والوحش وسائر الحيوان ~~وأزبالها وأذواقها فيها. فإن نحن استكثرنا من إفاضته وصبه علينا لم نأمن أن ~~يكون الجزء الأخير هو الأقذر والأنجس. ولذلك ما وضع الله على العباد التطهر ~~على هذه السبيل إذ كان ذلك مما ليس في وسعهم وقدرتهم. وهذا مما يبغض على ~~المتقذر بالوهم عيشه إذ كان لا يصيب شيئا - يغتذي به وينقلب إليه - يأمن أن ~~يكون فيه قذر مستغرق. وإن كانت هذه الأمور كما وصفنا لم يبق لصحب المذهب شئ ~~يحتج به. وما أقبح بالعاقل أن يقيم على ما لا عذر له فيه ولا حجة له فيه ~~ولا حجة له عنده لأن ذلك مفارقة للعقل ومتابعة الهوى الخالص المحض. ### || الفصل السابع عشر في الاكتساب والاقتناء والإنفاق # إن العقل الذي خصصنا به وفضلنا على سائر الحيوان غير الناطق به أدى بنا ~~إلى حسن المعاش وارتفاق بعضنا ببعض. فإنا قل ما نرى ms44 البهائم يرتفق يعضها ~~ببعض ونرى أكثر حسن عيشنا من التعاون والإرتفاق لبعضنا من بعض، فلولا ذلك ~~لم يكن لنا فضل في حسن العيش على البهائم. وذلك أن البهائم لما لم يكن لها ~~كمال التعاون والتعاضد العقلي على ما يصلح عيشنا لم يعد سعى # PageV01P080 # الكثير على الواحد منها كما نرى ذلك في الإنسان. فإن الرجل الواحد منا ~~طاعم كاس مستكن آمن، وإنما يزاول من هذه الأمور واحدا فقط لأنه إن كان ~~حراثا لم يمكنه أن يكون بناء، وإن كان بناء لم يمكنه أن يكون حواكا، وإن ~~كان حواكا لم يمكنه أن يكون محاربا. وبالجملة إنك لو توهمت إنسانا واحدا ~~مفردا في فلاة لعلك لم تكن تتوهمه عائشا، ولو توهمته عائشا لم تكن تتوهم ~~عيشه عيشا حسنا هنيئا، كعيش من قد وفر عليه كل حوائجه وكفى ما يحتاج أن ~~يسعى فيه. بل عيشا وحشيا بهيميا سمجا، لما فقد من التعاون والتعاضد المؤدي ~~إلى حسن العيش وطيبه وراحته. وذلك أنه لما اجتمع ناس كثير متعاونون ~~متعاضدون اقتسموا وجوه المساعي العائدة على جميعهم، فسعى كل واحد منهم في ~~واحد منها حتى حصلها وأكملها، فصار لذلك كل واحد منهم خادما ومخدوما وساعيا ~~لغيره ومسعيا له. فطاب للكل بذلك المعيشة وتم على الكل بذلك النعمة وإن كان ~~في ذلك بينهم بون بعيد وتفاضل كثير، غير أنه ليس من أحد إلا مخدوم مسعى له ~~مكفى كل حوائجه وإذ قد قدمنا ما رأينا تقديمه في هذا الباب واجبا فإنا ~~راجعون إلى غرضنا المقصود هاهنا. فنقول: إنه لما كانت عيشة الناس إنما تتم ~~وتصلح بالتعاون والتعاضد كان واجبا على كل واحد منهم أن يتعلق بباب من ~~أبواب هذه المعاونة ويسعى في الذي أمكنه وقدر عليه منها ويتوقى في ذلك طرفى ~~الإفراط # PageV01P081 # والتقصير. فإن مع أحدهما - وهو التقصير - الذلة والخساسة والدناءة ~~والمهانة إذ كان يؤدي بالإنسان إلى أن يصير عيالا وكلا على غيره ومع الآخر ~~الكد الذي لا راحة معه والعبودية التي لا انقضاء لها. وذلك أن الرجل متى ~~رام ms45 من صاحبه أن ينيله شيئا مما في يديه من غير بدل ولا تعويض فقد أهان ~~نفسه وأحلها محل من أقعدته الزمانة والنقص عن الاكتساب. وأما من لم يجعل ~~للاكتساب حدا يقف عنده ويقتصر عليه فإن خدمته للناس تفضل على خدمتهم له ~~أضعافا كثيرة، ولا يزال من ذلك في رق وعبودية دائمة. وذلك أن من سعى وتعب ~~عمره كله باكتساب ما يفضل من المال عن نفقته ومقدار حاجته وجمعه وكنزه فقد ~~خسر وخدع واستعبد من حيث لا يعلم. وذلك أن الناس جعلوا المال علامة وطابعا ~~يعلم به بعضهم من بعض ما استحق كل واحد منهم بسعيه وكده العائد على الجميع. ~~فإذا اختص أحدهم بجمع الطوابع بكده وجهده ولم يصرفها في الوجوه التي تعود ~~بالراحة عليه من سعى الناس له وكفايتهم إياه كان قد خسر وخدع واستعبد. وذلك ~~أنه أعطى كدا وجهدا ولم يستعض منه كفاية وراحة، ولا استبدل كدا بكد وخدمة ~~بخدمة بل استبدل ما لم يجد ولم ينفع، فحصل جهده وكده وكفايته للناس ~~فاستمتعوا به وفاته من كفاية الناس له وكدهم عليه واستمتاعه بهم دون قدر ~~استحقاقه بكفايته لهم وكده عليهم، فقد خسر وخدع واستعبد كما ذكرنا. فالقصد ~~في الاكتساب إذا هو المقدار الموازي لمقدار الإنفاق وزيادة فضلة تقتنى ~~وتدخر للنوائب والحوادث المانعة من الاكتساب. فإنه يكون حينئذ # PageV01P082 # المكتسب قد اعتاض كدا بكد وخدمة بخدمة # وأما الاقتناء فإنا قائلون فيه منذ الآن فنقول: إن الاقتناء والادخار هو ~~أيضا أحد الأسباب الاضطرارية في حسن العيش الكائن عن تقدمة المعرفة ~~العقلية، والأمر في ذلك أظهر وأوضح من أن يحتاج إلى بيانه، حتى إن كثيرا من ~~الحيوان غير الناطق يقتني ويدخر. وأخلق أن يكون لهذه الحيوانات فضل في ~~التصور الفكري على غير المقتنية. وذلك أن سبب الاقتناء والباعث عليه تصور ~~الحالة التي يفقد فيها المقتني مع قيام الحاجة إليه. فقد ينبغي أن يعتدل ~~فيه على ما ذكرناه عند كلامنا في كمية الاكتساب. لأن التقصير فيه يؤدي إلى ~~عدمه مع الحاجة إليه كالحالة فيمن ms46 ينقطع به الزاد في فلاة من الأرض، ~~والإفراط يؤدي إلى ما ذكرنا أنه يؤدى إليه من دوام الكد والتعب، والاعتدال ~~في الاقتناء هو أن يكون الإنسان مستظهرا من المقتنيات بمقدار ما يقيم به ~~حالته التي لم يزل عليها متى حدثت عليه حادثة مانعة من الاكتساب. فأما من ~~كان غرضه في الاقتناء التنقل به عن الحالة التي هو عليها إلى ما هو أعلى ~~وأجل منها ولم يجعل لذلك حدا يقتصر عليه ويقف عنده فإنه لا يزال في كد ورق ~~دائم، ويعدم أيضا مع ذلك في أية حال - من أية حال تنقل إليها - الاستمتاع ~~والغبطة بها إذ لا يزال مكدودا فيها غير راض بها عاملا في التنقل منها إلى ~~غيرها، متطلعا متشوقا إلى التعلق بما هو أجل وأعلى منها، على ما ذكرناه في ~~باب الحسد ونذكره الآن بتفسير وشرح أوضح وأكثر في الفصل الذي يتلو هذا. ~~وخير # PageV01P083 # المقتنيات وأبقاها وأحمدها وآمنها عاقبة الصناعات لا سيما الطبيعية ~~الاضطرارية التي الحاجة إليها دائمة قائمة في جميع البلدان وعند جميع ~~الأمم. فإن الأملاك والأعلاق والذخائر غير مأمون عليها حوادث الدهر. ولذلك ~~لم تعد الفلاسفة أحدا غنيا إلا بالصناعات دون الأملاك. وقد حكى عن بعضهم ~~أنه كسر به في البحر فهلك جميع ماله، وأنه لما أفضى إلى الشط أبصر في الأرض ~~رسم شكل هندسي، فطابت نفسه وعلم أنه قد وقع إلى جزيرة فيها قوم علماء. ثم ~~إنه رزق فيهم الثروة والرياسة فأقام عندهم. فمرت به مراكب تريد بلده فسألوه ~~هل عنده رسالة يحملونها عنه إلى أهل بلده. فقال لهم إذا صرتم إليهم فقولوا ~~لهم اقتنوا وادخروا ما لا يغرق وأما كمية الإنفاق فإنا قد ذكرنا قبيل أن ~~مقدار الاكتساب ينبغي أن يكون موازيا لمقدار الإنفاق والفضلة المقتناة ~~المدخرة للنوائب والحوادث، فمقدار الإنفاق ينبغي إذا أن يكون أقل من مقدار ~~الاكتساب. غير أنه لا ينبغي للمرء أن يحمله الميل إلى الاقتناء على التقتير ~~والتضيق، ولا حب الشهوات وإيثارها على ترك الاقتناء البتة، بل يعتدل فيها ~~كل واحد ms47 بمقدار كسبه وعادته التي جرت في الإنفاق ونشأ عليها وحاله ورتبته ~~وما يجب أن يكون لمثله من القنية والذخيرة. # PageV01P084 ### || الفصل الثامن عشر في طلب الرتب والمنازل الدنيائية # قد قدمنا في أبواب من هذا الكتاب جمل ما يحتاج إليه في هذا الباب، غير ~~أنا من أجل شرف الغرض المقصود بهذا الباب وعظم نفعه مفردوه بكلام يخصه ~~وناظمون ما تقدم من النكت والمعاني فيه، وضامون إليه ما نرى أنه يعين على ~~بلوغه واستتمامه فنقول: إن من يريد تزيين نفسه وتشريفها بهذه الفضيلة ~~وإطلاقها وإراحتها من الأسر والرق والهموم والأحزان التي تطرقه وتفضي به ~~إلى الهوى الداعي إلى ضد الغرض المقصود بهذا الباب، ينبغي أن يتذكر ويخطر ~~بباله أولا ما مر لنا في فضل العقل والأفعال العقلية، ثم ما ذكرنا في زم ~~الهوى وقمعه ولطيف مخادعه ومكايده وما قلنا في اللذة وحددناها به، ثم ليجد ~~التثبت والتأمل ويكرر قراءة ما ذكرنا في باب الحسد حيث قلنا إنه ينبغي ~~للعاقل أن يتأمل أحوال الناس وما ذكرنا في صدر باب دفع الغم حتى يقتلها ~~فهما وتستقر وتتمكن في نفسه، ثم ليقبل على فهم ما نقول في هذا الموضع # أقول: إنه من أجل ما لنا من التمثيل والقياس العقلي كثيرا ما نتصور # PageV01P085 # عواقب الأمور وأواخرها فنجدها وندركها كأن قد كانت ومضت فنتنكب الضارة ~~منها ونسارع إلى النافعة. وبهذا يكون أكثر حسن عيشنا وسلامتنا من الأشياء ~~المؤذية الرديئة المتلفة. فحق علينا أن نعظم هذه الفضيلة ونجلها ونستعملها ~~ونستعين بها ونمضي أمورنا على إمضائها إذ كانت سبيلا إلى النجاة والسلامة ~~ومفضلة لنا على البهائم الهاجمة على ما لا تتصور أواخره وعواقبه. فلننظر ~~الآن بعين العقل البريء من الهوى في التنقل في الحالات والمراتب لنعلم أيها ~~أصلح وأروح وأولى بالعقل طلبه ولزومه ونجعل مبدأ نظرنا في ذلك من هاهنا. ~~فنقول: إن هذه الأحوال ثلاث، الحالة التي لم نزل عليها وربينا ونشأنا فيها، ~~والتي هي أجل وأعلى منها، والتي هي أدنى وأخس منها. فأما أن النفس تؤثر ~~وتحب وتتعلق من ms48 أول وهلة بغير نظر ولا فكر بالحالة التي هي أجل وأعلى فذاك ~~ما نجده من أنفسنا، غير أنا لا نأمن أن يكون ذلك ليس عن حكم العقل بل عن ~~الميل وبدار الهوى. فلنستحضر الآن الحجج والبراهين ونحكم بعد بحسب ما توجبه ~~فنقول: إن التنقل من الحالة التي لم نزل عليها المألوفة المعتادة لنا إلى ~~ما هو أجل منها إذا نحن أزلنا عنها الاتفاقات النادرة العجيبة لا يكون إلا ~~بالحمل على النفس وإجهادها في الطلب. فلننظر أيضا هل ينبغي لنا أن نجهد ~~أنفسنا ونكدها في الترقي إلى ما هو أجل من حالتنا التي قد اعتدناها وألفتها ~~أبداننا أم لا. فنقول: إن من نمى بدنه ونشأ ولم يزل معتادا لأن لا يؤمره ~~الناس ولا تسير أمامه وخلفه # PageV01P086 # المواكب إن هو اهتم واجتهد في بلوغ هذه الحالة فقد مال عن عقله إلى هواه ~~وذلك أنه لا ينال هذه الرتبة إلا بالكد والجهد الشديد وحمل النفس على الهول ~~والخطر والتغرير الذي يؤدي إلى التلف في أكثر الأحوال، ولن يبلغها حتى يصل ~~إلى نفسه من الألم أضعاف ما يصل إليه مكن الالتذاذ بها بعد المنال. وإنما ~~يخدعه ويغره في هذه الحال تصوره نيل المطلوب من غير أن يتصور الطريق إليه ~~كما ذكرنا عند كلامنا في اللذة. حتى إذا نال ووصل إلى ما أمل لم يلبث إلا ~~قليلا حتى يفقد الغبطة والاستمتاع بها، وذلك أنها تصير عنده بمنزلة سائر ~~الأحوال المعتادة المألوفة، فيقل التذاذه بها وتشتد وتغلظ المؤن عليه في ~~استدامتها والتحفظ بها ولا يمكنه الهوى من تركها والخروج عنها - كما ذكرنا ~~عند كلامنا في زم الهوى - فإذا هو لم يربح شيئا وخسر أشياء. وأما قولنا إنه ~~لم يربح شيئا فمن أجل أن هذه الحالة الثانية إذا هو ألفها واعتادها صارت ~~عنده بمنزلة الأولى وسقط عنه سروره واغتباطه بها. وأما قولنا إنه خسر أشياء ~~كثيرة فالعناء أولا والخطر والتغرير الذي يسلكه إلى هذه الحالة. ثم الجهد ~~في حراستها والخوف من زوالها والغم عند فقدها والتعويد للنفس ms49 الكون فيها ~~وطلب مثلها. وكذلك نقول في حالة تفوق الكفاف. وذلك أن من كان بدنه معتادا ~~للغذاء اليابس واللباس المتوسط إن هو جهد نفسه حتى يتنقل عنهما إلى الغذاء ~~اللين واللباس الفاخر فإن شدة التذاذه بهما تسقط عنه إذا اعتادهما حتى ~~يصيرا عنده بمنزلة الأولين ويحصل عليه من فضل العناء والجهد في نيل هذين # PageV01P087 # واستدامتها والخوف من تنقلهما عنه واعتياد النفس لهما ما كان موضوعا عنه ~~قبل ذلك # وكذلك نقول في العز والجاه والنباهة وسائر المطالب الدنيائية إذ ليس من ~~مرتبة تنال ويبلغ إليها إلا وجد الاغتباط والاستمتاع بها يقل بعد نيلها ~~ويصغر في كل يوم حتى يضمحل وتصير عند نائلها بمنزلة الحالة التي عنها انتقل ~~ومنها ارتقى ويحصل عليه من أجلها فضل مؤن وغموم وأحزان لم تكن فيما مضى. ~~وذلك أنه لا يزال يستقل لنفسه ما هو فيه ويجتهد في الترقي إلى ما هو أعلى ~~منه ولا يصير إلى حالة ترضاها نفسه بتة بعد وصوله إليها وتمكنه منها. فأما ~~قبل الوصول فقد يريه الهوى الرضى والقنوع بالحالة المقصودة، وذلك من أعظم ~~خدعه وأسلحته ومكايده في اجتهاده وجره إلى الحالة المطلوبة، حتى إذا حصلت ~~له تطلع إلى ما هو فوقها. ولا تزال تلك الحالة حاله ما صاحب الهوى وأطاعه، ~~نحو ما قلنا في هذا الكتاب إنه من أعظم مكايد الهوى وخدعه، من أجل أن الهوى ~~يتشبه في مثل هذه الأحوال بالعقل ويدلس نفسه ويوهم أنه عقلي لا هوائي وأن ~~ما أراه خيرة لا شهوة بأن يدلى ببعض الحجاج ويقنع بعض الإقناع، لكن إقناعه ~~وحجته هذه لا يلبث إذا قوبلت بالنظر المستقيم أن تدحض وتبطل. والكلام في ~~الفرق بين ما يريه العقل وبين ما يريه الهوى باب عظيم من أبواب صناعة ~~البرهان ليس نقله إلى هذا الموضع اضطراريا، لأنا قد لوحنا منه في غير موضع ~~من كتابنا هذا يما نكتفي به في غرضه، # PageV01P088 # ولأنا ذاكرون جملا منه مجزئة كافية لما يراد منه في بلوغ مغزى هذا ~~الكتاب، فأقول: إن العقل يرى ms50 ويختار ويؤثر الشيء الأفضل الأرجح الأصلح عند ~~العواقب وإن كان على النفس منه في أوائله مؤنه وشدة وصعوبة. وأما الهوى ~~فأنه بالضد من هذا المعنى، وذلك أنه يختار أبدا ويؤثر ما يدفع به الشيء ~~المؤذي المماس الملازق له في وقته ذلك وإن كان يعقب مضرة، من غير نظر فيما ~~يأتي من بعد ولا روية فيه. مثال ذلك ما ذكرنا قبل عند الكلام في زم الهوى ~~من أمر الصبي الرمد المؤثر لأكل التمر واللعب في الشمس على أخذ الهليلج ~~والحجامة ودواء العين. والعقل يرى صاحبه ما له وعليه، فأما الهوى فإنه يرى ~~أبدا ما له ويعمى عما عليه. ومثال ذلك ما يعمى عنه الإنسان من عيوب نفسه ~~ويبصر قليل محاسنه أكثر مما هي. ولذلك ينبغي للعاقل أن يتهم رأيه أبدا في ~~الأشياء التي هي له لا عليه ويظن به أنه هوى لا عقل ويستقصي النظر فيه قبل ~~إمضائه. والعقل يرى ما برى بحجة وعذر واضح، وأما الهوى فإنه إنما يقنع ويرى ~~بالميل والموافقة لا بحجة يمكن أن ينطق بها ويعبر عنها وربما تعلق بشيء منذ ~~ذلك إذا أخذ يتشبه بالعقل، غير أنه حجاج ملجلج منقطع وعذر غير بين ولا ~~واضح. ومثال ذلك حالة العشاق والذين قد أغروا بالسكر أو بطعام رديء ضار ~~وأصحاب المذهب ومن ينتف لحيته دائبا ويعبث ويولع بشيء من بدنه، فإن بعض ~~هؤلاء إذا سئل عن عذره في ذلك لم ينطق بشيء بتة ولا كان عنده في نفسه شيء ~~يمكن أن يحتج به أكثر من ميل إلى ذلك الشيء وموافقته ومحبة طبيعية غير ~~منطقية. وبعضهم يأخذ ويحتج ويقول # PageV01P089 # فإذا نقض عليه رجع إلى اللجلجة والتعلق بما لا معنى تحته واشتد ذلك عليه ~~وغضب منه وأبلغ إليه ثم ينقطع ويثوب بعد ذلك. فهذه الجمل كافية في هذا ~~الموضع من التحفظ من الهوى والمرور معه من غير علم به # وإذ قد بينا في الترقي إلى الرتب العالية من الجهد والخطر واطراح النفس ~~فيما تغتبط ولا تسر به إلا قليلا، ثم ms51 تكون عليها منه أعظم المؤن والشدائد ~~مما كان موضوعا عنها في الحالة الأولى ولا يمكنها الإقلاع والرجوع عنه، فقد ~~بان أن أصلح الحالات حالة الكفاف والتناول لذلك من أسهل ما يمكن من الوجوه ~~وأسلمها عاقبة، ووجب علينا أن نؤثر هذه الحالة ونقيم عليها إن كنا نريد أن ~~نكون ممن سعد بعقله وتوقى به الآفات الرابصة الكامنة في عواقب اتباع الهوى ~~وإيثاره ويكمل لنا الانتفاع بالفضل الإنسي، وهو النطق الذي قد فضلنا به على ~~البهائم. فإن نحن لم نقدر ولم نملك الهوى هذه الملكة التامة التي نطرح معها ~~عنا كل فاضل عن الكفاف فلا أقل من أن يقتصر من كان معه منا فضل عن الكفاف ~~على حالته المعتادة المألوفة ولا يكد نفسه ويجهدها ويخاطر بها في التنقل ~~عنها. فإن اتفق لنا التمكن من حالة جليلة من غير جهد للنفس ولا غرر بها فإن ~~الأصلح والأولى ترك الانتقال إليها، لأنا لا نعدم منها الآفات التي عددناها ~~العارضة لنا عن بلوغ الرتبة التي قصدناها بعد نيلها وبلوغها. فإن انتقلنا ~~إليها فينبغي أن لا نغير شيئا مما به قوام أجسادنا من المآكل # PageV01P090 # والمشارب والملابس وسائر ما يتبع ذلك من حالاتنا وعاداتنا الأولى لئلا ~~تكسب أنفسنا عادة فضل من السرف وحالة تطالبنا بها إن فقدت هذه الحالة ~~الثانية، ولئلا يبلغ الغم إلينا بفقدها متى فقدت، وإلا كنا منحرفين عن ~~عقولنا إلى هوانا وواقعين لذلك في البلايا التي ذكرناها ### || الفصل التاسع عشر في السيرة الفاضلة # إن السيرة التي بها سار وعليها مضى أفاضل الفلاسفة هي بالقول المجمل ~~معاملة الناس بالعدل والأخذ عليهم من بعد ذلك بالفضل واستشعار العفة ~~والرحمة والنصح للكل والاجتهاد في نفع الكل، إلا من بدأ منهم بالجور والظلم ~~وسعى في إفساد السياسة وأباح ما منعته وحظرته من الهرج والعبث والفساد ومن ~~أجل أن كثيرا من الناس تحملهم الشرائع والنواميس الرديئة على السيرة ~~الجائرة كالديصانية والمحمرة وغيرهم ممن يرى غش المخالفين لهم واغتيالهم، ~~والمنانية في امتناعهم من سقى من لا يرى رأيهم وإطعامه ومعالجته ms52 # PageV01P091 # إن كان مريضا، ومن قتل الأفاعي والعقارب ونحوها من المؤذية التي لا طمع ~~في استصلاحها وصرفها في وجه من وجوه المنافع، وتركهم التطهر بالماء ونحوها ~~من الأمور التي يعود ضرر بعضها على الجماعة وبعضها على نفس الفاعل لها، ولم ~~يمكن نزع هذه السيرة الرديئة عن هؤلاء وأشباههم لألا من وجوه الكلام في ~~الآراء والمذاهب، وكان الكلام في ذلك مما يجاوز مقدار هذا الكتاب ومغزاه، ~~لم يبق لنا من الكلام في هذا الباب إلا التذكير بالسيرة التي إذا سار بها ~~الإنسان سلم من الناس وأعطي منهم المحبة. فنقول إن الإنسان إذا لزم العدل ~~والعفة وأقل من مماحكة الناس ومجاذبتهم سلم منهم على الأمر الأكثر، وإذا ضم ~~إلى ذلك الإفضال عليهم والنصح والرحمة أوتي منهم المحبة. وهاتان الخلتان ~~هما ثمرتا السيرة الفاضلة، وذلك كاف في غرضنا من هذا الكتاب ### || الفصل العشرون في الخوف من الموت # إن هذا العارض ليس يمكن دفعه عن النفس كملا إلا بأن تقنع أنها # PageV01P092 # تصير من بعد الموت إلى ما هو أصلح لها كانت فيه. وهذا باب يطول الكلام ~~فيه جدا إذا طلب من طريق البرهان دون الخبر. ولا وجه للكلام فيه البتة لا ~~سيما في هذا الكتاب، لأن مقداره كما ذكرنا قبل يجاوز مقداره في شرفه وفي ~~عرضه وفي طوله، إذ كان يحوج إلى النظر في جميع المذاهب والديانات التي ترى ~~وتوجب للإنسان أحوالا من بعد موته، والحكم بعد لمحقها على مبطلها. وليس ~~بصعوبة مرام هذا الأمر وما يضطر ويحتاج إليه فيه من طول الكلام خفاء. فنحن ~~لذلك تاركوه ومقبلون على إقناع من يرى ويعتقد أن النفس تفسد بفساد الجسد، ~~فإنه متى أقام على الخوف من الموت كان مائلا عن عقله إلى هواه # فنقول: إن الإنسان على قول هؤلاء ليس يناله من بعد الموت شيء من الأذى ~~بتة، إذ الأذى حس والحس ليس إلا للحي وهو في حال حياته مغمور بالأذى منغمس ~~فيه، والحالة التي لا أذى فيها من الحالة التي فيها الأذى، فالموت إذا أصلح ~~للإنسان ms53 من الحياة. فإن قال قائل إن الإنسان وإن كان يصيبه في حال حياته ~~الأذى فإنه ينال من اللذات ما ليس يناله في حال موته، قيل له: فهل يتأذى أو ~~يبالي أو يضره بوجه من الوجوه في هذه الحال أن لا ينال اللذات؟ فإذا قال لا ~~- وكذلك يقول لأنه إن لم يقل ذلك لزمه أن يكون حيا في حال موته، إذ الأذى ~~إنما يلحق الحي دون الميت - قيل له: فليس يضره أن لا ينال اللذات. وإذا كان ~~ذلك كذلك فقد رجع الأمر إلى أن حالة الموت هي الأصلح، لأن الشيء الذي حسبت # PageV01P093 # أن للحي به الفضل هي اللذة وليس بالميت إليها حاجة ولا له إليها نزوع ولا ~~عليه في أن لا ينالها أذى كما ذاك للحي، فليس للحي عليه فضل فيها لأن ~~التفاضل إنما يكون بين المحتاجين إلى شيء ما إذا كان لأحدهما فضل مع قيام ~~الحاجة إليه، فأما أن يكون المحتاج على غنى فلا. وإذا كان ذلك كذلك فقد رجع ~~الأمر إلى أن حالة الموت أصلح. فإن قال إن هذه المعاني ليس ينبغي أن تقال ~~على الميت لأنها ليست له بموجودة، قيل له: إنا لم نقل عليه هذه المعاني على ~~أنها قائمة موجودة له بل إنما نضعها متوهمة متصورة لنقيس شيئا على شيء ~~ونعتبر شيئا بشيء. وهذا باب متى منعته كنت منقطعا في قوانين البرهان، وهو ~~باب من الانقطاع معروف عند أهل البرهان يسمونه غلق الكلام. وذلك أن صاحبه ~~يغلق الكلام أبدا ويهرب منه ولا يساعد عليه خوف من أن يتوجه عليه الحكم. ~~فإذا لجأ إلى التكرار واللجلجة فليس له بعد هذا ألا هذا أعلم إن حكم العقل ~~في أن حالة الموت أصلح من حالة الحياة على حسب اعتقاده في النفس، وقد يوجد ~~أنه مقيم على إتباع الهوى فيه. فإن الفصل بين الرأي الهوائي والعقلي هو أن ~~الرأي الهوائي يجتبى ويؤثر ويتبع ويتمسك به لا بحجة بينة ولا بعذر واضح ~~وإنما يكون عن ضرب من الميل إلى ذلك الرأي والموافقة ms54 والحب له في النفس ~~وأما الرأي العقلي فإنه يجتبى بحجة بينه وعذر واضح وإن كانت النفس كارهة له ~~ومنحرفة عنه. وأيضا فما هذه اللذة المرغوب فيها المتنافس عليها، وهل هي في ~~الحقيقة إلا راحة من المؤلم على ما قد بينا؟ # PageV01P094 # وإذا كان ذلك كذلك فإنه ليس يتصورها مقصودة مطلوبة إلا الجاهل بها، لأن ~~المستريح من الأذى غني عن الراحة التي متى أعقبته سميت لذة. وأيضا فإنه وإن ~~كان الاغتنام بما لا بد منه ومن وقوعه فضلا كما بينا قبل وكان الموت مما لا ~~بد منه ومن وقوعه فإن الاغتنام بالخوف منه فضل والتلهي عنه والتناسي له ربح ~~وغنم. ومن أجل ذلك صرنا نغبط البهائم في هذا المعنى إذ لها بالطبع هذه ~~الحالة كملا التي ليس نقدر نحن عليها إلا بالحيلة لاطراح الفكر والتصور ~~العقلي. وكأن ذلك من أنفع الأمور في هذا الموضع إذ كان يجلب من الألم أضعاف ~~أضعاف المنتظر. وذلك أن المتصور للموت الخائف منه يموت في كل تصويره موتة، ~~فتجتمع عليه من تصوره له مدة طويلة موتات كثيرة. فالأجود إذا والأعود على ~~النفس التلطف والاحتيال لإخراج هذا الغم عنها. وذلك يكون كما قيل قبيل إن ~~العاقل لا يغتم بتة. وذلك أنه إذا كان لما يغتم به سبب يمكنه دفعه جعل مكان ~~الغم فكرا في دفع السبب، وإن كان مما لا يمكن دفعه أخذ على المكان في ~~التلهي والتسلي عنه وعمل في محوه وإخراجه عن نفسه. وأيضا فإني أقول: إني قد ~~بينت أنه ليس للخوف من الموت على رأى من لم يجعل للإنسان حالة وعاقبة يصير ~~إليها بعد موته وجه. وأقول إنه يجب أيضا في الرأي الآخر - وهو الرأي الذي ~~يجعل لمن مات حالة وعاقبة يصير إليها بعد الموت - أن لا يخاف من الموت ~~الإنسان الخير الفاضل المكمل لأداء # PageV01P095 # ما فرضت عليه الشريعة المحقة، لأنها قد وعدته الفوز والراحة والوصول إلى ~~النعيم الدائم. فإن شك شاك في هذه الشريعة ولم يعرفها ولم يتيقن صحتها فليس ~~له إلا البحث والنظر ms55 جهده وطاقته. فإن أفرغ وسعه وجهده غير مقصر ولا وان ~~فإنه لا يكاد يعدم الصواب. فإن عدمه - ولا يكاد يكون ذلك - فالله تعالى ~~أولى بالصفح عنه والغفران له إذ كان غير مطالب بما ليس في الوسع بل تكليفه ~~وتحميله عز وجل لعباده دون ذلك كثيرا # وإذ قد أتينا على قصد كتابنا هذا وبلغنا آخر غرضنا فيه فإنا خاتمون ~~كلامنا بالشكر لربنا عز وجل. فالحمد لله واهب كل نعمة وكاشف كل غمة حمدا ~~بلا نهاية كما هو أهله ومستحقه. # PageV01P096 ms56